######OpenITI# #META# bkid: 132415 #META# bk: الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع #META# المؤلف: شهاب الدين أحمد بن إسماعيل الكوراني (812 - 893 ه) #META# المحقق: سعيد بن غالب كامل المجيدي #META# أصل الكتاب: رسالة دكتوراة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة #META# الناشر: الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة - المملكة العربية السعودية #META# عام النشر: 1429 ه - 2008 م #META# عدد الأجزاء: 5 (الأخير فهارس) #META# أعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (أوقاف عبد الله بن تركي الضحيان الخيرية) #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# inf: None #META# auth: أحمد بن إسماعيل الكوراني #META# authinf: الكوراني (813 - 893 ه = 1410 - 1488 م). أحمد بن إسماعيل بن عثمان الكوراني، شهاب الدين الشافعي ثم الحنفي. • مفسر. كردي الأصل، من أهل شهرزور. • تعلم بمصر ورحل إلى بلاد الترك فعهد إليه السلطان مراد بن عثمان بتعليم ولي عهده (محمد الفاتح) وولي القضاء في أيام الفاتح، وتوفي بالقسطنطينية، وصلى عليه السلطان بايزيد. • [دخل القاهرة، ورحل إلى الروم، وصادف من ملكها السلطان مراد خان حظوة، فاتفق أنه مات وهو هناك الشيخ شمس الدين الفنري، فسأله السلطان أن يتحنف، ويأخذ وظائفه، ففعل، وصار المشار إليه في المملكة الرومية، (كذا في الطبقات السنية في تراجم الحنفية)]. له كتب منها:. • (غاية الأماني في تفسير السبع المثاني - خ) قطعة منه في صوفية (151 ورقة) [طبع]. • (الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع للسبكي) في الأصول. • (الكوثر الجاري - خ) الثالث منه، وهو شرح للبخاري في عدة مجلدات [طبع]. • (شرح الكافية لابن الحاجب) في النحو (1). __________. (1) الشقائق النعمانية 1: 88 والضوء اللامع 1: 241 ثم 12: 224 ونظم العقيان 38 وتاريخ السليمانية 233 وهدية العارفين 1: 135 ودار الكتب 1: 141 وقيل في وفاتة 894 و 892 ودار الكتب الشعبية 1: 98. نقلا عن: «الأعلام» للزركلي [بزيادات بين معكوفات] #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 132415 #META# over: 1 #META# seal: 788BF526 #META# oauth: 2515 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 5 #META# vername: None #META# cat: أصول الفقه والقواعد الفقهية #META# lng: أحمد بن إسماعيل بن عثمان الكوراني، شهاب الدين الشافعي ثم الحنفي #META# higrid: 893 #META# ad: 893 #META# aseal: 04E6D644 #META# blnk: None #META# pdfcs: 1 #META# shrtcs: 0 #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/132415 #META#Header#End# ### | CHECK مقدمة المؤلف # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه نستعين وعليه نتوكل (¬1) # الحمد لله الذي شيد بمحكمات كتابه أركان الشريعة الغراء، وسدد بمسندات ~~السنن الشهباء فروع الحنيفية السمحاء، أمر من امتطى غارب الاستنباط باتباع ~~سبيل المؤمنين (¬2)، ونهى الواقفين دون ذلك عن الانسلاك في مسالك ~~المعتبرين، والصلاة على من اختص في مضمار البلاغة بجمع الجوامع، وامتاز ~~بغرر (¬3) المعجزات (¬4) في المبادئ والمقاطع، وعلى من جاد -في إرسال ~~مصالحه- بالأموال والأبدان، وفاز بشرف الاستصحاب، والاستحسان، والتابعين ~~لهم بإحسان إلى انصرام الزمان. PageV01P165 # وبعد: فإن العلوم على تكثر فنونها، وتشعب شجونها أرفع المطالب، وأنفع ~~المآرب. # وعلم أصول الفقه أعلاها شأنا، وأسناها مكانا (¬1)، إذ هو مبنى الفقه الذي ~~به تعبد سيد المرسلين، وحث على تحصيله في الكتاب المبين: {فلولا نفر من كل ~~فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين} [التوبة: 122]. # ولعمري إنها منقبة لا يخفى مكانها، ومكرمة يتجلى شأنها، ولقد أكثر السلف ~~والخلف فيه من التصانيف المعتبرة، مطولة ومختصرة، وبذلوا الوسع غايته، ~~وبلغوا الجد نهايته، ثم إني وجدت كتاب "جمع الجوامع"- الذي ألفه العلامة ~~المحقق، والحبر المدقق، قاضى القضاة تاج الملة والدين عبد الوهاب PageV01P166 # السبكي، ألبسه الله حلل الغفران، وأسبل عليه شآبيب الرضوان- أجمع ~~للقواعد، وأوسع للفرائد والفوائد، مع سلاسة تراكيبه، ورشاقة أساليبه، ولم ~~يقع له شرح يكشف عن مخدراته نقابها، ويستخرج الصعاب عن شعابها (¬1)، ولم ~~يزل يختلج في خلدي أن أضع له شرحا يوضح مشكلاته، ويظهر معضلائه، ويبين ~~مجملاته، وكان يعوقني عن ذلك اشتغال البال، واضطراب الحال، إذ التقدير كان ~~يسيرني تارة إلى الغرب، وأخرى إلى الشرق، وآونة إلى الطول، وأخرى إلى ~~العرض، كأنما أنا مرحل ومرتحل، موكل بفضاء الأرض أذرعه، إلى أن يسر الله، ~~-وله الحمد- الحلول بأشرف بلاد الأرض المقدسة (¬2)، التي هي على تقوى من ~~الله مؤسسة (¬3)، PageV01P167 # وقرت العين بجمال المسجد الأقصى، وكان ذلك المقصد الأقصى، فقلت -لعمري- ~~إن هذه {بلدة طيبة ورب غفور} (¬1) {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا ~~لغفور شكور} (¬2)، فلما انزاحت عني الغصة، وانجابت لي الفرصة شددت بلا ريث ~~مظنة العزم، ورأيت ذلك غاية الحزم ms001 (¬3)، فشرعت في شرح له يميط لثام ~~مخدراته، ويزيح ختام كنوزه ومستودعاته، أنقح فيه الغث من السمين، وأميز ~~السين من الشين (¬4)، أورد الحجج على وجه تتبختر اتضاحا، وأترك الشبهة ~~تتضاءل افتضاحا، أطنب حيث يقتضى المقام، وأوجز إذا اتضح المرام، أشيد في كل ~~ذلك القواعد، وأضم إليها ما ظهر (¬5) لي من الفوائد في ضمن تراكيب رائقة، ~~وأساليب فائقة، وسوف تقر بما فيه عين كل لبيب، ويفوز (¬6) منه ببغيته كل ~~أريب، وسميته: "بالدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع" ولما: PageV01P168 # كانت الأعمال بالنيات (¬1)، وقريبا كل [ما هو] (¬2) آت، نويت به الثواب ~~يوم النشور لا الثناء في دار الغرور، والله يتولى السرائر، وهو أعلم ~~بالضمائر، وبالله أعتصم، عليه اعتمادي ضارعا متوكلا. # قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم نحمدك (¬3) إلى آخره". # أقول: اختار الجملة المضارعية على غيرها؛ لإرادة الاستمرار التجددي ~~باستعانة المقام (¬4)، كقول الشاعر: # بعثوا إلي عريفهم يتوسم (¬5) PageV01P169 # أي: يحدث التوسم شيئا فشيئا؛ أي: نذكرك بأوصافك الحسنى شيئا فشيئا، وإلى ~~ما ذكرنا يشير قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا أحصي ثناء عليك" (¬1)، إذ ~~الإحصاء: هو العد، ويلزمه ذلك، ولو اختار الاسمية- كما اختارها غيره (¬2) ~~لكان لائقا بالمقام (¬3) أيضا، إذ هي تفيد الاستمرار الثبوتي بمعونة المقام ~~لكن أراد نسبة الحمد إلى نفسه صريحا، والحمد ليس عبارة عن قول القائل: ~~الحمد لله، بل هو الوصف بالجميل الاختياري على قصد التبجيل، PageV01P170 # فقولنا: الوصف بمنزلة الجنس (¬1)، وقولنا: بالجميل يخرج ما ليس بجميل من ~~الأوصاف كالذم، والهجاء، وقولنا: الاختياري يخرج المدح عند المحققين، ~~وقولنا: على قصد التبجيل يخرج الاستهزاء والشكر -أيضا- ليس قول القائل: ~~الشكر لله، بل هو فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعما على الشاكر أعم ~~من أن يكون قولا باللسان، أو عملا، وفعلا بالأركان، أو اعتقادا ومحبة ~~بالجنان، فبين الحمد، والشكر عموم وخصوص من وجه (¬2)، إذ بحسب المتعلق ~~الحمد أعم لجواز تعلقه PageV01P171 # بالفضائل (¬1)، والفواضل (¬2)، وبحسب المورد أخص: لاختصاص مورده باللسان ~~وحده، والشكر بالعكس إذ موارده ثلاثة: اللسان، والجنان، والأركان (¬3) قال: # أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا (¬4) # ومتعلقه خاص ms002 إذ يكون على الفواضل، والمزايا المتعدية لا غير، هذا محصل ما ~~هو دائر بين القوم في أوائل الكتب (¬5). # ثم هنا تحقيق آخر يجب التنبه له، وهو أن ما ذكر من معنى الحمد والشكر هو ~~معناهما اللغوي (¬6)، وأما معناهما الحقيقى -بحسب عرف PageV01P172 # المحققين من علماء الأصول-: هو أن الحمد فعل ينبئ عن تعظيم المنعم (¬1)، ~~وحذف هنا قيد كونه منعما على الحامد بخلافه في الشكر، حيث كان معتبرا هناك، ~~فبينهما عموم وخصوص مطلق (¬2). # والشكر: صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه وأعطاه إلى ما خلق لأجله: كصرف ~~البصر إلى المبصرات، والسمع إلى المسموعات، وكذلك جميع الحواس، والقوى، ~~والآلات، ولا يخفى عليك النسبة بين هذا المعنى، والمعين اللغوي للحمد ~~والشكر (¬3). PageV01P173 # ثم هنا إشكالات يجب إيرادها وحلها: # الأول: أنا لما قيدنا الجميل بالاختياري -في المعنى اللغوي للحمد- خرج ~~الوصف بالصفات الذاتية من أن يكون حمدا، لكونها قديمة (¬1)، وكل اختياري ~~حادث، وقد يجاب: بأن تلك الصفات تقع محمودا بها في مقابله، أو اختياري: هو ~~محمود عليها، فيدخل في المحمودية، وهو كاف، وليس بشيء إذ في مقام الحمد لا ~~يجب ملاحظة المحمود عليه، بل الحق: أن الوصف الاختياري أعم من أن يكون ~~بالذات أو بالواسطة، وتلك الصفات -وإن لم تكن بالذات- اختيارية، لكن آثارها ~~اختيارية: كآثار الإرادة، والقدرة، والحياة. # فإن قلت: إذا وصف الجواد بجوده لكونه جوادا، فيكون المحمود عليه والمحمود ~~به متحدين، وهما غيران ضرورة (¬2). # قلت: يكتفى -حينئذ- بالمغايرة الاعتبارية، ولا غرو في ذلك. # الإشكال الثاني: أنه أتى بكاف الخطاب مع الحمد، وكان المناسب الاسم ~~الظاهر -أعني كلمة الجلالة أو غيرها من أسمائه الحسنى- إذ العبد PageV01P174 # يجب عليه أن يستقصر نفسه في مقام الحمد، ويستبعدها عن عز ساحة حضرته ~~تعالى وتقدس، وبصيغة الغيبة ورد -أيضا- التعليم من الله تعالى لعباده في ~~كلامه القديم في مواضع شتى (¬1)، ولم يقع العدول عنه قط، فلو كان الخطاب ~~لائقا لسوغه في موضع ما. # قلت: لما أوقع الحمد هنا في مقابلة النعم التي لا يمكن عدها وإحصاؤها، ~~فضلا عن إمكان الإتيان بشكرها، وتأمل في مولي ms003 تلك النعم، جليلها وحقيرها، ~~عاجلها وآجلها، ظاهرها وباطنها، معقولها ومحسوسها، قاصرها ومتعديها، ورآها ~~فائتة الحصر توجه بشراشره (¬2) إلى ذلك المولي PageV01P175 # الحقيقي، فقال: يا من استغرق الحامدون في بحار نعمه نحمدك، فكان بمقتضى ~~البلاغة الإتيان بالكاف واجبا لا يجوز العدول عنه عند من له ذوق سليم. # الإشكال الثالث: عدل عن همزة المتكلم وأتي بالنون، مع أنه في مقام العجز ~~والاستقصاء، فالمناسب انفراده عن الغير ليكون أقرب إلى المقصود. # والجواب: إنما عدل إلى نون الجمع لنكتة سرية، وهي أنا لما قدمنا أنه أوقع ~~الحمد في مقابلة تلك النعم الفائتة الحصر، أدرج نفسه في جماعة الحامدين من ~~الملائكة، والإنس، والجن، وكل من يتأتى منه الحمد: {وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده} (¬1)؛ ليكون أبلغ في المرام، وأقضى لحق المقام، فكأنه قال: يا من ~~هذا شأنه نحمدك كلنا معاشر الحامدين بكل محامدك، أي: بكل أوصافك الجميلة، ~~وإن لم نحط بها علما، وهذا نهاية درك العارف في مقام الحمد. # وظهر لك -من هذا التحقيق- أن ما قيل (¬2): إنما ذكر نون العظمة لإظهار ~~ملزومها الذي هو نعمة من تعظيم الله له بتأهيله للعلم امتثالا لقوله تعالى: ~~{وأما بنعمة ربك فحدث} [الضحى: 11]، مما لا يلتفت إليه، وليس له معنى صحيح، ~~مع قطع النظر عن هذا المقام، وما قيل (¬3): من أن المراد بقوله: PageV01P176 # "نحمدك" إيجاد الحمد لا ما سيوجد أسفل من ذلك؛ إذ الإيجاد فعل الله ~~-تعالى وتقدس- لا فعل الحامد؛ إذ الآتي بالفعل غير الموجد كما يظهر بداهة ~~في الزنى والقتل. # وقوله: "لا ما سيوجد" مما لا معنى له، إذ المضارع إما حقيقة في الحال ~~مجازا في الاستقبال، فلا إشكال في نحمدك، أو هو مشترك بينهما إذ لم يذهب ~~(¬1) أحد إلى العكس ولا يشك أحد في أن العاقل إذا قال في مقام الحمد: ~~نحمدك، لم يرد أني الآن لا أشتغل بحمدك، ولكن سأفعله، وأمثال هذه الأشياء ~~الواهية لا ينبغي أن نتعرض لها، ولكن تحقيق معنى الحمد لما كان من المطالب ~~السنية، والمهمات الدينية كان بذل النصح فيه من الواجبات التي ms004 لا يستغنى ~~عنها، وقد ذكروا (¬2) من أمورا أخر لا مساس لها بالمقام، ولا هي معاني ~~صحيحة -أيضا- عدلنا عنها مخافة التطويل، وقد أنبأت الشجرة عن الثمرة (¬3). ~~والله أعلم. # قوله: "على نعم". # جمع نعمة، وهي العطية، فالحمد والشكر صادقان في هذه المادة، ولا حاجة إلى ~~جعل النعم بمعنى الإنعامات، كما فعل بعض القاصرين (¬4). PageV01P177 # قوله: "يؤذن الحمد بازديادها". # إشارة إلى قوله تعالى: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن ~~عذابي لشديد} [إبراهيم: 7]، والإيذان بمعنى العلم اليقيني؛ إذ الملازمة ~~(¬1) قطعية، وازداد: متعد ولازم كأصله (¬2)، وقد ذكر بعض الشراح (¬3) كل ما ~~في هذا المقام لا تعلق له بالمقصود فاجتنبه. # قوله: "ونصلي على نبيك محمد". # أقول: جاء في بعض التفاسير في تفسير قوله تعالى: {ورفعنا لك ذكرك} ~~[الشرح: 4] أي: لا أذكر إلا وذكرك مقرون بذكري (¬4)، فلهذا جرت عادة ~~المصنفين بالصلاة بعد الحمد، وأيضا لما كان شكر المنعم واجبا عقلا PageV01P178 # [عند المعتزلة] (¬1) ونقلا [عندنا] (¬2)، وشكر المنعم الحقيقي أردف شكره ~~بشكر المنعم المجازي، إذ النعم الواصلة إلينا من الله -تعالى- في الدنيا ~~والآخرة، إنما هي بواسطته - صلى الله عليه وسلم -، وزاده شرفا وتعظيما، ~~فلما أثنى على المنعم الحقيقى أراد الثناء على المنعم المجازي. # والصلاة -لغة- الدعاء: {وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} (¬3) أي: ادع لهم، ~~والدعاء يلزمه التعظيم، فإن من دعوت له فقد عظمته، فأطلق الملزوم، وأريد ~~اللازم (¬4)، فيكون مجازا مرسلا (¬5)، أي: ونعظم نبيك PageV01P179 # بأن نقول: يا إلهنا صل عليه؛ أي: عظمه وبجله، وإضافة النبي لتعظيم ~~المضاف، ومحمد عطف بيان، أو بدل، والنبي: ذكر من بني آدم أوحى إليه بشرع، ~~وقولنا: ذكر أولى من قولهم: إنسان للإجماع (¬1) على عدم استثناء الأنثى من ~~بني آدم، وهو أعم مطلقا من الرسول: لاختصاصه بالكتاب، أو بتغيير بعض ~~الأحكام، وهو فعيل بمعنى الفاعل، أو المفعول: ويجوز فيه الهمزة، والواو، ~~فعلى الأول: من النبأ، وعلى الثاني: من النبوة، والوجه في الكل واضح (¬2). # قوله: "هادي الأمة لرشادها، وعلى آله وصحبه، ما قامت الطروس والسطور ~~لعيون الألفاظ مقام بياضها وسوادها". # أقول: الهادي اسم فاعل من ms005 الهداية، وهي الدلالة إلى ما يوصل إلى المطلوب، ~~سواء وصل به، أو قصر ولم يصل، كقوله تعالى: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا ~~العمى على الهدى} [فصلت: 17]. # وقيل: الهداية وجدان المطلوب. وليس بشئ إذ وجدان المطلوب هو الاهتداء لا ~~الهداية. PageV01P180 # وعند أهل الحق الهداية قسمان: عامة: وهي الدلالة المذكورة، وخاصة: وهو ~~خلق الاهتداء (¬1) لقوله: {ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} (¬2). # والأمة هنا بمعنى الجماعة، وأمته على قسمين: # أمة الدعوة، وأمة الإجابة، والمراد أمة الدعوة، إذ هو مرسل إلى الناس ~~كافة، ولكن منهم من اهتدى، ومنهم من ضل، والرشاد ضد الغي: وهو مصدر بمعنى ~~الفاعل، أي: أمر ذي رشد وهو دين الإسلام، والصراط المستقيم. والآل: أصله ~~الأهل، وقيل: الأول، وخص استعماله -بعد القلب- بذوي الشرف، والخطر بخلاف ~~أصله، وآله - صلى الله عليه وسلم - بنو هاشم وبنو المطلب، وقيل: أقاربه ~~الأدنون، وقيل: كل مؤمن تقي آله (¬3). والصحب: اسم جمع للصاحب كركب، وراكب، PageV01P181 # والصحابي: من حضره وهو مؤمن ولو ساعة (¬1)، والطروس: جمع طرس، وهو الورق، ~~والسطور: جمع سطر مصدر سطرت؛ أريد به المفعول. # وما قيل (¬2): إن عطف السطور على الطروس عطف الجزء على الكل غلط فاحش؛ ~~لأن الطروس هو الورق الذي هو محل السطر، وليس الحال جزء المحل، وتفسير عيون ~~الألفاظ بمعاني الألفاظ (¬3) أفحش: إذ لا دلالة على المعنى بوجه من الوجوه، ~~بل عيون الألفاظ نقوش الكتابة، وهو إشارة إلى ما ذكره بعض المحققين (¬4) من ~~أن اللفظ له وجود في التكلم، ووجود في الكتابة، ووجود في الذهن -عند القائل ~~به- ووجود في اللوح المحفوظ، ولا شك أن نقوش الكتابة يشتمل على بياض الطرس، ~~وسواد السطر، إذ نقش الكتابة مركب منهما، فبياض الطرس وسواد السطر عرضان ~~(¬5) قائمان بالمحلين قياما حقيقيا، والمحلان قائمان مقام بياض PageV01P182 # نقوش الكتابة وسوادها قياما مجازيا: لاشتمال المحل على الحال، فالضمير في ~~بياضها وسوادها راجع إلى الألفاظ على ما حققناه، ورجوع الضمير إلى الطروس ~~والسطور -كما فعله بعض الشارحين (¬1) - لا صحة له؛ إذ التقدير حينئذ: ما ~~قامت الطروس والسطور مقام بياض الطروس والسطور، وقيام الجوهر ms006 (¬2)، وهو ~~الطرس مثل مقام البياض الذي هو عرض قائم به مما لا يقول به ذو عقل. هذا ~~والتقييد بمثل هذه الأمور الحادثة الفانية كقولهم: "ما غرد القمري" (¬3)، ~~"ما رنحت عذبات البان ريح صبا" (¬4) وكما فعله المصنف مما يفيد الدوام بحسب ~~العرف (¬5)، ثم في الطروس PageV01P183 # والسطور صنعة بديعية، وهو قلب البعض (¬1)، وفي الألفاظ استعارة (¬2) ~~مكنية، وإضافة العيون تخييلية، وذكر البياض ترشيح. # قوله: "ونضرع إليك [-في منع الموانع- عن إكمال "جمع الجوامع" الآتي من ~~فني الأصول بالقواعد القواطع، البالغ من الإحاطة بالأصلين (¬3) مبلغ ذوي ~~الجد والتشمير، الوارد من زهاء مائة مصنف منهلا يروي ويمير، المحيط بزبدة ~~ما في شرحي على المختصر والمنهاج، مع مزيد كثير"] (¬4). # أقول: الضراعة: هي الخضوع والتذلل؛ أي: نسألك خاضعين ضارعين أن تمنع ~~وتدفع الموانع عن إكمال هذا الكتاب الذي هو "جمع الجوامع"، والجوامع: جمع ~~جامع على خلاف القياس، أو جمع جامعة على القياس، PageV01P184 # والفن: هو النوع، وأفانين الكلام: أنواعه، وإضافته إلى الأصول من إضافة ~~العام إلى الخاص، وهو ظاهر، وما قيل (¬1): إنه من إضافة المسمى إلى الاسم، ~~فليس بشئ، والأصول: أصول الفقه، وأصول الدين (¬2) لإطلاقه وإن وجد لفظ الفن ~~مثنى -كما قيل (¬3) -، فالأمر أوضح، وتحقيق معنى الأصول يأتي عن قريب في ~~تعريف العلم، والقواعد: جمع قاعدة، والقاعدة أمر كلي (¬4) ينطق على جزئيات ~~(¬5) تعرف أحكامها منه كقولنا: PageV01P185 # كل أمر للوجوب، فهي قاعدة كلية (¬1)، فإذا أردنا أن نعرف أحكام الجزئيات ~~قلنا: أقيموا الصلاة أمر، وكل أمر للوجوب، فأقيموا الصلاة للوجوب، ثم قد ~~تطلق القاعدة، وقد تقيد، فيقال: معنا قاعدة كلية، فمنهم من قال: إنما تذكر ~~الكلية مع القاعدة تأكيدا، وليس بشيء إذ ليس الموضع موضع تأكيد، بل التحقيق ~~أن القاعدة تارة تشتمل على جزئيات صرفة، وتارة على قواعد، وتحت تلك القواعد ~~تكون الجزئيات، فيطلق على الثانية القاعدة الكلية لاشتمالها على الأمور ~~الكلية، والقطعية تارة تكون بالنظر إلى متن الدليل كآيات الكتاب (¬2)، ~~والأحاديث المتواترة والإجماع المنقول تواترا، وتارة بالنظر إلى الدلالة، ~~وإن كان المتن ظنيا، وتارة بالنظر إلى وجوب العمل كمظنون المجتهد، ms007 فإنه ~~قطعي للعمل إذ لا يجوز له العدول عنه، فعلى هذا جميع القواعد قطعية، ولا ~~حاجة إلى دعوى التغليب (¬3) كما فعله بعضهم (¬4)؛ لأن التغليب مجاز لا ~~يرتكب إلا عند تعذر الحقيقة، PageV01P186 # والزهاء ممدود ومقصور بمعنى القدر، وعلى المد اقتصر صاحب "المشارق" (¬1). # قوله: "وينحصر إلى قوله: الكلام في المقدمات". # أقول: أي وينحصر "جمع الجوامع" في مقدمات، وسبعة كتب، انحصار الكل (¬2) ~~في الأجزاء (¬3) كانحصار البيت في السقف والجدران؛ إذ PageV01P187 # الانحصار قد يكون للكلي في جزئياته كانحصار الكلمة في الاسم، والفعل، ~~والحرف، وما ذكر بعض الشراح (¬1) في تمثيل انحصار الكل في الأجزاء كانحصار ~~الكلام في الاسم، والفعل، والحرف، فليس بشئ إذ الحرف لا يقع جزءا من ~~الكلام. # فإن قلت: كيف يصح الانحصار على الوجه الذي ذكرته، مع اشتمال الكتاب على ~~علم الكلام، وخاتمة في التصوف؟ # قلت: تلك المباحث الكلامية لم يذكرها قصدا، بل لما ذكر في آخر الكتاب ~~مباحث الاجتهاد، وانجر كلامه إلى بحث التقليد استطرد الكلام في علم الكلام، ~~وهل التقليد جائز فيه أم لا؟ وذكر خاتمة في التصوف لأدنى مناسبة، ويدل على ~~ذلك إفراد لفظ الفن في النسخ المعتبرة كما قدمناه، ثم وجه الضبط -في الحصر ~~المذكور- أن ما ذكره في الكتاب: إما مقصود بالذات، أو يتوقف عليه المقصود؛ ~~إذ ما لا يكون مقصودا ولا موقوفا عليه -مستدرك- لا يجوز ذكره، والمقصود ~~بالذات إما مباحث الأدلة، وهي الكتاب والسنة، والإجماع والقياس والاستدلال، ~~فوضع لها خمسة كتب، وإما مباحث ترجيح بعض الأدلة على بعض، فوضع له كتاب ~~سادس، وإما مباحث المقصود الأصلى، وهي مباحث الاجتهاد وما يتعلق به من ~~مباحث الإفتاء والتقليد، فوضع له كتاب سابع، وما لا يكون مقصودا بالذات ~~ويكون موقوفا عليه هو المقدمات PageV01P188 # المذكورة (¬1)، وهي أمور تذكر أمام المقصود لارتباط بين المقصود وبينها، ~~وهي على قسمين: ضروري: لا يجوز الشروع بدونه عقلا، وهو أمران: تصور العلم ~~المشروع فيه بوجه، والتصديق بفائدة ما، وقسم آخر غير ضروري: وهو ما عدا ~~هذين الأمرين، بل يوجب زيادة بصيرة في المطلب، وليس منحصرا في قدر ms008 معلوم. # واعلم أن الحصر في [أمثال] (¬2) هذه الأمور استقرائى، يقلل الانتشار، ~~ويسهل الأمر على الطالب، ومن رام حصرا عقليا فقد ركب شططا. PageV01P189 ### || AUTO الكلام في المقدمات PageV01P191 # الكلام في المقدمات # قوله: "أصول الفقه". # أقول: لما ذكر أن كتابه يشتمل على الأصول الآتي بالقواعد القواطع، ~~واشتاقت نفس السامع إلى ذلك المؤلف الموصوف، فاستشرف للسؤال عنه، فأغنى ~~السائل عن السؤال، وقال: أصول الفقه كذا، فأخذ بتعريفه. # واعلم أن حقيقة كل علم مسائله، ولا بد من أن نضبط تلك المسائل الكثيره ~~جهة الوحدة، فإن كل من طلب كثرة، وشرع في تحصيلها من غير ضبط جهة الوحدة ~~يقع في ورطة الحيرة، ومن تلك الجهة يؤخذ تعريفه، فإن كان ذلك الحد مسمى ~~اسمه، فهو الحد (¬1) PageV01P193 # الحقيقي، وإن كان مستلزما له، فهو الرسم، وإن شئت زيادة تحقيق، فاسمع لما ~~يتلى عليك، فنقول: الماهية المعروفة على قسمين: حقيقية، واعتبارية؛ لأنها ~~إما أن يكون لها تحقق في حد ذاتها- مع قطع النظر عن اعتبار المعتبر، أو لا؟ ~~فالأولى: الحقيقية: كالإنسان، والمثلث (¬1)، والثانية: PageV01P194 # الاعتبارية كالأصول، والفقه إذ الواضع لهما اصطلح على أمور، ووضع بإزائها ~~ألفاظا. # ثم الماهية الحقيقية لا تخلو إما أن يكون الواضع -حينئذ- وضع اللفظ ~~بإزائها متعلقه هو نفس الحقيقة، أو وجها واعتبارا من اعتباراتها، فتعريف ~~الماهية الحقيقية على الأول تعريف حقيقي، سواء كان بالذاتيات (¬1) كلها أو ~~بعضها، أو بالعرضيات (¬2) وحدها، أو بالمركب منها. وبالاعتبار الثاني تعريف ~~اسمي، فالأول يفيد تصوير الماهية في الذهن، والثاني: يفيد تصوير مفهوم ~~الاسم، فمنهم (¬3) من اقتصر على هذا القدر، وحصر التعريف في القسمين، ومنهم ~~(¬4) من زاد قسما ثالثا، وجعله تعريفا لفظيا كقولنا: الغضنفر الأسد، وهذا ~~هو الحق إذ في التعريفين الأولين تحصيل PageV01P195 # مجهول إما حقيقة الماهية، أو مفهوم الاسم، وفي الثالث: لا تحصيل، بل ~~تفسير لفظ بلفظ أشهر إذ السائل يعرف الحيوان المفترس من حيث إنه مدلول ~~الأسد لا من حيث إنه مدلول الغضنفر، بل هو بحث لغوي، ولهذا يقبل المنع ~~بخلاف الأولين: إذ التصور (¬1) لا يقبل المنع لأن التصور نفس الصورة في ~~الذهن، ms009 فلا معنى لمنعه، ثم لا يخفى عليك أن هذا الاصطلاح يخالف اصطلاح ~~المنطق (¬2)، إذ هناك تقسيم التعريف الأول إلى الحد، والرسم، ثم يقسم كل ~~منهما إلى تام، وناقص، فالحدان بالذاتيات لا غير، ويختلفان نقصانا وتماما، ~~والرسمان بالعرضيات كذلك، وهنا قد ذكرنا أن PageV01P196 # الحد الحقيقي قد يكون بالذاتيات كلا وبعضا، وبالعرضيات -أيضا- كذلك، ~~والسر في ذلك أنهم هناك جعلوا مأخذ الاصطلاح الذاتيات، فحيث كانت كلا أو ~~بعضا فحد، والعرضيات، فحيث كانت كلا أو بعضا فرسم، فإن كان كلا فتام في ~~الصورتين، وإن كان بعضا فناقص، وهنا جعل المناط تقرر الماهية وتحققها في ~~نفس الأمر وعدمه، مع قطع النظر عن كون المعرف ذاتيا (¬1) أو عرضيا، كلا أو ~~بعضا، وهنا سؤال مشهور: وهو أن الحد عين المحدود، فكيف يعرف الشئ نفسه؟ # والجواب عنه: أن الأشياء تختلف باختلاف الاعتبارات، فالإنسان -مثلا- إذا ~~وقع محدودا يعتبر الجنس والفصل (¬2) فيه إجمالا، وفي الحد -وهو الحيوان ~~الناطق- تفصيلا، والمفصل أجلى من المجمل، فجاز أن يكون معرفا له. # هذا خلاصة كلامهم في باب التعريف، مع تنقيح وتوضيح من جهتنا والله ~~الموفق. PageV01P197 # قوله: "دلائل (¬1) الفقه الإجمالية". # أقول: قد تقرر -في غير هذا العلم- أن لفظ العلم يطلق على معان أربعة: # الأول: إدراك (¬2) الشيء، الثاني: ملكة تحصل للمدرك بعد الادراك، وبعد ~~ملاحظة للمدرك متكررة، وتسمى تلك الملكة عقلا بالفعل النحوي PageV01P198 # مثلا، فإنه بعد إدراك مسائله تحدث فيه حالة لم تكن موجودة قبل إدراك تلك ~~المسائل النحوية، ثم (¬1) إذا توجه بالفعل -إلى تحصيل تلك المسائل ~~وملاحظاتها تحدث له حالة أخرى تكون مبدأ التفاصيل، فتلك الحالة تسمى علما ~~إجماليا، والتي ينشأ منها علما تفصيليا، وتارة يطلق على الأصول والقواعد ~~المدركة من حيث تعلق العلم بها. # والمصنف استعمل العلم في القواعد، فإن لفظ أصول الفقه علم وضع بإزاء ~~العلم الباحث عن أحوال الأدلة السمعية التي هي موضوع علم الأصول، أو هي مع ~~الأحكام على ما اختاره بعض (¬2) المحققين، فلا يحتاج -حينئذ- إلى إضافة ~~العلم إليه إلا بيانا وتوضيحا. # فلما قال: دلائل الفقه إجمالا، أي: من حيث العلم في ms010 إذ لا يقول ذو مسألة: ~~إن الدلائل الإجمالية -مع قطع النظر عن تعلق العلم بها- # نفس الفن والعلم المدون. PageV01P199 # فإذا تقرر هذا، فنقول: من زاد -في التعريف- لفظ المعرفة كما فعله (¬1) ~~البيضاوي (¬2)، أو قيد العلم كما فعله ابن الحاجب (¬3)، فقد صرح بالمراد، ~~وأبرز المقدر (¬4). PageV01P200 # وتعريف أصول الفقه -على ما فعله المصنف- إنما هو للمعنى اللقبي، إذ هو ~~مركب إضافي له ثلاثة أجزاء: المضاف، والمضاف إليه، ومعنى الإضافة، وهو ~~الجزء المعنوي، فمنهم من نظر إلى الأصل، وعرف الأجزاء، ومنهم من عرف ~~اللقبي، وترك المعنى الإضافى لكون اللقبي هو الأصل والمراد هنا (¬1). # والدلائل (¬2) الإجمالية: هي القضايا الكلية التي يستدل بها على المسائل ~~الفقهية كقولنا: هذا حكم دل على وجوبه القياس، وكل ما دل PageV01P201 # على وجوبه القياس فهو واجب، فهذا واجب، وكقولنا: كل ما دل القياس على ~~وجوب شيء فهو واجب. لكن هذا الشئ مما دل القياس على وجوبه فهو واجب، أولم ~~يجب، فلا يدل على وجوبه، فتلك الدلائل الكلية -أبدا- إما أن تجعل كبرى ~~الشكل (¬1) الأول، أو مقدما في القياس الاستثنائي (¬2) ثم المختار -في ~~تعريفه- زيادة لفظ العلم كما فعله الشيخ ابن الحاجب: لأن العلم يستعمل في ~~الكليات، والدلائل المذكورة كلية على ما حققناه آنفا بخلاف المعرفة، فإنها ~~تستعمل في الجزئيات، ولهذا PageV01P202 # اختاره المحققون -في تعريف علم المعاني (¬1) - إذ أحوال اللفظ العربي ~~جزئيات. # قوله: "وقيل: معرفتها". # أقول: قد عرفت أنه الحق، وقال بعض الشراح (¬2) -هنا كلاما يقتضى منه ~~العجب- وهو أن ما ذكره المصنف أولا واختاره هو الأولى لقربه من معناه ~~اللغوي؛ إذ الأصول -لغة- الأدلة وفساده من وجوه: # الأول: أنك قد عرفت أن تعلق العلم بالدلائل مما لا بد منه حتى يصير علما مدونا. # الثاني: أن قوله: إذ الأصول -لغة- الأدلة. غلط فاحش؛ لأن الأصول جمع أصل، ~~والأصل ما ينبني عليه غيره (¬3) كالجدران للسقف، PageV01P203 # والحقيقة للمجاز، والدليل للمدلول، إذ الانبناء أعم من الحسي والعقلي، ~~فالدليل من جملة ماصدقات الأصل لأنه وضع له لغة؛ إذ الألفاظ إنما توضع ~~للمفهومات كالإنسان، فإنه موضوع للحيوان الناطق، لا لزيد، وعمرو، وبكر، وإن ~~صدق ms011 عليها. # الثالث: أنه لو كان الأمر كما زعم فلا معنى للقرب، إذ الأصول إذا كانت ~~-لغة- الأدلة، ولم يقدر فيه معنى العلم وتعلقه بها، فالقرب بماذا يعتبر؟ إذ ~~الشئ لا يقرب من نفسه، ومفاسد قلة التأمل أكثر من أن يحيط في نطاق البيان ~~(¬1) ومن قال PageV01P204 # - من المحققين (¬1) -: إن الأصول يجوز إبقاؤه على معناه اللغوي، أراد ~~بالأصول جميع ما يستند إليه الفقه من الأدلة السمعية والاجتهاد والترجيح، ~~إذ المجموع هو الذي يبنى عليه الفقه لا الأدلة وحدها على ما توهمه المصنف (¬2). # قوله: "والأصولي العارف بها وبطرق استفادتها ومستفيدها". # أقول: هذا كلام قليل الجدوى لأن أصول الفقه إذا كان عبارة عن العلم ~~بالقواعد الكلية التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن ~~أدلتها التفصيلية بالاستقلال، فبالضرورة من كان عالما بتلك القواعد يكون ~~أصوليا، كما أن الفقه لما كان علما باحثا عن أفعال المكلفين من حيث الصحة ~~والفساد كان عالما بالأفعال المذكورة من تلك الحيثية، فهو فقيه بلا ريب، ~~وكأنه احترز بذلك عن سبق الوهم إلى أن الأصولي من جمع القواعد ودونها لا من ~~عرفها بعد التدوين لكنه (¬3) بعيد جدا (¬4). PageV01P205 # وأما حال الاستفادة والمستفيد، فهما من أجزاء العلم المعرف؛ إذ المراد ~~بكيفية الاستفادة معرفة استنباط الأحكام من الأدلة كتقديم النص على الظاهر، ~~والمتواتر على الآحاد، وذلك الباب السادس الذي وضعه في التعادل والتراجيح. # وحال المستفيد: عبارة عن صفات المجتهد والمقلد؛ إذ كل منهما يستفيد ~~الأحكام، وإن كان طريق الاستفادة مختلفا؛ إذ دليل المجتهد النصوص، ودليل ~~المقلد قول المجتهد الذي قلده، فلو ذكرهما -في تعريف العلم- كما فعله غيره ~~(¬1) كان أولى (¬2). # قال: "والفقه [العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها ~~التفصيلية] (¬3) ". PageV01P206 # أقول: عرف الفقه بالمعنى المصطلح عليه، وترك المعنى اللغوي (¬1)؛ لقلة ~~جدواه أو لكونه معلوما على ما فعله في تعريف الأصول، فقال: الفقه العلم ~~بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية (¬2). # فقوله: "العلم" جنس، وقوله: "بالأحكام" يخرج العلم المتعلق بالذوات ~~والصفات والأفعال وإن أريد بالذوات الموضوعات (¬3)، وبالصفات المحمولات ~~(¬4)، PageV01P207 # فلا حاجة إلى ذكر الأفعال، وبقيد "الشرعية" ms012 أخرج الأحكام العقلية ~~كالتماثل والتخالف، وبقوله: "العملية" أخرج الاعتقادات كوحدة الصانع ~~-تعالى- وقدمه، وبقوله: "من أدلتها التفصيلية" علم الله -تعالى- وعلم ~~جبريل، وعلم الرسول عليهما أفضل الصلاة وأكمل التسليم، إذ هذه العلوم ~~بالأحكام ليست عن الأدلة (¬1)، وزاد بعضهم (¬2) لفظ الاستدلال، ولا حاجة ~~إليه إذ أخذ الحكم من الدليل مشعر بالاستدلال (¬3). # والحكم -في العرف العام- إسناد أمر إلى آخر إيجابا وسلبا. # وعند الأصوليين: خطاب الله -تعالى- المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء، ~~أو التخيير، والأول: هو المراد هنا، وإلا يكون قيد الشرعية ضائعا. # وقوله: "المكتسب" مرفوع صفة للعلم مخرج لعلم المقلد؛ لأنه ليس مكتسبا من ~~الأدلة إذ معنى الاكتساب من الدليل أن ينظر في الدليل على وجه الاستدلال، ~~فيؤدي ذلك النظر إلى العلم. # ولا شك أن المقلد ليس بهذه الصفة، وإن كان علمه مأخوذا من الدليل لكن لا ~~بالمعنى المذكور، بل دليل المقلد -في التحقيق- قول مقلده. # والدلائل التفصيلية: هي الأدلة الجزئية التي (¬4) أقيمت على الأحكام ~~الفقهية كقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة: 43]. PageV01P208 # واعلم أن هنا سؤالا (¬1) لبعض المحققين يعسر التغضي عنه وهو أن الأحكام ~~إما أن يراد بها البعض أو الكل، لا جائز أن يكون المراد هو الكل لثبوت "لا ~~أدري" عمن هو فقيه بالإجماع (¬2)، ولا البعض لدخول المقلد (¬3). # ولما أجيب بأن المراد هو الكل، ولا يقدح "لا أدري"؛ إذ المراد ليس الكل ~~بالفعل، بل التهيؤ للكل، ومن ثبت عنه "لا أدري" كان متهيئا (¬4) له. # اعترض -ثانيا- بأن التهيؤ البعيد حاصل لكل أحد، والقريب ليس له ضابط. PageV01P209 # لا يقال: المعنى به أن يعلم كل مسألة يتوجه إليها بالاجتهاد؛ لأن أبا ~~حنيفة (¬1) مات، ولم يدر معنى الدهر (¬2)، مع كونه مجتهدا بالإجماع. # وأيضا بعض المسائل لا مساغ للاجتهاد فيه، والبعض -أيضا- لا يجوز لأنه إما ~~أن يراد به البعض المعين كنصف الأحكام مثلا أو الثلث ولا دلالة PageV01P210 # عليه، أو ما ينطلق عليه البعض وإن قل؛ لأنه يلزم أن من عرف ثلاث مسائل من ~~الدليل كان فقيها، وليس كذلك. # الجواب: نختار الكل، والمراد بالتهيؤ القريب. # قوله: "ليس له ضابط" قلنا: ممنوع ms013 إذ هو ملكة يقتدر بها على إدراك الأحكام ~~الجزئية، وإطلاق العلم على الملكة المذكورة شائع. # قوله: "لم يدر معنى الدهر"، قلنا: لا يمتنع ذلك لجواز أن يكون بسبب تعارض ~~الأدلة (¬1). # قوله: "لا مساغ فيها للاجتهاد". # قلنا: ممنوع بدليل حديث معاذ (¬2) حيث لم يستثن شيئا من الأحكام (¬3)، أو ~~نختار البعض. PageV01P211 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P212 # قوله: "من عرف ثلاث مسائل من الدليل كان فقيها". # قلنا: كذلك أي من كان له ملكة الاستنباط من الأدلة فهو فقيه، وإن كانت ~~معلوماته قليلة لكونه ذا ملكة، وهي كافية، وذكر الفرعية في تعريف PageV01P213 # الفقه أولى من ذكر العملية إذ المتبادر من العملية ما يكون بالجوارح، ~~ويورد -حينئذ- خروج النية من المسائل الفقهية (¬1). # ويجاب بأن العملي أعم من عمل الجوارح والقلب، ويرد بأنه غير مانع لدخول ~~العقائد كلها. # ويجاب بأن العملي ما يتعلق بكيفية عمل، والعقائد لا تتعلق بكيفية عمل، ~~والفرعية خالية عن هذه الاعتراضات، فكان أولى (¬2). # لا يقال: العلم أعم من التصورات والتصديقات (¬3)، فيلزم أن يكون تصور ~~الأحكام الشرعية العملية فقها لأنا نقول العلم -عند الأصوليين- حقيقة في ~~الاعتقاد الجازم المطابق الثابت لموجب ولذلك توجه الاعتراض بأن الفقه من ~~باب الظنون، فلا يكون علما (¬4). PageV01P214 # قال: "والحكم خطاب الله [المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلف] (¬1) ". # أقول: لما أخذ الحكم (¬2) -في تعريف الفقه- ولم يكن بينا أراد بيانه، ~~واللام في "الحكم" -هنا- للعهد، أي الحكم PageV01P215 # الشرعى هو الخطاب الموصوف، والخطاب: توجيه الكلام نحو الغير للإفهام [ثم] ~~نقل إلى ما يقع به التخاطب، وهو هنا الكلام النفسي الأزلي (¬1). PageV01P216 # ومن يرى أن الكلام في الأزل لا يسمى خطابا فسر الخطاب بالكلام الموجه نحو ~~الغير المتهيئ للفهم (¬1). # واعترض بأن الحد غير مانع لدخول القصص كقوله -تعالى- {والله خلقكم وما ~~تعملون} [الصافات: 96] فزيد -في الحد- بالاقتضاء، أو التخيير (¬2)، PageV01P217 # ولما كان الحق عدم الاحتياج إلى الزيادة المذكورة -لأن الحيثيات معتبرة ~~في الحدود- أسقط المصنف الزيادة، وأبرز الحيثية المعتبرة إذ تعلق الخطاب في ~~القصص ليس من حيث إنهم مكلفون، وهو ظاهر (¬1)، وهنا شبه لا بد من إيرادها ~~والجواب عنها: # الأولى: أن الحد غير منعكس ms014 لخروج الأحكام المتعلقة بفعل الصبي. # والجواب: أن الأحكام التي يتوهم تعلقها بفعل الصبي إنما هي متعلقة بفعل ~~الولي، هو المأمور وهو الآثم بتركها، المثاب على فعلها (¬2). # الثانية: أن أحكام الوضع خارجة -أيضا- كدلوك الشمس للسببية (¬3). PageV01P218 # والجواب: أن أحكام الوضع راجعة إلى التكليف، كما صرح به المصنف في بحث ~~تكليف الغافل. # فالحاصل: أن التكليفي على قسمين: صريح، وضمني، فأحكام الوضع من قبيل ~~الضمني (¬1)، إذ معنى سببية الدلوك للصلاة، وجوب الصلاة عند الدلوك. # وذهب بعضهم (¬2) إلى أن الأحكام الوضعية لا تسمى أحكاما اصطلاحا، فلا يضر ~~خروجها. # الثالثة: أن المقصود تعريف الحكم المصطلح بين الفقهاء لأنه المأخوذ في ~~تعريف الفقه، وهو ليس نفس الخطاب، بل ما ثبت بالخطاب كالوجوب والحرمة؛ أعني ~~صفة فعل المكلف (¬3). PageV01P219 # وأجيب بوجوه: # الأول: كما أريد بالحكم ما حكم [به] (¬1) أريد بالخطاب ما خوطب به، لظهور ~~أن صفة فعل المكلف ليس نفس الخطاب الذي هو الكلام الأزلي. # الثاني: أن التعريف إنما هو للحكم حقيقة، وإطلاق الحكم على الوجوب ~~والحرمة تسامح. # الثالث: -وهو أدق الأجوبة- وهو للمولى المحقق عضد (¬2) الملة والدين -أن ~~الحكم نفس خطاب الله تعالى (¬3)، فالإيجاب- مثلا- نفس قوله -تعالى-: {أقم ~~الصلاة} [الإسراء: 78]. وليس للفعل صفة من القول إذ القول يتعلق بالمعدوم، ~~وهو فعل الصلاة في المثال المذكور، وإذا كان الفعل معدوما فصفته المتأخرة ~~عنه أولى بالعدم. PageV01P220 # فالحكم -وهو الإيجاب مثلا- له تعلق بفعل المكلف، وإن كان معدوما (¬1)، ~~فبالنظر إلى نفسه التي هي صفة الله -تعالى- إيجابا، وبالنظر إلى ما تعلق ~~به، وهو فعل المكلف يسمى: وجوبا، فهما متحدان بالذات، مختلفان بالاعتبار ~~(¬2)، ولهذا نرى المحققين تارة يعرفون الإيحاب، وتارة يعرفون الوجوب نظرا ~~إلى الاعتبارين. # هذا حاصل كلامه، مع توضيح له من جهتنا، والله الموفق. # وهنا اعتراض أقوى أورده القاضي أبو بكر الباقلاني (¬3) على حد الفقه، وهو ~~أن الفقه: هو الظن بالأحكام الشرعية لا العلم بها؛ لأن الأحكام PageV01P221 # مأخوذة من الأدلة السمعية، والأدلة السمعية وإن كان بعضها قطعيا بحسب ~~المتن لكن الدلالة ربما كانت ظنية لتوقف قطعيتها على انتفاء الاحتمالات ~~العشرة (¬1)، وذلك الانتفاء لا يعلم على ms015 سبيل القطع، بل باعتبار الأصالة، ~~كما يقال: الأصل في الكلام (¬2) الحقيقة، فلا يكون مجازا، وكذلك الأصل عدم ~~الإضمار والاشتراك، فتحقق أن الدلالة في الكل ظنية، فالأحكام الفقهية كلها ~~ظنية إذ نتيجة المظنون مظنونة قطعا (¬3)، فتعريف الفقه -الذي هو الظن ~~بالأحكام- بالعلم الذي عندهم -هو الاعتقاد الجازم، المطابق الثابت لموجب- ~~لا يستقيم لعدم صدق PageV01P222 # الحد على المحدود إذ أحد المتباينين (¬1) لا يصدق (¬2) على الآخر ضرورة ~~(¬3). PageV01P223 # وأجيب بأن المجتهد إذا ظن الحكم في حادثة، وجب عليه الفتوى والعمل بذلك ~~الحكم للإجماع القطعي على أن المجتهد يجب عليه اتباع ظنه لعدم جواز تقليد ~~مجتهد آخر (¬1)، فيقال -حينئذ- هذا مظنون المجتهد، وكل ما هو مظنون المجتهد ~~فهو حكم الله قطعا، فهذا حكم الله قطعا، وأنت خبير بأن هذا الكلام إنما يتم ~~على مذهب من يقول: كل مجتهد مصيب؛ لأن حكم الله -عندهم- تابع ظن المجتهد ~~ولا يفارقه، فحيث وجد وجد، وهو مذهب مردود عند أهل الحق (¬2). # وأما إذا قيل: إن المجتهد قد يخطئ -كما هو الحق- فهذا الجواب لا يستقيم؛ ~~لأن المقطوع به إن كان وجوب العمل بمظنونه فهو مسلم، ولكن PageV01P224 # الحكم مظنون له لم يصر قطعيا، غاية الأمر أن الإجماع انعقد على وجوب ~~العمل بذلك المظنون، وإن كان العلم بالأحكام، فهذا الدليل لا يفيده. # قوله: "ومن ثم لا حكم إلا لله (¬1) [والحسن والقبح بمعنى ملائمة الطبع ~~ومنافرته، وصفة الكمال والنقصان عقلى، وبمعنى ترتب الذم عاجلا، والعقاب ~~أجلا شرعي خلافا للمعتزلة" (¬2)] (¬3). PageV01P225 # أقول: لما قال: الحكم خطاب الله -وقد تقرر في علم البلاغة أن المبتدأ ~~والخبر إذا كانا معرفتين، فالتركيب مفيد للحصر كقولنا: المنطلق زيد، أي: لا ~~غير زيد (¬1)، فقولنا: الحكم خطاب الله، أي: لا غير- حكم المصنف بأن لا حكم ~~إلا لله بناء على ذلك، وعلله به صريحا، أي لأجل ما ذكر كان الحكم منحصرا في ~~الله سبحانه وتعالى (¬2). # ثم المهم -في هذا المقام- تحرير محل النزاع، ولا يمكن ذلك التحرير إلا ~~بتلخيص معنى الحسن والقبح، فنقول: الحسن والقبح يطلقان على الشيء باعتبار ~~معان ثلاثة: # الأول: المنافرة والملائمة، فالصوت الطيب حسن ms016 بهذا المعنى، والصوت الكريه ~~مبيح، وليس هذا محلا للنزاع، فإن العقل له فيه حكم ضرورة لا يمكن إنكاره. # الثاني: الكمال في الشيء والنقصان فيه، فالعلم في الإنسان حسن والجهل ~~قبيح، ولا شك أن الحاكم في ذلك هو العقل. PageV01P226 # الثالث: وهو أن يكون الفعل مناطا للثواب في الآخرة، أو العقاب هل هو ~~[الحاكم] (¬1) العقل، أو لا؟ فيه خلاف بين الأشعرية (¬2)، والمعتزلة، ~~والحنفية في بعض الأشياء. # قالت الأشعرية: لا يمكن الحكم بأن فعلا من الأفعال يصلح أن يكون مناطا ~~للثواب أو العقاب إلا من الله سبحانه وتعالى؛ إذ هو المثيب والمعاقب لا علة ~~لفعله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ومتمسكهم في ذلك أمران: # أحدهما: أن حسن الفعل وقبحه ليسا لذات الفعل، ولا لأمر داخل في ذاته، ولا ~~لخارج لازم لذاته، حتى يحكم العقل بحسن الفعل أو قبحه؛ بناء على تحقق ما به ~~الحسن والقبح. # وثانيهما: أن فعل العبد اضطراري (¬3) لا اختيار له فيه، وليس للعقل أن ~~يحكم بالثواب أو العقاب لمن يفعل شيئا بلا اختيار، وليس معنى قولنا: ~~متمسكهم الأمران المذكوران أنه لا بد من اجتماع الأمرين، بل كل PageV01P227 # واحد من الأمرين كاف في إفادة هذا المطلوب، ولا أن دليل الأشعري منحصر في ~~إثبات المطلوب في هذين الأمرين، بل له أدلة أخرى مذكورة في كتب الأحكام (¬1). # وذهبت المعتزلة: إلى أن الحاكم -في أفعال العباد- هو العقل، بمعنى أن ~~العقل هو الموجب والمحرم والمبيح لذوات الأفعال، وهذا عند طائفة منهم. # وذهبت طائفة: إلى أن الحسن والقبح في الفعل يكونان لصفة توجبهما. # وقال آخرون منهم: إن قبح الفعل يكون لصفة توجبه، وأما حسن الفعل، فيتحقق ~~بفقدان موجب القبح (¬2). PageV01P228 # وقالت الجبائية (¬1): يحصلان فيهما لصفة توجبهما لكن الصفة ليست حقيقية، ~~بل وجوه واعتبارات. PageV01P229 # ثم أحكام العقل -في أفعال العباد- منها ما هو ضروري كحسن الصدق النافع، ~~وقبح الكذب الضار، ومنها ما هو نظري كحسن الكذب النافع، وقبح الصدق المضر، ~~ومنها ما لا يدركه العقل كحسن صوم آخر يوم من رمضان (¬1)، وقبح صوم أول يوم ~~من شوال (¬2)، فإن ms017 العقل لا سبيل له إلى دركه، لكن لما ورد به الشرع كشف عن ~~حسن وقبح ذاتيين. # والدليل -على بطلان الأول (¬3) -: أنه لو كان الحسن والقبح ذاتيين لما ~~كان العمل الواحد حسنا وقبيحا في وقتين. # والثاني: كاذب لما بيناه من أن الصدق تارة حسن، وتارة قبيح. PageV01P230 # والدليل العام على الكل: # أما عقلا: فلأن الحسن والقبح لو كانا لذات الفعل، أو لصفة فيه لما تساوت ~~الأفعال بالنسبة إلى الأحكام، بل يكون بعضها راجحا بالنظر إلى الحكم، ~~وبعضها مرجوحا، فلا يكون الباري -تعالى- مختارا إذ الحكم بالمرجوح على خلاف ~~العقل، فلا يصدر عنه لكنه ثبت بالدلائل القطعية أنه مختار، وهو مختار الخصم. # وأما نقلا: فقوله تعالى: (ومابهما {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ~~[الإسراء: 15]، ولو كان العقل موجبا ومحرما لزم التعذيب قبل البعثة لتحقق ~~الوجوب، والحرمة المستلزمة له لعدم جواز العفو -عندهم- لكن اللازم (¬1) ~~باطل، فكذلك الملزوم (¬2)، والحنفية (¬3)، وإن لم يجعلوا العقل حاكما ~~صريحا، ولكن PageV01P231 # قالوا: حسن بعض الأشياء وقبحها لا يتوقف على الشرع، بمعنى أن العقل يحكم ~~في بعض الأشياء بأنها مناط للثواب والعقاب، وإن لم يأت نبي ولا كتابه، وبعض ~~تلك الأحكام بديهي، وبعضها كسبي كما ذكرنا في تقرير مذهب المعتزلة [بلا ~~فرق] (¬1) والله الموفق. # قوله: "وشكر المنعم واجب بالشرع". PageV01P232 # أقول: لما بطل حكم العقل مطلقا، فكان شكر المنعم غير واجب عقلا (¬1)، لكن ~~أصحابنا ذكروا فرعين -على التنزل، أي: ولو سلمنا أن العقل حاكم كما زعمتم ~~لكن لا يستقيم حكمه في هذين الفرعين-: # الأول: لو وجب لوجب لفائدة (¬2)؛ إذ الوجوب بلا فائدة عبث لا يجوز عقلا، ~~وإذا وجب لفائدة، فتلك الفائدة [إما] (¬3) للعبد، أو لله تعالى، وكلاهما منتف. # أما انتفاء الثانية: فلكونه -تعالى- متعاليا عن الفائدة، وأما انتفاء ~~الأول: فلأن تلك الفائدة إما في الدنيا، ولا يتصور ذلك إذ من تلك الأفعال ~~-التي تتضمن شكر المنعم- واجبات ومحرمات، ولا شك أنها مشاق وتكاليف لا حظ ~~للنفس فيها، وإما في الآخرة، ولا يمكن ذلك -أيضا- لأن أمر الآخرة غيب لا ~~اطلاع لأحد عليه حتى يحكم العقل فيه. ms018 PageV01P233 # لا يقال: لم لا يجوز أن تكون العلة تلك الفائدة في الدنيا، وهي الأمن من ~~احتمال العقاب إذ العاقل يتفكر في نعم الله الجزيلة الواصلة إليه تترى، ~~فيقول: لو لم أشكر مولي هذه النعم ربما أصابني شرارة من سطوة غضبه؟ # قلنا: ذلك معلوم عدمه في أكثر الناس (¬1)، ولو سلم، فاحتمال العقاب -على ~~فعل الشكر- أرجح لأمرين: # أحدهما: أن ذلك الشكر تصرف في ملك الغير؛ لأن العبد وما في يده لمولاه، ~~فنفسه وما ينسب إليها ملك له تعالى، والتصرف في ملك الغير بغير إذنه من ~~بواعث الانتقام. # الثاني: أن عبادة الثقلين -بالنسبة إلى كبريائه- كذرة (¬2) بل دونها، وما ~~ذلك إلا كرجل حضر مائدة ملك أحاط بأكناف البلاد شرقا، وغربا، وغمر أهلها ~~عفوا ونهبا، وتناول من تلك المائدة لقمة، وشرع يدور في المحافل، ويقول: ليس ~~على وجه الأرض أجود وأكرم من هذا السلطان، فإنه قد تصدق علي بلقمة خبز، ~~فإنه يعد استهزاء قطعا، بل شكر العبد أقل قدرا -بالنسبة إلى كبريائه تعالى- ~~من شكر الفقير اللقمة بلا ريب. PageV01P234 # الفرع الثاني: أن لا حكم قبل الشرع (¬1). # أما عند الأشاعرة، فظاهر (¬2). # وأما عند المعتزلة -إلزاما لهم في هذه المسألة- فإنهم قسموا أفعال العقل ~~إلى ما لا يقضي فيه العقل بشيء، أي لا بحسن ولا [بقبح] (¬3)، وإلى ما يقضي فيه. # لهم في القسم الأول ثلاثة مذاهب: الحظر، والإباحة، والوقف عنهما، فنقول ~~للحاظر: لو كانت محظورة وفرضنا ضدين كالحركة والسكون، لزم التكليف بالمحال، ~~وأنتم لا تقولون به، ونقول للمبيح-: إن أردت لا حرج -في هذا القسم من ~~الفعل- فمسلم، ولا يجديك نفعا؛ لأن انتفاء الحرج إنما يتصور بأمرين: # أحدهما: عدم الحاكم بالحرج، والآخر: سلب الحاكم الحرج عن الفعل، فالأول: ~~مسلم، والثاني: ممنوع، أما عندنا فلعدم الشرع، وأما عندكم فلعدم حكم العقل ~~في هذا القسم. PageV01P235 # ونقول للواقف: إن توقفت في الحكم لعدم السمع، فهو مذهبنا، وإن توقفت ~~لتعارض الأدلة، فلا تعارض، فبطل حكم العقل في هذه المسألة- قطعا. # إذا عرفت هذا عرفت أن كلام المصنف -في هذا المقام- ليس على ما ينبغي لأنه ~~أشار ms019 إلى الفرع الأول بقوله: وشكر المنعم واجب بالشرع، وإلى الفرع الثاني ~~بقوله: ولا حكم قبل الشرع، ثم قال: وحكمت المعتزلة العقل؛ لأنه لما بين أن ~~الحكم خطاب الله -تعالى- وأن لا حاكم عند أهل الحق سواه كان المناسب أن ~~يذكر -بعد ذلك- مذهب المخالف ويستدل على بطلانه، ثم يذكر الفرعين على سبيل ~~التنزل، وقد أوضحنا لك المقام بما لا مزيد عليه، والله الموفق. # قوله: "والصواب امتناع تكليف الغافل". # أقول: لما فرغ من تعريف الحكم، وبين ما هو الحق في الحاكم، شرع في بيان ~~المحكوم عليه، وهو المكلف. # فنقول: من منع تكليف المحال (¬1)، منع تكليف الغافل (¬2)، والمراد ~~بالغافل: من لم يتصور التكليف لا من لم يصدق به، فلا يرد تكليف PageV01P236 # [الكافر] (¬1) بالفروع (¬2) نقضا لأن الكافر قد تصور الحكم والحاكم، ولكن ~~لم يصدق بالمحكوم به، ولا يرد وجوب المعرفة -أيضا- لأن المراد بها التصديق ~~بوجود الباري، مع اتصافه بصفات الكمال، فلا ينافي سبق التصور. PageV01P237 # ثم الشيخ الأشعري (¬1)، وإن جوز التكليف بالمحال لم يجوز تكليف الغافل ~~(¬2)؛ لأن في التكليف بالمحال فائدة الابتلاء وهي منتفية هنا. # قوله: "والملجأ، وكذا المكره إلى آخره". # أقول: الإكراه: هو أن يحمل غيره على أن يفعل ما لا يرضاه، ولا يختار لو ~~خلي ونفسه، وهو على قسمين: ملجئ يسقط التكليف قطعا، وغير ملجئ يسقط على ~~الصحيح. PageV01P238 # والاختيار: هو القصد إلى أمر متردد بين الوجوب والعدم بترجيح أحد جانبيه ~~على الآخر. # والرضا: هو موافقة الباطن مع الظاهر، وهو الذي أشير إليه بقوله تعالى: ~~{مطمئن بالإيمان} [النحل: 106] (¬1). # أي راض به دون الكفر، ففى إجراء كلمة الكفر على اللسان اختيار بالمعنى ~~الذي ذكرنا، دون الرضا لعدم موافقة القلب اللسان. # ثم ذلك الاختيار إما أن يكون معتبرا يسند إليه الحكم، أو لا بأن يسند ~~الحكم إلى اختيار آخر، وبهذا الاعتبار ينقسم الإكراه إلى الملجئ بأن يضطر ~~الفاعل إلى الفعل، أو لا يكون بأن يتمكن من الترك، وقد علم من هذا التقرير ~~أن إفراد الإلجاء عن الإكراه، ثم عطفه عليه غير سديد. # ثم الأصل -عند الشافعي (¬2) رضي ms020 الله عنه في الإكراه- هو أن المكره عليه ~~إما أن يحرم الإقدام عليه، وهو الإكراه بغير حق، أو لا، وهو الإكراه بحق. PageV01P239 # والثاني: لا يقطع حكم الشارع عن فعل المكلف كإكراه الحربي على الإسلام، ~~وكذا المرتد بخلاف الذمى لقول -الشارع-: "اتركوهم وما يدينون" (¬1) ولمفهوم ~~الغاية في قوله: {حتى يعطوا الجزية} [التوبة: 29]. # والأول (¬2) -أعني الذي يحرم الإقدام عليه-: إن قدم عليه، مع عذر شرعي ~~بأن جعل الشارع للمكلف رخصة في ذلك الفعل: كالتكلم بالكفر PageV01P240 # عند خوف القتل، أو ما يلحق به من قطع عضو ونحوه، فلا يتعلق الحكم بذلك ~~الفعل، بل ينقطع تعلقه مع قيام دليله لوجدان المانع سواء كان الإكراه على ~~قول، أو فعل؛ لأن صحة القول تكون بقصد معناه، وصحة العمل إنما تكون بالرضا ~~بمقتضاه. # ولا شك أن الاختيار، وإن لم يناف الإكراه -على ما تقدم- لكنه يفسد به في ~~بعض الموارد كما إذا هدد بالضرب على شرب الخمر، أو على الأكل في رمضان؛ لأن ~~الاختيار -وإن كان موجودا ظاهرا- لكن ليس بمعتبر (¬1) دفعا للضرر (¬2) إذ ~~الضرر مدفوع عمن هو محترم معصوم الحقوق شرعا. # ثم إذا قطع الحكم عن فعله، فإن أمكن نسبة الحكم إلى فعل الحامل عليه، ~~يعني المكره نسب إليه كما إذا أكره على إتلاف مال الغير، وإن لم يمكن بطل ~~الفعل كما إذا أكره على الإقرار والطلاق والنكاح وسائر المعاملات. PageV01P241 # وإن لم يكن عذر شرعى؛ أي لم توجد رخصة من الشارع في ذلك الفعل كالإكراه ~~على قتل السلم بغير [حق] (¬1)، وكالإكراه على الزنى تعلق الحكم بفعلهما حتى ~~يجب القصاص، وحد الزنى على القاتل والزاني مكرهين في القاتل على الأصح، ~~وعلى رأي في الزاني. # وقد تبين بهذا التقرير أن قول المصنف: والمكره على إطلاقه ليس بصحيح ~~(¬2)، وأن شيئا من الفروع لا يخرج عما ذكرنا. PageV01P242 # وقد عجز كثير من الناس عن تطبيق هذه القاعدة المذكورة على الفروع، والله ~~الموفق. # قوله: "ويتعلق الأمر بالمعدوم إلى آخره". # أقول: ذهبت الأشاعرة -من بين سائر الطوائف-: إلى أن الأمر يتعلق ~~بالمعدوم. # واستبعده آخرون (¬1)، والإشكال إنما ms021 نشأ من عدم الفرق بين التعلق ~~المعنوي، والتعلق التنجيزي، إذ القائل: بأن الأمر يتعلق بالمعدوم يريد أن PageV01P243 # "أقم الصلاة" كلام أزلي متعلق بفعل زيد، فيما لا يزال، بمعنى أن الله علم ~~[أن] (¬1) زيدا سيوجد، وإذا وجد بشرائط التكليف توجه إليه الخطاب، وتعلق ~~بفعله تعلقا آخر. واستدلت الأشاعرة: بأن التعلق لو لم يكن أزليا، لم يكن ~~التكليف أزليا، إذ التكليف في الأزل بدون التعلق محال، ومن عرف معنى ~~التكليف علم أن التعلق داخل في حقيقته (¬2)، أما أن كلامه أزلي: فلأنه لو ~~كان حادثا لزم قيام الحوادث بذاته -تعالى- عن ذلك علوا كبيرا، وكلامه أمر، ~~ونهي، وخبر، وغيرها، والأمر والنهي إما نفس التكليف -على ما هو الحق- أو ~~مستلزم له، فقد ثبت أن الأمر يتعلق (¬3) بالمعدوم. # فإن قيل: إنما يلزم ما ذكرتم أن لو انقسم الكلام في الأزل على الأقسام ~~المذكورة (¬4) وهو ممنوع، بل القديم هو القدر المشترك. PageV01P244 # أجيب: بأن القدر المشترك جنس للأقسام المذكورة، ولا وجود للجنس بدون ~~أنواعه (¬1). # قالوا: يلزم تعدد كلامه -تعالى- وهو باطل؛ إذ هو صفة من صفاته القديمة ~~عند القائلين بها. # قلنا: التعدد إنما هو بالنظر إلى تعدد المتعلقات لا بالنظر إلى نفس ~~الصفة، وذلك غير قادح، كما في علمه -تعالى- فإن علمه بأن زيدا سيوجد مغاير ~~لعلمه بوجود زيد بعد العدم تغايرا اعتباريا. # ثم قول المصنف: تعلقا معنويا، يشمعر بأن التعلق التنجيزي غير معنوي، وليس ~~كذلك؛ لأن التعلق أمر معنوي مطلقا، والأولى أن يقال: تعلقا ذهنيا إذ مقابله ~~تعلق خارجي. # قوله: "فإن اقتضى الخطاب الفعل إلى آخره". # أقول: الحكم ينقسم باعتبارات شتى، فلما فرغ المصنف من تعريفه وما يلزمه ~~مطلقا وما يجوز فيه شرع في أقسامه. # فقال: الخطاب إن اقتضى الفعل جازما؛ أي: غير محتمل نقيضه شرعا فإيجاب، أو ~~اقتضاه غير جازم؛ أي: مع جواز نقيضه شرعا فهو PageV01P245 # الندب، وإن اقتضى الترك، فإما جازما، أي من غير احتمال النقيض فتحريم أو ~~مع جوازه، فإن كان ثبوته بدليل مخصوص (¬1) فكراهة، أو غير مخصوص (¬2) فخلاف ~~الأولى أو التخيير فإباحة، هذا شرح كلام ms022 المصنف، وفيه نظر من وجوه: # الأول: أنه جعل المقسم نفس الخطاب دون الحكم، مع أن الخطاب جنس الحكم، ~~فالعدول عن الحكم لا وجه له. # الثاني: أنه جعل الترك في الحرام متعلق الاقتضاء، وهو أمر عدمي غير مقدور ~~إلا أن يحمل على الكف. # الثالث: أنه جعل خلاف الأولى من الأقسام الأولية للحكم، وليس كذلك (¬3). PageV01P246 # قال الغزالي (¬1) -في "المستصفى" في تقسيم الحكم على الأقسام الخمسة ~~الأولية المشهورة-: # "وأما (¬2) المكروه، فهو لفظ مشترك بين معان: # أحدها: المحرم، فكثيرا ما يقول الشافعي -رضي الله عنه-: أكره الشئ ~~الفلاني وهو لا يريد إلا الحرمة. # والثاني: ما نهي عنه تنزيها، وهو الذي أشعر بأن تركه خير من فعله، وإن لم ~~يكن عليه عقاب. # الثالث: ترك ما [هو] (¬3) أولى كترك صلاة الضحى" (¬4). PageV01P247 # ثم ذكر قسما آخر مردودا ليس المقصود إيراد ذلك بكماله، بل ما يفيد ~~المقصود، فقد صرح بأن تلك الأحكام ليست أولية، بل هي أقسام المكروه الذي هو ~~أحد الأحكام الخمسة، مع أن العدول عنه قد أوجب على المصنف أن يصطلح على أن ~~أحدهما بنهى مخصوص، والآخر بنهى غير مخصوص من غير فائدة للعدول، مع أنه ~~يقتضي تكثير الأقسام، واختراع اصطلاح جديد، ولا يرتضي فاضل ارتكاب شيء من ~~هذه المحذورات. # قال المولى المحقق عضد الملة والدين: "المكروه يطلق على معنيين آخرين غير ~~ما تقدم: # أحدهما: الحرام، كثيرا ما يقول الشافعي: أنا أكره هذا. # وثانيهما: ترك الأولى، يقال: ترك صلاة الضحى مكروه لكثرة الفضيلة فيها، ~~فكان بتركها حط رتبة" (¬1). # مع أنا لا نسلم أن مثل صلاة الضحى [تركه] (¬2) ثبت بنهي غير مخصوص؛ إذ لم ~~يرد نهي عن تركها لا مخصوص ولا عام، وما ذكره بعض الشراح (¬3) من أن النهى ~~مستفاد من الأمر بفعلها مردود؛ إذ الأمر بالشئ ليس نهيا عن ضده على ما ذهب ~~إليه المحققون (¬4) ولئن PageV01P248 # سلم ذلك، فلا نسلم ورود أمر من الشارع بالصوم على من لا يتضرر، ولا بصلاة ~~الضحى لا بخصوصها ولا بدخولها تحت عام. # وقول المصنف: أو التخيير، فإباحة -مع أن الإباحة ms023 لا يتعلق بها الاقتضاء ~~لأن المباح ليس مأمورا به بناء على أن الأمر قد يطلق لإرادة الإباحة كقوله ~~تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة: 2] وقوله تعالى: {فإذا طعمتم ~~فانتشروا} [الأحزاب: 53]- فقد تسامح في إطلاق الاقتضاء على التخيير، والأمر ~~في ذلك هين، وما ذكرناه- لكلامه- من المحمل أولى من حمله على السهو [منه] ~~(¬1) كما حكم به الشارح المذكور آنفا (¬2). # قوله: "وإن ورد سببا وشرطا إلى قوله: والفرض والواجب مترادفان". # أقول: قد تقدم أن الأحكام الوضعية هل تسمى أحكاما (¬3)، أم لا؟ # منهم من ذهب إلى أن شيئا من الخطاب الوضعي لا يسمى حكما، ويصطلح على أن ~~بعض الخطاب حكم دون بعض (¬4)؛ ومنهم من جعل الخطاب التكليفي أعم شاملا ~~للوضعي، فالوضعى -عنده- تكليفى ضمني إذ معنى سببية الدلوك وجوب الصلاة ~~عنده، ومعنى شرطية الطهارة PageV01P249 # وجوبها في الصلاة، أو حرمة الصلاة بدونها، وكذا نقول: "في جميع الأسباب ~~والشروط والموانع" (¬1). # ومن جعل الأحكام الوضعية أحكاما -في الاصطلاحات- وليست داخلة في التكليفى ~~ضم إلى التعريف قيد الوضع، فقال: "بالاقتضاء، أو PageV01P250 # التخيير، أو الوضع" (¬1)، وكلام المصنف ظاهر في عدم الدخول؛ لأنه بعد ~~الفراغ من تعريف الحكم، وتقسيمه أورده في كلام مستقل، لكن قوله -بعد ذلك-: ~~"وقد عرفت حدودها" إنما يشعر برجوع الأحكام الوضعية (¬2) إلى التكليفية. # قوله: "وقد عرفت حدودها". # أي لما ذكر المشترك الذي هو كالجنس، وهو الخطاب، وقيد في كل قسم بما ~~يميزه عما عداه، كان ذلك حدأ لكل واحد من الأقسام: # لأن الحد -عند الأصوليين- كل مركب ميز الماهية عن أغيارها سواء كان ~~بالذاتيات /ق (10/ أمن ب) أو بالعرضيات، أو بالمركب [منهما] (¬3) كما ستقف ~~عليه في موضعه عن قريب إن شاء الله [تعالى] (¬4). # قوله: "والفرض والواجب مترادفان إلى آخره". PageV01P251 # أقول: الفرض والواجب لفظان مترادفان (¬1)؛ أي متحدان مفهوما: # إذ الاتحاد -مفهوما- هو معنى الترادف لا المتحدان ذاتا كالإنسان، ~~والناطق، فإنهما متحدان ذاتا مع عدم الترادف، فبينهما عموم وخصوص مطلق، فكل ~~متحدين مفهوما متحدان ذاتا -ولا عكس- لغويا. # وإنما حكمنا بترادفهما؛ لأن كل فعل اقتضاه الخطاب جزما، فهو الواجب ~~والفرض، ولا ينافي هذا ما ذكره ms024 بعض الفقهاء من الفرق في بعض المسائل، كما ~~قالوا: واجبات الاحرام تجبر بالدم دون فرضه؛ إذ ذلك اصطلاح حادث ارتكبوه ~~للتمييز بين المجبور وغيره. # كما اصطلحوا على أن الخارج عن الحقيقة شرط، والداخل ركن. # وذهبت الحنفية إلى عدم الترادف؛ لأن الثابت بالخطاب [إن ثبت] (¬2) بقطعى ~~ففرض، وإن ثبت بظني فواجب. # وحكم المصنف بأن هذا بحث لفظي راجع إلى التسمية لا إلى المعنى؛ إذ الفعل ~~المذكور يستحق تاركه العقاب، سواء كان ثبوته بقطعى، أو PageV01P252 # ظني، وأما أن الفرض- في اللغة: التقدير، والوجوب: السقوط، لا يجدي شيئا ~~(¬1) وهذا الذي ذكره من الرد ذكره محققو الشافعية في كتبهم (¬2) وربما يقال ~~-من جهتهم-: إن من قواعد (¬3) /ق (9 /ب من أ) المعقول أن PageV01P253 # اختلاف اللوازم يدل على اختلاف الملزومات كالانقسام بمتساويين في الزوج، ~~وعدمه في الفرد، وكالحركة بالإرادة في الحيوان، وعدمها في غيره، والفرض ~~والواجب مختلفان -عندهم- في اللوازم، فإن الواجب يلزمه عدم الفساد بالترك، ~~والفرض يلزمه الفساد به، وأيضا الثابت بالقطعي يلزمه كفر المنكر، والواجب ~~لا يلزم منكره كفر، ولهذا يطلق على الثابت بالقطعي -عندهم- الواجب علما ~~وعملا، وعلى الثابت بالظني الواجب عملا، ويمثلون للأول بصلاة الفجر، ~~وللثاني بالوتر (¬1)، والله أعلم. # قوله: "والمندوب إلى قوله: والسبب". # أقول: المندوب ما ندب إليه، أي [فعل] (¬2) دعي إليه شرعا من غير ذم على ~~تركه، مشتق من الندب والندبة بمعنى الدعاء (¬3). # والمندوب المذكور يسمى مستحبا وتطوعا وسنة، وترك المصنف لفظ النافلة ويجب ~~ذكرها، إذ لا فارق عندهم بينه وبين المذكورات، أي هذه PageV01P254 # الألفاظ كلها مترادفة في عرف الشرع (¬1) خلافا لشرذمة (¬2) من الشافعية ~~(¬3)، PageV01P255 # وصاحب الكشف من الحنفية (¬1) واستدلالهم على ذلك بأن السنة فعل واظب عليه ~~[النبي] (¬2) -صلى الله عليه وسلم-، والمستحب: ما فعله مرتين أو مرة، ~~والتطوع: ما أنشأه الإنسان غير معيد لاتحاد الحقيقة، وعدم اختلاف اللوازم (¬3). # فإن قيل: على ما قررتم من أن المندوب هو الذي يثاب فاعله ولا يذم تاركه، ~~يشكل بما ورد في حق تارك الجماعة من النصوص الصريحة (¬4)، PageV01P256 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P257 # حتى ذهب بعض العلماء إلى كون الجماعة فرض عين ms025 (¬1)، وكذلك ترك الأذان ~~(¬2)، وسائر شعائر الإسلام. PageV01P258 # قلت: ذلك [ليس] (¬1) من حيث إنه ترك نافلة، بل من حيث إشعاره بعدم ~~المبالاة بسنته عليه الصلاة والسلام، وإليه أشار بقوله: "من رغب عن PageV01P259 # سنتي فليس مني" (¬1) ثم لما كان المندوب غير لازم بطلب من الشارع سواء ~~تركه ابتداء أو بعد الشروع لا مؤاخذة عليه للإجماع على عدم المؤاخذة على ما ~~ليس مكلفا به. # والمندوب، وإن كان مأمورا به، فليس فيه تكليف، خلافا للأستاذ (¬2) مستدلا ~~بأن فعله لتحصيل الثواب شاق. PageV01P260 # قلنا: في تركه مجال لعدم إلزام الشارع (¬1)، واستدل الحنفية على لزوم ~~لنفل بالشروع بقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: 33]. PageV01P261 # ووجه الاستدلال: أن أعمالكم لفظ عام يشمل الأعمال الشرعية كلها مندوبة ~~ومفروضة، فيجب القول باللزوم لعدم الفارق (¬1). PageV01P262 # قلنا: لو سلم عموم هذا الجمع، فالحديث الصحيح، وهو قوله -صلى الله عليه ~~وسلم-: "الصائم المتطوع أمير نفسه" (¬1) خصصه لجواز تخصيص المتواتر بالآحاد PageV01P263 # اتفاقا، هذا وأقول: لا يخلو أن ما شرع فيه من النفل هل هو باق على صفة ~~النفل، أو انقلب بالشروع واجبا؟ والثاني باطل إجماعا؛ إذ لا يوجد شيء في ~~الشريعة يكون بعضه نفلا وبعضه واجبا. # وأيضا لو كان بالشروع يصير واجبا لترتب عليه ثواب الواجبات دون النوافل؛ ~~إذ ثواب الواجبات أضعاف ثواب النوافل، وهذا مما لم يقل به أحد. # قوله: "ووجوب إتمام الحج". # جواب سؤال مقدر تقديره قلتم: إن النفل بالشروع لا يلزم، مع أنكم أوجبتم ~~على من أفسد الحج النفل قضاءه (¬1) في القابل، وألزمتم المضي في فاسده. # أجاب: بأن الحج من قبيل المستثني؛ لأن نفل الحج كفرضه نية وكفارة؛ إذ لا ~~تعرض في نيته إلى كونه فرضا أو نفلا، وأيضا عدم خروجه بالإفساد فرضا أو ~~نفلا متفق عليه، وهذا لا إلزام فيه لأن الحنفية مجوزون الصوم الفرض بنية ~~مطلق الصوم، بل بنية النفل. # وأما الإلزام باستوائهما في الكفارة وعدم الخروج بالإفساد سالم عن ~~الفادح. # والحق أن الحنفية لما أوجبوا المضي في فاسده، فقد اعترفوا بأن الحج خارج ~~عن القاعدة إذ لم يقولوا بالمضي في ms026 الفاسد في نفل سواه. PageV01P264 # ثم لبعض الشراح هنا كلام عجيب، وهو أنه قال: لا يتصور لنا حج تطوع لأن ~~المخاطب به هو المستطيع، فإن لم يحج فالحج في حقه فرض عين، وإن كان قد حج ~~ففرض كفاية (¬1). # وقد ذهل عن معنى الاستطاعة، فإن الاستطاعة المعتبرة من الزاد والراحلة ~~وأمن الطريق وغيرها، إنما هي شروط الوجوب بناء على التيسير والتسهيل، وذلك ~~لا ينافي أن يحمل عادم هذه الأشياء المشقة، ويتبرع بما لم يوجب الشارع عليه ~~كما في الصدقة، على ما أشار إليه أكرم الخلق -صلى الله عليه وسلم-، بقوله: ~~"أفضل الصدقة جهد المقل" (¬2). PageV01P265 # وإن أراد أنه بعدما شرع فيه يجب، فهو أول المسألة، مع أنه لا ينافي ~~النفلية بحسب الأصل. # فإن قلت: عادم الاستطاعة إذا حضر مكة، وكان سالما من الموانع يجب عليه الحج؟ # قلنا: يفرض فيمن حج مرة، فإن قلت: من حج مرة أو أكثر لم يقع حجة نفلا، بل ~~فرض كفاية بناء على أن إحياء البيت كل سنة بالحج فرض كفاية. # قلنا: لو سلم دخول مثله في عموم الخطاب بالإحياء ينتقض بالصبي المراهق، ~~فإن حجه نفل بلا خلاف إذ لا يتوجه إليه خطاب. # وبالجملة الاستدلال بأن المخاطب [هو] (¬1) المستطيع، وحج المستطيع منحصر ~~في الفرضين، فلا يتصور (¬2) حج تطوع غير سديد، والله أعلم. # قوله: "والسبب ما يضاف إليه الحكم إلى قوله: والصحة". # أقول: لما ذكر أن الخطاب الوارد من الشارع بكون الشئ سببا، وشرطا ومانعا ~~خطاب وضع، أراد أن يعرف المذكورات لعدم دخولها في التكليفي، وكان الأولى أن ~~يذكر قوله: "وقد عرفت حدودها" قبل قوله: "وإن ورد سببا" ويؤخره عن المباحث ~~المتقدمة PageV01P266 # المتعلقة بالواجب والفرض والمندوب والخلاف الذي ذكره ليكون الكلام مرتبطا ~~بعضه مع بعض، هذا. ثم نقول: السبب عندهم هو الذي يضاف إليه الحكم (¬1)، ~~كقوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الأسراء: 78]، وقوله: {الزانية ~~والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2]. # أحدهما: كون الدلوك سببا، والآخر: وجوب الصلاة عنده، وكذلك في الزاني ~~أحدهما: وجوب الرجم، والآخر: كون الزنى سببا. ms027 PageV01P267 # ولا شك أن الأسباب معرفات إذ الممكنات مستندة إلى الله تعالى ابتداء عند ~~أهل الحق (¬1)، وبين المعرف الذي هو السبب والحكم الذي نيط به ارتباط ظاهر، ~~فالإضافة إليه واضحة. # وأما عند من يجعل الوصف مؤثرا بذاته، وهو الذي أشار إليه المصنف بقوله: ~~"أو غيره"، فلا خفاء عنده إذ الأثر مضاف إلى المؤثر قطعا. # والشرط -لغة-: العلامة (¬2)، ومنه: أشراط الساعة. PageV01P268 # وفى عرف الأصوليين الشرط: ما يتوقف عليه معنى السببية لا وجود السبب ~~كالإحصان لسببية الزنى للرجم، فإن وجود الزنى بدونه كثير، ولكن لسببية لا ~~توجد شرعا. ولم يتعرض له المصنف لكثرة مباحثه، فأخره إلى بحث التخصيص ليذكر ~~مع سائر (¬1) المخصصات. # والمانع (¬2): هو الوصف الوجودي المنضبط الذي يقتضي نقيض الحكم الذي ~~اقتضاه السبب كالأبوة المانعة من ترتب القصاص على القتل العمد العدوان، فإن ~~الأبوة لما كانت سببا لوجود البنوة صلحت أن تكون مانعا للقصاص؛ إذ لا يلائم ~~أن يكون الشئ [سببا] (¬3) لإعدام موجده. PageV01P269 # ثم المانع إما أن يكون مانعا من ترتب الحكم على السبب كما ذكرنا، وإما أن ~~يكون مانعا لانعقاد السببية في الأسباب (¬1)، ولم يذكره المصنف لأن كلامه ~~في الأحكام وما نيطت به، والشئ ما لم يخل عن مانع كونه سببا لا يناط به ~~حكم، فكأن البحث عن مانعه أجنبيا؛ كذا نقل عن المصنف، وفيه نظر لا يخفى. # ثم تمثيل المصنف للوصف الوجودي بالأبوة مع أن الإضافات ليست موجودات عند ~~المتكلمين؛ بناء على أن الوجودي عندهم يطلق بمعنيين: # أحدهما: ما له وجود متأصل كالإنسان والفرس، وما لا يدخل العدم في مفهومه ~~كالأبوة ونظائرها. # قوله: "والصحة موافقة" إلى قوله: "وقيل: إسقاط القضاء". PageV01P270 # أقول: الصحة تكون في العبادات وفي المعاملات، فبعضهم يفرد كلا منهما عن ~~الآخر بتعريف مستقل؛ لأن جمع الحقائق المختلفة في حد واحد لا يمكن، صرح به ~~ابن الحاجب في تقسيم الاستثناء إلى المتصل والمنقطع (¬1)، ولما كان مخصوصا ~~بما إذا أريد تمييز الحقيقة عن الأخرى بالذاتيات لم يتحاش المصنف عن الجمع ~~بين الصحة في العبادات والصحة في المعاملات لصدق هذا التعريف ms028 عليهما، وهو ~~كون كل منهما موافقة ذي الوجهين [الشرع] (¬2) [وقوله: ذي الوجهين] (¬3) - ~~بما وقع في كلام [بعض] (¬4) الأصوليين، وتبعهم المصنف- واحترزوا بذلك عما ~~لا يقع إلا على وجه واحد كمعرفة الله تعالى، ورد الوديعة؛ إذ المعرفة إذا ~~لم تقع على الوجه الموافق للشرع تكون جهلا. # والحق: أنه لا حاجة إلى هذه الزيادة؛ لأن المعرفة أيضا إن لم تكن على ~~الوجه الموافق للشرع تكون معرفة باطلة لانتفاء موجب صحتها، وهو مطابقة ~~الواقع، ولا يضرنا كونه جهلا إذ لا تنافي بين كونه جهلا ومعرفة باطلة، يدل ~~على ما قلنا ما ذكره عضد الملة والدين، والعلامة التفتازاني (¬5) في ~~كتابيهما: PageV01P271 # "المواقف" و "المقاصد" (¬1) في بحث النظر في معرفة الله -تعالى- ردا على ~~المعتزلة حيث استدلوا بأن النظر (¬2) في معرفة الله واجب عقلا؛ إذ الذي حصل ~~المعرفة أحسن حالا من غيره. # قلنا: إذا حصل المعرفة على وجهها والعرفان على وجه الصواب، فإن التقييد ~~بالوجه صريح فيما ذكرنا، وكذا رد الوديعة إن كان على الوجه الذي اعتبره ~~الشرع فصحيح، وإلا فباطل [كما إذا رد الوديعة إلى صاحبها بعدما صار مجنونا] ~~(¬3)، كما أن الصلاة إذا اشتملت على الأركان والشروط تسمى صلاة صحيحة، وإذا ~~فقد شئ من تلك الشروط والأركان فباطلة. PageV01P272 # واعلم (¬1) أن كون الصحة والبطلان من أحكام الوضع مما منعه بعض المحققين ~~(¬2). ووجهه: بأن بعد ورود أمر الشرع بالفعل، فكون ذلك الفعل موافقا للأمر ~~ليكون صحيحا، أو مخالفا ليكون باطلا لا يتوقف على توقيف من الشارع، بل هو ~~أمر عقلي صرف، فكونه مصليا، أو تاركا لا يحتاج إلى إعلام من الشارع، وقد ~~سبق كلام في أن طائفة لم يقولوا بأن شيئا من الأسباب والشروط والموانع حكم ~~شرعي، وهذا البعض (¬3) قد خصصه بالصحة والبطلان، والله أعلم. # قوله: "وقيل". # أقول: ذهب الفقهاء إلى أن معنى الصحة في العبادات: إسقاط القضاء. # والتعريف الأول للمتكلمين، فصلاة من ظن أنه متطهر وصلى، ثم بان خلافه ~~صحيحة عند المتكلمين دون الفقهاء (¬4). PageV01P273 # ثم المراد بإسقاط القضاء رفع وجوبه (¬1)، فلا يرد أن ثبوت القضاء بأمر ~~جديد، فلا ms029 يتصور الإسقاط قبل الثبوت. # وفي المعاملات؛ عبارة عن ترتب الأثر المطلوب منها عليها، أي من شأنها ~~الترتب لولا وجود مانع شرعي كالخيار المانع من ثبوت. الملك للمشترى، وتخمير ~~العصير بعد العقد وقبل القبض. # هذا ولو قيل: الصحة مطلقا عبارة عن ترتب الأثر المطلوب من الفعل عليه ~~ليشمل العبادات من غير تطويل لكان أولى. # غايته: أن ذلك الأثر عند المتكلمين موافقة الشرع، وعند الفقهاء إسقاط ~~القضاء. وعلى هذا يكون الخلاف راجعا إلى تعيين الأثر المطلوب لا إلى تفسير ~~الصحة (¬2)، وعلى ما ذكره المصنف الصحة -في العبادات- على القول الأول- ~~إجزاؤها، والإجزاء -لغة-: الاكتفاء. # وشرعا عند المتكلمين: هو الأداء الكافي في سقوط المتعبد به، أي: ~~المأمورية أعم من أن يكون واجبا أو مندوبا، سقط القضاء أو لم يسقط. PageV01P274 # قال الغزالي: "الصحيح عند المتكلمين: ما أجزأ في الشرع، وجب القضاء أو لم ~~يجب" (¬1). # وعند أكثر الفقهاء -وهو الذي أشار إليه المصنف ب "قيل: الإجزاء إسقاط ~~القضاء". والإجزاء أخص -مطلقا- من الصحة لاختصاصه بالعبادات واجبا أو ~~مندوبا، أو واجبا فقط على ما أشار إليه المصنف بقوله: "وقيل الواجب" (¬2). PageV01P275 # قوله: "ويقابلها البطلان إلى آخره". # أقول: البطلان نقيض الصحة في العبادات والمعاملات، فهو في العبادات ~~عبارة: عن عدم ترتب الأثر عليها، أو عدم سقوط القضاء، وفي المعاملات: عن ~~عدم ترتب أثر عليها لا غير، والفساد يرادفه عندنا، وقالت الحنفية: ما لم ~~يشرع بأصله ووصفه باطل، وما شرع بأصله دون وصفه فاسد (¬1). تحقيق ذلك: أن ~~الشئ [إذا وجد في الخارج مشتملا على الشرائط والأركان فصحيح، فإن ورد نهي ~~عن ذلك الشئ] (¬2): PageV01P276 # فإن توجه إلى شيء من الأركان والشرائط، سواء كان في العبادات كالصلاة ~~بدون القراءة (¬1)، أو بدون استقبال القبلة (¬2)، أو في المعاملات كبيع ~~الأجنة في بطون الأمهات المسماة بالملاقيح لعدم الركن، وهو البيع فباطل (¬3). # وإن توجه إلى شيء من الأوصاف كصوم يوم النحر (¬4) في العبادات، وكالربا ~~في المعاملات، فإن الزائد لما كان فرع المزيد كان بمنزلة PageV01P277 # الوصف: ففاسد (¬1) وإن كان النهى راجعا إلى مجاور: فمكروه كالصلاة في ~~الدار المغصوبة (¬2)؛ ولهذا ms030 لو أسقط الزائد في مسألة الربا صح البيع بناء ~~على استجماع الشرائط والأركان، قال بعض المحققين (¬3): إن صح لهم ذلك، أي: ~~صحة البيع مع طرح الزيادة لا مناقشة معهم في التسمية. # ولنا في هذا الكلام نظر؛ لأن ثوبته عند الخصم لا يعتبر، وعندهم ثابت، بل ~~ثبوته متواتر، وربما لاحظ المصنف -رحمه الله- ما أشرنا إليه، ولذا لم يذكر ~~أن الخلاف لفظي، ولا حاجة إلى نسبة المصنف إلى الذهول كما فعله بعض ~~الشارحين (¬4)، فإن الشارح يجب عليه حمل كلام المتن على محمل صحيح ما ~~أمكنه، وإلا يكون خارجا لا شارحا، والله أعلم. PageV01P278 # قوله: "والأداء" إلى قوله: "والقضاء" (¬1). # أقول: هذا تقسيم للحكم باعتبار متعلقة؛ إذ الأداء والقضاء والإعادة صفات فعل. # فعلى ما ذكره المصنف الأداء فعل يقع كله أو بعضه في الوقت المقدر له ~~شرعا، فخرج ما لا وقت له كالنوافل المطلقة والمتعلقة بالأسباب، وخرج أيضا ~~ما قدر له وقت لا شرعا كالزكاة إذا عين الإمام لأخذها شهرا، فإن تعيين ~~الإمام لذلك الشهر لا يصيره وقتا إلا إذا صادف الوقت الذي قدره الشارع. # والبعض في قول المصنف، وإن كان يتناول أقل قليل لكنه أطلق بناء على ما ~~علم في موضعه أن المراد ركعة فما فوقها، لورود النص مقيدا PageV01P279 # بها (¬1)، فالحق ما فوق الركعة بها بفحوى الخطاب، ثم قوله: "بعض" يصدق ~~على ما إذا فعل بعضه قبل الوقت، وبعضه في الوقت، مع عدم الجواز إجماعا، ~~ولعله اعتمد على ظهوره فلم يتحاش، ثم لفظ البعض، وإن أفاد ما ذكرناه من أن ~~ركعة من الصلاة إذا وقعت في الوقت فالكل أداء، ولكن يتناول بمفهومه بعض ~~الصوم، مع أنه لا يتصور فيه ذلك، فالأولى عدم ذكره كما اختاره الجمهور. # وقوله: "والمؤدى: ما فعل مستدرك". # لأنه إذا علم الأداء، فالمودى معلوم بلا ريب، لكنه قصد نوع تعريض بابن ~~الحاجب حيث قال: "والأداء ما فعل في وقته المقدر له" (¬2)، PageV01P280 # فرده المصنف بأن ذلك هو المؤدى لا الأداء، ولا مؤاخذة على ابن الحاجب، ~~لأن الأداء يطلق على المعني المصدري، وعلى ms031 المؤدى، فهو قد استعمله في ~~المعني الثاني، والدليل على ذلك قوله: "ما فعل في وقته المقدر له"، والوقت ~~حقيقة للمؤدى لا للأداء بالمعني المصدري القائم بالفاعل، ولهذا شرح المولى ~~المحقق على طبق كلامه، فقال: "الأداء ما فعل في وقته المقدر له"، ثم قال: ~~"وما لم يقدر وقت له كالنوافل" (¬1). # ولا شك أن ما فعل هو المؤدى، وكذلك النوافل التي احترز عنها ليست معنى ~~مصدريا. # قال الإمام (¬2) في "المحصول": "الواجب إذا أدي في وقته سمي: أداء، وإن ~~أدي خارج الوقت يسمى: قضاء" (¬3)، وهذا صريح فيما أشرنا إليه. PageV01P281 # وهنا بحثان: # أحدهما: أن كلام المصنف صريح في أن الإعادة ليست من قبيل الأداء، بل ~~الأقسام الثلاثة عنده متباينة، وهو خلاف المصطلح وخلاف ما عليه المحققون، ~~إذ الاعادة ما فعلت في الوقت المقدر له ثانيا لاختلاله في الأول (¬1). # ثانيهما: أن قوله: "مطلقا" في تعريف الوقت: بأنه الزمان المقدر له شرعا ~~مطلقا؛ بما لا حاجة إليه إذ مقصوده بتلك الزيادة شمول الموسع والمضيق، وذلك ~~الشمول حاصل بدونه إذ يصدق على الكل (¬2) أنه الوقت المقدر شرعا. # فإن قيل: لا بد من قيد "أو لا"؛ ليخرج الوقت المقدر ثانيا، لأنه بما قدره ~~الشارع، مع أن الفعل الواقع فيه لا يتصف بالأداء كصلاة الناس إذا ذكرها. # قلت: لا يحتاج إلى ذلك إذ الوقت صار حقيقة عرفية في المعنى الأول، فلا ~~يتناول ذلك إلا بقرينة، والله أعلم. # قوله: "والقضاء" إلى قوله: "والإعادة". PageV01P282 # أقول: لما فرغ من الأداء شرع في بحث القضاء، فقال: القضاء فعل كل الوقت خارجه. # وقيل: [إن وقع البعض خارجا، فذلك الفعل] (¬1) قضاء أيضا. # وتوضيحه: أن الأداء لما كان عبارة عن الفعل الواقع في الوقت المقدر شرعا ~~كلا أو بعضا مخصوصا: كالركعة على ما سبق، فالقضاء ضد الأداء، فبالضرورة ~~يكون عبارة عن الفعل الواقع خارج ذلك الوقت المذكور كلا أو بعضا؛ أي: لا ~~يقع كله في ذلك الوقت، [ولا ذلك البعض المذكور. # قوله: "استدراكا لما سبق له مقتضى". # احتراز عما إذا أدى الصلاة في الوقت] (¬2)، ثم أعادها ms032 خارجه جماعة، أو ~~صلاها قضاء ثم صلاها جماعة؛ إذ لا تسمى قضاء؛ لعدم الاستدراك، كما لا تسمى إعادة. # وعبر بالمقتضى ليشمل المندوب، فإن النوافل الموقتة كما تسمى أداء إذا ~~وقعت في الوقت، تسمى قضاء إذا وقعت خارج الوقت، على ما هو المختار، خلافا ~~للشيخ ابن الحاجب والشارح المحقق (¬3). PageV01P283 # وقوله: "مطلقا"، تنبيه على أنه لا يشترط الوجوب على المستدرك، بل يكفى ~~تقدم السبب سواء كان واجبا على المستدرك، كمن ترك صلاة عمدا، أو لم يجب، مع ~~إمكان الأداء: كصوم المسافر والمريض، أو لا يمكن: كصلاة النائم والمغمى ~~عليه، فإن الفعل منهما -والحالة هذه- محال عقلا، أو يمكن عقلا، ويمتنع ~~شرعا: كصوم الحائض. # قوله: "والمقضي المفعول"، تعريض بابن الحاجب كما سبق التنبيه عليه. # فإن قلت: على ما ذكرتم من أن الأداء هو الفعل الواقع في الوقت المقدر ~~شرعا، فلم تسمون الحج الذي يأتي به الفسد في القابل قضاء، مع أن الحج وقته ~~العمر كله؟ # قلت: لما شرع فيه وتلبس بأفعاله تضيق عليه الوقت، وذلك كما إذا تلبس ~~بأفعال الصلاة، مع أن الصلاة واجب موسع يتضيق عليه الوقت. # ومن هذا التقرير انحل شبهة أخرى، وهي أن الحج والصلاة كل منهما من قبيل ~~الموسع، فلم عصى (¬1) بالموت في أثناء وقت الحج بدونه، ولم يعص بالموت في ~~أثناء وقت الصلاة بدونها تأمل؟ PageV01P284 # وقد ذكر بعض الشارحين (¬1) هنا كلاما يتعجب منه، وهو أنه شرح البعض في ~~قول المصنف في تعريف الأداء بالركعة على ما قررناه، ثم [قال] (¬2): هنا ~~كلاما حاصله: أن القضاء هو الفعل الواقع خارج الوقت أو بعضه، ولو كان ذلك ~~البعض أكثر من ركعة، فورد عليه أنك قلت: إن إدراك الركعة إدراك للصلاة، ~~فأجاب: بأن ذلك فيمن زال عذره: كالجنون، وقد بقى من الوقت ركعة. # وكل هذا سهو ظاهر؛ إذ مسألة العذر غير مسألة الأداء، وهي: أن يزول العذر، ~~وقد بقي من الوقت قدر ركعة أو تكبيرة، وخلاء المكلف عن العذر بقدر ما يسع ~~تلك الصلاة تجب تلك مع ما قبلها إن أمكن الجمع، وإلا ms033 فهى فقط. # فالكلام هنا في الوجوب، سواء صلاها أو لم يصلها أبدا، أو صلاها كلها خارج ~~الوقت، والمسألة الأولى مطلقة فيمن أدرك [الوقت] (¬3) قدر ركعة، أي: دخل في ~~الصلاة وتلبس، وأوقع ركعة في الوقت الشرعي، والباقي خارجه، فأين إحدى ~~المسألتين من الأخرى؟ والله أعلم. # قوله: "والإعادة فعله: إلى آخره". PageV01P285 # أقول: قد تقدم أن الإعادة عند المحققين من قبيل الأداء، وأن الأداء له فردان: # أحدهما: الواقع في الوقت مستجمعا للشرائط والأركان. # والآخر: هو الواقع في الوقت مع كونه مسبوقا بأداء مختل. # قوله: "وقيل: لعذر"، في تعريف الإعادة هو الذي فعل ثانيا لعذر، وهذا أعم ~~لشموله الخلل وغيره من فضيلة الجماعة، ولما كان شأن الخلل معلوما بما تقدم ~~فرع على التعريف الصلاة المكررة، فإنها معادة لعذر الجماعة، وإنما لم يقيد ~~التكرير بالجماعة للعلم به إذ لا قائل بأن الصلاة الخالية عن الخلل بدون ~~درك الجماعة تعاد. # قال بعض الشارحين: "الخلل فوات شرط أو ركن، كالصلاة مع النجاسة، أو بدون ~~الفاتحة سهوا" (¬1). # قلت: قوله: "سهوا"، سهو منه إذ الحكم لا يتفاوت في (¬2) ترك الفاتحة ~~بالسهو والعمد إجماعا. # وقد سبق إشارة إلى أن عند المصنف الأقسام متباينة (¬3)، وأن الإعادة قسيم ~~الأداء لا قسم منه؛ لأنه آخره عن القضاء وإن احتمل أن يجعل PageV01P286 # قسما منه بأن يقال: لم يقيد الأداء بأن لا يكون مسبوقا بخلل لكن خلاف ~~الظاهر، ومن ادعى ظهور العكس (¬1)، فقد عكس الظاهر. # قوله: "والحكم الشرعي إن تغير". # أقول: هذا تقسيم آخر للحكم بالنظر إلى موافقة الدليل وعدمه. # والرخصة -لغة-: السهولة واليسر (¬2). # واصطلاحا: هو الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر (¬3). # ثم قول المصنف: "إن تغير إلى سهولة أولى من قول غيره" (¬4): هو ما جاز ~~فعله مع قيام السبب، لشموله الترك كأكل الميتة وقصر الرباعي، وكذلك تبديل ~~السبب بالمحرم لعمومه، فخرج من الرخصة الحكم الثابت ابتداء لعدم التغيير، ~~وخرج ما نسخ حكمه لعدم قيام السبب للحكم PageV01P287 # الأصلي، وخرج ما خص من العام -أيضا- لأن التخصيص هو بيان أن المخرج لم ~~يكن داخلا تحت الحكم، وخرج ms034 -أيضا- وجوب الإطعام في كفارة الظهار عند فقد ~~الرقبة؛ لأنه عند فقدها واجب ابتداء، كما أن الإعتاق هو الواجب ابتداء على ~~واجدها، وكذا خرج التيمم على فاقد الماء؛ لأنه الواجب في حقه بخلاف التيمم ~~للجرح ونحوه (¬1). # ثم الحكم الذي وصف وهو المسمى بالرخصة، تارة يكون واجبا كأكل الميتة، ~~ومندوبا كالقصر إذا بلغ السفر ثلاث مراحل (¬2)، ومباحا PageV01P288 # كالسلم (¬1)، [وخلاف الأولى كفطر مسافر لم يتضرر بالصوم] (¬2) [وتمثيل ~~المصنف -للمباح- بالسلم] (¬3) أولى من تمثيل ابن الحاجب والبيضاوي بفطر ~~المسافر (¬4)؛ لأنه إن أريد بالمباح ما سبق في تقسيم الحكم، وهو الذي ~~يتساوى طرفا الفعل والترك [فيه] (¬5)، فلا يستقيم فطر المسافر مثالا (¬6) ~~له؛ لأنه إن لم يتضرر فالصوم أولى، وإن تضرر فالفطر، وإن أريد به أعم، وهو ~~ما أذن الشارع في تركه في الجملة اندرج تحته المندوب، والجواب (¬7): بأنه ~~أريد به فطر المسافر مطلقا مع قطع النظر عن التضرر، وعدمه لا يجدي نفعا. PageV01P289 # ثم في تمثيل المصنف -أيضا- بحث؛ لأن كون السلم رخصة ممنوع. # قال الغزالي في "المستصفى": "قد يقال: إن السلم رخصة؛ لأن عموم النهى في ~~حديث حكيم بن حزام (¬1) عن بيع ما ليس عنده (¬2) يوجب حرمته، وحاجة المفلس ~~اقتضت الرخصة، ثم قال: ويمكن أن يقال: افتراق البيع والسلم في الشرط لا ~~يلحق أحدهما بالرخصة (¬3)، فقول الراوي: نهى عن بيع ما ليس عند الانسان، ~~وأرخص في السلم تجوز في الكلام" (¬4). PageV01P290 # قلت: ويؤيده ما قاله ابن عباس (¬1) - رضي الله عنهما في تفسير آية ~~المداينة (¬2) - وهو أنه -تعالى- لما حرم الربا أباح السلم، ويؤيده -أيضا- ~~اتفاق الفقهاء على أن السلم نوع من البيع، والرخصة (¬3) لا تكون نوعا من ~~العزيمة (¬4). PageV01P291 # هذا، وكلام الجمهور ظاهر في أن ما عدا الرخصة من الأحكام عزيمة. # وقال بعض المتأخرين (¬1): لا يوصف الحكم بالعزيمة، ما لم يقع في مقابلة ~~الرخصة، والله أعلم. # قوله: "والدليل" إلى قوله: "والحد". # أقول: الدليل -لغة-: المرشد، أي: الدليل هو الشئ الدال، وهو الذي ينصب ما ~~فيه دلالة، وكذلك العالم بما فيه دلالة بكسر اللام، والعالم بفتحها، وهو ~~الذي نصب للدلالة. # واصطلاحا: ما ms035 أشار إليه بقوله: "ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى ~~مطلوب خبري (¬2) كالعالم للصانع"، وأشار بلفظ الإمكان إلى أن النظر فيه ~~بالفعل لا يشترط؛ لأن حدوث العالم دليل الصانع، نظر فيه أو لم ينظر، وقيد ~~النظر بالصحيح إذ النظر الفاسد لا يوصل إلى مطلوب، وهذا واضح في نظر فاسد ~~المادة والصورة، أو فاسد الصورة وحدها، فإنه لا يفيد قطعا، وأما إذا كان ~~فاسد المادة دون الصورة، فهو مستلزم؛ لأن الكواذب إذا صحت صورتها تستلزم ~~المطلوب، PageV01P292 # وقد بين كيفية تركيب الكواذب (¬1) للاستفتاح في المنطق، وقيد المطلوب ~~بالخبري إخراجا للمعرف، فإن المطلوب فيه تصوري. # والنظر: هو الفكر، وقيل: النظر ملاحظة الفكر (¬2)، والفكر: هو حركة النفس ~~في المعقولات من المطالب إلى المبادئ لطلب علم أو ظن، وإن كانت في ~~المحسوسات تسمى: تخيلا، ثم منها إلى المطالب، كما إذا توجهت النفس إلى ~~إثبات حدوث العالم، فالمطلوب الذي هو حدوث العالم هو مبدأ الحركة الأولى ~~التي تشبه الحركة الهابطة، فإذا ابتدأت منه، وأخذت في طلب المقدمات الموصلة ~~إلى ذلك المطلوب وحصلت المقدمات عندها، فقد تمت الحركة الأولى، فإذا شرعت ~~في ترتيبها، فذلك هو ابتداء الحركة الثانية التي تشبه الحركة الصاعدة، ففى ~~الأولى تحصل مادة الفكر، وفي الثانية تحصل صورة الفكر، فتلزم النتيجة على ~~ما سنشير إليه عن قريب. # مثال ذلك -في المطلوب المذكور-: أن تنظر في العالم وتراه متغيرا ظاهرا، ~~وقد ثبت أن كل متغير حادث لعدم تطرق الحدوث إلى القديم، فنقول: العالم ~~متغير، وكل متغير حادث، فالعالم حادث، ثم يجب أن تعلم PageV01P293 # أن قولنا: العالم دليل الصانع عند الأصوليين -إذ يمكن التوصل به، أي ~~بالنظر في أحواله إلى وجود الصانع- نريد به قبل النظر فيه، وأما بعد النظر ~~لا بد من مقدمتين صغرى تشتمل على موضوع المطلوب، وكبرى تشتمل على محموله: ~~كما يظهر بأدنى تأمل في المثال المذكور، وإنما أطلق المصنف، ولم يقيد ~~بالعلم كما فعله بعضهم (¬1) ليتناول الأمارة؛ إذ أدلة الفقه أمارات، فلا ~~تفيد إلا الظن (¬2). # واختلف الفرق الثلاث، أعني: الأشاعرة، والمعتزلة، والفلاسفة (¬3) في ms036 حصول ~~المطلوب بعد النظر الصحيح: هل هو واجب عقلا لا يجوز تخلفه عن ترتيب ~~المقدمتين على الوجه المعتبر، أم لا؟ # قالت الأشاعرة: يجب عادة (¬4) لا عقلا؛ إذ لا وجوب ولا إيجاب على الله ~~تعالى، والمطالب، الحوادث كلها مستندة إليه ابتداء واختيارا، إن PageV01P294 # شاء فعل، وإن لم يشأ لم يفعل، لكن جرت عادته بأن يفيضى على نفس المستدل ~~-بعد النظر الصحيح مادة وصورة- مطوبه الذي توجه إلى تحصيله. # والمعتزلة: ذهبت إلى حصوله بالتوليد، والتوليد: هو أن يوجد وجود شيء وجود ~~شئ آخر كالنظر هنا، فإنه وجد من الناظر بلا واسطة، وبواسطته تولد منه ~~المطلوب، فالنظر فعل الناظر مخلوق له من غير واسطة [والنتيجة الحاصلة بعد ~~فعله بواسطة، فيسمى توليدا] فعندهم كل فعل صدر عن الحيوان بلا واسطة] (¬1)، ~~يسمى مباشرة، وكل فعل احتاج في صدوره إلى واسطة توليد (¬2). # وذهبت الفلاسفة إلى اللزوم العقلي، أي: بعد اشتمال النظر على الشرائط ~~المعتبرة (¬3) لا يجوز التخلف بوجه؛ لما تقرر عندهم من أن المبدأ تمام ~~الفيض والنفس بواسطة المقدمات المرتبة المشتملة على شرائط مادة وصورة قد ~~استعدت لقبول الفيض، فلا يجوز التخلف إذ لا مانع من الطرفين (¬4). PageV01P295 # والجواب: أن المختار لا يجب عليه شيء، وقد أثبتنا في محله أنه مختار ~~تعالى (¬1) وتقدس (¬2). # [ومما يجب التنبه له أن المعتزلة، وإن قالوا بالتوليد لكن وافقوا ~~الفلاسة] (¬3)؛ إذ التوليد لازم للمباشرة، كحركة المفتاح لحركة اليد. # واعلم أن كلام المصنف منظور فيه من وجهين: الأول: أنه لم يذكر العلم في ~~تعريف الدليل ليشمل الأمارة على ما ذكرناه، ثم أفرد ذكر العلم، وقال: هل ~~العلم عقيبه مكتسب؟ وكان المناسب أن يقول: هل الحاصل؟ # الثاني: أنه لا خلاف عندهم في أن العلم الحاصل، أو الظن بعد النظر في ~~الدليل مكتسب؛ لأن كل استدلالي كسبي، ولا عكس. # وما نقل عن بعض المشايخ (¬4) أن العلم الحاصل بعد النظر ضروري، معناه: ~~أنه لا تأثير لقدرة العبد فيه لأنه لا يحتاج إلى الكسب؛ إذ كل نظري كسبي ~~إجماعا، ولا عكس. PageV01P296 # وفى بعض الشروح هنا كلام غريب، وهو ms037 أن الظن كالعلم في الاكتساب دون ~~اللزوم والعادة؛ إذ لا ارتباط بين الظن وبين شئ آخر (¬1)، ولم يدر أن ~~النتيجة لازمة للمقدمتين سواء كانتا ظنيتين، أو قطعيتين؛ لأن العلم ~~بالمطلوب من القطعيات عند الأشاعرة لما كان بخلق الله تعالى عادة، فكما أنه ~~جرت عادته بخلق العلم في القطعيات، فكذلك الظن في الظنيات، وقد اشتبه عليه ~~أحد المذهبين بالآخر، فإن حصول المطلوب لما كان على وجه اللزوم والوجوب عند ~~الفلاسفة، ففى الظنيات لا لزوم عندهم لابتنائه على اللزوم العقلي، وأما في ~~العاديات (¬2) لا فرق. PageV01P297 # واعلم أن كلام الآمدي (¬1) يشعر باللزوم العقلي (¬2)، وقد صرح به الإمام ~~في "المحصل" (¬3)، وليس بشئ؛ لأنه قد ثبت أنه تعالى فاعل بالاختيار، ولا ~~لزوم مع الاختيار. # فإن قلت: لم لا يجوز أن يجعل متعلق الاختيار الملزوم، وكلما وجد الملزوم ~~وجد اللازم: فيتجه ما قالوا؟ # قلت: كما ثبت أنه مختار ثبت أن الأشياء كلها مستندة إليه ابتداء، فيجب ~~استناد وجود اللازم إليه اختيارا ابتداء، فلا يتم اللزوم العقلي. PageV01P298 # وإنما أطنبنا الكلام في هذا المقام؛ لأنه من مزال أقدام الأفاضل، والله ~~الموفق. # قوله: "والحد" إلى قوله: "والكلام في الأزل". # أقول: الحد -لغة- المنع. # واصطلاحا عند الأصوليين: هو الجامع المانع، أي: الشامل لجميع أفراد ~~المحدود، المانع لدخول أفراد غيره فيه، ولا نظر عندهم في كون المعرف ذاتيا، ~~أو عرضيا أو مركبا منهما. # ويقال: -للتعريف-: المانع، الجامع، المطرد، والمنعكس، فالطرد: راجع إلى ~~كونه مانعا؛ لأن معناه: كلما وجد الحد وجد المحدود، فهو مطرد، أي: مانع عن ~~دخول غير أفراد المحدود، والعكس: هو عكس الطرد المذكور عرفا؛ أي: كلما وجد ~~المحدود، وجد الحد (¬1). # وبعضهم (¬2) أخذه من عكس الإثبات الذي هو النفى، أي: كلما انتفى الحد ~~انتفى المحدود، فقد حكم بما ليس بمحدود على كل ما ليس PageV01P299 # بحد، والمآل واحد، وقد استوفينا الكلام في بحث الحد في تعريف الأصول، ~~فراجعه (¬1)، والله أعلم. # قوله: "الكلام في الأزل". # أقول: اختلف في الكلام في الأزل، أي: المعني القديم القائم بذاته -تعالى- ~~هل يسمى خطابا، أم لا؟ وهذا بحث ms038 لفظي؛ إذ هو مبني على تفسير الخطاب، وقد ~~سبق منا إشارة إليه (¬2)، وهو أن من فسر الخطاب بتوجيه الكلام نحو الغير ~~للإفهام يسميه خطابا (¬3)، ومن فسره بالكلام الموجه نحو المتهيئ للإفهام ~~فلا؛ لأن حاصل المعنى الأول أنه الذي شأنه أن يفهم في الجملة، وحاصل الثاني ~~أنه الذي أفهم إذ اسم (¬4) الفاعل حقيقة في الحال، فيلزم أن يكون في الأزل ~~مفهما بالفعل، وهو محال. PageV01P300 # ويتفرع على كونه خطابا في الأزل كونه حكما فيه، فحيث لا خطاب لا حكم؛ ~~هكذا قيل (¬1). # وأقول: التعريف الثاني لا يصح على مذهب الأشعري القائل بقدم الحكم وتنوعه ~~إلى أمر ونهي في الأزل؛ إذ يستحيل أن يكون أمرا في الأزل ويكون خطابا، وما ~~ذكره بعض الشارحين (¬2) من أن الأصح أنه خطاب حقيقة بتنزيل المعدوم منزلة ~~الموجود فشئ لا يعقل، ولا يلتفت إليه (¬3). PageV01P301 # فإن قلت: الذي علم من كلامك أن مذهب الأشعري قدم الحكم لكونه قائلا بقدم ~~الكلام، وقدم الكلام وإن لم يستلزم قدم الحكم، والخطاب لجواز كون الكلام ~~قديما، وهما حادثان بحدوث التعلق, لكن إجماع الأشاعرة على أن الحكم خطاب ~~الله، وكلاهما قديم، وعند الأشعري أن القدرة على الفعل معه زمانا، وإذا كان ~~المكلف معدوما في الأزل، وقد حكم عليه فيه، فيلزم أن تكون جميع التكاليف ~~واقعة بدون القدرة. # قلت: التحقيق -في هذا المقام- أن التعلق بين الحكم وبين فعل المكلف ~~تعلقان: عقلي، وهو أن زيدا إذا وجد وبلغ إلى حد معلوم، وهو حد البلوغ، فهو ~~مأمور بالصوم مثلا، فإذا وجد بالفعل وبلغ الحد المذكور توجه إليه الخطاب ~~بإيقاع الفعل، وهذا التكليف التنجيزي هو الذي يستلزم القدرة مع الفعل لا ~~العقلي، وبما قررناه زال إشكال آخر، وهو أن كلامه في الأزل صفة واحدة، فلو ~~كان الحكم قديما لزم التعدد ضرورة أن الأحكام متعددة؛ لأن ذلك التعدد إنما ~~هو بالنسبة إلى التعلق، وذلك حادث فيما لا يزال، فاندفع الإشكال، والله ~~أعلم بحقيقة الحال. # والذي ذهب إلى عدم تنوعه في الأزل له دليل إلا أن هذه الأقسام حادثة ~~لتوقف الأمر ms039 على وجود المأمور لعدم تعقله بدون المأمور، وقد عرفت تحقيقه ~~بما لا مزيد عليه. # قوله: "والنظر الفكر". # أقول: هذا التعريف للقاضى أبي بكر الباقلاني، وعبارته: النظر الفكر الذي ~~يطلب به علم أو ظن. PageV01P302 # قال الآمدي (¬1): فسر النظر بالفكر، ثم عرفه تنبيها على اتحادهما معنى ~~عند المنطقيين، واستبعده المحققون إذ لم يعهد مثله في التعريفات. # قيل (¬2): تفسيره بأنه الذي يطلب به علم أو ظن ينتقض بالقوة العاقلة ~~وسائر آلات الإدراك لصدقه عليها. # قلت: المتبادر من باء السببية: السببية القريبة، فلا انتقاض، ولو حمل في ~~عبارة المصنف الفكر على التفسير كان الانتقاض ظاهرا لعدم الباء. # قيل (¬3): الظن الغير المطابق: جهل، فلا يطلب، والمطابق، أي: ما علم ~~مطابقته علم، فذكر الظن مستدرك. # أجيب (¬4): بأن المطابق قد يطلب لا من حيث الجزم، بل من حيث الرجحان فلا ~~محذور. PageV01P303 # قلت: الأحسن والأوجه منع الحصر وإبداء شق ثالث، وهو أن المطلوب هو ~~المشعور به بوجه ما، وليس معلوما لا مطابقته ولا لا مطابقته، فتطلب مطابقته ~~مع الرجحان، لا مع الجزم بحسب المقام، وهو الظن، والمآل واحد، وقد استوفينا ~~الكلام فيما يتعلق بالنظر والفكر في مباحث الدليل بما لا مزيد عليه (¬1) ~~[فراجعه] (¬2)، والله الموفق. # قوله: "والإدراك" إلى قوله: "والعلم". # أقول: الإدراك -لغة-: الوصول يقال: أدركت الثمرة: إذا بلغت حد الكمال ~~ورتبة (¬3) الانتفاع بها. # واصطلاحا: انتعاش [النفس] (¬4) بالصورة الحاصلة فيه بعد ما لم تكن حاصلة، ~~وهو ومطلق التصور مترادفان (¬5)، فإن قيدنا بعدم الحكم كان تصورا ساذجا، ~~وإن قيدنا بالحكم كان تصديقا، فالتصور: هو إدراك الشئ سواء كان بكنهه أو ~~بوجه. PageV01P304 # وما قيل (¬1): إن وصول النفس إلى المعنى إن لم يكن بتمامه يسمى شعورا لا ~~يوافق كلام المنطقيين (¬2)، والمصنف ماش على اصطلاحهم، فقول المصنف: ~~الإدراك بلا حكم تصور فيه حزازة لإيهامه أنه إذا لم يقيد بعدم الحكم لا ~~يطلق عليه التصور (¬3). PageV01P305 # ثم التصديق إن كان جازما ثابتا لموجب (¬1) فعلم, ولموجب إما حسن، أو ~~ضرورة، أو عادة (¬2). # أو دليل قطعي، وإن لم يوجد موجب مع الحكم الجازم، فذلك الحكم اعتقاد ms040 إما ~~صحيح: كاعتقاد المقلد بأن الوتر (¬3) سنة اعتقادا جازما مطابقا للواقع، أو ~~فاسد: كاعتقاد الفلاسفة قدم العالم. PageV01P306 # والحكم الغير الجازم إما راجح، أو مساو، أو مرجوح، فالأول: الظن، ~~والثاني: الشك، والثالث: الوهم، ولما كان المقسم هو التصديق، -والتصديق: ~~إما نفس الحكم، أو الحكم جزؤه (¬1)، فلا ينفك عنه- توجه الاعتراض: بأن ~~الشك: عبارة عن تساوي الطرفين، والوهم: هو الظن المرجوح الذي هو أبعد من ~~الشك، فكيف يجوز تقسيم التصديق إليها ضرورة وجود المقسم في الأقسام؟ وهذا ~~سؤال مشهور. PageV01P307 # وما نقل عن إمام الحرمين (¬1) والغزالي -رحمهما الله-[قالا] (¬2): إن ~~الشك اعتقادان (¬3)، ليس ظاهرا؛ لأن الشك لا إذعان فيه لأحد الطرفين، وكون ~~الشك مشتملا على حكم، خلاف المنقول والمعقول، فإن صح هذا النقل عنهما (¬4)، ~~فتأويله: أن الشك يحتمل كلا من الاعتقادين بدلا عن PageV01P308 # الآخر (¬1)، وهذا التأويل لا يدفع الإشكال عن كلام المصنف؛ لأنه جعل ~~التصديق المشتمل على الحكم مقسما، بل الجواب: ما أشار إليه أفضل المتأخرين ~~(¬2) في بعض كتبه الكلامية- أن ذكرهما ليس من حيث إنهما من أقسام التصديق، ~~بل لأن امتياز أقسامه موقوف عليهما إذ لا تمتاز الأقسام على الوجه الأكمل ~~إلا بملاحظتهما، فأوردهما في معرض التقسيم اعتمادا على أن عاقلا لا يقول ~~-عند تساوي الطرفين، أو مرجوحية أحدهما-: إن المتساوي، أو المرجوح حكم. # قوله: "العلم ... إلى آخره". # أقول: يريد أن يبين أحد الأقسام المذكورة، وهو الاعتقاد الجازم المطابق ~~لموجب المسمى: بالعلم عندهم. # وحاصل ما ذكره المصنف ومن تقدمه أن في تصور ماهية العلم بكنه حقيقته ~~خلافا، ذهب إمام الحرمين وتبعه كثير من المحققين (¬3) إلى أنه ممكن، PageV01P309 # ولكنه عسر جدا، وما نقل عنه -في وجه العسر- أن تحديد الماهيات الحقيقية ~~والأشياء المحسوسة مشكل لالتباس الجنس بالعرض العام، والفصل بالخاصة (¬1)، ~~فتعريف الإدراك بالطريق الأولى لخفاء الجنس والفصل فيه، ثم قال: فالوجه في ~~ذلك أن تميز العلم عن غيره بالقسمة والمثال. # واعترض الآمدي بأن القسمة والمثال إن أفادا تمييزا عن الغير، فذاك رسم ~~له، وإلا فلا فائدة فيهما (¬2)، وهذا الكلام إنما يرد على الإمام أن لو نفى ~~مطلق ms041 التعريف، بل إنما نفى تحديدا يفيد معرفة كنه العلم والإحاطة بحقيقته، ~~فكيف يرد عليه ما أورده؟ ! # وقال الإمام: تارة ضروري فلا يحد، وتنزل تارة، وعرفه بأنه الحكم الجازم ~~المطابق لموجب (¬3)، أي: لو كان كسبيا كذا كان يعرف، والتبس (¬4) هذا على ~~بعض الناس، فقال: "وحده"، مع PageV01P310 # قوله: "إنه ضروري لكن بعد حده، ف "ثم" هنا للترتيب الذكري لا المعنوي"، ~~هذا كلامه، [فتأمله. # واستدل الإمام على بداهته بوجهين: # الأول: أن غير العلم إنما يعلم به، فلو علم العلم بغيره كان دورا. # الثاني: أن كل أحد يصدق بوجوده، والتصديق المتعلق بوجوده أخص من مطلق ~~التصديق، وإذا كان الخاص بديهيا، فالعام -أيضا- كذلك، فعلم أن ماهية العلم ~~معلومة. # وأجيب -عن الأول-: بأن غير العلم تتوقف معرفته على حصول العلم، وتصور ~~العلم يتوقف على تصور الغير، فلا دور. # وعن الثاني: بأن كل أحد يصدق بوجوده، ولكن لا يلزمه تصور ذلك التصديق حتى ~~يلزم منه تصور العلم. PageV01P311 # الحاصل: أن حصول الشئ لا يستلزم تصوره: كالجواد، فإن الجود موجود فيه، مع ~~عدم تصوره إياه. # ثم قول المصنف: وقيل: ضرورممط لا يحد، فيه حزازة؛ لأنه يشعر بأن الإمام ~~-مع كونه قائلا بأنه ضروري- يجوز تحديده وقد عرفت أنه ليس كذلك] (¬1). # قوله: "ثم قال المحققون: العلم لا يتفاوت"، أراد به إمام الحرمين (¬2) ~~ومن تابعه؛ لأنهم ذهبوا إلى أن الاعتقاد الجازم المطابق لموجب -سواء كان ~~ذلك الموجب عقلا، أو عادة، أو حسا، أو دليلا- لا يقبل التفاوت، ولو بأدني ~~شيء، وإلا لم يكن يقينا، والجلاء والخفاء الذي يوجد بين اليقينيات إنما هو ~~من المتعلقات كقولنا: الواحد نصف الاثنين، فإنه أجلى من كون الكل أعظم من ~~الجزء (¬3)، وفيما ذهبوا إليه نظر؛ لأن الإيمان تصديق خاص، مع أن مذهبهم أن ~~نفس ذلك التصديق يزيد (¬4) وينقص من (¬5) غير انضمام شئ آخر إليه، وأيضا ~~تقسيم اليقين في الكلام القديم إلى علم اليقين، وإلى عين PageV01P312 # اليقين (¬1) فيه دلالة ظاهرة على تفاوت مراتب اليقين (¬2) كما صرح به بعض ~~الفضلاء في تفسيره (¬3). # واعلم أن الصحيح والمختار أنه كسبي ويعرف، ولم ms042 يذكره المصنف، فكأنه يميل ~~إلى أنه ضروري، أو عسر (¬4). # وأولى ما قيل في تحديده: صفة يتجلى (¬5) به المذكور، أو صفة توجب PageV01P313 # تمييزا لا يحتمل النقيض، فيخرج الظن، والاعتقاد الجازم بدون موجب، والشك، ~~والوهم، وهو ظاهر (¬1). # قوله: "والجهل". # أقول: عرف الجهل بتعريفين: أحدهما: انتفاء العلم بالمقصود، والثاني: تصور ~~المعلوم على خلاف هيئته، فالأول هو الجهل المعروف بالبسيط، والثاني هو ~~الجهل المركب. # وجه التسمية: أن في الأول شيئا واحدا حكم عليه بأنه جهل، وهو انتفاء ~~العلم بما شأنه أن يعلم. # والثاني: مركب، قيل (¬2): لأنه مشتمل على جهلين؛ لكونه جاهلا في الواقع، ~~وجاهلا بأنه جاهل. PageV01P314 # وهذا غير صحيح؛ لأن الجهل المركب هو اعتقاد ما ليس بواقع [واقعا] (¬1)، ~~وما ذكره هذا القائل لا يستلزمه (¬2)؛ لأن الجهل يصدق بانتفاء العلم بالشئ ~~(¬3)، مع عدم الاعتقاد بشئ، فتأمل! # بل الحق أنه مركب؛ لأن انتفاء العلم حاصل، فذاك جهل، واعتقاده أنه ليس ~~بمنتف خلاف للواقع، فهو جهل آخر. # وقوله: "بالمقصود" أي: ما من شأنه أن يقصد ويتوجه ليعلم سواء كان العلم ~~به ممكنا، أو مستحيلا. PageV01P315 # وما قيل (¬1): إن قوله: "بالمقصود" يخرج ما لا يقصد كأسفل الأرض، فإن ~~انتفاء العلم به لا يسمى جهلا، مما لا يساعده عقل ولا نقل (¬2). # وقول المصنف: تصور المعلوم يريد به (¬3) ما من شأنه أن يعلم وإلا في ~~الجهل لا علم، والله أعلم. PageV01P316 # وقوله: "على خلاف هيئته" أي: صفته، وأراد بالتصور المذكور التصديق؛ لأن ~~تصور الشئ على خلاف صفته يستلزم الحكم عليه، كما ذكرنا أنه الاعتقاد الغير ~~المطابق، ولا مناقشة في ذلك، إذ مطلق التصور مرادف للعلم بمعنى حصول الصورة ~~[للشئ] (¬1) في الذهن، فكما يصح إطلاق العلم على التصديق يصح إطلاق مرادفه عليه. # والسهو: هو الذهول عن المعلوم مع بقاء صورته المرتسمة في القوة الحافظة. # والنسيان: زوال صورته عن القوة [المدركة] (¬2). # قوله: "مسألة الحسن المأذون". # أقول: الحسن والقبح -عند الأشاعرة- لما لم يكونا ذاتيين لفعل المكلف، بل ~~شرعيين -بمعنى أن ما ورد الشرع بتحسينه فهو حسن، وما لا فلا- اختلفت كلمتهم ~~في تفسيرهما: # قال بعضهم: الحسن ms043 ما أمر الشارع بالثناء على فاعله، والقبيح ما أمر بالذم ~~له، فالمباح وفعل غير المكلف غير حسن بهذا التفسير، وكذلك المكروه. # والقبيح: هو الحرام؛ إذ المراد أن الفعل الذي أمر بالثناء على فاعله يصلح ~~أن يكون متعلق الثواب، والذي ذم فاعله يصلح أن يكون سببا للعقاب. PageV01P317 # ومنهم من قال: ما لا حرج في فعله فهو حسن، وما فيه حرج فقبيح، فالمباح ~~وفعل غير المكلف والمكروه حسن؛ لانتفاء الحرج منها، وفعل الله حسن ~~بالتفسيرين، وكلام المصنف لا يوافق شيئا من المذهبين؛ إذ المكروه على ~~التفسيرين إما حسن، أو واسطة، وقد أدخله المصنف مع خلاف الأولى في القبيح، ~~وما نقله عن إمام الحرمين دال على أن المختار عنده هو التفسير الأول. # وقد سبق في بحث الأحكام تحقيق معنى الحسن والقبح بما لا مزيد عليه، ~~فراجعه (¬1). # قوله: "مسألة: جائز الترك ليس بواجب". # أقول: قد سبق في تعريف الحكم، وتقسيمه أن الوجوب عبارة [عن] (¬2) اقتضاء ~~الفعل مع عدم جواز الترك، يعني: ماهيته مركبة من هذين الأمرين، والمركب ~~ينتفي بانتفاء أحد أجزائه، فلا يعقل أن يكون جائز الترك واجبا، وقد خالف في ~~ذلك الكعبي (¬3) من المعتزلة وبعض الفقهاء. PageV01P318 # أما شبهة الكعبي، فهى أن ترك الحرام واجب، والمباح مما يحصل به ترك ~~الحرام، فيكون واجبا (¬1). # قيل له: إن المباح ليس متعينا لذلك؛ لأنه يحصل بالواجب والمندوب أيضا. # قال: فليكن من الواجب المخير كخصال الكفارة. # قيل له: معارض بالإجماع، فلا يلتفت إليه. # قال: دليلي قطعي يجب تأويل الإجماع بالنظر إلى ذات الفعل لا إلى ما ~~يستلزمه من ترك الحرام. # وقال بعض الأفاضل (¬2): الجواب الذي لا محيد عنه هو أن ما لا يتم الواجب ~~إلا به لا يلزم أن يكون واجبا شرعيا، بل قد يكون أمرا عقليا، والمباح ~~بالنظر إلى ترك الحرام كذلك. # وفيه نظر؛ إذ الكعبي يدعي أن المباح -الذي تعلق به الإباحة التي هي أحد ~~الأحكام الشرعية- هو في ماصدقات الواجب الشرعى، وفرد من أفراده، فكيف يسلم ~~ما ذكره هذا الفاضل؟ # وأقول: التحقيق -في هذا المقام- هو أن ms044 ترك الحرام له معنيان: # أحدهما: عدم ارتكاب الحرام الذي لا تأثير للنفس فيه، كما يظهر ذلك في ~~النائم، أي المعنى العدمي. PageV01P319 # والثاني: كف النفس عند القدرة على المحرم، واجتماع الأسباب، وهذا القسم ~~هو المتنازع فيه، كما ظهر من تعريف المحرم بأنه ما يعاقب فاعله ويثاب تاركه ~~ضرورة أن الثواب إنما يترتب على الفعل الاختياري المقرون بالقصد والنية؛ ~~على ما صرح به قوله عليه أفضل الصلاة وأكمل التسليم: "إنما الأعمال ~~بالنيات" (¬1)، والإلزام أن يكون النائم مثابا على ترك جميع المحرمات، ولم ~~يقل به أحد. # فإذا تقرر هذا، فنقول: ذلك [الكف] (¬2) واجب لثبوت استلزامه الثواب، وليس ~~بمباح؛ لأن المباح لا ثواب فيه، وانتفاء اللازم يوجب انتفاء الملزوم. # وأما قول الفقهاء: إن الصوم يجب على الحائض والمسافر والمريض، أو على ~~المسافر دون الحائض والمريض؛ لكون عذرهما غير اختيارى، فلهم على ذلك دليلان ~~ضعيفان: أحدهما: أن شهود الشهر موجب للصوم؛ لقوله تعالى: {فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه} [البقرة: 185]، وهو ممن شهد الشهر. # الجواب: أن الموجب إنما يوثر عند ارتفاع الموانع، ألا ترى أن الصبي ~~والمجنون ممن شهد الشهر، ولم يقل بالوجوب عليهما. # الثاني: وجوب القضاء على هؤلاء، فلو لم يكن الأداء واجبا لما وجب القضاء. PageV01P320 # قلنا: قد حققنا في بحث الأداء والقضاء أن سبق الوجوب في الجملة كاف في ~~لزوم القضاء، ولا يشترط الوجوب على القاضي، كما يظهر ذلك في من نام جميع ~~الوقت، فإنه يجب عليه القضاء إجماعا، مع أنه غير مكلف في ذلك الوقت إجماعا؛ ~~لأنه غافل، والغافل لا يكلف على ما سبق تحقيقه (¬1). # ثم قول الإمام الرازي: "إن الواجب أحد الشهرين على المسافر " (¬2). # إن أراد أن الواجب عليه ابتداء أحد الشهرين ليكون من قبيل الواجب المخير ~~كخصال الكفارة على ما ذهب إليه بعض الشارحين (¬3)، # فليس كذلك (¬4)؛ لأن الصوم عزيمة، والإفطار رخصة (¬5). # وإن أراد أن الشرع أباح له الإفطار لعذر السفر، فليس في كلامه زيادة ~~فائدة. PageV01P321 # وقد حكم المصنف بأن الخلف لفظي لعدم اختلاف الأحكام باختلاف عباراتهم. # قوله: "والمندوب مأمور به". # أقول: ms045 قد اختلف في أن المندوب هل هو مأمور به أم لا؟ بعد اتفاقهم على أنه ~~ليس مكلفا به. # ويجب أن يعلم أن الاختلاف إنما هو في لفظ الأمر المركب من الهمزة والميم ~~والراء، لا في مسمياته التي هي صيغة أفعل ونظائرها، إذ لا مخالف في أن صيغة ~~أفعل (¬1) لم ترد للندب، بل للإباحة أيضا. # ومنشأ الخلاف: تفسير معنى لفظ: أمر الشارع بكذا، هل هو حقيقة في الإيجاب، ~~أم للقدر المشترك؟ # فمن ذهب إلى الأول: لا يسعه القول بأن المندوب مأمور به، ومن ذهب إلى ~~الثاني فتناول الأمر للواجب والمندوب عنده لا يتفاوت، لأنه حقيقة فيهما. # قال الغزالي: المندوب مقتضى، لكن مع سقوط الذم عن تاركه، والواجب مقتضى، ~~لكن مع ذم تاركه، ثم قال: وقال قوم: المندوب غير داخل تحت الأمر، وهو فاسد، ~~واستدل على بطلانه (¬2). PageV01P322 # وهذا الكلام لا يدل على المقصود، وهو كون لفظ الأمر حقيقة في الندب على ~~ما هو المتنازع فيه، لكن صرح في موضع آخر من "المستصفى" بأن لفظ الأمر ~~مشترك بين الإيجاب والندب، فاستقام ما ذكره (¬1). # ولما كان معنى التكليف إلزام ما فيه كلفة، أي: مشقة لم يكن المندوب مكلفا ~~به خلافا للأستاذ أبي إسحاق رحمه الله حيث قال: لما أمر به على وجه الطاعة، ~~فقد كلف به. # قلنا: ممنوع؛ لأنه في سعة من تركه، فلا إلزام. # ونقل المصنف عن القاضي أبي بكر الباقلاني (¬2) أنه قائل: بأن المندوب ~~والمباح مكلف به (¬3)، وزاد بعض الشارحين (¬4): المكروه -أيضا- وذكر ~~الأستاذ معه. # وأقول: إن صح هذا النقل عنهما (¬5) يؤول بأن مرادهما أن هذه الثلاثة من ~~الأحكام الشرعية المعتبرة في معرض التقسيم؛ لأن كون الحكم الشرعي [عبارة] ~~(¬6) عن الإيجاب والتحريم مما لا سترة به ولا يخفى على أحد، PageV01P323 # بخلاف الأحكام الثلاثة إذ ربما تشتبه على من لا تحقيق عنده، ولا يظن ~~بهؤلاء الأئمة أن يعتقدوا أن المباح والمكروه يلزم به المكلف، أو يطلب منه ~~على وجه الطاعة؛ إذا التكليف لا يخلو عن أحدهما، والله أعلم. # قوله: "والأصح أن المباح ليس بجنس ms046 للواجب". # أقول: الإباحة الشرعية تباين سائر الأحكام الشرعية وجوبا كان أو غيره، بل ~~الأحكام الخمسة أنواع متباينة داخلة تحت مطلق الحكم، ومن ظن أنه جنس إنما ~~نشأ وهمه من قصور النظر إلى جانب الفعل (¬1)، حيث رأى أن الوجوب يشتمل على ~~الجواز بمعنى الإباحة الأصلية، فظن أن ذلك الجواز هو معنى الإباحة الشرعية، ~~ولم يدر أنه لو كان جنسا لزم جواز ترك كل واجب؛ لأن الإباحة تستلزم جواز ~~الترك؛ لأن ماهيته مركبة من جواز الفعل والترك. # بيان اللزوم: أن الإباحة على تقدير أن يكون جنسا لا يوجد واجب بدونه؛ لأن ~~الجنس جزء، والكل بدون الجزء لا يوجد. # وإذا لزمت الإباحة الوجوب لزم المحال المذكور (¬2). PageV01P324 # قوله: "وهو [غير] (¬1) مأمور به". # أقول: ذهب الجمهور إلى أن المباح ليس مأمورا به، وخالفهم الكعبي. # استدل الجمهور: بأن الأمر طلب، والطلب يستدعي ترجيح المطلوب، والمباح لا ~~ترجيح فيه لتساوي طرفي الفعل والترك فيه (¬2). # واستدل الكعبي: بأن المباح فعله يستلزم ترك الحرام، وترك الحرام واجب، ~~فالمباح واجب. PageV01P325 # وقال المصنف: الخلف لفظي، ولهذا قيده بقوله: "من حيث هو" احترازا عن ~~الاستلزام المذكور، وليس بشئ؛ لأنا لا نسلم اتصاف المباح بالوجوب في صورة ~~من الصور، وقد سبق تحقيقه (¬1). # وما يظن من أن فعل المباح يستلزم ترك الحرام، فيكون واجبا (¬2) غلط؛ لأن ~~استلزام فعل المباح لا يلاحظ فيه كونه شرعيا، ألا ترى أن لو لم تكن الإباحة ~~أمرا شرعيا كان الاستلزام بحاله بلا تفاوت. # قوله: "وأن الإباحة حكم شرعي". # أقول: لما عرف الحكم الشرعي بأنه الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين ~~بالاقتضاء أو التخيير، كان شموله للإباحة واضحا إلا أنه لما كان مظنة أن ~~يلتبس بالإباحة [الأصلية] (¬3) الثابتة في الأشياء قبل البعثة أشار إلى أن ~~الإباحة -التي هي أحد الأحكام الخمسة المشهورة- حكم شرعي؛ لأنه مستفاد من ~~الشرع، وإن كانت أفعال العباد قبل الشرع لا مؤاخذة عليها لأن ذلك لا يسمى ~~حكما شرعيا عند الأشاعرة (¬4)، حتى الاعتقادات المطابقة للواقع لا تسمى ~~أحكاما PageV01P326 # شرعية إلا إذا أخذت من الشرع، ومن لم تبلغه الدعوة ليس ms047 بمكلف بشئ من ~~الأحكام (¬1). # وتوهم بعض المعتزلة أن الإباحة هي انتفاء الحرج من الفعل والترك، وذلك ~~ثابت قبل الشرع، فلا يكون حكما شرعيا، وقد علم الفرق مما ذكرناه فتأمله! # قوله: "وإن الوجوب إذا نسخ بقي الجواز". # أقول: اختلفوا في أن الوجوب إذا نسخ هل يبقى الجواز، أم لا؟ # فذهب الإمام الغزالي إلى عدم بقائه (¬2). # ولا بد -أولا- من تحرير محل النزاع، وهو أن الجواز له معنيان: # أحدهما: عدم الحرج في الفعل الشامل للمندوب، والمباح، والمكروه. PageV01P327 # الثاني: عدم الحرج في الفعل والترك، أي: الذي تساوى طرفاه [بإذن] (¬1) ~~الشارع الذي هو أحد الأقسام الخمسة، وهو الذي نفاه الغزالي؛ لأنه قال: ~~الواجب لا يتضمن الجواز (¬2). # فإن حقيقة الجواز التمييز بين الفعل والترك، والتساوي بينهما بتسوية ~~الشرع، ولا نزاع لأحد في ذلك إذ الجواز بهذا المعنى قسيم للواجب، فكيف يكون ~~جزءا منه؛ وأما الجواز بالمعني الأول، فهو جنس للواجب، والمندوب، والمباح، ~~والمكروه إذ كل من الأحكام المذكورة مركب من الجنس (¬3) المذكور، وفصل يميزه. # وقد علم أن المركب ينتفي بانتفاء أحد أجزائه، ولا يشترط انتفاء الأجزاء كلها. # فإذا نسخ الوجوب -أي: رفع عن المكلف لزوم الفعل الذي هو فصل الوجوب وحصل ~~الإذن في الترك- بقى الجواز الشامل للمندوب والمباح والمكروه. PageV01P328 # فقول المصنف: بقي الجواز، أي: عدم الحرج، يريد به المعنى الشامل للأحكام ~~الثلاثة المذكورة، وهذا هو القول المنصور (¬1). # وأشار بعده إلى: "وقيل: الإباحة" إلى قول مزيف، وهو أن الجواز الباقي بعد ~~النسخ- هو الإباحة الشرعية، وقد عرفت بطلانه. # وكذلك قوله: "وقيل: الاستحباب"، باطل بالدليل الذي ذكرنا في إبطال كونه إباحة. # ومن قال: بأن الباقي هو الاستحباب كأنه توهم أن الطلب الجازم إذا انتفى ~~قد يكون انتفاؤه بانتفاء الجزم، مع بقاء الطلب الذي هو الندب، ولم يدر أنه ~~إذا انتفى الجزم بالفعل حصل الإذن في الترك وشمل الأحكام الثلاثة. # وعورض هذا الدليل: بأن الجواز الذي هو جنس لو بقى بدون الفصل لزم تقوم ~~الجنس بدون الفصل، وهو محال. # وأجيب -أولا- بالمنع، وثانيا، ولئن سلمنا عدم جواز تقوم الجنس بدون الفصل ms048 ~~لكن لم يلزم ذلك من دليلنا. PageV01P329 # غايته: يتقوم -بعد النسخ- بفصل آخر، وهو عدم الحرج [في الترك] (¬1) هذا، ~~وقد اعترض بنسخ وجوب استقبال بيت المقدس، فإنه لم يبق بعد النسخ جواز (¬2). # وقد علم من تقريرنا جوابه حيث قلنا: انتفاء المركب تارة يكون بانتفاء ~~جميع الأجزاء. # والقائلون ببقاء الجواز -بعد النسخ- يدعوا قضية كلية حتى يرد عليهم النقض. # قوله: "الأمر بواحد من أشياء ... إلى آخره". # أقول: هذه مسألة الواجب المخير، وهي الأمر بواحد مبهم من أشياء معينة ~~(¬3) مستقيم عندنا خلافا للمعتزلة، واضطربت آراؤهم في ذلك. PageV01P330 # فقالت طائفة: الواجب واحد [معين عند الله، وهو الذي يأتي به المكلف ~~ويختلف باختلاف المكلفين. # وقال بعضهم: الواجب واحد] (¬1)، ولا (¬2) [يختلف] (¬3)، لكن يسقط بفعل ~~الآخر أيضا. # لنا: القطع بالجواز إذ لو قال الشارع: أوجبت عليك [واحدا] (¬4) من هذه ~~الأمور -وأيا فعلته فقد صادفت المراد، وإن تركت الكل توجه الذم عليك؛ لأنك ~~لم تأت بذلك الواحد المبهم- لم يلزم منه محال. # والنص أيضا قد دل على ذلك (¬5). # والإجماع على وجوب تزويج أحد الخاطبين الكفؤين من غير تعيين، وكذلك نصب ~~أحد المستعدين للإمامة، والاجماع على أن التأثيم بترك واحد. # وقالت المعتزلة: الواجب الكل، ويسقط بفعل البعض كالواجب على الكفاية. # قلنا: الفرق بالإجماع على تأثيم الجميع هناك، وعلى التأثيم بترك واحد ~~هنا؛ إذ القائل (¬6) بوجوب الجميع لم يخالف، فالإلزام لازم. PageV01P331 # قالوا: غير المعين مجهول، فلا يتصور فضلا عن الحكم عليه بالوجوب. # قلنا: مجهول شخصا، معلوم جنسا، وهو كونه واحدا من الثلاثة، فصح أنه غير معين. # قالوا: لو كان الواجب غير معين، فإن وقع التخيير بينه وبين غيره كان ~~التخيير بين الواجب وغيره، وإلا لزم اجتماع التخيير والوجوب في شيء واحد، ~~وكلاهما باطل. # قلنا: منقوض بوجوب اعتقاد واحد من الجنس، وتزويج أحد الخاطبين. # والجواب الحاسم لهذه الشبهة: أن الواجب، وهو المبهم لم يقع فيه التخيير، ~~والذي وقع فيه -وهو كل واحد من المعينات المردد فيها- ليس بواجب لأنه ينافي ~~وصف التعيين. # قالوا: الآمر يجب أن يعلم المأمور به. # قلنا: كذلك لكن كما أوجبه إن ms049 معينا فمعينا، أو مبهما فمبهما. # قالوا: علم في الأزل أن المفعول ماذا هو، فكان الواجب. # قلنا: من حيث إنه واحد من تلك الأمور، ولهذا ردد فيها، [وللقطع بأن الخلق ~~في وجوبه شرع] (¬1). PageV01P332 # هذا تحقيق المسألة بما لا مزيد عليه، وشرح كلام المصنف ظاهر مما قررناه ~~إذ قوله: "يوجب واحدا لا بعينه" إشارة إلى المذهب المنصور (¬1). # وقوله: "قيل: الكل" إشارة إلى قول طائفة من المعتزلة. # وقوله: "وقيل: الواجب معين". # وقوله: "وقيل: ما يختاره المكلف" مذهبان آخران لهم، كما أشرنا إليه في ~~صدر البحث. # وقوله: "وإن فعل [الكل] (¬2) قيل: الواجب أعلاها". # وجه ذلك: أن اللائق بالغنى المطلق -تعالى وتقدس- أن يثيب كذلك لأن العبد ~~الفقير قد أتى بالواجب وزيادة. # وإن ترك الكل، فعقاب أدناها بالدليل المذكور آنفا. PageV01P333 # والحق: أن ما كان في علمه أن لو أتى به كان مسقطا هو المثاب عليه ~~والمعاقب به، فتأمل! # قوله: "ويجوز تحريم واحد لا بعينه". # أقول: قاس الأصحاب تحريم واحد لا بعينه على وجوبه كذلك، والدليل هو ~~الدليل اعتراضا وجوابا، والمخالف هو المخالف، وهم المعتزلة (¬1) لكنهم لم ~~يوجبوا الإتيان بالجميع في المسألة الأولى، وإن قالت طائفة بوجوب الجميع ~~بسقوطه بفعل واحد منها، وفي هذه المسألة ذهبوا إلى وجوب ترك الجميع لاقتضاء ~~النهى عن القبح، وإن كان بصيغة التخيير احتياطا، اللهم إلا أن يدل [دليل] ~~(¬2) على أن المراد منع الجمع، فيجوز فعل أحدهما (¬3). # قوله: "قيل: لم ترد به اللغة" إشارة إلى منع من جهة المعتزلة تقريره: ~~أنكم ادعيتم أن النهى عن واحد لا بعينه جائز، وهي كمسألة المخير، ولا ~~يستقيم قياسكم على ذلك، إذ في المخير ورد الأمر من الشارع بذلك، PageV01P334 # وفي النهي لا ورود للنهي من الشارع بذلك، ولا دل عليه اللغة إذ لم نجد في ~~كلام العرب ما هو نص في ذلك. # وقوله تعالى: {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} [الأنسان: 24] لتحريم كل واحد ~~لا لواحد [لا بعينه] (¬1)، وهذا الكلام منهم في غاية السقوط إذ الكلام في ~~الجواز لا في الوقوع. # وما قاله بعضى الشارحين (¬2): إن ms050 الإجماع لمستنده صرفه عن ظاهره، ما له ~~معنى صحيح. # قوله: "مسألة فرض الكفاية ... إلى آخره". # أقول: فرض الكفاية: هو الفعل الذي يجب ويحصل الغرض منه بفعل البعض (¬3). PageV01P335 # قال الإمام في "المحصول": "الأمر إذا تناول جماعة إما أن يتناولهم على ~~سبيل الجمع، أم لا، فإن تناولهم على سبيل الجمع إما أن يكون فعل بعضهم شرطا ~~في فعل البعض: كصلاة الجمعة، أو لا يكون كما في {وأقيموا الصلاة} (¬1) وإن ~~تناول الجماعة لا على سبيل الجمع، فذلك من فروض الكفاية" (¬2). # ثم قال: "وإن غلب على ظن كل طائفة أن غيرهم يقوم به سقط الفرض عن كل واحد ~~من تلك الطوائف" (¬3). # وإنما أوردنا كلام الإمام لتعلم أن ما نسبه إليه المصنف من أن مختاره ~~الوجوب على البعض ليس كذلك، لأن كلام "المحصول" صريح في خلاف ذلك (¬4). PageV01P336 # ثم المذهب المنصور -وهو مختار الجمهور، وتبعهم والد المصنف- أنه واجب على ~~الكل، ويسقط بفعل البعض (¬1). # والذي يدل على ذلك تأثيم الجميع إذا يأت به أحد منهم، إذ لا يعقل تأثيم ~~من لا وجوب عليه. # واستبعد المخالف سقوط الواجب على عمرو بفعل زيد. PageV01P337 # قلنا: لا استبعاد؛ لجواز أداء دينه بغير إذنه. # قيل: كما وجب واحد مبهم من [خصال الكفارة، فليجب على واحد مبهم. # قلنا: الفرق ظاهر؛ لإمكان التأثيم على ترك واحد مبهم، وامتناع تأثيم واحد ~~لا بعينه. # قالوا: قوله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} [التوبة: 122] ~~صريح في البعض] (¬1). # قلنا: ظاهر قابل قطعيا يجب أن يؤول: بأن فعل الطائفة يسقط الوجوب عن الكل. # قيل: لو وجب على الكل توقف سقوطه عن الباقين على خطاب آخر، فيكون نسخا. # قلنا: رفع تعلق الحكم لا يجب أن يكون بالناسخ؛ لجواز أن ينسب الشارع ~~أمارة على ذلك: كاحترام الميت بصلاة البعض، وحصول الأمن بجهاد طائفة، ~~والاكتفاء في الأمور الشرعية بفقه طائفة من كل فرقة وبلدة. # ثم قد اختلف في أفضلية فرض العين، وفرض الكفاية: PageV01P338 # فالذي ذهب إلى الأول: استدل باعتناء الشارع بفرض العين حيث أوجبه على كل ~~مكلف (¬1). # ومن نحا إلى ms051 الثاني: رجحه بتأثيم الجميع بتركه وعموم نفعه لكافة ~~المسلمين. والذي يقتضيه النظر الصائب: أنه ليس الأمر على إطلاقه، بل يتفاوت ~~بحسب الفروض والمقام؛ إذ لا يخفى أن صلاة الجمعة، وصلاة الصبح أعظم شأنا من ~~الصلاة على مكاس (¬2)، أو مدمن حمر. # قوله: "المختار: البعض منهم"، قد علمت أنه غير مختار نقلا ودليلا. # وقيل: معين، أي ذلك البعض عند الله، ويسقط بفعل غيره، نظيره أحد المذاهب ~~المزيفة في الواجب المخير. PageV01P339 # وقيل: من قام به هو المكلف به لسقوطه بفعله، وإذا تأملته وجدته راجعا إلى ~~ما اختاره المصنف، وهو البعض المبهم، لعدم تعين البعض في الموضعين وسقوط ~~الوجوب بفعل كل من قام به (¬1). # قوله: "وسنة الكفاية كفرضها" أي: ما ذكر من الخلاف في فرض الكفاية من أن ~~المخاطب به كل المكلفين أو البعض، والبعض معين أو مبهم، وهل سنة العين ~~أفضل، أم سنة الكفاية؟ جاز في سنة الكفاية (¬2). # ثم تعريف المصنف لا بد له من قيد آخر ليصير مانعا، وهو أن يقال: مهم يقصد ~~حصوله من غير نظر إلى ذات فاعله، مع تأثيم الكل على تقدير الترك، وإلا يدخل ~~فيه سنة الكفاية. # والعجب من بعض الشارحين (¬3) أنه عرف سنة الكفاية بما عرف المصنف فرض ~~الكفاية (¬4)، ولم يتنبه لاختلال تعريف المصنف طردا (¬5). PageV01P340 # واعلم أنه قد اختلف في لزوم الإتمام بعد الشروع في فرض الكفاية. # الجمهور: على وجوبه. # وقيل: لا يجب (¬1)، [ولا] (¬2) شك أن المسألة فرع فقهى [حيث] (¬3) ذهب ~~الجمهور وكان هو المذهب، [والله أعلم] (¬4). # قوله: "مسألة: الأكثر أن جميع وقت الظهر". # أقول: هذه المسألة هي مسألة (¬5) الواجب الموسع، وهذه التسمية بالنظر إلى ~~وقت الواجب (¬6) PageV01P341 # [(¬1) إذ الوقت: إما أن يكون معيارا للواجب: كشهر رمضان، ويسمى الواجب ~~مضيقا، أو يكون الوقت زائدا على المقدار الذي يقتضيه وقوع الفعل فيه، ويسمى ~~الواجب المتعلق فيه موسعا. # والقسم الثالث: وهو أن ينقص الوقت عن مقدار الفعل غير معقول (¬2). # إذا تقرر هذا، فنقول: ذهب الجمهور إلى أن جميع الوقت وقت لأدائه جوازا، ~~وإن كان الأول أفضل. # وذهب القاضي ومن تابعه ms052 إلى أن الواجب بعد دخول الوقت أحد الأمرين: إما ~~إيقاع الواجب، أو العزم على إيقاعه في ثاني الحال (¬3). PageV01P342 # وبعض الحنفية: إلى أن الوقت آخره حتى لو أوقعه فيما قبل ذلك المقدر ~~المذكور يكون نفلا: كتعجيل الزكاة (¬1). # والكرخي (¬2) -منهم-: إلى أن المكلف إن لم يبق لصفة الوجوب مكان كالزكاة ~~المعجلة، وإن بقى فما فعله كان واجبا (¬3). PageV01P343 # وقوم: إلى عكس ما ذهبت إليه الحنفية، وهو أن وقته هو الأول، والتأخير عنه ~~يجعله قضاء (¬1)، هذا هو المشهور في كتب الأصول. # والمصنف عبر عما نسبناه إلى الحنفية بلفظ: قيل، وصرح بنسبة مذهب آخر إلى ~~الحنفية، وهو أن الجزء الذي يقع فيه فعل الواجب هو وقت الأداء، أي جزء من ~~أول الوقت إلى آخره، فإن لم يوقعه في تلك الأجزاء، فيتعين الجزء الأخير ~~(¬2)، وهذا الأخير لا يمتاز عن مذهب الجمهور، فتأمله! # لنا -استدلالا على ما ذهب إليه الجمهور-: أن الشارع بين الوقت مطلقا، ~~فالقول بتقييده تحكم. # الثاني: أنه لو كان معينا، فالمصلي في غير ذلك الجزء إما مقدم فلا يصح ~~منه، أو مؤخر فيقضى، والإجماع على خلافه. # القاضي ومن تابعه قالوا: من أول الوقت إلى الآخر، إما الفعل أو العزم ~~واجب إجماعا. PageV01P344 # قلنا: لا تعلق -له- بالمبحث: لوجوب العزم في جيع الواجبات إجمالا ~~وتفصيلا، حتى لو عزم على ترك واجب -بعد دهر طويل- لأثم اليوم. # الحنفية: لو كان الأول وقتا لعصى بالتأخير. # قلنا: لو لم يكن موسعا، فلا يتفاوت من حيث إنه وقت، وهو كخصال الكفارة ~~نظرا إلى أجزاء الوقت. # وقد نقل الغزالي -رحمه الله تعالى- مذهبا آخر، وهو أن الوقت الجزء ~~الأخير- وإذا وقع قبل ذلك الجزء، فنفل يسقط به الفرض. # واستدل على بطلانه: بأنه لو كان كما قاله لصح بنية النفل، بل لم يصح بنية ~~الفرض، ولم يقل به أحد (¬1). # قوله: "ومن أخر، مع ظن الموت عصى". # أقول: هذه المسألة من فروع الواجب الموسع، وهي أن المكلف في أول وقت ~~الواجب إن غلب على ظنه أنه لن يعيش إلى الجزء الأخير بواسطة مرض شديد، أو ~~كبر سن ms053 عصى اتفاقا. # فإن بان خطأ ظنه بأن لم يمت، وفعله في الأخير، فالجمهور على أنه أداء ~~لوقوعه في الوقت المقدر له شرعا. PageV01P345 # والقاضيان: أبو بكر والحسين (¬1) على أنه قضاء. # فإن أرادا تسميته قضاء، فلا مشاحة معهما، وإن أرادا نية القضاء، فممنوع ~~ولا تنافي بين العصيان والأداء، كما إذا ظن قبل دخول الوقت أن حين يحضر زيد ~~يفوت الوقت، فأخر إلى حين حضوره، فإنه يعصي وصلاته أداء باتفاقهما، ومن ~~أخر، مع ظن السلامة، ومات فجأة لم يعص؛ لأنه لم يخرج واجبا عن وقته المقدر ~~له شرعا (¬2). PageV01P346 # وقيل: يعصي؛ لأن التأخير مشروط بسلامة العاقبة، وليس بشئ لانتفاء دليله ~~شرعا، بخلاف ما وقته العمر كله: كالحج، وقضاء الواجبات؛ لأنه بالموت تبين ~~إخراج الواجب عن الوقت، بخلاف المؤقت بغير العمر، وقد سبق منا تحقيقه ~~فراجعه (¬1)، وعصيانه من أول سني الإمكان أو آخره فيه خلاف بين الفقهاء (¬2). # والذي يقتضيه النظر الصائب أن يكون آخر سني الإمكان (¬3)، والله سبحانه أعلم. # قوله: "مسألة: المقدور الذي لا يتم الواجب المطلق إلا به واجب". # أقول: هذه المسألة من أمهات مسائل الأصول الغامضة، وهي أن ما يتوقف عليه ~~الواجب المطلق -وكان مقدورا- هل يجب، أم لا؟ PageV01P347 # الجمهور: على إيجابه مطلقا (¬1). # وقيل: إذا كان الموقوف عليه سببا يستلزم، وإن كان شرطا، فلا. # إمام الحرمين، ومن تابعه: كالشيخ ابن الحاجب: إن كان شرطا شرعيا يستلزم، ~~وإن كان عقليا، أو عاديا، فلا (¬2). # ولا بد أولا من معرفة الواجب المطلق ليمتاز عن المقيد، ثم النظر في ما هو ~~الحق من المذاهب. # قد فسر الواجب المطلق. كلا يجب في كل وقت، وعلى كل حال، فانتقض بالصلاة، ~~فإن صلاة الظهر -مثلا- تجب في كل وقت، فزيد: في كل وقت يقدره الشارع، فنوقض ~~بصلاة الحائض، فزيد: لا لمانع، وهذا لا يشمل غير الموقتات، ولا مثل الحج ~~والزكاة في إيجاب ما يتوقف عليه من الشروط. PageV01P348 # فالواجب المطلق: هو الذي لا يكون بالنظر إلى تلك المقدمة التي يتوقف ~~عليها مقيدا، وإن كان مقيدا بقيود أخر، فإنه لا يخرجه عن الإطلاق: كقوله ms054 ~~سبحانه وتعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء: 78] فإن وجوب الصلاة في ~~هذا النص مقيد بالدلوك، وغر مقيد بالوضوء والاستقبال. # وقوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا ~~البيع} [الجمعة: 9] فإن السعى واجب مقيد نظرا إلى النداء، مطلق نظرا إلى ما ~~عداه من شروط الجمعة. إذا تقرر هذا، فنقول: قد اتفقوا على أن الواجب إذا ~~كان مقيدا -في نص الشارع- بمقدمة (¬1) لا تجب تلك المقدمة بوجوب ذلك ~~الواجب، بل لو وجب ذلك القيد يكون وجوبه PageV01P349 # بنص آخر، كما إذا قال: إن ملكت نصابا فزك (¬1)، لا يلزمه تحصيل النصاب، ~~وكذا إذا قال: حج إن استطعت لا يلزمه تحصيل الاستطاعة، وإنما الكلام في ~~الموقوف عليه الذي لم يكن مذكورا في النص الذي دل على وجوب الواجب: ~~كالوضوء، فإنه لم يذكر في النص الذي دل على وجوب الصلاة هل يكون إيجاب ~~الصلاة إيجابا له، أم لا؟ فيه خلاف. # مختار المصنف -وفاقا للأكثر - وجوبه مطلقا: سببا، وشرطا، وشرعا، وعقلا، وعادة. # وقيل: سببا، لا شرطا. # وقيل (¬2): شرطا شرعيا لا عاديا، ولا عقليا إذا انتقش في الخاطر عادة لزم. # فنقول: ذهب المصنف -وفاقا للجمهور (¬3) - إلى أن ما يتوقف على الواجب ~~المطلق، وكان مقدورا واجب، سببا كان أو شرطا، أو شرعيا، أو عقليا، أو ~~عاديا: لاستواء المحل في كونه موقوفا عليه أداء الواجب لا يعقل وجوده بدون ~~ما يوقف عليه. PageV01P350 # وقوله: "مقدورا"، احتراز عما لا يكون الموقوف عليه مقدورا: كالقدم للقيام ~~في الصلاة، وكعدد الأربعين في الجمعة (¬1). # والمراد بالشرط الشرعي: ما جعله الشارع شرطا, وأمكن وجود الفعل بدونه: ~~كالطهارة للصلاة. # وبالعقلي: ما لا يمكن وجود الفعل بدونه عقلا: كترك الأضداد. # والعادي: ما لا يمكن عادة: كغسل جزء من الرأس (¬2). PageV01P351 # ثم النزاع إنما هو في إيجاب المشروط بعينه هو إيجاب تلك الأمور، أم لا؟ ~~وإلا كون الشرط شرعيا لا يتصور إلا بجعل الشارع، وبعد جعله شرطا واجب قطعا، ~~وكذلك الشرط العقلي لا يجوز وجود المشروط بدونه؛ لعدم جواز انفكاك اللازم ~~عن الملزوم، وكذا العادي لا ms055 ينفك عن المشروط عادة. # والذي ذهب إلى أن الأمر بالسبب دون الشرط] (¬1)؛ فلأن وجوده يستلزم وجود ~~المسبب؛ لعدم تخلف المعلول عن علته بخلاف الشرط لجواز تخلف المشروط عنه. # وذهب إمام الحرمين، وتبعه الشيخ ابن الحاجب في "مختصره": إلى أن الأمر ~~بالشيء أمر بشرطه الشرعي لا غير. # وخلاصة ما استدلوا به: أما على الأول: فإن (¬2) الموجب للشيء لو لم يوجب ~~شرطه كان شرطا شرعيا. # قلنا: ممنوع، بل بجعل آخر، ويكون شرعيا؛ لاستناده إلى جعل الشارع. # وأما على الثاني: فلأن غير [الشرط] (¬3) الشرعي لو وجب لوجب تصوره حين ~~إيجاب الأصلي، ولتعلق به الخطاب، واللازم باطل. PageV01P352 # قلنا: بطلانه ممنوع؛ لأن الخطاب المتعلق بالملزوم متعلق به أيضا، وينتقض ~~بالشرط الشرعي -أيضا- فإن الآمر بالمشروط [ربما] (¬1) لا يتصور الشرط. # والذي يقتضيه النظر الصائب: أن كل ما يتوقف عليه وجود الشيء لا بد من ~~وجوده، وإلا يلزم التكليف بالمحال، ولا يلتفت في هذا إلى كونه بجعل الشارع، ~~أو بالعادة، أو بالعقل (¬2)؛ إذ قد قررنا في أول المسألة أن النزاع إنما هو ~~في أن الأمر بالشيء أمر بما يتوقف عليه وجوده أم لا؟ # فإن أريد أن الأمر بالشيء أمر بالشرط صريحا دون غيره، فهو ممنوع. # وإن أريد استلزاما؛ إذ الأمر بالشيء أمر بلازمه لاستحالة وجود الملزوم ~~بدون اللازم، فلا فرق بين الشرط وغيره، وإن سمي بعض هذه PageV01P353 # الأمور شرعيا دون بعض اصطلاحا، فلا مشاحة في ذلك. هذا تحقيق هذا المقام، ~~والله ولي الإنعام. # قوله: "فلو تعذر ترك المحرم إلا بترك غيره". # أقول: رتب المصنف الفرعين المذكورين بالفاء على الكلام السابق؛ لدخولهما ~~في تلك القاعدة الكلية؛ لأن الكف عن الأجنبية (¬1)، والمنسي طلاقها (¬2) ~~واجب، ولا يمكن ذلك الواجب إلا بالكف عن المنكوحة ومن غير المطلقة، وما ~~يتوقف عليه الواجب واجب. # وتبع المصنف -في قوله-: "حرمتا" الإمام في "المحصول" إذ قد نقل هناك أن ~~قوما ذهبوا إلى أن المحرمة هي الأجنبية، وإنما وجب الكف عن المنكوحة ~~للاشتباه. PageV01P354 # وزيفه: بأن المراد بالحل رفع الحرج، وهو منتف فيهما (¬1). # والحق: أن ذلك القول صواب؛ ms056 إذ الحل المترتب على النكاح الذي حصل بخطاب ~~الشارع لم يرتفع في الواقع. # غايته: أن المانع منع من الانتفاع بذلك الحل، وذا لا يدل على ارتفاعه كما ~~يظهر ذلك في الإناء الطاهر المشتبه بالنجس (¬2)، فإن الطهر لم يتغير، ولم ~~ينتقل من وصف الطهارة قطعا، وإنما وجب على المكلف التوقف إلى زوال ~~الاشتباه، كما يتوقف المجتهد في الدليل إلى انتفاء المانع. # ومثل المصنف للمعينة المنسي طلاقها، وترك مسألة المبهمة، كما إذا قال: ~~إحداكما طالق بدون تعيين؛ لأن الحكم فيها معلوم من الأولى بالطريق الأولى ~~(¬3). PageV01P355 # ولو بدل المصنف لفظة أو بكاف التشبيه لكان أولى؛ لكون المسألة من فروع ~~القاعدة. # قوله: "مسألة: مطلق الأمر لا يتناول المكروه". # أقول: التعبير عن هذه المسألة (¬1) بما عبر به الشيخ ابن الحاجب هو ~~اللائق: PageV01P356 # إذ قال: "المكروه منهي عنه غير مكلف به" (¬1)، وإنما كان لائقا؛ إذ ~~المنهي عنه كيف يكون مأمورا به؟ إذ المكروه يمدح تاركه، فلا يتصور الأمر به شرعا. # وعبارة المصنف قاصرة عن [إفادة] (¬2) هذا المرام؛ إذ عدم التناول يشعر ~~بصلوح المحل له، لكن لم يقع في الخارج، وليس كذلك، بل عدم التناول لعدم ~~قابلية المحل بعد تعلق الكراهية به. # قوله: "خلافا للحنفية"، صريح في أن الحنفية قائلون: بأن الأمر يتناول ~~المكروه. وهذا أمر لا يعقل (¬3)؛ لأن المباح -عندهم- غير مأمور به، مع كون ~~طرفيه على حد الجواز، فكيف يتصور أن يكون المكروه من جزئيات PageV01P357 # المأمور به في شيء من الصور؟ وكتبهم -أصولا وفروعا- مصرحة بأن الصلاة في ~~الأوقات المكروهة فاسدة حتى التي لها سبب مطلقا (¬1). # والنقل عن محمد بن الحسن (¬2): أن كل مكروه حرام، وعن PageV01P358 # صاحبيه (¬1): أن المكروه كراهة تنزيه إلى [الحل] (¬2) أقرب (¬3). PageV01P359 # وأما تجويز الطواف بغير وضوء -وهو مكروه عندهم (¬1) - ليس لأن قوله ~~تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] تناوله (¬2)، بل لأن الطهارة ~~ليست شرطا فيه بخلاف الصلاة (¬3)، وكراهته؛ لأن العبد ينبغي أن يكون في تلك ~~العبادة الشريفة بصفة الطهارة بين يدي الله سبحانه وتعالى. # قوله: "فلا تصح الصلاة في الأوقات المكروهة". PageV01P360 # تفريع على القاعدة المذكورة، ms057 أي الأمر المطلق لما لم يتناول المكروه، وقد ~~ورد النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة (¬1)، فالأمر بالنوافل لا يتناول ~~ذلك الفعل المنهي، وهو إيقاع الصلاة إلى لا سبب لها يعتد به في الأوقات ~~المذكورة سواء كان في تحريم أو نهي تنزيه وما ذكره في التحريم واضح. # وأما كراهة التنزيه لا تنافي الصحة؛ لكونها راجعة إلى الخارج. # والصحيح في المذهب عدم الصحة كما نقله (¬2)، وأما دليلا فلا يخلو عن نوع ~~إشكال (¬3). PageV01P361 # قوله: "أما الواحد بالشخص له جهتان". # أقول: لفظ الواحد يطلق على وجوه: تارة على الواحد بالجنس فيقال: الإنسان ~~والفرس واحد، أي بالجنس، وتارة على الواحد بالنوع فيقال: زيد وعمرو واحد، ~~أي نوعا، وتارة على الواحد بالشخص، فيقال: زيد واحد، أي شخصا. # إذا تقرر هذا، فنقول: الوجوب والحرمة ضدان؛ لأن الضدين هما الأمران ~~الوجوديان اللذان لا يجتمعان في محل واحد (¬1) من جهة واحدة (¬2)، فالوجوب ~~والحرمة لا يتعلقان بشيء واحد من جهة واحدة، والمراد بالواحد الواحد ~~بالشخص، وإلا فالواحد بالنوع، أو الجنس لا مانع فيه؛ لتعدد الأفراد: ~~كالسجود لله وللشمس، فيجوز أن يحرم فرد، ويجب فرد (¬3)، إنما الكلام في ~~الواحد بالشخص إذا كان له جهتان، هل يجوز أن يكون بكل من الجهتين متعلقا ~~لأحد الحكمين، أم لا؟ فيه خلاف. # وفرعوا على ذلك مسائل منها: الصلاة في الدار المغصوبة (¬4) هل تصح، أم ~~لا؟ PageV01P362 # فالجمهور: على الصحة مع العصيان بلا ثواب (¬1). # وقيل: مع الثواب؛ لاختلاف الجهة (¬2). # الإمام والقاضي: لا تصح، ويسقط الطلب عندها (¬3). # الإمام أحمد صاحب المذهب (¬4) لا صحة ولا سقوط، ووافقه على PageV01P363 # ذلك أكثر المتكلمين (¬1)، والجبائي (¬2) من المعتزلة. # لنا على المختار عند الجمهور: أن من أمر عبده بخياطة ثوب، ونهاه عن مكان ~~مخصوص، وخالف العبد، وخاطه في ذلك المكان يعد طائعا، عاصيا قطعا للجهتين. PageV01P364 # ولنا -أيضا-: أن لو لم تصح لكان عدم الصحة لكون متعلق الوجوب والحرمة ~~واحدا، إذ المفروض أن لا مانع آخر (¬1)، وقد تبين أن المتعلق ليس متحدا ~~لاختلاف الشيء باختلاف الجهات جزما. # قالوا: الصلاة حركات وسكنات مخصوصة، وهي في الدار ms058 المغصوبة منهي عنها. # قلنا: وهي مأمور بها باعتبار الجهتين. # قالوا: لو صح ما قلتم لصح صوم يوم النحر. # قلنا: عدم الصحة؛ لعدم الجهتين، وتحقيق ذلك: أن صوم يوم النحر صوم مقيد، ~~ويستلزم مطلق الصوم، فلا يمكن انفكاك مطلق الصوم يوم النحر؛ ليجعل متعلق ~~الصحة، بخلاف الصلاة، والغصب؛ إذ يعقل كل منهما بدون الآخر، فلا يلزم من ~~صحة الصلاة حيث لا مانع صحة الصوم مع وجود المانع. # وأيضا: إجماع السلف على عدم الأمر بالقضاء على الظلمة الساكنين في ~~الأماكن [ظلما] (¬2)، وحيث كانت الصحة مفسرة بموافقة الأمر عند PageV01P365 # المتكلمين، وسقوط القضاء عند الفقهاء. فالصحة لا تستلزم الثواب، بل الأمر ~~محتمل، وإنما المستلزم هو القبول. # ومن قال: يثاب عليها، إن قال: احتمالا فهو ما ذكرنا، وإن قال: جزما فلا ~~دليل له إلا تعدد الجهة، وذلك لا يستلزم الثواب، والقول بالسقوط مشكل جدا (¬1). # والذي قاله الإمام أحمد وجهه: أن ذلك الفعل لما كان معصية لا يصلح عبادة ~~فلا تصح، وإذا لم تصح لم تسقط، وقد سبق الجواب عنه PageV01P366 # وهو الإجماع على عدم الأمر بالقضاء، فإن قيل: كيف يتصور الإجماع مع ~~مخالفة الإمام أحمد؟ # قلنا: لا يمكن النزاع في الإجماع، فإنه واقع على عدم القضاء (¬1)، فإما ~~سابق على قول الإمام، فلا يقبل قوله؛ إذ المجتهد لا يجوز له مخالفة ~~الإجماع، أو متأخر عنه، رافع للخلاف، فتأمل! # قوله: "والخارج من المغصوب تائبا". # أقول: ما ذكره من الفرع السابق كان فيما يمكن الانفكاك: كالصلاة، والغصب، ~~وفعله المكلف باختياره، وأما ما ذكره هنا هو ما إذا توسط أرضا مغصوبة، وقصد ~~الخروج على قصد التوبة نادما على فعله من الغصب، فهذا الخروج هل يوصف ~~بالوجوب، أم لا يوصف؟ والبحث عن فعل المكلف من حيث الوجوب والحرمة، وإن كان ~~وظيفة الفقيه، ولكن نظر الأصولي إنما هو في أن مثل هذا الخروج المأمور به ~~هل يصير منهيا عنه، أم لا؟ PageV01P367 # الجمهور على أنه: لا يتعلق النهى به خلافا لأبي هاشم (¬1) من المعتزلة (¬2). # لنا: الخروج متعين للأمر بذلك، فلا معصية إذا بذل ms059 المجهود من السرعة، ~~وسلوك أقرب الطرق، وأقلها ضررا (¬3). # وقول الإمام: إنه عاص باستصحاب المعصية، مطيع بتفريغ المكان -كما في ~~الصلاة في الدار المغصوبة- غير مستقيم لاستلزام التكليف PageV01P368 # بالمحال، وهو جواز الخروج، مع عدم جوازه (¬1)، ومنه يعلم الجواب عن قول ~~أبي هاشم، فتأمل (¬2)! # قال الإمام: وإنما حكمنا بالمعصية -وإن كان مضطرا، والإمكان شرط في ~~المنهي-؛ لأن تسببه إلى ما تورط فيه آخرا سبب المعصية، وليس منهيا عن الكون ~~في هذه الأرض مع بذلك المجهود، وفي التكليف منقطع عنه لكنه مرتبك بالمعصية ~~ما دام في الأرض استصحابا (¬3)، وقد علمت جوابه (¬4). PageV01P369 # قوله: "والساقط على جريح". # أقول: هذه شبهة أبداها أبو هاشم المعتزلي، فاضطرب في الجواب عنها أقوال ~~السلف، وهي أن من توسط (¬1) بين قوم جرحى وجثم على واحد منهم، فإن استمر ~~قتله، وإن انتقل إلى غيره قتله، فكيف يكون أمره؟ ! # قيل: يستمر لعدم فائدة في الانتقال إذ العلة متحدة في المحلين. # وقيل: مخير؛ لأن الأمر بالاستمرار لا يجدي نفعا. PageV01P370 # ونقل عن إمام الحرمين: أنه لا حكم في المسألة، ونقل عنه أيضا: أنه قال: ~~حكم الله فيها أن لا حكم فيها (¬1). # وتوقف الإمام الغزالي (¬2). PageV01P371 # والوجه: أن يحمل كلام الإمامين على عدم الوقف على نص في ذلك، وعدم إمكان ~~تخريج قول على حادثة تلائمها، وإلا كيف يخلو فعل من أفعال المكلفين -بعد ~~ورود الشرع- عن أحد الأحكام الخمسة. # قوله: "مسألة: يجوز التكليف بالمحال مطلقا". # أقول: شرط الجمهور -في المطلوب- الإمكان، ونسب خلافه إلى الأشعري. # ولا بد -أولا- من تحرير محل النزاع، فنقول: هو على ثلاثة أقسام: # ما علم الله أن لا يقع، أو أخبر أنه لا يقع، وهذا القسم مما لا نزاع فيه ~~جوازا، ووقوعا؛ لأن تكليف من علم الله أنه يموت كافرا من هذا القبيل (¬1)، ~~مع الاتفاق على تكليفه (¬2). # والثاني: ما أمكن في نفسه لكن لم يقع متعلق القدرة الحادثة أصلا: كخلق ~~الأجسام، أو عادة: كالطيران إلى السماء، وهذا الذي ذهب الأشعري إلى جوازه. PageV01P372 # والثالث: وهو أقصى المراتب في الاستحالة، وهو المحال لذاته: كقلب ~~الحقائق، وجمع الضدين. # وفي ms060 جواز التكليف به تردد بناء على جواز تصوره واقعا، أي المكلف به ~~يستدعي جواز تصوره واقعا، والممتنع هل يتصور واقعا؟ فيه تردد، وسنحققه بعد ~~شرح كلام المصنف. # إذا تحرر هذا، فنقول: ذهب المصنف إلى ما ذهب إليه البعض من جواز التكليف ~~بالمحال حتى الممتنع بالذات: كجعل القديم حادثا، وعكسه (¬1). # ونقل عن أكثر المعتزلة والغزالي، ومن تبعه من المتأخرين عدم الجواز في ~~الممتنع الذي ليس امتناعه لعلم الله عدم الوقوع (¬2). PageV01P373 # وذهبت معتزلة بغداد، والآمدي إلى عدم الجواز في الممتنع ذاتا (¬1). # ونقل عن إمام الحرمين: أن ما تعلق العلم بعدم وقوعه لا يطلب وقوعه؛ ~~لاستحالة الطلب (¬2)، ولكن يجوز ورود صيغة الأمر لا للطلب، بل لمعنى آخر: ~~كالإهانة في قوله تعالى: {كونوا قردة خاسئين} [الأعراف: 166] (¬3). # ثم قال المصنف: "والحق وقوع الممتنع بالغير لا بالذات" (¬4). # أقول: لما تقرر أن فعله لا يعلل بالغرض، فله أن يكلف بما لا يطاق، وإن ~~كان ذاتا، لكن لم يقع النزاع إلا في القسم الثاني، والنزاع إنما هو في ~~الجواز لا في الوقوع. # فإن قيل: قد وقع التكليف بالممتنع ذاتا، وهو أنه تعالى أخبر عن طائفة ~~بأنه ختم على قلوبهم (¬5) فهم لا يؤمنون، وقد أمرهم بالإيمان في كم PageV01P374 # آية، فقد أمرهم أن يجمعوا التصديق بالله ورسوله مع عدمه، وهو جمع بين ~~النقيضين عقلا. # قلنا: ليس ما ذكرتم محلا للنزاع، بل هو من القسم الأول المتفق على وقوعه، ~~وذلك: أن الإيمان هو تصديق النبي بما علم مجيئه به ضرورة إجمالا، فهم لم ~~يخاطبوا بأنهم لا يؤمنون، بل أخبر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- (¬1) ~~أنهم لا يؤمنون ولو سمعوا، ولم يصدقوا به، فلا إشكال، أما لو سمعوا وصدقوا ~~به كان من المستحيل ذاتا، وأنى يثبت ذلك وفي آذانهم وقر، ومن بينهم وبينه ~~حجاب (¬2)! # قيل: التكليف بالمحال واقع قطعا؛ لأن الاستطاعة مع الفعل لا قبله، وأفعال ~~العباد مخلوقة لله تعالى، ومن هذين الأصلين نسب التكليف بالمحال إلى ~~الأشعري، وإلا فالأشعري لم يصرح بذلك (¬3). # قلنا: لو صح ما ذكرتم لكان كل تكليف من ms061 قبيل المحال، وهو خلاف الإجماع، ~~فيكون مردودا، وهذا جواب جدلي. PageV01P375 # وتحقيق الجواب: أن الاستطاعة المجوزة للتكليف عبارة عن سلامة الأسباب ~~والآلات، لا الاستطاعة إلى تكون [مع] (¬1) الفعل، وأن أفعال العباد وإن ~~كانت مخلوقة لله تعالى واقعة بقدرته، ولكن قدرة العبد متعلقة بها كسبا ~~بخلاف المتنازع فيه فإنه ليس متعلق القدرة الحادثة (¬2)، كما تقرر في صدر البحث. # ومما يجب التنبه له: أن المراد بالتكليف هو المعنى الذي سبق في بحث ~~الأحكام الذي من لوازمه استحقاق الثواب والعقاب، لا الطلب الذي يراد منه ~~التعجيز، كما في التحدى بالقرآن، أو التسخير، كما في قوله تعالى: {كونوا ~~قردة خاسئين} [لأعراف: 166]، فإنه لم يخالف أحد في جوازه. # فقد ظهر أن تفصيل إمام الحرمين لم يتضمن زيادة فائدة: # [لأنه قائل بعدم الجواز في القسمين الأخيرين، كما هو مختار الغزالي ومن ~~تبعه (¬3). PageV01P376 # فإن قلت: إمام الحرمين لو كان موافقا للغزالي لم يفرده المصنف بالذكر، بل ~~مذهب الإمام عدم الجواز في الثلاثة؛ لأنه قال: طلب الفعل محال ممن هو عالم ~~باستحالة وقوع الفعل المطلوب. # قلت: يجب حمل كلامه على القسمين الأخيرين بقرينة الإجماع، وإنما أطلق ~~لظهوره] (¬1). # وأن قول المصنف: والحق وقوع الممتنع بالغير لا بالذات ليس بحق لما علمت ~~أن قسما من الممتنع بالغير، وهو الذي ليس متعلق القدرة الحادثة لم يقل أحد ~~بوقوعه مع كونه ممكنا في ذاته، وهو الذي أشرنا إليه في صدر البحث أنه الذي ~~وقع النزاع فيه. وتحقيق هذه المسألة على هذا الوجه من نفائس الأبحاث، والله ~~الموفق. # قوله: "مسألة: الأكثر أن حصول الشرط الشرعي ليس شرطا في صحة التكليف". # أقول: قد اختلف في أن حصول الشرط الشرعي هل هو شرط في صحة التكليف أم لا؟ # ولا بد -أولا- من معرفة معنى الشرط، فالشرط -عندهم- ما يتوقف عليه وجود ~~الشيء ولا يكون موثرا فيه ولا مستلزما له، بل يوجد بدون المشروط: كالطهارة، ~~وستر العورة، واستقبال القبلة، فإنها شروط شرعية للصلاة، ووجودها بدون ~~الصلاة معلوم ضرورة، وإنما قيد الشرط بالشرعي؛ PageV01P377 # لأن العقلي -كالحياة، والقدرة- لا خلاف في اشتراط ms062 وجوده، ومناط الخلاف هو ~~شرط الصحة شرعا لا شرط الوجوب، ولا شرط وجوب الأداء [للاتفاق على أن شرط ~~الوجوب ما لم يتحقق لا يكلف به، وكذا شرط وجوب الأداء] (¬1) ما لم يتحقق لم ~~يجب الآداء (¬2). # إذا تقرر هذا فنقول: ذهب الجمهور إلى أن التكليف بالمشروط لا يتوقف على ~~وجود الشرط الشرعي. # وخالف في ذلك الشيخ أبو حامد (¬3)، وبعض الحنفية. وصوروا الخلاف في مسألة ~~جزئية وهي: تكليف الكافر بالفروع (¬4). PageV01P378 # لنا -على المختار وهو وقوعه-: أن النصوص من الأوامر والنواهي مطلقة في ~~جميع الموارد من غير تفرقة بين مكلف، ومكلف فيجب القول بالعموم لوجود ~~المقتضى وعدم المانع. PageV01P379 # قيل: الكفر مانع. # قلنا: ممكن الإزالة كالحدث. # قالوا: مع الكفر لا يصح وبعده لا قضاء، فلا فائدة (¬1). # قلنا: تضعيف العذاب على الكافر، قالوا: لو كان واجبا لوجب القضاء. # قلنا: ممنوع إذ القضاء بأمر جديد، وإنما لم يؤمروا بالقضاء ترغيبا لهم. # وفرق قوم بين الأوامر والنواهي، واستدلوا: بأن النواهي من باب الترك، وهي ~~لا تحتاج إلى النية، بخلاف الأوامر فإنها متعلقة بالأفعال، وهي لا تصح بدون ~~النية. PageV01P380 # واستصوبه بعض الفضلاء (¬1) محتجا: بأنه لا معنى لكون الإيمان شرطا شرعيا ~~لترك الزنى، أو لصحته (¬2)، وليس بشيء؛ لأن الإتيان بالمأمور به، والاجتناب ~~عن المنهي عنه للامتثال يتوقف على النية ليصير شرعيا، فلا تفاوت بين كف ~~النفس وسائر الأفعال، فكما أن الإيمان شرط في الصلاة ليعتد بها شرعا (¬3)، ~~فكذلك شرط لترتب الثواب على كف النفس الموعود بقوله: {وأما من خاف مقام ربه ~~ونهى النفس عن الهوى (40) فإن الجنة هي المأوى} [النازعات: 40]. # وقال طائفة: المرتد مكلف لاستصحاب أحكام الإسلام لا غيره (¬4)، # وقد عرفت عدم الفرق في النصوص. PageV01P381 # ونقل المصنف عن والده: أن مناط الخلاف إنما هو خطاب التكليف وما يرجع ~~إليه من الوضع، لا إتلاف الأموال ولا الجنايات، ولا ترتب آثار العقود (¬1)، ~~فإن الكافر، والمسلم في ذلك سيان. # وأقول: هذا كلام لا طائل تحته؛ لأن محل النزاع أن ما له شرط شرعي هل يجوز ~~التكليف به قبل وجود الشرط، أم لا؟ ms063 كما تقدم، وما لا خطاب تكليف فيه لا ~~صريحا، ولا ضمنا، فهو خارج عن البحث. # ثم مسألة تكليف الكافر بالفروع من جزئيات تلك القاعدة المذكورة فيما كان ~~له شرط شرعي: كالإيمان، والطهارة، وستر العورة للصلاة، وأما ما لا شرط له ~~شرعي (¬2) يتوقف عليه: كالإتلاف والجنايات، وترتب آثار العقود - فلا وجه ~~للاختلاف فيه (¬3). PageV01P382 # والحاصل: أن ما ذكره خارج عن محل النزاع، والله أعلم. # قوله: "مسألة لا تكليف إلا بفعل". # أقول: قد اختلف في متعلق النهي: ذهب الجمهور إلى فعل، وهو كف النفس عن ~~الفعل المنهي عنه، خلافا لأبي هاشم، ومن تبعه [فإنهم] (¬1) قالوا: هو ~~العدم، وهو نفي الفعل (¬2). PageV01P383 # وقال قوم: هو فعل الضد، وهذا هو عين المذهب المختار؛ إذ كف النفس من ~~جزئيات فعل الضد (¬1). # قوله: "وقيل: يشترط قصد الترك" (¬2)، خارج عن محمل النزاع؛ لأن الكلام في ~~متعلق النهي، وماذا يصح له عقلا. # وأما مقارنة القصد، فإنما يعتد به لتحصيل الثواب (¬3)، فلا وجه له في ~~معرض تقسيم المذاهب، ولذلك ترى المحققين لم يذكروا سوى قسمين، وهما الأول ~~والثالث. # قال الإمام في "المحصول": "المطلوب بالنهي -عندنا- فعل الضد، خلافا لأبي ~~هاشم" (¬4). PageV01P384 # البيضاوي: "مقتضى النهي -عندنا- فعل الضد، ثم قال -في جواب أبي هاشم حيث ~~استدل على أن ترك الزنى مدح-: قلنا: المدح على الكف" (¬1)، اختار أنه فعل ~~الضد، ثم حكم عليه وعينه بالكف، فقد صرح بأن الكف من الأضداد. # لنا: أن العدم غير مكلف به؛ لأنه غير مقدور لأن العدم الأصلي مستمر، فلا ~~يكون للقدرة فيه أثر مستند إليها. # قالوا: (¬2) يكفي في الأثر أن لا يفعل فيستمر، أو يفعل فلا يستمر (¬3). # قلنا: ممنوع؛ لأن الأثر هو الفعل الحاصل بعدما لم يكن، واستمرار الشيء ~~بالمعنى المذكور لا يسمى أثرا، وإن اصطلح عليه، فلا يجدي؛ إذ الكلام في ~~متعلق النواهي الواردة في كلام الشارع وتعيين ما كلف به. # وقد سبق أن متعلق الخطاب فعل المكلف، ولا ريب في أن استمرار العدم الأصلي ~~لا يعد من فعل المكلف قطعا. # وتحقيق هذه المسألة -على هذا الوجه- مما لم يحم ms064 أحد حوله، والله الموفق. PageV01P385 # قوله: "والأمر -عند الجمهور- يتعلق بالفعل قبل المباشرة". # أقول: هذه المسألة من غوامض مسائل الأصول (¬1). # ونحن نذكر ما قصده المصنف من نقل المذاهب، ونحقق الحق بعد ذلك إن شاء ~~الله تعالى. # ذكر أن الجمهور: على أن الأمر يتعلق بالفعل بعد دخول وقته قبل المباشرة ~~على وجه الإلزام (¬2). PageV01P386 # ولو بدل لفظ الأمر بالتكليف كالشيخ ابن الحاجب (¬1) كان هو الصواب؛ إذ لا ~~يتفاوت الأمر والنهي في ذلك. # ثم قال: والأكثر من الجمهور على الاستمرار حال المباشرة خلافا للإمامين ~~(¬2)، فإنه عندهما ينقطع، وإلا يلزم تحصيل الحاصل (¬3). PageV01P387 # وقال قوم: لا يتوجه التكليف إلا عند المباشرة (¬1)، وحكم المصنف بأنه ~~التحقيق (¬2). # واستشكل: بأنه إذا كان التكليف عند المباشرة، فلم وقع اللوم قبلها؟ # أجاب: بأنه ليم على كف النفس عن الفعل، وذلك الكف منهي عنه. # هذا، وإن شئت تحقيق المقام بما لا مزيد عليه، فاسمع لما يتلى عليك. # أقول: قد نقل عن الشيخ الأشعرى: أن القدرة الكاسبة للفعل مقارنة له ولا ~~يجوز تقدمها؛ لأنها عرض، وعنده أن العرض لا يبقى زمانين (¬3)، فلو تقدمت ~~لزم وقوع الفعل بلا قدرة، وهو محال فثبت أنها معه (¬4)، فالتكليف بالفعل لا ~~يكون إلا عند المباشرة لا قبله، وعلى هذا مشى جمهور الأصوليين. PageV01P388 # وهذا باطل، بل لا يرتضي أحد من الناس بهذا المذهب فضلا عن إمام أهل السنة. # وذلك؛ لأن هذا القول خارق للإجماع؛ إذ القاعد عند دخول الوقت مكلف ~~بالقيام إلى الصلاة إجماعا. # ومخالف لنص الكتاب مثل: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء: 78]. # ولأن مفهوم التكليف الذي هو الاقتضاء الجازم يستدعي الحصول في الزمان ~~المستقبل، كما سبق تحقيقه في بحث الأحكام (¬1). # وعليه قاعدة اللغة، كما عرف في بحث الأمر والنهي، وسيحقق هناك (¬2). # والذي ثبت عن الأشعري: أن القدرة مع الفعل حق، ولكن لا يلزم أن يكون ~~التكليف معه، بل التكليف الذي هو الطلب سابق على المطلوب المقدور، فالطلب ~~سابق، والمطلوب المقدور لاحق. # فإن قلت: إذا كان القدرة على الفعل معه، فالتكليف قبل القدرة تكليف ~~بالمحال، والأشعري، وإن قال بجوازه لم ms065 يقل بوقوعه. # قلت: الاستطاعة عند الأشعري تطلق على القدرة المذكورة، وعلى سلامة ~~الأسباب والآلات، وصحة التكليف مبنية على الثانية لا على الأولى، فاندفع ~~الإشكال. PageV01P389 # ويؤيد ما قلنا ما ذكره بعض المحققين (¬1): من أن التكليف بالفعل ثابت قبل ~~حصوله ومنقطع بعده اتفاقا، وهل هو باق حال الحدوث؟ # قال به الشيخ، ومنعه إمام الحرمين والمعتزلة. # فإن قلت: فما الحق في المسألة - ما ذهب إليه الشيخ، أم الذي اختاره ~~الإمام من الانقطاع؟ # قلت: الحق ما ذهب إليه الشيخ، وبيان ذلك يتوقف على معرفة مقدمة، وهي أن ~~التأثير هل هو معنى مغاير للأثر في الخارج، أم هو عينه؟ # مختار الشيخ: أن الأثر عين التأثير في الخارج. # ولا شك أن التكليف موجود مع التأثير، وإلا لم يكن التأثير مكلفا به، وإذا ~~كان موجودا معه -وهو عين الأثر عند الشيخ- فقد صح أن التكليف حال حدوث ~~الأثر باق. # فإن قلت: كيف يتصور عدم بقاء التكليف بعد وقوع الفعل، والتكليف أزلي، وما ~~ثبت قدمه امتنع عدمه؟ # قلت: الزائل هو التكليف التنجيزي لا التعلق العقلي الأزلي كما تقدم مثله ~~في المباحث السابقة. # فقد تبين بهذا التقرير أن الشيخ قائل بثبوت التكليف قبل الفعل، وهو مستمر ~~حال الحدوث، ولم يتوجه إشكال على ما هو المختار عنده، PageV01P390 # والإشكال إنما كان ينشأ من عدم تحقيق معنى الاستطاعة، والحكم بالمغايرة ~~بين التأثير والأثر في الخارج. # وإذا ظهر لك هذا علمت أن قول المصنف: لا يتوجه التكليف إلا عند المباشرة ~~هو التحقيق، بمعزل عن التحقيق، وما تكلف بعده من تقدير السؤال والجواب مما ~~لا معنى له، وكل ذلك إنما نشأ من عدم تحقيق معنى الاستطاعة، واغتر بظاهر ~~قولهم: الاستطاعة مع الفعل. # قوله: "مسألة: يصح التكليف، ويوجد معلوما للمأمور إثره". # أقول: قد اختلف في أنه هل يصح التكليف بالفعل مع علم الآمر بانتفاء شرطه ~~في وقته، أم لا؟ # الجمهور على صحته، خلافا لإمام الحرمين (¬1) والمعتزلة (¬2). PageV01P391 # لنا: لو لم يصح لم يعلم إبراهيم وجوب الذبح لانتفاء شرطه في وقته، وهو ~~عدم النسخ [نريد أن الآمر، وهو ms066 الله تعالى كان عالما بانتفاء الشرط، مع أنه ~~أوجب الذبح على إبراهيم وكلفه به] (¬1). # لنا -أيضا-: لو لم يصح ذلك لم يعص أحد؛ لأن كل فعل لم يصدر عن المكلف لا ~~بد من انتفاء شرط من شروطه كمتعلق إرادة الله به مثلا، فلو كان كل شرط علم ~~الآمر عدم وجوده في وقت المشروط المأمور به مانعا من التكليف لم تكن الصلاة ~~المتروكة -عمدا- تاركها عاص؛ لأنه ليس مكلفا بها؛ لأن الآمر عالم بانتفاء ~~شرط في الوقت، وهو باطل إجماعا. # المخالف: لو صح ما ذكرتم لزم التكليف بالمحال؛ لأن الفعل عند انتفاء شرطه ~~ممتنع الوقوع، واللازم باطل. # قلنا: الإمكان الذاتي موجود؛ لأن الإتيان بالفعل في وقته أمر متعارف ~~عادة، وذلك كاف في صحة التكليف. # وأما الإمكان: بمعنى استجماع الشرائط، فهو الذي وقع النزاع فيه. PageV01P392 # قالوا: لو صح لصح، مع علم المأمور -أيضا- وهو باطل اتفاقا. # قلنا: الفرق ظاهر؛ لانتفاء فائدة [التكليف] (¬1) هنا بخلافه هناك؛ إذ لا ~~معنى للتكليف مع علم المأمور بأنه لا يقع؛ لانتفاء شرطه لأن الغرض من ~~التكليف هو الابتلاء، ومع علم المأمور بانتفاء شرط الفعل لم يعقل ابتلاء، ~~هذا تقرير الكلام على ما عليه المحققون. # وقد خالف المصنف في الشق الثاني، وجوز (¬2) علم المأمور -أيضا- بانتفاء ~~الشرط (¬3)، وقد عرفت الفرق بينهما. PageV01P393 # وأما عند جهل الآمر حيث يتصور الجهل (¬1)، فالاتفاق على جوازه. # قوله: "خاتمة: الحكم قد يتعلق على الترتيب". # أقول: قد ختم مقدمة الكتاب بمسألة فرعية خارجة عن الفن؛ لاشتمالها على ~~نوع غرابة، جريانها في أكثر الأحكام. # وهي أن الحكم قد يتعلق بفعل المكلف، مع اشتراط الترتيب، فيحرم الجمع: ~~كأكل المذكى مع أكل الميتة، إذ جواز أكل الميتة مشروط بعدم الظفر بالمذكى. # أو يباح: كالوضوء مع التيمم، فإن الجمع بينهما مباح. # ومعناه: أنه لو أتى به على وجه التعليم لشخص، أو على وجه التعلم يباح له ~~ذلك، ولا يأثم [لا أن] (¬2) التيمم مع الوضوء غير صحيح شرعا. # أو يسن الجمع: كالجمع بين خصال الكفارة، فإن الواحد واجب، والإتيان ~~بالجميع مستحب. # وقد يتعلق ms067 الحكم على سبيل البدل، ويحرم الجمع: كتزويج المرأة من كل من ~~الخاطبين، فإن الجمع حرام، ومن كل بدل الآخر جائز، والله أعلم. PageV01P394 ### | AUTO الكتاب الأول في الكتاب ومباحث الأقوال PageV01P395 # الكتاب الأول في الكتاب ومباحث الأقوال # قوله: "الكتاب الأول في الكتاب". # أقول: لما فرغ من المبادئ والمقدمات التي تنبني عليها مسائل الفن، شرع ~~فيها وابتدأ بالأبحاث المتعلقة بالكتاب؛ لأن مرجع الأدلة كلها إليه، بل إلى ~~الكلام النفسي (¬1) القائم بذاته -تعالى -كما سنحققه عن قريب. # والكتاب -لغة-: مصدر بمعنى المكتوب (¬2) غلب على كتاب الله - تعالى ~~المنزل على نبينا عليه أفضل الصلاة وأكمل التسليم- في عرف الشرع، كما غلب ~~عند أهل العربية على كتاب سيبويه (¬3). PageV01P397 # ويستعمل مرادفا للقرآن، لكن القرآن أشهر منه، ولهذا فسره به. # وهو كلام الله المنزل على رسوله محمد، المكتوب في المصاحف، المنقول إلينا ~~نقلا متواترا للإعجاز بسورة منه (¬1). # فبعضهم: جمع الصفات كلها للتوضيح (¬2). # وبعضهم: اقتصر على الإنزال والكتابة في المصاحف؛ لأن المقصود معرفته ~~بصفاته المشهورة عند من لم يشاهد التحدي من النبوة (¬3). # وبعضهم: اعتبر الإنزال والإعجاز، إذ الكتابة، والنقل ليسا من الأوصاف ~~اللازمة، وإليه نحا المصنف (¬4). # فقوله: "اللفظ المنزل". يشمل الكتب السماوية بأسرها، وقوله: "على محمد"، ~~يخرجها. PageV01P398 # وقوله: "للإعجاز"، يخرج الأحاديث القدسية؛ لأنها منزلة من عند الله، لكن ~~ليست للإعجاز، إذ نظم ذلك غير معجز ولا مصون عن تصرف الغير. # وقوله: "بسورة منه" تعميم لمعنى الإعجاز في أجزائه، وتخصيص للقدر المتحدى به. # والمراد: أقصر سورة منه؛ لأن السورة -وإن كانت نكرة في الإثبات- لكن أريد ~~بها العموم، كما لا يخفى. # والسورة: طائفة من القرآن مترجم أولها وآخرها (¬1) توقيفا، أقلها ثلاث ~~آيات (¬2). والقيد الأخير لإخراج الآية، وإطلاق السورة أعم من أن تكون سورة ~~أو مقدارها، فهو من عموم المجاز. PageV01P399 # وقوله: "منه" صفة سورة، أي: من جنس المنزل إذ المراد بالمنزل أعم من الكل ~~والبعض، فإن القرآن يطلق على الكل المجموعي، وكل بعض منه، وهو المناسب ~~للغرض الأصولي؛ إذ الاستدلال على الأحكام إنما هو بالأبعاض لا غير، وإنما ~~وصف السورة؛ لأن السورة أعم ms068 من أن تكون في القرآن، أو غيره بدليل سورة ~~الإنجيل. # فإن قلت: إذا كان المراد البعض، فيتناول كل بعض ولو حرفا، وليس كذلك ~~قطعا، وإن أريد قدر معين، فما ذلك، وما الدليل على ذلك التعيين (¬1)؟ # قلت: أريد بعض معين، وذلك هو المقدار الذي يصلح أن يكون مآخذ الحكم، قل ~~لفظه أو كثر، وغرض الأصولي قرينة المقام. # ثم قوله: "المتعبد بتلاوته" مما لم يتعرض له المحققون، وهو غير محتاج ~~إليه إذ منسوخ التلاوة لم يخف على أحد حتى الصبيان يعلمون أنه ليس بقرآن، ~~ولا ثبت أنه كان قرآنا؛ لأن طريق ثبوت مثله التواتر، ولا تواتر فيه أنه كان ~~فنسخ، بل نقل ذلك الخبر آحادا. # واعلم أن القرآن والكتاب لفظان مشتركان بين المعنى القائم بذاته تعالى ~~-وهي صفة تنافي السكوت والآفة- وبين اللفظ المتلو على ألسنة العباد الحادث. PageV01P400 # وعلى الأول: كل منهما علم شخصي لذلك المعنى القائم بذاته تعالى. # وعلى الثاني: علم جنس لاختلاف المحال، وهي ألسنة العباد، إذ اختلاف ~~المحال ينافي التشخص؛ لأن البياض القائم بالورق غير البياض القائم بالثلج ~~بلا ريب واللفظ حقيقة في كلا المعنيين، والمنكر لأحدهما كافر؛ لانعقاد ~~الإجماع على ذلك. # ومن قال (¬1) بتشخصه بالمعنى الثاني يلزمه أن لا يكون ما يقرأه زيد وعمرو ~~قرآنا ضرورة انتفاء التشخص، وهو باطل قطعا. # قوله: "ومنه البسملة أول كل سورة -غير براءة- على الصحيح". # أقول: نقل عن الشافعي رضى الله عنه في كون البسملة من القرآن قولان. # وللأصحاب طريقان: إحداهما: أن له قولين في كل سورة، وأصحها: أن له قولا ~~واحدا في الفاتحة، وهو: أنها آية مستقلة فيها، وفي البواقي قولين، وذلك: ~~لأن الأحاديث في الفاتحة كثيرة جدا بخلاف سائرها. # ومن الأصحاب من حمل (¬2) القولين على كونها مستقلة، أم مع ما بعدها آية؟ PageV01P401 # قال بعض المحققين (¬1): هذا هو الأصح لتكون القرآنية مقطوعا بها، ويكون ~~النظر والاجتهاد في كونها آية مستقلة، أم مع ما بعدها؟ وهو كلام في غاية ~~المتانة، وعلى كلا التقديرين لفظة "من" في كلام المصنف تبعيضيه (¬2). # لنا -على المختار وهو أنها ms069 من القرآن-: اتفاق الصحابة على كتبتها في ~~المصاحف العثمانية كلها، ولا إجماع يوجد من الصحابة على حكم شرعي مثل هذا؛ ~~لأن كتبة المصاحف كان بعد مشاورات، PageV01P402 # ومراجعات بحيث لم يكد يخفى على أحد، وبدون ذلك لم يرضوا حيث لم يكن قرأنا ~~كالنقط والشكل. # والحق: أن هذا الإجماع يدل على كونه قرآنا، وأما على كونه آية في موضع، فلا. # والدليل على كونها آية من كل سورة، الأحاديث الواردة: كقول ابن عباس: ~~"سرق الشيطان من الناس آية" (¬1). # وحديث أبي هريرة (¬2): "سورة الفاتحة سبع آيات أولهن بسم الله الرحمن ~~الرحيم" (¬3). PageV01P403 # وحديث أم سلمة (¬1): "قرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الفاتحة، وعد ~~البسملة آية منها" (¬2)، وعليه قراء الكوفة، ومكة، وجم غفير من الفقهاء. PageV01P404 # قيل: شرط كونها آية من السور أن يتواتر ذلك في جميع محالها على أنها قرآن ~~ولم يتواتر ذلك. # ويحتمل -حينئذ- أن تكون آية فردة أنزلت للفصل كما هو عند الحنفية (¬1)، ~~فلا يثبت (¬2) مدعاكم. # قلنا: إجماع قراء مكة والكوفة كاف في ذلك. # فإن قلت: إذا تواترت قرآنا عند طائفة يجب أن يكفر منكر ذلك، كما هو الشأن ~~في سائر القطعيات. # أجيب: بأن منكر القطعي إنما يكفر حيث يخلو المقام عن الشبهة، وأما عند ~~قوة الشبهة لم يوجب التكفير، وفي البسملة الشبهة قوية من الجانبين، فامتنع ~~التكفير. # هذا، وأنا أقول: لو تأمل الفريقان حق التأمل لم يقع نزاع في البسملة أصلا. # وتحقيق ذلك: أن الفريقين متفقان على أن التواتر عند طائفة لا يستلزم أن ~~يكون عند طائفة أخرى متواترا، كما في القراءات المتواترة؛ لأن الإجماع على ~~أن من قرأ بإحدى القراءات السبع، فقد قرأ كلام الله حقا. PageV01P405 # وإذا كان أحد القراء السبعة (¬1) مخالفا للباقين، وخلافه غير قادح - في ~~كون قراءته قطعية، وما يقرأه هو القرآن الذي نزل به جبريل على رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم-، فكيف بالبسملة إلى اتفق ابن كثير (¬2)، والكسائي ~~(¬3)، PageV01P406 # وعاصم (¬1) على كونها قرآنا، وهل بعد هذا التأمل أحد يجترئ على أن ينكر ~~كونها قرأنا وآية من كل سورة؟ # وهذا تحقيق ms070 تفردنا به لم يعرج عليه أحد قبلنا والله الموفق. # قوله: "لا ما نقل آحادا". # أقول: ما نقل آحادا ليس بقرآن قطعا (¬2)؛ لانعقاد الإجماع على أن التواتر ~~شرط في إطلاق لفظ القرآن، والإجماع على أحد قولي العصر الأول يلحق القول ~~الآخر بالعدم: كالإجماع على منع بيع أم الولد (¬3). PageV01P407 # فقول المصنف: "على الأصح" (¬1)، كان الواجب عدم ذكره، مع أنه لم يذكر ~~الخلاف أحد يعتد به (¬2). PageV01P408 # وقد نقل الإمام -المتفق على كمال دينه، وعلمه العالم الرباني- النووي ~~(¬1) اتفاق الفقهاء على أن من قرأ بالشاذ يستتاب، ولا تجوز القراءة به في ~~وقت من الأوقات (¬2). PageV01P409 # ومن الشارحين (¬1) من قال: إنه كان متواترا في العصر الأول لعدالة ~~ناقليه، ويكفى التواتر فيه. # قلت: ليت شعري من نقل أنه كان متواترا؟ ! وأي عدل نقله (¬2)؟ # قوله: "والسبع متواترة". # أقول: القراءات السبع المشهورة (¬3) بين الأمة متواترة بلا نزاع (¬4)، ~~وإنما PageV01P410 # النزاع في بعض الكيفيات: كالمد (¬1) الفرعي، والإمالة (¬2)، وتخفيف ~~الهمز، ونحوه (¬3). PageV01P411 # ذهب الشيخ ابن الحاجب: إلى أن ما كان من قبيل الأداء ليس متواترا (¬1). # وشبهته -على ما نقل عنه بعض المحققين (¬2) من أئمة القرآن- مقدار المد، ~~والتحقيق لا يمكن ضبطه: لأن المد المختلف فيه مثل بأنه مقدار ألفين، أو ~~ثلاث، أو خمس، وهذا لا يمكن ضبطه من قراءته -صلى الله عليه وسلم-، وليس هو ~~مثل: مالك، وملك، وسراط، وصراط. # وما ذكره الشيخ ابن الحاجب واختاره المصنف مردود؛ لأن نقلة مراتب المد ~~والإمالة وغيرها هم نقلة أصل القراءات، وهم عدد التواتر في كل عصر، والخصم ~~معترف بذلك (¬3). PageV01P412 # وإذا كان الأمر على ما ذكر، فتلك الشبهة ساقطة؛ لأن ضبط كل شئ بحسبه، ولا ~~تكليف بما فوق الوسع، والنقلة التي بلغت حد التواتر إذا قالوا: المد الفرعي ~~قدر ثلاث ألفات، ونقل على الوجه المذكور عصرا بعد عصر، ثبت ذلك عندنا قطعا ~~وصار -في الجزم بأنه قرآن- كسائر كلماته المتفق عليها. # وأما أن القارئ هل يمكنه الإتيان بذلك القدر من غير نقصان، وزيادة؟ ذلك ~~أمر لا يتعلق بنا إذ الكلام في كونه معلوما كونه من القرآن تواترا لا في ms071 أن ~~زيدا وعمرا هل يقدران على قراءته كما نزل به جبريل، وهذا مما لا ريب فيه. PageV01P413 # وما نقله عن أبي شامة (¬1)، وهو أن المختلف فيه غير متواتر، وذلك مثل ~~زيادة تشديد الحرف ونقصانه -مردود؛ لأن [مناط] (¬2) كونه قرآنا هو التواتر، ~~فإن كان المختلف فيه منقولا عند طائفة تواترا ثبت كونه قرآنا، وإلا فلا، ~~ولا يلزم ثبوته عند غيره كأصل القراءة (¬3). # قوله: "ولا تجوز القراءة بالشاذ". # أقول: هو الذي نقل آحادا، وقد تقدم تحقيقه (¬4). # قوله: "والصحيح أنه ما وراء العشرة". PageV01P414 # أقول: شرط كون المنقول قرآنا هو التواتر، وهو العمدة. # وذكر بعض المتأخرين (¬1) شرطين آخرين: # أحدهما: موافقة الرسم تحقيقا أو تقديرا. # والآخر: موافقة العربية، أي يكون له وجه نحوي (¬2). # والحق: أن هذين الأمرين [لازمان] (¬3) للتواتر لا يحتاج إلى إفرادهما ~~بالذكر يرشد إلى هذا قول الغزالي في "المستصفى": طريق إثبات الكتاب هو ~~التواتر فقط (¬4). PageV01P415 # وقد اتفق المحققون سلفا وخلفا على أن القراءات الثلاث (¬1) المنسوبة إلى ~~الأئمة الثلاثة، أعني: أبا جعفر يزيد بن القعقاع (¬2) إمام القراء بمدينة ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويعقوب الحضرمي (¬3) البصري، والبزار، ~~أعني خلفا (¬4)، وهو أحد راويي (¬5) حمزة PageV01P416 # من فم (¬1) الصلح (¬2) - متواترة قرئ بها في جميع الأمصار والأعصار من ~~غير نكير في وقت من الأوقات، فثبت كونها قرآنا؛ إذا لا يتوقف -بعد التواتر- ~~إلا مبتدع جاحد، ولو فرضنا أن ما وراء العشرة اتفق نقله متواترا لم نقف في ~~كونه قرآنا قطعا؛ إذ لا دليل في الشريعة يدل على حصر، ومن فهم من قوله -صلى ~~الله عليه وسلم-: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة (¬3) أحرف (¬4) "، أن ~~المراد القراءات السبع المشهورة، فقد غلط في ذلك (¬5). PageV01P417 # وقول المصنف: "وفاقا للبغوي (¬1) ووالده"، يريد أنه ثبت عندهما تواتر ~~الثلاثة؛ إذ لا يمكن ترجيح هنا بوجه آخر قطعا (¬2). PageV01P418 # قوله: "وقيل: ما وراء السبعة" أي: شاذ (¬1)، وقد علمت أنه مردود (¬2). # قوله: "أما إجراؤه مجرى الآحاد هو الصحيح". # يريد أن القراءة الشاذة، وإن لم يثبت كونها قرآنا، ولكن لا يلزم من ~~انتفاء القرآنية انتفاء الخبرية، فهو دائر بين ms072 كونه قرآنا وكونه خبرا ~~وكلاهما مما يحتج به (¬3)، PageV01P419 # وإلى هذا ذهب الحنفية أيضا في إيجاب التتابع في كفارة اليمين لقراءة عبد ~~الله ابن مسعود (¬1). # واختيار المصنف هو هذا، وفيه نظر؛ لأن الحصر في القرآنية والخبرية ممنوع، ~~لجواز كونه مذهب الراوي، وهو عند المصنف ليس بحجة (¬2). # استدلالهم: بأن الشافعي أوجب قطع يمين السارق بالقراءة الشاذة ضعيف، ~~لاحتمال ثبوت رفعه عنده (¬3)، ولهذا يوجب التتابع في كفارة اليمين على ~~الصحيح من مذهبه. PageV01P420 # قوله: "ولا يجوز ورود ما لا معنى له في الكتاب (¬1) والسنة". # أقول: ترجمة هذه المسألة -كما ترجم بها المصنف، وكما ترجم البيضاوى ~~بقوله: "لا يخاطبنا الله بمهمل" (¬2) - ليس بملائم لمحل النزاع؛ لأن أحدا ~~لم يقل: إن في القرآن شيئا لا معنى له، أو مهمل لا وضع له كما ستقف عليه من ~~استدلالهم. # بل الحق أن يقال: لا يرد في القرآن ما لا يقدر أحد على التوصل إلى معناه. # لنا: أن القرآن كله هدى وشفاء، ولا فائدة -أيضا- في إنزال ما لا يصل أحد ~~إلى فهمه، إذ الإعجاز واستنباط الأحكام بدونه حاصل (¬3). PageV01P421 # قال الغزالي: "وما لا توقيف فيه يؤول بما يعرفه أهل اللغة ويناسب اللفظ ~~من حيث الوضع؛ إذ الظاهر أن الله لا يخاطب العرب بما لا يعرفه أحد من ~~الخلق" (¬1). # استدل الخصم (¬2) -وهم الحنفية، والطائفة المذكورة في المتن (¬3) -. # بأوائل السور؛ إذ لا يظهر منها معنى بعد التأمل الوافر فيها. # وبقوله: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه} [آل عمران: 7]، ~~فإنه ذم على اتباع المتشابه، وما ذلك إلا لعدم القدرة على الوصول إلى ~~معناه. PageV01P422 # ولوجوب الوقف على: {إلا الله} في: {وما يعلم تأويله إلا الله}؛ لكون ~~{يقولون} (¬1) حالا من المعطوف دون المعطوف عليه (¬2)؛ لعدم استقامة ~~المعنى. # أجيب -عن الأول-: بأن المقطعات في أوائل السور أسماء للسور، أو للقرآن، ~~أو أسماء مسمياتها الحروف التي يركب منها القرآن صرح بذلك المحققون (¬3). # وعن الثاني: بأن ذم الذين يتبعون المتشابه ليس لأنه لا يمكن الوصول إلى ~~معناه، بل لأنهم يؤولونه تأويلا مخالفا لقوانين الشرع، ولذلك ms073 حكم عليهم ~~بكون قلوبهم زائغة عن الحق، ولو كانوا طالبين للحق، وكان مطلوبهم غير ممكن ~~لأرشدهم إلى الحق، كما في قصة موسى إذ {قال PageV01P423 # رب أرني أنظر إليك قال لن تراني} [الأعراف: 143]، وأرشده بأن هذه الأجسام ~~الفانية لا تقدر على ذلك، وجعل دك الجبل تسلية له (¬1). # وعن الثالث: بأن الوقف على: {إلا الله} مختلف فيه: منهم من وقف على ~~{والراسخون}، وهم القائلون: بأن المتشابه يمكن الوصول إلى معناه (¬2). PageV01P424 # قولهم: المعطوف يختص بالحال. # قلنا: يجوز حيث لا لبس، كما في قوله: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة} ~~[الأنبياء: 72] (¬1). PageV01P425 # واعلم أن الأدلة -من الطرفين- لا تفيد القطع، بل كلها ظواهر إذ لهم أن ~~يقولوا: فائدة إنزال المتشابه كبح عنان الراسخ في العلم عن الخوض فيه ومنعه ~~منه، وهذا عنده أشد تعبا من بذل المجهود في استعلام الحكم من المحكم؛ لأن ~~النفوس مجبولة على الحرص والشغف بما منعت منه، والله أعلم بحقيقة الحال. # ولا يراد من اللفظ غير ظاهره إلا بدليل يدل على ذلك (¬1) خلافا للمرجئة ~~(¬2)، وهم طائفة يقولون: إن المعاصى لا تضر مع الإيمان، كما أن الطاعات لا ~~تنفع بدونه، وبنوا على هذا الأصل الفاسد أن الآيات والأحاديث الواردة في ~~وعيد الفساق والعصاة يراد بها خلاف الظاهر، وهو التنفير والترهيب، وبطلان ~~هذا لا يحتاج إلى دليل. PageV01P426 # قوله: "وفي بقاء المجمل". # أقول: المجمل عند الفقهاء: ما أفاد شيئا معينا لا يعينه اللفظ: كالقرء ~~(¬1) مثلا. # وقد اختلف في أنه هل يمكن بقاء لفظ مجمل في القرآن، أو في الحديث غير مبين؟ # قال ببقائه طائفة، ومنعه آخرون (¬2). PageV01P427 # والحق: التفصيل، وهو أن ذلك المجمل إن كان متعلقا باعتقاد، وبكيفية عمل ~~لم يبق إلى وفاته، ولا يمكن ذلك لما سيأتي أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ~~لا يجوز (¬1)، وإلا فلا مانع من بقائه. # قوله: "والحق أن الأدلة النقلية قد تفيد اليقين". # أقول: الأدلة النقلية -بدون قرينة- لا تفيد القطع بالحكم لاحتمال مجاز أو ~~اشتراك، أو غير ذلك مما يخل بالتفاهم. # وأما مع انضمام قرينة قطعية: كالتواتر على أن المراد باللفظ ms074 الفلاني في ~~المورد الفلاني كذا، أو انعقد الإجماع على ذلك، فإنه يفيد كون المراد ذلك قطعا. # ولذلك لا يجوز للمجتهد: أن يخالف ما انعقد الإجماع عليه؛ لأن المجمع عليه ~~لا يمكن أن يكون خلاف حكم الله، لأن أمته -صلى الله عليه وسلم- لا تجتمع ~~على الضلالة (¬2). # فإفادة اليقين بمثل هذه القرينة مسلم، ولكن المتن القطعي إذ خلا عن هذه ~~القرينة لا يفيد قطعا، ويظهر ذلك في: {وأقيموا الصلاة} [البقرة: 43] PageV01P428 # في قوله تعالى: [وفي لفظ] (¬1): {ثلاثة قروء} [البقرة: 228] (¬2)، فإن ~~المتن في الكل سواء، مع أن المراد من الأول قطعي دون الثاني، وذلك واضح (¬3). # والحق: أن النفي والإيجاب لم يرد على شيء واحد، فإن الذي يقول: لا دلالة ~~قطعية في النقليات يريد كذلك نظرا إلى الدليل مع قطع النظر عن القرائن، ~~والذي يقول به يضم إليه القرينة، ومن قال: إن اللفظ -بعد القرينة- لا يفيد، ~~فهو مكابر (¬4). # * * * PageV01P429 ### || AUTO باب المنطوق والمفهوم # قوله: "المنطوق والمفهوم، المنطوق: ما دل عليه اللفظ في محل النطق". # أقول: المنطوق -اصطلاحا-: شيء دل عليه اللفظ في محل النطق (¬1)، فقد صار ~~المنطوق من قبيل المدلول، وهو يوافق ما ذكره الآمدي، فإنه قال: "المنطوق: ~~ما فهم من اللفظ نطقا في محل النطق، والمفهوم: ما فهم من اللفظ في غير محل ~~النطق" (¬2). # وقد فسره بعض المحققين (¬3) بنفس الدلالة (¬4)؛ لأنه قال: "المنطوق: أن ~~يدل اللفظ على معنى في محل النطق، والمفهوم: أن يدل اللفظ على معنى لا PageV01P431 # في محل النطق" (¬1)، ويمكن أن يجعل المصدر بمعنى المفعول، فيستوي معنى ~~العبارتين. # ثم المنطوق على ثلاثة أقسام؛ لأنه إن دل على المعنى صريحا، وهو ما وضع له ~~اللفظ، فيشمل المطابقة والتضمن، وهذا -في الحقيقة- قسمان داخلان تحت ~~الصريح. # والثالث: ما دل عليه اللفظ التزاما. # ثم الصريح منه ينقسم إلى نص: وهو الذي يفيد معنى لا يحتمل الغير ~~كالأعلام، فإنها لا تحتمل غيرها بوضع واحد قطعا. # وظاهر: إن احتمل مرجوحا: كلفظ الأسد، فإنه إذا أطلق يدل على الحيوان ~~المفترس دلالة ظاهرة، ويحتمل احتمالا مرجوحا أن يكون المراد الرجل الشجاع، ms075 ~~لكن المتبادر هو الأول. وسيأتي تتمة لهذا في بحث المفهوم إن شاء الله. PageV01P432 # قوله: "واللفظ إن دل جزؤه على جزء المعنى، فمركب، وإلا فمفرد". # أقول: كان الأولى تقديم هذا البحث على المنطوق والمفهوم؛ لأن اللفظ ينظر ~~في أفراده وتركيبه -أولا- ثم يلاحظ منطوقه ومفهومه، ثم (¬1) ما لا يدل جزؤه ~~على جزء معناه صدقه بأمور أربعة: # الأول: أن لا يكون لذلك اللفظ جزء مثل: ق. علما، أو يكون له جزء ولا يدل ~~كزاء زيد، أو يدل على معنى، ولا يكون ذلك المعنى جزء معنى اللفظ حالة ~~الإطلاق: كعبد الله علما، أو يكون جزء معنى اللفظ ولا يكون مرادا: كالحيوان ~~الناطق إذا جعل علما لإنسان، فإن دلالة جزء اللفظ على جزء المعنى -وإن كان ~~واقعا- ولكن حالة العلمية ليست بمرادة؛ لأن المراد من اللفظ -في العلم- هو ~~المعنى العلمي. # لا يقال: إذا كان عبد الله علما لا يدل إلا على الذات المعينة؛ لأنا نجزم ~~بأن من أطلق لفظ عبد الله -على ذلك المعين- لا يخطر بخاطره معنى العبودية، ~~ولا معنى الألوهية، فكيف يدل وقد أجمعوا على ذلك؟ # قلنا: دلالة اللفظ لا تتبع الإرادة، بل توجد بدونها، كما في إرادة المعنى ~~المطابق من اللفظ، مع أن دلالة الالتزام لا تنفك عنها، وإن لم تكن مرادة. # وتحقيق ذلك: أن دلالة اللفظ [على المعنى] (¬2) عبارة عن التفات الذهن من ~~اللفظ إلى المعنى. PageV01P433 # هذا، ودلالة اللفظ على ما وضع له مطابقة، وعلى جزئه تضمن، وعلى ما يلازمه ~~في الذهن التزام مثل: دلالة الإنسان على الحيوان الناطق مطابقة، وعلى ~~أحدهما تضمن، وعلى قابلية العلم والكتابة التزام (¬1). # واعتبر اللزوم الذهني؛ لأن اللزوم الخارجي غير معتبر؛ لأن الدلالة ~~الالتزامية موجودة مع التنافي في الخارج: كدلالة العمى على البصر مع ~~المنافاة في الخارج. # ثم حكم المصنف: بأن دلالة المطابقة لفظية، والتضمن والالتزام عقليتان ~~(¬2)، وهذا ما عليه بعض أهل العربية (¬3). PageV01P434 # وعند جهور المنطقيين الثلاث لفظية؛ لأنها تستفاد من اللفظ، وهذا صريح في ~~كلام المصنف حيث جعل القسم دلالة اللفظ، وإذا كان المقسم دلالة اللفظ، ~~فالأقسام ms076 لفظية ضرورة [تأمل] (¬1). # قوله: "ثم المنطوق إن توقف الصدق أو الصحة على إضمار، فدلالة اقتضاء". # أقول: قد عرفت مما سبق: أن المنطوق على قسمين: صريح، وغير صريح، وهو ما ~~دل عليه اللفظ التزاما، وهذا القسم الثاني هو الذي ينقسم إلى اقتضاء وإشارة ~~وإيماء، ثم وجه الانقسام هو أن ذلك المنطوق الذي هو القسم الثاني إما أن ~~يكون مقصودا للمتكلم، أو لا، فإن كان مقصودا فذلك بحكم الاستقراء قسمان: # أحدهما: أن يتوقف الصدق، أو الصحة الشرعية أو العقلية عليه، وهذا يسمى: ~~دلالة اقتضاء، أما الصدق فنحو قوله -صلى الله عليه وسلم-: "رفع عن أمتي ~~الخطأ والنسيان" (¬2)، فإن الصدق موقوف على تقدير المؤاخذة، أو نحوها PageV01P435 # ليصدق مضمونه؛ لأن وجود الخطأ والنسيان ووقوعهما في أمته لا يمكن إنكاره. # وأما الصحة العقلية: فنحو: {واسأل القرية} [يوسف: 82] إذ خطاب القرية لا ~~يجوزه العقل جريا على العادة، وإنما قيد بالعادة لجواز السؤال من نبي بخرق ~~العادة؟ فلا بد من هذا القيد، وإن أطلق المحقق العلامة (¬1). PageV01P436 # والصحة الشرعية: نحو قول القائل: اعتق عبدك عني، فإنه لا بد من حصول ~~الملك قبل الإعتاق لعدم جواز إعتاق ملك الغير ضرورة. # الثاني -من قسمي المقصود-: وهو أن يقرن بحكم لولا حمله على التعليل يكون ~~غير لائق بالمقام فيدل عليه، وإن لم يصرح به، ويسمى: إيماء، وسيأتي ذكره ~~بأقسامه في باب القياس إن شاء الله تعالى. # والقسم الثاني: وهو الذي لا يكون مقصودا للمتكلم يسمى: دلالة إشارة نحو ~~قوله -صلى الله عليه وسلم- في النساء: "ناقصات عقل ودين، قيل: ما نقصان ~~دينهن؟ قال: تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلى" (¬1) فدل على أن أكثر الحيض ~~خمسة عشر يوما (¬2)، وعلم -أيضا- أنه أقل الطهر (¬3)، ولا شك أن بيانهما لم ~~يكن مقصودا منه، ولكن لزم حيث بالغ في نقصان دينهن، PageV01P437 # كما بالغ في نقصان عقلهن حيث جعل شهادة امرأتين بمثابة شهادة رجل واحد، ~~فدل على أن نهاية ما يصل إليه نقصان دينها هو هذا القدر. # وقد علمت من هذا التحرير، والتحقيق: أن كلام المصنف قاصر عن ms077 إفادة ~~المرام؛ لأنه أسقط الإيماء، وقسم المنطوق، والمنقسم إنما هو غير الصريح، ~~والصريح قسم واحد (¬1). # قوله: "المفهوم: ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق". # أقول: مفهوم اللفظ -وهو ما عدا المنطوق بأقسامه- قسمان: مفهوم موافقة، ~~ومفهوم مخالفة؛ لأن حكمه إن كان موافقا للمنطوق، فهو مفهوم موافقة، وإلا ~~فمفهوم مخالفة (¬2). PageV01P438 # فالأول: يسمى فحوى الخطاب، وكذلك لحن الخطاب عند الجمهور، والمصنف جعله ~~مخصوصا بقسم منه، وهو ما إذا كان مساويا (¬1). # ثم حقيقة مفهوم الموافقة لا تنفك عن التنبيه بالأدنى على الأعلى كقوله ~~تعالى: {فلا تقل لهما أف} [الإسراء: 23]، وقوله: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 7 - 8]، وقوله: {ومن أهل ~~الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده ~~إليك} [آل عمران: 75]، فإن التأفيف، والذرة، والدينار تدل على أن الحكم في ~~الأعلى بالطريق الأولى. # وفى "المنتهى": هو التنبيه بالأدنى على الأعلى، وبالأعلى على الأدنى ~~(¬2)، وحذف القسم الثاني في "المختصر" (¬3)، واقتصر على القسم (¬4) الأول: PageV01P439 # لأنه يوخذ معنى الأدنى على وجه يشمل معنى الأعلى: كالمناسبة مثلا يقال: ~~التأفيف أدنى مناسبة بالتحريم من الضرب، والذرة أدنى مناسبة بالجزاء من ~~الدينار والدرهم والقنطار، وإن كان أعلى من الدينار لكنه أدنى مناسبة ~~للتأدية من الدينار، فيكتفى بالأدنى على الأعلى لاندراج الكل تحته، وإذا ~~كان المذكور أدنى مناسبة كان المسكوت عنه أشد مناسبة بالحكم، وهذا مبني على ~~أن لا تعد المساواة من مفهوم الموافقة: كالاستدلال بحرمة أكل مال اليتيم ~~على حرمة إحراق ماله إذ لا مزية في استحقاق الإثم لأحدهما على الآخر، وقد ~~عده الغزالي منه (¬1). # ثم الاستدلال بمثله مقبول اتفاقا (¬2)، إنما الكلام في صدق هذا الاسم عليه. # ثم اختلف في أن الاستدلال بالمفهوم هل هو قياس شرعي، أم لا؟ # اختار إمام الأئمة الشافعي -رضي الله عنه، وتبعه الإمامان (¬3) -: أنه ~~قياس شرعي؛ لأنه إلحاق أصل بفرع لعلة مستنبطة، فيكون قياسا شرعيا لصدق حده ~~عليه. PageV01P440 # وقيل: لفظي، وهذا هو المختار (¬1)؛ لأن من عرف اللغة يفهم هذا الحكم، وإن ms078 ~~[لم] (¬2) يرد بذلك الشرع (¬3). # قال الغزالي في "المستصفى": "فإن قلت: هذا قياس إذ الضرب حرام قياسا على ~~التأفيف. # قلت: إن أردت أنه محتاج إلى استنباط وتأمل، فهو خطأ، وإن أردت أنه إلحاق ~~مسكوت بمنطوق، فهو صحيح" (¬4). # والذي يجب أن يحمل عليه كلام الشافعي -رضي الله عنه-: هو أن صورته صورة ~~قياس شرعي، ويؤخذ منه حكم شرعي كما في سائر PageV01P441 # الأقيسة، وإن كان المقيس معلوما -لغة- بخلافه في بقية الأقيسة؛ إذ رفعته ~~وجلالة قدره أعلى من أن يلتبس عليه ما يفهمه غيره بلا توقف (¬1). # قوله: "فقال الغزالي والآمدي: فهمت من السياق والقرائن، وهي مجازية من ~~إطلاق الأخص على الأعم". # أقول: ذكر الإمام الغزالي: أن مجرد ذكر الأدنى لا يحصل منه التنبيه على ~~الأعلى ما لم يعلم المقصود من الكلام، وما سيق له، فلولا معرفتنا بأن الآية ~~إنما سيقت لتعظيم الوالدين لما فهمنا حرمة الضرب من قوله: {فلا تقل لهما ~~أف}؛ إذ قد يأمر السلطان بقتل إنسان، ويقول: لا تقل له أف، ولكن اضرب عنقه ~~(¬2)، وليس في كلامه ذكر المجاز لا صريحا ولا كناية (¬3)، وما زعمه المصنف: ~~من أن الدلالة المذكورة PageV01P442 # مجازية (¬1) غير مستقيم؛ لأن المجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له ~~لعلاقة بين المعنيين، أو الكلمة المستعملة في غير ما وضع له لعلاقة مع ~~قرينة دالة على عدم جواز إرادة ما وضع له. # ولا شك أن قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} مستعمل في معناه الحقيقي، ~~غايته: أنه علم منه حرمة الضرب بقرائن الأحوال ومساق الكلام، واللفظ لا ~~يصير بذلك مجازا، وكأنه لم يفرق بين القرينة المفيدة للدلالة، والقرينة ~~المانعة من إرادة المعنى الحقيقي، والثانية هي اللازمة للمجاز دون الأولى، ~~والعجب أن شراح كلامه لم ينتبهوا لهذا مع ظهوره. PageV01P443 # قوله: "وقيل: نقل اللفظ لها عرفا"، يعني ذهبت طائفة إلى أن اللفظ صار ~~حقيقة عرفية في المعنى الالتزامي (¬1) الذي هو الضرب في مثل قوله تعالى: ~~{فلا تقل لهما أف}، وكذلك -في قوله-: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} ~~[الزلزلة: 7] صار اللفظ حقيقة ms079 في المجازاة في الأكثر، وهذا قول [باطل] ~~(¬2)؛ لأن المفردات كلها مستعملة في معانيها اللغوية، بلا ريب، مع إجماع ~~السلف على أن في الأمثلة المذكورة إلحاقا لفرع بأصل، وإنما الخلاف في أن ~~ذلك بالشرع أو باللغة، كما تقدم. # وعند الحنفية يسمى: دلالة النص، وهم مجمعون على أن هذه الدلالة تفهم لغة ~~ولا حاجة إلى ملاحظة الشرع في ذلك (¬3). # قوله: "وإن خالف فمخالفة". PageV01P444 # أقول: الثاني من قسمي المفهوم: مفهوم المخالفة، وهو أن يكون المسكوت عنه ~~مخالفا للمنطوق في الحكم (¬1) مثل قوله -صلى الله عليه وسلم-: "في سائمة ~~الغنم زكاة" (¬2) إذ يدل على أن حكم المعلوفة مخالف لها، وهو عدم الوجوب، ~~وله أقسام ستأتي مفصلة إن شاء الله تعالى. PageV01P445 # وله شروط منها: أن لا يكون المسكوت عنه ترك لخوف، كقول من يتهم بالرفض-: ~~أتصدق هذا الدينار على من يحب أبا بكر وعمر (¬1)، أو نحو الخوف: كالجهل ~~بحكم المسكوت عنه، كما في المثال المذكور إذ لا يعلم حال المعلوفة، أو يكون ~~المذكور خرج مخرج الغالب كقوله: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان ~~مقبوضة} [البقرة: 283] للاتفاق على عدم اعتبار السفر في جواز الرهن، خلافا ~~لإمام الحرمين، حيث زعم أنه، أي: كونه خرج مخرج الغالب ليس بظاهر يترك به ~~أصل من الأصول (¬2)، وهذا استبعاد منه خال عن الدليل، والمحققون بعده على ~~خلافه (¬3). PageV01P446 # أو يكون المذكور جواب سائل: كما إذا سأله شخص: هل في السائمة زكاة؟ ~~فأجاب: بأن في السائمة زكاة، أو للجهل بحكم المذكور دون حكم المسكوت عنه، ~~ولا يخفى أن ذكر السؤال يغني عن هذا. أو غير الذي ذكر من الأشياء التي توجب ~~تخصيصه بالذكر كقوله تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا} ~~[النور: 33]: إذ مفهوم الشروط لا اعتبار به، بل إنما ذكر الشرط إيذانا ~~بأنهن إذا أردن التحصن، فالمولى -بذلك- أولى. # وقيل: إنما ألغى مفهوم الشرط هنا؛ لأن الإكراه على الزنى مع عدم إرادة ~~التحصن غير ممكن، وقيل: عارضه الإجماع (¬1). PageV01P447 # ومما يجب التنبه له: أن ما أطلقه المصنف من الشروط لا ms080 يلزم جريانها في ~~جميع المفاهيم، بل حيث يمكن لعدم جريان شيء مما ذكر في الاستثناء، وإنما ~~المفيدة للحصر، وفي الغاية، وأن لا يكون المسكوت عنه أولى بالحكم المذكور، ~~ولا مساويا له، وألا يكون مفهوم موافقة عند من يجعل المساواة معتبرة في ~~مفهوم الموافقة، وألا يكون واسطة بين المفهومين؛ هكذا يجب أن يفهم هذا ~~المقام. # قوله: "ولا يمنع قياس المسكوت بالمنطوق". # أقول: يريد أن المذكور، وهو ما يقتضي التخصيص بالذكر لا يمنع قياس ~~المسكوت بالمنطوق إذا وجدت بينهما علة جامعة. # ثم استبعد المنع كأنه قال: كيف يمتنع القياس، والحال أن طائفة ذهبت إلى ~~أن ذلك المعروض الذي عرض له القيد المذكور يعم المسكوت عنه بدون قياس؟ كما ~~إذا قال -عند الجهل بحكم المذكور-: في الغنم السائمة زكاة، عند هذه الطائفة ~~لفظ الغنم عام يشمل المعلوفة أيضا، ثم نقل الإجماع على عدم العموم، وأن ~~اللفظ لا يتناول المسكوت عنه. PageV01P448 # غايته: أنه لو (¬1) وجد قياس يقاس عليه، وإلا فلا (¬2)، وعبر بالمعروض ~~دون الموصوف، وإن كان في المعنى موصوفا لئلا يتوهم اختصاص البحث بالصفة، مع ~~كونه عاما في جميع الموارد التي من شأنها مخالفة المسكوت للمنطوق. # قوله: "وهو صفة كالغنم السائمة، أو سائمة الغنم". # أقول: لما بين معنى مفهوم المخالفة وما فيه من الخلاف والشروط، شرع في ~~بيان أقسامه والبحث عما يتعلق بكل قسم من المسائل، وابتدأ بمفهوم الصفة؛ ~~لأن مباحثه أكثر، وهو بين الفقهاء أشهر (¬3)، والمراد بالصفة هنا ما يشعر ~~بالعلية مثل: "المؤمن (¬4) غر كريم" (¬5)، فبينه وبين PageV01P449 # الصفة النحوية عموم من وجه؛ لأن صفة المدح والذم خارجة عن هذا، ومثل: "لي ~~الواجد" (¬1)، و: "مطل الغني" (¬2) ليس وصفا نحويا. PageV01P450 # وقد قال به الإمام الجليل الشافعي والأشعري وكثير من العلماء (¬1). # ومنعه أبو حنيفة، والقاضي، والغزالي، والمعتزلة. # لنا: ما نقله الإمام في "البرهان": أن أبا عبيدة معمر بن المثنى (¬2) لما PageV01P451 # سمع قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لي الواجد يحل عقوبته، وعرضه" (¬1) قال: ~~هذا يدل على لي غير الواجد لا يحل عقوبته وعرضه (¬2). # وقيل في قوله -صلى ms081 الله عليه وسلم-: "لأن يمتلئ بطن الرجل قيحا خير من أن ~~يمتلئ شعرا" (¬3) المراد به هجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالوا: ~~لو كان كذلك لم يكن للامتلاء فائدة إذ ذاك قليله وكثيره سواء، فجعل ~~الامتلاء كالشعر الكثير، وفرق بينه وبين القليل، وذلك صريح في المطلوب. # وذكر الآمدي: أن القائل أبو عبيد بدون التاء (¬4)، وهو قاسم بن سلام ~~الكوفي (¬5)، ويمكن التوفيق: بأن يكون كل منهما PageV01P452 # قائلا (¬1)؛ لأنهما إمامان في اللغة، والشافعي في اللغة لا يبارى لو لم ~~يفهمه لغة لم يقل به. # واعترض لمخالفة الأخفش (¬2)، ومنع ذلك؛ لأنه لم يثبت عنه، ولو سلم من ~~نقلنا عنه أقعد في اللغة من الأخفش، ولو سلم فالمذكورون أوقر وأكثر، ولو ~~سلم فالإثبات مقدم. # ولنا -عقلا-: أن لو لم يفد لم يكن لذكره فائدة إذ غير ما ادعيناه منتف ~~اتفاقا، وكلام البلغاء مصون عن مثله، فضلا عن كلام سيد الأنبياء. # قيل -عليه-: أثبتم التخصيص بالفائدة، ومثله لا يثبت إلا بالنقل. # قلنا: لم نثبته بالفائدة، بل القاعدة الكلية المنقولة عنهم: أنه إذا ظن ~~فائدة في الكلام وغيرها يكون معدوما تكون تلك مرادة ظاهرا، فيندرج المتنازع ~~فيه في تلك القاعدة. PageV01P453 # قيل: لا نسلم عدم فائدة سواها، بل توكيد المذكور لئلا يتوهم تخصيص، لو ~~قال: في الغنم زكاة، إذ يحتمل أن يكون المراد المعلوفة. # قلنا: هذا فرع عموم اللفظ، وهو ممنوع، ولو سلم العموم -في بعض الصور- كان ~~خارجا عن محل النزاع. # قيل: لم لا يجوز أن تكون الفائدة ثواب المجتهد بإلحاق المسكوت عنه ~~بالمنطوق قياسا؟ # قلنا: قد شرطنا عدم الرجحان والمساواة، وألا يكون مفهوم موافقة، هذا ~~تحقيق المقام على ما ينبغي. # ولنرجع إلى شرح كلام المصنف، فنقول: إنما ذكر ثلاثة أمثلة لمكان فائدة؛ ~~لأن الأول عنده نص في المقصود، وهو أن المنفي عنه الحكم -وهو وجوب الزكاة- ~~إنما هي المعلوفة من الغنم، وأما لفظ السائمة مجردا عن الموصوف هل هو من ~~قبيل المتنازع فيه، أم لا؟ نقل فيه قولين (¬1). PageV01P454 # وزعم: أن الظاهر عدمه، وليس بظاهر، بل مردود ms082 قطعا؛ لأن تعريف الوصف صادق عليه. # غايته: أن الموصوف فيه مقدر، وذكر الموصوف وتقديره لا دخل له فيما نحن بصدده. # ألا ترى: أنهم متفقون على أن قيد الإيمان -في قولنا-: المؤمن غر كريم ~~يخرج الكافر، مع أن وزانه وزان السائمة بلا ريب (¬1). # ثم قال: "وهل المنفي غير سائمتها، أو غير مطلق السوائم قولان". وأشار ~~بهذا إلى الخلاف في المثالين الأولين (¬2)؛ لأن المثال الثالث -عند من ~~يقول: باعتبار الوصف فيه- المنفي غير مطلق السوائم لعموم المقدر. PageV01P455 # والحق -في المثالين الأولين-: هو نفى الزكاة عن معلوفة الغنم، ومنهم من ~~نظر إلى مطلق السوم، وألغى ذكر الغنم، وجعل حكم السوم عاما في الإبل ~~والبقر، وليس بشيء (¬1) إذ لا دليل شرعا ولا عقلا على ذلك؛ لأن مدار ثبوت ~~مفهوم المخالفة على الفهم -لغة- كما تقرر في صدر البحث، وإذا قيل: في سائمة ~~الغنم زكاة، ربما لا تخطر سائمة غير الغنم بالخاطر، ولو خطر لا يحكم العقل ~~بالاستواء، ولا يفهم أن سائمة غير الغنم كالغنم. # وعبارة المصنف -في قوله: "غير مطلق السوائم"- فاسدة؛ إذ مراده نفي ~~المعلوفة مطلقا لا معلوفة مقيدة، ويلزم من كلامه أن السوائم المقيدة تكون ~~منفية يظهر ذلك فيما إذا قلت: تصدق هذه الدراهم على غير المبتدعين مطلقا، ~~أي ما سوى المبتدع كائنا من كان، بخلاف ما إذا قلت: غير مطلق المبتدعين إذ ~~لا صحة له؛ لأن كل واحد من المبتدعين PageV01P456 # يصدق عليه أنه غير مطلق المبتدعين، وكذلك السوائم المقيدة، أي كل واحدة ~~يصدق عليها أنها غير مطلق السوائم. # والصواب أن يقول: غير السوائم مطلقا، فيتناول كل معلوفة من كل جنس، ولم ~~ينتبه أحد من شراح كلامه لما ذكرناه، والله الموفق (¬1). # قوله: "ومنها العلة". # أقول: من مفهوم الصفة العلة، والفرق بين العلة والصفة: أن معنى العلية في ~~الوصف التزامي، وفي صريح العلة مطابقي، ولقرب المعنيين أدرج المصنف العلة ~~تحت الصفة (¬2)، والإمام الغزالي -كما أنكر مفهوم الصفة- أنكر مفهوم العلة ~~الصريحة، قال في "المستصفى": "المسلك الثامن قولهم: إن التعليق بالصفة ~~كالتعليق بالعلة -وساق كلامه إلى أن قال-: ms083 فائدة PageV01P457 # ذكر العلة معرفة العلة فقط، وليس من فائدته تعدية العلة من محلها، فإن ~~ذلك عرف بورود القياس، ولولاه لكان قوله: حرمت الخمر لشدتها، لا يوجب تحريم ~~النبيذ المشتد" (¬1). # وأجاب عن الاعتراض: بأن الشافعي إمام في اللغة، وقد قال بعلية الوصف: بأن ~~الإمام إنما قاله اجتهادا لا إخبارا عن أهل اللغة (¬2). # وقد عرفت الجواب عن هذا بأنه إنما علم باندراجه تحت القاعدة لا استدلالا، ~~وتلك القاعدة ثبتت عن الرواة الثقاة الذين هم أئمة اللغة، فلا يكون ~~اجتهادا. # ومما ألحق بالوصف ظرف الزمان نحو: سافر يوم الجمعة، أي: لا في غيره، ~~واجلس أمام زيد، أي: لا وراءه. # والدليل على استفادة هذا المعنى من الظرف: أنه لو خالف المأمور استحق ~~اللوم عرفا على مخالفته، وذلك صريح في أن الحكم المخالف للمنطوق مفهوم منه، ~~وإلا لما ترتب اللوم عليه جزما. # ومن الملحق بالوصف الحال نحو: لا تصحب زيدا وهو عاص، وهذا لم يحتج إلى ~~ذكره لدخوله تحت الصفة بالمعنى الذي قدمنا، إذ لا فرق في فهم الحكم المخالف ~~بين قولنا: لا تخاطب الأمير وهو غضبان، وبين قولنا: لا تجالس الأشرار. PageV01P458 # ومن الملحق بالصفة العدد: لأن العدد مميز للمعدود، فهو وصف له قائم به، ~~فيدل على نفي الحكم عن غير ذلك الموصوف نحو: {فاجلدوهم ثمانين جلدة} ~~[النور: 4] فلم تجز الزيادة على الثمانين، يفهم ذلك من تعريف اللغة. # قوله: "وشرط"، عطف على قوله: "صفة" لا على ما ذكر بعد قوله: "منها" لعدم ~~دخول الشرط في الوصف، هذا ما عليه شارحو كلامه (¬1). # ولك أن تقول: قد تقرر في علم البلاغة: أن الشرط ظرف للجزاء، والظرف إما ~~زمان، أو مكان، وقد ذكر المصنف: أن الظرف مطلقا ملحق بالوصف، فلا مانع ~~لإلحاق الشرط على هذا التأويل. # وكذلك نقول في الغاية هي معنى (¬2) قائم بذي الغاية، فتدخل في الوصف ~~المذكور، فيكون أقرب إلى الضبط، وأقل أقساما (¬3). PageV01P459 # مثال الشرط قوله تعالى: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} ~~[الطلاق: 6]، فخرجت غير ذات الحمل. # والغاية نحو قوله: {فإن طلقها ms084 فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} ~~[البقرة: 230] جعل غاية الحرمة الحاصلة بالطلاق نكاح الزوج الثاني، فعلم ~~الحل بعده (¬1). # فإن قلت: على ما ذكرت من أن الغاية معنى قائم بذي الغاية، يلزم قيام ~~العرض بالعرض، ويجتمع الضدان في المثال المذكور إذ نكاح الزوج الثاني بمعنى ~~الوطء ضد الحرمة، وقد قلت: إنه قائم به. # قلت: لا شك أن ما يصدق عليه الغاية خارج عن ذي الغاية ليس قائما به، ~~وإنما القائم به هو اتصافه بمفهوم الغاية بمعنى أنه ذو الغاية، PageV01P460 # ومتصف بها، وهذا أمر اعتباري ليس موجودا في الخارج، والعرض من أقسام ~~الموجود، فلا محذور. # قوله: "وإنما" إلى قوله: "مسألة". # أقول: مما يدل على مفهوم المخالفة كلمة: "إنما"، مثل قوله تعالى: {أنما ~~إلهكم إله واحد} [الكهف: 110] (¬1)، وقوله: {إنما أنت نذير} [هود: 12]، ~~وسيأتي تحقيق كيفية إفادته. ومن الأمور الدالة على مفهوم المخالفة: ما، ~~وإلا، وكذلك لا النافية للجنس، أو بمعنى ليس نحو: {وما محمد إلا رسول} [آل ~~عمران: 144]، ولا عالم إلا زيد، ولا قائم إلا بكر، فيعني أن محمدا منحصر ~~شأنه في الرسالة لا يتجاوزها إلى النجاة من الموت، فإن الصحابة لما كانوا ~~يتعاظمون موته كأنهم معتقدون جمعه بين الصفتين، فأثبت له الرسالة، ونفى عنه ~~التبرء من الموت. # وكذلك لا عالم إلا زيد معناه: حصر [مفهوم] (¬2) العالم في زيد، وإذا ~~انحصر في زيد لزم منه الانتفاء عما عدا زيد، فالمنطوق هو الإثبات للمذكور، ~~والمفهوم هو الانتفاء عن غير المذكور. PageV01P461 # هذا هو المفهوم من التركيب والمأخوذ من كلام أهل العربية إذ قالوا: إنك ~~إذا قلت: لا عالم إلا زيد، فهو كلام مع من أخطأ في الحكم بأن اعتقد أن ~~العالم عمرو لا زيد، أو اعتقد أن العالم زيد وعمرو كلاهما. # فإذا قلت: لا عالم إلا زيد لزم من إثباتك العلم على وجه الحصر انتفاؤه عن ~~الغير، وخطأ ذلك الاعتقاد. وفي بعض كتب الأصول أن النفي هو المنطوق (¬1) ~~وكأنه نظر إلى [تسلط النفي] (¬2) على صدر الكلام. # فإن قلت: قد اتفقوا على أن ms085 معنى الاستثناء هو الإخراج، فيكون منطوقه هو ~~المخرج المنفي. # قلت: التحقيق أن الإخراج مجاز عن عدم الدخول؛ لأن الإخراج إما عن الحكم، ~~فلم يكن المستثى داخلا في الحكم حتى يخرج؛ إذ لم يقل أحد: إن زيدا -في ~~جاءني القوم إلا زيدا- كان داخلا في الحكم، ثم أخرج. # وإن أريد إخراجه من اللفظ العام، أي: مما تناوله، فذلك باطل؛ إذ ~~بالاستثناء لم يخرج زيد عن القوم مثلا. # ومن الألفاظ الدالة على مفهوم المخالفة ضمير الفصل بين المحكوم عليه ~~والمحكوم به، مثل قوله تعالى: {إن الله هو الرزاق} [الذاريات: 58] وقوله: ~~{كنت أنت الرقيب عليهم} [المائدة: 117]، وهذا إنما يتم لو استفيد PageV01P462 # الحصر من مثل قولنا: زيد هو أفضل من عمرو، وإلا ففى الأمثلة المذكورة ~~الحصر مستفاد من تعريف الخبر؛ لأن تعريف الخبر بلام الجنس يفيد حصره في ~~المبتدأ، كما تقرر في موضعه (¬1). # ومن الدوال على مفهوم المخالفة تقديم المعمول (¬2) نحو: {إياك نعبد} ~~[الفاتحة: 5]، وبزيد مررت (¬3). # قوله: "وأعلاه"، أي أعلى ما ذكر طريقة النفي والاستثناء حتى ذهب بعضهم ~~إلى أنه من قبيل المنطوق صريحا لسرعة الفهم منه، ويلى PageV01P463 # الاستثناء إنما لتبادر المعنى إلى الأذهان مثل: الاستثناء إلا أنه أحط ~~رتبة لكون النفي والاستثناء فيه غير صريحين، وإليه أشار بقوله: "منطوق" أي ~~بالإشارة، وسيذكر المصنف المفاهيم كلها على الترتيب. # قوله: "مسألة المفاهيم إلا اللقب حجة لغة". # أقول: المفاهيم المذكورة كلها حجة سوى مفهوم اللقب، وهو عبارة: عما يفهم ~~من تعليق الحكم بالاسم الخالي عن معنى الوصفية، علما كان أو غيره، ولم ~~يخالف في عدم اعتباره سوى شرذمة، كما أشار إليه المصنف (¬1). PageV01P464 # لنا على عدم جوازه: لزوم المحذور في قولنا: زيد موجود، ومحمد رسول الله؛ ~~إذ يلزم منه انتفاء الوجود عن غير زيد، والرسالة عن غير محمد -صلى الله ~~عليه وسلم-. # قالوا: لو قال -لدى الخصام-: أمي ليست بزانية يفهم منه نسبة أم الخصم إلى ~~الزنى، حتى قال مالك (¬1)، وأحمد: بلزوم الحد (¬2). # قلنا: ذلك انفهم من القرائن لا من اللفظ، والحق: أن بطلان هذا غنى عن ~~الدليل. ms086 # ثم قوله "لغة": يريد أنه حجة شرعية فهمت من مجرد اللغة لا بالقياس كما ~~تقدم تحقيقه (¬3). # وقوله: "وقيل: شرعا"، يريد أنه فهم من عبارة الشارع إذ ثبت أنه قال -صلى ~~الله عليه وسلم- حين نهى عن الاستغفار للمشركين بقوله تعالى: {إن تستغفر PageV01P465 # لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة: 80]: "سأزيد على السبعين" ~~(¬1)، حيث اعتبر مفهوم العدد. # والصحيح: هو الأول إذ لا يشك أحد أن فهمه عليه السلام ذلك منه إنما كان ~~لغة لا توقيفا من الله. # قوله: "وقيل معنى"، نقل عن المصنف: أن المراد هو العرف العام؛ لأنه معقول ~~لأهله، وذلك مثل ما يقولون: لولا انتفاء الحكم عن المسكوت عنه لم يكن لذكر ~~القيد فائدة (¬2)، وقد قدمنا أن هذا دليل من يدعى أنه فهم لغة (¬3). # قال المولى المحقق عضد الملة والدين قدس روحه، مستدلا على أنه فهم لغة: ~~"لو لم يدل التخصيص على أن المراد مخالفة المسكوت عنه للمذكور في الحكم لما ~~كان للتخصيص فائدة للاتفاق على عدم فائدة سواه، واعترض: بأنه إثبات للوضع ~~بالفائدة، والوضع إنما يثبت نقلا لا غير". # والجواب: لا نسلم أنه إثبات للوضع بالفائدة، بل ثبت بالاستقراء عنهم أن ~~كل ما ظن أنه لا فائدة للفظ سواه تعين أن يكون فائدة اللفظ، والمراد منه ~~والمتنازع فيه مندرج تحت تلك القاعدة (¬4). PageV01P466 # هذا كلامه، وهو صريح في أن هذا القسم راجع إلى اللغة، ولأن مفهوم ~~المخالفة دليل شرعي عند القائل به، فاعتباره، واستفادته من اللفظ لا بد وأن ~~يستند إلى أئمة اللغة، أو يعلم من الشارع، فلا معنى للعرف على ما نقل عن ~~المصنف. # والصواب: إسقاط هذا المذهب عن الاعتبار (¬1)، والله أعلم. # قوله: "وأنكر أبو حنيفة الكل". # أقول: لم يقل أبو حنيفة -رحمه الله- بشئ من المفاهيم، ووافقه الغزالي ~~منا، وقد تقدم تحقيق المسألة دليلا، وجوابا، فلا حاجة إلى إعادته (¬2). PageV01P467 # فإن قلت: إذا قال الشارع: "في سائمة الغنم الزكاة"، فالذي لم يقل ~~بالمفهوم يجب عليه القول بوجوب الزكاة في المعلوفة، وإلا فما وجه المنع (¬1)؟ # قلت: نقول: قبل خطاب الشارع ms087 لم يكن الحكم -وهو وجوب الزكاة- متعلقا ~~بالغنم مطلقا، فلما أوجب في السائمة بقى أمر المعلوفة على العدم الأصلى، ~~والعدم الأصلى ليس حكما شرعيا. # قوله: "وقوم في الخبر"، أي: في الخبر الخالي عن الإلزام كقولك: في سائمة ~~الغنم نتاج، لا مفهوم إذ نعلم قطعا أنه لايدل الخبر المذكور على عدم النتاج ~~في المعلوفة. # وقد ذكروا -في الفرق- أن الخبر له خارج يطابقه، أو لا يطابقه، فالخبر ~~يشعر بوقوعه، ولا يلزم من انتفاء القول بالمفهوم في الخبر انتفاؤه في ~~الإنشاء: لأن الإنشاء إذا لم يكن له خارج، ولم يحصل الحكم من مفهوم القيد، ~~لم يكن هناك فائدة قط، هذا كلام الشروح (¬2)، وهو ضعيف جدا: لأن إشعار ~~الخبر بوقوع ذلك الخارج لا دخل له في دلالة المفهوم لا معنى، ولا لزوما. # والمولى المحقق عضد الملة والدين، أشار إلى ضعفه أيضا، ولم يتعرض للجواب ~~عن هذا المذهب (¬3). PageV01P468 # ونحن نقول: القائلون بمفهوم المخالفة متفقون على أنه دليل ظاهر، إنما ~~يعمل به إذا لم يعارضه دليل أقوى من نص، أو إحماع، أو مخالفة دليل قطعي ~~عقلى، أو بديهة. # ولا شك أنك إذا قلت: في الشام الغنم السائمة، لم يدل على أن لا سائمة في ~~العراق، وإنما لم يدل: لأنه ظاهر عارضه قطعي، وهو الإجماع، والتواتر، ~~وبديهة العقل على أن في غير الشام من البلاد سوائم. # ألا ترى أنهم تركوا المفهوم في قوله: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن ~~أردن تحصنا} [النور: 33]، مع كونه إنشاء: لأن الإجماع عارضه. # وإذا علمت هذا علمت سقوط ما ذكره والد المصنف من إنكار المفاهيم في كلام ~~غير الشارع، معللا بأن الشارع منزه عن الذهول، والغفلة بخلاف غيره (¬1). # وإنما كان ساقطا: لأن الكلام في دلالته لغة، وقد تحققت قبل هذا أن ~~الدلالة التفات النفس من اللفظ إلى المعنى، ولا دخل لإرادة اللافظ فيها، ~~ولا لشعوره، والتخلف في بعض الصور إنما هو بواسطة مانع، أي: معارض أقوى. # وظهر -لك أيضا- الجواب عن قول إمام الحرمين: وهو أن الوصف إنما يعتبر حيث ~~ناسب الحكم، فأما إذا ms088 لم يناسب، كما إذا قيل: PageV01P469 # في صغار الغنم زكاة لا يدل على الانتفاء في الكبار (¬1): لأنا قدمنا في ~~صدر البحث أن المسكوت إذا كان أولى بالحكم، أو مساويا، لا يكون مفهوم ~~المخالفة مرادا، بل يكون من قبيل مفهوم الموافقة (¬2). ولو فرضنا أن الوصف ~~لا يناسب لا المنطوق ولا المخالفة، يكون وصفا ملغى لا اعتبار به، هكذا يجب ~~أن يفهم المقام، والله أعلم. # قوله: "وأنكر قوم العدد"، مستدلا بأنه لا يدل على الزائد، والناقص إلا ~~بالقرينة (¬3)، وقد عرفت الجواب -عنه- مما تقدم. # قوله: "مسألة الغاية: قيل: مظنون". PageV01P470 # أقول: يريد الإشارة إلى مراتب المفاهيم المحتج بها: # فذكر أن الغاية أعلاها رتبة، أي: أعلى المذكورات بعدها: # لأنه قد تقدم أن أعلى الجميع النفي، والاستثناء لكونه منطوقا صريحا عند ~~بعضهم. والغاية، ولفظ إنما، منطوق إشارة، ولم يذكر إنما، مع الغاية لكثرة ~~مباحثه، فجعله مسألة مستقلة. # قال: والحق: أن الغاية مفهوم لا منطوق، وهو كذلك: لأنا إذا قلنا: لا تدخل ~~المسجد حتى تتوضا، فالمغيا هو عدم الدخول غير متوضئ قد انتهى بالتوضؤ، ~~فيفهم منه رفع المنع من الدخول. # والذي ذهب إلى أنه (¬1) منطوق نظر إلى لفظ "حتى"، فإنه موضوع للانتهاء، ~~وعلى هذا لا معنى لقولهم: إنه منطوق من قبيل الإشارة، فيما سبق. # ويتلو الشرط الغاية: فإنه لم يقل أحد بأنه منطوق، فكان أحط رتبة. # فالصفة المناسبة: إذ بعض من قال: بمفهوم الشرط لم يقل بمفهوم الصفة. # فمطلق الصفة: إذ إمام الحرمين أسقط غير المناسبة. # فالعدد بعد المذكورات: لأن من قال: بتلك المفاهيم خالف طائفة منهم في ~~العدد. PageV01P471 # وآخر المفاهيم تقديم المعمول، وإنما كان آخر المفاهيم؛ لأن التقديم كثيرا ~~ما يكون للاهتمام أو التبرك أو الالتذاذ بذكر المقدم، ومنه نشأت شبهة الشيخ ~~ابن الحاجب (¬1) ومن تبعه، ليس بشئ؛ لأن قوله تعالى: {فإياي فارهبون} ~~[النحل: 51] صريح في ذلك. # وما نقل عن الشيخ ابن الحاجب أنه قال: ذكر سيبويه أن تقديم المعمول إنما ~~يكون للاهتمام، فإنهم يقدمون ما هو أهم عندهم (¬2)، وإذا كان كذلك، ~~فالتخصيص وهم مردود بما ذكره ms089 الشيخ عبد القاهر (¬3) من PageV01P472 # أنه لا بد وأن تفسر تلك العناية من أين حصلت؟ وإذا فسرت تلك العناية، ~~فتارة تكون للاختصاص، وتارة تكون للتبرك، وغر ذلك مما يلائم المقام، وناهيك ~~بالشيخ عبد القاهر، وعلى ذلك أطبق المحققون بعده. # والتخصيص الذي قال به الجمهور، وأنكره الشيخ ابن الحاجب هو الحصر المصطلح ~~عليه، وهو إئبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه، خلافا لوالد المصنف حيث قال ~~بالاختصاص ونفى عنه الحصر (¬1). # ونقل عنه أنه قال: الفضلاء لم يقولوا في تقديم المعمول بلفظ الحصر، بل ~~إنما أتوا بلفظ الاختصاص (¬2). # وحاصل ما قاله راجع إلى ما ذكره الشيخ ابن الحاجب من أن مجرد التقديم ~~للاهتمام، ثم قال: والحصر كما في: {إياك نعبد} [الفاتحة: 5] يفهم من ~~القرائن لا من التقديم، غاية ما في ذلك: أن الشيخ ابن الحاجب لا يطلق ~~الاختصاص على ما قدم، وهذا يطلقه. # واستدل على ما نقل عنه بعض الشارحين (¬3): بأنه لو كان التقديم يفيد ~~الحصر لأفاده في قوله تعالى: {أفغير دين الله يبغون} [آل عمران: 83]، PageV01P473 # ولا يجوز إرادة الحصر لفساد المعنى؛ لأنه قبل دخول الهمزة -على تقديم ~~الحصر- يكون معناه: غير دين الله يبغون، وبعد دخول همزة الإنكار الذي هو ~~معنى النفي يكون المنكر حصر الطلب في غير دين الله، ولا يلزم منه اشتراك ~~الطلب لدين الله، ولغير دين الله. # ونحن نقول: قد ذكر الشيخ عبد القاهر، ونقل عنه المحققون أن النفي إذا دخل ~~كلاما فيه قيد، تارة يتوجه إلى القيد مع بقاء أصل الفعل كقولك -وقد ضربت ~~عبدك-: ما ضربته عبثا. وتارة يتوجه إلى المقيد، فينفى مع قيده كقوله تعالى: ~~{وما قتلوه يقينا} [النساء: 157] إذ القتل منفي من أصله، والاعتماد في ذلك ~~على القرائن. # فإذا تقرر هذا، فنقول: في قوله تعالى: {أفغير دين الله يبغون} [آل عمران: ~~83] إنما توجه النفي المستفاد من الهمزة على أصل الفعل، وهو طلب غير دين ~~الله مطلقا، لا على اليد الذي هو معنى الحصر المستفاد من التقديم قبل دخول ~~الهمزة كما ظهر لك في قوله تعالى: {وما قتلوه ms090 يقينا} وهذا مما لا ريب فيه. # وأما قوله: "إن الفضلاء لم يذكروا إلا لفظ التخصيص"، مما لا ينبغى أن ~~يصدر عن مثله؛ لأن الاعتبار بالمعنى لا باللفظ، وحيث أرادوا بالاختصاص معنى ~~الحصر، فلا فرق بين التعبير عنه بلفظ الحصر أو الاختصاص. PageV01P474 # قال (¬1) الزمخشري (¬2) في أول سورة التغابن: "قدم الظرفان ليدل ~~بتقديمهما على اختصاص الملك، والحمد بالله تعالى -ثم قال ما حاصله-: إن ~~الحمد إذا اختص بالله ولم يتجاوزه، فكيف يحمد الإنسان على فعله الحسن؟ # وأجاب: بأن ذلك الحمد مجاز" (¬3)، مع أن الشيخ عبد القاهر الذي هو قدوتهم ~~كلامه مشحون بلفظ الحصر. # وفي بعض الشروح (¬4): أنه قد يحتج لتغايرهما بقوله تعالى: {والله يختص ~~برحمته من يشاء} [البقرة: 105]، إذ لا يجوز أن يقال بحصر رحمته؛ لأنه لا ~~يمكن حصرها، وقد التبس عليه معنى الحصر المراد هنا -وهو إثبات الحكم ~~للمذكور، ونفيه عما عداه- بالحصر الذي هو الإحصاء والإحاطة (¬5). PageV01P475 # ولا يشك عاقل في صحة قولنا: رحمة الله منحصرة في المؤمنين، أي في الآخرة ~~لا تتجاوزهم إلى الكفار، وإن كانت رحمته لا يحاط بها كما، ولا كيفا، وإنما ~~نتعرض لهذه المباحث نصحا للمستفيدين الطالبين للحق، وإلا فسقوطها في غاية ~~الجلاء، والله الموفق. # قوله: "مسألة إنما". # أقول: قد سبق أن [من] (¬1) المفاهيم مفهوم إنما، ولما كان فيه أبحاث ~~وتدقيق جعله مسألة مفردة. # واعلم أنهم قد اختلفوا في إفادة كلمة "إنما"، معنى الحصر، وهو إثبات ~~الحكم المذكور، ونفيه عما عداه. # فقالت طائفة: لا تفيد؛ لأن "إن" لتاكيد مضمون الجملة، و "ما" الكافة لا ~~نفي فيها فلا حصر (¬2). # ثم القائلون: بأنها تفيد فرقتان: فرقة تقول بأنها تفيده نطقا (¬3)، ~~والأخرى تفيده فهما (¬4). PageV01P476 # والحق: أنه يفيد الحصر، ويفيده فهما: أما الأول: فلأنه قد استعمله ~~الفصحاء في مواضع الحصر، وأثبته أئمة النحو في كتبهم، وأئمة التفسير مجمعون ~~على ذلك، وبه فسروا كلام الله تعالى، ومثله ثبت بدون ذلك، فكيف وقد تطابق ~~عليه هؤلاء الجماهير من كل طائفة؟ # وأما أن ذلك مفهوم لا منطوق، فلأنه إنما يدل على الإثبات في الجزء ~~الأخير، ms091 والنفي عما يقابله، والنفي فيه ليس بصريح لا منطوق، ويدل على ذلك ~~-أيضا- جواز: إنما زيد قائم لا قاعد، مع عدم جواز: ما زيد إلا قائم لا قاعد. # ومما يجب التنبه له: أن النفي والاستثناء إنما يستعملان إذا كان المخاطب ~~مصرا على الانكار بخلاف إنما، فإنه يستعمل فيما إذا يكن مصرا. PageV01P477 # فإن قلت: على ما ذكرت من إفادة "إنما" الحصر يشكل قوله -صلى الله عليه ~~وسلم-: "إنما الربا في النسيئة" (¬1)، و: "إنما الولاء لمن أعتق" (¬2)، ~~ونظائرهما، إذ ربا الفضل ربا إجماعا، والولاء لغير المعتق ثابت عند عدم ~~المعتق. # قلت: قد قدمنا أن المفاهيم أمور ظاهرة تعتبر عند عدم معارض أقوى، وإذا ~~عارض مفهوم "إنما" الإجماع -كما في المثالين المذكورين- سقط الاستدلال به، ~~وليكن هذا على ذكر منك ينفعك في كثير من المواضع. # ولفظ الكيا (¬3) في المتن بكسر [الكاف] (¬4) وفتح همزة الوصل، إذ اللام ~~فيه للتعريف، ولفظ كيا مجردا عن اللام اسم جنس لطائفة PageV01P478 # من (¬1) ملوك العجم كتبع لملوك حمير، وقيصر لملوك الروم، وكسر الهمزة على ~~ما في بعض الشروح (¬2) سهو ظاهر (¬3). # وأما كلمة "أنما" بفتح الهمزة ذكر المصنف أنها فرع المكسورة، والفرع تابع ~~للأصل، وأيده بالنقل عن الزمخشري أنها تفيد الحصر. # وفي بعض الشروح (¬4) هنا كلام غريب، وهو أنه نقل عن الزمخشري أنه قال ~~بالحصر في قوله تعالى: {قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد} [الأنبياء: ~~108] ثم نقل أنه اعترض -عليه: بأن الحصر فيه باطل؛ لاقتضائه أنه لم يوح ~~إليه شيء سوى التوحيد، ثم قال: وهذا الاعتراض عجيب؛ لأن الزمخشري يلتزم ذلك ~~بناء على مذهبه الفاسد في نفى الصفات، بل لعل هذا هو مأخذه في دعواه ~~الفاسدة (¬5). PageV01P479 # وأنا أقول: إذا اعترض بأن هذا الحصر يفيد حصر الوحي في التوحيد وهو باطل؛ ~~لأن الوحي مشتمل على أحكام الدنيا والآخرة والقصص والإخبار عن المغيبات. # فيجاب: بأن الزمخشري ملتزم ذلك بناء على نفيه الصفات القديمة، [فهل هذا ~~الجواب أبعد من السوال، أم الضب من النون؟ ] (¬1). # وإذا تأملت ذلك، فالجواب عن الاعتراض: هو أن القصر ms092 في مثله إضافي إذ ~~المشركون كانوا يعتقدون الشركة في الألوهية، فرد الشركة بالحصر المذكور في ~~الواحد القديم، تعالى وتقدس، فالحصر إنما هو بالنظر إلى ما يقابل التوحيد ~~لا إلى سائر الأحكام وغيرها مما أوحي إليه، كما إذا تنازع طائفة في أن زيدا ~~فاضل، أم عمرو، واعتقدوا الشركة، قلت: لا فاضل إلا زيد لم تنف الفضل عن كل ~~من في الدنيا، بل إنما نفيت عمن وقع النزاع فيه، وهذا مما لا يشك فيه، ~~وعليه إطباق البلغاء، والله أعلم. # * * *# الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع # تأليف # الإمام شهاب الدين أحمد بن إسماعيل الكوراني # (812 ه - 893 ه) # تحقيق # د/ سعيد بن غالب كامل المجيدي # [الجزء الثاني] # ----NO PAGE NO------ PageV01P480 # بسم الله الرحمن الرحيم PageV02P002 # الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع # [2] PageV02P003 # (ح) الجامعة الإسلامية، 1428 ه. # فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر # المجيدي، سعيد بن غالب كامل # الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع للكوراني/ سعيد بن غالب كامل المجيدي - ~~المدينة النورة، 1428 ه. # 2880 ص؛ 17 × 24 سم # ردمك: 2 - 580 - 02 - 9960 # 1 - أصول الفقه # أ - العنوان # ديوي 251 # 3620/ 1428 # رقم الإيداع: 3620/ 1428 # ردمك: 2 - 580 - 02 - 9960 # جميع حقوق الطبع محفوظة للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة PageV02P004 ### || AUTO باب مبدأ اللغات وطرق معرفتها # قوله: "من الألطاف حدوث الموضوعات اللغوية". # أقول: الألطاف جمع لطف (¬1)، وهو فعل من الله تعالى يقرب به العبد من ~~الطاعة، ويبعده من المعصية، واللام فيه عوض عن المضاف إليه، والحدوث: حصول ~~الشيء بعد عدمه، وكان المناسب للطف لفظ الإحداث، كما وقع لابن الحاجب (¬2)، ~~وكأن المصنف توهم -على ما يفهم من بعض الشروح (¬3) - أن ذلك مختص بمذهب ~~التوقيف، والحدوث يشمل المذاهب كلها. وليس بشئ: لأن حدوثه لا بد له من ~~محدث، وهو الله تعالى: لأنه خالف العباد، وأفعالهم (¬4)، بل لو قيل: وجه ~~العدول أن الاحداث لما كان من نعم الله تعالى، PageV02P005 # فالحدوث أولى: لأنه متفرع عليه، وأقرب إلى العباد منه لكان -في الجملة- وجها. # ثم نقول: لما كان الإنسان مدنيا -بالطبع- لا بد له ms093 في أمر المعاش، ~~والمعاد من مشاركة، مع بني نوعه تعليما، وتعلما في المعاملات، والعبادات ~~-أقدره الله بلطفه على الصوت، وتقطيعه ليدل بني نوعه على ما في ضميره بأسهل ~~ما يكون، وهو خروج النفس الضروري الذي لا يحتاج فيه إلى مؤنة، ومشقة، مع ~~عموم الفائدة لتناوله الموجود، والمعدوم، والمحسوس، والمعقول، ووجوده لدى ~~الحاجة، وانتفائه لدى انقضائها، ولما كان التفكر في هذا من أفضل العبادات ~~-مع أن الحاجة داعية إليه في هذا الفن- صدر البحث بأنه من لطف الله تعالى، ~~وأشار إلى أنه أفيد، وأيسر من الكتابة، والإشارة كما قدمناه. # وأخذ في تعريف الموضوعات، فقال: هي الألفاظ الدالة على المعاني، فخرج ~~-بقيد الألفاظ-: الدوال الأربع، وهي: الخطوط، والعقود، والإشارة [والنصب] ~~(¬1) أو بالدلالة على المعنى المهمل، فإنه لفظ: لأن اللفظ صوت يعتمد على ~~المخرج حرفا، فصاعدا، مهملا كان، أو مستعملا، وكل المفرد، والمركب، وسيأتي ~~تحقيق معنى الوضع في المركب إن شاء الله تعالى. PageV02P006 # ثم طريق الثبوت النقل -عن أئمة اللغة: كالأصمعي (¬1)، والخليل (¬2)، ~~والأخفش- إما تواترا: كالسماء، والأرض، والفرس، والإنسان، وإما آحادا: ~~كأكثر اللغات المسطرة في كتب اللغة. # أو النقل، مع العقل كما (¬3) إذا نقل: أن الجمع المحلى باللام يفيد ~~العموم، ونقل أن الاستثناء: هو الإخراج بعد الدخول. # فإذا قلت: الرجال -في قولنا: جاءني الرجال-: جمع محلى باللام، وكل جمع ~~محلى باللام يدخله الاستثناء، فهذا الجمع يدخله الاستثناء PageV02P007 # [فالمادة] (¬1) نقلية، والصورة عقلية (¬2)، وأما العقل المجرد، فلا دخل ~~له في وضع اللغات (¬3). # قوله: "ومدلول اللفظ". # أقول: مدلول اللفظ إما معنى أو غيره، والمراد بالمعنى -هنا- ما يقابل ~~اللفظ لا ما يرادف العرض. # والمعنى: إما كلي، أو جزئي: لأنه إما أن يمنع نفس تصوره عن وقوع الشركة، ~~أو لا، فالأول: جزئي كزيد، والثاني: كلي كإنسان، والمثلث (¬4). # وغير المعنى أعني اللفظ: إما مفرد مستعمل: كمدلول الكلمة، فإن الكلمة لفظ ~~وضع للاسم، والفعل، والحرف، وكل من الثلاثة لفظ مفرد، مستعمل. # أو مهمل: كأسماء حروف الهجاء، أي: كمدلولاتها، فإن مدلول الألف -أ-، ~~ومدلول الباء -ب-، وهذه الدلولات لم توضع بإزاء شيء. PageV02P008 # أو ms094 لفظ مركب مستعمل: كمدلول لفظ الخبر نحو زيد قائم، وأمثاله، أو مهمل: ~~كمدلول لفظ الهذيان، وهذا بعيد: لأن وجود مركب إسنادي لا يكون له معنى في ~~غاية البعد. # قوله: "والوضع جعل اللفظ دليلا على المعنى". # أقول: إطلاق المصنف الوضع يشمل الوضع الشخصي: كما في أكثر الألفاظ، ~~والنوعي: كما في المجاز على ما سنحققه عن قريب إن شاء الله تعالى. # وإذا كان الوضع: عبارة عن جعل اللفظ بإزاء المعنى (¬1)، فإرادة الجاعل ~~كافية في تخصيص الألفاظ بالمعاني. # ولا يشترط مناسبة بين المدلول، واللفظ الدال، خلافا لعباد بن سليمان (¬2) ~~الصيمري، وبعض المعتزلة، وأهل التكسير (¬3)، وهم الذين PageV02P009 # يزعمون أن الحروف المبسوطة إذا اجتمعت على صيغ مخصوصة كان لها خواص، ~~وتأثيرات، ونقل المصنف: أن المنقول -عنهم- مختلف فيه، فإن كان الذي قالوا ~~به: هو المعنى الأول، وهو أن بين المعنى، واللفظ مناسبة مرعية -عند الواضع ~~في وضع الألفاظ- باعثة له على اختصاص بعض الألفاظ ببعض المعاني دون بعض، ~~فله وجه في الجملة، أشار إليه بعض أئمة العربية (¬1). # مثل: القصم بالقاف للكسر، مع الإبانة، والفصم بالفاء للكسر بدون الإبانة: ~~لأن القاف من الحروف الشديدة دون الفاء، فروعي في معناه الزيادة، وكما ذكره ~~الصرفيون (¬2) في عدم إعلال (¬3) حيدى (¬4) بفتح الياء، وهو الحمار البطر ~~الذي يفر من ظل نفسه. PageV02P010 # قالوا: إنما لم يعل لتدل حركة الحرف على حركة المعنى، وكذلك الحيوان، ~~وهذا وإن لم يجر في جميع الكلمات إلا أنه يصلح شبهة. # وإن كان هو المعنى الثاني، فلا حجة له قطعا: لأن اللفظ الموضوع (¬1) لأحد ~~الضدين كالجون، الموضوع للأسود مثلا، لو كان له مناسبة ذاتية -على ما ~~زعموا- لم يجز وضعه لضده الذي لم يناسبه اللفظ، وإلا يلزم تخلف ما بالذات ~~إذ في هذا الاصطلاح لا دلالة على ذلك الضد. # هكذا ينبغي أن يفهم، ولا يلتفت إلى ما مثلوا به من أنه لو كان كما ذكروه ~~لما صح وضع اللفظ للضدين، أو النقيضين إذ عليه منع (¬2) ظاهر لا يخفى. # قوله: "واللفظ موضوع للمعنى الخارجي". # أقول: اللفظ لا يستلزم المعنى لذاته، كما ms095 تقدم، بل معناه إنما يتعين ~~بتعيين الواضع، فذلك المعنى الموضوع له -لغة- هل هو أمر ذهني، أو موجود ~~خارجى؟ فيه خلاف. PageV02P011 # ذهب المصنف: إلى أنه خارجي، ونسب عكسه إلى الإمام، ونقل عن والده: أن ~~الموضوع له هو المعنى من حيث هو، ومحل الخلاف -كما صرح به المصنف- هو الاسم ~~النكرة لا المعرفة (¬1). # إذا تقرر هذا، فنقول: نقل المحققون من أئمة العربية أن الاسم النكرة ~~موضوع للحقيقة من حيث هي. # وقيل: لمفرد مفسر متناول لجميع الأفراد على سبيل البدل (¬2)، وعلى كلا ~~التقديرين، فالمدلول كلي، وإذا كان كليا لا بد وأن يكون في الذهن إذ كل ~~موجود خارجي جزئي حقيقي. # واعلم أنا قد قدمنا: أن للأشياء وجودات مختلفة، وجود في الكتابة، ووجود ~~في العبارة، ووجود في الذهن، ووجود في الخارج. # وقد اتفق المحققون (¬3) -في مباحث الألفاظ-: على أن الكتابة تدل على ~~العبارة، والعبارة تدل على ما في النفس، وما في النفس يدل على ما في ~~الخارج. PageV02P012 # والفرق بين هذه الدلالات: أن الأخيرة، أي: دلالة الصور الذهنية على ~~الأمور الخارجية دلالة طبيعية لا يختلف فيها الدال، ولا المدلول، وفي ~~الباقيتين وضعية، تختلف باختلاف الأوضاع إلا أن العلاقة بين العبارة، ~~والصور الذهنية أشد من العلاقة بين الكتابة، والعبارة. # ومنشؤه كثرة الاحتياج: إذ النفس تعودت باستفادة المعنى من اللفظ حتى إن ~~المفكر في المعنى وحده يجري اللفظ الذي يريد تصور معناه على لسانه كأنه ~~يناجي نفسه. # فقد ثبت: أن الصور الذهنية هي مدلولات الألفاظ، وهي منطبقة على ما في ~~الخارج إن كان للمتصور خارج. # والذي يحسم مادة الشبهة: أن الإنسان لفظ موضوع بإزاء الحيوان الناطق، ~~ودلالته على المجموع مطابقة، وعلى كل واحد من الأجزاء تضمن، والمطابقة ~~مفسرة بدلالة اللفظ على تمام ما وضع له. # ولا شك: أن الحيوان، والناطق صورتان ذهنيتان، والأمور الخارجية (¬1)، ~~-زيد، وعمرو، وبكر- ليس للفظ الإنسان عليها دلالة، بل الصور الذهنية منطبقة ~~عليها، فقد تحقق أن الموضوع له اللفظ هي الصور الذهنية لا المعاني ~~الخارجية، كما اختاره المصنف، ولا المعنى من حيث هو على ما ms096 ذهب إليه والده، ~~ويجيء لهذا زيادة بسط في بحث المجاز إن شاء الله تعالى. PageV02P013 # وليس كل معنى له لفظ وضع له -لغة- بل كثير من المعاني كالروائح، إنما ~~يعبر عنها بالإضافة كروائح المسك وسائر المشمومات، أو بالصفة، مثل رائحة ~~طيبة وخبيثة، بل إنما وضع اللفظ لكل معنى محتاج إلى اللفظ، أي: شديد الحاجة ~~إليه، صرح به الإمام (¬1)، وإن لم يكن شديد الحاجة إما أن يوضع له، أو يعبر ~~عنه بالإضافة، أو بالوصف (¬2). # قوله: "والمحكم المتضح المعنى". # أقول: المحكم -عند الشافعية- ما حفظ عبارته عن الإجمال، فيشمل النص ~~والظاهر. # والمتشابه: ما تفرد الله به، أي: بعلمه، وربما أطلع بعض خواصه على بعض ~~المغيبات (¬3)، يدل عليه قوله تعالى: {فلا يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ~~ارتضى من رسول} [الجن: 26 - 27]. PageV02P014 # هذا شرح كلام المصنف، وفيه نظر: لأن المتشابه فيه مذهبان كما قدمنا: # مذهب السلف: أن الله منفرد بذلك لا يطلع عليه غيره كمدة بقاء الدنيا، ~~ووقت قيام الساعة. # ومذهب الخلف: أن المتشابه ما فيه إجمال، وغموض لا يتضح (¬1) المقصود منه ~~إلا بعد فحص شديد. # والحكمة -في ذلك- رفع درجات الراسخين، ونيل ما لا يناله غيرهم لأداءات ~~قرائحهم، والمصنف مزج أحد المذهبين بالآخر. # قال الإمام: "اللفظ المشهور المتداول بين الناس لا يجوز أن يكون له معنى ~~خفي يختص به بعض الأذكياء كما يقول -مثبتو الأحوال (¬2) -: الحركة: معنى ~~يوجب كون الذات متحركة" (¬3)، والعلم: معنى يوجب لن قام به العالمية، فكون ~~الذات متحركة، وكون الشئ عالما -عندهم- أمر وراء الحركة، والعلم. PageV02P015 # والجمهور: لا يقولون بذلك، بل ليس وراء العلم، والحركة في العالم، ~~والمتحرك شيء، وقد عرفوا الحال: بأنه صفة لا موجودة، ولا معدومة قائمة ~~بموجود (¬1)، والمسألة قليلة الجدوى في هذا المقام لا وجه لذكرها: لأن ~~الكلام في الموضوعات اللغوية، وهذا أمر اصطلاحي، من أراد معرفته، فليتبع ~~اصطلاحهم، وكذلك نظائره، وتبع المصنف الإمام في ذلك، وأوردها في إثر ~~المتشابه لكونه مشتملا على الخفاء، فناسب ذكره معه. # قوله: "مسألة: قال ابن فورك (¬2)، والجمهور: اللغات توقيفية". # أقول: لما بطل قول الصيمري: إن ms097 دلالة الألفاظ ذاتية، فثبت أنها وضعية إذ ~~لا قائل بالفصل، وإذا كانت وضعية، فالواضع إما هو الله تعالى، وإليه ذهب ~~الشيخ الأشعري، وتبعه الجمهور. # وإذا كان الواضع هو الله، فطريقة التوقيف منه إما بالوحي إلى آدم مثلا، ~~أو بأن يخلق الله الأصوات، والحروف التي هي الألفاظ الدالة، الموضوعة ~~للمعاني، ثم يسمعها الواحد، أو الجماعة إسماع قاصد للدلالة على المعاني، أو ~~بخلق علم ضروري في واحد، أو جماعة بأن هذه الألفاظ تدل على هذه المعاني. PageV02P016 # وذهب الآمدي: إلى أن خلق الأصوات، والعلم الضروري طريق واحد (¬1). # وذهب أكثر المعتزلة: إلى أنها اصطلاحية، وضعها البشر، والتعريف حصل ~~بالإشارة، والقرائن: كالطفل، فإنه يتعلم اللغة بالتكرار مرة بعد أخرى، مع ~~قرينة الإشارة، وغيرها. # وقال الأستاذ: القدر المحتاج إليه توقيفي، والباقي محتمل (¬2). # وقيل: عكسه، أي: القدر المحتاج إليه اصطلاحي، والباقي محتمل للاصطلاح ~~والتوقيف. # وتوقف كثير من العلماء عن القول بشيء من هذه المذاهب لعدم تمام أدلتها ~~(¬3). PageV02P017 # والمذهب المختار -عند المصنف، وعليه المحققون- عدم القطع (¬1) بشيء من ~~المذاهب المذكورة لانتفاء موجبه. # والظاهر: مذهب الشيخ، وأتباعه (¬2)، هذا ضبط المذاهب المعتبرة (¬3)، ونحن ~~نشير إلى أدلة المذاهب على وجه الاقتصار، مع أجوبتها. # دليل الأشعري قوله تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها} [البقرة: 31] وكذلك ~~الأفعال، والحروف لعدم القائل بالفصل. # قالوا: ألهمه بأن يضع الألفاظ للمعاني، قلنا: خلاف الظاهر، وكذلك قولهم: ~~علمه باصطلاح سابق، الجواب هو الجواب. # قالوا: علم الحقائق بدليل {عرضهم}. قلنا: {أنبئوني بأسماء هؤلاء} (¬4) ~~يدفعه إذ هو ظاهر في أن التعليم لها، فيرجع الضمير إلى المسميات. PageV02P018 # والاستدلال بقوله: {واختلاف ألسنتكم} [الروم: 22] ضعيف إذ الإقدار على ~~الوضع والتعليم سيان في كون كل منهما آية. # المعتزلة: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} [إبراهيم: 4] يدل على سبق ~~اللغة، وإلا يلزم الدور. قلنا: إذا علم آدم، فلا دور. # والأستاذ: إن لم يكن المحتاج إليه توقيفا يلزم الدور. # قلنا: يعلم بالترداد، كما في الأطفال، فلا دور، والجواب عن عكس مذهبه هو ~~الجواب. # قوله: "مسألة: قال القاضي، وإمام الحرمين .... " إلى آخره. # أقول: قد اختلف في أن اللغة ms098 هل تثبت قياسا، أم لا؟ ، اختار المحققون: عدم ~~ثبوتها. # ومحل النزاع -على ما صرح به الشيخ ابن الحاجب- ما يثبت عمومه عن أهل اللغة: # كرفع الفاعل، ولفظ رجل، والضارب، والمتكلم (¬1). PageV02P019 # وتحقيق ذلك: أن واضع اللغة، قد يضع اللفظ الخاص للمعنى الخاص كالخمر لماء ~~العنب إذا اشتد، وقذف بالزبد، والضرب، والقتل، ونظائرهما. # وقد يضع قاعدة كلية منطبقة على جزئيات كثيرة: كالمصغر، والمنسوب، ~~والأسماء المشتقة، والمضاف، والمضاف إليه، فلا يلزم سماع ما صدقاتها من ~~الوضع، بل يكفي سماع القاعدة منه. # والاستعمال مفوض إلى المتكلم بشرط أن لا يتجاوز ذلك القانون اللغوي، ومثل ~~هذا يسمى وضعا نوعيا، وكذلك المركبات، وجميع المجازات من هذا القبيل، إنما ~~الكلام في القسم الأول: مثل الخمر، فإن الواضع اعتبر فيه معنى المخامرة، ~~فحيث وجد المعنى هل يطلق عليه الخمر، أم لا؟ فيه الخلاف المذكور: # الجمهور: على عدم الجواز (¬1). PageV02P020 # وفرقت طائفة بين الحقيقة، والمجاز، فجوزت في الأول، ولم تجوز في الثاني ~~لكونه فرعا لا يعتد به. # لنا -على المذهب المختار، وهو عدم الجواز-: أنه كما يحتمل أن يكون ملحقا ~~به، يحتمل أن يكون الواضع صرح بالمنع من طرد اللفظ على كل ما وجد فيه ذلك ~~المعنى؛ لأن وجود المعنى في الأسماء المجردة علة للترجيح لا للإطلاق بخلاف ~~الصفة، والوضع النوعى كما قدمنا. # ألا ترى: أنه قد منع طرد القارورة (¬1)، والأبلق، والأجدل، والأخيل، مع ~~وجود المعنى في الغير، وإذا قام الاحتمال، فالإلحاق تحكم. # قالوا: دار الاسم مع الوصف إذ قبل تخمره، ووصف الإسكار ليس بخمر، فإذا ~~طرأ المعنى سمي به، وإذا زال، زال الاسم، والدوران مظنة العلية. # قلنا: كما دار مع الوصف دار مع المحل، فالوصف جزء العلة، أي: علة التسمية ~~كونه ماء عنب مع الوصف. # قالوا: قلتم: بالقياس شرعا، فيجوز لغة بالطريق الأولى. # قلنا: هناك الإجماع انعقد على حجيته بخلاف هنا. # قالوا: قال به الشافعي، وهو الإمام المقدم في اللغة حيث قاس النباش على ~~السارق، فأوجب القطع، وقاس النبيذ على الخمر، فأوجب الحد. PageV02P021 # قلنا: قاس شرعا إذ زوال العقل، وأخذ ms099 مال الغير، وصف مناسب للحكم: لأنه ~~قاس وصف النباش، ووصف النبيذ على وصف السارق، ووصف الخمر (¬1). # قوله: "مسألة: واللفظ والمعنى". # أقول: هذا تقسيم اللفظ -بالنظر إلى المعنى- وهو أربعة أقسام: # الأول: أن يتحد اللفظ والمعنى، والمراد باتحادهما أن يكون اللفظ الواحد ~~دالا على المعنى الواحد: كالإنسان، والفرس، وزيد، وعمرو، فإن منع نفس تصور ~~ذلك المعنى وقوع الشركة، فالمعنى جزئي، ويطلق على اللفظ الدال عليه مجازا. # وإن لم يمنع، فكلي، سواء كان موجودا كالإنسان، أولم يوجد شيء من أفراده، ~~مع إمكانه كالعنقاء، أو مع امتناعه كشريك الباري تعالى عن ذلك علوا كبيرا. # وبعض الشراح (¬2) رجح تعريف المصنف- بمنع نفس التصور عن الشركة في ~~الجزئي، وعدمه في الكلي- على تعريف الشيخ ابن الحاجب PageV02P022 # بقوله: فإن اشترك في مفهومه (¬1) كثيرون، فكلي، وإن لم يشترك، فجزئي، بأن ~~تعريف ابن الحاجب يوهم شرطية الاشتراك، وهو ليس بشرط (¬2)، وكأنه نظر إلى ~~الوجود الخارجى، ولم يعتبر الأفراد الذهنية، وقد علمت أن الاشتراك وعدمه، ~~إنما هو بالنظر إلى الأفراد الذهنية، والذهن هو مناط الكلية والجزئية. ~~والأفراد الخارجية -وإن كانت موجودة- لا التفات إليها. # وتعريف الشيخ في غاية الحسن، ونهاية الكمال، مع أنه يصلح أن يكون شرحا ~~لكلام المصنف: لأن منع نفس تصور الشيء عن وقوع الشركة معلل بانتفاء الشركة، ~~وعدمه بالاشتراك. # وذلك الكلي: إن استوت أفراده، فمتواطئ: كتساوي زيد وعمرو في الإنسانية. # والتواطؤ: التوافق سمي به لتوافق الأفراد فيه. # ومشكك: إن تخالف بالشدة والضعف (¬3): كالبياض، فإنه في الثلج أشد منه في ~~العاج، أو التقدم والتأخر: كوجود العلة، مع وجود المعلول، PageV02P023 # أو الإمكان والوجوب كوجود الواجب، والممكن (¬1)، وإنما سمي مشككا: لأنه ~~إن نظر إلى اشتراك المعنى يوهم التواطؤ، وإن نظر إلى التفاوت يوهم عدمه. # وإن تعدد اللفظ، والمعنى، فالمعاني متباينة حقيقة، والألفاظ -أيضا- توصف ~~بالتباين. # وإن اتحد المعنى دون اللفظ، فالألفاظ مترادفة: كالليث، والأسد (¬2). # وعكس هذا، وهو أن يتحد اللفظ، ويختلف المعنى إن كان ذلك اللفظ حقيقة ~~فيهما: كالجون، والقرء، للأبيض، والأسود، والطهر، والحيض (¬3)، فاللفظ ~~مشترك (¬4). # وإن لم يوضع لهما، ففي الموضوع له حقيقة، ms100 وفي المنقول إليه مجازا إن لم ~~يشتهر في الثاني، وإن اشتهر، ففى الثاني يكون حقيقة أيضا، ويعبر عن الأول ~~بالمنقول عنه، وعن الثاني بالمنقول إليه: كالصلاة، فإنها -لغة- هو الدعاء ~~نقل PageV02P024 # في الشرع إلى الأركان المفتتحة بالتكبير، المختتمة بالتسليم، وصار عند ~~أهل الشرع (¬1) حقيقة في المعنى الثاني فبالنظر إلى وضع اللغة استعماله في ~~الأركان المذكورة مجاز، وبالنظر إلى وضع الشرع بالعكس (¬2). # قوله: "والعلم: ما وضع لمعين". # أقول: الجزئي إنما يذكر في العلوم في مقابل الكلى لا استقلالا، فإن ~~الجزئي قليل الجدوى في إفادة الأحكام. # والمصنف -بعد أن ذكر الجزئي في مقابلة الكلى- أفرد قسما منه بالذكر ليبين ~~أقسامه، وهو العلم، وعرفه: بأنه اللفظ الذي وضع لمعين لا يتناول غيره (¬3). # فبقوله: "وضع لمعين"، خرج النكرات، وبقوله: "لا يتناول غيره"، خرج سائر ~~المعارف. # وكان يجب عليه زيادة قولهم: بوضع واحد: لئلا تخرج الأعلام المشتركة، ~~فإنها وإن كانت متناولة غيرها، لكن لا بوضع واحد، بل بأوضاع متعددة (¬4). PageV02P025 # ثم التعين إن كان خارجيا، فالعلم شخصي، وإن كان ذهنيا، فالعلم جنسي. # فالأول: كزيد، والثاني: كأسامة، فإنه موضوع للحقيقة من حيث هي ملحوظا ~~حضورها في الذهن. # وإن وضع اللفظ للماهية من غير ملاحظة الحضور الذهني، فذلك اللفظ اسم ~~الجنس (¬1). # وهنا مواضع بحث لا بد من تحقيقها: الأول: قوله: لمعين يتناول جميع ~~المعارف عليه عول أكثر العربية (¬2)، وفي كون غير العلم موضوعا لمعين ~~إشكال: لأن ضمير الخطاب: ك "أنت" مثلا مستعمل في كل مخاطب، وكذلك اسم ~~الإشارة مثل: "هذا" مستعمل في كل مشار إليه قريب، ومثله: ذاك، وذلك في ~~المتوسط، والبعيد، وكذا حال الموصول ولا فارق بين هذه الأقسام، PageV02P026 # وبين النكرة بحسب المعنى إذ الرجل مثلا موضوع لمفهوم كلي، وهو ذكر من بني ~~آدم، مجاوز حد الصغر، فهو مستعمل في كل ما صدق عليه هذا المفهوم. # ولما استشعر هذا الإشكال بعض الفضلاء (¬1) غير التعريف، وقال: "المعرفة ~~ما وضع ليستعمل في شيء بعينه، أي: وإن لم يكن الموضوع له معينا، لكن ~~الموضوع مستعمل في معين بخلاف النكرة، فإن استعماله ليس ms101 في معين" (¬2). # وليس بشئ إذ على ذلك التقدير يكون اللفظ دائما مستعملا في غير موضوع له، ~~لأن الوضع عنده إنما هو للمفهوم الكلي، والاستعمال في الجزئيات، ولم يقلبه أحد. # الثاني: أن المصنف جعل علم الجنس، واسم الجنس كلا منهما موضوعا للماهية ~~من حيث هي، فلم يفرق بينهما، مع ثبوت الفرق قطعا. # الثالث: أنه قيد التعيين في الأول بالخارجي، ويفهم منه أن التعيين في ~~الثاني ذهني، وليس كذلك إذ التعيين فعل الواضع، فهو خارجى، وإن كان المعين ~~موجودا ذهنيا. # والجواب -عن الأول- ما ذكره أفضل المتأخرين (¬3)، وهو أن وضع اللفظ ~~للمعنى عقلا لا يتجاوز عن أربعة أقسام: PageV02P027 # الأول: أن يكون الوضع عاما، وكذا الموضوع له كالنكرات، أو يكون الوضع ~~خاصا، والموضوع له كذلك مثل الأعلام، أو يكون الوضع عاما، والموضوع له خاصا ~~كسائر المعارف، فكأن الواضع قال: عينت لفظ "هذا" لكل مشار إليه، ولفظ "أنت" ~~لكل مخاطب، فالوضع واحد عام، والموضوع له كل واحد من الأفراد بخصوصه، ~~فامتازت عن النكرات إذ هناك لم يعتبر الأفراد المخصوصة، بل إما وضع اللفظ ~~للماهية الصادقة على الأفراد، أو لفرد منتشر على المذهبين كما قدمنا. # وأما كون الوضع خاصا، والموضوع له عاما، فغير معقول، فالقسم الأخير من ~~الأقسام الأربعة ليس موجودا، والثلاثة الأول موجودة. # وبهذا التحرير زال الإشكال بحذافيره، وهذا البحث هو الذي أشرنا إليه بأنه سيأتي. # وأما الجواب -عن الثاني-: وهو الفرق بين علم الجنس، واسمه هو أن في اسم ~~الجنس النكرة مذهبين: أحدهما: أنه موضوع للفرد المنتشر، وعلى هذا لا إشكال: ~~لأن علم الجنس ليس موضوعا لفرد، بل للحقيقة. # وثانيهما: أنه موضوع للماهية، وحينئذ يحصل الإشكال. # والجواب: أن في علم الجنس يلاحظ الحضور الذهني، وفي اسم الجنس لم يلاحظ. PageV02P028 # فإن قلت: [الواضع] (¬1) إذا وضع لفظة بإزاء معنى، لا بد وأن يلاحظ ~~[المعنى] (¬2)، وكذلك القائل: جاءني رجل، لا بد وأن يلاحظ معناه. # قلت: قولنا: لم يلاحظ فيه. الجواب: لأن الحضور الذهني، وإن كان حاصلا لم ~~يلاحظ في النكرة بخلاف المعرفة، فإن الملاحظة واجبة فيه، وعدم ms102 اعتبار الشيء ~~ليس اعتبارا لعدمه (¬3)، فتأمل! . # قوله: "مسألة: الاشتقاق رد لفظ إلى آخر". # أقول: الاشتقاق -لغة-: الاقتطاع مأخوذ من الشق، وهو القطع، واصطلاحا: ما ~~ذكره المصنف (¬4)، وهو على ثلاثة أقسام (¬5): PageV02P029 # صغير: وهو ما إذا وافق الأصل الفرع في الحروف، والترتيب نحو خرج من ~~الخروج. # وكبير: إن وافق في الحروف دون الترتيب، نحو: جبذ من الجذب. # وأكبر: إن لم توجد حروف الأصل، بل ما يناسبها نحو: نعق، ونهق (¬1). # وقد ذكر صاحب المفتاح: أن علم الاشتقاق علم مستقل حيث قال -في خاتمة ~~كتابه-: "أين هم عن علم الاشتقاق؟ أين هم عن علم الصرف؟ " (¬2). # [وإنما نبهنا عليه، وإن لم يكن مقصودا هنا: لأن بعض الأفاضل جعله جزءا من ~~علم الصرف] (¬3). # قوله: "ولو مجازا"، يريد تعميم الاشتقاق في الحقيقة، والمجاز تعريضا بمن ~~(¬4) منعه في المجاز كالقاضي، والغزالي (¬5)، فإن PageV02P030 # الغزالي ذكر أن أمر فرعون في قوله تعالى: {وما أمر فرعون برشيد} [هود: ~~97] بمعنى الشأن مجازا، فلا يشتق منه أمر، ولا مأمور. # والدليل على الاشتقاق من المجاز قولهم: نطقت الحال بكذا، أي: دلت: لأن ~~النطق مستعمل في الدلالة، أولا، ثم اشتق منه اسم الفاعل على ما هو القاعدة ~~في الاستعارة التبعية في المشتقات (¬1)، وقيد الحروف بالأصلية: لأن الحروف ~~المزيدة لا اعتداد بها. # قوله: "ولا بد من تغيير" تصريح بما علم ضمنا إذ رد لفظ إلى آخر لا يمكن ~~إلا بعد التغير الأولى في العبارة، التغير بياء واحدة، والتغير إما أن يكون ~~لفظا أو تقديرا، إذ الفتحة في طلب ماضيا، غيرها في طلب مصدرا، وكذلك سكون ~~اللام في فلك مفردا، غيره في فلك جمعا، وقد ضبط أقسام التغيير بعض الفضلاء ~~(¬2)، فارتقت إلى خمسة عشر قسما (¬3)، وحظ الأصولي من الاشتقاق: أن اللفظ ~~المشتق إذا وقع في لفظ الشارع كيف PageV02P031 # يستدل به على الحكم؟ ولا شك أن المشتق من حيث إنه مشتق لا يعلم بدون ~~معرفة الاشتقاق، فلذلك صدر البحث به". # قوله: (¬1) وقد يطرد المشتق كاسم الفاعل، وقد يختص كالقارورة". وقد تبين ~~لك -قبل هذا- أن مناط الإطراد هو عموم ms103 اللفظ: لأن الواضع قد وضع لفظ ضرب ~~لكل من قام به الضرب بخلاف القارورة، فإنه وضع مقيدا بالزجاج، فالقارورة: ~~ما استقر فيه الشيء بقيد كونه زجاجا، فالمعنى في الأول يصحح الاطلاق، وفي ~~الثاني مرجح. # قوله: "ومن لم يقم به وصف لم يجز أن يشتق منه اسم". # أقول: المدعى -في هذه المسألة-: أنه لا يجوز أن يشتق لفظ الصفة لشئ، ~~والمعنى الذي هو مأخذ الاشتقاق قائم بغيره (¬2)، فلا يجوز أن يقال: زيد ~~ضارب إلا إذا قصد أن الضرب قائم به سواء صدقت القضية، أو كذبت إذ المقصود ~~بيان طريق اللغة، والقانون في إجراء الصفات على الموصوفات. PageV02P032 # وجوزت المعتزلة: حيث جوزوا إطلاق المتكلم على الله تعالى بمعنى أنه خالق ~~الكلام في الغير: كالشجرة إلى أوجد فيها الكلام حين جمع موسى الكلام منها، ~~ولهم في إثبات صفات الله -تعالى- اضطراب، وسنحققه في علم الكلام إن شاء ~~الله تعالى (¬1). # لنا -على إثبات المدعى- الاستقراء التام، وذلك يفيد القطع. # قالوا: القتل، والضرب أثر، وهو قائم بالمفعول. # قلنا: ممنوع، بل هو التأثير، وهو قائم بالفاعل. # قالوا: يطلق على الله الخالق، والخلق غير المخلوق. # والجواب: ليس محل النزاع، إذ محل النزاع فعل قائم بالغير، وهذا مجموع ~~قائم بنفسه، وإن كان بعضه قائما ببعضه إذ على تقده تسليم أن الخلق نفس ~~المخلوق (¬2) مفهومه يصدق على جميع الحوادث، والحوادث بعضها جواهر قائمة ~~بنفسها، وبعضها أعراض قائمة بالجواهر، والمجموع ليس قائما بغيره. PageV02P033 # قوله: "ومن بنائهم -على التجويز المذكور- أنهم يسمون إبراهيم ذابحا، ولهم ~~خلاف في أن إسماعيل مذبوح، أو لا". # واعلم أن ابتناء هذه المسألة على أصل المعتزلة في غاية البعد، إذ هذه ~~المسألة مستقلة لا تعلق لها بذلك الأصل؛ لأن الخلاف هنا بيننا وبينهم، إنما ~~هو في جواز النسخ قبل التمكن من الفعل كما سيأتي (¬1). # فعندنا يجوز أن ينسخ الحكم قبل التمكن من الفعل، والدليل على ذلك قصة ~~إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه إذ أمر بالذبح، ونسخ قبل التمكن من الفعل، ~~وهم منعوا ذلك. # وأجابوا عن هذا الاستدلال تارة بأنه لم يؤمر ms104 إلا بمقدمات الذبح، وقد أتى ~~بها، وتارة يقولون: بل أتى بالذبح، ويروون في ذلك خبرا موضوعا، وهو أنه ~~ذبح، ولكن التأم موضع الذبح، فإنه كان كلما قطع جزء التأم مكانه. PageV02P034 # وبالجملة: ذبح، أولم يذبح، الذبح قائم بالذابح، وإن ذهبوا إلى ما نقل ~~عنهم من أن الضرب قائم بالمضروب، كما قدمنا، فلا وجه لقول المصنف: اتفاقهم ~~على أن إبراهيم ذابح بناء على الأصل المذكور، فتأمل! # قوله: "وإن قام به" أي بالشيء "ما له اسم" كالكلام مثلا، وجب أن يشتق له، ~~أي: لمن قام به، اسم كالمتكلم. # وأما المعاني إلى لا أسماء لها كأنواع الروائح والآلام، فلا يشتق لمن ~~قامت به اسم للاستغناء بالإضافة كما تقدم (¬1). # قوله: "الجمهور على اشتراط بقاء المشتق منه في كون المشتق حقيقة". # أقول: قد اختلف في أن بقاء المعنى شرط في كون المشتق حقيقة، أم لا؟ فيه ~~مذاهب (¬2): أحدها: اشتراطه، وثانيهما: نفيه. وثالثها: شرط إن PageV02P035 # كان البقاء ممكنا (¬1)، وإلا [فآخر جزء] (¬2)، ونمسب المصنف إلى الجمهور ~~[أنهم يشترطون البقاء إن أمكن، وإلا فآخر جزء بقاؤه كاف] (¬3). # المشترطون مطلقا قالوا: بعد انقضاء المعنى يجوز نفيه، وهو أمارة المجاز. # قلنا: نفيه مطلقا، أو في الحال؟ الأول: ممنوع، والثاني: مسلم، ولا يفيدكم ~~إذ نفي الخاص لا يستلزم نفي العام، نوضحه: أن الثبوت في الحال أخص من ~~الثبوت مطلقا. # وقد يجاب -عن هذا-: بأن المراد النفي المقيد بالحال (¬4) لا نفي المقيد ~~بالحال، والسلب المطلق لازم للسلب المقيد. PageV02P036 # قالوا: -ثانيا- لو لم يشترط بقاء المعنى، وصح إطلاقه حقيقة على الماضى ~~يصح إطلاقه على المستقبل كذلك، واللازم منتف. # أجيب: بأنه لا يلزم من عدم اعتبار قيد كونه حالا -نظرا إلى الماضي- عدم ~~اعتباره مطلقا، إذ ربما كان المشترك بين الماضي والحال مشروطا، وهو كون ~~الضرب حاصلا في الجملة. # النافون لاشتراط بقاء المعنى قالوا: أجمع أهل اللغة على صحة ضارب أمس، ~~وأنه اسم فاعل، والأصل في الإطلاق الحقيقة. # الجواب: مجاز بدليل إجماعهم على صحة ضارب غدا، وهو مجاز اتفاقا. # قالوا -ثانيا-: لو اشترط لم يصح مؤمن لنائم ms105 إذ معنى الإيمان، وهو التصديق ~~ليس بقائم به [والحالة هذه] (¬1). # الجواب: مؤمن عرفا استصحابا للحكم، وإن لم يصدق لغة، وأجاب عنه بعض ~~الأفاضل (¬2): بأنه غير محل النزاع، إذ النزاع إنما هو فيما يدل عل الحدوث ~~من الصفات لا ما يدل على الثبوت منها: لأن PageV02P037 # الاتصاف هنا كاف في صحة الإطلاق ما لم يطرأ عليه مناف (¬1)، ومحصله ما ~~ذكرناه في الجواب من الاستصحاب. # واعلم أن قول المصنف: الجمهور على اشتراط بقاء المشتق منه في كون المشتق ~~حقيقة، وإلا فآخر جزء، يشعر بأن هذا مذهب رابع غير الثلاثة التي قدمنا ~~ذكرها، وليس كذلك، بل مذهب من يشترط بقاء المعنى. # ولما أورد عليه: بأن البقاء لو كان شرطا لما كان مثل: متكلم، ومخبر ~~حقيقة، ولو حين المباشرة، واللازم باطل اتفاقا. # ووجه الملازمة: أن [حصول] (¬2) هذه الأفعال إنما يمكن بتقصي أجزائها شيئا ~~فشيئا، فلا تجتمع الأجزاء في حين من الأحيان قط، فقبل الحصول لا تحقق، وبعد ~~الحصول قد انقضى. # أجاب: بأن اللغة مبنية على المساهلة (¬3) وإلا لخرجت أكثر الأفعال التي ~~هي من الأصول كيضرب ويمشى، ضرورة أنها تحصل تدريجيا، فالبقاء في جزء كاف، ~~أي: ما دام مباشرا لجزء منه، فهو حقيقة، وعند انقضاء الأجزاء بأسرها يصير ~~مجازا، نعم لما كانت الدلائل لا تفيد قطعا مال بعض المحققين (¬4) إلى ~~التوقف، وإنما لم نذكر أدلة من PageV02P038 # اشترط البقاء إن أمكن: لأنها علمت من أدلة المشترط مطلقا، غايته أن ~~المشترط مطلقا اعتد ببقاء جزء ما، وهذا لم يعتد به (¬1)، والله أعلم. # قوله: "ومن (¬2) ثم كان اسم الفاعل حقيقة في الحال، أي: حال التلبس خلافا ~~للقرافي (¬3) ". # أقول: هذا تفريع على مذهب الجمهور، وهو اشتراط البقاء، وعبارة المصنف غير ~~سديدة (¬4)، وكان الأولى أن يقول: لم يكن اسم الفاعل (¬5) حقيقة إلا في حال ~~التلبس، وكان الأولى -أيضا- تقديم مذهب الوقف ليظهر تفرعه على مذهب ~~الجمهور. PageV02P039 # ثم الحال المعتبرة في كون اسم الفاعل حقيقة هو حال التلبس بالفعل كما ~~قدمنا من التكلم، والإخبار مثلا، لا حال النطق، كما توهمه بعضهم، وبني على ms106 ~~ذلك إشكالا بالزاني، والسارق، إذ الزاني، والسارق في زماننا بعد انقطاع ~~الوحي يجلد، ويقطع، مع أنه لم يكن حال الخطاب موجودا. # وأجاب عن هذا الإشكال: بأن النزاع في اسم الفاعل، واشتراط البقاء فيه ~~إنما هو فيما إذا كان محكوما به، وأما إذا كان محكوما عليه كقوله تعالى: ~~{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38]، وقوله {الزانية والزاني ~~فاجلدوا} [النور: 2]، فهو حقيقة مطلقا (¬1)، وهذا كلام من لا تحقيق عنده. # [أما أولا: فلأن] (¬2) الكلام في اللغة هل يشترط بقاء المعنى للإطلاق ~~حقيقة، أم لا؟ # ولا ريب في أن كون اللفظ محكوما عليه، أو محكوما به لا دخل له في هذا لا ~~نفيا، ولا إثباتا. # وأما ثانيا: فلأن وجوب الحكم في مسألة الزاني والسارق، ليس مبنيا على أن ~~الصفة في النصين المذكورين وقع محكوما عليه، وأنه حقيقة مطلقا، بل لأن ~~الشارع رتب الحكم على الوصف الصالح للعلية، فحيث وجد PageV02P040 # الوصف وجد الحكم، كما رتب الزكاة على السوم في قوله: "في السائمة زكاة"، ~~مع أن القول: بأن اسم الفاعل حقيقة في المستقبل مخالف للإجماع (¬1). # وأما قوله: الخلاف إنما هوفيما إذا كان محكوما به كقولنا: زيد زان، أو ~~زيد سارق (¬2)، مع أنه كلام مخترع لم يقل به أحد لم يجد نفعا: لأنه إذا ~~قامت البنية عند الحاكم بأن زيدا سارق في الزمان الماضى تقطع يده عند ~~القائل بأنه مجاز في الماضي، فأي فائدة شرعية يعتد بها في هذه التفرقة؟ # وقد حققنا لك المقام بما لا مزيد عليه، فاعتمده، والله الموفق. # وقد توهم بعضهم (¬3) -أيضا- أن الخلاف إنما هو في المشتق الذي زال [معنى] ~~(¬4) المشتق منه، ولم يتصف المحل بضد آخر، أما إذا اتصف المحل بضد آخر ~~كالأبيض الذي زال بياضه، واتصف المحل بالسواد، فإن أطلق عليه الأبيض لا ~~يكون ذلك إلا مجازا، وكل هذا عدول عن الصواب، بل ليس الخلاف إلا في بقاء ~~المعنى كما تقدم في صدر البحث. # وأما أن المحل -بعد زواله- هل اتصف بالضد أو بغيره، فلا التفات إليه. PageV02P041 # قوله: "وليس في المشتق إشعار بخصوصية الذات"، ms107 يريد أن الوصف أعني المشتق ~~على ما ذكره النحاة في باب منع الصرف [معرف] (¬1) بأنه الذي وضع لذات مبهمة ~~باعتبار معنى هو المقصود (¬2)، وإذا كان لدى الوضع قيد الإبهام معتبرا، فلا ~~إشعار بالخصوصية (¬3). # فإذا قلت: الأسود جسم يكون مفيدا لعدم إشعار الأسود بالجسم بخلاف ما إذا ~~قلت: الإنسان حيوان، وإن صح الحمل، ولكن لا فائدة فيه (¬4). # وخرج -أيضا- أسماء الزمان، والمكان، والآلة عن تعريف المشتق لدلالتها على ~~شيء معين، وهو المكان، والزمان، والآلة، والمراد هو التعين النوعي كما لا ~~يخفى. PageV02P042 # قوله: "مسألة: المترادف واقع خلافا لثعلب (¬1)، وابن فارس (¬2) ". # أقول: قد علمت فيما سبق أن الألفاظ المترادفة هي التي وضعت لمعنى واحد، ~~وهل هي واقعة، أم لا؟ # الصحيح وقوعها: للتواتر في بعض الألفاظ كليث، وأسد في الأجسام، وحبس ومنع ~~في المعاني (¬3). PageV02P043 # قالوا: لو وقع لعري عن الفائدة إذ أحد اللفظين كاف. # قلنا: ممنوع إذ الفائدة لا تنحصر في الدلالة على الموضوع له، بل فائدته ~~التوسعة في اللغة، وربما كان أحدهما صالحا للروى (¬1) دون الآخر، أو ~~للتجنيس (¬2). # قالوا -ثانيا-: تعريف للمعرف، وهو باطل. # قلنا: لكل منهما علامة، وتوارد العلامات جائز، ثم النافون لما منعوا وقوع ~~الترادف قالوا: وما يظن أنه من الترادف، فهو من اختلاف الذات، والصفة: ~~كالإنسان، والناطق، أو اختلاف الصفات كالمنشئ، والكاتب، أو الصفة، وصفة ~~الصفة كالمتكلم، والفصيح، أو الذات، وصفة الصفة كالإنسان، والفصيع، وكل هذا ~~عدول عن الصواب. # واعلم أن الواضع إذا كان واحدا، فالفائدة في الترادف ما ذكرنا، وأما إذا ~~كان الواضع متعددا، فالأمر فيه واضح: لأنه ربما كان PageV02P044 # أحد الواضعين في الشرق، والآخر في الغرب، ولا علم لأحدهما بوضع الآخر (¬1). # ومن ذهب: إلى أنه لم يقع في الأعاء الشرعية إنما أخبر عن وجدانه، يدل على ~~هذا عبارة الإمام -في "المحصول" في آخر بحث الحقيقة الشرعية-: "الأظهر أنه ~~لم يوجد، فيقدر بقدره" (¬2). # ومن رد عليه بالفرض، والواجب (¬3)، فقد اشتبه عليه اصطلاح الفقهاء (¬4)، ~~بالحقيقة الشرعية، إذ المراد بها: ما وضع الشارع كالصلاة، والحج، والزكاة ~~على ما سيأتي تحقيقه. PageV02P045 # وأما الحد، ms108 مع المحدود: كالحيوان الناطق، مع الإنسان، فليس من الترادف في ~~شيء إذ الحد يدل على أجزاء الماهية تفصيلا، والمحدود (¬1) يدل عليها ~~إجمالا، أي: الحد يدل على الأجزاء بأوضاع متعددة، والمحدود يدل بوضع واحد، ~~وكذلك نحو حسن، وبسن، وعطشان، ونطشان، ليس من قبيل المترادفين: لأن [هذه ~~التوابع] (¬2) لا تفرد، ولو أفردت لم تفد، وإذا اجتمعت مع المتبوع، أفادت ~~نوع تقوية لوقوعها في كلام البلغاء، فيبعد عراؤها عن الفائدة (¬3). # قوله: "ووقوع كل من الرديفين مكان الآخر"، عطف على قوله: "إفادة" (¬4) ~~ولو قدم هذه المسألة على مسألة التابع كان أولى، كما لا يخفى (¬5). PageV02P046 # والحق -في هذه المسألة-: أنه لما كان كل من اللفظين دالا على المعنى ~~الواحد بلا تفاوت، فيما يرجع إلى الوضع، والدلالة، فلا مانع من استعمال ~~أحدهما في موضع الآخر، أي: بدلا عنه (¬1)، وما ذكره الإمام- من أن: من ~~الابتدائية معناها بالفارسية: أز، بفتح الهمزة، وسكون الزاي المعجمة، فلا ~~يجوز استعمال أحدهما مكان الآخر، وإلا يكون ضم مهمل إلى مستعمل، وإذا جاز ~~هذا في لغتين يتأتي في لغة أيضا (¬2) -كلام ساقط: إذ عدم جوازه في اللغتين ممنوع. # ولو سلم، فالفرق واضح، إذ ثم اختلاط اللغتين بخلاف هنا (¬3). PageV02P047 # ثم قول المصنف: "إن لم يكن تعبد بلفظه"، إشارة إلى ما اختاره الشافعي رضي ~~الله عنه من عدم جواز تبديل لفظ التكبير بمرادفه (¬1)، وقد أشار إليه الشيخ ~~ابن الحاجب حيث قال: "لو صح لصح خداي أكبر" (¬2)، وأجيب بالتزامه، ولما لم ~~يكن مذهب المصنف احترز عنه (¬3). # وبما ذكرنا خرج الجواب عن قول البيضاوي، والهندي (¬4) أيضا حيث منعا ~~اللغتين (¬5). # قوله: "مسألة: المشترك واقع". # أقول: الاشتراك اللفظي: هو وضع اللفظ الواحد لمعنيين فأكثر، بتعدد الوضع ~~(¬6). PageV02P048 # وفيه خلاف، والصحيح أنه ممكن، بل واقع، وقيل: واجب الوقوع، وقيل: ممتنع ~~الوقوع، وقيل: بين النقيضين فقط، وقيل: في القرآن، وقيل: والحديث (¬1). # لنا -على المختار، وهو وقوعه مطلقا-: إجماع أهل اللغة على أن القرء للطهر ~~والحيض معا على البدل، والجون للأبيض والأسود كذلك من غير ترجيح. # فقولنا: معا احتراز عما إذا كان لواحد ms109 بعينه. وقولنا: على البدل احتراز ~~عن المتواطئ: لأنه للقدر المشترك. وقولنا: من غير ترجيح احتراز عن الحقيقة ~~والمجاز. # الموجب: لو لم يكن المشترك واقعا لخلت أكثر المسميات. بيان الملازمة: بأن ~~المسميات غير متناهية، والألفاظ متناهية، أما تناهي الألفاظ، فلأنها مركبة ~~من حروف التهجي، وهي متناهية، والمركب من المتناهي متناه قطعا. وأما أن ~~المسميات غير متناهية. فظاهر. PageV02P049 # الجواب: بمنع المقدمتين إذ لا نسلم [أن] (¬1) المركب من المتناهي متناه، ~~وسند المنع أسماء العدد، فإن المبدأ متناه، والمركب غير متناه إذ لا حد منه ~~ينقطع سلسلة العدد، وأيضا: لا نسلم أن المعاني غير متناهية: لأن محل النزاع ~~هي المعاني المتضادة، والمختلفة لا المتواطئ، فإن لفظ الإنسان مثلا يدل على ~~جزئيات غير متناهية، ولو سلم ذلك كله لا يستلزم وجوب الاشتراك لجواز ~~الامتياز بالإضافة، فلا يتم التعريف. # المانع مطلقا: إنما وضعت الألفاظ للإفادة والافهام، والاشتراك مخل بذلك. # قلنا: [مع] (¬2) القرينة لا اختلال، ولئن سلم لا يدل على الامتناع إذ ~~ربما يكون المراد الإيهام والإجمال، كما في الأجناس. # وذهب الإمام -في "المحصول"-: إلى أن وضع اللفظ -مشتركا- بين وجود الشئ، ~~وعدمه [لا يجوز] (¬3)، واستدل: بأن اللفظ إنما وضع ليفيد شيئا وإلا كان ~~عبثا، والمشترك بين النفي والإثبات، لا يفيد شيئا سوى التردد، وهذا معلوم ~~لكل (¬4). # والجواب -عنه-: هو الجواب عن المنع مطلقا، أي: بدون القرينة مسلم، ويرتفع ~~ذلك، مع القرينة. PageV02P050 # ومن منع وقوعه: في القرآن، والحديث يعلم جوابه من الأجوبة السابقة، مع أن ~~في القرآن: ثلاثة قروء (¬1)، وعسعس (¬2)، أي: أقبل، وأدبر، وفي الحديث: ~~"دعي الصلاة أيام أقرائك" (¬3). # قالوا: إن وقع غير مبين لا يفيد، أو مبينا، فيطول (¬4). # الجواب: غير مبين، وربما كان المراد: الإجمال، وإن سلم كونه مفصلا، ~~فائدته الاستعداد للامتثال وقت البيان. # قوله: "مسألة: يصح إطلاقه على معنييه مجازا". # أقول: هذه مسألة [استعمال] (¬5) المشترك في معنييه، وأكثر، وتحرير محل ~~النزاع: أنه هل يصح أن يراد [بإطلاق] (¬6) واحد من المشترك معانيه؟ أي: كل ~~واحد أفرادا لا المجموع من حيث هو المجموع- بأن PageV02P051 # يقال: رأيت العين، ويراد بها ms110 الجارية، [والباصرة، وفي الدار الجون، أي: ~~الأسود والأبيض، وأقرأت هند، أي: حاضت، وطهرت- قيل: لا يجوز] (¬1). # وقيل: يجوز في النفي دون الإثبات (¬2)، وإليه ذهب صاحب (¬3) الهداية من ~~الحنفية، صرح بذلك في باب الوصية (¬4). # وقيل: يجوز مطلقا (¬5). PageV02P052 # ولا يخفى أن محل الخلاف هو ما إذا أمكن الجمع في القصد كما تقدم من ~~الأمثلة، وأما ورود صيغة الأمر- مثلا- من الشارع يراد به الوجوب والإباحة، ~~فلا قائل بجوازه، وعن الشافعي: أنه يجب الحمل على المعنيين عند التجرد عن ~~القرائن (¬1)، وهذا معنى (¬2) عموم المشترك الذي قال به الشافعي خلافا لأبي ~~حنيفة (¬3). PageV02P053 # وإذا استعمل في المعنيين هل هو حقيقة فيهما، أم مجاز؟ فيه خلاف: # ذهب الشافعي، وتبعه القاضي إلى أنه حقيقة (¬1)، وقال بذلك القاضي عبد ~~الجبار (¬2)، والجبائي من المعتزلة. # ومن قال بالامتناع، لم يفرق بين الجمع والمفرد، وهو المختار. # قال الإمام -في "المحصول"-: "بعض من أنكر جوازه في المفرد جوز في الجمع، ~~ثم قال: والحق أنه لا يجوق" (¬3)، وهو كما قاله؛ لعدم فرق يعتد به. # وشبهة القائل به: أن لفظ الجمع يدل على الأفراد، فيجوز أن يراد به أفراد ~~مختلفة الحقيقة، وليس بشيء، إذ الذي يمنع إرادة المعنيين في المفرد لا يصح ~~منه دعوى الاختلاف في الجمع، وهو واضح، إذ الجمع إنما يدل على أضعاف ما يدل ~~عليه المفرد، والغرض أن المفرد لم يرد به سوى معنى واحد. PageV02P054 # [وتصدير] (¬1) المصنف البحث بقوله: يصح إطلاقه على معنييه مجاز -ثم ذكر ~~الشافعي، ونسبة كونه حقيقة إليه- صريح في أن المختار عنده كونه مجازا، ~~وإليه ذهب إمام الحرمين، والشيخ ابن الحاجب (¬2)، وهذا ليس بشئ إذ قد ~~قدمنا: أن محل النزاع هو إرادة كل من المعنيين، ولا شك أن اللفظ موضوع ~~للمعنيين بوضعين مختلفين، ولم يخرج اللفظ -بالاستعمال في المعنيين -عن كونه ~~حقيقة لكون اللفظ مستعملا فيما وضع له، نعم لو أريد المجموع من حيث هو ~~المجموع كان مجازا إذ اللفظ لم يوضع للمجموع. # والفرق بين الكل الأفرادي والمجموعي، واضح يظهر ذلك في قولنا: كل الرجال ~~يحمل هذه الصخرة، وكل الرجال يشبعه ms111 هذا الرغيف (¬3)، فالحق الذي لا محيد ~~عنه: هو ما ذهب إليه إماء الأئمة الشافعي عليه من الله الرحمة متواصلة إلى ~~يوم الدين. PageV02P055 # ثم القاضي أبو بكر الباقلاني -وإن قال بكونه حقيقة- لم يقل بكونه ظاهرا ~~فيهما، بل قال: إنه مجمل يتوقف على البيان (¬1) لا يعمل به بدونه قياسا، ~~ولكن يحمل على المعنيين احتياطا (¬2)، وهذا كلام قليل الجدوى. # وقد نقل المصنف عن الغزالي: أنه يصح أن يراد بالمشترك المعنيان لا لغة، ~~وفي شروحه، أي: لا حقيقة، ولا مجازا (¬3). # وكلام الغزالي -في "المستصفى"- لا يدل على شيء من ذلك، وهو أنه، أورد ~~قوله تعالى {ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض} [الحج: ~~18] إلى آخر الآية، وقوله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي} ~~[الأحزاب: 56] إلى آخر الآية، ثم قال: "هذا يعضد الشافعي، ويفتح هذا الباب ~~في معنيين يتعلق أحدهما بالآخر، فإن طلب المغفرة يتعلق بالمغفرة، ولكن ~~الأظهر -عندنا-: أن هذا إنما أطلق على PageV02P056 # معنى واحد مشترك بين العنيين، وهو العناية بأمر النبي لشرفه، وحرمته، ~~والعناية من الله مغفرة، ومن الملائكة استغفار، ومن المؤمنين دعاء، وصلاة ~~عليه، وكذلك العذر (¬1) عن السجود" (¬2). # وليس في هذا الكلام شيء مما قاله المصنف (¬3)، ولا أنه لا حقيقة ولا ~~مجاز، بل صرح بأنه من عموم المجاز (¬4): لأنه أراد بلفظ واحد معنى مجازيا ~~يشمل المعاني المرادة من اللفظ، كما سنحققه في باب المجاز إن شاء الله ~~تعالى، بل نقول: لا يجوز- عقلا- أن يستعمل لفظ على قانون اللغة استعمالا ~~صحيحا، ولا يكون مجازا، ولا حقيقة. # وقيل: يجوز في النفي، مثاله: لا عين عندي، ولا جون في الدار؛ لأن النفي ~~يفيد العموم بخلاف الإثبات. PageV02P057 # الجواب: أن المدعي الظهور، وهو حاصل في الإثبات أيضا. # وما ذهب إليه بعض (¬1) الحنفية من أن المراد بالسجود في الآية هو ~~الانقياد ليس بشئ إذ لو كان المراد الانقياد والتسخير، لم يكن لقوله: ~~{وكثير من الناس} [الحج: 18] فائدة إذ جميع الناس بل جميع الكائنات مسخرة ~~لأمره. وكذا كون المراد من الصلاة غير ما وضع له، ms112 وهو إرادة التعظيم بعيد. # قوله: "والأكثر أن جمعه باعتبار معنييه مبني عليه". # أقول: ذهب قوم من العلماء إلى الفرق بين الجمع، والمفرد، أي: جوز في ~~الجمع دون المفرد، مستدلا: بأن الجمع له مدلولات متعددة هي مدلولات ~~المفردات، فيجوز أن يراد به المعاني باعتبار المفردات، وليس بشيء: لأن آحاد ~~الجمع يجب أن يكون من جنس واحد، فما أريد بالمفرد هو الذي يراد أضعافه في ~~الجمع كما تقدم، وإليه أشار المصنف بقوله: "مبني عليه"، أي: من يجوز في ~~المفرد الإطلاق على ما فوق الواحد يجوز في الجمع، ومن لا، فلا (¬2). PageV02P058 # والخلاف -في الإطلاق على الحقيقي، والمجازي- هو الخلاف في الاشتراك غير ~~أن القاضي خالف أصله قائلا: بأن [المجاز] (¬1) غير ما وضع له اللفظ بخلاف ~~المشترك، فإنه موضوع لكل من المعنيين (¬2)، وفرقه ضعيف بلا خفاء (¬3). # وادعى الغزالي: أن هذا أقرب من استعمال اللفظ المشترك، ولم يبين القرب ~~بوجه كلي جار في جميع الصور، بل مثل بالنكاح الذي وضع للوطء، واستعمل في ~~العقد مجازا: لأن العقد مقدمة الوطء (¬4). # والظاهر: أن وجه القرب هو أن بين المعنى المجازي، والحقيقي لا بد من ~~علاقة بخلاف معاني الاسم المشترك إذ لا يلزم أن يكون هناك علاقة، بل ربما ~~كانت المعاني في غاية البعد، فيظهر بذلك قرب المجاز في سائر المجازات لوجود ~~العلاقة في الكل. PageV02P059 # قوله: "ومن ثم"، تفريع على المذهب الصحيح، وهو أن اللفظ يحمل على معناه ~~الحقيقي، والمجازي معا عند القرينة الدالة على جواز إرادتهما نحو قوله ~~تعالى: {وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} [الحج: 77]، حيث حمل صيغة أفعل على ~~الوجوب الذي هو معناه الحقيقي، وعلى الندب الذي هو معناه المجازي بقرينة ~~لفظ الخير (¬1) الذي تعلق به الصيغة. # والظاهر: أن المراد النوافل: إذ قوله: {واعبدوا ربكم} [الحج: 77] معناه: ~~بما تعبدتم به من الفرائض، وافعلوا سائر الخيرات التي ما تعبدتم بها، خلافا ~~لمن لم يجوز الجمع، فإنه مستعمل عنده إما في الوجوب، أو في الندب، وكذلك من ~~يقول: بأنه موضوع للقدر المشترك بين الوجوب، والندب، وهو الرجحان، وسيأتي ~~أنه ضعيف. ms113 # قوله: "والمجازان"، أي: الخلاف في أنه هل يجوز أن يراد من لفظ واحد ~~معنياه المجازيان، أم لا؟ هو الخلاف في المشترك، والبحث هو البحث سؤالا، ~~وجوابا (¬2)، والله أعلم. # قوله: "الحقيقة لفظ مستعمل". PageV02P060 # أقول: الحقيقة -لغة- فعيل بمعنى الفاعل من حق الشيء إذا ثبت، والتاء فيه ~~للنقل من الوصفية إلى الاسمية. # واصطلاحا: ذات الشيء (¬1)، ولما كان اللفظ -بالنسبة إلى المعنى الموضوع ~~له -ثانيا- له بحسب الوضع، فكأنه ذات المعنى، وبالنسبة إلى المعنى المجازي ~~كالعارض له سمي حقيقة جريا على الاصطلاح. # قوله: "لفظ" جنس يشمل الحقيقة، وغيرها، وقوله: "مستعمل"، يخرج اللفظ قبل ~~الاستعمال: لأنه ليس بحقيقة، كما أنه ليس بمجاز، وقوله: ["فيما"] (¬2) وضع ~~له، يخرج المجاز، والغلط كقولك: خذا هذا الفرس مشيرا إلى كتاب. # قوله: "ابتداء"، يشمل الحقيقة اللغوية، والعرفية، والشرعية، كالأسد، ~~والدابة، والصلاة، أما اللغوية (¬3) [فظاهرة] (¬4) وأما PageV02P061 # العرفية، والشرعية، فلأن الدابة وإن كانت -لغة- لكل ما يدب على الأرض، ~~لكن عرفا خصت بالفرس، وقيل: بذوات القوائم الأربع، فبالنظر إلى العرف وضع ~~ابتداء، ولا ينافي كون اللغة ابتداء أيضا، وقس عليه الصلاة- مثلا- فإنها ~~-في اللغة- وضعت للدعاء، وفي الشرع للأركان المخصوصة، ويصدق أن اللفظ وضع ~~لكل منهما ابتداء كما عرفت (¬1). # وعبارة المصنف أولى من عبارة الشيخ ابن الحاجب: "الحقيقة اللفظ المستعمل ~~في وضع أول" (¬2): لأنه يشكل بالحقيقة التي لا مجاز لها (¬3)، ولا اشتراك ~~فلا وضع آخر، اللهم إلا أن يقال: يكتفى بالفرض والتقدير، وهو بعيد. # وزاد جمهور المحققين (¬4): اصطلاح التخاطب، ورأوا الحد بدونه مختلا: لأنه ~~إذا كان اصطلاح التخاطب لغة مثلا، واستعمل لفظ الصلاة PageV02P062 # في الأركان المخصوصة يكون مجازا؛ لأنه وإن كان لفظ الصلاة يصدق عليه أنه ~~موضوع للأركان ابتداء، ولكن ليس في اصطلاح التخاطب، وكذلك إذا كان اصطلاح ~~التخاطب هو الشرع يكون عكس القضية، وقس عليه العرف، وترك المصنف ذلك القيد: ~~لأن ترتيب الحكم على المشتق يشعر بعلية المشتق منه، فكأنه قيل: لفظ مستعمل ~~فيما وضع له ابتداء من حيث إنه موضوع له. ولا شك أن استعمال اللغوي لفظ ~~الصلاة في الأركان ليس من حيث إنه ms114 موضوع له، بل لعلاقة بينه وبين الموضوع ~~له، كما سيأتي في المجاز إن شاء الله تعالى. # هذا، ولكن يتوجه على الكل إيراد آخر أقوى منه، وهو أنه إما أن يراد ~~بالوضع الشخصي، أو النوعي، وكلاهما غير مستقيم. # أما الأول: فلأنه يخرج كثير من الحقائق: لأنا قد قدمنا أن المنسوب، ~~والمصغر، وجميع المركبات، وبالجملة كل ما يكون دلالته بحسب الهيئة لا ~~المادة، موضوع بالنوعي، مع أنها حقائق اتفاقا. # وإن أريد أعم من الشخصي، والنوعي دخل المجاز لأنه موضوع بالنوع أيضا. # والجواب: أن المراد بالوضع، أعم من الشخصي، والنوعي، ولا يدخل المجاز، ~~تحقيق ذلك: أن الواضع إما أن يعين لفظا بإزاء معنى كالفرس، والرجل، ولا ريب ~~في أن هذا من الحقيقة. PageV02P063 # وإما أن يعين اللفظ للمعنى في ضمن قاعدة كلية مثل أن يقول: المنسوب كل ~~لفظ ألحق بآخره ياء مشددة، واسم الفاعل من الثلاثي يكون على فاعل، فمثل هذا ~~يكون حقيقة: لأن اللفظ يدل على المعنى الموضوع له المعين بلا قرينة. # وقد يكون الوضع النوعي بقاعدة من واضع اللغة بأن يقول: إذا وضع اللفظ ~~بإزاء [معنى] (¬1) معين، ثم منع من إرادته مانع من قرينة صارفة، كما إذا ~~قيل: رأيت أسدا (¬2) على المنبر يخطب، فذلك اللفظ مستعمل فيما يتعلق ~~بالموضوع له تعلقا خاصا، ومثل هذا مجاز. # والحاصل: أن الوضع -عند الإطلاق- يراد به اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه ~~سواء كان ذلك التعيين بأن يفرد اللفظ بعينه للمعنى بالتعيين، أو يدرج في ~~القاعدة الدالة على التعيين إذ لا يحتاج في كليهما إلى القرينة، وانتفاء ~~القرينة الصارفة دليل الحقيقة. # فإذا قلت: رأيت الأسود على السروج من حيث إن المراد بها الشجعان بقرينة ~~السروج، فاللفظ مجاز من حيث إنه جمع محلى باللام، وقد ثبت عن الواضع أن كل ~~محلى باللام للعموم، فهذا الجمع للعموم حقيقة، فتدبر، والله أعلم. # قوله: "ووقع الأوليان". PageV02P064 # أقول: الحقيقة اللغوية [والعرفية] (¬1) -كالأسد للحيوان المفترس، والدابة ~~لذوات القوائم الأربع- لم يخالف في [إمكانها، بل وقوعها. # [وأما الشرعية] (¬2) أصلية كانت، أو فرعية، ففيها خلاف. # قال شرذمة ms115 لا يعتد بهم بعدم] (¬3) إمكانها مطلقا (¬4)، ويشبه أن يكون ~~القائل بهذا هو القائل بأن بين اللفظ والمعنى مناسبة ذاتية، ومع سقوطه ~~بديهة، وبما قدمنا من الدليل على بطلانه يرد عليهم العرفية لقولهم: ~~بجوازها، مع أن علة المنع مطردة. # ثم الجمهور على وقوع الشرعية، الفرعية كالصلاة للأركان المقصودة ~~المخصوصة. # لنا -على مختار الجمهور-: أن الصلاة، والزكاة، والحج -لغة- الدعاء، ~~والنماء، والقصد مطلقا، ولا شك أن الشارع لم يوجب تلك PageV02P065 # المعاني، بل أوجب غيرها بتلك الألفاظ من غير قرينة، فتكون حقائق في عرفه، ~~ولم يعن بالشرعي إلا ذلك (¬1). # قالوا: مستعمل في اللغة، والقيود المذكورة، والزيادات المعتبرة شروط ~~لوقوع الفعل على المطلوب شرعا إذا الصلاة الواجبة هي الدعاء، ولكن شرط مع ~~الدعاء الركوع والسجود، وكذلك ما يتوهم من الحقائق الشرعية على هذا النمط. # الجواب: النقض بالأخرس المنفرد إذ هو مصل إجماعا من غير دعاء، ولا اتباع لداع. # قالوا -ثانيا-: مجازات، قلنا -لغة-: ممنوع إذ لم يعرف أهل اللغة هذه ~~المعاني، وشرعا هو المدعى، وأيضا من علامات الحقيقة السبق إلى الفهم. # ولا شك: أن لفظ الصلاة إذا أطلق يتبادر الفهم إلى تلك الأركان، ولم يخطر ~~الدعاء بالخاطر. # قالوا -ثالثا-: لو كان كذلك لفهمها الشارع المكلفين، وإلا يكون تكليفا ~~بالمحال، ولو فهمها لنقل إلينا: لأنا مكلفون مثلهم، والآحاد في مثله لا ~~يفيد، ولا تواتر. # قلنا: يعلم بالتكرار، والقرائن كما في تعلم الأطفال اللغات. PageV02P066 # قالوا -رابعا-: لو وقعت لوقع في القرآن بعضها لا محالة، ولم يكن القرآن ~~عربيا: لأن المدعى أن العرب لم تفهم معناها، ولا هي من موضوعات العرب. # الجواب: عربية [بوضع] (¬1) الشارع، ولا تنافي، ولو سلم لم يخرج القرآن ~~بذلك [عن كونه] (¬2) عربيا إذ ما غالبه عربب، فهو عربب كشعر غالبه عربي، أو ~~المراد بكون القرآن عربيا عربي أسلوبه. # وذهبت المعتزلة: إلى وقوعها مطلقا فرعية -كما ذكرنا- أو أصلية كالإيمان، ~~والكفر (¬3). # واستدلوا: بأن الإيمان -لغة- التصديق، وشرعا هو العبادات: لأنها الدين ~~المعتبر لقوله تعالى: {وذلك دين القيمة} [البينة: 5] مشيرا إلى فعل ~~العبادات، والدين: الإسلام، لقوله تعالى: {إن ms116 الدين عند الله الإسلام} [آل ~~عمران: 19] والإسلام هو الإيمان لقوله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا ~~فلن يقبل منه} [آل عمران: 85]، وعورض بقوله: {قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا} [الحجرات: 14]. # قالوا: لو كان الفاسق مؤمنا لم يكن مخزيا بدليل قوله تعالى: {يوم لا يخزي ~~الله النبي والذين آمنوا} [التحريم: 8]. PageV02P067 # الجواب: أنه مخصوص بالصحابة، أو كلام مستأنف، وسيأتي تحقيق هذا في علم ~~الكلام في هذا الكتاب على وجه أبسط إن شاء الله تعالى. # وتوقف الآمدي في المسألة، فلم يجزم بشئ (¬1). # وقول المصنف: " [ومعنى الشرعي: ما لم يستفد اسمه إلا من الشرع، وقد يطلق ~~على المندوب، والمباح"] (¬2) - بعد أن قدم أن الحقيقة لفظ مستعمل فيما وضع ~~له ابتداء، وأن الحد شامل للشرعية -كلام قليل الجدوى إذ قد علم ذلك، مع أن ~~قوله: "وقد يطلق على المندوب والمباح"-، خارج عن البحث (¬3): لأن قولهم: ~~المباح مشروع معناه: فعل تعلق [به حكم الشارع: لا أن الشارع وضع بإزائه ~~لفظا كالصلاة، والزكاة، فتأمل] (¬4). # [قوله: "والمجاز] (¬5): اللفظ المستعمل بوضع ثان لعلاقة". PageV02P068 # أقول: عرف المجاز بأنه اللفظ المستعمل (¬1) فخرج المهمل، وما لم يستعمل. # وقوله: "بوضع ثان"، أخرج الحقيقة مطلقا (¬2) لما سبق من الاستعمال فيها ~~بوضع أول. # وقوله: "العلاقة" أخرج الغلط [من الألفاظ] (¬3) وما نقل من الأعلام لغير ~~علاقة، كأسد وكلب. # واعلم: أن الحقيقة، والمجاز (¬4) من الألفاظ المشتركة بين العقلي، ~~واللغوي، فالحقيقة العقلية: إسناد الفعل، أو شبهه إلى ما هو له عند المتكلم ~~في الظاهر، والمجاز العقلي: إسناد الفعل أو شبهه إلى غير ما هو له لملابسة ~~بين الفعل، وبينه كقولك: سرتني رؤيتك، وأنبت الربيع البقل. # واختيار السكاكي: أن ما يتوهم كونه مجازا عقليا داخل في سلك الاستعارة ~~بالكناية، وليس قسما على حدة (¬5). PageV02P069 # والشيخ ابن الحاجب أنكره رأسا قال: "وقول عبد القاهر -في نحو أحياني ~~اكتحالي بطلعتك-: إن المجاز في الإسناد بعيد". # قال المولي المحقق -في شرحه-: "لاتحاد الجهة، فإنه لا فرق في اللغة بين ~~قولنا: سرني رؤيتك، وبين ضرب زيد، ومات عمرو" (¬1). # والحاصل: أن يجعل الفعل مجازا عن ms117 التسبب العادي، فإذا قلت: صام نهاره ~~معناه: نسبت نهاره للصوم، وإذا قلت: أنبت الربيع البقل: نسبت الربيع لحصول ~~الفعل، وهذا تعسف ظاهر لا حاجة إليه، مع أنه مخالف لعلماء العربية، ولا ~~يستقيم في مثل جد جد إذ لا معنى للتسبب هنا. # وإن شئت ضبط الكلام في هذا المقام، قلت: لا شك أن إسناد الفعل إلى شيء ~~يقتضي قيامه به، وإذا أسند إلى غير ما هو له من المصدر، والزمان، والمكان، ~~فلا بد من صرفه عن ظاهره بتأويل إما في المعنى، أو في اللفظ، واللفظ إما ~~المسند، أو المسند إليه، أو الهيئة التركيبية الدالة على الإسناد. # الأول: مذهب الشيخ عبد القاهر، وعليه أطبق علماء البيان (¬2)، فالمجاز ~~-عندهم- بحسب الفعل حيث أسند الفعل إلى غير ما يقتضي [الفعل] (¬3) إسناده ~~إليه بتأويل. PageV02P070 # الثاني: أن المسند مجاز عن المعنى الذي يصح إسناده إلى المسند إليه ~~المذكور، وهو معنى التسبب الذي أشرنا إليه، وإليه ذهب الشيخ ابن الحاجب (¬1). # الثالث: أن المسند إليه استعارة بالكناية عما يصح الإسناد إليه حقيقة، ~~والإسناد قرينة الاستعارة [وهو مختار السكاكى] (¬2). # الرابع: إن شبه تلبس غير الفاعل (¬3) بتلبسه، فيكون تشبيه حالة بأخرى، ~~كقولك: أراك أيها الفتى تقدم رجلا، وتؤخر أخرى، فيكون استعارة تمثيلية، ~~وهذا لم يذهب إليه أحد، وإنما أبداه احتمالا بعض الأفاضل (¬4). PageV02P071 # هذا، وقد علمت: أن اللفظ بعد الوضع، وقبل الاستعمال ليس بحقيقة، ولا ~~مجاز، ويعلم ضرورة: أن قبل الوضع لا يعقل مجاز، ولا حقيقة (¬1)، وأما وجود ~~الحقيقة بدون المجاز: بأن يوضع لفظ المعنى، ولا يستعمل في غيره متفق على ~~جوازه (¬2). # وعكسه: وهو أن يوجد لفظ لم يستعمل في معناه الحقيقي أصلا مختلف فيه (¬3). PageV02P072 # احتج القائل - بعدم الجواز -: بأن الوضع إنما يكون لإفادة الألفاظ ~~معانيها، وإذا لم يستعمل [في الموضوع له] (¬1) انتفت فائدته. # الجواب: لا نسلم حصر الفائدة فيما ذكرتم: لأن استعماله في المجاز لاتصاله ~~بالموضوع له فائدة جليلة. # والحق الذي لا محيد عنه: أن المجاز إن كان لغويا، فلا بد له من معنى ~~حقيقي إذا استعمل فيه اللفظ يكون حقيقة، ms118 وذلك: لأن الاستعمال في غير ~~الموضوع له لا يعقل بدون تحقق الموضوع له. # وإن كان المجاز عقليا، فلا بد من شئ إذا أسند إليه كان حقيقة: # لأن الإسناد إلى غير ما هو له فرع لتحقق ما هو له، [هذا ما اختاره ~~الإمام، والسكاكي (¬2)، خلافا للشيخ عبد القاهر، مستدلا بقولهم: أقدمني ~~بلدك حق لي عليك، فإنه لا يوجد فاعل حقيقي لو أسند إليه الفعل كان حقيقة] ~~(¬3). PageV02P073 # وأما تحقق الاستعمال، فلا تدعو إليه ضرورة، وكذا وجود الإسناد إلى ما هو ~~له مما لا يحتاج إليه. # وأما تفصيل المصنف بقوله: "والأصح لما عدا المصدر"، ومعناه -على ما نقل ~~(¬1) عنه-: أن لفظ المشتق كالرحمن مثلا، وإن لم يستعمل حقيقة قط إذ لا ~~يستعمل في غير الله، واستعماله فيه حقيقة محال (¬2)، وهذا PageV02P074 # المجاز لا بد وأن يستعمل مصدره المشتق منه حقيقة، كالرحمة - فشئ لا ~~يساعده عقل، ولا نقل. # أما الأول: فلأن المشتق موضوع بوضع مغاير للمشتق منه بلا ريب، وإذا كان ~~كذلك، فأي لزوم في أن اللفظ المشتق إذ كان مجازا يكون مصدره مستعملا في ~~معناه الموضوع له ليصير حقيقة؟ # [وإن جنح] (¬1) إلى الاستقراء، والتتبع لكلام البلغاء، واستعمالاتهم، ~~وأنى يتم له ذلك! ؟ وكيف السبيل إلى الإحاطة بجزئيات المشتق بأسرها؟ # وإن نظر إلى لفظ الرحمن، وأن مصدره مستعمل في معناه الحقيقي، فذلك لم ~~يخالف فيه أحد، ولكن لا يجدي نفعا. # وأما الثاني: فلأن علماء البيان، والأصول مطبقون على ما ذكرنا من عدم ~~التفرقة، وإن خالف فيه أحد، فلا يلتفت إليه لمخالفته العقل والنقل. # والعجب: كيف يخفى عليه فساد مثل هذا حتى لم يرض بذكره احتمالا بل اتخذه ~~مذهبا (¬2)؟ . # وتحرير هذه المباحث على هذا الوجه لا تجده في غير كلامنا، والله الموفق. # قوله: "وهو واقع خلافا للأستاذ". PageV02P075 # أقول: المجاز واقع في كلام العرب (¬1)، خلافا للشيخ أبي إسحاق ~~الاسفراييني، وأبي علي الفارسي (¬2)، مطلقا، أي: في شئ من كلام العرب (¬3)، ~~وليس لهم دليل سوى الاستبعاد (¬4). PageV02P076 # والحق: أن فساد هذا المذهب، أظهر من أن يحتاج إلى الاشتغال به. وهو واقع ms119 ~~في القرآن، والحديث، خلافا للظاهرية (¬1). PageV02P077 # لنا - على وقوعه في القرآن -: "قوله تعالى: {واسأل القرية} [يوسف: 82] أي ~~أهل القرية، فهو مجاز بالنقصان: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40] إذ ~~ليس الواقع جزاء سيئة حقيقة، وقوله: {واشتعل الرأس شيبا} [مريم: 4]، وقوله: ~~{واخفض لهما جناح الذل} [الإسراء: 24]. # قالوا - أولا -: لو وقع يلزم الكذب: لأنه يصدق نفيه، فلا يصدق هو، وإلا ~~يلزم الإثبات، والنفي معا. # قلنا: محل الحكم مختلف إذ النفى للحقيقة، والإثبات للمجاز، فلا محذور. # قالوا - ثانيا -: يكون البارى متجوزا، ولا يطلق (¬1) عليه. # قلنا: عدم الإطلاق: لعدم الإذن لا لعدم الصحة لغة، والكلام فيه. # ولما كانت الحقيقة أصلا، والمجاز فرعا، فلا يعدل من الأصل إلى الفرع إلا ~~لنكتة يعتد بها، وهي: إما كون الحقيقة أثقل على اللسان من لفظ المجاز ~~كالخنفقيق للداهية، أو كون لفظ الحقيقة كريها في السمع، فيعدل إلى المجاز، ~~كالغائط أصله المكان [المنخفض] (¬2) أطلق مجازا على قضاء الحاجة، PageV02P078 # أو كون المتكلم، أو المخاطب جاهلا بلفظ الحقيقة، أو كون المجاز أشهر، أو ~~للوزن، أو للقافية، أو للسجع (¬1). # والمجاز - في الكلام، وإن كان كثيرا - فليس بغالب خلافا لابن جني (¬2) من ~~أئمة العربية. # وشبهته: أنك إذا قلت: رأيت زيدا، أو ضربته قلما، يكون رأيت جميع أجزائه، ~~أو وقع ضربك عليها (¬3)، وهو مردود إذ الألفاظ المذكورة قد استعملت في ~~الموضوع لها، وأما أن المرئي بعض، أو كل لا دخل له في كون اللفظ حقيقة، بل ~~لو لم ير من زيد شيئا، وقال: رأيت زيدا يكون حقيقة، غايته: أن القضية تكون كاذبة. # قوله: "ولا معتمدا حيث يستحيل المعنى"، يريد أن المجاز خلف يعدل إليه ~~الصارف عن إرادة المعنى الحقيقي، فيستدعي إمكان المعنى الحقيقى. PageV02P079 # خلافا للإمام أبي حنيفة، حيث لم يشترط الإمكان حتى لو قال - لعبد معروف ~~النسب، وهو أكبر سنا منه -: هذا ابني، يعتق عنده، وعند صاحبيه - وفاقا ~~للجمهور - لا يعتق، ويكون هذا لغوا من الكلام (¬1). # دليل الجمهور: أن الأصالة، والخلفية إنما يعتبران في الحكم الذي هو ~~المقصود من الكلام. # وله: أن الحقيقة، والمجاز من أوصاف ms120 اللفظ، فالأصالة، والخلفية في التكلم ~~الذي هو إخراج اللفظ من العدم إلى الوجود لا في الحكم. # والحق: أن إمكان المعنى الحقيقي على ما ذهب إليه الجمهور مشكل: لأن كثيرا ~~من المجازات الواقعة في كلام العرب، بل في كلام الله تعالى مما لا إمكان ~~لمعانيها الحقيقية مثل: {الرحمن على العرش استوى (5)} [طه: 5] (¬2)، PageV02P080 # و: {يد الله فوق أيديهم} [الفتح: 10] (¬1)، وأما إذا كان المعنى الحقيقي ~~ممكنا، كما إذا قال للأصغر سنا - منه بحيث يولد مثله لمثله - فالمذهب ~~عندنا، وعندهم حصول العتق، وإن كان معروف النسب (¬2)، إطلاقا للملزوم ~~وإرادة اللازم، فيكون مجازا مرسلا، والعلاقة اللزوم. # قوله: "وهو والنقل خلاف الأصل". PageV02P081 # أقول: قد تقدم: أن الأصل يطلق، ويراد به الراجح تارة، وهو المراد هنا، ~~يعني إذا وقع لفظ في أي استعمال كان، وله معنى حقيقي، ومعنى مجازي، فالحمل ~~على الحقيقى واجب: لكونه راجحا، والعمل بالراجح واجب، ولا يجوز الحمل على ~~المجاز إلا بعد قيام قرينة صارفة، وكذا المنقول عنه أصل، بالنظر إلى ~~المنقول إليه، والعلة ما ذكرناه في الحقيقة والمجاز (¬1). # قوله (¬2): "وأولى من الاشتراك". # أقول: يريد بيان تعارض ما يخل بالفهم، وهو ما يكون خلاف الأصل. # فقال: المجاز، والنقل أولى من الاشتراك، أما المجاز، فلأن لفظ النكاح ~~مثلا يحتمل أن يكون حقيقة في الوطء، مجازا في العقد، وأن يكون مشتركا. # المختار -عند الجمهور-: أن المجاز أولى لكثرة مفاسد الاشتراك وفوائد ~~المجاز. # أما مفاسد الاشتراك [فمنها: أن يخل بالتفاهم عند خفاء القرائن دون المجاز ~~إذ حينئذ يحمل على الحقيقة. PageV02P082 # ومنها: ] (¬1) أنه ربما يؤدي إلى خلاف المراد، كما إذا قال: طلق في ~~القرء، فربما يفهم منه جواز الطلاق في الحيض، وهو نقيض المراد، وذلك من آفة ~~الاشتراك. # ومنها: أنه يحتاج إلى القرينة لكل معنى وضع بخلاف المجاز، فإنه يستغي ~~بقرينة. # وأما فوائد المجاز: فمنها أنه أغلب في كلام العرب بخلاف الاشتراك، فيلحق ~~المتنازع فيه بالأعم الأغلب. # ومنها: أنه أبلغ بإطباق البلغاء: لأنه كالدعوي، مع البينة نحو: # {واشتعل الرأس شيبا} [مريم: 4]، أين هذا من قولك: شاب رأسى؟ ! # ومنها: ms121 أنه يكون أوفق بحسب المقام لعذوبة فيه، أو لثقل الحقيقة هكذا قيل ~~(¬2)، وفيه نظر: لأن العذوبة، والثقل من أوصاف اللفظ. # والفرض: أن اللفظ واحد دائر بين كونه مشتركا بين المعنيين، أو حقيقة في ~~أحدهما، مجازا في الآخر، فلا يتأتى ما ذكره. # ومنها: أنه يتوصل بحمله على المجاز إلى أنواع من محاسن البديع (¬3)، PageV02P083 # كالسجع (¬1) نحو: حمار ثرثار، والمقابلة (¬2): نحو صنعت للأشهب الأدهم ~~(¬3)، أو إلى الروي نحو: # عارضننا أصلا فقلنا الربرب ... حتى تبدى الأقحوان الأشنب (¬4) # ولو قال: سنهن الأبيض، فسد عليه الشعر. PageV02P084 # وقد عورض هذا الاستدلال: بأن فوائد الاشتراك لا توجد في المجاز، ومفاسد ~~المجاز لا توجد في الاشتراك، فتعارضا، تساقطا، إذ من فوائد الاشتراك صحة ~~الاشتقاق من اللفظ بالمعنيين. # ومنها: أنه مستغن عن العلاقة، ومنها: عدم مخالفة الظاهر دونه، ومنها: عدم ~~الغلط عند عدم القرينة. # والحق: ما اختاره بعض المحققين (¬1) من أن الأغلبية سالمة عن المعارض، ~~فيتم به ما ذهب إليه الجمهور (¬2). # والنقل - أيضا -: أولى من الاشتراك (¬3) مثاله: الزكاة، يحتمل أن يكون ~~لفظا [مشتركا] (¬4) بين النماء، والقدر المخرج من المال، وأن يكون موضوعا ~~للنماء، ونقله الشرع إلى القدر المخرج، وإنما كان أولى: لأنه لا إجمال فيه ~~قبل النقل [وبعده] (¬5) لإفراد مدلوله في الحالتين. PageV02P085 # والإمام - في "المحصول" - اعترض: بأن الاشتراك لم ينكره أحد من ~~المعتبرين، والنقل أنكره كثير من المحققين. # الثاني: أن الاشتراك إن وجد فيه القرينة عمل به، وإن لم توجد يتوقف فيه، ~~وعلى كلا التقديرين لا محذور، وأما النقل، فربما لا يعرف النقل الجديد، ~~فيحمل على المعهود الأول، فيقع الغلط في العمل. # الثالث: أن الاشتراك ربما يكون بوضع واحد مثل أن يقول المتكلم: وضعت هذا ~~اللفظ لهذا [ولهذا بالاشتراك، وأما النقل، فيتوقف على وضعه أولا، ثم على ~~نسخه ثانيا، ثم على وضعه وضعا جديدا] (¬1)، والموقوف على أمر واحد أولى من ~~الموقوف على أمور كثيرة (¬2). # ثم قال: "الجواب: أن الشرع إذا نقل اللفظ عن معناه اللغوي إلى معناه ~~الشرعي، فلا بد وأن يشتهر ذلك اللفظ، ويبلغه حد التواتر، وعلى هذا تزول ms122 ~~المفاسد كلها" (¬3). # قلت (¬4): أما قوله: "أنكر النقل كثير من المحققين" ممنوع: لأنك إذا ~~استقريت كلام أهل العربية، والأصول، والمعقول لا ترى محققا إلا وهو قائل ~~به. PageV02P086 # وأما قوله: "إن وجد القرينة في الاشتراك عمل به، وإلا يتوقف فيه" كلام ~~باطل على أصله إذ عند عدم القرينة يحمل على المعنيين وجوبا عند الشافعي كما تقدم. # قوله: "وأما النقل، فربما لا يعرف النقل الجديد، فيحمل على المعهود ~~الأول" كلام مختل إذ الفرض أن اللفظ دار بين كونه منقولا، أو مشتركا، فكيف ~~يستقيم قوله: فلا يعرف النقل الجديد إذ الكلام فيما إذا لم يعلم، ويحتمل ~~الأمرين؟ وأما قوله: "الاشتراك ربما يكون بوضع واحد" كلام لا يعقل إذ ~~الكلام في المشترك لفظا، ولم يقل أحد: إنه بوضع واحد يتصور، بل ذاك المشترك ~~المعنوي: كالإنسان، والحيوان (¬1). # وأما قوله - في الجواب -: "إن الشرع إذا نقل اللفظ يبلغه حد التواتر" ~~(¬2)، فكلام باطل من وجوه: الأول: أن الكلام في المنقول مطلقا لا في ~~المنقول شرعا. # الثاني: أن الكلام فيما إذا لم يعلم كونه منقولا، ولا مشتركا كما تقدم، ~~وأما إذا علم كونه منقولا ليس محلا للنزاع. PageV02P087 # الثالث: أن الحكم - على الشارع بأنه إذا نقل لفظا يبلغه حد التواتر - لا ~~يصح لا نقلا، ولا عقلا، أما نقلا فواضح، وأما عقلا، فلأن أكثر الأحكام ~~الشرعية إلى أمر بالتبليغ فيها إنما تثبت بالآحاد، فبأي علة امتاز النقل في ~~الألفاظ حتى وجب أن يبلغه حد التواتر؟ # قوله: "قيل: ومن الإضمار". # أقول: ذكر المصنف أنه قيل: النقل، والمجاز أولى من الإضمار، إشارة إلى أن ~~المختار عنده أن الثلاثة متساوية. # والحق: أن المجاز خير من النقل (¬1): لأن المجاز لا يستلزم نسخ الأول، ~~بخلاف النقل كالصلاة في عرف الشرع. # وأما المجاز والإضمار، فسيان لاستوائهما في استدعاء القرينة (¬2)، فإذا ~~وقع التعارض بقي اللفظ مجملا إلى أن تظهر قرينة مرجحة لأحدهما، ومن رجح ~~المجاز على الإضمار نظر إلى شيوعه، وكثرة وروده في كلام البلغاء. PageV02P088 # مثاله: قول القائل - لمن ليس بابن له -: هذا ابني، يحتمل أن يكون مجازا ms123 ~~مرسلا، أي: معزز، إطلاقا للملزوم، وإرادة للازمه، وأن يكون المضاف مقدرا، ~~أي: مثل ابني. ومثال تعارض النقل، والإضمار قوله تعالى: {وحرم الربا} ~~[البقرة: 275] قيل: أخذه، فإذا سقط صح البيع، وقيل: الربا منقول إلى العقد، ~~فيفسد، وإن طرحت الزيادة، فلا يصح البيع. # إلى الأول: ذهب أبو حنيفة، وإلى الثاني: الشافعي رضي الله عنهما (¬1). # قوله: "والتخصيص أولى منهما". # أقول: التخصيص أولى من النقل والمجاز، يعني أن اللفظ إذا احتمل الثلاثة، ~~فالحمل على التخصيص أولي، أما أنه أولى من المجاز، فلأن الباقي بعد التخصيص ~~متعين، بخلاف المجاز، فإن اللفظ ربما كان له مجازات متساوية، فالمتعين أقرب ~~إلى الفهم، فيكون أولى. # وإذا كان أولى من المجاز، فيكون أولى من النقل: لأن المجاز أولى من النقل ~~كما تقدم. # مثاله: قوله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 121]. # قيل: بالتخصيص: لأن لفظ "ما" عام، فأخرج عنه الناسي، وإليه ذهب الإمام ~~أبو حنيفة رحمه الله. PageV02P089 # وقيل: ما ذبح لغير الله كما كان أهل الجاهلية يذبحون بأسماء آلهتهم فيكون ~~(¬1) مجازا (¬2). # فإن قلت: المجاز انتقال من الملزوم إلى اللازم، ولا يلزم من ترك اسم الله ~~ذكر أسماء الآلهة. # قلت: يكفى في المجاز اللزوم العرفي، ولما كان دأبهم ذلك كفى في اللزوم، ~~وانتقال الذهن، وأما اللزوم العقلي إنما يعتبر عند المنطقيين، وأنت إذا ~~تأملت في كلام البلغاء، وجدت المجازات أكثرها من هذا القبيل. PageV02P090 # واعلم: أنا وإن قلنا: إن التخصيص أولى من المجاز لا يلزم من ذلك في هذه ~~الآية إلزام الشافعي: لأن هذه الآية، وإن كان الظاهر منها ما ذكروه، لكن ~~بعد التدقيق يجب المصير إلى ما ذهب إليه، وهو أن قوله تعالى: {وإنه لفسق} ~~[الأنعام: 121] جملة حالية لعدم جواز العطف على الإنشائية قبلها، ولا على ~~الصلة لعدم استقامة المعني، تقديره: لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ~~حال كون ذلك مقيدا بالفسق. # ومحصله: كلوا مما لم يذكر اسم الله عليه إلا في حالة كونه فسقا، نظيره: ~~قولك - لعبدك -: لا تضرب زيدا، وهو يصلي، كيف لا، ms124 وقد ثبت: أن الأحوال قيود ~~للأفعال، والمقيد من حيث إنه مقيد ينتفى بانتفاء قيده، فالأكل المنهى عنه ~~ينتفى بانتفاء كونه فسقا. # ثم الاحتمالات في التعارض خمسة (¬1)، وإذا قيس أحد الاحتمالات على ~~البواقي يحصل عشر مسائل. PageV02P091 # والمصنف لم يذكرها مفصلة إلا أنه يعلم من عبارته تلك العشرة: لأنه حكم - ~~أولا - بأن المجاز، والنقل أولى من الاشتراك، فقد علم مسألتان. # ثم أشار بقيل: إنهما أولى من الإضمار، فعلم مسألتان أخريان، فهذه أربع. # وذكر أن التخصيص أولى من المجاز، والنقل، فهاتان، مع الأربع ست مسائل. # وإذا علم: أن التخصيص أولى منهما، فهو أولى من الذي هما أولى منه، وهو ~~الاشتراك، أو مساو لهما، وهو الإضمار، فهاتان، مع تلك الست ثماني مسائل. # والتاسعة: ما فهم من قيل، ومن الإضمار، وهو التساوي بين الثلاثة. # والعاشرة: رجحان المجاز على النقل، كما قدمنا، وليس لكلام المصنف بذلك ~~إشعار، وكأنه اختار التساوي، والأمر في ذلك سهل. # قوله: "وقد يكون بالشكل". # أقول: لما فرغ من ذكر التعارض شرع يبين ما هو ضروري في المجاز، وهي ~~العلاقة، وهي - مطلقا - أمر يتصل به المعنى المجازي بالمعنى PageV02P092 # الحقيقي لينتقل الذهن من المعنى الحقيقى إليه لدى الإطلاق، أو يعقله، وقد ~~اضطربت كلمتهم في ضبطها، حصرها بعض المحققين (¬1) في خمسة وجوه، واجتهد ~~بعضهم (¬2)، فبلغ حمسة وعشرين وجها (¬3)، وحصرها بعضهم (¬4) في تسعة ~~والمصنف ضبطها في اثني عشر وجها: # الأول: الشكل، كإطلاق الفرس على الصورة المنقوشة إذ هو حقيقة في الحيوان ~~الصاهل، والعلاقة الشكل. # الثاني: الصفة الظاهرة، كالأسد للشجاع، والعلاقة الشجاعة دون البخر، فإنه ~~وصف خفى لا ينتقل الذهن بواسطته. # الثالث: المآل، وهو ما يصير إليه قطعا، إما لموجب هو البرهان، أي: الدليل ~~القاطع نحو: {إنك ميت} [الزمر: 30]، أو لعادة مستقرة كإطلاق لفظ الخمر على ~~العصير بأن (¬5) شأنه وعادته أن يصير خمرا إن لم يعالج بمانع يمنعه. # الرابع: الضد، نحو المفازة للمهلك، والتبشير للإنذار. PageV02P093 # الخامس: المجاورة، كالراوية للمزادة، وهي اسم للجمل الذي يحمل المزادة. # السادس: الزيادة، مثل: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] على رأي من يقول: ~~بزيادتها ms125 (¬1). PageV02P094 # السابع: النقصان، نحو: {واسأل القرية} [يوسف: 82] (¬1). # الثامن: السبب للمسبب، نحو: {يد الله فوق أيديهم} [الفتح: 10] (¬2) # أي: قدرته، ولما كان ظهور آثار القدرة على اليد في الأغلب عند سببا لها. # التاسع: الكل للبعض، نحو: {يجعلون أصابعهم في آذانهم} [البقرة: 19] أي: بعضها. # العاشر: إطلاق لفظ المتعلق على ما تعلق به، نحو: {هذا خلق الله} [لقمان: ~~11] أي: مخلوقه. # وعكسه الثلاثة: وهو إطلاق المسبب على السبب كإطلاق النبات على الغيث، ~~نحو: أمطرت السماء نباتا، وإطلاق الجزء على الكل نحو: PageV02P095 # إطلاق العين على الجاسوس، وإطلاق اسم ما تعلق به الشيء على ذلك الشيء، ~~نحو إطلاق لفظ المفعول على الفعل نحو: {بأيكم المفتون} [القلم: 6] أي: ~~الفتنة. # الرابع عشر: إطلاق الفعل على القوة نحو: الخمر مسكر أي في الدن (¬1). # قوله: "وقد يكون في الإسناد". # أقول: المجاز كما يكون في المفرد، يكون في الإسناد نحو: أنبت الربيع ~~البقل، وقد تقدم شرحه، مع الخلاف فيه. # وكما يكون المجاز في الأسماء يكون في الأفعال، والحروف نحو: {ونادى أصحاب ~~الجنة أصحاب النار} [الأعراف: 44]، وقوله: {في جذوع النخل} [طه: 71] استعمل ~~الماضي في معنى المضارع، ولفظ "في" بمعنى "على" (¬2). # قوله: "ومنع الإمام الحرف مطلقا"، أي: لم يجوز المجاز في الحرف مطلقا لا ~~أصالة، ولا تبعا، وليس في كلام [الإمام] (¬3) شئ من هذا (¬4). PageV02P096 # قال - في المحصول -: "أما الحرف، فلا يدخل فيه المجاز بالذات: لأن مفهومه ~~غير مستقل بنفسه" (¬1). # وهذا موافق لكلام أهل العربية، والأصول، فإن البلغاء مطبقون على أن ~~الاستعارة في الحرف تبعية. # [قال صاحب المفتاح] (¬2): "الاستعارة في الحروف تجري - أولا - في ~~متعلقاتها، ثم تسري فيها - ثم قال -: والمراد بمتعلقات الحروف ما يعبر به ~~عن معناها كقولنا: من، معناها. ابتداء الغاية". # تحقيق ذلك: أن ما اشتهر بين الناس أن "من"، معناها الابتداء، و "إلى" ~~معناها الانتهاء، فيه تسامح، إذ لو كان الأمر على ظاهره لكانت هذه الحروف ~~أسماء لدلالتها على معانيها. # بل معنى "من" ابتداء خاص، ومعنى "إلى" انتهاء خاص لا يفهم بدون ذكر ~~المتعلق قطعا، فتجري الاستعارة - أولا - في المتعلق، ثم في الحرف. ms126 # ولهم في ذلك المتعلق خلاف: منهم من قال: هو المجرور بمن مثلا في قولك: ~~سرت من البصرة. PageV02P097 # ومنهم من قال: المتعلق هو ذلك المعنى العام الذي يندرج فيه معنى الحرف، ~~وسيأتي لهذا زيادة بيان في بحث الحروف إن شاء الله تعالى. # وكذا قوله: "والفعل، والمشتق إلا تبعا"، نسبته إليه لا وجه [له] (¬1) إذ ~~أطبق أهل العربية، والأصول على أن الاستعارة [الواقعة] (¬2) في الأفعال، ~~والصفات تقع في المصادر أولا، ثم تسري فيها. # والسر في ذلك: أن وجه الشبه قائم بالطرفين [وقيامه بهما يقتضي أن يكون كل ~~من الطرفين] (¬3) موصوفا به، ولا يصلح للموصوفية إلا الأسماء (¬4). # قوله: "وكذا في الأعلام" وإن كان يفهم منه الوصفية كحاتم، وأبي لهب، وما ~~ذهب إليه المصنف خلاف ما عليه المحققون (¬5)، إذ قالوا: إذا قلت: رأيت ~~حاتما، وأردت به شخصا معينا، وإنما أطلقت عليه لفظ حاتم PageV02P098 # بعد التشبيه به في الجود، فهو مجاز، لكونه استعارة تصريحية، وهي مجاز ~~لغوي عند المحققين. وكذلك إذا قلت: رأيت اليوم أبا لهب، وأردت شخصا معينا، ~~وقصدت كونه كافرا مثله يكون استعارة. # في ذكره الغزالي (¬1) (¬2) هو كلام في غاية الحسن والدقة، فلا وجه لعدم قبوله. # قوله: "ويعرف بتبادر غيره إلى الفهم". # أقول: شرع يبين أمارات يعرف بها المجاز، وقد ذكر الأصوليون أن المجاز ~~يعرف تارة بتصريح أهل اللغة به، أو بحده، أو بخاصة من خواصه [الأول: مثل أن ~~يقولوا: هذا مجاز، والثاني: أن يقولوا: هذا مستعمل في غير ما وضع له، ~~والثالث: أن يقولوا: هذا مشروط بالقرينة، أو يصح نفيه] (¬3). # وتارة: يعرف استدلالا (¬4)، والمصنف ترك القسم الأول لوضوحه وذكر للثاني ~~وجوها. PageV02P099 # منها: تبادر غيره إلى الفهم: لذا انتفاء القرينة عكس الحقيقة، فإنها تعرف ~~بأن لا يتبادر غير المعنى الحقيقي لولا القرينة. # وأورد المشترك إذا استعمل في معناه المجازي لعدم تبادر الغير إذ لا يدل ~~على شئ من معانيه الحقيقية إلا بالقرينة، فلا تبادر. # والجواب: أنه عند انتفاء قرينة المجاز يدل على أن المراد أحد المعاني، ~~وإن لم يعلم على التعيين مراد المتكلم، ms127 وذلك كاف في تبادر غيره. # ومنها: صحة النفي كقولك - للبليد -: حمار، إذ يصح في نفس الأمر سلبه، أي: ~~سلب الحمار عنه، وإنما قيدنا بنفس الأمر لصحة قولنا: ما أنت بإنسان لغة، إذ ~~الصحة اللغوية لا تقتضي صدق الكلام، فليفهم ذلك. # وكما أن صحة النفي على الوجه المذكور علامة المجاز، عدم صحته على ذلك ~~الوجه أمارة الحقيقة، ولذا لم يصح أن يقال - للبليد -: ليس بإنسان في نفس الأمر. # فإن قيل: صحة النفي في المجاز تتوقف على أنه ليس شيئا من معانيه ~~الحقيقية، وكونه ليس شيئا منها يتوقف على كونه مجازا، فيكون دورا، وكذلك في ~~الحقيقة إذ عدم صحة النفي متوقف على كونه حقيقة، وكونه حقيقة موقوف على عدم ~~الصحة المذكورة، فيكون دورا صريحا. PageV02P100 # الجواب: أن الاعتراض المذكور إنما يتم أن لو أطلق لفظ على معنى، ولم يعلم ~~أنه حقيقة فيه، أو مجاز، أما إذا علم أن للفظ المستعمل معنى مجازيا، ومعنى ~~حقيقيا، ولم يعلم أيهما مراد هنا لخفاء القرينة، فصحة نفي المعنى الحقيقي ~~دليل على أن المجازي هو المراد، فيعلم أن اللفظ مجاز. # مثلا إذا قيل: طلع البدر علينا (¬1): من ثنيات الوداع (¬2). # وقد صح في هذا المقام أن يقال: إن الطالع ليس هو القمر الحقيقي علم أن ~~المراد إنسان كالقمر، ويعلم مما ذكرنا حال الحقيقة. # ومنها: عدم وجوب اطراده، والمراد بعدم الاطراد أن يستعمل لفظ لمعنى ~~العلاقة، ثم لا يستعمل ذلك اللفظ، أو لفظ آخر في معنى آخر، مع وجود تلك ~~العلاقة كالقرية تستعمل في أهلها نحو: {واسأل القرية} [يوسف: 82] أي: ~~أهلها، والعلاقة المحلية، مع [عدم] (¬3) جواز استعمال البساط في أهله، مع ~~وجود العلاقة. PageV02P101 # وكالراوية تستعمل في المزادة للمجاورة، مع عدم جواز استعمال الشبكة في ~~الصيد، مع وجود العلاقة المذكورة. # وأشار بعدم الوجوب إلى أمرين: أحدهما: وجوب الاطراد في الحقيقة. # والثاني: جواز الاطراد في بعض أفراد المجاز كالأسد للشجاع، فإنه مطرد. # والحاصل: أن عدم الاطراد دليل المجاز، والاطراد ليس دليل الحقيقة. # وأورد على الحقيقة: الفاضل، والسخي، والقارورة. # توجيه الإيراد: أن هذه ms128 الألفاظ حقائق، مع أن الفاضل، والسخي لا يطلقان ~~على الله، والقارورة لا تطلق على غير الزجاجة. # الجواب: شرط الاطراد عدم المانع، وفي الأولين: المانع الشرعي، منع، وهو ~~كون أسمائه توقيفية، وفي الثاني: المانع اللغوي إذ قيد لدى الوضع بالزجاج. # فإن قلت: قد صرح كثير من المحققين: أن المعنى إذا كان صحيحا لا يتوقف في ~~إطلاق الاسم عليه تعالى، فعلى ذلك الأصل هل يصح إطلاق الفاضل، والسخي عليه تعالى؟ # قلت: لا؛ لأنهم شرطوا أن لا يكون اللفظ موهما بالنقص، ولفظ السخي، ~~والفاضل إنما يستعمل حيث يكون المحل قابلا للبخل، والجهل. PageV02P102 # واعترض الشيخ ابن الحاجب: بأنه يلزم الدور، لأن عدم الاطراد إنما يعلم ~~بعدم الوضع للمعنى المستعمل فيه، فلو علم عدم الوضع بعدم الاطراد كان دورا (¬1). # الجواب: لا نسلم لزوم الدور، قوله: عدم الاطراد إنما يعلم [بعدم الوضع. ~~قلنا: ممنوع، بل يعلم بالنقل، والاستقراء. # تحقيق ذلك: أنا إذا وجدنا لفظا مستعملا في معنى، وترددنا] (¬2) فيه هل هو ~~حقيقة، أو مجاز؟ ، ثم استقرأنا، فوجدنا ذلك اللفظ لم يستعمل في شئ آخر، مع ~~وجود المعنى: كالنخلة للإنسان الطويل، مع وجود الطول في غيره، ولم يطلق ~~عليه، علمنا أنه مجاز. # ومنها: جمعه على خلاف جمع الحقيقة كلفظ الأمر، فإنه حقيقة في القول، ~~ويجمع على أوامر، وإذا أطلق على الفعل مجازا يجمع على أمور. # ومنها: التزام تقييده نحو: نار الحرب، وجناح الذل، واعلم أن مثله من قبيل ~~الاستعارة التخيلية. # والجمهور: على أن اللفظ مستعمل في معناه الحقيقي، وإنما المجاز في إثباته ~~لما ليس له، خلافا للسكاكي حيث جعل في مثله اللفظ مستعملا في الصورة ~~الوهمية الشبهية في معناه الأصلي (¬3). PageV02P103 # ومنها: توقفه على المسمى الآخر نحو: {ومكروا مكرا ومكرنا مكرا} [النمل: 50]. # وهذا القسم من المجاز (¬1) يخص باسم المشاكلة، والعلاقة المصاحبة في ~~الذكر، وهذا إذا لم يعتبر التشبيه، وإلا يصح إطلاقه ابتداء، فتأمل! # ومنها: استحالة الحقيقي نحو: {والسماوات مطويات بيمينه} [الزمر: 67] أي: ~~بقدرته الكاملة (¬2). # واعلم: أن المختار سماع العلاقة - نوعا - كالمجاورة، والجزئية، والكلية، ~~فإن العرب اعتبروا هذه الأنواع ms129 (¬3). # وأما الأشخاص، فلا يشترط سماعها، بل ذلك مفوض إلى المتكلم، ولكن بشرط أن ~~لا يتجاوز عن تلك الأنواع. PageV02P104 # والآمدي: قد توقف (¬1) فيما إذا أطلق اسم السبب مثلا على المسبب، هل يجوز ~~عكسه من غير سماع، [ويقاس] (¬2) عليه إطلاق اسم المسبب، [أم لا يكفي؟ ] (¬3). # قوله: "المعرب لفظ غير علم استعملته العرب". # أقول: المعرب لفظ موضوع في غير لغة العرب تصرفت فيه العرب بالنقل، مع ~~معناه من تلك اللغة، فاعتورت (¬4) عليه جميع أحكام لفظ العرب علما كان، أو غيره. # والمصنف قيده بغير (¬5) العلم: لأنه [اختار] (¬6) -كما عزاه إلى الشافعي- ~~أنه ليس واقعا في القرآن. # ونحو إبراهيم، وفرعون - بإطباق أهل العربية- ألفاظ عجمية، ولهذا منع منها ~~الصرف. PageV02P105 # وما عدا العلم، فالأكثر على عدم وقوعه في القرآن، وهو نص الشافعي في ~~"الرسالة" (¬1). # والحق: أن ما يتوهم أنه معرب من غير الأعلام لم يقم عليه دليل إذ يحتمل ~~أن يكون من قبيل توافق اللغات، كالتنور، والصابون، والأصل في كلام العرب أن ~~يكون عربيا حتى يقوم دليل على خلافه. # وأما الاستدلال بقوله: {إنا أنزلناه قرآنا عربيا} [يوسف: 2]، فليس بقوي ~~إذ الضمير راجع إلى السورة، لأن القرآن يطلق على الكل، والبعض حقيقة. PageV02P106 # ولئن سلمنا عوده (¬1) إلى المجموع يطلق العربي على ما غالبه عربي. # قيل: مجاز، فلا يصار إليه إلا بقرينة. # قلنا: لو سلم: معناه عربي الأسلوب. # فإن قيل: بعض تلك الأوزان خارجة عن أوزان كلام العرب. # قلنا: الحمل على الشذوذ، أولى من حمله على أنه من لغة أخرى. # قوله: "مسألة: اللفظ إما حقيقة". # أقول: كون اللفظ حقيقة تارة، ومجازا أخرى شائع بلا نكير (¬2). # وأما هل يجوز أن يكون حقيقة، ومجازا معا؟ ففيه تفصيل؛ لأنه إما أن يكون ~~بوضعين، كالدابة إذا استعمل في الفرس حقيقة عرفية، ومجازا لغويا. # وإما أن يكون بوضع واحد، وهذا محال، إذ يلزم النفي والإثبات من جهة ~~واحدة، لعدم تعدد الجهة، فتأمل! # وقد علمت سابقا: أن اللفظ قبل الاستعمال لا يوصف بالحقيقة والمجاز: لأن ~~الاستعمال قيد فيهما (¬3). PageV02P107 # قوله: "ثم هو محمول على عرف المخاطب". # أقول: اللفظ ms130 الوارد في كلام الشارع إن دل بمنطوقه على معنى شرعي، فلا ~~يعدل عنه: لأنه - صلى الله عليه وسلم - بعث لبيان الأحكام الشرعية. # وإن لم يكن له معنى شرعي يتعين الحمل على العرفي: لأنه كثيرا ما يحال ~~الحكم الشرعي على العرف عند انتفاء النص، فإن لم يكن له معنى عرفي يحمل على ~~الحقيقة لغة، وإلا، فعلى المجازي (¬1). # واعلم: أن الترتيب المذكور إنما يراعى عند عدم الصارف. # وأما إذا وجد الصارف يعدل عن الأصل المذكور. # ومن قال (¬2): "هذا الترتيب إنما هو عند استعمال الشرعي، والعرفي إلى حد ~~يسبق إلى الذهن أحدهما دون اللغوي. # فأما إذا لم يفهم أحدهما إلا بقرينة، صار مشتركا بين المفهومين" (¬3). # فلا يلتفت إليه، لأن المنطوق إذا دل على المعنى الشرعي لا يجوز العدول ~~عنه كيف كان. # فإن قلت: تقييد المصنف بالعرف العام، هل له فائدة؟ PageV02P108 # قلت: لا، بل حذفه أولى ليشمل العرف الخاص (¬1)، لكن ينبغي أن يعلم أن ~~العرف العام، يقدم على العرف الخاص. # قال الإمام - في "المحصول" -: "فإن خاطب الله تعالى طائفتين بخطاب هو ~~حقيقة في شئ عند إحداهما، وعند الأخرى في شئ آخر، وجب أن يحمل كل منهما على ~~ما يتعارفه، وإلا يلزم أن يكون قد خاطب الله بما ليس بظاهر بدون القرينة" (¬2). # هذا الذي ذكرناه هو المختار عند الجمهور، وخالف الإمام الغزالي، والآمدي ~~في النفي، أي: ما ذكر من الترتيب إنما هو في الإثبات. # وإذا كان الكلام مشتملا على معنى النفي سواء كان فيه حرف النفي، أو معناه ~~كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "دعي الصلاة أيام أقرائك". # فعند الإمام مجمل، وعند الآمدي يعدل إلى اللغة لتعذر الشرعي (¬3). # قال الإمام الغزالي - في "المستصفى" -: "قوله: "لا تصوموا يوم النحر" إن ~~حمل على الشرعي دل على انعقاده، إذ لولا إمكانه لما قيل: لا تفعل، إذ لا ~~يقال - للأعمى -: لا تبصر" (¬4). PageV02P109 # وهذا الاستدلال منه ضعيف، إذ لا يشك أحد في أن قوله: "لا تصوموا يوم ~~النحر" المنهي عنه هو الصوم الشرعي الذي هو عبارة عن الإمساك من طلوع الفجر ms131 ~~إلى الغروب. وكذا في قوله: "دعي الصلاة أيام أقرائك" المنهي عنه هي الصلاة ~~الشرعية. # قوله: "وفي تعارض المجاز والحقيقة المرجوحة". # أقول: إذا صارت الحقيقة مهجورة بأن لا يستعمل اللفظ في معناه الحقيقي ~~(¬1)، فالمجاز اتفاقا، وإلا فإن لم يصر المجاز متعارفا، أي: غالبا في ~~التفاهم (¬2)، فالعمل بالحقيقة اتفاقا. # وإن صار متعارفا، فالعمل بالحقيقة عند أبي حنيفة، وبالمجاز عند صاحبيه (¬3). # له: أن الأصل لا يترك ما أمكن، والفرض أن الحقيقة لم قجر فيجب المصير ~~إليها. PageV02P110 # لهما: أن العبرة بالراجح، فلا يجوز العدول إلى المرجوح. # والمختار - عند الشافعي -: أن مثله مجمل (¬1)، وإليه أشار المصنف بقوله: ~~"ثالثها: المختار مجمل"، والبيضاوي بقوله: "وإن غلب تساويا" (¬2) ومثله ~~بالطلاق، فإنه في اللغة: لإزالة القيد مطلقا، وفي عرف الشرع: غلب على رفع ~~النكاح. # ثم وجه التساوي: أن كلا من المجاز، والحقيقة راجح من وجه ومرجوح من وجه. # بيان ذلك: أن الحقيقة - من حيث إن اللفظ موضوع للمعنى الحقيقي - راجحة، ~~ومن حيث الاستعمال مرجوحة، والمجاز بالعكس، فتساويا. # فإن قلت: [إذا كان الأمر على ما ذكرت ينبغي أن لا يقع الطلاق إلا بالنية، ~~مع أنه صريح عند القائل بالتساوي. # قلت: ] (¬3) لما تساويا حمل على المعنيين، كما في الاشتراك، فيقع به ~~الطلاق، ولأنه في الأصل لرفع القيد مطلقا، وفي المجاز لرفع القيد الخاص، ~~فعلى أي معنى حمل يقع. PageV02P111 # أما على الثاني، فراجح، وأما على الأول: فلأنه إذا رفع القيد مطلقا أي ~~قيد كان، فقد رفع القيد الخاص، وهو النكاح. # قوله: "وثبوت حكم يمكن كونه مرادا من خطاب، لكن مجازا لا يدل على أنه ~~المراد منه، بل يبقى الخطاب على حقيقته". # أقول: إذا ورد من الشارع لفظ له معنى مجازي كاللمس مثلا في قوله: {أو ~~لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا} [النساء: 43، والمائدة: 6] إذ معناه ~~المجازي هو الجماع. # وقد ثبت أن المجامع يجب عليه التيمم لفقد الماء [فهل وجوب التيمم المذكور ~~- بعد اللمس - يدل على أن المراد معناه المجازي لوجوب التيمم على المجامع ~~عند فقد الماء، أم لا يدل؟ ] (¬1). # اختيار المصنف - وهو ms132 الصواب -: أنه لا يدل (¬2): لأن ثبوت الحكم المذكور ~~لم ينحصر طريقه في حمل اللفظ على المجاز لجواز استناد ذلك الحكم إلى دليل ~~آخر من نص، أو إجماع، أو قياس، وذكر التيمم، مع اللفظ لا يصلح قرينة صارفة، ~~وهو ظاهر، وكأنه منشأ وهم الخصم، PageV02P112 # وإلا فأي ملازمة بين ثبوت وجوب التيمم، وبين كون اللمس في الآية محمولا ~~على معناه المجازي؟ # هذا على طريق البحث والمناظرة، وإلا فلا إلزام على الشافعي رضي الله عنه، ~~وإن حمل على المجازي لجواز الجمع بين الحقيقة والمجاز عنده، فاللمس عنده ~~محمول على المعنيين. # قوله: "الكناية لفظ استعمل في معناه مرادا منه لازم المعنى". # أقول: لما كان مدار الحقيقة والمجاز، هو الاستعمال - لا الدلالة والإرادة ~~- حكم المصنف: بأن الكناية لفظ مستعمل في المعنى الموضوع له مرادا من ذلك ~~الاستعمال لازم معنى الموضوع له، فتكون الكناية (¬1) من قبيل الحقيقة: لأن ~~الاستعمال إنما هو في الموضوع له، وإن أريد غيره. PageV02P113 # الثاني: أن المشهور أن الفرق بين المجاز والكناية إنما هو بأن الانتقال ~~في المجاز من الملزوم إلى اللازم، وفي الكناية من اللازم إلى الملزوم، عليه ~~أطبق المحققون، وكلام (¬1) المصنف يخالفه صريحا. # فإن قلت: قولهم: إن الانتقال في الكناية من اللازم إلى الملزوم غير سديد: ~~لأن اللازم قد يكون أعم كالتنفس للإنسان، فلا ينتقل منه إذ لا دلالة للعام ~~على الخاص بوجه. # قلت: اللازم المذكور - في تعريف الكناية - ليس اللازم بالمعنى المذكور في ~~المعلوم العقلية، بل بمعنى التابع، والرديف كطول النجاد، فإنه تابع لطول ~~القامة عرفا، ولكن شرط ذلك التابع أن يكون مساويا للمتبوع، أو أخص، وإلا لا ~~ينتقل منه الذهن إلى المتبوع. # والحاصل: أن هذا اللازم الذي هو بمعنى التابع، والرديف لا يطلق، ويراد به ~~المتبوع إلا بعد كونه ملزوما، لكن أي لزوم كان عقلا، أو عرفا، أو عادة، ~~ويمكن أن يحمل كلام المصنف على هذا، ويسقط عنه السؤال الأول لكن خلاف ~~الاصطلاح. # قال صاحب المفتاح (¬2): "مبني الكناية على الانتقال من اللازم إلى ~~الملزوم، ومبني المجاز على الانتقال من ms133 الملزوم إلى اللازم" (¬3). PageV02P114 # فإن قلت: فالكناية من أي قبيل، حقيقة هي، أم مجاز، أم لا حقيقة، ولا مجاز؟ # قلت: الجمهور على أنها من الحقيقة، أي: قسم منها. # قال صاحب المفتاح - في آخر بحث الكناية -: "اللفظ إذا استعمل، فإما أن ~~يراد معناه، وهو الحقيقة، أو يراد غير معناه، وهو المجاز، أو يراد معناه ~~وغير معناه، وهو الكناية" (¬1). # وعلى هذا يكون اللفظ مستعملا في كل من المعنيين، فيدخل في الحقيقة لصدق ~~تعريف الحقيقة على الكناية: لأن اللفظ مستعمل فيما وضع له، فيكون كل من ~~المعنيين غرضا أصليا، وإن كان أحد جزئي الغرض الأصلي - وهو المعنى الموضوع ~~له - وسيلة إلى الجزء الآخر، أعني: المعنى المكنى عنه، وهو طول القامة في ~~قولنا: زيد طويل النجاد. # وأورد على هذا التقرير: بأن الكناية قد توجد بدون المعنى الحقيقي كقولنا ~~- لمن لا نجاد له -: فلان طويل النجاد، كناية عن طول قامته (¬2)، فلا حقيقة ~~في هذه الكناية، ولما أجاب عنه بعض الأفاضل: بأنه لا بد في الكناية من ~~تصوير المعنى الموضوع له - لينتقل الذهن إلى المكني عنه، فيكون الموضوع له ~~مقصودا في الكناية من حيث PageV02P115 # التصوير، وإن لم يكن مقصودا تصديقا - رد أفضل المتأخرين (¬1): بأن المجاز ~~- أيضا - كذلك إذ لا يمكن الانتقال هناك - أيضا - بدون تصوير الملزوم، ~~فالقول بذلك في أحدهما دون الآخر تحكم. # واختار أن الأولى أن يقال: بجواز إرادة المعنى الموضوع له في الكناية دون ~~المجاز إذ لا بد فيه من قرينة مانعة عن إرادة الموضوع له، وعلى هذا تكون ~~الكناية قسما ثالثا لا تدخل في المجاز، ولا في الحقيقة. # قوله: "والتعريض: لفظ استعمل في معناه ليلوح بغيره". # أقول: التعريض: هو اللفظ الدال على معنى لا من جهة الوضع الحقيقي، ولا ~~المجاز، بل يفهم المعنى من جانب اللفظ. # والعرض - بالضم - هو الجانب، كذا ذكره ابن الأثير (¬2) في "المثل السائر" ~~(¬3). PageV02P116 # ولما لم يستعمل اللفظ في المعنى المعرض به كأنه وقع اللفظ منحرفا عنه، ~~فكل منهما في جانب، بخلاف ما إذا استعمل فيه حقيقة أو مجازا، فإنه يكون ms134 ~~المعنى تلقاء اللفظ، وتجاهه. # وإذا علم: أن اللفظ ليس مستعملا في المعنى المعرض به، وإنما يؤخذ المعنى ~~من السياق، فيجوز أن يوجد التعريض، مع كل من الكناية، والمجاز، والحقيقة، ~~كما لا يخفى (¬1). # ولنذكر مثالا يقاس عليه، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "المسلم من ~~سلم المسلمون من لسانه ويده" (¬2)، المعنى الأصلي: انحصار الإسلام، فيمن ~~سلم المسلمون من لسانه، ويده. والمعنى المكني عنه - الذي هو المقصود من ~~الحديث - هو انتفاء الإسلام عن المؤذي مطلقا. والمعنى المعرض - الذي هو ~~المقصود من الكلام سياقا - هو نفى الإسلام عن المؤذي المعين (¬3). # فتحرر: أن المجاز، والحقيقة، والكناية، إذا كان واحد منها مقصودا من ~~الكلام استعمالا، لا ينافي أن يكون التعريض مقصودا سياقا. PageV02P117 # وقول المصنف: "فهو - أي: التعريض - حقيقة أبدا". تقييده بالأبد حشو: إذ ~~مقصوده الاحتراز عن الكناية على ما صرح به في بعض شروحه (¬1). # والكناية لم [يقل] (¬2) أحد: بأنها حقيقة في وقت دون وقت (¬3) حتى يحترز ~~عنها، بل هي - دائما - حقيقة على ما هو المشهور، أو واسطة بين المجاز، ~~والحقيقة على ما تقدم تحقيقه. # ولو قال: حقيقة من كل وجه، لكان له وجه، كما لا يخفى. PageV02P118 # قوله: "الحروف". # أقول: ترك المصنف تعريف الحرف: إما لأنه معلوم في كتب النحو، أو لأن في ~~تعريفه إشكالا. # ونحن نذكر تعريفه، وما عليه من الإشكال، مع الجواب، ونزيد عليه أبحاثا ~~شريفة إن شاء الله تعالى. # فنقول: عرض بعض النحاة الحرف بأنه: لفظ لا يدل على معنى في نفسه، وبعضهم ~~بأنه: لفظ يدل على معنى في غيره، وبعضهم بأنه: لفظ [لا يستقل] (¬1) ~~بالمفهومية، وهي متقاربة (¬2). # فذهب الجمهور: إلى أن معنى هذه العبارة: هو أن الفعل، والاسم، والحرف لا ~~يفيد المعنى [التركيبي] (¬3) إلا بذكر المتعلق (¬4)، وأما المعنى PageV02P119 # الإفرادي، فالفعل، والاسم يستقلان بإفادته دون الحرف، إذ لفظة "من"، ~~مثلا: لا تدل على معنى بدون ذكر البصرة (¬1)، والكوفة (¬2)، مثلا. # ولما توجه السؤال: بأن كثيرا من الأسماء كذلك مثل: ذو، وفوق، [وعلى] ~~(¬3)، وعن، والكاف، اسمين، فإنه لا فائدة فيها بدون ذكر المتعلق. # أجابوا: بأن ms135 اشتراط ذكر المتعلق في الحرف إنما هو بحسب الوضع، وأما في ~~الأسماء المذكورة، ونظائرها، إنما هو بحسب اتفاق الاستعمال. # ولما لاح - على هذا الكلام - آثار الضعف - إذ الاشتراط في أحدهما وضعا، ~~والآخر استعمالا تحكم لا يشهد لصحته عقل، ولا نقل - عدل عنه بعض المحققين ~~(¬4) تقصيا عن الإشكال المذكور، قال: "وضع اللفظ للمعنى قد يكون بخصوص ~~اللفظ لخصوص المعني، كما في الأعلام، وقد PageV02P120 # يكون بخصوص اللفظ لعموم المعني، كاللفظ الموضوع للمعنى الكلي نحو: رجل، ~~وفرس، حتى إذا أطلق لفظ رجل على زيد بخصوصه يكون مجازا. # وأما إذا أطلق من حيث عمومه، وأن زيدا مما صدقات ذلك المعنى العام يكون ~~حقيقة". # وقد يكون اللفظ خاصا، والمعنى كذلك، والوضع يكون عاما، مثل: أسماء ~~الإشارة وضمير الخاطب، والتكلم، والموصول، فيكون الوضع عاما، واللفظ، ~~والمعنى خاصين. # مثاله: لفظة "هذا" وضعت لكل مشار إليه منفردا عن الآخر، بمعنى أنه لوحظ ~~كل فرد لدى الوضع بخصوصه تحت مفهوم المشار إليه الكلي، فهذا المفهوم الكلي ~~ليس موضوعا له، كما في رجل، وفرس، بل هو الأمر الذي صار لأجله الوضع عاما، ~~فالموضوع له هو تلك الخصوصيات، التي تقع، مشارا إليها. # إذا تقرر هذا. فنقول: الحرف من هذا القبيل: لأن لفظة "من" مثلا، إنما ~~وضعت لكل ابتداء بخصوصه: لأن لفظة "من" لو كان معناها الابتداء مطلقا كانت ~~اسما، لا حرفا، فهي موضوعة لكل ابتداء (¬1) خاص على ما ذكرنا. # والابتداء - سواء كان في الذهن، أو في الخارج - لا يعقل بدون متعلقه: لأن ~~الابتداء نسبة من النسب، فلا يتعين بدون المنسوب إليه، فلا بد في دلالة ~~"من" على معناه من ملاحظة متعلقه ضرورة، بخلاف الاسم، PageV02P121 # والفعل؛ لأن الاسم قد يكون المراد به الذات نحو رجل، وفرس، وقد يكون ~~للنسبة مطلقا كلفظ الابتداء، والانتهاء، وقد يكون للذات باعتبار النسبة نحو ~~ذو، وفوق. والفعل يدل على نسبة الحدوث إلى موضوع ما. # فلفظ "عن"، و "الكاف"، إذا أريد بهما تجاوز، وتشبيه مطلقا من غير نظر إلى ~~خصوصية، فهما اسمان، وإن أريدا بخصوصهما، فهما حرفان، ويعلم ms136 ذلك بالقرائن، ~~كما في سائر الألفاظ المشتركة، فتأمل! # قوله: "أحدها: إذن". # أقول: من الحروف - الذي يتداولها الأصوليون - إذن (¬1)، وهي تكون جوابا، ~~وجزاء، كما إذا قال لك صاحبك: لأزورنك، قلت له: إذن أكرمك، فقد أجبته، ~~وجعلت ما بعده جزاء لزيارته. PageV02P122 # هذا كلام سيبويه (¬1)، فجعله بعض النحاة كليا حيث وقع، وأول ما لم يكن من ~~ذلك ظاهرا متى دخل في القاعدة الكلية، وجعله بعضهم أكثريا، وقد أشار إليه ~~المصنف في المتن (¬2)، وهي ظاهرة في سبقية ما قبلها لما بعدها، به صرح كثير ~~من النحاة. # الثاني - من الحروف المتداولة -: إن بالكسر، ومعناه الشرط نحو: {قل إن ~~كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31]، والأصل في ~~استعمالها الشك، وعدم الوثوق بوقوع الشرط نحو: {إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف} [الأنفال: 38]. # وقد ينزل المحقق منزلة المشكوك فيه، فيستعمل فيه "أن" لنكتة نحو: {أفنضرب ~~عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين} [الزخرف: 5]، وهي أن صدور الإسراف عن ~~العارف باقتدار الله سبحانه، وشدة ما أعده للمسرفين، ينبغى أن يكون على ~~سبيل الندرة والشك. # وقد تأتي للنفي، وهي نظيرة "ما"، في النفي الحالي نحو: {إن الحكم إلا ~~لله} [يوسف: 40]. PageV02P123 # وقد تأتي زائدة نحو: ما إن زيد قائم، ومعنى زيادتها: أنها إذا حذفت لم ~~يختل أصل المعني، لا أن لا فائدة لها أصلا، إذ تفيد التأكيد قطعا. # وكذلك جميع ما يقع في القرآن الكريم، والأحاديث مما يطلق عليه باصطلاح ~~النحاة لفظ الزيادة من هذا القبيل، فليكن على خاطرك (¬1). # الثالث - من تلك الحروف -: أو، للشك نحو: {قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم} ~~[المؤمنون: 113]. # وتأتي للإبهام على السامع كقولك لصاحبك: لأعطينك هذا، أو ذاك، وأنت مضمر ~~لأحدهما، معينا. # وتقع للتخيير نحو: جالس العلماء، أو الأشراف. # وبمعنى الواو كما في بيت النابغة (¬2): # ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد (¬3) PageV02P124 # على ما أنشده قطرب (¬1)، واستحسنه ابن جني لمجيء الواو صريحا في بعض ~~روايات البيت (¬2). # وللتنويع، والتقسيم: كما في قولهم - في حد الحكم -: بالاقتضاء، أو ~~التخيير كما سبق، وعليه ms137 حمل الشافعي رضى الله عنه قوله تعالى: {أن يقتلوا ~~أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض} [المائدة: ~~33] (¬3). PageV02P125 # وبمعنى إلى نحو: لألزمنك، أو تعطيني حقي. وقيل: بمعنى إلا، أي: إلا أن ~~تعطيني، فلا ألزمنك. # وللإضراب نحو قوله تعالى: {وأرسلناه إلى مائة (¬1) ألف أو يزيدون} ~~[الصافات: 147] أي: بل يزيدون. # وما نقله عن الحريري (¬2): من أن "أو"، قد تأتي للتقريب نحو: ما أدري ~~أسلم، أو ودع، فهو راجع إلى الشك، لكن لا حقيقة، بل تجاهلا (¬3). PageV02P126 # الرابع: أي، بسكون الياء للتفسير نحو: قدم، أي: تقدم، من قدم بمعنى تقدم ~~لغة فيه، وقد عده صاحب المفتاح من حروف العطف (¬1)، وهي من حروف النداء عند ~~جمهور النحاة (¬2). # واختلف فيها، فقيل: للقريب، وعليه الأكثر، وقيل: للبعيد، وقيل: للمتوسط (¬3). # قوله: "وبالتشديد للشرط". # أقول: ألحق بحث أي المشددة، بأي المخففة، وإن كانت الأولى حرفا، وهذه ~~اسما للمناسبة الصورية. # والمشددة تارة: تكون شرطا نحو: {أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} ~~[الإسراء: 110]. # واستفهاما نحو: {أيكم زادته هذه إيمانا} [التوبة: 124]. # وموصولة نحو: {لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا} [مريم: 69]، ~~وهي مبنية، موصولة حذف صدر صلتها، كما في الآية المذكورة (¬4). PageV02P127 # ودالة على معنى الكمال نحو: رأيت زيدا عالما، أي عالم، أي (¬1) كاملا في علمه. # وتقع حالا عن المعرفة بالمعنى المذكور نحو: {ياأيها الرسول} [المائدة: ~~41، 67]، {ياأيها الذين آمنوا} [البقرة: 104، 183]. # ومن الأسماء المتداولة بين الأصوليين تداول الحروف المذكورة "إذ" وهي ~~موضوعة للظرفية في الزمان الماضي. # ولو ذكر المصنف الحروف على نسق واحد، ثم أردفها بالأسماء كان أولى من ~~إيرادها مختلطة. # وتكون اسما مجردا نحو: {واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم} [الأعراف: 86] ~~لكونه مفعولا به ظاهرا. PageV02P128 # وبدلا من المفعول به نحو: {اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء} ~~[المائدة: 20]. # وقد يضاف إليها اسم يدل على الزمان نحو: يومئذ، وحينئذ. # وتجئ للاستقبال عند بعض النحاة، وهو مختار المصنف نحو: {فسوف يعلمون (70) ~~إذ الأغلال في أعناقهم} [غافر: 70، 71]، وقوله تعالى: {يومئذ تحدث أخبارها} ~~[الزلزلة: 4]. # وأجاب الجمهور: بأن هذا ليس ناشئا من ms138 لفظ إذ، بل لكونه واقعا في كلام من ~~صدقه مقطوع به، والمستقبل في كلامه بمنزلة الماضي. # وتستعمل تعليلا نحو: {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم} [الزخرف: 39]، وقوله: ~~{وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم} [الأحقاف: 11]. # واختلف في كونها حرفا حينئذ، أو ظرفا، الأول مروي عن سيبويه، وقيل: ظرف، ~~والتعليل مستفاد من قوة الكلام لا من اللفظ، وهذا كلام باطل لا وجه له إذ ~~لا معنى [لإذ] (¬1) سوى التعليل في بعض المواطن، فالقول بأن التعليل ليس ~~مستفادا عنه، قول يأباه الطبع السليم. PageV02P129 # وترد للمفاجأة -بعد بينا، وبينما- نحو: فبينما العسر إذا دارت مياسير ~~(¬1) فهي حرف حينئذ، وهو مختار إمام النحو [سيبويه] (¬2). # وقيل: ظرف مكان، وقيل: ظرف زمان (¬3). # قوله: "السابع: إذا للمفاجأة". # أقول - من تلك الكلمات المتداولة -: إذا الفجائية، ويقع المبتدأ بعدها ~~دائما نحو: إذا إنه عبد القفا واللهازم (¬4)، ونحو قوله تعالى: {فإذا هي ~~حية تسعى} [طه: 20]، واختلف فيها على ثلاثة مذاهب: PageV02P130 # الأول: أنها حرف، وهو المختار عند الأخفش، وابن مالك (¬1)، # ورجح بأن المفاجأة معنى من المعاني كالاستفهام، والنفي، والشرط، والأصل ~~في المعاني أن تؤدى بالحروف. # وقيل: ظرف مكان، وإليه ذهب المبرد (¬2)، ومن تبعه. # وقيل: ظرف زمان، وإليه ذهب صاحب الكشاف (¬3)، وابن الحاجب. PageV02P131 # وتستعمل في الاستقبال ظرفا، مضمنا فيه معنى الشرط نحو: {وإذا رأيت ثم ~~رأيت نعيما وملكا كبيرا} [الإنسان: 20]. # أو مجردا عن الشرط نحو: {والليل إذا يغشى} [الليل: 1] لعدم الجواب. # واعلم أنها في الشرط عكس إن: لأنها تستعمل في محقق الوقوع نحو قوله ~~تعالى: {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن ~~معه} [الأعراف: 131] لما كانت الحسنة، وهي الخصب (¬1) والرخاء، والعافية ~~غالبا أتى بلفظ إذا، ولما كان القحط، والمرض قليلا أتى بإن في السيئة. # وقد تستعمل في الماضي نادرا نحو: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها} ~~[الجمعة: 11] لنزول الآية بعد وقوع القصة. # وترد للحال - أيضا - نحو: {والنجم إذا هوى} [النجم: 1]. # قيل (¬2): علامة كونها للحال وقوعها بعد القسم لأنها لو كانت للاستقبال ~~لم تكن ظرفا لفعل القسم؛ لأنه ms139 إنشاء لا إخبار عن قسم ثان، لأن قسمه سبحانه ~~قديم، ولا يكون المحذوف حالا لأن الحال، والاستقبال متنافيان. وليس بشئ، ~~أما أولا: فلأنه لا يلزم من كونها استقبالية تعلقها PageV02P132 # بفعل القسم إذ يصح أن يكون بدلا عن المقسم به، فيكون معنى الكلام أقسم ~~بالليل لا مطلقا، بل بوقت غشيانه، وطمسه آثار النهار، وإزالته الأنوار ~~الساطعة، الشاملة للجو، والبر، والبحر، فإنه من الآيات الباهرات الدالة على ~~القدرة القاهرة، ومثله يقسم به لا مطلق الليل، أو يقدر مضاف قبل الليل، أي: ~~وعظمة الليل وقت غشيانه. # وكذلك القسم بالنجم حين سقوطه إذ يدل على أنه مقهور تحت القدرة ليس له ~~اختيار في حركاته، ومثل [ذلك] (¬1) الجرم المنير العظيم بعد كونه تجتليه ~~أبصار الناظرين يصير مفقودا كأن لم يكن شيئا مذكورا آية لا تخفى على أحد، ~~فيلائم أن يكون مقسما به. # وأما ثانيا: فلأنه علل عدم الجواز بقوله: فلأن قسمه تعالى قديم، وإذا كان ~~قسمه قديما، فقد وقع فيما فر منه: لأنه يكون "إذا" مستقبلا [قطعا] (¬2) ~~لحدوث الأزمان، والأوقات، والنجم، بل جميع الكائنات ما عدا الذات، والصفات، ~~على أنك، وإن جعلت "إذا" للحال، فالإشكال باق: لأن قسمه لم يقع وقت غشيان ~~الليل، فلا يصح الكلام إلا بأحد التقديرين على ما ذكرنا، وكون المقسم به ~~مستقبلا، والقسم قديما لا مانع منه لقوله: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم} [الحجر: ~~72]، وقوله: {والشمس وضحاها} [الشمس: 1]. PageV02P133 # وأما ثالثا: فلأن الحال، والاستقبال لا تنافي بينهما، وإنما التبس عليه ~~الحال الذي هو قسيم الماضي، والمستقبل المذكور في علم الصرف بالحال المذكور ~~في علم النحو، أعني ما يبين هيئة الفاعل، أو المفعول به، وهذه الحال تجتمع، ~~مع الماضي، والحال، والمضقبل، بل تكون جملة اسمية. # والحاصل: أن هذا الحال لفظ يبين هيئة الفاعل، أو المفعول به قيد للعامل، ~~والحال الذي ينافي الاستقبال أجزاء من أواخر الماضي، وأوائل المستقبل [وعدم ~~جواز كونه حالا صحيح لا لما توهمه، بل لأن الحال قيد للفعل العامل، فيكون ~~المعنى على وقوع القسم في ذلك الوقت، وهو فاسد] (¬1). # قوله: "الثامن: ms140 الباء للإلصاق حقيقة، ومجازا". # أقول: الباء تستعمل لمعان كثيرة عد المصنف منها جملة: فالأول: الإلصاق ~~نحو: به عيب، وربما أطلق الإلصاق مجازا نحو: بررت بزيد، أي: بقربه إذ لا ~~لصوق بزيد. # والثاني: [التعدية نحو: {ذهب الله بنورهم} [البقرة: 17]. PageV02P134 # والفرق بين ذهب به، وأذهبه: أن الأول يفيد أنه لم يبق منه شيء بخلاف ~~الثاني] (¬1)، فإنه ليس كذلك، فالباء أبلغ، ذكره في الكشاف (¬2). # الثالث: الاستعانة نحو: كتبت بالقلم. # الرابع: المصاحبة نحو: {والذي جاء بالصدق} [الزمر: 33]. # والبدلية نحو: قول عمر (¬3): "ما يسرني لو أن لي بها الدنيا وما فيها"، ~~قاله حين استأذن رسول الله في العمرة، فقال له: "لا تنسنا من دعائك يا أخي" ~~(¬4). PageV02P135 # الخامس: المقابلة نحو: بعته بألف. # السادس: المجاورة نحو: سألت بزيد، أي: عنه. # والاستعلاء نحو: قام بالسطح، أي: عليه. # والقسم نحو: بالله لأفعلن كذا. # والغاية نحو: أحسن بي، أي: إلي. # والتوكيد - وهي الزائدة - نحو: {وكفى بالله شهيدا} [الفتح: 28] (¬1). # وقد تقع للتبعيض نحو مسحت بالمنديل، عند بعض النحاة، كالأصمعي، وأبي علي ~~وابن مالك. # التاسع: "بل للعطف، والإضراب". # أقول: من الحروف المتداولة كلمة بل، وهي تشتمل على العطف، وهو معلوم، ~~والإضراب، وهو صرف الحكم عن المتبوع إلى التابع، ويبقى المتبوع كالمسكوت ~~عنه سواء كان الكلام موجبا نحو: جاءني زيد، بل عمرو، أو منفيا نحو: ما ~~جاءني زيد، بل عمرو، وهذا على رأي الجمهور. PageV02P136 # وقيل: تفيد في النفي عدم الحكم في المتبوع قطعا [عند الجمهور] (¬1)، ~~والمراد بالحكم الثابت [للتابع] (¬2) في النفى: هو الثبوت كالمجيء مثلا في قولك: # ما جاءني زيد، بل عمرو، أي: جاء عمرو. # واستشكله بعض (¬3) الأفاضل: بأنه لا صرف عن المتبوع لا للإثبات، ولا للنفي. # أما الإثبات: فلأن الكلام (¬4) نفي، وأما النفي: # فلأن الحكم الثابت للتابع هو المجيء وليس مسندا إلى المتبوع، فلا يوجد ~~صرف الحكم على مذهبهم، وإنما يصح على مذهب المبرد: لأن مذهبه ثبوت الحكم ~~الذي هو النفي للتابع، وصرف النفي عن المتبوع صحيح (¬5). # [ويمكن أن يجاب - من طرف الجمهور -: بأن الحكم المثبت لتابع هو المصروف ~~عن المتبوع، وتقدير ms141 الكلام صرف الحكم الذي ورد عليه النفي، وهو المجيء ~~مثلا، إذ النفى أداة ترد على الإيجاب] (¬6). PageV02P137 # وفي عبارة الشيخ ابن الحاجب: أن الحكم على الأول كان خطأ (¬1)، فحكم بعض ~~الأفاضل المذكور آنفا: بأن مذهبه عدم المجيء في المتبوع قطعا في قولك: ~~جاءني زيد، وعمرو. قلت: عبارة الشيخ يجب تأويلها: بأن مراده: أن المقصود ~~لما كان الاخبار عن التابع، والمتبوع لم يكن مقصودا بالإخبار، فالتعرض له ~~غلط من المتكلم. # وإنما قلنا: يجب تأويله: لأن القول: بأن المجيء منتف عن المتبوع لم يقل ~~به أحد، ولا يدل عليه كلامه صريحا، ولا دلالة للفظ عليه، وصاحب المفتاح سوى ~~بين مذهب الجمهور، والمبرد في النفي، قال: "وما جاءني بكر، بل خالد، لإفادة ~~مجيء خالد تارة، ولا مجيئه أخرى" (¬2). # وتحقيق معنى بل على ما شرحناه من نفائس الأبحاث. # ثم حاصل كلام المصنف: أن الإضراب نوعان: # الأول: لإبطال ما تليه، ومثل في بعض الشروح (¬3) بقوله تعالى: {أم يقولون ~~به جنة بل جاءهم بالحق} [المؤمنون: 70]، وهذا - في التحقيق - هو القسم الذي ~~بعد النفي: لأن قولهم: {به جنة} أرادوا به نفى حقيقة ما جاء به، إطلاقا ~~للملزوم، وإرادة اللازم، إذ الجنون يقتضي عدم الإرادة في الأفعال، وعدم ~~الفرق بين الحسن، والقبيح، فالمجيء بالحق عنه بمراحل. PageV02P138 # الثاني: هو الانتقال من غرض إلى غرض آخر نحو: {ولدينا كتاب ينطق بالحق ~~وهم لا يظلمون (62) بل قلوبهم في غمرة من هذا} [المؤمنون: 62، 63]، وهذا ~~-[أيضا] (¬1) عائد إلى النفي إذ الكفار كانوا يزعمون: أن لا حشر، ولا نشر، ~~فرد عليهم بأن الأمر ليس كما تزعمون، نحن نضبط أحوالكم، لسنا عنكم غافلين، ~~بل أنتم الغافلون الذين قصر فكرهم على الحطام الفاني (¬2). # قوله: "العاشر: بيد". # أقول: من تلك الكلمات المتداولة لفظة بيد، وهي تأتي بمعنى غير، كذا ذكر ~~في بعض كتب اللغة (¬3). # وتكون علة نحو: "أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أني من قريش" (¬4) أي: لأني ~~من قريش، وهذا فيه نظر قوي، وهو أن كونه PageV02P139 # من قريش لا يقتضي أن يكون أفصح من قريش (¬1). والحق: أنه ms142 من قبيل المدح ~~بما يشبه الذم، وهو نوع من المحسنات البديعية، كما في الحديث: أن جارية ~~(¬2) عائشة (¬3) رضي الله عنها - حين سألها النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~عن أخبار عائشة - فقالت: "لا عيب فيها غير أنها جارية حديثة سن تنام عن ~~عجين أهلها، فتأكله الداجن" (¬4). PageV02P140 # وقول النابغة: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب (¬1) # [ولنا - في مدح السلطان المعظم سيد الغزاة صاحب الروم، فاتح القسطنطينية ~~نصره الله - شعر: # هو الشمس إلا أنه الليث باسلا ... هو البحر إلا أنه مالك البر (¬2) # فرجع إلى معنى الغير، وإليه ذهب جمهور المتأخرين (¬3). # قوله: "الحادي عشر: ثم". # أقول: ثم في العطف تفيد التشريك في الإعراب، أو الحكم، مع التراخي في ~~الزمان، والرتبة. # والمصنف قيد المهلة بالأصح، والترتيب بمخالفة العبادي (¬4). PageV02P141 # وشبهة الفريقين - في نفي المهلة، والترتيب -: أشياء [ما ولت] (¬1) عند ~~الجمهور نحو قوله تعالى: {خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها} [الزمر: ~~6]، ولا شك: أن الجعل قبل خلق سائر المخلوقات، فلا ترتيب، وحيث لا ترتيب لا ~~مهلة بالطريق الأولى. # الجواب: أن معنى الآية أنه تعالى خلقكم من نفس واحدة، وكأنه قيل: كيف كان ~~بدأ الخلق؟ ، أجاب: بأنه خلقها، ثم جعل منها زوجها، ثم ذرأكم على التعاقب ~~على ما تشاهدون الآن بينكم أمة بعد أمة، فلفظ "ثم" عاطفة، جعل على خلق ~~المقدر صفة للنفس، فهي على الترتيب، والمهلة. PageV02P142 # هذا تحقيق الجواب على الوجه المرضي، وبعض الشارحين (¬1) لما لم يصل إلى ~~هذا التدقيق فاضطرب، وأجاب - أولا -: بأن ثم بمعنى الواو، وثانيا: بأنها ~~للترتيب الذكري (¬2). # قوله: "الثاني عشر: حتى لانتهاء الغاية غالبا". # أقول: حتى مثل: ثم في الترتيب، والمهلة، مع زيادات أخرى: # الأول: أن المعتبر في حتى ترتب أجزاء ما قبلها ذهنا [من الأضعف إلى ~~الأقوي، أو بالعكس، ولا يعتبر الترتيب الخارجي لجواز ملابسة الفعل لما ~~بعدها قبل ملابسة الأجزاء الأخر نحو: مات كل أب لي حتى آدم، أو في أثنائها ~~نحو: مات الناس حتى الأنبياء، أو في زمان واحد نحو: جاءني القوم حتى ms143 خالد، ~~إذا جاؤوا معا، والخالد أضعفهم، أو أقواهم. # وينصب الفعل بعدها تارة نحو: {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} ~~[الحجرات: 9] (¬3). PageV02P143 # وتكون ابتدائية، تقع بعدها الجملة الاسمية نحو قوله: # فما زالت القتلى تمج دماؤها # بدجلة حتى ماء دجلة أشكل (¬1) # والفعلية المضارعية نحو: {حتى يقول الرسول} [البقرة: 214] بالرفع، وهي ~~للحال حينئذ، فيكون ما بعدها كلاما مستقلا، مسببا عما قبلها، ولذلك امتنع ~~أن تقول: كان سيري حتى أدخلها، بالرفع: لأن كان الناقصة تبقى بلا خبر ~~لانقطاع ما بعدها عما قبلها لاستقلاله. # وكذلك امتنع: أسرت حتى تدخلها الآن، الأول: يجب أن يكون سببا للثاني في ~~الابتدائية، ولا يصح الأول أن يكون سببا لكونه مشكوكا فيه، ولهذا دخله ~~الاستفهام، ولو حملت كان على التامة صح الكلام في المسألة الأولى. # وقد تجيء للتعليل نحو: أسلم حتى تدخل الجنة أي لتدخل. # وتكون للاستثناء نادرا. PageV02P144 # واعلم: أن أصل معنى حتى: هي الغاية، فتحمل على الغاية مهما أمكن، فإذا ~~تعذر تحمل على غيرها (¬1) مجازا بحسب القرائن. # قوله: "الثالث عشر: رب للتكثير". # أقول: من الكلمات المتداولة لفظ: رب، وهي جارة، ولها صدر الكلام: لأنها ~~لإنشاء معنى التقليل عند الجمهور. # وقد صرحوا: بأنها نقيضة كم الخبرية التي هي لإنشاء التكثير، أو موضوعة ~~للتكثير، وهو مذهب بعض النحاة. # وليس لهم - في ذلك - دليل، إلا أنهم رأوا ظاهر قوله تعالى: {ربما يود ~~الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] إذ ود - أنهم [يوم القيامة] (¬2) ~~كونهم مسلمين في الدنيا - كثير بلا ريب، فيكون حقيقة فيه. # الجواب: أنها في الآية المذكورة للتقليل: لأنهم مستغرقون في العذاب، ~~مدهوشون، فزعا حانت منهم إفاقة، فتمنوا الإسلام. PageV02P145 # وقيل: معنى التقليل فيها: أنهم لو كانوا يودون الإسلام في الدار الآخرة ~~مرة كان الإسراع إلى الدين، والإيمان واجبا عليهم، فكيف، وهم يودونه كل ~~لمحة (¬1). # ومن أحكامها: أن مدخولها نكرة، موصوفة، أو ضمير مبهم. # ولها أبحاث أخر مذكورة في كتب النحو، فلتطلب هناك. # قوله: "الرابع عشر: على". # أقول: من تلك الكلمات المتداولة، كلمة على، وهي حرف وضع للاستعلاء مطلقا، ~~حسيا نحو: ms144 زيد على الفرس، أو عقليا نحو: لزيد على عمرو دين. # وقد تكون اسما نحو: من عليه في قوله: "غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها" ~~(¬2). PageV02P146 # فهي حقيقة في الحرفية، فلا يحتاج استعمالها حرفا إلى قرينة، بخلاف ما إذا ~~كانت اسما، فإنه يحتاج إلى قرينة نحو دخول حرف الجر عليها، ولو قدم المصنف ~~كونها حرفا على كونها اسما كان أولى، كما لا يخفى (¬1). # وتكون للمصاحبة نحو: {وآتى المال على حبه} [البقرة: 177]، أي: مع حبه. # والمجاورة نحو: رضي عليه، أي: عنه. # والتعليل نحو: {ولتكبروا الله على ما هداكم} [البقرة: 185]. # وتكون ظرفا، وزائدة، وتكون للاستدراك (¬2). PageV02P147 # وأما لفظ: علا فعلا ماضيا، فليس من المادة المذكورة، إذ يكتب هذا بالألف، ~~والأول بالياء، فهما متمايزان كتابة، كما امتازا معنى. # قوله: "الخامس عشر: الفاء للترتيب". # أقول: من تلك الحروف المتداولة لفظ: الفاء، وهي عاطفة معناها الترتيب بلا ~~مهلة نحو: جاء زيد فعمرو. # ثم قول المصنف: والتعقيب في كل شيء بحسبه، إشارة إلى جواب سؤال مشهور، ~~وهو أن القول: بأن الفاء للترتيب بلا مهلة قد لا يطرد، بدليل قوله تعالى: ~~{ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة} [الحج: 63]. # ولا شك: أن اخضرار الأرض متراخ عن نزول المطر. وكذا قوله تعالى: {ثم ~~خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام ~~لحما} [المؤمنون: 14]، وأمثال ذلك كثيرة في كلام العرب. # أجاب: بأن التعقيب أمر نسبي يختلف باختلاف الأمور المترتبة عظما، وحقارة. PageV02P148 # ولا شك: أن إحياء الأرض [الميتة] (¬1) بعد استيلاء اليبس عليها، وذهاب ~~نضارتها من الآيات الباهرة على قدرة الصانع، فحصول [مثل] (¬2) هذا الأمر ~~العظيم في أقل من أسبوع لا يعد متراخيا. # وكذلك انقلاب النطفة علقة بعد أن كان ماء مهينا في الرحم ممتزجا بماء آخر ~~مثله، ولم يعالج بما يوجب انعقاده، ولم يغير لونه بصبغ بعد أن كان أبيض، ~~مثل هذا لا تعد تلك المدة بالنسبة إليه مهلة، وتراخيا. # ثم الترتيب المعنوي معلوم، كما في قولك: جاء زيد فعمرو. # والذكري: هو أن يكون الترتيب ms145 في الذكر لا في الحكم كقوله تعالى: {وكم من ~~قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم (¬3) قائلون} [الأعراف: 4]، فإن ~~مجئ البأس مقدم على الإهلاك وكذلك كل فاء دخلت على المفصل بعد المجمل. # وقد يراد، مع التعقيب سببية (¬4) ما قبلها لما بعدها (¬5). PageV02P149 # قوله: "السادس عشر: في، للظرفين". # أقول: من تلك الحروف المتداولة لفظة: في، وهي للظرفين، ولو قال: في ~~للظرفية - كما ذكره المحققون - لشمل المكان، والزمان. # المكان نحو قولك: صليت في المسجد، والزمان نحو: قدم زيد في الليل. # والظرفية: استقرار الشيء في الشيء. # والنحاة يذكرون أنها على قسمين: حقيقية نحو الماء في الكوز، ومجازية نحو ~~العز في القناعة. # ولو حمل معنى الاستقرار على ما يعم الحسي، والمعنوي كان أولى كما تقدم في ~~على: لأن أهل اللغة لم يقيدوه بأن يكون حسيا. # وإذا حمل على ذلك المعنى الأعم يشمل جميع الأقسام التي ذكرها المصنف كما ~~لا يخفى على المتأمل. # المصاحبة نحو: {ادخلوا في أمم قد خلت} [الأعراف: 38] أي: مصاحبين لهم. # والتعليل نحو: {لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم} [النور: 14] أي: لأجله. # والاستعلاء نحو: {ولأصلبنكم في جذوع النخل} [طه: 71] أي: عليها. PageV02P150 # والتوكيد نحو: {وقال اركبوا فيها} [هود: 41] إذ الركوب يستعمل بدون في، ~~فهي مزيدة توكيدا. # والتعويض عن أخرى محذوفة نحو: "زهد زيد فيما رغب، أي: فيه". # والأصل: زهد ما رغب فيه، كذا نسب إلى ابن مالك (¬1). # وتكون بمعنى الباء السببية نحو: {يذرؤكم فيه} [الشورى: 11] أي: ينبتكم، ~~ويكثركم بسبب التناكح، والازدواج. # وبمعنى إلى، نحو: {فردوا أيديهم في أفواههم} [إبراهيم: 9] أي: إليها غيظا. # وبمعنى من، نحو "ذراع في الجنة خير من الدنيا وما فيها" (¬2) أي: منها ~~(¬3). PageV02P151 # قوله: "السابع عشر: كي للتعليل". # أقول: من تلك الحروف كلمة "كي"، ومعناها التعليل نحو: أسلمت كي أدخل ~~الجنة، وهى ناصبة [للفعل المضارع بنفسها، هو المختار. # وقيل: حرف جر تقدر أن بعدها] (¬1)، ومنعه الشيخ ابن الحاجب، وأسنده بصحة ~~قولك: أسلمت لكى أدخل الجنة، إذ لو كانت حرف جر لم تدخلها اللام، وهو كلام قوي. # والمصنف جعل كونها بمعنى أن ms146 المصدرية منافيا لكونها للتعليل على ما ذكره ~~شارحو كلامه (¬2). # واستدل بعضهم (¬3) على التنافي بدخول اللام عليها في قوله تعالى: {لكيلا ~~تأسوا على ما فاتكم} [الحديد: 23]، فإنها لو كانت للتعليل لم يدخل عليها اللام. # وهذا ليس بشيء: لأن كون الحرف مصدريا معناه راجع إلى اللفظ، وتصرفه إنما ~~هو في لفظ الفعل إما بنصبه، أو بجعله في حكم المصدر، وكونه لكذا، أي: ~~للتعليل راجع إلى المعنى، فلا تنافي بين المعنيين. PageV02P152 # ألا ترى أن الحروف الجارة كلها مشتركة في عمل الجر، مع اختلاف معانيها. # وأما الاستدلال بدخول اللام على عدم كونها للتعليل، فسقوطه ظاهر: لأن ~~اللام هناك للتأكيد، ألا ترى أنك لو حذفت اللام كان التعليل بحاله، مع أن ~~الحرف قد يجرد عن معناه بحسب المقامات (¬1). # قوله: "الثامن عشر: كل اسم لاستغراق أفراد المنكر، والمعرف المجموع". # أقول: من تلك الكلمات المتداولة لفظة كل، نحو: كل رجل كذا، أي: كل فرد من ~~جنس الرجال. # وضبط كلام المصنف: أنها تفيد استغراق الأفراد، إذا دخلت على مفرد، منكر، ~~كما ذكرناه، أو معرف إذا كان مجموعا نحو: أخذ زيد كل الدراهم. # وإذا كان المعرف مفردا تفيد الإحاطة، والشمول في الأجزاء نحو: رأيت [كل] ~~(¬2) زيد، أي جميع أجزائه. # وفي بعض الشروح (¬3) هنا عن/ ق (50/ أمن أ) والد المصنف كلام غريب، وهو ~~أنه استشكل كون "كل" في الجمع المعرف لإحاطة الأفراد: PageV02P153 # لأن الجمع المعرف قبل دخول كل، يفيد هذه الفائدة، إذ الجمع المحلى باللام ~~مستغرق عند المحققين. # واختار - في الجواب -: أن اللام تفيد العموم في مراتب ما دخلت عليه، وكل ~~تفيد العموم في أجزاء كل من تلك المراتب. # فإذا قلت: كل الرجال، أفادت اللام استغراق كل مرتبة من مراتب جمع الرجال، ~~وأفادت كل، استغراق الآحاد. # وبعد ركاكة عبارته فيه نظر: أما أولا: فلأن ما اختاره من أن الجمع المحلى ~~باللام يفيد استغراق مراتب الجمع، قول مردود ذكره صاحب المفتاح (¬1) / ق ~~(51/ أمن ب) في تفسير قوله تعالى: {رب إني وهن العظم مني} [مريم: 4]. # ورده المحققون: إذ لا ريب في أن ms147 قوله تعالى: {والله يحب المحسنين} [آل ~~عمران: 134، 148] معناه كل فرد لا كل جمع. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكره يدل على عدم جواز استثناء زيد في مثل جاءني ~~الرجال إلا زيدا: لأنه لم يتناوله لفظ الجمع. # قال صاحب التلويح: "لا يقال: المستثنى في مثل جاءني الرجال إلا زيدا، ليس ~~من الأفراد: لأن أفراد الجمع جموع لا آحاد، لأنا نقول: الحكم PageV02P154 # في الجمع المعرف الغير المحصور إنما هو على الآحاد لا على الجموع بشهادة ~~الاستقراء، والاستعمال" (¬1). # فإن قلت: في الجواب عن ذلك الإشكال؟ . # قلت: الجواب: هو أن الجمع المعرف، قبل دخول كل، ظاهر في الاستغراق، فإذا ~~دخل عليه كل، صار نصا لم يختلف فيه، هكذا حقق المقام، وجانب الأباطيل، ~~والأوهام (¬2). # وسيأتي مباحث كل، في مبحث العام مستوفاة إن شاء الله تعالى. # قوله: "التاسع عشر: اللام للتعليل". # أقول: من تلك الحروف المتداولة اللام، وهي الجارة، المكسورة. # وإنما قيدنا بذلك ليخرج لام الابتداء، والتعريف، وهي تأتي لمعان. # منها: التعليل نحو: جئتك للسمر، والاستحقاق نحو: ويل لمن كذب نبيا. # والاختصاص نحو: الجل للفرس، والملك نحو: المال لزيد. # وللعاقبة نحو: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} [القصص: 8] إذ لم ~~يكن الغرض كونه عدوا بل ابنا، وهذا راجع إلى التعليل PageV02P155 # لا حقيقة، بل مجازا: لأنه شبه ما ترتب على فعلهم بالغرض المقصود من ~~الفعل، وأدخل عليه ما يدخل الغرض استعارة تبعية. # والتمليك نحو: وهبت الكتاب لزيد، أي: ملكته. # والحق: أن التمليك داخل في الاختصاص، وكذا الملك، فتأمل. # أو شبه الملك نحو: أبحت له، وهذا - أيضا - يرجع إلى الاختصاص. # والتأكيد - وهو الذي يأتي بعد النفي الداخل على كان - نحو: {وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم} [الأنفال: 33]، وتسمى لام الجحود. # والتعدية نحو: {وتله للجبين} [الصافات: 103]. # والتأكيد - أي: المبالغة في صدور الفعل - نحو: {إن ربك فعال لما يريد} ~~[هود: 107] أي: ما يريد، وحيث لا معارض له في مشيئته أكده باللام. # وبمعنى إلى، نحو: {سقناه لبلد ميت} [الأعراف: 57] أي: إلى بلد. # وبمعنى على نحو: {يخرون للأذقان سجدا} [الإسراء: 107] أي: عليها. ms148 # وفي نحو: قوله: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة} [الأنبياء: 47] أي: فيه. # وبمعنى عند، نحو: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء: 78]، وسماه في ~~"الكشاف" لام التوقيت (¬1). PageV02P156 # وبمعنى من، نحو: سمعت له، أي: منه. # وبمعنى عن، نحو: {وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا ~~إليه} [الأحقاف: 11]. إذ لو كان على أصله لكان القياس الخطاب في {سبقونا}. # ولم يذكر المصنف إلا المعاني المشهورة، ولها معان أخر (¬1). # تكون (¬2) / ق (50/ ب من أ) للقسم في مقام التعجب نحو قول الشاعر: # لله يبقى على الأيام ذو حيد ... بمشمخر به الظيان والآس (¬3) PageV02P157 # قوله: "العشرون: لولا". # أقول: من تلك الحروف المتداولة كلمة لولا، وهى تدخل على الفعل تارة، وعلى ~~الاسم أخرى. # فإذا دخلت الاسم تكون حرف امتناع يدل على أن الثاني امتنع لوجود الأول، ~~فوجود الأول علة لامتناع الثاني نحو: "لولا علي (¬1) لهلك عمر". # وما ذكرناه من العلية ينبغي أن يكون مراد المصنف، وإلا ليس في الكلام شرط ~~يقتضي جوابا. # وإذا وقع بعدها فعل (¬2) / ق (51/ ب من ب) فإن كان مضارعا، فللحث، ~~والترغيب، في الفعل، وهو معنى التحضيض، وإن كان في الماضي، فللتوبيخ، ~~واللوم على الترك، ولا يلام على شيء إلا وكان PageV02P158 # مطلوبا وجوده، فهي لطلب الفعل مطلقا، وما ذكروه تفصيل لذلك الطلب. قال: ~~وقد تأتي للنفي، ومثل لذلك بقوله تعالى: {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها ~~إيمانها} [يونس: 98] أي: ما كانت. # والمحققون - على أنها على أصلها - وهو التوبيخ، أي: لم لا تؤمنون قبل ~~معاينة العذاب، وحصول البأس الذي لا ينفع الإيمان عنده، تعليلا لعدم قبول ~~إيمان فرعون عليه لعائن الله، عاش أربع مئة سنة ما مسه فيها ألم يوما، ولم ~~يصرف يوما بصره إلى أمر المعاد، وتحصيل الجنة الباقية، ولما أدركه غضب ~~الله، وأحاط به سرادقات القهر والانتقام آمن ثلاثة أنواع من الإيمان: إذ ~~قوله: {آمنت} نوع من الإيمان: لأنه كان دهريا، وقول الدهري: آمنت إسلام ~~منه، ثم قال: {لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل} نوع ثان من الإيمان، ~~وقوله: {وأنا من المسلمين} (¬1) نوع ms149 ثالث من الإيمان. # وإنما قيد قوله: بالإله الذي آمنت به بنو إسرائيل قطعا للشركة، والربوبية ~~التي كان يدعيها لنفسه الخبيثة أيام شوكته الذاهبة، ودولته الخاسرة. PageV02P159 # ثم مدح قوم يونس على تلافيهم قبل حصول البأس الذي جرت سنة الله تعالى ~~بعدم الرأفة، والرحمة على من يضطر عنده إذ لم يبق له اختيار، والإيمان ~~تكليف لا يوجد لدى الاضطرار (¬1). # قوله: "لو: حرف شرط للماضي، ويقل للمستقبل، قال سيبويه: حرف لما كان سيقع ~~لوقوع غيره" (¬2). # أقول: من تلك الكلمات المتداولة لفظ: لو، وهو حرف موضوع لتعليق حصول أمر ~~في الماضي بحصول أمر آخر مقدر فيه. # هذا أصل وضعه، ثم حصول المقدر في الماضي مقطوع بعدمه، فينتفي الحصول ~~المعلق عليه لانتفاء الشرط. # فمن عرف بأن لو: لانتفاء الثاني لانتفاء الأول - أي انتفاء الجزاء معلل ~~بانتفاء الشرط، أو قال: معناه امتناع الجزاء لامتناع الشرط - كما قاله صاحب ~~المفتاح - أخذ بالحاصل، وتعبير عن معنى اللفظ بلازمه. # ثم قد اعترض على هذا بعض المحققين (¬3)، وقال: "الشرط السبب، والمشروط ~~مسبب، ولا يلزم من انتفاء السبب الواحد انتفاء المسبب: PageV02P160 # لجواز أن يكون لشيء أسباب كثيرة، بل الأمر بالعكس: لأن انتفاء المسبب ~~دليل على انتفاء الأسباب كلها". # ونقح كلامه بعض الأفاضل (¬1): بأن قوله: الشرط سبب، باطل لأن الشرط ~~ملزوم، والملزوم أعم من أن يكون سببا، إذ ربما كان الشرط، والجزاء مسببين ~~عن سبب واحد كقولنا: إن كان النهار موجودا كان العالم مضيئا: لأن/ ق (51/ ~~أمن أ) سببهما طلوع الشمس ولكن دليله تام: لأن الشرط ملزوم/ ق (52/ أمن ب) ~~وانتفاء الملزوم لا يوجب انتفاء اللازم بل الأمر بالعكس. # يدل عليه قوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22]. # استدل - بعدم الفساد الذي هو انتفاء اللازم على عدم التعدد الذي هو ~~انتفاء الملزوم، كما أطبق عليه أئمة المنطق -: أن نقيض الجزاء ينتج نقيض ~~الشرط دون العكس. # والجواب - عما ذكراه -: هو أن "لو" في كلام العرب مستعمل على وجهين: # أحدهما: ما ذهبا إليه، وهو الاستدلال بأن انتفاء اللازم يوجب انتفاء ~~الملزوم، ms150 كما ذكر في الآية الكريمة. # الثاني: أن يكون الانتفاء أن معلومين في نفس الأمر، فلا استدلال بأحدهما ~~على الآخر للعلم بهما، فتستعمل "لو" لبيان سببية الانتفاء، أي: انتفاء ~~[الجزاء] (¬2). PageV02P161 # مثال: لو جئتني أكرمتك، مخاطبك عالم بأن لا مجيء، ولا إكرام، ولكن عرفته ~~أن سبب انتفاء الإكرام - في نفس الأمر - هو انتفاء المجيء. # فالقولان مستقيمان، لكن هذا الاستعمال الثاني هو الأكثر، وكلام سيبويه، ~~وكلام غيره - وهو الامتناع للامتناع - والرد على الاستعمال الأكثر. # وقد تستعمل في المستقبل بمعنى إن، نحو: "اطلبوا العلم ولو بالصين" (¬1)، ~~أي: وإن كان العلم المطلوب حاصلا في الصين، وهو الذي أشار إليه المصنف بأنه ~~قليل، نقل (¬2) هذا عن المبرد. # وقد تستعمل للاستمرار، والدوام، أي: لزوم الجزاء، مع الشرط، ونقيضه، وهذا ~~في كل شرط يكون ترتب الجزاء على نقيض الشرط أولى، PageV02P162 # وأليق من ترتبه على الشرط نحو: لو أهنتني لأكرمتك، أي: إكرامي لازم على ~~كل حال، لأن وجوده مع الإهانة، دليل على أنه مع عدمه أولى. # ومنه قول عمر: "نعم العبد صهيب (¬1) لو لم يخف الله لم يعصه" (¬2) فتأمل! . # وقيل: يكون لمجرد الربط ليس إلا، وأما الامتناع، أو الانتفاء يحصل من ~~القرائن، وليس بشيء لمخالفته إجماع علماء العربية، والمنطق. PageV02P163 # واختار المصنف - وفاقا لوالده رحمه الله -: أنها لامتناع الشرط واستلزام ~~التالي سواء كان التالي مثبتا أو منفيا ثم ينتفي التالي إن كان بين التالي ~~والمقدم مناسبة عرفية، أو عقلية، ولم يكن للمقدم خلف من ماصدقات التالي ~~ليحصل التالي في ضمنه نحو: لو كان إنسانا، لكان حيوانا: إذ لا يلزم من ~~انتفاء الإنسان انتفاء الحيوان لوجود الخلف من سائر أنواع الحيوان، بخلاف ~~ما إذا لم يكن له خلف نحو: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22]. # ونحن نقول - في هذا المختار -: نظر من وجوه: الأول: أنه لا يمكن أن يكون ~~وضع "لو" لما ذكره: لأنها إذا وضعت لامتناع الشرط لا يعقل أن تدل على ~~استلزام الشرط نفسه للجزاء: لأنك إذا قلت: لو جئتني لأكرمتك، فدلت لو على ~~امتناع المجيء، وإذا ms151 كان المجيء ممتنع الوجود، كيف يستلزم وجوده، وجود ~~الجزاء؟ . # الثاني: قوله: "ثم ينتفي التالي إن كان بينه، وبين المقدم مناسبة" غير ~~سديد: لأنه جعل وجود الشرط ملزوم [الجزاء] (¬1)، ولا يلزم من انتفاء ~~الملزوم انتفاء اللازم، وإن كان اللازم عقليا، فكيف بالمناسبة المذكورة ~~(¬2) / ق (52/ ب من ب). PageV02P164 # فإن قلت: قد قال المصنف: إن انتفاء التالي يكون لازما إذا لم يوجد خلف ~~المقدم. # قلت: وجود الخلف، وعدمه لا دخل له في دلالة الكلمة، والاستدلال بها. # ألا ترى: أن المنطقيين أجمعوا على عدم جواز الاستدلال بانتفاء المقدم على ~~انتفاء التالي، وإن كان التالي مساويا للمقدم نحو: لو كان هذا إنسانا لكان ~~ناطقا (¬1) / ق (51/ ب من أ). # الثالث: أنها إذا لم تدل على انتفاء التالي - لأنها موضوعة لامتناع الشرط ~~الذي وجوده مستلزم لوجود الجزاء، مع عدم دلالته على ثبوت الجزاء، أو ~~انتفائه، وترتب انتفاء الجزاء يكون ناشئا من المناسبة المذكورة - يكون ~~مخالفا لإجماع أهل العربية لإجماعهم على أنها لامتناع الجزاء، لامتناع ~~الشرط، أي: امتناع الشرط علة لامتناع الجزاء. # وأهل المنطق: لأنهم مطبقون على أنها لانتفاء الشرط لانتفاء الجزاء، أي: ~~انتفاء الجزاء علة لانتفاء الشرط: لأن ما اختاره لا يوافق شيئا من ~~المذهبين. # الرابع: لا ريب - عند من يعتد به - أن "لو"، وضعت لتعليق أمر بآخر، مع ~~الجزم بانتفاء المعلق عليه في الماضي قطعا، فيلزم انتفاء المعلق أيضا. PageV02P165 # وعلى ما اختاروه لا تعليق إذ "لو"، موضوعة لانتفاء الشرط الذي وجوده ~~مستلزم لوجود الجزاء. # وأما الانتفاء المذكور إنما حصل من المناسبة، فلا ربط بين الانتفاءين، ~~فتأمل! . # فإن قلت: قوله: {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم ~~معرضون} [الأنفال: 23] ما معناه؟ ، ومن أي قبيل هو من الواردة لبيان ~~السببية - على ما ذهب إليه الجمهور -، أو للاستدلال؟ . # قلت: قيل: إنه للاستدلال على صورة القياس الاقتراني، أي: {ولو علم الله ~~فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا}، فينتج: لو علم الله فيهم خيرا ~~لتولوا. # واعترض: بأنه على تقدير علم الله فيهم خيرا التولي غير ممكن. # أجيب: بأن ms152 علم الله فيهم خيرا محال، والمحال يجوز أن يستلزم المحال. # ورده بعض الأفاضل (¬1): بأن "لو"، لم تستعمل في فصيح الكلام في القياس ~~الاقتراني، وإنما تستعمل في الاستثنائي الذي يكون المستثنى فيه يقتضي ~~التالي، نحو: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22]، لكن لم ~~تفسدا، فلا آلهة، بل الآية واردة لبيان السببية، أي: سبب انتفاء PageV02P166 # الإسماع هو العلم بانتفاء الخير فيهم، ثم ابتدأ كلاما آخر، وقال: {ولو ~~أسمعهم لتولوا} [الأنفال: 23] كيف، ولم يسمعهم؟ ، فهو من قبيل: "لو لم يخف ~~الله لم يعصه". # ثم جوز الفاضل المذكور آنفا أن تكون "لو" في قوله: {ولو أسمعهم لتولوا} ~~على أصله لبيان السببية، ومعناه: أن انتفاء التولي حاصل منهم لانتفاء ~~الإسماع من الله تعالى. # ولما توجه: أن انتفاء التولي خير، وقد أخبر الله تعالى أنه لا خير فيهم. # أجاب: بأن عدم التولي ليس بخير مطلقا، بل إذا سمعوا أحكام الله، ولم ~~يتولوا، وأما إذا لم يتولوا لعدم الإسماع إياهم لعلمه بأن لا خير فيهم، فلا ~~خير في عدم التولي إذا. # ثم قول المصنف: "وثبت إن لم يناف"، أي: ثبت التالي إن لم يناف وجوده ~~انتفاء المقدم، وناسب بالأولى نحو: "لو لم يخف الله لم يعصه". # إشارة إلى ما ذكرناه من أنه تستعمل للدوام، واللزوم، إذا كان ترتبه على ~~نقيض الشرط أولى. # وقوله: "إن لم يناف" زائد، لا فائدة في ذكره: لأنه شرط أن يكون مناسبا ~~لنقيض الشرط من باب الأولى، فكيف يتصور أن يكون منافيا لانتفاء الشرط؟ # وقوله: "أو المساواة: ك: لو لم تكن ربيبة لما حلت للرضاع". PageV02P167 # وقوله: "أو الأدون كقولك: لو انتفت أخوة النسب لما حلت للرضاع". # من فروع: لو لم يخف الله، والملحقات به لعدم التفاوت في أصل المراد. # قوله: "وترد للتمني، والعرض، والتحضيض". # مثال التمني: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] / ق ~~(53/ أمن ب). # والعرض نحو: لو نزلت بنا ليلة [حيث يعلم أنه لا ينزل. # والتحضيض: حيث] (¬1) يكون القصد الحث على الفعل. # قوله: "والتقليل / ق (52/ أمن أ) نحو ms153 قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"تصدقوا، ولو بظلف (¬2) محرق" (¬3) ". # أي: لا تردوا السائل محروما، ولو تصدقتم عليه بأدنى شيء خير من رده ~~خائبا. PageV02P168 # والحق: أن هذا من قبيل ما استعمل فيه "لو"، مستقبلا، إذ معناه: الحث على ~~التصدق، كما قدمنا في قوله: "اطلبوا العلم، ولو بالصين" (¬1)، والتقليل علم ~~من خصوص المثال. # ولو قال: زيد صديقك القديم أهل للبر، ولو أعطيته جميع ما تملكه كان ~~المعنى بحاله على الاستقبال (¬2). # قوله: "الثاني والعشرون: لن". # أقول: من تلك الأحرف المتداولة كلمة لن، وفي أصلها خلاف، فهى حرف مقتضب، ~~عند سيبويه، وهو إحدى الروايتين عن الخليل، وأصلها: لا أن، عند الفراء (¬3). # وعملها: نصب المضارع، ومعناها: نفي الفعل المستقبل، بلا تأكيد، وتأبيد ~~عند المصنف، والتأكيد، والتأبيد مفوض إلى القرائن. PageV02P169 # والأظهر: أن معناها: التأكيد، والتأبيد هو المتبادر في مواطن الاستعمال، ~~إلا لقرينة صارفة. ألا ترى إلى قوله تعالى: {ولقد جاءكم يوسف من قبل ~~بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من ~~بعده رسولا} [غافر: 34]. إذ لا ريب أنهم نفوه على التأبيد. # وقول موسى - صلوات الله عليه -: {فلن أكون ظهيرا للمجرمين} [القصص: 17]. # وقول أخي يوسف: {فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي} [يوسف: 80]. # وقوله: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا} [التغابن: 7]. # وحيث قارنه التأبيد يكون نصا في التأبيد، وبدونه ظاهرا. # وهذه الاستعمالات الكثيرة دعوى القرينة فيها بعيد جدا. # وأما الجواب - عن استدلال "الكشاف" (¬1) بها في: {لن تراني} [الأعراف: ~~143]- واضح. # إذا قلنا: إنها ظاهرة في التأبيد يجب صرفها عن ظاهرها للدلائل الدالة على ~~وقوع الرؤية، أو لن تراني في دار التكليف (¬2). PageV02P170 # وقولنا: تفيد التأبيد، معناه: ما دام التكليف باقيا. # ألا ترى: أنه تعالى نفى تمني اليهود الموت على سبيل التأبيد بقوله: {ولن ~~يتمنوه أبدا} [البقرة: 95]، مع أن اليهود في جهنم يتمنون الموت كل ساعة. # قوله: "وترد للدعاء"، نحو: لن تصاب بأمر تكرهه. # والحق: أن هذا ليس خاصة معناه، بل جميع أدوات النفي تشاركه. # نحو: لا زلت منصورا على الأعداء. # قوله: ms154 "الثالث والعشرون: ما، ترد اسمية، وحرفية". # أقول: من تلك الحروف المتداولة لفظة: ما، وهى مشتركة بين الاسم، والحرف. # فالاسمية موصولة نحو: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} [البقرة: 29]. # وموصوفة نحو: مررت بما يعجب، أي شيء معجب، فهى إذا نكرة موصوفة. # وللتعجب نحو: ما أحسن الدين، والدنيا إذا اجتمعا. # واستفهامية نحو: {ما خطبكن إذ راودتن يوسف} [يوسف: 51]؟ # وشرطية نحو: {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها} [فاطر: 2]. # وقسمها المصنف قسمين: زمانية نحو: {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} ~~[التوبة: 7]، وغير زمانية كما ذكرنا من المثال. PageV02P171 # والحق: أن الزمانية، وعدم الزمانية ليس راجعا إلى معنى الشرط إذ معنى ~~الشرط تعليق أمر بآخر، ولا نظر في ذلك إلى كونه زمانيا، أو غير زماني، بل ~~لا يتصور التعليق إلا في الزمان. # فذلك الذي ذكره بعض النحاة، وتبعهم المصنف هو معنى الدوام، لا الزمان، ~~يظهر بالنظر في الأمثلة التي ذكروها للزماني. # والحرفية منها المصدرية، وقسمها - أيضا - إلى الزمانية نحو: {فاتقوا الله ~~ما استطعتم} [التغابن: 16] , وإلى غير الزمانية نحو: # يسر المرء ما ذهب الليالي ... وكان ذهابهن له ذهابا (¬1) # والكلام فيها، كالكلام في الشرطية (¬2) / ق (52/ ب من أ)، وأن الزمان ليس ~~راجعا إلى المعنى المصدري ونافية نحو: {وما محمد إلا رسول} [آل عمران: 144]. # وزائدة للتأكيد إما كافة (¬3) / ق (53/ ب من ب) نحو: قلما يوجد مثل زيد فاضل. # وغير كافة إما عوض نحو: افعل كذا إما لا، أي: إن كنت لا تفعل غيره. PageV02P172 # أو غير عوض نحو: {فبما رحمة من الله لنت لهم} [آل عمران: 159] (¬1). # قوله: "الرابع والعشرون: من، لابتداء الغاية". # أقول: من تلك الحروف المتداولة كلمة من، ذكر المصنف: أن معنى الابتداء ~~غالب فيها، وعبر عنه - في "المحصول" -: بأنه المشهور، ثم اختار أنها ~~للتمييز. لوجوده في جميع معانيه (¬2). # والبيضاوي: أنها للبيان، وغيره مجاز دفعا للاشتراك (¬3). # وفي أصول الحنفية: أنها حقيقة في التبعيض (¬4). # مثال الابتدائية: سرت من البصرة. # ومثال التبعيضية: {يغفر لكم من ذنوبكم} [نوح: 4] على الأصح. # والتبيين: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} [الحج: 30]. # والتعليل نحو: ms155 {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل} [المائدة: 32]. # والبدل نحو: "ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (¬5). PageV02P173 # والغاية [نحو] (¬1): فلان قريب من زيد، أي: إليه، والحق: أنها ابتدائية، ~~أي: المسافة منه قريبة إلى زيد. # وتنصيص العموم نحو: ما في الدار من أحد، إذ بدون من لفظ ما ظاهر في ~~العموم، ومع من نص لا يحتمل غيره، ولفظ من زائدة، والنصوصية من خصوص ~~المقام، لا أنها معنى من. # وللفصل، أي: التمييز بين الشيئين نحو: {والله يعلم المفسد من المصلح} ~~[البقرة: 220]. # قيل: وتدخل على ثاني الضدين في هذه الصورة، كما في هذه الآية الكريمة. # قوله: "ومرادفة الباء" مصدر من باب المفاعلة نحو: {ينظرون من طرف خفي} ~~[الشورى: 45] أي: به". # [وبمعنى] (¬2) عن نحو: {قد كنا في غفلة من هذا} [الأنبياء: 97] أي: عن هذا. # أو في نحو: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة} [الجمعة: 9] أي: فيه. # وعند نحو: {لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا} [آل عمران: ~~10] أي: عند الله. PageV02P174 # وعلى نحو: {ونصرناه من القوم الذين كذبوا} [الأنبياء: 77] (¬1) أي: عليهم. # قوله: "الخامس والعشرون: من". # أقول: من تلك الكلمات المتداولة لفظ من، وهى تكون شرطية نحو: {فمن يعمل ~~من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه} [الأنبياء: 94]. # واستفهامية نحو: {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} [غافر: 16]. # وموصولة نحو: أكرمن من تعرفه. # ونكرة موصوفة نحو: # كفى بنا فضلا على من غيرنا ... حب النبي محمد إيانا (¬2) # وأثبت أبو علي الفارسي "من" التامة نكرة بمعنى إنسان، أو شخص. # والجمهور: لم يثبتوه لعدم الظفر بشاهد يعتمد عليه (¬3). PageV02P175 # قوله: "السادس والعشرون: هل". # أقول: من تلك الحروف المتداولة لفظ: هل، وهى للتصديق، أي: للسؤال عنه ~~نحو: هل قام زيد. # والجمهور: لم يقيدوا التصديق، والمصنف قيده بالإيجابي احترازا عن التصديق ~~السلبي. # والظاهر: أنها اختصت بالإيجابي: لأن أصلها أن تكون بمعنى قد، مع همزة ~~الاستفهام. # وقد جاء صريح الهمزة معها نحو: # سائل فوارس يربوع بشدتنا ... أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم (¬1) # ولا معنى للهمزة، مع قد في الفعل المنفي، يعرف بالتأمل! . # ولما كانت ms156 لطلب التصديق، امتنع أن يقال: أزيد قام أم عمرو؟ . # ولأن وقوع المفرد بعد أم دليل كون أم متصلة، وبين "أم" المتصلة و"هل" ~~تدافع: لأن المتصلة لطلب التصور، أي: تعينه بعد الحكم، وهل لطلب التصديق، ~~فيتنافيان. PageV02P176 # ويقبح: هل زيدا ضربت: لأن التقديم يستدعى حصول/ ق (53 / أمن أ) التصديق. # وإنما الكلام في المفعول أزيد هو، أم عمرو؟ . # فإن قلت: إذا كان التصديق حاصلا ينبغى أن يكون ممتنعا لا قبيحا، وإلا فما وجهه؟ # قلت: يحتمل أن يكون [زيدا مفعولا] (¬1) لفعل يفسره الفعل الظاهر، لكن لما ~~لم يشتغل الفعل المفسر بالضمير قبح لذلك. # واعلم: أن هل، إذا دخلت المضارع صيرته نصا في الاستقبال [فإذا وقع ضرب من ~~مخاطبك على أخيه، فلا يصح أن تقول: هل تضرب زيدا، وهو أخوك لا، لأن الجملة ~~الحالية تنافي الاستقبال] (¬2)، بل لأن الفعل الواقع في الحال لا ينكر بلفظ ~~موضوع للاستقبال. # وتنقسم هل إلى بسيطة/ ق (54/ أمن ب)، ومركبة، فالبسيطة، يكون الوجود في ~~تصديقها محمولا نحو هل العشاء موجودة؟ ، والمركبة يكون الوجود فيها معلوما، ~~والمحمول يكون صفة مرتبة على الوجود نحو: هل حركة زيد سريعة، أو بطيئة ~~(¬3)؟ . PageV02P177 # ثم المصنف ترك الهمزة، وكان الأولى ذكرها: لأنها أصلية في باب الاستفهام، ~~وأوسع معنى لوقوعها في التصور سؤالا عن المحكوم عليه، نحو: أزيد قائم، أم ~~عمرو؟ والمحكوم به، نحو: في الخابية عسلك، أم في الزق (¬1)؟ وفي التصديق ~~نحو: أقام زيد، أم عمرو؟ وباقي أدوات الاستفهام كلها للتصور فقط. # قوله: "السابع والعشرون: الواو لمطلق الجمع". # أقول: من تلك الحروف المتداولة الواو، وهى للجمع المطلق، أي: للجمع ~~المشترك بين المعية، والترتيب، فإذا قلت: جاء زيد، وعمرو أفاد صدور المجيء ~~عنهما، ويحتمل أن يكون مجيء زيد قبل عمرو، والعكس، والمعية، كذا ذكره أبو ~~على الفارسي، ونص عليه سيبويه في الكتاب في خمسة عشر موضعا (¬2)، هذا هو ~~المختار نقلا، ودليلا، وقيل: للترتيب، وقيل: للمعية (¬3). PageV02P178 # لنا - على المختار - ما نقلناه من أئمة العربية، ولو كان للترتيب، لكان ~~قولنا: جاء زيد، وعمرو يعد تكرارا، ولو كان للمعية ms157 لكان تناقضا. # قالوا: قال الله تعالى: {اركعوا واسجدوا} [الحج: 77]، والسجود بعد الركوع ~~إجماعا. # قلنا: مستفاد من قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (¬1) جمعا بين الأدلة. # قالوا: لما نزل: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] قال - ~~صلى الله عليه وسلم -: "أبدأ بما بدأ الله به" (¬2). # قلنا: لنا، لا علينا إذ لو كان مستفادا منه لما أمر به. # قالوا: خطب أعرابي عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "من أطاع ~~الله ورسوله، فقد اهتدى، ومن عصاهما، فقد غوى". # فقال - صلى الله عليه وسلم -: "بئس خطيب القوم أنت، قل: ومن عصى الله ~~ورسوله" (¬3)، فلو كان الواو لمطق الجمع - على ما زعمتم - لما كان فرق بين ~~العبارتين، ولو لم يكن فرق لما رده، وما ذاك إلا أن في العطف ترتيبا لم يكن ~~في عدمه لعدم فارق آخر. # قلنا: الفارق: هو التعظيم إذ الإفراد بالذكر مؤذن بالتعظيم، ومعصيتهما لا ~~ترتيب فيها، إذ مخالفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - عين مخالفة الله لأنه ~~مبلغ عنه. PageV02P179 # قالوا: لو قال - لغير المدخول بها -: أنت طالق، وطالق، وطالق تقع واحدة، ~~وإذا قال لها: أنت طالق ثلاثا تقع الثلاث، فلو لم تكن الواو للترتيب لم يكن ~~فرق في المسألتين. # قلنا: عدم وقوع الثلاث ممنوع إذ قال به مالك في المسألة الأولى أيضا، وهو ~~قول قديم للشافعي (¬1). # وأما قوله الجديد، وهو المذهب، فالفرق أن قوله/ ق (53 / ب من أ) - في ~~الصورتين (¬2) -: أنت طالق جملة مستقلة تفيد وقوع الطلاق، بل توقف على شيء ~~آخر (¬3). # وقوله: ثلاثا. بيان متصل به يقبل منه، ويحمل على أنه قصد بقوله: أنت طالق ~~[إيقاع الثلاث بخلاف قوله: وأنت طالق لا يصلح بيانا لقوله: أنت طالق] (¬4) ~~فيتم الكلام به، وتحصل البينونة. # فإن قيل: فقد نقل عن مالك أنها مثل ثم، في وجه ذلك؟ . # أجيب: بأن مالكا قاله - في المدخول بها -: وهو أنه إذا قال - لها -: أنت ~~طالق، وطالق، ثم قال: أردت بالثانية تأكيد الأولى، لا يقبل منه لظهور الواو ~~في عدم الترتيب. # قالوا: وفي هذه الصورة ms158 مثل ثم، فكما لا يقبل دعوى التأكيد في ثم، فكذا في ~~الواو. PageV02P180 ### || AUTO باب الأمر # قوله: "الأمر". # أقول: أي هذه المباحث التي تشرع فيها مباحث الأمر (¬1)، وقد تقدم منا ~~تحقيق هذا الكلام، ونعيده لبعد العهد (¬2). # فنقول: الأمر، أي: الهمزة، والميم، والراء كيف تركب هذه الحروف حقيقة في ~~القول الطالب للفعل مطلقا، أي: من غير ملاحظة علو، ولا استعلاء؟ # قال المولى المحقق عضد الملة والدين - نور الله مرقده -: "لا نريد بالأمر ~~هنا مسماه، كما يراد بالألفاظ مسمياتها عند إطلاقها، بل نريد به هذه؛ أم ر، ~~مركبة، كما يراد لفظ "في" إذا قلنا: في حرف جر. PageV02P181 # ونقول: ضرب فعل ماض، ويضرب فعل مضارع، وزيد مركب من حروف ثلاثة" (¬1). # وما ذكرنا من القول الطالب للفعل، هو معنى قول المصنف: القول المخصوص، ~~ولهذا القول المخصوص صيغة، وهى افعل، ونظائره. # فمعنى قولك: أمر زيد (¬2) / ق (54/ ب من ب) عمرا بالقيام، أي: قال له: ~~قم، مجاز في الفعل، دفعا للاشتراك. # وقيل: للقدر المشترك بينهما، أي: بين القول والفعل، فيكون متواطئا (¬3). # وقيل: مشترك لفظا كالعين للباصرة، والجارية. # أبو الحسين البصري (¬4) من المعتزلة: إذا قيل: أمر فلان، ترددنا بين PageV02P182 # القول، والفعل، والشأن، والصفة، وهو آلة الاشتراك، فيكون مشتركا بين ~~الأربعة (¬1). # قلنا: ممنوع، بل يتبادر القول، فيكون الباقي مجازا، ولو لم يتبادر كان ~~الحمل على الحقيقة في القول، والمجاز في الباقي واجبا لكونه خيرا من ~~الاشتراك (¬2). # قوله: "وحده: اقتضاء فعل غير كف مدلول عليه بغير كف". # أقول: حده الشيخ ابن الحاجب رحمه الله بقوله: "اقتضاء فعل غير كف على جهة ~~الاستعلاء" (¬3). PageV02P183 # فورد عليه: كف نفسك، فإنه من صيغ الأمر، وقد خرج بقولك: غير كف، فلا يكون ~~جامعا، وقيد الاستعلاء يخل بالجمع - أيضا - لوجود حقيقة الأمر بدون ~~الاستعلاء كقول فرعون - عليه لعائن الله لقومه -: {فماذا تأمرون} [الأعراف: ~~110، والشعراء: 35] لانتفائه قطعا لكونه كان يدعي الربوبية، فلا مستعلى ~~عليه في زعمه، وقد استعمله. # فاحترز المصنف عن الاعتراض، فأسقط قيد الاستعلاء، [وزاد قيدا] (¬1) وهو ~~قوله: "مدلول عليه بغير كف"، فدخل فيه كف. # واعلم: ms159 أن بعض المحققين (¬2) أجاب عن السؤالين: بأن الأمر في {فماذا ~~تأمرون} مجاز عن ماذا تشيرون، بقرينة المقام، وبأن الكف المذكور في التعريف ~~يراد به الكف عن مأخذ الاشتقاق كقولك: لا تضرب، يراد به الكف عن الضرب الذي ~~هو مأخذ اشتقاق لا تضرب، فيدخل كف لأنه لا يراد به الكف عن مأخذ اشتقاقه، ~~بل يراد به كف النفس عن شيء آخر مخصوص، أو عام، فاندفع السؤال عن الشيخ ابن ~~الحاجب/ ق (54/ أمن أ) بشقيه (¬3). # وفيما أفاده - لنا - نظر لورود قولنا: كف عن الكف، إذ يصدق عليه أنه كف ~~عن مأخذه الاشتقاق، فتأمل! PageV02P184 # وقد أجاب المولى قطب الشيرازي (¬1): بأن مراد الشيخ ابن الحاجب غير كف، ~~لا يكون قد اشتق منه اللفظ الدال على الاقتضاء، وذلك: بأن لا يكون كفا، كما ~~في اضرب، أو كان، ولكن اشتق منه الصيغة مثل: اكفف، وهذا الجواب سالم إلا ~~أنه لا يفهم من عبارة ابن الحاجب، ولذا لم يرتضه المولى [المحقق] (¬2) عضد ~~الملة والدين، آنسه الله برحمته، وقال بورود الاعتراض، ولم يجب بشيء. # قوله: "ولا يعتبر علو، ولا استعلاء". # أقول: هذا تصريح بما علم ضمنا: لأنه لما حده بالاقتضاء المذكور من غير ~~تقييد بهما علم عدم الاعتبار. # قوله: وقيل يعتبران. أي: يعتبر كل واحد بانفراده عن الآخر عن طائفة، ~~وإنما قلنا كذلك: لأن اعتبارهما مما لم يقل به أحد (¬3). PageV02P185 # وقد أشار في المتن إلى القائل بكل واحد من القيدين. فقال: "واعتبرت ~~المعتزلة، وأبو إسحاق الشيرازي (¬1)، وابن الصباغ (¬2)، وابن السمعاني (¬3) ~~العلو (¬4). PageV02P186 # وأبو الحسين، والآمدي، والإمام وابن الحاجب الاستعلاء" (¬1). # فقوله: واعتبرت. بيان، وتفصيل لقوله يعتبران، فالأولى عدم الواو. # وقوله: واعتبر أبو على الجبائي، وابنه أبو هاشم [تعيين] (¬2) إرادة الطلب ~~باللفظ/ ق (55/ أمن ب) احتراز عن التهديد، فإن صيغته إذا استعملت في ~~التهديد لا طلب فيها. # وأجيب: بأن استعماله في التهديد مجاز، فلا حاجة إلى الاحتراز. # واعلم: أن الشيخ ابن الحاجب نقل هذا المذهب عن قوم على غير الوجه الذي ~~نقله المصنف، فإنه قال: "وقال قوم: صيغة افعل، أي: الأمر ms160 صيغة افعل، ~~بإرادات ثلاث: وجود اللفظ، أي: إرادة وجوده احترازا عن النائم إذا قال: ~~افعل، ودلالته على الأمر، أي: الطلب احترازا عن التهديد، ونحوه، والامتثال، ~~احترازا عن المبلغ، والحاكي. PageV02P187 # ورده بأنه تهافت: لأن المراد بالأمر إن كان هو اللفظ فسد لقوله: "وإرادة ~~دلالته على الأمر" واللفظ غير مدلول عليه، وإن كان المعنى فسد لقوله: ~~"الأمر صيغة افعل" والمعنى ليست صيغة [افعل] (¬1) ". # وأجاب - عنه - المحقق (¬2): بأنه أريد في الأول اللفظ، وفي الثاني ~~المعنى، فإنه يطلق عليهما، فلا تهافت. # قوله: "والطلب بديهي". # أقول: لما أخذ الاقتضاء الذي هو مرادف للطلب في تعريف الأمر - ومعرفة ~~المحدود موقوفة على معرفة الحد، وأجزائه، والاقتضاء ليس بمعلوم، فيحتاج إلى ~~تعريفه - أشار إلى استغنائه عن التعريف لكونه بديهيا. # هذا، وكان الأولى أن يقدم هذا الكلام على تعريف الأمر؛ لكونه قسما من ~~أقسام الطلب، ثم يقسمه، ثم يشرع في البحث عن كل قسم. # واعلم أن العلماء في الطلب، والخبر فرقتان: فرقة توجههما إلى التعريف ~~لكونهما كسبيين كسائر الكسبيات، وفرقة تقول: باستغنائهما، وهذا هو مختار ~~المحققين. ومحصل ما استدلوا به على مذاهبهما: أن كل واحد ممن لم يمارس ~~العلوم، والاكتساب، يفرق بين الصادق، والكاذب في الأخبار، ويأمر، وينهى، ~~ويستفهم في الطلب، يورد كلا في مقامه اللائق به، فلو لم يكونا ضروريين لما ~~تأتى له ذلك. PageV02P188 # والجواب - عن ذلك -: أن النزاع في تصورهما بالكنه، وما ذكروه لا يدل ~~عليه، إذ يكفي - في ذلك الإيراد - المعرفة بوجه. # والمصنف (¬1) / ق (54/ ب من أ) لم يتعرض لذلك الاستدلال، وكأنه يزعم أن ~~بداهتهما، أي: وصف البداهة - فيهما - ضرورية أيضا، فخلص من الاعتراض ~~المذكور. # قوله: "والأمر غير الإرادة" إشارة إلى نفى ما ادعاه بعض المعتزلة من أن ~~الأمر الذي هو الاقتضاء، نفس إرادة الفعل، وبنوا على هذا تلك المسألة ~~القبيحة، وهى أن مراد الله، قد يتخلف: لأنه أمر من ختم على قلبه بالإيمان، ~~والأمر غير الإرادة، فأراد منهم الإيمان، لكنه تخلف (¬2). تعالى عن ذلك ~~علوا كبيرا. # قوله: "مسألة: القائلون بالنفسي". PageV02P189 # أقول: القائلون بثبوت الكلام النفسي ms161 (¬1) اختلفوا في أن الأمر، أي: ~~الاقتضاء هل له صيغة تخصه، أم لا؟ # قال إمام الحرمين، وتبعه كثير من المتأخرين: "إن هذه الترجمة خطأ إذ لا ~~خلاف في أنه يعبر عن الطلب القائم بالنفس، مثل: أمرتك، وعن الإيجاب - خاصة ~~- مثل: أوجبت عليك، والندب نحو: ندبت لك هذا الأمر، إنما الخلاف في مدلول ~~صيغة افعل ما هو؟ وهذه العبارة (¬2)، / ق (55/ ب من ب) قاصرة عن تلك ~~الإفادة" (¬3). # قال بعض الأفاضل (¬4): "ولا يبعد أن يقال: هذه التخطئة خطأ: لأن المراد ~~أن الطلب هل له صيغة للدلالة عليه بهيئته بحيث لا يدل على غيره، كما أن ~~للماضي، والمضارع صيغة تدل عليه كذلك؟ # ولا خفاء في أن أمرت، ومأمور أنت بكذا، ونحوهما ليس كذلك لكونهما أخبارا" ~~(¬5). PageV02P190 # هذا أصل كلامه، وفيه نظر: لأن قول الإمام، ومن تبعه: إن الخلاف إنما هو ~~في مدلول صيغة افعل، ما هو، هل يخص الأمر، أم لا؟ فإذا كان المراد هذا - ~~وترجم المسألة: بأن الأمر هل له صيغة - يتناوله مثل: أمرت، وأنت مأمور، ~~يصدق على كل منهما أنه صيغة تخص الأمر، ولا مخالف فيه، ولا هو من المقصود ~~في شيء، بل الخلاف في أن صيغة افعل، ونحوه أي شيء معناه، أي يخص الأمر أم لا؟ # فالذي أبداه هذا الفاضل من قوله: "المراد أن الطلب هل له صيغة للدلالة ~~عليه بهيئته بحيث لا يدل على غيره" هو الذي أراده المحققون، وخطؤوا الترجمة ~~المذكورة، لقصورها عن المراد، فكيف يخطئون؟ وكيف يستقيم الرد عليهم؟ # فإن قلت: في الصواب في الترجمة؟ # قلت: الصواب في الترجمة أن يقال: هل صيغة افعل، ونحوه مخصوصة بالطلب، أم لا؟ # والعجب: أن المصنف قال: "والخلاف في صيغة افعل" ولم يتنبه على فساد تلك ~~العبارة (¬1). PageV02P191 # قال بنفيه الشيخ الإمام في السنة أبو الحسن الأشعري، أي: لم يثبت عنده أن ~~صيغة افعل، ونحوه مختصة بالطلب، فقيل: لأنه متوقف في معناه، وقيل: لكونها ~~لفظا، مشتركا عنده (¬1). # وابن الحاجب نسب التوقف إلى الشيخ، والقاضي أبي بكر، والاشتراك إلى ~~غيرهما (¬2). # قوله: "وترد للوجوب". # أقول: صيغة ms162 افعل - في لغة العرب - ترد لمعان كثيرة. PageV02P192 # قال الإمام الغزالي: "تستعمل في خمسة عشر معنى (¬1) "، وكذا الإمام في ~~"المحصول" (¬2) والمصنف قد ارتقى بها إلى ستة وعشرين معنى (¬3): # الوجوب: نحو {وأقيموا الصلاة} [البقرة: 43]. # والندب: نحو {فكاتبوهم} [النور: 33]. # والإباحة: نحو {وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة: 2]. # والتهديد: نحو {اعملوا ما شئتم} [فصلت: 40]. # وإرادة الامتثال: كقولك - لصاحبك -: سامرني. # والإذن: كقولك - لمن طرق الباب -: ادخل. # والتأديب: نحو "كل مما يليك" (¬4). PageV02P193 # [والإرشاد: نحو {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282]] (¬1). # والإنذار: نحو {فذرهم يخوضوا ويلعبوا} [الزخرف: 83]. # والامتنان: نحو {وكلوا مما رزقكم الله} [المائدة: 88]. # والتسخير: نحو {كونوا قردة خاسئين} [الأعراف: 166]. / ق (55/ أمن أ). # والتكوين: نحو {كن فيكون} [النحل: 40 ويس: 82]. # والتعجيز: نحو {فأتوا بسورة من مثله} [البقرة: 23]. # والإهانة: نحو {ذق إنك أنت العزيز الكريم} [الدخان: 49]. # والتسوية: نحو {فاصبروا أو لا تصبروا} [الطور: 16]. # والدعاء: نحو {ربنا اغفر لنا ذنوبنا} [آل عمران: 147]. # والتمني: نحو "ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي" (¬2): لأن الشاعر لشدة ~~شوقه استطال ليله، وجعل/ ق (56/ أمن ب) انجلاءه كالمستحيل. PageV02P194 # والاحتقار: نحو {ألقوا ما أنتم ملقون} [الشعراء: 43]. # والخبر: نحو "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" (¬1). أي تصنع ما شئت. # والإنعام: نحو {كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: 172]. والحق: أنه ~~للإباحة، كما سبق، وفي كثير من المعاني مناقشة ظاهرة، ولكن لم نتعرض لها ~~لعدم زيادة فائدة، فاقتفينا أثر المصنف. # والتفويض: نحو {فاقض ما أنت قاض} [طه: 72]. # والتعجب: نحو {انظر كيف ضربوا لك الأمثال} [الإسراء: 48 والفرقان: 9]. # والتكذيب: نحو {قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} [آل عمران: 93]. # والمشورة: نحو {فانظر ماذا ترى} [الصافات: 102]. # والاعتبار: نحو {انظروا إلى ثمره إذا أثمر} [الأنعام: 99]. # قوله: "والجمهور حقيقة في الوجوب". PageV02P195 # أقول: بعد الاتفاق على استعمال صيغة افعل، ونحوه في المعاني المذكورة ~~اختلف في أن الاستعمال في الكل حقيقة، أم في بعضها حقيقة، وفي البعض مجاز؟ # والجمهور: على أنها حقيقة في الوجوب، وفي الغير مجاز (¬1). # ثم قال المصنف: "ومن قال بالوجوب، وهم الجمهور، اختلفوا في ذلك الوجوب هل ~~علم لغة، أو شرعا، أو عقلا؟ ". # والذي ذكره ms163 منقول عن القاضي أبي بكر، ولكن القول بأن الوجوب علم بالشرع، ~~أو بالعقل في غاية السقوط، إذ وضع المسألة إنما هو في معنى صيغة افعل، ~~ونحوه لغة، هل يختص بالطلب، أم لا؟ فلا وجه للتردد فيه. # ونحن نذكر المذاهب التي ذكرها المصنف على وجه الضبط، ونشير إلى ما هو ~~الحق بعد ذلك. PageV02P196 # وقيل: للندب، وإليه ذهب أبو هاشم من المعتزلة (¬1). # وقال الشيخ أبو منصور الإمام المشهور الماتريدي (¬2) من الحنفية: للقدر ~~المشترك بين الوجوب، والندب، وهو مطلق الطلب (¬3). # وقيل: بالاشتراك لفظا بينهما. # وتوقف القاضي، والغزالي، والآمدي فيهما، أي: محتمل أن يكون مشتركا في ~~الوجوب والندب، ويحتمل [أن يكون] (¬4) مشتركا معنويا (¬5). # وقيل: بالاشتراك لفظا بين الوجوب، والندب، والإباحة. PageV02P197 # قيل: في الثلاثة المذكورة، والتهديد أيضا. # وقال عبد الجبار من المعتزلة: لإرادة الامتثال مطلقا، فيشمل الوجوب، ~~والندب (¬1). # وقال أبو بكر الأبهري (¬2) من المالكية: أمر الله تعالى للوجوب، وأمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يخلو إما أن يكون من عند نفسه، فندب، أو ~~حاكيا عن الله فوجوب. # وقيل: بالاشتراك بين الخمسة، وهى الوجوب، والندب، والإباحة، والكراهة، ~~والحرمة (¬3). # قوله: "والمختار - وفاقا للشيخ أبي حامد، وإمام الحرمين -: حقيقة في ~~الطلب الجازم". PageV02P198 # أقول: مختار المصنف: أن صيغة افعل، ونحوه حقيقة في الوجوب لغة وفقا لمن ~~ذكره، وإذا وردت هذه الصيغة من الشارع دلت على الوجوب، وهذا بعينه هو مذهب ~~الجمهور، إذ لا معنى لقولهم: إن الأمر للوجوب، إلا ما ذكره المصنف، إذ لا ~~وجوب إلا بالشرع (¬1). # وتحقيقه: أن صيغة افعل، ونحوه تدل على الطلب الجازم [لغة، وذلك الطلب ~~الجازم] (¬2) المانع من النقيض، [والمعرف] (¬3) (¬4) / ق (55/ ب من أ) ~~بالوجوب، الذي يعاقب على تركه. ولا فائدة في العدول عن قول الجمهور. # وأما القول: بأن عند الجمهور يحتمل أن يكون الوجوب المستفاد منها شرعا، ~~أو عقلا، كما ذكره المصنف في صدر البحث - وما اختاره المصنف (¬5) / ق (56/ ~~ب من ب) هو الطلب الجازم لغة - فقد سبق منا هناك، بطلان ذلك وأنه لا معنى ~~له: إذ الكلام في مدلول صيغة الأمر لغة، ms164 ولهذا ترك المحققون ذلك الترديد. PageV02P199 # لنا - على مختار المصنف، وهو مذهب الجمهور -: الاستدلال بها على الوجوب ~~من غير نكير، فكان إجماعا. # وقوله: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} [الأعراف: 12]، لامه على ترك المأمور ~~به، ولا لوم إلا على ترك الواجب، فيكون قوله: {اسجدوا} [الأعراف: 11] ~~للوجوب (¬1). # وقوله: {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} [المرسلات: 48]، ذمهم على عدم ~~الامتثال لقوله: {اركعوا} ووجه الاستدلال: ما ذكرنا في اسجدوا. # وقوله: {أفعصيت أمري} [طه: 93]، والمراد بالأمر قوله: {اخلفني في قومي} ~~[الأعراف: 142]. # وقوله: {لا يعصون الله ما أمرهم} [التحريم: 6]. # ولا ريب: أن هذه الأدلة - وإن لم تفد القطع - تفيد غلبة الظن، وأصل الظن ~~كاف في مثل هذه المسألة (¬2). PageV02P200 # ثم للمصنف كلام عجيب - في شرحه للمختصر - وهو أنه قال: "لقائل أن يقول: ~~قد وجدنا أوامر مستعملة في غير الوجوب، فلو اقتضى مجرد الأمر الإيجاب لزم، ~~إما التعارض بين الموجب والمانع. وإما ترك الوجوب، مع الموجب السالم عن ~~المعارض. وإما ثبوت الوجوب في صور عدم الوجوب. # بيان الملازمة: أن اقتضاء الإيجاب، إما أن يترتب في تلك الصور التي قيل ~~فيها بعدم الوجوب، فيثبت الوجوب، في صور عدم الوجوب، أو لا يترتب، فإن لم ~~يكن المانع لزم ترك الموجب السالم عن المانع، وإن كان لمانع لزم التعارض ~~بين الموجب والمانع، واللوازم كلها منتفية، الأول بالإجماع، والثاني ~~والثالث: لأن الأصل عدم كل واحد منهما. # ولا جواب لهذا الاعتراض إلا ببيان: أن التعارض بين المقتضي، والمانع، ~~فيحتاج المستدل إلى دليل آخر" (¬1). هذا كلامه. # وإنما قلنا: إنه كلام عجيب: لأن الدعوى أن الأمر المجرد عن جميع القرائن ~~مفيد للوجوب ظاهرا، فحيث تجرد عن جميع القرائن يحمل على الوجوب للدلائل ~~المذكورة، وحيث وجدت قرينة صارفة عن الوجوب كالإجماع الدال على عدم وجوب ~~الأكل من الطيبات، والتخيير المنافي للوجوب في قوله: {فاصبروا أو لا ~~تصبروا} [الطور: 16] يحمل على ما دل عليه القرينة، كما هو شأن سائر الحقائق ~~مع المجازات: لأن دلالة الألفاظ وضعية يجوز تخلف مدلولاتها عنها. PageV02P201 # فما أبداه من البحث، والمناظرة خارج عن ms165 القانون. # قوله: "وفي وجوب اعتقاد الوجوب قبل البحث [خلاف] (¬1) العام". # يريد: أن لفظ الأمر إذا ورد من الشارع يحمل على الوجوب إذا خلا عن قرائن غيره. # وأما قبل الفحص عن الصارف، هل يجب اعتقاد الوجوب، أم لا؟ فيه الخلاف ~~المذكور في العام. # وفي شروحه: أن الأصح يجب اعتقاد الوجوب، كما في العام يجب اعتقاد عمومه (¬2). # وفيه نظر: لأن الخلاف في العام، إنما ذكره المحققون في الحمل على العموم ~~قبل البحث عن المخصص. # قال صاحب التلويح: حكم العام التوقف فيه عند عامة الأشاعرة، حتى يقوم ~~دليل العموم، أو الخصوص. # وعند جمهور العلماء: الحكم في جميع ما يتناوله اللفظ - قطعا، ويقينا - ~~عند مشايخ/ ق (57/ أمن ب) العراق/ ق (56/ أمن أ) من الحنفية. # ظنا عند جمهور الفقهاء، والمتكلمين، وهو مذهب الشافعي" (¬3). PageV02P202 # فإذا كان تناوله ظنا عنده، فكيف يجب اعتقاد عمومه؟ وكذلك الأمر حمله على ~~الوجوب، مشروط بعدم الصارف عنه، كما هو شأن الحقيقة، مع المجاز، غايته: ~~التبادر إلى الفهم، قبل الفحص عن الصارف. # ولا شك: أن الظهور إنما يفيد الظن لا الاعتقاد، فالحق أن يقال: يجب حمله ~~على الوجوب: لأنه يجب اعتقاد الوجوب. # قوله: "فإن ورد بعد الحظر قال الإمام: أو استئذان، فللإباحة". # أقول: اختلف القائلون: بأن الأمر المجرد عن القرائن للوجوب في الأمر ~~الوارد بعد الحظر. # قيل: للوجوب. وقيل: للندب. وترك المصنف الندب. # وذكر صاحب التلويح، وأسند إلى سعيد بن جبير (¬1): أن الانسان إذا انصرف ~~من الجمعة، ندب له أن يساوم شيئا، ولو لم يشره (¬2). PageV02P203 # إمام الحرمين، ومن تبعه توقفوا فيه (¬1). # الموجب - وهو الإمام في "المحصول"، وصدر الشريعة من الحنفية -: إن ~~الدلائل الدالة على أنه حقيقة في الوجوب دلت مطلقا عليه، وكونه بعد الحظر ~~لا تأثير له (¬2). # والحق: أنه للإباحة على ما اختاره الشيخ ابن الحاجب والمصنف: لأن النهي ~~يدل على التحريم، فورود الأمر بعده يكون لرفع التحريم هو المتبادر، ~~فالوجوب، أو الندب زيادة لا بد له من دليل (¬3). PageV02P204 # قيل: قوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة: 2]، {فإذا قضيت الصلاة ~~فانتشروا} [الجمعة: 10] # قلنا: ms166 معارض بقوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} [التوبة: ~~5]، فالوجه ما ذكرناه من التبادر (¬1). # ثم هذا الخلاف إنما هو عند انتفاء القرينة، وأما عند وجودها، يحمل على ما ~~يناسب المقام بلا خلاف. # وأما النهي الوارد بعد الأمر، منهم من طرد فيه القياس، وحمله على ~~الإباحة، وقيل: للكراهة. # الجمهور - وهو مختار المصنف -: أنه للتحريم. # وقيل: لإسقاط الوجوب، فيعود الحال إلى ما كان عليه قبل الوجوب من إباحة، ~~أو تحريم بحسب المقام (¬2). PageV02P205 # وتوقف إمام الحرمين، وتبعه الإمام الرازي في المحصول (¬1). # لنا - على المختار، وهو التحريم -: أن صيغة النهى [ظاهرة في] (¬2) ~~التحريم، وتقدم الأمر لا يصلح قرينة على أن النهي للإباحة، أي: رفع الوجوب: ~~لأن صيغة النهي لم ترد للإباحة، بخلاف [صيغة] (¬3) الأمر، كما قدمنا، ولا ~~يقاس أحدهما على الآخر. # وقيل (¬4): لأن النهى يدل على رفع المفاسد، والأمر يدل على جلب المصالح، ~~واعتناء الشارع برفع المفاسد أكثر منه بجلب المصالح. # وليس بشيء: إذا النهي، والأمر لم يتعارضا حتى يرجح النهى بما ذكر، بل ~~التعارض إنما هو بين التحريم، والإباحة، كما كان في الأمر - الوارد بعد ~~الحظر - بين الوجوب والإباحة. PageV02P206 # [والذاهب إلى الإباحة] (¬1) كأنه توهم أن النهي يرفع الوجوب، وإذا رفع ~~الوجوب ثبت التحريم، وغفل عن معنى النهي، وهو التحريم الذي هو مدلول النهي حقيقة. # قوله: "مسألة: الأمر لطلب الماهية لا لتكرار، ولا مرة، والمرة ضرورية". # أقول: معنى التكرار: وقوع الشيء مرة بعد أخرى، فإن كان الأمر مطلقا تجب ~~المداومة (¬2) / ق (57/ ب من ب)، وإن كان مؤقتا يجب في كل وقت قدره الشارع، ~~كصلاة الفجر. # ثم لا خلاف في أن الأمر المقيد بالتكرار يفيد ذلك، وإنما الكلام في الأمر ~~المجرد عن التقييد بالتكرار، والمرة، ففيه مذاهب خمسة: # الأول - وهو المختار -: لا تكرار، ولا مرة (¬3). PageV02P207 # الثاني: مدلوله المرة (¬1). # الثالث: وإليه ذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وأبو حاتم القزويني ~~(¬2) -: التكرار مطلقا (¬3) / ق (56/ ب من أ) أي: سواء علق بشرط، أو لا ~~(¬4). PageV02P208 # الرابع: إن علق بشرط، أو صفة نحو: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6]، ~~{الزانية والزاني فاجلدوا} ms167 [النور: 2] (¬1). # الخامس: الوقف، أي: التوقف، وعدم الجزم بشيء لا نفيا، ولا إثباتا (¬2). # لنا - على المختار -: أن مدلول الصيغة طلب ماهية الفعل مطلقا، ولهذا يعد ~~ممتثلا بالمرة الواحدة، لا لأنها مدلول الصيغة، بل لأن المرة أقل ما يمكن ~~وجود الماهية في ضمنه. إليه أشار المصنف بقوله: "والمرة ضرورية". # ولنا - أيضا -: لو كان للمرة كان تقييده به تكرارا [وبالتكرار] (¬3) ~~تناقضا، وكذا العكس. # ولنا - أيضا -: أن التكرار، والمرة من صفات الفعل كالقليل، والكثير، ~~والموصوف بالصفات المتقابلة لا دلالة له على خصوصية شيء منها. PageV02P209 # ولنا - على منع التكرار خاصة -: لو كان له لعم الأوقات كلها، ولزم تكليف ~~ما لا يطاق، وهو باطل إجماعا، وكان ينسخه كل أمر بعده، إذا كان منافيا له. ~~واللازم منتف اتفاقا. # القائلون: بالتكرار قالوا: النهى يفيده، فكذا الأمر. # قلنا: قياس في اللغة، وقد عرفت حاله. ولو سلم فالانتهاء في النهى أبدا ~~ممكن دون الامتثال في الأمر، فافترقا. # قالوا: تكرر الصلاة، والزكاة. # قلنا: لتكرار السبب، وهو الوقت المقدر، وأيضا معارض بالحج. # قالوا: الأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي يمنع عن المنهي عنه دائما، فيلزم ~~التكرار في المأمور به. # قلنا: كون الأمر بالشيء نهيا عن ضده ممنوع، ولئن سلم، فالنهي بحسب الأمر، ~~فإن كان الأمر بالفعل دائما كان نهيا عن أضداده دائما. # وإن كان آمرا به في وقت كان نهيا عن الأضداد في ذلك الوقت. # القائلون: بالمرة، لو قال السيد لعبده: ادخل الدار، فدخلها عد ممتثلا. # قلنا: لكون المأمور به حصل في ضمن ذلك الفرد جمعا بين الأدلة، ولما ذكرنا ~~من تناقض التكرار، لو كان مدلوله المرة. # قوله: "وقيل: [إن علق] (¬1) بشرط، أو صفة". PageV02P210 # [أقول] (¬1): القائلون: بأن الأمر لا يفيد التكرار متفقون على أنه إذا ~~علق على علة ثابتة عليتها مثل قوله: إذا زنى فاجلدوه، يفيد التكرار لعدم ~~جواز انفكاك المعلول عن علته، فالتكرار ليس مستفادا من الصيغة (¬2). # وأما الشرط، والصفة، فالجمهور على عدم التكرار: لأن الشرط غير مستلزم ~~للمشروط، والصفة إن ثبت عليتها فعلة، وإلا فلا استلزام. PageV02P211 # قالوا (¬1): قوله تعالى: {والسارق ms168 والسارقة فاقطعوا} [المائدة: 38]، و ~~{الزانية والزاني فاجلدوا} [النور: 2]، و {وإن كنتم جنبا فاطهروا} ~~[المائدة: 6]، ونظائرها بالاستقراء من الشروط، والأوصاف. # قلنا: ثبت عليتها شرعا، ولذلك لم يتكرر الحج، مع وجود شرطه، وهو ~~الاستطاعة. # قالوا: تكرر بتكرر العلة، فالشرط/ ق (58/ أمن ب) أولى لانتفاء المشروط، ~~بانتفائه، بخلاف العلة لجواز قيام علة أخرى مقامها. # قلنا: لا تأثير لما ذكرتم: لأن الكلام في مقتضى التكرار، ووجود الشرط ليس ~~بمقتضى بخلاف العلة، وقيام إحدى العلتين مقام الأخرى عند انتفائها، لا ~~ينافي ما ادعيناه. # القائلون بالوقف: لو ثبت شيء مما ذكر ثبت بالدليل، ولا دليل إذ العقل لا ~~مدخل له في مثله، والآحاد لا يفيد العلم، والتواتر منتف. # قلنا: المسألة لغوية يكفيها الآحاد. # قوله: "ولا لفور خلافا لقوم". وهم القائلون بالتكرار، فإن القول به ~~مستلزم للفور، ووافقهم بعض من قال بالمرة. # القاضي، ومن/ ق (57/ أمن أ) تابعه: إما الفعل في الحال، أو العزم. PageV02P212 # وقيل: مشترك بين الفور، والتراخي، والمبادر ممتثل خلافا لمن منع الامتثال ~~بناء على جواز كونه للتراخي، وخلافا لمن توقف فيه (¬1). PageV02P213 # والحق: أن قول المصنف: "خلافا لمن منع". لا وجه له: لأن القائل: بأنه ~~للتراخي لم يقل به وجوبا، بل جوازا، صرح به المحققون (¬1)، بل عدم الامتثال ~~يلائم القول بالتوقف على ما ذهب إليه طائفة من الواقفية. # ثم قول المصنف: "ومن وقف". عطفا على من منع، أيضا، ليس على ما ينبغي: إذ ~~الواقفية طائفتان: إمام الحرمين، ومن تبعه قالوا: بالوقف في مدلوله، لغة، ~~أهو للفور، أم لا؟ ، لكنه لو بادر - ممتثلا - سواء كان للفور، أو للقدر ~~المشترك، وأما وجوب التراخي [فغير] (¬2) محتمل عندهم (¬3). # وذهبت طائفة: إلى التوقف فيه، وفي الامتثال لاحتمال وجوب التراخي. لنا - ~~على أن مجرده لا يقتضي الفور -: ما تقدم من الأدلة في نفي التكرار والمرة. # القائلون: بالفور، قالوا: قوله تعالى: {وسارعوا} [آل عمران: 133] نص في ذلك. # قلنا: فهم من مادة الكلمة لا من الصيغة. # قالوا: ذم إبليس على ترك السجود، ولو لم يقتض الفور لما استحق الذم، وهو ~~ظاهر. PageV02P214 # قلنا: لتقييده ms169 بالوقت لقوله تعالى: {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا ~~له ساجدين} [ص: 72]. # قالوا: لو قال لعبده اسقني، وأخر من غير مانع عد عاصيا، ضرورة. # قلنا: بقرينة المقام لا من صيغة الأمر، ونحن لا نمنع دلالته عليه، مع ~~القرينة، بل جميع الموارد من التكرار، والفور، والتراخي مفوضة إلى القرائن. # قالوا: إذا قيل: زيد قائم، وعمرو قاعد، أو قال السيد لعبده: أنت حر، أو ~~الزوج لامرأته: أنت طالق، فهم الفور من الكل، فكذا الأمر إلحاقا لأحد نوعي ~~الكلام - وهو الإنشاء - بالآخر، وهو الخبر. # قلنا: قياس في اللغة، ولو سلم، فالفرق واضح: لأن الأمر يدل على الاستقبال ~~قطعا [لعدم] (¬1) جواز الأمر بتحصيل الحاصل، فالحال غير محتمل، [والاستقبال ~~القريب إلى الحال، والبعيد منه محتمل] (¬2)، فلا يحمل على أحدهما إلا ~~بالقرينة. قالوا: النهي يفيده - كما تقدم - فكذا الأمر. # قلنا: قد تقدم الجواب أيضا. # قالوا: لو جاز التأخير لزم التكليف بالمحال لعدم بيان آخر وقت التأخير. PageV02P215 # قلنا: نعم، لو كان واجب التأخير، وأما إذا كان جائز التأخير - كما هو ~~المدعى - فلا محذور، إذ له أن يوقعه في أي جزء شاء من الوقت. # القائل بوجوب الفعل، أو العزم: إنه كخصال (¬1) / ق (58/ ب من ب) الكفارة، ~~كما ذكره، في الواجب الموسع، وقد تقدم جوابه. وهو أن المطلوب هو الفعل، ~~والعزم على الإتيان بالواجب جار في جميع الواجبات، فلا تعلق له بالبحث. # الواقفية قالوا: تعارضت الأدلة، فوجب التوقف. # قلنا: بل يحصل الامتثال كيف أوقع الفعل: لأن المطلوب صدور الفعل من ~~المكلف، مع أنا قد بينا: أن الفورية، والتراخي إنما استفيدا من القرائن، ~~وما ذكرنا من المختار هو المنقول عن الإمام الشافعي عليه من الله، ما ~~يستحقه من جلائل النعم، ومواهب الكرم. # قوله: "مسألة: الرازي، والشيرازي، وعبد الجبار: الأمر يستلزم القضاء". # أقول: إذا أمر الشارع بفعل في وقت معين، هل يقتضي ذلك الأمر الفعل المعين ~~بعد ذلك الوقت أداء، وقضاء، أو لا يقتضي؟ # الجمهور: لا يقتضيه. PageV02P216 # أبو بكر الرازي (¬1) من الحنفية، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية، ~~وعبد الجبار ms170 من المعتزلة: يستلزمه (¬2) (¬3) / ق (57/ ب من أ). # لنا - على مختار الجمهور، وهو المختار -: أنا قاطعون أنه لو قال: صم يوم ~~الخميس، لم يدل على صوم [يوم] (¬4) الجمعة بوجه من الوجوه، وإذا انتفت ~~الدلالة من سائر الوجوه، فأنى يجب! ؟ # وأيضا لو كان واجبا به لكان أداء، ويرجع إلى الواجب المخير، كأنه قال: صل ~~إما يوم الجمعة، أو يوم الخميس، واللازم منتف إجماعا. PageV02P217 # ويلزم: أن لا يقضى بالتأخير، وهو خلاف الإجماع أيضا. # قالوا: المأمور به هو فعل المكلف، والوقت ليس من ذاتياته، بل من ~~ضرورياته، فاختلاله لا يؤثر في سقوط المأمور به. # قلنا: كذلك، لكن قيد للفعل، والمقيد من حيث إنه مقيد ينتفى بانتفاء قيده، ~~ولذلك لم يجز تقديمه على الوقت اتفاقا. # قالوا: الوقت للعبادة كالأجل للدين، فكما لا يسقط الدين بانقضاء الأجل لا ~~تسقط العبادة بانقضاء الوقت. # قلنا: ليس كالأجل من كل وجه، وإلا لجاز التقديم عليه مثله، ولم يقل به أحد. # قالوا: فيم أوجبتم القضاء؟ # قلنا: بأمر جديد، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من نام عن صلاة، أو ~~نسيها فليصلها إذا ذكرها" (¬1). # قالوا: فيكون أداء. # قلنا: بل قضاء: لأنه استدراك لما سبق وجوبه. PageV02P218 # هذا، وقد أفاد المولى المحقق عضد الملة والدين: أن منشأ الخلاف هو أن ~~المقيد مفهوم، مركب من المطلق، والمقيد، فهما سيان (¬1). # فمن ذهب إلى الأول: زعم أن انتفاء أحد الأمرين لا يستلزم انتفاء الآخر. # ومن ذهب إلى الثاني: فلأن الامتياز إنما هو في الذهن، وأما نظرا إلى ~~الوجود الخارجي، فأمر واحد كالماهية المركبة من الجنس، والفصل، فإنها أمر ~~واحد في الوجود الخارجي، وهذا هو الحق، كما بين في موضعه. # قوله: "والأصح أن الإتيان بالمأمور به يستلزم الإجزاء". # أقول: [الإجزاء] (¬2) يفسر تارة: بحصول الامتثال به على معنى أن كون ~~الفعل مجزئا، هو حصول الامتثال به، وتارة: بسقوط القضاء (¬3). # والمختار - على كلا التفسيرين -: أن الإتيان بالمأمور به على وجهه - أي: ~~كما أمر به الشارع - يستلزم الإجزاء خلافا لعبد الجبار من المعتزلة، إذا ~~فسر بسقوط القضاء. # لنا - على ما ms171 اختاره المصنف، وهو الأصح -: لو لم يستلزم الإتيان المذكور ~~الإجزاء، بمعنى سقوط القضاء، لما حصل امتثال أبدا. PageV02P219 # بيان الملازمة: أنه إذا أتى به، ولم يوجب الإجزاء، فيجب عليه مرة أخرى، ~~إذ/ ق (59/ أمن ب) الفرض: أن الإتيان به على الوجه الذي أمر به الشارع لم ~~يسقط القضاء، فلا فرق بين الإتيان به مرة، أو أكثر، واللازم باطل ضرورة، بل ~~إجماعا. # قالوا: لو كان مسقطا للقضاء، لكان صلاة من ظن أنه متطهر صحيحة، مسقطة ~~للقضاء إذ ظن الطهارة كاف في جواز الإقدام، واللازم منتف. # قلنا: ممنوع إذ المسألة مختلف فيها، إذ قال بالسقوط بعض العلماء، وإن سلم ~~أنه يجب القضاء، فالمقضي واجب مستأنف، وتسميته قضاء مجاز، هكذا أجاب المولى ~~المحقق عضد الملة والدين (¬1). وفيه نظر: لأنه بعد تبين أن المصلي لم يكن ~~على طهارة، فصلاته قضاء باتفاق الفقهاء. # والحق - في الجواب -: أن صلاة الظان إذا تبين خطأ ظنه لم يكن على الوجه ~~الذي أمر به الشارع، فلو استمر ظنه كان غير آثم بما فعل. # والحاصل: أنه على تقدير استمرار الظن لا قضاء، وعلى تقدير عدمه ليس من ~~البحث: لأنه لم يأت بالمأمور به على الوجه الذي أوجبه الشارع، وهذا/ ق (58/ ~~أمن أ) جواب في غاية الحسن. PageV02P220 # وفي عبارة المصنف نظر من وجهين: الأول: أنه لم يقيد الإتيان بالمأمور به ~~على الوجه الذي أمر به الشارع، ولا بد منه. # وربما يجاب - عنه -: بأنه إذا أوقعه المكلف على غير الوجه الذي أوجبه ~~الشارع لا يكون آتيا بالمأمور به. # والثاني: أن الأصح إنما هو على التفسير الثاني للإجزاء، وهو إسقاط ~~القضاء. # وأما على التفسير الأول: فلا خلاف لأحد فيه، ولا إشعار لكلامه بذلك. # [قوله: ] (¬1) "وأن الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرا به". # يريد أن زيدا إذا قال - لعمرو مثلا -: مر خالدا بكذا، هل يكون زيد آمرا ~~لخالد، أو لا؟ فيه خلاف: # ومختار المصنف: أنه ليس آمرا، وهو الحق (¬2) لوجهين: # الأول: أنه يلزم أن يكون القائل - لغيره -: مر عبدك بكذا متعديا لكونه ~~آمرا للعبد بدون إذن ms172 سيده، ولم يقل به أحد. PageV02P221 # الثاني: أنه لو قال - بعد ذلك الأمر للعبد -: لا تفعل يكون متناقضا، وهو ~~خلاف الإجماع. # قالوا: إذا أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال: إن الله يأمركم ~~بكذا، يصدق أن الله هو الآمر. # قلنا: لأنه مبلغ عنه، وكذا الوزير إذا أمر عن الأمير، وكذا كل منا إذا ~~أمر بأوامر الشرع، فتأمل (¬1)! # قوله: "وأن الآمر بلفظ يتناوله داخل فيه الآمر". إذا كان داخلا تحت عموم ~~اللفظ، يدخل في الحكم على الأصح نحو: قول السيد - لعبده -: أكرم من أحسن ~~إليك، يدخل السيد في عموم من. # والحق: أن هذا من أبحاث العام، وسيأتي تحقيقه. # قوله: "وأن النيابة تدخل المامور به". أي: العبادة، أي: قد تدخل إلا إذا ~~منع مانع، وقد فصل في الفروع موضع الصحة وعدمها، يطلب هناك (¬2). # قوله: "مسألة: قال الشيخ والقاضي: الأمر النفسي بشيء معين نهي عن ضده ~~الوجودي". PageV02P222 # أقول: قد اختلف في الأمر هل هو نهي عن ضده، أم لا؟ # ذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري، والقاضي في أحد قوليه: إلى أنه نهي عن ضده (¬1). # والقاضي - في قوله الآخر -، وعبد الجبار، وأبو الحسين من المعتزلة، ~~والإمام، والآمدي: ليس عينه، ولكن يتضمنه (¬2). # إمام الحرمين، والغزالي: لا عينه، ولا يتضمنه، وهو مختار المحققين (¬3)، ~~وسوف نستدل عليه. والمصنف حكى المذاهب من غير اختيار. PageV02P223 # وقال طائفة (¬1) / ق (59/ ب من ب) من المعتزلة: في الوجوب يتضمن، لا في الندب. # أما اللفظي، فليس عين المنهي عنه، ولا يتضمنه (¬2). # وهل النهي عن الشيء أمر بضده، أم لا؟ # قيل: الخلاف هو الخلاف. وقيل: النهي يتضمن دون الأمر (¬3). # هذا ضبط المذاهب في المسألة. ولا بد - أولا - من تحرير محل النزاع ليعلم ~~توارد السلب، والإيجاب على محل واحد. # فنقول: ليس النزاع في أن مفهوم الأمر هو مفهوم النهي، ولا أن صيغة الأمر ~~هو صيغة النهي، إذ فساده واضح لا يخفى على عاقل، بل PageV02P224 # النزاع في أن إيجاب الشيء، أو ندبه هل هو بعينه تحريم ضده، أو يتضمنه، أو ~~لا؟ حتى إذا قال: تحرك. هل هو ms173 بمثابة لا تسكن، أم لا دلالة له عليه؟ # لنا - على المختار، وهو أنه لا نهي عنه، ولا متضمن له -: أن لو كان كذلك ~~لزم تعقل الضد، والكف عنه، واللازم منتف ضرورة: لأن نقطع بأن الآمر بالصلاة ~~لا يلزمه تعقل الزنى، والكف عنه لدى الأمر بالصلاة. # قيل: ما ذكرتموه إنما يتأتى في الأضداد الجزئية: كالأكل، والشرب، ونحوهما ~~بالنسبة إلى الصلاة، فإن تعقلها لا يلزم. # وأما الضد (¬1) / ق (58/ ب من أ) العام، أي: الفعل المنافي، فتعقله ~~ضروري، فإن الفعل المطلوب إنما يطلب من المأمور إذا كان متلبسا بضده، ~~فتعقله إذ ذاك ضروري. # والجواب: أنه لا يلزم اشتغاله بالضد حين الطلب: لجواز أن يكون مشتغلا ~~بالفعل المطلوب في الحال، ويؤمر به لتوجه الطلب في الأمر إلى الاستقبال. # ولو سلم، فلا يلزم تصور الضد للعلم بالكف عن المطلوب، ولا ملازمة بين ~~العلم بالكف، وتصور الضد، فتأمل! PageV02P225 # وهنا أبحاث: # الأول: أن التعيين - في قولهم -: الأمر بشيء معين، يراد به أعم من ~~الشخصي، واحترز به عن المخير، فإنه ليس نهيا عن ضده كذلك في الشروح (¬1). # الثاني: أن التقييد بالنفسي لإخراج الأمر اللفظي، وصرح به المصنف بعده، ~~مما لا معنى له بعد تحرير محل النزاع: لأن الإيجاب، أو الندب لا يتصور إلا ~~في النفس. # الثالث: أن تقييد الضد بالوجودي لغو إذ الضد لا يكون إلا وجوديا: لأن ~~الوجود مأخوذ في تعريفه. # القائلون: بأن الأمر نفس النهي عن ضد المأمور به، قالوا: قولنا - لزيد -: ~~اسكن مثل قولنا له: لا تتحرك لا اختلاف إلا من جهة العبارة: لأن السكون ~~عبارة عن كون الجسم في آنين في مكان واحد. # ولا ريب: أن [قولنا] (¬2): اسكن، أو: لا تتحرك، يدل صريحا عليه، واختلاف ~~العبارة لا اعتبار به. # وأيضا لو كان مغايرا لكان إما مثلا، أو مخالفا، أو ضدا. PageV02P226 # وجه الحصر: أن الشيئين إما أن يتساويا في الماهية، وصفاتها اللازمة لها، ~~وهما المثلان كزيد، وعمرو، وإن لم يتساويا، فإما أن يتباينا بذاتهما، أو لا. # فالأول: [الضدان] (¬1) كالسواد، والبياض. # والثاني: الخلافان كالسواد، والحلاوة، والأقسام ms174 بأسرها باطلة: # لأنهما لو كانا مثلين، أو ضدين لم يجتمعا: لأن المثلين، والضدين لا ~~يجتمعان، لكن اجتماع الأمر بالشيء، والنهي عن ضده ضروري جوازه. # ولو كانا خلافين لجاز اجتماع كل منهما مع الآخر، وضده كالسواد، فإنه ~~يجتمع مع الحلاوة، والحموضة، لكن/ ق (60/ أمن ب) الأمر بالشيء لا يجامع ضد ~~النهي عن ضده: لأن ضد النهي عن ضده هو الأمر بضده، وذلك محال، لأنه أمر ~~بفعل الشيء وضده في زمان واحد، وذلك يستلزم تجويز الجمع بين الضدين. # الجواب: نختار من الأقسام المذكورة الثالث. # قولكم: لو كانا خلافين لجاز وجود كل، مع ضد الآخر، أو خلافه. # قلنا: الملازمة ممنوعة إذ ليس كل مخالف يجوز اجتماعه مع ضد مخالفه، ولا ~~كل مخاف يجوز اجتماعه مع مخالف مخالفه، فإن المتضايفين يتخالفان مع التلازم ~~بينهما، وإذ كان الخلافان متلازمين استحال اجتماع أحدهما مع ضد الآخر ~~لاستلزامه اجتماع الضدين. PageV02P227 # وإن أراد أن طلب الفعل نفسه، أي: نفس الفعل المأمور به، ترك لضده، رجع ~~النزاع لفظيا: لأن الذي سماه القوم طلبا سماه القاضي نهيا، مع توقف مثله ~~على اللغة. # وبعد اللتيا والتي، يكون تعبيرا عن معنى واحد بلفظين مختلفين. # وإنما تركنا الجواب عن دليل الأول: لأنه يعلم من الثاني، فتأمل! # القائلون: بالتضمن استدلوا بوجهين: # الأول: أمر الايجاب طلب فعل يذم تاركه اتفاقا، فالذم إما على فعل الضد، ~~أو على الكف عن المأمور به، وكل منهما/ ق (59/ أمن أ) ضد للفعل المأمور به، ~~فأيهما كان يستلزم النهى، إذ لا ذم [عليه] (¬1) مالم ينه عنه. # قلنا: فرق بين حصول الشيء، وتصوره للإيجاب، وإن لم ينفك عن الذم على الكف ~~عنه، أو فعل ضده، ولكن لا يلزم تعقل ذلك الكف، أو الضد لدى الايجاب، فلا ~~تضمن إذ لا استلزام في التعقل. # قالوا - ثانيا -: فعل المأمور به واجب، ولا يتم هذا الواجب إلا بترك ضده، ~~والترك هو الكف، والكف هو معنى النهي لا العدم لأنه غير مقدور. # أجاب المولى المحقق عضد الملة والدين: بأن هذا مبني على أن كل ما لا ms175 يتم ~~الواجب إلا به، فهو واجب، وذلك ممنوع، إلا في الشرط الشرعي (¬2). PageV02P228 # قلت: القائلون: بأن كل ما لا يتم الواجب إلا به واجب، سواء كان شرعيا، أو ~~عقليا، أو عاديا لهم أدلة على ذلك. # فالأولى - في الجواب -: أن يقال: سلمنا أن ما لا يتم الواجب إلا به واجب، ~~ولكن الكلام فيه من القبيل الأول إذ لا يلزم من كونه مقدمة الواجب تعقله، ~~لأن حصول تلك المقدمة شرط لحصول الواجب؛ لأن تعقله شرط التعقل الواجب، وهذا ~~في غاية الظهور والحسن. # الفارقون - بين الوجوب، والندب، وإليه ذهب الإمام في المحصول -: أن المنع ~~من الترك من ضروريات الوجوب دون الندب (¬1). # وجوابه هو الجواب الذي تقدم في التضمن، وهو أن المنع من الترك من ضرورات ~~الوجوب، لكن الآمر لا يلزمه تعقله، والكلام في هذا لا في الحصول. # [وأيضا يلزم إبطال المباح إذ ما من وقت إلا وفيه فعل مندوب، لأن استغراق ~~الأوقات بالمندوبات. # الجواب: مندوب، منع ذلك، فإن بعض الأوقات تكره فيها العبادات بأسرها] (¬2). # الذاهبون - إلى أن النهي عن الشيء عين الأمر بضده -: وقد استدلوا بما ~~استدل به القاضي في الأمر، وقد علم جواب ذلك في تقرير (¬3) PageV02P229 # / ق (60/ ب من ب) مذهب القاضي، واستدلوا هنا - أيضا - بأن النهي طلب ترك ~~فعل، والترك فعل الضد؛ لأن الترك. بمعنى العدم غير مقدور، فيكون النهي عين ~~الأمر بالضد. # الجواب - عنه -: لو صح ما ذكرتم لكان فعل الزنى واجبا لكونه ضد اللواط، ~~وبالعكس، أيضا، ولم يقل به عاقل، ويلزم ارتفاع المباح، إذ كل مباح ضد للزنى ~~مثلا، ولا قائل به سوى الكعبي [وقد أبطلناه (¬1)] (¬2). # وأيضا: المطلوب بالنهي الكف لا الأضداد الجزئية، كما ادعيتم إذ المدعى أن ~~كل نهي عن شيء مخصوص أمر بضده المخصوص كقولنا: لا تتحرك [أهل] (¬3) هو عين ~~الأمر بالسكون، أم لا؟ لا مطلق الضد كالأكل، والشرب مثلا. # وإن قلتم: نريد بالضد نفس الكف: لأنه فعل محقق، فيكون ضدا، رجع النزاع ~~لفظيا لأنا نسمي طلب الكف نهيا، وطلب غيره أمرا، وأنتم لم تفرقوا. # القائلون: بالتضمن - أي: ms176 الذين ذهبوا إلى أن النهي عن الشيء يتضمن الأمر ~~بضده - استدلوا: بأن المطلوب من النهي هو الكف، ولا يحصل إلا بفعل ضد من ~~أضداد المنهي عنه، فكما لا يتم المطلوب من الأمر بالشيء إلا بترك جيع ~~أضداده، لا يتم في النهي إلا بوجود أحد أضداد المنهي عنه. PageV02P230 # الجواب - كما تقدم - من الإلزام الفظيع، وهو وجوب الزنى في النهي عن ~~اللواط: لأنه أحد الأضداد، وبانتفاء المباح، كما تقدم، والله أعلم. # قوله: "الأمران غير متعاقبين، أو بغير متماثلين غيران". # أقول: إذا ورد من الشارع أمران، فإن لم يتعاقبا، بأن وقع تراخ بين الأول ~~والثاني، فالثاني غير الأول، سواء كان المأمور بهما متماثلين، أو متخالفين، ~~وإن تعاقبا، لكن لم يكن الأمر بمتماثلين كقوله: صل، صم، فكذلك (¬1) / ق ~~(59/ ب من أ). # وإذا تعاقبا، وكان الأمر بمتماثلين، ولم يمنع من التكرار مانع مثل: # التعريف - في قولنا -: صل ركعتين، صل الركعتين. # أو قرينة حالية مثل قولنا: اسق زيدا، اسق زيدا، فإن المرة كافية فيه ~~عادة، ولا يكون الثاني مذكورا بطريق العطف. # قيل: غيران يحمل الكلام على التأسيس: لأن موضوعه للإفادة، فلا يحمل على ~~التأكيد الذي هو موضوع للإعادة. # وأيضا التأسيس أكثر في كلام العرب من التأكيد، فيحمل الفرد المتنازع فيه ~~على الأعم الأغلب. # وقيل: يحمل على التأكيد: لأن التأسيس، وإن كان في الكلام أكثر إلا أن ~~التكرار في التأكيد أكثر PageV02P231 # وأيضا الأصل براءة الذمة بواحد، والتأسيس يؤدي إلى خلاف الأصل، فيكون ~~التأكيد راجحا. وقيل: بالوقف للاحتمالين. # وإن كان الثاني معطوفا: # قيل: التأسيس راجح لقلة التأكيد، مع العاطف. # وقيل: التأكيد لتماثل المتعلقين، وهذا ضعيف. ثم إن رجح التأكيد في صورة ~~العطف بعادي مثل التعريف وقع التعارض، فيصار إلى الترجيح، فإن وجد مرجح ~~آخر، فذاك، وإلا وجب التوقف (¬1). # وقد ظهر من هذا التقرير: أن قول المصنف: "فإن رجح التأكيد بعادي قدم" ليس ~~على ما ينبغي: لأن العادي معارض بظهور العطف في المغايرة، فهو وحده لا يصلح ~~مرجحا، هذا إذا لم يمنع من التكرار مانع عقلي نحو: اقتل زيدا، ms177 اقتل زيدا، ~~أو شرعي نحو: اعتق عبدك، اعتق عبدك، فإن التأكيد حتم/ ق (61/ أمن ب) في ~~الصورتين. PageV02P232 ### || AUTO باب النهي # قوله: "النهي: اقتضاء كف عن فعل لا بقول كف" (¬1). # أقول: حده للنهي سالم عن جميع ما يرد على من تقدمه: لأنه ترك قيد ~~الاستعلاء، والعلو، وزاد لفظ: "لا بقول كف"، فخرج الكف المستفاد من كف، وما ~~يرادفه، فاطرد حده (¬2). # والخلاف في أنه هل له صيغة تخصه؟ وهل تلك الصيغة ظاهرة في الحظر دون ~~الكراهة، أو بالعكس، أو مشتركة، أو للقدر المشترك، أو فيها توقف؟ PageV02P233 # كما تقدم في الأمر (¬1). # ثم النهي بخلاف الأمر في أمور منها: أن حكم النهي التكرار، فيستلزم ~~الدوام، ومنها: الفور، فيجب الانتهاء في الحال. ومنها: أن تقدم الوجوب في ~~النهي لا يصلح قرينة دالة على أنه للإباحة، نقل الأستاذ الإجماع على ذلك، ~~بل صيغته ظاهرة في الحظر مطلقا، بخلاف الأمر: لأن تقدم الحظر كان قرينة ~~دالة على أنه للإباحة عند الجمهور. # وفي كلام المصنف بحث من وجهين: الأول: أنه قال: وقضيته الدوام. ولم يقل: ~~والنهي يدل على الدوام، وذكر في شرحه على مختصر ابن الحاجب: أن قول الشيخ ~~ابن الحاجب: "وحكم النهي التكرار". ولم يقل: يدل على التكرار في غاية الحسن ~~(¬2): لأن التكرار في النهي من ضرورة الواقع لا من الصيغة، فبدل لفظ الحكم ~~هنا بقوله: وقضيته الدوام. وهذا كلام غريب، إذ لو لم تدل الصيغة على ~~التكرار كيف كان يستفاد منها (¬3)؟ وابن الحاجب ذكر في الأمر: أنه لا يدل ~~على التكرار عند الجمهور (¬4)، فلو كان ما فهمه المصنف من كلامه، كما فهمه ~~تناقض كلام ابن الحاجب. PageV02P234 # الثاني: أن قوله: وقيل مطلقا - بعد قوله -: وقضيته الدوام ما لم يقيد ~~بالمرة، مما لا معنى له: لأن الدوام، مع التقييد بالمرة لا يعقل، وبدون ~~التقييد مطلقا قد فهم من قوله: وقضيته الدوام. هذا على ما ذكره شراح كلامه (¬1). # ويمكن/ ق (60/ أمن أ) توجيه كلامه بأن يقال: مراده أنه يفيد الدوام ما لم ~~يقيد بمرة. # وقيل: يفيد مطلق الانتهاء. والدوام، ms178 والمرة من القرائن، مثله الأمر كما ~~سبق، وما وجهنا به كلامه هو الذي ذكره المحققون (¬2). # هذا، وترد صيغته للتحريم نحو: {ولا تقربوا الزنا} [الإسراء: 32]. # والكراهة: نحو لا تصل في الوادي. # والإرشاد: نحو {لا تسألوا عن أشياء} [المائدة: 101]. # والدعاء: نحو {ربنا لا تزغ قلوبنا} [آل عمران: 8]. # وبيان العاقبة: نحو {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا} [آل ~~عمران: 169]. # والتحقير، والتعليل: نحو {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم} ~~[طه: 131]. PageV02P235 # واليأس: نحو {لا تعتذروا} [التوبة: 66]. # وفي الإرادة، والتحريم (¬1) ما تقدم في الأمر، فراجعه (¬2). # وقد يكون عن واحد، وهو أكثري، وقد يكون المحرم الجمع نحو: لا تنكح ~~الأختين، وقد يكون النهي عن الاقتصار على أحد الشيئين نحو: "لا يمشين أحدكم ~~في نعل واحدة" (¬3)، وقد يكون عن كل فرد نحو: "لا تباغضوا، ولا تحاسدوا" (¬4). # والحق: أن هذا مستدرك: لأنه من قبيل النهي عن الواحد. # قوله: "ومطلق النهي التحريم، وكذا التنزيه في الأظهر للفساد شرعا، وقيل: ~~لغة". PageV02P236 # أقول: هذه [مسألة] (¬1) كثيرة الفروع، تفرقت آراء الأصوليين فيها، ونحن ~~نذكر (¬2) / ق (61/ ب من ب) كلام المصنف في المذاهب، ونستدل على ما هو الحق ~~ونشير إلى أدلة المخالفين، مع الجواب. # فنقول: ذهب جهور المحققين: إلى أن نهي التحريم إذا ورد خاليا عن سائر ~~القرائن يدل على الفساد، وكذا نهي التنزيه في الأظهر، فيما عدا المعاملات، ~~سواء كان ذلك راجعا إلى أمر داخل في الحقيقة كالصلاة بدون ركن، أو إلى لازم ~~خارج كالصلاة في الأوقات المكروهة. # ويدل على الفساد في المعاملات إذا كان راجعا إلى أمر داخل كالنهى عن بيع ~~الملاقيح (¬3). # وقال الشيخ المحقق ابن عبد السلام (¬4) - قدس الله روحه -: "وإن احتمل ~~الرجوع إلى الداخل، فإنه يحمل على الداخل، ويحكم بفساده". PageV02P237 # قوله: "وفاقا للأكثر". متصل بأول الكلام، أي: ما اخترناه من أن النهي يدل ~~على الفساد على الوجه المذكور، هو مختار الأكثر من العلماء (¬1). # [ونفت طائفة دلالته مطلقا (¬2). PageV02P238 # الغزالي، والإمام: يدل في العبادات دون المعاملات (¬1)] (¬2). # والأكثر القائلون بدلالته على الفساد اختلفوا: # منهم من قال: إن تلك ms179 الدلالة شرعية (¬3). # ومنهم من قال: إنها لغوية (¬4). # ومنهم من قال: إنها معنوية، والمراد بكونها معنوية أنه يفهم ذلك عرفا: ~~لأن العادة جرت بأن الشيء ما لم يتضمن فسادا لا ينهى عنه. PageV02P239 # والمختار: أنها شرعية لأن المنهي عنه في قولنا: لا تصم يوم النحر هو ~~الصوم الشرعي قطعا، فلا بد، وأن تكون الدلالة شرعية إذ أهل اللغة لا يفهمون ~~المعنى الشرعي، فكيف يدل اللفظ عليه؟ ومما ذكرنا علم الجواب عن المعنوية. # وأيضا: لم تزل علماء الأمصار في الأعصار يستدلون على الفساد بالنهي من ~~غير قرينة، وقد تواتر ذلك عنهم، بحيث لم يبق للريب فيه مجال. # ولا يمكن أن يقال: استدلال العلماء يدل على الفساد لغة، لما قدمنا أن تلك ~~المعاني التي يستدل بها على الفساد فيها لم يعلمها أهل اللغة. # قيل: الأمر يدل على الصحة لغة، والنهى نقيضه، فيكون مقتضيا للفساد. # قلنا: دلالة الأمر على الصحة شرعية، ونقول: بمثلها في النهي النافي ~~لدلالته على الفساد، لا شرعا، ولا لغة. # لو دل لكان مناقضا للتصريح بصحة المنهي عنه، واللازم منتف: لأنه يصح أن ~~نقول: نهيتك عن الزنى، ولو فعلت لعاقبتك، لكنه يحصل به الملك. # الجواب: أن المدعى ظهور النهى في (¬1) / ق (60/ ب من أ) الدلالة على ~~الفساد، ويعدل عن الظاهر بالقرينة، كما هو شأن سائر الظواهر. # الإمام، والغزالي: يدل على الفساد في العبادات دون المعاملات. PageV02P240 # أما الأول: فلأن المراد من كون العبادة فاسدة [أن] (¬1) لا يحصل الإجزاء ~~بها، والعبادة إذا كانت منهيا عنها، فلا تكون مأمورا بها. # فالآتي بالمنهي عنه، لم يأت بالمأمور به، فلم يحصل الإجزاء الذي هو ~~موافقة الأمر، فيكون المأتي به فاسدا. # وأما الثاني: فلأن المراد من قولنا: هذا البيع فاسد أنه لا يفيد الملك، ~~فلو دل النهي على الفساد لدل إما بلفظه، أو بمعناه، لكن النهي لا يدل إلا ~~على الزجر، فلا يدل لفظا. # وأما معنى، فلأنه لا استبعاد في أن يقول: / ق (62/ أمن ب) نهيتك عن هذا ~~البيع، لكن لو أتيت به حصل الملك، ولم يكن في ms180 ذلك تناقض، هذا حاصل كلام ~~الإمام في المحصول (¬2). # وأما الغزالي: كلامه في المستصفى ظاهر في أنه لا يدل على الفساد لا في ~~العبادات، ولا في المعاملات: لأنه قال: "فإن قيل: قد حمل بعض المناهي في ~~الشرع على الفساد، دون بعض، فما الفرق؟ قلنا: لا يدل على الفساد، وإنما ~~يعرف فساد العقد، والعبادة بفوات شرطها، وركنها - ثم قال بعد هذا الكلام -: ~~فكل نهي تضمن ارتكابه الإخلال بالشرط يدل على الفساد من حيث الإخلال ~~بالشرط" (¬3). PageV02P241 # وقال - في موضع آخر -: "فلو قام دليل على أن النهي للفساد، ونقل ذلك عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكان هذا من جهة الشرع تصرفا في اللغة ~~بالتغيير، أو كان صيغة النهي من جهة علامة منصوبة على الفساد، ويجب قبول ~~ذلك، ولكن الشأن في ثبوت هذه الحجة، ونقلها" (¬1). # وإنما أكثرنا من نقل كلامه ليظهر أن كلام المصنف، مخالف له صريحا (¬2). # والجواب - عما ذكروه، ما تقدم من استدلال العلماء على الفساد في المواطن ~~الخالية عن القرائن على الفساد من غير تفرقة بين المعاملات، والعبادات، حيث ~~كان النهي راجعا إلى أمر داخل، حتى ادعى بعض الفضلاء (¬3) التواتر في ذلك. # قوله: "فإن كان لخارج كالوضوء بمغصوب لم يفد عند الأكثر، وقال أحمد: يفيد ~~مطلقا". # أقول: ما تقدم كان إذا رجع النهي إلى أمر داخل، أو خارج لازم. PageV02P242 # فأما إذا كان الخارج مما ينفك سواء كان في العبادات كالصلاة في الدار ~~المغصوبة والوضوء بماء مغصوب، أو في العقود كالبيع وقت النداء، أو في ~~الإيقاع كالطلاق حين الحيض، فالأكثر أنه لا يدل (¬1). # فإن قلت: ما الفرق بين الزمان، والمكان حيث كان النهي دالا على الفساد ~~إذا رجع إلى الزمان بخلافه في المكان؟ # قلت: الفرق اللزوم، وعدمه، وتحقيق هذا: أن الأفعال الاختيارية للعباد ~~تقتضي زمانا، ومكانا، وكل منهما لازم لوجود الفعل، لكن الزمان، كما يلزم ~~الوجود، يلزم الماهية، دون المكان. # ولهذا ينقسم الفعل بحسب انقسام الزمان إلى الماضي، والمستقبل، والحال ~~فكان أشد ارتباطا بالفعل من المكان، فافترقا. # والإمام [أحمد] (¬2) لم يفرق بين ms181 خارج، وداخل، ولازم [و] (¬3) غير لازم. # وقد تقدم أنه لم يقل بصحة الصلاة في الدار المغصوبة، وقد أشرنا هناك إلى ~~أن ما ذهب إليه، مخالف للإجماع (¬4). PageV02P243 # وإذا دل دليل من خارج على عدم الفساد يكون حقيقة، وإن خرج عنه البعض، ~~كالعام [بعد التخصيص عند] (¬1) بعض. # قوله: "وأبو حنيفة لا يفيد". # أقول: عند الشافعية دلالة النهي على الصحة بطلانه، يكاد يلحق / ق (61/ ~~أمن أ) بالبديهيات للقطع بأن مدلول: لاتبع، إلا طلب الكف عنه، مع لزوم ~~الفساد، أو بدونه، كما تقدم. # وأما كون الصحة مدلوله الالتزامي، أو التضمني (¬2) / ق (62/ ب من ب)، فشئ ~~لا يشهد له عقل، ولا لغة ولا يندرج تحت قانون شرعي. # والحنفية يقبلون القضية، ويدعون ظهور لزومها، ودلالة النهي عليها، وهذا ~~البحث بين الطائفتين مشهور، ونحن نذكر تفصيل مذهبهم في النهي، مع إيراد ~~أدلتهم، والجواب عنها على أحسن وجه إن شاء الله تعالى، فإن المسألة حقيقة ~~بذلك. فنقول: المنهي عنه عندهم أربعة أقسام: # لذاته، ولجزئه، ولوصف لازم، ولوصف مجاور، وهذا التقسيم إنما هو في الأمور ~~الشرعية. وأما الأفعال الحسية كالشرب، والزنى، فلا خلاف في أن النهي عنها ~~لمعنى في نفسها. # فالنهي - في الأفعال الشرعية - إن كان لعين الفعل كبيع الحر، والملاقيح، ~~فغير مشروع لعدم قابلية المحل. وكذا بيع حر مع عبد غير مشروع لكون جزء ~~المبيع غير قابل، وهو الحر. PageV02P244 # وإن كان لمجاور: كالصلاة في الدار المغصوبة، والبيع وقت النداء يصح بلا ~~خلاف. وإن كان لوصف قائم بالفعل المنهي عنه كالصوم يوم النحر، فإن [الصوم] ~~(¬1) يقوم بالوقت بخلاف الصلاة بالمكان المغصوب، فالنهي في مثله يفيد الصحة. # واستدلوا - عليه -: بأنه لو لم يدل لكان المنهي عنه غير الشرعي، واللازم ~~باطل للقطع بأنه إذا قال: لا تصم يوم النحر، المنهي عنه هو الصوم الشرعي لا ~~مطلق الإمساك، وكذا قوله: لا تصل في الأوقات المكروهة (¬2). # الجواب: أن المراد بالشرعي هو المعنى الذي اعتبره الشارع، ووضع اللفظ ~~بإزائه صح، أو لم يصح، ولا ريب: أن قولهم: صوم فاسد، يريدون به المعنى ~~الشرعي، ولا ms182 معنى لوصف اللغوي بالفساد هنا. # قالوا: لو كان غير مشروع كان ممنوعا عنه شرعا، فلا ينهى عنه، كما لا يقال ~~- للأعمى -: لا تبصر. # قلنا: ممنوع عنه بهذا النهي لا بدليل سابق، وأيضا لو صح ما ذكرتم لزم صحة ~~النكاح في قوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} [النساء: 22]، ولم ~~تقولوا به. PageV02P245 # قالوا: أريد به المعنى اللغوي. # قلنا: وكذلك اللغوي ممتنع شرعا، فلا ينهى عنه، ولو سلم فصلاة الحائض ترد ~~نقضا لعدم القائل بالصحة منا ومنكم، مع عدم جواز إرادة المعنى اللغوي، لأن ~~الحائض لم تمنع من الدعاء قطعا. # قوله: "وقيل: إن نفي عنه القبول"، يريد أن البحث المذكور كان فيما إذا ~~توجه النهي على الفعل غير مقيد، فأما إذا قيد بالقبول، فالقبول هو المنتفي، ~~وانتفاؤه لا يوجب انتفاء الصحة: لأن القبول أخص من الصحة، لكونه مناطا ~~للثواب، والصحة مناط لموافقة الأمر، أو لإسقاط القضاء. # وقيل: بل نفي القبول ظاهر في [نفي] (¬1) الفساد لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" (¬2). # والحق: أن الأول أكثر، وأن القبول عبارة عن ترتب الثواب، وعدمه عن عدمه، ~~به صرح الإمام المحقق النووي قدس الله روحه (¬3). # والحديث إنما دل على الفساد للإجماع على ذلك. # ونفي الإجزاء كنفي القبول، أي: يجري فيه القولان السابقان. # وقيل: نفي الإجزاء بالفساد أولى لما قدمنا من تفسيره، والله أعلم. PageV02P246 ### || AUTO باب العام # قوله: "العام: لفظ يستغرق الصالح له". # أقول: من أقسام المتن العام (¬1) / ق (61/ ب من أ) والخاص، وقدم المصنف ~~العام على الخاص: # لأن/ ق (63/ أمن ب) التقابل بينهما تقابل الملكة والعدم، والملكات أجلى ~~عند العقل، والعدمات تعرف بالملكات، أي: الوجودات، مثل العمى عدم البصر، ~~وأيضا العام أكثر أبحاثا من الخاص. # وقد عرف العام بتعاريف مثل قولهم: "العام اللفظ المستغرق لما يصلح له"، ~~وهو لأبي الحسين البصري من المعتزلة (¬2)، ولم يطرد لدخول أسماء العدد فيه ~~مثل العشرة. # وقولهم: "اللفظ الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعدا"، وهو ~~للغزالي (¬3)، وليس بجامع لخروج المعدوم، والمستحيل ms183 لأنهما ليسا بشيء عنده. PageV02P247 # وقد يجاب - عنه - بأن الشيء يطلق عليهما لغة. # وقولهم: "ما دل على مسميات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقا ضربة". # فبالأمر المشترك خرج أسماء العدد إذ آحاد العشرة لا تشترك في أمر. # وبقوله: مطلقا خرج المعهود. # وبقوله: ضربة خرج النكرة نحو: رجل إذ عمومه بدلي لا شمول فيه، وهذا الحد ~~لابن الحاجب (¬1). # وهذا، وإن كان سالما، ولكن فيه تطويل، فما اختاره المصنف أحسن إلا أن فيه ~~بحثا، وهو أن الصالح له يشمل النكرة لأنه يتناول ما يصلح له بدلا، فكان ~~الواجب أن يقول: جميع ما يصلح له. # والجواب - عنه -: أن اللام في قوله: الصالح له، للاستغراق بقرينة العام ~~تقديره كل ما يصلح له، فيسقط الاعتراض (¬2). # وهنا سؤال أشكل من هذا (¬3)، وهو أن الصلوح إن أريد به صلوح الكلي ~~للجزئيات، خرج نحو المسلمين، والرجال لأن أفرادهما ليست PageV02P248 # جزئيات، أو صلوح الكل للأجزاء، خرج نحو: لا رجل في [الدار] (¬1) لأنه ~~عام، مع عدم الأجزاء لكونه عاما في جزئياته. # الجواب: أريد أعم منهما، فلا إشكال لتناوله كلا منهما. # هذا. وقوله: "من غير حصر"، احتراز عن أسماء العدد، والمثنى، ودخل فيه ~~الحقيقة، والمجاز، والمشترك بالنظر إلى الوضع الواحد. # قوله: "والصحيح دخول النادرة، وغير المقصودة تحته"، هذا كلام لا جدوى له: ~~لأن النادر، وغير المقصود إن تناوله اللفظ، فهو من أفراد العام، وقد أخذ في ~~التعريف استغراق جميع ما يصلح له، وإن لم يتناوله اللفظ، فهو خارج، فكون ~~الشيء نادرا، وغير مقصود لا دخل له في عموم اللفظ، بل ذاك بالنظر إلى الحكم. # قوله: "وأنه قد يكون مجازا". يريد أن اللفظ إذا كان عاما, ونصب قرينة، ~~على أن المعنى الحقيقي غير مراد، فيعم في المعنى المجازي نحو: رأيت الأسود ~~على الخيول، وإنما أفرده بالذكر توضيحا، وإلا كان معلوما من تعريف العام ~~لإطلاق ما يصلح له اللفظ من غير تقييد بالوضع له. # قوله: "وأنه من عوارض الألفاظ، قيل: والمعاني". PageV02P249 # أقول: لا خلاف في أن العموم من عوارض اللفظ حقيقة (¬1)، وهل هو في ~~المعاني ms184 حقيقة، أو مجازا؟ # قيل: لا حقيقة، ولا مجاز، وهو ظاهر عبارة المصنف (¬2). # وقيل: مجاز (¬3). # وقيل: حقيقة، وهو المختار (¬4). تحقيق ذلك: أن العموم لغة الشمول (¬5)، ~~وهذا المعنى موجود في كل أمر اشترك بين أمور متعددة سواء كان لفظا نحو: من، ~~وما، أو معنى موجود في الخارج نحو: عم المطر، والخصب، أو ذهنيا كالكلي الذي ~~يتصوره الإنسان، فإنه شامل لجزئياته في الذهن. PageV02P250 # غايته: أن الأصوليين اعتبروا القسم الأول، واصطلحوا (¬1) / ق (63/ ب من ~~ب) عليه، وذلك لا يدل على عدم عروضه للمعاني لغة (¬2). # قوله: "وقيل: به في الذهن". يريد أن طائفة/ ق (62/ أمن أ) فرقوا بين ~~الذهني، والخارجي، قالوا: بعروض العموم للمعنى الذهني دون الخارجي، وذلك ~~لأن العموم عبارة عن شمول أمر واحد لمتعدد، وفي الخارج لا يتصور ذلك لأن ~~المطر الواقع في هذا المكان، غير الواقع في ذلك المكان، بل كل قطرة منه ~~مخصوصة بمكان خاص. # والجواب: أن مطلق الشمول كاف، وقيد المحل غير معتبر، ولو سلم ينتقض ~~بالصوت، فإنه أمر واحد في الخارج يسمعه طائفة، فهو عام في أفراده، ~~الخارجية. PageV02P251 # قوله: "ويقال - للمعنى -: أعم، وللفظ عام". وهذا مجرد اصطلاح لا يدرك له ~~وجه سوى التميز بين صفة اللفظ، وصفة المعنى. وما وقع في شروحه (¬1) من أن ~~صيغة التفضيل اختصت بالمعنى، لكونه أهم من اللفظ فسهو إذ الأعم لم يرد به ~~معنى التفضيل، بل الشمول مطلقا. # ولو كان الأمر على ما توهموه، لكان اعتباره في الألفاظ أيضا واجبا حيث ~~كان الزيادة مقصودة. # وقد أشار أفضل المتأخرين (¬2) - إلى ما ذكرناه - في بعض تصانيفه في ~~المنطق. # قوله: "ومدلوله كلية، أي: محكوم فيه على كل فرد مطابقة إثباتا، وسلبا". # أقول: لما فرغ من تعريف العام، وما يتعلق به، شرع في بيان جزئياته ~~المستعملة في مواردها، مثل قوله تعالى: {والله يحب المحسنين} [آل عمران: ~~134] {والله لا يحب الظالمين} [آل عمران: 57]، قال: مدلول العام في موارد ~~الاستعمال قضية كلية يتناول الحكم فيها كل فرد، فرد، موجبة كانت القضية، ~~كما ذكرنا من المثالين (¬3)، أو سالبة نحو: لا شيء ms185 من الإنسان بجماد. # قوله: "مطابقة". قيد للمدلول: لأن المطابقة صفة الدلالة لا الحكم. PageV02P252 # قوله: "لا كل" أي: إذا حكم في العام، فالحكم إنما هو على الأفراد بمعنى ~~كل فرد، لا المجموع من حيث هو مجموع، أي: مع اعتبار الهيئة الاجتماعية. # وإن كان قد يستعمل اللفظ العام بذلك المعنى لكن ذلك ليس العموم المصطلح ~~عليه، كما يقال: كل من في البلد لا يقدر على حمل هذا الحجر، يراد المجموع، ~~وهذا الاستعمال قليل (¬1). # قوله: "ولا كلي" أي: مدلول العام هو الكلية على ما ذكرنا لا الكلي الذي ~~لا يمنع نفس تصوره عن وقوع الشركة، كما هو مصطلح المنطقيين: لأن الاستدلال ~~في المسائل الأصولية إنما هو بالمعنى الأول: لأن الأحكام الشرعية، إنما ~~تعتبر بالنسبة إلى أفراد المكلفين، وهى موجودات خارجية متحققة، ومناط الكلي ~~الأفراد العقلية، ولا نظر فيها إلى الوجود الخارجي، بل التحقيق: أن الوجود ~~الخارجي ينافي الكلية، إذ كل موجود خارجي، جزئي حقيقي. # وما في بعض الشروح (¬2) في تفسير الكلي بالماهية من حيث هي غلط فاحش: لأن ~~الماهية من حيث هي لا توصف بالكلية والجزئية، بل كل منهما من العوارض ~~اللاحقة ذهنا، أو خارجا. # وكذا ما قيل: إن هذا الذي ذكره المصنف إنما يستقيم في الإثبات لا في ~~النفي إذ في النفي لا يرتفع الحكم عن كل فرد. وقد التبس عليه عموم السلب ~~بسلب العموم، فإن الأول هو الذي يفيد نفي الحكم عن كل فرد PageV02P253 # دون الثاني، والعجب: أنه ذكر في آخر كلامه الفرق بين عموم السلب، وسلب ~~العموم (¬1). # قوله: "ودلالته على أصل المعنى قطعية". # أقول: دلالة العام على جميع ما تناوله اللفظ - قبل قيام الدليل على ~~العموم، أو الحصول من الخارج عند الشافعية - ظنية لاحتمال دليل يدل على ~~الخصوص، ومع الاحتمال لا قطع. # وعند عامة الحنفية قطعية، ومجرد (¬2) / ق (62/ ب من أ) الاحتمال لا يقدح ~~في قطعيته (¬3). # وذكر المصنف: أن دلالته [على] (¬4) أصل المعنى قطعية وهو الواحد في ~~المفرد، والثلاثة في الجمع / ق (64/ أمن ب). PageV02P254 # ونقل صاحب (¬1) التلويح: أن حكم العام ms186 - عند عامة الأشاعرة - التوقف، حتى ~~يظهر دليل عموم، أو خصوص. # وما نقله المصنف من الجزم بأصل المعنى عن الشافعي، نقله عن الثلجي (¬2)، ~~والجبائي مع الاستدلال [عليه] (¬3) بأنه متيقن، ولا يجوز إخلاء اللفظ على ~~المعنى. واعترض عليه: بأنه إثبات اللغة بالترجيح. ولو سلم، فالحمل على ~~العموم أحوط. # استدل الحنفية - على أن العام قطعي في مدلوله -: بأن المعنى الموضوع له ~~لازم للفظ بحسب الوضع لا ينفك عنه بغير دليل، فما لم يقم دليل الخصوص، ~~فالعام متناول لأفراده قطعا، وأما مجرد احتمال الخصوص لا يقدح في قطعيته، ~~كما لا يقدح احتمال المجاز في قطعية الخاص في مدلوله. # الجواب: أن دليل الخصوص قائم، وهو شيوع التخصيص في العام حتى صار مثلا - ~~عندهم -: ما من عام إلا وخص منه البعض. PageV02P255 # ولا شك: أن الشيوع يورث [(¬1) احتمالا ظاهرا يقدح في تناوله قطعا. # قالوا: يرتفع الأمان عن عمومات النصوص. # قلنا: ممنوع، يعمل بها ظنا لأنه كاف للعمل. وأما القطع في الاعتقاد، ~~فيتوقف على انتفاء دليل التخصيص، كما في قوله تعالى: {والله بكل شيء عليم} ~~[الحجرات: 16] {والله على كل شيء قدير} [البقرة: 284 وآل عمران: 189]. # وثمرة الخلاف تظهر في تخصيص الكتاب بخبر الواحد، والقياس يجوز عند ~~الشافعية دون الحنفية (¬2). # ثم إذا عم اللفظ الأشخاص، أي: أفراد المكلفين يستلزم ذلك جيع الأحوال، ~~والأزمان، والأماكن لعدم تفاوت خطاب الشارع بسبب ذلك، وهو مختار والد ~~المصنف (¬3). # ومن خالف في ذلك - مستدلا بانتفاء صيغة العموم فيها (¬4) - فقد سها سهوا ~~بينا، إذ ذلك ضروري، فلا يحتاج إلى ذكره أصالة، والله أعلم. PageV02P256 # قوله: "مسألة: كل، والذي". # أقول: اختلف في أن العموم - بالمعنى المعروف عند الأصوليين -: هل له صيغة ~~تخصه، أو لا؟ # الشافعي، والمحققون: بلى له صيغة موضوعة له حقيقة (¬1). # وقيل: الصيغ المستعملة في العموم إنما وضعت للخصوص، وفي العموم مجاز. # واختلفت الرواية عن الشيخ الأشعري، فقال - تارة -: إنها مشتركة، وتارة ~~بالوقف. # وقيل: بالوقف] (¬2) في الأخبار، لا الأمر، والنهي (¬3). PageV02P257 # القاضي: قائل بالوقف، بمعنى أنا لا ندري، أحقيقة منفردا، أم مشتركا، أم مجازا؟ # ثم تلك الصيغ ms187 هي التي عدد المصنف بلا خلاف عند القائل بالوضع له، وبعضها ~~مع الخلاف، فمنها: كل (¬1)، والذي، والتي، وجمعهما، وتثنيتهما (¬2). PageV02P258 # وأي: شرطا، واستفهاما، وموصولا (¬1)، وكذلك، ما. في المعاني الثلاثة ~~(¬2)، ومتى للزمان (¬3)، استفهاما، وشرطا، وأين، وحيثما، للمكان استفهاما، ~~وشرطا (¬4). PageV02P259 # وأراد بقوله: "ونحوها"، كل ما يشتمل على معنى العموم بالوضع لغة، ك: من ~~في المعاني الثلاثة: الاستفهام، والشرط، والموصولية (¬1)، ولفظ جميع (¬2)، ~~وطرا (¬3)، والجمع المعرف باللام (¬4)، PageV02P260 # والجمع المضاف ظاهران في العموم ما لم تصرف قرينة خلافا لأبي هاشم من ~~المعتزلة مطلقا (¬1). # ولإمام الحرمين: إن احتمل معهود (¬2). وهذا مخالف لإجماع أهل العربية، ~~والتفسير (¬3). PageV02P261 # وكذلك المفرد المحلى باللام يفيد العموم عند انتفاء قرينة العهد (¬1) نحو: # "المؤمن غر كريم -[أي: كل مومن] (¬2) -، والكافر خب لئيم" (¬3) كل كافر؛ ~~لأنه عند انتفاء القرينة حمله على البعض ترجيح بلا مرجح خلافا / ق (63/ أمن ~~أ) للإمام الرازي في المحصول (¬4)، والخلف بينه وبين القائلين بعمومه لفظي؛ ~~لأنه ذكر في المحصول في قوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: ~~275] أن الاستغراق ليس ناشئا من نفس اللفظ، بل هو من الخارج (¬5). PageV02P262 # والذين قالوا: بعمومه لم يقولوا: بأنه موضوع للعموم، بل اللام الداخلة ~~على المفرد لام الجنس، وربما تفيد العموم بمعونة القرينة، كما ذكرنا من ~~المثالين، وكما في الآية المذكورة، وكما في قوله تعالى: {ولا يفلح الساحر ~~حيث أتى} [طه: 69] (¬1) وخلافا لإمام الحرمين، والغزالي: فيما لا يكون ~~واحده مدخول التاء نحو: تمر، وتمرة، وبر وبرة، فإنه إذا عري عن التاء، ~~ودخله اللام يكون للاستغراق، بخلاف ما لم تدخله التاء نحو: الرجل، ~~والدينار، فلا عموم هنا بخلافه هناك، إذ قوله: "لا تبيعوا التمر بالتمر، ~~والبر بالبر إلا سواء بسواء" (¬2) يفيد العموم. # وزاد الغزالي: الوصف بلفظ الواحد، فإن كان يوصف بالواحد كالرجل، ~~والدينار، فلا عموم فيه، وإن لم يوصف كالذهب، فهو للعموم. # وكأنه جعل احتمال الوصف بالواحد كالتاء الموجودة، هذا شرح كلام المصنف. PageV02P263 # وأما كلام الغزالي - في المستصفى - ليس ظاهرا فيما نقله، فإنه قال: "أما ~~الدينار، والرجل، فإنه يشبه أن يكون للواحد، والألف واللام للتعريف - ثم ms188 ~~قال: - ويحتمل أن يقال: هو دليل على الاستغراق، فإنه لو قال: "لا يقتل ~~المسلم بالكافر" (¬1)، والمرأة بالرجل (¬2)، فهم المنع في الجميع لا ~~بمناسبة قرينة التفاوت في الفضل، فإنه لو قدر حيث لا مناسبة، فلا يخلو عن ~~الدلالة على الجنس" (¬3). PageV02P264 # هذا كلامه من غير زيادة (¬1). # [وقال - أيضا -: "الاسم المفرد، وإن لم يكن على صيغة الجمع يفيد فائدة ~~العموم في ثلاثة مواضع: أحدها: أن يدخل عليه الألف واللام" (¬2). ولم يزد ~~عليه] (¬3). # قوله: "والنكرة في سياق النفي للعموم وضعا". # أقول: من صيغ العموم النكرة في سياق النفي (¬4)، هي على قسمين: إما "من" ~~ظاهرة نحو: ما جاءني من أحد، أو مقدرة نحو: {لا ريب فيه} [البقرة: 2]، ولا ~~عالم في البلد، فتفيد الاستغراق نصا، وأما بدون "من"، فتفيده ظاهرا، PageV02P265 # ولهذا قال صاحب الكشاف - في قوله تعالى: {لا ريب فيه} -: "قراءة الفتح ~~توجب الاستغراق، والرفع يجوزه" (¬1). # والجمهور: على أن إفادته بحسب الوضع [لغة حتى إن أهل العربية سموه نفي الجنس. # وقيل: لزوم الاستغراق استدلالي: لأنه لنفي الجنس إذ النكرة موضوعة ~~للماهية، وإذا نفى الماهية لا يبقى منها فرد ضرورة وجود الماهية في كل فرد. # وقد سبق منا كلام في أن وضع اللفظ هل هو للماهية، أو لفرد غير معين؟ ] ~~(¬2) فيه قولان: # فإن (¬3) / ق (64/ ب من ب) كان موضوعا للفرد، فلا إشكال في إفادته لغة. # وإن كان للماهية، فكذلك: لأن النكرة المنفية موضوعة بالوضع النوعي ~~للاستغراق كالجمع المحلى: لأن الجمع بدون اللام موضوع لما فوق الاثنين لغة، ~~ومع اللام لجميع ما يتناوله اللفظ، وكلا الوضعين في الجمع نوعي، بخلاف ~~النكرة، فإنه نوعي مع النفي، وبدونه شخصي. # قوله: "وقد يعم اللفظ عرفا كالفحوى". PageV02P266 # أقول: قد سبق أن فحوى الخطاب، وهو مفهوم الموافقة، هل يفهم لغة، أو شرعا، ~~أو عرفا، أو بقرينة من القرائن، قال بكل منها طائفة. # والمختار: إفادته لغة كما تقدم، والمصنف حكى المذاهب هناك من غير اختيار (¬1). # وقد ذكر هنا أن العرف دل على عمومه. # إذا علم ذلك، فنقول: القائلون بالمفهوم اختلفوا (¬2): / ق (63/ ب من أ). ms189 # الأكثر: له عموم، ونفاه الغزالي (¬3). # وبعد تدقيق النظر لا خلاف في المعني: لأنه إن أريد بالعموم ثبوت الحكم في ~~جميع ما سوى المنطوق من الصور التي دل عليها اللفظ، فالغزالي قائل به، وإن ~~أريد ثبوته باللفظ نطقا، فلم يقل به أحد. # والمصنف لما ذكر أن دلالة الفحوى [على العموم] (¬4) إنما هي بالعرف أردفه ~~بقوله: " {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] " لأن تحريم الذوات ليس بمراد ~~عرفا، فالمراد تحريم جميع ما يباح من الأجنبيات بالنكاح من أنواع ~~الاستمتاعات. PageV02P267 # ولا يخفى عليك أن العرف هنا هو عرف الشرع لا العرف العام، وإنما أطلقه ~~لظهوره. # وقد يفهم العموم عقلا كترتيب الحكم على الوصف الملائم الذي له صلوح ~~العلية؛ لعدم الانفكاك بين العلة والمعلول (¬1). # قوله: "وكمفهوم المخالفة"، عطف على "كترتيب الحكم (¬2) " فيكون من قبيل ~~ما دل العقل على عمومه، وهو خلاف المختار أيضا، إذ قد سبق في بحث المفهوم ~~أنه يدل لغة. # قوله: "والخلاف في أنه لا عموم له لفظي". تقدم شرحه. # قوله: "وفي أن الفحوى بالعرف، والمخالفة بالعقل تقدم". نبه بهذا على أنه ~~ليس مختاره. # قوله: "ومعيار العموم الاستثناء". PageV02P268 # أقول: معيار الشيء ما يعرف به ذلك، والاستثناء كذلك بالنظر إلى العام، ~~فإن الاستثناء: هو إخراج الشيء بإلا، وأخواته لولا الإخراج لوجب الدخول (¬1). # فإن قلت: يشكل بأسماء العدد، وبقولك: اشتريت العبد إلا ثلاثة لوجود ~~الاستثناء، مع عدم العموم. # قلت: مراده أن العام: هو الدال على الأفراد من غير حصر، فإذا وجد لفظ ~~كذلك، وصح الاستثناء حكم عليه بالعموم، وأسماء العدد خارجة لكون الأفراد ~~فيها محصورة. # وأجاب بعض الأفاضل (¬2): بأن بعض العام يصلح له العام، بخلاف العشرة ~~مثلا، فإن العشرة لا تصلح له. # وفيه نظر: لأن الرجال، والمسلمين لا تصلح لزيد، وعمرو، ومثل العشرة، مع ~~الإجماع على العموم. # ولو سلم ذلك، واكتفى بأن العام يصلح للبعض في الجملة بخلاف العشرة لم ~~يدفع الإشكال: لأن قصد المعترض أن الاستثناء ليس معيار العموم لوجوده، حيث ~~لا عموم. # فالجواب: بأن العام يصلح للبعض دون العشرة، كيف يدفع ذلك الإشكال؟ PageV02P269 # قوله: ms190 "والأصح: أن الجمع المنكر ليس بعام" (¬1). والمخالف الجبائي من ~~المعتزلة، وأتباعه، قالوا: صح حمله على جميع الجموع، فكان عاما (¬2). # قلنا: بدلا، لا شمولا كرجل في الوحدان. # قالوا: لو لم يكن عاما لكان مختصا. # قلنا: ممنوع، بل مشترك معنى كرجل، وفرس. # وأقل الجمع ثلاثة عند الجمهور. # وقيل: اثنان، وإطلاق صيغة الجمع على الاثنين، أو الواحد مجاز (¬3). PageV02P270 # قال الإمام - في البرهان -: "رد الجمع إلى الواحد ليس بدعا، ولكنه أبعد ~~من الرد إلى اثنين -، ثم قال -: مثار الخلاف في أقل الجمع، فيما إذا قال: ~~لفلان علي دراهم، أو أوصى بدراهم، فهو محمول على أقل الجمع إن اثنين، ~~فاثنان، وإن ثلاثة، فثلاثة" (¬1). # وذكر الشيخ ابن الحاجب في المنتهى: أن النزاع إنما هو في مثل المسلمين، ~~وضربوا، واضربوا، لا في: ج م ع، ولا في نحو فعلنا، ولا في نحو: {فقد صغت ~~قلوبكما} [التحريم: 4]، فإنه وفاق في أن المراد اثنان، فما فوقهما، ثم ~~استدل على أن أقله ثلاثة بالتبادر إلى الفهم، وبقوله تعالى: {فإن كان له ~~إخوة} [النساء: 11]. # وجه الاستدلال: ما روي أن ابن عباس رضي الله عنهما: / ق (65/ أمن ب) رد ~~على عثمان (¬2) في جعله حكم الأخوين حكم الإخوة، إذ قال PageV02P271 # له: "ليس الأخوان إخوة في لسان قومك. فقال: لا أنقض أمرا كان قبل" (¬1)، ~~فسلم له أن الأمر كما ذكره لغة، ولكن لم يرد بالجمع حقيقة/ ق (64/ أمن أ) ~~بل استعمل مجازا في الأخوين، والقرينة الإجماع، هكذا ذكره ابن الحاجب، ~~وتبعه المولى المحقق (¬2). # وفيه نظر: إذ لو كان كذلك لم يتناول حقيقة الجمع في هذه الصورة، وليس ~~كذلك للإجماع على أن حكم الإخوة حكم الأخوين (¬3). # بل الحق: أنه من عموم المجاز عند من لم يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز، ~~أو اللفظ مستعمل في المعنى الحقيقي والمجازي عند من يجوز ذلك. # قالوا: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الاثنان فما فوقهما جماعة" (¬4). PageV02P272 # الجواب - من وجهين -: # الأول: أنه ليس محل النزاع لما تقدم أن: ج م ع، ليس محل الخلاف. # الثاني: أن الخلاف في المعنى اللغوي، وما ms191 في الحديث محمول على المعنى ~~الشرعي لكونه - صلى الله عليه وسلم - مبعوثا لبيانه لا لبيان اللغة. # والاستدلال - على المذهب المختار بقولهم: جاءني رجلان عالمان، دون عالمون ~~لا يتم إذ ربما كان جمعا، ولكن روعي الصورة، وفيه بعد لكنه محتمل. # قوله: "وتعميم العام بمعنى المدح، والذم". PageV02P273 # أقول: اللفظ الموضوع للعموم إذا سيق لمدح كقوله تعالى: {إن الأبرار لفي ~~نعيم} [الانفطار: 13] أو ذم كقوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله} [التوبة: 34]. # المختار - عند المحققين - يفيد العموم كسائر الألفاظ التي يقصد بها ~~المدح، والذم لعدم التنافي بين المعنيين، وبين العموم (¬1). # ونقل عن الشافعي خلافه (¬2) حتى قال بعضهم: إن ليس للآية دلالة على وجوب ~~الزكاة في الحلي المباح (¬3)، وقد عرفت الجواب عنه (¬4). PageV02P274 # ثم إن صح عن الشافعي هذا النقل لعل مراده أنه ليس نصا في العموم في جميع ~~موارده: لأن الكلام إذا سيق للمدح كثير ما يتوسع فيه، ويتجوز، وإلا لا ريب ~~عند ذي مسكة في أن قوله تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم (13) وإن الفجار لفي ~~جحيم} [الانفطار: 13, 14] يفيد العموم، وإن كان مسوقا للمدح والذم، وهذا ~~الذي ذكر عن الشافعي ليس مذهبه، بل هو وجه نقل عن القفال (¬1)، ومختاره ~~مختار المحققين. PageV02P275 # هذا إذا لم يعارضه عام آخر لم يرد به المدح، أو الذم، وإذا عارضه يقدم عليه. # وقيل: يتوقف إلى أن يتبين الحال. ففي المسألة ثلاثة أقوال، وإليها أشار ~~المصنف بقوله: "وثالثها يعم". وإنما قدم [الخالي عن المدح] (¬1) - على ~~القول المختار، ولم يجعل [النصين] (¬2) متعارضين - لما ذكرنا من أن المسوق ~~للمدح، والذم لا يقاوم الخالي عنهما، لكون العموم هناك مقصودا، وعلى هذا ~~قول بعض الأفاضل (¬3): "والتعميم فيه - أي: في المدح، والذم - أبلغ" فيه ~~نظر. وما روي عن عثمان رضي الله عنه في الجمع بين الأختين: "أحلتهما آية - ~~أي: قوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانكم} [النساء: 3]- وحرمتهما آية" [أي: ~~قوله: {وأن تجمعوا بين الأختين} [النساء: 23]] (¬4)، فتقديم آية التحريم ~~ليس لخلوه عن المدح، بل لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما اجتمع الحلال ms192 ~~والحرام إلا وغلب الحرام الحلال" (¬5). PageV02P276 # قوله: "وتعميم: لا يستوون، ولا أكلت". # أقول: ترجمة المسألة بنفي المساواة إنما هو لتحرير محل النزاع بين أبي ~~حنيفة، والشافعي في قتل المسلم بالذمي: لأن استدلال الشافعي على عدم القتل: ~~بأن الفعل الواقع بعد النفي يعم كقولك: ما أكلت، وما ضربت، كل منهما عام في ~~وجوه الأكل، والضرب (¬1). # لنا - على المختار -: أن الجملة في حكم النكرة، ولهذا تقع صفة للنكرة، ~~وقد تقدم أن النكرة في سياق النفي تعم. # لا يقال: هذا قياس في اللغة؛ لأنا نقول: معلوم من الاستقراء لكلام أئمة ~~العربية. قالوا: مطلق المساواة أعم من (¬2) / ق (64/ ب من أ) المساواة من ~~كل وجه، ولا دلالة للعام على الخاص. PageV02P277 # قلنا: كذلك، وليس محل النزاع: لأن المتنازع فيه نفي، ونفي العام يوجب نفي الخاص. # قالوا: لو كان كذلك لم تصدق القضية، إذ ما من شيئين إلا وبينهما مساواة ~~بوجه من الوجوه، وأقله الشئة، والتعقل. # قلنا: عام في الأوصاف التي تعتبر، وتقصد بالنفى والإثبات من قبيل ما ~~[يخصصه] (¬1) / ق (65/ ب من ب) العقل (¬2). # قوله: "لا آكل". يريد أن الفعل المتعدي - بعد النفي، والشرط على الأصح ~~إذا حذف مفعوله نحو: لا آكل، وإن أكلت - عام في مفعولاته حتى لو قال: نويت ~~مأكولا خاصا يقبل. # وقال أبو حنيفة: لا يقبل التخصيص، حتى لو نوى مأكولا مخصوصا لا يقبل (¬3). # لنا - على المختار - ما تقدم في نفي المساواة. PageV02P278 # ولنا - أيضا - أن الأكل لنفي حقيقة الفعل، وإنما يتحقق بالنسبة إلى جميع ~~مأكولاته، ولذلك حنث بأيها أكل اتفاقا (¬1). # وهذا هو معنى [العموم] (¬2)، فوجب قبوله للتخصيص، كما لو صرح بنفي ~~المأكولات. # قالوا: لو كان عاما قي المفعول لعم في الزمان والمكان من متعلقات الفعل ~~[لأنهما] (¬3) مثله (¬4). # قلنا: تعلقه بالمفعول به أقوى، فلا يقاس عليه غيره، ولئن سلم، فنفي حقيقة ~~الأكل يستلزم النفى في كل زمان ومكان. # قوله: "لا المقتضي، والعطف العام". # أقول: المقتضي - بكسر الضاد على صيغة الفاعل - ما لا يستقيم كلاما إلا ~~بتقدير، وذلك التقدير هو المقتضي (¬5). PageV02P279 # فتقدير الكلام: أن المقتضي لا ms193 عموم له في مقتضاه، بل لا يقدر إلا ما دل ~~عليه دليل، فإن لم يكن دليل على أحد التقادير يبقى اللفظ مجملا. # ثم ما دل الدليل على تعينه، فإن كان عاما لو أظهر، فهو عام، وإلا فلا (¬1). # لنا - على أنه لا عموم فيه -: لو قدر الجميع لقدر الزائد على قدر الحاجة ~~بلا دليل. # مثاله: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان"، له ~~تقديرات بحسب كل حكم دنيوي: كالعقوبات، والضمان، وغيرهما، وأخروي: PageV02P280 # كالحساب، والعقاب، وتقدير أحدهما كاف في استقامة الكلام، فتقدير الزائد ~~على الواحد تقدر لما لا حاجة إليه. # قيل: رفع الجميع أقرب مجاز إلى [رفع أصل] (¬1) الخطأ والنسيان: لأن ~~التركيب يقتضي بحسب الظاهر رفع ذات الخطأ والنسيان، وحيث امتنع الحمل على ~~الحقيقة، يحمل على أقرب المجازات، وهو رفع جميع الأحكام لاستلزامه صيرورة ~~الذات، ملحقة بالعدم. # قلنا: المجاز بغير الإضمار أكثر منه بالإضمار، فيتعارض دليل المثبت ~~والنافي، فيسلم دليل القائل بالبعض. # قيل: النزاع حيث لا دليل على تعين البعض، فلو قدر بعض معين يلزم التحكم، ~~أو مبهم، فالإجمال. قلنا: نختار أنه مبهم. # قوله: يلزم الإجمال. قلنا: بيانه إلى الشارع، وهو أولى من التعميم ~~لإفضائه إلى زيادة التقدير. # وكذلك العطف على العام لا يقتضي عموم المعطوف عليه، مثل الحديث الذي رواه ~~أبو داود (¬2): "لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد PageV02P281 # في عهده"، (¬1)، فالمسلم عام عندنا، وكذا الكافر يشمل الذمي، والحربي. # وعند الحنفية قوله: "بكافر" عام خص منه الذمي: لأن المسلم يقتل به ~~استدلالا بقوله تعالى: {أن النفس بالنفس} [المائدة: 45]، فيلزم أن يكون ~~الثاني أي المقدر أيضا عاما، فلا يخرج عنه إلا ما دل الدليل على خروجه. # وقد دل النص، والإجماع/ ق (65/ أمن أ) على قتل المعاهد بالذمي، فيكون ~~الحكم، وهو عدم القتل قصاصا مختصا بالحربي. # والحاصل: أن الشافعية - في التقدير - يقدرون الحربي ابتداء، والحنفية ~~يقدرون بكافر على العموم، ويخرجون عنه الذمي بدليل دل عليه، ويدعون أن عموم ~~المعطوف عليه يستلزم عموم المعطوف ضرورة اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في ~~الحكم، ms194 وصفته. PageV02P282 # والجواب: أنه لو كان عموم المعطوف لازما لعموم المعطوف عليه لزم أن لا ~~يقتل ذو عهد بالذمي، وهو خلاف الإجماع. # فإن قالوا: قد أخرج الذمى من العموم بالدليل. # قلنا: تقدير العموم، وإخراج الذمي إنما يرتكب لو كان اشتراك المعطوف ~~والمعطوف عليه واجبا في جميع التعلقات، وليس كذلك على ما بين في علم ~~العربية. # قال الإمام - في الغنية -: "لا يحتاج إلى التقدير، ليقدر عام، أو خاص: ~~لأن الكلام مستقل بدون التقدير". # ورد بأن التقدير لا بد منه: لأنه لو لم يقدر شيء لكان/ ق (66/ أمن ب) ~~لنفي الحقيقة، فيمتنع قتله مطلقا، وهو باطل. # فإن قيل: فهم قتله بالمسلم والذمي من نصوص أخر. فنقول: هو معنى التقدير ~~الذي قالوا به، هكذا قاله بعض الأفاضل (¬1). وفيه نظر: لأن مقصود الإمام: ~~أن جعل مثل هذا التركيب من قبيل عطف العام على الخاص غير مستقيم، إذ لا ~~ضرورة في التقدير، لا لفظا لاستقلال الكلام بدونه، ولا معنى؛ لأن الحكم ~~المستفاد من المقدر قد استفيد من غيره من النصوص، فكيف يتوجه ما أورده عليه؟ # قوله: "والفعل المثبت". PageV02P283 # أقول: الفعل الاصطلاحي الذي هو قسيم الاسم، والحرف إذا كان منفيا قد تقدم ~~حكمه، وهو أنه في تأويل المصدر النكرة في سياق النفي، فيعم. # وأما المثبت في حكم النكرة في الإثبات، فلا وجه لعمومه (¬1). # ثم العموم الذي نفي عنه له جهات: # الأولى: إفراده، فلا يعمها نحو: "صلى داخل البيت" (¬2)، فلا يشمل الفرض، ~~والنفل. PageV02P284 # الثانية: الأزمان نحو: "كان يجمع في السفر" (¬1) لا يدل على عموم الزمان. # الثالثة: عموم الفعل للأمة لا يدل صدور الفعل عنه على وجوب الاتباع. # بل العموم - في هذه المذكورات إنما يستفاد من دليل خارجي كقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "خذوا عني مناسككم" (¬2)، وكقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي". # وإذا وقع فعله بعد إجمال، أو إطلاق، أو عموم، فيتبع البيان في العموم، ~~وعدمه. PageV02P285 # فإن قيل: قد عم الفعل في قوله: "سها، فسجد" (¬1) "زنى ماعز (¬2)، فرجم" ~~(¬3) و"فعلت أنا ورسول الله، فاغتسلنا" (¬4). PageV02P286 # الجواب: أنه من دليل خارجي، والكلام إنما ms195 هو في لفظ الفعل المثبت. # قوله: "ولا المعلق بعلة". # أقول: يعني أن الحكم إذا علل بعلة مثل قوله: حرمت الخمر لإسكاره، هل ~~يتناول الحكم سائر المسكرات، أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # الجمهور: يعم شرعا. القاضي: لا شرعا، ولا لغة. وقيل: لغة (¬1). # لنا - على مختار الجمهور، وهو أنه يدل شرعا -: فلأن الشارع إذا رتب حكما ~~على وصف صالح للعلية، يستقل في العلية حيث وجد ظاهرا. # وأما أنه لا يدل لغة، فلأن السيد إذا قال: أعتقت غانما لسواده، لا يلزم ~~منه عتق سالم لسواده، وهو ظاهر. # القاضي: لو قال الشارع: حرمت الخمر لكونه حلوا، لا يلزم منه حرمة كل ما ~~كان فيه حلاوة. # الجواب: أن العلة هي الإسكار مع الحلاوة، ونلتزم عمومه. PageV02P287 # القائل: بأنه يدل لغة، لو قال: حرمت المسكر لإسكاره، كان عاما اتفاقا، ~~فكذا قوله: حرمت الخمر لإسكاره (¬1) / ق (65/ ب من أ). # الجواب: إن أردت أن حكمهما واحد، فذلك من الشرع، وإن أردت أنه من اللغة، ~~فذلك ممنوع لاختلاف الصيغة تأمل! # قوله: "وأن ترك [الاستفصال] (¬2) ينزل منزلة العموم". يريد أن هذه ~~المسألة، تلائم بحث العام لا أنها من [العام] (¬3) المصطلح عليه، ومثلوا ~~لها قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لغيلان بن سلمة الثقفي (¬4) - وقد ~~أسلم وتحته عشر نسوة -: "اختر أربعا، وفارق سائرهن" (¬5)، فيعم الحكم، وهو ~~جواز اختيار PageV02P288 # الأربع، ما إذا تزوجهن معا، ومرتبا لإطلاقه الحكم من غير استفسار (¬1)، ~~ولو كان الحكم يختلف باختلاف الصورتين لما أطلق؛ لأن البيان واجب عليه، ~~والإطلاق في موضع التقييد لا يفيده. PageV02P289 # وقد ظهر لك بهذا التحرير أن ليس الكلام في العام المصطلح. # قوله: "وأن نحو: {ياأيها النبي} لا يتناول الأمة". # أقول: يريد أن من له منصب الاقتداء به، فإذا قيل - له -: افعل كذا، هل ~~يعم الخطاب أتباعه - لغة - مثل قوله - تعالى -: {ياأيها النبي اتق الله} ~~[الأحزاب: 1]، {ياأيها المزمل (1) قم الليل} [المزمل: 1 - 2]، {لئن أشركت ~~ليحبطن عملك} [الزمر: 65]، أم لا؟ # مختار المصنف عدم التناول، وهو المختار (¬1). PageV02P290 # لنا: أن اللفظ موضوع للمفرد لغة اتفاقا، وما وضع (¬1) / ق (66/ ب ms196 من ب) ~~لشيء - لغة - لا يتناول غيره حقيقة في تلك اللغة إلا بوضع آخر، والمقدر خلافه. # قالوا: إذا قيل - لمن له منصب الاقتداء كالأمير مثلا -: اركب لمناجزة ~~العدو، أو لفتح البلدة الفلانية، يفهم تناول الأمر له، ولأتباعه. # قلنا: من القرائن، إذ مثل ذلك الأمر لا يقوم به وحده. # قالوا: قوله تعالى: {ياأيها النبي إذا طلقتم النساء} [الطلاق: 1] قد ~~تناول خطابه لأمته إذ الحكم عام. # قلنا: النداء له خاصة للتشريف، وعموم الحكم من قوله: {طلقتم}، وذلك ليس ~~مما نحن فيه. # قالوا: قوله: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين ~~حرج} [الأحزاب: 37] صريح في ذلك. PageV02P291 # قلنا: قوله: {زوجناكها} خاص به، وهو نكاح زينب، وغيره علم من قوله: {وما ~~جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم} [الأحزاب: 4]. # حيث رد أن يكون الدعي ابنا، وليس للحرمة جهة أخرى. # قالوا: لو لم يكن عاما لم يكن لقوله: {خالصة لك} [الأحزاب: 50]- نافلة لك ~~- فائدة. # قلنا: فائدة ذلك قطع احتمال العموم، إذ لا يلزم من انتفاء [دليل] (¬1) ~~العموم انتفاء احتمال العموم. # قوله: "ونحو: {ياأيها الناس} [البقرة: 21] ". # أقول: ما تناوله - صلى الله عليه وسلم - من الألفاظ لغة نحو: {ياأيها ~~الناس} , {ياأيها الذين آمنوا} [البقرة: 104]، {ياعبادي} [العنكبوت: 56]، ~~هل يتناوله، إذا ورد بلسانه، أم كونه واردا بلسانه مانع؟ فيه خلاف: # قيل: يتناوله مطلقا. وقيل: لا يتناوله. وقيل: إن خلا عن لفظ قل تناوله، ~~وإلا فلا. # مختار المصنف [هو] (¬2) الأول، وهو المختار عند المحققين (¬3). PageV02P292 # لنا: ما تقدم من تناوله لغة، فيجب القول به. # ولنا - أيضا -: أن الصحابة رضي الله عنهم، فهموا ذلك حيث كانوا، إذا لم ~~يفعل يسألونه عن سبب تركه، وهم عارفون باللسان، أئمة في اللغة، فلو لم ~~يتناوله، لم يسألوه، وذلك ظاهر. # قالوا: لو كان داخلا، لكان آمرا مأمورا بخطاب واحد، وهو غير معقول. # قلنا: الآمر في الحقيقة هو الله تعالى، والتبليغ من جبريل، فلا محذور. # وعلم من هذا التقرير الجواب عن قولهم: شرط الآمر أن يكون أعلى من ~~المأمور، فلا يكون آمرا لنفسه. # قالوا: خص ms197 بأحكام: كوجوب الضحى، والأضحية، والتهجد، فدل على انفراده ~~بأحكام، وامتيازه عن الأمة، فلا يلزم تناوله فيما ذكر. # الجواب: أن انفراده ببعض الأحكام لدليل لا يوجب انفراده، فيما لا دليل ~~فيه، فإن عدم الحكم قد يكون لمانع، كما يكون لعدم المقتضى، PageV02P293 # وذلك كما خرج المريض، والمسافر من عمومات مخصوصة لمانع، ولا يوجب ذلك ~~خروجهم عن العمومات مطلقا (¬1). # قوله: "وأنه يعم العبد". # أقول: خطاب الشارع بصيغة تتناول العبيد - لغة - مثل: {ياأيها الناس} ~~[الحج: 73] {ياأيها الذين آمنوا} [الأنفال: 24] هل يتناول العبيد شرعا، أم لا؟ # الجمهور: يتناولهم، وهو المختار عند المصنف (¬2). PageV02P294 # لنا - على ما ذهب إليه -: أنهم لما دخلوا في الخطاب لغة، وكونهم عبيدا لا ~~يصلح مانعا شرعا، فوجب القول بالدخول لوجود المقتضي وعدم المانع. # قالوا: دل الإجماع على اختصاص منافعهم بمواليهم، فلو كلفوا لزم صرف ~~منافعهم إلى غير مواليهم. # قلنا: عموم صرف المنافع ممنوع، بل قد استثنى أوقات التكاليف إجماعا حتى ~~لو لم يمكنه من أداء الظهر آخر الوقت عصى إجماعا. # قالوا: خرجت العبيد عن خطاب الجهاد، والجمعة، والحج، والتبرعات بأسرها. # قلنا: بدليل خاص كالحائض، والمريض في وجوب الصوم. # والحاصل: أن خلاف الأصل قد يرتكب لدليل (¬1). PageV02P295 # وأما الكافر، فلا وجه لإيراده هنا إذ علم/ ق (67/ أمن ب) حكمه من مسألة ~~تكليف الكافر بالفروع (¬1). # قوله: "ويتناول الموجودين دون من بعدهم". # أقول: ما وضع للمشافهة مثل النداء، والأمر، لا يتناول سوى الموجودين، بل ~~الموصوفين بالعقل، والبلوغ خلافا للحنابلة إذ قالوا: بعمومه لمن بعدهم (¬2). # لنا - على المختار -: أن الصبي، والمجنون لم يدخلا في خطاب إجماعا فكيف ~~بالمعدوم الذي هو أبعد بمراحل (¬3)؟ # وأيضا من شرع منا ينادي معدوما بمثل يا أيها الناس، عد ذلك سفها منه، ~~فالشارع يتعالى عنه. # قالوا: أرسل إلى الناس كافة، فلو لم يتناول خطابه الكل لم يؤد الرسالة ~~على الوجه المأمور بها، وذلك باطل قطعا للاتفاق على أنه بلغ الرسالة، وأدى ~~الأمانة. PageV02P296 # قلنا: كذلك، لكن لا مشافهة، بل بلغ الموجودين، بل الحاضرين ليؤدوا إلى من ~~غاب عنهم مكانا، أو زمانا. # فإن قيل: قد ms198 سبق أن المعدوم مكلف، وإذا قلتم: إن المعدوم لا يتناوله ~~الخطاب، فكيف يعقل أن يكون مكلفا؟ # قلنا: قد تقدم - أيضا - أن التكليف منه معنوي، وهو الحكم الأزلي، وذلك لا ~~يتوقف على وجود مخاطب، ومنه تنجيزي، وهو الذي يتوقف على مخاطب موصوف ~~بالعقل، والبلوغ، والكلام في هذه المسألة إنما هو في هذا القسم الثاني، فلا إشكال. # قوله: "وأن من الشرطية تتناول الإناث". # أقول: ما لا يفرق فيه بين المذكر، والمؤنث مثل: من، وما، وإن كان العائد ~~إليه مذكرا، والأكثرون على أنه يتناول الإناث، وهو المختار (¬1). # لنا: أنه لو قال: من دخل داري فهو حر، ودخلت الإماء، عتقن إجماعا. # وأما صيغة جمع المذكر السالم مثل المسلمين، وفعلوا، لا يدخل فيه النساء ~~ظاهرا خلافا للحنابلة (¬2). PageV02P297 # لنا - على المختار -: قوله تعالى: {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين ~~والمؤمنات} إلى آخر الآية [الأحزاب: 35]. # قالوا: أفرد ليكون نصا. قلنا: التأسيس مقدم. # ولنا - أيضا -: حديث أم سلمة قالت: "يا رسول الله إن النساء قلن: ما نرى ~~الله ذكر النساء؟ " (¬1) فأنزل الله: {إن المسلمين والمسلمات}، ولو كن ~~داخلات لم يكن لتقرير النفي وجه. # ولنا - أيضا -: إجماع أهل (¬2) / ق (66/ ب من أ) العربية على أنه جمع ~~المذكر السالم. # قالوا: عادة أهل اللسان تغليب الذكور على الإناث في التعبير حتى لو كان ~~ألف امرأة، مع رجال ثلاثة، تغلب الرجال، قال تعالى: {وادخلوا PageV02P298 # الباب سجدا} [البقرة: 58] والمراد بنو إسرائيل رجالهم، ونساؤهم، وقال: ~~{اهبطوا بعضكم لبعض عدو} [الأعراف: 24]، والمراد آدم، وحواء، وإبليس، وإنما ~~يتصور هذا الكلام بدخول التاء. # الجواب: أن التغليب مجاز، ونحن لا نمنعه، بل الممنوع كونه يتناول ~~الفريقين حقيقة، وما ذكرتموه لا يدل عليه. # قالوا: لو لم يتناولهن: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] لم ~~يجب عليهن صلاة، ولا زكاة، وبطلانه لا يخفى. # قلنا: عدم ثبوت الحكم بدليل لا يتناولهن، لا يدل على عدم ثبوته بدليل ~~آخر، ولذلك لم تجب الجمعة، والجهاد؛ لعدم تناول جمع الرجال في قوله: ~~{فاسعوا إلى ذكر الله} [الجمعة: 9]، وقوله: {كتب عليكم القتال} [البقرة: ~~216]، مع انتفاء دليل آخر يدل ms199 على وجوبهما. # قالوا: لو قال: أوصيت للرجال والنساء بألف درهم، ثم قال: وأوصيت لهم - ~~أيضا - بكذا، وكذا، يستوي في المذكور ثانيا الرجال والنساء، ولو كان الضمير ~~في لهم خاصا بالرجال لم يتناول الحكم النساء. # الجواب: إنما يتناولهن بقرينة الوصية المتقدمة التي صرح فيها بذكر ~~النساء، وهذا غير محل النزاع. # واعلم: أن النزاع إنما هو في مثل المسلمين، والمؤمنين، أي: الألفاظ ~~المحتملة للنساء لا في لفظ الرجال، كما إذا قال: الرجال كذا، فإن عدم PageV02P299 # تناوله للنساء متفق عليه، وكذا نحو الناس كذا، فإنه يتناول النساء اتفاقا ~~(¬1) فتأمل! # قوله: "وأن خطاب الواحد لا يتعداه". # أقول: خطاب الشارع واحدا بعينه من الأمة، هل يتناول غيره - لغة -، أم ~~(¬2) / (ق 67/ ب من ب) لا؟ # المختار: لا يتناوله خلافا للحنابلة (¬3). # لنا - على المختار -: أن الصيغة لم توضع لغير الواحد. # وأيضا لو تناوله، لم يكن لقوله: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة" ~~(¬4)، فائدة لكونه مفهوما من ذلك الحكم لغة على ما هو المفروض. PageV02P300 # قالوا: قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس} [سبأ: 28]، وقوله: ~~"بعثت إلى الأحمر، والأسود" (¬1)، وغيرهما من النصوص يدل على عموم حكمه. # قلنا: يدل على عموم رسالته لا على أن كل حكم منه على كل مكلف. # قالوا: قوله: "حكمي على الواحد" الحديث. # قلنا: إن أريد به - لغة - فلا دلالة فيه، وإن أريد قياسا، فليس محل ~~النزاع. PageV02P301 # قالوا: حكم على ماعز بالرجم، فأجمع الصحابة على رجم كل محصن بعده، وضرب ~~الجزية على مجوس هجر، فضربوه على غيرهم من المجوس (¬1)، فلو لم يكن حكمه ~~على الواحد حكما على الجماعة، فما دليلهم؟ # قلنا: إنما حكم الصحابة بذلك قياسا لوضوح العلة في الصورتين لا لغة على ~~ما هو المتنازع فيه. # قالوا: لو لم يعلم - لغة - لم يكن لقوله - لأبي بردة بن نيار (¬2) في ~~التضحية بالجذعة (¬3) -: "لن تجزئ عن أحد بعدك" (¬4). PageV02P302 # وقوله - في شهادة خزيمة (¬1) -: إنه خاصة له (¬2) - فائدة، لكونه لم ~~يتناول الغير على ما ادعيتم. PageV02P303 # قلنا: فائدته قطع الاحتمال، ودفع توهم جواز القياس بالاستدلال. # قوله: "وخطاب القرآن، والحديث: {ياأهل ms200 الكتاب} لا يشمل الأمة". # أقول: قد اختلف في الخطاب الخاص بأهل الكتاب لفظا، هل يختص بهم حكما مثل ~~قوله تعالى: {ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم} [النساء: 171] {يابني ~~إسرائيل} [البقرة: 40]. # والمختار - عند المصنف - اختصاصه بهم (¬1). # والحق: أنه إن أراد أنه لا يتناول غيرهم - لغة - فهو حق، وإلا فلا، إذ لا ~~مانع من القياس، إذا كانت العلة مشتركة، وهذه/ ق (67/ أمن أ) المسألة ~~كالسابقة استدلالا، وتفصيلا. # ولو قال المصنف: الخطاب بمثل: {ياأهل الكتاب} لا يعم غيرهم، كان أخصر، وأفيد. # ثم المخاطب هل يدخل في عموم خطابه، أم لا؟ PageV02P304 # مختار المصنف: إن خبرا يدخل، وإن كان أمرا فلا (¬1). # وقيل: لا يدخل مطلقا (¬2). # مثاله في الخبر: {والله بكل شيء عليم} [البقرة: 282]، وفي الأمر: أكرم من ~~أكرمك، وفي النهي: من أكرمك لا تهنه. # لنا - على المختار - وهو الدخول (¬3) تناول اللفظ إياه، ولا مانع، فيجب ~~القول به. # قالوا: يرد قوله تعالى: {الله خالق كل شيء} [الرعد: 16، الزمر: 62]. # قلنا: أخرجه دليل العقل، فهو عام مخصوص. ثم المصنف لم يذكر النهي، ولا بد ~~من ذكره، وفرق بين الخبر والأمر، والحق عدم الفرق. PageV02P305 # وإنما تبع في ذلك الإمام الرازي حيث ذكر أن كونه آمرا قرينة مخصصة (¬1). # وليس بشيء لظهور أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "اسعوا فإن الله كتب ~~عليكم السعي" (¬2)، وقوله: "أبدأ بما بدأ الله به" عام فيه، وفي أمته. # وأما قولهم: كونه آمرا قرينة مخصصة، فقد سبق أن الآمر حقيقة هو الله - ~~وهو مبلغ عنه - تعالى. # فإن قلت: قد ذكر الفقهاء: أن إنسانا لو قال: نساء العالمين طوالق لم تطلق ~~زوجته (¬3)، وهذا مبني على عدم دخول المخاطب في عموم الخطاب. # قلت: كونه داخلا في العالمين مما لا شك فيه، وأما عدم وقوع الطلاق، فلأن ~~العادة أخرجته إذ العادة تخصص خصوصا في الأيمان هذا هو الحق في التعليل، ~~ومن علل بعدم الدخول، فقد بنى على المذهب المرجوح. # قوله: "وأن نحو: {خذ من أموالهم صدقة} [التوبة: 103] ". PageV02P306 # أقول: قد اختلف في أن مثل قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة}، ms201 يقتضي الأخذ ~~من كل نوع من أنواع المال، أم يكفي أخذ صدقة ما من جملة الأموال (¬1)؟ # مختار المصنف - وهو مختار الجمهور، ونص عليه الشافعي في الرسالة -: أنه ~~يقتضي الأخذ من كل نوع (¬2). # لنا - على المختار - أن {أموالهم} للعموم: لأنه جع مضاف، فيعم كقوله: ~~عبيدي أحرار، وإذا عم فلا بد وأن يعم الأفراد، والأنواع، والأول باطل ~~اتفاقا، وإلا تجب الزكاة في الدرهم، والدانق لصدق اسم المال عليه، فتعين ~~الثاني. PageV02P307 # فإن قلت: الحصر ممنوع لما لا يجوز أن يكون المراد من الجمع العام هو ~~المجموع من حيث المجموع؟ مثل قولك: هذه الدار لا تسع الرجال، أو الجيش، / ق ~~(68/ أمن ب) كما إذا حلف لا يتزوج [النساء] (¬1)، وفلان يركب الخيل، ويا ~~هند لا تحدثي الرجال. # قلت: الجمع المضاف ظاهر في العموم، فلا يعدل عنه إلا بدليل، كما في الصور ~~المذكورة، وحيث لا دليل، فهو باق على عمومه، وحيث انتفى عموم الأفراد تعين ~~عموم الأنواع. ولما في المسألة من الإشكال توقف الآمدي، والله أعلم (¬2). # * * * PageV02P308 ### || AUTO باب التخصيص # قوله: "التخصيص: قصر العام على بعض أفراده". # أقول: التخصيص اصطلاحا ما ذكره المصنف، وهذا يتناول ما أريد به جميع ~~المتميزات (¬1)، ثم أخرج عنها البعض كقولك: جاء الرجال إلا زيدا، وما لم ~~يرد إلا البعض ابتداء كقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ~~[البقرة: 228]، فإن المراد غير الحوامل. # والشيخ ابن الحاجب عرفه بأنه: "قصر العام على بعض المسميات" (¬2). PageV02P309 # وإنما عدل المصنف - على ما في بعض الشروح (¬1) -: لأن مسمى العام واحد، ~~وهو كل الأفراد، وهذا وهم منه: لأن المراد بالمسميات هي الآحاد التي اشتركت ~~في أمر، كالرجال مثلا، فإنها مشتركة في معنى الرجل، فهي مسميات ذلك الأمر ~~المشترك فيه لا مسميات (¬2) / ق (67/ ب من أ) العام، ولذلك يصدق على كل ~~واحد من تلك الآحاد أنه ذلك الأمر المشترك، مع توجه الاعتراض على عبارة ~~المصنف من وجهين: # أحدهما: أن المتبادر من الأفراد هي الجزئيات كزيد، وعمرو، وخالد، فإنها ~~أفراد الإنسان، أي: جزئياته، فيصدق على كل واحد أنه إنسان بخلاف العام، ms202 ~~فإنه لا يصدق على تلك الأفراد. # الثاني: أن أفراد الجمع المستغرق هي الجموع لا الوحدان، فيلزم أن يكون ~~معنى العموم في الرجال تناوله جميع الجموع لا الوحدان، والمصنف لم يقل به، ~~وإن صار إلى التأويل بأن المراد هي الآحاد باعتبار أمر اشتركت فيه على ما ~~ذكرناه في توجيه كلام الشيخ، فلا وجه للعدول عنه. # واعلم: أن التخصيص كما يطلق على قصر العام على بعض أفراده، كذلك يطلق على ~~قصر اللفظ على بعض أجزائه، أي: أجزاء مدلوله، كقولك: لفلان عندي عشرة إلا ~~واحدا، فإنه تخصيص، والعشرة ليس PageV02P310 # عاما، مصطلحا، وإليه أشار ابن الحاجب بقوله: "ويطلق التخصيص على قصر ~~اللفظ، وإن لم يكن عاما كعشرة" (¬1). # وفى بعض الشروح (¬2) نقل عن المصنف كلام غريب، وهو أنه اعترض عليه بأسماء ~~العدد، وقد قلت - في تعريف العام -: إنه الذي يستغرق جميع ما يصلح له من ~~غير حصر، فأسماء العدد خارجة عن تعريف العام، مع أن التخصيص موجود فيها. # أجاب: بأن المقصود شرطه أن يكون متعددا، وأسماء العدد ليس فيها تعدد، بل ~~التعدد إنما هو في المعدود. # وهذا كلام في غاية السقوط، إذ لفظ من، وما، عام بالاتفاق، مع عدم التعدد ~~في اللفظ، وأي دخل للفظ في عموم المعنى، وعدمه؟ ، فتأمل.! # قوله: "والقابل له حكم ثبت لمتعدد". # أقول: يريد أن المقصود في الحقيقة، هو الحكم المتعلق بالمتعدد، إذ ربما ~~يتوهم أن الرجال في قولك: جاءني الرجال، هو المقصود نظرا إلى ظاهر تعريف ~~التخصيص بأنه قصر العام على بعض أفراده، ولولا ما نقل عن المصنف، كان يمكن ~~حمل كلامه هذا على ما يشمل أسماء العدد إذ المتعدد صادق على العام، وعلى ~~أسماء العدد (¬3). PageV02P311 # ثم التخصيص جائز إلى الواحد إن لم يكن لفظ العام جمعا (¬1)، وإلى الثلاثة ~~عند الجمهور، إن كان جمعا، وقيل: إلى الاثنين بناء على أنه أقل الجمع. # وقيل: إلى الواحد مطلقا، وهو الظاهر الجاري على القانون إذ أفراد العام ~~هي الوحدان مفردا كان العام، أو جمعا. # وقيل: لا يجوز إلى ما دون أقل الجمع مطلقا ms203 مفردا كان العام، أو جمعا ~~(¬2)، وإليه أشار بقوله: وشذ المنع مطلقا. وإنما كان شاذا لبعد اعتبار بقاء ~~الجمع في المفرد. PageV02P312 # وقيل: لا يجوز مطلقا إلا أن يبقى المخرج منه غير محصور (¬1). # وقيل: إلا أن [يبقى (¬2)] قريب من مدلول العام قبل التخصيص (¬3). # وقيل: لا يجوز التخصيص مطلقا: لأنه يوجب الكذب في الخبر، والبداء (¬4) في ~~الإنشاء. # والجواب - عن هذا -: أن الكذب، والبداء إنما يلزم لو حكم قبل التخصيص على ~~العام، وليس (¬5) / ق (68/ ب من ب) كذلك إذ الحكم إنما هو بعد الإخراج. # قوله: "والعام المخصوص مراد عمومه تناولا لا حكما". PageV02P313 # أقول: قد سبق في صدر البحث أن العام قد يتناول جميع الأفراد، ثم يخرج ~~عنها البعض كقولك: جاءني الرجال إلا زيدا، بدليل الاستثناء، إذ لو لم ~~يتناول الرجال زيدا لم يصح الاستثناء. # وقد يراد بلفظ العام الخصوص ابتداء كقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228]، وهذا القسم الثاني/ ق (68/ أمن أ) ~~العموم فيه ليس مرادا، لا تناولا ولا حكما، بل هو كلي بحسب المفهوم لتناول ~~مفهومه أفرادا كثيرة، وقد استعمل في جزئي، ولهذا كان مجازا قطعا. # وأورد عليه (¬1): بأن قوله: كلي، مخالف لما تقدم منه بأن العام كلية لا ~~كلي. وليس الإيراد بشيء: لأن القول بالكلية إنما هو إذا كان العام يراد به ~~جميع الأفراد، وأما إذا أريد به بعض الأفراد، فلا شك في أنه مفهوم كلي أريد ~~به بعض ماصدقاته. والجزئي - في عبارة المصنف - يجب حمله على الجزئي ~~الإضافي، وهو كل خاص دخل تحت عام لا الجزئي الحقيقي الذي يمنع نفس تصوره عن ~~وقوع الشركة: لأن إرادة الخصوص لا تستلزم إلا الجزئي الإضافي. # وقد غلط فيه بعض (¬2) الشراح، فحمله على الحقيقي، فتأمل! PageV02P314 # قوله: "والأول الأشبه حقيقة". # أقول: الأول، وهو العام الذي لم يرد به الخصوص ابتداء، بل أريد العموم ~~تناولا - ثم أخرج البعض عن الحكم - قد اختلف فيه اختلافا كثيرا: # فقيل: حقيقة في الباقي، واختاره المصنف وفاقا لوالده، وهو المختار عندي، ~~وقد نقل الغزالي: أنه مختار الشافعي، وأصحابه (¬1). # أبو بكر ms204 الرازي من الحنفية: إن كان الباقى غير محصور، فحقيقة (¬2)، وإلا فلا. # وطائفة منهم [الفاضل] (¬3) صدر الشريعة من الحنفية: إن كان المخصص غير ~~مستقل، فحقيقة، وإلا فلا (¬4). PageV02P315 # إمام الحرمين: باعتبار التناول حقيقة، وباعتبار الاقتصار على البعض مجاز (¬1). # والأكثر: مجاز مطلقا (¬2). # وقيل: مجاز، مع الاستثناء حقيقة في غيره (¬3). # وقيل: مجاز إن خص بغير اللفظ كالعقل، والعادة (¬4). # ونحن نذكر الدليل - على المختار - وهو أنه حقيقة في الباقي، ونشير إلى ~~الجواب عن شبهة المخالف، فنقول: إذا قلنا: جاءني الرجال إلا زيدا، فقد ~~أردنا بالرجال جميع الأفراد قطعا، وإلا لم يكن مستغرقا، فلا يصح الاستثناء، ~~وهو باطل إجماعا، وإذا كان المراد الأفراد بأسرها، فقد PageV02P316 # استعمل اللفظ فيما وضع له اللفظ، فكان حقيقة، وخروج بعض الأفراد عن الحكم ~~لا دخل له في كون اللفظ حقيقة، أو مجازا. # ومن قال: إن كان الباقي غير محصور حقيقة كأنه جعل غير المحصور بمثابة ~~الكل، وليس بشيء: لأن اللفظ موضوع للكل، فلو لم يستعمل لكان مجازا على أي ~~وجه استعمل. # والذي فرق بين المستقل وغيره، فلأن غير المستقل كالصفة، والشرط، ~~والاستثناء، صيغ مضبوطة يمكن أن يقال: إن اللفظ موضوع للباقي عند انضمام ~~تلك الصيغ إليه، بخلاف المستقل، فإنه غير محصور، فلا ينضبط به الوضع. # والجواب - عنه -: هو الجواب عن الشبهة الأولى. # والمنقول عن إمام الحرمين في توجيه القول: بأنه حقيقة تناولا، مجاز ~~اقتصارا على البعض: هو أن الجمع في حكم تكرير الأفراد، فإذا قلنا: جاءني ~~الرجال، فكأنه قيل: جاءني فلان، وفلان، وفلان. # وفائدة الجمع: هو الاختصار، فكما أنا إذا حذفنا في صورة التكرار بعض ~~الأفراد لم يصر اللفظ في الباقي مجازا، فكذا هنا. # والجواب: هو الجواب: لأن لفظ الجمع المستغرق موضوع للكل قطعا، فإخراج ~~البعض يصير مستعملا في غير ما وضع له نظرا إلى الحكم، PageV02P317 # وأما بالنظر إلى التناول لا تفاوت. وأما أن الجمع في حكم تكرير الآحاد ~~مناسبة ذكرها أهل العربية في فائدة وضع الجموع لا أن الجمع مثل تلك الأفراد ~~من كل وجه. # والجواب - عن شبهة من قال: ms205 إنه (¬1) / ق (68/ ب من أ) مجاز مطلقا، ومن ~~قال: مجاز في صورة، ومن قال: مجاز في صورة الاستثناء حقيقة في غيره، ومن ~~قال: إن خص بغير اللفظ مجاز، وإلا فلا -: هو الجواب الذي قدمنا، فلا حاجة ~~إلى الإطناب/ ق (69/ أمن ب) لحصول المقصود بما قدمنا. # قوله: "والعام المخصص، قال الأكثر: حجة". # أقول: قد اختلف في العام - بعد التخصيص - هل هو حجة، أم لا؟ # نقل المصنف عن الجمهور: أنه حجة سواء كان المخصص معلوما، أو مجهولا، وهو ~~المختار (¬2). PageV02P318 # لنا - على كونه حجة مطلقا -: احتجاج العلماء قديما، وحديثا من غير نكير ~~نحو: "إنما الأعمال بالنيات" إذ ليس كل عمل محتاج إلى النية. وقوله تعالى: ~~{يجبى إليه ثمرات كل شيء} [القصص: 57]. # وقيل: إن خص بمعين حجة (¬1) نحو: اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة، لا ~~المجهول لعدم إمكان العمل إذ ما من فرد إلا ويحتمل أن يكون مخرجا (¬2). PageV02P319 # الجواب: أنه ربما يقتضي العقل إخراج بعض لا بعينه كما في قوله: {يجبى ~~إليه ثمرات كل شيء} [القصص: 57]، وقولك: الرجال في الدار. # وقيل: حجة إن خص بمتصل مثل الاستثناء، والصفة، وإليه ذهب الكرخي (¬1): ~~لأن المتصل يعلم منه قدر المخرج بخلاف المنفصل. # وقيل: حجة في الباقي إن أنبأ عنه العموم (¬2) نحو: اقتلوا المشركين إلا ~~أهل الذمة، فإن لفظ المشركين ينبئ عن الحربي إنباءه عن الذمي، بخلاف قوله ~~تعالى: {والسارق والسارقة} [المائدة: 38]، فإنه لا يشعر بكون المال المسروق ~~شرطه أن يكون مخرجا من الحرز، وأن يكون ربع الدينار، فإذا سقط العمل بها في ~~صورة انتفائهما لم يعمل بها في صورة وجودهما. # وقيل: يجوز الاحتجاج به في أقل الجمع دون الأكثر، ويشبه أن يكون هذا قول ~~من لم يجوز التخصيص إلى الواحد (¬3). PageV02P320 # وقيل: ليس بحجة مطلقا، وإليه ذهب أبو [ثور] (¬1)، وعيسى بن أبان (¬2). # وما عدا الأول مردود بما ذكرنا من استدلال العلماء به مطلقا، وما ذكروه ~~مناسبات وهمية معارضة بدليل العقل، واستعمال الأئمة. PageV02P321 # غايته: أنه دليل فيه شبهة، وهذا القدر لا يقدح في حجيته، إذ قل ما يخلو ~~دليل عن ms206 مثله، والله أعلم (¬1). # قوله: "ويتمسك بالعام في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -". # أقول: العام - في حياته - صلى الله عليه وسلم - يستدل به قبل البحث عن ~~المخصص اتفاقا، على ما نقله الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني. # وأما بعده، فمختار الشافعي، وجمهور المتكلمين، والفقهاء أنه دليل ظني، ~~وإليه ذهب طائفة من فقهاء سمرقند من الحنفية. # وعند عامة المتأخرين من الحنفية أنه يفيد الحكم قطعا، ويقينا (¬2). PageV02P322 # وتوقف بعض الأشاعرة في الاستدلال إلى أن يبحث عن المخصص (¬1) وإليه ذهب ~~ابن سريج. # لنا - على المختار -: أن لفظ العام ظاهر في العموم يجب العمل به كسائر ~~الظواهر من الأدلة، فلا وجه للتوقف (¬2). # قيل: يحتمل التخصيص. قلنا: لا يقدح في الظهور. # والحنفية القائلون: بأنه يفيد الحكم قطعا، قالوا: الاحتمال مطلقا لا يقدح ~~في قطعية الدليل، بل الاحتمال الذي يكون ناشئا عن دليل هو القادح. PageV02P323 # قلنا: يكفي في ذلك القدح قولهم: ما من عام إلا وخص منه البعض، فيتطرق ~~بذلك الشبهة إلى كل عام، فيخرجه عن القطعية، فيفيد الظن. # ثم القائلون: بانه لا بد من البحث عن المخصص، الأكثرون على أنه يكفى في ~~ذلك غلبة الظن/ ق (69/ أمن أ) بعدم المخصص. # وذهب القاضي أبو بكر الباقلاني إلى أنه لا بد من القطع، وهذا بعيد (¬1) ~~جدا، إذ لا يمكن القطع إلا بعد استقراء تام: لأن الاستقراء الناقص لا يوجب ~~الجزم فضلا عن القطع، واليقين، والاستقراء متعسر جدا. # قال الإمام - في المحصول -: "إذا قلنا: يجب نفي المخصص، فذاك لا سبيل ~~إليه (¬2) إلا بأن يجتهد في الطلب، فلا يجد، لكن عدم الوجدان لا يورث إلا ~~ظنا ضعيفا" (¬3). # قوله: "المخصص قسمان". PageV02P324 # أقول: لما فرغ من بيان التخصيص، وأحكامه شرع فيما به يحصل التخصيص، وهو ~~في التحقيق إرادة المتكلم (¬1)، ويطلق على الدال على تلك الإرادة حقيقة ~~عرفية (¬2) عندهم حتى لا يفهمون من المخصص إلا المعنى الثاني. # فذكر المصنف أنه قسمان: # متصل (¬3): وهو خمسة أقسام استثناء، وشرط، وصفة، وغاية، وبدل البعض (¬4). # والبيضاوي أسقط البدل تبعا للإمام لقلة مباحثه (¬5). # وقسم بعض الفضلاء (¬6) إلى المستقل، وغيره، ms207 وأراد بغير المستقل ما يتعلق ~~بصدر الكلام، وهذا أولى/ ق (69/ ب من ب) مما ذكره المصنف: لأن الاتصال ليس ~~بواجب لا لفظا، ولا زمانا، وتلك العبارة توهمه. PageV02P325 # الأول: الاستثناء (¬1): وعرفه بأنه الإخراج بإلا وأخواتها، من متكلم ~~واحد. وهذا التعريف باعتبار فعل المتكلم أعني المصدري. # وقد يطلق الاستثناء على اللفظ، أعني لا مع ما بعده، وهو المراد بالمخصص، ~~كما لا يخفى. # ثم قد اشتهر: أن الاستثناء حقيقة في المتصل، مجاز في المنقطع، ومرادهم ~~صيغ الاستثناء الواقعة في الاستعمالات لا لفظ الاستثناء، فإنه حقيقة عرفية ~~عندهم في القسمين. # وقد قدمنا لك في المقدمة أن الإخراج مجاز عن عدم الدخول: لأن الإخراج عن ~~لفظ العام لا معنى له، وعن الحكم - أيضا - لأنه لم يدخل تحت الحكم قطعا، ~~فتذكره. # فإن قلت: [حينئذ] (¬2) ينتقض التعريف بالصفة الواقعة بعد إلا، وسوى، ~~وغير: لأنه إخراج بإلا، وأخواتها. PageV02P326 # قلت: الإخراج في الصفة المذكورة ممنوع: لأن صدر الكلام لم يتناوله (¬1). # ثم قد اختلف في اعتبار الاستثناء هل يشترط فيه صدوره مع صدر الكلام من ~~متكلم واحد، أم لا؟ # وكلام المصنف دال على أن المختار هو الأول، وليس كذلك: لأن الكلام صدور ~~جزئه أعني المسند، والمسند إليه لا يجب عن متكلم واحد على ما اختاره بعض ~~المحققين من النحاة (¬2). # ثم هنا تدقيق آخر، وهو أن القائل: إلا زيدا بعد قول من قال: جاء الرجال، ~~مستلزم للحكم بالمجيء على من عدا زيدا، بلا ريب، وإذا حكم فالاستثناء لم ~~يقع إلا في ذلك الكلام المقدر. # غايته: لم يذكر للعلم به، فاشتراط متكلم واحد لا وجه له، إذ لم يتصور من ~~متكلمين، وما ذكروه كلام ظاهري لا غناء فيه. # قوله: "ويجب اتصاله". PageV02P327 # أقول: شرط الجمهور الاتصال في قبول الاستثناء عادة حتى لا يضر الانفصال ~~بالسعال، ونحوه (¬1). # وعن ابن عباس رضي الله عنه: قبوله وإن طال الزمان طولا فاحشا (¬2). # وقيل: لا يجب الاتصال لفظا، بل نية: لأن المخرج حقيقة هو النية، واللفظ ~~دال عليه، وحمل على هذا ما نقل عن ابن عباس. PageV02P328 # والحق: أنه ms208 إن صح عن ابن عباس ذلك النقل وجب حمله على هذا بلا ريب؛ لكونه ~~باطلا بحسب الظاهر إذ لو صح انفصال الاستثناء لما قال - صلى الله عليه وسلم ~~-: "من حلف على يمين، ثم رأى غيرها خيرا منها، فليكفر عن (¬1) / ق (69/ ب ~~من أ) يمينه، وليفعل ذلك" إذ لو كان الاستثناء المنفصل مشروعا لخير بين ~~التكفير، والاستثناء: لأنه لا حنث، مع الاستثناء، وهو أسهل من التكفير، ~~ولشرع في الإقرارات، والعتق، والطلاق، والإجماع على خلافه. # وأيضا لا يعلم صدق، ولا كذب إذ كل ما يلفظ به المتكلم يحتمل الاستثناء ~~إلى آخر الدهر. # فإن قيل: فقد صح أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "والله لأغزون قريشا - ~~ثلاثا، وسكت، ثم قال -: إن شاء الله" (¬2). # قلنا: لو صح ذلك عنه كان محمولا على العذر بالسعال، ونحوه، وقد سبق أنه ~~غير قادح. PageV02P329 # وعن سعيد بن جبير: يجوز التأخير إلى أربعة أشهر، وكأنه أخذه من مدة ~~الإيلاء (¬1). # وعن الحسن (¬2): يجوز الانفصال في المجلس لا بعده: لأن المجلس جامع ~~المتفرقات، وكأنه قاسه على خيار المجلس (¬3). # وعن مجاهد (¬4): إلى سنتين، وكأنه أخذه من مدة الرضاع (¬5). PageV02P330 # وقيل: ما لم يشرع في كلام آخر، إذ ما لم يشرع في كلام آخر يعد كلامه ~~متصلا في العرف. # وقيل: يجوز التأخير إن نوى، وإلا فلا (¬1). # وقيل: في كلام الله يجوز التأخير فقط، لأنه تعالى لا يغيب عن علمه الشامل ~~شيء بخلاف الغير، ويدل عليه ما روي أنه نزل قوله تعالى: {لا يستوي ~~القاعدون} [النساء: 95]، ثم نزل: {غير أولي الضرر} (¬2) في ذلك المجلس (¬3). # والحق: أنه لا دليل فيه لأنه يصلح أن يكون صفة، أو حالا. # قوله: "أما المنقطع". # أقول: قد اختلف في لفظ الاستثناء على [أربعة] (¬4) مذاهب (¬5). PageV02P331 # الأول: متواطئ في المتصل، والمنفصل، فهو حقيقة فيهما (¬1). # ويحد حينئذ بأنه المخالف للمستثنى منه في الحكم مع إلا، أو إحدى أخواتها. # الثاني: مجاز في المنقطع حقيقة في المتصل (¬2). PageV02P332 # الثالث: مشترك لفظا. # الرابع: التوقف. # وزاد المصنف مذهبا خامسا، ولا يتصور إذ لم يبق احتمال آخر سوى عكس المذهب ms209 ~~الثاني، ولم يقل به أحد (¬1). # والمذهب الثاني: هو المختار: إذ ليس في المنقطع معنى الاستثناء موجودا ~~حتى يكون متواطئا، أو مشتركا. # قوله: "والأصح وفاقا لابن الحاجب". # أقول: لما كان / ق (70/ أمن ب) ظاهر الاستثناء يشعر بالتناقض - لأن قولك: ~~لفلان علي عشرة إلا ثلاثة فيه إثبات الثلاثة في ضمن العشرة لتمكن ~~الاستثناء، ونفيها لها صريحا، لأن الثلاثة لم تجب - اضطربت كلمتهم في دفع ~~التناقض. # فذهب الأكثر إلى أن المراد بالعشرة هو السبعة إطلاقا للفظ الكل على الجزء ~~مجازا، ولفظ: إلا، قرينة المجاز. PageV02P333 # وقال القاضي: مجموع الكلمات الثلاث، أعني عشرة، وإلا، وثلاثة، موضوع ~~للسبعة، أي: هذا المركب، وكأنه وضع للعشرة لفظان أحدهما مفرد، والآخر مركب. # وقيل: المراد بعشرة في التركيب المذكور آحادهما كلها، ثم أخرج بإلا، ~~ثلاثة، وبعد الإخراج أسند إلى العشرة بحسب الظاهر، وإن كان في الحقيقة ~~الإسناد إلى السبعة، فلا تناقض (¬1). # ولما كان المذهبان الأولان مخالفين للقوانين اختار الشيخ ابن الحاجب ~~الثالث، وتبعه في ذلك المصنف (¬2). # وإنما قلنا: ببطلان المذهبين الأولين، أما مختار الأكثر، فلأنه يخالف ~~إجماع أهل العربية لأنهم مطبقون على أن في الاستثناء المتصل إخراج بعض من ~~كل (¬3)، وإذا أريد بالعشرة - في المثال المذكور - السبعة، وجعل كلمة إلا، ~~قرينة ذلك، لم يوجد معنى الإخراج قطعا، فبطل القول به. PageV02P334 # وأما بطلان ما ذهب إليه / ق (70/ أمن أ) القاضي، فلأنه مخالف لقانون ~~اللغة، إذ لم يوجد في لغة العرب لفظ مركب من ثلاث كلمات لا يكون الجزء ~~الأول معربا، وهو غير مضاف، فيكون مردودا أيضا، ولا محمل لدفع التناقض سوى ~~ما ذهب إليه الشيخ ابن الحاجب، واختاره الفاضل الرضي (¬1) في شرحه (¬2). # قوله: "ولا يجوز المستغرق خلافا لشذوذ". # أقول: الاستثناء المستغرق باطل عند من يعتد به. # وقيل: لا يجوز إن كان المستثنى أكثر من المستثنى منه. # وفى المساوي منعه طائفة أيضا. # وقيل: إذا كان العدد صريحا نحو: على عشرة إلا ستة بخلاف ما إذا لم يكن صريحا. # نحو: أكرم أهل البلد إلا الجهال، فإنه يجوز، وإن كان أكثرهم جهالا. # وقيل: لا ms210 يجوز استثناء عقد صحيح كالعشرة مثلا. PageV02P335 # وقيل: لا يجوز الاستثناء من العدد مطلقا سواء كان عقدا صحيحا، أو كسرا، ~~والكل باطل سوى الأول (¬1). # وفى بعض الشروح (¬2) كلام عجيب في هذا الموضع، وهو أنه ذكر في توجيه ~~المذهب الأخير - وهو القول بعدم جواز الاستثناء من العدد مطلقا، إذ ورد ~~عليه قوله تعالى: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين} [العنكبوت: 14]: لكون ~~الاستثناء واقعا في العدد - أجاب: بأن الاستثناء هنا إنما هو من المعدود، ~~وهي السنين لا من العدد. واشتبه عليه أن الاستثناء من المعدود هو المراد من ~~الاستثناء في العدد، إذ لا يشك عاقل في أن من قال: لفلان علي عشرة إلا خمسة ~~مراده إخراج الدراهم المقر بها التي هي المعدودة. # لنا - على المختار وهو حجة ما عدا المستغرق -: قوله تعالى: {إن عبادي ليس ~~لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} [الحجر: 42] إذ المستثنى، - وهم ~~الغاوون - أكثر بدليل: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف: 103]، ~~وإذا صح في الأكثر، فالمساوي أولى (¬3). PageV02P336 # وإجماع فقهاء الأمصار على أن من قال: لفلان علي عشرة إلا تسعة، لم يلزمه ~~إلا درهم، ولو لم يدل عليه لغة لم يرتكبوه، وبه يثبت المطلوب. # قوله: "والاستثناء من النفي إثبات وبالعكس، خلافا لأبي حنيفة". # أقول: هذه المسألة من غوامض مسائل الأصول، ونحن نحقق الحق فيها على وجه ~~لا يخفى على ذي فطنة إن شاء الله تعالى. # فنقول: المشهور - عند الشافعية - كون الاستثناء من الإثبات نفيا، متفق ~~عليه عند الطائفتين (¬1)، وإنما الخلاف في العكس، وهو كونه إثباتا من ~~النفي. PageV02P337 # وفي كتب الحنفية أنه ليس من النفي إثباتا، ولا من الإثبات نفيا. # وعبارة المصنف موافقة لما ذكرناه: لأنه أخر العكس، ورتب عليه الخلاف. # قال البزدوي (¬1): "اختلف في كيفية عمل الاستثناء (¬2) / ق (70/ ب من ب). # قال أصحابنا: الاستثناء يمنع التكلم بحكمه بقدر المستثنى، وقال الشافعي: ~~يمنع الحكم بطريق المعارضة، ففى مثل: لفلان علي عشرة إلا ثلاثة عدم لزوم ~~الثلاثة، إنما هو سبب البراءة الأصلية، وعدم دليل الثبوت لا أن اللفظ يدل ~~على ms211 عدم الثبوت، وفي مثل قولك: ليس علي إلا سبعة لا يثبت شيء بحسب اللغة، ~~إنما يثبت إشارة على ما سنوضحه في تحقيق معنى كلمة التوحيد" (¬3). PageV02P338 # إذا عرف هذا، فاعلم أن الاستثناء من النفي إثبات، وبالعكس (¬1). # لنا - على المختار -: النقل عن أئمة العربية، فالرجوع إليهم هو الواجب: ~~لأن المسألة لغوية. # وأيضا لو لم يكن كذلك لم يلزم التوحيد (¬2) / ق (70/ ب من أ) في لا إله ~~إلا الله، واللازم باطل إجماعا، فالملزوم مثله، فيثبت ما ادعيناه. # قالوا: "لا صلاة إلا بطهور"، و"لا نكاح إلا بولي" (¬3)، ولا ملك إلا ~~بالعدل، لا يدل على أن المستثنى منه مشروط بالمذكور في هذه الصور لا يتحقق ~~بدونه. PageV02P339 # وأما أنه يتحقق معه حيث وجد، فلا، ولو كان الاستثناء من النفي إثباتا ~~للزم الثبوت معه البتة، بلا خفاء. # والجواب: أن قولكم: "لا صلاة إلا بطهور" إن قلتم: إنه إذا كان الاستثناء ~~من النفي إثباتا يقتضى صحة كل صلاة ملتصقة بالطهور، فهو ممنوع إذ ليس ذلك ~~بلازم من الكلام. # وإن قلتم: إنه يقتضي صحة صلاة في الجملة بطهور، فهو مسلم، ولكن لا يفيد ~~مطلوبكم. # فإن قلت: الاقتران بالطهور يصلح أن يكون علة الصحة، وقد ذكرتم في باب ~~القياس أن الإيماء إلى الوصف المناسب بطريق الاستثناء يكون علة، كما في ~~قوله تعالى: {فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون} [البقرة: 237] , فإن العفو علة ~~للسقوط، فليكن الأمر في هذه الصور كذلك، وإلا فما الفرق؟ . # قلت: لا شك أن ذلك دليل ظني يعمل به إذا خلا عن المانع، وهنا قد عارضه ~~الأدلة القاطعة على أن مجرد الطهور ليس علة لصحة الصلاة، بل يتوقف على ~~أشياء أخر، وكذلك النكاح، والملك. # ولما اعترض عليهم بكلمة التوحيد: بأنه إذا لم يكن الاستثناء من النفي ~~إثباتا، ويكون المستثنى في حكم المسكوت عنه لم يلزم التوحيد، ولم يحكم ~~بإسلام الدهري إذا قال: لا إله إلا الله، واللازم باطل اتفاقا. PageV02P340 # أجابوا: بأن التوحيد حاصل بطريق الإشارة: لأن المشركين لما كانوا قائلين ~~بوجود الإله البتة، لكن يجوزون الشركة في الألوهية. ms212 # فإذا قيل: لا إله إلا الله لزم ثبوت الواحد، لكن لا من اللفظ، بل ~~بالإشارة على ما قلنا. # وأما إسلام الدهري، فإنما هو بناء على الظاهر، واتباعا لقوله عليه ~~السلام: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" (¬1). # وهذا كلام مردود: لأن المفهوم إشارة هو الذي لا يكون سوق الكلام له، بل ~~يحصل ضمنا، ولا ريب - عندنا - أن القائل: لا إله إلا الله إنما يقصد إثبات ~~الوحدانية لا نفي الألوهية، مع السكوت عن إثبات الواحد القديم تعالى، وتقدس. # ومن تأمل في قوله تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو ~~العلم قائما بالقسط} [آل عمران: 18] لم يخف عليه أن القصد، وسوق الكلام ~~إنما هو لإثبات الوحدانية التي هي أشرف مسائل أصول الدين. PageV02P341 # ثم القول: بأن زيدا في قولك: ما قام إلا زيد لم يثبت له القيام، مكابرة، ~~وخروج عن الإنصاف. ولا يخفى - أيضا - ضعف قولهم: إسلام الدهري إنما هو، / ق ~~(71/ أمن ب) بناء على الظاهر، إذ الكلام في الدهري القاصد حقيقة الإيمان ~~أعني القلبي المقرون بكلمة التوحيد العارف بمعاني الألفاظ، فلا وجه لبناء ~~الأمر على الظاهر، إذ لا ريب عند أحد أن ذلك الدهري قاصد إثبات الوحدانية، ~~بتلك الكلمة جزما، ويقينا، هكذا يجب أن يفهم المقام، والله الموفق (¬1). # قوله: "والمتعددة إن تعاطفت، فللأول". # أقول: إذا تعاطفت الاستثناءات المتعددة نحو: لفلان علي عشرة إلا ثلاثة، ~~وإلا اثنين، فللأول، أي: الكل يعود إلى الأول، حتى يلزمه خمسة في الصورة ~~المذكورة. # وإن لم تتعاطف، فكل منها يرجع إلى ما يليها نحو: لفلان/ ق (71/ أمن أ) ~~علي عشرة إلا خمسة، إلا أربعة، إلا ثلاثة، فيلزمه ستة (¬2)، فإن PageV02P342 # استغرق كل ما يليه بطل الكل، وإن استغرق غير الأول نحو: له علي عشرة، إلا ~~عشرة، إلا أربعة. # قيل: يلزمه عشرة: لبطلان الأول بالاستغراق، والثاني تبعا. # وقيل: يلزمه أربعة: لأنه مثبت من العشرة المنفية. # وقيل: ستة، يجعل الاستثناء مستأنفا، كأن لم يذكر الأول (¬1). # قوله: "الوارد بعد جمل متعاطفة للكل". # أقول: إذا تعاقب جمل ms213 متعاطفة بعضها على بعض، ثم ورد بعدها استثناء، يمكن ~~صرفه إلى الجميع، وإلى الأخيرة خاصة، ولا نزاع في ذلك إنما النزاع في ~~الظهور. # الشافعي: ظاهر في الرجوع إلى الكل (¬2). PageV02P343 # الحنفية: إلى الأخيرة خاصة (¬1). # القاضي، والغزالي، ومن تبعهما: الوقف، بمعنى لا ندري أحقيقة فيهما، أم ~~(¬2) لا. # الشريف المرتضى (¬3): مشتركة (¬4) يجب التوقف إلى ظهور القرينة. PageV02P344 # وهذان المذهبان موافقان لمذهب الحنفية في الحكم، وهو أن الاستثناء يفيد ~~الإخراج عن مضمون الجملة الأخيرة، لكن المأخذ مختلف، فعندهما لعدم الدليل ~~على غيره، وعندهم لوجود الدليل على عدم الغير. # أبو الحسين من المعتزلة: إن سيق الكل لغرض عاد إلى الكل، وإلا، فلا (¬1). # هذا ما ذكره المحققون، ولنرجع إلى ضبط كلام المصنف، ثم نقيم الدليل على ~~ما هو المختار. # فنقول: قوله: "الوارد بعد جمل متعاطفة فللكل". تبع في الإطلاق الإمام ~~الرازي حيث لم يقيد حرفا من حروف العطف (¬2)، وأما الآمدي، فقد قيد بالواو ~~(¬3)، وتبعه الشيخ ابن الحاجب (¬4)، والقاضي صرح بالتعميم بين الحروف ~~العاطفة، ويمكن حمل كلام المصنف على تعميم القاضي: لأن قوله: وقيل: عطف ~~بالواو، يدل على ذلك، وإن لم يصرح بالتعميم. # ثم قول المصنف: إن مختار الإمام الرازي مذهب الحنفية، كلام "المحصول" ~~يخالفه: لأنه فصل كلامه في أول البحث، وأطنب فيه، ثم قال: "ما ذكرنا من ~~التقسيم حق، لكنا لدى المناظرة نختار التوقف (¬5)، / ق (71/ ب من ب) لا ~~بمعنى الاشتراك، بل بمعنى أنا لا ندري حكمه، PageV02P345 # في اللغة ماذا، وهذا هو (اختيار القاضي) (¬1) "، ثم احتج لمذهب الشافعي. # والمصنف ذهل عن آخر كلامه، فحكم بالموافقة، أو وقف على كلامه في موضع آخر ~~لم نقف نحن عليه (¬2). # لنا - على مختار المصنف، وهو المختار -: أن الشرط متى تعقب جملا عاد إلى ~~الكل، فكذا الاستثناء، والجامع كون كل منهما غير مستقل. # وأيضا المعنى واحد فيهما: لأن قوله تعالى في آية القذف: {إلا الذين ~~تابوا} [النور: 5] في حكم: إن تابوا، فلا فسق، واقبلوا شهادتهم (¬3). # ولنا - أيضا -: أن حرف العطف يصير الجمل الكثيرة في حكم جملة واحدة. PageV02P346 # لأنه لا فرق بين قولك: ms214 رأيت زيد بن عمرو، وزيد بن خالد، وبين قولك: رأيت ~~الزيدين، فإذا صار المتعدد في حكم الواحد تعلق الاستثناء بالكل. # ولنا - أيضا -: أن لو أدخل الاستثناء بين المتعاطفة، كما في قوله تعالى: ~~{والذين يرمون المحصنات} [النور: 4]، وقبل: {فاجلدوهم ثمانين جلدة} , {إلا ~~الذين تابوا}، {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا}، {إلا الذين}، {وأولئك هم ~~الفاسقون}، {إلا الذين تابوا} كان كلاما غير فصيح مستهجنا عن مثله كلام ~~البشر، فضلا عن كلام خالق القوى، والقدر. # أبو حنيفة: الاستثناء إزالة العموم الظاهر، فلا يصار إليه إلا بقدر ~~الحاجة: لأنه خلاف الأصل، والاكتفاء بجملة واحدة تصون (¬1) / ق (71/ ب من ~~أ) الكلام عن كون الاستثناء فيه، فيقتصر عليه. ولما كانت الجملة الأخيرة ~~متصلة بالاستثناء كان تعلق الاستثناء بها واجبا (¬2). # الجواب: النقض بالشرط، فإنه راجع إلى الكل عندهم، مع أنه مزيل للعموم ~~الظاهر أيضا (¬3). PageV02P347 # وبالاستثناء بمشيئة الله، فإنه عائد إلى الكل، ولا محيص لهم عن هذا ~~الالتزام. # القائلون: بالوقف قالوا: حسن الاستفسار عند تعاقب الجمل، والاستفهام عن ~~المراد منها، فلا يدرى المراد، إما لعدم العلم بمدلوله في اللغة، أو ~~للاشتراك، فيجب التوقف. # الجواب: أنا قد قررنا في صدر البحث أن القائلين برجوع الاستثناء إلى الكل ~~قالوا بظهوره في الكل، فيحتمل الخصوص بالأخيرة، فالاستفهام لدفع ذلك ~~الاحتمال. # ثم القائلون: بالاشتراك قالوا: صح استعماله في الكل، كما في قوله تعالى: ~~{والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} [الفرقان: 68] إلى قوله: {إلا من تاب} ~~[الفرقان: 70]، فإنه راجع إلى الكل بلا خلاف. # وكذا قوله: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} [المائدة: 33] إلى ~~قوله: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} [المائدة: 34]. # وفي الأخيرة قوله تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية ~~مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا [النساء: 92] لاختصاصه بالدية دون الكفارة. # وإذا صح إطلاقه للجميع، وللأخيرة - والأصل في الاطلاق، / ق (72/ أمن ب) ~~الحقيقة - لزم الاشتراك (¬1). PageV02P348 # الجواب: قد سبق أن اللفظ إذا دار بين كونه مشتركا، وبين كونه مجازا، ~~فالمجاز هو الراجح. # فقد تقرر من هذا البحث: أن كل ms215 موضع رجع الاستثناء إلى جميع الجمل ~~المتعاطفة كان حقيقة، وحيث دلت قرينة على اختصاص الاستثناء بإحدى الجمل كان مجازا. # ومذهب أبي الحسين راجع في التحقيق إلى الوقف: لأنه إن سيق الكلام لغرض ~~واحد فالجمل كلها بمنزلة شيء واحد. # وإن انفصل ترتيب الكلام، وسيقت كل واحدة لغرض، فإلى الأخيرة: لأن ~~الانفصال يجعل الجمل أجانب كالمنقطعة بعضها عن بعض. # والقائلون: بالوقف - أيضا - إنما يقولون به حيث لا قرينة تدل على الاتصال ~~أو الانفصال، إذ لا يتوقف عاقل في رجوع الاستثناء إلى الكل في قوله تعالى: ~~{والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} [الفرقان: 68]. # وقوله: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} [المائدة: 33] (¬1). PageV02P349 # واعلم: أن هنا بحثا دقيقا لا بد من الوقوف عليه، وهو أنه لما تقرر أن ~~المختار عود الاستثناء إلى جميع الجمل المتعاطفة حيث لا قرينة تخصصه ~~بالأخيرة، ورد الإشكال بآية القذف، فإن التوبة لا تسقط جلد الثمانين. # أجاب - عنه - الفضلاء (¬1): بأنه إنما لم يسقط لكونه حق العباد، فلا يسقط ~~بالتوبة، وليس بشيء: لأن الذنوب المشروع فيها حد - وإن كانت في حقوق الله ~~تعالى إذا ثبت - لا تسقط بالتوبة أيضا. # مثاله: لو قال: والذين يشربون الخمر، فلا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك ~~هم الفاسقون إلا الذين تابوا بعد ثبوت شرب الخمر، لا يسقط الحد بالتوبة جزما. # بل الجواب - عن ذلك الإشكال -: أن الاستثناء في آية القذف إنما هو نفس ~~التوبة، وحق العباد توبته، إنما هو بأدائه، أو بالاستحلال، كما أن التوبة ~~في حق الله تعالى، إنما هي باستيفاء الحدود بعد الثبوت، فتأمل! والله أعلم ~~(¬2)./ ق (72/ ب من ب) # قوله: "والوارد بعد مفردات أولى بالكل". # أقول: هذه المسألة لم يذكرها كثير من الأصوليين: لأنهم لما أثبتوا أن ~~الوارد بعد جمل متعاطفة راجع إلى الكل، فيعد المفردات بالطريق الأولى بلا ~~خفاء. PageV02P350 # فالدليل المذكور/ ق (72/ أمن أ) هناك جار هنا، بل كلام بعض (¬1) المحققين ~~صريح، في أن عوده إلى الجميع في المفرد متفق عليه. # قال: "العطف يصير المتعدد كالمفرد، فلا فرق بين قولنا: اضرب الذين ms216 قتلوا، ~~وسرقوا، وزنوا [إلا من تاب] (¬2)، وبين قولنا: اضرب الذين هم قتلة، وسراق، ~~وزناة" (¬3). # قوله: "أما القران بين الجملتين لفظا". # أقول: إذا قرن شيء بآخر في كلام الشارع، وذكر لهما حكم يشتركان في ذلك ~~الحكم، ولا يلزم من القران في الذكر التسوية فيما عدا الحكم المذكور، بل لو ~~ثبت كان الدليل خارجيا (¬4). PageV02P351 # مثاله: قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] قران ~~الزكاة بالصلاة لا يوجب تساويهما في جميع الأحكام، إذ الزكاة واجبة على ~~الصبي دون الصلاة، خلافا لأبي يوسف، والمزني (¬1). # وشبهتهما: [ما اشتهر] (¬2) من أن العطف يقتضي اشتراك المعطوف، والمعطوف عليه. # قلنا: ذلك في الحكم الذي سيق له الكلام لا في جميع الأحكام. # قال الغزالي - في المستصفى -: "ظن قوم أن من مقتضيات العموم، العطف على ~~العام، أو الاقتران به، وهو غلط إذ المختلفات قد تجمع PageV02P352 # العرب بينها، فيجوز أن يعطف العام على الخاص، والواجب على المندوب، كقوله ~~تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن} [البقرة: 228]- عاما -، و {وبعولتهن} ~~عطف عليه، وهو خاص. # وقوله: {فكاتبوهم} -[استحسان] (¬1) , وقوله: {وآتوهم من مال الله} ~~[النور: 33] , [إيجاب] (¬2) "، ذكره في مباحث المفاهيم (¬3). # قوله: "الثاني: الشرط، وهو ما يلزم من عدمه العدم، ويلزم من وجوده ~~الوجود". # أقول: من المخصصات المتصلة الشرط، وقد عرفه المصنف بما يستلزم عدمه، عدم ~~الشيء، ولا يستلزم وجوده، وجود الشيء. # وهذا الحد يشمل الشرط العقلي: كالحياة للعلم، والشرعي: كالطهارة للصلاة، ~~والعادي: كالسلم للصعود، واللغوي: كقولك: إن دخلت الدار، فأنت كذا، فإن أهل ~~اللغة، وضعوا مثل هذا التركيب ليدل PageV02P353 # على أن الجزء الثاني منه، وجوده موقوف، ومعلق على الجزء الأول، فانتفاء ~~الأول يوجب انتفاء الثاني (¬1). # فإن قلت: إذا قال الرجل - لامرأته -: إن دخلت الدار، فأنت طالق، وجود ~~الدخول مستلزم لوجود الطلاق، لا أن عدمه مستلزم لعدمه. # قلت: قد صار الشرط اللغوي حقيقة عرفية في السبب، فيستلزم الوجود، كما هو ~~شأن الأسباب. # وكلامه في تقسيم الشرط مبني على ما لم يصر مستعملا في السبب. # ويرد على حده جزء السبب، فإنه يلزم من عدمه عدم المسبب، ولا يلزم من ms217 ~~وجوده وجوده. # الجواب: أن جزء السبب يوجد المسبب بدونه، إذا وجد سبب آخر، بخلاف الشرط، ~~فإنه لا يمكن وجود المشروط بدونه أصلا. # فإن قلت: نفرضه في جزء السبب المعين. PageV02P354 # قلت: جزء السبب المعين شرط عقلي لصدق تعريفه عليه، فلا إشكال، إذ لا ~~تنافي / ق (73/ أمن ب) بين كون الشيء شرطا، وجزء سبب. # وقد أجاب - عنه بعض (¬1) الأفاضل -: بأن انتفاء المسبب في الصورة ~~المذكورة، ليس لانتفاء جزء السبب وحده، بل لانتفائه، وانتفاء أسباب أخر. ~~ولا يخفى أنه تكلف بارد، والوجه ما ذكرناه. # ثم هنا - في بعض الشروح (¬2) - كلام غريب، وهو أنه اعترض على التعريف ~~المذكور بنفس السبب المعين. # وأجاب: بأن السبب المعين لا يلزم من انتفائه من حيث هو سبب انتفاء ~~الممكن، بل مع ضميمة كونه معينا. # هذا حاصل كلامه، وهو غلط فاحش: لأن السبب - سواء كان معينا، أو غيره - من ~~لوازمه (¬3) / ق (72/ ب من أ) وجود المسبب عند وجوده. بخلاف الشرط، فإنه لا ~~يلزم من وجود الشرط وجود المشروط، فكيف يتصور الانتقاض به؟ # قوله: لذاته، متعلق بالوجود، والعدم، واحترز به عن الشرط الذي لم يبق ~~للمسبب ما يتوقف عليه سواه، فإن وجوده، وإن استلزم وجود المسبب لكن ليس ~~لكونه شرطا. PageV02P355 # قوله: "وهو كالاستثناء اتصالا، وأولى بالعود إلى الكل على الأصح". # أقول: حكم الشرط حكم الاستثناء في اشتراط الاتصال، وفى رجوعه إلى الجمل ~~المتعاطفة المتقدمة (¬1). # والإمام أبو حنيفة قال: برجوعه إلى الجميع بخلاف الاستثناء، فإنه يرجع ~~إلى الأخيرة (¬2). # ووجه الفرق: أن الشرط له صدر الكلام، وإن تأخر لفظا، فهو مقدم رتبة، فتقع ~~جميع الجمل في موقع الجزاء. # وفيه نظر: لأنه يقدر مقدما على ما يرجع إليه سواء كان الجميع، أو الأخيرة (¬3). # مثاله: أكرم زيدا، وعمرا، وبكرا، إن كان على طريقة أهل السنة. PageV02P356 # ويجوز إخراج الأكثر بالشرط نحو: أكرم بني تميم إن كانوا علماء، يصح هذا ~~الكلام، ويخرج الجهال، وإن كانوا أكثر، والأقوال الثلاثة الجارية في ~~الاستثناء لا تجري هنا، ثم مبنى هذا على ظن المتكلم، فإن ظن أن الخارج أكثر ~~صح، ms218 وإن كان الخارج هو الكل، فتأمل! # واعلم: أن الشرط على نوعين: لأن المؤثر في الشيء إن توقف وجوده على شيء ~~آخر، فذلك الشيء الآخر هو شرط وجود ذلك المؤثر. # وإما أن يكون الموقوف على ذلك الشيء تأثير المؤثر لا وجوده. # قوله: "الثالث: الصفة كالاستثناء في العود إلى الكل". # أقول: من أقسام المخصص المتصل التخصيص بالصفة نحو: أكرم بني تميم الطوال، ~~فقصر الطوال على بني تميم الذي هو لفظ عام على بعض مدلولاته. # وإذا تعقبت الصفة الجمل المتعاطفة (¬1)، أو المفردات، فالحكم كما في ~~الاستثناء، فالمختار هناك مختار هنا. PageV02P357 # ولا فرق بين الصفة المتأخرة والمتقدمة، واختيار المصنف - من غير نقل في ~~المسألة -: أن المتوسطة تعود إلى الأول. # مثال المتأخرة: وقفت على أولادي، وأولاد أولادي المحاويج منهم. # ومثال المتقدمة: وقفت على محاويج أولادي، وأولاد أولادي. # ومثال المتوسطة: وقفت على أولادي (¬1) / ق (73/ ب من ب) المحاويج، وأولاد ~~أولادي. # وفي مختار المصنف نظر: لأن المتقدمة على الكل إذا عادت إلى الجميع، ~~فالمتوسطة أولا بلا خفاء. # قوله: "الرابع الغاية كالاستثناء في العود، والمراد غاية تقدمها عموم". # أقول: من أقسام المخصص المتصل: الغاية، ومعنى الغاية - لغة -: النهاية ~~(¬2)، ومن لوازمه انقطاع المغيا به نحو قوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية} ~~[التوبة: 29]، فإن حكم المغيا به، وهو وجوب المقاتلة، انتهى بوجود الغاية ~~التي هي إعطاء الجزية، فلزم من ذلك إخراج أهل الذمة من عموم المشركين. PageV02P358 # ثم كل واحد من الغاية، وما قيد بها، إما متحد، أو متعدد، والحكم فيها كما ~~في الاستثناء، والمختار المختار، وهو العود إلى الجميع على الأصح. # قوله: "أما مثل {حتى مطلع الفجر} [القدر: 5] ". إشارة إلى فائدة أبداها ~~والد المصنف - رحمه الله - وهي أن الغاية إنما تكون للتخصيص إذا كان العام ~~شاملا لما بعد الغاية لولا ذكر الغاية، كالمثال المذكور، فإن المشركين عام ~~في أهل الذمة وغيرهم، فالغاية أخرجت أهل / ق (73/ أمن أ) الذمة. # وأما نحو: {حتى مطلع الفجر}، فليس من هذا القبيل: لأن طلوع الفجر لم ~~يتناوله أجزاء الليل ليخرج بالغاية، بل هو خارج ابتداء. # وإنما ms219 فائدة الغاية - في مثله - تأكيد العموم، أي: هي سلام في أجزائها ~~كلها إلى طلوع الفجر لئلا يظن أن كونها سلاما مخصوص ببعض أجزائها. وبعض ~~الشراح (¬1) - لما لم يقف على مقصوده - اعترض عليه: بأن الليل ليس بعام، ~~حتى تكون الغاية لتأكيد العموم. # ومنه قولك: قطعت أصابعه من الخنصر إلى البنصر، أي: جميع أصابعه، فلو لم ~~يذكر حرف الغاية لربما توهم [التجوز] (¬2)، فذكره لتوكيد معنى العموم. # قوله: "الخامس: بدل البعض". PageV02P359 # أقول: من التخصيص بالمتصل التخصيص بالبدل، ولا يعقل إلا في بدل البعض (¬1). # مثاله: جاءني القوم أكثرهم، ولم يتعرض له أكثر الأصوليين، وصوبهم والد ~~المصنف. وشبهتهم - في ذلك، على ما ذكره بعض الشارحين -: أن المبدل لما كان ~~في حكم السقوط، ومدار الحكم هو البدل، فلا معنى للتخصيص. # وأنا أقول: هذا كلام في غاية السقوط، لأنه جار في الاستثناء أيضا، ألا ~~ترى أنك إذا قلت: جاءني القوم إلا زيدا، لم تسند الفعل إلى القوم، إلا بعد ~~إخراج زيد منهم، وإلا كان تناقضا، فإخراج زيد في صورة الاستثناء، قبل ~~الحكم، مثل إخراج العاجز في قولك: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا} [آل عمران: 97]. بل الصواب: أن ترك الجمهور ذكر البدل، إنما هو ~~للعلم به من الاستثناء لتقاربهما في المعنى (¬2)، والله أعلم. PageV02P360 # قوله: "القسم الثاني: المنفصل، يجوز التخصيص بالحس، والعقل". # أقول: لما فرغ من أقسام المتصل شرع في المنفصل (¬1) وحصره في الحس (¬2)، ~~والعقل، وهو غير منحصر للاتفاق على جواز التخصيص بالأدلة السمعية. # وأشار إليه المصنف - أيضا - بقوله: والأصح جواز تخصيص الكتاب به، ~~وبالسنة. # وزاد بعضهم (¬3) العادة، والزيادة، والنقصان، كما إذا حلف أنه لا يأكل ~~الرأس، فلو أكل رأس العصفور لا يحنث / ق (74/ أمن ب) لأنه لم يتعارف بيعه ~~بين الناس وحده. # وكذا لو حلف لا يأكل الفاكهة، لا يحنث بأكل العتب والرمان، كما روي عن ~~أبي حنيفة لقوله تعالى: {فيهما فاكهة ونخل ورمان} [الرحمن: 68] (¬4) عطفهما ~~على الفاكهة لزيادة فيهما على التفكه. PageV02P361 # وإذا قال: كل مملوك لي فهو حر، لا يعتق المكاتب لنقصان الرق ms220 فيه. # هذا، وكون العقل مخصصا نسب خلافه إلى الشافعي (¬1). # وزعم المصنف: أن الخلف لفظي (¬2): لأن قوله تعالى: {وخلق كل شيء} (¬3)، ~~لا يشك عاقل في أن ذاته المقدسة خارجة عن عموم الشيء، فكيف يخفى بطلان ~~خلافه على مثل ذلك الحبر المحقق رضي الله عنه، والجواب الذي ذكره المصنف في ~~غاية الحسن. PageV02P362 # ثم المراد بكون الحس مخصصا أن له مدخلا فيه: لا أن التخصيص فعله، بل ~~الحاكم به هو العقل (¬1). # وبما ذكرنا تنحل شبهة أوردها الإمام في أول "البرهان"، أوردها على الشيخ ~~أبي الحسن الأشعري حيث حكم بأن التخصيص بالحس، أقوى منه بالعقل (¬2)، ~~استشكله بعض (¬3) الأصحاب: بأن العقل أقوى من الحس لتطرق الآفات الكثيرة ~~على الحس دون العقل، وخفي عليه مقصود الشيخ، وهو أن الحس إذا اجتمع مع ~~العقل، كان الحكم أجلى وأوضح من انفراد العقل بلا ريب (¬4). PageV02P363 # وبعض (¬1) الشراح (¬2) / ق (73/ ب من أ) أورد هذا النقل عن الأصحاب، ولكن ~~لم يحم حول الجواب. # قوله: "والأصح جواز تخصيص الكتاب به". # أقول: منطوق عبارته يشتمل على أربع مسائل: الأولى: تخصيص الكتاب بالكتاب، ~~الثانية: تخصيص السنة بالسنة، الثالثة: تخصيص الكتاب بالسنة، الرابعة: عكس ~~الثالثة. # لنا - في المسألة الأولى على المختار، وهو الجواز (¬3) -: قوله تعالى: ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] , فإنه عام في ~~الحامل، وغيرها، وقوله: {وأولات الأحمال} [الطلاق: 4] مخصص له. PageV02P364 # وقوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} [المائدة: 5] مخصص لقوله: {ولا ~~تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221]. # ومنع الجواز طائفة مطلقا (¬1). # وفصله أبو حنيفة، والقاضي، وإمام الحرمين قالوا: لا يخلو إما أن يكون ~~التأريخ معلوما، أو لا، فإن كان معلوما، وكان الخاص متأخرا عن العام كان ~~تخصيصا، وإن تقدم الخاص، كان العام ناسخا له (¬2). # وإن كان التاريخ مجهولا تساقطا، فإن اعتضد الخاص بدليل ترجح، وإلا فالحكم للعام. # لنا - على المختار -: ما تقدم من الآيات المذكورة. PageV02P365 # وأيضا: لو كان العام المتأخر ناسخا للخاص المتقدم، لبطل القاطع بالمحتمل: ~~لأن الخاص قطعي في مدلوله، والعام يحتمل الخصوص، فليس بقطعي في مدلوله، ~~وبطلان القاطع بالمحتمل بديهي البطلان كذا ذكره ms221 بعض المحققين (¬1). # وفيه نظر: لأن العام عند أبي حنيفة قطعي في مدلوله كالخاص، ومطلق احتمال ~~العام للخصوص لا يقدح في قطعية مدلوله ما لم يستند ذلك إلى دليل. # فقوله: وبطلان القاطع بالمحتمل بديهي البطلان، إنما يتم على أصل الشافعي ~~لا على أصل أبي حنيفة، إلا أن يتبين بطلان ذلك الأصل، وهو مشكل جدا. # ولنا - أيضا -: أن الحمل على التخصيص أولى من النسخ: لأنه أكثر وأغلب، ~~والإلحاق بالأغلب، أولى وأغلب. # وأيضا: التخصيص دفع، والنسخ رفع، والدفع أهون من الرفع. # قالوا: لو قال (¬2) / ق (74/ ب من ب): اقتل زيدا، ثم قال: لا تقتل ~~المشركين، وكان زيد مشركا لا يجوز قتله اتفاقا. PageV02P366 # قلنا: ذلك لنصوصية زيد في الإثبات، فلا يمكن تخصيصه، بخلاف ما إذا [قال] ~~(¬1): لا تقتل أهل الذمة، ثم قال: اقتل المشركين، فإنه لا يدل على جواز قتل ~~أهل الذمة. # قالوا: عن ابن عباس: "كنا نأخذ بالأحدث، فالأحدث" (¬2)، فإذا كان العام ~~متأخرا يؤخذ به، فيدل على نسخ الخاص. # قلنا: محمول على ما لا يقبل التخصيص جمعا بين الأدلة. # وأما تخصيص السنة بالسنة، فجائز خلافا لشرذمة (¬3). PageV02P367 # لنا - على المختار - وقوعه: لأن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس فيما ~~دون خمسة أوسق (¬1) صدقة" (¬2)، مخصص لقوله: "فيما سقت السماء العشر" (¬3). PageV02P368 # وكذلك يجوز تخصيص السنة بالكتاب لقوله تعالى: {تبيانا لكل شيء} [النحل: ~~89]، والسنة شيء، فيجوز أن يكون الكتاب بيانا له (¬1). # وأيضا: الخاص من الكتاب قطعي، والعام من السنة محتمل، فلو لم يجز تخصيصه ~~به بطل القطعي بالمحتمل. # قالوا: قال تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44]، فيكون هو ~~المبين بالسنة القرآن، فلا يكون القرآن مبينا لكلامه. # الجواب: الكل بلسانه، فتارة تبين السنة بالقرآن، وتارة بالعكس (¬2). PageV02P369 # وأما الكتاب، فتخصيصه بالخبر المتواتر متفق عليه (¬1)، وبالآحاد فيه ~~خلاف. PageV02P370 # والحق: جوازه / ق (74/ أمن أ)، وإليه ذهب الأئمة الأربعة. # وقيل: لا يجوز مطلقا، ونسب إلى بعض المتكلمين. # وقيل: إن خص بقاطع جاز، وإلا فلا، وحكي هذا عن ابن أبان، واختار عكسه ~~المصنف. # وقيل: إن خص بمنفصل جاز، وإلا فلا، وإليه ذهب ms222 الكرخي. PageV02P371 # وتوقف القاضي: بمعنى هل يجوز، أم لا (¬1). # لنا - على المختار - قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تنكح المرأة على ~~خالتها، ولا على عمتها" (¬2)، مخصص لقوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} ~~[النساء: 24]، فإن "ما" يتناول ما وراء المذكورة، ومنها العمة، والخالة. # وقوله: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" (¬3)، مخصص ل {يوصيكم الله}. # قالوا: إنما خص بالإجماع من الصحابة. PageV02P372 # قلنا: فهموا من الخبر التخصيص، فأجمعوا على ذلك، فالدليل عندهم هو الخبر. # قالوا: الكتاب قطعي، وخبر الواحد ظني، فلا يترك القطعي بالمحتمل كما سبق. # قلنا: عام الكتاب قطعي المتن، ظني الدلالة، والخبر الخاص بالعكس، فوجب ~~الجمع لقوة كل منهما من وجه، وهذا هو الذي أوجب التوقف عند القاضي. # والثالث من المذاهب: وهو أنه يجوز إذا خص بقاطع، فلأن القاطع إذا وقع ~~مخصصا تضعف دلالته لتطرق الشبهة إليه. # وما اختاره المصنف من عكس ذلك (¬1) - مع كونه مخالفا لإطباق العلماء - ~~غير معقول: لأن المصنف قائل بأنه إذا لم يخصص العام لا بظني، ولا قطعي يجوز ~~تخصيصه بالآحاد، فالتخصيص بالقطعي لا شك يفيد ضعفا في العام، فكان جواز ~~التخصيص بعده من باب الأولى. # وشبهة الكرخي في الفرق بين المتصل والمنفصل: زيادة القوة في المنفصل، ~~ولزيادة قوة المنفصل كان المخصص به مجازا في الباقي، ومراتب التجوز سواء، ~~فلا يبقى العام قطعيا. PageV02P373 # والجواب: ما تقدم من كون الخاص قطعي الدلالة، وإن كان العام قطعي المتن. # قوله: "وبالقياس خلافا للإمام مطلقا" إلى آخره. # أقول: ذهبت الأئمة الأربعة إلى جواز تخصيص الكتاب، والسنة، بأقسامه (¬1) ~~/ ق (75/ أمن ب) بالقياس. # وذهب القاضي، والإمام (¬2) إلى التوقف. # وابن سريج: إن كان القياس جليا جاز، وإلا فلا (¬3)، ونسب هذا إلى ~~الجبائي، والنقل عنه عدم الجواز مطلقا. PageV02P374 # وقيل: إن كان الأصل في القياس المخصص مخرجا من ذلك العموم بنص جاز، وإلا فلا. # الكرخي - على مذهبه في تخصيص الآحاد للقطعي -: إن خص بمنفصل جاز، وإلا فلا. # الإمام الرازي: منع مطلقا - في المعالم - وجوزه في المحصول (¬1)، قال - ~~بعد ذكر الخلاف -: "لنا: أن القياس، والعموم دليلان متعارضان، والقياس ms223 خاص، ~~فوجب تقديمه" (¬2). # وهنا مذهب آخر، وهو أنه: إن خص العام قبل القياس بنص جاز، وإلا فلا، ونسب ~~إلى ابن أبان (¬3). # واختار الغزالي أرجح الظنين، وقال: "العام ظني الدلالة، وكذا القياس، ~~فالمجتهد يعتبر أقوى الظنين" (¬4). # وقال الشيخ ابن الحاجب: "إن ثبت علية العلة في القياس بنص، أو إجماع، أو ~~كان الأصل مخصصا للعام متصلا كان أو منفصلا، خص به، وإلا، فالاعتبار ~~بالقرائن" (¬5). كما ذكره الإمام الغزالي. PageV02P375 # لنا - على مختار الجمهور -: ما تقدم من أن العام دليل، والقياس دليل، ~~فإذا خص به كان إعمالا للدليلين، وإعمالهما أولى من إهمال أحدهما. # وأيضا: العام يحتمل المجاز، والخصوص، بخلاف القياس، فكان (¬1) / ق (74/ ب ~~من أ) أولى. # المانع [مطلقا: القياس فرع، فلا يقدم على النص الذي هو أصله. # قلنا: كذلك لا يقدم على النص المقيس عليه، وغره ليس] (¬2) بأصل له. # قالوا: مقدماته أكثر، فكان أضعف، فلا يقدم على الأقوى. # قلنا: قد يكون العكس كما في الخبر المروي من كثرة الرواة، وشرائطها، ولو ~~سلم غلبة أحد الظنين، لكن إعمال الدليلين أولى. # ويرد عليهم تجويز تخصيص الكتاب بالسنة لكثرة المقدمات في السنة دون ~~الكتاب. PageV02P376 # الجبائي: دل حديث معاذ على تأخير القياس عن الكتاب، والسنة، فلا يجوز ~~تخصيصهما به. # قلنا: يرد عليك السنة مع الكتاب إذ يجوز تخصيص الكتاب به عندك، مع تأخرها ~~عنه في خبر معاذ، مع أن خبر معاذ إنما يدل على عدم جواز إبطال النص به، وقد ~~علمت: أن في التخصيص إعمال الدليلين، فلا يرد علينا القائل: بالجلي (¬1) ~~دون الخفي لقوة الجلي، وظهوره دون الخفي. # الجواب: ما تقدم من إعمال الدليلين، وكونهما متساويين في الحجة. # ومن قال: بأن أصل القياس إن لم يكن مخرجا من ذلك العام بنص لم يجز، وإلا ~~جاز، فلأن الأصل المخرج من ذلك العام بنص إذا بني عليه قياس يقوى على ~~معارضة العام: لكونه أصله مخرجا عنه بدليل. # الجواب: ما تقدم مرارا من عدم الفرق، وأولوية إعمال الدليلين. # الكرخي: على أصله من أن العام إن خص بمنفصل جاز تخصيصه بالقياس كما ms224 سبق ~~في خبر الآحاد، والجواب: هو الجواب. PageV02P377 # الواقفية كالقاضي، وإمام الحرمين قالوا: أدلة تقديم كل منهما تعارضت، وجب ~~التوقف. وقد علمت الجواب (¬1)، والله أعلم بالصواب. # قوله: "وبالفحوى". # أقول: المفهوم بالفحوى - أي: مفهوم الموافقة كتحريم الضرب المفهوم من ~~تحريم التأفيف للأبوين - يجوز تخصيص العام به (¬2)، وهذا ينبغي أن لا يخالف ~~فيه عاقل: لأنه أولى من المنطوق، أو مساو له. # وكذا مفهوم المخالفة، كما في قوله: "في الغنم السائمة زكاة"، فإنه يخرج ~~المعلوفة الداخلة في قوله: "في الغنم زكاة" (¬3)، وإنما قيل: بالأرجح PageV02P378 # لأنه روي عن الشافعي المنع فيه لأنه أضعف من المنطوق (¬1)، والصحيح عنه ~~جوازه: لأن مثل هذا الضعف لا يقدح في جواز التخصيص، ألا ترى أن خبر الواحد ~~يخصص القطعي (¬2) / ق (75/ ب من ب). # قوله: "وبفعله". # أقول: إذا ورد في الكتاب، أو في السنة لفظ حكمه عام لجميع المكلفين، وفعل ~~- صلى الله عليه وسلم - بعض أفراد ذلك العام المنهى عنه، مثلا لو قال: صوم ~~الوصال حرام (¬3) على كل مسلم، ثم صام هو، لا يخلو إما أن يكون فعله PageV02P379 # من خواصه، أو مما يجب الاقتداء به فيه، فإن كان الأول فهو تخصيص له فقط، ~~وإن كان الثاني: لا يخلو إما أن يكون ذلك بدليل خاص في ذلك الفعل، فهو نسخ، ~~وإن كان بدليل عام، فالمختار أن ذلك الدليل العام يكون مخصصا بالعام ~~المتقدم ذكره، فيجب على الأمة موجب ذلك القول، ولا يلزمهم الاقتداء به في الفعل. # مثاله: قوله تعالى: {واتبعوه لعلكم تهتدون} [الأعراف: 158] دل على وجوب ~~الاتباع في كل الأفعال، والنهي عن الوصال دل على حرمة هذا الفعل المخصوص، ~~فعلم أن وجوب الاتباع عام، مخصص، فيكون إعمالا للدليلين، إذ لو بقى عمومه ~~لبطل العمل بالأول / ق (75/ أمن أ) بالكلية، إذ الوصال مباح له، فلو أبيح ~~لنا - أيضا - لبطل العام الأول بالكلية (¬1). PageV02P380 # وقيل: يجب العمل به، وقيل: يجب التوقف، والجواب - عنهما -: قد تقدم مرارا ~~من إعمال الدليلين. # قوله: "وتقريره في الأصح". # أقول: إذا علم - صلى الله عليه وسلم - بفعل صدر من مكلف، يخالف ms225 عموم ما ~~دل عليه دليل شرعي، ولم ينكره، كان تقريره مخصصا، ومخرجا ذلك الفاعل إذ لا ~~يمكن تقريره إلا على الصواب. # [ثم إن] (¬1) تبين موافقة غيره له في علة مشتركة حمل عليه، إما قياسا، ~~وإما بقوله: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة". # وأما إذا لم تبين الموافقة، فلا يتعدى المذكور (¬2)، أما قياسا، ~~فلاقتضائه الاشتراك في العلة، وأما قوله: "حكمي على الواحد حكمي على ~~الجماعة"، فلتوقفه على عدم الفارق إجماعا. PageV02P381 # وقول المصنف: "على الأصح"، إشارة إلى الخلاف، فإن طائفة ذهبت إلى أنه نسخ (¬1). # والجواب: أن التخصيص أولى، إما لأنه دفع، والنسخ رفع، والدفع أهون من ~~الرفع، أو لأن التخصيص إعمال الدليلين، والنسخ يستلزم إبطال أحدهما. # قوله: "وأن عطف العام على الخاص" إلى آخره. # أقول: هذه مسائل: المختار فيها عدم التخصيص، منها: عطف العام على الخاص، ~~مثل عطف {وأولات الأحمال}، على قوله: {واللائي يئسن من المحيض} [الطلاق: ~~4]، فإن المعطوف عليه خاص بالمطلقات، والمعطوف عام، إذ ذات الحمل - سواء ~~كانت مطلقة، أو متوفى عنها زوجها - عدتها بالحمل إجماعا (¬2). PageV02P382 # وكذا عكس هذه المسألة، أعني عطف الخاص على العام مثل قوله تعالى: ~~{وبعولتهن}، بعد قوله: {والمطلقات} [البقرة: 228]، فإن المعطوف خاص ~~بالرجعيات، والمعطوف عليه عام في جميع المطلقات (¬1). # والحق: أن إفراد هذه المسألة لا وجه له بعد ذكر مسألة القران، فإن حكمها ~~علم هناك (¬2). PageV02P383 # ومنها: عود الضمير إلى بعض أفراد العام لا يوجب تخصيص العام كعود ضمير ~~{وبعولتهن} إلى الرجعيات التي هي بعض أفراد المطلقات (¬1). PageV02P384 # وقيل: يخصصه، ويؤخذ حكم البوائن من دليل آخر، وليس بشيء، وإليه الإشارة ~~بقوله: "والأصح". لأنه مقابله. # ومنها: مذهب الراوي لا يخصص، ولو كان الراوي صحابيا، إذ ربما ظنه دليلا، ~~ولم يكن في نفس الأمر دليلا: لأن ظنه ليس بمصون عن الخطأ، ولا يجوز لمجتهد ~~تقليد غيره (¬1). PageV02P385 # قالوا: لو لم يكن له دليل قطعي / ق (76/ أمن ب) لبينه دفعا للتهمة. # قلنا: معارض بمثله، إذ نقول: لو كان له دليل قطعي لبينه دفعا لذلك، وأيضا ~~لو كان قطعيا لم يخف على أكثر الصحابة ms226 عادة. # ومنها: تخصيص بعض أفراد العام بالذكر لا يوجب تخصيص العام. # مثاله: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أي إهاب دبغ فقد طهر" (¬1)، فهذا ~~عام، وقوله - في شاة ميمونة (¬2) -: "هلا انتفعتم بإهابها؟ " قالوا: يا ~~رسول الله، إنها ميتة، PageV02P386 # قال: "دباغها طهورها" (¬1)، فلا دلالة فيه على التخصيص بالحكم: لأن ~~مفهومه، مفهوم لقب، وليس بحجة عند الجمهور، وإليه أشار بالأصح (¬2). # قوله: "وأن العادة بترك بعض المأمور". # أقول: إذا ورد لفظ عام من الشارع في تحريم، أو إيجاب، والمخاطبون يعتادون ~~بعضا مما تناوله العام، هل العادة تخصص العام؟ . PageV02P387 # مثل: أن يقول: حرمت الربا في الطعام، وعادتهم تناول البر، هل يعم حرمة ~~الربا كل مطعوم، أو يختص بالبر (¬1)؟ # قال المصنف: إن كانت العادة في زمانه - صلى الله عليه وسلم - (¬2) / ق ~~(75/ ب من أ)، ودرى بها، ولم ينكر، أو انعقد الإجماع بعد ورود العام على ~~قصر الحكم على المعتاد تخصص، وإلا فلا، وتبع - في ذلك - الإمام في المحصول ~~(¬3). PageV02P388 # والحق: أن ما كان مخصصه التقرير، أو الإجماع ليس من البحث في شيء: لأن ~~المخصص هو التقرير، أو الإجماع، وما عدا هذين القسمين المختار أنه ليس ~~لمخصص (¬1): لأن اللفظ عام لا يخصصه إلا دليل شرعي، وتناولهم، وعرفهم ليس ~~دليلا شرعيا (¬2). # قالوا: يتخصص بالعرف: كالدابة، فإنها لغة لكل ما يدب على الأرض، واختصت ~~عرفا بذوات القوائم الأربع. # قلنا: ذلك في غلبة الاسم بالنقل لا في الحكم بالعادة، والمفروض هذا. # قالوا: إذا قال: اشتر لي لحما، وكان متناول أهل البلد لحم الضأن ينصرف إليه. # قلنا: غير محل النزاع: لأنه مطلق، والكلام في العام، ولا قياس بينهما. PageV02P389 # ثم في كلام المصنف نظر: لأن الخلاف إنما هو في قصر العام على المعتاد، ~~مثل: البر - في المثال المذكور - لا على ما عداه بأن يكون الربا محرما في ~~غيره دونه، فإنه لم يذهب إليه أحد، مع أن قول المصنف: ولا على ما وراءه، ~~صريح في كونه محل الخلاف، أيضا، والعجب [أن شارحي] (¬1) كلامه لم ينتبهوا ~~له. وأما حكاية الحال بلفظ ظاهره العموم مثل: "قضى ms227 بالشفعة" (¬2)، و"نهى عن ~~بيع الغرر" (¬3)، هل يعم أو لا؟ PageV02P390 # فالأكثر على عدم عمومه: لأن المسألة أصولية، فلا تثبت بالمحتمل (¬1). # قالوا: عدل عارف باللغة، فلا ينقل الآن بصيغة العموم إلا بعد علمه بأن ~~مراد الشارع العموم. PageV02P391 # قلنا: ربما قاله اجتهادا. # قالوا: لو كان مثل هذا الاحتمال قادحا لوجب ترك الظواهر كلها. # قلنا: نلتزمه في المسائل الأصولية، فإنه إذا قام فيها الاحتمال سقط ~~الاستدلال. # قوله: "مسألة: جواب السائل غير المستقل دونه" إلى آخره. # أقول: المراد بالجواب المستقل ما يكون - مع قطع النظر عن السؤال - وافيا ~~بالمقصود، كما إذ قلت - لشخص -: تعال تغد معي، فقال: إن تغديت اليوم، فعلي ~~كذا، فإنه كلام مستقل لا تعلق له بالسؤال حتى إنه يحنث سواء تغدى معه، أو ~~مستقلا. # وغير المستقل مثل: نعم، أو بلى، فإنه لا يفيد بدون الكلام السابق، فهو ~~تابع له إن كان عاما، كما إذا قال له: هل يجوز التوضؤ بماء البحر؟ فقال: ~~نعم، يعم الجواز السائل، وغيره (¬1)، ولو قال له: يجوز لك، يختص PageV02P392 # الجواز بالسائل. هذا وكلام الآمدي صريح في أن الشافعي لم يقل بكون غير ~~المستقل يتبع السؤال في الخصوص؛ لأن ترك الاستفصال في حكاية الحال يدل على ~~العموم في المقال (¬1)، وكذا ذكره الإمام في البرهان (¬2). # وعلى هذا، فقول المصنف: تابع (¬3) / ق (76/ ب من ب) للسؤال في عمومه، مع ~~عدم ذكر الخصوص، ربما كان اختيارا منه لذلك المنقول (¬4) ثم المستقل إما أن ~~يكون أخص من السؤال، أو يكون مساويا، أو أعم. PageV02P393 # فالجواب بالأخص جائز، إذا فهم حكم المسكوت من ذكر الخاص، كما إذا سئل: من ~~أفطر في رمضان ماذا عليه؟ فقال: من جامع في رمضان فعليه ما على المظاهر، ~~فإن قيد الجماع - في الجواب - يعلم منه عدم وجوب الكفارة في سائر المفطرات. # وأما إذا لم يعلم منه حكم المسكوت، فلا يجوز: لأنه يلزم تأخير البيان عن ~~وقت الحاجة، وهو باطل. # وأما الجواب، المساوي، فلا إشكال فيه لحصول المقصود من غير زيادة، ولا ~~نقصان. PageV02P394 # وأما الأعم، وهو الذي عبر عنه بقوله: / ق ms228 (76/ أمن أ) والعام على سبب ~~خاص، أي: سواء كان سؤالا، أو غيره، كقوله - صلى الله عليه وسلم - لما سئل ~~عن ماء بئر بضاعة -: "خلق الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير لونه، أو طعمه، ~~أو ريحه" (¬1)، وكما روي عنه: أنه مر بشاة ميمونة، فقال: "أيما إهاب دبغ، ~~فقد طهر"، فالحكم بالعموم، حتى يحكم بطهورية كل ماء، وكل إهاب، أو بخصوص ~~السبب، حتى يحكم بطهورية بئر بضاعة، وإهاب شاة ميمونة؟ # الجمهور: على اعتبار اللفظ دون خصوص السبب: لأن الاستدلال إنما هو ~~باللفظ، وهو عام، ولا تنافي بين خصوص السبب، وعموم اللفظ (¬2). PageV02P395 # ولأن الصحابة - رضي الله عنهم - تمسكوا بالعمومات الواردة في الحوادث ~~الخاصة، مع علمهم بورودها في تلك الوقائع الخاصة، كآية (¬1) PageV02P396 # الظهار (¬1)، والسرقة (¬2)، واللعان (¬3). PageV02P397 # قالوا: لو كان الاستدلال بعموم اللفظ لم ينقل السبب. # قلنا: العلم بسبب النزول، وورود الأحاديث في الحوادث فائدة جليلة. # قالوا: لو عم المسؤول عنه، وغيره لم يكن الجواب مطابقا للسؤال. # قلنا: اشتماله على الزيادة لم يخرجه عن المطابقة، بل زاده حسنا (¬1). # قوله: "فإن كانت قرينة، فأجدر". يعني إذا دلت قرينة على العموم، فهو ~~أجدر، أي: أولى من اعتبار السبب. # وإن دلت على خصوص السبب، فهو أولى، كما جاء في الحديث: "أنه [مر] (¬2) ~~بامرأة مقتولة، فقال: من قتل هذه؟ ، وهي لا تقاتل، ونهى PageV02P398 # [عن] (¬1) قتل النساء، والصبيان" (¬2)، أي: الكفار، فلا يدل عموم اللفظ ~~على عدم جواز قتل المرتدة كما ذهب إليه أبو حنيفة؛ لوجود القرينة الدالة ~~على اعتبار الخصوص (¬3). PageV02P399 # قوله: "وصورة السبب قطعية الدخول". # أقول: هذا جواب عن سوال مقدر، تقريره أن المعتبر لما كان عموم اللفظ ~~العام يجوز تخصيصه، ولا مزية لأفراده بعضها على بعض من حيث إنه عام، فيجوز ~~إخراج صورة السبب، ولم يقل به أحد. # أجاب: بأنه إنما يجوز إخراج بعض الأفراد من العموم، إذا لم يدل دليل على ~~دخوله في الحكم قطعا، وصورة السبب من هذا القبيل (¬1). # ونقل المصنف عن والده: أن دخول صورة السبب ظني. # وشبهته: ما نقل عن أبي حنيفة أنه جعل دخوله، ms229 لإخراجه ولد الأمة المستفرشة ~~من قوله: "الولد للفراش" (¬2)، إذ في الأمة لا بد من الدعوة بخلاف الحرة، ~~فإن مجرد الفراش كاف في لحوقه. PageV02P400 # والحق: أن ما ذهب [إليه] (¬1) الإمام أبو حنيفة - رحمه الله - ليس محل ~~النزاع: لأن ما ورد فيه العام هو ولد خاص، وهو ولد زمعة (¬2)، وأبو حنيفة ~~لم يقل: بجواز خروجه، بل يقول: لا يتصور إخراج صورة السبب: لأنه وقع فيه ~~النزاع، وألحقه الشارع بأحد الخصمين، فكيف يعقل إخراجه؟ وأما قول أبي ~~حنيفة: إن ولد الأمة/ ق (77/ أمن ب) لا يلحق بمجرد الفراش، فقد قال الغزالي ~~- رحمه الله -: "إن أبا حنيفة إنما قال: ذلك لأنه لم يبلغه الخبر" (¬3). PageV02P401 # قلت: ولو بلغه الخبر، ولاح له إخراج ولد الأمة لم يدل على إخراج صورة ~~السبب: لأن ذلك واقع في عهده - صلى الله عليه وسلم - لا يمكن إخراجه. # غايته: أن ولد الأمة بعض أفراد العام، أخرجه بدليل آخر مخصص لذلك، وأي ~~تعلق لهذا الكلام بصورة السبب؟ . # ثم قال والد المصنف: ويقرب من صورة السبب خاص ذكر في القرآن، وتلاه، أي: ~~تبعه - في المصحف - عام. # مثاله: قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب} [النساء: ~~44, 51] (¬1)، فإنه خاص في طائفة من أهل الكتاب، مثل: كعب (¬2) PageV02P402 # ابن الأشرف (¬1)، / ق (76/ ب من أ) وهم الذين كتموا نعت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وكان أمانة أخذ الله الميثاق على أدائها، وتلاه عام هو قوله ~~تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58] (¬2)، ~~فإنه شامل لتلك الأمانة وغيرها، فهل يجوز تخصيص هذا العام بإخراج ذلك ~~البعض، أو يكون ذلك البعض مثل صورة السبب، حتى لا يجوز إخراجه؟ فتوسط، ~~وقال: يقرب، أي: ليس مثله، ولا بعيدا منه، وهذا تفقه منه قليل الجدوى، مع ~~أنه قد تقدم لنا أن القران في الذكر لا دخل له في توافق الأحكام (¬3). PageV02P403 # قوله: "مسألة: إن تأخر الخاص عن العمل نسخ العام، وإلا خصص". # أقول: الخاص، والعام إذا تنافيا في الحكم لا يخلو إما أن يكون أحدهما ~~متأخرا عن الآخر، ms230 أو لا، فإن تأخر أحدهما عن الآخر، وعلم التأريخ، فإن كان ~~المتأخر العام، يكون الخاص مخصصا له. وإن كان المتأخر هو الخاص، فإما أن ~~يكون متأخرا عن العمل بالعام، أو لا، فإن كان متأخرا، فالخاص ناسخ لذلك ~~القدر الذي تناوله العام؛ لعدم إمكان القول بالتخصيص، لأنه تبين عدم دخول ~~المخصص في المراد، وبعد العمل لا يمكن ذلك. # وإن لم يتأخر عن العمل، يكون مخصصا لتقدم التخصيص على النسخ لما تقدم من ~~الدليل عليه. # وإن لم يتأخر عن العمل، فإما أن يتأخر في النزول، أو يتقدم، أو يتقارنا، ~~أو يجهل التأريخ، ففى الكل يخصص العام (¬1). # وذهب إمام الحرمين - تبعا للحنفية -: أن العام المتأخر ناسخ إن علم ~~التأريخ (¬2)، وإن جهل، فالوقف، أو يتساقطان، الاحتمالان (¬3) منقولان ~~عنهم. PageV02P404 # وقد علمت الجواب، فيما سبق، فراجعه (¬1). # وإن كان كل منهما عاما من وجه، فالترجيح من الخارج لتساويهما. # مثاله: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من بدل دينه فاقتلوه" (¬2). # فإنه خاص بأهل الردة، عام في الرجال والنساء. # وقوله: "لا تقتل النساء" خاص بالنساء عام في المرتدات، والحربيات. PageV02P405 # والحنفية: على كون المتأخر ناسخا في هذه الصورة في قدر ما تناوله المتأخر ~~من المتقدم. # مثاله: قوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4]، ~~مع قوله: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ~~وعشرا} [البقرة: 234]، فإن الآية الثانية شاملة للحوامل، وغيرها فالآية ~~الأولى إنما تنسخ من الثانية حكم الحوامل، وهي العدة بالأشهر، وغير الحوامل ~~حكمها باق. # * * * PageV02P406 ### || AUTO باب المطلق والمقيد # قوله: "المطلق، والمقيد: المطلق الدال على الماهية بلا قيد". # أقول: عرف المطلق: بأنه اللفظ الدال على الماهية، بلا قيد (¬1)، وأخذ هذا ~~التعريف من ظاهر عبارة القوم، فإن بعضهم قال: المطلق ما دل على المسمى بلا ~~قيد، وبعضهم: المطلق (¬2): / ق (77/ ب من ب) ما يراد به الحقيقة من حيث هي (¬3). # ولما لم تستقم هذه التعاريف عدل عنه الشيخ ابن الحاجب، وعرفه: "بما دل ~~على شائع في جنسه" (¬4) وهو الفرد المنتشر نحو رقبة في قوله تعالى: PageV02P407 # {فتحرير رقبة} [المجادلة: 3]، وإنما ms231 عدل عنه: لأن مناط الأحكام الشرعية، ~~هي الأفراد الموجودة لا الماهيات المعقولة. # ولا شك: أن من عرف بتلك التعاريف مراده ما ذكره الشيخ ابن الحاجب، يعرف ~~ذلك من إيراد الأمثلة، ثم بني على ما فهمه مسألة أخرى، وهي ما اشتهر بين ~~الأصوليين من أن الأمر بالماهية المطلقة أمر بفرد أي جزئي لا على التعيين: ~~لأن طلب الماهية من حيث هي غير معقول. # فقال المصنف: هذا الكلام ليس بشيء: لأنه مبني على أن المراد بالمطلق هو ~~الفرد المنتشر/ ق (77/ أمن أ)، وليس كذلك: لأن المراد مطلق الماهية من حيث ~~هي، والماهية من حيث هي لا كلية، ولا جزئية، وإذا لم تكن لا كلية، ولا ~~جزئية - وهي موجودة في ضمن الجزئيات الموجودة: لأن جزء الموجود موجود - ~~فيكون الأمر بالماهية المطلقة أمرا بها؛ لأنها موجودة في ذلك الجزئي ~~الموجود (¬1). # هذا خلاصة كلامه، وهو فاسد من وجوه: # الأول: أن كون الماهية من حيث هي موجودة في الجزئيات الموجودة باطل، بل ~~لا وجود لها من حيث هي إلا في العقل. PageV02P408 # الثاني: لو فرضنا أن المطلق عبارة عن الماهية على ما ذهب إليه، فعند ~~اقتران الأمر بإيقاعها في الخارج لا بد وأن يكون في ضمن الأفراد، وحيث لا ~~تكون قرينة الكل، أو البعض المعين على ما هو المفروض، فإرادة فرد ما ~~ضرورية. # الثالث: أنا لو سلمنا أن الماهية من حيث هي موجودة في الجزئيات لا يقدح ~~في قولهم: الأمر بمطلق الماهية أمر بجزئي: لأن مرادهم أن قرينة الكل، ~~والبعض - إذ انتفت إرادة الفرد الغير المعين - ضرورية سواء كانت الماهية ~~موجودة في ذلك الجزئي، أو لم تكن. # هذا تحقيق المقام، وما عداه خبالات، وأوهام (¬1). # قوله: "مسألة: المطلق والمقيد كالعام والخاص، وزيادة أنهما" إلى آخره. # أقول: المطلق والمقيد قريبان من العام والخاص (¬2) باعتبار الشيوع، ~~وعدمه، فكل ما جاز هناك جائز هنا (¬3)، فيجوز تقييد الكتاب بالكتاب PageV02P409 # وبالسنة، والسنة بالسنة وبالكتاب، وتقييد كل منهما بالقياس، والمفهومين، ~~وفعل النبي، وتقريره، ويزيد المطلق والمقيد بأنهما إن اتحدا حكمهما كتحرير ~~الرقبة مطلقة، ومقيدة ms232 بالايمان، واتحد السبب كالقتل مثلا - وكان المطلق، ~~والمقيد مثبتين، وتأخر المقيد عن العمل بالمطلق، فإذا وجدت الشروط الأربعة ~~- نسخ المقيد المطلق (¬1) # قوله: "وإلا". استثناء عن تأخر المقيد عن العمل، أي: إن لم يتأخر عن ~~العمل بأن تأخر عن الخطاب بالمطلق، أو تأخر المطلق، أو تقارنا، أو جهل ~~التأريخ، حمل المطلق على المقيد (¬2). # وقيل: المقيد ناسخ في هذه الصورة أيضا. # وقيل: بل المقيد محمول على المطلق. PageV02P410 # واحترز باتحاد الحكم عن الاختلاف مثل: أطعم زيدا، واكس [رجلا فاضلا] ~~(¬1)، فلا يحمل أحدهما على الآخر / ق (78/ أمن ب) اتفاقا (¬2). # وبالمثبتين عن المنفي، والمثبت مثل: اعتق رقبة إن ظاهرت، ولا تملك رقبة ~~كافرة، فإن المطلق هنا يحمل على المقيد، وإن كان الحكم في أحدهما الإعتاق، ~~وفي الآخر الملك: لأن إعتاق الكافرة بدون الملك محال (¬3). وإن كان منفيين ~~يأتي الكلام عليه. # لنا - على المختار، وهو الحمل عند اجتماع الشرائط -: في الحمل إعمال ~~الدليلين، وفي عدمه إبطال المقيد لوجود المطلق في ضمن غير المقيد. # وأيضا: في الحمل خروج عن العهدة يقينا سواء كان مكلفا بالمقيد، أو ~~بالمطلق؛ لوجود المطلق بدونه، ولو لم يحمل لم يحصل يقين البراءة إذ لا يوجد ~~ذلك المقدر في ضمن سائر الأفراد. # فإن قلت: بين التقييد، والاطلاق تنافي لا يمكن اجتماعهما، فكيف يوجد ~~المطلق، مع المقيد؟ PageV02P411 # قلت: هذا قبيل اشتباه العارض بالمعروض، إذ التنافي إنما هو بين مفهوم ~~المقيد والمطلق، لا بين ذاتيهما، والموجود في ضمن المقيد إنما هو ذات ~~المطلق لا مفهومه. # وأما أنه بيان لا نسخ، فلأن البيان أهون من النسخ، ولأنه لو كان نسخا، ~~لكان التخصيص، أيضا - نسخا (¬1) / ق (77/ ب من أ) لأن كلا منهما مجاز. # وأيضا: لو كان نسخا لكان تأخير المطلق نسخا للمقيد لوجود التنافي من ~~الطرفين. # ومن قال: إنه نسخ قاس تأخره عن الخطاب على تأخره عن العمل. # الجواب: أن ذلك ضروري لعدم إمكان البيان هناك، لكونه تبين عدم دخوله في ~~قصد المتكلم، ومعلوم أنه لا يتصور هذا المعنى بعد العمل. # ونقل مذهبا غريبا، وهو حمل المقيد ms233 على المطلق، ووجهه - مع ظهور بطلانه - ~~قياس المطلق على العام، فكما أن إفراد فرد من العام بالذكر لا يخصص العام، ~~فكذلك المقيد مع المطلق. # الجواب: أنه قياس مع الفارق، لأن ذلك من قبيل مفهوم اللقب، وهذا من قبيل ~~مفهوم الصفة. # قوله: "وإن كانا منفيين". PageV02P412 # أقول: ما تقدم كان فيما إذا لم يكن المطلق، والمقيد كلاهما منفيين، فأما ~~إذا كان كل منهما منفيا، فالذي يقول بمفهوم الصفة يلزمه القول بحمل المطلق ~~على المقيد لاندرج القيد في الصفة. # مثاله: لا تعتق رقبة، ولا تعتق رقبة كافرة، إذ وصف الكفر حصر الحكم، وهو ~~عدم جواز الإعتاق المطلق من النص الأول في الكافرة (¬1). # قوله: "وهو خاص، وعام". رد على الشيخ ابن الحاجب حيث جعل المنفيين من ~~المطلق، والمقيد (¬2)، إذ النكرة في سياق النفي للعموم، وقد نبه عليه ~~المولى المحقق (¬3) في شرحه، والأمر في ذلك سهل: لأن التقييد تخصيص في ~~المعنى لرفعه شيوع المطلق، وإن لم يكن تخصيصا اصطلاحا. PageV02P413 # ثم قوله: "وإن كان أحدهما أمرا، والآخر نهيا، فالمطلق مقيد بضد الصفة". ~~مستدرك: لأنه علم من مفهوم قوله: مثبتين. لأن عدم كونهما مثبتين يتناول ~~المنفيين، والمثبت، والمنفي، وكأنه فهم من النفي ما هو ضد للنهي اصطلاحا، ~~وهذا وهم: لأن المراد هو السلب المقابل للإيجاب الشامل لهما: وقد مثلنا له ~~في المقالة الأولى، فراجعه (¬1). # قوله: "وإن اختلف السبب". # أقول: ما تقدم كله كان مع اتحاد الحكم والسبب، أما إذا اختلف السبب، ~~واتحد الحكم، ففيه مذاهب ثلاثة: # الأول: مذهب أبي حنيفة لا يحمل عليه بوجه (¬2). # الثاني: مذهب بعض أصحابنا أنه يحمل (¬3) / ق (78/ ب من ب) عليه لفظا. # الثالث: وعليه إطباق الجمهور والمحققين، أنه إن وجد جامع يحمل عليه ~~قياسا، وإلا فلا، وهذا هو المختار (¬4). PageV02P414 # لنا - على هذا المختار -: أن التقييد كالتخصيص في كون كل منهما بيانا. # وقد سبق أن العام يجوز تخصيصه بالقياس، فكذا تقييد المطلق، ويأتي هنا ~~السؤال، والجواب المذكور هناك. # القائل: بأنه يحمل عليه لفظا لا قياسا، فلأن جميع كلام الشارع بمنزلة ~~كلمة واحدة، فيكون بعضه ms234 مفسرا لبعض. # قلنا: لو صح ما ذكرتم لصح تقييد كل مطلق لكل مقيد بلا اشتراط شيء، وهو ~~بديهي البطلان. # قالوا: لما قيدت الشهادة بالعدالة في موضع (¬1)، قيدت في جميع صور ~~الإطلاق (¬2). # قلنا: دليله الإجماع لا أنه حمل المطلق على المقيد. # الإمام أبو حنيفة - رحمه الله -، وأصحابه، قالوا: لو حمل عليه، ولو ~~قياسا، يلزم عدم جواز العمل بالمطلق، فيكون منسوخا بالقياس، والقياس لا ~~ينسخ اتفاقا. # الجواب: التقييد ليس بنسخ، بل بيان، فالتقييد بالإيمان كالتقييد ~~بالسلامة، وقد قلتم به في العبد / ق (78/ أمن أ) المكفر به (¬3). PageV02P415 # لا يقال: شرط القياس أن يكون حكما شرعيا، وعدم إجزاء غير المؤمنة مثلا في ~~القتل، ليس حكما شرعيا حتى يقاس عليه عدم الإجزاء في الظهار؛ لأن العدم ~~الأصلي لا يكون حكما شرعيا. # لأنا نقول: عدم إجزاء الكافرة في المقيد فهم من الوصف المذكور، وقد بينا ~~أن المفهوم دليل شرعي. # قالوا: شرط القياس أن لا يبطل حكما شرعيا ثابتا بنص، وإجزاء الكافرة في ~~المقيس قد ثبت بالنص المطلق. # قلنا: المطلق لا يدل على عدم القيد، بل هو ساكت عنه، فلا ينافي قياسه ~~بجامع (¬1). PageV02P416 # والحق: أن الإمام أبا حنيفة لما جوز التخصيص بالقياس، فعدم جواز التقييد ~~به مشكل يعسر التغضي عنه: لأن تقييد المطلق أهون من تخصيص العام لقلة ~~الشيوع في المطلق، وإن كان كل منهما بيانا، فتأمل! # قوله: "وإن اتحد الموجب، واختلف حكمهما، فعلى الخلاف". # أقول: إذا اتحد السبب مثل الحدث، واختلف الحكم مثل غسل الأيدي المقيد ~~بإدخال المرافق، والمسح المطلق في آية التيمم (¬1). # فعلى الخلاف المذكور عند الحنفية لا يجوز. # وعند بعض الشافعية يجوز الحمل لفظا لا قياسا، والحق عندهم قياسا (¬2). PageV02P417 # فإن قلت: قد صرح الشيخ ابن الحاجب بأن في مثل قوله: أطعم رجلا، واكس ~~فاضلا، لا يحمل اتفاقا. # قلت: في المسألة خلاف، ويمكن حمل قول الشيخ على ما إذا اختلف السبب، وإلا ~~يشكل بآية التيمم. هذا كله إذا كان المطلق مقيدا بقيد واحد. # وإما إذا قيد بقيدين متنافيين، يبقى المطلق على إطلاقه، مثل الحديث ~~الوارد ms235 في التعفير، إذ ورد: "فاغسلوه سبعا أولاهن بالتراب"، وفي رواية: ~~"أخراهن"، فرواية: "إحداهن" (¬1) باقية على الإطلاق. # هذا إذا لم يقتض القياس الإطلاق، والحمل على أحدهما. # وأما إذا اقتضاه حمل عليه، وهذا إنما/ ق (79/ أمن ب) يستقيم على رأي من ~~يقول بالقياس وأما على رأي من يقول بحمل المطلق على المقيد لفظا، فلا. # * * * PageV02P418 ### || AUTO باب الظاهر والمؤول # قوله: "الظاهر، والمؤول، الظاهر: ما دل دلالة ظنية، والتأويل حمل الظاهر ~~على المحتمل المرجوح". # أقول: الظاهر - لغة -: الواضح، ومنه ظهر الشيء لظهوره (¬1). # واصطلاحا: اللفظ الدال دلالة ظنية (¬2)، فيخرج النص لكون دلالته قطعية، ~~وكذلك المجمل لتساوي الدلالة فيه، والمؤول لكونه مرجوحا. # ثم تلك الدلالة إما وضعا نحو: الأسد، أو عرفا نحو: الغائط في الخارج ~~المستقذر، فإنه ظاهر فيه، مع كونه في اللغة، هو المكان المطمئن. # وقد يفسر الظاهر بما يدل دلالة واضحة، فيكون النص قسما من الظاهر لكون ~~الواضحة أعم من القطعي، والظني، وكذا المبين يكون أخص منه لأن الدلالة ~~الواضحة لا تقتضي الاحتياج إلى سابق بيان. PageV02P419 # والتأويل: من آل يؤول، إذا رجع، ومآل الأمر، مرجعه (¬1). # واصطلاحا: حمل الظاهر على المحتمل المرجوح، بدليل يصير به راجحا (¬2): ~~لأنه بلا دليل، أو بدليل مساو، أو مرجوح [لعب] (¬3)، واللعب لا ينافي ~~الفساد، فلا يحتاج إلى إفراده بالذكر (¬4). # ثم التأويل ينقسم ثلاثة أقسام: لأنه إما قريب يكفيه أدنى مرجح، أو بعيد ~~يحتاج إلى مرجح أقوى، أو لا يقبله اللفظ، فيتعذر العمل به، فيحكم ببطلانه. PageV02P420 # فالقريب نحو قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: ~~6] أي: إذا أردتم القيام: لأن غسل الأعضاء يعقب إرادة القيام، لا القيام، ~~ولما كان القرب والبعد أمرين نسبيين (¬1)، / ق (78/ ب من أ) ولم يكن ضبط ~~القرب والبعد بضابط، كثر الأمثلة من البعيد ليعلم بها حال القريب. # منها: ما ورد أن غيلان بن سلمة أسلم عن عشر نسوة، فقال له النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: "امسك أربعا، وفارق سائرهن". # أولت الحنفية (أمسك) بابتداء نكاح الأربع إن كان نكاحهن وقع جملة، أو ~~الأوائل إن كان مرتبا. ms236 # وجه بعده: أن غيلان كان قريب عهد بالكفر لا يعلم شرائط النكاح، بل أكثر ~~الشرائع، فهو بعيد عن هذا التفصيل، مع أنه لم ينقل [تجديد] (¬2) لا منه، ~~ولا من غيره. PageV02P421 # ومنها: تأويلهم قوله تعالى: {فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4] بإطعام ~~طعام (¬1) ستين مسكينا، إذ المقصود دفع الحاجة، ودفع حاجة مسكين واحد في ~~ستين يوما بمثابة دفع حاجة ستين شخصا. # ووجه البعد فيه: أن الكفارة يطلب فيها التقرب إلى الله، ومن الراجح الجلي ~~أن الواحد ليس كالجماعة لاشتمالهم على تقي وأتقى يتبرك بدعائهم بخلاف الشخص ~~الواحد. # ومنها: حملهم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أيما امرأة نكحت بغير إذن ~~وليها، فنكاحها باطل، باطل، باطل". - على الصغيرة، والأمة، والمكاتبة (¬2). PageV02P422 # واعترض: بأن هذا التأويل يبطل قصد الشارع في إتيانه باللفظ العام فإن ~~"أي" من صيغ العموم، وأرباب الصناعات إذا ذكروا قاعدة، وإن لم يكن اللفظ ~~عاما، يحمل على العموم ضبطا للقواعد، فكيف بالشارع، وقد أتى بلفظ صريح في ~~العموم؟ لا سيما، وقد أكد العموم ب "ما"، فحمله على الصغيرة، والأمة، ~~والمكاتبة، وتأويل قوله: باطل، بأنه يصير إلى البطلان باعتراض الولي بعده واضح. # ولهذا لو قال سيد - لعبده -: أيما امرأة لقيت (¬1) / ق (79/ ب من ب) ~~أكرمها، ثم قال: أردت الأمة، أو الصغيرة، يعد قوله ذلك من الألغاز. # هذا، وقد انضم إلى عموم اللفظ مجرى العادة، فإن استقلال المرأة بنكاح ~~نفسها يعد وقاحة، وقلة حياء، ومروءة. # ومنها: حمل الحنفية - أيضا - قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صيام من ~~لم يبيت الصيام من الليل" (¬2) على قضاء الصوم، ونذره (¬3). PageV02P423 # وإنما كان بعيدا: لأن هذا الحصر لا يوافق اللغة، والعقل. # فإن قيل: إنما حملوا على هذا؛ لأنه ثبت بالدليل صحة الصوم بنية النهار، ~~فيجب ذلك التأويل. # قلنا: يحمل على نفي الفضيلة الذي هو معنى قريب: لأن لا النافية ترد كثيرا ~~لنفي الفضيلة، كما ذكروه في قوله: "لا صلاة من لم يقرأ بأم القرآن". # ومنها: ما جاء في الحديث: "ذكاة الجنين ذكاة أمه" (¬1)، حمله الشافعي على ~~ما يوجد في بطنها ميتا: ms237 لأن سبب ورود الحديث أنهم سألوه عما يجدونه في بطن ~~الذبيحة هل يحل أكله، أو لا؟ # ولا شك: أن المراد الميت، وإلا لو كان حيا يذبح، فلا حاجة إلى السؤال ~~عنه: لأنه كسائر الحيوانات المأكولة. # فقولهم: معنى الحديث: ذكاة الجنين كذكاة أمه على التشبيه بعيد جدا عن ~~المراد (¬2). PageV02P424 # ومنها: حمل قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء} [التوبة: 60] على بيان ~~المصرف لا على الاستحقاق حتى جوزوا الصرف على صنف واحد، مع وجود سائر ~~الأصناف (¬1). # وإنما عد بعيدا: لأن اللام ظاهرة في الملك، وإذا كان ملكا للمذكورين في ~~الآية لا يجوز تخصيص طائفة به دون البواقي. # هذا الذي ذكره المصنف من وجه البعد، ذكره إمام الحرمين، ومن تبعه (¬2). # وقال الغزالي: "ليس كذلك، بل قوله: {إنما الصدقات} منظم إلى قوله/ ق (79/ ~~أمن أ) {ومنهم من يلمزك في الصدقات} [التوبة: 58]، PageV02P425 # ومتعلق به، يعني لما كان طعنهم في رسول الله حين لم يعطهم من الزكاة دالا ~~على أنهم فهموا أن الاعطاء والمنع مفوضان إليه، اقتضى ذلك بيان المصرف ~~ليندفع ذلك اللمز والطعن" (¬1). # وإنما لم يحتج الشافعي إلى هذا الاحتمال لكونه بعيدا لا يصلح دليلا. # قال الآمدي: "وإن سلمنا أنه لبيان المصرف، فليكن الاستحقاق بصفة التشريك ~~أيضا مقصودا عملا بظاهر اللفظ لعدم التنافي بين المرادين" (¬2). # ومنها: حمل بعض الشافعية قوله: "من ملك ذا [رحم] (¬3) محرم فهو حر" (¬4) ~~على الأصول، والفروع. PageV02P426 # وإنما كان بعيدا: لصرفه اللفظ العام عن بعض مدلولاته من غير دليل (¬1). # فإن قلت: فما وجه ما ذهب إليه الشافعي إذا لم يكن هذا التأويل صحيحا عندكم؟ # قلت: لما دل الدليل على أن الرق لا يزول إلا بالعتق، قاس عتق الأصول ~~والفروع على وجوب النفقة، إذ لا تجب النفقة عنده إلا للأصول، والفروع. # أو بالحديث الصحيح الوارد في مسلم (¬2): "لا يجزي ولد والده إلا أن يجده ~~عبدا، فيشتريه، فيعتقه" (¬3) أي: بنفس الشراء، وقد وافقه الخصم على هذا. PageV02P427 # وبالآية / ق (80/ أمن ب) الكريمة في عتق الولد، وهي قوله تعالى: {وقالوا ~~اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} [الأنبياء: ms238 26]. # وجه الدلالة: أنه تعالى أبطل إثبات الولدية، بإثبات العبودية فعلم أنهما ~~لا يجتمعان. # ومنها: تأويل بعض العلماء البيضة، والحبل في الحديث ببيضة الحديد، وهي ~~المغفر، وحبل السفينة (¬1)، حيث قال - صلى الله عليه وسلم -: "لعن الله ~~السارق، يسرق البيضة، فتقطع يده، ويسرق الحبل، فتقطع يده" (¬2). # وإنما أولوه ذلك التأويل البعيد: لما ورد في الحديث: "أن لا قطع في دون ~~ربع الدينار" (¬3). # والجواب: أن مراده بيض الدجاج، ونحوه، وسائر الحبال، وهي وإن تكن ربع ~~دينار، ولكن إذا اعتاد سرقة القليل يجره إلى الكثير، فتقطع يده. PageV02P428 # أو كان هذا في بدء الإسلام، ثم نسخ بربع الدينار (¬1). # ومنها شفع الأذان الوارد في الحديث: "أمر بلال (¬2) بأن يشفع الأذان، ~~ويوتر الإقامة" (¬3). # قالت الحنفية: معناه أن يشفعه بأذان ابن أم مكتوم (¬4). PageV02P429 # وإنما كان بعيدا لصرفه اللفظ عن العموم: لأن ابن أم مكتوم أذانه قبل بلال ~~كان في صلاة الصبح (¬1) لا غير. # * * * PageV02P430 ### || AUTO باب المجمل والبيان # قوله: "المجمل ما لم تتضح دلالته، فلا إجمال في آية السرقة" إلى آخره. # أقول: المجمل - لغة - المجموع، وجملة الشيء جميعه، ومنه أجمل الحساب، أي: ~~جمعه (¬1). # واصطلاحا: ما لم تتضح دلالته، أي: ما له دلالة غير واضحة (¬2): لئلا يرد ~~[عليه] (¬3). # المهمل: لأنه يصدق عليه أنه لم تتضح دلالته، إذ لا دلالة فيه، ولا اتضاح. # وهذا الحد يتناول القول، والفعل، والمشترك، والمتواطئ. PageV02P431 # قوله: "فلا إجمال في آية السرقة" (¬1)، تفريع على ما قدمه من تعريف ~~المجمل، أي: لما كان المجمل ما لم تكن دلالته على المقصود واضحة، وهذه ~~النصوص متضحة الدلالة، فلا إجمال. # بيان ذلك: أن اليد - لغة -: من رؤوس الأنامل إلى المنكب حقيقة، والقطع: ~~عبارة عن الإبانة - أيضا - لغة. # قيل: تطلق اليد تارة ويراد إلى الكوع، وتارة إلى المرفق، وتارة إلى ~~المنكب، والقطع يطلق على الجرح، فكان كل منهما مجملا (¬2). # قلنا: المسألة لغوية يكفي فيها النقل عن الثقات، وهو ما ذكرنا، وفعل ~~الشارع مبين أن المراد مما تناوله اللفظ - لغة -: هو ذلك البعض (¬3). # وكذا لا إجمال في نحو: {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] أي: ms239 في التحريم ~~المضاف إلى الأعيان، مختار الجمهور: عدم الاجمال فيه (¬4). / ق (79/ ب من ~~أ). PageV02P432 # خلافا للكرخي، وأبي عبد الله البصري (¬1). # لنا - على المختار - أن تحريم العين غير مراد: لأن التحريم إنما يتعين ~~بفعل المكلف، فإذا أضيف إلى عين من الأعيان يقدر الفعل المقصود منه، ففي ~~المأكولات يقدر الأكل، وفي المشروبات الشرب، وفي الملبوسات (¬2) / ق (80/ ب ~~من ب) اللبس، وفي الموطؤات الوطء، فإذا أطلق أحد هذه الألفاظ سبق المعنى ~~المراد إلى الفهم من غير توقف، فتلك الدلالة متضحة. # قالوا: [تعذر] (¬3) تعلق الحكم بالعين [فيقدر] (¬4) الفعل، وذلك الفعل ~~ليس متعينا فقد جاء الإجمال. PageV02P433 # قلنا: ذلك البعض متعين عرفا بدلالة سبق الفهم (¬1). وكذا في نحو: ~~{وامسحوا برءوسكم} [المائدة: 6]، إذ الرأس اسم لمجموع العضو المعروف، فإن ~~لم يثبت فيه عرف، طار، فالمراد الكل - وإليه ذهب الإمام مالك، والباقلاني، ~~وابن جني - فلا إجمال (¬2). # وإن ثبت عرف في إطلاقه على [بعض] (¬3) - كما هو مذهب الشافعي، والقاضى ~~عبد الجبار، وأبي الحسين من المعتزلة - فلا إجمال أيضا (¬4). PageV02P434 # وذهبت الحنفية: إلى أن الرأس مجمل (¬1) في حق المقدار بينه فعله - صلى ~~الله عليه وسلم - في حديث المغيرة (¬2) -: "بمسح الناصية" (¬3) أن المراد ~~قدر الربع من أي جهة كان. # والدليل - على عدم إرادة الكل -: هو أن الباء إذا دخلت الآلة تعدى الفعل ~~إلى محله، فيستوعبه، كما إذا قلت: مسحت رأس اليتيم بيدي: أي، جميع رأسه، ~~ولا يلزم أن يكون بجميع اليد. PageV02P435 # ومتى دخلت المحل تعدى إلى الآلة، فيستوعبها دون المحل، كما في الآية ~~فيراد بعض الرأس، ولا يجوز أقل ما ينطلق عليه اسم البعض: لأنه يغسل، مع ~~الوجه، فيكون مجملا في السدس، والربع، والثلث، هكذا ذكره بعض (¬1) الأفاضل. # من غير زيادة. وليس بشيء: لأن كون البعض مغسولا، مع الوجه لا يقوم مقام ~~المسح: لأن الترتيب واجب عند الشافعي (¬2). # وإنما لم نذكر أن البعضية، مستفادة من الباء لأن كون الباء للبعضية لم ~~تثبت لغة (¬3). # وكذا قوله: "لا نكاح إلا بولي" لا إجمال فيه: لأن المراد منه عرفا هو ~~الصحة، أي: لا صحة للنكاح ms240 إلا بولي. # وكذا نحو قوله: "رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان" [مما ينفى صفة] (¬4) ~~والمراد لازم من لوازمها. PageV02P436 # وإنما قلنا: لا إجمال فيه: لأن مثل هذا التركيب يدل على رفع المؤاخذة ~~والعقاب، ولو قطع النظر عن وجود الشرع، كما إذا قال السيد لعبده: رفعت عنك ~~الخطأ، أي: لا أؤاخذك. # قالوا: وجود الخطأ واقع قطعا، فلا بد من تقدير فعل، وذلك المقدر يحتمل ~~أفرادا. # قلنا: العرف يخصصه، كما تقدم مرارا (¬1). # وكذا لا إجمال في مثل: "لا صلاة إلا بطهور" (¬2): و"لا صلاة إلا بفاتحة ~~الكتاب" (¬3) خلافا للقاضي أبي بكر، وقد علمت جوابه في قوله: "لا نكاح إلا ~~بولي". PageV02P437 # ويظهر مما فصلنا أن المصنف لو قال: مع الخلاف في الكل. كان أولى من، ~~"وخالف قوم" إذ المخالف في المسائل المذكورة أقوام مختلفة (¬1). # قوله: "وإنما الإجمال في مثل القرء". # أقول: أراد بمثل القرء كل لفظ مشترك تجرد عن القرينة، فإنه مجمل محتمل ~~معنييه، فإن القرء موضوع تارة للطهر، وتارة للحيض، وكذا لفظ: نور، مجمل ~~لإطلاقه على الضوء، وعلى العقل، وعلى الإيمان، وعلى القرآن، وعلى سائر ~~العلوم الشرعية، فيتردد الذهن عند سماعه لعدم المرجح، وكذا الجسم صالح ~~للأجسام المختلفة كالأرض، والسماء، وكلفظ المختار: لأنه إن قدر قلب الألف/ ~~ق (81/ أمن ب) من الياء المكسورة كان/ ق (80/ أمن أ) اسم فاعل، أو من ~~المفتوحة كان اسم مفعول (¬2). PageV02P438 # وكذا: {بيده عقدة النكاح} [البقرة: 237] يحتمل الزوج، والولي، وعلى الأول ~~حمله الشافعي (¬1)، ومالك على الولي (¬2)، لما لاح لكل منهما من الدليل. # وكذا: {إلا ما يتلى عليكم} [المائدة: 1, الحج: 30] (¬3) قبل نزول: {حرمت ~~عليكم الميتة والدم} [المائدة: 3] إلى آخر المحرمات لتردد الذهن في ~~المحللات: لكون الحكم على المستثنى منه بعد العلم بالمستثنى، وإخراجه (¬4). # وكذا: {والراسخون} [آل عمران: 7] مجمل لاحتماله الابتداء، أو العطف، كما ~~هو المشهور بين السلف، والخلف (¬5). PageV02P439 # وكذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبة في ~~جداره" (¬1) لاحتمال عود الضمير إلى الجار، وإلى أحد. # واختار الشافعي رجوعه إلى الجار لموافقته قانون اللغة من كون الضمير يعود ms241 ~~إلى أقرب المذكور. # وللحديث الصحيح: "لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه من طيب نفسه" ~~(¬2). فالمعنى على هذا لا يمنعه من وضع الخشبة على جدار نفسه (¬3)، أي: لا ~~يظلمه. PageV02P440 # وكذا: زيد طبيب ماهر، إذ المستكن في ماهر، يمكن عوده إلى زيد، وإلى طبيب ~~(¬1)، فعلى ما اختاره الشافعي - رضي الله عنه - يعود إلى طبيب، فتنحصر ~~مهارة زيد في الطب. # وكذا الثلاثة زوج وفرد: لاحتمال أن يريد المتكلم [كون] (¬2) هذا العدد، ~~يمكن اتصافه بالزوج والفرد، فتكون القصة كاذبة، وأن يريد اشتمال أجزائه ~~عليهما، فتكون صادقة. # والشراح خبطوا في تفسير هذا، بل غلطوا (¬3). PageV02P441 # قوله: "والأصح وقوعه في الكتاب، والسنة". # أقول: الجمهور: على وقوع المجمل في الكتاب، والسنة خلافا لداود (¬1). # لنا: - على المختار - الآيات، والأحاديث المذكورة له (¬2). # إن الإجمال بدون البيان لا يفيد، ومعه تطويل لا يقع في كلام البلغاء فضلا ~~عن الله، وسيد الأنبياء. # الجواب: أن الكلام إذا ورد مجملا، ثم بين، وفصل [كان] (¬3) أوقع عند ~~النفس من ذكره مبينا ابتداء. PageV02P442 # وأجاب الإمام - في المحصول عن هذا السوال -: بأن الله يفعل ما يشاء (¬1). ~~ولا يخفى أنه ليس بجواب: لأن قوله: مع البيان تطويل، بلا فائدة يكون مسلما ~~عند المجيب، ولا يرضى به عاقل، فضلا عن محقق فاضل. # قوله: "وأن المسمى الشرعي". # أقول: قد يكون للفظ مسمى شرعي، ومسمى لغوي، فإذا صدر من الشارع يحمل على ~~المفهوم الشرعي، هو المختار إثباتا، ونهيا (¬2). # الغزالي: يحمل في الإثبات دون النهي، فإنه مجمل. # وقيل: يتعين في الإثبات الشرعي، وفي النهي اللغوي، فلا (¬3) / ق (81/ ب ~~من ب) إجمال (¬4). # لنا - على المختار - أنه ظاهر في الشرعي لصدوره من الشارع: لأنه إنما بعث ~~لتعريف الأحكام، لا لبيان اللغات. # قالوا: يصلح لهما، فيكون مجملا. قلنا: بل متضح بقرينة صدوره منه. PageV02P443 # الغزالي: في الإثبات ما ذكرتم مسلم، لا في النهي، إذا لو حمل على الشرعي ~~لدل النهي على الصحة، وإنما يدل على الفساد (¬1). # الجواب: ليس المراد بالشرعي ما يكون صحيحا شرعا، بل ما يستفاد من الشرع ~~تسميته بذلك الاسم صحيحا ms242 كان ذلك الاسم، أو فاسدا، وقد تقدمت المسألة في ~~بحث الحقيقة، والمجاز، ولكن لم يذكر هناك تفاريع المسألة، فأعادها لذلك. # ثم إن تعذر الحمل على المعنى الشرعي حمل على المعنى المجازي الشرعي. # مثاله: قوله: "طوافكم بالبيت صلاة إلا أن الله أحل فيه الكلام" (¬2). PageV02P444 # ولما تعذر حقيقة الصلاة، فيقال: إنه كالصلاة في اشتراط الطهارة، والنية، ~~رعاية لقصد الشارع، بما أمكن (¬1). # وقيل: مجمل لتردده بين الصلاة (¬2) / ق (80/ ب من أ) شرعا، وبين الدعاء ~~(¬3)، أو يحمل على اللغوي، وهو الدعاء (¬4). المختار: هو الأول. # قوله: "والمختار اللفظ المستعمل لمعنى تارة، ولمعنيين". # أقول: إذا استعمل لفظ لمعنى تارة، ولمعنيين [أخرى] (¬5) على السواء - ~~وليس المعنى الواحد المستعمل فيه أحد المعنيين - مجمل، لوقوع التردد عند ~~إطلاق اللفظ، وهو آية الإجمال (¬6). PageV02P445 # أما إذا كان المعنى المستعمل فيه أحد المعنيين الآخرين، فلا إجمال لتعينه ~~على كلا التقديرين، والآخر يوقف (¬1). # وقيل: يعمل به - أيضا - لكثرة الفائدة. # قوله: "البيان: إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي". # أقول: البيان - لغة -: مصدر بان (¬2)، إذا ظهر، وانفصل. PageV02P446 # واصطلاحا: ما قاله المصنف (¬1)، وهذا التعريف مختار الصيرفي (¬2). # وأورد عليه إشكالان: أحدهما: البيان ابتداء، فإنه لا إشكال هناك حتى يخرج ~~اللفظ منه. # ثانيهما: لفظ الحيز، مجاز، والحدود تصان عنه. # الجواب - عن الأول -: أن البيان لا يقتضي إشكالا، بل يكفي توهم الإشكال. # وعن الثاني: أن المجاز المشهور ملحق بالحقائق. # ويطلق البيان - أيضا - على الدليل الدال على ذلك الإخراج، وعلى المدلول ~~المبين، ثم ليعلم أن المبين نقيض المجمل، فيعرف: بمتضح الدلالة (¬3). PageV02P447 # وكما أن المجمل يكون مفردا، ومركبا على ما تقدم من الأمثلة، فكذلك المبين ~~وقد يكون في فعل، وفيما سبق له إجمال، وهو ظاهر، وفيما لا إجمال فيه، كمن ~~يقول - ابتداء -: {والله بكل شيء عليم} [الحجرات: 16]، وإنما يجب البيان ~~لمن أريد فهمه، وأما إذا لم يرد، فلا وجوب لخلوه عن الفائدة. # قوله: "والأصح أنه قد يكون بالفعل". # أقول: الجمهور على أن البيان يجوز أن يكون بالفعل، وهو المختار (¬1). # لنا: أنه - صلى الله عليه وسلم - بين مجمل الكتاب به، ms243 مثل الصلاة، والحج. PageV02P448 # قيل: إنما بين بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، و"خذوا عني مناسككم". # قلنا: ذلك دليل كون الفعل بيانا: لأن هذا القول لم يفد كيفية الحج، ~~والصلاة، بل أحال معرفته على تتبع فعله. # ولنا - أيضا -: أن الفعل أدل على البيان من القول: لأنه لا يحتمل غير ~~المقصود بخلاف القول، ولهذا نسمعهم يقولون: "ليس الخبر كالمعاينة" (¬1). # قالوا: الفعل أطول، فلو بين به لزم تأخير/ ق (82/ أمن ب) البيان. # الجواب: لا نسلم أنه أطول من القول إذ ربما يكون بيان الركعتين على الوجه ~~الأكمل أطول من الفعل بكثير، ولئن سلم، ولزم تأخير البيان لا ضرر فيه، إنما ~~الفساد في تأخير البيان عن وقت الحاجة. # فإن قلت: إذا سلمت أن الفعل يكون أطول، فقد حصل مقصود الخصم إذ لا يجوز ~~عند البلغاء ارتكاب التطويل. PageV02P449 # قلت: ذلك عند عدم اشتمال الأطول على فائدة، وقد بينا أن الفعل أدل من ~~القول، فسقط السؤال (¬1). # قوله: "وأن المظنون يبين المعلوم". # أقول: الحق أن البيان يجوز أن يكون مظنونا، والمبين معلوما (¬2). PageV02P450 # لنا: أن البيان كالتخصيص، فكما يجوز تخصيص القطعي بالظني كخبر الواحد، ~~والقياس، فكذلك يجوز بيان المعلوم، أي: ما كان متنه قطعيا بالمظنون لأن ~~البيان يتوقف على وضوح الدلالة، لا على قطعية المتن. هذا ظاهر كلام الإمام ~~في المحصول (¬1). # والتحقيق - في هذا المقام -: أن المبين إن كان عاما، أو مطلقا، فيشترط أن ~~يكون بيانه أقوى [لأنه يدفع العموم الظاهر، والإطلاق، / ق (81/ أمن أ) ~~وشرائط الدافع أن يكون أقوى، وأما المجمل، فلا يشترط أن يكون بيانه أقوى] ~~(¬2). بل يحصل بأدنى دلالة لأن المجمل لما كان محتملا للمعنيين على السواء، ~~فإذا انضم إلى أحد الاحتمالات أدنى مرجح كفاه (¬3). # قوله: "وأن المتقدم، وإن جهلنا عينه". # أقول: إذا ورد عقيب مجمل فعل وقول، يصلح كل منهما أن يكون بيانا، فإن ~~اتفقا، أي: لم يزد مقتضى أحدهما على الآخر، فإن عرف المتقدم منهما، فهو ~~البيان لحصوله به قبل وجود الآخر، والثاني يقع تأكيدا (¬4). PageV02P451 # وقيل: إن جهل، فالبيان أحدهما، وهو الذي تقدم صدوره، ms244 وإن لم يعلم، فالآخر ~~تأكيد (¬1). # وقيل: إن كان أحدهما أرجح تعين للتأخر: لأن التأكيد لا يكون إلا بالأرجح (¬2). # قلنا: ذلك في المفردات نحو: جاءني القوم كلهم، فإن لفظ الكل في الشمول، ~~والإحاطة، أرجح من لفظ القوم، وأما في المجمل لا يشترط ذلك، فإن الثانية ~~وإن كانت أضعف إلا أنها بانضمامها تفيد زيادة تقرير في النفس. # قوله: "وإن لم يتفق البيانان". # أقول: ما تقدم كان فيما إذا اتفق القول، والفعل، أما إذا اختلفا، فالقول ~~هو البيان (¬3): كما لو طاف طوافين، وأمر PageV02P452 # بواحد (¬1)، فالمأمور به هو الواجب على الأمة، وما فعله زائدا مندوب له، ~~أو واجب عليه، ولا فرق بين تقدم القول، وتأخره. # وقال أبو الحسين: المتأخر ناسخ أيا كان، ويلزمه نسخ الفعل إذا كان ~~متقدما، كما إذا طاف طوافين، وأمر بواحد، فقد نسخ عنا أحد الطوافين (¬2). # وقد قدمنا غير مرة أن الجمع بين الدليلين أولى من إبطال أحدهما. # قوله: "مسألة: تأخير البيان عن وقت الفعل غير واقع، وإن جاز". PageV02P453 # أقول: تأخير البيان عن وقت الحاجة جائز عند من يجوز تكليف المحال، لكنه ~~لم يقع، وأما عن وقت الخطاب، فالجمهور على جوازه (¬1) خلافا للصيرفي ~~والحنابلة (¬2). # الكرخي: يمتنع في غير المجمل، أي: في الظاهر إذا أريد به غير ظاهره (¬3) ~~كالعام الذي أريد به بعض (¬4) / ق (82/ ب من ب) أفراده وبمثله قال أبو ~~الحسين من المعتزلة (¬5)، لكنه اكتفى بالبيان الإجمالي. PageV02P454 # مثل أن يقول - حين الخطاب -: هذا عام أريد به الخصوص، وهذا مطلق أريد به ~~المقيد، وهذا الحكم سينسخ من غير تفصيل، وتعيين. # الجبائي: كأبي الحسين إلا في النسخ، فإنه لم يجوزه (¬1). # وقد أشار المصنف إلى مذهب الكرخي بقوله: وثالثها يمتنع في غير المجمل، ~~وهو ما له ظاهر. وإلى مذهب أبي الحسين بقوله: ورابعها يمتنع تأخير البيان ~~الإجمالي، فيما له ظاهر. بخلاف المشترك، والمتواطئ. وإلى مذهب الجبائي ~~بقوله: وخامسها: يمتنع في غير النسخ. # وقوله: "وقيل: يجوز تأخير النسخ اتفاقا". إشارة إلى ما ذكره إمام الحرمين ~~والغزالي من أن النسخ ليس محلا للخلاف (¬2). # وذهب بعضهم إلى ms245 أنه لا يجوز بيان بعض دون بعض: لأن ذلك يوهم خلاف المراد ~~(¬3). PageV02P455 # لنا: قوله تعالى: {فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى} [الأنفال: 41]. # فإن ذي القربى عام في جميع الأقارب بينه بأن المراد بنو هاشم، وبنو ~~المطلب دون بني نوفل، وبني عبد شمس (¬1)، ولا بيان حين الخطاب لا تفصيلا، ~~ولا إجمالا، إذ لو وقع لنقل. # ولنا - أيضا -: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة: 43]، إذا الصلاة ~~بين جبريل حقيقتها، وكيفيتها للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم هو بين ~~للناس تدريجيا، وكذلك الزكاة، وكذلك السرقة حين الخطاب (¬2) / ق (81/ ب من ~~أ)، لم يذكر لا النصاب، ولا الحرز. # المانع: لو جاز تأخير البيان عن وقت الخطاب، فإما إلى مدة معينة، فتحكم، ~~أو إلى الأبد يلزم التكليف مع عدم الفهم. # الجواب: إلى مدة معينة يعلمها الله تعالى، فلا تحكم، يفعل ما يشاء. # قالوا: الخطاب توجيه الكلام نحو المخاطب للإفهام، فيكون بدون البيان ~~تكليفا بالمحال لعدم إمكان الاطلاع على مقصود المتكلم بدونه. # الجواب: أن المخاطب لم يطلب منه الفعل ليلزم ما ذكرتم، وحين الطلب لا بد ~~من اقتران البيان. PageV02P456 # وفائدة الخطاب بدون البيان: توطين النفس على ما يرد بعده من البيان، كما ~~هو شأن المجمل، والمفصل، إذ ذكر الشيء مجملا، ثم مفصلا، أوقع عند النفس. # الكرخي: ما له ظاهر، وأريد به غيره من غير بيان، يوقع في خلاف المراد، ~~بخلاف المجمل، فإنه يتوقف فيه. # الجواب: ما تقدم من الآيات، والأحاديث. # أبو الحسين: البيان الإجمالي يرفع الوقوع في غير المراد لأنه إذا قال: ~~هذا العام مخصوص، يتوقف المخاطب في العمل إلى الوقوف على المخصص. # الجواب: هو الجواب المتقدم. # الجبائي: الإخلال إنما يحصل في غير النسخ، أما النسخ، فإنه رفع للحكم، أو ~~بيان انتهائه عن جميع المكلفين، فلا يقدح إجماله في المراد: لأن الكل ~~مخاطبون إلى حين النسخ، وبعده لا خطاب مع أحد، بخلاف التخصيص مثلا، فإنه ~~قبل المخصص لو جوز تأخيره / ق (83/ أمن ب) على ما زعمتم يقع الشك في كل ~~فرد، فرد، فلا يتوجه التكليف إلى أحد، ms246 وبهذا استدل من قال: إن النسخ ليس ~~محل الخلاف. # الجواب: أن التخصيص يوجب الشك في فرد على البدل، والنسخ يوجب الشك في ~~الجميع، إذ في كل زمان، بل في كل آن يحتمل النسخ عن الجميع، فيكون تأخير ~~البيان في النسخ بالمنع أجدر. PageV02P457 # قوله: "وعلى المنع: المختار أنه يجوز للرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~تأخير التبليغ إلى الحاجة". # أقول: القائلون بعدم جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، اختلفوا في جواز ~~تأخير النبي - صلى الله عليه وسلم - التبليغ إلى الحاجة. # مختار المصنف، وهو المختار: أنه يجوز لعدم فوات مقصود، مع أنه ربما، أي: ~~في التأخير مصلحة ظاهرة له دون غيره (¬1). # قالوا: قال تعالى: {بلغ ما أنزل إليك} [المائدة: 67]، والأمر للوجوب. # قلنا: ممنوع كونه للوجوب، ولو سلم، لا نسلم الفور، ولو سلم يختص بالقرآن ~~بقيد {ما أنزل إليك}، فسقط بهذا التقرير قول من قال من الشراح: لا يتجه فرق ~~بين القرآن وغيره (¬2). PageV02P458 # وعلى المنع يتقرر الخلاف في مسألة أخرى، وهي أنه لما جاز عندنا تأخير ~~البيان من الشارع وقت الخطاب، فجواز تأخير إسماعه، مع وجوده أولى. # وأما من منع المسألة الأولى، أي: عدم البيان وقت الخطاب، فقد اختلفوا في ~~جواز تأخير إسماع البيان الموجود، والمختار - على المنع في تلك المسألة - ~~الجواز هنا: لأن تأخيره مع وجوده، أقرب من تأخيره مع عدمه (¬1). # وأيضا: لو لم يجز لم يقع لكنه واقع، فمنه أن فاطمة (¬2) رضي الله عنها ~~سمعت: {يوصيكم الله} [النساء: 11] ولم تسمع قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"نحن معاشر الأنبياء لا نورث". PageV02P459 # واعلم: أن عبارة المصنف، مختلة: لأن الكلام في المخصص الموجود، مع تأخير ~~إسماعه، لا عدم إسماعه للمكلف الموجود ليكون معنى الكلام / ق (82/ أمن أ) ~~يجوز أن لا يعلم ذات المخصص، ولا وصف كونه مخصصا، فإنه كلام مخالف للكتب ~~المعتبرة (¬1) قليل الجدوى (¬2). # * * * PageV02P460 ### || AUTO باب النسخ # قوله: "النسخ". # أقول: النسخ - لغة -: يطلق على المعنيين: الإزالة، والنقل، فقيل: ~~بالاشتراك فيهما، وقيل: حقيقة في الإزالة مجاز في النقل إطلاقا للفظ ~~الملزوم على اللازم إذ الإزالة يلزمها ms247 النقل. # وقيل: بالعكس إطلاقا للفظ اللازم على الملزوم (¬1). ولا يتعلق بهذا ~~المعنى غرض أصولي. وفي عرف الشرع: رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر (¬2). PageV02P461 # فخرج الإباحة الثابتة قبل الشرع إذا رفعت بدليل شرعي لعدم كونها حكما ~~شرعيا. وخرج الرفع بالموت، والجنون، والنوم لعدم كونها دليلا شرعيا. # وقوله: "متأخر". احتراز عن المقارنة، كما إذا قال: صم هذا الشهر سوى يوم ~~الجمعة، أو صل إلى آخر الشهر، فإنه لا يسمى نسخا. # فإن قلت: الكلام يتم بآخره، فما لم يتم كلامه لا يثبت حكم حتى يكون له ~~رفع ليخبر عنه. # قلت: الأمر كذلك، ولكن الحدود تصان عما يوهم خلاف المقصود، وما ذكرناه ~~يدل صريحا، وإن كان بالتأمل يعلم أن ذلك غير وارد. # والمراد بالحكم: ما هو صفة فعل المكلف كالوجوب، والحرمة، لا خطاب الله، ~~فلا يرد أن الحكم قديم، فلا يمكن رفعه (¬1) / ق (83/ ب من ب) لأن ما ثبت ~~قدمه امتنع عدمه. # وأجيب - أيضا -: بأن المراد من رفعه، رفع تعلقه، وفيه تكلف لا يخفى. # وقيل: النسخ بيان انتهاء الحكم الشرعي (¬2)، ولم يقبله المصنف: لأنه PageV02P462 # يرد عليه النسخ قبل التمكن من الفعل، كذا في بعض شروحه (¬1). # وليس بشيء: لأنه داخل في الحد المذكور؛ لأنه إذا ورد نص دل على الوجوب، ~~ثم نسخ قبل التمكن، فقد بين انتهاؤه. # والحق: أن التعريفين متلازمان: لأنه إذا رفع تعلق الحكم، فقد بين ~~انتهاؤه، وإذا بين انتهاؤه، فقد رفع تعلقه (¬2). # ثم قول المصنف بخطاب، يخرج عنه فعله - صلى الله عليه وسلم -، مع كونه ~~ناسخا، وربما يجاب: بأنه يعلم منه بالطريق الأولى؛ لأن دلالة الفعل على ~~النسخ أقوى من القول. PageV02P463 # وخرج - أيضا - الإجماع على أحد القولين، فإنه يلحق القول الآخر بالعدم، ~~مع أنه ليس بنسخ إذ لا نسخ بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم -، ولا حاجة ~~إليه؛ لأن الإجماع إذا انعقد على حكم يكون [سنده] (¬1) ناسخا لا هو، ~~فالإجماع دليل على وجود الناسخ (¬2). # وبعض الفضلاء (¬3) - في شرح المنهاج (¬4) - لم يهتد إلى هذا الجواب، ~~فقال: يقدر محذوف في الحد، أي: بطريق شرعي ms248 غير الإجماع، ثم قال: إنما اشترط ~~في الناسخ أن يكون [متراخيا] (¬5) لئلا يكون الكلام متناقضا، وأنت تعلم أن ~~كل نسخ يلزمه التناقض، بل لا يعقل نسخ إلا إذا كان أحد الدليلين منافيا ~~للآخر، فكيف يصح عدم التراخي باستلزامه التناقض؟ وقد ذكرنا فائدته في صدر البحث. # قوله: "فلا نسخ بالعقل". تفريع على قوله: بخطاب. # قوله: "وقول الإمام: من سقط رجلاه نسخ غسلهما مدخول". يريد أن سقوط ~~الرجلين ليس بخطاب حتى يكون رفع الغسل نسخا. PageV02P464 # والحق: أن الإمام لما عرف النسخ بأنه الخطاب الدال على ارتفاع الحكم، فهو ~~قائل: بأن سقوط الرجلين ليس نسخا مصطلحا، فلا وجه لمؤاخذة مثل ذلك الإمام ~~بما تسامح فيه، بعد ظهور مراده (¬1). # قوله: "ويجوز على الصحيح نسخ بعض القرآن". # أقول: النسخ إما للتلاوة، والحكم (¬2) / ق (82/ ب من أ)، أو لأحدهما، ~~والكل جائز عندنا (¬3). PageV02P465 # وخالف بعض المعتزلة في جواز الثلاثة (¬1). # لنا: أن تلاوة آية مثلا حكم من الأحكام، وما تدل عليه حكم آخر، ولا تلازم ~~بين الحكمين، فيجوز نسخهما، ونسخ كل منهما منفردا لعدم المانع. # ولنا: الوقوع - أيضا - وهو دليل الجواز، أما نسخهما، فلما روت عائشة رضي ~~الله عنها: "كان فيما نزل عشر رضعات محرمات" (¬2)، وقد نسخ لفظه، وحكمه. # وأما نسخ التلاوة، مع بقاء الحكم: "الشيخ والشيخة (¬3) إذا زنيا ~~فارجموهما البتة نكالا من الله" فالحكم ثابت، وإن خصص بالإحصان. PageV02P466 # وأما نسخ الحكم، مع بقاء التلاوة، فعدة المتوفى عنها زوجها بالحول، مع ~~بقاء اللفظ مقروءا (¬1). # قالوا: قال الله تعالى: {لا يأتيه الباطل} [فصلت: 42] (¬2)، فلو نسخ ~~لتطرق إليه البطلان. # قلنا: الضمير لجميع القرآن، ولو سلم النسخ ليس مستلزما للبطلان، إذ هو ~~رفع الحكم بدليل متراخ. # قالوا: لو نسخ لفات مقصود الإنزال. # قلنا: ممنوع، لم لا يجوز أن يكون فائدته الابتلاء، أو الإعجاز، أو ثواب ~~التلاوة حيث كان / ق (84/ أمن ب) النسخ للحكم وحده. # قوله: "والفعل قبل التمكن". PageV02P467 # أقول: المختار جواز النسخ قبل التمكن من الفعل، مثل أن يقول الشارع: حجوا ~~هذه السنة، ثم قبل دخول الوقت، أو بعد الدخول، وقبل ms249 مضي وقت يسعه الفعل، ~~فقال: لا تحجوا، خلافا للصيرفي منا، والمعتزلة (¬1). # لنا: أنه قد ثبت أن توجه التكليف إنما هو قبل وقت الفعل، فيجوز رفعه ~~بالنسخ، كما يرفع بالموت: لأنهما سواء في أن الحكم كان ثابتا قبلهما. # وفيه نظر: لأن التكليف مقيد بعدم الموت عقلا، فلا رفع في الموت. # والحق: أن الدليل على وقوع النسخ قبل التمكن هو حديث نسخ الصلوات ليلة ~~الإسراء (¬2). PageV02P468 # ولنا - أيضا -: أن مقصود الشارع إما الاعتقاد، والعمل بموجبه، أو ~~الاعتقاد وحده لحصول الابتلاء في الصورتين. # وإذا جاز أن يكون الاعتقاد مقصود الشارع، فجواز النسخ قبل التمكن ظاهر، ~~بل نقول: الاعتقاد أقوى من العمل لاحتمال سقوطه بعذر كالإقرار في الإيمان ~~إذا كان قلبه مطمئنا (¬1)، وكسقوط الصلاة، والصوم بالأعذار. # ومما يؤيده نزول المتشابه، على القول بأن الله مستأثر بعلمه إذ لا فائدة ~~في الإنزال سوى الاعتقاد. # هذا. وقد ذهب الجمهور إلى أن قصة ذبح الخليل ولده (¬2) من قبيل النسخ قبل ~~التمكن من الفعل. # وجه الاستدلال: أنه لو لم يكن مأمورا بذبح ولده لما احتيج إلى الفداء ~~لأنه بدل الواجب قطعا. # وأيضا: لو لم يكن واجبا لما جاز له الإقدام عليه، والاشتغال بمقدماته ~~(¬3). PageV02P469 # والحق: أن هذه القصة ليست من قبيل النسخ قبل التمكن من الفعل للقطع بأنه ~~تمكن من الذبح، لولا المانع من الخارج. # وأما كونه نسخا قبل الفعل، فالنسخ لا يكون إلا كذلك، ولهذا قال إمام ~~الحرمين: "كل نسخ واقع، فهو متعلق بما كان تعذر وقوعه في المستقبل، فإن ~~النسخ لا ينعطف على متقدم سابق" (¬1). # قالوا: إن كان مأمورا به في ذلك الوقت توارد النفي والإثبات، وإن لم يكن، ~~فلا نسخ. # الجواب: أن الوقت الذي قبل التمكن ذو أجزاء، فالإثبات في بعض، والنفي في ~~بعض آخر، فلا تناقض. هذا خلاصة الكلام في هذه المسألة، والله أعلم. # قوله: "والنسخ بالقرآن لقرآن" إلى آخره. # أقول: اتفق القائلون بجواز النسخ / ق (83/ أمن أ) على جواز نسخ القرآن ~~بالقرآن كنسخ العدة بالحول، بأربعة أشهر وعشرا (¬2)، وكذا نسخ الخبر ~~المتواتر بالمتواتر، PageV02P470 # والآحاد بالآحاد، ms250 والآحاد بالمتواتر أولى، وأجدر (¬1). # وإنما الخلاف في نسخ المتواتر بالآحاد، الجمهور على عدم جوازه (¬2). PageV02P471 # وقد عرفت من هذا التقرير أن عطف المصنف هذه المسألة على ما قبلها ليس ~~برضي: لأنه يفهم منه أن نسخ القرآن بالقرآن مختلف فيه، وليس كذلك بل مناط ~~الخلاف هو هذا القسم الأخير. # لنا: أن الآحاد مظنون، والمتواتر قطعي، فلا تعارض بين مظنون، وقطعي. ~~قالوا: قد نسخ المتواتر - في عصره - بالآحاد، إذ التوجه إلى بيت المقدس كان ~~متواترا، وقد صح أنه لما حولت القبلة نادى منادي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بالتحويل، فاستدار أهل مسجد قباء، أو غيره إلى الكعبة (¬1): فقد نسخ ~~المتواتر بالآحاد. # قلنا: خبر الآحاد (¬2) / ق (84/ ب من ب) إذا حفت به القرائن يصير قطعيا، ~~ونداء الصحابي من هذا القبيل: لأن العقل قاطع بأن نداءه على رؤوس الأشهاد، ~~والنبي [- صلى الله عليه وسلم -] (¬3) بين أظهرهم لا يكون إلا بأمره. PageV02P472 # قالوا: كان يبعث الآحاد في الوقائع، وتبليغ الأحكام بعد تقررها، فيبلغ ~~خلاف ما عندهم. # الجواب: ما تقدم أن تلك الأخبار محفوفة بالقرائن، فتكون قطعية. # قالوا: قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما} [الأنعام: 145] ~~منسوخ بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل ذي ناب حرام" (¬1)، وهو خبر آحاد، ~~وإذا جاز نسخ القرآن به، فالخبر المتواتر أجدر. # قلنا: لا نسخ هنا إذ التقدير لا أجد الآن، ولا ينافي وجود محرم في ~~المستقبل، والحديث إنما حرم ابتداء ما كان حلالا بالإباحة الأصلية، فلم ~~يرفع حكما شرعيا، ليكون نسخا. # قوله: "والحق لم يقع إلا بالمتواتر" إشارة إلى أن الحق جواز نسخ المتواتر ~~بالآحاد عقلا، غايته: أنه لم يقع، وهذا ضعيف، ومخالف للجمهور لأنهم لم ~~يجوزوه. # فإن قلت: ما الفرق بين التخصيص، والنسخ حيث جوزوا تخصيص القطعي ~~بالمتواتر، ولم يجوزوا نسخه به؟ # قلت: الفرق أن التخصيص بيان أن المخرج لم يكن داخلا في مراد المتكلم، فهو ~~في الحقيقة دفع، كما تقدم في بابه، والنسخ رفع، وإبطال لما كان ثابتا، ~~والوجدان حاكم بأن المبطل لا بد وأن يكون ms251 أقوى، أو مساويا، بخلاف الدفع، ~~فإنه يحصل بأدنى مانع. PageV02P473 # قوله: "قال الشافعي: وحيث وقع بالسنة فمعها قرآن، أو بالقرآن فمعه سنة ~~عاضدة". # أقول: المنقول عن الشافعي في جواز نسخ القرآن بالسنة، وبالعكس قولان: ~~المنع، والجواز (¬1)، وأطبق المتأخرون من أصحابه على الجواز (¬2)، وهو ~~المختار (¬3)، لما نقلناه في أول الفصل من الأدلة. PageV02P474 # ثم قال المصنف: قول الشافعي في المسألة مقيد غفل عنه الناقلون، وهو أن ~~السنة إذا نسخت القرآن، فمع تلك السنة قرآن يعضده، وكذا مع القرآن الناسخ ~~سنة عاضدة، تبين توافق الكتاب والسنة، وما اختاره ليس مختار الشافعي، بل ~~استنبطه من كلامه، وليس هذا الاستنباط بشيء. # أما أولا: فلأن الكتاب نسخه للكتاب وحده هو مختار الشافعي، وجميع من قال ~~بجواز النسخ، فإذا وجد مع السنة الناسخة آية تصلح أن تكون ناسخا، فالنسخ ~~يستند إليها لا إلى السنة، وما الفائدة في أن يقال: السنة ناسخة، والقرآن ~~يعضده؟ فلم لا يكون القرآن ناسخا ابتداء؟ وكذلك القرآن الناسخ للسنة بنسخه ~~ابتداء إذ هو أقوى (¬1)، / ق (83/ ب من أ) لأنه وحي متلو معجز، والسنة وإن ~~تواترت لا تبلغ رتبته اتفاقا. # وأما ثانيا: فإن كلام الشافعي في الرسالة على ما نقلوه (¬2) ليس إلا أن ~~قال: "فإن قال - يريد الخصم -: هل تنسخ السنة بالقرآن؟ قيل: لو نسخت السنة ~~بالقرآن، لكان للنبي [- صلى الله عليه وسلم -] (¬3) سنة تبين أن سنته ~~الأولى منسوخة بسنته الأخيرة حتى تقوم الحجة على الناس بأن الشيء ينسخ ~~بمثله" (¬4). هذا آخر كلام الشافعي، وليس في هذا أنه قوله المختار لأنه/ ق ~~(85/ أمن ب) يصلح PageV02P475 # أن يكون تعليلا لقوله الذي لم يوافق عليه أصحابه، بل يجب حمله على هذا ~~القول لأن قوله: "حتى تقوم الحجة على الناس بأن الشيء ينسخ بمثله" غير ~~مستقيم لأن نسخ الشيء بمثله - في نسخ السنة بالسنة مثل قوله: "كنت نهيتكم ~~عن زيارة القبور ألا فزوروها" (¬1). وقوله: "كنت نهيتكم عن ادخار لحوم ~~الأضاحي ألا فادخروها" (¬2). وكذا نسخ التقاء الختانين (¬3) لحديث: "الماء ~~من الماء" (¬4) - كثير، فالحجة في ذلك قائمة. PageV02P476 # قال الغزالي - رحمه ms252 الله، في المستصفى بعد نقل كلام الشافعي -: "قلنا: ~~هذا إن كان في جوازه، فلا يخفى أنه يفهم من القرآن وجوب التحول إلى الكعبة، ~~وإن كان التوجه ثابتا إلى بيت المقدس بالسنة إذ لا ضرورة في هذا التقدير" ~~(¬1). وإنما نقلنا كلام الغزالي: لأن بعض الشراح تبجح بأن المصنف فهم من ~~كلام الشافعي ما لم يفهمه أحد قبله (¬2). # فكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم (¬3) # قوله: "وبالقياس إلى آخره". # أقول: قد اختلف في جواز النسخ بالقياس (¬4): قيل: يجوز مطلقا، وبه قال ~~المصنف: لأن الناسخ في الحقيقة هو النص الذي يستند إليه القياس. PageV02P477 # وقيل: لا يجوز مطلقا: لأن النص أقوى من القياس لكونه أصلا له في الجملة. # وقيل: إن كان جليا يصلح، وإلا فلا لضعفه، والجلي: ما قطع فيه بنفي الفارق ~~بين الأصل والفرع. # وقيل: إن كان في زمنه عليه الصلاة والسلام، والعلة منصوصة جاز النسخ به ~~لقوته بعلته المنصوصة، والزمان قابل له، وإن لم تكن منصوصة، فلا يجوز لضعف ~~القياس، أو بعد زمنه، فلا نسخ لحكم بعده (¬1). # قال ابن الحاجب: "القياس المظنون لا يكون ناسخا، ولا منسوخا، أما أولا: ~~فلأن ما قبله إن كان قطعيا، فلا ينسخ بالمظنون، وإن كان ظنيا، فلا بد وأن ~~يكون القياس راجحا عليه إذ لو كان مرجوحا، أو مساويا لم يقدر عليه، وإذا ~~كان راجحا، فالدليل الأول لم يبق معمولا به إذ شرط العمل به رجحانه. PageV02P478 # وأما أنه لا ينسخ، فلأن الذي بعده إما قطعي، أو ظني، وشرطه أن لا يعارضه ~~قطعي، أو ظني راجح، وأما المقطوع، فينسخ بالمقطوع في زمنه، وبعده يظهر أنه ~~كان منسوخا بنسخ حكم أصله" (¬1). # أما المصنف: فقد جوز أن ينسخ بقياس أجلى، وفاقا للإمام الرازي (¬2). # والآمدي: اكتفى بنسخ المساوي (¬3)، والحق ما ذهب إليه الآمدي، إذ الناسخ ~~في الحقيقة هو النص الذي استند إليه القياس، والنص ينسخ المساوي إذا تأخر ~~عنه (¬4). # قوله: "ونسخ الفحوى دون أصله كعكسه على الصحيح". # أقول: الفحوى: عبارة عن مفهوم الموافقة، كما تقدم، وأصله منطوق اللفظ، ثم ms253 ~~نسخهما معا جائز اتفاقا، ونسخ الأصل دون الفحوى جائز عند الجمهور (¬5). PageV02P479 # وأما نسخ الفحوى/ ق (84/ أمن أ) دون الأصل نفاه الجمهور، واختاره أبو ~~الحسين من المعتزلة (¬1)، وهو مختار المصنف (¬2). # لنا - على جواز نسخهما ما تقدم من الأدلة، فإنها شاملة للأصل والفحوي، ~~وعلى جواز نسخ الأصل مع بقاء الفحوى مثل انتفاء تحريم (¬3) / ق (85/ ب من ~~ب) التأفيف مع بقاء حرمة الضرب، إذ الأصل ملزوم، والفحوى لازم، ولا يلزم من ~~انتفاء الملزوم انتفاء لازمه. # وعلى عكسه، وهو نسخ الفحوى بدون الأصل، إذ الفحوى والأصل معنيان ~~متغايران، فيجوز رفع كل منهما بدون الآخر (¬4). PageV02P480 # وفيه نظر: لأن أحد المتغايرين إذا كان لازما للآخر لا يمكن رفعه بدون ~~الآخر لامتناع بقاء الملزوم بدون لازمه، بخلاف عكسه، فإن بقاء اللازم بدون ~~ملزومه واقع. # وأما النسخ بالفحوى، فعليه الاتفاق بناء على أنه ليس بقياس (¬1)، كما سبق ~~في بحث المفاهيم. # واعلم: أن قول المصنف: "الأكثر أن نسخ أحدهما يستلزم نسخ الآخر". كلام ~~باطل: لأنك تحققت أن الفحوى لازم، والأصل ملزوم، ورفع الملزوم لا يستلزم ~~رفع اللازم على ما حققناه (¬2). PageV02P481 # ولبعض الشراح (¬1) هنا كلام عجيب: وهو أنه لما نقل عن بعضهم أن نسخ الأصل ~~يستلزم نسخ الفحوى: لأنها تابعة له دون العكس، فلا يتضمن نسخ الفحوى نسخ الأصل. # قال: "واعلم أن هذا التعليل يشكل بقولهم: إذا نسخ الوجوب بقي الجواز"، ~~وكأنه توهم أن الجواز تابع للوجوب، وقد حققنا في: بحث الأحكام أن الوجوب، ~~والجواز بمعنى الإباحة المأخوذة من خطاب الشارع ضدان لا يجتمعان، وبمعنى ~~البراءة الأصلية ليس حكما شرعيا، فلا إشكال. # قوله: "ونسخ المخالفة، وإن تجردت عن أصلها لا الأصل دونها". PageV02P482 # أقول: يجوز نسخ مفهوم المخالفة، مع الأصل اتفاقا (¬1)، ويجوز نسخ المفهوم ~~دون الأصل (¬2). لا العكس: لأنها تابع ضعيف لا استقلال له بدون الأصل. # وقيل: يجوز لأن رفع الملزوم لا يقتضي رفع اللازم. # والجواب: أن اللزوم هنا ليس عقليا، كما في الفحوى، ولهذا لم يقل به كثير ~~من العلماء، ولما ذكرنا من الضعف لم يجز النسخ بها عند الجمهور ms254 (¬3). # قوله: "ونسخ الإنشاء، ولو كان بلفظ الخبر" إلى آخره. # أقول: من قال بجواز النسخ يقول بجوازه في الإنشاء من غير خلاف إذا كان ~~بلفظ الإنشاء. PageV02P483 # وأما إذا كان بلفظ الخبر - أي: يكون صورة اللفظ خبرا، ومعناه إنشاء مثل: ~~{وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23]، وقوله: {والوالدات يرضعن ~~أولادهن حولين} [البقرة: 233]-، فكذلك عند الجمهور: لأن مدار الأحكام ~~الشرعية على المعنى دون اللفظ (¬1). # وكذا إذا قيد الإنشاء بالتأبيد مثل: صوموا أبدا، وكذا إذا قال - بلفظ ~~الخبر مثل -: الصوم واجب أبدا (¬2)، خلافا للشيخ ابن الحاجب، فيما إذا كان ~~قيد التأبيد مع الخبر (¬3). PageV02P484 # لنا - على الأول، وهو الإنشاء المقيد بالتأبيد -: أن دلالة التأبيد. على ~~جميع أجزاء الزمان لا يزيد على النص على تلك الأجزاء، ومع التنصيص جائز، ~~مثل أن يقول: صم غدا، ثم يقول: لا تصم، وإذا جاز فيما هو نص، ففي الظاهر أولى. # قالوا: يوجب البداء، والتناقض، والشارع منزه عنهما. # قلنا: لا تناقض بين إيجاب الدوام، وبين عدم دوام (¬1) / ق (84/ ب من أ) ~~الإيجاب، إنما التناقض بين إيجاب الدوام، وعدم إيجابه: لأنه رفعه، وسلبه، ~~فتأمل! . # وعلى الثاني - وهو ما إذا كان الوجوب في صورة الخبر -: أن ذلك الخبر إنما ~~دل على الوجوب: لأنه في معنى الإنشاء، وقد برهنا على جوازه في الإنشاء. # قالوا: قوله: صوموا أبدا، الأبد قيد للفعل، وقوله: الصوم/ ق (86/ أمن ب) ~~واجب أبدا قيد للوجوب، والوجوب المقيد بالأبد لا يمكن رفعه بخلاف الفعل ~~المقيد به، هذا خلاصة ما ذكره المحقق في شرحه، وفاقا لابن الحاجب (¬2). # وفيه نظر: لأن الشارع لو قال: صوم غد واجب عليكم، ثم قال: رفعت صومه، كان ~~نسخا، لم يخالف فيه أحد إذا كان معناه الإنشاء على ما ذكره ابن الحاجب في ~~بحث نسخ الخبر (¬3). PageV02P485 # وأما أن الأبد قيد للوجوب في المسألة المذكورة، فلا يقيد شيئا لأن النسخ ~~إنما يتوجه إلى الوجوب الذي هو حكم، لا إلى فعل المكلف، فإذا صح توجيهه ~~إليه، في الزمان المنصوص كالغد مثلا، ففي غير المنصوص بالطريق الأولى. # قوله: "ونسخ الأخبار ms255 بإيجاب الإخبار بنقيضها". # أقول: نسخ الخبر له صورتان: أحدهما: إيقاعه، بأن يكلف الشارع أحدا بأن ~~يخبر عن شيء مثل: {قل ياأيها الكافرون (1) لا أعبد ما تعبدون} إلى آخر ~~السورة [الكافرون: 1 - 2]، ثم ينسخه. # وهذا يقع على وجهين: إما أن يرفعه مطلقا، أو يرفعه بأن يكلفه الإخبار ~~بنقيضه، مثل أن يقول له: قل: إن زيدا قائم، ثم [قل] (¬1): إنه ليس بقائم، ~~وفي هذا الثاني خلاف المعتزلة بناء على أصلهم الفاسد في الحسن، والقبح: لأن ~~أحدهما كاذب (¬2)، وقد علمت فساد مقالتهم (¬3). # الثانية: نسخ مدلول الخبر، فإن لم يقبل التغير مثل وجود الباري، وحدوث ~~العالم، فلا يجوز نسخه اتفاقا (¬4). PageV02P486 # وإن قبل مثل: إيمان زيد وكفره، فالجمهور على عدم جوازه أيضا، وهو مختار ~~الإمام المحقق إمامنا الشافعي رضي الله عنه، وأرضاه (¬1). # ومن ذهب إلى جوازه يخصه بغير الماضي: لأن نسخه غير معقول (¬2). # ومنشأ وهمهم: أن الشارع إذا قال: أنتم مأمورون بصوم عاشوراء مثلا يجوز ~~نسخه (¬3). # والجواب: أن المنسوخ هو الوجوب المستفاد من الأمر السابق، وأن هذا الكلام ~~من الشارع إنشاء، وإن كان صورته خبرا. PageV02P487 # وأما مضمون قوله: أنتم مأمورون، فلم يتوجه إليه نسخ. # قوله: "ويجوز النسخ ببدل أثقل، وبلا بدل". # أقول: النسخ ببدل أخف (¬1)، أو مساو (¬2) لا خلاف فيه، إنما الخلاف ببدل ~~أثقل، أو بلا بدل، والمختار جوازه (¬3). # لنا - على الأول -: أن فعله تعالى لا يعلل، ولا يتبع مصلحة العبد، فيجوز ~~أن ينسخ الأخف بالأثقل، ولو سلم، فلعل المصلحة في الأثقل، إذ هي أعم من ~~الدنيوية، والأخروية. PageV02P488 # وأيضا: الوقوع دليل الجواز، وقد نسخ صوم عاشوراء (¬1) برمضان (¬2)، وقد ~~نسخ التخيير بين الصوم والفدية في قضاء صوم رمضان بإيجاب، ولا شك أنه أثقل ~~من التخيير (¬3). # قالوا: نقلهم من الأخف إلى الأثقل بعيد عن المصلحة، فلا يصدر عن الحكيم. # قلنا: أولا: منقوض بأصل التكاليف، وثانيا: ربما علم الله المصلحة في ذلك، ~~مع خفائها علينا، وثالثا: أن رعاية المصلحة أصل قد أبطلناه. PageV02P489 # قالوا: قال تعالى: / ق (85/ أمن أ) {نأت بخير منها أو مثلها} [البقرة: ~~106]، والأثقل ليس بخير ولا ms256 مثل. # قلنا: خير باعتبار الثواب، إذ الأجر على قدر النصب، كما يختار الطبيب ~~الدواء المر للمريض، مع وجود أطعمة شهية. # قالوا: قال تعالى: {يريد الله بكم اليسر} [البقرة: 185]. # قلنا: في تلك القضية الخاصة، ولو سلم عمومه، فاليسر باعتبار الحساب ~~المبني على كثرة الثواب، وهو بالأثقل أليق. # وعلى الثاني: وهو النسخ بلا بدل، فلأن رعاية المصلحة غير واجبة، كما ~~تقدم، وإن قيل: بها، فلعل المصلحة في عدم البدل. # وأيضا: لو لم يجز لم يقع، وقد وقع إذ (¬1) / ق (86/ ب من ب) الصدقة بين ~~يدى النجوى نسخت بلا بدل (¬2)، وادخار لحوم PageV02P490 # الأضاحي نسخ بلا بدل، والإمساك عن المباشرة بعد الفطر نسخ بلا بدل (¬1). # قالوا: قال تعالى: {نأت بخير منها} [البقرة: 106]. # قلنا: ربما كان عدم البدل خيرا، بل هو الظاهر في التكاليف، وقد أشار ~~المصنف إلى أنه جائز لكنه لم يقع على ما أشار إليه الإمام المحقق الشافعي ~~رضي الله عنه (¬2). # والحق: أن الخلف لفظي إذ القائلون بالنسخ بلا بدل لم يريدوا أنه إذا نسخ، ~~ولم يأت من الشارع نص يدل على حكم آخر، يبقى فعل المكلف خاليا عن أحد ~~الأحكام الخمسة، بل أرادوا أن النسخ يقع على وجهين: # إما أن يثبت بنص من الشارع بدله، كما في نسخ العدة بالحول، بأربعة أشهر ~~وعشرا، وكما في نسخ الحبس في البيوت إلى الموت في حد الزنى بالرجم (¬3). PageV02P491 # وإما أن ينسخ الحكم المستفاد من النص، ويرجع الأمر إلى ما كان عليه قبل ~~ورود ذلك النص، كما في وجوب الصدقة بين يدي النجوى، وحل المباشرة بعد الفطر ~~على ما كان [عليه] (¬1) الأمر قبل. # فالحاصل: أن النسخ يستلزم الانتقال من حكم شرعى إلى حكم آخر شرعي، وهذا ~~متفق عليه. # وأما أن مراد الشافعي: أن كل ما وقع من النسخ، فلا بد، وأن يكون بدله ~~مستفادا من نسخ آخر، فكلا، وحاشاه من جلالة قدره أن يرتكب شيئا من ذلك (¬2). # قوله: "مسألة: النسخ واقع عند كل المسلمين". # أقول: كان الأولى ذكر هذه المسألة في صدر البحث حيث ذكر الجواز ms257 (¬3) ~~ليتلاءم الكلام. ثم نقول: الإجماع من أهل القبلة على أن PageV02P492 # شرعنا ناسخ للشرائع قبلنا، والنسخ في القرآن والأحاديث أكثر من أن يحصى (¬1). # فإن قال ذلك تخصيص بحسب الأزمان لا نسخ، فالخلف معه لفظي، وإن أنكر أصل ~~النسخ، فهو مباهت يعرض عنه. # والمختار: أن حكم الأصل إذا نسخ لا يبقى حكم الفرع بعده (¬2). PageV02P493 # وإذا قلنا: لا يبقى هل يسمى نسخا له، أم يقال: زال بزوال علته، وليس ~~بنسخ، إليه جنح الشيخ ابن الحاجب، وتبعه المصنف، والأمر فيه سهل لأنه نزاع لفظي. # لنا - على المختار - أن حكم الأصل إنما نسخ لعدم اعتبار علة الأصل في نظر ~~الشارع، وعلة حكم الأصل هي علة ثبوت الحكم في الفرع، والمعلول لا بقاء له ~~بدون علته. # قالوا: الدلالة باقية، وإنما زال حكم الأصل، وحكم الفرع مبني على ~~الدلالة، كما ذكرتم في نسخ المنطوق مع بقاء الفحوى بعينه. # الجواب: أن الزائل شيئان حكم الأصل مع الحكمة المعتبرة، ولا وجود للحكم ~~في الفرع بدون تلك الحكمة، ولا كذلك المنطوق مع PageV02P494 # الفحوى، إذ لا يشك أحد في أن رفع تحريم التأفيف لا يقتضي رفع تحريم ~~الضرب، إذ الأضعف لا يستتبع الأقوى، وما نحن فيه ليس كذلك، لمساواة الفرع ~~والأصل في العلة المعتبرة. # قوله: "وأن كل شرعي يقبل النسخ". # أقول: (¬1) / ق (85/ ب من أ) المختار جواز نسخ جميع التكاليف، خلافا ~~للغزالي رحمه الله وللمعتزلة. # لنا: أن أصل التكليف غير واجب عقلا، فيجوز رفع كله، كما يجوز رفع بعضه. # الغزالي: رفع جميع التكاليف مستلزم لنقيضه، لأن رفع الجميع يستلزم وجوب ~~معرفة النسخ والناسخ، وهو تكليف، وكل ما استلزم نقيضه فهو باطل، وإلا يلزم ~~اجتماع النقيضين (¬2). # الجواب: يعرف الناسخ والنسخ ابتداء، ثم يعلم أن لا تكليف عليه، وبه/ ق ~~(87/ أمن ب) يتم مطلوبنا: لأن وجوب معرفة النسخ والناسخ مطلق لم يقيد ~~بدوام، والمطلق يصدق وقوعه مرة، كما إذا قلت: زيد ضاحك بالفعل، فإنه يصدق ~~بوقوع الضحك منه مرة. PageV02P495 # والمعتزلة: لما كان حسن الفعل، وقبحه ذاتيين عندهم، فمثل معرفة الله ~~تعالى لا يجوز ms258 نسخه (¬1)، وقد أبطلنا ذلك الأصل في بحث الأحكام (¬2). # قوله: "والمختار أن الناسخ قبل تبليغه". # أقول: الحكم الذي بلغه جبريل، ولم يبلغه رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- هل يكون ناسخا في حق الأمة قبل علمهم، فيه خلاف، والمختار عدم (¬3) ~~ثبوته. PageV02P496 # لنا: لو ثبت لأدى إلى وجوب وحرمة في محل واحد. # بيانه: أن الحكم المنسوخ إذا كان وجوبا، والناسخ حرمة، فلو ترك العمل ~~بالأول أثم؛ لأنه ترك الواجب. والفرض أن العمل به حرام. # وأيضا: لو عمل بالثاني، وهو واجب قبل العلم به، وهو معتقد عدم شرعيته أثم. # وأيضا: لو ثبت حكمه قبل تبليغ الرسول لثبت قبل تبليغ جبريل، إذ هما سواء ~~في عدم علم المكلف بوجود الناسخ. # قالوا: علم المكلف ليس بشرط، كما إذا بلغه إلى مكلف واحد، فإنه ثبت في حق ~~جميع المكلفين. # الجواب: أن العلم، وإن لم يكن شرطا، لكن التمكن من العلم شرط، وهو شرط ~~التكليف (¬1). ولما كان الامتثال مع عدم التمكن من العلم محالا، ذهب بعضهم ~~إلى أنه يثبت بمعنى الاستقرار في الذمة مثل وجوب الصلاة على النائم، والفرق ظاهر. # قوله: "أما الزيادة على النص". PageV02P497 # أقول: زيادة عبادة مستقلة مثل: صلاة سادسة ليس بنسخ عند من يعتد به (¬1) # وقيل: نسخ لأنه يبطل اسم الوسطى، مع وجوب المحافظة عليها. # قلنا: يبطل الاسم، فالمحافظة على المسمى، وهو الحكم الشرعي باق. # وأما زيادة جزء لعبادة، أو شرط هل هو نسخ؟ ذكر المصنف أنه ليس بنسخ خلافا ~~للحنفية (¬2). PageV02P498 # قال: ومثار الخلاف شيء واحد، وهو أن الزيادة هل ترفع حكما شرعيا، أو لا؟ # عند القائلين: نسخ لصدق حده عليه، وعند المانعين لا رفع، فلا نسخ، وعليه ~~تبتنى الفروع عند الفريقين (¬1). # ثم التحقيق في هذا المقام أن العلة لكونه نسخا، لما كان رفع الحكم ~~الشرعي، فالحكم بأن الزيادة مطلقا عند الشافعية ليست بنسخ غير مستقيم؛ لأن ~~الشافعي لما قال: إن مفهوم المخالفة حجة، ونفى الزكاة عن المعلوفة، فلو جاء ~~نص بوجوب الزكاة على المعلوفة كان ناسخا لذلك الوجوب قطعا، والزيادة على ~~الركعتين في ms259 صلاة الفجر، لما كانت محرمة، فلو جاء نص بزيادة ركعة أخرى فيها ~~كان نسخا لتلك الحرمة، وهى حكم شرعي قطعا. PageV02P499 # وحيث لا يرفع حكما شرعيا مثل قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين} [البقرة: ~~282]، ثم جاء/ ق (86/ أمن أ) النص بالشاهد، واليمين (¬1)، فلا نسخ. # فإن قيل: مفهوم الآية أن الاستشهاد منحصر في رجلين، ورجل وامرأتين، ويلزم ~~منه نفي الغير بمعنى أنه غير مطلوب. # وأما أنه غير صحيح، فلا، ولو كان مفهوما من الآية ما قضى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بشاهد ويمين، هذا حكم الزيادة. # وأما النقص في العبادة مثل إسقاط ركعة الفجر، أو (¬2) اشتراط الطهارة في ~~الصلاة، حكم المصنف بأن الخلاف فيه كالخلاف في (¬3) / ق (87/ ب من ب) ~~الزيادة، يريد أن الصحيح أنه ليس بنسخ (¬4)، وقد PageV02P500 # علمت الجواب هناك، وهنا - أيضا - كذلك، إلا أن في النقصان لم يرفع حكم ~~شرعي ليكون نسخا. # فإن قلت: إذا نسخ الركعتان من الظهر مثلا يحرم فعلهما، فقد ارتفع الوجوب ~~إلى الحرمة، فيكون نسخا. # قلت: نسخ، ولكن للجزء، وهما الركعتان اللتان نقصا، لا الباقيتان، فإن ~~وجوبهما هو الوجوب الثابت بالدليل الأول. # وقيل: نقص الجزء نسخ لتلك العبادة دون الشرط. # وقيل: الشرط المنفصل نسخ دون المتصل، والحق ما قدمناه. # قوله: "خاتمة يتعين الناسخ بتأخره". # أقول: لمعرفة الناسخ طرق بعضها صحيحة، وبعضها فاسدة، فمن الأول: نص ~~الشارع عليه بأن يقول: هذا ناسخ لذاك إما صريحا كالمثال PageV02P501 # المذكور، وإما يلزم منه مثل: أن يقول: كنت نهيتكم عن الشيء الفلاني، ~~فافعلوه. # وبالعلم بالتأريخ مثل: أن يكون أحد النصين مؤرخا بغزوة بدر (¬1) والآخر ~~بغزوة تبوك (¬2). # أو بالإجماع على تقدم أحدهما، وتأخر الآخر. PageV02P502 # أو بقول الراوي العدل الثقة: هذا مقدم على ذاك (¬1). # ومن الطرق الفاسدة قول الراوي - صحابيا كان، أو غيره - هذا ناسخ لذاك إذ ~~ربما قاله اجتهادا، ولا يجب على مجتهد آخر اقتفاءه. # ومنها: حداثة سن الراوي، لا يلزم أن يكون مرويه ناسخا لمروي من هو أسن ~~منه؛ لأنه ربما سمعه متأخرا. # ومنها: تأخر إسلامه لما ذكرناه من جواز تأخر سماعه. ms260 # ومنها: موافقته للبراءة الأصلية بأن يقال: لو تقدم لم يفد إلا ما كان ~~قبل، فيعرى عن الفائدة، وإنما كان فاسدا لأن تأخره يوجب تغييرين، والأصل ~~عدمهما. # وما يقال - أيضا -: بأن تأخره يوجب نسخين، فليس بشيء؛ لأن البراءة ~~الأصلية ليست حكما شرعيا حتى يكون رفعهما نسخا، ولا تأخره في المصحف إذ ~~ترتيب المصحف ليس على وفق النزول (¬2).# الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع # تأليف # الإمام شهاب الدين أحمد بن إسماعيل الكوراني # (812 ه - 893 ه) # تحقيق # د/ سعيد بن غالب كامل المجيدي # [الجزء الثالث] # ----NO PAGE NO------ PageV02P503 # بسم الله الرحمن الرحيم PageV03P002 # الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع # [3] PageV03P003 # (ح) الجامعة الإسلامية، 1428 ه. # فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر # المجيدي، سعيد بن غالب كامل # الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع للكوراني/ سعيد بن غالب كامل المجيدي - ~~المدينة النورة، 1428 ه. # 2880 ص؛ 17 × 24 سم # ردمك: 2 - 580 - 02 - 9960 # 1 - أصول الفقه # أ - العنوان # ديوي 251 # 3620/ 1428 # رقم الإيداع: 3620/ 1428 # ردمك: 2 - 580 - 02 - 9960 # جميع حقوق الطبع محفوظة للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة PageV03P004 ### | AUTO الكتاب الثاني في السنة ومباحثها PageV03P005 # الكتاب الثاني: في السنة # قوله: "الكتاب الثاني في السنة، وهي: أقوال محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~وأفعاله". # أقول: لما فرغ من مباحث الكتاب، والمباحث المشتركة بينه وبين السنة، ~~أردفه بمباحث تخص بالسنة. # فالسنة - لغة -: الطريقة (¬1)، وفي عرف الفقهاء ترادف النافلة (¬2). PageV03P007 # وعند الأصولي: قول النبي [- صلى الله عليه وسلم -] (¬1)، وفعله، وتقريره: ~~لأنه فعل - أيضا - إذ هو كف النفس، ولخفائه أفردوه بالذكر (¬2). # ولما توقف كونها دليلا على عصمة (¬3) من صدرت عنه، قال: "الأنبياء ~~معصومون لا يصدر عنهم ذنب ولو صغيرة سهوا". PageV03P008 # وتحقيق هذه المسألة: هو أن حالهم ينقسم إلى ما قبل النبوة، وبعده. # أما قبل النبوة، فالأشاعرة على جوازه عقلا، خلافا للمعتزلة، والروافض ~~بناء على ذلك الأصل الفاسد من القبح العقلي. # وأما بعد الرسالة، فما طريقه التبليغ لا يكون كذبا، لا عمدا، ولا سهوا، ~~لأنه {وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى} ms261 [النجم: 3، 4]. # وأما غيره، فالجمهور: على أن الكبائر، والصغيرة التي لا تشعر بخسة لا ~~تصدر عنهم، وغيرهما، فالأكثر على جوازه (¬1). PageV03P009 # ونقل (¬1) / ق (86/ ب من أ) المصنف عن/ ق (88/ أمن ب) جماعة المنع مطلقا، ~~وأقره ونعم ما فعل، هو الذي عليه نحيا، وعليه نموت إن شاء الله تعالى (¬2). # فعلى عدم صدوره منه مطلقا يكون سكوته عند صدور فعل من مكلف - سواء كان، ~~مع استبشار، أو بدونه، وسواء كان الفاعل كافرا، أو مسلما، أو منافقا - دليل ~~الجواز لجميع الأمة. # وقيل: سكوته عمن يغريه الإنكار لا يكون دليل الجواز. PageV03P010 # وقيل: مع الكافر لا يدل: لأنه غير مكلف بالفروع منافقا كان، أو غيره. # وقيل: في المنافق يدل: لأنه تجري عليه أحكام الإسلام دون غيره لأنه غير ~~مكلف بالفروع، والكل باطل، كما بين في موضعه (¬1). # قوله: "وفعله غير محرم للعصمة". # أقول: فعله - صلى الله عليه وسلم - لا يوصف بالحرمة لأنه معصوم، فلا يقع ~~منه، كما تقدم ولا مكروه لأنه نادر، وهو كالمعدوم. # واعلم أن المكروه إن صدر عنه نادرا، فلا يوصف بالكراهة في حقه، بل يوصف ~~بالوجوب عليه: لأن بيان المشروعات واجب عليه (¬2)، وما كان من أمر الجبلة ~~كالقيام، والقعود، والأكل، فواضح أن أمته مثله (¬3). PageV03P011 # وما كان بيانا فحكمه حكم المبين من الوجوب وغيره (¬1)، وما كان خاصا به ~~كالضحى، والأضحية فكذلك، إذ أمته لا تشاركه فيها (¬2)، وما كان مترددا بين ~~الجبلي والشرعي فيه تردد لتعارض الأصل، يحتمل إلحاقه بالجبلي لأن الأصل عدم ~~التشريع، فلا يكون مستحبا، ويحتمل أن يلحق بالشرعي لأنه بعث لبيان ~~المشروعات (¬3)، وما سوى المذكور، إن علمت جهته من الوجوب، والندب، ~~والإباحة، فأمته مثله سواء كان عبادة، أو لا. PageV03P012 # وتعلم تلك الجهة إما بنص عليه مثل: أن يقول: هذا واجب، أو يحكم بمساواته ~~للواجب، مثل أن يقول: هذا مثل ذاك في الوجوب، أو يكون ببيانه (¬1). # فإن قلت: قد كرر المصنف البيان ما وجه صحته؟ لأن الأقسام متباينة، فلا ~~يصدق أحد الأقسام على آخر. # قلت: أراد بالبيان أولا: بيان المجمل مثل قطع يد السارق من ms262 الكوع بعد ~~نزول قوله تعالى: {فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38]، ومثله قوله: "خذوا عني ~~مناسككم" بعد نزول قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97]. # وبالثاني: أراد بيان فعل لم يسبقه إجمال، كما إذا شرب قائما (¬2)، وقال: ~~الشرب قائما مباح، وقال: الطلاق في الحيض حرام (¬3). PageV03P013 # والشراح لما أرادوا توجيه كلام المصنف، ولم يهتدوا إلى ما ذكرناه. # قال بعضهم (¬1): "الكلام هنا فيما يعلم به صفة الفعل، لا بقيد كونه سوى ~~ما تقدم". # وقال الآخر (¬2): "البيان له جهتان من حيث البيان تابع للمبين، ومن حيث ~~التشريع واجب مطلقا". ولم يدر أنه إذا كان واجبا مطلقا لم يعلم به صفة ~~الفعل من الندب، والإباحة (¬3)، وكلام المصنف صريح في ذلك. PageV03P014 # وإن فعله امتثالا -[لدال] (¬1) على وجوب، أو ندب، أو إباحة - فهو تابع ~~لتلك الدلالة. # وقد يعلم الحال بالأمارة الخاصة به شرعا كالأذان للصلاة المفروضة، فيعلم ~~بالأذان وجوب ما أذن لها (¬2). # أو بكونه ممنوعا لولا الوجوب كالختان، والحد (¬3)، فإنه ضرر ظاهر (¬4) / ~~ق (88/ ب من ب)، وكل ما يضر ممنوع شرعا إلا ما أوجبه الشارع. # وفيه نظر: لأن المندوب، وإن كان فيه ضرر ربما يرتكب لنيل الثواب، ومن ~~أمارة الندب مجرد قصد القربة، وهو كثير كالصلاة المندوبة، والصوم، والصدقة، ~~وقراءة القرآن. # قوله: "وإن جهلت، فللوجوب، وقيل: للندب، وقيل: للإباحة". PageV03P015 # أقول: ما تقدم/ (87/ أمن أ) كان حكم ما علم جهته، وأما إذا لم تعلم جهته ~~ففيه مذاهب: # الوجوب (¬1)، وقيل: الندب (¬2)، وقيل: الإباحة (¬3)، وقيل: بالوقف في ~~الثلاثة (¬4). PageV03P016 # وقيل: في الأولين، أي: الوجوب، والندب في أي فعل كان سواء ظهر قصد ~~القربة، أو لا. # وقيل: إن ظهر، فالوقف فيهما، وإن لم يظهر، فالإباحة (¬1). # لنا - على مختار المصنف، وهو الوجوب -: أنه الأحوط لبراءة الذمة، ولقوله: ~~{وما آتاكم الرسول فخذوه} [الحشر: 7]، وفعله منه، وقوله: {فاتبعوني يحببكم ~~الله} [آل عمران: 31]، والأمر للوجوب، ولقوله: {لقد كان لكم في رسول الله ~~أسوة حسنة} [الأحزاب: 21] , ولما خلع نعله خلعوا نعالهم (¬2)، ففهموا ~~التأسي، PageV03P017 # ولما أمرهم بالتمتع، ولم يتمتع توقفوا، كما ورد في الأحاديث الصحيحة (¬1). # ولما اختلفوا في ms263 وجوب الغسل. بمجرد التقاء الختانين رجعوا إلى فعله على ~~ما روي عن عائشة رضي الله عنها (¬2)، وهذه كلها ظواهر، وللبحث فيها مجال، ~~كما لا يخفى، ولهذا ذهب ابن الحاجب إلى أن ما ظهر منه قصد القربة، فندب، ~~وما لا، فمباح، والبيضاوي مال إلى التوقف لأن الكل محتمل. # والندب هو المروي عن الشافعي، والوجوب عن مالك، والإباحة عن ابن سريج، ~~والتوقف عن الصيرفي. # قوله: "وإن تعارض القول، والفعل". PageV03P018 # أقول: إذا تعارض قوله - صلى الله عليه وسلم -، وفعله إما أن يدل دليل على ~~تكرار القول، أو لا، وعلى تقدير تكرره إما أن يكون القول خاصا به، أو بنا، ~~أو عاما في الأمة وفيه. # فإن لم يدل على تكرار، فإن تقدم الفعل، ثم قال: لا يجوز الشيء الفلاني، ~~فلا نسخ؛ لأن الفعل حين وقوعه لم يكن له معارض، وبعده لا رفع. # وإن تقدم القول بأن قال: لا يجوز الشيء الفلاني في وقت كذا، ثم فعله كان ~~ذلك نسخا الحاكم القول، وهو من قبيل النسخ قبل التمكن من الفعل. # وإن دل القول على التكرار، فالمتأخر ناسخ (¬1). # وإن جهل التأريخ، فأقوال ثلاثة في الخاص به: التوقف (¬2) عن ترجيح أحدهما ~~على الآخر، وترجيح القول لقوته في الدلالة لوضعه لها (¬3)، وترجيح الفعل ~~لأنه يقع بيان للقول كثيرا. PageV03P019 # وإن خص بنا، فالمتأخر ناسخ إن دل دليل على وجوب التأسي في الفعل. وإن جهل ~~التأريخ, فلا نسخ لعدم إمكانه، وهناك ثلاثة أقوال: # ترجيح الفعل، والتوقف، وترجيح القول، وهو الأصح. # وإنما اختلفت المسألتان تصحيحا لأنا متعبدون بالقول، أو الفعل، فلا وجه ~~للتوقف بخلاف المخصوص به، فإنه لا عمل بالنسبة إلينا، فالوقف أحوط. # وإن كان القول عاما فيه، وفي أمته، فكما تقدم إن علم التأريخ, فالمتأخر ~~ناسخ، وإن جهل، ففي حقه المختار/ ق (89/ أمن ب) الوقف وفي حقنا يقدم الفعل. # هذا إن علم وجوب التأسي، وإلا فالعمل بالقول مطلقا (¬1). # وفصل المصنف العام في حقه بأن يكون العام نصا فيه، مثل أن يقول: يجب علي ~~وعليكم، وأما إذا كان ظاهرا فيه مثل: ms264 أن يقول يجب على كل واحد، فالفعل يخصص ~~القول في حقه، تقدم أو تأخر لأن التخصيص أهون. PageV03P020 ### || AUTO باب الأخبار # قوله: "الكلام في الأخبار". # أقول: لما كان الكتاب يشتمل على المتن والسند، وبين متن (¬1) كل واحد ~~أراد أن يشير إلى السند - والسند (¬2): هو الإخبار عن طريق المتن من تواتر، ~~وآحاد، ولا ريب أن ذلك موقوف على معرفة الخبر -: صدر البحث به، واستطرد ذكر ~~المركب مطلقا، وقسمه إلى الأقسام المحتملة عقلا (¬3) / (87/ ب من أ). PageV03P021 # فقال: "المركب إما مهمل" وهو الذي لم يوضع لمعنى مثل: الهذيان؛ لأنه يطلق ~~على المركب الذي لا معنى [له] (¬1) واستبعده الإمام: لأن التركيب للإفادة، ~~بخلاف المفرد (¬2). # وإما مستعمل في معنى مراد، وهو موضوع بالوضع النوعي على ما تقدم في ~~الحقيقة، والمجاز (¬3). ثم المركب إما كلام، أو لا، لأنه إما أن يتضمن ~~إسناد إحدى الكلمتين إلى أخرى إسنادا مقصودا لذاته، أو لا، فالأول الكلام ~~اصطلاحا (¬4). PageV03P022 # فخرج بقوله: مقصودا، ما يصدر من النائم، فإنه لا يسمى كلاما، وبقوله: ~~لذاته، صلة الموصول لأنه لإتمام الموصول لا غير. # وأما قيده بقوله: مفيدا، احترازا من رجل تكلم، فغير سديد. # أما أولا: فلأنه مفيد لأنه فاعل في المعنى، وقد ذكر بعض المحققين من ~~النحاة أن ما كان فاعلا في المعنى يقع مبتدءا. # وأما ثانيا: فلأن الإسناد عندهم هو نسبة إحدى الكلمتين إلى الأخرى بحيث ~~يصح السكوت عليها، وما لا فائدة فيه لا يصح السكوت عليه، ويجب - أيضا - حمل ~~الكلم على كلمتين؛ لأن الكلام إنما يتركب من المسند إليه، والمسند لا غير ~~(¬1)، وما في الشروح من الكلمتين فصاعدا (¬2) باطل. # ثم المعتزلة، ومن لم يثبت النفسي: هو حقيقة عندهم في اللساني، والتعريف ~~المذكور منطبق عليه، والمثبتون له قالوا: حقيقة في النفسي مجاز في اللساني. ~~وقيل: مشترك لفظي، والمختار الأول (¬3). PageV03P023 # والنون في النفساني زائدة في النسبة على غير قياس كالصنعاني، ونحوه (¬1)، ~~وما قيل: إنه للتعظيم (¬2) يأباه المقام (¬3). # قوله: "وإنما يتكلم الأصولي في اللساني". # أقول: استدلال الأصولي على إثبات الأحكام إنما هو بالنصوص، وما يتفرع ~~عليها كالإجماع، ms265 والقياس، فبحثه إنما هو في اللساني، وإن كانت الأحكام ~~المدلول عليها من قبيل النفسي. # إذا تقرر هذا، فنقول: إن أفاد الكلام اللفظي طلبا بالوضع، فإما طلب ذكر ~~الماهية، فاستفهام نحو (¬4) / ق (89/ ب من ب): {وما تلك بيمينك} [طه: 17]، ~~أو طلب تحصيلها، فأمر، أو الكف عنها، فنهى. # وإنما أطلق طلب الفعل على الأمر لأنه لم يشترط العلو، والاستعلاء، كما ~~سبق، فيشمل الالتماس، والسؤال. PageV03P024 # وما لا يدل بالوضع على طلب، فإما أن لا يحتمل الصدق والكذب، فتنبيه، ~~وإنشاء، أو يحتملهما، فخبر، هذا شرح كلام المصنف. # وفيه بحث: لأن حصر الاستفهام في طلب ذكر الماهية غير سديد؛ لأن حقيقة ~~الاستفهام استعلام ما في ضمير المخاطب، فقد يكون المراد من السؤال بيان ~~الحال نحو: كيف زيد؟ أي: على أي حال، أو التصديق نحو: هل الحركة الموجودة دائمة؟ # ولأن تخصيص الإنشاء بما لا يدل بالوضع على طلب، ولا يحتمل الصدق، والكذب ~~خلاف المشهور، بل نسب إلى بعض المنطقيين، والمشهور أن الإنشاء قسيم الخبر (¬1). # هذا، وقد اختلف في تحديد الإنشاء، والخبر: ذهب بعضهم إلى أن تصورهما ~~بديهي، فلا يحدان، والحدود المذكورة تعاريف لفظية، وإليه ذهب السكاكي (¬2)، ~~وشبهتهم: أن من لم يمارس العلوم يورد كل واحد من الإنشاء، والخبر في مورده، ~~فلو احتاج العلم بهما إلى التعريف، والتحديد لتوقف الإيراد عليه، وليس ~~بشيء؛ لأنه فرق بين حصول الشيء، وبين تصوره/ ق (88/ أمن أ) إذ ربما تحصل ~~الشجاعة لرجل، ولم يعرف حقيقتها، فالحق تحديدهما. PageV03P025 # فالإنشاء: كلام يحصل مدلوله من اللفظ في الخارج، مثل اضرب، ولا تضرب، إذ ~~مدلولهما إنما حصل من لفظهما (¬1). # والخبر بخلافه، أي: ماله مدلول ربما طابقه النسبة الذهنية، وربما لا ~~مطابقة، فإذا تصورت قيام زيد، وحكمت على زيد بأنه قائم، فإن كان قائما، فقد ~~طابق حكمك لما في الخارج، وهو قيام زيد وكلامك صدق، وإن لم يطابق، فكذب. ~~فتحرر أن صدق الخبر مطابقة حكم المتكلم للواقع، وكذبه عدمها هذا مذهب أهل ~~الحق (¬2). # وذهب الجاحظ (¬3): إلى أن الصدق هو مطابقة الخبر للواقع، مع اعتقاد أنه ~~واقع، ms266 وكذبه عدم المطابقة، مع اعتقاد أنه غير واقع. PageV03P026 # فالأول صادق، والثاني كاذب، ويبقى أربع صور واسطة بين الصدق، والكذب ~~(¬1). PageV03P027 # وذهب غير الجاحظ - والمشهور أنه النظام (¬1) -: إلى أن صدقه اعتقاد ~~المطابقة، وكذبه عدم اعتقادها (¬2)، فلا نظر إلى الواقع، كما لا نظر عند ~~أهل الحق إلى الاعتقاد، فالساذج - وهو الذي لا اعتقاد فيه - واسطة بين ~~الصدق، والكذب. # وفيه نظر: لأن ما لا اعتقاد فيه لا حكم هناك، ليكون واسطة، إذ [يرجع] ~~(¬3) الصدق، والكذب إلى حكم المخبر لا إلى مدلول الخبر الذي هوالوقوع، ~~والثبوت، فتأمل! PageV03P028 # وعند/ ق (90/ أمن ب) الراغب الأصفهاني (¬1): الصدق هو مطابقة الواقع، مع ~~اعتقاد الوقوع، كما تقدم في مذهب الجاحظ، وإن فقد كل من المطابقة، ~~والاعتقاد، فكذب، وإن فقد أحدهما، فكذب نظرا إلى المفقود من الوقوع، أو ~~الاعتقاد، وصدق نظرا إلى المأخوذ منهما (¬2). # قوله: "ومدلول الخبر الحكم بالنسبة لا ثبوتها". # أقول: قد اختلف في أن مدلول الخبر هل هو وقوع النسبة في ذاتها أو إيقاع ~~المتكلم؟ . # فاختار المصنف: أنه الإيقاع لا الوقوع، والإلزام أن لا يوجد الكذب في ~~الكلام [توضيح ذلك: أن زيدا قائم، لو دل على ثبوت القيام، PageV03P029 # فحيث ما وجد زيد قائم يثبت قيامه، فلم يتصور الكذب في الكلام] (¬1)، وهذا ~~مختار الإمام وبعض المتأخرين (¬2). # والتحقيق - في هذا المقام -: هو أن الخبر مثل زيد قائم إذا صدر عن ~~المتكلم بالقصد يدل على الإيقاع، وهو الحكم الذي صدر عن المتكلم، ويدل - ~~أيضا - على الوقوع، فكل منهما يسمى حكما، فاحتمال الصدق، والكذب، وصدق ~~الخبر، أو كذبه في نفس الأمر، إنما هو باعتبار الإيقاع لأنه المتصف بذلك لا ~~الوقوع، وأما باعتبار إفادة المخاطب، فالحكم هو الوقوع لأنك إذا قلت: زيد ~~قائم إنما يفيد المخاطب وقوع القيام لا أنك أوقعت القيام على زيد، فإنه لا ~~يعد فائدة. # فإن قلت: لو دل زيد قائم على الوقوع لم يوجد الكذب في خبر قط؛ لامتناع ~~تخلف المدلول عن الدليل. # قلت: دلالة اللفظ على المعنى وضعية لا عقلية، فجاز التخلف لمانع، كما في ~~المجاز، ولذلك قال بعض ms267 (¬3) أئمة العربية: إن الصدق هو مدلول الخبر، والكذب ~~احتمال عقلي. PageV03P030 # فإذا تأملت هذا ظهر لك أن قول المصنف: "وإلا لم يكن شيء من الخبر كذبا" ~~ليس بشيء: لأن ذلك إنما يتم لو كانت الدلالة عقلية، فمورد الصدق، والكذب ~~إنما هو ذلك الحكم المفعول للمتكلم، وبه نياط الحكم الشرعي، واللغوي، ولهذا ~~لو قال: أشهد (¬1) / ق (88/ ب من أ) أن زيدا وكل عمرو بن بكر، تكون شهادة ~~بوكالة عمرو لا بالنسب، لكن الفقهاء جعلوا المقصود تبعا، كالمقصود أصالة ~~لأن تلك النسبة الإضافية في قوة الخبرية (¬2). # قوله: "مسألة: الخبر إما مقطوع بكذبه". # أقول: ما سبق كان تقسيما للخبر باعتبار مدلوله، وهذا تقسيم له باعتبار ~~أمور خارجة عنه. # فنقول: الخبر إما مقطوع بكذبه، كما إذا قال - بالليل -: الشمس طالعة، فإن ~~الحس يكذبه، وهو دليل قطعي. # أو يكون الدال على الكذب الدليل العقلي، كما إذا قال: العالم قديم، فإن ~~الدليل العقلي - مع قطع النظر عن قول الشارع - قد دل على حدوثه (¬3). PageV03P031 # ثم الخبر المروي عنه - صلى الله عليه وسلم - إن أوهم باطلا، فلا يخلو إما ~~أن يكون قابلا للتأويل، أو النقصان من جهة الراوي، أو لا، فالثاني كذب ~~قطعا: لأنه منزه (¬1) / ق (90/ ب من ب) عن الباطل. # وسبب وضع الحديث: إما نسيان الراوي لطول العهد، فيروي الحديث الموقوف ~~مرفوعا. # أو حمله قلة الدين على الافتراء على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~كما يفعله الرافضة (¬2). PageV03P032 # فمن المقطوع بكذبه دعوى الرسالة بعد خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام، ~~وكذا الخبر المخالف تصديق صادق، كما إذا أخبر النبي بشيء، وأخبر شخص ~~بخلافه، وكذا يقطع بكذب الخبر الذي فتش عليه في الكتب المبسوطة، وصدور ~~الحفاظ، فلم يظفر به، فإن العادة تقضي بكذبه: لأن الأئمة قد ضبطوا الأخبار، ~~واستقر الأمر على ذلك، وذهبت الأعصار عليه (¬1). # ومن المقطوع بكذبه بعض ما نسب إليه - صلى الله عليه وسلم -، وإن لم يعلم ~~بعينه إذ قد روي عنه: أنه "سيكذب علي" (¬2)، فإن كان هذا صح عنه لا بد من ~~الكذب عليه في خبر ما، ms268 وإن لم يصح هذا عنه، فهو كذب عليه. PageV03P033 # وكذا يقطع بكذب خبر تتوفر الدواعي على نقله، ولم يتواتر خلافا للرافضة إذ ~~عندهم لا يقطع بكذبه، وذلك: لأنهم يدعون النص على خلافة (¬1) علي ولم ~~يتواتر، وهو مما تتوفر الدواعي على نقله. # فإن قلت: بعض معجزاته لم يتواتر (¬2)، مع أنه مما تتوفر الدواعي على ~~نقله. PageV03P034 # قلت: أعظم معجزاته، وهو القرآن لما تواتر، وعم البلاد شرقا، وغربا استغني ~~عن نقل غيره إذ لا يعتد بها بالنسبة إلى القرآن (¬1). # قوله: "وإما بصدقه". # أقول: هذا بيان القسم الثاني من الخبر، وهو المقطوع بصدقه، وهو خبر من ~~دلت المعجزة على نبوته، فإنه يقطع بصدق خبره لعدم جواز تطرق الكذب على ~~أقواله، وكذا خبر نسب إليه - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يعلم بعينه للقطع ~~بأنه شرع الأحكام، وأمر، ونهي، وكذا المتواتر لفظا، ومعنى: كوجود مكة، ~~وبغداد، أو معنى: كشجاعة علي، وجود حاتم: لأن اللفظ في الثاني غير محفوظ ~~بين الرواة بخلاف الأول, وكلاهما يوجب القطع (¬2). PageV03P035 # وعرفه بأنه: خبر مروي عن جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب (¬1). # وله شروط: # الأول: أن يكون المخبر عنه محسوسا. # الثاني: أن يكون كل طبقة من الرواة تبلغ حد التواتر. # الثالث: حصول العلم اليقيني، وهو آية التواتر، إذ العدد لا ضبط فيه (¬2). PageV03P036 # واختار المصنف - وفاقا للقاضي، [والشافعي] (¬1) رضي الله عنهما -: أن ~~الأربعة لا تكفي للاحتياج إلى التزكية في الزنى، وللقاضي توقف/ ق (89/ أمن ~~أ) في الخمسة. # وقيل: لا بد وأن يكون عشرة لأنها أول ما يفيد العلم. # وقيل: اثنا عشر عدد نقباء (¬2) موسى المرسلين إلى الجبارين (¬3). # وقيل: عشرون لقوله تعالى: {عشرون صابرون} [الأنفال: 65]. # وقيل: أربعون لقوله: {حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} [الأنفال: 64] , ~~وكانوا أربعين رجلا. # وقيل: سبعون لقوله: {واختار موسى قومه سبعين رجلا} [الأعراف: 155]. PageV03P037 # وقيل: ثلاثمائة، وبضعة عشر عدد أهل بدر (¬1)، والبضع - بكسر الباء، ~~وفتحها -: ما بين الثلاثة إلى التسعة (¬2). # ولا يشترط الإسلام، والاجتماع في بلد واحد (¬3). والعلم الحاصل بمعنى ~~التواتر ضروري لأنه لمجرد السماع يجزم به من غير/ ق (91/ أمن ms269 ب) توقف على ~~استدلال، ولذلك يحكم فيها البله، والصبيان، مع عدم تأتي النظر منهم. PageV03P038 # وقيل: بل نظري لتوقفه على مقدمات حاصلة عند السامع لا إلى نظر، واستدلال (¬1). # ولخصه بعض المحققين (¬2): بأن المتواترات، والمجربات، وإن كانت قضايا ~~ضرورية، إلا أن فيها قياسا خفيا، إذ السامع إنما يحكم في المتواتر لأنه ~~يعلم أنه صدر عن جمع لا يمكن اتفاقهم على الكذب، فكأنه يقول - عند سماع هذا ~~الخبر -: جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب، وكل خبر هذا شأنه، فهو صدق قطعا، ~~فهذا الخبر صدق قطعا، ومثل هذا القياس الخفي لا يخرج العلم عن كونه ضروريا، ~~فقد ظهر لك أنه لا خلاف بين الطائفتين (¬3). PageV03P039 # والآمدي: متوقف في ذلك لأن تسمية مثل هذا العلم بالنظري غير ظاهر إذ لا ~~استدلال، وكذا بالضروري لتوقفه على ذلك القياس الخفي (¬1). # ثم عدد التواتر إن كانوا طبقة واحدة وأخبروا عما عاينوه، فذاك وإلا لا بد ~~أن يكون كل طبقة بحيث لا يمكن اتفاقهم على الكذب، كما سبق تقريره (¬2). # قوله: "والصحيح ثالثها". # أقول: قد اختلف في أن العلم الحاصل من [الخبر المتواتر هل يعلم لجميع ~~السامعين؟ على أقوال ثلاثة: الأول: يطرد مطلقا، الثاني: لا يطرد مطلقا. ~~الثالث: إن كان] (¬3) علم السامعين مستندا إلى كثرة العدد، فيطرد لعدم ~~الفرق، وإن كان مستندا إلى العدد مع القرائن، فلا: لأن القرائن تختلف ~~بالنظر إلى الأشخاص (¬4). PageV03P040 # واختلفوا - أيضا - في أن الإجماع على وفق خبر هل يدل على صدقه قطعا؟ # قيل: يدل، وقيل: لا يدل، وقيل: إن تلقوه بالقبول، وعملوا به دل وإلا فلا (¬1). # واختلف - أيضا - في بقاء خبر تتوفر الدواعى على إبطاله. # الجمهور: لا يدل على صدقه، خلافا للزيدية (¬2)، تمسكا - منهم -: PageV03P041 # بالأحاديث الواردة في حق علي رضي الله عنه (¬1)، مع توفر دواعي بني أمية ~~(¬2) على إبطالها، وضعفه ظاهر (¬3). # واختلف - أيضا - في الخبر الذي احتج به طائفة، وأوله طائفة. # قيل: يدل على صدقه، إذ الكل متفقون على متنه، وخلافهم إنما هو في المعنى. # والحق: أنه لا يفيد العلم بصدقه قطعا؛ لأن الذي عمل به ربما ms270 كان مظنونا ~~عنده (¬4). # واختلف - أيضا - في خبر أخبر به جمع، ولم يكذبوه، ولا باعث لهم على ~~السكوت، قيل: يفيد صدقه قطعا. PageV03P042 # وقيل: لا، وإليه ذهب الإمام الرازي، والآمدي (¬1)، وهو الحق عندي، إذ ~~ربما خفي عليهم حال ذلك الخبر، والقول: بأنه يبعد خفاؤه لا يفيد القطع، وهو ظاهر. # وكذا إذا أخبر شخص بحضرته - صلى الله عليه وسلم -، ولم ينكره. # قيل: صدق قطعا لأنه لا يقرر الباطل (¬2). # وقيل: لا يدل لاحتمال أنه لم يسمعه، أو ما فهمه، أو أخره لأمر يعلمه، أو ~~بينه قبل ذلك الوقت (¬3). # وقيل: إن (¬4) / ق (89/ ب من أ) كان الأمر دينيا يدل على الصدق؛ لأنه بعث ~~شارعا للأحكام، فلا يسكت عما يخالف الشرع، بخلاف الدنيوي (¬5). PageV03P043 # قوله: "وأما مظنون الصدق". # أقول: هذا هو القسم الثالث من الخبر، وهو الذي يكون صدقه مظنونا، وهو ~~الخبر المروي آحادا (¬1)، والمراد به ما لم يبلغ نقلته حد التواتر (¬2)، ~~فيدخل فيه الخبر المشهور (¬3). PageV03P044 # وأقل مراتب ناقليه اثنان (¬1)، وقيل: ثلاثة (¬2). # قوله: "مسألة خبر الواحد لا يفيد العلم". # أقول: خبر الآحاد غير المحفوف [به] (¬3) القرائن لا يفيد العلم عند ~~الجمهور. # وعن الإمام أحمد: أنه يفيد، وتابعه الأستاذ، وابن فورك لكن في قسم منه، ~~وهو المستفيض (¬4). PageV03P045 # والظاهر: أنهم أرادوا أنه يفيد العلم بالنظر إلى العالم بالأسانيد، ~~الحافظ، المتبحر، وإلا القول: بأن كل خبر يرويه واحد (¬1) / ق (91/ ب من ب) ~~يفيد القطع في غاية البعد وعلى ما ذكرنا يحمل قول الأستاذ، وابن فورك، وإلا ~~فالخبر الذي يرويه اثنان، ولا قرينة هناك ليس للنظر في إفادته للعلم مدخل ~~(¬2). PageV03P046 # قوله: "مسألة: يجب العمل به [في الفتوى] (¬1)، والشهادة إجماعا". # أقول: خبر الآحاد إذا اشتمل على شرائط القبول يجب (¬2) العمل به، خلافا ~~للرافضة، وابن (¬3) داود (¬4). PageV03P047 # ثم القائلون: بوجوبه اختلفوا في طريق الوجوب، الجمهور طريقه السمع. # الإمام [أحمد] (¬1) وابن سريج، والبصري بالعقل (¬2). # لنا - على المختار - عمل الصحابة ومن بعدهم بإخبار العدل، وشاع وذاع ~~بينهم من غير نكير، وذلك يوجب العلم العادي باتفاقهم فيكون إجماعا على ذلك. # قالوا: يحتمل أن يكون العمل بغيرها في ms271 تلك الوقائع. # قلنا: بعيد، والعادة قاضية بأن العمل بها. # قالوا: لو وجب العمل بها لما أنكروها، وقد وقع الإنكار في كثير منها. # قلنا: الخبر المظنون يجوز الارتياب فيه، إنما الكلام فيما خلا عن ~~الارتياب. # قالوا: قوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36]، وقوله: ~~{إن يتبعون إلا الظن} [النحم: 23] شاهدا عدل على عدم الجواز. PageV03P048 # قلنا: ظاهر وقع في مقابلة الإجماع القطعي يجب تأويله. # قالوا: قصة ذي اليدين (¬1) في قصر الصلاة صريحة في عدم القبول. # قلنا: غير محل النزاع إذ الكلام في الأمة. # والحق: أن النزاع - في هذه المسألة - مكابرة: لأنه قد تواتر معنى أنه كان ~~- صلى الله عليه وسلم - يرسل الآحاد في الوقائع، ولم يرو التوقف في واقعة. # أما القائلون: بالوجوب - عقلا - فأبو الحسين: خبر الواحد يحتمل الصدق، ~~والكذب، فيحب العمل به احتياطا: لأن الاجتناب عما يوجب الضرر واجب. # قلنا: تحسين عقلي، وقد مر بطلانه. # والباقون: لو لم يجب العمل بخبر الواحد لخلت كثير من الوقائع عن الحكم. # قلنا: لو سلم ذلك، فانتفاء الدليل دليل على انتفاء الحكم شرعا، فيكون ~~مدركا شرعيا، فلا حكم للعقل حينئذ. PageV03P049 # قوله: "والكرخي في الحدود". # أقول: ما تقدم كان في خبر الواحد، ورده مطلقا، وقد فصل بعضهم، فالكرخي لا ~~يقبل خبر الواحد في الحدود لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ادرؤوا الحدود ~~بالشبهات" (¬1)، وفي خبر الواحد شبهة (¬2). PageV03P050 # قلنا: ليس معنى الشبهة احتمال الكذب، وإلا لانتقض بالشهادة في الحدود ~~لاحتمالها الكذب. / ق (90/ أمن أ). # وقالت طائفة من الحنفية: لا يقبل في ابتداء نصب الزكاة، بخلاف الزيادة ~~عليها, ولذلك أوجبوا في الزيادة على خمسة أوسق بحسابها، بخلاف السخال (¬1)، ~~التي ماتت أمهاتها، فإنهم لم يوجبوا فيها, لكونها بعد موت الأمهات، معتبرة ~~استقلالا، وما ذكروه ضعيف لشمول الحديث الكل. # وقيل: إن عمل الأكثر بخلافه لا يقبل، وهو مردود: لأن المجتهد لا يقلد ~~مجتهدا، فيجوز أن يكون عمل الأكثر لاتفاق اجتهادهم (¬2). # وقالت المالكية: إذا خالف أهل المدينة لا يقبل (¬3)، ولهذا لم يقولوا ~~بخيار المجلس الثابت بحديث الصحيحين (¬4) لمخالفة أهل ms272 المدينة. PageV03P051 # وقالت الحنفية: لا يقبل فيما عمت البلوى كحديث مس الذكر (¬1)؛ لأن ما تعم ~~به البلوى تقضي العادة بتواتره. الجواب: منع قضاء العادة. # أو خالفه راويه: لأنه إنما خالفه لدليل أقوى (¬2). # قلنا: في ظنه لا في الواقع. # أو عارض القياس خبره إذا لم يكن فقيها (¬3)، فإنه يدل على رجحان كذبه. PageV03P052 # قلنا: ممنوع. # والقول الثالث: في الخبر المعارض للقياس أن القياس إن عرفت علته بنص راجح ~~على الخبر المعارض له، ووجدت تلك العلة في الفرع قطعا، فالقياس مقدم، وإن ~~لم يكن وجود العلة في الفرع قطعيا، فالوقف، وإن انتفى قطعية العلة في الفرع ~~يقبل الخبر كحديث التصرية (¬1)، فإنه مخالف لقياس ضمان المتلفات (¬2). / ق ~~(92/ أمن ب). PageV03P053 # وقال الجبائي (¬1): لا بد في خبر الواحد من راويين: لأن أبا بكر (¬2) رضي ~~الله عنه رد خبر المغيرة في توريث الجدة السدس (¬3) حتى رواه PageV03P054 # محمد بن مسلمة (¬1)، وكذلك عمر رد قول أبي موسى (¬2) في PageV03P055 # الاستئذان (¬1) حتى وافقه أبو سعيد الخدري (¬2). # الجواب: أنهما إنما فعلا ذلك تثبتا في قصة خاصة، ولذلك حكما في وقائع لا ~~تحصى بأخبار الآحاد (¬3). PageV03P056 # وعند الجبائي: يقوم مقام الراوي الآخر الاعتضاد بعمل بعض الصحابة (¬1). # وقال عبد الجبار: الخبر الدال على حد الزنى لا بد فيه من أربعة قياسا على ~~الشهادة (¬2). # الجواب: قياس مع الفارق إذ باب الشهادة أحوط، ولذلك أجمعوا على اشتراط ~~العدد فيه (¬3). # وفي المحصول للإمام: أن عبد الجبار حكى هذا عن الجبائي (¬4)، فيكون له في ~~المسألة قولان، أو أنه لما أطلق الاثنين قيده في الزنى، فلا يكون له إلا ~~قول واحد (¬5). # قوله: "مسألة: المختار - وفاقا للسمعاني، وخلافا للمتأخرين - أن تكذيب ~~الأصل الفرع لا يسقط المروي". # أقول: إذا روى عدل عن عدل، ثم كذب الأصل الفرع بأن قال: ما رويته له. هل ~~يصح الاحتجاج بذلك المروي، أم لا؟ فيه خلاف: PageV03P057 # مختار المصنف: أنه لا يسقط، ونسب خلافه إلى المتأخرين كابن الحاجب، ~~والآمدي، والإمام (¬1). # ونقل المولى المحقق الاتفاق على السقوط: لأن أحدهما كاذب قطعا، وإن لم ~~يقدح ذلك في عدالتهما لأن الكاذب غير ms273 معين. # والحق: ما ذهب إليه المصنف: لأن الأكثرين على أنه لو قال: لا أدري أرويته ~~له، أم لا؟ يحتج بذلك المروي، وعللوه بجواز النسيان، وكما احتمل النسيان في ~~صورة الشك، فكذلك في صورة الإنكار، فكم من مصر على نفي أمر، ثم يقر به ~~معتذرا بالنسيان، لكن تعليله بقبول شهادتهما إذا اجتمعا في قضية ليس بسديد: ~~لأنا قد ذكرنا أن عدالتهما المتحققة لا تزول بالشك، فقبول قولهما (¬2) / ق ~~(90/ ب من أ) لا يستلزم قبوله في الخبر الذي أحدهما كاذب فيه قطعا، فالفرق واضح. # وإن لم يكذب الأصل الفرع صريحا، بل توقف، فعند المصنف قبوله قوله من باب ~~الأولى، وعند القائلين بالسقوط في الأولى - أيضا - يحتج به لاحتمال النسيان ~~على ما ذكرناه (¬3). PageV03P058 # قوله: "وزيادة العدل مقبولة". # أقول: إذا انفرد عدل بزيادة في الحديث مثل أن يروي أحدهما أنه دخل البيت ~~وصلى، والآخر أنه دخل، ولم يذكر أنه صلى (¬1). # فإن لم يعلم اتحاد المجلس بأن علم تعدد المجلس، أو احتمل، فتلك الزيادة ~~مقبولة بلا خلاف (¬2). # وإن اتحد المجلس، مختار المصنف، وكذا الشيخ ابن الحاجب أن غيره من الرواة ~~إن كان لا يغفل مثلهم عن مثله، وكان الخبر مما يتوفر الدواعي على نقله، لم ~~يقبل، وإلا قبل (¬3). وقيل: بالوقف. PageV03P059 # وقيل: يقبل سواء جاز عليه الغفلة، أو لا، ونسب هذا القول إلى الجمهور (¬1). # لنا - على مختار المصنف -: أنه عدل جازم، والغرض جواز غفلة غيره، فلا ~~مانع من قبول قوله. # قالوا: إذا خالف واحد جماعة نسبة الوهم إليه أولى من نسبته إلى تلك ~~الجماعة. # الجواب: سهو الإنسان، فيما لم يسمعه بأنه سمعه بعيد جدا، بخلاف ذهوله عما سمعه. # وأما إذا لم يجوز غفلة الغير، فذلك مانع قوي لا يترك بظاهر حال العدل، ~~هذا إذا كان الساكت لم يكن أضبط من الراوي، ولا نفى الزيادة على وجه يقبل، ~~وإلا، فيتعارضان (¬2). # والنفي على الوجه المقبول أن يقول: ما سمعته في ذلك المجلس، فهذا محل ~~التعارض. # وأما إذا قال: لم يقله، فلا اعتبار به؛ لأنه تكذيب مجرد. PageV03P060 # وإن رواها ms274 الراوي مرة، وترك أخرى، فالحكم على ما سبق تفصيله في الروايتين ~~(¬1)، وما ذكر كله، فيما إذا لم تغير الزيادة الإعراب، فأما إذا غيرته ~~تعارضا، كما إذا روى أحدهما: فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة ~~الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من بر (¬2)، وروى الآخر نصف صاع (¬3)، أو روى ~~واحد مرتين بالروايتين (¬4) / ق (92/ ب من ب) ثبت بينهما التعارض. PageV03P061 # خلافا للبصري (¬1)، فإنه يقبل الزيادة مطلقا. # ودليله: أن موجب القبول زيادة العلم بذلك الزيادة، وقد وجد، واختلاف ~~الإعراب مانع لذلك، وهذا قوي عندي بحثا، وأي فرق بين هذا وبين إثبات الصلاة ~~داخل البيت، ونفيها؟ # فإذا قيل: إنه ثقة تقبل زيادته، فاختلاف الإعراب لا يصلح مانعا. # قوله: "ولو انفرد واحد عن واحد قبل عند الأكثر". # أقول: هل يشترط العدد في قبول الأخبار، أم لا؟ : # الجمهور: لا يشترط لأنه عدل، والرواية أوسع من الشهادة بابا، فلا حاجة ~~إليه، وكفى في ذلك إجماع الصحابة على ذلك مثل عملهم بقول عائشة في التقاء ~~الختانين، وغير ذلك. # وقياسه على الشهادة باطل بإجماع الصحابة، وبالفرق الذي ذكرنا (¬2). # [قوله] (¬3): "ولو أسند وأرسلوا، أو وقف ورفعوا". PageV03P062 # أقول: تبع ابن الحاجب في أن الرفع، والإسناد زيادتان مقبولتان عند ~~الجمهور إذا تعدد المجلس؛ لجواز أن يحدث الشيخ بتلك الزيادة في مجلس، ولم ~~يفعلها في مجلس آخر، وما لم يعلم تعدد المجلس فيه حكمه حكم التعدد لأنه ~~الغالب، وإن اتحد المجلس عادت الأقوال الأربعة في زيادة العدل برمتها من ~~غير فصل. # وهذا على ما/ ق (91/ أمن أ) هو المختار من عدم حجية المرسل منفردا. # وأما عند الحنفية القائلين بحجيته مقدم على المسند (¬1)، وإنما لم يذكر ~~المصنف إسناد راو واحد مرة، وإرساله أخرى؛ لأنه يعلم حاله بالمقايسة لأن ~~الفرض أن الراوي عدل، فالعدالة هي علة القبول، وكونه إياه، أو غيره لا دخل ~~له في ذلك. # قوله: "وحذف بعض الخبر جائز عند الأكثر". # أقول: حذف بعض الخبر جائز عند الجمهور إذا لم يختل معنى الباقي بدونه، ~~كما إذا روى قوله - صلى الله عليه ms275 وسلم - في البحر: "هو الطهور ماؤه"، ~~واقتصر عليه، وأسقط قوله: "الحل ميتته" (¬2). PageV03P063 # وقوله: "أحل لنا ميتتان، ودمان" (¬1) اقتصر على أحد الحكمين. # وأما إذا كان له تعلق كالغاية، والاستثناء مثل قوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "لا تباع الثمرة حتى تزهو" (¬2). PageV03P064 # أو الاستثناء نحو: (لا يباع البر بالبر إلا سواء بسواء) لا يجوز لاختلال ~~المقصود بدونه. # وقيل: لا يجوز مطلقا إذ ربما يكون هناك فائدة تفوت بالحذف. # والجواب: أن هذا الجواز مخصوص بالعارف بأساليب الكلام (¬1). # قوله: "وإذا حمل الصحابي، وقيل: أو التابعي". # أقول: إذا حمل الصحابي مرويه المجمل على أحد محمليه، فالظاهر حمله عليه ~~لأنه أعرف بحال الخبر لولا قرينة عنده لما حمله عليه، هذا إذا كان مجملا ~~(¬2). PageV03P065 # أما إذا كان ظاهرا في أحدهما، وحمله على غيره، فالحمل على الظاهر، وإليه ~~ذهب الشافعي، وعليه حمل قوله: "كيف أحتج بقول من لو عاصرته لحاججته". # وقيل: يحمل على تأويله، وضعفه واضح (¬1). # وأما إن كان نصا في مدلوله، وعمل بخلافه، تعين أنه منسوخ عنده، فالواجب ~~اتباعه، أو العمل بالخبر لأنه ربما ظن ما ليس بناسخ ناسخا احتمالان، هذا ~~إذا لم يعمل الأكثر بخلافه، فإن عمل، فالخبر متعين، ولا التفات إليه، هذا ~~ما عليه الجمهور (¬2). # والمصنف قيد الحمل بالمتنافيين كالقرء للطهر، والحيض، وحمله الصحابي على ~~أحدهما، وإن لم يتنافيا، فحكمه حكم المشترك في حمله على المعنيين على ما ~~سبق من مذهب الشافعي، ثم قياس التابعي على الصحابي غير صحيح لوجود الفارق (¬3). # قوله: "مسألة: لا يقبل مجنون". PageV03P066 # أقول: هذه المسألة موضوعة لبيان شرائط الراوي (¬1): # منها: العقل، فلا يقبل قول المجنون إذا أطبق جنونه، وكذا إذا لم يطبق، ~~وأثر جنونه في زمن الإفاقة. # ومنها: البلوغ، فلا يقبل الصبي حال صباه، وإن كان مميزا؛ لأنه لاحتمال ~~كذبه لعلمه بعدم التكليف، وأما إذا تحمل في الصبا، وروى بعده، فالإجماع على ~~قبوله لاتفاق الصحابة على قبول خبر ابن عباس، وابن الزبير (¬2) وأمثالهما ~~(¬3). PageV03P067 # ومنها: الإسلام إجماعا (¬1). وأبو حنيفة، وإن قبل/ ق (93/ أمن ب) شهادة ~~الكفار بعضهم على بعض لم يقبل روايتهم، ولقوله ms276 تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبإ} ~~[الحجرات: 6]، وأما إذا أسلم، وأدى، فكالصبي إذا بلغ، ولذلك لم يذكره (¬2). # والمبتدع (¬3) إن أوجبت بدعته الكفر، فكافر، وإلا قبل مطلقا لتدينه. PageV03P068 # وقيل: مردود مطلقا لكذبه لأن ابتداعه يوجب فسقه. # وفصل الإمام مالك بين الداعي إلى مذهبه، وغيره؛ لأن الداعي إلى مذهبه ~~ربما وضع الحديث استظهارا (¬1)، هذا إذا لم يجوز الكذب، أما إذا جوزه، فلا ~~يقبل، ولذلك رد الشافعي شهادة الخطابية (¬2) لتجويزهم (¬3) / ق (91/ ب من ~~أ) الكذب لموافق مذهبهم (¬4). PageV03P069 # وأما فقه الراوي، فليس بشرط خلافا للحنفية (¬1) فيما يخالف القياس مثل ~~حديث المصراة الذي يرويه أبو هريرة، محتجين بأن الراوي لما كان غير فقيه - ~~ونقل الحديث بالمعنى جائز - ربما أدخل فيه شيئا لم يكن منه، وقد تقدم ~~الجواب عنه (¬2). # ومن تساهل في غير الحديث يقبل إذ لا يلزم من ذلك تساهله في الحديث. # وقيل: يرد مطلقا لأنه يجر إلى التساهل في الحديث. # والجواب: المنع للفرق الواضح (¬3). PageV03P070 # ويقبل مكثر الرواية، وإن كانت مخالطته لأهل الحديث قليلة إذا أمكن تحصيل ~~ذلك القدر في تلك المدة، فإن لم يمكن يرد قوله مطلقا لعدم العلم بما يرويه ~~صدقا بعينه (¬1). # قوله: "وشرط الراوي العدالة: وهي ملكة تمنع عن اقتراف الكبائر". # أقول: العدالة: صفة نفسانية راسخة (¬2) تمنع ارتكاب الكبائر والصغائر ~~المشعرة بالخسة كسرقة لقمة، وتطفيف حبة، فمرتكب كبيرة، أو صغيرة هذا شأنها ~~يفسق (¬3)، وغيرها من الصغائر الإصرار عليها الذي هو ملحق بالكبائر (¬4) ~~قادح، وكذا بعض المباحات كالأكل في السوق لغير أهله، واللعب في الحمام، ~~والحرف الدنية، والاجتماع مع الأراذل. PageV03P071 # وقوله: "وهوى النفس" لا حاجة إليه لأن ذلك عبارة عن ميله إلى الباطل، ~~وبذلك لا يخرج عن العدالة، وإن كان ذلك الأمر الذي مال إليه كبيرة، فلا ~~يقبل مجهول الحال باطنا، وهو المستور تفريعا على اشتراط العدالة؛ لأن ~~الإسلام لا يستلزم العدالة (¬1)، خلافا لأبي حنيفة، وابن فورك، PageV03P072 # وسليم الرازي (¬1) اكتفاء بالظن بعد اشتراط الضبط التام، وقد تقدم ~~الجواب، وهو كون الإسلام غير مستلزم للعدالة، وأيضا الفسق مانع لا بد من ~~العلم بانتفائه (¬2). # قالوا: قال: ms277 "نحن نحكم بالظاهر" (¬3). PageV03P073 # قلنا: الظاهر بعد الخبرة الباطنة لا قبله، والمعارضة بقوله: {ولا تقف ما ~~ليس لك به علم} [الإسراء: 36]. # قالوا: إذا أخبر بطهارة، ونجاسة قبل اتفاقا. # الجواب: أمر الرواية أعلا شأنا، فلا قياس (¬1). هذا إذا كان مجهولا ~~باطنا، أما مجهول الحال مطلقا (¬2)، فلا يقبل اتفاقا لانتفاء تحقق الإسلام ~~الذي هو مظنة العدالة عند الخصم. PageV03P074 # وكذا مجهول العين مثل أن يسمي اسما لا يعرفه أهل الحديث (¬1)، ومثل ما ~~يقول الشافعي: أخبرني ثقة أنه كذا، أو من لا أتهمه. # والحق - في هذا القسم - أنه بعد التوثيق (¬2) مقبول، وخالف في ذلك ~~الصيرفي، والخطيب (¬3) لاحتمال أن يكون فيه ما يوجب جرحه، ولم يطلع عليه ~~الموثق. PageV03P075 # الجواب: أن الموثق إذا كان مثل الشافعي، فيبعد ذلك كل البعد، وخالف ~~الذهبي (¬1) في قوله: لا أتهم (¬2). والجواب: الجواب، إذ نفيه يستلزم ~~التوثيق، والقائل إمام مقدم في هذا الفن. PageV03P076 # وكذا يقبل من أقدم على الفسق جاهلا (¬1) بأنه فسق، كمن شرب النبيذ، أو ~~الخمر في الأصح، إذ لا يدل ذلك على عدم اكتراثه بالدين لجهله بالحال. # وقيل: في المقطوع بحرمته لا يقبل. والصواب: خلافه لاشتراك علة القبول، ~~وهو الجهل. PageV03P077 # قوله: "وقد اضطرب في الكبيرة". # أقول: الذنب يختلف صغرا، وكبرا لقوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون ~~عنه نكفر عنكم سيئاتكم} [النساء: 31]. # وفي الحديث - أيضا - روى ابن عمر (¬1) - رضي الله عنهما -: "السبع ~~الموبقات/ ق (92/ أمن أ): الشرك، وقتل النفس، وقذف المحصنة، والزنى، ~~والفرار من الزحف، والسحر، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين" (¬2)، وزاد ~~أبو هريرة: أكل الربا (¬3)، وزاد علي: الشرب، والسرقة (¬4). PageV03P078 # ولما قيل لابن عباس: هي سبع؟ فقال: إلى السبعين أقرب. # وقيل: ما توعد عليه الشارع بخصوصه. وقيل: ما فيه حد (¬1)، وقيل: ما ورد ~~في تحريمه الكتاب، أو وجب في (¬2) / ق (93/ ب من ب) جنسه حد. PageV03P079 # وقال الأستاذ، ووالد المصنف، لا صغيرة في الذنوب (¬1). فإن أرادا قبح ~~المعصية نظرا إلى كبريائه تعالى، وأن مخالفته لا تعد أمرا صغيرا، فنعم ~~القول (¬2)، وإن أرادا في إسقاط العدالة، فقد خالفا الإجماع. # والمختار - عند إمام ms278 الحرمين، وتبعه المصنف -: هي كل ذنب يؤذن بقلة ~~اكتراث مرتكبها بالدين، ورقة الديانة (¬3). PageV03P080 # قال الغزالي - بعد ما ذكر الكبيرة -: "والصغائر الخسيسة، وبالجملة كل ما ~~يدل على ركاكة دينية إلى حد يستجرئ على الكذب" (¬1)، فعلى هذا ما قاله إمام ~~الحرمين ليس تفسيرا للكبيرة، بل لما تسقط به العدالة. # والأحسن في ضبطها ما ذكره النووي - قدس الله روحه - بأن ننظر في قبح ~~المعصية إن ساوى شيئا مما ذكره الشارع من الكبائر، فهي كبيرة مثل تلطيخ ~~الكعبة بالنجاسة، فإنه كبيرة، بلا ريب، وإن لم يذكرها أحد من جملة الكبائر (¬2). # ومثل المصنف لما اختاره بأمثلة (¬3): PageV03P081 # منها: القتل عمدا (¬1)، والزنى (¬2)، وشرب الخمر (¬3)، وإن لم يسكر، ومن ~~غير الخمر ما لم يسكر صغيرة، والسرقة (¬4)، إذا بلغت ربع دينار. PageV03P082 # والغصب (¬1): وهو - أيضا -: مقيد بما له قدر، قيل: ربع دينار كالسرقة. # وقذف المحصنة إذا لم تكن مملوكة، ولا صغيرة، ولا حرة متهتكة (¬2). # قيل (¬3): وشرطه - أيضا - السماع، فلو قذف في خلوة لا يسمعه إلا الله، ~~فلا تعد كبيرة. # والنميمة (¬4): نقل كلام بعض الناس إلى بعض على وجه الإفساد، ولم يذكر ~~الغيبة بناء على المختار في الفروع أنها صغيرة، وإن كان ذلك مشكلا دليلا ~~(¬5). PageV03P083 # وشهادة الزور (¬1): صرح به في الحديث، والأولى أن لا يقيد بمقدار النصاب. PageV03P084 # واليمين الفاجرة (¬1): هي الذي يتعمد بها كذبا، لا ساهيا، ولا ناسيا. # وقطع الرحم (¬2): صرح به في الحديث الذي رواه الشيخان (¬3). PageV03P085 # وعقوق الوالدين لما ورد به الكتاب، والسنة من الوصية بهما (¬1)، والفرار ~~من الزحف لأنه من الموبقات، المعدودة من أكبر الكبائر (¬2) وأكل مال ~~اليتيم، ولا وجه لذكره بعد ذكر الغصب إلا أن يراد به النص عليه بخصوصه ~~(¬3). PageV03P086 # وخيانة الكيل، والوزن (¬1) في غير التافه الذي يتسامح به، إن لم يفعله ~~قصدا، وإن فعله قصدا، فصغيرة. # وتقديم الصلاة على وقتها (¬2)، وتأخيرها (¬3). PageV03P087 # والكذب عليه صلى الله عليه [وسلم] (¬1) للحديث المتواتر: "من تعمد علي ~~كذبا فليتبوأ مقعده من النار"، أما الكذبة الواحدة على غيره، فصغيرة. # وضرب المسلم (¬2) من غير موجب. # وسب الصحابة لقوله: "لا تسبوا أصحابي" (¬3)، ولأحاديث أخر، ولجلالة ms279 قدرهم ~~بشرف الصحبة. وسب غيرهم، إذا لم يتخذ عادة صغيرة. # وكتمان الشهادة: {ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} [البقرة: 283]. PageV03P088 # والرشوة: لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لعن الله الراشي، والمرتشي، ~~والرائش بينهما" (¬1)، وهي مال يبذل ليحقق به باطلا، أو يبطل به حقا (¬2)، ~~وأما إذا أعطى مالا لمن يتكلم له مع السلطان، فهو جعالة (¬3)، ذكره ~~العبادي، وغيره. # والدياثة (¬4): وهي الاستحسان على أهله. # والقيادة: وهي على أهل غيره، لما ورد في الحديث: "ثلاثة لا يدخلون الجنة" ~~(¬5)، وعد منها الديوث، والقيادة (¬6) / ق (92/ ب من أ) مقيسة عليها. PageV03P089 # والسعاية: وهي أن يذكر (¬1) لسلطان إنسانا بما يوجب قهره عليه للحديث ~~الصحيح (¬2) في ذلك. # ومنع الزكاة: لآيات، وأحاديث (¬3). PageV03P090 # وكذا اليأس (¬1) من رحمته تعالى، والأمن، من عقابه لقوله: {إنه لا ييأس ~~من روح الله إلا القوم الكافرون} [يوسف: 87]، ولقوله: {فلا يأمن مكر الله ~~إلا القوم الخاسرون} [الأعراف: 99]، وقد عدها الجمهور من موجبات الكفر ~~صرحوا بذلك في العقائد (¬2). # والتحقيق: أن منشأهما [إن كان تكذيب] (¬3) القرآن، وعدم الاعتقاد لا يخفى ~~أنه كفر، وإن كان استكثار الذنوب، والاتكال على رحمته الواسعة، فذلك فسق، ~~والتعبير بالكفر في الآية أولا، والخسران ثانيا للزجر. PageV03P091 # والظهار: لكونه زورا من القول (¬1). # ولحم الخنزير، والميتة: بالكتاب، والإجماع (¬2) في غير ضرورة. # وفطر رمضان من غير ضرورة، لكونه أحد أركان الإسلام (¬3). # والغلول (¬4) من الغنيمة بالكتاب، والسنة. PageV03P092 # والمحاربة، أي: قطع الطريق لقوله: {إنما جزاء الذين يحاربون الله} الآية ~~(¬1) [المائدة: 33]. # والسحر (¬2): لكونه من الموبقات. PageV03P093 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV03P094 # وأكل الربا (¬1): للكتاب، والأحاديث. # وإدمان الصغيرة، أي: الإصرار عليها من نوع، أو أنواع (¬2) PageV03P095 # قوله: "مسألة: الإخبار عن عام لا ترافع فيه الرواية". # أقول: لما افترق الرواية، والشهادة في بعض الأحكام مثل العدد، والحرية/ ق ~~(94/ أمن ب) وغيرها أراد أن يبين ماهية كل منهما. # فقال: [الإخبار] (¬1) عن أمر عام لا ترافع فيه [للحكام] (¬2) هو الرواية، ~~وخلافه وهو الإخبار عن خاص ببعض الناس يمكن الترافع فيه. # وإذا علم الفرق بين الماهيتين علم زيادة الاشتراط في الشهادة، دون ~~الرواية؛ لأن بين الناس كثرت العداوة، والحسد، والطمع، فإذا أراد إنسان ~~التوسل إلى ms280 باطل يقدر على أن يزور شاهدا واحدا بإطماع، وإذا شرع العدد يبعد ~~ذلك، ولأن الخبر الذي ينسب إلى صاحب الشرع ليكون شريعة إلى يوم الدين أكثر ~~النفوس تهاب وضعه، بخلاف الشهادة في قضية معينة، فخرجت خواصه لأنه لا ترافع ~~فيها، وإن لم تكن عامة (¬3). # قوله: "وأشهد إنشاء تضمن الإخبار". # أقول: يريد الفرق بين الإخبار والشهادة بعد بيان ماهيتهما، بلازم للشهادة ~~منتف في الأخبار، فقال: الشهادة: أعني قول القائل: أشهد، إنشاء PageV03P096 # يتضمن الإخبار، وليس بإخبار محض، ولا إنشاء كذلك، وإنما ألجأه إلى هذا ما ~~وجد من اضطراب الناس، إذ قد قال بعضهم: إنه إخبار، كما في كتب اللغة، أنه ~~إخبار عن علم (¬1)، وبعضهم: إنه إنشاء (¬2)، فأخذ الطريقة الوسطى. # وإن أردت تحقيق المسألة، فاسمع لما نقول: اعلم أنا قد قدمنا أن دلالة ~~الألفاظ إنما هي على الصور الذهنية القائمة بالنفس، فإن أريد بالكلام ~~الإشارة إلى أن النسبة القائمة بالنفس مطابقة لأخرى خارجية في أحد الأزمنة ~~الثلاثة، فالكلام خبر سواء كانت تلك الخارجية قائمة بالنفس - أيضا - كعلمت، ~~وظننت، وبغيره نحو: خرجت، ودخلت، وإن لم يرد مطابقة تلك النسبة الذهنية ~~لأخرى خارجية، فالكلام إنشاء. # فإذا قال القائل: أشهد بكذا لا يشك أحد في أنه لم يقصد أن تلك النسبة ~~القائمة بنفسه تطابق نسبة أخرى في أحد الأزمنة، بل مراده الدلالة على ما في ~~نفسه من ثبوت هذه النسبة، مثل: اضرب، ولا تضرب، فهو إنشاء محض ولا يرجع ~~الصدق، والكذب إليه. # وكون/ ق (93/ أمن أ) المشهود به خبرا لا يخرجه عن كونه إنشاء محضا: لأن ~~تلك جملة مستقلة بحكم وأطرافه، وهذه أخرى كذلك. PageV03P097 # ولو كان كون الشيء متضمنا لآخر يخرجه عن كونه محض ذلك الشيء لم يبق إنشاء ~~محض قط، إذ قولك: اضرب، متضمن لقولك الضرب منك مطلوب، أو طلب منك، وهذا مما ~~لا يقول به عاقل. # قوله: "وصيغ العقود". # أقول: صيغ العقود، والفسوخ مثل: طلقت، وبعت، ونظائرهما إنشاء، إذ لا يقصد ~~بها مطابقة ما في الخارج، ولأنها لا تحتمل الصدق، والكذب، ولأنها لو كانت ms281 ~~أخبارا، إما ماضية، فلا تقبل التعليق، لأن الواقع في الماضي لا يمكن ~~تعليقه، أو مستقبلة، وذلك باطل إجماعا. # والقائلون: بأنها أخبار يريدون أنها إخبار عما في الذهن، إذ القائل: بعت، ~~يريد الإخبار، عما في ذهنه من إيقاع البيع، وليس بتام لأنه لو كان بواسطة ~~الإخبار عما في الذهن، يصير الكلام خبرا من غير قصد مطابقة الخارج، لكان كل ~~شيء خبرا، إذ يستحيل خلو الكلام المفيد عن ذلك المعنى النفسي (¬1). PageV03P098 # فإن قيل: هذا ظاهر، فيما إذا كان الخارج الذي قصد مطابقته غير ذهني أما ~~إذا كان الخارج - أيضا - ذهنيا، فما الفرق؟ # قلنا: إن تلك النسبة القائمة من حيث هي خارج، ومن حيث إضافتها إلى اللفظ، ~~وكونها مدلوله، ومطابقة لأخرى هي الذهنية، هذا في الإخبار، وأما في الإنشاء ~~لا توجد إلا الثانية. # وبالجملة: قول القائل: بعت، لا إشعار فيه بالمطابقة رأسا، فدعوى كونه ~~خبرا خروج عن الإنصاف. # قوله: "قال القاضي: والجرح، والتعديل بواحد". # أقول: هل يكتفي في الجرح، والتعديل بواحد؟ اختاره القاضي أبو بكر. # وقيل: يشترط العدد، وإليه ذهب بعض أهل الحديث. # وقيل: يكتفى به في الرواية دون الشهادة، وهو القياس؛ لأن شرط الشيء لا ~~يزيد على أصله (¬1)، ثم هل يشترط التعرض لسببهما، أم يكفي الإطلاق؟ PageV03P099 # قيل: يشترط مطلقا. وقيل: لا مطلقا. # وقيل: في التعديل شرط دون الجرح لأن (¬1) / ق (94/ ب من ب) مطلق الجرح، ~~يبطل الوثوق دون التعديل، إذ ربما اعتمد على ظاهر الحال. # وقيل: بالعكس؛ لأن أسباب الجرح تختلف باختلاف المذاهب، فربما ظنه جرحا ~~نظرا إلى معتقده، وإليه ذهب الشافعي (¬2). # وهو المختار في الشهادة لتعلق الحق بالمشهود له، فلا بد من الاحتياط. وفي ~~الرواية إن عرف مذهب الجارح أنه لا يجرح إلا بقادح، فيكتفى به لأن باب ~~الرواية أوسع. PageV03P100 # وذهب إمام الحرمين، والرازي: إلى أن الإطلاق في الجرح، والتعديل كاف إن ~~كان المطلق عالما بأسباب العدالة والجرح، ورده المصنف بأنهما لم يزيدا على ~~قول القاضي إذ لا جرح، ولا تعديل إلا من العالم. # والحق: أن قولهما أخص من قول القاضي، ms282 قال - في البرهان -: "والذي أراه أن ~~المعدل إن كان إماما، موصوفا في الصناعة، لا يليق به الإطلاق إلا عند الثقة ~~الظاهرة، فمطلق ذلك منه كاف، فإنا نعلم أنه لا يطلقه إلا عن بحث، واستفراغ ~~وسع في النظر، وأما من لم يكن من أهل هذا الشأن - وإن كان عدلا رضا، إذا لم ~~يحط بتلك الروايات - فلا بد من البوح بالأسباب" (¬1). # وأين هذا من قول القاضي: "الإطلاق من العدل كاف"؟ ! مع أن نقل الإمام في ~~البرهان عن القاضي إنما (¬2) / ق (93/ ب من أ) هو في الجرح وحده، وأما ~~التعديل فيحتاج فيه إلى بيان الأسباب (¬3). # ثم إذا تعارض الجرح، والتعديل، الجرح مقدم (¬4) لأن في تقديمه الجمع بين ~~القولين؛ لأن المعدل غاية كلامه أنه لم يطلع على فسقه، والجارح PageV03P101 # يقول: اطلعت، فلو عملنا بقول المعدل لزم كذب الجارح، وإذا عملنا بقول ~~الجارح لا يلزم كذب أحد. وأما إذا قال الجارح: قتل [فلان] (¬1) يوم كذا، ~~وقال المعدل: بل رأيت أنا فلانا بعد ذلك التأريخ في موضع كذا ثبت التعارض، ~~فلا بد من الترجيح. # ولا فرق بين كون عدد الجارح أقل من العدل، أو مساويا، أو أكثر. # قال ابن شعبان (¬2) من المالكية: إن كان الجارح أقل يطلب الترجيح، حكاه ~~عنه المازري (¬3). PageV03P102 # قوله: "وحكم مشترط العدالة". # أقول: حكم الحاكم الذي يشترط العدالة في الشاهد تعديل للشاهد اتفاقا، ~~وكذا عمله في الأصح (¬1). ورواية العدل عنه قيل: تعديل، إذ الظاهر PageV03P103 # أنه لا يروي إلا عن عدل (¬1). وقيل: ليس بتعديل، إذ نرى كثيرا من العدول ~~يروي أشياء عن غير العدل (¬2). # والمختار: أنه إن علم من عادته أنه لا يروي إلا عن العدل، فروايته تعديل، ~~وإلا فلا (¬3). PageV03P104 # وأما ترك العمل بمرويه، أو شهادته، فليس بجرح، إذ يحتمل أن يكون ذلك ~~لرواية، أو شهادة أخرى معارضة، أو فقد شرط آخر غير العدالة. # وكذلك الحدود في شهادة الزنى لعدم تمام النصاب؛ لأنه لا يدل على فسق. # وكذلك المسائل الاجتهادية كشرب النبيذ (¬1)، وترك التسمية (¬2)، PageV03P105 # ونكاح المتعة (¬1)، إذ [قد] (¬2) يعتقد جواز ذلك. # وكذلك التدليس (¬3)، فيمن ms283 يروي عنه بتسمية غير مشهورة، أو يوهم PageV03P106 # السماع ممن عاصره، كقوله: قال الزهري (¬1): كذا، مع أنه لم يسمعه منه. # ونقل المصنف عن ابن السمعاني أنه إن كان بحيث لو سئل عنه لم يبينه يصير ~~مجروحا لظهور الكذب، وليس كما قاله، إذ الساكت عن البيان ليس بكاذب. # وكذلك التدليس بإعطاء شخص اسم الآخر من أجل التشبيه (¬2)، كما إذا قلت: ~~حدثنا أبو عبد الله، وأردت الذهبي، كما يقول البيهقي (¬3): PageV03P107 # حدثنا أبو عبد الله الحافظ، يريد به الحاكم (¬1)؛ لأن هذا في الحقيقة ~~استعارة، كقولك: رأيت اليوم حاتما، وأردت به جوادا لفرط شهرة حاتم (¬2) ~~بالجود. PageV03P108 # ثم عبارة المصنف غير سديدة: لأن التشبيه لشيخه بالحاكم الذي هو شيخ ~~البيهقي لا لنفسه بالبيهقي، إذ لا فائدة في ذلك (¬1). # وقوله: تشبيها بالبيهقي يعني الحاكم صريح بذلك. # وكذا لا تدليس [بإيهام] (¬2) الملاقاة، كقول من عاصر الزهري: قال الزهري: ~~كذا، وقوله: حدثنا فلان بما وراء النهر، موهما نهر جيحون (¬3)، والمراد نهر ~~آخر بينه وبين شيخه، لأن المعاريض من محاسن الكلام، ولا كذب فيه (¬4). PageV03P109 # وأما من يدلس في متن الحديث (¬1) كلام نفسه بحيث لا يتميزان، جرح بلا ~~خلاف؛ لإيقاعه المسلمين في الكذب عليه - صلى الله عليه وسلم -. # قوله: "مسألة: الصحابي" / ق (95/ أمن ب). # أقول: الصحابي في العرف من أدرك صحبته - صلى الله عليه وسلم -، ولو لحظة ~~حال كونه مؤمنا، فالذي أسلم بعده ليس صحابيا، وإن عاش معه دهرا طويلا، وهذا ~~أشمل من قولهم: من رآه. # وقيل: شرطه طول الصحبة، وقيل: طول الصحبة مع الرواية. # وقيل: شرطه الغزو معه، أو ملازمة سنة؛ لأن شرف الصحبة لا ينال بأدنى ~~ملاقاة (¬2). PageV03P110 # والدليل - على المختار -: أن الصحبة تقيد بالقليل، والكثير، فهي للمطلق. ~~ولأنه لو حلف لا يصحبه حنث/ ق (94/ أمن أ) بلحظة. # قالوا: إذا قيل: أصحاب الفقه، والحديث يراد الملازمون المكثرون منهما. # الجواب: ذلك عرف حدث. # ومن عاصره، وكان مسلما، وادعى الصحبة قبل قوله ظاهرا؛ لأن عدالته توجب ~~ذلك، لكن مع ريبة لأنه يدعي شرفا لنفسه (¬1). PageV03P111 # وقد يتوهم أنه إشكال، وهو أن التعريف يصدق ms284 على من ارتد، ومات مع أنه ليس ~~بصحابي اتفاقا. # والجواب: بأنه كان يسمى قبل الردة، ويكفى ذلك في صحة التعريف (¬1) ليس ~~بشيء: لأن الكلام في صدق هذا الاسم عليهم، الذين وردت الآيات (¬2)، ~~والأحاديث (¬3) بالثناء عليهم، وقد علمت أن الإيمان شرط فيه. PageV03P112 # وأما من ارتد، ومات على الكفر، فقد حبط عمله أولا وآخرا، فحيث لا اعتداد ~~بإيمانه السابق، وأعماله، لا اعتداد بصحبته (¬1). # فقول من قال: "ومات مؤمنا" زيادة في التعريف كان صوابا، ولا يلزم أن لا ~~يسمى صحابيا حال حياته؛ لأن تلك التسمية تزول بزوال الإيمان الذي هو شرط ~~فيها. وإذا ثبتت الصحبة وجب القول بالعدالة، هو المذهب المنصور (¬2). PageV03P113 # وقيل: هم كغيرهم يحتاج فيهم إلى التعديل (¬1). # وقيل: بعد قتل عثمان، وفتنة علي (¬2)، لا يقبل إلا مع التعديل، فإن ~~المعتزلة على أن من قاتل عليا فاسق. PageV03P114 # والحق: أن دلائل عدالتهم، وكمال نفوسهم نطق بها الآيات المتكاثرة، ~~والأحاديث المتظاهرة، وما وقع منهم محمول على الاجتهاد، والمجتهد لا يقلد ~~مجتهدا، بل يجب عليه العمل برأيه، ولا تفسيق بواجب. # قوله: "مسألة: المرسل قول غير الصحابي". # أقول: الحديث المرسل (¬1) قول غير الصحابي: قال رسول الله: كذا، وهذا ~~يشمل من عدا الصحابة مطلقا تابعيا كان أو دونه (¬2). PageV03P115 # والمحدثون: يخصونه بقول التابعي، وقيل: بكبار التابعين. # فإن سقط راو قبل التابعي سمي منقطعا (¬1)، وإن سقط أكثر سمي معضلا (¬2). # واحتج بالمرسل مالك، وأبو حنيفة، والآمدي، وأحمد في أشهر الروايتين عنه ~~(¬3). PageV03P116 # وقيل: إن كان من أئمة النقل دون غيره، واختاره الشيخ ابن الحاجب (¬1). # ثم بناء على كونه حجة هو أضعف من المسند، خلافا للحنفية (¬2). PageV03P117 # والصحيح رده. عليه الأكثر، منهم الشافعي، والقاضي، فالإمام مسلم صاحب ~~الصحيح: "المرسل في أصل قولنا، وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة" (¬1). ~~فاستدل المصنف بقوله: على أن الأكثر على رده (¬2). # فإن كان المرسل معلوم الحال بأنه لا يروي إلا عن عدل قبل قوله لأنه مسند ~~حكما (¬3). PageV03P118 # ثم المرسل إما من كبار التابعين، أو من صغارهم، فإن اعتضد حديث الأول ~~بضعيف يرجح، كقول صحابي، أو فعله، أو قول أكثر ms285 العلماء، أو مسند آخر يرسله ~~الراوي مرة، أو راو آخر. # فإن قلت: إذا أسنده الراوي، أو غيره، فالعمل إنما هو به بالمرسل فأي ~~فائدة في إسناد العمل إليه؟ # قلت: فائدته تظهر لدى التعارض، فإنه يقدم على المسند المجرد. # وقول الإمام: "هذا في مسند لم تقم الحجة بإسناده" (¬1). لم يرفع الإشكال ~~لأنه يفرض في مسند تقوم به حجة، ويعضده المرسل، أو قياس، أو انتشار من غير ~~نكير، أو عمل أهل العصر، المجموع يصير حجة لا العاضد وحده، أو المعضود ~~(¬2): لأن الهيئة الاجتماعية لها قوة لا توجد في الآحاد، PageV03P119 # كالخبر المتواتر، والمجمع عليه، فإن يوجد سوى ذلك المرسل بلا عاضد، فلا ~~يثبت به حكم شرعي إلا أنه إذا دل على الحرمة الأولى تركه احتياطا (¬1). # قوله: "مسألة الأكثر". # أقول: الأكثر على جواز نقل حديثه - صلى الله عليه وسلم - بالمعنى, وإن ~~كان الأولى عدمه ما أمكن (¬2). PageV03P120 # ومحل (¬1) / ق (94/ ب من أ) البحث إنما هو العارف بمواقع الألفاظ، وأما ~~غيره لا يجوز إجماعا (¬2). # الماوردي (¬3): يجوز إن نسي اللفظ (¬4). # وقيل: إن كان موجب الحديث العلم يجوز، وإن كان (¬5) / ق (95/ ب من ب) ~~العمل فلا يجوز (¬6). PageV03P121 # وقيل: بلفظ مرادف، واختاره [الخطيب (¬1). # وعن] (¬2) ابن سيرين (¬3)، وثعلب، والرازي (¬4) من الحنفية، والمروي عن ~~ابن عمر رضي الله عنهما: [منعه مطلقا] (¬5). PageV03P122 # وعن مالك: أنه لا يجوز تبديل الباء بالتاء (¬1) في مثل بالله، وتالله (¬2). # لنا - على المختار -: الإجماع على جواز تفسيره بلسان آخر، فبالعربي أولى. ~~وأيضا معلوم بالضرورة أنه - صلى الله عليه وسلم - بعث لإبلاغ المعنى لا ~~اللفظ. وكثيرا ما يقول الصحابي قال - صلى الله عليه وسلم -: كذا، ونحوه. # وقولهم: العلماء مختلفون في الفهم ربما تنبه بعضهم من ألفاظ الحديث على ~~ما لا يتنبه غيره. # قلنا: الكلام في العارف الذي ينقل المعنى سواء، وإلا لم يجز اتفاقا (¬3). # والقول -: بأن الكلام في المعنى الظاهر لا فيما يختلف فيه - مذهب مخترع (¬4). # قوله: "مسألة: يحتج بقول الصحابي: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~كذا". PageV03P123 # أقول: هذا شروع في كيفية الرواية، فنقول: إذا قال الصحابي: ms286 سمعت رسول ~~الله كذا، وأخبرني، وحدثني بكذا يجب قبوله بلا خلاف (¬1). # وأما إذا قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كذا، الجمهور: على ~~أنه حجة. # وقال القاضي: متردد بين سماعه منه، أو سماعه ممن يرويه عنه (¬2). # الجواب: قد تقرر أنهم كلهم عدول، فلا يضر ذلك الاحتمال. # وكذا قوله: عنه صلى الله عليه [وسلم] (¬3). # وكذا قوله: سمعته أمر، أو نهى، أو أمرنا، أو نهينا، أو أوجب، أو حرم، أو ~~رخص على صيغة المجهول في الكل لظهور أن فاعل الأفعال المذكورة هو الشارع ~~(¬4). PageV03P124 # وقيل: يحتمل سائر الولاة. قلنا: بعيد لا يدفع الظهور. # وقوله: من السنة كذا، أو كنا معاشر الناس نفعل كذا في عهده، أو كان الناس ~~يفعلون في عهده - صلى الله عليه وسلم -، فكنا نفعل، فكان الناس يفعلون، ~~فكانوا لا يقطعون في الشيء التافه (¬1)، قالته عائشة رضي الله عنها، الكل ~~حجة عند الجمهور لأنه حكاية إجماع (¬2). PageV03P125 # والقول: بأنه لو كان إجماعا لما جاز مخالفته، واللازم منتف، مردود بأن ~~ذلك إنما يكون في الإجماع الذي طريقه قطعي. # وأشار بالعطف بالفاء إلى أن ما عطف به دون ما قبله في القوة. # قوله: "خاتمة". # أقول: إذا كان الراوي غير صحابي مراتب روايته عشر (¬1): # الأولى: قراءة الشيخ، إملاء، أو تحديثا (¬2)، اقتداء بفعله - صلى الله ~~عليه وسلم -. PageV03P126 # الثانية: قراءة الراوي على الشيخ (¬1): لأنه كان يقرأ عليه صلى الله عليه ~~[وسلم] (¬2) فيقرر، أو ينكر. PageV03P127 # الثالثة: قراءة غيره (¬1)، وهو يسمع لأنه ربما يغفل (¬2). PageV03P128 # الرابعة: المناولة، مع الإجازة، بأن يناول الشيخ أصل سماعه إلى الطالب، ~~أو نسخة مقابلة به، ويقول له: هذا سماعي عن فلان أجزت لك أن ترويه عني ~~(¬1)، والإجازة، مع المناولة أقوى درجات الإجازة (¬2). PageV03P129 # الخامسة: الإجازة (¬1) المجردة عن المناولة، ولها مراتب: أعلاها: أن يجيز ~~لخاص في خاص، مثل أن يقول: أجزت لك كتاب البخاري (¬2). PageV03P130 # دونها: لخاص في عام، مثل: أجزت لك مسموعاتي (¬1). # ودونها: لعام في خاص، مثل أن يقول: أجزت لمن أدرك حياتي رواية البخاري (¬2). # ودونها: لعام في عام (¬3)، مثل أن يقول: أجزت لجميع المسلمين مسموعاتي ms287 ~~(¬4): PageV03P131 # السادسة: الإجازة للمعدوم تبعا نحو: أجزت لفلان، ومن يوجد من نسله (¬1). # ولا بد من كون المعدوم تبعا، فلو قدمه كأن يقول: أجزت / ق (95/ أمن أ) ~~لمن يولد لفلان فلا يصح. # السابعة: المناولة المجردة كأن يناوله أصله، ويقول: هذا سماعي، ولا يقول ~~له: اروه عني (¬2)، ولو ناوله الكتاب، ولم يقل: إنه سماعي لا يجوز الرواية ~~عنه. PageV03P132 # الثامنة: الإعلام المجرد عن المناولة، والإجازة، بأن يقول: هذا سماعي من ~~فلان (¬1). # التاسعة: الوصية بالكتاب بأن يوصي بكتاب يرويه لأحد من الناس، فيجوز ~~للموصى له أن يرويه عنه (¬2). PageV03P133 # والحق: ما قاله الشيخ ابن الصلاح (¬1): إن الرواية بالوصية بعيدة جدا، ~~ولا نسلم أن الوجادة دونها (¬2) إذ في الوجادة يقول: وجدت بخط المؤلف كذا، ~~فيغلب على الظن صحة ما وجده، بخلاف الوصية بالكتاب. # العاشر: الوجادة (¬3)، وقد عرفت معناها. PageV03P134 # ومنع إبراهيم الحربي (¬1)، وأبو الشيخ الأصفهاني (¬2)، والقاضيان حسين، ~~والماوردي الرواية بالإجازة، وقالوا: لو جوزناها لبطلت الرحلة PageV03P135 # في طلب العلم، ورواه الربيع (¬1) عن الشافعي، وكذا روي عن مالك، وأبي حنيفة. # ومنع قوم العامة (¬2). # والقاضي أبو الطيب (¬3) في المعدوم ابتداء، كما تقدم أنه المختار، وأما ~~للمعدوم من غير إضافة، فلا يجوز إجماعا. # وألفاظ الرواة عند الأداء اصطلاح خاص لأهل الحديث لا تعلق له بالأصولي ~~لأن/ ق (96/ أمن ب) كلامه فيما للاحتجاج فيه (¬4) مدخل. PageV03P136 ### | AUTO الكتاب الثالث في الإجماع، ومباحثه PageV03P137 # الكتاب الثالث في الإجماع # قوله: "الكتاب الثالث في الإجماع، وهو اتفاق مجتهدي الأمة". # أقول: قدم الإجماع على القياس، لكونه قطعي الدلالة، أو لكونه يقع أصلا في ~~القياس. # وهو لغة: العزم، والإتفاق مطلقا (¬1). # واصطلاحا: اتفاق مجتهدي هذه الأمة في عصر من الأعصار على أي أمر كان ~~(¬2). PageV03P139 # فبقيد الاتفاق، خرج قول مجتهد منفرد في عصره، إذ لا يعد ذلك إجماعا. # وبقوله: "بعد وفاته" (¬1) الإجماع في زمنه، فإنه ليس بحجة من حيث إنه إجماع. # وبقوله: "في عصر" يدفع شرطية الاتفاق من أول وفاته إلى آخر الدهر، وفي أي ~~أمر، يدخل الأحكام مطلقا، فرعية، أو أصلية، عقلية، أو لغوية. # والاعتراض: بأن مجتهدي جمع، وأقله ثلاثة، فيلزم ms288 منه أن لا يكون إجماع ~~الاثنين حجة. # والجواب: بأن لفظ مجتهد عام - لأنه مفرد مضاف، فيشمل الاثنين أيضا، ويخرج ~~الواحد بقيد الاتفاق - يستلزم بطلان تعاريف المتقدمين والمتأخرين، لوجود ~~لفظ الجمع فيها. # والحق: أن هذا من عموم المجاز الذي يعم المعنى الحقيقي، والمجازي، وهو ~~مطلق العدد، أو الاثنان ألحقا بالجمع قياسا، أو التقدير جميع من يوجد من ~~جنس المجتهدين. # وبقيد الاجتهاد، خرج المقلد، فلا تعتبر موافقته. # "واعتبر قوم وفاق العوام مطلقا" أي في المسائل المشهورة، والخفية، مثل ~~دقائق الفقه. PageV03P140 # وقيل: في المشهور دون الخفي (¬1). وفائدته - عند القائل به - صحة [إطلاق ~~(¬2) قولهم: أجمعت الأمة على كذا، لا أنه إذا خالف العامي يقدح في كونه ~~حجة، ونسبه المصنف إلى] (¬3) الآمدي (¬4). # وقالت طائفة: الأصولي الذي ليس بفقيه يعتبر في الإجماع على المسائل ~~الفقهية لتوقف الفروع على الأصول (¬5)، والحق: خلافه لأنه عامي بالنظر إلى ~~المجمع عليه (¬6). PageV03P141 # وبقيد المسلمين، خرج المكفر ببدعته. # وأما هل يشترط عدالة المجتهد، أم لا؟ فمبني على اشتراط العدالة في ~~الاجتهاد، والصحيح عدمه. # وثالث الأقوال: يعتبر وفاقه في حق نفسه، حتى إذا خالفهم، لم يكن إجاعهم ~~حجة عليه. # ورابع الأقوال: إن بين مأخذه اعتبر: لأنه قول بدليل، وإلا فلا اعتبار به ~~(¬1). PageV03P142 # ويعتبر جميع المجتهدين هو الصحيح (¬1). وقيل: لا يقدح خروج واحد. وقيل: ~~اثنين (¬2)، وقيل: ثلاثة، وأزيد إلى حد التواتر. # وقيل: إن كان المخالف شهيرا بالاجتهاد (¬3) / ق (95/ ب من أ) كمخالفة ابن ~~عباس في مسألة العول (¬4). PageV03P143 # وقيل: يضر المخالف، وإن كان واحدا، لكن في أصول الدين لعلو قدره، دون ~~سائر العلوم (¬1). # وقيل: مع المخالفة مطلقا حجة، اعتبارا بالأكثر، ولا يسمى إجماعا (¬2). # ثم بإضافة المجتهد إلى الأمة، علم عدم اختصاصه بالصحابة، خلافا للظاهرية، ~~استبعادا منهم أن أهل الشرق، والغرب، تتفق على حكم، وأما الصحابة، فكانوا ~~مجتمعين، مضبوطين (¬3). PageV03P144 # وعلم من قيد الوفاة: أن في زمنه صلى الله عليه [وسلم] (¬1) لا ينعقد، إذ ~~لا اعتبار بقولهم، عند قوله، وما لا قول له فيه مردود غير مشروع (¬2). # وعلم اعتبار التابعي، مع الصحابة: لأنه من مجتهدي الأمة في ms289 ذلك العصر ~~(¬3)، وإن بلغ رتبة الإجتهاد - بعد اتفاقهم - ينبني وفاقه على اشتراط ~~انقراض العصر، إن شرط اعتبر، وإلا فلا، وهذا هو المذهب المنصور (¬4). # وعلم أن إجماع أهل مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس بحجة ~~(¬5). ولا أهل PageV03P145 # البيت (¬1)، ولا الخلفاء الأربعة (¬2)، ولا الشيخين (¬3)، ولا أهل ~~الحرمين، ولا أهل المصرين: الكوفة، والبصرة، لأنهم ليسوا بجميع مجتهدي ~~الأمة. PageV03P146 # وأن المنقول بالآحاد حجة؛ لأن الإجماع دليل شرعي كالسنة، فلا يحتاج في ~~نقله إلى عدد التواتر، وهذا مختار الآمدي، والإمام (¬1). # والأكثر على اشتراط التواتر في نقله؛ لأن الإجماع قطعي، فلا يثبت بخبر ~~الآحاد (¬2). # قوله: هو الصحيح في الكل في الستة المذكورة. ومعناه: أصحاب تلك المقالات ~~لا يشترطون في النقل التواتر، بل الصحيح عندهم قبول النقل آحادا. # احتج من ذهب: إلى أن أهل المدينة يحتج بإجماعهم بقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "المدينة كالكير تنفي خبثها" (¬3)، والخطأ خبث، فيكون منفيا عنهم. PageV03P147 # الجواب: لم يدل على عصمتهم للإجماع على وقوع الخطأ منهم، فيحمل على المدح ~~بأنها بلدة مباركة، فاضلة (¬1). # ومن ذهب: إلى أن إجماع أهل البيت حجة بقوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم الرجس أهل البيت} [الأحزاب: 33] (¬2) والخطأ رجس. # الجواب: خطأ المجتهد (¬3) / ق (96/ ب من ب) ليس برجس، بل مثاب عليه. # ومن ذهب: إلى أن إجماع الخلفاء الأربعة حجة: "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء ~~الراشدين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ" (¬4). PageV03P148 # والخلفاء: هم الأربعة، لأن الملك - بعدهم - صار عضوضا. # الجواب: لا يدل على انتفاء الخطأ عنهم، وإنما رغب في سلوك طريقهم. # ومن ذهب: إلى أن اتفاق الشيخين حجة، بقوله: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي ~~بكر، وعمر" (¬1)، فإنه يدل على انتفاء الخطأ. والجواب: المنع بما تقدم. # ومن ذهب: إلى أن اتفاق الحرمين، أو المصرين حجة، فلانتشار الصحابة فيهما، ~~وكذا في المصرين. # الجواب: لا كلام في إجماع الصحابة حيث كانوا، إنما الكلام فيما إذا لم ~~يوجد جميع المجتهدين في العصر. # قوله: "وأنه لا يشترط عدد التواتر". PageV03P149 # أقول: لا يشترط - في الإجماع - عدد التواتر: لأن الأدلة الدالة على ms290 حجية ~~الإجماع مثل: "لا تجتمع أمتي على الضلالة" (¬1)، و"لا تزال PageV03P150 # طائفة من أمتي قائمة على الحق" (¬1)، ونظائرهما لا إشعار فيها بقيد ~~التواتر، خلافا للإمام (¬2). # والعجب: أن الإمام - في البرهان - نقل المذهب الصحيح الذي عليه الجمهور ~~عن الشيخ أبي إسحاق الإسفراييني مع أدلته، ولم يزيف أدلته، وقال بخلافه! # وأما إذا لم يكن في العصر إلا مجتهد واحد، فليس قوله حجة، لعدم صدق ~~التعريف عليه. # وقيل: حجة، وهو القياس، نظرا إلى الدليل السمعي (¬3). PageV03P151 # وهل يشترط انقراض العصر، لانعقاد الإجماع؟ الحق أنه لا يشترط. # وقال أحمد، وابن فورك، وسليم الرازي / ق (96/ أمن أ): يشترط (¬1). # لنا - على المختار -: أنه قول الأمة، فصار حجة قاطعة، فلا وجه لتوقفه ~~فالقول بذلك لا دليل له. # قالوا: ربما اطلع واحد منهم على خبر يخالف. # قلنا: بعيد خفاؤه على جملة المجتهدين، ولو سلم، يترك، لأنه ظني لا يقاوم ~~القاطع، كما لو انقرضوا، ووجد الخبر. # قالوا: فلا يجوز رجوع المجتهد عن اجتهاده، إذا لاح له دليل. # قلنا: يجب عليه الرجوع، ولا قدح في الإجماع. PageV03P152 # قوله: "انقراضهم كلهم"، منصوب مفعول "شرطوا" وقوله: "أو غالبهم، أو ~~علمائهم" معطوفان على المجرور، أي من قال: إن العامي معتبر شرط انقراض ~~الكل، والذي لم يعتبره شرط انقراض العلماء، والذي يقول: بانقراض الغالب، هو ~~الذي لا يقدح مخالفة النادر عنده في الإجماع. # هذا حاصل كلامه، وعليه شراح كلامه (¬1). وليس بسديد: لأنه يلزم منه أن ~~المذكورين من أحمد، وابن فورك، وسليم، مختلفون في المسألة بعضهم شرط موافقة ~~العامي، وبعضهم لا يبالي بمخالفة النادر، وليس الأمر كذلك، إذ لم ينقل عن ~~أحد منهم ما لزم من هذا الكلام، مع أن الكلام في حجية الإجماع قبل ~~الانقراض، وقد تقدم عن المصنف: أن من شرط وفاق العامي إنما شرطه في إطلاق ~~الأمة لا في الحجية، فتأمل! # وقيل: [لا ينعقد] (¬2) في السكوتي لضعفه، بخلاف القولي. PageV03P153 # وقيل: ينعقد فيما لا مهلة فيه، مثل قتل النفس، واستباحة الفروج. # وقيل: إن كان الباقي أقل من عدد التواتر، فلا اعتبار بهم، وأما إذا كان ~~الباقي ms291 عدد التواتر، فإنهم إذا رجعوا لم يبق الإجماع حجة (¬1). # وقد عرفت الجواب عن الكل بأن أدلة حجية الإجماع لا فرق فيها بين صورة، وصورة. # وإذا قلنا: إن الانقراض ليس بشرط، فكما انعقد صار حجة، ولا يحتاج إلى مدة. # وفرق الإمام بين القاطع والظني، أي: إذا كان سند الإجماع قطعيا، ومات ~~المجمعون بعده بلحظة، فهو حجة، وأما إذا كان ظنيا، فلا (¬2). # والجواب: ما تقدم من الأدلة السمعية الدالة على عصمة أهل الإجماع مطلقا. # وبقيد الأمة، علم عدم حجية إجماع الأمم السابقة: لأن العصمة من خواص هذه ~~الأمة، وفي الأدلة تصريح بذلك (¬3). PageV03P154 # وإن قلنا: بأن قولهم حجة بناء على أن [شرع] (¬1) من قبلنا شرع لنا، ما لم ~~يرد ناسخ، لكن ليس في قوة الإجماع. # والإجماع لا يكون إلا عن سند من الدلائل الشرعية (¬2)، إذ القول بدون ~~السند باطل: لأنه يوجب التشريع بعد صاحب الشرع. # قيل: إذا كان عن سند، فما فائدة الإجماع؟ أجيب: بأن فائدته رفع الخلاف. # قوله: "وأنه قد يكون عن قياس". PageV03P155 # أقول: قد تقدم، - منا، وسيأتي من كلام المصنف -: أنه لا بد للإجماع من ~~مستند، فذلك المستند قد يكون قياسا: لأنه أحد الأدلة الشرعية (¬1). # ومنع الظاهرية تارة الجواز، وأخرى الوقوع (¬2)، قيل: منع ذلك الجواز، أو ~~الوقوع مطلقا، وقيل: هما في الخفي، دون الجلي (¬3). # وقد علمت: أن الأدلة على حجية الإجماع لا تفرق بين سند، وسند، مع أنه قد ~~وقع الإجماع عن القياس مثل: إمامة أبي بكر، قالوا: "رضيك لديننا، أفلا ~~نرضاك/ ق (97/ أمن ب) لدنيانا" (¬4). PageV03P156 # وكذا تحريم شحم الخنزير ثابت إجماعا، قياسا على لحمه (¬1)، وكذا وقوع ~~الفأرة في الشيرج (¬2) قياسا على السمن (¬3). PageV03P157 # ثم أهل العصر المجمعون إما أن يكون إجماعهم بعد سبق خلاف، أم بدونه، ولا ~~خلاف في الأول، وأما الثاني: فلا يخلو إما أن لا يكون الخلاف مستقرا ~~كالإجماع على قتل مانعي الزكاة، في خلافة الصديق (¬1) / ق (96/ ب من أ) رضي ~~الله عنه، فذلك جائز خلافا للصيرفي منا، وإذا جاز لأهل العصر ذلك جاز لمن ~~حدث بعدهم، إذ لا ms292 فرق بين إجماعهم، وإجماع من بعدهم (¬2). # وأما إذا استقر الخلاف برهة من الزمان، فهل يجوز الإتفاق على أحد ~~القولين؟ منعه الإمام، وجوزه الآمدي مطلقا سواء كان المستند قاطعا، أم لا، ~~أي: مستند اختلافهم (¬3). PageV03P158 # وقيل: إن كان قاطعا، فلا يجوز، وإلا يجوز. # والحق: أن من لم يشترط انقراض العصر جوزه بعضهم، ومنعه آخرون. # ومن اشترط الانقراض، فلا خلاف في جوازه عندهم، لأن الانقراض لما كان شرطا ~~في الإجماع، وهم لم ينقرضوا، فلا إجماع منهم على ذلك الخلاف، إذ لا يتم ~~اتفاقهم على ذلك الخلاف إلا بموتهم. # وما نقله المصنف من الإمام، من عدم الجواز، ومن الآمدي من الجواز الصواب عكسه. # قال الإمام - في المحصول -: "اتفاق أهل العصر على أحد القولين منهم من ~~جعله إجماعا، وهو المختار: لأن الصحابة اختلفوا في الإمامة، ثم اتفقوا" ~~(¬1). PageV03P159 # هذا في العصر الأول، الذين فرض استقرار خلافهم، وأما الذين نشؤوا بعدهم، ~~وهم أهل العصر الثاني، هل يجوز منهم الاتفاق على أحد قولي العصر الأول، مع ~~تطاول الزمان؟ فيه خلاف. # ذهب الأشعري، وأحمد، والإمام الغزالي، إلى امتناعه (¬1)، وهو مختار ~~المصنف، تمسكا بالعادة، إذ هي قاضية بأنه لو كان دليل على بطلان أحدهما ~~لاطلع عليه أهل العصر الأول. وهذا كما ترى مجرد استبعاد. # قيل: لو وقع ذلك لوقع التعارض بين الإجماعين، ولا تعارض بين القطعيين، ~~وإنما يقع التعارض لأن أهل العصر الأول أجمعوا على جواز العمل بكل منهما، ~~وأهل العصر الثاني على أحدهما فقط. # الجواب: أهل العصر الأول لم يسوغوا العمل بكل منهما، بل كل طائفة تسوغ ~~القول الذي تقول به، ومثله ليس من الإجماع في شيء. PageV03P160 # والحق الذي لا محيد عنه أنه جائز، بل واقع، لاختلاف الصحابة في بيع أمهات ~~الأولاد، مع إجماع من بعدهم على عدم الجواز (¬1)، لكنه قليل جدا. # وقد علم من تعريف الإجماع أن أقل ما قيل، مجمع عليه كدية الكتابي عند ~~الشافعي، فإنه قيل: كدية المسلم، وقيل: نصفه، وقيل: ثلثه (¬2)، PageV03P161 # فأخذ به الشافعي لاتفاق الكل عليه (¬1)، وكمسح الرأس، فإنه إما الكل، أو ~~الربع، أو ms293 أقل ما ينطلق عليه اسم المسح، فأخذ به، هذا إذا لم يدل دليل على ~~الزيادة، فإذا دل مثل الغسلات السبع في الولوغ، فالمعول عليه هو دليل ~~الزيادة. PageV03P162 # ولقائل أن يقول: إذا كان الأقل مجمعا عليه كيف يجوز له العدول عنه بدليل ~~ظني (¬1)؟ # قوله: "أما السكوتي، فثالثها حجة لا إجماع". # أقول: الإجماع السكوتي: هو أن يفتي واحد بحضرة جمع، ولم ينكر عليه أحد ~~منهم، ومحله قبل استقرار المذاهب، وأما بعده لا يدل السكوت على الموافقة ~~اتفاقا، لأن الإنكار غير معتاد. # إذا تقرر هذا، فنقول: قيل: إنه ليس بحجة، ولا إجماع، ونقله القاضي عن ~~الشافعي، وهو المشهور عنه (¬2)، وإنما لم يكن حجة لاحتمال التوقف، أو ~~الذهاب إلى تصويب كل مجتهد. # وقيل: حجة، وإجماع، حكاه الآمدي عن بعض الشافعية (¬3). PageV03P163 # وقيل: حجة، وليس بإجماع إليه ذهب الصيرفي، واختاره الآمدي (¬1). # وقيل: إجماع بشرط انقراض العصر، وإليه ذهب بعض الشافعية، وادعى أنه ~~المذهب، وبه قال الجبائي من المعتزلة (¬2). # وقيل: إن كان فتيا، فإجماع، وإن كان حكما، فلا، وإليه ذهب ابن أبي هريرة (¬3). # وإلى عكسه ذهب الشيخ أبو إسحاق المروزي (¬4): لأن الحاكم لا يصدر عنه، ~~الحكم / ق (97/ أمن أ) إلا بعد تشاور (¬5). PageV03P164 # وقيل: إن كان في شيء يفوت استدراكه، كإراقة دم، فإجماع، لأن العادة تقضي ~~بالإنكار، وعدم السكوت في مثله (¬1). # وقيل: إن كان الساكتون أقل، فإجماع، وإلا فلا، وإليه ذهب بعض الحنفية (¬2). # واختار المصنف: أنه حجة إذ يبعد سكوت الكل مع اعتقادهم عدم مشروعية ذلك ~~القول، فإن علم اتفاقهم، فكان إجماعا، وإلا فدليل ظني كأخبار الآحاد، ~~والقول: بأنه ربما توقف مهابة من المفتي، أو توقف في (¬3) / ق (97/ ب من ب) ~~الاجتهاد لعدم الظهور، أو خاف الفتنة، لا يدفع الظهور، الذي هو كاف في الظن ~~الكافي، في حجية الدليل. # وأما كونه إجماعا حقيقة مبني على أن السكوت المجرد عن أمارة الرضا، ~~والسخط - والحال أن كل المجتهدين، قد اطلعوا على مستنده، وتمكنوا من التأمل ~~فيه بأن مضى مدة تسع ذلك، وتكون المسألة تكليفية، واحترز بذلك عن تفضيل شخص ~~على ms294 آخر، إذ لا تكليف بذلك - هل يغلب على الظن موافقة الساكت للقائل، أم ~~لا؟ فمن قال به، فهو إجماع عنده حقيقة، ومن قال: لا، فلا. هذا حاصل كلام ~~المصنف، وفيه نظر، أما أولا: فلأن قوله: وتسميته إجماعا خلف لفظي، لا وجه ~~له، لأن PageV03P165 # المذهب الثاني القائل: بأنه إجماع، يريد به حقيقة الإجماع، والثالث ~~القائل: بأنه ليس بإجماع، بل حجة، يريد نفي كونه إجماعا حقيقة، يظهر ذلك من ~~النظر في دلائل المذهب الثاني، ورد الثالث عليه على ما أشرنا إليه. # وأما ثانيا: فلأن قوله: هل يغلب ظن الموافقة، صريح في أن ذلك كاف في ~~صيرورته إجماعا حقيقة. وليس كذلك، إذ غلبة الظن لا تفيد إلا الظهور، وهو ~~غير كاف في الدليل القطعي. # وبعض الشارحين (¬1) - في هذا المقام - لا يدري ما يقول، ولولا خوف ~~الإطالة أوردنا كلامه ليتعجب الناظر فيه. # وإذا علم حال الإجماع السكوتي، فكذا حال غير المنتشر، بأن أفتى واحد، ولم ~~يعرف ذلك مجتهدو عصره، ولم يظهر له مخالف. # مختار المصنف: أنه حجة، وليس بإجماع، والأكثرون على خلافه لأنه لو بلغهم ~~لربما خالفوا، فهذا أحط رتبة مما تقدم (¬2). # وقال الإمام الرازي: حجة فيما تعم به البلوى، كنقض الوضوء بمس الذكر ~~(¬3)؛ لأنه لا بد من خوض غير القائل فيه، ويكون موافقا لأنه لو خالف لظهرت ~~المخالفة. PageV03P166 # ثم المجمع عليه، قد يكون أمرا دنيويا، كتدبير الحروب، والجيوش، ودينيا ~~كالصلاة، والزكاة، وعقليا، لا تتوقف صحة الإجماع عليه كحدوث العالم، ووحدة ~~الصانع، وأما ما يتوقف ثبوت الإجماع عليه كوجود الباري، والنبوة، فلا، وإلا ~~يلزم الدور (¬1). هذا كلام المصنف، وعليه شراحه (¬2). # وفيه نظر: لأن الأمر الدنيوي لا معنى للإجماع عليه، لأنه ليس أقوى من ~~قوله - صلى الله عليه وسلم -، وهو ليس دليلا لا يخالف فيه (¬3)، يدل عليه ~~قضية PageV03P167 # التلقيح حيث قال: "أنتم أعلم بأمور دنياكم" (¬1)، والمجمع عليه لا يجوز خلافه. # وما ذكروه من أمر الحروب، ونحوها إن أثم مخالف ذلك، فلكونه شرعيا، وإلا ~~فلا معنى لوجوب اتباعه (¬2)، وكذا العقلي لا معنى للإجماع فيه: لأنه إن ms295 كان ~~قطعيا بالاستدلال، فما فائدة الإجماع فيه؟ إلا تعاضد الأدلة، لا إثبات ~~الحكم ابتداء (¬3). PageV03P168 # قال الإمام - في البرهان -: "أما ما ينعقد الإجماع فيه، فالسمعيات، ولا ~~أثر للوفاق في المعقولات، فإن المتبع في العقليات الأدلة القاطعة، فإذا ~~انتصبت لم يعارضها شقاق، ولم يعضدها وفاق" (¬1)، هذا كلامه. # ثم نقول: أي فائدة في الإجماع في العقليات، مع أنه لا يجوز التقليد فيها، ~~ولو كان الإجماع حجة كسائر الأحكام لم يجز إلا (¬2) / ق (97/ ب من أ) ~~التقليد فيها، وعدم المخالفة. # والمصنف اغتر بكلام الإمام في المحصول (¬3)، وابن الحاجب. # وقد أوضحنا لك المقام، فدع عنك الأباطيل، والأوهام، والله ولي الإنعام. # وقد علم من إطلاق المجتهد أمران: # أحدهما: عدم اشتراط الإمام المعصوم على ما زعم بعض الشيعة (¬4). PageV03P169 # والثاني: وجود المستند، قطعيا، أو ظنيا، وإلا لم يكن لقيد الاجتهاد معنى. # قوله: "مسألة: الصحيح إمكانه". # أقول: يجب على القائل بحجية الإجماع النظر في أمور أربعة: # الأول: في إمكانه. # الثاني: في إمكان العلم به بعد انعقاده. # الثالث: فيمن نقل الإجماع. # الرابع: في حجيته بعد نقله. # وقد تقدم من المصنف أن نقله بطريق الآحاد مقبول، وأدرج إمكان العلم به في ~~إمكانه نفسه. # فنقول: وقوع الإجماع على حكم من الأحكام أمر ممكن، خلافا للنظام، وبعض ~~الشيعة (¬1). PageV03P170 # قالوا: يستحيل ثبوته عنهم عادة لخفاء بعضهم، أو انقطاعه، أو أسره، أو ~~حموله، أو رجوعه قبل قول الآخر، ولو سلم، فنقله بعيد إذ الآحاد لا تفيد، ~~والتواتر بعيد. # الجواب: ما ذكرتموه استبعاد مجرد، ونقل الآحاد مقبول، مع التواتر في بعض ~~الصور، مثل اتفاقهم على تقديم القاطع على المظنون. لم يخالف / ق (98/ أمن ~~ب) في ذلك أحد. # وأما كونه حجة، فبالإجماع، ولا عبرة بقول النظام، والشيعة، لأنهم أهل ~~الأهواء، ومع ذلك نشؤوا بعد الاتفاق على حجيته، فهم محجوجون (¬1) به، وكذا ~~ما نقل عن الإمام أحمد (¬2). PageV03P171 # وأما إجماع اليهود، والنصارى، والفلاسفة، فغير وارد، لأن العصمة من خواص ~~هذه الأمة. # وبالكتاب قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع ~~غير سبيل المؤمنين} [النساء: 115] , وإن ms296 كان ظاهرا ليس قطعيا لاحتمال أن ~~يريد سبيلهم في متابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أو مناصرته، أو ~~الاقتداء به، أو في الإيمان، لكنه يصير قطعيا بملاحظة الحديث المتواتر ~~معنى، وهو قوله: "أمتي لا تجتمع على الضلالة" لأنه روي بألفاظ مختلفة، ~~والقدر المشترك منه متواتر، وذلك يصلح بيانا لما في الآية. # قالوا: قوله - في وصف الكتاب -: {تبيانا لكل شيء} [النحل: 89]. يقتضي ~~رجوع الأحكام كلها إليه. # الجواب: كونه تبيانا لا يمنع كون غيره تبيانا أيضا لأنه أعم من أن يكون ~~بنفسه، أو بواسطة الإجماع، أو القياس، والنقض بالسنة، فإنه دليل عند ~~المخالف. PageV03P172 # قالوا: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59]، ~~فانحصر المرجع في الكتاب، والسنة. # الجواب: مخصوص بالصحابة، ولو سلم فالمجمع عليه لا نزاع فيه ليرد إلى ~~أحدهما، ولو سلم، فظاهر لا يعارض قاطعا (¬1). # وإذا ثبت كونه حجة، فهو دليل قطعي، فيما اتفق المعتبرون، بكسر الباء، أي: ~~المجتهدون، كما إذا صرح كل منهم بالحكم، لا حيث اختلفوا، كما في السكوتي ~~(¬2)، وكان الأولى أن يقول: لا حيث لم يتفقوا - لأن الساكت لا يوصف بالخلاف ~~- وما ندر فيه المخالف عند من يجعله حجة. PageV03P173 # وذهب الإمام الرازي، والآمدي، على كونه ظنيا، مطلقا لأن المجمعين عن ظن ~~لا يستحيل خطوهم (¬1). # وخرقه بالمخالفة حرام، الضمير راجع إلى الإجماع القطعي (¬2)، وحرمته، إذا ~~لم يعتقد حله، وإذا اعتقد حله، فهو كفر إن نقل تواترا. # ويتفرع على هذا إحداث قول ثالث بعد اتفاق العصر الأول على القولين (¬3). ~~مثال ذلك: اختلف في البكر إذا وطئها المشتري، ووجد بها عيب: PageV03P174 # قيل: ترد/ ق (98/ أمن أ) مع الأرش، وقيل: لا ترد بوجه (¬1)، فالقول: ~~بأنها ترد مجانا خارق لذلك لإجماع. # وكالأخ مع الجد، قيل: المال كله للجد، وقيل: بالمقاسمة (¬2)، فالقول: ~~بحرمان الجد خارق، وغير الخارق لا يضر، مثاله: متروك التسمية سهوا يحل عند ~~أبي حنيفة، ويحل في السهو، والعمد عند الشافعي، وقيل: يحرم مطلقا. # فالفارق بين السهو، والعمد، موافق لمن أطلق في بعض ما قاله. PageV03P175 # ومثال التفصيل الخارق ما لو قيل: ms297 بتوريث العمة، دون الخالة، أو العكس ~~لأنهما من ذوي الأرحام (¬1)، وهو علة التوريث (¬2)، فحرمان PageV03P176 # إحداهما دون الأخرى تفصيل خارق (¬1). # ومثال غير الخارق: القول: بوجوب الزكاة في مال الصبي (¬2)، دون الحلي ~~المباح، وعليه الشافعي، وقيل: بالوجوب فيهما، وقيل: بعدمه، فالمفصل موافق ~~لغير المفصل في بعض ما قاله. PageV03P177 # وأما إحداث الدليل، أو التأويل لدليل إقامة أهل العصر الأول ليوافق غيره، ~~أو إبداء علة لحكم لم يبدوه. # الأكثر على جوازه إن لم يكن خارقا، وذلك بأن لم ينصوا على بطلانه، فإن ~~نصوا، فلا يجوز خلافهم لأنه خرق له. # قيل: لا يجوز مطلقا: لأنه ليس سبيل المؤمنين (¬1). # الجواب: الفرض فيما لم يتفقوا على منعه. # قيل: قوله: {تأمرون بالمعروف} [آل عمران: 110] (¬2)، فلو كان معروفا ~~لأمروا به. # الجواب: المعارضة بقوله: {وتنهون عن المنكر} [آل عمران: 110]، فلو كان ~~غير جائز لنهوا عنه. # قوله: "وأنه يمتنع ارتداد الأمة في عصر". PageV03P178 # أقول: هل يجوز ارتداد أمته صلى الله عليه [وسلم] (¬1) في عصر، أم لا؟ # الصحيح امتناع ذلك سمعا لقوله: "أمتي لا تجتمع على الضلالة" وانعقد ~~الإجماع عليه (¬2). # قيل: الارتداد يخرجهم عن الأمة، فلا منافاة. # الجواب: يصدق أن الأمة ارتدت، وذلك خلاف ما انعقد عليه الإجماع. # وأما الاتفاق على الجهل بشيء، فلا مانع منه، إذا لم يكن مكلفا به لأن ذلك ~~لا يقدح في أصل من الأصول (¬3). PageV03P179 # وأما خطأ طائفة في مسألة تشابه مسألة أخرى أخطأ فيها طائفة، فلا منع منه ~~(¬1)، إذ لم يتفقوا في الخطأ لاختلاف المحل (¬2)، حتى لو أصاب الطائفتان لم ~~يكن هناك إجماع، ولا يليق بعاقل أن يخالف هذا. # ويتفرع على الأصل المذكور، - وهو عدم جواز خرق الإجماع - عدم جواز إجماع ~~لاحق (¬3) / ق (98/ ب من ب) يضاد إجماعا سابقا (¬4). PageV03P180 # ولا يمكن أن يعارض الإجماع دليل: لأنه إما قاطع، فلا تعارض بين القطعيات، ~~وإما مظنون، فلا يصح معارضا للقاطع. # وإذا وافق الإجماع خبرا لا يدل على أنه سنده، بل ذلك هو الظاهر، إذا لم ~~يوجد غيره (¬1)، وهذا كلام قليل الجدوى ولذلك تركه كثير من المتأخرين. # قوله: "خاتمة". # أقول: ms298 المجمع عليه إما أن يكون من الدين، أو لا، وإنكار الثاني لا يقتضي ~~كفرا، بل كذب صريح، وما هو من الدين، أما أن يعلم ضرورة كونه من الدين، ~~كوجوب الصلاة، والزكاة يكفر جاحده (¬2)، وكذا PageV03P181 # المشهور بين الناس، المنصوص عليه كحل البيع، لأن إنكاره تكذيب للشارع، ~~وأما إذا لم يكن منصوصا، ولكن مشهورا، ففيه تردد، واختار النووي أنه كفر، ~~وهو الذي يعتقد لكونه موافقا للنصوص، والقول: بأنه لا يكفر يخالف نص الشارع ~~على عصمة الأمة، وأما إذا لم يشتهر، ولو كان منصوصا لا يكفر، كتوريث بنت ~~الابن السدس مع بنت الصلب، وكفساد الحج بالوطء قبل الوقوف. # * * * PageV03P182 ### | AUTO الكتاب الرابع في القياس، ومباحثه PageV03P183 # الكتاب الرابع في القياس # قوله: "الكتاب الرابع في القياس". # أقول: رابع الأدلة، المتفق عليها بين الأئمة الأربعة القياس (¬1). # وهو الرتبة العظمى بعد النبوة إلى خص الله بها من شاء من عباده (¬2) / ق ~~(98/ ب من أ) الذين مهدوا الشريعة الغراء، وشيدوا أركان الحنيفية السمحاء، ~~ناطوا الفروع بالأصول، وألحقوا المعقول بالمنقول، جلوا عرائس الأحكام مناط ~~الفكر، ونثروا عليها فرائد الكتاب والخبر، حفظوا الأصول من الزيادة ~~والنقصان، مع تزايد الفروع إلى انصرام الزمان، فيا فوز من كان معدودا من ~~حزبهم، أو ناله شربة من شربهم، عليهم من الله رحمة توازي عناءهم في إظهار ~~دينه، ونصرهم لشرعة نبيه، وأمينه، وحشرنا في زمرتهم، وإن لم نكن من جملتهم. PageV03P185 # ولما كان الحكم على الشيء فرع تصور ماهيته، عرفه المصنف، بأنه "حمل معلوم ~~على معلوم في علة حكمه عند الحامل". وهو أحسن التعاريف، نقله الإمام عن ~~القاضي أبى بكر (¬1). وبالقيد الأخير دخل الفاسد، وإن شئت تعريف الصحيح ~~حذفته، فينحصر فيه. # وهو حجة في الأمور الدنيوية (¬2)، نقله عن الإمام الرازي، وأما في ~~العقلية، والسمعية، قال: بمنع القياس فيهما عقلا بعض PageV03P186 # الشيعة (¬1)، والنظام (¬2). وسمعا ابن حزم (¬3)، وكذا داود الأصفهاني، هو ~~المشهور عنه، وقيده المصنف فيما عدا الجلي (¬4). PageV03P187 # وأبو حنيفة: في الحدود، والكفارات (¬1)، والرخص. PageV03P188 # وقوم: ذهبوا إلى عدم جوازه ما دام يوجد النص (¬1) # وقوم: في الأسباب، والشروط، والموانع (¬2). PageV03P189 # وقوم: ms299 في أصول العبادات، مثل قياس الصلاة بالإيماء على الصلاة قاعدا (¬1). # وقوم: القياس الجزئي الذي تدعو إليه حاجة، إذا لم يكن من الشارع نص، ~~كضمان الدرك، وهو ضمان الثمن للمشتري، إن خرج الثمن [للمبيع] (¬2) مستحقا. # القياس: عدم جوازه، لكونه ضمان ما لم يجب (¬3). وذهب إليه الجمهور لعموم ~~الحاجة. # وآخرون: في العقليات (¬4). PageV03P190 # وطائفة أخرى: في النفي الأصلي (¬1)، والقياس في اللغة، قد تقدم بحثه (¬2). # ونحن نذكر أدلة المذهب الصحيح، ونورد المذاهب المردودة، مع أجوبتها. ~~فنقول: القائلون: بعدم امتناع القياس عقلا، وشرعا، منهم من قال: بوجوب ~~وقوعه في الشرعيات، لئلا تخلو الوقائع عن الأحكام، إذ النصوص لا تفي ~~بالحوادث (¬3). PageV03P191 # الجواب: تفي بأصول الأحكام، وأجناسها، فينص على جميع الأحكام بالعمومات. # والقائلون: بجوازه عقلا، منهم من قال: بعدم وقوعه، إليه ذهب النهرواني ~~(¬1)، والقاشاني (¬2). # والقائلون: بالوقوع اختلفوا في طريق ثبوته، منهم من قال: طريق ثبوته العقل. # والجمهور: على أنه السمع، وهؤلاء فرقتان: منهم من يقول: ثبوته ظني، ومنهم ~~من يقول: قطعي، وهذا هو المختار (¬3). PageV03P192 # لنا - على المختار -: إجماع الصحابة على العمل به من غير نكير، وشاع ذلك ~~وذاع حتى كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: "اعرف الأشباه والنظائر، وقس ~~الأمور برأيك" (¬1). وحديث عمر حيث سأل عن قبلة الصائم، فقال: "أرأيت لو ~~تمضمضت، ثم مججته، أكنت شاربه! ؟ " (¬2). وحديث معاذ حيث ذكر بعد الكتاب، ~~والسنة رأيه، وقرره عليه. PageV03P193 # وحديث الخثعمية، المشهور (¬1)، فإنه قاس - صلى الله عليه وسلم - دين الله ~~على دين العباد، بالطريق الأولى/ ق (99/ أمن ب) فكان قياسا جليا. # وبالجملة الأحاديث الدالة على مشروعيته متواترة المعنى، والآيات الدالة ~~عليه. وإن كان دلالتها ظاهرة، والأصول لا تثبت بالظواهر، إلا أنها من حيث ~~الجملة قطعية الدلالة. PageV03P194 # منها: قوله تعالى: {فاعتبروا ياأولي الأبصار} [الحشر: 2]، والاعتبار، رد ~~الشيء إلى نظيره، ومنها: ردا على منكري البعث: {فسيقولون من يعيدنا/ق (99/ ~~أمن أ) قل الذي فطركم أول مرة} [الإسراء: 51]، {وهو الذي يبدأ الخلق ثم ~~يعيده وهو أهون عليه} [الروم: 27]، {قال من يحي العظام وهي رميم (78) قل ~~يحييها الذي أنشأها أول مرة} [يس: 78, 79] , {إن هم إلا ms300 كالأنعام} ~~[الفرقان: 44]. # وبالجملة: جميع ما في القرآن من التشبيهات، والاستعارات لا يخلو عن إلحاق ~~فرع بأصل في حكم بعلة جامعة، فالمتأمل لا يتوقف في حجية القياس. # المانع - عقلا -: لا يؤمن الغلط، فيجب تركه. # قلنا: لا خطر لأنه إما مصيب، فله أجران، أو مخطئ، فواحد. # المانع - شرعا -: النصوص كافية. الجواب: المنع. # المجوز في الجلي - وهو ما قطع فيه بعدم الفارق بين الأصل، والفرع، أو ما ~~يكون الحكم في الفرع أولى -: يؤمن فيه الغلط، بخلاف الخفي. الجواب: هو جواب ~~المانع عقلا. # الحنفية: لا يعقل المعنى في الحدود، والكفارات، وتعقله شرط القياس. # الجواب: منع ذلك في الجميع، فيلحق الفرع بالأصل، حيث عقل، كقياس النباش ~~على السارق في وجوب القطع، بجامع أخذ مال الغير من الحرز بخفية. PageV03P195 # وكفى دليلا إجماع الصحابة على إلحاق حد شارب الخمر حين تشاوروا، فقال ~~علي: "إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فأرى عليه حد المفتري" ~~(¬1). وعليه انعقد الإجماع (¬2). PageV03P196 # قالوا: قوله: "ادرؤوا الحدود بالشبهات" دليل واضح لأن القياس ظني بلازمة ~~الشبهة. # قلنا: معارض بخبر الواحد، والشهادة. فإن الحدود تثبت بهما إجماعا، مع ~~وجود الشبهة فيهما. # القائل: بحجيته اضطرارا في واقعة لا يوجد فيها، احتمال الغلط قائم في ~~القياس، فحيث لا واقعة على الوصف المذكور، لا فائدة مع احتمال الضرر. # الجواب: دلائل الحجية لا تفرق بين قياس وقياس، والفائدة تحرير المسألة ~~لوقت الحاجة. # القائل: بعدم جريانه في الأسباب، والشروط، والموانع، الوصف الذي هو سبب، ~~أو شرط، أو مانع لو شاركه غيره في معناه، لكان السبب هو القدر المشترك وإذا ~~لم يشاركه لا إلحاق هناك، وهذا مختار الآمدي، وابن الحاجب، والشارح المحقق ~~(¬1). PageV03P197 # واختار المصنف: جريان القياس فيها: لأن أدلة القياس عامة، ولأن الأشياء ~~المذكورة من قبيل الأحكام الوضعية، فلا بد من الجريان فيها، ولا إلحاق إلا ~~حيث يوجد به الاشتراك. # قولكم: إذا وجد يكون هو العلة، ممنوع، إذ ربما كانت في الأصل منصوصة دون ~~الفرع، كالزنى مع اللواط، فإن الأول له أصل يشهد له. # والحق: إن إثبات هذا على ms301 وجه التحقيق بعيد. # القائل: بعدم جوازه في أصول العبادات كالصلاة إيماء قياسا على القعود ~~بعلة العجز، هذه الأصول مما تتوفر الدواعي على نقلها، لو كان مشروعا لنقل. # الجواب: ما تقدم من عدم تفرقة الأدلة. # القائل: بالعدم في الجزئي الذي لم يشهد له أصل، كضمان الدرك، فإنه لا ~~يعقل ضمان ما لم يجب. # الجواب: خولف في ذلك للضرورة حفظا على الحقوق، وعبارة المصنف تساعد هذا ~~المعنى، فإنه ذكره في سياق المذاهب المزيفة، وإذا كان المنع من القياس ~~الجزئي الحاجي مزيفا يكون خلافه صحيحا، ومثال ذلك بضمان الدرك غير صحيح ~~لأنه ليس من القياس الحاجي في شيء، بل هو مستثنى من القياس للضرورة. # القائل: في العقليات لا يصح: لأن العقل كاف، ولأن العقل أحكامه قطعية، ~~والقياس ظني. PageV03P198 # الجواب: ما تقدم من عموم أدلة القياس من غير فرق، والدليل العقلي ربما ~~يكون إمارة (¬1) / ق (99/ ب من أ). # القائل: بعدم جوازه في النفي الأصلي بأن يبحث المجتهد، فلم يجد دليلا ~~عليه، ثم وجد شيئا آخر يشبه الأول، فهل يجب البحث عنه، أو يقاس على الأول، ~~فلا يبحث عنه؟ لهم فيه خلاف، مختار المصنف جوازه، وهو الظاهر إذ لا فارق ~~بينه، وبين سائر الأقيسة. # لا يقال: العدم الأصلي أزلي كيف يعلل؟ لأنا نقول: العلل الشرعية. معرفات. ~~فتكون إمارات، بل الدليل العقلي يجوز تاخره عن المدلول كالعالم للصانع. # قوله: "إلا في العادية". # أقول: هذه أمور تمنع القياس - ذكرها المصنف بعد كونه دليلا يظن جريانه ~~مطلقا - منها: العاديات، كأقل الحيض، وأكثره (¬2)، فلا يجري فيها القياس، ~~لأن شرط القياس أن يكون الأصل معقول المعنى، والخلقية عطف تفسير للعادية. PageV03P199 # ومنها: جميع الأحكام، فإن منها ما لا يعقل فيها المعنى، فلا وجه للقياس، ~~كما تقدم (¬1). # ومنها: الأصل المنسوخ لا يقاس عليه لخروجه عن صلاحية القياس (¬2)، وكان ~~الأولى تأخير هذا ليذكره مع شروط الأصل لأنه منها. PageV03P200 # ومنها: نص الشارع (¬1) / ق (99/ ب من ب) على العلة في صورة ليس ذلك أمرا ~~بالقياس، بل فائدته ثبوت الحكم معللا، فإنه أوقع في النفس. . وقيل: ms302 أمر به ~~مطلقا. وقيل: في الترك دون الفعل، كما إذا قال: حرمت الخمر لإسكارها، ~~احتياطا، وفرارا من المفسدة (¬2). PageV03P201 # قوله: "وأركانه أربعة". # أقول: القياس مركب من أمور أربعة (¬1): الأول الأصل، وهو المقيس عليه، ~~أي: محل الحكم المشبه به كالخمر الذي شبه به النبيذ في الحرمة. # وقيل: حكم المشبه به. # وقيل: دليل الحكم كالنص الدال على حرمة الخمر (¬2). PageV03P202 # وأما الفرع، فعلى الأول محل الحكم المشبه (¬1) إلى المقيس، وعلى الثاني ~~حكمه، ولا يمكن القول: بأن الفرع دليل الحكم في المشبه، لأن دليله هو ~~القياس. # ولما كان الأصل ما يبتنى عليه الشيء، فالمعاني المذكورة كلها محتملة إلا ~~أن الأقرب ما قدمه المصنف: [لأنه] (¬2) عرف الفقهاء في [نصب] (¬3) الخلاف، ~~وتحرير المباحث على ذلك. # وإذا علم معنى الأصل - وقد ثبت حجية القياس مطلقا - فلا يحتاج إلى دليل ~~دال على جواز القياس على ذلك الأصل بشخصه، أو نوعه، بل حيث كان المعنى ~~معقولا، للقياس فيه مجال، وكذا لا حاجة في إثبات العلة PageV03P203 # على اتفاق الأمة على وجود العلة في الأصل، بل حيث استنبطها المجتهد له ~~القياس (¬1). # قوله: "الثاني حكم الأصل". # أقول: الركن الثاني من الأربعة حكم الأصل، وله شروط: منها أن لا يكون ~~ثبوته بالقياس، إذ لو كان كذلك. فإما أن تكون العلة متحدة في القياسين، كما ~~إذا قاس السفرجل على التفاح في كونه ربويا [بعلة] (¬2) الطعم، وحكم التفاح ~~ثابت بالقياس على البر، فلا فائدة في الواسطة، بل يقاس على البر ابتداء، ~~وإن لم تتحد العلة فيهما، فلا تعقل التعدية (¬3). PageV03P204 # مثاله: ما إذا قاس الجذام (¬1) في كونه عيبا يفسخ به البيع، فيفسخ به ~~النكاح كالرتق (¬2). فإذا منع كون الرتق مما يمنع به البيع. # أجاب المستدل: بأنه مفوت للاستمتاع، كالجب (¬3)، فهذه العلة ليست موجودة ~~في الجذام. # قيل: ولا يجوز أن يكون حكم الأصل ثابتا بالإجماع إلا أن يعلم النص الذي ~~استند عليه الإجماع. وليس بشيء: لأن الإجماع أقوى الأدلة دلالة. فلا وجه ~~لذلك القول، إلا أن يتوهم أن الإجماع ربما استند إلى القياس، وقد علم أن ~~حكم الأصل ms303 لا يجوز أن يكون ثابتا بالقياس. PageV03P205 # والجواب: أن ثبوت الحكم في المجمع عليه إنما هو بالإجماع / ق (100/ أمن ~~أ) لا بسنده ولو فرض كون سنده الكتاب (¬1)، والسنة. # وبعض الشارحين (¬2) حار في الأمر، فأتى بكلام لم يفهمه، هو ولا غيره قال: ~~"نعم يحتمل أن يكون الإجماع عن قياس، ويدفع بأن كون حكم الأصل حينئذ عن ~~قياس مانع في القياس، والأصل عدم المانع". # [ومنها: كون حكم الأصل معتبرا فيه القطع، واليقين، فلا يمكن الإلحاق به ~~لأن القياس لا يفيد القطع (¬3) على ما تقدم في أول الكتاب من أن الفقه من ~~الظنون] (¬4). # ومنها: كون حكم الأصل شرعيا. إذا استلحق المجتهد حكما شرعيا، فإنه لا ~~يتصور إلحاق الشرعي بغيره عقليا كان أو لغويا، وأما إذا كان القياس لغويا، ~~أو عقليا عند القائل بهما، فلا مانع. فلو قال - في PageV03P206 # النبيذ -: شراب مشتد، فيوجب الحد، كما يوجب الإسكار، أو كما يسمى خمرا. ~~كان خلفا من القول. # ولو قال: شراب مشتد، قذف بالزبد، فيلحق بماء العنب، الموصوف بما ذكر، ~~فيسمى خمرا، أو يلحق به في الإسكار، كان جائزا عند القائل بهما (¬1). # ومنها: كونه غير فرع (¬2)، إذا لم يظهر للوسط - على تقدير كونه فرعا - ~~فائدة، وهذا تكرار في كلامه بلا فائدة، لأنه قد تقدم أن شرط حكم الأصل أن ~~لا يكون ثابتا بالقياس. PageV03P207 # وقد نقل (¬1) عن المصنف الجواب: بأنه: يجوز إذا كان فائدة ذلك بأن نقيس ~~التفاح على الزبيب في الطعم، والزبيب على التمر في الطعم والكيل، والتمر ~~على الأرز في الطعم والكيل والتقوت، والأرز على البر في الطعم والكيل ~~والقوت الغالب، ولو قيس ابتداء التفاح على البر ربما منع كون الطعم علة ~~وهذا تخيل منه: لأن الذي يمنع كون مجرد الطعم علة متي سلم قياس التفاح على ~~الزبيب؟ وكون قياس الزبيب على التمر صحيحا لا يستلزم صحته. # ومنها: أن لا يكون معدولا عن سنن القياس، بأن لا يكون معقول المعنى، إما ~~بأن يخرج عن قاعدة مقررة كشهادة خزيمة، وبيع العرايا (¬2)، فإن المستثنى من ~~القاعدة لا يصلح أن ms304 يكون أصلا يقاس عليه، فلا تكون PageV03P208 # شهادة الصديق - رضي الله عنه - مثل شهادة خزيمة. وإن كان أعلى منه ~~اتفاقا. أو شرع ابتداء، كالقسامة (¬1)، إذ تحليف المدعي خمسين يمينا خارج PageV03P209 # عن سنن اليمين، وإنما فعل ذلك تغليظا في حقن الدماء، وإلا لم يتعذر ~~للأعداء القتل بغير مشهد الشاهدين، ولا للأشرار الذين لا يزعهم وازع/ ق ~~(100/ أمن ب) التقوى الحلف عليه، حلفة واحدة، فروعي الجهتان. # ومنها: أن لا يكون دليله شاملا لحكم الفرع، وإلا لا مزية لأحدهما على ~~الآخر، فلا يتصور أصالته. # مثاله: قياس الذرة على البر في عدم جواز التفاضل، فإذا منع في الأصل ~~فنقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تبيعوا الطعام بالطعام ~~إلا يدا بيد سواء بسواء" (¬1). PageV03P210 # ومنها: كون الحكم في الأصل متفقا عليه، إما مطلقا، أو بين الخصمين، وإنما ~~شرط إجماع الخصمين: لأنه إذا منعه يحتاج المستدل إلى إثباته، فيوجب ~~التطويل، ونشر الجدال (¬1). # وقيل: لا يشترط، وإلا لامتنع الاستدلال بمقدمة قابلة للمنع، وإليه ذهب ~~الشيخ ابن الحاجب (¬2)، وربما يفرق بين المقدمة، والحكم الشرعي. وعلى الأصل ~~المذكور، وهو كونه متفقا عليه بين الخصمين، هل يشترط اختلاف الأمة فيه؟ ~~قيل: يشترط، وإلا يكون مجمعا عليه، فلا يتأتى للباحث منعه، وليس بشيء، إذ ~~حجة منعه ليس أمرا ضروريا. # قوله: "فإن كان متفقا بينهما". PageV03P211 # أقول: من شروط حكم الأصل أن لا يكون القياس مركب الأصل، أو الوصف. مثل ~~الأول: قول الشافعي - في العبد المقتول عدوانا -: لا يقتل به الحر كالمكاتب ~~لأنه متفق عليه. فيقول الحنفي: العلة في المكاتب ليس كونه (¬1) / ق (100/ ب ~~من أ) عبدا، بل جهالة المستحق من السيد والورثة لاحتمال العجز، وأداء ~~النجوم، فإذا كان المستدل شافعيا، فالخصم بين أمرين، إما أن يمنع وجود ~~العلة في الفرع، وهو الجهالة، أو يمنع حكم الأصل، وهو عدم قتله بالمكاتب إن ~~أثبت العلة كونه عبدا، وعلى التقديرين لا يتم القياس. # وإنما سمي هذا مركب الأصل: لأن كل واحد من الخصمين ركب علته على حكم ~~الأصل المتفق عليه (¬2). # ومثال الثاني: أن يقال ms305 - في تعليق الطلاق قبل الدخول -: تعليق، فلا يصح، ~~كما إذا قال: زينب التي أتزوجها طالق، فالخصم بين أمرين، منع علة الأصل، ~~أي: يقول: لا تعليق في الأصل. بل هو تنجيزي، أو منع حكم الأصل إن ثبت أنه ~~تعليق، وعلى التقديرين لا يتم القياس، وإنما سمي مركب الوصف تميزا بينه ~~وبين الأول، فالحكم والوصف هنا متفق عليه، PageV03P212 # وهذا عند الأصوليين، وإما عند أهل الخلاف يقبلان: لأن المنع لا يوجب ~~البطلان (¬1)، غايته أنه يحتاج إلى إثبات العلة بوجه من الوجوه المعتبرة. # ولو سلم الخصم العلة، واعترف بأنها علة حيث وجدت، وأثبت المستدل وجودها ~~في الأصل، أو سلم وجودها في الفرع بعد الاتفاق على وجودها في الأصل ارتفع ~~النزاع، واتضح الاستدلال. هذا إذا اتفقا على حكم الأصل، فإن لم يتفقا على ~~ذلك، ولكن قصد المستدل إثبات حكم الأصل، ثم إثبات العلة، فالأصح صحة ذلك، ~~وقبوله. # والحق: أن في هذا الكلام تناقضا، وتكرارا، فلأنه قدم أن من شرط الحكم في ~~الأصل أن يكون متفقا عليه، هو المختار عنده، وقد سلم هنا أنه لا يشترط ذلك، ~~بل يجوز اختلافهما فيه، لأن الأصل الذي هو محل الحكم ليس متفقا عليه. ~~فالحكم [بالأولى] (¬2). وأما التكرار فظاهر مما ذكرنا. # ولا يشترط النص على أن الحكم في الأصل معلل، ولا أن العلة فيه كذا، إذ لا ~~ضرورة في ذلك، بل المجتهد يستنبطها. بمسالكها، كما سيأتي (¬3). PageV03P213 # قوله: "الثالث: الفرع، وهو المحل". # أقول: الثالث من أركان القياس الفرع المشبه كالنبيذ، أو حكمه كالحرمة، ~~وقد تقدم أنه لا يجوز حمل الفرع على دليل الحكم. # ومن شروط الفرع: وجود العلة المعتبرة في الأصل بتمامها فيه من غير نقصان، ~~وإنما عدل عن عبارة ابن الحاجب، وهي: "تساوي الفرع في العلة لعلة الأصل" ~~(¬1)، لايهامه عدم جواز الزيادة، مع أنها لا تضير، كما في قياس ضرب ~~الوالدين على التأفيف (¬2). # وهذا كلام قليل الجدوى: لأن مختار ابن الحاجب، - وتبعه المصنف - أن مفهوم ~~الموافقة ليس من القياس في شيء، بل فهم المعنى إنما هو بحسب اللغة، فلا قدح ms306 ~~فيما فعله ابن الحاجب، ولا نفع، فيما فعله المصنف (¬3). PageV03P214 # قال إمام الحرمين - في البرهان -: "صار معظم الأصوليين إلى أن هذا ليس ~~معدودا من القياس" (¬1): # قال الغزالي - في المستصفى بعد تسمية هذا قياسا لعدم توقفه على فكر ~~واستنباط -: # "وأما إذا كان المسكوت مساويا للمنطوق، فربما اختلفوا في تسميته قياسا" (¬2). # وقال الإمام - في المحصول -: "شرط الفرع أن يوجد فيه علة الأصل من غير ~~تفاوت البتة، لا في الماهية، ولا في الزيادة والنقصان" (¬3). ويتفرع - على ~~وجود العلة بتمامها في الفرع - تقسيم القياس إلى القطعي، والظني؛ لأن العلة ~~إن كانت قطعية/ ق (101/ أمن أ) في الأصل كالإسكار فالقياس قطعي (¬4)، وإلا فظني. # وقد يقال: قد اتفق القوم على أن المسائل الاجتهادية ظنية، فما وجه ~~التوفيق؟ PageV03P215 # فنقول: لا تنافي بين [كون] (¬1) حكم الأصل ظنيا مستفادا من خبر الآحاد، ~~مع الإجماع على أن علة (¬2) / ق (100/ ب من ب) حكمه كذا، فإلحاق حكم الفرع ~~بحكم الأصل لتلك العلة معلوم الصحة قطعا، وإن كان الحكمان ظنيين. # والظني: قياس الأدون، كقياس التفاح على البر في الطعم، فالعلة المعتبرة ~~بتمامها موجودة في الفرع، والأدونية إنما هي بالنظر إلى باقي الأوصاف ~~الصالحة للعلية الموجودة في الأصل كالكيل، والقوت الغالب. # واعلم أن المساواة المعتبرة بين علة الفرع، وعلة الأصل، أعم من أن تكون ~~في عين العلة، كما في الإسكار الجامع بين النبيذ، والخمر، أو في جنس العلة، ~~كما في قياس القصاص في الأطراف على قصاص النفس، بجامع الجناية فيهما، إذ ~~أحد الأمرين كاف في تعدية الحكم (¬3). # قوله: "وتقبل المعارضة فيه". # أقول: المعارضة في الفرع بما يقتضي نقيض الحكم، مثل أن يقول المعارض: ما ~~ذكرته من الوصف، وإن اقتضى ثبوت الحكم في الفرع، فعندي وصف آخر يقتضي ~~نقيضه. PageV03P216 # وقد اختلفوا في قبولها، والمختار القبول: لأن مجرد الدليل لا يفيد ما لم ~~ينتف المعارض. # وقيل: لا يقبل: لأنه قلب، وخروج مما قصداه من معرفة صحة نظر المستدل في ~~دليله إلى أمر آخر هو معرفة صحة نظر المعترض في دليله. # الجواب: ليس مقصود المعترض إثبات نقيض ms307 الحكم حتى ينقلب المنصب، بل هدم ~~دليل المستدل، وقصوره على صلاحية الاستدلال به، فكأنه قال: عليك أيها ~~المستدل بإبطال ما أبديته ليسلم دليلك، وكيف يمكنه الاستدلال على نقيض ~~الحكم، ودليله معارض بدليل المستدل؟ # مثاله: المسح ركن، فيسن تثليثه، كما في الوجه، فيقول المعارض: مسح، فلا ~~يسن تثليثه، كما في الخف، والتيمم، لا إذا استدل على خلاف الحكم. فإنه لا ~~تنافي، فلا تقبل المعارضة. # مثاله: اليمين الغموس قول يأثم قائله، فلا يوجب الكفارة، كما في شهادة ~~الزور، فيقال: قول مؤكد للباطل، فيوجب التعزير، كما في شهادة الزور. # وزاد المصنف على ابن الحاجب الضد (¬1)، ومثلوه بما إذا قيل: الوتر واجب: ~~لأنه واظب عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كالتشهد، فيقول المعارض: ~~مؤقت بوقت صلاة من الخمس، فلا يجب، بل يستحب، كسنة الفجر. PageV03P217 # والحق: أنه لا حاجة إليه: لأن إقامة الدليل على نقيض الحكم يستلزم أحد ~~الأضداد، وإن لم يكن متعينا: لأنه إذا نفى سنية التكرار في المسح يلزم أحد ~~الأحكام الباقية من الإباحة، أو الوجوب، أو الحرمة، أو الكراهة. # وإذا أثبت المعارض علية الوصف الذي أبداه بمسلك من مسالك العلة، طريق ~~دفعه ما سيأتي في الاعتراضات. # وهل يقبل الترجيح بوجوهه على ما يأتي في باب الترجيح؟ المختار قبوله: ~~لأنه إذا ترجح وجب العمل به لوجوب العمل بالراجح إجماعا. وإذا كان الترجيح ~~مقبولا، فهل يجب الإيماء إليه في الدليل ابتداء؟ # قيل: يجب: لأن الدليل لا يتم بدونه، فكأنه جزء العلة، والصحيح خلافه، إذ ~~لا حاجة إليه ابتداء. # ومن شروط الفرع: أن لا يقوم قاطع على خلافه في الحكم، لأن القياس لا ~~يقاوم (¬1) / ق (101/ ب من أ) القاطع، وكذا خبر الواحد عند الأكثيرين لأنه ~~مقدم على القياس، كما تقدم في بحث السنة. # قوله: "وليساوي الأصل". PageV03P218 # أقول: قد تقدم أن من شروط الفرع المساواة، فيما يقصد من عين العلة، أو ~~جنسها، فأشار إلى أن مساواة حكم الفرع حكم الأصل يجب فيما يقصد من العين، ~~أو الجنس (¬1). # أما العين، فكالقصاص بالمثقل على القصاص بالمحدد (¬2)، فإن ms308 الحكم في ~~الفرع هو القتل، وهو حكم الأصل. # واعلم أنهم إذا قالوا: عين العلة، أو عين الحكم أرادوا الوحدة النوعية ~~لاستحالة وجود الواحد الشخصي في محلين. # وأما المساواة في جنس الحكم مثل قياس إثبات الولاية على الصغيرة في ~~النكاح على إثبات الولاية المتفق عليها في المال، وولاية النكاح، والمال ~~متحدان جنسا، وهو نفاذ (¬3) التصرف، وليست [عينها] (¬4) لاختلاف حقيقة ~~المتصرف فيه، فإذا خالف حكم الفرع حكم الأصل فسد القياس. PageV03P219 # مثاله: استدلال الشافعي على أن ظهار الذمي يوجب الحرمة (¬1)، كالمسلم، ~~فيقول الحنفي: الحرمة متناهية بالكفارة، والحرمة في الذمي مؤبدة لأنه ليس ~~من أهل الكفارة (¬2). # والجواب: بالمنع، أي: لا نسلم أن الذمي ليس من أهل الكفارة. # قوله: "منصوصا بموافق". # أقول: من شروط الفرع أن لا يكون حكمه منصوصا عليه بنص موافق لأن وجود ~~النص يغني عن القياس لتقدمه عليه (¬3)، خلافا لمن يجوز قيام دليلين على ~~مدلول واحد، فإنه يجتمع عنده النص، والقياس على حكم واحد (¬4). PageV03P220 # والتحقيق: أنه إن أراد أن طائفة جوزت قيام الدليلين بمعنى أن كلا منهما ~~يفيد العلم بالمدلول، فهذا / ق (101/ أمن ب) غير معقول لأنه تحصيل الحاصل. # وإن أراد إيضاحا، واستظهارا، فلم يخالف فيه أحد، ألا تراهم يقولون: ~~الدليل على المسألة الإجماع، والنص، والقياس (¬1)، وأما إذا كان النص ~~مخالفا، فقد علمت أنه مقدم على القياس (¬2). # ومن شروطه - أيضا - أن لا يتقدم على حكم الأصل، كقياس الوضوء على التيمم ~~في وجوب النية، فإن التعبد بالتيمم، متأخر عن الوضوء، فلو ثبت به ثبت حكم ~~شرعي بلا دليل، إذ الفرض أنه لا دليل PageV03P221 # عليه سوى القياس نعم لو قيل: ذلك إلزاما صح (¬1)، كما قال الشافعي ~~للحنفية: طهارتان أنى يفترقان (¬2)، هكذا قيل، وفيه نظر: لأن الحنفية ليس ~~عندهم في المسألة قياس حتى يلزموا، ولا الشافعي قائل بالقياس، بل وجوب ~~النية فيهما إنما ثبت بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الأعمال ~~بالنيات"، وقوله: "وجوزه الرازي عند دليل آخر" (¬3) مما لا وجه له، إلا أن ~~يكون القياس استظهارا وإيضاحا؛ لأنه محال أن يعلم شيء بدليلين إلا ms309 على ما ~~بيناه، PageV03P222 # وذلك لا يخالف أحد فيه، واستنادهم في ذلك على تأخر معجزاته عن ثبوت نبوته ~~ليس بشيء إذ المعجزات المتأخرة ليست مثبتة للنبوة، بل هي إما لمعاند لم ~~يقنع بنوع منها، أو لطالب مسترشد لم يسبق له رؤية معجزة، أو إظهارا لكرامته ~~بتكاثر معجزاته، ولهذا ترى من كان منهم أعظم شأنا كان أكثرهم معجزة، وأنور ~~برهانا، ولو كان الدليل الأخير مثبتا كان المفضول منهم أحرى بتلك المعجزات. # ولا يشترط في حكم الفرع أن يكون أصله في الجملة ثابتا بنص، وثبت تفاريعه، ~~وتفاصيله بالقياس (¬1)، خلافا / ق (102/ أمن أ) لقوم زعموا ذلك منهم أبو هاشم. # قائلين: لولا ثبوت ميراث الجد في الجملة لما جاز توريثه مع الأخوة قياسا ~~(¬2)، وهذا باطل: لأن الأقيسة من الصحابة إلى آخر المجتهدين ثابتة من غير ~~تفصيل واعتبار زيادة. PageV03P223 # ولا يشترط - أيضا - انتفاء نص، أو إجماع يوافق القياس (¬1)، خلافا ~~للغزالي، والآمدي (¬2). # وقد عرفت أنه الصواب: إذ لو كان القياس مسبوقا بنص، أو إجماع لم يكن له ~~وجه إلا الاستظهار لا تحصيل الحكم، وإن شئت زيادة التحقيق، قلت: دلائل ~~الفقه أمارات، ومعرفات، ولا شك أن الأمارات تفيد الظن، والظن قابل للشدة ~~والضعف، فلا مانع من توارد الأمارات والعلامات. # وكذلك الدلائل العقلية، المفيدة للقطع، واليقين، إن قلنا: إن اليقين قابل ~~للشدة والضعف، كما هو المذهب المنصور في زيادة الإيمان، أي: نفس التصديق، ~~نعم لو كانت الدلائل عللا، مؤثرات في الإيجاد لاستحال الإيجاد مرتين، ولكن ~~لا مؤثر بهذا المعنى سوى الله تعالى، وقولهم في باب القياس: علل مؤثرة ~~يريدون بذلك اعتبار الشارع إياها لا التأثير بالمعنى بالمذكور. PageV03P224 ### || AUTO باب العلة # قال: "الرابع: العلة". # أقول: لما فرغ من الأصل، والفرع شرع في بيان الوصف الجامع بينهما (¬1)، ~~فنقل له تعاريف مزيفة، واختار تعريفه بأنه المعرف للحكم، أي: علامة له حيث ~~وجدت، وجد الحكم، كالإسكار للحرمة (¬2)، فعلى هذا الحكم مضاف إلى العلة، ~~خلافا لأبي حنيفة، فإنه مضاف إلى النص عنده، لأن النص يدل على الحكم صريحا، ~~والعلة مظنونة (¬3). PageV03P225 # قال الغزالي - في المستصفى ms310 -: "هذا نزاع لا تحقيق تحته، فإنا لا نعني ~~بالعلة إلا باعث الشارع على الحكم (¬1)، فالتحريم في الخمر بالنص، لكن ~~إضافة الحكم إليه تعلل بالشدة". # وقيل: العلة: المؤثر بذاته، وهذا على أصل الاعتزال من أن الحسن والقبح ~~لذات الشيء (¬2). # وقال الغزالي: "العلة - عند الفقهاء - ما نصبه الشارع علامة على الحكم" (¬3). # الآمدي: هي الباعث على الحكم لا الأمارة المجردة (¬4)، وقال: قول ~~الشافعية: حكم الأصل ثابت بالعلة يريدون أنها باعثة عليه، ولم يرتض المصنف ~~ذلك ونقل عنه أشد الإنكار، وقال: لا باعث لله على فعل، إذ أفعاله لا تعلل، ~~وما وقع في عبارة الفقهاء من أنها علة باعثة، معناها باعثة للمكلف على ~~الامتثال (¬5). PageV03P226 # وهذا كلام لا وجه له من وجوه: # الأول: أن الأشاعرة، وإن لم يقولوا: بأن فعله معلل بالغرض (¬1)، لكنهم ~~مطبقون على أن أفعاله مشتملة على حكم، ومصالح لعباده لا تحصى. # الثاني: أن قوله: "المراد بالباعث، باعث المكلف على الامتثال"، كلام ~~مخترع لم يسبقه أحد إليه، وكيف نطبق قول الغزالي: لا نعني بالعلة إلا باعث ~~الشارع، على ما ذكره. # الثالث: أن الحق - في المسألة تعليل فعله تعالى بالغرض عند الأشعري -: هو ~~عدم وجوب تعليل كل فعل منه لا سلبه عن جميع أفعاله، ولذلك شرع الحدود، ~~والكفارات، وبهذا يندفع الإشكال عن نصوص كثيرة، نحو قوله تعالى: {وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56]، {من أجل ذلك كتبنا على بني ~~إسرائيل} [المائدة: 32]، {أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ~~ليزدادوا إثما} [آل عمران: 178]. # وما يقال: لو كان فعله لغرض لزم الاستكمال، باطل: لأن الغرض عائد إلى ~~العباد، لا إليه، فلا استكمال، وسيأتي في (¬2) / ق (102/ ب من أ) كلام ~~المصنف ما يدل على اعترافه به معنى، وإن لم يقل به صريحا. PageV03P227 # والعلة قد تكون دافعة، لا رافعة، كالعدة، فإنها تدفع حل النكاح من غير ~~(¬1) / ق (101/ ب من ب) الزوج، ولا ترفع الحل، كما في وطء الشبهة، فإن عدة ~~الشبهة لا ترفع الزوجية، أو بالعكس، كالطلاق، فإنه يرفع الحل الحاصل، ولا ~~يدفع الوارد بعد العدة، ms311 أو تجمع الأمرين، كالرضاع، فإنه مانع من النكاح، ~~وإن طرأ قطع النكاح، إذا وجد بشروطه (¬2). وهذا كلام لا مساس له بالمقام، ~~إنما أورده زيادة في الإفادة، وإلا فالقياس ليس مشروطا بشيء منها. # قوله: "وصفا حقيقيا". # أقول: إلحاق الفرع بالأصل يتوقف على وجود الجامع بينهما ولكن الأمر المهم ~~معرفة الوصف الجامع، إذ ما من شيئين إلا وبينهما اشتراك من وجه، وإن كان في ~~الوجود، فتميز ما يصلح عما لا يصلح، معترك الانظار، حتى قال بعض الأفاضل ~~(¬3): ماهية القياس في العلة، وما عداها PageV03P228 # شرائط ليست أركانا، والمصنف ذكر أن من شرطه أن يكون وصفا حقيقيا، وهو ما ~~لا يتوقف تعقله على تعقل غيره، كالطعم مثلا، ولا بد وأن يكون ظاهرا، حتى لو ~~كان خفيا لا يناط الحكم به، كالرضا في البيع، وسائر العقود، ولذلك نيط بصيغ ~~العقود، وأن يكون منضبطا، احترازا من الظاهر الغير المنضبط، ولذلك نيط ~~الحكم بالسفر دون المشقة، وإن كانت ظاهرة في السفر، لأن مراتبها بحسب ~~الأشخاص والأحوال غير مضبوطة (¬1). # أو لا يكون حقيقيا، بل عرفيا مطردا، كالشرف، والخسة، فإنها من الأمور ~~النسبية إذ الشريف خسيس بالنسبة إلى من هو أشرف منه، لكن مطرد، لا يختلف ~~باختلاف الأوقات، فاعتبر في الكفاءة (¬2). # وكذلك: يجوز تعليل الحكم الشرعي بالأمر اللغوي، إذا جوز القياس في اللغة، ~~مثل تعليل حرمة النبيذ بكونه مسمى بالخمر قياسا على المشتد من ماء العنب، ~~هذا مقصود المصنف (¬3). PageV03P229 # وقد قال الإمام في المحصول: "اتفقوا على أنه لا يجوز التعليل بالاسم مثل ~~تعليل تحريم الخمر، بأن العرب سمته خمرا، لأنا نعلم بالضرورة أن لا أثر ~~لهذا، وإن أريد كونه مخامرا للعقل، فذاك راجع إلى المعنى" (¬1). # ويجوز أن يكون حكما شرعيا، مثل تعليل جواز رهن المشاع بجواز بيعه. # وقيل: لا يجوز: لأن الحكم معلل، فكيف يكون علة (¬2)؟ # الجواب: لا مانع من ذلك: لأن العلة معناها المعرف، ويجوز أن يكون أحد ~~الحكمين معرفا للآخر، بل يجوز أن يكون كل منهما معرفا لصاحبه. # وقيل: يجوز في الشرعي دون الحقيقي، كإثبات الحياة في ms312 الشعر قياسا على ~~اليد في أن كلا منهما يحرم بالطلاق، ويحل بالنكاح. # والجواب: ما تقدم، وكون الحقيقي متقدما، لا يمنع كون المتأخر علة لأنها ~~المعرف والعلامة، فلا مانع من التأخر. PageV03P230 # وكذلك: يجوز التعليل بالمركب من عدة أمور، كتعليل القصاص بالقتل العمد ~~العدوان، بلا شبهة، إذ المعرف للشيء، كما يكون بسيطا، يكون مركبا. # وقيل: لا يجوز ذلك: لأن كل واحد من تلك الأجزاء إذا لم [يكن] (¬1) صالحا، ~~فالمجموع كذلك (¬2)، وقد يورد مثله على الخبر المتواتر. # والجواب: أن للهيئة الاجتماعية تأثيرا لا يوجد في الآحاد، كما في طاقات ~~الحبل، وأجزاء العشرة، والإمام الغزالي لم ينقل في ق (103/ أمن أ) جوازه ~~خلافا (¬3)، لكن الإمام - في المحصول - أطنب في البحث، ولظهور فساد قول ~~المخالف أعرضنا عن ذلك الإطناب (¬4). # وقيل: يجوز أن يكون مركبا بشرط أن لا يزيد على خمسة أوصاف، حكى الإمام عن ~~الشيخ الشيرازي سبعة، وقال: "لا أعرف لهذا الحصر حجة" (¬5). PageV03P231 # قوله: "ومن شروط الإلحاق بها". # أقول: من شروط الوصف الجامع أن يكون مشتملا على حكمة باعثة للمكلف على ~~الامتثال، وتكون شاهدة لربط الحكم بالعلة، مثل حفظ النفوس، فإنه الحكمة في ~~نوط وجوب القصاص بعلته إلى هي القتل العمد، العدوان، وهذه العلة هي الباعثة ~~للمكلف على الامتثال، فيقاس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد لاشتراكهما في ~~العلة المشتملة على الحكمة (¬1). # وإذا تقرر وجوب الاشتمال على الحكمة، فالمانع لعلية الوصف ما يكون مخلا ~~بحكمتها، كالدين، فإنه وصف وجودي يخل لحكمة ملكية النصاب التي هي علة وجوب ~~الزكاة، لأن الحكمة هي الاستغناء، والمدين ليس مستغنيا لأن ماله مرصد لوفاء ~~الدين، وهذا المثال صحيح عند من يجعل الدين مانعا. # هذا، وقد علمت أن الباعثة عند المحققين ما تشتمل على حكمة مقصودة للشارع ~~من شرع الحكم من تحصيل مصلحة، أو دفع مفسدة، وأن ما ذهب إليه المصنف تكلف ~~بلا فائدة (¬2). PageV03P232 # وقوله: "وأن يكون ضابطا لحكمة"، تكرار لأنه تقدم كون الوصف منضبطا مشتملا ~~على حكمة. بقي الكلام في نفس الحكمة، هل تجوز أن تكون العلة نفس الحكمة؟ # فيه مذاهب ms313 ثلاثة: أحدها: الجواز مطلقا، والثاني: عدمه مطلقا، والثالث: إن ~~كانت منضبطة/ ق (102/ أمن ب) جاز، وإلا فلا (¬1). # وظاهر كلام المصنف عدم الجواز مطلقا، وعلل ذلك بعض شارحي (¬2) كلامه: بأن ~~الحكمة بمعنى المصلحة المقصودة لشرع الحكم، متأخرة عن الحكم في الوجود، ~~فكيف يعرف الشيء بما لا يوجد إلا بعد وجوده؟ # وهذا كلام باطل: لأن العلة بمعنى المعرف والعلامة لا تقتضي التقدم في ~~الوجود، بل الدليل العقلي، كذلك، كالعالم للصانع. PageV03P233 # والحق: هو التفصيل، لأنها إذا كانت منضبطة، ونحن نعلم قطعا أن قصد الشارع ~~من شرعه الحكم هي تلك الحكمة، فإذا لم تنضبط يعدل إلى مظنتها، كالمشقة مع ~~السفر، وأما إذا كانت منضبطة، فلا وجه للمنع. # ومن شروط العلة: أن لا تكون عدما في الثبوتي، كما هو المختار عند الآمدي ~~خلافا للإمام، وعكسه على ما في المتن سهو (¬1). # واعلم أن الصور الممكنة أربع: تعليل الثبوتي بالثبوتي، مثل حرمة الخمر ~~بالإسكار، والعدمي بالعدمي، كعدم نفاذ التصرف لعدم العقل، والعدمي ~~بالثبوتي، كعدم نفاذ التصرف للإسراف، وهذه الثلاثة مما لا نزاع فيها. # وعكس الأخيرة، وهو تعليل الثبوتي بالعدمي، هو محل النزاع: # الأكثرون على جوازه، ومختار المصنف -، وفاقا للآمدي - عدم الجواز (¬2). PageV03P234 # لنا - على مختار المصنف -: أن العدم المعلل به إما محض، أو مضاف، وكون ~~الأول غير صالح واضح لأن نسبتها إلى الكل على السواء لا اختصاص له بمحل، ~~وحكم، وما هذا شأنه لا يعقل كونه علة، وأما العدم المضاف إلى شيء، فلأن ~~وجود ذلك الشيء، إما منشأ لمصلحة، أو مفسدة، أو لا يكون شيئا منهما، وعلى ~~الأول: لا يجوز أن يكون عدمه علة لاستلزامه تقوية (¬1) / ق (103/ ب من أ) ~~تلك المصلحة. # وعلى الثاني: يكون عدم ذلك الأمر عدم مانع، وعدم المانع ليس من العلة في ~~شيء، بل لا بد معه من وجود المقتضي. # ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون عدمه عدما للمانع، ومنشأ لمصلحة؟ ~~تكون هي المقتضي لا بد لنفيه من دليل، وأما إذا لم يكن وجود الأمر منشأ ~~مصلحة، ولا مفسدة، فإما أن يكون ms314 منافيا لمناسب، أو لا، فإن كان الأول، ~~فوجود ذلك الأمر يستلزم عدم المناسب لعدم جواز اجتماع المتنافيين، ولا بد ~~أن يستلزم عدمه وجود المناسب، وإلا لارتفع النقيضان، فيكون عدم ذلك الأمر ~~الوجودي مظنة لوجود المناسب فيصلح علة. لكنا نقول: لا يصلح: لأن المناسب ~~الذي عدم الأمر الوجودي مظنته إن كان ظاهرا، فهو العلة، ولا عبرة بالمظنة ~~عند وجود العلة نفسها، وإن كان المناسب غير صالح لخفائه، فنقيضه أعني ~~الوجودي الذي عدمه مظنه خفي، أيضا، لأن النقيضين سيان في الجلاء، والخفاء، ~~وفيه بحث من وجهين: PageV03P235 # الأول: قولكم: لا بد، وأن يستلزم عدم الأمر الوجودي، وجود المناسب، إنما ~~يتم لو كانت العلل الشرعية مطردة وليس كذلك، كما سيأتي في كلامه ذلك. # الثاني: قولكم: النقيضان سيان جلاء وخفاء، ممنوع، لم لا يجوز أن يكون ~~أحدهما أجلى بواسطة تكرره، وإلف النفس به؟ كيف، وقد تقرر أن الوجودات أجلى ~~من العدمات! ؟ # ولا شك أن أحد النقيضين عدم والآخر وجود، هذا، مع أنه لا فرق بين قولنا: ~~علة الإجبار البكارة، وقولنا: علته عدم الإصابة، وكذلك علة الولاية على مال ~~المجنون الجنون، أو عدم العقل، وكذلك كون المعجز معجز معلل بالتحدي، ~~وانتفاء المعارض. # قولهم: انتفاء المعارض شرط لا جزء، قلنا: لو كان شرطا لتعقل الإعجاز ~~بدونه، وليس كذلك، ولا نعني بالجزء إلا هذا. # قوله: "والإضافي عدمي"، الوصف الإضافي: هو الذي يتوقف تعقله على تعقل وصف ~~آخر، كالأبوة، والبنوة (¬1)، والإضافي بهذا المعنى عدمي عند المتكلمين. # قوله: "ويجوز التعليل بما لا يطلع على حكمته". PageV03P236 # أقول: التعليل بما لا يطلع على حكمته (¬1) جائز؛ لأن التعبدي ليس الذي لا ~~حكمة فيه، بل ما لم يطلع على حكمته، ومن هذا يلزم أن الحكمة هي الباعثة ~~للشارع على شرع الحكم، لا للمكلف على الامتثال، وهذا ما قلنا سابقا: إن ~~المصنف يعترف به معنى، وإن أنكره لفظا (¬2)، هذا إذا لم يقطع بنفي الحكمة، ~~فإن قطع في مثل استبراء الصغيرة، فإن الاستبراء شرع لتيقن براءة الرحم، وهو ~~مفقود في الصغيرة. # فقال الغزالي: الحكم للمظنة، والمظان ms315 لا يجب اطرادها، ألا ترى أن السفر ~~لما كان مظنة المشقة نيط به الحكم، وهو جواز الفطر، والقصر، مع أن الملك ~~المرفه في المحفة لا مشقة عليه. # وقال الجدليون: لا عبرة بالمظنة مع تحقق المئنة (¬3)، والحق: الأول هو ~~اللائق بالأصولي: لأن غرض ضبطه القواعد لا ملاحظة الأفراد. # والثاني بالجدلي: لأن بحثه إنما يكون في المسائل / ق (102/ ب من ب) ~~الجزئية بنصب الخلاف فيها. PageV03P237 # قوله: "والقاصرة". # أقول: اختلف في جواز التعليل بالقاصرة (¬1)، منعه طائفة منهم أبو حنيفة ~~رحمه الله والحق: الجواز. # ومحل النزاع إنما هو غير المنصوصة والمجمع / ق (104/ أمن أ) عليها إذ ~~بهما صحيح اتفاقا، ونقل المصنف عن طائفة الخلاف (¬2) مطلقا. PageV03P238 # لنا - على المختار -: أن ظن المجتهد حاصل بأن الحكم لأجلها، ولا نريد ~~بالصحة إلا ذلك، كما في المنصوص عليها. # قالوا: لم يرد نص من الشارع باعتبارها، ولا فائدة فقهية تتوقف عليها، ~~فالقول بها لغو. # الجواب: إن قلتم: إن فائدة العلة إثبات الحكم في الفرع، فالحصر ممنوع، ~~وإن قلتم: إن لا فائدة في ذلك رأسا، فذلك خروج عن الإنصاف، بل هناك ~~فائدتان: # إحداهما سرعة الإذعان، لأن النفوس إلى قبول الأحكام الجارية على العلل ~~أميل منها إلى قبول التعبد البحت. # قال الغزالي: ولذلك شرع الوعظ، واستحب ذكر محاسن الشريعة (¬1). # الفائدة الثانية: أن العلة المتعدية إذا وجدت مع القاصرة لا يجوز إعمالها ~~إلا بعد الترجيح، وزاد المصنف فائدة أخرى ذكرها الإمام في البرهان، وهي ~~تقوية النص الدال على الحكم إذا كان ظاهر الدلالة على الحكم، فإنها تصونه ~~عن التأويل (¬2)، وأخرى نقلها عن والده، وهي حصول الأجر بإيقاع الفعل ~~لأجلها، مع حصول الأجر بقصد الامتثال (¬3). PageV03P239 # وعندي في هذا نظر: لأن امتثال الأمر في التعبدي أحمز، وأشق على النفس من ~~المعلل، فزيادة الأجر أوفق بأصول الشرع لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"أفضل الأعمال أحمزها" (¬1)، وإذا كان العلة محل الحكم، أو جزءه الخاص، أو ~~وصفه اللازم لا يمكن التعدية، فهذه الثلاثة من فروع التعليل بالقاصرة لأنها ~~لا توجد بدونها (¬2). # مثال الأول: تعليل حرمة الربا في ms316 النقدين بكونهما نقدين. # ومثال الثاني: تعليل نقض الوضوء في الخارج من السبيلين بالخروج منهما. # ومثال الثالث: تعليل حرمة الربا في النقدين بكونهما قيم الأشياء، وقيد ~~الجزء بالخاص، احتراز من الجزء العام، لأنه لا يكون علة إلا في المتعدية، ~~وكان عليه أن يقيد اللازم - أيضا - بالخاصة، لأن اللازم العام، كالجزء ~~العام. PageV03P240 # قوله: "ويصح التعليل بمجرد الاسم اللقب". # أقول: اختلف في تعليل الحكم (¬1) بمجرد الاسم، كتعليل حرمة الخمر بكونه ~~خمرا. اختار المصنف - وفاقا للشيخ أبي إسحاق الشيرازي - أنه يجوز ذلك. ~~وخالفه الإمام على ما قدمنا، ونقل الاتفاق على ذلك (¬2). # استدلوا على الجواز بقول الشافعي - في بول ما يؤكل لحمه -: نجس، لأنه بول ~~كبول الآدمي (¬3)، وكذا نقل الجواز عن الإمام أحمد (¬4). # والحق: ما ذهب إليه الإمام من الاتفاق، على منع ذلك، لأنا قد قدمنا أن ~~العلة لا بد من اشتمالها على الباعث، إما للشارع على شرع الحكم، PageV03P241 # أو للمكلف على الامتثال، ولا يعقل كون لفظ الخمر موضوعا بإزاء عصير العنب ~~المشتد، هو الباعث بأحد المعنيين، أي: للشارع، أو للمكلف، حتى لو فرض أنه ~~لم يسم بذلك لانتفت الحرمة. وما نقلوه عن الشافعي من قياس بول ما يؤكل لحمه ~~على بول الآدمي ليس العلة عنده أن بول الآدمي نجس عنده: لأن العرب سمته ~~بالبول حتى لو سمته بشيء آخر لانتفى الحكم، بل لأن بول الآدمي قد ثبت ~~نجاسته بالنص، وهذا بول مثله. # فقوله: لأنه بول فشابه بول الآدمي اقتصار في الكلام لوضوح المقام حتى لو ~~قيل - للشافعي -: لم كان بول الآدمي نجسا بالنص؟ لم يتصور أن يقول: لكون ~~اسمه بولا عند العرب، هذا في اللقب (¬1) / ق (104/ ب من أ) الخالي عن ~~المعنى أما المشتق، فلا معنى للخلاف فيه، لإشعاره بعلية المشتق منه (¬2)، ~~وأما نحو الأبيض، والأسود من الصفات، فذلك من الشبه الصوري، وسيأتي الكلام ~~عليه قبولا، وردا. # قوله: "وجوز الجمهور التعليل بعلتين". # أقول: ذهب الجمهور إلى جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين لا تتوقف إحداهما ~~على الأخرى (¬3). PageV03P242 # وقيل: لا يجوز (¬1). # ابن فورك، والإمام (¬2): في المنصوصة ms317 دون المستنبطة، وهو مذهب القاضي ~~(¬3). وعكسه، وفي الجواز في المستنبطة دون المنصوصة ذكره ابن الحاجب (¬4)، ~~وتركه المصنف. PageV03P243 # إمام الحرمين: يجوز عقلا لكن لم يقع (¬1). # وقيل: يجوز مع التعاقب دون الجمع، والصحيح - عند المصنف - الامتناع عقلا ~~مطلقا (¬2)، ومما يجب التنبه له أن الخلاف إنما هو في الواحد بالشخص: كقتل ~~زيد بالردة، والزنى، وحدث عمرو باللمس، والمس، صرح بذلك الآمدي (¬3). # لنا - على مختار المصنف - لو جاز تعدد العلل المستقلة، لكان كل واحدة ~~منها مستقلة بالغرض غير مستقلة. # بيان ذلك: أنا قد فرضنا استقلالها بإثبات الحكم، وثبوته بغيرها ينافي ~~الاستقلال. # ويرد عليه: أن معنى الاستقلال ليس ثبوت الحكم بها في الواقع، بل لو انفرد ~~كانت كذلك. PageV03P244 # ولنا - أيضا - لو لمس، ومس في آن واحد يلزم التناقض، وهو ثبوت الحكم بكل، ~~وعدم ثبوته بشيء منهما؛ لأنه لو حصل بواحدة منهما امتنع الحصول بالأخرى، ~~فالحصول بالكل مستلزم / ق (103/ أمن ب) لعدم الحصول (¬1). # ويرد عليه: أن ليس معنى الاستقلال الانفراد بالتأثير حال الاجتماع، بل ~~بحيث لو انفردت كانت مستقلة، وهذه الحيثية لا تفارقها، وفي هذا نظر: لأن ~~الاستقلال بهذا المعنى مجاز لا يصار إليه إلا بدليل. # ولنا - أيضا - لو جاز توارد العلل المستقلة لزم اجتماع المثلين. إن وجدت ~~معا، أو تحصيل الحاصل إن تعاقبت، وكلاهما محال. # أما الأول: فلأنه يوجب اجتماع النقيضين: لأن المحل بكل منهما مستغن عن كل ~~منهما، فيكون مستغنيا عنهما غير مستغن، وهو اجتماع للنقيضين. # وإن تعاقبتا، والغرض تأثير كل منهما، وهو تحصيل الحاصل. # ويرد عليه: أن معنى الاستقلال هو كونهما بحيث لو انفردت كانت مؤثرة لا ~~التأثير في الواقع: لأنه مشروط بارتفاع المانع، والمصنف اعتبر الاستقلال في ~~الواقع، ولذلك حكم بالتناقض وجزم به. # وبما ذكرنا من معنى الاستقلال يظهر دليل الجمهور على الجواز، إذ اللمس، ~~والمس، والبول، والمذي كل واحد بحيث لو انفرد لكان مستقلا. PageV03P245 # فإن قلت: قد ذكرت أن الخلاف إنما هو في الواحد بالشخص، والقتل بالردة، ~~والقصاص على زيد ليس واحدا بالشخص: # لأن أحدهما حق الله، والآخر حق العبد. # قلت: ms318 تعدد الإضافة لا يوجب التعدد، ولذلك يضاف الحكم الواحد إلى أحد ~~الدليلين تارة، وإلى الآخر أخرى. # المجوز في المنصوصة دون المستنبطة: أن المنصوصة صارت علة بنص الشارع، فلا ~~بد من القول بها بخلاف المستنبطة، فلا تتعين، فيجعل المجموع علة. # ورد بأن نظر المجتهد كنص الشارع. # وعكس هذا، وهو الجواز في المستنبطة دون المنصوصة: # لأن المنصوصة قطعية، فلو تعددت لزم / ق (105/ أمن أ) المحال المذكور ~~سابقا، بخلاف المستنبطة، لجواز أن يكون المجموع هو العلة - عند الشارع -، ~~وقد عرفت الجواب. # قال الإمام - في البرهان -: "نحن نقول: تعليل الحكم الواحد بعلتين ليس ~~محالا - عقلا - نظرا إلى المصالح الكلية، لكنه محال شرعا، وإمكانه من طريق ~~العقل في غاية الظهور، فلو كان ثابتا شرعا لوقع، ولو نادرا على مر الدهور، ~~وإذا كان الأمر على ذلك لاح كفلق الصبح أنه محال شرعا" (¬1). PageV03P246 # ثم صحح هذا الدعوى بأن ما يتوهم فيه اتحاد الحكم، كالقتل، والحدث في ~~المثالين المذكورين ليس كما يتوهم، بل الحكم فيه متعدد (¬1). # وجوابه: أنك إن أردت جواز التعدد لا يجديك نفعا: لأنك في مقام الاستدلال، ~~وإن أردت إقامة الدليل عليه أنى يتيسر لك ذلك! ! ؟ # وقد علمت جواب من جوز التعاقب دون الاجتماع: لأن في الاجتماع يلزم ~~التناقض مما تقدم من معنى الاستقلال هو كونها بحيث لو انفردت لاستقلت. # وتحرير هذه المسألة على هذا الوجه من نفائس الأبحاث. # قوله: "والمختار وقوع حكمين بعلة". # أقول: ما تقدم كان تعليل الحكم بعلتين، وهذا عكسه. # والمختار وقوع ذلك إن كان الوصف بمعنى الباعث، واتفاقا إن اكتفى بكونه ~~أمارة مجردة (¬2)، وإذا ثبت الوقوع فالجواز أولى. PageV03P247 # لنا - على ذلك -: السرقة فإنها علة للقطع زجرا له عن العود، وأمثاله عن ~~الإتيان بمثل ما أتى، والتغريم جبرا لصاحب المال. # وفي النفي: كحرمة الصلاة، والطواف، والصوم بالحيض. # قالوا: يلزم تحصيل الحاصل: لأن المصلحة الواحدة، قد حصلت بالحكم الواحد ~~فلا يمكن تحصيلها ثانيا بالحكم الآخر. # الجواب: يجوز تعدد المصالح كتعدد الأحكام كما ذكرنا في السارق، أو لا ~~يحصل إلا بالحكمين كما في الزاني إذ ms319 الزجر التام لا يحصل إلا بالجلد، ~~والتغريب، هذا إذا لم يكونا متضادين (¬1). # فأما إذا كانا متضادين (¬2)، فعند قوم لا يجوز: لأن الشيء الواحد لا ~~يناسب الضدين. PageV03P248 # الجواب: منع ذلك: لجواز تعدد الجهات فيهما. # قال الإمام: "تعليل المتضادين بعلة واحدة إنما يجوز، إذا كانا مشروطين ~~بشرطين لا يجتمعان، وأما إذا جاز اجتماع الشرطين، فالتعليل محال: لأنهما ~~إذا اجتمعا لم تكن العلة بأحدهما أولى من الآخر" (¬1). # قوله: "ومنها أن لا يكون ثبوتها متأخرا". # أقول: من شروط العلة أن لا تكون متأخرة عن حكم الأصل سواء فسرت بالباعث، ~~أو بالمعرف (¬2): لأن الباعث، والمعرف لا يعقل تأخره، كما يقال: عرق الكلب ~~نجس، كلعابه، فيمنع نجاسة لعابه. # فيقال: لأنه مستقذر (¬3)، فإن الاستقذار يتوقف على النجاسة. PageV03P249 # وقد وقع - في شرح المولى المحقق (¬1) -: فيمنع كون عرقه نجسا (¬2)، وهو سهو. # والصواب: لعابه لأنه الأصل الذي وقع البحث فيه. # لا يقال: يجوز تعدد البواعث، والعلامات: لما تقدم، فيجوز التأخر عند وجود ~~آخر: لأنا نقول: الكلام في انتفاء الباعث مطلقا والمعرف رأسا. ومن شروط ~~العلة - أيضا -: أن لا تعود على الأصل بالإبطال، أي: إبطال حكم الأصل ~~المعلل بها، فإن بطلان الأصل يستلزم بطلان فرعه. # مثاله: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء ~~بسواء"، وهذا يشمل القليل، والكثير (¬3)، / ق (105/ ب من أ) وعلل الحنفية ~~الحرمة بالكيل، فخرج القليل الذي لا يكال، فقد أبطل حكم الأصل، ولهم عن هذا ~~اعتذار، وهو أن المساواة المذكورة في الحديث لا يمكن اعتبارها في المكيلات ~~إلا بالكيل، فالأصل مقيد بالكيل معنى (¬4). PageV03P250 # وكذا "في أربعين شاة شاة" (¬1). PageV03P251 # فعللوه (¬1) / (103/ ب من ب) بدفع حاجة الفقير، فجوزوا دفع القيمة، فأفضى ~~إلى إبطال الأصل، وهو وجوب الشاة، ولزم التخيير. # هذا، وأما عودها على الأصل بالتخصيص، فقولان للشافعي، نحو قوله: {أو ~~لامستم النساء} [النساء: 43] فإنه علل الحكم بمظنة الاستمتاع الذي لا يخلو ~~عادة عن خروج الخارج، فخرجت المحارم، وهذا أظهر قوليه. # والثاني: النقض عملا بالعموم (¬2). # وأما العود بالتعميم، فجائز اتفاقا نحو: "لا يقضي القاضي، وهو غضبان" ~~(¬3)، فإنه ms320 معلل بتشويش الفكر، فيعم الغضب وسائر المشوشات (¬4) PageV03P252 # ومن شروط العلة - إذا كانت مستنبطة -: أن لا تعارض بمناف في الأصل لا ~~يوجد ذلك في الفرع (¬1). # وإنما قيد بالمستنبطة: لأن المنصوصة، أو المجمع عليها، إذا قارنها أخرى ~~مثلها كالخؤولة، والعمومة في الرضاع، وكالمس واللمس في الوضوء [لا] (¬2) ~~تعارض بينهما: لأن الشرع قد جعل كل واحدة علة على حيالها، بخلاف مظنون ~~المجتهد إذ بظهور أخرى مثلها يجب التوقف كالشهادة إذا عورضت بأخرى يجب ~~التوقف فيها، حتى إذا ترجحت لا يحتاج إلى إعادة الدعوى: لأنها لا تبطل ~~بالمعارض. # واعلم: أن هذا مبني على ما اختاره المصنف من عدم جواز تعدد العلل، وإلا ~~فعند جوازها لا يعارض هذا في المعارض في الأصل. # أما في الفرع: بأن تثبت فيه علة أخرى توجب الحكم، بخلاف القياس. مثاله: ~~مسح الرأس ركن في الوضوء يسن تثليثه كغسل الوجه، فيعارض بأنه مسح لا يسن ~~تثليثه مثل التيمم، ومسح الخف، ومختار المصنف أن مثل هذا لا يوجب بطلان ~~العلة، وقد تقدم من كلامه أن المعارضة في الفرع مقبولة، وأراد بذلك أنها ~~تمنع القياس لا أنها تقدم في العلة. PageV03P253 # ومن شروط العلة: أن لا تخالف نصا ولا إجماعا: لأنهما مقدمان على القياس. # مثال النص، والإجماع (¬1) ما قيل (¬2): إن الملك لا يعتق في إفساد صوم ~~رمضان لسهولته عليه (¬3)، بل يصوم، فإن هذا مخالف لهما (¬4). PageV03P254 # ومن شروطها - إذا كانت مستنبطة -: أن لا تتضمن زيادة على الأصل، أي: حكمه ~~(¬1): لأنها إنما تعلم، وتؤخذ من حكم الأصل، فلو أثبت بها حكم الأصل كان ~~دورا، بخلاف المنصوصة، فإنها تعلم بالنص، فلا مانع من إثبات الزيادة بها. # وبما ذكرنا تبين فساد ما اختاره المصنف من شرط المنافاة وفاقا للآمدي (¬2). # وسقط ما يوهم من بناء هذا على أن الزيادة على النص نسخ، وهو مذهب الحنفية ~~(¬3). PageV03P255 # ومن شروطها: تعيين الوصف المدعى عليته (¬1)، ولا يكتفى بمطلق الاشتراك في ~~أي أمر كان، ولم يذكره أكثر الفضلاء لوضوح أمره. # ومنها أن لا تكون وصفا مقدرا بل محققا. # كما نقول: جواز التصرف بالبيع، ونحوه ms321 معلل بالملك، والملك مقدر (¬2) لا ~~وجود له (¬3). # فيقال: الملك وصف محقق اعتبره الشرع، وليس من لوازم المحقق أن يكون ~~موجودا محسوسا كالعلم والقدرة / ق (106/ أمن أ) كما تقرر في علم الكلام. PageV03P256 # ومنها: أن لا يتناول دليلها حكم الفرع بعمومه أو خصوصه (¬1). # مثال الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الطعام بالطعام مثلا بمثل" ~~فإنه دال على أن الطعم هو العلة، فيتناول المطعومات على السواء، فلو قيس ~~التفاح على البر كان تطويلا بلا فائدة. # ومثال الخصوص ما ورد في الحديث: "من قاء، أو رعف فليتوضأ" (¬2) فلو قيس ~~الرعاف على الخارج من السبيلين، كان خاليا عن الفائدة. # والحديث يرويه ابن جريج (¬3) عن أبيه عن جده، عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وأبوه ليس له صحبة، فالحديث منقطع. PageV03P257 # فإن قلت: قد تقدم من كلامه أن شرط القياس أن لا يكون الفرع منصوصا بموافق ~~خلافا لمجوز دليلين ثم قال: ولا يشترط انتفاء نص على ما يوافقه، وقد ذكر ~~هنا أن من شرط العلة أن لا يتناول دليلها حكم الفرع بعمومه، أو خصوصه فما ~~التوفيق، وما حاصل كلامه أولا، وآخرا؟ # قلت: قد ذكر المصنف في شرح المختصر أن النص الدال على ثبوت الحكم في ~~الفرع إن كان هو الدال على حكم الأصل بعينه، فالقياس باطل إذ ليس جعل ~~أحدهما أصلا، والآخر فرعا أولى من العكس (¬1) لأن دلالة النص فيهما على ~~السواء. # وإما أن يكون غيره بأن يرد نص يدل على ثبوت الحكم بخصوصه، ثم يوجد نص دال ~~على أصل شاركه الفرع في علته، فهذا يبنى على أن ترادف الأدلة على مدلول ~~واحد يجوز أم لا؟ PageV03P258 # فالأكثرون على جوازه، وبهذا يظهر أن قوله: ولا يكون منصوصا بنص موافق هو ~~الذي يتناول الأصل والفرع نص واحد. # وما جوزه ثانيا هو الذي يكون النص الدال على ثبوت الحكم في الفرع غير ~~النص الدال على حكم الأصل، إلا أن تعليله في المتن لا يوافق مقصوده، لأن ~~جواز الثالث وفاق لمجوزي دليلين، لا أن منع الأول خلاف لهم: لأن القياس ms322 في ~~الأول باطل، فلا دليل إلا النص. # فلو قال: وشرط حكم الفرع أن لا يكون منصوصا، ويجوز بنص وإجماع يوافقه، ~~وفاقا لمجوزي دليلين على مدلول واحد خلافا للغزالي (¬1)، والآمدي، نسلم من ~~هذا كله، واستقام كلامه من كل وجه. # هذا وأما قوله: "وأن لا يتناول دليلها حكم الفرع بعمومه، أو خصوصه"، كلام ~~آخر ساقه في شرط العلة لا تعلق له بما سبق: لأنه من شروط العلة، وما تقدم ~~من شروط حكم الفرع. # قوله: "والصحيح لا يشترط القطع بحكم الأصل". # أقول: هذه أمور شرطها بعضهم في العلة، والصحيح خلافه. # منها: أن يكون الحكم في المستنبطة مقطوعا به، وليس بشيء: لأن أكثر ~~الأقيسة أصولها ظنية (¬2). PageV03P259 # ومنها: مخالفة مذهب الصحابي لأن مذهبه ليس بحجة من الحجج الشرعية (¬1). # ومنها: القطع بوجودها في الفرع، وهو باطل أيضا (¬2)، إذ القياس دليل ظني ~~يكفي فيه وجود العلة بحسب ظن المجتهد، وهل يشترط انتفاء المعارض للعلة التي ~~أبداها المستدل؟ # الصحيح عند المصنف اشتراطه لابتنائه على جواز التعليل بعلتين، ومختاره ~~عدم الجواز. # قوله: "والمعارض هنا". # أقول: قد تقدم في شروط الفرع قبول المعارضة، وقيد المعارض بما يقتضي نقيض ~~الحكم، فأشار بقوله هنا إلى أن المعارض يطلق تارة (¬3) بمعنى المنافي على ~~ما تقدم، وأخرى بشرط عدم التنافي، بل بمعنى الوصف الصالح للعلية، كوصف ~~المعارض بفتح الراء، أي: PageV03P260 # المستدل فكلا الوصفين في الأصل مسلم، وإنما النزاع في الاعتبار، وجعله ~~علة الحكم، ويظهر أثر ذلك في الفرع. # مثاله: التفاح إذا قيس على البر في الربا بعلة الطعم، فللمعترض أن يقول: ~~جاز أن تكون العلة في الأصل الكيل، فلا يكون التفاح ربويا، وله أن يدعي أن ~~المجموع هو العلة. # وهل يلزم المعترض نفى الوصف الذي ادعى عليته عن الفرع؟ # قيل: يلزم وإلا لثبت الحكم به في الفرع، وثم مقصود المستدل. # وقيل: لا يلزمه إذ قصده هدم ما ادعى المستدل استقلاله بالعلية، وهذا هو ~~المختار عنده. # وقيل: إن فرق المعترض بين الأصل والفرع بأن قال بالربا في البر دون ~~التفاح يلزمه ذلك، وإلا فلا، وإلى ms323 هذا ذهب ابن الحاجب (¬1). وما اختاره ~~المصنف أظهر لأن القصد من المعارضة هدم دليل المستدل، وقد حصل، والتعرض ~~لحكم الفرع زيادة استظهار. وفي عبارة ابن الحاجب لزوم بيان نفى الوصف (¬2)، ~~وحذف المصنف لفظ البيان ناقلا عن والده أن النفي جاء لازما، ومتعديا، فإذا ~~كان لازما، فهو وصف الشيء المنفي، وإذا كان متعديا، فهو فعل المعترض هكذا ~~نقل عنه. PageV03P261 # وأنت خبير بأن لزوم البيان عند القائل بلزومه، لا يتفاوت سواء كان النفي ~~فعل المعترض، أو وصف الشيء بمعنى الانتفاء: لأن كلا منهما لا يصح بدون ~~الدليل عند ذلك القائل. # وبعض الشارحين (¬1) زاد في كسر القارورة وقال: إذا كان النفي بمعنى ~~الانتفاء، فالإثبات بمعنى الثبوت، فهما نقيضان، وإذا كان فعل المعترض، ~~فيقابله الإثبات فهما ضدان. # وهذا كلام من لم يدر ما معنى الضد، والنقيض: لأن الضدين هما الأمران ~~الوجوديان اللذان لا يجتمعان في موضوع واحد من جهة واحدة (¬2). فالنفي بأي ~~معنى أخذ لا يكون ضدا لانتفاء الوجود فيه، بل كلا المعنيين من قبيل الإيجاب ~~والسلب، فهما نقيضان. # ولم يرض بما خبط حتى زعم أن عبارة المصنف أحسن، وتفرع على ما ذكر عدم ~~احتياج المعارض إلى أصل يبين اعتبار الوصف الذي أبداه: لأنه لا يدعى عليته ~~استقلالا ليحتاج إلى شهادة أصل لأن الاحتمال كاف. # وأيضا فإن أصل المستدل أصله، كما إذا قال: العلة إما الطعم، أو الكيل، أو ~~كلاهما، كما في البر، فلا معنى لمطالبته بأمر مسلم قد تحقق. # قوله: "وللمستدل". PageV03P262 # أقول: إذا تقرر أن المعارضة ما هي، وصح قبولها فخلاص المستدل، وإتمام ~~دليله بوجوه: # الأول: منع وجود الوصف كما إذا عارض علية طعم البطيخ بالكيل، فنقول: لا ~~نسلم كونه مكيلا. # وسند المنع الاتفاق على أن العبرة بزمنه -صلى الله عليه وسلم-[ومنها: ~~القدح بكونه خفيا، أو غير منضبط] (¬1). # ومنها: مطالبته بالتأثير بأن يقال: لم قلت: إن الكيل مؤثر؟ وإنما يسمع ~~هذا من المستدل إذا كان مثبتا للعلة بالمناسبة، أو الشبه. # وأما إذا أثبت بالسبر فلا: لأن الوصف يدخل في السبر لمجرد الاحتمال. # ومنها: ms324 أن يبين اعتبار وصفه في صورة مستقلا بظاهر نص أو إجماع. # مثاله: إذا عورض علية الطعم بالكيل. # نقول: قد ثبت اعتباره في قوله: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء ~~بسواء". # وكما إذا قال: يهودي تنصر أو بالعكس يقتل؛ لأنه بدل دينه كالمرتد، فيعارض ~~بالكفر بعد الإيمان. # فنقول: قد اعتبر بالنص في موضع آخر علية الوصف، وهو التبديل مطلقا لقوله: ~~"من بدل دينه فاقتلوه". PageV03P263 # وهذا إنما يقبل لو لم يتعرض للتعميم، وأما إذا تعرض له وقال: فإذا ثبت ~~ربوية كل مطعوم، واعتبار كل تبديل للحديث لم يسمع: لأن ذلك إثبات للحكم ~~بالنص لا بالقياس، وليس من تعميم القياس في شيء. # واعلم أن عطف القدح في الوصف عل المنع من عطف الخاص على العام؛ لأن القدح ~~منع مقدمة معينة مثل منع كون الوصف ظاهرا أو منضبطا، ويسمى عند المناظرين ~~نقضا تفصيليا. # والمنع قد يكون بنقص إجمالي، كما يقول المعارض: دليلك ليس بتام، وهذا ~~يحتمل أن يكون لعدم الوصف رأسا، أو لخفائه، مع وجوده، أو لخلل آخر في مقدمة ~~من المقدمات المعتبرة في الوصف، ولذلك لم يعد المصنف حرف الجر بخلاف ~~الثالث، والرابع لاستقلال كل منهما، ولهذا أعاد الجار. # وبعض الشارحين (¬1) غفل عن رجوع القدح إلى المنع، فجعله طريقا عاما، مع ~~أنه ذكر أن المراد قدح خاص: لأن المنع أيضا قدح، وله خبط كثير في هذا ~~الموضع أعرضنا عنه. # قوله: "ولو قال: ثبت الحكم". # بمعنى لو قال المستدل -في جواب المعارضة-: قد ثبت الحكم عند انتفاء وصفك، ~~هل يكون ذلك جوابا صحيحا؟ فيه تفصيل. PageV03P264 # وهو أن الوصف الذي اعتبره إن كان موجودا في تلك الصورة، فما قاله جواب ~~لوجود الانعكاس في وصفه دون وصف المعارض فتبطل عليته. وأما إذا لم يكن وصفه ~~موجودا لا يكون جوابا: لأنه كما تبطل علية وصف المستدل تبطل علية وصفه أيضا ~~لعدم الانعكاس. # وهذا مبني على ما اختاره من عدم جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين وقيل: لم ~~يكف مطلقا سواء كان معه وصفه، أو لا، لأن الحكم في ms325 تلك الصورة ربما كان ~~معللا بالوصف الآخر. # والحق أنه يكفى، لأن المعترض لم يعتبر ذلك علة، والمستدل قد أثبت علية ما ~~ذكره من غير مانع. # وعند (¬1) المصنف أنه ينقطع في الصورة التي لا يوجد وصف المستدل فيها: ~~لأنه إما أن يشترط الانعكاس، أو لا، فإن شرط فواضح، لأنه وجد الحكم بدونه، ~~فلا انعكاس، وإن لم يشترط، فلأن إيرادها للقدح في وصف المعارض قادح في وصفه أيضا. # ومحصل كلامه أن القدح في أحدهما قدح في الآخر، وإذا قدح في وصف نفسه فقد ~~اعترف ببطلانه. # وأقول: هذا وهم منه، لأن المستدل قد أثبت علية الوصف، ومعارضة المعارض لم ~~تبطل علية ذلك الوصف، غايته التوقف. PageV03P265 # فإذا بطل علية وصف المعارض بوجود الحكم في تلك الصورة، فقد زال ذلك القدر ~~من التوقف المانع العارض للدليل. # وقد سلم المصنف أن الانعكاس فرضناه غير مشروط. # وبعض الشارحين (¬1)، قد زعم أن عبارة ابن الحاجب ظاهرة في المذهب الثاني، ~~وأنه ليس جوابا، سواء وجد وصف (¬2) المستدل في تلك الصورة، أم لا، ونقل ~~عبارة ابن الحاجب وهى قوله: "ولا يكفي إثبات الحكم في صورة دونه" (¬3)، ولم ~~يدر أن عبارته صريحة في فساد ما نسبه إليه: لأن قوله لا يكفى بدونه، دال ~~على أنه كاف معه دلالة، لا يتوقف فيها أحد. # وقوله: "ولو أبدى المعترض" إلى آخره. # أقول: إذا عدم وصف المعارض في صورة، وأبدى وصفا آخر في تلك الصورة خلفا ~~عنه يسمى تعدد الوضع: لأن التعليل في أحدهما بالباقي على وضع، أي: مع قيد، ~~وفي الآخر مع وضع آخر، أي: قيد آخر، ويزول فائدة إلغاء المستدل وصف ~~المعارض، لوجود خلفه، ويستمر البحث إلى أن يبدي وصفا يعجز المستدل عن ~~إلغائه، أو يلغي جميع ما أبداه، فتكون الهزيمة في معركة النظر على المعترض. PageV03P266 # مثال ذلك: ما يقول الشافعي: أمان العبد صحيح: لاحتوائه الإسلام، والعقل، ~~وهما مظنتان لبذل الأمان. # فيول المعترض: معارض بالحرية، فإنها مظنة فراغ القلب الملائم للنظر ~~والرأي، فالحرية جزء العلة. # فيقول المستدل: لو كانت الحرية معتبرة لما صح ms326 أمان العبد المأذون، مع أنه ~~صحيح اتفاقا. # فيقول المعترض: إذن السيد بدل عن الحرية، لكون العبد حينئذ فارغ القلب ~~فيما يتصدى له. # قال المصنف: إلغاء المستدل الخلف معتبر إلا في صورتين: # إحداهما: دعوى القصور بأن يقول: ما أبديته علة قاصرة، فإنه لا يقبل هذا ~~الإلغاء، لأن العلة القاصرة معتبرة، أو إذا سلم وجود المظنة، ثم زعم ضعف ~~المعنى، كما إذا سلم أن الردة علة القتل. # فيقول المعترض: قيد الرجولية معتبر لأن الرجل مظنة الإقدام على قتال ~~المسلمين. # فيقول المستدل: الرجل مظنة، ولكن لم تعتبر تلك المظنة، وإلا لم يقتل ~~المرتد المقطوع اليدين لأنه أضعف من النساء، وإنما لم تقبل منه، لأنه سلم ~~المظنة إلى اعتبرها الشارع في ربط الأحكام، وضعف المعنى غير قادح. # ألا ترى أن السفر لما كان مظنة المشقة نيط به الرخص، وترفه الملوك لا ~~يمنع تلك الرخص. PageV03P267 # وقول المصنف: "بغير دعوى قصوره" مبني على مذهبه، والأولى حذفه، لأن ~~الكلام في إلغاء وصف المعارض، وما هو الطريق فيه مطلقا، وأما إذا لوحظ مذهب ~~المستدل فللحنفي أن يلغى وصف المعارض بأنه قاصر. # قوله: "ويكفي رجحان". # أقول: إذا رجح المستدل وصفه على وصف المعارض بوجه من وجوه الترجيح، هل ~~يكفيه ذلك؟ # الصحيح عند المصنف كفايته بناء على عدم جواز العلتين كما اختاره، فإذا لم ~~يجز العلتان، وقد ترجح وصفه، فلا مانع إذ المرجوح ساقط في مقابلة الراجح. # وفيه نظر: لأنه لا مانع من الجزئية، لأن رجحان بعض الأجزاء جائز، وإن ~~قلنا: لا يجوز التعدد، لكن ربما كانت العلة مركبة. # قوله: "وقد يعترض". # أقول: قد يعترض على المستدل بعد تسليم اتحاد ضابط الأصل، والفرع باختلاف ~~الحكمة، والمصلحة في الأصل، والفرع، كما إذا قيس اللائط على الزاني في كونه ~~مولج فرج في فرج محرم، فيحد. # فيقال: الحكمة مختلفة، فإنها في الزنى اختلاط النسب، وفي اللواط رذالة ~~الفعل، ودناءه الطبع. # والجواب -عن هذا الاعتراض-: بحذف خصوص الأصل عن الاعتبار، كما يقال: خصوص ~~الزنى ملغى، فالعلة هى القدر المشترك أو يبين أن وجود الحكمة ms327 في الفرع هى ~~حكمة الأصل، مع زيادة، إذ في الزنى اختلاط النسب يؤدي إلى ضياع المولود، ~~وفي اللواط إلى الهلاك بالكلية. PageV03P268 # قوله: "وأما العلة إذا كانت وجود مانع". # أقول: تعليل الحكم العدمى بالوصف الوجودي، مثل تعليل عدم وجوب القصاص على ~~الأب بمانع الأبوة، وتعليل عدم وجوب الرجم بمانع وجود العزوبة، فلا يلزم ~~وجود المقتضى عند المصنف تبعا للإمام. # وهذا مبنى على جواز تخصيص العلة صرح بذلك الإمام في المحصول (¬1). # وأما إذا منع ذلك لا يجوز، بل لا يعقل فضلا عن وقوعه. # استدل الجمهور على عدم جوازه: بأن عدم الحكم عند عدم المقتضى إنما هو ~~لفقدان الموجب، لأنه لا يعقل المانع إلا إذا تحقق الموجب (¬2). # فإن قيل: يجوز أن يكون كل منهما علة بناء على جواز ترادف الدليلين على ~~مدلول واحد، وتعليل حكم بعلتين. # قلنا: ليس ذاك مختار المصنف (¬3). PageV03P269 ### || AUTO مسالك العلة # قوله: " ### || AUTO مسالك العلة # ". # أقول: الوصف الذي نيط به الحكم له مسالك صحيحة وأخرى فاسدة، شرع يبين تلك ~~المسالك، وقدم الصحيحة لأنها المقصودة. # فمنها: الإجماع، وإنما قدمه لأنه قطعي الدلالة (¬1)، ثم الإجماع قد يكون ~~قطعيا بأن نقل متواترا، أو انعقد في عصر المستدل، وقد يكون ظنيا بأن نقل ~~آحادا، أو كان سكوتيا، أو يكون اعتبار الوصف قطعيا لكن وجوده يكون في ~~الأصل، أو الفرع ظنيا، أو يدعى الخصم وجود معارض في الفرع. # مثال العلة المجمع عليها: الولاية على الصغيرة في المال معللة بالصغر ~~إجماعا، فيقاس عليه النكاح. # قوله: "الثاني النص". PageV03P270 # أقول: ثاني المسالك النص (¬1) إما صريح وله مراتب: # أقواها ما صرح فيه بالعلة مثل: فلعلة كذا، ودونه لفظ السبب مثل: لسبب ~~كذا، ودونه لفظ لأجل (¬2) كذا، ودونه كي (¬3)، وإذن (¬4). # هذا ترتيب دل عليه كلامه، والأمثلة كثيرة، فتأملها. # وإما ظاهر (¬5)، وله -أيضا- مراتب: # أقواها اللام الظاهرة (¬6)، وإنما تكون ظاهرة: لأنها قد تأتي لغير ~~التعليل PageV03P271 # كالتمليك (¬1)، والتوقيت (¬2)، ودونها المقدرة مع أن (¬3)، وإن، إذ ليس ~~لها رتبة الظاهرة، ودونها الباء نحو: {جزاء بما كانوا يكسبون} [التوبة: 82، 95]. # ودونها الفاء، ولم تكن صريحة لمجيئها لمجرد ms328 العطف من غير علة (¬4)، وهي ~~في كلام الشارع أقوى من كلام الراوي، والراوي الفقيه أولى من غيره. # وهذا ترتيب المصنف مشيا على وفقه، وإن كان في بعضها خلاف، لأن الأمر في ~~ذلك سهل لأن الكل مسالك صحيحة. # ومن الظاهر "إن" المشددة (¬5) نحو: {إنك إن تذرهم يضلوا عبادك} PageV03P272 # [نوح: 27] (¬1)، وإذ نحو: {اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء} ~~[المائدة: 20]، ومنه حروف تقدمت في بحث الحروف. # قوله: "الثالث الإيماء، وهو اقتران الوصف". # أقول: ثالث المسالك الإيماء، وإنما جعله مسلكا مستقلا، ولم يجعله من ~~مراتب النص الغير الصريح تبعا للإمام (¬2). # والأولى ما فعله ابن الحاجب (¬3) تبعا للغزالي (¬4) من عده قسما من النص ~~الغير الصريح: لأنه مأخوذ من النص بلا استنباط واجتهاد، كما يظهر لك من ~~الأمثلة التي نوردها (¬5). # وقد عرف الإيماء: باقتران وصف بحكم لو لم يكن ذلك الوصف علة له لكان ~~الشارع منزها عن إيراده، لعلو درجته عن الإتيان بما لا يناسب المقام. PageV03P273 # مثال الوصف: الوقاع في قول الأعرابي: "واقعت أهلي في رمضان". # فقال في جوابه: "اعتق (¬1) رقبة" (¬2)، فكأنه قال له: واقعت، فكفر. # وقد تقدم أن الفاء ظاهرة في العلية، إلا أنها مقدرة، فكانت من الإيماء. # فلو لم يحمل على العلية لخلا السؤال عن الجواب، وتأخر البيان عن وقت ~~الحاجة. # ومثال النظير: قصة الخثعمية لما سألته: إن أبي أدركته الوفاة، وعليه ~~فريضة الحج، فإن حججت عنه أينفعه؟ # فقال -صلى الله عليه وسلم-: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ~~ينفعه ذلك؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق أن يقضى". # السؤال عن دين الله، والجواب بدين الآدمي الذي هو نظير الوصف الواقع في ~~السؤال، فقد نبه على أصل القياس الذي هو حق الآدمي، والفرع الذي هو حق ~~الله، والعلة المشتركة وهى نفع قضاء الدين مطلقا. # قوله: "قيل: أو المستنبط". PageV03P274 # إشارة إلى ضعف قول من قال: إذا كان الوصف مستنبطا، سواء كان الحكم الذي ~~علل بالوصف مستنبطا أيضا، أم لا، فإنه من قبيل الإيماء، وهذا القول باطل، ~~لأن مسلك الاستنباط قسم لمسلك ms329 النص والإجماع. # نعم إذا كان الوصف صريحا مثل: {وأحل الله البيع} [البقرة: 275]، فإن الحل ~~هو الوصف، والحكم مستنبط، وهو صحة البيع، فذاك إيماء. # قوله: "كحكمه بعد سماع وصف". # أقول: يريد ضبط أنواع الإيماء، وهى خمسة: # الأول: الحكم بعد سماع الوصف كما تقدم في قصة الأعرابي والخثعمية. # الثاني: ذكر الحكم، مع وصف لو لم يكن علة لما كان لذكره وجه. # كقوله -في بيان طهارة الهرة-: "إنها من الطوافين عليكم" أشار إلى أن علة ~~الطهارة هو الطواف. # الثالث: التفريق بين حكمين بصفة، مع ذكرهما أو ذكر أحدهما. # مثال الأول: قوله: "للفرس سهمان، وللراجل سهم" (¬1). PageV03P275 # إذ ذكره للحكمين، مع الوصفين يدل على كونهما علتين، وإلا لكان ذكر ~~الوصفين بعيدا، واكتفى بوصف واحد مثل: "القاتل لا يرث"، إذ بعد تقرر ~~الفرائض، وانضباط الورثة يعلم أن العلة لعدم الإرث هو القتل (¬1). # أو يفرق بين حكمين بالشرط مثل: "إذا اختلف الجنسان بيعوا كيف شئتم" (¬2)، ~~فإن شرط الاختلاف لو لم يكن علة للجواز (¬3)، لكان ذكره بعيدا عن المقام. PageV03P276 # والغاية مثل قوله: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة: 222]، إذ لو لم يكن ~~الطهر علة لحل القربان، لكان بعيدا (¬1). # وبالاستثناء مثل قوله تعالى: {فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون} [البقرة: ~~237]، فإن التفرقة بين ثبوت النصف وعدمه، لو لم تكن لعلة العفو للانتفاء ~~لكان بعيدا. # والاستدراك نحو قوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} [المائدة: 89]، فلو لم يكن التعقيد علة ~~المؤاخذة لكان ذكره بعيدا (¬2). # ومن الإيماء (¬3): ترتيبه الحكم على الوصف نحو: {والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38]، إذ لو لم تكن السرقة علة القطع كان بعيدا ~~ذكرها معه، وكذا: "لا يقضى القاضي وهو غضبان" وبالجملة حيث أشعر الوصف ~~بالعلية. PageV03P277 # وكما إذا أوجب الشارع شيئا، ثم نهى عن شيء ربما يفوت الواجب به، فيدل على ~~عليته، وإلا لكان بعيدا. # مثل قوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ~~وذروا البيع} [الجمعة: 9]، فالمنع من البيع وقت النداء لو لم يكن -لأنه ~~مظنة فوات الواجب- لكان ms330 بعيدا (¬1). # ثم مناسبة الوصف المومى إليه هل يشترط؟ ثلاثة مذاهب، ليست بشرط وهو مختار ~~المصنف والأكثرين (¬2): لأن معنى العلة المعرف للحكم. # الثاني: شرط واختاره الغزالي: لأن تعليل الحكم من غير مناسبة -مثل: أكرم ~~الجاهل، وأهن العالم- قبيح (¬3). PageV03P278 # الثالث -وإليه ذهب ابن الحاجب (¬1) -: أن ما كان التعليل مفهوما من ~~المناسبة مثل: "لا يقضي القاضى وهو غضبان" شرطت، لأن عدم المناسبة فيما ~~المناسبة شرط فيه تناقض. # والحق: أن من اعتبر في العلة كونها باعثة مشتملة على الحكمة، ولم يجوز ~~مجرد الأمارة بمعنى المعرف يلزمه القول بالمناسبة في جميع موارد العلة ~~بمعنى أنها موجودة، وإن لم تكن ظاهرة، وأما من اكتفى بالمعرف، أي: الأمارة ~~المجردة، فلا وجه لاعتبار المناسبة عنده. # قوله: "الرابع السبر". # أقول: رابع مسالك العلة السبر، والتقسيم (¬2). # والسبر -لغة-: الاختبار (¬3) يقال -لحديدة الجراح-: سبار: لأنه يقيس به ~~عميق الجراحات. PageV03P279 # واصطلاحا: حصر الأوصاف الموجودة في الأصل الصالحة في بادئ الرأي للعلية ~~في الجملة. # والتقسيم: إبطال بعضها، وهو ما عدا الصالح للعلية عنده واحدا كان، أو أكثر. # فإذا سبر الأوصاف، فمنع المعترض حصره، يكفيه في الدفع أن يقول: بحثت، فلم ~~أجد سواها صالحا، لأنه عدل متدين لم يقل ذلك إلا بعد غلبة ظنه الانحصار، ~~لأن الأوصاف العقلية، والشرعية التي تصلح علة، قل ما يخفى عليه بعد البحث ~~(¬1)، هذا شأن المجتهد في جميع مجتهداته، ظنه واجب الاتباع. # فإذا ظهر بعد ذلك الظن ما كان خافيا عليه ليس بمستنكر منه، ولا قادحا ذلك ~~في كونه عدلا، صدوقا. # قال بعض الشارحين (¬2): المجتهد يرجع إلى ظنه، معناه إذا حصل له الظن ~~بشئ، فلا يكابر نفسه (¬3)، هذا، وإذا علم حقيقة السبر، وما يجب فيه من ~~اعتبار غلبة الظن، فلو كان الحصر قطعيا، وكذا إبطال البعض، يكون PageV03P280 # التعليل بالباقي قطعيا، وإن انتفى قطعية أحدهما لا يكون قطعيا، لأن قطعية ~~المدلول موقوفة على قطعية الدليل بجميع المقدمات من جميع الجهات. # قوله: "وهو حجة عند الناظر، والمناظر". # أقول: مختار الجمهور: أن السبر حجة مطلقا (¬1): # لأن المكلف به هو الظن، وقد حصل، والإجماع ms331 على وجوب العمل بظن المجتهد. # وقيل: ليس بحجة على المناظر: لأنه خصم لا يحج بقول خصمه. # الجواب: بعد ثبوت السبر وانقطاعه، لا يصلح خصما. # وقيل: حجة مطلقا إن ثبت بالإجماع كون حكم الأصل معللا: لأن ما عدا وصفه ~~قد أبطل، فلو بطل وصفه أيضا لزم خطأ المجمعين، وهو محال، وهذا مختار إمام ~~الحرمين (¬2). # وقيل: ليس بحجة مطلقا، وهذا قول واضح البطلان، حكاه في البرهان عن بعض ~~الأصوليين (¬3). PageV03P281 # وإذا تم السبر بالحصر وإبطال غير الوصف المعتبر، فللمعترض أن يقول: هنا ~~وصف آخر صالح لم يدخله في الأوصاف، لكن المستدل بهذا القدر لا يعد منقطعا ~~لأنه قد منع مقدمة من مقدمات دليله، ما لم يعجز عن إبطال علية ما أبداه ~~المعترض، وسبر جميع الأوصاف إنما يحتاج إليه إذا لم يتفقا على إلغاء ما عدا ~~وصفي المستدل والمعترض. # وأما إذا اتفقا يكفي المستدل إبطال وصف المعترض وحده، ويتم له الظفر، إذ ~~لا حاجة إلى التعرض إلى ما ليس علة عنده، ولا عند الخصم ليكون قادحا في علته. # قوله: "ومن طرق الإبطال (¬1) ". # أقول: من الطرق الدالة على عدم علية الوصف بيان أن الوصف طردي، أي: من ~~جنس ما علم إلغاؤه من الشارع، إما في جميع الأحكام كالطول، والقصر، فإنه لم ~~يعتبره في حكم من أحكام الشرع. # أو يعلم إلغاؤه في ذلك الحكم المعلل كالذكورة، والأنوثة في العتق إذ هي ~~ملغاة فيه إجماعا مع كونها معتبرة في بعض الأحكام كالشهادة، والقضاء (¬2). PageV03P282 # ومن الطرق الدالة على الإبطال أن لا تظهر مناسبة الوصف المحذوف بعد البحث ~~لانتفاء موجب العلية (¬1)، بخلاف الإيماء، لأنه لا يشترط فيه المناسبة، ~~ويكفي في عدم ظهور المناسبة قول المستدل بحثت عنه، فلم أجد فيه ما يوهم ~~مناسبته. # فإن ادعى المعترض عدم المناسبة في المستبقى أيضا، فليس للمستدل بيان ~~مناسبته، لأنه انتقال من السبر إلى المناسبة، ولكن له ترجيح سبره على سبر ~~المعترض لموافقته التعدية، وسبر المعترض قاصر، والقاصرة، وإن كانت علة لكن ~~المختار أن المتعدية أرجح. # قوله: "الخامس". # أقول: خامس مسالك العلة المناسبة، ms332 وتسمى إخالة (¬2) أيضا، لأنه بالنظر ~~إلى الوصف يخال، أي: يظن أنه علة. # ويسمى استخراج تلك المناسبة من الأصل تخريج (¬3) المناط. PageV03P283 # والحاصل: أنها تعيين العلة في الأصل لمجرد النظر في الأصل وإبداء مناسبة ~~بين الوصف والحكم كالإسكار، فإنه مناسب لأن يناط به الحكم، وهو التحريم، إذ ~~بالنظر في المسكر وحكمه، ووصفه يعلم أن الإسكار علة، وشرط اعتباره سلامته ~~عن القوادح. # ولا وجه لهذا الكلام، إذ جميع العلل كذلك مشروطة بالسلامة عن القادح. ~~ويشترط تحقق الاستقلال بالسبر، ولا يكفي قوله: بحثت فلم أجد، كما في السبر، ~~فإنه لا طريق له هناك سوى ذلك، بخلاف هنا، إذ له طرق ثبت بها المناسبة كما سيأتي. # والمناسبة وصف ملائم لأفعال العقلاء عادة، أي: بحيث يقصده العقلاء في ~~مجاري العادة. # وقيل: ما يجلب نفعا، أو يدفع ضررا. PageV03P284 # وهذا في التحقيق راجع إلى الأول، لأن العقلاء لا يختارون إلا ما فيه ~~تحصيل مصلحة، أو دفع مفسدة. # وكلاهما إما لدني، أو غيره، والغير إما دنيوي، أو ديني (¬1). # وقال أبو زيد (¬2) من الحنفية: "المناسب ما لو عرض على العقول لتلقته ~~بالقبول" (¬3)، وهذا أيضا راجع إلى الأول إلا أنه لا يمكن إثباته على ~~الخصم، إذ له أن يقول: عقلي لا يتلقاه بالقبول، وتلقي عقلك ليس حجة علي. # والقول (¬4) بأن ذلك من الخصم غير قادح (¬5) سهو، لأن الوجدانيات لا تقوم ~~حجة على الغير. PageV03P285 # وقيل: المناسب: وصف ظاهر منضبط يحصل من ترتيب الحكم عليه ما يصلح أن يكون ~~مقصود الشارع من حصول مصلحة، أو دفع مفسدة. # وهذا أيضا راجع إلى الأول، لأن الوصف إذا كان بهذه الحيثية لا ريب في أنه ~~يقصده العقلاء في مجاري العادات، ولو عرض على العقول لتلقته بالقبول، ~~فالتعاريف كلها متقاربة. # والقول بأن الوصف محمول على الغالب -إذ قد تكون العلة حكما- لا وجه له إذ ~~كون العلة حكما قد يكون في الإجماع والنص، ولا يحتاج إلى ما ذكره إلا إذا ~~وجدت صورة يكون المناسب فيها حكما. # قوله: "فإن كان خفيا". # أقول: هذه تتمة للتعريف الأخير أي: إذا كان ms333 الوصف المذكور غير ظاهر، أو ~~غير منضبط، نيط الحكم بوصف ظاهر منضبط يلازم ذلك الوصف، عقلا أو عرفا (¬1). # مثال الخفي: القتل العمد العدوان، فإن وصف العمدية خفي، لأنه أمر باطن لا ~~يدرك، فنيط الحكم بما يلازم في العرف من أفعال مخصوصة يقضي العرف عليها ~~بكونها عمدا، مثل: استعمال الجارح في القتل. # ومثال غير الظاهر المشقة في السفر، فإنها مناسب، لأن يناط بها الرخص ~~تحقيقا، لكنها لا تنضبط، لأنها ذات مراتب تختلف بحسب PageV03P286 # الأشخاص، والأزمان، ولا يناط الحكم بالكل، ولا يمتاز البعض عن البعض على ~~وجه منضبط، فنيط الرخص بما يلازمها، وهو السفر. # قوله: "وقد يحصل المقصود من شرع الحكم". # أقول: للمناسب تقسيمات باعتبار حصول المقصود من شرع الحكم، وباعتبار نفس ~~المقصود، فالأول، أي: حصول المقصود من الحكم المشروع خمس أقسام (¬1): # الأول: أن يحصل المقصود منه يقينا، كالبيع، فإن المقصود منه الملك، أو ~~الحل، وقد وجد يقينا. # الثاني: أن يحصل ظنا كالقصاص للانزجار، فإن الممتنعين عن القتل أكثر من ~~المقدمين عليه. # الثالث: التساوي مثل: حد الخمر للزجر، فإن الممتنعين، والمقدمين ~~متساويان، أو متقاربان. # الرابع: أن يكون عدم الحصول أرجح كتزوج الآيسة لقصد الولد، فإن الولود في ~~الآيسات قليل، فالتعليل بالأولين متفق عليه، وبالثالث، والرابع مختلف فيه. PageV03P287 # والأصح جوازه، لأن مجرد احتمال المقصود كاف، ألا ترى أن البيع لما كان ~~مظنة الحاجة إلى التعاوض اعتبر مناسبا، وإن كان عدم الحاجة راجحا في بعض ~~صوره، وكذا اعتبر السفر مناطا للرخص، مع أن الملك المترفه الذي يسار به ~~بحيث لا يصيبه (¬1) ظمأ ولا نصب (¬2)، ولا مخمصة (¬3) لا مشقة عنده قطعا. # الخامس: أن يكون المقصود فائتا بالكلية قطعا سواء كان تعبديا، أو لا. # مثال الأول: إذا تزوج شخص بالشرق بامرأة بالمغرب، وعلم عدم تلاقيهما، فهل ~~يلحقه الولد؟ # الصحيح أنه لا يلحق، لأن اللحوق إنما يكون عند المظنة، وهي حصول النطفة ~~في الرحم، وفي الصورة المذكورة، لا مظنة للقطع بعدم شغل الرحم. # مثال الثاني: إذا اشترى جارية، وباعها في المجلس للبائع الأول، فالمقصود ~~من الحكم الذي ms334 هو وجوب الاستبراء إنما هو براءة الرحم، وهو PageV03P288 # فائت قطعا، فلا يعتبر ذلك المقصود في هذه الصورة عند الجمهور (¬1)، خلافا ~~للحنفية لاعتبارهم ظاهر العلة من غير التفات إلى الحكمة. # والخلاف إنما هو في اعتبار المقصود لا في الحكم، لأنه متفق عليه، وهو ~~وجوب الاستبراء في الصورة المذكورة، إلا أن الشافعية يقولون: الاستبراء فيه ~~جانب التعبد غالب، ولذلك لو اشترى بكرا من امرأة وجب الاستبراء. # وعندي أن القول بالمظنة عند الشافعية معتبر كالسفر للمشقة، ولذلك يجوزون ~~الرخص للملك المترفه المقطوع بعدم مشقته، فكذا يجب أن يقولوا هنا: ~~بالانتفاء بالمظنة على ما نقل المصنف عن الغزالي وابن يحيى (¬2) في شرائط ~~العلة عند القطع بانتفاء الحكمة اكتفاء بالمظنة. PageV03P289 # قوله: "والمناسب إما أن يكون (¬1) في محل الضرورة". # أقول: هذا ثاني تقسيمي المناسب نظرا إلى المقاصد التي شرعت لها الأحكام، ~~وهي ضربان: ضروري وغير ضروري فالضروري (¬2) -أيضا- قسمان: أصل، وملحق به، ~~فالأصل، وهو أعلى المراتب الخمسة الضرورية التي روعيت في كل ملة، وهي مراتب أيضا: # فالأول: حفظ الدين بقتل الكفار (¬3). # ودونه: حفظ النفس بالقصاص (¬4). PageV03P290 # ودونه: حفظ العقل بحد المسكر (¬1). # ودونه: حفظ النسب (¬2) بحد الزنى (¬3). # ودونه: حفظ المال بحد السرقة (¬4)، وقطع الطريق (¬5). PageV03P291 # وزاد المصنف سادسا هو في رتبة الخامس وهو حفظ العرض بحد القذف (¬1) لما ~~ورد في الأحاديث الصحاح المبالغة في تحريم العرض المقارن بتحريم الدماء (¬2). # والحق: أن قذف العرض ليس في رتبة تلك الخمسة المحفوظ عليها في كل ملة، ~~وإن كان كبيرة شرع فيها الحد. # والقول (¬3) بأن القذف يؤدي إلى الشك في النسب (¬4) غلط من قائله: لأن ~~النسب الثابت شرعا لا يتطرق إليه الشك بقول القاذف الفاسق. PageV03P292 # والملحق بالأصل الضروري كالحد على قليل من المسكر، لأنه يدعو إلى كثيره، ~~فشرع الحد فيه تتميما، وتكميلا (¬1)، إذ من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. # وكحرمة البدعة، والعقوبة عليها في حفظ الدين، وكتحريم النظر، والمس في ~~حفظ النسب، وكركوب الدابة بغير إذن صاحبها، والجلوس على بساطه في حفظ المال. # وغير الضروري، إما حاجي، أو غيره، والأول إما أصل ms335 أو ملحق به. # فالحاجي (¬2) في نفسه أصالة كالبيع، والإجارة، والقراض، والحاجي له مراتب ~~تتفاوت شدة وضعفا، ولذلك عطف على البيع بالفاء. PageV03P293 # وقد يكون في بعض الصور ضروريا كالإجارة لتربية الطفل الذي لا أم له، ~~وكشراء المطعوم، والملبوس، فإنه ضروري من قبيل حفظ النفس، ولذلك لم تخل عنه ~~شريعة، فإطلاق الحاجي عليها إنما هو باعتبار الأغلب. # ومكمل الحاجي مثل: خيار البيع للتروي، فإن المقصود من شرع البيع، وإن كان ~~حاصلا بدونه، لكن شرع تحاشيا عن غبن المسلم، وكذا وجوب رعاية الكفاءة، ومهر ~~المثل، إذا زوج الولي الصغيرة، فإن مقصود الزواج، وإن كان حاصلا بدونهما، ~~لكن وجودهما أشد إفضاء إلى الدوام، فهما من قبيل التكميل والتتميم. # وغير الحاجي هو التحسيني (¬1) الذي ليس ضروريا، ولا حاجيا، لكن فيه ~~تحسين، أي: سلوك منهج حسن (¬2)، وهو -أيضا- قسمان: PageV03P294 # ما لا يعارضه قاعدة من القواعد (¬1). # مثل: سلب أهلية الشهادة (¬2)، والقضاء من العبيد، وإن كانوا ذوي ديانة، ~~وعدالة. # وإنما كان كذلك جريا على العادة بين العقلاء الكمل، فإن السيد إذا كان له ~~عبدان: أحدهما متحلي بالفضائل، والآخر دونه، فالمستحسن PageV03P295 # عرفا أن يولي الأفضل أفضل الأمور، ويراعي حالهما، وإن كان يمكن من كل ~~منهما الإتيان بما أتى به الآخر. # وما يعارضه قاعدة: مثل الكتابة (¬1)، فإنها مستحسنة في العادة للتوسل إلى ~~فك الرقاب، لكن فيه خرم قاعدة فقهية، وهي: عدم جواز بيع الشخص ماله بماله. # قوله: "ثم المناسب إن اعتبر بنص، أو اجماع". # أقول: هذا هو التقسيم الثالث للمناسب بحسب اعتبار الشارع، فهو بهذا ~~الاعتبار أربعة أقسام: # مؤثر: وهو ما ثبت اعتباره بنص، أو إجماع. # وملائم: وهو ما ثبت اعتباره لا بنص، وإجماع بل بترتيب الحكم عليه، لكن ~~ثبت بنص، أو إجماع اعتبار عينه في جنس الحكم، وإن لم يعتبر على أحد ~~الوجهين، أي: بنص، أو إجماع، ولا بترتيب الحكم على الوجه المذكور، فإن دل ~~دليل على إلغائه، فلا يعلل به، لأن الشارع أسقطه عن الاعتبار، وإن لم يدل، ~~فهو المرسل. PageV03P296 # وقد قبل مالك المرسل مطلقا (¬1)، وقد اشتهر عنه القول ms336 بالمصالح المرسلة ~~حتى جوز ضرب المتهم بالسرقة ليقر. # وقريب من قوله ما ذهب إليه إمام الحرمين، مع إنكاره على مالك فيما قاله ~~من قبول المرسل مطلقا (¬2). # ورده الجمهور مطلقا: لعدم ما يوجب قبوله، واعتباره. # وقوم في العبادات، لأنه لا اعتبار فيها للمعاني بخلاف المعاملات، ~~والحدود، والجنايات إذا ظهر فيها معنى مناسب، وهذا كلام باطل (¬3). # قال المصنف: وليس من المرسل المتنازع فيه ما وجدت فيه مصلحة ضرورية كلية ~~قطعية، لأنها مما دل الدليل على اعتباره، فهي حق قطعا. # والغزالي إنما شرط القيود الثلاثة (¬4) للقطع لا لأصل القول به، فإنه صرح ~~بأن الظن القريب من القطع كاف في أصل القبول. # وقول المصنف: "وليس منه مصلحة ضرورية كلية قطعية" رد على الإمام (¬5)، ~~والآمدي، ومن وافقهم، قائلا باعتبار المرسل في هذه PageV03P297 # الصورة (¬1): لأن النصوص على العموم بأن الشارع يراعى الكلي دون الجزئي، ~~وأن حفظ الاسلام أمر كلي مقصود للشارع كثرة، وعليه الإجماع عصرا بعد عصر ~~إلا أن هذا ليس بقياس إذ ليس له أصل معين. # وفي هذا القيد الأخير، وهو قوله: "إلا أن هذا ليس بقياس إذ ليس له أصل ~~معين" اعتراف بحقية ما قاله الإمام، والآمدي، لأن المعلوم من الشريعة بلا ~~خصوصية نص، أو قياس يستند إليه هو المرسل إذ ما لا دليل عليه شرعا بوجه ~~باطل قطعا. # هذا شرح كلام المصنف وفي ضبطه للمقام وتحرير المرام نوع خفاء. ونحن نضبط ~~المقام بما لا مزيد عليه، ونورد الأقسام موضحة، مع أمثلتها فإن هذه المسألة ~~من أمهات هذا العلم. # اعلم أن المناسب ينقسم أولا إلى أربعة أقسام: # الأول المؤثر: وهو ما ثبت بنص، أو إجماع اعتبار عينه في عين الحكم، ~~كتعليل الحدث بالمس (¬2) الثابت بالنص، وكالولاية على الصغير في المال ~~الثابت بالإجماع (¬3). PageV03P298 # الثاني الملائم: وهو ما يكون اعتباره في محل الحكم بترتيب الشارع الحكم ~~على وفقه فقط من غير ثبوت ذلك بنص، أو إجماع، لكن شرطه أن يثبت بنص، أو ~~إجماع اعتبار عين ذلك الوصف في جنس الحكم. # مثاله: حمل النكاح على المال في ms337 الولاية، فإن الصغر معتبر في جنس حكم ~~الولاية إجماعا، أو جنسه في عين الحكم، مثاله: حمل الحضر على السفر بعذر ~~المطر في الجمع، فإن جنس الحرج معتبر في عين رخصة الجمع بالنص، أو جنسه في ~~جنس الحكم كالجناية بأن يقال: القتل بالمثقل يوجب القصاص كالمحدد بجامع كون ~~الجناية عمدا عدوانا. # فالحكم جنس القصاص يشمل قصاص النفس، والأطراف، والوصف جناية العمد ~~العدوان، وهي جنس يجمع جناية النفس (¬1) والأطراف وقد اعتبر جنس الجناية في ~~جنس القصاص نصا، وإجماعا. # الثالث الغريب (¬2): وهو ما ثبت اعتبار عينه في عين الحكم، لمجرد PageV03P299 # ترتيب الحكم على وفقه، لكن لم يثبت اعتبار عينه في جنس الحكم، أو العكس، ~~أو اعتبار جنسه في جنس الحكم بنص، ولا إجماع. # مثاله: من بت طلاق زوجته في مرض الموت، لئلا ترث منه، يعارض بنقيض مقصوده ~~كالقاتل عورض بذلك، والجامع كون كل من الفعلين محرما لغرض فاسد. # هذا وإن كان له وجه مناسبة إلا أنه لم يشهد له أصل من نص، أو إجماع. # الرابع المرسل: وهو ما لم يثبت اعتبار عينه في عين الحكم بوجه من الوجوه، ~~وينقسم ثلاثة أقسام: # ملائم، وغريب، ومعلوم الإلغاء. # الملائم منه ما لم يثبت اعتبار عينه في عين الحكم بوجه، لكن علم اعتبار ~~عينه في جنس الحكم أو جنسه في عين الحكم أو جنسه في جنس الحكم (¬1). # والغريب: ما لم يثبت فيه شيء من ذلك، ولم يعلم إلغاؤه (¬2). PageV03P300 # ومعلوم الإلغاء: ما لم يكن فيه شيء من ذلك، وعلم من الشارع إلغاؤه (¬1)، ~~كإيجاب الصوم في كفارة إفساد الصوم على الملك دون الإعتاق كما فعله بعض ~~العلماء، مع بعض الملوك، هذا وإن كان مناسبا، لكن علم إلغاؤه بالإجماع. # هذا وليعلم أن اعتبار العين في العين، أو في الجنس، أو اعتبار الجنس في ~~العين، أو في الجنس معتبر إفرادا، وتركيبا، والتركيب ثنائيا، وثلاثيا، ~~ورباعيا، والجنس قريبا، وبعيدا، ومتوسطا، كل ذلك متصور، ولكن شرح ذلك يحتاج ~~إلى أمثلة يطول الكلام فيها فلا يليق بشرح هذا المختصر. # وقد وقفت على تحقيق المقام، ms338 فعليك بضبطه يغنيك عن تطويل الكلام، وينجيك ~~عن ظلمة الشكوك، والأوهام. # قوله: "مسألة تنخرم المناسبة". # أقول: قد اختلف في الحكم إذا ثبت لوصف مصلحي على وجه يلزم منه وجود مفسدة ~~مساوية، أو راجحة على تلك المصلحة هل تنخرم المناسبة أم لا؟ # المختار الانخرام، لأن العقل قاض بأنه لا مصلحة مع المفسدة، فإنك إذا قلت ~~لصاحبك: بع هذا الفرس، فإنك إن لم تربح ما تخسر شيئا، يعد هذا لغوا من ~~القول. PageV03P301 # ولو فعل المخاطب كان خارجا عن حيز العقلاء (¬1). # وأورد الصلاة في الدار المغصوبة، فإن صحتها تقتضى مصلحة، وحرمتها مفسدة، ~~والمصلحة لا تزيد على المفسدة وإلا لما حرمت، فهي مساوية، أو راجحة، فلو ~~كانت المناسبة تنخرم بالمفسدة لما صحت الصلاة إنما الكلام فيما إذا نشأتا ~~من شيء واحد، فلو نشأتا من الصلاة وحدها لما صحت الصلاة، واللازم منتف ~~اتفاقا منا، ومنكم. # بيان اللزوم: أن الصحة موافقة أمر الشارع، أو دفع وجوب القضاء. وعند ~~تعارض المصلحة الباعثة على الأمر بالصلاة، والمفسدة الصارفة مساوية كانت، ~~أو راجحة الأمر بها محال سواء انخرمت المناسبة، أم لا، وذلك: لأنهم، وإن ~~اختلفوا في انخرام المناسبة، وبطلانها في الصورتين بمعنى عدم بقاء المصلحة ~~إلا أنهم اتفقوا على بطلان مقتضاها، وعدم ترتب الحكم عليها. # واعلم: أن جواب المستدل فيما إذا عورض بالمفسدة الراجحة، أو المساوية ~~بالترجيح. مما يصلح مرجحا نظرا إلى أن ذلك المقام بخصوصه. # وبالإجمال في الكل بأن يقول: لولا المصلحة التي ادعيتها لزم ثبوت الحكم ~~بلا مصلحة، وهو باطل على رأي من شرط في العلة كونها باعثة، أو بعيد على قول ~~من لم يشرط. PageV03P302 # قوله: "السادس الشبه". # أقول: من مسالك العلة الشبه، وهو الوصف الذي يشبه المناسب، والطرد، ولذلك ~~سمي شبها (¬1). # ولم يعرفه المصنف لأنه لم يظفر بعبارة محررة في صناعة الحدود على ما قاله ~~إمام الحرمين (¬2). # وعندي أنه يقال: وصف اعتبره الشارع في بعض الأحكام من غير مناسبة عقلية فيه. # فيمتاز عن المناسب، فإن المناسبة فيه عقلية لازمة لذاته، وعن الطرد، لأن ~~الشارع لم يعتبره ms339 في حكم من الأحكام، كالذكورة، والأنوثة، فإن الشارع قد ~~اعتبرها في القضاء، والشهادة، ولم يعتبرها في البعض كالعتق في الكفارة، ~~وأما الطرد، فلم يعتبره في شيء من الأحكام. PageV03P303 # كما لو قيل: الخل لا يرفع الخبث لأنه لا يبنى عليه القنطرة كالدهن، فإن ~~الشارع ألغاه قطعا. # مثال الشبه: قول الشافعى -رضي الله عنه-: في إزالة الخبث طهارة تراد ~~للصلاة، فلا بد من الماء، كالحدث، فإن المناسبة غير ظاهرة، لكن إذا نظر إلى ~~اعتبار الشارع الطهارة بالماء في مس المصحف، أي: الوضوء له، وللصلاة ~~والطواف ربما توقع في نفس المجتهد مناسبة بين كون إزالة الخبث طهارة تراد ~~للصلاة، وبين الماء. # قيل: ذلك الوصف إما مناسب، أو لا، والأول مجمع على قبوله، والثاني مجمع ~~على رده، ولا ثالث. # الجواب: منع الحصر، بل هناك ثالث كما يعلم من تعريفه. # واعلم أن الشبه ثبت يحميع مسالك العلة إلا بالمناسبة فإن المناسب شرطه أن ~~تكون مناسبته ذاتية، وشرط الشبه أن لا يكون مناسبته كذلك. # قوله: "ولا يصار إليه". # أقول: قد اتفقوا على أن قياس الشبه إنما يصار إليه عند من يقول به عند ~~فقد قياس العلة. # ثم القائلون به منهم من يقول به مطلقا (¬1). PageV03P304 # ومنهم من اعتبر انضمام الضرورة إلى الحكم في واقعة لا يوجد فيها إلا ذلك ~~الوصف الشبهي (¬1). # ومنهم من شرط كون الفرع دائرا بين أصلين يلحق بأكثرهما شبها وهو المنقول ~~عن الشافعي، ونصه (¬2) في الأم، وخالف من أصحابه الصيرفي، وأبو إسحاق ~~الشيرازي، وآخرون في القول به لشبه الطرد (¬3). # ثم بناء على القول به أعلاه رتبة قياس علية الأشباه وهو أن يتردد فرع بين ~~أصلين، فيلحق بأكثرهما شبها. # مثاله: العبد المقتول تعتبر فيه القيمة بالغة ما بلغت، لأن شبهه بالمال ~~أكثر من شبهه بالحر (¬4). PageV03P305 # ثم الصوري كقياس الخيل على البغال، والحمير في عدم وجوب الزكاة لوجود ~~الشبه الصوري (¬1). # وقال الإمام الرازي: المعتبر في قياس الشبه حصول المشابهة بين الشيئين ~~لعلة الحكم، أو مستلزمها سواء كان ذلك في الحكم، أو في الصورة عملا بموجب ~~الظن ms340 (¬2). # قوله: "السابع الدوران". # أقول: سابع المسالك الدوران، وهو وجود الحكم عند وجود الوصف، وعدمه عند ~~عدمه (¬3)، ويقال له: الطرد، والعكس (¬4). PageV03P306 # قيل: لا يفيد العلية بمجرده. # وقيل: يفيد قطعا (¬1). # ومختار المصنف -وفاقا للجمهور- إفادته الظن (¬2). # لنا -على مختاره- أن ترتب الحكم على ما له صلوح العلية وجودا وانتفاءه ~~عند انتفائه يوجب غلبة ظن العلية، وأورد الرائحة المخصوصة الموجودة في ~~الخمر، فإنها موجودة حين كونه خمرا مفقودة عند كونه عصيرا. # الجواب: قد اعتبر صلوح العلية، ولا صلاحية لتلك الرائحة بل للإسكار. # وبما ذكرناه سقط جميع ما يورد من جواز كون الوصف ملازما للعلية، ومن كونه ~~مجردا عن الالتفات إلى غيره من الأوصاف وسائر المسالك لا تدل على العلية إذ ~~كونه مشتملا على صلوح العلية كاف في إفادة الظن. # الغزالي: لا يفيد شيئا (¬3) لأن الإطراد هو أن لا يوجد الوصف بدون الحكم ~~حتى لو وجد كان نقضا، والنقض أحد المفسدات. PageV03P307 # ولا يلزم من انتفائه انتفاء سائرها، والعكس ليس بشرط في العلة. # قلنا: عدم اشتراطه مبى على جواز التعليل بعلتين، وقد منعنا ذلك، ولو سلم، ~~فالعلة مجموع الأمرين، ولا يلزم من عدم صلوح الأفراد عدم صلوح المجموع كما ~~سبق مثله. # قيل: الدوران موجود في المتضايفين، ولا علية. # قلنا: لا يمنع ظن العلية غايته قاطع عارض ظنيا يبطل في تلك الصورة. # القائلون بإفادته قطعا قالوا: لو دعي إنسان باسم مغضب له، ثم ترك، فلم ~~يغضب، ثم دعى به فغضب، دل قطعا على أنه العلة حتى الأطفال يعرفون ذلك. # الجواب: الكلام فيما يصلح علة بمجرده، وفيما ذكرتم تجرده ممنوع، وفيه نظر: # لأنه يلزم منه القدح في المجربات التي هي من الضروريات عند الجمهور. # وإذا ثبت أنه يفيد الظن، فهل يشترط نفي ما هو أولى منه بالعلية أم لا يشترط؟ # المختار: عدم الاشتراط لأنه لو لزمه ذلك للزم نفي سائر القوادح، وينتشر ~~البحث، ويخرج الكلام عن الضبط. PageV03P308 # قال الغزالي: "إنما يجب ذلك على المجتهد إذ عليه تمام النظر لتحل له ~~الفتوى" (¬1). # هذا إذا لم يبد المعترض وصفا آخر صالحا ms341 للعلية، فلو أبداه، فإما أن يكون ~~ما أبداه قاصرا، أو متعديا، فإن كان وصف المستدل متعديا إلى فروع أكثر قدم ~~أيضا، وإن كان كل من الوصفين متعديا إلى الفرع المتنازع فيه، فإن جوزنا ~~التعليل بعلتين لا ضير، وإن منعنا يتوقف إلى الترجيم. # قوله: "الثامن الطرد". # أقول: ثامن المسالك الطرد، وقد عرفه بالمعنى المصدري وهو مقارنة الحكم للوصف. # والأولى منه عبارة القاضي: هو الوصف الذي لا يناسب بالذات، وبالتبع (¬2)، ~~وذلك مثل ما لو قيل: الكلب حيوان له صوف يشبه الخروف، فيكون طاهرا (¬3). # وكما تقدم من أن الخل لا تبنى عليه القنطرة، فلا يكون رافعا للخبث. # قال القاضي: من مارس الشريعة، وأجاز الطرد فقد استهزأ بالدين. PageV03P309 # قال فخر الإسلام البزدوي: من قال بالطرد أثبت الحكم بلا دليل (¬1)، ونقل ~~المصنف كلاما جامعا حسنا، وهو أن قياس المعنى مناسب، والمراد بقياس المعنى ~~ما يكون مستدعيا للحكم، ومؤثرا فيه، وقياس الشبه تقريب، وقد تقدم ذلك وهو ~~أن تكون مناسبة الوصف غير ذاتية، وقياس الطرد تحكم. # وقيل: إن قارن الوصف الحكم في جميع صور الحكم أفاد العلية في صورة ~~النزاع، وإليه ذهب الإمام في المحصول قائلا: إنه قول كثير من الفقهاء (¬2). # والثالث: حجة مطلقا. # والرابع: يفيد المناظر (¬3) دون الناظر، لأنه في مقام الدفع، والناظر في ~~مقام الإثبات، وكم من شيء يصلح دافعا، ولا يصلح مثبتا. # وزيفه الإمام في البرهان بأن الجدلي إنما يدفع بما هو حق عنده، أو عند ~~خصمه لا بشيء قد اتفقا على بطلانه (¬4). # قوله: "التاسع تنقيح المناط". PageV03P310 # أقول: تاسع المسالك تنقيح المناط. # المناط -اصطلاحا-: ما ناط الشارع الحكم به من العلة الباعثة، وتنقيحه ~~تلخيصه (¬1) بحذف ما يتوهم كونه فارقا (¬2) من الاعتبار، وتعميم العلة، كما ~~في القتل العمد العدوان. # فإن أبا حنيفة شرط فيه المحدد، فحذفه الشافعي عن الاعتبار وعممه في ~~المثقل أيضا. # أو بالنظر في المحل، وجمع أوصافه، ثم حذف بعضها عن الاعتبار اجتهادا، كما ~~في قضية الأعرابي حين واقع في رمضان فأوجب عليه الكفارة. # فيقول الشافعي: علة الكفارة إما وصف الوطء شرط ms342 صدوره عن الأعرابي، أو كون ~~الموطؤة زوجية، أو كون الوطء واقعا في القبل. ولا يصلح إلا الوطء مطلقا، ~~فإنه يوجب الجناية على الصوم وما عداه غير مناسب له. # فإن قلت: أي فرق بين هذا المسلك بالمعنى الثاني ومسلك السبر؟ PageV03P311 # قلت: الفرق هو أن في السبر يجب حصر الأوصاف الصالحة للعلية بأسرها وإلغاء ~~(¬1) الكل سوى الذي يدعى عليته، وتنقيح المناط بالمعنى الثاني إنما يلاحظ ~~فيه الأوصاف التي دل عليها ظاهر النص، فهو كالعام أخرج عنه البعض ~~بالاجتهاد، والمخرج إنما هو متناول اللفظ لا غير. # هذا وتحقيق المناط: هو إثبات الوصف (¬2) المدعى عليته في الفرع بعد ~~الاتفاق على أن العلة كذا كما في إلحاق النباش بالسارق بعد الاتفاق على أن ~~العلة في السارق هو أخذ مال الغير من الحرز خفية. # وتخريج المناط: قد سبق أنه استخراج المناسبة بين الوصف والحكم (¬3). # واعلم أن إثبات العلة في الفرع لا يلزم أن يكون بدليل قطعي كما يتبادر من ~~لفظ تحقيق المناط. PageV03P312 # قوله: "العاشر إلغاء الفارق". # أقول: عاشر المسالك إلغاء الفارق (¬1)، وهو أن ينظر السابر في الأوصاف، ~~ثم يعين فارقا تقديرا (¬2) إذ لا فارق في نفس الأمر، ويبطل كونه فارقا ~~بدليل إما قطعي، أو ظني. # بأن يقول: لا يصلح علة لأنه طرد محض، أو قد علم إلغاؤه من الشارع. # ويفارق السبر قياس العلة بأن المعين عند المستدل هو الوصف الجامع في ~~السبر، وهنا المعين هو الفارق. # مثاله: إلحاق الأمة بالعبد في العتق على ما ورد في الصحيح: "من أعتق شركا ~~له في عبد، وله مال يبلغ ثمن العبد، قوم عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه ~~نصيبهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد [عتق] (¬3) عليه ما أعتق" (¬4)، PageV03P313 # إذ الفارق بين العبد والأمة إما أنوثة الأمة، أو كون العبد صالحا للجهاد، ~~والجماعات، وكل منهما ملغى في نظر الشارع؛ لأن المقصود خلاص النفس عن موت الرق. # قوله (¬1): "خاتمة". # أقول: ختم باب العلل بطريقين عدهما بعض الأصوليين علتين إحديهما تأتي ~~القياس، وإمكان الإتيان به، مع علية الوصف المدعى عليته. # فنقول: لو قيل: ms343 بعليته أمكن القياس، وإلا فلا. # وهذا كلام مردود، لأن القياس لا وجود له بدون العلة فلو أثبتت بتأتي ~~القياس كان دورا. # والحاصل: أن العلة ما لم تتحقق لا يمكن القياس، وتأتي القياس مع الوصف لا ~~يصلح دليلا على عليته. # والثانية: عجز الخصم عن القدح في علية الوصف بوجه ما، وذلك، لأن الخصم ~~ليس من ناظرك وحده، بل من يقدر مخالفا، ويمكن أن يفسده مناظر آخر، وقياسهم ~~هذا على المعجزة بأنها لما تساقط قوى المعارضين عن المقاومة، ثبت صدق ~~المعجزة ليس بصحيح: لأن المعارضين بأسرهم عاجزون عن ذلك، فلا يتوهم، ولا ~~يتصور قادح غيرهم (¬2). PageV03P314 ### || AUTO الاعتراضات الواردة على القياس # قوله: "القوادح". # أقول: المستدل كالمحارب لا بد له من قوة، وآلة يستعين بها على الخصم، ثم ~~قوته هى فطرته، وقابليته، وسلاحه مقدمات دليله، وكلما كان دليله أقوى كان ~~غالبا لا يغالب، لكن كما أن السلاح إنما يؤثر عند عدم معاوق، كذلك الدليل ~~إنما يستلزم المطلوب إذا لم يعاوقه عائق. # فالخصم له مقامات، مع المستدل (¬1): # إما أن يقدح في مقدمة من مقدمات دليله إجمالا، أو تفصيلا، وإما أن يسلم ~~صحتها، ولكن يعارضه بمثل دليله، فقد علم أن مرجع جميع الاعتراضات إلى ~~المنع، والمعارضة. PageV03P315 # قوله: "منها تخلف الحكم". # أقول: من شرط العلة الاطراد، وهو وجدان الحكم حيث وجد الوصف المدعى ~~عليته، وعدمه يسمى نقضا إجماليا لعدم تعين المقدمة الممنوعة (¬1). # وغايته: أن يقول: لو كان وصفك علة ما تخلف عنه الحكم (¬2). # والنقض معتبر (¬3) مطلقا عند الجمهور، وعزاه المصنف إلى الشافعي وقيل: لا ~~يعتبر مطلقا، بل يجعل من قبيل تخصيص العلة، وعزاه إلى الحنفية، وهو قول ~~بعضهم (¬4). PageV03P316 # قال فخر الإسلام البزدوي: "من أصحابنا من أجاز تخصيص العلل (¬1)، ~~والتخصيص غير المناقضة، لأن النقض إبطال يقتضي سبق الفعل، كنقض البناء. # والتخصيص بيان أن المخصوص لم يدخل، فلا يكون نقضا". # والصحيح عندهم قبوله، وأن نسبة عدم الحكم إلى عدم العلة لا إلى المانع ~~ليكون مخصصا. # وقيل: لا يقدح في المستنبطة، لأن دليل المستنبطة اقتران الحكم فإذا انتفى ~~بطل عليته، ms344 لعدم ثبوت الشيء بدون الدليل، بخلاف المنصوصة، فإن دليلها النص، ~~وهو قائم في صورة التخلف. # والجواب: أن اجتهاد المجتهد بمنزلة النص، والوصف لا بد له من مناسبة، مع ~~الحكم، فلو كان صالحا للعلية لما تخلف عنه. # وقيل: لا يقدح في المنصوصة؛ لأن للشارع تاخير البيان إلى وقت الحاجة، ~~بخلاف المجتهد حيث عين العلة (¬2). PageV03P317 # فإذا تخلف الحكم ليس له أن يقول: أردت غير تلك الصورة وإلا ينسد باب المنع. # والجواب: تخلف الحكم في صورة دليل عدم صلوح الوصف للعلية سواء كان طريق ~~الثبوت النص، أو الاستنباط. # وقيل: يقدح فيهما إلا إذا كان ذلك التخلف لمانع، أو فقد شرط للحكم، وعليه ~~أكثر الفقهاء (¬1) لأن عدم الحكم إذا لم يكن لمانع، أو فقد شرط لا بد وأن ~~يكون لعدم المقتضي، فلو كان الوصف علة لما تخلف عنه الحكم. # وقيل: يقدح إلا أن يرد على جميع المذاهب كالعرايا، فإن جواز بيع العرايا، ~~وارد على جميع الأقوال في ربا المطعوم، لأنها إما الطعم، أو القوت، أو ~~الكيل، أو كونه مالا، ومثله في الحقيقة كالمستثنى، والمعدول عن سنن القياس، ~~وبه صرح في المحصول (¬2). # وقيل: يقدح في العلة المحرمة دون المبيحة، لأن التحريم خلاف الأصل بخلاف ~~الإباحة. PageV03P318 # وقيل: يجوز في النص الظني إذا كان عاما، بخلاف ما إذا كان قطعيا، فإنه لا ~~يمكن تخلف الحكم عنه. # وكذا إذا لم يكن عاما، بل خاصا بمحل الحكم، لأنه لا يتصور التخلف، مع ~~اختصاص الوصف بمحل الحكم. # وقيل: يقدح في المستنبط إلا لمانع، أو فقد شرط، واختاره ابن الحاجب (¬1)، ~~والدليل له ما تقدم من انتفاء الحكم إن لم يكن لمانع، أو فقد شرط، فلا بد ~~وأن يكون لعدم المقتضي. والجواب هو الجواب. # وقيل: إن كانت منصوصة بما لا يقبل التأويل، أو كان التخلف لمانع، أو فقد ~~شرط، أو في معرض الاستثناء لم يقدح، وإلا قدح، وهو المختار عند الآمدي (¬2). # وعلى هذا، فالمنصوصة من غير احتمال التأويل، أو كان التخلف في المستنبطة ~~والمنصوصة لمانع (¬3)، أو فقد شرط، أو كان التخلف في ms345 معرض الاستثناء لا ~~نقض. PageV03P319 # والمراد بالنص دليل الكتاب، والسنة مطلقا، لا النص المصطلح، فلا يرد أن ~~النص لا يقبل التأويل، ثم الخلاف في المسألة معنوي لا لفظي كما توهم (¬1). # ويتفرع على ذلك بعض الأحكام: # منها: التعليل بعلتين، ومنها: انقطاع المستدل، وانخرام المناسبة بالتخلف. # أما كون التعليل بعلتين من فروع المسألة، فلأن التخلف نقض مطلقا عند ~~المصنف سواء كان لمانع، أو لا، فإذا حصل الحكم بعلة تمنع حصوله بعلة أخرى، ~~فيكون نقضا لتخلف الحكم عن العلة، هذا كلام المصنف في شرح مختصر ابن الحاجب ~~(¬2) PageV03P320 # وبعضهم (¬1) لما لم يفهم كلام المصنف هنا، ولا وقف على ما في شرح المختصر ~~قال: تفريع هذه المسألة سهو؛ لأن الكلام في تخلف الحكم عن علته، وهذا من ~~تخلف العلة عن الحكم (¬2). # ومع قطع النظر عن كلام المصنف، ما قاله هذا القائل غير معقول، لأن تخلف ~~الشيء عن آخر يستلزم سبقه، ولا يتصور تقدم الحكم على العلة حتى تتخلف عنه. # قوله: "وجوابه". # أقول: على تقدير أن يكون التخلف قادحا جوابه بوجوه: # الأول: منع وجود العلة في صورة التخلف لفوات قيد مناسب بحسب اعتباره (¬3). # الثاني: منع انتفاء الحكم إذا لم يكن الانتفاء مذهبا للمستدل، أو له، ~~وللخصم (¬4). PageV03P321 # الثالث: أن يبين مانعا من ثبوت الحكم في صورة النقض (¬1)، وهذا إنما ~~يستقيم عند من يجعل تخلف الحكم لمانع غير قادح. # وإذا أجاب المستدل على الوجه المذكور، فليس للمعترض الاستدلال على وجود ~~العلة في الصورة المذكورة، لأن الاستدلال ليس بمنصب له، فيلزم الانتقال، ~~والانتشار (¬2). # وقيل: له ذلك، لأنه وإن كان في الصور مستدلا، ففي المعنى مانع لعلية ~~الوصف، ومبطل لها، فلو لم يمكن ذلك لم يتم مطلوبه. # وهذا إنما يتمشى إذا كان جواب المستدل يمنع وجود العلة في صورة التخلف لا ~~بانتفاء الحكم، أو بيان المانع (¬3). PageV03P322 # وقال الآمدي: ليس له ذلك إن وجد له دليل آخر للقدح أولى من النقض، وإن لم ~~يوجد يمكن (¬1) منه لإتمام مطلوبه (¬2). # وحكى ابن الحاجب مذهبا آخر، وهو أنه يمكن ما لم تكن العلة حكما شرعيا ms346 ~~(¬3)، بل أمر حقيقيا، لأن الاشتغال بإثبات حكم شرعي آخر انتقال ظاهر، بخلاف ~~غيره، فإن الانتقال فيه غير ظاهر. # هذا في العلة نفسها أما لو استدل المستدل على وجود العلة في محل التعليل، ~~بدليل موجود في محل النقض، فمنع المعترض وجود العلة في صورة النقض، فهل له ~~أن يقول: دليلك على العلة منتقض؟ # فالحق: أنه لا يسمع منه ذلك، لأنه انتقال من نقض العلة إلى دليلها. # قوله: "والصواب"، تعريض بابن الحاجب حيث زعم أن القدح في دليل العلة قدح ~~فيها (¬4)، فلا يكون انتقالا وهذا إنما يكون عند عدم الترديد. # أما لو قال: أحد الأمرين لازم إما انتقاض العلة، أو دليلها كان مسموعا ~~اتفاقا إذ لا انتقال، غايته الاستظهار بزيادة الدليل. # هذا الذي ذكرنا إذا كان جواب المستدل منع وجود العلة في صورة النقض. PageV03P323 # أما لو منع انتفاء الحكم الذي ادعاه الخصم (¬1) فإن كان انتفاء الحكم ~~مجمع عليه، أو عند المستدل، فلا يسمع منه. # وعندي في هذا نظر، لأن الباحث لا يلتزم مذهبا، فيجب على الخصم إثبات ما منعه. # وإذا لم يكن مجمعا عليه، ولا مذهبه، فهل للمعترض الاستدلال على تخلف ~~الحكم ثلاثة أقوال: # له ذلك إتماما لمطلوبه (¬2). # الأصح ليس له ذلك إذ الاستدلال ليس منصبه (¬3). # الثالث: له ذلك ما لم يكن له طريق في القدح أولى من ذلك (¬4). # قوله: "ويجب الاحتراز". # أقول: إذا قلنا: إن النقض قادح على ما هو المختار، فهل يجب الاحتراز عنه ~~ابتداء أم لا يجب (¬5)؟ . PageV03P324 # الأكثرون على عدم الوجوب، لأن ما يوجب الحكم هو الوصف، وقد أثبته بأحد ~~مسالك العلية، فلا ضرورة له بغيره. # ومختار المصنف التفصيل، وهو أن المستدل إما مناظر، أو ناظر، فيجب على ~~الأول مطلقا سواء كان من الصور المشهورة المستثناة أم لا، لأنه بصدد إلزام ~~الخصم، ولا يمكن حصوله إلا بالمقتضي، وارتفاع المانع. # وأما إذا كان ناظرا، فلا يخلو إما أن يكون النقض بالمستثنيات المشهورة ~~كالعرايا، فلا يجب الاحتراز عنه لأنه في حكم المذكور، لشهرته. # وقيل: يجب عليه مطلقا إذ ليس غير المذكور ms347 كالمذكور فتحسم مادة الشبهة. # وقيل: لا يجب عليه في المستثنيات مطلقا لأنها ليست محل النزاع. # قوله: "ودعوى صورة معينة، أو مبهمة". # لما كان النقض تخلف الحكم عن العلة، أورد بحث التناقض بين القضايا (¬1). PageV03P325 # وحاصله: أن الموجبة (¬1) الجزئية -سواء كان الحكم فيها على معين مثل زيد ~~كاتب (¬2)، أو على مبهم مثل إنسان ما كاتب (¬3) - نقيضها السالبة (¬4) ~~الكلية مثل: لا شيء من الإنسان بكاتب، والعكس (¬5) كذلك مثل: بعض الإنسان ~~ليس بكاتب، أو زيد ليس بكاتب، يناقضها كل إنسان كاتب (¬6). PageV03P326 # قوله: "ومنها الكسر". # أقول: من القوادح الكسر، وعبر عنه الآمدي، وابن الحاجب بالنقض المكسور، ~~وهو عبارة عن إسقاط بعض الأوصاف عن العلة إما مع إبداله بآخر، أم لا (¬1). # فالأول: وهو إبداله بوصف، ثم نقضه كصلاة الخوف مثلا. # فنقول: صلاة يجب قضاؤها، فيجب أداؤها كما في حالة الأمن. # فيقول المعترض: كونها صلاة لا أثر له في العلية، لوجوب قضاء الحج، والصوم أيضا. # فيبدل المستدل وصف الصلاة بالعبادة. # فيقول: عبادة وجب قضاؤها، فيجب أداؤها فينقضه المعترض بصوم الحائض فإنها ~~عبادة يجب قضاؤها ولا يجب أداؤها، أو بعد الإلغاء لا يبدل بوصف آخر، فيقول ~~المعترض: لم يبق معك إلا قضاؤها، وليس كل ما وجب قضاؤه واجبا أداؤه كصوم ~~الحائض، فإن الأداء محرم عليها، مع وجوب القضاء، هذا شرح كلامه على ما ~~قصده. PageV03P327 # والحق ما ذهب إليه الشيخ ابن الحاجب (¬1). # فإن من يقول بأن الكسر قادح إنما يقوله، لأنه نقض في المعنى. توضيح ذلك: ~~أن الحكمة المعتبرة وجدت في بعض الأوصاف في محل، وتخلف الحكم، فالتخلف هنا ~~نظرا إلى الحكمة، وفي النقض بالنظر إلى العلة. # وإذا كان التخلف المذكور بحسب الحكمة في بعض الأوصاف فله أن يقول: العلة ~~هي المجموع، وتخلفه عن البعض ليس من التخلف عن العلة في شيء إلا أن يبين ~~إلغاء الباقي من الأوصاف بطريق من الطرق، فحينئذ يبطل علية المجموع، ويمكن ~~التوفيق بين كلام المصنف، وكلامه بأن المصنف اعتبر إلغاء بعض الأوصاف، ~~والنقض في البعض الآخر، فيخرج المجموع عن صلاحية العلة، وبه يقول ms348 ابن ~~الحاجب، وإنما لم يقل بإبطاله إذا لم يلغ بقية الأوصاف، بل يبين وجود ~~الحكمة في بعض الأوصاف، مع تخلف الحكم. # مثاله: إذا قال: العاصي بسفره يقصر كغير العاصي بعلة المشقة، فينتقض بذي ~~الحرفة الشاقة في الحضر لوجود الحكمة مع تخلف الحكم، وهو القصر. # قال بعضهم (¬2) -في شرح كلامه، وهو قوله: "الكسر إسقاط وصف من العلة، بأن ~~يبين أنه ملغى بوجود الحكم عند انتفائه"-: ثم مثل PageV03P328 # لذلك بما مثلنا، ولم يدر أن المثال يناقض ما قاله، لأن في المثال المذكور ~~الحكم منتف، مع وجود الحكمة التي هي المشقة في الحضر. # وقد تقدم منه أن الكسر بيان إلغاء وصف من الاعتبار، مع وجود الحكم عند ~~انتفائه، وإنما سموه نقضا مكسورا، لأنه بين النقض، والكسر، لأن الكسر وجود ~~الحكمة بدون العلة، والحكم. # فإن نظر إلى مجموع الأوصاف، وأن الحكمة وجدت في البعض بدون المجموع، ~~والحكم فكسر للأوصاف. # وإن نظر إلى تخلف الحكم عن ذلك البعض المشتمل على الحكمة، فهو نقض معنى ~~لتخلف الحكم عن الحكمة الباعثة، هذا تحقيق هذا المقام بما لا مزيد عليه (¬1). # قوله: "ومنها العكس". # أقول: العكس انتفاء الحكم لانتفاء علته (¬2)، وقد اختلف فيه، فشرط قوم في ~~العلة العكس، ولم يشترطه آخرون. PageV03P329 # والحق: أنه مبني على جواز تعليل الحكم بعلتين، فمن جوزه لا يلزم عنده ~~انتفاء الحكم لانتفاء الوصف لقيام الوصف الآخر مقامه. # فإن ثبت وجود الحكم عند وجود الوصف، فيكون الوصف مطردا أيضا، كما كان ~~منعكسا، كان ذلك أبلغ في صلاحية الوصف علة لتلازمه، مع الحكم وجودا وعدما. # وقيل (¬1): معنى قوله: "أبلغ" أي: في العكسية. # وقد بالغ في عكس المقصود، لأن الطرد ثبوت الحكم لثبوت الوصف، كما أن ~~العكس (¬2) انتفاؤه لانتفاء الوصف، فكل منهما مباين للآخر، فكيف يكون مقويا له؟ # والمراد بانتفاء الحكم العلم، أو الظن بانتفائه، إذ لا يلزم من انتفاء ~~الدليل انتفاء المدلول في نفس الأمر، لأن العالم دليل الصانع، وحال عدمه ~~كان الصانع موجودا قطعا، وهذا مبني على المذهب الحق، وهو أن بعض المجتهدين ~~مصيب، وبعضهم ms349 مخطئ. # ومن قال: كل مجتهد مصيب، وحكم الله تابع لظن المجتهد، فعند انتفاء ظنه ~~ينتفى الحكم. # وقد مثل المصنف للعكس بقوله -صلى الله عليه وسلم- حين تعجبوا في إتيان ~~الشخص زوجته، ويؤجر على ذلك فقال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان له وزر؟ PageV03P330 # قالوا: بلى قال: فكذلك إذا وضعها في الحلال" (¬1). # فقد أرشدهم في الحديث إلى أن الحكم ينتفى بانتفاء (¬2) علته. # وفيه نظر، لأن انتفاء الوزر لانتفاء الحرمة لا يستلزم ثبوت الأجر في ~~الحلال، اللهم إلا أن يقال: مراده أن انتفاء الحكم، وهو الوزر، والأجر ~~لانتفاء العلة، وهي الحرمة والحل، وشارحو كلامه لم يعترضوا عليه (¬3). # قوله: "ومنها عدم التأثير". # أقول: من القوادح عدم التأثير، وهو عبارة عن إبداء المعترض في قياس ~~المستدل وصفا لا أثر له في إثبات الحكم (¬4)، ومحله الوصف المناسب، فخرج ~~قياس الشبه، لأن المناسبة غير معتبرة هناك، ولا يكون إلا في العلة ~~المستنبطة غير مجمع عليها. PageV03P331 # وقسمة الجدليون أربعة أقسام مرتبة، وأفردوا لكل اسما لتمايز الأقسام. # فأعلاها: إظهار عدم تأثير الوصف مطلقا، بأن يكون وصفا طرديا، كما إذا علل ~~عدم تقديم إذ إن الصبح بأنه لا يقصر كالمغرب. # فيقال: عدم القصر لا تأثير له في عدم التقديم، لأنه لا مناسبة فيه، بل هو ~~وصف طردي، ولذلك استوى ما يقصر من الصلاة، وما لا يقصر في عدم التقديم. # وحاصله: مطالبة المستدل بإثبات علية ذلك الوصف، وهذا القسم يخص باسم عدم ~~التأثير في الوصف. # الثاني: -وهو دون الأول- إظهار عدم تأثير الوصف في ذلك الأصل استغناء عنه ~~بوصف آخر، ويسمى عدم تأثير الوصف في الأصل. # مثال ذلك: قول المستدل: بيع الغائب لا يصح، لكونه غير مرئي كالطير في ~~الهواء. # فيقول المعترض: كون الطير غير مرئي غير معتبر، لأن العجز عن التسليم كاف ~~في عدم الصحة ضرورة استواء المرئي وغيره فيها. # ومرجع هذا إلى المعارضة في العلة بإبداء علة أخرى للأصل، وهذا ليس مبنيا ~~على جواز التعليل بعلتين، كما توهمه بعضهم (¬1) إذ مع المعارضة لا علة ~~أصلا. وإذا رجحت علة المستدل، أو ms350 المعارض، فكانت هى العلة. PageV03P332 # الثالث: -وهو دون الأولين- عدم تأثير الوصف في الحكم وقسمه المصنف ثلاثة أقسام: # الأول: أن يظهر عدم فائدة قيد اعتبره المستدل في العلة. # مثاله: قول الحنفية -في المرتدين إذا أتلفوا ما لنا في دار الحرب-: هؤلاء ~~مشركون أتلفوا المال في دار الحرب، فلا ضمان عليهم كالحربي، ودار الحرب وصف ~~طردي عندهم، وعندنا، لأن من أوجب الضمان، أوجبه مطلقا في دار الحرب وغيره. # ومن لم يوجبه مطلقا فلا فائدة في ذكره وهذا كالأول: لأن حاصله المطالبة ~~بالتأثير، فعلى المستدل أن يثبت تأثيره. # الثاني -من الأقسام الثلاثة-: أن لا يكون لذلك القيد تأثير، ولكن ضروري ~~للمستدل اعتباره. # مثاله: قوله في الاستدلال على وجوب عدد الأحجار في الاستنجاء: عبادة لم ~~يتقدمها معصية يجب فيها العدد، كرمي الجمار، فالتقييد بعدم تقدم المعصية، ~~وإن كان غير مؤثر، لكن ذكره ضروري لئلا ينقض بالرجم وهذا -أيضا- راجع إلى الأول. # الثالث: أن يكون له فائدة لا يضطر إليها المستدل. # مثاله: الجمعة صلاة مفروضة، فلا تتوقف على إذن الإمام كسائر الفروض، فقيد ~~الفرض حشو إذ لو حذف، -وقيل: كسائر العبادات- كان التعليل صحيحا من غير ~~انتقاض بشيء، لكن ذكر لقرب الشبه بين الفرضين. PageV03P333 # وفي كون ما ذكر مثل هذا الوصف قادحا خلاف مبني على كون الضروري قادحا، ~~فإن اغتفر للمستدل ذكر الضروري، فهذا بالطريق الأولى إذ لا انتقاض هنا ~~(¬1)، وإن لم يغتفر له ذلك، فهذا مثله. # وقيل: يغتفر مطلقا إذ لا انتقاض، غايته اشتمال كلامه على لغو. # الرابع -من أقسام عدم التأثير-: عدم اطراده في الفرع الذي هو محل النزاع. # مثاله -في ولاية المرأة على نفسها-: زوجت نفسها من غير كفو، فلا يصح، كما ~~لو زوجت بغير كفو (¬2). # فالتزويج بغير كفو، وإن ناسب البطلان إلا أنه غير مطرد في الفرع لأن ~~النزاع إنما هو فيمن زوجت نفسها مطلقا بكفو، وبغيره، وهذا كالثاني، أي: ~~كعدم التأثير في الأصل، فهي معارضة في علة الفرع، لأنه عارض كونه من غير ~~كفو بمجرد التزويج من غير اعتبار الكفاءة. # وهل يكون هذا ms351 قادحا في العلية؟ بناه المصنف على جواز الفرض في الدليل من ~~جوز ذلك قبله، ومن منع رده. # والفرض: عبارة عن تخصيص بعض صور النزاع بالدليل كالمثال المذكور، فإن ~~المدعي منع تزويج المرأة نفسها مطلقا، والدليل على منعها من غير كفو. PageV03P334 # وفي التخصيص المذكور مذاهب: # يجوز ذلك مطلقا، واختاره المصنف: لأن السائل عن الكل سائل عن البعض، فإذا ~~ثبت الحكم في البعض بعلة موجودة مناسبة، فقد أتى بدليل صحيح، غايته غير ~~شامل لجميع الصور. # وقيل: لا يجوز لأن الجواب لم يطابق السؤال. # والثالث: يجوز إذا صح بناء غير محل الفرض عليه بجامع (¬1) بينهما. # واعلم أن هذا الفرض إنما يصح إذا كان الوصف غير طردي عند المستدل ~~كالكفاءة، وأما إذا اعترف بأنه طردي، فلا يجوز الفرض أصلا، لأنه قائل ~~ببطلانه، فلا يمكنه بناء الحكم عليه في شيء من الصور. # قوله: "ومنها القلب". # أقول: من القوادح القلب، وعرفه بأنه عبارة عن دعوى المعترض أن الذي استدل ~~به المستدل عليه لا له على الوجه الذي أراده إن سلم أن ذلك الدليل صحيح تنزلا. # ولما قلنا: من جواز التنزل أمكن القلب مع تسليم صحة ما استدل به. PageV03P335 # وقيل: القلب (¬1) تسليم للدليل مطلقا، لأن الأصل، والجامع متفق عليه ~~بينهما إنما النزاع في ثبوت حكم الفرع به. # وقيل: هو إفساد للعلة مطلقا لأن الشيء الواحد لا يكون جامعا بين الضدين، ~~وهما حكم المستدل، والقالب (¬2). # وعلى المختار (¬3) من جوز إمكان تسليم صحته، فهو معارضة مقبولة على تقدير ~~التسليم قادح في العلية على تقدير عدمه. # وقيل (¬4): هو شاهد زور، كما يشهد لك يشهد عليك، فلا تكون معارضة لعدم ~~كونه دليلا من الطرفين. PageV03P336 # وليس هذا عين القول الذي حكاه المصنف بأن القلب إفساد للعلة على ما توهم: ~~لأن هذا مبني على القول المختار القائل بجواز تسليم صحة ما استدل به، لتكون ~~معارضة، فكأنه قال: لو كان تسليم الصحة شاهدا عدلا صلح معارضا، لكن ليس ~~كذلك، فلا يصلح عوض ذلك القول على منع العلية، ومرجع هذا على كونه معارضة ~~بعد تسليم ms352 الصحة. # قوله: "وهو قسمان". # أقول: القلب من حيث هو قسمان: لأن القالب إما بصدد تصحيح مذهبه، أو بصدد ~~إبطال مذهب الخصم الذي هو المستدل، والأول ضربان: # أحدهما: أن يدل، مع ذلك على بطلان مذهب المستدل صريحا، كقول الشافعي ~~-مستدلا-: بيع الفضولي باطل: لأنه بيع مال لا ولاية له عليه أصالة، ولا ~~نيابة كشرائه. # فيقال: تصرف في مال الغير بغير إذنه، فتلغو الإضافة، ويصح البيع كالشراء ~~بغير الإذن، فانه يصح، ويقع عن نفسه وتلغو التسمية. # الضرب الثاني: وهو الذي لا يدل على بطلان مذهب المستدل صريحا مثل قول ~~الحنفى -مستدلا-: الاعتكاف لبث في محل مخصوص، فلا يكون قربة بنفسه كالوقوف بعرفة. # فيقول الشافعي: لبث مخصوص، فلا يشترط فيه الصوم كالوقوف بعرفة. PageV03P337 # فالقالب قد أثبت مذهب نفسه، وهو عدم اشتراط الصوم فيه (¬1)، ودل على ~~بطلان مذهب المستدل التزاما، لأن الصوم لازم عند الحنفي للاعتكاف (¬2). # وإذا ثبت عدم اشتراط الصوم فيه انتفى اللازم وانتفاؤه يدل على انتفاء ~~الملزوم. # والثاني -من قسمي القلب-: وهو الذي لإبطال مذهب الخصم أيضا ضربان: # الأول: ما يدل عليه صريحا مثل قول الحنفي -مستدلا-: # الرأس عضو من أعضاء الوضوء، فلا يكفى فيه المسح بأقل ما ينطلق عليه اسم ~~المسح كالوجه. # فيقول: فلا يقدر إذا بالربع كالوجه (¬3). # والثاني: وهو الذي يدل على إبطال مذهبه التزاما. # قوله: بيع الغائب عقد معاوضة، فيصح مع الجهل بالعوض كالنكاح. PageV03P338 # فيقول الشافعي: فلا يشترط فيه الرؤية إذا كالنكاح، فإن خيار الرؤية لازم ~~للبيع عنده، وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم. # ويلتحق بهذا القسم الأخير نوع آخر من القلب يسمى قلب المساواة عند ~~الجمهور خلافا للقاضي ومن تابعه، مثاله: قول الحنفى -مستدلا في الوضوء، أو ~~الغسل-: هذه طهارة لا يشترط فيها النية، كالنجاسة، فإن طهارتها لا تتوقف ~~على النية عند غسلها بمائع (¬1). # فيقول الشافعي: فيستوي جامدها، ومائعها، كالنجاسة، فإن الجامد، والمائع ~~فيها سواء، فلا يحتاج التيمم إلى النية، لأن المطهر الجامد كالمائع، فيلزم ~~منه بطلان مذهب الخصم. # ووجه المساواة ظاهر من المثال بلا ريب. # قوله: "ومنها ms353 القول بالموجب". # أقول: ومن القوادح القول بالموجب (¬2). PageV03P339 # وحاصله تسليم مدلول الدليل، مع بقاء النزاع، ومن تعريفه علم عدم اختصاصه ~~بالقياس. # بل يجري في سائر الأدلة، كما في الآية الكريمة (¬1) التي قدمها على ~~تعريفه ولذلك قدمها. # ويقع القول بالموجب على وجوه ثلاثة: # الأول: أن يستدل المعلل بما يوهم إنتاج مطلوبة، أو لازمه، ولم يكن كذلك. # كقول الشافعي: القتل بالمثقل قتل بما يقتل غالبا، فلا ينافي القصاص ~~كالإحراق. # فيقول الخصم: أقول بذلك، ولا يلزم منه مطلوبك، إذ عدم المنافاة لا يستلزم ~~الاقتضاء، ولا لازمه. PageV03P340 # الوجه الثاني: أن يستدل على إبطال ما توهم أنه مأخذ الخصم، ومبنى دليله. # كقول الشافعي -في المثال المذكور-: التفاوت في الوسيلة لا يوجب التفاوت ~~فيما يتوسل إليه من قتل، وقطع، وغيرهما، فيجب القصاص بالمثقل. # فيقول الخصم: سلمنا ذلك، ولكن لا يلزم منه وجوب القصاص، لأن إبطال مانع ~~لا يستلزم إبطال جميع الموانع ووجود الشرائط، والمقتضي، وثبوت الحكم موقوف ~~على جميع ذلك. # والمختار أن المعترض مصدق فيما ذكره من أن الذي أبطله المستدل ليس مأخذا ~~له، لأنه عدل مأمون في ذلك. # وقيل: خصم لا يصدق إلا أن يبين له مأخذا آخر. # واعلم أن أكثر ما يقع القول بالموجب من هذا القبيل، لأنه كثيرا ما يقع ~~الاشتباه في مأخذ الأحكام لخفائها، بخلاف الأول، لأنه يقل فيه ذلك، لأن ~~الغالب أن المستدل يحرر البحث بحيث لا ينتج كلامه غير مطلوبه. # الوجه الثالث: من وجوه القول بالموجب-: أن يسكت المستدل عن صغرى مقدمتي ~~دليله، والحال أنها غير مشهورة كقول الشافعي -في افتقار الوضوء إلى النية-: ~~ما ثبت قربه فشرطه النية. # فيقول المعترض: سلمنا ذلك، ومن أين لك أن الوضوء قربة؟ فلو صرح المستدل ~~بالصغرى، أو كانت مشهورة لم يتأت القول بالموجب، بل يكون PageV03P341 # الاعتراض حينئذ بمنع الصغرى، ثم بعد الاعتراض بالقول بالموجب على المستدل ~~أن يبين أن الذي أثبته هو مدعاه، أو مستلزم له في الصورة الأولى، أو يبين ~~أن الصغرى صفة في الثالثة، أو أن الذي أبطله مأخذ الخصم في الثانية، ms354 فإن ~~قام بما ذكرنا تم له ما أراد، وافزم الخصم، وإلا فقد انقطع (¬1). # قوله: "ومنها القدح في المناسبة". # أقول: من القوادح القدح في المناسبة (¬2). # وهو على أربعة أوجه: # الأول: القدح في نفس المناسبة بإبداء مفسدة راجحة، أو مساوية لما مر من ~~أن المختار انخرام المناسبة بالمفسدة الراجحة، والمساوية. # ودفع هذا يكون بالمصلحة الراجحة، أي: بأن يبين أن المصلحة راجحة، إما ~~إجمالا بأن يقول المستدل: لولا المصلحة المذكورة لكان الحكم تعبديا، وقد ~~أبطلناه بأن الأحكام مشتملة على الحكم، والمصالح تفضلا. PageV03P342 # وإما تفصيلا بأن يقول في المسألة [المخصوصة] (¬1): ما ذكرته من المصلحة ~~ضرورية، وما ذكرته أنت أمر حاجي، أو الذي ذكرته قطعي، وذاك ظني إلى غير ذلك ~~من وجوه الترجيح. # مثاله: إذا قال المستدل: التخلي للعبادة أفضل لما فيه من تزكية النفس. # فيقال: لا نسلم إذ يفوت معه إضعاف تلك المصلحة من إيجاد الولد، وكسر ~~الشهوة، وكف النظر عن المحرمات. # فيقول: هذه وإن كانت واحدة، صورة لكن أرجح من تلك المصالح كلها، لأنها ~~لحفظ الدين، وتلك لحفظ [النسل] (¬2). # الوجه الثاني: القدح في إفضاء الحكم إلى المصلحة وفي عبارتهم تسامح، لأن ~~الإفضاء من شروط الوصف المناسب ولذلك كان هذا الاعتراض (¬3) راجعا إلى ~~القدح في المناسبة مثاله: قول المستدل: حرمة محارم الزوجة بالمصاهرة على ~~التأبيد للحاجة إلى ارتفاع الحجاب، والتحريم مؤبدا يفضي إلى رفع الفجور ~~لانقطاع الطمع الباعث على النظر والهم. # فيقال: التحريم على الوجه المذكور أكثر إفضاء إلى الفجور، لأن النفوس ~~مجبولة على الشغف بما منعت منه. PageV03P343 # والجواب (¬1): أن بالدوام، والتأبيد تصير المحارم كالأمهات، فلا يميل ~~الطبع السليم إليهن (¬2). # الوجه الثالث: القدح في انضباط الوصف الذي يشتمل على مراتب متفاوتة ~~كالحرج، والمشقة، فإنهما يختلفان بحسب الأشخاص، والأزمان، فلا يمكن تعيين ~~القدر المقصود. # والجواب: أنه إن ضبط عرفا فذاك، وإلا يناط الحكم بالمظنة كالسفر في ~~المشقة (¬3). # الرابع: أن يكون غير ظاهر كالرضا في العقود، والقصد في القتل، وسائر ~~الأفعال. # والجواب: ضبطه بصفة ظاهرة، ففى الرضا صيغ العقود، وسائر الأفعال بما يدل ~~على القصد كاستعمال ms355 الجارح في المقتل في القتل (¬4). PageV03P344 # قوله: "ومنها الفرق". # أقول: من القوادح الفرق (¬1) بين الأصل والفرع بإبداء خصوصية في الأصل ~~تكون شرطا في الوصف الذي ادعى المستدل عليته، ولا توجد في الفرع (¬2)، وهذا ~~معنى المعارضة في الأصل أو بإبداء خصوصية في الفرع تكون مانعا (¬3). # قال الآمدي: "المعارضة في الفرع تكون بما يقتضي نقيض حكم المستدل إما ~~بنص، أو إجماع، أو بوجود مانع الحكم، أو بفوات شرطه، PageV03P345 # ولا بد من بيان تحققه، وطريق كونه مانعا، أو شرطا على طريق إثبات المستدل ~~علية الوصف المعلل به" (¬1). # وأما وجه كون الفرق معارضة في الأصل، والفرع هو أن إبداء الخصوصية في ~~الأصل لما كان معارضة فيه وضم إلى ذلك بيان انتفائها في الفرع، فكان معارضة ~~في الفرع أيضا. # أو يقال: إبداء المانع في الفرع معارضة فيه، وبيان انتفائه في الأصل دال ~~على أن العلة ذلك الوصف مع انتفاء هذا المانع لا الوصف الذي ادعاه وحده، ~~ولا شك أنه معارضة في الأصل. # قال: والصحيح أنه قادح (¬2) سواء قلنا: إنه معارضة في الأصل، أو في ~~الفرع، أو فيهما إذ على جميع التقادير لا يتم القياس. وقيل: لا يقدح، لأنه ~~استقل بالمناسبة، فهي علة أخرى، ولا تنافي بين العلل، وإلا لم يعتد به، ~~وضعفه لائح. # قال بعض الشارحين (¬3): "الحق أن الفرق إن كان معارضة في الفرع، فهو قادح ~~قطعا، وإن كان في الأصل ابتنى على التعليل بعلتين، فمن منعه رآه قادحا، ~~وإلا لزم تعدد العلل، ومن جوزه لم يره قادحا، لجواز تعدد العلل". PageV03P346 # قلت: هذا الكلام دليل على أنه لم يدر معنى القلب، لأنا قدمنا أن القلب ~~إبداء خصوصية في الأصل هى شرط العلية، وأما أن تلك الخصوصية علة مستقلة، ~~فلا قائل به. # واعلم أنك إذا عرفت وجه قدح القلب في القياس عرفت أن ذلك قادح سواء جعل ~~سؤالا واحدا، أو سؤالين. # قوله: "وأنه يمتنع تعدد الأصول". # أقول: القائلون بكون الفرق [قادحا] (¬1) اختلفوا في جواز تعدد الأصل الذي ~~يقاس عليه الفرع، والصحيح عدم جوازه، لأن الأصل الواحد كاف ms356 بالمقصود، ~~والتعدد يوجب الانتشار، ولو جوزنا تعدد العلل. # وقيل: يجوز لأنه أقوى لإفادته الظن (¬2). # ثم المجيزون افترقوا: بعضهم إذا فرق المعترض بين أصل واحد، وبين ذلك ~~الفرع يكفيه في القدح، ولا يجب التعرض لسائر الأصول. # وقيل: يجب التعرض للكل لأن المجموع في الحقيقة هو الأصل الملحق به لا كل ~~واحد. PageV03P347 # والحق: التفصيل وهو أن ينظر في غرض المستدل، فإن كان قصده جعل تلك الأصول ~~بمنزلة الواحد، بأن لم يعتبر جامعا بين كل أصل، وذلك [الفرع] (¬1)، بل بين ~~المجموع وبينه، فلا يجب القدح في كل واحد، لأن المجموع يبطل بإبطال جزء منه. # وإن جعل كل واحد أصلا ممتازا لجامع، فلا يجدي القدح إلا في كل واحد، واحد. # وإذا علم ذلك فجواب المستدل تابع لذلك إن كان المجموع أصلا واحدا، فلا بد ~~من تصحيح كل جزء منه، وإلا يكفيه تصحيح أصل واحد. # قوله: "ومنها فساد الوضع". # أقول: من القوادح فساد الوضع (¬2). # وهو عبارة: عن كون القياس على وضع أي هيئة غير صالحة لترتب الحكم عليه، ~~كما إذا كان المطلوب الإثبات، والقياس يقتضي النفي، أو PageV03P348 # بالعكس، أو يكون فيه خلل بحيث لا يترتب عليه لا المطلوب، ولا نقيضه، كما ~~إذا كان الوصف طرديا غير مؤثر. # مثاله: إذا قال الحنفي: القتل جناية عظيمة لا يجب فيها الكفارة كما في ~~سائر الكبائر (¬1). # فيقال: كونه عظيمة يلائم الكفارة لا التخفيف بعدمها. # وكما إذا قيل: الزكاة على التراخي لأنها وجبت للارتفاق، ودفع حاجة الفقير ~~كالدية على العاقلة. # فيقال: كونها لدفع الحاجة يناسب عدم التراخي. # ومن فساد الوضع: كون الجامع في قياس المستدل قد ثبت اعتباره بنص، أو ~~إجماع في نقيض ذلك الحكم، والوصف الواحد لا يثبت به النقيضان، وإلا لم يكن ~~مؤثرا لثبوت كل منها بدل الآخر. # مثاله: قول الشافعي: مسح التيمم مسح قيس فيه التكرار (¬2)، كالاستنجاء. # فيقال: المسح لا يناسب التكرار، لأنه ثبت اعتباره في كراهة التكرار في ~~المسح على الخف. PageV03P349 # وجواب المستدل في القسمين بتقرير كون الدليل صالحا لترتب الحكم عليه بأن ~~يكون للوصف جهتان، ms357 نظر المستدل فيه من إحدى الجهتين هذا في الأول. # وأما في الثاني فبأن يمنع كون علته [تقتضي] (¬1) نقيض ما علق عليها، أو ~~يسلم ذلك، ولكن يبين وجود مانع في الأصل. # مثال الأول: الارتفاق، ودفع الحاجة في الزكاة، فإنهما جهتان مختلفتان. # ومثال الثاني: أن يقول: المانع من التكرار في الخف خوف فساده. # واعلم أن القسم الأخير من فساد الوضع يشبه النقض من حيث تخلف الحكم عن ~~الوصف المدعى عليته، إلا أن هنا الوصف يثبت نقيض الحكم، وفي النقض لا تعرض ~~لذلك، أي: لإثباته به، وإن كان الوصف موجودا. # ويشبه القلب من حيث إنه إثبات نقيض الحكم بعلة المستدل إلا أنه يفارقه من ~~حيث إن في القلب إثبات النقيض بأصل آخر. # ويشبه القدح في المناسبة (¬2) من حيث إنه ينفى مناسبته للحكم لمناسبته ~~لنقيضه إلا أنه لا يقصد هنا بيان عدم مناسبة الوصف للحكم، بل بيان بناء ~~نقيض الحكم عليه في أصل آخر. PageV03P350 # قوله: "ومنها فساد الاعتبار". # أقول: من الأسولة (¬1) فساد الاعتبار (¬2)، وهو عدم صحة الاحتجاج بالقياس ~~لقيام النص (¬3)، أو الإجماع (¬4) على خلافه. PageV03P351 # وقد تقدم أن القياس في مقابلة النص، والإجماع باطل. # قال المصنف: وفساد الاعتبار أعم من فساد الوضع لصدقه حيث يكون القياس على ~~الهيئة الصالحة لترتب الحكم عليه (¬1). # وهذا سهو، بل هذا مباين لفساد الوضع، لأن القياس هناك ليس بصحيح في نفسه، ~~إما لكونه ليس على الهيئة الصالحة، أو لكونه مستلزما نقيض الحكم، وهنا ~~القياس صحيح غايته معارض بأقوى منه. PageV03P352 # حتى لو عورض ذاك النص بقى القياس سالما عندهما. # وللمعترض تقديم فساد الاعتبار على سائر الاعتراضات وتأخيره عنها. # وعندي أنه يجب تقديمه، لأنه أقوى لدلالته على بطلان القياس بخلاف غيره، ~~فإنه إما مطالبة لتصحيح الدليل أو معارضة له. # وإذا علم حقيقته، فالجواب عنه بوجوه: # منها: الطعن في السند إن كان قابلا، كالإرسال، والانقطاع، وتكذيب الأصل ~~الفرع فيه، وكون الراوي غير عدل. # ومنها: منع ظهوره، فيما قصده المعترض كمنع عموم ما استدل به، أو مفهومه، ~~أو الإجمال فيه. # ومنها: دعوى التأويل، أي: ms358 هو محمول على غير ظاهر بدليل يرجحه على ظاهره، ~~أو بالقول بالموجب، بأن يقول: ولئن سلمنا ما تقوله لكن مدلوله لا ينافي حكم ~~القياس، أو يعارضه بنص آخر فيسلم له القياس. # لا يقال: فللمعترض أن يعارض المستدل بنصين، فلا يتم له ما رامه: لأنا ~~نقول: النص الواحد يعارض النصوص كشهادة الاثنين، مع الأربعة. # لا يقال: فعلى هذا يلزم أن يعارض نص المعارضة نص المستدل، وقياسه: لأنا ~~نقول: إجماع الصحابة قائم على خلافه: لأنهم كانوا عند تعارض النصوص يرجعون ~~إلى القياس. PageV03P353 # وهذا معنى قول بعض الأفاضل (¬1): "المناظر تلو الناظر". # والحاصل: أن الترجيح إنما يكون عند اختلاف جنس الحجة، وله وجوه أخر من ~~الترجيح ما تخفى على من أتقن المباحث السالفة واللاحقة. # قوله: "ومنها منع علية الوصف". # أقول: من الاعتراضات منع علية الوصف المدعى كونه (¬2) علة. # قال ابن الحاجب: "هذا من أعظم الأسولة المتوجهة على القياس" (¬3). # وجه ذلك: أن العلية قل ما تكون قطعية، فيظهر وجه السؤال ولتكثير مسالك ~~العلة تتعدد طرق الانفصال عنها، وعلى كل واحد تتوجه أبحاث تكثر القيل، ~~والقال. # وقد اختلف في قبوله، والأصح قبوله، وإلا لكان كل وصف طردي صالحا للعلية، ~~فيؤدي إلى التلاعب (¬4). PageV03P354 # قيل: ليس القياس إلا إلحاق فرع بأصل لجامع، وقد حصل، فلا تكلف بغير ذلك. # قلنا: لا نسلم ذلك مطلقا، بل لجامع علم، أو ظن عليته اتفاقا، ولم يوجد ~~جامع كذلك. # قيل: الطرق الدالة على عدم كون الوصف علة من كونه طرديا، وإبداء وصف آخر، ~~وغيرهما معلوم بين أهل الجدل، فلو وجد المعترض شيئا من ذلك لأبداه. # وحيث عجز، فلا وجه لمطالبته [المستدل] (¬1) إقامة الدليل على علية الوصف (¬2). # الجواب: يستلزم (¬3) قولكم هذا أن كل صورة عجز المعترض عن إبطالها، فتكون ~~صحيحة بلا برهان، وليس كذلك، حتى إثبات حدوث العالم، وقدم الصانع اللذين ~~هما من أشكل المسائل لا يصح دليلهما بمجرد عجز المعترض عن إبطاله، بل لا بد ~~من صحة الترتيب في الدليل، ووجه دلالته. # وإذا ثبت أن المطالبة صحيحة فلا بد من إثبات العلة بأحد ms359 مسالكها. PageV03P355 # قوله: "ومنه وصف العلة". # أقول: من المنع مطلقا منع كون الوصف الذي يدعيه المستدل قيدا للعلة كذلك، ~~بل بحذفه من الاعتبار (¬1). # مثاله: قول الشافعي -في إفساد الصوم بالجماع-: تجب الكفارة، لأنها شرعت ~~للزجر عن الجماع المحذور في الصوم كالحد فإنه شرع للزجر عن الجماع زنى. # فيقال: لا نسلم قيد الجماع، بل إنما شرعت لمطلق الجناية على الصوم، وتحصل ~~تلك الجناية بأنواع الإفطار عمدا. # والجواب -عن هذا- ببيان خصوصية الجماع، واعتبارها، نقول: رتب الشارع في ~~قضية الأعرابي الكفارة على الجماع، وترتيب الحكم على الوصف دال على عليته. # قال المصنف: "وكأن المعترض ينقح المناط" لأنه تقدم أن تنقيح المناط حذف ~~الخصوصية عن الاعتبار اجتهادا، ونوط الحكم بأعم، والمستدل يحقق المناط أي ~~يبين خصوصية الوصف، واعتبارها. # وإنما ذكر لفظة "كأن" لأن تنقيح المناط ليس وظيفة المعترض، لأنه من مسالك ~~العلة، فهو وظيفة المستدل، ولأن تحقيق المناط ليس إثبات PageV03P356 # الخصوصية، بل تقرير العلة، وتحقيقها في صورة النزاع ككون النباش سارقا. # قوله: "ومنع حكم الأصل". # أقول: من المنوع المتوجهة منع حكم الأصل (¬1)، وكان الأولى تقديمه على ~~حكم العلة كما لا يخفى (¬2)، وفي كونه لمجرده، قطعا للمستدل خلاف. # المختار عند الجمهور، ومنهم المصنف لا يكون قطعا. # وقيل: قطع له. # وقيل: إن كان ظاهرا بحيث يعرفه أكثر الفقهاء، وإن كان خفيا فلا، واختاره ~~الأستاذ. PageV03P357 # وقال الغزالي: "هذا ليس أمرا شرعيا، ولا عقليا فالرجوع إلى عرف بلد ~~المناظرة إن عدوه [قطعا] (¬1) كان قطعا، أو لا فلا" (¬2). # واختلف النقل عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي نقل ابن الحاجب، واتبعه المصنف ~~أن هذا المنع لا يسمع من المعترض؛ لأن المستدل يقول: أنا قد بينت على أصل ~~صحيح عندي، وهذا كلام بعيد. # والحق على ما في الملخص (¬3) من أنه يسمع، هذا تفصيل المذاهب. # لنا -على مختار المصنف-: أنه يسمع، ولا ينقطع المستدل. # أما إنه يسمع، فلأن انتفاء حكم الأصل قادح في الاستدلال واستنباط الحكم، ~~وليس دعوى المستدل صحته مفيدا لصحته، ولزوم الخصم الاعتراف بدون دليل. # وأما كونه ليس قطعا، فلأن غاية ذلك ms360 الاعتراض أنه منع مقدمة من مقدمات ~~القياس كمنع العلية، والنقض، والقلب، وغيرها، فأي فرق بين مقدمة، ومقدمة؟ # قالوا: انتقال من إثبات حكم الفرع إلى إثبات حكم الأصل (¬4)، والانتقال ~~أشد عيوب المناظرة. PageV03P358 # قلنا: حيث لا يكون بينهما ملاءمة كمن تكلم في نجاسة الكلب ثم انتقل إلى ~~مسألة الفرس، والخنزير، فإنه قادح، وأما إذا شرع في مسألة تتعلق بالكلب، ثم ~~انتقل إلى أحواله وصفاته لا يعد قادحا. # وعلى هذا الذي قلنا من أنه يسمع، ولا ينقطع، فعليه إقامة الدليل على وجود ~~الحكم في الأصل، ولا يكون منقطعا، وعلى تقدير إقامته الدليل. # المختار أن المعترض لا يكون منهزما، بل له أن يعود باعتراض آخر، وآخر إلى ~~أن ينقطع، أو يغلب. # واستدل المصنف على هذا بأنه ربما اعترض [بسبعة] (¬1) اعتراضات ولاء (¬2). # بأن يقال: لا نسلم حكم الأصل في قياسك، فلا يصح، ولئن سلمنا أن حكم الأصل ~~ما ذكرت، لكن لا نسلم كونه مما يقاس عليه، سلمنا ذلك لكن لا نسلم أنه معلل ~~بل تعبدي، سلمناه لكن لا نسلم أنه معلل بالوصف المشترك بين الأصل وذلك ~~الفرع، سلمنا كونه علة، لكن وجوده في الأصل ممنوع. PageV03P359 # سلمنا ذلك لكن غير متعد، بل قاصر، سلمناه لكن ليس موجودا في الفرع. # هذه [سبعة] (¬1) اعتراضات ثلاثة منها، وهي الأولى متعلقة بالأصل، وثلاثة ~~تليها متعلقة بالعلة، والاعتراض الأخير بالفرع. # وللجواب عنها طريقان: # إما أن يدفع الأخير وحده، فإنه كاف، أو يأتي عليها على الترتيب المذكور ~~واحدا بعد واحد، ويتفرع على هذا جواز إيراد المعارضة، سواء كانت من جنس ~~واحد كأن يقول المعترض: دليلك منقوض بكذا، وبكذا. # أو جنسين كأن يقول: منقوض بكذا، ومعارض بكذا. # وعلى تقدير الاختلاف إما مترتبة بأن يقتضى اللاحق تسليم السابق ~~كالمعارضة، مع منع وجود الوصف في الأصل، فإن المعارضة موقوفة عليه: لأنها ~~أقامت الدليل على خلاف ما أقام عليه الخصم. # أو غير مترتبة كالنقض، أو القلب، مع منع التأثير، فعلى جواز الأول اتفاق ~~أهل النظر، وفي اختلافها مع عدم الترتيب، الجمهور على الجواز، ومع الترتيب ~~على ms361 عدم الجواز. PageV03P360 # وأشار المصنف إلى أن المختار جوازه، ورد ما توهموه مانعا بأن تسليمه ~~تقديري؛ أي: ما قلتم: لا يجوز، لأن التسليم اعتراف ببطلانه، فلا وجه لعده ~~اعتراضا، وتقديمه ليس كذلك، بل ذلك يقدح لو كان اعترافا حقيقة، وأما على ~~وجه التنزل فلا. # قوله: "ومنها اختلاف الضابط". # أقول: من الأسولة دعوى اختلاف الضابط في الأصل والفرع (¬1)، وإنما كان ~~قادحا، لأن تساوى الفرع والأصل في العلة شرط كما تقدم (¬2). # مثاله: قياس شهادة الزور في القتل على الإكراه في القصاص. # فيقال: المعنى الموجود في الإكراه ليس موجودا في شهادة الزور، وإذا اختلف ~~الضابط لم يلزم من اعتباره في الأصل اعتباره في الفرع، فللشارع اعتبار ~~أحدهما دون الآخر. PageV03P361 # والجواب عن هذا بوجهين: # أحدهما: الضابط هو القدر المشترك كالتسبب في المسألة المذكورة [فإنه] ~~(¬1) موجود فيهما من غير تفاوت. # ثانيهما: بيان أن إفضاء الضابط في الفرع إلى المقصود، مثل إفضائه في ~~الأصل، أو أزيد. # ولا يحصل الجواب بإلغاء التفاوت بأن يقال -في المثال المذكور-: التفاوت ~~ملغى في القصاص لمصلحة حفظ النفس، بدليل أنه يقتل العالم بالجاهل. # وتقدم الفرق بين [قطع] (¬2) الأنملة المزهق للروح، وحز الرقبة، وإنما لم ~~يكن مثله جوابا، لأن إلغاء مانع واحد لا يوجب إلغاء جميع الموانع، ألا ترى ~~أنه لم يلغ التفاوت بالحرية. # قوله: "والاعتراضات راجعة إلى المنع، وإلى مقدمها". # أقول: المشهور أن الاعتراض إما مانع، أو معارضة. # وذلك: لأن غرض المستدل إثبات مدعاه، وذلك يتوقف على صحة مقدمات دليله، ~~وعلى عدم دليل آخر معارض لدليله، كما أن من أراد إثبات حق على غيره لا بد ~~له من بينة عادلة، وأن لا تكون معارضة بأخرى مثلها. PageV03P362 # قال المصنف: بل الاعتراضات كلها راجعة إلى المنع. # لأن المعارضة منع للعلة عن الجريان، وهذا الذي قاله ليس معنى المعارضة، ~~بل لازم معناه، لأن المعارضة -كما هو المسطور في كتب الخلاف-: عبارة عن ~~إقامة الدليل على خلاف ما أقام عليه الخصم (¬1) ويلزم منه منع جريان العلة، ~~والأمر في هذا سهل. # قوله: "ومقدمها"، بكسر الدال يريد به ms362 الاستفسار (¬2)، لأنه طليعة المنوع ~~ليس داخلا فيها. # وهذا ما قاله بعض المتأخرين: إنه ليس سؤالا (¬3). PageV03P363 # والصواب خلافه: لأنه طلب فهم المراد، فهو أول المقامات (¬1). # وهو وإن كان واحدا لكن بعد التأمل لا سؤال أعم منه، لأنه يرد على تقرير ~~المدعى، وعلى جميع المقدمات، وعلى جميع الأدلة، لكن شرطه أن لا يكون تعيينا ~~مفوتا لمقصود المناظرة، إذ كل لفظ فسرته لا بد وأن تفسره بلفظ آخر، وهلم ~~جرا، ولذلك قال القاضى أبو بكر: "لا يحسن الاستفهام إلا لدى الإبهام"، ~~ولذلك [أيضا] (¬2) قيده المصنف بقوله: "حيث غرابة، أو إجمال". وإذا ثبت أنه ~~سؤال مقبول، فعلى المستدل البيان، أم على المعترض؟ # قيل: على المستدل: لأنه المحتاج إلى الإثبات الذي لا يتم بدونه، والحق ~~(¬3) أنه على المعترض إذ يكفي المستدل أن يقول: الغرابة والإجمال خلاف ~~الأصل: لأن وضع الألفاظ للبيان. # وإذا قلنا -بناء على الصحيح-: إن على المعترض البيان، فإذا بين أن اللفظ ~~يطلق على المعنيين لا يكلف الزيادة على ذلك من إثبات PageV03P364 # التساوي في الإجمال، وإن كان الإجمال لا يحصل إلا به، لأنه لو كلف ذلك ~~لطال الكلام، وسقط مقصود المناظرة، فاغتفر ذلك في حقه. # مثال ذلك: إذا قال المكره: مختار فيجب عليه القصاص فيقال: ما معنى ~~المختار؟ فإنه يقال للراغب في الشيء وللقادر عليه. # أو يقول: بان بذلك بطلانه. # فيقال: ما معنى بان؟ لأنه يكون تارة بمعنى ظهر، وتارة بمعنى انفصل. # ومثال الغرابة: ما إذا قيل: الأيل (¬1) حيوان لم يرض (¬2) لا تؤكل فريسته ~~كالسيد (¬3). # فيقال: ما معنى الأيل، وما معنى السيد (¬4). PageV03P365 # وجواب الاستفسار ببيان ظهوره فيما قصده، إما بالنقل عن أهل اللغة، أو في ~~العرف العام كذا، أو الخاص، أو بقرائن الأحوال، أو يفسده بما يحتمل لغة. # قيل: وربما لا يحتمل. # والصواب خلافه: لأنه يصير من جنس اللعب، فتخرج المناظرة عن وضعها من طلب ~~إظهار الحق. # وهنا طريق آخر ربما استعمله بعض أهل الجدل بأن نقول -بعد بيان المعترض-: ~~الأصل عدم (¬1) الإجمال، أو أنه ظاهر فيما قصدت، لكونه غير ظاهر في غيره. ms363 # والحق: أن هذا ليس جوابا: لأن المعترض بذل مجهوده في بيان الإجمال، فلو ~~كان هذا القدر جوابا لم يكن للمناظرة فائدة، والمصنف نقل الخلاف مجردا عن ~~الاختيار. # قوله: "ومنها التقسيم". # أقول: من الاعتراضات التقسيم، وهو كون اللفظ المورد في الدليل دائرا بين ~~أمرين، أو أكثر (¬2)، فيمنع الذي يتوهم كونه محصل المقصود، ويسكت عن الآخر؛ ~~لأنه لا يضره، أو يتعرض لعدم صلاحية ذلك للعلية. PageV03P366 # قيل: لا يقبل هذا السؤال، لأن منع أحد محتملي كلام المستدل لا يمنع ~~مطلوبه، إذ ربما لا يكون هذا المحتمل مراده. # والمختار قبوله، إذ بإبطال ذلك [يتعين] (¬1) الباقي، وربما لا يمكنه ~~إتمام الدليل به، فله مدخل في هدم الدليل، ولكن لقبوله شرط، وهو أن يكون ~~منعا لما يلزم المستدل بيانه. # مثاله: ما إذا قال في الصحيح الحاضر: إذا فقد الماء، وجد سبب التيمم، وهو ~~تعذر الماء، فيجب التيمم. # فيقال: ما المراد بتعذر الماء أمطلقا سبب؟ # أم في السفر، أو المرض؟ الأول ممنوع، والثاني لا يجديك نفعا. # والجواب -عن هذا السؤال-: بأمور: # الأول: أن يبين أن اللفظ دال على المعنى الذي أراده، إما لغة بالنقل ~~عنهم، أو وجد الاستعمال، والأصل فيه الحقيقة، أو عرفا أي عرف كان، أو علم ~~بالقرائن عقلية، أو لفظية. # هذا كلام المصنف على ما ذهب إليه الشارحون (¬2). PageV03P367 # وعندي أن هذا الكلام سهو منهم: لأن التقسيم نوع من المنع وارد على علية ~~ما ادعاه علة لحكم الأصل. # غايته: أن هذا المنع يشتمل على الترديد، فيكون أخص من مطق المنع. # فالجواب إنما يكون بإثبات عليته بأحد المسالك العلية، والذي ذكره المصنف ~~هنا هو ما ذكره في جواب الاستفسار. # وإن كنت في ريب فتأمل في المثال المذكور، أو في قوله: الملتجئ إلى الحرم ~~وجد منه سبب استيفاء القصاص، وهو القتل العمد العدوان، فيجب استيفاؤه. # فيقال: يستوفى مع المانع، أو بدونه؟ # الأول ممنوع، والثاني مسلم، ولكن لما قلت: إن الحرم ليس بمانع؟ # ثم انظر في أجوبة المصنف كيف تستقيم؟ # قوله: "ثم المنع". # أقول: لما فرغ من الاعتراضات الواردة ms364 على القياس شرع يبين اصطلاحات أهل ~~الجدل (¬1). PageV03P368 # قال: إذا شرع المعلل في نمل المذاهب -ما دام ناقلا- لا يتوجه إليه المنع، ~~فإذا اختار قولا، أو مذهبا توجه إليه المنع، وهذا على وجهين: إما قبل تمام ~~الدليل، أو بعده، فالأول، أي: المنع قبل تمام الدليل مناقضة، وهي: منع ~~مقدمة بعينها سواء كان مع السند، أو بدونه، فإذا منع مقدمة، فعلى المستدل ~~إثباتها، فإن أقام المعترض دليلا على انتفاء تلك المقدمة، فالحق أنه لا ~~يسمع منه: لأنه منصب المستدل، فلو مكن منه يقع الخبط في البحث. # وما قيل: من أنه يسمع منه بعد إقامة المستدل الدليل على تلك المقدمة سهو: ~~لأنه إما أن يسلم دليله فتم له ما رامه، أو يمنع مقدمة من مقدمات هذا ~~الدليل، فعلى المستدل إثباتها، وهكذا. # والثاني -وهو المنع بعد تمام الدليل-: إما منع للدليل بتخلف الحكم في ~~صورة وهو النقض الاجمالي، أو مع تسليم الدليل بأن يقول: وإن دل دليلك على ~~ما ذكرت، ولكن عندي ما ينفيه، وهذا يسمى معارضة، وحينئذ يكون المعترض ~~مستدلا. PageV03P369 # ثم وظيفة المستدل الدفع لما يورد عليه من المنوع، إلى أن ينهزم المعترض ~~[بانتهاء الأمر إلى ضروري لا يمكن إنكاره، أو يقيني يكون مشهورا لا يمكن ~~الخلاف فيه] (¬1) أو يقف على منع يعجز المستدل عن إبطاله، فينقطع. # قوله: "خاتمة: القياس من الدين". # أقول: القياس أحد الأدلة المتفق عليه (¬2). # فكونه من الدين (¬3)، ومما يتعبد به لا ينبغى أن يخالف فيه (¬4). # وما يقال: إن الدين ما كان مستمرا، والقياس ليس مستمرا يعني أنه قد لا ~~يحتاج إليه. PageV03P370 # أو أنه قد ينعدم بانعدام المجتهدين فيرد على كلا الوجهين السنة. # وهو جزء من أجزاء أصول الفقه، خلافا لإمام الحرمين (¬1) هذا نقل المصنف ~~(¬2) والذي في البرهان في أول باب القياس خلاف هذا. # فإنه قال: "الأصل الذي يسترسل على جميع الوقائع القياس، فهو إذن أحق ~~الأصول باعتناء الطالب" (¬3). # ولا شك أنه يريد به أصل الفقه (¬4)، إذ هو ليس من أصول الدين حقيقة ~~إجماعا. PageV03P371 # وحكم المقيس (¬1) دين الله بناء على أن ms365 القياس أصل، ودليل شرعي في مسائل ~~دينية، ولا يصرح بأنه قول الله، ولا رسوله: لاحتمال الخطأ على المجتهد. # وهو فرض كفاية، مع كثرة المجتهدين، وإذا انفرد واحد فيصير عليه فرض عين ~~(¬2). PageV03P372 # وينقسم باعتباره القوة، والضعف إلى جلي وخفي (¬1)، الجلي منه: ما قطع ~~بنفي الفارق فيه، أو كان احتمال الفارق فيه ضعيفا. # والخفى خلافه، وهو ما كان احتمال الفارق فيه قويا كقياس القتل بالمثقل ~~على المحدد. # وقيل: الجلي ما ذكر أولا، والخفي قياس الشبه، والواضح ما بينهما. # وقيل: الجلي قياس الأولى مثل قياس الضرب على التأفيف في الحرمة، والواضح ~~المساوي كقياس إحراق مال اليتيم على أكله في التحريم، والخفي ما كان دونه ~~كقياس التفاح على البر في الربا، كما تقدم تحقيقه سابقا. # وقياس العلة: ما صرح فيه بالعلة مثل حرمت النبيذ كالخمر للإسكار. # وقياس الدلالة: ما يكون الجامع فيه لازم العلة (¬2). PageV03P373 # كما إذا قيس تحريم النبيذ على الخمر بعلية الرائحة اللازمة عادة للشدة ~~المطربة، وهى ليست علة اتفاقا، أو يكون الجامع أثرا من آثار العلة كما إذا ~~قيل: القتل بالمثقل يأثم فاعله، فيجب فيه القصاص كالقتل بالمحدد، فالإثم ~~ليس علة، بل أثر من آثارها، أو يكون حكما من أحكامها كان يقال: تقطع ~~الجماعة بواحد كما يقتلون به بجامع وجوب الدية عليهم حيث كان غير عمد. # ووجوب الدية حكم العلة التى هي القطع في الصورة الأولى والقتل في ~~الثانية، وهو في الحقيقة استدلال بأحد موجبي الجناية من القصاص، والدية، ~~الفارق بينهما العمد على الآخر. # والفاء في عبارة المصنف دالة على تفاوت مراتب القياس في الثلاثة المذكورة ~~(¬1)، فالأول أولى من الثاني، والثاني أولى من الثالث. # وإذا جمع بين الأصل والفرع بنفي الفارق، فهو القياس في معنى الأصل كقياس ~~البول في الإناء، وصبه في الماء على البول فيه، بجامع أن لا فارق بينهما في ~~مقصود المنع الثابت (¬2)، بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يبول أحدكم في ~~الماء الراكد" (¬3).# الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع # تأليف # الإمام شهاب الدين أحمد بن إسماعيل الكوراني # (812 ه ms366 - 893 ه) # تحقيق # د/ سعيد بن غالب كامل المجيدي # [الجزء الرابع] # ----NO PAGE NO------ PageV03P374 # بسم الله الرحمن الرحيم PageV04P002 # الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع # [4] PageV04P003 # (ح) الجامعة الإسلامية، 1428 ه. # فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر # المجيدي، سعيد بن غالب كامل # الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع للكوراني/ سعيد بن غالب كامل المجيدي - ~~المدينة النورة، 1428 ه. # 2880 ص؛ 17 × 24 سم # ردمك: 2 - 580 - 02 - 9960 # 1 - أصول الفقه # أ - العنوان # ديوي 251 # 3620/ 1428 # رقم الإيداع: 3620/ 1428 # ردمك: 2 - 580 - 02 - 9960 # جميع حقوق الطبع محفوظة للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة PageV04P004 ### | AUTO الكتاب الخامس في الاستدلال PageV04P005 # الكتاب الخامس في الاستدلال # قوله: "الكتاب الخامس في الاستدلال، وهو دليل ليس بنص، ولا إجماع، ولا ~~قياس" (¬1). # أقول: لما فرغ من الأدلة المتفق عليها شرع في المختلف فيها، وهو ~~الاستدلال، ويطلق -لغة- على طلب الدليل. # واصطلاحا: على إقامة الدليل (¬2) أي دليل كان من نص، أو إجماع، أو ~~غيرهما. # وعلى أخص منه، وهو إقامة الدليل حال كونه ليس نصا، ولا إجماعا، ولا ~~قياسا، وهذا مقصود الكتاب. # ولتقدم معرفة هذه الثلاثة في الأبواب السابقة صح تعريف الاستدلال بها. PageV04P007 # قال الآمدي: وما سماه بعضهم: الاستدلال، وجعله بابا خامسا، فحاصله: يرجع ~~إلى التمسك بمعقول النص، أو الإجماع، وكذا شرع من قبلنا، وقول الصحابي، ~~ونحو ذلك فراجعة إلى الأربعة، وإلا فلا دخل للرأي في إثبات الأحكام ~~الشرعية، وإنما أفردوه بابا لكونه جاريا في تلك الأبواب كلها. # كما يقال: هذا حكم دل عليه القياس، وكل ما دل عليه القياس فهو حكم شرعي، ~~فهذا حكم شرعي. # وكما إذا قيل: ما ذكرته معارض بالإجماع، وكل معارض بالإجماع باطل، في ~~ذكرته باطل، وقس على هذا. # قال المصنف -تفريعا على التعريف المذكور-: يدخل فيه القياس الاقتراني، ~~كما ذكرنا (¬1). # وهو قياس مؤلف من قضيتين متى سلمتا لزم عنهما لذاتهما قول آخر، أي: قضية ~~أخرى تكون نتيجة لهما، كما في المثالين المذكورين. والاستثنائي يكون في ~~الشرطيات، ففى المتصلات، كما يقال: إن كان هذا إنسانا، فهو حيوان، لكنه ليس ms367 ~~بحيوان ينتج أنه ليس بإنسان، أو أنه إنسان ينتج أنه حيوان، PageV04P008 # فاستثناء عين الأول ينتج عين الثاني، واستثناء نقيض الثاني ينتج نقيض ~~المقدم، وعين الثاني لا ينتج عين الأول لاحتمال كونه عاما، ولا يلزم من ~~إثبات العام إثبات الخاص كما في المثال المذكور، فإن الحيوان لا يستلزم ~~وجود الإنسان، وكذا نقيض الإنسان لا يستلزم نقيض الحيوان لوجوده في الفرس، ~~وفي المنفصلات: العدد إما زوج، أو فرد، لكنه زوج ينتج أنه ليس بفرد، أو فرد ~~ينتج أنه ليس بزوج، مثاله -في الشرعيات-: الضب إما حرام، أو حلال لكنه ~~حلال: لأنه أكل على مائدته -صلى الله عليه وسلم-، فليس بحرام (¬1). # مثال آخر: صيد المحرم إما حرام، أو حلال لكنه حرام لأنه نهي عنه (¬2)، ~~فليس بحلال، ولهذا تفاريع كثيرة ليست مقصودة تركناها خوف الإطالة. PageV04P009 # وقياس العكس: ما يستدل به على نقيض المطلوب، ثم يبطل، فيصح المطلوب كقوله ~~تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء: 82] ~~فإنه استدل على حقية القرآن بإبطال نقيضه، وهو وجدان الاختلاف فيه، فتأمل (¬1)! # قوله: "وقولنا: الدليل يقتضى أن لا يكون كذا". # أقول: أراد بعد تعريف الاستدلال إيراد أنواع منه، فبدأ بالدليل الملقب ~~بالنافي عندهم، كما يقول الشافعي: نكاح المرأة إذلال، وإرقاق لها، ~~والإنسانية تنافي ذلك إظهارا لشرف الإنسان، إلا أنا خالفنا ذلك فيما إذا ~~صدر عن الولي، لكمال عقله، ودقة نظره، وهذا مفقود في المرأة، فوجب إبقاء ~~الدليل على مقتضاه (¬2). # ومنه انتفاء الحكم لانتفاء مدركه. PageV04P010 # تقريره: أن الحكم الشرعي لا يمكن ثبوته من غير دليل، إذ لو ثبت لزم ~~المحال، وهو وقع تكليف ما لا يطاق، لأن ذلك الحكم لا بد وأن يكون متعلقا ~~بأفعال المكلفين، كما تقدم في أول الكتاب. # وقد فرض أنه لا دليل له يعرفه، ولا معنى للمحال إلا ما لا يمكن تعلق قدرة ~~العبد به عادة، ولو كان له دليل إما النص، أو الإجماع، أو القياس، وقد ~~سبرنا، فلم نجد من ذلك شيئا. أو لا نتعرض للسبر، بل نقول: شيء من ms368 النص، ~~والإجماع، والقياس غير موجود، إذ الأصل العدم، والأصل بقاء ما كان على ما ~~كان، وهذا النفى حكم شرعي، لأنه مستفاد من دليل شرعي هو انتفاء مثبت الحكم ~~الذي علم من الدين ضرورة حيث لا دليل، لا حكم لما قدمناه من لزوم المحال. # والاعتراض بأن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود ليس بشيء، لأن كلامنا ~~في أنه لا حكم أصلا لله وراء الأحكام الخمسة، فإنا قاطعون بأن لا حكم سواها. # وكذا قولهم: وجد المقتضي، أي: السبب، فيوجد المسبب، ووجد المانع، فينتفي ~~الحكم، أو فقد الشرط، فلا يوجد الحكم، فإنهم كثيرا ما يقولون مثله. # قيل: ليس بدليل، بل دعوى دليل؛ لأنه بمثابة قوله وجد الدليل، فيوجد ~~الحكم. PageV04P011 # وهذا الكلام ليس بدليل على وجود الحكم اتفاقا، وإنما الدليل ما يستلزم ~~الحكم، وهو السبب الخاص، أو وجود المانع الخاص، أو [عدم] (¬1) الشرط الخاص. # وقيل: بل هو دليل، وهو مختار المصنف إذ لا معنى للدليل إلا ما يلزم من ~~العلم به العلم بشيء آخر، وهو كذلك. # وإذ بنينا على هذا. # فقيل: استدلال مطلقا: لأنه ليس [بنص، ولا إجماع، ولا قياس فالحد منطبق عليه. # وقيل: استدلال إن ثبت وجود السبب، أو المانع، أو فقد الشرط] (¬2) بغير ~~الثلاثة. # وإلا فهو من قبيل ما ثبت به إن نصا، أو إجماعا، أو قياسا وهذا مختار ~~المحققين (¬3): لأنك تقول: هذا حكم وجد سببه، وكل ما وجد سببه فهو موجود. # فكبرى القياس -وهى قولنا: كل ما وجد سببه، فهو موجود- قطعية لا يخالف ~~فيها أحد، فالمحتاج إلى البيان صغرى القياس، وهي قولنا: هذا حكم وجد سببه، ~~فمثبت الصغرى هو مثبت الحكم. PageV04P012 # [فإن كان ذلك المثبت غير النص، والإجماع، والقياس، فالحكم مثبت ~~بالاستدلال، وإن كان بأحد الثلاثة، فالحكم مثبت به] (¬1). # فإن قلت: إذا كان المحتاج إلى البيان هى الصغرى، وقد أثبت الحكم فيها ~~بأحد الثلاثة في فائدة ضمها إلى الكبرى واستخراج النتيجة؟ # قلت: فائدة ذلك العلم بالحكم من وجهين من حيث الخصوص في الصغري، والعموم ~~في الكبرى، ولأن ذلك الحكم المثبت ms369 في الصغرى إذا علم اندراجه في قاعدة لم ~~يخالف فيها أحد، وتطابقت الآراء على قبولها كانت النفس إلى قبولها أميل. # قوله: "الاستقراء". # أقول: من الأدلة الاستقراء، وهو الاستدلال بثبوت الحكم في الجزئي على ~~ثبوته في الكلي (¬2)، وهو على قسمين: # إما تام: وهو الذي يتبع جميع جزئياته كقولك: كل جسم مؤلف (¬3)، لأن هذا ~~الجسم مؤلف، وذاك أيضا، إلى آخر الأجسام. PageV04P013 # أو ناقص: إذا كان أكثريا كقولك: كل حيوان يحرك فكه الأسفل عند المضغ، فإن ~~الإنسان هكذا، والفرس، والجمل بخلاف التمساح فإنه يحرك الفك الأعلى، فالأول ~~قطعي، والثاني ظني، ويسميه الفقهاء: إلحاق الفرد بالأعم الأغلب. # والفرق بين القياس المنطقي، والقياس الأصولي، والاستقراء هو أن القياس ~~المنطقي استدلال بثبوت الحكم في الكلي لإثباته في الجزئي. # وفي القياس الأصولي: الاستدلال بثبوت الحكم في جزئي لإثباته في جزئي آخر ~~مثله لجامع كما سبق تفصيله، وفي الاستقراء: الاستدلال بثبوت الحكم في ~~الجزئي لإثباته في الكلي عكس القياس المنطقي. # وبعضهم (¬1) قد خبط في هذا المقام خبطا فاحشا، فذكر أن الاستقراء التام ~~هو القياس المنطقي. # ثم قال: "والفرق بين القياس الأصولي، والاستقراء الناقص، بأن الحكم في ~~الناقص بمجرد ثبوته في أكثر جزئياته" (¬2)، وهذا كلام من لم يتقن القواعد ~~العلمية. # وقد بينا لك الفرق، فتمسك به، وعفى عليه بالنواجذ يخلصك عن هذه الأوهام. PageV04P014 # قوله: "قال علماؤنا: استصحاب العدم الأصلي". # أقول: من الأدلة المختلف فيها بين الأئمة الأربعة الاستصحاب (¬1). # قال به الشافعي، ونفاه الحنفية (¬2). # ومعناه: أن الحكم الفلاني كان، ولم يظن عدمه، وكلما وجد ولم يظن عدمه، ~~فهو مظنون البقاء. # ولا بد -أولا- من تحرير محل النزاع، فنقول: محله هو الحكم الشرعي لا ~~النفي الأصلي، ولذا تقول الحنفية: الاستصحاب يصلح دافعا لا مثبتا، فحياة ~~المفقود تصلح حجة في دفع الإرث عنه لا في إثبات الإرث له. PageV04P015 # فعلى هذا كان يجب على المصنف ترك لفظ علمائنا، أو ترك العدم الأصلي (¬1)، ~~والعموم، والنص، فإنه لا خلاف فى الثلاثة، بل الخلاف فيما دل الشرع على ~~ثبوته لوجود سببه سابقا، كقول الشافعية -في الخارج من ms370 غير السبيلين-: من ~~خرج منه كان متطهرا، أو الأصل البقاء حتى يثبت معارضا، والأصل عدمه. # قوله: "وقيل في الدفع دون الرفع"، إشارة إلى ما نقلناه عن الحنيفة، ولكن ~~مقابلته بقوله: "مطلقا" ليس بحسن، لأن قوله: "مطلقا" إشارة إلى عدم الخلاف ~~فيما دل الشرع على ثبوته. # فقوله -بعد ذلك-: "وقيل" يشعر بأن الخلاف من الشافعية، كما أن قوله ~~-بعده-: "وقيل: بشرط أن لا يعارضه ظاهر" خلاف الشافعية. # هذا ولنرجع إلى شرح الكتاب، فنقول: [قيل] (¬2): حجة بشرط أن لا يعارضه ~~ذلك الأصل ظاهر، فالحكم للظاهر سواء كان غالبا، أو لا، PageV04P016 # وهو أحد قولي الشافعي (¬1) في تعارض الأصل، والظاهر. # وقيل: إنما اعتبر الظاهر إذا كان له سبب يضاف إليه، كما إذا بال ظبي في ~~ماء بلغ قلتين، فوجده متغيرا، فإنه يحتمل أن يكون لطول المكث، والظاهر أنه ~~بالبول، وعليه نص الشافعي، وتبعه الأصحاب (¬2) وفصل المصنف القول فيه بأنه ~~إن قرب العهد سقط الأصل لقوة السبب، كما إذا وجد الماء متغيرا بعد بول ~~الظبي من غير تراخي زمان طويل بخلاف ما إذا طال الزمان فإنه يبعد إضافته ~~إليه، فيرجع إلى رعاية الأصل (¬3). PageV04P017 # لنا -على حجية الاستصحاب-: أن ما تحقق وجوده، أو عدمه في حال، ولم يظن ~~طرو معارض يزيله ظن بقائه ضروري، ولولا بقاء هذا الظن لما حسن من العقلاء ~~مراسلة الإخوان إلى البلاد النائية. # ولنا -أيضا-: الشك في الزوجية ابتداء يوجب حرمة الاستمتاع، بخلاف طرو ~~الشك في الدوام، ولا فارق إلا استصحاب عدم الزوجية في الأولي، واستصحاب ~~الزوجية في الثانية. # فلولا اعتباره لزم استواء الحالين تحريما، وجوازا وهو خلاف الإجماع. # قالوا: الأحكام الشرعية لا تثبت إلا بأدلة منصوبة من قبل الشارع، وهي ~~منحصرة في النص، والإجماع، والقياس اتفاقا، ومحل النزاع ليس منه، فيكون ~~مردودا. # قلنا: ذاك في إثبات الحكم ابتداء، والكلام في ظن البقاء، ولو سلم، الحصر ~~ممنوع، بل هناك دليل رابع فيه النزاع. # قالوا: ثانيا، لو صح ما ذكرتم لقدمت بينة النفي على الإثبات، وهو باطل ~~اتفاقا. # الجواب: بينة النفي إذا عارضها ms371 بينة الإثبات لا تفيد الظن ليتأيد ذلك ~~الظن بالأصل الذي هو الاستصحاب، بل لا ظن يحصل إلا ببينة المثبت؛ لأنه يبعد ~~غلطه بأن يظن المعدوم موجودا بخلاف النافي؛ لأنه ينفى الوجود بناء على عدم ~~علمه. PageV04P018 # قال: "ولا يحتج باستصحاب حال الإجماع في محل الخلاف"، يريد أن الإجماع ~~إذا انعقد على حكم في حال من الأحوال، ثم تغير ذلك الحال، فوقع الخلاف. # قيل: يكون حال الاجماع معتبرا جريا على قاعدة الاستصحاب، وبه قال ~~الصيرفي، وابن سريج، والآمدي (¬1)، ولم يرضه المصنف: لأن الأحكام تختلف ~~باختلاف الأحوال والأوضاع. # قوله: "فعرف أن الاستصحاب". # أقول: هذا تفريع على ما تقدم، أي: قد علم أن محل النزاع إنما هو في ثبوت ~~الحكم الشرعي في ثاني الحال لوجوده في الأول لعدم وجدان المغير. # وأما ثبوته في الأول معللا بثبوته الآن، كما يقال: هذا الكيل لم يكن على ~~عهده -صلى الله عليه وسلم-. PageV04P019 # فيقال: بلي، لأن الأصل موافقة الماضي للحال، فمثله استصحاب مقلوب لا يعد ~~دليلا، وقد يقال -في الاستدلال بالمقلوب- لو لم يكن الثابت اليوم ثابتا ~~أمس، لكان غير ثابت في الأمس إذ لا واسطة بين الثبوت وعدمه. # وإذا غير الثابت أمس يلزم عدم ثبوته اليوم استصحابا للعدم، وليس كذلك ~~لأنه ثابت الآن، فيلزم ثبوته أمس ويرد المنع على مقدمتين منه. # فيقال: قولك: يلزم من عدم ثبوته أمس عدم ثبوته اليوم، ممنوع إذ الفرض أنه ~~ثابت اليوم. # وقولك: إذا ثبت اليوم يلزم ثبوته أمس ممنوع، بل ثبت اليوم، ولا يلزم ~~ثبوته أمس، وعدم ثبوته فيه لا يقدح إلا باستصحاب ذلك العدم، وقد عرفت دفعه (¬1). # قوله: "مسألة لا يطالب النافي بالدليل". # أقول: النافي للشيء الذي علم انتفاؤه لكل أحد بالضرورة، بأن علم ذلك حسا، ~~تواترا، فلا حاجة إلى الدليل (¬2)، وهو ظاهر، وإن لم يكن ذلك PageV04P020 # الانتفاء ضروريا يطالب بالبيان؛ لأنه يدعي أمرا غير مسلم عند الخصم، فلا ~~بد من إثباته. # وعلى عبارة المصنف مؤاخذة، وهو أن يقال: # دعواه الضرورة لا تسقط عنه المطالبة لأن دعوى (¬1) الضرورة في محل النزاع ms372 ~~لا تسمع. # وبما حررناه تندفع المؤاخذة [فتأمله] (¬2).! # قوله: "ويجب الأخذ بالأقل". # قد تقدمت المسألة في الإجماع السكوتي، وإنما أعادها لئلا يتوهم أنه ~~أهملها (¬3). PageV04P021 # قوله: "وهل يجب الأخذ بالأخف"؟ # أقول: ذهب بعض الأصوليين إلى أن الأخذ بالأخف من طرق الاستدلال [واجب] ~~(¬1) لقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر} [البقرة: 185]، ولقوله: {وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78]. # وذهب بعضهم إلى أن الأخذ بالأثقل واجب؛ لأنه أحوط، وأكثر ثوابا. # وقيل: لا يجب الأخذ بشيء، بل يجوز لعدم دليل الوجوب (¬2)، والأقوال ~~المذكورة تجري في المذاهب، والروايات، والاحتمالات التي تتعارض أماراتها (¬3). # قوله: "مسألة اختلف هل كان". PageV04P022 # أقول: اختلف في أنه -صلى الله عليه وسلم- هل كان قبل البعثة متعبدا (¬1)، ~~أي: مكلفا، من تعبده اتخذه عبدا؟ فيه مذاهب: قيل: لم يتعبد بشيء من الشرائع (¬2). # وقيل: تعبد، وعلى هذا، فقيل: شرع نوح، وقيل: إبراهيم، وقيل: موسي، وقيل: ~~عيسى (¬3)، وقيل: بما ثبت أنه شرع (¬4). PageV04P023 # وقيل: بالوقف، وإليه مال إمام الحرمين، والغزالي، والآمدي (¬1) واختاره ~~المصنف لتعارض أدلة الطرفين (¬2). # واختار ابن الحاجب أنه كان متعبدا لتظافر الأحاديث "كان يتحنث بغار حراء" ~~(¬3)، "كان يطوف" ونظائرهما. # وأجاب عن أدلة الطرفين (¬4). # والعجب من المصنف أنه ذكر -في شرح المختصر- أن الأحاديث التي ادعاها ابن ~~الحاجب لم أحفظ منها سوى حديث التحنث بحراء (¬5). PageV04P024 # وقد ثبت في البخاري أن الحمس، وهم قريش، كانوا يقفون بمزدلفة، ورسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- يقف بعرفة (¬1). # واعلم أن الخلاف إنما هو فيما فيه التقليد جائز، وأما أصول الدين، فلم ~~يكن فيها مقلدا لأحد. # وقوله: "وتأصيلا وتفريعا" منصوبان على التمييز من اختيار الوقف، والمعنى ~~لم نقل: بأنه كان متعبدا، ولا لم يكن متعبدا أصلا. # وإن قلنا: إنه كان متعبدا لا نفرع على إثبات التعبد التعيين بشرع. # وما ذكرناه إنما هو قبل النبوة، وأما بعده. # المختار: أنه لم يكن متعبدا بشيء من الشرائع قال الله: {لكل جعلنا منكم ~~شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48]. # وقول إمام الحرمين، وابن الحاجب: كان يتعبد بما لم ينسخ على أنه موافق لا ~~متابع، حاصله ما ذكرناه من عدم التعبد ms373 (¬2). PageV04P025 # قوله: "مسألة حكم المنافع، والمضار". # أقول: قد مر في أول الكتاب أن لا حكم في الأشياء قبل البعثة، بل الأمر ~~موقوف إلى ورود أمر الشارع، إنما الكلام هنا في الأشياء بعد ورود الشرع (¬1). # فنقول: الأشياء إما ضارة، أو نافعة. PageV04P026 # فالأصل في المنافع الحل لقوله تعالى: {خلق لكم ما في الأرض جميعا} ~~[البقرة: 29]، ذكره في معرض الامتنان، فيدل على المطلوب دلالة واضحة. # والمضار الحرمة لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا ضرر ولا ضرار" (¬1) أي: ~~في شريعتنا، فيدل على [عدم] (¬2) جواز تناول الضار. # قال والد المصنف: يستثنى من هذا الأصل أموالنا، فإن الأصل فيها التحريم، ~~واستدل عليه بالحدلث الصحيح: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم" وإنما صدر ~~منه هذا الكلام لذهوله عن محل النزاع، لأن محله إنما هو في شيء لم يرد به ~~نص من الشارع، فإن الأصل فيه ذلك. PageV04P027 # وأما إذا عارضة نص، فلا كلام، ألا ترى إلى حديث معاذ حين قال: "إنا ~~لمؤاخذون بما تتكلم به ألسنتنا؟ " فقال: "ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس ~~في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم" (¬1). # فإن معاذا كان فهم أن ما لا ضرر فيه مباح على العموم. # قال الإمام في المحصول: إذا نهانا الله عن بعض الانتفاعات [إنما يكون ~~ذلك] (¬2) لرجوع الضرر فيها إلى مجتاح آخر، إما في الحال، أو في الاستقبال، ~~لكن ذاك على خلاف الأصل، فثبت أن الأصل في المنافع الإباحة (¬3)، هذا خلاصة كلامه. # قوله: "مسألة: الاستحسان قال به أبو حنيفة". PageV04P028 # أقول: القول بالاستحسان (¬1) مشهور عن الحنفية، ونقل عن الحنابلة أيضا. # والحق: أنه لم يتعين محل النزاع بين الخصوم إلى يومنا، لأنهم أطلقوه ~~لمعاني بعضها مقبول اتفاقا، وبعضها مردود اتفاقا، وأنا أحكى ما ذكره ~~المصنف، مع زيادات وقفت عليها. # الأول: قولهم: هو دليل ينقدح في نفس المجتهد (¬2)، ويعسر عليه التعبير عنه. # فنقول: ما معنى انقداحه؟ # إن كان معناه: تحقق عند المجتهد بدليل أنه حكم الله يجب العمل عليه ~~اتفاقا. PageV04P029 # ولا عبرة بعجزه، لأن العجز يضير في المناظرة لا في النظر، وإن كان ms374 معناه: ~~أنه تصوره، وهو شاك فيه فمردود اتفاقا. # الثاني: قولهم: هو العدول عن قياس إلى آخر أقوى، ولا نزاع في هذا لأحد. # الثالث: قولهم: هو العدول عن الدليل إلى العادة (¬1)، كشرب الماء من ~~السقاء بلا تعيين مقداره، ودخول الحمام، مع السكوت عن مقدار الأجرة، ومقدار المكث. # فنقول: ما المراد بالعادة؟ # إن أردت جريانه في زمانه، فهو ثابت بالسنة، وإن أردت في زمان الصحابة، أو ~~من بعدهم من غير نكير، فهو إجماع منهم، وإن كان شيئا غير هذا، فهو مردود ~~اتفاقا. # الرابع: قولهم: الاستحسان دليل يقابل القياس الجلي، وهو حجة لأنه ثبت ~~بالدلائل التي هي حجة بالإجماع وتلك الدلائل إما النص مثل السلم، والإجارة، ~~فإن القياس الجلي دال على عدم الصحة، وإنما ترك بالأثر. PageV04P030 # وإما الإجماع كالاستصناع، فإنه خلاف القياس الجلي وجوز إجماعا. # وقيل: هو قياس خفى قوي الأثر يقابل قياسا لم يكن قوي الأثر. # قلنا: جميع ذلك راجع إلى الأدلة الأربعة، فإن وجد دليل لم يندرج تحت شيء ~~من ذلك، فمن سماه استحسانا، فقد شرع (¬1)، أي: وضع الشريعة بعد النبوة، فإن ~~استحله كفر، أو لا فكبيرة. # وأما قول الشافعي: "أستحسن أن لا تنقص المتعة (¬2) عن ثلاثين درهما"، ~~"واستحسن أن يترك للمكاتب (¬3) شيء" ونحوهما (¬4)، فليس من PageV04P031 # الاستحسان (¬1) الذي هو أصل وراء الأصول الأربعة، كما أن الاستصحاب الذي ~~قال به ليس أصلا برأسه. # قوله: "مسألة قول الصحابي". # أقول: لا نزاع في أن مذهب الصحابي ليس حجة على صحابي آخر، إنما الخلاف في ~~حجيته على غيره (¬2)، والحق أنه ليس حجة (¬3). PageV04P032 # قال المصنف -ناقلا عن والده-: حجة في التعبدي الذي ليس للقياس فيه مجال. # لما روي أن عليا رضي الله عنه صلى في ليلة ست ركعات كل ركعة فيها ست سجدات. # قال الشافعي: لو صح عن علي أنه فعل لقلت به (¬1). # وهذا في الحقيقة ليس محل النزاع، لأن (¬2) الكلام فيما يقوله الصحابي ~~برأيه، وما لا مجال للرأي فيه هو في المعنى حديث مرفوع. # وإذا لم يكن قوله حجة، فهل يجوز تقليده، أم لا؟ # الحق: ms375 أنه لا يجوز؛ لأنهم وإن كانوا مجتهدين، لكن لم تدون أقوالهم، ~~ومذاهبهم، فلم يوثق بما ينقل عنهم، كذا صرح به إمام الحرمين (¬3). PageV04P033 # وقيل: قوله حجة فوق القياس، فإذا تعارض قدم عليه. # قيل: هذا قوله القديم، وإليه ذهبت الحنفية (¬1). # فعلى هذا إذا اختلف صحابيان، فكان قولاهما كالدليلين يقدم أحدهما ~~بالترجيح. # وقيل: حجة دون القياس، وعلى هذا هل يخصص العموم به؟ # قولان لأصحابنا من غير ترجيح. # أما جوازه، فلأنه دليل شرعي، فالقياس يقتضي أن يخص به، وأما عدمه، فلأن ~~الصحابة كانوا يتركون أقوالهم إذا بلغهم دليل عام. # وقيل: حجة إن انتشر، ولم يخالف، قيل: هذا -أيضا- منقول عن القديم. # وقيل: إن خالف القياس، فهو حجة، وإلا فلا؛ لأنه لا يخالف القياس إلا ~~لدليل أقوي، فالحجة في الحقيقة هو ذلك الدليل الذي خالف القياس لأجله. # وقيل: حجة إن انضم إلى قول الصحابي قياس يقربه، كما قال الشافعي -في ~~البراءة من العيوب-: إذا باع حيوانا بشرط البراءة من العيوب يبرأ عن عيب لا ~~يعلمه. PageV04P034 # قال: إنما قلته تقليدا لعثمان رضي الله عنه (¬1). # وقيل: قول الشيخين حجة دون غيرهما لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "اقتدوا ~~باللذين من بعدي أبي بكر، وعمر". # وقيل: قول الخلفاء الأربعة لقوله: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين" ~~وروي عن الشافعي ما عدا عليا. # وأولى ما يقال -في توجيه ذلك-: أن عليا رضي الله عنه كان قد اشتغل ~~بالحروب، ورحل إلى العراق، وتفرقت الصحابة، عنه، بخلاف من قبله، فإنهم ~~كانوا إذا وقعت لهم شبهة استشاروا الصحابة. # كما فعل أبو بكر رضي الله عنه في ميراث الجدة (¬2)، وعمر في طاعون الشام ~~(¬3). PageV04P035 # هذا وأما ما وافق الشافعي فيه قول صحابي كزيد في الفرائض أو عثمان في ~~مسألة براءة العيوب، فلموافقة اجتهاده، إذ قد اشتهر عنه أنه قال: كيف احتج ~~بقول من لو عارضته لحججته (¬1). # وأيضا الاتفاق على أن المجتهد لا يجوز له التقليد مطلقا صحابيا كان، أو ~~غيره (¬2). # قوله: "الإلهام". # أقول: مما يتوهم أنه حجة شرعية الإلهام. PageV04P036 # وهو إلقاء [المعنى] (¬1) المشتمل على الخير في روع ms376 الإنسان بطريق الفيض ~~لا السماع (¬2)، وهذا أمر محقق نقلا وعقلا، أما نقلا فلما ورد في الحديث: ~~"إن للملك [تغلبا] (¬3) أي: لمة (¬4) وللشيطان لمة، أما لمة الملك فإيعاد ~~بالخير، وأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر" (¬5) ثم قرأ: {الشيطان يعدكم ~~الفقر} [البقرة: 268] (¬6). PageV04P037 # ولقوله: "إن روح القدس نفث في روعي لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها" (¬1). # وإنما الكلام في كونه حجة على الغير، أو على نفسه، فالصواب أنه إن كان من ~~معصوم مؤيد حجة مطلقا، وإن كان من غيره فلا. # وما ورد في الأحاديث مثل: "استفت قلبك، وإن أفتاك الناس (¬2) وأفتوك" ~~(¬3). PageV04P038 # وقوله: "كان فيمن قبلكم محدثون (¬1)، فإن كان في هذه الأمة محدث فهو عمر" ~~(¬2). وأمثاله فهو محمول على الكرامة (¬3) الذي نحن قائلون بها (¬4). # وأما أنه يدل على أنه دليل شرعي فلا. # وأما كونه محققا عقلا، فلأن كل أحد يجد في نفسه خواطر الخير من الحج، ~~والصوم، وغيرهما بلا ريب، بل قل ما يخلو وقت منها. PageV04P039 # وقول الصوفي: [إنه] (¬1) ألهم كذا فهو حجة. بدعة، وضلالة لا يلتفت [إليه ~~لأنه تشريع بعد النبوة، فيجب على كل مسلم ردع الصوفي القائل هذا الكلام، ~~فإنه يفسد عقائد العوام] (¬2) وإنما ترك المصنف المصالح المرسلة (¬3) لأنه ~~علم إلغاؤها من باب القياس حيث ذكر أن الوصف المرسل لا يصلح علة (¬4). # قوله: "خاتمة". PageV04P040 # أقول: هذه فائدة ذكرها تبرعا ليس لها تعلق بأصول الفقه، لأن أصول الفقه ~~أدلته (¬1). # فالبحث فيها لا يكون إلا فيما هو دليل الفقه إما اتفاقا، أو اختلافا قال ~~القاضي حسين: مبنى الفقه على أربع قواعد: # الأولى: أن الشك الطارئ لا يرفع حكم اليقين السابق. # مثاله: الشك في الحدث بعد يقين الطهارة، فالحكم للطهارة (¬2). # الثانية: الضرر يزال (¬3). PageV04P041 # مثاله: يجب ضمان المتلفات، ورد المغصوب، وإطعام الجائع الواقع في ~~المخمصة، ونصر المظلوم. # الثالثة: المشقة تجلب التيسير (¬1). # مثاله: جواز القصر، والجمع، والفطر في السفر، ومن الأمثال إذا ضاق الأمر اتسع. # الرابعة: تحكيم العادة (¬2) PageV04P042 # مثاله: أقل الحيض، وأكثره، وفي باب الأطعمة الرجوع إلى [العرف] (¬1) فيما ~~لا نص فيه. # وزاد بعضهم خامسة، هي قولهم: المأمور ms377 بمقاصدها (¬2) فيدل على وجوب النية ~~في الطهارة، وهذه مأخوذة من قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إنما الأعمال ~~بالنيات" (¬3)، ولعل القاضي إنما تركها لكونها مستفادة من صريح الحديث ~~وعامة في جميع القواعد. # * * * PageV04P043 ### | AUTO الكتاب السادس في التعادل والتراجيح PageV04P045 # الكتاب السادس: في التعادل والتراجيح # قوله: "الكتاب السادس في التعادل، والتراجيح". # أقول: قد سبق منا أن الدليل على المطلوب إنما يستلزمه إذا سلمت مقدماته ~~من القوادح، ولم يعارضه مثله، أو أقوى منه، فلذلك جرت العادة بوضع باب آخر ~~بعد ذكر الأدلة لما يعرف به دفع المعارض (¬1). # ثم التعارض (¬2) إنما يتصور في الظنيات؛ لأن القطعيات لو تعارضت PageV04P047 # ثبت مقتضاها، فيلزم جمع النقيضين (¬1). # وكذا لا تعارض بين ظني، وقطعي لسقوط الظن في مقابلة القطع (¬2)، فانحصر ~~الترجيح في الظنيين. PageV04P048 # والظنيان إما منقولان كالنصين، أو معقولان كقياسين، أو منقول، ومعقول ~~كنص، وقياس. # قال المصنف: لا تعارض في الظنيات أيضا في نفس الأمر على الصحيح، وإنما ~~قيده بنفس الأمر لأن التعارض بالنظر إلى المجتهد واقع لا يمكن إنكاره (¬1). # وتحقيق المسألة: أن اليقين لما كان غير مجامع لاحتمال النقيض، فلا يمكن ~~ترجيحه؛ لأنه فرع احتمال النقيض. # قال الغزالي: "لا ترجيح لعلم على علم، فإذا تعارض نصان قاطعان، فلا سبيل ~~إلى الترجيح، بل إن كانا متواترين، فالمتأخر ناسخ إن علم التاريخ، وإلا لا ~~بد وأن يكون أحدهما ناسخا" (¬2). PageV04P049 # وقد علم من كلامه أن المنفي من القطعيات ليس التعارض مطلقا، بل تعارض ~~يمكن معه الترجيح، لأن النسخ لا يمكن بدون التعارض، فالتعارض المبحوث عنه ~~هو ما يمكن الترجيح معه. # وأما في نفس الأمر بأن يرد من الشارع دليلان من غير نسخ (¬1)، يوجب ~~أحدهما الوجوب، والآخر الحرمة، هذا غير جائز؛ لأنه يتناقض كلامه (¬2) وهو ~~منزه عن ذلك. # فإذا تعادل النصان -عند الجمهور- ولا مرجح بوجه. # قيل: بالتخيير بينهما (¬3). # وقيل: بالتساقط، كما في البينتين، وهو المختار (¬4)، وإن لم يشر إليه ~~المصنف. # أو الوقف فيهما (¬5). # والفرق بين الوقف، والتساقط أن في الوقف لم يجب الرجوع إلى الغير، بل ~~ربما يظهر له مرجح بعد، وفي التساقط ms378 يجب العدول عنهما، والرجوع إلى الغير. PageV04P050 # والرابع: إن وقع التعادل في الواجبات، فالتخيير إذ لا يمتنع التخيير في ~~الواجبات كخصال الكفارة (¬1)، وفي غير الواجبات التساقط. # قال بعض الشارحين (¬2): "قول المصنف: وإن توهم التعادل، أحسن من قول ~~غيره: وإن ظن. لأن الظن للطرف الراجح، ولا يوجد ذلك" (¬3). # وأقول: عبارة المصنف فاسدة، والصواب ما قاله غيره، لأن وهم التعادل لا ~~يوجب توقف المجتهد (¬4)، لأن الوهم يكون في الطرف المرجوح، فلا ينافي ظن ~~المجتهد الواجب اتباعه، بل إذا ظن الحكم من أمارة، -وإن PageV04P051 # كان وهم الصحة في الأمارة الأخرى- يجب عليه الفتوي، والعمل بما ظن صحته، ~~وهذا مما لا يخالف فيه [أحد] (¬1). # قوله: "وإن نقل عن مجتهد قولان". # أقول: إذا نقل قولان عن مجتهد، فإما أن يعلم تاخر أحدهما أو لا، فإن علم ~~ذلك، فالمتأخر مذهبه، وإن لم يعلم التأخر، فإن أشعر أحدهما بالرجحان عنده ~~كما إذا قال: أشبه القولين، أو أقيسهما فذاك مذهبه، وإن لم يوجد شيء من ~~ذلك، فيدل على استواء الاحتمالين (¬2) عنده، وإنما يقع ذلك؛ لأنه ينظر في ~~الأمارة، فيغلب على ظنه الحكم بمقتضاه، ثم يظفر بدليل آخر ينافي تلك ~~الأمارة، فيكون عنده مرجحا، فيقول بمقتضاه، ثم يبدو له ما يوجب تعادل ~~الأمارتين فيكون القولان في رتبة واحدة. # قال بعض الشارحين (¬3): "قوله: في المسألة قولان يحتمل أن يريد احتمالين ~~على سبيل التجويز لوجود أمارتين متساويتين ولا يريد بهما مذهبين لمجتهدين". ~~وهذا سهو لأنا نقطع بأن الشافعي إذا قال: في المسألة قولان لم يرد قول غيره ~~من المجتهدين، كيف، ولم تنقل أقوال الصحابة، وتنقل أقوال غيرهم؟ ! فهما ~~قولان له لكنه توقف لما ذكرنا. PageV04P052 # وقد وقع للشافعي هذا النوع من التردد في ستة عشر، أو سبعة عشر موضعا ~~(¬1)، وذلك يدل على نباهة شأنه علما ودينا. # أما علما: فلأنه قد أشبع النظر في الدلائل، والأمارات حتى أوجب عليه ~~التوقف، ولو اغتر باول ما يبدو له، وصمم، ومضى على ذلك لم يقع له التوقف. # وأما دينا: فلأنه لم يبال بإظهار التردد، والتوقف من قدح طاعن ms379 في ذلك، ~~ونسبته إلى قصور النظر في استنباط الأحكام، وقد عابه بذلك بعض القاصرين ~~جهلا منهم بما ذكرنا. # ثم القولان المذكوران، وهما اللذان لا ترجيح فيهما لا صريحا، ولا إشعارا، ~~فعن الشيخ أبي حامد ما خالف فيه أبا حنيفة أرجح؛ لأنه لم يخالفه إلا وقد ~~اطلع على مأخذ أقوى من أخذه. # وقال القفال: الموافق أولى (¬2)؛ لأنه ما وافقه إلا لما ظهر له من قوة مأخذه. # قال المصنف: الأصح الترجيح بالنظر. PageV04P053 # قال بعض الشارحين (¬1): ما قاله المصنف هو الأولى مما قاله النووي من ~~الترجيح لموافقة أبي حنيفة؛ لأن الكثرة تفيد في النقل لا في الدليل، وقوة ~~الاجتهاد بقوة دليله. # وإن شئت تحقيق المقام بما لا مزيد عليه، فاستمع لمقالتنا: اعلم أن هذا ~~الموضع فيه شبه لا بد من التنبه لها: # الأولى: أن مخالفة أبي حنيفة إنما ذكرت مثالا، وكذلك شأنه مع مالك، وأحمد. # الثانية: أنه قد توهم بعضهم أن موافقته لأبي حنيفة يقتضى السبق على ~~المخالفة، وليس بلازم؛ لجواز أن تكون المخالفة سابقة ثم يطلع على دليل يوجب ~~موافقته. # الثالثة: أن ما قاله النووي في الترجيح بالموافقة (¬2) ليس مقصورا على ~~قولي الشافعي إذا كانا متساويين، بل أعم من ذلك. # ألا ترى أنه قال: الجمع وإن كان أصح القولين عن الشافعي، فعدمه أولى ~~لموافقة قول أبي حنيفة. # الرابعة: أن ما قاله هذا الشارح من الرد عليه بأنه ترجيح في المذهب ~~بالكثرة كالرواية -وفرق بين الرواية، والاجتهاد، إذ الرواية مبناها النقل PageV04P054 # ومبنى الاجتهاد قوة الدليل - غير وارد عليه: لأن مراده أن دليلي ~~المجتهدين متعاضدان في قوة الدلالة بخلاف حالة الانفراد، وهذا كلام في ~~نهاية الحسن، وسيصرح المصنف بأن تعاضد الدليلين من المرجحات. # الخامسة: أن قول المصنف واختياره: الترجيح بالنظر، لا يكاد يصح، لأن ~~الترجيح على ما في شروحه (¬1) -وهو ظاهر عبارته- إنما هو من الشافعي. # وكذا قوله: وإن وقف، أي: الشافعي، فالوقف، أي: نحن نتوقف، فلا نقول: ~~برجحان شيء منهما، وهذا كلام غير منتظم، لأن وضع المسألة إنما هو في قولين ~~نقلا عنه من ms380 غير ترجيح، فاختلف فيها بأن الموافقة، أو المخالفة هل ترجح أو ~~لا؟ فلا وجه لهذا الكلام. # لا يقال: لعله أراد أن ما رجحه الشافعي هو المرجح، ولا عبرة بالموافقة، ~~والمخالفة. # لأنا نقول: وضع المسألة فيما لا ترجيح منه، وما كان فيه ترجيح قد تقدم ~~أنه المرجح سواء كان ترجيحا صريحا، أو إشارة، هذا كله إذا كان للشافعي في ~~المسألة بعينها قول، أو قولان. فإن لم يكن له فيها قول، فإن كان له في ~~نظيرتها قول، والحق الأصحاب المسألة أبي ليس فيها قول بنظيرتها - فذلك يسمى ~~قولا مخرجا للشافعي في الأصح. PageV04P055 # وقيل: لا ينسب إليه هذا القول لاحتمال ثبوت فرق عنده بين المسألتين لم ~~نقف عليه، والمذهب خلاف ما قاله هذا القائل. وإذا نسب إليه لا ينسب إليه ~~مطلقا لئلا يلتبس، فيظن أنه نص منه، بل بقيد أنه قوله المخرج (¬1). # وإذا تعارض نصه في صورتين متشابهتين، فاختار في أحديهما خلاف ما اختاره ~~في الأخرى ينشأ اختلاف الطرق، فمن الأصحاب من يخرج في كل صورة قولا له على ~~نظيرتها، فيبقى في كل صورة قولان: منصوص، ومخرج. # ومنهم من يبدي فارقا بين الصورتين، ويقرر كل نص على مقتضاه. # قال بعض الشارحين (¬2): "وهذا هو منشأ الخلاف في أن القول المخرج هل ينسب ~~إليه؟ " وهذا سهو منه، لأن الخلاف في أن المخرج هل ينسب إليه؟ إنما هو عند ~~القائل بالتخريج، ومن لم يقل بالتخريج لا قول عنده حتى يقال: ينسب أو لا ينسب. # فلا وجه لجعل مخالفته منشأ للخلاف في جواز النسبة، فتأمل.! قوله: ~~"والترجيح". PageV04P056 # أقول (¬1): الترجيح له طرق متكثرة شرع بعد تحرير المبحث بذكرها، فبدأ ~~بتعريف الترجيح (¬2)، فقال: هو تقوية أحد الطريقين، أي: المتعارضين بما ~~سيذكره مفصلا. # ثم الجمهور على أن العمل بالراجح واجب معلوما كان أو مظنونا، وخالف ~~القاضي أبو بكر، وأبو عبد الله البصرى من المعتزلة (¬3)، إلا أن القاضي ~~يقول: أنا أقول بالترجيح القطعي كتقديم النص على القياس، وأبو عبد الله ~~يقول: الترجيح الظني لا اعتبار به بل الواجب إما الوقف، أو ms381 التخيير، ~~وكلاهما ملزم بالاجماع على أن الظن الغالب يقدم، وإن الظنون تتفاوت. # قوله: "ولا ترجيح". # أقول: قد تقدم أن التعارض القابل للترجيح لا يكون في القطعيات لعدم ~~التفاوت في المعلوم، بل إن تعارض نصان، وعلم التأريخ فالمتأخر ناسخ. PageV04P057 # فقول المصنف: لعدم التعارض، يريد به التعارض القابل للترجيح، وإلا فالنسخ ~~لا يمكن بدون التعارض، فإن نقل تأخر القطعي بطريق الآحاد يعمل به، ويجعل ~~ذلك المتأخر ناسخا للمتقدم، لأن الأصل دوام المتأخر من غير معارض هذا معنى كلامه. # وتعليله ليس بسديد، لأن المخالف يقول، لا نقبل نقل المتأخر آحادا، لأنه ~~يفضي إلى إسقاط المتواتر بالآحاد. # فالجواب: بأن الناسخ قطعي المتن، غايته أن التأخر ظني، وبذلك لم يصر النص ~~ظنيا مع إجماع الصحابة ومن بعدهم على الاكتفاء بنقل الآحاد في التأخر. # وأما ذاك التأخر مظنون دوامه ليس له دخل في الجواب ولا منعه أحد. # ثم الأصح عند الشافعي الترجيح بكثرة الأدلة (¬1): لأنك قد عرفت أن الأدلة ~~المتعارضة أمارات تفيد الظن، ولا ريب أن الظن له مرات (¬2). PageV04P058 # فما يفيده الدليلان أقوى مما يفيده دليل واحد. # وكذلك يرجح بكثرة الرواة (¬1) بعلة ما ذكرناه في الأدلة. # والاعتراض بالشهادة (¬2) ساقط، لأن الأصل في الشهادة أن لا تكون حجة ~~لاحتمال الخطأ، والكذب، وإنما اعتبرت لضرورة دفع الخصومات، PageV04P059 # فلو رجحت بكثرة العدد، فكان لدى التعارض كل من كان عدد شهوده ناقصا ~~يستمهل القاضي في الإتيان بعدد آخر، فيطول القيل، والقال، ويعود على أصل ~~الشهادة بالنقض، وهو عدم فصل الخصومات. # هذا واضح فيما إذا اختلف العددان كثرة، واستويا في سائر الصفات وأما إذا ~~كانت الصفات المرجحة في العدد القليل أكثر منها في العدد الكثير، فللمحدثين ~~هناك خلاف هل المرجح العدد، أم كثرة الصفات (¬1)؟ PageV04P060 # وميل إمام الحرمين إلى اعتبار الصفات، ولذلك قال: "لو روى جمع حديثا، ~~وروى الصديق ما يعارضه كانت الصحابة لا تؤثر على رواية الصديق شيئا" (¬1). # قوله: "وأن العمل بالمتعارضين". # أقول: يريد أن المصير إلى الترجيح إنما يكون إذا لم يمكن الجمع ولو بوجه (¬2). # ولو قدم هذا البحث على ms382 المسألة السابقة كان أولى كما لا يخفي، لأن ~~الترجيح بالأدلة وكثرة الرواة إنما يكون إذا تعذر الجمع. مثال ما أمكن ~~الجمع فيه قوله -صلى الله عليه وسلم-: "أيما إهاب دبغ فقد طهر". مع قوله: ~~"لا تنتفعوا بالميتة بإهاب ولا عصب" (¬3). فيحمل هذا على قبل الدباغ جمعا ~~بين الدليلين لأنه أولى من إهمال أحدهما. PageV04P061 # وإذا أمكن الجمع، وتعارض الكتاب، والسنة. # قيل: يقدم الكتاب لحديث معاذ، فإنه قدم الكتاب فيه. # وقيل: السنة؛ لقوله: {لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] # والحق عدم الفرق، واختيار الجمع. # مثاله قوله -صلى الله عليه وسلم-: "هو البحر الطهور ماؤه الحل ميتته". مع ~~قوله: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه} إلى قوله: {أو لحم ~~خنزير} [الأنعام: 145]، فإنه يدل على حرمة لحم الخنزير البحري، والحديث ~~الأول يدل على حله، فيحمل الخنزير على البري، لتبادره لدى الإطلاق (¬1). # فإن تعذر الجمع، فإما أن يتاخر أحدهما عن الآخر، ويعلم التأريخ، فالمتأخر ~~ناسخ، وإن لم يعلم التاريخ رجع إلى غيرهما لتعذر العمل، هذا إذا PageV04P062 # علم تأخر أحدهما (¬1)، فإن علم تقارنهما، والمفروض تعذر الجمع، فالترجيح، ~~فإن لم يوجد شيء من طرق الترجيح فالتخيير (¬2)، وإن جهل التأريخ، ولم يعلم ~~السبق، ولا التقارن، والحكمان قابلان للنسخ وجب الرجوع إلى غيرهما لاحتمال ~~كل منهما أن يكون هو المنسوخ، وإن لم يمكن النسخ، فالتخيير كما في التقارن (¬3). # هذا وفي كلامه نظر من وجهين: # الأول: أن التقارن بين المتنافيين لا يتصور في كلام الشارع؛ لأنه تناقض ~~لا يليق بمنصبه، بل دائما أحدهما متأخر إلا أنه ربما يجهل التأريخ. # الثاني: قوله: "إن تعذر الجمع في التقارن، والجهل بالتأريخ"، مما لا وجه ~~له؛ لأنه قد تقدم من كلامه أن المصير إلى الترجيح إنما هو بعد تعذر الجمع، ~~فيصير تقدير كلامه: إن تعذر الجمع، وتقارنا، فالتخيير إن تعذر الجمع. # فالصواب حذفه، هذا ا ذا لم يكن أحد النصين أعم من الآخر مطلقا، أو من ~~وجه، فإن كان كذلك، فقد سبق ذلك في باب التخصيص. PageV04P063 # قوله: "مسألة يرجح ms383 بعلو الإسناد وفقه الراوي". # أقول: ترجيح الخبر يكون بوجوه: # الأول: حال الراوي، فيرجح بكثرة الرواة، وقد تقدم، وبعلو سنده: لقلة ~~الواسطة، فيقل احتمال الخطأ (¬1) ولذلك ترى أهل الحديث يباهون به. # وبفقه الراوي: سواء كانت الرواية باللفظ، أو بالمعنى؛ لأن الفقاهة صفة ~~توجب المزية: {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} [الزمر: 9]. # وكالفقاهة: اللغة، والنحو لأن العالم بهما يتحفظ مواقع الدليل فالاعتماد ~~عليه أقوى. # وبورعه، وحسن ضبطه، وفطنته، وشدة تيقظه إذ كل من هذه الثلاثة يغلب جانب ~~الصدق بلا شبهة (¬2). PageV04P064 # وإن شئت تحقيق ذلك قابل رواية مالك، والشافعي بمن عاصرهما تجد بونا بعيدا (¬1). # وإن كان الراوي المرجوح الذي ليس فيه تلك الصفات قد روى باللفظ، وصاحب ~~تلك الصفات بالمعنى، وبيقظته، فيرجح على غيره وهي قريبة من الفطنة، وحسن ~~الاعتقاد، فإنه يقوى جانب الصدق، وشهرة عدالته، ومن عرف عدالته بالاختبار ~~قدم على من عدل بالتزكية إذ ليس الخبر كالعيان، وبكثرة المزكين؛ لأنه يصير ~~كالمشهور بالعدالة. # وتقدم رواية معروف [النسب] (¬2) على مجهوله (¬3). # وقيل: مشهوره يقدم على غيره إذ الشهرة فيه كالشهرة في العدالة، واختاره ~~ابن الحاجب، والبيضاوي (¬4)، ولم يرضه المصنف. والحق: ما قاله المصنف: لأن ~~النسب ليس من أوصاف تعتبر بالذات في الراوي. PageV04P065 # وكونه معروف النسب كاف (¬1) في دفع رذالته. ويقدم من زكى صريحا على من ~~عرفت تزكيته بالحكم على وفق شهادته، وقدم البيضاوي العمل بالرواية على ~~التعديل صريحا (¬2)، ومن نقل لفظ المروي على من نقله في الجملة أعم من ~~اللفظ، والمعنى لمزيد الاعتناء من الأول، ومن ذكر السبب على من لم يذكره ~~لزيادة علمه بالواقعة (¬3)، ومن يروي من حفظه على الذي يروي عن كتابه لأنه ~~عدل لا يكذب (¬4). # [وقوله] (¬5) على النبي شيئا ما قاله نسيانا، بعيد، والكتاب يمكن الزيادة ~~فيه بخط يشابهه، وكذا سقط ما يقال (¬6): "إذا كان الكتاب محفوظا بخط ضابط ~~هو أوثق من الحفظ"، وإنما سقط ذلك لأن حفظ الكتاب على وجه لا يطلع عليه إلا ~~هو، وضبطه بخط لا يمكن أن يشابه قليل جدا. PageV04P066 # ويقدم بظهور طريق الرواية كالسماع ms384 على الإجازة، والسماع من غير حجاب على ~~السماع حجابا كما قدمت رواية القاسم (¬1) بن محمد على رواية الأسود (¬2) عن ~~عائشة رضي الله عنها في أن زوج (¬3) PageV04P067 # بريرة كان عبدا: لأن القاسم محرم لها بخلاف الأسود فلا يخاطبها كفاحا (¬1). # وبكونه من أكابر الصحابة، روي أن مذهب علي رضي الله عنه كان تحليف الراوي ~~سوى الصديق رضي الله عنهما. # والمراد بالكبر علو المنزلة علما، وفقها. # ولذلك يعد ابن عباس، وعائشة رضي الله عنهم من أكابر الصحابة (¬2) PageV04P068 # ولذلك قدموا رواية عائشة في صحة صوم الجنب على رواية أبي هريرة (¬1). # وبكونه ذكرا، فإنه مقدم على المرأة خلافا للأستاذ (¬2) أبي إسحاق. والحق ~~ما قاله الأستاذ (¬3)، لأن المعتبر في هذا الباب العدالة، والفقه، ولا ريب ~~أن فقه عائشة يفوق كثيرا من الصحابة. # وقيل: يختلف باختلاف الأحكام، ففي أحكام النساء تقدم النساء وفي أحكام ~~الرجال يقدم الرجال، وبكونه حرا لشرف الحر (¬4)، PageV04P069 # وبكونه متأخر الإسلام، فيقدم خبره على متقدم الإسلام (¬1)، وقيل: بالعكس (¬2). # مثال الأول: تقديم تشهد ابن عباس (¬3) على تشهد ابن مسعود (¬4). PageV04P070 # ووجه العكس: أن المتقدم قد دامت صحبته إلى آخر الوقت. # والجواب: أن قول المتأخر نص لا يحتمل المتقدم بخلاف المتقدم إذ ربما سمعه سابقا. # وتقدم رواية المتحمل بعد البلوغ لاعتنائه بالضبط، واحترازه من الكذب (¬1). # وبكونه غير مدلس، وهذا الكلام في تدليس لا يسقط الرواية (¬2) وبكونه ~~منفردا باسم على المشهور باسمين، فإنه ربما شاركه في أحدهما ضعيف (¬3)، ~~وبكونه مباشرا للواقعة، ولهذا قدم الشافعي رواية أبي رافع (¬4) PageV04P071 # في نكاح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ميمونة، وهو حلال، وبنى بها وهو ~~حلال (¬1). # وقال: كنت رسولا بينهما. # وقد روى ابن عباس أنه تزوجها، وهو محرم (¬2). PageV04P072 # وبكونه صاحب الواقعة كما روت ميمونة: تزوجني رسول الله ونحن حلال (¬1)، ~~فقدم على رواية ابن عباس (¬2)، وعن سعيد بن المسيب (¬3) أن ابن عباس وهم في ~~تلك القضية (¬4). PageV04P073 # وبكونه يروي بلفظه، والآخر بمعناه (¬1). # وبكون الراوي الأصل لم يكذب الفرع، فإنه يقدم على رواية من كذبه شيخه ~~(¬2)، وكون الحديث في الصحيحين، فإنه يقدم على ما ليس فيهما، ms385 لأن الأمة قد ~~تلقتهما بالقبول (¬3). # قوله: "والقول". # أقول: هذا شروع في الترجيح نظرا إلى المتن ويقع ذلك بأمور أيضا: PageV04P074 # فيقدم قوله -صلى الله عليه وسلم- على ما فعله (¬1): لأن دلالة القول أقوى ~~من دلالة الفعل، ولاحتمال كون الفعل من خواصه. # ويقدم فعله على تقريره، لأن دلالة التقرير مختلف فيه، ولاحتمال عدم ~~اطلاعه على حقيقة الحال (¬2). # وبفصاحته (¬3) إذ لا يصدر منه إلا الفصيح. PageV04P075 # لا يقال: فيجب أن يكون ما يروى بلفظ غير فصيح مردودا، لأنا نقول: ربما ~~رواه بلفظ نفسه، فيكون نقلا بالمعنى. # وقيل: الأفصح يقدم على الفصيح (¬1)؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- كان أفصح ~~الناس، والحق عدم التقديم بذلك، لأن كونه أفصح الناس لا يستلزم المداومة ~~على الأفصح؛ لأنه كان يخاطب العرب بقدر لغاتهم، وأفهامهم. # وبكونه يروي زيادة لا يرويه الآخر، كتقديم رواية التكبير في العيد سبعا ~~(¬2) على رواية الأربع (¬3). PageV04P076 # وبكونه لغة قريش، وبكونه لغة أهل الحجاز على لغة غيرهم (¬1). وبكونه ~~رواية المدني على رواية الكى لتأخره، والمراد بالمدنيات ما وقعت بعد الهجرة ~~سواء كانت بالمدينة أو بغيرها حتى ولو بمكة لحديث: "إن أموالكم وأعراضكم" ~~وإن كان بالمسجد الحرام (¬2). # وبكونه مشعرا بعلو شأنه، فإنه يقدم على غيره، لأن ظهور أمره، وعلو شأنه ~~كان متأخرا، فيظن تأخره بخلاف غير المشعر فإنه خال عن هذا الظن (¬3). # وبكونه مذكورا، مع علته كقوله: "من بدل دينه فاقتلوه" مع قوله: "لا ~~تقتلوا النساء، والصبيان". # فيحمل الثاني على الحربيات: لأن ذكر العلة يدل على الاهتمام. وبكون علته ~~متقدمة في الذكر على المتأخرة؛ لأنه دال على ارتباط الحكم بها، هذا ما قاله ~~الإمام في المحصول (¬4). PageV04P077 # وعكسه النقشواني (¬1) بأن العلة إذا كانت متأخرة بعد ذكرها لا التفات ~~للنفس إلى غيرها، بخلاف المتقدمة، فإنها إن لم تكن شديدة المناسبة ربما ~~يتردد الذهن بعد الحكم (¬2). # وبكونه مشتملا على التهديد نحو: "من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم" ~~(¬3). PageV04P078 # وبكونه مشتملا على التأكيد نحو: "أيما امرأة نكحت بغير ولي فنكاحها باطل، ~~فنكاحها باطل، فنكاحها باطل". فيقدم على حديث مسلم: "الأيم أحق بنفسها من ms386 ~~وليها"، إذ المؤكد يدل على كونه مهتما به (¬1). # وبكونه عاما مطلقا على الوارد لسبب، فإن بعض العلماء ذهب إلى أن الوارد ~~لسبب خاص به، وهذا فيما عدا صورة السبب، وأما في السبب، فلا، لأنا إن قلنا: ~~إنه يختص به فظاهر، لأن الخاص مقدم على العام، وإن قلنا: بعمومه، وهو ~~المختار لأن دلالته على ما ورد فيه أقوى، ولذلك لم يجز التخصيص بالنسبة ~~إليه كما تقدم (¬2). # وبكونه عاما شرطيا كمن، وما، وأي، على النكرة المنفية لاشتماله على ~~التعليل، مع العموم (¬3). # وقيل: بالعكس لقوة دلالة (¬4) المنفية على العموم. PageV04P079 # والأول: مختار ابن الحاجب (¬1) أيضا. # وسوى إمام الحرمين بينهما (¬2). وتقدم النكرة المنفية على باقي صيغ ~~العموم مما يدل بالقرينة، كالجمع المحلى، والمضاف، لا بد من هذا القيد ~~للاتفاق على أن لفظ "كل" مقدم عليها (¬3). # ويقدم الجمع المحلى على من، وما غير شرطيتين، ولا بد من هذا القيد، وإلا ~~تناقض كلامه، وتقدم هذه المذكورة على اسم الجنس المعرف باللام والإضافة ~~لاحتمال العهد (¬4). # وما لم يخص من العام يقدم على ما خص لقوته (¬5) واختار المصنف عكسه، وهو ~~المختار، لأن المشهور أنه ما من عام إلا وخص منه البعض، وإذا خص تطمئن ~~النفس إليه أكثر (¬6). PageV04P080 # والأقل تخصيصا أولى لأن كثرة التخصيص تضعفه (¬1). # وتقدم دلالة الاقتضاء على دلالة الإشارة، والإيماء، لأنها مقصودة للمتكلم ~~دون الإشارة، ولتوقف صدق المتكلم، أو حجة الملفوظ به، فيه بخلاف الإيماء. # والإشارة، والإيماء يقدمان على المفهومين، أما على الموافقة، فلأن دلالة ~~الإشارة، والإيماء في محل النطق والمنطوق مرجح، وأما على المخالفة، فلكونها ~~مختلفا فيها (¬2). # والموافقة تقدم على المخالفة، لكونها متفقا عليها (¬3). # وقيل: بالعكس (¬4): لأن المخالفة تفيد تأسيسا (¬5)، والموافقة تأكيدا، ~~والتأسيس مقدم. PageV04P081 # والحق: أن هذا كلام فاسد: لأن كلا المفهومين من قبيل التأسيس. # قوله: "والناقل عن الأصل". # أقول: هذا شروع في الترجيح باعتبار مدلول الخبر، فيقدم الخبر الناقل عن ~~البراءة الأصلية على المقرر لها لاشتماله على الزيادة، وهو إثبات حكم لا ~~يمكن إدراكه إلا بالشرع (¬1). # مثاله: حديث "من مس ذكره فليتوضأ" يقدم على حديث: "هل ms387 هو إلا بضعة منك" ~~(¬2)؟ PageV04P082 # ويقدم المثبت على النافي (¬1) لزيادة العلم. # وقيل: النافي يقدم للبراءة الأصلية. # وقيل: سيان لرجحان كل من وجه. # وقيل: يقدم النافي إلا في العتاق، والطلاق، لأن الأصل عدمهما. # وقيل: مثبت العتاق، والطلاق يقدم. # وقيل: لا تعارض بين الفعلين ليحتاج إلى الترجيح، فيحمل على وقوع كل واحد ~~في حالة (¬2). # ويقدم النهى على الأمر لأن دفع المفاسد يقدم على جلب المصالح (¬3) PageV04P083 # ويقدم الأمر على الإباحة لأن الأصل في كلام الشارع التكليف إما فعلا، أو ~~تركا، والمباح لا تكليف فيه (¬1). # والخبر المشتمل على التكليف يقدم على الأمر، والنهي، لأن معنى الطلب فيه ~~أبلغ كما علم في موضعه (¬2). # ويقدم خبر الحظر على خبر الإباحة احتياطا (¬3). # وقيل: بالعكس لأن الأصل نفي الحرج (¬4). PageV04P084 # وقيل: سيان لترجيح كل واحد من وجه (¬1). # ويقدم ما يقتضى الوجوب على مقتضى الندب احتياطا، وكذا تقدم الكراهة عليه ~~لدفع اللوم (¬2)، ويقدم الندب على الإباحة لاشتماله على التكليف المورث ~~للثواب. # وقيل: بالعكس لموافقته الإباحة الأصلية (¬3). # ويقدم الخبر النافي للحد على المثبت (¬4): لأن الحدود تدرأ بالشبهات، ~~ولأن فيه يسرا، وعدم الحرج. PageV04P085 # وقيل: بالعكس: لأن المثبت له زيادة علم (¬1). # ويقدم ما يعقل معناه على غيره: لأنه أدعى إلى الانقياد وأفيد (¬2). ويقدم ~~ما يدل على الوضعي على ما يدل على الحكم التكليفي، لأن الوضعي لا يتوقف على ~~الفهم، والتمكن من الفعل. # وقيل: عكسه، لأن الأحكام التكليفية أكثر، ولأنها مناط الثواب والعقاب (¬3). # قوله: "والموافق دليلا آخر". # أقول: هذا شروع في ترجيح الخبر بالأمور الخارجية فيقدم الخبر لموافقته ~~دليلا آخر (¬4). PageV04P086 # وليس هذا -مع قوله يقدم بكثرة الأدلة- تكرارا (¬1)، لأن ذلك في الحكم، ~~وهذا في نفس الخبر، وإنما قدم بالموافقة لاعتضاده به. # وكذا يقدم ما وافق مرسلا، أو قول صحابي. # أو أهل المدينة، أو الأكثر لقوة الظن بهذه الأشياء، وإن لم يكن حجة (¬2). # وقيل: لا يقدم لعدم الحجية، وليس كذلك إذ ليس يلزم من عدم الاستقلال عدم ~~التقوية. # وقيل: إن كان الصحابي الموافق له مزية يرجح به، وإلا فلا، كزيد (¬3) PageV04P087 # في الفرائض لقوله [صلى الله عليه وسلم] ms388 (¬1): "أفرضكم زيد" (¬2)، وقيل: ~~إن كان الموافق أحد الشيخين أبو بكر، وعمر، فإنه يقدم به مطلقا. # وقيل: يقدم بأحدهما إذا لم يخالفه معاذ في الحلال والحرام، وزيد في ~~الفرائض، وعلى في القضاء لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "أفرضكم زيد، وأعلمكم ~~بالحلال والحرام معاذ، وأقضاكم علي". PageV04P088 # قال الشافعي: يرجح موافق زيد في الفرائض إن كان له قول فيها، فإن لم يوجد ~~لزيد قول، فيرجح بقول معاذ إن كان له قول، فإن لم يوجد له قول، فالموافق ~~لعلي (¬1). # قوله: "والإجماع على النص". # أقول: هذه المسائل في ترجيح الإجماع على النص، وترجيح بعض الإجماعات على بعض. # فيقدم الإجاع على الكتاب، والسنة لكونه قطعيا (¬2)، ولأمنه من النسخ، ~~والتأويل، والتخصيص. # وإذا تعارض إجماعان قدم الأسبق، فالأسبق، فيقدم إجماع الصحابة على ~~التابعين، والتابعين على تابعيهم الأقرب إلى زمنه -صلى الله عليه وسلم-، ~~فالأقرب. PageV04P089 # ويقدم إجماع وافق فيه العوام على غيره، لأن بعضهم اعتبر موافقة العوام ~~(¬1)، وإن لم يقبل به المصنف هناك، ولا مؤاخذة عليه، لأن العوام، وإن لم ~~يعتبروا في أصل الإجماع، ولكن ليس كل شيء لا يعتبر أصالة لا يعتبر تبعا كما ~~قدمنا (¬2). # ويقدم الإجماع المنقرض عصره على غيره للاتفاق على حجيته بخلاف الثاني. # وكذا يقدم إجماع لم يسبق بخلاف على المسبوق به للخلاف فيه كما تقدم، ~~وقيل: بالعكس، وقيل: هما سواء (¬3). # ويجب أن يحمل تعارض الإجماعين على ما إذا كانا ظنيين، وأما إذا كانا ~~قطعيين، فقدم علم سابقا أن لا تعارض بين القطعيات (¬4). قال بعضهم (¬5): من ~~قال: بأنه لا تعارض بين الإجماعين، إذا كانا قطعيين، قوله ممنوع، فإن ~~التعارض في نفس الأمر مستحيل سواء كانا ظنيين، أم قطعيين، وبحسب الظن ممكن ~~في القطعي وغيره (¬6). PageV04P090 # وهذا كلام باطل، لأنا قد قدمنا أن التعارض المنفي بين القطعيات هو ~~التعارض الذي يمكن معه الترجيح، وذلك يتصور في الظن؛ لأنه يقبل الزيادة. # وأما العلم اليقيني، فلا يتصور معه ذلك لعدم تفاوت مراتب العلم، به صرح ~~الغزالي في المستصفى (¬1). # وقد قدمنا نحن تحقيق المسألة في قول المصنف: لا تعارض بين ms389 القطعي والظني. # وإذا تعارض متواتر أن أحدهما من الكتاب، والآخر من السنة، فلا ترجيح (¬2) ~~لعدم إمكانه كما تقدم، بل أحدهما ناسخ قطعا، وإلا لزم التناقض في كلام ~~الشارع. # وقيل: يقدم الكتاب لأنه أشرف. # وقيل: السنة لقوله تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] وأما ~~إذا اتفقا كالآيتين، أو السنتين، فهما سيان بلا خلاف (¬3). PageV04P091 # قوله: "ويرجح القياس". # أقول: هذا باب ترجيح الأقيسة بعضها على بعض فيقدم القياس بقوة دليل حكم ~~أصله بأن يكون قطعيا، وذلك الآخر ظنيا (¬1). أو منطوقا، ودليل الآخر ~~مفهوما. # ويقدم القياس بكونه (¬2) على سنن القياس. أي: يكون فرعه من جنسه. # مثاله: أرش ما دون الموضحة (¬3) ملحق بالوضحة، فتتحمله العاقلة، وهذا ~~القياس أولى من قياس الحنفية ذلك على غرامات الأموال فلا تتحمله العاقلة. PageV04P092 # وإنما قدم لأن الجنس بالجنس أشبه، وشبه الشيء منجذب إليه (¬1). وإنما ~~احتاج المصنف إلى تفسيره؛ لأنه قد تقدم أن شرط القياس أن يكون أصله على سنن ~~القياس، فنبه على أن معنى سنن القياس هنا غير الذي سبق. # قوله: "والقطع بالعلة". # أقول: ما ذكره كان ترجيحا للقياس بالنظر إلى دليل حكم الأصل، وهذا بالنظر ~~إلى علته، فيقدم ما كانت علته قطعية على ما كانت علته ظنية، وإذا كانت ظنية ~~في القياسين فما كانت عليته أغلب على الظن يقدم. # وتقدم ما كان مسلكها أقوى على الأضعف كالإجماع والنص (¬2) على الآحاد، ~~والظواهر. PageV04P093 # وتقدم ذات أصلين، أو أصول على ذات أصل واحد. # مثاله: تعليل الشافعي وجوب الضمان بيد المستام، فقال: علته أنه أخذه لحظ ~~نفسه، وشهد له يد الغاضب ويد المستعير من الغاضب. # وقال أبو حنيفة: إنما يضمن، لأنه أخذه للتملك، ولا شاهد له في هذا. # وقيل: لا ترجح به (¬1)، وهذا القائل يمنع الترجيح بكثرة الأدلة كما سبق. # وقيل: إن كانت ذاتية تقدم لأنها إلزام بخلاف الحكمية. # وقيل: بالعكس، لأن الحكم بالحكم أشبه، كما إذا جعل العلة الحرمة، أو ~~النجاسة، لأن رد الحكم إلى الحكم أولى، صرح به في المستصفى (¬2). وتقدم ~~بكونها أقل أوصافا لأنها أسلم. # وقيل: بالعكس (¬3)، لأن كثرة ms390 الأوصاف يوجب كثرة الشبه بالأصل. وتقدم ~~بكونها تقتضي احتياطا في الفرض، وإنما قيده بالفرض إذ PageV04P094 # لا احتياط في الندب (¬1)، وتقدم بعمومها في الأصل، كما إذا علل الربا في ~~البر بالطعم، فإنه يجري في قليله وكثيره بخلاف ما إذا علل بالكيل، فإنه ~~يختص بما يكال. # وتقدم -بالاتفاق- على تعليل أصلها؛ لأن المتفق عليه أقوى وبكثرة الأصول ~~الموافقة لها، لشهادة تلك الأصول لها بالصحة (¬2). # وتقدم بموافقة علة أخرى إن جوز التعليل بعلتين. # وقيل: لا تقدم، وإن جوزنا ذلك إذ لا اعتبار بكثرة الأدلة، وهذا فاسد لما ~~تقدم (¬3). # وما ثبت عليته بالإجماع يقدم على غيره، فإن لم يوجد الإجماع، فالنص، سواء ~~كان الإجماع والنص قطعيين، أو ظنيين، فإن الإجماع مقدم، فإن لم يوجد النص ~~(¬4)، فالإيماء مقدم على سائر الطرق، فإن لم يوجد، PageV04P095 # فالسبر مقدم على المناسبة لإفادته ظن العلية، مع إلغاء المعارض بخلاف ~~المناسبة إذ لم يلغ فيها المعارض (¬1). # فإن لم يوجد السير، فالمناسبة، لأن الشبه أعلاه أدنى من أدنى المناسب، ~~فإن لم يوجد، فالشبه يقدم على الدوران (¬2). # وقيل: النص يقدم على الإجماع، لأنه أصله. # وقيل: الدوران يقدم على المناسبة، لأنه يفيد الاطراد، والانعكاس بخلاف ~~المناسبة (¬3). PageV04P096 # ويقدم قياس المعنى على الدلالة لما تقدم من أن قياس المعنى مشتمل على ~~العلة، وقياس الدلالة على لازمها (¬1). # ويقدم غير المركب على المركب، وإنما قال: إن قيل به، لأنه رجح في مباحث ~~حكم الأصل أن مركب الأصل، والوصف لا يقبلان. وعكس الأستاذ أبو إسحاق ~~الإسفراييني، وإنما قال به ورجحه لقوته باتفاق الخصمين على حكم الأصل فيه (¬2). # ويقدم الوصف الحقيقي (¬3)، لقوته، وعدم توقفه على شيء، ثم إن لم يوجد، ~~يقدم العرفي، لأنه متفق عليه، ثم إن لم يوجد، فالشرعي، لكونه مختلفا فيه، ~~وإن عبر هناك بالحكم الشرعي، لأنه لا تنافي بين كونه حكما شرعيا، وبين كونه ~~وصفا لحكم آخر شرعي. # ويقدم الوصف الوجودي على العدمي، كتعليل ربوية السفرجل بالطعم، فإنه ~~وجودي، لا بكونه غير موزون، أو غير مكيل. # والبسيط من العدمي مقدم على مركبه للخلاف فيه، ولا منافاة بين ms391 كون الوصف ~~عدميا، وكونه حقيقيا، لأن المراد من العدمي هو العدم المضاف كما سبق. PageV04P097 # وتقدم الباعثة على مجرد الأمارة لاشتمالها على الحكمة، وعدم الاختلاف في ~~قبولها (¬1). # وتقدم المطردة المنعكسة على التي لا تنعكس، لأن الأولى أقوى (¬2) وكذا ~~تقدم المطردة فقط على المنعكسة فقط، لأن اعتبار الاطراد متفق عليه بخلاف ~~الانعكاس. # وفي المتعدية، والقاصرة خلاف. # قيل: المتعدية تقدم، لأنها مجمع على قبولها (¬3). # وقيل: القاصرة تقدم، لأن الخطأ فيها أقل، وإليه ذهب الأستاذ (¬4). # وقيل: هما سواء، وهذا عند من لا يرى التعليل بعلتين، وأما من يرى ذلك، ~~فالجمهور على تقديم المتعدية، وعندي أنه يجب القول بهذا، لأنه لم يخالف ~~فيها أحد ممن يقول بالقياس، ولا مرجح أقوى من هذا. PageV04P098 # وإذا كانت إحدى العلتين كثيرة الفروع، والأخرى أقل نقل المصنف قولين، ولم ~~يرجح، وهذا الخلاف مثل الخلاف في المتعدية، والقاصرة، فمن قدم المتعدية قدم ~~كثيرة الفروع، ومن عكس هناك، فكذا هنا، لكن قول التساوي هنا ساقط (¬1). # قوله: "ويقدم الأعرف من الحدود". # أقول: لما فرغ من وجوه الترجيح في الأدلة ختم الباب بالترجيح في الحدود، ~~قال: الحدود السمعية، أي: الشرعية، وإنما قيد بالسمعية احترازا من العقلية ~~(¬2) إذ ليست مقصودة هنا، بل المراد حدود الأحكام. # فالأعرف منها يقدم على الأخفى، لكونه أفضى إلى المقصود، وبالذاتي على ~~العرضي، لأنه إما يفيد الكنه كما في الحد التام أو الاطلاع على الجزء الأخص ~~كما في الحد الناقص، والعرضي خال عنهما (¬3). PageV04P099 # وما قيل (¬1): لأن الأول يفيد الكنه (¬2) قصور من قائله، لأن عبارة ~~المصنف أعم من الحد التام. # وما دل عليه مطابقة يقدم على ما دل التزاما، أو تضمنا، وهذا مبني على ~~جواز (¬3) استعمال الألفاظ الدالة بالالتزام في الحدود، وقد منعه الجمهور. # وكذا استعمال المشترك، والمجاز إلا إذا اشتهر المجاز بحيث لا يتبادر غيره (¬4). # ويقدم أعم التعريفين على الأخص، لكثرة الفائدة، باشتماله على الزيادة. # وقيل: يرجح الأخص، لأنه متفق عليه، لأن القائل بالأعم قائل بالأخص من غير ~~عكس (¬5). # وما وافق من الحدين المعنى الشرعي، أو اللغوي يقدم على ما خالفهما، ms392 لأن ~~المخالفة إنما تكون بالنقل عنهما، والأصل خلافه. PageV04P100 # ويرجح أحدهما برجحان طريق اكتسابه بأن يكون طريق أحدهما قطعيا والآخر ~~ظنيا، وإنما كان كذلك، لأن الحدود السمعية مأخوذة من النقل، وقد علمت أن ~~طرق النقل قابلة للقوة والضعف. # قال: والمرجحات (¬1)، لا تنحصر، نبه بذلك عند ختم الباب لئلا يتوهم الحصر (¬2). # والعمدة في الترجيح غلبة الظن لموجب ما. # وقد تقدم في أثناء الأبحاث بعض، منها تقديم المجاز على المشترك، والمعنى ~~الشرعي على العرفي، والعرفي على اللغوي، وتقديم بعض مسالك العلة على بعض، ~~وغير ذلك (¬3). # * * * PageV04P101 ### | AUTO الكتاب السابع في الاجتهاد، والتقليد PageV04P103 # الكتاب السابع في الاجتهاد # قوله: "الكتاب السابع في الاجتهاد". # أقول: هذا آخر الأبواب، ولا يخفى وجه تأخيره عن سائر المباحث. # والاجتهاد -لغة-: من الجهد، وهو الطاقة، وبذل الوسع (¬1). # واصطلاحا: ما ذكر وهو استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل الظن بحكم شرعي (¬2). # ومعنى الاستفراغ: بذل الطاقة بحيث لا يمكن المزيد، فهو بمنزلة الجنس. PageV04P105 # وقولنا: الفقيه احتراز عن استفراغ غير الفقيه (¬1). # وقولنا: لتحصيل الظن يخرج القطعيات إذ لا اجتهاد فيها. # وقولنا: الحكم الشرعي يخرج ما ليس بحكم شرعي كبذل الوسع [لطلب] (¬2) غيره ~~من الأحكام. # والمصنف وإن لم يصرح بالحكم الشرعي لكنه أراده، وإنما اكتفى عن ذكره بلفظ ~~الفقيه، لأن الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية، لا يقال: الفقيه قد بذل ~~الوسع في استخراج الأحكام اللغوية مثلا فلا يدل ذكره على الحكم الشرعي، ~~لأنا نقول: أراد الفقيه من حيث إنه فقيه، واستخراجه لسائر الأحكام ليس من ~~تلك الحيثية. # قوله: "والمجتهد الفقيه". # أقول: يريد أنه قد علم من التعريف ركنا الاجتهاد، وهما المجتهد، والمجتهد ~~فيه، وهما الفقيه، والحكم الشرعي، فأخذ في بيان شروط الفقيه، فقال: هو ~~البالغ، أي: الواصل حد التكليف. PageV04P106 # العاقل: وفسره، بأنه ذو ملكة، وهي الهيئة الراسخة، كما سبق في تعريف ~~الفقه يدرك بتلك المعلوم ما من شأنه أن يعلم وإلا فالعلم بالمعلوم محال، ~~فالعقل على هذا هو تلك الملكة. # وقيل: هو نفس العلم، وقد نقل عن الشيخ الأشعري. # وقيل: هو الضروري منه. # وقيل: نور في بدن ms393 الإنسان مثله مثل الشمس في ملكوت الأرض. والحق: أنه ~~مغاير للعلم، وهو قوة يدرك بها المغيبات، كما يدرك بالبصر المشاهدات، ~~وإطلاقه على العلم تسامح، أو أريد به مصدر عقل يعقل عقلا (¬1)، فإنه بمعنى ~~العلم، والإدراك، وليس الكلام فيه، بل الكلام في تلك القوة المودعة التي لا ~~تنفك عن الإنسان نوما، ولا يقظة. # وشرطه: أن يكون فقيه النفس (¬2)، أي: شديد التيقظ، والفطنة، فإن ~~الاستنباط بدونه بعيد جدا، إذ لا رتبة بعد النبوة وراء هذه الرتبة. PageV04P107 # وإن كان منكرا للقياس، فإنه لا يسلب ذلك عنه اسم الفقه هذا ما اختاره بعض ~~الفقهاء. # والحق: ما اختاره القاضي أبو بكر، وإمام الحرمين (¬1) أنهم لا يعدون ~~فقهاء، لأنهم منكرون ركنا من أركان الشريعة. # وفرق بعضهم بين القياس الجلي، والخفي، وقال: منكر الجلي منه لا يسمى ~~فقيها بخلاف الخفي. # ويكون عارفا بالدليل العقلي، معناه -على ما ذكره الغزالي والإمام (¬2) - ~~هو أن يعلم البراءة الأصلية، وأنا مكلفون به إلى أن [يرد] (¬3) ناقل عن تلك ~~البراءة من نص، أو إجماع، أو غيرهما. # ويكون متوسطا في اللغة، لأن أدلة الشرع من الكتاب، والسنة عربيان، فلا ~~يمكن الاستدلال بهما إلا بعد معرفة اللغة، وعلم العربية من النحو، والصرف ~~لأن إفادة المعنى بدونهما مستحيل PageV04P108 # وأما معرفة الأصول -يريد به أصول الفقه- وهو عندي ليس بشرط إذ الشافعي ~~كان مجتهدا، ولم يكن هناك هذا العلم مدونا. # ولو أدرج البلاغة في العربية كان أولى، مع أنها ليست شرطا في المجتهد ~~أيضا، لأن جمهور المجتهدين كانوا متبحرين في الاجتهاد، مع أنه لم يكن هناك ~~هذا مدونا، بل كونه ذا طبع مستقيم كاف. # وشرطه: أن يكون عارفا من الكتاب، والسنة بما يتعلق بالأحكام، وليس يلزمه ~~حفظ المتون (¬1). # قيل: الآيات المحتاج إليها خمس مئة. # وكذلك يعرف من السنة ما يتعلق بالأحكام. # قال والد المصنف: "ليس المجتهد من له الدرجة الوسطى، بل من له ملكة في ~~العلوم المذكورة، ويكون محيطا بمعظم قواعد الشرع بحيث يحصل له قوة يدرك بها ~~مقاصد الشارع" (¬2). # وهذا مأخوذ من كلام الإمام الغزالي. PageV04P109 # قال ms394 -في المستصفى-: "أحد الشرطين في المجتهد أن يكون محيطا بمدارك الشرع ~~متمكنا من استثارة الظن بالنظر فيها، وتقديم ما يجب تقديمه" (¬1). # فإن قوله: متمكنا معناه ذو ملكة له قوة الأخذ، والرد والقبول. # ومن شروط الاجتهاد كونه خبيرا بمواقع الإجماع، لكن ليس لكونه مجتهدا، بل ~~لكون اجتهاده سالما، إذ الاجتهاد الواقع على خلاف الإجماع السابق ونقله عن ~~والده، وليس له ذلك خاصة، بل هو ظاهر كلام الإمام، والغزالي (¬2). # قال الإمام في المحصول: "ينبغي أن يكون عالما بمواقع الإجماع، حتى لا ~~يفتي بخلافه" (¬3). # والإفتاء: هو إيقاع الاجتهاد الذي قاله والده. # ومن شروط الإيقاع على الوجه الصحيح معرفة الناسخ والمنسوخ لئلا يفتي ~~بالمنسوخ (¬4). # وكذا أسباب النزول، لأنه يفيد قوة في فهم المراد، ويبعث على النظر في ~~الأحكام. PageV04P110 # وكذا العلم بشرط المتواتر، والآحاد، وامتياز الصحيح من الضعيف، ومعرفة ~~الرواة ليعلم المقبول من المردود (¬1)، ويعول في ذلك على قول أئمة الحديث ~~كالإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، والدارقطني (¬2)، وأبي داود لأن في زمننا ~~يتعذر الوقوف على حالهم إلا بالواسطة، والمذكورون أولى من يقلد. # قوله: "ولا يشترط علم الكلام". # أقول: يريد ليس من شرط المجتهد في نفسه، ولا في إيقاع الاجتهاد معرفة علم ~~الكلام، وهذا مأخوذ من كلام الغزالي (¬3)، وهو مبني على جواز PageV04P111 # التقليد في العقائد، وليس هذا بصحيح. وكذا لا يشترط معرفة الفروع ~~الفقهية. # وقيل: يشترط، والمراد بها المسائل الفرعية التي استخرجها غيره، فلا دور ~~كما توهم (¬1). # وفائدة الاشتراط (¬2) زيادة البصيرة، والإحاطة بما أجمع عليه. # وكذا المذكورة، والحرية، لأن الحكم على النساء بنقصان العقل (¬3) باعتبار ~~الغالب. # وأما الحرية فلأن ملاك الأمر هو العلم، وربما يخص الله عبدا مملوكا بفطنة ~~وقادة يجمع مع خدمة السيد العلوم التي بها يحصل الاجتهاد. ولا PageV04P112 # ترد الشهادة، والقضاء، لأن أمرهما مبني على الاحتياط، وكذا لا تشترط ~~العدالة فيما يرجع إلى الاجتهاد. # قال الغزالي: العدالة شرط للاعتماد عليه لا للاجتهاد (¬1). # ويجب البحث عن المعارض، فينظر في العام هل له مخصص، أم لا؟ وفي المطلق هل ~~له مقيد، أم لا؟ وفي النص هل له ms395 ناسخ؟ # وإذا وجد (¬2) في كلام الشارع لفظا صريحا للاستنباط ينظر هل معه قرينة ~~صارفة، أم لا؟ # ويكفي البحث إلى أن يغلب على ظنه وجودها، أو عدمها (¬3)، وينبغي أن يكون ~~هذا على الوجه الأولى، والأليق، وإلا قد سبق أن الاستدلال بالعام قبل البحث ~~عن المخصص هو المختار عندنا. # ثم لفظ المجتهد يطلق على معنيين آخرين. PageV04P113 # أحدهما: المجتهد في المذهب، وهو من التزم مذهب مجتهد، وحذق فيه، وأتقن ~~أصول ذلك الإمام، ونصوصه، وأحاط إحاطة تامة بمجتهداته، فإذا وجد نص إمامه ~~يمشي عليه، فإن لم يجد خرج على تلك الأصول. # ودون هذا المجتهد في الفتيا، وهو المتبحر في مذهب إمامه بحيث يقدر على ~~ترجيح أحد قولي إمامه، ولكن لا يقدر على التخريج (¬1). # قوله: "والصحيح جواز تجزؤ الاجتهاد". # أقول: قد اختلف في تجزؤ الاجتهاد. # وهو أن ينال شخص رتبة الاجتهاد في باب من الأبواب، كالفرائض مثلا، ومسألة ~~واحدة من المسائل، بأن يحصل من العلوم المحتاج إليها في ذلك الباب، أو في ~~تلك المسألة (¬2). PageV04P114 # اختار المصنف جوازه لصدق حد المجتهد عليه في ذلك القدر. وليس من لوازم ~~الاجتهاد الإحاطة بجميع المآخذ، ولا هو مأخوذ في تعريفه (¬1). # والاستدلال بأن مالكا سئل في أربعين مسألة، فقال -في ست وثلاثين-: لا ~~أدري، ليس بتام، لأن المراد بالعلم بتلك المآخذ هو الملكة التي يمكنه -بعد ~~التوجه، وارتفاع الموانع- تحصيل المقصود بها. # ولا نسلم أن مالكا لم يكن بتلك المثابة، بل أعلى كعبا من ذلك. # قيل: إن لم يكن محيطا بالمآخذ، فكل ما قدر جهله به يمكن أن يكون متعلقا ~~بتلك المسألة، فكيف يحكم بدونه؟ . # الجواب: أن ذلك لا يقدح في غلبة ظنه بأن كل ما يتعلق بالمسألة حاصل عنده (¬2). # قوله: "وجواز الاجتهاد للنبي -صلى الله عليه وسلم-". PageV04P115 # أقول: اختلف في جواز الاجتهاد له -صلى الله عليه وسلم- ووقوعه، قيل: لا ~~يجوز مطلقا، وقيل: يجوز في الآراء، والحروب (¬1)، المختار الوقوع مطلقا ~~(¬2). PageV04P116 # لنا: قوله عليه الصلاة والسلام: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت ~~الهدي" (¬1). # وقوله تعالى: {عفا الله عنك لم أذنت ms396 لهم} [التوبة: 43]، {ما كان لنبي أن ~~يكون له أسرى} [الأنفال: 67]، عوتب على الإذن للمنافقين بعد استئذانهم (¬2). # وأخذ الفداء من الأسرى يوم بدر (¬3)، ولا يعاتب إلا على ما لم يكن بوحي. PageV04P117 # قالوا: {وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3 - 4] صريح ~~في نفي الاجتهاد. # قلنا: [إذا] (¬1) أذن له في الاجتهاد، فهو بالوحي. # قالوا: لو أجاز له الاجتهاد لجاز مخالفته، لأن المجتهد فيه في معرض ~~الظنون، وما لا قطع فيه يجوز مخالفته. # الجواب: المنع من جواز المخالفة مطلقا، كما إذا انعقد الإجماع على ~~المجتهد فيه، فإنه لا يجوز مخالفته، فكذا اجتهاده من باب الأولى. # قالوا: لو جاز له الاجتهاد لما توقف في حادثة. # الجواب: جواز الاجتهاد له مشروط بعدم النص. # قالوا: يقدر على اليقين، فلا يجوز له العمل بالظن. # الجواب: منع قدرته على اليقين في الحال، وبعده لا اجتهاد، مع أن العمل ~~بالظن جائز، مع القدرة على اليقين، لجواز التحري في الأواني، وإن كان على ~~جانب (¬2) البحر. PageV04P118 # وإذا وقع منه الاجتهاد. # فالصواب: أنه لا يخطئ في الاجتهاد (¬1)، لأنه معصوم مؤيد من عند الله، ما ~~نطق به وحي، فكيف يكون خطأ؟ # ويرد الإشكال على ما استدلوا به من قوله تعالى: {عفا الله عنك} [التوبة: ~~43]، وقوله: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى} [الأنفال: 67]، لأن العتاب لا ~~يكون إلا على [مخالفة ما يجب اللهم] (¬2) (¬3)، إلا أن يقال (¬4): ما وقع ~~عليه العتاب أمور تتعلق به، لا دخل للتشريع فيها، والكلام فيه، فيجمع بين ~~الكلامين. PageV04P119 # قوله: "وأن الاجتهاد جائز". # أقول: قد اختلف في جواز الاجتهاد في زمنه -صلى الله عليه وسلم-. # قيل: لا يجوز لإمكان الاطلاع على الحكم منه (¬1). # وقيل: جائز بإذنه، قيل: صريحا، وقيل: ولو سكوتا عن المنع بعد (¬2) العلم به. # وقيل: جائز للبعيد عنه للضرورة، ودفع الحرج (¬3). # وقيل: للولاة خاصة لكثرة مباشرتهم الأحكام، فاحتياجهم (¬4) أوفر، ثم ~~القائلون بالجواز، منهم منع الوقوع مطلقا. # وقيل: لم يقع من الحاضر، وقيل: بالوقف. PageV04P120 # والحق: جوازه، ووقوعه (¬1). # لنا - على الوقوع قضية سعد بن معاذ (¬2) في بني ms397 قريظة (¬3) حين حكم، ~~فقال: "حكمت بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم". PageV04P121 # فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لقد حكمت بحكم الملك" (¬1). # وقضية أبي بكر في غزوة حنين (¬2) حين قتل أبو PageV04P122 # قتادة (¬1) مشركا، وأخذ سلبه غيره، فلما طلبه أبو قتادة، فقال القرشي: ~~سلبه عندي، فأرضه عني يا رسول الله، فقال أبو بكر: لا ها الله، إذ لا يعمد ~~على أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله، فيعطيك سلبه (¬2). والدال على ~~الوقوع [دال] (¬3) على الجواز. PageV04P123 # قوله: "مسألة المصيب في العقليات واحد". # أقول: قد اختلف في أن كل مجتهد مصيب أم لا. # والحق: أن الأمر مختلف في العقليات، والشرعيات ففي العقليات واحد، وهو من ~~صادف الواقع، ومن لم يصادف مخطئ آثم، وإن بالغ في تدقيق النظر وبذل ~~المجهود. # وذلك العقل مثل: حدوث العالم، وبعثة الرسل. # وأما نافي الإسلام كله، أو بعضه مخطئ آثم كافر (¬1). # قال الجاحظ، والعنبري (¬2) لا يأثم المجتهد، أي: مطلقا كافرا كان أو ~~مسلما (¬3). PageV04P124 # وقيل: بل إن كان مسلما، وهذا هو الظاهر، ونقل عن العنبري أن كل مجتهد في ~~العقليات مصيب (¬1). # فإن قلت: يكفي أن يقول: نافي الإسلام كافر، فإنه إذا كان كافرا يكون ~~مخطئا آثما. # قلت: إنما ذكر الخطأ ردا على العنبري بقوله: "كل مجتهد مصيب وإن كان ~~كافرا". # وذكر الإثم ردا على الجاحظ في قوله: "وإن كان كافرا لا يأثم". # لنا -على المختار-: الإجماع قبل ظهور المعاندين على قتل الكفار، وقتالهم، ~~وأنهم من أهل النار من غير تفرقة بين المجتهد، والمقلد منهم. # قالوا: تكليفهم بنقيض اجتهادهم تكليف بما لا يطاق، وهو غير واقع اتفاقا. # قلنا: مثله ليس تكليفا بالمحال الذي اتفقوا على عدم وقوعه، إذ هو ما لا ~~يتصور وقوعه عادة كالطيران، وحمل الجبل، وما كلفوا به هم هو الإسلام، وهو ~~أمر ممكن في ذاته، بل معتاد معروف وقوعه. PageV04P125 # وقوله: "أما المسألة التي لا قاطع فيها". # أقول: ما تقدم كان متعلقا بالاجتهاد في القطعيات العقليات أما الفروع ~~الفقهية، فقال الشيخ الأشعري، والقاضي أبو بكر، وأبو يوسف، ومحمد من ms398 أصحاب ~~(¬1) أبي حنيفة، وابن سريج منا: كل مجتهد، فيها مصيب. # قال ابن الحاجب: والقول بهذا مروي عن الأئمة الأربعة (¬2). # ثم قال الأولان الشيخ، والقاضي: حكم الله فيها تابع لظن المجتهد، فما ~~ظنه، فهو حكم الله في حقه، وحق مقلديه، والباقون على أن في كل واقعة شيئا ~~لو حكم الله لم يحكم إلا به، وهؤلاء يقولون: المجتهد مصيب في اجتهاده مخطئ ~~في الحكم، وربما قالوا: مخطئ انتهاء لا ابتداء، وتعلم أن هذا كلام ركيك ~~مضطرب لا حاصل له. # والحق -عند الجمهور-: أن حكم الله واحد (¬3)، وكل مجتهد مأمور بطلبه فإن ~~صادفه، فله أجران، وإلا فله أجر واحد، وعلى قول PageV04P126 # الجمهور لا دليل على الحكم المذكور، بل هو مثل الكنز من صادفه، فهو له. # والصحيح أن عليه أمارة، وأن المجتهد مكلف بإصابة الحكم لإمكان الإصابة ~~بواسطة تلك الأمارة. # وإذا أخطأ لم يأثم للحديث المذكور (¬1). # وقيل: يأثم، لأنه أخطأ الإصابة المأمور بها (¬2) وهذا قول باطل معارض ~~للحديث، بل انعقد الإجماع على خلافه. هذا حكم الفرع الذي لا قاطع فيه. PageV04P127 # أما إذا كان فيه قاطع كالنص، والإجماع، فإما أن يقصر المجتهد في طلبه، أو لا. # فإن قصر كان آثما، وإن لم يقصر، فالصحيح أنه لا يأثم ولكنه مخطئ. # والمصيب فيها واحد اتفاقا (¬1)، وهو الذي أصاب ما هو حكم الله في نفس الأمر. # لنا -على المختار- وهو أن المصيب واحد لا بعينه -لا دليل على كون كل واحد ~~مصيبا، والأصل عدمه، فيجب تركه، ويلزم منه تصويب واحد غير معين، وإلا لزم ~~تخطئة الكل وهو باطل إجماعا. PageV04P128 # ولنا -أيضا- لو كان كل مجتهد مصيبا لزم الجمع بين النقيضين، لأن المجتهد ~~إذا غلب على ظنه الإباحة في المسألة مثلا، فلو حصل القطع بأنه حكم الله في ~~حقه لزم القطع بالمظنون، لأن القطع بذلك الحكم المظنون مستمر مع ذلك الظن، ~~والفرض استمرار ظنه إذ لو زال ظنه وجب عليه الرجوع إلى ما [تعين] (¬1) إليه ~~ظنه، وإذا استمر القطع، مع ذلك الظن لزم أن يكون المظنون معلوما مقطوعا، ~~وهذا خلف. # لا ms399 يقال: هذا مشترك الإلزام، لأنه يرد على القائلين: بأن المصيب واحد. # بيان ذلك: أن الإجماع منعقد على وجوب اتباع الظن وما [دل] (¬2) عليه ~~الإجماع قطعي، فيكون المظنون مقطوعا به. # لأنا نقول: الظن، والقطع لم يتواردا على محل واحد، بل القطع متعلق بوجوب ~~العمل، والظن بالحكم، فأين هذا من ذاك؟ ! # قالوا: لو كان المصيب واحدا - وأنتم تقولون: إن المخطئ يجب عليه العمل ~~بموجب ظنه، فنقول: إما أن يجب عليه، مع بقاء الحكم الذي في نفس الأمر في ~~حقه، أو مع زواله، وكلاهما باطل. # أما الأول: فلاستلزامه ثبوت الحكمين في حقه، ولا شك أنهما نقيضان، فيلزم ~~الجمع بين النقيضين، وهو محال. PageV04P129 # وأما الثاني: فلأنه يلزم منه أن يكون العمل بالخطأ واجبا، وبالصواب ~~محرما، وهو محال أيضا. # الجواب: اختيارنا القسم الثاني، وهو زوال الحكم الأول. # قولك: محال ممنوع ألا ترى أنه إذا كان في المسألة نص، أو إجماع، ولم يطلع ~~عليه المجتهد يجب عليه مخالفته، مع أنه خطأ مخالف للواقع، فما نحن فيه ~~أولى، وأجدر، إذ لا قاطع. # قالوا: قال -صلى الله عليه وسلم-: "بأيهم اقتديتم اهتديتم" (¬1)، فيدل ~~على أن كلا من الصحابة مصيب فيما ذهب إليه، وإلا لم يكن الاقتداء به ~~اهتداء. PageV04P130 # قلنا: هدى لأنه بذل وسعه في طلب الحق، وأتى بما وجب عليه، فلا ينافي وقوع ~~الخطأ في رأيه؛ لأنه غير معصوم اتفاقا. # قوله: "مسألة لا ينقض الحكم". # أقول: ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز نقض حكم الحاكم في المسائل ~~الاجتهادية، وهي الأحكام الشرعية التي أدلتها ظنية (¬1). # لا من الحاكم بها، ولا من الغير إذ لو جاز نقضه جاز نقض النقض وهلم جرا، ~~فتفوت فائدة نصب الحاكم لفصل الخصومات، إلا إذا خالف نصا قاطعا، أو إجماعا، ~~أو ظاهرا جليا (¬2)، وإن كان ذلك الظاهر الجلي PageV04P131 # قياسا (¬1) ينقض اتفاقا؛ لأنه مخالف للدليل الشرعي. وكذا ينقض إذا أدى ~~اجتهاده إلى حكم، وخالفه تقليدا لغيره: لأنه مخالف للإجماع على وجوب العمل ~~بموجب ظنه (¬2). # وكذا ينقض فيما إذا حكم مقلد بخلاف نص مقلده، ولم يقلد غيره، ms400 بل حكم ~~استقلالا: لأنه مخالف للإجماع على أن المقلد لا يستقل بالقول (¬3). PageV04P132 # وأما إذا قلد غير إمامه، فينبني على جواز مخالفة المقلد إمامه، فمن جوزه ~~لا ينقض، ومن لم يجوز ينقض، هذا على وفق ما قرره ابن الحاجب (¬1)، والمصنف ~~قيد بما لا يجوز تقليد غير إمامه فيه، وسيأتي تفصيل ذلك. # ولو تزوج المجتهد بغير ولي اجتهادا منه، ثم لاح له دليل عدم الجواز، ~~فالأصح أنها تحرم عليه لبطلان اجتهاده (¬2). # وقيل: إذا لم يحكم به حاكم، فإنه لا يجوز نقض حكمه، وينبغي أن يكون هذا ~~هو الصواب إذ لا موجب لنقض (¬3) حكمه، وكذلك الحكم في العامي إذا تغير ~~اجتهاد إمامه (¬4). PageV04P133 # ويجب على المفتي إذا تغير اجتهاده في المسألة التي أفتى بها أن يعلم ~~المستفتي بذلك ليكف عن العمل بها. # وإن عمل هو، أو المستفتي بمسألة لم ينقض ذلك المعمول، لأن الاجتهاد لا ~~ينقض الاجتهاد، وهذا إذا كان القول الثاني في محل الاجتهاد (¬1). # وأما إذا كان نصا قاطعا، ينقض الأول قطعا. # وكذا لا يضمن المتلف بافتائه إذا تغير اجتهاده. # وهذا -أيضا- مفروض فيما لا قاطع فيه، وأما إذا تغير لقاطع يضمن لتقصيره ~~(¬2). PageV04P134 # قوله: "مسألة يجوز". # أقول: هل يجوز أن يقال -لنبي أو عالم-: # احكم بما شئت، فإنك مصيب أم لا؟ # وهذه المسألة تعرف بمسألة التفويض (¬1). # الجمهور على جوازه، وعدم الوقوع، أما الجواز، فلأنه ليس محالا لذاته ~~قطعا، ولا لغيره أيضا إذ الأصل عدم المانع. # قيل: جهل العبد بالمصلحة مانع إذ ربما اختار ما يكون المصلحة في خلافه. # قلنا: الكلام في الجواز لا في الوقوع، وجواز انتفاء المصلحة هو مذهب أهل ~~السنة، ولئن سلمنا استلزام المصلحة لا نسلم جهله بها، لأنه PageV04P135 # عند الأمر يلهم ما فيه المصلحة، فتكون المصلحة لازمة لما يختاره، ونقل عن ~~الشافعي التردد، وقيل: في الجواز (¬1)، وقيل: في الوقوع. # وقيل: يجوز للنبي دون العالم؛ لأن رتبته تقصر عن (¬2) ذلك. # وأما عدم الوقوع، فلأنه لم يدل عليه دليل. # قالوا: قوله: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك" (¬3) دليل واضح على ~~أنه مفوض ms401 إليه. # والجواب: أنه لا يدل على المقصود بل ربما قاله وحيا. # قالوا: {كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل} [آل عمران: ~~93]. وتحريمه (¬4) لا يتصور إلا بتفويض التحريم إليه. PageV04P136 # الجواب: لا نسلم أنه لا يتصور التحريم إلا بالتفويض، بل ربما كان بدليل ~~ظني اجتهادا. # قالوا: لما أمر الناس بالحج سأله الأقرع بن حابس (¬1)، أكل عام؟ # فقال: "لو قلت لوجب" (¬2). PageV04P137 # فقد دل على أن الأمر كان إليه في ذلك. # الجواب: أنه لا توجد قضية تصلح دليلا للوقوع نصا فيه، بل كلها ظواهر لا ~~يمكن (¬1) إثبات قاعدة علمية بها. وفي تعليق الأمر باختيار المأمور خلاف. # قيل: لا يجوز لما بين طلب الفعل، والتخيير من المنافاة. # وقيل: يجوز ويكون التخيير دليلا على عدم الجزم في الطلب، والظاهر هذا إذ ~~لا مانع عقلا، ولا نقلا (¬2)، بل في الحديث ما يدل على وقوعه حيث قال: ~~"صلوا قبل المغرب". ثم قال: "لمن شاء" (¬3). # * * * PageV04P138 ### || AUTO باب التقليد # قوله: "مسألة التقليد أخذ المذهب". # أقول: لما فرغ من الاجتهاد شرع في مقابله وهو التقليد (¬1)، وعرفه: بأنه ~~أخذ المذهب من غير معرفة دليله (¬2)، فالأخذ جنس، والمذهب فصل PageV04P139 # يخرج الأخذ بغير المذهب من الأقوال، والأفعال، والمذهب يعم القول والفعل. # وقوله: "من غير معرفة دليله" فصل آخر يخرج المجتهد. # قال ابن الحاجب: "الرجوع إلى الرسول، وإلى الإجماع، والعامي إلى المفتي، ~~والقاضي إلى البينة ليس بتقليد لقيام الحجة" (¬1) أي: كل واحد منها دليل ~~شرعي في حق الأخذ به. # قال المصنف -في شرحه-: "قد تسمى هذه الصور تقليدا لا سيما رجوع العامي ~~إلى قول المفتي" (¬2). # ولذلك غير تعريف ابن الحاجب من غير حجة إلى قوله: "من غير معرفة دليله" ~~فالأخذ بها عنده مقلد. PageV04P140 # ثم الحق: أن من لم يبلغ رتبه الاجتهاد ليس له إلا التقليد (¬1). # وقيل: لا يجوز له التقليد إلا بعد الوقوف على مأخذ المجتهد وظهور حجته ~~عنده (¬2). # ومنع الأستاذ التقليد في القواطع، وسيأتي الكلام عليه في بحث العقائد. # وقيل: لا يقلد العالم، وإن لم يكن مجتهدا؛ لأن له صلاحية أخذ ms402 الحكم من ~~الدليل، وهذا كلام مردود لقوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون} [النحل: 43]. PageV04P141 # وأما من بلغ رتبة الاجتهاد لا يجوز له التقليد -وعليه الجمهور- مطلقا، ~~سواء كان ذلك في واقعة ظن الحكم فيها، أو كان بصفات الاجتهاد بحيث لو توجه ~~إليه لقدر على الاستنباط لأنه الأصل، ولا يجوز العدول عنه ما أمكن (¬1). # وقيل: إذا لم يظن الحكم في الحال يجوز له العدول، وإليه ذهب الإمام أحمد، ~~وإسحاق بن راهويه (¬2)، وسفيان الثوري (¬3). PageV04P142 # وقيل: يجوز للقاضي لاحتياجه إلى فصل الخصومات دون غيره. # وقيل: يجوز تقليد الأعلم دون المساوي وإليه ذهب الإمام محمد بن الحسن. # وقيل: يجوز فيما يفوت لو اشتغل بالاجتهاد دون غيره، وهذا مختار ابن سريج. # وقيل: فيما يخصه دون ما يفتي به غيره (¬1). PageV04P143 # قوله: "مسألة إذا تكررت الواقعة". # أقول: إذا تكررت الواقعة للمجتهد، فلا يخلو الحال، إما أن يكون تجدد عنده ~~ما يوجب الرجوع، أو لا، وعلى التقديرين إما ذاكرا للدليل الأول، أو لا، فإن ~~تجدد ولم يكن ذاكرا للدليل وجب عليه تجديد النظر فيها قطعا، وإن كان ذاكرا ~~للدليل، فلا حاجة إلى استئناف الاجتهاد، وإن لم يتجدد له ما يوجب الرجوع، ~~فإن لم يكن ذاكرا للدليل الأول وجب عليه النظر، إذ عند عدم تذكر الدليل لا ~~ثقة بظنه، بخلاف ما إذا كان ذاكرا، فلا حاجة إلى النظر والاجتهاد، لأنه ~~سابقا قد بذل وسعه في تحصيل ذلك الدليل، وهو حاضر عنده، فلا وجه لإعادة ~~النظر (¬1). # قوله: "مسألة تقليد المفضول". PageV04P144 # أقول: إذا تعدد المجتهدون، واختلفوا في الفضل هل يجوز تقليد الأفضل، ~~والمفضول، أم يتعين الأفضل؟ اختار القاضي أبو بكر، وابن الحاجب أن الأفضل ~~لا يتعين (¬1) وعن الإمام أحمد، وابن سريج أنه يتعين (¬2)، ويجب البحث عنه، ~~كما يلزم المجتهد البحث عن أحوال الدلائل (¬3). # قال الغزالي -في المستصفى-: "المختار جواز تقليد المفضول إذا لم يعتقد أن ~~الأفضل غيره، فمن اعتقد أن الشافعي أفضل، والصواب على قوله أغلب، فليس له ~~تقليد الغير بالتشهي" (¬4). واختاره المصنف (¬5). PageV04P145 # والدليل على جواز تقليد المفضول إجماع الصحابة، ms403 فإنهم كانوا يفتون مع ~~تفاوت مراتبهم، ولم ينكر أحد على أحد وشاع ذلك. # وإذا جاز تقليد المفضول، أو جعلنا مناط الأفضلية اعتقاد المقلد، فلا وجه ~~للبحث عن الأفضل. # وعلى مختار المصنف لو اعتقد عامي مفضولا أفضل من الغير لا يجوز له تقليد ~~غيره، وإن كان أفضل في نفس الأمر (¬1). # وأما إذا استويا علما، وترجح أحدهما بزيادة الورع، أو بالعكس، فالمرجح ~~جانب العلم، لأنه العمدة في باب الاجتهاد، ولذلك لم تشترط العدالة في ~~المجتهد. # وقيل: بل الورع، لأن قوله أثبت من قول غيره (¬2). # وهذا الكلام على تقدير وجوب تقليد الأفضل، وأما على المختار، فلا يرجح ~~اللهم إلا أن يحمل على الأولوية. PageV04P146 # وإذا وجب على المقلد اتباع مجتهد يكفيه أي مجتهد كان حيا أو ميتا (¬1). # ونقل عن الشافعي أن المذاهب لا تموت بموت أربابها، وهذا كلام في غاية ~~القوة، لأن المعتبر في المجتهد هو العلم الذي خص به، وبعلمه يقتدى لا بشخصه ~~إذ هو فرد من أفراد الناس. # والمصنف نقل عن الإمام عدم جواز تقليد الميت، وهذا كلام في غاية (¬2) ~~الإشكال، إذ الإمام شافعي المذهب، فكيف يكون شافعيا، ولا يجوز تقليد الميت ~~(¬3)؟ PageV04P147 # والحق: أن الإمام ذكر في المحصول في أول المقالة ما نسبه إليه المصنف، ثم ~~في آخر الفصل ذكر الإجماع على جوازه في زمننا لانقطاع المجتهدين، وكأن ~~المصنف لم يقف على آخر كلامه (¬1)، فجزم بأنه يمنع مطلقا، وليس كذلك بل ~~يفصل إن وجد الحي، فلا يجوز، وإن لم يوجد جاز إجماعا. # وأغرب من كلام المصنف كلام بعض شراحه (¬2) حيث يقول: PageV04P148 # "ومن تأمل كلام الإمام في المحصول علم أن الإمام يمنع التقليد مطلقا، ومن ~~فهم عنه خلاف ذلك، وعزاه إليه فقد غلط" (¬1). # وقد نقلنا لك كلام الإمام في المحصول آنفا. # وقال -في موضع آخر من المحصول-: "مسألة الرجل الذي تنزل به الواقعة إن ~~كان عاميا صرفا جاز له الاستفتاء، وكذا إن كان عالما لم يبلغ درجة ~~الاجتهاد" (¬2). # وقال في موضع آخر: "يجوز للعامى أن يقلد في فروع الشريعة خلافا للمعتزلة" (¬3). # وإنما غلط ms404 الشارح المذكور من كلام الإمام في المحصول حيث قال: "لا يجوز ~~التقليد (¬4) في أصول الدين لا للمجتهد، ولا للعامي" (¬5). وهذا كلام حق لا ~~مرية فيه، وسنحققه في موضعه على أحسن وجه، وأوضحه. # وقيل: يجوز تقليد الميت إن نقل عنه عارف بمذهبه، المطلع على أصول إمامه، ~~المميز بين ما استمر عليه، وما لم يستمر عليه. PageV04P149 # قوله: "ويجوز استفتاء من عرف". # أقول: من عرف بالعلم، والعدالة، واشتهر أمره بحيث بلغ حد التواتر لا كلام ~~في جواز الاستفتاء منه (¬1). # وأما ما ظن به ذلك بأن رآه المستفتى معظما بين الناس، منتصبا للفتوى، ~~والناس يستفتونه جاز الاستفتاء منه اتفاقا إن لم يكن قاضيا (¬2). # وكذا إن كان قاضيا على الأصح (¬3). # وقيل: لا يفتي القاضي في المعاملات اكتفاء بقضائه فيها، وعن القاضي شريح ~~(¬4): أنا أقضي ولا أفتي. PageV04P150 # وأما المجهول علما، أو عدالة، فالمختار عدم جواز تقليده (¬1)، لأن ظاهر ~~حاله لا دلالة على العلم والعدالة، والأصل عدمهما. # وأما إذا كان ظاهر العدالة، فالأصح الاكتفاء بذلك، والأصح في المجهول ~~الذي أريد الاستفتاء منه وجوب البحث عن حاله. وقيل: يكفي الاستفاضة بين ~~الناس، وهو الراجح في الروضة (¬2)، والقوي دليلا إذ الظن كاف في هذا، فكيف ~~بالاستفاضة (¬3)؟ PageV04P151 # وإذا قلنا: يجب البحث، يكفيه خبر الواحد (¬1) بعلمه، وعدالته (¬2)، وقيل: ~~لا بد من الاثنين (¬3). # وللعامي أن يسأل المفتى عن مأخذه لزيادة الطمأنينة، لكن على وجه ~~الاسترشاد لا على وجه العناد (¬4)، وإذا كان السؤال على وجه الاسترشاد يجب ~~(¬5) على المفتى بيانه له إن لم يكن خفيا يقصر فهمه عنه، ويعتذر إليه في ~~الخفي بأن مدركه خفي. # قوله: "مسألة يجوز للقادر". # أقول: من لم يبلغ درجة المجتهد المطلق له مراتب: # أحدها: أن يبلغ درجة الاجتهاد المقيد، وهو الذي يعد من أصحاب الوجوه، ~~فالأصح جواز الإفتاء له. PageV04P152 # قال المصنف -في شرح المختصر-: "والذي أظنه قيام الإجماع على إفتائه" (¬1). # وقيل: لا يجوز لعدم وصف الاجتهاد فيه. # وثالث الأقوال: الجواز عند عدم مجتهد آخر (¬2). # الثانية: من لم يبلغ رتبة أصحاب الوجوه، ولكنه فقيه النفس، حافظ للمذهب، ~~قادر على ms405 تقريره، غير أنه لم يبلغ في الاستنباط تلك الرتبة، فله الافتاء أيضا. # ورابع الأقوال: يجوز له الإفتاء، وإن لم يكن قادرا على التفريع، ~~والترجيح، لأنه ناقل مذهب إمامه. # قال المصنف في شرح المختصر-: "الثالثة من لم يبلغ هذا المقدار، ولكنه ~~يحفظ واضحات المسائل، ومشكلاتها غير أنه عنده ضعف في تقرير الأدلة، فعليه ~~الإمساك فيما يغمض فهمه مما لا نقل عنده فيه، وليس هذا هو الذي حكيا فيه ~~الخلاف، لأنه لا اطلاع له على المآخذ، وكل هؤلاء غير العوام. PageV04P153 # أما العامي إذا عرف حكم مسألة بدليلها، فليس له الفتيا بها وقيل: يجوز. # وقيل: إن كان نقليا جاز. # وقيل: إن كان دليلها من الكتاب، والسنة جاز، وإلا فلا (¬1). # وأما العامي الذي عرف حكم مسألة من المجتهد، ولم يدر دليلها، فليس له أن ~~يفتى، ورجوع العامي إليه إذا لم يلق سواه أولى من الارتباك في الحيرة، وكل ~~هذا فيمن لم ينقل عن غيره، فإذا نقل العامي أن فلانا أفتاني بكذا لم يمنع، ~~من هذا القدر" (¬2). # وإنما نقلنا كلامه لاشتماله على فوائد قد خلا المتن عنها، ولم تكن في شروحه. # قوله: "ويجوز خلو الزمان". # أقول: اختلف في جواز خلو الزمان عن المجتهد (¬3)، والحق جوازه. PageV04P154 # لنا على الجواز: أنه ممكن ولم يدل دليل على امتناعه، ولقوله -صلى الله ~~عليه وسلم-: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه، ولكن يقبضه بقبض ~~العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا، فافتوا بغير ~~علم فضلوا وأضلوا" (¬1). # قيل: معارض بقوله: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق". PageV04P155 # الجواب: ليس نصا في المجتهدين، بل قيل هم أهل الحديث، أو المجاهدون (¬1)، ~~ولئن سلمنا لم يدل على عدم الجواز، بل على عدم الوقوع (¬2). # ولو سلم فدليلنا أظهر، وقد تقدم أنه يقدم بالظهور، ولو سلم غايته ~~التعارض، فيرجع إلى الأصل. وهو عدم المانع من الجواز. # وقال ابن دقيق العيد (¬3) "يجوز في آخر الزمان عند تعطل الشرائع وتزلزل ~~قواعد الدين"، وهذا ليس بشيء إذ الكلام في حال رواج الشريعة، والأحكام. ms406 PageV04P156 # وأقول: لو ادعى الإنسان وقوع الخلو عن المجتهد يجب أن لا يخالفه أحد، لأن ~~مثل إمام الحرمين، والغزالي لم يعد من أصحاب الوجوه فضلا عن رتبة الاجتهاد، ~~ومن بعدهما لا يلحق غبارهما إلا أن ابن دقيق العيد كان يزعم الاجتهاد ~~لنفسه، فأظهر كلاما مخيلا لا حاصل له. # قوله: "إذا عمل العامي بقول مجتهد". # أقول: العامي إذا عمل بقول مجتهد في حادثة، فليس له الرجوع عنه إجماعا (¬1). # وإنما الكلام فيما إذا أفتى، ولم يعمل. # فقيل: يلزم العمل، لأن قول المفتي في حقه كالدليل في حق المجتهد. # وقيل: يلزم إذا شرع فيه، لأن الشروع ملزم. PageV04P157 # وقيل: يلزمه إن التزم. # وقيل: يلزمه إذا وقع في نفسه صحته. # وقيل: إن لم يوجد مفت آخر يلزمه، وإلا فلا (¬1). # والحق هذا، واختار النووي رحمه الله (¬2)، هذا الذي ذكرنا في اتحاد ~~الحادثة. # أما إذا اختلفت الحادثة الأصح عند المصنف الجواز وإليه ذهب ابن الحاجب (¬3). # وقيل: لا يجوز مطلقا. # وقيل: يجوز في عصر الصحابة، والتابعين، وأما بعد تقرير المذاهب فلا يجوز، ~~وإليه ميل إمام الحرمين (¬4). # ومن لم يبلغ رتبة الاجتهاد، فهل عليه التزام مذهب مجتهد معين؟ . PageV04P158 # اختار المصنف وجوبه عليه (¬1)، وقيل: لا يجب (¬2). # وإذا قلنا: بوجوبه. # فهل يختار أي مجتهد كان، أم يجب تقليد الأفضل في اعتقاده؟ # قال: يجب عليه تقليد الأفضل (¬3)، أو المساوي بناء على ما اختاره سابقا ~~من وجوب اعتقاد الأفضلية، أو التساوي، ولكن الأولى أن يسعى PageV04P159 # في الأرجح ليظهر وجه الاختيار (¬1)، وليس هذا مخالف لما تقدم من عدم وجوب ~~البحث، لأن الأولوية لا تستلزم الوجوب. # ثم إذا التزم مذهبا هل له الخروج عنه أقوال: # أحدها: لا يجوز، لأنه بعد التزامه صار كالدليل بالنظر إلى المجتهد. # والثاني: يجوز، واختاره الرافعي (¬2). PageV04P160 # الثالث: التفصيل بين ما عمل به، وما لم يعمل. # فإن عمل لا يجوز له تقليد غيره، وإلا فلا منع منه (¬1). # وحيث جوزنا له الخروج، فشرطه أن لا يتتبع الرخص، بأن يختار من كل مذهب ما ~~هو الأهون عليه. # قال النووي: "والذي يقتضيه الدليل أن له أن ms407 يستفتى من شاء، لكن بشرط أن ~~(¬2) لا تلقط الرخص" (¬3) وقال به أبو إسحاق المروزي، أي: جوز تتبع الرخص. # وقيل: لم يصح عنه هذا، بل الذي صح عنه: من فعل ذلك يفسق، وهذا يدل على ~~أنه كبيرة عنده، فكيف يمكن القول منه بالجواز؟ وهذا الذي يظن بمثل ذلك ~~الحبر الإمام. # * * * PageV04P161 ### || AUTO مباحث تتعلق بعلم الكلام PageV04P163 ### || AUTO باب في مسائل أصول الدين # قوله: "مسألة اختلف في التقليد في أصول الدين". # أقول: لما ذكر مباحث التقليد في الفروع ناسب ذكر التقليد في الأصول، أي: ~~أصول الدين، والمراد بأصول الدين المسائل الاعتقادية التي لا تتوقف على ~~كيفية عمل (¬1) كوجود الصانع (¬2)، وحدوث العالم، وهي التي تسمى: علم ~~الكلام. # ولنقدم جملة مما يتعلق به ليفيد بصيرة الطالب، ونجعله مسائل: PageV04P165 # الأولى: تعريفه: # علم الكلام: علم يعرف به القواعد الشرعية الاعتقادية المكتسبة من الأدلة ~~اليقينية (¬1) سواء توقفت على الشرع أم لا، وسواء كانت مطابقة لنفس الأمر، ~~أم لا، لأن الخصم كالمعتزلي، والكرامي، وإن بدعناه لا نخرجه عن علماء ~~الكلام. # فعلى هذا المراد بالشرعي، ما نسب إلى الشرع في الجملة، فخرج علم الله، ~~وعلم الرسول، لأنه ليس من الأدلة، ودخل علم الصحابة بتلك العقائد، لأنه من ~~الأدلة اليقينية، وإن لم يكن هذا العلم مدونا إذ ذاك. # قال صاحب المواقف: "هو علم يقتدر معه على إثبات القواعد الدينية بإيراد ~~الحجج، ودفع الشبه" (¬2). # ويعلم منه أن استحضار جميع القواعد ليس شرطا. بل يكون عنده من المآخذ، ~~والشرائط ما يكفيه في استحضار العقائد. # الثانية: موضوعه: # وقد تقدم في أول الكتاب أن تمايز العلوم في ذاتها بتمايز الموضوعات. PageV04P166 # فموضوع علم الكلام قيل: ذات الله تعالى من حيث الصفات، والأفعال، لأن ~~موضوع كل علم ما يبحث في ذلك العلم عن أحواله، ولما كان بحث الأصولي عن قدم ~~الذات، ووجوب الوجود، وأنه فاعل بالاختيار، مرسل للرسل إلى غير ذلك، كان ~~موضوعه الذات من تلك الحيثية (¬1). # وأورد عليه بأن علم الكلام كما يبحث فيه عن أحوال الذات، فكذا يبحث فيه ~~عن أحوال الممكنات من حيث صدورها، ms408 واستنادها إليه تعالى، فلا بد من ضمها ~~إليه، فزادها بعضهم، وهو صاحب (¬2) الصحائف (¬3). # وأورد عليه بأن كثيرا من مباحث علم الكلام لا يلاحظ فيها الاستناد إليه ~~تعالى مثل المعدوم ليس بشيء، والحال ليس بثابت، فعدل PageV04P167 # بعضهم إلى أن موضوعه الموجود من حيث هو موجود على قانون الإسلام (¬1)، ~~وهذا مختار الغزالي (¬2). # وأورد عليه البحث عن المعدوم، والحال، فإنه لا وجود، مع أن البحث عنهما ~~من مسائل الكلام. # وأجيب بأنا لا نسلم أنها من مسائل الكلام، بل إنما أوردت تتميما للمقصود ~~إذ الأشياء تتضح بمقارنة أضدادها. # ولما كان تلك المباحث متكثرة، ودعوى الاستطراد تتميما للمقصود لا يخلو عن ~~تكلف، اختار المتأخرون (¬3) كون موضوعه المعلوم ليشمل الموجود، والمعدوم، ~~والواجب، والممكن من غير شائبة كلفة. # الثالثه: مسائله هي القواعد الشرعية الاعتقادية النظرية. # وقولنا: النظرية يخرج الضروري، أي: ما علم من الدين ضرورة، فلا يكون من ~~علم الكلام، كما أن الأحكام الفروعية التي صارت من ضروريات الدين لا تعد من الفقه. # الرابعة: غايته، وغاية علم الكلام إحكام العقيدة (¬4)، بحيث لا تزلزلها ~~شبه المبطلين، وغاية هذه الغاية الفوز بمرضاة الله، والأمن من عقابه. PageV04P168 # الخامسة: شرفه، ورتبته، فهو أشرف العلوم، لأن شرف العلم بشرف موضوعه، ~~وغايته (¬1). # وقد علمت أن موضوعه أشرف الأشياء لاشتماله على ذاته تعالى، وأحواله. # وغايته: الفوز برضا الله، والأمن من عقابه. # السادسة: وجه التسمية بعلم الكلام، إما (¬2) لأن مسألة الكلام أشهر ~~مسائله، وكثر الخلاف فيها، حتى قتل فيها أئمة كثيرون، فسمي العلم به تسمية ~~للشيء بأشهر أجزائه. # وإما لأن الماهر فيه يقتدر على الكلام في الاستدلالات، ودفع الشبه. # وإما لأن هذا العلم عند المسلمين في مقابلة المنطق للفلاسفة، فسمي به ~~تمييزا بينهما. # وإما، لأنه أول ما دون كانت مسائله مصدرة بلفظ: الكلام في كذا، الكلام في ~~كذا (¬3). PageV04P169 # فإن قلت: إذا كان أشرف العلوم، فكيف طعن فيه السلف ومنعوا من الاشتغال به ~~(¬1)؟ PageV04P170 # قلت: ذلك محمول على ما إذا أراد به التعصب، وإفساد عقائد المسترشدين، أو ~~ترجيحا لما يقوله أهل الضلال (¬1)، وإلا ما يقوي الإيمان، ويزيح ms409 عنه شبه ~~المبطلين، لا يخفى حسنه في الدين، كيف وتعلمه معدود من فروض الكفاية، وقد ~~دون في كتب الفروع أنه من فروض الكفاية. # وعن الشيخ الأشعري أن إيمان المقلد لا يصح، ولما كان بظاهره يستلزم عدم ~~صحة إيمان العوام، الذين ليسوا بقادرين على] (¬2) الاستدلال دفعه القشيري ~~(¬3)، بأن هذا لم يصح نقله عن الشيخ (¬4). PageV04P171 # قال المصنف: والتحقيق أن التقليد إن كان أخذ القول من الغير بغير حجة، مع ~~احتمال شك، أو وهم، فلا يكفي في الإيمان، وإن كان جزما خاليا عنهما، فيصح، ~~وبه يجمع بين قول الأشعري وغيره. # وإن شئت تحقيق المسألة بما لا مزيد عليه، فاسمع لمقالتنا، اعلم أن أهل ~~السنة كلهم من قال بإيمان المقلد، ومن لم يقل به متفقون على أن مقابل ~~التقليد هنا هو الاستدلال بالأثر على المؤثر، وبالمصنوع على الصانع، ولا ~~يلزم في هذا الاستدلال الاقتدار على إيراد الحجج، ودفع الشبه لو اعترض عليه ~~مبتدع، بل ذلك من فروض الكفاية التي يقوم بها في كل ناحية عالم متبحر. # إنما المراد بالاستدلال مجرد الانتقال من الأثر إلى المؤثر على ما نقل عن ~~الأعرابي (¬1). PageV04P172 # "البعرة تدل على البعير، وآثار الأقدام على المسير، فسماء ذات أبراج، ~~وأرض ذات فجاج، فكيف لا يدلان على الصانع الخبير؟ " (¬1) فإذا كان معنى ~~الاستدلال ما ذكرنا، ولا يحتاج فيه إلى تحرير الأدلة، ودفع الشبه، لم يوجد ~~بين المسلمين مقلد قط. إذ أجهل من يتصور فيهم كالرعاة، وسكان البوادي إذا ~~رأى شيئا عجيبا موثقا يقول: سبحان من خلقه، وهذا استدلال منه على موجد ~~العالم، وإذا كان هذا حال أجهلهم، فكيف بمن نشأ بين العلماء، والوعاظ، ~~ولازم الجماعة والجمعة؟ # قال المولى المعظم التفتازاني -في شرح المقاصد-: "ليس الخلاف في هؤلاء ~~الذين نشؤوا في ديار الإسلام من الأمصار، والقرى، والصحارى، ولا الذين ~~يتفكرون في خلق السموات، والأرض (¬2)، واختلاف الليل، والنهار (¬3)، فإن ~~هؤلاء كلهم أهل النظر، والاستدلال، بل في من نشأ على شاهق جبل، ولم يتفكر ~~في ملكوت السموات، والأرض، وأخذه إنسان، وأخبره بما يجب عليه اعتقاده وصدقه ms410 ~~بمجرد إخباره من غير PageV04P173 # تفكر، وتدبر (¬1)، فهذا مجمل كلام الأشعري" (¬2) وبه يستقيم ما ورد في ~~الأخبار والآثار من قبول الإيمان من العوام؛ لأنه لا يصدق على أحد منهم اسم ~~المقلد. # وما ذكره المصنف من التحقيق ليس بشيء، لأن الجزم الخالي عن الدليل الموجب ~~قابل للزوال، وليس من العلم اليقيني في شيء، بل ذلك يسمى بالاعتقاد الذي هو ~~قسيم العلم. PageV04P174 # وقوله: "خلافا لأبي هاشم" ليس، كما ينبغي لأن أبا هاشم إنما يقول: بوجوب ~~الاستدلال بمعنى تحرير الدلائل، ودفع الشبه، صرح به التفتازاني في شرح ~~المقاصد (¬1). # قوله: "فليجزم عقده بأن العالم محدث". # أقول: هذا تفريع على اختياره من الاكتفاء بالجزم، أي: إذا علمت ما ذكرنا ~~فالواجب على المكلف الجزم بحدوث العالم، وقد نبهناك على فساده (¬2). # والعالم ما سوى الله تعالى من الممكنات يشمل الأعراض، والجواهر، وليس ~~اسما لجميع ما سواه من حيث الجميع وإلا لم يصح جمعه، بل هو للقدر المشترك ~~بين الكل. # وكثيرا ما يطلق، ويراد به الثقلان، أي: الإنس، والجن، مثل: {وفضلناهم على ~~العالمين} (¬3) "سيدة نساء العالمين" (¬4). PageV04P175 # والإحداث: إخراج الشيء من العدم إلى الوجود، فقبل الوجود العالم ممكن، ~~ولا يوصف بالحدوث إلا باعتبار المآل، وبعده يوصف بالحدوث، والإمكان. # وعلة احتياج العالم إما الإمكان، وإليه ذهب الفلاسفة، أو الحدوث مطلقا، ~~أو مع الإمكان، أو بشرطه مذاهب لأهل الحق. والحدوث: هو الوجود بعد العدم، ~~وعند الفلاسفة ينقسم إلى قسمين: إلى حدوث زماني: كحدوث زيد، وعمرو. # وإلى حدوث ذاتي: كحدوث الأفلاك، فإنها قديمة بالزمان، وإن كانت حادثة ~~بالذات (¬1). PageV04P176 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV04P177 # وهذا مبني على أن الباري تعالى موجب لا اختيار له في صنعه بل صنعه لازم ~~له كالضوء للشمس. # وعند أهل الحق فاعل بالاختيار، والقدرة، والإرادة وصنع المختار لا [يجوز ~~أن] (¬1) يكون قديما، قال بعض الشارحين (¬2): "عندنا القديم ينافي ~~الاحتياج، فلا يجوز افتقار القديم إلى المؤثر" وهذا غلط منه، لأن صفاته ~~تعالى محتاجة إلى ذاته، مع كونها قديمة. # والصواب: أن يقال: محتاجة إلى المؤثر، لكن غير محتاجة إلى الغير إذ ~~الصفات ليست غير الذات. # قوله: "وله ms411 صانع وهو الله الواحد". # أقول: قولنا: العالم محدث دعوى لا بد لها من دليل، والدليل على ذلك أنه ~~موجود بعد العدم. # فوجوده إما من ذاته، فيلزم قدمه، لأن ما للشيء بالذات لا يفارقه وهو باطل ~~للاتفاق على حدوثه. # ولأنه متغير، وكل متغير حادث، فلا بد، وأن يستند وجوده إلى موثر فينتقل ~~الكلام إلى ذلك المؤثر. # فنقول: إما حادث، أو قديم، فإن كان حادثا، فيحتاج إلى مؤثر آخر، وهلم ~~جرا. PageV04P178 # فإما أن تعود السلسلة إلى الأول فدور، أو تذهب إلى غير النهاية فتسلسل، ~~وكلاهما باطل (¬1). # فلا بد من انتهائه إلى مؤثر غير محتاج إلى غيره، وهو الله تعالى، هذا في ثبوته. # وفي (¬2) (¬3) توحيده نقول: لا شريك له في ألوهيته، ولا جزء له، ولا يشبه ~~شيئا من الأشياء. # وتحقيق الكلام في هذا المقام أن نقول: لا جزء له بحسب الماهية، لأنه لا ~~يجانس شيئا حتى يحتاج إلى الفصل، فلا جزء له عقلا. PageV04P179 # ولا بحسب الخارج، لأنه لو كان مركبا في الخارج لزم إمكانه لاحتياجه إلى ~~أجزائه، وكل محتاج ممكن (¬1)، وقد ثبت أنه واجب لا ممكن (¬2). # ولا بحسب المقدر لأنه من خواص الأجسام، وقد أبطلنا كونه جسما لاحتياجه ~~إلى الأجزاء، والمكان كما سيأتي. # ولا يشبه شيئا، لأن ما عداه حادث، والقديم لا يشبه الحادث. # فإن قلت: مذهب المتكلمين أن الوجود لفظ مقول على الوجودات بالتواطئ، ~~وأفراد المتواطئ متشابهة كأفراد الإنسان. # قلت: الوجود ليس أمرا محققا في الخارج، ولا جزءا عقليا في الأشياء ~~الموجودة، بل الوجود المطلق، وهو الكون في الأعيان، يطلق على الوجودات ~~الخاصة قولا عرضيا (¬3). # وأما وجوده الخاص تعالى، فهو عين ذاته في الخارج على ما ذهب إليه الشيخ ~~الأشعري من أن وجود كل شيء عينه (¬4)، ولو كان زائدا في PageV04P180 # الخارج أيضا لم يرد الإشكال، لأنه قديم مستند إلى ذاته القديمة، فكما أن ~~علمه لا يشابه علم المخلوق فكذا وجوده. # وأما كونه واحدا في ألوهيته، فلأنه: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} ~~[الأنبياء: 22]، لكن لم يفسدا، فلا شريك. # ولأنه لو وجد ms412 إلاهان بصفات الألوهية، وأراد أحدهما حركة زيد، والآخر ~~سكونه، فإما أن يقع مرادهما، وهو محال لاستلزامه الجمع بين الضدين، أو لم ~~يقع مراد واحد منهما يلزم عجز الاثنين، وهو مناف للألوهية مع أنه [يلزم] ~~(¬1) وقوع المرادين على تقدير عدم وقوعهما، لأن المانع من وقوع كل منهما ~~وقوع الآخر، وإن وقع مراد أحدهما دون الآخر، فالعاجز منهما عن أن يوقع ~~مراده ليس بإله (¬2). # قوله: "والله تعالى قديم لا ابتداء لوجوده" (¬3). PageV04P181 # أقول: من صفاته تعالى التنزيهية أنه ليس بحادث، وقد قدمنا أنه لو كان كل ~~موجود حادثا لزم التسلسل، وهو باطل، فلا بد من الانتهاء إلى موجود قديم لا ~~يكون وجوده من غيره، وإذا ثبت قدمه امتنع عدمه، وذلك، لأن وجود القديم ~~مقتضي ذاته، وما كان لازما لذات الواجب تعالى لا يمكن زواله. # وبين القديم، والأزلي عموم من وجه؛ لأن الموصوف بالقدم موجود لا محالة ~~بخلاف الموصوف بالأزلي (¬1). # فإنه لا يشترط فيه الوجود كالعدمات إذا قلنا بامتيازها. ومنهم (¬2) من ~~أطنب في أشياء لا حاجة إليها. # وقال: "الزمان حقيقي، وتقديري، فالحقيقي هو الصادر عن حركات الأفلاك". ~~وهذا كلام باطل. # أما أولا: فلأن الزمان ليس أمرا موجودا. PageV04P182 # وأما ثانيا: فلأنه لو كان موجودا لم يكن صادرا عن غير الله تعالى، لأن ~~الأشياء كلها مستندة إليه ابتداء كما سيأتي. # وأما ثالثا: فلأن حركات الفلك ليس بثابتة عند أهل الحق، بل الحركة ~~للكواكب، وحركة الفلك مذهب الفلاسفة. # وقد دلت الآيات، والأحاديث على كون الحركة للكواكب، أما الآيات: فقضية ~~الخليل صلوات الله عليه، فإنه نسب الأفول إلى الكوكب، والقمر والشمس (¬1). # وأما (¬2) الأحاديث: فقد صح في البخاري، ومسلم وغيرهما، "أن الشمس تسجد ~~تحت العرش كل يوم بعد غروبها، وتستأذن في الرجوع" (¬3). PageV04P183 # قوله: "وحقيقته مخالفة لسائر الحقائق". # أقول: حقيقته مخالفة لسائر الحقائق من الممكنات، إذ لو تماثلت الحقائق، ~~وامتاز هو بالوجوب، وهي بالإمكان لزم التركيب المنافي للوجوب. # نعم يطلق لفظ الذات عليه، وعلى ذوات الممكنات قولا عرضيا بالمعنى الذي ~~يصدق على الكل صدق العارض على المعروض كالوجود. # فإن وجوده، ms413 وإن خالف سائر الوجودات يطلق الوجود على الكل قولا عرضيا ~~(¬1)، فتأمل! PageV04P184 # والحقيقة في هذا الاصطلاح يراد بها الذات، ولهذا في بعض الكتب يعبرون ~~بالحقيقة، وفي بعضها (¬1) بالذات وقد غلط بعضهم (¬2) فجعل الحقيقة بمعنى ~~الماهية (¬3) وأكثر المتكلمين على أنه لا يطلق على ذاته تعالى لفظ الماهية ~~لإشعاره بالمجانسة حتى أنكروا على أبي حنيفة إطلاقه لفظ الماهية، وأنكره ~~أصحابه، فقالوا: لم يوجد في كتبه، ولا نقله عارف. # وقال أبو منصور الماتريدي: "إن سألنا سائل عن الله ما هو؟ # قلنا: إن أردت بما هو ما اسمه فالله الرحمن الرحيم، وإن أردت ما صفته؟ ~~فسميع بصير، وإن أردت ما فعله؟ فخلق المخلوقات، وإن أردت ماهيته فهو متعال ~~عن المثال، والجنس". # قوله: "قال المحققون". # أقول: اختلف في العلم بحقيقته -تعالى- هل يجوز أم لا؟ PageV04P185 # منعه (¬1) الفلاسفة (¬2)، وجوزه المسلمون (¬3) واختلف المجوزون هل وقع في ~~الدنيا، أم يقع في الآخرة، أم لا دليل على وقوعه لا في الدنيا، ولا في ~~الآخرة؟ PageV04P186 # وهذا هو المختار. # لنا -على الجواز- أن الله تعالى قادر على أن يلهم خواص عباده، أو يخلق ~~فيهم علما ضروريا بحقيقته، ولا مانع من ذلك، وعدم الوقوع لعدم دليل عليه ~~عقلا، ونقلا. # القائلون بعدم الجواز: لو علم فإما بالحد، ولا حد، لاقتضائه الجنس، ~~والفصل، وهو مستحيل في حقه تعالى، وإما بالرسم، ولا يفيد معرفة الكنه. # الجواب: لا نسلم انحصار طريق العلم في الحد، والرسم، بل يكون بالإلهام، ~~وخلق العلم الضروري كما بينا، والرسم وإن لم يستلزم العلم بالكنه دائما، ~~ولكن ربما يفيده (¬1). # القائلون: بوقوع علمنا بحقيقته قالوا: نحكم عليه بأنه موجود، عالم، خالق ~~إلى غير ذلك، والحكم على الشيء فرع تصوره. PageV04P187 # [الجواب: فرع تصوره] (¬1) بوجه ما، فإنا نحكم على أشياء لا نعرف حقائقها. # وأما الاستدلال بوقوع الرؤية (¬2)، فضعيف، لأنها لا تقتضي العلم بكنه ~~المرئي، والكلام فيه. # قوله: "وليس بجسم". # أقول: الجسم إما مركب من الأجزاء التي لا تتجزأ على ما ذهب إليه ~~المتكلمون (¬3). PageV04P188 # أو من الهيولى (¬1)، والصورة على ما عليه الفلاسفة (¬2). # وقد تقدم أنه تعالى واحد من جميع ms414 الوجوه، لا تركيب فيه لاستلزامه ~~الاحتياج المنافي للألوهية. # ولأنه لو كان جسما لاحتاج إلى مكان، وحيز، لأنه ضروري للجسم لا يمكن ~~وجوده بدونه، ويلزم قدم المكان ضرورة قدم المتمكن. # وقد قدمنا أن العالم، وهو ما سواه تعالى حادث بجميع أجزائه وكما أنه ليس ~~بجسم، فكذا ليس بجوهر، لأن الجوهر عند المتكلمين: هو الممكن القائم بنفسه، ~~وعند الفلاسفة ممكن إذا وجد لم يكن في موضوع، والباري تعالى مباين ~~للممكنات. # وإذا لم يكن جوهرا، فبالأولى أن لا يكون عرضا، لأن العرض عند أهل الحق ~~مستحيل البقاء، والله باق أولا، وأبدا، ولأن العرض يحتاج إلى محل يقوم به، ~~والاحتياج من سمات الممكن تعالى عن ذلك علوا كبيرا (¬3). PageV04P189 # قوله: "لم يزل وحده". # أقول: قد سبق أنه تعالى قديم، والعالم محدث، وإذا ثبت ذلك، فعلم أنه كان، ~~ولم يكن معه شيء، إذ ما سواه حادث، فلا زمان معه في الأزل، ولا مكان، وإنما ~~ذكره هنا توطئة لمسألة القدرة، والاختيار، أي: إنما أنشأ المحدث بقدرته ~~(¬1)، ومشيئته لا أنه موجب بالذات، وعلة على ما عليه الفلاسفة. # والدليل -على أنه خلقه بالقدرة-: أنه لو كان بالإيجاب لزم قدم العالم، ~~لأن المعلول لا ينفك عن علته، أو يكون كل حادث مسبوقا، ومشروطا بآخر إلى ~~غير النهاية وكلاهما باطل. ولأن اختصاص كل جسم بشكل، ولون، وطعم، ورائحة، ~~وغير ذلك لا بد وأن يكون لمخصص، وذلك هو القدرة، والإرادة لتشارك الأجسام، ~~وتماثلها. # ولأن العالم لو كان معلولا لذاته كان لازما لها، فلو فرض ارتفاع العالم ~~لزم ارتفاعه تعالى، لأن انتفاء اللازم دليل انتفاء الملزوم، لكن ارتفاع ~~الواجب تعالى محال، لأن ذاته تقتضى وجوده، وما اقتضى ذاته وجوده استحال زواله. # قالوا: لو كان مختارا في فعله لزم الانقلاب، لأنه في الأزل إن علم عدم ~~وجود العالم، فهو ممتنع الوجود وقد وجد، فانقلب الممتنع ممكنا. PageV04P190 # وإن علم وجوده، فهو لازم الوقوع، فلا قدرة، ولا اختيار. # قلنا: علم وجوده في وقته باختياره، فلا محذور، لأن الوجوب بالقدرة محقق ~~للقدرة لا مناف لها. # قوله: "ولم ms415 يحدث بإبداعه في ذاته حادث". # جواب سؤال مقدر، أي: إذا كان وصفه حادثا يلزم قيام الحادث به، وهو محال ~~لاستلزامه حدوث الموصوف. # أجاب: بأن الإحداث صفة إضافية ليست بموجودة، فلا يلزم منه محذور. # وإن قلنا: إن الإحداث صفة موجودة فهي للتكوين الذي قالت الحنفية بأنه صفة ~~قديمة، فلا محذور (¬1) أيضا. PageV04P191 # قوله: " {فعال لما يريد} [البروج: 16] ". # من فروع القادرية، أي: لم تنته قدرته إلى شيء، كسائر قدر الخلق، بل يفعل ~~ما يشاء، ما تعلقت قدرته به كان، كيف ونعم الجنان سرمدية بتعاقب الأبدال؟ ~~وكلها مخلوقة بقدرته، كيف ولو انتهت قدرته عند مراد كان عجزا، ونقصا؟ # قوله: " {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] ". # قد تقدم من قوله: لا يشبه؛ هذا المعنى، وإنما أعاده لأن هذا أبلغ من ذلك ~~لكون الشيء نكرة في سياق النفي، أو لأنه كالدليل السمعي على ذلك الدعوى، أو ~~جعله صفة لفعال لما يريد، أي: ليس في فعله يشبه شيئا والكاف زائدة. # وعند المحققين ليست بزائدة لأن مثله تعالى مفقود اتفاقا، وإذا نفى أن ~~يكون شيء مثل مثله، فالمراد نفي المماثلة عنه على وجه الكناية التي هي أبلغ ~~من التصريح. # قوله: "القدر خيره وشره منه". # أقول (¬1): مسألة القدر أصل من أصول الإسلام، فلا بد من الوقوف على كنهها ~~على ما ينبغي. PageV04P192 # اعلم أن عبارة المشايخ أن الكل بقضائه، وقدره (¬1)، والفرق بالإجمال، ~~والتفصيل. # فبالنظر إلى كون الأشياء في علمه تعالى مجمعة في الأزل، سمي: قدرا. # وبالنظر (¬2) إلى وجودها في أوقاتها المقدرة قضاء. # وقيل: بالعكس، وهذا أظهر (¬3) لقوله: {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ~~ننزله إلا بقدر معلوم} [الحجر: 21]. PageV04P193 # والأحاديث الواردة في باب القضاء والقدر كثيرة جدا متواترة المعنى كشجاعة ~~علي، وجود حاتم، وإن كانت أفرادها آحادا، فلا حاجة إلى ذكرها (¬1). PageV04P194 # وكذا ذم القدرية قد ورد في الأحاديث الصحيحة (¬1) لكن قد اختلف في وجه ~~التسمية، ومن يصدق عليه هذا الاسم. PageV04P195 # قيل: وجه التسمية أن القدرية ينسبون الفعل إلى قدرة العبد وإيجاده (¬1)، ~~وليس بسديد، لأن المنسوب إلى القدرة قدري بضم القاف، بل منسوب ms416 إلى القدر ~~الذي هو العلم بالأشياء وإيقاعها على الوجه المخصوص في أوقاتها. # وأما من يصدق عليهم فهم القائلون: إن الشر ليس بقدر الإله تعالى، بل ~~الأفعال الاختيارية للعباد بقدرتهم، وإيجادهم (¬2). PageV04P196 # قالت المعتزلة: بل أهل السنة هم القدرية، لأنهم يقولون: بأن الأشياء بقدر ~~الله، لأن مثبت الشيء ينسب إليه كالمالكية، والحنفية، والشافعية لا إلى ~~النافي (¬1). # الجواب: أنه قد ورد في الأحاديث: أن "القدرية مجوس هذه الأمة" (¬2). PageV04P197 # ولا شك أن من يجعل للعبد قدرة على الإيجاد هو الذي يشبه المجوس القائلين ~~بإلهين: خالق الخير، ويسمى يروزن، وخالق الشر، ويسمى: أهو من (¬1). # ولما في الحديث: من أن "القدرية خصماء الله" (¬2). # ولا شك أن من فوض الأمور إليه تعالى ليس بخصم، بل الخصم من يثبت شريكا في ~~الخلق، والإيجاد. PageV04P198 # والدليل -على القدر- قوله تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} [القمر: 49] ~~(¬1) وقوله: {وخلق كل شيء فقدره تقديرا} [الفرقان: 2]، {وما أصابكم يوم ~~التقى الجمعان فبإذن الله} [آل عمران: 166] أي: بقضائه، وقدره. # وفي الحديث: "كل شيء بقضاء الله حتى العجز، والكيس" (¬2)، واحتجاج موسى ~~مع آدم (¬3)، وجواب آدم الحديث المشهور (¬4). PageV04P199 # وبالجملة من لوازم الإيمان الصحيح أن يعتقد أن الكائنات كلها ما كان وما ~~هو كائن، جوهرا وعرضا، فعلا وقولا، معصية وطاعة، خيرا وشرا، كان في أزل ~~الأزل في علمه، لم يزد ولم ينقص عن ذلك شيء قل ولا جل (¬1). # قوله: "علمه شامل". # أقول: ويجب الإيمان بأن له علما قديما لا يشبه علم المخلوقين. والدليل ~~-على كونه عالما-: إتقان أفعاله، وإحكامها (¬2). PageV04P200 # قال: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} [الغاشية: 17] إلى آخر الآية ~~(¬1)، وقال: {إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب} [الصافات: 6] (¬2)، ~~وقال: {أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض} [الأعراف: 185] , {فارجع ~~البصر هل ترى من فطور (3) ثم ارجع البصر} [الملك: 3 - 4]. # ومن أراد الاطلاع على دقائق صنعه فليطالع علم التشريح (¬3)، ويحيط بكيفية ~~تركيب الإنسان، وما أتى به الأولون، وما سيأتي به الآخرون من PageV04P201 # دقائق الصانع، وخفيات العلوم (¬1)، ذرة، بل دون ذرة من علمه الذي علمه ~~خلقه، {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} ms417 [الإسراء: 85]. # وأيضا قد تقدم أنه فاعل بالقدرة، والإرادة، ومن شأنه هذا لا بد له من علم. # قيل: لو كان له علم لكان متعلقا إما بنفسه، أو بغيره، وكلاهما محال. # أما الأول: فلأنه لو علم ذاته، لكان مغايرا لذاته، لأن العالم غير ~~المعلوم. # قلنا: التغاير الاعتباري كاف، كما في علم الإنسان بنفسه. # وأما الثاني: فلأنه لو علم الأشياء لزم التعدد في الذات الأحدية بقدر ~~المعلومات، وهو محال. # قلنا: التعدد في التعلق لا يوجب التعدد في الذات، كما في سائر الصفات، ~~ويعلم منه جواب الفلاسفة أنه لا يعلم الجزئيات على الوجه الجزئي، وإلا لزم ~~التغير في الذات، لأن الجزئيات متغيرة. # واعلم كما أن قدرته غير متناهية، كذلك علمه غير متناه، لأنه محيط بما هو ~~غير متناه كنعيم الجنان، والأعداد، والأشكال. # أما سمعا، فلقوله: {وخلق كل شيء} [الفرقان: 2]، {والله بكل شيء عليم} ~~[الحجرات: 16]، {لا يعزب عنه مثقال ذرة} [سبأ: 3]، PageV04P202 # {يعلم خائنة الأعين} [غافر: 19] إلى غير ذلك من الآيات (¬1)، والأحاديث (¬2). # وأما عقلا: فلأن الموجب لعالميته ذاته. وللمعدومية إمكانها، ونسبة ذاته ~~إلى الأشياء كلها على السواء. # قوله: "قدرته لكل مقدور". # أقول: قد تقدم أنه فاعل بالاختيار. # وكل من كان فاعل الأشياء بالاختيار لا بد له من قدرة (¬3). PageV04P203 # والقادر هو الذي إن شاء فعل، وإن شاء ترك، أي: يصح كل منهما بحسب الدواعي ~~المختلفة (¬1)، وقد تقدم أن قدرته غير متناهية، أي: كل ما دخل تحت مشيئته، ~~فهو قادر عليه. PageV04P204 # وما قيل: ما من شأنه أن يقدر عليه ليخرج الممتنع (¬1) ليس بشيء، لأن ~~الممتنع لا يطلق عليه الشيء لا عند أهل الحق، ولا عند المعتزلة فلا يحتاج ~~إلى الاحتراز عنه. # قوله: "ما علم أنه يكون أراده". # أقول: ما تقرر في غامض علمه الأزلي (¬2) وجوده في وقته المعين له في ذلك ~~العلم، فهو مراده، وما لا فلا. PageV04P205 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV04P206 # وإن أمر به، ونهى عنه ابتلاء كإيمان أبي جهل (¬1)، فإنه لم يكن في علمه، ~~ولا أراده، خلافا للمعتزلة، فإن كل مأمور به مراد، وإن لم يقع. # والحاصل: أن ما علم كونه، ms418 فلا محالة كائن، وما يكون كائنا، فهو مراد، ~~وعكسه أيضا كقولنا: كل ما كان مرادا فهو كائن، وكل كائن معلوم له تعالى، ~~ولكن لا يرضى ببعض المرادات كالكفر، والمعاصي، فالرضا أخص من الإرادة. # قوله: "بقاؤه". # أقول: من صفاته تعالى البقاء، وقد أثبته الشيخ الأشعري، وأتباعه، صفة ~~زائدة حقيقية كالعلم، والقدرة. # والجمهور على أنها ليست صفة حقيقية، بل البقاء استمرار الوجود بالنظر إلى ~~المستقبل، كما أن القدم استمراره نظرا إلى الماضي (¬2)، وكلام المصنف فيه ~~تسامح. PageV04P207 # وكان الأولى أن يقول: وجوده غير مستفتح ليكون إشارة إلى القدم، ولا ~~متناه، ليكون إشارة إلى البقاء. # قوله: "لم يزل بأسمائه". # أقول: اتفق العقلاء من المليين، وغيرهم على أنه تعالى ليس له كمال ينتظر، ~~بل كل ما هو كمال حاصل له أزلا، وأبدا، واختلف في بعض صفاته لفظا لا معنى ~~(¬1). PageV04P208 # وتحرير ذلك أن صفاته تنقسم أربعة أقسام: # الأول: الصفات السلبية، ولم يخالف فيها أحد مثل كونه ليس بجسم، ولا عرض, ~~ولا جوهر، وغيرها (¬1). # الثاني: الصفات الإضافية ككونه رازقا لعمرو، وغير رازق لبكر. # الثالث: الصفات الفعلية (¬2) كالخلق، والإماتة، والترزيق وغيرها، فهى عند ~~الأشاعرة حادثة، وعند الحنفية راجعة إلى صفة التكوين قديمة. PageV04P209 # الرابع: الصفات الزائدة على الذات القديمة، وهي التي وقع فيها الخلاف ~~أثبتها أهل السنة، ونفاها الفلاسفة. # والمعتزلة لهم اضطراب فيها (¬1) قالوا: بزيادة بعضها كالإرادة لكن لا ~~يجوز قيامها به تعالى. # لنا -على ثبوتها على الاجمال-: أنها صفات كمال، وكل ما كان صفات كمال يجب ~~القول بثبوته. # وقد وردت الآيات، والأحاديث بثبوتها مفصلة بحيث لا يمكن إنكارها، ولا ~~تأويلها {أنزله بعلمه} [النساء: 166]، {فلو شاء لهداكم أجمعين} [الأنعام: ~~149]، {وخلق كل شيء فقدره تقديرا} [الفرقان: 2]، {هو الحي لا إله إلا هو} ~~[غافر: 65]، {سميع بصير} (¬2). PageV04P210 # قالوا: لو كانت له صفات موجودة قديمة يلزم تعدد القدماء، وقد كفرتم ~~النصارى بالقول بآلهة ثلاثة، فكيف بالثمانية أو أكثر؟ . # الجواب: إنما كفرت [النصارى] (¬1) لقولهم: بذوات متعددة تتصف بالألوهية، ~~ونحن نقول: الذات واحدة، والصفات كثيرة، ولا يلزم منه قدح في أصول الإسلام. # ومعنى قول المشايخ: ms419 لا هي عين، ولا هي غير، أنها ليست عين الذات لتغاير ~~المفهومات، ولا غيره لعدم الانفكاك إذ الغيران هما الأمران اللذان يوجد كل ~~منهما بدون الآخر (¬2). # فإن قلت: من قال: إنه تعالى موجد العالم كيف يمكنه سلبه العلم، والحياة منه؟ # قلت: لم يسلبه عنه معنى، بل يقول: ذاته بالنسبة إلى العلوم علم، وإلى ~~القدرة قدرة، وقس على ذلك. # وقسم المصنف صفاته بحسب الدليل، فقال: منها ما دل الفعل عليه، كالعلم، ~~والقدرة، والحياة، والإرادة، لأن وجود الفعل الحادث بدون هذه الصفات ~~مستحيل. PageV04P211 # ومنها: ما دل عليه التنزيه مثل: السمع، والبصر والكلام، والبقاء (¬1) ~~بناء على أن البقاء صفة حقيقية على ما نقلناه عن الشيخ. # فالحياة: صفة تقتضى صحة العلم، والإرادة. # والعلم: صفة توجب تمييزا لا [يحتمل] (¬2) النقيض، أو انكشاف المدرك. # وعلمه تعالى: عبارة عن حضور الأشياء عنده، بلا انتزاع صورة، ولا انفعال، ~~ولا اتصاف بكيفية. # والقدرة: صفة تؤثر في الشيء إيجادا، وإعداما عند انضمام الإرادة [إليها. # والإرادة] (¬3): صفة ترجح أحد المقدورين بالوقوع. # والكلام: صفة تنافي السكوت، والخرس (¬4). PageV04P212 # والسمع -عند الشيخ الأشعري-: هو العلم بالمسموعات، والبصر العلم ~~بالمبصرات (¬1). # وعند سائر المتكلمين غير العلم، والانكشاف بهما أكمل من الانكشاف به. # وفيه نظر إذ ذلك إنما يتصور في غيره تعالى، وأما بالنسبة إليه، فلا ~~يتفاوت انكشاف الأشياء. # فإن قلت: قد قررت أن عندكم صفات الأفعال حادثة، فكيف يصح قول المصنف: لم ~~يزل بأسمائه. إذ مرجع الأسماء كالخالق والباري إلى صفات الفعل، وهي حادثة ~~(¬2)؟ PageV04P213 # قلت: في أسمائه اعتباران اعتبار التعلق، والحدوث، كالخلق بمعنى الإيجاد، ~~والغفار بمعنى المتجاوز عن ذنوب عباده بعد وقوعها، فهي بهذا الاعتبار راجعة ~~إلى صفات الأفعال. # واعتبار الثبوت بمعنى أن له الخلق، والمغفرة، أي: شأنه ذلك فهي راجعة إلى ~~صفة الإرادة. # فإن قلت: فيكون وصفه بتلك الصفات مجازا. # قلت: إذا أريد بها الحدوث، فلا شك أنها حقيقة، وإذا أريد بها الصفات ~~الذاتية على التأويل، كما ذكرنا، فهي حقائق، لأن صفاته الحقيقية ليست ~~زمانية كما أن ذاته كذلك. # وبهذا يزول إشكال آخر يورد على ms420 كلامه تعالى، بأنكم تقولون: كلامه أزلي، ~~ولا شيء قبل الأزل، فكيف تصح صيغة الماضي في الأزل؟ مثل: {إنا أرسلنا نوحا} ~~[نوح: 1] ونظائره. # فإذا قلنا: إن صفاته غير زمانية سقط ذلك، إذ بالنظر إلى صفاته لا ماضي، ~~ولا مستقبل، وإنما عبر تارة بالماضي والأخرى بالمستقبل تفهما للمقاصد، ~~وتفننا في الكلام. # [قوله: "وما صح في الكتاب". # أقول: يريد أنه قد ورد في الآيات، والأحاديث صفات أخرى منها: ما هو ظاهر، ~~ومنها ما] (¬1) فيه إشكال، فما كان معناه ظاهرا نعتقد منه ذلك المعنى ~~الظاهر (¬2) إن كان لائقا به مشعرا بالتعظيم. PageV04P214 # وما ليس بظاهر، ففيه مذهبان، مذهب السلف التفويض (¬1) إليه تعالى، PageV04P215 # وأنه مستأثر بعلمه ليس لأحد سبيل إلى ذلك، ومذهب الخلف التأويل بما يرجع ~~إلى معنى يليق به تعالى (¬1). # قيل: مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أحكم (¬2)، أما الأول: فلأن الإيمان ~~به كاف على إجماله، وأما الثاني: فلأنه يحتاج إلى دقة نظر، وتأمل وافر، ~~وأيضا نظرا إلى الثواب، فإن الأجر على قدر المشقة، فمن أتعب قريحته في ~~استخراج معنى صحيح ليس كمن آمن به مجملا من غير تأمل، وتعب (¬3). PageV04P216 # وأمثلتها كثيرة في الآيات: {يد الله فوق أيديهم} [الفتح: 10]، {تجري ~~بأعيننا} [القمر: 14]، {والسماوات مطويات بيمينه} [الزمر: 67]، {خلقت بيدي} ~~(¬1)، {بيده ملكوت كل شيء} (¬2). # وفي الأحاديث: "إن قلوب بى آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن" (¬3). # "الصدقة تقع في كف الرحمن قبل وقوعها في يد السائل" (¬4). PageV04P217 # "يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين" (¬1) إلى غير ذلك (¬2). PageV04P218 # فعند الخلف اليد: القدرة (¬1) والعين: الحفظ، والكلأ (¬2)، مجاز مرسل PageV04P219 # من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم (¬1). # وكذا الأصبعان (¬2): الجلال، والجمال يسعد ويشقي، ومن له قدم راسخ في علم ~~البلاغة، له يد طولى في تنزيل كل منهما على ما يليق به. PageV04P220 # قوله: "القرآن كلامه غير مخلوق". # أقول: كون الباري تعالى متكلما لم يخالف فيه أحد من أرباب الملل، ~~والمذاهب (¬1). # وقد تواتر كونه تعالى آمرا ناهيا إنما الخلاف في معنى كلامه، وفي قدمه، ~~وحدوثه. # فعند أهل الحق (¬2) أنه قديم ليس من جنس الحروف، والأصوات، بل صفة قديمة ~~قائمة بذاته ms421 تعالى منافية للآفة، والسكوت، هو بها آمر ناه، كما أنه عالم ~~بالعلم، قادر بالقدرة، يدل عليها تارة بالعبارة، وتارة بالكتابة، فإذا عبر ~~عنها بالعربية كان قرآنا، وبالعبرية، فتوراة، وبالسريانية، فإنجيل إلى غير ~~ذلك، كما إذا ذكر الله تعالى بلغات مختلفة، فالمسمى واحد، وإن كانت اللغات ~~مختلفة. PageV04P221 # وخالف في ذلك جميع الفرق زعما منهم أنهم لا معنى للكلام إلا المنتظم من ~~الحروف، فالحنابلة، والحشوية (¬1) على أن القرآن هو الحروف المنتظمة ~~المترتبة، ومع كون كل كلمة منه مسبوقة بأخرى (¬2) كان ثابتا في الأزل قائما ~~به تعالى (¬3)، وأن المسموع PageV04P222 # من زيد، وعمرو، والمكتوب في اللوح والورق قديم (¬1). PageV04P223 # والكرامية (¬1): على أنه الحروف المنتظمة، وهي حادثة قائمة بذاته تعالى ~~عن ذلك علوا كبيرا. # والمعتزلة: لما رأوا فساد القولين غنيا عن الاستدلال وسمعوا قوله تعالى: ~~{قرآنا عربيا} [يوسف: 2] (¬2)، وقوله: {بلسان عربي مبين} [الشعراء: 195]، ~~{وإنه لذكر لك} [الزخرف: 44]، {إنا نحن نزلنا الذكر} [الحجر: 9] إلى غير ~~ذلك، ولا شك أنها صفات الحادث. # قالوا: هو المنتظم من الحروف الحادثة، والمركب من الحادث حادث، ولا يجوز ~~قيام الحادث بذاته تعالى. # فمعنى كونه متكلما أنه موجد للكلام في الغير، كما أوجده في الشجرة (¬3) ~~لموسى. PageV04P224 # وأهل الحق (¬1): يقولون: بما قال به المعتزلة، إنما الخلاف معهم في إثبات ~~معنى آخر وراء الألفاظ أعني المعنى القديم هو بذلك متكلم لا بإيجاده ~~الألفاظ في لسان زيد، وعمرو. # ولنا -على إثبات ذلك المعنى القديم-: أنه تعالى متكلم اتفاقا، ولا يجوز ~~أن يكون ذلك لإيجاده الألفاظ على لسان زيد، وعمرو، إذ لا يشتق اسم الفاعل ~~إلا من قام به الفعل، فالمتحرك هو من قام به الحركة لا من أوجد الحركة، هذا ~~قانون لغة العرب لا يمكن لأحد إنكاره. وإذا ثبت أنه متكلم، ومن الضروريات ~~المعلومة بأوائل العقول أن ما كان فيه تركيب، وترتيب، وانتظام لا يكون ~~قديما، وما ليس بقديم لا يجوز قيامه بذاته تعالى، فقد تحقق أن هناك معنى ~~آخر، وراء هذه الألفاظ الحادثة هو بها متكلم. # ولنا -أيضا-: أن كل أحد يجد من نفسه حين ms422 الأمر، والنهي، والإخبار، ~~والاستخبار معاني يعبر عنها بعبارات مختلفة، تلك المعاني التي يعبر عنها ~~بتلك الألفاظ هي التي تسمى بالكلام النفسي، وهي ليست بعلم، لأن الإنسان ~~كثيرا ما يخبر بما لا يعلم، ولا أراده، لأنه كثيرا ما يخبر، ويأمر بما لا يريد. # قالوا: قد علم من دين النبي ضرورة أن ما يقرؤه الإنسان في صلواته كلام ~~الله، وأن النبي دعا العرب إلى المعارضة بالقرآن، وانعقد الإجماع على أن من ~~قال: ما بين دفتي المصحف ليس بقرآن، فهو كافر. PageV04P225 # قلنا: كل ذلك مسلم، ولفظ القرآن، والكلام مشترك بين المعنيين، أو مجاز في ~~تلك الألفاظ صار حقيقة عرفية لا يجوز سلبها، وإليه أشار المصنف على الحقيقة ~~لا المجاز، مكتوب في مصاحفنا محفوظ في صدورنا، مقروء بألسنتنا (¬1). # ولكن لا يكفي ذلك في وصفه تعالى بكونه متكلما، لأن تلك المعاني ليست ~~قائمة به تعالى، ولا يصير متكلما بكلام لا يقوم به. # ويجوز أن يكون معنى قول مشايخ أهل السنة أن القرآن هو المقروء بألسنتنا، ~~المحفوظ في صدورنا، المكتوب في مصاحفنا، هو المعنى القديم، وصفا للمدلول ~~بصفة الدال، أي: المفهوم من القراءة، المعلوم من الخطوط والألفاظ المسموعة، ~~وهذا معنى قولهم: القراءة حادثة (¬2)، والمقروء قديم وإلا فالمقروء الذي هو ~~الألفاظ، والحروف الذي يتكلم به المتكلم الحادث لا يعقل كونه قديما. # قالوا: لو كان كلامه أزليا لزم الكذب في أخباره في نحو، قوله: {إنا ~~أرسلنا نوحا} [نوح: 1]، وقوله: {ولقد آتيناك سبعا من المثاني} [الحجر: 87]، ~~ولو اتصف بالكذب في الأزل امتنع صدقه، لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه. PageV04P226 # وأيضا الآمر بلا مأمور، والخطاب بلا مخاطب عبث. # الجواب -عن الأول-: أن الكلام في الأزل لا يتصف بالمضي والاستقبال، لأنه ~~صفته القديمة. # وقد قدمنا أن صفاته غير زمانية، وإنما حدث المضي، والاستقبال في الألفاظ ~~الحادثة تمييزا بين المعاني. # والجواب عن الثاني-: أن العبث إنما يلزم لو كان في القدم كلام بمعنى ~~الألفاظ المسموعة، وليس كذلك، بل في الأزل كلام قديم نفسي، فيكفي فيه ~~الوجود العقلي على معنى أنه إذا وجد ms423 ذلك خوطب بألفاظ مسموعة. # قوله: "يثيب على الطاعة". # أقول: دلت الآيات، والأحاديث على أن الله تعالى يثيب المطيع ويعاقب ~~العاصي (¬1). PageV04P227 # فالثواب: فضل منه، والعقاب عدل لا وجوب عليه، ولا استحقاق عقلا خلافا ~~للمعتزلة. # لنا: أن طاعة العبد، وإن عظمت لا تفي بشكر بعض ما أنعم عليه من نعم ~~الدنيا من السمع، والبصر، بل لو قيل لرجل [أعمى] (¬1): إن كنت تصلي كل يوم ~~حمسين صلاة، وتصوم الدهر، وتقوم شطر الليل نعطيك نور البصر يقبل ذلك بلا ~~توقف، وإذا كان الأمر على هذا المنوال، فكيف يستحق العبد بمحقرات أعماله ~~النعيم المقيم؟ الذي لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر (¬2). PageV04P228 # قالوا: {جزاء بما كانوا يكسبون} [التوبة: 82]، {وتلك الجنة التي ~~أورثتموها بما كنتم تعملون} [الزخرف: 72]، {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} ~~[الرحمن: 60] إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على سببية الأعمال. # قلنا: الكلام في الاستحقاق بمعنى اللزوم بحيث لا يجوز تركه عقلا، ~~والآيات، والأحاديث محمولة على السبب العادي، ولا خلاف في ذلك، فإنه تعالى ~~أخبر أن الجنة دار الصالحين من عباده: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كانت لهم جنات الفردوس نزلا} [الكهف: 107]. # وفي الحديث القدسي: "خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون" (¬1)، ~~وبما ذكرنا يوفق بين الأحاديث، والآيات الدالة على السببية، وبين قوله -صلى ~~الله عليه وسلم-: "إن أحدكم لن يدخل الجنة بعمله. PageV04P229 # قيل: وأنت؟ قال: وأنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" (¬1). # وكذا العقاب على المعصية ليس بواجب عقلا، إلا أن الآيات والأحاديث دلت ~~على أنه واقع قطعا، وأن من مات على الكفر لا يغفر له بنص الكتاب: {إن الله ~~لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] ولولا الدلالة ~~من النص لما وجب القول بذلك عقلا، ولذلك قال عيسى صلوات الله عليه: {إن ~~تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} [المائدة: 118]، ~~فجوز المغفرة مع الموت على الشرك تجويزا عقليا (¬2). PageV04P230 # وما عدا الشرك إما صغيرة، أو كبيرة، والصغائر تكفر باجتناب الكبائر (¬1) ~~وبالصلوات الخمس، ms424 وبالجمعة (¬2). # والوضوء (¬3) على ما نطقت به الأحاديث الصحيحة. PageV04P231 # وأما الكبائر فإما أن يتوب عنها، أو لا، فإن تاب عنها فالتوبة تجب ما ~~قبلها، وقد نطقت الآيات (¬1)، والأحاديث (¬2) بأنه يقبل التوبة عن عباده PageV04P232 # ويعفو عن السيئات (¬1) بحيث لا مجال لانكاره. وإنما الخلاف في الوجوب، ~~فعند المعتزلة على سبيل (¬2) الوجوب، وعند أهل الحق لا وجوب عليه تعالى، ~~لأنه متصرف في ملكه لا يتصور الوجوب واللزوم في حقه، وإليه أشار المصنف ~~بقوله: "له إثابة العاصي، وتعذيب المطيع وإيلام الدواب، والأطفال" (¬3). # "ويستحيل وصفه بالظلم" (¬4)، لكنه أخبر أنه يقبل التوبة، ولا خلف في ~~قوله، فلذلك نجزم بذلك لا قضية للعقل، بل تصديقا لكلامه، وكلام نبيه. PageV04P233 # ثم ذلك الجزم ليس في كل أحد يتوب، بل في مطلق التائبين، وأما زيد بخصوصه ~~إذا تاب، فالأكثرون من أهل الحق على أن قبول توبته ظني لا قطعي. # قال إمام الحرمين: "قبول التوبة ثبوته بدليل ظني (¬1) إذ لم يثبت في ذلك ~~دليل قطعي لا يقبل التأويل" (¬2). # وعندي في هذا نظر؛ لأن قوله: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} [الشورى: ~~25] نص في ذلك، لأن الجمع المضاف يفيد الاستغراق، نظيره قوله: {ولا يرضى ~~لعباده الكفر} [الزمر: 7] أي: لكل فرد فرد، وقوله: {إلا من تاب وآمن وعمل ~~عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} [الفرقان: 70]، ولفظ (من) عام ~~بإجماع أهل العربية والأصول. PageV04P234 # وأما الكبائر، فصاحبها الذي مات قبل التوبة فهو في المشيئة، كما دلت عليه ~~الآيات، والأحاديث (¬1)، خلافا للمعتزلة القائلين بخلوده في النار، وعدم ~~جواز العفو عنه. # وكلامهم في ذلك مصادم لنصوص الكتاب، والأحاديث وقد ضلوا (¬2) في ذلك ~~ضلالا بعيدا (¬3). # ثبتنا الله على دينه، وأماتنا على كتابه، وسنة نبيه. # قوله: "يراه المومنون يوم القيامة". # أقول: ذهب أهل السنة إلى جواز رؤيته تعالى (¬4)، وإلى أن المؤمنين PageV04P235 # يرونه يوم القيامة، وفي الجنة (¬1) منزها عن الجهة، والمقابلة، والمكان ~~(¬2). PageV04P236 # وخالفهم في ذلك جميع الفرق، فإن من قال برؤيته من المجسمة، والكرامية، ~~فإنما يقولون برؤيته في الجهة، والمكان. # ثم القائلون بالرؤية من أهل الحق على أن رؤيته ليست ms425 بارتسام صورة المرئي ~~في الحدقة، ولا باتصال الشعاع الخارج عن الحدقة المتصل بالمرئي، بل عبارة ~~عن الانكشاف التام الذي هو فوق الانكشاف بالعلم PageV04P237 # بأن يخلق الله تعالى نورا في البصر زائدا على النور الذي في القلب يعلم ~~به ذاته أقوى، وأبلغ من العلم الحاصل بنور القلب (¬1). # لنا -على هذا المطلوب عقلا- الاتفاق على [رؤية] (¬2) الأشياء الممكنة من ~~الجواهر، والأعراض، ومصحح الرؤية فيها لا بد وأن يكون مشتركا، والمشترك ~~الإمكان، والحدوث، والوجود، والإمكان والحدوث لا يصلح كل منهما علة لا ~~انفرادا، ولا اجتماعا، لأنهما أمران اعتباريان لا وجود لهما في الخارج. # والمراد بمصحح الرؤية ما تتعلق به الرؤية في الخارج. # لا يقال: الوجود أيضا ليس بموجود، بل الموجود من قام به الوجود من ~~الكائنات، فلا يتم دليلكم. # قلنا: مطلق الكون في الأعيان الذي هو معنى الوجود أمر مشترك بين ~~الموجودات زائد عليها في التعقل، وفي الخارج كل هوية، وشخص متحد مع وجوده ~~لا تمايز بينهما، وإذا كان كذلك صح أن يكون الوجود متعلق الرؤية، لأنه ~~مشترك بين الموجودات، ومتحد مع معروضه في الخارج. PageV04P238 # وعند المتكلمين: أن الوجود مشترك معنى بين الممكن والواجب، وحيث كان هو ~~علة الرؤية في الممكن، فكذا في الواجب. # وأما سمعا: فالآيات قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة} ~~[القيامة: 22 - 23] (¬1). PageV04P239 # والنظر الموصول بإلى هو الرؤية صرح به أهل اللغة (¬1). PageV04P240 # وبالإجماع إذ الأمة كانت مجمعة على ذلك قبل ظهور أهل البدع، والأهواء (¬1). # والأحاديث، فإن الأحاديث المروية في باب الرؤية رواها واحد وعشرون صحابيا ~~(¬2). PageV04P241 # وقولهم النظر في الآية بمعنى الانتظار مردود، لأنه كلام مسوق للامتنان، ~~وقد اشتهر أن الانتظار موت أحمر، فلا يلائم المقام. # قالوا: الرؤية بدون المقابلة مستحيلة، بديهي استحالتها غني عن الدليل. # قلنا: دعوى الضرورة فيما خالف فيه الجم الغفير غير مسموعة، بل الضروري ~~جوازها إذ الرؤية لمحض خلق الله يخلق لمن شاء متى شاء كيف شاء. PageV04P242 # قالوا: قوله: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] نص في عدم جواز الرؤية، ~~لأنه جمع مستغرق، فيفيد نفي الرؤية عن كل فرد. ms426 # قلنا: الإدراك هو الرؤية، مع الإحاطة، فهو أخص من الرؤية (¬1)، ولا يلزم ~~من نفي الخاص نفي العام (¬2)، ولو سلم فالنفي متوجه إلى قيد الاستغراق، أي: ~~لا يراه كل أحد، وهو كذلك وإذا احتمل هذا الاحتمال سقط به الاستدلال. # قالوا: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل ~~رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} [الشورى: 51] سيقت الآية لبيان عدم جواز رؤيته ~~إذ وقت التكليم أشرف أوقات العبد، فإذا لم يره إذ ذاك، ففي غيره بالطريق ~~الأولى. # قلنا: سوق الآية لبيان أنواع التكليم (¬3)، وقوله: {وحيا} أعم من أن يكون ~~مع الرؤية، وبدونه، بل الواجب الحمل على حال الرؤية ليحسن عطف قوله: {أو من ~~وراء حجاب} عليه (¬4). PageV04P243 # قالوا: حيث ذكر الله الرؤية استعظمه غاية الاستعظام، واستنكره، وما ذلك ~~إلا لعدم جوازه (¬1). # قلنا: استعظمه، لأن طلبهم ذلك على وجه التعنت، مع الأنبياء، ومن تأمل ~~مواقعه عرف ذلك. # قالوا: سؤال موسى وجوابه (¬2) كاف لنا دليلا على عدم الرؤية وجوازها. # قلنا: سؤال موسى وجوابه كاف لنا على جوازها. # بيان ذلك: أن موسى -مع علمه بالله تعالى، وبما يجوز ويمتنع عليه- لم يقدم ~~على الطلب إلا بعد علمه بالجواز. # وقوله تعالى: {انظر إلى الجبل} [الأعراف: 143] تعليق للرؤية بأمر ممكن، ~~وهو استقراره حين التجلي، فلو لم يكن ممكنا لم يسأله (¬3)، وعلى PageV04P244 # تقدير عدم الإمكان كان يرشده إلى العلم بذلك. وإنما وقع لموسى ما وقع: ~~لسؤاله ذلك قبل أوانه لا لاستحالته، ودعوى عدم علم موسى بجوازها يجر إلى ~~الكفر، لأنه يلزم منه أن يكون سفلة المعتزلة عالمين بما لم يعلمه كليم الله تعالى. # وإذا تقرر جواز رؤيته، فلا يمتنع رؤيته في الدنيا (¬1) كما هو مذهب بعض ~~الصحابة في رؤية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة المعراج (¬2). PageV04P245 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV04P246 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV04P247 # ولا في المنام كما روي عن بعض الأولياء، الصالحين إذ كما يخلق الله ~~الرؤية في الآخرة يخلقها في الدنيا (¬1) (¬2). # قوله: "السعيد من كتبه في الأزل". PageV04P248 # أقول: اختلف في السعادة (¬1)، والشقاوة هل يتبدلان أم لا؟ ! وهذه المسألة ~~هي المشهورة بموافاة ms427 الأشعري. # ومعنى الموافاة: الوصول إلى آخر الحياة، وأول الآخرة. # ومعناه: أن الإيمان المنجي هو الذي يكون الموافاة عليه لا الإيمان ~~السابق، لأنه ربما يطرأ عليه الارتداد، والعياذ بالله. والتحقيق -في هذا PageV04P249 # المقام- أن الخلف لفظي إذ السعادة التي في علمه تعالى لا يمكن تبدلها، ~~وكذا الشقاوة. # وأما بحسب الظاهر فإطلاق اسم السعادة على الإتيان بالأعمال الصالحة بناء ~~على الأمارات لا جزما بذلك، فإنه مفوض إلى علمه القديم. # ولذلك لا نحكم على أحد بأنه من أهل الجنة، أو أهل النار إلا من شهد له ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أو عليه، وإن كنا جازمين بأن المؤمنين ~~كلهم في الجنة، والكفار في النار. # والشيخ الأشعري -وإن قال بأن المعتبر إيمان الموافاة- لم يقل بأن من مات ~~مؤمنا حين تلبسه بالكفر كان مؤمنا إذ ذاك حقيقة، فقد تقرر أن لا خلاف في ~~المعنى، وهذا محصل شرح المقاصد في هذا المقام (¬1). # وقوله: "أبو بكر ما زال بعين الرضا". هذه العبارة منقولة عن الشيخ ~~الأشعري، وتخصيصه بالذكر، مع أن عمر أيضا، وكذلك على بعين الرضا. # قيل: لأنه لم يسبق له ارتكاب الشرك قبل البعثة. # وعندي فيه نظر، إذ ذلك لم يثبت، وعلي لم يخالف أحد في عدم مباشرته الشرك، ~~بل الأولى أن يقال: لما نص على أن العبرة بإيمان الموافاة ذكر الصديق، ~~كالدليل على ذلك، أي: ليس بعد النبي أفضل منه، مع أنه في جل عمره لم يكن ~~على هدى من الله، ولما كان مآله إلى الهدى كان في علمه تعالى من المختارين. PageV04P250 # قوله: "والرضا، والمحبة". # أقول: قد اختلف في حقيقة الرضا، والمحبة. # فقيل: هما نفس الإرادة والمشيئة (¬1). PageV04P251 # والحق: أنه ليس كذلك، إذ قد برهنا على أنه مريد الأشياء كلها، وقد نص في ~~الكتاب على أنه لا يرضى بالكفر (¬1)، فدل على أنهما غيران، فهما أخص من ~~الإرادة، لأنهما الإرادة مع ترك الإعراض، بل مع الإنعام والإفضال، فهما ~~راجعان إلى صفات الأفعال، هكذا قيل. # وفيه نظر: لأنهما إذا رجعا إلى صفات الأفعال يكونان مباينين للإرادة ~~لأنها من ms428 صفات الذات (¬2). # فإن قلت: فمن قال: بترادفهما مع الإرادة، ما قوله في الآية الكريمة (¬3)؟ # قلت: يقول: الإضافة في عباده للتكريم مثل قوله: {إن عبادي ليس لك عليهم ~~سلطان} [الحجر: 42] أي: عبادي المخلصين، كذا ذكره الواحدي (¬4) في الوسيط. PageV04P252 # قوله: "وهو الرازق". # أقول: الرازق -لغة- مصدر بمعنى إخراج الحظ إلى الغير لينتفع به، فأطلق ~~على المرزوق، وهو المعطى للانتفاع، وشاع في ذلك حتى صار حقيقة (¬1). # ثم اختلف أهل الحق، والاعتزال، فعند أهل الحق عام في الحلال، والحرام. # والدليل عليه: إطلاق المعنى اللغوي عن القيد، وقوله تعالى: {قل أرأيتم ما ~~أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا} [يونس: 59]، لأنه تعالى سمى ~~الحلال، والحرام رزقا. ولقوله: {وما من دابة في PageV04P253 # الأرض إلا على الله رزقها} [هود: 6] (¬1) وكم من ظالم لا يأكل في عمره ~~إلا حراما طلقا، فلو لم يسمى ما يأكله رزقا كيف تستقيم الآية (¬2)؟ # قالوا (¬3): أمر بالإنفاق من الرزق فقال: {أنفقوا مما رزقناكم} [البقرة: ~~254]، ومدحهم على الإنفاق من رزقه، فقال: {ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: ~~3]. PageV04P254 # قلنا: قرينة الأمر، والمدح على الإنفاق حقيقية، ولا كلام في ذلك، إنما ~~الكلام في تناول الاسم عند انتفاء القرائن (¬1). # قوله: "بيده الهداية". # أقول: عند أهل الحق أن إسناده الهداية (¬2)، والإضلال (¬3) PageV04P255 # والطبع (¬1)، والختم (¬2) إليه تعالى حقيقة، وإلى غيره مجازا وهما من ~~صفات الأفعال (¬3). # فمعنى الهداية: خلق الإيمان، والاهتداء، والإضلال: خلق الكفر، والضلال، ~~لأن الممكنات كلها مستندة إليه ابتداء لا موجد غيره (¬4). PageV04P256 # والمعتزلة -بناء على أصلهم الفاسد (¬1) - أنه لو خلق فيهم الاهتداء، أو ~~الضلال لما صح منه المدح، والثواب، ولا الذم، والعقاب. # قالوا: هدايته -تعالى- معناها: الإرشاد إلى طريق الحق لقوله: {والله يدعو ~~إلى دار السلام} [يونس: 25] أي: كل أحد، والإضلال: وجدان الشخص ضالا. # وقال بعضهم: الهداية الدلالة الموصلة إلى المطلوب، فالمؤمن مهدي: لأنه ~~واصل إلى المطلوب، والكافر ليس بمهدي: لأنه ليس واصلا إليه. PageV04P257 # وأما الإضلال، فإسناده إليه -تعالى- مجاز عن إقداره وتمكينه، والإضلال ~~حقيقة فعل الشيطان. # وعند أهل الحق الهداية على قسمين: # بمعنى الإرشاد إلى طريق الحق، وهي عامة للمؤمن، والكافر، ms429 وبمعنى خلق ~~الاهتداء، والإيمان، وهي خاصة بالمؤمن، وقد أشير إليهما في آية واحدة، وهي ~~قوله تعالى: {والله يدعو إلى دار السلام (¬1) ويهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم} [يونس: 25]. # فأول الآية في العامة، وآخرها في الخاصة (¬2)، اللهم اهدنا سواء السبيل. # قوله: "والتوفيق خلق قدرة الطاعة". PageV04P258 # أقول: اختلف في معنى التوفيق (¬1)، الجمهور: على أنه خلق قدرة الطاعة، ~~وضده الخذلان: وهو خلق قدرة المعصية (¬2). # وقال إمام الحرمين: التوفيق خلق الطاعة (¬3) وإنما عدل عن قول الأصحاب: ~~لأن قدرة العبد ليست في فعله. # قال: ومعنى العصمة معنى التوفيق، فإن عممت كانت توفيقا عاما وإن خصصت كان ~~توفيقا خاصا (¬4). # واللطف (¬5): منهم من جعله مرادفا للتوفيق. PageV04P259 # وقال المصنف: اللطف شيء يقع عنده صلاح العبد، فكل فعل علم الله أن العبد ~~يطيع عنده بالطاعة والإيمان، فهو لطف. وما وقع من ألفاظ الشارع في حق ~~الكفار من الختم (¬1)، والطبع (¬2)، والأكنة (¬3). PageV04P260 # فمعناها: خلق الضلالة، كما قدمنا، وإسناده إليه تعالى حقيقة. # قوله: "والماهية مجعولة". # أقول: اختلف المتكلمون، والفلاسفة في أن الماهية مجعولة، أم لا؟ # بعد الاتفاق على أن الممكن لا بد له من فاعل مؤثر فيه. # فذهب أهل الحق: إلى أنها مجعولة مطلقا. # والفلاسفة، والمعتزلة: إلى أنها ليست مجعولة، أي ليس شيء منها بجعل ~~الجاعل. # وفصل بعضهم: فقال: البسائط ليست مجعولة بخلاف المركبات (¬1) والضروري هنا ~~محل الخلاف. PageV04P261 # فنقول: لما كان عند الفلاسفة القائلين بالوجود الذهني لوازم الماهية (¬1) ~~على ثلاثة أقسام، إما لوازم الماهية من حيث هي PageV04P262 # كالزوجية للأربعة، والفردية للثلاثة، فإنهما لا يفارقان ماهية الأربعة، ~~والثلاثة حيث وجدتا ذهنا، وخارجا. # وإما لوازم الوجود الذهني: كالكلية، والذاتية، والعرضية، والجنسية، ~~والفصلية، فإنها من لوازم الماهية لا مطلقا، بل بالنظر إلى وجودها الذهني. # وإما لوازم الوجود الخارجي: كالحدوث لماهية الجسم، فإنه من لوازم وجوده ~~الخارجي. # ولما كان -عند المعتزلة- إعدام الممكنات، أي: الماهيات الممكنة ثابتة ~~أزلية لم يتصور جعل بالنظر إليها، بل بالنظر إلى الوجود الحادث. # [ونظر بعضهم إلى أن المركب يحتاج إلى الأجزاء، والبسيط لا يحتاج إليها، ~~فقال: المركبة مجعولة دون البسائط، وهذا قول ms430 باطل] (¬1): لأن الاحتياج من ~~لوازم الممكن، فلا تفاوت بين المركب، والبسيط، كما ستقف عليه في أثناء هذا ~~التقرير. # وأهل السنة لما لم يكن عندهم وجود ذهني، ولا تقرر في العدم للماهيات ~~أيضا، جزموا القول بأن الماهيات كلها مجعولة. # ويظهر لك من هذا أن لا خلاف في التحقيق بين الطوائف، لأن الجعل الذي يقول ~~به أهل الحق، معناه، جعل الذات متصفة بالوجود، أي: ما تعلق تأثير المؤثر به ~~ليس هو الماهية بمعنى أن ماهية الإنسان -مع قطع PageV04P263 # النظر عن الوجود- وقع عليها تأثير المؤثر، لأنها مع قطع النظر عن الوجود ~~ليست بشيء، ولا ثابتة، فكيف يعقل التأثير؟ . # وكذلك الوجود ليس محلا للتأثير، لأن الوجود ليس موجودا في الخارج، بل هو ~~أمر اعتباري. # بل معنى تأثير المؤثر تصير الماهية المعقولة متصفة بالوجود الخارجي. # مثاله: الصباغ الذي يصبغ الثوب ليس تأثيره في الثوب بمعنى جعله الثوب ~~ثوبا، ولا في الصبغ كذلك، لأن الصبغ غير موجودة كالثوب، بل تأثيره في ~~تصييره الثوب متصفا بالصبغ. # فعلى هذا ارتفع النزاع: لأن القائلين: بأن الماهيات ليست مجعولة، يريدون ~~بالنظر إلى نفس الماهية، والوجود الذهني، كما هو رأي الفلاسفة القائلين ~~بالوجود الذهني. # أو بالنظر إلى تقررها في حال العدم كما تقوله المعتزلة، والكل قائلون ~~بأنها مجعولة بالنظر إلى الوجود الخارجي. # وأما أهل الحق، فلم يقولوا بالوجود الذهني، ولا بالتقرر في العدم، فعندهم ~~لا جعل إلا بالنظر إلى الوجود الخارجي، إذ لا يقول عاقل بأن تأثير المؤثر ~~في الماهية المعدومة حال عدمها. # فقد اتضح لك المقام، ونجوت مما خبط فيه الأقوام. # قوله: "أرسل الرب تعالى رسله بالمعجزات". PageV04P264 # أقول: مما يجب على المكلف اعتقاد أن الله أرسل الرسل من البشر إلى البشر ~~(¬1) مبشرين، ومنذرين (¬2). # وبدونهم لا يمكن الوصول إلى الله، ولا يصح سلوك الطريق إليه، لأن العقل ~~لا يقدر على إدراك أحوال يوم القيامة، والحشر، والنشر (¬3). PageV04P265 # وأيده بالمعجزات الباهرات إذ مدعي النبوة لا بد له من دليل على دعواه، ~~والمعجزة دليله؛ لأنه تصديق فعلي من الله بمثابة أن يقول: هذا رسولي ms431 إليكم. # ولم ينحصر عدد الأنبياء (¬1)، ولا PageV04P266 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV04P267 # الرسل (¬1)، قال الله تعالى: {منهم من قصصنا عليك (¬2) ومنهم من لم نقصص ~~عليك} [غافر: 78]. # وآخرهم أفضلهم سيد الأولين، والآخرين محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، ~~فهو خاتم الأنبياء، كما نطق به التنزيل (¬3). PageV04P268 # وسيدهم كما تواتر بذلك الأخبار (¬1)، وأفرادها، وإن كانت آحادا أن القدر ~~المشترك منه متواتر. PageV04P269 # وقد أرسل إلى الناس كافة نطق به القرآن (¬1). وبعث إلى الجن كما بعث إلى ~~الإنس لقوله: "بعثت إلى الأحمر والأسود" (¬2) PageV04P270 # والأسود (¬1): الجن (¬2). PageV04P271 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV04P272 # وقد نطق التنزيل بإيمان الجن به، وسماعهم القرآن منه (¬1). # واختلف في إرساله إلى الملائكة والظواهر تدل عليه مثل: {للعالمين نذيرا} ~~[الفرقان: 1]، {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107] (¬2). # وبعده أفضل الخلق الأنبياء على الإجمال، وبعدهم الملائكة. # هذه عقيدة أهل الحق (¬3). PageV04P273 # والملائكة -عندهم- أجسام لطيفة لهم قوة التشكل، والتبدل قادرة على أفعال ~~شاقة، عباد مكرمون مواظبون على الطاعة معصومون عن المخالفة والفسق (¬1)، لا ~~يوصفون بالذكورة والأنوثة، ومع ذلك الأنبياء أفضل منهم. PageV04P274 # والدليل -عليه- عقلا، ونقلا. # أما عقلا: فلأن الأنبياء معصومون، مع ما فيهم من الشواغل، والقوى ~~الشهوانية، والغضبية، فالقيام بالعبادة، مع تلك الشواغل أشق، وأحمز، وكل ما ~~كان أشق كان أبلغ في استحقاق الثواب. PageV04P275 # ولأنهم بعثوا لتكميل الخلق، والهداية، واحتملوا أعباء النبوة وقاسوا من ~~الجهلة، والسفهاء ما نطق به الآيات (¬1)، والأخبار. # وأما نقلا: فلأنهم أمروا بالسجدة (¬2) لآدم، والمفضول يؤمر بإكرام الفاضل ~~لا العكس. # ولأن آدم كان في رتبة التعليم، ولا شك أن المعلم أفضل من المتعلم. ولا ~~يرد تعليم جبريل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لأنه مجاز عن الإعلام، ~~والإخبار، والمبلغ عن الغير لا يوصف بكونه معلما إلا تجوزا. # ولقوله تعالى: {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على ~~العالمين} [آل عمران: 33] (¬3) والملائكة من العالمين. PageV04P276 # قالوا: قوله تعالى: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة ~~المقربون} [النساء: 172] صريح في كونهم أفضل من المسيح، كما تقول: لا ~~يستنكف عن إكرام العلماء لا الوزير، ولا السلطان. # الجواب: أن تلك الآية سيقت للرد على النصارى في ادعائهم ms432 الألوهية في ~~المسيح، لكونه مولودا من غير أب، وهو روح الله القدس. # قيل -لهم-: لو كان ذلك مقتضيا للألوهية، لكانت الملائكة أولى بذلك، ~~لكونهم مقربين لديه من غير أب، ولا أم، فإذا لم يصلحوا للألوهية، فعيسى ~~بطريق الأولى، لأنه حواه بطن الأم، وتولد، كما يتولد أحدكم. # وللمعتزلة تمسكات أخر بالآيات الظواهر. # والجواب عنها ظاهر، فلا نطول الكتاب بذكرها، فالموفق لا يتوقف فيها. # وقد انقرضت - بحمد الله شرذمة المعتزلة الضالين والعاقبة للمتقين، والحمد ~~لله رب العالمين. # قوله: "والمعجزة أمر خارق للعادة". # أقول: لما قدم أن الرسل قد أيدت بالإعجاز عرف المعجزة فقال: هي أمر خارق ~~للعادة (¬1). PageV04P277 # وإنما قال: "أمر" ليشمل الفعل مثل نبع الماء من بين أصابعه (¬1) -صلى ~~الله عليه وسلم- (¬2). # وعدم الفعل: كعدم إحراق النار للخليل صلوات الله عليه (¬3) وبمقارنة ~~التحدي: خرجت كرامات الأولياء، والعلامات السابقة على PageV04P278 # البعثة: كتسليم الحجر (¬1)، وتظليل الغمام (¬2)، وسطوع النور في وجوه ~~الآباء الذين انتقل من أصلابهم (¬3)، فإن تلك تسمى إرهاصات للنبوة، وبعدم ~~المعارضة: خرجت الشعوذة (¬4)، والسحر. # والتحدي: هو الدعوى، والحث على المعارضة مثل قوله: {فأتوا بسورة من مثله ~~وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين} [البقرة: 23]. # والخوارق أربعة أقسام: إن قارن التحدي سمي معجزة، وإن قارنت الأعمال ~~الصالحة بدون التحدي، فهي الكرامة، وإن خالفت المقصود تسمى إهانة. PageV04P279 # كما روى أنه قيل -لمسيلمة الكذاب (¬1) -: إن محمدا كان يضع يده على عين ~~الأعمى، فيبصر، ويزول عنه العمى، فإن كنت نبيا لم لا تفعل مثله؟ # فقال: ائتوني بأعمى، فوجد هناك أعور، فوضع يده على عينه العوراء، فعميت ~~الصحيحة أيضا (¬2). PageV04P280 # وتارة تقع لعوام الناس الذين ليسوا من عداد الأولياء أمور خارقة تسمى تلك معونة. # قوله: "الإيمان". # أقول: الإيمان -لغة-: التصديق (¬1): {وما أنت بمؤمن لنا} [يوسف: 17] أي: مصدق. # ويتعدى إلى مفعولين تقول: آمننيه، وآمنت زيدا، ويضمن تارة معنى الإقرار، ~~والاعتراف، فيعدى بالباء، مثل: {يؤمنون بالغيب} [البقرة: 3]، وتارة معنى ~~الإذعان، فيعدى باللام مثل: {فآمن له لوط} [العنكبوت: 26]، وإذا ثبت أنه في ~~اللغة (¬2) التصديق، فهو في الشرع -أيضا- كذلك، ولم ينقل. # أما أولا: ms433 فلأن النقل خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلا بدليل. # وأما ثانيا: فلحديث جبريل حين سأل عن الإيمان، فقال رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- في جوابه: "الإيمان أن تؤمن بالله" (¬3) أي: تصدق إلى آخر ~~الحديث. PageV04P281 # فأطلق لفظ الإيمان: لأنه كان معلوما عندهم، وفصل المؤمن به إلا أنه في ~~اللغة اسما لمطلق التصديق. # وفي الشرع: للتصديق الاختياري بأمور مخصوصة، وهي ما علم مجيء الرسول بها ~~ضرورة من الدين، ويمتاز عن المعرفة والعلم بربط القلب على المؤمن به ولذلك ~~يثاب عليه. # وحاصله: أنه لا يجامع الإنكار بخلاف المعرفة والعلم (¬1) قال تعالى: ~~{يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} [البقرة: 146]. # وقال موسى -لفرعون-: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض} ~~[الإسراء: 102]. # فمن صدق بقلبه، ولم يتمكن من التلفظ، فإيمانه منج عند الله، وكذا الذي به ~~آفة كالخرس. # وأما غيرهما من القادر المتمكن، فلا يشترط (¬2) التلفظ في حقه إلا لإجراء ~~أحكام المسلمين عليه في الدنيا من الصلاة عليه، ودفنه في مقابر PageV04P282 # المسلمين كذا في شرح المقاصد للعلامة التفتازاني (¬1) فعلى هذا ما ذكره ~~المصنف من أن التلفظ شرط، أو شطر (¬2) يحمل عليه لا على الإيمان المنجي. PageV04P283 # والخلاف إنما هو عند عدم الإباء عند المطالب وأما المصر لدى المطالبة، ~~فكافر وفاقا. # وقيل: مركب من الاعتقاد، والقول، وإليه ذهب أبو حنيفة (¬1). وقيل: منهما، ~~ومن الأعمال (¬2). PageV04P284 # وإليه ذهبت الخوارج (¬1)، والمعتزلة إلا أن تارك العمل كافر عند الخوارج، ~~فاسق عند المعتزلة. PageV04P285 # مع اتفاقهم على خلوده في النار. # وما ينقل عن الشافعي، وأهل الحديث أن الإيمان: تصديق الجنان، وعمل ~~الأركان، وإقرار اللسان (¬1)، فيجب حمله على الإيمان الكامل. PageV04P286 # لأنهم أجمعوا على أن من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان يخرج من النار (¬1). # ومن قال: لا إله إلا الله دخل الجنة (¬2). PageV04P287 # وحديث أسامة (¬1): "هلا شققت قلبه؟ " (¬2). PageV04P288 # ولاتفاقهم على أن إيمان اليأس غير مقبول (¬1). # ولا شك أن ذلك الإيمان لا يمكن جمعه مع الأعمال، وإنما عللوا عدم نفعه ~~لمعاينة العذاب، وإشرافه على الدار الآخرة وصيرورته في عدادها (¬2)، لا، ~~لأن الأعمال داخلة، أو شرط. # ولأن ms434 أهل الحديث، والشافعي أعلم الناس بلغة العرب، وبمعاني النصوص. # وقد عطف في الآيات الأعمال على الإيمان في مواضع لا تحصى (¬3). PageV04P289 # وكم من آية نطقت بالإيمان، مع وجود المعاصي، {وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا فأصلحوا بينهما} [الحجرات: 9]، {ياأيها الذين آمنوا توبوا إلى ~~الله} [التحريم: 8]. # وليس العجب من متأخري الحنفية إذا التبس عليهم هذا الذي حررناه (¬1) بل ~~من بعض علماء الغرب (¬2) المتطلعين على قواعد الشريعة من الآيات والأخبار ~~حيث يصرح بأن الإيمان -عند الشافعي- مركب من ثلاثة أشياء، ويجعل التلفظ، ~~والعمل ركنا (¬3). PageV04P290 # والشافعي يقول: تارك الصلاة (¬1) يقتل، ويدفن، ويصلى عليه. PageV04P291 # وإذا تقرر أن الإيمان فعل القلب، وأنه التصديق على الوجه المذكور، فهو ~~يزيد، وينقص (¬1) عند الأشاعرة، وأهل الحديث، وقد نقل عن الشافعي. PageV04P292 # ومنعه كثير من العلماء، ونسب إلى أبي حنيفة. # ومنهم من بنى الخلاف على أنه التصديق وحده، أو مع الأعمال، فعلى الأول لا ~~يقبل. PageV04P293 # وعلى الثاني: يقبل، وإليه ذهب الإمام الرازي منا (¬1)، وإمام الحرمين (¬2). # قالوا: الإيمان الذي هو نفس التصديق البالغ حد الجزم، والإذعان لم يكن ~~يقينا، لأن اليقين لا يتفاوت. # والجواب: منع عدم تفاوت اليقين، وكفاك قول قدوة الموحدين: {ولكن ليطمئن ~~قلبي} [البقرة: 260] (¬3). # وقول علي رضي الله عنه: "لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا"، إذ لو لم يكن ~~اليقين قابلا للزيادة لكان قوله: "ما ازددت يقينا"، لغوا. # ولقوله تعالى: {ثم لترونها عين اليقين} [التكاثر: 7] فإن الإتيان ب "ثم" ~~دال على أن عين اليقين أعلى مراتب اليقين. ولأنا لا نشك في أن تصديق النبي ~~أعلى، وأكمل من تصديق أبي بكر، وتصديق أبي بكر أعلى من تصديق سائر الناس، ~~وقس على هذا. PageV04P294 # قوله: "والإسلام". # أقول: الإسلام -لغة-: الانقياد (¬1)، واستسلام الجوارح: {قالت الأعراب ~~آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} [الحجرات: 14] (¬2) أي: انقدنا، ~~وأذعنا. PageV04P295 # وأما شرعا (¬1): فلا يوجد مؤمن لا يكون مسلما، ولا مسلم لا يكون مؤمنا، ~~وهذا مراد الجمهور بقولهم: مترادفان لاتحاد مفهوم الاسمين كما هو شأن ~~الترادف اللغوي. PageV04P296 # وهذا لا يمكن أن يشك فيه أحد إذ لا يتصور أن يكون شخص عند ms435 الله ليس ~~بمؤمن، ولا العكس. # وما ورد في الآيات من إثبات أحدهما، وسلب الآخر مثل: {قل لم تؤمنوا ولكن ~~قولوا أسلمنا} [الحجرات: 14]. # والعطف مثل قوله: {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات} [الأحزاب: 35]. # إنما هو بالنظر إلى المعاني اللغوية (¬1)، ولذلك ذكر الصوم، والصدقة ~~بعدهما بطريق العطف، مع الإجماع (¬2) على عدم PageV04P297 # خروجهما عن الإسلام، والإيمان. قيل: قد فصل في سؤال جبريل بين الإيمان، ~~والإسلام، ولا شك أن سؤال جبريل لم يكن إلا عن الإيمان، والإسلام الشرعيين. # فقال: الإيمان: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله" والإسلام: "أن ~~تشهد أن لا إله إلا الله، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج ~~البيت" (¬1). # وهذا السؤال، والجواب صريحان في أنهما حقيقتان مختلفتان (¬2) شرعا. # الجواب: أن سؤال جبريل كان عن شرائع الإسلام، والدليل عليه أنه جعل ما ~~ذكره في الإسلام في حديث جبريل جوابا لوفد عبد القيس حين قال لهم: "أتدرون ~~ما الإيمان بالله وحده؟ " قالوا: الله، ورسوله أعلم. # قال: "شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء ~~الزكاة، وصيام رمضان" (¬3). # فالتحقيق -الذي لا محيد عنه-: أنهما في الشرع متحدان لا يمكن وجود أحدهما ~~بدون الآخر. # والتوفيق بين الآيات، والأحاديث بما ذكرناه لا مزيد عليه. PageV04P298 # وقول المصنف: "الإسلام أعمال الجوارح، ولا يعتبر إلا مع الإيمان" ملاحظ ~~المعنى اللغوي، ولا حاجة إليه. # "والإحسان (¬1) أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك". # معناه: كمال الإخلاص، وأن الواجب على العابد كف النظر، والخاطر عما سواه ~~تعالى؛ إذ من تصور عظمة الله، وأيقن أنه ناظر إليه بلا حجاب، وهو أقرب من ~~حبل الوريد يستقيم في عبادته غاية الاستقامة. # قوله: "والفسق لا يزيل الإيمان". # أقول: اختلفت الأمة في صاحب الكبيرة، فعند أهل الحق: مؤمن فاسق (¬2)، ولا ~~واسطة بين الإيمان والكفر. PageV04P299 # وعند الخوارج: كافر، فلا واسطة أيضا. # وعند المعتزلة: الفاسق ليس بمؤمن، ولا كافر، وهو مخلد في النار عندهم، ~~وهذا هو القول بالمنزلة بين المنزلتين (¬1). PageV04P300 # لنا: الآيات الدالة صريحا على أنه تعالى يغفر للعاصين، مثل قوله: {إن ms436 ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 116]، وقوله: ~~{إن الله يغفر الذنوب جميعا} [الزمر: 53]. # وفي الحديث: "من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، وإن زنى، وإن سرق" (¬1). # "ويخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان" (¬2)، والقيد ~~بالتوبة في جميع الموارد خلاف الظاهر، بل خلاف الإجماع على ذلك قبل ظهور ~~أهل البدع، والأهواء. PageV04P301 # قالوا: قال الله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ~~[المائدة: 44]، وقال -في تارك الحج-: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} ~~[آل عمران: 97]. # وقال -صلى الله عليه وسلم-: "من مات، ولم يحج، فليمت إن شاء يهوديا، وإن ~~شاء نصرانيا" (¬1). PageV04P302 # وقال: "من ترك الصلاة عامدا، فقد كفر" (¬1). # الجواب: أن المراد بمن لم يحكم بما أنزل الله هم اليهود سوق الكلام دل ~~عليه، والأمر كذلك، فإنهم كانوا يحرفون الكلم عن مواضعه، ويبدلون كلام الله ~~وأحكامه (¬2). PageV04P303 # وحديث الحج، والصلاة محمول على التغليظ، أو على الاستحلال جمعا بين ~~الأدلة. # وقول المصنف: "والمؤمن -ميتا فاسقا- تحت المشيئة"، تفريع على أن الفسق لا ~~يزيل الإيمان، فكان الأولى ذكره بالفاء. # والحاصل: أنه بعد ثبوت كونه مؤمنا، ولم يخرج بالفسق عن الإيمان، إما أن ~~يغفر الله له ما أسلف: {والله غفور رحيم} [آل عمران: 31، التحريم: 1]، أو ~~يعاقبه قدرا، تتعلق به إرادته أو يقبل فيه الشفاعة إما قبل الدخول النار، ~~وإما بعده، فالمآل إلى الجنة، وعليه إجماع خير القرون. # قوله: "وأول شافع". PageV04P304 # أقول: لفظه -صلى الله عليه وسلم-: "أنا أول شافع، وأول مشفع" (¬1) أتى به ~~المصنف تبركا به. # وله صلوات الله عليه خمس شفاعات (¬2): PageV04P305 # أولاها، وعظماها: ما يعم نفعها الأولين، والآخرين حتى الأنبياء ~~والمرسلين، وهو في تعجيل الحساب، والإراحة من طول الموقف دل عليه أحاديث ~~كثيرة (¬1). PageV04P306 # الثانية: في إدخال قوم الجنة بغير حساب (¬1)، اللهم يا جزيل العطاء، ويا ~~من يهب ما يشاء لمن يشاء، -لا لغرض، ولا لجزاء- اجعلنا -بكرمك- في زمرتهم، ~~وإن لم نكن من الفائزين بمنزلتهم. PageV04P307 # وهذه الشفاعة -أيضا- خاصة به -صلى الله عليه وسلم- والعجب ms437 ممن توقف في ~~هذه الخصوصية (¬1)، وقال: لا دليل عليه (¬2). # قلت: الدليل -عليه- الإجماع على أن هذه الأمور لا تدرك بالعقل، ولم يرد ~~النقل إلا في حقه، فلا يثبت لغيره لعدم دليل ثبوتها، والأصل العدم، والبقاء ~~على ما كان. # الثالثة: في عدم دخول النار لمن استحق ذلك. # الرابعة: في إخراج من أدخل النار من الموحدين (¬3). PageV04P308 # الخامسة: في رفع الدرجات لأهل الجنة (¬1). PageV04P309 # وهذه المرتبة لم يخالف فيها المعتزلة، وحملوا الآيات، والأحاديث عليها (¬1). # قوله: "ولا يموت أحد إلا بأجله" (¬2). PageV04P310 # أقول: الأجل يطلق على آخر الحياة، وعلى جميع المدة، والخلاف في الأول، ~~وليس الخلاف في الموت مطلقا، بل الخلاف في المقتول. # فعند أهل الحق أنه ميت بأجله الذي علم الله أنه آخر عمره، والقتل سبب من ~~الأسباب كالحمى، والطاعون، وخالفت المعتزلة في ذلك. # لنا: قوله: {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة} [الأعراف: 34]. # والأحاديث على أن كل حي لا يموت قبل أجله متكثرة متواترة (¬1) المعنى ~~قالوا: قال الله -تعالى-: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} ~~[فاطر: 11]. # وفي الحديث: "الصدقة تزيد في العمر" (¬2). PageV04P311 # قلنا: الضمير في الآية لمطلق المعمر، أي: المعمرون يزيد بعضهم في العمر ~~على بعض كل ذلك في اللوح مسطور كما يقولون: ثمن هذا درهم ونصف، أي: نصف ~~درهم آخر لا نصف ذلك الدرهم. # ومعنى الحديث: الزيادة بمعنى البركة كما في الطعام القليل الذي يسمى ~~عليه، أو بالنظر إلى ما سطر في اللوح بأن فلانا إن تصدق يوم كذا بدرهم، فله ~~من العمر كذا، وإلا فكذا، وإليه أشار بقوله: {يمحو الله ما يشاء ويثبت ~~وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39]. # وأما بالنظر إلى علمه الأزلي، فلا تفاوت، ولا زيادة، ولا نقصان (¬1). ~~وبما ذكرنا يجمع بين قوله: {ما يبدل القول لدي} [ق: 29] وبين قوله: {يمحو ~~الله ما يشاء} [الرعد: 39]. PageV04P312 # والمعتزلة: على أنه لو لم يقتله القاتل لعاش أكثر من ذلك، وهو الأمد الذي ~~علم الله أنه أجله لولا القتل (¬1). # وتشبثوا بظواهر مثل: أنه لو كان ميتا بأجله لم يجب على القاتل القصاص، ~~ولا ms438 الضمان بذبح شاة الغير، وبأنه قد يقتل في معركة جمع تقتضي العادة ~~بامتناع موتهم. # الجواب (¬2): أن القصاص ليس له تعلق بالموت، بل بالفعل المنهي الذي صدر ~~عنه، وتجاوز حدود الشرع (¬3). PageV04P313 # وقولكم: العادة تقتضي بامتناع ذلك ممنوع إذ قد يموت في الطاعون والزلزال ~~أضعاف ما يموت في معركة القتال. # قوله: "والنفس باقية بعد البدن". # أقول: النفس، والروح لفظان مترادفان عند أهل الحق (¬1). PageV04P314 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV04P315 # معناهما: جسم لطيف نوراني سار في البدن سريان الماء في الورد، والنار في ~~الفحم، اتصالهما بالبدن حياة، ومفارقتهما موت. وقد دلت الآيات، والأحاديث ~~على بقاء النفس بعد المفارقة سعيدة كانت، أو شقية (¬1). # قال تعالى: {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل ~~فرعون أشد العذاب} [غافر: 46]، وقال: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ~~أمواتا بل أحياء} [آل عمران: 169] وفي الحديث: "يسلط على الكافر تسعة ~~وتسعون تنينا إلى يوم القيامة" (¬2). PageV04P316 # "وأرواح الشهداء تسرح في الجنة، وتأوي إلى قناديل تحت العرش" (¬1). # وفي الأحاديث الدالة على ذلك كثرة لا يحتاج إلى إيرادها كلها (¬2). # وهل تفنى يوم القيامة؟ # الصحيح عدم ذلك إذ لم يقم عليه دليل وقوله: {كل شيء هالك إلا وجهه} ~~[القصص: 88] لا يقتضي ذلك، لأن معناه: أن الممكن في ذاته هالك لأن وجوده من ~~الواجب تعالى، أو هلاكها فراقها عن البدن. # وقوله: {فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله} [الزمر: 68]. # قيل: المراد بها الأرواح (¬3)، ولا حاجة إليه: لأن الاستثناء إنما هو لمن ~~كان حيا حقيقة، كالشهداء على ما ورد في الحديث، أو الحور العين. PageV04P317 # وأما الأرواح بعد الموت لا يمكن موتها إذ لا تفارق نفسها فتأمل! قوله: ~~"وفي عجب الذنب". # أقول: قد ورد في الحديث: "أنه يبلى من الإنسان كل عضو إلا عجب الذنب (¬1) ~~منه خلق، ومنه يركب" (¬2)، وهو مثل حب خردلة في أصل الصلب عند العجز. PageV04P318 # وفي صحيح ابن حبان (¬1) قيل: وما العجب يا رسول؟ ، فقال: "مثل خردلة، أو ~~حبة خردل". # وذهب المزني إلى أنه يفنى أيضا (¬2)، لأن لفظ الحديث: "أن كل ابن ms439 آدم ~~يأكله التراب إلا عجب الذنب"، فإنه يفى بنفسه كملك الموت فإنه يفنى، ويموت ~~بنفسه لا بملك آخر. PageV04P319 # ولعل الحكمة في إبقاء ذلك تكريم بني آدم بإبقاء ما هو أصل خلقته (¬1) كما ~~أكرم الأنبياء بحفظ أجسادهم جميعا، وكذا الشهداء، وليكون إعلاما بأنه ~~سيعاد، وإلا فأي داع إلى إبقائه دون سائر الأجزاء. # قوله: "والروح". # أقول: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الروح (¬2) فقال الله: ~~{ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} [الإسراء: 85] أي: مخلوق من ~~مخلوقاته (¬3). # وكانوا في سؤالهم ذلك على أنه إن أتى بتفسيره، فهو ليس بصادق في دعوى ~~الرسالة، لأنه كان في التوراة غير مبين. PageV04P320 # وهذا لا يدل على أن رسول الله لم يعرف حقيقة الروح، بل نقلنا أهل السنة ~~على أنه مرادف للنفس، وأن النفس جسم لطيف نوراني سار في البدن سريان الماء ~~في الورد (¬1). PageV04P321 # وذهب الغزالي، وأبو زيد الدبوسي، والراغب الأصفهاني إلى أنها من عالم ~~الأمر، وهو عالم الملكوت، فإنه يسمى عالم الأمر، كما أن عالم الشهادة يسمى ~~عالم الخلق، وإليها أشار بقوله: {ألا له الخلق والأمر} [الأعراف: 54] وهي ~~عند [هؤلاء جوهر مجرد (¬1) ولا اعتراض على ما ذهبوا إليه، إلا أن وجود ~~المجردات (¬2) لم تثبت عند سائر المتكلمين. # وقد فهم بعض] (¬3) الجهلة -المنتمين إلى العلم المدعين التبحر فيه، وهم ~~دون القلتين- أن التجرد يستلزم القدم، وأن الغزالي قائل بقدم النفس (¬4) ~~أعاذه الله من ذلك، بل عنده من المجردات الحادثة، إذ عالم الخلق، PageV04P322 # والأمر مما سوى الله، وما سواه محدث فان وما ذكره المصنف كلام بعض مشايخ ~~الصوفية وطريقة أهل السنة من المتكلمين ما أوضحناه لك. # قوله: "وكرامات الأولياء حق". # أقول: أهل الحق على أنه يقع من الأولياء -بقصد، وبغير قصد- أمور خارقة ~~للعادة (¬1). PageV04P323 # وقد عرفت قبل هذا حقيقة الكرامة، ووجه امتيازها عن المعجزة، والسحر، ~~وغيرهما (¬1). # والدليل على جوازها أنها أمور ممكنة لا يلزم من جواز وقوعها محال، وكل ما ~~هذا شأنه، فهو جائز الوقوع. # وعلى الوقوع قضية مريم، ورزقها الآتي من عند الله على ما نطق به ms440 القرآن ~~(¬2) وقضية أبي بكر، وأضيافه كما في الصحيح (¬3). PageV04P324 # وقضية عمر على المنبر (¬1): PageV04P325 # "يا سارية (¬1) الجبل". # وسارية كان في نهاوند (¬2) أمير الجيش (¬3)، وبينهما مسافة شهرين. ~~وبالجملة كلما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة للولي. PageV04P326 # وقال بعض أهل السنة: بل الشرط في الكرامة أن تكون أحط رتبة من المعجزة، ~~وإليه أشار المصنف بقوله: وقال القشيري: لا ينتهون إلى ولد دون والد، أي: ~~إلى تحصيل حيوان من غير أب وأم، وقلب الجماد حيوانا (¬1) وليس هذا بشيء، ~~لأن الأمر الخارق إذا جاز وقوعه جاز جميع فروعه، وعليه إطباق أهل السنة من ~~القدماء. # وكأن هذا القائل أراد انحطاط الولاية عن النبوة، والأمر كذلك إلا أن صدور ~~[الكرامة] (¬2) على يد آحاد الأمة دال على كون من آمن به نبيا، وإلا لم يكن ~~التابع في هذه الطريقة مهتديا، بل ضالا. وشبهة من أنكر الكرامة التباسها ~~بالمعجزة، وقد علمت الفرق بالتحدي، وعدمه. # قوله: "ولا نكفر أحدا من أهل القبلة". # أقول: هذا كلام قد اشتهر بين الناس، ونقل عن الأئمة مثل الشافعي، وأبي ~~حنيفة، وليس على إطلاقه إذ المجسم كافر (¬3)، وإن صام، وصلى. PageV04P327 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV04P328 # والحاصل: أن كل ما كان وجوده معتبرا في حصول الإيمان نافيه كافر، وإن قال ~~بالتوحيد، وصام، وصلى. # ولا يجوز الخروج على السلطان عادلا كان، أو جائرا إذ بفسقه لا ينعزل، لأن ~~الضرر على المسلمين بانعزاله أكثر من بقائه. # ونقل عن المعتزلة تجويزه بناء على انعزاله بالظلم (¬1) ويجب الاعتقاد PageV04P329 # بعذاب القبر للكفار، ولمن أراد الله من العصاة (¬1)، دلت عليه أحاديث ~~كثيرة (¬2). PageV04P330 # وقد صح أن قوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} [إبراهيم: ~~27] نزل في عذاب القبر (¬1). PageV04P331 # ولا يستبعد عذاب الجسد البالي بعد مضي الدهور، والأعصار عليه، لأن أمور ~~الآخرة بناؤها على خلاف عالم الشهادة، والله تعالى كما جعل الروح متعلقة ~~بالجسم حال كونه غضا طريا قادر على أن يجعله متعلقا به يابسا بعد ما صار ~~غبارا، ليس الحال يتفاوت بالنظر إلى القدرة (¬1). # وكذا سوال الملكين قد نطق به الأحاديث الصحاح (¬2) مع إمكانه، PageV04P332 # فوجب ms441 القول به (¬1). # وما يقال: أنا نرى الكافر بعد موته في قبره على (¬2) الحالة التي دفن غير ~~متغير، وأنتم تقولون: "سلط عليه أعمى، أصم PageV04P333 # بيده مرزبة يضربه بها إلى يوم القيامة" (¬1) "ويسلط عليه تسعة وتسعون ~~تنينا" وتقولون -ثانية-: "ملكان، فيجلسانه، ويسألانه عن دينه، ونبيه"، ونحن ~~نضع كفا من البر، أو من الدخن على صدره، فنأتي بعد ذلك ونشاهده على حاله لم ~~يتغير بوجه، ولا وقع حبة مما كان عليه فكيف وجه ذلك؟ # الجواب: أنا قد قدمنا أن مبنى تلك الأمور على خلاف العادة، وبه يحصل ~~الابتلاء، ويتميز المؤمن الكامل القائل بقدرته تعالى على كل شيء عن القاصر ~~المتزلزل. # فمن أمن بأن الله تعالى أبرز العالم العلوي، والسفلي من العدم من غير سبق ~~مثال يعلم بالطريق الأولى أنه قادر على أن يعذب الكافر بأنواع العذاب بحيث ~~لا يتغير شيء من جسمه، ولا يقع ما وضع على صدره. # ومن أراد أن يحيط بجوانب الكلام في هذا، فعليه بمطالعة إحياء العلوم ~~للإمام حجة الإسلام الغزالي (¬2). PageV04P334 # فإنه قد بسط الكلام فيه غاية البسط، والعاقل تكفيه الإشارة. # قوله: "والحشر، والصراط". # أقول: مما يجب الإيمان به حشر (¬1) الأجساد، والأرواح للجزاء نطق به ~~الكتب الإلهية (¬2)، وتواترت الأخبار بذلك (¬3) عن جميع الأنبياء والرسل. PageV04P335 # وهو أمر ممكن في نفسه: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} ~~[الروم: 27]. # والصراط (¬1): جسر يضرب على ظهراني جهنم يمر الناس عليه. PageV04P336 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV04P337 # فالكفار يتساقطون في جهنم، مع بعض العصاة، والناجون متفاوتون في المرور ~~عليه، منهم من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم كأجاويد الخيل، ومنهم دون ذلك على ~~ما صح في الأحاديث (¬1). # وفي كلام بعض المشايخ أنه عبارة عن الشريعة (¬2)، فيصورها الله تعالى في ~~صورة الصراط، فمن كان مستقيما على الشريعة يمشي عليه مستقيما فالاستقامة ~~هنا سبب للاستقامة هناك، ويناسب هذا القول ما PageV04P338 # روي أنه أدق من الشعرة، وأحد من السيف (¬1) (¬2) وكذلك يجب الإيمان ~~بالميزان (¬3)، قال الله تعالى: {ونضع الموازين القسط PageV04P339 # ليوم القيامة} [الأنبياء: 47] (¬1)، وجمع الميزان في الآية للاستعظام، ~~وقيل: بالنظر إلى أفراد المكلفين (¬2). # وفي الحديث ms442 أنه ميزان له كفتان، ولسان يقف المكلف بين الكفتين، وتوضع ~~حسناته في إحدى الكفتين، وسيئاته في الأخرى (¬3). PageV04P340 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV04P341 # والموزون قيل: صحائف الأعمال [وقيل: بل الأعمال] (¬1) الصالحة تجعل ~~أجسادا نورانية، والسيئات أجسادا ظلمانية (¬2)، والله تعالى قادر على أن ~~يجعل العرض جوهرا، كما أوجده من العدم. # وكان على المصنف ذكر الحوض، فإنه وردت به الأحاديث الصحاح (¬3)، وأجمعت ~~عليه الصحابة ومن بعدهم. PageV04P342 # وجمهور المفسرين على أنه المراد من قوله تعالى: {إنا أعطيناك الكوثر} ~~[الكوثر: 1] (¬1)، هو حوض في غاية العظم، اختلفت الأحاديث في قدر مساحته ~~(¬2) ماؤه أبيض من اللبن، وطعمه أحلى من العسل، وريحه PageV04P343 # أطيب من المسك، وآنيته أكثر من نجوم السماء، من شرب منه شربة لا يظمأ ~~بعدها أبدا (¬1). # اللهم بحرمة (¬2) من أكرمته بالحوض الكوثر نسألك أن تسقينا منه شربة لا ~~نظمأ بعدها أبدا. PageV04P344 # ومما يجب الإيمان به أن الجنة، والنار مخلوقتان الآن بالفعل، وخالف في ~~ذلك المعتزلة (¬1). # لنا -على ذلك-: قصة آدم نطق بها التنزيل (¬2) بحيث لا تقبل التأويل ~~وانعقد عليه الأجدع قبل ظهور البدعة. PageV04P345 # والآيات الدالة على ذلك كثيرة، والأخبار بذلك على الإجمال متواترة معنى، ~~وإن كان تفاصيلها آحادا. # منها قوله تعالى: {ولقد رآه نزلة أخرى (13) عند سدرة المنتهى (14) عندها ~~جنة المأوى} [النجم: 13 - 15] (¬1)، ومنها قوله: {أعدت للمتقين} PageV04P346 # [آل عمران: 133]، {أعدت للذين آمنوا} [الحديد: 21] (¬1). وفي الحديث ~~الصحيح دخول النبي الجنة، ورؤيته قصر عمر (¬2) وعرض الجنة، والنار عليه في ~~عرض الحائط، وهو في صلاة الكسوف (¬3) وفيه -أيضا- الحديث القدسي: "أعددت ~~لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" (¬4). # وتأويل الآيات، والأحاديث بأنها أمور محققة الوقوع -عبر عنها بالماضي- ~~بعيد جدا، المقام يأباه، بل لا يصح في بعض الأحاديث مثل PageV04P347 # قصر عمر، وعرض النار عليه، وهو في الصلاة بحيث تكعكع (¬1) فيها وقال: "أي ~~رب وأنا معهم" (¬2). # والمخالف مصادم للنصوص، والإجماع، فلا حاجة إلى المناظرة معه، والاشتغال ~~بالرد عليه. # قوله: "ويجب نصب الإمام". # أقول: مباحث الإمامة بالفروع أشبه، لأن نصب الإمام من فروض الكفاية، ولا ~~شك أنه من العمليات، إلا أنه ms443 لما كثر الخلاف فيها بأن أوجبها بعضهم على ~~الله، وهم الشيعة، وبعض المعتزلة (¬3). PageV04P348 # وأيضا كثر خلاف أهل البدعة في خلافة الخلفاء الراشدين، فلذلك ألحقت بأصول ~~الدين، ثم ألحق أن نصب الإمام واجب على الأمة بالدليل السمعي لينصف المظلوم ~~من الظالم، ويحفظ حوزة الإسلام من قهر الكفار، ويجهز الحجيج، ويجيش للجهاد، ~~ويصرف مال الفيء (¬1)، والغنيمة (¬2) على المستحقين (¬3). PageV04P349 # وله شروط منها: كونه قرشيا (¬1)، فإن لم يوجد، فكناني، فإن لم يوجد، فرجل ~~من ولد إسماعيل، فإن لم يوجد، فرجل من المعجم. PageV04P350 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV04P351 # ولا يشترط كونه هاشميا (¬1)، لإجماع الصحابة على [إمامة] (¬2) أبي بكر. # وشرطه: أن يكون مكلفا، حرا، ذكرا، مسلما، ذا رأي، شجاعا، مجتهدا، سميعا، ~~بصيرا، ناطقا (¬3). PageV04P352 # وطريق صيرورته إماما: إما باتفاق أهل الحل والعقد، أو استخلاف الإمام ~~القائم بها، أو القهر والغلبة، بحيث تنفذ أحكامه. # والصحيح: أنه بالغلبة يصير إماما، وإن كان فاسقا، أو جاهلا (¬1). ولا ~~يشترط كونه فاضلا، بل نصب المفضول، مع الفاضل جائز: لأن PageV04P353 # المقصود يحصل به. وعليه الجمهور، وقيل: لا يجوز، مع وجود الفاضل (¬1). # قوله: "ولا يجب على الرب شيء". # أقول: الوجوب يستعمل بمعنى اللزوم العقلي تارة، وبمعنى صفة فعل يستحق ~~فاعله الثواب، وتاركه العقاب، وكلا المعنيين في حقه تعالى محال (¬2). أما ~~الثاني فواضح. PageV04P354 # وأما الأول: فلأنه فاعل بالاختيار يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ومن كان ~~شأنه هذا لا يتصور في حقه لزوم شيء. # وأما قوله تعالى: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} [الأنعام: 54]، {وكان حقا ~~علينا نصر المؤمنين} [الروم: 47] فليس محل النزاع، إذ ذلك اللزوم إنما نشأ ~~من وعده السابق، والله لا يخلف الميعاد (¬1). PageV04P355 # قوله: "والمعاد (¬1) الجسماني". # أقول: قد اختلف في المعاد بعد العدم، ولو قدم المصنف هذه المسألة على ~~الصراط، والميزان كان أولى. # فنقول: ذهب جمهور المتكلمين القائلين بأن الروح جسم لطيف إلى أن المعاد ~~جسماني فقط (¬2)، ومن قال: بأن الروح مجرد، أي: جوهر ليس بجسم، ولا جسماني ~~فالمعاد -عندهم- جسماني، وروحاني، وإليه ذهب الغزالي، والراغب الأصفهاني، ~~والقاضي أبو زيد، والكعبي من المعتزلة صرح بهذا في شرح المقاصد (¬3). # فمن قال ms444 (¬4): المعاد الجسماني، والروحاني مذهب المسلمين، والمعاد ~~الجسماني وحده لم يعلم قائلا به، فلم يدر مذهب أهل السنة في النفس، والروح، ~~وأنهما من قبيل الأجسام النورانية، والفلاسفة على أن المعاد روحاني ليس ~~إلا: لأن إعادة المعدوم غير معقولة (¬5). PageV04P356 # وجنة الروح، كمالاتها العلمية التي اكتسبت حين اتصالها بالجسم، والنار ~~الجهل، والحسرات على فوات الفرص، وتضييع العمر في اللذات. # وهذا الكلام مبني على قانون الفلسفة من عدم فناء العالم واستحالة طي ~~السماوات، وخرق الأفلاك، وكلها كفر صريح مصادم لقانون الشريعة المطهرة، ~~فالأولى عدم تسويد الصحائف بها، فإنه يظلم طريق السالكين، ولا نفع فيه ~~للمسترشدين، بل نعتقد أن العالم فان، لأنه محدث إلى الفناء، والباقي هو ~~الذات الأحدية تعالى، وتقدس. # ويعيد الخلق بعد الفناء، كما بدأهم أول مرة لا يعزب عن علمه مثقال ذرة، ~~وكما بدأ بعد العدم يعيد، لا يتفاوت الحال بالنسبة إلى قدرته. # قوله: "ونعتقد". # أقول: مما يجب الإيمان به أن أبا بكر أفضل الخلق بعد الأنبياء، لأنه خير ~~هذه الأمة، وهذه الأمة خير الأمم. PageV04P357 # وقد انعقد إجماع الصحابة على خلافته بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~بعد سبق نزاع من الأنصار (¬1)، ثم بعد وقوفهم على النص رجعوا إلى الحق فلم ~~يبق له مخالف، وكما أجمعوا على إمامته أجمعوا على أفضليته (¬2). # والمخالف محجوج بالإجماع، ولم يخالف في هذا إلا الشيعة. # وقول على يرد عليهم، لأنه قد استفاض عنه أنه سأله محمد ابن الحنفية (¬3) ~~من أفضل الناس بعد رسول الله؟ PageV04P358 # فقال: أبو بكر، فقال: ثم من؟ فقال: عمر، فقال: ثم من؟ فقال: عثمان. # قال: قلت: وأنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين (¬1). # والقول: بأن الأخبار الواردة في فضائلهم (¬2) متعارضة، إلا أن الغالب على ~~الظن أن أبا بكر أفضل (¬3). PageV04P359 # ليس بمرضي، بل يجب الجزم بأفضليته للإجماع على ذلك قبل ظهور البدع. # وبعده أفضل الناس عمر كذلك بالإجماع من الصحابة (¬1). # ثم بعده عثمان، ولبعض أهل السنة في ذلك وقفة (¬2)، ثم علي بن أبي طالب ~~أمير المؤمنين، وإمام المسلمين، وأول الفئة الباغية في الإسلام من ms445 شق عليه ~~العصا، ونازعه في الإمامة بعد انعقادها (¬3). PageV04P360 # ومما يجب الإيمان به براءة عائشة رضي الله عنها، من كل ما يشينها مما نسب ~~إليها أهل الإفك. نطق بذلك التنزيل على أبلغ وجه (¬1). PageV04P361 # وسب الشيخين ليس بكفر على الأصح (¬1). # ومما يجب الإيمان به أن الصحابة كلهم عدول هم خير القرون (¬2) أفضل من ~~جاء بعدهم لم يلحق شأو أدناهم، ولو أنفق PageV04P362 # ملء الأرض ذهبا (¬1): لأنهم فازوا بشرف صحبته -صلى الله عليه وسلم-، ومن ~~أضيف إلى الصدور تصدر، وما جرى بينهم محمول على الاجتهاد. # وبعضهم، وإن أخطأ لا ينقص من مقداره شيئا، فإنه ليس بمعصوم هذا مع وجوب ~~اعتقاد أن مقاتل علي باغ بإجماع أهل العصر الثاني وإلى يومنا هذا. # ومما يجب اعتقاده أن أئمة الهدى كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي وأحمد، ~~وسائر المجتهدين من التابعين، ومن بعدهم بذلوا وسعهم في حل المشكلات، ~~والجمع بين الأحاديث والآيات، ولم يألوا نصحا للمسلمين رضوان الله عليهم ~~أجمعين (¬2). # عاملهم الله فوق ما أملوا من أنواع الكرامة، وحشرنا في زمرتهم إنه على ~~ذلك قدير. # ونعتقد أن الشيخ أبا الحسن الأشعري شيخ أهل السنة في أصول الدين على ~~الحق، ومخالفوه على الباطل كالكرامية، والحشوية. # ونعتقد أن المشايخ من الصوفية (¬3) الذين تواتر أنهم كانوا على جادة PageV04P363 # الشريعة ماشين، وكانوا عن البدع ناكبين، أهل النجاة ومن سادة الفرقة ~~الناجية (¬1). # قوله: "ومما لا يضر جهله، وتنفع معرفته". # أقول: قد اشتهر بين الناس أن الوجود فيها مذاهب ثلاثة: PageV04P364 # مذهب الشيخ الأشعري أن وجود كل شيء عينه (¬1) ومذهب سائر المتكلمين ما ~~عدا الشيخ أن الوجود زائد على الماهية مقول على الوجودات الخاصة بالتواطؤ. # ومذهب الفلاسفة أن وجود الباري تعالى عين ذاته وفي الممكنات زائد مقول ~~بالتشكيك. # وقد كثر في ذلك الكلام، والقيل، والقال. # والتحقيق الذي لا محيد عنه أن الوجود المطلق هو الكون في الأعيان وذلك ~~معنى مشترك لا ريب فيه. # فقول الشيخ: إن وجود الشيء عينه ليس معناه أن كون الشيء في الأعيان ~~مفهومه ذلك الشيء الذي هو الإنسان، والفرس بل أراد أن ms446 معروض الوجود كزيد ~~مثلا لا يمتاز في الخارج عن الوجود امتياز السواد PageV04P365 # عن الجسم الأسود، وهذا لا يخالف الشيخ فيه أحد من العقلاء، إذ ليس في زيد ~~ما يشار إليه بأنه وجود زيد. # والجمهور، فهموا من قوله: إن الوجود عين الماهية التنافي بين كونه عينا، ~~وبين كونه زائدا مشتركا. # وقد عرفت أنه لم يرد ذلك، فلا خلاف بينه وبين المتكلمين، وأنت يجب عليك ~~التمسك. مما ذكرت لك، وتعض عليه بالنواجذ، فإنه ينجيك عن ضلالة ضل فيها ~~أقوام، وزل فيها الأقدام (¬1). # قوله: "فعلى الأصح المعدوم ليس بشيء". # أقول: قد اختلف في أن المعدوم هل يطلق عليه اسم الشيء، أم لا؟ وليس ~~الخلاف مبنيا على اللغة، بل في اللغة يطلق اسم الشيء على الموجود والمعدوم ~~ممكنا كان، أو محالا باتفاق العلماء، إنما النزاع في إطلاق اسم الشيء على ~~المعدوم بمعنى الثابت المتقرر، فعند أهل الحق الشيء، والثابت، والموجود ~~ألفاظ مترادفة لا يطلق الشيء إلا على الموجود الخارجي الكائن بين الأعيان ~~(¬2). PageV04P366 # وعند المعتزلة: الثبوت أعم من الوجود، والمعدومات إما مستحيلة الوجود ~~كاجتماع الضدين، أو ممكنة الوجود كجبل من ياقوت، فالمستحيلات ليست بشيء ~~عندهم أيضا (¬1)، والممكنات ثابتة متقررة (¬2). واستدلوا على ذلك بأن ~~المعدوم معلوم متميز، وكل متميز ثابت، فالمعدوم ثابت. # قلنا: الكبرى ممنوعة، إذ لا يلزم من التمييز الثبوت، وإلا لزم ثبوت ~~المحال، لأنه يمتاز عند العقل، وإلا لاستحال عليه الحكم. # قوله: "وأن الاسم المسمى". # أقول: تارة يطلق الاسم على اللفظ الدال على معناه استقلالا غير مقترن ~~بأحد الأزمنة الثلاثة، وتارة على نفس التسمية، أي: وضع اللفظ في مقابلة ~~المعنى المذكور. # ولا يخفى على أحد أنه على التقديرين ليس عين المسمى، بل يطلب هناك معنى ~~ثالث يحمل عليه كلام الشيخ الأشعري، وأهل السنة القائلين بأن أسماء الله ~~تعالى ثلاثة أقسام: # ما يدل على الذات مثل لفظ الجلالة، فهو عين المسمى، وما يدل على غير ~~الذات كالخالق، والرازق، وما ليس بعين، ولا غير، كالعالم، والقادر. PageV04P367 # فقد ظهر أن الشيخ أراد بالاسم مدلول اللفظ أعم من ms447 المطابقي، والتضمني (¬1). # فحيث قيل -في لفظ الجلالة-: إن الاسم عين المسمى، أراد مدلول اللفظ ~~مطابقة هو عين الذات المقدسة، وفي الخالق اعتبر معنى الخلق وحده. # فقال: مدلول اللفظ، أي: مدلوله التضمني، وهو غير الذات المقدسة وكذلك العلم. # وغير الشيخ اعتبر المدلول المطابقي، وقال: الاسم عين المسمى، أي: المدلول ~~عين الذات في الخارج، لأن الخالق مدلوله شيء له الخلق، وهو عين الذات ~~المتصفة بالخلق، وكذلك العالم مدلوله شيء له العلم (¬2). PageV04P368 # قيل: الاسم لو كان غير الذات والمسمى، لزم حدوثه، فلم يكن الباري تعالى ~~في الأزل إلها، وعالما، وقادرا، بخلاف الخالقية، فإنها من صفات الفعل، ~~وصفات الأفعال حادثة عندهم. # ولقوله -تعالى-: {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] والتسبيح للمسمى دون ~~اللفظ ولقوله: {إن هي إلا أسماء سميتموها} [النجم: 23]، {ما تعبدون من دونه ~~إلا أسماء سميتموها} [يوسف: 40] إلى غير ذلك. والعبادة للمسمى لا الاسم، ~~والكل ضعيف (¬1). # أما أولا: فلأن المعتبر ثبوت المعنى في الأزل، ولا يضير كون اللفظ حادثا. # على أن قول الشيخ: الاسم عين المسمى لم يرد به اللفظ، بل مدلول اللفظ كما تقدم. # وأما الثاني: فلأن المراد تقديس اسمه تعالى من أن يسمى غيره إلها، وذلك ~~أمر مطلوب مأمور به كل أحد. PageV04P369 # وأما الثالث: فلأن المراد بالأسماء أسماء الآلهة، أي: تعبدون الأصنام، ~~وتسمونها آلهة، وليس لتلك الأصنام من صفات الألوهية [إلا الاسم الذي ~~تطلقونه عليها، كمن يسمي نفسه سلطانا، وليس عنده من أسبابه شيء، يقال: رضي ~~من السلطة بالاسم. # وأنت إذا تأملت لم تجد خلافا] (¬1) في المسألة، لأن أحدا لا يقول: إن ~~اللفظ المركب من الحروف نفس الذات، ولا إن مدلول اللفظ غير الذات. # وإن اصطلح الشيخ على أن الدال على المعنى مطابقة عين المسمى، وما دل ~~تضمنا غير المسمى، فلا مشاحة معه. # وأما من لم يفصل كما فصله، فليس لقوله كثير معنى: لأن حاصله ذات الشيء ~~ذاته، ومدلول اللفظ هو المسمى. # قوله: (وأن أسماء الله توقيفية). # أقول: ما ورد الإذن من الشارع بإطلاقه عليه تعالى من الأسماء، والصفات لا ~~خلاف في ms448 جوازه، وما ورد المنع من الإطلاق كذلك لا خلاف في عدم جوازه. # إنما الخلاف فيما كان معناه قائما به تعالى، ولم يكن موهما بالنقص ولم ~~يرد الإذن والمنع من إطلاقه. # فعند الأشاعرة لا يجوز الإطلاق، ويجوز عند المعتزلة، وإليه مال القاضي ~~أبو بكر، وتوقف إمام الحرمين، وفصل الغزالي، فقال: يجوز في PageV04P370 # الصفة، وهو ما يدل على معنى زائد على الذات ولا يجوز في الاسم، وهو الدال ~~على الذات (¬1). # لنا -على عدم الجواز-: أن تسمية النبي بغير اسمه غير جائز، فتسمية الإله ~~بالطريق الأولى. # ولأن آحاد الناس لو سمى إنسان ابنه بغير اسمه لما ارتضاه، وأنف من ذلك. # قالوا: لو لم يجز ذلك لما جاز تسمية أهل كل لغة بلغتهم، والإجماع على خلافه. # قلنا: كفى بالإجماع دليلا على ذلك. # قال إمام الحرمين: معنى الجواز، وعدمه الحل، والحرمة، وكل منهما حكم شرعي ~~لا بد له من دليل شرعي، والقياس إنما يجوز في العمليات دون الأسماء ~~والصفات، والجواب: أن التسمية من العمليات. PageV04P371 # قال الغزالي: إجراء الأسماء، والصفات إخبار بثبوت مدلولاتها فيجوز إلا ~~لمانع، والفرض أن لا مانع، لأن الكلام فيما إذا خلا عن إيهام النقص، بل ~~أشعر بالتعظيم. # والحق هو هذا، وبه ينحل الإشكال عن ألفاظ كثيرة، أطلقت عليه تعالى من غير ~~ورد الإذن كالصانع، والواجب، والمختار والمبدع، وغيرها. # فإن قلت: فلم لا يقال له على هذا: السخي، والعاقل، والفطن، ونظائرها؟ # قلت: لإيهامها خلاف التعظيم لأن العقل -لغة- المنع. # والفطانة: شدة الفهم الذي (¬1) من شأنه أن يكون مسبوقا بالعدم، والسخاء: ~~الجود مع قابلية المحل لغيره. # واعلم أن الإذن أخص من وقوع الاسم في كلام الشارع، فإن مثل الماكر، ~~والمستهزئ، والزارع، والحارث، وإن كان واقعا في كلام الله لا يجوز لأحد أن ~~يقول: يا ماكر يا زارع، بل الإذن أن يرد في كلامه، مع إشعار أنه اسم من ~~أسمائه الحسنى. # قوله: "وأن المرء يقول: أنا مؤمن إن شاء الله". # أقول: ذهب جمهور السلف، وهو المروي عن ابن مسعود والمنقول عن الشافعي أن ~~الإيمان يدخله الاستثناء. ms449 PageV04P372 # وذهب أبو حنيفة، وأصحابه إلى عدم جواز ذلك، وعللوه بأنه شك، والشك لا ~~يجامع الإيمان (¬1). PageV04P373 # والقائلون يحوازه لم يجعلوه بمعنى الشك في الإيمان الحالي، بل لما كان ~~آية النجاة إيمان الموافاة، والأعمال بخواتيمها، وذلك غيب لا سبيل لعلم ~~المخلوق إليه، فوض إلى المشيئة، وهذا لا يمكن لأحد النزاع فيه. # أو يقال: على سبيل التبرك، وإحالة الأمور إلى مشيئته تعالى تأدبا، كما في ~~الحديث الصحيح، السلام على أهل المقابر: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" ~~(¬1) مع [كونه مقطوعا به] (¬2). # قوله: "وأن ملاذ الكافر". # أقول: ملاذ الكافر -في الحقيقة- ليست نعما، وإن التذ بها، لأنه بالآخرة ~~مصيره إلى النار، بل ذلك استدراج منه تعالى كما قال: {والذين كذبوا بآياتنا ~~سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} [الأعراف: 182، القلم: 44]، وإن سميت نعمة ~~نظرا إلى الظاهر، فلا مشاحة فيه، بل بعض الآيات (¬3) فيه دلالة ظاهرة. PageV04P374 # كقوله: {وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه} [فصلت: 51]، قوله: ~~{وما بكم من نعمة فمن الله} [النحل: 53] (¬1). # قوله: "والمشار إليه بأنا الهيكل المخصوص". PageV04P375 # أقول: ذهب بعض الناس إلى أن النفس الإنسانية ما يشير إليه كل أحد بأنا (¬1). # فقال المصنف: ما يشير إليه الإنسان بأنا ليس هو النفس؛ بل هو الهيكل ~~المخصوص. # وقد سبق تحقيق المسألة، وأن النفس والروح مترادفان عند أهل السنة، وأنهما ~~عبارة عن جسم نوراني باتصاله الحياة، وبانفصاله الممات، وفي النفس أقوال ~~آخر ضعيفة أعرضنا عن ذكرها (¬2). # قوله: "وأن الجوهر الفرد، وهو الجزء الذي لا يتجزأ". # أقول: الجسم عند المتكلمين قاطبة، وأكثر المعتزلة مركب من الأجزاء التي ~~لا تتجزأ. # والجزء الذي لا يتجزأ: ما لا يقبل القسمة لا حسا، ولا عقلا، ولا وهما، ~~وهو قابل للحياة وحده عند الأشاعرة، ونفاه الفلاسفة (¬3)، فعندهم PageV04P376 # الجسم مركب من الهيولى، والصورة والهيولى: جوهر يكون الجسم معه جسما ~~بالقوة، والصورة: جوهر يكون الجسم معه جسما بالفعل، والأول: المحل، ~~والثاني: الحال. # قوله: "وأنه لا حال". # أقول: جمهور المتكلمين على انحصار المعقول في الموجود، والمعدوم، ولا ~~واسطة، وأثبت المعتزلة الحال واسطة. # وتعريف الحال: بأن يقال: صفة لا ms450 موجودة، ولا معدومة قائمة بموجود. # ووافقهم القاضي، وإمام الحرمين (¬1)، وقال: قيام الصفة بمحل كالعلم مثلا ~~يوجب له صفة كالعالمية مثلا. PageV04P377 # والحق: عدم ذلك، إذ ليس للمحل وراء العلم صفة أخرى (¬1). # قوله: "وأن النسب، والإضافات". # أقول: مذهب أهل الحق أن النسب، والإضافات ليست بموجودة، بل أمور اعتبارية ~~سوى الأين، فإنه قالوا به والأعراض النسبية ما عدا الكم، والكيف (¬2). PageV04P378 # قالوا: لو وجدت لكانت حاصلة في محلها، لأنه لازم للعرض، ولو وجدت في ~~محالها لوجد حصولها في المحال أيضا، لأنه من الأمور النسبية، والفرض، وجود ~~النسب، فيلزم أن يكون للحصول محل آخر، وللحصول حصول آخر، وهلم جرا، فيحصل ~~التسلسل. # لا يقال: يجوز أن يكون حصول الحصول نفس الحصول وأيضا يرد النقض بالأين، ~~لأنا نقول: PageV04P379 # الجواب -عن الأول-: إذا فرض أن النسب موجودات خارجية، لا يجوز أن يكون ~~حصول الحصول [نفس الحصول] (¬1). # لأن أحد الموجودين في الخارج لا يعقل كونه عين الآخر فيه، وإنما يتم ذلك ~~في الأمور الاعتبارية. # وعن الثاني: أن المتكلمين لم يدعوا وجود النسب مطلقا، بل أثبتوا الأين ~~بالدليل القائم على وجوده، ولا يلزم جريان ذلك الدليل في كل نسبة حتى يتوجه النقض. # احتج الفلاسفة -على وجودها-: بأنا نحكم على السماء بأنها فوق الأرض، وهذه ~~الفوقية حاصلة في نفس الأمر، وإن لم يكن هناك فرض وتقدير، وليست من ~~الأعدام: لأنها حصلت بعد ما لم تكن، والحاصل بعد لم يكن ليس بعدم. # الجواب: النقض بالفناء، والمضى، أي: لو صح ما ذكرتم لزم كون الفناء، ~~والمضي موجودين: لأنهما حدثا بعد العدم، وقد قلتم: إن الحاصل بعد العدم لا ~~يكون عدما. # ونحن قاطعون بأن الفناء، والمضي ليسا بموجودين، لأنهما لو وجدا لزم وجود ~~الأمس، بل يوم الطوفان، لأن الفناء الموجود لا يقدم إلا بالموجود، وهو ~~محال. PageV04P380 # قوله: "وأن العرض لا يقوم بالعرض". # أقول: قد اختلف في قيام العرض بالعرض، المتكلمون على عدم جوازه مستدلين ~~عليه بوجهين: # الأول: أن معنى قيام الشيء بالشئ كونه تابعا له في التحيز، ولا متحيز ~~بالذات إلا الجوهر. # الثاني: لو ms451 قام عرض بآخر، وآخر بآخر، فلا بد من الانتهاء إلى الجوهر إذ ~~لا يعقل قيام العرض بنفسه، وإذا كان كذلك، فلا وجه لجعله قائما بالعرض ~~المحتاج إلى المحل، بل يجعل قائما بالجوهر المحل ابتداء. # والفلاسفة على (¬1) الجواز، مستدلين بأن معنى القيام ليس تبعية في التحيز ~~(¬2)، بل هو الاختصاص بحيث يكون المحل منعوتا، والحال ناعتا، كما تقولون ~~أنتم أيها المتكلمون في صفات الباري، مع كون المحل غير متحيز اتفاقا، وإذا ~~كان معنى القيام ما ذكرنا يجوز أن يكون عرض صفة لعرض آخر قائما به كالسرعة، ~~فإنها صفة الحركة لا PageV04P381 # المتحرك، وكالنقطة فإنها قائمة بالخط [لأنها نهاية الخط] (¬1)، والملامسة ~~والاستقامة. # والجواب: أن السرعة أمر اعتباري، فإن الحركة السريعة بطيئة بالنسبة إلى ~~أسرع منها، والنقطة أمر عدمي، وكذا الاستقامة، والملاسة، ولو سلم وجودها، ~~فهي قائمة بالجسم. # قوله: "ولا يبقى زمانين". # أقول: كما اختلف في قيام العرض بالعرض اختلف في بقائه، فالأشعري، وسائر ~~المتكلمين على عدم بقائه، والفلاسفة على أنه يبقى (¬2). # واستدل الشيخ وأصحابه على عدم الجواز بأن البقاء أيضا عرض، فلو كان العرض ~~باقيا لكان بقاؤه أيضا باقيا، وبقاء الباقي أيضا كذلك، وهلم جرا إلى ما لا ~~نهاية له. # ورد بأن البقاء أمر عدمي، وهو استمرار الوجود، وإلا لزم التسلسل في ~~الأمور الموجودة، لأن البقاء أيضا يحتاج إلى بقاء آخر، وهلم جرا. # والحق: أن عدم بقاء الأعراض -وإن كان مذهب الأشاعرة، وعليه يبنون كثيرا ~~من مطالبهم- لكن بقاء بعضها ضروري كالألوان، والأشكال، والعلوم، والمعارف، ~~ودعوى تجدد الأمثال فيها في غاية البعد. PageV04P382 # والفلاسفة قسموا الأعراض إلى السيالة كالزمان، والحركة، والتكلم، فهذه لا ~~يمكن بقاؤها، وإلى القارة: كالعلوم، والألون، فقولهم بالبقاء إنما هو في ~~هذا القسم (¬1). # والعجب ممن يقول (¬2): إن القول ببقاء الأعراض إحدى مقدمتي الدليل على ~~قدم العالم، والفلاسفة إنما ذهبوا إليه بناء على ذلك، ولم يعلم أن بين هذه ~~المسألة، وبين القول بالقدم أبعد من السماء إلى الأرض، إذ لو قالوا: بأن ~~الأجسام قديمة، وأعراضها متبدلة ساعة، فساعة ماذا كان يقدح في قولهم؟ # ألا ms452 ترى أنهم قائلون: بأن الأفلاك قديمة، وحركاتها متجددة لا إلى أول، بل ~~هم مطبقون على أن الممكن حال بقائه لا يستغني عن المؤثر، -كما سنذكره بعد ~~هذا في شرح كلام المصنف-: الباقي محتاج إلى المؤثر والفلاسفة في إثبات قدم ~~العالم أصلهم الذي بنوا عليه أن الواجب تعالى موجب في إيجاد العالم (¬3)، ~~لا مختار وكما سبق منا تحقيق المسألة. # قوله: "ولا يحل محلين". PageV04P383 # أقول: قد اختلف في قيام العرض الواحد بمحلين (¬1)، منعه الجمهور: لأن ~~تشخص العرض إنما هو بمحله إذ ما لم يحل محلا لا يمكن تشخصه وإذا تشخص لمحل، ~~فلو كان قائما بمحلين لزم تشخصه بهما، وهو محال، لأنه يلزم توارد علتين على ~~محل واحد، وقد سبق بطلانه، ولأنه لو جاز قيام عرض واحد بمحلين لما حصل ~~الجزم، بأن بياض العاج غير بياض الثلج، وبطلانه واضح. # قالوا: الأخوة قائمة بالأخوين، والجوار بالمتجاورين، والقرب بالمتقاربين. # ورد بأن القائم بأحدهما غير القائم بالآخر، والكلام في الواحد بالشخص. # قالوا: قالت الفلاسفة: الوحدة قائمة بالعشرة، والتثليث بالمثلث، وكذلك ~~التربيع بالمربع. PageV04P384 # قلنا: ليس محل النزاع إذ المحل واحد، وهو المجموع من حيث هو المجموع. # قوله: "وأن المثلين". # أقول: الغيران، إما مثلان: وهما المتفقان في الماهية كالبياض القائم ~~بالورق، وبالثلج، وإما ضدان، كالحركة، والسكون، وإما خلافان، كالحلاوة، ~~والسواد، وإما نقيضان، كالقيام، وعدمه (¬1). # إذا علم ذلك، فنقول: لا يجوز اجتماع المثلين، أي: العرضين المتماثلين في ~~محل واحد؛ لأن البياضين، أو السوادين لو جاز اجتماعهما في محل لم يعقل ~~بينهما تمايز (¬2). # ولأنه لو جاز ذلك لجاز لمن له العلم بمسالة أن يحصل علما آخر به، ولأنه ~~لو جاز ذلك لما حصل الجزم بوحدة شيء من الأعراض لاحتمال أن تكون أمثالا ~~مجتمعة، واللوازم كلها ظاهرة البطلان. # احتجت المعتزلة -على جوازه-: بأن الجسم يعرض له السواد، ثم آخر، وآخر إلى ~~أن يتكامل. # الجواب: أن تلك السوادات ليست متماثلة، بل ألوان مختلفة بالنوع غايته: أن ~~يقال -على جميعها-: السواد بالتشكيك، والضدان أمرهما PageV04P385 # واضح في عدم جواز الاجتماع، حتى يتكلم به العوام: ms453 الضدان لا يجتمعان، ~~ولكن المهم معرفة الضدين. # فالضدان: هما الأمران الوجوديان اللذان بينهما غاية الخلاف. فالعمى ~~والبصر ليسا بضدين؛ لأن أحدهما وجودي، والآخر عدمي. ولا البياض والخضرة؛ ~~لأنهما، وإن كانا وجوديين، إلا أن الخلاف بينهما ليس في غاية، [بل غاية] ~~(¬1) الخلاف إنما هو بين السواد والبياض إذ لا يتصور فوقه خلاف آخر. # والنقيضان: هما الإيجاب والسلب، فلا يجتمعان ولا يرتفعان (¬2)، فلا يمكن ~~أن يعقل شيئان إلا بينهما إيجاب بأن يقال: أحدهما هو الآخر، أو السلب بأن ~~يقال: أحدهما ليس الآخر. # قوله: "وأن أحد طرفي الممكن ليس أولى به". # أقول: الإمكان نوعان، الإمكان الخاص: وهو سلب الضرورة من جانبي الوجود ~~والعدم، مثل الإنسان، فإن وجوده وعدمه ليسا ضروريين. PageV04P386 # والإمكان العام: وهو سلب الضرورة من أحد الطرفين، فيشمل الواجب، والممكن، ~~والممتنع. إذا تقرر هذا، فنقول: لا يجوز أن يكون أحد طرفي (¬1) الممكن، ~~أولى به من الآخر. # وقيل: العدم أولى به، لأن الوجود يحتاج إلى علة موجودة، والعدم يكفيه ~~انتفاء شيء من أجزاء علة الوجود. وقيل: الأعراض السيالة كالحركه، والتكلم ~~العدم أولى به، لاستحالة بقائها (¬2). # والجواب: أن الكلام في الممكن بالنظر إلى ذاته لا بالنظر إلى الخارج عنه، ~~وما ذكرتموه ليس بالنظر إلى ذاته. # قوله: "وأن الباقي". # أقول: اختلف في أن الباقي حال بقائه هل يحتاج إلى السبب المؤثر، أم لا؟ # الحق: أنه يحتاج، وهذا مبني على أن سبب احتياج الممكن، هل هو الإمكان، أو ~~الحدوث، أو مجموعهما، أو الإمكان بشرط الحدوث؟ # فبالأول: قال الفلاسفة، وبالثلاثة الأخيرة قال المتكلمون. PageV04P387 # ومعنى كلام المصنف أن العلة، والسبب في الاحتياج أيا ما كان من هذه ~~الأمور يوجب احتياج الممكن حال بقائه إلى المؤثر، لأن الإمكان، والحدوث لا ~~زمان للموجود الحادث. # قيل: لو احتاج حال البقاء، فالتأثير إما في الحاصل، وهو محال، أو في ~~المتجدد، وليس ذلك تأثيرا في الباقي. # قلنا: تأثيره في المتجدد، وهو الوجود بالإضافة إلى الزمان الثاني، وهو ~~تأثير في الباقي، لأنه أفاده لدوام وجوده، إذ لو زال المؤثر لانتفى ذلك ~~الدوام. # وقد فهم ms454 بعضهم (¬1): أن مراد المصنف من هذا الكلام الرد على الفلاسفة، ~~فإنهم لم يقولوا باحتياج الباقي إلى المؤثر. # وليس كما فهمه: لأن مذهب الفلاسفة أن الإمكان علة الاحتياج، ولا شك أنهم ~~مجمعون على أن الإمكان ذاتي للممكن لا يفارقه، بل مراد المصنف أنه على كل ~~تقدير يلزم احتياج الباقي، وأعجب من هذا أنه بنى مسألة الحال على هذا. # قوله: "والمكان". # أقول: لا خفاء في ثبوت شيء ينتقل منه الجسم، وإليه، ويسكنه بحيث لا يسعه ~~غيره، وهو المعني بالمكان، وإنما النزاع في حقيقته ما هي؟ PageV04P388 # ذهب الفلاسفة المتأخرون مثل أرسطوطاليس (¬1)، وكثير من المتكلمين إلى أنه ~~السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوي، فالسطح عبارة ~~عن العرض القائم بظاهر الجسم له عرض، وطول، ولا عمق له، والحاوي كالكوز ~~مثلا، والمحوي كالماء الكائن [فيه] (¬2). # وقيل: المكان بعد مجرد موجود، والمراد بالمجرد أنه ليس جسما، ولا جسمانيا ~~ينفذ فيه الجسم، ويحصل فيه، ويكون شاغلا (¬3) له، وهذا مذهب شيخ أرسطوطاليس ~~أفلاطون (¬4)، وكثير من قدماء الفلاسفة. وقيل: بعد مفروض، أي عدم محض، ونفي ~~صرف ممكن أن لا يشغله شاغل، والذين يقولون: إنه الفراغ المتوهم الذي يشغله ~~الجسم، حتى لو لم يشغله لكان خلاء. PageV04P389 # استدلوا على أنه السطح المذكور، بأنه لو كان بعدا مجردا وجوديا، فإذا نفذ ~~فيه الجسم يلزم تداخل البعدين، أي: بعد المكان، وبعد المتمكن، بحيث يرتفع ~~التمايز بينهما في الوضع، والمقدار، وتجويز ذلك يفضي إلى جواز تداخل العالم ~~في حيز الخردلة وهو محال. # ولو كان بعدا مفروضا، أي: نفيا محضا لما قبل الزيادة، والنقصان، والثاني: ~~باطل لأن البعد بين المدينتين أكثر من البعد بين الجوارين. # والجواب -عن الأول- أنه لا يلزم من جواز تداخل بعدين أحدهما مادي، والآخر ~~مجرد تداخل البعدين الماديين. # وعن الثاني: بأن الزيادة، والنقصان باعتبار الفرض على معنى أن لو كان بين ~~المدينتين (¬1) مقدار موجود، لكان ذلك المقدار الموجود أعظم من المقدار ~~الموجود بين الجوارين. # قوله: "والخلاء جائز". # أقول: لما كان مذهب المتكلمين أن المكان عبارة عن الفراغ المتوهم الذي ms455 ~~يشغله الجسم بمعنى أنه لو لم يشغله لكان خلاء أشار إلى أن الخلاء ممكن. # فإن قلت: كيف يتصور جواز الخلاء عند المتكلمين القائلين، بأن المكان نفي ~~محض، وأمر وهمي؟ # قلت: معناه أنه يمكن أن يكون جسمان لا يتماسان، ولا يكون بينهما ما ~~يماسهما، كما أشار إليه المصنف. PageV04P390 # والدليل على جواز ذلك أنا لو طبقنا صفحة ملساء على أخرى مثلها بحيث لا ~~يكون بينهما هواء لتساوى الأجزاء، فإذا رفعنا الصفحة العليا دفعة -ولنفرض ~~الصفحتين عظيمتين- ففي أول الارتفاع يخلو الوسط جزما لأن نفوذ الهواء إنما ~~هو من الأطراف (¬1). # قوله: "والزمان". # أقول: كما اختلف في حقيقة المكان، فكذا في حقيقة الزمان. فذهب قدماء ~~الفلاسفة إلى أنه جوهر مجرد ليس بجسم، ولا جسماني. وقيل: هو الفلك التاسع، ~~وهو -أيضا- مذهب الفلاسفة، ومعدل النهار دائرة على الفلك الأعظم أعني ~~التاسع (¬2)، وإنما سميت معدل النهار لتعادل الليل والنهار إذا كانت الشمس ~~على سمتها. PageV04P391 # وقيل: ليس نفس الفلك المذكور بل حركته. # وقيل: بل مقدار حركنه، وهو مختار أرسطوطاليس، ومتأخري الفلاسفة. # وذهب المتكلمون إلى أنه أمر عدمي، وعرفوه بأنه: متجدد معلوم يتقدر به ~~متجدد غير معلوم، كما يقال: آتيك طلوع الشمس (¬1). # قال المصنف: والمختار أن (¬2) الزمان مقارنة متجدد [موهوم لمتجدد] (¬3) ~~معلوم إزالة للإيهام، وقد تبع في هذا الكلام الآمدي، وفي عبارته تسامح ~~ظاهر، إذ لا يخفى أن حقيقته ليست عبارة عن المقارنة، بل تحصل من تقدير ~~المتجدد الموهوم بالمتجدد المعلوم، حالة تسمى بالمقارنة، مثل مقارنة إتيانك ~~لطلوع الشمس، فالإتيان هو المتجدد الموهوم، وطلوع الشمس المتجدد المعلوم، ~~ولكل من أصحاب المذاهب أدلة أعرضنا عن ذكرها، لأن المسألة قليلة الجدوى، ~~فالإحاطة بمآخذ الأقوال كافية. # قوله: "ويمتنع تداخل الأجسام". PageV04P392 # أقول: اتفق العقلاء على عدم جواز التداخل (¬1). # وقد عرفت أن المراد منه اتحاد الشيئين، أو أكثر بحيث لا يزداد الحجم. # ومن قال (¬2): إن دخول الملك في الرحم لتصوير النطفة يشكل على من لم يجوز ~~التداخل (¬3) لم يدر معنى التداخل. # قوله: "وخلو الجوهر". # أقول: ذهب جميع العقلاء الذين يعتد بهم في الإسلام، والفلاسفة إلى ms456 أن ~~الجوهر لا يخلو عن العرض (¬4). PageV04P393 # أما الفلاسفة، فلأنهم لم يقولوا بوجود الجوهر الفرد، والجسم مركب -عندهم- ~~من الهيولى والصورة، وهم متفقون على عدم وجود إحديهما بدون الأخرى، ~~فالموجود هو الجسم، وكل جسم لا يخلو عن شكل طبيعي، وحيز طبيعي. # وعند المتكلمين: الجوهر الفرد، والجسم المركب من الجواهر الفردة لا يخلو ~~عن العرض، لأنه متناه، وكل متناه ذو شكل وهيئة. # وتوهم بعضهم (¬1) أن القائلين بقدم العالم من الفلاسفة يجوزون تجرد الجسم ~~عن العرض، وهذا غلط، إذ القائلون بقدم الأفلاك قائلون بقدم أشكالها. # قوله: "والجوهر غير مركب من الأعراض". # أقول: مذهب الجمهور أن الجواهر غير متألفة من الأعراض ونسب خلافه إلى ~~النظام، والنجار (¬2) من المعتزلة وبنوا على ذلك أن PageV04P394 # الجواهر غير متماثلة لكون ما تألف منها كذلك، هكذا وقع في المواقف (¬1). # والصواب: أن المخالف ضرار (¬2) لا النظام لأن مذهب النظام أن الجسم مركب ~~من أجزاء غير متناهية هي الجواهر الفردة. # قوله: "والأبعاد متناهية". # أقول: اتفقت الفلاسفة، والمتكلمون على أن الأبعاد (¬3) القائمة بالأجسام ~~متناهية. PageV04P395 # ونقل عن حكماء الهند، وجمع من المتقدمين، وأبي البركات (¬1) من المتأخرين خلافه. # لنا -على التناهى- أن لو أخرجنا خطين من نقطة مثل السلم، ويمشيان على ~~الانفراج، والانفتاح هكذا إلى غير النهاية، لزم أن يكون غير المتناهي ~~محصورا بين الحاصرين، وهو محال. # ولنا -أيضا- لو وجد بعد غير متناه نفرض نقصان ذراع منه، ثم نطبقه على بعد ~~تام غير ناقص، فإما أن يقع بإزاء كل ذراع من الناقص ذراع من التام وهو ~~باطل، وذلك لاستلزامه تساوي الناقص، والتام، أو ينقطع الناقص عن التام، ~~ويزيده التام بذلك الذراع، والزائد على المتناهي بمقدار متناه، متناه لا محالة. # قوله: "والمعلول". PageV04P396 # أقول: علة الشيء بمعنى المؤثر في وجوده، تقدمه على المعلول بالذات لا ~~بالزمان، كتقدم جرم الشمس على الإضاءة. # وقد تطلق العلة على ما يحتاج إليه الشيء (¬1)، وذلك المحتاج إليه إما ~~داخل، أو خارج، والداخل إما أن يكون الشيء به ذلك الشيء بالقوة، وهي العلة ~~المادية كالخشب للسرير، أو يكون ذلك الشيء بالفعل، وهي العلة الصورية ms457 ~~كالهيئة الحاصلة للسرير بعد ضم الأخشاب. # والخارج إما أن يكون حصول الشيء، ووجوده منه، وهي العلة الفاعلية، أو ~~لأجله، وهي العلة الغائية كالجلوس على السرير. هذا ومرادهم بأن العلة مع ~~المعلول زمانا، أو يعقبها مطلقا، يريدون بذلك العلة الموثرة على طريق ~~الإيجاب دون الاختيار، كحركة المفتاح مع حركة اليد، ولا يمكن ذلك إلا مع ~~المعية الزمانية. # ومختار المصنف مع والده لا يستقيم على ما عليه المحققون (¬2) وإن اصطلحوا ~~على شيء، فلا مشاحة معهم. PageV04P397 # وكذلك القول بالفرق بين الوضعية، والعقلية لا يصح على ما ذكرناه: لأن ~~الوضعية تأثيرها بالإيجاب، أو بالاختيار، فعلى الأول: لا يتصور تأخر زماني، ~~وعلى الثالث: ليست بعلة اصطلاحا عندهم. # وشبهتهم -بأنه إذا قال - لغير المدخول بها-: إذا طلقتك فأنت طالق، ثم قال ~~-لها-: أنت طالق لم تقع إلا الطلقة الواحدة (¬1)، فلو كان العلة، والمعلول ~~معا زمانا، لوقعتا - واهية: لأن المعية وإن كانت زمانية، ولكن معها تقدم ~~ذاتي، لأنهما مجتمعان. # وإذا تقدمت الطلقة المعلق عليها ذاتا لم يبق المحل قابلا للطلاق فعدم ~~وقوع (¬2) التقدم الذاتي، تأمل فإنه في غاية الحسن! # قوله: "واللذة". PageV04P398 # أقول: الجمهور على أن من الكيفيات النفسانية اللذة، والألم وتصورهما ~~بديهي: لأنهما من الوجدانيات، وربما يفسران قصدا إلى تعيين المسمى، وتلخيصه (¬1). # قال ابن سينا (¬2): "اللذة: إدراك، ونيل لما هو عند المدرك كمال، وخير. # والألم: إدراك، ونيل لما هو شر، وآفة عند المدرك". # فإدراك الحلاوة لذة تدرك بالذائقة، وإدراك الجمال لذة تدرك بالباصرة، ~~وإدراك الصوت الحسن لذه تدرك بالسامعة وإدراك الحقائق على ما هي عليه في ~~نفس الأمر لذة تدرك بالقوة العاقلة. PageV04P399 # وقول الإمام: بالحصر (¬1) في المعارف -واقتدى به والد المصنف- ليس حصرا ~~حقيقيا، بل ادعائي في أشرف الأنواع مثل الحصر في: {ذلك الكتاب} [البقرة: ~~2]، و"الحج عرفة" (¬2). # وأما قول ابن زكريا (¬3): بأن اللذة هي النجاة من الألم فقد أبطله ابن ~~سينا، وغيره، بأنه قد تحصل اللذة من غير سابقة ألم، كمن لم يكن ذاق PageV04P400 # الحلو قط، ولا سمع به، فأول ما يذوقه يحصل له لذة، ولا سابقة ألم ms458 هنا، ~~ولا داعية شوق. # قال المصنف: والحق: أن إدراك الملائم ليس نفس اللذة، بل هي حالة لازمة ~~لإدراك الملائم (¬1)، وهذا كلام في غاية الحسن، والوجدان يشهد له. # قوله: "وما تصوره العقل". # أقول: ما يتعقله الإنسان إذا قيس إلى الوجود الخارجي لا يخلو إما أن تكون ~~ذاته مقتضية لوجوده، وهو الواجب تعالى، إذ ما يكون مقتضى الذات لا يعقل ~~انفكاكه. # وإما أن تكون مقتضية لعدمه، فهو الممتنع لذاته، إذ لا يمكن اتصافه ~~بالوجود، لأن الامتناع من لوازم الذات لا يمكن زواله. وإما أن لا تقتضي ~~شيئا من الوجود، والعدم، وهو الممكن، لما سبق من استواء طرفيه أعني الوجود، ~~والعدم. # ثم الممكن تارة يكون واجبا بالغير إذا وجدت علة وجوده، وتارة ممتنعا ~~بالغير إذا انتفى علة وجوده (¬2). PageV04P401 ### | AUTO الخاتمة في بعض مسائل التصوف (الزهد والورع) PageV04P403 # الخاتمة # قوله: "خاتمة". # أقول: جعل خاتمة (¬1) كتابه بعض مسائل التصوف (¬2). PageV04P405 # وصدر بمسألة أول الواجبات -وإن لم تكن من التصوف (¬1) - إيماء إلى أنها ~~الركن الأعظم في الطريق الموصل إلى الله تعالى. فنقول: قد اختلف في أول ما ~~يجب على المكلف. PageV04P406 # قال الشيخ: هو معرفة الله تعالى لكونها أصل المعارف. وقال الأستاذ: هو ~~النظر في معرفته تعالى. # وقال القاضي، والإمام: هو القصد إلى النظر، هكذا في شرح المقاصد (¬1) ~~وزاد المصنف مذهبا آخر، ونسبه إلى القاضي، وهو أول النظر، ونسب القصد إلى ~~ابن فورك، وإمام الحرمين. # والحق: ما في شرح المقاصد (¬2)، إذ لا معنى لوجوب أول أجزاء النظر بدون ~~النظر لعدم استقلاله. PageV04P407 # ثم وجه التوفيق بين المذاهب المذكورة: أنه إن أريد أول الواجبات ~~المقصودة، فلا شك أنه معرفة الله، وإن أريد أعم من المقصود بالذات، فهو ~~القصد (¬1). # ولما كان النظر مستلزما للقصد ألغى بعضهم (¬2) ذكر القصد. # وما قيل (¬3): من أنه علم منه أن الطريق إلى معرفته هو النظر لا غير ليس ~~بشيء إذ لا حصر في كلامه. # قوله: "وذو النفس الأبية". # أقول: روى البيهقي -في شعب الإيمان- عن سهل بن سعد (¬4) الساعدي أن رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله ms459 يحب معالي الأمور ويكره سفسافها" ~~(¬5). PageV04P408 # والسفساف -لغة-: الشيء الحقير الدني (¬1)، وهذا الكلام منه -صلى الله ~~عليه وسلم- من جوامع الكلم، فإنه ينطبق على جميع جزئيات أسباب السعادة، ~~والشقاوة. # ومراد المصنف من إيراده في علم التصوف أن أهل التصوف هم الذين غير ~~ملتفتين إلى الدنيا الدنية (¬2)، بل نظره مقصود إلى النعيم الباقي، بل إلى ~~مولى النعم الذي هو أرفع المطالب الذي يستحقر دونه كل مطلوب. PageV04P409 # قوله: "ومن عرف ربه". # أقول: العارف بربه هو الذي يرى الكائنات مستندة إليه تعالى بلا واسطة، ~~وليس لأحد صنع سواه تعالى، وأيقن أنه الغني المطلق، وبيده النفع، والضر، ~~وله الكمال المطلق. فإذا عرف الرب تعالى على الوجه المذكور لزم منه أمور ~~منها: ما يرجع إليه، ومنها: ما يرجع إليه تعالى. # أما ما يرجع إليه هو تصور التبعيد، والتقريب (¬1)، فإنه قد جزم بأنه يفعل ~~ما يشاء ليس لأحد صنع، وإذا تصور ذلك لزم منه الخوف، والرجاء، وقدم الخوف ~~على الرجاء، لأن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح. # وإذا اتصف بهما لزم من ذلك الامتثال لأوامره، والاجتناب عن معاصيه، إذ من ~~ادعى معرفته تعالى وهو منهمك في مخالفته، فقد كذب في دعواه لأنه لو تصور ~~عظمته، واقتداره، وأنواع عقابه لم تتحرك منه شعرة إلى نحو المخالفة (¬2). PageV04P410 # وإذا تحلى بلباس التقوى، وجانب أسباب الغواية والهوى، فقد كمل ما هو راجع ~~إليه، واستعدت النفس لقبول الفيض (¬1) من الجناب الأعلى الذي فيضه عام لا ~~يتخلف عند قابلية المحل، منا وفضلا. # قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا معاذ بن جبل قال: لبيك يا رسول ~~الله، قال (¬2): هل تدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم، ~~قال: حق الله على عباده أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا. ثم قال: وهل تدري ~~ما حق العباد على الله، إن فعلوا ذلك؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أن لا ~~يعذبهم، ويدخلهم الجنة" (¬3) ولفظ الحق من طرف العباد، ذكر مشاكلة، أو حق ~~عليه تعالى لموجب وعده، لأنه لا يخلف الميعاد. # فهذا الحديث دليل واضح ms460 على أن العبد إذا أتى بالعبادات واجتنب المعاصى من ~~الذين قال الله في حقهم: {يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] (¬4) وإذا أحبه كان ~~عند العبد بمنزلة سمعه الذي به يسمع، وبصره الذي به PageV04P411 # يبصر، ويده التي بها يبطش، واتخذه الله وليا إن سأله أعطاه، وإن استعاذ ~~به أعاذه (¬1). # واعلم أن هذا الحديث الذي أورده المصنف من الصحيح المتفق على صحته، ومن ~~الأحاديث التي اختلف فيها الخلف والسلف (¬2)، ونحن نذكر PageV04P412 # بعض معانيه الموافقة لقانون الشرع فنقول: كونه تعالى نفس السمع، والبصر ~~حقيقة محال بأول الفطرة، فلا يراد من الكلام قطعا. # فالمعنى: أنه إذا بلغ العبد إلى كمال المعرفة، وارتاض بالطاعات، وكف عن ~~غيره تعالى، فكل شيء يراه أو يسمعه، لا يرى فيه ولا يسمع إلا من جهة الحق، ~~وأنه من آثار الصانع (¬1) وآية من آياته. PageV04P413 # ففى كل شيء له آية ... تدل على أنه (¬1) واحد # وهو إشارة إلى مقام الفناء (¬2) الذي هو أعلى مقامات الواصلين فإنه يصير ~~السالك في ذلك المقام فانيا عن نفسه، وفانيا عن فنائه لا يتصور إلا PageV04P414 # ثنينية، لا على معنى الحلول (¬1)، والاتحاد (¬2) كما عليه بعض الضالين، ~~بل بمعنى الغفلة عن غيره تعالى، والمواظبة على طاعته وشغل السر به. PageV04P415 # وناهيك في هذا الباب حديث النسوة، مع يوسف، وعدم الإحساس بقطع اليد (¬1) ~~لاستغراقهن بمطالعة جماله، وفنائهن عن الوجود، وإذا كان هذا حال الناقصات ~~عقلا مع بشر، فالمهيمون بحضرة القدس المستغرقون في أنوار جلاله وجماله ~~أولى، وأحرى بالفناء عما سواه. # اللهم اجعلنا من الواصلين إلى ذلك الأثر لا الواقفين على سماع الخبر، ~~وأغرقنا في بحار التجلي، ولا تجعلنا من العاكفين على ساحل التمني. # قوله: "ودنيء الهمة لا يبالي". # أقول: من ركن إلى الدنيا بشراشره، وقصر نظره على الحطام، وصار في عداد ~~الأنعام لا يبالي بالأمور، ولا يفرق بين الضار والنافع، فهو الذي أشير إليه ~~في قوله تعالى: {أولئك كالأنعام بل هم أضل} [الأعراف: 179]. PageV04P416 # وقال المصنف: ذاك الذي جهله فوق جهل الجاهلين (¬1)، لأنه أضل من الأنعام، ~~ولا يتصور جهل فوق هذا. # أو قل: من ترك ms461 عيش الآخرة، ونعيمها الدائم، وركن إلى الدنيا الفانية، ~~واطمأن بها هو الذي جهله لا يكتنه كنهه، ولا يقادر قدره، وقد ورد أن الآخرة ~~لو كانت من الخزف الباقي، والدنيا من الذهب الفاني، فكان الواجب على من له ~~مسكة (¬2) من العقل اختيار الباقي (¬3)، فكيف PageV04P417 # والدنيا مزبلة، والآخرة أعلى منزلة؟ ونتيجة ذلك الجهل الدخول في ربقة ~~المارقين من الدين النافرين عنه. # وإذا دخل في زمرتهم، وعدادهم، فالآيات الواردة في قبح حالهم الناعية ~~عليهم بكل سوء في العقبي لا تعد، ولا تحصى، ولا على أحد من الناس تخفى (¬1). # قوله: "فدونك صلاحا". # أقول: لما بين أن سلوك طريق الحق ماذا أمده، وغايته من القرب من حضرة رب ~~العالمين، والعدول عنه كيف يدخل في ربقة الضالين الخاسرين حث على تعاطى ~~أسباب تلك السعادة، وحذر عن التلبس بما يورث تلك الشقاوة، فعليك بصالح ~~[العمل] (¬2)، وإياك وما يورث الندامة، والخجل، وقد راعى في ترتيب الأمور ~~المذكورة في العبارة ترتبها حسب نفس الأمر، مع طباق (¬3) كل صفة، مع ~~مقابلتها، فإن الصلاح هو الاستقامة على الوجه PageV04P418 # المشروع المأمور، فهو أول منازل السائرين إلى الله تعالى، ومقابله الفساد ~~الذي هو سلوك طريق الغواية، فإذا لم يكن السائر السالك على الجادة القويمة ~~ماذا ينفعه سرى الليالي، وظمأ الهواجر في الفيافي. ثم يترتب على الصلاح ~~الفوز بالرضا، وعلى الفساد خسارة الصفقة وخيبة الرجاء. # ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تمشي على اليبس (¬1) # وإذا فاز بالرضا قرب من مهمة البعد، إلى ساحة الحضور. # وإن مسه نار السخط، فصار في سلك المطرودين عن باب الرحمة الواسعة، وهلك ~~في مفازة الوحشة، والأقطار الشاسعة. # ثم يدخل ذلك في ديوان السعادة، ويتمتع بالنعيم، ويسقط هذا في الدرك ~~الأسفل، ويتجرع الحميم في الجحيم، فتنبه أيها النائم عن سنة الغفلة، ~~والغرور، لعلك تحظى بجوار الله في دار السرور، وتنجو من لهب البعاد، ونار ~~الثبور. # قوله: "وإذا خطر لك أمر". # أقول: سالك طريق الآخرة كالتجار المسافرين لنيل الربح، والنجاة من الفقر، ~~وكما أن تاجر الدنيا لا بد له ms462 من طريق آمن ليسلم رأس ماله، ويفوز بما يرجوه ~~من أنواع الربح، وإلا يذهب رأس ماله على يد قطاع الطريق، ويهلك هو إما بسبب ~~الحرامي، أو بنار الحسرات على فوت رأس ماله، وسوء حاله. PageV04P419 # كذلك سالك طريق الآخرة الشيطان له عدو مبين، ولم يزل بالمرصد، ليحتال كيف ~~يصطاد، وعنده فنون، وأنواع من الحبائل ينصبها في الغدوات، والأصائل. # فعلى السالك -بعد تيقظه، وإرادة سلوك سبيل الآخرة- أخذ العدة لقهر ذلك ~~العدو اللعين الذي لا يفارق المرصد، والكمين، وليس النجاة منه إلا بالتمسك ~~بعروة الشريعة الغراء، فإنها المحجة (¬1) البيضاء لم ينكب قط سالكها، ولا ~~انتهب يوما سابلها. # فإذا وقع للسالك شبهة في سلوكه يحاذي بها تلك المحجة، فإن اتصلت بها، فهي ~~من شعبها، وفروعها، فيجزم بسلامة السالك، ونجاته من المهالك، وإن لم تدخل ~~في تلك الفروع فليجانبها، فإنها عين الضلالة وأحبولة من حبائل الشيطان. ثم ~~كما يفسد متاع التاجر بالغفلة عنه، وعدم الكشف عن حاله هل وصل إليه آثار ~~الشمس، أو الماء، أو سائر آفات الأقمشة، ربما وصل إلى المقصد، وهو في غاية ~~النشاط، والسرور PageV04P420 # ولما فتح متاعه وجده قد أفسده الحر، أو الماء مثلا، فذاك أقوى ما يتصوره ~~من الخسارة، وأنهى ما يكون في الحسرات، والندامة، فكذلك السالك يجب عليه أن ~~يعرض كل ما يأتي به من الأعمال على محل الإخلاص (¬1)، ولا يشوبه بالعجب، ~~والرياء، ولا يشينه بالحسد، والأخلاق المذمومة شرعا. # وإن وقع في قلبك شيء من الأمور المنهية من غير قصد إلى ذلك فلا عليك منه ~~إذ ذلك لا ينقص من عملك شيئا، لأن الله قد تجاوز عنه. # قوله: "واحتياج استغفارنا". PageV04P421 # أقول: لما ذكر أن العمل لا يعتد به إلا إذا كان موزونا بالشرع، منقحا عن ~~شوائب الرياء، والعجب، وكانت هذه المنزلة عالية لا يقدر على الوفاء بها كل ~~قاصر، بل ذلك شأن الخلص الموفقين. # فقال: إنما ذكرت لك ذلك لتسعى في تحصيله بالمواظبة على الطاعات ومخالفة ~~النفس، والسالك في أول السير لا بد له من تلك الخطرات، فلا يترك -من ms463 خوف ~~ذلك- أصل العمل المأمور به، لأن ما لا يدرك كله لا يترك بعضه. # وقد اشتهر أن الرياء قنطرة الإخلاص، وأيد ما قصده بقول من هو إمام مشهور ~~في هذا الشأن الشيخ القدوة شهاب الدين عمر (¬1) السهروردي (¬2) تغمده الله ~~برضوانه إذ قوله: PageV04P422 # اعمل وإن (¬1) خفت العجب مستغفرا مجمل ما فصله هذا في العمل الذي وزن ~~بميزان الشرع، وكان موافقا لقانونه. وأما الذي لا يوافقه -فبعد العراض على ~~الميزان، ووجدانه زيفا- إياك أن تواقعه، الحذر كل الحذر، فإن قصدت إليه، ~~ووطنت النفس عليه، فهي معصية، فاستغفر عنها، فإن من هيأ أسباب شرب الخمر ~~اليوم ليسكر في غد، ووطن النفس عليه، واغتالته المنية، فهو آثم، ولا بد من ~~بسط الكلام هنا، لأنه مزلة الأقدام. # فنقول: ما يقع في النفوس له خمس مراتب: # الأولى: هواء حس النفس، وهي الواردات التي لا قدرة للعبد على دفعها، فلا ~~مؤاخذة عليها (¬2) كما لا ثواب عليها إذ مناط الثواب، والعقاب الأفعال ~~الاختيارية. # الثانية: خواطر النفس، وهو أن يجريها باختياره، ويتردد هل أفعل، أم لا ~~أفعل؟ وهذا -أيضا- لا يصلح مناطا للثواب، والعقاب، لأنه لم يحكم بشيء، ~~والتصورات الخالية عن الحكم لا يتعلق بها ثواب ولا عقاب لخلوها عن الأحكام، ~~فحيث لا حكم لا ثواب، ولا عقاب. PageV04P423 # الثالثة: حديث النفس، وهي رتبة أعلى (¬1) من الأولى، والثانية، ولكن لا ~~قصد إلى الفعل أيضا إلا أنه أكد الخاطر بأن حدثته نفسه أنه يحب أن يفعله، ~~ولكن لم يهم، ولم يقصد إلى ترجيح الفعل. # [الرابعة: الهم وهو ترجيح قصد الفعل] وهذه المرتبة تفارق فيها الحسنة ~~السيئة، فإن كان الأمر الذي قصده خيرا كتب له حسنة، وإن كان معصية لم يكتب ~~عليه ما لم [يعمل أو] (¬2) يتكلم، وإن ترك السيئة بعد القصد كتبت له حسنة (¬3). # والمرتبة الخامسة: قوة القصد، والعزم، واطمئنان النفس إليه والركون ~~التام، فذلك مؤاخذ به عند المحققين (¬4) للإجماع على المؤاخذة PageV04P424 # بأفعال القلوب، ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا التقى المسلمان ~~بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله هذا القاتل، فما ms464 ~~بال المقتول؟ # قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه" (¬1) جعل علة استحقاق النار الحرص على ~~قتل صاحبه. PageV04P425 # قوله: "فإن لم تطعك الأمارة". # أقول: لما أمر السالك بالاستغفار عن الخاطر القبيح -وقد تقرر أن النفس ~~أمارة بالسوء مائلة إلى الشهوات- فقال: الأمر كذلك إلا أنها أعدى عدوك، ~~فجاهدها -كما تجاهد عدوك الساعى في إزالة حياتك الفانية- بالطريق الأولى: ~~لأنها تزيل حياتك الأبدية، فإن أعانك الله، فغلبت، فذاك التوفيق، والمرام، ~~وإن غلبت هي، فبادر إلى التوبة، فإنها نعم المعونة، والحصن الحصين لا نعمة ~~-بعد الإسلام- أجل منها: لأنها تجب ما قبلها على ما نطق به الحديث الصحيح (¬1). # فإن عجزت عن دفع شر الأمارة، وقلت حيلتك ذكرها بهاذم اللذات، ومفرق ~~الجماعات واتل عليها: {كل نفس ذائقة الموت} [آل عمران: 185] فإنه لا عنان ~~أكبح من ذلك، ولا دواء أنجع منه، ولذلك قال المؤيد PageV04P426 # بالحكمة -صلى الله عليه وسلم-: "أكثروا ذكر هاذم اللذات فإنه ما ذكره أحد ~~في ضيق إلا وسع، ولا في سعة إلا وضيقها" (¬1). # هذا إذا كان عدم إقلاع النفس عن المعصية استلذاذا، وكسلا. وأما إذا كان ~~يأسا، وقنوطا استعظاما من الذنب، فهذا مقت من الله، وضم ذنب إلى آخر، ~~فتدارك إقلاعها عنه بأن تتلو عليها الآيات الدالة على سعة رحمته تعالى مثل ~~قوله: {إن الله يغفر الذنوب جميعا} [الزمر: 53] وقوله: {إنه لا ييأس من روح ~~الله إلا القوم الكافرون} [يوسف: 87]. # والحديث الذي رواه مسلم: "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ~~ولجاء بقوم آخرين، فيذنبون، فيستغفرون، فيغفر لهم" (¬2). PageV04P427 # قوله: "وهي الندم". # أقول: لما ذكر التوبة (¬1) أراد شرح حقيقتها. PageV04P428 # والمشهور: أن أركان التوبة ثلاثة: الإقلاع عن الذنب في الحال، والندم على ~~الماضي من المعاصي، والعزم على عدم العود في الاستقبال. # قال المصنف: "هي الندم" ثم قال: ولا يحصل إلا بالإقلاع في الحال، والعزم ~~على عدم العود، وكأنه أشار إلى أن الركن الأعظم منها هو الندم (¬1)، فإنه ~~يستلزم -عرفا- الإقلاع في الحال، وعدم العود في الاستقبال، ولذلك عرفها ~~-بالندم- كثير من المشايخ (¬2) وأما تدارك ما يمكن تداركه، ms465 فليس من أركان ~~التوبة، بل من شروطه عند بعض. # قال الإمام -في الشامل-: إن لم يرد التائب المظلمة، فقد صحت توبته، ورد ~~المظلمة حق آخر وجب عليه (¬3)، لكن ذكر الإمام الغزالي أن الذنب إن كان ~~بينه وبين الله تعالى فالتوبة تمحوها إن شاء الله، وإن كان بينه وبين ~~العباد، وأمكن الاستحلال منه، فلا بد منه إما بالأداء، أو بالاستحلال، وإلا ~~فيستغفر لصاحب الحق، ويسقط هذا الشرط (¬4). PageV04P429 # وإذا تاب عن ذنب وعاد إليه، ثم تاب ثانيا توبته صحيحة، ولو عاد إلى الذنب ~~في يوم مئة مرة (¬1)، وكذا تصح التوبة عن بعض الذنوب، مع الإصرار على بعض ~~(¬2) آخر، وعن الصغائر والكبائر PageV04P430 # إجماعا (¬1)، والصغائر، وإن كفرت باجتناب الكبائر (¬2) إلا أن المذنب ~~ربما لا يعيش إلى وجود المكفر. # قوله: "وإذا شككت". # أقول: ما وزن بالشرع، فإن كان مأمورا به، أو منهيا عنه، فقد تقدم حكمه. # وإن كان مشكوكا فيه بأن تكون له شائبة من كل واحد، فإن نظر إلى الفتوى، ~~فالأصل الحل، وإن نظر إلى التقوى، فالواجب الاجتناب احتياطا، وحذرا من ~~الوقوع في الحرام. # ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم-: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (¬3). ~~فطين الشارع، وثياب ملابس النجاسة الأصل فيهما عدم النجاسة، والتقوى تقتضي ~~الاجتناب. PageV04P431 # وما حكاه عن الجويني: من أن المتوضئ إذا شك في الغسلات هل هي الرابعة، أو ~~الثالثة؟ يترك الغسلة. # ومدركه: أن ترك السنة أهون من ارتكاب البدعة. # ومدرك الجمهور: أن ذلك إذا تحققت البدعة، وهنا لم تتحقق، ولهذا لو شك ~~أصلى ثلاثا، أم أربعا؟ فإنه يأتي بركعة أخرى (¬1)، وما وقع في بعض الشروح ~~(¬2) يأتي بركعتين (¬3) سهو ظاهر. # قوله: "وكل واقع بقدرة الله". # أقول: قد تقدم أن الأمور كائنة بإرادة الله، وقدرته، والعبد له الكسب ليس ~~له الإيجاد، بل هو شأن الرب تعالى، وتقدس والخلاف هنا، مع الجبرية (¬4)، ~~والقدرية. PageV04P432 # أما الجبرية، فإنهم جعلوا العبد مجبورا محضا لا تأثير لقدرته (¬1) لا ~~كسبا (¬2)، ولا إيجادا، وهذا باطل بأول الفكر إذ لا نشك في أن حركة المرتعش ~~تباين حركة المختار، ms466 ويدرك ذلك الصبيان، والبله. والقدرية على أن أفعال ~~العباد الاختيارية (¬3) واقعة بقدرتهم، وإرادتهم إيجادا لا صنع للرب فيها ~~غير الإقدار، والتمكين. PageV04P433 # ومذهب أهل الحق التوسط بين الإفراط، والتفريط، وهو أن الإيجاد من الله، ~~والكسب من العبد، وعليه يعاقب، ويثاب، والمسألة مذكورة في المطولات على وجه ~~أبسط من هذا (¬1). # قوله: "ومن ثم الصحيح أن القدرة لا تصلح للضدين". # لما تقرر أن الكل بقدرته تعالى إيجادا، وأن قدرة العبد إنما تتعلق بالفعل ~~كسبا، فهي لا توجد إلا عند المباشرة، لأنها عرض لا تبقى زمانين، وهذا معنى ~~قول الأشعري: إن الاستطاعة مع الفعل، وإذا كان القدرة حادثة، مع الفعل، فقد ~~صح أنها لا تصلح إلا لأحد الضدين (¬2). PageV04P434 # وقد سبق أن الاستطاعة تطلق على سلامة الآلات. # والأسباب -أيضا- عند الأشعري، وإنما قال: الصحيح، لأن مذهب بعض أهل السنة ~~(¬1) أن القدرة صالحة للضدين على سبيل البدل (¬2)، ولكن لا يستقيم على أصل ~~الشيخ أن الاستطاعة، مع الفعل. PageV04P435 # والعجز (¬1): مقابل القدرة اتفاقا. # وإنما الخلاف في أن التقابل بينهما من أي قبيل؟ فالمتكلمون: على أن ~~التقابل بينهما بالتضاد، فكل منهما صفة وجودية. # والفلاسفة: على أن التقابل بينهما بالعدم، والملكة. وتوقف الإمام (¬2)، ~~ولا يخفى أن تفريع المصنف عدم صلاحية القدرة للضدين على كون الكل بقدرته ~~تعالى غير واضح لما علمت أن هذا فرع كون الاستطاعة، مع الفعل. # قوله: "ورجح قوم التوكل". PageV04P436 # أقول: قد اختلف في أن التوكل (¬1)، والتفويض أفضل، أم مباشرة أسباب الرزق ~~بالتجارة، وسائر الصنائع؟ # فذهب إلى كل مذهب منها ذاهبون، وفصل آخرون بأن هذا مختلف باختلاف الناس ~~(¬2). PageV04P437 # فإن كان السالك ممن لا يرى تعسر أسباب الرزق شاقا عليه، ولا يمنعه ذلك من ~~القيام بطاعته على الوجه الأبلغ، فالتجرد للعبادة أفضل، وإن كان يرى ذلك ~~شاغلا لسره بحيث يكون جسده في العبادة، ونفسه سائرة في الآفاق، وملتفتة إلى ~~اللذات جامحة، فالأفضل في حقه تعاطي الأسباب، وبه يجمع بين الأحاديث ~~الواردة في باب التوكل، والحث على طلب الحلال. # وفي صحيح البخاري: "أن داود عليه السلام كان يأكل من كسب يده" ms467 (¬1) ~~والتوكل لا يضاد الكسب، فإن الكاسب -أيضا- متوكل على الله في حصول المطلوب ~~غايته: أنه يباشر المقدمات. PageV04P438 # ونقل عن شيخ الطائفة الجنيد (¬1): "ليس التوكل ترك الكسب إنما التوكل ~~سكون القلب إلى الموعود من الله". # وقال بعضهم: اكسب ظاهرا، وتوكل باطنا. # وأصل هذا ما روي: أن رجلا قال: أرسل ناقتي يا رسول الله، وأتوكل؟ قال: ~~"لا اعقلها وتوكل" (¬2). PageV04P439 # وكان سيد الرسل، وهادي السبل قدوة المتوكلين ظاهر بين درعين (¬1) يوم أحد (¬2). # وقد تحرر من هذا أن المختار غير ما أشار إليه المصنف من أنه يختلف ~~باختلاف الناس: لأن الاكتساب إذا لم يناف التوكل، فالأفضل -في حق الكل- ~~مباشرة الأسباب، مع التوكل على الله (¬3). PageV04P440 # وكيف يوازي الجلوس -في المساجد، وانتظار ما يأتي به أحد إليه من البر، ~~والصدقات التي هي أوساخ الناس- الإنفاق في سبيل الله، وإطعام الجائع، وستر ~~العورة، وفك الرقاب قال تعالى -في مقام الذم على التكاسل عن سلوك طريق ~~السعادة-: {فك رقبة (13) أو إطعام في يوم ذي مسغبة (14) يتيما ذا مقربة ~~(15) أو مسكينا ذا متربة} [البلد: 13 - 16]. # ويتفرع -على ما قلنا- ما عرفه المصنف على مذهب التفصيل من أن إرادة ~~التجريد (¬1) مع داعية الأسباب شهوة PageV04P441 # خفية، لأنه إذا كان بالظاهر متجردا في الخلوة للعبادة، وقلبه في الأسواق، ~~وأنواع المعاش، فتجريده غير معتد به، فذلك شهوة خفية، لأنها باطنة لا يطلع ~~عليها غيره تعالى، وكذلك سلوك الأسباب الموصلة إلى أنواع البر، والصدقات، ~~ومع ذلك يطلب الإنسان ترك ذلك، والانقطاع إلى نوافل الطاعات انحطاط عن ~~الذروة إلى الحضيض يرشد إلى هذا الحديث المتفق عليه: "اليد العليا خير من ~~اليد السفلى" (¬1)، وفي بعض الروايات الصحيحة أن العليا هي المنفقة. # ثم قل -لي-: أعثمان بن عفان أفضل إذ جهز (¬2) جيش العسرة (¬3)، PageV04P442 # أم أبو هريرة، وأصحاب الصفة (¬1). # ومن ينظر بنور التوفيق علم الأشياء على ما هي عليه. # واعلم أن هذا الذي ذكرناه إنما هو أفضل، فيمن أعطى قوة الجمع بينهما، ومن ~~كان ضعيفا لا يقدر على الجمع -فإذ دخل في تحصيل الأسباب فاته القيام ~~بالعبادات، وإن اشتغل بها، وترك ms468 الأسباب، وله نفس قانعة، مطمئنة، وقد التذ ~~بالغذاء الروحاني في الخلوة، وشرب من صفو ذكر الله ما أرواه عن شرب مكدرات ~~الدنيا- فذلك من الواجب عليه لزوم الخلوة، وعدم مخالطة الأسباب. PageV04P443 # فشأن الشطان، مع هذا أن يوسوس له، ويقول: أنت قاعد تنتظر من أين يأتيك ~~لقمة تسد بها جوعتك، أين أنت من كسب الحلال الذي كان شأن الأنبياء، ~~والصديقين؟ # أما لك أسوة بأبي بكر الصديق (¬1)، وعمر بن الخطاب، وأشراف الصحابة؟ لو ~~خرجت، وتسببت في تحصيل حلال، وتناولت بعضه، وتصدقت ببعضه كان خيرا لك من ~~عبادة سنين، وقصده إفساد وقته، وإبطال ما هو عليه. # وبضد ذلك، مع من يقوم بفرائضه، وبعض سببه، وينفق على عياله، ويحتمل ~~المشاق، والتعب، ويكف نفسه عن مذلة السؤال، وهو ماش على طريقة وسطى، ~~فيأتيه، ويقول: ما هذا التعب الذي أنت فيه؟ ألم تصدق قول الله، وقول رسول ~~الله -في كم آية، وكم حديث- أنه ضمن لعباده الرزق؟ وقد جف القلم بما قدر لك ~~لا يزيد، ولا ينقص، فيا أيها المسكين لم لا تنقطع إلى ذكر الله تعالى ~~وعبادته؟ وقد بقى لك من العمر أيام تتلافى فيها ما أسلفت من السيئات. # وقصده بهذا الوسواس إيقاع ذلك الماشي -على الاستقامة- في أودية الأفكار. PageV04P444 # وإذا انقطع، ودخل الخلوة جاء من طريق آخر، وقال -له-: خربت بيتك بيدك، ~~وربما كان لك بقية من العمر، وإلى متي يكون حالك هكذا، في الفقر؟ ولا يجوز ~~لك الرجوع إلى ما كنت فيه، فإنه عار عليك تصير ضحكة للناس يقولون: لم يقدر ~~على متاعب الرياضة، فلم يزل يضيع عليه وقته، ويكدر عليه حاله لا من هؤلاء، ~~ولا من هؤلاء (¬1). # فالموفق من نظر في أحواله، وافتقدها ساعة، فساعة لئلا يفسد عليه وقته بعد ~~إيقانه بأن مراد الله لا يتخلف، وأنه وإن علم ذلك كله لا يصونه عن مكائده ~~إلا عنايته - تعالى. # ونحن نسأل الله تعالى الإعانة، والتوفيق في الأمور كلها، ونعوذ به من ~~شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا إنه ولي الإعانة، والتوفيق. # هذا آخر ما قصدنا شرحه من كتاب ms469 جمع الجوامع، وقد وفق الله الكريمة بمنة ~~ختمه يوم الخميس الثاني من رجب الفرد سنة إحدى وستين وثمان مئة تجاه باب ~~الجنة في المسجد الأقصى. ونسأل الله تعالى أن يجعل خاتمتنا جنته بمحمد، ~~وآله، وصحبه (¬2)، والحمد لله رب العالمين [وحسبنا الله، ونعم الوكيل] ~~(¬3). PageV04P445 # [علقه -لنفسه، ولمن شاء الله من بعده من نسخة مؤلفه، الشيخ شهاب الدين ~~أحمد بن إسماعيل الكوراني عفا الله عنه، وعن والديه، وعن مشائخه- أقل عباد ~~الله، وأحوجهم إلى عفو ربه، أحمد بن محمد بن عمر (¬1) الشافعي الشهير والده ~~بجكم غفر الله له، ولوالديه، ولمشائخه، وأحبته، وجميع المسلمين، في مدة، ~~متفرقة آخرها نهار الأحد يوم العشرين من شوال سنة (893 ه) أحسن الله ~~خاتمتها، وصلى الله، وسلم على سيدنا محمد، وآله، وصحبه أجمعين، والحمد لله ~~رب العالمين] (¬2). ms470