######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0095562 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن إسماعيل بن عثمان الكوراني، شهاب الدين الشافعي ثم الحنفي (المتوفى: 893هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 893 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التفاسير #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0095562 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-95562 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/95562 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد مصطفي كوكصو (رسالة دكتوراه) #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: جامعة صاقريا كلية العلوم الاجتماعية - تركيا #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1428 هـ - 2007 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | سورة النجم # مكية، إحدى وستون آية أو اثنتان وستون # بسم الله الرحمن الرحيم # (والنجم إذا هوى (1) أقسم بالثريا، فإنه أبدع الكواكب صنعا، والنجم: علم ~~غالب له عند العرب وفي أمثالهم: # إذا طلع النجم عشاء ... ابتغى الراعي كساء # PageV01P012 # وقيل جنس النجوم، لأنها زينة السماء، ورجوم الشياطين. و (هوى) من الهوي، ~~بفتح الهاء وهو السقوط، أو بضمها وهو الطلوع؛ لأنه أدل على كمال الاقتدار، ~~كقوله: (والليل إذا عسعس) أو نجم القرآن؛ لأنه نزل منجما، وهذا أوفق لوجود ~~نظائره، وألصق بقوله: (ما ضل صاحبكم وما غوى (2) الضلال: ضد الاهتداء، ~~والغواية: ضد الرشد، وهما جواب القسم، أي. ليس هو كما تزعمون ضالا غاويا في ~~ترك دين آبائه. وفي لفظ "الصاحب" وإضافته توبيخ لهم، حيث عرفوا أمانته وصدق ~~لهجته، ثم نسبوه إلى الضلال. # (وما ينطق عن الهوى (3) في أمر الدين والدعوة إليه. وفى الإتيان به ~~مضارعا بعد قوله: (ما ضل صاحبكم وما غوى) إشارة إلى أنه إذا لم يكن له ~~سابقة ضلال قبل النبوة، فبعدها أبعد. # (إن هو إلا وحي يوحى (4) استدل به من منع اجتهاده، وليس بتام؛ لأنه إذا ~~قال له تعالى وتقدس: ما ظننت فهو حكمي يكون اجتهاده وحيا لا بالوحي، وغيره ~~ليس كذلك. # (علمه شديد القوى (5) جبرائيل، والإضافة لفظية، أي: قواه الجسمانية من ~~البطش، والسمع، والبصر. # PageV01P013 # ذو مرة ... (6) عقل كامل ورأي وافر، أتى به في أسلوب الترقي. (فاستوى) ~~على صورته الحقيقية. # (وهو بالأفق الأعلى (7) مطلع الشمس وإنما ظهر له في تلك الصورة، ليتيقن ~~أنه ذلك إذا أتاه في غير تلك الصورة .. # (ثم دنا فتدلى (8) قرب من محمد فتعلق به. # (فكان قاب قوسين أو أدنى (9) أي: كان البعد بينهما مسافة قوسين أو أقرب ~~في مرآكم لو رأيتم. القاب والقيب كالقاد والقيد: هو المقدار وقيل: القاب، ~~ما بين المقبض إلى السية فلكل قوس قابان. (أو أدنى) على تقديركم كقوله: أو ~~يزيدون. # وهذه الرؤية كانت بعد مجيئه بحراء أول ما بعث، لما فتر الوحي على ما رواه ~~الثقاة، أنه لما # PageV01P014 # اشتد به الكرب من تكذيب ms001 قريش حتى قالوا: هجره شيطانه. قال: " فأردت أن ~~ألقي نفسي من شاهق فلما خرجت فإذا هو جالس على كرسي بين السماء والأرض، ~~وقال: لا تفعل فإنك رسول الله حقا فرعبت منه فرجعت إلى أهلي فقلت دثروني. ~~فنزلت: (يا أيها المدثر (1) قم فأنذر (2). فهذا معنى الدنو والتدلي، ~~والقرب. لا أنه تمثيل للعروج به. # (فأوحى إلى عبده ما أوحى (10) # الموحى هو جبرائيل، وضمير (عبده) لله، ولا لبس فيه. # والقول بأن الضمائر لله. فالدنو والتدلي على التأويل، خلاف الظاهر بعيد ~~عن المساق. (ما أوحى) لم يأت بالضمير؛ تفخيما لشأن المنزل، وأنه مما يجل عن ~~الوصف، أنى يتوهم التباسه بالشعر والكهانة؟ وكما فخم شأن المنزل، كذلك شأن ~~للنزل إليه بإيثار لفظ " العبد " المضاف إليه تعالى؛ إشارة إلى أنه العبد ~~الحقيقي، الكامل، الذي لا يذهب الوهم منه، وإيماء إلى أنه حقيق بالحظوة ~~والاصطفاء. # (ما كذب الفؤاد ما رأى (11) أي: ما رآه من صورة جبرائيل، أي: لم يكن قلبه ~~منكرا له إذا رآه مرة أخرى في غير صورته. وقيل: ما رآه من جلال الله تعالى ~~لما روى # PageV01P015 # مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما: " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~رأي ربه بفؤاده مرتين " والحق أن ذلك ليس تفسيرا للآية وإن صح. # (أفتمارونه على ما يرى (12) تجادلونه، من المراء. أصله المري. يقال: مريت ~~الناقة، إذا جذبت ضرعها لتدر. وقرأ حمزة والكسائي (أفتمرونه) على المغالبة ~~من ماريته فمريته. # PageV01P016 # (ولقد رآه نزلة أخرى (13) فعلة من النزول أي: مرة أخرى؛ ولذلك نصبت على ~~الظرف. # (عند سدرة المنتهى (14) ليلة الإسراء، وهي شجرة النبق، كل نبقة كقلة من ~~قلال هجر، وأوراقها كآذان الفيلة، وقد غشيها من الأنوار ما لا يقدر على ~~نعتها إلا الله. وسميت بالمنتهى؛ لانتهاء علم الخلائق إليها، وهي في السماء ~~السابعة. كذلك رواه البخاري. # PageV01P017 # (عندها جنة المأوى (15) الجنة التي تأوي إليها أرواح الشهداء أو المتقون. # (إذ يغشى السدرة ما يغشى (16) من الأنوار والألوان ما يجل عن الوصف، ~~وقيل: ملائكة كالغربان على كل ورقة ملك يسبح. # (ما زاغ ms002 البصر ... (17) ما مال عن سنن الاستقامة. (وما طغى) وما تجاوز عن ~~المرئي. لما قرر أن الفؤاد لم يكذب ما رأي أزال شبهة من يتوهم أن آلة ~~الإدراك قد تخطئ في الإدرإك كما بين في موضعه. أو ما مال البصر ولا تجاوز ~~عن مطلبه، وهو الحق تعالى. # وهذا مقام مخصوص به لم يتيسر لفرد من البشر. # PageV01P018 # (لقد رأى من آيات ربه الكبرى (18) استئناف يؤكد ما تقرر. أي: قد رأي من ~~عجائب الملكوت ما لا يمكن وصفه، فضلا عن رؤية جبرائيل، ويجوز أن يكون ~~الكبرى مفعول الرؤية. أي: رأي كبراهن. وبه يتمسك من أثبت الرؤية إذ لا أكبر ~~منها آية. # (أفرأيتم اللات والعزى (19) ومناة الثالثة الأخرى (20) هذه أصنام كان أهل ~~الجاهلية يعبدونها. اللات كان بالطائف يعبده ثقيف، والعزى سمرة بجيلة ~~يعبدها # PageV01P019 # غطفان. ومناة صنم كان على الساحل يعبده هذيل وخزاعة. وقد همزه ابن كثير ~~جعله مفعلة من النوء؛ لأنهم كانوا يستمطرون عنده بالأنواء. ومن لم يهمزها ~~أخذها من # PageV01P020 # منى: أراق. فإنهم كانوا يريقون دماء النسائك عليها. والعزى تأنيث الأعز. ~~قطعها خالد بن الوليد، فخرج منها شيطانة ناثرة شعرها، تدعو بالويل، فضربها ~~خالد بن الوليد بالسيف، وقال: # كفرانك يا عزى لا سبحانك # فأخبر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " تلك العزى ولن تعبد ~~بعد اليوم أبدا ". واللات: قيل: اسم رجل كان يلت لها السويق. وعن مجاهد اسم ~~رجل كان # PageV01P021 # يلت السمن ويطعمه، فلما مات اتخذوا قبره وثنا. والمعنى: أبعد هذا البيان ~~تستمرون على الضلال. فترون هذه الأصنام آلهة تستحق العبادة، وتجعلونها ~~شركاء الله (الأخرى) صفة ذم أي: الوضيعة فإنهم كانوا يرون التقدم للات ~~والعزى. # (ألكم الذكر وله الأنثى (21) وأنتم تقتلون الإناث، ولا ترضونها، تأنفون ~~منها عارا. فكيف تجوزون أن تكون أولادا له وشركاء في الألوهية؟! وإذا كان ~~شأنكم في # PageV01P022 # الجهالة والضلال هذا. فكيف تضللون من يدعو إلى التوحيد وإلى عبادة من له ~~الخلق والأمر؟. # (تلك إذا قسمة ضيزى (22) جائرة، من ضازه يضيزه إذا ظلمه. أصله ضئزى؛ # لأن فعلى صفة لم يثبت ms003 على ما ذكره سيبويه. إلا مع التاء كعزهات فكسر ~~الفاء لتسلم الياء كما فعل ببيض. وقرأ ابن كثير بالهمز من ضأزه ظلمه. # (إن هي ... (23) أي: الأصنام (إلا أسماء سميتموها) أي: لا حقيقة لها ~~باعتبار الألوهية (أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان) برهان يدل على ~~جواز إطلاق اسم الإله عليها، وفيه تهكم بهم بأن العقل لا يجيز إطلاق الآلهة ~~على الجماد، لو فرض ذلك لم يكن إلا تعبدا محضا من الله. (إن يتبعون إلا ~~الظن) يقلدون آباءهم. ولا اعتبار للظن في العقائد ولا # PageV01P023 # تقليد. (وما تهوى الأنفس) أنفسهم (ولقد جاءهم من ربهم الهدى) الرسول أو ~~الكتاب الذي هو مناط الإيقان. # (أم للإنسان ما تمنى (24) أم منقطعة، ومعنى همزتها الإنكار، أي: ليس ~~للإنسان ما يتمناه حاصلا له وهو طمع هؤلاء في شفاعة تلك الجمادات، أو ما ~~كانوا يقولون: لئن كان هناك بعث نحن أحسن حالا من محمد وأصحابه كقوله: ~~(ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى) و (لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم) أو هو قول عاص بن وائل: (لأوتين مالا وولدا (77). # PageV01P024 # (فلله الآخرة والأولى (25) يعطي ما يشاء لمن يشاء ليس لأحد فيهما شرك، ~~وقدم الآخرة؛ لأن الكلام فيها. # (وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا ... (26) أدنى شيء مع ~~مكانتهم وقربهم عند الله. فكيف تشفع هذه الجمادات التي هي أخس الكائنات. ~~والمراد أشراف الملائكة؛ ليدل بالأولوية على انتفائها من غيرهم، ولذلك نكر ~~الملك وخصه بمن في السموات. (إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء) أن يشفع ~~ويشفع له، (ويرضى) بتلك الشفاعة أي. تكون مقبولة؛ لأن الإذن في الشفاعة لا ~~يستلزم القبول. # (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى (27) حيث ~~قالوا: هم بنات الله. قالوا: تزوج سروات الجن فولدت له الملائكة. والتقييد ~~بالآخرة، إشارة إلى فرط جهلهم بأنهم يعتقدون أن الإنسان يترك سدى، ومن كان ~~هذا شأنه لا يبعد منه تلك المقالة. # (وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن ... (28) لما ms004 سمعوه من آبائهم. ~~(وإن الظن لا يغني من الحق) الذي لا يمكن تبدله باختلاف الشرائع وتبدل ~~الأعصار وهي المسائل الأصلية والمباحث الإلهية. (شيئا) أدنى شيء. # PageV01P025 # (فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ... (29) أعرض عنه ولم يتأمله. والمراد به ~~القرآن. وفي إضافته إلى نفسه؛ إشارة إلى أنه كان حقيقا بالإقبال. (ولم يرد ~~إلا الحياة الدنيا) إلا هذا الخسيس، لا أن ذلك كان لعائق آخر. # (ذلك مبلغهم من العلم ... (30) # اعتراض يؤكد الأمر بالإعراض؛ لأن السعي في الإرشاد إنما يجدي لمن له ~~قابلية الترقي (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى) يعلم ~~من يجيب ومن لا يجيب، وقد علم أن هؤلاء أهل الطبع. وفي إعادة العلم ثانيا ~~مبالغة دالة على كمال تمايز الحزبين عنده. # (ولله ما في السماوات وما في الأرض ... (31) خلقا وملكا. نفى به توهم ~~الإهمال، وتركهم سدى من قوله: (فأعرض)، ولذلك عقبه بقوله: (ليجزي الذين ~~أساءوا بما عملوا) بجزاء أعمالهم، (ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى) غير النظم، ~~للدلالة على أن جزاءهم ليس على قدر أعمالهم. ويجوز أن يتعلق (ليجزي) بقوله ~~(إن ربك هو أعلم). وقوله: (ولله ما في السماوات) اعتراض يؤكد حديث الجزاء ~~بأنهم تحت ملكه. # (الذين يجتنبون كبائر الإثم ... (32) # بدل من (الذين أحسنوا) أو صفته، أو نصب، أو رفع على المدح. أي: الكبائر ~~من الإثم فإنه جنس الذنوب. والكبيرة: ما توعد عليه # PageV01P026 # الشارع بخصوصه كالقتل والزنى، أو كان قبحه أزيد منه أو مساويا. وقرأ حمزة ~~والكسائي بالإفرإد على إرادة الجنس. (والفواحش): ما زاد قبحه من الكبائر من ~~عطف الخاص على العام. (إلا اللمم): ما قل قبحة فإنه معفو عنه إذا اجتنب ~~الكبائر، وهو ما دون الكبيرة كمقدمات الزنا والسرقة والقتل قبل الوقوع. ~~وأصل التركيب يدل على القلة، ومنه اللمة لشعر جاوز الأذن، وإلمام الضيف ~~قال: # لقاء أخلاء الصفاء لمام. # وهو استثناء منقطع، أو صفة، كأنه قيل: كبائر الإثم غير اللمم؛ لأن المضاف ~~إلى المعرف الجنسي في حكم النكرة. (إن ربك واسع المغفرة) حيث تجاوز عن ~~الصغائر التي ms005 قل أن يخلو عنه الإنسان. وإليه أشار - صلى الله عليه وسلم - " ~~إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما ". # PageV01P027 # (هو أعلم بكم) منكم (إذ أنشأكم من الأرض) لما خلق أباكم آدم، وأخرجكم من ~~ظهره ذرية. (وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم) فعلمه بكم الآن، وبما يصدر ~~منكم أجلى وأظهر. فإن قلت: إذا كان أعلم بهم وقت الإنشاء من الأرض فلا يخفى ~~أنه أعلم بهم حال كونهم أجنة. فما الفائدة في ذكره؟ قلت: أراد أن علمه لا ~~يتفاوت بجلاء المعلوم وخفائه كما هو شأن العلم الحادث. (فلا تزكوا أنفسكم ~~هو أعلم بمن اتقى) فإن محل التقوى هو القلب، والوقوف على أحواله وأسراره ~~ينقطع دونه التقوى. والمنهي تزكية النفس تمدحا لا شكرا وترغيبا للغير، ~~ويجوز أن يراد مدح المؤمن أخاه لما روى أبو بكرة أن رجلا مدح رجلا عند رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " قطعت عنق صاحبك فإذا كان أحدكم مادحا ~~أخاه فليقل أحسبه كذا ولا أزكي على الله أحدا ". # PageV01P028 # (أفرأيت الذي تولى (33) أي: أبعد علمك بأن الله هو أعلم بحال الإنسان منه ~~بنفسه أخبرني عن حال من أراد سلوك سبيل الآخرة والوصول إلى الله استقلالا. ~~تعجيب منه. # (وأعطى قليلا وأكدى (34) وأمسك بعده عن الخير اكتفاء بذلك القليل. أصله ~~أكداء الحافر وهو أن يلقاه كدية أي: صخرة فيمسك عن الحفر. # والآية نزلت في الوليد بن المغيرة أراد أن يتبع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فعيره بعض المشركين، وقال: تترك دين الأشياخ؟ فقال: إني أخاف ~~عذاب الله. فقال: أعطني بعض مالك وأنا أحمل عنك العذاب، ففعل معتقدا ذلك. ~~ونزولها في عثمان، وتفسير التولي بالفرار يوم أحد باطل؛ لأن السورة من أول ~~ما نزل بمكة. # PageV01P029 # (أعنده علم الغيب ... (35) ما فيه العلم بالمغيبات وهو اللوح. (فهو يرى) ~~يشاهد ما فيه، فلذلك اكتفى به واستغنى عن اتباع الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم -. (أم لم ينبأ بما في صحف موسى (36) وإبراهيم الذي وفى (37) ألا تزر ~~وازرة وزر أخرى (38) والمعنى: أن هذا شرع ms006 قديم ليس من خواص ما جاء به محمد ~~- صلى الله عليه وسلم - فهلا استغنى في ذلك علماء أهل الكتاب، ليخبروه ~~بجلية الحال. وتقديم موسى؛ لكون كتابه أشهر، والاطلاع على ما فيه أيسر. ولا ~~ينافيه قوله: (إن هذا لفي الصحف الأولى (18) صحف إبراهيم وموسى)؛ لأن الغرض ~~هناك تقرير كون الآخرة خير وأبقى، وذلك مما سطر في صحف إبراهيم فضلا عن ~~التوراة الذي هو أعلى وأجل، ولما تأخر ذكره زاده وصفا، وهو التوفية ~~المبالغة في الوفاء، وأطلق ليتناول كل وفاء، من تبليغ الرسالة، والقيام ~~بسائر المكارم، من ذبح الولد، والصبر على نار نمرود. قيل: كان عاهد الله أن ~~لا يسأل غيره، فلما ألقي في النار لقيه جبرائيل، فقال له: هل من حاجة يا ~~خليل الله؟ فقال: أما إليك فلا، فقال: سل ربك # PageV01P030 # قال: علمه بحالي يغني عن سؤالي. وروى الترمذي عن أبي ذر أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: " ألا أخبركم لم سمى الله تبارك وتعالى إبراهيم ~~الذي وفى؟ كان إذا أصبح يقول كل يوم: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) ~~إلى آخر الآية ". وليس معنى الحديث أنه لمجرد هذا الذكر بلغ تلك الرتبة. بل ~~إشارة إلى أنه كان يحافظ على محاسن الأعمال. # (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (39) إلا سعيه، أي: كما لا يؤاخذ أحد بذنب ~~غيره، كذلك لا يصل إليه ثواب عمله. وما يصل إلى المؤمن. من ثواب دعاء ~~المؤمنين، واستغفار الملائكة، والصدقة له هو أيضا من سعيه، لأنه أعم من ~~المباشرة والتسبب وإليه يشير قوله - صلى الله عليه وسلم -: " من دعا إلى ~~هدى فله أجر فاعله ". # PageV01P031 # (وأن سعيه سوف يرى (40) يوم القيامة (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7). # (ثم يجزاه ... (41) ثم يجزى العبد سعية، أي: على سعيه، نصب على نزع ~~الخافض (الجزاء الأوفى) الأوفر من استحقاقه، ولذلك يرى عمله الحقير. نصب ~~على المصدر، ويجوز أن يكون البارز المنصوب ضمير الجزاء المدلول عليه ~~والجزاء الأوفى بدل منه. # (وأن إلى ربك المنتهى (42) انتهاء الخلائق كلهم. هذا وما بعده أيضا ms007 من ~~جملة ما في الصحف. # (وأنه هو أضحك وأبكى (43) أي: خلق الضحك والبكاء وأسبابهما. # (وأنه هو أمات وأحيا (44) خلق الموت والحياة. وفيه مراعاة النظير مع اللف ~~والنشر. # (وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى (45) من نطفة إذا تمنى (46) تدفق. يقال: ~~منى وأمنى، أو يقدر من مني الماني أي: قدر. وأكد في الأولين بضمير الفصل؛ ~~لمظنة وهم الغير. ألا يرى إلى قول من حاج إبراهيم: (أنا أحيي وأميت). ~~وقولهم: " أضحكني الدهر دون هذه إذ لا مجال لذلك الوهم. # PageV01P032 # (وأن عليه النشأة الأخرى (47) وفاء بوعده. وقرأ أبو عمرو وابن كثير بالمد ~~كلاهما مصدر نشأة. # (وأنه هو أغنى ... (48) بالمال. (وأقنى) أي: أعطاه ما يقنيه زيادة على ~~قدر حاجته، من القنية وهي: المال المحفوظ لا للتجارة، أو أرضاه من القنا ~~وهو: الرضى. وعن أبي زيد تقول العرب: من أعطي مائة من المعز فقد أعطي ~~القنا، ومن أعطي مائة من الضأن فقد أعطي الغنى، ومن أعطي مائة من الإبل فقد ~~أعطي المنى. وعن أبي عبيدة: أقناه الله، أعطاه ما يقتنى من المال والنسب. # PageV01P033 # (وأنه هو رب الشعرى (49) كوكب معروف يتبع الجوزاء. وهو كوكب وقاد يقال له ~~مرزم الجوزاء كانت [خزاعة] تعبده، أول من عبدها أحد أجداد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من جهة أمه، يسمى أبا كبشة، ولهذا لما ادعى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - النبوة، وفارق دين آبائه سموه ابن أبي كبشة. كما جاء ~~يا حديث هرقل من قول أبي سفيان. وفيه إشارة إلى رد قولهم الباطل، فإنه وإن ~~وافق جده في مخالفة دينهم، فقد خالفه أيضا في عبادتها. # PageV01P034 # (وأنه أهلك عادا الأولى (50) والكلام في تأكيد الأولين ضمير الفصل وتركه ~~في الأخير كما تقدم آنفا. و (عادا الأولى) قوم هود، والثانية إرم. وقيل ~~الأولى القدماء؛ لأنهم أولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح، أو المتقدمون ~~الأشراف. # (وثمود ... (51) عطف على (عادا)؛ لأن ما بعد " ما " النافية لا يعمل فيما ~~قبلها. # (فما أبقى) أي: من الفريقين أحدا كقوله: (فهل ترى لهم من باقية). وقرأ ~~عاصم، وحمزة (وثمود) ms008 بغير تنوين. والوقف بالألف لمن قرأ بالتنوين. # (وقوم نوح من قبل ... (52) # من قبل عاد وثمود نصب بما نصبا به. (إنهم كانوا هم أظلم وأطغى) من ~~الفريقين؛ لأنهم وإن لم يؤمنوا بنبيهم، فلم يؤذوه كما آذى قوم نوح نوحا، إذ ~~قد تواتر أنهم كانوا يشجونه ويضربونه حتى يغشى عليه فإذا أفاق قال: " اللهم ~~اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ". # PageV01P035 # (والمؤتفكة ... (53) # قرى قوم لوط. ائتفك: انقلب. قلبها عليهم جبرائيل جعل عاليها سافلها ~~(أهوى) أسقطها بعد أن رفعها. الإسناد إلى الله؛ لأنه الآمر. # (فغشاها ما غشى (54) فبأي آلاء ربك تتمارى (55) المذكورات بعضها وإن كانت ~~نقما لأقوام فهي نعم للأنبياء وأتباعهم. قال أبو الطيب: # بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد # (تتمارى) تتشكك. الخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلهابا ~~وتهييجا وتعريضا بالغير، أو للإنسان على الإطلاق وهذا أوفق. # PageV01P036 # (هذا نذير من النذر الأولى (56) أي: هذا القرآن من الإنذارات الأولى، أي: ~~من جنس الكتب المنزلة. فذلكة لما عدد من الآي والأحكام التي اشتملت عليها ~~الصحف، أو لما افتتح به السورة. أو الرسول - صلى الله عليه وسلم - (قل ما ~~كنت بدعا من الرسل). # (أزفت الآزفة (57) قربت القريبة، وهي الساعة المخبر عن قربها في قوله ~~(اقتربت الساعة) و (اقترب للناس حسابهم). # (ليس لها من دون الله كاشفة (58) لا يعلمها غيره لقوله (لا يجليها لوقتها ~~إلا هو)، أو ليس نفس تقدر على كشفها إذا وقعت إلا هو لكنه لا يكشفها، أوليس ~~أحد يقدر على كشفها الآن بالتأخير لو وقعت. ويجوز أن يكون كاشفة مصدر ~~كالعافية. # (أفمن هذا الحديث تعجبون (59) أي: من القرآن. # (وتضحكون ... (60) استهزاءا (ولا تبكون) وكان الواجب عليكم ذلك كما يفعله ~~الموقنون (ويخرون للأذقان يبكون). # (وأنتم سامدون (61) # مستكبرون. من سمد: رفع رأسه تكابرا، أو لاهون من سمد البعير في سيره. # PageV01P037 # (فاسجدوا لله واعبدوا (62) بعد هذا البيان والترهيب، اعبدوه ولا تعبدوا ~~غيره. # تمت سورة النجم، والحمد لكاشف الغم، والصلاة على من فضله أعم. # PageV01P038 ### | سورة القمر # مكية، وهي خمس وخمسون آية # بسم الله الرحمن ms009 الرحيم # اقتربت الساعة ... (1) أي: قد قرب قيام الساعة. (وانشق القمر) وانشقاقه ~~من آياتها. روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود - رضي الله عنه - " أن أهل مكة ~~سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يريهم آية، فأراهم القمر شقين ~~حتى رأوا الحراء بينهما ". # (وإن يروا آية ... (2) أهل مكة، وإن لم يسبق لهم ذكر للعلم بهم. كقوله: # زارت عليها للظلام رواق # PageV01P039 # (يعرضوا ويقولوا سحر مستمر) دائم، أي: ليس هذا وحده من سحر محمد، بل كم ~~له من هذا يريدون ما سبقه من المعجزات، أو محكم من استمر مزيده، أو مر غاية ~~لا نقدر على إساغته، من استمر الشيء إذا قويت مرارته، أو مار لا بقاء له ~~يسلون بذلك أنفسهم ويمنونها. # (وكذبوا ... (3) واستمروا على التكذيب ودفع الحق (واتبعوا أهواءهم) ما ~~سولت لهم أنفسهم (وكل أمر مستقر) أي: كل أمر له نهاية يثبت فيه كلام مستقل، ~~جاري مجرى المثل كقوله: " كل شيء له آخر والصبر نعم الناصر " أي: كل أمر ~~ينتهي إما إلى السعادة أو إلى الشقاوة، أو كل من أمره وأمرهم يستمر على ~~حاله من خذلان أو نصر، وقرأ أبوجعفر (مستقر) مجرورا عطفا على (الساعة) أي: ~~اقترب كل أمر مستقر على أن انشق القمر، حال بتقدير قد (وإن يروا آية) ~~اعتراض، وفي قراءته زيادة تسلية وتهويل. # PageV01P040 # (ولقد جاءهم من الأنباء ... (4) في القرآن مما نزل بأمثالهم. (ما فيه ~~مزدجر) ازدجار: افتعال من الزجر، قلبت تاؤه دالا، لتناسب الدال والزاي. ~~(حكمة بالغة ... (5) غايتها في الإحكام. بدل من ما، أو خبر مبتدأ محذوف ~~(فما تغن النذر) بعدها. نفي أو استفهام إنكار أي غناء تغني النذر بعد وصول ~~الأمر إلى الغاية. # (فتول عنهم ... (6) أعرض (يوم يدع الداع) إسرافيل، نصب ب " يخرجون "، أو ~~ب " اذكر ". أثبت ياء (الداع) البزي عن ابن كثير في الحالين. وأبو عمرو، ~~وورش وصلا. (إلى شيء نكر) منكر تنكره النفوس لفظاعته. قرأ ابن كثير بضم ~~الكاف. # (خشعا أبصارهم ... (7) كناية عن الذل، لأن العز والذل يظهر آثارهما في ~~العيون. وإسناد جمع التكسير إلى المظهر فاش ms010 فصيح. وقرأ أبو عمرو وحمزة ~~والكسائي (خاشعا) وهو المختار. ولم يؤنث لعدم الفاصل، وانتصابه على الحال ~~من فاعل (يخرجون من # PageV01P041 # الأجداث). وقرئ " خشع " بالرفع على الخبرية، فتكون الجملة حالا. (كأنهم ~~جراد منتشر) في الكثرة والتفرق. # (مهطعين إلى الداع ... (8) مسرعين مادين أعناقهم. أثبت ابن كثير ياء ~~(الداع) في الحالين. ونافع وأبو عمرو في الوصل. (يقول الكافرون هذا يوم ~~عسر) شاق. # (كذبت قبلهم قوم نوح ... (9) تسلية وترهيب. (فكذبوا عبدنا) تفصيل لما ~~أجمل، أو كذبوه تكذيبا إثر تكذيب، كلما مضى قرن تبعه آخر. وكذبوا الرسل ~~رأسا فكذبوه؛ لأنه من جملتهم. (وقالوا مجنون) أصابه الجنون. (وازدجر) زجروه ~~شتما وضربا. عطف على " قالوا ". وأوثر بناء المفعول؛ تطهيرا للألسنة عن ~~ذكرهم، ودلالة على أن فعلهم أسوء من قولهم، ولتوافق الفواصل، أو هو من ~~قولهم: إنه لمجنون وقد ازدجرته الجن. والأول أوجه وأوفق لقوله: # (فدعا ربه أني مغلوب (10) بعدما أيس وجرب الأولاد والأحفاد (فانتصر) ~~انتقم. # (ففتحنا أبواب السماء ... (11) أي: بعد الأمر باتخاذ السفينة والفراغ ~~منها وركوبه بمن معه. (بماء منهمر) منصب بكثرة وتتابع. مطاوع همره. قيل: لم ~~ينقطع أربعين يوما. # PageV01P042 # (وفجرنا الأرض عيونا ... (12) جعلنا الأرض كلها كأنها عيون. أصله فجرنا ~~عيون الأرض، عدل إلى المنزل مبالغة. (فالتقى الماء على أمر قد قدر) أي: ماء ~~الأرض وماء السماء التقيا على مقدار سواء بسواء، أو على أمر قدر في اللوح ~~من هلاك قوم نوح، أو على أمر قدره الله تعالى، واقتضته حكمته. # (وحملناه على ذات ألواح ودسر (13) أي: السفينة، عبر بالوصف عن الموصوف ~~كناية كقولهم في الإنسان: " حي مستقيم القامة، عريض الأظفار، وفيه فخامة ". ~~ليس في الأصل، وإشارة إلى كمال الاقتدار؛ لبعد عن حال الخشب والحديد عن دفع ~~ذلك الطوفان العظيم. والدسر: جمع دسار، وهي المسمار من الدسر وهو الدفع. # (تجري بأعيننا ... (14) محفوظة بكلائتنا. (جزاء لمن كان كفر) علة للفتح ~~وما بعده. والذي (كفر) نوح؛ لأن كل نبي نعمة من الله، أو على حذف الجار ~~وإيصال الفعل أي: كفر به. # (ولقد تركناها آية ... (15) # أي: الفعلة أو السفينة. تواتر خبرها ms011 في أقطار الأرض وفي الأعصار كلها إلى ~~آخر الدهر. (فهل من مدكر) معتبر يتعظ بها. # (فكيف كان عذابي ونذر (16) وإنذار جمع نذير بمعناه استفهام تعجيب وتهويل. # PageV01P043 # (ولقد يسرنا القرآن للذكر ... (17) للاتعاظ؛ لاشتماله على أنباء الأولين ~~والآخرين، وبيان ما أصاب من كذب الرسل، أو سهلناه للتلاوة؛ لأنه عربي مبين ~~يتلوه أهل كل لسان، أو حفظه دون سائر الكتب، أو بأن أنزلناه على سبعة أحرف ~~بحسب لغة القبائل تيسيرا على العرب إزاحة لعذرهم. والأول أوفق بالمقام، ~~ولذلك أعاده مرارا. (فهل من مدكر) متعظ. # (كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر (18) وإنذاراي لهم قبل نزول العذاب وبعده ~~لمن بعدهم. # (إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا ... (19) باردا من الصر بكسر الصاد، أو ~~شديد الصوت من الصرير. (في يوم نحس) شؤم (مستمر) شؤمه، أو اليوم على إرادة ~~الحين؛ # لأنه كان سبع ليال وثمانية أيام، أو على أشخاصهم لم يدع صغيرا ولا كبيرا، ~~أو شديد مرارته. # (تنزع الناس ... (20) تقلعهم. بيان لشؤمه، (كأنهم أعجاز نخل منقعر) أصول ~~نخل منقلع من مغارسها. وتذكير الصفة باعتبار لفظ النخل، وتأنيثه في قوله ~~(أعجاز نخل خاوية) باعتبار المعنى. روي أنهم كانوا يصطفون آخذا كل واحد يد ~~الآخر، فيدخلون في الشعاب، ويحفرون فتنزعهم وتدق رقابهم. وقيل: تقلع رؤوسهم ~~وتبقى الجثث ساقطة على الأرض. # PageV01P044 # (فكيف كان عذابي ونذر (21) كرره للتهويل، أو الأول لما حاق بهم في الدنيا ~~والثاني لما يحيط به في الآخرة؛ لقوله في شأنهم: (لنذيقهم عذاب الخزي في ~~الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى). # (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (22) كذبت ثمود بالنذر (23) ~~بالإنذارات، أو بالآيات، أو بالرسل. # (فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه ... (24) أنكروا أن يكون الرسول بشرا لا ~~سيما وهو ليس من طائفة أخرى ليكون له المزية، موصوفا بالوحده والانفراد ~~فكيف يبتعه الجم الغفير. # ونصب " بشرا " بمضمر على شريطة التفسير، وفي مثله نختار النصب لمكان ~~الاستفهام. (إنا إذا لفي ضلال وسعر) وجنون، يقال: " ناقة مسعورة " أي: ~~مجنونة، أو عكسوا عليه لما دعاهم إلى التوحيد لئلا يقعوا في سعر، قالوا: لو ~~اتبعناه وقعنا ms012 فيها. على أن السعر جمع سعير. # PageV01P045 # (أألقي الذكر عليه من بيننا ... (25) وفينا من هو أكثر أموالا وأسبابا. ~~كقول قريش (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم). (بل هو كذاب) ~~شديد الكذب، حتى اخترع هذا الكذب البديع. (أشر) بطر حمله عليه بطره. # (سيعلمون غدا من الكذاب الأشر (26) أي: يوم القيامة فإن الدنيا والآخرة ~~يومان. وقرأ ابن عامر وحمزة بالتاء على حكاية قوم صالح، أو التفات من الله ~~تعالى إليهم كأنهم حضور ينعي عليهم جنايتهم ثم حكاه لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - دلالة على أنهم كانوا أحقاء بذلك الوعيد. # (إنا مرسلو الناقة فتنة لهم ... (27) امتحانا. وذلك بعد أن سألوها. ~~(فارتقبهم) انتظرهم مراقبا أحوالهم مع الناقة، (واصطبر) على أذاهم. # (ونبئهم أن الماء قسمة بينهم ... (28) ذو قسمة لهم شرب يوم ولها شرب يوم ~~معلوم. وفي الضمير تغليب العقلاء. (كل شرب محتضر) يحضره صاحبه خاصة. # (فنادوا صاحبهم ... (29) قدار بن سالف، أشقى الناس، نطق به القرآن. وقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أشقى الناس رجلان: عاقر الناقة، وقاتل ~~علي - رضي الله عنه - " (فتعاطى) اجترأ # PageV01P046 # على تعاطي الأمر العظيم. من باب يعطي ويمنع، أو تعاطى قتل الناقة والسيف، ~~والتعاطي: تناول الشيء بتكلف. (فعقر) أي: الناقة. # (فكيف كان عذابي ونذر (30) إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة ... (31) صاح بهم ~~جبرائيل (فكانوا كهشيم المحتظر) كالشجر المنكسر اليابس الذي مر عليه زمان ~~طويل. # والمحتظر: من يعمل الحظيره لماشيته، أو هو الحشيش الذي يجمعه ليعلفها به ~~في الشتاء. # (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (32) لم يعد حديث الإنذار كما ~~أعاده في قصة هود؛ اكتفاء به، وكذا لم يعده في قوم نوح؛ لأنهم بذلك أولى إذ ~~هم أظلم وأطغى، وتركه رأسا في قصة لوط، لتكرره مرارا، وترك ذكر التيسير ~~والادكار في آل فرعون؛ لأنها آخر القصص فاختصر؛ ليدل الاختصار على ~~الاقتصار. فهذا من أسرار التنزيل لله دره. # (كذبت قوم لوط بالنذر (33) إنا أرسلنا عليهم حاصبا ... (34) ريحا تحصبهم ~~أي: ترميهم بالحجارة، وقد جمع الله عليهم أنواعا من العذاب قلب الأرض ms013 ~~وإمطار الحجارة عليهم والرمي بالحصباء. (إلا آل لوط نجيناهم بسحر) هو قبيل ~~الصبح صرف، لأنه لم يرد به معين وإلا فعلم وعدل. وقد يطلق على ما بعد ~~انصداع الفجر. فقيد الأول بالأعلى، ومنه حديث # PageV01P047 # عائشة رضي الله عنها: " ما ألقاه السحر الأعلى عندي إلا نائما " وذلك؛ ~~ليكون في صلاة الصبح على نشاط، بخلاف ما إذا وصل بين التهجد وبينها. # (نعمة من عندنا ... (35) إنعاما عليه تفضلا. (كذلك نجزي من شكر) بالإيمان ~~والطاعة كائنا من كان. # (ولقد أنذرهم بطشتنا ... (36) أخذتنا بالعذاب. (فتماروا بالنذر) كذبوا ~~بها متشاكين. # (ولقد راودوه عن ضيفه ... (37) جبرائيل ومن معه من الملائكة (فطمسنا ~~أعينهم) مسحناها بحيث لم يبق لها أثر بل بقيت كسائر أجزاء الوجه. طمسها ~~جبرائيل لما دخلوا بيت لوط، بقوا يترددون في الأزقة لا يهتدون إلى منازلهم، ~~وشرعوا يتهددون لوطا أن إن أصبحنا لنفعلن بك كذا وكذا، فكانوا وقت الصبح في ~~مهم آخر. (فذوقوا عذابي ونذر) على تقدير القول من الملائكة. # (ولقد صبحهم بكرة ... (38) أول طلوع الفجر (عذاب مستقر) لا يفارقهم حتى ~~يسلمهم إلى النار. # (فذوقوا عذابي ونذر (39) الأول قيل لهم عند الطمس، وهذا عند قلب الأرض. # PageV01P048 # (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (40) أعاده في كل قصة؛ تجديدا ~~للإيقاظ، وحثا على الاتعاظ لئلا تستولي عليهم الغفلة. وهذا شأن كل تكرير في ~~القرآن. # (ولقد جاء آل فرعون النذر (41) الإنذارات. واكتفى بالآل؛ للعلم بأنه شر ~~منهم. # (كذبوا بآياتنا كلها ... (42) مع كثرتها، وهي الآيات التسع. لم يعطفه ~~بالفاء، اكتفاء بالاتصال معنى، وإشارة إلى شدة كفرهم كأن تكذيبهم كان مع ~~مجيء تلك الآيات، (فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر) بأن طبق البحر على ذلك الجيش ~~الكثيف في لمحة طرف كأن لم يكونوا. # (أكفاركم ... (43) يا أهل مكة (خير من أولئكم) المهلكين زينة وأموالا ~~وقوة وأسبابا، أو لين شكيمة وعنادا، أي: ليس الأمر كذلك بل هؤلاء أقل ~~أسبابا وأكثر كفرا وعنادا (أم لكم براءة في الزبر) بأن لا عذاب عليكم. ~~الزبر: الكتب السماوية، جمع زبور من زبره: كتبه. # (أم يقولون نحن جميع منتصر (44) أفرد ms014 الضمير باعتبار لفظ الجميع، وعدل عن ~~الخطاب كأنه يحكي جهلهم لغيرهم كما يقول المولى بعد استيفاء عتاب عبده: أو ~~به جنون؟! # (سيهزم الجمع ويولون الدبر (45) الأدبار، أفرده لإرادة الجنس، أو باعتبار ~~كل واحد. روى البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: " أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - خرج يوم بدر من القبة يثب في درعه وهو يتلو (سيهزم ~~الجمع ويولون الدبر) "، وعن عكرمة أن عمر قال: كنت # PageV01P049 # أقول أي جمع يهزم؟. فلما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر ~~يثب في الدرع وهو يتلوها عرفت تأويلها ". # (بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر (46) من القتل والأسر. والداهية: ~~داء لا دواء لها، وإنما أعاد لفظ الساعة، تهويلا، ولئلا يتوهم عود الضمير ~~إلى وقعة بدر. # (إن المجرمين في ضلال ... (47) في الدنيا (وسعر) نيران في الآخرة، أو في ~~ضلال وجنون. ناقة مسعورة أي: مجنونة. # (يوم يسحبون في النار على وجوههم ... (48) ظرف ل (سعر)، أو بدل اشتمال ~~منه. # (ذوقوا مس سقر) أي: يقال لهم هذا القول في ذلك الحين: تقريعا وإيفاء لحق ~~السامعة من العذاب. والمس مستعار للإيلام كما يقال: ذاق طعم الموت وسقر: ~~علم نار الآخرة، من سقره وصقره إذا لوحه قال ذو الرمة: # PageV01P050 # بأفنان مربوع الصريمة معيل ... إذا ذابت الشمس أبقى سعراتها # (إنا كل شيء خلقناه بقدر (49) منصوب بمضمر مفسر أي: خلقنا كل شيء وأوجدنا ~~ملتبسا بما سبق من التقدير في الأزل، وسطر في اللوح. روى مسلم والترمذي ~~أنها # PageV01P051 # نزلت في أهل القدر. وعن زرارة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما ~~تلاها قال: هذه في أناس من أمتي يكونون في آخر الزمان يكذبون بالقدر. # (وما أمرنا إلا واحدة ... (50) إلا فعلة واحدة، دفعة بلا آلة وأسباب ~~(كلمح بالبصر) في سرعه التكون، كقوله كن فيكون. # (ولقد أهلكنا أشياعكم ... (51) أشباهكم ومن شايعكم في الاعتقاد (فهل من ~~مدكر) متعظ بمصيبة أولئك. # (وكل شيء فعلوه في الزبر (52) ثابت فيه مسطور، فيجازون به. # (وكل صغير وكبير ... (53) قولا كان أو فعلا أو اعتقادا (مستطر) مكتوب ms015 لا ~~محالة. # PageV01P052 # (إن المتقين في جنات ونهر (54) وضياء وسعة، أو في أنهار، واكتفى باسم ~~الجنس. # (في مقعد صدق ... (55) بدل من فى جنات، سميت به؛ لأنها منزل الصادقين، أو ~~لأنها مكان مرضي كما يقال: رجل صدق أي: مرضي الخصال محمود الفعال. (عند ~~مليك مقتدر) حال من المستكن في الخبراء، مقربين ذوي رتب عند سلطان كامل ~~الاقتدار. ولا ألذ للنفس من قرب الملوك؛ ولذا تبذل الأموال والأرواح دونه ~~مع ملوك الدنيا. # * * * # تمت سورة القمر، ولله الحمد في الآصال والبكر. والصلاة على صفوة عدنان ~~ومضر، وآله وصحبه من هاجر أو آوى ونصر. # PageV01P053 ### | سورة الرحمن # مكية، ست وسبعون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # الرحمن (1) علم القرآن (2) هذه السورة مقصورة على بيان نعم الدارين التي ~~لها شأن؛ لأن إحصاء الكل محال؛ فلذلك صدرها بالاسم الدال على جلائل النعم ~~براعة للاستهلال، وبدأ بأجلها وهي نعم الدين، ثم اختار أعلاها شأنا وأسناها ~~مكانا وهي القرآن الحاوي لأصول الدين وفروعه الموضح للسبل، المصدق لسائر ~~الكتب والرسل. ولما كان كمال الإنسان في تكميل قوته النظرية، وهو الغاية ~~المطلوبة من خلقه؛ قدم تعليم القرآن، ثم أردفه بما يتوقف عليه بقوله: # (خلق الإنسان (3) علمه البيان (4) المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير ~~الذي لا يمكن تعلم القرآن وتعليمه إلا به. وأتى بالجمل الثلاث على نمط ~~التعديد؛ إشارة إلى تقاعد الإنسان عن الوفاء بشكرها كما تقول فيمن قصر في ~~مكافأة معروفك: " يا هذا كنت # صغيرا ربيتك، محتاجا أعطتك، ضائعا آويتك ". ثم بعد قضاء الوطر من هذا ~~الأسلوب، أفاض في تعداد النعم واحدة إثر أخرى على النمط المعروف بحرف النسق ~~مراعيا التقارب والتناسب بقوله: # PageV01P054 # (الشمس والقمر بحسبان (5) يجري كل منهما في منازله وبروجه بلا اختلال؛ ~~ليضبط بذلك أحوال الكائنات، ويتميز به الفصول والأوقات. # (والنجم والشجر يسجدان (6) ينقادان لأمره فيما خلقا له، شبه ذلك بسجدة ~~المكلف. والنجم: نبت لا ساق له، والشجر: ما له ساق، وارتباط الجملتين بما ~~تقدم معنوي؛ وذلك أنه لما رمز إلى تقاعده في الشكر أخذ في تعداد نعم أخرى ~~حثا له ms016 على ما طلب منه، ولو عطف لم يفد هذا الغرض. فيهما إشارة إلى أن ما ~~في العالم العلوي والسفلي قائم بما خلق له، والإنسان مع كونه المقصود من ~~الكون خسر بذلك، وكان ظلوما جهولا. # (والسماء رفعها ... (7) شرفا ورتبة، لأنها منشأ أحكامه، ومصدر قضاياه، ~~ومنزل أوامره ونواهيه، أو مكانا فوق الأرض كقوله: (وجعلنا السماء سقفا ~~محفوظا). دل به على علو شأنه وعظم كبريائه وسلطانه، مع كونه مبدأ جوده ~~وإحسانه. (ووضع الميزان) قانون الشرع الذي به النظام والوفاق بين الأنام ~~الذي هو لأفعال المكلفين كالمكيال والمقياس الذي يعرف به الأشباه والأمثال. # PageV01P055 # (ألا تطغوا في الميزان (8) لا تتجاوزوا بالزيادة والنقصان، فيورثكم الندم ~~والخسران. # (وأقيموا الوزن بالقسط ... (9) اجعلوا وزن أعمالكم قويما لا عوج به ~~بالعدل السوي، وهو ما قننه الشارع. (ولا تخسروا الميزان) لا تنقصوا ما وجب ~~عليكم عن حقه. # أعاده مبالغة في التوصية. # (والأرض وضعها للأنام (10) بسطها مدحوة؛ لئلا يشق عليهم التصرف والتردد ~~في اكتساب المعاش والمعاد. والأنام: الإنس والجن كذا عن الحسن، أو كل ذي ~~روح. # (فيها فاكهة ... (11) ضروب مما يتفكه به. (والنخل ذات الأكمام) جمع كم ~~بالكسر وهو وعاء الطلع، أو أريد به كل ما يغطى من ليفه وسعفه وكفراه. ~~وبالجملة ليس في شجر النخل ما لا ينتفع به، ولذلك قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " إن من الشجر شجرة مثلها كمثل المسلم، .. ثم قال إنها النخلة ~~". وعلى هذا ذكرها بعد الفاكهة ليس كذكر جبرائيل بعد الملائكة. # PageV01P056 # (والحب ذو العصف ... (12) كالبر وسائر الحبوب، والعصف: ورق النبات. # (والريحان) لب الحب وما يؤكل منه، ولذلك فسر بالرزق. استوعب أقسام ما ~~يتناول في حال الرفاهية؛ لأنه إما للتلذذ وهو الفاكهة، أو له وللتغذي وهو ~~ثمر النخل، أو للتغذي وحده وهو الحب. وفي ذكرها على هذا الأسدوب ترق من ~~الأدنى إلى ما هو أدخل في الامتنان. وقرأ ابن عامر الثلاثة بالنصب عطفا على ~~الفعلية بتقدير خلق. وعلية رسم الشام، ونافع وابن ذكوان وابن كثير وأبو ~~عمرو وعاصم برفعها عطفا على الاسمية أي: فيها فاكهة ms017 وفيها الحب. وعليه بقية ~~الرسوم. وقرأ حمزة والكسائي بجر الثالث ورفع الأولين أي: ذو العصف والريحان ~~أصله روحان، قلبت واوه ياء تخفيفا. أو ريوحان حذف واوه فوزنه فيلان. # (فبأي آلاء ربكما تكذبان (13) الخطاب للثقلين؛ لما تقدم ذكرهما في ~~الأنام، ولقوله: (أيه الثقلان). عن جابر " قرأ رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - علينا سورة الرحمن إلى آخرها ثم # PageV01P057 # قال: قرأتها على الجن كانوا أحسن ردا منكم كلما أتيت إلى (فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان) قالوا: لا بشيء من آلائك نكذب ربنا ". # (خلق الإنسان من صلصال ... (14) من طين يابس له صلصلة أي: صوت. # (كالفخار) كالخزف، وعبر عنه بالطين اللازب والحمأ المسنون والتراب أيضا ~~باعتبار انقلابه في الأطوار. # (وخلق الجان ... (15) أبا الجن وهو إبليس (من مارج من نار) أي: من نار ~~صافية، أو مختلطة بالدخان. ومنه الأمر المريج " من " بيان أو من نار مخصوصة ~~ممتازة عن هذه النيران؛ فلهذا نكره ف " من " ابتدائية. # (فبأي آلاء ربكما تكذبان (16) إذ إفاضة الجود أجل الإنعامات وأولاها. # (رب المشرقين ورب المغربين (17) مشرقي الشتاء والصيف ومغربيهما. # (فبأي آلاء ربكما تكذبان (18) لما في ذلك من الفوائد التي لا تحصى. # (مرج البحرين يلتقيان (19) أرسلهما متلاقيين، من مرجت الدابة أرسلتها. # (بينهما برزخ لا يبغيان (20) حاجب من قدرته يمنع أحدهما من التعدي على ~~الآخر بالاختلاط. # PageV01P058 # (فبأي آلاء ربكما تكذبان (21) إذ في ذلك من الآيات ما يدل على كمال ~~اقتداره الموصل إلى الإيمان الذي كل نعمة دونه. وتفسر الالتقاء بتماس ~~السطوح، ثم تفسير البرزخ بحاجب من الأرض، وحمل البحرين على بحر فارس والروم ~~غير سديد. # (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (22) أحدهما أبيض يقق، والآخر أحمر قانئ، ~~وهما من خواص الملح دون العذب، وإنما قال منهما؛ لاتصالهما في المرأي. ~~والقول بأنهما يخرجان من مجمع البحرين ترده المشاهدة. # قرأ نافع وأبو عمرو بضم الياء وفتح الراء، والباقون بالعكس. والأولى ~~الأصل، والثانية التعبير باللازم. # (فبأي آلاء ربكما تكذبان (23) وكونهما من فواخر النعم غني عن البيان. # (وله الجوار ... (24) السفن الجارية في البحر (المنشئات في البحر) ~~المرفوعات الشرع. وقرأ حمزة ms018 بالكسر أي: رافعات الشرع أو الموج أو السر ~~اتساعا، أو المبتدئات في الفعل، من أنشأ: شرع في الفعل. # PageV01P059 # (كالأعلام) كالجبال الشامخة. قالت الخنساء: # كأنه علم في رأسه نار # (فبأي آلاء ربكما تكذبان (25) لما في ذلك من الدلائل الدالة على كمال ~~علمه تعالى واقتداره، وما في ضمنه من منافع العباد. # (كل من عليها فان (26) أي: على الأرض من الموجودات، و (من) لتغليب ~~العقلاء، لقوله. (كل شيء هالك إلا وجهه)، والاقتصار على من على الأرض؛ لأنه ~~في تعداد النعم، وأشار إلى العموم بقوله: # (ويبقى وجه ربك ... (27) أي: ذاته. يجوز به أولا عن الجملة كاليد والعين، ~~ثم اشتهر حتى صار حقيقة فاستعمل فيمن تنزه عن الأجزاء. (ذو الجلال ~~والإكرام) أي: # PageV01P060 # الذي يجله الموحدون وينسبونه إلى الكرم، أو الذي جدير بأن يقال: ما أجله ~~وما أكرمه قيل أو لم يقل. وتقديم صفة السلب، لأنه في مقام الجلال، وقهر ~~الخلق بالفناء. # (فبأي آلاء ربكما تكذبان (28) لما في ذلك من العلم بكمال الصانع ~~وكبريائه، مع الوصول إلى الجزاء والحياة الأبدية. # (يسأله من في السماوات والأرض ... (29) لافتقار الكل إليه ابتداء وبقاء. ~~روي أنه تعالى لما لعن إبليس وطرده من جواره، وكان من الحافين بالعرش بكى ~~جبرائيل وميكائيل فسألهما الرب تعالى وهو أعلم بهما لم تبكيان؟ قالا. يا ~~ربنا من خوفك. فقال: هكذا كونا راهبين. (كل يوم هو في شأن) يسعد ويشقي، ~~ويحيي ويميت، ويغني ويفقر، شؤون يبديها لا شؤون يبتديها. # (فبأي آلاء ربكما تكذبان (30) لما في ذلك من دفع الضر وجلب النفع، ~~والاعتبار والتذكر المنجي من عقابه. # (سنفرغ لكم أيه الثقلان (31) كناية عن التوفر للانتقام وتوجه الإرادة ~~إليه، أو تمثيل بأن مثل حاله تعالى بعد انتهاء الشؤون إلى واحد وهو الأخذ ~~بالجزاء بحال من له سابقة اشتغال عن شيء ثم فرغ له. والثقلان: الإنس ~~والجن،. لأن الأرض لهما كالحمولة. قرأ حمزة وأبوبكر في وجه (سيفرغ) بالياء. # (فبأي آلاء ربكما تكذبان (32) لما في هذا الترهيب من الحث على الطاعة. # PageV01P061 # (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من ms019 أقطار السماوات والأرض ... ~~(33) من ملكوتي لتنجو بذلك من دهري (فانفذوا) أمر تعجيز وفي معناه (أم حسب ~~الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون) وقيل: المراد به يوم الحشر ~~فإن الملائكة يحدق بهم سبعة صفوف. (يقول الإنسان يومئذ أين المفر). وتقديم ~~الجن؛ لأنهم أعتى وأشد قوة (لا تنفذون إلا بسلطان فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~(34) وأنى لكم ذلك. # (يرسل عليكما شواظ ... (35) لهب مركب من النار والدخان. وعن ابن عباس: " ~~نار لا دخان فيه ". وقرأ ابن كثير شواظ بكسر الشين. (من نار ونحاس) صفر ~~مذاب يحشر الناس إلى الموقف. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بالجر عطفا على ~~المجرور أي: من نار ومن نحاس على أن المراد به الدخان. وأنشد: # يضيء كضوء سراج السليط ... لم يجعل الله فيه نحاسا. # PageV01P062 # والرفع أبلغ وإليه ذهب ابن عباس (فلا تنتصران (35) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (36) فإن في التهديد كبح عنان العاصي، وحث الطائع على المزيد. # (فإذا انشقت السماء فكانت وردة (37) قطعة حمراء كلون الورد. وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما الوردة أديم أحمر. (كالدهان) كالزيت المذاب الذي يدهن به. ~~كقوله (يوم تكون السماء كالمهل) والمعنى: أنها تذوب من حر نار جهنم. ~~والدهان: كل ما يدهن به كالحزام واللثام والختام. # (فبأي آلاء ربكما تكذبان (38) فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان (39) ~~هذا في أول الحال قبل شفاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للفصل ~~والقضاء، فلا ينافيه (فوربك لنسألنهم أجمعين) والهاء للإنس والجان؛ ~~لتقدمهما رتبة. # (فبأي آلاء ربكما تكذبان (40) لما في ذلك الوقت من النعيم في ظل عرش ~~الرحمن (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون). # (يعرف المجرمون بسيماهم (41) بعلامتهم سواد الوجه وزرقة العين (فيؤخذ ~~بالنواصي والأقدام) مجموعا بينهما، أو على التعاقب. # PageV01P063 # (فبأي آلاء ربكما تكذبان (42) هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون (43) ~~يطوفون بينها وبين حميمءان (44) بلغ نهاية الحرارة. يحترقون بالنار ويشربون ~~من ذلك الحميم. # (فبأي آلاء ربكما تكذبان (45) ولمن خاف مقام ربه ... (46) الوقوف بين ~~يديه (يوم يقوم الناس لرب العالمين) كقوله: (ذلك لمن خاف مقامي)، أو لفظ ms020 ~~المقام مقحم أي: لمن خاف الله كقول الشماخ: ### | ............ # ونفيت عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين # (جنتان (46) فبأي آلاء ربكما تكذبان (47) أي: لكل واحد إحداهما للاعتقاد ~~والأخرى للعمل، أو إحداهما لترك المعاصي والأخرى لفعل الطاعات. وجعل ~~إحداهما للخائف من الإنس والأخرى للخائف من الجن بعيد مخالف للأحاديث. # PageV01P064 # (ذواتا أفنان (48) جمع فنن: وهو الغصن. خصها بالذكر؛ لأنها التي ينتفع ~~بظلالها وثمارها وحصن المنظر بأوراقها، أو جمع فن أي: أنواع من الثمار. # (فبأي آلاء ربكما تكذبان (49) حيث أعد لكم هذا وأنتم بعد في العدم. # (فيهما عينان تجريان (50) كيف شاؤوا إحداهما السلسبيل، والأخرى تسنيم. # روي أنهما ينبعان من جيل من مسك. والوصف بالجريان؛ لتوفير حظ الباصرة فإن ~~النظر إلى الماء الزلال أجلب شيء للسرور. # (فبأي آلاء ربكما تكذبان (51) فيهما من كل فاكهة زوجان (52) صنفان مما ~~تعلمون ومما لا تعلمون، أو رطب ويابس لئلا يمل. # (فبأي آلاء ربكما تكذبان (53) وأي نعيم أفضل من هذا التنويع؟ # (متكئين على فرش بطائنها من إستبرق ... (54) من حرير غليظ، وظهائرها من ~~سندس. نصب على المدح، أو حال من فاعل " خاف "؛ لأنه في معنى الجمع. (وجنى ~~الجنتين دان) دان قريب يناله القاعد والمتكئ. اسم بمعنى المجني. # PageV01P065 # (فبأي آلاء ربكما تكذبان (55) فيهن ... (57) أي: في الجنان التي لكل واحد ~~منها جنتان، أو في الجنتين؛ لاشتمالها على الأمكنة، أو في الآلاء المعدودة. ~~(قاصرات الطرف) على أزواجهن لا ينظرن الغير. (لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ~~(56) فبأي آلاء ربكما تكذبان (57) فهن أبكار كما خلقن. وقرأ الكسائي في ~~رواية الدوري هنا بضم الميم وكسرها في الثانية، وفي رواية الليث عنه ~~بالعكس، وفي رواية الجوهري بالمرجان خير الكسائي بين ضم إحداهما وكسر ~~الأخرى على التعاند. وهذا أحسن جمعا بين اللغتين بلا ترجيح من غير مرجح. # PageV01P066 # (كأنهن الياقوت والمرجان (58) في صفاء الياقوت وبياض المرجان. روى مسلم ~~عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " لكل واحد زوجتان ~~يرى مخ ساقها من وراء اللحم ". وفي رواية ابن مسعود - رضي الله عنه -: " من ~~وراء سبعين حلة ". # (فبأي آلاء ms021 ربكما تكذبان (59) هل جزاء الإحسان إلا الإحسان (60) أي: لا ~~يكون إلا ذلك. # (فبأي آلاء ربكما تكذبان (61) ومن دونهما جنتان (62) دون الجنتين الأولين ~~في الشرف، هما للمقربين وهاتان لأصحاب اليمين، روى البخاري عن عبد الله بن ~~قيس عن # PageV01P067 # أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " جنتان من ذهب آنيتهما ~~وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما ". وفي اللفظ دلالة على مزية ~~الأوليين. # (فبأي آلاء ربكما تكذبان (63) مدهامتان (64) سوداوان من الري. في مقابله ~~(ذواتا أفنان). # (فبأي آلاء ربكما تكذبان (65) فيهما عينان نضاختان (66) في مقابلة (عينان ~~تجريان) والنضخ: الفوران، أقل من الجري. # (فبأي آلاء ربكما تكذبان (67) فيهما فاكهة ونخل ورمان (68) أفردهما؛ ~~لبيان شرفهما على سائر الفواكه كأنهما جنسان آخران، أو لاشتمالهما على غير ~~التفكه كالتغذي في التمر، والتداوي وفي الرمان؛ ولذلك ذهب أبو حنيفة رحمه ~~الله إلى أن من # PageV01P068 # حلف لا يأكل الفاكهة لا يحنث بأكل أحدهما. والوجه هو الأول إذ هذا إنما ~~يتصور في فاكهة الدنيا؛ لأن كل ما يتناول في الجنة لا يتناول إلا على وجه ~~التفكه. # (فبأي آلاء ربكما تكذبان (69) فيهن خيرات حسان (70) جميلات حسان الأخلاق، ~~تخفيف خيرات صفة لا اسم تفضيل. إذ ذاك لا يجمع هذا الجمع. # (فبأي آلاء ربكما تكذبان (71) حور مقصورات في الخيام (72) مخدرات لا ~~يخرجن، أو مقصور طرفهن على أزواجهن. # (فبأي آلاء ربكما تكذبان (73) لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (74) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (75) متكئين على رفرف خضر ... (76) وسائد من حرير أخضر؛ ~~لأنه لون مفرح، ويقال أيضا للبسط ولأطراف الخيمة وكل ثوب أخضر. (وعبقري ~~حسان) بسط حسنة منسوب إلى عبقر. تزعم العرب أنه اسم بلد للجن ينسبون إليه ~~كل شيء عجيب. ومنه في وصف عمر. " فلم أر عبقريا يفري فريه " والمراد به ~~الجنس؛ ولذلك جمع وصفه. # (فبأي آلاء ربكما تكذبان (77) تبارك اسم ربك ... (78) كثر خيره وازداد. ~~أراد لفظ الرحمن الذي يعقبه هذه النعم، أو كل اسم له فإنه لا يبدأ به شيء ~~إلا صار ذا بركة # PageV01P069 # ويمن. (ذي الجلال والإكرام) تقدم الكلام فيه. ms022 وقرأ ابن عامر (ذو) مرفوعا ~~صفة للاسم وفيه مبالغة حسنة. # * * * # تمت سورة الرحمن، والحمد لمن له الفضل والإحسان، والصلاة على المبعوث إلى ~~الإنس والجان، وآله وصحبه ذوي الرتب والشان. # PageV01P070 ### | سورة الواقعة # مكية، وهي سبع وتسعون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # (إذا وقعت الواقعة (1) أي: القيامة. عبر عنها بالواقعة، دلالة على تحقق ~~وقوعها لا محالة كقولك: حدثت الحادثة. و " إذا " ظرف لليس، أو نصب ب " اذكر ~~"، أو لمقدر أي: إذا وقعت يكون كيت وكيت وهذا أجزل. # (ليس لوقعتها كاذبة (2) نفس تكذب في الإخبار عن عدم وقوعها كاليوم كقوله: ~~(فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله)، أو من كذبته نفسه عند الخطب إذا شجعته ~~على أمر لا طاقة له به. كأنه قال: هذا الخطب ليس من الخطوب التي تقدر نفس ~~على الكذب مع صاحبها في احتماله. وعلى الوجهين اللام للوقت. مثلها في (قدمت ~~لحياتي)، أو هو # PageV01P071 # كلام على طريقة التمثيل أي: بعد وقوعها ليس نفس تكذب بلسان الحال أو ~~المقال ويقول لها لم تكوني، أو مصدر بمعنى الكذب كما يقال: حمل عليه حملة ~~صادقة. أي: ذات صدق. # (خافضة ... (3) لأقوام (رافعة) لأخر. لقوم ويل ولقوم نيل. # (إذا رجت الأرض رجا (4) حركت تحريكا عنيفا كقوله: (إذا زلزلت الأرض). # (وبست الجبال بسا (5) سيرت. وفي الحديث: " إذا فتحت العراق يأتي قوم ~~يبسون بأهليهم "، أو فتتت، لقوله: (فكانت هباء ... (6) غبارا (منبثا) ~~منتشرا. # (وكنتم أزواجا ... (7) أصنافا (ثلاثة). # (فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة (8) أي: أصحاب الجنة هل تدري ما صفتهم، ~~وما هم فيه؟. أقام المظهر مقام المضمر؛ لما فيه من الفخامة. والميمنة: ~~الجهة التي تسامن أقوى الجانين، من اليمن وهو البركة. والعرب تتايمن ~~باليمين، وتتشاءم بالشمال ويسمونها الشؤمى، أو لأن أهل السعادة يؤخذ بهم ~~ذات اليمن، وأهل الشقاوة ذات الشمال. # PageV01P072 # (وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة (9) أي: ما هم، وما صفتهم؟. سيق ~~للتعجب. # (والسابقون السابقون (10) مبتدأ وخبر أي: السابقون إلى الإيمان هم الذين ~~بلغك خبرهم في علو الرتية ورفعة الشأن كقوله: " أنا أبو النجم وشعري شعري. ~~وتخصيصهم بالأنبياء مما لا وجه ms023 له. # (أولئك المقربون (11) في جنات النعيم (12) أي: للوصوفوف بالسبق هم الذين ~~قربت درجاتهم من الله، وأعلت منازلهم في الجنة. استئناف لبيان ذلك الإبهام. # (ثلة من الأولين (13) جماعة كثيرون، من الثل وهو الصب والهدم. خبر محذوف ~~أي: هم. # (وقليل من الآخرين (14) وفي تفسير الأولين وجهان. قيل: السابقون على هذه ~~الأمة من لدن آدم إلى محمد عليه السلام فالسابقون من أولئك أكثر من سابقي ~~هذه الأمة. # PageV01P073 # ورووا هذا عن الحسن، وهذا قول لا سند له. بل السابقون واللاحقون من هذه ~~الأمة، وذلك لما صح " أن أهل الجنه مائة وعشرون صفا ثمانون من هذ الأمة ~~وأربعون من سائر الأمم ". وقد نطق القرآن بأن هذه الأمة خير الأمم. وروى ~~البخاري ومسلم أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: " نحن أقل عملا وأكثر أجرا ~~". فكيف يكون السابقون من أربعين أكثر من السابقين من ثمانين، مع أن هؤلاء ~~أكثر أجرا وخيرا من أولئك بنص القرآن والحديث؟! بل الأولون هم أوائل هذه ~~الأمة، الذين أشار إليهم بأنهم خير القرون. (والسابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار). # (على سرر موضونة (15) منسوجة بالدر والياقوت داخلا بعضها في بعض كحلق ~~الدرع، وقيل. متدانية، أدنى بعضها من بعض. # (متكئين عليها متقابلين (16) حالان من الضمير في (على سرر). # PageV01P074 # (يطوف عليهم ولدان مخلدون (17) مبقون على تلك الهيئة أبدا، لا يعتريهم ~~تغير وتبدل من كبر سن، أو في آذانهم الخلدة وهي القرطة. وعن الحسن: " هم ~~أولاد الكفار ". والحق أنهم أهل الجنة، وقيل: هم الأولاد والأطفال الذين ~~ماتوا من غير عمل. # (بأكواب وأباريق ... (18) متعلق ب يطوف، والكوب: ما ليس له عروة ولا ~~خرطوم، والإبريق عكس ذلك، وهذا التنوع على طريقة أهل الشرب في الدنيا. ~~(وكأس من معين) هو القدح الذي يشرب به، والمعين: الجاري أي: ليس مثل خمر ~~الدنيا توخمت من مجاورة الدن. # (لا يصدعون عنها ... (19) لا يحصل لهم بشربها صداع (ولا ينزفون) يسكرون ~~يقال: أنزف سكر. قال: # PageV01P075 # لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم ... لبئس الندامى أنتم آل أبجرا # أو لا ينفد شرابهم، من أنزف: نفد والمعنى: لا تنفد ms024 عقولهم ولا شرابهم. ~~وقرأ غير الكوفيين بفتح الزاي على بناء المفعول، من أنزفه؛ أسكره. وهذا ~~أوفق بقوله (لا يصدعون). # (وفاكهة مما يتخيرون (20) يرتضون (ولحم طير مما يشتهون (21) يستلذون. # (وحور عين (22) بيض نجل العيون. عطف على ولدان معنى. أي: لهم ولدان ~~وعندهم حور، أو على فاعل متكئين؛ لوجود الفاصل كقوله (ما أشركنا ولا ~~آباؤنا). وقرأ حمزة والكسائي بالجر عطفا على جنات أي: في جنات ومعاشرة حور ~~عين، # PageV01P076 # وعن الزجاج عطف على ب " أكواب " أي: يطوف عليهم الولدان بالحور كما هو ~~دأب الملوك يأتي الخادم بحظاياهم إلى أماكن أنسهم، وعن الفراء الجر على ~~الجوار. # (كأمثال اللؤلؤ المكنون (23) في الصدف في الصفاء والطراوة، أو المخزون ~~لشرفه وبهائه. # (جزاء بما كانوا يعملون (24) مفعول له. أي: هذا الذي أتحفناهم به جزاء ~~أعمالهم. # (لا يسمعون فيها لغوا ... (25) كلاما باطلا، (ولا تأثيما) ولا شيئا لو ~~كان في الدنيا أوجب إثما كما يقع من أهل السكر في مجالسهم. # (إلا قيلا ... (26) قولا (سلاما) سالما عن ذلك (سلاما) بدل منه، أو إلا ~~سلاما إثر سلام. (تحيتهم فيها سلام). # (وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين (27) أي: لهم شأن وأي شأن، ثم شرع يفصله. # PageV01P077 # (في سدر مخضود (28) عن الشوك كأنه خضد، وقيل: هو موقر الجمل. من خضده: ~~إذا ثناه وأماله. # (وطلح منضود (29) نضد بالثمر من أسفله إلى أعلاه وهو شجر الموز أو أم ~~غيلان، وقيل: شجر في البادية. والظاهر أنه إنما خصا بالذكر؛ لكثرتهما في ~~أرض العرب وليس لهما ثمر فاخر. فأشار إلى أنهما في الجنة ليسا على ما كانا ~~عليه، وقيل؛ إنما ذكر المعنى، التظليل دون الثمر وليس بوجه؛ لذكر الظل ~~بعده، ولكون الوصف بالخضد والنضد غير ملائم، وقيل. هذا كلام مع أهل الوبر ~~وأم غيلان: له رائحة طيبة، وله شوك، فأشار إلى أن ما في الجنة لا شوك له مع ~~كونه موقرا بالثمر. # (وظل ممدود (30) لا فرج فيه ولا يتقلص، كما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. ~~(وماء مسكوب (31) على الدوام كيف شاءوا (وفاكهة كثيرة (32) الأنواع (لا ~~مقطوعة ... (33) في وقت كفاكهة الدنيا ms025 (ولا ممنوعة) من الوصول إليها. # PageV01P078 # (وفرش مرفوعة (34) على السرر، أو نضد بعضها فوق بعض فارتفعت. روى الترمذي ~~عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في تفسير (فرش ~~مرفوعة) " ارتفاعها كما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائه عام ". أو هو ~~كناية عن الحور. # (إنا أنشأناهن إنشاء (35) أي: خلقناهن خلقا جديدا، إما ابتداء وهن الحور ~~أو نساء الدنيا. والضمير للفرش إن كان كناية عن النساء، أو لما دل عليه ذكر ~~الفرش وإن لم يسبق له ذكر. وعن أم سلمة رضي الله عنها سألت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عن قوله: (إنا أنشأناهن) قال: هن اللاتي كن في الدنيا ~~شمطا رمصا، عجائز. # (فجعلناهن أبكارا (36) عربا ... (37) جمع عروب. متحببات إلى أزواجهن. قرأ ~~أبو بكر بسكون الراء مخففا. (أترابا) لدات، هن والأزواج [في سن واحد ~~وثلاثين] (1) وطول آدم ستين ذراعا في عرض سبعة أذرع. PageV01P079 # (لأصحاب اليمين (38) متعلق ب (أنشأنا)، أو صفة أخرى ل (أبكارا). # (ثلة من الأولين (39) وثلة من الآخرين (40) خبر مبتدأ محذوف. # (وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال (41) في سوء الحال. # (في سموم ... (42) في نار تتقد في المسام. (وحميم) وماء تناهت في ~~الحرارة. (وظل من يحموم (43) دخان أسود، من الحمة وهي السواد. # (لا بارد ولا كريم (44) ليس فيه برد وروح كسائر الظلال. أثبت لهم الظل، ~~ثم نفى برده وروحه؛ تهكما وتعريضا بأن ذلك إنما يستحقه أضدادهم. # (إنهم كانوا قبل ذلك مترفين (45) متنعمين، أذهبوا طيباتهم في الحياة ~~الدنيا. من أترفته النعمة: أطغته. # (وكانوا يصرون على الحنث العظيم (46) الكفر بالله # (وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (47) منكرين ~~ذلك مكذبين للرسل، نافين لقدرة المقتدر. # PageV01P080 # (أوآباؤنا الأولون (48) مع تقادم العهد هذا أشد بعدا. والعطف على المستكن ~~في مبعوثون؛ لوجود الفاصل، أو على محل اسم إن. وقرأ ابن عامر وقالون بسكون ~~الواو، ويتعين العطف على المحل. # (قل إن الأولين والآخرين (49) لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم (50) ~~الميقات: ما يوقت به الشيء، ومنه ميقات الإحرام أي: إلى وقت معين من يوم ~~معلوم. الإضافة بمعنى " من ms026 ". # (ثم إنكم أيها الضالون المكذبون (51) المكذبون بالبعث. قدم الضلالة؛ ~~لأنها منشأ الكذب. # (لآكلون من شجر من زقوم (52) " من " الأولى لابتداء الغاية، والثانية ~~بيان. # (فمالئون منها البطون (53) لغلبة الجوع. # (فشاربون عليه من الحميم (54) الماء المتناهي في الحرارة. وتأنيث الضمير ~~أولا ثم تذكيره ثانيا باعتبار اللفظ والمعنى، وحمل التذكير على الأكل يفك ~~الضمائر. # (فشاربون شرب الهيم (55) جمع هيماء: وهي التي لا تروى من العطش لداء بها. # قال ذو الرمة. # فأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد صداها ... ولا يقضي عليها هيامها # PageV01P081 # أو جمع هيام: وهو الرمل الذي لا يمسك الماء. والعطف باعتبار الصفة؛ لأن ~~شربهم الحميمم لدفع العطش بديع، كما أن شربهم كشرب الهيم عجيب. وقرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي بفتح الشين، وهما لغتان، والضم أشهر. # (هذا نزلهم يوم الدين (56) هو ما يعد للضيف النازل، وإذا كان هذا النزل ~~فما بعده أطم. # (نحن خلقناكم ... (57) لا تشكون في ذلك. (فلولا تصدقون) بالإعادة فإنها ~~أوضح من البدء. # (أفرأيتم ما تمنون (58) تلقون في الأرحام من النطف (أأنتم تخلقونه أم نحن ~~الخالقون (59) هب أنكم لا تعلمون خلق أنفسكم ألستم شاهدون ما تولد منكم؟! # (نحن قدرنا بينكم الموت ... (60) قضينا بذلك، وسويناكم فيه مع الاختلاف ~~في الأعمار كالأرزاق. (وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم ... (61) ~~يقال: سبقت على كذا غلبت عليه. (وننشئكم في ما لا تعلمون) ما هو وما عهدتم ~~مثله، قدرتنا على الأمرين سواء. # PageV01P082 # (ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون (62) فإنها في غاية الظهور لا ~~تحتاج إلى ترتيب مقدمات. # (أفرأيتم ما تحرثون (63) تشقون الأرض وتلقون فيها من البذر. # (أأنتم تزرعونه ... (64) تنبتونه وتوصلونه إلى الكمال، (أم نحن الزارعون) ~~الفاعلون لذلك؟!. # (لو نشاء لجعلناه حطاما ... (65) متكسرا (فظلتم تفكهون) قضيتم نهاركم ~~تتعجبون أو تندمون على تعبكم فيه، أو على المعاصي التي تسببت له. وعن أبى ~~هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا يقل ~~أحدكم زرعت وليقل حرثت". # (إنا لمغرمون (66) لذهاب رزقنا، من الغرام، أو ملزمون بغرامة ما أنفقنا ~~فيه، من الغرامة. وقرأ أبو ms027 بكر بالاستفهام تعجبا، والإخبار أبلغ. # (بل نحن محرومون (67) مصابون بالحرمان والشقاء. # (أفرأيتم الماء الذي تشربون (68) عذبا فراتا. # (أأنتم أنزلتموه من المزن ... (69) جمع مزنة: السحاب الأبيض فإن ماءه ~~أعذب (أم نحن المنزلون * لو نشاء جعلناه أجاجا ... (70) مرا زعاقا لا يسوغ. ~~(فلولا # PageV01P083 # تشكرون) هذه النعمة. وإنما حذف اللام؛ لتقدمها قريبا مع اشتهار لونها، ~~ولأن المشروب تبع للمأكول، ليدل على أن فقده أهم، والاهتمام به أتم. # (أفرأيتم النار التي تورون (71) تقدحون بالزند والزندة. # (أأنتم أنشأتم شجرتها ... (72) المودعة فيها النار؟ (أم نحن المنشئون ~~(72) نحن جعلناها تذكرة ... (73) تدل على قدرتنا على الإعادة، وأنموذجا من ~~نار الآخرة (ومتاعا للمقوين) النازلين بالقواء ممدود ومقصور، من القي: وهو ~~المكان القفر، وخص بالذكر؛ لفرط الاحتياج فيه، أو من القوى: وهو الخلو فيعم ~~المسافر والمقيم. # (فسبح باسم ربك العظيم (74) نزهه عما لا يليق بجلاله بذكر اسمه العظيم ~~شكرا لعظيم آلائه، أو اذكره باسمه العظيم تعجبا ممن يرى هذه النعم ثم يكفر. ~~الباء للاستعانة أو للملابسة. # (فلا أقسم بمواقع النجوم (75) بمساقطها، أو في ذلك الوقت يزول سلطانها ~~فيكون أدل على وجود الصانع. وعن الحسن: انتشارها يوم القيامة، وقيل ~~منازلها، وقيل: أوقات نزول القرآن، و " لا " مزيدة. وقرأ حمزة والكسائي " ~~بموقع النجوم " لإرادة الجنس. # (وإنه لقسم لو تعلمون عظيم (76) اعتراض فيه اعتراض لما في المقسم به من ~~كمال القدرة، أو نهاية الرأفة. # PageV01P084 # (إنه لقرآن كريم (77) شريف، نيط به أمر المعاش والمعاد، أو كريم عند ~~الله، وإنما بالغ في القسم وجعل القرآن مقسما به؛ لكون السورة مصدرة بأمر ~~المعاد، وقد استوفى فيها أدلة الآفاق والأنفس على وجه تحار فيه الألباب، ~~ولا يبقى لذي العينين ارتياب. # (في كتاب مكنون (78) مصون عن يد الأغيار، ولم يقع فيه شائبة تبديل. # (لا يمسه إلا المطهرون (79) من دنس الآثام، وهم السفرة الكرام البررة، أو ~~المطهرون من الأحداث. رواه مالك وأبو داود، فالنفي بمعنى النهي. # (تنزيل من رب العالمين (80) مصدر نعت به صفة أخرى للقرآن. # (أفبهذا الحديث أنتم مدهنون (81) متساهلون، من الدهن. فإن المتهاون يلين ~~جانبه. # PageV01P085 # (وتجعلون رزقكم ... (82) شكر ms028 ما رزقتم من فهمه، أو رزقكم الذي بين في ~~السورة من نعم الدارين (أنكم تكذبون) به. وقيل: الرزق: المطر، وتكذيبهم به ~~نسبته إلى الأنواء. # (فلولا إذا بلغت الحلقوم (83) أي: النفس، والخطاب للذى حول المحتضر ~~(وأنتم حينئذ تنظرون (84) نظر المحتاج العاجز. (ونحن أقرب إليه منكم ولكن ~~لا تبصرون (85) ذلك. # (فلولا إن كنتم غير مدينين (86) مربوبين مملوكين، من دان السلطان رعيته: ~~ساسها. # (ترجعونها ... (87) النفس إلى البدن (إن كنتم صادقين) في أن لا صانع، ~~وأنكم تتركون سدى. وهؤلاء وإن لم يصرحوا بنفي الصانع إلا أن تكذيبهم الرسل، ~~وإنكار البعث والجزاء مؤد إليه، ثم استطرد ذكر الأزواج الثلاثة التي صدر ~~بها السورة؛ زيادة في الترغيب والترهيب، وليتجاوب طرفاها ردا لعجز على ~~الصدر قال: (فأما إن كان من المقربين (88) فروح وريحان وجنت نعيم (89) ~~راحة، ورزق، ومقام كريم. قدم الأهم فالأهم. # (وأما إن كان من أصحاب اليمين (90) فسلام لك من أصحاب اليمين (91) أي: من ~~إخوانك المؤمنين. " من " ابتدائية. وقيل: مسلم أنك منهم. # (وأما إن كان من المكذبين الضالين (92) أي: من أصحاب الشمال. عبر عنهم ~~بالوصف؛ دلالة على أن ذلك الوصف أورثهم الشقاء. # (فنزل من حميم (93) وتصلية جحيم (94) في ذكر النزل تهكم بهم. # PageV01P086 # (إن هذا ... (95) ما ذكر في السورة، أو في شأن الأزواج (لهو حق اليقين) ~~لا يقين فوقه. كقولك آمين حق آمين. # (فسبح باسم ربك العظيم (96) أي: بعدما بلغت هذا البلاغ المبين نزه ربك ~~عما لا يليق بجلاله مستعينا باسمه الأعظم (ثم ذرهم في خوضهم يلعبون). # * * * # تمت سورة الواقعة، والحمد لمن رحمته واسعة، والصلاة على من شفاعته شائعة، ~~وعلى آله وصحبه دائمة متتابعة. # * * * # PageV01P087 ### | سورة الحديد # مكية، وهي تسع وعشرون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # سبح لله ما في السماوات والأرض ... (1) جاء بلفظ الماضي في مواضع ~~والمضارع أخرى، دلالة على أن شأن من أسند إليه الفعل الاستمرار في جميع ~~الأزمان، وحيث كانت هذه أطول ما صدرت بلفظ التسبيح لم يعد الجار في المعطوف ~~بخلاف سائرها، ولم يغلب العقلاء؛ إشارة إلى أنهم في القلة مغمورون في جملة ~~لا ms029 تحصى كثرة. # ففي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد. # PageV01P088 # (وهو العزيز) الغالب القاهر. (الحكيم) المتقن في صنعه فهو حقيق بالتسبيح. # (له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت ... (2) مرفوع خبر مبتدأ، أو منصوب ~~حال من المجرور، أو استئناف مقرر لما تقدم. (وهو على كل شيء قدير) كامل ~~القدرة إحياء وإماتة وغيرهما. # (هو الأول ... (3) قبل كل شيء (والآخر) الباقي بعد فناء كل شيء (والظاهر) ~~في كل شيء (والباطن) عن كل شيء، لا يحيط به شيء علما. ولا دليل فيه لنا في ~~الرؤيا. وتفسير البطن بعدم إدراك الحواس قصور، بل بطونه عدم إدراك كنهه ~~أزلا وأبدا، حسا وعقلا. تعالى عن ذلك علوا كبيرا. والواو الأولى والثالثة ~~لعطف المفرد على المفرد، والوسطى لعطف المركب على المركب. والمعنى: أنه ~~جامع لهذه الصفات أزلا وأبدا، ولما أوهم بطونه عن الأشياء بطونها عنه كما ~~في الشاهد رفعه بقوله: (وهو بكل شيء عليم) يستوي في علمه الظاهر والباطن. # (هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ... (4) ~~لتدبير الكائنات تمثيل. (يعلم ما يلج في الأرض) من ماء وحب. (وما يخرج ~~منها) من نبات وزرع (وما ينزل من السماء) من مطر وثلج وبرد، وأقدار وأحكام. ~~(وما يعرج فيها) من الملائكة والأرواح والأعمال. (وهو معكم أين ما كنتم ~~والله بما تعملون بصير) شاهد لا يخفى عليه الإخلاص والرياء. وإعادة ~~الجلالة، دلالة على أن ذلك من لوازم الألوهية. # PageV01P089 # (له ملك السماوات والأرض ... (5) أعاده؛ ليقرن به أمر المعاد كما قرن به ~~المبدأ. # (وإلى الله ترجع الأمور) فيجازي كلا على حسبه. # (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور (6) ~~بمضمراتها أبلغ من قوله (بما تعملون بصير). # (آمنوا بالله ورسوله ... (7) إذ لم يبق لكم شبهة. (وأنفقوا مما جعلكم ~~مستخلفين فيه) من الأموال التي بأيديكم إذ هي في الحقيقة له تعالى وأنتم ~~بمتزلة الوكلاء والخزان فأنتم تحت أمره فكما يأمركم به يجب علمكم الامتثال، ~~ولا ينبغي أن يشق عليكم إذ لا أخس ممن يشح بمال الغير. (فالذين ms030 آمنوا منكم ~~وأنفقوا لهم أجر كبير) مع كونكم غير مالكين. لكم أجر لا يحاط به ترغيب، ~~ووعد فيه مبالغات بناء الخبر على الموصول، وإعادة الإيمان والإنفاق، وتنكير ~~الأجر والوصف بالكبر. # (وما لكم لا تؤمنون بالله ... (8) ما تصنعون غير مؤمنين بالله. (والرسول ~~يدعوكم لتؤمنوا بربكم) حال من ضمير لا تؤمنون، وهو من ضمير تصنعون. فهما ~~حالان متداخلان. (وقد أخذ ميثاقكم) حال من أحد ضميري يدعوكم، أو حال بعد ~~حال من ضمير تؤمنون. والحال أنه قد أخذ عليكم الميثاق قبل الرسول بما ركب ~~فيكم من العقل # PageV01P090 # ونصب الأدلة فقد أزاح الشبهة عنكم من كل وجه. وقرأ أبو عمرو (أخذ) على ~~بناء المفعول. (إن كنتم مؤمنين) بموجب الإيمان، فقد بان لكم الموجب بما لا ~~مزيد عليه، كقولك لتارك الصلاة: هذا الماء والمحراب إن كنت تصلي. والعتاب ~~عام لمن لم يؤمن، ومن آمن ولم ينفق. # (هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ... (9) واضحات الإعجاز أو الدلالة ~~على الأحكام. (ليخرجكم) أي: الله أو الرسول. والأول أولى؛ لقوله تعالى ~~(الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) (وإن الله بكم لرءوف ~~رحيم) حيث بين لكم وأوضح. # (وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ... (10) فيما يكون قربة إليه، من ~~الجهاد والصدقة على المحاويج. (ولله ميراث السماوات والأرض) هو الباقي بعد ~~فناء من في السماوات والأرض، فأي فائدة في الإمساك، هلا يقدم العاقل ماله ~~بين يديه، ويشتري بالفاني الباقي. عنه - صلى الله عليه وسلم - " يقول ابن ~~آدم: مالي مالي، وهل لك مال إلا ما أكلته فأفنيت، أو لبسته فأبليت، أو ~~تصدقت به فأبقيت "، (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح) فتح مكة، وقيل: ~~[الحديبية]، في حال شدة الاحتياج ومن بعده. حذف؛ لوضوح الدلالة عليه. ~~(وقاتل) بيان # PageV01P091 # لتفاوت الإنفاق، وحث على طلب المحل القابل، وتقديم الأولى والأحوج. ~~(أولئك) هم المنفقون (أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا) بعد فتح ~~مكة، (وكلا وعد الله الحسنى) أي: من المنفقين السابقين واللاحقين موعود ~~بالجنة وإن تفاوت حالهم. وقرأ ابن ms031 عامر (وكل) بالرفع على الابتداء والفعلية ~~خبر بحذف العائد، والنصب أحسن؛ لعدم التقدير. # (والله بما تعملون خبير) يعلم نية المنفق إخلاصا ورياء. قيل نزلت في ~~الصديق. أنفق ماله في سبيل الله حتى تخلل بعباء فجاء جبرائيل فقال لرسول ~~الله يقول الله تعالى قل لأبي بكر " هل هو راض عني في فقره؟ وسلم عليه مني ~~". # (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ... (11) مثل حال المنفق في سبيل الله ~~بحال من أقرض إنسانا يؤديه إليه وقت احتياجه. والقرض الحسن: مالا يجر نفعا ~~ولا يطلب فيه زيادة. # (فيضاعفه له) أضعافا لا يعلمها غيره. قرأه بالنصب ابن عامر وعاصم بأن ~~مضمرة بعد الفاء جوابا للاستفهام معنى. وقرأ ابن كثير وابن عامر يضعف ~~مشددا. وكما زاد " كما "، فكذلك عظم " كيفا " بقوله: (وله أجر كريم) شريف ~~لا كسائر الأجور يكون مع مهانة. # (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات ... (12) مقدر ب " اذكر " فإنه يوم عظيم، أو ~~ظرف ليضاعفه، أو له أجر كريم. (يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم) أي: يسرع ~~نورهم قدامهم، وعن اليمن والشمائل، على قدر سيرهم. منهم من سيرهم كالبرق ~~الخاطف، ومنهم # PageV01P092 # كالريح، ومنهم كأجاويد الخيل. وكذلك أنوارهم على قدر أعمالهم حتى أن فيهم ~~من يقوم ويقع لضعف نوره. وفي لفظ الإيمان تغليب. (بشراكم اليوم) أي: تقول ~~لهم الملائكة الذي بشرتم به (جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها) خبر ~~بشراكم. (ذلك هو الفوز العظيم) أي: الفوز الذي بشروا يه من كلامه تعالى. # (يوم يقول المنافقون والمنافقات ... (13) بدل من (يوم ترى) (للذين آمنوا ~~انظرونا نقتبس من نوركم) بعد القضاء بين العباد يؤخذ بالكفار الخلص إلى ~~النار، وبالمؤمنين إلى الجنة، ويتبعهم المنافقون كما كانوا في الدنيا يعدون ~~أنفسهم منهم، ويعطون نورا لمجازاة لخدعهم، فإذا توسطوا الصراط انطفى نورهم، ~~نادوا المؤمنين انتظرونا أو انظروا إلينا نأخذ قبسا أي: شعلة من نوركم، كما ~~يفعله الأصحاب في الدنيا إذا انطفى مصباح أحدهم. (قيل ارجعوا وراءكم) إلى ~~الدنيا. العائل: المؤمنون أو الملائكة (فالتمسوا نورا) آخر؛ لأنه محل ~~الأعمال التي صارت اليوم أنوارا. وقرأ ms032 حمزة (أنظرونا) بهمزة القطع أي: ~~أمهلونا وهو قريب من الأول. (فضرب بينهم بسور) هو الأعراف: حائط الجنة (له ~~باب) يدخل منه # PageV01P093 # المؤمنون الجنة (باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب) وتغيير ~~الأسلوب؛ للدلالة على أن داخله كله نعيم، بخلاف ظاهره لبعد النار عنه. # (ينادونهم ألم نكن معكم ... (14) في الدنيا متفقين في الدين (قالوا بلى ~~ولكنكم فتنتم أنفسكم) بخستموها بالنفاق (وتربصتم) بالمؤمنين الدوائر، ~~وقلتم: ريح الإسلام تهب ساعة ثم تسكن (وارتبتم) في أمر الساعة، وقلتم: (ما ~~الساعة إن نظن إلا ظنا)، (وغرتكم الأماني) الكاذبة، وقلتم: إن كان بعث ~~سيغفر لنا. (حتى جاء أمر الله) قيام الساعة وأمره بدخول النار، (وغركم ~~بالله الغرور) الشيطان بوعده الكاذب. # (فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ... (15) إن لو كان لكم ما تفدون. قرأ ابن ~~عامر بالتاء والتذكير أحسن؛ لوجود الفصل. (ولا من الذين كفروا) ظاهرا ~~وباطنا. (مأواكم النار) مقامكم، (هي مولاكم) أي: أولى بكم من غيرها؛ لما ~~معكم مما يلائمها من الأعمال، أو هي التي تتولى أمركم أو ناصركم تهكما. ~~(وبئس المصير) مصيركم. # (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ... (16) ~~أي: القرآن، من عطف العام على الخاص، أو عطف باعتبار الصفة. وقرأ نافع وحفص ~~(نزل) مخففا، والشديد أبلغ. " يأن " من أنى يأنى الأمر إذا جاء أناه أي: ~~وقته، والهمزة للاستبطاء كقولك للغلام: ألم أدعك؟. والمعنى: ليس للمؤمنين ~~عذر في عدم خشوع قلوبهم. وما رواه # PageV01P094 # مسلم عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: " لم يكن بين إسلامنا وبين أن ~~عاتبنا الله إلا أربع سنين ". وما رواه قتادة عن ابن عباس رضي الله عنهما: ~~إن الله عاتب المؤمنين على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن؛ يدل على أن ~~السورة مكية، فإن قلت: إنها كانت السورة مكية، فما وجه قصة المنافقين، ~~والنفاق إنما نجم بالمدينة؟. قلت: إخبار بما يقع كسائر الأخبار عن ~~المغيبات. # (ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل) عطف على (تخشع)، ويجوز أن يكون ~~نهيا لهم عن مماثلة أولئك، (فطال عليهم الأمد) الزمان. ms033 (فقست قلوبهم) فغلب ~~عليها القسوة والجفاء لتراكم الذنوب، وظلمات المعاصي فأحدثوا التحريف ~~والبدع. (وكثير منهم فاسقون) خارجون بالكلية عن دينهم لفرط قسوتهم. # (اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها ... (17) مثل حال القلوب النابية عن ~~الخشوع، ثم تأثرها من ذكر الله، (وما نزل من الحق) بحال أرض غلب عليها ~~اليبس ثم أصابها الغيث فاخضرت. (قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون) في تصدير ~~الكلام # PageV01P095 # ب (اعلموا) وختمه ب (لعلكم تعقلون) نوع عتاب، إذ كان الأولى بهم التدبر ~~بدون هذا؛ لجلاء الحال # (إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا ... (18) عطف على ~~المصدقين، لكونه في معنى الذين صدقوا، وفيه تغلب؛ لئلا يقع فصل بالأجنبي. ~~والمعنى: الذين تصدقوا وأخلصوا في ذلك وأخرجوه من مالهم الطيب. وقرأ ابن ~~كثير وأبو بكر بتخفيف الصاد من التصديق أي: آمنوا بالله ورسوله، والتشديد ~~أولى، لذكر الإيمان بعد (يضاعف لهم ولهم أجر كريم) تقدم تفسيره آنفا. # (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم ... (19) ~~أي: بمنزلة هؤلاء وإن كانوا قاصرين تنزلوا منزلتهم. (لهم أجرهم ونورهم) أي: ~~مثل أجر أولئك ونورهم، لا في الإضعاف أي: جميع ما يحصل لهم من الأجر ~~والإضعاف، بل مثل مجرد أجر الصديقين وحده. فإن قلت: فأي ترغيب في ذلك؟. ~~قلت: كل ترغيب؛ لأن آحاد المؤمنين إذا جعل ثواب عمله مثل ثواب عمل الصديق ~~فأي إحسان فوق ذلك؟ وأما الإضعاف فذلك ليس راجعا إلى الأعمال. بل ذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشاء. ويجوز أن يكون (والشهداء) مبتدأ، (لهم أجرهم) خبر، ~~وليس بقوي. (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم) الذين لا ~~يفارقونها؛ لإفادة الكلام الحصر. # (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو ... (20) لما ذكر ما للفريقين في ~~الآخرة، حقر أمر الدنيا بأن حصر ما فيها في أمور خيالية، قليلة النفع، ~~ترغيبا فيما عنده، وتحذيرا عن الاغترار بها. واللعب: ما يجلب السرور. ~~واللهو: ما يدفع الهم. (وزينة) بالأموال والبنين، (وتفاخر بينكم) أنا ابن ~~فلان، وأنت ابن فلان، (وتكاثر في الأموال والأولاد) أنا لي كذا # PageV01P096 # مالا وولدا، وأنت ms034 لا تملك ما أملك. (كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج ~~فتراه مصفرا ثم يكون حطاما) مثل حال الدنيا في قلة جدواها، وسرعة نقضها ~~بحال نبات أنبته الغيث، فاستوى على سوقه اخضر ناضرا وارقا، فأعجب الزراع ~~شأنه، أو الكفار بالله؛ لقصور نظرهم إلى الدنيا، والمؤمن إذا رآه علم أن ما ~~عند الله هو الباقي، وأن هذا عن قريب زائل. ثم اصفر بعد تلك النضارة وتبدل ~~حاله، ثم تكسر وذهب كأن لم يكن. (وفي الآخرة عذاب شديد) تنفير عن الركون ~~إليه. (ومغفرة من الله ورضوان) حث على العمل المثمر ذلك. # (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) إلا شيء يسير ونفع قليل يغتر به. # (سابقوا إلى مغفرة من ربكم ... (21) مسابقة الفرسان إلى إحراز قصب السبق. # (وجنة عرضها كعرض السماء والأرض) إنما ذكر العرض؛ لأنه أقصر الامتدادين، ~~فإذا كان حاله كذلك فما ظنك بالطول؟! والمراد جنس السماء، لقوله: (عرضها ~~السماوات والأرض). فإن قلت: أيهما أبلغ؟ قلت: الثاني؛ لحذف أداة التشبيه، ~~والتصريح بما يدل على العدد. فإن قلت: لم اختص بموقعه؟ قلت: لأن الثاني في ~~آل عمران، وهو متأخر نزولا، فلو عكس لم يبق فائدة في ذكره. (أعدت للذين ~~آمنوا بالله ورسله) الاستدلال به على أن مجرد الإيمان كاف، ليس بناهض؛ ~~لقوله في آل عمران: (أعدت للمتقين) الذين نعتهم كيت وكيت. (ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء) من عباده من غير إيجاب؛ لأن العبد لا # PageV01P097 # يستحق على المالك أجرة. (والله ذو الفضل العظيم) لا يحاط بفضله. خلق وهدى ~~وأعطى ما لم يخطر على قلب، من غير وجوب ولا استحقاق. # (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب ... (22) في ~~اللوح، (من قبل أن نبرأها) نخلقها أي: الأنفس أو المصيبة. الأول أوجه؛ لما ~~روى مسلم " أن الله كتب مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف ~~عام، وكان عرشه على الماء ". (إن ذلك على الله يسير)؛ لعلمه بالأشياء قبل ~~وقوعها، كعلمه بها حال وقوعها. ثم أشار إلى الحكمة في ذلك بقوله: (لكيلا ms035 ~~تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ... (23) فإن من علم أن ما أصابه ~~من الضر كان مقدرا علمه في الأزل لم يحزن الحزن الشديد؛ لأنه قد وطن نفسه ~~على ذلك، وكذا في جانب الخير، لأنه كان مترقبا. والمراد بهما ما يخرج إلى ~~الجزع وعدم الصبر، والفرح المطغي المفضي إلى البطر، لا ما يعتري الإنسان من ~~الهم والسرور شكرا لنعمة الله. وقرأ أبو عمرو: (أتاكم) مقصورا أي: جاءكم، ~~وهي قراءة حسنه فسرها (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم) ~~(والله لا يحب كل مختال فخور) متكبر، فخور على الناس بكثرة المال. واكتفى ~~بأحد الشقين؛ لدلالته على الآخر، وآثر الثاني، لأنه أشد تكبرا. # (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ... (24) بدل من (كل مختال) وأوفى ~~منه؛ # لدلالته على أن عز المال وحبه بلغ حدا يشح بمال الغير. وقرأ حمزة ~~والكسائي # PageV01P098 # (البخل) بفتح الباء، وهما لغتان كالرشد والرشد. (ومن يتول) يعرض ولن ينته ~~عما نهى الله. (فإن الله هو الغني) لا يحتاج إلى إنفاق المنفق. (الحميد) ~~محمود في ذاته وإن تولوا عن شكره. وقرأ نافع وابن عامر بحذف ضمير الفصل، ~~وعليه رسم مصحف المدينة والشام، والإثبات آكد، وعليه بقية الرسوم. # (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ... (25) أي: الملائكة إلى الأنبياء ~~بالمعجزات، لا الأنبياء إلى الناس؛ لقوله: (وأنزلنا معهم الكتاب والميزان) ~~قانون الشرع يشمل الميزان الذي به تعامل الناس، وكل ما يعرف به الإنصاف من ~~أمور المعاش والمعاد؛ ولذلك علله بقوله: (ليقوم الناس بالقسط) بالعدل. ~~(وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) يتخذ منه آلة الجهاد والقتل. وفيه إشارة إلى ~~أن أمر الشرع لا يستقل بدون السيف والسنان. # الظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعلة لا يظلم # وعنه - صلى الله عليه وسلم -: "رزقي تحت ظل رمحي " (ومنافع للناس) إذ لا ~~صنعة إلا وللحديد فيه مدخل. (وليعلم الله من ينصره ورسله) عطف على محذوف دل ~~عليه السياق. أي: # PageV01P099 # لنفعهم وليعلم الله، وفي الحذف إشارة إلى أن الثاني هو المطلوب بالذات. ~~(بالغيب) حال من المستكن في ينصره. ms036 أي: غائبا عنه. عن ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - " ينصره ولا يبصره ". (إن الله قوي) ذو قدرة بالغة. (عزيز) غالب ~~على كل شيء. وإنما أنزل الحديد وأمر بالقتال؛ لينالوا بذلك القربة عنده ~~والزلفى. # (ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب ... (26) ~~أي: الوحي المتلو. أشار إلى أن قانون الشرع والأمر بالقسط بين الناس قديم، ~~من لدن نوح إلى محمد عليهما السلام. (فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون) غير ~~الأسلوب، للدلالة على أن الغلبة لأهل الضلال. # (ثم قفينا على آثارهم برسلنا ... (27) أي: آثار نوح وإبراهيم، والجمع ~~للتعظيم، أو هما ومن عاصرهما من الرسل، أو من أرسلا إليه. (وقفينا بعيسى ~~ابن مريم) أي: انتهى إرسال الرسل إليه. (وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب ~~الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية) مصدر رهب: وهو شدة الخوف. والمراد ~~تعبدهم في الجبال والمغائر والكهوف. وذلك أن بني إسرائيل بعد صعود عيسى ~~افترقوا اثنتين وسبعين فرقة، ثلاث فرق على الحق والباقون على الضلال، فدعوا ~~الملوك والجبابرة إلى دين عيسى، وقاتلوهم حتى لم يبق منهم إلا قليل، فلم ~~يقدروا على المقاومة، فتفرقوا في الجبال (ابتدعوها) اخترعوها من عند أنفسهم ~~(ما كتبناها عليهم) ما فرضناها عليهم. (إلا ابتغاء رضوان الله) استثناء ~~منقطع. أي: لكن ابتدعوها طلبا لمرضاة الله. (فما رعوها حق رعايتها) ما ~~قاموا بها حق القيام. وفيه إشارة إلى أن التعمق في # PageV01P100 # العبادة فوق ما سنه الله ورسوله مذموم. وقد روى البخارى عنه - صلى الله ~~عليه وسلم -: " إن الدين يسر ولن يشاد أحد الدين إلا غلبه " " فإن بني ~~إسرائيل شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع ~~رهبانية ابتدعوها ". وانتصابها بمضمر مفسر. وجعلها من المجعولات عدول عن ~~الظاهر مخالف للأحاديث. (فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم) الذين وفوا بما ~~نذروا. (وكثير منهم فاسقون) لم يحافظوا على ما عاهدوا الله عليه. # (يا أيها الذين آمنوا ... (28) أحدثوا الإيمان. (اتقوا الله) في أوامره ~~ونواهيه. # (وآمنوا برسوله) محمد عليه السلام، عن ابن عباس والضحاك - رحمه الله - ~~أنها نزلت في مؤمني # PageV01P101 # أهل الكتاب. ويدل ms037 عليه قوله: (يؤتكم كفلين من رحمته) وذلك؛ لما رواه ~~البخاري ومسلم رحمهما الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ~~ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل آمن بنبيه وآمن بمحمد، وعبد مملوك أدى حق الله ~~وحق مواليه، ورجل له أمة فأدبها، ثم أعتقها فتزوجها". والكفل: الحظ الوافر، ~~والنصيب الكامل كأنه تكفل بالكفاية. (ويجعل لكم نورا تمشون به) على الصراط ~~يسعى بين أيديكم وبأيمانكم، أو نورا ينقذكم به عن ظلمات الجهل. (ويغفر لكم) ~~ما سلف لكم. (والله غفور رحيم) عن سعيد بن جبير - رضي الله عنهما -؛ افتخر ~~مؤمنو أهل الكتاب بأن لهم الأجر مرتين، فأنزل الله تعالى لمؤمني هذه الأمة، ~~وزادهم النور والمغفرة. ويؤيده ما رواه البخاري أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: " مثلكم ومثل أهل الكتابين، كمثل رجل استأجر أجراء، فقال: ~~من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال: من ~~يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط؟ فعملت النصارى، ثم قال: ~~من يعمل لي من العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين؟ فأنتم هم "، فغضبت ~~اليهود، والنصارى، فقالوا: ما لنا أكثر عملا، وأقل عطاء؟ قال: «هل نقصتكم ~~من حقكم؟» قالوا: لا، قال: «فذلك، فضلي أوتيه من أشاء». وما قيل، إن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أرسل جعفرا يدعو النجاشي إلى # PageV01P102 # الإيمان، فآمن به وأرسل سبعين رجلا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، فجاؤوا ورسول الله قد تهيأ لوقعة أحد كلام لا أصل له. وجعفر إنما قدم مع ~~من هاجر إلى الحبشة، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في محاصرة خيبر بعد ~~أحد بثلاث سنين. رواه البخاري مكررا في مواضع. # PageV01P103 # (لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله ... (29) " لا " ~~مزيدة. # والمعنى على الأول: إنما وعدنا من آمن من أهل الكتاب كفلين من رحمتنا، ~~ليعلم الذين لم يؤمنوا منهم أن إيمانهم السابق لا يورثهم شيئا من فضل الله ~~قط. وعلى الثاني: اثبتوا أيها المؤمنون على إيمانكم، ms038 واتقوا الله يؤتكم ما ~~وعد من آمن من أهل الكتاب من الأجر مرتين، ويزيدكم النور والمغفرة. (وأن ~~الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء) وقيل: " لا " غير مزيدة. # والمعنى: إنما فعلنا كذا وكذا؛ لئلا يعتقد أهل الكتاب أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - والمؤمنين لا يقدرون على حصر فضل الله فيمن آمن بمحمد. ~~وقوله: (والله ذو الفضل العظيم) عطف على (ألا يعلم) ولا يخفى بعده. # تمت بحمد الله على العبيد، ونسأله من فضله المزيد، والصلاة على الماجد ~~الفريد، وآله وصحبه الذين فلقوا بالحديد هام كل جبار عنيد. # PageV01P104 ### | سورة المجادلة # مدنية، وهي اثنتان وعشرون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع ~~تحاوركما إن الله سميع بصير (1) عن عائشة رضي الله عنها: تبارك الذي أوعى ~~سمعه كل شيء، لقد جاءت المجادلة خولة بنت ثعلبة زوجة أوس بن [الصامت] ~~الأنصاري إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تشتكي زوجها وأنا في ناحية ~~البيت يخفى علي بعض كلامها، وكان أوس ولاج الخوالف، وكان به حدة، فدعاها ~~إلى الفراش فأبت فظاهر عنها، فاستفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: حرمت عليه، فقالت: إن لي منه صبية إن # PageV01P105 # ضممت إليه ضاعوا، وإن ضممت إلي جاعوا، فقال: قد حرمت، فقالت: أشكو إلى ~~الله فاقتي. فنزلت. روي أنها استوقفت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يوما ~~زمانا طويلا، فدنا منها وأصغى إليها، فقال رجل: يا أمير المؤمنين حبست ~~رجالات قريش على هذه العجوز؟، قال: ويحك!، هذه خولة التي سمع الله تعالى ~~شكواها من فوق سبع سماوات، لو لم تنصرف لوقفت معها إلى الليل. وفي " قد " ~~دلالة على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمجادلة كانا يتوقعان أن ~~الله سينزل في شأنها ما يفرج كربتها " (والله يسمع تحاوركما) تراجعكما في ~~الكلام. (إن الله سميع بصير) للأقوال والأحوال. # PageV01P106 # (الذين يظاهرون منكم من نسائهم ... (2) الظهار كان طلاقا في الجاهلية ~~مؤكدا باليمين. وفي إقحام منكم توبيخ للعرب، وتصوير لزيادة ms039 التهجين، لأنه ~~كان مخصوصا بهم. # وقرأ حمزة والكسائي. بفتح الياء والهاء والتشديد من " اظاهر ". وعاصم بضم ~~الياء وكسر الهاء والتخفيف من " ظاهر ". (ما هن أمهاتهم) حقيقة. بكسر التاء ~~قراءة السبعة على أن " ما " عاملة. (إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم) ~~والمرضعات وأزواج الرسول - صلى الله عليه وسلم - ملحقات بهن احتراما. قرأ ~~الكوفيون وابن عامر: " اللائي " بالهمز والتاء، وأبو عمرو وابن كثير في ~~رواإية قنبل: بالياء ساكنة. ونافع في رواية ورش: كالياء مكسورا وفي رواية ~~قالون وابن كثير في رواية البزي. بالهمز. (وإنهم ليقولون منكرا من القول ~~وزورا) باطلا منحرفا عن الصواب، # PageV01P107 # إذ بين الزوجات والأمهات أبعد مما بين الضب والنون. فإن قلت: الظهار ~~كالطلاق، فكيف يوصف بالزور الذي هو من خواص الخبر؟ قلت: باعتبار ما تضمن من ~~إلحاقها بالأم. (وإن الله لعفو غفور (2) والذين يظاهرون من نسائهم ثم ~~يعودون لما قالوا ... (3) الظهار: قول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي، أو ~~كرأسها، أو كجسدها وسائر المحارم كالأم. الآية الأولى في ذم المظاهر، وهذه ~~في بيان حكمه. ثم العود عند الظاهرية أن يعود إلى لفظ الظهار فيكرره. وعند ~~أبي حنيفة - رحمه الله - باستباحة ما حرم [ولو بالنظر بشهوة]. وعند الشافعي ~~رحمة الله بأن يمسكها زمانا يمكنه أن يفارقها، وعند الإمام أحمد رحمه الله ~~أن يعود إلى الجماع، أو يعزم عليه. وعند مالك العزم على الوطئ أو الإمساك. ~~(فتحرير رقبة) أي: كفارته تحرير رقبة. قيده الشافعي رحمه الله بالمؤمنة ~~بناء على أصله من حمل المطلق على # PageV01P108 # المقيد. والفاء للسببية، وفائدتها الدلالة على تكرر الكفارة بتكرر ~~الظهار. (من قبل أن يتماسا) يستمتع كل من المظاهر والمظاهر بالآخر لعموم ~~اللفظ، أو أن يجامعها. وفيه دليل على حرمة ذلك قبل التكفير. (ذلكم) التكفير ~~على هذا الوجه، (توعظون به) تزجرون به؛ لأن المظاهر إذا علم بوجوب الكفارة ~~وهي إعتاق رقبة ينزجر. (والله بما تعملون خبير) حث على الإتيان به على ~~الوجه الأكمل. # (فمن لم يجد ... (4) مالا يعتق به رقبة، ومن ماله غائب واجد فلا يعدل عن ~~العتق (فصيام ms040 شهرين متتابعين) فإن أفطر يوما لغير عذر أو نسي النية، أو مرض ~~بطل تتابعه دون الحيض. والقربان بالليل يقطعه عند أبي حنيفة ومالك دون ~~الشافعي رحمهم الله. (من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع) لفرط شبق، أو لهرم، ~~أو مرض لا يرجى # PageV01P109 # زواله (فإطعام ستين مسكينا) وهو نصف صاع من بر، أو صاع من شعير اعتبارا ~~بالفطرة. # وعنده الشافعي رحمه الله مد بمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ~~رطل وثلث، وكل خمسة أرطال وثلث، ستمائة درهم وثلاثة وتسعون درهما وثلث ~~درهم. والدليل للشافعي حديث الأعرابي الذي جامع في رمضان. وإنما لم يعد ~~التماس؛ لتقدمه مكررا، أو لجوازه في خلال الإطعام كما قال أبو حنيفة رحمه ~~الله. وأجراه بعضهم على الظاهر. (ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله) أي: فرض ذلك ~~لتصدقوا بالله ورسوله فيما شرعا من الأحكام، وتتركوا ما كنتم عليه في ~~الجاهلية. (وتلك حدود الله) أي. الأحكام المذكورة فلا تتجاوزوها. ~~(وللكافرين) الذين لم يصدقوا. (عذاب أليم) جزاء لكفرهم. # PageV01P110 # (إن الذين يحادون الله ورسوله ... (5) يشاقونهما. من الحد؛ لأن كلا من ~~المتعادين في حد، أو يقابلوهمما في شرع الحدود، وخلاف ما شرعا. (كبتوا كما ~~كبت الذين من قبلهم) أخزوا وأهلكوا مثلهم. قيل: الضمير في (كبتوا) لبني ~~قريظة. فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتلهم وسبى ذراريهم بعد ~~الخندق. و (من قبلهم) المشركون يوم بدر. (وقد أنزلنا آيات بينات) واضحات لا ~~لبس بها. (وللكافرين) بتلك الآيات (عذاب مهين) لاستكبارهم عن الإيمان بها. # (يوم يبعثهم الله جميعا ... (6) ظرف ل (مهين)، لأن الخزي في الجمع الكثير ~~أشق، أو منصوب ب " اذكر ". (فينبئهم بما عملوا) من التكذيب وسائر المعاصي ~~على رؤوس الأشهاد؛ تكميلا للخزي والإهانة (ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا ~~على ربهم) (أحصاه الله) علمه مفصلا (ونسوه) لتهاونهم. (والله على كل شيء) ~~كل ما يطلق عليه اسم الشيء من الذرات (شهيد) حاضر يعلمه عيانا. ثم أقام ~~البرهان عليه بقوله: # (ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ... (7) من الأجزاء ~~والجزئيات. والخطاب عام. ms041 (ما يكون من نجوى ثلاثة) اسم من النجو: وهو القطع؛ ~~لأن السر منقطع عن الغير، أو من النجوة: وهي الارتفاع؛ لعدم وصول العين ~~إليه. والمعنى: ما يكون شيء من نجوى ثلاثة نفر. على أن نجوى مضاف إلى ~~الثلاثة، أو موصوف بها، أي: من # PageV01P111 # أهل نجوى. فحذف الأهل، وجعلوا نفس النجوى مبالغة. (إلا هو رابعهم) في ~~العلم. (ولا خمسة إلا هو سادسهم) كذلك. وتخصيص العددين إما نظرا إلى الواقع ~~وهو ما روي أنها نزلت في حبيب وربيعة ابني عمرو، وصفوان بن أمية كانوا ~~يتناجون بأحوال المؤمنين. وذكر معه الخمسة؛ لتناسب الوترين، أو لأن النجوى ~~إنما تكون من ذوي الأحلام والنهى، وهم قليلون في الأغلب لا يعدون عشرة، ~~فذكر الوترين؛ لأن الله وتر يحب الوتر. ثم أشار إلى الطرفين بقوله: (ولا ~~أدنى من ذلك ولا أكثر) على أنه لو ذكر الأربعة لم يتناول الأدنى الإثنين ~~إلا على التوسع. (إلا هو معهم أين ما كانوا) إذ علمه بالأشياء لا يتفاوت، ~~والقرب والبعد منه محالان (ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة) أي: يجازيهم ~~عليه، أو يوبخهم به تفضيحا. (إن الله بكل شيء عليم (7) ألم تر إلى الذين ~~نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ... (8) تعجيب السامع لوقاحتهم. عن ~~ابن عباس رضي الله عتهما: نزلت في # PageV01P112 # المنافقين. وعن مجاهد: في اليهود، كانوا إذا رأوا المؤمنين سار بعضهم ~~بعضا وغمزوهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنهاهم فلم ~~ينتهوا (ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول) بالكذب والظلم ومخالفة ~~الرسول. بيان وكشف عن حال نجواهم بما يؤكد ذمهم، إذ لو كان تناجيهم بما فيه ~~خير؛ كان أمر الرسول موجبا للانتهاء والامتثال. وقرأ حمزة (ينتجون) مقصورا. ~~عن الفراء كلاهما بمعنى. (وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله) يقولون: ~~السام عليكم والسام هو الموت. ويقول الله: (وسلام على عباده الذين اصطفى) ~~روى البخاري: " أن يهوديا مر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعائشة ~~عنده. فقال: السام عليك فقالت عائشة: وعليكم السام واللعن. فقال رسول الله ms042 ~~- صلى الله عليه وسلم - لا تكوني فحاشة. قالت: ألم تسمع ما قال؟ قال: أولم ~~تسمعي ما قلت؟ قلت: وعليك. فيستجاب لي ولا يستجاب ". له " (ويقولون في ~~أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول) إن كان نبيا كما يزعم. # (حسبهم جهنم) كافيهم في العذاب. (يصلونها) يدخلونها. (فبئس المصير) جهنم. ~~والفاء للسببية، مبالغة في استحقاقهم. وليس في القرآن شيء غيره. # PageV01P113 # (يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصيت ~~الرسول ... (9) صرح بما علم ضمنا؛ ليرتب عليه قوله: (وتناجوا بالبر ~~والتقوى) بما فيه الثواب والاتقاء عن معصية الرسول. (واتقوا الله الذي إليه ~~تحشرون) في مجامع أموركم. # (إنما النجوى من الشيطان ... (10) أي: نجوى المنافقين. (ليحزن الذين ~~آمنوا) الشيطان أو النجوى. وقرأ نافع " يحزن " بضم الياء على أنهما لغتان. ~~وقال الخليل: أحزنه: أدخل فيه الحزن، فهو أبلغ. (وليس بضارهم شيئا إلا بإذن ~~الله) فعلى المؤمن إذا رأي شيئا من ذلك أن لا يحزن. (وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون)، لعلمهم بأن لا ضار ولا نافع غيره. # (يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس ... (11) توسعوا ~~وتباعدوا. عن ابن عباس - رضي الله عنهما - نزلت في مواضع الحرب، كانوا ~~يتنافسون فيها. وعن مقاتل: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصفة ~~يوم الجمعة، فجاء البدريون والصفة غاصة بالناس فلم يجدوا موضع الجلوس ~~فوقفوا. فأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طائفة حتى جلس البدريون. ~~فنزلت. روى # PageV01P114 # البخاري ومسلم: " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لا يقم أحدكم ~~أخاه ثم يجلس مكانه ولكن تفسحوا " وقرأ غير عاصم (المجلس) مفردا وعليه ~~الرسم. (فافسحوا يفسح الله لكم) المجلس قيل: لم يضق المكان قط عمن جاء بعد ~~التفسح، أو في أموركم كلها ببركة الامتثال. # (وإذا قيل انشزوا فانشزوا) عن الحسن: انهضوا إلى الحرب. وعن قتادة: إلى ~~كل معروف. وعن أبي زيد: ارتفعوا عن مجلسه. وقرأ نافع وابن عامر وحفص بضم ~~الشين، وأبو بكر بخلاف عنه. وهما لغتان. والكسر أخف. (يرفع الله الذين ~~آمنوا منكم) جزم على الجواب ms043 أي: إن امتثلوا أمر الله يرفع الله لهم المنزلة ~~لأجل تواضعهم. (والذين أوتوا العلم) خاصة (درجات)؛ للجمع بين العلم والعمل. ~~وفي الحديث: " فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم " (والله بما ~~تعملون) من الامتثال. (خبير) فليكن ذلك عن إخلاص وصفاء قلب. # PageV01P115 # (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ... ~~(12) كان يخاطبه المؤمن والمنافق، وأجلاف البوادي، والإماء والعبيد، ~~ويبرمون فيما لا طائل تحته. فأراد الله إظهار كرامته، فأوجب لمن أراد أن ~~يناجيه أن يتصدق أمام نجواه بشيء، فبقي الأمر على ذلك عشرة أيام، وقيل: ~~ساعة، ثم نسخ بالذي بعدها. وعن علي بن أبي طالب: لم يعمل بها غيري، كان معي ~~دينار فصرفته، وكنت إذا ناجيت تصدقت قبله بدرهم. وعن ابن عمر: كانت في علي ~~ثلاث لو كانت في واحدة كانت أحب إلي من جميع النعم: صهارة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بفاطمة، والنجوى، والراية يوم خيبر. (ذلك خير لكم) أي: ~~التصدق من الإمساك (وأطهر) فإن الصدقة طهرة الذنوب، لا سيما في مناجاة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. # (فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم) أباح المناجاة من غير تقديم صدقة. # (أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات ... (13) أي: أخفتم مما أمرتم ~~به من الصدقة بين يدي النجوى؟. والجمع باعتبار كثرة المخاطبين. الهمزة ~~للتقرير. ولم يرد نص على إظهارهم الخوف، ولكن الله أخبر عما حدثت به ~~أنفسهم. (فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم) بأن رخص لكم ترك الصدقة أمام ~~النجوى. الجمهور على أن هذا ناسخ لوجوب الصدقة. وقيل: نسخت بوجوب الزكاة. ~~(فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) مسبب عما قبله، كأنه قال: لا تقصروا في ~~أدائهما كما قصرتم في الصدقة. وفيه نوع تعيير لهم. (وأطيعوا الله # PageV01P116 # ورسوله) في سائر الأمور وإن كانت شاقة عليكم. (والله خبير بما تعملون) ~~ظاهرا وباطنا، فيجازيكم على حسب ذلك. # (ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ... (14) تعجيب من حال ~~المنافقين يتولون اليهود الذين غضب الله عليهم (ما هم منكم ولا منهم) ms044 أي: ~~المنافقون ليسوا من المسلمين، ولا من اليهود. (ويحلفون على الكذب) الذي هو ~~ادعاء الإسلام. (وهم يعلمون) أنهم كاذبون فيتعمدون الكذب وهي اليمين ~~الغموس. # (أعد الله لهم عذابا شديدا ... (15) نوعا منه متفاقما. (إنهم ساء ما ~~كانوا يعملون) في الأزمنة المتطاولة، أو هو حكاية ما يقال لهم يوم القيامة. # (اتخذوا أيمانهم جنة ... (16) يستترون بها ويدفعون اطلاع المؤمنين على ~~حالهم. # (فصدوا عن سبيل الله) الذين يريدون الإسلام. يوهنون أمر الإسلام، وأنه لا ~~بقاء له. عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - جالسا في نفر من أصحابه - رضي الله عنهم - في ظل حجرة من حجره، ~~فقال: سيأتيكم الآن رجل ينظر بعين شيطان فدخل عليه عبد الله بن نبتل، فقال # PageV01P117 # له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: علام تشتمني أنت وأصحابك؟. فجاء ~~أصحابه فحلفوا أنهم لم يفعلوا. فنزلت. (فلهم عذاب مهين) لكفرهم وصدهم. ~~وقيل: الأول عذاب القبر. وهذا عذاب الآخرة. # (لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا ... (17) من عذاب الله ~~أو شيئا من الإغناء. وذلك أنهم كانوا يقولون: لنا الأموال والأولاد، إن كان ~~لقول محمد أصل، نفتدي بها يوم القيامة (أولئك أصحاب النار) الملازمون لها ~~(هم فيها خالدون) أبدا. # (يوم يبعثهم الله جميعا ... (18) مجتمعين (فيحلفون له) أنهم مؤمنون حقا. ~~(كما يحلفون لكم) في الدنيا. (ويحسبون أنهم على شيء) أن تلك الأيمان تروج ~~عنهم كما راجت في الدنيا جاهلين بعلم علام الغيوب. (ألا إنهم هم الكاذبون) ~~الغالون في الكذب. كأن من عداهم ليس بكاذب. # PageV01P118 # (استحوذ عليهم الشيطان ... (19) استولى على قلوبهم. بيان لذلك الكذب ~~المفرط. (فأنساهم ذكر الله) فلا يتأملون في صفاته ليتميز لهم ما لا يليق ~~بكبريائه. (أولئك حزب الشيطان) جنده. (ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون) ~~الكاملون في الخسران. # (إن الذين يحادون الله ورسوله ... (20) أعاده؛ ليفصل أحوالهم المجملة في ~~" كبتوا "، ويقرن بها أحوال أضدادهم المؤمنين حزب الرحمن. (أولئك في ~~الأذلين) في زمرة هم أذل خلق الله. # (كتب الله ... (21) في اللوح (لأغلبن أنا ورسلي) بالسيف والبرهان. وذكر ms045 ~~الله؛ لبيان أن الرسل عنده بمكان، كأنه معهم في المناظرة والمحاربه، (إن ~~الله قوي) ذو قدرة كاملة. (عزيز) غالب قاهر. # (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ... ~~(22) لأنه جمع بين الضدين. قال: # تود عدوي ثم تزعم أنني ... صديقك ليس النوك عنك بعازب # والمعنى: لا ينبغي الوجدان. وإنما عبر عنه به؛ مبالغة. فإن الواقع عدم ~~الانبغاء لا الوجدان، فصور بصورته؛ إبرازا بما لا يمتنع ممتنعا. (ولو كانوا ~~آباءهم أو أبناءهم أو # PageV01P119 # إخوانهم أو عشيرتهم) كما فعل أبو عبيدة بن الجراح قتل أباه يوم بدر وكان ~~أسيرا، ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما لا يليق به فضرب عنقه. ~~وأبو بكر دعا ابنه إلى البراز يوم بدر. ومصعب بن عمير قتل أخاه يوم بدر. ~~ولما استشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه - في الأسرى قال: هؤلاء رؤوس الكفار، مكني من فلان لقريب له، ومكن عليا ~~من عقيل، # PageV01P120 # وفلانا من فلان، ليعلم المشركون أن لا هوادة في قلوبنا. (أولئك كتب في ~~قلوبهم الإيمان) ألزمه فيها إلزام المكتوب في الرق. (وأيدهم بروح منه) بقوة ~~من عنده حتى اجترأوا على قتل أعزتهم. أو بنور الإيمان فإنه حياة للقلوب. ~~(أومن كان ميتا فأحييناه) وفيه دليل على أن الإيمان فعل القلب (ويدخلهم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم) قبل طاعاتهم (ورضوا ~~عنه) بما جاءهم به. (أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) أولئك هم ~~الفائزون في الدارين بالغلبة في الدنيا، والجنة في العقبى. # * * * # تمت المجادلة، والحمد لمن آلاؤه شاملة، والصلاة على سيد الزمرة الكاملة، ~~وآله وصحبه دائمة متواصلة. # * * * # PageV01P121 ### | سورة الحشر # مدنية، وآياتها أربع وعشرون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # (سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1) سبق الكلام ~~عليه. # (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم ... (2) لا أنتم. # المراد بنو النضير. وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما جاء ~~إلى ms046 المدينة، ودعاهم إلى الإيمان وأبوا، عاهدهم أن لا يكونوا لا له ولا ~~عليه، حتى قتل عمرو بن أمية رجلين من بني عامر خطأ، # PageV01P122 # فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بني النضير يستعين بهم في دية ~~الرجلين. وكان بنو عامر حلفاء بني النضير. فقالوا: نفعل ذلك يا أبا القاسم. ~~وأجلسوه في ظل جدار، وأخذوا في المشاورة وقالوا: ما نرى فرصة أحسن من هذه. ~~فانتدب عمرو بن جحاش لقتله بأن يصعد ويلقي عليه صخرة. فأتاه خبر السماء ~~بكيدهم، فكر راجعا. وكان معه أبو بكر وعمر، وعلي - رضي الله عنه -. فتجهز ~~لقتالهم وسار إليهم. وكانت لهم حصون منيعة، فتحصنوا بها على ما يفصل بعد. ~~كان بعد أحد وقيل: بعد بدر بستة أشهر. (لأول الحشر) واللام للتوقيت، مثل ~~(قدمت لحياتي) ومعنى أولية الحشر أنهم لم يكن أصابهم جلاء، وأول مجيئهم من ~~الشام إلى أرض العرب كان باختيار منهم، أو أنهم أول من أخرج من جزيرة ~~العرب، أو أن هذا أول حشر أهل الكتاب والثاني: إجلاء عمر أهل خيبر، أو آخر ~~حشرهم يوم القيامة. حاصرهم ستة أيام، ثم اتفقوا على أن لهم ما حملت الإبل ~~فأجلاهم إلى الشام، ولحق بعضهم بخيبر. وأسلم منهم رجلان يامين بن عمرو، ~~وأبو سعيد بن وهب. واستدلال عكرمة بالآية على أن # PageV01P123 # أرض الشام هي المحشر غير تام. (ما ظننتم أن يخرجوا) أيها المؤمنون لكثرة ~~عددهم وعددهم. (وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله) كان الظاهر وظنوا أن لا ~~يخرجوا. # فالعدول إلى المنزل؛ لما في تقديم الخبر ثم إسناد الجملة إلى الضمير من ~~الدلالة على أن ظنهم قارب اليقين، لا كظن المؤمنين. (فأتاهم الله من حيث لم ~~يحتسبوا) أي: بأسه. ولم يكن ذلك في حسابهم؛ لاعتمادهم على شدة بأسهم، ~~وحصانة حصونهم. (وقذف في قلوبهم الرعب) الخوف الذي يملأ الصدر. وأكده بلفظ ~~القذف الدال على القوة. # (يخربون بيوتهم بأيديهم) عن قتادة: كانوا يخربونها ليصلحوا به ما انهدم ~~من السور. أو كانوا ييفعلون ذلك لئلا يبقى للمسلمين جنة. (وأيدي المؤمنين) ~~لأنهم تسببوا ms047 لذلك. # (فاعتبروا يا أولي الأبصار) ولا تخالفوا أمر الله ورسوله؛ أولا تعتمدوا ~~على قواكم، واتكلوا # PageV01P124 # على الله في أموركم. وفيه دليل على جواز القياس فيما لا نص فيه بشرائطه ~~المعلومة في موضعه. وقرأ أبو عمرو بالتشديد وهو أبلغ؛ لدلالته على التكثير. # (ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء ... (3) الذي هو أشق. (لعذبهم في ~~الدنيا) بالقتل وسبي الذراري كما فعل ببني قريظة. (ولهم في الآخرة عذاب ~~النار) الذي القتل والجلاء عنده أهون شيء. # (ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ... (4) أي: ذلك الغضب الذي أورثهم عذاب ~~الدارين لأجل أنهم عادوا رسول الله وكذبوه. وذكرالله تعالى؛ للدلالة على أن ~~مشاقة رسوله مشاقته، ولذلك اكتفى به في قوله: (ومن يشاق الله فإن الله شديد ~~العقاب) وفيه تهديد لغيرهم. # PageV01P125 # (ما قطعتم من لينة ... (5) هي النخلة ما عدا العجوة والبرنية من اللون. ~~سميت به؛ لاشتمالها على الألوان. قلبت الواو ياء للكسرة. والجمع لين. (أو ~~تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله) لما أمر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بقطعها وتحريقها وقع في قلوب المؤمنين وسوسة. وقيل: أرسلت قريظة ~~تقول: " يا محمد كنت تنهى عن الفساد فنزلت. وفيه يقول حسان بن ثابت: # وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير # وإنما أبقوا العجوة والبرنية، لأنها أحسن (وليخزي الفاسقين) اليهود إذا ~~شاهدوا ذلك. والمعلل محذوف. أي: أذن لكم. # PageV01P126 # (وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ... (6) ~~لقرب حصونهم ولم يقع منهم قتال. الإيجاف: الإسراع. والركاب: الإبل التي ~~يسار بها. لا واحد له من لفظه. (ولكن الله يسلط رسله على من يشاء) بإلقاء ~~الرعب في قلوب عدوهم. نزلت حين طلبوا منه قسمة أموالهم كما قسم أموال ~~المشركين ببدر. (والله على كل شيء قدير) ينصر بالملائكة وبدونها. # (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ... (7) لم يدخل العاطف؛ لأنه بيان ~~الأول شامل لمال بني النضير، ولسائر أموال الفيء إلى يوم القيامة. (فلله ~~وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) هذه مصارف مال الفيء ~~وهي مصارف خمس الغنيمة. ms048 # فلما قطع عنه مطامح أنظار أهل الغزو، أمره أن يضعها هذه المواضع، فكان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأخذ من ذلك قوت سنته وأهله، ثم يصرف ~~الباقي في هذه المصارف. وكذلك فعلت الخلفاء مع أمهات المؤمنين. وذكر الله؛ ~~للتعظيم. وقيل: يصرف سهمه في عمارة الكعبة شرفها الله، ولسائر المساجد. ~~وذهب الشافعى إلى أن المصروف في هذه المصارف في زمانه كان أربعة أخماس ~~الخمس، وأما الأخماس الأربعة مضافا إليها خمس الخمس، كانت خالصة رسول الله ~~يأخذ منه نفقة أهله، ويصرف الباقي إلى الكراع والسلاح، وهي الآن تصرف # PageV01P127 # إلى المرتزقة. واستدل بحديث رواه البخاري عن عمر بن الخطاب. (كي لا يكون ~~دولة بين الأغنياء منكم) أي: إنما بينا مصارف الفيء؛ كيلا يكون جدا وحظا ~~بين الأغنياء يتكاثرون به. والدولة: ما يدول مع الإنسان من الحظ أي: يدور. ~~فعلة بمعنى الفاعل. أو كي لا يكون دولة جاهلية. وكان أهل الشوكة يختصون بها ~~ويقولون: " من عز بز "، أو بمعنى المفعول. أي: يتداولونه ويتعاورونه، ~~كالغرفة لما يغترف، وقرأ هشام في أحد الوجهين # PageV01P128 # بتأنيث الفعل، ونصب (دولة)، على أن كان ناقصة. (وما آتاكم الرسول فخذوه ~~وما نهاكم عنه فانتهوا) لا تخالفوه في شيء، ولا تتوهموا في أفعاله وأقواله ~~غير الحق. (واتقوا الله) بطاعة رسوله. (إن الله شديد العقاب) حقيق بأن ~~يتقى. # (للفقراء المهاجرين ... (8) بدل من ذوي القربى بإعادة الجار لا من الرسول ~~وما عطف عليه، لخروجه عنهم بقوله: (وينصرون الله ورسوله) ولكونه أجل من أن ~~يطلق عليه اسم الفقير، ولأن المبدل في حكم السقوط وذلك مخل بتعظيم الله؛ ~~لأن الاسم الأعظم وإن كان مذكورا توطئة وتمهيدا إلا أنه لا يليق أن يقال ~~أنه في حكم السقوط. ألا يرى أنه لا يقال له علامة لمكان التاء؟ (الذين ~~أخرجوا من ديارهم وأموالهم) استولى عليها المشركون. # (يبتغون فضلا من الله) الجنة. (ورضوانا) ورضاه. حال مقيدة. (وينصرون الله ~~ورسوله) دينهما، (أولئك هم الصادقون) في دعوى الإيمان؛ لتنور دعواهم ~~بالبرهان. # (والذين تبوءوا الدار والإيمان ... (9) هم الأنصار عطف على المهاجريين. ~~أي: ms049 دار الهجرة ودار الإيمان. فاللام في الأول يغني غناء الإضافة وحذف ~~المضاف من الثاني. # أو أخلصوا الإيمان كقوله: # علفتها تبنا وماء باردا # PageV01P129 # أو جعل الإيمان مستقرا ومتوطنا على أنه استعارة مكنية. وهنا أبلغ الوجوه. # وإطلاق بها الدار حينئذ؛ للتنويه كأنها الدار التي يحق لها أن تسمى دارا. ~~(من قبلهم) من قبل هجرة المهاجرين. وقيل: سبقوا المهاجرين بالتبوء ~~والإيمان. إذ سبق الأنصار بالإيمان على كل من هاجر غير مسلم. ولا يستقيم ~~إلا بتقدير الإضافة. (يحبون من هاجر إليهم) ولا يعدونه كلا. قال سعد بن ~~الربيع لعبد الرحمن بن عوف - وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آخى ~~بينهما كما آخى بين المهاجرين والأنصار -: أشاطرك مالي، وانظر أي زوجي ~~أعجبتك، أطلقها فتزوجها. (ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا) مما أعطي ~~المهاجرون. وذلك أن # PageV01P130 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يعط من مال بني النضير الأنصار ~~شيئا، إلا أبا دجانة وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة. وقد بالغ في مدحهم ~~حيث نكر الحاجة وذكر الصدر والوجدان. أي: لم يخطر بخاطرهم ما يسمى حاجة، ~~فضلا عن توجة النفس إلى طلبها، ولذا أوثر الوجدان دون العلم. (ويؤثرون على ~~أنفسهم) أي: يختارون المحتاج على أنفسهم بمالهم، فكيف يطمح إلى شيء ليس ~~لهم؟! (ولو كان بهم خصاصة) فقر وحاجة. من خصاص الأثافي: الفرج بيها ~~أحجارها. روى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: " جاء رجل إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وقد أصابه الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد ~~شيئا، فقال: " ألا رجل يضيف هذا؟ فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول ~~الله، فذهب به، فقالت امرأته: ما أجد إلا قوت الصبية. قال: نومي الصبية ~~وقدمي الطعام، ثم قومي كأنك تصلحين السراج فأطفئيه ليأكل وحده، فإنه ضيف ~~رسول الله، ففعلت. فلما أصبح جاء إلى رسول الله فقال: لقد عجب الله منك. ~~فنزلت (ومن يوق شح نفسه) " الشح: البخل مع الحرص. وأضافه إلى النفس، # PageV01P131 # لأنه غريزتها. أي: ومن تحفظ عن هذه الرذيلة (فأولئك هم ms050 المفلحون) ~~الفائزون بالثناء من الله عاجلا والثواب آجلا. والأنصار داخلون أول دخول. # (والذين جاءوا من بعدهم ... (10) أي: من بعد الفريقين، وهم الذين اتبعوهم ~~بإحسان إلى يوم الدين. وقيل: الذين هاجروا بعد السابقين الأولين. وفيه أنه ~~لا يستوعب مستحق الفيء. ويرده قوله: (يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالإيمان)؛ لأن اللاحق هجرة يجوز أن يكون أسبق إيمانا، (ولا تجعل في ~~قلوبنا غلا للذين آمنوا) غشا وحقدا. من الغلل: وهو الماء بين الأشجار. وعن ~~مالك: أن ساب السلف، لا يستحق من الفيء شيئا، لعدم اتصافه بما في الآية. ~~(ربنا إنك رءوف رحيم) حقيق بإجابة دعائنا. # PageV01P132 # (ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب ... ~~(11) ابن أبي رأس المنافقين ومن تبعه. دسوا إلى أهل الكتاب بما أخبر الله ~~به رسوله. والمراد بالأخوة توادهم واتفاقهم في الكفر فلا ينافيه قوله: (ما ~~هم منكم ولا منهم) (لئن أخرجتم) من دياركم (لنخرجن معكم) إذ لا عيش لنا ~~بدونكم. (ولا نطيع فيكم) في قتالكم (أحدا أبدا) محمدا وغيره (وإن قوتلتم ~~لننصرنكم) لا محالة (والله يشهد إنهم لكاذبون) في كل ما قالوه. ثم رد ~~مقالتهم مفصلة بقوله: # (لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ... ~~(12) فرضا وتقديرا (ليولن الأدبار) انهزاما (ثم لا ينصرون) أي: المنافقون ~~بل يقتلون لظهور نفاقهم. وقيل: الضمير لليهود، وليس بوجه؛ لأن سوق الكلام ~~لذم المنافقين. # (لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ... (13) أي: مرهوبية، والمعنى: ~~يخافونكم في السر أكثر من تخوفهم من الله. أو من إظهارهم الخوف من الله لكم ~~إذ لم يكن لهم خوف من الله. (ذلك بأنهم قوم لا يفقهون) عظمة الله، ليعلموا ~~أنه الحقيق بأن يخاف. # (لا يقاتلونكم جميعا ... (14) المنافقون واليهود (إلا في قرى محصنة)، ~~لضعف قلوبهم، واستيلاء الجبن عليها، (أو من وراء جدر) جمع جدار. كحمر ~~وحمار. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو جدار مفردا؛ لقصد الجنس، أو إرادة السور ~~الجامع. والجمع أظهر وأوفق بالقرى (بأسهم بينهم شديد) إذا تقاتلوا، وأما ~~إذا حاربوا الله ms051 ورسوله " أجبن من صافر " # PageV01P133 # (تحسبهم جميعا) ذوي إلف واتحاد ظاهرا (وقلوبهم شتى) جمع شتيت: متفرقة. ~~هؤلاء عبدة الأصنام، وأولئك أهل الكتاب. (ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) أن تشتت ~~القلوب والآراء مما يورث الفشل والوهن. # (كمثل الذين من قبلهم ... (15) أي: مثل اليهود في محاربة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كمثل المشركين يوم بدر. وعن ابن عباس: بنو قينقاع أجلاهم ~~رسول الله قبل هؤلاء (قريبا) أي: في زمان قريب. وانتصابه على الحال أي: وجد ~~مثل هؤلاء مثل وجود مثل أولئك قريبا لم ينطمس بعد أثره، فكان لهم عبرة ~~فيهم. (ذاقوا وبال أمرهم) بيان للمشبه به يقرره، وفيه زيادة تجهيل لليهود. ~~الوبال: سوء العاقبة، من قولهم: مرعى وبيل أي: وخيم. (ولهم عذاب أليم) في ~~الآخرة (كمثل الشيطان ... (16) لما مثل حال اليهود بحال أهل بدر مثل ~~المنافقين بحال الشيطان يوم بدر، جاءهم في صورة سراقة سيد # PageV01P134 # كنانة وقال للمشركين: (إني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه) ~~هاربا (وقال إني بريء منكم) (إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء ~~منك إني أخاف الله رب العالمين) والمراد بالإنسان الجنس، أو كفار قريش. ~~وقيل: راهب حمله على الفجور بامرأة، وله قصة يرويها القصاص. # (فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها ... (17) نصب على الحال، ~~والظرف خبر كان، وفيها تأكيد. (وذلك جزاء الظالمين). كل كامل في الظلم وهم ~~الكفار. # (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد ... (18) يوم ~~القيامة. سماه غدا؛ لقربه، أو لأن اليوم يومان، وتنكيره، لاستقلال الأنفس ~~النواظر كأنه قال: ولتنظر نفس واحدة، أو للتعظيم وهي النفس المطئمنة كأنه ~~قال: ولتنظر النفس التي لها قدر. وأما جعله # PageV01P135 # من قبيل علمت نفس يأباه المقام؛ لأن سوق الكلام لبيان استيلاء الغفلة ~~والقسوة على الإنسان. وتنكير (لغد) للتعظيم. أي: غد وأي غد. (واتقوا الله) ~~أعاده، لأن الأول فيما قدم من الأعمال، وهذا جاري مجرى الوعيد؛ ولذا عقبه ~~بقوله: (إن الله خبير بما تعملون) وفي مجيئهما مطلقين من الفخامة ما لا ~~يخفى. # (ولا ms052 تكونوا كالذين نسوا الله ... (19) نسوا حقه. (فأنساهم أنفسهم) حيث ~~لم يرشدهم إلى طريق الهدى. أو أراهم يوم القيامة ما نسوا أنفسهم، (أولئك هم ~~الفاسقون) الكاملون في الفسق. # (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة ... (20) كأن الناس لاستيلاء الغفلة ~~عليهم لم يفرقوا بين الفريقين فاحتاجوا إلى الإعلام كقوله: (وما يستوي ~~الأعمى والبصير) واستدل الشافعي بالآية على أن المسلم لا يقتل بالذمي، وذلك ~~لأنه لما نهى المؤمنين أن # PageV01P136 # يكونوا كالذين نسوا الله، أشار إلى عدم مساواة الحزبين في أحكام الدارين، ~~وإن كان الملحوظ بالقصد الأول أحكام الآخرة؛ ولذلك عقبه بقوله: (أصحاب ~~الجنة هم الفائزون) بما لم يخطر على قلب بشر. # (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ... ~~(21) تمثيل وتصوير لزواجر القرآن وما فيه من الوعيد والآيات الدالة على شدة ~~سخطه على من كفر أن لو كان في الجبل فهم وكان هو المكلف والمخاطب لتكسر ~~وتفرقت أجزاؤه من الخوف. (وتلك الأمثال) هذا المثل ونظائره (نضربها للناس ~~لعلهم يتفكرون) وفيه من الدلالة على قسوة قلبه وعدم تدبره ما لا يخفى. # (هو الله الذي لا إله إلا هو ... (22) لما أثنى على القرآن وأعلى شأنه ~~بما لا مزيد عليه أقام البرهان على ذلك بأنه كلام من هذه أوصافه ونعوته. ~~(عالم الغيب والشهادة) ما غاب عن الضمير وما شاهدوه، أو الموجود والمعدوم، ~~أو الدنيا والآخرة، أو السر والعلن. (هو الرحمن الرحيم * هو الله الذي لا ~~إله إلا هو الملك القدوس ... (23) السلطان المنزه عن وصمة النقص والزوال ~~واختلال ملكه كسائر الملوك. (السلام) ذو السلامة عن الآفات كأنه عينها. ~~(المؤمن) الجاعل غيره آمنا. (المهيمن) الرقيب الحفيظ. من الأمن إلا أنه ~~أبلغ منه. وهاؤه منقبلة من الهمزة. وقيل: من الأمانة؛ لأن الأمين هو ~~الحافظ. # PageV01P137 # (العزيز) الغالب. (الجبار) الذي جبر الخلق على ما أراد، أو كثير الجبر ~~للمنكسرين ما كسر إلا وجبر. (المتكبر) البليغ الكبرياء كلت العقول عن إدراك ~~ذاته. (سبحان الله عما يشركون) ليس كمثله شيء. فكيف يكون له شريك؟. # (هو الله الخالق ... (24) المقدر للأشياء على ms053 وفق حكمته. (البارئ) الموجد ~~لها بريئة عما لا يريده بل جاءت كما أراد. (المصور) المفيض للصور والأشكال ~~على المواد القابلة. (له الأسماء الحسنى) الدالة على صفات الجلال ونعوت ~~الكمال، وهذه نبذة منها: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: " أن لله تسعة ~~وتسعين اسما، من حفظها دخل الجنة " وقيل: إنما يسلط على الكافر في قبره ~~تسعة وتسعون تنينا؛ لأنه لم يعرف الله بهذه الأسماء، ولم يؤمن بها. (يسبح ~~له ما في السماوات والأرض) من الأجزاء والجزئيات (وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده). (وهو العزيز) الغالب. (الحكيم) المتقن في صنعه. فذلكة للسورة، ~~ورمزا إلى جلاء اليهود وإيراث أموالهم لرسول الله والمؤمنين. روى الإمام ~~أحمد بن حنبل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من قال حين يصبح أعوذ ~~بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ثلاث مرات، ثم قرأ # PageV01P138 # ثلاث آيات من آخر الحشر، وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه إلى أن ~~يمسي، وإن مات في يومه مات شهيدا ". # * * * # تمت سورة الحشر، والحمد لله الرءوف البر، والصلاة على المؤيد بالعز ~~والنصر، وآله وصحبه إلى آخر الدهر. # * * * # PageV01P139 ### | سورة الممتحنة # مدنية، وآياتها ثلاث عشرة # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ... (1) وكان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - هادن قريشا سنة الحديبية، ثم نقضوا العهد، ~~فأراد أن يغزوهم، وكان وقت الفتح الموعود. فقال: اللهم أعم عن المشركين ~~شأننا، فكتب حاطب بن أبى بلتعة - وهو رجل من المهاجرين ولم يكن من قريش، بل ~~كان حليفا لعثمان - رضي الله عنه - وكان قد تخلف عنه أهله وماله - كتابا ~~إلى أهل مكة يخبرهم بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقصدهم، وأعطاه ~~لعجوز من عجز مزينة. وقيل: لسارة مولاة أبي المطلب. فلما توجهت أخبر ~~جبرائيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشأنها، فأرسل # PageV01P140 # عليا - رضي الله عنه - والزبير وأبا مرثد والمقداد بن الأسود. وقال: ~~إيتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب خذوه منها. قال علي - رضي الله ~~عنه -: فذهبنا تعادى ms054 بنا خيلنا فأدركناها فقالت: ليس معي كتاب. فقلت: ما ~~كذب رسول الله لتخرجن الكتاب أو لأجردنك، فأخرجته من حجزتها وكانت محتجزة ~~بكساء وفى رواية أخرجته من عقاصها. فأتوا به رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فطلب حاطبا وقال: ما هذا الكتاب؟ قال: يا رسول الله لا تعجل، فوالله ~~منذ أسلمت ما ازددت إلا إيمانا، ولكن كان من هاجر من أصحابك لهم قرابات ~~يحمون بها أهليهم، وكنت لصيقا فيهم، فأردت إذ فاتني ذلك أن أصطنع يدا عندهم ~~يحمون بها أهليهم قرابتي. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قد صدقكم ~~فلا تقولوا له إلا خيرا، فقال عمر: يا رسول الله، منافق دعني # PageV01P141 # أضرب عنقه، فقال: يا عمر وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر وقال: ~~افعلوا ولا حرج قد غفرت لكم. ففاضت عينا عمر فنزلت. والعدو: فعول من عداه ~~جاوزه، ولكونه على زنة المصدر كالقبول يطلق على الجمع. وفي تقديم (عدوي)، ~~إشارة إلى أنه المهم، وإن فرض أن لم يكن عدوا لهم. (تلقون إليهم بالمودة) ~~حال من فاعل (لا تتخذوا)، أو صفة (أولياء). جرت على غير من هي له من دون ~~الإبراز؛ لكونها فعلا أو استئنافا. والباء مزيدة للتوكيد، كما في (ولا ~~تلقوا بأيديكم)، أو للسببية والمفعول محذوف أي: أخبار رسول الله بسبب ~~المودة. (وقد كفروا بما جاءكم من الحق). حال من فاعل (تلقون) إن جعل ~~مستأنفا، وإلا جاز أن يكون منه أو من فاعل (لا تتخذوا). (يخرجون الرسول ~~وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم) استئناف جار مجرى التفسير كأنه قيل: كيف ~~كفروا؟ فقيل: كفروا أسد الكفر لإخراجهم الرسول والمؤمنين لإيمانهم بالله ~~مولاهم خاصة لا لغرض آخر. وهذا أملأ فائدة من جعله حالا من فاعل كفروا. (إن ~~كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي) حذف جواب الشرط؛ لدلالة ما قبله ~~عليه. (تسرون إليهم بالمودة) جواب لسؤال مقدر كأنه قيل: ماذا فعلوا حتى ~~عوتبوا بما عوتبوا؟. ولذلك أوثر إن على إذا. ويجوز إبداله من " تلقون ". و ~~" الباء " فيه كما في تلقون. ms055 (وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم) منكم وأطلع ~~رسولي عليه. فأي فائدة في الإسرار بعد علمكم بهذا وإيمانكم به. (ومن يفعله ~~منكم فقد ضل سواء السبيل) الطريق القويم. # (إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ... (2) إن يظفروا بكم يظهر لكم منهم نتيجة ~~العداوة، من الإضرار بما يمكنهم. (ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء) ~~بالقتل والشتم. # PageV01P142 # جار مجرى تفسير العداوة. (وودوا لو تكفرون) يردونكم كفارا. وإيثار الماضي ~~هنا؛ -وإن كان الماضي والمضارع لا يتفاوتان بعد وقوعهما جزاء الشرط- ~~للإشارة إلى أن ودادتهم لكفر المؤمنين أهم؛ لانحسام مادة العداوة وارتفاع ~~المشاقة حينئذ. والمراد: ودادة مقارنة للقدرة على ردهم كفارا. فلا يرد أن ~~ودادتهم مستمرة، فلا يفيد التقييد بالشرط ليوثر العطف على الشرطية لا ~~الجزاء كما في (ثم لا ينصرون) في سورة الحشر. # (لن تنفعكم أرحامكم ... (3) قراباتكم، (ولا أولادكم) الذين توالون الكفار ~~لأجلهم. خطأهم أولا في موالاتهم من هو خالص العداوة لهم، ثم في من يوالون ~~لأجله، ثم بين وجه ذلك بقوله: (يوم القيامة يفصل بينكم) يفرق بينكم (يوم ~~يفر المرء من أخيه (34) وأمه وأبيه). فأي فائدة في موالاة أعداء الله لمن ~~لا بقاء ولا نفع في وده. قرأ غير عاصم بضم الياء وكسر الصاد، ويشدده حمزة ~~والكسائي وابن عامر، وهو أبلغ وأوفق بالمقام. (والله بما تعملون بصير) ~~ومشاهد له. # (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ... (4) الأسوة: اسم لما ~~يؤتسى به، كالقدوة لفظا ومعنى. كسر همزته غير عاصم. (إذ قالوا لقومهم) ظرف ~~لخبر كان وهو لكم. (إنا برءاء منكم) جمع بريء، كظرفاء جمع ظريف. (ومما ~~تعبدون من دون الله # PageV01P143 # (كفرنا بكم) أي: بكل شيء يلتبسون به مما يدان به. والكلام على المشاكلة ~~والتهكم إذ الكفر إنما يكون بالحق وما أتى به الرسل. (وبدا بيننا وبينكم ~~العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده) فحينئذ تنقلب العداوة ~~موالاة، والبغضاء حبا. (إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك) مستثنى من أسوة ~~حسنة؛ لأنها عبارة عن قولهم: (إنا برآء) إلى آخره. # (وما أملك لك من الله من شيء) هذا ms056 وإن صح أن يكون من الأسوة لكونه كلاما ~~حقا إلا أنه جعله تابعا للاستغفار؛ مبالغة في تحقيق الوعد. كأنه قال: أبذل ~~جهدي ولو ملكت غير الاستغفار لفعلته. (ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك ~~المصير) كلام مستأنف. التجاء إلى الله بعد إظهار العداوة والتبرء عنهم في ~~كفاية شرهم. أو تعليم من الله للصحابة بعد النهي عن موالاة الكفار، والأمر ~~بالاقتداء إبراهيم عليه السلام؛ تتميما للوصية. كقوله: (انتهوا خيرا لكم). # (ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ... (5) محل فتنة بأن تسلطهم علينا ~~فيفسدوا علينا ديننا. (واغفر لنا) ما فرط. (ربنا إنك أنت العزيز الحكيم) ~~حقيق بإجابة الدعاء وتحقيق رجاء المتوكلين. # (لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة ... (6) كرره؛ مبالغة في الحث على الايتساء؛ ~~ولهذا أكده بما هو غاية في التوكيد وهو القسم. وأبدل عن قوله (لكم) (لمن ~~كان يرجو الله واليوم الآخر)؛ إشارة إلى أن من توقف ليس بمؤمن بالآخرة، ~~وعقبه بقوله: (ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد) فلا يضره توليه بل ضر ~~نفسه. # (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ... (7) توكيد ~~للأمر بالتصلب، وتهوين عليهم بأن ذلك عن قريب سينقلب مودة وسببا لسعادة ~~أولئك بدخولهم في # PageV01P144 # الإيمان، عكس ما كانوا يودونه من كفر المؤمنين. ويظهر أن (حزب الله هم ~~الغالبون). ولفظ عسى على دأب الملوك في المواعد التي لا يخلفون في إنجازها. ~~(والله قدير) على ذلك. (والله غفور) لما فرط من موالاتكم سابقا. (رحيم) ~~يجمع بينكم في الإيمان عن قريب. # (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ~~... (8) كالنساء والضعفه (أن تبروهم) بدل من (الذين) بتقدير مضاف أي: مبرة ~~الذين، (وتقسطوا إليهم) تعاملوهم بالعدل فيما بينكم من الحقوق (إن الله يحب ~~المقسطين). روى البخاري ومسلم: " عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: يا رسول ~~الله أمي قدمت وهي راغبة، أفأصلها؟. قال: نعم صلي أمك. وأرسل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - لعمر حلة من حرير، فكساها أخا مشركا له بمكة ". # (إنما ينهاكم الله عن ms057 الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا ~~على إخراجكم ... (9) سعى بعضهم في الإخراج، وعاون عليه البعض. (أن تولوهم) ~~بدل اشتمال من (الذين). (ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) الكاملون في ~~الظلم. إذ لا عذر له بعد هذا البيان. # (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ... (10) عن ~~ابن عباس - رضي الله عنهما -: كان الامتحان أن تقول: " لا إله إلا الله ~~محمد رسول الله "، ثم تقول: بالله ما # PageV01P145 # خرجت من بغض زوجها، ولا رغبة في أرض عن أرض، بل حبا لله ولرسوله، وكان ~~الذي يتولى الامتحان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. (الله أعلم بإيمانهن) ~~منكم، وإنما أمركم بالامتحان؛ لإجراء الحكم وعدم اللبس. (فإن علمتموهن ~~مؤمنات) بالأمارات. أراد الظن، وإطلاق العلم عليه شائع، وفائدته الإمعان في ~~الامتحان. (فلا ترجعوهن إلى الكفار) لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~شرط في صلح الحديبية أن من جاء مسلما يرده إليهم، فجاءت نساء مؤمنات وهو ~~بأسفل الحديبية على ما رواه الزهري فنزلت، فكانت ناسخة للسنة. وقيل: كان ~~ذلك منه # PageV01P146 # اجتهادا، واجتهاده الخطأ لا يقرر. وعن عروة والضحاك أن الشرط كان في ~~الرجال خاصة، (لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن) أي: الحل مرتفع من الجانبين، ~~لا كالكتابية # PageV01P147 # مع المسلم. (وآتوهم ما أنفقوا) ما دفعوا إليهن من المهور. وكان هذا ~~مخصوصا بتلك الواقعة في المهاجرات، وبعد الفتح لا هجرة فانتهى الحكم ~~بانتفاء سببه. (ولا جناح عليكم أن تنكحوهن) المهاجرات؛ لوقوع البينونة وعدم ~~حلهن لأزواجهن. (إذا آتيتموهن أجورهن) مهورهن؛ لأن المهر أجر البضع. وإنما ~~تعرض له، لئلا يظن أن ما أعطى الأزواج بدل ما أنفقوا يغني عن المهر. وبه ~~استدل أبو حنيفة رحمه الله على أن من أسلمت من الحربيات، وتخلف زوجها في ~~دار الحرب وقعت الفرقة ولا عدة. وأجاب الشافعي رحمه الله بأن عدم التعرض ~~للعدة ليس تعرضا لعدمها، وعدم العدة يؤدى إلى اختلاط المائين. (ولا تمسكوا ~~بعصم الكوافر) اللاتي تخلفن في دار الكفر. جمع عصمة وهي النكاح. يقال: هي ~~في عصمة الزوج، ms058 أي: في نكاحه. عن المسور بن مخرمة أن عمر طلق يومئذ قريبة ~~بنت أبي أمية، # PageV01P148 # فتزوجها معاوية، وأم كلثوم بنت عمرو فتزوجها أبو جهم. (واسألوا ما ~~أنفقتم) من مهور المشركات. (وليسألوا ما أنفقوا) من مهور المهاجرات. أعاده؛ ~~توكيدا لئلا يتهاون به من حيث إنهم مشركون؛ ولذلك أمرهم بالسؤال فإنه حق من ~~حقوقهم. # (ذلكم حكم الله) أي: ما ذكر (يحكم بينكم) مستأنف أو حال (والله عليم) ~~بأحوال العباد (حكيم) فيما شرع. # (وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار ... (11) راجعة عن الإسلام. كان في ~~صلح الحديبية أن من في هب إليهم لا يردونه. قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. " من جاءكم منا سحقا له "، ولذلك نكر الشيء استهانة بالراجعة. ~~وقيل: لزيادة العموم. (فعاقبتم) جاءت عقبتكم أي: نوبتكم. (فآتوا الذين ذهبت ~~أزواجهم مثل ما أنفقوا) عن الزهري أن المؤمنين لما # PageV01P149 # سألوا ما أنفقوا أبى المشركون، فكان الحكم أن ما كان يعطى زوج المهاجرة ~~من المهر يعطى زوج المرتدة. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -: " فعاقبتم " ~~غنمتم. أمروا بأن يعطوا زوج الراجعة ما أنفق من الغنيمة. وهو الوجه. ~~(واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون) فإن الإيمان حامل على التقوى. # (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ~~... (12) من الأشياء. (ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن) كما كانت ~~الوالدات يفعلن ذلك. # (ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن) كانت إحداهن تلتقط لقيطا ~~وتقول لزوجها ولدته منك. وما (بين أيديهن وأرجلهن) البطن والفرج. (ولا ~~يعصينك في معروف) هذا القيد -مع أن أمره لا يكون إلا بمعروف-؛ للدلالة على ~~أن " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق "، ولو فرض أن يكون أنت. (فبايعهن) ~~على هذه الشرائط. روى البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: " خطب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفطر ثم شق الرجال وأتى النساء، فقرأ ~~عليهن هذه الآية، ثم قال: أنتن على ذلك؟ فأجابته واحدة ثم قال: تصدقن. ~~فشرعن يلقين بالخواتم والأقراط في ثوب بلال " وعن أم ms059 عطية لما قال: " (ولا ~~يعصينك في معروف) " # PageV01P150 # قالت امرأة: إن فلانة أسعدتني تريد النياحة وإنما أريد أن أحزنها. فذهبت ~~ثم عادت فبايعت "، وعن عائشة رضي الله عنها: " والله ما مست يده يد امرأة ~~قط، وإنما بايعهن بهذه الآية " (واستغفر لهن الله) سالف ذنوبهن (إن الله ~~غفور رحيم). (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم ... (13) ~~روي أن بعض فقراء المؤمنين كانوا يوالون اليهود لعلهم يصيبوا منهم بعض ~~ثمار. (قد يئسوا من الآخرة) لعنادهم نبوة محمد عليه السلام مع علمهم أنه ~~الموعود في التوراة. (كما يئس الكفار من أصحاب القبور) من بيان، أي: كما ~~يئس من مات على الكفر من رحمة الله، أو كما يئس الكفار من الموتى لعدم ~~اعتقادهم الحشر. # * * * # تمت سورة الامتحان، ولله المن والإحسان، والصلاة على المبعوث من عدنان، ~~وعلى آله وصحبه إلى انصرام الزمان. # * * * # PageV01P151 ### | سورة الصف # مدنية، وآيها أربع عشرة # بسم الله الرحمن الرحيم # (سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1) يا أيها ~~الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (2) الاستفهام للإنكار. ولما صار الجار ~~والمجرور لشدة الاتصال كشيء واحد حذف منه الألف. مثله: عم، وبم. ويوقف عليه ~~بالإسكان، وبهاء السكت. عن مقاتل: تمنوا أحب الأعمال فنزلت: (إن الله يحب ~~الذين يقاتلون في سبيله صفا). فلما ولوا يوم أحد عوتبوا بهذه الآية. # وعن قتادة: كانوا يقولون قتلنا ضربنا، ولم يكونوا فعلوا ذلك. روي أن ~~صهيبا قتل كافرا شديد النكاية في المسلمين، ورآه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، فانتحل آخر قتله، فقال عمر: ذلك # PageV01P152 # لصهيب فقال إنما قتلته لله. ويشمل كل قول خالف الفعل. وبه استدل مالك على ~~أن الوعد ملزم، وحمله الجمهور على أمر الآخرة. # (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (3) بالغ في تهجينه لما في ~~كبر من معنى التعجب. المراد منه تعظيم الجناية، وإسناده إلى القول أولا، ثم ~~تمييزه بالمقت، وتقديمه، وجعله عند الله، مع كون المقت أشد البغض. # PageV01P153 # (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله ms060 صفا ... (4) صافين، فإنه أهيب في ~~عين العدو، وأشد تقوية لقلب المقاتل. (كأنهم بنيان مرصوص) محكم، من الرصاص ~~وهو الآنك. حال من المستكن في الحال. # (وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني ... (5) أي: اذكر للمؤمنين ذلك ~~الوقت. # (وقد تعلمون أني رسول الله إليكم) والذنب مع العلم أشد. (فلما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم) صرفها عنه (والله لا يهدي القوم الفاسقين) لا يوفقهم؛ لأنهم ~~أهل الرين الذين خلقوا للنار. # (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل ... (6) لم يقل يا قوم؛ تذكيرا ~~لهم بأنهم أولاد إسرائيل الذي وصى بنيه أن لا يعبدوا إلا الله، لا أنهم ~~ليسوا من قومه لأنه لا نسب له فيهم؛ لدخوله في ذرية إسرائيل كما تقدم في ~~الأنعام. (إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول ~~يأتي من بعدي) أي: أنا على ما عليه سائر الرسل من تقدم ومن تأخر. هذا كقول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (ما كنت بدعا من الرسل). وانتصاب (مصدقا) ~~و (ومبشرا) على الحال، والعامل فيه معنى الرسالة في [(رسولا)] لا في ~~(إليكم)؛ لأن حروف الجر إذا وقعت صلة ليس فيها معنى الفعل. (اسمه أحمد) ~~قيل: كذا مكتوبا في الإنجيل. ولعل ذلك؛ لما فيه من الإشارة إلى أنه أكمل ~~الرسل. روى البخاري عن جبير بن مطعم عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: " إن لي أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد ". # PageV01P154 # وعن أبي إسحاق: " أنا دعوة إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي ". (فلما جاءهم ~~بالبينات) كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص. (قالوا هذا سحر مبين) أي: ~~ما جاء به، أو عيسى؛ مبالغة، ويؤيده قراءة حمزة والكسائي (ساحر)، والرسم ~~على الأول. # (ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام ... (7) أي: لا ~~أحد أظلم منه إذ لا جناية فوقه، مع عدم العذر وزوال الاشتباه. (والله لا ~~يهدي القوم الظالمين) الكاملين في الظلم. # (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ... (8) هم اليهود والذين حرفوا الكلم ~~وبدلوا نعته. مثل حالهم بمن يريد ms061 إطفاء نور الشمس بنفخ ينفخه في الهواء، ~~والأصل (يريدون أن يطفئوا) كما في سورة براءة. وإنما جيء باللام، توكيدا ~~للإرادة لما في اللام من معناها. # PageV01P155 # (والله متم نوره) لا محالة. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر ~~منونا ناصبا ما بعده. (ولو كره الكافرون) الساترون نعمة الله. # (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ... (9) الذي لا يتطرقه نسخ ولا ~~تبديل. (ليظهره على الدين كله) إذ لم يأت أحد بما جاء به. وضع الإصر ~~والأغلال بالحنيفية السمحاء. ولو كان موسى بن عمران حيا لما وسعه إلا ~~اتباعه. (ولو كره المشركون) عباد الأوثان، واليهود القائلون عزير ابن الله، ~~والنصارى المثلثون. # (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم (10) قرأ ~~ابن عامر بتشديد الجيم وهو أبلغ. # (تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ... (11) ~~استئناف. كأنهم قالوا: كيف نعمل قال: تؤمنون. وإيثاره على آمنوا؛ مبالغة في ~~الحث عليه. كأنهم امتثلوا فهو يخبر عنهم. وهذا سبيل كل دعاء أتى بصيغه ~~الإخبار. (ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) أنه خير لكم. أي: لو علمتم لسعيتم ~~في تحصيله ببذل الأموال والأنفس. # (يغفر لكم ذنوبكم ... (12) ما بينكم وبينه. جزم جوابا للأمر المدلول عليه ~~بلفظ الخبر، أو شرط مقدر أي: أن تؤمنوا، أو استفهام أي: هل تتجرون بالإيمان ~~يغفر لكم (ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن) ~~(ذلك) المذكور (الفوز العظيم) الذي لا يحيط به الوصف. # (وأخرى تحبونها ... (13) أي: ولكم النعمة الأخرى الدنية بالنسبة إلى ~~الأولى، وفي الوصف بالمحبة بعد الدلالة على أنها دون الأولى نوع تعيير لهم. ~~وفي إيثار الاسمية مع العطف # PageV01P156 # على الفعلية وهي (يغفر لكم)؛ دلالة على أن هذه الدنية أمكن في نفوسهم وهي ~~إليها أميل. (نصر من الله) بدل، أو بيان. (وفتح قريب) فتح مكة. وعن الحسن: ~~فارس والروم. # (وبشر المؤمنين) عطف على (تؤمنون)؛ لأنه بمعنى آمنوا، وما في البين ليس ~~بأجنبي، كأنهم قالوا: دلنا يا رب على تلك التجارة، فقال: آمنوا وبشر أنت ms062 يا ~~محمد. وفيه تنويع الخطاب وإيقاع المظهر موقع المضمر فهو إملاء فائدة من ~~تقدير " فأبشر يا محمد، وبشر. والعطف على " قل " مقدرا، والقول بأن ذاك ~~إنما يحسن إذا أعيد حرف النداء لا سند له، ولو سلم فلعدم تعين المخاطب ~~بدونه وأما إذا تعين فذكره وطيه سيان. # (يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله ... (14) أنصار دينه. (كما قال ~~عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله) من جندي متوجها إلى نصرة ~~دينه. قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو (أنصارا) منونا، والمعنى: كونوا من ~~جملة من ينصر الله، والإضافة أقوى معنى وأخف لفظا، ولذلك اتفقوا عليه في آل ~~عمران. (قال الحواريون نحن أنصار الله) الإضافة الأولى إضافة أحد ~~المتشاركين، والثانية إضافة الفاعل إلى المفعول، والتشبيه بحسب المعنى. أي: ~~قل لهم كقول عيسى، أو كونوا أيها المؤمنون أنصار الله كالحواريين وقت قول ~~عيسى عليه السلام. كانوا اثني عشر رجلا قصارين يقصرون الثياب؛ ولذا قيل لهم ~~حواريون. وعنه - صلى الله عليه وسلم - " لكل نبي حواري، وحواري الزبير " ~~(فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة) بعيسى. (فأيدنا الذين آمنوا على ~~عدوهم) على الكافرين. وإيثار لفظ العدو؛ لإشعاره [بالتشفي]. (فأصبحوا ~~ظاهرين) غالبين بالسيف والحجة غلبة لا خفاء بها. # * * * # PageV01P157 # تمت السورة. والحمد لمن آلاؤه منثورة، والصلاة على من سيره مشكورة، وآله ~~وصحبه الذين آثارهم مشهورة. # * * * # PageV01P158 ### | سورة الجمعة # مدنية، وهي [إحدى عشرة آية] # بسم الله الرحمن الرحيم # (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس ... (1) البليغ ~~التنزه عن وصمة النقص والشين، (العزيز الحكيم) الغالب، البالغ حكمته، توطئة ~~لقوله: # (هو الذي بعث في الأميين رسولا ... (2) لفرط احتياجهم إليه؛ لأنهم لا ~~يكتبون ولا يقرؤون (منهم) يعرفون صدقه وأمانته؛ ولكونه أشفق بهم وأرفق. ~~(يتلو عليهم آياته) مع كونه أميا مثلهم؛ إشارة إلى معجزته الموقوفة نبوته ~~عليها. (ويزكيهم) من الأخلاق الذميمة، أو عند الله حيث يشهد لهم بالإيمان ~~يوم القيامة. (ويعلمهم الكتاب والحكمة) الشرائع. (وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلال مبين) ظاهر، يعبدون الحجر ويأكلون الجيف، ويطوفون بالبيت عراة. # (وآخرين ms063 منهم ... (3) عطف على (الأميين) أي: وفي آخرين من الأميين. (لما ~~يلحقوا بهم) بعد، وسيلحقون، لما في (لما) من معنى التوقع. روى البخاري عن ~~أبي هريرة - رضي الله عنه -: لما نزلت سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- من هم هؤلاء؟ وفينا سلمان، فوضع يده عليه وقال: # PageV01P159 # هم قوم هذا. لو كان الإيمان بالثريا لناله رجال من هؤلاء، وليس فيه منع ~~الغير، فيتناول كل من يأتي بعد الصحابة - رضي الله عنهم - إلى آخر الدهر ~~(وهو العزيز الحكيم) في تمكينه من هذا الأمر العظيم واختياره له. # (ذلك فضل الله ... (4) كونه رسولا للأولين والآخرين. وفي إيثار اسم ~~الإشارة بلفظ البعيد، وإضافة الفضل إلى كلمة الجلالة؛ إشارة إلى أن كل فضل ~~دونه (يؤتيه من يشاء) تفضلا (والله ذو الفضل العظيم) الذي لا يحاط به. # (مثل الذين حملوا التوراة ... (5) تعلموها (ثم لم يحملوها) لم يعملوا ~~بها، ولا حملوها على محاملها (كمثل الحمار يحمل أسفارا) كتبا كبارا من كتب ~~العلم. مثل حالهم في حمل التوراة بحال الحمار الحامل لأسفار من الكتب، ~~والجامع: الحرمان من الانتفاع بأبلغ نافع مع الكد والتعب. والجملة في محل ~~النصب على الحال أو الصفة إذ لم يرد بالحمار معين، وهذا أبلغ ذما. واتصاله ~~بما قبله أنهم علموا في التوراة نعت المبعوث في الأميين رسولا وكتموه. # (بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله) أي: مثل الذين كذبوا، فحذف ~~المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، أو حذف المخصوص أي: هو والضمير لمثل ~~اليهود، أو (بئس) مثلا (مثل الذين) على حذف المفسر وهذا قليل. (والله لا ~~يهدي القوم الظالمين) أي: اليهود الذين لم يحملوا التوراة. # (قل يا أيها الذين هادوا ... (6) تهودوا (إن زعمتم أنكم أولياء لله من ~~دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) في زعمكم، لأن من علم أن مأواه جنة ~~عدن تمنى الخلاص # PageV01P160 # من دار العناء، وإنما خوف الإنسان من عدم علمه بحاله. وإنما أتى ب " إن " ~~مع الزعم، إشارة إلى أن الأولى بحال من على طريقتهم الشك والدعوى الباطلة. # (ولا يتمنونه أبدا بما ms064 قدمت أيديهم ... (7) من الكفر وتحريف آيات الله. ~~واختصاص آية البقرة ب (لن) لأن دعواهم هناك أن اختصاصهم بها أمر مكشوف ~~فبولغ في الرد عليهم (والله عليم بالظالمين) ظاهرا وباطنا. # (قل إن الموت الذي تفرون منه ... (8) ولا تجترئون على تمنيه (فإنه ~~ملاقيكم) ودخول الفاء في خبر الموصوف بالموصول للسببية باعتبار الوصف، كأنه ~~قيل: إن الفرار الذي تظنونه سبب النجاة سبب الملاقات، مبالغة في عدم الفوت. ~~(ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) فيجازيكم ~~عليه. # (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ~~وذروا البيع ... (9) لما نعى على اليهود ما يمنون به أنفسهم من الأماني ~~الباطلة أمر المؤمنين بالسعي إلى ما فات اليهود من إدراك فضيلة يوم الجمعة. ~~لما روي البخاري ومسلم أن يوم الجمعة هو اليوم الذي فضل على سائر الأيام، ~~واختلف فيه أهل الكتابين فلم يهتدوا إليه. قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فهدانا الله تعالى إليه. نحن الآخرون السابقون يوم القيامة هو سيد ~~الأيام فيه ساعة يستجاب فيها الدعاء. الأصح أنها من وقت خروج الإمام إلى ~~الفراغ من الصلاة، وقيل: بعد العصر، وكانت العرب تسميه يوم العروبة فسماه ~~الله يوم الجمعة. والمراد النداء بين يدي الخطيب، فإن # PageV01P161 # الأول شرعه عثمان على الزوراء عند كثرة الناس. والبيع والشراء وسائر ~~الأشغال حرام اتفاقا. والمراد بالسعي القصد والاهتمام لا الإسراع لورود ~~النهي عنه. والمراد بذكر الله الخطبة؛ لأنها موعظة وتذكير. (ذلكم خير لكم ~~إن كنتم تعلمون) إيثار (إن) على (إذا) مع علمهم بذلك؛ تعييبا لما بدا منهم ~~من الخروج وتركه قائما؛ لإشعاره بعدم علمهم. # (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ... (10) من ~~رزقه جبرا لما فاتكم. روى ابن أبي حاتم عن بعض السلف: " أن من باع أو اشترى ~~بعد الجمعة بارك الله له سبعين مرة ". كان عراك بن مالك - رضي الله عنه - ~~إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد، فقال: "اللهم إني أجبت دعوتك ~~وصليت فريضتك وانتشرت كما ms065 أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين ". ~~وقيل: المراد به الطاعة كعيادة المريض، وتشييع # PageV01P162 # الجنازة، وزيارة الإخوان في الله. (واذكروا الله كثيرا) في الأحوال كلها. ~~(لعلكم تفلحون) تفوزون بمرضاته. # (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ... (11) روى البخاري ومسلم عن ~~جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان على المنبر يخطب، فقدمت عير ~~من الشام بميرة، فخرجوا إلا اثنا عشر رجلا. قال مقاتل: العير كانت لدحية ~~قبل إسلامه، وكان معها طبل وهو الذي أريد باللهو. والضمير للتجارة؛ لأن ~~الانفضاض إليها إذا كان مذموما فإلى اللهو أولى. # (وتركوك قائما) فيه غاية التعيير، إذ لو لم يكن إلا تركه على هذه الحالة ~~دون أن يكون # PageV01P163 # خطيبا كان شنيعا، (قل ما عند الله) مدخرا لكم. (خير من اللهو ومن ~~التجارة)؛ لكونه باقيا صفوا بلا كدر. (والله خير الرازقين) هو الرزاق ~~حقيقة، والبواقي وسائل، إليه توجهوا في طلب الرزق. # * * * # تمت السورة، ولله المنة، والصلاة على رسوله وآله وصحبه السابقين إلى ~~الجنة. # * * * # PageV01P164 ### | سورة المنافقون # مدنية، وهي إحدى عشرة آية # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ... (1) إنشاء جار مجرى ~~القسم؛ # ولذلك أكد ب " إن " و " اللام " يتضمن ادعاء المواطأة بين القلب واللسان. ~~(والله يعلم إنك لرسوله) وأن ما قالوه كلام مطابق للواقع قطعا. (والله يشهد ~~إن المنافقين لكاذبون) في ادعاء المواطأة؛ لأنهم يقولون بأفواههم ما ليس في ~~قلوبهم. أو كاذبون في أنفسهم لا يعتقدون صدق مقالتهم ومطابقتها للواقع. ~~وإنما اعترض بقوله: (والله يعلم إنك لرسوله)؛ ليميط رجوع التكذيب إلى قولهم ~~" إنك لرسول الله ". # (اتخذوا أيمانهم جنة ... (2) وقاية. استئناف لبيان فائدة تلك الشهادة ~~التي هي بمثابة اليمين. أو كلام مستقل لعد قبائحهم، وأن من دأبهم الاتقاء ~~بالأيمان الكاذبة كما استجنوا بالشهادة الكاذبة. (فصدوا عن سبيل الله) ~~أعرضوا، أو منعوا غيرهم عن سلوكها. (إنهم ساء ما كانوا يعملون) من النفاق. ~~إنشاء، كأنه قيل: ما أسوأ ما ارتكبوه. # (ذلك ... (3) كله (بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم) منع من دخول ~~نور الحق ms066 فيها (فهم لا يفقهون) شيئا من الحق؛ فلذلك جسروا على تلك العظائم. ~~وإنما قال: # PageV01P165 # (آمنوا ثم كفروا) مع أنهم لم يؤمنوا طرفة عين؛ لأنهم نطقوا بالشهادة ثم ~~ظهر كفرهم. أو نطقوا عند المؤمنين وكفروا بها عند شياطينهم. والحمل على أهل ~~الردة بعيد ناب عنه المقام. # (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم ... (4) هياكلهم لرواء منظرهم وجسامتهم، (وإن ~~يقولوا تسمع لقولهم) لفصاحة كلامهم، وحلاوة ألفاظهم. قيل: كان ابن أبي رأس ~~المنافقين وبعض أتباعه جساما وساما فصحاء بلغاء. والخطاب في (رأيتهم) إما ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو عام، والأول أوجه؛ لتقدم (إذا جاءك)، ~~ولأنه إذا أعجبته فغيره أولى. (كأنهم خشب مسندة) إلى الحائط لعدم الانتفاع ~~بها بوجه، أو كالأصنام المسندة إلى الحيطان في حسن الصور وبهجة المنظر. قرأ ~~أبو عمرو، وقنبل، والكسائي بإسكان الشين إما مخفف خشب، أو جمع خشباء وهي ~~الخشبة المجوفة. وهذا أخف وأقوى شبها. وناهيك بسفالة النفاق خلة حيث شبه ~~أهله بجماد هذا شأنه، وشبه الكفار بالأنعام. (يحسبون كل صيحة عليهم) واقعة ~~عليهم. وقيل: كانوا خائفين من أن ينزل فيهم ما يهتك أستارهم ويظهر أسرارهم، ~~ويبيح دماءهم وديارهم. (هم العدو) لا غير. لأن أعدى العدو من يلقاك بوجه ~~الصديق؛ لوقوفه على أسرارك، وتمكنه من إشاعة أخبارك. وقيل: (عليهم) صلة، و ~~(هم العدو) المفعول الثاني، والتذكر باعتبار الخبر، وليس بوجه. (فاحذرهم) ~~خذ حذرك منهم ولا تغتر. # (قاتلهم الله) لعنهم الله. دعاء منه تعالى ينبئ عن فرط السخط. أو تعليم ~~للمؤمنين. (أنى يؤفكون) يصرفون عن الحق. تعجيب عن العدول بعد موجب الإقبال ~~والقبول. # PageV01P166 # (وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ... (5) أمالوها ~~ولم يلقوا السمع إليه. قرأ نافع (لووا) مخففا، وقراءة القوم أبلغ. (ورأيتهم ~~يصدون) يعرضون فضلا عن الاستماع. (وهم مستكبرون) رافعون أنفسهم فوق حدها. ~~اتفق الثقاة على أن السورة نزلت في ابن سلول، كان مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في غزوة تبوك أو بني المصطلق، فاقتتل على الماء جهجاه بن سعد ~~الغفاري. وكان أجيرا لعمر بن الخطاب، ms067 وسنان بن يزيد وكان حليفا لابن سلول، ~~فبلغ ذلك ابن سلول وكان عنده جمع من الأنصار، فقال: أوفعلوها والله ما ~~مثلنا ومثلهم إلا كما قيل: " سمن كلبك يأكلك " والله لئن رجعنا إلى المدينة ~~ليخرجن الأعز منها الأذل، فنقل كلامه زيد بن أرقم إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فأرسل # PageV01P167 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ابن سلول فحلف أنه لم يقل شيئا من ~~ذلك، فقال عم زيد له: ما أردت إلى أن كذبك رسول الله ومقتك. قال: فبت في شر ~~ليلة، فلما قفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقيني في الطريق، ضحك في ~~وجهي وفرك أذني، فلقيني عمر فقال: ماذا قال لك رسول الله؟ قلت: ما زاد على ~~أن ضحك في وجهي وفرك أذني. وكذلك سألني أبو بكر، فلما نزل قرأ عليهم السورة ~~وقال: إن الله قد صدقك يا غلام. ثم أرسل إليهم ليستغفر لهم لووا رءوسهم. # (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ... (6) لا يؤمنون بك، ولا ~~يعتدون باستغفارك. (لن يغفر الله لهم)؛ لعلمه بأنهم أهل الدرك الأسفل، ومن ~~الذين ذرأهم لجهنم. # (إن الله لا يهدي القوم الفاسقين) المنهمكين في الكفر والنفاق. # (هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ... (7) ~~قاله ابن سلول ذلك اليوم. (ولله خزائن السماوات والأرض) قادر على إغناء ~~محمد وأصحابه عن إنفاق الأنصار. وإنما وفق الأنصار لذلك؛ لينالوا به القربة ~~والزلفى. (ولكن المنافقين لا يفقهون) ذلك. # (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ... (8) يريد ~~بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله. (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) مختصة بهم ~~لا حظ لغيرهم فيها، ولا ينافيه (إن العزة لله جميعا)؛ لأن عزة الرسول ~~والمؤمنين عزة الله تعالى. (ولكن المنافقين) أعاد المظهر؛ لئلا يفارقهم هذا ~~الوصف. (لا يعلمون) ليسوا من ذوي العلم ليدركوا هذا الأمر الجلي. ولما كان ~~في أمر الرزق نوع خفاء في بادئ الرأي جعل الفاصلة الفقه المنبئ عن نوع ~~تعمل. وعن قتادة: أن ابنه عبد الله لما بلغه ms068 ذلك جاء إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - # PageV01P168 # وقال: إن كنت قاتلا أبي فمرني به لأحمل إليك رأسه، ووالله لقد علمت ~~الخزرج أن ليس فيهم أبر بوالديه مني، وأخاف أن يقتله غيري فلا أحتمله فأدخل ~~النار، فقال: لا نقتله، بل نحسن صحبته. # وعن عكرمة وابن زيد أنه وقف بباب المدينة وسل سيفه، فلما جاء أبوه قال ~~له: وراءك، حتى جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو حابسه، فشكى ~~إليه، فقال له: خل سبيله. وقيل: لم يمكنه حتى أقر أنه الأذل ورسول الله هو ~~الأعز، فدعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ... (9) ~~لما كان اغترار المنافقين بالحطام الفاني، وأنهم إذا لم ينفقوا على ~~المؤمنين يتلاشى أمرهم، ورد الله عليهم بأنه مالك خزائن السموات والأرض، ~~وكان فيه إشارة إلى أنه سيغني المؤمنين، ويفيض عليهم من خزائنه بما ليس في ~~حسابهم، نهاهم عن الاشتغال بها عن ذكر الله قبل وجودها؛ ليوطنوا أنفسهم على ~~ذلك. والمنهي التوجه إليها بحيث يفوت القيام بحق العبادة. ألا يرى إلى قوله ~~في # PageV01P169 # معرض المدح: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله). (ومن يفعل ذلك ~~فأولئك هم الخاسرون) لاستبدالهم الخسيس بالشريف. # (وأنفقوا من ما رزقناكم ... (10) بعض ما رزقناكم (من قبل أن يأتي أحدكم ~~الموت) أماراته ومخائله، (فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من ~~الصالحين). فعلى العاقل المبادرة إلى التصدق، إذ كل لمحة بصدد الموت، ولا ~~يغتر بالصحة إذ كم صحيح مات وكم سقيم عاش قال: # تعجبين من سقمي ... صحتي هي العجب # وقرأ أبو عمرو " أكون " بالنصب عطفا على لفظ (فأصدق) وهو الأظهر؛ لاحتياج ~~الجزم إلى التقدير. أي. إن أخرتني أصدق وأكن. # (ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها ... (11) انتهاء عمرها. (والله خبير ~~بما تعملون) فاختاروا لنفسكم ما شئتم. # وقرأ أبو بكر بياء الغيبة، نظرا إلى (أولئك هم) والخطاب لقوله: (لا ~~تلهكم)، وهذا أشد تهديدا. # * * * # PageV01P170 # تمت سورة المنافقين، والحمد لله ms069 رب العالمين، والصلاة على صفوة المرسلين، ~~وآله وصحبه أجمعين. # * * * # PageV01P171 ### | سورة التغابن # قال عطاء مكية، إلا (يا أيها الذين آمنوا .. ) إلى آخر الثلث. وهي ثماني ~~عشرة آية. # بسم الله الرحمن الرحيم # (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض ... (1) تقدم الكلام في مثله. (له ~~الملك وله الحمد) قدم الظرفان؛ لتأكيد الاختصاص وإزاحة الشبهة رأسا. فإن ~~قلت: إذا اختصت المحامد به فما معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - " من لم ~~شكر الناس لم يشكر الله ". قلت: الكلام في حقيقة الحمد، وأما حمد غيره ~~فلجريان نعمة الله على يده، فهو حمد الله حقيقة. (وهو على كل شيء قدير) ~~كامل القدرة لا يقاومها قدرة، ولا يشاركها في التأثير، دليل على ~~الاختصاصين. # (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ... (2) باختياركم لا جبر. فمن رأي ~~خيرا فليحمد الله، ومن رأي شرا فليستغفر الله. (والله بما تعملون بصير) ~~مشاهد، فيجازي عليه. # PageV01P172 # (خلق السماوات والأرض بالحق ... (3) بالحكمة البالغة مرتبا أسباب معايشكم ~~فيها، (وصوركم فأحسن صوركم) فخصكم بأحسن الصور بين المخلوقات، ليس فيها ~~رشاقة قده، ولا صباحة خده، وانظر إن شئت العجب في تركيب بنانه وجواهر ~~أسنانه، وقوس حاجبه ونبال أهدابه، بيدما أودع من القوى الدراكة؛ ولذلك كان ~~نسخة عالم الملك والمكوت. (وإليه المصير) فيسألكم عن النقير والقطمير، ~~فاشكروا نعمه، واحذروا عذابه ونقمه. # (يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات ~~الصدور (4) بمضمراتها فضلا عن السر والعلن، فاستعملوا في عبادتكم ظواهركم، ~~وطهروا سرائركم، وأخلصوا ضمائركم لتحمدوا عواقبكم. # (ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل ... (5) قبلكم. أي: كفار مكة. بل قد ~~أتاكم. (فذاقوا وبال أمرهم) ووخامة كفرهم في الدنيا بالاستئصال، (ولهم عذاب ~~أليم) في الآخرة. # (ذلك ... (6) المذكور من عذاب الدارين (بأنه) بأن الشأن (كانت تأتيهم ~~رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا) ينكرون كون البشر رسولا مثلكم. يطلق ~~على الواحد والجمع. (فكفروا) بالرسل (وتولوا) أعرضوا (واستغنى الله) بليغ ~~الغنى عن كل شيء، فضلا عن طاعتهم. (والله غني) في ذاته، وصفاته، وأفعاله. ~~(حميد) ذاتا، وصفة، وفعلا، دلت على ms070 ذلك ذرات الكون. # PageV01P173 # (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا ... (7) أي: كفار مكة، أو هم ومن حملوا ~~على الاعترار بهم. الزعم بمعى العلم، و " أن " مع ما في حيزها قائم مقام ~~المفعولين. (قل بلى) تبعثون. (وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم) بالمحاسبة ~~والمجازاة. (وذلك على الله يسير)؛ لغناه عن الآلات، ودورانه بين الكاف ~~والنون. # (فآمنوا بالله ورسوله ... (8) إليكم. (والنور الذي أنزلنا) القرآن (والله ~~بما تعملون خبير) لا يخفى عليه منه شيء. # (يوم يجمعكم ... (9) متعلق ب (خبير)، أو ب (لتنبؤن ... وذلك على الله ~~يسير) وقوله: (فآمنوا) اعتراض. الأول يؤكد القدرة، والثاني ما سيق له ~~الكلام من الحث على الإيمان به وبالقرآن وبمن جاء به (بما تعملون خبير) من ~~تتمة الثاني، أو نصب ب " اذكر ". (ليوم الجمع) ليوم خاص بالجمع، يجمعكم فيه ~~والأولين. اللام للتعليل، كقوله: أعددتك لهذا اليوم. (ذلك يوم التغابن) هو ~~أن يغبن التاجر شاريه وبالعكس. استعارة لنيل السعداء، وويل الأشقياء. وكأن ~~لا تغابن إلا ذلك؛ فلذلك عرف وأطلق لكونه علما له. (ومن يؤمن بالله ويعمل ~~صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ~~ذلك الفوز العظيم). قرأ نافع وابن عامر الفعلين بالنون التفاتا، وهو أبلغ ~~في الترغيب. # PageV01P174 # (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها ... (10) ~~غير الأسلوب إشارة إلى سبق رحمته. (وبئس المصير) مصيرهم. الآيتان بيان لوجه ~~التغابن. # (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ... (11) بتقديره. كقوله (إلا في كتاب ~~من قبل أن نبرأها) ويدخل فيها كفر الكافر أولا، إذ لا مصيبة أعظم منها. ~~(ومن يؤمن بالله يهد قلبه) يثبته، إن ابتلاه صبر، وإن أعطاه شكر، وإن ظلمه ~~أحد غفر. أو من كان قابلا مستعدا للإيمان يوفقه له ويؤيده. (والله بكل شيء ~~عليم) يعلم من هو أهل للهداية. # (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ... (12) لأن عصيانهما أعظم المصائب. (فإن ~~توليتم) أعرضتم (فإنما على رسولنا البلاغ المبين) الواضح، وقد وفى به الله. # (الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون (13)؛ لعلمهم أن لا مؤثر ~~في الكون ms071 غيره. وفيه حث لرسول الله والمؤمنين على الصبر لما يصيبهم من أذى ~~الكفار. # (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ... (14)؛ لأنه ~~يتلهى به عن أمر الدين. كقوله: (لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم) وفي الحديث: ~~" الولد مجبنة مبخلة ". (فاحذروهم) خذوا حذركم، ولا تغفلوا عن العدو. عن ~~ابن عباس - رضي الله عنهما - # PageV01P175 # نزلت في أناس أرادوا الهجرة، منعهم نساؤهم وأولادهم، فلما هاجروا بعد ~~برهة وجدوا السابقين قد فقهوا في الدين، تغاضبوا وهموا بالانتقام منهم، ~~فنزلت (وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا) العفو: محو الجريمة عن الخاطر. والصفح: ~~الإعراض، والغفران: الستر كأن لم يكن. ولما كان الصبر على أذى من أحسنت ~~إليه أشق وأبعث على الانتقام؛ جمع بين الثلاثة. (فإن الله غفور رحيم* إنما ~~أموالكم وأولادكم فتنة ... (15) ابتلاء لينظر هل تؤثرون محبتهم على طاعة ~~الله. (والله عنده أجر عظيم) حث على إيثار طاعته. # (فاتقوا الله ما استطعتم ... (16) ما بلغه جهدكم، إذ لا تكليف فوق ذلك. ~~فسرت قوله: (اتقوا الله حق تقاته) (واسمعوا) لأولي الأمر. (وأطيعوا) ~~أوامرهم مالم يكن معصية إذ " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ". (وأنفقوا ~~خيرا لأنفسكم) نصب خيرا ب (يكن) أي: إن تنفقوا يكن خيرا لكم. أو صفة مصدر. ~~أو بفعل مقدر أي: ايتوا، والقرينة كون السوابق كلها من إتيان الخبر. (ومن ~~يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) الفائزون. # (إن تقرضوا الله قرضا حسنا ... (17) عن طيب نفس خالصا لوجه الله، ~~والتعبير عن الصدقة بلفظ القرض تلطف في الطلب (يضاعفه لكم) بالواحد عشرة ~~إلى سبعمائة، إلى # PageV01P176 # ما لا يعلمه غيره. (ويغفر لكم) ما فرط؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات. ~~(والله شكور) يقابل القليل بالكثير. (حليم) لا يعاجل بالعقاب. # (عالم الغيب والشهادة ... (18) على سواء، حث على الإخلاص. (وهو العزيز) ~~الغالب، لا مانع لعطائه. (الحكيم) في كل ما دبر. # * * * # تمت، والحمد لمن أعطى وشكر، والصلاة على المبعوث من مضر، وآله وصحبه ذوي ~~العليا والخطر. # * * * # PageV01P177 ### | سورة الطلاق # مدنية بها وآياتها اثنتا عشرة آية # بسم الله الرحمن الرحيم # (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن ms072 لعدتهن (1) ناداه أولا؛ لأنه ~~سيد القوم وإمامهم، وفيه إجلال له، وإشارة إلى أنهم لا يصدرون إلا عن رأيه. ~~والمعنى: إذا أردتم الطلاق كقوله: (إذا قمتم إلى الصلاة) وله نظائر. تتزيلا ~~للمشرف على الشيء منزلة المباشرة. والطلاق المأمور به: أن يكون في طهر لم ~~يجامع فيه، أو حامل استبان حملها. واللام للتوقيت. فالذي يقول: إن الأقراء ~~بالأطهار فلا إشكال عنده. والذي يقول: بالحيض يقدر مستقبلات كقولك: جئتك ~~لليلة بقيت في الشهر. روى البخاري عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: " أنه ~~طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر - رضي الله عنه - رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فتغيظ منه وقال: مره فليراجعها، فإذا طهرت ثم حاضت ثم طهرت فليطلقها ~~إن شاء ". فإن قلت إذا كان الغرض إيقاع الطلاق في الطهر فما معنى تكرار ~~الطهر في الحديث؟ قلت: أن لا يكون الرجوع للطلاق، # PageV01P178 # ولأن طول المدة عسى تؤثر في تبدل الحال، والطلاق أنكر المباحات فاحتيط ~~لذلك، وقوله: " مره فليراجعها " دل على وقوع الطلاق في الحيض، وإطلاقه دل ~~على أن الثلاث دفعة لا بدعة فيها، وما روي أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. " أتلعبون بكتاب الله " لا أصل له، ولا ~~ذكر الثلاث في كتاب الله في معرض الذم. (وأحصوا العدة) واحفظوها. (واتقوا ~~الله ربكم) في التطويل في العدة، والإضرار بالنساء. (لا تخرجوهن من بيوتهن) ~~مساكنهن إلى انقضاء العدة. (ولا يخرجن) أيضا استقلالا، وإن أذن الأزواج؛ ~~لأن ذلك حق الشارع ليس لأحد إسقاطه. (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) هي الزنا، ~~أو النشوز بأن طلقت وهي ناشزة؛ لأن النشوز يسقط الحق حال الوفاق فأولى أن ~~يسقطه حال الفراق، فالاستثناء راجع إلى الأمرين. أو البذاء وإيذاء الزوج، ~~فيرجع إلى الأول. (وتلك حدود الله) الأحكام. (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم ~~نفسه) عرضها لسخط الله. (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) الرغبة في ~~المطلقة، والندم على فراقها. واستدل الإمام أحمد على أن المبتوتة، والمتوفى ~~عنها زوجها لا سكنى لها. # PageV01P179 # (فإذا بلغن ms073 أجلهن ... (2) شارفن آخر العدة، (فأمسكوهن) راجعوهن إن شئتم. ~~(بمعروف) بحسن عشرة؛ لئلا يؤدي إلى فراق آخر. (أو فارقوهن بمعروف) بإيفاء ~~حق، وانتفاء ضرر بأن يراجعها ثم يطلقها تطويلا للعدة. (وأشهدوا ذوي عدل ~~منكم) عند الفراق والرجعة؛ لأنه أبعد عن الريبة وأقطع للنزاع. أمر ندب، وعن ~~الشافعي رحمه الله قول بالوجوب في الرجعة. (وأقيموا الشهاده لله) أدوها من ~~غير ميل ولا غرض أيها الشهود. # (ذلكم) المذكور من إيقاع الطلاق على وجه السنة، وإحصاء العدة، والكف عن ~~الإخراج، وإقامة الشهادة. وقيل: إشارة إلى الأخير. والأول أوجه؛ لقوله: ~~(يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) سيما إذا جعل (ومن يتق الله يجعل ~~له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ... (3) اعتراضا مؤكدا لتلك الأمور، وإن ~~كان الأوجه أن يكون استطرادا دالا على أن التقوى ملاك الأمر، به نيط سعادة ~~الدارين، ويتناول أمر الزوجين أول تناول. عن ابن إسحاق أن عوف بن مالك ~~الأشجعي أسر ابنه، فشكى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفاقة، ~~فأمره # PageV01P180 # بالصبر وكثرة قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فلم يفجأ أبويه إلا وهو ~~بالباب يناديهما ومعه سرح القوم قد استاقها، فنزلت. (ومن يتوكل على الله) ~~في أموره (فهو حسبه) كافيه (إن الله بالغ أمره) الذي يريده ولا يفوته، قرأ ~~حفص بالإضافة. (قد جعل الله لكل شيء قدرا) تقديرا وتوقيتا لا يتقدمه ولا ~~يتجاوزه. وفي الحديث " يستجاب لأحدكم ما لم يتعجل ويقول دعوت فلم يجب لي ". # (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم ... (4) روى ابن جرير عن أبي بن كعب ~~أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن عدد النساء لم تذكر في الكتاب ~~فنزلت. والآيسة: هي التي انقطع دمها لكبر السن. واختلاف القراء في اللائي ~~تقدم في الأحزاب، (إن ارتبتم) # PageV01P181 # جهلتم وشككتم في عدتهن، (واللائي لم يحضن) من الصغر (فعدتهن ثلاثة) ~~(وأولات الأحمال) طلقت، أو توفي عنها زوجها. (أجلهن أن يضعن حملهن) ذهب علي ~~وابن عباس رضي الله عنهما إلى أن عدة المتوفى عنها زوجها أبعد الأجلين ms074 من ~~أربعة أشهر وعشر ومدة الحمل؛ للتعارض من غير علم بتأخر إحداهما. وذهب ابن ~~مسعود - رضي الله عنه - إلى أن هذه الآية ناسخة لآية البقرة في قدر ما ~~تناولته من الحوامل، وقال: من شاء باهلته أن سورة النساء القصرى بعد التي ~~في البقرة. والعام المتأخر، ناسخ للخاص المتقدم، فأولى إذا كان العموم من ~~وجه. ويؤيد قول ابن مسعود - رضي الله عنه - ما روى البخاري ومسلم أن سبيعة ~~الأسلمية كانت تحت سعد بن خولة. توفي زوجها وهي حامل، فوضعت بعده بأربعين ~~يوما، فأنكحها # PageV01P182 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وأما كون العموم هنا بالذات وهناك ~~بالعرض، وكون الحكم معللا مما لا يعد مرجحا (ومن يتق الله يجعل له من أمره ~~يسرا) يسهل عليه أمره. # (ذلك أمر الله أنزله إليكم ... (5) لتعملوا بموجبه. (ومن يتق الله يكفر ~~عنه سيئاته ويعظم له أجرا) يوم الجزاء. ولقد بالغ في أمر النساء بالحث على ~~التقوى مرارا؛ وذلك لضعفهن ونقصان عقلهن، وما يبدو منهن مما يوجب النفرة ~~والغضب. وفي آخر خطبة خطبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: استوصوا ~~بالنساء خيرا، خلقن من ضلع أعوج إن ذهبت تقيمه كسرته. # (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ... (6) ما تقدرون عليه. الوجد: الوسع ~~(ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن) فيحتجن إلى الخروج. (وإن كن أولات حمل فأنفقوا ~~عليهن حتى يضعن حملهن) تعميم الإسكان وتخصيص الإنفاق بأولات الأحمال، دليل ~~ظاهر للشافعي رحمه الله على أن المبانة لا نفقة لها. وللحنفية أن هذا مفهوم ~~لا يعارض ما روى عثمان وعمران أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~لها السكنى والنفقة. وفائدة التقييد: دفع وهم من ذهب إلى أن المدة إذا زادت ~~عن أربعة أشهر وعشر لا يستحق الزيادة. (فإن أرضعن # PageV01P183 # لكم) بعد انقطاع النكاح، (فآتوهن أجورهن) على الإرضاع، مقيد بغير اللبأ ~~الذي به البقاء غالبا. (وأتمروا بينكم بمعروف) أنفقوا على أمر الولد بلا ~~مشاقة. و (لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده). (وإن تعاسرتم) ثم ~~تضايقتم، (فسترضع له أخرى) امرأة. وفيه معاتبة ms075 للأم وحث على المساهلة. # (لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ... (7) ~~كل من الموسر والمعسر على قدر حاله. (لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) من ~~المال، (سيجعل الله بعد عسر يسرا) وعد للفقراء بأن الحال يتبدل كقوله (إن ~~مع العسر يسرا) وحث على الإنفاق بقدر الطاقة. # (وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله ... (8) فحل بهم بأس الله تعالى. ~~فخذوا حذركم. بعد بيان جمل من الأحكام أشار إلى أن أهل قرى كثيرة عاندوا، ~~واشتغلوا عن امتثال أوامره. قرأ ابن كثير " كاء " على وزن فاع. (فحاسبناها ~~حسابا شديدا) أهلكناهم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - " من نوقش في الحساب ~~هلك " (وعذبناها عذابا نكرا) كالخسف والغرق. # (فذاقت وبال أمرها ... (9) وخامة الأمر الذي خالفته، (وكان عاقبة أمرها ~~خسرا) لا ربح فيه. # PageV01P184 # (أعد الله لهم عذابا شديدا ... (10) يوم القيامة وقيل: الحساب والعذاب ~~يوم القيامة. والتعبير بالماضي كقوله (ونادى أصحاب الجنة)، لأن المترقب من ~~وعده ووعيده كالكائن. وقوله: (أعد الله لهم عذابا شديدا) تكرار للوعيد. ~~(فاتقوا الله) بعد هذا البيان (يا أولي الألباب) العقول الخالصة. (الذين ~~آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا ... (11) الذكر: القرآن، و (رسولا) ~~بدل منه بدل اشتمال، والمراد به جبرائيل. أو الشرف فبدل كل. ويجوز أن يراد ~~محمد عليه السلام. أو نصبه ب (أرسل) مقدرا دل عليه الإنزال. وهذا هو ~~المتبادر، ويدل عليه قوله: (يتلو عليكم آيات الله مبينات)، لأن تلاوة ~~جبرائيل عليهم تجوز. وجعل الخطاب شاملا له وللمؤمنين تكلف. (ليخرج الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات) أي: ليخرجكم. والإتيان بالظاهر؛ للإشارة إلى فائدة ~~الإرسال. (من الظلمات إلى النور) من الضلالة إلى الهدى. (ومن يؤمن بالله ~~ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا) قرأ نافع ~~وابن عامر بالنون، وهو أبلغ في الوعد. (قد أحسن الله له رزقا) أي: رزق فيه ~~تعجيب. # (الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ... (12) سبع أرضين أيضا. روى ~~البخاري عن سعيد بن زيد أن رسول الله - صلى الله ms076 عليه وسلم - قال: من غصب ~~شبرا من # PageV01P185 # الأرض طوقه من سبع أرضين. وفي الحديث: " ما السموات السبع، والأرضون ~~السبع عند الكرسي إلا كحلقة في فلاة " وحملها على الأقاليم باطل، (يتنزل ~~الأمر بينهن) أي: قضاء الله بالإماتة والإحياء، وسائر أحكامه. (لتعلموا أن ~~الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما). علة ل (خلق)، أو ل ~~(يتنزل)، أو لمقدر يعمهما. فإن كل واحد يدل على كمال القدرة. # * * * # تمت سورة الطلاق. والحمد لله الملك الخلاق. والصلاة على الكامل بالاتفاق، ~~وآله وصحبه إلى يوم التلاق. # * * * # PageV01P186 ### | سورة التحريم # مدنية، اثنتا عشرة آية # بسم الله الرحمن الرحيم # (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ... (1) اضطربت الرواية في سبب ~~نزولها، وما الذي أوجب تحريم ما أحل الله، وما المحرم. روى البخاري عن ~~عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل على زينب ~~فشرب عندها عسلا، فتواطت أنا وحفصة على أن أيتنا دخل عليها نقول: نجد منك ~~ريع مغافير -وكان يكره الرائحة الكريهة- فدخل على حفصة فقالت له ذلك. فقال: ~~شربت عسلا عند زينب، وقد حلفت لا أعود إليه فلا تخبري أحدا. # PageV01P187 # وفي رواية عن عائشة رضي الله عنها أيضا: أن التي سقته هي حفصة، وعائشة ~~وسودة رضي الله عنهما هما اللتان تواطأتا. وروى النسائي عن أنس أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أصاب مارية في يوم حفصة في بيتها. فقالت أي ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يومي وفي بيتي؟! فقال: قد حرمتها فلا ~~تقولي لأحد فذكرته لعائشة. (تبتغي مرضات أزواجك) حال أو تفسير يفيد زيادة ~~تهجين، أو استئناف كأنه قيل: ما وجه العتاب وقد تقدمه في ذلك الأنبياء ~~كقوله: (إلا ما حرم إسرائيل على نفسه)؟ فقيل: يحل مثله عن طلب مرضات النساء ~~في ترك ما أباحه الله. فالمنكر هو الباعث لا التحريم. (والله غفور) غفر لك ~~ما تقدم وما تأخر (رحيم) أعطاك ما لم يعط أحدا من العالمين. # PageV01P188 # (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ... (2) بينها ms077 لكم بشرعية الكفارة، " فإذا ~~حلف أحدكم على فعل ورأي غيره خيرا فليأته وليكفر ". أو شرع استثناء اليمين ~~بأن يقول في حلفه: إن شاء الله. واستدل به الإمام أحمد على أن من حرم شيئا ~~ضم فعله يلزمه الكفارة. وليس فيه دليل لما في رواية البخاري حلفت. (والله ~~مولاكم) متولي أموركم (وهو العليم) بأحوالكم (الحكيم) المتقن في أحكامه. ~~فبادروا إلى ما أمرتم به. # (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه ... (3) هي حفصة أو سودة. (حديثا) تحريم ~~العسل، أو مارية. وما قيل: من أن الخلافة بعدي لأبي بكر وعمر منكر. (فلما ~~نبأت به # PageV01P189 # وأظهره الله عليه) أطلعه على إفشائه، (عرف بعضه وأعرض عن بعض) عرف مقدار ~~ما علمت اطلاعه وأعرض عن الاستقصاء. على ما هو دأب الكرام. وقرأ الكسائي ~~(عرف) مخففا. أي: جازاها على البعض؛ إطلاقا للسبب على المسبب كقوله: (وما ~~تفعلوا من خير يعلمه الله). (فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا) تعجيبا ~~لبناء الأمر على الكتمان بينهما. (قال نبأني العليم) بالأشياء. (الخبير) ~~ببواطنها. # (إن تتوبا إلى الله ... (4) عائشة وحفصة أو سودة. (فقد صغت قلوبكما) أي: ~~حق لكما التوبة؛ لوجود موجبه وهو ميل قلوبكما إلى مخالفة الرسول. والتفت ~~إليهما مكافحا؛ زيادة توبيخ، (وإن تظاهرا عليه) مرة أخرى. وقرأ الكوفيون ~~بالتخفيف بحذف إحدى التائين. (فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين) ~~أي: فلن يعدم مظاهرا من هذا نعته وهو الله، ورئيس الكروبيين الذي يباشر ~~عقاب المخالف، الذين هم أعوانه وأتباعه (والملائكة بعد ذلك ظهير) " ظهير " ~~عطف على قوله: " إن الله مولاه " وما عطف عليه. وفي (بعد ذلك) دلالة على أن ~~وجوه نصرة الله له، وإن تنوعت أقواها نصرة الملائكة وفيهم جبرائيل؛ لأن ~~إفراده بالذكر أولا، لعلو شأنه. # (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن ... (5) عن أنس - رضي الله ~~عنه - أن عمر - رضي الله عنه - قال: اجتمعت نساء النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في الغيرة. قلت: (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا # PageV01P190 # خيرا منكن) فنزلت. وقرأ نافع وأبو عمرو (أن يبدله) بالتخفيف، ms078 والتشديد ~~أبلغ (مسلمات) منقادات لأوامره. (مؤمنات) بأن مخالفته عصيان. (قانتات) ~~طائعات. (تائبات) عن الذنوب. (عابدات) مذللات الأخلاق. (سائحات) صائمات. ~~لما في الحديث: " سياحة أمتي الصيام ". وقيل مهاجرات. (ثيبات وأبكارا) أدخل ~~الواو هنا دون سائر الصفات؛ لأنهما متنافيان، فلابد من العاطف. # (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم ... (6) بترك المعاصي. (وأهليكم) أيضا ~~بأن تأمروهم بالطاعات، وتنهوهم عن المعاصي، وفي الحديث: " كلكم راع وكلكم ~~مسؤول عن رعيته ". (نارا وقودها الناس والحجارة) حجر الكبريت تتقد بهما كما ~~يتقد غيرها بالحطب. (عليها ملائكة) الزبانية. تسعة عشر. (غلاظ) الأخلاق ~~(شداد) القوى لا يأخذهم في تعذيب أعداء الله رأفة. (لا يعصون الله ما ~~أمرهم) فيما مضى (ويفعلون ما يؤمرون) في المستقبل. أو يقبلون الأوامر ~~ويأتون بموجباتها. # (يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم ... (7) يقال لهم حين يساق بها ~~بهم إلى النار إذ لا عذر لهم، أو لأنه لا يقبل الاعتذار. (إنما تجزون ما ~~كنتم تعملون) جزاؤه. # PageV01P191 # (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله ... (8) بالإقلاع عن الذنب، والندم ~~على الماضي. (توبة نصوحا) النصح لغة: خلوص كل شيء. يقال: عسل ناصح: صاف. ~~والنصوح صيغة مبالغة منه أي: بالغة في الصفاء عن شوب الذنوب. ويجوز أن يكون ~~من النصح بفتح النون: إصلاح الثوب بعد الخرق. وفي الحديث: " من اغتاب خرق ~~ومن استغفر رفأ "، فهي تنصح صاحبها أو تدعو غيره إلى التوبة؛ لظهور آثارها، ~~على الإسناد المجازي. وفسرها حبر الأمة: باليقين بالقلب، والاستغفار ~~باللسان، والإقلاع بالجوارح، والاستمرار على الترك. وقرأ أبو بكر بضم النون ~~مصدرا بمعنى: ذات خلوص. (عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري ~~من تحتها الأنهار) أردف التوبة النصوح ب (عسى) على دأب الملوك؛ وإشعارا بأن ~~لا وجوب بل تفضل منه. (يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه) ظرف ~~ليدخلكم، ومعنى المعية: الاجتماع في الإيمان لا في الزمان. (نورهم يسعى بين ~~أيديهم وبأيمانهم) استئناف؛ للتعريض بمن ناوأهم وقيل: خبر ل (الذين آمنوا) ~~وليس بوجه. # (يقولون ربنا أتمم لنا نورنا) إذا رأوا نور المنافقين قد انطفى يعتريهم ms079 ~~الخوف على ما هو مقتضى البشرية، وإن كانوا جازمين بالإتمام والنجاة. أو هو ~~قول من يكون نوره ضعيفا، فإن الأنوار على قدر الأعمال، فيسألون إتمامه ~~تفضلا. أو يقولون ذلك على وجه التقرب والتلذذ كسائر الأذكار في الجنة. ~~يؤيده قوله: (واغفر لنا إنك على كل شيء قدير) إذ إعطاء النور إنما هو بعد ~~الغفران. # PageV01P192 # (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ... (9) بالحجة ~~والسيف لأن الرفق قد بلغ مداه. (ومأواهم جهنم وبئس المصير) مصيرهم. # (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط ... (10) مثل الله حال ~~الكفار في عدم الانتفاع بما لهم مع الأنبياء والمؤمنين من العلائق صهرا ~~ونسبا بحال المرأتين. (كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين) ممتازين عن سائر ~~العباد بالصلاح والزلفى. # (فخانتاهما) في الدين لا في الفجور؛ لأنها فراش النبي، ولا عار عليه في ~~كفرها. (فلم يغنيا عنهما من الله شيئا) يسيرا من الإغناء. (وقيل ادخلا ~~النار مع الداخلين) الذين لا علاقة بينهم وبين الأنبياء. وفيه تهديد للتين ~~تظاهرتا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لاسيما التي أفشت سره ~~كامرأة لوط حين دخلت على أضيافه، وإشارة إلى شرف صحبته إنما تفيد زيادة ~~الكرامة إذا نصحت لله ولرسوله. # (وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون ... (11) أعدى عدو الله. هى: ~~آسية بنت مزاحم. (إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة) ومعنى (عندك) ~~مرتفع الدرجة كقوله: (عند مليك مقتدر). (ونجني من فرعون وعمله) من عذابه ~~والابتلاء بعمله. قيل: لما علم يإيمانها هددها لترجع فأبت، وتد لها أوتادا ~~فربطها، وأرسل عليها الحيات. # (ونجني من القوم الظالمين) هم القبط أتباع فرعون. # PageV01P193 # (ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها ... (12) عطف على " امرأة فرعون "، ~~جمع في المثل بين ذات الزوج والتي لا زوج لها؛ تسلية للأرامل، وحثا لهن على ~~المحافظة وتحصين الفروج. (فنفخنا فيه) في الفرج. هو نفخ جبرائيل، والإسناد ~~إليه، للشرف. (من روحنا) مخلوق بلا واسطة. (وصدقت بكلمات ربها) بأحكامه. أو ~~الصحف المنزلة، عبر بها عنها، لقصرها. (وكتبه) وقرأ غير أبى عمرو وحفص: ms080 ~~(كتابه) مفردا على إرادة الجنس. أو الإنجيل، والمؤمن به حقا مؤمن بسائر ~~الكتب. (وكانت من القانتين) من جملة العابدين. غلب التذكير؛ إشارة إلى أن ~~طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال الكمل. ويجوز أن يكون (من) ابتدائية؛ لأنها ~~كانت من أعقابه هارون، فيكون مدحا لها بشرف النسب بعد مدحها بكرم الحسب. # روى مسلم والبخاري رحمهما الله، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم ~~بنت عمران، وخديجة بنت خويلد. وفضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر ~~الطعام. وفيه دليل ظاهر على أن عائشة أفضل النساء على الإطلاق. ولأن الرفعة ~~وعلو الشأن إنما هو بالعلم، ولم يدانيها كثير من الرجال، فضلا عن النساء. # * * * # تمت سورة التحريم، والحمد لمن فضله عميم، والصلاة على النبي الكريم، وآله ~~وصحبه ذوي الفضل الجسيم. # * * * # PageV01P194 ### | سورة الملك # مكية، وهي ثلاثون آية، وتسمى الواقية والمنجية # بسم الله الرحمن الرحيم # تبارك الذي بيده الملك ... (1) تعالى وكثر خيره، ودام من في قبضته الملك ~~المطلق. ذكر اليد معه مثل لاستغنائه عن الكل وافتقار الكل إليه، (وهو على ~~كل شيء قدير) ما يصح أن يكون، كان أو لم يكن، مما يطلق عليه اسم الشيء ~~كالدليل على تلك الإحاطة، والاستغناء والافتقار. # (الذي خلق الموت والحياة ... (2) قدرهما، أو أوجد الحياة وأعدمها. قدم ~~الموت؛ لأنه أقوى شيء دعا إلى العمل. وفي الحديث: " كفى بالموت واعظا " ~~وفيه. " أكثروا ذكر هاذم اللذات ". (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) ليعاملكم ~~معاملة من ييلو ويختبر أيكم # PageV01P195 # أحسن عملا. الجملة في محل نصب مفعول ثان للبلوى المتضمن معنى العلم، وليس ~~من باب التعليق؛ لأنه مشروط بإيقاع الجملة موقع المفعولين، وقد تقدم ~~المفعول الأول الاستفهام فانتفى الشرط. روي مرفوعا أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: " أحسن عملا: أتم عقلا عن الله، وأورع عن محارمه، وأسرع ~~في طاعته " (وهو العزيز) الغالب (الغفور) للذنوب. ترهيب وترغيب للعاصي في ~~التوبة. # (الذي خلق سبع سماوات طباقا ... (3) بعضها فوق بعص، مصدر طابق النعل، ms081 أو ~~خصف بعضها فوق بعض (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) أي: في خلقهن. صفة ~~مقوية ل " طباقا ". وإنما أقام الظاهر مقام المضمر؛ تعظيما ودلالة على أن ~~سبب سلامتها صدورها من الموصوف بنهاية الرحمة، وإشارة إلى أن كونها مبدعة ~~على تلك الصفة، كما دل على كمال الاقتدار، تحته من جلائل النعم ما لا يحصى. ~~وقرأ حمزة والكسائي " من تفوت ". عن سيبويه وأبي زيد: أنهما بمعنى كتعاهد ~~وتعهد (فارجع البصر) ثانيا؛ لأن النظرة الأولى حمقاء. (هل ترى من فطور) من ~~شقوق، جمع فطر كبدر وبدور. # (ثم ارجع البصر كرتين ... (4) ثم بعد النظرة الثانية داوم على النظر ~~متفحصا أحوالها، ملتمسا خللا. التثنية للتكرير مثل لبيك. (ينقلب إليك البصر ~~خاسئا وهو حسير) بعيدا كالمطرود عن وجدان الخلل، كليلا ذا تعب في الطلب. # (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح ... (5) هذا أدل على كمال الاقتدار من ~~كونها ملساء مستوية. والمصابيح: النجوم المضيئة في السقف المرفوع، كالسرج ~~في سقوف البيت. والدنو بالنسبة إلى من في الأرض، وكونها زينة لها لا تقتضي ~~أن تكون مركوزة فيها. # PageV01P196 # (وجعلناها رجوما للشياطين) بانفصال الشهب منها كالنار المقتبسة، وعليه ~~يحمل انقضاض الكوكب في الحديث. وأشعار العرب؛ لأن كونها زينة السماء يقتضي ~~استمرارها، وقيل: جعلناها رجوما أي: ظنونا لشياطين الإنس أي: سبب ظنونهم ~~التي يرمون بها الغيب. جمع رجم بالفتح مصدر سمي به ما يرجم به. (وأعتدنا ~~لهم عذاب السعير) في الآخرة. # مستطرد لذكر الشياطين. # (وللذين كفروا بربهم ... (6) بعد هذه الدلائل النيرة، (عذاب جهنم وبئس ~~المصير) جهنم أو عذابه. # (إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا ... (7) صوتا كصوت الحمار، إما منها، أو ~~ممن تقدمهم. (وهي تفور) فوارن المرجل. # (تكاد تميز من الغيظ ... (8) تمثيل لشدة اشتعالها وامتلائها بالنار. أو ~~يخلق الله فيها إدراكا، كما عليه ظواهر النصوص. (كلما ألقي فيها فوج سألهم ~~خزنتها ألم يأتكم نذير) ينذركم عذاب اليوم. سؤال توبيخ. # (قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا ... (9) النذير (وقلنا ما نزل الله من ~~شيء) قط. # (إن أنتم إلا في ضلال كبير) كلام الكفار للنذير؛ ms082 لأنه مصدر وصف به الجمع ~~مبالغة في # PageV01P197 # إنذارهم، كرجل عدل. أو يقدر مضاف أي: أهل إنذار. أو من كلام الخزنة على ~~طريق حكاية ما كانوا عليه. أو الضلال الهلاك، أو سمي عقابه باسمه. # (وقالوا لو كنا نسمع ... (10) كلام الرسل سماع تفهم وتدبر. (أو نعقل) ~~نتأمل آيات الآفاق والأنفس، ونستدل بها على أن الإنسان لم يخلق سدى. (ما ~~كنا في أصحاب السعير) في جملتهم. # (فاعترفوا بذنبهم ... (11) حين لا ينفع الاعتراف. (فسحقا لأصحاب السعير) ~~بعدا لهم. أي: أسحقهم الله إسحاقا، حذف منه الزائد كأنبت نباتا، وقرأ ~~الكسائي بضم الحاء على أنها لغة. # (إن الذين يخشون ربهم ... (12) ذكر الكفار كان بالعرض؛ لأن الذي سيق له ~~الكلام بيان حال من هو أحسن عملا كأن قيل: ماذا حال من سيق له الكلام؟ ~~فأثبت لهم كمال العلم الذي أشير إليه بقوله: (إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء) وكمال التقوى بقوله: (بالغيب) بالغائب عنهم، أو غائبين عنه، أو ~~بالغائب المخفي وهو القلب. (لهم مغفرة) لما فرط منهم (وأجر كبير) لا يسعه ~~تصورهم. # (وأسروا قولكم أو اجهروا به ... (13) خطاب عام كما في (ليبلوكم) أي: ~~اتقوه في السر والعلن؛ لاستوائهما في علمه. حث للخاشي على الاستدامة ~~والترقي إلى حق الخشية، وللغافل المغتر على الإنابة ويجوز أن يكون التفاتا ~~إلى أصحاب السعير؛ لما روي أن المشركين # PageV01P198 # كانوا يقولون: " أسروا قولكم لئلا يسمع إله محمد فيخبره " (إنه عليم بذات ~~الصدور) بضمائرها. فضلا عن الصادر عنها سرا وجهرا. # (ألا يعلم من خلق ... (14) ألا يعلم السر والجهر من خلق الأشياء كلها؟! ~~(وهو اللطيف) الدقيق في صنعه، دقت حكمته في كل شيء، (الخبير) ببواطن ~~الأشياء. وحذف المفعول من " خلق " للتعميم، ولا يجوز أن يكون من قبيل يعطي ~~ويمنع؛ لارتباطه بما تقدم من حد بها السر فلا بد من ملاحظة المفعول. يجوز ~~أن يكون " من " مفعولا، وفي " يعلم " ضمير الرب أي: ألا يعلم الله مخلوقه ~~وهذا شأنه. والأول أوجه؛ لإقامة الظاهر مقام المضمر، ولكونه أدل على ~~المحذوف، ولعموم المقدر المتناول له تناولا أوليا. # (هو الذي ms083 جعل لكم الأرض ذلولا ... (15) لينة يسهل عليكم سلوكها. (فامشوا ~~في مناكبها) في جوانبها. مثل في فرط التذلل؛ لأن منكب البعير أرق شيء فيه، ~~وأنباه عن وطئ الراكب بقدمه، فإذا ذلل ذلك فقد بلغ التذليل غايته. وقيل: ~~مناكبها جبالها، فالاستعارة فى لفظ المنكب. (وكلوا من رزقه) ما أخرج منها ~~أقواتا وثمارا. (وإليه النشور) فاجتهدوا فى الشكر فإنه يسألكم عنها. # (أأمنتم من في السماء ... (16) ملكوته وسلطانه. أو نفسه على زعم جهلة ~~العرب. وقيل: الملك الموكل للعذاب وليس برصين. (أن يخسف بكم الأرض) كما خسف ~~بقارون. # PageV01P199 # مقابل لقوله (فامشوا) بدل اشتمال من " من ". (فإذا هي تمور) تضطرب في ~~ذهاب ومجيء من هيبة الله وشدة غضبه. # (أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا ... (17) ريحا فيه الحصباء ~~والأحجار كقوم لوط، مقابل لقوله: (وكلوا من رزقه) لقوله: (وفي السماء ~~رزقكم). (فستعلمون كيف نذير) إذا شاهدتم المنذر به. # (ولقد كذب الذين من قبلهم ... (18) قبل قريش. (فكيف كان نكير) إنكاري ~~بالانتقام، وقد شاهدوا آثاره وتواتر عندهم خبر ما لم يشاهدوه. # (أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ... (19) باسطات أجنحتهن في الجو، ~~فإنها إذا بسطت الأجنحة صفت القوادم. (ويقبضن) لم يقل قابضات؛ لأن الطيران ~~كالسباحة الأصل فيه المد والقبض تارة وتارة، والفعل دال على التجدد ~~والحدوث. (ما يمسكهن إلا الرحمن) بليغ الرحمة، بأن خلقها على وضع وهيئة ~~يتمكن بها من الطيران، بأن جعل لها القوادم تشق بها الريح، والحوافي تشدها ~~والأذناب تقيمها كما في السفن. (إنه بكل شيء بصير) عليم عيانا لا يخفى عليه ~~شيء مما يدهش الفطن. وفي ذكره عقيب الخسف وإرسال الحاصب؛ إشارة إلى أن من ~~هذا شأنه ذاك أهون شيء عنده، وإيماء إلى أن دافع العذاب عن هؤلاء مع ~~موجباته وتكامل أسبابه منهم إنما هو تلك الرحمة البالغة التي أمسكت الطير ~~في الهواء. # (أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن ... (20) متعلق بحديث ~~الخسف؛ لأن قوله: (ولقد كذب) اعتراض يشد من عضد التحذير، وكذا قوله: (أولم # PageV01P200 # يروا) تصوير لقدرته الباهرة. والمعنى: " أم " الذي ms084 يقال فيه هذا الذي هو ~~جند لكم أمنكم من عذاب الله؟ على أن " أم " منقطعة والاستفهام تهكم. ~~والمشار إليه إما فوج مقدر، أو أصنامهم. " من " مبتدأ، و " هذا " خبره، ~~والموصول صفة " هذا "، و " ينصركم " وصف ل " جند " محمول على اللفظ. (إن ~~الكافرون إلا في غرور) مستغرقون في الغفلة. # (أمن هذا الذي يرزقكم ... (21) أي: أم الذي يقال فيه هذا الذي يرزقكم؟ ~~(إن أمسك رزقه) أي: الله تعالى بإمساكه أسبابه، من المطر والإنبات. متعلق ~~بإرسال الحاصب. # (بل لجوا في عتو) تمادوا في العناد. (ونفور) وإعراض. وهذا أدل على ~~إغراقهم في الكفر من قوله: (إلا في غرور). كما أن توهم الرزق من الأصنام، ~~أو من فوج مقدر أبعد من تخيل النصر منها. # (أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى ... (22) يقال: كببته فأكب، وعدوه من ~~النوادر؛ لأن القياس كون المجرد مطاوعا للمزيد. وقيل: ليس من ذاك بل ~~المعنى: صار ذا كب كأغد البعير، ومعنى مشيه مكبا على وجهه يقع تارة ويقوم ~~أخرى؛ لكونه ماشيا في غير الطريق، أو لكونه أعمى لا يبصر. (أمن يمشي سويا ~~على صراط مستقيم) هذا مثل ضربه للكافر والمؤمن، فإن الكافر في ظلمات الشبه ~~والشكوك كمن لا يرى جهة قصده، أو يسلك مكانا وعرا، فهو بين قيام وسقوط، ~~والمؤمن في نور إيمانه كمن يرى مواطئ قدميه، أو كمن سلك طريقا جادة سهلة ~~السلوك. وإن شئت شبهت الدينين بالمسلكين. # PageV01P201 # (قل هو الذي أنشأكم ... (23) من تراب، (وجعل لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة) آلات الإدراك. وأي بعد أبعد ما بين التراب وهذه الأمور. (قليلا ~~ما) جدا (تشكرون) بصرفها إلى ما خلقت له، فلا سمعتم سماع تفهم، ولا نظرتم ~~نظر اعتبار، ولا تدبرتم في دلائل الأنفس والآفاق. # (قل هو الذي ذرأكم في الأرض ... (24) بثكم فيها متمكنين من أي تصرف شئتم. ~~(وإليه تحشرون) للجزاء، فشمروا له. # (ويقولون متى هذا الوعد ... (25) أي: الحشر. أو العذاب كالخسف وإرسال ~~الحاصب. (إن كنتم صادقين) الخطاب له ولمن آمن به. # (قل إنما العلم عند الله ... (26) لا يعلم ذلك غيره. (وإنما أنا نذير ms085 ~~مبين* فلما رأوه زلفة ... (27) الضمير للموعود، وعبر عنه بالماضي؛ لتحقق ~~وقوعه. (سيئت وجوه الذين كفروا) ساءها رؤية العذاب وغشيها القترة. (وقيل ~~هذا الذي كنتم به تدعون) تستعجلون، من الدعاء. الباء صلة. أو تدعون أن لا ~~بعث، من الدعوى. فالباء سببية. # (قل أرأيتم إن أهلكني الله ... (28) أماتني (ومن معي) من المؤمنين، (أو ~~رحمنا) بتأخير الآجال، (فمن يجير الكافرين من عذاب أليم) كانوا يتمنون ~~هلاكه. كما قال الله تعالى: (نتربص به ريب المنون) أي: إن أهلكنا الله كما ~~تمنون أنتم، أو رحمنا بالنصر عليكم كما نرجو نحن، لا مجير لكم من عذاب ~~الله. أو نحن هداتكم ودعاتكم إلى النجاة، فإن أهلك الله هداتكم كما تمنون، ~~أو رحمهم عكس ما تمنون فمن يجيركم، أو نحن مؤمنون # PageV01P202 # وحالنا دائرة بين الاهلاك بالذنب والرحمة بالإيمان، فماذا حالكم مع ~~كفركم؟!. وعلى الوجوه من إيقاع المظهر موضع المضمر. # (قل هو الرحمن آمنا به ... (29) فيجيرنا من عذابه، ولم نكفر مثلكم. ~~(وعليه توكلنا) لا على العدد والعدد مثلكم. (فستعلمون من هو في ضلال مبين) ~~منا ومنكم. من كلام المنصف. وقرأ الكسائي بياء الغيبة. # (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا ... (30) غائرا في الأرض، (فمن يأتيكم ~~بماء معين) جار أو سهل المآخذ. فإن لم تعبدوه للحياة الباقية فاعبدوه ~~للفانية، فالكل منه وإليه. (وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه). # * * * # تمت سورة الملك، والحمد لله لمن بيده البقاء والهلك، والصلاة والسلام على ~~خير الأنام وآله وصحبه إلى يوم القيام. # * * * # PageV01P203 ### | سورة القلم # مكية، وآياتها ثنتان وخمسون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # (ن ... (1) اسم السورة، أو من حروف الهجاء كما تقدم في نظائره. وقيل: اسم ~~الحوت الذي عليه الأرض المسمى بالبهموت. وقيل: اسم اللوح الذي كتب فيه ~~القلم ما هو كائن. وقيل: اسم الدواة. وفي الكل بعد، إذ الوجه إعرابه على أن ~~ذكر الحوت مع القلم كذكر الضب مع النون. فإن قلت: إذا كان اسم السورة فلا ~~تنكر سكون آخره، فليكن كذلك إذا جعل اسم الدواة أو اللوح. قلت: قد سبق أن ~~الحكاية في ms086 هذه الحروف إنما يصح إذا كانت أسماء للسور للمح معانيها ~~الأصلية؛ إيقاظا لمن تحدى بها. وأقرب الوجوه أن يكون # PageV01P204 # اسما للدواة التي كتب منها القلم الكائنات، وسكونه؛ إجراء للوصل مجرى ~~الوقف. (والقلم) هو الذي خلقه الله أول، أو جنسه. أقسم به؛ لشرفه لأنه آلة ~~لكتابة وحيه وحكمه. (وما يسطرون) ما يكتبه من كتب من المعارف. أو الحفظة من ~~الأعمال. ويجوز أن يكون " ما " مصدرية، وأن يراد بالقلم أصحابه وهم كتاب ~~وحيه وحملة شرائعه. أقسم بهم وبمسطوراتهم، أو بسطرهم وكتابتهم. # (ما أنت بنعمة ربك بمجنون (2) جواب القسم والمعنى: ما أنت بمجنون منعما ~~عليك بما أنعم من رزانة الرأي وحصافة العقل، على أن الجار والمجرور حال من ~~المستكن في (بمجنون) وهو العامل فيه، والباء فيه زائدة، فلا يمنع العمل ~~فيما قبله. # (وإن لك لأجرا غير ممنون (3) غير مقطوع كقوله: (عطاء غير مجذوذ)، أو ~~خاليا عن المنة. والمعنى: أن لك عندنا من الزلفى والمكانة زيادة على أجر ~~صبرك على أذاهم ما لا يستحق الأجر أن يمن به عليك. وقيل: ممنون من الناس؛ ~~لأنه من عطاء ربك. # (وإنك لعلى خلق عظيم (4) وبه استوجبت تلك الرتبة العظمى. وعن قتادة رحمه ~~الله، قلت لعائشة رضي الله عنها: أخبريني عن خلق رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقالت: " كان خلقه القرآن ". وكذا عن سعد بن هشام رحمه الله تعالى. ~~أشارت إلى قوله (خذ العفو # PageV01P205 # (وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين). وروى البخاري عن عبد الله بن عمرو - ~~رضي الله عنهما -: " أن نعته في التوراة محمد عبدي سميته المتوكل، ليس بفظ، ~~ولا غليظ، ولا يجازي السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويغفر ". وعن علي بن أبي ~~طالب - رضي الله عنه -: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس ~~صدرا، وأصدقهم لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن ~~خالطه أحبه. # PageV01P206 # (فستبصر ويبصرون (5) بأيكم المفتون (6) أي: أيكم الذي محن بالجنون. الباء ~~زائدة، أو المفتون مصدر كالمعقول، أو الباء. بمعنى في. أي: في أي فريق منكم ~~يوجد من يستحق هذا ms087 الاسم. والخطاب وإن كان معه، إلا أن أمته داخلة تبعا، ~~وهذا أوجه الأوجه؛ لاشتماله على التعريض مع سلامته عن استعمال النادر. # (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ... (7) أي: بالمجانين. (وهو أعلم ~~بالمهتدين) العقلاء. أشار إلى أن الجنون والعقل بهذا الاعتبار، لا بما ~~توهموه، فهم في هذا الزعم مجانين. ويجوز أن يكون وعيدا ووعدا أي: أعلم ~~بجزاء الفريقين. # (فلا تطع المكذبين (8) كانوا يدعونه إلى عبادة الأصنام وقتا؛ ليدعوه من ~~غوائلهم، أو يعبد ما يعبدوه وقتا. # (ودوا لو تدهن ... (9) تلين لهم (فيدهنون) فيلينون لك. الفاء للعطف، أي: ~~ودوا إدهانك فيدهنوا بعد إدهانك. أو السببية، أي: ودوا لو تدهن فهم يدهنون ~~حينئذ، أو ودوا إدهانك فهم الآن يدهنون طمعا فيه. # (ولا تطع كل حلاف ... (10) كثير الحلف، وفي جعله فاتحة المثالب وإمام ~~القبائح؛ دلالة على أنه شر الخصال؛ وذلك لأنه يدل على عدم استشعار عظمته ~~تعالى. (مهين) حقير. # (هماز ... (11) عياب. من الهمز: وهو الكسر. (مشاء بنميم) النميم ~~والنميمة: نقل الحديث لإيقاع الفتنة، وإفساد ذات البين. # PageV01P207 # (مناع للخير ... (12) شديد البخل. والخير: المال، أو أهله من الخير: وهو ~~الإيمان. # ذكر الممنوع منه دون الممنوع عكس الوجه الأول؛ لأن عدم ذكر الممنوع منه ~~هناك أوقع # (معتد) ظالم متجاوز الحد. (أثيم) كثير الإثم. # (عتل ... (13) جاف غليظ. من عتله: إذا قاده بعنف. (بعد ذلك زنيم) بعدما ~~ذكر من المثالب دعي، لا نسب له، وهذا كما إذا عددت مثالب إنسان، ثم تقول: ~~وبعد ذلك لا يحب أبا بكر وعمر رضي الله عنهما. والزنيم: شاة لها زنمة وهي ~~ما يقطع من أذنها من غير فصل فيتدلى. قيل: هو الوليد بن المغيرة استلحقه ~~أبوه بعد ثماني عشرة من مولده، وقيل: بغت أمه فولدته من الزنا. وقيل: هو ~~الأخنس بن شريق كان من ثقيف وعداده في زهرة، وليس بصواب؛ لأنه أسلم، معدود ~~في الصحابة. # (أن كان ذا مال وبنين (14) إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين (15) ~~متعلق بقوله (ولا تطع) أي: لا تطعه بعد هذه المثالب لكونه ذا يسار وحظ من ms088 ~~الدنيا. أو بما دل عليه ما بعد من معنى التكذيب، لا ب " قال "؛ لأن ما بعد ~~الشرط لا يعمل فيما قبله، أي: كذب بآياتنا؛ لأنه كان مستظهرا بالمال ~~والبنين مغرورا بها. قيل: كان له عشرة من البنين، وله مال وافر، ويقول: " ~~من آمن بمحمد منعت رفدي ". # PageV01P208 # وقرأ حمزة وأبو بكر بالاستفهام، إنكارا لطاعته له لكونه ذا مال، وكذا ابن ~~عامر. إلا أنه سهل الثانية بزيادة ألف بينهما. لهشام ولابن ذكوان بين بين. # (سنسمه على الخرطوم (16) الوجه أشرف الأعضاء، وأشرف أجزائه الأنف. والعرب ~~على أن الشرف يظهر في الأنف، يقولون: " فلان به شمم " و "القوم شم العرانين ~~"، وفي وصفه - صلى الله عليه وسلم -: " أشم العرنين "، فالكي على الأنف ~~إهانة وإذلال. يجوز أن يكون حقيقة. أو كناية عن الإذلال، والتعبير عنه ~~بالخرطوم زيادة تشويه؛ لأنه لا يستعمل إلا في الفيل أو الخنزير. وما قيل: ~~أنه خطم يوم بدر فبقي سمة على خرطومه سهو؛ لأن الوليد مات قبل بدر، وأبعد ~~منه ما نقل عن النضر بن شميل أن الخرطوم هو الخمر، ومعناه: سنحده على ~~شربها. # (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة ... (17) أي: إنا اختبرنا أهل مكة ~~بإرسال محمد نعمة عليهم، فلما كفروا به سلطنا عليهم القحط، كما اختبرنا ~~أصحاب الجنة. عن سعيد بن جبير أن هؤلاء كانوا من قرية يقال لها: صروان من ~~قرى صنعاء وكان أبوهم ذا # PageV01P209 # بر وإحسان على الفقراء، كان يأخذ من غلة بستانه هذه قوت سنة، ويصرف ~~الباقي على الفقراء والمحاويج، فقال بنوه: إن فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق ~~علينا الأمر ونحن ذو عيال. # (إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين) داخلين في الصباح قبل أن يعلم بذلك الفقراء ~~(ولا يستثنون (18) في أيمانهم. لم يقولوا إن شاء الله، بل بتوا القول ~~وجزموا به. وإنما سمي الشرط استثناء؛ لأنه يؤدي مؤداه في الإخراج. # (فطاف عليها ... (19) على الجنة (طائف) بلاء من الطوفان (من ربك) مرسل من ~~عند الله (وهم نائمون) لا علم لهم بذلك. # (فأصبحت كالصريم (20) كالمجدود ثماره. من الصرم وهو: القطع. أو ms089 كالليل ~~المظلم محترقا، أو الليل الأبيض المقمر. فإن الصريم من الأضداد. أو كالرمل ~~المنصرم. أو كالتي أصابها الصرام وهي: الداهية. # (فتنادوا ... (21) نادى بعضهم بعضا (مصبحين). # (أن اغدوا على حرثكم ... (22) أن مفسرة، واستعمال الغدو ب (على)؛ لتضمينه ~~معنى الإقبال، أو لأن الغدو للصرام استيلاء، وهو والاستعلاء من واد واحد. ~~(إن كنتم صارمين) على الوجه الذي عزمتم عليه. # PageV01P210 # (فانطلقوا وهم يتخافتون (23) يتكاتمون الحديث. # (أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين (24) أن مفسرة، والمراد بنهي المسكين ~~عن الدخول المبالغة في النهي عن تمكينه كقولك: لا أرينك هنا. # (وغدوا على حرد قادرين (25) الحرد: المنع، يقال: حاردت السنة إذا منعت ~~المطر، والإبل إذا انجلت بالدر، أي: غدوا عازمين على المنع حال كونهم ~~قادرين على الخير. أو غدوا على محاردة جنتهم ومنع خيرها بدل كونهم قادرين ~~على إصابة خيرها. وقيل الحرد: السرعة. يقال: قطا حراد أي: سراع. أي: اذهبوا ~~على وجه السرعة لئلا يدركهم المساكين. وقيل. الحرد: القصد. أي: غدوا قاصدين ~~الصرام، قادرين على ذلك من عند أنفسهم حال مقدرة. وقيل: الحرد اسم بستانهم. # (فلما رأوها ... (26) على تلك الحالة: (قالوا إنا لضالون) طريق جنتنا. ~~قالوه قبل، فلما تيقنوا الأمر قالوا: # (بل نحن محرومون (27) حرمنا خير جنتنا لجنايتنا على أنفسنا. # (قال أوسطهم ... (28) أي: خيرهم رأيا (ألم أقل لكم لولا تسبحون) أي: ~~تستثنون؛ لتلاقي الاستثناء والتسبيح في التعظيم، فاستعمل مكانه. وعن الحسن ~~لولا تصلون # PageV01P211 # فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء. أو لولا تذكرون الله وتتوبون إليه. كأنه ~~نصحهم على خبث نيتهم، فلم يطيعوه. # (قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين (29) في القصد إلى حرمان المساكين. ~~قالوه بعد خراب البصرة واتساع الخرق على الراقع. # (فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون (30) كل منهم يقول للآخر أنت السبب. أو ~~لأن بعضهم قال، وبعضهم رضي به، وبعضهم كف فلم يطيعوه. # (قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين (31) فلذلك أصابنا البلاء. # (عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها ... (32) كما هو شأنه مع التائبين. (إنا ~~إلى ربنا راغبون) في العفو ومحو الجريمة، وإفاضة الخير. والظاهر أن الله ~~تعالى قبل توبتهم ms090 لوقوعها في أوانها. # (كذلك العذاب ... (33) أي: مثل ما بلوناه أهل مكة، وأصحاب الجنة. العذاب ~~الواقع في الدنيا. وقد أدمج في التمثيل بأصحاب الجنة أن أهل مكة أولى ~~بالبوار والنكال؛ لأن القصد إلى حرمان المساكين إذا أفضى بهم إلى ما ذكر، ~~فكيف بمن عاند الحق وكذب أشرف الرسل، وقطع الرحم التي أوصى الله تعالى ~~بصلتها؟. (ولعذاب الآخرة أكبر) من عذاب الدنيا. (لو كانوا يعلمون) لو كانوا ~~من أهل العلم لعلموا ذلك، ولأخذوا حذرهم. # PageV01P212 # (إن للمتقين عند ربهم ... (34) في جوار قدسه (جنات النعيم) جنات ليس فيها ~~إلا النعيم. تعريض بجنات الدنيا، فإن الغالب فيها التعب والنكد، وحسن موقعه ~~بعد ذكر أصحاب الجنة المذكورة وذكر حالها. # (أفنجعل المسلمين كالمجرمين (35) قال مقاتل: كانوا يقولون إن لم نكن في ~~الآخرة أحسن حالا من المسلمين، فلا أقل من المساواة، قياسا على حظوظ ~~الدنيا. # (ما لكم ... (36) ما حصل لكم من الخلل. (كيف تحكمون) هذا الحكم الذي لا ~~يصدر عن ذي مسكة؟. وفي الاستفهام مبالغة في التعجيب من سفاهتهم (أم لكم ~~كتاب فيه تدرسون (37) لكم بما فيه علم تام. # (إن لكم فيه لما تخيرون) تختارونه وتشتهونه. وكان الظاهر فتح (إن)؛ لأنه ~~مدروس، وإنما كسر؛ لوجود اللام، أو هو على الحكاية. كقوله: (وتركنا عليه في ~~الآخرين (78) سلام على نوح). ولا يقدح في هذا تكرار (فيه)؛ لكونه على منوال ~~" قرأت الكشاف إن في الكشاف لفوائد ". وتخير الشيء واختاره: أخذه خيرة. # (أم لكم أيمان علينا ... (39) يقال: لفلان علي يمين إذا حلفت له على أمر ~~تضمنه له. # (بالغة) متناهية في التغليظ. جمع اليمين وأكده؛ لفرط اعتمادهم. (إلى يوم ~~القيامة) غاية للثبوت المقدر في الظرف. أي: ثابتة إلى ذلك اليوم، كالأجل ~~للدين، فإذا وفينا بالمقسم عليه # PageV01P213 # خرجنا عن عهدتها. أو مبالغة على معنى أنها مستمرة إلى ذلك اليوم، لا تنحل ~~منها يمين، ولم تبطل حتى يحصل المقسم عليه. (إن لكم لما تحكمون) جواب ~~القسم؛ لأن معنى (أم لكم أيمان علينا) أم أقسمنا لكم. # (سلهم أيهم بذلك زعيم (40) كافل بإثبات ما ذكر. (أم لهم ms091 شركاء ... (41) ~~في هذه العقيدة. (فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين) في دعواهم. ومعلوم أنه ~~لا يوافقهم عاقل، فقد انحسم مادة الشبه عقلا ونقلا. # (يوم يكشف عن ساق ... (42) منصوب ب (فليأتوا)، أو ب " اذكر "، أو بمقدر، ~~أي: يكون كيت وكيت الكشف عن الساق والتشمر عنها. جرى مجرى المثل عن شدة ~~الأمر، واستعمله البلغاء حيث لا يتصور ساق. قال جرير: # ألا رب سامي الطرف من آل مازن ... إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا # وأصل هذا؛ أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم شمر عن ساقه. ولا ينافي هذا ما ~~رواه البخاري عن أبي سعيد أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ~~" يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل # PageV01P214 # مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان في الدنيا يسجد رياء فيذهب ليسجد، فيعود ظهره ~~طبقا". # إذ عند الاشتداد والفزع الأكبر يتجلى للمؤمنين بصفة الجمال، وهذا إنما ~~يكون بعد ذهاب # أهل النار ولم يبق إلا المؤمنون، وبينهم المنافقون فأرادوا النفاق كما في ~~الدنيا فافتضحوا. وهذا # معنى قوله: (ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون)، لأن هناك دعاء صريحا، ~~وتكليفا. # (خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ... (43) # تغشاهم. (وقد كانوا يدعون إلى السجود # وهم سالمون) من العوائق. # (فذرني ومن يكذب بهذا الحديث ... (44) # أي: كله إلي فأنا أكفيك. # (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) أنه استدراج، بأن يفيض عليهم الرزق # والعافية فيحسبونه إيثارا لهم وتفضيلا على المؤمنين، فيتمادون في ~~الضلالة. والاستدراج: # استنزال الشخص درجة بعد درجة حتى يتورط في الهلاك. # (وأملي لهم ... (45) # أي: أطيل لهم المدة ليزدادوا إثما (إن كيدي متين) قوي. وإنما # سمى إحسانه استدراجا وكيدا، لأنه في صورته. # PageV01P215 # (أم تسألهم أجرا ... (46) متصل بقوله: (أم لهم شركاء)، وما في البين ~~اعتراض، ترغيبا للسامعين في البدار قبل فوت الوقت (فهم من مغرم مثقلون) ~~فلذلك يعرضون. # (أم عندهم الغيب ... (47) أي: اللوح الذي هو خزائن المغيبات، (فهم ~~يكتبون) منه، يستغنون به عنك وعما جئت به. # (فاصبر لحكم ربك ... (48) وهو إمهالهم إلى وقت معلوم، (ولا تكن كصاحب ~~الحوت) هو يونس بن متى. (إذ نادى وهو مكظوم) ms092 في بطن الحوت. (أن لا إله إلا ~~أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) والمعنى: لا تكن مكظوما أي: مملوءا غيظا ~~على عدم إيمان قومك مثله. فالمنهي عنه مشابهته إياه في الكظم. ولما كان ~~موهما بنوع انحطاطه، قال: " لا تفضلوني على يونس بن متى " إذ كان غضبه لله، ~~وإن لم يكن من عزم الأمور. # (لولا أن تداركه نعمة من ربه ... (49) رحمة منه، أو توفيقه إياه للتوبة. ~~(لنبذ بالعراء وهو مذموم) أي. امتنع نبذه بالعراء مذموما؛ لوجود التدارك، ~~فالمعتمد في الجواب (لولا) هو الحال، لا النبذ؛ لوجوده، العراء: الفضاء ~~الذي لا ساتر له. # (فاجتباه ربه ... (50) بعد الإنابة، (فجعله من الصالحين) من عداد ~~الأنبياء. وقيل: استنباه، وهو خطأ فاحش، وكذا القول بنزول الآية حين أراد ~~أن يدعو على المؤمنين الذين انهزموا يوم أحد؛ لأن السورة من أوائل ما نزل ~~بمكة. # PageV01P216 # (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم ... (51) زلقه وأزلقه بمعنى: ~~أزاله عن مكانه. وصفهم بالمبالغة في العداوة كأنها سرت من القلب والجوارح ~~إلى النظر فصار يعمل عملها. وإليه أشار من قال: # يتقارضون إذا التقوا في موطن ... نظرا يزيل مواطئ الأقدام # وقيل: العين. كان في بني أسد، وكان يتجوع منهم رجل ثلاثة أيام، فلا يمر ~~به شيء يقول: لم أر كاليوم مثله إلا عانه، فأرادوا فعله برسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، فوقاه الله بعنايته. وعن الحسن أن هذه الآية رقية العين، ~~من خاف من إصابة العين فليقرأها، وروى الإمام أحمد بن حنبل عن ابن عباس - ~~رضي الله عنهما -: " ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين " والأخبار في ~~حقية العين متواترة المعنى، ومن شاهد تأثير المغناطيس في جذب الحديد لم ~~يستبعد تأثير العين. وقرأ نافع (يزلقونك) بفتح الياء. وهي لغة، والضم أشهر. ~~(لما سمعوا الذكر) القرآن الذي هو شرف لهم. (ويقولون إنه لمجنون) ولذلك ~~خالف كلامه أساليب كلام العرب. # PageV01P217 # (وما هو إلا ذكر للعالمين (52) عظة لكل ذي عقل من الملائكة والثقلين. أو ~~شرف لمن حفظه وعمل بما فيه كائنا من كان، وهذا أبلغ من قوله: ms093 (وإنه لذكر لك ~~ولقومك). # * * * # تمت سورة نون، والحمد لمن أجره غير ممنون، والصلاة والسلام على خيرة ~~الخلق إلى يوم يبعثون. # * * * # PageV01P218 ### | سورة الحاقة # مكية، وآيها إحدى وخمسون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # (الحاقة (1) من أسماء يوم القيامة، أي: الساعة الثابتة التي لا ريب في ~~ثبوتها، أو التي فيها ثوابت الأمور من الحساب والجزاء على الإسناد المجازي، ~~وكذا إن فسرت بما يحق فيها من الأمور، وتعرف على الحقيقة. # (ما الحاقة (2) ما حقيقتها؟. الجملة خبر الأول، والأصل ما هي؟ تعظيم ~~وتهويل لها. وفي وضع المظهر مقام المضمر زيادة ومبالغة. وأكد ذلك بقوله: # (وما أدراك ما الحاقة (3) أي؛ لم تحط علما بكنهها، وكل شيء قدرته في ~~نفسك، فهي أفظع من ذلك. و " ما " الاستفهامية علق عنها الفعل. ولما هول ~~أمرها بما لا مزيد عليه، أردفه بذكر المكذبين بها وما حل بهم، وادخر لهم في ~~الآخرة؛ تحذيرا لأهل مكة. # (كذبت ثمود وعاد بالقارعة (4) من أسمائها؛ لأنها تقرع الناس بالإفزاع ~~والأهوال، والجبال بالدك، والسماء بالانفطار، والأرض بالزلزال. وهذا تهويل ~~آخر، حيث لم يعبر عنها بالضمير، ولا بالمظهر المذكور. # PageV01P219 # (فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية (5) بالواقعة المتجاوزة عن الحد في الفظاعة، ~~وهي الصاعقة، لقوله: (فأخذتهم صاعقة العذاب) ويجوز أن يكون معها الصيحة ~~والرجفة، كالحاصب مع الخسف في قوم لوط. وقيل " مصدر كالعاقبة، ولا يلائم ~~قوله: # (وأما عاد فأهلكوا بريح ... (6) لأن الآية من قبيل الجمع والتفريق، ~~والحدث لا يناسب العين. (صرصر) شديدة الصوت، لها صرصرة في هبوبها، أو من ~~الصر وهو: البرد، كأنها التي كرر فيها البرد. (عاتية) على قوم عاد، فلم ~~يقروا على دفعها، وعن على بن أبي طالب - رضي الله عنه - عتت على خزانها، ~~فخرجت بغير حساب. # (سخرها عليهم ... (7) سلطها. (سبع ليال وثمانية أيام) استئناف لبيان ~~الكمية بعد الكيف؛ ليتكامل الهول. (حسوما) حاسمات كل خير، جمع حاسم، كشهود ~~جمع شاهد. والحسم: إزالة أثر الشيء، ومنه الحسم للكي المستأصل للداء، أو ~~متابعة هبوب الريح حتى استأصلتهم، كأن كل هبة كية. ويجوز أن يكون مصدر ~~الفعل مقدرا، أي: يحسم حسوما، ms094 أي. يفرق بينهم تفريقا شديدا لا اجتماع بعده، ~~لكمال النحوسة. (فترى القوم فيها) في مهابها ((صرعى) ملقى على الأرض ~~كالأخشاب اليابسة. قيل: كانت من صبيحة الأربعاء إلى غروب الأربعاء وسميت ~~أيام العجوز؛ لأن عجوزا توارت في سرب فوجدها الريح في اليوم الثامن. وقيل: ~~أيام العجز، وهي آخر الشتاء. وأسماؤها: الضن، والضبر والآمر، والمؤتمر، ~~والمعلل، ومطفئ الجمر. (كأنهم أعجاز نخل خاوية) أصول نخل متآكلة الأجواف. # PageV01P220 # (فهل ترى لهم من باقية (8) بقية، أو نفس باقية، أو بقاء. # (وجاء فرعون ومن قبله ... (9) قبل فرعون. وقرأ أبو عمرو والكسائي: قبله ~~بكسر القاف أي: أتباعه، والأول أبلغ وأشمل، إذ ذكر فرعون دل على أتباعه. ~~(والمؤتفكات) قرى قوم لوط، والإسناد مجاز (بالخاطئة) بالخطأ، أو بالفعلة ~~ذات الخطأ، أو بالأفعال الخاطئة. مجاز في الحكم. # (فعصوا رسول ربهم ... (10) كل منهم رسوله (فأخذهم أخذة رابية) شديدة لعظم ~~جرمهم. من ربا الشيء: زاد. # (إنا لما طغى الماء ... (11) على الخزان يوم الطوفان، أو جاوز الحد. ~~(حملناكم في الجارية) في السفينة. وذكرها باسم الجارية؛ تصوير لإظهار ~~القدرة، إذ لم يكين لها مجر ولا نوتي، بل كان باسم الله مجراها ومرساها. # (لنجعلها لكم تذكرة ... (12) تلك الفعلة موعظة. (وتعيها أذن واعية) من ~~شأنها الوعي يقال: وعيته إذا حفظته في نفسك، وأوعيته إذا حفظته في وعاء ~~آخر. والتنكر؛ للدلالة على قلة الأذن الموصوفة، وإن واحدة منها إذا وجدت ~~كانت بمثابة السواد الأعظم. وقرأ نافع: بسكون الذال. وعن علي - رضي الله ~~عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " سألت الله أن يجعل أذنك ~~واعية قال: فما نسيت بعد ذلك شيئا، وما كان لي أن أنسى ". # (فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة (13) وهي النفخة الأولى نفخة الفزع، ~~ويعقبها نفخة الصعق، وبعدها نفخة القيام وابتداء خراب العالم. # PageV01P221 # (وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة (14) ضربت إحداهما على الأخرى ~~بالقدرة الكاملة، فصارتا كثيبا مهيلا، كما تضرب أنت إحدى البيضتين على ~~الأخرى. # (فيومئذ وقعت الواقعة (15) قامت القيامة. # (وانشقت السماء فهي يومئذ واهية (16) مسترخية. # (والملك على أرجائها ... (17) حبس الملك على ms095 أطرافها. جمع رجا مقصور. ~~(ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) فإن الحملة اليوم أربعة، فإذا كان ذلك ~~اليوم امتدوا بأربعة أخرى. وقيل: ثمانية صفوف، لا يعلم عددهم إلا الله. ~~وروى أبو داود في سننه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " أذن لي ~~أن أحدثكم عن ملك من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه سبعمائة عام ". ~~وإذا نطق القرآن بأمر ممكن ووافقه الحديث، فلا وجه للتأويل والعدول عن ~~الظاهر. # (يومئذ تعرضون ... (18) العرض إنما يكون بعد النفخة الأخيرة، والكلام في ~~النفخة الأولى، لأن اليوم أريد به الزمان المتسع. روى الترمذي عن عبد الله ~~بن مسعود - رضي الله عنه -: " يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: عرضتان ~~جدال ومعاذير، والثالثة تطير فيها الصحف ". # PageV01P222 # (لا تخفى منكم خافية) سريرة. والمراد من العرض إظهار المعدلة وإخزاء ~~الجاحدين على رؤوس الأشهاد. وقرأ حمزة والكسائي بالياء، وحسن؛ لوجود الفصل. # (فأما من أوتي كتابه بيمينه ... (19) تفصيل للعرض، روى البخاري عن ابن ~~عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " يدني ~~الله المؤمن يوم القيامة، فيقرره بذنوبه حتى إذا رأي أنه قد هلك يقول له: ~~قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته ~~بيمينه، وأما الكافر ف (يقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة ~~الله على الظالمين) ". (فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه) بقوله لكل من رآه فرحا. ~~و " هاؤم " جمع " هاء " بألف بعده همزة، تصرف تصريف الكاف، ومعناه: خذ، اسم ~~فعل. تنازع " هاؤم " و " اقرؤوا " فأعمل الثاني؛ لقربه على ما اختاره ~~البصريون، وإلا لقيل: اقرؤوه. # (إني ظننت أني ملاق حسابيه (20) أيقنت، وإنما عبر عئه بالظن؛ دلالة على ~~أن هواجس النفس وخطراتها مما لا تنفك عنه العلوم النظرية لا يقدح في ~~الاعتقاد. # (فهو في عيشة راضية (21) ذات رضا، كلابن وتامر، فإن النسبة كما تكون في ~~الحرف تكون بالصيغة، أو راض صاحبها، على المجاز في الإسناد. # (في جنة عالية (22) فوق السماء السابع، سقفها عرش الرحمن، أو عالية ~~قصورها وأشجارها، ms096 بدل من عيشة، أو خبر بعد خبر. # PageV01P223 # (قطوفها ... (23) جمع قطف بالكسر من القطاف وهو: تقارب الخطى في سرعة، ~~فإنها تجتنى من غير تعب (دانية) يتناولها القاعد والمضطجع. # (كلوا واشربوا ... (24) على تقدير القول (هنيئا) أكلا وشربا هنيئا، أو ~~هنئتم هنيئا. (بما أسلفتم) من الأعمال (في الأيام الخالية) الماضية في ~~الدنيا. # (وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه (25) ولم أدر ~~ما حسابيه (26) لما يرى من سوء الحال. (يا ليتها ... (27) الموتة الأولى ~~(كانت القاضية) القاطعة فلم أبعث بعدها، أو (يا ليتها) دامت. يرى من الشدة ~~ما يعد مرارة الموت حلاوة عندها. (ما أغنى عني ماليه (28) شيئا من الأشياء، ~~أو أي شيء أغنى، على أن " ما " استفهامية إنكارا. # (هلك عني سلطانيه (29) ملكي وتسلطي على الأموال والحشم. قرأ حمزة في ~~الوصل بدون " الهاء " في الموضعين، وهذا هو الأصل؛ لأنها هاء السكت ولا سكت ~~في الوصل، ومن أثبتها أجرى الوصل مجرى الوقف اتباعا للرسم. # (خذوه ... (30) أمر من الله للخزنة. (فغلوه) اجعلوه في الغل. # (ثم الجحيم ... (31) وهي النار العظمى. (صلوه) لا غيرها. يقال: صليته ~~النار: أدخلته إياها. # (ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا ... (32) المراد منه الكثرة كقوله: (إن ~~تستغفر لهم سبعين مرة). (فاسلكوه) أي: لا تسلكوه إلا في السلسلة الموصوفة. ~~ومعنى سلكه فيها: أن تلف عليه مع ذلك الطول المفرط؛ مبالغة في التضييق ~~عليه. و " ثم " في الموضعين للتفاوت بين ما دخله وما تقدمه. # PageV01P224 # (إنه كان لا يؤمن بالله ... (33) تعليل على طريقة الاستئناف. (العظيم) ~~أي: ذلك العظيم من العذاب؛ لكفره بالعظيم. # (ولا يحض على طعام المسكين (34) فيه مبالغتان. ذكره قرين الكفر، وترك ~~الحض دون منع الطعام؛ ليعلم من باب الأولى، وفيه إشارة إلى أن شر الخصال ~~بعد الكفر البخل وقسوة القلب. # (فليس له اليوم هاهنا حميم (35) قريب يحميه، وقد فر كل امرئ من أخيه ~~وأبيه. # (ولا طعام إلا من غسلين (36) غسالة أهل النار من دم وصديد. فعلين من ~~الغسل. # (لا يأكله إلا الخاطئون (37) العامدون للإثم. من الخطأ بكسر الخاء، ومن ~~الخطأ بقتحها ضد ms097 العمد الذي ذكره الفقهاء. # (فلا أقسم بما تبصرون (38) وما لا تبصرون (39) أي: بجميع الكائنات التي ~~هي آثار الصنع. و " لا " مزيدة. أو لا أقسم بهذه الأشياء لظهور الأمر. # (إنه ... (40) إن القرآن (لقول رسول كريم) مبلغ عن الله. (وما هو بقول ~~شاعر ... (41) كما تزعمون. (قليلا ما تؤمنون) لفرط عنادكم. # (ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون (42) القلة في الموضعين بمعنى العدم. ~~ولما كان عدم التباس القرآن بالشعر بينا؛ جعل الفاصلة عدم الإيمان عنادا، ~~بخلاف الكهانة، فإنها تتوقف # PageV01P225 # على سبر أحوال القائل من الصدق والصلاح، فذكر معها التذكر. وقرأ ابن كثير ~~وهشام: " يؤمنون " و " يذكرون " بياء الغيبة مسندا إلى ضمير " الخاطئون ". ~~ولابن ذكوان وجهان. # (تنزيل من رب العالمين (43) رفع لتوهم أن يكون كلام الرسول حقيقة، لإسناد ~~القول إليه. والمراد بالرسول: محمد لا جبرائيل عليهما السلام، إذ لم ينسبوا ~~إليه شعرا ولا كهانة. ويجوز أن يكون جبرائيل - عليه السلام -، كأنه قيل: ~~إنه لقول جبرائيل الرسول الكريم، وليس من تلقاء محمد كما تزعمون أنه شاعر ~~أو كاهن. والأول أوجه. # (ولو تقول علينا بعض الأقاويل (44) أي: لو نسب إلينا قولا لم نقله، من ~~التقول وهو: نسبة القول إلى من لم يقله تكلفا. وتسمى الأقوال المنقولة: ~~أقاويل تحقيرا كالأعاجيب والأضاحيك كأنها جمع أفعولة. (لأخذنا منه باليمين ~~(45) أي: بيمينه. # (ثم لقطعنا منه الوتين (46) كما يفعله الملوك بمن يكذب عليهم، وصور القتل ~~في أشنع صورة، وهو أن يأخذ الجلاد بيمين المصبور ليرى السيف في يده، بخلاف ~~ما إذا أخذه بيساره. والوتين: نياط القلب، وفي ذكره؛ إشارة إلى محل ~~الجناية، كاليد للسارق، فإن اللسان ترجمان لا مؤاخذة عليه. # (فما منكم من أحد عنه حاجزين (47) عن القتل أو المقتول. أحد استعمل جمعا، ~~والخطاب للناس كلهم. (وإنه لتذكرة للمتقين (48) لأنهم المنتفعون به. # (وإنا لنعلم أن منكم مكذبين (49) لما نقوله من تزكية الرسول، وكون القرآن ~~ليس بشعر ولا كهانة. # PageV01P226 # (وإنه ... (50) أي: التكذيب، أو القرآن (لحسرة على الكافرين) إذا رأوا ~~ثواب المؤمنين. # (وإنه لحق اليقين (51) أي: إنه اليقين حق اليقين. وحاصله: عين اليقين ~~كقولك: ms098 عين الشيء ونفسه. # (فسبح باسم ربك العظيم (52) أي: نزه بذكر اسمه العظيم الدال على تقدسه عن ~~إمكان التقول عليه، وشكرا لما أولاك وأوحى إليك. # تمت، والحمد لمن آلاؤه جلت، والصلاة على من به الرسالة تمت. # PageV01P227 ### | سورة المعارج # مكية، وهي أربع وأربعون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # (سأل سائل بعذاب واقع (1) السائل هو النضر بن الحارث الذي قال: " إن كان ~~هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ". وقيل: رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: " اللهم عليك بقريش " ويؤيد الأول قوله: (إنهم يرونه ~~بعيدا) وقرأ نافع وابن عامر: " سال " بالألف، إما مبدلة من الهمزة تخفيفا، ~~أو أجوف واوي، كخاف يخاف. قال أبو زيد # PageV01P228 # سمعت من يقول: هما يتساولان؛ فهمزة " سائل " بدل عن الواو، كهمزة " كأين ~~". وعلى الوجهين يتعدى إلى المفعولين بنفسه، وتعديته بالباء؛ لتضمين معنى ~~الاستعجال. أو من سال يسيل، أجوف يائي، كباع يبيع. والمعنى: سال سائل أي ~~جرى واد ذو سيل بعذاب واقع. ويؤيده قراءة ابن عباس - رضي الله عنهما - سال ~~سيل. # (للكافرين ... (2) صفة (عذاب واقع) أي: كائن، أو يتعلق بالفعل أي: سال ~~للكافرين، أو ب " واقع " أي: نازل لأجلهم. وعن قتادة: سأل سائل على من ينزل ~~عذاب الله؟. فعلى هذا قوله: " للكافرين " جواب لذاك السائل. والباء؛ لتضمن ~~سأل معنى اهتم. (ليس له دافع) (من الله ... (3) جملة مؤكدة على قول قتادة، ~~صفة أخرى لعذاب على الأول. وعلى الوجهين: (من الله) إما متعلق ب " واقع " ~~أي: من جهته، أو ب " دافع " أي: لأمته ولا من غيره. (ذي المعارج) ذي ~~المصاعد. جمع معراج، أو معرج يصعد فيها الأعمال الصالحة، أو المؤمنون في ~~سلوكهم، أو دار ثوابهم. # (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة (4) بيان ~~وتفصيل لتلك المعارج؛ إظهار لعز شأنه وملكوته. والروح: جبرائيل، وإفراده؛ ~~لمزيته، وقيل: خلق آخر موكلون بالملائكة كالملائكة بنا. واليوم: يوم ~~القيامة، وصف بغاية الطول إما كناية عن شدته، أو حقيقة على ما قيل: إن فيه ~~خمسين موطنا يقف الخلق في كل ms099 موطن ألف سنة. ويؤيد الأول ما رواه الإمام ~~أحمد بن حنبل، عن أبي سعيد، أنه قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ~~ما أطول هذا اليوم؟ قال: " والذي نفسي ييده إنه ليخف على المؤمن حتى يكون ~~أخف عليه من # PageV01P229 # صلاة مكتوبة ". وقيل: من أسفل الأرض إلى عرش الرحمن مسافة خمسين ألف سنة ~~لو قطعها الإنسان. وهذا إن صح لا تعلق له بتفسير الآية؛ لأن الغرض هو تهويل ~~يوم القيامة. وقرأ الكسائي: يعرج بياء الغيبة. # (فاصبر صبرا جميلا (5) لا قلق معه ولا شكوى بعد علمك بوقوع العقاب على ~~أعدائك. (إنهم يرونه بعيدا (6) عن إمكان الوقوع. # (ونراه قريبا (7) منه؛ لكمال قدرتنا. والضمير للعذاب، أو لليوم. فإن قلت: ~~السائل سواء كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو غيره، لم يسأل إلا ~~عذاب الدنيا كما نزل بسائر الأمم، والسياق يدل على وقوع العذاب يوم ~~القيامة، فكيف طابق السؤال؟ # قلت: هو من قبيل قوله: (حسبهم جهنم) كأنه قيل: العذاب المستعجل به ليس ~~بعذاب حقيقة، بل العذاب هو المعد لهم، وهم ينكرونه ويدعون إحالته، ثم هول ~~شأنه بما فصله. # (يوم تكون السماء كالمهل (8) منصوب ب " قريبا "، أو بيقع مقدرا؛ لدلالة " ~~واقع " عليه، وبدل عن محل في " يوم " إن علق ب " واقع "، أو (يوم تكون ~~السماء كالمهل) تكون كيت وكيت. والمهل: دردي الزيت، وعن ابن مسعود - رضي ~~الله عنه -: الفضة المذابة # PageV01P230 # (وتكون الجبال كالعهن (9) كالصوف الملون؛ لاختلاف ألوان الجبال: بيض، ~~وحمر، وغرابيب سود، فإذا طارت في الهواء اختلطت ألوانها. # (ولا يسأل حميم حميما (10) كيف حالك؟. لكل شأن يغنيه ويشغله عن غيره. # (يبصرونهم ... (11) استئناف جواب: لم لا يسأل كأنه لا يراه أو حال. وجمع ~~الضمير؛ لأن المعنى على العموم، والأصل: يبصرون بهم. يقال: بصرته بالشيء ~~إذا أوضحته له، وكأنه ضمن معنى التعريف، أو حذفت الصلة، وأوصل الفعل. (يود ~~المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ) حال من أحد الضميرين، أو استئناف يدل على ~~أن الأمر أهم من الاشتغال بالسؤال عن حال أحد. (ببنيه) الذين هم أعز من ~~الروح. ms100 # (وصاحبته ... (12) التي يختار ذهاب مهجته دونها غيرة. (وأخيه) الذي هو ~~شقيقه. # (وفصيلته ... (13) وعشيرته الذين فصل منهم (التي تؤويه) تضمه في النسب ~~وعند الشدائد. # (ومن في الأرض جميعا ... (14) كائنا من كان (ثم ينجيه) عطف على (يفتدي) ~~استبعاد لما يتمناه. هيهات. # (كلا ... (15) ردع له عن ارتكاب ما لا نفع فيه (إنها لظى) الضمير للنار ~~دل عليه ذكر العذاب. أو مبهم فسره الخبر وهو. " لظى " أو ضمير القصة. و " ~~لظى ": علم النار. منقول من اللظى وهي: اللهب، ويجوز أن يراد بها نفس اللهب ~~مبالغة كأن كلها لهب خالص. # (نزاعة للشوى (16) خبر بعد خبر ل (إن)، أو خبر (لظى) إن كان الضمير ~~للقصة، ويجوز أن يكون صفة إن أريد باللظى اللهب؛ لأن علم الجنس كالمعرف # PageV01P231 # يلامه في إجرائه مجرى النكرة وإن لم يجعل علم الجنس، فحذف التنوين، ~~لإجراء الوصل مجرى الوقف. وقرأ حفص: نزاعة بالنصب على الاختصاص كأنه قيل: ~~تتلظى نزاعة. # والشوى جمع شواة: جلدة الرأس، أو أطراف الإنسان وكل ما ليس بمقتل، يقال ~~للرامي إذا لم يصب المقتل: أشوى. # (تدعو من أدبر وتولى (17) مجاز عن جذبها وإحضارها، من أدبر عن الحق وتولى ~~عن الطاعة، أو تدعوهم بلسان المقال: يا كافر، يا منافق، وهنا أبلغ. (وجمع ~~فأوعى (18) لبخله وحرصه وحفظه في الوعاء، ولم يؤد حق الله منه. # (إن الإنسان خلق هلوعا (19) الهلع: شده الجزع عند مس المكروه، وسرعة ~~المنع عند مس الخير. وقد فسره بقوله: (إذا مسه الشر جزوعا (20) وإذا مسه ~~الخير منوعا (21) فإن " جزوعا " و " منوعا "، وصف كاشف ل " هلوعا ". # (إلا المصلين (22) استثناء منقطع. لما وصف من أدبر وتولى بالهلع قال: لكن ~~المصلين في مقابلة أولئك. أو متصل أي: إن الإنسان خلق هلوعا واستمر ذلك ~~عليه ولم يفارقه إلا المصلين الموصوفين بالصفات الآتية، فإنهم خلعوا ربقة ~~الهلع عن أعناقهم. وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنهما عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " شر ما في الرجل شح هالع وجن خالع ". # PageV01P232 # (الذين هم على صلاتهم دائمون (23) لا يتركونها في أوقات الأعذار ms101 ~~والضرورات. # (والذين في أموالهم حق معلوم (24) مقدار معلوم هو الزكاة، لأن وجوبه كان ~~بمكة. وتقدير نصبه مفصلا بالمدينة. # (للسائل ... (25) الذي يسأل، (والمحروم) الذي لا يسأل يعتنون بحاله ~~ويفتشون عليه. # (والذين يصدقون بيوم الدين (26) أخره؛ اهتماما بالصلاة والزكاة. وقيل: ~~يصدقونه بالأعمال، بالأبدان والأموال؛ ولذلك ذكره بيوم الدين (والذين هم من ~~عذاب ربهم مشفقون (27) خائفون. # (إن عذاب ربهم غير مأمون (28) اعتراض دل على أنه لا ينبغي لأحد أن يأمن ~~وإن كان على قدم راسخ في الطاعة. # (والذين هم لفروجهم حافظون (29) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ~~فإنهم غير ملومين (30) دل على أن المباح لا يمدح عليه. (فمن ابتغى وراء ذلك ~~فأولئك هم العادون (31) المتجاوزون. # (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (32) حافظون. وقرأ ابن كثير: " ~~أمانتهم " على التوحيد؛ لإرادة الجنس. # (والذين هم بشهاداتهم قائمون (33) إحياء للحقوق وهي من الأمانة، أفردها؛ ~~دلالة على زيادة فضلها. وقرأ حفص: بالجمع مناسبة للمضاف إليه، أو لاختلاف ~~أنواعها. # PageV01P233 # (والذين هم على صلاتهم يحافظون (34) على شرائطها وأركانها وواجباتها ~~وسننها وآدابها، وكفاها شرفا حيث ابتدأ بها في عد المحاسن وختم بها. # (أولئك ... (35) الموصوفون بتلك الصفات. (في جنات مكرمون) بأنواع ~~الإكرام. # (فمال الذين كفروا قبلك ... (36) حولك (مهطعين) مسرعين مادي أعناقهم. # (عن اليمين وعن الشمال عزين (37) فرقا شتى. جمع عزة أصلها عزوة، قلبت ~~الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها، ثم حذفت الياء وعوض عنها التاء. كانوا خمسة ~~أرهط. كل واحدة تعتزي إلى غير ما تعتزي إليه الأخرى. # (أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم (38) كانوا يقولون استهزاء: نحن ~~أولى بالجنة من محمد وأتباعه. # (كلا ... (39) ردع لهم عن هذا الاعتقاد. (إنا خلقناهم مما يعلمون) استدل ~~على إمكان البعث بخلقهم أولا، والقدرة على خلق مثلهم ثانيا، وأشار إلى أن ~~استحقاق دخول الجنة إنما هو بالأعمال الزاكية وإلا فأصل نشأتهم من ماء مهين ~~بين المياه يستحيى من ذكره صريحا؛ لذلك أبهم بقوله (ما يعلمون). # (فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون (40) على أن نبدل خيرا منهم ~~... (41) بأن نذهبهم ونأتي بقوم آخرين، أو نوفق لمحمد طائفة ms102 خيرا من أهل ~~مكة وهم الأوس # PageV01P234 # والخزرج. وفي المقسم به دلالة ظاهرة على القدرة على تحقيق المقسم عليه. ~~(وما نحن بمسبوقين) بمغلوبين على ذلك. # (فذرهم يخوضوا ... (42) في أباطيلهم، (ويلعبوا) كالصبيان (حتى يلاقوا ~~يومهم الذي يوعدون) إضافة اليوم إليهم؛ لمزيد الاختصاص. # (يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون (43) أي: مسرعين ~~سراعا يشبه الإسراع الذي كانوا يسرعونه إلى الحجر الذي كان علما لذبح ~~النسائك. وعن الحسن: كانوا يبتدرون عند طلوع الشمس إلى أصنامهم لا يلوي ~~أحدهم على الآخر. وقرأ ابن عامر وحفص: نصب بضم النون والصاد، جمع نصب كسقف ~~جمع سقف، أو مفرد أنصاب. والباقون بفتح النون، وإسكان الصاد، و (سراعا) و ~~(كأنهم) حالان من فاعل (يخرجون) وكذا. # (خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ... (44) ويجوز أن يكون أحوالا متداخلة. (ذلك ~~اليوم) الموصوف (الذي كانوا يوعدون) في الدنيا على ألسنة الرسل. # * * * # تمت سورة المعارج، والحمد لمن لكل هم فارج، والصلاة على المختار عدد رمل ~~عالج. # * * * # PageV01P235 ### | سورة نوح # مكية، وثمان أو تسع وعشرون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # (إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر ... (1) بأن أنذر، حذف الجار وأوصل ~~الفعل، أو أن مفسرة؛ لاشتمال معنى الإرسال على القول. (قومك من قبل أن ~~يأتيهم عذاب أليم) الطوفان، أو عذاب يوم القيامة، والأول أوجه. (قال يا قوم ~~إني لكم نذير مبين (2) لاقتران قولي بالمعجزة. # (أن اعبدوا الله ... (3) بأن اعبدوا الله. (واتقوه وأطيعون * يغفر لكم من ~~ذنوبكم ... (4) ما كان لكم من الذنوب أو بعضها. وهي التي تقدمت الإيمان، " ~~فإن الإسلام يجب ما قبله ". (ويؤخركم إلى أجل مسمى) هو آخر الآجال. (إن أجل ~~الله إذا جاء لا يؤخر) والتوفيق بينه وبين تأخير الأجل أن القضاء معلق ~~ومبرم، فالتأخير بالنظر إلى الأول، وعدمه بالنظر إلى الثاني. أي: لو آمنوا ~~عاشوا كذا، وإن لم يؤمنوا فكذا، وهذا معنى زيادة # PageV01P236 # الصدقة والصلة في العمر، وما في علمه تعالى لا يبدل. (لو كنتم تعلمون) ~~جعلهم جاهلين بذلك لعدم جريهم على موجب العلم. (قال رب إني دعوت قومي ليلا ~~ونهارا (5) أي: دائما. ms103 # (فلم يزدهم دعائي إلا فرارا (6) عن الإيمان. وإسناد الزيادة إلى الدعاء، ~~إسناد إلى السبب. # (وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم ... (7) أي: ليؤمنوا فتغفر لهم، فذكر المسبب ~~الذي هو حظهم؛ ليكون أدل على قبح إعراضهم. (جعلوا أصابعهم في آذانهم) لئلا ~~يسمعوا كلامي. المجعول في الآذان رؤوس الأنامل، وإطلاق الأصابع مجاز ~~مبالغة. (واستغشوا ثيابهم) تغطوا بها لئلا يروني، كراهة منهم لرؤيتي، أو ~~لئلا أعرفهم فأدعوهم إلى الإيمان. والإتيان بصيغة الطلب للمبالغة، كأنهم ~~طلبوا من الثياب أن تغشاهم. (وأصروا) على الكفر، من أصر الحمار على الأتان ~~أذنيه يطردها للسفاد، وكفى بهذا التشبيه مزجرة. (واستكبروا) عن اتباع الحق. # (استكبارا) مفرطا. # (ثم إني دعوتهم جهارا (8) ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا (9) هذا ~~دأب الناصح الشفوق، ينصح سرا، وإن لم ينجح يعلن بنصحه؛ لكي يساعده من له ~~وعي، ثم يبالغ بالجمع بين السر والجهر. ونصب " جهارا " على المصدر من غير ~~فعله، أو على الحال. # (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا (10) تفسير لدعائه، وكأنهم كانوا ~~يتعللون بما أسرفوا من الذنوب، فوعدهم المغفرة إن أتوا بما يجبها من ~~الإيمان. # PageV01P237 # (يرسل السماء عليكم مدرارا (11) قيل: حبس الله عنهم المطر أربعين ستة، ~~وأعقم أرحام نسائهم، فوعدهم بإعادة الخصب إن تابوا. والسماء: المظلة أو ~~السحاب، وإرسالها: إرسال المطر منها؛ دلالة على كثرته، أو المطر كقوله: # إذا نزل السماء بأرض قوم # والمدرار. اسم فاعل كثير الدرور كالمضراب، يستوي فيه المذكر والمؤنث. # PageV01P238 # (ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا (12) جمع لهم في ~~الوعد بين منافع الدارين. روي أن رجلا اشتكى إلى الحسن الجدب، فأمره ~~بالاستغفار، والآخر الفقر، فأمره به، والآخر قلة ريع أرضه فقال: استغفر. ~~فقال الربيع بن صبيح: شكوا إليك أبوابا وسألوك، والجواب واحد؟ فتلا عليه ~~الآية. ولما استسقى عمر في خلافته لم يزد على الاستغفار بها فقيل له في ~~ذلك؟ فقال: " لقد استسقيت بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر. # (ما لكم لا ترجون لله وقارا (13) أي: ما حصل لكم من الصارف حتى لا تكونوا ~~على حالة ترجون من الله ms104 تعظيما؟، و " الله " بيان. كأنه قيل: لمن التعظيم ~~إيانا؟ فقيل: لله. ولو أخر لكان صلة الوقار، ولا يتوهم ذلك مع التقديم، لأن ~~معمول المصدر لا يتقدم عليه فى الأكثر. والحث على الرجاء كناية عن الحث على ~~الإيمان؛ لانعقاد أسبابه، أو لا تخافون لله عظمة، أو حلما؛ لأن الوقور معظم ~~في النفوس، والحلم لا يفارقه. وتفسيره بالعاقبة كما نقل # PageV01P239 # عن ابن عباس - رضي الله عنهما - مأخوذ من الوقار بمعنى: الثبات؛ لأن ~~العاقبة حال استقرار الثواب والعقاب. # ثم نبههم على النظر في أنفسهم؛ لأنها أقرب منظور بقوله: # (وقد خلقكم أطوارا (14) على طريقة الحال. أي: خلقكم ترابا ثم نطفا، ثم ~~علقا، ثم مضغا، ثم لحما، ثم عظاما، ثم خلقا آخر على النظر في الآفاق على ~~وجه التعجيب من تغافلهم بقوله: # (ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا (15) علم ذلك بإخبار القرآن ~~المعجز أو بالأرصاد. والطباق وهو كون بعضها فوق بعض لا يقتضي المماسة. # (وجعل القمر فيهن نورا ... (16) أي: في السماء الدنيا، نسب إلى الكل؛ ~~لملابسة بينهما. (وجعل الشمس سراجا) كالسراج في إزاحة ظلمة الليل كقوله: ~~(هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا). # (والله أنبتكم من الأرض نباتا (17) أنشأكم، استعار الإنبات له؛ لأنه أدل ~~على الحدوث والتكون من الأرض. والأصل: أنبتكم فنبتم نباتا كقولك: كسرته ~~فانكسر. أو نصب ب أنبتكم؛ لأن الفعل والانفعال واحد حقيقة، والاختلاف ~~بالنسبة إلى القابل والفاعل. # PageV01P240 # (ثم يعيدكم فيها ... (18) بعد الموت (ويخرجكم إخراجا) لا محالة؛ ولذلك ~~أكده بالمصدر كالأول، إشارة إلى اتحاد الرتبة، وكونهما في قرن. # (والله جعل لكم الأرض بساطا (19) مبسوطة تتقلبون عليها تقلب الرجل على ~~فراشه (لتسلكوا منها سبلا فجاجا (20) طرقا واسعة، و " من "؛ لتضمن الفعل ~~معنى الاتخاذ. # (قال نوح رب إنهم عصوني ... (21) في الأمر بعبادة الله واتقائه بعدما ~~تلوت عليهم آيات الآفاق والأنفس. وصرح باسم نوح؛ لطول الفصل، ولم يعطفه؛ ~~لأنه تفصيل لقوله: (فلم يزدهم دعائي إلا فرارا) (واتبعوا من لم يزده ماله ~~وولده إلا خسارا) أي: رؤسائهم المتقدمين بالأموال والأولاد. وأشار إلى أن ~~ذلك -وإن ms105 كان في الظاهر سببا للتقدم- في الحقيقة ليس سببا إلا للبوار. # وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة والكسائي " ولده " جمع ولد، كأسد وأسد. # (ومكروا ... (22) عطف على (من لم يزده)، والجمع باعتبار معنى " من ". # (مكرا كبارا) غاية في الكبر، بأنواع الأذى، وتسليط السفهاء عليه، أبلغ من ~~الكبار مخففا، وهو من الكبير أبلغ. # PageV01P241 # (وقالوا لا تذرن آلهتكم ... (23) عبادتها (ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا ~~يغوث ويعوق ونسرا) أفردها بالذكر كأنها كانت كبار آلهتهم وأشرافها. أسماء ~~رجال صالحين، فلما هلكوا وسوس الشيطان إلى قومهم أن صوروا صورهم حتى ~~يتبركوا بها ويبقى تذكرة، فلما انقرضوا أولئك وسوس إلى أولادهم أن آباءكم ~~كانوا يعبدونها، فعبدوها من دون الله. روى البخاري عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما " أن هذه الأوثان التي كانت في قوم نوح عليه السلام انتقلت إلى ~~العرب، أما ود كانت بدومة الجندل لكلب وسواع كانت لهذيل # PageV01P242 # ويغوث لمراد ثم لبني غطيف بالجرف ويعوق لهمدان ونسر لحمير لآل الكلاع ". # (وقد أضلوا كثيرا ... (24) الضمير للروساء أو للأصنام. كقوله: (رب إنهن ~~أضللن كثيرا). (ولا تزد الظالمين إلا ضلالا) اللام للعهد. وهم أولئك الذين ~~آيس من # PageV01P243 # إيمانهم، والرضاء بكفر العدو مع اسقباحه قصدا إلى زيادة عذابه لا غرو ~~فيه. ألا يرى قول موسى: (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم). وقيل: ~~أراد في ترويح مكرهم، أو الضياع، والهلاك. كقوله: (إن المجرمين في ضلال ~~وسعر). # (مما خطيئاتهم ... (25) أي: لأجل خطيئاتهم. و " ما " مزيدة للتوكيد. ~~(أغرقوا) بالطوفان، وقرأ أبو عمرو: خطاياهم، وهذا أحسن؛ لأنه جمع الكثرة، ~~والأولى تحتاج إلى التأويل. (فأدخلوا نارا) أي: تعقب الغرق دخول النار من ~~غير تراخ. والمراد: عذاب القبر؛ لأنها روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر ~~النيران. والتنكير؛ للتعظيم أو النوع (فلم يجدوا لهم من دون الله) دون ~~عذابه (أنصارا) كما كانوا يزعمون النصر من الآلهة. # (وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا (26) " ديارا " من ~~الألفاظ المستعملة في النفي العام. يقال: " ما في الدار ديار " أي: أحد من ~~الدور، أو من ms106 الدار. فيعال قلبت واوه ياء، وأدغمت الأولى، ولو كان فعالا ~~لكان دوارا. # (إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا (27) قال ذلك بعد ~~ما أوحى الله تعالى إليه (أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن)، وأيضا جربهم ~~ألف سنة إلا # PageV01P244 # خمسين عاما، وكانوا يتواصون بعدم الإيمان ويقولون لذريتهم: إياكم وهذا ~~الشيخ، ومضى على هذا جيل بعد جيل، والفاجر الكفار للمولود باعتبار المآل. ~~كقوله: " من قتل قتيلا ". # (رب اغفر لي ولوالدي ... (28) كان أبوه لمك بن متوشلخ، وأمه شمخاء بنت ~~أنوش. (ولمن دخل بيتي مؤمنا) أو مسجدي، أو سفينتي. (وللمؤمنين والمؤمنات) ~~من مضى منهم، ومن هو آت، (ولا تزد الظالمين إلا تبارا) هلاكا وبوارا. # * * * # تمت سورة نوح، والحمد لمن بيده الخيرات والفتوح، والصلاة على السيد ~~النصوح، وآله وصحبه كل مساء وصبوح. # * * * # PageV01P245 ### | سورة الجن # مكية، ثمان وعشرون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ... (1) النفر ما بين الثلاثة إلى ~~العشرة. # والجن: أحد الثقلين، بعث إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما بعث ~~إلى الإنس، فدعاهم إلى الله، منهم من آمن، ومنهم من كفر. وهؤلاء النفر هم ~~الذين سمعوا القرآن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي الصبح ~~ببطن نخلة كما تقدم في آخر الأحقاف. ولا دلالة فيه على أنه لم ير الجن. ~~وليلة # PageV01P246 # الجن رواها ابن مسعود - رضي الله عنه -. وروى جابر أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال " قرأت سورة الرحمن، فكانوا أحسن مردودا منكم " ~~والقول بأنها أرواح مجردة، أو نفوس بشرية مفارقة عن أبدانها، لا يجوز تفسير ~~كلام الله بها، ولم يذهب إليه أحد من أهل الحق، مخالف # PageV01P247 # للنصوص (فقالوا) بعدما انصرفوا إلى قومهم (إنا سمعنا قرآنا عجبا) في ~~أسلوبه ومعناه. وصفه بالمصدر مبالغة. # (يهدي إلى الرشد ... (2) إلى الحق. (فآمنا به) بما فيه من التوحيد. (ولن ~~نشرك بربنا أحدا) ولا دلالة فيه على أنهم كانوا مشركين، بل كانوا يهودا؛ ~~لقولهم: (إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى). ms107 # (وأنه تعالى جد ربنا ... (3) عظمته من جد فلان: عظم، أو غناه، مستعار من ~~الجد بمعنى البخت. والغرض وصفه بالتعالي عن الصاحبة والولد، وقوله: (ما ~~اتخذ صاحبة ولا ولدا) بيان لذلك. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص: " ~~أن " المسبوقة بالواو بفتح الهمزة في اثني عشر موضعا متوالية، والباقون ~~بكسرها، ووافقهم على الفتح في: (وأنه لما قام عبد الله) ابن كثير، وأبو ~~عمرو. واتفق الكل على فتح: (وأن المساجد لله) # PageV01P248 # والوجه في الفتح: العطف على الهاء في (فآمنا به) من غير إعادة الجار على ~~المذهب الكوفي، أو على محل الجار والمجرور، أو الإيصال بعد الحذف، أو إضمار ~~الجار. # (وأنه كان يقول سفيهنا ... (4) إبليس، أو مردة الجن. (على الله شططا) ~~قولا ذا شطط، وصف بالمصدر مبالغة. والشطط: تجاوز الحد. # (وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا (5) نصب على المصدر؛ ~~لأن الكذب نوع من القول. ولا دلالة فيه على أنهم إلى حين سماع القرآن كانوا ~~مشركين. # (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ... (6) كان الرجل من ~~العرب إذا نزل بأرض نازحة يقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه. ~~(فزادوهم رهقا) فزاد الإنس الجن تكبرا وعتوا باستعاذتهم بهم، أو بالعكس؛ ~~لزيادة إغوائهم الإنس بالاستعاذة. والرهق: غشيان المحارم. وإطلاق الرجل على ~~ذكر الجن؛ للمشاكلة. # (وأنهم ظنوا كما ظننتم ... (7) القائل: الجن بعضهم لبعض. والضمير في " ~~أنهم " للإنس، والعكس لا معنى له؛ لأن السياق في حكاية كلام الجن. وقيل: ~~الآية والتي قبلها من كلام الله جار مجرى الاعتراض، يؤكد ما حدث منهم من ~~تماديهم في الكفر. وقراءة الفتح يؤيد الأول. (أن لن يبعث الله أحدا) ساد ~~مسد مفعولي (ظنوا). # (وأنا لمسنا السماء ... (8) اللمس: المس مجاز عن الطلب؛ لأن اللامس طالب ~~متعرف. والمعنى: طلبنا خبر السماء على ما كنا نفعله قديما. (فوجدناها ملئت ~~حرسا) # PageV01P249 # حراسا اسم جمع، كخدم في خدام. (شديدا) أقوياء، أفرده باعتبار اللفظ ~~(وشهبا) جمع شهاب، وهو الشعلة من النار. # (وأنا كنا نقعد منها ... (9) من السماء (مقاعد) خالية عن الحراس ms108 (للسمع) ~~للاستماع (فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا) هو كالحرس، اسم جمع أي: ذوي ~~شهاب راصدين للرجم وهم الملائكة، ويجوز أن يكون بمعنى الراصد صفة للشهاب. ~~كانت الشياطين تسترق السمع قبل بعثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فترجم بالشهب؛ لقوله تعالى: (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها ~~رجوما للشياطين) ولما روى ابن عباس - رضي الله عنهما -: كنا جلوسا عند رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فرمي بنجم فاستنار، فقال: ما كنتم تقولون في ~~هذا في الجاهلية؟ قلنا: كنا نقول: يولد عظيم أو يموت عظيم. وفي لفظ: " ملئت ~~" و " مقاعد "؛ إشارة إلى أن ذلك قبل البعثة كان قليلا، وأما الآن فلا ~~مجال. # PageV01P250 # (وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض ... (10) بخراب السماء. (أم أراد ~~بهم ربهم رشدا) أمرا ذا رشد. # (وأنا منا الصالحون ... (11) الأبرار المتقون. (ومنا دون ذلك) وهم ~~المقتصدون. # (كنا طرائق قددا) ذوي مذاهب متفرقة، جمع قدة كقطع وقطعة. وعن أبي معاوية ~~قال: سمعت الأعمش يقول: قلت لجني: فيكم الأهواء التي فينا؟ قال: نعم. قلت: ~~كيف حال الرافضة؟ قال: هم شرنا. # (وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ... (12) كائنين في الأرض أينما ~~كنا. (ولن نعجزه هربا) هاربين منها إلى السماء، أو إن طلبنا في الأرض لم ~~نفته، وإن هربنا منه لم ننج. والظن بمعنى اليقين؛ لكونه كلام الموقنين. # PageV01P251 # (وأنا لما سمعنا الهدى ... (13) القرآن. كانوا كاملي المعرفة حيث جعلوا ~~القرآن نفس الهدى (آمنا به) من غير توقف (فمن يؤمن بربه فلا يخاف) أي: فهو ~~لا يخاف، آثره على لا يخف؛ لإفادة التقوى والاختصاص كأنه قيل: فهو ناج لا ~~محالة ومختص بذلك. # (بخسا ولا رهقا) البخس: النقص، والرهق: القرب من الشيء، ومنه الصبي ~~المراهق. والمعنى: أن المؤمن لاجتنابة البخس وظلم الناس لا يخاف جزاءهما. ~~وكان أصل الكلام: ومن لا يبخس أحدا ولا يرهق ظلمه، فوضع قوله: (فمن يؤمن) ~~موضعه، إشارة إلى أن حق المؤمن وشأنه أن يكون كذلك، أو المعنى: أن المومن ~~لا يخاف نقصان جزائه، ولا أن ترهقه ms109 ذلة، وغير المؤمن كل ما فيه عين البخس، ~~لا بخس حق. # (وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون ... (14) الجائرون عن طريق الحق (فمن ~~أسلم فأولئك تحروا رشدا) وأي رشد. # (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا (15) توقد بهم كما توقد بكفار الإنس. # (وألو استقاموا على الطريقة ... (16) عطف على (أنه استمع) من كلام الله ~~الموحى إليه. و " أن " مخففة، حذف منها ضمير الشأن. والضمير للإنس، أو ~~للجن، أو لهما. والطريقة: التوحيد والإسلام. (لأسقيناهم ماء غدقا) لوسعنا ~~عليهم الرزق وتخصيص الماء؛ لعزة وجوده في أرض العرب، ولأنه أصل سائر ~~الأقوات والثمار. والغدق: الكثير. # (لنفتنهم فيه ... (17) لنبتليهم في ذلك التوسيع أيشكرون أم يكفرون. وقيل: ~~لو استقاموا على ما كانوا عليه ولم يؤمنوا لوسعنا عليهم الرزق استدراجا. ~~(ومن يعرض عن # PageV01P252 # (ذكر ربه) عن عبادته؛ لأن الغرض منها ذكر المعبود (يسلكه عذابا صعدا) أي: ~~في عذاب. كقوله: (واختار موسى قومه) أو ضمن معنى يدخله. والصعد: مصدر صعد. ~~وصف به؛ مبالغة في علوه على المعذب. كقوله: (تطلع على الأفئدة) وقرأ غير ~~الكوفيين بالنون؛ مبالغة أي: موافقة (لأسقيناهم). # (وأن المساجد لله ... (18) من الموحى إليه، ليس من كلام الجني. (فلا ~~تدعوا مع الله أحدا) خطاب للجني. كأنه قيل: قل لمشركي مكة أوحي إلي كذا وأن ~~أقول للجن كذا، وفي ضمن الحكاية إثبات الحكم للمشركين أيضا. ويجوز أن يكون ~~الخطاب للمشركين، أو عاما للإنس والجن. وعن سيبويه والخليل: " ولأن المساجد ~~لله " (فلا تدعوا مع الله أحدا) والوجه فيه: أن يكون كلاما مستطردا عقيب ~~وعيد المعرض. وعن الحسن: المساجد: الأرض كلها؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: " جعلت لي الأرض مسجدا ". وقيل: المسجد الحرام، لأنه قبلة # PageV01P253 # المساجد، فالجمع للتعظيم. وقيل: أعضاء السجود وهي سبعة: الرجلان، ~~والركبتان، واليدان، والجبهة، والأنف. وهذا أوجه؛ لأن فيه تذكيرا لكونه ~~المنعم بها، وأن الحكمة في خلقها خدمة المعبود، والتعبير بالمساجد لله؛ ~~إشارة إلى ما خلقت له، # (وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا (19) أي: لما سمع ~~الجن تلاوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنخلة، كاد أن ms110 يدخل بعضهم في ~~بعض من الازدحام عليه؛ حرصا على السماع منه كل شيء. ألصقته إلى آخر فقد ~~لبدته، أو قال الجن لقومهم: (لما قام عبد الله) كاد أصحابه أن يكونوا عليه ~~لبدا من شدة طواعيتهم. وعن الحسن: " كادت العرب تلبد عليه لما قال: لا إله ~~إلا الله ". وعن قتادة: " كادت الإنس والجن تلبد عليه وعلى إطفاء نوره ". ~~ثم الوجه على قراءة الكسر: أن يكون استئنافا ابتداء قصة لبيان حال الرسول ~~مع المشركين، كأنه قال له: قل أوحي إلي من حال الجن، وإيمان بعضهم وكفر ~~آخرين. وفي ذلك حث للسامعين على الإيمان ولطف بهم، ثم ابتدأ بقوله: أنه لما ~~قام عبد الله يدعوه ويوحده، كاد الفريقان يكونون عليه لبدا عنادا، أو روما ~~لإطفاء نوره، مع ما تلا عليهم من الآيات الباهرة والدلائل النيرة. والظاهر ~~لما قمت تدعوه، فالعدول إلى المظهر وإيثار عبد الله على الرسول والنبي، ~~لأنه واقع في كلامه، فيؤديه على ما يقتضيه التواضع. أو أشار تعالى إلى أن # PageV01P254 # [العبادة من العبد لا تستبعد، فما لهم ينكرون ذلك؟، فنقل كلامه تعالى؛ ~~إخفاء لنفسه عن البين، إذ لا اعتداد بالأثر بعد العين]. وقرأ هشام في وجه " ~~لبدا " بضم اللام؛ جمع لبدة كقربة وقرب، والكسر جمع لبد أخف. # (قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا (20) فما للإنكار وجه على من يعبد ~~ربه. # وقرأ عاصم وحمزة: " قال " على منوال " قام "، وعليه رسم الإمام، وهذا ~~أبلغ في مدحه، لقيامة بالجواب من غير تعلم. # (قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا (21) أي: نفعا، أو غيا ولا رشدا. عبر ~~عن أحدهما باسمه، وعن الآخر باسم سببه، أو مسببه؛ إشعارا بالمعنيين. # (قل إني لن يجيرني من الله أحد ... (22) جملة معترضة؛ لبيان عجزه، وتأكيد ~~نفي الاستطاعة، فكيف يقدر من هذا شأنه على نفع أحد أو ضره. (ولن أجد من ~~دونه ملتحدا) ملاذا وملتجأ، من اللحد وهو الميل. # (إلا بلاغا من الله ... (23) كائنا منه. استثناء متصل. أي: قل: لا أملك ~~شيئا إلا بلاغا، وإن فسر ب " لا ms111 أملك أن أقسركم على الغي والرشد " كان ~~منقطعا، أو من باب: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم. # PageV01P255 # (ورسالاته) عطف على " بلاغا " بتقدير مضمر، أي: بلاغ رسالاته. والأصل: ~~إلا بلاغ رسالات الله، والعدول إلى المنزل بذكر البلاغ مرتين مبالغة؛ لأن ~~كونه من الله، وكونه بلاغ رسالاته مما يقتضي التشمر له (ومن يعص الله ~~ورسوله) ولم يطع أمرهما بالتوحيد. # (فإن له نار جهنم) لا محالة (خالدين فيها أبدا) جمعه على اعتبار الجمع في ~~" من ". # (حتى إذا رأوا ما يوعدون ... (24) غاية لقوله " يكونون عليه لبدا " إن ~~فسر بالتلبد على العداوة، وإلا فلمقدر أي: لا يزالون يستضعفون حاله ~~ويستقلون عدده، حتى إذا رأوا يوم بدر أو يوم القيامة تبين لهم من المستضعف. ~~دل عليه جواب " إذا " و " ما " قبله؛ لأن السورة من فاتحتها تعريف بمشركي ~~مكة، وتعيير لهم؛ لقصور نظرهم عن الجن، وفرط تمردهم، حيث بادهوا بالتكذيب ~~بدل مبادهة الجن بالتصديق. (فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا) هو، أو هم. # (قل إن أدري أقريب ما توعدون ... (25) جواب قولهم: متى يكون هذا الوعد. # (أم يجعل له ربي أمدا) أي: هو كائن لا محالة، ولا علم لي بوقته. والأمد: ~~يطلق على القريب والبعيد، وأريد به الثاني بقرينة المقام كأنه قال. لا أدري ~~أيقع في الحال وعن قريب، أو ضرب له أمد بعيد؟. # PageV01P256 # (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (26) أي: هو عالم الغيوب كلها، ولا ~~يطلع على غيبه المختص به، وهو ما يتعلق بذاته وصفاته وأفعاله. # (إلا من ارتضى من رسول ... (27) ملكي أو بشري، فإنه يطلعه على ما يشاء من ~~ذلك. ولا دلالة في هذا على أن غير ذلك المختص لا يطلع عليه غير الرسول، ولا ~~يجوز حمله على العموم؛ لاستلزامه أن يكون " رسول " مطلعا على جميع ~~المغيبات. ولا دلالة في الآية على بطلان الكهانة والتنجيم، ولا أن كرامات ~~الأولياء يكون تلقيا من الملائكة، ولا تخصيص الرسول بالملك. على أن قوله: ~~(فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا) أي: ملائكة يحفظونه من تخاليط ~~الشياطين ظاهر ms112 في أن المراد بالغيب: ما هو بطريق الوحي. # (ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ... (28) علة لقوله: (يسلك من بين يديه ~~ومن خلفه رصدا) أي: ليتعلق علمه تعالى بإبلاغ الرسل ما أوحي إليهم؛ صانهم ~~عن تخاليط الشياطين، أو ليعلم الرسول أن قد أبلغ جبرائيل والملائكة ~~النازلون. (وأحاط بما لديهم) لدى الرسل من الشرائع والأحكام (وأحصى كل شيء ~~عددا) كل ما دخل في الوجود في أي عالم كان، ومن هذا شأنه كيف يخفى عليه ~~خافية؟ وكيف لا يحيط بما لدى الرسل؟. # * * * # تمت سورة الجان، والحمد للمنان، والصلاة على خلاصة الإنسان، وآله وصحبه ~~إلى انصرام الزمان. # * * * # PageV01P257 ### | سورة المزمل # مكية، وهي [عشرون آية] # بسم الله الرحمن الرحيم # (يا أيها المزمل (1) أي: المتزمل وهو المتلفف في ثيابه، أدغمت التاء في ~~الزاء. روى أبو بكر البزار عن جابر: أن مشركي مكة لما اختلفوا، شاعر أو ~~ساحر أو كاهن أو مجنون، تزمل في ثيابه في بيته حزينا. فأتاه جبرائيل وقال: ~~(يا أيها المزمل) آمرا له بأن ينهض إلى القيام في عبادة ربه في أشرف ~~الأوقات، وهو الليل الخالي عن الشواغل. وفيه من لطيف العتاب الممزوج ~~بالرأفة، لينشط ويستعد لتلقي ما يأتي من قوله: (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) ~~وما قيل: " إنه كان متزملا في مرط لعائشة نصفه عليه، ونصف آخر على عائشة # PageV01P258 # رضي الله عنها " لا وجه له، إذ السورة من أوائل القرآن نزولا، وعائشة لم ~~تكن موجودة فضلا عن كونها عنده. وكذا القول. بأنه أول ما أتاه جبرائيل أتى ~~خديجة وقال: " زملوني " فبينا هو كذلك إذ ناداه جبرائيل فناداه: (يا أيها ~~المزمل) بل كان هذا بعد فترة الوحي، " لما رأي جبرائيل قاعدا على كرسي بين ~~السماء والأرض، فرجع إلى خديجة فنزل: (يا أيها المدثر) ". # (قم الليل إلا قليلا (2) نصفه ... (3) بدل من الليل، و (إلا قليلا) ~~استثناء منه، أي: قم أقل من النصف على البت. # (أو انقص منه قليلا (3) أو زد عليه ... (4) أنقص النصف أو زد، على ~~التخيير، ولما كان الأقل هو الأصل كرر، كقولك: أكرم زيدا، ms113 أو إما زيدا وإما ~~عمرا. فإن قلت: إذا كان التخيير بين الأقل من النصف على البت، وبين أحد ~~الأمرين النقصان على النصف والزيادة عليه، فقد خرج النصف عن الأقسام، ~~وقراءة الكوفيين وابن كثير: (إن ربك يعلم أنك تقوم # PageV01P259 # (أدنى من ثلثي الليل ونصفه) بنصبه تدل على أنه كان يقوم تارة نصف الليل. ~~قلت: الضمير في (منه) و (عليه) للنصف، وإذا جاز له الزيادة على النصف فقد ~~جاز له النصف، لا أنه إذا جاز له الأقل جاز له النصف ليلزم استدراك ذكر ~~الزيادة. أو. (نصفه) بدل من (قليلا) فالتخيير بين أمور ثلاثة: قيام النصف ~~بتمامه، وقيام الناقص منه، وقيام الزائد عليه. وعلى هذا وصف النصف بالقلة ~~بالنظر إلى الكل. وفيه إشارة إلى أن النصف المعمور بالعبادة وذكر الله ~~تعالى جل الليل، والنصف الخالي عنه نزر قليل وإن ساواه كما. ويجوز أن يكون ~~الضمير في (منه) و (عليه) للأقل من النصف كالثلث، والتخيير بينه وبين الأقل ~~منه كالربع، والزائد عليه كالنصف. وعن الأخفش: " (نصفه) عطف على (الليل) ~~بمقدر أي. قم الليل إلا قليلا، أو قم نصفه، أو ثلثه، أو ثلثيه ". فالتخيير ~~بين أربعة أمور. روى مسلم عن عائشة - رضي الله عنها -: " أن قيام الليل كان ~~فرضا بأول هذه السورة فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حولا ~~حتى انتفخت أقدامهم، واصفرت وجوههم، فنسخه آخر السورة فصار تطوعا ". وعن ~~ابن جبير: نسخ بعد عشر سنين. وقيل: نسخ عن الأمة # PageV01P260 # فقط. (ورتل القرآن ترتيلا) اقرأه على مهل وتؤدة لتتمكن من التأمل والتدبر ~~في دقائقه وحكمه، فيكون قيامك في الليل الذي هو أشرف الأوقات على أكمل ~~الأحوال. شبه القراءة المتصلة بالثغر المرتل، وهو المفلج الشبيه بالأقحوان. # (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا (5) اعتراض دل به على أن قيام الليل من ~~التكاليف الشاقة التي ورد بها القرآن، لأن الليل محل الراحة، فإحياؤه ~~بالعبادة مضاد للطبع، وفيه إيقاظ له على التشمر لتحمله، وتوطن النفس على ~~المكابدة في تبليغه وتحميله. روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها: " رأيته ms114 ~~في اليوم الشديد البرد ينزل عليه الوحي، وإن جبينه ليتصفد عرقا ". وقيل: ~~ثقيل في الميزان، أو على الكفار، أو على المتأمل؛ لافتقاره إلى إتعاب ~~القريحة في استنباط معانيه، أو ثقيل تلاوته على الوجه المنزل؛ ولذلك خفف عن ~~هذه الأمة # PageV01P261 # بالقراءة على سبعة أحرف، أو على الراسخين؛ لاشتماله على المحكم، ~~والمتشابه، والناسخ، والمنسوخ. وعلى الأوجه: الجملة تعليل للأمر بقيام ~~الليل؛ لأنه يعد للنفس ما به يعالج ذلك الثقل. # (إن ناشئة الليل ... (6) قيامه، مصدر نشأ، قام بالحبشية. وقيل: ساعاته؛ ~~لأنها تحدث واحدة إثر أخرى. وقيل: النفس التي تنشأ عن المضجع وترتفع، من ~~نشأت السحابة، ارتفعت. عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: " أول الليل ". وعن ~~ابن عمر - رضي الله عنهما -: " من العشاء إلى الصبح، أي وقت كان ". وعن ~~علي، والحسن رضي الله عنهما: " بين العشائين "، وعن عائشة ومجاهد رضي الله ~~عنهما: " الصلاة بعد النوم " وهو الأصوب، لمداومة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - على القيام بعد النوم، ولقوله: (هي أشد وطئا) أي: موافقة ~~للحواس مع القلب على التوجه لعدم الشاغل. وعن الفراء: " أشق وأكثر علاجا ~~لترك الراحة ". وعن الأخفش: " أثبت قياما ". وقرأ # PageV01P262 # الكوفيون ونافع وابن كثير " وطئا " بفتح الواو وسكون الطاء من وطأهم ~~وطئأ: ثقل عليهم، ومن قوله - صلى الله عليه وسلم -: " اللهم اشدد وطأتك على ~~مضر "، والمد أحسن وأوفق بقوله: (وأقوم قيلا) أي: أصح قراءة؛ لهدوء ~~الأصوات، وعدم الخواطر والالتفاتات. # (إن لك في النهار سبحا طويلا (7) فراغا، أو منقلبا في معاشك، فتوفر ~~بالليل من عبادة ربك، مستعار من سبح الفرس وهو: مد اليدين في الجري، والطول ~~ترشيح. # (واذكر اسم ربك ... (8) دم على ذكره في كل الأوقات، واستغرق في ملاحظة ~~المذكور؛ لتحظى بالزلفى والقرب عنده. (وتبتل إليه تبتيلا) وانفصل بالكلية ~~عن الدنيا، أو عن وجودك؛ لتبقى بوجوده الباقي. ولما كان المطاوع والمطاوع ~~واحدا في الخارج ذكر التبتيل موضع التبتل؛ مراعاة للفاصلة، وقيل: لأن معنى ~~تبتل: بتل نفسك. # (رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو ... (9) مبتدأ وخبر، أو خبر مبتدأ ~~محذوف، و (لا إله ms115 إلا هو) خبر آخر. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وشعبة ~~(رب) بالجر بدلا من (ربك). وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - جر بإضمار حرف ~~القسم جوابه: (لا إله إلا هو). # PageV01P263 # (فاتخذه وكيلا) متفرع على التوحيد. أي: إذا انفرد بالألوهية فاجعل أمورك ~~موكولة إليه، أو اجعله كفيلا ينصرك. # (واصبر على ما يقولون ... (10) فيك وفيما أنزل إليك. (واهجرهم هجرا ~~جميلا) أعرض عنهم وجانب من غير مقاولة ولا مقاتلة، نسخت بآية السيف. # (وذرني والمكذبين ... (11) فأنا كافيك أمرهم. كلام من يكون واثقا ~~بالوفاء، متمكنا منه أقصى التمكن؛ ولذلك أبرزه في صورة المنع عن الاستكفاء. ~~(أولي النعمة) التنعم، وبالكسر: الإنعام، وبالضم: المسرة. يريد المترفين من ~~صناديد قريش، المغترين بالحطام، المانعين أتباعهم عن الدخول في الإسلام. ~~(ومهلهم قليلا) إمهالا قليلا، أو زمانا قليلا. # (إن لدينا أنكالا ... (12) جمع نكل: القيد الثقيل (وجحيما) نارا شديدة ~~الحر والاتقاد. # (وطعاما ذا غصة ... (13) آخذ بالحلق، بشيع لا يسوغ (وعذابا أليما) نوعا ~~آخر لا يعرف كنهه إلا الله. # (يوم ترجف الأرض والجبال ... (14) تضطرب وتتزلزل. منصوب بما في (لدينا) ~~من معنى الفعل (وكانت الجبال كثيبا مهيلا) رملا مجتمعا من غير مقدار ~~ومقياس، من هلت الدقيق: إذا أرسلته من غير كيل. # (إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم ... (15) الخطاب للمكذبين. التفات ~~حسن الموقع (كما أرسلنا إلى فرعون رسولا) أي: عصيتموه كما عصاه فرعون ولم ~~يسمه؛ لأن الغرض عصيان الرسول كائنا من كان. # PageV01P264 # (فعصى فرعون الرسول ... (16) أعاده معرفة؛ لتقدم ذكره. ولا يخفى أن تشبيه ~~عصيانهم بعصيان فرعون ينبئ عن فرط عتو، وزاد لهذا الرسول كونه شاهدا عليهم؛ ~~ليكون عصيانه أبلغ في الذم، وأشار به إلى أنهم لو آمنوا به كان شاهدا لهم ~~لا عليهم. # (فأخذناه) في الدنيا. (أخذا وبيلا) ثقيلا، ومنه الوابل للمطر العظيم ~~القطر، أصله الوخامة يقال: مرعى وبيل. # (فكيف تتقون إن كفرتم يوما ... (17) مفعول به. أي: هب أنكم لا تؤاخذون في ~~الدنيا أخذة فرعون، فكيف تتقون أنفسكم هول يوم (يجعل الولدان شيبا) كناية ~~عن شدته، إذ عند تفاقم المصائب يسرع الشيب. قال أبو الطيب: ms116 # والهم يخترم الجسيم نحافة ... ويشيب ناصية الصبي ويهرم # أو عن طوله. وفي إيثار (إن) مع القطع بوجود الكفر واستمراره منهم؛ إشارة ~~إلى أن وجود الكفر مع هذا الرسول الذي هو النور المبين ينبغي أن يكون على ~~الفرض والتقدير. أو المعنى: فكيف تتقون الله في ذلك اليوم بعد فوات الوقت؟ ~~ففيه حث على الإقلاع قبل أن لا ينفع الندم. أو فكيف يرجى منكم التقوى وأنتم ~~جاحدون ذلك اليوم والمجازاة فيه. # (السماء منفطر ... (18) منشق. والتذكر باعتبار السقف. (به) أي: بذلك ~~اليوم؛ لشدته وهوله. (كان وعده مفعولا) لا محالة. الضمير لله، أو لليوم على ~~إضافة المصدر إلى المفعول. # PageV01P265 # (إن هذه ... (19) الآيات. (تذكرة) موعظة؛ لجلائها. (فمن شاء اتخذ إلى ربه ~~سبيلا) موصلا إليه. # (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه ... (20) لما نزل ~~أول السورة كان الرجل يحتاط في تقدير الأوقات، ولا يدري متى الثلث والنصف ~~والثلثان، فشق ذلك عليهم فنزلت. واستعار الأدنى وهو الأقرب للأقل؛ لأن ~~المسافة بين الشيئين إذا قربت قلت الأحيان. وقرأ الكوفيون " نصفه وثلثه " ~~بالنصب عطفا على " أدنى "، وهو المختار؛ لدلالته على أنهم قاموا بأفضل ما ~~وقع فيه التخيير، وهو الأجدر بجلالة منصبه - على ذاته أفضل الصلاة -. وقرأ ~~هشام بإسكان لام (ثلثه) تخفيفا. (وطائفة من الذين معك) من أصحابك. (والله ~~يقدر الليل والنهار) لا يعلم تقدير ساعاتهما وضبط مقدارها غيره. # (علم أن لن تحصوه) أي: تقدير الأوقات؛ لاختصاص ذلك به تعالى. (فتاب ~~عليكم) رفع عنكم ما كان تركه معصية. (فاقرءوا ما تيسر من القرآن) في صلاة ~~الليل، أو أي وقت كان. أمر ندب. (علم أن سيكون منكم مرضى) استئناف لبيان ~~حكمة أخرى أقوى من الأولى، يقتضي الترخيص؛ ولذلك كرر الحكم مرتبا عليه. ~~(وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله) الضرب في الأرض لابتغاء فضل ~~الله: المسافرة للتجارة. (وآخرون يقاتلون في سبيل الله) إخبار في يكون ~~مستقبلا بالإعجاز؛ لأن الآية مكية. وتسويته بين الضارب في الأرض للتجارة، ~~والمجاهدة في سبيل الله دلت على أن طلب الرزق إذا ms117 قرن بالنية الصالحة له ~~مكان عند الله، كيف وقد قدمه على المجاهدة؟!؛ ولذلك روي عن عبد الله بن عمر ~~- رضي الله عنهما -: " ما خلق الله موتة أموتها بعد القتل في سبيل الله أحب ~~إلي من أن أموت بين # PageV01P266 # شعبتي رحل أضرب في الأرض ابتغاء فضل الله ". (فاقرءوا ما تيسر منه ~~وأقيموا الصلاة) المفروضة. فرضت ليلة الإسراء بمكة، بعد خمس من البعثة على ~~الأصح. (وآتوا الزكاة) قدرا من المال كان فرضا بمكة، وتقرر المقادير ~~بالمدينة. (وأقرضوا الله قرضا حسنا) أنفقوا في سبيله على وجه الإخلاص. ~~يتناول المفروض والمسنون، بل سائر أعمال البر، بدنية ومالية. # (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا) من تأخير ~~إلى حين الموت والوصية به؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " الصدقة أن تصدق ~~وأنت صحيح شحيع ترجو الغنى وتحشى الفقر، ولا تدع أن يبلغ الحلقوم ثم تقول: ~~لفلان كذا لفلان كذا ". وعن الزجاج: " خيرا من متاع الدنيا " ويرده: (وأعظم ~~أجرا). (واستغفروا الله) لما فرط منكم؛ لأن الاستقامة متعذرة، أو متعسرة. ~~(إن الله غفور) للذنوب (رحيم) يجعل مكانها الحسنات. # * * * # تمت سورة المزمل، والحمد للرحيم المتفضل، والصلاة على الكامل المكمل. # * * * # PageV01P267 ### | سورة المدثر # مكية، ست وخمسون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها المدثر (1) ما يلي الجلد من الثياب يسمى شعارا، وما فوقه دثارا. ~~ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: " الناس دثار والأنصار شعار ". وأول هذه ~~السورة أول ما نزل بعد فترة الوحي؛ لما روى مسلم والبخاري عن جابر أنه سمع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحدث عن فترة الوحي: " فبينا أنا أمشي ~~سمعت صوتا فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على ~~كرسي بين السماء والأرض فجئثت منه حتى هويت إلى الأرض فجئت أهلي فقلت ~~زملوني " فأنزل الله (يا أيها المدثر * قم فأنذر * ### | .... # فاهجر) ولم يقع ذكر حراء في بعض المرويات، فظن أنها أول سورة نزلت، وفي ~~رواية عن ابن # PageV01P268 # عباس - رضي الله عنهما -: أن قريشا لما قالت في رسول الله ms118 - صلى الله ~~عليه وسلم - شاعر، وقال بعضهم ساحر تدثر في ثيابه حزينا فأنزل الله (يا ~~أيها المدثر) ولا منافاة بينهما؛ لإمكان وقوع الأمرين معا، فأول (اقرأ) كان ~~نبوة، وأول هذه كان إرسالا. # (قم فأنذر (2) أي: قومك؛ لقوله: (وأنذر عشيرتك الأقربين)، أو افعل ~~الإنذار، وهذا أبلغ. # (وربك فكبر (3) صفه بالكبرياء وحده. وقيل: لما نزلت كبر رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وكبرت خديجة وأيقنت أنه الوحي، إذ الشيطان لا يأمر ~~بالتكبير، وحمله على تكبير الصلاة بعيد. # (وثيابك فطهر (4) قصرها، وهذا أول ما أمر به من مخالفة قومه، فإنهم كانوا ~~يجرون الثياب على الأرض خيلاء، أو طهرها من النجاسة؛ لأنه الواجب في الصلاة ~~والأحب في غيرها، أو أخلاقك عما يدنسها من الرذائل. # (والرجز فاهجر (5) هو العذاب؛ لقوله: (لئن كشفت عنا الرجز) أريد به ما ~~يؤدي إليه أي: دم على ترك الأوثان، وهجران الآثام. والفاءات أجوبة للشرط ~~كأنه قيل: ومهما يكن فكذا. وقرأ حفص بضم الراء، وهما لغتان، والكسر أشهر. # PageV01P269 # (ولا تمنن تستكثر (6) لا تعطي شيئا حال كونك تعده كثيرا؛ لاحتقار متاع ~~الدنيا وإن جل. وقيل: لا تعط مستغزرا أي: طامعا أن تعوض أكثر مما بذلت. وهو ~~من خواصه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " المستغزر يثاب من هبته "، أو ~~نهي تتزيه. # (ولربك فاصبر (7) لوجهه، وانقيادا لأمره. استعمل الصبر في مشاق التبليغ، ~~وأذى الكفار. # (فإذا نقر في الناقور (8) نفخ في الصور، سمي ناقورا؛ لما روى: أن فيه ~~بعدد كل روح نقرة. بناء مبالغة كالكابوس، والفاء للسببية أي: اصبر على ~~أذاهم إلى زمان تلقى فيه عاقبة صبرك، ويلقون فيه عاقبة ضرهم. والعامل في " ~~إذا " ما دل عليه قوله: # (فذلك يومئذ يوم عسير (9) على الكافرين ... (10) " ذلك " مبتدأ، و " يوم ~~عسير " خبره، و " يومئذ " ظرف أي: فذلك الوقوع وقوع يوم، فالزمان ليس مظروف ~~الزمان. ويجوز أن يكون " يومئذ " مرفوع المحل من " ذلك ". (غير يسير) ~~فائدته التعريف بحال للمؤمنين، وأنها # PageV01P270 # تضاد حال الكفرة، كما في قوله: (لا بارد ولا كريم) وفي ذلك زيادة غيظ ~~لهم. أو (عسير) حالا ms119 ومآلا، بخلاف عسر الدنيا فإنه سريع التبدل. # (ذرني ومن خلقت وحيدا (11) أطبقوا على أنه [الوليد] بن المغيرة المخزومي. ~~حال من الفاعل أي: دعني وحدي معه في الانتقام ففي كفالة إذ خلقته وحدي لم ~~يشاركني أحده في خلقه. والأحسن جعله حالا من المفعول أي: خلقته منفردا عن ~~المال؛ لقوله: (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة)، ولقوله: # (وجعلت له مالا ممدودا (12) مبسوطا من كل نوع. كان صاحب الضرع والزرع ~~والذرع. قيل: كان له بستان في الطائف لا ينقطع ثماره صيفا وشتاء وكان يملك ~~ألف ألف. # (وبنين شهودا (13) معه المجالس والمحافل، وله بهم أبهة ورونق، أو شهودا ~~عنده لعدم تردادهم في أسباب المعاش استغناء بالخدم، فهو يتمتع بهم ليلا ~~ونهارا. قيل. كانوا عشرة، وقيل: ثلاثة عسر، وقيل: سبعة. (ومهدت له تمهيدا ~~(14) من سائر أسباب الرئاسة والجاه العريض. # (ثم يطمع أن أزيد (15) له. كان يقول: " إن كان محمد صادقا، فالجنة لي ". ~~أو يطلب أن أزيد له في الدنيا فوق ما هو فيه. (كلا ... (16) ردع له، وعلله ~~بقوله: (إنه # PageV01P271 # كان لآياتنا عنيدا) كافرا مكابرا من غير شبهة، وذلك موجب لزوال النعمة ~~فكيف يجعله سبب الزيادة؟. قيل: بعد نزول هذه الآية لم يزل في نقصان حتى ذهب ~~إلى سقر. قيل: أسلم من أولاده خالد، وعمارة، والوليد، ولم يصح إلا إسلام ~~خالد، أما عمارة قتل يوم بدر، أو قتله النجاشي لما أرسله قريش مع عمرو بن ~~العاص بعد بدر؛ لخيانة نسبت إليه، والوليد مختلف فيه. # (سأرهقه صعودا (17) أكلفه مشقا عليه طلوعه في جبل من النار طوله سبعون ~~خريفا، إذا وضع يده ذابت، وإذا رفعها عادت. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما ~~-: هو حجرة في جهنم " وقيل. هو مثل لما يلقى في الشدة. # (إنه فكر وقدر (18) بدل، أو بيان لقوله: (إنه كان لآياتنا عنيدا)، أو ~~تعليل لإرهاقه صعودا؛ لإبعاده في التفكير، وعوضه على نيل ما يقدح به في ~~كلام رب العزة. # PageV01P272 # (فقتل كيف قدر (19) تعجب من فساد تقديره. كقوله: (قاتلهم الله أنى ~~يؤفكون)، أو ثناء عليه تهكما ms120 نحو: " قاتله الله ما أشجعه "، أو حكاية ما ~~قالوه لما سمعوا كلمته الحمقاء. # (ثم قتل كيف قدر (20) تعجيب أبلغ من الأول؛ لأنه صدر عن رؤية، بخلاف ~~الأول فإنه نشأ عن النظرة الأولى وهي حمقاء. وفي هذا الترقي غاية تهكم به ~~وبمن اغتر بما تفوه به. # (ثم نظر (21) في أمر القرآن، أو في وجوه الناس. (ثم عبس ... (22) قطب ~~وجهه لما لم يجد طعنا شافيا. (وبسر) وكلح، من البسور وهو: الكلوح، من توابع ~~عبس، أو من يسر الرجل: طلب الحاجة في غير موضعها حيرة. (ثم أدبر ... (23) ~~عن الحق (واستكبر) عن اتباعه. # (فقال إن هذا إلا سحر يؤثر (24) يروى ويتعلم. والفاء، للدلالة على أنه ~~لما ظفر بها لم يتمالك. # (إن هذا إلا قول البشر (25) من أساطير الأولين، لم يدخل العاطف؛ لأنه ~~تأكيد للأول أو بيان. عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: لما سمع الوليد ~~القرآن، قيل: سمع " حم السجدة " يتلوه رسول الله قال: " إن له حلاوة، وإن ~~عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وإنه # PageV01P273 # ليعلو ولا يعلى ". فلما سمعوه قالوا لابن أخيه أبي جهل صبأ الوليد، فجاء ~~وجلس إليه ولامه على ما بدا منه، فقال: فماذا أقول؟! .. والله ما منكم أعلم ~~بالأشعار مني، أعلم رجزه، وقصيده، وأعلم أشعار الجن، ولا يشبه شيئا من ذلك، ~~فقال: لا يرضى قومك حتى تقول فيه، ففكر وقدر (فقال إن هذا إلا سحر يؤثر). # (سأصليه سقر (26) بدل من " سأرهقه صعودا ". (وما أدراك ما سقر (27) لا ~~تبقي ... (28) سالما. (ولا تذر) ولا تدعه بعد إحراقه وإعدامه. أو لا تبقي ~~شيئا من الأشياء ولا تذر كهذه النيران، بل تهلك كل رطب ويابس. وهذا أوجه ~~وألصق بقوله: (وما أدراك ما سقر) المسوق للتهويل. # (لواحة للبشر (29) مسودة أعالي الجلد كاللمل البهيم. من لوحته الشمس: ~~غيرته وسفعته. وعن الحسن لواحة للبشر شديدة الظهور. كقوله: (لترونها عين ~~اليقين). # PageV01P274 # (عليها تسعة عشر (30) يلي أمرها تسعة عشر ملكا. وقيل: صنفا، أو صفا، أو ~~نقيبا. # (وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ... (31) لأنهم خلاف جنس المعذب من ms121 ~~الجن والإنس، فلا تأخذهم رأفة؛ لعدم رقة الجنسية، ولأنهم أطوع خلق الله ~~لتنفيذ أوامره وأشد غضبا له، وأقواهم. عن عمرو بن دينار - رضي الله عنه -: ~~" إن واحدا منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة ومضر ". وروي ~~مرفوعا: " إن لأحدهم قوة الثقلين يسوق أمة إلى النار على عاتقه جبل، فإذا ~~ألقاهم في النار ألقى الجبل وراءهم ". (وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين ~~كفروا) لما سمع أبو جهل تسعة عشر قال: " ثكلتكم أمهاتكم، أيعجز كل عشرة ~~منكم أن يبطش بواحد منهم؟!. فقال أبو الأشد كلدة بن أشد بن خلف: " أنا ~~أكفيكم سبعة عشر، فاكفوني أنتم اثنين ". وكان بلغ من قوته أنه يقف على جلد ~~البقر، ويجذبه عشرة، فيتمزق الجلد تحت رجليه، ولا يقدرون على إخراجه. قال ~~السهيلي: دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى # PageV01P275 # المصارعة وقال: إن صرعتني آمنت بك، فصرعه مرارا، فلم يؤمن. والمعنى: ما ~~جعلنا عدتهم إلا العدد المخصوص الذي اقتضى فتنتهم واستهزاءهم. (ليستيقن ~~الذين أوتوا الكتاب) لتوافق الكتابين في هذا العدد. على حذف العاطف أي: ~~وليستيقن، أو عبر عن المؤثر وهو تسعة عشر بالأثر وهو فتنة للذين كفروا؛ ~~إشارة إلى أن هذا الأثر من لوازم ذلك المؤثر. # (ويزداد الذين آمنوا إيمانا) إذا صدقوا بذلك وإذا رأوا تسليم أهل الكتاب ~~لهذا العدد. (ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون) تصريح بما علم ضمنا؛ ~~توكيدا. (وليقول الذين في قلوبهم مرض) نفاق. إخبار بالغيب عما يكون؛ لأن ~~السورة مكية، والنفاق إنما نجم بالمدينة. أو الشك والارتياب، وكان أكثر ~~المشركين كذلك. (والكافرون) غير المنافقين أو الشاكين. # وإنما عطف قول المنافقين والكافرين على الاستيقان، مع كون المعطوف عليه ~~غرضا دون المعطوف؛ لأن اللام للعلة، والعلة لا يلزم أن تكون غرضا كقولك: ~~خرجت من البلد مخافة الشر. (ماذا أراد الله بهذا مثلا) تمييز أو حال. ~~استعاروا لعدد الخزنة لفظ " المثل " من المثل المضروب؛ لكونه غريبا عندهم ~~بديعا. (كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء) الكاف في محل النصب. أي: مثل ~~ذلك الإضلال ms122 المذكور والهدى يضل الله الكافرين ويهدي المؤمنين. (وما يعلم ~~جنود ربك إلا هو)، لفرط الكثرة، فليس تخصص الخزنة بهذا العدد إلا لحكمة ~~اقتضته، كعدد السماوات والأرضين وحمله العرش. (وما هي إلا ذكرى للبشر) متصل # PageV01P276 # بوصف سقر، وقوله: (وما جعلنا أصحاب النار) أي: وما هي. اعتراض يؤكد بعضه ~~بعضا؛ زيادة في تهويل جهنم. أي: وما سقر، أو وما صفتها، أو وما الآيات ~~المذكورة فيها إلا تذكرة لهم. # (كلا ... (32) ردع لتذكرهم أي: وإن جعل تذكرة فهم لا يتذكرون، أو ردع لمن ~~ينكر أن يكون إحدى الكبر. (والقمر * والليل إذ أدبر (33) تولى. قال الزجاج: ~~تقول قريش: قبل الشتاء ودبر: جاء وذهب، ومنه أمس الدابر وغيرهم أقبل وأدبر. ~~وعن يونس: أدبر: تولى، ودبر. انقضى. وقرأ نافع وحمزة وحفص " إذ " بسكون ~~الذال، و " أدبر " بهمز القطع، والرسم لا يختلف؛ لوجود صورة الألف في ~~القراءتين، والمختار " إذا "؛ للغة قريش، ولقوله: (والصبح إذا أسفر (34) ~~أضاء. # (إنها لإحدى الكبر (35) جواب القسم، أو تعليل ل " كلا "، والقسم معترض. ~~والضمير ل سقر. و " الكبر " جمع كبرى، والفعل ليس من أبنية جمع فعلى، بل ~~فعلة، كزمرة وزمر. إلا أن الألف ألحقت بالتاء، كالقواصع في جمع قاصعاء؛ ~~لإلحاق ألفها بتاء # PageV01P277 # قاصعة. والمعنى: إن سقر من إحدى البلايا التي لا توجد لها نظيرة. كقولك: ~~هند إحدى النساء في العفاف، وعلي أحد الرجال في العلم. # (نذيرا للبشر (36) تمييز من النسبة أي: إحدى الكبر إنذارا، أو حال عما ~~دلت عليه الجملة أي: كبرت منذرة. # (لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر (37) بدل من (للبشر)، و (أن يتقدم أو ~~يتأخر) مفعولي (شاء)، أو مبتدأ خبره (لمن شاء) أي: التقدم والتأخر ممكنان ~~لمن شاء. كقوله: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر). # (كل نفس بما كسبت رهينة (38) مصدر كالشتيمة والشريطة، ولو كان وصفا لجرد ~~عن التاء. # (إلا أصحاب اليمين (39) فإنهم فكوا رقابهم بالأعمال الصالحة. وقيل: هم ~~الملائكة، أو الأطفال. (في جنات ... (40) حال من " أصحاب اليمين "، ~~والتنكير للتعظيم. # (يتساءلون) (عن المجرمين (41) يسأل بعضهم بعضا، أو يسألون غيرهم. # (ما سلككم ms123 في سقر (42) مع جوابه، حكاية لما جرى بين المسؤول عنهم وبين ~~المجرمين، فاختصر الكلام؛ لعدم اللبس. والسؤال عن حالهم (ما سلككم في سقر) ~~مع كونه معلوما؛ لقصد التوبيخ، وليحكى في الكتاب لطفا بالسامعين. ومن فسر ~~أصحاب اليمين بالأطفال أيده بهذه السؤال؛ لأن الأطفال لا يعلمون موجب ذلك. # PageV01P278 # (قالوا لم نك من المصلين (43) الداخلين في عدادهم. (ولم نك نطعم المسكين ~~(44) المحتاج. أي: لم نعظم أمر الله، ولم نشفق على خلق الله. وفيه دليل على ~~أن الكفار مخاطبون بالفروع. # (وكنا نخوض مع الخائضين (45) نشرع في الباطل مع كل مبطل، ونغوى مع كل ~~غاو. # (وكنا نكذب بيوم الدين (46) وبعد ذلك كله كنا نكذب بيوم الجزاء. كقوله: ~~(ثم كان من الذين آمنوا). # (حتى أتانا اليقين (47) الموت؛ لقوله. (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين). # (فما تنفعهم شفاعة الشافعين (48) لو فرض شفاعتهم، إذ لا يشفعون إلا لمن ~~ارتضى. # (فما لهم عن التذكرة معرضين (49) حال من المجرور كقولك: مالك قائما. ~~والتذكرة: القرآن، أو هو وسائر المواعظ. # PageV01P279 # (كأنهم حمر مستنفرة (50) فرت من قسورة (51) حمر الوحش. مثل في النفار من ~~أدنى شيء. والقسورة: الأسد. وعن ابن عباس: " الصائد " وابن جبير: " الرامي ~~". فوعلة من القسر، كالحيذرة فيعلة من الحذر، وكلاهما ملحق بالفعللة. وقرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو والكوفيون " مستنفرة " بكسر الفاء. يقال: نفر واستنفر ~~مثل: عجب واستعجب. # (بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة (52) تنشر وتقرأ (وقالوا لن ~~نؤمن) ... (حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه). # (كلا بل لا يخافون الآخرة (53) ولذلك يتعنتون ويعاندون، ولم يريدوا ~~بقولهم (حتى تنزل علينا كتابا) إلا عنادا. (ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس ~~فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين). # (كلا ... (54) حقا. (إنه تذكرة) وإن أعرضوا. والأول ردع عن اقتراحهم ~~الآيات، وهذا عن الإعراض. (فمن شاء ذكره (55) من الذكر بضم الذال، فعل ~~القلب. # (وما يذكرون إلا أن يشاء الله ... (56) مشيئتهم؛ لقوله: (وما تشاءون إلا ~~أن يشاء الله)، أو ذكرهم. وقرأ نافع " تذكرون " بالخطاب على الالتفات، أو ~~قل لهم. (هو # PageV01P280 # أهل التقوى وأهل ms124 المغفرة) حقيق بأن يتقى؛ لعلو شأنه، وجدير بالمغفرة؛ ~~لسعة غفرانه روى الترمذي وابن ماجه والإمام أحمد عن أنس بن مالك: " أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لما تلاها قال: أنا أهل أن أتقى ممن اتقى، فمن ~~اتقاني فلم يجعل معي إلها، فأنا أهل أن أغفر له ". # * * * # تمت بحمد الله، والصلاة على أفضل خلق الله. # * * * # PageV01P281 ### | سورة القيامة # مكية، وهي تسع وثلاثون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # (لا أقسم بيوم القيامة (1) " لا " صلة، تزاد لتأكيد القسم، مثلها في ~~(لئلا يعلم)؛ لتأكيد العلم. وقيل: هذا إنما يكون إذا وقعت في خلال الكلام ~~كقوله: (فلا وربك)، وأما إذا وقعت في صدر الكلام كما في هذه السورة وسورة ~~البلد فهي للنفي. والمعنى: نفى أن يقسم بيوم القيامة؛ لأن الإقسام بالشيء ~~إعظام له؛ ليتوسل به إلى تأكيد المقسم عليه. وحاصله: أن يوم القيامة في ~~نفسه أعظم من أن يعظم بالقسم. ويجوز أن يكون " لا " ردا لقولهم: (إنما أنت ~~مفتر)، والمعنى: أقسم باليوم لا النفس اللوامة. وقرأ ابن كثير (لا أقسم) ~~على أن اللام جواب القسم. # (ولا أقسم بالنفس اللوامة (2) هي: المتقية التي تلوم النفوس المقصرة يوم ~~القيامة على التقصير، أو نفس السالك التي تلوم نفسها إذا ترقت إلى مقام ~~أعلى، فهي أبدا في اللوم، # PageV01P282 # أو نفس آدم؛ لأنها بعد الجناية داومت على اللوم. والحمل على الجنس ~~استدلالا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " ما من نفس برة وفاجرة إلا تلوم ~~نفسها يوم القيامة ". لا يلائم الإعظام بالقسم، وقيل: النفس المطمئنة؛ ~~لأنها تلوم الأمارة أي: في حال الاطمئنان تلوم نفسها على ما فرط منها. ~~وجواب القسم محذوف أي: لتبعثن، دل عليه قوله: # (أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه (3) بعد تفرقها. قيل: نزلت في عدي بن ~~ربيعة ختن الأخنس بن شريق سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أمر ~~الساعة فأخبره فقال: " والله لو عاينت ذلك لم أومن بك ". # (بلى قادرين على أن نسوي بنانه (4) مع صغر العظام فكيف بكبارها؟، وإذا ~~قدرنا على الألطف الأبعد عن العادة فعلى ms125 الغير أقدر. ومآله إلى عدم التفاوت ~~بين الإعادة والبدء. وقيل: معنى تسوية بنانه جعلها كخف البعير؛ دلالة على ~~كمال القدرة. والظاهر: أن تخصيص البنان بالذكر؛ لأنه أعجب شيء في الإنسان، ~~وأخص به من بين الحيوانات. ثم في تصدير الكلام بالقسم بيوم البعث والمبعوث ~~فيه على تحقق البعث على أسلوب: " وثناياك إنها # PageV01P283 # أغريض "، ثم إيثار الحسبان وهمزة الإنكار مسند إلى الجنس، والإتيان بحرف ~~الإيجاب، وإيقاع " قادرين " حالا بعده، من المبالغات في تحقيق المطلوب ~~وتهجين حال المعرض عن الاستعداد له ما يبهر عجائبه، وزاده رونقا وحسنا ~~بقوله: (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه (5) عطفا على " أيحسب ". ترق في ~~الإنكار؛ لدلالته على أن ذلك الحسبان لمجرد إرادة الفجور، أو إضراب عن ~~الإنكار عن حاله بما هو أدخل في اللوم كأنه قيل: دع الإنكار عليه، أنى ~~يرتدع بالإنكار وهو يريد الدوام على الفجور؟. وعلى الوجهين فيه إيماء إلى ~~أنه عالم بوقوع البعث إلا أنه يتغابى. # (يسأل أيان يوم القيامة (6) سؤال تعنت لما تقدم من إنكاره. # (فإذا برق البصر (7) تحير فزعا، كأنه نظر البرق فدهش بصره. وقرأ نافع ~~(برق) بفتح الراء أي: لمع، من البريق. وعن الفراء هما لغتان والكسر أفصح. ~~(وخسف القمر (8) بذهاب ضوءه. # (وجمع الشمس والقمر (9) في الطلوع من المغرب، أو في النار يعذب بهما من ~~عبدهما. وتذكير الفعل؛ لأنه أحد الجائزين. ولموافقة " خسف " ومقارنة " ~~القمر " حسن. # PageV01P284 # (يقول الإنسان يومئذ أين المفر (10) أي: الفرار، وبكسر الفاء اسم مكان ~~(كلا ... (11) زجر عن طلب المفر (لا وزر) لا ملجأ، أصله الجبل؛ لأنه يلجأ ~~إليه في الغارات. # (إلى ربك ... (12) خاصة. (يومئذ المستقر) لا ملجأ غيره، أو إلى حكمه ترجع ~~أمور العباد، أو إلى مشيئته استقرار فريق في الجنة وفريق السعير. # (ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر (13) بما قدم من ماله فتصدق، وبما ~~خلفه، أو بما قدم من الأعمال وأخر لم يعمل، أو بما أخر من سنة حسنة أو ~~سيئة، أو بأول عمله وآخره. # (بل الإنسان على نفسه بصيرة (14) حجة واضحة، فلا يحتاج معها إلى أن ينبأ؛ # لأنه ms126 الذي ينبأ بما قدم وأخر حين تنطق جوارحه. # (ولو ألقى معاذيره (15) أي: لو أتى يكل معذرة لا تقبل؛ لأن الشاهد من ~~نفسه لا يقبل الجرح. وعن مجاهد: " المعاذير: الستور " عليه. والمعنى: ولو ~~ألقى الستور عليه حين عصيانه لا يغني عنه شيئا؛ لأن عليه من نفسه بصيرة. ~~لاحظ قوله. (وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم) والمعاذير: ~~اسم جمع كالمناكير؛ لأن قياس جمع المعذرة بدون التاء، وجمع معذار على تفسير ~~مجاهد. # (لا تحرك به لسانك ... (16) أي: بالقرآن عند أخذه من جبرائيل. (لتعجل به) ~~تحفظ مخافة أن يشذ عنك شيء. # PageV01P285 # (إن علينا جمعه ... (17) في صدرك. (وقرآنه) وقراءته على لسانك. # (فإذا قرأناه ... (18) قرأه جبرائيل، والإسناد إليه؛ لأنه سفيره. (فاتبع ~~قرآنه) قراءته، أي: اقرأه بعد ذلك. # (ثم إن علينا بيانه (19) بيان ما أشكل عليك من معانيه. وعن ابن عباس: ~~(فاتبع قرآنه) فاستمع لقراءته (ثم إن علينا بيانه) قراءته على لسانك. كان ~~يستعجل الأخذ من جبرائيل مخافة أن يفوته منه شيء، فنهي عنه. # (كلا ... (20) ردع له عما كان عليه. واستطراده بين حبي العاجلة المدلول ~~عليه بقوله: (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه)، وقوله: (بل تحبون العاجلة)؛ ~~للدلالة على أن العجلة إذا كانت مذمومة فيما هو رحمة وشفاء فكيف بما هو ~~محنة وشقاء؟. وفي (تحبون العاجلة) تغليب للمخاطب، كأنه قال: وأنتم يا بني ~~آدم عادتكم العجلة في كل شيء؛ لجبلتكم على ذلك. (خلق الإنسان من عجل) " فإن ~~قلت: إذا كانت العجلة جبلة في الإنسان، فما معنى الردع في " كلا "؟ قلت: ~~وإن كانت من مقتضى الطبع إلا أنها قابلة العلاج كسائر الملكات الردية، ومن ~~كان في أعلى منصب الرسالة لا ينبغي له إلا استئصال شأفة تلك الملكات. وقرأ ~~أبو عمرو وابن كثير وابن عامر تحبون. # PageV01P286 # (وتذرون الآخرة (21) بالتاء، وهو أبلغ؛ لأن فيه التفاتا وإخراجا له عن ~~صريح الخطاب بحب العاجلة، مع الرمز اللطيف اللائق بشأنه - صلى الله عليه ~~وسلم -. # (وجوه يومئذ ناضرة (22) بهية عليها أثر السرور. (إلى ربها ناظرة (23) ~~قصدا، لا إلى غيره، كالطالب رؤية الهلال، ms127 أو إن النظر إلى غيره تعالى ك " ~~لا نظر " كما تقدم في ذلك الكتاب، أو التقدم؛ للاهتماتم ورعاية الفاصلة. ~~والحمل على الانتظار موت أحمر كناية عن الرجاء لا يلائم. روى الترمذي ~~والإمام أحمد بن حنبل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " أكرم ~~الخلق على الله تعالى من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية، ثم قرأ الآية ". # PageV01P287 # (ووجوه يومئذ باسرة (24) عابسة شديدة الكلوح. (تظن أن يفعل بها فاقرة ~~(25) الداهية الشديدة، كأنها تكسر فقار الظهر. وإيثار الظن؛ لأنها آنا فآنا ~~تتوقع وتترقب أشد مما هي فيه. # (كلا ... (26) ردع عن حب العاجلة، وإيثار الدنيا على الآخرة بذكر ما هو ~~أوعظ شيء للإنسان وهو الموت وأهواله. (إذا بلغت التراقي) الضمير للنفس، وإن ~~لم تتقدم؛ لأن قرينتها " أظهر من نار على علم ". ألا ترى أن حاتما من بلغاء ~~العرب، وهو الذي لا يشق غباره في قوى الأرواح بحكمة، كما حاز قصب السبق في ~~مضمار قرى الأشباح بنعمة سلك هذه الطريقة: # PageV01P288 # أماوي ما يغني الثراء من الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # ويخاطب ماوية بنت عقر وكانت ملكة تحت حاتم. والتراقي: العظام المتداخلة ~~عن يمين النحر وشماله. # (وقيل من راق (27) القائل الأحباب والخلان بعضهم لبعض من يرقيه منكم لعل ~~أن يكون ببركة الرقية نجاة. وهذا إنما يقال عند اليأس وعجز الأطباء. وقرأ ~~حفص بسكتة لطيفة على " من "؛ للدلالة على أن الإدكم فيه غير لازم، وخلاصا ~~من ثقل التقارب. # (وظن أنه الفراق (28) أي: ظن الحاضر أنه الفراق الحقيقي. # PageV01P289 # (والتفت الساق بالساق (29) من شدة الألم وسقوط القوى مع خوف المآل. بعض ~~المشايخ جزع جزعا شديدا عند الموت. قال بعض أصحابه على ما هذا الجزع قال: " ~~يا رب باب أدقه سبعين سنة الآن يفتح ولا أدري ما وراءه ". # (إلى ربك يومئذ المساق (30) لا إلى غيره وهو عليم بذات الصدور، وقد علمتم ~~أن حب الدنيا رأس كل خطيئة فكيف تؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة؟. # (فلا صدق ولا صلى (31) أي: الإنسان الحاسب (ألن نجمع عظامه) لا صدق بقلب، ~~ولا ms128 أتى بالأعمال المصدقة لعقد القلب، وعبر عنها بالصلاة؛ لأنها رئيسة ~~العبادات. أو لا يصدق بما له يقال صدقا إذا أعطى الصدقة. (ولكن كذب وتولى ~~(32) عن الطاعة. # PageV01P290 # (ثم ذهب إلى أهله يتمطى (33) يتبختر ذاهبا إلى أهله مفتخرا بما فعل من ~~التكذيب والتولي، من غاية جهله يعتقد أن أشنع المثالب أرفع المناقب. # (أولى لك فأولى (34) أي: أولاك ما تكرهه فأولاك مرة بعد أخرى. واللام مثل ~~اللام في (ردف لكم). وقيل: أفعل من الويل بعد القلب. (ثم أولى لك فأولى ~~(35) أبلغ فأبلغ. # (أيحسب الإنسان أن يترك سدى (36) مهملا لا جزاء ولا حساب. أي: لا يكون ما ~~حسب؛ لأن فيه بطلان الحكمة. # (ألم يك نطفة من مني يمنى (37) قرأ حفص بالتذكير. والضمير للمني. # (ثم كان علقة فخلق فسوى (38) فقدره وعدله (فجعل منه الزوجين ... (39) ~~الصنفين (الذكر والأنثى). # أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى (40) الصانع. روى أبو داود عن موسى بن ~~أبي عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قرأها قال: " " ~~سبحانك بلى ". # * * * # PageV01P291 # تمت، والحمد لله على إنعامه، والصلاة على محمد، وآله وصحبه. # * * * # PageV01P292 ### | سورة الإنسان # مكية، وهي إحدى وثلاثون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # (هل أتى على الإنسان ... (1) هل بمعنى قد مع الاستفهام أي: أقد. كقوله: # أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم # والمعنى: على التقرير والتقريب. (حين من الدهر) طائفة من الزمن الممتد ~~غير المحدود. (لم يكن شيئا مذكورا) شيئا يعتد به ويذكر، بل متقلبا في ~~الأطوار: نطفة وعلقة ومضغة. والمراد به بنوا آدم؛ لقوله تعالى: # PageV01P293 # (إنا خلقنا الإنسان من نطفة ... (2) فالمعرفة عين الأولى، وفي إيثار ~~المظهر فضل تقرير. وقيل: الأول: آدم، والثاني: بنوه. (أمشاج) جمع مشيج، ~~كأيتام في يتيم. لأن ماء الرجل والمرأة كل منهما مختلف الأجزاء رقة وقواما ~~وخواصا، وما يصلح مادة جزء منه لا يصلح لآخر. وعن أبي مسعود - رضي الله عنه ~~-: " عروق النطفة ". وعن قتادة: " أمشاج: ألوان وأطوار ". وقيل: لفظه جمع ~~ومعناه مفرد ك (برمة أعشار وبرد أكباش). (نبتليه) حال مقدرة. أي: مقدرين ~~ومريدين ابتلاءه، أو ناقلين له ms129 من حال إلى حال، فالابتلاء مستعار؛ لأن في ~~كل طور يظهر ظهورا آخر كظهور الممتحن، وقيل: على التقديم والتأخير أي: ~~(فجعلناه سميعا بصيرا) نبتليه، وفيه تكلف؛ لوجود الفاء. وتخصيص السمع ~~والبصر؛ لأنهما أعظم الحواس، وبهما يتلقى الأوامر ويشاهد المعجزات. # PageV01P294 # (إنا هديناه السبيل ... (3) بإنزال الآيات ونصب الأدلة. (إما شاكرا وإما ~~كفورا) حال من الهاء. أي: هديناه في حاليه؛ لئلا يكون للكفر حجة. ومقابلة ~~الشاكر بالكفور؛ إشارة إلى غلبة الكفران على الإنسان. # (إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا (4) ذكر الوعد والوعيد بعد ~~ذكر الشاكر والكفور وقدم الوعيد مع تأخر الكفور؛ لأن الإنذار أهم، وليكون ~~فتح الكلام وختمه مع المؤمنين. قرأ نافع والكسائي وأبو بكر وهشام. " سلاسلا ~~" منونا؛ ليناسب " أغلالا ". وحمزة وقتبل: بإسكان اللام في الوقف، وكذا حفص ~~وابن ذكوان والبزي في وجه؛ لمنعها من الصرف. # (إن الأبرار ... (5) جمع بر، كأرباب جمع رب. (يشربون من كأس) هو الزجاج ~~ما دام فيه الخمر، ويطلق على الخمر وهو المراد؛ لقوله: (كان مزاجها كافورا) ~~أي: ماء كافور وهو عين في الجنة، وقيل: نخلق فيه رائحة الكافور وبرده، ~~وقيل: يمزج خمرهم بالكافور. # (عينا ... (6) بدل من (كافورا) على الأول، وعلى الآخرين من محل (من كأس) ~~على تقدير مضاف كأنه قيل: يشربون خمرا خمر عين، أو نصب على الاختصاص. # (يشرب بها عباد الله) المقربون. أي: يمزجون الخمر بمائها. كقوله: (ومزاجه ~~من تسنيم). هذا إن جعل " كافورا " اسم عين. والألف والباء مزيدة. ~~(يفجرونها) حيث شاءوا من منازلهم. (تفجيرا) سهلا بلا تعب. # PageV01P295 # يوفون بالنذر ... (7) استئناف لما عسى أن يسأل: لماذا كان ذلك الإكرام؟. ~~ونبه بذكر النذر على أنهم في واجبات الله أسعى وأوفى. (ويخافون يوما كان ~~شره مستطيرا) منتشرا أقصى ما يمكن من الانتشار. من استطار الفجر. # (ويطعمون الطعام على حبه ... (8) أي: حب الطعام والاحتياج؛ لقوله: (لن ~~تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)، وقيل: على حب الله. وفي قوله: " لوجه ~~الله " غنية عن هذا. # (مسكينا ويتيما وأسيرا) مدح لهم على اختيار موضع الصدقة، فإنها كالبذر لا ~~تنبت إلا في أرض طيبة. ms130 ويدخل في الأسير: المسلم والكافر والغريم والمملوك. ~~وفي الحديث. " غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك ". وكان يؤتى بالأسير إلى رسول ~~الله فيدفعه إلى بعض المسلمين ويقول: " أحسن إليه ". # (إنما نطعمكم لوجه الله ... (9) يقولونه بلسان الحال، أو بلسان المقال؛ ~~منعا لمن أحسنوا إليه عن المكافآت والثناء، (لا نريد منكم جزاء ولا شكورا) ~~توكيد للأولى. # إنا نخاف من ربنا يوما ... (10) عذاب يوم. أي: إنما أردنا بالإطعام وجه ~~الله؛ لأنا نخاف جزاء ذلك اليوم، ومن خاف ذلك لازم الإخلاص، أو لم نرد منكم ~~على الصدقة مكافأة؛ خوفا من عقاب الله على طلب المكافأة. (عبوسا قمطريرا) ~~شديد العبوس. من # PageV01P296 # القطر والميم مزيدة يقال: " جمع فلان قطرته إذا اشتد تغيره مغضبا ". إما ~~مجاز حكمي وصف بوصف أهله؛ لما في الحديث: " إن الكافر يعبس حتى يسيل من بين ~~عينيه شبه القطران "، أو استعارة بالكناية، شبه بالأسد العبوس في ضراوته. # (فوقاهم الله شر ذلك اليوم ... (11) لما قدموا له من البر. (ولقاهم نضرة) ~~بهجة في وجوههم. (وسرورا) في قلبهم. # وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا (12) ليأكلوا الهنيء، ويلبسوا البهي. وما ~~نقلوه عن علي لا يصح؛ لأن السورة مكية. # (متكئين فيها على الأرائك ... (13) على هيئة المترفين. نصب على الحال. ~~(لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا) أي: لا حر ولا برد؛ لاعتدال الهواء. وعن ~~ثعلب الزمهرير: القمر بلغة طي. وأنشد: # PageV01P297 # قطعتها والزمهرير ما زهر ... وليلة ظلامها قد اعتكر # والمعنى: لا احتياج إلى الشمس والقمر؛ لضياء الهواء. # (ودانية عليهم ظلالها ... (14) عطف على الجملة الحالية؛ لأنها في تأويل ~~المفرد، والواو؛ للدلالة على اجتماع الأمرين لهم. كأنه قيل: جامعين في ~~الجنة بين البعد عن الحر، ودنو الظلال عليهم. ويجوز أن يجعل " متكئين " وما ~~بعده صفات ل " جنة " على مذهب من لا يوجب إبراز الضمير في صفة جرت على غير ~~من هي له؛ لكون " متكئين " كذلك، أو عطف على " جنة " على أنهم وعدوا جنتين ~~كقوله: (ولمن خاف مقام ربه جنتان) (وذللت قطوفها تذليلا) أي: لا تمتنع على ~~القطاف، بل يقطفون كما شاءوا. عطف على دانية. وإيثار ms131 الفعلية لقصد التجدد؛ ~~لأن القطوف بحسب الحاجة. أو صفة مثلها، أو حال من ضميرها. # (ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب ... (15) أباريق بلا عرى. (كانت ~~قواريرا * قوارير من فضة ... (16) القارورة: ما يكون من الزجاج، استعيرت ~~لما كان من فضة بجامع الصفاء والشفيف فجاءت حسنة بديعة. وقرأ أبو عمرو، ~~وابن عامر، وحمزة، وحفص: # PageV01P298 # قواريرا. الأول غير منون، ووقف عليه حمزة بدون ألف، وهم مع ابن كثير ~~الثاني أيضا، ووقفوا بلا ألف سوى هشام. (قدروها تقديرا) صفة قوارير. أي: ~~جاءت على مقدار صوروها في أنفسهم، أو قدروها بأعمالهم الصالحة، أو الضمير ~~للطائعين، والمعنى: قدروا الشراب الذي فيها على قدر الري وهو ألذ للشارب. # (ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا (17) لأن العرب تستلذ طعمه. قال ~~الأعشي: # كأن القرنفل والزنجبيل ... بائنا بها وأريا مشورا # PageV01P299 # وعن قتادة: يمزج لهم تارة بالكافور البارد، وأخرى بالزنجبيل الحار؛ ~~ليعتدل الأمر. # (عينا فيها تسمى سلسبيلا (18) بدل من زنجبيل. وقيل: يخلق الله تعالى ~~طعمه. فيها، وقيل: يمزج بالزنجبيل. وعلى الوجهين " عينا " بدل من " كأس ". ~~والسلسبيل كالسلسل والسلسال: سهل الانحدار، أي: وإن كان فيها طعم الزنجبيل ~~فليس فيه لذعه. ولإرادة المبالغة جيء به خماسيا. وقيل: أصله سل سبيلا سمي ~~به؛ لأنه لا يشرب منها إلا من يسأل السبيل إليها بالعمل الصالح، وفيه تكلف ~~وفوات المبالغة بالوصف. # (ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا (19) في الحسن ~~وصفاء اللون، والتفرق في المجالس، وانعكاس شعاع بعضهم إلى بعض، أو كأنهم ~~لؤلؤ نثر من [صدفة رطبا]، من تشبيه المفرد. # (وإذا رأيت ثم ... (20) لم يقدر له مفعول. والمعنى. إذا كنت ذا بصر هناك. ~~(رأيت نعيما وملكا كبيرا) واسعا، حيث وقع بصرك. عن ابن عمر أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: " إن أدنى أهل الجنة لمن ينظر في ملكه ألفي سنة ~~ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى أدناه ". وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن آخر أهل الجنة دخولا، له مثل ~~الدنيا عشر مرات ". # PageV01P300 # عاليهم ثياب ms132 سندس خضر وإستبرق ... (21) " عاليهم " نصب على الحال، إما من ~~المجرور في (عليهم)؛ أو المنصوب في " حسبتهم "، أو " لقاهم " أو " جزاهم ". ~~وقرأ نافع وحمزة بسكون الياء على أنه مبتدأ مفرد في معنى الجمع. ك "دائر ~~القوم " و (سامرا تهجرون). و " ثياب سندس " خبره (خضر) بالجر صفة " سندس ". ~~وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص بالرفع صفة " ثياب " " وإستبرق " ~~بالجر عطف على " سندس ". ورفعه نافع، وابن كثير، وعاصم عطفا على " ثياب ". ~~والسندس: ما رق من الحرير، والاستبرق: ما غلظ، معرب استبرك. عن ابن عباس - ~~رضي الله عنهما -: " كما ترى الرجل يكون عليه الثياب يعلوها الأفضل ". ~~ويجوز أن يكون الاستبرق: بطانة؛ لقوله: (بطائنها من إستبرق) (وحلوا أساور ~~من فضة) ولا ينافيه قوله: (أساور من ذهب)، لاحتمال الجمع والمعاقبة. وقيل: ~~الفضة للأبرار، والذهب للمقربين. (وسقاهم ربهم شرابا طهورا) طهر باطنهم عن ~~الغل والحسد، كما زين ظاهرهم بالثياب والحلي. وقيل: هذا نوع آخر فوق الأول؛ ~~ولذلك أسنده إلى ذاته ووصفه بالطهور، فإنه يذهب عن خاطرهم، سوى الاستغراق ~~بمطالعة جماله. وهذا نهاية درجاتهم؛ ولذلك ختم به حديث السؤال. # PageV01P301 # (إن هذا كان لكم جزاء ... (22) على أعمالكم. والمشار إليه الثواب ~~المذكور. # (وكان سعيكم مشكورا) مجاز عن الاعتداد به. وفائدة هذا القول: إبراز الفضل ~~في صورة الأجر المستحق، إخراجا له عن صورة الممنون به. # (إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا (23) كرر الضمير، وأكده ب (إنا) مع ~~إيثار التنزيل الدال على التفريق الذي هو مقتضى الحكمة؛ ليدل على أن قوله: # (فاصبر لحكم ربك ... (24) صادر عن حكمة بالغة، وأن تأخير نصره لما فيه من ~~الحكم الخفية. (ولا تطع منهم آثما أو كفورا) أي: كل واحد منهما؛ ولذلك آثر ~~" أو " لئلا يتوهم الجمع. وهم وإن كانوا كلهم كفرة إلا أن منهم من كان ~~يدعوه إلى الإثم، ومنهم من يدعوه إلى الكفر. وقيل الآثم: عتبة، والكفور: ~~الوليد؛ لأن ذلك كان غالبا في الفسوق، وهذا في الكفر. # (واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا (25) طرفي النهار؛ لتنال به حلاوة تذهب عنك ~~مرارة الصبر. وخص طرفي النهار؛ ms133 لشرفهما. وقيل. داوم على صلاة الفجر والظهر ~~والعصر، فإن الأصيل يتناولهما. # (ومن الليل ... (26) بعض الليل. (فاسجد له) فإنه وقت الاقتراب إليه؛ لدنو ~~رحمته، وخلو الوقت للمناجاة. وقيل: صلاتي المغرب والعشاء. ويؤيده: (وسبحه ~~ليلا طويلا) أي: نزهه، أو صل له تطوعا. # PageV01P302 # (إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا (27) استعار له الثقل ~~من الجملة، والمراد: شدته. # (نحن خلقناهم وشددنا أسرهم ... (28) الأسر: الربط الوثيق بالأسار. ~~والمراد: توصيل عظامهم بعضها مع بعض، وتوثيق مفاصلهم بالأعصاب. (وإذا شئنا ~~بدلنا أمثالهم تبديلا) أي: أهلكناهم وأنشأناهم نشأة أخرى. فالتبديل في ~~الصفات؛ لأن المعاد هو للبتدأ. أو بدلنا مكانهم قوما آخرين كقوله. (إن يشأ ~~يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين). و " إذا " مع أن ذلك أمر فرضي؛ للدلالة ~~على تمام الاقتدار. # (إن هذه تذكرة ... (29) السورة والآيات القريبة. (فمن شاء اتخذ إلى ربه ~~سبيلا) موصلا إليه تقرب بالطاعة إليه. # وما تشاءون إلا أن يشاء الله ... (30) مشيئكم؛ لأن المفعول المحذوف وهو ~~ما دل عليه المذكور كقولك: لو شئت لقتلت زيدا أي: ولو شئت قتله. وفي إثبات ~~المشيئتين بطلان الجبر والاعتزال (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل) وقرأ ~~نافع # PageV01P303 # والكوفيون: (تشاءون) بالخطاب. (إن الله كان عليما) بكنه الأشياء (حكيما) ~~لا يشاء إلا ما اقتضته الحكمة. # (يدخل من يشاء في رحمته ... (31) بالهداية والتوفيق (والظالمين أعد لهم ~~عذابا أليما) نصب " الظالمين " على شريطة التفسير بما يلائم المفسر. نحو: ~~أوعد وكافأ. # * * * # تمت سورة الإنسان، والحمد للواحد المنان، والصلاة على صفوة الإنسان، وآله ~~وصحبه إلى آخر الزمان. # * * * # PageV01P304 ### | سورة المرسلات # مكية، وهى خمسون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # والمرسلات عرفا (1) أقسم بطوائف من الملائكة أرسلهن لإمضاء أوامره، حال ~~كونها كعرف الفرس في الاجتماع والتتابع. # (فالعاصفات عصفا (2) يعصفن عصف الرياح مبادرة إلى امتثال أمره، أو العرف ~~ضد النكرة، مفعول له أي: المرسلة لإنقاذ الأنبياء وإهلاك الكفار، نعمة ~~لأولئك ونقمة لهؤلاء. # (والناشرات نشرا (3) نشرن أجنحتهن في الجو نازلين بالوحي، أو ناشرين ~~الشرائع، أو النفوس الموتى بآفة الجهل. (فالفارقات فرقا (4) بين الحق ~~والباطل. # (فالملقيات ذكرا (5) وحيا إلى الأنبياء فإن ms134 قلت: الإلقاء مقدم على الفرق ~~فما وجه العطف بالفاء؟ قلت: الإلقاء مقدم على العلم بالفرق لا عليه. وقيل: ~~على تقدير الإرادة. أو أقسم برياح أرسلت للعذاب متتابعة عاصفات، وبأخرى ~~نشرن السحاب في # PageV01P305 # الجو ففرقن بينه كقوله: (ويجعله كسفا). أو نشرن الموتى ففرقن بين المؤمن ~~القائل: مطرنا بفضل الله تعالى، والكافر القائل: بالأنواء. وإلقاء الذكر ~~منها؛ لكونها سببا له إذا شكرت النعمة. # (عذرا ... (6) مصدر عذر: محى الإساءة. (أو نذرا) اسم مصدر هو الإنذار، أو ~~مصدر نذر بمعنى أنذر. أو جمع عذير بمعنى المعذرة وجمع نذير. وانتصابهما على ~~العلية، أي: (عذرا) للمحقين، (أو نذرا) للمبطلين. و (أو) للتنويع لا ~~الترديد، أو البدل من " ذكرا ". ويجوز أن يكونا بمعنى العاذر والمنذر ~~فالنصب على الحال. وقرأ أبو عمرو، وحمزة والكسائي، وحفص: " نذرا " ~~بالتخفيف. # (إنما توعدون لواقع (7) لا محالة، وهو قيام الساعة. # (فإذا النجوم طمست (8) محيت وأعدمت، أو أذهب نورها. (وإذا السماء فرجت ~~(9) فتحت، فكانت أبوابا. (وإذا الجبال نسفت (10) نسف الحب والرمل، فكانت ~~كثيبا مهيلا. وأصله القلع بسرعة. # (وإذا الرسل أقتت (11) بلغت وقتها الموعود وهو وقت الحضور للشهادة على ~~الأمم. وقرأ أبو عمرو بالواو وهو الأصل؛ لأنه من الوقت إلا أن الرسم على ~~الهمزة؛ لأنه وإن كان أثقل من الواو، إلا أن الضم عليه أخف منه على الواو. # PageV01P306 # (لأي يوم أجلت (12) الرسل. (ليوم الفصل (13) بيان ليوم التأجيل. # (وما أدراك ما يوم الفصل (14) بالغ في تهويله بإبهامه أولا، ثم ببيانه ~~بأنه يوم الحكم والقضاء، ثم هول شأنه بأنك لم تحط علما بكنه ذلك. # (ويل يومئذ للمكذبين (15) الويل: الهلاك. أصله النصب على المصدر لغير ~~فعله؛ # لعدم استعماله، والعدول إلى الرفع؛ لكونه أبلغ في الدعاء؛ لدلالته على ~~الدوام. # (ألم نهلك الأولين (16) من تقدم كفار مكة من الأمم المكذبة. (ثم نتبعهم ~~الآخرين (17) نحن نتبع أولئك في الإهلاك أهل مكة. (كذلك نفعل بالمجرمين ~~(18) بكل مجرم في كل عصر. # (ويل يومئذ للمكذبين (19) أي: يوم إهلاكهم فليس فيه تكرير؛ لأن الأول ~~لعذاب الآخرة، وهذا لعذاب الدنيا. مع أن التكرير للتهويل له موقع ms135 حسن. # (ألم نخلقكم من ماء مهين (20) هي النطفة القذرة (فجعلناه في قرار مكين ~~(21) هو الرحم، تفصيل لكيفية الخلق (إلى قدر معلوم (22) له تعالى وهو وقت ~~الولادة. # فقدرنا ... (23) على ذلك (فنعم القادرون) نحن على الإعادة. وقرأ نافع ~~والكسائي: (فقدرنا) بالتشديد. إلى ذلك المولود شقيا أو سعيدا، إلى غير ذلك ~~من حال النطفة علقة، ومضغة، وعظاما. و (فقدرنا) بمعنى مقدرون. من قدرت ~~الشيء أقدره. قال الشاعر: # PageV01P307 # وقد قدر الرحمن ما هو قادر # وهذا أوفق؛ لقوله: (من نطفة خلقه فقدره)، ولأن حديث القدرة قد تم في ~~قوله: (ألم نخلقكم)؛ لكون الاستفهام للتقرير. # (ويل يومئذ للمكذبين (24) ألم نجعل الأرض كفاتا (25) اسم لما يكفت أي: ~~يجمع، كضمام اسم لما يضم، أو مصدر نعت به، لا جمع كافت، كصيام في صائم؛ ~~لإسناده إلى ضمير الأرض. # (أحياء وأمواتا (26) نكرهما؛ لأن أحياء الإنس وأمواتهم بعض الأحياء ~~والأموات. ولا ينافيه التفخيم؛ لدلالته على كثرة لا تحصى. وانتصابهما على ~~المفعولية أو الحالية من مفعوله المحذوف. # (وجعلنا فيها رواسي شامخات ... (27) جبالا ثوابت طوالا. والتنكير ~~للتعظيم، أو التبعيض؛ لكون بعض الجبال في السماء لقوله: (من جبال فيها). ~~(وأسقيناكم ماء فراتا) عذبا وأي عذب. # PageV01P308 # (ويل يومئذ للمكذبين (28) بامتثال هذه النعم. # (انطلقوا ... (29) على تقدير القول (إلى ما كنتم به تكذبون) من العذاب. # (انطلقوا إلى ظل ... (30) من حر الشمس (ذي ثلاث شعب) يحيط همم من فوقهم، ~~وعن أيمانهم، وعن شمائلهم. # (لا ظليل ... (31) تهكم بهم، ورد لما أوهم لفظ الظل. (ولا يغني من اللهب) ~~وغير مغن من الحر كقوله: (لا بارد ولا كريم)، وهذا الظل: هو الدخان الذي هو ~~سرادق النار. (أحاط بهم سرادقها) يقفون فيه إلى الفراغ من الحساب، بدل وقوف ~~المؤمنين في ظل عرش الله. # (إنها ترمي بشرر كالقصر (32) في العظم (كأنه جمالت صفر (33) جمع جمال، أو ~~" جمالة " جمع جمل. شبهت أولا بالقصور ثم بالجمال، فإن العرب تشبه الإبل ~~بالقصور. قال: # [كما طينت بالفدن السياعا] # PageV01P309 # شبه الشرر حين ينقص من النار بالقصر في العظم، حين يأخذ في الارتفاع، ~~والانشقاق عن أعداد غير محصورة مع ms136 الحركات السريعة في الجهات بالجمال. وعن ~~ابن عباس: " كنا نرفع خشبة للشتاء طولها ثلاثة أذرع أو أقل، فنسميه القصر ~~". وعنه: " الجمالات: حبال السفن تجمع حتى تكون كأوساط الرجال ". والأول هو ~~الوجه. وقد روي عنه أيضا. # وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص: " جمالة "، و (جمالات) أبلغ، وأوفق بالمقام. # (ويل يومئذ للمكذبين (34) بذلك اليوم (هذا ... (35) أي: الذي قص عليكم. ~~(يوم لا ينطقون) يوم القيامة ذو مواطن، ينطقون في موطن دون آخر. ولا ينطقون ~~بما يحق أن يسمى نطقا؛ لعرائه عن الفائدة. # (ولا يؤذن لهم فيعتذرون (36) عطف على " يؤذن " أي: لا إذن ولا اعتذار ~~مطلقا. # ولو جعل جوابا لدل على أن عدم الاعتذار لعدم الإذن. وأوهم أن لهم عذرا ~~يعتد به، لكن لم يؤذن لهم فيه. # PageV01P310 # (ويل يومئذ للمكذبين (37) هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين (38)) للحكم ~~بين المحق والمبطل. # (فإن كان لكم كيد فكيدون (39) توبيخ لهم على ما كانوا يكيدون به ~~المؤمنين، وتسجيل عليهم بالاستكانة. # (ويل يومئذ للمكذبين (40) إن المتقين ... (41) من الشرك؛ لأنه في مقابلة ~~" المكذبين "، (في ظلال) متراكمة. (وعيون) جارية. (وفواكه مما يشتهون (42) ~~كثيرة الأنواع. # (كلوا واشربوا هنيئا ... (43) على تقدير القول (بما كنتم تعملون) في ~~الدنيا من الصالحات. # (إنا كذلك نجزي المحسنين (44) المخلصين. # (ويل يومئذ للمكذبين (45) كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون (46) تذكير لما ~~كان يقال لهم في الدنيا، وتخسير لهم بإيثار الحقير على الخطير. # (ويل يومئذ للمكذبين (47) به. (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون (48) متصل ~~بقوله: " للمكذبين " كأنه قيل: ويل يومئذ للذين كذبوا، والذين إذا قيل لهم ~~اركعوا لا يركعون. ويجوز اتصاله بالمجرمين كأنه قيل: هم أحقاء بأن يقال ~~لهم: كلوا وتمتعوا؛ لكونهم مجرمين، ولكونهم إذا قيل لهم: اركعوا لا يركعون. # PageV01P311 # (ويل يومئذ للمكذبين (49) به. (فبأي حديث بعده يؤمنون (50) أي: بعد ~~القرآن، فإنه لا حديث يدانيه فضلا أن يساويه. وعن أبي هريرة أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: " من قرأ (فبأي حديث بعده يؤمنون) فليقل آمنت ~~بالله وبما أنزل ". # * * * # تمت المرسلات، والحمد لواهب البركات، وعلى المختار أفضل الصلوات. # * * * # PageV01P312 ### | سورة النبإ # مكية، وآيها أربعون ms137 # بسم الله الرحمن الرحيم # عم يتساءلون (1) أصله " عن ما " فاتصلت في الخط وحذف الألف؛ فرقا بينها ~~وبين الخبرية، وإيذانا بشدة الاتصال وكثرة الدوران. وقرأ ابن كثير في رواية ~~البزي: " عمه " بهاء السكت في الوقف؛ ليكون حيرانا عن الذاهب وهو أحد حرفي ~~الثنائي. كان مشركو مكة يسأل بعضهم بعضا عن أمر القيامة، أو رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين استهزاء. على أن التساؤل بمعنى السؤال، ~~كالتداعي والترائي بمعنى: الدعوة والرؤية. والمراد: تفخيم شأن المسئول عنه ~~مجردا عن الاستفهام؛ لوقوعه في كلام من لا يخفى عليه خافية. # (عن النبإ العظيم (2) بيان لشأن المفخم، أو متعلق ب (يتساءلون) و (عم) ~~بما فسره (الذي هم فيه مختلفون (3) منهم المنكر له ومنهم الشاك. والضمير ~~للفريقين، المؤمنون يسألون لزيادة الاستيقان والاستعداد له، والكفار ~~استهزاء وعنادا. # PageV01P313 # (كلا سيعلمون (4) ردع للمتسائلين هزوا، ووعيد. # (ثم كلا سيعلمون (5) كرره مبالغة، وآثر (ثم)؛ دلالة على أن الثاني أشد من ~~الأول، وكما فخم شأن البعث فخم ما يقع بعده. وقيل: الأول عند النزع والثاني ~~في القيامة، أو الأول للبعث، والثاني للجزاء. # (ألم نجعل الأرض مهادا (6) والجبال أوتادا (7) وأنتم لا تنكرون شيئا من ~~ذلك، فإنكار البعث لماذا؟ وهل ذاك إلا على منوال هذا؟. أو من أبدع هنه ~~الأشياء إنما أبدعها لحكمة لا عبثا، فلا بد من البعث والجزاء. (وخلقناكم ~~أزواجا (8) ذكرا وأنثى. # (وجعلنا نومكم سباتا (9) موتا. من السبت وهو: القطع. والنوم أحد الموتين. ~~(وجعلنا الليل لباسا (10) ساترا عن العيون يمكن إخفاء ما لا يراد إظهاره من ~~بيات العدو، أو الفرار منه إلى أمور شتى. # (وجعلنا النهار معاشا (11) وقت معاشكم تتقلبون فيه لحوائجكم. استدل ~~بخلقهم ذكرا وأنثى، واستوفى أحوالهم مفترقين ومقترنين. # وبنينا فوقكم سبعا شدادا (12) محكمة لا يؤثر فيها مرور الدهور. # (وجعلنا سراجا وهاجا (13) أي: الشمس النير الأعظم، من وهجت النار: التهبت ~~أو أضاءت. # PageV01P314 # (وأنزلنا من المعصرات ... (14) من السحاب التي شارفت أن يعصرها الرياح ~~للمطر. من أعصرت الجارية: قاربت عصر الحيض، أو من الرياح التي حان لها عصر ~~السحاب. وعن الحسن وقتادة رضي ms138 الله عنهما: من السموات؛ لأن الماء ينزل من ~~السماء إلى السحاب، فكأن السماوات يعصرن أي. يمكن من العصر. (ماء ثجاجا) ~~منصبا بكثرة، يقال: ثجه، وثج بنفسه. وفي الحديث: " الحج عج وثج " أي: رفع ~~الصوت بالتلبية والذكر، وكثرة دماء القرابين. # (لنخرج به حبا ... (15) للإنسان. (ونباتا) للدواب (وجنات ألفافا (16) ~~ملتفة، جمع لف كخف وخفاف، أو جمع لفيف كشريف، أو لفاء كخضراء. أو ملتف بحذف ~~الزوائد. وفيه أن هذا لا نظير له؛ لأن تصغير الترخيم ثابت دون تكسيره. # (إن يوم الفصل كان ميقاتا (17) في علم الله. والميقات: ما يؤقت به الشيء، ~~والمراد به: حد الدنيا ونهايته، أو حد الخلائق وما ينتهون إليه. # (يوم ينفخ في الصور ... (18) بدل أو بيان ليوم الفصل. (فتأتون أفواجا) ~~جماعات (يوم ندعو كل أناس بإمامهم). والحديث المروي: " أن أمته - صلى الله ~~عليه وسلم - تحشر عشرة أصناف " موضوع مختلق. # PageV01P315 # (وفتحت السماء فكانت أبوابا (19) عطف على " فتأتون "، وإيثار الماضي؛ ~~لكونه محقق الوقوع، أو حال أي: فتأتون والحال أنها قد فتحت، والمراد: كثرة ~~الطرق والشقوق، كقوله: (وفجرنا الأرض عيونا). وقرأ الكوفيون مخففا. # (وسيرت الجبال ... (20) في الهواء تمر مر السحاب. (فكانت سرابا) أي: ~~كالسراب يحسب ماء ولا ماء؛ لأن شأن الجبل الثبات والقرار. # (إن جهنم كانت مرصادا (21) مكانا يرصد فيه خزنة النار الكفار، أو خزان ~~الجنة المؤمنين يحرسونهم إذا مروا عليها. (للطاغين مآبا (22) مرجعا ومأوى. # (لابثين فيها أحقابا (23) لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا (24) إلا حميما ~~وغساقا (25) الأحقاب جمع حقب وهي ثمانون سنة. وقيل: دهر طويل كقوله: (أو ~~أمضي حقبا) # PageV01P316 # والمعنى: يلبثون أحقابا كثيرة لا يذوقون فيها إلا الماء الحار وغسالة أهل ~~النار وصديدهم، ثم ينقلون إلى نوع آخر من العذاب. وإن جعل (لا يذوقون) ~~استئنافا فالمراد بأحقاب: دهورا غير متناهية كلما مضى حقب تبعه آخر، ألا ~~يرى كيف وقع وهم الانقطاع بقوله: (فلن نزيدكم إلا عذابا). وقرأ حمزة: ~~(لابثين) مقصورا، وهو أقوى وعليه الرسم، وحمزة والكسائي وحفص: (غساقا) ~~مشددا. # (جزاء وفاقا (26) أي: جوزوا جزاء ذا وفاق؛ لأعمالهم أو وصف بالمصدر. # (إنهم كانوا ms139 لا يرجون حسابا (27) وكذبوا بآياتنا كذابا (28) يقال: كذب ~~تكذيبا وكذابا. قال سيبويه: الأصلي كذابا والتاء عوض عن التضعيف، والياء عن ~~الألف. # (وكل شيء أحصيناه كتابا (29) نصب على المصدر، أي: إحصاء، أو أحصيناه ~~بمعنى: كتبنا؛ لتلاقي الإحصاء والكتبة في الضبط، أو على الحال أي: مكتوبا ~~في اللوح أو في صحف الحفظة. # (فذوقوا ... (30) أي: العذاب. التفت إليهم في مقام السخط؛ زيادة في ~~العذاب. (فلن نزيدكم إلا عذابا) استثناء من الأعم أي: شيئا من الأشياء. وعن ~~أبي برزة الأسلمي: " سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أشد آية في ~~كتاب الله على الكفار فتلاها ". # PageV01P317 # (إن للمتقين مفازا (31) مكان فوز من الجنة كما أن جهنم للطاغين مئابا، ثم ~~فسره بقوله: # (حدائق ... (32) جمع حديقة وهي: روضة ذات أشجار وقيل: روضة أحاط بها ~~حائط. (وأعنابا) أفردها؛ لقلة وجودها في أرض العرب. # (وكواعب ... (33) جمع كاعب ناهدة الثدي. (أترابا) لدات. # (وكأسا دهاقا (34) مترعة، من أدهقت الحوض فهو داهق (لا يسمعون فيها لغوا ~~ولا كذابا (35) أي: لا يتأذون من سماع اللغو وتكذيب بعضهم بعضا. وقرأ ~~الكسائي: " كذابا " مخففا إما مصدر كاذب، أو كذب نحو: كتبت كتابا، كقول ~~الأعشى: # فصدقها وكذبته ... والمرء ينفعه كذابه # أي: لا يصدر منهم كذب حتى يسمعه السامع. # (جزاء من ربك ... (36) نصب على المصدر. (عطاء) بدل من جزاء، أو مفعول به، ~~له أو لناصبه المحذوف (حسابا) صفة بمعنى كافيا، من أحسبه الشيء إذا كفاه، ~~حتى قال: حسبي، وقيل: على حسب أعمالهم. # PageV01P318 # (رب السماوات والأرض وما بينهما ... (37) بدل من ربك، ورفعه نافع وابن ~~كثير وأبو عمرو على أنه مبتدأ خبره (الرحمن)، أو هو بدل خبره (لا يملكون) ~~وقرأ " الرحمن " بالجر ابن عامر وعاصم على البدل. ومن جر الأول ورفع الثاني ~~أبدل الأول وجعل الثاني مبتدأ خبره (لا يملكون) أو خبر محذوف. (منه خطابا) ~~أي: من الله، والمعنى: لا يملكون من جهته شيئا من الخطاب؛ لأن المملوك لا ~~يملك شيئا على مالكه. وهذا لا ينافي الشفاعة بعد الإذن. # (يوم يقوم الروح والملائكة صفا ... (38) ظرف ل " يملكون "، أو ms140 لما بعده. ~~والروح: جبريل، وإفراده؛ لشرفه " وقيل: نوع آخر من المخلوقات. وقيل: ملك لم ~~يخلق الله بعد العرش أعظم منه. (لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال ~~صوابا) أي: من تكلم من هؤلاء الأشراف إنما يتكلم بشرط الإذن وقيل: الصواب. ~~ففيه تقرير وتوكيد لقوله: " لا يملكون منه خطابا " (ذلك اليوم الحق ... ~~(39) الكائن لا محالة. (فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا) منزلا ومأوى بالإيمان ~~والعمل الصالح. # (إنا أنذرناكم عذابا قريبا ... (40) إذ كل آت قريب. ولأن ابتداءه من ~~الموت. (يوم ينظر المرء ما قدمت يداه) أي: كل امرئ ينظر عمله خيرا كان أو ~~شرا؛ لقوله: (ووجدوا ما عملوا حاضرا) وقيل: المرء هو: الكافر؛ لقوله: (إنا ~~أنذرناكم) وضع موضع المضمر. وعن قتادة: هو المؤمن؛ لقوله: (ويقول الكافر) ~~والأول هو الوجه؛ لقوله، (إن يوم الفصل)، ولقوله: (فمن شاء اتخذ إلى ربه ~~مآبا) (ويقول الكافر يا ليتني كنت # PageV01P319 # ترابا) في الدنيا لم أخلق، أو في هذا اليوم؛ لما يرى سائر الحيوانات ~~والوحوش تصير ترابا بعد جريان القصاص بينهما. # * * * # تمت، والحمد لله على الدوام، والصلاة على خير الأنام، وآله وصحبه يوم ~~القيام. # * * * # PageV01P320 ### | سورة النازعات # مكية، وهي خمس أو ست وأربعون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # (والنازعات غرقا (1) والناشطات نشطا (2) والسابحات سبحا (3) فالسابقات ~~سبقا (4) فالمدبرات أمرا (5) أقسم بالملائكة الموصوفة بصفات تدل على كمال ~~قدرته ونفاذ أمره. فالنازعات: هم ملك الموت وأعوانه الذين ينزعون أرواح ~~الكفار من أعماق أبدانهم. والغرق: اسم الإغراق، كالسلام اسم التسليم، أو ~~مصدر بحذف الزوائد. والناشطات: الذين ينشطون أرواح المؤمنين برفق، من نشط ~~الدلو: أخرجها من البئر. ونشط الحبل: حله برفق. ويسبحون أي: يسرعون فيما ~~أصروا به، فيسبقون بأرواح الكفار إلى النار، وبأرواح المؤمنين إلى الجنة، ~~فيدبرون أمر ثوابها وعقابها، أو النجوم تنزع من المشرق إلى المغرب، ~~وإغراقها: قطع الفلك بتمامه إلى أن تغرب بأن تنشط من برج إلى آخر. من نشط ~~الثور: إذا خرج من بلد إلى آخر. فتسرع في السير، فيسبق بعضها بعضا، فتدبر ~~ما نيط بها من الفوائد. أو خيول ms141 الغزاة تنزع في أعنتها إغراقا؛ لطول ~~أعناقها؛ لأنها عراب، فيخرج من دار الإسلام إلى دار الكفر، فيسبح في جريها ~~فيسبق بعضها بعضا، فتدبر أمر الظفر على المجاز، أو نفوس السالكين تنزع عن ~~الشهوات رأسا، وتنشط إلى عالم الملكوت، فتسبع في بحر المعارف، فيسبق بعضها ~~بعضا بقدر القابليات، فتدبر سائر النفوس بالإرشاد والتكميل. والمقسم عليه ~~محذوف دل عليه ذكر القيامة بعد. أي: لتبعثن. # PageV01P321 # (يوم ترجف الراجفة (6) نصب بذلك المحذوف. الراجفة: الواقعة، وصفت بما ~~يحدث بحدوثها من رجف الأرض والجبال مبالغة، وهي: النفخة الأولى. وإنما صح ~~أن يكون وقتها ظرفا للبعث مع أنه لا يكون بعد الثانية؛ لاتساع الوقت على ~~أن: (تتبعها الرادفة (7) وهي: النفخة الثانية حال منها، فلابد من الامتداد ~~إلى وجودها. وقيل: الراجفة الأرض والجبال، والرادفة السماء والكواكب. # (قلوب يومئذ واجفة (8) شديدة الاضطراب. الوجيف والوجيب أخوان. # (أبصارها خاشعة (9) خبر قلوب؛ لأنها نكرة موصوفة، كقوله: (وجوه يومئذ ~~ناضرة (22) إلى ربها ناظرة)، أو خبر بعد خبر؛ لأن تنكير التنويع قائم مقام ~~الوصف. # (يقولون أإنا لمردودون في الحافرة (10) يريدون الحياة الدنيا بعد الموت، ~~والحالة التي كانوا عليها في الدنيا؛ إنكارا للمعاد، والحافرة: الطريقة ~~التي حفرها، وأثر فيها بمشيه. والقياس محفورة، فإما على تقدير ذات حفر، أو ~~على الإسناد مجازا نحو (عيشة راضية). وعن ابن السكيت: حافرة الشيء: أوله. ~~واستشهد بما أنشده ابن الأعرابي: # PageV01P322 # أحافرة على ضلع وشيب ... معاذ الله من سفه وعار # (أإذا كنا عظاما نخرة (11) أنى يكون ذلك. والنخرة: البالية، من النخر وهو ~~صوت الريح، والعظم إذا بلي نخر فيه الريح؛ لصيرورته أجوف. وقرأ حمزة ~~والكسائي وأبو بكر: بالمد، والقصر أبلغ. وإذا منصوب بمقدر أي: ترد وتبعث. # قالوا تلك إذا كرة خاسرة (12) أي: رجعة ذات خسران، أو خاسر صاحبها إن صح ~~ما يقوله محمد. قالوه استهزاء. # (فإنما هي زجرة واحدة (13) لا استبعاد ولا استصعاب، بل هي في غاية ~~السهولة على الله. لا توقف لها إلا على صيحة واحدة، وهي النفخة الثانية. # PageV01P323 # (فإذا هم بالساهرة (14) أحياء، كقوله: (فإذا هم قيام ينظرون) والساهرة: ~~الأرض ms142 البيضاء المستوية؛ لأن السراب يجري فيها من قولهم: عين ساهرة أي: ~~جارية، أو على المجاز؛ لأن ساكنها لا ينام خوفا. وعن قتادة: اسم جهنم. ولما ~~كان الكلام من مفتتح السورة إلى هنا مسوقا للتهديد، مدمجا فيه تسلية رسوله، ~~عقبه بقصة موسى وفرعون؛ لعراقتها في هذا الباب. # هل أتاك حديث موسى (15) أي: أليس قد أتاك حديثه المشتمل على نصره وقهر ~~عدوه؟، ففيه ما يسليك. ثم فصله بقوله: # (إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى (16) الذي قدس؛ لأنه مهبط الوحي (طوى) ~~عطف بيان أو بدل. ونونه الكوفيون وابن عامر بتأويل المكان. # اذهب إلى فرعون إنه طغى (17) على إرادة القول: (فقل هل لك إلى أن تزكى ~~(18) أي: هل لك رغبة في أن تتطهر من رجس الكفر والطغيان. أرشده إلى طريق ~~الدعوة بألطف طريق، وذلك أن يعرض عليه ليؤامر نفسه ويرى رأيه، كما تقول ~~للضيف: ألا تنزل بنا؟ وهذا فحوى قوله: (فقولا له قولا لينا) وقرأ نافع وابن ~~كثير: تزكى بتشديد الزاي، على إدغام إحدى التائين في الزاي. وحذفها الآخرون ~~تخفيفا. # PageV01P324 # (وأهديك إلى ربك ... (19) إلى معرفته. (فتخشى) لأن الخشية على قدر ~~المعرفة. قال الله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) وروى الترمذي ~~عن أبي هريرة - رضي الله عنه - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " ~~من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ". # (فأراه الآية الكبرى (20) أي: فذهب إليه فدعاه فأبى، فأراه المعجزة ~~العظمى من معجزاته وهي: قلب العصا ثعبانا، أو كل معجزاته؛ لأنها كالواحدة ~~في الدلالة. # (فكذب ... (21) موسى (وعصى) ربه (ثم أدبر يسعى (22) أي: أقبل يسعى في دفع ~~موسى بمكائده، من قولهم: أقبل يفعل كذا، وعبر عنه بالإدبار؛ إشارة إلى أن ~~ذلك الإقبال كان إدبارا وعليه دمارا، أو أدبر هاربا لما انقلبت العصا ~~ثعبانا. # (فحشر فنادى (23) أي: حشر السحرة، أو جنوده. فنادى بنفسه، أو من أمره به ~~على أنه إسناد إلى السبب. # (فقال أنا ربكم الأعلى (24) أي: أعلى من كل رب. لما تقدم في الأعراف أنه ~~كان أمر قومه ms143 باتخاذ الأصنام يتقربون بها إليه. # PageV01P325 # (فأخذه الله نكال الآخرة والأولى (25) النكال: كالسلام اسم للتنكيل أي: ~~نكل الله به في الدنيا بالإغراق، وفي الآخرة بالإحراق. وعن ابن عباس - رضي ~~الله عنهما -: نكال كلمته الأولى، هي قوله: (ما علمت لكم من إله غيري) ~~والأخرى: (أنا ربكم الأعلى). # (إن في ذلك ... (26) أي: فيما حكي عنه وعن ماله (لعبرة لمن يخشى) لمن كان ~~من شأنه الخشية. # أأنتم أشد خلقا ... (27) الخطاب لمشركي مكة. (أم السماء) ولا شك أن ~~الثاني أصعب. ثم شرع يبين كيفية إيجادها من غير آلة ومعين؛ ليدل به على أن ~~إنكار البعث إما عناد أو تعام أو تصام. (بناها) خلقها على صورة القبة ~~المبنية. # (رفع سمكها ... (28) أي: جعل مقدار ذهابها في سمت العلو مديدا رفيعا ~~مقدار خمسمائة عام. (فسواها) فعدلها مستوية الأجزاء مزينة بالكواكب على ما ~~اقتضته الحكمة. # (وأغطش ليلها ... (29) أظلمه. يقال: غطش الليل وأغطشه الله كظلم وأظلمه. ~~ويقال: أغطش الليل أيضا لازما. (وأخرج ضحاها) وأبرز ضوء شمسها. وإنما أضاف ~~الليل والشمس إلى السماء؛ لأن الليل ظل السماء في المرأي، وإن كان ظل الأرض ~~حقيقة، أو لأنهما يحصلان بغروب الشمس وطلوعها. # PageV01P326 # (والأرض بعد ذلك دحاها (30) بسطها. وقد سبق الكلام في سبق خلق الأرض في ~~أوائل البقرة في قوله: (ثم استوى إلى السماء) بما لا مزيد عليه. # (أخرج منها ماءها ومرعاها (31) أي: رعيها تفسير للدحو بما لابد؛ لتأتي ~~السكنى منه من المأكل والمشرب، أو حال بإضمار " قد ". ودل بالماء والمرعى ~~على كل ما يرتفق به من أمر المعاش. # (والجبال أرساها (32) أثبتها كالأوتاد لتستقر الأرض (متاعا لكم ولأنعامكم ~~(33) لسائر الحيوانات، ففيه تغليب. # (فإذا جاءت الطامة الكبرى (34) الداهية العظمى التي تطم على سائر ~~الدواهي. من طم الشيء: علاه. وعليه فالوصف للتأكيد والمراد: النفخة ~~الثانية، أو الساعة التي يساق الفريقان إلى دار الخلود. # (يوم يتذكر الإنسان ما سعى (35) بدل من " إذا جاءت ". أي: يتذكر أعماله ~~السيئة إذا رأي الكتاب منشورا، وأنى له الذكرى و " ما " موصولة، أو مصدرية. # (وبرزت الجحيم لمن يرى (36) لكل راء لا يخفى ms144 على أحد. # (فأما من طغى (37) وآثر الحياة الدنيا (38) فإن الجحيم هي المأوى (39) ~~إما مع جوابه جواب (إذا جاءت)، أي: (فإذا جاءت الطامة الكبرى). فالطاغي ~~مأواه الجحيم، أو جواب " إذا " محذوف أي: كان كيت وكيت، والمذكور بعد " أما ~~" تفصيل له. # PageV01P327 # (وأما من خاف مقام ربه ... (40) أي: بين يديه للحساب. (ونهى النفس عن ~~الهوى) لعلمه بأنه بجانب الهدى (فإن الجنة هي المأوى (41) هي مأواه لا غير. # (يسألونك عن الساعة ... (42) تعنتا (أيان مرساها) أي: أقامها، من أرسيت ~~الشيء: أثبته، أو متى استقرارها؟ كما أن مرسى السفينة استقرارها وانتهاؤها. # (فيم أنت من ذكراها (43) أي: في أي شيء أنت من ذكر الساعة لهم؟ فإن علمها ~~من أمهات الغيوب لا ينفد فيه إلا علمه تعالى، أو (فيم) إنكار لسؤالهم، و ~~(أنت من ذكراها) ابتداء كلام. والمعنى: في أي شيء هم من سؤال الساعة، أنت ~~من علاماتها فإنك بعثت في نسيم الساعة، واسمك نبي آخر الزمان فقد دنت ~~الساعة (إلى ربك منتهاها (44) انتهاء علمها. # (إنما أنت منذر ... (45) ما أنت إلا منذر. (من يخشاها) من يخاف هولها. ~~ولست مبعوثا لتعليمهم بوقت الساعة. وعن أبي عمرو: (منذر) بالتنوين. # (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا ... (46) في الدنيا، أو في القبور. (إلا ~~عشية أو ضحاها) عشية يوم أو ضحاه كقوله: (لم يلبثوا إلا ساعة من نهار)؛ ~~ولذلك أضاف الضحى، ولو قطع لاحتمل عشية يوم وضحى آخر، فيتوهم الاستمرار في ~~ذلك الزمان إلى مثله من اليوم الآخر. واحتمل أيضا أن يراد بالعشية أو الضحى ~~كل اليوم؛ تجوزا. # * * * # PageV01P328 ### | سورة عبس # مكية، وهي إحدى وأربعون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # (عبس وتولى (1) أن جاءه الأعمى (2) اتفقوا على أنها نزلت في ابن أم مكتوم ~~مؤذن رسول الله، واسمه عمرو بن قيس أو عبد الله بن عمرو، واسم أمه عاتكة ~~بنت عبد الله المخزومية، جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده ~~صناديد قريش يدعوهم إلى الله باهتمام، وقطع عليه كلامه وكرر عليه يقول: يا ~~رسول الله علمني ما علمك الله ولم يعلم # PageV01P329 # تشاغله، فعبس في ms145 وجهه وأعرض عنه. والمعنى: عبس لأن جاءه، وأعرض لذلك على ~~تنازع الفعلين. وفي الوصف بالأعمى دون اسمه، أو وصف آخر توكيد للعتاب؛ فإن ~~ذلك يناسب الإقبال والتعطف دون العبوس والإعراض، وإيماء إلى أن كل ضعيف في ~~معناه. كقوله: " لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان" فكان بعد ذلك يكرمه ~~ويقول: " مرحبا بمن عاتبني فيه ربي ". # (وما يدريك لعله يزكى (3) بما يسمعه منك من أوضار الآثام. والمراد: نفي ~~درايته بما هو مترقب. والرجاء إما راجع إلى الأعمى، أو إلى الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم -. وإيثاره؛ للدلالة على أن رجاء التزكي كاف في منع العبوس ~~والإعراض، كيف وهو في نفسه زكي حقيقة؟. وقيل: الضمير للكافر أي: وما يدريك ~~أن ما طمعت فيه من تزكية كائن حتى تهتم به، فالترجي لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -. # (أو يذكر فتنفعه الذكرى (4) أو يتعظ فتنفعه موعظتك. وقرأ عاصم بالنصب ~~جواب (لعل) المحمول على التمني، وهذا يؤيد رجوع الضمير إلى الكافر، إلا أن ~~يحمل في # PageV01P330 # الوجه الأول على المبالغة. أي: كأن الأعمى جديرا بالإقبال لضعفه وإن كان ~~يعيدا حصول تزكيته. # (أما من استغنى (5) فأنت له تصدى (6) تتعرض بالإقبال إليه. # (وما عليك ألا يزكى (7) أي: وليس عليك عتب في أن لا يزكى بالإسلام، إن ~~عليك إلا البلاغ. هذا وأمثاله وإن كان عتابا في الظاهر، لكن فيه كمال مدح ~~له - صلى الله عليه وسلم - لاهتمامه بشأن ما أرسل به وبذل جهده. # (وأما من جاءك يسعى (8) يسرع إلى تعلم شرائع الإسلام. (وهو يخشى (9) يخاف ~~الله بقلبه. # فأنت عنه تلهى (10) وهو التشاغل، من لهي يلهى. وقدم الضمير في الموضعين؛ ~~للتقوى. ويجوز التخصيص على معنى أن التصدي والتلهي إنما ينكر منه دون غيره؛ ~~لعلو مقامه. # (كلا ... (11) ردع عن المعاتب عليه والعود إلى مثله (إنها تذكرة * فمن ~~شاء ذكره (12) الضمير للقرآن، والتأنيث باعتبار الخبر؛ ولذا ذكره ثانيا. ~~والمعنى: أن القرآن موعظة، فمن شاء حفظها، فلا حاجة في الموعظة إلى ~~المبالغة. وفيه توكيد لما تقدم. # (في صحف ... (13) مكتوبه فيها. خير ثان، أو خبر ms146 محذوف، أو صفةل " تذكرة ~~". # (مكرمة) عند الله؛ لأنها أوعية كلامه. # (مرفوعة ... (14) في السماء، أو مرفوعة المقدار. (مطهرة) عن أيدي ~~الشياطين. # (بأيدي سفرة (15) كتبة ينسخونها من اللوح المحفوظ، جمع سافر: وهو الكاتب، ~~أو من السفر: وهو الكشف؛ لإظهاره المكتوب. منه السفر، لأنه يكشف عن ~~الأخلاق. # PageV01P331 # (كرام ... (16) عند الله. (بررة) أتقياء، روى البخاري عن عائشة أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام ~~البررة ". # (قتل الإنسان ما أكفره (17) القتل أعظم ما يخافه الإنسان من الشدائد. ~~وعابه على الإنسان المرتكب أعظم القبائح. والدعاء منه تعالى؛ إظهار لغاية ~~السخط. # (من أي شيء خلقه (18) تحقيرا له؛ ولذلك فسره بقوله: (من نطفة خلقه ... ~~(19) ولا أقدر منه. (فقدره) فسواه مهيئا معدا بالقوى والآلات لمصالح ~~التكليف. # (ثم السبيل يسره (20) أي: طريق خروجه من بطن أمه بأن فتح له فم الرحم ~~وألهمه بأن ينتكس، فإنه في البطن جالس وجهه إلى ظهر أمه فإذا حان وقت خروجه ~~قدم رأسه وأخر رجليه على صفة الغواص، أو ذلل له سبيل الخير ولم يكلفه ما لا ~~طاقة له به. وفي هذا إشارة إلى أن الدنيا طريق الآخرة كسبيل المارة. ~~وانتصاب السبيل بما يفسره الظاهر. # ثم أماته فأقبره (21) عد الموت من النعم؛ لأنه وسيلة إلى النعيم في ~~الجملة. يقال: قبرت الرجل: إذا دفنته، وأقبرته: إذا مكنته من أن يقبر. (ثم ~~إذا شاء أنشره (22) للجزاء. # (كلا ... (23) ردع للإنسان عما هو عليه. (لما يقض ما أمره) الله به من ~~الإيمان به بعد هذه النعم. وعن مجاهد: لم يقض أحد من لدن آدم إلى هذا ~~الأوان ما أمره الله # PageV01P332 # به إذ لم يخل أحد من نوع تفريط. ووجه ذلك أن الضمير عائد إلى مطلق ~~الإنسان المذكور في ضمن المقيد؛ ولذلك أعاد ذكر الإنسان في قوله: (فلينظر ~~الإنسان إلى طعامه (24)؛ لأن المذكور بعده يعم الكل. # (أنا صببنا الماء صبا (25) استئناف؛ لبيان كيفية إيجاد الطعام، وقرأ ~~الكوفيون: (أنا) بفتح الألف بدل اشتمال. # (ثم شققنا الأرض شقا (26) بالنبات أو الحراث، وأسنده إلى ذاته؛ لأنه ~~السبب. ms147 (فأنبتنا فيها حبا (27) جنس الحبوب. # (وعنبا وقضبا (28) مصدر قضب: قطع، سمي به الرطبة وهي المسمى بالقت؛ لأنها ~~تقطع في عام مرارا. وعن الحسن: كل علف يقطع. # (وزيتونا ونخلا (29) وحدائق غلبا (30) متكاثفة الأوراق والعروق. مستعار ~~من وصف الرقاب بغلظ الأوداج وانتفاخ الأعصاب مع تداخل بعضها في بعض. # (وفاكهة وأبا (31) هو للدواب كالفاكهة للإنسان، وعن ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - كل مرعى الدواب أب. وروى أبو عبيد القاسم بن سلام أن الصديق - رضي ~~الله عنه - سئل عن الأب # PageV01P333 # فقال. لا أقول في كتاب الله ما لا أعلم. وعن أنس أن عمر بن الخطاب تلا ~~هذه الآية فلما وصل إلى قوله: (وأبا) قال: ما الأب، ثم حاد وقال: لعمرك يا ~~عمر إن هذا لهو التكلف. # وهذا يدل على أنهم كانوا طالبين لمقاصد كلام الله تعالى والعمل بمقتضى ما ~~علموا ولهم عن طلب اللغات شغل شاغل وقد علموا أن الآية مسوقة للامتنان على ~~الإنسان، فهم كانوا ساعين في القيام بشكر تلك النعم (متاعا لكم ولأنعامكم ~~(32) أي: المذكورات. # (فإذا جاءت الصاخة (33) أي: النفخة الثانية يقال: صخ للحديث وأصاخ: إذا ~~استمع له. وصفت النفخة به مجازا؛ لأن الناس يصخون عندها. # (يوم يفر المرء من أخيه (34) وأمه وأبيه (35) وصاحبته وبنيه (36) ~~لاشتغاله بحاله، أو خوفا من مطالبتهم إياه بما قصر فيه من حقوقهم. ويؤيد ~~الأول قوله: # (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه (37) وقول الرسل نفسى نفسي. وتأخير الأحب ~~فالأحب؛ للترقي كأنه قيل: يفر من أخيه من أبويه من صاحبته من بنيه. # (وجوه يومئذ مسفرة (38) مضيئة، من أسفر الصبح: أضاء؛ لسرور القلوب، وقيل: ~~من الصلاة بالليل فإن من تهجد استنار وجهه. وقيل: من آثار الوضوء. وقيل: من ~~طول ما اغبرت في سبيل الله. # (ضاحكة ... (39) بما نالت من الربح والفوز. (مستبشرة) برحمة الله ~~ورضوانه. (ووجوه يومئذ عليها غبرة (40) غبار وكدورة. # PageV01P334 # (ترهقها قترة (41) يعلوها سواد كالدخان، ولا ترى أقبح من سواد الوجه إذا ~~علاه الغبار. # (أولئك هم الكفرة الفجرة (42) أي: الموصوفون باغبرار الوجوه واسودادها هم ~~الذين ضموا إلى الكفر الفجور، فالجزاء ms148 على وفق العمل. # * * * # تمت سورة عبس، والحمد لمن عن كل مكروب نفس، والصلاة على رسوله بالليل ~~[إذا] عسعس، وآله وصحبه ما الصبح تنفس. # * * * # PageV01P335 ### | سورة التكوير # مكية، وهي سبع وعشرون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا الشمس كورت (1) روى الإمام أحمد بن حنبل عن ابن عمر رضي الله عنهما ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " من سره أن ينظر إلى القيامة ~~رأي عين فليقرأ (إذا الشمس كورت) و (إذا السماء انفطرت) و (إذا السماء ~~انشقت) ". والتكوير من كورت العمامة إذا لففتها، والمراد: إذهاب ضوئها أو ~~عينها؛ لأن الثوب إذا أريد دفعه لف # PageV01P336 # وطوي. أو من طعنه فكوره أي: ألقاها لما روى " أن الشمس والقمر يكوران في ~~جهنم "؛ لقوله: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم). # (وإذا النجوم انكدرت (2) انتثرت؛ لقوله: (وإذا الكواكب انتثرت) وقيل: ~~أظلمت من كدرت الماء فانكدر، وهو تفسير باللازم. (وإذا الجبال سيرت (3) عن ~~وجه الأرض تمر مر السحاب. # وإذا العشار عطلت (4) أهملت. جمع عشراء وهي الناقة التي أتى على حملها ~~عشرة أشهر، ويبقى هذا الاسم بعد حملها أيضا؛ ولذلك فسر تعطيلها بعدم الحلب ~~وقيل: هى السحاب عطلت عن المطر. # وإذا الوحوش حشرت (5) من كل أوب كما يحشر الإنس والجن. # (وإذا البحار سجرت (6) ملئت بأن يفجر بعضها إلى بعض حتى تصير بحرا واحدا، ~~أو أحميت، من سجرت التنور. عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أوقدت فصارت ~~نيرانا. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " سجرت " مخففا، والتشديد أبلغ وأوفق ~~بقوله: (زدناهم سعيرا). # PageV01P337 # (وإذا النفوس زوجت (7) كل نفس بشكلها في الموقف الأنبياء ثم الصديقون، ثم ~~الشهداء، ثم الأمثل فالأمثل، أو زوجت بأعمالها. وقيل: نفوس المؤمنين بالحور ~~والكفار بالشياطين. # (وإذا الموءودة سئلت (8) بأي ذنب قتلت (9) الوأد: دفن الحي في القبر. ~~والغرض من سؤالها تبكيت الوائد على فعله. وليس في الآية دليل على أنها في ~~الجنة، ولكن دلت الأحاديث على أن أطفال المشركين في الجنة، فهي من باب ~~الأولى، فإن قلت: روى سلمة بن يزيد أنه سأل رسول الله - صلى الله ms149 عليه وسلم ~~- أن أمه قد وأدت أختا له في الجاهلية فقال: " الوائدة والموءودة في النار ~~". قلت: معارضا بما روت خنساء بنت معاوية أن عمها أخبرها أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: " الموءودة في الجنة "، ويحمل قوله: " الموءودة ~~في النار " على أن تلك المعينة كانت بالغة فإنهم كانوا يدفنون إذا صار ~~قامتها ستة أشبار. # PageV01P338 # (وإذا الصحف نشرت (10) عند الحساب فإنها تطوى بعد الموت. وقيل: هي غير ~~صحف الأعمال بل صحف تطير من تحت العرش فتقع صحيفة المؤمن في يده في الجنة، ~~وصحيفة الكافر في يده في النار. وقرأ أبو عمرو وابن كثير وحمزة والكسائي؛ ~~(نشرت) مشددا؛ لكثرة الصحف، أو لشدة التطاير. # (وإذا السماء كشطت (11) كما يكشط الجلد من المسلوخ (وإذا الجحيم سعرت ~~(12) أوقدت إيقادا شديدا. وقرأ نافع وابن ذكوان وحفص بتشديد العين، ~~والأبلغية فيه كما في سجرت. # (وإذا الجنة أزلفت (13) قربت من المؤمنين كقوله: (وأزلفت الجنة للمتقين ~~غير بعيد) هذه اثنتا عشر خصلة ست منها في الدنيا، وست في الآخرة. # (علمت نفس ما أحضرت (14) جواب (إذا الشمس كورت) وما عطف عليه، وهو العامل ~~فيها. والمعنى: علمت كل نفس؛ لقوله. (يوم تجد كل نفس ما عملت)، وإنما نكره؛ ~~لأن الكلام صادر عن مقام الكبرياء إشارة إلى أن من يكور يعتبر هذه الأجرام ~~العظام فعله يستقل النفوس الإنسانية في جنب قدرته، فهي كنفس واحدة. # (فلا أقسم بالخنس (15) هي الكواكب؛ لأنها تخنس أي: تتأخر في المغيب، أو ~~تختفي، ومنه سمي الشيطان خناسا؛ لأنه يتأخر إذا ذكر الله. وقيل: هي السيارة ~~دون الثوابت. وقال الفراء: " هي الخمسة: زحل والمشتري والمريخ والزهرة ~~وعطارد ". # PageV01P339 # (الجوار الكنس (16) التي تكنس أي: تستتر، من كنس الظبي: دخل في كناسه، ~~وقيل. تظهر بالليل بعد الخنس بالنهار. # (والليل إذا عسعس (17) أدبر؛ لقول العجاج: # حتى إذا الصبح لها تنفسا ... وانجاب عنها ليلها وعسعسا # وقيل: أقبل، وهو من الأضداد. وكلا المعنين حسن. # (والصبح إذا تنفس (18) النهار بغشيان الليل يصير كالمكروب، فجعل تخلصه ~~منه بانكشاف الليل عنه كتنفس المكروب بعد زوال الكرب، أو ms150 جعل نسيم الصباح؛ ~~لاشتماله على الروح كالتنفس المفرج عن القلب. # (إنه ... (19) أي: القرآن. (لقول رسول كريم) عند الله، وهو جبرائيل. وكون ~~القرآن قوله؛ لملابسة التبليغ. # (ذي قوة ... (20) أي: قوة كقوله: (شديد القوى) (عند ذي العرش مكين) ذي ~~مكانة وعز. # PageV01P340 # (مطاع ... (21) بين الملأ الأعلى والكروبيين. (ثم أمين) أي: عند الله ~~موصوف بالأمانة على وحي الله وتنفيذ أوامره. # (وما صاحبكم ... (22) أي: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. (بمجنون) ~~كما تزعمون. [وليس الكلام مسوقا للموازنة والمفاضلة بين جبرائيل ورسول الله ~~عليهما السلام حتى يستدل بتلك الأوصاف الفاضلة على أفضليته على المرسل ~~إليه، بل مسوق؛ لبيان حقية المنزل. ولا شك أن وصف الآتي به بتلك الصفات ~~الكوامل يشد من أعضاده أبلغ شد، ألا يرى إلى مقام الحث على اتباعه كيف جعله ~~سراجا منيرا ورحمة للعالمين]. # (ولقد رآه بالأفق المبين (23) بمطلع الشمس الأعلى. (وما هو على الغيب ... ~~(24) أي: محمد في إخباره عن المغيبات. (بضنين) بمتهم؛ ولذلك تعدى إلى مفعول ~~واحد، أي: ولا يتهم فيما يوحى إليه بنقص أو زيادة. وقرأ نافع وابن عامر ~~وعاصم وحمزة: بالضاد وعليه الرسم، أي. ليس ببخيل في تبليغ ما أوحي إليه. ~~والأول أوفق بقوله: (وما صاحبكم بمجنون) وقوله. (أفترى على الله كذبا أم به ~~جنة) ونظائرها. # (وما هو ... (25) أي: القرآن. (بقول شيطان رجيم) مطرود، تصريح بما علم ~~ضمنا ونفي للكهانة والتنجيم، ولتقابل به (رسول كريم). # (فأين تذهبون (26) شبه عقولهم عن الحق واتباعه بالعدول عن الجادة والذهاب ~~عنها إلى المهالك من الفيافي والمفاوز. # (إن هو إلا ذكر ... (27) موعظة. (للعالمين) من الثقلين. (لمن شاء منكم أن ~~يستقيم (28) بدل من (العالمين)؛ لأنهم المنتفعون بالتذكير. # PageV01P341 # (وما تشاءون إلا أن يشاء الله ... (29) مشيئتكم، حذف؛ لدلالة الفعل عليه. ~~(رب العالمين) مالكهم والمتصرف فيه، فلا يكون شيء إلا بإرادته ومقتضى ~~مشيئته. # * * * # تمت سورة التكوير، والحمد للواحد الخبير، والصلاة على البشير النذير، ~~وآله وصحبه كل صغير وكبير. # * * * # PageV01P342 ### | سورة الانفطار # مكية، وآيها سبع عشرة # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا السماء انفطرت (1) انشقت (وإذا الكواكب انتثرت (2) تساقطت. # (وإذا البحار فجرت ms151 (3) بعضها إلى بعض بإزالة البرزخ فتصير بحرا واحدا، ثم ~~تنشق الأرض فتبقى مستوية (لا ترى فيها عوجا ولا أمتا). # (وإذا القبور بعثرت (4) بعثت موتاها. والتاء زائدة للإلحاق مبالغة، مثله ~~بحشر لفظا ومعنى. # (علمت نفس ما قدمت وأخرت (5) ما قدمت من الأعمال الصالحة وما ضيعت، أو ما ~~أخرت من سنة حسنة أو سيئة، أو ما قدمت في أول عمرها وما أخرت في آخره. # (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم (6) أي شيء جرأك على عصيانه. وذكر ~~الكريم؛ للمبالغة في المنع عن الاغترار، وللإشارة إلى أن الباعث على ذلك ~~إنما كان تسويل الشيطان بأن ربك كريم يعفو ويغفر. وقيل؛ إنما ذكر وصف ~~الكريم من كرمه تلقينا له # PageV01P343 # ليقول: غرني كرمك. وهذا باطل؛ لأن الإنسان المذكور خاص بالكافر؛ لقوله: ~~(كلا بل تكذبون)، أو عام له وللمؤمن؛ لقوله: (إن الأبرار لفي نعيم (13) وإن ~~الفجار لفي جحيم)، ولا وجه لتلقين الكافر حجته. # (الذي خلقك فسواك فعدلك (7) الذي أوجدك سويا، تام الخلق، معتدل الأعضاء، ~~فلا يد أطول من أختها، ولا عين أوسع من نظيرتها، وكذا ماثل بين سائر ~~الأطراف. وقرأ الكوفيون: " عدلك " مخففا، من العدل وهو الميل فكالمشدد إلا ~~ما فيه من المبالغة أو الصرف، أي: نحا بك عن خلق سائر الحيوانات، أو إلى ~~شبه الأبوين، أو إلى الطول والقصر، أو الذكورة والأنوثة. # (في أي صورة ما شاء ركبك (8) أي: ركبك في أي صورة اقتضتها مشيئته، ف " ما ~~" زائدة، و " أي " للصفة، ولما أريد التعميم حذف موصوفها، ويجوز تعليقها ب ~~(عدلك) أي: عدلك في صورة وأي صورة. كقولك: مررت برجل أي رجل، وحذف الموصوف؛ ~~لزيادة التفخيم والتعجب، ثم قال (ما شاء ركبك) أي: ركبك ما شاء أي: تركييا ~~بديعا. # PageV01P344 # (كلا ... (9) ردع عن الاغترار بكرمه. (بل تكذبون بالدين) إضراب إلى ما هو ~~السبب الأصلي في الاغترار وهو تكذيب القرآن والرسل بوقوع الجزاء. فإن قلت. ~~هذا إنما يستقيم إذا أريد بالإنسان الكافر، أما إذا كان عاما فلا. قلت: إذا ~~كان عاما يكون خطابا للكل بما وجد بينهم. # (وإن ms152 عليكم لحافظين (10) كراما كاتبين (11) يعلمون ما تفعلون (12) جملة ~~حالية، أي: إنكم تكذبون بالجزاء، والحال أن شأنه أمر خطير، مع علمه الشامل ~~قد وكل بكم من يحفظ عليكم النقير والقطمير، وأثنى على الكتبة إشارة إلى عظم ~~أمر الجزاء. # (إن الأبرار لفي نعيم (13) وإن الفجار لفي جحيم (14) اللام للعهد. وهم ~~الذين يكذبون بيوم الدين؛ لقوله: (هذا الذي كنتم به تكذبون). # (يصلونها يوم الدين (15) وما هم عنها بغائبين (16) كقوله: (وما هم منها ~~بمخرجين) صريح في سرمدية العذاب، ثم فخم شأن الجزاء بتفخيم يومه بقوله: ~~(وما أدراك ما يوم الدين (17) ثم ما أدراك ما يوم الدين (18) أبهم أمره، ~~وخاطب أعلم الخلق بأنه لم يحط بكنه ذلك اليوم، وكرر ذلك، وآثر " ثم " ~~للتراخي رتبة؛ إشارة إلى أنه مهما ترقى في العلم لم يبلغ ذلك، ثم أجمل ~~بقوله: # PageV01P345 # (يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله (19) تقريرا لشدة هوله ~~وفخامة أمره. وقرأ ابن كثر وأبو عمرو. " يوم "؛ بالرفع خبر مبتدأ، أي: يوم ~~الدين يوم لا يملك، أو بدل كل منه ومن قرأ بالفتح بناه؛ لإضافته إلى غير ~~المتمكن، كقول علي - رضي الله عنه -: # أيوم لم يقدر أم يوم قدر ... من أي يومي زمن الموت أفر ... # * * * # تمت سورة انفطرت، والحمد لمن آلاؤه تواترت، والصلاة على من آياته بهرت، ~~وآله وصحبه ما غابت النجوم أو لمعت. # * * * # PageV01P346 ### | سورة المطففين # آيها ست وثلاثون # بسم الله الرحمن الرحيم # (ويل للمطففين (1) التطفيف: نقص الكيل والوزن، من الطفف وهو القليل؛ لأن ~~الذي يسرق من كيل أو وزن واحد لا يكون إلا قليلا، وعن الزجاج: مأخوذ من طف ~~الشيء: جانبه. روى النسائي وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما " أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة وهم أخبث الناس كيلا، فنزلت، ~~فأحسنوا الكيل ". وروى أنه لما قرأ الآية عليهم قال: " خمس بخمس ما نقض قوم ~~العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم وما حكموا بغير ما أنزل به إلا سلط عليهم ~~الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا ms153 طففوا الكيل إلا ~~أخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر ". # PageV01P347 # (الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون (2) أي: إذا اكتالوا لأنفسهم ما ~~لهم على الناس يأخذونه كملا. # وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون (3) أي: كالوا لهم فحذف الجار وأوصل الفعل، ~~أو مكيلهم فحذف المضاف. وقيل: الضمير للفصل راجع إلى المطففين وليس كذلك؛ ~~لأن الغرض بيان اختلاف حالهم في الأخذ والإعطاء لا بيان المباشرة وعدمها، ~~ولاستدعائه إثبات الألف بعد الواو كما في نظائره، ولم يذكر الاتزان مع ~~الاكتيال اكتفاء به. وقيل. كأنهم كانوا يأخذون الموزون بالمكيال ليتمكنوا ~~من الاستيفاء والسرقة لاحتمال أن تزعزع الكيل ويحتال في المليء، بخلاف ~~الميزان؛ لأنه لا يقبل ذلك. # (ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون (4) صدر الكلام بحرف التنبيه إيقاظا، وذكر ~~الظن؛ دلالة على أن الظن كاف في الكف عن التطفيف، كيف والفاعل قاطع متيقن؟. ~~ووصف اليوم بالعظم؛ لعظم ما يقع فيه. واسم الإشارة للشتم نحو: ذلك اللعين. ~~وكل هذه التشديدات ليس من حيث التطفيف؛ بل لأن الميزان قانون العدل الذي به ~~قامت السماوات والأرض. # PageV01P348 # (يوم يقوم الناس لرب العالمين (6) نصب ب (مبعوثون)، أو بدل من الجار ~~والمجرور. روى البخاري عن ابن عمر - رضي الله عنهما - " أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: يوم يقوم الناس لرب العالمين يغيب أحدهم في رشحه إلى ~~أنصاف أذنيه ". # (كلا ... (7) ردع عن التطفيف. (إن كتاب الفجار لفي سجين) عقب ذكر التطفيف ~~حديث الفجار؛ زيادة تنفير عنه. والسجين: فعيل من السجن وهو الضيق، سمي به ~~الكتاب الجامع لأعمال الشياطين والكفرة؛ لأنه سبب للتضييق، أو لأنه مطروح ~~في مكان مظلم تحت الأرض السابعة، فيقدر مضاف أي: أن موضع كتاب الفجار، ونقل ~~الواحدى بإسناده: " أن السجين بئر مفتوح في جهتم ". والغرض من وصف كتابهم ~~بالوصف الشنيع تقبيح حالهم وسفالة محلهم. # وما أدراك ما سجين (8) كتاب مرقوم (9) معلم يعلم من رآه أنه لا خير فيه، ~~أو مسطور بين الكتابة. وإن كان اسم موضع فالتقدير: ما كتاب السجين، أو محل ~~كتاب مرقوم، حذف منه المضاف. # PageV01P349 # (ويل ms154 يومئذ للمكذبين (10) الذين يكذبون بيوم الدين (11) وصف مؤكد أو ذام؛ ~~لأن اللام في المكذبين للعهد. # (وما يكذب به إلا كل معتد ... (12) متجاوز عن الحد حيث تقلد فيما لا يصح ~~فيه، وقطع النظر عن الآيات والنذر (أثيم) كثير الإثم منهمك في الشهوات حيث ~~شغله ذلك عن التفكر. # (إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين (13) من فرط جهله وعدم تأمله، ~~لا ينفعه شواهد النقل كما لا ينفعه دلائل العقل. # (كلا ... (14) ليس الأمر كما قالوا من أنه أساطير (بل ران على قلوبهم ما ~~كانوا يكسبون) الرين: صدأ يعتري القلب من تكاثر الذنوب. عن الحسن: " هو ~~الذنب على الذنب حتى يعمى القلب ". روى النسائي عن أبي هريرة - رضي الله ~~عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إذا أذنب العبد ذنبا ~~كانت نكتة في قلبه فإن هو نزع واستغفر صقل قلبه، وإن عاد ازدادت حتى يعلو ~~القلب فهو الرين الذي قال الله تعالى: (بل ران على قلوبهم) ". # PageV01P350 # (كلا ... (15) ردع عن الكسب الرائن (إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) تمثيل ~~لحالهم في الإهانة بحال من استأذن على ملك فلم يؤذن له. (ثم إنهم لصالو ~~الجحيم (16) لداخلون النار لا محالة. # (ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون (17) تقريعا لهم، وزيادة في العذاب. # (كلا ... (18) تكرير للأول؛ ليعقب له وعد الأبرار كما عقب به وعيد ~~الفجار، أو ردع عن التكذيب (إن كتاب الأبرار لفي عليين * وما أدراك ما ~~عليون (19) كتاب مرقوم (20) علم كتاب الأبرار، أو موضع يكون فيه الكتاب. ~~جمع علي في الأصل، من العلو، سمي به؛ لأنه سيب العلو والارتفاع في الجنة، ~~أو لأنه مرفوع إلى السماء السابعة. # (يشهده المقربون (21) الكروبيون يحفظون منه المعارف، أو ليشهدوا على ما ~~فيه يوم القيامة. # (إن الأبرار لفي نعيم (22) على الأرائك ينظرون (23) على الأسرة الحجال ~~ينظرون إلى ما شاءوا مد أبصارهم مما تستلذه الأعين. # (تعرف في وجوههم نضرة النعيم (24) بهجة التنعم ورونقه كما ترى وجوه أهل ~~الثروة والملوك في الدنيا. # (يسقون من رحيق ... (25) من أسماء الخمر (مختوم)؛ لئلا يبتذله الأيدي. # PageV01P351 # (ختامه ms155 مسك ... (26) مكان الطينة في أباريق الملوك، وهذا غاية الإكرام. ~~وقرأ الكسائي: وخاتمه بفتح التاء وهو ما يختم به، كالأول. وقيل: معنى الأول ~~أن المسك سرى إلى آخره. (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) فليرتغب المرتغبون. # (ومزاجه من تسنيم (27) اسم عين، في الأصل مصدر سنمة: إذا رفعه. إما لأنها ~~أرفع شراب في الجنة، أو لأنها تجري في الهواء متسنمة، فتنصب في أوانيهم. # (عينا يشرب بها المقربون (28) صرفا؛ لأنهم لم يلتفتوا إلى غير طاعة الله ~~تعالى ولم يشغلوا سرهم بغيره، وانتصاب " عينا " على المدح، أو الحال " من ~~تسنيم "، و " الباء " في " بها " مزيدة، أو بمعنى " من ". # (إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون (29) هم أبو جهل وأضرابه ~~كانوا إذا رأوا صهيبا وبلالا وعمارا، وسائر الفقراء يضحكون استهزاء بهم. # (وإذا مروا بهم يتغامزون (30) # يشير بعضهم إلى بعض بالعين والحاجب استحقارا. # PageV01P352 # (وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين (31) مستلذين أشرا وبطرا مما هم ~~فيه من الحطام، وبما فيه فقراء الصحابة - رضي الله عنهم - من الضنك ~~واللأواء. وقرأ حفص: " فكهين " مقصورا، والمد أولى؛ لوجود ذلك وقت ~~الانقلاب. والرسم على القصر. # (وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون (32) طريق الرشاد في اتباع محمد وترك ~~دين الأشياخ. # (وما أرسلوا عليهم حافظين (33) موكلين بهم حتى يقولوا فيهم بالضلال ~~والرشد. رد منه تعالى عليهم، أو هو كلام الكفار لهم إذا دعوهم إلى الإيمان. ~~وكان الظاهر: وما أرسلوا علينا حافطين إلا أنه سلك طريقة الغيبة كقولك: قال ~~زيد ليفعلن كذا. # (فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون (34) بدل ما كانوا يضحكون منهم في ~~الدنيا. (على الأرائك ينظرون (35) حال من " يضحكون ". # (هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون (36) المخاطب: هم المؤمنون على الأرإئك ~~إذا نظروا إلى الكفار في جهنم؛ زيادة في سرورهم، وأن الله تعالى قد كافأهم. ~~والتثويب: الإثابة، استعمل في العذاب؛ تهكما، والاستفهام للتقرير. # * * * # تمت سورة التطفيف، والحمد للكريم اللطيف، والصلاة على الرسول الشريف، ~~وآله وصحبه ذوي الفضل المنيف. # * * * # PageV01P353 ### | سورة الانشقاق # مكية، وآيها خمس وعشرون # بسم الله الرحمن الرحيم # (إذا السماء انشقت (1) أي: بالغمام وتنزل ms156 فيه ملائكة العذاب كقوله: (ويوم ~~تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا). وعن علي - رضي الله عنه -: " ~~تنشق من المجرة". # (وأذنت لربها ... (2) واستمعت له، من الإذن وهو الاستماع. والمعنى: أطاعت ~~لما أريد منها من الانشقاق إطاعة المأمور إذا ورد عليه أمر من الآمر ~~المطاع. (وحقت) وكانت محقوقة جديرة بالإطاعة؛ لورود أمر القاهر المقتدر ~~الذي لا يتأبى عليه مراد. والجواب محذوف؛ ليذهب المقدر كل مذهب، أو اكتفاء ~~بما علم في سورتي التكوير والانفطار. وقيل: الجواب: ما دل عليه (فملاقيه) ~~أي: إذا وقع ذلك لاقى الإنسان كدحه، أو (فملاقيه) على أن (يا أيها الإنسان ~~إنك كادح إلى ربك كدحا) اعتراض. # PageV01P354 # (وإذا الأرض مدت (3) عن ابن عباس: " مد الأديم العكاظي (لا ترى فيها عوجا ~~ولا أمتا) "، أو هو من المدد أي: زيدت سعة وبسطة، والأول أظهر؛ إذ إيجاد ~~أجزاء أخر مضافة لم يشهد له خبر ولا أثر. # (وألقت ما فيها ... (4) من الأموات والكنوز (وتخلت) غاية الخلو؛ لدلالة ~~التفعل على التكلف. كأنها كلفت أن تبلغ في ذلك غاية الجهد. # (وأذنت لربها وحقت (5) أي: في إلقاء ما في بطنها وتخليها، ولا تكرار؛ لأن ~~الأول في السماء وهذا في الأرض. # (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه (6) الكدح: الجد والجهد ~~في العمل. والضمير في (فملاقيه) للرب أي. لا مفر لك منه، أو للكدح أي: ملاق ~~جزاءه كما في الحديث. " إنما هي أعمالكم ترد إليكم " ثم فصل ذلك بقوله: # PageV01P355 # (فأما من أوتي كتابه بيمينه (7) فسوف يحاسب حسابا يسيرا (8) سهلا من غير ~~مناقشة تشق عليه. روى الشيخان وأبو داود والترمذي عن عائشة رضي الله عنها: ~~" أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ليس أحد يحاسب إلا عذب قلت: أو ~~ليس الله يقول: (فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا) قال: ~~ذلك العرض ولكن من نوقش الحساب هلك ". وعنها: " سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: اللهم حاسبني حسابا يسيرا قلت: يا رسول الله ما الحساب ~~اليسير؟ قال: أن ينظر في كتابه فيتجاوز له ms157 عنه ". # (وينقلب إلى أهله ... (9) أي: عشيرته، أو إلى فريق المؤمنين، أو إلى أهله ~~في الجنة من الحور والولدان. (مسرورا) فرحا. # (وأما من أوتي كتابه وراء ظهره (10) تغل يمناه إلى عنقه، وتثنى شماله إلى ~~وراء ظهره. (فسوف يدعو ثبورا (11) أي: يدعو بالويل والهلاك. # PageV01P356 # (ويصلى سعيرا (12) وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر والكسائي: بضم الياء ~~وفتح الصاد وتشديد اللام، من التصلية كقوله: (وتصلية جحيم) معدى إلى ~~مفعولين. # (إنه كان في أهله مسرورا (13) سرور بطر بالمال والجاه، لا يخطر بباله أمر ~~الآخرة. # إنه ظن أن لن يحور (14) تعليل لذلك السرور. (بلى ... (15) إيجاب بعد ~~النفي ب " لن ". أي: ليحورن لا محالة. والحور: هو الرجوع. وفي الحديث: " ~~نعوذ بالله من الحور بعد الكور " أي: الرجوع عن الدين بعد الدخول فيه. (إن ~~ربه كان به بصيرا) فيجازيه على أعماله. # (فلا أقسم بالشفق (16) وهي الحمرة بعد مغيب الشمس، وعن أبي حنيفة: هي ~~البياض، وروى أسد بن عمرو: أنه رجع عن ذلك، مأخوذ من الشفقة؛ لرقته. # PageV01P357 # (والليل وما وسق (17) وما أحاط به الليل من الكائنات، من الوسق وهو ~~الجمع. (والقمر إذا اتسق (18) انتظم واجتمع نوره إذا كان بدرا. # (لتركبن طبقا عن طبق (19) أي: حالا متجاوزا عن الآخر في الشدة، وهي الموت ~~وما بعده من الأهوال. والطبق: ما طابق غيره أي: وافقه، ومنه أطباق الثرى، ~~والطبق: الغطاء. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بفتح الباء على أنه خطاب ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وعد له بالإسراء أي: لتسلكن أطباق ~~السماوات في المعراج، أو لكل أحد من أفراد الإنسان نظرا إلى لفظه أي: لفظ ~~الإنسان فإنه مفرد. # (فما لهم لا يؤمنون (20) بالبعث بعد ظهور دلائله. # (وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون (21) لا يخضعون إكراما له؛ لدلالة ~~إعجازه على أنه كلام الله. واستدل به أبو حنيفة رحمه الله على وجوب السجود؛ ~~لأن الذم لا يكون إلا على ترك الواجب. روى مسلم والبخاري عن أبي هريرة - ~~رضي الله عنه -: " أنه سجد فيها وقال سجدت خلف أبي القاسم فلا أزال أسجد ~~بها حتى ms158 ألقاه ". قيل: # PageV01P358 # قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم: (واسجد واقترب) فسجد وسجد ~~معه المؤمنون فصفق المشركون وتضاحكوا فنزلت: (بل الذين كفروا يكذبون (22) ~~بالقرآن، والدليل إنما ينفع المسترشد. # والله أعلم بما يوعون (23) بما يضمرونه من الكفر والرذائل، أو بما ~~يجمعونه في صحائف أعمالهم. (فبشرهم بعذاب أليم (24) تهكم بهم. # (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ... (25) استتناء منقطع، أو متصل ~~بتقدير الضمير أي: منهم. (لهم أجر غير ممنون) مقطوع، أو مشوب بالمنة. # * * * # تمت سورة الانشقاق، والحمد للواحد الخلاق، والصلاة على الكامل بالاتفاق، ~~وآله وصحبه إلى يوم التلاق. # * * * # PageV01P359 ### | سورة البروج # مكية، وآيها اثنتان وعشرون # بسم الله الرحمن الرحيم # (والسماء ذات البروج (1) هي البروج الاثنا عشر المشهورة. والإقسام بها؛ ~~لأن سير الشمس فيها، وبه نيط نظام العالم السفلي. أو منازل القمر؛ لأن تلك ~~البروج منقسمة إلى ثمانية وعشرين منزلا. أو الكواكب العظام. أو أبواب ~~السماء، فإن النوازل يظهر منها. وأصل التركيب للظهور، ومنه تبرج المرأة. ~~(واليوم الموعود (2) يوم القيامة. # (وشاهد ومشهود (3) عن أبي هريرة وأبي مالك الأشعري عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة " وكذا عن ~~سعيد بن المسيب، وعن ابن عباس # PageV01P360 # - صلى الله عليه وسلم -: " الشاهد: محمد، والمشهود: يوم القيامة؛ وعن ~~سعيد بن جبير: " الشاهد: هو الله، والمشهود: يوم القيامة ". # (قتل أصحاب الأخدود (4) دليل جواب القسم، أي: أقسم أن قريشا لملعونون، ~~أحقاء بأن يقال فيهم: قتلوا كما قتل أصحاب الأخدود. وقيل: المذكور هو ~~الجواب. والأول: هو الوجه، لأن الكلام مسوق لتصبير المؤمنين وتهديد المشركن ~~كما دل عليه آخر السورة. والأخدود: جمع خد وهو الشق. وفي الحديث: " أنهار ~~الجنة تجري في غير أخدود " والقصة على ما رواها مسلم: " أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أخبر أنه كان فيمن كان قبلكم ملك كافر له ساحر، فلما كبر ~~سأل الملك أن يدفع إليه غلاما ليعلمه السحر، فدفع إليه غلاما، وكان في طريق ~~الغلام راهب على ملة عيسى، فسمع الراهب وأعجبه كلامه، فانقطع من الساحر إلى ~~الراهب، فكان يضربه ms159 الساحر لانقطاعه، فقال له الراهب، إذا قال لك الساحر ما ~~حبسك عني قل حبسني أهلي، وإذا سألك أهلك قل حبسني الساحر، فمر يوما على ~~دابة عظيمة في الطريق قد حبست الناس، فأخذ حجرا فقال: " اللهم إن كان أمر ~~الراهب أحب # PageV01P361 # إليك من الساحر فاقتل هذه الدابة "، فرماها فقتلها فأخبر الراهب فقال: " ~~إنك أفضل مني، وستبتلى فلا تدل علي "، فشرع الغلام يبرئ الأكمه والأبرص، ~~وكان جليس الملك قد عمي، فأتى الغلام بأموال وقال: " اشفني "، قال. " ~~الشافي هو الله، فإن آمنت به دعوت الله فشفاك "، فآمن فدعا الغلام فشفاه ~~الله، فلما حضر الملك قال. " من رد عليك البصر "؟ قال: " ربي "، قال: " أنا ~~"؟ قال: " لا، ربي وربك الله "، فأخذه يعذبه حتى دل على الغلام، فلما أتي ~~به قال: " بلغ من سحرك أنك تبرئ الأكمه والأبرص "؟ قال: " الشافي هو الله ~~"، قال: " أولك رب غيري "؟ قال: " ربي وربك الله "، فلم يزل يعذبه حتى دل ~~على الراهب، فقال للراهب: " ارجع عن دينك " فلم يرجع، فوضع المنشار على ~~رأسه فشقه، ودفع الغلام إلى جماعة فقال: " اذهبوا به إلى ذروة شاهق فألقوه ~~"، فلما علوا به الجبل، فقال: " اللهم أكفنيهم "، فرجف بهم الجبل فهلكوا عن ~~آخرهم، فرجع الغلام سالما، فسأله الملك عن القوم؟ فقال: " هلكوا "، فدفعه ~~إلى نفر وقال: " اجعلوه في قرقور " فإذا توسطتم البحر فألقوه في البحر "، ~~فلما توسطوا البحر قال: " اللهم اكفنيهم "، فغرقوا ورجع الغلام إلى الملك، ~~فقال: " ما فعل أصحابك "؟ قال: " غرقوا "، ثم قال للملك: " أنت لا تقدر على ~~قتلي إلا إذا فعلت ما آمرك به، اجمع الناس في صعيد واحد واصلبني، وخذ سهما ~~من كنانتي وقل: بسم الله رب الغلام، فإنك إذا فعلت ذلك قدرت على قتلي "، ~~ففعل ذلك فقتل الغلام، فقال الناس: " آمنا برب الغلام " فأمر بأفواه السكك ~~فخدت أخاديد وأضرمت فيها النيران وقال: " من رجع عن دينه فدعوه "، فكانوا ~~يتعادون ويتدافعون إلى النار رغبة في الموت على الدين، فجاءت امرأة تحمل ~~رضيعا فتقاعست فناداها الرضيع: " يا أماه اصبري فإنك على الحق "، فألقت ~~نفسها ms160 مع الصبي ". وعن علي: أنهم حين اختلفوا في # PageV01P362 # أحكام المجوس، قال: هم أهل كتاب، وكانوا متمسكين به، فشرب بعض ملوكهم ~~الخمر، ووقع على أخته، فلما صحا ندم وطلب المخرج، فقالت أخته: المخرج أن ~~يخطب ويقول في الخطبة: أيها الناس إن الله قد أحل نكاح الأخوات، ثم بعد ذلك ~~تخطب وتقول: إن الله قد حرم ذلك، فخطب، فلم يقبلوا منه فبسط فيهم السوط فلم ~~يقبلوا، فقالت: ابسط فيهم السيف، ففعل فلم يقبلوا، فأمرته بالأخدود وإيقاد ~~النار وإلقاء من أبى فيها ". # وروى ابن إسحاق: أن رجلا عالما من علماء النصارى وقع بنجران فدعاهم إلى ~~دين عيسى فآمنوا به فسار إليهم ذو نواس اليهودي من بلاد اليمن، فخيرهم بين ~~النار واليهودية فأبوا، # PageV01P363 # فأحرق منهم اثني عشر ألفا، وقيل سبعين ونجا منهم رجل فلحق بقيصر، فكتب ~~قيصر إلى ملك الحبشة يحثه على قتال ذي نواس ونصر دين عيسى، فأرسل النجاشي ~~جيشا أميرهم أرياط فهزم ذا نواس اليهودي، حتى دخل البحر في سفينة وغرق ~~فيها، واستمر ملك اليمن في يد الحبشة سبعين سنة حتى استنقذه سيف بن ذي يزن ~~من أبناء تبع وهو الذي أخبر عبد المطلب بشأن رسول الله وصفاته ". # (النار ذات الوقود (5) النار بدل اشتمال. و (ذات الوقود) صفة لها بالعظمة ~~وكثرة الوقود من الحطب والناس. قيل: كان طول الأخدود أربعين ذراعا في عرض ~~اثني عشر. # (إذ هم عليها قعود (6) ظرفا ل " قتل "، أي: لعنوا حين أحدقوا بالنار ~~قاعدين حولها. # PageV01P364 # (وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود (7) يشهد بعضهم لبعض عند الملك بأنه # سعى في إحراقهم ولم يقصر، أو يشهدون يوم القيامة على أنفسهم (يوم تشهد ~~عليهم ألسنتهم). # (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد (8) أي: وما عابوا ~~منهم إلا أفضل المناقب، وأحسن الخصال وهو الإيمان بمن هذه صفاته، من كونه ~~غالبا على كل شيء، منعما محمودا على نعمه. كقوله: # ولا عيب فيهم غير أن سييوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب. # (الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد (9) أعاد ms161 المظهر؛ ~~للدلالة على أن شمول العلم شأن الألوهية ومن لوازمها. # (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا ... (10) يشمل أصحاب ~~الأخدود وغيرهم (فلهم عذاب جهنم) لكفرهم. (ولهم عذاب الحريق) نار أخرى ~~عظيمة تتسع بهم كما يتسع الحريق لفتنتهم، وقيل: هم أصحاب الأخدود لما روي " ~~أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم ". # (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك ~~الفوز الكبير (11) الذي يستحقر ملك الدنيا دونه. # PageV01P365 # (إن بطش ربك لشديد (12) البطش: هو الأخذ بالشدة والعنف. فالوصف بالشدة ~~زيادة مبالغة، ثم قرر ذلك بقوله: # (إنه هو يبدئ ويعيد (13) ومن هذا شأنه يكون بطشه وانتقامه من أعدائه في ~~نهاية الشدة، وقيل: يبدئ البطش في الدنيا ويعيده في الآخرة، وهذا يلائم ما ~~قيل: إن النار انقلبت على أصحاب الأخدود. # وهو الغفور ... (14) للذنوب (الودود) لمن تاب (ذو العرش ... (15) خالق ~~العرش، أو كنى به عن الملك (المجيد) خبر رابع ل " هو ". ومجد الله عظمته ~~وكبرياؤه. وقرأ حمزة والكسائي بالجر صفة العرش، والمراد به: عظمة جرمه، أو ~~اتساع الملك؛ دلالة على كمال الاقتدار. والرفع أولى؛ لكونه غالبا في صفاته ~~تعالى. # (فعال لما يريد (16) لا يتأتى عليه مراد. خبر مبتدأ محذوف، لدلالته على ~~تحقق الوصفين: البطش بالأعداء، والمغفرة والود للأولياء. ولو جعل خبر " هو ~~" المذكور " فات " ولا يخفى ما في التنكير وزيادة اللام من الفخامة. # (هل أتاك حديث الجنود (17) فرعون وثمود (18) أبدلهما عن " الجنود "؛ لأن ~~المراد: فرعون وملأه، وضم ثمود إليه دون غيرهم؛ لقرب بلادهم، ورعاية ~~للفاصلة. والمعنى: قد أحطت علما بتكذيبهم، وما حاق بهم؛ تسلية له وتهديد ~~لقومه. # (بل الذين كفروا في تكذيب (19) في الإضراب دلالة على أن حال هؤلاء أعجب ~~من أولئك، فإنهم سمعوا بأخبارهم وشهدوا آثارهم وهم مستغرقون في التكذيب. # PageV01P366 # (والله من ورائهم محيط (20) علما وقدرة، لا يفوته أحد. جملة معترضة. # (بل هو قرآن مجيد (21) أي: ما كذبوا به قرآن شريف معجز. في الإضراب ترق، ~~وإشارة إلى أن تكذيبه خارج عن سائر أنواع التكذيب. # (في لوح محفوظ (22) عن جمهور الملائكة، لا يطلع ms162 عليه إلا بعض المقربين، ~~فكيف يكون كذبا؟. # * * * # PageV01P367 ### | سورة الطارق # مكية، وآيها سبع عشرة # بسم الله الرحمن الرحيم # (والسماء والطارق (1) وما أدراك ما الطارق (2) الطارق: من الطرق وهو ~~القرع والدق، أطلق على الآتي بالليل؛ لأنه يحتاج إلى دق الباب. والمراد به: ~~الكوكب؛ لظهوره بالليل. (النجم الثاقب (3) أبهمه أولا ثم فسره؛ إظهارا ~~لفخامه شأن المقسم به. والثاقب: المضيء كأنه يثقب الظلام بنوره. (إن كل نفس ~~لما عليها حافظ (4) إن: هي المخففة، و " اللام ": الفارقة، و " ما " مزيدة. ~~أي: إن الشأن كل نفس عليها حافظ، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة: لما بتشديد ~~الميم بمعنى: إلا، على إن " إن " نافية، والجملة جواب القسم. # (فلينظر الإنسان مم خلق (5) أي: لما ثبت أن عليه حافظا، فلينظر في نفسه، ~~فإنها أقرب الأشياء إليه، وكيفية تكونها، فإن ذلك النظر يوصله إلى الحافظ ~~الحقيقي، ويعرفه أنه لم يخلق سدى. (خلق من ماء دافق (6) ذي دفق نسبة كلابن ~~وتامر. أو إسناد مجازي وصف بوصف صاحبه. # (يخرج من بين الصلب والترائب (7) أي: صلب الرجل وترائب المرأة: موضع ~~القلادة، أو ما بين ثدييها. كذا عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، جمع تربة. ~~ولا ينافي قول الأطباء أنه # PageV01P368 # يتولد من جميع أجزاء البدن بعد الهضم الرابع، فيأخذ من كل عضو ما يستعد ~~لأن يكون عضوا آخر مثله؛ لأنه نبه مع الاختصار على الأعضاء التي هي أصول في ~~التولد، وذلك أن الترائب تشمل القلب والكبد والكلى، والصلب الدماغ؛ لاتصال ~~النخاع بالدماغ، وينزل من الدماغ شعب إلى مقدم البدن، وهي الترائب، على أن ~~كلامهم مبناه على الأوهام والظنون، وكلام الله تعالى لا يأتيه الباطل من ~~بين يديه، ولا من خلفه. # (إنه ... (8) أي: الله تعالى، فخم أولا بترك الفاعل في (مم خلق)، وثانيا ~~بالإضمار؛ لعدم ذهاب الوهم إلى الغير. (على رجعه لقادر) أي: على إعادة ~~الإنسان، وقيل: الضمير للماء أي: يقدر على رجعه إلى مخرجه. # (يوم تبلى السرائر (9) منصوب ب (رجعه)، والفاصل ليس بأجنبي؛ # لأنه متعلق الجار، أي: تكشف وتظهر. جمع سريرة وهي ما أخفي من ms163 العقائد ~~والأعمال. # (فما له من قوة ولا ناصر (10) من منعة في نفسه ولا من غيره. # (والسماء ذات الرجع (11) ذات المطر، سمي رجعا؛ تفاؤلا، أو لأن الله يرجعه ~~وقتا وقتا، أو لأن العرب تزعم أن السحاب يحمل من بحار الأرض ثم ترجعه إلى ~~الأرض. (والأرض ذات الصدع (12) النبات، أو الشق بالنبات والعيون. # (إنه ... (13) أي: القرآن، أو ما أخبرتم به من الاقتدار على الإحياء، ~~والأول أولى؛ لتناوله هذا وغيره. (لقول فصل) حد فاصل بين الحق والباطل (وما ~~هو بالهزل (14) في شيء، بل جد كله. # PageV01P369 # (إنهم ... (15) أي: أهل مكة (يكيدون كيدا) يجتهدون في نصب المكائد وإطفاء ~~نوره، يسمونه شعرا وسحرا وكهانة. (وأكيد كيدا (16) بإفاضته النعم عليهم، ~~والعافية في مقابلة ذلك؛ استدراجا ليزدادوا. # (فمهل الكافرين ... (17) إلى الوقت المضروب لهم في علمه تعالى. (أمهلهم ~~رويدا) إمهالا يسيرا، كرر؛ مبالغة في التسكين والتصبير، وخالف؛ لأنه أوكد ~~من مجرد التكرار. # * * * # تمت سورة الطارق، والحمد للخالق، والصلاة على الكامل الصادق، وآله وصحبه ~~ما لمع شارق. # * * * # PageV01P370 ### | سورة الأعلى # مكية، وهي سبع عشرة آية # بسم الله الرحمن الرحيم # (سبح اسم ربك الأعلى (1) الخطاب عام، أو له وأمته تبع. وكما يجب أن ينزه ~~ذاته عما لا يليق من الأوصاف، فكذا الأسماء الدالة عليه تحمل على معاني ~~الكمال والجلال، وتصان عن التأويلات الزائغة، وأن لا يذكر إلا على وجه ~~التعظيم؛ تأدبا بآداب الله. ألا يرى إلى قوله: (ولله الأسماء الحسنى) كيف ~~يرشد إلى ذلك؟ (الأعلى) الأولى جعله صفة للاسم، ويجوز أن يكون وصفا للرب. ~~عن عقبة بن عامر قال: " لما نزل (فسبح باسم ربك العظيم) قال لنا رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: اجعلوه في ركوعكم، ولما نزل (سبح اسم ربك الأعلى) ~~قال: اجعلوه في سجودكم ". # PageV01P371 # (الذي خلق فسوى (2) خلق كل شيء فسواه، بأن جعل له ما يتأتى كماله به ويتم ~~معاشه. # (والذي قدر ... (3) الأشياء أجناسا وأنواعا وأشخاصا. (فهدى) بنصب ~~الدلائل، والإلهام وإرسال الرسل، وإنزال الآيات. قرأ الكسائي: "قدر " مخففا ~~من القدرة، والتشديد أبلغ وأوفق بسائر الآيات. # (والذي أخرج المرعى (4) النبات الذي ms164 ترعاه الدواب. (فجعله غثاء أحوى (5) ~~حطاما أسود بعد خضرته ورفيفه. والأولى جعل " أحوى " حالا من المرعى. أي: ~~أخرجه أسود من شدة الخضرة، والفاصل بين الحال وصاحبها ليس أجنبيا. وفي ~~تقديمه إشاره إلى سرعة طريان الجفاف كأنه قيل: إن يتم رفيفه يصير غثاء. # (سنقرئك فلا تنسى (6) كأنه لما أمر بتنزيه اسمه خالج قلبه خوف النسيان، ~~فبشره تعالى بإكمال قوته الحافظة بأن لا ينسى شيئا. (إلا ما شاء الله ... ~~(7) نسيانه، ولا بأس عليه في ذلك. وفي الحديث: " إنما أنا بشر أنسى كما ~~تنسون، فإذا نسيت فذكروني "، أو # PageV01P372 # إلا ما شاء الله نسيانه برفع تلاوته وحكمه، وقيل: نفى النسيان رأسا. ~~وقيل: نهي، والألف للفاصلة. (إنه يعلم الجهر وما يخفى) وقد علم خوفك من ~~النسيان ولذلك أزاله عنك. أو عالم بالأحوال، ولذلك تنسى ما فيه حكمة ~~ومصلحة، أو يعلم جهرك في القراءة مع جبرائيل مخافة فوت شيء منه، فلذلك ضمن ~~لك حفظه. # (ونيسرك لليسرى (8) نوفقك للطريقة التي هي أيسر الطرق، وهي شريعته التي ~~لا إصر فيها ولا إغلال كما قال - صلى الله عليه وسلم -: " جئتكم بالحنيفية ~~السمحاء لو كان ابن عمران حيا لما وسعه إلا اتباعي ". عطف على " سنقرئك ". ~~وقوله: (إنه يعلم الجهر وما يخفى) اعتراض. # (فذكر ... (9) اشتغل بالتذكير بعد أمنك من النسيان. (إن نفعت الذكرى) كان ~~مأمورا بالتبليغ والدعوة نفعت الذكرى أو لم تنفع، فلما دعاهم وبلغ في ذلك ~~أقصى جهده حتى قال له: (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين) أشار إلى ~~استبعاد النفع فيهم كأنه قال: افعل ما أمرت به لتؤجر، وإن كانوا أهل الطبع. ~~أو المعنى: ذكر # PageV01P373 # المؤمنين وأعرض عن هؤلاء (فإن الذكرى تنفع المؤمنين) يؤيده قوله: (سيذكر ~~من يخشى (10) يخشى الله فإنه يتفكر في الآيات ويتعظ بالمواعظ. # (ويتجنبها الأشقى (11) أي: الكامل في الشقاوة وهو الكافر. و " أفعل " ~~للزيادة المطلقة؛ لدخول الفاسق في السعداء في قوله: (فمنهم شقي وسعيد). # (الذي يصلى النار الكبرى (12) نار جهنم في مقابلة النار الصغرى وهي نار ~~الدنيا، أو الدرك الأسفل. # (ثم لا يموت فيها ... (13) فيستريح. (ولا ms165 يحيى) حياة طيبة. " ثم "؛ ~~للدلالة على أن كونه لا ميتا ولا حيا أقطع من دخول النار. وروى مسلم عن أبي ~~سعيد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أن أهل النار الذين لا يريد ~~الله إخراجهم لا يموتون فيها ولا يحيون؛ والذين يريد إخراجهم يميتهم فيها ~~إماتة ثم يخرجون فيلقون في أنهار الجنة ". # (قد أفلح من تزكى (14) تطهر من أوضار الشرك والمعاصي، أو تكثر من صفات ~~التقوى، أو تطهر للصلاة، أو آتى الزكاة. والرواية عن علي: " أن المراد زكاة ~~الفطر ". لا # PageV01P374 # تصح؛ لأن السورة مكية، ولا عيد بها ولا فطر. والأوجه حمله على التزكي في ~~الأعمال والإخلاص فيها؛ لقوله: (ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه). # (وذكر اسم ربه فصلى (15) ولا دلالة فيه على تكبيرة الافتتاح ليستدل به ~~على خروجها عن الصلاة. وجواز قيام سائر الأذكار مقام التكبير. # (بل تؤثرون الحياة الدنيا (16) الخطاب عام أو خاص بأهل مكة. والمضرب عنه ~~(قد أفلح)، أو (ذكر) أي: تؤثرون الحياة على الفلاح أو الذكر، وقرأ أبو عمرو ~~بالغيبة باعتبار (الأشقى) إذا لم يرد به معين. والخطاب أولى؛ لقول ابن ~~مسعود - رضي الله عنه - " عجلت لنا الدنيا فآثرناها "، ولقراءة أبي: (بل ~~أنتم تؤثرون الحياة الدنيا) وفيه إشارة إلى قلة النفوس الكمل، على أسلوب ~~(وقليل من عبادي الشكور). # (والآخرة خير وأبقى (17) إذ نعم الدنيا لا تشارك نعم الآخرة إلا في الاسم ~~مع سرعة زوالها. # PageV01P375 # (إن هذا لفي الصحف الأولى (18) المشار إليه جميع ما في السورة، أو (قد ~~أفلح من تزكى)، أو (خير وأبقى). والأول أعم وأصح؛ لما روى النسائي عن ابن ~~عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " كلها ~~". # (صحف إبراهيم وموسى (19) روي عن أبي ذر أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: " أنزل الله تعالى مائة وأربعة كتب، على آدم عشر صحائف، وعلى ~~شيت خمسين، وعلى إدريس ثلاثين، وعلى إبراهيم عشرا، والتوراة والزبور، ~~والإنجيل، والفرقان ". # * * * # تمت سورة الأعلى، والحمد لمن له الأسماء الحسنى، والصلاة على صاحب ~~المعراج والإسراء، وآله وصحبه ms166 أولي الفضائل والتقى. # * * * # PageV01P376 ### | سورة الغاشية # مكية، ست وعشرون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # هل أتاك حديث الغاشية (1) أي: القيامة؛ لأنها تغشى الناس بأهوالها ~~وأفزاعها. (وجوه يومئذ خاشعة (2) ذليلة. # (عاملة ناصبة (3) عملت في الدنيا وتعبت بلا نفع (وقدمنا إلى ما عملوا من ~~عمل فجعلناه هباء منثورا)، أو " عاملة " في النار بجر السلاسل والأغلال، " ~~ناصبة " في الصعود والهبوط في جبال النار وأوديتها. وقل: هؤلاء نساك اليهود ~~والنصارى أصحاب الصوامع كانوا يحسبون أنهم يحسنون صنعا. # (تصلى نارا ... (4) تدخلها، وقرأ أبو عمرو، وأبو بكر بضم التاء على بناء ~~المفعول، من أصليته أدخلته النار وهو أبلغ وأوفق بقوله: " تسقى ". (حامية) ~~في غاية الحرارة؛ لأن النار لا تكون إلا حارة. (تسقى من عين آنية (5). ~~متناهية. # PageV01P377 # (ليس لهم طعام إلا من ضريع (6) جنس من الشوك ترعاه الإبل ما دام رطبا ~~فإذا يبس تتحاماه، وهو سم قاتل، ولا ينافيه (إلا من غسلين)؛ لاختلاف طبقات ~~الأكل، لبعضهم الغسلين، ولبعضهم الضريع، ولبعضهم الزقوم. أو بحسب الأوقات ~~كمأكولات الدنيا، في كل فصل يؤكل ما يلائمه جزاء على ما كانوا فيه من ~~التنقل في اللذات. # (لا يسمن ولا يغني من جوع (7) مرفوع المحل، أو مجروره على وصف " طعام "، ~~أو " ضريع " أي: مع ما يقاسون منه في التناول لم تترتب فائدة الأكل؛ لأن ~~الغرض منه أحد الأمرين. # (وجوه يومئذ ناعمة (8) ذات بهجة ورونق كقوله: (تعرف في وجوههم نضرة ~~النعيم). ولم يعطف الوجوه على الوجوه عطف أحد الضدين على الآخر؛ لأن ~~الإتيان هما على وجه الاعتراض استطرادا. # (لسعيها راضية (9) لما رأت من ثوابها. (في جنة عالية (10) علو المكان ~~والمقدار. # لا تسمع فيها ... (11) في المخاطبة أو الوجوه. (لاغية) كلمة ذات لغو أو ~~لغوا أو نفسا تلغو فإن كلام أهل الجنة ذكر وحكم. # PageV01P378 # (فيها عين جارية (12) أي: عيون كثيرة كقوله: (علمت نفس) وقيل: التنكير ~~للتعظيم. # (فيها سرر مرفوعة (13) سمكا، أو قدرا. # (وأكواب ... (14) أباريق لا عرى لها. (موضوعة) عن حد الكبر أي: أوساط ~~معتدلة، أو موضوعة بين أيديهم لا يحتاجون إلى الطلب، أو على حافات العيون؛ ~~لأنها ms167 ألذ منظرا كما يتعاطاه أهل الشرب في مجالسهم. # (ونمارق ... (15) جمع نمرقة بضم النون والراء وكسرهما وهي الوسادة. ~~(مصفوفة) # بعضها إلى بعض ليجلس حيث اختار كما يفعله الملوك في قصورهم؛ لئلا يحتاجوا ~~إلى النقل. # (وزرابي ... (16) بسط عراض فاخرة. وقيل: ما فيه حمل رقيق، جمع زربية ~~(مبثوثة) مبسوطة، أو مفرقة في المجالس. # أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت (17) عاد إلى ما افتتح به السورة من ذكر ~~القيامة وأهوالها. ولما كان الكلام مع العرب، وجل مالهم هي الإبل، ولم تزل ~~مخيلتهم مشحونة بتخيل الماء والمرعى. فكما انتظم خيالهم الإبل، والمطر ~~النازل من السماء المنبت في الجبال والأراضي الكلأ، انتظم الذكر على نحو ما ~~انتظمه ذلك الخيال. وفي خلق الإبل، وإعضائها، وأخلاقها، من التحمل على ~~المشاق، وسرعة الانقياد، مع عظم الجثة ما يقضي منه العجب. حكى بعض الثقات " ~~أن قطارا منها افتقدت، فوجدوها قد أخذ فأره بحبل # PageV01P379 # خطامها، فدخلت به بيتها، فتبعتها ". قال بعض الأدباء: " أردت أن أؤلف ~~كتابا في شرح خلقها، فتصورت أن لو فعلت جاء مجلدا ". # (وإلى السماء كيف رفعت (18) بلا عمد (وإلى الجبال كيف نصبت (19) نصبا ~~راسخا لا تميل ولا تزول في تلك المدد المتطاولة (وإلى الأرض كيف سطحت (20) ~~حتى صارت مهادا، سهل التقلب عليها. # فذكر إنما أنت مذكر (21) لست عليهم بمصيطر (22) بمتسلط كقوله: (وما أنت ~~عليهم بجبار) روى مسلم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ~~فإذا قالوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله، ثم قرأ: ~~(إنما أنت مذكر * لست عليهم بمصيطر) ". قرأ خلف عن حمزة بإشمام الصاد زايا. ~~ولخلاد وجهان: الصاد الخالصة، والإشمام. وهشام بالسين وهو الأصل. والباقون ~~بالصاد وعليه الرسم. # PageV01P380 # (إلا من تولى وكفر (23) استثناء منقطع، أي: ولكن من أعرض وكفر (فيعذبه ~~الله العذاب الأكبر (24) عذاب الحريق في جهنم، وقيل: متصل فإن الجهاد مع ~~الكفار تسلط عليهم، وقيل: استثناء من " فذكر " أي: فذكر إلا المعرض الكافر، ~~وما بينهما ms168 اعتراض. # (إن إلينا إيابهم (25) رجوعهم (ثم إن علينا حسابهم (26) لا محالة. سبق به ~~الوعد، وفيه تسلية له، وتهديد لهم. # * * * # تمت سورة الغاشية، والحمد على نعمه الوافرة الوافية، والصلاة على من ~~شفاعته كافية، وعلى آله وصحبه صلاة زاكية. # * * * # PageV01P381 ### | سورة الفجر # مكية، وآيها تسع وعشرون # بسم الله الرحمن الرحيم # (والفجر (1) هو الصبح. أقسم به كما أقسم به في قوله: (والصبح إذا تنفس) ~~وعن عكرمة ومحمد بن كعب: هو فجر يوم النحر. وقيل: بتقدير المضاف أي: وصلاة ~~الفجر. # (وليال عشر (2) عشر ذي الحجة قاله: ابن عباس ومجاهد رضي الله عنهما. روى ~~البخاري عن ابن عباس مرفوعا: " ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن ~~من عشر ذي الحجة. قالوا: ولا الجهاد يا رسول الله؟ قال: ولا الجهاد إلا رجل ~~خرج بماله، ونفسه، ثم لم # PageV01P382 # يرجع بشيء منهما ". وإنما لم تعرف الليالي العشر؛ لأنها ليال مخصوصة، فلو ~~عرفت كانت اللام للعهد، فلم يجانس السابقة واللاحقة. # (والشفع والوتر (3) الأشياء كلها، أو الخلق؛ لقوله: (ومن كل شيء خلقنا ~~زوجين). وقد أكثروا القول في الاحتمالات، ولا طائل تحته. وقرأ حمزة ~~والكسائي: (الوتر) بكسر الواو، وهما لغتان، والفتح أخف، ومصدر وتر أحق ~~بالكسر لا غير. # (والليل إذا يسر (4) إذا انقضى ومضى كقوله: (والليل إذ أدبر). أثبت ياءه ~~ابن كثير في الحالين، ونافع وأبو عمرو في الوصل، وحذفه الباقون اكتفاء ~~بالكسر. # (هل في ذلك قسم لذي حجر (5) أي: هل في الأشياء المذكورة ما يحق عنده أن ~~يكون مقسما به؟، أو هل في الإقسام بها إقسام له؟. وعلى الوجهين أريد تعظيم ~~المقسم به، ويلزم منه توكيد المقسم عليه، والاستفهام للتقرير. والحجر: ~~العقل؛ لأنه يمنع صاحبه عن ارتكاب ما لا ينبغي كما سمي عقلا ونهية لذلك. ~~وجواب القسم محذوف أي: ليعذبن، دل عليه قوله: (فصب عليهم ربك سوط عذاب). # PageV01P383 # (ألم تر كيف فعل ربك بعاد (6) ألم تعلم؟، والخطاب عام، وكان هذا متواترا ~~عند العرب. وعاد هو: ابن عوص بن إرم بن سام بن نوح سميت أولاده عادا، كما ~~يقال لبني ms169 هاشم. # (إرم ذات العماد (7) " إرم " عطف بيان ل " عاد "؛ وذلك أن أولاد إرم سموا ~~عادا الأولى. وقيل " إرم " بلدتهم. وعلى الوجهين؛ منع الصرف للعلمية ~~والتأنيث، وإنما وصفوا بذات العماد؛ لكونهم أهل خيام يسكنون البادية، أو ~~لطول قامتهم. روي: " أن منهم كان أربعمائة ذراع "، فشبهت قدودهم بالأعمد. ~~والظاهر: أن " إرم " اسم بلدة، و " ذات العماد " صفتها؛ لما تواتر وكثر في ~~الأشعار ذكرها. وقصتها: " أن عادا كان له ابنان شداد وشديد. ملكا الأرض، ~~وقهرا الملوك، ثم مات شديد واشتغل شداد بالملك، ملك الدنيا بأسرها بلا ~~منازع، فسمع بذكر الجنة، وكان عمره إذ ذاك ستمائة سنة، فبنى مدينة عظيمة، ~~قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من اليواقيت والزبرجد، في مدة ثلاثمائة ~~سنة، وفيها الأشجار والأنهار المطردة، وكانت بأرض عدن، فلما تم بناؤها سار ~~إليها بعسكره ليتمتع بتلك القصور والأنهار، فلما كان بينه وبين المدينة ~~مسيرة يوم وليلة، صاح بهم ملك صيحة هلكوا عن آخرهم ". وحكي أن عبد الله بن ~~قلابة خرج في طلب إبل له فاتفق دخوله فيها فحمل ما قدر عليه، وأتى به ~~معاوية وأخبر الخبر " والله أعلم. # PageV01P384 # (التي لم يخلق مثلها في البلاد (8) صفة أخرى ل " إرم ". وهذا أيضا يؤيد ~~أنها اسم البلدة، إذ لو كان اسم القبيلة كان المناسب لم يخلق مثلها في ~~العباد. # وثمود الذين جابوا الصخر بالواد (9) قطعوا الصخور واتخذوا فيها بيوتا ~~كقوله: (وتنحتون من الجبال بيوتا) قيل: نحتوا من الجبال ألفا وسبعمائة ~~مدينة بالوادي، وادي القرى. أثبت البزي وقنبل في أحد وجهيه الياء في ~~الحالين، وورش وقنبل في الوجه الآخر في الوصل، وحذفها الآخرون. # (وفرعون ذي الأوتاد (10) سمي به؛ لكثرة جنوده. إما لأن الجنود كالأوتاد ~~للأمير على التشبيه، أو لكثرة خيامهم، أو لأنه كان يعذب بالأوتاد وهذا ~~أشهر. # PageV01P385 # (الذين طغوا في البلاد (11) صفة المذكورين من عاد، وثمود، وفرعون. مرفوع، ~~أو منصوب. (فأكثروا فيها الفساد (12) تفسير لطغيانهم. # (فصب عليهم ربك سوط عذاب (13) الإضافة بمعنى أي: سوطا منه. والمراد: ~~تقليل ما أصابهم في جنب عذاب الآخرة؛ ولذلك روي عن الحسن ms170 أنه لما تلاها ~~قال: " إن عند الله أسواطا كثيرة ". وقيل: ما غلظ منه، وذكر السوط كناية ~~عنه. والأول أوفق بسائر الآيات وأشد تهويلا. # (إن ربك لبالمرصاد (14) مفعال، من رصده: إذا ترقبه، كناية عن عدم الفوت. # (فأما الإنسان ... (15) متعلق بقوله: (إن ربك لبالمرصاد) كأنه قيل: إن ~~الله تعالى يرصد العصاة بالعقوبة، والإنسان لا يهمه إلا العاجلة (إذا ما ~~ابتلاه ربه) اختبره بالغنى (فأكرمه ونعمه) بالمال والجاه (فيقول ربي أكرمن) ~~مفتخرا بذلك مدعيا استحقاقه، ولم يتلقه بالشكر. # (وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه ... (16) ضيقه عليه. وقرأ ابن عامر: ~~(قدر) مشددا، والمخفف أخف وأوفق بقوله: (ومن قدر عليه رزقه). (فيقول ربي ~~أهانن)؛ لقصور نظره إلى الحطام، ولم يدر أن الدنيا لا تساوي عند الله جناح ~~بعوضة، وأن التعبير قد يؤدي إلا كرامة الدارين، ولذلك زواها عن أكثر ~~أصفيائه، أثبت نافع في الوصل، والبزي # PageV01P386 # في الحالين ياء " أكرمن " و " أهانن "، ولأبي عمرو وجهان: الحذف ~~والإثبات، وحذفها الباقون اكتفاء بالكسر. # (كلا ... (17) ردع للإنسان عن هذا القول، ثم أشار إلى أنه مرتكب ما هو شر ~~من هذا القول (بل لا تكرمون اليتيم * ولا تحاضون على طعام المسكين (18) لا ~~تتفقدون اليتيم بالإحسان، ولا تحثون أنفسكم ولا غيركم على طعام المسكين من ~~غاية الشح، وقلة الشفقة. وقرأ الكوفيون: بفتح التاء والحاء والألف بعده من ~~التفاعل حذف منه إحدى التائين، أي: لا يحث بعضهم بعضا، وهذا أبلغ؛ لدلالته ~~على أنهم لا يفعلون المعروف ولا يأمرون به. # (وتأكلون التراث ... (19) الميراث، أصله: وراث، قلبت الواو تاء كما في " ~~تجاه ". # (أكلا لما) ذا لم، أي: جمع بين الحلال والحرام، لأنهم كانوا لا يورثون ~~النساء ويقولون: المال لمن يحمي الحريم، أو تأكلون ما جمعه المورث من ~~الحلال والحرام لا يميزون بينهما، أو يسرفون في أنواع المواكيل والفواكه ~~كما يفعله الآن الوارث؛ لأنه لم يتعب في تحصيله. # (وتحبون المال حبا جما (20) شديدا، مع الشره والحرص ومنع الحقوق. وقرأ ~~أبو عمرو: الأفعال الأربعة بالياء غيبة، والخطاب أبلغ تقريعا. # كلا ... (21) ردع لهم، وإنكار لفعلهم (إذا ms171 دكت الأرض دكا دكا) دكا بعد دك ~~حتى يصير هباء منبثا. وعيد لهم على تلك الأفعال التي يتحسرون على تركها حين ~~لا ينفع. # (وجاء ربك ... (22) مثل حاله في ظهور آثار قدرته وسلطانه وتوجه إرادته ~~إلى الانتقام من المجرمين بحال ملك اعتنى بقهر أعدائه، فلم يكتف بالجند ~~والعساكر، بل باشر # PageV01P387 # بنفسه. (والملك صفا صفا) أي: الملائكة كلهم صفا بعد صف على قدر مراتبهم، ~~محدقين بالإنس والجن. # (وجيء يومئذ بجهنم يومئذ ... (23) روى مسلم والترمذي عن عبد الله بن ~~مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " يؤتى ~~بجهنم لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك ". " يومئذ " بدل من " ~~إذا دكت "، والعامل فيهما (يتذكر الإنسان) ما فرط منه، أو يتعظ (وأنى له ~~الذكرى) استبعادا لها من حيث النفع؛ لئلا يتناقض ما يتقدمه. ومن استدل به ~~على عدم وجوب قبول التوبة فقد أبعد عن الصواب؛ لأن عدم قبولها ليس بناء على ~~عدم وجوب القبول، بل لفوات الوقت بانقطاع التكليف. # (يقول يا ليتني قدمت لحياتي (24) هذه وهي حياة الآخرة، أو وقت حياتي في ~~الدنيا كقولك: جئت لعشر خلون من رجب. وهذا من تمني المحال، وفيه دلالة على ~~أن للإنسان اختيارا في أفعاله. # (فيومئذ لا يعذب عذابه أحد (25) ولا يوثق وثاقه أحد (26) الضمير: لله أي: ~~لا يتولى عذاب الكافر ولا إيثاقه أحد غيره تعالى، ففيه تهويل. نعوذ بالله ~~من غضب الله الحليم. أو للإنسان، إضافة للمصدر إلى المفعول أي: لا يعذب ~~الزبانية أحدا من خلق الله مثل تعذيب # PageV01P388 # هذا الإنسان. وقرأ الكسائي: بفتح الذال. والعذاب بمعنى: التعذيب والوثاق ~~بمعنى: الإيثاق، كالسلام بمعنى: التسليم والعطاء بمعنى: الإعطاء والضمير ~~للإنسان، والمعنى كالوجه الثاني في قراءة الكسر. # (يا أيتها النفس المطمئنة (27) المؤمنة التي اطمأنت في الدنيا إلى ذكر ~~الله تعالى (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) أو الآمنة من الخوف، والحزن، ~~القائلة: (يا ليتني قدمت لحياتي) تحزنا وتحسرا. وهذا إما عند الموت، أو ~~البعث، أو دخول الجنة. # (ارجعي إلى ربك راضية ... (28) بما أوتيت ms172 ما لا عين رأت (مرضية) عند ~~الله. (فادخلي في عبادي (29) في زمرة عبادي الصالحين. (وادخلي جنتي (30) ~~دار كرامتي ومقر أوليائي. # * * * # تمت، والحمد لمن نعمه عمت، والصلاة على من به الرسل تمت. # * * * # PageV01P389 ### | سورة البلد # مكية، وآيها عشرون # بسم الله الرحمن الرحيم # (لا أقسم بهذا البلد (1) أقسم تعالى بالبلد الحرام الذي هو أشرف الأماكن ~~حرمة يوم خلق السماوات والأرض على أن الإنسان مخلوق في كبد مستغرق في ~~الشدائد. واعترض بين القسم والمقسوم عليه: # (وأنت حل بهذا البلد (2) دلالة على أن من المكائد كون مثلك حلا أي: ~~مستحلا حرمته في مثل هذه البلدة التي لا يجوز التعرض لنباتها فضلا عن ~~صيدها. وفيه تسكين له، وإشارة إلى أن سوء صنع المشركين قد بلغ الغاية ~~القصوى، فيقع الذم الآتي لهم في حاق موقعه، أو وعد له بفتح مكة؛ تسلية له ~~بأن ما يقاسيه من الأذى والمكائد عاقبته الظفر، وحل البلد الذي لم يحل لأحد ~~قبله ولا لأحد بعده، يفعل فيه ما يشاء قتلا ونهبا، وفيه من إجلال قدره ما ~~ترى، ونظيره في الاستقبال: (إنك ميت) وقولك لمن تعده: أنت مكرم. # PageV01P390 # (ووالد وما ولد (3) وآدم وذريته، أو إبراهيم مؤسس البلد وإسماعيل، أو ~~محمد وذريته الطاهرة. والعدول إلى " ما "؛ للدلالة على الوصفية، فيفيد ~~فخامة كقوله: (والله أعلم بما وضعت). # (لقد خلقنا الإنسان في كبد (4) أي: في شدة ومشقة؛ لأن أول أحواله ضيق ~~الرحم، وآخره الموت وضيق القبر وما بعده. من كبد الرجل: إذا أوجع كبده. ثم ~~اتسع فيه فأطلق على كل مشقة. # (أيحسب أن لن يقدر عليه أحد (5) يظن هذا الصنديد القوي أن لن تقوم ~~القيامة، ولا يقدر أحد على الانتقام منه. ثم ذكر ما يقول في ذلك اليوم: # (يقول أهلكت مالا لبدا (6) كثيرا. من تلبد الشيء: إذا اجتمع. يريد ما كان ~~ينفقه رياء وسمعة مما كانوا في الجاهلية ينفقونه مفاخرة. والمعنى على ~~العموم، وإن نزلت في أبي الأسد بن كلدة، فإنه كان قويا، يبسط الأديم ~~العكاظي تحت قدميه ويقوم عليه ثم يقول: من أزالني عنه فله ms173 كذا، فينقطع ~~ويبقى ما تحت قدميه. وقيل: نزلت في الوليد. # (أيحسب أن لم يره أحد (7) حين ينفق ما ينفق رياء وفخرا؟! أي: أن الله كان ~~رقيبا عليه. # (ألم نجعل له عينين (8) يبصر بهما. (ولسانا ... (9) يترجم به ويعبر به عن ~~مقاصده. (وشفتين) زينة، ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب، # PageV01P391 # (وهديناه النجدين (10) طريقي الخير والشر. كقوله: (إنا هديناه السبيل إما ~~شاكرا وإما كفورا) والنجيد: ما ارتفع، ففيه إشارة إلى غاية الإيضاح ~~والبيان. وقيل: هما الثديان، فإن العرب تقسم بهما، ويقولون: ونجديها. ~~فالبطن كالغور وهما نجدان. # (فلا اقتحم العقبة (11) بعد هذه النعم (وما أدراك ما العقبة (12) أبهم ~~على وجه الاعتراض، ثم فسره بقوله: (فك رقبة (13) أو إطعام في يوم ذي مسغبة ~~(14) يتيما ذا مقربة (15) أو مسكينا ذا متربة (16) العقبة: ما صعب من طرق ~~الجبال، كنى به عن صعوبة هذه الأعمال على النفس؛ ولذلك عبر عن الإتيان هما ~~بالاقتحام الذي هو: الدخول في الشيء عنفا، من القحمة: وهى الشدة. والمسغبة ~~والمقربة والمتربة مفعلات من سغب: إذا جاع. وقرب: في النسب والقرابة. وترب: ~~افتقر كأنه التصق بالتراب. والمعنى: أن الإنفاق عند الله هو هذا، لا ما ~~افتخر به ذلك المرائي. وقدم (فك رقبة)؛ لأنه أقرب القربات. روى مسلم ~~والبخاري عن عمرو بن عبسة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " من ~~أعتق رقبة مسلمة كانت له فكاكا من النار عضوا بعضو " وقرأ نافع وابن عامر ~~وعاصم وحمزة: " فك وإطعام " مصدرين مضافين إلى المفعول بالرفع على الخبرية، ~~والباقون: بالفعل بدلا من " اقتحم "، و " لا " مكررة؛ تقديرا أي: # PageV01P392 # لا فك ولا أطعم، على أن تكرارها غير لازم. ونحو (فلا صدق ولا صلى) إنما ~~يدل على الوقوع دون اللزوم. # (ثم كان من الذين آمنوا ... (17) عطف على اقتحم أي: لا اقتحم ولا آمن. ~~ولا يلزم كونه خارجا منه، بل لكونه أشرف الأجزاء وأساس سائرها خص بالذكر مع ~~" ثم " دلالة على أناقة محله. (وتواصوا بالصبر) عن المعاصي وعلى مشاق ~~الطاعات. (وتواصوا بالمرحمة) الشفقة على خلق الله (أولئك أصحاب الميمنة ms174 ~~(18) اليمين، أو اليمن. # (والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة (19) الشؤم، أو الشمال. (عليهم ~~نار مؤصدة (20) مطبقة. وقرأ أبو عمرو وحمزة وحفص: بالهمز، يقال: أوصدت ~~الباب وأصده: إذا أغلقته. والواو أفصح؛ لاتفاقهم في الوصيد. # * * * # تمت سورة البلد، والحمد لمن وفق وسدد، والصلاة على السيد الأوحد، وآله ~~وصحبه إلى آخر الأمد. # * * * # PageV01P393 ### | سورة الشمس # مكية، وآيها خمس عشرة # بسم الله الرحمن الرحيم # والشمس وضحاها (1) أقسم بالشمس وضوئها؛ لأن كلا منهما من بدائع صنعه. ~~الضحوة: وقت ارتفاع النهار، والضحى: فوق ذلك. والضحاء بالفتح والمد: قرب ~~نصف النهار. # (والقمر إذا تلاها (2) تلا الشمس في النور والكمال ليلة البدر، فإنه يظهر ~~سلطانه كوقت الضحى للشمس، أو تلا الشمس: أخذ من نورها، وذلك في النصف الأول ~~من الشهر، وأما في النصف الثاني فلا تلو؛ لأنه مفارق، أو تلا طلوعه طلوعها. # (والنهار إذا جلاها (3) أي: الشمس، على التقابل كما جعل الليل غاشيا ~~الشمس جعل النهار مجليا لها، فإنها تظهر غاية الظهور إذا انبسط النهار. ~~وقيل: الضمير للظلمة، أو الليل، أو الأرض. # (والليل إذا يغشاها (4) يغشى الشمس بستر ضوئها بظلامه. ولما كانت واوات ~~العطف نوائب للواو القسمية الجارة بنفسها قائمة مقام الفعل، سادة مسده، ~~بحيث طرح ذكره رأسا، بخلاف الباء جاز أن [تكون] عوامل الفعل والجار معا ~~كقولك: ضرب زيد عمروا وبكر # PageV01P394 # خالدا من غير عطف على عاملين مختلفين. هذا ويرد عليه (والليل إذا عسعس ~~(17) والصبح إذا تنفس) فإنه عطف على المجرور ب " الباء ". والحق أن الظرف ~~ليس متعلقا بفعل القسم؛ لأن التقييد بالزمان غير مراد لا حالا ولا ~~استقبالا، بل المعنى: وعظمة الليل وقت غشيانه؛ لأن الإقسام بالشيء إعظام ~~له. # (والسماء وما بناها (5) " ما " ليست مصدرية؛ لقوله: (فألهمها) بل موصولة، ~~وإيثارها على " من "؛ لإرادة الوصف، فتفيد فخامة كأنه قال: والسماء، ~~والقادر العظيم الذي بناها، وكذا يقدر ما يناسب في غيرها. والقول بإضمار ~~العائد إليه تعالى للعلم به مفوت لتلك الفخامة. (والأرض وما طحاها (6) ~~دحاها وبسطها. (ونفس وما سواها (7) هي نفس آدم، أو التنكير للتكثير أي: كل ~~نفس، وتسويتها: ms175 خلقها في أحسن تقويم. # (فألهمها فجورها وتقواها (8) أرشدها إلى طريق الخير والشر. وتقديم ~~الفجور؛ للدلالة على أنه بقدرته وإرادته أيضا، ولا ينافي مدخلية قدرة العبد ~~كسبا. فإن قلت: التسوية خلق الأعضاء وتعديلها، وإفاضة الروح والقوى وإلهام ~~الفجور والتقوى إنما يكون بعد البلوغ وتوجه التكليف، و " الفاء " تقتضي ~~التعقيب من غير تراخ. قلت: التعقيب أمر عرفي، ولما كان تكامل القوى وقت ~~البلوغ، فكان لا تسوية قبله ### | ....... # PageV01P395 # (قد أفلح من زكاها (9) طهرها من درن الأخلاق الذميمة، وأنماها بالأعمال ~~السنية. جواب القسم حذف منه اللام؛ لطول الفصل. وقيل: مستطرد لذكر بعض ~~أحوال النفس. والجواب محذوف أي: ليدمدمن الله على كفار مكة كما دمدم على ~~ثمود. # (وقد خاب من دساها (10) أخفاها، وأطفأ نور الفطرة بظلمات المعاصي. أصله ~~دسس قلبت الثانية ياء كما في أمليت وتقضي البازي. وإسناد التزكية والتدسية ~~إلى العبد إنما يقتضي القيام به لا الاستقلال ولا الإيجاد، فلا دليل فيه ~~للقدرية، على أن الأرجح ### | ............ # PageV01P396 # المستتر إليه تعالى، والبارز المنصوب إلى " من " بتأويل النفس؛ لما روى ~~زيد بن أرقم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " اللهم آت نفسي ~~تقواها وزكها أنت خير من زكاها ". # (كذبت ثمود بطغواها (11) اسم بمعنى الطغيان؛ ولذلك قلبت ياؤه واوا فرقا ~~بينه وبين الصفة، أي: كذبت بسبب طغيانها، أو بعذابها الموعود ذي الطغوى. ~~كقوله: (فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية) فالباء صلة. # (إذ انبعث أشقاها (12) أشقى ثمود قدار بن سالف، أو هو ومن وافقه؛ لأن اسم ~~التفضيل إذا أضيف صلح لما فوق الواحد. # (فقال لهم رسول الله ناقة الله ... (13) نصب على التحذير. ولما أضاف ~~الناقة إليه تشريفا ذكر صالحا باسم الرسول وأضافه أيضا؛ لأنه أولى ~~بالاجلال. # (وسقياها) لا تذودوها عنه. # (فكذبوه ... (14) فيما حذرهم به من نزول العذاب (فعقروها فدمدم عليهم ~~ربهم) أطبق عليهم العذاب وعمهم به. تكرير دم الشيء كبسه نحو كبكب في كب. ~~وقيل: غضب، من الدمدمة وهو: الكلام المزعج. وقيل: أرجف الأرض بهم. (بذنبهم) ~~بسبب ذنبهم. (فسواها) أي: العقوبة بينهم عموما، أو سوى ثمود بالأرض. # PageV01P397 # (ولا ms176 يخاف عقباها (15) عقبى الدمدمة، أو التسوية. والواو للحال أي: فعل ~~ذلك والحال أنه غير خائف من عاقبة فعله كبعض الملوك. وقرأ نافع وابن عامر ~~بالفاء، والواو أبلغ. # روى البخارى ومسلم عن عمار بن ياسر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال لعلي - رضي الله عنه -. " ألا أخبرك بأشقى الناس، قال. بلى، قال: أحمر ~~ثمود عاقر الناقة، والذي يضربك على هذا، وأشار إلى قرن رأسه حتى تبتل منه ~~هذه " يريد لحيته. # * * * # تمت والحمد لمن آلاؤه عمت. # * * * # PageV01P398 ### | سورة الليل # مكية، وآيها إحدى وعشرون # بسم الله الرحمن الرحيم # والليل إذا يغشى (1) بظلامه كل ما يواريه، أو النهار، أو الشمس. # (والنهار إذا تجلى (2) تبين وتكشف بانسلاخ الليل عنه. # (وما خلق الذكر والأنثى (3) والقادر الذي خلق الزوجين من كل نوع، أو آدم ~~وحواء. ويجوز أن يكون " ما " مصدرية. وقرأ ابن مسعود وأبو الدرداء رضي الله ~~عنهما: " والذكر والأنثى ". (إن سعيكم لشتى (4) جمع شتيت. جواب القسم، أو ~~أن مساعيكم مختلفة الأغراض، متبايتة الجزاء. ثم فضل بما على أثره: # (فأما من أعطى واتقى (5) وصدق بالحسنى (6) أعطى الطاعة في حقوق الله ~~تعالى، واتقى المعصية، وصدق بالتوحيد أو الجنة. (فسنيسره لليسرى (7) ~~فسنوفقه للخلة التي تؤديه إلى اليسر والراحة. # PageV01P399 # (وأما من بخل ... (8) بحقوق الله. (واستغنى) بالحطام الفاني. (وكذب ~~بالحسنى (9) بالنعيم الباقي، أو التوحيد. (فسنيسره للعسرى (10) فسنخذله ~~وندله على الطريقة التي اختارها. وإطلاق التيسير؛ للمشاكلة. (وما يغني عنه ~~ماله إذا تردى (11) سقط في حفرة القبر، أو في قعر جهنم، أو مات من الردى: ~~وهو الموت. نفي، أو استفهام إنكار. # (إن علينا للهدى (12) الدلالة والإرشاد إلى طريق الصواب بشرع الأحكام ~~وبيان الحلال والحرام. (وإن لنا للآخرة والأولى (13) نعطي ما نشاء لمن ~~نشاء، أو لنا الغنى المطلق لا تنفعنا طاعة ولا تضرنا معصية. # (فأنذرتكم نارا تلظى (14) تتلهب (لا يصلاها ... (15) لا يدخلها (إلا ~~الأشقى * الذي كذب ... (16) بالحق (وتولى) وأعرض عنه. # (وسيجنبها الأتقى (17) الحصر فيه ادعائي كأن غير هذا الأشقى لا يصلاها، ~~وغير هذا الأتقى لا يجنب؛ لاتفاق الكل على أنها نزلت في أبى ms177 بكر، وأمية بن ~~خلف حين اشترى منه بلالا ببردة وعشر أواق. وقيل: أبي جهل وأمية، وأبي بكر. ~~فالأشقى لم يرد به واحدا. وأما تفسير الصلي باللزوم فلا يدل عليه اللفظ، ~~ويلزم منه أن الشقي لا يلزم بها، وينافيه (فأما الذين شقوا ففي النار لهم ~~فيها زفير وشهيق (106) خالدين فيها). # PageV01P400 # (الذي يؤتي ماله ... (18) في مصارف الخير. (يتزكى) من الزكاء أي: يطلب أن ~~يكون عند الله زكيا لا رياء، أو من الزكاة، بدل من " يؤتي " داخل في حكم ~~الصلة، أو حال من فاعله. # (وما لأحد عنده من نعمة تجزى (19) قيل: لما اشترى بلالا قالوا: ما اشتراه ~~إلا ليدله عليه. وعن ابن الزبير أن أبا بكر - رضي الله عنه - كان يشتري ~~الضعفه فيعتقهم، فقال له أبوه: لو اشتريت الأقوياء. (إلا ابتغاء وجه ربه ~~الأعلى (20) منقطع، أي: لكن ابتغاء وجه ربه، أو متصل مفعول له عن محذوف أي: ~~لا يؤتي ماله إلا ابتغاء وجه ربه. (ولسوف يرضى (21) بما تقر به عينه. وعد ~~جميل، وفي إبهامه ما لا يخفى. # * * * # PageV01P401 ### | سورة الضحى # مكية، وهي إحدى عشرة آية # بسم الله الرحمن الرحيم # والضحى (1) أي: وقت الضحى، وهو حين ارتفاع الشمس وظهور سلطانه. وقيل: ~~أقسم به؛ لأنه وقت غلبة موسى فرعون؛ لقوله: (وأن يحشر الناس ضحى). وقيل: ~~جميع النهار؛ لقوله تعالى: (أن يأتيهم بأسنا ضحى) في مقابلة # " بياتا "، (والليل إذا سجى (2) ستر، متعد من سجيته، أو سكن من فيه، أو ~~سكن ظلامه واستقر. قدم الليل تارة باعتبار الأصل فإن الليالي غرر الأيام، ~~والنهار أخرى باعتبار الشرف. # (ما ودعك ربك ... (3) جواب القسم أي: ما تركك ترك المودع. (وما قلى) ما ~~أبغضك، من القلى بكسر القاف مقصورا. روى البخاري عن جندب البجلي: " أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P402 # اشتكى فلم يقم ليلتين أو ثلاثا فجاءت امرأة فقالت: يا محمد إني لأرجو أن ~~يكون شيطانك قد تركك فأنزل الله تعالى (والضحى) ". # (وللآخرة خير لك من الأولى (4) أي: الأوقات المستقبلة خير لك من الأيام ~~الماضية، فإنه يعلو شأنك فيها ويظهر دينك ms178 على سائر الأديان وترى الناس ~~يدخلون في دين الله أفواجا. # ولسوف يعطيك ربك ... (5) في الدارين (فترضى) بحيث لا يبقى لك طلب بعد تلك ~~العطية. وإنما حذف المفعول؛ لغرض العموم، فيشمل مقام الشفاعة وسائر المزايا ~~التي تخصه. و " اللام " للابتداء -دخل الخبر بعد حذف المبتدأ، والتقدير: ~~لأنت سوف يعطيك- لا للقسم؛ فإنها لا تدخل على المضارع إلا مع النون؛ وجمع ~~مع " سوف "؛ للدلالة على أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر لحكمة. # (ألم يجدك يتيما فآوى (6) من الوجود بمعنى: العلم. والاستفهام للتقرير ~~أي: قد كنت يتيما فآواك، مات أبوه وهو جنين أتى عليه ستة أشهر، فلما ولد ~~كان في حجر أمه، ويحوطه عبد المطلب جده إلى أن بلغ عمره ثمان سنين، مات عبد ~~المطلب وأمه، فعطف الله تعالى عليه عمه أبا طالب. # PageV01P403 # (ووجدك ضالا فهدى (7) قيل: أضلته ظئره حليمة عند باب مكة. وقيل: ضل في ~~بعض شعاب مكة، فرده أبو جهل إلى عمه أبي طالب. وقيل: ضل في طريق الشام أضله ~~إبليس حل راحلته فرده جبرائيل إلى الركب، أو كنت ضالا عن علم الشرائع ~~والأحكام وما طريقه السمع (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان). # (ووجدك عائلا فأغنى (8) كنت عديم المال فأغناك بمال خديجة رضي الله عنها، ~~أو أحل لك الغنائم ولم يحلها لأحد قبلك، أو كنت مبعوثا إلى الأحمر والأسود، ~~فأغناك بكنز المعارف وهو القرآن، فسيخرج أمتك من فرائد دره إلى آخر الدهر. ~~عدد عليه بعض نعمه السابقة، تقريرا لقوله: (وللآخرة خير لك من الأولى)؛ ~~لأنه إذا كانت هذه عنايته معه ولم يكن لابسا خلعة رسالته، فكيف به وقد ~~أرسله للناس كافة بشيرا ونذيرا. # (فأما اليتيم فلا تقهر (9) لا تظلمه في حقه وتعطف عليه، واذكر حالك في ~~اليتم. # (وأما السائل فلا تنهر (10) لا تزجر، يشمل الفقير والمسترشد في دينه. # PageV01P404 # (وأما بنعمة ربك فحدث (11) فإن إشاعتها شكر لها. روى أبو داود عن جابر - ~~رضي الله عنه -: " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من أعطي عطاء ~~فوجد فليكاف فإن لم يجد ms179 فليثن به فمن أثنى فقد شكر، ومن كتم فقد كفر ". ~~ولما من الله عليه بثلاث خلال، أرشده وحثه على ثلاث في مقابلتها؛ ليكون ~~متخلقا بأخلاق الله، وتقتدي به في ذلك أمته. # * * * # تمت سورة الضحى، والحمد لمن له العطاء، والصلاة على المجتبى، وآله وصحبه ~~الأتقياء. # * * * # PageV01P405 ### | سورة (ألم نشرح) # مكية، وهي ثمان آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # ألم نشرح لك صدرك (1) أي: شرحناه؛ لأن إنكار النفي إثبات، والمعنى: نورنا ~~لك صدرك بنور النبوة حتى وسع علم الأولين والآخرين. روى البخاري عن مالك بن ~~صعصعة - رضي الله عنه - " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبر عن ~~ليلة أسري به قال. فجاء جبرائيل بطست من ذهب ملئ حكمة وإيمانا، فشق من ثغرة ~~نحري إلى مراق بطني، فأخرج قلبي وشقه، ثم غسله بماء زمزم، فحشاه حكمة ~~وإيمانا " أوثر فيه الإجمال والتفضيل مبالغة في الإيضاح. # (ووضعنا عنك وزرك (2) ما كان يثقل عليك من عدم العلم بالحكم والأحكام، أو ~~ما كنت ترى من ضلال قومك، مع عدم الاهتداء إلى ما ترشدهم إليه، أو ما كنت ~~تلقى من الشدة عند تلقي الوحي خوفا من فوت شيء منه، فضمنا لك حتى سكن # PageV01P406 # روعك. (الذي أنقض ظهرك (3) من النقيض وهو: صوت الرحل من ثقل الحمل. مثل ~~حاله به، كناية عن غاية الشدة. # (ورفعنا لك ذكرك (4) في الدارين، بأنك سيد المرسلين وخاتم النبيين، ونعتك ~~في زبر الأولين، واسمك مقرون باسم رب العالمين. (براءة من الله ورسوله) ~~(أطيعوا الله ورسوله) (ومن يطع الله ورسوله). عدد عليه بعض جلائل نعمه، ثم ~~قال: # (فإن مع العسر يسرا (5) كأنه قال: إذا كنت بهذه الرتبة عندنا، فلا تبال ~~بقول من قصر نظره على حطام الدنيا، معيرا لك ولأصحابك بضيق ذات اليد، فإنكم ~~سترون عن قريب يسرا وأي يسر. ودل على القرب بلفظ " مع " الدال على المقارنة ~~والمصاحبة. # (إن مع العسر يسرا (6) استئناف. واليسر الثاني غير الأول على قانون ~~النكرة المعادة، وترجيحا للتأسيس على التأكيد، وحملا لكلام الله تعالى على ~~أبلغ احتمالين مع اقتضاء المقام زيادة ms180 التسلية والتنفيس. ولما روي مرفوعا ~~أنه قال. " لن يغلب عسر يسرين ". فإن قلت: # PageV01P407 # فما تقول في معنى الحديث، من حمل الثاني على التأكيد، وجعله مثل قولك: إن ~~زيدا قائم، إن زيدا قائم؟. قلت: يحمل اليسرين على يسر الدنيا والآخرة. فإن ~~قلت: كان الواجب تعريفه؛ لأنه الأول كالعسر. قلت: ذلك ليس بواجب، بل أكثري ~~عدل عنه للتفخيم. # (فإذا فرغت فانصب (7) فإذا فرغت من عبادة أتبعها بأخرى ليكون شكرك على ~~وفق النعم. وأشار بلفظ النصب وهو التعب إلى الترقي كما في جانب النعم ~~بقوله: (وللآخرة خير لك من الأولى). وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -. " ~~إذا فرغت من الصلاة، فاجتهد في الدعاء " وذلك؛ لأن " الصلاة عماد الدين " و ~~" الدعاء مخ العبادة ". وعن الحسن: " إذا فرغت من الغزو، فاجتهد في العبادة ~~". وكأنه لاحظ قوله: " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ". (وإلى ~~ربك فارغب (8) في مطالبك لا إلى غيره، لعدمك بتفرده بالتأثير لا يشاركه ~~أحد، الكل منه وبه وإليه، فتوكل عليه. # * * * # PageV01P408 # تمت سورة ألم نشرح بحمد الله، والصلاة على أفضل خلق الله. # * * * # PageV01P409 ### | سورة التين # مكية، وهي ثمان آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # والتين والزيتون (1) وطور سينين (2) أقسم بجبال الأرض المقدسة. والأولان ~~سميا باسم الشجرتين النابتتين بهما. والطور: هو الجبل الذي كلم الله تعالى ~~عليه موسى. و (سينين) وسيناء: اسم البقعة التي بها الجبل. قال ابن زيد: ~~التين: مسجد دمشق، والزيتون: مسجد بيت المقدس. وقيل: أراد الشجرتين لكثرة ~~منافعهما، وليس بقوي؛ لأن النخلة أشرف الأشجار حتى قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في مدحها: " مثلها مثل المسلم "، ولعدم الملائمة بين ~~المعطوف والمعطوف عليه. # PageV01P410 # (وهذا البلد الأمين (3) الحافظ داخله. هي مكة شرفها الله كأنه قال: ~~والأرض المباركة دينا ودنيا، والبلد الذي من دخله كان آمنا في الدارين. ~~وفيه نهج الترقي، إذ لا مطمح وراء أمن الدارين. # (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4) تعديل. شكلا وصورة، لا ترى في ~~الكائنات أحسن منه، حتى يبلغ منه سر الملاحة حدا يعجز الواصف عن إبرازه ~~قطعا. # (ثم رددناه ms181 أسفل سافلين (5) وهو الكافر. في النار سنه مثل أحد، ويجر شفته ~~على الأرض، والوجه أسود مظلم، وما بين كتفيه ما بين مكة والمدينة. عافانا ~~الله. أو رددناه في الدنيا بعد ذلك الحسن والجمال أسفل، من تسفل: تقوس ظهره ~~بعد اعتداله، وابيض شعره بعد اسوداده، وكل سمعه وبصره، وتناقصت قواه وعقله، ~~وأنفه من كان يحبه. # (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ... (6) استثناء متصل على الأول ظاهر ~~الاتصال، منقطع على الثاني. أي: لكن الذين آمنوا وكانوا صالحين من الهرمى. ~~(فلهم أجر غير ممنون) غير مقطوع. بل يجري عليهم ثواب الأعمال التي كانوا ~~يعملونها وهم أقوياء. # (فما يكذبك بعد بالدين (7) الخطاب للإنسان، أي: بعد هذه الدلائل المشاهدة ~~أي شيء يجعلك كاذبا بالإعادة؟، فإن مكذب الحق كاذب. و " الباء " للسببية. ~~أو لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلهابا له، أو تعريضا بالمكذبين، أي: ~~بعد هذا البيان لا يكذبك شيء كهؤلاء الذين لا يبالون بآيات الله تعالى. ~~وعلى الأول استفهام توبيخ. # PageV01P411 # (أليس الله بأحكم الحاكمين (8) أليس ذلك الموصوف أقدر من كل قادر؟. فما ~~وجه إنكار الإعادة بعد إخباره؟. وآثر الاسم الأعظم؛ دلالة على أن ذلك من ~~خواص الألوهية. # * * * # تمت سورة التين، والحمد لله رب العالمين، والصلاة على سيد المرسلين، وآله ~~وصحبه أجمعين. # * * * # PageV01P412 ### | سورة (اقرأ) # مكية، وهي تسع عشرة آية # بسم الله الرحمن الرحيم # اقرأ باسم ربك ... (1) الجار في محل النصب على الحال أي: اقرأ حال كونك ~~مفتتحا قراءتك باسم الله. (الذي خلق * خلق الإنسان ... (2) أي: خلق كل شيء، ~~ثم خص الإنسان، لأنه أشرف البرية والمقصود بالإنزال، أو المراد: خلق ~~الإنسان: أوثر فيه الإبهام والتفسير. وفيه إشارة إلى أنه مخلوق للقراءة ~~والدراية (من علق) جمع باعتبار الأفراد. # (اقرأ ... (3) تكرير للأول، وهو محزة، لأنه أول أمر ورد بالقراءة، ~~ولإنكاره القراءة بقوله: " ما أنا بقارئ " وقيل: الأول لنفسه، والثاني ~~للتبليغ، أو الأول خارج الصلاة، والثاني فيها. (وربك الأكرم) على الإطلاق، ~~إذ كرم غيره تكلف في جزئي لغرض (الذي علم بالقلم (4) دليل على أكرميته؛ لأن ~~كل عطية دون العلم والمعرفة ms182 كنقطة من المحيط. (وقل رب زدني علما). ورمز في ~~ضمن ذلك إلى فضل الكتابة؛ لأنها # PageV01P413 # آلة التعليم، وضابطة الحكم، وفى المثل: " العلم صيد والكتابة قيد ". (علم ~~الإنسان ما لم يعلم (5) ما لا يمكنه علمه إلا بالتعليم. (كلا ... (6) ردع ~~للإنسان الذي قابل هذه النعم بالكفر والطغيان. (إن الإنسان ليطغى) ليتجاوز ~~عن حده. (أن رآه استغنى (7) لأن رأي نفسه غنيا أي: علم؛ ولذلك جاز أن يكون ~~الفاعل والمفعول ضميرين لشيء واحد، وذلك من بعض خصائص فعل القلب. # (إن إلى ربك الرجعى (8) خطاب لذلك الإنسان الطاغي التفاتا؛ لكونه أبلغ ~~تحذيرا. # و (الرجعى) مصدر كالبشرى. # (أرأيت الذي ينهى (9) عبدا إذا صلى (10) روى الترمذي والنسائي عن ابن ~~عباس - رضي الله عنهما -، أن أبا جهل قال: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ ~~قالوا: نعم. قال: والذي يحلف به، لئن رأيته لأطأن على عنقه. فمر به وهو ~~يصلي عند المقام، فتوجه إليه، والمشركون ينظرون إليه. فما رأوه إلا وهو ~~ينكص على عقبيه، ويبقي بيدية. فقيل له: ما بدا لك؟ فقال: رأيت بيني وبينه ~~خندقا من نار وهولا وأجنحة. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو دنا ~~مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا ". # PageV01P414 # (أرأيت إن كان على الهدى (11) أو أمر بالتقوى (12) " أرأيت " تكرير ~~للأول، والشرط مفعول ثان حذف منه الجواب؛ لدلالة قوله: (ألم يعلم) عليه، ~~وحذف المفعول الأول؛ لظهوره. # (أرأيت إن كذب وتولى (13) مقابل للأول لتقابل الشرطين والمعنى: أخبرني يا ~~من له أدنى تمييز عن حال من ينهى عبدا يصلي، إن كان ذلك الناهي على طريق ~~الرشاد، " أو أمر بالتقوى " في أمره بعبادة الأوثان أخبرني إن كان مكذبا ~~معرضا. # (ألم يعلم بأن الله يرى (14) ويشاهد. وسوق الكلام على طريقة المنصف ~~والتهكم؛ لأن الناهي عن الصلاة ليس على الهدى قطعا، وكذا كونه مكذبا مجزوم ~~به. # (كلا ... (15) ردع للناهي. (لئن لم ينته لنسفعا بالناصية) لنأخذن بناصيته ~~ولنجرنه إلى النار. والسفع: القبض على الشيء وجره بعنف. قال عمرو بن معدي ~~كرب: # قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم ... ما بين ملجم مهره أو ms183 سافع # PageV01P415 # (ناصية كاذبة خاطئة (16) بدل من الأول، وحسنه الوصف، وكان أوفى بالمقصود؛ # لدلالته على عدة السفع. وإسناد الكذب والخطأ إلى الناصية مجاز حكمي، ~~وتخصيصها؛ لأنها أشرف الأعضاء. # (فليدع ناديه (17) عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن أبا جهل لما لم ~~يقدر أن يقرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توعده بالكلام، فأغلظ له ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: تهددني يا محمد وأنا أكثر أهل ~~الوادي ناديا. أراد عشيرته فسماهم باسم مجلسهم ومجتمعهم. # (سندع الزبانية (18) عن قريب ليجروه إلى النار. حمع زابن، أو زباني، أو ~~زبنية كعفرية. قال الأخفش: العرب لا تكاد تعرف هذا، بل تجعله من الجمع الذي ~~لا واحد له مثل: أبابيل. وأصل الزبن: الدفع. (كلا ... (19) ردع للناهي ~~أيضا. (لا تطعه) الخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي: دم على ~~عصيانه. (واسجد) ودم على الصلاة ولا تبال بالناهي. # PageV01P416 # (واقترب) بها؛ فإنها المعراج إليه، أو بالسجود؛ لما روى مسلم عن أبي ~~هريرة - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " أقرب ~~ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ". # * * * # تمت سورة العلق، والحمد لمن خلق، والصلاة على من في مضمار السعادة سبق، ~~وآله وصحبه ما الليل وسق. # * * * # PageV01P417 ### | سورة القدر # مدنية، وآيها خمس # بسم الله الرحمن الرحيم # (إنا أنزلناه في ليلة القدر (1) فخم شأن القرآن بأن خص إنزاله به، ~~وبالإضمار؛ لأنه العلم الذي لا يذهب الوهم إلى غيره، وبزمان نزوله. اتفقوا ~~على أن القرآن نزل به جبرائيل في ليلة القدر إلى بيت العزة في السماء ~~الدنيا، فكتبه السفرة، ثم نزل منجما في ثلاث وعشرين سنة. وسميت ليلة للقدر؛ ~~لأن الأمور المتعلقة بذلك العام وأقدارها تكتب من اللوح فيها وتدفع إلى ~~الملائكة. # (وما أدراك ما ليلة القدر (2) لم تبلغ درايتك كنه فضلها. ثم بينه بقوله: # (ليلة القدر خير من ألف شهر (3) أي: القيام بالعبادة فيها خير من القيام ~~بالعبادة في ألف شهر خالية عنها. عن مجاهد: ذكر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - رجلا من بني إسرائيل، ms184 لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فتعجب ~~المسلمون فنزلت. وروى البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: " أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من قام ليلة القدر إيمانا # PageV01P418 # واحتسابا غفر له من ذنبه ما تقدم ". والأكثر على أنها في أوتار العشر ~~الأخيرة من رمضان. ومن علامتها: أن ليلتها ساكنة لا حر ولا برد، ولا يرمى ~~فيها بكوكب، وهي صافية كأنها قمراء تطلع الشمس في صبيحتها ليس لها شعاع، ~~وروى الترمذي عن حسن بن علي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه أري ~~بني أمية على منبره فنزلت، وعدوا أيام بني أمية فوجدوها ألف شهر. وأهل ~~الحديث ينكرونه. # (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم ... (4) بيان لما فصلت. والروح: ~~جبرائيل. وقيل: خلق لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة. (من كل أمر) أي: ~~تنزل لأجل كل أمر، وقضاء وقدر في تلك السنة. وإنما تنزل تعظيما لها، ونشرا ~~لخيرها وبركتها. # (سلام هي ... (5) مثل " تميمي أنا " أي: ما هي إلا سلامة أي: لا يقضى ~~فيها إلا السلامة والخير. وعن مجاهد: لا يستطيع الشيطان في تلك الليلة على ~~عمل السوء. وقيل: سميت سلاما؛ لكثرة سلام الملائكة على المؤمنين والمؤمنات. ~~(حتى مطلع الفجر) غاية # PageV01P419 # للسلامة أو السلام، والمطلع مصدر أو زمان. وقرأ الكسائي: بكسر اللام ~~والفتح أخف، وهو القياس. # * * * # تمت سورة القدر، ولله الحمد. # * * * # PageV01P420 ### | سورة القيمة # مكية، وقيل مدنية، وهي ثمان آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ~~(1) حكاية مقالة أهل الكتاب والمشركين، كانوا قبل البعثة يقولون: لا ننفك ~~عما نحن فيه حتى يأتينا النبي الموعود. # (رسول من الله) بدل من البينة. (يتلو صحفا مطهرة (2) فيها كتب قيمة (3) ~~الصحف: صحائف المصاحف، والكتب القيمة: القضايا والأحكام القويمة المسطورة ~~فيها. # (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة (4) توبيخ ~~لهم، وإلزام بأن ما كانوا يعدونه سبب الوفاق والوئام، جعلوه سبب الافتراق ~~والاختلاف. ونظيره قوله. (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ms185 فلما ~~جاءهم ما عرفوا كفروا به) وإنما أفرد # PageV01P421 # أهل الكتاب بعد جمعهم مع المشركن أولا؛ لأنهم إذا تفرقوا مع علمهم ~~فالمشركون أولى بذلك. # (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ... (5) استدل به على وجوب ~~البينة في العبادات. (حنفاء) مائلين عن الباطل، والعقائد الزائغة. (ويقيموا ~~الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) دين الملة القويمة. # (إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها ... ~~(6) يوم القيامة، أو بعد موتهم؛ لأن قبورهم حفر النيران. والاشتراك في مطلق ~~الدخول لا في مقدار العذاب والدركات. (أولئك هم شر البرية) الخليقة. # (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية (7) جزاؤهم عند ~~ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ... (8) أطنب في ~~أوصاف الجنة وقيد الجزاء بأنه عنده، وأكد الخلود بالتأبيد؛ إشارة إلى سبق ~~رحمته. (رضي الله عنهم) فوق ذلك الجزاء، (ورضوان من الله أكبر). (ورضوا ~~عنه) بما منحهم مما لا مزيد عليه. (ذلك لمن خشي ربه) ذلك المذكور لكل من ~~خشي ربه. وقرأ نافع وابن ذكوان البريئة بالهمز وهو الأصل، من برأ: خلق. قال ~~يونس: خالف أهل مكة العرب فهمزوا البريئة والنبيء، وكذا عن سيبويه. # * * * # تمت، والحمد على نعم عمت. # * * * # PageV01P422 ### | سورة الزلزلة # مختلف فيها وهي سبع آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا زلزلت الأرض زلزالها (1) الزلزلة: تحريك بعنف، ومنه الزلزال للشدائد، ~~وإضافته للأرض للمبالغة أي: ما يمكن لها من الزلزال والمراد: النفخة ~~الثانية؛ لقوله: (وأخرجت الأرض أثقالها (2) ما في بطنها من الأموات ~~والكنوز. روى مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: " تقيء الأرض أفلاذ ~~كبدها، كالأسطوان من الذهب والفضة، فيقول القاتل: في # PageV01P423 # هذا قتلت ويقول القاطع: في هذا قطعت رحمي ويقول السارق: في هذا قطعت يدي ~~ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا ". # (وقال الإنسان ما لها (3) حتى أخرجت هذه الأثقال. يقولون تعجبا. وقيل: ~~القائل الكافر؛ لأنه كان لا يؤمن بالبعث، وأما المؤمن فيقول: (هذا ما وعد ~~الرحمن وصدق المرسلون). # (يومئذ ... (4) بدل من " إذا ". وناصبهما " تحدث "، أو انتصب " إذا " ~~بمضمر. ms186 ويومئذ (تحدث أخبارها) أي: تحدث كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها. ~~رواه الترمذي والنسائي وأحمد. وقيل: بلسان الحال وهى الأحوال التي أحدثها ~~الله تعالى فيها من الزلزلة، ولفظ الأموات، والدفائن. # PageV01P424 # (بأن ربك أوحى لها (5) الباء للسببية، أو بسبب إيحاء ربك إليها بالتحديث ~~ويجوز أن يكون (بأن ربك أوحى لها) بدلا من (أخبارها) يقال: أوحى له وإليه ~~كذا وبكذا. # (يومئذ يصدر الناس أشتاتا ... (6) متفرقين، كل شيعة مع إمامها كما كانوا ~~في الدنيا (يوم ندعوا كل أناس بإمامهم) " كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يمشي يوما بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، آخذا بيد كل منهما ~~فقال. هكذا نبعث يوم القيامة إن شاء الله تعالى ". (ليروا أعمالهم) (ونخرج ~~له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا). # (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (8) أي: ~~يرى جزاءه. وتفصيل؛ لقوله (أشتاتا). وحسنات الكافر لها مدخل في التخفيف كما ~~أن زيادة سيئاته توجب ضعف العذاب. ولا ينافي حبوط عمله؛ لأن ذاك معنى آخر. ~~روى البخارى بسنده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ليس في القرآن ~~آية أشمل منها وأعم لكل عمل. # * * * # PageV01P425 # تمت السورة، والحمد لله على آلائه الموفورة. # * * * # PageV01P426 ### | سورة العاديات # مكية، أحد عشرة آية # بسم الله الرحمن الرحيم # والعاديات ضبحا (1) أقسم بخيل الغزاة العاديات في الكر والفر. والضبح: ~~صوت أنفاسها حين العدو. وعن أبي عبيد: هو السير. نصبه على المصدر إما من ~~فعله المحذوف، أو بالعاديات؛ لأنه يلازم العدو، أو الحال. وعن علي بن أبي ~~طالب - رضي الله عنه -: أنها الإبل؛ إذ لم يكن مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يوم بدر سوى فرسين: فرس المقداد، وفرس أبي قتادة. ولا أظن ~~صحته؛ لأن الخيل آلة الجهاد لقوله: " ومن ربط فرسا في سبيل الله فله أجر ~~أبوالها وأرواثها " رواه البخاري. وناهيك قوله. (من رباط الخيل)، وعدم ~~وجدان الخيل في غزوة بدر لا تمنع الإقسام بها. أدل من ذلك: (فالموريات قدحا ~~(2) فالمخرجات نارا من الحجارة بصك حوافرها قادحات. ms187 # PageV01P427 # (فالمغيرات صبحا (3) وقت الصباح " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ينزل بقرب العدو حتى يصبح، فإن سمع الآذان كف وإلا أغار ". وقال: " إنا إذا ~~نزلنا بساحة قوم (فساء صباح المنذرين) ". # (فأثرن به نقعا (4) بذلك الوقت والمكان غبارا كما ترى في مواقع الحروب: # كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه # وقيل: أصوات الذين أغير عليهم. (فوسطن به جمعا (5) من جموع الأعداء. أو ~~أقسم بالنفوس العدية في طلب الكمال، المتأوهة على الفرطات، المورية بإقدام ~~الأفكار من صخور المسالك أنوار المعارف، المغيرات على جيش الهوى بالاستغفار ~~في الأسحار، فأثرن به غبار الشوق، فوسطن به جمعا من جموع الملأ الأعلى. # (إن الإنسان لربه لكنود (6) لكفور جحود، وعن الحسن: هو الذي يذكر المصائب ~~وينسى النعم. وعن أبي أمامة: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " # PageV01P428 # لكفور من يأكل وحده ويضرب عبده، يمنع رفده ". (وإنه على ذلك لشهيد (7) ~~يدل على كونه كنودا حاله. وعن الثوري: الضمير لله. # (وإنه لحب الخير لشديد (8) شديد الحب للمال الكثير. "لو كان له واديان من ~~ذهب لابتغى ثالثا ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب ". (أفلا يعلم إذا بعثر ~~ما في القبور (9) [من الموتى أي: البعث، وفي زيادة الراء مبالغة كبحث مع ~~بحثر]. # (وحصل ما في الصدور (10) أبرز ما فيها من السرائر والضمائر. # (إن ربهم بهم يومئذ لخبير (11) بأعمالهم والإخلاص فيها. وآثر " ما " أولا ~~ثم قال: " بهم "؛ لأنهم حال البعث تراب ورفات. # * * * # تمت ولله الحمد، والصلاة على رسوله وآله وصحبه. # * * * # PageV01P429 ### | سورة القارعة # مكية، عشر آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # القارعة (1) ما القارعة (2) وما أدراك ما القارعة (3) القرع؛ الضرب بشدة، ~~والقارعة: من أسماء الساعة؛ لأنها تقرع الناس بالأهوال والأفزاع، أو تقرع ~~أعداء الله بالعذاب، أو لاصطكاك الأجرام العلوية والسفلية فيها. وقد بالغ ~~في التهويل بإبهام أمرها مرتين. ولفظ القارعة أبلغ من الحاقة. # (يوم يكون الناس كالفراش المبثوث (4) يوم نصب بما دل عليه القارعة. شبههم ~~بالفراش في الكثرة والانتشار، مثله قوله: (كأنهم جراد منتشر) وهذه أبلغ؛ ~~لما في المثل: ms188 " أضعف من فراشة وأذل وأجهل ". # (وتكون الجبال كالعهن المنفوش (5) الصوف الملون المندوف؛ لأن الجبال بيض ~~وحمر وغرابيب سود. # (فأما من ثقلت موازينه (6) ترجحت مقادير حسناته. روى البخاري بسنده أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ينشر للمؤمن صحائف سيئاته ~~ثلاثمائة صحيفة، كل منها مد بصره، ثم # PageV01P430 # يخرج له بطاقة فيها كلمة لا إله إلا الله، ويقال: احضر وزنك فيقول: ماذا ~~عسى تفعل هذه البطاقة مع تلك الصحائف؟! فتوضع البطاقة في كفه، والصحائف في ~~أخرى، فتطيش صحائف السيئات، ولا يوازن اسم الله تعالى شيء ". # ((فهو في عيشة راضية (7) مرضية. الإسناد مجازي، أو ذات رضى. # وأما من خفت موازينه (8) وهو الكافر الذي ليست معه كلمة الإخلاص. # (فأمه هاوية (9) من أسماء النار؛ لأنها تهوي بالداخل فيها سبعين خريفا. ~~وسميت " أما " على التشبيه؛ لأن الأم تأوي الولد. وعن قتادة: أم رأسه ~~هاوية؛ لأنه يسقط فيها منكوسا. ويرده قوله: (وما أدراك ما هيه (10) نار ~~حامية (11) لأنه شرع للهاوية. فإن قلت: كل نار حامية! # قلت: معناه حامية وأي حامية، كأن سائر النيران بالنسبة إليها ليست حامية. ~~روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: " ناركم هذه جزء من سبعين # PageV01P431 # جزءا من نار جهنم ". وروى الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة - رضي الله عنه ~~- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " أوقد عليها ألف سنة حتى ~~احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت ~~فهي سوداء مظلمة " عفانا الله منها. # * * * # تمت والحمد لله على الدوام، وعلى رسوله أفضل الصلاة والسلام. # * * * # PageV01P432 ### | سورة التكاثر # مختلف فيها وهي ثمان آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # ألهاكم التكاثر (1) شغلكم التباري والتباهي بالكثرة عن طاعة الله، لهى عن ~~الشيء: غفل عنه. # (حتى زرتم المقابر (2) أي: إلى حين الموت لم ترجعوا عنه. وقيل: تفاخر بنو ~~عبد مناف وبنو سهم بكثرة القبيلة فنزلت. عن قتادة: نزلت في طائفتين من ~~الأنصار تكاثروا حتى عدوا الأموات. # (كلا ... (3) ردع لهم ms189 عن مثله (سوف تعلمون) خطأكم في ذلك. ما لابن آدم ~~وللفخر، وأوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة بين الحجر والتراب. # (ثم كلا سوف تعلمون (4) كرره تأكيدا، والأول عند الموت أو في القبر، ~~والثاني عند النشور. وفي " ثم " دلالة على أن الثاني أبلغ. # PageV01P433 # (كلا لو تعلمون علم اليقين (5) تكرير للتنبيه. والجواب محذوف أي: لو ~~علمتم بإقدامكم على العقبة الكؤودة كما تستيقنون من سائر الأمور، لجهدتم ~~غاية الجهد. وفي الحديث. " لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ". # (لترون الجحيم (6) جواب قسم محذوف، ولا يصلح أن يكون جواب لو؛ لكونه محقق ~~الوقوع. قرأ ابن عامر، والكسائي. (لترون الجحيم) بضم التاء. # (ثم لترونها عين اليقين (7) مشاهدة. ولا علم فوقها. # (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم (8) الذي كنتم فيه، هل شكرتم أم لا؟ وروى ~~البخاري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبا بكر، وعمر رضي الله ~~عنهما دخلوا حديقة أبي الهيثم أيام # PageV01P434 # الرطب، فذبح شاة وأطعمهم من الرطب والبسر، وسقى ماء باردا، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " هذا من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامه ~~". وقيل: الخطاب خاص بمن ألهاه النعمة والتكاثر بالأسباب، عما يعنيه من ~~الشكر لموليها. # * * * # تمت، والحمد لمن آلاؤه جلت. # * * * # PageV01P435 ### | سورة العصر # مكية، ثلاث آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # والعصر (1) وصلاة العصر، فإنها أفضل الصلوات؛ لأنها الصلاة الوسطى. أو ~~بالليل والنهار، وهو الدهر عظمه؛ لأنهم كانوا يسبون الدهر، أو بوقت العصر؛ ~~لأنه وقت شريف كما أقسم بالضحى، أو بالعصر الذي أنت فيه فإنه أشرف الأعصار ~~بوجودك. # (إن الإنسان لفي خسر (2)؛ لأن رأس ماله عمره، وهو شيء لا أعز منه يشترى ~~به النعيم المقيم، فإذا ضيعه لا يكون أخسر منه. # (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ... (3) فإنهم ربحوا ما لا عين رأت، ~~ولا خطر على قلب، في جوار رب العالمين (وتواصوا بالحق) وصى بعضهم بعضا ~~بالدين الثابت مرشدا له تكميلا كما كمل في نفسه. (وتواصوا بالصبر) على ~~إقامة الحق؛ لكثرة المبطلين أعداء الدين، أو بالصبر عن اتباع الشهوات. # * * * # PageV01P436 ### | سورة الهمزة # مكية، ms190 تسع آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # ويل لكل همزة لمزة (1) الهمز: الكسر، واللمز: الإشارة بالعين قال: (ومنهم ~~من يلمزك في الصدقات) والمراد: الطعن في الأعراض قولا وفعلا صريحا وإشارة. ~~والبناء يفيد الاعتماد والاستمرار كالضحكة واللحنة. نزلت في أمية أو في ~~الوليد. كان هذا شأنهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفقراء ~~الصحابة. والحكم عام؛ ولذلك صرح بلفظ الكل. # (الذي جمع مالا ... (2) أي: كثيرا، أو مذموما يعذب به يوم القيامة. بدل ~~كل أو رفع، أو نصب على الذم. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي: بالتشديد، ~~وهو أبلغ ذما، (وعدده) أحصاه وضبطه كما هو شأن البخلاء، ليلا ونهارا تراهم ~~في الحساب، أو جعله عدة وذخيرة. يقال: أعددته وعددته بمعنى. روي أن الأخنس ~~قال لموسر: ما تقول في ألوف لم # PageV01P437 # أفتديها من لئيم، ولا تفضلت على كريم، قال: ولكن لماذا؟ قال: لجفوة ~~السلطان، ونوائب الزمان قال: إذن تدعه لمن لا يحمدك، وترد على من لا يعذرك. # (يحسب أن ماله أخلده (3) لجهلة وغروره واشتغاله عما أمامه من قوارع ~~الآخرة، أو يفعل أفعال من يظن أنه مخلده، من تشديد الأركان وتشييد البنيان. ~~وفيه تعريض بالعمل الصالح بأنه المخلد. # (كلا ... (4) ردع له عن حسبانه. (لينبذن في الحطمة) من أسماء النار؛ ~~لأنها تحطم أي: تكسر ما يلقى فيها. قابل كسر الأعراض بكسر الأعضاء. ~~واستحقاره بالنبذ الدال على غاية الحقارة. # (وما أدراك ما الحطمة (5) لم تحط بها علما. # نار الله الموقدة (6) التي أوقدها للانتقام، والإضافة فيه كما في: ناقة ~~الله (التي تطلع على الأفئدة (7) تستولي عليها بالإحراق، بعد إحراق ~~الأعضاء. والفؤاد ألطف الأجزاء يتأذى بأدنى شيء، فكيف بنار جهنم؟!، أو تطلع ~~على الأفئدة أي: تنظر فيها وتطالعها؛ لأنها معادن الذنوب ومصادرها؛ ليكون ~~العذاب على قدر ما تولد منها. # PageV01P438 # (إنها عليهم مؤصدة (8) مطبقة. واختلاف القراء كما في سورة البلد. # (في عمد ممددة (9) حال من ضمير " مؤصدة "، والمعنى. نغلق عليهم أبواب ~~النار، وتوثق بالأعمدة؛ توكيدا ليأسهم من الخروج. أو من المجرور في " عليهم ~~" أي نغلق عليهم الأبواب حال كونهم مسلسلين ms191 في العمد كاللصوص في المقاطر؛ ~~لأنهم سراق الأعراض. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر: عمد بضمتين، والباقون ~~بالفتح، وكلاهما جمع عمود. # * * * # تمت ولله الحمد، والصلاة على رسوله محمد. # * * * ### | ...... # PageV01P439 ### | سورة الفيل # مكية، وآيها خمس # بسم الله الرحمن الرحيم # (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (1) هم أبرهة الأشرم والي [اليمن] من ~~قبل النجاشي ملك الحيشة وليس بأصحمة الذي صلى عليه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -. وقصته: أنه قتل أرياطا من أمراء النجاشي، فغضب عليه فتدارك ~~أبرهة ذلك بأن بنى له كنيسة بصنعاء اليمن لم ير مثلها، وأراد أن يصرف حج ~~العرب إليها، وأرسل يخبر بذلك النجاشي، فأعجبه ذلك ورضي عنه، فشق ذلك على ~~العرب، فاحتال رجل من كندة فدخلها ليلا وأحدث فيها، فأخبروا بذلك أبرهة، ~~فاشتد غضبه، وعزم على تخريب الكعبة الشريفة زادها الله شرفا. واصطحب فيلة ~~ليهد البيت بها، فلما توجه عارضه ذو نفر من قومه من بني قحطان فلم ### | ...... # PageV01P440 # يقدر عليه فأسره، فلما بلغ أرض خثعم قاتله نفيل بن حبيب الخثعمي فأسره ~~أيضا ولم يقتله ليدله على الطريق، ولما بلغ المغمس وهو موضع بقرب مكة. ~~فأرسل حناطة الحميري ليخبرهم بأن الملك لم يأت لحربهم، وإنما قصده تخريب ~~البيت، ويأتيه بأشرف البلد، فجاء عبد المطلب فخرج معه إلى أبرهة، فلما رآه ~~أكرمه، وكان عبد المطلب وسيما حسن المنظر، فقام له أبرهة، وأجلسه على ~~سريره، وسأله عن حاجته، فقال: إن جيشك قد أغار على سرح مكة، وأخذوا لي ~~إبلا، وكانوا أخذوا له مائتي بعير، فقال لترجمانه: قل له: إني جئت في تخريب ~~بيت هو شرفك وشرف آبائك، فلم تذكره وتطلب الإبل، فقال عبد المطلب: أنا رجل ~~مضياف، ولا أقدر على قيام الضيافة إلا بالإبل، والبيت له صاحب أنت وذاك، ~~فرد إبله # PageV01P441 # وذهب، فلما أصبحوا هيئوا الفيلة، وكان أكبرها اسمه محمود، فقدموه فبرك، ~~فضربوه ضربا شديدا لم يتحرك، فوجهوه نحو اليمن فهرول، ثم نحو الشام فهرول، ~~ثم نحو مكة فبرك. هذا؛ وعبد المطلب آخذ بحلقة الكعبة وهو يقول: # لا هم إن المرء ms192 يمنع رحله فامنع رحالك ... لا يغلبن صليبهم ومحالهم غدوا ~~محالك # إن تتركهم وكعبتنا فأمر ما بدا لك ... جروا جموع بلادهم والفيل كي يسبوا ~~عيالك # عمدوا حماك بكيدم جهلا وما رقبوا حلالك. # فلم يتم كلامه إلا والطير أقبلت. # (ألم يجعل كيدهم في تضليل (2) في تضييع. # (وأرسل عليهم طيرا أبابيل (3) جماعات متفرقة. كسراويل لا واحد له. وقيل: ~~جمع أبالة وهي الجماعة. وقيل: إبول كعجول وقيل: إبيل كقنديل. كانت في جثة ~~الخطاطيف. # (ترميهم بحجارة من سجيل (4) معرب من سبك وكل. وقيل: من السجل وهو الدلو ~~الكبير. وقيل: من الإسجال وهو الإرسال. وقيل: من السجل، فإنه كان مكتوبا ~~على كل حجارة اسم من قتل بها. # PageV01P442 # (فجعلهم كعصف مأكول (5) كورق زرع أكله الدود، أو كروث الدواب. وإنما عدل ~~إلى المنزل؛ على نمط آداب القرآن. قيل: كان كل طير يحمل أحجارا ثلاثة يرمي ~~بكل واحدة إنسانا، لا يرده شيء من الحديد ففر أبو كيسوم وزيره حتى بلغ ~~النجاشي فأخبره، فلما أتم حديثه كان فوق رأسه طير فرماه بحجر فقتله، وأما ~~أبرهة فتساقطت أعضاؤه، وتصدع صدره وقلبه، وجمع عبد المطلب وأهل الحرم ~~أموالهم. وما نقل عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: " رأيت قائد الفيل ~~وسايسه مقعدين "، ظاهر القرآن يخالفه، واتفق الثقات أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ولد في ذلك العام بعد وقعة الفيل. # ذلك يمن مقدمه لله دره، من صارم قبل ما سل يقطع. # * * * # تمت ولله الحمد والمنة، والصلاة على كاشف الغمة. # * * * # PageV01P443 ### | سورة قريش # مكية، وآيها أربع # بسم الله الرحمن الرحيم # لإيلاف قريش (1) يتعلق بآخر الأولى كأنه قيل: إنما جعلهم كعصف مأكول ~~لإيلاف قريش، أو باعجبوا، أو بقوله: (فليعبدوا)، والفاء جواب الشرط. أي: إن ~~لم يعبدوا الله لنعم الدارين، فليعبدوه لإيلافهم. # (إيلافهم رحلة الشتاء ... (2) إلى اليمن. (والصيف) إلى الشام نصبه على ~~مفعولية الإيلاف. يقال: ألف الشيء وألفه بمعنى. وقرأ ابن عامر الأول بحذف ~~الياء جمعا بين اللغتين، أو هو أيضا مصدر ألف. روي أن قريشا وهم أولاد ~~النضر بن كنانة -والقرش: دابة # PageV01P444 # عظيمة في ms193 البحر تلعب في السفن، ولا يدفعها غير النار- والتصغير للتعظيم، ~~كانوا سكان الحرم، وكان إذا أصابهم مجاعة خرجوا إلى البر، وضربوا الأخبية ~~متفرقين ربما مات طائفة جوعا، فقام هاشم يوما خطيبا وحثهم على الرحلتين، ~~فأثروا بعد ذلك وحسن حالهم. ولما أهلك الله أصحاب الفيل أمنوا من تعرض ~~الناس، فمن الله عليهم بذلك (أولم نمكن لهم حرما آمنا). # (فليعبدوا رب هذا البيت (3) الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف (4) # * * * # تمت، والحمد لمن آلاؤه عمت. والصلاة على المختار من هاشم. # * * * # PageV01P445 ### | سورة الماعون # مكية، وآيها سبع # بسم الله الرحمن الرحيم # أرأيت الذي يكذب بالدين (1) أي: بالجزاء؛ لاعتقاده عدم البعث. الاستفهام ~~للتعجيب. وقرأ الكسائي: بحذف الهمزة إلحاقا له بالمضارع. ولما كان في ~~التعجيب تشويق إلى تعرف حال المكذب؛ رتب عليه قوله: (فذلك الذي يدع اليتيم ~~(2) أي: يدفعه عنيفا، هو أبو جهل، كان وصيا على يتيم فجاءه عريانا سأله عن ~~مال نفسه فدفعه. وقيل: الوليد وقيل: أبو سفيان، سأله يتيم وكان نحر جزورا ~~فقرعه بالعصا. واسم الإشارة للتحقير، وفي الصلة؛ إشارة إلى أن المكذب ~~بالجزاء لا ينفك عن هذه الرذائل. # PageV01P446 # (ولا يحض على طعام المسكين (3) غيره، فهو مخل بكلا الوجهين لا يفعل الخير ~~ولا يأمر به. # (فويل للمصلين (4) الذين هم عن صلاتهم ساهون (5) تاركون لها غير مبالين. # (الذين هم يراءون (6) بأعمالهم. (ويمنعون الماعون (7) الزكاة، فاعول من ~~العون؛ لكونه معوانا للفقراء والمحاويج. وفي الكلام ترق؛ ولذلك زاد لفظ ~~الويل أي: إذا كان دع اليتيم وترك الحض على الإطعام من سمات التكذيب ~~ومعرفاته، فالويل لمن ترك عماد الدين قلة مبالاة، والزكاة التي هي قنطرة ~~الإسلام، وتلبس بالرياء الذي هو الشرك الخفي. فأشار إلى العقيدة بالتكذيب، ~~وإلى الأفعال بهذه الخصال؛ ولذا كان دليلا على كونه مخاطبا بالفروع، فعلى ~~المؤمن بالدين البعد عنها بمراحل. فإن قلت: عن ابن مسعود: أن الماعون ~~محقرات المتاع كالفأس والنار والملح. فما وجه ذلك؟ قلت: المراد تجريد ~~المكذب عن الخير رأسا، والوصف بكمال الخسة وعدم المروءة. # * * * # تمت، والحمد لله على نعم عمت، والصلاة على محمد ms194 وآله وصحبه. # * * * # PageV01P447 ### | سورة الكوثر # مكية، وآيها ثلاث # بسم الله الرحمن الرحيم # (إنا أعطيناك الكوثر (1) فعول، من الكثرة وهو الإفراط في الخير، من العلم ~~والعمل وشرف الدارين. روى البخاري ومسلم عن أنس أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: " ليلة أسري بي أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ فقلت: ما ~~هذا يا جبريل قال: هذا الكوثر ". وفي رواية: " ترابه المسك وحصباؤه اللؤلؤ ~~ماؤه أحلى من العسل وأبيض من اللن وأبرد من الثلج، آنيته أكثر من نجوم ~~السماء من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أول من يرد عليه فقراء المهاجرين ". # PageV01P448 # (فصل لربك ... (2) أي: إذا أخصك الله بذلك، فخصه بالصلاة والسجود. ~~(وانحر) له القرابين والبدن مراغما للمشركن الذين يسجدون للأوثان وينحرون ~~لها. وقيل: ضع يدك على النحر في الصلاة، وفيه بعد، ويؤيد الأول قوله. (إن ~~صلاتي ونسكي). # (إن شانئك ... (3) عائبك ومبغضك. (هو الأبتر) الذي لا عقب له. مات له ابن ~~عابه بذلك العاص بن وائل قال: محمد أبتر إذا مات انقطع ذكره، وقيل: القائل ~~أبو لهب. وقيل: كعب بن الأشرف. والمعنى: إن الأبتر من انقطع ذكره بموته، ~~والنسل يكون سببا للذكر، وأنت مرفوع الذكر على المنابر إلى آخر الدهر. بيد ~~ما أخفي لك من الشرف والمقام المحمود، وشانئك عليه اللعن من كل مؤمن، ~~ومأواه جهنم مقرونا مع الشيطان، فلينظر من الأبتر. # * * * # تمت سورة الكوثر، والحمد على الحظ الأوفر، والصلاة على خير البشر. # * * * # PageV01P449 ### | سورة الكافرون # مكية، وآيها ست # بسم الله الرحمن الرحيم # قل يا أيها الكافرون (1) الخطاب لرهط من قريش، وهم الذين ماتوا على الكفر ~~دعوه إلى عبادة آلهتهم ليعبدوا إلهه. # (لا أعبد ما تعبدون (2) # في المستقبل؛ لأن " لا " لنفيه كما أن " ما " لنفي الحال (ولا أنتم ~~عابدون ما أعبد (3) أيضا (ولا أنا عابد ما عبدتم (4) في الماضي إذا لم أكن ~~مرسلا، فكيف وأنا رسول من رب العالمين. # (ولا أنتم عابدون ما أعبد (5) أي: ما عبدت وأنا مستمر على عبادته؛ لذلك ~~لم يقابل الماضي بمثله. وقيل: إنما عدل عنه؛ لأنه لم يكن ms195 موسوما بعبادة قبل ~~البعثة ولا عبادته على نمط التكليف، وأما طوافه، وتحنثه، كان على جري ~~العادة دون التعبد، وهذا كلام باطل. بل كان متعبدا قطعا إما شرع من شرائع ~~من قبله، أو اجتهادا. كيف وقد صح في البخاري تعبده بحراء وكان قريش في موسم ~~الحج يقفون بمزدلفة وهو بعرفات، فأين اقتضاء العادة؟. # PageV01P450 # لكم دينكم ولي دين (6) كل منا لا يتجاوز دينه إلى أن يموت. وليس فيه نسخ ~~كما ظن، ولا منع عن القتال معهم بعد الإذن والله أعلم. # * * * # تمت سورة الكافرين، والحمد لله رب العالمين، والصلاة على سيد المرسلين، ~~وعلى آله وصحبه الكرام، الغر المحجلين. # * * * # PageV01P451 ### | سورة النصر # مدنية، وآيها [ثلاث] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا جاء نصر الله ... (1) دينه (والفتح) فتح مكة. نزلت في حجة الوداع ~~ففهم رسول الله تمام الأمر، فركب ناقته القصواء في المسجد الحرام، وخطب ~~الناس الخطبة المشهورة، وودع فيها وقال: ليبلغ الشاهد الغائب؛ فلذلك سميت ~~حجة الوداع، وكان بين حجته وإجابته داعي الحق ثلاثة أشهر ونيف. # فإن قلت: فتح مكة كان سنة ثمان من الهجرة، وحجة الوداع سنة عشر. فكيف يصح ~~نزولها في حجة الوداع و " إذا " يدل على الاستقبال؟ # قلت: قد روي أنها نزلت قبل سنتين، وعلى تلك الرواية يحمل " إذا ". ولما ~~كان فتح مكة أم الفتوح جعله مترقبا باعتبار ما ردفه من الفتوح، وإن كان ~~متحققا في نفسه يدل عليه قوله: # PageV01P452 # (ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا (2) جماعات كثيرة فوجا بعد فوج. ~~كانت العرب والأعراب ينتظرون فتح مكة ويظنون أن من قصد مكة يصيبه ما أصاب ~~أصحاب الفيل، فلما فتحها قهرا وتمكن من رقابهم ثم أعتقهم، وسموا مسلمة ~~الفتح " طلقاء " لذلك؛ فبادروا إلى الإسلام قبيلة قبيلة. # (فسبح بحمد ربك ... (3) نزهه عن خلف الوعد الذي سبق معك بالنصر وفتح مكة ~~بقوله: (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين)، (واستغفره) لما عسى فرط ~~منك من خلاف الأولى الذي لا يليق بجلالة قدرك. أو لأمتك؛ لما روت عائشة رضي ~~الله عنها: " أنه - صلى الله عليه وسلم ms196 - كان عندي في ليلة فلما ظن أني ~~نائمة قام إلى الباب ففتحه خفية وذهب، فتلففت بخماري وذهبت وراءه، فجاء إلى ~~البقيع فوقف ودعا زمانا طويلا ثم انصرف، فأسرعت وأسرع ورائي حتى دخلت البيت ~~فدخل فوجدني ألهث، فقال " ما لك؟ قلت. لا شيء، قال: أخبريني أو ليخبرني ~~العليم الخبير، قلت: خرجت، فظننت أنك ذهبت إلى بعض أزواجك فقال لي: أنت ذاك ~~السواد الذي رأيته؟ قلت: بلى، قال: جاءني جبرائيل وناداني من وراء الباب، ~~ولم يدخل لأنك وضعت الخمار، وقال لي: تعال استغفر لأهل البقيع فذهبت " ثم ~~قال: وارأساه، فكان ذلك ابتداء مرضه صلوات الله عليه. (إنه كان توابا) لمن ~~استغفر. # * * * # PageV01P453 # تمت سورة النصر، ونسأل الله النصر على الأعادي، بحق أفضل العباد. # * * * # PageV01P454 ### | سورة (تبت) # مكية، وهي خمس آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # (تبت يدا أبي لهب ... (1) التباب: الهلاك، والمراد: جملته؛ لأن اليدين ~~للإنسان كالجناحين للطائر، فمن عدمت يداه فهو والهالك سواء. وقيل: رمى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - حجرا بيديه. روى البخاري عن ابن عباس - رضي ~~الله عنهما -: " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صعد الجبل، ثم نادى ~~واصباحاه!، فاجتمعت إليه قريش فقال: أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم هل ~~أنتم مصدقي؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك كذبا. قال: فإني نذير لكم بين يدي ~~عذاب شديد، فقال أبو لهب. تبا لك ألهذا جمعتنا؟! فنزلت ". واسمه عبد العزى، ~~وإنما سمي أبا لهب لإشراق وجهه، وكان أحول العين، وهو عم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. وقرأ ابن كثير: (أبي لهب) بسكون الهاء (وتب) أي: كان ذلك ~~وحصل. فالأول دعاء، والثاني إخبار كما في قوله: # جزاء الكلاب العاويات وقد فعل. # PageV01P455 # (ما أغنى عنه ماله وما كسب (2) استئناف ردا لما كان يقول: أنا أفتدي ~~بمالي إن صدق محمد. والمراد من الكسب: الربح، أو ما حصله من مال ورثه، أو ~~ما عمله من أعمال البر، أو أولاده. وفي الحديث: " ولد العبد من كسبه ". # (سيصلى نارا ذات لهب (3) تصوير للهلاك بما يظهر معه عدم إغناء ms197 المال ~~والولد. وجمع بين طريقي التأكيد بقوله: " وتب " أولا ماضيا للتحقق، والسين ~~ثانيا لتأكيد الوعيد. # (وامرأته حمالة الحطب (4) اسمها أروى بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان، ~~كانت مع زوجها في الكفر شنا وطبقة. عدل عن كنيتها؛ لاتصافها بالضد. عن ابن ~~عباس - رضي الله عنهما -: كانت تحمل الشوك على ظهرها فتضعه في طريق رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج # PageV01P456 # للصلاة وقيل: مجاز عن المشي بالنميمة وحمل الخطايا. وقرأ عاصم: " حمالة " ~~بالنصب على الذم والشتم، وقد طبق فيه المفصل. # (في جيدها حبل من مسد (5) المسد: الليف، أو شجر باليمن، وعن أبى عبيد: ~~حبل مفتل من أخلاط. حقر شأنها بأن صورها بصورة بعض الحطابات اللاتي لا تجد ~~حمولة فتجعل الحبل في العنق الذي هو أشرف الأعضاء. هذا وهي من الثروة وشرف ~~النسب بمكان. أو هذا حالها في جهنم، صورها الله لأهل النار بما كانت متصفة ~~به في الدنيا، جعل الغل في عنقها وعلى ظهرها حزمة من حطب الزقوم والضريع. ~~وكذا كل مجرم يعذب بما يماثل عمله. # * * * # تمت سورة تبت، والحمد على نعم عمت، والصلاة على سيد الرسل وموضح السبل. # * * * # PageV01P457 ### | سورة الإخلاص # مكية، وهي أربع آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # قل هو الله أحد (1) روى الترمذي والإمام أحمد أن المشركين سألوا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصف لهم الإله الذي يدعو إلى عبادته فنزلت. ~~فضمير " هو " لما سألوه مبتدأ والجملة خبر، ولا حاجة إلى العائد؛ لأن ~~الجملة إذا كان أحد جزئيها عين المبتدأ كقوله: (ولباس التقوى ذلك خير) لا ~~يحتاج إلى رابط، وكذا إن جعل ضمير الشأن؛ لأن الشأن (الله أحد) نفسه. وعلى ~~الأول يجوز أن يكون " الله " بدلا؛ ولذلك قرئ: " الله أحد " بدون " هو "، ~~وأما جعل " أحد " بدلا فلا؛ لأن النكرة لا تبدل من المعرفة. والأحدية: ~~توحيد الذات بانتفاء أنحاء جهات التركيب عقلا وخارجا، والموصوف بها هو ~~الواحد الحقيقي. والواحدية: عدم المماثلة في الصفات. وكل منهما يجوز ~~انفكاكه عن الآخر، وفي ذاته تعالى يتلازمان؛ # PageV01P458 # ولذلك وصف بالواحد الأحد. ms198 وقدم وصف الواحدية؛ لأنه محل الاشتباه في ~~الجملة، وأما كونه أحدي الذات جلي لا يخفى. # (الله الصمد (2) الصمد: فعل بمعنى المصمود وهو السيد الذي يقصد في ~~الحوائج، من الصمد وهو المكان المرتفع. أخلاه عن العاطف؛ لأنه نتيجة ~~الأولى، إذ من كان أحدي الذات وأحدي الصفات لا يكون إلا غنيا مطلقا، أو ~~دليل لها؛ لأن من كان مقصود الكل في الاحتياج ولا يحتاج إلى شيء فهو ~~المتوحد ذاتا وصفة. # (لم يلد ولم يولد (3) لاقتضائهما التجانس والتماثل. وقد دل التوحد على ~~انتفائهما (أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة)، ولأنه لو ولد أو ولد لم يكن ~~غنيا مطلقا. # (ولم يكن له كفوا أحد (4) كفؤ الشيء: ما يماثله ذاتا أو صفة. فالمتوحد ~~المطلق الغني عن كل شيء، لا يماثله أحد في شيء، والاشتراك في الشيئية ليس ~~إلا في الاسم؛ ولذا تقيد بكونه شيئا لا كالأشياء. وقرأ حمزة. كفوءا " ~~بإسكان الفاء وبالواو ووقفا، وكذا حفص وقفا ووصلا بالإبدال؛ لاستثقال الهمز ~~بعد الضمتين. روى البخاري عن أبي سعيد - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال. " لا يعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة فشق ذلك ~~عليهم، فقال: قل هو الله أحد ثلث القرآن " وذلك؛ لاشتماله على التوحيد، ~~ومباحث المبدأ والمعاد. ومقاصد القرآن ثلاث: عقائد وأحكام وقصص. روى مالك ~~وأحمد والترمذي # PageV01P459 # والنسائي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلا يقرأ " قل هو ~~الله أحد " فقال: " وجبت "، قيل يا رسول الله ما وجبت؟ قال: " وجبت له ~~الجنة "، وروى الإمام أحمد عن تميم الداري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " من قال: لا إله إلا الله واحدا ~~أحدا صمدا لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد عشر مرات كتب له أربعون ألف ~~ألف حسنة " وعن بريدة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل المسجد فسمع ~~رجلا يقول: " اللهم إني أشهد أن لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم ms199 يلد ~~ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد، فقال: " والذي نفسي بيده لقد سأله باسمه ~~الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب ". # * * * # تمت، وفضائلها لا تتم، والحمد للواحد الأحد، والصلاة على الأوحد في جميع ~~الرسل وآله وصحبه أجمعين. # * * * # PageV01P460 ### | سورة الفلق # مدنية، وهي خمس آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # (قل أعوذ برب الفلق (1) فلق الشيء: شقه. قال تعالى: (فالق الحب والنوى) ~~والمراد: الصباح، فعل بمعنى المفعول؛ لأن الليل يفلق عنه، أو لأن الله ~~تعالى أخرجه من جيب الليل؛ لقوله: (فالق الإصباح) وفي المثل: " فلق الصبح ~~فالقه ". وعن الضحاك: هو الخلق # PageV01P461 # كله، لأنه فلق من ظلمة العدم. وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: " ~~جب في جهنم إذا فتح صاح أهل النار من شدة حره ". وأصل الفلق: المطمئن من ~~الأرض. # (من شر ما خلق (2) من شر مخلوقاته كلها، ذوي العقول وغيرهم، يعم شر ~~الدارين في العالم السفلي والعلوى. # (ومن شر غاسق إذا وقب (3) من شر الليل إذا دخل ظلامه، من الغسق وهو ~~الظلام، لقوله: (إلى غسق الليل) يقال: غسقت العين إذا امتلأت دمعا. وخص ~~بالذكر؛ لأن انبثاث الشر فيه أكثر، والتحرز منه أشق. روى البخاري أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إذا دخل الظلام أجيفوا الأبواب، وكفوا ~~الصبيان حتى تذهب فحمة العشاء؛ لأن الشياطن تنتشر بعد المغرب ". وقيل: هو ~~العمر إذا خسف؛ لقول عائشة رضي الله عنها أخذ رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بيدي ونظر إلى القمر وقال: " تعوذي من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب ~~". والمعنى: أنه # PageV01P462 # يغسق الليل بوقوبه، فالإسناد مجازي، وأضاف الشر إليه للملابسة، لأنه يحدث ~~بسببه. # والوقوب: الدخول، من وقب العين وهو النقرة التي تكون فيها العين. # (ومن شر النفاثات في العقد (4) من شر النفوس الساحرة التي تعقد الخيوط ~~وتنفث فيها لعمل السحر. ولعل ذلك أكثري إذ قد يكون بدونه. والنفث: فوق ~~النفخ، يجوز أن يكون معه ريق، والتفل: لا يكون إلا مع ريق. والتعوذ من إثم ~~ذلك العمل والاتصاف به، ms200 أو من الانخداع لتلك الأباطيل، أو مما يصيب الله به ~~المسحور " فإنه سحر حتى كان يخيل إليه أنه فعل شيئا لم يكن فعله ". سحره ~~لبيد بن الأعصم اليهودي. # فإن قلت: إذا صح أنه سحر فكيف كذبهم الله في قولهم: (إن تتبعون إلا رجلا ~~مسحورا) قلت: هذه مقالة المشركين بمكة، وإنما سحر بالمدينة وعائشة رضي الله ~~عنها عنده، وأيضا لم يكن قصدهم في تسميته مسحورا ذلك المعنى. بل الجنون ~~بواسطة السحر. # (ومن شر حاسد إذا حسد (5) إذا ظهر حسده بالقول أو الفعل. والحسد: تمني ~~زوال نعمة الغير وحصولها للحاسد. والاغتباط: هو تمني حصول مثله من غير طلب ~~زوال عنه، وهو المراد بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا حسد إلا في اثنين ~~العلم الذي يعمل به، والمال الذي ينفق في سبيل # PageV01P463 # الخير ". وإنما عبر عنهما بالحسد؛ مبالغة في الحرص عليهما. وإنما عرف ~~النفاثات دون غاسق وحاسد؛ لوصفهما بالظرف بعدهما. وقيل: لأن كل النفاثات شر ~~بخلاف الغاسق والحاسد؛ استدلالا بالحديث، وليس بناهض؛ لما أشير إليه من ~~الفرق بين الحسد والاغتباط، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا دخل ~~الظلام، أجيفوا الأبواب وكفوا الصبيان " من غير تفرقة بين غاسق وغاسق. وفي ~~دعائه - صلى الله عليه وسلم -: " أعوذ بك من شر كل حاسد ". # * * * # تمت والحمد لله وحده. # * * * # PageV01P464 ### | سورة الناس # مدنية، ست آيات. # بسم الله الرحمن الرحيم # قل أعوذ برب الناس (1) # بسيدهم المتولي أمورهم، المتصرف فيهم. # (ملك الناس (2) إله الناس (3) عطف بيان على طريقة الترقي؛ لأن الرب قد لا ~~يكون سلطانا، وهو أعم من أن يكون إلها يستحق العبادة. " وتكرير " الناس " ~~مظهرا؛ لأنه أكمل في البيان. # (من شر الوسواس ... (4) الموسوس، اسم المصدر، أطلق على الفاعل مبالغة. ~~والوسوسة: حديث النفس بالشر، أصله صوت الحلي. قال الأعشى: # تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت # PageV01P465 # روى الترمذي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: " إن للشيطان بابن آدم لمة يوعده بالشر وتكذيب الحق ". ~~(الخناس) المنسوب إلى الخنوس وهو التأخر؛ لأنه كلما سمع ذكر الله تأخر. ms201 # (الذي يوسوس في صدور الناس (5) روى البخاري ومسلم عن أبى هريرة - رضي ~~الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " تجاوز الله عن أمتي ~~ما وسوست به صدورها ما لم تكلم أو تعمل به ". ويجوز في محل الموصول الحركات ~~الثلاث: الجر على الصفة، والرفع والنصب على الشتم. # (من الجنة والناس (6) بيان ل " الذي يوسوس " على أن الشيطان يعم ~~القبيلين؛ لقوله. (شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض)، ويجوز أن يكون ~~" من " ابتدائية أي: من جهة هذين النوعين. # PageV01P466 # فإن قلت: الوسوسة: حديث النفس وذلك مختص بشيطان الجن، فكيف أسند إلى ~~الإنس؟ قلت: المراد بالوسوسة: الدلالة على الشر وإلقاؤه في النفس فهي تتحدث ~~به سواء كان بطريق ظاهر أو خفي؛ ولذلك قيل: شيطان الإنس أشد إغواء من شيطان ~~الجن؛ لأنه يخنس عند ذكر الله تعالى دون شيطان الإنس، ولما كان شأن الديانة ~~أهم وأولى أفرد الاستعاذة له بعدما كان داخلا في عموم شر ما خلق. # روى مسلم عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: " ألم تر آيات أنزلت الليلة، لم ير مثلهن قط، قل أعوذ برب ~~الفلق، وقل أعوذ برب الناس ". # وروى البخارى ومسلم عن عائشة رضي الله عنها: " كان إذا أوى إلى فراشه كل ~~ليلة جمع كفيه وقرأ: قل هو الله أحد، والمعوذتين، ونفث فيهما، ثم مسح بهما ~~ما استطاع من جسده ". # هذا وأنا أعوذ بهما من شر نفسي وشر كل ما ذرأ وبرأ، وأستغفر الله من ~~خطرات الأوهام وعثرات الأقلام، وأسأله العفو والمغفرة لي ولوالدي ولمشايخي ~~الكرام ولكافة المسلمين. # PageV01P467 # هذا آخر ما أوردته من تفسير كلام الملك العلام، مع انحطاط رتبتي عن هذا ~~المقام، ولكن للمجتهد الأجر وإن حرم إصابة المرام وقصر عن شأو الكرام. # والحمد لله المفضل المنعم أولا وآخرا، والصلاة على أكمل خلقه ترغيما ~~للشيطان، وعلى إخوانه من المرسلين وسائر الأنبياء، والصالحين من آله وصحبه ~~ومن تبعهم إلى يوم الدين. # فرغ مؤلفه من تأليفه يوم الخميس الثالث من ms202 رجب الفرد، الواقع في سنة سبع ~~وستين وثمانمائة، وكان الابتداء به في أواخر سنة ستين وثمانمائة في المسجد ~~الأقصى، تجاه باب الجنة تفاؤلا، والله خير مأمول ومسؤول. # أتم حامدا لله تعالى، وعلى نبيه مصليا. قد وقع الفراغ من تحرير هذا ~~التفسير الشريف من شهر أواسط شوال المبارك سنة أربع وثمانين وثمانمائة، على ~~يد العبد الضعيف النحيف الأسيف، المحتاج إلى رحمة ربه العفو الغفور اللطيف، ~~الفقير المعتصم بالصمد إبراهيم بن أحمد بن خليل السينائي الحنفي عاملهم ~~الله تعالى بلطفه الخفي. # * * * PageV01P468 ms203