######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_001412 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: الأزرق #META# 010.AuthorNAME :: إبن الأزرق(م) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 896 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: بدائع السلك 1-2(م) #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب التراث السياسي #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: بدائع السلك #META# 030.LibURI :: JK_001412 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د.علي سامي النشار #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: وزارة الإعلام #META# 044.EdPLACE :: العراق #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بدائع السلك في طبائع الملك لأبي عبد الله بن الأزرق PageV01P001 # | بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على مولانا محمد وآله وصحبه الحمد لله مالك الملك إيجاد وتدبير ~~ومبدعه من فيض جوده عليما بأسرار وجوده خيرا ومؤته من شاء رئيسا به وأميرا ~~وجاعل سياسته الحسان تبقى على تمدن الإنسان تعبيرا ومعينه بالوزارة التي ~~كفته من مؤونة الأمانة عسيرا وجعلت تشييد أركانه على حسب إمكانه يسيرا # نحمده سبحانه وحمده أوجب ما صدر في مبادئ ذوات البال تصديرا واعجب ما ~~اعتمد في الإصدار والإيراد بنجاح القصد والمراد جديرا ونشكره على نعمه التي ~~لا تحصى بمجمل ما ظهر منها وما بطن تفسيرا ولا يلحظ البصر مجلى الجمال منها ~~ومظهره إلا وقد انقلب خاسئا بما بهره حسيرا # ونشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا ~~وانفرد بحسان أسمائه على خلق أرضه وسمائه قديرا # ونشهد أن سيدنا ومولانا محمدا عبده ورسوله المبلغ به مأمول المتوسل به ~~وسؤله الذي نور بهدايته القلوب تنويرا وأوضح في منهج السياسة أحسنها في ~~تدبير الرياسة تصويرا وأوجب لخلفائه توقيرا بالغا وتقديرا واتخذ من صحبه ~~الكرام في معالجة الصعب المرام وزيرا المؤيد من المعجزات القواطع والآيات ~~السواطع بما قام به بشيرا ونذيرا وأسمع من وعيد العصيان لطاعة الملك الديان ~~تحذيرا صاحب اللواء المنشور والشفاعة PageV01P033 العظمى يوم النشور وقد ~~حبر محاسد مقامه المحمود تحبيرا وأظهر من خصوصيته للعيان ما يضيق عنه نطاق ~~البيان تعبيرا صلى الله عليه وعلى آله الأبرار وأصحابه الناصرين له في ~~الأحلاء والأمرار الذين بلغوا خطاب التشريع اقتضاء وتخييرا واعتصموا ~~بواضحات الدلالة فما غيروا بشبهات الضلالة تغييرا صلاة نستمنح بها لمنذور ~~الحسنات توفيرا ولعظائم الجرائم يوم ابتلاء السرائر تكفيرا مالاح انبهار ~~الصبح الباهر في مطالع الأفق الظاهر مستطيرا وما زاد الغمام الماطر وأنفاس ~~الروض العاطر تعطيرا # أما بعد فان من اشهر ما علم عقلا وسمعا وجمع فيه بشرط القبول لبرهانه ~~المقبول جمعا إن الملك صورة العمران البشري وقراره ومعناه الذي يشتمل عليه ms001 ~~فوائد الاحتياج وأسراره وإني لما رأيت من ذلك ما هو أتنور من شمس الظهيرة ~~وأجلى في الظهور عند الخاصة والجمهور من القضايا الشهيرة قصدت إلى تلخيص ما ~~كتب الناس في الملك والإمارة والسياسة التي رعيها على الإسعاد بصلاح المعاش ~~والمعاد اصدق إمارة على نهج يكشف من محيا الحكمة قناع الاحجاب ويأتي في ~~تقريره لتهذيب ما فضل من تحريره بالعجب العجاب لأتحف به من تشوف لهذا الغرض ~~ولم يعدل فيه من الجوهر إلى العرض من أمير صدقت فيه رغبته وظهرت ~~PageV01P034 ومأمور وضحت به دلائل الإفادة به وبهرت ولما اشتمل على كثير من ~~أحوال الملك والدول وأمتع إيراده لمختار مراده من حكم الأواخر والأول أبدى ~~من أسرار الخليفة عجائب غريبة وقرر لها من برهان العقل السليم ما كفاه في ~~التسليم والشكوك المريبة سميته # | بدائع السلك في طبائع الملك # عناية بما احتوى علنه من القواعد الحكمية الاعتبار والحقائق التي حررها ~~بأوضح الدليل من شبهات التضليل نحار ير العلماء الأحبار والفوائد الشرعية ~~وان كانت المقدمة بما سواها على الإطلاق مستخدمة فهي من حيث قصده الأول ~~مكملة ولعلمه في التفريغ إذا تعلق به خطاب التشريع مهملة أو معملة ولو خصت ~~السياسة بلحظ جانبها المرعي الذمام واعمل في فائدة عملها بمعتبرها في ~~التصريف ومعلمها وأوجب العناية بها والاهتمام لناسب أن يسمى بتحرير السياسة ~~فهي من العلم الذي لا يستغنى عنه سوقه ولا ملك ولا من نهج PageV01P035 به ~~في التقويم سبيل الرشد القويم وسلك فمن سماه بذلك فوجهه وضاح الأسرة مشرقها ~~ولحظة في الاعتبار المناسب أصيل المناسب معرقها وقد حاشيته من سير اللهو ~~والبطالة وباختصار محصولة من فروع ما جمع وأصوله عن الإسهاب والإطالة وهذبت ~~ترتيبه وتفصيله وذهبت بنضار فرائده على كثرة فوائد بيانه وتحصيله وجعلت لكل ~~وارد مشرعا وبأ عذب المشارب مترعا فأن وقع هناك ممن نظر فيه ة اضيا وعن ~~استهداف تصنيفه لرميه بسهام تعنيفه متغاضيا فعسى أن يكون له بالاجاده ~~شاهدنا ولعذره في الإغفال لشروط الاحتفال ما هدا وإلا فقبوله من الملتمس له ~~مأمول ms002 وسمحه بإرضائه يستغرقه من أعضائه عموم منه وشمول ورتبته على مقدمتين ~~وأربعة كتب وخاتمة اذكرها الآن إجمالا و أدل بها الناظر على ما اشتملت عليه ~~اشتمالا # | المقدمة الأولى # في تقرير ما يوطىء للنظر في الملك عقلا وفيها عشرون سابقة # | المقدمة الثانية # في تمهيد أصول من الكلام فيه شرعا وفيها عشرون فاتحة PageV01P036 # | الكتاب الأول # في حقيقة الملك والخلافة وسائر أنواع الرياسات وسبب وجود ذلك وشرطه وفيه ~~بابان & الباب الأول & في حقيقة الملك والخلافة وسائر أنواع الرياسة وفيه ~~ثلاثة أنظار # | النظر الأول # في حقيقة الخلافة وفيه خمس مسائل # | النظر الثاني # في حقيقة الخلافة وفيه خمس مسائل # | النظر الثالث # في سائر أنواع الرياسة وهي نوعان & الباب الثاني & في سبب وجود الملك ~~وشرطه وفيه ثلاثة أطراف # | الطرف الأول # في سبب وجود الملك وفيه عشر حكم يشتمل عليها سبب الحاجة إليه # | الطرف الثاني # في شرط وجود الملك وفيه عشرون مسألة PageV01P037 # | الطرف الثالث # في الحروب ومذاهب الأمم في ترتيبها وما يلزم فيها من الآداب والمكائد ~~وفيه ثلاث مقدمات وستة فصول وتتميمتان # | الكتاب الثاني # في أركان الملك وقواعد مبناه ضرورة وكمالا وفيه بابان & الباب الأول & في ~~الأفعال التي تقام بها صورة الملك ووجوده وهي عشرون ركنا ضرورية وكمالية # | الركن الأول # نصب الوزير وفيه مقدمتان وثلاثة مطالب # | الركن الثاني # في إقامة الشريعة وفيه مقدمة وثلاثة فصول # | الركن الثالث # في إعداد الجند وفيه مقدمتان وأربع عنايات # | الركن الرابع # حفظ المال وفيه قطبان # | الركن الخامس # تكثير العمارة وفيه مقدمتان وثلاثة مقاصد PageV01P038 # | الركن السادس # إقامة العدل وفيه مقدمة ومسلكان # | الركن السابع # توليد الخطط وهي الدينية وهي سبع إقامة الصلاة والتدريس والفتيا والقضاء ~~والعدالة والحسبة والسككة # | الركن الثامن # ترتيب المراتب السلطانية وفيه ثلاث مقدمات وخمس مراتب وهي الحجابة ~~والكتابة وديوان العمل والجباية والشرطة # | الركن التاسع # رعاية السياسة وفيه مقدمتان ومنهجان # | الركن العاشر # تقديم مشورة ذوي الرأي والتجربة وفيه ثلاث مقدمات وأربع مقامات # | الركن الحادي عشر # بذل النصيحة وفيه ست مسائل وتكملة # | الركن الثاني عشر # أحكام التدبير وفيه ثمان مسائل # | الركن الثالث عشر ms003 # تقديم الولاة والعمال وفيه ثمان مسائل وتتميم PageV01P039 # | الركن الرابع عشر # اتخاذ البطانة وأهل البساط وفيه ثمان مسائل وثلاث فوائد مكملة # | الركن الخامس عشر # تنظيم المجلس وعوائده وفيه خمس مسائل # | الركن السادس عشر # تقدير الظهور والاحتجاب وفيه نظران أحدهما في الظهور وفيه سنتان وفيه ست ~~مسائل الثاني في الاحتجاب وهو نوعان أحدهما المأذون فيه وفيه أربع مسائل ~~والثاني المنوع منه وفيه ثلاث مسائل # | الركن السابع عشر # رعاية الخاصة والبطانة وفيه عشر مسائل # | الركن الثامن عشر # ظهور العناية بمن له حق أو فيه منفعة وهم أصناف ستة أحدهما آل النبي صلى ~~الله عليه وسلم وفيه ثلاث مسائل # الثاني العلماء وفيه ثلاث مسائل # الثالث الصلحاء وفيه ثلاث مسائل # الرابع أصحاب الوفاء مع ذوي اليد السابقة وفيه أربع مسائل # الخامس وجوه الناس وفيه ثلاث مسائل # السادس الأغنياء من الرعية وفيه ثلاث مسائل # | الركن التاسع عشر # مكافآت ذوي السوابق وفيه ثلاث مسائل PageV01P040 # | الركن العشرون # تخليد مفاخر الملك ومآثره وفيه مقدمتان ومقامان & الباب الثاني & في ~~الصنفان التي تصدر بها تلك الأفعال على أفضل نظام وفيه ست مقدمات وعشرون ~~قاعدة القاعدة الأولى العقل وفيها عشر مسائل القاعدة الثانية العلم وفيها ~~خمس مسائل القاعدة الثالثة الشجاعة وفيها نظران أحدهما في بيان هذا الوصف ~~وقيه عشر مسائل الثاني في تقرير نقيضه وهو الجبن وفيه خمس مسائل القاعدة ~~الرابعة العفة وفيها ثمان مسائل القاعدة الخامسة السخاء والجود وفيها ~~منهجان أحدهما في بيان هذا الوصف وفيه عشر مسائل الثاني في تقرير نقيضه وهو ~~البخل وفيه تسع مسائل القاعدة السادسة الحلم وفيها سبع مسائل القاعدة ~~السابعة كظم الغيظ وفيها طرفان أحدهما في كظم الغيظ وفيه خمس مسائل الثاني ~~في الغضب وفيه عشر مسائل القاعدة الثامنة العفو وفيها تسع مسائل القاعدة ~~التاسعة الرفق وفيها سبع مسائل القاعدة العاشرة اللين وفيها ثلاث مسائل ~~القاعدة الحادية عشرة التشبث وفيها خمس مسائل PageV01P041 القاعدة الثانية ~~عشرة الوفاء بالوعد والعهد وفيها طرفان أحدهما الوفاء بالوعد وفيه خمس ~~مسائل الثاني في الوفاء بالعهد وفيه ست مسائل القاعدة الثالثة عشرة ms004 الصدق ~~وفيها عشر مسائل القاعدة الرابعة عشرة كتم السر وفيها عشر مسائل القاعدة ~~الخامسة عشرة الحزم وفيها ثمان مسائل القاعدة السادسة عشرة الدهاء والتغافل ~~وفيها نظران أحدهما الدهاء وفيه أربع مسائل الثاني في التغافل وفيه أربع ~~مسائل القاعدة السابعة عشرة التواضع وفيها ثلاثة مطالب أحدهما في التواضع ~~وفيه ست مسائل الثاني في الكفر وفيه اثنتا عشرة مسألة الثالث في العجب وفيه ~~أربع مسائل القاعدة الثامنة عشرة سلامة الصدر من الحقد والحسد وفيها طرفان ~~أحدهما في الحقد وفيه ثلاث مسائل الثاني في الحسد وفيه إحدى عشرة مسألة ~~القاعدة التاسعة عشرة الصبر وفيها عشر مسائل القاعدة العشرون الشكر وفيها ~~سبع مسائل التكملة في سرد ما رتب من الأوامر والنواهي على القلوب والجوارح ~~والحواس # | الكتاب الثالث # فيما يطالب به السلطان تشييدا لأركان الملك وتأسيسا لقواعده وفيه مقدمة ~~وبابان المقدمة الأولى في التحذير من محظورات تخل بذلك المطلوب شرعا وسياسة ~~وهي جملة أتباع الهوى والترفع عن المدرات وقبول السعاية والنميمة واتخاذ ~~الكافر وليا والغفلة عن مباشرة الأمور PageV01P042 الباب الأول في جوامع ما ~~به السياسة المطلوبة من السلطان ومن يليه وفيه ثلاثة فصول # الفصل الأول في سياسة السلطان وهي سياستان أحدهما في سياسة الرعية وفيها ~~جملتان تأسيس ما يقوم عليه بناؤها وفيه عشر مسائل واقتضاء الحق الواجب له ~~على الرعية وهو نوعان امتثال ما وجب فعله وهو خمسة حقوق واجتناب ما لزم ~~تركه وهو خمس مخالفات # الثانية سياسة الأمور العارضة والمذكور منها خمسة الجهاد وفيه عشرون ~~مسألة وخاتمة والسفر وفيه عشر مسائل حكمية وشرعية والشدائد النازلة وفيها ~~تذكيرات خمسة وتكميل بما يتوجه به في شدة تكالب العدو والوباء والمجاعة ~~والرسالة وفيها عشر رعايات وتتميم والوفود وفيها خمسة عنايات # الفصل الثاني في سياسة الوزير وهي باعتبار ما يخصه ثلاث مراتب أحدهما ~~سياسة نفسه وجوامعها ضربان أخذ نفسه بمعتقدات علمية وهي خمسة وبعزائم عملية ~~وهي خمسة # الثانية سياسته لسلطانه وهي نوعان آداب يعظم بها على مقامه وهي عشرة ~~ومتقيات يحذر منها على خدمة ملكه وهي عشرون # الثالثة ms005 سياسته لخواص السلطان وسائر أرباب الدولة وهم طبقتان المسالمون ~~له في الظاهر وسياستهم بخمس مدارات والمتطلعون إلى منزلته وسياستهم بخمس ~~مقابلات # الفصل الثالث في سياسة سائر الخواص والبطانة في صحبة السلطان وخدمته ~~PageV01P043 وفيه مقدمتان في الترهيب من مخالطته ولو بمجرد الدخول عليه وفي ~~التحذير من صحبته ثم حصر آدابها في نوعين ما يتأدب بفعله وبتركه # الباب الثاني في واجبات يلزم السلطان سياسة القيام بها وفاء بعهدة ما ~~تحمله وطولب به والمذكور منها خمسة بعدها تتمة بيان # الواجب الأول حفظ أصول الدين وفيه ثلاث مسائل # الواجب الثاني تنفيذ الأحكام وفيه مقدمتان وطرفان أحدهما فيما يسوغ ~~للسلطان في هذا المقام رعيا للسياسة المعتبرة وفيه مسألتان الثاني فيما لا ~~يسوغ له لعدم اعتباره ومن ذلك الفراسة # الواجب الثالث إقامة الحدود وفيه خمس مسائل وعشر فوائد فقهية وعاطفة ~~وتتميم # الواجب الرابع عقوبة المستحق وتعزيره وفيه مقدمتان ونظران وتكملة أحدهما ~~من حيث هو مشروع في الجملة وفيه عشر مسائل الثاني ما يخص السلطان بحسب ~~رعاية السياسة فيه وفيه عشر مسائل التكملة في النظر في السجن شرعا وسياسة ~~وفيه خمس مسائل وخاتمة # الواجب الخامس رعاية أهل الذمة وفيه خمس مسائل # تكملة البيان في ذكر ما به طاهر بن الحسين لابنه في السياسة التي لا ~~يستغني عنها سائر الطبقات # | الكتاب الرابع # في عوائق الملك وعوارضه وفيه بابان & الباب الأول & في عوائق الملك ~~المانعة من دوامه وفيه ثلاثة أنظار PageV01P044 # النظر الأول في التعريف بالعوائق المنذرة بمنع دوام الملك وهي ثمانية # أحدهما حصول النعم والترف للقبيلة الثاني لحاق المذلة للقبيلة وانقيادهم ~~لسواهم الثالث استحكام طبيعة الملك من الانفراد بالمجد وحصول الترف وإيثار ~~الذمة الرابع إرهاف الحد الخامس الحجاب الواقع دليلا على الهرم السادس حجر ~~السلطان والاستبداد عليه السابع استظهار السلطان على قومه وذوي عصبيته ~~بالموالي والمصطنعين الثامن انقسام الدولة الواحدة بدولتين # النظر الثاني في التعريف بكيفية الخلل إلى الدول في العصبية والمال # النظر الثالث في بأن مقتضى الإنذار بمنع دوام الملك لاستحكام هرمه لا ~~يتخلف # الباب الثاني في عوارض ms006 الملك اللاحقة لطبيعة وجوده وفيه أربع فصول أحدهما ~~في عوارض الملك من حيث هو وفيه خمسة عشرة مسألة # الثاني في اختيار المنازل الحضرية للاجتماع وفيه خمس عشرة مسألة # الثالث في اكتساب المعاش وفيه ثلاثون مسألة # الرابع في اكتساب العلوم وفيه ثلاث عشرة مسألة # الخاتمة وفيها سياستان ومسكة ختام PageV01P045 السياسة الأولى سياسة ~~المعيشة وفيها ثلاثة مطالع أحدها في كليات ما تدبر به المعيشة من جانب ~~الوجود وفيه خمس إنارات الثاني في أمهات مما تحفظ به من جانب العدم وفيه ~~خمس إضاءات الثالث في مهمات دينية يعتبر بها حفظ المعاش من جانبي الوجود ~~والعدم وفيه ثلاث لوامع # السياسة الثانية سياسة الناس وفيها ست مسائل مسكة الختام بتقرير أن سيرة ~~النبي صلى الله عليه وسلم في سياستي الدين والدنيا هي السيرة الجامعة ~~لمحاسن الشيم ومكارم الأخلاق صلى الله عليه وسلم تسليما # وبعد دلالة هذا العنوان على مجمل ما حواه مجموع الديوان فلنشرع في إيراده ~~مفصلا وبكفاية الاقتصار على أوجز الاختصار محصلا # والله تعالى المحمود على ما أعان عليه من ذلك وأقدر وأمد من طوله بما ~~أورد من حوله وأصدر وهو سبحانه المسؤول أن يعصم فيه من الزلل ويحفظ من سوء ~~الخطأ والخلل ويحسن فيه النية ويبلغ # | المقدمة الأولى في تقرير ما يوطىء للنظر في الملك عقلا وفيه عشرون ~~سابقة # # | السابقة الأولى # إن الاجتماع الإنساني هو عمران العالم ضروري ومن ثم قال PageV01P046 ~~الحكماء الإنسان مدني بالطبع أي لابد له من الاجتماع الذي هو المدنية عندهم ~~ليحفظ به وجوده وبقاء نوعه إذ لا يمكنه انفراده بتحصيل أسباب معاشه وإعداد ~~ما يدفع به عن نفسه دون معين من أبناء جنسه فيضطر به إلى اجتماع يتكفل له ~~بذلك على أيسر مرام لتتم حكمة إيجاده وغاية ما خلق له # | السابقة الثانية # إن من العوارض الطبيعية لهذا الاجتماع أمورا خمسة البدو الذي يكون في ~~الضواحي والجبال وفي الحلل المنتجعة للقفار وأطراف الرمال والتغلب الذي ~~غايته الملك بالعصية القاهرة والحضر الذي يستقر بالأمصار والمدن والقرى ~~والمداشر اعتصاما بها وتحصنا والمعاش ms007 المبتغي به التماس الرزق كسبا وصناعة ~~واكتساب العلوم تعليما وتحصيلا ولما كان الملك مسبوقا بالبدو ومبدأ التغلب ~~متأخر عنه سائرها فالمتقدم ما سبق طبعا من ذلك # | السابقة الثالثة # إن الموجب لانقسام العمران إلى بدوي وحضري إن للتعاون به مقصدين أحدهما ~~أن يتقرر بحسب الضروري فقط وهذا هو البدوي ضرورة وأن انتحال الفلح فيه يضطر ~~إلى البدو والمتسع المسارح للحيوان والمزارع للغرس والزرع وإذا ذاك فالكن ~~فيه والدفء إنما هو بقدر ما يحفظ به الحياة خاصة PageV01P047 الثاني أن ~~يتجاوز إلى الحاجي والتكميلي وهذا هو الحضري لأجل أن التوسع بحصول ما فوق ~~الحاجة يدعو إلى السكون والدعة وإختطاط المدن والأمصار وعند ذلك يتزايد ~~الرفه فتجيء عوائد الترف وتكسب بالصنائع والتجارة # | السابقة الرابعة # إن تقدم البدو على الحضر كما إنه مادة له ظاهر من وجهين أحدهما أن البدو ~~لما اقتصر فيه على الضروري الذي هو أقدم من الحاج الذي تجوز إليه في الحضر ~~وكان الضروري أصلا والحاجي فرعا دل ذلك على أن البدو متقدم على الحضر وأصل ~~له ومادة الثاني إن العيان شاهد بأن أولية أهل الأمصار في الأكثر إنما هي ~~من أهل البدو عدولا إلى الدعة والترف لما يسروا وارتاشوا وهو يدل على أن ~~أحوال الحضارة ناشئة عن أحوال البدواة # | السابقة الخامسة # إن أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر لوجهين أحدهما أن النفس متى ~~بقيت على الفطرة الأولى تهيأت لقبول ما يرد عليها من خير أو شر والبدو أقرب ~~إليها من الحضر لما انطبع في نفوسهم من سوء الملكات بعوائد الحضارة وحينئذ ~~فعلاج أهل البدو اسهل وهو معنى أنهم أقرب إلى الخير PageV01P048 # الثاني إن الحضارة كما يرد بعد إن شاء الله هي النهاية في إكمال العمران ~~الخارج به إلى الفساد والغاية في النشر البعيد عن الخير ومن سلم من ذلك فلا ~~خفاء في قربه من الخير # قلت ومع ذلك فللحضر من الفضل على البدو مالا يخفى وإنما هذا باعتبار ما ~~يعرض من الشر بالقصد الثاني # | السابقة السادسة # إن أهل البدو ms008 أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر لأن تعود أهل الحضر لما ~~نشئوا عليه من الانغماس في النعم والاعتماد في المدافعة عن النفس والمال ~~على الولاة والحماة صار لهم كالخلق الطبيعي حتى تنزلوا به منزلة النسوان ~~والولدان وأصبحوا لأجله عالة على من وكلوا إليه أمرهم وأهل البدو لتوحشهم ~~وانفرادهم عن الحامية قائمون بالدفاع عن أنفسهم لايكلونه إلى غيرهم إذلالا ~~بالبأس ووثوقا بالشجاعة إذ قد صار ذلك لهم خلقا وسجية # قال ابن خلدون وأصله أن الإنسان ابن عوائده ومألوفة لا ابن طبيعته ومزاجه ~~فالذي ألفه في الأحوال حتى صار له خلقا وملة وعادة تنزل منزلة الطبيعة ~~والجبلة والله يخلق ما يشاء # | السابقة السابعة # إن معاناة أهل الحضر للأحكام مفسد للبأس وذاهب PageV01P049 بالمنعة لأن ~~الغالب أن الإنسان إنما هو في ملكة غيره والأمراء المالكون لأمر الناس قليل ~~ماهم وحينئذ فأحكام هذه الملكة أنواع # أحدهما العادلة التي لا يعاني منها جور وهذه لا تغير ما في النفس من ~~شجاعة أو جبن وثوقا بالعدل الوازع وادلالا # الثاني القاهرة التي تعاني بها شدة سطوته وهذه كأسرة من سورة البأس ~~وذاهبة بقوة المنعة لما ينشأ عن ذلك من التكاسل في النفس المقهورة # الثالث الجائرة بالعقاب المؤلم وهذه بلا شك مذهبة للبأس جملة لأن وقوعه ~~به ولم يدافع عن نفسه ويكسبه الذل الذي لا يرفع به رأسا # الرابع التعليمية التي أخذ بها في عهد الصبا تأديبا وتقويما وهذه تؤثر في ~~ذلك بعض الشيء لمرباه على المخالطة والانقياد # | برهان وجود # قال ابن خلدون ولهذا تجد المتوحشين من بدو العرب أشد بأسا ممن تأخذه ~~الأحكام ونجد الذين يعانونها وملكتها من لدن مرباهم في التأديب والتعليم في ~~صناعة أو علم أو ديانة فينقص ذلك من بأسهم كثيرا PageV01P050 # قال وهذا شأن طلبة العلم المنتحلين للقراءة والأخذ من المشايخ والأئمة ~~الممارسين للتعليم والتأديب في مجالس الوقار والهيبة # قال ولا تستنكرن ذهاب ذلك البأس والمنعة بما وقع في الصحابة رضي الله ~~عنهم من أخذهم بأحكام الدين ولم ينقص ذلك من باسهم بل كانوا به ms009 أشد الناس ~~بأسا لأن وازعهم إنما كان من أنفسهم لا بتعليم صناعة و لا تأديب تعليمي ~~إنما هي أحكام الدين وآدابه المتلقاة نقلا اهذوا بها أنفسهم لما رسخ فيها ~~من عقائد الإيمان فبقيت سورة بأسهم على أولها ولم تخدش فيها أظفار التأديب ~~والحكم # | السابقة الثامنة # إن سكنى البد لا يتم إلا للقبائل ذوي العصبية وذل لأن الظلم واقع من ~~النفوس البشرية بالطبع إلا أن يصد عنه وازع وعند ذلك فالوازع عن الظلم في ~~الحضر إنما هو السلطان القائم بالدولة الغالبة وفي البدو أما في أحيائه ~~فالمشايخ والكبراء لما وقر لهم في النفوس من الوقار والتجلة وأما في حلله ~~فإنما يذود عنها من خارج حامية الحي وشجعانه ولا يصدق ذلك إلا إذا كانوا ~~ذوي عصبية مشتبكة وأهل تشيع وحينئذ تشتد شوكتهم ويخشى جانبهم لما جبل في ~~القلوب من الشفقة والنعرة على ذوي الرحم والقرابة ومن ثم قال اخوة يوسف ~~عليه PageV01P051 السلام ^ لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسر ون ^ ~~والمفترون في النسب قل إن يجد أحد منهم نعرة على صاحبة يوم الكفاح على حد ~~ما هي من ذوي الأرحام فلا يقدرون لذلك على سكنى الفقر وإلا كانوا فريسة من ~~سواهم # | تمهيد قال ابن خلدون # وإذا تبين ذلك في السكنى المفتقرة إلى المدافعة فبمثله تبين في كل أمر ~~يحمل الناس عليه من نبوءة أو إقامة ملك أو دعوة إذ لايتم بلوغ الغرض من ذلك ~~غلا بالقتال لما في طبائع البشر من الاستعصاء ولابد في القتال من العصبية ~~كما تقرر # قال فاتخذوه إماما تقتدي به # | السابقة التاسعة # إن العصبية لا تحصل إلا بالتحام نسب أو ما في معناه أما بالنسب فلأن من ~~صلة الرحم الطبيعية في البشر غالبا نفرة ذوي القربى بعضهم على بعض حتى لا ~~ينالهم ضيم أو هلكة فإذا قرب النسب وحصلت به صلة الالتحام أستدعي بمجرد ه ~~أقصى مقدور عليه في التناصر ومتى بعد بعض الشيء كفى في الحمل عليه ما هو ~~مشهور منه فرار من الغضاضة المتوهمة هضم ms010 من يشارك في النسب بوجه وأما بالذي ~~في معاذه فكالولاء والحلف لأن الأنفة اللاحقة للنفس من اهتمام جار أو قريب ~~أو نسيب PageV01P052 بوجه ما تحمل على النعرة على أهل الولاء والحلف حتما # فائدة حكمية قال ابن خلدون # ومن هذا تفهم معنى قوله صلى الله عليه وسلم تعلموا من أنسابكم ما تصلون ~~به أرحامكم فغن النسب فائدة الالتحام والوصلة التي بها المناصرة والنعرة ~~وما فوق ذلك مستغنى عنه إذ النسب أمر وهمي لا حقيقة له ونفعه إن ظهرت فائدة ~~حمل على النعرة الطبيعية وأن أستفيد من الخبر فحسب ضعف الوهم وذهبت فائدته ~~وصار الشغل به مجانا ومن أعمال اللهو المنهي عنة ومن ثم قيل أن النسب علم ~~لا ينفع وجهالة لا تضر أي النسب إذا خرج عن الموضوع وصار من قبيل العلوم ~~ذهبت فائدة الوهم فيه واتفقت النعرة التي تحمل عليها العصبية فلا منفعة فيه ~~حينئذ والله اعلم انتهى باختصار # | السابقة العاشرة # أن الرياسة على أهل العصبية لا تكون في غير نسبهم لوجهين # أحدهما أن الرياسة لابد فيها من التغلب الموقوف على العصبية وذلك يوجب أن ~~تغلب عصبيتها سائر العصائب وحينئذ تسلم لصاحبها # الثاني أنها لا تكون إلا في منبت واحد تعين له الغلب بالعصبية ~~PageV01P053 القاهرة وعند ذلك فالساقط في غير نسبه لا تحصل به رياسة على ~~أهل العصبية لفقد العصبية أولا وعدم إرثها ثانيا # غفلة قال ابن خلدون # وقد يتشوف كثير من الرؤساء على القبائل غلى انساب ينزعون إليها لفضلها ~~ويتورط ون بالدعوى في شعوبها ولا يعلمون ما يوقعون فيه أنفسهم من القدح في ~~رياستهم والطعن في شرفهم وهو كثير في الناس لهذا العهد كادعاء زناته جملة ~~انهم من العرب وادعاء بني زيان ملوك بني عبد الواد انهم من ولد القاسم بن ~~إدريس # قال ومنالهم الملك إنما كان بعصبيتهم لا بادعاء علوية ولا عباسية وإنما ~~يحمل على هذا المتقربون غلى الملوك بمنازعهم ويشتهر حتى يبعد الرد قلت وإلى ~~الآن مازال ذلك يدعي لهم # أنصاف قال ولقد بلغني عن سان بن ms011 زيان مؤثل سلطانهم أنه لما قيل له ذلك ~~أنكره وقال بلغته الزناتية ما معناه PageV01P054 # أما الملك فنلناه بسيوفنا لا بهذا النسب وأما نفعه في الآخرة وأما فمردود ~~غلى الله وأعرض عن المتقرب إليه بذلك # | السابقة الحادية عشرة # أن شرف البيت بالصالة والحقيقة إنما هو لأهل العصبية وأما لغيرهم ~~فبالمجاز # | بيان الأول # أن الشرف إنما هو بالخلال ومعنى البيت عد أشرف الآباء المعظم بهم من لهم ~~عليه ولادة لشرفهم بالخلال وحينئذ فهو راجع غلى النسب وقد تقدم أن فائدته ~~إنما هي العصبية ومتى كانت مرهوبة مع زكاء المنبت فتلك الفائدة أوضح وتحديد ~~أشراف الآباء يزيدها رسوخا فيكون الحسب به أصيلا # | بيان ثاني # غن فاقد هذه الثمرة من أهل الأمصار ظاهرة فيه أنه لا بيت له إلا بمجاز ~~وأن توهمه فزخرف من الدعاوى لأن حسبه إنما هو بعدد ماله من سلف في خلاف ~~الخير مع الركون إلى الغافية وهو مغاير لسر العصبية التي هي ثمرة النسب ~~وتعديد الآباء وحينئذ فهو حسب بالمجاز لعلاقة تعديد الآباء المتعاقبين على ~~طريقة واحدة من الخير وليس حسبا بالحقيقة وعلى الإطلاق PageV01P055 # | تنبيه # قال وقد يكون للبيت شرف أول بالعصبية والخلال ثم ينسلخون منه لذهابها ~~بالحضارة ويختلطون بالغمار ويبقى في نفوسهم وسواس ذلك الحسب وليسوا من ذلك ~~في شيء لذهاب العصبية جملة وكثير من أهل الأمصار الناشئين في بيوت العرب ~~والعجم لأول عهدهم موسومون بذلك # قال وأكثر ما رسخ الوسواس في ذلك لبني إسرائيل لما سبق لهم من شرف البيت ~~بتعدد الأنبياء والرسل ثم العصبية والملك الذي وعدوا به وبعد انسلاخهم عن ~~جميع ذلك وضرب الذلة وانفرادهم بالاستعباد آلافا من السنين ما زال هذا ~~الوسواس مصاحبا لهم فيقولون هذا هاروني أو من قبائل يوشع أو من سبط كذا مع ~~ذهاب ما أوجب ذلك أولا ورسوخ ما عفا بعد على أثره # قال وكثير من أهل الأمصار وغيرهم المنقطعين في أنسابهم عن العصبية يذهب ~~غلى هذا الهذيان قال وقد غلظ ابن رشد في هذا لما ذكر الحسب في كتاب الخطابة ms012 ~~من تلخيص كتاب أر سطو فقال PageV01P056 # والحسب أن يكون من قوم قديم نزلهم بالمدينة وليت شعري ما الذي ينفعه قدم ~~نزلهم إن لم يكن عصابة يرهب بها جانبه ويحمل غيرهم على القبول منه فكأنه ~~أطلق الحسب على تعديد الآباء فقط مع أن الخطابة إنما هي استمالة من تؤثر ~~استمالته وهن أهل الحل والعقد وأما من لا قدرة له البتة فلا يلتفت إليه ولا ~~يقدر على استمالة أحد # قال ألا إن رشد ربي في جيل وبلد لم يمارسوا العصبية ولا أنسوا أحوالها ~~فبقي في أمر البيت والحسب على الأمر المشهور من تعديد الآباء على الإطلاق ~~ولم يراجع فيه حقيقة العصبية وسرها في الخليفة والله بكل شيء عليم انتهى # | السابقة الثانية عشرة # إن البيت والشرف للموالي والمصطنعين إنما هو بمواليهم لا بأنسابهم لما ~~سبق أن الشرف بالحقيقة إنما هو لهل العصبية فمتى اصطنعوا أو استرقوا أو ~~حالفوا من ليس منهم والتحم بهم ضرب معهم بسهم في تلك العصبية ولبس جلدتها ~~كأنها عصبيته وحصل له من الانتظام في سلكها مساهمة في نسيها وحينئذ فنسب ~~ولادته غير نافع له فيها لمباينتها لنسبه وفقدان عصبيتها لذهاب سرها عند ~~التحامه بهذا النسب الآخر فإذا تعدد له الآباء في هذه العصبية كان له بينهم ~~شرف بيت على نسبة ولائه واصطناعه لا يتجاوز إلى شرفهم بل سكون أدون منهم ~~على كل حال PageV01P057 # اعتبار قال خلدون # وهذا شان الموالي والخدمة إنما يشرفون بالرسوخ في ولاء الدولة وخدمتها ~~وتعدد الآباء في ولايتها كمالي الأتراك في دولة بني العباس وبني برمك وبني ~~نوبخت أدركوا البيت والشرف وبنو المجد والأصالة بالرسوخ في ولاء الدولة لا ~~ينسب ولادتهم لا اضمحلاله ولغو اعتباره وحينئذ فالاعتماد به وهم توسوس به ~~النفوس الجامحة ولا حقيقة له # قال والوجود شاهد لذلك وأكرمكم عند الله أتقاكم # | السابقة الثالثة عشرة # أن نهاية الحسب في العقب الواحد أربعة آباء وبيانه كأن العيان شاهد بأن ~~العالم العنصري بما فيه من ذوات وأحوال كائن فاسد من العوارض الإنسانية فهو ~~كائن فاسد بلا ms013 شك ولا يوجد لحد من الخليفة شرف متصل في آبائه من لدن آدم ~~إليه إلا النبي صلى الله عليه وسلم كرامة له وحياطة على شرفه وأول كل شرف ~~خارجي خبرة آي عدمه سابق عليه وكذا يلحقه بعد الوجود شأن كل محدث وعند ذلك ~~فتلك النهاية فيه لأن يأتي المجد عالم بما عاناه في شأنه ومحافظ على الخلال ~~التي هي سبب في إدراكه وابنه من بعده مباشر له وآخذ عنه إلا أنه مقصر في ~~ذلك تقصير من لم يعان ما علم فإذا جاء الثالث كان حظه التقليد فقط فقصر عن ~~الثاني تقصير المقلد عن المجتهد فإذا جاء الرابع قصر عن طريقتهم جملة وأضاع ~~الخلال الحافظة لبناء مجدهم وتوهم أن ذلك البناء لم يكن بمعاناة ولا تكلف ~~وإنما وجب لهم منذ أول النشأة بمجرد النسب خاصة فيربأ بنفسه عن أهل عصبيته ~~ويرى الفضل عليهم وثوقا بما ربى فيه من استتباعهم وجهلا بما أوجب ذلك من ~~الخلال التي منها التواضع الآخذ بمجامع القلوب وإذ ذاك ينتقضون عنه ~~PageV01P058 ويديلون منه سواه من فروع منبته في غير ذلك العقب فينهدم بناء ~~بيته لا محالة هذا في الملوك # وأما في بيوت القبائل وذوي العصبية ثم في بيوت أهل الأمصار فكذلك إذا ~~انحطت بيوت نشأت بيوت أخر من ذلك النسب أن يشأ يذهبكم وبات بخلق جديد وما ~~ذاك على الله بعزيز # | تنبيه # قال واشترط الربعة في الأنساب إنما هو في الغالب وإلا فقد يدثر البيت من ~~دون ذلك ويتلاشى وقد يتصل إلى الخامس والسادس إلا أنه في انحطاط وذهاب # قال واعتبار الأربعة من قبل أنهم بان ومباشر ومباشر له ومقلد وهادم وهو ~~أقل ما يمكن # | استظهار # أستدل على هذا الاعتبار بظهوره في مواضع # أحدها المدح والثناء بقوله صلى الله عليه وسلم إن الكريم بن الكريم بن ~~الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم إشارة لبلوغ الغاية من المجد # الثاني العقوبة والمواخذة ففي التوراة ما معناه أن الله ربكم طائق غيور ~~مطالب بذنوب الآباء للبنين على الثوالث ms014 وعلى الروابع وقال وهذا يدل على أن ~~الربعة غاية في الحسب PageV01P059 # الثالث تسليم الشرف به قديما وحديثا فمن كتاب الأغاني في أخبار عريف ~~الغواني أن كسرى قال للنعمان هل في العرب قبيلة تشرف على قبيلة قال نعم قال ~~بأي شيء قال من كان له ثلاثة آباء متوالية رؤوسا ثم اتصل ذلك بكمال الرابع ~~فالبيت من قبيلة وتمام الخبر مذكور حيث أشير إليه # | السابقة الرابعة عشرة # إن المم الوحشية أقدر على التغلب لأن الشجاعة لما تمكنت فيهم لسبب ~~البداوة وكما تقدم فهم لذلك أقدر على التغلب وأقوى على انتزاع ما بأيدي ~~سواهم وحينئذ فمن كان منهم اعرق في البداوة وأرسخ في خلق التوحش فهو غلى ~~ذلك أقرب ومرامه علية أيسر زمن نزل منهم الرياف وألف عوائد خصبها نقص من ~~شجاعته بقدر ما بعد عن توحشه # | اعتبار بالخليفة # قال ابن خلدون وأعتبر ذلك في الحيوانات العجم بدواجن الظباء # وحمر الوحش وبقرة إذا زال توحشها بمخالطة الآدمي واخصب عيشها اختلف حالها ~~في الانتهاض ا الشدة في مشيها وحسن أديمها وكذا الآدمي المتوحش إذا انس ~~وألف # | برهان وجود # قال وانظر في ذلك شأن مضر مع من قبلهم من حمير وكهلان السابقين للملك ~~والنعيم ومع ربيعة المستوطنين أرياف العراق ونعيمه لما بقيت مضر في بداوتهم ~~وتقديمهم الآخرون إلى خصب العيش ونضارة النعيم كيف أرهفت PageV01P060 ~~البداوة حدهم في التغلب فغلبوهم على ما في أيديهم وانتزعوه منهم قال وكذا ~~كل حي من العرب يلي نعيما وعشيا خصيبا دون الحي الآخر فالمصاحب لبداوته ~~أغلب له وأقدر عليه إذا تكافأ في القدرة والعدد سنة الله في خلقه # | السابقة الخامسة عشرة # إن العرب لا يتغلبون إلا على البسائط لأن من طبيعة توحشهم نهب من قدروا ~~عليه من غير مغالبة ولا ركوب خطر ثم فرارهم به إلى منتجعهم بالقفر ولا قصد ~~لهم بالمحاربة إلا عند الدفاع بها عن أنفسهم وعند ذلك فكل ما صعب عليهم من ~~المعاقل والهضاب فهم تاركوه إلى ما سهل من البسائط والبطاح فلا يزالون ~~يرددون عليها الغارة ms015 خصوصا عند فقد حاميتها حتى يصير أهلها كالمستعبدين لهم ~~إلى أن ينقرض عمرانهم بسوء الملكة وفساد النظام # | السابقة السادسة عشرة # إنهم إذا تغلبوا على الأوطان أسرع إليها الخراب وذلك طبيعة توحشهم منافرة ~~للعمران من وجوه # أحدهما أن استحكام عوائدها صار لهم خلقا موافقا لأهوائهم لما فيه من ~~الخروج عن ربقة الحكم وعدم المراعاة للسياسة ومنافاة ذلك للعمران واضحة # الثاني أن غاية الأحوال العادية عندهم إنما هو الرحلة والتقلب فالحجر ~~لذلك والخشب حاجتهم إليها نصب الأثافي واتخاذ الأعمدة والأوتاد للخيام ~~والبيوت فلا جرم يخربون عليها المباني والسقف لذلك وكل PageV01P061 ذلك ~~مناف للعمران الذي لا يكون إلا بالسكون والمباني # الثالث إن من طبيعتهم نهب ما بأيدي الناس كما تقدم ولا حد لهم في ذلك ~~يقفون عنده بل كان ما تمتد إليه أعينهم فهم منتهبوه وذلك مبطل لحفظ المال ~~ومؤذن بخراب العمران # الرابع إنهم يكلفون أهل الصنائع والحرف أعمالا لا يرون لها قيمة ولا ~~استحقاق عوض وفسادها بذلك يقبض اليد عنها ويضعف الأمل في المكاسب فيفسد ~~العمران لا محالة # الخامس أنهم لا عناية لهم بالأحكام الواجبة شرعا وسياسة بل إذا توصلوا ~~إلى أخذ المال نهبا أو مغرما أو عوضا عن عقوبة جريمة كفاهم ذلك عن النظر ~~فيما يصلح الخلق جلبا ودفعا ومصير العمران إلى الخراب لا يخفى # إن تنافسهم في الرياسة حتى بين الأب والابن يؤدي إلى تعدد الحكام واختلاف ~~أيدي الأمراء على الرعية جباية وحكما وذلك موجب لفساد العمران يحكى أن ~~أعرابيا وفد إلى عبد الملك فسأله عن الحجاج فقال مخبرا عنه تركته يظلم وحده # قلت وقد اعتذر بذلك من تلك الجهة عضد الدولة فيروى أن رسول PageV01P062 ~~ملك غزنة لما انصرف عنه قال له ماذا أقول لأخيك قال قل له جئت من عند سلطان ~~يظلم وحده # | عاطفة اعتبار # قال ابن خلدون وانظر إلى ما تغلبوا عليه من أول الخليقة كيف خرب عمرانه ~~وبدلت منه الأرض غير الأرض فاليمن قرارهم خراب إلا قليلا وعراق العرب كذلك ~~والشام لهذا العهد كذلك وأفريقيا والمغرب لما ms016 جاز إليهما بنو هلال وبنو ~~سليم منذ عهد المائة الخامسة قد لحقا بذلك وعادت بسائطها خرابا بعد أن كان ~~ما بين السودان والبحر الرومي عمرانا ^ والله وارث الأرض ومن عليها وخير ~~الوارثين ^ # | السابقة السابعة عشرة # إن البوادي من القبائل والعصائب مغلوبون لأهل الأمصار ما لم يحصل لهم ~~علنها غلب ولا ملك وذلك لاحتياجهم بالطبع للحضر في أمرين # أحدهما ضروري ما لابد منه في المعاش مما هو معدوم عندهم أو غير واف ~~بالمقصود وأهمه الصنائع التي هي مادة الفلح الموجود لديهم كالتجارة ~~والحدادة وشبه ذلك # القاني ثمن ما لديهم مثمونة من غلة زرع أو عين حيوان أو فضلته مما يحتاج ~~إليه أهل الأمصار وهو الدينار والدرهم المفقودان في البدو ولكن حاجاتهم غلى ~~الأمصار ضروري وحاجة أهلها إليهم في حاجي أو تكميلي # مزيد ثمرة لإخفاء أن هذا الاجتماع ناشئ عن بعض العمران البدوي عن الحضري ~~والكامل رئيس الناقص فمن ثم تجد البادية متصرفين في مصالح الحضر وطاعاتهم ~~متى دعوا إلى ذلك وطولبوا به PageV01P063 # قال ابن خلدون فان كان في المصر ملك كانت طاعتهم لغلبة الملك وإلا فلا بد ~~فيه من رياسة وإلا انتقص عمرانه وذلك الرئيس يحملهم على طاعته طوعا ببذل ~~المال لهم وعلى أن يبيح لهم ما يحتاجون إليه في مصره فيستقيم عمرانهم أو ~~كرهاإن تمت قدرته على ذلك ولو بالتضريب بينهم حتى يحصل له جانب منهم يغالب ~~به الباقين فيضطر الآخرون إلى طاعته بما يتوقعون لذلك من فساد عمرانهم ~~وربما لا يسعهم التحول عن تلك النواحي لعمران كل الجهات بمن غلب عليها ~~ومنعها من غيره وحينئذ فلا ملجأ لهم إلا طاعة المصر فهم بالضرورة مغلوبون ~~لأهل الأمصار ^ والله القاهر فوق عباده ^ # | السابقة الثامنة عشرة # أن الصريح من النسب إنما يوجد للمتوحشين في القفر من العرب ومن في معناهم ~~لأن مقامهم بالقفر الذي دعاهم إلى التوحش فيه قيامهم على الإبل مانع لمن ~~سواهم من النزوع إليهم منضما لما فيه من نكد العيش وشظف الحال فيؤمن عليهم ~~بذلك من اختلاط النسب وفساده ms017 فلا يزال فيهم صريحا محفوظا # | اعتبار # قال ابن خلدون واعتبر ذلك في مضر من قريش وكنانة وثقيف وبني أسد وهذيل ~~ومن جاورهم من خزاعة لما كانوا أهل شظف وموطن غير ذات زرع ولا ضرع كانت ~~أنسابهم صريحة لم يدخلها اختلاط ولا عرف فيها شوب والعرب الذين كانوا ~~بالتلول في معادن الخصب من حسير وكهلان كلخم وجذام وغسان وطي وقضاعة وإياد ~~اختلطت أنسابهم وتداخلت شعوبهم ففي كل واحد من بيوتهم من الخلاف ما قد علمت ~~وإنما جاءهم ذلك من قبل PageV01P064 مخالطة العجم لإهمالهم المحافظة على ~~النسب قال عمر رضي الله عنه تعلموا النسب ولا تكونوا كنبط السواد إذا سئل ~~أحد عن أصله قال من قرية كذا # تعريف قال # وقد كان وقع في صدر الإسلام الانتماء إلى المواطن فيقال جند دمشق وانتقل ~~ذلك إلى الأندلس ولم يكمد لأطرح أمر النسب بل لاختصاصهم بالمواطن بعد الفتح ~~حتى عرقوا بها وصارت لهم علامة زائدة على النسب يتميزون بها عند الأمراء ثم ~~وقع الاختلاط في الحواضر مع العجم وغيرهم وفقدت الأنساب بالجملة وفقدت ~~ثمرتها من العصبية فاطرحت ثم تلاشت القبائل ودثرت فدثرت العصبية بدثورها ~~وبقي ذلك في البدو كما كان ^ والله وارث الأرض ومن عليها ^ # | السابقة التاسعة عشرة # إن اختلاف الأنساب يقع بسقوط بعض من أهلها إلى نسب آخر لنزوع إليهم أو ~~حلف أو ولاء أو لفرار من قومه لجناية أصابها فيدعي نسبهم ويعد منهم في ~~ثمرته من النصرة أو القود وحمل الديات وغبر ذلك # ومتى وجدت ثمرة النسب فكأنه وجد لاسيما والنسب الأول قد PageV01P065 ~~يتناسى بطول الزمان وذهاب أهل العلم به فيخفي على الكثيرين # شهادة واقع قال وما زالت الأنساب تسقط من شعب إلى شعب ويلتحم قوم بآخرين ~~في الجاهلية والإسلام والعرب والعجم # قال ومنه شأن بجيلة في عرفجة بن هثمة لما ولاه عمر رضي الله عنه عليهم ~~فسألوه الإعفاء منه وقالوا هو فينا نزيف أي دخيل ولصيق وطلبوا أن يولى ~~عليهم جريرا فسأله عمر رضي الله عنه عن ذلك فقال عرفجة صدقوا يا ms018 أمير ~~المؤمنين أنا رجل من الأزاد أصبت دما في قومي ولحقت بهم قال وانظر منه كيف ~~اختلط عرفجة ببجيلة ولبس جلدتهم حتى ترشح للرياسة عليهم لولا علم بعضهم ~~بوشائجه ولو غفلوا عن ذلك وامتد الزمان لتنوسى بالجملة وعد منهم بكل وجه ~~فافهم واعتبر سر الله في خلقه ومثل هذا كثير لهذا العهد ولما قبله # | السابقة العشرون # إن جيل العرب في الخليقة طبيعي وبيانه أن المعاش الطبيعي الذي اقتصر أهل ~~البدو على الضروري منه أصناف ثلاثة # أحدهما الزراعة والمقام لأجلها ولو في الغيران والكهوف أولى من الظعن ~~فضلا عن سكنى المداشر والقرى كما عليه عامة البربر والأعاجم # الثاني سائمة الغنم والبقر والظعن لارتياد مسارحها ومواردها أولى من ~~المقام وأربابها يسمون شاوية أي قائمون على الشاه والبقر ولا يبعدون في ~~القفار إذ لا مسارح فيه طيبة وهم كالترك والصقالبة # الثالث الإبل والظعن لأجلها أبعد في القفر مجالا لعدم استغنائها ~~PageV01P066 قوام حياتها من مرعى شجرة وموارد مياهه وطلب مفاحص إنتاجها في ~~زمانه فأهلها لذلك لما قد يدعوهم إليه منع الحامية من التلول ويضطرون إلى ~~التوغل في القفار إبعادا في النجعة ونفرة عن النصفة فيشتد توحشهم وينزلون ~~من الحواضر منزلة الحيوان المفترس والوحش غير المقدور عليه # تعيين # قال وهؤلاء هم العرب وفي معناهم ظواعن البربر وزناتة بالمغرب والأكراد ~~والتركمان بالمشرق # قال ألا إن العرب أبعد نجمة وأشد بداوة لاختصاصهم بالقيم على الإبل فقط ~~وهؤلاء يقومون عليها وعلى الشاء والبقر وبه يتبين أن طبيعي لابد منه # | المقدمة الثانية # # | في تمهيد أصول من الكلام في الملك شرعا # وفيه عشرون فاتحة # | الفاتحة الأولى # إن الضرورة في الاجتماع الطبيعي لنوع الإنسان كما تقدم تدعو إلى ~~المعاملات واقتضاء ضرورات المعاش وحاجياته ومن لوازم ذلك تولد المنازعات في ~~اختصاص كل بلد بما تمد إليه لما في الطبيعة الحيوانية من الظلم والعدوان ~~بمقتضى الغضب وأنفة القوى البشرية وذلك مفض إلى المقاتلة المؤدية إلى سفك ~~الدماء وإتلاف النفوس وكل ذلك مؤذن بانقطاع النوع وانخرام شمل اجتماعه وقد ~~اقتضت حكمة العناية به أن ms019 PageV01P067 يحفظ من محظور ذلك بوازغ لاستحالة ~~البقاء بعد وضع الشرائع والسياسات المصطلح عليها إلا بنصبه وهو السلطان ~~المانع بقهر يده الغالبة مما يؤدي لوقوع ذلك المحذور وواضح من هناك أن ~~الملك من الخواص الطبيعية للإنسان ووجوده لغيره كالنحل والجراد على ما يظهر ~~في أتباعها لرئيس من شخصها إنما هو بمقتضى الفطرة والهداية لا الفكرة ~~والروية كما في الإنسان ^ أعطى خلقه كل شيء ثم هدى ^ # | الفاتحة الثانية # إن مصلحة نصب السلطان الوازع لا تعارضها المفاسد اللازمة عن قهره وغلبة ~~لأنها لما رجحت تلك المفاسد كانت هي المعتبرة قالوا لأن ترك الخبر الكثير ~~لجل الشر اليسير شر كثير وما خص ضرره وعم نفعه فنعمة عامة وعكسه بلاء عظيم # ( لا ترج شيئا خالصا نفعه % فالغيث لا ينجو من العيث ) # قلت ولا يفهم من هذا الكلام مراد الحكماء به وهو أن الشر اللازم عن الخير ~~الراجح غير مقصود بالذات لأن ذلك من حيث القصد الخلقي التكويني ومراد ~~الأئمة به حيث القصد التشريعي وبينهما فرق مقرر في مواضعه من الأصول ~~العلمية # | الفاتحة الثالثة # إن توهم الاستغناء عم السلطان باطل أما في الدين فلامتناع حمل الناس على ~~ما عرفوا منه طوعا أو كرها دون نصبه إن الله ليزع بالسلطان مالا يزع ~~بالقرآن وأما في الدنيا فلان حامل الطبع والدين لا يكفي في إقامة مصالحها ~~على الوجه الأفضل غالبا PageV01P068 # قال الأمدي ولذلك نجد من لا سلطان لهم كالذئاب الشاردة والأسود الضارية ~~لا يبقى بعضهم على بعض ولا يحافظون على سنة ولا فرض # قال ولهذا قيل السيف والسنان يفعلان مالا يفعل البرهان # | الفاتحة الرابعة # إن مدرك وجوب نصبه عند أهل الحق شرعي لا عقلي وقرره من وجهين # أحدهما اعتباري وهو أن حكمة نصبه كما يتقرر منها بعد أن شاء الله يقتضي ~~بحسب اعتبارها شرعا وجوب التكليف به مطلقا # الثاني إجماعي قال ابن التلمساني وهو المعتمد القاطع لأهل PageV01P069 ~~السنة وقرره بما نقل عم السلف والخلف من امتناع خلو الأرض من أمام قائم ~~بأمر الله # قلت وفي مراتب الإجماع لابن ms020 حزم اتفقوا على أن الإمامة فرض وأنه لابد من ~~إمام حامي النجدات من الخوارج # قال وأراهم قد خرقوا الإجماع لأنه قد سبقهم انتهى # لا يقال يحتمل أن يكون هناك نكير والموافقة لم تحصل إلا من البعض ولو ~~سلمت من الجميع لتوفرت الدواعي على نقل مستندها لأنا نقول PageV01P070 لو ~~وجدنا هذا النكير في مثل هذا المقام لقضت العادة بنقله ومستند الإجماع لا ~~يلزم نقله استغناء عنه بوجوب اتباع الإجماع متى تحقق وجوده # | الفاتحة الخامسة # إن حقيقة هذا الوجوب الشرعي راجعة إلى النيابة عن الشارع في حفظ الدين ~~وسياسة الدنيا به ويسمى باعتبار هذه خلافة وإمامة وذلك لأن الدين هو ~~المقصود في إيجاد الخلق لا الدنيا فقط فحملوا على حكمه دنيا وأخرى ونصب ~~لذلك الخليفة نائبا عن صاحب الشرع ولا كذلك الملك الطبيعي وهو حمل الكافة ~~على مقتضى الغرض والشهوة لجوره في ذلك وعدوانه وإفضائه إلى الهلاك العاجل ^ ~~سنة الله في الذين خلو من قبل ^ ولا السياسي وهو حملهم على نهج النظر ~~العقلي في جلب مصالح الدنيا ودرء مفاسدها فحسب لإهمال العناية بالدين ~~واستضاءته فيما اقتصر عليه بغير نور الله @QB@ ومن لم يجعل الله له نورا ~~فما له من نور @QE@ # | الفاتحة السادسة # إن انقلاب الخلافة إلى الملك كما سيرد بيانه إن شاء الله أن ذلك واقع ~~بحسب كبيعة الوجود لا يخل بما قصد بهما في الجملة بل الحاجة إلى الملك إذ ~~ذاك في أرفع مراتب الاعتبار به وذلك لأن الوازع في أيام وجود الخلافة إنما ~~كان دينا محضا يجده كل واحد من نفسه حتى قال عمر رضي الله عنه من لم يؤدبه ~~لا أدبه الله # وبعد انقلابها ملكا وخصوصا إلى العضوض منه ضعف ذلك الوازع أو كاد يفقد ~~غالبا فاحتيج إلى مزيد رهبة وهي من منازع ومراسم موضوعه PageV01P071 # قلت وما استدل به القرافي على إقامة صوره بتسليم عمر لمعاوية رضي الله ~~عنهما موجب أبهة الملك باشام من دلائل ذلك وشواهده وسيأتي إن شاء الله في ~~ركن السياسة المعتبرة شرعا ما يزيده وضوحا ms021 # | الفاتحة السابعة # إن الكافي الآن من شروط الإمامة بعد الذكورية والحرية والبلوغ والعقل ~~أربعة النجدة لئلا يضعف عن إقامة الحدود واقتحام الحروب والكفاية لئلا يخفى ~~عليه وجوه الرأي والسياسة وسلامة الأعضاء والحواس عما يؤثر في الرأي والعمل ~~كالعمى والصمم والهرس وفقد اليدين والرجلين والأنثيين والقدرة على تنفيذ ~~أوامر ه وأحكامه فلا يكون عاجزا عن ذلك جملة بأمر وشبهه PageV01P072 أما ~~بالحجر عليه من غير عصيان ولا مشقة فغن حمدت سيرة الحاجز حاز إقراره وإلا ~~أعين عليه الإمام حتى يستقل بأمره ويستبد بسلطانه # قلت وعلى شرط أن لا تؤدي القدرة على ذلك غلى ما هو أعظم في الفساد فإن ~~تعذر العلم وهي # | الفاتحة الثامنة # سقط اعتباره اكتفاء بمراجعة العلماء عند وقوع النوازل # وليس ذلك ما يخالف مقتضى الدليل ثم مضى في تقريره إلى أن قال إذا انعقدت ~~الإمامة لمنقك عن رتبة الاجتهاد وقامت له الشوكة ومالت إليه القلوب وخلا ~~الزمان من قرشي مستجمع لشروط الإمامة وجب استمراره على الإمامة المعقودة له ~~PageV01P073 # قال وهذا حكم زماننا # قلت وهي فيما بعد زماننا أولى أحرى وكذا إذا تعذرت العدالة وهي # الفاتحة التاسعة وإلا لزم تعطيل الإمامة وبطلان تصرفها وضرر ذلك أعظم من ~~فوات العدالة وعلى هذا اعتمد الغزالي والشيخ عز الدين وغيرهما من المحققين # قلت وحاصله أن عدالة السلطان من مكملات أوصافه واحتلال المحافظة عليها ~~بحكمة نصبه يسقط اعتبارها كما في العلم أيضا شأن كل تكملة هي كذلك مع ما هي ~~مكملة له على ما تقرر في الأصول العلمية قلت وإجراء ذلك أيضا على قاعدة قول ~~محمد بن الحسن ما ضاق شيء إلا اتسع ظاهر قول المقري في قواعده يريد الترخص ~~عند عسر التحرز ثم ذكر PageV01P074 من ذلك في العاديات تولية الشبه عند ~~تعذر المستحق وهذا أيضا إن فقد شرط النسب القرشي وهي # الفاتحة العاشرة عند القاضي أبي بكر وجماعة من الفرق حتى غلا بعضهم فقال ~~لو استوى قرشي ونبطي في شروط الإمامة لرجح النبطي لقربه من عدم الجور ~~والظلم ووجه ذلك ابن خلدون وإن ms022 كان خلاف قول الجمهور بما حاصله أن قصد ~~الشارع في اشتراطه ليس لمجرد التبرك به وإن كان ذلك حاصلا بل لرفع التنازع ~~به لما كان لقريش من العصبية والغلب وقصد ذلك لا يختص بجيل ولا عصر فمتى ~~وجدت العصبية في القائم بأمر المسلمين كانت هي العلة المشتملة على المقصود ~~من القريشية لا يسما وقد تلاشت عصبتها شرقا وغربا ولا يلزم عموم ذلك في ~~جميع الآفاق كما كان في القريشية لقوتها حينئذ على ذلك بل يختص الآن كل قطر ~~بمن له فيه عصبية غالبة # قال وإذا نظرت سر الله في الخليقة لم تبعد هذا لأنه تعالى جعل الخليفة ~~نائبا عنه في القيام بأمور عباده مخاطبا لهم بذلك ولا يخاطب بأمر من لا ~~قدرة له عليه PageV01P075 # قال والوجود شاهد بذلك فإنه لا يقوم بأمر أمة أو جيل إلا من غلب عليهم ~~وقل أن يكون المر الشرعي مخالفا للأمر الوجودي بل لا يكون كذلك البتة # قلت وهذا تقرير في غاية الحسن ونهاية البراعة والتحقيق وقوله وقل إن يكون ~~الأمر الشرعي مخالفا للأمر الوجودي بل لا يكون كذلك البتة # | وقاعدة # إن كل أصل علمي يتخذ إماما في العمل فشرطه أن يجري العمل به على مجاري ~~العادات في مثله وإلا فهو غير صحيح # شاهد عليه لذلك حسبما قرره الشيخ الإمام أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله وله ~~في بعض تقييداته حسبما الفيته بخط شيخنا الأستاذ العلامة أبي إسحاق بن فتوح ~~رحمه الله منقولا من خطة تنزيل العلم على مجاري العادات تصحيح لذلك العلم ~~وبرهان عليه إذا جرى على استقامة فإذا لم يجر فغير صحيح # | الفاتحة الحادية عشرة # إن شرط وحدة الإمام بحيث لا يكون هناك غيره لا يلزم مع تعذر الامكان ~~PageV01P076 # كان ابن عرفة فيما حكاه الأبي عنه فلو بعد موضع الإمام حتى لا ينفذ حكمه ~~في بعض الأقطار البعيدة جاز نصب غيره في ذلك القطر # وللشيخ علم الدين من علماء العصر بالديار المصرية يجوز ذلك للضرورة # قلت وما تقدم من عجز العصبية الآن عن عموم ms023 غلبتها وإن طلب وحدته لذلك لا ~~يظهر في الخارج ويقوى العذر لذلك على وضوحه من وجوده لا تخفى على ذي نظر ~~سديد والله أعلم # | الفاتحة الثانية عشرة # إن الطاعة له أصل عظيم من أصول الواجبات الدينية حتى أدرجها الأئمة في ~~جملة العقائد الإيمانية وإن كانت من فن الفقه لنزاع بعض المبتدعة فيما هي ~~من لوازمه وهو الإمامة وجعلوها لذلك من فصول رسم الإمامة حيث قالوا هي ~~خلافة شخص النبي صلى الله عليه وسلم في كذا على وجه يجب اتباعه على الجميع ~~على ما يأتي صلى الله عليه وسلم في كذا على وجه يجب اتباعه على الجميع على ~~ما يأتي ن شاء الله ن شاء الله إشعارا بأن تخلفها لا يتحقق معه وجود ~~الإمامة PageV01P077 # | الفاتحة الثالثة عشرة # إن جوره لا يسقط وجوب الطاعة له لأمرين أحدهما شهادة ظواهر النصوص ~~والأحاديث بذلك أشار إليه ابن عرفة في مختصر ه الكلامي # قلت كقوله تعالى ^ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منهم منكم ~~وقوله صلى الله عليه وسلم من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ~~ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعصي الأمير فقد عصاني # الثاني دلالة وجوب درء أعظم المفاسد عليه إذ لإخفاء أن مفسدة عصيانه تربى ~~على مفسدة إعانته بالطاعة له كما قالوا في الجهاد معه ومن ثم قيل عصيان ~~الأئمة هدم أركان الملة # | الفاتحة الرابعة عشرة # إن طاعة الأمراء بمعصية الله تعالى ساقطة الامتثال لقوله صلى الله عليه ~~وسلم على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره إلا أن يأمر بمعصية ~~فلا سمع ولا طاعة قيل وكان يقول أطيعوني ما عدلت فيكم فإن خالفت فلا سمع ~~ولا طاعة وعن أبي حازم أن سليمان بن عبد الملك قال له ألستم أمرتم بطاعتنا ~~في قوله تعالى ^ وأولي الأمر منكم ^ فقال له أليس يرغب عنكم إذا حالفتم ~~لقوله تعالى ^ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ^ PageV01P078 # | الفاتحة الخامسة عشرة # إن الصبر عليه إذا جار من عزائم الدين ووصايا الأئمة ms024 الناصحين لقوله صلى ~~الله عليه وسلم إذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا ~~يدا من طاعته وعن ابن مسعود رضي الله عنه من كره من أميره شيئا فليصبر عليه ~~فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية # | الفاتحة السادسة عشرة # إن المناسبة بينه وبين الرعية مطردة الحصول في كل زمان وهو معنى قوله كما ~~تكونون يولى عليكم قال الطرطوشي لم أزل أسمع الناس يقولون أعمالكم عمالكم ~~كما تكونون يولي عليكم إلى أن ظفرت به في قوله تعالى @QB@ وكذلك نولي بعض ~~الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون @QE@ PageV01P079 # قال وقال عبيدة السلماني لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يا أمير المؤمنين ~~ما بال أبي بكر وعمر أطاع الناس لهما والدنيا عليهما أضيق من شبر واتسعت ~~عليهما ووليت أنت وعثمان PageV01P080 يكونوا لكما فصارت عليكما أضيق من شبر ~~فقال لأن رعية أبي بكر وعمر كانوا مثلي ومثل عثمان ورعيتي اليوم مثلك وشبهك # | الفاتحة السابعة عشرة # أنه مع رعيته مغبون غير غابن وخاسر غير رابح وقرره الطرطوشي يعود ~~الإجتهاد عليه فيما يصلحها بسبب الدنيا وتبعة الآخرة وهن مع ذلك غير راضين ~~عنه ولا قانعين منه قال ولو لا أن الله تعالى يحول بين المرء وقلبه لم يرض ~~عاقل بها ولم يعدها لبيب مرتبة وعن ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم محكما ~~له في كلمة واحدة ما لكم ولأمرائي بكم صفوا أمرهم وعليهم كدره # | استظهار # مما يشهد لحيلولة قدر الله تعالى بين المرء وقلبه في هذا المقام قول مالك ~~بن دينار قرأت في بعض الكتب القديمة يقول الله عز وجل من أحمق من السلطان ~~ومن أجهل ممن عصاني ومن أغر ممن إغتر بي يا راعي السوء دفعت إليك غنما ~~صحاحا سمانا فأكلت اللحم وشربت اللبن وائتمدت السمن ولبست الصوف وتركتها ~~عظاما تقعقع ولم ترد الضالة ولم تجبر الكسير اليوم أنتقم لها منك ~~PageV01P081 # | الفاتحة الثامنة عشرة # إن للإمامة من عظيم الخطر ما يجب أن يكون من الخائف منه على بال ولا ~~كالسؤال ms025 عن عموم الرعاية بها وخصوصها # قال الطرطوشي فيما كتب به إلى السلطان أبي يعقوب يوسف بن تاشفين من ملوك ~~المرابطين ولقد بلغ ذلك نفوس الخلفاء الراشدين والأئمة المهتدين مبلغا ذهلت ~~له عقولهم وطاشت له أحلامهم فيروى أن عليا رضي الله عنه قال رأيت عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه يعدو على قتب فقلت إلى أين فقال بعير من إبل الصدقة فر ~~وأنا أطلبه فقلت لقد أذللت الخلفاء من بعدك يا أمير المؤمنين فقال لا تلمني ~~يا أبا الحسن فو الذي بعث محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة لو أن سخلة ذهبت ~~بشاطئ الفرات لأخذ بها عمر يوم القيامة ألا خذ بها عمر يوم القيامة ألا نه ~~لا حرمة لوالي ضيع المسلمين # ثم قال يا أبا يعقوب لقد ابتليت بأمر لو حملته السموات لانفطرت ولو حملته ~~النجوم لا نكدت ولو حملته الأرض والجبال لتزلزلت وتدكدكت إنك حملت الأمانة ~~التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها # | تنزيل # قال في هذا الكتاب مبينا لبعض ما عنه السؤال وفيه أبلغ عظة واعلم ~~PageV01P082 يا أبا يعقوب أنه لا يزني فرج في ولايتك ومدى سلطانك طول عمرك ~~إلا كنت المسؤول عنه والمطالب به والمرتهن بجريرته ولا يشرب فيها نقطة مسكر ~~إلا وأنت المسؤول عنها ولا ينتهك فيها عرض مسلم إلا وأنت المطالب به ولا ~~يتعامل فيها بالربى إلا وأنت المأخوذ به وكذا سائر المظالم وكل حرمة انتهكت ~~من حرمات الله تعالى فعهدتها عليك لأنك قادر على تغييرها فأما ما خفي عليك ~~من ذلك فأنت المبرأ منه إن شاء الله تعالى # | الفاتحة التاسعة عشرة # أن لها مع ذلك من شرف المنزلة وجزيل الأجر لذلك أن يغتبط بها من فازت بها ~~قداحة ولقد قال الطرطوشي ليس فوق السلطان العادل منزلة PageV01P083 إلا ~~لنبي مرسل وملك مقرب ولأبي منصور أشرف منازل الآدميين النبوة ثم الخلافة ~~ويكفي مما يشهد لذلك أمران # أحدهما أنه بإجماع أعظم ثوابا من سائر من عمل لله بطاعة # قال الشيخ عز الدين أجمع ms026 المسلمون على أن الولايات من أفضل الطاعات وأن ~~الولاة المقسطين أعظم أجرا وأجل قدرا من غيرهم لكثرة ما يجري على أيديهم من ~~إقامة الحدود ودرء الباطل قال أحدهم يقول الكلمة الواحدة فيدفع بها ألف ~~مظلمة فما دونها قال فيا له من كلام يسير وأجر كبير # أنه يوضع في ميزانه جميع أعمال رعيته # نقله الشيخ أبو طالب المكي # قلت و قاعدة أن فاعل السبب بمنزلة فاعل المسبب قاطعة بذلك وإليها يشير ~~قوله صلى الله عليه وسلم من دعا إلى الهدى كان له من الأجر أجر من تبعه لا ~~ينقص من أجورهم شيئا وما دعا إلى ضلالة كان عليه من PageV01P084 الإثم مثل ~~أنام من تبعه لا ينقص ذلك من أثرهم شيئا ما رواه مسلم أبي هريرة رضي الله ~~عنه # | الفاتحة العشرون # إن صلاح السلطان وفساده صلاح الرعية وفسادها ففي الحديث صنفان من أمتي ~~إذا صلحا صلح الناس الأمراء والعلماء وعن سفيان الثوري أنه قال لأبي جعفر ~~المنصور إني لأعلم رجلا إن صلح صلحت الأمة وإن فسد فسدت الأمة قال ومن هو ~~قال أنت PageV01P085 # قلت وبظهر ذلك باعتبارين # أحدهما في الدين فقد قالوا الناس على دين الملك فإن صلح منه بالعدل تعدى ~~الرعية فلزموا قوانينه انفرادا ومخالفة وإن فسدت منه بالجور فشي فيهم ضرره ~~كذلك # الثاني في الدنيا فإن بصلاحه تفتح فيها بركات الأرض والسماء وبفساده يظهر ~~نقيض ذلك برا وبحرا قال الله تعالى @QB@ ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا ~~لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض @QE@ وقال تعالى @QB@ ظهر الفساد في ~~البر والبحر بما كسبت أيدي الناس @QE@ PageV01P086 # | الكتاب الأول # # | في حقيقة الملك والخلافة وسائر أنولع الرياسات وسبب وجود ذلك وشرطه # PageV01P087 & الباب الأول & # | في حقيقة الملك والخلافة وسائر أنواع الرياسات # وفيه ثلاثة أنظار أحدهما في حقيقة الملك الثاني في حقيقة الخلافة الثالث ~~في سائر أنواع الرياسات # النظر الأول في حقيقة الملك # | وفيه مسائل # المسألة الأولى تقدم أن الاجتماع الإنساني لابد فيه من وازع عن العدوان ~~الواقع فيه بمقتضى الطبيعة البشرية بما يكون له من ms027 سطوة السلطان وقهره وتلك ~~الخصوصية الحاصلة له بما هو منصب طبيعي للإنسان كما سبقت الإشارة غليه هي ~~الملك في مشهور المراد به # المسألة الثانية لا تتم حقيقة هذا المنصب إلا لمن بمكن بقهر يده التي لا ~~فوقها يد من ظهور أثر ذلك باستبعاد الرعية وجباية الموال وبعث البعوث ~~وحماية الثغور والقاصر عن ذلك ناقص الملك بقدر الفائت منه وله الواقع ~~صورتان # الصورة الأولى فوات بعض ما ذكر والملك به خداج غير تام PageV01P089 # قال ابن خلدون كما وقع لكثير من ملوك البربر في دولة الأغالبة بالقيروان ~~وملوك العجم صدر الدولة العباسية # الصورة الثانية فوت الضرب على سائر الأيدي لقصور العصبية عن استعلاءها ~~على سائر العصبيات ووجود من يده فوق يده والملك بذلك ظاهر نقصه عن تمام ~~حقيقته # قال كأمراء النواحي ورؤساء الجهات الذين تجمعهم دولة واحدة # تعريف قال وكثيرا ما يوجد هذا في الدول المتسعة النطاق فيوجد ملوك في ~~النواحي القاصية يدينون بطاعة الدولة الجامعة لهم كصنهاجة مع العبيديين ~~وزناتة مع الأمويين تارة ومع العبيديين أخرى وكملوك العجم في دولة بني ~~العباس وأمراء البرابر وملوكهم مع الإفرنجة قبل الإسلام وكملوك الطوائف من ~~الفرس مع الإسكندر وقومه اليونانيين وكثير من هؤلاء # قال ^ فاعتبر تجده و الله القاهر فوق عباده ^ # | النظر الأول # # | في حقيقة الخلافة # وفيه مسائل # المسألة الأولى تقدم ما يدل على أن المراد بها وبالإمامة راجع عن الشارع ~~في حفظ الدين وسياسة الدنيا ولأئمة الأصول في تحرير ذلك عبارات أصحها عند ~~الأمدي وفرض كلامهم في لف الإمامة أنها خلافة PageV01P090 # المسألة الثانية يسمى القائم بهذا المنصب خليفة لحلفه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في أمته قاله الماوردي أو الماضي قبله أي الخليفة الذي كان قبله ~~البغوي قال البيضاوي وإماما تشبيها له بإمام الصلاة في وجوب أتباعه # شخص النبي صلى الله عليه وسلم في إقامة الشرع وحفظ الملة على وجه يوجب ~~إتباعه جميع الناس # قال ابن عرفة أنظر هل يخر ج عنها إمام ذي فسق وظاهر نصوصهم والأحاديث ~~أنها فيه إمامة لا ms028 تنقص # قلت تمام تقريره عند بيان أن جوره لا يسقط وجوب الطاعة له # قال ولأقرب أنها صفة حكمية توجب امتثال أمر موصوفها في غير منكر عموما ~~فيخرج القضاء لخصوصه بإخراج أحكام الحروب والقضايا ونحوها PageV01P091 قال ~~ابن خلدون ولهذا يقال الإمامة الكبرى # قلت وتنشأ هنا فروع # أحدها قال الماوردي يجوز أن يقال الخليفة على الإطلاق وخليفة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # الثاني قال النووي ينبغي أن لا يقال خليفة الله بل يقال الخليفة وخليفة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمير المؤمنين # قلت حكاه الماوردي عن الجمهور قال # وقد قيل لأبي بكر رضي الله عنه يا خليفة الله قال لست بخليفة الله ولكني ~~خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم # الثالث قال البغوي لا باس أن يسمى القائم بأمر المسلمين أمير المؤمنين ~~والخليفة وأن كان مخالفا لسيرة أئمة العدل لقيامه بأمر المؤمنين وتسمع ~~المؤمنين له # المسألة الثانية لبيعة الخلفاء والملوك مدلولان # أحدهما بحسب العرف اللغوي والمعهود الشرعي وهو العهد على الطاعة وذل ~~لأنهم كانوا إذا عقدوا عهدا لأمير جعلوا أيديهم في يده توكيدا للعهد لذلك ~~فأشبه فعل البائع والمشتري فسمي بيعة وصارت مصافحة بالأيدي ومنه بيعة النبي ~~صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وعند الشجرة # والثاني باعتبار المشهور لهذا العهد # قال ابن خلدون وهي تحية الملوك الكسروية من تقبيل الأرض أو اليد أو الرجل ~~أو الذيل أطلق عليها إسم البيعة التي هي العهد على الطاعة مجازا ~~PageV01P092 لما كان هذا الخضوع من لوازمها وغلب فيه حتى صار حقيقة عرفية ~~واستغنى بها عن مصافحة أيدي الناس لما فيها لكل أحد من الابتذال المنافي ~~للرياسة فوق المنصب الملوكي إلا في الأقل لقصد تواضع من يأخذ به نقسه من ~~الملوك مع خواصه ومشاهير أهل الدين من الرعية # تنبيه قال فافهم معنى البيعة في العرف فإنه أكيد على الإنسان معرفته لما ~~يلزمه من حق سلطانه وإمامه ولا تكون أفعاله عبثا ومجانا واعتبر ذلك من ~~أفعالك مع الملوك والله القوي العزيز # قلت ومما يتأكد معرفته مع ms029 ذلك أن جواز بعض أنواع هذا الخضوع في التحية ~~إنما هو لما عرض مما أوجب عند الاقتصار على البيعة السنية تبذلا وقد قال ~~الغزالي إن الانحناء في الخدمة معصية إلا عند خوف # المسألة الرابعة من توابع نظر الخلافة في مصالح الدين والدنيا ولوازم ~~الطاعة له في ذلك تولية العهد لمن يوفي له بعد مماته مبالغة في النظر للخلق ~~وخروجا عن عهدة ما يخشى من التقصير في ذلك وقد عهد أبو بكر غلى عمر بمحضر ~~الصحابة رضي الله عنهم وعهد عمر في الشورى غلى الستة المعروفين رضي الله ~~عنهم جميعهم وعمد ما أوجبوا على أنفسهم طاعة العهد بذلك دل على أنهم أجمعوا ~~على جواز النظر به أولا وعلى انعقاده بعد الوقوع ثانيا # تنبيه إذا خص الابن بولاية العهد واقتضى الحال ذلك فلا تهمة فيه على ~~الإمام خلافا لقوم # قال ابن خلدون وأما أن يكون القصد بالعهد حفظ التراث على الآباء فليس من ~~المقاصد الدينية إذ هو أمر من الله يختص به من يشاء PageV01P093 فينبغي أن ~~تحسن النية فيه ما أمكن خوفا من العبث بالمناصب الدينية والملك لله يوتيه ~~من يشاء سبحانه # المسألة الخامسة تقدم أن إنقلاب الخلافة إلى الملك لا بد منه بحسب طبيعة ~~الوجود وبيانه الآن من حيث سببه متوقف على مقدمات # إن الملك غاية طبيعية للعصبية على ما يأتي تقريره إن شاء الله وإذا ذاك ~~فحصوله عنها ضروري بحسب ترتيب الوجود الاختياري # الثانية أن الشرائع والديانات وكل أمر يحمل عليه الجمهور ولا بد فيه من ~~العصبية كما يتضح بعد إن شاء الله وعليه فهي ضرورية في الملة وإلا لما تم ~~أمر الله بها # الثالثة أن ذم الملك والنهي عن أهله في الاستمتاع بالخلاف والتنكيب عن ~~صراط الله مصرف لقصد التغلب بالباطل وتصريف الخلق طوع الأغراض والشهوات ~~وأما النية فيه حمل الناس به على عبادة الله وجهاد عدوه لازم فيه بوجه وقد ~~سبقت الإشارة إلى ذلك # الرابعة إن ذم العصبية والأعلام بعدم فائدتها كقوله تعالى @QB@ لن تنفعكم ~~أرحامكم ولا أولادكم ms030 @QE@ وقوله صلى الله عليه وسلم إن الله أذهب عنكم عبية ~~الجاهلية وفخرها بالآباء أنتم بنو آدم وآدم من تراب المراد به حيث تكون على ~~باطل كما كانت في الجاهلية ومتى أستعين بها على إقامة حق فلا ذم فيها وإلا ~~لما تم ظهور ذلك PageV01P094 # إذا تقرر هذا فالخلافة والملك في الدولة الإسلامية مقامات ثلاثة المقام ~~الأول عند وجود الخلافة بدون الملك # وذلك حين البراءة منه والتنكب على طريقه في أول الأمر استغناء عنه بوازع ~~الدين لما كانوا عليه من إيثار الحق أولا وغضاضة البداوة المعينة عليه ~~ثانيا # المقام الثاني بعد اختلاطها وامتزاج الدولة بهما # وذلك عند تدرج البداوة إلى نهايتها تجيء طبيعة الملك لمقتضى العصبية ~~وحصول التغلب ثم انفراده بالمجد مع تحري مذاهب الدين والجري على نهج الحق ~~إذا التغيير لم يظهر إلا الوازع الديني فقط # تعيين تغيير قال ابن خلدون كما كان الأمر لعهد معاوية رضي الله عنه ~~ومروان وابنه عبد الملك والصدر الأول من خلفاء بني العباس إلى الرشيد وبعض ~~ولده # قلت يشهد له حديث الخلافة بعدي ثلاثون ثم يكون ملكا # قال عياض فكانت كذلك مدة الحسن رضي الله عنه PageV01P095 # المقام الثالث وهو الانقلاب الكلي إلى الملك البحت # وذلك عند ذهاب معاني الخلافة ما عدا اسمها وجريان طبيعة التغلب إلى ~~غايتها في استعمال أغراضها من القهر والتحكم في الشهوات والملاذ # قلت يدل عليه حديث أن هذا المر بدأ نبوة ورحمة وخلافة ثم يكون ملكا عضوضا ~~ثم يكون عتوا وجبرية وفسادا في الأمة # تعريف قال كما كان المر بخلف بني عبد الملك ولم جاء بعد المعتصم والمتوكل ~~من بني العباس # قال واسم الخلافة كان باقيا لبقاء عصبية العرب ثم ذهب رسمها وأثرها بذهاب ~~عصبية العرب وفناء جيلهم وبقي الأمر ملكا كما في ملوك العجم في المشرق ~~يدينون بطاعة الخليفة تبركا والملك بجميع مناحيه لهم لاشيء منه للخليفة ~~وكما في ملوك زناتة بالمغرب كصنهاجة مع العبيديين ومغراوة وبني يفرن مع بني ~~أمية بالأندلس # النظر الثالث في سائر أنواع الرياسات # وقبل بيان ms031 ذلك فهنا مقدمتان PageV01P096 # المقدمة الأولى أن العمران البشري لابد له من سياسة ينتظم بها أمره لما ~~تقدم أن الوازع فيه ضروري سواء كان يزع الخلق بمقتضى السياسة الشرعية أو ~~العقلية وحينئذ فرياسته بذلك إن لم تنته إلى الملك الحقيقي لفقد شرطه فلا ~~أقل من تمكنه وتمشية ما يسوس به من تحت رياسته وحينئذ يسمى رئيسا # المقدمة الثانية إن الملة لابد فيها من القائم بها عند غيبة نبيها يكون ~~فيها كالخليفة عنه في حملهم على ما جاء به من الأحكام والشرائع والحاجة مع ~~ذلك إلى الوازع المسمى بالملك إنما هو أما تقدم التنبيه عليه والملة ~~الإسلامية لما شرع فيها الجهاد لحمل الكافة على إجابة دعوتها العامة طوعا ~~أو كرها فلا جرم اتخذت فيها الخلافة والملك ولا كذلك عيرها من الملل فلذلك ~~لا ينبغي للقائم فيها بأمر الدين شيء من سياسة الملك ووجوده فيها ما هو ~~بالعرض والأمر غير ديني إذا لم يخاطبوا بالتغلب على الأمم كما في الملة ~~الإسلامية زادها الله ظهورا إذا عرفت هذا فتلك الرياسة القائمة سياستين ~~نوعان بحسبهما # النوع الأول الرياسة الشرعية # ومن مشهور الواقع من ذلك ملخصا من كلام ابن خلدون رياستان هما لليهود وهي ~~رياسة الكوهن والأخرى للنصارى وهي رياسة البابا # | الرياسة الأولى # # | رياسة كوهن # ولهم فيها باعتبار الاقتصار عليها والتدرج معها إلى الرياسات الطبيعية ثم ~~الرجوع إليها إلى الآن ست حالات # الحالة الأولى أقاموا فيها من بعد موسى ويوشع علنهما السلام نحو ~~PageV01P097 أربعمائة سنة لا يعتنون فيها بشيء من أمر الملك اقتصارا على ~~إقامة رئيس ذرية هارون علنه السلام كأنه خليفة موسى عليه السلام في إقامة ~~الدين خاصة كالصلاة والقربان ويسمونه الكوهن ثم اختاروا سبعين شيخا لإقامة ~~السياسة الطبيعية للبشر فكانوا يتولون تنفيذ أحكامها العامة والكوهن فوقهم ~~بالرتبة الدينية واتصل ذلك بهم إلى أن استحكمت طبيعة العصبية وتهيأت الشوكة ~~للملك وهي # الحالة الثانية فغلبوا الكنعانيين على الأرض التي أورثهم الله ببيت ~~المقدس وما جاوروها كما وعدوا على لسان موسى عليه السلام ورياستهم راجعة ~~إلى شيوخهم ms032 مدة من نحو أربعمائة سنة ولما لم بكم لهم صولة ملك ضجروا من ~~مغالبة الأمم فطلبوا على لسان شمويل عليه السلام أن يأذن الله تعالى لهم في ~~تمليك رجل عليهم فكان طالوت وغلب الأمم وفتل جالوت ثم ملك بعده داود ثم ~~سليمان عليهما السلام واستعجل ملكه وهي الحالة الثالثة فامتد غلى الحجاز ثم ~~غلى أطراف اليمن ثم إلى أطراف بلاد الروم ثم افترق الأسباط بعد سليمان عليه ~~السلام إلى دولتين أحدهما بالجزيرة والموصل للأسباط العشرة والأخرى بالقدس ~~والسام لبني يهود وبين يامين ثم غلبهم بخت نثر ملك بابل على ما كان بأيديهم ~~بعد اتصال ملكهم نحو ألف سنة وخرب مسجدهم وأحرق توراتهم ونقلهم إلى أصبهان ~~والعراق إلى أن ردهم بعض ملك الفرس إلى بيت المقدس بعد سبعين سنة من خروجهم ~~فبنوا المسجد وأقاموا دينهم على الرسم الأول للكهنة فقط وهي # الحلة الرابعة والملك حينئذ إنما هو للفرس ثم غلب الإسكندر واليونانيون ~~على الفرس وصار اليهود في ملكهم ثم فشل أمر اليونانيين فاعتز اليهود عليهم ~~بالعصبية وقائم مملكتهم الكهنة الذين كانوا فيهم إذ ذاك وقاتلوا يونان حتى ~~انقرضوا وهي # الحالة الخامسة ثم غلبهم الروم ورجعوا إلى بيت المقدس وبها بقية دولتهم ~~فحاصروهم مدة ثم افتتحوها عنوة وأفحشوا في القتل والهدم والتحريق وخربوا ~~بيت المقدس وأجلوهم عنها غلى رومة وما وراءها وهو PageV01P098 الخراب ~~الثاني للمسجد ويسميه اليهود بالجلوة الكبرى فلم يقم لهم بعد ذلك ملك ~~لفقدان العصبية وبقوا بعد ذلك في ملكة الروم ومن بعدهم والمقيم لدينهم ~~رئيسهم المسمى بالكوهن إلى الآن وهي # الحالة السادسة لا أبدلهم الله منها وزادهم ذلا وصغارا إلى يوم الدين وقد ~~فعل # | الرياسة الثانية # # | رياسة البابا # وضبط هذه اللفظة بباءين موحدتين من أسفل والنطق بهما مفخما والثانية ~~مشددة ومعناه أبو الآباء وإيجاز التوقيف على مصيرهم غلى اعتماد هذه الرياسة ~~بتلخيص ما وقع لهم من الإضراب من لدن رفع عيسى عليه السلام إلى هذا العهد # الإضراب الأول عند افتراق الحواريين ودخول أكثرهم إلى بلاد الروم داعين ~~غلى دين ms033 النصرانية واستقرار كبيرهم بنظره برومية دار ملك القياصرة وكتبهم ~~الأناجيل الأربعة المختلفة الرواية من وحي وغيره واجتماعهم برومة لوضع ~~قوانين الملة النصرانية الملتقطة من الكتب المتضمنة لشرع اليهود وتلك ~~الأناجيل المتلقاة عن الكاتبين لها # رئيس ملتهم لذلك العهد وخليفة المسيح فيهم المسمى بالبطرك وثانية المنعوت ~~لمن بعد منه يسمى بالأسقف والإمام المقيم للصلاة بهم والمفتي لهم فبالدين ~~يسمى بالقسيس والمنقطع للعبادة في الخلوة وأكثرها في الصوامع يسمى بالراهب ~~PageV01P099 # الاضطراب الثاني حين اختلاف القياصرة في الأخذ بهذه الشريعة وتعظيم أهلها ~~تارة ثم بتركها والتسلط على أهلها بالقتل في والنفي أخرى إلى أن جاء ~~قسطنطين الملك وأخذ بها واستمروا عليها ورئيسهم في هذه الحالة صاحب دينهم ~~كما مر # الاضطراب الثالث لما اختلف البطارقة والقديسون بعد ذلك في قواعد دينهم ~~وعقائده واجتمعوا في أيام قسطنطين لتحرير الحق في الدين واتفق ثلاثمائة ~~وثمانية عشرة منهم على رأي واحد فكتبوه وسموه الأمانة وجعلوه أصلا يرجعون ~~إليه فبقى المر كذلك إلى أن اختلفوا بعد ذلك في قواعد الدين اختلافا آخر ~~وهو # الاضطراب الرابع وكانت لهم مجتمعات في تقريره واتصل فيهم بنيابة الأساقفة ~~عن البطارقة وكان الأساقفة يدعون البطرك بالأب تعظيما له والأسقف يدعي حيث ~~ينوب عن البطرك بالأب أيضا تعظيما له فأرادوا أن يميزوا البطرك عن الأسقف ~~في التعظيم لحصول الإشتباه بينهما منذ أعصار متطاولة فدعوه البابا ومعناه ~~أبو الآباء فلم تزل سمته عليه بعد اختصاصه بكرسي رومة إلى الآن # الاضطراب الخامس وهو اختلافهم في الأعظم بعد ذلك في الدين وما يعتقدونه ~~في المسيح وصاروا طوائف وفرقا واستظهروا بملوك النصرانية كل على صاحبه غلى ~~أن استقرت ثلاث طوائف هي فرقهم التي لا معول لهم على غيرها وهم الملكانية ~~واليعقوبية والنسطورية ثم اختصت كل فرقة منهم ببطرك فبطرك رومة المسمى ~~بالبابا على رأي الملكانية وملكهم قديم بتلك الناحية وبطرك المعاهدين بمصر ~~على رأي اليعقوبية وهو ساكن بينهم والحبشية يدينون بدينهم ولبطرك مصر فيهم ~~أساقفة ينوبون عنه في إقامة دينهم هناك وإسم البابا مخصوص ببطرك رومة ولا ~~يسمى ms034 به اليعقوبية بطركم # أعلام قال ابن خلدون ومن مذاهب البابا عند نصرانية رومة تحضيضهم على ~~الإنقياد لملك واحد يرجعون إليه اختلافا واجتماعا تحرجا من افتراق الكلمة ~~ويتحرى فيه العصبية التي لا فوقها ليكون يده عالية PageV01P100 على جمعهم ~~ويباشره بوضع التاج على رأسه للتبرك فيسمى المتوج والله يضل من يشاء ويهدي ~~من يشاء # | عاطفة تكميل # تقدم أن أوائل النصارى التقطوا من كتب اليهود ما كتبوه من الأناجيل ~~وجعلوه اصل دينهم المشرف على شفا جرف هاو والشيخ شمس الدين ابن الأكفاني ~~لخص تلك الكتب فرأينا نقله تكميلا لقصد الإطلاع على ما وقع في الوجود ~~والأعمال بالنيات # قال بعد تقرير أن المشهور من فرقهم ثلاث الربانيون والقراؤون والسامريون ~~غير أن السامرية منهم نقلوا عن أنبيائهم تسعة عشر كتابا يضيفونها إلى خمسة ~~أسفار من التوراة على ما فيها من التبديل والاختلاف ويعبرون عن جملتها ~~بالنبوات # قال وهي مراتب # المرتبة الأولى التوراة وهي خمس أسفار # أحدها يذكر فيها بدء الخليفة والتاريخ من آدم إلى يوسف عليه السلام # الثاني يذكر فيه استخدام المصريين لبني إسرائيل وظهور موسى عليه السلام ~~وهلاك فرعون ويصف قبة الزمان وأحوال التيه وإقامة هارون عليه السلام ونزول ~~العشر كلمات وسماع القوم كلام الله تعالى # الثالث يذكر فيه تعليم القوانين بالإجمال PageV01P101 # الرابع يذكر فيها عدد القوم ويقسم الأرض عليهم وأحوال الرسل التي بعثها ~~موسى عليه السلام إلى الشام وأخبار المن والسلوى والغمام # الخامس إعادة أحكام التوراة وتفصيل المجمل وذكر وفاة هارون ثم موسى ~~وخلافة يوشع عليهم # المرتبة الثانية أربعة أسفار أحدهما يدعى ليوشع عليه السلام يذكر فيه ~~ارتفاع المن وأكلهم المال بعد تقديم القربان ومحاربة يوشع عليه السلام ~~الكنعانيين وفتحه البلاد وتقسيمها بالقرعة # الثاني يعرف بسفر الحكام فيه أخبار قضاة بني إسرائيل في البيت الأول # الثالث لشمويل عليه السلام فيه نبوته وملك طالوت وقتل داوود جالوت # الرابع يعرف بسفر الملوك فيه أخبار ملك داوود وسليمان عليهما السلام ~~وغيرهما وانقسام ذلك الملك بين الأسباط والملاحم والجلاء الأول ومجيء ~~بختنصر وحراب بيت المقدس # المرتبة الثالثة ms035 أربعة أسفار تدعي الأخيرة # أحدهما لشعياء عليه السلام يذكر فيه توبيخ الله تعالى لبني إسرائيل ~~وإنذارهم بما يقع وبشرى للصابرين وأشار إلى خراب البيت الثاني والخلاص على ~~يد كورش الملك # الثاني لأرميا عليه السلام خراب البيت بالتصريح والهبوط إلى مصر # الثالث لحزقيال عليه السلام يذكر فيها حكما طبيعة وفلكية مرمموزة وشكل ~~بيت المقدس وأخبار يأجوج ومأجوج PageV01P102 # الرابع اثنا سعرا فيها إنذارات بزلزال وجراد وإشارة إلى المنتظر والمحشر ~~ونبوة يونس عليه السلام وغرقه وابتلاع الحوت له وتوبة قومه ونبوة زكريا ~~عليه السلام وإشارة إلى اليوم العظيم وبشارة بورود الخضر عليه السلام # المرتبة الرابعة تدعى الكتب وهي أحد عشر سفرا # أحدهما التاريخ من آدم إلى البيت الثاني ونسب الأسباط وقبائل العالم # الثاني مزامير داوود عليه السلام وعدتها مائة وخمسون مزمار ما بين طلبات ~~وأدعية عن موسى عيه السلام وغيره # الثالث قصة أيوب عليه السلام وفيه مباحث كلامه # الرابع أمثال حكمية عن سليمان عليه السلام # الخامس أخبار الحكام قبل الملوك # السادس نشائد عبرانية لسليمان علي السلام مخاطبات بين النفس والعقل # السابع يدعي جامع الحكمة لسليمان عليه السلام فيه الحث على طلب اللذات ~~العقلية الباقية وتحقير الجسمية الفانية وتعظيم الله تعالى والتخويف منه # قلت لا يفهم من هذا أن اللذات الحسية لا وجود لها في الآخرة فإن الملة ~~المحمدية على الآتي بها أفضل الصلاة والسلام وأزكى التحية قد تكفلت بصدق ~~الوعد بها على وجه لا ريب فيه # الثامن يدعي النواح لأرمياء عليه السلام فيه خمس مقالات على حروف المعجم ~~ندب على البيت PageV01P103 # التاسع في ملك ازدشير وعبد النور # العاشر لدانيال عليه السلام فيه تعبير منامات بحتنصر وولده مرموز على ما ~~يقع في الممالك وحلل البعث والنشور # الحادي عشر لعزيز عليه السلام فيه صفة عود القوم من أرض بابل إلى البيت ~~الثاني وبناءه # قال وينفرد الربانيون بشروح لعوائم التوراة وتفريعات عليها ينقلونها عن ~~موسى عليه السلام # | النوع الثاني # # | الرياسة غير الشرعية # إما لعدم التدين بها من أصل أو القيام بها من حيث الحاجة إليها طبعا ms036 من ~~غير التفات إلى موافقة قصد الشارع بها أو مخالفته وإن صدق بالشريعة ولا ~~خفاء أن فرض هذه الرياسة إنما هو فيما دون الملك كما تقدم ولها في الواقع ~~على هذا الفرض صور عديدة يكفي منها اثنتان # الصورة الأولى انفراد واحد بنوع من التغلب بسياسة من غلب عليه لينتظم ~~عمرانها برعايتها جلبا ودفعا ولا يخفي موقعه في الوجود قديما وحديثا # الصورة الثانية إقامة جماعة من مشيخة المرؤوس عليهم لينهضوا بتدبير أمرهم ~~وإقامة مصالحهم وقد تقدم مثله لبني إسرائيل قبل وجود العصبية الحاملة على ~~التغلب الذي غايته الملك الذي بلغوه بعد وأمثالهم في ذلك من سائر الأمم ~~ولله العليم الحكيم PageV01P104 & الباب الثاني & & في سبب وجود الملك ~~وشرطه & # والنظر في طرف سبب وجوده وشرطه وما يقضي إليه ذلك وهو الحرب والقتال # الطرف الأول في سبب وجود ذلك # قد سبق تقرير أن الاجتماع الطبيعي للبشر لا بد فيه من وازع وهو السلطان ~~القائم بقهر ملكه عن محذور ما يعرض فيه من الشرور الطبيعية لوجوده وظاهر من ~~توقع هذا المحذور أنه سبب كاف في وجود الملك من تلك الجهة والغرض الآن تنزل ~~البيان لبعض الحكم المشتمل عليها بحسب الحاجة إليه على الإطلاق منضما لما ~~سبق من ذلك تمهيدا وتأصيلا والمذكور منها عشر حكم # الحكمة الأولى ذلك السبب الذي تقدم ولظهور العناية به أشير إليه عن طريق ~~التعريف بها في قوله تعالى @QB@ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت ~~الأرض @QE@ على بعض محتملاته وهو أن معناه أن الله تعالى يدفع بوضع الشرائع ~~ونصب الملوك أنواع الشرور والمفاسد # قال الإمام فخر الدين ويشهد له قوله تعالى ^ ولولا دفع الله الناس ~~PageV01P105 بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله ~~كثيرا ) # الحكمة الثانية أن السلطان المستقل به من حجج الله تعالى وعلى وجوده ~~وبينات الدلالة على توحيده لأن عدم استقامة العالم بغير مدبر شاهد بأن ~~اختراعه على أفضل وجوه العناية به لا يصح إسناده لغير شيء بل لابد من ~~الإقرار بفاطره الحكيم واستحالة صلاح البلد ms037 الواحد بنصب سلطانين دليل على ~~أن العالم لا يصلح بوجود الاثنين @QB@ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ~~@QE@ # قال الطرطوشي والعالم بأسره في سلطان الله عز وجل كالبلد الواحد في سلطان ~~الأرض قال ولهذا قال علي رضي الله عنه أمران جليلان لا يصلح أحدهما إلا ~~بالتفرد ولا يصلح الآخر إلا بالمشاركة وهما الملك والرأي فكما لا يستقيم ~~الملك بالشركة لا يستقيم الرأي بالتفرد # الحكمة الثالثة إنه يتنزل من الدين منزلة الأخ المعين والعماد الرافع ~~لفسطاطه فقديما قيل الدين والسلطان توأمان وعن أزدشير أنه قال لابنه ~~PageV01P106 يا بني إن الملك والدين أخوان لا غنى لأحدهما عن الآخر فالدين ~~أس والملك حارس وما لم يكن له أسس فمهدوم وما لم يكن له حارس فضائع وعن كعب ~~مثل الإسلام والسلطان والناس مثل الفسطاط والعمود والأوتاد والأطناب # فالفسطاط الإسلام والعمود السلطان والأطناب والأوتاد والناس لا يصلح ~~بعضهم إلا ببعض قال # قال الشاعر # ( لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم % ولا سراة إذا جهالهم سادوا ) # ( والبيت لا يبتني إلا على عمد % ولا عماد إذا لم ترس أوتاد ) # ( فأن تجمع أوتاد وأعمدة % يوما فقد بلغوا الأمر الذي كادوا ) # الحكمة الرابعة إنه يدفع بتخويفه وتهديده مالا يدفع بالقرآن بتكرار وعظه ~~وترديده في الحديث إن الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن # وقال الطرطوشي معناه ليدفع PageV01P107 # قلت وذلك لما في الطباع البشرية من العدوان والاستعصاء عن الطاعة ومن ثم ~~قال ابن المبارك # ( إن الجماعة حبل الله فاعتصموا % بعروته الوثقى لمن دانا ) # ( كم يدفع الله بالسلطان مظلمة % في ديننا رحمة منه ودنيانا ) # ( لولا الخليفة لم تأمن لنا سبل % وكان أضعفنا نهبا لأقوانا ) # الحكمة الخامسة أنه يندفع به ضرر ما يفوت بتقدير فقده من حاجة الخلق ~~لتنفيذ الأحكام وإقامة الصلوات وجباية الخراج ونصب القضاة وحماية البيضة ~~وسد الثغور وتجهيز الجيوش وقسم الغنائم وبعث السعاة والولاة وإنصاف المظلوم ~~والظاهر إن دفع الضرر عن النفس واجب بإجماع الأنبياء والرسل وبصريح العقل ~~عند القائلين بتحسينه وتقبيحه وحينئذ فنصبه واجب تحصيلا لهذه الحكمة ~~البالغة وهي ms038 طريقة غير واحد في تقرير هذا الوجوب اعتبارا كالإمام فخر الدين ~~والأمدي والبيضاوي في آخرين PageV01P108 لكن قررناها على مقتضى تقرير ابن ~~التلمساني فيها # الحكمة السادسة إنه لا يتم قصد الشارع في وضعه الشريعة لصلاح العباد ~~عاجلا وآجلا حسبما خلص برهانه في علم الكلام إلا بنصبه وقرره الأمدي بأن ~~عدم انقياد الناس لما جبلوا عليه من اختلاف الأهواء يفوت عليهم موافقة ذلك ~~القصد مع وقوع الفتن باختلاف الكلمة عند موت الأئمة إلى نصب إمام آخر بحيث ~~لو تأخرت إقامته وبطل المعاش وصار كل مشغول بنفسه تحت قائم يتبعه وذلك مفض ~~إلى الهلاك لا محال # قال فإذا نصب الإمام من أهم مصالح المسلمين وأعظم مقامات الدين وهو حكمة ~~الإيجاب السمعي انتهى ملخصا # الحكمة السابعة إنه يحرس الدين من محذور تبديله وتغييره فقد تقدم عن ~~أزدشير أن الدين أس والسلطان حارس وقرره الماوردي بما هو حاصله أنه ما من ~~دين زال سلطانه إلا بدلت أحكامه وغيرت سنته كما أن السلطان إذا عرى عن ~~الدين كان السلطان قهر ومفسد دهر # قال ومن هذين الوجهين وجبت إقامته ليحرس الدين ويجري على سنته # قلت وعلى ما سبق عن ابن خلدون إن الدين الذي لم تتخذ فيه الخلافة والملك ~~ما عدى دين الإسلام لا يجري في هذا التقرير على حسب المراد به نعم يتمشى ~~فيه من حيث الأولى لا الوجوب نقلا أو عقلا # الحكمة الثامنة أنه العدة العظمى لرفع ما يتوقع من الفتن المبيرة ~~والافتراق المفضي لفساد النظام بتقدير أن يكون غيره هو المتصدي PageV01P109 ~~لضم نشر الأمة وجمع كلمتها بعد وقوع ذلك وللقرافي فيه تقرير بالغ حاصلة أن ~~النظام لا يستمر إلا بما ترصد بعين الكلاءة لمبادئ الفتن ليتبادر إلى إطفاء ~~نارها قبل تصدي الطغام لذلك فتختلف الأهواء ويبقى الناس فوضى مهملين وذلك ~~مفض إلى استيلاء الأراذل على الأفاضل وامتداد الأيدي العادية إلى الفروج ~~والأموال ولا يخفى ما في ذلك من حل عصم الدين والدنيا # قال فيتبين من هذا المنظر البصير أن الإمام ضروري للخلق وأنهم لا ms039 غنية ~~لهم عنه في دفع الباطل وتقرير الحق انتهى ملخصا # الحكمة التاسعة إنه في الأرض الظل الظليل والدواء الذب تحفظ به الصحة ~~ويشفى به العليل وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم السلطان ظل الله في ~~الأرض يأوي إليه كل مظلوم ثم من كمال هذه الحكمة من حيث هي نعمة تعم الظالم ~~والمظلوم فالظالم تكفه عن الظلم والمظلوم بأمنه وكف الظالم عنه ولو فقد هذا ~~لكان مثلهم كما قال الطرطوشي كمثل الحوت في الماء يبتلع الكبير والصغير # قال ولهذا قال بعض القدماء لو رفع السلطان من الأرض ما كان له تعالى في ~~أهل الأرض من حاجة # الحكمة العاشرة إنه الكفيل بتنجيز ما ورد به الوعد الصادق من ظهور دين ~~الحق على الدين كله وبلوغ ملك الأمة به مازوي للنبي صلى الله عليه وسلم من ~~مشارق الأرض ومغاربها إذ لإخفاء أن ما وقع من ذلك أو يقع إلى يوم القيامة ~~يستدعي نصب لإقامة ما تتم به مطالبة ذلك ومن ثم لما أمر بنو إسرائيل بقتال ~~من غلبهم على الدين طلبوا ملكا يتيسر به بلوغ ذلك المرام قال تعالى ^ ألم ~~ترى إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا PageV01P110 لنبيهم ~~ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ) ثم قال تعالى إخبارا بإجابة ما سألوا ~~من ذلك @QB@ وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا @QE@ # تعريف ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ثم قال تعالى أخبارا بإجابة ما ~~سألوا من ذلك وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا تعريف ذكر ~~المؤرخون أن أول ملك وضع في الأرض كيومرث ابن آدم عليه السلام فساروا إليه ~~وعرفوه حاجتهم إلى ملك قيم وقالوا له أنت أكبرنا وأشرفنا وبقية أبينا وليس ~~في العصر من يوازيك فاضم أمرنا إليك وكن القائم فينا فإننا سمعك وطاعتك ~~والقائلون بما تراه فأجابهم إلى ما دعوه إليه واستوثق منهم توكيد العهود ~~والمواثق على السمع لوالطاعة وترك الخلاف عليه فلما وضع التاج على رأسه قال ms040 ~~ان النعمة ا تدوم إلى بالشكر وأنا أحمد الله على أياديه ونشكره على نعمته ~~ونرغب الله في مزيده ونسأله المعونة على ما دفعنا إليه وحسن الهداية إلى ~~العقل الذي يجمع العقل الذي يجمع الشمل ويصفي العيش فثقوا بالعدل منا ~~وأنصفونا من أنفسكم نوردكم أفضل ما هممكم والسلام # | الطرف الثاني # # | في شرط وجوب الملك وهي # # | العصبية أو ما يقوم مقامها # وفيه لبيان ذلك وما يلحق به مسائل # المسألة الأولى إن الملك والدولة العامة إنما تحصل بالعصبية والشوكة وقد ~~يعبر عنها بالجند حيث يقوم مقامها وذلك لأن حصول الملك أولا PageV01P111 ~~متوقف على التغلب عليه بقهر من ينافس فيه لشرف منصبه واشتماله على الملاذ ~~البدنية والنفسانية كما قال والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا والتغلب من حيث ~~هو كذلك متوقف على العصبية لما فيها من النعرة الحاملة على التعاضد ~~والتناحر لا محالة لأن شأن كل أمر لايتم حمل الناس عليه إلا بالسيف والسنان ~~لما في طباعهم من استعصاء وصعوبة الانقياد كما سبقت الإشارة إليه # تنبيه قال ابن خلدون وهذا الأمر بعيد عن إفهام الجمهور لنسيانهم عهد ~~تمهيد الدول أولا فلا يعرفون ما فعل الله أول الدولة وما لقي أولهم من ~~المتاعب # قال وخصوصا أهل الأندلس في نسيان هذه العصبية لطول الأمد واستغنائهم في ~~الغالب عن قوتها لتلاشي وطنهم وخلوه عن العصائب والله قادر على ما يشاء # قلت وذكر في موضع آخر إن أول قائم بأمر المسلمين من هؤلاء الملوك ~~النصريين أيدهم الله ونصرهم وهو السلطان الغالب بالله محمد بن يوسف بن نصر ~~قدس الله روحه لم يحتج لكثر من عصابة قليلة من قرابة المسمين بالرؤساء لقلة ~~العصائب بالأندلس وإنها سلطان ورعية فلا يظن به خلاف ذلك والله غني عن ~~العالمين انتهى المراد منه # المسألة الثانية أن الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك # لأن صاحبها إذا بلغ رتبة الرياسة التي يصير بها متبوعا لا غير وأمكنه ~~الترقي إلى ما وراء ذلك من القهر والتغلب فإنه يترامى إليه بأقصى جهده ~~تكميلا لمطلوب النفس منه ms041 وتحصيلا لغاية ما تجري إليه العصبية القاهرة وهو ~~الملك الذي به كمال القهر والتغلب PageV01P112 # قلت من له همة علية يطلب بعده ما وراء ذلك من الملك الكبير في الدار ~~الآخرة # قال عمر ابن عبد العزيز رضي الله عنه كانت لي نفس تواقة تاقت إلى الإمارة ~~فلما بلغتها تاقت إلى الخلافة فلما بلغتها تاقت إلى الجنة # المسألة الثالثة إن الدولة إذا تمهدت قد تستغني عن العصبية # وسر ذلك أن الدول العامة في ابتدائها يصعب الانقياد لها لغرابتها إلا ~~بتغلب قوى فإذا استقرت رياستها في أهل النصاب المخصوص بالملك واستحكمت لهم ~~صبغتها فلا يحتاج إذ ذاك إلى كبير عصابة ويكفي الاستظهار عليها أما ~~بالموالي والمصطنعين أو بالعصائب الخارجين عن نسبها الداخلين في وليتها # تمثيل من مشهور الدول الواقع فيها ذلك ما يذكر # الدولة الأولى دولة بني العباس # لما فسدت عصبيتها في أيام المعتصم وابنه الواثق واستظهروا بعد ذلك ~~بالموالي من العجم والترك والديلم والسلجوقية وغيرهم إلى أن تغلب العجم على ~~النواحي وتقلص ظل الدولة فلم تعد أعمال بغداد حتى زحف إليها الديلم وملكوها ~~وصار الخلائف في ملكهم إلى أن ملك السلجوقية من بعدهم والخلائف كذلك في ~~حكمهم إلى أن جاء التتر فمحوا رسوم الدولة ونسخوها PageV01P113 # الدولة الثانية دولة صنهاجة بالمغرب # فسدت عصبيتهم منذ المائة الخامسة أو ما قبلها واستمرت لهم الدولة متقلصة ~~الظل بالمهدية وبجاية والقلعة وسائر ثغور إفريقية إلى أن جاء الموحدون أولو ~~العصبية القوية في المصامدة فمحوا آثارهم # الدولة الثالثة دولة الأموية بالأندلس # لما فسدت عصبيتها استولى عليها ملوك الطوائف واقتسموا خطتها أنتزى كل على ~~ما كان بيده وشمخ بأنفة وبلغهم شأن العجم في الدولة العباسية فتلقبوا ~~بألقاب الملك ولبسوا شارته وأمنوا من تغيير ذلك عليهم لفقد القائم به في ~~الأندلس إذ ليس بدار عصائب ولا قبائل فاستظهروا بالموالي والمصطنعين ~~والطراء عليهم من قبائل العدوة إقتداء بالدولة في آخر أمرها بالاستظهار بهم ~~لما ضعفت عصبية العرب واستبد ابن أبي عامر على الدولة فكان لهم دول عظيمة ~~وحظ كبير من الملك ms042 على نسبة الدولة القديمة المقسمة إلى أن دخل إليهم ~~المرابطون ذوو العصبية القوية في لمتونة فاستزلوهم ومحوا آثارهم ولم يقدروا ~~على مدافعتهم لفقدان العصبية لديهم # تنبيه على وهم # قال ابن خلدون وقد ظن الطرطوشي إن حامية الدول بإطلاقهم الجند المرتزقون ~~ولا يتناولون كلامه تأسيس الدول أولا بل ما تمهد منها أخيرا باستقرار الملك ~~في نصابه واستحكام الصبغة لأهله # قال ابن خلدون فالرجل إنما أدرك الدولة عندها هرمها ومصيرها إلى ~~PageV01P114 الاستعانة بالإجراء المرتزقة والاستظهار بالموالي والصنائع ~~لفساد العصبية من العرب وهلاكهم منذ ثلاثمائة سنة لعهد الذي كان في ايالته ~~وهو المستعين بن هود وابنه المظفر فلم ير إلا سلطانا مستبدا بالملك عن ~~عشائره لا ينازع فيه لاستحكام صبغة الاستبداد واستعانته بالمرتزقة فأطلق ~~القول ولم يتفطن لكيفية الأمر في أول الدولة وأنه لا يتم إلا بالعصبية فتظن ~~أنت له وافهم سر الله فيه والله يوتي ملكه من يشاء # | المسألة الرابعة # أن بعض أهل النصاب الملكي قد تحدث لهم دولة بغير عصبية استغناء عنها لكن ~~بشرطين أن يكون لعصبيته غلب كثير على المم والأجيال وأن يكون في نفوس ~~القائمين بأمره من أهل القاصية إذعان إليه وانقياد فمتى نزع إليهم هذا ~~الخارج مستبدا عن مقر ملكه ومستتب عزه استملوا عليه وقاموا بأمره رجاء ~~استقراره في نصابه لما استحكم له ولقومه من صبغة الملك الظاهر في الأرض ~~والمستقر لهم من عقيدة اليمان بوجوب الطاعة لهم # تمثيل قال كما اتفق للإدارسة بالمغرب الأقصى والعبيديون بإفريقية ~~PageV01P115 ومصر فقام بأمرهم البرابرة واقتطعوا من ممالك آل العباس المغرب ~~كله إلى أن ملك العبيديون مصر والشام والحجاز وقاسموهم في الممالك ~~الإسلامية شق الابلحة تسليما لما حصل من الملك لبني هاشم ولما استحكم من ~~غلب قريش ومضر على سائر المم فلم يزل الملك في أعقابهم إلى انقراض دولة ~~العرب بأسرها والله وارث الأرض ومن عليها # | المسألة الخامسة # إن الأمة إذا كانت وحشية كان ملكها أوسع وذلك لوجهين # أحدهما أنهم أقدر على التغلب وانقياد من سواهم على ما تقدم كالعرب وزناته ~~ومن ms043 في معناهم من الأكراد والتركمان وأهل السام من صنهاجة # والثاني انهم لتوحشهم لا وطن لهم يجنحون إليه فنسبة الأقطار إليهم على ~~سواء وعند ذلك لا يقتصرون على ملك قطرهم ولا بد يقفون عند حدود أفقهم بل ~~يطيرون إلى الأقاليم البعيدة ويتغلبون على الأمم القاصية # برهان وجود بماثلين # أحدهما ما يحكى من ذلك عن عمر رضي الله عنه لما بويع وقام يحرض الناس على ~~العراق فقال أن الحجاز ليس لكم بدار إلا على النجعة ولا يقوى عليه أهله إلا ~~بذلك أين الطراء المهاجرون عن موعد الله سيروا في الأرض التي وعدكم في ~~الكتاب أن يورثكموها فقال ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون # الثاني ما اتفق منه للملثمين بالمغرب لما نزعوا إلى الملك ملكوا من ~~PageV01P116 الأقاليم الأول ومجالهم منه في جوار السودان إلى الرابع ~~والخامس في ممالك الأندلس من غير واسطة وهو شأن الأمم الوحشية فلذلك تكون ~~دولهم أوسع نطاقا وأبعد من مراكزها نهاية والله مقدر الليل والنهار # | المسألة السادسة # إن الدولة البعيدة الاستيلاء العظيمة الملك أصلها الدين ودعوة الحق لن ~~اتفاق الأهواء على المطالبة إنما يكون بمعونة من الله تعالى في إقامة دينه ~~لذلك قال الله تعالى @QB@ لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ~~ولكن الله ألف بينهم @QE@ قال ابن خلدون وسره أن القلوب إذا مالت إلى ~~الدنيا وقع التنافس وفشا الخلاف وإذا رفضت الدنيا وأقبلت على الله اتحدث ~~وجهتها فذهب التنافس وقل الخلاف وحسن التعاون والتعاضد واتسع نطاق الكلمة ~~لذلك فعظمت الدولة # | المسألة السابعة # أن الدعوة الدينية تزيد الدولة على قوتها عصبيتها في الأصل وذلك لأمرين # أحدهما أن الصبغة الدينية كما سلف تذهب بتحاسد ذوي العصبية وتفرد الوجهة ~~غلى الحق ومن استنصر بذلك فيأمره لم يقف له شيء # قلت قيل لبعض ملوك فارس أي مقاتل الموت أنون عليه قال المستبصر في الدين ~~والغيران على النساء والغضبان الذي يمتص لنفسه من الذلة PageV01P117 # الثاني إن المطلوبين لهم وأن فرضوا اضعافهم فأغراضهم متباينة وتخاذلهم من ~~خوف الموت حاصل فلا ms044 يقاومونهم ألبته وغن كاثروهم قوة وعددا # | تصديق بواقعين # أحدهما ما وقع للعرب صدر الإسلام كانت جيوش المسلمين بالقادسية واليرموك ~~بضعا وثلاثين ألفا في كل معسكر وجموع فارس مائة وعشرين ألفا بالقادسية ~~وجموع هرقل أربعمائة ألف فيما ذكر الواقدي فلم يقف لهم أحد من الجانبين بل ~~هزموهم وغلبوهم على ما بأيديهم # الثاني ما اتفق منه للملثمين بالمغرب لما نزعوا غلى الملك ملكوا من ~~عصبيتهم فما وقف لهم أحد # قال واعتبر ذلك إذا حالت صبغة الدين وفسدت كيف ينتقض الأمر ويصير الغلب ~~على نسبة العصبية فقط دون زيادة الدين فالموحدون يشف عليهم عددا وعصبية إلا ~~أن الاجتماع الديني ضاعف قوة لما قدموا بدعوة دينية غلبوا على زناتة وأن ~~كانوا اشد منهم قوة وبداوة فلما حادوا عن تلك الصبغة الدينية انقضت عليهم ~~زناتة من كل جانب وانتزعوا منهم ما ملكوه والله غالب على أمره # المسألة الثامنة أن العرب لا يحصل لهم الملك ألا بصبغة دينية وذلك ~~PageV01P118 لآنفة نفوسهم المتوحشة أبعد المم فيما بينهم وقلما تجتمع ~~أهوائهم فإذا وجدوا الدين بنبوة أو ولاية سهل انقيادهم وأمكن اجتماعهم ~~لذهاب ما يصد عن ذلك فيحصل لهم الملك والتغلب ولا بعد في ذلك إذ هم أسرع ~~الناس قبولا للحق والهدى لسلامة طبائعهم من ذميم الأخلاق كما تقدم إلا ما ~~كان من خلق التوحش الغريب المعاناة ببقائه على الفطرة الأولى وبعدها عن كل ~~ما يتطبع في النفس من قبيح العوائد وسوء الملكات كل مولود يولد على الفطرة # المسألة التاسعة إن الدعوة الدينية لا تتم إلا بالعصبية لما سبقت الإشارة ~~إليه أن كل أمر يحمل الناس عليه لا يتم إلا بالقتال الموقوف على العصبية ~~وفي الصحيح ما بعث الله نبيا إلا في منعة من قومه وإذا كان هذا في الأنبياء ~~فما الظن بغيرهم ومع وضوحه فقد وقع الغلط بالذهول عنه لصنفين من الناس ~~الصنف الأول طلاب الملك لمجرد الدين كما اتفق لابن قسي صاحب خلع النعلين في ~~التصوف ثار بغرب PageV01P119 الأندلس داعيا بدعمه إلى الحق وسمي أصحابه ~~بالمرابطين فاستتب ms045 له الأمر قليلا لشغل لمتونة بما دهمهم من أمر الموحدين ~~لأول استيلاء الموحدين على المغرب ثم بادر بالدخول إلى دعوتهم وكان أول ~~داعية لهم بالأندلس لفقد العصبية الحامية عن المطالب # قلت ومن هذا الصنف الرجل المعروف بيوسف المدجن القائم بدعوته أهل ربض ~~البيازين صدر هذه المائة التاسعة توهما منهم أنه يقيم دعوة حق ويحي رسم ~~الدين فقتل لأمد قريب من ظهور فتنة ومضى لسبيله وأمثالهم من الغافلين عن ~~اعتبار العصبية في مثل ما طمع فيه كثير # قال وما إن كان ملبسا فأحرى أن لا يتم له أمر وأن يبوء بإثمه وذلك جزاء ~~الظالمين # الصنف الثاني # القائمون بتغيير المنكر على أمراء الجور من الفقهاء والمتعبدين اغترارا ~~بمن تبعهم من الغوغاء والدهماء فيهلكون في سبيل ذلك مأزورين غير مأجورين ~~لأن الأمر به مشروط بالقدرة عليه والملك الراسخ البناء لا يهدمه إلا ~~المطالبة بالعصبية الغالبة كما سلف # قال فاعتبر حال الأنبياء عليهم السلام في الدعاء إلى الله تعالى ~~PageV01P120 بالعصائب والعشائر ولو شاء الله تعالى ليدهم بالكون كله لكن ~~أجرى الأمور على مستقر العادة والله عليهم حكيم هذا وأن صدقوا فيما ذهبوا ~~إليه من ذلك فإن لبسوا به في طلب الرياسة فأجدر أن تنقطع بهم المهالك لأنه ~~أمر الله لا يتم إلا برضاه وإعانته والإخلاص له في النصيحة للمسلمين # قال وأول من ابتدأ هذه النزعة ببغداد حين وقعت فتنة طاهر وقتل الأمين ~~وأبطأ المأمون بخراسان عن مقدم العراق ثم عهد لعلي بن موسى الرضى من آل ~~الحسين فكشف بنو العباس وجه النكير PageV01P121 عليه وتداعوا للقيام وخلع ~~طاعة المأمون وبويع إبراهيم بن المهدي فوقع الهرج ببغداد وانطلقت أيدي ~~الزعرة بها على أهل العافية والصون وقطعوا السبل وامتلأت أيديهم من نهب ~~الناس وباعوها علانية في الأسواق واستعدى أهلها الحكام فلم يعدوهم فتوافر ~~أهل الدين والصلاح على منع الفساق وكف عاديتهم وقام ببغداد رجل يعرف بخالد ~~الدريدس ودعا الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأجابه خلق وقاتل ~~أهل الدعارة وغلبهم وأطلق يده فيهم بالضرب والتنكيل ثم ms046 قام من بعده رجل آخر ~~من سواد أهل بغداد يعرف بسهل بن سلامة الأنصاري ويكنى أبا حاتم وعلق مصحفا ~~في عنقه ودعا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل بكتاب الله وسنة ~~نبيه فاتبعته كافة الناس من بين شريف ووضيع من بني هاشم فمن دونهم ونزل قصر ~~طاهر واتخذ الديوان وطاف ببغداد ومنع كل من أخاف المارة ومنع الخفارة ~~لأولئك الشطار وقال له خالد الدريدس أنا لا أعيب على السلطان وقال له سهل ~~لكني أقاتل كل من خالف الكتاب والسنة كائنا من كان وذلك سنة إحدى ومائتين ~~وجهز إبراهيم بن المهدي إليه العساكر فغلبه وأسره وانحل أمره سريعا ونجا ~~بذات نفسه PageV01P122 # تحكيم سياسة قال الذي يحتاج إليه في أمر هؤلاء أما المداواة إن كانوا من ~~أهل الجنون أو التنكيل بالقتل أو الضرب أن أحدثوا هرجا وإذاعة السخرية بهم ~~وعدهم في جملة الصفاعين # قلت ولابد من رعاية ما يوجبه الشرع من ذلك # المسألة العاشرة # إن الملك إذا ذهب عن بعض الشعوب من أمة فلابد من عودة إلى شعب آخر منها ~~ما دامت لهم العصبية وذلك لأن الملك إنما حصل لهم بعد التغلب على سائر ~~الأمم وعند انغماس ما تعين منهم لوراثته في نعيم الترف الكاسر من سورة ~~العصبية وإشرافهم بذلك على الهرم الطبيعي للدول على ما بأتي بيان ذلك كله ~~إن شاء الله فيكون حينئذ عصبية المكبوحين منهم عن المشاركة في ذلك موفورة ~~وسورة غلبهم من الكاسر محفوظة فتسموا آمالهم إلى الملك الذي كانوا ممنوعين ~~منه بالقوة البالغة من جنس عصبيتهم المكبوحين منهم عن المشاركة في ذلك ~~موفورة وسورة غلبهم من الكاسر محفوظة فتسموا آمالهم إلى الملك الذي كانوا ~~ممنوعين منه بالقوة الغالبة من جنس عصبيتهم وترفع المنازعة لما عرف من ~~غلبهم فيستولون على الأمر وتصير إليهم الإنزال كذلك مترددة فيهم إلى تلاشي ~~عصبيتهم بفناء سائر عشائرهم سنة الله في الحياة الدنيا والآخرة عند ربك ~~للمتقين # | اعتبار # قال واعتبر بما وقع في الأمم لما انقرض ملك عاد قام به من بعدهم ms047 إخوانهم ~~من ثمود ومن بعدهم إخوانهم العمالقة ومن بعدهم إخوانهم من حمير ومن بعدهم ~~إخوانهم التبابعة ثم بعدهم الأذواء ثم جاءت الدولة لمضر وكذا الفرس انقرض ~~أمر الكنية فملك بعدهم الساسانية حتى أذن الله بانقراضهم أجمع بالإسلام ~~وكذا اليونانيون انقرض أمرهم PageV01P123 وانتقل إلى إخوانهم من الروم وكذا ~~البربر لما انقرض أمر مغراوة وكتانة منهم رجع إلى صنهاجة منهم ثم إلى ~~الملثمين ثم إلى المصامدة ثم من بقي من شعوب زنانة # مزيد تحصيل قال وأصل هذا كله إنما يكون بالعصبية وهب متفاوتة في الأجيال ~~فإذا انقرضت دولة فغنما تنتقل إلى من له عصبية مشاركة لعصبيتهم آلتي أونس ~~منها الغلب لجميع العصبيات ولا يوجد ذلك إلا في النسب القريب منهم حتى إذا ~~وقع في العالم تبديل كبير من تحويل ملة أو ذهاب عمران فحينئذ يخرج عن ذلك ~~الجيل إلى الجيل الذي كان يأذن الله بقيامه بذلك التبديل كما وقع لمضر حين ~~غلبوا على الأمم وأخذوا المر من أيدي أهل العالم هذا بعد أن كانوا مكبوحين ~~عنه أحقابا # المسالة الحادية عشرة أن الرياسة قد تحصل لأهل الأمصار بوجود العصبية ~~الغالبة # وذلك لأن التحامهم بالصهر يحصل به بعض ما يحصل بالنسب فإذا نزل الهرم ~~بالدولة وتقلص الملك عن القاصية احتاج أهل أمصارها إلى القيام على أمرهم ~~ورجعوا إلى الشورى وتمييز العلية عن السفلة فتطمع المشيخة لخلو الجو من ~~السلطان القاهر إلى الاستبداد وينازع كل صاحبه ويتوصلون بالإتباع من ~~الموالي والشيع ويتركون للأوغاد والأوشاب فيعصو صب كل بصاحبه ويتعين الغلب ~~لبعضهم فيعطف على أكفائه بالقتل والتغريب حتى يستبد بمصره ويرى أنه قد ~~استحدث ملكا يورثه عقبه فيحدث في ذلك الملك الأصغر ما يحدث في الملك الأعظم ~~ذي القبائل والعصبيات والزحف والممالك فينتحلون من الجلوس على PageV01P124 ~~السرير واتخاذ الآلة والتحية والخطاب بالتهويل ما يسخر منه من يشاهد ~~أحوالهم وقد يجري على هذا حب السذاجة فرارا من التعريض بنفسه للسخرية به # تعيين واقع قال وقد وقع هذا بإفريقية لهذا العهد في آخر الدولة الحفصية ~~لأهل بلاد الجريد ms048 من طرابلس وقابس وتوزر ونفطة بسكرة والزاب وما يلي بذلك ~~فتغلبوا على أمصارهم واستبدوا بأمرها على الدولة في الأحكام والجباية عند ~~تقلص ظلها عنهم وأورثوا ذلك أعقابهم وحدث في خلقهم من الغلظة والتجبر ما ~~يحدث لأعقاب الملوك ونظموا أنفسهم في عداد السلاطين على قرب عهدهم بالسوقة # قال وكذا وقع بسبتة لاخر دولة بني عبد المؤمن # قال وهذا التغلب يكون غالبا في السروات والبيوتات المرشحين للمشيخة في ~~المصر وقد تحدث لبعض السفلة من الدهماء إذا حصلت له العصبية والالتحام ~~بالأوغاد لأسباب يجريها له المقدار فيغلب على المشيخة والعلية إذا فقدوا ~~العصبية والله غالب على أمره # | المسألة الثانية # أن من علامة الملك التنافس في الخلال الحميدة وبالعكس # وذلك لأن الملك خليفة الله على العباد في تنفيذ أحكامه التي هي خير صلاح ~~وأبطال أحكام الشيطان التي هي شر وفساد وأن كان كل ذلك بقضائه وقدره فمن له ~~عصبية غالبة وأنست منه الخلال المناسبة لتنفيذ أحكام الله فقد تهيأ للملك ~~وكفالة الخلق به وإذا تنافس أهلها في خلال الخير من PageV01P125 كرم وعفو ~~واحتمال من غير قادر وقرى ضيف وحمل كل وكسب معدم وصبر على مكروه ووفاء بعهد ~~وبذل مال في صون عرض وتعظيم شريعة وإجلال لمشايخ وأكابر وحياء منهم وانقياد ~~لحق وإنصاف مستضعف من أنفسهم وتبذل في أحوالهم وتواضع مع مسكين وسماع شكوى ~~وتدين بشرائع وعبادة وقيام عليها وتجاف عن غدر ومكر وخديعة ونقض عهد وأمثال ~~ذلك علم أن الله تعالى يأذن لهم بالملك لوجود خلق السياسة فيهم ودلالتها ~~عليهم على أنها لم تجعل فيهم سدى ولا عبثاء # | بيان العكس # إذا إذن الله بانقراض الملك حملهم على ارتكاب المذمومات وانتحال الرذائل ~~فتفقد الفضائل السياسية منهم جملة ولا تزال في نقص إلى أن تخرج منهم لسواهم ~~ليكون نعيما عليهم في سلبه وذهابه وإذا أردنا أن نهلك قرية امرنا متر فيها ~~ففسقوا فيها فحق علنها القول فدمرناها تدميرا # | المسألة الثالثة عشرة # إن حدوث الدول وتجددها منذ هرم الدولة المستقرة يقع على نوعين ~~PageV01P126 # أحدهما استبداد الولاة بقاحية ms049 الدولة عند تقلص ظلها فيستجد كل واحد منهم ~~ملكا يورثه عنه أبناؤه أو مواليه ويستعجل أمرهم بالتدريج ومن له فضل غلب ~~على ما بيد صاحبه # تمثيل قال كما وقع في دولة بني العباس حين تقلص ظلها عن القاصية بأخذها ~~في الهرم فاستبد بنو سامان بما وراء النهر وبنو حمدان بالموصل والشام وبنو ~~طولون بمصر # وكما وقع في الدولة الأموية بالأندلس حين افترق ملكها في ولايتها وانقسمت ~~دولا وممالك أورثوها قرابتهم ومواليهم # تعريف قال وهذا النوع لاحرب فيه لاقتصارهم على تملك ما بأيديهم وإنما ~~الدولة أدركها الهرم فعجزت عن الوصول إليهم # الثاني خروج خارج على الدولة أما بدعوة تحمل الناس عليها أو شوكة يسمونها ~~للتغلب على الدولة العاجزة عن الدفاع لهرمها فلا يزال يطالبها بالمحاربة ~~إلى أن يظفر بها # | المسألة الرابعة عشرة # إن الدولة المستجدة إنما تستولي على الدولة المستقرة بالمطاولة لا ~~بالمناجزة غالبا # وذلك حيث المطالبة كما في النوع الثاني المتقدم في المسألة قبل وسببه ~~أمور # أحدها أن قوة كل من الجانبين واف بقوة الجانب الآخر PageV01P127 ليكون ~~الحرب سجلا ومتكررا إلى أن يقع الاستيلاء بالمطاولة ولا يحصل بالمناجزة ~~غالبا # الثاني إن طاعة الدولة المستقرة ضرورية في النفوس وذلك عائق لمطالبها ~~وكاسر من همم أكثر اتباعها إلى الصبر والمطالبة إلى أن يظفر بمقصوده # الثالث أن الدولة المستقرة لما استحكم فيها من ترف ملكها ووفور عصائبها ~~تستظهر بما ترهب به عدوها والمستجدة بمعزل فتحجم عن القتال وتضطر إلى ~~المطاولة وربما يستحكم خلل المستقرة في العصبية والجباية وإذ ذاك تنتهز ~~فرصة الاستيلاء عليها # شواهد وقوع من مشهور ما يعتد لهذا الاعتبار وقائع مذكورة # أحدها تغلب بني العباس على الدولة الأموية بعد عشر سنين من ظهور دعوتهم ~~بخراسان # الثانية استيلاء بني عبيد على المغرب كله بعد إقامة داعيهم أبي عبد الله ~~الشيعي عشر سنين بأقصاه وسموا إلى ملك مصر فأقاموا نحو ثلاثين سنة في طلبها ~~وبعد ذلك استولوا عليها PageV01P128 # الثالثة تملك السلجوقية من ملوك الترك بخراسان بعد نحو ثلاثين سنة من ~~مطالبها ثم بغداد ms050 واستولوا عليها وعلى الخليفة بها بعد أيام من الدهر # الرابعة خروج التتر من المفازة أعوام سبعة عشر وستمائة فلم يتم لهم ~~الاستيلاء إلا بعد أربعين سنة # الخامسة ظهور المرابطين على ملوك المغرب بعد سنين من خروجهم من صحرائهم # السادسة استظهار الموحدين عليهم بالدعوة المهدية ثم لم يتمم أمرها إلا ~~بعد ثلاثين سنة وإذ ذلك استولوا على مراكش كرسي ملكهم # السابعة قيام بني مرين على الموحدين بعد نحو ثلاثين سنة منذ ملكوا فاس ~~واقتطعوها وأعمالها من ملكهم ثم بعد ثلاثين أخرى استولوا على مراكش كرسي ~~سلطانهم وهكذا حال الدول المستجدة مع المستقرة في المطالبة والمطاولة سنة ~~الله في عباده ^ ولن تجد في سنة الله تبديلا ^ # تنبيه لايعترض هنا باستيلاء الدولة الإسلامية على فارس والروم لثلاث أو ~~أربع من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه من معجزاته الخارقة للعادة ~~وسره استماتة المسلمين استبصار بالإيمان وبوقوع الرعب PageV01P129 في قلوب ~~عدوهم والمعجزة لايقاس عليها الأمور العادية ولا يعترض بها # | المسألة الخامسة عشرة # إن كل دولة لها حصة من الممالك والأوطان لا تزيد عليها # وسببه أن عصائبها القائمين بها لا بد من توزيعهم على ما تصير إليهم من ~~الممالك والثغور لحمايتها وإمضاء حكم الدولة فيها وذلك يوجب نفاد عددهم ~~وبلوغ الممالك حينئذ إلى حد يكون ثغر الدولة ونطاقا لمركزها فإن تكلفت بعد ~~ذلك زيادة عليه بقي دون حامية وعاد وبال ذلك على الدولة وما لم يبعد عدد ~~العصابة بقي فبالدولة قوة على تناول ما وراء العادية وحتى يتسع نطاقها إلى ~~نهايته # شهادة وجود قال وجود قال كما وقع للعرب صدر الإسلام لما توفرت عصائبهم ~~غلبوا على الشام والعراق ومصر لأسرع وقت ثم تجاوزوا غلى السند والحبشة ~~وإفريقية والمغرب ثم إلى الأندلس فلما تفرقوا على الممالك والثغور ونقد ~~عددهم قصروا عن الفتوحات وانتهى أمر الإسلام ولم يتجاوز تلك الحدود # فائدة حكمية قال والعلة الطبيعية في ذلك أن قوة العصبية من سائر القوى ~~الطبيعية وكل قوة يصدر منها فعلها فنشأنها ذلك والدولة في مركزها اشد مما ms051 ~~يكون في الطرف والنطاق وإذا انتهت إلى غايته عجزت عما وراءه # | مزيد اعتبار # قال ثم إذا أدركها الهرم نقصت من أطرافها وبقي المركز محفوظا إلى أن يأذن ~~الله بانقراض المر جملة فحينئذ يكون انقراضه # قال وإذا غلب عليه فلا ينفع بقاء الأطراف لأنه كالقلب الذي ينبعث منه ~~الروح فالدولة الفارسية كان مركزها المدائن فلما غلب المسلمون عليه انقرض ~~أمر فارس أجمع ولم ينفع يزدجر ما بقي بيده من ممالك أطرافه # وبالعكس من ذلك الدولة الرومية كان مركزها القسطنطينية فلما غلب المسلمون ~~على الشام تحيزوا إلى مركزهم ولم يضرهم انتزاع الشام من أيديهم وبقي ملكهم ~~به إلى أن يأذن الله بانقراضه # قلت وقد أذن تعالى في ذلك على يد ملك بني عثمان من الترك في أواسط هذه ~~المائة التاسعة فلله الحمد عليه كثيرا # المسألة السادية عشرة أن عظم الدولة في اتساع نطاقها وطول أمدها على نسبة ~~القائمين بها في القلة والكثرة # بيان الأول أن الملك لما كان بالعصبية وأهلها هم الحامية النازلون بممالك ~~الدولة وأقطارها كان ما هو من الدول العامة أكثر في أهل العصبية أعداد ا ~~وأوسع في الممالك أوطانا وأقطارا واعتبار ما يشهد لذلك في الواقع بحسب ~~الدول الإسلامية ظاهر من وجوه # أحدهما أن العرب لما ألف الله بين قلوبهم على كلمة الإسلام وبلغ من أسلم ~~منهم في غزوة تبوك آخر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم مائة ألف وعشرة الآف ~~من مضر وقحطان ما بين فارس وراجل إلى أن من أسلم منهم بعد ذلك وتوجهوا لطلب ~~ما بأيدي المم من الملك لم يكن دونه PageV01P130 حمى ول وزر واستأجروا أهل ~~فارس والروم أهل الدولتين العظيمتين في العالم لعهدهم ثم الترك بالمشرق ~~والإفرنجة والبربر بالمغرب والقوط بالأندلس وخرجوا من الحجاز إلى السوس ~~الأقصى ومن اليمن إلى الترك بأقصى الشمال واستولوا على الأقاليم السبعة # الثاني أن قبيل كتامة القائمين بدولة العبيديين لما كانوا اكثر من صنهاجة ~~ومن المصامدة كانت دولتهم أعظم فملكوا إفريقية والمغرب والشام ومصر والحجاز # الثالث إن زنانة لما ms052 كان عددهم أقل من المصامدة فصر ملكهم ملك الموحدين ~~لقصور عددهم عن عدد المصامدة في مبدأ أمرهم # الرابع أن بني مرين لما كان عددهم لأول ملكهم أكثر من بني عبد الواد كانت ~~دولتهم أقوى وأوسع نطاقا وكان لهم عليهم الغلب مرة بعد أخرى يقال أن عدد ~~بني مرين لأول أمرهم ثلاثة الآف وعدد بني عبد الواد ألف إلا أن الدولة ~~بالرفه وكثرة التابع كثرت من أعدادهم قال وعلى هذه النسبة في أعداد ~~المتغلبين لأول الملك يكون اتساع الدولة وقوعها # | بيان الثاني من وجهين # أحدهما هذا السبب بعينه قال لن عمر الحادث مزاجه ومزاج الدول إنما هو ~~بالعصبية فإذا قويت بكثرة العدد تبعها المزاج فبالقوة وكان أمد العمر طويلا # الثاني قال وهو السبب الصحيح أن النقص إنما يبدأ الدولة من الأطراف فإذا ~~كانت ممالكها كثيرة فأطرافها بعيدة عن مركزها ومتعددة وكل نقص يقع فلا بد ~~له من وزمان فتكبر أزمان النقص لكثرة الممالك واختصاص كل واحد منها بنقص ~~زمانه فيكون أمدها طويلا PageV01P132 اعتبار قال وانظر ذلك في دولة العرب ~~الإسلامية كيف كان أمدها أطول آماد الدول فلم ينتقص أمد بني العباس من أهل ~~المركز وبني أمية المستبدين بالأندلس إلا بعد الأربعمائة من الهجرة ودولة ~~العبيديين كان أمدها قريبا من مائتين وثمانين سنة ودولة صنهاجة دونهم من ~~لدن تقليد معد المعز أمر إفريقية بلكين بن زيري سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ~~إلى حين استيلاء الموحدين على القلعة وبجاية سنة سبع وخمسمائة ودولة ~~الموحدين لهذا العهد تناهز مائتين وسبعين سنة # قال وهكذا نسب الدول في اعتبارها على نسب القائمين بها سنة الله التي قد ~~خلت في عباده # قلت يرد عليه ما يشاهد من طول أمد الدولة الضعيفة العصبية في الأصل ويحاب ~~بأن استحكام الصبغة لصحابها ومع فقدان الطالب لما يوجب PageV01P133 ذلك ~~تنقص في مدة بقائها على ما يكون بها من الهرم إلى أن يأذن الله بأمره فلكل ~~اجل كتاب # | المسألة السابعة عشرة # إن الأوطان الكثيرة القبائل لا تستحكم فيها دولة غالبا # وسببه اختلاف الآراء ms053 والأهواء فيكثر لذلك الخروج على الدولة وإن كانت ذات ~~عصبية لأن من تحت يدها من العصائب له قوة تنهضه غلى ذلك ومن شواهده في ~~الوجود واقعان # أحدهما ما وقع بإفريقية والمغرب منذ أول الإسلام وإلى الآن لكثرة قبائلها ~~التي لا تحصى بعد وبعد أن غلبهم ابن أبي سرح أولا عادوا إلى الثورة والردة ~~مرة بعد أخرى ولما استقر الدين عندهم عادوا إلى الثورة والخروج على رأي ~~الخوارج مرات عديدة # قال الشيخ ابن أبي زيد ارتدت البرابر اثنتا عشرة مرة ولم تستقر كلمة ~~الإسلام فيهم إلا بعد موسى بن نصير فمن هذه قال ابن خلدون PageV01P134 وهو ~~معنى ما يقول أن إفريقية مفرقة لقلوب أهلها إشارة إلى ما فيها من كثرة ~~العصائب الحاملة على عدم الإذعان والانقياد # الثاني ما وقع بالشام لعهد بني إسرائيل لكثرة من كان به إذ ذاك من قبائل ~~المم فلم تتمهد لبني إسرائيل فيه دولة سائر أيامهم إلى أن غلبهم الفرس ثم ~~اليونان ثم الروم أخيرا عند الجلاء الأكبر والله غالب على أمره # اعتبار بعكس قال وهو أن الأوطان الخالية من العصائب يسهل فيها تمهيد ~~الدولة ويكون لسلطانها وازعا لقلة الانتقاض عليه وعدم احتياجه إلى كثيرة ~~عصائبه كالشام ومصر والأندلس لهذا العهد إنما هي سلطان ورعية والله غني عن ~~العالمين # | المسألة الثامنة عشرة # أن العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك وذلك لأمرين # أحدهما أن خلق توحشهم موجب لصعوبة انقياد بعضهم إلى البعض ورئيسهم لمكان ~~ذلك يضطر لمجاملتهم بإحسان الملكة وترك المراغمة وإلا أختل عليه وعليهم شأن ~~العصبية التي بها الطلب والدفاع وسياسة الملك لابد فيها من قهر الوازع بها ~~وإلا لم تجر على إستقامة الملك فيها # الثاني أن من طبيعتهم كما سلف اقتصارهم على ما بأيدي الناس من غير التفات ~~لما وراء ذلك من وجوه الرعية لهم وذلك مناف للسياسة وعائد بخراب العمران ~~وحينئذ فظاهر أنهم بالطبع أبعد الخلق عن سياسة الملك وإنما يمرون إليها بعد ~~انقلاب طاعتهم بصبغة دينية يكون بها الوازع من النفس # اعتبار قال واعتبر ms054 ذلك بدولتهم في الملك لما رعيت فيها السياسة الكفيلة ~~بصلاح العمران ومضى عليها الخلفاء عظم حينئذ ملكهم وقوى PageV01P135 ~~سلطانهم كان رستم إذا رأى المسلمين يجتمعون للصلاة يقول أكل عمر كبدي ويعلم ~~الكلاب الأدب # مراجعة طبع قال ثم أنهم بعد ذلك انقطعت منهم عن الدولة أجيال نبذوا الدين ~~فنسوا السياسة ورجعوا على قفرهم فتوحشوا كما كانوا ولم يبق لهم من إسم ~~الملك إلا أنه للخلفاء وهم من جيلهم قال ولما ذهب أمر الخلافة انقطع الأمر ~~جملة من أيديهم لغلبة العجم عليه وأقاموا في بادية قفارهم لا يعرفون الملك ~~ولا السياسة ورجعوا إلى أصل بداوتهم # قال وقد يحصل لهم في بعض الحيان غلب على الدول المستضعفة كما في المغرب ~~لهذا العهد فلا يكون مآله إلا تخريب ما يستولون عليه من العمران ^ والله ~~خير الوارثين ^ # | المسألة التاسعة عشرة # إن من لواحق الكلام في شرط الملك وهو العصبية النظر في أمر الفاطمي وما ~~يذهب غليه الناس في شأنه # قلت وحاصل ما لابن خلدون في تقرير ذلك مقامات خمسة # | المقام الأول # حكاية ما عند الناس فيه وهو مذهبان # أحدهما اعتماد الكافة منهم على مر الاعصار انه لابد في آخر الزمان من ~~ظهور رجل م أهل البيت يستولي على الممالك الإسلامية ويملها قسطا وعدلا وأن ~~على آثاره خروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام مؤتما في صلاته معينا له على ~~قتل الدجال # الثاني إنكار ذلك طعنا في مستند القول به ومعارضة ذلك # المقام الثاني تلخيص مستند الفريق الأول في طريقتين PageV01P136 # الطريقة الأولى لمن استدل عليه بما ورد فيه من الأحاديث التي خرجها غير ~~واحد من الأئمة كالترمذي وابن داود والبزار وابن ماجة والحاكم الطبراني ~~وأبي يعلى الموصلي PageV01P137 يسنده عن جماعة من الصحابة كعلي وابن عباس ~~وابن عمر وطلحة وابن مسعود وأبي هريرة وأنس بن مالك أبي سعيد الخدري ~~PageV01P138 وأم سلمة وثوبان وقرة ابن ياس وعلى الهلالي وعبد الله بن ~~الحارث بن جد PageV01P139 الحاتمي في كتاب عنقاء مغرب وابن سبعين ابن قسي # الطريقة الثانية للصوفية المتأخرين وهم الذين ms055 أحدثوا الكلام في الكشف ~~وفيما وراء الحجاب الحسي وطهر منهم القول بالحلول والوحدة مشاركة للأمامية ~~من الرافضة في القول بالأئمة وحلول الاله فيهم والقول بالقطب والإبدال ~~محاكاة لمذهب الرافضة في الإمام والنقباء فانخرطوا بذلك في الشيعة وتوغلوا ~~في الديانة بمذاهبهم فامتلأت كتب الفريقين منهم بالكلام في الفاطمي المنتظر ~~كان بعضهم يميله على بعض ويلتقفه منه وربما يستند بعضهم في ذلك إلى كلام ~~المنجمين في القرانات وهو نوع من الكلام في الملاحم # تعريف أكثر من تكلم من هؤلاء المتصرفة في شأن الفاطمي ابن العربي ~~PageV01P140 في كتاب خلع النعلين وابن أبي واصل في شرحه إياه وأكثر كلماتهم ~~في شانه ألغاز وأمثال وربما صرحوا في الأقل بذلك # تحصيل حاصل حكاية مذهبهم انه راجع لتقرير أمور # أحدها حكمة ظهوره # قالوا النبوة وما بعدها في الوجود ثلاث مراتب النبوة ثم الخلافة ثم الملك ~~وعلى تلك النسبة لرجوع الأمور إلى ما كانت علية كما هو المعهود من سنة الله ~~زعموا أن يكون الشأن في الفاطمي أحياء النبوءة به ثم خلافة أمره بعده ثم ~~الدجل وهو الباطل المكني عنه بالدجال زعموا ثم يعود الكفر كما كان قبل ~~النبوءة # الثاني تعيين نسبه # قالوا لما كانت الخلافة لقريش بالحكم الشرعي وجب أن تكون الإمامة فيمن هو ~~أخص من قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم وهم آله الأقربون # الثالث درجته في مقام الولاية # قالوا وهو خاتم الأولياء المكنى عنه بلبنة الفضة كما أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لبنة الذهب إشارة إلى أن كمال الولاية له ككمال النبوءة بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم حيث أشار إلى ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم مثلي ~~PageV01P141 فيمن قبلي من الأنبياء كمثل رجل ابتنى بيتا وأكمله حتى إذا لم ~~يبق منه إلا موضع لبنة فانا تلك اللبنه خرجه البخاري في باب خاتم النبيين ~~وحينئذ فهو خاتم الأولياء كما أن النبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء # الرابع وقت ظهوره # قال ابن العربي منهم من قال في سنة ثلاث وثمانين وستمائة وقال ابن أبي ~~واصل ms056 لم تزل البشرى تتابع به من أول اليوم المحمدي وهو عندهم ألف سنة من ~~يوم وفاته صلى الله عليه وسلم إلى قبيل الخمسمائة نصف اليوم وتضاعفت تباشير ~~المشايخ بقرب وقته وازدلاف زمانه منذ انقضت إلى الآن غلى غير هذا من ~~الأوقات التي تنقضي ولا اثر لشيء من ذلك وإذ ذاك يرجعون إلى تجديد رأي آخر ~~منتحل من أمور لا تقوم على ساق بهذا انقضت أعمار الآخر منهم والأول # الخامس تعيين ما يفتح من الأرض # قال يفتح جزيرة الأندلس ويصل إلى رومة فيفتحها ويفتح قسطنطينية ويسير إلى ~~الشرق فيفتحه ويصير له ملك الأرض فيتقوى المسلمون ويعلوا الإسلام ويظهر دين ~~الحنيفة # السادس مدة بقائه # قالوا أربعون سنة وسبعون له ولخلفائه من بعده ومائة وتسعة وخمسون أربعون ~~سنة وسبعون خلافة وعدل والباقي ملك وسلطان # تعريف قال ابن خلدون وأما المتصوفة الذين عاصرناهم فأكثرهم يشير إلى ظهور ~~رجل مجدد لأحكام الملة ومراسم الحق ويتحينون ظهوره مما قرب من عصرنا فبعضهم ~~يقول من ذرية فاطمة وبعضهم يطلق القول فيه سمعناه من جماعة أكبرهم أبو ~~يعقوب البادسي كبير الأولياء بالمغرب كان في أول هذه المائة الثامنة ~~PageV01P142 # قال اخبرني بذلك عنه حفيده أبو زكريا يحيى عن أبيه أبي محمد عبد الله عن ~~أبيه الولي أبي يعقوب المذكور # قلت وهذه سنة اثنين وثمانين من المائة التاسعة ولم يظهر من ذلك خبر ولا ~~أثر والله بكل شيء عليم # المقام الثالث جواب ما تمسك به الفريقان # فأما متمسك أولئك الصوفية فعينه فراره # قلت وقد كان لمغتر بهم أن يقول القوم إنما ذكروا ذلك من حيث الكشف ولا ~~برهان عليه لغير أهله إلا أن عدم وقوع ما عينوا من وقت ظهوره ينادي عليه ~~بالخزي والفضيحة وهو من أوضح دليل على أن ما خاضوا فيه من ذلك مبني على ~~مجرد الدعوى المسلوك بها في هذا المقام مسلك الإمامية من الشيعة وان سلم ~~لهم كشف فعلى غير السلوك المتين كما قرره المحققون وأما متمسك القائلين به ~~بما خرج الأئمة في شانه فقال ابن ms057 خلدون أن المنكر ين تعرضوا لها بالطعن في ~~رجال أسانيدها قال المعروف عند أهل الحديث أن الجرح مقدم على التعديل وقد ~~تنزل لكل واحد من تلك الأحاديث التي نقلها مما لائمة الحديث فيها من الكلام ~~قائلا بعد ذلك هذه جملة الأحاديث التي خرجها الأئمة في شأن المهدي ~~PageV01P143 وخروجه آخر الزمان وهي كما رأيت وهي كما رأيت ولم يخلص منها ~~على النقض إلا القليل أو الأقل منه # قلت الذي جزم به الذهبي صحة ما دلت عليه تلك الأحاديث لبلوغها عن التواتر ~~الذي لاشك فيه والله أعلم # المقام الرابع كشف الغطي على المعتمد في ذلك # قال في تقريره والحق الذي ينبغي أن يتقرر لديك أنه لا تتم دعوة دين أو ~~ملك إلا بعصبية تظهره وتدافع عنه حتى يتم أمر الله فيه لما قررنا من ~~البراهين القطعية وعصبية الفاطمين والطالبيين وقريش أجمع قد تلاشت من جميع ~~الآفاق ووجدت عصبية أخرى واستقلت عصبيهم ألا ما بقي بالحجاز في مكة ~~والينبوع والمدينة من الطالبيين من بني حسن وحسين وبني جعفر فلهم في تلك ~~البلاد ظهور وغلب على أهلها وهم عصائب بدوية مفترقون في المواطن والإمارة ~~والراء يبلغون الآلاف كثرة فان صح ظهور هذا المهدي فلا وجه لذلك إلا بأن ~~يكون منهم ويؤلف الله بين قلوبهم في اتباعه حتى تتم له شوكة وعصبية وافية ~~بإظهار كلمنه ويحمل الناس عليها وأما آفاق الأرض من غير هذا الوجه كأن يدعو ~~الناس فاطمي منهم إلى مثل ذلك الأمر في أفق من آفاق الأرض من غير عصبية ولا ~~شوكة إلا بمجرد نسبة في أهل البيت فلا يتم ذلك ولا يمكن بما تقرر من ~~البراهين الصحيحة انتهى ملخصا قلت ولابد في هذه العصبية كيفما تصورت له أن ~~صح أمره كما ذكر من PageV01P144 مزيد قوتها بالتأكيد الإلهي كما سلف ذكره ~~لا سيما والدعوى بها العظيمة وزمان وجودها مبدأ ظهور الخوارق التي هي مشوبة ~~بظهور الساعة والله أعلم بحقائق الأمور # المقام الخامس # تحذير المنقلب في الأمور عن الإصغاء للمبتدعة والعامة والأغمار من ~~الدهماء ms058 ممن لا برجع في ذلك إلى عقل يهديه ملا علم يبصره فإنهم يتحينون ذلك ~~على غير نسبة وفي غير مكان تقليدا لما اشتهر من ظهور رجل فاطمي ولا يعلمون ~~حقيقة الأمر فيه # قال وأكثر ما يتحينونه في قاصية الممالك وأطراف العمران لبعدها من الدول ~~ومنال أحكامها كالزاب من إفريقيا والسوس من المغرب وتجد الكثير من ضعفاء ~~البصائر يقصدون رباطا لماسة من أرض السوس يرصدون هناك لقائه زعما منهم أنه ~~يظهر بذلك الرباط ويبايع فيه # قال ولقد يقصد ذلك الموقع كثير من ضعفاء العقول للتلبيس بدعوة تمنية ~~النفس تمامها وسواسا وحمقا وقتل كثير منهم # قلت وذكر من ذلك باعتبار من نجا منهم بنفسه حكايتين # الحكاية الأولى قال أخبرني شيخنا محمد بن إبراهيم الابلى يعني الإمام ~~العلامة رحمه الله تعالى قال خرج برباط ماسة لأول المائة الثامنة عمر ~~السلطان يوسف بن يعقوب رجل من منتحلي التصوف يعرف التويزيري PageV01P145 ~~نسبة إلى تويزر مصغرة وادعى أنه الفاطمي المنتظر وتبعه كثير من أهل السوس ~~وعظم أمره وكان يستفحل وخافه المصامدة على أمرهم فدس عليه السكسوي من قتله ~~بياتا وانحل أمره # الحكاية الثانية قال وأخبرنا شيخنا المذكور بغريبة في مثل هذا وهو أنه ~~صحب في حجه من رباط العباد مدفن الشيخ أبي مدين في جبل تلمسان المطل عليها ~~رجلا من أهل البيت من سكان كربلاء كان متبوعا معظما كثير التلميذ والخادم ~~قال وكان الرجل من موطنه يتلقونه بالنفقات في أكثر البلدان قال وتأكدت ~~الصحبة بيننا في تلك الطريق وتكشفت لي حقيقة أمرهم وأنهم إنما جاءوا من ~~موطنهم لطلب هذا الأمر وانتحال دعوة الفاطمي بالمغرب فلما عاين دولة بني ~~مرين ويوسف بن يعقوب يومئذ نازل بتلمسان قال لأصحابه ارجعوا فقد أزرى بنا ~~الغلط وليس هذا الوقت وقتنا # دلالة # قال ابن خلدون ويدل هذا القول من هذا الرجل على أنه مستبصر في أن الأمر ~~لا يتم إلا بالعصبية المكافئة لأهل الوقت فلما أنه غريب في ذلك الوطن ولا ~~شوكة له وأن عصبية بني مرين لذلك العهد لا يقاومها ms059 أحد من أهل المغرب ~~استكان وأقصر عن مطامعه # قال وبقي عليه أن يستيقن أن عصبية الفواطم وقريش أجمع قد ذهبت ~~PageV01P146 لاسيما في المغرب إلا أن التعصب لشأنه لم يتركه لهذا القول ~~والله يعلم وأنتم لا تعلمون # | المسألة العشرون # إن من متمات النظر في هذا الكتاب البحث عن حدثان الدول وعن مسمى الجفر ~~والملاحم # قلت وتلخيص ما لابن خلدون في ذلك مجموعا من كلام يظهر بفرض مباحث # البحث الأول في توطئة ما هو كمقدمة المقصود من ذلك وهو أمور # أحدهما أن من خواص النفوس البشرية التشوف إلى ما سيحدث لهم في عواقب ~~أمورهم من حياة أو موت أو خير أو شر # لاسيما الحوادث العامة كمعرفة الدول وما بقي من الدنيا ولذلك يوجد في ~~المدن صنف من الناس ينتحلون المعاش من ذلك وهو من المنكرات الفاشية في ~~الأمصار لما علم من ذمة شرعا وأنه لا يعلم الغيب إلا الله أو من اطلع عليه ~~بنبوة أو ولاية # الثاني إن أكثر من يعتني بذلك يتطلع إليه الملوك والأمراء استكشافا لآماد ~~الدول لمن يصير أمرها ولذلك انصرفت إليها عناية المشتغلين به من العلماء # الثالث إن كل أمة يوجد لهم الكلام في ذلك مطلقا كعلم الكوائن المستقبلة ~~خصوصا ما يعم الجيل منها كانقلاب الملك ووقوع الحروب والملاحم مع الأمم ~~وذلك من ناحية ما يوجد من كاهن وعراف ومنجم وغير ذلك كشق وسطيح في العرب ~~وموسى بن صالح من بني PageV01P147 مرين يفرح ويقال من بني عمرة في البربر # البحث الثاني في مستند الركون إلى ذلك في الدولة الإسلامية وهو في الأكثر ~~أمران # أحدهما وهو خاص بصدرها ما يتناقل في ذلك من آثار عن الصحابة وخصوصا من ~~عاصرهم من مسلمة بني إسرائيل ككعب الأحبار ووهب بن منبه ووقع لجعفر الصادق ~~وأمثاله من أهل البيت كثير من ذلك ومستندهم فيه والله أعلم الكشف لما كانوا ~~عليه من الولاية # الثاني وهو حادث بعد ذهاب صدرها وحين عكف الناس العلوم الترجمة من كلام ~~الحكماء ما نقل عن ذلك عن المنجمين في ms060 الأكثر ككلامهم في PageV01P148 الملك ~~والدول وسائر العلوم العامة والخاصة # البحث الثالث في مسمى الجفر في ذلك المستند والجفر لغة الجلد الصغير وأصل ~~تسمية الحدثان به أن هارون بن سعد العجلي رأس الزبيدية كان له كتاب يرويه ~~عن جعفر الصادق فيه علم ما سيقع لأهل البيت عموما ولبعض منهم خصوصا كان ~~مكتوبا عنده في جلد ثور صغير مما يقع له ولنظرائه من رجالاتهم كشفا وكرامة ~~فكتبه هارون وسماه الجفر باسم الجلد الذي كتب منه فصار علما عليه وكان فيه ~~من تفسير باطن القرآن غرائب وهو كتاب لم تتصل روايته ولا عرف عينيه وإنما ~~يظهر منه شواذ من الكلمات لا يصحبها دليل ولو صح سنده إلى جعفر لكان فيه ~~نعم المستند منه أو من رجال قومه رضي الله عنهم # تعريف وقع بالمغرب جزء يسمى بالجفر الصغير والظاهر وضعه لبني عبد المؤمن ~~لذكر أوائل ملوكهم على التفصيل ومطالبة ما تقدم من ذلك لحدثانه وكذب ما ~~بعده وهم منسوب إلى كتاب وضعه الكندي المنجم في القرانات الكائنة في الملة ~~سماه بالجفر اتباعا للشيعة في ذلك # قال ابن خلدون ولم نقف على شيء من خبر هذا الكتاب ولا رأينا من ~~PageV01P149 وقف عليه ولعله غرق في كتبهم التي طرحها ملك التتر في دجلة عند ~~استيلاءهم على بغداد وقتل المستعصم آخر الخلفاء # البحث الرابع في معنى الملاحم من جملة ذلك وهو ما كتب منه بعد المسمى ~~بالجفر في حدثان الدول نظما ونثرا عموما فيها وخصوصا ومع نسبتها إلى مشاهير ~~من الخليفة فليس منها ما تصح فيه الرواية عن واضعه # قلت يريد في الأكثر قال وبأيدي الناس منها كثير كقصيدة ابن مرانة وملعبة ~~اليهودي المقتول بفاس كما أخبر فيما زعموا أو ملعبة الهوشني وذكر غير ذلك ~~مما حكم على أكثره بالوضع والكذب # قلت وربما صدق بعضها استنادا لمدرك صحيح وإن تردد في تعيينه كما حكى ~~المازري في تعليقه على أحاديث الجوزقي عن عبد PageV01P150 الكافي بن سليمان ~~قال كنا عند ابن محرز حين وصل الخبر بكسر المعز وأخذ أمه ms061 وأخيه فقام عنا في ~~الحال وأخرج ملحمة فيها جميع ما جرى هذه القضية فعجبنا من ذلك ثم ذكر انه ~~سأل عن ذلك الشيخ أبا عمران فأجاب بما يقال في ذلك ومنه التنجيم # قال المازري وهو أقرب قلت وفيه نظر لما يرد إنشاء الله # البحث الخامس فيما يجب اعتقاده في هذا الباب # قال في موضع آخر والتحقيق الذي ينبغي أن يكون نصب فكرك أن الغيوب لا تدرك ~~بصناعة البتة ولا سبيل إلى تعرفها إلا للخواص من البشر المفطورين على ~~النزوع عن عالم الحس إلى عالم الروح وقرره بما يشاهد من وجود أشخاص يخبرون ~~بالكائنات قبل وقوعها بمقتضى الفطرة التي فطروا عليها العارفين والناظرين ~~في الأجسام الشفافة كالمرايا وطاس الماء وأهل الطرق بالحصى والحبوب ~~والمجانين والنائم والميت لأول نومه أو موته وأهل الرياضة من الصوفية على ~~طريق الكرامة # قلت وتلخيص ما برهن به على ذلك يخرج عن المقصود # تنبيه ما يدل على أن أكثر الحدثان ممنوعة ما حكى في أخبار PageV01P151 ~~بغداد أنه كان بها أيام المقتدر وراق ذكي يدعى بالدانيالي يبل الأوراق ~~ويكتب فيها بخط عتيق ويرمز فيه بحروف من أسماء أهل الدولة ويشير بها إلى ما ~~يعرف ميلهم إليه من أحوال الرفعة والجاه كأنها ملاحم ويحصل بذلك على مراده ~~منهم وأنه وضع في بعض دفاتيره صورة ميم مكررة ثلاث مرات وجاء به إلى مفلح ~~مولى المقتدر وكان عظيما في الدولة فقال له هذا كناية عنك وهو مفلح مولى ~~المقتدر ميم من كل واحدة وذكر عندها ما يعلم فيه رضاه مما يناله من الملك ~~والسلطان ونصب له علامات لذلك من أحواله المتعارفة موه بها عليه فبذل له ما ~~أغناه به وانتهى المقصود منه # قلت ولا أدل على ذلك من ظهور كذب كثير مما يحتوي عليه عيانا @QB@ والله ~~يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم @QE@ # تقرير واجب على الموفق # في هذا المقام ثلاث وظائف قررها الأستاذ أبو سعيد في بعض تقاييده حسبما ~~وجدت بخط الشيخ أبي إسحاق الشاطبي رحمهما الله فلنذكرها ملخصاي من كلامه ms062 # الوظيفة الأولى أن لا يتعاطى شيئا من علم الغيب ولا يصف به نفسه فقد كان ~~صلى الله عليه وسلم لا يصف به نفسه ويرده على من وصفه به كقوله صلى الله ~~عليه وسلم لمن سمعه يقول إنه يعلم ما غد لا يعلم ما في PageV01P152 غد إلا ~~الله تعالى مع اطلاعه على كثير مما علمه الله من ذلك # قال وقد سد الشرع هذا الباب في وجوه الخلق غير من ارتضى منهم للرسالة حتى ~~أن العلماء نهوا عن النظر فيما ليس من باب علم الغيب لظن الجاهل أنه منه ~~كالإخبار بالكسوف المدرك بطريق الحساب كما نص عليه مالك في العتبية قائلا ~~إنه من حبائل الشيطان # الوظيفة الثانية أن لا يتعرض لطلب ذلك بشيء من الأسباب المقتحمة لبابه ~~كالخط والحب والسبك والقرعة والعيافة والطيرة والسانح والبارح والاستصحاب ~~والاستكهان والاستنجام لأنها من معنى الاستقسام بالأزلام قاله الطرطوشي في ~~مختصر التعليقة # قال الأستاذ واستثنى بعض العلماء الخط بناء على أنه المراد في قوله تعالى ~~@QB@ أو أثارة من علم @QE@ وفي الحديث كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق ~~خطه فذاك قيل جاء للإباحة الضرب به وقيل للنهي عنه إذ لا سبيل إلى معرفة ~~طريق النبي المتقدم به # قال وهو الصحيح المعول عليه عند الأئمة وأهل الحق PageV01P153 # قلت وفي نوازل البر زلي أدركت بعض الفقهاء أدركت بعض الفقهاء يستخفه ~~ويستعمله وعلى ظني أني سمعت الشيخ الإمام يعني ابن عرفة يقول فعله ليس ~~بجرحه وكأنه يستخفه قال والصواب تركه # الوظيفة الثالثة ألا يصدق من يخبر بذلك غير مستند لخبر نبوي لقوله صلى ~~الله عليه وسلم من أتى كاهنا فصدقه فيما يقول فقد بريء مما انزل على محمد ~~صلى الله عليه وسلم رواه أبو داوود # قال ابن رشد وأني يجمع في قلب مسلم تصديقه مع قوله تعالى @QB@ قل لا يعلم ~~من في السماوات والأرض الغيب إلا الله @QE@ # فائدة قال الشيخ أبو اسحاق الشاطبي في بعض تقاييده مفاتح الغيب تسعة ~~مفاتح علم بلا اكتساب ولا أعلام وهو علم الله تعالى ms063 ومفاتح اطلاع وهو اطلاع ~~الله من يشاء من خلقه على من شاء من غيبه مفاتح أخبار وهو ما علم الله منهم ~~بأخبار الله وأخبار رسوله مفاتح الهام وهو أن يلهم اله من شاء من خلقه ما ~~شاء من غيبه دون استدلال كقوله فاحمده بمحامد يلهمنيها في حديث الشفاعة ~~مفاتح نفث في القلب كقوله إن روح القدس نفث في روعي الحديث وهو الهام ~~بواسطة الملك مفاتح توسم وهي الفراسة وانظر في التعريف تعمر بن عبد العزيز ~~لابن حبيب مفاتح دلالة وتقديم وهي أن يستدل بحاضر على مغيب كقوله إذا أنشأت ~~بحرية PageV01P154 الحديث وإنذارات الأطباء ونحوه مفاتح رجم وتنجيم وهو ~~استدلال على غيب بعير ما وضع له كالخط والطرق والسبك والحب والزجر والسانح ~~والبارح والطيرة والعيافة والكهانة والعرافة والتنجيم انتهى # | الطرف الثالث # في الحروب التي تفضي إليها العصبية في طلب الملك والدفاع عنه أو غير ذلك ~~وفيه ذكر مذاهب المم في ترتيبها وما يلزم في تدييرها من الآداب والمكائد # ويتلخص الغرض من ذلك في ثلاث مقدمات وستة فصول وتتميمتين # المقدمة الأولى أنها وسائر أنواع المقاتلة من الأمور الطبيعية للبشر فذلك ~~لا يخلوا عنها أمة ولا جيل ولم تزل واقعة في الخليقة منذ برأها الله تعالى ~~وابتلى بعضهم ببعض # المقدمة الثانية أن أصل وقوعها إرادة انتقام بعض البشر من بعض لأسباب ~~توجب ذلك وتحصل عليه فإذا تواقفت الطائفتان بما لكل منهما من العصبية ~~أحدهما تطلب الانتقام والأخرى تدافعه كانت الحرب واقعة # المقدمة الثالثة أن أسباب هذا الانتقام في الأكثر أمور أربعة # أحدهما الغيرة والمنافسة وأكثر ما تجري بين القبائل المتجاورة والعشائر ~~المتناظرة # الثاني البغي العدوان وأكثر ما يكون من المم الوحشية كالعرب والترك ~~والأكراد وأشباههم لأنهم جعلوا أرزاقهم في رماحهم ومعاشهم فيما بأيدي غيرهم ~~ومن دافعهم عن متاعه آذنوه بالحرب ولا بغية لهم فيما وراء ذلك من رتبة ولا ~~ملك # الثالث الغضب لله تعالى ولدينه القويم وهو المسمى في الشريعة الجهاد ~~PageV01P155 # قلت وسيأتي إن شاء الله ما يخصه من الآداب الكلية # الرابع الغضب ms064 في الملك والسعي في تمهيده والحروب الدولية مع الخارجين ~~عليها والمانعين لطاعتها # قال ابن خلدون والأولان منها حروب بغي وفتنة والآخران جهاد وعدل # قلت الجهاد في الخير مقيد بعدالة السلطان وفيه نظر يأتي إن شاء الله هذا ~~إن كان القصد تمهيد الملك الحاصل كما أشار إليه وأما طلب ما وراءه لغير ما ~~يشيره إليه الشرع أو السياسة المعتبرة كقصد لذة الغلبة والانتقام لشفاء غيظ ~~فقط أو ليجري على من غلب عليه حكم الغرض والهوى فقد قال الفارابي من ~~الحكماء أن الحرب ولأجل ذلك جور وهو ظاهر PageV01P156 # | الفصل الأول # # | في صفة الحروب # وهي واقعة بين الخليفة من أول وجودهم على نوعين # أحدهما بالزحف صفوفا وهو قتال العجم كلهم على تعاقب اجيالهم 3 قال ابن ~~خلدون وهو أوثق وأشد لترتيب الصفوف فيهم كالصلاة والمشي فيها غلى العدو ~~قدما وذلك أصبت عمد المصارعة وأرهب للعدو لأنه كالحائط الممهد لا مطمع في ~~إزالته وفي التنزيل أن الله يحب الذين يقاتلون في سبيل الله صفا كأنهم ~~بنيان مرصوص أي يشد بعضهم بعضا بالثبات # الثاني بالكر والفر وهو قتال العرب والبربر من أهل المغرب # قال وليس فيه من الشدة والمن من الهزيمة والهرب ما في قتال الزحف غلا ~~أنهم قد يتحينون وراءهم صفا ثانيا يلجأون إليه فيقوم مقام الزحف # تعري قال كان الحرب أول الإسلام بالزحف لأمرين # أحدهما أن عدوهم كان يقاتل زحفا فاضطروا إلى مقاتلتهم كذلك # الثاني أنهم كانوا مستميتين في جهادهم لرسوخ إيمانهم والزحف غلى ~~الاستماتة أقرب # قال أول من أبطل الصف في الحرب وصار إلى التعبئة كراديس مروان بن الحكم ~~في قتال الضحاك الخارجي ومن بعده فيما ذكر PageV01P157 الطبري فتنوسي الزحف ~~بأبطال الصف # | الفصل الثاني # # | في تعبئة العساكر # وفيه نظران # أحدهما في موجبها وهو ما يخشى عند اختلاط الجيوش الكثيرة في الحرب من ~~التدافع فيما بينهم لجهل بعضهم ببعض فإذا قسموا جموعا وضم المتعارفون إلى ~~بعض أمن ذلك المحذور # الثاني في صورتها وهو أن يجعل بين يدي الملك عسكر منفرد بصفوفه متميز ~~بقائه ms065 ورايته يسمى المقدمة ثم آخر عن يمينه يسمى الميمنة ثم اخر عن شماله ~~يسمى الميسرة ثم اخر من ورائه يسمى الساقة ويقف الملك وأصحابه وسط هذه ~~الأربعة ترتيبها من الترتيب الطبيعي في الجهات الأربع ويسمى القلب # تدريج # قال ابن خلدون فإذا تم الترتيب المحكم أما في مدى واحد البصر أو على ~~مسافة واحدة أكثرها اليوم واليومان بين كل عسكرين منها أو كيف أعطاه حال ~~العسكر في القلة والكثرة فحينئذ يكون الزحف # قال وانظر ذلك في أخبار الفتوحات وأخبار الدولتين # | تنبيه # PageV01P158 كانت هذه التعبئة أيام الدول القديمة لكثرة جنودهم وحشودهم ~~من قاصية النواحي وذلك موجب لجهل بعضهم لبعض كما تقدم # قال ابن خلدون وكان في الدولة الأموية بالأندلس كثير منه وهو مجهول فيما ~~لدينا لأنا إنما أدركنا دولا قليلة العساكر لا تنتهي في مجال الحرب إلى ~~التناكر بل أكثر الجيوش من الطائفتين يجمعهم لدينا حلة أو مدينة ويعرف كل ~~واحد منهم قرنه ويناديه بإسمه ولقبه فاستغنى عن تلك التعبئة # | تكميل # مما ذكروا من صفة هذه التعبئة صورتان # الصورة الأولى قال الطرطوشي أحسن ترتيب رأيناه في بلادنا في صفة اللقاء ~~وهو أرجى تدير في ذلك أن يتقدم الرجالة بالدرق الكاملة والرماح الطوال ~~والمزارق النافذة فيصفوا صفوفهم ويركزوا مراكز رماحهم خلف ظهورهم في الأرض ~~وصدورها شارعة إلى العدو جاثين على ركبهم اليسرى وترسهم قائمة بين أيديهم ~~وخلفهم الرماة الخارقة سهامهم للدروع والخيل خلفهم فإذا جاء العدو لم ~~يتزحزح الرجالة عن هيئتها ولا قام واحد منهم على قدم وإذ قرب رشفتهم الرماة ~~بالسهام والرجالة بالمزارق وصدور الرماح تلقاهم فيأخذون يمنة ويسرة فتخرج ~~خيل المسلمين فتنال منهم ما شاء الله # الصورة الثانية قال ابن خلدون بلغنا عن الترك لهذا العهد وقتالهم مناضلة ~~بالسهام أن تعبئة حربهم بالمصاف يقسمون العساكر ثلاثة صفوف صفا وراء صف ~~يترجلون عن خيولهم ويفرغون سهامهم بين أيديهم ثم يتناضلون جلوسا وكل صف ~~رداء للذي أمامه مخافة أن يكسبهم العدو إلى أن يتهيء النصر لإحدى الطائفتين ~~على الأخرى قال وهي تعبية محكمة ms066 غريبة PageV01P159 # | الفصل الثالث # # | في ضرب المصاف وراء العساكر # وفيه نظر من وجوه # أحدهما أن ما يضرب منه المصاف جمادات أو حيوانات عجم كما يأتي بعض ما وقع ~~منه مفصلا إن شاء الله # الثاني أن أهل الكر والفر هم الذين كانوا يتخذونه في حال الحروب دائما ~~وأهل الزحف ربما اعتمدوه في مواقعهم # الثالث أن حكمته في مذاهب الأولين اتخاذه ملجأ للخيالة في كرهم وفرهم ~~وليكون أدوم للحرب وأقرب للغلب وفي مذهب الآخرين ليزيدهم ثباتا وشدة # الرابع غن الفرس من أهل الزحف كانوا يتخذون فيه الفيلة محمولا عليها ~~أفواج من الخشب أمثال الصروح مشحونة بالمقاتلة والسلاح والرايات ويصفوها ~~وراءهم كأنهم الحصون فتقوى نفوسهم ويزداد وثوقهم كما وقع من ذلك في ~~القادسية وفي اليوم الثالث اشتدوا على المسلمين فخالطها رجالات من العرب ~~وضربوها بالسيوف على خراطمها ونكصت على أعقابها إلى مرابضها بالمدائن فخف ~~معسكر فارس لذلك وانهزموا في اليوم الرابع وكان أكثرهم العجم كالروم وملوك ~~القوط بالأندلس يتخذون الأسرة ينصبون للملك سريره ويحتف به من حاشية وجنود ~~من هو زعيم بالاستماتة PageV01P160 دونه وترفع الرايات في أركان السرير ~~ويحدق به سياج آخر من الرماة بالرجالة فيعظم هيكله ويصير فئة للمقاتلة ~~وملجأ للفر والكر وفعل ذلك الفرس أنام القادسية وكان رستم جالسا فيه على ~~سرير نصبه لجلوسه حتى اختلت صفوف فارس وخالطه العرب فيه فعدل عنه إلى ~~الفرات وقتل وكان اكثر أهل الكر والفر من العرب وأكثر المم البدوية الرجالة ~~يصفون ابلهم والظهر الحامل لطعامهم فيكون فئة لهم ويسمونه المجهود # تعريف قال ابن خلدون وليس أمة من المم إلا وهي تفعل ذلك في حروبها وتراه ~~أوثق من الجولة وهو أمر مشاهد # قال وقد أغفلته الدول لعهدنا بالجملة واعتاضوا عنه بالظهر الحامل للأثقال ~~والفساطيط يجعلونه ساقة من خلفهم ولا تغني عنها الفيلة والإبل فصارت ~~العساكر بذلك عرضة للهزائم مستندة للفرار في المواقف # | الفصل الرابع # # | في مكائد ما قبل القتال وآدابه # وقبل تعديد المهم من ذلك فلا بد من استحضار المكايدة والحيل من انفع ما ~~يعتمد عليه ms067 في الحروب والوصية بذلك مكررة والنفع به مشاهد # وقالوا إذا طالبت عدوك بالقوة فلا تقدمن عليه حتى تعلم ضعفه عنك وإذا ~~طالبته بالمكيدة فلا يعظمن أمره عندك وإن كان عظيما وفي التمثيل والمحاضرة ~~الكيد ابلغ من الأيد PageV01P161 # وفي الصحيح الحرب خدعة أي ينقضي أمره بخدعة واحدة # قال الزركشي المعنى أن المماكرة في الحرب أنفع من المكابرة إذا تقرر هذا ~~فقد نذكر من ذلك جملة # المكيدة الأولى وهي أهم ما يبدأ به قبل القتال بث الجواسيس الثقاة في ~~عسكر العدو وبلاده لتعرف أخبارهم مع الساعات وما عندهم من العدة والعدد وما ~~لهم من المكائد والحيل وكم عدد رؤسائهم وشجعانهم وما منزلتهم عند صاحبهم ~~ويدس إليهم ما يخدعون يه من صلة أو ولاية حتى يغدروا صاحبهم أو يهربوا عنه ~~ويخذلوه عند لقائه # قال الطرطوشي ووجوه الحيل لا تحصى والحاضر فيها أبصر من الغائب # المكيدة الثانية أن يلقى على السنة كبراء العدو أنهم يكاتبون بالخدمة ~~ووعد الوفاء بإظهارها ويشاع ما يزور من ذلك لتقوى به القلوب ويتحدث الناس ~~بمضمونه وإذا بلغ العدو ذلك لا بد أن يتأثر له وإن علم كذبه وكذا فيما يرسل ~~إليهم كأنه جواب ما يرسل منهم # المكيدة الثالثة أن يعمى الأخبار عن العدو ويسد دونه أبواب العلم بها حتى ~~يطلع ما يحمله على اغتنام فرصة أو يحاول به إبطال مكيدة عليه وذلك بإذكاء ~~العيون على الجواسيس المترددة إليه في مراصد العثور عليهم وأماكن الشعور ~~بهم وانظر إلى دعاء النبي صلى الله عليه وسلم حين توجه إلى فتح مكة اللهم ~~أعم عن قريش الأخبار PageV01P162 # المكيدة الرابعة موالاة طائفة من العدو ومصالحتهم متى قدر على ذلك وأمكنت ~~الخديعة به فقد قيل ليكن السلطان لفريق من أعدائه مصاحبا ومداهنا ليعرف به ~~أخبار بغيتهم ويهدم به اتفاق جميعهم ويتسبب به إلى خلافهم وتشتيت رأيهم # وقيل الصلح أحد الحروب التي يدفع بها الأعداء عن المضرة فإذا كثر أعداؤك ~~فصالح بعضهم وأطمع بعضهم بصلحك واستقبل بعضهم بحربك # المكيدة الخامسة تولية بعض رؤساء العدو المتمردين على ms068 السلطان وتضرب ~~بعضهم ببعض فقد قيل إذا ابتلى السلطان بقوم ذوي نفاق وشدة وقلة انقياد إلى ~~الطاعة فليقم منهم رؤساء ويلق بينهم الخلاف حتى يكفيهم بعضهم مؤونة بعض ~~ويبقى هو في أمن وراحة فإنه إن صلح ما بينهم رجعوا كلهم عليه فليدبرهم بهذا ~~التدبير قبل تدبيرهم رجعوا كلهم عليه فليدبرهم بهذا التدبير قبل تدبيرهم ~~الحرب # تمثيل في العهود اليونانية # شبهت الخوارج بالماس الذي يقطع أصلب الأحجار ويبطله أضعف الأجسام فمراوغة ~~الناجم والتدريب من مكافحته # انتهى PageV01P163 # | الفصل الخامس # # | فيما يخدع به العدو عند القتال # وهي أيضا جملة # الخدعة الأولى # إعمال الجهد في أن تكون الشمس في أعين العدو والريح في وجهه # قال بعضهم فإن سبق العدو إلى ذلك ولم تمكن إزالته عنه فليزحف بالعساكر ~~عرضا ليكون الأمر له وعليه # الخدعة الثانية جعله آخر النهار # قالت العجم أخر الحرب ما استطعت فإن لم تجد فاجعل ذلك آخر النهار قلت كان ~~أحب أوقات اللقاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس وحلت ~~الصلاة وهبت الرياح ودعا المسلمون # الخدعة الثالثة وهي من أهم ما يعتني به الكمين وإن كان عددا يسيرا قال ~~بعضهم أنه إذا ظهر أثر في القلوب رعبا وفي الأعضاء ضعفا وفي العقل جمودا ~~وفي الإقدام وقفة قال ولا يدوم إقبال مقاتل على خصمه إلا إذا آمن من ورائه ~~ولو من رجل واحد ولا تحصى كثرة العساكر المهزومة بالكمين في الجاهلية ~~والإسلام # الخدعة الرابعة إخفاء مكان صاحب الجيش من العدو وتحويله لخواصه وقت ~~القتال من موقف لآخر كيلا يقصد العدو غرته كما وقع لطارق حين اجتاز إلى ~~الأندلس في ألف وسبعمائة رجل وتحصين بجبل PageV01P164 الفتح ووصل إليه ~~الملك لذريق في تسعين ألف عنان فلقيهم طارق واقتتلوا ثلاثة أيام أشد قتال ~~فرأى ما بالناس من الشدة فحثهم على الصبر ورعتهم في الشهادة وبسط آمالهم ~~فقال أين المفر البحر من ورائكم والعدو أمامكم فليس إلا الصبر منكم والنصر ~~من ربكم وأنا فاعل شيئا فافعلوا كفعلي والله لاقصدن طاغيتهم فأما أم أقتله ms069 ~~أو أقتل دونه فاستوثق بمعرفة حيلة لذريق وعلامته وخيمه ثم حمل مع أصحابه ~~إليه حملة رجل واحد فقتل الله لذريق بعد قتل ذريع في العدو وحمى الله ~~المسلمين فلم يقتل منهم كثير عدد وانهزمت الروم وقتلوا ثلاثة أيام وأخذ ~~طارق رأس لذريق فبعث به إلى موسى بن نصير وهو بإفريقيه فبعث به إلى الوليد ~~بن عبد الملك # الخدعة الخامسة إظهار صاحب العسكر إخلاء ناحية منه من الحماة PageV01P165 ~~المعتد بهم ليقصدها العدو فيعطف عليه بسائر الجموع رجاء الظفر به كما ترك ~~القلب دون حامية عمدا حتى إذا توسط العدو ليشغل بنهبه أطبق عليه الجناحين ~~وأدار عليه الجنود من كل ناحية # قال الطرطوشي وقد فعله رجال من أهل الحرب # | الفصل السادس # # | في مكائد حصار المدن والحصون # قالوا أول ما يجب أن يبدأ به أهل الحصن استمالتهم قبل المناهضة ما داموا ~~خائفين فإن الحرب إذا نشبت كانوا بعدها أسكن روعا وآنس بها # قالوا وفي استمالتهم خصلتان معرفة أسرارهم وتمكين إخافتهم وينبغي أن يدس ~~فيهم من يصغر شأنهم ويؤيسهم من المد ويعلمهم أن أسرارهم مكشوفة في مكيدتهم ~~وأن يدار حول الحصن ويشار إليه بالأيدي كأن منها مواضع حصينة وأخرى ذليلة ~~ومواضيع تنصب المنجانيق عليها وأخرى تهيأ العرادات لها ومواضع تنقب نقبا ~~وأخر توضع السلاليم علنها ومواضع يتسور منها وأخرى تضرم النار فيها ليملهم ~~بذلك رعبا وخوفا ويكتب على نشابة إياكم معشر أهل الحصن والافترار وإقفال ~~الحراسة عليكم بحفظ الأبواب فإن الزمان خبيث وأهله أهل غدر وقد خدع أكثر ~~أهل الحصن فاستميلوا برمى بتلك النشابة في الحصن ثم يدس لمخاطبتهم المنطيق ~~المهيب الداهية المحتال غير المهذار وتؤخر الحرب ما أمكن فإن في ذلك جرأة ~~منهم على من حارتهم ودليلا على الحيلة والمكيدة فإن كان لابد منها فبأخف ~~العدة وأيسر الآلة PageV01P166 # التميمة الأولى # الوصايا المشتملة على جزئيات آداب الحروب وما ينفع فيها من أنواع الحيل ~~والمكائد كثيرة والكافي منها اثنتان # الوصية الأولى في محاسن البلاغة # جمع الله تعالى آداب الحروب في قوله عز وجل @QB@ يا أيها ms070 الذين آمنوا إذا ~~لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ~~ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين @QE@ # قال صاحب مشارع الأشواق من متأخري المشارقة ولقد صدق هذا القائل فإن الله ~~تعالى أمر المقاتلين فيها بخمسة أمور ما اجتمعت بفئة إلا نصرت وإن قلت وكثر ~~عدوها وهي # الثبات وكثرة ذكر الله وطاعة الله ورسوله وعدم التنازع الموجب للفشل ~~والوهن فإنهم إذا اجتمعوا كانوا كالحزمة من السهام لا يستطاع كسرها جملة ~~فإذا تفرقت سهل كسرها سهما سهما # الخامسة الصبر وهو ملاذ الأمر والنصر وسببه ومتى فقد شيء من ذلك نقص من ~~النصر بحسبه PageV01P167 # الوصية الثانية قال بعضهم إذا ابتليت بالحرب فأذك العيون بالنهار وبالغ ~~في الحرس بالليل وخندق إن كنت مقيما وحصن مضاربك وليكن جندك عليك حصنا ~~ولأنفسهم حرسا واجعل الشمس أن تكون معك عند اللقاء والريح أن تكون معك في ~~وقت الهجوم والماء والمرعى أن يكون معك في مكان النزول أخف آثارك من عدوك ~~واعمل في حين لقاءه على إراحة الظهر والكراع وثقف جهات العدو بمن تثق من ~~رجالك احذر من الأفواج أن يستمر هزيمة ومن الكمين أن يأتيك غفلة ومن رجالك ~~أن يخالف إليه وأن استطعت أن تخالف عدوك إلى رجله فافعل وإذا هزمت قوما فقف ~~ثبتا في محلتك وإذا غلبت فعم آثارك واعلم أن الهزيمة محل العزيمة وأن ~~الهارب لا يعرج على صاحب وأن الفرار في وقته ظفر وأن القتال في غير مكانه ~~عناء # قلت قوله وخندق إن كنت مقيما قال ابن خلدون كان من مذاهب الأول في حروبهم ~~حفر الخنادق على معسكرهم حذرا من معرة البيات والهجوم عليهم ليلا وكانت ~~للدول في أمثال هذه قوة وعليه اقتدار لجمع الأيدي عليه في كل منزل لها بما ~~كانوا عليه من وفور العمران وضخامة الملك فلما خرب العمران وتبعه ضعف الدول ~~وقلت الجنود وعدم الفعلة نسى هذا الشأن جملة كأنه لم يكن والله تعالى خير ~~القادرين # التتمة الثانية قال ابن خلدون لاوثوق في الحروب ms071 بالغلب وإن حصلت أسبابه ~~من العدة والعديد لنه فيها من قبيل البخت والاتفاق قلت وقرره بما حاصله أن ~~أسبابه في الأكثر مجتمعة من أمور ظاهرة وهي وفور الجيش وكمال السلاح وكثرة ~~الشجعان وترتيب المصاف وصدق القتال ونحو ذلك من أمور خفية من حيل البشر ~~وخدعهم كالتخذيل بالإرهاب والتشانيع والتقدم إلى الأماكن المرتفعة فيتوهم ~~المنخفض ويتخاذل وما في معنى ذلك أو من أمور سماوية لا قدرة للبشر علنها ~~تلقى PageV01P168 في القلوب فيستولي الرعب علنها من أجلها فتتحل المراكز ~~وتقع الهزيمة قال وأكثر ما يقع عن هذه السباب الخفية ولذلك قال صلى الله ~~عليه وسلم الحرب خدعة ومن أمثال العرب رب حيلة أنفع من قبيلة وإذا كانت ~~واقعة عن أسباب خفية فهي من قبيل ما بالبخت والإتفاق كما تقرر في موضعه # فهم حقيقة قال وتفهم من وقوع الغلب عن الأمور السماوية معنى قوله صلى ~~الله عليه وسلم نصرت بالرعب مسيرة شهر وما وقع من غلبة للمشركين في حياته ~~بالعدد القليل وبعده كذلك في الفتوحات معجزة له صلى الله عليه وسلم بالقائه ~~في القلوب سببا للهزائم في الفتوحات الإسلامية كلها وإن خفي عن العيون # قلت قال الشيخ شهاب الدين ابن حجر وهذه الخصوصية حاصلة له صلى الله عليه ~~وسلم على الإطلاق حتى لو كان وحده بغير عسكر # قال وهل هي حاصلة لأمته من بعده فيه احتمال # تنبيه على وهم قال وقد ذكر الطرطوشي أن من أسبابه أن يفضل عدة الفرسان ~~الشجعان في أحد الجانبين على عدتهم في الجانب الآخر ولو بواحد يكون له ~~الغلب # قال وهو راجع إلى الأسباب الظاهرة وليس بصحيح وإنما المعتبر PageV01P169 ~~في القلب حال العصبية أن تمون في أحد الجانبين عصبية واحدة جامعة لكلهم وفي ~~عصائب متعددة والجانبان متقاربان في العدة فإن الذي عصبيته واحدة أقوى من ~~الذي عصائبه متعددة لوقوع التخاذل بينهم كما في الوجدان المفترقين الفاقدين ~~للعصبية لتنزل كل عصابة منهم منزلة الواحد فيكون الجانب الذي عصابته متعددة ~~لا يقام الذي عصبيته واحدة لجل ذلك # قلت في حديث ms072 وفد بني عبد الحرث بن كعب أن رسول صلى الله عليه وسلم قال ~~لهم بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية قالوا لم نكن نغلب أحدا قال بلى ~~قد كنتم تغلبون من قاتلكم قالوا نغلب من قاتلنا يا رسول الله أنا كنا نجتمع ~~ولا نتفرق ولا نأخذ أحد بظلم قال صدقتم # مغلطة قال ولم يحمله على ذلك إلا نسيان شأن العصبية في جيله وبلده وأنهم ~~إنما يريدون الدفاع والمطالبة إلى الوجدان والجماعة الناشئة عنهم لا ~~يفترقون في ذلك عصبية ولا نسبا مع أن هذا على تقرير صحته إنما هو من ~~الأسباب الظاهرة كاتفاق الجنسين في العدة وصدق القتال وشبه ذلك فكيف يجعله ~~سببا كفيلا بالغلب وشيء من ذلك لا يعارض الأسباب الخفية من الحبل والخدع ~~ولا الأمور السماوية من الرعب والخذلان الإلهي فاعلمه وتفهم أحوال الكون ^ ~~فالله يقدر الليل والنهار ^ انتهى # استطراد قال ويلحق بمعنى الغلب في أن أسبابه خفية وغير خفية طبيعية حال ~~الشهرة والصيت فقل أن يصادف موضعها قي أحد من PageV01P170 الناس من الملوك ~~والعلماء والصالحين أو المنتحلين للفضائل على العموم فكثير ممن اشتهر وبعد ~~صيته وليس هناك وكثير ممن اشتهر بالشر وهو بخلافه وكثير ممن تجاوزت عنه ~~الشهرة وهو أحق بها وقد تصادف موضعها وتكون طبقا على صاحبها # كشف حقيقة قال وسبب ذلك أن الشهرة إنما هي بالأخبار والأخبار يدخلها ~~الذهول عن المقاصد عند التناقل ويدخلها التعصب والتشيع والأوهام والجهل ~~بمطابقة الحكايات للأحوال لخفائها بالتلبيس والتصنع أو بجهل الناقل ويدخلها ~~التقرب لأصحاب الجاه والمراتب الدنيوية بالثناء والمديح وتحسين الأحوال ~~وإشاعة الذكر بذلك والنفوس مولعة بحب الثناء والناس متطاولون إلى الدنيا ~~وأسبابها من جاه أو ثروة وليسوا في الأكثر براغبين في الفضائل ولا متنافسين ~~في أهلها وأين مطابقة الحق مع هذا كلها فتحصل الشهرة عن أسباب خفية من هذه ~~وتكون غير مطابقة وكل ما يحصل بسبب خفي فهو المعبر عنه بالبخت والله أعلم ~~سبحانه وتعالى انتهى PageV01P171 & الكتاب الثاني & & في أركان الملك ~~وقواعد مبناه ضرورة وكمالا & # وهي راجعة إلى ms073 أفعال تقسيم وجوده وصفات تصدر بها تلك الأفعال على أفضل ~~نظام فهنا بابان أحدهما في الأفعال التي تقام بها صورة الملك ووجوده والآخر ~~في الصفات التي تصدر بها تلك الأفعال على أفضل نظام PageV01P173 ~~PageV01P174 & الباب الأول & # | في الأفعال التي تقام بها صورة الملك ووجوده # والمذكور منها عشرون ركنا ضرورية وكمالية # | الركن الأول # # | نصب الوزير # وفيه مقدمتان وثلاثة مطالب # المقدمة الأولى وفيها مسائل # المسألة الأولى أن السلطان لما كانت قواه البشرية لا تستقل قواه البشرية ~~بحمل ما قلد فلا جرم اضطر لمشاركة معين يتم به استقلاله وهو الوزير وفي ~~التنزيل ^ واجعل وزيرا من أهلي هارون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري ^ ~~وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال إن لي في السماء PageV01P175 وزيرين ~~وفي الأرض وزيرين فاللذان في السماء جبريل وميكائيل واللذان في الأرض أبو ~~بكر وعمر ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول # المسألة الثانية أن من لوازم هذا الاضطرار استحالة تصور الاستغناء عن ~~مطلق المشاركة المنوطة به في المراتب السلطانية لامتناع تخلف ما هو طبيعي ~~ومن ثم قيل لا تعتقد أن رياسة تقوم بغير وزير قال # ( هيهات لم تصدقك فكرتك التي % قد أوهمتك غنى عن الوزراء ) # ( لم تغن عن أحد سماء لم تجد % أرضا ولا أرض بغير سماء ) # نعم تمكن الكفاية بمن تحصل به المشاركة كما في صد الإسلام لفقد رتب الملك ~~بسذاجته أما الاستغناء عن مطلق المشاركة فلا تتصور البتة # المسألة الثالثة أن لشرف هذه الرتبة يجب لها أمران أدهما اعتقاد تعظيمها ~~فقد قال الطرطوشي أشرف منازل الآدميين ثم الخلافة ثم الوزارة PageV01P176 ~~قلت وفي اليهود اليونانية كان في السنة الجارية في اليونان تعظيم الوزارة ~~وتفضيلها عن سائر الشؤون # الثاني انتخاب من يصلح لها واختياره ففي العهود يحتاج من نصب لها إلى ~~كمال في الفضل ورجاحة في المعرفة يعدل بها ما عسر على الملك حتى يخرج في ~~أحسن صورة # المسألة الرابعة أن اختياره على أكمل الصفات من أسبق ما يشهد للسلطان ~~بإحراز الفضيلة المستولية على أبعد غاية # قال أول ms074 ما يظهر من قبل السلطان وقوة تمييزه وجودة عقله في إستنخاب ~~الوزارة واتقاء الجلساء ومحادثة العقلاء # قال الطرطوشي وبهذه الخلان يحمد في الخلق ذكره ويجعل في العين قدره وترسخ ~~فبالنفوس عظمته # قلت ويستدل على إقباله وسعادة زمانه قاله في الافلاطونيات وكذا بقاء ملكه ~~وأمنه عليه من الفساد الناشيء عن فاقد الضروري منها وهي # المسألة الخامسة من كلام الحكماء لا يطعن ذو الكبر في الثناء ولا الخب في ~~كثرة الصديق ولا السيىء الدب فبالشرق ولا الشحيح في البر والحريص في قلة ~~الذنوب ولا الملك المتهاون الضعيف والوزراء في بقاء الملك PageV01P177 # المسألة أن سعادة السلطان متوقفة على وزارة الوزير الصالح عن عائشة رضي ~~الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا أراد الله بالأمير خيرا ~~جعل له وزير صدق ذكره به وأن ذكر أعانه وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له ~~وزير سوء إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعنه رواه أبو داوود والنسائي ولفظه ~~من ولي منكم عملا فأراد الله به خيرا جعل له وزيرا صالحا إن نسي ذكره وإن ~~ذكر أعانه # المسألة السابعة أ صلاح السلطان وفساده لازم عن صلاح الوزير وفساده قالوا ~~موقع الوزير من الملك موقع الملك من العامة وكما أن السلطان إذا صلح صلحت ~~الرعية وإذا فسدت فسدت الرعية فكذلك الوزير إذا صلح صلح الملك وإذا فسد فسد ~~الملك # وإذا كان صلاح الرعية بصلاح السلطان وصلاح السلطان PageV01P178 بصلاح ~~الوزير فصلاح الرعية بصلاح الوزير ضرورة وكذا في العسكر ومن ثم قال أفلاطون ~~طاعة الرعية بسداد وزير الوزراء # المسألة الثامنة أن من صلاح الوزير صلاح بطانته وأعوانه ضرورة أن كل ذي ~~بطانة صلاحه متوقف على صلاحها لقوله صلى الله عليه وسلم ما من وال إلا وله ~~بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالا فمن ~~وقي شرها ف وقي وهو غلى من يغلب عليه منها رواه النسائي عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال الطرطوشي شر الأمراء من كان له الشرار ms075 وزراء وبطانة وأخلاء # المسألة التاسعة أن خلوص النصيحة التي هي في الجملة فعل ما فيه الصلاح من ~~أهم ما يجب على الوزير أن يبذل فيه غاية وسعه ومقدوره # أما أولا فلموقعها من الدين كما يدل عليه حديث أن الدين النصيحة وأما ~~ثانيا فلوجهين # أحدهما أن الصلاح العام متوقف الحصول عليها ففي دمنة وكليلة يصلح السلطان ~~إلا الوزراء والأعوان ولا الوزراء والأعوان إلا بالمودة والنصيحة ولا ~~المودة والنصيحة إلا بالرأي والعفاف # الثاني أن الوساطة بنقيضها بين والرعية يفسد التدبير ويجعل هلاك من قصدت ~~مضرته فقد قيل مثل السلطان كالطبيب ومثل الرعية كالمرضي ومثل الوزير ~~كالسفير بين المرضى والأطباء فإن كذب السفير فقد بطل التدبير وكما أن ~~السفير إذا أراد أن يقتل أحدا من المرضى وصف للطبيب نقيض دائه فإذا سقاه ~~الطبيب على صفة السفير هلك العليل كذلك الوزير ينقل للملك ما ليس في الرجل ~~فيقتله # المسألة العاشرة أن التعلق بالوزير معراج الوصول إلى السلطان PageV01P179 ~~ومرقاة الفوز بتمكين الخطوة لبه قال الطرطوشي ولما كانت أزمة الملوك بأكف ~~الوزراء سبق فيهم المثل ل تغتر بمودة الأمير إذا غشك الوزير وإذا أحبك ~~الوزير فلا تخشى الأمير # قال ويقال الخرق مماراة الأمراء ومعاداة الوزراء وأمر كرهه الأمير يتمه ~~الوزير كم من أمر أراده الأمير فثناه عنه الوزير وإنما السلطان كالدار ~~والوزير بابها فمن أتى الدار من بابها ولج ومن أتاها من غير بابها أزعج # | المقدمة الثانية # قد تقدم بيان استحالة الاستغناء عن الإعانة المنوطة به في المراتب ~~السلطانية ولذلك تدرجت العناية بها في الدول الإسلامية عند انقلاب الخلافة ~~ملكا وذلك في موضعين # | الموضع الأول المشرق # وذلك في دولتين # الدولة الأولى الدولة الأموية في مبدأ استعجال ملكها ظهر اسم الوزير ~~وأطلق على من خص لسمو مقامه في المرتبة السلطانية يومئذ بعموم النظر ونطلق ~~التفويض بحسب رتبة إذ ذاك PageV01P180 قال ابن خلدون وقلبه ما كانوا يعرفون ~~ما الوزير على ما هو عليه في مطلق الملك لذهاب رتبة بسذاجته الإسلامية # الدولة الثانية دولة بني العباس ولها في الوجود ms076 أحوال إحداها حال ~~استبدادها بشماخة الملك والسلطان ففيها ازداد سمو الوزير بمصير النيابة ~~إليه في الحل والعقد وجعل النظر له في ديوان الحسبان ثم في القلم والترسيل ~~فصار اسمه جامعا لخطتي السيف والقلم وسائر معاني المعاونة فعنت له الوجوه ~~وخضعت له الرقاب # قال ابن خلدون حتى لقد دعى جعفر بن يحي أيام الرشيد بالسلطان إشارة لعموم ~~نظره ولم يخرج منه إلا الحجابة استنكافا عن مثلها الثانية حال الاستبداد ~~على سلطانها تارة واستقلاله بالآمر أخرى وفيها انقسمت الوزارة إلى وزارة ~~تنفيذ وهي حال قيام السلطان على نفسه وإلى وزارة تفويض وهي حال استبداد ~~الوزير عليه # الثالثة حال تعطيل رسم خلافتها عند مصير الأمر لملوك العجم وتعذر ~~انتحالهم ألقاب الخلافة واستنكفوا من مشاركة الوزراء في اللقب فتسموا ~~بالأمارة والسلطان إلى ما يحيلهم به الخليفة من ألقابه وفسد اللسان خلال ~~ذلك وصار صناعة ينتحلها بعض الناس فترفع وزراؤه عنها لامتهانها بذلك مع ~~عجمة لسانهم فتخيروا لها من الطبقات وصارت خادمة للوزير PageV01P181 واختص ~~الأمير بصاحب الحرب والجند ويده مع ذلك عالية على أهل الرتب وأمره نافذ في ~~الكل نيابة واستقلالا # الرابعة حال حجر سلطانها بمجيء دولة الترك آخر بمصر وعندما رأوا تبديل ~~الوزارة بترفع من سبقهم عنها ودفعها لمن يقوم بها للخليفة المحجور مع تعقب ~~نظره لنظر الأمير استنكفوا عنها وصار صاحب الأحكام والنظر في الجند يسمى ~~بالنائب واختص اسم الوزير عندهم بالنظر في الجباية # | الموضع الثاني في المغرب وذلك في دول # الدولة الأولى الدولة الأموية بالأندلس # أبقوا فيها إسم الوزير في مدلوله أول الدولة ثم قسموا خطته اقتساما ~~كوزارة حسبان المال والكتابة والنظر في المظالم وأحوال الثغور وجعل بيت ~~يجلسون فيه على فرش منضدة لتنفيذ أمر السلطان هناك كل فيما جعل له وأفرد ~~للتدبير بينهم وبين الخليفة واحد منهم ارتفع بذلك عنهم حتى في المجلس وخصوه ~~باسم الحاجب إلى آخر دولتهم وعند مصير الأمر لملوك الطوائف انتحلوا ذلك ~~اللقب مع ما أختص به من الجلالة # الدولة الثانية # دولة الشيعة بإفريقية والقيروان # أغفلوا أولا ms077 هذه الخطة لرسوخهم في البداوة وعندما أدركت دولتهم الحضارة ~~تبعوا من سبفهم في وضع أسمائها بحسب تفاوت رتبتها PageV01P182 # الدولة الثالثة # دولة الموحدين # من بعد ذلك أهملوها أولا للبداوة ثم صاروا إلى انتحال السماء والألقاب ~~وكان إسم الوزير في مدلوله ثم اتبعوا الأموية وقلدوها في مذاهب السلطان ~~واختاروا اسم الوزير لمن يحجب السلطان في مجلسه ويقف بالوفود الداخلين عليه ~~عند الحدود فبالتحية والخطاب والآداب اللازمة بين يديه ورفعوا خطة الحجاب ~~ما شاؤا والله ولي الأمور # | المطلب الأول # # | في شروطه الضرورية والمكملة # وهي لفضائل نفسية وكمالات بدنية وسعادات خارجية فهي ثلاثة أنواع # النوع الأول الفضائل النفسية وهي جملة # إحداها العلم وأكده العلم بأيام الناس وسير الملوك وسياسة الرياسة وأدب ~~الخدمة ومعرفة الخط والكتابة والحساب # الثانية جودة الفهم ليتصور الأمور على حقائقها ويحكم عليها بما يجب لها ~~نفيا وإثباتأ # الثالثة الذكاء والفطنة لئلا يتدلس عليه الأمور فتشتبه ولا تموه فتلبس ~~قيل ولا يصح مع إشتباهها غرم ولا يتم مع التباسها حزم # الرابعة قوة الحفظ ليتذكر ما يلقى إلى السلطان أو ينقل عنه لأنه شاهد له ~~وعليه وشرط الشهادة العلم بمتعلقها أداء وتحملا # الخامسة المعرفة بضروب الجبايات بحيث لا تخفى عليه وجوه PageV01P183 ~~المصلحة فيها ولا تشتكي الرعية إليه إلا علم موجب شكايتها مداواتها وفي ~~السياسة المنسوبة لارسطو إذا علم الخدمة أن الوزير عالم بهم لم يقدموا على ~~إدخال داخلة # السادسة الحنكة والتجربة ليحمل على صحيح الرأي وصواب التدبير لما في ~~التمرن بذلك خصوصا مع طول المباشرة من الخبرة بمواقع الأمور ومقابلة ~~الحوادث # السابعة الصبر على تحمل ما يقوم به عن سلطانه لاسيما مباشرة العامة ففي ~~محاسن البلاغة لا يحتاج سائس الناس إلى سعة الصدر واستشعار الصبر في احتمال ~~نوادر العامة وإفهام الجاهل وإرضاء المحكوم عليه والممنوع مما سأل وتعريفه ~~من أين حكم عليه ومنع ما سأله # الثامنة قوة العزيمة على فقل ما ينبغي بحيث لا يثنيه عنه ضعف نفس ولا خور ~~طبع جسارة عليه وإقداما # لتاسعة حب العدل وأهله وبغض الجور وذويه ليعطي النصفة ms078 لأهلها ويرثي ~~للمظلوم وينصره وان سخط الظالم وعز عليه ارضاء للحق وارغاما للباطل # العاشرة رحمة الخلق ليداوي بها ما يجرحه السلطان بغلطته # قلت كما كتب معاوية رضى الله عنه إلى زيادة أنه لا ينبغي لنا أن ~~PageV01P184 نسوس الناس سياسة واحدة لا نلين جميعا فنجعل الناس في المعصية ~~ولا نشتد جميعا فنحمل الناس على المهالك ولكن لتكن أنت للشدة والغلظة وأكون ~~أنا للرأفة والرحمة # الحادية عشرة النزاهة قال ابن رضوان وهي من آكد شروطه # الثانية عشرة طهارة القلب من خبث السريرة ليكون نقي الجيب ناصح الغيب قال ~~بعض الملوك لوزيره لتكن إلى ما يسرني منك أسرع مبادرة منك إلى إنذاري فيما ~~تخاف علي منه # وقال آخر أعط من أتاك بما تكره كما تعطي من أتاك بما تحب فإن من انذرك ~~كمن بشرك # الثالثة عشرة حسن المعاملة بسماحة الخلق ولين الجانب وسهولة اللقاء ~~واستعمال التواضع تحمد عاقبته ففي العهود اليونانية أن المتواضع المتقلل من ~~الوزراء في أكثر الأمور طويل العمر مظفر بأعدائه قريب من الأحوال المرضية ~~عند ربه # الرابعة عشرة كبر النفس وعلو الهمة ليحب الكرامة ويأنف من الفضيحة فتعز ~~به الدولة ويحنى جانبها من طوارق الذل والمهانة PageV01P185 الخامسة عشرة ~~اعتدال الخلق والسيرة قال الطرطوشي من شروطه أن يكون معتدلا كليل تهامة لا ~~حر ولا قر # قلت وإن انحرفت سيرة السلطان تلطف هو في ردها إلى اعتدال كما يدل عليه ما ~~سبق في كتاب معاوية رضي الله عنه إلى زياد ومثله قال أفلاطون إن أخلاقه ~~تأمل معاملة الملك فإن كانت شديدة عامل الناس بدونها وإن كانت لينة عاملهم ~~بأقوى منها ليقرب من العدل في سعيه # النوع الثاني الكمالات البدنية وهي جملة # أحدهما تمام الأعضاء لتتأتي له الأمور التي من شأنها أن يكون بها ومنها # قلت ولأن النقص منها شين يتنزه عنه جمال الملك به وزينته # الثاني جمال الوجه وبهاؤه خصوصا مع البشر والحياء لدلالة ذلك على شرف ~~النفس عكس القباحة المنفرة لا سيما مع الصلف والوقاحة # الثالث صدق اللسان لما في الكذب ms079 من المفاسد الخلة بمصالح الدين والدنيا ~~وقد من ذلك في تمثيله بالسفير بين الطبيب والمريض # الرابع حسن العبارة المؤدية لما في النفس بأوجز لفظ وأوضع بيان ~~PageV01P186 # الخامسة صمت اللسان عن هذر القول وكثرة المزاح والتعريض بالناس ~~والاستخفاف بهم غيبة وحضورا # السادس الفروسية ليحسن بها مع الشجاعة التي هي أم الفضائل مباشرة الحروب ~~ومدافعة العدو في مواطن اللقاء # السابع ظهور أثر العفة عليه في التقاء شره الأكل والنكاح ففي ~~الافلاطونيات # اقبح ما يشنع على الزير تشاغله بلذة أو شرب أو خروجه إلى غضب فإن واحدة ~~من هذه تفسد ناموسة الذي قام به # النوع الثاني السعادة الخارجية # وهي جملة # إحداها شرف البيت وكرم المنشأ لا سيما أ كان أبوه وزيرا لنه إذ ذاك وارث ~~حالة نشأ علنها ودرب على ممارستها # الثانية أمانة بطانته وبصيرتها بما يرام منهم في مصلحة الاختصاص به وقدم ~~تقدم أن صلاحه مشروط بصلاحهم # الثالثة حسن الملبس وجمال الزي عملا على مشاكلة الرتبة وأبهة المقام ~~ليجمل في العيون ويعظم في الصدور # الرابعة إباحة مجلسه لذوي المقاصد والحاجات ليصغى إليهم ويؤنس من وحشيتهم ~~ويصبر على تحاملهم # الخامسة استواء ليله ونهاره في حسن النظر وسداد التدبير قياما بما نصب له ~~ووفاء بما شرط عليه PageV01P187 # تكملة في تنبيه حذروا في هذا المقام من وزارة رجلين أحدهما في طريق الضعة ~~وهو اللئيم # قال الطرطوشي يحذر الملك أن يولي الوزارة لئيما إن اللئيم إذا ارتفع جفا ~~أقاربه وأنكر معارفه واستخف بالأشراف وتكبر على ذوي الفضل والإنصاف # الثاني في طرق الرفعة وهو المنتمي لقرابة السلطان وعلله في السياسة ~~المنسوبة لارسطو بما بين القرابة من الحسد الذي لا يقع فيما بينهم إلا ~~بالروح قائلا وهو لازم في الطبيعة منذ بدء الخليقة كما وقع بين ابني آدم ~~قابيل وهابيل # المطلب الثاني أمهات من فوائد زائدا على ما تقدم مها وهي جملة # الفائدة الأولى تنزله من السلطان منزلة أعضاء البدن وآخر ما به تركب ~~وجوده # قالوا الوزير مع الملك بمنزلة سمعه وبصره ولسانه وقلبه # الفائدة الثانية وقوعه مع ms080 الملك موقع ما يبدأ به الكمال والنقصان # قالوا موقع الوزير من المملكة كموقع المرآة من البصر كما أن من لم ينظر ~~في المرآة لا يرى محاسن وجهه وعيوبه كذلك السلطان إذا لم يكن له وزير لا ~~يعلم محاسن دولته ولا عيوبها قال الطرطوشي # وكما أن المرآة لا تريك وجهك إلا بصفاء جوهرها ونقائها من الصدأ كذلك ~~الوزير لا يكمل أمره إلا بجودة عقله ونقاء قلبه PageV01P188 # الفائدة الثالثة النفع به في تحصيل ما ينشرح الصدر بقبوله وتتضح به حقائق ~~الأمور ويا لها من طليعة تعلم بما وراءها من الفوائد الجمة والمنافع التي ~~لا تنحصر بزمام قالوا أول ما يستفيده الملك من الوزراء أمران علم ما كان ~~يجهله وزوال الشك فيما يقوي علمه # الفائدة الرابعة صون اللسان به عن الامتهان وترفعه به عن التبذل لكفايته ~~ما لا يليق به أن يليه نفسه وينزل بمباشرته على علي مقامه وشريف رتبته ~~لاسيما عند عروض ما شرع لأجله إقامة صورته وحفظ جلاله وجماله # قال ابن سلام الوزير يصون الملك عن الامتهان ويرفعه عن التبذل في كل مكان # الفائدة الخامسة وفاؤه بكل ما يراد له ويعد للقيام به على الإطلاق ~~والعموم وقد عبر عن ذلك التدميري في محاسن البلاغة بقوله الوزير عون على ~~الأمور وشريك في التدبير وظهير على السياسة ومفزع عند النازلة PageV01P189 # الفائدة التاسعة قيامه بوظائف الملك عند استراحة السلطان من كد التعب بها ~~دائما # ففي الأفلاطونيات وزير الملك هو الذي يخدمه بالفضائل إذا انصرف إلى ~~نقيضها لاحتياج المملكة ألا يغيب عنها الصواب وحسن الرأي في وقت من الأوقات ~~والملك لا يطيق ذلك ولابد له من انصرافه من جد إلى هزل ومن تعب إلى راحة ~~فاضطر إلى مؤازرته على المملكة بجد فيها إذا هزل ويفكر فيها إذا لهى لئلا ~~يغيب عنه نور العقل # الفائدة السابعة إشارته بمقتضى الرأي وافق غرض السلطان أو خالفه ففي ~~الأفلاطونيات ليس يستخدم للملك رأيه أجمع في مصلحة المملكة غير وزيره فإنه ~~يريه عواقب أموره ويمانعه عما خالف الصواب فيه # الفائدة ms081 الثامنة غناء الثقة برأيه وراحة الإفضاء إليه بأسرار الملك فيحكى ~~أن امرأة أوصت ابنها وكان ملكا فقالت يا بني ينبغي للملك أن يكون له ستة ~~أشياء جليلة وزير يثق برأيه ويفضي إليه بأسراره وحصن يلجأ إليه إذا فزع ~~وسيف إذا نازل الأقران لم يخفي عليه أن يخونه وذخيرة خفيفة الحمل إذا نابته ~~نائبة كانت معه وامرأة إذا دخلت عليه أذهبت همه وطباخ إذا لم يشته طعاما ~~صنع له طعاما يشتهيه # الفائدة التاسعة ازدياد السلطان به عقلا وإدراكا ففي سياسة أرسطو يزداد ~~الملك الحازم برأي وزرائه كما يزداد البحر بمواده من الأنهار وينال بالحزم ~~والرأي مالا ينال بالقوة والجند PageV01P190 # الفائدة العاشرة جمال المملكة به زائدا على ضروري الحاجة عليه فقد كان ~~يقال حيلة الملوك وزينتهم وزرائهم وفي وصية أرسطو للإسكندر أرع وزيرك أكثر ~~من مراعاتك لنفسك وشاوره قليلك وكثيرك أدنه من مجلسك فإنه زينك في الملا ~~وأنسك في الخلا وساترك في البأساء والضراء # | المطلب الثالث # فيما يجب له مرتبا على ذلك # وحاصله أمران أحدهما مشورته في كثير من الأمر وقليله فقد تقدم آنفا قول ~~أرسطو أرع وزيرك أكثر من مراعاتك لنفسك وشاوره في قليلك وكثيرك # الثاني موافقته على إمضاء ما ظهر صواب رأيه فيه إذ المخالفة والحالة هذه ~~تفويت لمصلحة الرأي ونقض للغرض المقصود بالوزارة ولا يخفي ما في ذلك من ~~الفساد الكبير # التفات مشورة السلطان لوزيره لا تنحصر في ضرورة الاحتياج لإشارته وذلك ~~لأن موجب الطلب فيه ثلاثة # أحدهما تألف القلوب بها كما في حق النبي صلى الله عليه وسلم حيث قيل له ~~@QB@ وشاورهم في الأمر @QE@ # الثاني امتحان عقل المستشار فيما يشير به هل يوفي بإصابة الصواب أو يقصر ~~عنه # الثالث عجز الوقوف على الرأي المعتمد عليه فيستعان بالمشورة على الوصول ~~إليه وكلها متصورة في السلطان مع الوزير وغيره على ما قرره البلخي وغيره ~~وهو ظاهر PageV01P191 # | الركن الثاني # # | إقامة الشريعة # وذلك لأن المقصود بالحلق ليس الدنيا فقط لأنها من حيث فنائها عبث وباطل ~~وهو تعالى يقول # @QB@ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ms082 @QE@ وقال تعالى ^ وما خلقنا السموات ~~والأرض وما بينهما باطلا ^ بل الدين المفضي بهم إلى السعادة الآخروية وقال ~~تعالى @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ والشرائع هي الحمالة لهم ~~عليه حتى في الملك الطبيعي لاجتماع الإنسان فلا جرم أجرته على نهجه ليمون ~~العقل محوطا بنظرها وأيضا فقد تقدم أن الملك الديني مندرج في الخلافة التي ~~هي نيابة عن الشارع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به إذا تقرر هذا فهنا ~~لتشييد هذا الركن العظيم ثلاثة أصول # الأصل الأول فيما يحمل عن ذلك ويرغب فيه ويكفي من ذلك ترغيبان # الترغيب الأول أنه دليل أنه دليل على استحقاق الرياسة بحق فقد تقدم أن من ~~علامة ملكها التنافس في خلال الخير ولا خير إلا في إتباع الشريعة كما من ~~هناك من أمثلة وفي سياسة أرسطو أي ملك أخدم ملكة دينية فهو مستحق في ~~الرياسة وأي ملك جعل دينه خادما لملكه فهو مستخف بناموسه ومن استخف ~~بالناموس قتلة الناموس وفي الأفلاطونيات فضل الملوك على مقدار خدمتهم ~~لشريعتهم ونقصهم على قدر إغفالهم لها PageV01P192 # الترغيب الثاني أنه الكفيل بإرضاء الخلق وإنزال الساخط منهم منزلة الراضي ~~قال ابن المقفع الملوك ثلاثة ملك دين ملك حزم وملك هوى فأما ملك الدين فإنه ~~إذا أقام للرعية دينهم فكان دينهم هو الذي يعطيهم الذي لهم ويلحق بهم الذي ~~عليهم أرضاهم ذلك وأنزل الساخط منهم منزلة الراضي في الإقرار والتسليم وأما ~~ملك الحزم فإنه تقوم به الأمور ولا يسلم من الطعن والسخط ولن يضر طعن الذيل ~~مع حزم القوى وأما ملك الهواء فلعب ساعة ودمار دهر # تمثيل قال الحكماء الملك بيت أسه الإيمان وسقفه التقوى وأركانه الشرائع ~~وفرشه العدل وأستاره السير المحمودة فإذا قعد فيه الملك ابتهجت به الدنيا ~~وتألفت به النفوس وعمرت به البلاد وشمل الصلاح العباد # الأصل الثاني فيما يكف عن الإخلال به ويكفي من ذلك أيضا ترهيبان # الترهيب الأول خشية سريان الفساد به إلى سائر الطبقات # قال ابن المقفع ليعلم الملك أن الناس على دينه إلا أنه من لا يبالي ms083 به ~~PageV01P193 فليكن للدين والمرؤة عنده نفاق فسيكيد بذلك الفجور والدناءة في ~~آفاق الأرض # الترهيب الثاني توقع زوال الملك الأموية طبعا وشرعا فمن كلام أفلاطون إذا ~~تخلى الملك عن الدين حاربته الشريعة بأشخاصها ولم تمهله إلا بمقدار ما يعد ~~ملكا طبيعيا # موعظة يروى أن آخر الملوك الأموية بالمشرق لما هرب غلى النوبة سمع به ~~ملكها فجاءه وقعد على الأرض فقال له إلا تقعد على فراشنا فقال له النوبي لا ~~قال ولم قال لأني ملك وحق على كل ملك أن يتواضع لمر الله سبحانه إذ رفعه # ثم قال له ولم تشربون الخمر وهي محرمة عليكم ولم تطأون الزرع بدوابكم ~~والفساد محرم عليكم ولم تستعملون الذهب والفضة وتلبسون الديباج وهو محرم ~~عليكم فقال له انتصرنا بقوم من الأعاجم حين قل أنصارنا ولنا عبيد واتباع ~~فعلوا ذلك على كره منا فأطرق النوبي مليا ثم قال ليس كما ذكرت ولكن أتتم ~~قوم استحللتم ما حرم الله عليكم وظلمتم فيما ملكتم فسلتكم الله العز ~~بذنوبكم والله فيكم نقمة لم تبلغ غايتها وأخاف أن يصيبكم العذاب وأنتم ~~ببلدي فيصيبني معكم وإنما الضيافة ثلاثة أيام فتزودوا ما احتجتم وانصرفوا ~~عن بلدي # الأصل الثالث في كليات ما تحفظ به الشريعة تشيدا لركن الملك به وهي ~~الضروريات الخمس المتفق على رعايتها في جميع الشرائع الدين والنفس والعقل ~~والنسل والمال لأن مصالح الدين والدنيا مبنية على المحافظة عليها بحيث لو ~~انخرمت لم يبق للدنيا وجود من حيث الإنسان المكلف ولا PageV01P194 للآخرة ~~من حيث ما وعد بها فلو عدم الدين عدم ترتب الجزاء المرتجى ولو عدم الإنسان ~~لعدم من يتدين ولو عدم العقل لارتفع التدبير ولو عدم النسل لم يمكن البقاء ~~عادة ولو عدم المال لم يبق عيش # | تركيب # إذا عرفت هذا فهنا بحسب القول الكلي وظيفتان # الوظيفة الأولى حفظها من جانب الوجود وأركانها ورعاية مكملاتها فالدين ~~بإظهار شعائره وبث الدعوة إليه بالترغيب والترهيب والنفس بحفظ بقاءها ~~بالمآكل والمشارب من داخل والملابس والمساكن من خارج والعقل يتناول مالا ~~يعود عليه بسكر أو ms084 فساد والنسل بإقامة أصله المشروع واجتناب وضعه في الحرام ~~والمال برعاية دخوله في الملك أولا وتثميره بعد ثانيا # الوظيفة الثانية حفظها من جانب العدم وذلك يدرك الخلل الواقع والمتوقع ~~فيها فالدين بجهاد الكافر وقتل المرتد والزنديق وقمع الضال المبتدع والنفس ~~بالقصاص والدية والعقل بالحد في المكر والأدب في المفسد والنسل بالحد ~~وتضمين قيم الأولاد في الزنا والمال بالقطع والتضمين # | تنبيه # من الأصوليين من الحق بهذه الخمسة سادسا وهو العرض وعليه بحفظه من جانب ~~الوجود باعتقاد سلامته عن المطاعن والقوادح ومن جانب القدح بالحد في القذف ~~واللعان PageV01P195 # | الركن الثالث # # | إعداد الجند # وقبل بيان ما يتضح به تلخيصه فهنا مقدمتان # المقدمة الأولى قد سبقت إشارة إلى أن الجند قد يعز به عن العصبية ~~المشترطة في حصول الملك وما توقف الملك عليه فلا يخفى موقعه منه ومن ثم قيل ~~قد اتفق حكماء العرب والعجم على هذه الكلمة الملك بناء والجند أساسه فإذا ~~قوى الأساس تم البناء وإذا ضعف الأساس انهار البناء فلا سلطان إلا بجند # وفي الشكل الدوري الذي وضعه أرسطو للإسكندر والملك راع يعضده الجيش ~~وسيأتي نقله بتمامة في موضع آخر إن شاء الله # المقدمة الثانية إذا كان من الملك بهذه المنزلة فالعناية به لاشك متأكده ~~لاسيما حيث الجهاد والرباط كما في وطننا الأندلس أيده الله بسيوف أجناده ~~ففي العهود اليونانية اصرف أكثر اهتمامك إلى تقويم المقاتلة واستوف عليهم ~~شرائط الخدمة ووفهم مالهم من الأجرة التي فرضها لهم الاستحقاق # ومن عهد عقدة بعض الملوك لابنه من إنشاء الكتاب أبي الحسن بن جودي الخول ~~الخول والجند الجند فإن الله تعالى قد حمى به الحوزة وجعله نكالا للباغي ~~وبلاء للعدو وظهيرا وعماد للعز إذا عرفت هذا فلتشييد الملك به عنايات ~~PageV01P196 # العناية الأولى فيما يتكفل بحفظه العائد نفعه على الدولة وذلك أمور # أحدها إنصافهم من مرتباتهم فقد قيل من أهم الأمور الأنصاف لأرباب ~~المرتبات من غير مطل إذ لابد من إعطائها فتعجيلها لحين وجوبها أحسن لأن ~~تأخيرها يحوجهم إلى المدينات فيضعفهم وتقل فائدة العطاء عند ms085 التأخير # الثاني ملك قلوبهم بعد ذلك بالإحسان الزائد ففي العهود اليونانية وأعلم ~~أنهم لا يبذلون مهجهم إلا لمن ملك قلوبهم بالإحسان وحركاتهم بالتقويم ولمن ~~تثق بإشفاقه على من تخلفه بعدها وترضى طاعته لمعادها فاستشعر هذه الخصال ~~فإنها تسبقك إلى المخاوف وتكون رداء لك من المكاره فإن لم تبلغ القصد من ~~ذلك فبسط الوجه وطيب الكلام يقوم مقامه # قلت وهو المر الثالث أنكم لن تسمعوا الناس بأموالكم فسعوهم ببسط الوجوه ~~وحسن البشرة وقيل من أبلغ السياسة معرفة أمير الجيش منازل طاعة أصحابه # الثالث استدعائه مجتمعهم بلين الكلمة وخفض الجناح من طيب الكلام ورد ~~السلام وإعطاء الحق واستعمال الصدق في الوعد والوعيد PageV01P197 # الرابع تفقدهم بالنظر فيهم إثباتا وإسقاطا قال الطرطوشي ينبغي للملك أن ~~يتفقد جنوده كتفقد صاحب البستان بستانه في قلع مالا ينفع من العشب ومع ذلك ~~يضر بالنبات النافع # الخامس تمكين الرهبة في قلوبهم ليتم ما يراد منهم ففي سياسة ارسطو يجب ~~أبن يكون عليهم منك رقبة تبعثهم على مهابتك والتعظيم لك # السادس اتخاذهم من أجناس مختلفة قالوا يستحب للسلطان أن يكون جنده أجناسا ~~متفرقة وقبائل شتى بحيث لا يتهيأ لهم الاتفاق على رأي واحد في الخلاف ~~والعداوة فان المرين جميعا يعودان عليه بالمضرة # قلت هذا بعد استقرار الدولة واستغنائها بمثل ذلك عن العصبية الملتحمة كما ~~مر # السابع أخذهم بصرف ما يفضل عن عطائهم في زيهم وسلاحهم ففي العهود ~~اليونانية لتسمح لأحد منهم بإغفال شيء من عدته وليكن ما فضل من نفقاتهم ~~مصروفا إلى زيهم وسلاحهم والتزين في مراكبهم وغلمانهم # الثامن معرفة مالهم من حقوق الخدمة فقد قيل يجب على السلطان أن يعرف لكل ~~واحد منهم حق نجدته ول ينسى له محمود أفعاله وليعلمهم بالغرض الذي يجرون ~~إليه في خدمته والقدر الذي يستحقون عليه من كرامته وأن لم يعلمهم ذلك ~~بلسانه أعلمهم إياه بعادته # التاسع حفظهم عن مضرة من يرى نفسه فوق غنائه فينذر منه ما يعظم ~~PageV01P198 به موقع ضرره ففي العهود اليونانية وأحذر منهم من كان عنده ~~اكثر من موقعه ms086 في الدفاع عنك ولم يستح من التزايد في ملابسه واقتضى أضعاف ~~ما أبلى وشكى البخس في يسير ما يتعذر عليه وقايس بين سيرة صاحبه وسيرة ~~أعدائه وأظهر الكراهة لما هو فيه وكان التطوف والثقل غالبين عليه فانه من ~~مواد الفتن وعقد الضلال # العاشر إطعامهم في الأعياد والفصول ففي سياسة أرسطو وأطعمهم في الفصول ~~والأعياد فإن هذا عندهم من أكرم ما تكرمهم به وتتحبب إليهم من أجله # قلت وشرط ذلك أن سيلم من الوقوع في البدعة والمنكر المنهى عنه ولا يخفى ~~من أين يدخل ذلك على ذي بصيرة بالسنن الشرعيات # العناية الثانية فيما يعرف بمداخل الخلل عليه ليتقى منها وهي أيضا أمور # أحدها حبس مرتباتهم اتكالا على قول المنصور يوما لقواده صدق الأعرابي حيث ~~يقول اجمع كلبك يتبعك فإن بعضهم قال له ألا تخشى أن يلوح له غيرك برغيف ~~فيتبعه ويدعك # قلت بل المحذور فوق ذلك كما يروى إن بعض الأمراء كان ظالما لرعيته فأخذ ~~أموالهم فعوتب في ذلك كما فقال أجعل كلبك يتبعك فوثبوا عليه فقتلوه فمر به ~~بعض الحكماء فقال ربما أكل الكلب صاحبه إذا لم يجد شعبة # الثاني توفير واجبهم أو تقتيره قال ابرويز لابنه لا توسع على جنودك ~~فيستغنوا عنك ولا تضيق عليهم فيضحوا بك أعطهم عطاء PageV01P199 قصدا ~~وامنعهم منعا جميلا ووسع عليهم في الرخاء ولا تسرف لهم في العطاء # الثالث إيثار بعضهم بما لا يليق به ولا يستحقه بعمله قالوا لأن ذلك مفسد ~~للمفضل والمفضل عليه فالأول لثقته أن ذلك بالهوى فيخاف انتقاله عنه والثاني ~~لا علامة أن غيره آثر منه بغير استحقاق فيتكل على المصادفة وترك الجد الذي ~~ينال بها المنزلة وقد قيل منع الجميع أرضى للجميع # الرابع إذلالهم بما يخشى به عاديتهم وفسادهم ففي السياسة لا تمكنهم من ~~القرب منك عند السلام عليك ولا تجعل لهم سبيلا إلى مكالمتك جهرا فكيف سرا ~~فإن هذا سبب إلى الانبساط عليك والاستخفاف بك وربما كان في ذلك الهلكة في ~~الغدر على ما جرى لناسطوس الملك وغيره # قلت ms087 وانقلاب الخلفة ملكا موجب لاعتباره شرعا # الخامس تسليطهم على الرعية بالعنف والتحامل فقد قيل لا يمكن أهل الغناء ~~منهم من التدلل عليه ولا من الإفتيات على رعيته وليرضيهم رياضة تؤدي بكل ~~واحد منهم إلى الوقوف عند حكمه والمبادرة إلى امتثال أمره # السادس تقويتهم بإضعاف الرعية قالوا إذا قوي السلطان جنده بإضعاف رعيته ~~فهو مضيع لجنده متلف لملكه وكذا بالعكس فليكن غرضه العدل في سيرته وجبايته ~~بين جنده ورعيته # السابع إهمالهم عن التدريب بالحركة ففي العهود قومهم على المسير في بعوثك ~~والتنقل في حروبك ولا توطن منسرا منهم بلدا من PageV01P200 بلدانك فيركن ~~إلى الدعة ويستوطئ مهاد المعجزة ويختزله الإيثار للراحة وكره إليهم خدمة ~~العاقبة في الجدة # الثامن اشتغالهم بالتجارة وكسب المستغلات ففيها وانعهم من المتجر ~~والمستغلات وما يتكسب به من لا سلاح له ولا قوة معه وليكن اكتسابهم من ~~الجهاد عن المملكة والإغارة على أعدائها فإنهم كالجوارح التي يضر بها ~~ويفسدها أن تطعم ما لم تصده # قلت ولا بد من رعاية السياسة الشرعية في ذلك وسيأتي إن شاء الله ما في ~~تجارة السلطان ومن يليه # التاسع تضييعهم في السلم إلى وقت الحاجة إليهم وحينئذ ينظر فيهم قالوا من ~~أضاع الجند في السلم لم يجدهم في الحرب ولا ينفع العطاء عند الحاجة فإنهم ~~يعلمون أن المال إلى الإقلال # عاطفة تكميل بذكر حكايتين # أحدهما لبيان أن الجند هو عمدة الملك وأن المخصوص بسعادته يكيف له من حمل ~~جنده ما لم يخطر له على بال # والأحرى لظهور خطأ من رجح توفير المال على أعداد الجند # الحكاية الأولى ذكر أن عماد الدولة أبا الحسن علي بن بويه اتفقت له أشياء ~~عجيبة كانت سببا لثبات ملكه منها أنه لما ملك شيراز في أول ملكه ~~PageV01P201 اجتمع أصحابه وطالبوه بالأموال ولم يكن عنده ما يرضيهم به ~~وأشرف أمره على الانحلال واغتم لذلك فبينما هو مفكر قد استلقى على ظهره في ~~مجلس قد خلى في للفكرة والتدبير إذ رأى حية قد خرجت من موضع من سقف ذلك ~~المجلس ودخلت ms088 موضعا آخر منه فخاف أن تسقط عليه فدعا الفراشين وأمرهم بإحضار ~~سلم وأن تخرج الحية فلما صعدوا وبحثوا عن الحية وجدوا ذلك السقف يفضي إلى ~~غرفة بين سقفين فعرفوه ذلك فأمرهم بفتحها ففتحت فوجد فيها عدة صناديق من ~~المال والمصاغات قدر خمسمائة ألف دينار فجعل المال بين يديه فسر به وأنفقه ~~في رجاله وثبت أمره بعد أن كان قد أشفى على الانحلال # ومنها أنه قطع ثيابا وسأل عن خياط حاذق فوصف له الخياط كان لصاحب البلد ~~قبله فأمر بإحضاره وكان أطرش فوقع بباله أنه قد سعي به إليه في وديعة كانت ~~عنده لصاحبه وأنه طلبه لهذا السبب فلما خاطبه حلف أنه ليس عنده إلا اثنا ~~عشر صندوقا لا يدري ما فيها فعجب عماد الدولة من جوابه ووجه معه من حملها ~~فوجد فيها أموالا وثيابا فكانت هذه الأشياء من أقوى دلائل سعادته # الحكاية الثانية في أخبار بعض الملوك أن وزيره أشار عليه بجمع الأموال ~~واقتناء الكنوز وقال إن الرجال وإن نفروا عنك اليوم فمتى احتجتهم وعرضت ~~عليهم الأموال تساقطوا عليك قال له الملك هل لهذا من شاهد قال نعم هل يحضر ~~الساعة ذباب قال لا قال فأمر باحضار جفنة فيها عسل فحضرت فتساقط عليها ~~الذباب لوقتها فاستشار السلطان بعض أصحابه فنهاه عن ذلك وقال لا تغير قلوب ~~الرجال فليس في PageV01P202 كل وقت أردتهم حضروا قال هل لذلك من دليل قال ~~نعم إذا أمسينا سأخبرك فلما أظلم الليل قال للملك هات الجفنة فحضرت فلم ~~تظهر ذبابة واحدة # قلت وإذ هي من ذلك أن المال المرجح على الرجال لا يبقى هو ولا مرجحه قيل ~~كان بعض الملوك يجمع الأموال ولا يحفل بالرجال فقال له أصحابه أن ضدك ~~يتوعدك وكأنك به قدم عليك فاستعد الرجال وانفق المال عليهم فأومى إلى ~~الصناديق الموضوعة عهده # وقال الرجال في الصناديق فغزاة ضده وقتله ولم تسلم الصناديق ولا الملك # قال الطرطوشي وكان رأيه فاسدا لأن يقيمهم لوقته ويجمعهم عند حاجته إنما ~~يكونون أخيافا ليس فيهم غناء ولا عندهم ms089 دفاع # | العناية الثالثة # # | في اختيار قائم الجند ورئيسه # وفيها مسائل # المسألة الأولى قال الطرطوشي الشأن كل الشأن في استجادة القواد وانتخاب ~~المراء وأصحاب الأولوية # وفي العهود اليونانية ورأس عليهم خيارهم وذوي النباهة فيهم # المسألة الثانية أهم ما يشترط فيه أوصاف أربعة PageV01P203 # أحدها الشجاعة قالوا أسد يقود ألف ثعلب خير من ثعلب يقود ألف أسد # الثاني الحزم قالوا القائد الحازم كالتاجر الحاذق أن رأى ريحا تجر وإلا ~~تحفظ برأس ماله ولا يطلب الغنيمة حتى يحرز السلامة # الثالث حسن التدبير قالوا رئيس العسكر أن لم يكن شجاعا مديرا كان على من ~~معه آفة ولمن ليس معه عونا # الرابع السخاء ففي محاسن البلاغة لا يصلح لقيادة الجيوش إلا من اشتهر ~~بحسن المواساة للإتباع وسخاء النفس ببذل المال # المسألة الثالثة استحبوا فيه بعد ذلك أن يكون شريفا متواضعا ناصحا خبيرا ~~بالحرب ممارسا لها عارفا بمواضع الفرص من غير تغرير لين الأكناف للجند ~~مقوما لهم على صالح الأدب مانعا لهم من العداء على الرعية شاغلا لهم بما ~~يراد بهم # اعتبار في الخليقة قالوا وينبغي للقائد العظيم القيادة أن يكون فيه عشرة ~~أخلاق من أخلاق البهائم سخاوة الديك وتحنن الدجاجة وشجاعة الأسد وحملة ~~الخنزير وروغان الثعلب وصبر الكلاب على الجرح وحراسة الكركي وغارة الذئب ~~وسمن تعرو وهي دويبة بخراسان تسمن على التعب والشقاء # العناية الرابعة في انتخاب كاتبه قال في السياسة ولابد لأجنادك ~~PageV01P204 من كتاب حازم عالم ثقة مأمول بصير بالصفات نافذ في الفراسة ~~عالم بالفروسية لئلا يدخل على الجند داخلة في أعطياتهم فتفسد لذلك ضمائرهم ~~ومتى اطلعت على شيء من ذلك فاطرحه عنهم واجمعهم لذلك فخيرا لهم أنك إنما ~~اطلعت على داخلة لهم تضرهم لم ترضها لهم فيهم ويجب أن يكون سمح الخلق لين ~~الجانب سهل اللقاء لا يغيب ولا يشتغل بغير خدمة أحوالهم وتعهد أمورهم وحسم ~~عللهم # | الركن الرابع # # | حفظ المال # وهو من أعظم مباني الملك وقواعد أصوله فقد قال المال حصن السلطان ومادة ~~الملك وتكرار معنى قولهم لا مال إلا بجند ولا جند ms090 إلا بالمال إذا عرفت هذا ~~فالكلام فيه يدور على قطبين # القطب الأول ما هو النظر فيه من حيث طبيعة الملك # | وفيه مسائل # المسألة الأولى في سبب كثرة المال # وحاصلة أمور # أحدها وهو أصلها العام كثرة العمران المحفوظ برعاية العدل فقد قالوا # المال بالخراج والخراج بالعمارة والعمارة بالعدل وسيأتي وجهه إن شاء الله # الثاني وهو خاص بأول الدولة أن جبايتها حينئذ قليلة الوزائع كثيرة الجملة ~~وآخرها بالعكس على ما يذكر بعد إن شاء الله فالدينية PageV01P205 لضيقها عن ~~اتساع الوزائع والمتغلبة لبداوة أولها تتجافى عن الأموال فتقل وزائعها كذلك ~~وعلى التقديرين فتنبسط الأموال فبي الأعمال التي بها كثرة العمران المفيد ~~لوفور مال الجباية # الثالث وهو أيضا خاص بالدولة القوية الأصل لأنها لتلك القوة يجتمع لها من ~~المال ما هو بنسبتها وشاهد ذلك أثره في العطاء والاستعداد له وهؤلاء ~~البرامكة كانوا إذا أكسبوا معدما إنما هو الملك والولاية والنعمة آخر الدهر ~~لإعطاء الذي يستفيد يوم أو بعض يوم وهذا جوهر الكاتب قائد جيوش بني عبيد ~~لما ارتحل إلى فتح مصر استعد من القيروان بألف حمل من المال # قال ابن خلدون ولا تنتهي اليوم دولة لمثل هذا # المسألة الثانية في سبب نقصه بعد الكثرة # وحاصلة العدول عن العدل الذي به كثرة المال ونماؤه وتلخيص بسطه بذكر آفات ~~منه طبيعية تكفي الواحدة منها في ذلك وأولى إذا اجتمعت # الآفة الأولى تكثير الوظائف عند ذهاب بداوة الدولة لتعاقب مددها في ترف ~~الملك و العضوض واستحالة خلقها الساذج إلى الحضارة الحاملة على التوسع في ~~ما وراء الضروريات ولا تزال مزيدا فيها مقدارا بعد آخر لتدرج الدولة في ~~عوائد الترف وكثرة الإنفاق بسببه حتى تثقل على الرعية وتفرط في الخروج عن ~~الاحتمال فتذهب غبطتها في الاعتمار لعدم فائدته إذا قوبل ما بين نفعة ~~ومغارمه وبين ثمرته وفائدته وتنقبض أيدي الكثير عنه فتنقص الجباية لا محالة ~~PageV01P206 سوء تدبير قال ابن خلدون وربما يزيدون في مقدار الوظائف إذ ~~رأوا ذلك النقص ظنا منهم أنه جبر لهم حتى ينتهي إلى غاية ms091 لا نفع وراءها ~~لكثرة الإنفاق حينئذ في الاعتمار وكثرة المغارم وعدم وفاء الفائدة الموجودة ~~به فلا تزال الجباية في نقص ومقدار الوظائف في زيادة إلى أن ينتقص العمران ~~بذهاب الأموال في الاعتمار ويعود وبال ذلك على الدولة لأن فائدته إليها ~~ترجع # الآفة الثانية ضرب المكوس أواخر الدول وموجبه في الأكثر بعد تضعيف ~~الوظائف لما تقدم سببه أمور أربعة # أحدهما كثرة نفقة السلطان في خاصته لانغماسه في نعيم الترف وعوائد ~~الحضارة # الثاني كثرة ما يحتاج إليه في عطاء الجند أو إقامة أرباب الواجبات وسائر ~~من ينزل به من عوارض الملك وعوائد الدولة # الثالث كثرة نفقة أرباب الدولة لأخذهم بما أخذ السلطان في ذلك وسلوكهم ~~على نهج ما تقدمهم من المترفين # الربع ضعف الحامية عن جباية الأموال من الأعمال القاصية لما أدرك الدولة ~~من الهرم فتقل الجباية بمجموع ذلك وعلى أعيان السلع في أبواب المدينة # تعريف قال ابن خلدون وربما يزيد ذلك في أواخر الدول زيادة بالغة فتكسد ~~الأسواق بفساد الأموال وتؤذن باختلال العمران ولا تزال تتزايد إلى أن تضمحل ~~الدولة # قال وقد كان وقع منه بأمصار المشرق في أخريات الدولة العباسية ~~PageV01P207 والعبيدية كثير وفرضت المغارم حتى على الحاج في الموسم وأسقط ~~صلاح الدين بن أيوب ذلك كله وأعضه بآثار الخير # ووقع بالأندلس لعهد الطوائف حتى محا رسمه يوسف بن تاشفين وبأمصار الجريد ~~بإفريقية لهذا العهد حين استبد بها رؤساؤها والله لطيف بعباده # الآفة الثالثة تجارة السلطان وهي من أعظم الآفات المضرة بالرعية المفسدة ~~للجباية والحامل عليها ما تقدم من موجب نقص الجباية عن الوفاء بخارجها ~~فيقدم على استحداثها باكتساب الحيوان والنبات لاستغلاله وشراء البضائع ~~المترصدة بها حوالة الأسواق ظنا منهم أن بذلك يجبر نقص الجباية وتستجلب ~~الفوائد الكثيرة # قال ابن خلدون وهنا غلظ عظيم وإدخال الضرر على الرعايا من وجوه متعددة # قلت وملخص ما ذكر من ذلك أمور # أحدها مضايقة الفلاحين والتجار في شراء الحيوان والبضائع إذ لا يكاد واجد ~~منهم يحصل على غرض من ذلك مع مرافقة السلطان له إذ ms092 ماله أعظم بكثير ويدخل ~~عليه من الغم ما يضعف به أمله في الاكتساب PageV01P208 # الثاني إن السلطان قد ينزع الكثير من ذلك إذا ما تعرض له غصبا أو بأيسر ~~ثمن لفقد من ينافسه فيخس ثمنه على بائعه # الثالث أن ما يحصل له من مستغلات الفلاحة وبضائع التجارة لا ينتظر به ~~حوالة الأسواق لما تدعوه إليه تكاليف الدولة فيكلف التجارة والفلاحين شراءه ~~بأرفع قيمة ويستخلص به ما عندهم من الناض فيبقى بأيديهم عروضا خامدة وسلعا ~~بائرة # الرابع أنهم والحالة هذه ربما تدعوهم الضرورة فيبيعون تلك السلع بأبخس ~~ثمن لكساد سوقها وربما يتكرر ذلك على التاجر أو الفلاح منهم حتى يذهب رأس ~~ماله ووبال المضايقة به عائد على الجباية بالنقص و الفساد فإن معظمها إنما ~~هو من التاجرين والفلاحين لا سيما بعد وضع المكوس ونموها بالعوائد فإذا ~~انقبض الفلاح عن الفلاحة وقعد التاجر عن التجارة دخلت الجباية جملة أو ~~دخلها النقص المتفاحش # مقاسة قال ابن خلدون فإذا قايس السلطان بين ما يحصل له من الجباية وبين ~~هذه الأرباح القليلة وجدها بالنسبة إليه أقل من القليل # قلت والعجب بعد ذلك من الغفلة عن موجب العمل به # الخامسة أنه على تقدير حصول الفائدة بالتجارة فيذهب بها حظ عظيم من ~~الجباية من جهة ما يفوت من عند المغرم عندما يكون غير السلطان هو الذي ~~يعاني البيع والشراء # تحصيل # لا خفاء عند ثبات هذه الأمور أن تجارة السلطان تؤدي إلى ضرر الرعية وفساد ~~الجباية وأنها تؤول بآخرة إلى خراب العمران ونفاذ الدولة PageV01P209 # ومن ثم ورد النهي عنها مصرحا فيه بإفضائها إلى هذا المحذور فمن عمر بن ~~عبد العزيز رضي الله عنه أنه كتب لبعض عماله أن تجارة الولاة لهم مفسدة ~~وللرعية مهلكة فامنع نفسك ومن قبلك عن ذلك # ومن المبالغة في ذلك أمران # أحدهما استحقاق اللعنة وهو أعظم ما يكون من الوعيد # الثاني الإنذار بوقوع الفساد بين يدي الساعة وهو دليل على عظم المخالفة ~~من حيث هو واقع في أشر زمان فعن عبد الله بن عمر رضي ms093 الله عنهما قال من ~~أشراط الساعة تجارة السلطان # مضاعفة فساد # قال ابن خلدون ولقد انتهى الحال بالمنتحلين للتجارة والفلاحة من الأمراء ~~والمتغلبين أنهم يعرضون لشراء الغلات والسلع من الواردين بها ويبيعونها في ~~الوقت لمن تحت أيديهم من الرعية بما يفرضونه من الثمن وهذه أشد من الأولى ~~وأقرب إلى الفساد # تحذير قال وربما يحمل السلطان على ذلك من يداخله من التجار والفلاحين ~~ليضرب معه بسهم لنفسه فيحصل على غرضه من جمع المال سريعا إذ التجارة بلا ~~مغرم تسرع بنمو المال وتثمره ولا يلتفت مع ذلك إلى ما يدخل على السلطان من ~~تقصير الجباية # قال فينبغي للسلطان أن يحذر من هؤلاء ويعرض عن سعايتهم المضرة لجبايته ~~وسلطانه # قلت لا سيما أن ترفع عن ذلك أنفة من مشاركة الرعية في مهنة معالجة مالا ~~خطر له PageV01P210 # حكاية في ذلك ذكر الرشاطي أن بعض وكلاء بن حاتم أتاه يوما فقال أعز الله ~~الأمير أعطيت بالقول الذي زرعناه بفحص القيروان من المال كذا وكذا وذكر ~~مالا كثيرا فسكت عنه ثم أمر ثم أمر قهرمانة وطباخه أن يخرجا إلى ذلك الموضع ~~وأمر فراشيه أن يضربوا الأخبية ويفرشوها ونادى في أصحابه وخرج ونزل فيه ~~وجلس كل قوم على مراتبهم وجلس معه خاصته ثم دعا ذلك بالوكيل فأمر بأدبه ~~وقال يا ابن اللخنا أردت أن أعير بالبصرة ويقال يزيد بن حاتم باقلاني أمثلي ~~يبيع الفول لا أم لك ثم نادى في أهل القيروان أن بالخروج إليه بعده وأباحه ~~لهم فخرج الناس إليه من كل أوب بين آكل وشارب وناظر حتى أتوا على جمعية ~~موافقة حق # قال ابن خلدون ولقد كان الفرس لا يملكون عليهم إلا من أهل بيت ~~PageV01P211 المملكة ثم يختارونه من أهل الدين والفضل والأدب والشجاعة ~~والكرم ثم يشترطون عليه مع ذلك العدل وألا يتخذ ضيعة فبضر بجيرانه ولا يتجر ~~فيحب غلاء الأسعار في البضائع ولا يستخدم العبيد فأنهم لا يسيرون بخير ولا ~~مصلحة # قلت وبذلك عمل خلفاء الملة الإسلامية فقد روى عن عمر رضي الله عنه كان ms094 ~~يكتب إلى عماله بمنعه وعن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه كانت له ~~سفينة يحمل فيها الطعام وهو أمير المدينة فيبيعه فيها فنهان محمد بن كعب ~~القرظي وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما وال تجر في رعيته فقد ~~هلكت رعيته قال فأمر بذلك الطعام فتصدق به وفككها وتصدق بخشبها # الآفة الرابعة نقص عطاء السلطان ووجه إخلاله بمال الجباية أمر أن # أحدهما أن الدولة هي السوق العظم للعالم والمادة المتصلة لعمرانه فإذا ~~احتجن السلطان المال أو فقده قل ما بيد الحامية وانقطع مأمنهم لإتباعهم ~~فقلت نفقاتهم التي هي أكبر مادة الأسواق إذهم معظم السواد وذلك موجب للكساد ~~وضعف أرباح المتاجر فتقل الجبايه لضعف مادتها ويرجع وبال ذلك على الدولة من ~~حيث قصد حسن النظر لها # الثاني أن المال متردد بين الرعية والسلطان وهو حكمة إيجاده منهم إليه ~~ومنه إليهم فإذا حسبه السلطان فقدته الرعية سنة الله في عباده # المسألة الثالثة في الوقت الذي تعظم فيه ثروة السلطان وحاشية وذلك في وسط ~~الدولة لا في مبدأ ظهورها ولا عندما يدركها الهرم فهما إذا حالتان ~~PageV01P212 الحالة الأولى حصول الثروة في وسط الدولة وسببه أن صاحبها ~~حينئذ تستفحل طبيعة ملكه ويستبد على قومه فيقبض أيديهم عن الجبايات إلا ما ~~يصير لهم في جملة الناس لقلة عنائهم إذ ذلك واستوائهم فبالدولة مع الموالي ~~والصنائع فينفرد بالجباية أو معظمها ويحتجبها للمهمات فتكثر ثروته ويتسع ~~نطاق جاهه ويعتز على سائر قومه فيعظم حال حاشيته من وزراء وحجاب وكتاب ~~وموالي ويتسع حالهم ويقتنون الأموال ويتأثلونها # الحالة الثانية فقده في مبدأ الدولة وعندما يدركها الهرم أما في الأولى ~~فلوجهين # أحدهما أن الجباية حينئذ توزع على القبائل وذوي العصبية بمقدار غنائهم ~~وعصبيتهم # الثاني إن رئيسهم لأجل الحاجة إليهم في تمهيد الدولة يتجافى لهم عمن ~~يسمون إليه من الجباية فلا يصير له منها إلا الأقل من حاجته فحاشيته لذلك ~~من وزير وكاتب ومولى ومملقون غالبا وجاههم استمداده من جاء مخدومهم المضائق ~~بمن يزاحمه فيه ضعيف وأما ms095 في الثاني فلوجهين أيضا # أحدهما احتياج صاحب الأمر إذ ذاك إلى الأعوان والأنصار لكثرة الخارجين ~~عليه من ثائر ومنازع فيصرف معظم الجباية عليهم على قلتها في ذلك الوقت كما ~~تقدم فيتقلص ظل النعمة عن الخواص ومن يليهم ويقل جاههم لضيق نطاقه عن صاحب ~~الدولة # الثاني انتزاعه عند شدة احتياجه إلى المال ما يبد أبناء البطانة والحاشية ~~إذ يرى أنه أولى به فيقتضيه منهم لنفسه شيئا فشيئا وواحدا بعد الواحد ~~فيتلاشى ما ورثوه من ذلك وتختل مباني الدولة بفناء حاشيتها وذوي الثروة من ~~بطانتها PageV01P213 # اعتبار قال ابن خلدون وانظر ما وقع من ذلك لوزراء الدولة العباسية في بني ~~قحطبة وبني برمك وبني سهل وبني طاهر وأمثالهم في الدولة الأموية بالأندلس ~~في بني شهيد وبني أبي عبيدة وبني حدير وبني برد وأمثالهم # قال كذا في أول الدول التي أدركناها لعهدنا ستة الله التي قد خلت في ~~عباده ولن تجد لسنة الله تبديلا # القطب الثاني ما هو نظر من وجهة التصرف فيه على النهج المعتبر شرعا ~~وسياسة وقبل ذلك فمنها مقدمتان # المقدمة الأولى في مداخلة الشرعية ونعني بها مالا يتعين مصرفه في جهة وهي ~~أصناف # أولها أموال التركات حيث لا يستحقها وارث معين # ثانيها الجزية المعنوية والصلحية # ثالثها خراج الأرض كما فعل عمر رضي الله عنه بسواد العراق # رابعها أخماس الغنائم دون زائد عليها # خامسها عشر ما يقدم به تجار المعاهدين وأهل الذمة على شرطه # سادسها الموال الضائعة وهي التي لا مالك لها # سابعها خمس الركاز المسلم لواجده أربعة أخماس # ثامنها ما انجلى عنه الكفار دون قتال # تاسعها أموال المستغرقي الذمة من الولاة وغيرهم # المقدمة الثانية في مداخل السياسة والمعتبر مهنها شرعا على ما قرره ~~الغزالي وابن العربي ما وظف على الأموال للضرورة الداعية إليه عند خلو ~~PageV01P214 بيت المال من القدر المحتاج إليه في إقامة المصالح التي في ~~اختلالها خراب النظام # قال الغزالي وإنما لم ينقل ذلك عن الأولين لاتساع بيت المال في زمانهم # قال وهو مما يعلم من مقصود الشرع قبل النظر ms096 في الشواهد # قال الشيخ الأمام أبو إسحاق الشاطبي وشرط ذلك عندهم عدالة الإمام وإيقاع ~~التصرف في أخذ المال وإعطائه على الوجه المشروع # قلت قد تم أن تعذر عدالة الإمام في أصل ولايتها يسقط اعتبارها وكذا في ~~هذا الموضع وإلا لزم مالا يخفى من مضاعفة المحذور والغزالي ممهد فيمن يشهد ~~باعتبار ذلك كما سبق النقل عنه PageV01P215 # تركيب إذا تقرر هذا فمنها مسائل # المسألة الأولى في وجوه مصارفه الكلية وهي جملة # أحدهما المرتزقة من الجند لما سبق أنه لا جند إلا بمال فحقهم فيه لابد ~~منه إذ هو قوامهم # الثاني العلماء والفقهاء قال الإمام الغزالي لأنهم حراس الدين بالدليل ~~والبرهان كما أن الجيش حراسه بالسيف والسنان # قال في الأحياء ويدخل معهم المؤدبون وطلب العلم المتعلق بمصالح الدين ~~لأنهم إن لم يكفوا لم يتمكنوا من الطلب # الثالث محاويج الخلق الذين قصرت بهم الضرورة عن اكتساب قدر الكفاية # الرابع سائر المصالح العامة كأرزاق الولاة والقضاة والعمال والحساب وسد ~~الثغور وبناء القناطر والمساجد والمدارس وسائر المصالح وما في معنى ذلك # فائدة في تنبيه المصاريف المعينة الجهة شرعا قد يدخل بعضها على بعض على ~~وجه استيفاء حق من فحش في جهة على ما قرره الشيخ عز الدين في أخذ الفضلاء ~~من الجزية من غير تورع برعاية خلاف من عينها الجند قائلا في توجيهه أن ~~الجند قد أكلوا من أموال المصالح المستحقة للعلماء وغيرهم ممن يجب تقديم ~~أكثرها فيؤخذ من الجزية ما يكون قصاصا ببعض ما أخذوه وأكلوه فيصير كمسألة ~~الظفر انتهى # المسألة الثانية في تعديد ما يعطى منه أما أرباب الواجبات فبقدر الكفاية ~~التي يستغنى بها عن التماس ما ينقطع به عن المصلحة التي يقوم بها فيعتبر من ~~الجند PageV01P216 # قال الماوردي من ثلاثة أوجه عدد ما يعوله من ذرية ومملوك وما يرتبطه من ~~الخيل والظهر والموضع الذي يجلبه في الغلاء والرخص # قلت وفي غيره بنسبة حاله وأن من لا مرتب له فبقدر ما يسد خلته أو بما فوق ~~ذلك بحسب الوسع والحال وحيث يكون هناك فضل ms097 # وقد قال الماوردي ينظر في إصلاح القناطر وتسهيل الطرق وقطع ثغراتها ~~المخوفة وبنيان ما تأمن به المارة بها # المسألة الثالثة في التبذير فيه والتقتير وكلاهما مذمومان فالتبذير ~~لإتلافه قال الله تعالى @QB@ ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان ~~الشياطين @QE@ والتقتير لتقصيره عن الواجب وصحة الإنصاف بمصدره الذي هو ~~البخل # قال أرسطو البخل بالجبلة اسم لا يليق بالملوك ولا يقترن بالمملكة وحسن ~~التدبير في ذلك وسط بينهما وإن كان العدل ضيقا لما يروى رضي الله عنه سأل ~~رجلا عن عطاء زياد قال يعطي حتى يقال جواد ويمنع حتى يقال بخيل فقال إن ~~العدل لضيق # المسالة الرابعة في اعتبار خرجه بدخله قال في العهود اليونانية واعلم أن ~~حاصل المملكة إذا كان بازاء مؤونتها كانت السفينة في وسط البحر التي قد ~~أحكم أمرها على هدوئه ولم يؤمن عليها الغرق في اهتياجه وإذا كان حاصلها دون ~~ما يلزم لها حملت قومها على قبح المماطلة وقسوة المحاجزة وعدلت بهم عن ~~تدبير أمرها إلى المطالبة بالعاجل منها وأخطرت بدمائهم وأموالهم فيها وكان ~~ما يجري فيها من سعيهم مفسدا لأمرها في مستقبل الأزمنة وهو أقبح ما يعرض في ~~المهالك وإذا كان حاصلها أكثر فما يلزم لها فهو أوضح صلاحا من أن يحتاج إلى ~~تمثيل أو تعديد لواحق PageV01P217 # تمثيل قال وقد كان شبه ما كان حاصله أكثر مما يلزم له بأجساد الأحداث ~~التي توجد بالنمو زائدة على ما كانت عليه وما كان حاصله مكافئا لما يلزم له ~~بأجساد الكهول التي ارتفع منها النمو وقارب صورة الانحلال فيها وما كان ~~حاصله مقصرا عما يلزمه بأجساد من هرم من المشايخ فإن الانحلال مستول عليها ~~والتماسك بعيد منها # قلت هم معنى قول أفلاطون الدولة تشب وتكتهل وتخرف فإن كان عائدها أكثر ~~مما يستحقه الملك وأتباعه فهي شابة تنذر بطول البقاء وإذا كان عائدها ~~بمقدار ما تحتاج إليه كانت مكتهلة وإذا كان عائدها أقل مما تحتاج إليه فهي ~~خرفة مولية # المسألة الخامسة في رعاية المصلحة فيما يصرف إليه وتمثيل ذلك فيها أيضا ms098 # واعلم أن إنفاق الأموال يحي موات ما انصرفت إليه ويعظم صغيره فإن كان في ~~عائد المملكة كان كالماء المنصب إلى الأشجار المثمرة والمزارع الزاكية التي ~~يخصب بمصلحتها الزمان وتمرع البلاد وإن كان في غير عائدها انبتت ما يضر ~~نباته ولا ينفع ريعه وبسوقه فكن فيه كالطيب الحاذق الذي يضع الدواء حيث ~~يكون الداء يحسن فيه أثرك ويطل به استمتاعك انتهى PageV01P218 # | الركن الخامس # # | تكثير العمارة # وفيه مقدمتان وثلاثة مقاصد # المقدمة الأولى اتفق الأولون والآخرون من المتشرعين وعيرهم على اعتباره ~~في مناني الملك وشروط الاجتماع الإنساني # قال ابن حزم يأخذ السلطان الناس بالعمارة وكثرة الغراس ويقطعهم الإقطاعات ~~في الأرض الموات ويجعل لكل أحد ملك ما عمره ويعنيه على ذلك فيه لترخص ~~الأسعار بعيش الناس والحيوان ويعظم الأجر ويكثر الأغنياء وما تجب فيه ~~الزكاة # قلت وتكرر عن الحكماء الملك بالجند والجند - بالمال والمال بالعمارة # المقدمة الثانية موجب هذا الاعتبار على ما قرر ابن خلدون أن الدولة الملك ~~للعمران بمنزلة الصورة للمادة وهو الشكل الحافظ لنوعه بوجود وإنفكاك أحدهما ~~عن الأخر عير ممكن على ما تقرر في المحكمة فالدولة دون العمران لا تتصور ~~والعمران دونها متعذر كما تقدم وحينئذ فاحتلال أحدهما مستلزم لاختلال الآخر ~~كما أن عدمه مؤثر في عدمه # تعريف قال والخلل العظيم إنما يكون من هلل الدولة الكلية كدولة الفرس أو ~~الروم أو العرب عموما أو بني أمية أو بين العباس كذلك وأما الشخصية كدولة ~~أنو شروان وهرقل وعبد الملك بن مروان والرشيد فأشخاصها متعاقبة على العمران ~~حافظة لوجود قريبة الشبه بعضها من PageV01P219 بعض فر تؤثر كثير اختلال ~~والله قادر على ما يشاء إ يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد # القصد الأول في بيان وفور المال على الجملة بكثرة العمارة وبالعكس وذلك ~~في موضعين # الموضع الأول القطار لأن تعدد الأعمال بها التي هي سبب الكسب مقتض لحصول ~~الثروة بما يفضل عنها بعد الضروريات من الفضلة الزائدة وينشأ عن ذلك شماخة ~~الملك بنمو الجباية وصرف ما يفضل منها إلى اتخاذ المعاقل والحصون واختطاط ~~المدن ms099 والأقطار # برهان وجود قال ابن خلدون واعتبر ذلك بأقطار المشرق كمصر والشام وعراق ~~العجم والهند والصين وناحية الشمال كلها وراء البحر الرومي لما كثر عمرانها ~~كثر مالها وعظمت دولتها وتعددت مدنها وحواضرها # قال فالذي نشاهد من تجار الأمم النصرانية الواردين على المسلمين بالمغرب ~~في الرفه واتساع الأحوال أكثر من أن يحيط به الوصف وكذا تجار أهل المشرق ~~فيما يبلغ عنهم # قال وأبغ من ذلك أهل المشرق الأقصى من عراق العجم والصين فإنه يبلغنا ~~عنهم في باب الغنى والرفه غرائب يسير بها الركبان وربما تتلقى بالإنكار في ~~غال لأمر انتهى المراد منه # الموضع الثاني الأمصار لذلك السبب بعينه وعنه ترسخ فيها عوائد الترف في ~~التأنق في المساكن والملابس وإستجادة الآنية والماعون واتخاذ الخدم ولمراكب ~~وكل ذلك مستدع لنفاق الأعمال والصنائع لموجب كسبها لمزيد كثرة المال ونمو ~~الجباية بسببه وبحسب تفاوت PageV01P220 الأمصار في العمران يظهربون ما بين ~~أهلها في ذلك القاضي مع القاضي والتاجر مع التاجر والصانع مع الصانع ~~والسوقي مع السوقي والأمير مع الأمير والشرطي مع الشرطي # تصديق واقع قال ابن خلدون واعتبر ذلك في المغرب هنا بحال فاس ون غيرها من ~~أمصار ه فتجد بينهما بونا كثيرا على الجملة و الخصوص فحال القاضي بفاس أوسع ~~من حال القاضي بتلمسان وكذا وكذا كل صنف مع صنفه # واعتبر ذلك حتى في الفقراء والسؤال فلقد شاهدتهم بفاس يسألون أيام ~~الأضاحي أثمان ضحاياهم وكثيرا من أحوال الترف واقتراح المآكل وعلاج طبخها ~~ولو سأل سائل مثل هذا في غيرها لعنف وزجر # قال وبلغنا لهذا العهد عن أحوالهم بمصر ما يقضي منه العجب حتى أن كثيرا ~~من فقراء المغرب ينزعون إلى النقلة إليها لما يبلغهم من ذلك # شاهد العكس حيث بقل العمارة ففي الموضع الأول فطر إفريقية وبرقة مثلا قال ~~لما تناقص عمرانها تلاشت أحوال أهلها وانتهوا إلى الفقر والخصاصة وضعفت ~~جبايتها وقلت أحوال دولها بعد أن كانت دول الشيعة وصنهاجة بها على ما بلغك ~~من الرفه وكثرة الجباية واتساع الحال في النفقة والعطاء # قال وقطر ms100 المغرب وإن كان في القديم دون إفريقية فلم يكن بالقليل في ذلك ~~لا سيما في دول الموحدين وهو لهذا العهد قد أقصر عن ذلك التناقض عمرانيا ~~بعد أن كان متصلا من البحر الرومي إلى بلاد السودان في طول ما بين السوس ~~الأقصى وبرقة وهي اليوم كلها أو أكثر قفار أو صحارى إلا ما هو بسيف البحر ~~أو ما يقاربه من التلول والله وارث PageV01P221 الأرض ومن عليها وهو خير ~~الوارثين وفي الموضع الثاني الأمصار الصغيرة التي لا تفي أعمالها بضرورتها ~~قال فتجد لذلك أهلها ضعفاء الأحوال متقاربين في الفقر والخاصة إلا في ~~النادر إذ لا فضل لهم يتأثلون به كسبا # المقصد الثاني فيما تحفظ به العمارة وذلك العدل الذي قامت به السماوات ~~والأرض وأمهات الوصية به أمران # أحدهما مطلق العمارة قالوا لا جباية إلا بعمارة ولا عمارة إلا بعدل وفي ~~السياسة بالعدل عمرت الأرض وقامت الممالك الثاني المزارعون يقال أحسنوا إلى ~~المزارعين فأنكم لم تزالوا سمانا ما سمنوا # تنبيه قال ابن خلدون أقوى الأسباب في الاعتمار تقليل مقدار الوظائف على ~~المعتمرين ما أمكن فبذلك تنشط النفوس إليه ليقينها بادراك المنفعة فيه ~~والله مالك الأمور # تمثيل في العهود اليونانية ما حاصلة أنه منا لا يحسن من مالك دار أن يكون ~~كسبه من بيع أنقاضها كذلك لا يحسن من الملك أن يكون اكتسابه من تخريب ~~بلدانه وأخذ ما ل رعينه ونصله قول أبي منصور الثعالبي أن الملك إذا كثرت ~~أمواله بما يأخذ من رعيته كان كمن يعمر سطح بيته بما يقتلع من قواعد بنيانه # المقصد الثالث فيما يخل بحفظ العمارة وهو الظلم المؤذن بخرابها وفيه ~~مسائل # المسألة الأولى في حكاية الموبذان في ذلك واعظا بها من خرج عن ~~PageV01P222 سنن العدل من ملوك الفرس إذ كان صاحب الدين عندهم يضرب به ~~المثل فيذلك على لسان البوم حين سمع الملك أصواتها وسأله عن فهم كلامها ~~فقال أن بوما ذكرا يروم نكاح بوم أنثى وأنها شرطت عليه عشرين قرية من ~~الخراب في أيامه لتنوح فيها فقبل ms101 شرطها وقال لها إن دامت أيام الملك أقطعتك ~~ألف فرية وهذا أسهل مرام # فتنبيه الملك من فقلته وهلا بالموذبان وسأله عن مراده فقال له أيها الملك ~~إن الملك لا يتم عزه إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته والتصرف تحت أمره ~~ونهيه ولا قوام للشريعة إلا بالملك ولا عز للملك إلا بالرجال ولا قوام ~~للرجال إلا بالمال ولا سبيل إلى المال إلا بالعمارة ولا سبيل للعمارة إلا ~~بالعدل والعدل الميزان المنصوب بين الخليقة نصبه الرب وجعل له قيما وهو ~~الملك # وأنك أيها الملك عمدت إلى الضياع فانتزعتها من أربابها وعمارها وهم أرباب ~~الخراج ومن تؤخذ منهم الأموال وأقطعتها الحاشية والخدم وأرباب البطالة ~~فتركوا العمارة والنظر في العواقب وما يصلح الضياع وسومحوا في الخراج ~~لقربهم من الملك ووقع الحبف على من بقي من أرباب الخراج وعمار الضياع ~~فانجلوا عن ضياعهم وخلوا ديارهم وآووا إلى ما بعد أو تعذر من الضياع ~~فسكنوها فقلت العمارة وهربت الضياع وقلت الأموال وهلكت الجنود والرعية وطمع ~~في ملك فارس الضياع وقلت الأموال وهلكت الجنود والرعية وطمع في ملك فارس من ~~جاورهم من الملوك لعلمهم بانقطاع المواد التي لا يستقيم دعائم الملك إلا ~~بها # فلما سمع الملك ذلك أقبل على النظر في ملكه وانتزعت الضياع من أيدي ~~الخاصة وردت إلى أربابها وحملها على رسومهم السالفة وأخذوا بالعمارة وقوى ~~من ضعف منهم فعمرت الأرض وأخصبت البلاد وكثرت الموال عند جباة الخراج وقويت ~~الجنود وقطعت مواد الأعداء PageV01P223 وأشحنت الثغور وأقبل على مباشرة ~~أمره بنفسه فحسنت أيامه وانتظم ملكه # المسألة الثانية في وجه افضاء الظلم لخراب العمران وبيانه أن وفوره إنما ~~هو بالعمال العائدة بفضل المكاسب النافقة الأسواق والعدوان على الناس في ~~أموالهم ذاهب بأموالهم في تلك الأعمال لمصير كستها بأيدي المنتهبين له وعند ~~ذلك يقعدون عن المعاش وتنقبض أيديهم عن المكاسب فتكسد أسواق العمران ويخف ~~ساكن قطره فرارا عنه لتحصيل الوزق في غير أيالته فتخرب أمصاره وتقفر دياره ~~وتختل بإخلاله الدولة والسلطان لما تقدم أه صورته فيفسد لفساد مادتها ضرورة # المسألة ms102 الثالثة في أن ذلك هو الحكمة المقصودة للشارع في تحريم الظلم لما ~~يؤدي إليه من انقطاع النوع البشري وهو الحكمة العامة والمراعاة له في جميع ~~مقاصده الضرورية على ما سبق من همستها المتفق على حفظها في الشرائع وهي ~~الدين النفس والعقل والنسل والمال والعرض على رأي ولذلك كان تحريمه أي ~~الظلم مهما وأدلته في الكتاب والسنه لا تختص بزمان # قال ابن خلدون ولو قدر عليه كل أحد لوضع بازائه من العقوبة الزاجرة ما ~~وضع بازاء غيره من المفسدات للنوع القادر علنها كل أحد كالزنا والقتل ~~والسكر لكن لما لم يقدر عليه إلا من لا يقدر على غيره من ذوي قدرة أو سلطان ~~بولغ في ذمة بتكرير الوعيد عسى أن يكون الوازع فيه للقادر عليه من نفسه ~~PageV01P224 # @QB@ وما ربك بظلام للعبيد @QE@ # لا يقال قد وضعت العقوبة بازاء الحرابة وهي من ظلم القادر إذ المحارب في ~~زماننا قادر لأنا نقول العقوبة الموضوعة هي بأزاء ما يقترفه من جنايته في ~~نفس أو مال على ما ذهب إليه كثير ولم تكن إلا بعد القدرة عليه والمطالبة ~~بجنايته ونفس الحرابة خلو من العقوبة وأيضا لا نسلم وصف المحارب بالقدرة لن ~~المعنى بقدرة الظالم اليد المبسوطة التي لا نعارض وهي المؤذنة بالخراب ~~وقدرة المحارب غايتها إخافة يتوسل بها إلى أخذ المال والمدافعة عنها بيد ~~الكل موجود شرعا وسياسة فليست من القدرة المؤذنة بالخراب # المسألة الرابعة في أن نقص العمران لا لظلم إنما يقع بالتدريج وذلك لأنه ~~قد يوجد بالأمصار العظيمة من أهل دولها ولا يقع فيها خراب وسببه من قبل ~~المناسبة بينه وبين حال المصر لعظمه واستبحار عمرانه لا يظهر فيه من شؤم ~~الظلم كبير أثر و إنما يظهر بالتدريج بعد حين وقد تذهب تلك الدولة الظالمة ~~قبل خرابه ويجيء غيرها يجبر ما خفى من النقص فلا يكاد يشعر به إلا أن ذلك ~~نادر لأن حصوله في العمران عن الاعتداء لابد منه لما تقدم ووباله عائد على ~~الدولة الله غالب على أمره # المسألة الخامسة في المراد ms103 بالظلم المؤذن بالخراب وذلك أنه لا يعني به ~~أخذ المال أو الملك من غير عوض ولا سبب فقط على ما هو المشهور لأنه أعلم من ~~ذلك فكل من أخذ ملك أحد أو غصبه في عمله أو طالبه بغير حتى أو فرض عليه ما ~~لم يفرضه الشارع فقد ظلمه # قال ابن خلدون فجباة الأموال بغير حقها ظلمة والممعتدون علنها ~~PageV01P225 ظلمه والمنتهبون لها ظلمة والمانعون لحقوق الناس ظلمة وغصاب ~~الملاك على العموم ظلمة ووبال ذلك عائد الدولة بخراب العمران الذي هو ~~مادتها لذهاب الأموال من أهله # المسألة السادسة في تقسيم هذا الظلم وهو أولا على ضبين # الضرب الأول ما يقع عند خراب دفعة وانتقاض الدولة سريعا وهو أخذ أموال ~~الناس مجانا والعدوان عليهم في الحرم والدماء والإبشار والإعراض لما ينشأ ~~عن ذلك من الهرج المفضي لذلك قلت في سياسة أرسطو لم يكن سبب خراب ملك هنا ~~نيج إلا أن همتهم شفت على جباياهم فامتدوا إلى أموال الناس فقامت الجماعة ~~عليهم فكان في ذلك فساد ملكهم # قال هذا أمر لازم لأن المال علة البقاء للنفس الحيوانية فهو جزء منها ولا ~~بقاء للنفس بفساد الجزء انتهى # الضرب الثاني ما يقع الخراب بالتدريج كما سلف ومن مراتبه الواقعة ثلاث # أحدها ذرائعه المتوسل بها إلى أخذ المال كالوظائف الباطلة والمكوس ~~المحرمة وهي أدنى ظلما وعدوانا # الثانية وهي من أشد أنواعه العائدة بفساد العمران تكليف العمال وتسخير ~~الرعايا بها لأنها من قبيل التمولات التي بها المعاش فإذا كلفوا عملا فيغير ~~شأنهم واتخذوا سخريا فبغير معاشهم أبطل كسبهم واغتصبوا PageV01P226 قيمة ~~عملهم وذهب معاشهم بالجملة وأن تكرر عليهم أفسد آمالهم في العمارة وقعدوا ~~عن السعي فيها جملة فتأدى إلى خرابها لامحالة # الثالثة وهي أعظم من ذلك فيما ذكر التسلط على الناس في شراء ما بأيديهم ~~بأبخس ثمن ثم فرضه عليهم بأرفع قيمة وربما كان الفرض على التراخي فيتعللون ~~فبالخسارة بما يطمع فيه من جبرها بحوالة السواق فيطالبون بالقيمة معجلة ~~فيضطرون إلى البيع بأبخس الثمن ويعود خسارة ما بين الصفتين ms104 على رؤوس ~~أموالهم تعميم فساد قال ابن خلدون وقد يعم ذلك تجار المدينة ومن يرد علنها ~~من لآفاق وسائر السوقة وأهل الصنائع فتشمل الخسارة جميع الطبقات وتجحف ~~برؤوس أمولهم فيقعدون عن السواق ويتناقل ذلك الواردون فيقطع ترددهم وعند ~~ذلك يقع الكساد ويبطل المعاش وتنقص الجباية وتفسد ويؤول إلى تلاشي الدولة ~~وفساد عمران المدينة # المسألة السابعة في أن نية الظلم كافية في نقص بركات العمارة فعن وهب بن ~~منبه إذا هم الولي بالعدل أدخل الله البركات في أهل مملكته حتى في الأسواق ~~والأرزاق وإذا هم بالجور أدخل الله النقص في مملكته حتى في الأسواق ~~والأرزاق # حكايات في تصديق ذلك وقوعا # الحكاية الأولى قال الطرطوشي من المشهور في المغرب أن السلطان بلغة أن ~~امرأة لها حديقة فيها القصب الحلو وأن قصبة منها تعصر قدحا فعزم على أخذها ~~منها ثم أتاها وسألها عن ذلك فقالت نعم ثم أنها عصرت قصبة فلم يبلغ نصف ~~القدح فقال لها أين الذي كان يقال فقالت هو الذي بلغك إلا أن يكون السلطان ~~عزم على أخذها مني فارتفعت PageV01P227 بركتها فتاب السلطان وأخلص لله نيته ~~أن لا يأخذها أبدا فعصرت قصبة فجاءت ملء قدح # قلت قال ابن رضوان وقد حكى محمد بن عبد الملك الهمداني أن واعظا دخل على ~~أبي الفتح ملك شاه بن البارسلان فوعظه بمثل هذه الحكاية منسوبا إلى أحد ~~الأكاسرة والله اعلم بحقيقة ذلك PageV01P228 # الحكاية الثانية روى عن عباس رضي الله عنهما أن ملكا خرج يسير في مملكته ~~مستخفيا بمكانه فنزل على رجل له بقرة فراحت البقرة فحلبت قدر قلتين فعجب ~~الملك لذلك وحدث نفسه بأخذها فلما راحت من الغد خلبت على النصف فقال الملك ~~ما بال حلابها قد نقص أرعت في غير مرعاها بالأمس قال لا ولكن أظن أن ~~ملكناهم بأخذها فنقص لبنها فإن الملك إذا ظلم أو هم بالظلم ذهبت البركة ~~فعاهد الله في نفسه فراحت من الغد فحلبت حلاب قلتين فتاب الملك وعاهد ربه ~~لأعدلن ما بقيت انتهى # قال الطرطوشي وهكذا تتعدى سائر ms105 الملوك وعزائمهم ومكنون ضمائرهم إلى ~~الرغبة أن خيرا فخير وأن شرا فشر # | الركن السادس # # | إقامة العدل # وهو أساس ما تقدم من الأركان وقاعدة مبناها وقد سبق أنه لا عمارة إلا ~~بالعدل قالوا فصار العدل أساس الجميع والشكل الدوري الذي وضعه ارسطو وأعظم ~~القول فيه شاهد بذلك وهو قوله العالم ستان سياجه الدولة الدولة سلطان تحيا ~~به النفوس السنة سياسة يسوسها الملك الملك نظام يعضده الجند الجند أعوان ~~يكلفهم المال المال رزق تجمعه الرعية الرعية عبيد يكتنفهم العدل العدل ~~مألوف وبه قوام العالم العالم بستان سياجه الدولة وهو هكذا متصل بعضه ببعض ~~ومرتبط به # تركيب إذا تقرر هذا فلتلخيص في الركن مسلكان PageV01P229 # المسلك الأول في العدل وفيه مسألتان # المسألة الأولى في فوائده الدينية وهي جملة # الفائدة الأولى المسابقة به إلى المحبة من الله تعالى يوم القيامة # ففي الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم منه مجلسا إمام عادل ~~وأبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأبعدهم منه مجلسا إمام جائر # الفائدة الثانية استحقاق التقدم على من يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ~~ظله ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في عبادة ~~الله ورجل معلق قلبه بالمساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا ~~عليه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال لا إني أخاف الله ورجل ذكر الله ~~خاليا ففاضت عيناه # قال الشيخ عز الدين بدأبه لعلو مرتبته # الفائدة الثالثة استحقاق العلو به على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا ~~يديه يمين ففي الصحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إن المقسطين عند الله تعالى على منابر من نور عن يمين ~~الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم ms106 وما ولدوا # الفائدة الرابعة إجابة الدعاء ففي الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة لا ترد دعوتهم الصائم حتى يفطر ~~والإمام العادل ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب ~~السماء ويقول الرب وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين PageV01P230 # الفائدة الخامسة ضمان الجنة به ففي الصحيح عن حماد رضي الله عنه قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أهل الجنة ثلاثة ذوسلطان مقسط ورجل رحيم ~~رقيق القلب لكل ذي قربى مسلم وعفيف متعفف ذو عيال # المسألة الثانية في مصالحه الدنيوية وهي جملة # المصلحة الأولى ظهور رجحان العقل به قيل لبعضهم من أرجح الملوك عقلا ~~وأكملهم أدبا وفضلا قال من صحب أيامه بالعدل وتحرز جهده من الجور ولقي ~~الناس بالمجاملة وعاملهم بالمسألة ولم يفارق السياسة مع لين في الحكم ~~وصلابة في الحق فلا يأمن ما الجريء بطشه ولا يخالف البريء سطوته # المصلحة الثانية كمال النعمة الطائلة به # قالوا إذا رأيت الحكام يتنافسون في العدالة ويجتنبون الفسوق والجهالة ~~فتلك نعمة طائلة وإذا رأيت الجور فاشيا والعدل مطرحا منكرا فتلك نعمة زائلة # قلت وقد تقدم أن التنافس في خلال الخير من علامات الترشح للملك وبالعكس # المصلحة الثالثة دوام الملك به ففي بعض الحكم أحق الناس بدوام الملك ~~وباتصال الولاية أقسطهم بالعدل في الرعية وأخفهم عنها كلا ومؤونة ومن ~~أمثالهم من جعل العدل عدة طالت به المدة PageV01P231 طلحة على عبد الملك بن ~~مروان وكان الحجاج لما ولي الحرمين بعد قتل ابن الزبير استحضر إبراهيم بن ~~محمد بن طلحة فقربه وأعظم منزلته فلم تزل تلك حالة حتى خرج به إلى عبد ~~الملك فخرج به معه معادلا له لا يقصر له في بر ولا إكرام حتى حضر باب عبد ~~الملك فلما دخل عيه لم يبدأ بشيء بعد السلام أن قال له قدمت عليك يا أمير ~~المؤمنين برجل الحجاز لم أدع له بها نظيرا في الفضل والأدب والمروءة وحسن ~~المذهب مع قرابة الرحم ووجوب الحق ms107 وعظم قدر الأخوة وما بلوت منه في الطاعة ~~والنصيحة وحسن المؤازرة وهو إبراهيم بن محمد بن طلحة وقد أحضرته ببابك ~~ليسهل عليه إذنك وتعرف له ما عرفتك قال أذكرتنا رحما قريبة وحقا واجبا يا ~~غلام أيأذن له فلما دخل عليه أدناه حتى أجلسه على فراشه ثم قال له يا ابن ~~طلحة إن أبا محمد أذكرنا ما لم نزل نعرفك به من الفضل والأدب وحسن المذهب ~~مع قرابة الرحم ووجوب الحق وعظم قدر الأخوة وبلاده منك بالطاعة وحسن ~~المؤازرة فلا تدعن حاجة في خاصتك وعامتك إلا ذكرتها فقال يا أمير المؤمنين ~~أن أولى الحوائج وأحق ما قدم بين يدي الإمام ما كان لله رضى ولخق نبيه صلى ~~الله عليه وسلم أداء ولك فيه ولجماعة المسلمين نصيحة وعندي نصيحة لا أجد ~~بدا من ذكرها ولا أقدر على ذلك ولا أنا خال فأخلني يا أمير المؤمنين ترد ~~عليك نصيحتي قال دون أبي محمد قال دون أبي محمد فقال عبد الملك للحجاج قم ~~فلما تخطرف الستر أقبل علي فقال يا ابن طلحة قل نصيحتك قلت تالله يا أمير ~~المؤمنين إنك عمدت إلى الحجاج في تغطرسه وتعجرفه وعده من الحق وقربه من ~~الباطل فوليته الحرمين وهما هما وبهما من بهما من المهاجرين والأنصار ~~والموالي البررة الأخيار يطأهم بالعسف ويسومهم PageV01P231 # المصلحة الرابعة ملك سرائر الرعية به فعن أفلاطون من قام من الملوك ~~بالعدل والحق ملك سرائر رعاياه ومن قام فيهم بالجور والقهر لم يملك إلا ~~الأجساد ولم يرى إلا المتصنع والقلوب عيه مختلفة فإن السرائر تطلب من ~~يملكها بالإحسان # المصلحة الخامسة قيامه في الأرض مقام المطر الوابل بل هو أنفع فمن كلامهم ~~سلطان عادل خير من مطر وابل وقالوا عدل السلطان خير من خصب الزمان وفي بعض ~~الحكم ما أمحلت أرض سال عدل السلطان فيها ولا محيت بقعة فاء ظله عليها # المسلك الثاني نقيضه وهو الجور وفيه مسألتان # المسألة الأولى في وعيده الديني والوارد منه جملة # الوعيد الأول شدة العذاب عليه يوم القيامة ففي رواية عن ms108 أبي سعيد الخدري ~~رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الناس عذابا يوم ~~القيامة إمام جائر # قلت وعن هذا قال طاووس لسليمان بن عبد الملك هل تدري من أشد الناس عذابا ~~يوم القيامة من أشركه الله في ملكه فجار في حكمه فاستلقى سليمان على سريره ~~فما زال باكيا حتى قام جلساؤه PageV01P232 # الوعيد الثاني رجفة الصراط بأصحابه فعن حذيفة رضي الله عنه أنه قال ما ~~أنا مثن على وال خيرا جائرهم وعادلهم فقيل له لم فقال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول يؤتى بالولاة يوم القيامة جائرهم وعادلهم فيوقفون على ~~الصراط فيوحي الله تعالى إلى الصراط فيرجف بهم رجفة لا يبقى منهم جائر في ~~حكمه ولا مرتش في قضائه ولا ممكن سمعه لأحد الخصمين ما لم يكن للآخر إلا ما ~~زلت قدماه سبعين عاما في جهنم # الوعيد الثالث مجيء مقترف الإثم به ويده مغلولة إلى عنقه فعن أبي أمامة ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من رجل يلي أمر عشرة ~~فما فوق ذلك إلا أتى الله يوم القيامة يده إلى عنقه فكه بره أو أوثقه إثمه ~~أولها ملامة وأوسطها ندامة وآخرها خزي يوم القيامة # الوعيد الرابع التعرض به للعنة الله وسد باب القبول دونه فعن أبن عباس ~~رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال الأئمة من قريش ما قاموا ~~فيكم بثلاث ما إن استرحموا رحموا ومت أن حكموا عدلوا ومن أن قالوا أوفوا ~~ومن لم يفعل ذلك فعيه لعنة الله والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا ~~عدلا # الوعيد الخامس حرمان شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم بشؤمه PageV01P233 # فعن معقل بن يسار رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رجلان من أمتي لا تنالهم شفاعتي إمام ظلوم غشوم وغال في الدين مارق منه # المسألة الثانية في مفاسده الدنيوية وهي جملة # المفسدة الأولى فوات الطاعة والمحبة فعن أزدشير إذا رغب ms109 الملك عن العدل ~~رغبت الرعية عن الطاعة ففي العهود اليونانية واعلم أن الطاعة تنقاد المقهر ~~وان المحبة لا تنقاد إلا للعدل فغلب العدل على رعيتك تظفر منهم بالمحبة ~~الباقية بعدلك # المفسدة الثانية فناء الكرامة بسببه ودثورها ففي العهود اليونانية واعلم ~~أن كرامة الخوف دائرة وكرامة العدل باقية فاختر لنفسك فضيلة العدل وبقاء ~~الكرامة # المفسدة الثالثة تقصير مدة الملك والسلطان ففي الأفلاطونيات زمان الجائر ~~من الملوك أقصر من زمان العادل لأن الجائر مفسد والعادل مصلح وإفساد الشيء ~~أسرع من إصلاحه ومن كلامهم ستة أشياء لا ثبات لها ظل الغمام وخلة الأشرار ~~وعشق النساء والثناء الكاذب والسلطان الجائر والمال الكثير # المفسدة الرابعة شدة الخوف بسببه وبالعكس بالعدل كما يروى عن يزدجر آخر ~~ملوك الفرس أنه بعث رسولا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأمره أن ينظر في ~~شمائله فلما دخل المدينة قال أين ملككم قالوا PageV01P234 ليس لنا ملك ~~وإنما لنا أمير خرج فخرج الرجل في إثره فوجده نائما في الشمس ودرته تحت ~~رأسه قد عرق جبينه حتى ابتلت منه الأرض فلما رآه على حالته قال عدلت فأمنت ~~فنمت وصاحبنا جار فخاف فسهر أشهد أن الدين دينكم ولولا أني رسول لأسلمت ~~وسأعود إن شاء الله # المفسدة الخامسة ذهاب الرزق بشؤمه برا وبحر حكى الطرطوشي أنه كان بصعيد ~~مصر نخلة تحمل عشرة أرادب ولم يكن في الزمان نخلة تحمل نصف ذلك فغصبها ~~السلطان فلم تحمل ثمرة واحدة في ذلك العام قال وشهدت أنا بالإسكندرية ~~والصيد في الخليج مطلق للرعية والسمك فيه يغلي الماء بكثرة ويصيده الأطفال ~~بالخرق ثم حجره السلطان ومنع الناس من صيده فذهب السمك منه حتى لا يكاد ~~يوجد فيه إلا واحدة بعد واحدة إلى يومنا هذا # قلت وقد سبق أن البركة ترتفع بمجرد نية الظلم فكيف به الفعل # تنبيه يجب على الرعية ملاحظة أن جور السلطان وعماله نتيجة أعمالها الحائل ~~عن نهج الصراط السوي لما سبق من تقرير مدلول قولهم كما تكونوا يولى عليكم ~~وبذلك أجاب ابن الجزار السرقسطي عن ms110 المستعين بن هود وقد تشكى إليه بعض ~~رعاياه من بعض عماله # ( نسبتم الجور لعمالكم % ونمتم عن سوء أعالكم ) # ( لا تنسبوا الجور إليهم فما % عمالكم إلا بأعمالكم ) # ( تا لله لو ملكتم ساعة % لم يخطر العدل على بالكم ) PageV01P235 # تكملة من جمع بين العدل والجور في ولاية هل يقوم عدله بجوره أم لا قال ~~الشيخ عز الدين ما فوت من المال مضمون عليه في الدنيا فإن أداه برئت ذمته ~~منه وبقي عهدة إثم الحيلولة وإن لم يؤده أخذ في الآخرة من حسناته فإن فنيت ~~طرح عليه من سيئات من ظلم ثم طرح في النار قال وكذا في الدماء والأبضاع ~~والأعراض وفيما أخر من الحقوق الواجب تقديمها أو قدم مما يجب تأخيره من ذلك ~~لقد قال رب العالمين @QB@ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس ~~شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين @QE@ # | الركن السابع # # | تولية الخطط الدينية # قد تقدم أن حقيقة الخلافة نيابة عن الشارع في حفظ الدين وسياسة الدنيا به ~~وأن الملك مندرج فيها وتابع للقصد بها وعمد ذلك فتمام القيام به إتباعا ~~لقاصد الخلافة ما أمكن متوقف على تولية خططها من يقوم بها على التعيين ~~لتعذر وفاء السلطان بها مباشرة وأمهات ما يذكر منها جملة # | الخطة الأولى # # | إمامة الصلاة # وفيها مسائل # المسألة الأولى قال ابن خلدون هي أرفع الخطط كلها وأرفع من الملك بخصوصه ~~المندرج معها تحت الخلافة PageV01P236 # قال ويشهد لذلك استدلال الصحابة باستخلاف أبي بكر رضي الله عنه في الصلاة ~~على استخلافه في السياسة في قولهم ارتضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لديننا أفلا نرضاه لدنيانا فلولا أن الصلاة أرفع من السياسة لما صح القياس # قلت قال القرافي لا يلزم من التقديم في الصلاة من حيث هو تقديم فيها ~~التقديم في الأمانة العظمى لاشتمالها على سياسة الأمة ومعرفة معاقد الشريعة ~~وضبط الجيوش وذكر من هذا ما هو من وظائفها ثم أجاب عن استدلال الصحابة ~~بوجوه منها أن القصد بذلك تسكين الثائرة وردع الأهواء بحجة ms111 ظاهرة يسكن لها ~~أكثر الناس ليندفع الفساد # المسألة الثانية وهي من أثر اعتقاد رفعتها أن الجملة من الأولين إلى ~~انقراض الدولة الأموية كانوا لا يستخلفون فيها غيرهم بل يباشرونها بأنفسهم ~~استيثارا بها واستعظاما لرتبتها فيحكى عن عبد الملك أنه قال لحاجبه وقد ~~جعلت حجاية بأبي بيدك إلا عن ثلاثة صاحب الطعام فإنه يفسد بالتأخير والإذن ~~للصلاة فإنه داع إلى الله والبريد فان في تأخيره فساد القاصية # تعريف قال ابن خلدون فلما جاءت طبيعة الملك وعوارضه من الغلظة والترفع عن ~~مساواة الناس في دينهم ودنياهم استنابوا في الصلاة فكانوا يستأثرون بها في ~~الأحيان وفي الصلوات العامة كالعيدين والجمعة اشادة وتنويها فعل ذلك كثير ~~من خلفاء بني العباس والعبيديين صدر دولتهم # قلت قال ابن العربي هي أصل في نفسها وفرع للإمارة ولكن لما فسد الولاة ~~ولم يكن فيهم من ترضى حالته للإمامة بقيت الولاية PageV01P237 في يده بحكم ~~الغلبة وقدم للصلاة من ترضى حالته سياسته منهم للناس وإبقاء عليهم فقد كان ~~بنو أمية حين كانوا يصلون بالناس فيخرج أهل الفضل من الصلاة خلفهم ويخرجون ~~على الأبواب فتأخذهم سياط الحرس فيصبرون لها حتى يفروا بأنفسهم عم المسجد # قال وهذا لا يلزم بل يصلى معهم وفي الإعادة خلاف # قلت ومع هذا فالترفع عن المساواة بها لا ينكر كما أشار إليه أبن خلدون # المسألة الثالثة المسجد أ عظم بكثرة غاشيته وإعداده للصلوت المشهورة ~~فإمامته راجعة إلى الخليفة أو الخليفة أو من يفوض إليه من سلطان أو وزير أو ~~قاض في الخميس والجمعة والعيدين والخسوفين والاستسقاء لئلا يفتات عليه شيء ~~من النظر في المصالح العامة وأن اخبص بقوم أو محلة فأمرها راجع إلى الجيران # قلت ويبقى بعد ذلك تفقدهم في إلزامهم إقامته واختبار صلاحيته لذلك # المسألة الرابعة قال ابن حزم ينبغي للإمام أن يولى الصلاة رجلا قارئا ~~للقرآن حافظا له عالما بأحكام الصلاة والطهارة فاضلا في دينه خطيبا فصيحا ~~معرفا فقيها في جميع ذلك # قلت وبقية الشروط مقررة في مواضعها في الفقهيات # المسألة الخامسة من توابع هذه ms112 الخطة اتخاذ مؤذن للصلاة # قال ابن حزم يأخذهم الإمام بإقامة مؤذن راتب لكل مسجد فإن لم يكن فيهم من ~~يقوم بذلك ولا الصلاة يكفل لهم بإمام ومؤذن يجري علنهما مما يكفيهما إن ~~كانا فقيرين PageV01P238 قلت والنظر الآن في ذلك مصروف إلى القضاة أو ~~الأئمة # تتمة من مؤكدات ما على صاحب هذه الخطة أن يراعي أمورا نبه عليها ابن ~~الحاج في مدخله # أحدها أن ينوى عند ولايتها مع إخلاص النية مع الله تعالى أنه يقوم بما ~~وجب على المسلمين أن يوفوا به قال لأن الإمامة من أكبر مهمات الدين وفرض ~~على الكفاية # الثاني أن يتحفظ على منصبها من الأمور التي تزرى بصاحبها كالمزاح وكثرة ~~الضحك لاسيما مع الجانب والمشي في السواق لغير عذر شرعي ونحو ذلك # الثالث أن يكون أعظم الجماعة خوفا وقلقا وأكثرهم علما و خشية قال فقد ورد ~~أن الصلاة ترفع على أتقى قلب رجل من الجماعة فينبغي أن يكون متصفا بذلك ~~ليحصل جميع من خلفه في صحيفته وفي خفارته PageV01P239 # الرابع أن يرى لنفسه فضلا على من تقدمه بل يرى الفضل عليه ويتخوف على ~~ذمته # قال لقوله صلى الله عليه وسلم الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن # الخامس أن يكون أكبر اهتمامه التحفظ من البدع المحدثة لنه علم للعامة في ~~الإقتداء به خصوصا ما يقع من ذلك في المسجد الذي هو من رعيته # | الخطة الثانية # # | الفتيا # وفيها بحسب الوضع مسائل # المسألة الأولى شرف هذه المنزلة في المراتب الدينية لا يحفى على متأمل ~~ويكفي من ذلك أن صاحبها قائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم لمرين # أحدهما صريح النص بذلك ففي الحديث العلماء ورثة الأنبياء وأن الأنبياء لم ~~يورثوا دينار ولا درهما وإنما ورثوا العلم ومن ثم قيل المفتي موقع عن الله # الثاني نيابته عنه صلى الله عليه وسلم في تبليغ الأحكام لقوله ألا ليبلغ ~~الشاهد منكم الغائب وقال بلغوا عني ولو آية وهو معنى كونه يقوم مقامه صلى ~~الله عليه وسلم في التبليغ والتعليم # اعتراف بفضل # روى سهل بن ms113 عبد الله أنه قال من أراد أن ينظر إلى مجالس PageV01P240 ~~الأنبياء عيهم السلام فلينظر إلى مجالس العلماء يجيء الرجل فيقول ما تقول ~~في رجل حلف على امرأته بكذا فيقول طلقت امرأته وهذا مقام الأنبياء فاعرفوا ~~لهم ذلك # المسألة الثانية ابن خلدون للخليفة تصفح أهل العلم والتدريس ورد الفتيا ~~إلى من هو أهل لها وإعانته على ذلك ومنع من ليس بأهل لها وزجرها لأنها من ~~مصالح المسلمين في أديانهم فيجب عيه مراعاتها لئلا يتعرض لذلك من ليس بأهل ~~فيضل الناس انتهى # قلت لقوله صلى الله عليه وسلم إن الله لا يقبض العلم الحديث # المسألة الثالثة إذا كان الإمام لا يستقل بهذا التصفح لفوات العلم به ~~فيكفي استطلاع ما عند علماء الوقت في أهلية المصدر للفتوى مع علمه هو ذلك ~~من نفسه وهو معنى قولهم لا يفتى حتى يراه الناس أهلا لذلك ويرى هو نفسه ~~أهلا لذلك فإن فقدوا أو كانت معرفتهم لا توفى بذلك ورأى هذا المقدم أنه أهل ~~فولايته صحيحة لوجهين # أحدهما أن تعيين الأمراء من يقوم بواجب التنفيذ حتى يثبت أنه ليس بأهل ~~وإلا انخرم نظام الدنيا # الثاني أن اعتقاد هذا المبدأ أهليته لذلك كافية في انتصابه حيث لا يكون ~~هناك غيره ولو لم يقدم أحد فكيف بهذا قاله الشيخ الإمام أبو إسحاق الشاطبي ~~في بعض تقييداته # المسألة الرابعة قال ابن الصلاح يشترط فيه أن يكون مكلفا PageV01P241 ~~مسلما ثقة مأمونا منزها عن أسباب الفسوق ومسقطات المروءة لأن من لم يكن ~~كذلك فقوله غير صالح للاعتماد وإن كان من أهل الاجتهاد ويكون فقير النفس ~~سليم الذهن رصين الفكر صحيح التصرف والاستنباط متيقظا # قلت ودرجاته بعد ذلك مقررة في مواضعها من كتب الأصول وغيرها # المسألة الخامسة قال الشيخ أبو اسحاق الشاطبي المفتي البالع ذروة الدرجة ~~هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور فلا يذهب يهم ~~الشدة ولا يميل بهم إلى طرف الإنحلال # قلت مما استدل به على صحة ذلك أمران # أحدهما أن من قصد الشارع حمل المكلف على ms114 التوسط من إفراط ولا تفريط وهو ~~الطريق المستقيم الذي جاء به وحينئذ فالخروج عن ذلك في المستفتي انحراف عن ~~ذلك المقصد # قال لذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذموما عند العلماء الراسخين # الثاني أن الخروج إلى الأطراف حائد عن العدل وناكب عن صراطه و حينئذ فلا ~~مصلحة فيه البتة أما في طرف التشديد فلما فيه من الحرج المؤدي لبغض الدين ~~والانقطاع عن التزود به إلى المعاد وأما في طرف الانحلال فلما فيه من اتباع ~~الهوى والشهوة PageV01P242 # قلت وعند ذلك فمن عرف بالتساهل في فتياه من هذه الجهة منع استفتاؤه وهي # المسألة السادسة كما صرح به ابن الصلاح قائلا أن من فعل ذلك بأن تحمله ~~الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل الممنوعة والتمسك بالشبه طلبا للترخيص على ~~من يريد نفعه أو التغليظ على من يقصد ضره فقد هان عليه دينه ونسأل الله ~~العفو والعافية # التفات قال وإذا صح قصده في تطلب حيلة لا شبهة فيها ولا تجر إلى مفسدة ~~ليتخلص بها المستفتي من ورطة يمين أو نحوها فذلك حسن جميل فقد قال سفيان ~~الثوري إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة فأما التشديد فيحسنه كل أحد # المسألة السابعة إذا كان التساهل في الفتيا مانعا من استفتاء من عرف به ~~فمن الواجب على السلطان أن يكون أول ممتنع من ذلك في نفسه وأولى أن لا ~~يكلفه التماس رخصة على غير شرطها يطبق بها غرضه بتقدير أنه ما كان يساعده ~~لولا هذا التكليف أما أولا فلما يخشى من وزر ذلك في الجملة # وفي حكم الهند وهو ظاهر من التمس من الإخوان الرخصة عند المشورة ومن ~~الأطباء عند المرض ومن الفقهاء عند الشبهة أخطأ الرأي وأزداد مرضا أو تحمل ~~الوزر # أما ثانيا فلما ينشأ عنه من إدخال الفساد به على الدين من وجوه لا تخفى ~~مع التأمل وهو لا محالة موجب لتضعيف وزره أضعافا مضاعفة وفي مثل ذلك قال ~~ابن المبارك # ( وهل افسد الدين إلا الملوك % وأخبار سوء ورهبانها ) # ( وباعوا النفوس ولم يربحوا % ولم تغل ms115 في البيع أثمانه ) ا # ( لقد رتع القوم في جيفة % يبين لذي العقل أنتانها ) PageV01P243 # تعريف من مشهور ما وقع من تساهل طلب الرخصة في الفتيا على غير شرطها ~~إرضاء للسلطان بما يتابع هواه ما حكاه عياض وغيره عن محمد بن يحي بن لبابة ~~أخي الشيخ ابن لبابة الشهير وذلك أنه عزل عن قضاء البيرة لرفع أهلها عليه ~~ثم عن الشورى لأمور نقمت عليه وسجل بسخطه القاضي حبيب ابن زياد وأمر بإسقاط ~~عدالته وإلزامه بيته وأن لا يفتي أحدا فأقام على ذلك وقتا # ثم إن الناصر احتاج إلى شراء مجشر من أحباس المرضى بقرطبة بعدوة ~~PageV01P244 النهر فتشكي إلى القاضي ابن بقي ضرورته إليه لقابلته منزهة ~~وتأذيه برؤيتهم أو أن تطلعه من علالية فقال له ابن بقى لا حيلة عندي فيه ~~وهو أولى أن يحاط لحرمة الحبس فقال له تكلم مع الفقهاء فيه وعرفهم رغبتي ~~وما أجزله له من أضعاف القيمة فيه فلعلهم أن يجدوا في ذلك رخصة # فتكلم ابن بقي معهم فلم يجدوا إليه سبيلا فغضب الناصر عليهم وأمر الوزراء ~~بالتوجيه فيهم إلى القصر وتوبيخهم فجرت فجرت بينهم وبين الوزراء مكالمة ولم ~~يصل الناصر معهم إلى مقصوده وبلغ ابن لبابة هذا الخبر فرفع إلى الناصر من ~~أصحابه الفقهاء ويقول إنهم حجروا عليه واسعا ولو كان حاضرا لأفتاه بجواز ~~المعاوضة وتقلدها وناظر أصحابه فيها فوقع الأمر بنفس الناصر وأمر بإعادة ~~محمد بن لبابة إلى الشورى إلى حالته الأولى # ثم أمر القاضي بإعادة الشورى في المسألة فاجتمع القاضي والفقهاء وجاء ابن ~~لبابة آخرهم وعرفهم القاضي ابن بقي بالمسألة التي جمعهم من أجلها وغبطة ~~المعاوضة فيها فقال جميعهم بقولهم الأول من المنع بتغيير الحبس عن وجهه ~~وابن لبابة ساكت فقال له القاضي ما تقول أنت يا أبا عبد الله قال أما قول ~~إمامنا مالك بن أنس فالذي قاله أصحابنا الفقهاء وأما أهل العراق فإنهم لا ~~يجيزون الحبس أصلا وهم علماء أعلام يهتدي بهم أكثر الأمة وإذ بأمير ~~المؤمنين من الحاجة إلى هذا المجشر ما به ms116 فما ينبغي أن يرد عنه وله في ~~السنة فسحة وأنا أقول بقول أهل العراق وأتقلد ذلك رأيا فقال له الفقهاء ~~سبحان الله تترك قول مالك الذي أفتى به أسلافنا ومضوا عليه واعتقدناه بعدهم ~~وأفتينا به لا نحيد عنه بوجه وهو رأى أمير PageV01P245 المؤمنين ورأي ~~الأئمة آبائه فقال لهم محمد بن يحي ناشدتكم الله العظيم ألم تزل بأحد منكم ~~ملمة بلغت بكم أن أخذتم فيها بقول بغير قول مالك في خاصة أنفسكم وأرخصتم ~~لأنفسكم في ذلك قالوا بلى قال فأمر أمير المؤمنين أولى بذلك فخذوا به ~~مأخذكم وتعلقوا بقول من يوافقه من العلماء فكلهم قدوة فسكتوا فقال للقاضي ~~أنه إلى أمير المؤمنين فتياي فكتب القاضي إلى أمير المؤمنين بصورة المجلس ~~وبقي مع أصحابه بمكانهم إلى أن أتى الجواب بأن يؤخذ له بفتيا محمد بن يحيى ~~بن لبابة وينفذ ذلك ويعوض للمرضى من هذا المجشر بأملاك ثمينة عجيبة وكانت ~~عظيمة القدر جدا تزيد أضعافا على المجشر ثم جيء من عند أمير المؤمنين بكتاب ~~منه إلى أين لبابة بولايته خطة الوثائق ليكون هو المتولي لعقد هذه المعاوضة ~~فهنيء بالولاية وأمضى القاضي الحكم بفتواه وأشهد عليه وانصرفوا فلم يزل ابن ~~لبابة يتقلد خطة الوثائق الشورى إلى أن مات سنة ست وثلاثين وثلاثمائة # قال عياض ذاكرت بعض مشايخنا بهذا الخبر فقال ينبغي أن يضاف هذا إلى الخبر ~~الذي حل محل السخطة إلى سجل السخطة فهو أولى ولأشد في السخطة مما تضمنه أو ~~كما قال # توضيح قال الشيخ الإمام أبو إسحاق الشاطبي وشأن مثل هذا لا يحل لوجهين # أحدهما أنه لم يحق المذهب الذي حكم به لن العراقيين لا يبطلون الإحباس ~~مطلقا بل مذهبهم قريب من مذهب مالك كما في كتب الحنيفة # الثاني على تسليم صحته بترجيح أحد القولين إنما هو بالوجوه المعتبرة شرعا ~~اتفاقا لا بالصحبة أو الإمارة أو قضاء الحاجة قال فكل من اعتمد على تقليد ~~قول غير محقق أو رجح بغير معنى معتبر فقد خلع الربقة واستبد إلى غير شرع ~~عافانا الله من ms117 ذلك بفضله PageV01P246 # | الخطة الثالثة # # | التدريس # وفيها على ذلك القصد مسائل # المسألة الأولى فضيلة هذا المنصب من حيث شرف العلم أوضح في الظهور من شمس ~~الظهيرة ويكفي من ذلك ما يدل علية قوله صلى الله عليه وسلم وإنما بعثت ~~معلما فهو نيابة عنه صلى الله عليه وسلم في المعنى الذي بعث من أجله ومجلسه # قال ابن الحاج هو المشهور خيره المعروف بركته المستفيض بره واحترامه # المسالة الثانية المساجد التي يجلس فيها المدرس إن عظمت بحيث ينظر ~~السلطان في الولاية عليها منا تقدم فبالإمامة فلا بد في استئذانه في ذلك ~~وأن كانت في مساجد العامة فلا يتوقف على إذن # قال ابن خلدون على أنه ينبغي لكل أحد من المفتين والمدرسين أن يكون زاجرا ~~من نفسه يمنعه من التصدي لما ليس له بأهل فيضل به المستهدي ويزل به ~~المسترشد فالسلطان فيهم لذلك من النظر ما توجبه المصلحة من إجازة أو ورد # المسألة الثالثة على الإمام أن يبلغ في تصفح من يقدمه لذلك صونا لإجتهاد ~~الأئمة عن التقصير فقديما تشكى العلماء من ذلك ومن إهمال النظر في هذا المر ~~بالجملة هذا ربيعة يقول وقد سئل عن بكائه أبكاني PageV01P247 استفاء من لا ~~علم له ويقول بعض من يفتي ها هنا أحق بالسجن من السراق # قال ابن سهل وجناية هذا على الأمراء في إيثارهم لذلك من لا فقه له ولا ~~سبقت له عناية به على حسب ما تحملهم اهواؤهم اعتداء بالجهال وإزراء بأهل ~~العلم قال والله حسيب من يفعل هذا وهو حسبي ونعم الوكيل # قلت وللشيخ أثير الدين ابن حيان من قصيدة طويلة # ( بلينا بقوم صدروا في المجالس % لإقراء علم ضل عنهم مراشده ) # ( لقد أخر التدريس عن مستحقه % وقدم غمر خامد الذهن جامده ) # ( وسوف يلاقي من سعى في جلوسهم % من الله عقبى ما أكنت عقائده ) # ( علا عقلة فيهم هواه أما درى % بأن هوى الإنسان للنار قائده ) # المسألة الرابعة إذا صدره الإمام دون تعرف ما عند غيره فيه # قال الشيخ الإمام أبو إسحاق الشاطبي هو فقيه نفسه ms118 والناظر لها فإن رأى ~~نفسه أهلا لذلك عمل عليه إذا كان من أهل الإجتهاد وهو مدرك مالا ~~PageV01P248 يدركه غيره ممن انتصب في زمانه ولم ينتصب وإن كان عند نفسه أو ~~دونهم فلا يسعه ذلك ومن صدره فنظر غيره ممن ليس من أهل الإجتهاد ولكنه متصف ~~بأوصاف العلماء في التقوى والورع فتصدر صحيح لأن سببه شهادة أهل الزمان ~~وشرطه مطابقة الأمراء انتهى ملخصا # | الخطة الرابعة # # | القضاء # وفيه مسائل # المسألة الأولى قال ابن عرفة الروايات وأقوال الشيوخ واضحة الدلالة على ~~جلالة القضاء وندور السلامة فيه قال عن ابن سهل خطة القضاء من أعظم الخطط ~~قدرا واجلها خطرا لاسيما إذا جمعت إليها الصلاة قال ابن عرفة يريد أمامه ~~الصلاة ومقتضاه حسن اجتماعهما # قلت وعن بعضهم معناه الدخول بين الخالق والمخلوق ليؤدي فيهم أوامره ~~وأحكامه بواسطة الكتاب والسنة حكاه ابن فرحون # وفي قواعد المقرى الفيتا أخبار عن حكم الله فهو كالمترجم والحكم إنشاء له ~~فهو كالنائب # قلت ولا خفاء أن رتبة النائب أشرف ومن ثم قال الشيخ عز الدين PageV01P249 ~~أجره أعظم لأنه يفتي ويلزم فتياه فله أجر فتياه وأجر إلزامه قال وتصدى ~~الحاكم للحكم من تصدي المفتي للفتيا وأجر الإمام الأعظم أعظم من أجرهما # قلت وحاصل التفضيل يرجع إلى عموم المصلحة وخصوصها وعليه فيتصور أن يكون ~~المفتي أعظم أجرا من الحاكم حيث تكون مصلحة فتياه أعظم من مصلحة حكم الحاكم ~~وقد صرح به بعد كلام له # المسألة الثانية قال ابن راشد حكمة مشروعية حفظ النظام ودفع الضرر العام # قلت وبسطة غيره فقال رفع التهارج ورد التوائب وقمع الظالم ونصر المظلوم ~~وقطع الخصومات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # المسألة الثالثة قال ابن عرفة حكمه بالنسبة إلى إنشائه واجب قال عن ~~اللخمي إقامة حكم للناس واجب لما فيه من رفع التهارج والظلم فعلى الوالي ~~على بلد النظر في أحكامهم إن كان أهلا لذلك فإن لم يكن أهلا أو اشتغل عن ~~ذلك وجب عليه أن يقدم من هو أهل لذلك وإن لم يكن بالموضع وال كان ذلك ms119 لذوي ~~الرأي PageV01P250 # المسألة الرابعة قال المتيطي صحيح إذا ذهب من ولاه الله تعالى أمور ~~المسلمين إلى تقديم قاض فليجتهد وليتخير أهل الدين والفضل والوزع والعلم ~~كما فعل أبو بكر في استخلافه عمر رضي الله عنه # قلت وعزيز أن نجد من اشتمل على أشتات الفضائل المفضلة فيه هذا مالك رحمه ~~الله تعالى يقول في زمانه لا أرى اليوم خصال القضاء تجتمع في أحد فإن اجتمع ~~منها خصلتان ولي القضاء وهي العلم والورع # قلت وعلى أن المسامحة فيه مضرة بالدين والملك والاجتهاد إنما هو بحسب ~~الإمكان عسى أن يكون مخلصا ففي الأفلاطونيات إذا تسومح في دولة في التجوز ~~في القضاة والأطباء فقد أدبرت وقرب انحلالها وفيها عند ادبار الدولة يغفل ~~أمر بيوت العبادة وتجوز في القضاة ويتحامل الأقوياء على الضعفاء والأغنياء ~~على الفقراء # المسألة الخامسة قال ابن خلدون كان القاضي في عصر الخلفاء إنما له الفصل ~~بين الخصوم فقط ثم دفع له بعد أمور آخر على التدريج بحسب انشغال الخلفاء ~~والملوك بالسياسة الكبرى واستقر منصبه آخر الأمر على أن جمع له على ذلك ~~استبقاء بعض الحقوق العامة # قلت لذلك عرف ابن عرفة القضاء بقوله هوة صفة حكمية توجب لموصوفها نفوذ ~~حكمه الشرعي ولو بتعديل أو بترجيح لا في عموم مصالح المسلمين فيخرج التحكيم ~~وولاية الشرطة وأخواتها والإمامة # قلت يعني المظالم والرد والمدينة والحسبة # قال البرزلي وقيدنا عنه حين قرأنا عليه ابن الحاجب الفرعي PageV01P251 # إنه ولاية تنفيذ حكم شرعي مستند لولاية سلطانية وعند قراءتنا التهذيب ~~عليه قال مرة هو حكم شرعي مستند لولاية سلطانية أو صفة توجب قبول حكم ~~موصوفها قبولا كليا بولاية إمام أو جماعة لفقده # تحقيق قال ابن فرحون الذي ينبغي أن يعول عليه في ذلك العرف وقد قال ~~الإمام شمس الدين ابن قيم الجوزية الحنبلي أعلم أن عموم الولايات وخصوصها ~~وما يستفيده المتولي بالولاية يتلقى من الألفاظ و الأحوال والعرف وليس لذلك ~~حد في الشرع فلا يدخل في ولاية القضاء في بعض الأمكنة وفي بعض الأزمنة ما ~~يدخل ولاية الحرب ms120 وقد سكون في بعض الأمكنة والأزمنة قاصرة على الأحكام ~~الشرعية فقط فيستفاد من ولاية القضاء في كل قطر ما جرت به العادة واقتضاء ~~العرف وهذا هو التحقيق في المسألة PageV01P252 # المسألة السادسة قال ابن عرفة يجب تفقد الإمام حال قضاته فيعزل من في ~~بقائه مفسدة وجوبا فورا ومن تخشى مفسدته استجابا ومن غيره أولى عزله راجح # قال عن الشيخ ابن حبيب عن أشهب ومطرف ينبغي للإمام أن لا يفعل عن تفقد ~~قضاته كان عمر رضي الله عنه يقدم كل عام أمراءه ومعهم من عملهم رجال فإن ~~رأى بدل عامل عزله وأمر غيره قال عن أصبغ يعزل من يخشى ضعفه ووهنه وبطانة ~~السوء وأن أمن جوره في نفسه # تنبيه نقل القرافي عن العلماء أن الإمام إذا وجد من هو أصلح للقضاء ممن ~~هو متول الآن عزل الأول وولى الثاني وجوبا لئلا يفوت على المسلمين مصلحة ~~الأفضل منهما ويحرم عليه عزل الأعلى بالأدنى لئلا يفوت على المسلمين مصلحة ~~الأعلى # قال ابن الشاط ينبغي أن يحمل على أن المتولى مقصر عن PageV01P253 الأهلية ~~لا على أنه أهل ولكن غيره أحسن منه بالأهلية بدليل أن المصلحة المقصودة ~~بالقضاء تحصل من المفضول المتصف بالأهلية كما تحصل من الفاضل المتصف بها ~~فلا وجه لقوله # قلت يريد وجوبا وأما من طريق الأولى فعزله مطلوب كقول ابن عرفة ومن غيره ~~أولى عزله راجح وهو التحقيق في المسألة # المسألة السابعة إذا تظاهرت الشكوى بالقاضي فلا ينبغي للإمام أن يعزله إ ~~كان مشهورا بالعدالة لما في ذلك من الفساد على القضاة # وقال أصبغ يعزله إذا وجد مثله فقد عزل عمر سعدا بالشكية وهو أنفذ حجة ~~وأظهر براءة ممن بعده إلى يوم القيامة وإن لم يكن مشهورا بالعدالة فليعزله ~~إذا وجد بدلا منه وإلا سأل عن حله بسؤال من يثق به من أهل بلده سرا فإن ~~صدقوا ما رفع عنه عزله ونظر في أقضيته وإن قالوا ما نعلم إلا خيرا بقاءه ~~ونظر في أقضيته فما وجد منها باطلا رده وحمله على الخطأ لا ms121 تعمد الجور # المسألة الثامنة قال أصبغ وينبغي للأمام أن يوسع على القاضي في رزقه من ~~بيت مال المسلمين لأنه أجير لهم # قال المتيطي وأجرى عمر بن عبد العزيز للقاضي أربعمائة دينار في السنة ~~وكان يقول ذلك قليل لهم إذا أقاموا كتاب الله وعدلوا قال ويجرى له ذلك من ~~الخمس أو الجزية أو عشر أهل الذمة إذا جاء ذلك بغير ظلم PageV01P254 ~~المسألة التاسعة قال العلماء حكم أحكام هذه الخطة دائرة على الكتاب المشهور ~~الذي كتب به عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما لما ولاه قضاء الكوفة ~~ونصه # من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس سلام عليك أما بعد ~~فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة فإنهم إذا أدلى إليك وأنفذ إذا تبين لك ~~فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاد له وسو بين الناس بوجهك وعدلك ومجلسك حتى لا ~~يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف في عدلك البينة على من ادعى واليمين على ~~من أنكر والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا # ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس فتراجعت فيه اليوم عقلك وهديت فيه لرشدك أن ~~ترجع إلى الحق فإن الحق قويم ومراجعة الحق خير من التمادي على الباطل الفهم ~~الفخم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة # ثم أعرف الأشباه والأمثال فقس الأمور عند بنظائرها واعمد إلى أقربها إلى ~~الله عز وجل وأشبهها بالحق واجعل لمن ادعى حقا غائبا أو بينة أمدا ينتهي ~~إليه فإن احضر بينه أخذت له بحق وإلا سجلت القضية عليه فإنه أنفى للشك ~~وأجلى للعمى PageV01P255 المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد أو ~~مجريا عليه شهادة زور أو وظنينا في ولاء أو نسب فإن الله عز وجل تولى منكم ~~السرائر ودرأ بالبينات والأيمان # وإياك والقلق والضجر والتأذي بالخصوم والتنكر عند الخصومات فإن استقرار ~~الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر ويحسن عليه الذخر فمن صحت نيته ~~وأقبل على نفسه كفاه الله ms122 جل ذكره ما بينه وبين الناس ومن تخلق الناس بما ~~يعلم الله أنه ليس من نفيه شانه الله فما ظنك بثواب الله في عاجل رزقه ~~وخزائن رحمته والسلام # المسألة العاشرة قال ابن عرفة وعلم القضاء أخص من العلم بفقهه لأن متعلق ~~فقهه كلي من حيث هو كلي ومتعلق علنه كلي من حيث صدق كلية على جزئيات وكذا ~~فقه الفقيه من حيث كونه فقيها مفتيا هو أعم من فقه الفقيه من حيث كونه ~~مفتيا قال وقد اخبرنا بعض شيوخنا في تدريسه عن الشيخ الفقيه المحصل أبي عبد ~~الله بن شعيب أنه كان ولي قضاء القيروان ومحل تحصيله في الفقه وأصوله شهير ~~ببلدنا فلما جلس الخصوم إليه وفصل بينهم دخل منزله مقبوضا فقالت له زوجته ~~ما شأنك فقال لها عسر علي القضاء فقالت له قد شاهدت سهول أمر الفتوى عليك ~~فاجعل الخصمين كمستفتيين سألاك قال فاعتبرت ذلك فسهل علي # مزيد اعتبار # قال وإذا تأملت ذلك علمت أن حال الفقيه من حيث هو فقيه كحال عالم ~~PageV01P256 بكبرى قياس الشكل الأول فقط وحال القاضي والمفتي كحال عالم بها ~~مع صغراه ولإخفاء أن العلم بها أشق وأخص من العلم بالكبرى فقط # قلت لما في تحقيق المناط من التنزل قال وأيضا فقيها القضاء والفتيا ~~يبنيان على إعمال النظر في الصور الجزئية وإدراك ما اشتملت عليه من الأوصاف ~~الكائنة فيلغى طرديها ويعمل معتبرها # حكاية قال ولذا ذكر ابن الدقيق أن أمير إفريقية استفتى أسد ابن الفرات في ~~دخوله في جواريه الحمام دون ساتر له ولهن فأجابه بجوازه لأنهن ملكه وأجابه ~~ابن محرز بمنع ذلك قائلا له إن جاز لك نظرهن كذلك ونظرهن إليك كذلك لم يجز ~~نظر بعضهن إلى بعضهن كذلك فأغفل أسد إعمال النظر في هذه الصورة الجزئية فلم ~~يدرك حالهن فيما بينهن واعتبره ابن محرز فأصاب # تكملة التعريف العصر الذي كان فيه خلافة كانت هذه الخطة لمكان أنها من ~~الدين بالمحل الذي لا يخفى لا يولى فيها إلا من هو من أهل عصبيتهم بنسب أو ms123 ~~ولاية حلف أورق أو اصطناع ممن يوثق به كفاية وغناء PageV01P257 # قال ابن خلدون ولما انقرضت الخلافة وانقلبت ملكا بعدت الخطط الدينية عنه ~~بعض الشيء لخروجها من ألقابه ومن اسمه ثم لما خرج الأمر جملة عن العرب وصار ~~لسواهم من الترك والبربر ازدادت بعدا عنهم لأن تعظيم العرب لها مما يقوي ~~الباعث الديني عليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم منهم وأن شريعتهم نحلتهم ~~بين الأمم وغيرهم بمعزل عن ذلك إنما يولونها جانبا منه لما دانوا به من في ~~الملة خاصة فلا جرم قلدوها من غير عصبيتهم إذا كان أهلا فقط وعند ذلك صار ~~أهلها مستضعفين في أهل الأمصار ولحقهم من الاحتقار ما يلحق من بعد عن ~~المشاركة في عصبية الدولة وصار اعتبارهم فيما من آجل قيامها بالملة لأنهم ~~الحاملون لأحكامها ولم يكن إيثارهم إذ ذاك إكراما لدولتهم بل لما يتلمح من ~~التجمل بمكانهم في مجالس الملك فحسب إذ لا حل لهم فيها ولا عقد وإن حضروه ~~بحضور رسمي لا حقيقة وراءه انتهى المراد منه # | الخطة الخامسة # # | العدالة # وفيها مسألتان # المسألة الأولى # قال ابن خلدون وهي وظيفة دينية تابعة للقضاء حقيقتها قيام عن إذن القاضي ~~بالشهادة بين الناس فيما لهم وعليهم تحملا عند الأداء وأداء عند التنازع ~~وكتابا في السجلات لحفظ الحقوق والمعاملات # قلت وهو حكمة مشروعيتها قاله ابن راشد PageV01P258 # المسألة الثانية # قال ابن راشد هي صناعة جليلة شريفة وبضاعة عالية منيفة تحتوي على ضبط ~~أمور الناس على القوانين الشرعية وحفظ دماء المسلمين وأموالهم والاطلاع على ~~أسرارهم وأحوالهم ومجالسة الملوك والاطلاع على عيالهم وأمورهم وبغير هذه ~~الصناعة لا ينال أحد ذلك ولا يسلك هذه المسالك # المسألة الثالثة # قال ابن خلدون وشرط هذه الوظيفة الاتصاف بالعدالة الشرعية ثم القيام بكتب ~~السجلات والعقود من حيث عباراتها وأحكام شروطها الشرعية # قلت وهو معنى قول ابن لبابة لابد له من فقه في الوثيقة ليضع فيه كل شيء ~~في موضعه وترسيل يحسن به مساقها ونحو يجتنب به اللحن # قال ولأجل هذه الشروط وما يحتاج إليه من ms124 المران عليه وممارسة له اختص دلك ~~ببعض العدول وصاروا كأنهم المختصون بالعدالة وليس كذلك وإنما العدالة من ~~شروط اختصاصهم بالوظيفة # المسالة الربعة # قال ابن المناصف إذا رأى السلطان في النظر للمسلمين قصر الوثائق على ~~موثوق به في الدين والمعرفة لقصور غيره عن ذلك فهو سائغ حسن بذلك الشرط لا ~~لقصد منفعته بذلك فقط وأن ذلك لهذا القصد فهو فيه حرمة PageV01P259 # قلت هذا جواب ابن عتاب قائلا لا أكثر الله من أمثال هذا الفقيه إذ طلب ~~مالا يحل له وإذ قد طلب ذلك فلا تجوز إمامته ولا شهادته # قال ابن سهل وهو مستند ابن المناصف ولو كان السلطان قصر الناي على هذا ~~الإنسان لبصره في العقود وثقته لتقصير غيره عن إدراكه فيها ولم يطلب هو ذلك ~~ولا رغب فيه لكان حسنا انتهى المراد منه # المسألة الخامسة # قال ابن خلدون ويجب على القاضي تصفح أحوالهم والكشف عن يسيرهم رعاية لشرط ~~العدالة ولما يتعين عليه من حفظ الحقوق فالعهدة في ذلك عليه وهو ضامن دركه # قلت في تنبيه ابن المناصف وقد ذكر أمورا تعقبها على بعض أهل هذه الطبقة ~~قال وأكثر ما ذكر منها أو لم يذكر لا يستطاع الانفصال عنه إلا باعتناء ~~القاضي به وموالاة البحث عنه والتعنيف لمن يوافقه فيه لأن ما يعتاده ~~الجمهور لا يصرف عنه توقى الواحد والاثنين له ولا تعليم المعلمين ولا وعظ ~~الواعظين ما لم يكن فيه إرهاب من السلطان فيحق على القاضي الاعتناء بمثله ~~والتنقيب عنه ورد مسائل الشرع إلى أصولها انتهى ملخصا PageV01P260 # المسألة السادسة # قال ابن خلدون إذا تعين هؤلاء لهذه الوظيفة عمت الفائدة بهم على تعديل من ~~تخفى عدالته على القضاة لاتساع الأمصار واشتباه الأحوال فيعول عليهم غالبا ~~في الوثوق بالبينات المضطر إليها في فصل القضاء بين المتنازعين # قال ولهم في سائر الأمصار دكاكين ومصاطب يختصون بالجلوس فيها للشهادة بين ~~المتعاملين وتقييدها بالكتاب # قال وصار مدلول هذه الفظة مشتركا بين هذه الوظيفة التي تبين مدلولها وبين ~~العدالة الشرعية التي هي أخت الجرح وقد يتواردان ms125 ويفترقان يعرفونه عينا ~~واسما إن شهدوا على غائب وإن لم يكن ذلك منصوصا في العقد فمتى لم يكن ذلك ~~منصوصا بطل العقد في مسألتي الميت والغائب بحيث ذكر فأما على الحاضر وما في ~~معناه من القريب الغيبة فإنه إن تضمن العقد ذلك وأنكر المقوم عليه جميع ~~مضمنه أعذر إليه في الثبات وإن لم يضمن العقد ذلك ولا يعرفونه ولا وصلوا ~~أدائهم الشهادة بأنهم يعرفونه ولا يعينونه وقالوا هذا هو الذي أشهدنا به ~~العقد وحضر مجلس الحكم وقالوا لا نعرف أهذا أشهدنا أم غيره بطلت تلك ~~الشهادة فإن كان المشهود عليه يعرف الغائب وأنه قريب الغيبة أو يعرف ذلك ~~ولم يتضمن العقد معرفة شهدائه به ولا يعرفونه سأل القاضي الشهود عن ذلك فإن ~~قالوا نعرفه وإن حضر عيناه خاطب بالعقود وذكر ذلك بالخطاب فإذا وصل القاضي ~~المخاطب به أثبته وإن أنكر المقوم عليه أعذر إليه وتوثق بالمضامن أو الرهن ~~منه ريثما يدفع في شهادتهم أو يأتي بشهادتهم هو أنه ليس هو الذي أشهدهم وإن ~~قال الشهود أولا للقاضي لا نعرفه ولا نعوته تحفظ لم يثبت العقد ولا خاطب به ~~والأصل يراعي فيه أن يكون نصه يقتضي حكما ويعتبر فيه تاريخ التحمل للشهادة ~~لا تاريخ أدائها في حكم مقتضى العقد أبدا ولا اعتبار بتاريخ الأداء إلا في ~~مسألة طلب حل الأصل بإثبات العداوة من الشهود ومن المحكوم عليه كما تقدم ~~الذكر له PageV01P261 # والاسترعاء يعتبر فيه أن يكون شهدائه بإثبات أمر أو إضافة شي غلى شيء أو ~~صفة أو نسبة إلى موصوف وأن يكون إيراد ذلك وسياقه على البت ومتى شهدوا في ~~نفي على البت بطل الاسترعاء في القول الذي عليه الأحكام لأنها شهادة غموس ~~وزور ومتى شهدوا في مكان البت وهو الإثبات على العلم دون البت كان وهنا في ~~العقد ووصما في تضمينه ولا يبطل ولكن يستفسر الشهود فإن فات استفسار الشهود ~~بموتهم أو غيبتهم قضي به إن كانوا من أهل العلم بطريق الشهادة والفقه في ~~ذلك وبطلت إن كانوا من أهل ms126 الجهل والمشهد على نفسه بما يقتضي لغيره حقا من ~~طريق المعاوضات يشترط في الشهادة صحته وجواز فعله خوف المرض لحق الوراثة في ~~الزائد على الثلث وخوف التحجير لحق المقدم أو الوصي وخوف السفه لحق نفس ~~السفيه الذي يجب على الحاكم النظر له والمشهد بحقوق الغير بغير المعارضة لا ~~يشترط فيه إلا الصحة فيمت زاد على الثلث لحق الوارث ولابد فيها من اشتراط ~~العقل والشهد بالتوكيل عن موكله يشترط فيه معرفة ثبوته بإشهاد المثبت معرفة ~~عين الوكيل ونص التوكيل إقامته فيما شهد فيه مقام الموكل بالتنصيص على ذلك ~~الفصل والمشهد بالحكم لا يشترط في إلا في كونه في تاريخ الإشهاد حاملا في ~~ذلك وكون إشهاده في مكان يجوز له فيه والمشهد على شهادته يشترط فيه كونه ~~عدلا وكونه في عقله انتهى # | الخطة السادسة # # | الحسبة # وفيها مسائل # المسألة الأولى قال ابن خلدون وهي وظيفة دينية في باب الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر الذي هو فرض على القائم بأمور المسلمين يعين PageV01P262 ~~لذلك من يراه أهلا فيتعين فرضه عليه ويتخذ الأعوان على ذلك ويبحث عن ~~النكرات ويعزز ويؤدب على قدرها # قلت قال الماوردي # هي واسطة بين المظالم والقضاء قالوا وموضوعها الرهبة وموضوع القضاء ~~النصفة # المسألة الثانية قال ابن رضوان ملخصا لما شرطوا في متقلدها من شروطه ~~العدالة والنزاهة ومعرفة فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومعرفة طرف ~~من الحساب لاختبار قيم المبيعات ونسب الأسعار ونحو ذلك والتيقظ لإقامة ~~الموازين بالقسط والشعور بغش المنتحلين والصرامة في الحكم وعدم الالتفات ~~إلى الشفاعات لأن نظره منوط بحقوق عامة المسلمين وإسقاط حق جماعة لإرضاء ~~واحد ليس بصواب # المسألة الثالثة لا حكم لصاحب هذه الحطة في الدعاوي مطلقا بل فيما يتعلق ~~بالغش والتدليس في المعايش وغيرها وفي المكائيل والموازين وشبه ذلك ولا ~~يتوقف حكمه على تنازع أو استعداد بل ما وصل إليه من ذلك ينظر فيه # توجيه قال ابن خلدون وكأنها أحكام ينزه عنها القضاء لعمومها وسهولة ~~أغراضها فترفع إلى صاحب هذه الوظيفة ليقوم بها فهي خادمة لمنصب القضاء ms127 ~~PageV01P263 # قال وقد كنت في كثير من الدول كالعبيديين بمصر والمغرب والأموية بالأندلس ~~داخلة في ولاية القاضي يولي فيها باختباره ولما انفردت وظيفة السلطان عن ~~الخلافة وصار نظره عاما في السياسة اندرجت في وظائف الملك وأفردت بالولاية # | الخطة السابعة # # | السكة # وفيها مسائل # المسألة الأولى # قال ابن خلدون هي نظر في حفظ النقود المتعامل بها عن الغش أو النقص إن ~~كان التعامل بها عددا وفي وضع علامة السلطان دليلا على الجودة المصطلح على ~~تسميتها إماما وعيارا بحيث كل ما نقص عن ذلك زيفا # قال وهي دينية بهذا الاعتبار ومندرجة تحت الخلافة وضرورية في الملك إذ ~~بها يتميز الخالص من البيوع في النقود # المسألة الثانية # قال لفظ السكة كان اسما للطابع وهي الحديدة المتخذة للختم على الدينار ~~والدرهم بما ينقش عليهما من صور أو كلمات ثم نقل إلى أثرها وهو النقوش ~~المائلة على الدينار والدرهم ثم إلى القيام على ذلك والنظر في شروطه ~~ومكملاته وهي الوظيفة فصار علما عليها في عرف الدول # المسألة الثالثة # قال كان ملوك العجم ينقشون عليها تماثيل يختص بها كتمثال PageV01P264 ~~السلطان لعهدها أو تمثال حصن أو حيوان أو غير ذلك ولما جاء الإسلام أغفل ~~ذلك لسذاجة الدين وبداوة العرب واقتصروا غلى التعامل بسكة الفرس إلى أن ~~تفاحش غشها لغفلة الدولة عن ذلك فأمر عبد الملك الحجاج بضرب الدراهم سنة ~~أربع وسبعين ثم أمر بضربها في سائر النواحي سنة ست وسبعين وكتب عليها الله ~~أحد الله الصمد ثم ولى ابن هبيرة العراق في أيام يزيد بن عبد الملك فجود ~~السكة ثم بالغ خالد القسري في تجويدها ثم يوسف بن عمر بعده وقيل أول من ضرب ~~الدنانير والدراهم مصعب بن الزبير بالعراق PageV01P265 سنة سبعين بأمر أخيه ~~لما ولي بالحجاز وكتب عليها في أحد الوجهين بركة وفي الآخر من الله ثم ~~غيرها الحجاج بعد ذلك بسنة وكتب علها بسم الله الحجاج # المسألة الرابعة # قال وقدروا وزنها على ما استقرت عليه أيام عمر رضي الله عنه ونقشوا فيها ~~كلمات لا صورا لأن العرب ms128 أقرب المناحي إليهم الكلام والبلاغة مع نهي الشرع ~~عن الصور وجعلوا شكل الدينار والدرهم مدورا والكتابة عليه في دوائر موازية ~~أحد الوجهين يكتب فيه أسماء الله تهليلا و تحميدا وصلاة على النبي صلى الله ~~عليه وسلم # الثاني يرسم فيه التاريخ واسم الخليفة وهكذا أيام العباسيين والعبيديين ~~والأمويين وأما صنهاجة فلم يتخذوا سكة إلا آخر المر اتخذها المنصور صاحب ~~بجاية ولما جاء الموحدون كان مما سن لهم المهدي PageV01P266 توسيع شكل ~~الدراهم وأن يرسم في دائرة الدينار شكل مربع في ويطه ويملأ بين أحد ~~الجانبين تهليلا وتحميدا ومن الآخر يكتب اسمه واسم الخلفاء من بعده ففعلوا ~~ذلك إلى هذا العهد وقد كان المهدي ينعت قبل ظهوره بصاحب الدرهم المربع وأما ~~أهل المشرق لهذا العهد فسكتهم غير مقدرة وتعاملهم بها إنما هو بالوزن ~~بالصنجات وينقشون عليها تهليلا وصلاة واسم السلطان كما يفعله أهل المغرب ~~ذلك تقدير العزيز العليم إنتتهى ملخصا # المسألة الخامسة # ما تقدم من أن موضع هذه الخطة حفظ النقود مما يخل بها غشا ونقصا يقتضي ~~بأكيد العناية بهذا الحفظ وهو كذلك بلا شك عند الأوائل والأواخر ففي العهود ~~اليونانية وأما ما يتعامل به الناس فإن كان ذهبا أو فضة كان على أجود عيار ~~وإن كان سلعة أخرى كانت من فضل أجناسها لأن ما وردت إليه القيمة في البيوع ~~حقيق أن يكون على أفضل منازله # قلت في الافلاطونيات ما ردت إليه قيمة الأشياء وتعامل به الناس في ~~البلدان فهو شبيه بالملوك يصلح الملك بصلاحه وإستجادته ويفسد بفساده ~~واستعماله التجوز فيه # موعظة قال في العهود ومن المأثور أنه ما اعتمد أحد الملوك إفساد ما ~~يتعامل الناس به في مملكته وتجوز في أمره إلا سقطت منزلته وانقرض نسله ثم ~~ذكر ما تقدم من أفلاطون # خاتمة لهذا الركن # قال انحصار هذه الخطط فيما ذكر بحسب ما بقي منها PageV01P267 الهذا العهد ~~وإلا فمنها ما ذهب بذهاب ما ينظر فيه كالجهاد في الأقطار التي عدوها غير ~~كافر وما صار سلطانيا كالإمارة والوزارة والحرب والخراج والشرطة # قال ابن ms129 خلدون وبالجملة فقد اندرجت رسوم الخلافة ووظائفها في رسوم الملك ~~والسياسة في سائر الدول لهذا العهد والله مصرف الأمور بحكمته # | الركن الثامن # # | ترتيب المراتب السلطانية # المقدمة الأولى # أن السلطان كما سبقت الإشارة إليه لابد له من الاستعانة بغيره فيما يحمل ~~من الأمر الثقيل في سياسة من استرعاه الله تعالى من خلقه وعباده لاسيما ما ~~فوق الغاية في ذلك من معاناة القلوب كما قيل لمعاناة نقل الجبال من أماكنها ~~أهون من معاناة قلوب الرجال # المقدمة الثانية # إن الوظائف التي بها استعانة السلطان في الملة الإسلامية مندرجة في ~~الخلافة المشتملة على حفظ الدين والدنيا كما تقدم وحينئذ فلا بد من نظر ~~الفقيه فيها وفي شروط تقليدها وصحة السياسة بها شأن نظره في سائر أفعال ~~المكلفين وعليه فلا فرق بينهما وبين الوظائف الخلافية في تلك الجهة ومن حيث ~~الكلام عليها بما يقتضيه طبيعة العمران فالرفق بينهما زاهر PageV01P268 ~~المقدمة الثالثة # أن هذه الاستعانة إما بصاحب رأي أو سيف أو قلم أو حجابة وإلى رتبها ~~الأربع يرجع جميع رتب الملك والسلطان # قال ابن خلدون ألا إن الأرفع منها ما كانت الإعانة فيه عامر والخاص منها ~~دون ذلك كقيادة ثغر أو ولاية جباية خاصة # قال وما زال الأمر على ذلك حتى جاء الإسلام فذهبت تلك الخطط بذهاب رسم ~~الملك إلا ما هو طبيعي من المعاونة بالرأي والمفاوضة فيه وعند انقلاب ~~الخلافة ملكا رجع المر إلى ما كان عليه # قلت والأحكام الشرعية مع ذلك متعلقة بها كما تقدم إذا تقرر هذا فأمهات ~~المراتب السلطانية على التفصيل خصوصا بهذه القطار المغربية خمس مراتب ~~الحجابة والكتابة وديوان العمل والجباية والشرطة # قلت وأولها هي الوزارة ألحقناها بالأركان المستقلة وقد تقدم الكلام عليها ~~أولا وحق لها ذلك # | المرتبة الأولى # # | الحجابة # وفيها مسائل # | المسألة الأولى # لا يوجد لهذه الخطة فبأيام الخلافة الدينية لما في الشريعة من منع مدافعة ~~ذوي الحاجات عن باب الخليفة وعند انقلاب الخلافة ملكا كان أول شيء به شأن ~~الباب وسده عن الجهور لما يخشى من اغتيال PageV01P269 الخوارج وغيرهم ms130 كما ~~وقع بعمر وعلي ومعاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهم وبغيرهم من بعدهم ~~منضما إلى ما في فتحه من تزاحم الناس على باب السلطان وشغله بهم عن المهمات ~~واتخذوا من يقوم بذلك وسموه بالحاجب # قلت وعند وجود المقتضي لاتخاذه يكون مشروعا مع أن عمر رضي الله عنه كان ~~يوكل غلاما ببابه لا ليدفع ذوي الحاجات عنه إهمالا لهم و إطراحا بل لما هو ~~مأذون فيه مما لا تخفى صحة القصد إليه # | المسألة الثانية # لهذه المرتبة في الدول الشهيرة تفاوت كثير في العناية بها أما في دولة ~~بني أمية وبني العباس بالمشرق فاقتصروا بها على من يحجب السلطان عن العامة ~~ويغلق بابه دونهم أو يفتحه لهم على قدره وفي وقته فكانت بذلك مرؤوسة للخطط ~~النبيهة خصوصا للوزارة لتصرفها فيها بما يراه # قال ابن خلدون وإلى هذا العهد فهي بمصر مرؤوسة لصاحب هذه الخطة العليا ~~المسمى بالناشب وأما في الدولة الأموية بالأندلس فكانت لمن يحجبه عن الخاصة ~~والعامة ويكون واسطة بينه وبين الوزراء فمن دونهم فلا جرم كانت عندهم أرفع ~~المراتب وأبعدها غاية وعند ظهور الاستبداد على الدولة اختص المستبد باسم ~~الحجابة لشرفها كالمنصور بن أبي عامر وابنيه من بعده ثم بعد انتهاء الأمر ~~إلى ملوك الطوائف وانتحالهم ألقاب PageV01P270 الملك وأسمائه ما تركوا ~~لقبها بل عدوه أشرف ما تحلوا به مع ذلك وأما في دول المغرب وإفريقية فلم ~~يكن فيها ذكر لهذا الإسم لبداوتهم وربما يوجد قليلا في دولة العبيديين بمصر ~~عند استعظامها وحضارتها وكذا لا عهد به في الدول الحادثة بعد كدولة ~~الموحدين وبني أبي حفص بإفريقية ودول زناتة كبني مرين وبني عبد الواد # # | المسألة الثالثة # تقدم أنها حادثة الوجود في الدول الإسلامية عند إنقلاب الخلافة ملكا ~~لقيام مقتضى مشروعية اعتبارها وأن التفاوت في العناية بها بعد ذلك بحسب ~~بداوة الدولة وحضارتها وقديما قبل الإسلام كان لها من الملك موقع عظيم ففي ~~العهود اليونانية وأعلم أن حجابك صفحة مملكتك التي تستقبل بها الصادر ~~والوارد والبادي والحاضر فأحسن اختياره # | المسألة الرابعة ms131 # ذكروا لصاحب هذه المرتبة شروطا ضرورية وكمالية # أحدها المعرفة بأوقات محجوبة وانبساطه ومنازل الناس منه حتى يكون وجهه ~~عنوانا عن وجهة من غضب ورضا وإبعاد وإدناء # الثاني صحة الرأي ليضع الأمور مواضعها ويعتذر إلى من منعه بما يقضيه ولا ~~ينقص من جانب محجوبه # الثالث الرأفة لتحجزه عن ابتذال الأحرار وامتهانهم بطول انتظار الإذن # الرابع النزاهة لتمنعه من فساد ترتيب القاصدين وتقديم أدانيهم لما يتعجله ~~منهم PageV01P271 # الخامس حسن الإبانة عن توصيل ما يلقى إليه وتبليغ التوقيع عليه # السادس بسط الوجه مع هيبة الجانب لمؤمن ته محذور النفار والإدلال # السابع سلامة الجوارح من الافات القادحة في إختياره لتلك المنزلة # الثامن الصدق فيما ينفل للسلطان أو يبلغ عنه # | المسألة الخامسة # من جوامع ما يؤخذ به أمراء ونهيا قول أبرويز لحاجية لا تقدس مستغنيا ولا ~~تضعن شريفا لصعوبة حجاب ولا ترفعن ذا ضعة لسهولته ضع الرجال على مواضع ~~أخطارهم عمن كان متقدما له شرف ثم ازدرعه ولم يهدمه من بعد آبائه فقدمه على ~~شرفه الأول وحسن رأيه الأخر ومن كان له شرف متقدم فلم يصن ذلك إبلاغا به ~~ولم يزدرعه تثميرا له لألحق بآبائه مهلة لسبقهم في خواصهم والحق به في ~~خاصته ما الحق بنفسه ولا تأذن له إلا دبرا وإذا ورد عليك كتاب عامل من ~~عمالي فلا تحبسه عني طرفة عين إلا أن أكون على حالة لا تستطيع الوصول إلي ~~وأن أتاك مدع لنصيحة فليكتبها سرا ثم ادخله من بعد أن تستأذن له حتى إذا ~~كان مني بحيث أراه فأدفع إلى كتابه فإن حمدت قبلت وإن كرهت رفضت ولا ترفعن ~~إلي طلبة أحد إن منعته بخلني وإن أعطيته إزدراني إلا بمؤامرة مني بغير أن ~~تعلمه أنك فد أعلمتني وإن أتاك علم يستأذن علي بالعلم فاسأله ما علمه ذلك ~~ثم استأذن له فإن العلم كاسمه ولا تحجبن سخطة ولا تأذنن رضا اخصص بذلك ~~الملك ولا تخصص به نفسك # اختلاف سيرة اشد من هذا في التحجير عليه قول مروان لابنه PageV01P272 عبد ~~العزيز حين ولاه مصر ms132 يا بني مر حاجبك يخبرك من قصد بابك كل يوم فتكون أنت ~~تأذن وتحجب # وأقرب منه إلى التوسط قول زياد لحاجبه وليتك ما وراء بابي وعزلتك عن ~~أربعة طارق ليل ما جاء به وخبر رسول صاحب الثغر فإنه إن تأخر ساعة أبطل عمل ~~سنة وهذا المنادي للصلاة وصاحب الطعام فإن الطعام إذا اعمد عليه التسخين ~~فسد # | نوادر # أستأذن أبو سفيان على عثمان بن عفان رضي الله عنه فحجبه لبعض ما نابه من ~~أمور المسلمين فقيل له حجبك أمير المؤمنين فقال لا عدمت من قومي من إذا شاء ~~حجبني PageV01P273 الثانية قال عبد الله بن مصعب الزبيري كنا بباب الفضل ~~وهم يأذنون لذوي الشارات والهيآت وأعرابي يدنو فكلما دنا صرخ به فقام ناحية ~~ثم قال أبيات # ( رأيت آذننا يعتام بزتنا % وليس للحسب الزاكي بمعتام ) # ( متى رأيت الصقور الجدل يقدمها % خلطان من رخم قرع ومن راجح نام ) # ( ولو دعينا على الأحساب قد مني % مجد تليد وفضل راجح نام ) # الثالثة قال معاوية رضي الله عنه لحضين بن المنذر وكان يدخل في أخريات ~~الناس يا أبا ساسان كأنه لا يحسن إذنك فأنشأ يقول # ( وكل خفيف الرأي يمشي مشمرا % إذا فتح البواب بابك أصعبا ) # ( ونحن الجلوس الماكثون رزانة % وحلما إلى أن يفتتح الباب أجمعا ) ~~PageV01P274 # | المرتبة الثانية # # | الكتابة # وفيها مسائل # | المسألة الأولى # قال ابن خلدون هذه الوظيفة غير ضرورية في الملك لاستغناء كثير من الدول ~~عنها كالدول رأسا في البدو والبعد عن تهذيب الحضارة واستحكام الصنائع وإنما ~~أكد الحاجة إليها في الدولة الإسلامية شأن اللسان العربي وبلاغة العبارة عن ~~المقاصد فكان الكاتب يؤدي كنه الحاجة بأبلغ من العبارة اللسانية في الأكثر ~~وكان يختار إذ ذاك من أهل نسب الأمير ومن عظماء قبيلة لصدق أمانتهم وخلوص ~~أسرارهم ولما فسد اللسان وصار صناعة اختص بمن يحسنه قال وكانت عند بني ~~العباس رفيعة # قلت وكذا عند الأوائل كما يدل عليه وصية حكمائهم هذا أرسطو يقول في فضل ~~العناية بها وما تفاخرت الملوك عن قديم الأيام إلا بكتابها ولا رفعت إلى ms133 ~~عظيم المنازل إلا بهم # | المسألة الثانية # قال ومن خطط الكتابة التوقيع وهو أن يجلس الكاتب بين يدي السلطان في ~~مجالس حكمة ويوفق القصص المرفوعة إليه أحكامها متلقات من السلطان بأوجز لفظ ~~وأبلغه فيصدر كذلك أو يحذو الكاتب على مثالها في سجل سكون بيد صاحب القصة ~~ويحتاج إلى عارضة من البلاغة يستقيم بها توقيعه PageV01P275 # قال وقد كان جعفر بن يحيى يوقع في القصص بين يدي الرشيد ويرمي بالقصة إلى ~~صاحبها فكان البلغاء يتنافسون في تحصيل الوقوف على توقيعاته المشتملة على ~~أساليب البلاغة وفتونها حتى قيل إ كل قصة منها كانت تباع بدينار # | المسألة الثالثة # قال ولا بد أن يتخير من أرفع طبقات الناس وأهل المروءة والحشة منهم ~~وزيادة العلم وعارضة البلاغة فإنه معرض للنظر في أصول العلم لما يعرض في ~~مجالس الملوك ومقاعد أحكامهم من أمثال ذلك مع ما تدعو إليه عشرتهم من ~~الآداب والتخلق بالفضائل # | المسألة الرابعة # من أثر العناية بهذه الرتبة رعاية ما يجب للقائم بها من حقوق الحاجة إليه ~~ففي سياسة ارسطو كما أنه يترجم عن إرادتك ويطلع على أسرارك ويقيم في ~~المحافل عند نظرائك جاهك فكذلك يجب أن ترعى من أموره بقدر ما يخدمه من ~~إرادتك ويحتمله من أعباء رياستك وأن تنزله منزلة الجزء منك الذي صلاحه ~~بصلاحك وعن بعض الملوك للكاتب الناصح ثلاث خلال رفع الحجاب عنه واتهام ~~الوشاة عليه ودفع غائلة الغدر عنه # حكاية نقل ابن رضوان أنه لما توفي كاتب السر لعبد المؤمن بن علي ~~PageV01P276 اهتم لذلك حتى ظهر علبه التأثير له قال مسعود بن سلطان الرياحي ~~فسألت ما الذي أهمه فقال لي إن كاتب سرنا قد مات واحتجنا إلى من نقيمه ~~مقامه وما وجدناه لأنه يحتاج في كاتب السر أن يكون على صفة كذا ومن نعت كذا ~~قال فقلت له بشراك يا أمير المؤمنين هذا الرجل ببجاية أبو الفضل ابن محمد ~~بن علي بن طاهر ووصف له من صفاته ما وقع موقع القبول وكتب له الأمير عبد ~~المؤمن من حينه وأمر والي بجاية ms134 أن يتحفي به ويحمله خير محمل فلم يمكنه بعد ~~وصول الأمر إلا طاعته ولم يسعه التخلف ولما وصل إلى حضرة مراكش ومثل بين ~~يدي الأمير عبد المؤمن فرأى من حسن سمته ووقاره ما أغناه عن اختياره فأكرم ~~نزله ورفع منزلته ومحله ولما وقع الاطلاع على ما عنده من فنون العلم علم أن ~~الكتاب التي وقع استدعائه بسببها إنما هي بعض صفاته وإحدى آلاته وأدواته # وكان من عادته أنه إذا وجه إليه أمير المؤمنين ليأتي إلى محله يتأنى ~~ويتربص ويأتي على التؤدة والوقار وإصلاح الهيئة ولم يزل ذلك دأبه إلى أن ~~وشى به عند الملك من غص منه فقال إنه لا يأتي إلا عن قعود من الخليفة وقال ~~ما شاء الله أن يقول فوقع في نفس الملك من ذلك شيء فاستدعاه يوما وأعجله ~~فتأنى وجرى على عادته ولما حضر بين يديه عاتبه وقال له يا فقيه كثيرا ما ~~تبطىء إلينا إذا استدعيناك فما هذا منك فقال PageV01P277 يا أمير المؤمنين ~~أنت إمام المسلمين وما أحسب محل الإمامة إلا كمحل الصلاة فكما آتي الصلاة ~~آتي هذا المحل وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتيتم الصلاة فلا ~~تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما ~~فاتكم فأتموا فاستحسن ذلك منه أمير المؤمنين وزاد في تقريبه وتركه على حاله ~~وحاجة الخليفة كانت إليه أكثر من حاجته هو إليه # تتميمة بيان # قال ابن خلدون وأما الشروط التي يلاحظها السلطان في اختيار صاحب هذه ~~الرتبة وانتقائه من أصناف الناس فهي كثيرة وأحسن من استوعبها عبد الحميد ~~الكاتب في رسالته إلى الكتاب وهي هذه أما بعد حفظكم الله يا أهل الصناعة ~~والبدعة وحاطكم ووفقكم وأرشدكم فإن الله تعالى جعل الناس بعد الأنبياء ~~والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين ومن بعد الملوك المكرمين أصنافا وأركانا ~~وإن كانوا في الحقيقة سواء وصرفهم في صنوف الصناعات وضروب المحاولات إلى ~~أسباب معائشهم وأبواب أرزاقهم فجعلكم معشر الكتاب في أشرف الجهات من أهل ~~الأدب والمروءة والعلم والرواية فبكم ms135 تنتظم الخلافة محاسنها وتستقيم أمورها ~~وبنصائحكم يصلح الله للخلق سلطانهم وتعمر بلدانهم لا يستغني الملك عنهم ولا ~~يجد كاف إلا منكم فموقعكم من الملوك موقع أسماعهم التي يسمعون بها وأبصارهم ~~التي يبصرون بها وألسنتهم التي بها ينطقون PageV01P278 وأيديهم التي بها ~~يبطشون فأمتعكم الله بنا خصكم من فضل صناعتكم ولا نزع عنكم ما أفضاه من ~~النعمة عليكم وليس أحد من أهل الصناعات كلها أحوج إلى اجتماع خلال الخير ~~المحمودة وخصال الفضل المذكورة المعدودة منكم أيها الكتاب إذا كنتم على ما ~~] أتي من هذا الكتاب من صفتكم فإن الكاتب يحتاج من نفسه ويحتاج منه صاحبه ~~الذي يثق به في مهمات أموره أن يكون حليما في موضع الحلم فهما في موضع ~~الحكم ومقداما في موضع الإقدام ومحجاما في موضع الإحجام مؤثرا للعفاف ~~والعدل والإنصاف كتوما للأسرار وفيا عند الشدائد عالما بما يأتي عند ~~النوازل يضع الأمور مواضعها والطوارق أماكنها قد نظر في كل فن من فنون ~~العلم فأحكمه وإن لم يحكمه أخذ منه بمقدار ما يكتفي به يعرف بغريزة عقله ~~وحسن أدبه وفضل تجربته ما يرد عليه قبل وروده وعاقبة ما يصدر عنه قبل صدوره ~~فيعد لكل ما أمر عدته وعتاده ويهيء لكل وجه أهبته وعتاده فتنافسوا يا معشر ~~الكتاب في صنوف الأدب وتفقهوا في الدين وابدأوا بعلم كتاب الله عز وجل ~~والفرائض ثم العربية فإنها ثقاف ألسنتكم ثم أجيدوا الخط فإنه حلية كتبكم ~~وارووا الأشعار واعرفوا غريبها ومعانيها وأيام العرب والعجم وأحاديثها فإن ~~ذلك معين لكم على ما تسموا إليه همتكم ولا تضيعوا النظر في الحساب فإنه ~~قوام كتاب الخراج # وارغبوا بأنفسكم عن المطامع سنيها ودينها وسفساف الأمور ومحاقرها فإنها ~~مذلة للرقاب مفسدة للكتاب ونزهوا صناعتكم عن الدناءة واربأوا بأنفسكم عن ~~السعاية والنميمة وما فيه أهل الجهالات وإياكم والكبر والسخف والعظمة فإنها ~~عداوة مجتلبة من غير أحنة وتحابوا في الله عز وجل و في صناعتكم وتواصوا ~~عليها بالذي هو أليق بأهل الفضل والعدل والنبل من سلفكم وإن نبا الزمان ~~برجل منكم فاعطفوا ms136 فليه وواسوه حتى يرجع إليه حاله ويؤوب إليه أمره وإن ~~أقعد أحدكم الكبر عن مكسبه ولقاء إخوانه فزوروه وعظموه وشاوروه واستظهروا ~~بفضل تجربته وقديم معرفته وليكن الرجل منكم على من اصطنعه واستظهر به ~~PageV01P279 ليوم حاجته إليه أحوط منه على ولده وأخيه فإن عرضت في الشغل ~~فلا يضيعها إلا على صاحبه وإن عرضت مذمة فليحتملها هو من دونه وليحذر ~~السقطة والزلة والهلك عند تغير الحال فإن العيب إليكم معشر الكتاب أسرع منه ~~في القراء وهو لكم أفسد منه لها فقد علمتم أن الرجل منكم إذا صحبه من يبذل ~~له نفسه ما يجب له عليه من حقه فواجب عليه أن يعتقد له من وفائه وشكره ~~واحتماله وصبره ونصيحته وكتمان سره وتدبير أمره ما هو جزاء لحقه ويصدق ذلك ~~بفعاله عند الحاجة إليه والاضطرار إلى ما لديه فاستشعروا ذلك وفقكم الله في ~~حالة الرخاء والشدة والحرمان والمواساة والإحسان والسراء والضراء فنعمة ~~السمت هذه لمن بها من أهل هذه الصناعة الشريفة # وإذا ولى الرجل منكم أو صير إليه من أمر خلق الله وعياله أمره فليراقب ~~ربه عز وجل وليؤثر طاعته وليكن على الضعيف رفيقا وللمظلوم منصفا فإن الخلق ~~عيال الله وأحبهم إليه أرفقهم بعياله ثم ليكن بالعدل حاكما وللأشراف مكرما ~~وللغنى موفرا وللبلاد عامرا وللرعية متألقا وعن أذاهم متخلفا وليكن في ~~مجلسه متواضعا حليما وفي سجلات خراجه واستقصاء حقوقه رفيقا وذا صحب أحدكم ~~رجلا فليختبر خلائقه فإذا عرف حسنها وقبيحها أعانه على ما يوافقه من الحسن ~~واحتال بصرفه عما يهواه من القبح بألطف حيلة وأجمل وسيلة وقد علمتم أن سائس ~~البهيمة إذا كان عالما بصيرا بسياستها التمس معرفة أخلاقها فإن كانت رحوما ~~لم يهجها إذا ركبها وإن كانت شبوبا اتقاها من قبل يدها وإن كانت شرودا ~~توقاها من ناحية رأسها وإن كانت حرونا قمع برفق PageV01P280 مصاحب هواها في ~~طرقها فإن استمرت عطفها يسيرا فيسلس له قيادها وفي هذا الوصف من السياسة ~~دلائل لمن ساس الناس وعاملهم وخارجهم وداخلهم والكاتب بفضل أديه وشريف ~~صنعته ولطيف ms137 حيلته ومعاملته لمن يحاوره من الناس ويناظره ويفهم عنه أو يخاف ~~سطوته أولى بالرفق لصاحبه ومداراته وتقويم أوده من سائس البهيمة التي لا ~~تحير جوابا ولا تعرف صوابا ولا تفهم حطابا إلا بقدر ما يصيرها إليه صاحبها ~~الراكب عليها ألا فارفقوا رحمكم الله في النظر واعملوا فيه ما أمكنكم من ~~الروية والفكر تأمنوا بإذن الله ممن صحبتموه النبوة والاستثقال والجفوة ~~ويصير منكم إلى الموافقة وتصيرون منه إلى المواخاة والشفقة إن شاء الله ولا ~~يجاوزون الرجل منكم في هيئة مجلسه وملبسه ومركبه ومطعمه ومشربه وثيابه ~~وخدمه وغير ذلك من فنون أمره قدر حقه فإنكم مع ما فضلتم به من شرف صناعتكم ~~خدمة لا تحملون في خدمتكم على التقصير وحفظه لا تحتمل منكم أفعال التصنيع ~~والتبذير واستعينوا على عفافكم بالقصد في كل ما ذكرته لكم وقصصته عليكم ~~واحذروا متالف السرف وسوء عاقبة الترف فإنهما يعقبان الفقر ويذلان الرقاب ~~ويفضحان أهلهما ولا سيما الكتاب وأرباب الآداب # وللأمور أشباه بعضها دليل على بعض فاستدلوا على مؤتنف أعمالكم بما سبقت ~~إليه تجربتكم ثم اسلكوا من مسالك التدبير أوضحها محجة واحمدها عاقبة واعلوا ~~أن للتدبير آفة متلفة وهو PageV01P281 الوصف الشاغل لصاحبه عن إنفاذ علمه ~~ورويته فليقصد الرجل منكم في مجلسه قصد الكافي من منطقة وليوجز في ابتدائه ~~وجوبه وليأخذ بمجامع حججه فإن ذلك مصلحة لفعله ومدفعة للتشاغل عن إكثاره # وليضرع إلى الله في صلة توفيقه وإمدامه بتسديده مخافة وقوعه في الغلط ~~المضر ببدنه وعقله وأدبه فإنه إن ظن منكم ظان أو قال قائل أن الذي برز من ~~جميل صنعته وقوة حركته إنما هو بفضل حيلته وحسن تدبيره فقد تعرض بظنه أو ~~مقالته إلى أن يكله الله عز وجل إلى نفسه فيصير منها إلى غير كاف وذلك على ~~من تأمله غير خاف ولا يقل أحد منكم أنه أبصر بالأمور وأحمل لعبء التدبير من ~~مرافقه في صناعته ومصاحبه في خدمته فإن أعقل الرجلين عند ذوي الألباب من ~~رمى بالعجب وراء ظهره ورأى أن صاحبه أعقل منه وأحمد في ms138 طريقته وعلى كل واحد ~~من الفريقين أن يعرف فضل نعم الله جل ثناؤه من غير اغترار برأيه ولا تزكيه ~~لنفسه ولا يكابر على أخيه أو نظيره وصاحبه وعشيرته وحمد الله وأوجب على ~~الجميع ذلك بالتواضع لعظمته والتذلل لعزته والتحدث بنعمته # وأنا أقول في كتابي هذا ما سبق به المثل من تلزمه النصيحة يلزمه العمل ~~وهو جوهر الكتاب وغرة كلامه بعد الذي فيه من ذكر الله عز وجل فلذلك جعلته ~~آخره وختمته به # تولانا الله وإياكم يا معشر الطلبة والكتبة بما يتولى به من سبق علمه في ~~إسعاده وإرشاده فإن ذلك إليه وبيده والسلام عليكم ورحمة الله PageV01P282 # | المرتبة الثالثة # # | ديوان العمل والجباية # وفيها مسائل # المسألة الأولى قال ابن خلدون وهي وظيفة ضرورية للملك وجزء عظيم منه بل ~~هي ثلاثة أركانه لأنه لا بد له من الجند والمال والمخاطبة لمن غاب عنه ~~فيحتاج صاحبه إلى أوان في أمر السيف والقلم والمال فينفرد صاحبها بجزء من ~~رياسة الملك في القيام على أعمال الجباية وحفظ حقوق الدولة في الدخول ~~والخروج وإحصاء العساكر وتقدير أرزاقهم وصرف أعطيتهم في وقتها والرجوع في ~~ذلك إلى القوانين التي لا يقوم بها إلا المهرة من أرباب يلك العمال ويسمى ~~كتابها بالديوان وكذا مكان جلوس العمال والمباشرين لهما # المسألة الثانية في أصل هذه التسمية وجهان # أحدهما أن كسرى نظر يوما إلى كتاب ديوانه وهو يحسبون مع أنفسهم كأنهم ~~يحادثون فقال ديوانه أي مجانين بلغة الفرس فسمى موضعهم بذلك وحذفت الهاء ~~لكثرة الاستعمال فقيل ديوان ثم نقل هذا الاسم كتاب الأعمال # الثاني أنه اسم للشيطان بالفارسية فسمى الكتاب به لسرعة نفوذهم في فهم ~~الأمور ووقوفهم على الجلى منها والخفى وجمعهم ما شذ منها وتفرق ثم نقل إلى ~~موضع جلوسهم PageV01P283 # قال ابن خلدون فعلى هذا يتناول اسم الديوان كتاب الرسائل ومكان جلوسهم ~~بباب السلطان # المسألة الثالثة # قال فقد تفرد هذه الوظيفة بناظر واحد ينظر في سائر الأعمال وقد ينفرد كل ~~صنف منها بناظر كما يفرد في بعض الدول في أعطيات العساكر أو ms139 غير ذلك على ~~حسب مصالح الدولة وما قره أسلافنا # قلت قال ابن حزم إن رأي الإمام أن يفرق الأعمال فحسن كما ولي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أعمال اليمن جماعة وإن رأى أن يجمعها أو بعضها لواحد في ~~بلد واحد فحسن كما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمان كلها لعمرو بن ~~العاص رضي الله عنه # المسألة الرابعة # أن أول من وضع ديوان الجيش في الدولة الإسلامية عمر رضي الله عنه وذكر في ~~سببه وجهان # أحدهما أن أبا هريرة رضي الله عنه أتاه بمال من البحرين فاستكثروه وتعبوا ~~في قسمه فتشوفوا إلى إحصاء المال وضبط عطائه فأشار خالد بن الوليد رضي الله ~~عنه بالديوان قائلا رأيت ملوك الشام يدونون فقبل منه عمر رضي الله عنه # الثاني الهرمزان الذي أشار بذلك لما رأى بعث البعوث بغير PageV01P284 ~~ديوان قال ومن يعلم بغيبة من يغيب منهم وإنما يضبط ذلك الكتاب فأثبت ~~الديوان وسأل عمر رضي الله عنه عن اسمه ففسر له ولما أجمع عليه أمر عقيل بن ~~أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم فكتبوا ديوان العساكر على ترتيب ~~الأنساب مبتدأ من قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما بعدها الأقرب ~~فالأقرب وكان ذلك في المحرم سنة عشرين # المسألة الخامسة # قال ابن خلدون وأما ديوان الخراج والجبايات فبقى بعد الإسلام على ما كان ~~عليه ديوان العراق بالفارسية وديوان الشام بالرومية وكتاب الدواوين من ~~الفريقين فلما استحال الأمر ملكا وأنتقل من غضاضة البداوة إلى رونق ~~PageV01P285 الحضارة ومن سذاجة الأمية إلى حذق الكتابة والحسبان أمر عبد ~~الملك بن مروان سليمان بن سعد والي الأردن أن ينقل ديوان الشام إلى العربية ~~فأكمله لسنة يوم من ابتدائه ووقف عليه سرجون كاتب عبد الملك فقال لكتاب ~~الروم اطلبوا العيش في غير هذه الصناعة فقد قطعها الله عنكم # قال وأما ديوان العراق فأمر الحجاج كاتبه صالح بن عبد الرحمن وكان يكتب ~~بالعربية والفارسية أن ينقله من الفارسية إلى العربية ففعل ورغم لذلك كتاب ~~الفرس وكان ms140 عبد الحميد بن يحي يقول لله در صالح ما أعظم مننه على الكتاب # قال ثم جعلت هذه الوظيفة في دولة بني العباس مضافة إلى من كان ~~PageV01P286 له النظر فيها كبني برمك وبني سهل وغيرهم من وزراء تلك الدولة # المسألة السادسة # إذا كان القصد بهذه الوظيفة حفظ المال فمن الحق فيه بعد ذلك قال الطرطوشي ~~أن يؤخذ من حق ويوضع في حق ويمنع من سرف ولا يؤخذ من الرعية إلا ما فصل من ~~معاشها ومصالحها ثم ينفق في الوجوه التي يعود عليها نفعها قلت وفي العهود ~~اليونانية واعلم أن الذي يجب من الخراج لك هو ما وظفته الشريعة عليهم فيما ~~بأيديهم فإن اجتيح بآفة قصرت بتلك الوظيفة كان لك من فضل من مؤونتها وكل ما ~~قصر عن ذلك فإنه داعية اختلال وتعطيل عمارتهم # المسألة السابعة # الرفق في استجباء مال الجباية والخراج واجب ونفعه في ذلك مشهود به # قال الطرطوشي مر جباة الأموال بالرفق ومجانبة الخرق فإن العلقة تنال من ~~الدم بغير أذى ولا سماع ما لا تناله البعوضة بلسعتها وصوتها قال وفي منثور ~~الحكم من جاوز في الحلب حلب الدم وفي المثل إذا استقصى العجل مص أمه وقصته # قلت وفي العهود اليونانية وأعلم أن استجباء الخراج بالعنف ممحقة ~~PageV01P287 على من طولب به ويستهلك منافعه وبركته واستعمال الهوينا فيه ~~يطمع في عشيرة ويمنع من دروره وتوفيره # حكاية لما عزل عثمان عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن مصر واستعمل عليها ~~ابن أبي السرح فحمل من المال أكثر مما كان يحمله عمرو فقال عثمان يا عمر ~~أشعرت أن اللقاح درت فقال عمرو وذلك لأنكم أجحفتم أولادها # قلت المظنون بعثمان غير هذا ولكن عمروا أعلمه بعاقبة الاستقصاء دفعا ~~للتهمة عن نفسه وهم براء منها رضي الله عنهم # المسألة الثامنة # يجب أن يكون الاعتداد بما يبقى بأيدي الرعية فوق يستخلص منها لبيت المال ~~بهذا الحفظ لأنها مادة وفوره ونمائه # قال الطرطوشي كن بما يبقى في أيدي رعيتك أفرح منك بما يأخذ منها فلا يقل ~~مع ms141 الصلاح شيء ولا يبقى مع الفساد شيء وصيانة القليل تربية للجيل فلا مال ~~لا خرق ولا عيلة لمصلح # المسألة التاسعة # التعدي في جباية الأموال بما يخل بحفظ العمارة قاض بخراب الدول فأجره على ~~ما تقدم برهانه فيجب هنا استحضاره وقد قال جعفر بن يحي الخراج عمود الملك ~~وما استغزر بمثل العدل وما استنزر بمثل العدل وما استنزر بمثل الظلم وأسرع ~~الأمور في خراب البلاد وتعطيل الأرضين وانكسار الخراج الجور والتحامل ~~PageV01P288 # تمثيل قيل مثل السلطان إذا حمل على أهل الخراج حتى ضعفوا عن عمارة ~~الأرضين كمثل من يقطع لحمه ويأكله من الجوع فهو وإن قوى من ناحية ضعف من ~~ناحية وما أدخل على نفسه من الضعف أعظم مما دفع عنها من ألم الجوع # | المرتبة الرابعة # # | الشرطة # وفيها مسائل # المسألة الأولى # قال ابن خلدون يسمى صاحبها لهذا العهد بإفريقية الحاكم وبالأندلس صاحب ~~المدينة وفي الترك الوالي قال وهي مرؤوسة لصاحب السيف في الدولة العباسية ~~وحكمها نافذ في صاحبها بعض الأحيان # المسألة الثانية قال وكان أصل وضعها في الدولة العباسية لمن يقيم أحكام ~~الجرائم إستبراء وحدا لان تهمها لا نظر للشرع الا في استيفاء حدودها ~~وللسياسة نظر في استبراء موجباتها بإقرار يكره عليه عند قيام القرائن لما ~~توجبه المصلحة العامة في ذلك # قلت تلك المصلحة العامة في الجملة لا يختلف فيها نظر الشرع والسياسة في ~~إستبرائهم الجرائم حسبما يأتي تقريره إن شاء الله تعالى # قال وعند تنزه القاضي عن ذلك أقيم له صاحب هذه الوظيفة وربما جعل له ~~النظر في الدماء والجدود بإطلاق دون القاضي # قال ونوهوا بهذه الرتبة وقلدوها كبار القواد وعظماء الخاصة من الموالي ~~PageV01P289 # قال ولم تكن عامة التنفيذ في طبقات الناس إنما كان حكمه على الدهماء وأهل ~~الرتب والضرب على أيدي الدعار والفجرة # المسألة الثالثة # قال ثم عظمت نباهتها في دولة بني أمية بالأندلس ونوعت إلى شرطة كبرى ~~وصغرى وجعل حكم لصغرى على العامة فقط وجعل حكم الكبرى على الخاصة والدهماء ~~وذوي المراتب السلطانية والضرب على أيديهم في الظلامات وعلى ms142 أيدي أقاربهم ~~ومن إليهم ذوي الجاه ونصب له كرسي بباب السلطان ورجال يتبوأون المقاعد بين ~~يديه لا يبرحون عنها إلا في تصريفه وكانت ولايتها للأكابر من رجالات الدولة ~~حتى كانت ترشيحا للوزارة والحجابة قال وأما في دولة الموحدين بالمغرب فكان ~~لها حظ من التنويه وإن لم تكن عامة وكان لا يليها إلا رجالات الموحدين ~~وكبراؤهم ولم يكن له تحكم على ذوي المراتب السلطانية ثم فسد اليوم منصبها ~~وصارت لمن قام بها من المصطنعين # قال وأما في الدولة بني مرين لهذا العهد فولايتها في بيوت مواليهم وأهل ~~اصطناعهم وفي دولة الترك في رجالاتها وأعقاب أهل الدولة قبلهم من الكرد لما ~~يظهر فيهم من الصلابة والمضاء في الحكام لقطع مواد الفساد وتخريب مواطن ~~الفسوق وتفريق مجامعه مع الإقامة الحدود الشرعية والسياسة كما يقتضيه رعاية ~~المصالح العامة في المدينة والله مقلب الليل والنهار PageV01P290 # قالوا يجب على الإمام أن يولي ذلك ثقة دينا صارما في الحقوق والحدود ~~متيقظا غير مغفل # قال ابن حزم ويلزمه الإمام أن لا يبحث عن شيء من الحدود إلا أن يجاهر بها ~~صاحبها أو يشتكي إليه بها وحينئذ يلزمه السؤال عن ذلك # | الركن السابع # # | رعاية السياسة # وللنظر فيها منهجان أحدهما بسبب المعتمد منه عقلا ولآخر من جهة المعتبر ~~منها شرعا وقبل ذلك فهنا مقدمتان # المقدمة الأولى أن أحكام الملك القاهر بمقتضى الغضب لما كانت مائلة عن ~~الحق غالبا تحمل صاحبها على ما فوق الطاقة من أغراضه وشهواته وإذ ذاك فتعسر ~~الطاعة وتخشى المعصية المؤذنة بفساد الاجتماع الإنساني وجب المرجع في ذلك ~~إلى قوانين سياسية الوضع يسلكها الكافة وينقاد لحكمها المفروض # المقدمة الثانية أن هذه القوانين المفروضة إن كانت من العقلاء وذوي ~~البصيرة بتدبير الدولة كانت سياسة عقلية نافعة في الدنيا فقط وإن كانت عن ~~الله تعالى بواسطة شارع يشرعها كانت سياسة دينية نافعة في الدنيا والآخرة ~~لما سبق من تقرير حمل الخلق على حمل الدين الذي خلقوا له عاجلا أم آجلا ~~PageV01P291 # المنهج الأول وفيه مسائل # المسألة الأولى الجاري على الحكمة ms143 من السياسة العقلية ما روعيت فيه ~~المصالح عموما ومصالح السلطان في استقامة ملكه خصوصا كالمنقول ذلك عن الفرس ~~وقد أغنى الله عنهم بأحكام الملة الإسلامية لاشتمالها على المصالح العامة ~~والخاصة واندراج أحكام الملك فيها تعم أن أهمل العمل بما اشتملت عليه من ~~ذلك فالسياسة العقلية أنفع منها في الدنيا وهي # المسألة الثانية # قال الطرطوشي ولهذا يقال أن السلطان الكافر الحافظ لشروط السياسة ~~الإصلاحية أبقى وأقوى من السلطان المؤمن العدل المهمل إذ لا أصلح للسلطان ~~من ترتيب الأمور ولا أفسد له من الحكم ولا يقوم سلطان إيمان أو كفر إلا ~~بعدل نبوي أو ترتيب اصطلاحي # المسألة الثالثة # السياسة التي لسائر ملوك العالم من مسلم وكافر من هذا النوع العقلي منها ~~ما يراعي فيه مصلحة السلطان في استقامة ملكه قهرا واستطالة المصالح العامة ~~بحكم التبع لذلك إلا إن ملوك الإسلام يسلكون فيها على مقتضى الشريعة ~~الإسلامية بحسب جهدهم # تحصيل قال ابن خلدون فقوانينها إذا مجتمعة من أحكام شرعية وآداب خلقية ~~وقوانين في الاجتماع طبيعية وأشياء من مراعاة الشوكة والعصبية ضرورية ~~ولاقتداء فيها بالشرع أولا ثم بالحكماء في آدابهم والملوك في سيرهم # المسألة الرابعة # الموجب لانقياد الكافة لأحكام الساسة العقلية ما يتوقعون من ثواب الحاكم ~~بها بعد معرفته بمصالحهم PageV01P292 # قلت وما يتخوفون من عقابه بتقدير عدم الانقياد ويتحصل من ذلك أن ملاك ~~الطاعة الرغبة والرهبة # فائدة في تنبيه قال ابن خلدون وما تسمعه من السياسة المدنية ليس من هذا ~~الباب وإنما معناه عند الحكماء ما يجب أن يكون عليه كل واحد في نفسه وخلقه ~~حتى يستغنوا عن الحكام ويسمون المجتمع الحاصل فيه ذلك بالمدينة الفاضلة ~~والقوانين المراعاة في ذلك بالسياسة المدنية وغير السياسة التي يحمل عليها ~~الجمهور بالأحكام # قال وهذه المدينة الفاضلة عندهم نادرة أو بعيدة الوقوع والكلام عليها على ~~جهة الفرض والتقدير # المنهج الثاني وفيه مسائل # المسألة الأولى قال ابن فرحون السياسة نوعان ظالمة تحرمها الشريعة وعادلة ~~توجب المصير إليها والاعتماد في إظهار الحق عليها وهي باب واسع فضل فيه ~~الإفهام وتزل ms144 فيه الإقدام وإهمالها يضيع الحقوق ويعطل الحدود ويجرءي أهل ~~الفساد والتوسع فيه يفتح أبواب المظالم ويوجب سفك الدماء وأخذ الأموال بغير ~~حق # المسألة الثانية # أن اعتبارها على التوسط اتقاء لمحذوري الإهمال والتوسع هو الحق فلا جانب ~~الالتفات إليها ظنا لأنها منافية للقواعد الشرعية فينكر ما شهد له الشرع ~~منها بالاعتبار # قال فرحون وهو رد لنصوص الشريعة وتغليظ للخلفاء الراشين ولا يفرط في ~~التعويل عليها توهمه أن الشريعة وتغليظ منها قاصرة عن رعاية الخلق فيجنى ~~على الشريعة ويرميها بالنقص وهو تعالى يقول PageV01P293 اليوم أكملت لكم ~~دينكم وفي الحديث تركت فيكم ماء أن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي قال ~~ابن فرحون وهو جهل وغلظ فاحش # المسألة الثانية # من الدليل على مشروعية هذه السياسة اشتمال أحكامها على حكم يشعر ما أدرك ~~منها بعناية الشارع برعاية مصالح العباد عاجلا وآجلا لا وجوبا وهي أنواع # أحدها ما شرع لكسر النفس ومرورها تحت حكم الانقياد كالعبادات التي لا ~~يلوح فيها تعليل جزءي تنزيلا عن ذلك # الثاني ما قصد به بقاء نوع الإنسان كالآذان في المباحات الحافظة لوجود ~~كالطعام والشراب ونحو ذلك # الثالث ما وضع لدفع الضرورات كالبيع والإجارة والقراض والمساقات لاحتياج ~~الإنسان إلى ما ليس عنده واضطراره إلى استخدام غيره تحصيلا لمصلحته # الرابع ما نبه به على مكارم الأخلاق كالمواساة والهبات والعتق والحبس ~~والصدقة ونحو ذلك # الخامس ما شرع للزجر المانع من الإخلال بهذه المقاصد # قلت وقد تقدم ما يشعر بذلك في كليات ما تتحفظ به الشريعة من جانبي الوجود ~~والعدم وبقي من ذلك ما هو خاص بهذا الموضع وهو الزجر التعزيري بحسب الجناية ~~كما دل عليه قوله تعالى @QB@ ليذوق وبال أمره @QE@ أي جزاء فعله ~~PageV01P294 # المسألة الرابعة # إن التوسعة بها على الحكام لا تختلف دليل مشروعيتها بل هو شاهد لها ~~بالاعتبار على أوضح دلالة وبينها القرافي من وجوه يكفي منها اثنان # أحدهما أن الفساد المنتشر بعد العصر الأول موجب لاختلاف الحكم لكن بحيث ~~لا يخرج عن الشرع بالكلية دفعا للضرر و الفساد # قلت وهو ms145 قول عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه تحدث للناس أقضية بقدر ما ~~أحدثوا من الفجور زاد الشيخ عز الدين وأحكام بقدر ما يحدثون من السيئات ~~والمعاملات والاحتياطات # قال وهي على القوانين الأول غير أن الأسباب تجددت ولم تكن فيما سلف قال ~~المقري فإذا وجدت وجب اعتبارها # الثاني أن قاعدة المصالح المرسلة وهو ما لم يشهد له الشرع لا باعتبار ولا ~~بإلغاء وهو ملائم لتصرفاته شاهد لذلك بالصحة كجمع المصحف وتدوين الدواوين ~~وضرب السكة واتخاذ السجن وتضمين الصناع # قلت ودعوى جماعة تخصيص إمام الأئمة مالك رحمه الله تعالى الاسترسال في ~~اعتبار هذه القاعدة ليس كذلك بل الشافعية وهم معظم المنكرين عليه أوسع فيها ~~مجالا حتى قال السبكي في إمام الحرمين كاد يوافقه مع مناداته عليه بالنكير ~~PageV01P295 # تكميل # السياسة الباطلة شرعا لا تنحصر أمثلتها ويكفي في التنبيه عليها ما يذكر # المثال الأول القتل بالرهبة # قال إمام الحرمين هو لضبط الدولة والسياسة من عادات الجبابرة وما حدث إلا ~~بعد العصر الأول # قلت وأشد من هذا الإعتقاد تحليله كما ورد الإنذار به في حديث ورد عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما مرفوعا يأتي على الناس زمان يستحل فيه خمسة أشياء ~~يستحلون الخمر بأسماء يسمونها بها والسحت بالهدية والقتل بالرهبة والزنا ~~بالنكاح والربا بالبيع # قال ابن تيمية وهذا الخبر صدق ثم فسر استحلال القتل باسم الإرهاب لأنه هو ~~الذي يسميه ولاة الظلم سياسة وأبهة للملك PageV01P296 # المثال الثاني العقوبة بالمال # قال الإمام الغزالي لا عهد بها في الإسلام ولا تلائم تصرفات الشرع مع ~~أنها لم تتعين لشرعية العقوبات البدنية بالسجن والضرب وغيرهما # قلت وما ورد من ذلك في أول الإسلام فقد اجتمعوا على نسخة قاله الطحاوي ~~وابن رشد وفي سماع أشهب من كتاب السلطان أن مالكا رحمه الله سئل هل يجوز ~~انتهاب متاع أهل السوق إذا خالفوا ما أمروا به فقال لا يحل ذنب من الذنوب ~~مال إنسان وإن قتل نفسا وأرى أن يضرب من نهب أو انتهب يعني الآمر به ~~والطائع له # كشف تدبير ms146 الحاكم على الحكم بهذه العقوبة منضما لانتفاع الحاكم بها توهم ~~أن غرم المال أزجر للنفوس من العقوبة بغيره لعزة المال عليها وهو غير مخلص ~~لأن مخالفة الهوى أشد من عليها وأصعب بدليل أن شهوة القتل أو الزنا إذا ~~استحكمت يسهل في تحصيلها بذل المال فكيف ينهض عن غرمه زاجر عما هو أشد منه ~~قرر هذا المعنى أبو العباس بن الشماع التونسي قائلا ولذلك يجري على ألسنة ~~العامة الأموال تحتاج للأمراض أو للأغراض # فائدة عن تنبيه قال الشيخ الإمام أبو إسحاق الشاطبي العقوبة في المال عند ~~مالك ضربان PageV01P297 # أحدهما عقوبة على الجناية ولا مرية انه غير صحيح وإتلاف ما فيه الجناية ~~أو في عوضه عقوبة للجاني وهي ثابتة عنده لقوله الزعفران المغشوش إذا وجد ~~بيد الذي غشه تصدق به على المساكين قل أو كثر وعن ابن القاسم ومطرف وابن ~~الماجشون يتصدق بما قل منه دون ما كثر وذلك محكى عن عمر رضي الله عنه في ~~إراقة اللبن المغشوش بالماء # المثال الثالث الزيادة على الحدود المقدرة # نقل الشيخ أبو العباس ابن الشماع عن أبي العربي في كتابه الاستيفاء في ~~القياس ما حاصله أن القائل بقصورها عن الوفاء بكف الجنايات حتى يتجاوز فيها ~~إلى قطع من لم تثبت سرقته وقتل من لم يصح قتله خارج عن دين الإسلام وإن ~~كونها لا تفي في الردع لأنها لا تستوفي بل تباع وتشترى PageV01P298 # قال وحكمة حكمه فيمن ظهر عليه الحد انفاذه فيه ومن خشيت معرته وقويت ظنته ~~حبس حتى لا يموت # قال والمحبوسين يجب أن يكونوا أضعاف المقتولين لأن التهمة أضعف البينات ~~قلت وحكاية ابن الصيرفي عنه أنه أتى بزان في أيام قضائه فثقب شدقه حتى أفسد ~~هواءه حملها ابن الشماع بعد تسليم نسبة القول بذلك إليه من حكاية تاريخ على ~~أنه لم يصادم في ذلك نصبا بتحديد عقوبة المشتهر بالغناء وذكر غير ذلك ~~PageV01P299 # المثال الرابع وضع المكوس في المعاملات ظلما وجورا # قال الشيخ الإمام أبو إسحاق الشاطبي لا يخلو وضعها المحرم أن يقصد به حجر ms147 ~~التصرفات وقتا ما أو حالة ما لنيل حطام الدنيا أو يقصد به جعله كالدين ~~المفروض دائما أو في أوقات محدودة وعلى كيفيات مضروبة بحيث تضاهي التشريع ~~الذي تحمل علي الكافة وتتوجه على الممتنع منه العقوبة فالأول مجرد معصية ~~والثاني بدعة بلا شك # قلت قسمها هذا التقسيم لأن القرافي عدها من البدع المحرمة ولا يصبح فيها ~~ذلك إلا على المأخذ الثاني وأيا ما كانت فتحريمها ثابت # تحذير قال النواوي مما يتأكد النهي عنه والتحذير منه قول العوام وشبههم ~~في المكوس المأخوذة ممن يبيع أو يشتري ونحو ذلك هو حق السلطان ونحوه مما ~~يشتمل على تسميته حقا ولازما وهو من أشد المنكرات وأشنع المستحدثات حتى قال ~~بعض العلماء فمن سمى هذا حقا فهو كافر والصحيح أنه لا يكفر إلا إذا اعتقده ~~حقا مع علمه بأنه ظلم قال فالصواب أن يقال فيه المكس أو ضريبة السلطان أو ~~نحو ذلك من العبارات # المثال الخامس تولية المناصب الشرعية من لا يصلح لها بطريق التوريث ~~استنادا لقول المناصب الشرعية من لا يصلح لها بطريق التوريث استنادا لكون ~~المنصب كان لأبيه وهو فاقد الأهلية في نفسه ذكر ذلك القرافي في أمثلة البدع ~~المحرمة ولا خفاء أن القصد به حفظ الرتب PageV01P300 بقصرها على المستحق ~~وأنه من هذه الجهة والحالة هذه أولى بها من المستحق بنفسه وهو قصد حائد عن ~~السياسة المعتبرة أما شرعا فظاهر وأما عقلا # فقد قال أفلاطون في اعتباره مطلقا أخرجت كثيرا من الملوك الغيرة على ~~المراتب إلى أن حبسوا المنازل على أهلها منعوا كل إنسان عن الخروج عن ~~منزلته وهذا خطأ منهم يعود ضرره في هذا الموضع على العالم بأسره وذلك أن ~~القوم إذا تناسلوا في مرتبة أو صناعة تلاشت فيه فضائلهم وتشبهوا بأرض ألح ~~عليها صاحبها بزرع شيء واحد من أنواع النبات فإنه إذا تمادى بها الزمان فسد ~~فيها ذلك النوع وإنما تتربى الصناعات والرياسة في استدارة الأحوال وتنقل ~~المنازل انتهى # وعن بعض الحكماء أن السلطان لا يقرب الأبناء لقرب آبائهم ولا يبعدهم ~~لبعدهم ms148 ولكن ينظر إلى ما عند طل واحد منهم فيقرب البعيد لنفعه ويبعد القريب ~~لضرره # وقال وشبهوا ذلك بالجرذ الذي هو في بيت مجاور فمن أجل ضرره نفي والبازي ~~وهو وحشي من أجل نفعة اجتنى # تنبيه انتظام هذا القصد في سلك البدع المحرمة إنما هو مع تحري العمل به ~~دائما وعده كالشرع الذي لا يخالف أما تصدير هذا المتخلف عن مراتب آبائه لا ~~من هذه الجهة فهو فساد في السياسة لا ابتداع فيباح ذلك فيه عليه الإمام أبو ~~إسحاق الشاطبي PageV01P301 # | الركن العاشر # # | وفيه مقدمات ومقامات # المقدمة الأولى قال الطرطوشي هي مما تعده الحكماء من أساس المملكة وقواعد ~~السلطنة ويفتقر إليها الرئيس والمرؤوس # قلت هو كذلك في الشريعة حرفا بحرف # قال ابن العربي المشاورة أصل الدين وستة الله في العالمين وهو حق على ~~عامة الخليفة من رسول إلى أقل خلق بعده في درجاتهم وهي اجتماع على أمر يشير ~~كل واحد برأيه مأخوذ من الإشارة # قال وحقيقته عندي اختبار ما عند كل واحد منهم واستخراج ما عنده من قولهم ~~شرت الدابة إذا رضتها لتستخرج إخلافها PageV01P302 # المقدمة الثانية مما يدل على مشروعيتها أمران # أحدها مدح من عمل بها في جميع أموره قال الله تعالى @QB@ وأمرهم شورى ~~بينهم @QE@ قال ابن العربي أي لا يستبدون بأمر ويتهمون رأيهم حتى يستعينوا ~~بغيرهم ممن يظن به أن عنده مدركا لغرضه قال وهذه سيرة أولية وسنة نبوية ~~وخصلة عند جميع الأمم مرضية # الثاني صريح الأمر بها في قوله تعالى @QB@ وشاورهم في الأمر @QE@ قال ~~النووي ويغنى ذلك عن كل شيء فإنه إذا أمر الله بها النبي صلى الله عليه ~~وسلم نسا جليا مع أنه أكمل الخلق فما الظن بغيره # قلت وذلك في غير الأحكام لاختصاصه صلى الله عليه وسلم بشرعيتها # المقدمة الثالثة من حكمة مشروعيتها أمور # أحدها الأمن من ندم الاستبداد بالرأي الظاهر خطأه ففي الشهاب ما خاب من ~~استخار ولا ندم من استشار PageV01P303 # الثاني احراز الصواب غالبا فقد كان يقال من أعطى أربعا لن يمنع أربعا من ~~أعطى الشكر ms149 لم يمنع المزيد ومن أعطى التوبة لم يمنع القبول ومن أعطى ~~الاستخارة لم يمنع الخيرة ومن أعطى المشورة لم يمنع الصواب # الثالث ازدياد العقل بها واستحكامه قال الطرطوشي المستشير وإن كان أفضل ~~رأيا من المستشار فإنه يزداد برأيه رأيا كما تزداد النار بالسليط ضوءا # قلت وقد قيل المشاورة لقاح العقل ورائد الصواب ومن شاور عاقلا أخذ نصف ~~عقله # الرابع الفوز بالمدح عند الصواب وقبول العذر عند الخطأ قال بطليموس من ~~آثر المشورة لم يعدم عند الصواب قادحا وعند الخطأ عاذرا # الخامس استعانة التدبير بها عند التقصير عنه ولا خفاء بتأكيد الحاجة ~~إليها في خذه الحالة لأن القدرة عليه إذا كانت لا تنفك عن غرر الخطأ ما لم ~~تتأيد بها فما أحرى أن تتحق عند الاستبداد لما لا تنتهض البتة قال بعض ~~الحكماء حق على العاقل الحازم أن يضيف إلى رأيه آراء العقلاء فإذا فعل أمن ~~من عثاره ووصل غلى اختياره # السادس التجرد بها عن الهوى الساترة حجبه لوجود الصواب وإن كان هناك عقل ~~ورشاد # قال بعض الحكماء إنما يحتاج اللبيب ذو التجربة إلى المشاورة PageV01P304 ~~ليتجرد له رأيه من هواه وقيل لهرمز لم كان رأي المستشار أفضل من رأي ~~المستشير فقال لأن رأي المستشار معرى من الهوى # السابع بناء التدبير بها على أرسخ أساس والعكس بالعكس ومن ثم قيل إنقاذ ~~الملك للأمور من غير روية كالعبادة بغير نية # الثامن إستمناح الرحمة والبركة قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ~~المشورة والمناظر بابا رحمة ومفتاحا بركة لا يضل معهما رأي ولا يفقد معهما ~~حزم # التاسع دلالة العمل بها على الهداية والسداد قال علي رضي الله عنه ~~الاستشارة عين الهداية وقد خاطر من استغنى برأيه وعن بعض الحكماء المشورة ~~مع السداد والسخافة مع الاستبداد # العاشر وجد أن الصواب بها عند أشكاله قيل إذا أشكل الرأي على الحازم كان ~~بمنزلة من أضل لؤلؤة فجمع ما حول مسقطها فالتمسها فوجدها كذلك الحازم يجمع ~~وجوه الرأي في الأمر المشكل ثم يضرب بعضها ببعض حتى يخلص ms150 له الصواب # المقدمة الرابعة قال الخطابي لا بجب الإشارة على الأعيان بل PageV01P305 ~~على الكفاية إذا قام بها بعض الناس سقط الباقيين وقد يرخص تركها لآفة تعرض ~~فيها أو عائق يمنع منها # حكاية قال أخبرني الياس بن إسحاق قال شهدت أحمد بن اليماني واستشاره رجل ~~في بعض الأمور فأمتنع من الإشارة وهذا أمر لا يلزمني قلت وكيف وقد سمعت ~~الله يقول @QB@ وشاورهم في الأمر @QE@ فقال إن للإشارة آفات وأنا أحذرها ~~وذلك أني إذا أشرت على رجل بشيء لم يخل من قبوله له أورد فإن قبله لم يخل ~~من أحد أمرين أما أن يقع صوابا فينتفع به أو خطأ فيتضرر به فإن وقع صوابا ~~وانتفع به لم آمن أن يداخلني في ذلك عجب وأن توهمني نفسي أني قد سقت إليه ~~خيرا وأن وقع خطأ وتصرر به لم أعدم منه لائمة وذما فإن لم يقبله لم يخل ~~أيضا من أحد أمرين أما أ ينجح أو يخفق فإن أنجح أزري بي واتهمني في مشورتي ~~وإن أخفق أو ناله ضرر لم آمن من نفسي الشماتة وإن أثم في أمره وما أعتورته ~~هذه الآفات فتركه أسلم # قال الخطابي ولعله كان يعرف من صحابه إعجابا برأيه وتركا لقبول نصحه فحذر ~~الفتنة واغتنم السلامة # | المقام الأول # # | المستشير # وهو كل قاصد لغرض يهمه لما تقدم من عموم الطلب بها في سائر الطبقات لكن ~~يتفاوت ذلك فيهم بحسب الرئيس والمرؤوس ثم قال النووي يستحب لم هم بأمر أن ~~يشاور فيه ثم قال ويتأكد الأمر بها في حق ولاة الأمور العامة كالسلطان ~~والقاضي ونحوهما ثم عليه عند الاستشارة وظائف وهي ضربان PageV01P306 # الضرب الأول ما يعم سائر الطبقات وهي جملة # الوظيفة الأولى أن تصديق في التعريف بقصده من المر المستشار فيه بحيث لا ~~يترك شيئا مما يعلم فيه من مصلحة أو مفسدة أشار إليه النووي # قلت وفي الأفلاطونيات إذا شاورت من يضطلع بالمشورة عليك فأصدقك عنك فيها ~~وفي كثير مما يتحرك إليه طباعك ليقف من صدقك على ما يوجبه الحق فيها واعلم ms151 ~~أن مغادرة المشير عليك في الرأي بمقدار ما خلقته عنك من الصدق # الوظيفة الثانية أن لا يلتمس الرخصة عند المستشار مخافة الزلل مخالطة ~~الهوى في ذلك وقد تقدم أن حكم الهند أن من التمس من الإخوان الرخصة عند ~~المشورة ومن الأطباء عند المرض ومن الفقهاء عند الشبهة أخطأ الرأي وازداد ~~مرضا وحمل الوزر # الوظيفة الثالثة أن يستنكر من المشاورين ما أمكنه استظهار على الوثوق ~~بالرأي المشار به عليه قال النووي ويستحب أن يشاور جماعة بالصفة المذكورة ~~يعني في شروط المشاور قال ويستكثر منهم # الوظيفة الرابعة أن يتواضع للمستشار معه ولا يترفع عن التنزل له في ~~استهداء ما يشير مما يظهر له صوابه وإن كان السلطان الأعظم # قال ابن رضوان لا ينبغي للملك عند المشاورة أن يترفع إلى أن يسلك سبيل ~~الهيبة فإن ذلك يقصر لسان الناصح والمشير # موعظة قال وقد كان الملك العادل عظيم الهيبة ومرض بعلة PageV01P307 ~~الخوانيق فأشار عليه الأطباء بالفصد فامتنع ولم يراجع ومرض فكان ذلك سببه ~~موته # وصية قال بعض ملوك الفرس لابنه عليك بالمشاورة فإنك واحد من الرجال وشاور ~~من يفصح عن المستكن ويوضح المشكل ولا يدع لك في عدوك فرصة إلا انتهزها ولا ~~لعدوك فيك فرصة إلا أحصنها ولا يمنعك حسن رأيك في ظنك ولا علو مكانك في ~~نفسك أن تجمع إلى رأيك رأي غيرك فإن وافق رأيك رأي غيرك ازداد رأيك عندك ~~شدة وإن خالف رأيك عرضته على نظرك وفهمك فإن كان غالبا على ما رأيت قبلت ~~وإن كان متضاعفا استغنيت # الضرب الثاني ما يخص السلطان ممن يليه وحاصلها اختيار من يختص بمعرفة ما ~~يستشار فيه وعلى حسب ما يذكر إن شاء الله من شروطه # قال ابن حزم وإذا نزلت بالسلطان معضلة ليس عنده فيها يقين شاور من أصحابه ~~وولاة جنوده من يرجو عنده فرجا من ذلك ويشاور في الحرب وسياستها ويسأل عن ~~كل علم أربابه ولا يتكل على رأي أحد ولا يطلعهم على ما يختار من رأيهم فإذا ~~انقضى ما عندهم أنفذ مما ms152 سمع منهم # تبصرة ينعدم هذا الاختيار عند المشورة إعداد المستحق له في سائر عمالة ~~السلطانية وتعيينه لذلك # قال ابن المقفع اعرف أهل الدين والمروءة في كل ناحية وكورة وقبيلة ~~فليكونوا إخوانك وأعوانك وثقاتك وبطانتك PageV01P308 # تنبيه من لازم هذا الإختيار منع غير المخصوص به من التبريح بالقاء رأيه ~~ونظره وقد اعتنى الحكماء بالتنبيه على ذلك فقال أفلاطون ينبغي للملك السائس ~~أن يطلق الرأي إلا لمن نصبه لذلك لئلا يحدث في مملكته الآراء الردية # | المقام الثاني # # | المستشار # وفيه مسائل # المسائل الأولى في شروطه # وهي جملة # أحدها العقل الكامل بطول التجربة مع الفطنة والذكاء قيل لان الحمق الجاهل ~~إذا اشتريته زاد في لبسك وأدخل عليك التخليط في رأيك ولم يقم بحقيق نصحك ~~وكان يقال إحذر مشاورة رجلين شاب معجب بنفسه قليل التجارب في غره أو كبير ~~وقد اخذ الدهر من عقله كما أخذ من جسمه # الثاني الدين والتقوى قال ابن الحاج لأن ذلك عماد كل صلاح وباب كل نجاح ~~ومن غلب عليه الدين فهو مأمون السريرة موفق العزيمة قال وروى عكرمة عم ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أراد أمر فشاور ~~فيه أمراءا مسلما وفقه الله لارشد أموره قلت وعن عمر رضي الله عنه شاور في ~~أمرك من يخاف الله عز وجل # الثالث الحبة الحاملة على خلوص النصيحة قيل لأنه إذا كان كذلك أمنت من ~~غشه وأجتهد لك في نصحه ونظر في أمرك بجميع أجزاء قلبه PageV01P309 # قلت وفي الإشارة بذلك قول بشار # ( إذا بلغ الرأي النصيحة فاستعن % برأي نصيح أو حزامة حازم ) # ( ولا تتحسب الشورى عليك غضاضة % مكان الخوافي نافع للقوادم ) # ( وخل الهوينا للضعيف ولا تكن % نؤوما فإن الحزم ليس بنائم ) # مزيد حكمة قال الأصمعي قلت لبشار يا أبا معاذ إن الناس يتعجبون من أبياتك ~~في المشورة يعني هذه البيات فقال يا أبا سعد إ المشاور بين صواب يفوز ~~بثمرته أو خطأ يشارك في مكروه فقلت له أنت في قولك هذا أشعر منك في شعرك # تنبيه ms153 قيل ولا يستشار العدو إلا في موضع واحد وهو أن يكون صلاح الرأي ~~بصلاحه وفساده بفساده كعدوين في سفينة يستشير أحدهما الآخر في صلاحها ~~ونجاتها قال احترز أن يكون في عقبى إرشاده شيء يخصك بفساده # الرابع سلامة الفكر من مكدرات صفوه وذكروا ممن عرض له ذلك PageV01P310 ~~أصنافا فالجائع حتى يشبع والعطشان حتى يقنع والسير حتى يطلق والضال حتى يجد ~~والراغب حنى يمنح وصاحب الخف الضيق وحاقن البول وصاحب المرأة السليطة ومعلم ~~الصبيان وراعي الغنم والكثير القعود مع النساء ومن لا دقيق عنده # كفاية عارض كان الملوك الأول إذا هموا بمشاورة رجل بعثوا إليه بقوته وقوت ~~عياله لسنة ليتفرغ له عقله قال المبرد كان بعض عقلاء الملوك الفرس إذا شاور ~~من قد رتبهم لمشورته فقصروا في الرأي دعا المرتبين بأرزاقهم فعاقبهم ~~فيقولون يخطئ أهل مشورتك وتعاقبنا نحن فيقول لهم لم يخطئوا إلا لتعليق ~~قلوبهم بأرزاقهم فإذا اهتموا لحاجتهم أخطئوا # الخامس البراءة مما له في المر المستشار فيه من هوى يساعده وغرض يقصده # قال الحاج لأن الأغراض جاذبة والهوى ما دار والرأي إذا عارضه الهوى ~~وجاذبته الأغراض فسد وفيه قيل # ( وقد تحكم الأيام من كان جاهلا % ويردى الهوى ذا الرأي وهو لبيب ) # ( ويحمد في المر الفتى وهو مخطئ % ويعذل في الإحسان وهو مصيب ) # السادس الجمع بين العلم بالمستشار فيه والعمل به ففي PageV01P311 ~~الأفلاطونيات شاور في أمرك من جمع بين العلم والعمل ولا تشاور من انفرد ~~بالعلم فقط فيدلك منه على ما يتصوره الفهم ولا يخرج إلى الفعل # السابع تساويه مع المستشير في الطبقة ففيها ينبغي أن تستعمل مشورة ذوي ~~الرأي من أل طبقتك ولا يعول عنه إلى رأي ذي طبقة أخرى فيعدل بك عما تحتاج ~~إليه # الثامن كتمان اسر الذي يطلع عليه عند استشارته قيل لأنه إذا أطلع على ~~رأيك بعض أصدقائه أو غيرهم من جلسائه أخبر كل صديق صديقه وفاه كل جليس إلى ~~جليسه حتى يصل أمرك إلى عدوك ويتصل رأيك بأهل بغضك فيبتغون الغوائل ويفسدون ~~الرأي قبل أحكامه # التاسع سلامته ms154 من غائلة الحسد قبل لأن الحسد يعث أهل المحبة على البغضة ~~وذوي الولاية على البعد والفرقة وحينئذ يتعمد ضرك بجميع الوجوه التي تتقيها ~~على نفسك وتكون داعية إلى فساد رأيك # قلت ومن وصاياهم لا تشاور إلا الحازم فير الحسود واللبيب غير الحقود # العاشر عدم استلزام نصحك ضره أو ضر أحد من الأعزة عليه قبل لأنه إذا أدى ~~نصحك إلى ضره أو بعض شيء من أمره لم يفضلك على نفسه ولم يخصك بنصحه وكذا إن ~~أضر ذلك بإخوانه # الحادي عشر أخباره عن موجب تقصيره عن مطلوب المستشير له كالبخل والجبن ~~والحرص فقد كان يقال لا تدخل في رأيك بخيلا فيقصه فعلك ولا جبانا فيخوفك ~~مالا تخاف ولا حريصا فيعدك مالا يرجى PageV01P312 الثاني عشر توسطه بين ~~السعادة وسوء البخت ففي الأفلاطونيات إذا شاورت السعداء حسنوا لك التضرر ~~بنفسك وسعيك لما يعمهم من سلامة وإذا شاورت المجدودين خذلوك عن الأمر الذي ~~يحمد في الأكثر ركوبه والصواب فيما بين الفريقين واستخدام الرأي الصحيح في ~~القياس على ما عندهما # تنبيه لا يمنع من المشورة وصفان أحدهما خمول المستشار وحقارته قال الحكمة ~~ضالة المؤمن حيثما وجدها عقلها # قال الطرطوشي ولم يزل العقلاء على اختلاف مذاهبهم يطلبون صواب الرأي من ~~كل أحد حتى الأمة الوكعاء وهذا عمر رضي الله عنه يقول رحم الله أمراء أهدى ~~إلي عيوبي # الثاني صغر سنه لأنه ربما فاق في إدراك الصواب الكهول والمشايخ وقد كان ~~يقال علمكم بآراء الأحداث ومشاورة الشباب فإن لهم أذهانا تقل الفواصل ~~وتتحطم الذوابل # شاهد إقتداء # قال الزهري كان مجلس عمر رضي الله عنه غاصا بالعلماء والقراء كهولا كانوا ~~أو أشبانا وربما استشارهم فكان يقول لا يمنع أحدكم حداثة سنة أن يشير برأيه ~~فإن الرأي ليس على حداثة السن ولا على قدمه ولكن أمر بضعه الله حيث يشاء ~~PageV01P313 # أعلام # من الحكماء من أوقف الاعتبار برأي الأحداث على تعقب المشايخ ففي ~~الأفلاطونيات # إذا احتجت إلى المشورة في طارئ عليك فاستشر ببدايته الصغار ورد إلى ~~المشايخ لعقبه وحسن الاختيار فيه ms155 # المسألة الثانية فيما عليه عند إشارته أما على الجملة ويفهم مما تقدم ~~فبذل الوسع في النصيحة وأعمال الفكر في استخراج زبدتها أشار إليه النووي ~~محتجبا بقوله صلى الله عليه وسلم الدين النصيحة قالوا لمن يا رسول الله قال ~~لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وأمتهم رواه مسلم عن تميم الداري رضي ~~الله عنه المستشار مؤتمن رواه أبو داود وغير واحد عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه وأما باعتبار السلطان فعليه في ذلك جملة وظائف # الوظيفة الأولى أن يبالغ في إرشاده بجميع ما له وعليه قضاء لواجب النصح ~~والأمانة ففي الأفلاطونيات على مشاور الملك أن يرشده ويسدده نحو الحق الذي ~~له وإن صعب عليه عنانه أطلقه نحو شهواته الخاصة به وألجمه عم العامة لأن ~~العامة تولد عليه سوء المنطق وتسير العامة والخاصة به إنما هي بهيمة لازمة ~~لنفسه # الوظيفة الثانية أن يعمل غاية اجتهاده مخافة الخطأ الذي لا أسرع منه ضررا ~~ففيها أسرع الأشياء ضررا الخطأ في السفينة وفي مجالس الملوك وفي مناجزة ~~الحروب PageV01P314 قلت والخطأ من الملك وحده كذلك إذ المعنى واحد ففيها ~~أيضا ليس الخطأ بأحد اقبح منه بالملك ولا أضر منه جملة الناس لأنه يحرك ~~الكل إلى نظام رديء وتفسد نفوس من فيه # الوظيفة الثالثة أن لا ينحط في هواه ويماشيه في أغراضه # وقد كان عمر بن هبيرة يقول اللهم إني أعوذ بك من صحبة من غايته خاصة نفسه ~~دون غيره والانحطاط في هوى مستشيره ومن لا يلتمس خالص مودتي إلا بالتأني ~~لموافقة شهوتي ومن يساعدني على سرور ساعتي ولا يفكر في عواقب عدلي # الوظيفة الرابعة إن تشير باستصلاح ما شور فيه لا بأعمال واجب المواخذة ~~عليه ففي الأفلاطونيات إذا شاور الملك في قوم فحركه على استصلاحهم ول تتعمد ~~هفواتهم فإن خطأك في الحض على الإحسان اسلم من خطأك في التحريك على الإساءة # الوظيفة الخامسة أن يلقى ما يسير به عند ظهور حاجة السلطان إليه كالراغب ~~له في القبول كأنه هو المحتاج غلى سماع كلامه لا السلطان إلى غرضه ms156 عليه ~~ففيها إذا شاوروك من الرؤساء من قد وقفت على فاقته إلى رأيك فلا تكلمه ~~بكلام أمر ولا مشاور وأخرج كلامك في معرض متفهم منه ما سنح لك وليرى فيك ~~الحاجة في عرض كلامك عليه فإن خطأك في حماده أكثر من خطاه في قبول ما احتاج ~~إليك فيه # تعريف من حركة المشاورين من طلب إلقاء ما يظهر له في خلوة من أصحابه خشية ~~ما يتقى في كشف السر العظيم الخطر بينهم ففي سير PageV01P315 الفرس أن بعض ~~ملوكهم استشار وزراءه في سر عظيم كابت عليه عمدة الملك قائمة فقال أحدهم لا ~~ينبغي للملك أن يستشير منا أحدا في مهم من أموره وعظيم من شؤونه إلا خاليا ~~به فإنه أموت للسر وأحزم للرأي وأجدر للسلامة وأعفى لبعضنا من غائلة بعض ~~فإن إفشاء السر إلى واحد واجد أخلص له وأكمل # المسألة الثالثة فيما عليه بعدها وعليه إذ ذاك في حال الإصابة للرأي ~~السديد وظيفتان # الوظيفة الأولى أن يعترف بشهود المنة من الله تعالى في التوفيق لذلك ~~والهداية إليه وأن يقول بلسان حاله ومقاله الحمد لله الذي هدانا لهذا وما ~~كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله فبذلك يسلم من غائلة العجب ويتعود من لله ~~تعالى دوام الرشد وورود المدد منه # الوظيفة الثانية أن لا يستطيل به على من قصد الصواب فأخطأه قيل ينبغي ~~للمشير إذا كان النجاح عقب إشارته أن لا يكثر من الافتخار برأيه والاحتجاج ~~على فساد رأي غيره فإن ذلك من سوء الدب وتقريع الصحاب ومذموم الإعجاب # | المقام الثالث # # | المستشار فيه # وهو نوعان # أحدهما ما هو من أمور الدنيا وخفي وجه الصواب فيه فيطلب العثور عليه ~~بالمشورة # الثاني ما هو من مقاصد الدين ولم يتعين في الحال وأشكل فيه PageV01P316 ~~التلبس بالعمل به باعتبار أمر خارج عن ذاته فليلتمس بالمشورة وجه التعبد ~~على ذلك كما قالوا في الاستخارة عند إرادة الحج ببعد المشورة أنها لا تعود ~~إلى نفس الحج بل لما هو لازم له نحو هل يشتري أو يكتري أو يسير في البر ms157 أو ~~البحر أو في هذه السنة أو في غيرها على القول بالتراخي ونحو ذلك # وتبصره إذا أشكل وجه الصواب في الأمر المطلوب ولم يهتد النظر فيه إلى ما ~~يعول عليه فالواجب رده إلى الله تعالى وتسليمه لعلمه المحيط بكل معلون # قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الأمور ثلاثة أمر استبان رشده فاتبعه ~~وأمر استبان ضده فاجتنبه وأمر أشكل فرده إلى الله وفي السلوانات إذا اشتبهت ~~المصادر ففوض الأمر إلى القادر فإن من الدلالة على أن الإنسان مصروف مغلوب ~~ومدبر أن يتبلد رأيه في بعض الخطوب ويغمى عليه الصواب المطلوب قيل وكان ~~الحجاج إذا تعارضت آراؤه في خطب من الخطوب ينشد # دعها سماوية تجري على قدر لا تفسدنها برأي منك منكوس # | المقام الرابع # فيما يطالب به المستشير بعد المشورة # وذلك جملة وظائف PageV01P317 # الوظيفة الأولى القبول قال النووي وهو فائدة المشاورة إذا كان المستشار ~~بالصفة المشروطة فيه ولم تظهر المفسدة فيما أشار به # قلت ولا عليه من ظهورها بعد ذلك إذ بعد جهدك لا تلازم وقديما كان يقال من ~~أجتهد رأيه وشاور صديقه فقد قضى ما عليه # الوظيفة الثانية الإعراض عن ملام المستشار عند ظهور خطاه # قالوا إذا أشار عليك أحد برأي أفضى فيه إلى الغلط وزل به عن الصواب فلا ~~تأخذن في تأنيبه وتوبيخه فإن الآراء ربما خفيت وجوهها وغابت أسبابها وليس ~~كل الرأي مقطوعا به وإذا لمته على غلطة مع صحة لصده آذيته وقطعت غيره من ~~النصحاء عن نصحك # الوظيفة الثالثة التأني بالفعل ريثما تحصل الثقة بالرأي وتصمم العزيمة ~~عليه # قال أرسطو إذا صح الرأي مع المستشار فلا تعجل إنفاذه ولا تركه وأتركه ~~يختمر يوما ليلة إلا فيما يخاف فواته فاستخر الله وعجله # وكان يقال كل رأي لم تتمخض فيه الفكرة ليلة كاملة فهو مولود لغير تمام ~~وفي محاسن البلاغة في الروية تبيان الرأي تصح الاعتزام # تمثيل # قيل ولما كان أمضى السيوف ما بولغ في إرهاف حده وأجيد صقله كان أرجح ~~الآراء ما كثر امتحانه وأطيل تأمله # الوظيفة ms158 الرابعة تقديم الاستخارة قبل العزم على إمضاء ما تمحضت عنه ~~المشورة قال ابن الحاج الجمع بين الاستخارة والاستشارة من كمال PageV01P318 ~~الامتثال للسنة إذ بركتهما ظاهرة فينبغي ألا يقتصر على أحدهما فإن كان لابد ~~من الاقتصار فعلى الاستخارة # قلت وفي الحديث من سعادة ابن آدم استخارته الله تعالى ومن شقوة ابن آدم ~~بركه استخارة الله تعالى # ومن كلام الحكماء أربعة لا تستغني عن أربعة الرعية عن السياسة والجيش عن ~~القادة والرأي عن الاستشارة والعزم عن الاستخارة # استطراد لا بد هنا لكمال العناية بهذه الوظيفة من التنبيه على مهمات # أحدها صفتها مادل عليه حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه حسبما ثبت في ~~الصحيح # قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور ملها ~~كالسورة من القرآن يقول إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ~~ثم ليقل اللهم أني استخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم ~~فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن ~~هذا الأمر ويسمى حاجته خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري ~~وآجله فأقدره لي ويسره لي بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرا لي في ~~ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه ~~وأقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به قال ويسمي الحاجة # الثانية قال النووي قال العلماء تستحب الاستخارة والصلاة والدعاء المذكور ~~PageV01P319 # قلت والاستحباب متأكد الطلب في جميع الأمور الدينية والدنيوية بدليل قوله ~~تعالى يعلمنا الاستخارة كالصورة من القرآن التماسا لفوائدها التي لا يسع ~~المؤمن إهمالها # الثالثة الصلاة المقدمة فيها على الدعاء هي من جنس النوافل أي غير ~~الفرائض ومن قال النووي والظاهر أنها تحصل بركعتين من السنن والرواتب وتحية ~~المسجد وغيرها من النوافل # الرابعة قال النووي يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة قل يا أيها ~~الكافرون وفي الثانية قل هو الله أحد # قلت وإن قرأ بغيرهما فواسع قاله ابن ms159 الحاج # الخامسة قال النووي يستحب إفتتاح الدعاء المذكور وختمه بالحمد لله ~~والصلاة والتسليم على النبي صلى الله عليه وسلم # قلت كما في مطلق الدعاء وقد نقل الإجماع عليه في موضع آخر وحكمته في ~~الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أنها مقبولة وإذا قبلت في طرقي الدعاء ~~رجى قبول ما توسطها # السادسة قال ولو تعذرت عليه الصلاة استخار بالدعاء # قلت لأن تقدم الصلاة عليه وسيلة لرجاء قبولها فإذا تعذرت بقي الميسور من ~~التوجه إلى المولى الكريم في إستمناح الهداية من لدنه فيأتي به لئلا يحرم ~~بركته # السابعة إذا استخار مضى بعدها لما ينشرح له صدره # قال ابن الحاج وبعضهم يتوقف حتى يرى مناما يفهم منه الفعل أو الترك أو ~~يراه غيره له قال وليس بشيء لان صاحب العصمة صلى الله عليه وسلم أمر ~~بالاستخارة والاستشارة لا بما يرى في المنام PageV01P320 # الثامنة أنكر ابن الحاج الدعاء في الاستخارة بغير هذا الوارد فيها قائلا ~~بعد استبعاد أن يجمع غيره من أدب الفوائد ما اشتملت عليه من ذلك ألفاظه ~~الكريمة ولو لم يكن فيه من الخير والبركة إلا أن من فعلها كان ممتثلا ~~المسنة المطهرة لبركات النطق بتلك الألفاظ التي تربو على كل خير يطلبه ~~الإنسان لنفسه # التاسعة الاقتصار في الاستخارة على مرة واحدة كاف في رجائه النصح بها على ~~مقتضى ما صح منها وفي كتاب ابن السني عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أنس إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع ~~مرات ثم أنظر إلى الذي سبق قلبك فإن الخير فيه قال النووي إسناد غريب فيه ~~من لا اعرفهم # العاشرة سبق أن طلب التوجه بها متأكد وكذا الحض على المشورة وعند ذلك ~~فتركها خيبة وحرمان # قال ابن الحاج من ترك الاستخارة والاستشارة يخاف عليه من التعب فيما أخذ ~~سبيله لدخوله في الأشياء بنفسه دون الإمتثال للسنة المطهرة لأنها لا تستعمل ~~في شيء إلا عمته البركات ولا تترك من شيء إلا حصل فيه ms160 ضد ذلك # الوظيفة الخامسة ترك الالتفات بعد المشورة والاستخارة إلى ما يتخرص به ~~على علم الغيب وله أمثلة يكفي منها اثنان # المثال الأول التنجيم لقوله صلى الله عليه وسلم من اقتبس علما من النجوم ~~اقتبس شعبة من السحر رواه أبو داود PageV01P321 # قال سحنون من صدق عرافا أو كاهنا أو منجما فيما يقوله فقد كفر بما أنزل ~~الله على قلب محمد صلى الله عليه وسلم # قال وكيف يحل لمسلم يؤمن بالله اليوم الآخر أن يصدقهم مع قوله تعالى قل ~~لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله # هداية قال بعضهم كنت مع عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه فوق سطح ~~وهو يريد الركوب فنظرت فإذا القمر بالدبران فقلت أنظر إلى القمر ما أحسن ~~استواءه فنظر فرأى منزلته ثم ضحك وقال إنما أردت أن أنظر إلى منزلته وأنا ~~لا نقيم لشمس ولا قمر ولكنا نسير بالله الواحد القهار # قال الشاعر # ( يدبر بالنجوم وليس يدري % ورب النجم يفعل ما يريد ) # وقال غيره # ( ليس للنجم من ضر ولا نفع سبيل % إنما النجم على الأوقات والست دليل ) # المثال الثاني التطير لقوله صلى الله عليه وسلم ليس منا من تطير أو تطير ~~له أ تكهن أو تكهن له أو سحر أو سحر له ومن أتى كاهنا فصدقه فيما يقول فقد ~~كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم رواه البزاز # توجيه قال بعض العلماء منع من ذلك لنه سبب لكسر النية ونقض العزيمة ~~وتشويش الخاطر مع ما فيه من تعطيل الإحالة على الأقدار السابقة وإساءة الظن ~~بالله تعالى وشغل القلب بما لعله لا يحدث أبدا PageV01P322 # خلوص يقين كان مالك رحمة الله تعالى لا يكره سفرا ولا نكاحا ولا حجامة ~~ولا شيئا في يوم من الأيام بل يتحرى فعل ذلك كله في يومي الأربعاء والسبت # قال ابن رشد إنما كان يعتمد ذلك لصحة أيمانه بالقدر ومعرفته بأن اليوم لا ~~يضر ولا ينفع قال وكذلك ينبغي لكل مؤمن أن يفعل لأن من تطير فق ms161 أثم # تنبيه في الموطأ لا طيرة وخيرها الفال # قيل يا رسول الله وما الفال قال الكلمة الصالحة قال ابن الحاج الفال ~~الحسن ما عرض من غير قصد كقوله قائل يا مفلح ونحوه والمكتسب منه حرام كما ~~قاله الطرطوشي # قلت ينبغي تمثيله بأخذ الفال في المصحف وبضرب الرمل قائلا هو من باب ~~الإستقسام بالأزلام # | الركن الحادي عشر # # | بذل النصيحة # وفيه بحسب تلخيص النظر فيه مسائل # المسألة الأولى قال الطرطوشي النصح للمسلمين والخلائق أجمعين من سنن ~~المرسلين صلوات الله عليهم # قال تعالى حكاية عن نوح عليه السلام ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم ~~إن كان الله يريد أن يغويكم # قال عن شعيب عليه السلام ونصحت لكم ولكن لا تحبون PageV01P323 # قلت ومن الوارد فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أمران # أحدهما جعله شرطا في الدين ففي الصحيحين عن جابر رضي الله عنه قال بايعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل ~~مسلم # الثاني مفارقته للمسلمين بتركه فعن حذيفة رضي الله عنه قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ومن لم يصبح ويمس ~~ناصحا لله ورسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين فليس منهم رواه الطبراني # المسألة الثانية النصح في الجملة فعل ما فيه صلاح وملائمة ويحتاج مع ذلك ~~معرفة الفرق بينه وبين أمور # أحدها التأنيب والفرق بينهما على ما قرره ابن قيم الجوزية أن النصيحة ~~إحسان صادر عن رحمة وشفقة مراد به وجه الله تعالى في احتمال أذى المنصوح ~~ولأئمته بعد التلطف له في إلقاء النصيحة إليه والتأنيب القصد به التعبير ~~والذم المفروغ في قالب النصيحة قال ومن الفرق بينهما أن الناصح لا يعادي ~~إذا لم تقبل نصيحته لاقتناعه بوقوع أجره على الله تعالى مع الكف عن عيوب ~~المنصوح والدعاء له بظهر الغيب والمؤنب بضد ذلك # الثاني الغيبة حيث تستلزمها النصيحة في الصورة والفرق بينهما إذ ذاك أن ~~قصد النصيحة بذكر ما هو غيبة تحذر المؤمنين عموما أو ms162 خصوصا والغيبة المحضة ~~قصدها التفكه بتمزيق العرض بها فقط وهي على القصد الأول طاعة وعلى الثاني ~~معصية # الثالث السعاية حيث يوهم بالنصيحة ويلبس تغليطها غلى غير القطن ففي ~~الأفلاطونيات قد يتوهم الجاهل أن السعاية هي النصيحة وليس الأمر ~~PageV01P324 كذلك لأن النصيحة هي صدقك الإنسان عما فوضه إليك وألزمك الحق ~~تعريفك إياه والسعاية صدقك الإنسان عما اقترفه بعض اتباعه وأنت تريد ~~الإضرار بالتابع والانتفاع بالمتبوع لا تقديم النصيحة لذلك الإنسان # المسألة الثالثة تقدم في حديث تميم الداري رضي الله عنه أن النصيحة لله ~~ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم فالتي لله بتوحيده والاعتقاد ~~والمجادلة عنه لذوي الإلحاد وإخلاص العمل له في الاجتهاد والتي لكتابه ~~بالإيمان به وبعلمه والعمل بما فيه والوقوف عند متشابهة والنظر في محكمة ~~والذب عنه وترك المرء فيه وترتيل تلاوته والتي لرسوله تصديقه وتعظيمه ~~وطاعته والرضى بحكمه والتي لائمته ما يجب للأمام من الحرمة والطاعة # قال ابن العربي لكن ما يجب للأئمة أعظم ويزيدون عليه مما لا يجب له لا ~~لحرمة زائدة بل لعلة حادثة بالصبر على أذاهم إذا لم يعدلوا وينبههم إذا ~~غفلوا وترك الثناء عليهم بما ليس فيهم والدعاء على لهم بصلاحهم عند فسادهم ~~والتي لعامة المسلمين أما الداخلون منهم في جملة الحكام وهم العلماء ~~بتصديقهم وتقليدهم والدعاء لهم وتعظيمهم وأما من عداهم فغايتها تعليمهم إذا ~~جهلوا وتقويمهم إذا اعوجوا وتقويتهم إذا احتاجوا انتهى ملخصا من كلام ابن ~~العربي # مزيد حق قال الطرطوشي والنصح لجميع الملل بمحبة إسلامهم ودعائهم إلى ~~الإيمان بالقول وتحذيرهم عاقبة الكفر والسيف إن كان ذا سلطان # المسألة الرابعة الوظائف التي على الناصح نوعان النوع الأول بحسب النصيحة ~~في الجملة ومن أهمها وظيفتان PageV01P325 # الوظيفة الأولى القاؤها في السر لأنها في العلانية توبيخية وفضيحة خصوصا ~~حيث بكون بالتوقيف على معرفة العيوب قيل لبعضهم تحب من يخبرك بعيوبك فقال ~~إن نصحتني فيما بيني وبينك فيعم وإن قرعتني في الملأ فلا # الوظيفة الثانية تلطف في التعريف بالعيب الذي يعلمه المنصوح نفسه وهو ~~يضمره وذلك بالتعريض مرة والتصريح ms163 أخرى إلى حد لا يؤدي إلى الإيحاش # قال الغزالي فإن علمت أن النصح غير مؤثر فيه وأنه مضطر من طبعه إلى ~~الإصرار عليه فالسكوت عنه أولى # النوع الثاني باعتبار نصيحة الأمراء ومن أكدها وظيفتان # الوظيفة الأولى اتقاء ضرر الناس بنصحه لا سيما قبل إحراز ما يتمكن به من ~~منزلة السلطان من قلوبهم # ففي الأفلاطونيات أحذر في نصيحتك للملوك الدخول إلى الأضرار بالناس قبل ~~أن توفر عليه حظوظه ولكن إشتر له الأحرار والشكر والمحبة بنصيب من ماله ~~فإنك تحسن بذلك أيامه ولا ينقصه ما أحسنت به إلى الناس منه # الوظيفة الثانية استعمال حسن المداراة مع بذل الوسع فيها ففيها أيضا ~~استعمل مع فرط النصيحة ما يستعمله الحزمة من حسن المداراة والتذلل للرؤساء ~~ولا يدخلك العجب من فضلك على أكفائك فيفسد عليك ثمرة ما فضلت به # عاطفة تقدم أن التلطف في القاء النصيحة مطلوب في الجمل فمن PageV01P326 # حكاية مع الملوك ما يروى أن عمر بن عتبة قال للوليد بن يزيد حين تغير ~~الناس عليه يا أمير المؤمنين إنه ينطقني إلا من بك وتسكتني الهيبة لك وأراك ~~بأمن أشياء أخافها عليك فأسكت مطيعا أم أقول لك مشفقا فقال قل كل مقبول منك ~~ولله فينا علم غيب نحن صائرون إليه # المسألة الخامسة مما على المنصوح وخصوصا الأمراء وظيفتان # الوظيفة الأولى استكفاء من يرتضيه لنصيحته ويختاره لما مع تصفح ما يطالع ~~به من ذلك ففي الأفلاطونيات لا تقبل في النصيحة إلا قول من استكفيته ما ~~نصحك فيه وارتفعت عنه المراقبة واستغنى عن التصنع بحسن محله واتهم من سوى ~~ذلك ولا تخل من تتبع ما يحتاج إليه منها واستخلاصه # الوظيفة الثانية قبول ما ينتفع به من النصيحة المشوبة بمضرة الناس مع ~~الحذر من صاحبها وفيها النظر إلى المنتصح والمتقرب إليك فإنه إن دخل إليك ~~من مضار الناس فاقبل منه ما انتفعت به وتحرز منه وإن دخل إليك من أشياء من ~~جنس العدل والصلاح فاقبلها واستشعره # المسألة السادسة لقبول النصيحة وهو فائدتها جرعة مرة المذاق لا يتكفلها ms164 ~~إلا من وفق لا تصادفه بعلم ما لها من ثمرات عائدة عليه بالنفع العظيم وقد ~~قال ابن المقفع عود نفسك السبر على من خالفك من ذوي PageV01P327 النصيحة ~~والتجرع لمرارة قولهم وعدلهم ولا تسألن ذلك إلا لهل العقل والسن والمروءة # قلت ويستعان على ذلك بأمرين # أحدهما أن استثقال النصح وكراهة المقابل به استبشاعا لمرارة القبول من ~~أوصاف الكافرين # قال تعالى @QB@ ولكن لا تحبون الناصحين @QE@ كما أن استسهال المواجهة ~~استحلاء بثمرتها عليه من أخلاق المؤمنين وهو المر الثاني فكان عمر رضي الله ~~عنه يقول رحم الله أمراء أهدى إلي عيوبي وعن ميمون بن مهران قال لي عمر بن ~~عبد العزيز رضي الله عنه قل لي في وجهي ما أكره فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى ~~يقول له في وجهه ما يكره # المسألة السابعة ينشأ من مرارة هذه الجرعة غائلتان يجب على الناصح أن ~~يحذر منهما جهده # إحداهما عداوة المنصوح وبغضه فقد قالوا الحق مبغضة وبعض النصيحة للعداوة ~~مكسبة # قال # ( وكم سقت في آثاركم من نصيحة % وقد يستفيد البغضة المتنصح ) # الثانية أداء النصيحة إلى فساد قبل صلاح المنصوص بها وقد قال PageV01P328 # الخطابي واصفا أهل زمانه وهو فيمن بعدهم أحرى وقد كانوا والناس ناس ~~والزمان يستبشعون الحق ويتمررون طعم النصح ويتنكرون لمن يهدي إليهم عيوبهم ~~ويعوقهم عن أنفسهم فما ظنك بهم الآن مع فساد الزمان اللولبي المتقلب أتراهم ~~يذعنون الحق ويصيخون إلى النصح كلا إنك إلى أن تفسد بهم أقرب منهم إلى أن ~~يصلحوا بك فقد قيل من قابل الكثير من الفساد باليسير من الصلاح فقد غرر ~~نفسه # تمثيل قالوا مثاله أن يميل جدار فيأتيه رجل فيدعمه بيديه ليقيمه فإنه ~~يوشك أن يسقط عليه فيكون فيه تلفه بل إذا وجد أعوانا وآلة فدعمه بأعمدة ~~ورفده بقوائم من خشب ونحوها كان جديرا أن يستقل ويثبت بيده ليقيمه فإنه ~~يوشك أن يسقط عليه فيكون فيه تلفه بل إذا وجد أعوانا وآلة فدعمه وكان الرجل ~~حقيقا أن يسلم وينجى # تكملة # من المنقول في هذا الباب حكايتان # الحكاية ms165 الأولى متوقف على مستحسن الأنصاف في قبول النصيحة والرجوع إليها ~~وهي ما يروى أن سابور أتى على بلاد البحرين وفيها بنو تميم فأمعن في قتلهم ~~وهربوا وشيخهم إذ ذاك عمرو بن تميم بن مر وله حينئذ ثلاثمائة سنة وكان يعلق ~~في عمود البيت في قفة قد اتخذت له فأرادوا حملة فأبى عليهم إلا أن يتركوه ~~في ديارهم وقال أنا هالك اليوم أو غدا وماذا بقي لي من فسحة العمر لعل الله ~~ينجيكم من هذا الملك المسلط على العرب فخلوا عنه وتركوه على ما كان عليه ~~فصحبت خيل سابور الديار فنظروا إلى أهلها وقد ارتحلوا ونظروا إلى قفة معلقة ~~في شجرة فسمع عمرو صهيل الخيل ووقعها وهمهمة الرجال فأقبل يصيح بصوت ضعيف ~~فأخذوه وجاؤا PageV01P329 به إلى سابور فلما حضر بين يديه نظر إلى دلائل ~~الهرم ومرور الأيام عليه فقال له سابور من أنت أيها الفاني قال أنا عمرو بن ~~تميم بن مر وقد بلغت من العمر ما ترى وقد هرب الناس منك لإسرافك في القتل ~~وعقوبتك إياهم وآثرت على يديك الفناء ليبقى من مضى من قومي # ولعل الله ملك تلك السماوات والأرض يجري على يديك فرجهم مما أنت بسبيله ~~من قتلهم وأنا سائلك على أمر أن أنت أذنت لي فيه فقال له سابور قل أيها ~~الشيخ فقال له عمرو ما الذي يحملك على قتل رعيتك رجال العرب فقال سابور ~~أقتلهم لما ارتكبوا في بلادي وأهل مملكتي فقال عمرو فعلوا ذلك ولست عليهم ~~بقيم فلما بلغت وقفوا عما كانوا عليه من الفساد هيبة لك قال سابور أقتلهم ~~لانا ملوك الفرص نجد في مخزون علمنا وما سلف من أخبار أوائلنا أن العرب ~~ستدال علينا وتكون لهم الغلبة على ملكنا فقال عمرو وتتحققه أم تظنه قال بل ~~أتحققه ولابد أن يكون قال له عمرو إن كنت تعلم أن ذلك يكون فلم تسيء إلى ~~العرب والله لن تبقى على العرب جميعا وتتحسن إليها فيكافئون عند ادالة ~~الدولة لهم قومك بإحسانك فإن أنت طالت بك المدة ms166 كافأوك عند مصير الدولة ~~إليهم فيبقون عليك وعلى قومك وإن كان حقا كما تقول فهو ألزم في الرأي وانفع ~~في العاقبة وأن كان الأمر باطلا فلم تستعمل الإثم وتسفك الدماء من رعيتك ~~فقال سابور الأمر صحيح وهو كائن لكم والرأي ما قلت ولقد صدقت في القول ~~ونصحت في الخطاب فنادى منادي سابور بأمان العرب والكف عن قتلهم ورفع السيف ~~عنهم 3 الحكاية الثانية تعلم بصنيع الله تعالى لمن صدق معه في نصيحة ~~السلطان وأن تعرض بها لما يسخطه فيروى أن الحجاج وفد بإبراهيم بن ~~PageV01P330 بالخسف ويحكم فيهم بغير السنة بعد الذي كان من سفك دمائهم وما ~~انتهك من حرمهم ثم ظننت أن ذلك فيما بينك وبين الله زاهق وفيما بينك وبين ~~نبيك غدا إذ جاثاك للخصومة بين يدي الله عز وجل في أمته أما والله لا تنجو ~~هناك إلا بحجة فارع على نفسك أودع فقال له عبد الملك كذبت ومنت وظن بك ~~الحجاج ما لم يجده فيك وقد يظن الخير بغير أهله قم فأنت الكاذب المائن قال ~~فقمت ما أعرف طريقا فلما خطرفت الستر لحقني لاحق وقال احبسوا هذا وقيل ~~للحجاج أدخل فمكثت مليا من النهار لا أشك أنهما في أمري ثم خرج الآذن فقال ~~أدخل يا ابن طلحة فلما كشف الستر لقيني الحجاج وهو خارج وأنا داخل فاعتقني ~~وقبل ما بين عيني وقال أما إذا جزى الله المتواخين بفضل تواصلهم فجزاك الله ~~عني أفضل الجزاء فو الله لئن سلمت لك لأرفعن ناظرك ولأعلين كعبك ولا تبعن ~~الرجال غيرة قدميك # فقال فقلت يهزأ بي ورب الكعبة فلما وصلت إلى عبد الملك أدناني حتى أجلسني ~~مجلسي الأول ثم قال يا ابن طلحة لعل أحد شارك في نصيحتك هذه قلت والله يا ~~أمير المؤمنين ما علم أحد بها ولا لأحد عندي يد ولا أعظم معروفا من الحجاج ~~ولو كنت محابيا أحد لغرض دنيا لحابيته ولكني آثرت الله ورسوله والدار ~~الآخرة فقال عبد الملك قد عزلته عن الحرمين لما كرهت من ولايته عليهما ms167 ~~وأعلمته أنك استنزلتني له عنهما استقلالا لهما ووليته العراقين وما هنالك ~~من الأمور التي لا يدحضها إلا مثله وأعلمته أنك استدعيتني إلى توليته عليها ~~استزادة له لإلزامه بذلك من حقك ما يؤدي إليك عني أجر نصيحتك فأخرج معه ~~فإنك غير ذام لصحبته انتهى PageV01P332 # | الركن الثاني عشر # # | إحكام التدبير # وفيه مسائل # المسألة الأولى لا خفاء أن التدبير قوام الملك وحافظ وجوده كما أنه من ~~مالك الملوك سبحانه وتعالى الفعل الممتدح به في حفظ نظام العالم بأسره ~~كقوله تعالى @QB@ يدبر الأمر يفصل الآيات @QE@ وقوله تعالى @QB@ يدبر الأمر ~~من السماء إلى الأرض @QE@ وقد عبر بعض الحكماء عن ثبات الرياسة به # وبالجملة كل ما هو من الخيرات المؤثرة يقويه التدبير يوجب بقاء النعمة ~~ترغيبا فيه وتحضيضا على اجتناء ثمرته # المسألة الثانية إذا كان من الملك بهذه المنزلة فتوهم الاستغناء عنه عند ~~استقامة الأمور باطل ففي الأفلاطونيات الغر من الملوك من ظن أنه غني عن ~~التدبير مع استقامة الأمور لأنه لا يرى فيه خللا وفي مثل هذا الوقت يمكنه ~~توفير خراجه وانتخاب رجاله وخدمة العدل والسنن المحمودة في بلدانه وتناول ~~كل ما يشغله الحرب عنه ويمنعه منه # المسألة الثالثة إنما يعتد بالتدبير إذا صدر من ذوي التجارب العارفين بما ~~تحسن به العاقبة وترضى به الاستقامة التي لا انحراف فيها عن نهج الصواب ~~فلذلك لا عبرة به من الأحداث وأن اوهم صلاحا ففيها لا تعتمد تدبير الأحداث ~~فليس يليق التدبير بهم وأن حسن منهم في بعض الأوقات فإنه قبيح العاقبة وهو ~~كوجود الشيء بالحسن يرى حسنا والعقل يبين بعد قبحه # المسألة الرابعة قال بعضهم صلاح التدبير في الاحتراز من ثلاثة # أحدهما كثرة الشركاء فيه لانتشاره باختلافهم PageV01P333 # قلت وبرهان بطلانه ما دل عليه قوله تعالى @QB@ لو كان فيهما آلهة إلا ~~الله لفسدتا @QE@ وهو موجب اتخاذ الرئيس كما تقدم # الثاني تحاسد الشركاء فيه وتنافسهم لفسادهم بدخول الهوى فيه # قلت وهذا حيث لا يكون الأمر راجعا إلى لزوم الإنفاق إلى رأي واحد جبرا أو ~~تواضعا وأما بتقدير استبداد كل ms168 واحد فالفساد لازم ولم يكن هناك تحاسد ~~بالفرض # الثالث ملك التدبير من غاب عن الأمر دون من حضره وباشره كما كتب المهلب ~~إلى الحجاج حين كتب إليه بسبب يستعجله في حرب الأزارقة أن من البلية أن ~~يكون التدبير لمن يملكه دون من يباشره قيل وإذا كان ذلك داخله حقد المباشر ~~وفوت الفرص # المسألة الخامسة من محكم التدبير ما يجب أن يستشعر معه شدة المبالغة في ~~التحفظ والاحتراز ففي الأفلاطونيات ليكن خوفك من تدبيرك على عدوك أكثر من ~~تدبير عدوك عليك # | الركن الثالث عشر # # | تقديم الولاة والعمال # وفيه مسائل # المسألة الأولى قال الطرطوشي منزلة العمال من الوالي بمنزلة PageV01P334 ~~السلاح من المقاتل والآلات للصناع لا يسد بعضها مسد بعض فمنهم للرأي ~~والمشورة ومباشرة الحرب وجمع المال والحجابة والدعاء والعلم والفتيا لا ~~يقوم للملك ملك ما لم تجتمع هذه الطبقات # المسألة الثانية قال ابن حزم يلزم الإمام أن يتخير ولاته وعماله لتعذر ~~مباشرته لجميع الأمور ولئلا يشتغل عن التدبير بأعظم من ذلك # قلت من الأوصاف المعتبرة في صحة هذا التخير وكماله أمور # أحدهما الدين الوازع عن الجور والخيانة العائد وبالهما على الدولة ~~والرعايا # قال المأمون ما فتق على فتق قط إلا وجدته جور الولاة # وفي العهود اليونانية الخيانة تفسد الراعي والرعية # الثاني الكفاية المأمون بها محذور التضييع والتفرد والتفريط ففي العهود ~~تجنب استعمال من كان حظه من السلامة والصيانة أكثر من حظه من الكفاية ~~والشهامة فإن تضييعه عليك أكثر من استدراكه لك وتعزيره يزيد على إحسانه ~~إليك # الثالث الجمع بين وصفي الشدة واللين قال عمر رضي الله عنه ينبغي أن يكون ~~في الوالي من الشدة ما يكون ضرب الرقاب عنده بالحق كقتل عصفور ويكون فيه من ~~الرقة والحنو والرحمة والرأفة ما يجزع من قتل عصفور # الرابع التواضع عن رفعة السيادة الذاتية قال بعض الخلفاء دلوني عن رجل ~~واستعمله على أمر قد أهمني قال وكيف تريده إذا كان في القوم PageV01P335 ~~وليس أميرهم كان كأميرهم وإن كان أميرهم كان كرجل منهم قالوا ما نعمله إلا ms169 ~~الربيع بن زياد الحارثي قال صدقتم وهو لها # الخامس التجربة الحاصلة بتقدم الولاية الحميدة السيرة فقد قيل ينبغي ~~للملك أن يتخير لولاية الأعمال من تقدمت له فيه تجربة وسيرة حميدة ولا يعدل ~~عنه ما وجده فقد كان صدر الإسلام من ولي لخمسة من ذوي الأمر كأبي موسى ~~الأشعري وروح بن حاتم # وقلت وقد ذكر عن القاضي أبي إسحاق بن عبد الرفيع التونسي أنه ولي القضاء ~~بحضرة تونس في خمس دول لملوك الحفصيين بها لطول عمره وحسن سيرته # المسألة الثالثة الوارد من العهود المأخوذ على الولاة والعمال نوعان # أحدهما ما هو ديني محضى عريق في السذاجة والبعد عن منازع الملك وعوائد ~~ترفه كما يروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا بعث عاملا اشترط عليه أربعا ~~لا يركب البراذين ولا يلبس الرقيق ولا يأكل النقي PageV01P336 ولا يتخذ ~~حاجبا ولا يغلق بابا على حوائج الناس وما يصلحهم ويقول له إني لا استعملك ~~على أبشارهم ولا على أعراضهم ولا على أعمالهم وإنما استعملك لتصلي يهم ~~وتقضي بينهم بالعدل # الثاني ما هو سياسي والمعتبر منه ما تشهد له الشريعة بالقبول كما يقال أن ~~أنو شروان كان يكتب في عهد العمال سس خيار الناس بالمحبة وامزج للعامة ~~الرغبة بالرهبة وسس سفلة الناس بالمخافة وفي العهود اليونانية قرر في ~~نفوسهم أن أعظم ما تقربوا به إليك إقامة حق أو دحض باطل وأن أخذ حكام ما ~~جرى على أيديهم وأخذ القسط من الصواب لديهم آثر عندك من توفير عائده ودرور ~~حلبة # المسألة الرابعة من جوامع ما يحذر منهم أمران # أحدهما إتصافهم بما يحمل على سوء السيرة المضرة بهم أولا وبنظام الخلق ~~بعد ثانيا ففي العهود اليونانية تجنب منهم من غلب عليه سوء المنشأ والتخرق ~~في الإنفاق والتناوش في الإكتساب وسهل عليه التبكيت ومنع رعيته الإيصاف ~~وساسهم بها بالإخافة وكانت ذريعته فيها بتقليده المصانعة دون التقصي ~~والكفاية فإنه يفسد نظام المدن ويشهد أهلها كتمان النعمة وإظهار الفاقة ~~PageV01P337 الثاني تلبيسهم على مواليهم في التقرب إليه بما يعتقد صلاحه ms170 ~~وهو في الحقيقة أعظم فساد يجر إليه ففيها أيضا وأحذر أن يفتك من قلدته سخفه ~~في اجتلاب الحظ لك وإتباعه رضاك بسخط رعيتك والتماسه التوفير عليك بالإجحاف ~~بها والتحرز في عمارة بلادها فإن هذا قد عاداك من حيث يتوهم أنه أولاك # المسألة الخامسة من مستحسن السيرة معهم تفقدهم بأحد أمرين # الأمر الأول بث العيون عليهم ليطلع بذلك على حقيقة حالهم ففي العهود ~~اليونانية وابعث على عمالك بحضرتك وقاصيتك عيونا ينهون إليك ما وقفوا عليه ~~من زللهم وفجورهم وما شجر بين رعيتك وبينهم وخبر من وكلته بذلك ألا ينهي ~~إليك منه إلا ما يقوم بنصيحة ولا يلزم أحدا بمؤونة فيه وتوعده عليه بغاية ~~العقوبة وأعرض ما أنهي إليك عنهم على خيرتك فمن رفع إليك عنه وظنك فيه وما ~~صححه الرافع عليه فأمض أمره بما يوجبه العدل له وعليه وإن عثرت على عين ~~منهم بظن جائر بقول كذب فعاقبه على ذلك عقوبة تودع من سواه عن سلوك نهجه ~~وتجنب استعماله ما بقيت # الأمر الثاني استقدام من يعتد به من أهل عمالتهم ليتعرف من ناحيتهم مثل ~~ما تنهى إليه العيون المبثوثة من لدنه منضما لما في هذا الأمر الآخر من ~~وضوح الشهادة PageV01P338 قال ابن حزم يلزم الإمام أهل كل جهة من جهات بلده ~~أن يفد عليه من خيارهم وعلمائهم ليستخبرهم عن حال الأمير والناس ويكسوهم ~~ويصلحهم كما كان عليه السلام يفعل فإذا وفدوا عليه انفرد بهم واحدا بعد ~~واحد حتى يقف على الحق من الباطل في أمر الناس وأمر ولاته وجميع أحوال ~~عماله # مبالغة اعتذار من حزمة المراء من أفصح لعماله باشتراط تفقدهم وتعيين ~~جزائهم ثوابا وعقابا فيحكى عن زياد أنه كان إذا أولى أحدا قال خذ عهدك وسر ~~إلى عملك وأعلم أنك مصروف رأس سنتك وأنك تصير إلى أربع خلال فاختر لنفسك ~~إنا إن وجدناك أمينا ضعيفا استبدلنا بك لضعفك وسلمتك من مضرتنا أمانتك وإن ~~وجدناك خائنا قويا استبدلنا بك وأحسنا على خيانتك أدبك فأوجعنا ظهرك ~~أتثقلنا غرمك وإن جمعت بين الجرمين ms171 جمعنا عليك العقوبتين وإن وجدناك أمينا ~~قويا زدناك في عملك ورفعنا ذكرك وكثرنا مالك وأوطأنا عقبك # المسألة السادسة قال ابن الحزم يلزم الإمام أن يرزق أمراء النواحي رزقا ~~واسعا يقوم بهم وبمئونتهم حتى لا يشرهوا إلى مال واحد من أهل عملهم وترزق ~~من لهم من الأعوان والفرسان والرجال ليستظهر بهم على ما هم بسبيله على قدر ~~ما يلي كل واحد منهم من كبر الناحية وصغرها من قمع ظالم أو معاند وشبه ذلك # قلت وفي العهود اليونانية كفهم بما تسبغ عليهم من الرزق وعن التصدي ~~بزيادة الرفق # المسألة السابعة من الوصايا الواردة في هذا المقام وصيتان # الوصية الأولى يذكر عن أبرويز أنه كتب إلى إبنه يوصيه بالرعية ليكن ~~PageV01P339 من تختاره لولايتك أمراء كان في ضعة فرفعته أو كان ذا شرف فعلا ~~فاصطنعه ولا تجعله أمرءا أصبته بعقوبة فاتضح لها ولا أحد ا ممن يقع بقلبك ~~أن إزالة سلطانك أحب إليه من ثبوته وإياك أن تستعمله غمرا إعجابه بنفسه ~~قليلا تجربته في غيره ولا كبيرا مدبرا قد أخذ الدهر من عقله كما أخذت ~~السنون من جسمه الوصية الثانية يحكى عن سابور أنه قال لا تستعملن على الأرض ~~الكثيرة الخراج شريفا عظيم الشأن ولا قائد جند ومن لا يعتمد عليه في الخطوب ~~فربما خانوا أو ضيعوا العمل فإن سوغتهم هلك المال اقتدى بهم غيرهم وإن ~~عاقبهم أذهب بهاءهم وهيبتهم وأضغنت صدورهم وضعفت نياتهم في المناصحة فكنت ~~قد فللت سلاحك وهدمت حصنك # المسألة الثامنة من المواعظ في الغفلة عن تفقد الولاة ما يروى أن عمرو بن ~~عبيد دخل على المنصور فقرأ @QB@ والفجر وليال عشر @QE@ حتى بلغ @QB@ إن ربك ~~لبالمرصاد @QE@ لمن فعل مثل فعالهم فاتق الله يا أمير المؤمنين فإن ببابك ~~نيران تتأجج لا تعمل فيها بكتاب الله ولا بسنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم PageV01P340 وأنت المسؤول عما اجترحوا وليسوا مسؤولين عما اجترحت فلا ~~يصلح دنياهم بفساد آخرتك أما والله لو علم عمالك أنه لا يرضيك منهم إلا ~~العدل لتقرب به إليك من لا ms172 يريده فقال سليمان بن خالد أما كفاك أن تعرض ~~نصيحتك عن أمير المؤمنين حتى أردت أن تحول بينه وبين من ينصحه فقال عمر أتق ~~الله يا أمير المؤمنين فإن هؤلاء قد اتخذوك سلما إلى شهواتهم فأنت كالماسك ~~بالقرون وغيرك يحلب وإن هؤلاء لن يغنوا عنك من الله شيئا # تتميم ما يكسبه الولاة والعمال ينظر فيه في مواضع والمقرر منها بحسب ~~الفرض ثلاثة مواضع # الموضع الأول الحاصل منه هدية # وقد دل الحديث على عدم الاعتبار بظاهر تلك الحال رعيا لباطن القصد وهو ~~العطاء لأجل الولاية وفي الصحيحين عن أبي حميد الساعدي قال استعمل النبي ~~صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة فلما قدم ~~قال هذا لكم وهذا أهدى إلي PageV01P341 فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خطيبا على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإني أستعمل الرجل ~~منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول هذا مالكم وهذا هداية أهدي إلي ~~أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتي هديته إن كان صادقا والله لا يأخذ ~~أحدكم شيئا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة فلا أعرفن أحدا منكم ~~لقي الله يحمل بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أوشاة تبعر ثم رفع يديه حتى ~~رؤى بياض إبطيه يقول اللهم قد بلغت # الموضع الثاني المكتسب منه رشوة # وفيه وعيدان # الوعيد الأول آجل وهو اللعنة كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي ~~الله عنه قال لعن الله الراشي والمرتشي رواه الترمذي وفي حديث ثوبان رضى ~~الله عنه لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P342 الراشي والمرتشي ~~والرائش الذي يمشي بينهما # الوعيد الثاني عاجل وهو الأخذ بالرعب فعن حديث عمرو به العاص رضي الله ~~عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من قوم يظهر فيهم الربا ~~إلا أخذوا بالسنة وما من قوم يظهر فيهم الرشا إلا أخذو بالرعب رواه الإمام ~~أحمد # الموضع الثالث ما حكم المال ms173 في الموضعين وبالجملة ما هو من وجه غير حلال ~~ولا خفاء بوجوب رده إلى أربابه إن عرف بعينه وعلم صاحبه وإلا فلبيت مال ~~المسلمين وقد قال الداودي # إن وصايا المتسلطين المستغرقي الذمة لا تنفذ وعتقهم مردود ولا تورث ~~أموالهم ويسلك بها سبيل الفيء انتهى # فإن قلت أفلا يشاطرهم الإمام كما فعل عمر رضي الله عنه حتى أخذ لخالد بن ~~الوليد فرد نعليه وشطر عمامته # قلت لا تكفي المشاطرة فيما هو حرام محض وإنما وجهها في حق PageV01P343 ~~الصحابة رضي الله عنهم أمر آخر قال الطرطوشي كأنه رأى ما أصاب العامل في ~~غير رشوة وأن كان حلالا لا يستحقه لقوته بالولاية على نيل حلال لا يناله ~~غيره فجعله كالمضارب للمسلمين # قلت ووجهه الغزالي باحتمال أن يكون من مالهم فرأى شطره من فوائد الولاية ~~فاسترجعه إلى مستقر مثله وهو بيت المال # فائدة في تنبيه قال ابن قيم الجوزية الفرق بين الهدية والرشوة وإن إشتبها ~~في الصورة أن الراشي قصده التوصل إلى إبطال حق أو تحقيق باطل فهذا الراسي ~~الملعون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم المهدي قصده استجلاب المودة ~~والمعرفة فإن قصد المكافأة فمعارض أو الربح فمستكثر # تبصرة لتوفر ما بأيدي الولاة والعمال من مستفاد الولاية علامات منها ~~التوسع في المصانع والمباني فقد كان عمر رضي الله عنه يقول لي على كل خائن ~~أمنيان الماء والطين ومر يوما ببناء يبنى بحجارة وجص فقال لمن هذا فذكروا ~~أنه لعامل له على البحرين فقال أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقها # فوائد مكملة # الفائدة الأولى قال البرزلي من باب الرشوة هدية المنقطعين إلى العلماء ~~والمتعلقين بالسلطان ليدفعوا عنهم الظلم قال لأن دفعة واجب على القادر عليه ~~من مسلم أو ذمي أو غيرهما # قلت إذا تعين فواضح لقوله صلى الله عليه وسلم من شفع لأخيه المسلم شفاعة ~~فأهدى إليه هدية فقبلها فقد أتى بابا عظيما من أبواب PageV01P344 الكبائر ~~رواه أبو داوود عن أبي أمامة رضي الله عنه وحيث يكون كفائيا ففي إطلاق ذلك ~~نظر وأظنه ms174 مشارا إليه بعض العلماء # الفائدة الثانية في الطرز عن أبن عبد الغفور ما أهدى إلى الفقيه من غير ~~حاجة جائزة له قبوله ولرجاء العون على خصومة أو قضاء حاجة عنده على خلاف ~~المعمول به لا يحل له القبول إذ هي رشوة قال وكذا لو تنازع خصمان فأهديا ~~إليه أو أحدهما رجاء العون لهما عند حاكم يسمع منه لا يحل له الأخذ منهما ~~أو من أحدهما # ثم حكى عن بعض المتأخرين أنه سئل عن الهداية على الفتوى فقال إن كان ينشط ~~في الفتوى أهدي إليه أم لا فلا بأس بها وإن كان لا ينشط إلا بها فلا يأخذها ~~وهذا مالم لم تكن خصومة # قال وإلا حسن أن لا تقبل هدية صاحب فتوى وهو قول ابن عيشون ولا عبرة يجعل ~~ذلك رشوة قال البرزلي وما نقله PageV01P345 عن ابن عيشون أعرف له أنه لا ~~يجوز كالقول الثاني من التحريم وينشده فيه # ( إذا أتت الهدية دار قوم % تطايرت الأمانة من كواها ) # الفائدة الثالثة نص ابن عيشون على أن القاضي إذا امتنع من تنفيذ ما تبين ~~له الحق إلا بعد أن تعطي شيئا أن حكمة مردود غير جائز قال البرزلي وتتخرج ~~على أحكام القاضي الفاسق إذا صادف الحق هل يمضي أم لا # قلت في شرح عقيدة النسفي المتفتازاني وفي فتاوى قاصي خان أجمعا على أنه ~~إذا ارتشى يعني القاضي لا ينفذ قضاؤه فيما ارتشى وأنه إذا أخذ القاضي ~~القضاء بالرشوة لا يصير قاضيا ولا ينفذ قضاؤه PageV01P346 الفائدة الرابعة ~~قال ابن عيشون أجاز إعطاء الرشوة إذا خاف الظلم على نفسه وكان محقا # قلت قيل وتختص اللعنة بمن قبلها على ذلك وهو المرتشي قاله ابن قيم ~~الجوزية # الفائدة الخامسة قيل أول من رشي في الإسلام المغيرة بن شعبة كان يعطي ~~يرفا حاجب عمر رضي الله عنخ ليستأذن له عليه ويرفا هذا أول من قبلها في ~~الإسلام # قلت لعل فعل المغيرة رضي الله عنه من باب التوصل به إلى حق منع منه على ~~ما تقدم # قيل وأول من ms175 رد الهدية عثمان بن عفان رضي الله عنه # مزيد موعظة قيل الهدية تطفئ نور الحكمة # وقيل الهدية تعمي وتصم حتى قال # ( وأكرم من يدق الباب شخص % ثقيل الحمل مشغول اليدين ) # ( ينوء حتى قال # ( وأكرم من يدق الباب شخص % ثقيل الحمل مشغول اليدين ) # ( ينوء إذا مشى نفسا ونفخا % وينطح بابه بالركبتين ) # ( وأكرم شافع يمشي عليها % أبو المنقوش في الصفحتين ) # قلت ولا أسوأ في عمي البصيرة وصمم آذان القلوب من الرضا بفقد الأمانة ~~وكرامة من تسبب في ذلك والبيت الأخير ينظر إلى قوله # ( ودع عنك كل رسول سوى % رسول يقال له الدرهم ) PageV01P347 # | الركن الرابع عشر # # | إتخاذ البطانة وأهل البساط # وفيه مسائل # المسألة الأولى من طبيعة الملك اتخاذ البطانة المنقسمة إلى آمرة بخير ~~ومعينة عليه وإلى مشيرة بشر وداعية إليه ومصداقه من الوحي ما في الصحيح عن ~~أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما بعث ~~الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانة تأمره بالمعروف وتحضه ~~عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه والمعصوم من عصم الله وفيه عن أبي أيوب ~~رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما بعث الله من ~~نبي ولا استخلف بعده من خليفة إلا له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه ~~عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالا فمن وقي شرها فقد وقي # المسألة الثانية فما لابد له من أوصاف بطانة الخير الملازمين للبساط ~~أمران # أحدهما العقل الكامل التجربة قال الطرطوشي ينبغي للملك أن يجالس أهل ~~العقل وذوي الرأي والحسب والتجربة والعير فمجاله العقلاء لقاح العقل ومادته # قال وقال ابن عباس رضي الله عنهما مجالسة العقلاء تزيد في الشرف ~~PageV01P348 # الثاني الدين وهو موجب أمرهم بالخير ومعونتهم عليه كالفسق الحامل على ~~الإشارة بالشر وقد قال الله تعالى @QB@ واتبع سبيل من أناب إلي @QE@ وقال ^ ~~فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلى الحياة الدنيا ^ # المسألة الثالثة من فوائد بطانة الخير وجهان # أحدهما دلالة صحبتهم على من صحبهم ms176 ففي الأمثال يظن بالمرء ما يظن بخليله # وقال الطرطوشي وأعلم أنه ليس الدخان على النار بأدل من الصاحب للصاحب ~~انتهى # وفيه قيل # ( إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم % ولا تصحب الأردى فتردى مع الردى ) # ( عن المرأ لا تسأل وسل عن قرينه % فكل قرين بالمقارن يقتدي ) # الثاني صلاح سائر البطانات بهم إلى أن يعم الصلاح جميع الرعية قال أزدشير ~~لكل ملك بطانة ولكل واحد واحد بطانته من البطانة بطانة حتى يجمع ذلك جميع ~~المملكة فإذا أقام الملك بطانة على حال الصواب أقام كل منهم بطانته على مثل ~~ذلك حتى يجتمع على الصلاح عامة الرعية # المسألة الرابعة من مفاسد الشر أيضا وجهان PageV01P349 # أحدهما مسارقة طباعهم على تدريج خفي وانتقال غير مشعور به فقد كان يقال ~~إحذروا ذوي الطبائع المرذولة كي لا تسرق طباعكم منها وأنتم لا تعلمون وعن ~~سعيد بن المسيب لا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره ولا تطلعه على سرك واستشر ~~في أمرك الذين يخشون الله # قلت وإليه يرجع قوله # ( لا تصحب الكسلان في حاجاته % كم صالح بفساد آخر يفسد ) # ( عدوى البليد إلى الجليل سريعة % والجمر يوضع في الرماد فيخمد ) # وقوله # ( إن الجهول تضرني أخلاقه % ضرر السعال لمن به استسقاء ) # الثاني استحكام فساد طبعه بتحوله جملة إلى طباعهم الغالبة عليه قال ~~أزدشير ما شيء أضر على نفس الملك من معاشرة سخيف ومخاطبة وضيع كما أن النفس ~~تصلح على مخاطبة الشريف الأديب كذلك تفسد بمعاشرة السخيف الخسيس حتى يقدم ~~ذلك فيها ويزيلها عن فضيلتها PageV01P350 # قلت ومصداقة ما تقدم في حديث النسائي وهو إلى ما يغلبه عليه من أي ~~البطانتين # المسألة الخامسة اتخاذ بطانة الخير لما يراد بهم واجب في حفظ الملك أصلا ~~وفرعا # قال ابن حزم ويتخذ من وجوه الكتاب و العلماء والقضاة والأمراء قوما ذوي ~~آراء سديدة وكتمان للسر فيجعلهم وزراءه الذين يحضرون مجلسه يلازمونه في ~~التدبير لجميع ما قلده الله تعالى من أمور عباده # قلت ولظهور حكمة وجوبه عظم موقعه من كملاء الملوك الجلة حتى عدوا بعض ~~فوائده وهي محادثة ms177 الرجال آثر اللذات لديهم وهي # المسألة السادسة فقال عبد الملك بن مروان قد قضيت الوطر من كل شيء إلا من ~~محادثة الإخوان في الليالي الزهر على التلال العفر وقال أيضا هشام قد قضيت ~~الوطر من كل شيء فأكلت الحلو والحامض حتى لا أجد لواحد منهما طعما وشممت ~~الطيب حتى لا أجد له رائحة وأتيت النساء حتى ما أبالي امرأة أتيت أم جدار ~~حائط فما وجدت شيئا ألذ من جليس تسقط بيني وبينه مؤونة التحفظ # وقال المأمون للحسن بن سهل نظرت في اللذات فوجدتها كلها ملولة خلا سبعا ~~قال وما هي يا أمير المؤمنين قال لحم الضأن وخبز الحنطة والماء البارد ~~والثوب الناعم والرائحة الطيبة والفراش الوطيء والنظر إلى الحسن من كل شيء ~~قال فأين أنت يا أمير من محادثة الرجال فقال صدقت وهي أولى منهن ~~PageV01P351 # المسألة السابعة في العهود اليونانية وفيه بيان لما يكفل به أوصاف ~~المستخلصين للبساط السلطاني علمائهم وسواهم واستخلاص طائفة من أبناء النعم ~~والستر لحضور مجالسك وليكن منهم للمجالس العامة من عظم قدره وبعد صيته وظهر ~~يساره وكان منتصبا للفتيا وموضعا للمشورة وللمجالس الخاصة من رق طبعه وقويت ~~معرفته لما تحتمله تلك المجالس من سير الملوك ومآثر الكرماء وذخائر الحكماء ~~ومحاسن البلغاء من الأشعار النادرة والأخبار المؤنسة والأمثال السائرة وكان ~~معه من كل ما يستتر الملوك به من العوام نصيب وافر وحظ مؤنس وأغنهم عن غيرك ~~تصف لك ألبابهم وتعزز لديك فوا ئدهم انتهى # المسألة الثامنة في سياسة أر سطو أن ما يجب على الملك أن يلزم من بحضرته ~~الوقار وإظهار الحشمة ومتى ظهر من أحد استخفاف عوقب عليه وإن كان مما يلطف ~~محله كانت عقوبته إقصاء عن المجلس زمانا حتى ينتهي عن استخفافه وإن صح عن ~~أحد أنه فعل ذلك قصدا أنه فعل ذلك قصدا للاستخفاف والمحطة أبعد إبعادا ~~طويلا بعد العقوبة # فوائد مكملة # أحدهما تتأكد على السلطان إذا كان حدثا أن يتباعد عن ذوي الريبة من ~~بطانته وإن كان أحظاهم منزلة لديه كما يحكى أن ms178 زيادا في مدة ولايته ~~PageV01P352 العراقين كان كثير الرعاية لحارثة بن بدر وللأحنف بن قيس وكان ~~حارثة مكبا على الشراب فوقع أهل البصرة فيه عند زياد ولاموه في تقريبه ~~ومباشرته فقال لهم زياد يا قوم كيف لي بإطراح رجل هو يسايرني منذ دخلت ~~العراق ولم يصكك ركابي ركابه قط ولا تقدمني فنظرت إلى قفاه ولا تأخر عني ~~فلويت إليه عنقي ولا أخذ على الروح في صيف ولا الشمس في شتاء قط ولا سألته ~~عن شيء من العلم إلا وظننته لا يحسن سواه وأما الأحنف فلم يكن فيه ما يقال # فلما مات زياد وتولى ولده عبيد الله قال لحارثة إما أن تترك الشراب وإما ~~أن تبتعد عني فقال له قد علمت حالي عند والدك فقال عبيد الله إن والدي قد ~~نزع نزوعا لا يلحقه معه عيب وأنا حدث وإنما أنسب إلي من يغلب علي وأنت رجل ~~نديم الشراب فمتى قربتك وظهرت منك رائحة الشراب لم آمن أن يظن بي فدع ~~النبيذ وكن أول داخل علي وآخر خارج عني فقال له أنا لا أدعه لمن يملك ضري ~~ونفعي أفأدعه للحال عندك قال فاختر من عملي ما شئت قال فولني سرق فقد وصف ~~لي شرابها وتضم إلي رام هرمز فولاه إياهما # الفائدة الثانية من استولت عليه رذيلة الخلق صعب علاجه ليحصل PageV01P353 ~~صحبته فقد قيل لا يطمع في استصلاح الرذل والحصول على معافاته فإن طباعه ~~أصدق له منك ولن يترك طباعه لك وقد كان يقال أصعب ما يعانيه الإنسان ~~ممارسته صاحب لا تتحصل منه حقيقته # الفائدة الثالثة من كلام الحكماء إذا رأيت من جليسك أمرا تكرهه وخلالا ~~تحبها وصدرت منك كلمة عوراء وهفوة غبراء فلا تقطع حبله ولا تصرم مودته ولكن ~~داو كلمته واستر عورته فإن رجع وإلا فاتقه # قال تعالى ^ فإن عصوك فقل إني بريء مما تعلمون ^ فلم يأمر بقطعهم وإنما ~~أمره بالبراءة من عملهم السوء # | الركن الخامس عشر # # | تنظيم المجلس وعوائده # وفيه مسائل # المسألة الأولى لابد للسلطان من الاجتماع بخواص مقربيه أولا وبمن ms179 يصل ~~إليه من سواهم بحسب الحاجة ثانيا والمحل المعد لذلك هو المجلس في الجملة ~~وسيأتي إن شاء الله في شارات الملك الطبيعية إلحاق له أن من اتخاذ السرير ~~في هذا المجلس لما تدعو إليه منازع الملك من الترفع عن المساواة في الجلوس ~~فيه بين السلطان ومن عداه وذلك مستلزم لضرورة عقد المجلس أولا كما يشهد ~~باعتباره فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في جلوسه مع أصحابه رضي الله عنهم ~~وعند ذلك فآدابه الشرعية والسياسية لابد من المحافظة عليها # المسألة الثانية ما يطالب به السلطان في مجلسه ضربان # أحدهما ما يحسن به فعله كالتجميل والصمت والوقار والانقباض PageV01P354 ~~بمحضر العامة والجلوس تربعا والضحك تبسما ونظم الحديث والاصغاء إلى الكلام ~~الحسن من غبر إظهار تعجب مفرط # الثاني ما يجمل به تركه كتشبيك الأصابع وإدخالها في الأنف ووضع اليد على ~~اللحية والضحك والالتفات ومد الرجل والقيام والقعود والتحول عن الحالة التي ~~جلس عليها واللعب بالخاتم وتخيل الأسنان والإشارة باليد وكثرة البصاق ~~والتمطي والتثاؤب والانبساط الدال على الفرح والانقباض الدال على الحزن ~~لئلا يستدل بذلك على ما في نفسه # فائدة في تنبيه صور القرافي انقسام التجمل السلطاني وغيره إلى واجب إذا ~~توقف عليه تنفيذه لأن الهيئة الدنية والرثة لا يحصل معها مصالح العامة من ~~الولاة وإلى مندوب في الصلوات والجماعات والحروب لرهبة العدو والمرأة ~~لزوجها وفي العلماء لتعظيم العلم في النفوس فقد قال عمر رضي الله عنه أحب ~~إلي أن أرى القارئ أبيض الثياب وإلى حرام كالتزين للنساء الأجنبيات وإلى ~~مباح إذا عرى عن هذه الأسباب # المسألة الثالثة من الواقع في المجلس السلطاني عوائد معروفة # العادة الأولى السلام عليه عند الوصول إليه والسني منها ما هو معلوم من ~~تحية الإسلام وما وراء ذلك فلا يخفى ما فيه ولذلك يحكى أنه لما حضر أبو ~~منصور ابن الجواليقي للصلاة بالإمام المقتفى بالله PageV01P355 ودخل عليه ~~لأول دخوله ما زاد على أن قال السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله تعالى ~~فقال له ابن التلميذ النصراني وكان قائما بين يديه ms180 وله إدلال الخدمة ما ~~هكذا يسلم على أمير المؤمنين يا شيخ فلم يلتفت ابن الجو اليقي إليه وقال ~~للمقتفى يا أمير المؤمنين سلامي هو مما جاءت به السنة النبوية وروى له خبرا ~~في صورة السلام ثم قال يا أمير المؤمنين لو حلف حالف أن نصرانيا أو يهوديا ~~لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه لما لزمته كفارة الحنث لأن ~~الله تعالى ختم على قلوبهم ولن يفك خاتم الله إلا الإيمان فقال له صدقت ~~وأحسنت فيما فعلت وكأنما ألقم ابن التلميذ حجرا # العادة الثانية جلوس الداخل حيث تقتضيه مرتبته لكن ربما لا تسلم لمدعيها ~~إلا بعد الوفاء لما يستوجبها به كما يحكى عن أبي نصر الفارابي لما ورد على ~~سيف الدولة وكان مجلسه يجمع الفضلاء في جميع المعارف فأدخل عليه وهو في زي ~~الأتراك وكان ذلك زيه دائما فوقف فقال له سيف الدولة أقعد فقال حيث أنام أم ~~حيث أنت قال حيث أنت فتخطى رقاب الناس حتى انتهى إلى مسند سيف الدولة ~~وزاحمه حتى PageV01P356 أخرجه عنه وكان على رأس سيف الدولة مماليك وله معهم ~~لسان خاص يسارهم به قل أن يعرفه أحد فقال لهم بذلك اللسان هذا الشيخ قد ~~أساء الأدب وإني سائله عن أشياء إن لم يوفي بها فأخرجوا به فأجابه أبو نصر ~~بذلك اللسان أيها الأمير اصبر فإن الأمور بخواتيمها فعجب سيف الدولة منه ~~وقال له أتحسن الكلام بهذا اللسان فقال نعم أحسن بأكثر من سبعين لسانا فعظم ~~عنده # العادة الثالثة تقبيل يده على رأي بعض العلماء ونصوص المذهب المالكي على ~~خلافه ففي الرسالة وكره مالك تقبيل اليد وأنكر ما روى فيه قال القاضي عبد ~~الوهاب لأنه من فعل الأعاجم وأخلاقهم فلم ينقل عن أحد من السلف فوجب ~~كراهيته وقال في تلقينه والمعانقة مكروهة وتقبيل اليد مشدد في منعه لأن فيه ~~معنى التجبر # موافقة دخل رجل على هشام بن عبد الملك فقبل يده فقال إن العرب ما قبلت ~~اليد إلا هلوعا ولا فعلته العجم إلا خضوعا ms181 واستأذن رجل المأمون في تقبيل ~~يده فقال أن قبلة اليد من المسلمين ذلة ومن الذمي خديعة ولا حاجة بك أن تذل ~~ولا بنا أن نخدع PageV01P357 # تفرقة من العلماء من أجاز ذلك في حق ذوي العلم والدين قال النووي من أراد ~~تقبيل يد غيره فإن كان لزهده أو لعلمه أو أمر ديني لم يكره بل يستحب وإن ~~كان لغناه أو وجاهته في الدنيا فمكروه شديد الكراهية # وقال المتولي من أصحابنا لا يجوز فأشار إلى أنه حرام # قلت وبهذه التفرقة قال الأبهري في شرحه لمختصر ابن عبد الحكم # قال البرزلي وفعلته مع أشياخي وقصدي به التبرك والتعظيم ولما تقرر عندي ~~من الأحاديث وعدم إنكار ذلك عن معظم من يقتدي به # قلت وفيه بحث لا يسع الآن بسطه # العادة الرابعة عدم الدنو منه في الجملة PageV01P358 # قال الجاحظ ومن حق الملك أن لا يدنو منه أحد صغير ولا كبير إلا وهو معروف ~~الأبوين غير خامل ولا مجهول فإن احتاج إلى مشافهة خامل أو وضيع لنصيحة ~~يسرها إليه أو لأمر يسأله عنه فمن حق الملك أن لا يخلي والدنو منه حتى يفتش ~~أولا ثم يأخذ بضعة إنسان فإذا أبدى ما عنده وقبل ما جاء به فمن حقه على ~~الملك الإحسان إليه والنظر في حاجته إن كانت له ليرغب ذو النصائح في رفعها ~~إلى ملوكهم والتقرب بها إليهم # قلت قيام المقتضي لهذه العادة مستدع لاعتبارها شرعا # العادة الخامسة مدحه بما يذكره بعظيم النعمة عليه ويستوجب به المادح ~~منزلة الزلفى لديه ومن مستحسن ما ورد من ذلك ما يروى أن أعرابيا دخل على ~~بعض الملوك فقال رأيتني فيما أتعاطى من مدحك كالمخبر عن ضوء النهار والقمر ~~الزاهر الذي لا يخفى على الناظر وأيقنت أني إلى حيث انتهى بي القول منسوب ~~إلى العجز مقصر عن الغاية فيما تصرفت من الثناء عليك إلى الدعاء لك ووكلت ~~الأخبار عنك إلى علم الناس بها # تنبيهان من الملوك من كره المواجهة له بمدحه عند الدخول عليه فيحكى أن ~~أعرابيا دخل على عبد ms182 الملك بن مروان فقال له تكلم بحاجتك فقال له يا أمير ~~المؤمنين بهر الدرجة وهيبة الخلافة يمنعان من ذلك قال فعلى رسلك فأنا لا ~~نحب مدح المشافهة ولا تزكية اللقاء قال PageV01P359 يا أمير المؤمنين لست ~~أمدحك ولكني أحمد الله على النعمة بك قال حسبك قد بلغت وقضى حوائجه # قلت وإن كان موجب هذه الكراهة خوف الغرور بالمدح فهو من الواجب استحضاره ~~وكذا إن علم من نفسه تقصيره عما مدح به # ففي الأفلاطونيات ينبغي للملك أن لا يقبل من المدح إلا ما كان مستشعرا له ~~ولا يطلق به إلا ألسنة الثقات عنده ويستحي عن تقصيره عما يلقى به منه لأنه ~~من القبيح أن تسبق أقوال عامته من حسن القول إلى ما لم يبلغه فعله من ~~الجميل # التنبيه الثاني على السلطان عند سماع مدحه أو بلوغه إليه أن يلتفت إلى ~~عكسه بتقدير زوال ما بيده وعند ذلك فليعمل على ما يخلد له الثناء الحسن دون ~~مصانعة # قال في العهود اليونانية وأعلم أن الألسنة محبوسة عن ذكر معائبك ما كنت ~~في ظل أمرك ونهيك فإذا زالا رجع كل محبوس إلى حقيقته فاجتنب الركون إلى ما ~~تزيين ما قبح منه واستدرك في حين سلطانك ما ينكر عليك فإن الراجع إلى الحق ~~أحد المصيبين # العادة السادسة التهنئة بالمحبوب # ومن بارع ما روى منها لكن مع اقتران محبوب السلطان بمكروه غيره أن عبد ~~الله بن الأهتم دخل على أمية بن خالد بن أسيد لما PageV01P360 هزم ولم يدري ~~الناس ما يقولون له فقال الحمد لله الذي نظر لنا أيها الأمير عليك ولم ينظر ~~لك علينا فقد تعرضت للشهادة بجهدك إلا أن الله تعالى علم حاجة أهل الإسلام ~~إليك فأبقاك لهم ولم يخذلان من كان معك فصدر الناس عن كلامه # العادة السابعة التعزية على المكروه ومن بليغ ما روى منها أن رجلا دخل ~~على معاوية رضي الله عنه وقد سقطت أسنانه فقال يا أمير المؤمنين إن الأعضاء ~~يرث بعضها بعضا والحمد لله الذي جعلك وارثها ولم يجعلها وارثك ms183 قيل وهذا من ~~معنى قوله صلى الله عليه وسلم متعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما ~~أبقيتنا وأجعله الوارث منا # المسألة الرابعة إذا كان المجلس السلطاني معقودا للحكم بين الناس فعلى ~~السلطان أن يستشعر فيه ما قرر في العهود اليونانية ففيها فاعلم أنك في ~~مجلسك وملابستك لأمور أهل مملكتك في طائفة من الله عز وجل وتعالى فاحذر أن ~~يعدل بك غضبك عن عدل أو يهجم بك رضاك عن إضاعة حق ولتكن قدرتك وقفا على ~~النصفة فلا تتناول بها محظورا عليك ولا تكرهن مباحا لك واجنح بتدبيرك إلى ~~حسن الروية فخف أن تقعد بك أناة عن حزم أو عجلة عن تبين ولا يمنعك الإنصاف ~~في المعاملة عن الأخذ بالفضل ولا العدل في العقوبة عن العود بالعفو وأطع ~~الحجة ما توجهت عليك ولا تعجل بها إن كانت لك فإن انقيادك لها أحسن من ظفرك ~~بها ولا يغلبنك ما حلى بالنفوس على ما عطف عليه الكرم ولا ما أوجب الحقد ~~على ما بني عليه الإبقاء ولا تردن نصيحة على أهلها فتمنعها عند شدة الحاجة ~~إليها ولا تطع فيها غير أهلها فتشغل عن إمضاء الأمور بما لا عايد فيه عليك ~~في معادك واحرص أن لا ينقضى عليك شيء من هذه المجالس إلا وقد سبقت عودتك ~~عليك انتهى PageV01P361 # لا خفاء بموقع هذه الوصايا شرعا وسياسة # المسالة الخامسة من الندوب إليه عند القيام من المجلس الإقتداء برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فبالذكر الذي كان يقوله عند قيامه من مجلسه ففي ~~الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك سبحانه اللهم ~~وبحمدك أشهد أن لا اله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر الله له ما كان ~~في مجلسه ذلك # وفي الحلية عن علي رضي الله عنه من أحب أن يكتال بالمكيال ألا وفى فليقل ~~آخر مجلسه أو حسن يقوم سبحان ربك رب العزة عما يصفون ms184 # | الركن السادس عشر # # | تقرير الظهور والاحتجاب # وفيه نظران # النظر الأول في الظهور # وفيه مسائل # المسألة الأولى الظهور الواجب على السلطان للنظر في سياسة ملكه ورعيته ~~نوعان # النوع الأول للعامة وقد جعله ابن حزم يوما في الجمعة قال ولا يمنع منه ~~مشتك كائنا من كان PageV01P362 # قلت حاصله استحسان التقليل من مباشرتهم وهو ظاهر لأمرين حرج التكثير منها ~~وعودا بضرر الإنسان بالمشاهدة فقد قال حكماء الهند ظهور الملك للعامة ~~يجرئهم عليه ويهون أمره لديهم وفي الافلاطونيات يحتاج الملك إلى أن يكون من ~~عامته في ستر فإنه إذا أنسها هان عليها قال والعلة في ذلك أن طباعها إن ~~تهين بعضها بعضا ولا توقره فكل من انبسطت إليه جرى مجرى بعضها بعض # النوع الثاني للخاصة المستعان بهم في التدبير وقد جعله ابن حزم أيضا سائر ~~الأيام قال ولا يسرف على نفسه لكن طرفي النهار من صلاة الصبح إلى نحو ثلاث ~~ساعات من النهار ومن صلاة العصر إلى إصفرار الشمس ويجعل وسط نهاره لراحة ~~جسمه والنظر في ماله وأهله انتهى # قلت وأوسع منه قول الجاحظ على الملك أن يقسم يومه أقساما أوله لذكر الله ~~تعالى وتعظيمه وصدره لرعاياه وإصلاح أمرها ووسطه لأكله ومنامه وطرفه لشغله ~~الخاص به ولراحته # قلت ومن أخذ في الحزم بالغ في ذلك جهده # المسألة الثانية اليوم الذي يظهر فيه السلطان للعامة ومن الناس استحسن ~~فيه عدم تعينه محتجبا بأمور # أحدها أنه قد يعوقه عن ذلك اليوم عارض شغل أو كسل أو لذة مغتنمة فيخرج ~~على كره # الثاني أنه إذا تخلف فيه لموجب فيقال مرض أو أحدث عليه حادث ذلك يكسب ~~العدو جرأة وسرورا والوالي حزنا وخوفا # الثالث أنه يواعد العدو الماكر اللقاء فيه فربما احتال فيه على ما ينال ~~فيه غنيمة الفرصة PageV01P363 # المسألة الثالثة من صون ظهور السلطان للعامة أن يكون راكبا والسياسة فيها ~~فيما ذكروا أن لا يتقدم الناس فيلقي من يرد عليه دون حاجب ولا يتأخر عنهم ~~فيؤذوه بغبارهم وليكن على حد من التوسط يكون فيه من خلفه أكثر ms185 أمامه وليكن ~~بإزائه من رجاله أفهمهم ويليهم أشدهم في أنفسهم # المسألة الرابعة قال بعضهم الهيئة التي يظهر عليها للناس وقار في غير ~~قطوب وبسط وجه في غير ضحك # قلت تقدم ما يشير إلى طلبه بفعل الوقار امتثالا بترك الضحك اجتنابا ~~فالوقار قالوا وهو من الله تعالى ومن رزقه إياه فقد وسمه بسيماء الخير ~~وكثرة الضحك قال أرسطو تذهب الهيبة وتعجل الهرم # قلت وفي وصايا النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه إياك وكثرة ~~الضحك فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه رواه غير واحد في حديث طويل # المسألة الخامسة تقدم عن ابن حزم أن السلطان يعود إلى الظهور PageV01P364 ~~لخواصه ما بين صلاة العصر واصفرار الشمس وقد عين بعد ذلك مالا يعمر به ذلك ~~الوقت يجعل الإمام عشي نهاره إلى الإصفرار للجلساء ويختارهم من أهل العلم ~~والفضل والعقل وحسن التدبير يخوض معهم في الفقه وفي سائر العلوم الشرعية ~~وفي مذاكرة السياسة والأخبار وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس مع ~~أصحابه ويذاكرهم ويشاورهم ويعلمهم وكذلك الخلفاء بعده # قلت وكذا بعد انقلاب الخلافة ملكا في كثير من الدول لكن منهم من يخص هذا ~~النوع المشار إليه ببعض فصول السنة كما عليه سيرة ملوك بني زيان بتلمسان ~~حتى الآن # المسألة السادسة من السيرة السياسية البعيدة المدى في ترتيب الظهور ~~لمباشرة النظر في رعاية الملك والرعايا ما ذكروا أن معاوية رضي الله عنه ~~كان يظهر في اليوم والليلة خمس مرات فكان إذا صلى الصبح جلس للقاص حتى يفرغ ~~من قصصه ثم يدخل فيؤتى بمصحفه فيقرأ جزءه ثم يدخل إلى منزله فيأمر وينهى ثم ~~يصلي أربع ركعات ثم يخرج إلى مجلسه فيأذن لخاصته ويحدثهم ويحدثونه ويدخل ~~عليه وزرائه فيكلمونه فيما يريدونه من يومهم ثم يؤتى بالغداء الأصفر وهو ~~فضل عشاء الليل من منزله جدي بارد أو فروج أو ما يشبهه ثم يتحدث طويلا ثم ~~يدخل إلى منزله لما أراد ثم يخرج فيقول يا غلام أخرج الكرسي ويخرج إلى ~~المسجد ويسند ظهره ms186 إلى المقصورة ويقوم الأحراس فيقدم إليه الضعيف والأعرابي ~~والصبي والمرأة فيقول ظلمت فيقول أعدوه ويقول عدى عليي فيقول ابعثوا معه ~~ويقول صنع بي PageV01P365 فيقول أنظروا له حتى إذا لم يبقى أحد دخل فجلس ~~على السرير ثم يقول ائذنوا للناس على قدر منازلهم ولا يشغلني أحد عن رد ~~السلام فيقال كيف أصبح أمير المؤمنين أدام الله بقاءه فيقول بنعمة من الله ~~فإذا استووا جلسوا قال يا هؤلاء إنما سميتم أشرافا لأنكم شرفتم من دونكم ~~بهذا المجلس ارفعوا إلينا حاجة من لا يصل إلينا فيقوم الرجل فيقول استشهد ~~فلان فيقول أفرضوا لولده ويقال غاب فلان عن أهله فيقول استشهد فلان فيقول ~~واقضوا حجائجهم ويؤتى بالغداء ويحضر الكاتب فيقوم عند رأسه ويتقدم الرجل ~~فيقول له إجلس على المائدة فيجلس ويمد يده ويأكل لقمتين أو ثلاثا والكاتب ~~يقرأ كتابه فيأمر فيه بأمره فيقول يا عبد الله أعقب فيقوم ويتقدم آخر حتى ~~يأتي على أصحاب الحوائج كلهم وربما قدم عليه من أصحاب الحوائج أربعون أو ~~نحوهم على قدر الغداء ثم يرفع الغداء ويقال للناس أجيزوا وينصرف الناس ~~ويدخل منزله فلا يطمع فيه طامع حتى ينادي بالظهر فيخرج فيصلي ثم يدخل فيصلي ~~أربع ركعات ثم يجلس فيأذن لخاصة الخاصة فإن كان الوقت شتاء أتاهم بزاد ~~الحاج من الأخبصة اليابسة والخشكنانج والقراص المعجونة بالسكر واللبن من ~~دقيق السميد والكعك المسمن والفواكه اليابسة وإن كان الصيف أتاهم بالفواكه ~~الرطبة ويدخل إليه وزراؤه فيؤمرونه فيما احتاجوا إليه بقية يومهم ويجلس إلى ~~العصر ثم يخرج فيصلي العصر # ثم يدخل منزله فلا يطمع في طامع حتى إذا كان في أخر وقت العصر خرج فجلس ~~على سريره ويؤذن للناس على قدر منازلهم فؤتي بالعشاء فيفرغ منها على مقدار ~~ما ينادي بالمغرب فيخرج ويصلي ثم يصلي بعدها أربع ركعات فيقرأ في كل ركعة ~~خمسين آية يجهر تارة ويخافت أخرى ثم يدخل منزله فلا يطمع فيه طامع حتى ~~ينادي بالعشاء الآخرة فيخرج PageV01P366 ويصلي ثم يؤذن للخاصة وخاصة الخاصة ~~والوزراء والحاشية فيؤامره الوزراء فيما أرادوه ms187 صدرا من ليلتهم ويستمر ثلث ~~الليل في أيام العرب أخبارها والعجم وملوكها وسياستها وسيرتها وحروبها ~~ومكائدها وغير ذلك من أخبار الأمم السالفة ثم تأتيه الظرف الغريبة من عند ~~نسائه من الحلوى أو غيرها من المآكل اللطيفة ثم يدخل فينام ثلث الليل ثم ~~يقوم فيحضر له الدفاتر فيها سير الملوك وأخبارها والحروب والمكائد فيقرأ ~~ذلك عليه غلمان له مرتبون قد وكلوا بحفظها وقراءتها فيمر بسمعه كل ليلة جمل ~~من الأخبار والسير والآثار وأنواع السياسات فيخرج ثم يصلي الصبح ثم يعود ~~فيفعل ما وصف كل يوم وليلة # وقد تبعه في ذلك عبد الملك بن مروان وغيره فلم يدركوا حلمه ولا اتفاقه ~~للسياسة والتأني للأمور والمداراة للناس على منازلهم ورفقه بهم على طبقاتهم ~~$ وهو نوعان # النوع الأول المأذون فيه وفيه مسائل # المسألة الأولى تقدم ما يفهم منه أنه ضربان # أحدهما على العامة غير اليوم الذي يجلس لهم فيه وقد سبق بيان وجهه ~~PageV01P367 # الثاني عن الخاصة في الأوقات التي تحضه لإقامة ضرورياته ومكملاته من غير ~~إفراط وخصوصا أوقات الليل وقد قال ابن الحزم ينبغي للملك أن يفرغ نفسه في ~~ليلة لعياله ونسائه وولده ويعدل في القسم بين نسائه # قلت ولا يعارض هذا ما ذكر عن معاوية رضي الله عنه في جعل أكثر ليلة لغير ~~أهله لأن القدر الذي كان يبقيه لهم من الليل كان يراه كافيا لما أخذ به ~~نفسه من شدة الحزم # نعم من قصر عن غايته في ذلك فله فيما قاله ابن الحزم متمسك واضح الظهور # المسألة الثانية كما له أن يحتجب عن الخاصة والعامة في الوقت الذي رسم له ~~فكذا في حق من لا منفعة في دخوله عليه # قال ابن حزم ويمنع أهل الفضول من الوصول إليه وملازمة داره ومجلسه لئلا ~~يشتغل بمجالسه من لا يجدي نفعا في دينه ودنياه وليغلق الباب دون ذلك جملة ~~فلا يطمع أحد في الوصول إليه لغير معنى # المسألة الثالثة يجب على السلطان أن يعتقد أن احتجابه عن العامة يتعذر ~~معه غالبا إطلاعهم على أعماله المستورة ms188 عنهم ففي العهود اليونانية وأعلم ~~أنك مع كثرة حجابك وببعد الوصول إليك بمنزلة الطاهر لعين الناس وإنه لا ~~يستتر عنهم مما علمته شيء لشدة بحثهم عن أمورك وكثرة من يهدي إلى خاصتك ~~وعامتك ما جرى في مجالسك فاعمل في سرايرك مالا يستقبح أن يكون ظاهرا لهم ~~منكشفا من فعلك لديهم # قلت وكما في الحديث النبوي من أسر سريرة ألبسه الله ردائها وفيه قال زهير ~~PageV01P368 # ( ومهما تكن عند امرئ من خليقة % ولو خالها تخفى على الناس تعلم ) # المسألة الرابعة الأوقات الذي يحتجب فيها على الناس لا يخليها من أعمال ~~الفكرة فيهم واستدعاء المعرفة بأحوالهم الغائبة عن عيانه لأن ذلك هو فرضه ~~الازم ووظيفته المستغرقة لزمانه بحسب الأماكن # قال أرسطو للإسكندر إن التبذل يذهب ببهاء السلطان والاحتجاب الشديد يذهب ~~الملك ويهلكه # قال فكيف الرأي قال يكون غائبا كشاهد لرعيتك بالاستخبار لأمورها والتفقد ~~لأحوالها # المسالة الخامسة من كبراء الملوك من ترخص في تطويل مدة هذا النوع من ~~الاحتجاب اعتمادا على الوفاء بإقامة ما يتكفل بالمراد من الظهور واللقاء ~~كما يحكى أن أبا جعفر المنصور توقف اياما عن الخروج إلى الناس فقالوا هو ~~عليل فكثروا القول فدخل عليه وزيره الربيع فقال يا أمير المؤمنين أدام الله ~~لك في البقاء أن الناس يقولون قال وما يقولون قال يقولون أن أمير ~~PageV01P369 المؤمنين عليل فأطرق مليا ثم قال يا ربيع مالنا وللعامة إنما ~~تحتاج العامة إلى ثلاث خلال فإذا جعلت لهم فما حاجتهم إذا أقيم لهم من ينظر ~~في أحكامهم وينصف بعضهم من بعض وإذا أقيم لهم من ينظر في أحكامهم وينصف ~~بعضهم من بعض وإذا أمنت سبيلهم حتى لا يلحقهم خوف في ليل ولا في نهار وإذا ~~سدت ثغورهم من أطرافهم حتى لا يلحقهم خوف في ليل ولا نهار وإذا سدت ثغورهم ~~من أطرافهم حتى لا يصل إليهم عدوهم ونحن قد فعلنا ذلك كله لهم فما حاجتهم ~~إلينا # | النوع الثاني # # | الممنوع منه # وفيه مسائل # المسألة الأولى من الترهيب الوارد فيه لزيادته على القدر المحتاج إليه ~~وعيدان ms189 # الوعيد الأول أن الله تعالى يحتجب عن صاحبه يوم القيامة ليكون له جزاء ~~وفاقا فعن أبي مريم الجهني رضي الله عنه أنه قال لمعاوية رضي الله عنه سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من ولاه الله شيئا من أمور المسلمين ~~فأحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجتهم وحلتهم وفقرهم يوم ~~القيامة فجعل معاوية رجلا على حوائج المسلمين رواه أبو داوود # الوعيد الثاني أن الله تعالى يغلق أبواب الرحمة مقابلة له بذلك الجزاء ~~فعن أبي الشماخ الأزدي عن ابن عم له من أصحاب الرسول PageV01P370 صلى الله ~~عليه وسلم انه أتى معاوية رضي الله عنه فدخل عليه فقال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول من ولي أمر الناس ثم أغلق بابه دون المسكين والمظلوم ~~وذوي الحاجة أغلق الله تبارك وتعالى أبواب الرحمة دون حاجته وفقره وأفقر ما ~~يكون إليها رواه الإمام أحمد # المسألة الثانية من محذور هذا النوع من الإحتجاب زائدا على وعيده ولأجل ~~قضائه بتعجيل المضرة به سريعا فقد قال الطرطوشي هو أرجى الخلال في هدم ~~السلطان وسرعة خراب الدول # قلت وحاصل ما بين به ذلك كله أمور # أحدها أنه موت حكمى فيكون السلطان به في عداد الموتى وحينئذ فلا يخفى ما ~~ينشأ عن ذلك من المفساد ومن أعظمها أمن الظالم من وصول المظلوم إليه # الثاني أن مباشرة الأمور كما يجب في رعاية قواعد السلطنة تفوت معه لا ~~محالة وفي ذلك فساد كبير # قال الطرطوشي ومعظم ما رأيناه في أعمارنا وسمعنا ممن سبق في دخول الفساد ~~على الملوك فمن عدم مباشرة الأمور PageV01P371 الثالث أن ظهور السلطان ~~للنظر في شؤونه هو حكمة انفراد برعاية الخلق ولا كذلك عند احتجابه دائما # قال الطرطوشي لا تزال الرعية ذات سلطان واحد ما وصلوا إلى السلطان فإذا ~~احتجب فهناك سلاطين كثيرة # قلت يندفع هذا المحذور إذا كان هناك مفوض من قبله يحمل عنه من غير خلاف ~~عليه ما كان هو يقوم به لو باشر أكثر الأمور بنفسه تكملة في تنبيه ms190 # من المضرات به العائدة على المحتجب عنه ما نبه عليه كلام يحيى بن خالد ~~حيث يقول وقد كان لا يجلس الناس في داره إلا بين يديه فإن جلس أدخل الناس ~~وإلا صرفوا من الباب وعلى الناس أداء فروض وقضاء حقوق والانتظار ويمحق ~~زمانهم ويكثر تعبهم # المسألة الثالثة من المنقول في التذكير لما يحمل على ترك هذا النوع من ~~الاحتجاب موعظتان # الموعظة الأولى قول الطرطوشي أثر ما لخصناه عنه يا أيها المغرور احتجبت ~~عن الرعية بالأبواب وجعلت دونهم جبالا مشيدة وحظائر بالحجارة والماء والطين ~~مبالغة وباب الله تعالى مفتوح للسائلين ليس هناك حاجب ولا بواب قال تعالى ~~لمن شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا قلت وله في الكتاب الذي كتب به مع أبن ~~العربي للسلطان أبي يعقوب PageV01P372 بن تاشفين ولقد بلغني يا أبا يعقوب ~~أنك احتجبت عن المسلمين بالحجارة والطين واتخذت دونهم حجابا وأن ذا الحاجة ~~ليظل يومه ببابك فما يلقاك كأنك لم تسمع قول الله تعالى @QB@ وقالوا ما ~~لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق @QE@ قال الحسن لا والله ما كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يغلق دونه الحجب ولا يغدى عليه بالجفان ولا ~~يراح عليه بها ولكنه كان بارزا من أراد أن يلقاه لقيه وكان يجلس بالأرض ~~ويوضع طعامه بالأرض ويلبس الغليظ ويركب الحمار ويردف عبده ويلعق أصابعه ~~وكان يقول من رغب عن سنتي فليس مني فما أكثر الراغبين عن سنته التاركين لها # قال عمر رضي الله عنه يأخذ درته ويمشي في الأسواق يتفقد أمور رعيته وكان ~~يمشي ليلا في سكك المدينة مع عبد الرحمن بن عوف وغيره من الصحابة ويحفظون ~~عورات المسلمين وروى عنه أنه استعمل سعد بن أبي وقاص على الكوفة فبلغه أنه ~~اتخذ قصرا وجعل عليه بابا وقال انقطع عني الصويت فأرسل إليه محمد بن مسلمة ~~وقال له أيت سعدا فأحرق عليه بابه فأتى الكوفة فأخرج زنده واستوقد نارا ثم ~~أحرق الباب فجعل سعد يتعذر ويحلف بالله ما قال فقال له محمد بن مسلمة نفعل ms191 ~~ما أمرنا به ويروى عنك القول انتهى PageV01P373 الموعظة الثانية ما في ~~حكاية الرجل الذي سمعه المنصور وهو يطوف بالبيت آخر الليل يقول اللهم إني ~~أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحال بين الحق وأهله من الظلم ~~والطمع فسأله عن مراده بذلك فقال له ذلك الرجل الذي دخله الطمع حتى حال ~~بينه وبين الحق وإصلاح ما ظهر من البغي والفساد أنت قال له ويحك وكيف ~~يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء على يدي والحلو والحامض في قبضتي قال وهل ~~دخل أحدا من الطمع ما دخلك يا أمير المؤمنين إن الله استرعاك أمور المسلمين ~~وأولهم فأغفلت أمورهم واهتممت بحمع أموالهم وجعلت بينك وبينهم حجابا من ~~الجير والأجر وأبوابا من الحديد وحجبه معهم السلاح ثم سجنت نفسك فيها عنهم ~~وبعثت عمالك في جمع الأموال وجبايتها واتخذت وزراء وأعوانا ظلمة إن نسيت لم ~~يذكروك وإن ذكرت لم يعينوك وقويتهم على ظلم الناس بالأموال والسلاح وأمرت ~~أن لا يدخل عليك من الناس إلا فلان وفلان نفر سميتهم ولم تأمر بإيصال ~~المظلوم ولا الملهوف ولا الجائع ولا العاري ولا الضعيف الفقير ولا أحد إلا ~~وله في هذا المال حق فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم ~~على رعيتك وأمرتهم ألا يحجبوا عنك تجيء الأموال ولا تقسمها قالوا هذا قد ~~خان الله فما لنا لا نخونه وقد سخر لنا فأتمروا على أن لا يصل إليك من علم ~~أخبار الناس إلا ما أرادوا ولا يخرج لك عامل فيحالف لهم أمرا إلا أقصوه حتى ~~تسقط منزلته ويصغر قدره فلما انتشر ذلك عنك وعنهم عظمهم الناس وهابوهم وكان ~~أول من صانعهم عمالك بالهدايا والأموال ليتقربوا بها على ظلم رعيتك ثم فعل ~~ذلك أهل الثروة والقدرة من رعيتك لينالوا ظلم من دونهم من الرعية فامتلت ~~بلاد الله تعالى بالظلم بغيا وفساد ا وصار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك ~~وأنت غافل فإن جاء متظلم حيل بينه وبين الدخول وإن أراد رفع قصة إليك عند ~~ظهورك وجدك قد نهيت عن ذلك ووضعت ms192 للناس رجلا ينظر في مظالمهم فإن جاء ذلك ~~PageV01P374 الرجل وبلغ بطانتك سألوا صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته وإن ~~كانت للمتظلم به حرمة وإجابة لم يمكنه ما يريد خوفا منهم فلا يزال المظلوم ~~يختلف إليه ويلوذ به ويشكو ويستغيث وهو يدفعه ويحتل عليه فإذا جهدوا وظهرت ~~صرخ بين يديك فيضرب ضربا مبرحا ليكون نكالا لغيره وأنت تنظر فلا تنكر ولا ~~تغير فما بقاء الإسلام وأهله على هذا # وقد كانت بنو أمية والعرب لا ينتهي إليهم مظلوم إلا رفعت ظلامته إليه ~~فينتصف ولقد كان الرجل يأتي من أقصى البلاد حتى يبلغ باب سلطانهم فينصف # ألا وقد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى أرض الصين وبها ملك فقدمتها مرة ~~وقد ذهب سمع ملكهم فجعل يبكي فقال له وزراؤه ما لك تبكي لا بكت عيناك فقال ~~أما أني لست أبكي على المصيبة التي نزلت بي ولكن أبكي والمظلوم يصرخ بالباب ~~فمن نسمع صوته ثم قال أما إن كان ذهب سمعي فإن بصري لم يذهب نادوا في الناس ~~لا يلبس ثوبا أحمر إلا المظلوم فكان يركب الفيل في طرفي النهار هل يرى ~~مظلوما ما فينصفه هذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله قد غلبت رأفته بالمشركين ~~ورقته على شح نفسه في ملكه وأنت مؤمن بالله وابن عم رسول الله لا تغلب ~~رأفتك بالمسلمين على شح نفسك # ثم مضى في موعظته حتى بكى المنصور بكاء شديدا وارتفع صوته ثم قال يا ~~ليتني لم أخلق ولم أكن شيئا ثم قال كيف احتيالي فيما خولت فيه ولم أرى من ~~الناس إلا خائنا قال يا أمير المؤمنين عليك بالأئمة الأعلام المرشدين قال ~~ومن هم قال العلماء قال قد فروا مني قال هربوا منك مخافة أن تحملهم على ما ~~ظهر من طريقك من قبل عمالك قال ولكن أفتح الأبواب وسهل الحجاب واقتص ~~للمظلوم من الظالم وامنع المظالم وخذ الشيء مما حل وطاب واقسمه بالحق ~~والعدل وأنا ضامن لك أن PageV01P375 من هرب منك أن يأتيك فيعاونك على صلاح ~~أمرك ورعيتك فقال ms193 المنصور اللهم وفقني أن أعمل بما قال هذا الرجل انتهى ~~المراد منها وهي بتمامها مذكورة في الأحياء فراجعها من هناك ففيها فوائد ~~@QB@ والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم @QE@ # | الركن السابع عشر # # | رعاية الخاصة والبطانة # وفيه مسائل # المسألة الأولى العناية برعاية هذا الركن أكيدة لوجهين # أحدهما أنه قوام الدولة وحافظ وجودها # قال الجاحظ من أخلاق الملك السعيد أن يحرص على إحياء بطانته حرصه على ~~إحياء نفسه إذ كان بهم نظام ملكه وبقاء عزه # الثاني أنه لمكان منزلته من الملك يحتاج إلى سياسات تخصه فتهم العناية به ~~لا محالة # ففي الأفلاطونيات يحتاج الملك إلى ثلاث سياسات وذكر سياسة نفسه وسياسة ~~خاصته وسياسة رعيته # المسألة الثانية من مؤكد النظر فيهم تفقدهم بما يوفى بكفاية حملهم دون ~~احتياج منهم إلى التذكير به تصريحا أو تلويحا # قال الجاحظ ينبغي للملك تفقد بطانته وخاصته بجوائزهم PageV01P376 وصلاتهم ~~إن كانت مشاهرة فمشاهرة أو مسانهة فمسانهة وأن يوكل بتذكير صلاتهم ولا ~~يحوجهم إلى رفع رقعة بأذكار أو تعرض فإن هذا ليس من أخلاق المتيقظين من ~~الملوك # منقبة قيل إ أو شروان رفع إليه رجال من بطانته بشكوى سوء حالهم فقال ما ~~أنصفكم إلى الشكية من أحوجكم ثم فرق فيهم ما وسعهم أغناهم # المسألة الثالثة قال الجاحظ إذا كانوا من الكفاية في أقصى حدودها ومن ~~ذوات اليد وإدرار العطايا على أتم صفاتها ثم فتتح أحد فاه يطلب ما فوق هذه ~~الدرجة فالذي جرأه على ذلك الشره والمنافسة ومن ظهرت منه هاتان الخلتان كان ~~جديرا أن تنزع كفايته من يديه وتصير بيد غيره # قلت قد يتفق في تلطف الطلب لما وراء هذه الدرجة ما يقضي ببلوغ المراد من ~~ذلك مع مزيد الحظوة وتجديد العناية كما يحكى أنه تقدم للمنصور بن أبي عامر ~~وانذمار بن أبي بكر البرزالي أحد جند المغاربة وقد جلس للعرض والتمييز ~~والميدان غاص بالناس فقال له بكلام يضحك الثكلان يا مولاي مالي ولك أسكني ~~فإني في الفحص فقال وما ذاك يا ونذمار وأين دارك الواسعة الأقطار فقال ms194 ~~أخرجتني والله عنها نعمتك أعطيتني من الضياع ما انصب علي منها من الأطعمة ~~ما ملأ بيوتي وأخرجني عنها وأنا بربري مجوع حديث العهد بالبؤس أترى لي أن ~~أبعد القمح عني ليس ذلك من رأيي فتطلق المنصور وقال لله درك من عيي لعيك في ~~شكر النعمة أبلغ عندنا وآخذ بقلوبنا من كلام أشدق PageV01P377 متزين وبليغ ~~مفتر وأقبل على من حوله من أهل الأندلس فقال يا أصحابنا كذا تشكروا الأيادي ~~واستديموا النعم لا ما أنتم عليه من الجحد اللازم # المسألة الرابعة قال المرادي ملخصا لوجوده من مستحسن السيرة معهم اجعل ~~جلوسك للخاصة أبسط منه للعامة وألقهم بالتحية وأظهر لهم المودة وعاشرهم ~~بلين الكلمة وترفيع المنزلة وتحفظ معهم من السقط واقسم بشرك بينهم على ~~أقدار منازلهم ولا سيما في محافلهم ومجامعهم ولا تنقص الكريم من قدره فإن ~~ذلك موجب لحقده ومشعر له أنك جاهل لحقه ولا ترفع اللئيم فوق منزلته فإن ذلك ~~موجب لتمرده # المسألة الخامسة من مستحسن الموفي بواجب الرعاية لحق السلطان وحسن الأدب ~~معه أن يفرغ عليه من سوابغ الإحسان ما يكون كفاء لما ظهر منه وجزاءه فقد ~~قيل من حق الملك الإبلاغ في مكافأة من ظهر منه تعظيم لحقه وتحقق خلوصه ~~ونصحه ووفى له بواجب أدبه من خواصه # قلت ذكروا في ذلك حكايات يكفي منها اثنان # الحكاية الأولى عن يزيد بن شجرة الرهاوي أنه ساير معاوية رضي الله عنه ~~يحدثه عن يوم خزاعة وبني خزامة وكان يوما أشرف فيه الفريقان على الهلكة ~~PageV01P378 الهجرة وكان يوما أشرف فيه الفريقان على الهلكة حتى جاءهم أبو ~~سفيان فارتفع ببعيره على ربوة ثم أومأ بكميه إلى الفريقين جميعا فانصرفوا ~~قال فبينما معاوية يحدث يزيد بهذا الحديث إذ صك وجه يزيد حجر عابر فأدماه ~~وجعلت الدماء تسيل من وجهه على ثوبه فما مسح ثوبه ولا وجهه فقال له معاوية ~~لله أنت أما ترى ما نزل بك فقال وما ذاك يا أمير المؤمنين قال هذا دم وجهك ~~يسيل على ثوبك قال عليه عتق ما يملك إن ms195 لم يكن حديث أمير المؤمنين ألهاني ~~حتى غمر فكري وغطى على قلبي فما شعرت بشيء منه حتى نبهني أمير المؤمنين ~~فقال له معاوية لقد ظلمك من جعلك في ألف من الغطاء وأخرجك من عطاء أبناء ~~المهاجرين وحماة أهل صفين فأمر له بخمسمائة ألف درهم وزاد في عطائه ألف ~~درهم وجعله بين جلده ولحمه # الحكاية الثانية حكى التجاني أن ابن الجلا البجاني كاتب السلطان أبي ~~زكريا من ملوك الحفصين استدعاه يوميا ليكتب بين يديه شيئا وكانت على ابن ~~الجلا حلة بيضاء رفيعة فتبدد الحبر عليها فحاول إخفاء ذلك ولم يتعرض ~~لإظهاره ولم يخف على السلطان أبي زكريا PageV01P379 قصده فوجه إليه بصلة ~~سنيه وقال إنما أمرنا له بها لإيثاره الأدب وعدم تطايره لما جرى له # تنبيه المبالغة في هذا النوع من المكافآت لا تنتهي إلى الغاية لا مزيد ~~عليها بل ينبغي أن يترك من إحسانها ما مجازي به تجدد استحقاقه ففي ~~الأفلاطونيات إذا أحسن أحد من أصحابك فلا تخرج إليه بغاية برك ولكن أترك ~~منه شيئا تزيده إياه عند تبنيك منه الزيادة في نصيحتك # المسألة السادسة في العهود اليونانية ما حاصله وفيه تقييد المفضل على ~~الخاصة ينبغي للرئيس أن يتأمل أصحابه فإن وثق بهم اعتمد عليهم أكثر من ~~اعتماده على ماله وأوسع لهم منه مما وراء العدل فيهم وإن لم يثق بهم لما ~~يوجب ذلك عنده اعتمد على ماله فوق اعتماده عليهم وأطلق للهم منه ما يمسك ~~رمقهم وعللهم بلطيف الحيلة ومصنوع الاعتذار بناء منه على أن مثلهم لا يستحق ~~إيثار الفضل # المسألة السابعة من تخلص تحقق خلوص الثقة به من الخاصة ثم ندرت منه زلة ~~حقه أن لا يؤاخذ فيها بعقاب ذوي التهمة # قال ابن المقفع لا يلومن من السلطان على الزلة من ليس بمهمتهم في الحرص ~~على رضاه إلا لوم أدب وتقويم رأي ولا يعدلن بالمجتهد في رضاه والبصير بما ~~يأتي أحدا فإنهما إذا اجتمعا في الوزير والصاحب نام الملك واستراح وحليت له ~~حاجته وإن حدث عنها وعمل له فيما ms196 يهمه وإن غفل عنه لم يغفل له PageV01P380 # مزيد غبطه # قال الصابي بمن غلط من أصحابه فاتعظ أشد انتفاعا بمن لم يغلط ولم يتعظ ~~لأن الأول كالقارح الذي أدبته القوة وأصلحته الندامة والثاني كالجذع الذي ~~هو راكب القوة راكن إلى السلامة والعرب تزعم أن الكسر إذا جبر كان صاحبه ~~أشد بطشا وأقوى يدا # قلت ويؤكد لديه الأخذ فالسمح مع رجاء هذه الغبطة علمه بما تقرر من هذا ~~الأمر يحسن الظن مع التماس العذر في هذا الباب وهي # المسألة الثامنة قال بعض العلماء من كمال الفضيلة حسن الظن بالصاحب وتأول ~~الخير فيما يظهر من التقصير والتماس العذر لذي الهفوة فقد يغلب المرء طباعه ~~ويخرجه الاضطرار عن حد اعتداله لا سيما لمن حمدت سيرته فمثله لا تعتبر ~~هفوته إلا توحش نبوته والله سبحانه وتعالى يقول ^ فاغف عنهم واصفح إن الله ~~يحب المحسنين ^ والعفو والصفح إنما يكونان مع الذنب وعن ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما نهى المؤمن أن يظهر بالمؤمن شرا # المسألة التاسعة مما يستجلب به التأنيس بسطه معهم باستعمال رخصتين ~~اعتبارا بعزيمة الهيبة والوقار عليه # الرخصة الأولى المزاح المأذون فيه فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يمزح ولا يقول إلا حقا وقد ترجموا على مزاح الأشراف ونقلوا من ذلك ما هو ~~مسطر في كتب الأخبار ومنه عن المهاجرين مما حكاه ابن رضوان عن التجاني قال ~~كان أبو عبد الله محمد بن أبي الحسن قد PageV01P381 كلفه الأمير أبو عبد ~~الله المستنصر في إحدى السفرات بالمشي صحبة الحريم فتقدم معهن على العادة ~~وأسرع الخليفة في سيره فلحق به فلما حاذاه انفرد عن العسكر وتقدم إليه وهز ~~الرمح عليه وأنشد له # ( لمن المطايا السائرات مع الضحى % محمية بالمشرفية والظبا ) # فأجابه ابن أبي الحسن من حينه # ( لفتى له في كل منبت شعرة % أسد يمد إلى الفريسة مخلبا ) # قال التجاني وفي البيت تغير عن أصل نظمه حرفه لما احتاج إليه من التمثيل ~~يه وصحة إنشاده # ( في كل منبت شعرة من جسمه % أسد يمد إلى الفريسة ms197 مخلبا ) # قال ويرد عليه فيما غيره ما ورد على ليلى الأخيلية عند إنشادها مدح ~~الحجاج في قوله لها # لا تقولي غلام ولكن قولي همام # الرخصة الثانية اللعب بما لا حرج فيه أو هو محمود كالرمي وما في معناه # قال الجاحظ ولا يمنع الملاعبة من النصفة بل له المشاحة و المساواة ~~والممانعة وترك الاغتصاب والأخذ بالحق بأقصى حدوده غير أن ذلك لا يكون معه ~~بذاء ولا رفث ولا معارضة تزيل حق الملك وصياح يعلو كلامه ولا سب ولا نزاع ~~مما هو خارج عن ميزان العدل # قلت ولا عن أدب الشريعة ومواقف حدودها PageV01P382 # تحذير من المنقول في شروط ما يؤدي إليه البسط في هذا المقام حكايتان يتقى ~~بالعظمة بهما ويحدر # الحكاية الأولى روى أن سابور لاعب تربا له بالشطرنج على إمرة مطاعة فغلبة ~~تربه فقال له سابور ما إمرتك قال له أركبك حتى أخرج بك إلى الباب العامة ~~فقال له سابور بئس موضع الدالة وضعتك فاطلب غير هذا قال فبهذا جرى لفظي ~~فأسف لذلك سابور وقام فدعا ببرقع فتبرقع به ثم جثا ليركبه فامتنع أن يعلو ~~ظهره إجلالا وإعظاما فنادى سابور بعد ذلك في الرعية لا يلعبن أحد على حكم ~~غائب # الحكاية الثانية قيل أن الملك الأشرف طرب ليلة في مجلس أنسه على بعض ~~الملاهي فقال لصاحبه تمن علي فقال تمنيت مدينة خلاط فأعطاه إياها وكان ~~النائب بها الأمير حسام الدين المعروف بالحاجب فتوجه ذلك الشخص إليه ~~ليتسلمها منه فعوضه الحاجب عنهما جملة كثيرة من المال وصالحه عنها # المسألة العاشرة من أعظم ما يلحظ به علية الخاصة إدامة تشريفهم بزيارته ~~لهم في منازلهم تفضلا منه وإنعاما وقد قسمها الجاحظ إلى أربع للمواكلة ~~تأنسا بالمزور وللعيادة من المرض وللتعزية في المصيبة وللتعظيم فقط وهي ~~أرفعها قال لأن ما عدا أكثر ما يتفق بسؤال المزور وتلطفه في PageV01P383 ~~التنويه من قدره بذلك ولو بأن يتمارض ولا يمكن أن يسأل وزيرا وغيره ما هو ~~صريح في التعظيم له انتهى ملخصا # استدراك قال ابن رضوان وبقي قسم ms198 خامس وهو أفضلها وأكرمها أثر في الدارين ~~وهي الزيارة لاحتساب الأجر وجبر قلب المزور # قال ويشترك في ذلك الخواص وغيرهم # قال وقد كان ملوك الإسلام الذين فعلوا ذلك وشفعوه بحضور الجنائز حسبه لله ~~تعالى هشام بن عبد الرحمن من ملوك بني أمية بالأندلس حين أخبره الضبي ~~المنجم بأن مدته في الملك ثمانية أعوام ونحوها فأطرق ساعة ثم رفع رأسه إليه ~~وقال يا ضبي ما أخوفني أن سجدة الله لقلب طاعة له ووقر قوله في نفسه فزهد ~~في الدنيا وهانت عنده ومال إلى الآخرة وتولى النظر في الرعية بخير ما نظر ~~ناظر من الدين والعدل والتواضع ولبس الصوف واقتصر في مأكله ومركبه والتزم ~~عيادة المرضى وشهد الجنائز إلى أن مضى لسبيله وصدقه الضبي في أخباره حكاه ~~ابن القوطية PageV01P384 # انعطاف ذكروا فيما يحض زيارة الخاصة لبعض المقاصد المتقدمة حكايات يكفي ~~منها اثنتان # الحكاية الأولى قيل مرض شرف الدين بن عنين فكتب إلى مخدومه الملك المعظم ~~شرف الدين ابن الملك العادل سيف الدين بن أيوب صاحب دمشق # ( أنظر إلي بعين مولى لم يزل % يولي الندا وتلاف قبل تلاف ) # ( أنا كالذي أحتاج ما يحتاجه % فأغنم ثنائي والدعاء الوافي ) # فجاء إليه يعوده بنفسه ومعه صرة فيها ثلاثمائة دينار فقال هذه الصلة وأنا ~~العائد # حكاية الثانية قيل اشتكى الأمير بخت الملقب بشرف الدين الخرساني بحضرة ~~ملك الهند فأتاه الملك عائدا ولما دخل عليه أراد القيام فحلف عليه الملك أن ~~لا ينزل عن سريره ووضع للسلطان متكأة PageV01P385 يسمونها المورة فقعد عيها ~~ثم دعا بالذهب والميزان وأمر المريض أن يقعد في إحدى كفتي الميزان فقال لو ~~علمت أنك تفعل هذا للبست علي ثيابا كثيرة فقال لله إلبس الآن ما عندك من ~~الثياب فلبس ثيابه المعدة للبرد المحشوة بالقطن وقعد في كفه الميزان ووضع ~~الذهب في الكفة الأخرى حتى رجح الذهب وقال له خذها هذا وتصدق به عن رأسك # | الركن الثامن عشر # # | ظهور العناية بمن له حق أو فيه منفعة # هم أصناف # الصنف الأول آل النبي صلى الله عليه ms199 وسلم وخصوصا الشرفاء بحسب العرف ~~المتأخر الإستعمال وهم من لفاطمة رضي الله عنها عليه ولادة كريمة وتتضح حمل ~~العناية بهم بعرض مسائل # المسألة الأولى مما يدل على وجوبها على جميع الأمة أمران # أحدهما تأكيد وصية النبي صلى الله عليه وسلم بهم وتشيد الأمر بها خصوصا ~~وعموما فعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنشدكم الله في أهل بيتي ثلاثا قلنا لزيد من أهل بيته قال آل علي وال جعفر ~~وآل عقيل ال أمهاتهن وقال صلى الله عليه وسلم PageV01P386 عليه السلام إني ~~تارك فيكم ما أن أخذتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي فانظروا ~~كيف تخلفون فيهما # الثاني ضمان حبهم وولايتهم للنجاة من النار قال صلى الله عليه وسلم معرفة ~~آل محمد براءة من النار وحب آل محمد جواز على الصراط والولاية لآل محمد ~~أمان من العذاب قال عياض عن بعض العلماء معرفتهم هي معرفة مكانهم من النبي ~~صلى الله عليه وسلم وإذا عرفهم بذلك عرف وجوب حقهم ومعرفتهم بسببه # المسألة الثانية من واجب حقهم بعد المعرفة لعظيم شرفهم تنفيذ ما فرض لهم ~~من الحقوق الكائنة لهم في بيت مال المسلمين قبل وصول كل ذي حق إلى حقه كما ~~فعل عمر رضي الله عنه حين دون العطاء قدمهم ومن يليهم في القربى من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى على نفسه وقومه قائلا وهو الحق الذي أنطقه ~~الله على قلبه ولسانه إبدأوا بقرابته صلى الله عليه وسلم ثم الأقرب فالأقرب ~~منه حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله وابدأوا من الأنصار من سعد بن معاذ ~~والأقرب بالأقرب منه فقال العباس # رضي الله عنه وصلتك رحم يا أمير المؤمنين فقال له يا أبا الفضل لولا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ومكانه الذي وصفه الله به لكنا كغيرنا من العرب ~~إنما تقدمنا بمكاننا منه فإن لم نعرف لأهل القرابة منه قرابتهم لم تعرف لنا ~~منه قرابتنا # المسألة الثالثة من مأثور القيام بحقهم ms200 صلة وتعظيما حكايتان PageV01P387 # الحكاية الأولى أن معاوية رضي الله عنه حج فلما قضى حجه وانصرف قال الحسن ~~رضي الله عنه أن علي دينا ولا بد من لقاء هذا الرجل وإعلامه فركب في أثره ~~وتبعه فلحقه فسلم عليه وأخبره بشأنه فبينما هو يخبره إذ مر عليه بعير من ~~بعض رواحله عليه ثمانون ألف دينار وقد أعيى وتخلف عن الإبل فقال لأتباعه ما ~~هذا فأخبروه بخبره فقال اصرفوه بما عليه لأبي محمد # قال ابن رضوان عن أبي سالم وفي تأخير هذا البعير كرامة للحسن رضي الله ~~عنه # الحكاية الثانية أن عبد الله بن حسن بن حسن قال أتيت عمر بن عبد العزيز ~~في حاجة فقال لي إذا كانت لك حاجة فأرسل إلي أو أكتب فإني استحي من الله ~~تعالى أن يراك على بابي # الصنف الثاني العلماء # ومن بيان العناية بهم مسائل # المسألة الأولى يتأكد على السلطان أن تقع منه هذه العناية بالمنزلة التي ~~توصف لفوائد # الفائدة الأولى أن تعظيمهم من التعظيم الواجب لله جل جلاله فعن أبي موسى ~~الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من إجلال ~~الله تعالى إكرام ذي الشبيه المسلم وحامل القرآن غير المغالي فيه والجافي ~~فيه وإكرام ذي السلطان رواه أبو داوود PageV01P388 # قلت ويشهد له قوله تعالى ذلك @QB@ ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى ~~القلوب @QE@ إذ هو من جملة الشعائر المضافة إلى الله تعالى # الفائدة الثانية أن إذايتهم الناشئة عن الإخلال بما يجب لهم من التعظيم ~~إعلام بمحاربة الله تعالى وأنى لأحد أن يطيق ذلك فعن أبي هريرة رضي الله ~~تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل يقول من آذى لي وليا ~~فقد آذنني بالحرب رواه البخاري قال الإمامان أبو حنيفة والشافعي رحمهما ~~الله إن لم يكن العلماء أولياء الله فليس له ولي حكاه عنهما النووي قال عن ~~ابن عساكر إعلم يا أخي وفقك الله تعالى وإيانا لمرضاته وجعلنا ممن ~~PageV01P389 يتقيه ويخشاه حق تقاته أن لحوم ms201 العلماء مسومة وعادة الله في ~~هتك أستار متنقصيهم معلومة وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاه ~~الله قبل موته يموت القلب فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو ~~يثيبهم عذاب أليم # قلت ومن هذا المعنى قول الشافعي العلماء واسطة بين الله تعالى وعباده فمن ~~أبغضهم فقد قطع الواسطة بينه وبين الله تعالى # إليهم وإذ ذاك فكيف يصح الاستغناء عنهم ممن تمسك بشريعة ومن ثم اختار ابن ~~العربي أن أولى الأمر المأمور بطاعتهم الأمراء والعلماء قائلا لأن الأمراء ~~أهل الأمر منهم والحكم إليهم والعلماء يجب العمل بفتواهم مع تسميتهم حكاما ~~في قوله تعالى يحكم بها النبئون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون ~~والأحبار فرجع الأمر كله للعلماء وزال عن الأمراء لجهلهم واعتدائهم والعادل ~~منهم مفتقر إلى العالم كافتقار الجاهل انتهى ملخصا PageV01P390 # الفائدة الرابعة أن العناية بإظهار الاعتداد على ما لديهم عسى أن يكون ~~ناجحة السعي في جبر الخلل الواقع منذ افترق الأمراء عنهم ومالوا إلى من ~~سواهم فقد قال ابن العربي كان الأمراء قبل هذا اليوم وفي صدر الإسلام هم ~~العلماء والرعية هم الجند فاطرد النظام وكان العوام القواد فريقا والأمراء ~~آخر ثم فصل الله الأمر بحكمته البالغة وقضائه السابق فصار العلماء فريقا ~~والأمراء آخر وصارت الرعية صنفا وصار الجند آخر فتعارضت الأمور ولم ينتظم ~~حال الجمهور وطرح الناس عن الطريق ثم أرادوا الاستقامة بزعمهم فلم يجدوها ~~ولن يجدوا أبدا فإنه من المحال أن يبلغ القصد من حاد عنه # تذكير تقدم أن مثل خلال الخير الدال تنافس ذوي العصبية فيها على استحقاق ~~الملك والرياسة إجلال العالم والوقوف عندما يحده من فعل أو ترك وحسن الظن ~~به ظاهرا وباطنا فليكن ذاك منها على بال من الناطق السائل ففيه ما يشهد لنا ~~هذه العناية # المسألة الثانية من أثر العناية بهم توفيه ما لهم من الحق في مال الله ~~وإيصالهم لما وجب لهم منه وأن تطابق الشرع والسياسة على تأكيد PageV01P391 ~~الوصية بهم ولا وضح دليل على نهج من سلك من جادة العمل ms202 بهما على واضحة ~~السبيل وفي العهود اليونانية وأعلم أن مواقع العلماء في مملكتك مواقع ~~المصابيح من دارك فإن إضاءتها على حسب تعاهدك إياها فلا تشغلها بالكدح في ~~معائشها وأعنها بما يقر عينا لتحسن ما يحسن إياك وبفضل دولتك وأذكر ما في ~~الصحيفة الصفراء أشد الأزمنة زمان شغل فيه العالم عن عمله وتفرغ فيه الهازل ~~بهزله وأجدت فيه الرذائل وأكدت فيه الفضائل فإن بمثله تختم الدول وتدال ~~الدهور # المسألة الثانية من كافي المنقول في العمل بهذه العناية مع الإعراض عن ~~موجب الضر لظهور عودها بخالص النصح حكايتان # الحكاية الأولى روى المقري في التحف والطرف أن القاضي أبا عبد الله بن ~~أبي الصبر أمر الوالي بفاس أن يبني فندق الشماعين بها وكان قد خرب فتوقف ~~حتى يأذن السلطان فقال أسلفني ما أنبيه به فإن أجاز ذلك السلطان وإلا رددته ~~عليك ففعل فلما طولب ذكر ما قال له القاضي فغضب السلطان وبعث فيه فجعل ~~المبعوثون يأتونه واحدا واحدا وهو متمهل في وضوئه وإصلاح زيه ومركوبه ثم ~~جعل يمشي الهوينا فلقيه ابنه فقال له أسرع لقد أكثر السلطان من التوجيه ~~إليك وهو واجد عليك فقال مسكين أبو يحيى خلف وثبت على حاله إلى أن لقي بعض ~~الصالحين فتعرض إليه فقال قل بخفى لطفك بلطيف صنعك بجميل سترك دخلت في كنفك ~~تشفعت بنبيك فحفظه ثم طلبه فلم يجده فجعل يقول ذلك فلما رآه السلطان سكن ما ~~به ثم سأله عن ذلك برفق فقال كرهت PageV01P392 الخراب بقرب القرويين ~~وبالشماعين الذي هو عين فاس فسألت الوالي ذلك على أني أعزم أن لم تجز وقلت ~~له المرجو من السلطان أن يجعله حبسا فقال فعلت ثم بعث إلى الشهود وحبسه على ~~الجامع وشكر القاصي صنيعه وصرفه مغبوطا # تعريف قال المقري توفي هذا السلطان وهو أمير المسلمين أبو يعقوب ابن أبي ~~يوسف بن عبد الحق محاصرا لتلمسان في ذي القعدة عام ستة وستمائة وكان ابتداء ~~حصاره إياها في سنة ثمان وتسعين وستمائة وكان حصاره لها مدة مائة شهر انتهى # الحكاية ms203 الثانية كان ملك العراق السلطان محمد خدانبده قد صحبه في حال ~~كفره فقيه من الرافضة الأمامية يسمى جمال الدين بن مطهر فلما أسلم السلطان ~~وأسلم بإسلامه التتر زاد في تعظيم هذا PageV01P393 الفقيه فزين له هذا ~~الفقيه مذهب الرافضة وفضله على غيره مع حدثان عهد السلطان بالكفر وعدم ~~معرفته بقواعد الدين فأمر السلطان بحمل الناس على المذهب المذكور وكتب بذلك ~~إلى العراقين وفارس وأذربيجان وأصبهان فأما أهل بغداد فأمتنع أهل باب الكرخ ~~منهم وهم أهل السنة وأكثرهم على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ~~وقالوا لا سمع ولا طاعة وأتوا المسجد الجامع يوم الجمعة في السلاح وبه رسول ~~السلطان فلما صعد المنبر قاموا إليه وهم نحو إثني عشر ألفا في سلاحهم وهم ~~حماة بغداد والمشار إليهم فيها فحلفوا أنه إن غير الخطبة المعتادة أو زاد ~~فيها أو نقص منها فأنهم قاتلوه وقاتلوا رسول الملك ويستسلمون بعد ذلك لما ~~شاءه الله تعالى وكان السلطان أمر بأن يسقط أسماء الخلفاء وسائر الصحابة ~~رضي الله عنهم من الخطبة ولا يذكر إلا إسم علي ومن تبعه كعمار بن ياسر فخاف ~~الخطيب من القتل وخطب الخطبة المعتادة وفعل أهل شيراز وأصبهان كفعل أهل ~~بغداد فرجعت الرسل إلى الملك PageV01P394 فأخبروه ما جرى في ذلك فأمر أن ~~يؤتى بقضاة المدن الثلاث فكان أول من أتى منهم القاضي مجد الدين قاضي شيراز ~~والسلطان إذ ذاك في موضع يعرف بكراباج وهو موضع مصيفه فلما وصل القاضي أمر ~~أن يرمى به إلى الكلاب التي كانت عنده وهي كلاب ضخام في أعناقها السلاسل ~~معدة لأكل بني آدم فلما أرسلت الكلاب على القاضي مجد الدين ووصلت إليه ~~بصبصت له وحركت أذنابها بين يديه ولم تؤذه بشيء فبلغ السلطان ذلك فخرج من ~~داره حافي القدمين فأكب على رجلي القاضي وقبلهما وأخذ بيديه وقبلهما وخلع ~~عليه جميع ما كان عليه من الثياب وهي أعظم كرامات السلطان عنهم وإذا خلع ~~ثيابه على أحد كانت تشرفا له ولبنيه ولا عقابه يتوارثونه ما دامت تلك ~~الثياب ms204 أو شيء منها ورجع السلطان عن مذهب الرفض وكتب PageV01P395 إلى بلاده ~~أن يقر الناس على مذهب أهل السنة والجماعة وأجزل العطايا للقاضي وصرفه إلى ~~بلده مكرما معظما وأعطاه في جملة ما أعطاه مائة قرية من قرى جهكان وهو خندق ~~جبلين طوله أربعة وعشرون فرسخا يشقه نهر عظيم وذلك بشيراز # | الصنف الثالث # # | الصالحون # ومنه تقرير العناية أيضا بهم مسائل # المسألة الأولى وجوب العناية بهذا الصنف الكريم من صنف الفائدتين ~~السابقتين من الفوائد المتقدمة في موجب العناية بصنف العلماء لا يخفى ظهوره ~~ومن الزائد على ذلك فائدتين # الفائدة الأولى أن برؤيتهم عند قصد المبالغة في التعظيم لهم تحي القلوب ~~الميتة وتنشرح الصدور الضيقة وتهون الأمور الصعبة # قال ابن الحاج لأنهم وقوف على باب المولى الكريم فلا يرد قاصدهم ولا يخيب ~~مجالسهم ومن كان كذلك فينبغي المبادرة إلى رؤيته واغتنام بركته # الفائدة الثانية أن مبرتهم قد سبق في الكتاب الأول أنها من علامة الترشيح ~~لنيل الملك كما أن الإخلال بها من مخايل الإدبار والتخلف عن استحقاق ~~الرئاسة وخليق بما هو بهذه المنزلة أن يكون من الأمراء على ما هو عليه فهم ~~أحق بذلك من سائر الناس # المسألة الثانية من أنفع مصداق العناية بهم ثمرتان # أحدهما سماع ما ينفعون به من وعظ ونصيحة فقد جعل الغزالي PageV01P396 من ~~وظائف الولاة تعطشهم إلى نصيحة من يعتبر في الدين ونصيحة مواعظ من سلف من ~~المشايخ وأولى عند سماعها منهم شفاها # الثانية قبول شفاعتهم إذ لا يشفع ذو دين إلا في محل قبول الشفاعة فيتأكد ~~لاكرام الشفيع عن الاعتذار ما لا يقيم حجة فضلا عن المواجهة بالمرد من غير ~~إبداء عذر وسيأتي في قبول الشفاعة إن شاء الله # المسألة الثانية من المنقول في قبول النصح والشفاعة منهم حكايتان # الحكاية الأولى قيل دخل عطاء بن أبي رباح على عبد الملك بن مروان وهو ~~جالس على سريره وحوله الأشراف من كل بطن وذلك بمكة في وقت حجه في خلافته ~~فلما بصر به قام إليه وأجلسه على سرير وقعد بين يديه ms205 قال يا أبا محمد ما ~~حاجتك قال يا أمير المؤمنين اتق الله في حرم الله وحرم رسوله فتعاهد ~~بالعمارة واتق الله في أولاد المهاجرين والأنصار فإنك بهم جلست هذا المجلس ~~واتق الله أهل الثغور فإنهم حصن المسلمين وتفقد أمور المسلمين فإنك وحدك ~~مسؤول عنهم واتق الله فيمن على بابك فلا تغفل عنهم ولا تغلق بابك دونهم ~~فقال له أفعل ثم أنهض فقام فقبض عليه عبد الملك قال يا أبا محمد إنما ~~سألتنا حاجة لغيرك وقد قضيناها فما حاجتك قال مالي حاجة مخلوق ثم خرج فقال ~~عبد الملك هذا وأبيك الشرف هذا وأبيك الشرف هذا أبيك الشرف # الحكاية الثانية روى ابن الحاج عن الشيخ أبي الحسن بن الزيات PageV01P397 ~~رحمه الله أنه خرج إلى بستانه ليعمل فيه لأنه كان من عادته أن يخرج إلى ~~حائطه ليعرق بيده وإذا ببعض الظلمة أخذوه مع غيره في السخرية لبستان ~~السلطان فمضى معهم وقعد يعمل معهم إلى أن جاء الوزير ودخل البستان لينظر ما ~~عمل فيه فإذا به وقعت عينه على الشيخ وهو يعمل فطأطأ على قدميه يقبلهما ~~فقال له يا سيدي ما جاء بك هاهنا فقال أعوانكم الظلمة فقال يا سيدي عسى أنك ~~تقيلنا وتخرج فأبى فقال له ولم قال هؤلاء إخواني من المسلمين كيف أخرج وهم ~~في ظلمكم لا أفعل ذلك فسأله أن يخرج بهم فأبى فقال ولم فقال غدا يأخذونهم ~~إن كانت لكم بهم حاجة فلم يخرج من هناك حتى تابوا إلى الله تعالى أن لا ~~يستعملوا أحدا من المسلمين ظلما # الصنف الرابع أصحاب الوفاء مع ذي اليد السابقة وفي وجه العناية بهم مسائل # المسألة الأولى قال الجاحظ من أخلاق الملك إكرام أهل الوفاء وبرهم والثقة ~~بهم والتقدمة لهم على الخاص والعام والحاضر والبادي قال وكانت ملوك الأعاجم ~~لا يمنع أحدا شكر من أنعم عليه وذكر نعمته وإحسانه وإن كانت الشريعة قد ~~قبلته والملك قد سخط عليه بل كانوا يعرفون فضيلة من ظهر ذلك منه ويأمرون ~~بصلته وتعاهده PageV01P398 # المسألة الثانية من وجوه الصواب ms206 فيما فعلوا من ذلك أمران # أحدهما دلالة الوفاء مع المدبر على حصوله مع المقبل من باب أولى # قال المنصور لاسحاق بن ميلم أفرطت في وفائك لبني أمية قال يا أمير ~~المؤمنين إنه من قد وفى لمن لا يرجى كان لمن رجى أوفى # الثاني شهادة المقابلة له بالكرامة على حسن عاقبة التخلق به وحمل ما يصير ~~إليه صاحبه ففيها تحضيض عليه وإعلام فإن إستحقاق الآثرة بها على مقدار الحظ ~~منه والنصيب # المسألة الثالثة كما أكرموا أهل الوفاء ووثقوا بهم فبعكس ذلك قابلوا ~~أضدادهم ومن الوجه في ذلك أمران # أحدهما أن عدم الوفاء مع ذي اليد السابقة دليل عدمه مع من سواه ما تقدم ~~في التمثيل إذا رأيت كلبا تبعك وترك صاحبه فأرجمه فإنه باركك كما تركه وعن ~~أبي عمرو بن العلا إذا أردت أن تعرف مالك عند صديقك فاعرف ما كان لصديقه ~~قبلك عنده # الثاني أن في إهانتهم المصاعد به بالعفاف زجرا لأمثالهم عن سوء العهد ~~وكفران النعمة وإن عاد نفع ذلك على من عاقبهم عليه # المسألة الرابعة من المروى في العمل بمقتضى ما ذكر كرامة وإهانة حكايتان # الحكاية الأولى أن أبا جعفر المنصور وجه إلى رجل من أهل الشام من شيبان ~~وكان من بظانة هشام فسأله عن التدبير هشام في بعض حرب PageV01P399 الخوارج ~~فوصف له الشيخ ما دبر فقال يعمل رحمه الله كذا رحمه الله كذا فقال المنصور ~~قم عليك لعنة الله تطأ بساطي وتترحم على عدوي فقام الرجل وهو يقول يا أمير ~~المؤمنين إن نعمة عدوك لقلادة في عنقي لا يتنزعها إلا غاسلي فقال المنصور ~~ارجع يا شيخ فرجع فقال أشهد أنك نهيض حرة وغراس كريم عد إلى حديثك فعاد ~~الرجل حديثه حتى إذا فرغ دعا له بمال فأخذه وقال والله يا أمير المؤمنين ~~مالي إليه حاجة ولقد مات عني الذي كنت ذاكره آنفا فما أحوجني إلى الوقوف ~~على باب أحد بعده ولولا جلالة عز أمير المؤمنين وإيثار طاعته ما ليست لأحد ~~بعده نعمة فقال المنصور مت إذا شئت ms207 يا شيخ فتحمد الله أنت فلو لم يكن لقومك ~~غيرك كنت قد أبقيت لهم مجدا مخلدا # الحكاية الثانية أن ازدشير أقام على حصار السلطان الساطرون أربع سنين وهو ~~لا يقدر عليه وكان للساطرون ابنة يقال لها نضيرة وكانت في غاية الجمال ~~فأشرفت ذات يوم فأبصرت أزدشير وكان من أجمل الرجال فهوته فأرسلت إليه أن ~~يتزوجها وتفتح له الحصن واشترطت عليه والتزم لها ما شرطت ثم دلته على ما ~~فتح به الحصن وخربه وأباد أهله وسار بنضيرة وتزوجها فبينما هي نائمة على ~~فراشها ليلا إذ جعلت تتقلب وتتململ لا تنام فدعا لها بالشمع ففتشوا فراشها ~~فوجد عليه ورقة آس فقال لها أزدشير هذا الذي أسهرك قالت نعم قال فما كان ~~أبوك يصنع بك قالت كان يفرش لي الديباج ويلبسني الحرير ويطعمني المخ والزبد ~~وشهد أبكار النحل ويسقيني الخمر الصافي قال أفكان PageV01P400 جزاء أبيك ما ~~صنعت به أنت إلي بذلك أسرع ثم أمر بها فربطت قرون رأسها بذيل فرس ثم ركض ~~الفرس حتى قتلها # وجهاء الناس وكبراء القبائل ولمكان العناية بهم مسائل # المسألة الأولى للسلطان من هذا الصنف حاجتان # أحدهما أن يفتقر إليهم في ظهور ملكه أو مقامه ولاخفاء أن العناية بهم إذ ~~ذاك لابد عنها ضرورة وقد تقدم برهان ذلك فيما سبق # أن يستغنى عنهم اكتفاء بما رسم له من الملك وتم له من أمره والعناية بهم ~~اعتبارها من جهة ما هو مكمل لمقاصد الملك كوقوع الصنيعة في محلها وجمال ~~الدولة بها واستتباع قلوب الرعية بكرامة سادتها إلى غير ذلك مما لا يخفى ~~على متأمل # المسألة الثانية حاصل العناية بهم بعد الوفاء بفوائد العطاء فرضا وإحسانا ~~إن استوجبوه أمران # أحدهما تولية المستحق منهم بحسب ما تقتضيه رتبته وتوجيه السياسة الوقتية ~~ولا يخفى صلاح ذلك خصوصا وعموما # الثاني تقريب ما فاته ذلك في ذاته عن صلاحية الولاية أو لموجب غير ذلك ~~يترجح اعتباره وربما كان في بعض الطبقات أحظى من الولاية وأشرف منها خصوصية ~~والنظر السديد كفيل بما هو المصلحة من ذلك ms208 كله # المسألة الثالثة من الإقرار بحسن السياسة في تقريب هذه الطبقة ما تضمنه ~~تعريف الحجاج بالسيرة التي كان عليها في زعمه يروى أن الوليد كتب إليه أن ~~يكتب إليه بسيرته فكتب إليه إني أيقظت رأيي وأنمت هواي وأدنيت PageV01P401 ~~السيد المطاع في قومه ووليت الحرب الحازم في أمره وقلدت الخراج للموفي ~~لأمانته وقسمت لكل خصم من نفسي قسما أعطيه حقا من نظري ولطيف عنايتي وصرفت ~~السيف إلى العصب المسيء فخاف المذنب صولة العقاب وتمسك المحسن بحظه من ~~الثواب # الصنف السادس الأغنياء من الرعايا ولبيان ما يخصهم مسائل # المسألة الأولى وجوب الاعتناء بهذا الصنف ظاهر من وجهين # أحدهما أن المال الذي هو عمدة الملك إنما وفوره بتعدد مداخله ومن أعودها ~~بالنفع الجباية والخراج وعلى مقدار يسار المأخوذ منه ذلك فيتوفر المال لا ~~محالة فيقوى الملك وترسخ قواعده # الثاني أن من وراء هذا الأصل الضروري لاعتبار مكملاته المقصودة ما هو ~~حقيق بالرغبة وبذل الجهد في تحصيله # ففي العهود اليونانية واعلم أن يسار رعيتك وعظم أخطارها يزيد في مملكتك ~~شرفا وذكرك حمدا وأن فاقتهم وذلهم نقص منك وتقصير بك فغلب أليق الحالين ~~بمحلك وأحسنهما أثرا في جاهك وصيتك # المسألة الثانية رعاية التجار من هؤلاء وخصوصا للمسافرين منهم كما وردت ~~الوصية به مبين فيه التوجيه أوضح بيان # قال ابن رضوان ملخصا لما قيل في ذلك مما يتأكد كثيرا الاعتناء بالتجار ~~الضاربين في الأرض لطلب المكاسب يصونهم من الظلم ولما PageV01P402 في ذلك ~~من استمالة القلوب النازحة واستجلاب الذخائر الخطيرة والأحجار النفيسة ~~والطرف المستحسنة والأخبار الغريبة ويأمر العمال بمحايطتهم وأن يعرف لكل ~~فضل منهم فضله # المسألة الثالثة من مستحسن المحكى من المبرة بالتجار الغرباء سفرا وإقامة ~~سيرتان # السيرة الأولى قال ابن رضوان أخبر الثقاة أن بلاد الصين من آمن البلاد ~~وأحسنها حالا للمسافرين فإن الإنسان يسافر بها منفردا وتكون معه الأموال ~~الطائلة فلا يخاف عليها وترتيب ذلك أن لهم في كل منزل ببلادهم فندقا عليه ~~حاكم يسكن فيه في جماعة من الفرسان والرجال فإذا كان بعد المغرب ms209 أو العشاء ~~الآخرة جاء الحاكم إلى الفندق ومعه كاتب فيكتب أسماء جميع من يبيت به من ~~المسافرين ويختم عليه ويغلق باب الفندق عليهم فإذا كان بعد الصبح جاء ومعه ~~كاتبه فدعا كل إنسان باسمه وكتب بذلك تفسير وبعث معهم من يوصلهم إلى المنزل ~~التالي له ويأتيه براءة من حاكمه أن الجميع قد وصلوا إليه وإن لم يفعل طولب ~~بهم وهكذا العمل في كل منزل من بلاد الصين وفي هذه الفنادق جميع ما يحتاج ~~إليه المسافرون من الأزواد وخصوصا الدجاج والإوز وأما الغنم فهي قليلة ~~عندهم # السيرة الثانية قال ومن عادتهم منع التجار عن الفساد وإذا قدم التاجر ~~المسلم على بلد من بلاد الصين خير في النزول عند تاجر من المسلمين ~~المستوطنين معهم أو في الفندق فإن أحب النزول عند التاجر PageV01P403 ~~المسلم أحصى ماله وضمنه التاجر المستوطن وأنفق عليه منه بالمعروف فإذا أراد ~~السفر بحث عن ماله فإن وجد شيئا منه قد ضاع غرمه التاجر المستوطن الذي ضمنه ~~وإن أراد النزول بالفندق سلم ماله لصاحب الفندق وهو يشتري له ما أحب ~~ويحاسبه فإن أراد التسري اشترى له جارية وأسكنه بدار يكون بها في الفندق ~~وأنفق عليهما # والجواري رخيصات الأثمان لأن أهل الصين أجمعين يبيعون أولادهم وبناتهم ~~وليس ذلك عيبا عندهم غير أنهم لا يجبرون على السفر مع مشتريهم ولا يمنعون ~~أيضا منه من اختاره وكذلك إن أراد التزويج تزوج وأما إنفاق مالهم في الفساد ~~فشيء لا سبيل لهم إليه ويقولون لا يسمع أنهم يخسرون أموالهم في بلادنا وهي ~~أرض فساد وجمال فائق # مبالغة الكرام قال كان من عادة ملك الهند السلطان أبي المجاهد محمد شاه ~~إكرام الغرباء ومحبتهم وتخصيصهم بالولايات والمراتب PageV01P404 الرفيعة ~~ومعظم خواصه من صحابته ووزرائه وقضاته غرباء ولهذا أمر أن يسمى الغرباء في ~~بلاده بالأعزة فصار ذلك لهم علما # الخامس استعانة التدبير بها عند التقصير عنه ولاخفاء بتأكيد الحاجة إليها ~~في هذه الحالة لأن القدرة عليه إذا كانت لا تنفك عن غرر الخصومة لن تتأيد ~~بها فما أحرى أن ms210 تتحقق عند الاستبداد لئلا تنهض البتة انتهى # | الركن السابع # # | مكافأة ذوي السوابق # وفيه مسائل # المسألة الأولى قال ابن المقفع ليعلم الملك أن الناس يصفون الملوك بسوء ~~العهد فليتدبر بعض قولهم وليكذب عن نفسه وعنهم صفات السوء التي يصفون بها # قلت فليراعي العهد بحسن المكافأة عليه مستعينا في انتهاضه إليه ملاحظا ما ~~يحمل عليه # المسألة الثانية وذلك أمور # أحدهما أنه مما لا له في هذا الملك المطلوب أولا وما هو كذلك فجدير أن ~~يستدام به ما أنال من قصد وبلغ من مراد قيل للإسكندر بم نلت ما نلت قال ~~باستمالة الأعداء والإحسان إلى الأصدقاء PageV01P405 # الثاني أنه لا يليق بالسلطان الشريف النفس أن ينفرد بنعيم الملك وذوو ~~السوابق لديه لم يفض عليهم مما رزق منه قال السفاح بنا أن تكون الدنيا لنا ~~وأولياؤنا ضالون عن حصن ودادنا # الثالث أنه عند كملاء الملوك من اعظم اللذات التي يفيدها الملك ويحظى بها ~~من فازت قداحه قيل للإسكندر أي شيء نلته في ملكك كنت به اشد سرورا من غيره ~~قال القوة على مكفأة من أحسن إلي # المسألة الثالثة من الوارد في الحسن المكافأة على السابقة التي لا خطر ~~لها حكايتان # الحكاية الأولى أن عبيد الله بن العباس أتاه رجل فقام بين يديه وقال له ~~يا ابن عباس إن لي عندك يدا وقد احتجت إليها فنظر إليه وقال له ما يدك قال ~~رايتك واقفا بزمزم وغلامك يمتح من مائها والشمس قد أضربت بك فظللتك بكسائي ~~حتى شربت فقال أجل إني لأذكر ذلك وأنه ليتردد في خاطري وقال لغلامه ما عندك ~~قال مائة دينار وعشرة آلاف درهم قال ادفعها إليه ما أراها تفي بحق يده فقال ~~لهم الرجل والله لو لم يكن لإسماعيل ولد غيرك لكان فيك ما كفاه فكيف وقد ~~ولد سيد المرسلين الأولين والآخرين محمدا صلى الله عليه وسلم ثم شفع بك ~~وبأبيك قيل وهذا عبيد الله أول من وضع المرافق على الطريق PageV01P406 # الحكاية الثانية عن الفضل بن الربيع قال خرج المهدي متنزها ومعه ابن ms211 بزيغ ~~فانقطع عن العسكر والناس في الصيد وأصاب المهدي جوع شديد فقال عمر ويحك ~~أريد إنسانا أجد عنده ما نأكل فما زال عمر يطوف إلى أن وجد صاحب مبقلة إلى ~~جانبه فصعد إليه فقال له عمر هل عندك شيء يؤكل قال نعم رقاق من الخبز شعير ~~وزبيب وهذا البصل والكراث فقال له المهدي إن كان عندك زبيب فقد أكملت قال ~~نعم عندي فضلة منه فقدم إليهما ذلك فأكلا كثيرا وجعل المهدي يستطيب آكله ~~ويمعن فيه حتى لم يبق فيه فضل ووافى العسكر ولحقته الخزائن والخدم فأمر ~~لصاحب المبقلة بثلاث آلاف درهم PageV01P407 # | الركن العشرون # # | تخليد مفاخر الملك ومآثره # وهناك مقدمتان المقدمة الأولى أن من سعادة السلطان سعيه في تشييد مفاخر ~~الملك وتخليد مآثره الشاهدة بكمال النيابة به في الظهور كما قال أفلاطون ~~السعيد من تمت به رياسة آبائه والشقي من انقطعت عنده وفي معناه قول بعض ~~الحكماء إن أبر الملوك من تم به سعي سلفه وأعقهم من أنقطع سعيهم عنده # المقدمة الثانية أن تحصيل هذه السعادة حقيق أن يرغب فيه لأمرين أحدهما ~~ثواب الآخرة ونعيمها المخلد الملك الكبير لقوله تعالى @QB@ ونكتب ما قدموا ~~وآثارهم @QE@ وقوله صلى الله عليه وسلم من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر ~~من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجرهم شيئا له الحديث # الثاني عز الدين بتخليد جميل الذكر والثناء الحسن كما قال # ( وهل شيء يدوم سوى حديث % جميل الذكر فالدنيا حديث ) # حديث موعظة # قال الطرطوشي أثر تقريره لهذا المعنى فانتهز فرصة العمر ومساعدة الدنيا ~~وقدم لنفسك كما قدموا تذكر بالصالحات كما ذكروا وأعلم أن المأكول للبدن ~~والموهوب للمعاد والمتروك للعدى فاختر أي الثلاثة شئت والسلام # مرجع إذا تقرر هذا مما به نيل السعادة وهو ما يشيد به مفاخر الملك يخلد ~~به مآثره يظهر من حكاية ما نقل منه عن جلة الملوك وأعيان الوزراء فهنا ~~مقامان PageV01P408 # المقام الأول ما نقل منه عن الملوك والكافي منه خبران # الخبر الأول قال ابن خلكان في ترجمة ms212 السلطان أبي سعيد المدعو بالملك ~~المعظم مظفر الدين صاحب أربل كان له في فعل الخيرات غرائب ولم يكن في ~~الدنيا شيء أحب إليه من الصدقة كان له في كل يوم قناطير مقطرة من الخبز ~~يفرقها على المحاويج في عدة مواضع من البلد يجتمع في كل يوم في الموضع خلق ~~كثير فيفرق عليهم في أول النهار وإذا نزل من الركوب يكون قد اجتمع جمع كثير ~~عند الدار فيدخلهم إليه ويدفع لكل واحد منهم كسوة على قدر الفصل من الشتاء ~~والصيف وغيرهما ومع الكسوة شيء من الذهب من الدينار إلى الإثنين والثلاثة ~~وأقل وأكثر وكان قد بنى أربعة مواضع للمرضى والعميان وملأها من هذين ~~الصنفين وقدر لهم ما يحتاج إليه كل واحد وكان يأتيهم في كل عصر إثنين وخميس ~~ويدخل إلى كل واحد في بيته ويسأله عن حاله ويتفقده بشيء من النفقة وينتقل ~~إلى الآخر وهكذا حتى يأتي على جميعهم وهو يباسطهم ويمزح ويجبر قلوبهم # قال وكان رحمه الله قد بنى دارا للنساء الأرامل ودارا للصغار الأيتام ~~ودارا للملاقيط رتب بها جماعة من المراضع وكل مولود ملتقط يحمل إليها فيرضع ~~ويجري على أهل كل دار ما يحتاجون إليه في كل يوم وكان يدخل إليها فيرضع ~~ويجري على أهل كل دار ما يحتاجون إليه في كل يوم وكان يدخل للمارستان ويقف ~~على كل مريض يسأله عن مرضه وكيفية حاله وما يشتهيه وكان له دار مضيف يدخل ~~إليها كل قادم على البلد من فقير أو صغير أو غيرهما وعلى الجملة فما كان ~~يمنع منها كل من قصد الدخول أليها ولهم في الدار الغداء والعشاء وإذا عزم ~~الإنسان على السفر أعطوه نفقة على ما يليق بمثله PageV01P409 # وبنى مدرسة رتب فيها الفريقين من الشافعية والحنفية وكان كل وقت يأتيها ~~بنفسه ويعمل السماط بها ويتطيب ويعمل السماع فإذا طلب خلع شيئا من ثيابه ~~وييسر للجماعة شيئا من الأنعام ولم يكن له لذة سوى السماع فإنه كان لا ~~يتعاطى المسكر ولا يمكن من ادخله غلى البلدة وبنى للصوفية ms213 زاويتين فيهما ~~خلق كثير من المقيمين والواردين ويجتمع في أيام المواسم فيها خلق كثير ~~ولهما أوقاف وافرة تقوم بجمع ما يحناج إليه ذلك الجمع ولا بد عند سفر واحد ~~من نفقة يأخذها وكان يسير في كل سنة دفعتين مع جماعة من اصفائه إلى بلد ~~الساحل ومعهم جملة وافرة من أموال يفدي بها بها أسارى المسلمين من أيدي ~~الكافرين فإذا وصلوا إليه أعطى كل واحد مالا وإن لم يصل له الأسارى ~~فالأمناء يعطونههم بوصية منه في ذلك وكان يقيم في كل سنة سبلا للحاج ويسير ~~معه جميع ما تدعو حاجة المسافر إليه في الطريق ويسير صحبته أمناء معهم خمسة ~~آلاف دينار أو ستة آلاف دينار ينفقها في الحرمين على المحاويج وأرباب ~~الرواتب وله بمكة حرسها الله تعالى آثار جميلة وبعضها باق إلى الآن وهو أول ~~من أجرى الماء إلى جبل عرفات في ليلة الوقوف وغرم عليه جملة كثيرة من المال ~~وعمر بالجبل مصانع للماء فإن الحجاج كانوا يتضررون من عدم الماء هناك وكان ~~رحمه الله متى أكل شيئا واستطابه لا يختص به بل يقول احملوا هذا إلى الشيخ ~~فلان أو فلانة ممن هم عندهم مشهور بالسلاح # قلت قال ابن رضوان وكأنه نظر إلى ما حكى أنه كان مكتوبا على جوانب مائدة ~~أنو شروان خير الملوك ما كان طعامه من حله وعاد على ذوي الحاجات من فضله ~~انتهى PageV01P410 الخبر الثاني قال كان أبو الفتح ملك شاه بن البارسلان ~~السلجوقي مغرما بالعمائر فحفر كثيرا من الأنهار وعمل على كثير من البلدان ~~الأسوار وابتنى في المفاوز رباطات وقناطير وهو الذي عمر جامع السلطان ~~ببغداد في سنة خمس وثمانين وأربعمائة وزاد في ذكر السلطنة بها وصنع بطريق ~~مكة مصانع وأتفق عليها أموالا كثيرة خارجة عن الحصر وأبطل المكوس والخفارات ~~في جميع بلاده وكان لهجا بالصيد حتى أنه ضبط ما اصطاده بيده فكان عشرة آلاف ~~فتصدق بعشرة آلاف دينار بعد أن نسي كثيرا منه وقال إني خائف من الله تعالى ~~من إزهاق الأرواح لغير مآكله وصار ms214 بعد ذلك كلما قتل صيدا تصديق بدينار وخرج ~~مرة لتوديع الحاج فجاوز العذيب وشيعهم بالقرب من الواقصة وصاد في طريقه ~~وحشا كثيرا فبنى هناك مناورة من حوافز الحمر الوحشية وقرون الظباء التي ~~صادها في تلك الطريق وكانت السبل في أيامه ساكنة من المخاوف آمنة تسير ~~القوافل مما وراء النهر إلى أقصى الشام وليس معها خفير ويسافر الواحد ~~والإثنان من غير خوف ولا رهب # المقام ما نقل منه عن الوزراء والكافي أيضا منه خبران # الخبر الأول قال ابن رضوان وأصله للطرطوشي ومثله لابن العربي كان الوزير ~~نظام الملك قد بنى دور العلم للفقهاء وأنشأ المدارس للعلماء وأسس الرباطات ~~للعباد والزهاء وأهل الصلاح والفقراء ثم أجرى PageV01P411 لهم الجرايات ~~مشاهرة والكساوى والنفقات وأجرى الحبر والورق لمن كان من أهل الطلب للعلم ~~مضافا إلى أرزاقهم وعم بذلك جميع أقطار المملكة سلطانه أبو الفتح بن ~~البارسلان فلم يكن في أوائل الشام وهي ببيت المقدس إلى الشام الأعلى وديار ~~يكر والعراقين وخراسان بأقطارها إلى سمرقند ووراء نهر جيحون زهاء مائة يوم ~~حاصل علم أو طالبه أو متعبد أو زاهد في زاويته إلا وكرامة شاملة له وسابغة ~~عليه وكان الذي يخرج من بيوت أمواله في هذه الأبواب ستمائة ألف دينار في كل ~~سنة فوشى به الوشاة إلى أبي الفتح الملك وأوغروا صدره عليه وقالوا إن هذا ~~الخارج من بيوت الأموال تقيم به جيشا تركز به راية في سور قسطنطينية فخامر ~~ذلك قلب أبي الفتح فلما دخل عليه قال له يا أبت بلغني أنك تخرج من بيوت ~~الأموال كل سنة ستمائة ألف دينار إلى مالا ينفعنا ولا يغنى عنا شيئا فبكى ~~نظام الملك وقال يا بني أنا شيخ أعجمي ولو نودي على فيمن يزيد لم أحفظ خمسة ~~دنانير وأنت غلام تركي لو نودي عليك عساك تحفظ ثلاثين دينارا وأنت مشتغل ~~بلذاتك ومنهمك في شهواتك وأكثر ما يصعد إلى الله تعالى معاصيك دون طاعتك ~~وجيوشك الذين تعدهم للنوائب إذا احتشدوا كافحوا عنك بسيوف طولها ذراع وقوس ~~لا ينتهي مدى ms215 مرماها ثلاثمائة ذراع وهم مع ذلك مستغرقون في المعاصي والخمور ~~والملاهي والمزامر والطنبور وإني أقمت لك جيشا يسمى جيش الليل فإذا ~~PageV01P412 جن الليل قامت جيوش الليل على أقدامهم صفوفا بين يدي ربهم ~~فأرسلوا دموعهم وأطلقوا بالدعاء ألسنتهم ومدوا إلى الله العظيم أكفهم ~~بالدعاء لك ولجيوشك فأنت وجيوشك في خفارتهم تعيشون وبدعائهم تبيتون ~~وببركاتهم تمطرون وترزقون وتخرق سهامهم إلى السماء السماء السابعة بالدعاء ~~والتضرع فبكى أبو الفتح بكاء شديدا ثم قال شاباش يا أبت شاباش أي يا أبت ~~أكثر لي من هذا الجيش قال وهذا الرجل هو الذي بنى المدرسة النظامية ببغداد ~~وإليه تنسب رحمه الله # قلت قال ابن خلكان هو أول من ابتنى المدارس فاقتدى به الناس وشرع في ~~عمارة مدرسته بغداد سنة سبع وخمسين وأربعمائة وفي سنة تسع وخمسين جمع الناس ~~على طبقاتهم ليدرس بها الشيح أبو إسحاق الشيرازي فلم يحضر فدرسها أبو نصر ~~بن الصباغ صاحب الشامل عشرين يوما ثم جلس الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ببغداد ~~وكان إذا حضر وقت الصلاة خرج منها ويصلي في بعض المساجد وكان يقول إن أكثر ~~الآلات بها غصب PageV01P413 قلت وذكر الطرطوشي ما اتفق له مع أبي سعيد ~~الخدري الذي كان بناؤها له على يده فراجعه من هناك قال ابن خلكان وسئل عن ~~محبته للصوفية قال أتاني صوفي وأنا أخدم بعض الأمراء فقال لي أخدم من تنفعك ~~خدمته ولا تشتغل لخدمة من تأكله الكلاب غدا فلم أفهم ما قال فسكر ذلك ~~الأمير من الغد وكانت له كلاب كالسباع تفترس الغرباء بالليل فغلبه السكر ~~فخرج وحده فلم تعرفه الكلاب فمزقته فعلمت أن الرجل كوشف بذلك فأنا أخدم ~~الصوفية لعلي أظفر بمثل ذلك الرجل # قلت قال ابن العربي كان قبل أن يوزر صوفيا فقيرا يمشي على قدميه من مسجد ~~الاقدام بمصر إلى تركستان وما وراء جيحون في صحبة الزهاد وانتقل من رباط ~~إلى رباط أربعين عاما ثم وزر أربعين عاما # قال ابن خلدون وكان إذا قدم عليه إمام الحرمين أبو المعالي وأبو القاسم ~~القشيري صاحب ms216 الرسالة بالغ في إكرامها وأجلسها في موضعه قال وتوجه صحبة ~~صاحب ملك شاه أصيهان فلما كانت ليلة السبت عاشر رمضان سنة خمس وثلاثين ~~وأربعمائة فلما كان قرب نهارها قال هذا موضع قتل فيه خلق كثير من الصحابة ~~في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين فطوبى لمن كان فيهم فاعترضه في ~~تلك الليلة صبي ديلمي لابس على هيئة الصوفية معه قصبة عالية فدعا له وسأله ~~تناولها فتناولها من يده ليأخذها فضربه الصبي بسكين بفؤاده فحمل إلى يده ~~ليأخذها فضربه الصبي بسكين في فؤاده فحمل إلى مضربه فمات وقتل قاتله في ~~الحين بعد أن هرب فعثر في طنب خيمته فوقع فقتل وحمل نظام الملك إلى أصبهان ~~فدفن فيها PageV01P414 # قال وقيل أن السلطان دس عليه القاتل له فإنه سم طول حياته واستكثر ما ~~بيده من الإقطاعات ولم يعش السلطان بعده إلا خمسة وثلاثين يوما وكان رحمه ~~الله من حسنات الدهر # قلت قال ابن العربي قال الناس فيه لم يوزر بعد موته مثله # قال ابن خلكان ورثاه شبل الدولة أبو الهيجا مقاتل بن عطية البكري بقوله # ( كان الوزير نظام الملك لؤلؤة % نفيسة قد صاغها الرحمن من شرف ) # ( عزت فلم تعرف الأيام قيمتها % فردها غيرة منه إلى الصدف ) # الخبر الثاني قال ابن رضوان وممن له في المآثر المخلدة اليد العليا ~~والفوز بأكثر مساعي البر المتكفلة له بالحسنى الوزير جمال الدين بن جعفر بن ~~محمد بن علي بن أبي منصور المعزو بالجواد الأصفهاني ولا يدعى إلا جمال ~~الدين الجواد وزير صاحب الموصل فقد ثبت له من الآثار الكريمة والصنائع ~~الحميدة والمصانع المبنية في ذات الله تعالى المشيدة ما لم يسبقه إليه أحد ~~من أكابر الخلفاء وفضلاء الوزراء تمادى على هذه المقاصد السنية المجتمعة ~~على المنافع العامة لجميع المسلمين في حرم الله وحرم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أكثر من خمسة عشر عاما لم يزل فيها باذلا أموالا لا تحصى في بناء ~~رباع جامع مكة مسبلة في طرق الخير مؤيدة محبسة وفي اختطاط صهاريج ms217 الماء ~~ووضع جباب في الطرق يستقر به المطر إلى تجديده آثار من البناء في الحرمين ~~الكريمين وكان من أشرف أعماله أن جلب الماء إلى عرفات وقاطع عليه ~~PageV01P415 العرب من بني شيبة سكان تلك النواحي المجلوب إليها بوظيفة من ~~المال كثيرة على أن لا يقطعوا الماء عن الحاج فلما توفى عادوا إلى عادتهم ~~من قطعة ومن مآثره أنه جعل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت سرير من ~~عيقر وأنفق فيها أموالا لا تحصى كثرة ومن أعجب ما وفقه الله إليه أنه جدد ~~أبواب الحرم كلها وجدد باب الكعبة وعشاه فضة مذهبه وجدد العتبة المباركة ~~بلوح ذهب ابريز وأخذ الباب القديم وأمر أن يصنع له منه تابوت يدفن فيه فلما ~~حانت وفاته أمر أن يوضع في ذلك التابوت المبارك ويحج به مستا ويدفن بالموصل ~~دون السنة وبعد ذلك أن يسار إلى عرفات ويوقف به على الجبل ويكشف عن التابوت ~~فلما أفاض الناس به وكتبت له المناسك كلها وطيف به طواف الإفاضة وكان رحمه ~~الله لم يحج في حياته ثم حمل إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وله فيها ~~الآثار الكريمة وبنيت له روضة بازاء روضة المصطفى صلى الله عليه وسلم وفتح ~~بها موضع يلاحظ الروضة المقدسة وأقيم له ذلك لسابق أفعاله الكريمة وإليه ~~ينسب أحد الحمامين الذين بسكة المشهور بحمام جمال الدين # قال ولهذا الرجل من الآثار الجميلة والمفاخر الجليلة التي لم يسبق إليها ~~الأكابر الأجواد والسادات الأمجاد فيما سلف من الأزمان ما لا يحصى ويستقر ~~به الثناء ويستصحب طول الأزمان من الألسنة بالدعاء وحسبك أنه اتسع اعتناؤه ~~بإصلاح جادة الطريق للمسلمين في المشرق من العراق إلى الشام إلى الحجاز ~~فاستنبط المياه وابتنى الجباب واختط المنازل في المغازات وأمر بعماراتها ~~مأوى لأبناء السبيل وكافة المسافرين وابتنى بالمدن المتصلة من العراق إلى ~~الشام فنادق وعينها لنزول الفقراء وأبناء السبيل الذين تضعفت أحوالهم عن ~~تأدية الأكرية وأجرى على قومه تلك الفنادق والنازل ما يقوم بعيشهم وعين لهم ~~ذلك في وجوه متأبدة ms218 لهم فبقيت لهم تلك الرسوم على حالها إلى الآن فسارت ~~تلهج بذكر هذا الرفاق وملئت ثناء عليه الآفاق وكان مدة حياته بالموصل قد ~~اتخذ دار كرامة واسعة الفناء فسيحة الأرجاء يدعو إليها كل يوم الجفلى من ~~الغرباء شبعا وريا وربما وجد الوارد والصادر في ظله PageV01P416 عيشا هنيئا ~~ولم يزل على ذلك أيام حياته رحمه الله تعالى فبقيت آثاره مخلدة وأخباره ~~بألسنة الذكر مجددة وقضى حميدا سعيدا والذكر الجميل للسعداء حياة ثانية ~~ومدة من العمر باقية والله كفيل بجزاء المحسنين من عباده فهو أكرم الكرماء ~~انتهى # وهو منقول عن ابن خلكان PageV01P417 # | الباب الثاني # # | في الصفات التي تصدر بها تلك الأفعال على أفضل نظام # والمقرر منها عشرون قاعدة وقبلها ست مقدمات # المقدمة الأولى إن الإنسان مركب من خلق محمود يشبه بها الملك قال الله ~~تعالى @QB@ إن هذا إلا ملك كريم @QE@ وخلق مذمومة يشبه بها البهيمة أو ~~الشيطان قال الله تعالى @QB@ أولئك كالأنعام بل هم أضل @QE@ # قلت ومن ثم إن المسخ في الباطن واقع في هذه الأمة وقد قال ابن الحاج أن ~~الظلمة لا فرق بينهم وبين السباع إلا في الصورة الظاهرة والمعاني جامعة بين ~~النوعين # المقدمة الثانية قال الحكماء الخلق ملكة تصدر بها عن النفس الأفعال ~~بسهولة دون تقدم روية كالكاتب دون تقدم روية والقادر على إحضار علومه دون ~~إحضار روية # قال الإمام فخر الدين والفرق بينهما وبين القدرة نسبتها إلى الضدين على ~~السواء والخلق ليس كذلك # المقدمة الثالثة قال أصول الفضائل ثلاثة الحكمة والشجاعة الخلق الذي يصدر ~~به الفعل المتوسط بين فعلى الحدة والغباوة والشجاعة الخلق الذي يصدر به ~~الفعل المتوسط بين PageV01P419 فعلى التهور والجبن والعفة الخلق الذي يصدر ~~به الفعل المتوسط بين فعلي الفجور والخمود # المقدمة الرابعة أن الأخلاق قابلة للتغيير بطريق الرياضة على معنى ردها ~~إلى الاعتدال وهو ممكن رفعها بالحركة إذ هو ممتنع فلا يرد قيل الأخلاق صورة ~~الباطن كما أن الخلق صورة الظاهر والخلقة الظاهرة لا قدرة على تغييرها فكذا ~~الباطنة وغاية ما يقال أنه عسير الإمكان ms219 فحسب # قال البلخي وليس الممكن العسير في زوال الممتنع لأن الأول فيها ينتهي ~~خروجه إلى الوجود والثاني لا سبيل إلى الوجود البتة # المقدمة الخامسة إن الناس في هذا المقام على ما قسم الغزالي أربعة # أحدهما الباقي على أصل الفطرة في الخلو من الاعتقادات وفقدان التميز بين ~~الحق والباطل ولم يبالغ شهوته في انقباض اللذات فهذا سريع القبول لتغيير ~~خلقه في أقرب زمان # الثاني العارف بقبح القبيح مع الإصرار عليه انقيادا للشهوة وإعراضا عن ~~الصالحات التي لم يتعودها فأمره أصعب لعسر مبلغ ما رسخ في نفسه من صبغة ~~تعود الفساد وصعوبة قبوله لتعود الصلاح لكنه للرياضة أن أخذ فيها بصادق عزم # الثالث المعتقد في القبيح أنه الواجب المستحسن لرسوخه بذلك منذ ~~PageV01P420 أول النشأة فعند ذلك صلاحه لا يرجى إلا على الندور لتضاعف ~~أسباب ضلاله وخذلانه # الرابع المستكثر من الشرور الناشئ عليها اعتقادا أن التظاهر بذلك هو ~~الفضيلة الرفيعة على قدر المشتهر بها وفي مثله قيل من التهذيب تهذيب الرتب # فالأول فقط والثاني جاهل والثالث جاهل وضال # فالأول جاهل فقط والثاني جاهل وضال فقط والثالث جاهل وضال وفاسق والرابع ~~جاهل وضال وفاسق وشرير # المقدمة السادسة أن السبب الذي به ينال تغيير الخلق المذموم أمر أن في ~~الجملة # أحدهما فطري لا كسبي إنما هو بمحض الجود الآلهي لمن يوجد كامل العقل حسن ~~الخلق معتدل الشهوة والغضب عالما من غير معلم متأدبا من غير مؤدب كالأنبياء ~~عليهم السلام # الثاني كسبي وهو الرياضة المراد بها حمل النفس على عمل مقتضى الخلق ~~المطلوب كتكلف طالب الجود يتعاطى فعل الجواد حتى يصير له طبعا لا تكلف فيه ~~وكذا في سائر الخلق الحميدة # | القاعدة الأولى # # | العقل # وفيها مسائل # المسألة الأولى سبق في مقدمات الكتاب أنه من شروط ولاية السلطان والمراد ~~الآن ما يزيد على ذلك القدر الغريزي وهو المكتسب منه بكثرة PageV01P421 ~~التجربة وطول المباشرة بتقلب الأيام وتصرف الحوادث فقد قيل كفى بالتجارب ~~مؤدبا وبانقلاب الدهر عظة وقيل التجربة مرآة العقل والغرة ثمرة الجهل # قال الشاعر # ( ألم تر أن ms220 العقل زين لأهله % ولكن تمام العقل طول التجارب ) # وقال # ( إذا طال عمر المرء في غير آفة % أفادت له الأيام في كرها عقلا ) # المسألة الثانية يتأكد الإتصال بهذا النوع من العقل على السلطان مالا ~~يتأكد على غيره ومما يدل على ذلك أمران # أحدهما أن انتصابه لرعاية الخلق بما يتكفل لهم بمصالح الدارين يتوقف على ~~وفور حظه من هذا الإتصاف ولا يخفى ذلك على ذي بصيرة يتوقف على وفور حظه من ~~هذا الإتصاف ولا يخفى ذلك على ذي بصيرة # الثاني إن أنفس مطالب الرياسة الذكر ولا يحصل إلا بكماله ففي سياسة أرسطو ~~الرياسة لا تراد لنفسها إنما تراد للذكر وأول منازع العقل الذكر والرياسة ~~نتيجته # المسألة الثالثة القصد بهذا العقل معرفة خير الخيرين وشر الشرين # قال الغزالي وذلك في الأمور العاجلة قريب وإنما المتلبس عواقب الأمور في ~~الأسباب المحظورة ولا يشغل بها إلا مسدد بالتوفيق من الله تعالى # قلت هو من معنى قول أكثم بن صيفي # الأمور تتشابه وهي مقبلة ولا يعرفها إلا ذوو الرأي فإذا أدبرت يعرفها ~~الجاهل كما يعرفها العاقل PageV01P422 ومنه قوله # ( تشابه أعيان الأمور بواديا % وتظهر في أعقابها حين تدبر ) # قال والوصول إلى ذلك بعد حصوله غريرة العقل مبني على أشياء # قال أحدها الفكرة والتدبير بشرط الفطنة والذكاء الثاني النقد لخواطر ذوي ~~البصائر واستطلاع رأي أولى التجارب على طريق المشاورة وهو الركن الأعظم في ~~التدبير فإن الاستبداد وإن كان من ذي بصيرة مذموم # المسألة الرابعة يستعان على حصوله كما يراد بأمرين # أحدهما كسبي بكثرة التجربة كما مر والآخر عزيزي وهو خلقه من الله تعالى ~~يخص بها من يشاء من خلقه فيخلقه ذكيا فطنا # حكاية في ذلك قال الأصمعي قلت لغلام حدث من أولاد العرب كان يحدثني ~~فأعجبني فصاحته وملاحته فقلت له أيسرك أن يكون لك مائة ألف وأن تكون أحمقا ~~قال لا والله قلت ولم قال أخاف أن يجني الحمق على جناية تذهب على مالي ~~ويبقى على حمقي # قال الطرطوشي فاستخرج هذا الصبي بفرط ذكاءه قضية مقبولة فعلا على ms221 من هو ~~أكبر سنا منه # قيل وقد قالت الحكماء العقل سرعة الفهم وغايته إصابة الوهم وليس للذكاء ~~غاية ولا لجودة المعرفة نهاية # المسألة الخامسة من الفطن في العقل معرفة كماله الشرعي وهو متوقف على ~~تصوره في نفسه فعلى أنه علوم ضرورية بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات ~~ووجوب الواجبات فهي علوم شرعية يظهر على PageV01P423 وفقها آثار فعلية ~~وقولية وعلى أنه بصيرة في القلب تدرك بها العلوم الشرعية ويظهر على وفقها ~~آثار فعلية وقولية # المسألة السادسة من لازم هذين التعريفين انتقاؤه حيث لا تظهر تلك الآثار ~~وبه يفهم نفيه عن الكفار في نحو قوله تعالى صم بكم عمي فهم لا يعقلون # فهم عند ذلك على الجملة لتخلف كمال ثمرته وهو الإمتناع به عن العصبية ~~التي لا يعود وبالها إلا عليهم كما دل تفسير أولي الألباب أي أهل العقول ~~وفي قوله تعالى ^ الذين يوفون بعهد الله ولا ينقصون الميثاق ^ إلى آخر ~~الآية بعد تقدم قوله ^ إنما يتذكر أولو الألباب ^ فيفهم من ذلك أن من لم ~~يتصف بالوفاء بالعهد وما ذكر معه فليس بذي عقل # المسألة السابعة الإتصاف بهذا العقل الكامل في جميع الأحوال والأوقات ~~المخالفة لأن ذلك إنما هو للأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولقليل ممن عداهم ~~ومن ثم قال مطرف بن عبد الله ما من الناس أحد إلا وهو أحمق فيما بينه وبين ~~ربه ولكن الحمق بعضه أهون من بعض # قال الأستاذ أبو سعيد بن لب رحمه الله بهذه إشارة إلى عزة وجود العقل ~~الكامل وإلى أنه لا يصل أحد أن يقوم بحق الله تعالى كل القيام وأن يعبده حق ~~العبادة # المسألة الثامنة من له عناية بطلب هذا الأمر من العقل بحسب جهده فليعتبر ~~بمثل ما يعمر به الأوقات # قال وهب بن منبه حق على العاقل ألا يغفل عن أربع ساعات ساعة يناجي فيها ~~ربه وساعة يقضي فيها إلى إخوانه الذين يخبرونه بشؤونه ويصدقونه عن نفسه ~~وساعة يخلي بين نفسه وبين لذاته فيما يحل PageV01P424 ويحمل فإن هذه الساعة ~~عون على تلك الساعات وأجمام للقلوب ms222 وحق على العاقل أن لا يطعن في إحدى ثلاث ~~زاد لمعاده ومرمة لمعاشه ولذة في غير محرم # المسألة التاسعة من الكلمات الحكمية في هذا الوصف العقل رأس التدبير ~~وصلاح النفس ومرآة العيوب وبه بذل المكرمات وبعد المحبوبات وهو رأس ~~المحرمات وأصل الفاجرات والعقل يريك ذات الشيء وجوهره والحس يريك ظاهره ~~ولباسه # والعقل يشير على النفس بترك القبيح فإن لم تقبل منه لم يتركها لأنه ليس ~~فيه غضب لكنه يريها أصلح وقت ينبغي أن يفعل ذلك الشيء فيه وأحمد جهة يوجدها ~~لأنه يعطي الخير دائما لمن وكل له # فضل العقل على الهوى وأن العقل يملكه الزمان والهوى يستعبدك له # حيث ترى الطبيعة معهودة فالعقل هناك ناقص وحيث ترى العقل كاملا فالطبيعة ~~هناك ضعيفة العاقل يرغب في الأدب والجاهل يطلب منه الهرب # العاقل إذا فاته الأدب لزم الصمت # من لم يكمل عقله لم يخالط نفسه # من غلب هواه عقله افتضح ومن اظهر محاسنه وأخفى مساويه كمل عقله ~~PageV01P425 # | القاعدة الثانية # # | العلم # وفيه مسائل # المسألة الأولى العلم أشرف فضائل الإنسان لوجوه # أحدهما أن أمهاتها الخلقية كما تقدم أرفعها الحكمة ويرد بها كمال العلم ~~وهي فضيلة النفس الناطقة والشجاعة وهي فضيلة النفس الغضبية والعفة وهي ~~فضيلة النفس الشهوانية والعدل وهي فضيلة النفس البسيطة وهو عام فيها والنفس ~~الناطقة أشرفها فضيلتها أشرف # الثاني أن تلك الفضائل لا يتم كمالها إلا به وهو يوجد كاملا بدونها فهو ~~مستغن عنها وهي مفتقرة إليه فيكون أشرف # الثالث أن ما عداه من تلك الفضائل يشارك الإنسان فيها بعض الحيوان وفضيلة ~~العلم لا يشاركه فيها إلا الملائكة وما اختص به الإنسان والملك اشرف لا ~~محالة # المسألة الثانية السلطان أحوج الخلق إلى العلم لوجهين # أحدهما أن افتقاره إليه في الأحكام تحوجه إلى المعرفة بها ليكون على ~~بصيرة في تنفيذ الفصل فيها وإلزام الوقوف عند حدودها # الثاني أن تحليته بالعلم من أعظم ما يتحبب به إلى الرعية لما رسخ في ~~النفس على الجملة من فضيلة العلم ومحبة من انتسب إليه وإذا عرى منه ms223 أو فرط ~~في العمل بمقتضى السؤال عنه أخل بالسريرة الفاضلة فينفرون ويستوحشون منه # المسألة الثالثة مما يدل على رسوخها محبة العلم وتعظيمه في النفوس أمران ~~PageV01P426 # أحدهما أن من المتقرر في العقول السليمة أن العلم صفة كمال وأن الجهل صفة ~~نقصان ولذلك إذا قيل للرجل العالم يا جاهل تأذى بذلك القول وإن كن يعلم من ~~نفسه أنه ليس كذلك # الثاني أن من السعادة به ما يكسبه في الدنيا من الخيرات التي لا توازنها ~~خصوصية كما قال ابن حزم مشيرا لبعض ذلك لو لم يكن من فضائل العلم إلا أن ~~الجهال يعابونك ويجلونك وأن العلماء يحبونك ويكرمونك لكان ذلك سببا لطلبه ~~ووجوب الإنصاف به فكيف ومعلوم فضائله في الدنيا والآخرة # المسألة الرابعة قد سبق في مقدمات الكتاب أن تعذر وجود هذا الوصف في ~~السلطان سقط اعتبار اشتراطه اكتفاء بمراجعة العلماء عند وقوع النوازل وتقدم ~~ما للغزالي في ذلك فإذا فاته ذلك بالجملة أو شغله الملك عن استقصاء الكمال ~~فيه بحسب الوسع فلتكن عنايته مصروفة إلى تعظيم حملته وتكرير مراجعتهم في ~~الوقائع الموقوفة حكمها على معرفة ما لديهم من حكم الله كما سبقت إليه ~~الإشارة فهو فرض في هذه الحالة # المسألة الخامسة من الكلمات الحكمية في هذا الوصف لو لم يكن له فضيلة إلا ~~كونه شرطا في الألوهية فمن ليس بعلم فليس باله # أطلب العلم تعظمك الخاصة واطلب الكمال تعظمك العامة واطلب الزهد يعظمك ~~الجميع # من فضيلة العلم أنك لا يخدمك فيه أحد كما يخدمك في سائر الأشياء ولا ~~يستطيع أحد أن يسلبك إياه كما يسلبك غيره إذا أكرمك الناس لمال أو سلطان ~~فلا يعجبك ذلك فإن زوال الكرامة بزوالهما ولكن يعجبك إن أكرموك لعلم أو أدب ~~أو دين # عطية العلم موهبة من الله تعالى لأنها لا تنفذ عند الجود بها ولكنها تكون ~~بكمالها عند معيدها PageV01P427 # | القاعدة الثالثة # # | الشجاعة # وفيها نظران أحدهما بيان هذا الوصف والآخر في تقرير نقيضه وهو الجبن # النظر الأول وفيه مسائل # المسألة الأولى تقدم أنها من أمهات الفضائل الخلقية ms224 قال فيها الطرطوشي هي ~~أم الخصال وينبوع فضائل الكمال # قلت وقولهم أصلها ثياب القلب يرجع إلى قول الحكماء منشأها القوة الغضبية ~~للنفس لأن الثبات أثر كمال تلك القوة # المسألة الثانية سبق أيضا أن حقيقتها هي الخلق الذي يصدر به الفعل ~~المتوسط بين فعلي التهور والجبن فمتى اعتدل بها التوسط فهو الشجاعة ~~المحمودة وإن مال إلى طرف الإفراط فهو التهور أو إلى طرف التفريط فهو الجبن ~~وكلاهما مذموم # وقد قيل # ( جرى مثل دل السماع مع الحجى % عليه على مر الزمان قديم ) # ( توسط إذا ما شئت أمرا % فأنما كلا طرفي قصد الأمور ذميم ) # المسألة الثالثة مصدر هذا الخلق عن ثبات القلب عند الغلب # قال ابن قيم الجوزية وهو يتولد من الصبر وحسن الظن فمتى ظن الظفر وساعده ~~الصبر ثبت PageV01P428 # قال والجراءة إقدام سببه قلة المبالاة وعدم النظر في العواقب أما عليه أو ~~له # المسألة الرابعة قال العلماء من كمال ثبات القلب أن به يتحقق جميع مطالب ~~الدين والدنيا كامتثال الأوامر واجتناب النواهي واكتساب الفضائل واتقاء ~~الرذائل ومخالفة الهوى والصبر على إذاء الجليس وجفاء الصاحب وكتمان الأسرار ~~واقتحام الأمور الصعاب وإمضاء العزائم واحتمال المكاره والضحك في وجوه من ~~تظهر عدواتهم ولا كالصدقة كما ورد لا يخرج الرجل شيئا من الصدقة حتى يفك ~~لحي سبعين شيطانا إلى غير ذلك من سائر ما يفعل ويترك # المسألة الخامسة تقدم أن الأخلاق قابلة للتغير بطريق الرياضة فالغالب ~~عليه خلق الجبن سبيله في التحول عنه إلى خلق الشجاعة أن يكثر من ارتكاب ~~مخوف الفعل تارة بعد أخرى حتى يصير له ذلك عادة وطبعا ولا استبعاد في ذلك ~~لما يشاهد من إيقاع اللفة بين المعتادين من الحيوان العجم طبعا كالهر ~~والفأر # قال صاحب مشارع الأشواق قال شاهدت مرارا الفأر يركب على الهر وينزل ويعود ~~مرارا لا يعدو الهر على الفأر ولا ينفر الفأر من الهر وذلك بالتعليم ~~والتدريج في الإقدام حتى ينعكس الطبع إلى ضده PageV01P429 # قال والإنسان أولى بقبول التعليم وسرعة التحول في الأخلاق # المسألة السادسة قال العلماء الرجال ms225 في الشجاعة عند اللقاء ثلاثة أصناف # أحدهما إذا التقى الجمعان وتقابلت الأحداق بالأحداق وبرز إلى المعترك ~~يحمل ويكر وينادي هل من مبارز # الثاني إذا اختلطوا بحيث لا يدري أحد من أين يأتيه الموت يكون رابط الجأش ~~ساكن القلب لا يخامره الدهش ولا تخالطه الحيرة # الثالث إذا أنهزم أصحابه رجع ضاربا في وجوه العدو مقويا لقلوب المنهزمين ~~بالكلام الجميل يحمل من وقف ويكشف عمن سقط عن فرسه وهو أحمدهم شجاعة # قال الطرطوشي ولهذا قالوا المقاتل وراء الفارين كالمستغفر وراء الغافلين # المسألة السابعة قال صاحب مشارع الأشواق الشجيع من وهبه الله ملكة يقدر ~~بها على قهر أعدى عدو له وهو نفسه فمن كان ملكها وصرفها حيث أوجب الشرع ~~إقداما وإحجاما فذلك هو الشجيع إلا من يتصبر فهو مصر على محالة مرتكب لهواه ~~وضلالة فيما يراد منه ويرام صبور على الشدائد والآلام # قلت كما في الأخلاق فإن هذا من صفات الحمير والخنازير PageV01P430 # قلت هو معنى كلام الطرطوشي وغيره ولوضوحه سمى جهاد النفس الجهاد الأكبر ~~ورد في الأثر وهو أصل ظاهر كما تقرر في موضعه # المسألة الثانية قيل كان أشجع الناس على الإطلاق وأقومهم قلبا سيدنا ~~ونبينا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم وقد حضر المواقف الصعبة وفر ~~الأبطال عنه غير مرة وهو ثابت لا يبرم مقبل لا يدبر ولا يتزحزح وما شجاع ~~إلا وقد أحصيت له مرة غرة أو فترة سواه صلى الله عليه وسلم فإنه لم يفر قط ~~حاشاه من ذلك ثم حاشاه قال تعالى وإنك لعلى خلق عظيم وفي الصحيحين عن أنس ~~بن مالك رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس ~~وكان أشجع الناس الحديث # المسألة التاسعة من الكلمات الحكمية في هذا الوصف # الشجاع يختار حسن الذكر على البقاء والجبان يختار البقاء على حسن الذكر # الشجاع يحمي عمن لا يناسب ويقي مال الجار والرفيق بمهجته والجبان معين ~~على نفسه يفر عن أبيه وأمه وصاحبته وبنيه # قال الشاعر # ( يفر جبان القوم عن أمر نفسه % ويحمي شجاع ms226 القوم من لا يناسب ) ~~PageV01P431 رب حياة سببها التعرض للوفاة سببها طلب الحياة # ثمرة الشجاعة إلا من العدو وتأخير الأجل حصن المحارب # من كرم الكريم الذب عن الحريم # المسألة العاشرة الحكايات عن شجعان الملوك وغيرهم ويكفي من ذلك حكايتان # الحكاية الأولى يروى عن الهادي أنه خرج يوما إلى البستان له مع خواصه ~~للفرجة وهو راكب على الحمار وكلهم بغير سلاح فبينما هم كذلك إذ أدخل الحاجب ~~فقال أمسك فلان الخارجي وها هو بالباب فأمر بدخوله وهو محبوس بين حرسين ~~فلما دنا من الهادي قعد وراءه وأقلب يده وأخذ سيف أحد الحرسين وضرب أحدهما ~~فسقط وقصد الهادي ففر عنه جميع أصحابه ولم يبق غيره ولا سلاح معه ولا مكان ~~يحميه ولا فرس ينجيه فلما وصل إليه رفع يده ليضربه بالسيف فصاح الهادي وقال ~~اضرب عنقه فالتفت الخارجي لينظر من وراءه فوثب عليه الهادي وأسقطه في الأرض ~~وجلس على صدره وأخذ السيف من يده وذبحه ثم قام إلى دابته فركبها وعاد إليه ~~أصحابه خائفين وجلين منه فقال لا بأس عليكم ولا يركب حمارا أبدا ولا فارقه ~~سلاح ولو في بيت الخلاء # الحكاية الثانية قيل كان الأمين يوما في قصره وإذا بأسد قد تفلت من ~~سلسلته ودخل عليه وليس عنده فحيين قصده أخذ PageV01P432 وسادة فوضعها في ~~وجه الأسد ودار عليه يجره بذنبه فانقطع ظهر الأسد وزاغت أصابع الأمين عن ~~أماكنها فردوها إليه # قال صاحب مشارع الأشواق وأعجب من هذا ما اتفق لكسرى أنو شروان فإنه اغتنم ~~فيل من فيلاته وعجز الرياض عن إمساكه فهجم على كسرى وهو على سريره ملكه فلم ~~يبق أحد الأولى هاربا وبقى كسرى جالسا وحده وغلامه على رأسه فهم الغلام أن ~~يهرب فصاح به فثبت فلما أتاه الفيل ودنا من السرير ومد زلومته لهما أمر ~~الغلام أن يضربه فضربه فقطع زلومته فولى الدبر ولم يتزحزح كسرى عن مكانه ~~انتهى # النظر الثاني وفيه مسائل # المسألة الأولى الجبن وهو ضد الشجاعة من حيث ميله إلى طرف التفريط في ~~خلقها المتوسط بينه وبين ms227 التهور كما تقدم وذمه ظاهر من تلك الجهة ونزيد ~~وضوحا بأمرين # أحدهما أنه شر خصال الرجال فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم شر ما في الرجال شح هالع وجبن خالع ومعنى هالع مخزون ~~خالع أي لا ثبات له # الثاني استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم منه ففي الصحيحين عن انس بن ~~مالك رضي الله عنه قال كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم فكنت أسمعه يكثر ~~أن يقول اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن ~~وضلع الدين وغلبة الرجال ضلع الدين شدته وثقل حمله # المسألة الثانية الجبن يتولد من سوء الظن وعدم الصبر فلا يظن الظفر ولا ~~يساعده الصبر ومنشأه من الرئة يزاحمها القلب في مكانه وضيقت عليه حتى ~~أزعجته عن مستقره وأصابه التزلزل لإزعاج الرئة له PageV01P433 # قال ولهذا سمي في الحديث خالعا لخلعه القلب عن مكانه لانتفاخ السحر وهو ~~الرئة كما قال أبو جهل لشيبة بن ربيعة انتفخ سحرك فإذا زلزل القلب عن مكانه ~~ضاع تدبير العقل وظهر الفساد على الجوارح فوضعت الأمور على غير مواضعها # المسألة الثالثة تقدم أن من شروط الإمامة النجدة لئلا يضعف عن إقامة ~~الحدود واقتحام الحروب فمتى كان الإمام جبانا تحقر لضعفه ونشأ عنه مفاسد ~~جملة كاجتراء عدوه عليه وضياع قدره إلى غير ذلك مما لا يخفى لوضوحه وإذ ذاك ~~فلابد من ترفع مقامه عن الاتصاف بهذا الخلق الذميم وتحليه بضده اللائق ~~بشريف منصبه ومكين رتبته # المسألة الرابعة من الكلمات الحكمية في هذا الخلق # الجبن مقتلة والشجاعة وقاية # لا يقدم الإقدام أجلا ولا يبلغ الجبن أملا # الفار من الموت طريدة الموت واستقبال الموت خير من استدباره # لكل أحد يومان أحدهما لا يعجل عليه والآخر لا يقصر عنه لا للجبان والفرار ~~PageV01P434 # المسألة الخامسة من حكايات الجبناء ما يروى أن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه سأل عمرو بن معدي كرب فقال يا عمر أخبرني عن أجبن ما لقيت وأجهل من ~~لقيت وأشجع من ms228 لقيت فقال يا أمير المؤمنين كنت أشن الغارات فرأيت فارسا ~~لابسا لامة حربه وهو راكب على فرسه فقلت يا بني خذ حذرك فأنا قاتلك لا ~~محالة فقال لي ومن تكون فقلت عمرو بن معدي كرب فسكت ودنوت منه فوجدته قد ~~مات فهذا أجبن من لقيته ثم ذكر أجهل وأشجع من لقي ذكر ذلك الغرناطي وغيره # | القاعدة الرابعة # # | العفة # وفيها مسائل المسألة الأولى تقدم أنها من جملة أصول الأخلاق وأنها فضيلة ~~النفس الشهوانية التي قصدها بقاء صور الإنسان بشخصه أو نوعه ومن هناك يتضح ~~أن وجودها فيه ليس بمجرد الكثرة فقط من حيث هي لذة عاجلة بل لذلك القصد ~~الذي هو أصل مشروعية النكاح ولقياس لذة الآخرة على هذه اللذة التي هي آثر ~~لذات الجسد في دار الدنيا # المسالة الثانية حقيقتها كما سبق الخلق الذي يصدر به الفعل المتوسط بين ~~فعلي الفجور والخمود فمتى اعتدلت النفس الشهوانية بهذا التوسط ثبت ~~PageV01P435 لها هذه الفضيلة وإن انحرفت إلى طرف الإفراط فهو الفجور أو إلى ~~طرف التفريط فهو الخمود والفتور وكلاهما مذموم كما سلف # المسألة الثالثة المراد بالفجور هنا ما يجر إليه قهرا إفراط الشهوة لوازع ~~الدين فإن قهر العقل فقط فهو الإسراف وذمة دون ذم الفجور لتفاوت ما بين ~~مفاسدها فإن قلت أما مفاسد الفجور والعجز فما مفاسد الإسراف في غير حرام ~~قلت يكفي منها في هذا الموضع ما أشير إليه في سياسة أرسطو لا تمل إلى ~~النكاح فإنه من طباع الخنازير الدواب أكثر فيه منك وهو يهلك الجسم ويقي ~~البدن وينقص العمر ويسلط النساء عليك # المسألة الرابعة السعي في إخماد الشهوة بتحريم ما يحفظ قوتها ممنوع لقوله ~~تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم @QE@ إلى ~~قوله @QB@ أنتم به مؤمنون @QE@ قال ابن عباس رضي الله عنه أن رجلا جاء إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني إذا أصبت الحم انتشرت إلى ~~النساء وأخذتني شهوتي فحرمت علي اللحم فنزلت الآية رواه الترمذي # وفي الصحيح رد ms229 رسول الله صلى الله عليه وسلم التبتل في قصة عثمان ابن ~~مظعون ولو أذن له لاختصينا # المسألة الخامسة من الوارد على ارتكاب الفجور وعيدان # الوعيد الأول رفع استصحاب الإيمان حالة الوقوع فيه ففي الصحيحين عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P436 قال ~~لايزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا ~~يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن زاد النسائي فإذا فعل ذلك خلع ربقة الإسلام ~~من عنقه فإن تاب تاب الله عليه # الوعيد الثاني إنزال المصر عليه منزلة عبدة الأصنام والطواغيت ففي الحديث ~~عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال المقيم على ~~الزنا كعابد وثن وقال المنذري وقد صح أن مدمن الخمر إذا مات لقي الله كعابد ~~وثن ولا شك أن الزنا أشد وأعظم عند الله من شرب الخمر والله أعلم # المسألة السادسة ما يدل على فضل العفة عنه حتى في النظر المؤدي إليه ~~وجهان # أحدهما دخول الجنة جزاء عليها وثوابا فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا شبان قريش احفظوا فروجكم لا تزنوا ~~ألا من حفظ فرجه دخل الجنة رواه الحاكم وفي رواية أخرى # يا فتيان قريش لا تزنوا فإنه من سلم له شبابه دخل الجنة # الثاني تعريض تارك النظر للوازع الشرعي بالإيمان يجد له حلاوة ~~PageV01P437 في قلبه فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن ربه عز وجل النظرة سهم مسموم من سهام إبليس من تركها ~~مخافتي أبدلته إيمانا يزيد حلاوته في قلبه رواه الطبراني # شهادة فتح # قال الغزالي وهذا شيء مجرب علمه وتحققه لمن عمل به إذا امتنع عن النظر ~~إلى المحرم يجد لذة العبادة وحلاوة وللقلب صفوة لم يجدها قبل ذلك # وقد أحسن القائل # ( وأنت إذا أرسلت طرفك رائدا % لقلبك يوما أتعبتك المناظر ) # ( رأيت الذي لا كله أنت قادر % عله ولا عن ms230 بعضه أنت صابر ) # المسألة السابعة من الكلمات الحكمية في هذا الوصف وفي ذم الشهوة # العفة زينة الفقير # الفاحشة عار الأبد وعقوبة غد # أقبح الشره الشره على الطعام والجماع # النفس التي غلبت عليها الشهوة والالتذاذ لا تؤثر حسن الذكر لأنها لا ترى ~~الفضل إلا فيما التذت به لذة خسيسة من أرضى الجوارح بالشهوة فقد غرس في ~~قلبه شجرة الندامة # من أراد شهوات الدنيا فليتهيأ للذل # من اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات # من أطاع الشهوة خذلته عن الرجوع إلى ربه في دفع المكاره وجعلته خادما لمن ~~كان يجب أن يستخدمه ومقدما لمن كان يجب أن يقدمه PageV01P438 # المسألة الثامنة الحكايات عن المعصومين بالعفة كثيرة وحكى من ذلك خبران # الخبر الأول عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يحدث حديثا لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو مرات ولكن سمعته أكثر ~~من ذلك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كان الكفل من بني إسرائيل ~~وكان لا يتورع من ذنب عمله فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها ~~فلما قرب منها ارتعدت وبكت فقال لها ما يبكيك قالت هذا عمل ما عملته قط ولا ~~حملني عليه إلا الحاجة بالدراهم وأخاف عقوبة الله فقال لها تفعلين هذا من ~~مخافة الله وأنت لم تفعليه قط فأنا أحق بالخوف اذهبي فلك ما أعطيتك والله ~~لا أعصيه بعد هذا أبدا فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه إن الله قد غفر ~~للكفل فعجب الناس من ذلك رواه الترمذي # الخبر الثاني في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول انطلق ثلاث نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت ~~إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار فقالوا إنه لا ~~ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فما انفرجت الصخرة ~~حتى قال أحدهم كان لي ابنة عم كانت أحب الناس إلي فراودتها عن نفسها ~~فامتنعت ms231 مني حتى أتت بها سنة من السنين فجاءتني فأعطيتها مائة دينار على أن ~~تخلي بيني وبين نفسها ففعلت حتى إذا قعدت بين رجليها قالت لا يحق لك أن تفض ~~الخاتم إلا بحقه فقمت عنها بغير وقاع عليها فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي ~~وتركت الذهب الذي أعطيتها اللهم إني كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك ففرج عنا ما ~~نحن فيه فانفرجت الصخرة PageV01P439 # | القاعدة الخامسة # # | السخاء والجود # وفيها منهجان الأول في بيان هذا الوصف والآخر في تقرير نقيضه وهو البخل # | المنهج الأول # وفيه مسائل # المسألة الأولى قال الطرطوشي هذه الخصلة هي الجليل قدرها العظيم خطرها هي ~~إحدى قواعد المملكة وأساسها وتاجها وجمالها تعنوا بها الوجوه وتذل لها ~~الرقاب وتخضع لها الجبابرة وتسترق بها الأحرار وتستمال بها الأعداء ويستكثر ~~بها الثناء ويملك بها القرباء والبعداء وهي بالعزائم الواجبات أشبه منها ~~بالجمال والمحبوبات # المسألة الثانية مما يدل على فضله وجهان # أحدهما قرب المتخلق به من سعادة الدين والدنيا فعن أبى هريرة رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال السخي قريب من الله قريب من الجنة ~~بعيد من النار والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة قريب من النار وجاهل سخي ~~أحب إلى الله من عالم بخيل رواه الترمذي # الثاني دلالة كثرة المتصفين به على إرادة الخير بالعباد فعن الحسن رضي ~~الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد الله بقوم خيرا ~~ولى أمرهم الحكماء وجعل المال عند الأسخياء وإذا أراد الله بقوم ~~PageV01P440 شرا أولى أمرهم السفهاء وجعل المال عند البخلاء رواه أبو داوود ~~في مراسليه # المسألة الثالثة إذا كان من قواعد الملك وعزائم واجباته مع شهادة الشرع ~~له بالفضيلة فالسلطان بالتخلق به أولى وبشرف الانتساب إليه أحرى # قال الطرطوشي أحوج خلق الله إليه من أحتاج إلى عطف القلوب عليه وصرف ~~الوجوه إليه وهو الملك # قال ابن العربي أحسن الكرم ما يكون من قبل الولاة فإنهم خزان أموال ~~المسلمين وما منهم إلا له عندهم حق أعطوه أو منعوه ms232 فإذا جادوا به لأربابه ~~كرمت ذواتهم وطابت صفاتهم وصفت حالاتهم وعطت درجاتهم وتضاعفت بركاتهم # قلت وأمنوا كل مخافة وكفوا دفاع الروع والمخافة كما يحكى أن النعمان بن ~~المنذر لما توج واطمأن به سريره دخل عليه الناس وفيهم أعرابي فأنشأ يقول # ( إذا سست قوما فاجعل الجود بينهم % وبينك تأمن كل ما تتخوف ) # ( فإن كشفت عند الملمات عورة % كفاك لباس الجود ما يتكشف ) # فقال النعمان مقبول نصحك فمن أنت قال رجل من حزم فأمر له بمائة ناقة وهي ~~أول جائزة أجازها # المسألة الرابعة قال الإمام الغزالي الإمساك حيث يجب البذل بخل ~~PageV01P441 والبذل حيث يجب الإمساك تبذير وبينهما وسط هو المحمود المعبر ~~عنه بالسخاء والجود # قلت هو معنى قول أرسطو السخاء هو بذل ما يحتاج إليه وقت الحاجة وتوصيله ~~إلى مستحقيه بقدر الطاقة # قال وقد قيل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمر إلا بالسخاء في قوله ~~تعالى @QB@ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط @QE@ وقال ~~@QB@ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما @QE@ # المسألة الخامسة الواجب الذي لا يسعه السخاء قسمان واجب بالشرع كالزكاة ~~والنفقة وواجب بالمروءة كترك المصانعة والاستقصاء في المحقرات ويختلف ~~استقباح ذلك بحسب الأحوال والأشخاص وما نعه دون الأول البخل # قال الغزالي فمن أدى الواجب فقد تبرأ من البخل نعم لا يتصف بالجود ~~والسخاء ما لم يبذل زيادة على ذلك اطلب الفضيلة تنل الدرجات # المسألة السادسة قال المراتب هنا ثلاثة السخاء وهو إعطاء بعض وإمساك بعض ~~ثم الجود وهو إعطاء الأكثر ثم الإيثار وهو بذل الجميع قال الغزالي وليس ~~بعده درجة وبه أثنى الله على الصحابة رضي الله عنهم بقوله تعالى @QB@ ~~ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة @QE@ PageV01P442 # قلت وبه يبلغ إلى درجة الصدق مع الله تعالى ذكره ابن العربي مستشهدا عليه ~~يقول سفيان الثوري إذا أكمل صديق الصادق لم يخلف ما في يديه # المسألة الرابعة السخاء ضربان سخاء في الدنيا وقد تقدمت حقيقته وفي الدين ~~وفيه لعلماء الآخرة عبارات ومنها قول ms233 المحاسبي رحمة الله تعالى أن تسخو ~~بنفسك لله تعالى في إراقة دمك من غير كراهة لا لارادة ثواب عاجل أو آجل وان ~~كنت لا تستغني عن ذلك بل تحسن كمال السخاء بترك الاختيار على الله تعالى ~~حتى يكون هو الذي يفعل بك مالا تختاره لنفسك انتهى ملخصا # المسألة الثامنة قال الحكماء الملوك أربعة سخي على نفسه سخي على رعيته ~~وصوبه الفرس وشحيح على نفسه شحيح على رعيته وصوبه الهنود وسخي على نفسه ~~وشحيح على رعيته وأجمعوا على ذمة لفساد ملكه بذلك وشحيح على سخي على رعيته ~~قالت للروم لا عيب عليه في ذلك # المسألة التاسعة من الكلمات الحكمية في هذا الباب لا يستطيع أحد أن يشكر ~~نعمة الله بجميل الأنعام بها على خلق الله # يا ابن آدم أمرك الله أن تكون كريما وتدخل الجنة ونهاك أن تكون شحيحا ~~وتدخل النار عجبت لمن يشتري المماليك بماله ولا يشتري الأحرار بمعروفه ~~PageV01P443 # الجواد هو الذي يعطي من غير مسألة صيانة للأحرار عن المسألة # الملك الحق هو الذي يملك الأحرار لا الأرضين و الأموال # الذي يستفيده السخي من حسن القبول ورفع المنزلة ومكابرة الرؤوساء هو أكثر ~~مما هو له # المسألة العاشرة من أغرب أخبار الأسخياء في الإيثار بالنفس حكايتان # الحكاية الأولى يروى أن الحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وعياش بن أبي ~~ربيعة رضي الله عنهم خرجوا يوم اليرموك فدعا الحارث بن هشام بماء يشربه ~~فنظر إليه عكرمة فقال ادفعوه إلى عكرمة فلما أخذه عكرمة نظر إلى عياش فقال ~~ادفعوه إلى عياش فما وصل إلى عياش حتى مات ولا وصل إلى واحد منهم حتى ماتوا ~~رضي الله عنهم # قال صاحب مشارق الأشواق وانظر إلى إيثارهم في هذه الحال وسماحة أنفسهم ~~بما هو عديل حياتهم لا جرم استحقوا رضوان الله وحسن المناب PageV01P444 # الحكاية الثانية قالوا لما سعى غلام خليل بالصوفية إلى الخليفة ورفع إليه ~~أنهم زنادقة أمر بضرب أعناقهم فأما الجنيد فاستعاذ بالفقه وكان على مذهب ~~أبي ثور وأما الشحام والرقام وأبو الحسين الثوري ms234 وغيرهم فقبض عليهم وبسط ~~النطع لضرب أعناقهم فتقدم الثوري فقال له السياف أتدري لما تتقدم قال نعم ~~قال وما يعجلك قال أوثر أصحابي بحياة ساعة فتنحى السياف وأنهى الخبر إلى ~~الخليفة فردهم إلى القاضي لبعرف حالهم فألقى القاضي على أبي الحسين مسائل ~~فقهية فأجاب عن الكل ثم أخذ يقول وبعد فإن لله عبادا إذا قاموا قاموا بالله ~~وإذا تكلموا تكلموا بالله وإذا فعلوا فعلوا بالله PageV01P446 وسرد كلاما ~~بليغا حتى أبكى القاضي قال وإن كان هؤلاء زنادقة فما على وجه الأرض مسلم ~~وأرسل إلى الخليفة وأمر بالتخلي عنهم # | المنهاج الثاني # وفيه مسائل # المسألة الأولى مما يدل على ذم البخل وجهان # أحدهما استعادة النبي صلى الله عليه وسلم منه ففي الصحيحين عن أنس بن ~~مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول اللهم إني أعوذ بك من ~~البخل والكسل وأرذل العمر وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات # الثاني طرده عن مجاورة رب العزة فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خلق الله جنة عدن بيديه ودلى فيها ثمارها وشق ~~فيها أنهارها ثم نظر إليها فقال لها تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون فقال ~~وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل رواه الطبراني # المسألة الثانية مما يدل على ذم الشح وجهان # أحدهما حمله على الفواحش الموجبة للهلاك ففي الصحيح عن جابر رضي الله عنه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم ~~القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم ~~واستحلوا محارمهم # عدم اجتماعه مع الإيمان في قلب إنسان فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في ~~جوف عبد مؤمن أبدا ولا يجتمع شح وإيمان في قلب عبد أبدا رواه النسائي ~~PageV01P447 # المسألة الثالثة قيل هما بمعنى واحد وقيل البخل بما في اليد والشح بما ~~بيد الغير قاله طاووس ms235 وقال رجل لابن مسعود رضي الله عنه إني أخاف أن أكون ~~قد هلكت سمعت الله يقول @QB@ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون @QE@ وأنا ~~رجل لا يكاد يخرج من يدي شيء فقال ليس بالشح الذي ذكر الله ولكن الشح أن ~~تأكل مال أخيك ظلما ولكن ذلك البخل وليس الشح هو البخل قال الطرطوشي ففرق ~~بينهما # المسألة الرابعة قال ابن قيم الجوزية الفرق بين الشح والاقتصاد أن ~~الاقتصاد خلق محمود يتولد بين عدل المنع والبذل من حسن الظن وحكمه وضع كل ~~منهما موضعه والشح خلق مذموم يتولد من سوء الظن وضعف النفس ويمده وعد ~~الشيطان حتى يصير هالعا شديد الحرص شرها فيتولد عنه المنع لبذله والجزع ~~لفقده قال الله تعالى @QB@ إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا ~~مسه الخير منوعا @QE@ # المسألة الخامسة تقدم إن حدة الإمساك حيث يجب البذل وأن أشده منع ما وجب ~~شرعا ودونه منع ما وجب مروءة وإن استقباحه يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال # قلت وشناعة قبحه بحسب رتبة السلطان بما لا مزيد عليه في الرذيلة العائدة ~~بشر الفساد ويكفي من ذلك أمور PageV01P447 # أحدهما فوت النصيحة لأجله قال الطرطوشي إذا كان السلطان بخيلا لم بناصحه ~~أحد ولا تصلح الولاية إلا بالمناصحة # الثاني شياع توقع المكروه به قال أفلاطون إذا كثر الملوك الإرجاف بهم # الثالث استلزامه للجور غالبا ففي الأفلاطونيات قل من يكون من الملوك ~~بخيلا فيكون عادلا لأن العدل يعطل الضرائب وإذا كان بخيلا لم يسمح بإسقاطها # الرابع اتصافه منه بشر الخصال فقد قيل شر خصال الملوك الجبن على الأعداء ~~والقسوة على الأولياء والبخل عند الإعطاء # المسألة السادسة قال الغزالي علاج البخل بعلم وهو يرجع إلى معرفة آفة ~~البخل وفائدة الجود وبعمل وهو يرجع إلى البذل على سبيل التكلف ولكن قد يقوي ~~البخل بحيث يعمى ويصم فيمنع تحقق المعرفة بآفاته وإذا لم تتحقق لم تتحرك ~~الرغبة فلم يتيسر العمل فيه فتصير علة مزمنة # قال ومن الأدوية النافعة كثرة التأمل في أحوال البخلاء ونفور الطبع عنهم ~~فإنه ما ms236 من بخيل إلا ويستقبح البخل من غيره ويستثقل كل بخيل فيعلم أنه كذلك # المسألة السابعة قال أفلاطون لا يحسن البخل إلا في أربع الدين والحرم ~~وأيام الحياة والمقاتلة # قلت لأن الشح في الدين هو الخير الذي لا خير مثله والسخاء الذي لا خير ~~مثله والسخاء بالحرم خسة لا حضيض بعدها وبأيام الحياة تضيع مالا عوض عنه ~~وبالمقاتلة قبل وقتها تغرير لا تلجأ إليه ضرورة PageV01P448 # المسألة الثامنة من الكلمات الحكمية في هذا # شح الغني فضيحة # من طلب ما عند البخيل مات جوعا # إذا قصدت البخيل في حاجة أبدى لك الحرمان والعداوة فهو شر منه ومن لم ~~يواس الإخوان في دولته خذلوه في نكبته # من نقص البخيل أنه يصون ما في ذات يده من الخارج عنه ويبذل نفسه وقواه ~~اللتين هما ذاتيتان له فيفضل البعيد على الغريب والوضيع على الرفيع # البخيل يسخو من عرضه بمقدار ما يسخو به من ماله والسخي يبخل من عرضه ~~بمقدار ما يسخو به من ماله # البخلاء يكون عفوهم عن الذنب أسهل عليهم من المكافأة على صغير الإحسان # المسألة التاسعة من حكايات البخلاء ما يقال أن محمد بن يحي بن خالد بن ~~برمك كان بخيلا قبيح والبخل فسئل نسيب له كان يألفه عنه وقيل له صف مائدته ~~قال هي فتر في فتر وصحائفه منقورة من حب الخشخاش قيل فمن يحضرها قال الكرام ~~الكاتبون قيل أفيأكل معه أحد قال بل الذباب قيل واسواة له فأنت خاص به ~~وقميصك مخرق قال أي والله ما أقدر على إبرة أخيطه بها ولو ملك محمد بيتا من ~~بغداد إلى النوبة مملوءا إبرا ثم جاء جبريل وميكائيل عليهما السلام ومعهما ~~يعقوب عليه السلام يضمنون عليه إبرة ويسألونه إعارتهم إياها ليخيط بها قميص ~~يوسف الذي قد من دبر ما فعل PageV01P449 # | القاعدة السادسة # # | الحلم # وفيه مسائل # المسألة الأولى لا مرية في فضيلة هذا الوصف بما يتجمل به من الفوائد وهي ~~جملة # الفائدة الأولى محبة الله ورسوله ففي الصحيحين أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال ms237 للأشبح إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله الحلم والأناة # الفائدة الثانية شهادته بعلو الهمة فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه ~~سأل بعض كبراء فارس عن أحمد سير ملوكهم فقال لازدشير فضل السبق غير أن ~~أحمدهم سيرة أنو شروان وله خلق غيرها فقال وأي أخلاقه كان أغلب عليه قال ~~الحلم والإناءة فقال علي رضي الله عنه هذا توأمان ينتجها علو الهمة # الفائدة الثالثة استحقاق السيادة به قال أكثم بن صيفي من حلم ساد ومن ~~تفهم ازداد وكفر النعم لؤم ومحبة الجاهل شؤم ولقاء الإخوان غنم ومن الفساد ~~أضاعه الزاد # الفائدة الرابعة كفاءة الحماية به عن مضرة الغير قال الأحنف وجدت الحلم ~~أنصر لي من الرجال قال الطرطوشي وصدق فقد روى أن رجلا أسرع في ذم بعض ~~الآدميين وهو ساكت فحمى له بعض المارين PageV01P450 # وقال له يرحمك الله ألا ننتصر لك قال لا قال ولم قال لأني وجدت الحلم ~~أنصر لي وهل حميتني إلا بحملي # المسألة الثانية أحق الناس بهذه الفضيلة وأحوجهم إلى الإتصاف بها السلطان ~~ويدل على ذلك منضما لما تقدم أمران # أحدهما انتصابه لإقامة آود الخلق ومعاناة الصبر على ما يصدر منهم في ~~الإرتفاع إليه وصدورهم بالتشاجر حرجة وأخلاقهم بمضايقة الخصوم منحرفة # قال الطرطوشي فإن لم يكن معه حلم يرد به بوادرهم وإلا وقع تحت حمل ثقيل # الثاني إدراكه به كمال العز وإسداء المنة لا كما يتوهم أنه من عجز ~~المقدرة وضعف المنة # كما قيل # ( لن يدرك المجد أقوام وإن شرفوا % حتى يداولوا وأن عزوا لأقوام ) # ( ويصفحوا عن كثير من إساءتهم % لأصفح ذل ولكن صفح أحلام ) # المسألة الثالثة من تمام الحلم قبول المعاذير الصادقة أو الكاذبة لوجهين # أحدهما ورود الأمر بذلك مقرونا بالوعيد على الترك فعن أبي هريرة رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال عفوا عن نساء الناس PageV01P451 تعف ~~نساؤكم وبروا آباءكم يبر بكم أبناؤكم ومن أتاه أخوة متصلا أي معتذرا فليقبل ~~ذلك محقا كان أو مبطلا فإن لم يفعل لم يرد على ms238 الحوض رواه الحاكم # الثاني تردده بين الندم والحياء والأول توبة تصير المعتذر عنه كأنه لم ~~يكن ولذلك قيل الإعتراف يهدم الاقتراف والثاني أيمان وكفى به شفيعا ومن ثم ~~قيل نعم الشفيع الإعتذار عند أهل الحلم والاقتدار # قلت لا سيما لوحظ فيه دلالة قبوله على حرية النفس وكرم الطبيعة كما قال # ( إذا اعتذر المسيء إليك يوما % من التقصير عذر فتى مقر ) # ( فصنه عن عقابك واعف عنه % فإن الصفح شيمة كل حر ) # المسألة الرابعة إذا أدى هذا القبول إلى الصفح فيما لا يسمع الأغضاء عنه ~~سقط اعتباره # قال الحكماء اقبل العذر وإن كان مصنوعا إلا أن يكون مما أوجبت المروءة ~~قطعة أو يكون في قبوله تشجيعه على المكروه أو عونه على الشر فإن قبول العذر ~~فيه إشراف في المنكر # قلت وكذا حيث لا يكون هناك عذر والجناية مستحقة الجزاء # المسألة الخامسة الإتصاف بالحلم الممدوح لا يتوقف على قمع الغضب بالكلية ~~لأن ذلك غير مطلوب وإنما يتوقف كماله على انقياد الغضب للعقل PageV01P452 ~~حيث يشير رده إلى الإعتدال الذي هو وسط بين طرفي الإفراط والتفريط كما تقدم ~~وإذ ذاك فتحقق الإتصاف به على الوجه المحمود ومن هناك قيل من لا يغضب فليس ~~بحليم لأن الحلم لا يعرف إلا عند الغضب # قال الطرطوشي وقد أنشد النابغة الجعدي بمحضر النبي صلى الله عليه وسلم # ( ولا خير في حلم إذا لم تكن له % بوادر تحمي صفوه أن يكدرا ) # ( ولا خير في جهل إذا لم يكن له % حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا ) # فلم ينكر صلى الله عليه وسلم قوله قال وكان ابن عمر رضي الله عنه إذا ~~سافر استتبع سفيها ويقول سندفع به شر السفهاء # المسألة السادسة من الكلمات الحكمية في هذا الوصف # ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ولكن الخير أن يعظم حلمك ويكثر علمك # ليس الحليم من ظلم فحلم حتى إذا قدر اقتص إنما الحليم من إذا قدر عفا ~~الحلم ترك المكافآت قولا وفعلا # الحلم حجاب الآفات وأن حلم ساعة ليرد سبعين آفة # الحلم يزيل ms239 تعدي الحر ويرده إلى أحسن مراجعة ولا يزيل الوعد إلا الإخافة ~~الحلم لا ينسب إلا لمن قدر على السطوة # الحلم همته عفوه ووقاره # الملوك تعاقب قدرة وتعفو حلما PageV01P453 يغيروا ما بأنفسهم ) وقوله ~~تعالى @QB@ فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا ~~يصنعون @QE@ ومن ثم قال الشيخ تاج الدين من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها ~~ومن شكرها فقد قيدها بعقالها قال ابن عباس اجتمعت حكماء العرب والعجم على ~~قولهم الشكر قيد الموجود وصيد المفقود # الفائدة الثانية أن حصولها المزيد معلق على الوفاء به لقوله تعالى @QB@ ~~لئن شكرتم لأزيدنكم @QE@ # وقوله تعالى @QB@ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا @QE@ # قال الإمام الغزالي والسيد الكريم إذا رأى العبد قد قام بحق نعمته بمن ~~عليه بأخرى ويراه أهلالها وإلا فيقطع عنه ذلك # قلت وحيث لا يحصل المزيد فالشكر غير حاصل وهو عند ابن العربي أقوى ما قيل ~~في ذلك على احتمال تقييده بالمشيئة أو بعدم المعصية ولا يتفق لمن حظى به أو ~~تخصيصه بقوم دون قوم آخرين # قال وبعضه أقوى من بعض # المسألة الثانية قال ابن العربي حقيقة الشكر تصريف النعمة في الطاعة فإذا ~~أنعم على عبده بنعمة فصرفها في طاعته فقد شكرها وإن صرفها في معصية فقد ~~كفرها PageV01P453 # من غرس الحلم شجرا أو سقاه الإناءة دررا أجتنى العز منه ثمرا وأثبت في ~~المكارم أثرا أحلم الناس من قدر على الكلام وهو كثير صمته وقدر على العقوبة ~~وهو كثير عفوه وقدر على الحركة وهو كثير وقاره # المسألة السابعة الحكايات عن الحكماء متعددة ويكفي مما استدعاه بليغ ~~الإعتذار وحسن الإعتطاف حكايتان # الحكاية الأولى يروى أن المأمون عتب يوما على عمه إبراهيم بن المهدي فقال ~~يا أمير المؤمنين ولى الثأر محكم في القصاص والعفو أقرب للتقوى ومن تناوله ~~الاغبرار مع مأموله من أسباب الرجاء أمن من عادية الدهر وقد جعلك الله فوق ~~كل ذي لب كما جعل كل ذي لب دونك فأن تأخذ فبحقك وإن تعف فبفضلك وأنشأ يقول # ( ذنبي إليك عظيم % وأنت أعظم منه ) # ( فخذ ms240 بحقك أو لا % وأصفح بفضلك عنه ) # ( إن لم أكن بفاعلي % من الكرام فكنه ) # وأطال مجلسه بكل إعتذار حسن وكلام بليغ فقال المأمون القدرة بذهب الحفيظة ~~والندم توبة يا إبراهيم لقد حببت إلى العفو حتى خفت أن لا أوجر عليه لا ~~تثريب عليك يغفر الله لك وجدد إحسانه إليه # الحكاية الثانية قيل بعث زياد إلى معاوية رجلا من بني تميم فلما مثل بين ~~يديه قال له أنت القائم علينا المكثر لعدونا قال يا أمير المؤمنين إنما ~~كانت فتنة عم عماها واظلم دجاها نزا فيها الوضيع وخف الحليم والرفيع فاحتدت ~~وأكلت وشربت PageV01P454 حتى إذا انحسرت ظلماؤها وانكشفت غطاؤها وآل الأمر ~~إلى مآله وصرح عن محضه ارتفع العبوس وثابت النفوس فتركنا فتنتنا ولزمنا ~~عصمتنا وعرفنا خليفتنا ومن يجد متابا لم يرد الله به عقابا ومن يستغفر الله ~~يجد الله غفورا رحيما فعجب معاوية من فصاحته واستغرب حسن اعتذاره وعفا عنه ~~وأحسن إليه # | القاعدة السابعة # كظم الغيظ والغضب $ # وفيها طرفان # الطرف الأول في كظم الغيظ وفيه مسائل # المسألة الأولى من فضيلة التحلي به زائدا على مدحه بقوله تعالى @QB@ ~~والكاظمين الغيظ @QE@ فوائد عاجلة وآجله # الفائدة الأولى ما في معلقات البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ~~تعالى @QB@ ادفع بالتي هي أحسن @QE@ قال الصبر عند الغضب والعفو عند ~~الإساءة فإذا فعلوا عظمهم عدوهم وخضع لهم # الفائدة الثانية دلالة قهر الغضب به على الشدة النافعة ففي الصحيح عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس الشديد بالصرعة ~~إنما الشديد الذي يمسك نفسه عند الغضب # الفائدة الثالثة عظم الأجر به وتوفيره فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من جرعة أعظم جزاء عند الله من جرعة ~~غيظ كظمها عند ابتغاء وجه الله رواه ابن ماجة PageV01P455 # المسألة الثانية مما يدل على ذم التشفي بمعصية الله أمران # أحدهما اختصاص صاحبه بدخول جهنم من باب لا يدخل منه غيره ففي الحديث عن ~~ابن عباس رضي ms241 الله عنهما مرفوعا أن لجهنم بابا لا يدخله إلا من شفى غيظه ~~بمعصية الله # الثاني إدخال السقم به على الدين فمن كلام بعضهم لا يحملنك الغضب على ~~اقتراف إثم فتشفي غيظك وتسقم دينك # المسألة الثالثة الأسباب المعينة على كظم الغيظ نوعان # أحدهما علمي والآخر عملي # النوع الأول العلمي وهو أمران # أحدهما الفكرة فيما يحمله على الرغبة في ثوابه والرهبة من عقاب التجاوز ~~عنه إلى التشفي والانتقام ففي بعض الكتب السابقة يقول الله تعالى يا ابن ~~آدم أذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب فلا أمحقك فيمن أمحق # الثاني تذكير النفس بما في الانتقام من نفرة القلوب عن المتشفي به ومن ~~نسبته إلى الخفة والطيش وأشد من ذلك على الرؤساء إعمال الحيلة عليهم في طلب ~~الخلاص منهم متى عرفوا بسرعة البطش ومعالجة الانتقام # موعظة يحكى أن الأمير شمس المعالي كان من محاسن PageV01P456 الدنيا ~~وبهجتها غير أنه كان شديد السطوة وما زال على هذا الخلق حتى استوحشت النفوس ~~منه وانقلبت القلوب عنه فأجمع أعيان عسكره على خلعه ونزع الأيدي عن طاعته ~~فوافق هذا التدبير منهم غيبته عن جرمان بلده فلم يشعر بذلك ولم يخبر حتى ~~قصدوه وأرادوا القبض عليه فحامى عنه بعض من كان في صحبته من خواصه فنهبوا ~~فيله وأمواله ورجعوا إلى جرجان فملكوها وبعثوا إلى ولده أبي منصور وقهروه ~~على الوصول إليهم لعقد البيعة له فأسرع في الحضور فلما وصل إليهم أجمعوا ~~على طاعته وخلع أبيه فلم يسعه في تلك الحال إلا المداراة والإجابة خوفا على ~~خروج الملك عن بيتهم ولما رأى الأمير شمس المعالي تلك الحال توجه إلى ناحية ~~بسطام بمن معه من الخواص لينظر ما يستقر عليه الأمر فلما سمع الخارجون عليه ~~انحيازه إلى تلك الجهة حملوا ولده متوجهين قصده وإزعاجه عن مكانه فسار معهم ~~مضطرا فلما وصل إلى أبيه اجتمع به وتباكيا وتشاكيا وغرض الولد أن يكون ~~حجابا بينه وبين أعدائه ولو ذهبت نفسه فيه ورأى الوالد أ ذلك لا يجدي وأنه ~~أحق بالملك من بعده فسلم المملكة ms242 إليه واستوصاه خيرا بنفسه ما دام على قيد ~~الحياة واتفقا على أن يكون في بعض القلاع إلى أن يأتيه أجله فأرسل إلى تلك ~~القلعة وشرع الولد في الإحسان إلى الجيش وهم لا يخشون خشية هجم الوالد ولو ~~لم يزالوا به حتى قتل # النوع الثاني العملي وهو ضربان # أحدهما أقوال والآخر أفعال PageV01P457 # الأول ما في الصحيحين عن سلمان رضي الله عنه قال كنت جالسا مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم ورجلان يستبان وأحدهما قد احمر وجهه وانتفخت أوداجه فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأعلم قولة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو ~~قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد فقالوا له إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم تعوذ بالله من الشيطان الرجيم فقال وهل بي من جنون # الثاني أفعال وهي جلوس الغاضب من قيامه واضطجاعه من جلوسه إن لم يذهب عنه ~~غيظه وكذا وضوءه فعن أبي ذر الغفاري عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغيظ فليضطجع رواه أبو ~~داوود وعن عطية بن عروة السعدي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم PageV01P458 إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من نار وإنما ~~تطفئ النار بالماء فإذا غضب أحدكما فليتوضأ # فائدة حكمية الاضطجاع قرب الغضب من الأرض المخلوق منها ليعرف بذلك ذل ~~نفسه والمقصود منها أن الجلوس طلب للسكون المضاد للحركة التي هي حرارة ~~الغضب أشار إليه الغزالي وقد ذكروا أن بعض الملوك كان إذا غضب ألقى بين ~~يديه مفاتيح تربة الملوك # المسألة الرابعة من الكلمات الحكمية في هذا الوصف # كظم الغيظ حلم والحلم صبر # لا توقدن بين جنبيك جمرة الغضب وأردد إساءته بالحلم فإن شجرة الثأر إذا ~~هبت عليه الرياح تحانت أغصانها فتشتعل نارا وتحترق من أصولها # ثلاثة من اجتمعن فيه فقد سعد من إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق وإذا رضي ~~لم يدخله رضاه في الباطل وإذا قدر ms243 عفا # من اتقى الله لم يشف غيظه ومن خاف الله لم يفعل ما يريده # المسألة الخامسة من المنقول في كظم الغيظ لتذكر الثواب والعقاب حكايتان # الحكاية الأولى يروى أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أمر بضرب رجل ثم ~~قرأ @QB@ والكاظمين الغيظ @QE@ فأقاله الحكاية الثانية يقال أن عبد الله بن ~~مسلم قال للرشيد يا أمير PageV01P459 المؤمنين أسألك بالذي أنت بين يديه ~~غدا أذل مني بين يديك اليوم وبالذي هو أقدر على عقابك منك علي إلا ما عفوت ~~عني فعفا وأمنه من عقاب # | الطرف الثاني # # | في الغضب # وفيه مسائل # المسألة الأولى مما يدل على ذمه وجهان # أحدهما تكرير الوصية باجتنابه ففي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ~~أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا تغضب فردد عليه مرارا لا تغضب # الثاني دلالة التباعد بتركه عن غضب الله تعالى على القرب من ذلك الغضب ~~بارتكابه فعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ما يمنعني من غضب الله تعالى قال لا تغضب # المسألة الثانية حقيقة غليان دم القلب موجدة على من دونه فيحمر ظاهره ~~بانتشار دمه وعلى من فوقه فيصفر وينقص دمه جريا وعلى مثله فيحمر ويصفر ~~لتردده فيه # قال الغزالي ومتى اشتدت ناره أعمت صاحبها وأصمته فإذا وعظ لم يسمع وإن ~~استضاء بنور عقله لم يقدر أن يطفئ به نار غضبه # مسألة الثالثة درجات الناس فيه # أول الفطرة ثلاث PageV01P460 # أحدهما طرف التفريط بفقده أو ضعفه وهي نقص عن الكمال ولذلك قال الماوردي ~~من أستغضب ولم يغضب فهو حمار # الثانية طرف الإفراط وسبب غلبته أمور غريزية أو اعتيادية فرب إنسان هو ~~بالفطرة مستعد لسرعة الغضب أو اعتيادي لمخالطة من يمتدح بالتشفي والانتقام ~~وهو أيضا نقص مذموم # الثالثة وسط ما بين الطرفين وهو الإعتدال المحمود لعمله بإشارة العقل ~~والتدبير انبعاثا وألطافا # قال الإمام الغزالي فمن مال غضبه إلى الفتور عالجه بما يقويه ومن مال ms244 ~~غضبه إلى الإفراط عالجه بما يكسر من سورته ليقفه على الوسط بين الطرفين فهو ~~الصراط المستقيم # قلت شبهه أفلاطون بالملح في الطعام إن كان بقدر موافق أصلحه وإن كان ~~بزائد أفسده # قال وكذا سائر القوى # المسألة الرابعة الأسباب المهيجة للغضب الكبر والزهو والعجب والمزاح ~~والهزل والتعيير والمارات والمضادات والغدو وشدة الحرص على فضول المال ~~والجاه وتسمية الغضب بالألقاب المحمودة كالشجاعة والرجلة وعزة النفس وكبر ~~الهمة جهلا PageV01P461 # قال الغزالي وهي بأجمعها أخلاق مذمومة شرعا لا بد إزالتها بأضدادها إذ لا ~~خلاص من الغضب مع بقائها # المسألة الخامسة من أعظم مضراته الباطنة آفتان # الآفة الأولى ما يكسب القلب من صفات الذم والظلم والإستخفاف وتحقير الخلق ~~وإرادة الشر وما في معنى ذلك # والآفة الثانية استيلاء الشيطان به وتلاعبه بصاحبه كما يلعب الصبي بالكرة ~~فقد روى أن إبليس ظهر لراهب فقال له أي الأخلاق بني آدم أعز عندك قال الحدة ~~لأن العبد إذا كان حديدا قلبناه كما يقلب الصبيان الكرة # المسألة السادسة قال ابن رضوان قرأت في الطب الروحاني أن الغضب إنما جعل ~~في الحيوان ليكون له به انتقام من المؤذي له وهذا العارض إذ أفرط وجاوز حده ~~حتى يفقد معه العقل فربما كانت مضرته في الغاضب أكثر منها في المغضوب عليه ~~ولذلك ينبغي للعاقل أن يكثر من ذكر من أداته أحوال غضبه إلى عواقب مكروهة ~~ليتصورها في حال غضبه فإن كثيرا ممن يغضب ربما لكز ولطم ونطح فجلب ~~PageV01P462 بذلك من الألم على نفسه أكثر مما نال به المغضوب عليه فقد رأيت ~~من لكز رجلا على فكه فكسر أصابعه حتى عالجها أشهرا ولم ينل الملكوز كثير ~~أذى ورأيت من استشاط وصاح فنفث الدم مكانه وأدى به ذلك إلى السل وكان سبب ~~موته وبلغنا أخبار أناس أنهم قتلوا أهاليهم وأولاهم ومن يعز عليهم في وقت ~~غيظهم وبعد ذلك طالت ندامتهم عليه وربما لم يستدركوه طول أعمارهم وقد ذكر ~~جالينوس أن والدته كانت تضيع فمها على القفل لتعضه إذا عسر عليها فتتحه ~~ولعمري أنه ليس بين ms245 من فقد الفكر والروية في حال غضبه وبين المجنون كبير ~~فرق # قال فإن الإنسان إذا أكثر من هذه الأمثال في حال سلامته كان أحرى أن ~~يتصورها في حال غضبه وينبغي أن يعلم أن الذي كان منهم مثل هذه الأفعال ~~القبيحة في وقت غضبهم إنما أوتوا من فقد عقولهم إذ ذاك فيأخذ نفسه بأن لا ~~يكون منه فعل إلا بعد الفكر والروية # المسألة السابعة كما أن لإفراط الغضب مثل هذه الآثار القبيحة فلتفريطه ~~آثار تشارك تلك في القبح وسوء العاقبة كسقوط واحتمال الذل وخور القلب ~~والسكوت عند مشاهدة المنكر والإنقباض عن تناول الحق الواجب والعجز عن رياضة ~~النفس # قال الإمام الغزالي إذ لا تتم إلا بتسليط الغضب على الشهوة حتى يغضب على ~~نفسه عند الميل إلى الشهوات الخسيسة PageV01P463 المسألة الثامنة مما يؤكد ~~على السلطان اجتناب الغضب زائدا على ما تقدم مما ينفر عنه علمه بأنه غير ~~مضطر إليه بما خصه الطاعة له طوعا أو كرها ففي الهروى عن عيسى عليه السلام ~~لا ينبغي للسلطان أن يغضب إنما يأمر فيطاع ولا ينبغي له أن يعجل فلا يفوته ~~شيء ولا ينبغي له أن يظلم فإنما يدفع الظلم به # المسألة التاسعة من الكلمات الحكمية في هذا الخلق الغضب يصدي القلب حتى ~~لا يرى صاحبه حسنا فيفعله ولا قبيحا فيجتنبه # أسرع الناس جوابا من لا يغضب # الغضب عدو والعقل صديق # إذا جاء الغضب تسلط العطب # من أطاع الغضب حرم السلامة # أول الغضب جنون وآخره ندم # إياك والغضب فإن الغضب على من لا يملك عجز وعلى من يملك ندم # الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل # الغضب مفتاح كل شر # رأس الحمق وقائده الغضب # من رضي بالجهل استغنى عن الحلم # من أطاع غضبه في شهوة قاده إلى النار # المسألة العاشرة من المتعظ به في هذا المقام حكايتان PageV01P464 # الحكاية الأولى يروى أن جعفر بن محمد دخل على الرشيد وقد استخفه الغضب ~~فقال يا أمير المؤمنين إنك إنما تغضب لله تعالى فلا تغضب له بأكثر من غضبه ~~لنفسه ms246 # قال الطرطوشي هذه الكلمة لا قيمة لها والله أعلم حيث يجعل رسالته فما ~~أجمل قدرها وأعظم خطرها لأنك أيها السلطان إنما رسالته فما أجل قدرها وأعظم ~~خطرها لأنك أيها السلطان إنما تتصرف في ملك الله تعالى بأمره وقد حد حدودا ~~وشرع شرائع ثم لأن الله قدر في كل خصلة عند محالفته حدا محدودا فلا تقتل من ~~استحق الحبس والأدب والحد ولا تحبس غير من استوجب الحبس انتهى المراد منه ~~ملخصا # الحكاية الثانية قيل كان سبب موت مروان بن عبد الملك أنه وقع بينه وبين ~~أخيه سليمان كلام فحمل عليه سليمان ففتح مروان فاه ليجيبه وإذا بجانبه عمر ~~بن عبد العزيز فأمسك علي فيه ورد كلمته وقال يا أبا عبد الله أخوك وإمامك ~~فقال يا أبا حفص قتلتني قال وما صنعت بك قال رددته في جوفي أحر من الجمر ثم ~~مال لجنبه فمات # قلت إنما كان سببا للموت لأن قوى ناره تنفي الرطوبة التي بها حياة القلب ~~فيجيء الموت قال الغزالي كما يقوى النار في الكهف فتنشق وتنهد أعاليه على ~~أسافله لا بطال النار ما في جوانبه من القوة الجامعة لأجزائه PageV01P465 # | القاعدة الثامنة # # | العفو # وفيه مسائل # المسألة الأولى عد الطرطوشي هذا الوصف لموقعه من خصال الكمال قاعدة جمال ~~السلطان وعمدة رتبته وجعله الغزالي من الوظائف التي بالمحافظة عليها يدوم ~~استحقاق الملك والإمامة ومثل ذلك مشهود به الغير واحد لظهوره في تأكد ~~العناية فقد قال بعض الحكماء حسن الظفر يقبح الإنتقام وخير مناقب الملوك ~~العفو # وقال لا شيء أقوى للملك من العفو فإن الملك وثقت منه رعيته بحسن العفو لم ~~يرجفها الذنب وإن أعظم وإذا خشيت منه العقوبة أرجفها الذنب وإن صغر ذلك إلى ~~المعصية # المسألة الثانية حقيقته إسقاط حق ثابت مع القدرة على الإنتقام قال ابن ~~العربي فكل من ترك ما وجب له فهو عاف وإذا كثر ذلك منه فهو عفو على # قال الغزالي وهو غير الحلم وكظم الغيظ # قلت لأنه ثمرتها والأثمار غير المثمر لا محالة # المسألة الثالثة من فضيلته ms247 الجامعة بين خير الدنيا والآخرة فوائد # الفائدة الأولى تحقق المدح له من الله مقرونا بالأعلام بمحبة من اتصف به ~~لأجل الإحسان الذي أثنى به PageV01P466 قلت وعلى ذلك السبيل فالعفو أفضل ~~منه وهي # المسألة الخامسة كما صرح به قوله تعالى @QB@ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما ~~عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين @QE@ PageV01P468 # قال الطرطوشي وهو نص لا يحتمل التأويل # قلت ويظهر ذلك منضما باعتبار # المقام الأول بحسب ما يعم السلطان وغيره وذلك من وجهين # أحدهما أن العافي أجره على الله تعالى والمنتصر قد استوفى حقه قال الله ~~تعالى @QB@ فمن عفا وأصلح فأجره على الله @QE@ قال ابن العربي قوله فأجره ~~على الله كلمة لا يوازيها شيء لأن الذي للعبد عهد الله ومن الله وبالله خير ~~له مما يأخذه بنفسه ويفعله باختياره # الثاني أن المتخلق بالعفو مقتد بالنبي صلى الله عليه وسلم وسلك على نهج ~~الإنباع له وكفى به أسوة # قالت عائشة رضي الله عنها ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم منتصرا من ~~مظلمة ظلمها قط غير أنه إذا أنتهك شيء من محارم الله تعالى فلا يقوم لغضبه ~~شيء صلى الله عليه وسلم # المقام الثاني من جهة ما يخص السلطان من حيث الفائدة المحتملة وذلك أيضا ~~من وجهين # أحدهما استخلاص قلوب ذوي الجناية له وإيناس نفوسهم من وحشة العصيان ولا ~~يخفى ما في ذلك من السياسة العائدة على الدولة بالنفع العظيم # قال المأمون ليس على في الحلم مؤنة ولوددت أن أهل الجرائم علموا مذهبي في ~~العفو فيذهب الخوف عنهم فتخلص لي قلوبهم # الثاني رفع الهمة به عن تعاظم الذنوب وفي ذلك من تبجيل الملك وإجلاله ~~مالا يسع عدم الإنبعاث إليه PageV01P469 # قال رضي الله عنه أني لا رفع نفسي أن يكون ذنب أعظم من عفوي وجهل أكثر من ~~حلمي وعورة لا يواريها ميزري # المسألة السادسة يصير الإنتقام مطلوبا في موضعين # الموضع الأول حيث يكون عجزا ومهانة نفس وذلك هو الذل الذي تأنف منه ذوو ~~الهمم العلية وقد قالوا في قوله تعالى @QB@ والذين إذا ms248 أصابهم البغي هم ~~ينتصرون @QE@ كانوا يكرهون أن يذلوا فإذا قدروا عفوا فمدحوا على العفو بعد ~~قدرة لا على عفو بعد ذل ومهانة # قال ابن قيم الجوزية وهذا هو الكمال الذي مدح الله به نفسه في قوله تعالى ~~^ وكان الله عفوا قديرا ^ والله غفور رحيم # الموضع الثاني حيث يترتب على العفو مفسدة تربي على مصلحة شرعا أو سياسة ~~معتبره ومن أمثلته عقاب من استخف بالسلطان كما يروى أن رجلا جاء إلى أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه فقال احملني والله لانا أفرس منك ومن أبيك وعنده ~~المغيرة بن شعة فحسر عن ذراعه وصك به أنف الرجل فسال الدم فجاء قومه إلى ~~أبي بكر الصديق رضي الله عنه ولاموه فقالوا أقدنا من المغيرة فقال أنا ~~أقيدكم من وزعة الله أنا لا أقيدكم منه قال ابن قيم الجوزية فرأى أبو بكر ~~رضي الله عنه أن ذلك انتصار من المغيرة لله ولرسوله وللعز الذي وعد الله ~~المؤمنين # المسألة السابعة من الناس من يعتمد في الإنتقام على نصرة الله تعالى له ~~PageV01P470 ويظهر ذلك بما قرره الشيخ تاج الدين رحمه الله تعالى قال في ~~لطائف المنن من عرف الله تعالى يأبى الإنتصار لنفسه إذ العارف لا يشهد فعلا ~~لغير معروفه وقد قال تعالى @QB@ ومن يتوكل على الله فهو حسبه @QE@ وقال ~~@QB@ وكان حقا علينا نصر المؤمنين @QE@ قال وكان ذلك لهم لأنهم جعلوه تعالى ~~مكان همومهم فدفع عنهم الأغيار وقام لهم بوجوب الإنتصار انتهى ملخصا # المسألة الثامنة من الحكم في هذا الباب ما قرن شيء إلى شيء أفضل من حلم ~~إلى علم ومن عفو إلى مقدرة # أحب الأشياء إلى الله تعالى أربعة القصد عند الجدة والعفو عند المقدرة ~~والحلم عند الغضب والرفق بعباد الله # لا سؤدد مع انتقام ولا رياسة مع عزازة نفس ليس الإفراط في شيء أجود منه ~~في العفو ولا هو في شيء أقبح منه في العقوبة العفو يفسد من الخسيس بقدر ما ~~يصلح من الرفيع # إذا عفا الملك البعيد الهمة أنف من الإعتذار # المسألة التاسعة ms249 من المنقول في أخبار ذوي العفو وخصوصا عند استعطافهم بما ~~يرغبهم فيه حكايتان PageV01P471 الحكاية الأولى قال المبارك بن فضالة وفدت ~~على أبي جعفر المنصور فلبث عنده إذ أتى برجل فأمر بقتله # فقلت يقتل رجل من المسلمين وأنا حاضر فقلت يا أمير المؤمنين ألا أحدثك ~~بحديث سمعته من الحسن قال وما هو قال سمعته يقول إذا كان يوم القيامة جمع ~~الله الناس في صعيد واحد حيث يسمعهم الداعي وينفذهم البصر فيقوم مناد ويقول ~~من له عند الله تبارك وتعالى يد فليقم فلا يقوم إلا من عفا فقال والله ~~لسمعته من الحسن فقلت له والله لسمعته منه فقال خلوا عنه # الحكاية الثانية قيل أتى عبد الملك بن مروان بأسارى ابن الأشعث القائم ~~عليه وقال لرجاء بن حيوة ما ترى قال أن الله تعالى قد أعطاك ما تحب من ~~الظفر بعدوك فأعظ الله ما يحب من العفو فعفا عنهم PageV01P472 # | القاعدة التاسعة # # | الرفق # وفيها مسائل # المسألة الأولى قال ابن العربي وحقيقته محاولة الأمور بأقل مما تحصل به ~~وفي أكثر من المدة تكون فيه وهو التأني # قال الغزالي وهو ثمرة لا يثمرها إلا حسن الخلق ولذلك أثنى عليه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وبالغ فيه # المسألة الثانية من الوارد في هذه المبالغة أمران # أحدهما محبة الله تعالى فيه مع جمال الأمر به وردا وصدرا # ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنه قالت قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن الله رفيق يجب الرفق # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا كان ~~الخرق في شيء إلا شانه وإن الله رفيق يحب الرفق رواه البزاز # الثاني إعطاء الله تعالى به في مقاصد الأعمال مالا يعطي على غيره فعن ~~جابر بن عبد الله رضي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله عز وجل ي ~~يعطي على الرفق مالا يعطي على الخرق وإذا أحب الله عبدا أعطاه الرفق وما من ~~أهل بيت يحرمون الرفق إلا حرموا ms250 الرزق PageV01P473 # المسألة الثالثة قال ابن العربي وأوجب ما هو على الولاة فإنه واجب عليهم ~~أن ينفذوه من غيرهم # قلت ويكفي في ذلك دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أن أحسنوا به الملكة ~~وعليهم إن ساروا في الرعية بخلافة ففي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق ~~عليهم فأشفق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فأرفق به قال المنذري ~~ورواه ابن عوانة في صحيحه وقال فيه ومن ولي منهم شيئا فشق عليهم فعليه مهلة ~~الله قالوا يا رسول الله وما مهلة الله قال لعنة الله # المسألة الرابعة لا يفهم من مدح الرفق الأخذ به في كل موضع بل حيث ~~PageV01P474 قال زياد لأصحابه أتدرون ما الرفق قالوا قل يا أبا محمد قال أن ~~تضع الأمور مواضعها الشدة في موضعها واللين في موضعه والسيف في موضعه ~~والسوط في موضعه # قال الغزالي وهذا إشارة إلى أنه لا بد من مزج الغلظة باللين والفظاظة ~~بالرفق كما قيل # ( ووضع الندى في موضع السيف بالعلى % مضر كوضع السيف في موضع الندى ) ~~المسألة الخامسة المعرفة بوضع الأمور مواضعها يحتاج إلى فضل تمييز ومن ثم ~~قال الغزالي الكامل من يميز مواقع الرفق عن مواقع العنف فإن كان قاصر ~~البصيرة أو أشكل عليه حكم واقعة فليكن ميله إلى الرفق فإن النجع معه في ~~الأكثر # قلت وقد قالوا التقصير مذموم في العفو محمود في العقوبة في قضية واحدة # المسألة السادسة من الكلمات الحكمية في هذا الوصف أدرك وبلغ ما أحسن ~~الإيمان يوفيه العلم وما أحسن العلم يوفيه العمل وأحسن العمل يوفيه الرفق ~~PageV01P475 # المسألة السابعة من المنقول في أخبار الأخذ في الرفق حكايتان # الحكاية الأولى روي أن عمرو بن العاص رضي الله عنه كتب إلى معاوية رضي ~~الله عنه يعاتبه في التأني فكتب إليه معاوية أما بعد فإن التأني في الخبر ~~زيادة رشد وإن الرشيد من رشد عن العجلة وإن الخائب من خاب ms251 عن الأناة وإن ~~المتأني مصيب أو كاد أن يكون مصيبا وإن العجل مخطيء أو كاد أن يكون مخطئا ~~وأن من لا ينفعه الرفق يضره الخرق ومن لا تنفعه التجارب لا يدرك المعالي # الحكاية الثانية قال ابن رضوان من الإفراط في الرفق وإعانة الضعيف # الحكاية المشهورة عن المعتصم وهي أنه عبر من سر من رأى إلى الجانب الغربي ~~في يوم مطير قد تبع ليلة مطيرة وانفرد من أصحابه وإذا حمار قد زلق ورمى ما ~~عليه من الشوك الذي يوقد به التنانير في العراق وصاحبه شيخ كبير ضعيف واقف ~~ينظر إنسانا يمر به فيعينه على حملة فوقف عليه وقال مالك يا شيخ قال فديتك ~~وقع حماري وعليه هذا الحمل وبقيت أنتظر إنسانا فيعينني على حمله فنزل وذهب ~~ليخرج الحمار من الطين فقال الشيخ جعلت فداك تفسد ثيابك هذه وطيبك هذا الذي ~~أشمه عليك من أجل حماري قال لا عليك فنزل المعتصم وجذب الحمار بيد واحدة ~~فأخرجه عن الطين ورفع عليه حمله وحده فبهت الشيخ وجعل ينظر إليه ويعجب منه ~~وقد ترك الإشتغال بحماره ثم شد المعتصم بعنان فرسه فقال الشيخ رضي الله عنك ~~وقال بالنبطية ما معناه فديتك يا شاب وأقبلت الخيول فقال لبعض وزرائه أعط ~~هذا الشيخ أربعة آلاف درهم وكن معه حتى يبلغ قريته PageV01P476 # | القاعدة العاشرة # # | اللين # وفيه مسائل # المسألة الأولى هو في معنى الرفق ومن ثمرات حسن الخلق ومن الوارد فيه ~~أمران # أحدهما تحريم المتخلق به عن النار فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أخبركم بمن يحرم على النار أو بمن تحرم ~~عليه النار تحرم على كل هين لين سهل رواه الترميذي # الثاني تنزله من المؤمن منزلة الأخ المعين في الخير ففي الخبر العلم خليل ~~المؤمن والحلم وزيره والعقل دليله والرفق والده واللين أخوه والصبر جنده # المسألة الثانية جعل الطرطوشي هذا الوصف من الخصال التي بها نظام الملك ~~والدول ومما يشهد بذلك أمران # أحدهما دلالته على الصلاحية به لإستحقاق الملك ms252 فقد كان عمر رضي الله عنه ~~يقول أن هذا الأمر لا يصلح له الإ اللين في غير ضعف والقوى من غير عنف # الثاني ما يشير إليه قوله تعالى @QB@ فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت ~~فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك @QE@ أي من الفظاظة بين الأصحاب والجلساء # قال الطرطوشي والملك إنما هو بجلسائه وأصحابه لاغير PageV01P477 المسألة ~~الثالثة دوام الأخذ به متروك لرجحان مصلحة الآخذ بمقابلة وهو الفظاظة ~~والشدة فقد قال تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم وهو صاحب الخلق العظيم يا ~~أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم ومستحق للغلظة دونهم في ~~الدنيا جار مجراهم # ومن ثم قال السفاح لأعملن اللين حتى لا ينفع إلا الشدة ولأكرمن الخاصة ما ~~أمنتهم على العامة ولأغمدن سيفي حتى يسله الحق ولأعطين حتى لا أرى للعطية ~~موضعا # وفيه مسائل # المسألة الأولى من فوائد المطالبة به على الإطلاق أمران # أحدهما محبة الله تعالى للمتخلق بالتثبت وما في معناه وهو التأني فقدم ~~تقدم قوله صلى الله عليه وسلم للأشبح أن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله ~~الحلم والأناة # الثاني إضافة التأني إلى الله تعالى ومقابله وهو العجلة إلى الشيطان فعن ~~أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال التأني من ~~الله والعجلة من الشيطان # المسألة الثانية قال ابن المقفع كل الناس يحتاجون إلى التثبت وأحوجهم ~~إليه ملوكهم الذين ليس لقولهم وفعلهم دافع وليس عليهم مستحث من الناس وفي ~~وصية بعض الحكماء للإسكندر وقد أراد سفرأ واجعل وزيرك التثبت وسميرك التيقظ # المسألة الثالثة يتأكد هذا التثبت في مواضع أحدهما عند نقل ما يوجب ~~المؤاخذة بتقدير صحته مخالفة الندم على التعجيل بها إذا تبين بطلانه كما ~~يدل عليه قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ~~أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين @QE@ الثاني والثالث ~~عند العطاء والمنع PageV01P478 # قال ابن المقفع لا يدعن السلطان التثبت عندما يعطي ويمنع فإن الرجوع عن ~~الصمت أحسن من الرجوع بعد الكلام ms253 وإن العطية بعد المنع أفضل من المنع بعد ~~العطية وأن الإقدام على العمل بعد التأني فيه أحسن من الإمساك عنه بعد ~~الإقدام عليه # المسألة الرابعة من الكلمات الحكمية في هذا الوصف # رأس العقل التثبت وقائده الحلم # بالأناة تنال الفرصة # من لازم الأناة أحرز النجاة # أناة عواقبها درك خير من عجلة في عواقبها فوت بالفكر الثاقب يدرك الرأي ~~في العواقب وبالتالي تسهل المطالب # الثاني في الأمور أول الحزم # الأناة حصن السلامة والعجلة مفتاح الندامة # المسألة الخامسة من الحكايات في عدم التثبت عند نقل الباطل ما ذكر ابن ~~الجوزي أن غلامين كانا لبعض الملوك فمضى أحدهما إلى الوزير يطلب منه شيئا ~~فلم يعطه فقال لأخيه لأزيلن الوزير عن غرة فقال له أخوه ومن أين لك يا أخي ~~أن تقدر على هذا قال PageV01P479 سترى فلما جاء الليل جلسا عند الملك فلما ~~قرب النوم قال له يا أخي علمت أني قد رأيت البارحة الوزير خارجا من عند ~~الملك داخلا إلى دار النساء فلحقته فقلت لله إلى أين قال غلطت فلم أدر أين ~~أخذ فعلمت أنه لم يسلك تلك الطريق إلا وقد اعتاد ذلك فلما أصبح الملك قبض ~~على وزيره فاستأصله فمر به الوصيف يوما فقال له يا فلان إنما كان خيرا أن ~~تعطيني ما طلبت أو هذه الحالة قال وإنك لصاحبي قال نعم قال الله حسيبك قال ~~فما تقول تعطيني ما طلبت أعيدك إلى منزلك قال نعم ثم انصرف إلى أخيه ~~المملوك فحدثه فقال كيف لك أن تصلح ما أفسدت قال دعني والأمر فلما كان ~~الليل وقارب الملك النوم قال الوصيف لأخيه وددت أني لو كنا لرجل من السوقة ~~قال ولم قال أن السوقة إذا غضب عليها وجدت من ينصفها ويشفع إليهم والملك ~~إذا سخط ليس إلا الغضب قال وما ذاك قال الوزير قد علمت نصحه للسلطان ~~ومصلحته وما آل إليه أمره ولم أعرف لحاله سببا فاستوى الملك جالسا وقال ~~ويحك ألست أنت سببه قال وكيف قال ألست حدثت أنه دخل إلى دار النساء ms254 قال ~~أيها الملك وإنما هذا لذاك قال نعم إنما كان ذلك في المنام فندم الملك على ~~ما صنع فلما أصبح أعاده إلى مكانه # | القاعدة الثانية عشرة # # | الوفاء بالوعد # وفيه طرفان # الطرف الأول في الوفاء بالوعد وفيه مسائل # المسألة الأولى الآيات المتضمنة للأمر بها كثيرة # قال النووي ومن أشدها قوله تعالى ^ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا ~~تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ^ قال وفي PageV01P480 ~~الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~آية المناطق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان ذاد في رواية ~~مسلم وإن صلى وصام زعم أنه مسلم # المسألة الثانية مما يدل على فضله أمران # أحدهما ثناء الله تعالى به على نبيه اسماعيل عليه السلام بقوله أنه كان ~~صادق الوعد وكان رسولا نبيا قيل أنه واعده إنسان في موضع فلم يرجع إليه ~~فبقى إثنين وعشرين يوما في انتظاره # الثاني ضمان الجنة به في جملة خصال ست فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اضمنوا لي ستا أضمن لكم الجنة اصدقوا إذا ~~حدثتم وأوفوا إذا وعدتم وأدوا إذا ائتمنتم واحفظوا فروجكم وغضوا أبصاركم ~~وكفوا أيديكم رواه الحاكم # المسألة الثالثة قال النوري أجمع العلماء أن من وعد بما لا ينهي عنه ~~فينبغي أن يوفي بوعده وجوبا عند عمر بن عبد العزيز وجماعة واستحبابا عند ~~الشافعي وأبي حنيفة والجمهور قال من تركه فاته الفضل وارتكب كراهة شديدة ~~ولكنه لا يأثم # قال ابن العربي وعند الملكية إن ارتبط بسبب كقوله تزوج ولك كذا وجب وإلا ~~فلا # المسألة الرابعة تنزيه مقام السلطان عن إخلاف الوعد من أوجب ما يطالب به ~~ففي سياسة أرسطو لا تقل فيما قلت فيه لا نعم ولا نعم فيما قلت فيه لا إلا ~~أن يؤدي إلى خلل سياسة ضرورية PageV01P481 # قلت ومما يؤكد ذلك زائدا على ما تقدم أمران # أحدهما أن إخلاف الوعد فيه محذوران إخفاق الوعد ms255 وتكذيب الولاية على ~~الموعود به وهو معنى قولهم الوعد سحاب الإنجاز مطره # الثاني أن الوعد بداية بإحسان وكماله الوفاء كما قيل حقيق على من أورق ~~بوعد أن يثمر بإنجاز الوعد # كما قيل # ( إذا قلت في شيء نعم فأتمه % فإن نعم دين على الحر واجب ) # المسألة الخامسة مما تقل عن السلف الكريم في إنجاز الوعد خبران # الخبر الأول يروى أنه لما ولي أبو بكر الصديق رضي الله عنه جاءه المال من ~~العمال فصحبه في المسجد ثم أمر مناديا ينادي من كان له عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عليه وسلم دين أو عدة فليحضر قال أبو أيوب الأنصاري رضي ~~الله عنه يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لي لو جاءني مال أعطيتك هكذا وهكذا وأشار بكفيه فسكت فانصرفت ثم ~~عاودت فقلت إما أن تعطيني وإما أن تبخل عني فقال ما أبخل عنك اذهب فخذ ~~فذهبت فأخذت حفنة فقال عدها فعددتها فوجدت فيها خمسمائة دينار قال عد مثلها ~~فانصرفت بألف وخمسمائة دينار # قال الطرطوشي وأبو أيوب من أغنياء الصحابة وهو من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم # الخبر الثاني يروى أن عمر رضي الله عنه قال لجرير بن عبد الله ~~PageV01P482 البجلي رضي الله عنه والناس يحاصرون العراق من قبل الأعاجم سر ~~إلى قومك فما غلبت عليه فلك ربعه فلما جمعت غنائم جلولاء ادعى جرير أن له ~~ربع ذلك كله فكتب سعد إلى عمر رضي الله عنهما فكتب عمر صدق جرير قد قلت ذلك ~~له فإن شاء أن يقول قاتل هو وقومه على جعل فأعطوه جعله وإن يكن إنما قاتل ~~لله ودينه وحسبه فهو رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم فلما قدم ~~الكتاب على سعد أخبر بذلك جريرا فقال صدق أمير المؤمنين لا حاجة لي به بل ~~أنا رجل من المسلمين # الطرف الثاني في الوفاء بالعهد وفيه مسائل # المسألة الأولى قال ابن العربي ما حاصله هو إكمال ما هو مطلوب ms256 قال تعالى ~~^ وأفوا بعهدي أوف بعهدكم ^ وقال @QB@ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ~~@QE@ والعهد الإعلام بالشيء والعقد ربطه وتوثقه والله تعالى قد أعلم الخلق ~~بما شرع وربطهم إلى أمر به وجوابا أو ندبا أو نهي عنه تحريما أو كراهة # المسألة الثانية قال ويلزم الوفاء بعهد الآدمي لما في الوفاء به من ~~الوفاء بعهد الله من جهة أمره بحفظه والوفاء له حتى لو كان لكافر لقوله ~~تعالى ^ فأتموا لهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين ^ PageV01P483 # المسألة الثالثة قال والعهد بالفعل كالقول كالتفات المحدث هو عهد ~~بالكتمان # قلت لقوله صلى الله عليه وسلم إذا حدث رجل رجلا بحديث ثم التفت فهو أمانة ~~رواه الترمذي عن جابر رضي الله عنه قال وقد يكون ما عليه فما يضره إظهاره ~~فعهده عليه أن يستره وفيه ورد لا يؤمن أحدكم حتى يأمن جاره بوائقه # قال إلا أن بتوجه في ذلك عليه فتلزم الشهادة به # قلت لقوله صلى الله عليه وسلم المجالس بالأمانات إلا ثلاثة سفك دم حرام ~~أو فرج حرام أو اقتطاع مال بغير حق رواه أبو داوود عن جابر رضي الله عنه # المسألة الرابعة السلطان أحق الناس برعاية هذا الوفاء وترفع منصبه عن ~~رذيلة ما يخل به خصوصا حيث يقترن العهد بالإيمان # ففي سياسة أرسطو تحفظ من نقض أيمانك فإنها شعبة قوية من ديانتك ما دعاك ~~إلى الحلف لا تستعمله إلا لو حجزت بالمواسى لم تنكثه أبدا فوالله ما خربت ~~مملكة ايتاخ وذكر غيره إلا أنهم استعملوا أيمانهم في دنياهم ودينهم # المسألة الخامسة من الكلمات الحكمية المتضمنة لهذا الوصف إذا أنت قمت ~~بعهود الله تشرعا وإيمانا ورعيت عهود الناس مبرة وإحسانا فقد أحرزت من ~~الناس حمدا ومن الله سبحانه وتعالى غفرانا علامة الإيمان حسن الخلائق ~~وإنتاج الحقائق وبذل المرافق وحفظ العهود والمواثق والتسليم للقدر السابق ~~وعلامة النفاق نقض العهود وخلف الوعود ومنع الرفد والكذب في الهزل والجد ~~PageV01P484 # من لقي الله بلسان صادق وعامل الناس بحسن الخلائق وألزم نفسه رعي العهود ~~والمواثق فقد أرضى المخلوق ms257 والخالق وأدرك به الفضل كل سابق # المسألة السادسة من غريب المنقول في حفظ العهد حكايتان # الحكاية الأولى يروى عن بعض الملوك أنه كان له يوم بؤس إذا خرج فيه ولقي ~~أحدا على صفة يكرهها حبسه أياما ثم يأمر بضرب عنقه فخرج يوما فلقي رجلا لم ~~يكن له علم بشأنه على الصفة التي كان ينكرها فأمر بحبسه وأعلم الرجل بالأمر ~~فحمد الله وسلم له قدره فلما قرب الأمر كتب الملك يرغب في تخلية سبيله ~~ليودع أهله ويوصي في ماله فأحضره وقال له هذا أمر لا يكون إلا بضامن من ~~آخذه بما أطلبك به فنظر الرجل بالحاضرين يمينا وشمالا يده إلى رجل في ~~المجلس وقال هذا يضمنني فقال له الملك أتضمنه وقد عرفت ما يراد به فقال نعم ~~فقام بحبسه مكانه ونهض المضمون إلى بلده فأوصى في ماله وودع أهله وانصرف ~~وقد وافق يوم تمام المدة فلما استأذن على الملك أمر بإحضارهما معا وقال ~~للضامن ما حملك على ضمانه والمخاطرة على نفسك في شأنه ولو تأخر ساعة لقتلتك ~~مكانه # قال له أيها الملك ما رأيت وقد وثق بي أن أخلف ظنه في فراجع المضمون وقال ~~له ما حملك على الرجوع وأنت قادر على تخلصك وقد علمت ما يراد بك قال لم يكن ~~يجمل في أن أراه مكان الثقة فيراني مكان الغدر فعجب الملك من وفائهما جميعا ~~وعفا عنهما ورفع ذلك اليوم ولم يقصده بعد # الحكاية الثانية ذكر ابن الجوزي في سلوة الأحزان أنه لما أفضت الخلافة ~~إلى أبي العباس السفاح اختفى من بني أمية إبراهيم ابن سليمان ابن عبد الملك ~~حتى أخذ له على بن داوود أمانا من أبي العباس السفاح # فقال له أبو العباس يوما أخبرني عما مر بك في اختفائك فقال كنت ~~PageV01P485 يا أمير المؤمنين مختفيا في الحيرة في منزل شارع في الصحراء ~~فبينما أنا ذات يوم على ظهر بيتي إذ نظرت إلى أعلام سود خرجت من الكوفة ~~يردن الحيرة فوقع في قلبي أنها تريدني فخرجت من الدار متنكرا حتى ms258 دخلت ~~الكوفة ولا أعرف بها أحدا أختفي عنده فدخلت مرتادا فإذا أنا بباب كبير ~~ورحبة واسعة فدخلت الرحبة فجلست فيها فإذا أنا برجل وسيم حسن الهيئة على ~~فرس فدخل الرحبة ومعه جماعة من أصحابه وأتباعه فقال لي من أنت وما حاجتك ~~فقلت رجل خائف على دمه مستجير بمنزلك قال فأدخلني منزله ثم صيرني في حجرة ~~تلي حرمه فمكثت عنده حولا في كل ما أريد وأحب من مطعم ومشرب وملبس لا ~~يسألني شيئا من حالي ويركب كل يوم وليلة فقلت له يوما أراك تدمن الركوب ~~ففيم ذلك فقال إن إبراهيم بن سليمان قتل أبي صبرا وقد بلغني أنه مختف فأنا ~~أطلبه لأدرك ثأري فكثر تعجبي إذ ساقني القدر إلى الاختفاء في منزل من يطلب ~~دمي فكرهت الحياة فسألت الرجل عن اسمه واسم أبيه فأخبرني بهما فعلمت أني ~~قتلت أباه فقلت يا هذا قد وجب حقك علي ومن حقك أن أقرب عليك الخطوة وقال ما ~~ذلك قلت أنا إبراهيم بن سليمان قاتل أبيك فخذ بثأرك فقال لعلك رجل مضاه ~~الاختفاء فأحب الموت قلت بل الحق ما قلت لك أنا قتلت أباك في يوم كذا بسبب ~~كذا فلما عرف أني صادق إلابد وجهه واحمرت عيناه وأطرق مليا ثم قال أما أنت ~~فستلقى أبي فيأخذ بحقه منك وأما أنا فغير مخفر ذمتي فاخرج عني فلست آمن ~~نفسي عليك وأعطاني ألف دينار فلم أقبلها وخرجت من عنده فهو أكرم رجل رأيت ~~PageV01P486 # | القاعدة الثالثة عشرة # # | الصدق وضده وهو الكذب # وذلك فيه مسائل # المسألة الأولى قال النووي هو من قبائح الذنوب وفواحش العيوب وإجماع ~~الأمة منعقد على تحريمه مع النصوص الواردة فيه كتابا وسنة # قلت والوارد من ذلك وعيدان # الوعيد الأول شق شدقيه من لدن مماته إلى يوم القيامة # ففي الصحيح عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رأيت الليلة رجلين أتياني قالا لي الذي رأيته يشق شدقيه فكذاب ~~يكذب الكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به إلى ms259 يوم القيامة # الوعيد الثاني ترديد الويل عليه دلالة على قبح جنايته فعن أبن عبد الحكيم ~~عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ويل للذي يحدث ~~الحديث ليضحك به القوم فيكذب ويل له ويل له رواه الترمذي # المسألة الثانية وفيه يحسب السلطان وعيدان # الوعيد الأول إعراض الله تعالى عنه مع ماله من أليم العذاب ففي الصحيح عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة لا ~~يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر طالبهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم شيخ ~~زان وملك كذاب وعائل مستكبر PageV01P487 الوعيد الثاني منعه من دخوله الجنة ~~فعن سلمان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة لا ~~يدخلون الجنة الشيخ الزاني وإمام الكاذب والعائل المزهو رواه البزاز ~~والعائل الفقير هو الفقير المزهو المتكبر بنفسه # توجيه قال ابن العربي الإمام الكذاب شر الخلق عند الله تعالى لأن الكذاب ~~إنما يكذب حيلة لما يعجز عنه وليس فوق الإمام يد ولا دونه شيء مما يعتاد ~~دركه فإذا صادره بالكذب نزل عن الكرامة إلى الخسة وعن الطاقة إلى المعصية # المسألة الثالثة كما غلظ وعيد كذب السلطان فكذا تصديقه فعن جابر بن عبد ~~الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة أعاذك ~~الله من إمارة السفهاء فقالوا ما إمارة السفهاء قال أمراء يكونون من بعدي ~~لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي فمن صدقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم ~~فألئك ليسوا مني ولست منهم ولا يردون على حوضي ومن لم يصدقهم ولم يعنهم على ~~ظلمهم فألئك مني وأنا منهم وسيرد علي حوضي الحديث # رواه الإمام أحمد اللفظ له ولغير واحد قال ابن العربي وهو صحيح # المسألة الرابعة من شؤمه على الجملة آفتان # الآفة الأولى هدايته إلى الفجور المؤدي إلى النار ففي الصحيح عن ابن ~~مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم بالصدق فإن ~~الصدق يهدي ms260 إلى البر والبر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى ~~الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور ~~وأن الفجور يهدي إلى النار وما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند ~~الله كذابا PageV01P488 # الآفة الثانية اسوداد القلب ففي الموطأ أن ابن مسعود رضي الله عنه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب فينكت ~~في قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبه فيكتب عند الله من الكاذبين # المسألة الخامسة من مفاسده باعتبار السلطان محذورا أن # المحذور الأول إفضاؤه بعدم الوثوق بوعد السلطان ووعيده وقد قال الحكماء ~~خراب البلاد وفساد العباد مقرون بأبطال الوعد والوعيد من الملوك # المحذور الثاني إنذاره بما يعود بخراب الدولة ففي الأفلاطونيات كذب الملك ~~وغدره من أكبر الأدلة على حادث في مملكته يحدث وشباب في نظمها لأنها مثل ~~تخليط العليل في العلة التي لا يكون إلا عن قوة من المرض وشدة قهر للبدن # المسألة السادسة ثبت في الصحيح جواز الكذب للمصلحة في ثلاث # الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته والمرأة زوجها # قال الغزالي وفي معناها ما ارتبط به غرض صحيح له أو لغيره # قال النووي ضابطا لذلك الكلام وسيلة إلى المقاصد والمحمود منها أن أمكن ~~التوصل إليه بالصدق والكذب معا حرم فيه الكذب وإن لم يكن إلا بالكذب فهو في ~~حكم المقصود جوازا ووجوبا نعم ينبغي الاحتراز منه ما أمكن خشية التجاوز به ~~عن حد الضرورة انتهى ملخصا # المسألة السابعة مما هو في معنى المواضع الجائز في حق السلطان فيها الكذب ~~لما يعرض منه للسلطان في استمالة العصاة إلى أن قال ما نصه أن احتاج الملك ~~إلى الذب في مداهنة بعض PageV01P489 المفسدين لم يلحقه الوعيد لأنه أحد ~~المواضع التي استثنى فيها جواز الكذب # قلت في الأفلاطونيات لا ينبغي أن يطلق الملك الكذب في المملكة إلا للخيار ~~المعروفين بالإصلاح بين الناس المستعملين له عند تقريب ما بين المتباعدين ~~فإن الكذب يشبه العقاقير القاتلة التي تحتاج ms261 في الأدوية إلى استعمال اليسير ~~منها فليس يجب أن يطلق ذلك العقاقير إلا للصالحين من الصيادلة الذين لا ~~يبيعونها لمن يقتل بها أحدا من الناس # المسألة الثامنة قال النووي التورية والتعريض معناها إطلاق لفظ ظاهر في ~~معنى المراد به معنى آخر يتناوله ذلك اللفظ على خلاف الظاهر وهو وخداع فإن ~~اقتضته مصلحة شرعية راجحة على خداع المخاطب أو حاجة لا مندوحة عنها إلا ~~بالكذب فلا بأس بالتعريض وإلا فهو مكروه إلا أن يتوصل به إلى أخذ باطل أو ~~دفع حق فيحرم # قال مثال التعريض المباح قول النخعي إذا بلغ الرجل عنك شيئا قلته فقيل ~~الله يعلم ما قلت من ذلك شيئا فيتوهم السامع النفي ومقصودك الله يعلم الذي ~~قلته قال ما حاصله فعلى مثله ينزل قول السلف في المعاريض مندوحة عن الكذب ~~وقولهم الكلام أوسع من أن يكذب ظريف # المسألة التاسعة يحب التثبت فيما يحكى لما ورد من النهي عن التحديث ~~PageV01P490 بكل ما يسمع قال الله تعالى @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم إن ~~السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا @QE@ وفي الصحيح عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كفى بالمرء كذبا أن ~~يحدث بكل ما سمع وعن ابن مسعود أو حذيفة رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول بئس مطية الرجل زعموا # المسألة العاشرة من الكلمات الحكمية في هذا الخلق # الكذب عدو الصدق والجور مفسد للملك فإذا استصحب الكذب استخف به وإذا أظهر ~~الجور فسد سلطانه آفة الشدة التهيب وآفة المنطق الحياء وآفة كل شيء الكذب ~~لا يطمعن في الكذوب والمطبوع على الشر أن يعظمها الإحسان فإنهما كالقرد ~~كلما سمن بإطعام الحلاوة والدسم ازداد وجهه قبحا # من صبر على مودة الكذب فهو مثله # لا شيء أضر من ضرر الكذب أن ينسى صاحبه الضرورة المحسوسة الحقيقية ويتشبث ~~عند الضرورة الكاذبة فيبنى عليها أمره فيكون غشه قد بدا بنفسه # | القاعدة الرابعة عشرة # # | كتم السر # وفيها مسائل # المسألة ms262 الأولى قال الطرطوشي هو من الخصال المحمودة في جميع الخلق ومن ~~اللوازم في حق به الملوك والفرائض الواجبة على الوزراء والجلساء والإتباع ~~قلت ومن كلام أزدشير في العناية بالوصية PageV01P491 ولا تكن على أحكام شيء ~~أحرص منك على أحكام الأخبار حتى تصح فإنما تجرى أمور المملكة كلها عليها ~~وأقلل الشركاء في أسرارك ينكتم أمرك # المسألة الثانية كما أنه واجب في حق الملوك ومن يليهم فكذا هو في حق كل ~~واحد واحد من سائر الطبقات إذا ائتمنوا عليه وكان في إفشائه إضرار بصاحبه ~~وقد تم في الوفاء بالعهد ما يشير لتقرير دليله من حيث هو أمانة وبه استدل ~~الطرطوشي قائلا وإذا كان أمانة حرمت فيه الخيانة كالأمانات في الأموال ثم ~~أردفه بقول أبي بكر بن حزم إنما يتجالس المتجالسون بالأمانة فلا يحل لأحد ~~أن يفشي على صاحبه ما يكره # المسألة الثالثة قال الغزالي لمستودع السر أن ينكره وإن كان كاذبا وليس ~~الصدق واجبا في كل مقام وكما يجب للرجل أن يخفي عيوب نفسه وأسراره فكذلك ~~يجب أن يخفي عيوب أخيه المسلم وأسراره قال وإن احتاج إلى الكذب فله أن يفعل ~~ذلك في حق أخيه فإنه بمنزلته وهما كشخص واحد لا يختلفان إلا بالبدن # قلت كما روى أنه قيل لبعضهم كيف تخفي السر قال أجحد المخبر وأحلف ~~للمستخبر فزاد الحلف للضرورة # المسألة الرابعة لكتم السر فوائد شاهدة بفضله # الفائدة الأولى دلالته على فضل صاحبه وكرم أخلاقه # قال الطرطوشي واعلم أن كتمان الأسرار يدل على جوهر الرجال وكما أنه لا ~~خير في آنية لا تمسك ما فيها كذلك لا خير في الإنسان إذا لم يملك سره قلت ~~هو من معنى قولهم صدور الأحرار قبور الأسرار حتى لو كانت لعدو كما قيل ~~PageV01P492 # ( سر العدو وسر الخل ما كتما % عند اطلاع إلى خلق من البشر ) # ( كلاهما ظن بي خيرا فأودعني % سرا فلست بمفشيه مدى عمري ) # الفائدة الثانية الإستعانة به على حصول المقاصد ففي الحديث استعينوا على ~~حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود قال أنو شروان ms263 من حصن سره فله ~~بتحصينه خصلتان الظفر بحاجته والسلامة من السطوات # الفائدة الثالثة حفظ السر به من محذور انقلابه مالكا لصاحبه فعن علي ين ~~أبي طالب رضي الله عنه سرك أسيرك فإذا تكلمت به صرت أسيره # قلت ومن عجيب النوادر في الإبانة عن هذا المعنى أن أربعة من أعظم الملوك ~~صدرت عنهم أربع كلمات كأنما أرسلت عن قوس واحد # قال كسرى لم أندم على ما لم أقل وقد ندمت على ما قلت مرارا # وقال قيصر أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت # وقال ملك الصين إذا تكلمت بالكلمة ملكتني وإذا لم أتكلم بها ملكتها # وقال ملك الصين إذا تكلمت بالكلمة ملكتني وإذا لم أتكلم بها ترفع لم ~~تنفعه # المسألة الخامسة من مسائل إفشاء السر التي قد تؤدي إلى العطب آفات ~~PageV01P493 # الآفة الأولى تعريض السر به للإذاعة والشياع فمن كلام الحكماء حفظك لسرك ~~أولى من حفظ غيرك له # قال الطرطوشي وبالجملة إذا زال من عذبة لسانك فالإذاعة مستولية وإن ~~أودعته قلب من حفظ غيرك له # قال # ( ألم تر أن وشاة الرجال % لا يتركون أديما صحيحا ) # ( فلا تفش سرك إلا إليك % فإن لكل نصيح نصيحا ) # الآفة الثانية عودة بمضرة المكيدة على من زل به لسانه قال الله تعالى ~~حكاية عن يعقوب عليه السلام يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك ~~كيدا # قال الطرطوشي لما أفشى يوسف عليه السلام سره في رؤياه بمشهد إمرأة أبيه ~~أخبرت أخوته فحل به ما حل # الآفة الثالثة وهي أدهى ما يؤدي إليه فوات الحياة بتعجيل الحمام # قال الطرطوشي كم من إظهار سر أراق دم صاحبه وصرفه عن بلوغ أمله ولو كتمته ~~أمن سطوته # قال بعض الحكماء سرك من دمك فلا تجريه في غير أوداجه وإذا تكلمت به أرقته ~~PageV01P494 # المسألة السادسة من عجائب أمر السر أمران # أحدهما شدة المؤنة حفظه حتى على صاحبه قيل لبعض الحكماء أي شيء أصعب على ~~الإنسان قال أن يعرف نفسه ويكتم سره وكان يقال أصبر الناس ms264 من صبر على كتم ~~سره فلم يبده لصديقه فأوشك أن يصير عدوا قال الطرطوشي أن الرجل يتحمل الحمل ~~الثقيل فيمشي به ويحمل السر اليسير فيلحقه من القلق والكرب مالا يلحقه بحمل ~~الأثقال فإذا أذاعه استراح قلبه وكأنما ألقى عن نفسه حملا # الثاني ضياع أمانته بكثرة الأمناء عليه # قال الطرطوشي ومن عجيب الأمر أن إغلاق الدنيا كلما كثر خزانها كان أوثق ~~لها إلا السر فإنه كلما كثر خزانه كان أضيع له # قلت بقدم في وصية أردشير أقلل الشركاء في أسرارك تنكتم # المسألة السابعة تقدم أن من فوائد كتم السر دلالته على الفضيلة وفوق ذلك ~~كتمان سر نفسه فقد قيل أدنى أخلاق الشريف كتمان السر وأعلاها كتمان ما أسر ~~به إليه # قلت كما يقال أن رجلا أودع سره عند أحد إخوانه فقال له أفهمت فقال بل ~~جهلت قال حفظت قال بل نسيت وفي معناه قيل # ( يا ذا الذي أوعدتني سره % لا ترج أن تسمعه مني ) # ( لم أجره قط على خاطري % كأن لم يجر في أذني ) PageV01P495 المسألة ~~الثامنة إذا دعت الضرورة المفشو إليه لإفشاء السر فعلى شرط صداقة المفشو له ~~أو نصيحته إذا اتصف بما تتحفظ به الأمانة فمن كلام الحكماء ما كتمته عن ~~عدوك فلا تطلعن عليه صديقك فإن لم يكن لك بد من إذاعته لقرينه تقتضيه من ~~صديق مساهم أو استشارة ناصح مسالم فمن صفات أمين السر أن يكون ذا عقل ودين ~~ونصح ومودة فإن هذه الأمور تمنع من الإذاعة وتوجب حفظ الأمانة # تنبيه على صاحب السر أن يحترز من مستدعيه منه لدلالة استدعائه على ~~الخيانة فقد قيل لا تودع سرك عند من يستدعيه فإن طالب الوديعة خائن # قلت وخصوصا إذا ألح على ذلك فمن الأمثال السائرة الحرص على الأمانة دليل ~~على الخيانة # المسألة التاسعة تقدم أن أكتم السر من الواجبات على حاشية السلطان وذلك ~~حتى عن أقرب الأقارب # قال الجاحظ من أخلاق الملك أن يكتم أسراره عن الأب والأخ والزوجة والصديق ~~فإن الملك يتجاوز عن كل منقوص ومأنوف ولا يتجاوز ms265 عن ثلاثة طاعنا في ملكه ~~ومذيعا لأسراره وخائنا في حرمه # قال وقد كان أبرويز يقول يجب على السلطان السعيد أن يجعل همه كله في ~~إمتحان أهل هذه الصفات إذ هي أركان ملكه ودعائمه PageV01P496 # قلت من الإمتحان بحسب السلطان فمن دونه قول بعضهم أردت أن تواخي رجلا ~~فأغضبه ثم دس عليه من يسأله عنك وعن أسرارك فإن خيرا تكلم وكتم أسرارك ~~فأصحبه # المسألة العاشرة من المنقول في الوصية بحفظ سر السلطان وعقوبة من إفشاء ~~حكايتان # الحكاية الأولى قال العتبي أسر معاوية إلى عثمان بن عتبه حديثا قال عثمان ~~فقلت لأبي أن أمير المؤمنين أسر إلي حديثا افأحدثك به قال لا قلت ولم قال ~~لأنه من كتم حديثا كان الخيار له ومن أظهره كان الخيار عليه فلا تجعل نفسك ~~مملوكا بعد أن كنت مالكا قلت أيدخل هذا بين الرجل وبين أبيه قال نعم ولكن ~~أكره أن تذلل لسانك بإفشاء السر قال فحدثت به معاوية فقال أعتقك أخي من رق ~~الخطأ # الحكاية الثانية كان لعثمان رضي الله عنه كاتب يقال له حمدان فاشتكى ~~عثمان فقال أكتب العهد من بعدي لعبد الرحمن PageV01P497 ابن عوف فانطلق ~~حمدان وقال لعبد الرحمن بن عوف البشري فقال عبد الرحمن ولك البشرى ماذا ~~فأخبره حمدان الخبر فانطلق عبد الرحمن وأخبر عثمان بذلك فقال عثمان رضي ~~الله عنه عسى الله أن شفاني لا يكاتبني حمدان أبدا ونفاه إلى البصرة فلم ~~يزل بها حتى قتل # | القاعدة الخامسة عشرة # # | الحزم # وفيها مسائل # المسألة الأولى قال ابن قيم الجوزية لفظة الحزم تدل على القوة والاجتماع ~~ومنه حزمة الحطب فالحازم هو الذي اجتمعت له سور أمره وعرف خير الخيرين وشر ~~الشريرين فأحجم في موضع الإحجام رأيا وعقلا لا جبنا وضعفا # قلت وإلى ذلك يرجع قول المرادي الحزم هو النظر في الأمور قبل نزولها ~~وتوقي المهالك قبل الوقوع فيها وتدبير الأمور على أحسن ما تكون من وجوهها # المسألة الثانية قال بعض العلماء يجب على الحازم استفراغ الوسع وإعمال ~~الإجتهاد في أسباب الفائدة والخلاص فإن غلبت ms266 الأقدار كان بذلك معذورا وكان ~~قلبه مستريحا وغير عجيب أن يغلب الله سبحانه مخلوقاته وأن يتصرف كما يجب في ~~مصنوعاته وليس نفوذ الأقدار مما يقود العاقل إلى تضييع الحزم وذلك من خلائق ~~الجهال # المسألة الثالثة من الفوائد المرغبة للعقلاء في الأخذ به وخصوصا الملوك ~~أمور PageV01P498 # أحدهما ملك الرعية به قبل أن تملك راعيها إذا فرط فيه قد قال عبد الملك ~~بن مروان لابنه الوليد وكان ولي عهده يا بني اعلم أن ليس بين السلطان وبين ~~أن يملك الرعية أو تملكه الرعية إلا حزم أو توان # الثاني انتهاز الفرصة لأول أحكامها فعن علي رضي الله عنه انتهزوا هذه ~~الفرص فإنها تمر مر السحاب ولا تطلبوا أثرا بعد عين وعن بعض الحكماء بادر ~~الفرصة قبل أن تصير غصة # الثالث التحفظ به من الخديعة قال المغيرة بن شعبة ما رأيت أحدا أحزم من ~~عمر كان له والله فضل يمنعه أن يخدع وعقل بمنعه أن يخدع # قلت وكذا قال رضي الله عنه لست بخب ولا الخب يخدعني # الرابع حصول الظفر به متى ساعد القدر قيل للمهلب بما ظفرت قال بطاعة ~~الحزم ومعصية الهوى # الخامس سلامة من الندم عند الوقوع بعده فيما يكره قال مسلمة بن عبد الملك ~~ما مدحت أو شكرت نفسي على ظفر ابتدأته بعجز ولا ذممتها على مكروه ابتدأته ~~بحزم # المسألة الرابعة قال الحكماء الملوك ثلاثة حازمان وعاجز PageV01P499 # أولهما وهم أحد الحازمين الذي ينظر في الأمور قبل نزولها فيجتلب خيرها ~~ويتجنب شرها كالماهر في الشطرنج يرى الحركة الردية قبل وصولها إليه فيلجأ ~~ملاعبه إلى اللعب بها # ثانيها وهو الحازم الثاني الذي لا يدير الأمور حتى تحل به وإذ ذاك يتعرف ~~وجه التخلص منها وهو دون الأول وأدنى منه إلى التغرير فيما يقع فيها لغفلته ~~وتوانه عن أمر يتعذر فيه الخلاص منه على ذوي الحيلة والإجتهاد # ثالثها وهو العاجز المتواني الذي لا يزال في لبس من أمره وعجز عن إصلاحه ~~حتى يقود ذلك إلى الخسران # تمثيل قالوا ومثال الثلاثة أن صيادين أتيا أجمة ms267 فيها سمكات ثلاث فقال ~~لصاحبه عد بنا إلى هذه الأجمة بعد فراغنا من الصيد لنصيد ما فيه فأما أحزم ~~السمكات فخرجت من منفذ الماء إلى البحر فأمنت وأما التي تليها في الحزم ~~فمكثت حتى جاء الصياد فسد المنفذ فأيقنت بالهلاك فاحتاجت إلى الحيلة ~~فتماوتت وطفت فوق الماء فأخذها الصياد فطرحها غير بعيدة من البحر تجيء ~~وتذهب حتى صيدت # المسألة الخامسة من مهمات الحزم أمور # أحدهما إساءة الظن حيث يؤدي إلى مفسدة راجحة على مصلحة فقد ورد الحزم سوء ~~الظن وفي الحديث احترسوا من الناس بسوء الظن فإن رجحت مصلحة كانت هي مفسدة ~~في النهي عن هذه الإساءة قال تعالى @QB@ اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن ~~إثم @QE@ PageV01P500 # وفي الصحيح إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث # الثاني الاحتراس من المكايد المقصود منها إغراء السلطان بغلبة خواصه قيل ~~فكثيرا ما بلغ ضررها الأبرياء وعدم بها الملوك أهل الجد في خدمتهم وفارقوا ~~أحب خواصهم # الثالث المبادرة بإقامة الأعمال الحاضرة والوظائف الوقتية فقد قال عمر ~~رضي الله عنه لا تؤخر عمل يومك لغدك وفي محاسن البلاغة ينبغي للسلطان أن ~~يعطي لكل يوم وأن تصدر فيه أردته فإن لكل يوم ما فيه ولعل يحدث حادث # الرابع معرفة غاية الأمور قبل الدخول فيها قالوا من ألزم أن لا يدخل في ~~أمر حتى يعرف منتهى أحواله فإن توقفك فيه قبل فعله هو الحذر المحمود ورجوعك ~~عنه بعد التلبس به لاضطرابك فيه هو الحذر المذموم # الخامس توقي استحقار ما توهم صغيرا قالوا لا ينبغي للعاقل أن يستصغر شيئا ~~من الخطأ فإنه متى استحقر الصغير يوشك أن يقع في الكبير فقد رأينا الملك ~~يؤتي من العدو المحتقر ورأينا الصحة تؤتي من الداء اليسير ورأينا الأنهار ~~تنفتق من الجداول الصغار # قلت وأولى إذا كان الصغير قابلا للزيادة وهو # السادس في العهود اليونانية ولا تحقرن صغيرا من الفساد إذا كان محتملا ~~للزيادة وعاجلة قبل وشوجه وبسوقه ثم ذكر من ذلك حبس ألسنة الجنود عن الوقوع ~~في السلطان بالتوعد عليه قال فإن ms268 سوء الطاعة تظهر أملا في الأعين ثم في ~~الألسنة ثم في تحريك الأيدي بالمجاهرة # السابع منع التعادي في أهل المملكة ففيها واعلم أن أضر ما بليت به في بلد ~~من البلدان وقوع العداوة وافتراق أهله PageV01P501 وتحازب بعضهم على بعض ~~فإن هذا يقوم مقام ما يظهر من العلل في عضو من الأعضاء فيتراقى إلى ذلك ~~العضو وربما تعدى إلى غير ذلك العضو وربما تعدى إلى سائر الجسد فتتبع ما ~~ظهر من هذا في البلدان واسأل عن السبب فيه كما يسأل المتطبب الحاذق عن ~~أسباب العلة ولا تدع فيه بقية منه فإنك تجمع بهذا بعد زوال ما كرهته وخوف ~~الناس من إيقاعك وشدة بأسك معاودة مثله # الثامن في إهمال ما يغتنم فيه من فوائد الدين والدنيا ومن أحمد الأمور أن ~~تقدم الاحتياط في إنفاق ساعات زمانك أكثر من تقديمك الاحتياط في إنفاق مالك ~~لأن الذي يحصى من المال قد يستخلف وما يمض من الزمان لا يرجع # المسألة السادسة الحزم ينافي الاعتماد على البخت لما فيه من المفاسد ~~العظام وهي جملة # المفسدة الأولى واعتبار ما لا يعرف سببه ففي إلى البخت إلا إن صاحبه يضيع ~~ثمار الرأي مالا يرى غرسه ولم يعرف طريقه # المفسدة الثانية ومما كان يتدارسه الأوائل قالوا ما أعطى البخت شيئا إلا ~~وسلبه من حسن الاستعداد أكثر منه قال في العهود فأحكم الأعمال بحسن الروية ~~واستدع التوفيق بجميل النية # المفسدة الثالثة عدم رضا المغرور به إلا بمن هو مثله في ذلك حتى ~~PageV01P502 يتضاعف الشر ويتفاقم المحذور قال أفلاطون شر ما يقع لمن اصطنعه ~~البخت من الولاة ألا يرضى من أصحابه إلا بذوي البخوت ولهذا تفسد الصناعات ~~وتستهان معه نواميسها وتنسى صورة العدل من الأشياء ويظن الوالي أن هذا يدوم ~~حتى يهجم به على نهاية المكروه # المفسدة الرابعة إفضاؤه في جملة ما هو مثله في التفريط إلى خراب الدول ~~بآخرة قال أيضا الإفراطات في الدول مبادئ الفساد فإذا انضاف إليها إيثار ~~الراحة والاستهانة بمشورة ذوي التجارب والاتكال على البخت لم تلبث ms269 # المفسدة الخامسة مجيء المكاره به من حيث لا يشعر بها حتى يتعجب من ذلك ~~كما يتعجب من المساعدة به أيام اطراده # قال أيضا كما أن مساعدة البخت تحير العقول في أحسن مواتاة الأمور للمبخوت ~~ومجيئها من حيث لا يظن فكذلك انصرافه يحيرها في بخت المكاره له ومجيئها من ~~حيث لم يحتسب # قلت وهو من شواهد ضعف الإنسان وقهره لمجارى القدر عليه من حيث لا يشعر ~~محبوبا ومكروها وقد أشار إليه في موضع آخر # فائدة في تنبيه موجب الاعتماد على البخت ضعف النفس عن الوفاء بمؤونة ~~الحزم # قال أيضا إذا قويت نفس الإنسان انقطع إلى الرأي وإذا ضعفت انتقل إلى ~~البخت # قلت ولابد في الانقطاع إلى الرأي وعند كمال قوة النفس من ملاحظة أن ~~المقدر من البخت هو الكائن # فمن كلامه أيضا إذا ضعفت النفس أطاعت الاتفاق وإذا قويت انقطعت إلى ~~الإعتماد # قال والمعمول في هذا أن يكون الاعتماد للعمل والاتفاق في العلم # المسألة الرابعة من الكلمات الحكمية في هذا الوصف PageV01P503 # الحزم أنفس الحظوظ # رب رأي أنفع من مال # من لم يقدمه الحزم أخره العجز # رو تحزم فإذا استوضحت فاعزم # من نظر في أحواله وحزم في أفعاله وأقسط في أحكامه واقتصد في وفوره ~~وإعدامه فقد أعطى الخير بتمامه # الحزم يوجب السرور والتغرير يوجب لندامة وإصابة التدبير يوجب بقاء النعمة # من لم يتأمل بعين عقله لم يقع سيف جهله إلا على مقتله # كثير من الحذر قد يكون عونا على صاحبه مشعرأ بما يخفيه في قلبه فيجب على ~~العاقل أن لا يأتي من ذلك إلا ما ينكتم له ولا يتفطن له أحد # المسألة الثامنة من المنقول في تضييع الحزم حكايتان يعتبر بهما # الحكاية الأولى في تضييعه باستحقار الأمور يروى أنه لما أحيط بمروان ~~الجمدي آخر ملوك بني أمية قال يا لهفاه على دولة ما نصرت وكف ما ظفرت ونعمة ~~ما شكرت فقال له أحد خدامه من أغفل الصغير حتى يكبر والقليل حتى يكثر ~~والخفي حتى يظهر أصابه مثل هذا # الحكاية الثانية في تضييعه ms270 بالدخول فيما لم يعرف غاية أمره ما ذكر عن ~~الرشيد أنه بعث بعد القبض على البرامكة إلى يحي بن خالد وهو PageV01P504 في ~~اعتقاله يشاوره في هدم الإيوان فبعث إليه لا تفعل فقال الرشيد لمن حضره في ~~نفسه المجوسية والحنو عليها والمنع من إزالة آثارها فشرع في هدمه فلزمته ~~أموال لا تحصى فأمسك وكتب إلى يحي يعلمه بذلك فأجاب أن ينفق في هدمه ما بلغ ~~من الأموال ويحرص على فعله فعجب الرشيد من تنافي كلامه في أوله وآخره فبعث ~~إليه يسأله عن ذلك فقال نعم أما ما أشرت إليه في الأول فإني أردت به بقاء ~~الذكر لأمة الإسلام وبعد الصيت وأن يكون ما يرد في الإعصار ويطر أمن الأمم ~~في الأزمان يرى مثل هذا البنيان العظيم فيقول أن أمة قهرت أمة هذا بنيانها ~~فأزالت رسومها واحتوت على ملكها لأمة عظيمة شديدة منيفة وأما جوابي الثاني ~~فإنه أخبرني أنه شرع في بعض هدمه ثم عجز عنه فأردت نفي العجز عن أمة ~~الإسلام وأن لا يقول من يأتي في الإعصار أن هذه الأمة عجزت عن هدم ما بنته ~~فارس فلما بلغ الرشيد ذلك من كلامه قال قاتله الله فما سمعته قال شيئا قط ~~إلا صدق وأعرض عن هدم الإيوان # | القاعدة السادسة عشرة # # | الدهاء والتغافل # وفيه نظران # النظر الأول في الدهاء وفيه مسائل # المسألة الأولى قال المرادي هو اسم لوضع الأمور في مواضعها والكف عما لا ~~تقع فيه انتظارا لما فيه النفع # قال وقد يوقع على من كثرت حيلته وقويت فطنته وكان وصوله إلى أغراضه بألطف ~~الوجوه التي يمكن التوصل بها إليها فتراه أبدا كأنه PageV01P505 أبله وهو ~~متباله يحصى دقائق الأمور ويدبر لطيفات الحيل فلا ينطق حتى يجد جوابا مسكنا ~~أو خطابا معجزا ولا يفعل حتى يرى فرصة حاضرة ومضرة غائبة فعدوه مغتر ~~بعدواته ومقدر عليه الغفلة والبله بغوايته وهو مثل النار الكامنة في الرماد ~~والصوارم المكنونة في الأغماد # المسألة الثانية لا شك في فضيلة الدهاء بهذا التفسير لدلالته على فضل ~~العقل وذكاء فطنته ms271 وقد قال عمر رضي الله عنه لن يقيم أمر الناس إلا امرؤ ~~حصيف العقدة بعيد الغور لا يطلع الناس منه على عورة ولا يخاف في الله لومة ~~لاءم وأن فسر بالجزيرة وهي الخديعة التي هي طرف الإفراط فيه كما تقدم فلا ~~خفاء بذمه لما يخاف من غوائله وسوء عواقبه # قال ابن خلدون الكيس والذكاء عيب في صاحب السياسة لأنه إفراط في الفكر ~~كإفراط البلادة في الجمود والطرفان مذمومان والمحمود هو التوسط كما في سائر ~~الصفات الإنسانية قال ولهذا يوصف الشديد الكيس بصفات الشيطان فيقال شيطان ~~ومتشيطن ثم استظهر على ذلك بقضية عزل عمر رضي الله عنه زيادا عن العراق ~~وفيها أن زيادا قال لم عزلتي يا أمير المؤمنين ألعجز أم لخيانة فقال عمر لم ~~أعزلك لواحدة منهما ولكن كرهت أن أحمل الناس فضل عقلك # المسألة الثالثة من الكلمات الحكمية في القدر المحمود من هذا الوصف # العاقل يغفل غفلة الآمن ويتحفظ تحفظ الخائف # الدهاء تجرع الغصة وتوقع الفرصة # المسألة الرابعة من المنقول في أخبار ذوي الفطنة من الملوك حكايتان ~~PageV01P506 # الحكاية الأولى قيل دخل عبد الله بن حسن على أبي العباس السفاح في مجلسه ~~وهو أحشد ما كان من بني هاشم ووجوه الناس ومعه مصحف فقال يا أمير المؤمنين ~~أعطنا حقنا الذي جعله الله لنا في هذا المصحف فأشفق الناس أن يعجل السفاح ~~بشيء إليه فلا يريدون ذلك في شيخ بني هاشم فقال إن جدك عليا وكان خيرا مني ~~وأعدل ولي هذا الأمر أفأعطى جدك الحسن والحسين وكانا خيرا منك شيئا وكان ~~الواجب أن أعطيك مثله فإن كنت فعلت فقد أنصفتك وإن كنت زدتك فما هذا جزائي ~~منك فما رد عليه عبد الله وانصرفوا يتعجبون من جوابه له # الحكاية الثانية روي أن المأمون كان يوما في مجلس مذاكرته إذ دخل عيه علي ~~بن صالح الحاجب فقال يا أمير المؤمنين رجل وقف بالباب وعليه ثياب غلاظ ~~مشمرة يطلب الدخول فعلمت أنه بعض الصوفية # فقال أيذن له يدخل فدخل رجل عليه بثياب قد شمرها ms272 ونعله في يده فوقف على ~~طرف البساط ثم قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقال المأمون وعليك ~~السلام فقال أتأذن في الدنو إليك فقال أذن فدنا ثم قال اجلس فجلس ثم قال ~~أتأذن لي في كلامك فقال المأمون تكلم بما تعلم إن كان لله فيه رضا فقال ~~أخبرني عن هذا المجلس الذي أنت فيه جلسته أباجتماع المسلمين عليك ورضى بك ~~أم بالمغالبة لهم والقوة عليهم بسلطانك # فقال لم أجلسه باجتماع منهم ولا مغالبة لهم بل كان يتولى أمر المسلمين ~~سلطان قبلي احتمله المسلمون إما على رضا وإما على كره فعقد لي ولأخي معي ~~ولاية هذا الأمر بعده في أعناق من حضر من المسلمين وأخذ على من حضر ببيت ~~الله الحرام من الحاج البيعة لي ولآخر معي PageV01P507 فأعطوه ذلك إما ~~طائعين وإما كارهين فمضى الذي عقد له معي على السبيل التي مضى عليها فلما ~~صار الأمر إلي علمت أني أحتاج إلى اجتماع كلمة المسلمين علمت أني أحتاج إلى ~~اجتماع كلمة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها على الرضى بي ثم نظرت فرأيت ~~أني متى خليت عن المسلمين أمورهم اضطرب حبل الإسلام وحرج عليهم وانتفضت ~~أطرافهم وغلب على الناس الهرج والفتنة ووقع التنازع فبطلت أحكام الله ولم ~~يحج أحد ببيته الحرام ولم يجاهد الناس في سبيله ولم يكن لهم سلطان يسوسهم ~~ويجمعهم وانقطعت السبل ولم يؤخذ لمظلوم من ظالم فقمت بهذا الأمر حياطة ~~للمسلمين ومجاهدا لعدوهم وضابطا لسبلهم وآخذا على أيديهم قصد أن يجتمع ~~المسلمون على رجل تتفق كلمتهم على الرضا به فأسلم الأمر إليه وأكون كرجل من ~~المسلمين فمتى اجتمعوا على رجل من المسلمين رضوا به خرجت إليه عن هذا الأمر ~~فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وقام فأمر المأمون علي بن صالح ~~الحاجب أن يوجه من يتبعه حتى يعلم أين يقصد فعمل على ذلك ثم رجع إليه فقال ~~يا أمير المؤمنين وجهت من اتبع الرجل فمضى إلى مسجد فيه خمسة عشر رجلا في ~~مثل هيئته وزيه فقالوا لقيت الرجل قال نعم ms273 قالوا فما قاله قال ما قال إلا ~~خيرا ذكر أنه ضبط أمر المسلمين حتى يؤمن سبلهم ويقوم الحج ويجاهد في سبيل ~~الله ويأخذ للمظلوم من الظالم ولا تعطل الأحكام فإذا رضي المسلمون بإمام ~~واجتمعوا عليه سلم إليه الأمر وخرج إليه منه فقال لسنا نرى في هذا الأمر ~~بأسا قال يحي بن أكثم فأقبل علي المأمون فقال يا أبا محمد كفينا مؤونة ~~هؤلاء بأيسر خطب فقلت الحمد لله على ما ألهمك من السداد والصواب في القول ~~والفعل PageV01P508 # | النظر الثاني # # | في التغافل # وفيه مسائل # المسألة الأولى قال الجاحظ من أخلاق الملك أن التغافل عما لا يقدح في ملك ~~ولا يضع من عز ويزيد ذلك في أبهته وعليه كانت سيرة آل ساسان وغيرهم # وقالت العرب الشرف التغافل # قال # ( ليس الغبي بسيد في قومه % لكن سيد قومه المتغابي ) قلت وأنت لا تجد ~~أحدا يتغافل عن ماله إذا خرج وعن مبايعته إذا غبن وعن التقاضي إذا بخس إلا ~~وجدت في قلبك له فضيلة وجلالة لا تقدر على دفعها وفي نحوه قال معاوية رضي ~~الله عنه إني لأجر ذيلي على الخداع انتهى # المسألة الثانية يجب على ذي الفطنة الزائدة الأخذ بهذا الخلق لما تقدم ~~بالدهاء المفرط حتى يحصل به الرفق المأمور به # قال ابن خلدون قل ما تكون ملكة الرفق في المتيقظ الشديد الكيس وأكثر ما ~~توجد في الغفل والمتغفل وأقل ما في اليقظ أنه يكلف الرعية فوق طاقتهم لنفوذ ~~نظره فيما وراء مداركهم واطلاعه على عواقب الأمور في مباديها فيهلكون لذلك ~~قال صلى الله عليه وسلم سيروا بسير ضعفائكم PageV01P509 # المسألة الثالثة من الكلمات الحكمية في هذا الوصف # عظموا أقداركم بالتغافل # ما استقصى كريم قط حقه ألم تسمع قوله تعالى @QB@ عرف بعضه وأعرض عن بعض ~~@QE@ # قال # ( تغافل في الأمور ولا تكثر % تقصيها فالاستقصاء فرقة ) # ( وسامح في حقوقك بعض شيء % فما استوفى كريم قط حقه ) # إن من السخاء والكرم ترك التجني وترك البحث عن باطن الغيوب والإمساك عن ~~ذكر العيوب كما أن من تمام الفضائل الصفح عن ms274 التوبيخ وإكرام الكريم والبشر ~~في اللقاء ورد التحية والتغافل عن خطأ الجاهل # من شدد نفر ومن تراخى تألف # وأنشدوا في التغافل # ( ومن لايغمض عينيه عن صديقه % وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب ) # ( أغمض عيني عن صديقي تغافلا % كأني بما يأتي من الأمر جاهل ) # المسألة الرابعة من المنقول في تغافل الملوك على كثرته حكايتان # الحكاية الأولى قيل لما ظفر أبو الفتح ملك شاه السلجوقي بعمه الخارج عليه ~~وأخذه بعث إليه بخريطة مملوءة من كتب أمرائه مضمنها أنهم حملوه على الخروج ~~عن طاعته وحسنوا له ذلك فدعى الملك وزيره PageV01P510 نظام الملك وأعطاه ~~خريطة ليفتحها ويقرأ ما فيها فلم يفتحها وكان هناك كانون نار فرمى الخريطة ~~فيه فاحترقت الكتب فسكنت قلوب العساكر وأمنوا ووطنوا أنفسهم على الخدمة بعد ~~أن كانوا قد خافوا من الخريطة لأن أكثرهم كان قد كاتبه وكان ذلك سبب ثبات ~~دولة ملك شاه في السلطنة وكانت هذه معدومة من جميل آراء نظام الملك # الحكاية الثانية قال ابن رضوان من حسن التغافل ما أخبرنا به شيخنا القاضي ~~أبو البركات بن الحاج قال حكى لنا بعض الشيوخ بفاس أن عبد المؤمن بن علي ~~وجد علي الشيخ أبي محمد صالح رضي الله عنه لما بلغه أنه تكلم في المهدي ~~فقال له ماذا تقول في المهدي فقال له الشيخ أبو محمد أفي الله شك فقال له ~~عبد المؤمن هو المظنون بك أيها الشيخ جزاك الله خيرا انصرف يرحمك الله فلما ~~خلا عبد المؤمن بخاصته قال أتظنون أن الشيخ احتال علي في كلامه وروى عني بل ~~عرفت والله وجه كلامه غير أني إن كشفت القناع معه صعب الأمر من جهة المهدي ~~ورجل من أولياء الله فغطيت القضية ولم أزد على صرفه PageV01P511 # قال ابن رضوان ويشبه ذلك ما حكى أن القاضي أبا العباس بن عيسى الغماري ~~سأله المستنصر عن والي بلدة بجاية وقال له سمعنا أن والي بجاية لو أراد أن ~~يبنيها لبنة فضة ولبنة ذهب لفعل فقال له مبادرا يا مولاي يكون ذلك ~~بالتفاتكم ms275 إليها وتعطفكم عليها فتغافل عن سؤاله عن القصد الأول وعلم أنه ~~حاد عن جوابه # | القاعدة السابعة عشرة # # | التواضع # وللنظر فيه ثلاث مطالب # أحدهما في التواضع والثاني في نقيضه وهو الكبر والثالث فيما يتولد عنه ~~هذا النقيض وهو العجب # المطلب الأول في التواضع # وفيه مسائل # المسألة الأولى قال ابن العربي هو صفة محمد صلى الله عليه وسلم وبه استحق ~~سيادة ولد آدم إذ خيره الله تعالى بي أن يكون نبيا ملكا أو نبيا عبدا ~~فاختار أن يكون نبيا عبدا وخيره آخرا بين الخلد في الدنيا ولقائه فاختار ~~لقاءه # قلت وكيف لا يتواضع صلى الله عليه وسلم وقد أمره تعالى بذلك PageV01P512 # ففي الصحيح عن عياض بن حمار رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن الله أوصى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أجد على أحد ولا يبغي ~~أحد على أحد # المسألة الثانية مما يدل على فضله أمران # أحدهما الرفعة به من الله تعالى فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من تواضع لله درجة رفعه الله درجة حتى ~~يجعله في أعلى عليين ومن تكبر على الله تعالى درجة نقصه الله تعالى درجة ~~حتى يجعله في أسفل سافلين ولو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا ~~كوة لخرج ما غيبه للناس كائنا ما كان # الثاني الوعد عليه بالجنة ففي الحديث طوبى لمن تواضع في غير معصية وذل ~~لنفسه في غير مسألة وأنفق مالا جمعه في غير معصية ورحم أهل الذل والمسكنة ~~وخالط أهل الفقه والحكمة طوبى لمن طاب مكسبه وصلحت سريرته وكرمت علانيته ~~وعزل عن الناس شره طوبى لمن عمل بعلمه وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من ~~قوله رواه الطبراني قال المنذري وحسنه أبو عمر النمري وغيره PageV01P513 # المسألة الثالثة من فوائده العاجلة منقبتان # المنقبة الأولى دلالته على كمال الفضل ومزيد الخصوصية به قيل لعبد الملك ~~بن مروان أي الرجال أفضل قال من تواضع عن قدره وزهد ms276 عن كثرة وترك النصرة عن ~~قوة # المنقبة الثالثة مزيد الشرف به على شرف صاحبه دخل ابن السماك على الرشيد ~~فقال يا أمير المؤمنين إن تواضعك في شرفك أشرف لك من شرفك فقال ما أحسن ما ~~قلت فقال يا أمير المؤمنين إن امرءا أتاه الله جمالا في خلقته وموضعا في ~~حسبه وبسط له في ذات يده فعف في جماله وواسى في ماله وتواضع في حسبه كتب له ~~في ديوان الله من خالص عباده الله فدعا الرشيد بدواة وقرطاس وكتبه بيده # المسألة الرابعة قال الغزالي هو كسائر الأخلاق له طرفان وواسطة فطرف ~~إفراطه تكبر وطرف تفريطه خسة ومهانة والوسط المحمود هو التواضع # قال والميل إلى التكبر أفحش من الميل إلى التذلل كما أن الميل إلى البخل ~~أفحش من الميل إلى التبذير والمحمود المطلوب هو العدل ووضع الأمور مواضعها ~~حسبما يقتضيه الشرع والعادة # المسألة الخامسة من الكلمات الحكمية في هذا الوصف # التواضع أحد مصائد الشرف # وكل نعمة محسود عليها صاحبها إلا التواضع PageV01P514 # لا عز لمن تذلل لله عز وجل ولا رفعة إلا لمن تواضع لله عز وجل ولا أمن ~~إلا لمن خاف الله # اسمان مختلفان معناهما واحد التواضع والشرف # بخفض الجانب تأنس النفوس # الاستهانة توجب التباعد الانبساط يوجب الموانسة # الانقباض يوجب الوحشة # الكبر يوجب المقت # والتواضع يوجب السمت # من رأى لنفسه قيمة ليس له من التواضع نصيب # لا يتواضع العبد حتى يعرف نفسه # المسألة السادسة من المنقول في هذا الباب عن الملوك وذوي الرياسة حكايتان # الحكاية الأولى ذكر الرشاطي عن علي بن يوسف بن تاشفين من ملوك المرابطين ~~أنه ركب يوما إلى المسجد الجامع لشهود صلاة الجمعة فلما وصل إلى أول رحاب ~~المسجد انحط عن مركبه ومشى راجلا فمر بطريقه على إنسان قد بسط مئزره وجلس ~~عليه ينتظر الصلاة فلما وصل إليه خلع نعليه لئلا يطأ المئزر بهما فلما جاوز ~~لبسهما ولم يأمر الرجل برفع مئزره ولا مشى عليه # الحكاية الثانية ذكر أيضا عن إبنه ولي عهده أنه ركب يوما PageV01P515 فمر ~~في زقاق ms277 منحصر وإذا بصبي على هجين قد تعرض به في ذلك الزقاق وهو لا يقدر ~~على رده إلى الطريق وإزالته عن ذلك المضيق فوقف ولي العهد مدة حتى تهيأ ~~للصبي الزوال دون أن يقال في ذلك شيء وحينئذ مشى إلى مقصده قال الحاكي ~~فعجبت من ذلك وقلت له يا مولاي تكون ولي عهد المسلمين وتقف هذا الموقف لصبي ~~صغير على زامل هجين لا يزحزح عن طريقك قال فقال لي وما يدرك لعل مقداره ~~أرفع من مقدارنا قال فازددت تعجبا ثم إني حدثت بذلك أمير المسلمين والده ~~فلما انتهيت إلى قوله لعل مقداره في الآخرة أرفع من مقدارنا قال لي أمير ~~المسلمين نعم وفي الدنيا ومن يعلم مجاري الأقدار وتصاريف الليل والنهار قال ~~فازددت تعجبا من ذلك # | المطلب الثاني # # | في الكبر # وفيه مسائل # المسألة الأولى من التغليظ الوارد فيه وعيدان # الوعيد الأول تعذيب منازع رب العزة فيه بالنار ففي الصحيحين عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل العز ~~إزاري والكبرياء ردائي فمن ينازعني شيئا منهما عذبته # الوعيد الثاني منع أدنى القليل منه من دخول الجنة ففي الصحيح عن ابن ~~مسعود رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يدخل الجنة من كان في ~~قلبه مثقال ذرة من كبر فقال رجل أن الرجل يجب أن PageV01P516 يكون ثوبه ~~حسنا فقال إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس بطر الحق رده ~~وغمط الناس احتقارهم # المسألة الثانية من شؤم التخلق به تعجيل عقوبتين # أحدهما منعه من فهم الحق وقبوله قال تعالى سأصرف عن آبائي الذين يتكبرون ~~في الأرض بغير الحق # الثاني خسف الأرض بصاحبه ففي الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال بينما رجل ممن قبلكم يجر إزاره من الخيلاء خسف ~~به فهو مجلجل في الأرض إلى يوم القيامة أي يغوص وينزل فيها # المسألة الثالثة شواهد خسته وإن أعتقد الترفع به أمران ms278 # أحدهما دلالته إلى حمق صاحبه قال أزدشير ما الكبر إلا فضل حمق لم يدر ~~صاحبه أين يذهب به فصرفها إلى الكبر # قلت ومن لازم ذلك نقص العقل لا محالة ولذلك قال بعض أهل البيت ما دخل قلب ~~امرئ شيء من الكبر قط إلا نقص من عقله بقدر ما دخل من ذلك قل أو كثر # الثاني صدوره عن وجود الذلة في النفس قال الأحنف ما تكبر أحد إلا من ذلة ~~يجدها في نفسه # المسألة الرابعة للكبر باطن وهو رؤية النفس خيرا من غيرها وظاهر وهو ~~ثمرته الصادرة عن الجوارح والأول أصل وحقيقته والثاني فرع ومجاز ~~PageV01P517 # قال الإمام الغزالي وبه ينفصل عن العجب فإن العجب لا يستدعي غير المعجب ~~بحيث لو خلق وحده لتصور وجوده ولا يكون متكبرا إلا مع من يعتقد فضله عليه # قال وهذه العقيدة تنفخ فيه فيحصل في قلبه اعتزاز وركون إلى ما اعتقده وعز ~~به في نفسه وذلك ورد أعوذ بالله من نفخة الكبر انتهى ملخصا # أحدهما على الله تعالى كإدعاء الشركة معه في قول فرعون أنا ربكم الأعلى ~~والترفع عن عبادته كما قال تعالى @QB@ إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون ~~جهنم داخرين @QE@ # قال الغزالي وهو أفحش أنواعه قال ولا مثار إلا الجهل والطغيان # الثاني على الرسل كقوله قريش لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين ~~عظيم # قال ابن العربي يعني ولم يوضع في أقلهم مرتبة PageV01P518 # قال ولم يعملوا المراتب بجهلهم وقبلوها حين ثبت لهم # قال الغزالي وهو قريب من الكبر على الله وإن كان دونه # الثالث على العباد كالترفع عليهم والأنفة من مساواتهم استحقارا لهم ~~واستصغارا # قال الغزالي وهو وإن كان دون الأول والثاني فهو عظيم لوجهين # أحدهما لأنه لا يليق إلا بالملك القادر والعبد المملوك العاجز أنى له ~~بذلك وأنه يدعو إلى مخالفة الأمر والاستكشاف من قبول الحق # تنبيه في تحذير # قال الشيخ عز الدين قد يحمل التكبر على المخلوق على التكبر على الخالق ~~كحمل تكبر إبليس على آدم على التكبر عن السجود له # قال ms279 فمن رأى أنه خير من أخيه احتقارا له وازدراء به أو رد الحق وهو يعرفه ~~فقد تكبر على الله تعالى # المسألة السادسة أسباب الكبر نوعان # أحدهما ديني وهو العلم إذا أعجب به صاحبه فيستكبر به على من دونه في ~~العلم وعلى العامة والعمل إذا أعجب به صاحبه أيضا فيتكبر به على من لا يعمل ~~مثله قالوا وما أسرع الكبر إلى العلماء كما أنه لا يخلو العباد منه # الثاني دنيوي وهو الحسب الموجب لاحتقار الناس والجمال أكثر ما يجري بين ~~النساء والمال المفتخر بكثرته والقوة المتطاول بها على ذوي الضعف وكثرة ~~الأتباع والأنصار # قال الإمام الغزالي ويجري ذلك بين الملوك في المكاثرة بالجنود ~~PageV01P519 وبين العلماء في المكاثرة بالمستفيدين قال وبالجملة فكل ما هو ~~نعمة وأمكن أن يعتقد كما لا وإن لم يكن تصورا تصور أن يتكبر به حتى أن ~~المخنث يتكبر على أقرانه بمزيد معرفته بصنعة التخنيث لاعتقاده أن ذلك كمال # المسألة السابعة قال البلالي مختصر لكلام الغزالي يدفع الكبر إدامة فكرة ~~في أصله من تراب وطين منتن ونطفة بمكان قذر فأوجده يسمع وبصر وعقل ليعرف به ~~أوصافه وأخرجه تعالى ضعيفا عاجزا فرباه وقواه وعلمه يعلم فيجهل يصح فيسقم ~~يقدر فيعجز لا يملك ضرا ولا نفعا ولا شيئا ومع ذلك لا يشكر نعمة ولا يذكر ~~عرض قبائحه وتفرده بقبر موحش عن أصحابه وأحبابه فيصير جيفة والأحداق سالت ~~والألوان حالت والفصاحة زالت والرؤوس تغيرت ومالت مع فتان يأتيه فيقعده ~~ويسأله عما كان يعتقده ثم يكشف له من الجنة والنار مقعدة إلى مبعثه فيرى ~~أرضا مبدلة وقبورا مبعثرة وسماء مشققة وشمسا مكورة ونجوما منكدرة وملائكة ~~منزلة وأهوالا مذعرة وصحفا منشرة ونارا مزفرة وجنة مزخرفة فما لمن هذه حاله ~~والكبر ونحوه مع أنه يحشر على صورة الذر تطأه الناس كما صح فالكبرياء ~~والعظمة للعزيز القادر لا للعبد العاجز قال فالمتكبر ونحوه مبتلى لا يرحم # المسألة الثامنة علاجه على التنزل بمدارات أسبابه فالعلم وكبره أبعد عن ~~قبول العلاج إلا بمشقة عظيمة بمعرفة أن الحجة على ms280 العالم أبلغ وأن الكبر لا ~~يليق إلا بالله والعمل فتنته عظيمة بلزوم التواضع لسائر العباد من عالم ~~فوقه ومستور لاحتمال أن يكون أقل منه دينا ومكشوف لإمكان نجاته والحسب ~~بمعرفته الله أن التعزز بكمال الغير جهالة فإن النسب PageV01P520 الحقيقي ~~ما تقدمت لإشارة إليه من خلق أصله والجمال بالنظر إلى قبائح الباطل من بول ~~وغائط ومخاط وبصاق ورشح دم منضما إلى قذارة مبدئه والقوة بعلم ما سلط عليه ~~من الأمراض والآفات وأنها دون قوة البهائم وكثرة المال والإتباع فإن الكبر ~~بذلك إنما هو بخارج # قال الإمام الغوالي وهو أقبح أنواع الكبر لأن ما ليس بذاتي لا يدوم ~~فالتفاخر به غاية الجهل # المسألة التاسعة قال ابن قيم الجوزية الفرق بين الكبر وبين المهابة أن ~~المهابة أثر امتلاء القلب بعظمة الرب ومحبته وإذا امتلاء بذلك حل فيه النور ~~وألبس رداء الهيبة فاكتسى وجهه الحلاوة والمهابة فحنت إليه الأفئدة وقرت به ~~العيوب والكبر أثر العجب في قلب مملوء جهلا وظلما نزل عليه المقت فنظره شزر ~~ومشيته تبختر لا يبدأ بسلام ولا يرى لأحد حقا ويرى حقه على غيره فلا يزداد ~~من الله إلا بعدا ولا من الناس إلا صغارا وبعضا انتهى ملخصا # المسألة العاشرة قال والفرق بينه وبين الصيانة أن الصائن لنفسه كلا بس ~~ثوب جديد نقي البياض يدخل به على المملوك فمن دونهم فهو يصونه عن الوسخ ~~وأنواع الآثار ومتى أصابه شيء من ذلك بادر إلى إزالته ومحو آثاره وكذا ~~الصائن لقلبه ودينه فلذلك لا يتقرب من الناس ويحترس من غوائل مخالطتهم بما ~~ظاهره التعزز مخافة أن يتأذى قلبه بما هو أعظم في الأثر من الطبوع الفاحشة ~~في الثوب النقي والمتكبر وأن شابهه في العزة والتخنث فقصده أن يعلو رقابهم ~~ويجعلهم تحت قدمه فقال هذا لون وذاك لون وانتهى ملخصا PageV01P521 المسألة ~~الحادية عشرة يبغض الفساق في الله تعالى ولا يتكبر عليهم فالكافر لا مكان ~~أن يختم له بخير والمتكبر عليه بخلافه والمبتدع كذلك فالكافر لامكان أن ~~يختم له بخير والمتكبر عليه بخلافه والمبتدع ms281 كذلك وإن منع شوم البدعة من ~~التوبة عنها غالبا والعاصي من باب أولى # قال الشيخ عز الدين وترك الكبر عليه بمعرفة نعمة الله عليك في العصمة من ~~مثل علمه ومجانبته لله تعالى مع خوفك على نفسك بحيث لا تظن أنك ناج وهو ~~هالك فكم من عاص ختم له بخير و كم من مطيع ختم له بشر لا يسخر قوم من قوم ~~عسى أن يكونوا خيرا منهم # تنبيه قال الشيخ عز الدين ليس من الكبر أن يعرف الإنسان ما فضله الله ~~تعالى به على غيره وإنما الكبر أن يحتقره ويعتقد أنه عند الله في الآخرة ~~خير منه مع جهله بما يؤول إليه أمرهما # المسألة الثانية عشرة من الكلمات الحكمية في هذا الخلق الانبساط يوجب ~~المؤانسة والانقباض يوجب الوحشية والكبر يوجب المقت والتواضع يوجب المنة ~~والاستهانة يوجب التباعد # من مقته رجاله لم يستقم حاله ومن أبغضته بطانته كان كمن غص بالماء ومن ~~كرهه الحماة تطاول عليه الأعداء # ( تكبر الحر على من فوقه % وتكبر النذل على من دونه ) # | المطلب الثاني # # | في العجب # وفيه مسائل # المسألة الأولى جعل الطرطوشي هذا الوصف مع فرعه وهو الكبر من الأوصاف ~~التي لا تدوم معها مملكة قائلا ومن أعجب العجائب دوام الملك مع الكبر ~~والإعجاب PageV01P522 # ونقل عن الأوزاعي يهلك السلطان بالإعجاب والاحتجاب # قال الغزالي وهو مذموم في كتاب الله وسن رسوله عليه الصلاة والسلام # قلت ويكفي من ذلك أمران # أحدهما إنكاره تعالى على من تعرض به للخذلان قال الله تعالى @QB@ ويوم ~~حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم ~~وليتم مدبرين @QE@ # الثاني انتظامه في سلك الصفات المهلكة ففي الحديث ثلاث مهلكات شح مطاع ~~وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه # المسألة الثانية قال بعض الحكماء الذي يحد ث للملوك التيه في أنفسهم ~~والإعجاب بآرائهم كثرة ما يسمونه من ثناء الناس عليهم ولو أنهم أنصفوهم أو ~~صدقوهم عن أنفسهم لا بصروا الحق ولم يخف عليهم شيء من أنفسهم # وروى الخطابي بسنده أن يحيى بن الحكم ms282 قيل له عمر بن عبد العزيز مولده ~~مولده ومنشأه منشأه جاء كما رأيت يعني في الكمال قال أن أباه أرسله للحجاز ~~شابا سوقة يغضب الناس ويغضبونه ويمخض الناس ويمخضونه والله لقد ولى الحجاج ~~وما عربي أحسن أدبا منه فطالت مدة ولايته فكان لا يسمع إلا ما يحب فمات ~~وأنه لأحمق سيء الخلق والأدب PageV01P523 # المسألة الثالثة للتخلق به آفات # الآفة الأولى الكبر وهو غالب أسبابه قال الشيخ عز الدين ولذلك يطلق الكبر ~~على العجب لأنه مسبب عنه # الآفة الثانية حجبه عن التوفيق والتأييد من الله تعالى لإصلاح صاحبه لما ~~وثق به من نفسه قال الغزالي وإذا انقطع عن العبد التوفيق والتأييد فما أسرع ~~ما يهلك # الآفة الثالثة إفساده للعمل الصالح قال عيسى عليه السلام يا معشر ~~الحواريين كم من سراج أطفأته الريح وكم من عابد أفسده العجب # قلت ومن ثم قيل هو آفة المتعبدين من الأولين والآخرين # الآفة الرابعة منعه من الاستفادة والاستشارة إذا كان بالرأي و العقل # قال الغزالي وربما يعجب بالرأي الخطأ فيفرح به لكونه من خواطره فيصر عليه ~~ولا يسمع نصح ناصح ولا وعظ واعظ # الآفة الخامسة فتور المقرب به عن طلب النجاة لظنه أنه قد فاز # قال الإمام الغزالي وهو الهلاك الصريح الذي لا شبهة فيه # المسألة الرابعة قال الشيخ عز الدين العجب فرحة في النفس بإضافة العمل ~~إليها وحمدها عليه مع نسيان أن الله تعالى هو المنعم به والمتفضل بالتوفيق ~~إليه # قال ومن فرح بذلك لكونه منة من الله تعالى واستعظمه لما يرجو عليه من ~~ثوابه ولم يضفه إلى نفسه ولم يحمدها عليه فليس بمعجب # المسألة الخامسة العجب أنواع PageV01P524 # أحدهما الجمال ذهولا عن شهود المنة به من الله تعالى وينفيه النظر في بدء ~~خلقه إلى ما يصير إليه # الثاني القوة استعظاما لها مع نسيان شكرها وترك الاعتماد على خالقها كقول ~~عاد من أشد منا قوة وينفيه اعترافه بمطالبة الشكر عليها وأنها معروضة للسلب ~~فيصبح أضعف العباد # الثالث العقل والكياسة له واستبدادا به وينفيه ترديد الشكر عليه ms283 وتجويز ~~أن يسلب منه كما فعل بغيره وأنه وإن اتسع العلم به فما أوتي منه إلى قليلا # الرابع النسب الشريف افتخارا به واعتقاد الفضل به على كثير من العباد ~~وينفيه علمه بأنه لا يجلب ثوابا ولا يدفع عقابا وإن أكرم الناس عند الله ~~أتقاهم وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابنته فاطمة وعمته صفية رضي الله ~~تعالى عنهما لا أغني عنكما من الله شيئا # الخامس الانتماء إلى ظلمة الملوك وفسقة أعوانهم تشريفا بهم فيما يتوهم # قال الإمام الغزالي وهو غاية الجهل وينفيه الفكرة في مخازيهم PageV01P525 ~~ومقتهم عند الله تعالى وحق المنتسب إليهم متى عصم من ظلهم شكر الله على ذلك ~~واستغفاره لهم أن كانوا مسلمين # السادس كثرة الأولاد والأقارب والأتباع اعتماد عليهم ونسيانا للتوكل على ~~رب الأرباب وينفيه بتحققه أن النصر من عند الله وأن الكثرة منهم لا تغنى ~~عند حضور الموت شيئا # السابع اعتدادا به وتعويلا عليه ونفيه علمه أن المال فتنة وأن له آفات ~~متعددة وأن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة # الثامن الرأي الخطأ توهما أنه نعمة وهو في نفس الأمر نقمة # قال تعالى @QB@ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا @QE@ قال @QB@ وهم يحسبون ~~أنهم يحسنون صنعا @QE@ وينفيه على جهد جهيد للجهل به اتهام رأيه من حيث هو ~~من جملة البشر الواقع منهم الخطأ كثيرا # | القاعدة الثامنة عشرة # # | سلامة الصدر من الحقد والحسد # وفيه طرفان # | الطرف الأول # # | في الحقد # وفيه مسائل # المسألة الأولى حقيقة إضمار الشر المتوقع دائما لمن عجز عن التشفي منه ~~بغضة له واستثقالا والفرق بينه وبين الموجدة من وجهين PageV01P526 # الوجه الأول أن الموجدة إحساس بالمولم وتحرك من النفس في دفعة فهو كمال ~~بخلاف الحقد المفسر بما ذكر # الوجه الثاني الموجدة لما ينالك منه والحقد لما يناله منك # قال ابن قيم الجوزية فالموجدة سريعة الزوال مع صلابة القلب وقوة نوره ~~والحقد لا يزال أثره في القلب مع ضيفه واستيلاء ظلمة النفس عليه # المسألة الثانية من ثمرات الحقد الحسد ومزيد الشماتة بالمحسود وهجر ~~المسلم ومصارمته والإعراض ms284 عنه والكلام فيه بما لا يحل من غيبة وكذب وإفشاء ~~سر وهتك ستر واستهزاء وسخرية وضرب وإيلام ومنع حقوق # قال الإمام الغزالي وكل ذلك حرام # المسألة الثالثة للحقود عند القدرة أحوال أن يستوفى حقه من غير زيادة ولا ~~نقص وهو العدل وأن يحسن إليه بالعفو والصلة وهو الفضل وأن يظلمه بما لا ~~يستحقه وهو الجور # قال الإمام الغزالي والأولى درجة الصالحين والثاني اختيار الصديقين ~~والثالث اختيار الأرذال # الطرف الثاني في الحسد # وفيه مسائل # المسألة الأولى عد الحكماء هذا الوصف من الخصال التي لا تغتفر من السلطان ~~قال الطرطوشي لأنه إذا كان حسودا لم يشرف أحدا وإذا ضاعت الأشراف هلكت ~~الإتباع PageV01P527 # قلت ولوجوه آخر وهو قول أفلاطون حسد الملك يخفى بهجة الملك # المسألة الثانية مما يدل على ذمة في الجملة أمران # أحدهما عده في الجملة الصفات المنهي عنها ففي الصحيح عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إياكم والظن فإن الظن أكذب ~~الحديث ولا تجسسوا ولا تنافروا ولا تنافسوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا ~~عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يتحقره التقوى ~~ها هنا التقوى هاهنا التقوى هاهنا يشير إلى صدره بحسب أمريء من الشر أن ~~يحقره أخاه المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله # الثاني أكله للحسسنات فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما بأكل النار الحطب ~~الرقيق أو قال العشب رواه أبو داوود قال المنذري ورواه ابن ماجة من حديث ~~أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الحسد يأكل ~~الحسنات كما تأكل النار الحطب الرقيق والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء ~~النار والصلاة نور المؤمن والصيام جنة من النار # المسألة الثالثة من أعظم آفاته العاجلة أمران # أحدهما حمله على ارتكاب الشرور المتناهية الذم كتملقه في الحضور واغتيابه ~~في المغيب وشماتته في المصيبة # قال الإمام الغزالي وحسبك أن الله ms285 تعالى أمر بالاستعاذة من شر الحاسد إذا ~~حسد PageV01P528 # فقال @QB@ ومن شر حاسد إذا حسد @QE@ حتى لا مستعان عليه إلا بالله رب ~~العالمين # الثاني منعه من الظفر بالمراد وخذلانه عند الانتصار على الأعداء فقد قيل ~~الحاسد غير منصور # قال الغزالي كيف يظهر بمراده ومراده زوال نعم الله على عباده المسلمين أو ~~ينصر على أعدائه وهم عباد الله المؤمنين # المسألة الرابعة حقيقته كراهة النعمة وحب زوالها عن المنعم عليه فتخرج ~~المنافسة إذ لا كراهة فيها للنعمة ولا حب لزوالها بل غايتها تمني النفس ~~مثلها فحسب ولذلك أمر فيما هو دين كقوله تعالى @QB@ وفي ذلك فليتنافس ~~المتنافسون @QE@ وحرم الحسد بكل حال قال الإمام الغزالي إلا نعمة كافر أو ~~فاجر يستعين بها على فساد فلا يضر كراهتها ومحبة زوالها # المسألة الخامسة للحسد مراتب أن يحب زوال النعمة وإن كانت لا تنتقل إليه ~~يجب انتقالها من حيث هي مطلوبة لا مجرد زوالها نولا يريد عينها بل مثلها ~~فإن عجز عن ذلك أحب زوالها لئلا يفوته بها أو يريد مثلها فإن عجز لم يحب ~~زوالها وهذه الأخيرة قال الإمام الغزالي معفو عنها في الدنيا ومندوب إليها ~~في الدين والثالثة فيها مذموم والثانية أخف من الثالثة والأولى غاية الخبث # المسألة السادسة أسباب الحسد أنواع # أحدهما العداوة وهو أقواها وتؤدي إلى التنازع وضياع العمر في إعمال ~~الحيلة في زوال النعمة PageV01P529 # الثاني خوفه من ترفع غيره عليه بنعمة فيريد سلبها ليحصل التساوي فيأمن ~~مكروه الكبر عليه # الثالث خشية أن لا يحتمل ذو النعمة المستجدة معهود الترفع عليه فيتمنى ~~زوالها لئلا يفوته ذلك أو يساويه بها فيعود متكبرا بعد أن كان متكبرا عليه # الرابع تعجبه من رتبة خص بها غيرة كقول بعض الكفرة ما أنتم إلا بشر مثلنا ~~تعجبا من تخصيص بشر مثلهم بمزية الرسالة # الخامس خوف فوت المقاصد وتختص بمتزاحمين على مقصود واحد كالغزاة ~~والتلاميذ وخواص الملوك ونحوهم # قال البلالي وأما الغبطة ومحبة نهاية لا تدرك فحسن # السادس حب الانفراد بالرياسة بحيث إذا تختص بصفة كمال وسمع في أقصى ms286 ~~العالم بنظير أحب موته أو زوال النعمة التي بها المشاركة # السابع خبث النفس وردائتها فيشق عليه إذا وصف أحد بفضيلة ويرتاح لذكر ~~رذائل الناس وما هم عليه من النقائض # قال الغزالي فهو أبدا يحب الأدبار لغيره ويبخل بنعمة الله على عباده # تبصرة # قال البلالي مختصرا لكلامه ومنشأ هذه الأسباب حب الدنيا لضيقها فارحم ~~نفسك بنعيم لا زحام فيه وهو معرفة الله تعالى وعجائب ملكوته وبها تدركه في ~~الآخرة ومن قلت فيها رغبته فليس برجل إذ شوقه PageV01P530 بعد ذوقه ومن يذق ~~لم يشتق ومن لم يشق لم يطلب ومن لم يطلب لم يدرك ومن لم يدرك بقي من ~~المحرومين # المسألة السابعة يكفي مما ينفي الحسد أمران # أحدهما عمله بعود ضرره عليه ودنيا ففي الدين بمفارقة الأنبياء والصالحين ~~ومشاركة أعداء الله تعالى بتسخط قضائه وكراهة قسمته لعباده وحب زوالها عن ~~المؤمن ونزول البلاء به مع الوقوع فيه غالبا بالغيبة ونحوها وفي الدنيا ~~بتألمه بتوالي الغموم عليه مما يرى من نعمة على محسودة تمنى محبته بزوالها ~~عنه فتعجل له المحنة الدائمة بغمة وكربه وكمده # الثاني معرفته بنفع المحسود به دنيا ودينا ففي الدين بنقل حسناته إليه إذ ~~هو مظلوم له مما وصل منه إليه وفي الدنيا بمحبته العائدة عليه ولذلك لا ~~يتمنى موته بل طول حياته لكن في غم الحسد وأليم عذابه # قال الشاعر # ( لامات أعداؤك بل خلدوا % حتى يروا منك الذي يكمد ) # ( لا زلت محسودا على نعمة % فإنما الكامل من يحسد ) # المسألة الثامنة قال الغزالي لك في أعدائك ثلاثة أحوال # أحدهما أن تحب مساءتهم بطبعك وتكره حبك لذلك وتود زواله من قلبك وهذا ~~معفو عنه إذ لا يدخل تحت الاختيار أكثر منه PageV01P531 # الثاني وأن تحب ذلك مظهرا للفرح به وهو الحسد المحظور وأن تحسد بقلبك من ~~غير إنكار على نفسك ولكن تحفظ جوارحك عن طاعة الحسد من مقتضاها # الثالث وهو محل الخلاف والظاهر أنه لا يخلو عن إثم بقدر شدة ذلك الحب ~~وضعفه # قلت وبه جزم الشيخ عز الدين قائلا لأن الحسد ms287 من أفعال القلوب وقد يتجوز ~~به إلى آثاره وإنما نهى عنه لأن تمكينه في القلب يحمل على المعاملة بآثاره ~~فيكون تحريمه من باب تحريم الوسائل # المسألة التاسعة قال الشيخ عز الدين الحسد بالقلب ذنب بين الحاسد وبين ~~الرب تعالى لا تقف صحة التوبة عنه على تحليل المحسود بخلاف آثاره فإنها ~~اذاية للمحسود فلا تصح التوبة عنها إلا بالخروج عن عهدتها لأن الضرر ليس ~~بمجرد الحسد وإنما هو بتعاطي آثاره # المسألة العاشرة من الكلمات الحكمية في هذا الخلق # الحسد جرح لا يبرأ # ويحسب الحاسد ما يلقى الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمة وذلا ولا من ~~الملائكة إلا لعنة وبغضة ولا من الخلق إلا خزيا وغما ولا عند النزع إلا شدة ~~وهولا ولا في الموقف إلا فضيحة ونكالا # لا يرتفع الحسد عن أحد إلا لحقته رحمة الناس # والحاسد إذا رأى أداء النعمة قد فعل جميلا لم يرضه إلا أن يكون أفضل ~~أنواع الجميل وليس على فاعل الجميل أن يبلغ أقصى منازله وكل ما أتاه منه ~~فهو محمود عليه الحسود ظالم ظلوم ضعيفة يده عن انتزاع ما حسدك عليه فلما ~~قصرت عنه بعث إليك بأسفه # والغر من المتنعمين يتأذى به كما يتأذى برائحة الثوم الذي لا ينفعه منه ~~PageV01P532 الأطعمة المستطابة والحازم يفرح به ويود زيادته # من أراد أن يشجى حاسده من غير حجة تلحقه فليزدد في الفضيلة التي حسده ~~عليها # المسألة الحادية عشرة من المتعظ به في عود مضرة الحسد على صاحبه ما يحكى ~~أن رجلا كان يغشى بعض الملوك فيقوم بحذاء الملك ويقول أحسن إلى المحسن ~~بإحسانه والمسيء ستكفيه مساويه فحسده رجل على ذلك المقام والكلام فسعى به ~~إلى الملك فقال إن هذا الذي يقوم بحذائك ويقول ما يقول بزعم أن الملك أبخر # فقال له الملك وكيف يصح ذلك عندي قال تدعو به إليك فإذا دنا منك ووضع يده ~~على أنفه لئلا يشم ريح البخر فقال له انصرف حتى أنظر فخرج من عند الملك ~~فدعا الرجل إلى منزله فأطعمه طعاما فيه ms288 ثوم فخرج الرجل من عنده وقام بحذاء ~~الملك فقال أحسن إلى المحسن بإحسانه والمسيء ستكفيه مساويه فقال له الملك ~~أدن مني فدنا منه فوضع يده على فيه مخافة أن يشم الملك منه رائحة الثوم ~~فقال الملك في نفسه ما أرى فلان إلا وقد صدق # قال وكان الملك لا يكتب بخطه إلا جائزة أو صلة فكتب له كتابا بخطه إلى ~~عامل من عماله إذا أتاك حامل كتابي هذا فاذبحه واسلخه واحش جلده تبنا وابعث ~~به إلي فأخذ الكتاب وخرج فلقيه الرجل الذي سعى به فقال ما هذا الكتاب قال ~~خط الملك لي بصلة فقال هبة لي فقال هو لك فأخذه ومضى إلى العامل فقال ~~العامل في كتابه أن أذبحك وأسلخك قال إن الكتاب ليس هو لي الله الله في ~~أمري حتى أرجع إلى الملك فقال ليس لكتاب الملك مراجعة فذبحه وسلخه وحشا ~~جلده تبنا وبعث به ثم عاد الرجل إلى الملك كعادته وقال مثل قوله فعجب الملك ~~وقال ما فعل الكتاب فقال لقيني فلان فاستو هبني إياه فوهبته فقال الملك أنه ~~ذكر لي أنك تزعم أني أبخر قال ما قلته قط قال فلم وضعت يدك على فيك لم ~~أدنيتك وقربتك قال كان أطعمني طعاما فيه PageV01P533 ثوم فكرهت أن تشمه قال ~~صدقت ارجع إلى مكانك فقد كفاك المسيء مساويه # | القاعدة التاسعة عشرة # # | الصبر # وفيه مسائل # المسألة الأولى قال الطرطوشي الصبر زمام سائر الخصال وزعيم الغنم الظفر ~~وملاك كل فضيلة وبه ينال كل خير ومكرمة # قال ابن العربي هو وصف كريم وحظ لمن وهب له عظيم وقد كثر ذكره في الشريعة ~~قرآنا وسنة # قلت قال البلالي ذكره تعالى في خمس وتسعين موضعا من القرآن ولكل موضع ~~بهجة PageV01P534 # المسألة الثانية ما يدل على فضله وجوه هي فوائده أحدهما الثناء من الله ~~تعالى قال عز وجل @QB@ إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب @QE@ قيل كان ~~حبيب ابن أبي حبيب إذا قرأ هذه الآية بكى ثم يقول واعجباه أعطى وأثنى # الثاني البشارة والصلاة والرحمة قال الله ms289 تعالى @QB@ وبشر الصابرين @QE@ ~~إلى قوله ( وأولئك هم المهتدون ) # الثالث الدرجات العلى في الجنة قال الله تعالى @QB@ أولئك يجزون الغرفة ~~بما صبروا @QE@ # الرابع الكرامة العظيمة قال الله تعالى ^ سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبي ~~الدار ^ # الخامس توفية الثواب عليه بغير حساب قال الله تعالى @QB@ إنما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب @QE@ # قال ابن العربي فجعل أجره موازيا لأجر جميع الأعمال لقوله تعالى ^ من عمل ~~عملا صالحا من ذكر و أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير ~~حساب ^ PageV01P535 # السادس استقصاء البصيرة به ففي الصحيح عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ ~~الميزان وسبحانه الله تمل كما بين السماء والأرض والصلاة نور والصدقة برهان ~~والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبائع مع نفسه فمعتقها ~~أو موبقها # السابع أنه خير العطاء من الله تعالى وأوسعه ففي الصحيح عن أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث ومن ~~يتصبر يصبره الله وما أعطى أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر # الثامن اشتماله على نصف الإيمان فعن ابن مسعود رضي الله عنه الصبر نصف ~~الإيمان واليقين الإيمان كله رواه الطبراني موقوفا # قال المنذري وقد رفعه بعضهم # التاسع اختصاص المؤمن بخيره ففي الصحيح عن صهيب رضي الله عنه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عجبا لأمر المؤمن إن أمره PageV01P536 كله له ~~خير وليس ذلك لأحد إلا المؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ~~ضراء صبر فكان خيرا له # العاشر التقوية عليه لهذه الأمة بواردات الإمداد من الله تعالى فعن أبي ~~الدرداء رضي الله عنه قال سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول إن الله ~~أنزل في زبر عيسى إني باعث من بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا الله وإن ~~أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا ولا علم ولا حلم فقال يا رب يكون هذا فقال ms290 ~~أعطيهم من حلمي وعلمي رواه الحاكم # المسألة الثالثة من كمال فضله ماله من فوائد معجلة # الفائدة الأولى الفوز بالنجاة # قال الله تعالى @QB@ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ~~@QE@ # قال الإمام الغزالي معناه من يتق الله بالصبر يجعل له مخرجا من الشدائد # الفائدة الثانية التأييد على الأعداء # قال تعالى @QB@ فاصبر إن العاقبة للمتقين @QE@ # قال ابن العربي يعني الذين اشتغلوا بالله وصبروا على بلاء الله ورضوا ~~بقضاء الله ولم يؤثر فيهم الخروج عن الوطن ولا تعذر الزمن PageV01P537 # الفائدة الثالثة الظفر بالمراد # قال الله تعالى @QB@ وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ~~@QE@ # قيل كتب يوسف في جواب يعقوب عليهما السلام أن آباءك صبروا فظفروا فاصبر ~~كما صبروا تظفر كما ظفروا # وقيل في معنى ذلك # ( لا تيأسن وإن طالت مطالبه % إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا ) # ( أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته % ومد من القرع للأبواب أن يلجا ) # الفائدة الرابعة إمامة الناس والتقديم عليهم # قال الله تعالى @QB@ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا @QE@ # قال ابن عباس رضي الله عنهما لما أخذوا برأس الأمر جعلهم الله رؤساء # الفائدة الخامسة ضمان النصرة به # فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك إذا سألت ~~فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعم أن الأمة لو اجتمعت على أن ~~ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك ~~بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف رواه ~~الترمذي # قال النووي وفي رواية غيره احفظ الله تجده أمامك تعرف إليه في الرخاء ~~يعرفك في الشدة واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك ~~وفي آخره واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا ~~PageV01P538 # قال وهذا حديث عظيم الموقع # المسألة الرابعة يتأكد على السلطان ms291 التخلق بهذا الوصف العظيم لمصالح # المصلحة الأولى حصول ثمرات القوى المعبر عنها به # قال ابن المظفر هو عبارة عن ثلاث قوى قوة الحلم وثمرتها العفو وقوى ~~الكلاءة والحفظ وثمرتها عمارة المملكة وقوى الشجاعة وثمرتها في الملوك ~~الثبات وفي حماتهم الإقدام في المعارك # المصلحة الثانية إبقاؤه به على نفسه عند فوات مقصدها فيرغم أعداءه # قال أرسطو يا اسكندر لا تجزع على ما فاتك فإن ذلك من خواص النساء ~~والضعفاء وأظهر الأدب والمروءة فإنه ينمي مالك ويذل أعداءك # المصلحة الثالثة احتمال تعب التدبير به # قالوا ليس في الأرض عمل آكد من سياسة عامة # وعنه قالوا سيد القوم أشقاهم وطلب الملوك الراحة فحصلوا على التعب # وفي محاسن البلاغة ثلاثة لا غناء للملك عنها رحب الذراع وحسن التثبت ~~والصبر على معاناة الأمور # المسألة الخامسة الصبر نوعان بدني وهو تحمل المشاق PageV01P539 # قال البلالي وربما ذم لتتحمل قادح في الدين من وجع تعلق زواله بالإختيار # ونفساني وهو الصبر عن مشتهى الطبع واقتضاء الهوى فإن كان عن شهوة البطن ~~والفرج فعفة أو القتال فشجاعة أو كظم غيظ فحلم أو في إحتمال نائبه فسعة صدر ~~أو في إخفاء أخر فكتمان سر أو فضول عيش فزهد أو قدر يسير فقناعة أو عن ~~معصية فصبر # قال البلالي لا مدخل فيه للمحاسن # المسألة السادسة ينقسم باعتبار آخر إلى أربعة أقسام صبر على إمتثال ما ~~أمر به واجتناب ما نهى عنه وصبر على ما فات إدراكه من مسرة أو انقضت أوقاته ~~واجتناب ما نهى عنه مصيبة فيما ينتظر من مرجو مرغوب فيه أو يتوقع من محذور ~~مهروب عنه وصبر على ما هو واقع في الحال لما وهو مكروه # قال الطرطوشي وجميع ذلك محمود في ملة وعند كل أمة مؤمنة أو فاجرة # المسألة السابعة وهو من جهة أخرى أيضا أربعة صبر على الطاعة ليحصل ثوابها ~~المرتب على سلامتها من القوادح وعن المعصية ليسلم من شؤمها عاجلا وآجلا ~~وصبر عن فضول الدنيا ليتخلص من الشغل بها في الحال والسمعة في المال وصبر ~~على المحن ms292 والمصائب ليبقى ثوابها موفورا # قال الغزالي فيحصل بالصبر الطاعة والتقوى والزهد والثواب وتفصيل ذلك أمر ~~لا يعلمه أحد إلا الله تعالى PageV01P540 # المسألة الثامنة قال ابن قيم الجوزية الفرق بين الصبر والقسوة أن الصبر ~~خلق كسبي وهو حبس النفس عن التسخط واللسان عن التشكي والجوارح عما لا ينبغي ~~والقسوة غلظة في القلب تمنعه من التأثير بالنوازل الغلطة وقساوته لا لصبره ~~واحتماله # المسألة التاسعة من الكلمات الحكمية في هذا الوصف # الصبر مطية لا تكبو والقناعة سيف لا ينبو # الصبر كفيل بالنجاح الصبر حصن منيع المكان مشيد البنيان الصبر جنة واقية ~~وعزة باقية # الصبر باب العز والجزع باب الذل # السعيد من قمع بالصبر شهوته ودبر بالحزم أمره # بمفتاح عزيمة الصبر يعالج مغاليق الأمور # أفضل العدة الصبر عند الشدة # من صبر نال المنى ومن شكر حصن النعماء # وقد قيل # ( الصبر مفتاح كل خير % وكل صعب به يهون ) # ( فاصبر وإن طالت الليالي % فربما ساعد الحزون ) # ( وربما نيل باصطبار % ما قيل هيهات لا يكون ) PageV01P541 # المسألة العاشرة من أخبار الآخذين بالصبر عند نزول الشدائد ما يحكى أن ~~أنو شروان غضب على وزيره بزرجمهر فحبسه في بيت كالقبر وصفده بالحديد وألبسه ~~الخشن من الصوف وأمر ألا يزداد في كل يوم على قرصين من الخبز وكف من ملح ~~جرش وشيء من ماء وأن تنقل إليه ألفاظه فأقام شهرا لا تسمع له لفظة # فقال أنو شروان أدخلوا إليه أصحابه ومروهم أن يسألوه ويفاتحوه الكلام ~~وعرفوني به فدخل إليه جماعة من المختصين به فقالوا له أيها الحكيم نراك في ~~هذا الضيق والحديد والشدة التي رفعت إليها ومع هذا فإن سحنة وجهك وصحة جسمك ~~على حالهما لم تتغير فما السبب في ذلك فقال أني عملت جوارشات من ستة أخلاط ~~يأخذ منه كل يوم شيئا فهو الذي أبقى على ما ترون فقالوا صفه لنا فعسى أن ~~نبتلى بمثل بلواك أو أحد من إخواننا فنستعمله أو نصفه له فقال # الخلط الأول الثقة بالله عز وجل الثاني علمي بأن كل مقدور كائن الثالث ~~الصبر خير ms293 ما استعمله الممتحن المتعن الرابع أن لم نصبر أي شيء نعمل وما ~~أغنى عن نفسي بالجزع الخامس قد يمكن أن يكون في بشر شر مما أنا فيه السادس ~~من ساعة إلى ساعة فرج # | القاعدة العشرون # # | الشكر # وفيه مسائل # المسألة الأولى يتأكد الأمر بهذا الوصف العظيم لفائدتين # الفائدة الأولى أن دوام النعمة إنما هو بالترديد له وما لم تقيد بعقاله ~~فهي للزوال لقوله الله تعالى ^ أن الله لا يغير ما بقوم حتى PageV01P542 # قلت ولا يدفع ذلك إلا من تحصيل أمرين # أحدهما أن تصريف النعمة في الطاعة متوقفة على معرفة ما هي الطاعة ومتى ~~فات ذلك لم يمكن القيام بحق الشكر # الثاني أن الكفران بتصريف النعمة في المعصية إما بترك الإستعمال جملة أو ~~تعلقها بها مخالفة فالنقدان مثلا إن نفقا في طاعة واجبة أو مندوبة فشكران ~~وإن كنزا تعطيلا لحكمة الإنتفاع بهما فكفران والمعاملة بهما بالربا ~~وانفاقهما في سرف أو محظور أو صوغهما آنية أسوأ في الكفران من مجرد ~~اكتنازها فقط # المسألة الثالثة متعلق الشكر من النعم ضربان # أحدهما ما هو نعمة بنفسه حسبما يرد تقسيمه إن شاء الله والشكر عليهما لا ~~أشكال فيه # الثاني ما يتضمن النعمة كالشدائد والمصائب فقد قال عمر بن الخطاب ما ~~ابتليت ببلية إلا كان الله على فيها أربع نعم إذ لم تكن في ديني وإذ لم تكن ~~أعظم وإذ لم أحرم الرضى بها وإذ رجوت الثواب عليها # قال الغزالي ومنها أنها زائلة وأنها من الله تعالى وأن كانت بسبب مخلوق ~~فإنه لك عليه لا له عليك # قلت وإنها تخفف الذنوب أو تحطمها قالوا فالشكر إنما هو على النعم ~~المقترنة بالشدة لا على مجردها من حيث هي والصبر هو الواجب فيها من تلك ~~الجهة # المسألة الرابعة قال الغزالي النعم قسمان دنيوية ودينية فالأولى ضربان ~~نعمة نفع ونعمة دفع فنعمة النفع الخلقة السوية والملاذ الشهية ونعمة الدفع ~~سلامة النفس من آفاتها الذاتية ووقايتها من المؤذيات الخارجية # والثانية ضربان نعمة توفيق ونعمة عصمة فنعمة التوفيق للإسلام PageV01P544 ~~أولا ثم للسنة ms294 ثم للطاعة ونعمة العصوية عن الكفر أولا ثم عن البدعة ثم عن ~~سائر المعاصي # قال وتفصيل ذلك لا يحيه إلا النعم به سبحانه كما قال @QB@ وإن تعدوا نعمة ~~الله لا تحصوها @QE@ # المسألة الخامسة مراتب الشكر بحسب متعلقة من الإنسان ثلاثة القلب واللسان ~~وسائر الجوارح # قال # ( أفادتكم النعماء في ثلاثة % يدي ولساني والضمير المحجبا ) # فالأولى باعتقاد أن لا نعمة إلا وبدايتها من الله تعالى لقوله عز وجل ~~@QB@ وما بكم من نعمة فمن الله @QE@ أي أيقنوا أنها من الله ومحل ذلك إنما ~~هو القلب # والثانية بترديد الثناء على الله تعالى والإكثار من حمده ويندرج فيه ~~التحدث بنعمة لقوله تعالى @QB@ وأما بنعمة ربك فحدث @QE@ والثناء على ~~الوسائط لحديث من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ومن لم يشكر الناس لم يشكر ~~الله # قلت ومن المبالغة في ذلك ترديده على مجرد الهم بالمعروف وأن حال القدر ~~السابق دونه قال # ( لأشكرنك معروفا هممت به % إن اهتمامك بالمعروف معروف ) # ( ولا ألومك أن لم يمضه قدر % فالأمر بالقدر المحتوم مصروف ) PageV01P545 ~~والثالثة بعمل الصالحات كلها بحسب الأماكن لقوله تعالى @QB@ اعملوا آل داود ~~شكرا @QE@ وفي الحديث قام النبي صلى الله عليه وسلم حتى تقطرت قدماه فقيل ~~له في ذلك قال أفلا أكون عبدا شكورا # تفصيل # قيل لأبي حازم ما شكر العينين قال إذا رأيت بهما خيرا أعلنته وإذا رأيت ~~به شرا سترته قيل فما شكر الأذنين قال إذا سمعت بهما خيرا وعيته وإذا سمعت ~~بهما شرا دفنته قيل فما شكر اليدين قال لا تأخذ بهما ما ليس لك ولا تمنع ~~حقا هو لله قيل فما شكر البطن قال أن يكون أسفله صبرا وأعلاه علما قيل فما ~~شكر الفرج قال كما قال الله تعالى @QB@ والذين هم لفروجهم حافظون إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين @QE@ # قيل فما شكر الرجلين قال إن رأيت شيئا غبطته استعملتهما عمله وإن رأيت ~~شرا كففتهما عن عمله # تمثيل # قيل وأما من شكر بلسانه ولم يشكر بجميع جوارحه فمثله كمثل من له كساء ms295 ~~فأخذ بطرفه ولم يلبسه فلم ينفعه ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر # قال ابن عباد وأجمع العبارات للشكر أنه معرفة بالجنان وذكر باللسان وعمل ~~بالأركان # المسألة السادسة إذا كان العمل بالطاعة شكرا فقصد ما هو من جنس النعمة ~~أدخل في شكرها وأنيب لمقابلتها كمواساة الغني بمعروفه وشفاعة الوجيه عند ~~السلطان ورفع الغدر لذوي الخمول من غير معصية قلت PageV01P546 ينظر إلى هذا ~~المعنى ما يقال أن وظائف التائب إبدال سالف السيئة بما يقابلها من الطاعات ~~كنفق ما في معصية ينفقه عند التوبة في طاعة وأكل حرام بجوع نفسه بكثرة ~~الصيام وناظر إلى مالا يحل يكثر من النظر في المصحف وماش إلى مالا يجوز ~~يردد المشي إلى المساجد وقاتل النفس يديم الجهاد ليقتل نفسا كافرة أو ~~يستشهد وحاضر مجتمعات اللهو والسفاهة يحضر ليقتل مجالس الذكر لأنها مواطن ~~الرحمة # قال الأستاذ أبو سعيد ومن خطه نقلت وذلك ليدخل في قوله تعالى ^ إلا من ~~تاب وآمن وعمل صالحا فألئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ^ فقد فسر بهذا المعنى # المسألة السابعة قال ابن قيم الجوزية الفرق بين التحدث بنعم الله والفخر ~~بها أن المتحدث بالنعمة مخبر عن صفات موهبها ومحض جوده وإحسانه ثناء عليه ~~وشكرا ودعاء إليه بنشر نعمة حتى لا يرجى سواه والفخر بها استطالة على الناس ~~واستعباد لقلوبهم بالتعظيم لأجلها إنتهى ملخصا # المسألة الثامنة من الكلمات في هذا الوصف # الشكر قيد ومفتاح المزيد وثمن الجنة # من شكر قليلا استحق جزيلا # موقع الشكر من النعمة موضع القوى من الضعيف إن وجده لم يرم وإن فقده لم ~~يقم PageV01P547 الشكر غرس إذا أودع سمع الكريم أثمر الزيارة وحفظ العادة # من لم يشكر النعام فأعدده من الأنعام # النعمة عروس مهرها الشكر وثوب صوانه النشر # شكر لألاء بحسن الثناء وشكر الوفاء بصدق الولاء وشكر النظير بحسن الجزاء ~~وشكر من دونك بسبب العطاء # تكملة # هذه الأوصاف العشرون مع ما ضم إليها من مقابل بعضها هم من جملة ما أمر به ~~أو نهي عنه تخليا عن مذمومه وبقي من ذلك كثير ms296 نشير إليه مع ما تقدم مرتبا ~~على أنواع متعلق الخطاب به من القلوب والجوارح والحواس ثم بحسب سرده من غير ~~نظر إلى ذلك الترتيب لتعم الفائدة به عموما وخصوصا والضروري منه في الموضع ~~قد تقدم بيانه # | النوع الأول # # | القلب # وفيه مسألتان # المسألة الأولى في المطلوب به من ذلك تحليا من ذلك وامتثالا وهو جملة ~~العقل العلم الشجاعة العفة الحلم كظم الغيظ العفو الرفق الوفاء بالوعد ~~والعهد السخاء والجود الحزم والدهاء التغافل المداراة التواضع الصبر الشكر ~~التقوى التوبة التوكل الخوف الرجاء المحبة الحكمة الخشية المراقبة المحاسبة ~~التفكر الزهد الحرية الإتباع التثبت في الأمور الفقر إلى الله الغيرة ~~التبتل الخشوع الرضى التفويض الخضوع الحياء الإنابة التورع الإستقامة حسن ~~الخلق القناعة الإعتصام بالله الإتعاظ المسارعة إلى PageV01P548 الخيرات ~~الرعاية الكيس الإحسان محاربة الشيطان اليقين صلة الرحم بر الوالدين ~~الهداية بالسنة الحسنة قصر الأمل النصيحة حسن الظن بالله الحزن على ما فات ~~من الطاعة الفرح بفضل الله وبرحمته محبة الطاعة والإيمان كراهة الكفر ~~والفسوق والعصيان الحب في الله البغض في الله التيقظ الشوق إلى لقاء الله ~~تعالى الحب للمؤمنين مثل ما يحب لنفسه وأن يكره لهم ما يكره لنفسه مجاهدة ~~النفس ذكر الموت وما بعده السرور بطاعة الله الاغتنام بمعصية الله تفريغ ~~القلب عن كل ما سوى الله الصدق الإخلاص النية الصالحة الرأفة الرحمة الشفقة ~~الإيمان المعرفة بما أمر به أو نهى عنه العدل الأخذ بالعفو من الأخلاق ~~الإعراض عن الجاهل الدفع بالتي هي أحسن الإنقطاع إلى الله الإستجابة لله ~~الصفح خفض الجناح للمؤمنين الإعراض عن اللغو ابتغاء الآخرة التزكية اتباع ~~الأحسن الإشفاق هجر الجاهلين تعظيم الله تعالى الرهبة الرغبة الرجوع إلى ~~الله ورسوله عند التنازع الأخبات التسليم لأمر الله تعالى الإيثار # المسألة الثانية في المطلوب به من ذلك تخليا واجتنابا وهو جملة البخل ~~التبذير الجبن الكبر العجب الغضب الحقد الحسد اتباع الهوى حب الدنيا حب ~~الشهوات حب الجاه المضر حب المال الحرص حب المدح كراهة الذم كراهة النصيحة ~~الكفر الشرك به حب المال الطمع ms297 الغرور الغفلة كفر النعمة اتباع الظنون ~~اتباع خطوات الشيطان النفاق الرياء الحمية لغير الله مفارقة الجماعة الفرح ~~بالدنيا الركون إليها الهلع الجزع حب الظلم قبول السعاية الإعراض عن الذكر ~~طاعة من اتبع هواه التكلف اللغو التقطع الإصرار على المعصية الأمن من مكر ~~الله اليأس من روح الله القنوط من رحمة الله الذبح لغير الله التكذيب ~~بالقدر الإبتداع إتباع المتشابه الغلظة الفظاظة نسيان الذنب إتخاذ الكافر ~~وليا سوء الخلق قطع الرحم عقوق الوالدين الصد عن سبيل الله احتقار المسلم ~~القسوة اتباع غير سبيل المؤمنين الحيل في الدين البداية بالسنة السيئة خوف ~~الفقر الجفاء الشماتة PageV01P549 بالمسلم حب القيام إليه السخط الطيش ~~إرضاء الناس بسخط الله الإصرار على المحقرات الغفلة عن العيب تفضيل الغنى ~~الإهتمام بالدنيا حب العلو التطير حب الأشرار التنافس الإنس بغير الله طول ~~الأمل العبادة على حرف المداهنة الجور إتباع السبيل الضالة السرف الإقتار ~~الإثم الرضا بالدنيا من الآخرة التفرق في الأهواء شيعا البغي اتباع الهوى ~~من غير نظر الطغيان الغدر نقض العهد الاشراك في العبادة اتباع الشهوات ~~الإجرام العدوان اللهو الإستهزاء بآيات الله العجلة تزكية النفس الشح السهو ~~عن الصلاة منع المرافق اشتراء الثمن القليل بآيات الله لبس الحق بالباطل ~~الإلقاء باليد إلى التهلكة الحمد بما لم يفعل الترفع عن الحكم الله الرضى ~~بحكم الطاغوت الوهن للأعداء مشاقة الله ورسوله التعاون على الإثم والعدوان ~~إضمار غش الرعية المكر قلة الرحمة لله الجبرية على الخلق الخروج عن الطاعة ~~صحبة الجاهل إعانة المبطل عدم قبول الغدر كراهة الموت ترك العدل بين ~~الزوجين الإتكال على غير الله التسويف بالتوبة # | النوع الثاني # # | اللسان # وفيه مسائل # المسألة الأولى في المطلوب به ذلك تحليا وامتثالا وهو جملة الصدق الصمت ~~الأمر بالمعروف وانهي عن المنكر طيب الكلام زجر المضلين الإغلاظ في الله ~~الاستعاذة بالله عند نزغ الشيطان القيام بكلمة الله القيام بالشهادة ~~الإصلاح بين الناس تعليم الجاهل التذكير إرشاد الضال التحدث بالنعم الذكر ~~تلاوة القرآن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء قول المعروف ~~الإستغفار ms298 الدعاء للأخ بظهر الغيب الدعاء إلى سبيل رب العالمين الآذان ~~والإقامة القنوات التسمية عند الطعام إفشاء السلام رد السلام الدعاء للمريض ~~الدعاء للمؤمنين إجابة المؤذن والمقيم الشفاعة بأديب الأولاد سؤال العافية ~~التلفظ PageV01P550 بكلمتي الشهادة الحكم بالقسط تصديق من يجب تصديقه أمر ~~الأئمة بما يأمرون به الأمة تعليم العلوم الشرعية حمد الله أقوال الصلاة ~~أقوال الحج التبشير التهنئة المشورة تبين الكلام للخاطب قول من دعى إلى ~~الحاكم أو المفتي سمعا وطاعة ونحو ذلك الدلالة على الخير الإقتصاد في ~~الموعظة والعلم اعتذار من أهديت إليه هدية فردها لموجب شرعي الدعاء لصاحب ~~المعروف التبري من أهل البدع والمعاصي مخاطبة ذوي الفصل بكناهم الأستيذان ~~في قراءة كتب الرسائل الإذكار المشروعة في العبادات والعادات # المسألة الثانية في المطلوب به من ذلك تخليا واجتنابا وهو جملة الكذب ~~الغيبية النميمة اليمين الغموس القذف الحكم بغير ما أنزل الله شهادة الزور ~~البهتان سب الوالدين الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم سب الصحابة رضي ~~الله عنهم الإنتساب إلى غير الأب تولى العبد غير مواليه الحيف في الوصية ~~النياحة التأله على الله فضيحة المسلم الزيادة في كتاب الله التحدث بما يظن ~~أنه كذب الهجو إفشاء السر الوعد الكاذب كلام ذي الوجهين الدعاء إلى البدعة ~~المن تنفيق السلعة باليمين الكاذبة جحد الحق الغناء المحظور انتهار الفقير ~~اللعن الهمز اللمز الفجر الطعن الفحش السعاية قول هلك الناس قول مطرنا بنوء ~~كذا فهو يهودي أو نصراني أن يقال لمسلم يا كافر قول اللهم أسلبه الإيمان ~~قول العبد ربي سب الحمى سب الدهر سب المسلم دعوى الجاهلية الحلف بغير أسماء ~~الله الأخبار بالمعصية إفساد المرأة على زوجها أن يقال في المكوس حق ~~السلطان الشفاعة في باطل المرأة الجدال التقعير في الكلام الكلام فيما لا ~~يعني الإكثار من الشعر انتهار الوالدين الخصومة المزاح المحظور السخرية لبس ~~الحق بالباطل رمى البريء بالذنب سؤال المرأة الطلاق من غير عذر كثرة الكلام ~~البخس الجهر بالسوء من القول الأمر بالمنكر النهي عن المعروف التشدق بتكليف ~~السجع قول ما ms299 شاء الله وما شئت PageV01P551 وليقل ما شاء الله ثم ما شئت ~~إضافة الشر إلى الله تعالى قول عبدي وأمتي إطلاق الكرم على العنب قول شاه ~~شاه أي ملك الملوك سؤال المغفرة للكافر أن يقال للمسلم يا كلب ونحوه تناجي ~~اثنين معهما ثالث وحده بغير إذنه وصف المرأة حسن أخرى لنحو زوجها دون حاجة ~~شرعية سؤال الرجل فيم ضرب امرأته تذكير من غضب بالله ورسوله السؤال بوجه ~~الله غير الجنة التحدث بكل ما سمع سؤال العامي عن العلوم الغامضة التحدث مع ~~الناس بما لا يفهمون نقل الحديث إلى ولاة الأمور سب الرب سب الدين كثرة ~~الحلف في البيع ونحوه وإن كان صادقا الحديث بعد الصلاة العشاء الآخرة إلا ~~لمسوغ شرعي تسمية العشاء الآخرة العتمة والمغرب العشاء القراءة بالألحان ~~التنبز بالألقاب الخوض فيما شجر بين السلف الصالح استطالة الرجل في عرض ~~أخيه تحريف الكلم عن مواضعه جحد الوديعة كتم العلم الكلام على الخلا الدعاء ~~على النفس والولد كتم الأمر مسألة الناس إفشاء السر بين الزوجين # | النوع الثالث # # | الأذنان # وفيه مسألتان # المسألة الأولى في المطلوب به من ذلك مما عليه استماعه وهو جملة أمور ~~قراءة القرآن الخطب الموعظة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الآذان ~~الشفاعة الشكر النصيحة الوصية التعليم الدعاوى البينات الأقارير الشهادات ~~إنشاء التصرفات # المسألة الثانية في المنهى عنه من ذلك فما عليه ترك استماعه وهو أيضا ~~جملة أشياء كلمة الكفر الهجاء القذف حديث قوم وهو له كارهون الملاهي ~~الممنوعة الغناء المحظور كلام المرأة المتلذذ بها وكذلك PageV01P552 الأمر ~~الذي يخشى فيه ذلك الكذب الغيبة النميمة السعاية الأمر بالمنكر النهي عن ~~المعروف اللغو البدعة القصص المذموم الباطل من القول الكلام في الفتنة ~~حكاية ما شجر بين السلف # | النوع الرابع # # | البصر # وفيه مسألتان # المسألة الأولى في المطلوب به من ذلك مما عليه النظر إليه وهو جملة ما ~~يعتبر به من ملكوت الأرض والسماء الحراسة في سبيل الله تعالى حراسة الأجير ~~الكعبة المصحف كتب العلم الخطب ما يجب النظر إليه لإثبات حق أو إسقاطه حكما ms300 ~~أو شهادة النظر لكتب الرسائل ونحوه الهلال دلائل القبلة علامات أوقات ~~العبادات # المسألة الثانية في المنهي عنه من ذلك مما عليه ترك النظر إليه وهو جملة ~~الأجنبية في الشهوة وكذا الأمرد العورة زهرة الحياة الدنيا ما يبصر منه عند ~~الجلوس على الطريق ما يرى منه عند التطلع على مستتر # | النوع الخامس # # | اليدان # وفيه مسألتان # المسألة الأولى في مطلوبهما من ذلك فعلا وهو جملة إقامة الحدود جهاد ~~العدو تغيير المنكر بهما إذا أمكن إنقاذ الهلكى كتب ما يجب كتبه قتل الوزغ ~~الرفع في التكبير ووضعهما على الركب في الركوع مباشرة الأرض بهما في السجود ~~استلام الحجر الأسود التعزير بسطهما لكل ما PageV01P553 في مصلحة البداية ~~يغسل يمناهما في الطهارتين المصافحة الرفع في الدعاء الإشارة بسبابة ~~يمناهما في التشهد الرمي في سبيل الله تقديم يمناهما في مباشرة ما هو شريف # المسالة الثانية في مطلوبهما من ذلك تركا وهو جملة القتل الغلول السرقة ~~الغصب غصب الأرض الهدية للأمراء قاتل نفسه قتل ولده منع الزكاة استعمال ~~أواني الذهب والفضة الضرب بالسياط ظلما التصوير منع وهات وأد البنات منع ~~المرافق لطم الوجوه شق الجيوب الوشم وصل الشعر التنحص التفلج قطع الأعضاء ~~الحرابة تعذيب الناس ترويع المسلم بالسلاح تغيير منازل الأرض تعدي ضرب ~~المملوك النرد الشطرنج القمار الميسر النهبة نتف الشيب وسم الدواب المثلة ~~بالحيوان منع فضل الماء بالغلاة لمس الأجنبيات كتب مالا بجوز كتبه نقص ~~المكيال والميزان الصيد في الحرم الإشارة بهما إلى السلام مدهما إلى كل ~~باطل المثلة بالعبد # | النوع السادس # # | الرجلان # وفيه مسائلتان # المسألة الأولى في مطلوبهما من ذلك فعلا وهو جملة القيام في الصلاة السعي ~~إلى الجمعة الخروج إلى الصيد الذهاب لصلاة الجماعة المشي إلى الحج والعمرة ~~زيارة النبي صلى الله عليه وسلم الخروج إلى الجهاد والرباط الهجرة عيادة ~~المريض تشيع الجنائز زيارة الإخوان زيارة القبور إجابة الدعوة الرحلة في ~~طلب علم تقديم بينهما في السعي لما هو شريف المشي بهما إلى كل ما هو مطلوب ~~شرعا # المسألة الثانية في مطلوبهما من ذلك ms301 تركا وهو جملة الفرار من الزحف ~~الأباق إسبال الزار كبرا ترك الهجرة ترك الخروج إلى الجهاد الواجب رجوع ~~المهاجر على عقبيه الفرار من الطاعون الدخول على الظالم PageV01P554 المشي ~~المبتدع تلقى الركبان المشي في الأرض مرحا التخطي يوم الجمعة إتيان الكهان ~~السفر الممنوع ركوب البحر عند ارتجاجه التبختر في المشي خروج المرأة متعطرة ~~كاسية الخروج من المسجد بعد الآذان بغير عذر المشي إلى الجليس السوء إتيان ~~المسجد وقد أكل ثوما دخول المواضع المحجورة بغير إذن القيام للداخل في ~~الجمعة تأخر الرجل عن الصف الأول الجلوس على القبر دخول الحمام بغير مئزر # | النوع السابع # # | الفرج # وفيه مسألتان # المسألة الأولى في مطلوبه من ذلك فعلا وهو جملة العفة الستر له الإستبراء ~~الختان تعاهد الزوجة والسرية بالوطيء لنفعهما # المسألة الثانية في مطلوبه من ذلك تركا وهو جملة الزنا مزاناة حليلة ~~الجار نكاح القرابة القريبة كالأمهات والأخوات اللواط ترك التنزه عن البول ~~تكشفه الواطىء في الحيض وطء البهيمة الإستمناء المساحقة وطء الرجعية قبل ~~شروطه البول في المغتسل البول في المسجد التخلي في الموضع المنهي عنه # | النوع الثامن # # | البطن # وفيه مسألتان # المسألة الأولى في مطلوبه من ذلك فعلا وهو جملة أكل الحلال أكل ما يقيم ~~البنية أكل ما يستحب أكله شرب ما يستحب شربه # المسألة الثانية في مطلوبه من ذلك تركا وهو جملة أكل الحرام أكل الربا ~~أكل مال اليتيم أكل المال بالباطل هدايا الأمراء شرب الخمر شرب الدم شرب ~~السم شرب كل مسكر أكل الرشوة على العلم الأكل PageV01P555 بالمسلم ~~والاكتساب به أكل الرشوة على الحكم بالباطل أكل الحشيشة أكل الخنزير أكل ما ~~أهل به لغير الله أكل ما يضر أكل ما حرم شرعا أكل المتشابه # جامع تحصيل # لما يطلع على كثير من الأوامر والنواهي لا باعتبار هذا الترتيب وأن رجع ~~في المعنى أليه # وفيه مسألتان # المسألة الأولى في الأوامر وهي جملة الطهارة الصلاة الصيام الحج الزكاة ~~إطعام الطعام سقي الماء طلب الحلال طلب العلم الصحبة في الله العزلة عمل ~~الصالحات السماحة في البيع النكاح العدل ms302 بين الزوجات الضيافة طلاقة الوجه ~~حفظ الأمانة شكر المعروف مواساة ذوي القربى وإقالة النادم الورع الاقتصاد ~~في الإنفاق قيام الليل الإقراض إرضاء صاحب الدين قضاء الحوائج إدخال السرور ~~على المؤمنين البكاء بناء المساجد الاقتصاد في طلب الرزق العتق الكتابة ~~الصدقة الهبة الإعارة كفالة اليتيم السواك الاستمداد نتف الإبط النظافة ~~الاقتصاد في اللباس # المسألة الثانية في النواهي وهي جملة ترك الصلاة بلا عذر إخراجها عن ~~وقتها اختيارا ترك الحج مع القدرة الدياثة على الأهل القيادة على الأجنبية ~~الفطر في رمضان بلا عذر السحر الكهانة التنجيم ترك الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر لقادر كثرة الضحك بلا سبب الضحك لخروج الريح الهجر فوق ثلاث بلا ~~عذر إمامة منكره لعيب العبث في الصلاة التغوط بالفضاء مستقبل القبلة ~~ومستدبرها تنجيس محترم بلا عذر قبلة الصائم للشهوة وصال الصائم الخلوة ~~بالأجنبية تمنع المرأة عن زوجها بلا سبب البيع على بيع أخيه والسوم والخطبة ~~ما لم يأذن فيه بيع حاصر لباد الاحتكار كشف العورة بخلوة بلا حاجة الغش ~~الخديعة الخلابة PageV01P556 بيع المسلم المصحف أو كتاب علم شرعي لكافر سوء ~~العشرة مع الزوجة والصاحب إذاية الجار إمام الضلالة اتباع الصدقة بالمن ~~والأذى والخيانة والتجسس تتبع عورات المسلمين قلة إكرام الحر تشبه الرجل ~~بالمرأة وبالعكس الإلحاد في الحرم الشعر ونحوه في المسجد ترك قراءة القرآن ~~نسيانه بلا عذر الضرار سفر المرأة بلا زواج أو أن يقوم مقامه التطاول في ~~البنيان تأخير الغسل بلا عذر الالتفات في الصلاة التدابر التباغض فساد ذات ~~البين اقتناء الكلب بلا مسوغ اقتناء أواني الذهب والفضة ترك الأسباغ في ~~الوضوء الصلاة على النعاس وبكل مشغل استصحاب الكلب والحرس إخافة بأهل ~~المدينة المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى التسليم ترك العدل بين ~~الزوجات البصاق في المسجد ونحوه إضاعة الأهل إضاعة المال النوم على الوجه ~~من غير عذر لباس الرجال الحرير مرافقة المجذوب # تتمة في تنبيه # الطلب الوارد في هذه الخصال أمرا ونهيا عدا ما هو منها في أعلى درجات ~~الوجوب أو تحريم ليس على وزان واحد ms303 في كل فرد منها في أعلى درجات الوجوب أو ~~التحريم ليس على وزن واحد في كل فرد منهما لوروده مطلقا من غير تحديد ولذلك ~~يوجد في المأمون به الواجب والمندوب وفي المنهي عنه المحرم والمكروه وحكمة ~~مجيء الطلب بها كذلك ليزن المؤمن أوصافه المحمودة والمذمومة فيخاف ويرجو ~~فإذا وجد نفسه إذا وزنها في ميزان العدل مثلا معتقدا أن أقصاه الإقرار ~~بالنعم لصاحبها وردها إليه مع الشكر عليها وهو الوفاء بالإيمان وخصلة ~~البراءة من الكفر وتوابعه متصفا بذلك قوى رجاءه مع الخوف التقصير عن تلك ~~الغاية لعجزه عن توفيه حق الربوبية في الجملة وأولى في التفضيل كالعدل بين ~~الخلق إن كان حاكما وفي نفسه وأهله وولده حتى في البدء بالميامن في لباس ~~النعل ونحوه وكذا في ضده وهو الظلم فاعلا الشرك بالله وأدناه في التفصيل ~~البدء بالمياسر وكذا سائر الأوصاف وأضدها فلا بد يزال المؤمن في نظر ~~واجتهاد في هذه الأمور حتى يلقى الله تعالى وهو على ذلك نبه على هذا الأصل ~~الشيخ أبو اسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى ورضى عنه PageV01P557 # ثانيا قال تعالى @QB@ والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب ~~المحسنين @QE@ # قال الطرطوشي فأوجب تعالى محبة للعافين وأثنى عليهم بالإحسان # الفائدة الثانية استعطاف الخلق لطلب التخلق به إلى مثل ما يحبون من ~~خالقهم معهم قال الله تعالى @QB@ وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله ~~لكم @QE@ # وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال ارحموا ترحموا اعفوا يعف عنكم # الفائدة الثالثة عز الله تعالى وذلك من أعظم مطالب الملك # ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ما أنقصت صدقة من مال وما زاد ~~الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله عز وجل # المسألة الرابعة مع ظهور هذه الفضيلة العفو والإنتقام بعد جائز كما صرح ~~به في قوله تعال ^ ى ولمن انتصر بعد ظلمة فأولئك ما عليهم من سبيل ^ # ابن العربي لما علم الله تعالى ms304 من عباده أن منه من لا يملك نفسه ولا يبلغ ~~حزمه هذه الخصلة فإذن له في النقمة ورخص له في المكافأة على سبيل العدل ~~والقسط PageV01P667 الكتاب الثالث # فيما يطالب به السلطان تشييدا لأركان الملك وتأسيسا لقواعده وفيه مقدمة ~~وبابان # فالمقدمة في التحذير من محظورات تخل بذلك المطلوب شرعا وسياسة # والباب الأول في جوامع ما به السياسة المطلوبة من السلطان ومن يليه # الباب الثاني في واجبات يلزم السلطان سياسة القيام بها وفاء بعهدة ما ~~تحمله # | المقدمة # # | في التحذير من تلك المحظورات # وهي جملة # | المحظور الأول # # | اتباع الهوى # ويظهر ذلك باعتبارين # الاعتبار الأول ما يدل على ذمه في الجملة ويكفي من ذلك أمران # أحدهما مضادته للحق من حيث هو قسيم له # قال تعالى @QB@ وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى @QE@ PageV02P009 # قال الشيخ أبو إسحاق الشاطبي فقد حصر الأمر في شيئين الوحي وهو الشريعة ~~والهوى ولا ثالث لهما وإذ ذاك فهما متضادان # الثاني وهو من لوازم ذلك كونه أصل كل شيء وقع في الوجود # قال الغزالي إذا نظرت وجدت أصل كل فتنة وفضيحة وذنب وآفة وقعت في خلق ~~الله تعالى من أول الخلق إلى يوم القيامة من قبيل هوى النفس مستقلة أو ~~معينة # الاعتبار الثاني ما يشهد بذلك بحسب السلطان ويكفي من ذلك أيضا أمران # أحدهما أن القصد بالسلطان كما تقدم حفظ مصالح الاجتماع المدني لنوع ~~الإنسان وقد علم بالتجربة أنه لا يحصل مع الاسترسال في اتباع الهوى لما ~~ينشأ عنه من التضاد العائد على الوجود بفساد النظام قال تعالى @QB@ ولو ~~اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن @QE@ # الثاني أن العقوبة عليه متوعد بها عاجلا أو آجلا قال تعالى @QB@ يا داود ~~إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن ~~سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب ~~@QE@ فالإضلال عن سبيل الله عقوبة عاجلة والعذاب الشديد عقوبة آجلة ~~PageV02P010 # اعتراف حكى الرشاطي أن أسعد تبع بن كلكوت ولى رجلا ms305 من أقاربه بعض نواحي ~~اليمن فأتاه عنه ما يكره من الشكايات فأذن للناس كافة فأخذوا مراتبهم في ~~مجلس فشا خبره فقال أما أنا لم أوله إلا عن يد كانت له عندي وهوى كان لي ~~فيه وقرابة كانت بيني وبينه وهو مع ذلك حدث ومع الحداثة مترف لم تغنه ~~التجارب ولم تهنه المصائب فأف للهوى ثم أف له ما أقبح إمارته وانطر أخباره ~~وأظهر ضعف صاحبه وأشهر سخف راكبه واغبط طاعته وأحلى متابعته وأمر عاقبته ~~لقد أضلني عن سواء السبيل وكلفني حمل أمر ثقيل وأوقعني بينقال وقيل وألبسني ~~ثوب غم طويل # ثم قال أين هذا الكاتب فقال ها أنا ذا أبيت اللعن قال أكتب باسمك اللهم ~~من الملك المغرور بملكه الموقن بهلكه المأخوذ بذنبه المرتهن بكسبه العاصي ~~لربه الذي يحسب أنه قد أهمل وأنه لذلك استعمل جهالة منه بقدره واغترارا منه ~~بعذره # أما بعد فإن الله لم يولنا أمر عبادنا إنما ولانا أمر عباده ولم ~~PageV02P011 # فكتب إليه تبع لقد أنبأتني عنه بأشياء ما يحسن منها شيء ولا ينشر منها طي ~~ولا يوصف منها غي ولا يكشف منها عي إلا والتجبر شر منه لأن صاحبه يريد ~~العزة وليست العزة إلا لله # وليست لغير الله إلا عزة بذلة ألا ترى أنه بكل حبل يخنق وبكل سهم يرشق ~~ويبغضه من لم يعرفه ويؤذيه من لا يسوءه ويلعنه من لم يسمع به # وحسبه بهذا حقرة وكفى بها عليه سيئة فإنما استكبر ابتغاء العزة فلم يزده ~~الكبر إلا ذلة ولم تزده الذلة إلا قلة لو عقل لما استكبر ولو وفق لما تجبر ~~وقد رأى نفسه من ضيق فهو يرى كل الضيق وما يشوبه من الأقذار وما يدوسه من ~~الأشرار # وكتب إلى العامل كتاب موعظة وتأنيب وعزله وكان في بعض كتابه إليه إن لم ~~أكن أثبت في عهدي إليك وكتبت في عقدي عليك أنك عامل ما علمت بالحق فإذا لم ~~تعمل به فأنا بريء مما تعمل وأنت من ولايتي بريء ما خالفت الحق وإني لا أقر ~~أمرا ms306 إلا ما أقرته الرعية ولا أستعمل إلا من استعملته فإن أحسن فأنا أسعد ~~به وإن أساء فهم استعملوه وهم أشقى به وقد عزلناك بما أعملتك وبالنظر مني ~~إليك والإبقاء مني عليك خلعتك لأنه ليس مع البغضاء خير ولا مع الشحناء صبر ~~ولا مع الشكوى سلام والسلام انتهى PageV02P012 # ينزلنا بعض بلادنا وإنما أنزلنا بعض بلاده ولم يأمرنا أن نسيء بعبده فكيف ~~يحسن للعبد أن يسيء إلى عبد مثله وما أرى النعمة عند أحد أوفر منها عندنا ~~أهل البيت ولا الشكر على أحد أوجب منه علينا ولست أرجو الله بقبيح المعصية ~~إنما أرجوه بحسن الطاعة وقد أريتني بعض ما تصنع وسأريك بعض ما أصنع وأتاني ~~عنك بعض ما أكره ولن ترى إلا مثله وقد بعثت إليك الغوث بن غياث وأمرته ~~بإيقافك للناس ومجازاتك ما أفرطت حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة وما أريد ~~إلا الحق فإن جاوزته فأنا أحق بالعقوبة منك ولأن ألقى الله وأنت ساخط بما ~~أصنع وهو راض به أحب إلي من أن ألقاه وقد أسخطته وأنت عني راض # فلما انتهى الغوث إلى العامل أقامه الناس فإذا الذي قيل عنه باطل وإذا ~~العامل عنه غافل وذلك أنه كان صحيحا في أمره لا يأخذ فيه إلا بالشدة ولا ~~يعرف إلا بالصحة وكان الغوث ذا دهاء ونظر فقال والله لأنظر من أين هذه ~~الشكوى التي ليس لها أصل يوصف ولا فرع يعرف # فسأل عن العامل في السر من يخبر أمره فأخبروه بأنه مملوء كبرا وأنه لا ~~ينطق إلا نزرا ولا ينظر إلا شزرا كأن له عليهم منة أو بينه وبينهم احنة ~~فقال الغوث من ها هنا أتى وكتب إلى تبع يعلمه بذلك وأعلمه أنه أطلق عليه ~~الألسن وأشخص إليه الأعين وألب عليه الناس # فأتوه من كل أوب يقذفونه بكل عيب فلم يثبت عليه من ذلك كثير يعذب عليه ~~ولا قليل يعزل فيه سوى تكبر قد مقت له وتجبر قد عيب به وفظاظة قد أحنقت بهم ~~عليه فأجمعوا له على البغض فسبوه سرا ومقتوه ms307 جهرا ونسبوه في كل أمر إلى ~~غاية الفحشاء PageV02P013 # وقد تضمنت الحكاية استدراك ما أوقع فيه الهوى بعد الاعتراف بتعدد جناياته ~~مع الموعظة البليغة والتنبيه على سوء عاقبة الكبر والتجبر PageV02P014 # | المحظور الثاني # # | الترفع عن المداراة # وذلك لموجبين الموجب الأول أنه سنة بدليلين # أحدهما ما في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت استأذن رجل على النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال ايذنوا له بئس أخو العشيرة فلما دخل ألان له القول ~~فقالت يا رسول الله قلت الذي قلت ثم ألنت له الكلام قال يا عائشة إن شر ~~الناس من ودعه الناس اتقاء فحشه # الثاني ما روى عن أبي الدرداء رضي الله عنه عنه أنه قال إنا نكشر في وجوه ~~أقوام وقلوبنا تلعنهم قال ابن العربي هذا على زهده وصرامته في الحق # قلت ومن هذا المعنى قوله # ( وكم من يد قبلتها عن ضرورة % وكان اختياري قطعها لو أمكن ) PageV02P015 # ( ولكن على حلو الزمان ومره % أداري عدوي بالتي هي أحسن ) # وقال آخر # ( إن سولت نفسي إلي دنية % وأطعتها ما عن رضاي أطعتها ) # ( كم من يد قبلتها ولو أنني % مكنت منها ساعة لقطعتها ) # وقال آخر # ( إذا ما عدوك يوما ما سمى % إلى حالة لم ترد نقضها ) # ( فقبل ولا تأنفن كفه % إذا أنت لم تستطع عضها ) # الموجب الثاني أن تخلق السلطان بما يعود عليه بفوائد لا يسعه إهمال ~~العبرة بها منها ما أشار إليه أفلاطون بقوله استعمل المداراة في قوة سلطانك ~~فإنها تؤنسك في زمان خوفك وتملكك قلوب المنحرفين عنك # قلت ويظهر منه أن استعمالها عند ضعف الملك أولى وأوجب فائدة PageV02P016 # قال العلماء المداراة سنة والمداهنة معصية قال ابن قيم الجوزية والفرق ~~بينهما أن المدارى يتلطف بصاحبه حتى يستخرج منه الحق أو يرده إليه أو عن ~~الباطل والمداهن يتلطف به ليقره على الباطل ويتركه على هواه قال فالمداراة ~~لأهل الإيمان والمداهنة لأهل النفاق # تمثيل وقد ضرب لذلك مثلا مطابقا وهو رجل به قرحة عرف حالتها الطبيب ~~المداري الرفيق فلينها حتى نضجت ثم بطها برفق ثم وضع ms308 عليها المرهم حتى منع ~~فساد موضعها ونبت فيه اللحم ثم رد على ما نبت منه ما نشفت الرطوبة عنه إلى ~~أن تم برؤها والمداهن يقول لصاحبها لا بأس عليك هي لا شيء فأله عنها فلم ~~تزل ما دتها تقوى وتستحكم حتى عظم فسادها انتهى # | المحظور الثالث # # | قبول السعاية والنميمة # ويتضح ذلك من جهات # الجهة الأولى حقيقة النميمة # قال الغزالي كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه أو ~~كرهه ثالث أو سواء كان الكشف بالقول PageV02P017 # أو الكناية أو بالرمز أو بالإيماء أو نحو ذلك وسواء كان المنقول قولا أو ~~عملا عينيا أو غيره # قال فحقيقتها إفشاء السر وهتك الستر مما يكره كشفه # قلت واختصره البلالي بقوله نقل مكروه ليفسد # قال وضابطها كشف ما يكره من شيء بكل ما يفهم # الجهة الثانية حكمها وهو التحريم قال النووي وقد تظاهرت بذلك الدلائل ~~الصريحة من الكتاب والسنة والإجماع # قلت ويغنى عن ذلك أمران # أحدهما النهي عن طاعة صاحبها في المنقول مع المبالغة في ذمه قال الله ~~تعالى ^ ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم منا للخير معتد أثيم عتل بعد ~~ذلك زنيم ^ قال الطرطوشي ذكر الله تعالى أصناف أهل الكفر والإلحاد والتثليث ~~والفسق والظلم وشبههمفلم يسب تعالى واحدا منهم إلا النمام بهذه الآية قال ~~وحسبك بها خسة ورذيلة وسقوطا وضعة # قلت ولقائل أن يقول السبب بهذه المثالب ليس لمجرد النميمة فقط بل لأن من ~~نزلت فيه الآية كان متصفا بها فمن ثم سبب الجميع تنفيرا عن متابعة ~~PageV02P018 # الثاني منعه من دخول الجنة مع التعذيب عليها في القبر ففي الصحيحين عن ~~حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يدخل الجنة ~~نمام وفيهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مر بقبرين فقال إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير قال في رواية البخاري بلى ~~إنه كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستبري من ~~البول قال ms309 النووي من العلماء معنى وما يعذبان في كبير أي كبير في زعمهما ~~وكبير تركه عليهما # الجهة الثالثة فضيحتها لصاحبها بدلالتها على خبث أصله ورداءة عنصره قال ~~ابن حزم ما في جميع الناس شر من النمام وإن النميمة لطبع يدل على نتن الأصل ~~ورداءة الفرع وفساد الطبع وخبث النشأة # قلت حكى الطرطوشي عن القدماء لا يكون نمام إلا وفي نسبه شيء قال وعن أبي ~~موسى الأشعري رضي الله عنه لا ينم على الناس إلا ولد بغي PageV02P019 # قال ولما سعى رجل بآخر إلى بلال بن أبي بردة وكان أمير البصرة قال له ~~انصرف حتى اكشف عنك فكشف عنه فإذا هو لغير رشدة يعني ولد زنى # قلت وإن صح أن الزنيم في قوله تعالى @QB@ بعد ذلك زنيم @QE@ هو الدعي ~~الذي لا يعرف أبوه كما قيل فيمن سب بذلك في الآية الكريمة فهو من شواهد ذلك ~~وأوضح بيناته # الجهة الرابعة مفاسدها في الجملة كثيرة يكفي منها اثنتان # أحدهما إفساد المحبة بها بين الناس ففي الحديث خيار عباد الله الذين إذا ~~رؤوا ذكروا الله وشرار عباد الله المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة ~~الباغون البراء بالعيب # الثانية حصول المضرة بها في أقرب زمان قال أكثم بن صيفي لبنيه # إياكم والنميمة فإنها نار محرقة وإن النمام ليعمل في ساعة ما لا يعمل ~~الساحر في شهر PageV02P020 # قيل في معناه # ( إن النميمة نار ويك محرقة % فعد عنها وجانب من تعاطاها ) # الجهة الخامسة مضارها باعتبار السلطان ويكفي من متعمد ذلك مضرتان # المضرة الأولى إذاية من سعر به إليه في النفس فما دونها ومن ثم جعلها ~~الطرطوشي مهلكة # قال لأنها تجمع إلى مذمة الغيبة ولؤم النميمة والتغرير بالنفوس والأموال ~~والقدح في المنازل والأحوال وتسلب العزيز عزه وتحط الحكيم عن مكانه والسيد ~~عن مرتبته # المضرة الثانية وهي أدهى من ذلك وأمر لعودها بخراب ملكه وانتقاض الأمر ~~عليه متى كانت فيما هو من طريق ذلك # قال ابن حزم ما هلكت الدول ولا انتقضت الممالك ولا سفكت الدماء ظلما ولا ~~هتكت الأستار بغير النمائم ms310 والكذب ولا أكدت البغضاء إلا بهما ثم لا يحظى لا ~~بالمقت والخزي والذل # الجهة السادسة مشاركة سامعها في معصية السعي بها إليه قال تعالى @QB@ ~~سماعون للكذب أكالون للسحت @QE@ PageV02P021 # قال الطرطوشي فشرك سبحانه بين السامع والقائل في الذم بسببها على أن سامع ~~النميمة نمام في الحكم # قلت بل يزيد عليه باعتبار آخر كما يروى عن الفضل بن سهل أنه وقع على ظهر ~~كتاب بسعاية نحن نرى قبول السعاية أشد من السعاية لأن السعاية دلالة ~~والقبول إجازة وليس من دل على شيء كمن قبل وأجاز لأن من فعل شر ممن قال # الجهة السابعة ما على سامعها من الوظائف العاصمة له من المشاركة في ~~المعصية ما قال البلالي على سامعها أن جهل كونها نميمة أو نصحا أن يتوقف ~~حتما فإن تبين أنها نميمة فعليه أن لا يصدقه لفسقه بها ثم ينهاه عنها ~~وينصحه ثم يبغضه في الله تعالى ما لم يتب ولا يظن بأخيه الغائب سوءا أو ~~يحرم بحثه عنه وحكاية ما نقل إليه # قلت فالأول لقوله تعالى @QB@ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما ~~بجهالة @QE@ PageV02P022 # والثاني لوجوب النصيحة والنهي عن المنكر # والثالث لوجوب البغض في الله # والرابع لقوله تعالى @QB@ اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم @QE@ ~~الآية # والخامس لقوله تعالى @QB@ ولا تجسسوا @QE@ # والسادس لئلا يقع في النميمة كالناقل # فائدة في تنبيه # المنع من النميمة نقلا وقبولا إنما هو ما لم تكن فيه مصلحة شرعية # قال النووي فإن دعت حاجة إليها فلا منع منها كما إذا أخبر أن إنسانا يريد ~~الفتك به وبأهله أو بماله وأخبر الإمام أو من له ولاية بأن إنسانا يفعل أو ~~يسعى بما فيه مفسدة # قال ويجب على صاحب الولاية الكشف عن ذلك وإزالته فمثل هذا لا يحرم # قال وقد يكون واجبا ومستحبا على حسب المواطن انتهى # هداية من المحكي في أعراض الأمراء عن قبول السعاية مع توبيخ الساعي كثير ~~ويكفي من ذلك حكايتان PageV02P023 # الحكاية الأولى روى أن رجلا ذكر لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ms311 رجلا ~~بشيء فقال له عمر رضي الله عنه إن شئت نظرنا في أمرك فإن كنت كاذبا فأنت من ~~أهل هذه الآية @QB@ إن جاءكم فاسق بنبأ @QE@ وإن كنت صادقا فأنت من أهل هذه ~~الآية @QB@ هماز مشاء بنميم @QE@ وإن شئت عفونا عنك # قال العفو يا أمير المؤمنين لا أعود أبدا # الحكاية الثانية قيل رفع إنسان رقعة إلى الصاحب بن عباد يحثه فيها على ~~أخذ ما يتيم وكان مالا كثيرا فكتب على ظهرها النميمة قبيحة وإن كانت صحيحة ~~والميت رحمه الله واليتيم جبره الله والمال ثمرة الله والساعي لعنة الله # قلت وهو حقيق باللعنة ففي حديث ذكر فيه لعن طائفة ملعون كل نمام ~~PageV02P024 # | المحظور الرابع # # | اتخاذ الكافر وليا # ويتقرر ذلك باعتبار طبقتين # الطبقة الأولى عموم الخلق حتى الأمراء والولاة من تلك الجهة كما صرح به ~~التنزيل في غير موضع @QB@ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين @QE@ وقوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أولياء @QE@ قال ابن عطية نهي الله المؤمنين بهذه الآية عن اتخاذ ~~اليهود والنصارى أولياء في الخلطة والنصرة المؤدية إلى الامتزاج والمعاضدة ~~وحكم الآية باق # قال وكل من اكثر مخالطة هذين الصنفين فه حظ من هذا المقت الذي تضمنه قوله ~~تعالى @QB@ فإنه منهم @QE@ # فائدتان في تنبيه إحداهما قال ابن عطية النهي عن هذا الاتخاذ إنما هو ~~فيما يظهره المرء وأما أن يتخذ بقلبه وبنيته فلا يفعل ذلك مؤمن قال ولفظ ~~الآية عام في جميع الأعمار # الثانية قال وأما معاملة اليهود والنصارى من غير مخالطة وملابسة فلا يدخل ~~في النهي وقد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم يهوديا ورهنه درعه # الطبقة الثانية خصوص الأمراء والولاة من حيث الاستعانة به ومن موارد ~~النهي فيها موضعان # أحدهما الجهاد على المشهور قال في المدونة ولا يستعان بالمشركين في ~~القتال ألا يكونوا نواتية أو خدما PageV02P025 # وحكى عن عياض جواز ذلك في بعض الأئمة قائلا وحمل النهي على وقت خاص يعني ~~قوله صلى الله عليه وسلم وهو أنا لا نستعين بمشرك # قلت ms312 وفي المواضع غير هذا مطلقا ومقيدا ألا نطول بحكاية # قال ابن ناجي سمعت بعض من لقيته يحكي غير مرة أن الشيخ الصالح أبا علي ~~القروي وكان قد قرأ مع أبي يحيى اللحياني سلطان أفريقية فجاز يوما عليه عند ~~باب السويقة والنصارى محدقون به فجعل الشيخ ينادي يا فقيه أبا يحيى والناس ~~لا يعرفون مراده من هو فلما سمعه السلطان وقف وقال نعم يا سيدي ما تريد قال ~~أمرنا ألا نستعين بمشرك فقال نعم يا سيدي صدقت وانصرف برفق PageV02P026 # الثاني في الولاية والاصطناع قال ابن العربي لا ينبغي لأحد من المسلمين ~~ولي ولاية أن يتخذ من أهل الذمة وليا فيها لنهي الله عن ذلك لأنهم لا ~~يخلصون النصيحة ولا يؤدون الأمانة قلت ورد العمل بذلك عن السلف قولا وفعلا ~~ويكفي من ذلك روايتان # الرواية الأولى قال الطرطوشي لما استقدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبا ~~موسى الأشعري من البصرة وكان عاملا للحساب دخل على عمر وهو في المسجد ~~واستأذن لكاتبه وكان نصرانيا فقال له عمر قاتلك الله وضرب فخذه وليت ذميا ~~على المسلمين أما سمعت الله تعالى يقول @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم @QE@ ~~ألا اتخذت حنيفا مسلما فقال يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه فقال لا ~~أكرمهم إذ أهانهم الله ولا أعزهم إذ أذلهم الله ولا أدينهم إذ أقصاهم الله # الرواية الثانية قال وكتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى بعض عماله ~~أما بعد فإنه بلغني أن في عملك رجلا يقال له فلان وسماه على غير دين ~~الإسلام والله تعالى يقول @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا ~~دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا ~~الله إن كنتم مؤمنين @QE@ فإذا أتاك كتابي هذا فادع فلانا إلى الإسلام فإن ~~أسلم فهو منا ونحن منه وإن أبى فلا تستعن به ولا بغيره من غير أهل ~~PageV02P027 # الإسلام على شيء من أعمال المسلمين ms313 فقرأ عليه الكتاب فأسلم وعلمه الطهارة ~~والصلاة # تعريف من مستحسن التحريض على تحريك الهمة للترفع عن وصمة هذا الاتخاذ ما ~~حكى القرافي أن الطرطوشي لما دخل على الخليفة بمصر ووزير له كافر بإزائه ~~أنشده هذين البيتين # ( يا أيها الملك الذي جوده % يطلبه القاصد والراغب ) # ( إن الذي شرفت من أجله % يزعم هذا أنه كاذب ) # فاشتد غضب الخليفة عند سماع ذلك وأمر بذلك الكافر فسحب وضرب وقتل وأقبل ~~على الشيخ الطرطوشي فأكرمه وعظمه بعد عزمه على إذايته انتهى المقصود منه # قلت ويذكر أن يحيى بن أكثم كتب إلى الرشيد وقد قرب يهوديا # ( يا ملكا طاعته عصمة % وحقه مفترض واجب ) # ( إن الذي شرفت من أجله % يزعم هذا انه كاذب ) PageV02P028 # قال بعضهم قيل لعيسى ابن عباهل البياني لو كلفت أن تدخل بين أدفونش ~~ووزيره اليهودي ما كنت تقول فأنشد يقول # ( يا ناصرا دين المسيح بسيفه % وبذا حماه جدوده وأبوه ) # ( إن الذي نصرت جدودك دينه % زعم اليهود بأنهم صلبوه ) # قلت ومن هذا البساط ما كتب به ابن الجزار السرقسطي لبعض إخوانه وقد رآه ~~صانع يهوديا وصفا إليه # ( الضد للضد ذو منافرة % من غره غير شكله هلكا ) # ( وكل من لست من شريعته % يظهر غير الذي يريد لكا ) # ( والعقل يبني له مذهبه % فيك ومسعاه آية سلكا ) # ( أنظر فإن كان ما تريد له % خيرا فذاك الذي يريد لكا ) PageV02P029 # | المحظور الخامس # # | الغفلة عن مباشرة الأمور # وأولى عن الترفع عليها فقد جعلوا ذلك شرطا في الانتهاض بالسياسة بعد ~~استنابة الأمناء وتقليد النصحاء قال الماوردي ولا يعول على التعريض تشاغلا ~~بلذة أو عبادة فقد يخون الأمين ويغش الناصح وقد قال تعالى @QB@ يا داود إنا ~~جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل ~~الله @QE@ # قال فلم يقتصر تعالى على التعريض دون المباشرة ولا عذر في التشاغل اكتفاء ~~بالاستنابة حتى قرنه بالضلالة # تفصيل قال ابن رضوان ينبغي للملك أن يتفرغ للنظر في أحوال الولاة ~~واعوانهم وخدامهم حيثما كانوا والنظر في أحوال أقاصي البلاد وأدانيها ~~ومعرفة ماله من ms314 الجبايات ويتفرغ لسماع الشكوى ممن يشكي بأحد ولاته واختيار ~~من يولي مكان من مات منهم أو عزل ويتفرغ لتجهيز الجيوش والكتائب وقراءة كتب ~~الأخبار الواردة عليه من كل بلد مما لا ينظر فيه غيره من فتق ثغر أو موت ~~وال وما يوجب عزله وفي معاناة PageV02P030 # خلة أهل بلد تحل بهم جائحة من جوع أو مرض أو سبيل أو عدو أو غير ذلك ~~انتهى # موعظة في عاقبة الغفلة من ذلك سئل بعض الملوك من الذين سلب عزهم وهدم ~~ملكهم فقالوا شغلتنا لذاتنا عن التفرع لمهماتنا وفتنا بكفاتنا فآثروا ~~مرافقهم علينا وظلم عمالنا رعيتنا ففسدت نياتهم لنا وتمنوا الراحة منا وحمل ~~على أهل خراجنا فقل دخلنا وبطل عطاء جندنا فزالت الطاعة منهم لنا وقصدنا ~~عدونا فقل ناصرنا وكان أعظم ما زال به ملكنا استتار الأخبار عنا ~~PageV02P031 & الباب الأول & # | في جوامع ما به السياسة المطلوبة من السلطان ومن يليه # وهي باعتبار السلطان والوزير وسائر البطانة والخواص فهنا ثلاثة فصول # | الفصل الأول # # | في سياسة السلطان # وقد سبق بحسب الفصل الأول ما يؤخذ منه سياسة نفسه ومملكته وبقية سياسة ~~الرعية والمور العارضة باعتبار ذلك القصد # | السياسة الأولى # سياسة الرعية وهي تنحصر في جملتين تأسيس ما يقوم عليه بناؤها واقتضاء ما ~~يام به مقصودها وهو أخذ الرعية بالحقوق الواجبة عليها للسلطان # | الجملة الأولى # تأسيس ما يقوم عليه بناؤها وتعديد ما يذكر منه في مسائل # | المسألة الأولى # أن السلطان أفرط على الرعية أهلكها وإن فرط فيها لم تستقم وإن اعتدل بين ~~ذلك اعتدلت كالنار إذا قويت أحرقت معوج الخشب وإذا لانت بقي على اعوجاجه ~~وإذا اعتدلت تقوم بها واعتدل # قلت وقد تقدم في قاعدة اللين عناية العملاء بتحري ذلك ومنه أن زيادا كتب ~~على زوايا مجلسه بالكوفة بقلم جليل الوالي شديد في غير عنف لين في غير ضعف ~~العطية لأبانها والأرزاق لأوقاتها والمبعوث لا يجمر PageV02P032 # المحسن يجزي بإحسانه والمسيء يؤخذ على يديه فكان كلما رفع رأسه قرأه # | المسألة الثاني # أن إصلاح السلطان نفسه بتنزيهه عن سفساف الأخلاق ms315 وترفعه عن صحبة ذوي ~~البطالة والمجون هو الكفيل بإصلاح الرعية لتمكين أثره في التمسك بالدين ~~والمحافظة على المروءة كما وفق إليه المأمون حين كان أخوه الأمين خلافه ~~وبذلك تمكن من خلعه على ما هو معروف # وقديما قيل أصلح نفسك يصلح لك الناس # وقيل # ( إذا غدا ملك باللهو مشتغلا % فاحكم على ملكه بالويل والحرب ) # ( أما ترى الشمس في الميزان هابطة % لما غدا وهو بين اللهو والطرب ) # | المسألة الثالثة # أن التودد إلى الرعية بحسن الملكة وخصوصا بالإحسان موجب للظفر بمحبتها ~~الراجح ملك القلوب بها على ملك الأبدان دونها فعن بعض PageV02P033 # الحكماء التودد من الضعيف تملق ومن القوي تواضع وكبير همة فتودد إلى ~~العامة لتخلص لك محبتهم وتنال الكرامة منهم # وفي سياسة أرسطو املك رعيتك بالإحسان إليها تظفر بالمحبة منها واعلم أنك ~~لا تملك الأبدان فتحها إلى القلوب إلا بالمعروف # قلت وأشرف من الظفر بهذه المحبة فوزه معها بمحبة الله تعالى ففي ~~الأفلاطونيات ينبغي للملك أن يصادق ربه في خلقه وتقتضي محبة بإعطاء كافتهم ~~محبته فيهم # | المسألة الرابعة # أن العدول بالرعية إلى اتخذاها بالكف عن مالها مع حسن التودد إليها أنصر ~~جند وأقرب معين مما وردت به الوصية وتأكدت به العناية فعن بعض الحكماء ~~ينبغي للسلطان إلا يتخذ الرعية مالا وقنية فيكونوا عليه بلاء وفتنة ولكن ~~يتخذهم أهلا وإخوانا يكونوا له جندا وأعوانا # قال الطرطوشي وقد سبق المثل إصلاح الرعية خير من كثرة الجنود # | المسألة الخامسة # أن الخصال التي تذم الرعية بها السلطان واجب عليه التحفظ منها جهده فعن ~~حكيم الفرس معينا منها ما تهم العناية بإيفائه ذم الرعية للملك من ثلاثة ~~أوجه إما كريم قصر به عن قدره فأورثه ذلك ضعفا وإما لئيم بلغ به فوق قدره ~~فأورثه ذلك بطرا وإما رجل منع حظه من الإنصاف PageV02P034 # | المسألة السادسة # أن ذم الرعية للسلطان مع وفائه بما يصلحها وينفس عنه من كرب ما يجد من ~~ذلك علمه أنه ليس بالإله وإذ ذاك فلا يطمع أن يصفو له من المخلوق ما لا ~~يصفو لخالقهم المنعم ms316 عليهم إيجادا وإمدادا إذ بعد ذلك ما قدروه حق قدره ولا ~~وصفوه بما يجب له ولقد قال موسى صلى الله عليه وسلم # آلهي أسألك أن لا يقال في ما ليس في فأوحى الله إليه ذلك شيء ما فعلته ~~لنفسي فكيف افعله بك 3 قال الطرطوشي وفي هذا عبرة لمن اعتبر ورضى الناس ~~غاية لا تدرك في الله تعالى أسوة انتهى ملخصا # | المسألة السابعة # أن من الواجب على السلطان شرعا وسياسة اكتفاءه بظاهر الطاعة من غير تنفير ~~عن حقيقة باطنها ففي الحديث هلا شققت عن قلبه إنكارا على من لم يكتف بظاهر ~~طاعته وفي العهود من حق الرعية على السلطان حسن القبول الظاهر طاعتها ~~وإضرابه صفحا عن مكاشفتها كما قال زياد لما قدم العراق يا أيها الناس إنه ~~قد كانت بيني وبين قوم أحن فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي فمن كان محسنا ~~فليزدد في إحسانه ومن كان مسيئا فلينزع عن إسائته إني لو علمت أن أحدكم ~~قتله السل من بغضي لم أكشف له قناعا ولم أهتك له سترا حتى تبدو لي صفحته ~~PageV02P035 # | المسألة الثامنة # إن المعرفة بأقسام الناس وما يقابل به طبقاتهم فيما يتأكد على السلطان ~~المعتني بهذه السياسة وقد قسموا ثلاثة اقسام # أحدها الكريم الفاضل وسياسته بترفيعه وإنصافه إذ هو مأمون إذا شبع وقدر ~~ومخوف إذا جاع وقهر ولا يزيد مع الرفعة إلا تواضعا # الثاني اللئيم السافل وضبطه بوضعه وحرمانه إذ هو على عكس الأول # قلت وفي الأفلاطونيات اتقوا صولة الكريم إذا جاع وبطش الخسيس إذ شبع # ( إذا أنت أكرمت الكريم ملكته % وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا ) # الثالث المتوسط ورعايته بمزج الرغبة بالرهبة ومقابلة الإكرام بالإهانة إذ ~~هو مطيع خوفا وطمعا والحاصل أن إهانة الكريم فتح لباب ضر وإكرام اللئيم ~~اقتضاء لمزيد شر ومعاملة المتوسط بأحد الطرفين يخل بالطرف الآخر # | المسألة التاسعة # أن الذي تسهل به صحبة الخلق إنزال غير المعتدل منهم منزلة الحيوان المشبه ~~له في الخلق ليلحق به في المعاملة كالطاغي PageV02P036 # بالنمور والهجوم على الأعراض بالكلاب والخبيث ms317 المكر بالثعاليب والمرائي ~~لاقتناص الدنيا بالدين بالذئاب قال الشاعر # ( ذئب تراه مصليا % فإذا مررت به ركع ) # ( يدعو وجل دعائه % ما للفريسة لا تقع ) # ( عجل بها يا ذا العلى % إن الفؤاد قد انصدع ) # قال الطرطوشي ولعمر الله ما استقامت لي صحبة الناس واسترحت من مكابدة ~~أخلاقهم إلا منذ سرت معهم بهذه السيرة # قلت وشهود النفع بها جعلتها السيرة التي يصلح عليها الأمير والمأمور ~~ويستريح بها الرئيس والمرؤوس وتسهل بها صحبة الخلائق أجمعين # قلت سبقه الخطابي بهذا المعنى بعد أن نقل أصله عن سفيان بن عيينة في ~~تأويل قوله تعالى @QB@ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم ~~أمثالكم @QE@ # | المسألة العاشرة # إن العناية باستدعاء المعرفة بأحوال من يسوسه السلطان من خاص وعام من ~~الوظائف اللازمة ظهورا واحتجابا كما سبقت الإشارة إليه وعند ذلك فلتكن في ~~هذا المقام على بال منه وتذكر لتجديد ما يؤكد وجوب الوفاء بهما عليه لما ~~سبقت الإشارة غليه فقط PageV02P037 # قال الجاحظ من أخلاق الملك البحث عن سائر خاصته وعامته وإذكاء العيون ~~عليهم خاصة وعلى الرعية عامة ولا يكون شيء أهم ولا أكبر في سياسة وانتظام ~~ملكه من الفحص عن ذلك ومتى غفل عنه فليس له من التسمية بالملك الذي معناه ~~مبالغة في الرعاية بذلك إلا مجرد الذكر فقط انتهى ملخص حاصله ثم استظهر على ~~قوله بأمرين # أحدهما أن الرعية لا تسكن قلوبها بجلالة ملكها ولو عبدته الجن والأنس ~~ودانت له ملوك الأمم حتى يكون أعلم الناس بأفاعيلها وأكثر بحثا عن أسرارها ~~من المزيد عن حركاته وسكونه # الثاني انه يقال أن الملك لتطول مدته إذا كانت فيه أربع خصال ألا يرضى ~~للرعية إلا ما يرضاه لنفسه وأن لا يسوف عملا يخاف عاقبته وأن يجعل ولي عهده ~~من ترضاه رعاياه لا لأمر تهواه نفسه وان يفحص عن الرعية فحص المرضعة عن ~~منام رضيعها # | شهادة عيان # وقد تجد مصداق هذا ويشهد له أنا لم نر مدة طالت لملك عربي وعجمي ولا عجمي ~~إلا لمن فحص فيها عن الأسرار ms318 وبحث عن خفي الأخبار حتى يكون من أمور رعيته ~~على مثل وضح النهار # قلت وقد تقدم قول من سئل عن سبب ذهاب ملكه أن أعظمها استتار الأخبار عنهم ~~PageV02P038 # | الجملة الثانية # اقتضاء الحق الواجب للسلطان على الرعية وهو نوعان امتثال ما وجب فعله ~~واجتناب ما وجب تركه # النوع الأول وهو جملة حقوق # | الحق الأول # الطاعة وقد سبق أنها من أعظم الواجبات الدينية والغرض الآن التنبيه على ~~فوائد # | الفائدة الأولى # أنها الخصلة التي يعز بها السلطان وتظهر بها صورة ملكه قال ملك فارس لبعض ~~الحكماء ما شيء واحد يعز به السلطان قال الطاعة # قال فما ملاك الطاعة قال التودد إلى الخاصة والعدل على العامة قال صدقت # | الفائدة الثانية # أنها على أوجه على الرغبة والمحبة والرهبة والديانة قال وطاعة المحبة ~~أفضل من طاعة الرغبة والرهبة # قلت وطاعة الديانات أفضل من الجميع ومن موجبه ما سبق أن الدعوة الدينية ~~تزيد الدولة قوة واقتدارا # | الفائدة الثالثة # أن الناس بها أهل الدين وذوو النعم # قال الطرطوشي لأن بها يقام الدين وتحفظ النعم # قلت كما يحكى عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله انه لما منعه الوالي من ~~الفتيا كان يوما في بيته ومعه زوجته وابنه فقالت له ابنته إني صائمة وقد ~~خرج من بين أسناني الدم وبصقته حتى عاد الريق أبيض لا يظهر عليه ~~PageV02P039 # أثر الدم فهل أفطر إذا ابتلعت الآن الريق فقال لها سلي أخاك حمادا فإن ~~الأمير منعني من الفتيا # | الحق الثاني # النصيحة له ففي العقد نصح الإمام ولزوم طاعته فرض واجب وأمر لازم لا يتم ~~الإيمان إلا به ولا يثبت الإسلام إلا عليه # قلت وقد سبق في الكلام عليها إنها في حق الأئمة بالصبر على أذاهم إذا لم ~~يعدلوا والتنبيه لهم إذا غفلوا وترك الثناء عليهم بما ليس فيهم والدعاء لهم ~~بالصلاح عند فسادهم # | تحذير # من الخوف منه في إظهار نقيضها وهو الغش ظهوره بالعلامة الدالة عليه كما ~~يحكى أن المنصور خطب فقال معاشر الناس لا تضمروا غش الأئمة فإنه من أضمر ~~ذلك أظهره ms319 الله على سقطات لسانه وفلتات أحواله وسحنة وجهه # قال ابن رضوان وفي معناه قولهم العين ترجمان القلب وقولهم PageV02P040 # شاهد البغض اللحظ وقولهم رب طرف أنم من لسان # | الحق الثالث # تمكينه من التصرف في الحقوق المالية إذا عدل فيها كما نص عليه مالك رحمه ~~الله في دفع الزكاة إليه وإن لم يعدل قال ابن العربي والشيخ عز الدين لا ~~يمكنه منها من قدر على صرفها لمستحقيها استخراجا لها من يده الغاضبة # قال الشيخ عز الدين وقد خير بعض الفقهاء فيه بين الصرف لها في مصارفها ~~وحفظها إلى أن يلي من هو أهل # قال وينبغي تقيده بما إذا توقع ظهور إمام عادل وأما مع اليأس منه فيتعين ~~صرفها في مصارفها على الفور لما في إيقافها من الضرر بها وحرمانها لمستحقها ~~لا سيما إن مست الحاجة إليها انتهى ملخصا # إنصاف من الوفاء بتمكين الحقوق المالية للسلطان عند ارتضاء تصرفه ما يحكى ~~أن كسرى اجتاز على بستان فقال للناطور ناولني عنقودا من حصرم فقال له ما ~~يمكنني ذلك فإن السلطان لم يأخذ حقه ولا يجوز لي خيانته # | الحق الرابع # معونته بما يقابل به الضرار الفادحة عند نفاذ بيت المال أما على الدوام ~~فقد تقدم جواز ذلك عند الغزالي وابن العربي وأما بمقدار الضرورة الوقتية ~~فأولى بالجواز PageV02P041 # قال ابن العربي ما ملخصه عند قوله تعالى @QB@ فهل نجعل لك خرجا @QE@ فرض ~~على الملك قيامه بحماية الخلق في حفظ بيضتهم وسد ثغورهم من بيت مالهم وإذا ~~نفذ جبر ذلك من أموالهم بشروط أن لا يستأثر عليهم بشيء وأن يبدأ بذوي ~~الحاجات وأن يسوى بينهم في العطاء على حسب منازلهم وإذا عرض بعد ذلك ما لا ~~يفي به المأخوذ منهم بذلوا أنفسهم وأموالهم فإن لم يغن ذلك أخذت منهم ~~أموالهم بمقدار الحاجة # قال والضابط أنه لا يحل أخذ مال أحد إلا لضرورة فيؤخذ جهرا وقد تقدم ~~لاسرا وينفق بالعدل لا بالاستئثار وبرأي الجماعة لا بالاستبداد انتهى # | الحق الخامس # الدعاء له وقد تقدم ما يدل على تأكده عند الكلام ms320 عليه في الخطبة والقصد ~~ألان الإشارة لأمور # الإشارة الأولى أن لمكان العناية به تردد التحضيض عليه سلفا وخلفا # قال الطرطوشي من المروى عن السلف لو كانت لنا دعوة صالحة PageV02P042 # مستجابة ما جعلناها إلا في السلطان وعن الفضيل بن عياض لو ظفرت ببيت ~~المال لأخذت من حلاله وصنعت أطيب الطعام ثم دعوت الصالحين وأهل الفضل فإذا ~~فرغوا قلت لهم تعالوا ندع الله أن يوفق أميرنا وسائر من يلي علينا وجعل ~~إليه أمرنا # وروى عنه أن رجلا أنشده # ( حتى متى لا أرى عدلا أسر به % ولا أرى لدعاء الخير أعوانا ) # فبكى وقال اللهم أصلح الراعي والرعية # | الإشارة الثانية # الإشارة الثانية أن الأوقات التي هي مظنة الإجابة يتأكد فيها الدعاء له ~~وقد قال النووي في ليلة القدر يستحب أن يكثر فيها من الدعاء لمهمات ~~المسلمين فهو شعار الصالحين وعباد الله العارفين انتهى # ولا خفاء أن الدعاء له بالصلاح من أهم المهمات على المسلمين لصلاحهم ~~بصلاحه # | الإشارة الثالثة # الإشارة الثالثة أن من أعظم الوسائل في قول الدعاء له عمله على شاكلة ما ~~طلب منه # امتثالا واجتنابا كما يحكى عن السلطان أبي يحيى من الملوك PageV02P043 # الحفصيين أنه دخل على زاوية الشيخ الزبيدي ليتبرك به فلم يجده ووجد ابن ~~أخيه الفقيه الإمام بها فقيل له قد غاب عمك فباشر أنت السلطان فلقيه فقال ~~له السلطان أدع الله لي فقال وما عسى دعائي لك قد سبقت لك دعوة النبي صلى ~~الله عليه وسلم وذكر حديث اللهم من ولي أمر أمتي شيئا فرفق بهم فأرفق به ~~ومن ولي أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه # وكما يحكى عن بعض الملوك أنه طلب من بعض الصالحين أن يدعو له فقال وما ~~ينفع دعائي لك وببابك أعداد من المظلومين يدعون الله عليك فأي الدعاء أولى ~~بالإجابة # النوع الثاني وهو جملة مخالفات # المخالفة الأولى الخروج عليه لما سبق أن الصبر عليه إذا جار من فروض ~~الدين وأمهات واجباته وقوله صلى الله عليه وسلم من رأى من أميره شيئا يكرهه ~~فليصبر عليه ms321 قال الأبي هو نص في عدم القيام على الأمراء # قلت ولا يخفى ما يشهد له مع وضوح المعنى فيه # فرع قال فانظر أشياخ البلاد المنحازين لأنفسهم كان الشيخ يقول يعني ابن ~~عرفة غايتهم عصاة لأنهم لم يشقوا عصاه PageV02P044 # قال وإذا دعا الإمام إلى قتالهم فإن كان لإقامة حق وجب طاعته وألا لم تجب # المخالفة الثانية الطعن عليه وذلك لأمرين # أحدها أنه خلاف ما يجب له من التجلة والتعظيم فقد قيل من إجلال الله ~~إجلال السلطان عادلا كان أو جائرا ومن كلام الصاحب بن عباد تهيب السلطان ~~فرض أكيد وحتم على من ألقى السمع وهو شهيد # الثاني أن الاشتغال به سبب تسليط السلطان به جزاء على المخالفة بذلك ففي ~~بعض الكتب السوالف ذكره الطرطوشي والزمخشري أن الله تعالى يقول إنني أنا ~~الله ملك الملوك قلوب الملوك بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليه نعمة ومن عصاني ~~جعلتهم عليه نقمة فلا تشتغلوا بسبب الملوك ولكن توبوا غلي أعطفهم عليكم # المخالفة الثالثة الافتيات عليه في التعريض لكل ما هو منوط به ومن أعظمه ~~فسادا تغيير المنكر بالقدر الذي لا يليق إلا بالسلطان لما في السمح به ~~والتجاوز به إلى التغيير عليه وقد سبق أن من السياسة تعجيل الأخذ على يد من ~~يتشوق لذلك وتظهر منه مبادئ الاستظهار به وإن كان لا ينجح له سعي ولا يتم ~~له غرض لما تقدم أن الملك الراسخ البناء لا تهدمه إلا المطالبة له بالعصية ~~الغالبة ومن ثم قال الخوارزمي قليل السلطان كثير PageV02P045 # ومداراته حزم وتدبير ومكاشفته غرور وتغرير # قلت وربما يعرض لغرر هذه المكاشفة من تظن فيه النية الصالحة من ذوي ~~الديانات المعتبرة فأخفق فيها السعي لفوات القدرة المقاومة # ومن المشهور في ذلك قصتان # القصة الأولى خروج أهل العراق على عبد الملك بن مروان مع ابن الأشعث وفي ~~جملتهم أعداد من التابعين كسعيد بن جبير وأمثاله فكان من هزيمة الحجاج لهم ~~بدير الجماجم واستيلائه عليهم ما هو معروف # القصة الثالثة قيام أهل القيروان على الشيعة من بني عبيد مع ms322 أبي يزيد ~~مخافة بدعته باعتبار ضلالهم وكانوا اثني عشر ألفا فيهم اثنا عشر فقيها من ~~جلة خيارهم وصلحائهم فكان أيضا من خيانة أبي يزيد لهم وتخلفهم هند بعد قتل ~~كثير منهم ما هو معلوم PageV02P046 # المخالفة الرابعة كتم ما يجب أن يعلم به مما فيه مصلحة فقد تقدم عن ~~النووي أن التعريف بذلك للإمام لا منع فيه وأنه قد يكون واجبا أو مستحبا ~~حتى عن إنسان معين أنه يرتكب كذا وكذا من المنكرات ليستعان بذلك على ~~التغيير عليه # قلت ومن شواهد العمل بذلك مع وضوح دليله أن عمر رضي الله عنه قيل له أن ~~أبا جندل قد تتابع في شرب الخمر في الشام فكتب إليه يعظه ولم يعد ذلك غيبة ~~محرمة ولا نميمة مذمومة # فائدتان # إحداهما قال الأستاذ أبو سعيد ومن خط صاحبه الإمام أبي إسحاق الشاطبي ~~رحمه الله نقلت لهذا الوجه يعني الاستعانة على تغيير المنكر PageV02P047 # بالتعريف به شروط خمسة أن يكون القصد صحيحا يعني بالاستعانة على التغيير ~~وان يعلم الرافع بذلك أو يغلب على ظنه أن نصحه وحده ونهيه لا ينفع وان يعلم ~~أو يغلب على ظنه الانتفاع بنصح المرفوع إليه أو تغييره لقدرته عليه وان ~~يكون المرفوع إليه لا يغير ذلك المنكر بمنكر آخر يرتكبه وان يكون الذاكر ~~لذلك قد علمه من المذكور يقينا لا بظن أو بتهمة # الفائدة الثانية للمرفوع عنه حالتان # الحالة الأولى التستر والاختفاء وحكم المرفوع إليه معه ستره ووعظه كما ~~فعل عمر رضي الله عنه # الحالة الثانية المجاهرة والإعلان وحكمه الكشف عنه أن رآه أردع له ~~ولأمثاله ذكره ابن حبيب عن مطرف وزاد فيه أن له أن يخرجه عن بيته ويكسر ~~عليه إن كان له # المخالفة الخامسة الدعاء عليه بما فيه مضرة للمسلمين فإن كان مع ذلك بما ~~يزيد حكما لأجله توجه به الداعي فهو لا محالة عكس المقصود كما إذا قال ~~مظلومه اللهم لا توفقه فقد دعا على نفسه وغيره # قال الطرطوشي لأنه من قلة توفيقه ظلمك فإن استجيبت لك فيه زاد ظلمه ms323 لك ~~PageV02P048 # | السياسة الثانية # # | سياسة الأمور العارضة # والمذكور منها الجهاد والسفر والشدائد النازلة والرسالة والوفود # | العارض الأول # # | الجهاد # وفيه مسائل # | المسألة الأولى # قال ابن الحاج الجهاد فيه فضل كثير جاء به الكتاب العزيز والحديث الصحيح ~~ولكن ينبغي للمجاهد أن لا يدخل فيه حتى يسأل أهل العلم عما يلزم فيه لقوله ~~صلى الله عليه وسلم طلب العلم فريضة على كل مسلم أي ما وجب عمله وجب العلم ~~به قاله المحققون ولقوله صلى الله عليه وسلم لا يحل لامرئ مسلم أن يقدم على ~~أمر حتى يعلم حكم الله فيه # قلت وقد نقل الإجماع على أن المكلف لا يدخل في عمل إلا بعد أن يعلم حكم ~~الله فيه والجهاد من جملة ذلك PageV02P049 # | المسألة الثانية # أن النصر فيه إنما يحصل بإقامة الدين الذي شرع لإعلاء كلمة التوحيد قال ~~تعالى @QB@ إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم @QE@ # قالوا نصر العبد لربه بامتثال أمره واجتناب نهيه فإذا فعل ذلك كان سببا ~~لنصر الله له # قال ابن المناصف من جاهد عن الدين أحق الناس بالقيام بأحكامه والفصل بين ~~حلاله وحرامه # وقد كان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول يا أيها الناس اعملوا صالحا قبل ~~الغزو فإنما تقاتلون بأعمالكم # قال وهذا معلوم من دين الإسلام وسنة محمد صلى الله عليه وسلم # | المسألة الثالثة # أن المحافظة فيه على الصلاة من أهم ما يتقدم من عمل صالح ويستصحب فيه ~~لوجوه # أحدها النهي عن الفحشاء والمنكر والفرار من الزحف من أفحش الفحشاء وأنكر ~~المنكر فتنهى عنه لا محالة # أن من خواصها تقوية القلوب وتنشيط الجوارح واستدعاء ريح النصر بدلالة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحرى اللقاء بعد صلاة الظهر حين تتحرك ~~الأرواح # الثالث أنها محل المناجاة المستلزمة للقرب اقرب ما يكون العبد من ربه وهو ~~ساجد ومن قرب من مولاه هان عليه ما سواه # كان الشافعي يقول الصلاة انفصال واتصال فمن انفصل بها عما سوى الله اتصل ~~بها بالله PageV02P050 # الرابع أنها عماد الدين وشعار للمسلمين فعليها يحامي وعنها يدافع وعند ~~ذلك ms324 فإن أخل بها تركا أو جهلا بها شرطا أو أداء فلا يخلو أن يتعين عليه ~~الجهاد أولا وهي # | المسألة الرابعة # فإن لم يتعين قال ابن الحاج فتركه أولى به بل أوجب وإن تعين عصا وعد ~~مجاهدا # قال وهذه مسألة قد عمت بها البلوى فترى من يخرج إلى الجهاد وغالبهم لا ~~يعرفون فقه الصلاة ويحسبون أنهم في طاعة الله وقد وقعوا في مخالفات جملة ~~كما يشاهد من تقصير كثير من الحجاج في معرفة ما يليق بهم مع إخراج الصلاة ~~عن وقتها ولا قائل في المسلمين بجواز ذلك إلا لعذر شرعي انتهى ملخصا # | المسألة الخامسة # أن جور الولاة لا يسقط الطلب بالجهاد ففي الرسالة ويقاتل العدو مع كل بر ~~وفاجر من الولاة والقواد والنقول عن السلف شاهدة بذلك وإليه رجع مالك رحمه ~~الله قائلا لو ترك كان ضررا على الإسلام يعني وهو أعظم من ضرر إعانتهم على ~~الجور بالجهاد معهم وإذا اجتمع ضرران نفي أصغرهما # قال ابن حبيب وقاله الصحابة حين أدركوا من الظلم ما أدركوا فكلهم قال أغز ~~على حظك من الآخرة ولا تفعل ما يفعلون من فساد وخيانة وغلول # قلت ونقل عن الإمام أحمد أنه احتج لذلك بحديث إن الله ليؤيد هذا الدين ~~بالرجل الفاجر PageV02P051 # | المسألة السادسة # قال ابن عرفة عن عاصم بن عبد البر فرض على الإمام اغزاء طائفة العدو ~~ويخرج بهاهو أو منيثق به وفرض على الناس في أموالهم وأنفسهم الخروج المذكور ~~لا خروجهم كافة والنافلة منه إخراج طائفة بعد أخرى وبعث السرايا وقت الغرة ~~والفرصة # زاد ابن شاس عنه وعلى الإمام رعي النصفة في المناوبة بين الناس قال وعزي ~~القرا في ذلك لعبد الملك # | المسألة السابعة # قال ابن المناصف يجب امتثال أمر الإمام أو أمير العسكر أو قائد الجماعة ~~وان لا يخالف في شيء مما وافق سنة في عمل أو تدبير أو حيلة أو مكيدة أو بعث ~~طليعة أو سرية أو رائد أو حراسة لجانب أو كمين أو غارة تجريد جريدة لشغل ~~بجهة أو طلب قوت أو ms325 غنيمة وشبه ذلك # قلت وسواء علم وجه ما أمر به أو نهى قاله سحنون قال ابن عرفة يريد إذا ~~كان عدلا PageV02P052 # | المسألة الثامنة # قال سحنون واللفظ لابن عرفة الإمارة في الحرب غير الإمارة في غيره إنما ~~يقدم فيه الإمام العالم بها مع الفضل ولا ينظر في نسبه هل هو عربي أو مولى ~~وقد يقدم فيها الأدنى فضلا عن الأفضل لفضل عمله # قلت في قواعد عز الدين الضابط في الولايات كلها تقديم الأقوى لجلب ~~مصالحها ودرء مفاسدها فيقدم الأقوى بأركانها وشرائطها على الأقوى بسننها ~~وآدابها # | المسألة التاسعة # لا يحتاج في الجهاد إلى استئذان السلطان إلا في خروج جيش أو جمع وافر وقد ~~سهل مالك لمن قرب من العدو وبعد عن الإمام أن يغتنموا ما يجدون من فرصة فيه ~~فأما سرية الخروج من عسكر فلا قال عبد الملك وهم عاصون خرجوا ببدعة ورغبوا ~~عن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده ولا أرى أن ينفلوا ويؤدبون ~~على قدر أحوالهم بما يراه الإمام # | المسألة العاشرة # جهاد من عدا الكفار من باغ ومرتد ومحارب ولص جهاد معتبر ففي المدونة جهاد ~~المحاربين جهاد وروى أشهب من أفضل الجهاد وأعظمه أجرا قال ابن عبد السلام ~~ولا شك في أنه جهاد وإنما الخلاف هل له مزية على جهاد الكفار أم لا فظاهر ~~قول أهل المذهب لا مزية له # قلت وصرح ابن ناجي أنه المشهور قال ابن عبد السلام قال PageV02P053 # ابن شعبان جهاد المحاربين أفضل من جهاد الكفار قال وهو الظاهر أنه رفع ~~فساد واقع بين المسلمين المؤدي إلى ضعفهم وتغيير كثير من أحكامهم والبداية ~~بإزالته أولى من الاشتغال برفع أذى منفصل عنهم # قلت وفي نوازل البرزلي أن الإعراب لما نزلوا بتونس وهموا بإفساد كرومها ~~ندب ابن عرفة الناس لقتالهم وذكر لهم قول مالك وما ورد في قتال المحاربين ~~من الفضل # | المسألة الحادية عشرة # الجهاد البحري جهاد عظيم وعن الحنابلة أفضل من جهاد البر لتردده بين خطر ~~الجهاد وخطر البحر مع عدم تمكنه من الفرار إلا مع ms326 اصحابه قال صاحب مشارع ~~الأشواق وينبغي أن لا يكون في هذا خلاف لما له من الفضائل التي ليست للغزو ~~في البر # قلت وقد اعتذر ابن المناصف عن منع عمر رضي الله عنه ركوبه فإن العرب إذ ~~ذاك لم تكن لها علم بأحواله بعد استدلاله على فضائل PageV02P054 # الغزو فيه بان اسم الركوب يشمله ويعمه ومعنى الفروسية يحويه ويضمه # | المسألة الثانية عشرة # قال ابن المناصف الغلول حرام عدل الإمام أو جار فإن عدل أخذ كل ذي سهم ~~سهمه طيبا وإن جار وحرم كان للغازي أجر غزوه وأجر ما حرم من سهمه إن احتسب ~~ذلك على الله وطلب منه العوض # قلت في نوازل البرزلي وقعت الفتيا فيمن لا يتوصل بحقه من الغنيمة أنه ~~يتحرى عدد الجيش ويخرج الخمس ويقدر حظه ويأخذه وكل ما شك فيه طرحه وذكر ذلك ~~في مواضع فراجعه من هناك # | المسألة الثالثة عشرة # خفر العهد موجب لتسليط العدو كما أن ظهور الغلول في الغزاة سبب في إلقاء ~~الرعب في قلوبهم لحديث ابن عباس رضي الله عنهما ما ظهر الغلول في قوم إلا ~~ألقى الله الرعب في قلوبهم ولا فشا الزنى في قوم قط إلا كثر فيهم الموت ولا ~~نقص قوم المكيال والميزان إلا قطع الله الرزق عنهم ولا حكم قوم بغير حق إلا ~~فشا فيهم الدم ولا خفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم العدو وقال الأزهري ~~الخفر أقبح الغدر PageV02P055 # | المسألة الرابعة عشرة # إذا ظهر الغلول علئ أخذه فله ثلاثة أحوال # أحدها قبل أن يتوب وأدبه لا بد منه بحسب الاجتهاد وعند ابن حبيب يعاقب ~~عقوبة شديدة وما غل إن افترق الجيش يتصدق به وإن لم يفترق رد في المغنم وهل ~~يحرق رحله أنكره مالك وقال به جماعة قال سحنون ولا بأس أن يصلى عليه وعن ~~أصبغ لا يحرم سهمه # الثانية بعد التوبة ورد ما غل قال ابن القاسم لا يؤدب وسمع مالكا قال ما ~~سمعت فيه شيئا ولو عوقب كان أهلا # الثالثة بعد القسم وافتراق الجيش وأدبه لا غنى ms327 عنه عند الجميع زجرا عن ~~المعصية وردعا # | المسألة الخامسة عشرة # قال صاحب مشارع الأشواق الفرار من الزحف حيث لا يجوز من أعظم كبائر ~~الذنوب بإجماع وفاعله مستحق لغضب الله ومقته وأليم عذابه لما في الصحيحين ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اجتنبوا ~~السبع الموبقات قيل يا رسول الله وما هي قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتهرب يوم الزحف ~~وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات # | المسألة السادسة عشرة # قال ابن العربي حكم الله في الغنيمة بحكمه وأنفذ فيها سابق علمه فجعل ~~خمسها للخمسة الأسماء وأبقى سائرها لمن غنمها من غير خلاف بين الأمة إلا أن ~~يرى الإمام أن يمن على الأسرى بالإطلاق أو بقتل PageV02P056 # جميعهم فيبطل حقوق الغانمين نظرا للمسلمين أو مصلحة وفسر الخمسة الأسماء ~~بما يدل عليه قوله تعالى ^ واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه ^ الآية # قال وكانت الجاهلية ترى للرئيس من الغنيمة ما قال الشاعر # ( لك المرباع منها والصفايا % وحكمك والنشيطة والفصول ) # فأحكم لله الدين وأبقى فيهم الصفى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأسقط ~~حكم الجاهلية ومن أحسن من الله حكما وأوسع منه علما انتهى ملخصا من مواضع ~~في كلامه PageV02P057 # | المسألة السابعة عشرة # عقد الصلح والمهادنة مع العدو لا يتولاه إلا الإمام لمصلحة على غير شرط ~~فاسد ومع فواتها لا يجوز وإن كان على مال ففي المدونة كره علماؤنا المهادنة ~~على أن يعطينا أهل الحرب مالا كل عام # ولقد طلب الطاغية ذلك إلى عبد الله هارون يعني الرشيد على أن يعطوه مائة ~~ألف دينار كل عام فشاور الفقهاء فقالوا له الثغور اليوم عامرة فيها أهل ~~البصائر أكثرهم نازعون من البلدان إن انقطع عنهم الجهاد تفرقوا وخلت الثغور ~~للعدو والذي يصيب أهل الثغور منهم أكثر من مائة ألف فصوب ذلك ورجع إليه # | المسألة الثامنة عشرة # قال المازري واللفظ لابن عرفة لا يهادن إلا العد بإعطائه مالا لأنه عكس ~~مصلحة شرع ms328 أخذ الجزية منهم إلا لضرورة التخلص منهم خوف استيلائهم على ~~المسلمين # وقد شاور رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أحاطت القبائل بالمدينة ~~PageV02P058 # السيدين في أن يبذل للمشركين ثلث الثمار لما خاف أن يكون الأنصار ملت ~~القتال فقالا إن كان هذا من الله سمعنا وأطعنا وإن كان رأيا من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فما أكلوا منها في الجاهلية ثمرة إلا بشراء أو قرى فكيف ~~وقد أعزنا الله بالإسلام فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عزمهم على ~~القتال ترك ذلك فلو لم يكن الإعطاء عند الضرورة جائزا ما شاور فيه صلى الله ~~عليه وسلم # قلت ونقلوا عن الأوزاعي أن عبد الملك بن مروان يؤدي إلى الطاغية كل يوم ~~ألف دينار وغلى قوم آخرين كل يوم جمعة ألف دينار وذلك زمان ابن الزبير ~~وفعله معاوية أيام صفين # | المسألة التاسعة عشرة # الوفاء بالأمان واجب ودلائله لا تنحصر ثم هو ضربان عام لا يتولاه إلا ~~السلطان كناحية مفتقرة أو عدد لا ينحصر وخاص كشخص بعينه أو عدد محصور ~~فيعقده كل مؤمن مميز حتى العبد والمرأة والصبي العاقل على خلاف لقوله صلى ~~الله عليه وسلم المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من ~~سواهم # | المسألة العشرون # قال ابن العربي في قوله تعالى @QB@ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ~~والمستضعفين من الرجال @QE@ الآية قال علماؤنا أوجب الله تعالى في هذه ~~الآية PageV02P059 # القتال لاستنقاذ الأسرى من يد العدو مع ما فيه من تلف النفس فكان بذل ~~المال في فدائهم أوجب وقد قال مالك رضي الله عنه على الناس أن يفدوا ~~الأسارى بجميع أموالهم # قلت قيد ذلك ابن عرفة بما إذا لم يخش استيلاء العدو بذلك وقرر في موضع ~~آخر وجوب استنقاذهم بالقتال والفداء قائلا بعد ذلك فإنا لله وإنا إليه ~~راجعون على ما حل بالخلق في تركهم إخوانهم في أسر العدو وبأيديهم خزائن ~~الأموال وأصول الأحوال والقدرة والعدد والقوة والجلد # حكايتان في ذلك في مثل العمل بمضمنها فليتنافس المتنافسون # الحكاية ms329 الأولى # روي أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كتب إلى الأسرى بالقسطنطينية أما ~~بعد فإنكم تعدون أنفسكم الأسارى ومعاذ الله بل أنتم الحبساء في سبيل الله ~~اعلموا أني لست أقسم بين رعيتي إلا خصصت أهلكم بأكثر من ذلك وأطيبه وإني قد ~~بعثت إليكم فلان بن فلان بخمسة دنانير ولو لا أني خشيت أن يحبسها عنكم ~~طاغية الروم لزدتكم وقد بعثت إليكم فلان بن فلان يفادي صغيركم وكبيركم ~~وذكركم وأنثاكم وحركم ومملوككم بما يسأل منه فأبشروا ثم أبشروا والسلام # الحكاية الثانية ذكر أن المنصور بن أبي عامر فصل في بعض غزواته في مكان ~~ضيق بين جبلين لا يجوزه إلا فارس بعد فارس واجتمعت الروم في أمم لا تحصى ~~ومسكوا له موضع الخروج فلما علم بذلك أمر برفع الأخبية وان تبنى الدور ~~واختط لنفسه قصرا وأمر سائر خواصه بذلك PageV02P060 # وكتب إلى نوابه إني لما رأيت هذه البلاد استقصرت رأي من سلف من الملوك ~~والخلفاء كيف تركوها لعظم أمرها وجلالة قدرها وقد استخرت الله تعالى في ~~الإقامة بها وان أتخذ مدينة وأسكن بها وأمر بإرسال البنائين الفعلة فلما ~~تحققت الروم بذلك سألوه في الصلح فأبى فألحوا عليه فأبى فقال لا أفعل إلا ~~أن تعطوني ابنة ملككم فقالوا هذا عار ما سمع بمثله # فاجتمعوا في عدد عظيم وكان هو في عشرين ألف فارس فلما التقوا انكسر ~~المسلمون وثبت هو وولده وكاتبه ونفر يسير وأمر أن يضرب خباؤه على نشز من ~~أرض فتراجع غليه المسلمون وقاتلوهم وكانت الدائرة على الكفار والعاقبة ~~للمسلمين فقتل وأسر فسألوه في الصالح فأبى إلا أن يعطوه ابنة ملكهم وأموالا ~~اقترحها فأعطوه ذلك مع تحف كثيرة # وكانت البنت في نهاية الجمال فلما شيعها أشراف قومها سألوها أن تحسن ~~الوساطة لقومها عنده فقالت أن الجاه لا يطلب بأفخاذ النساء إنما يطلب برماح ~~الرجال # ولما وصل المنصور إلى مدينة قرطبة تلقته امرأة فقالت له أنت والناس ~~تفرحون وأنا باكية حزينة قال لهم قالت ولدي أسير في بلد من بلاد الروم فسير ms330 ~~العساكر لوقته راجعة إلى البلاد حتى أحضروا ولدها قال صاحب مشارع الأشواق ~~فرحم الله تلك الأمم الخالية # بركة وختام بذكر رسالة عمر رضي الله عنه إلى سعد بن أبي وقاص ومن معه من ~~الأجناد رضي الله عنهم PageV02P061 # قال ابن المناصف فيها كثير من أحكام الجهاد ولوازم الاستعداد ونصها أما ~~بعد فإني آمرك ومن معك بتقوى الله على كل حال فإن تقوى الله أفضل العدة على ~~العدو وأقوى المكيدة في الحرب وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسا من ~~المعاصي من احتراسكم من عدوكم فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم وإنما ~~ينصر المسلمون على عدوهم بمعصية عدوهم الله ولولا ذاك لم يكن لنا بهم قوة ~~لأن عددنا ليس كعددهم ولا عدتنا كعدتهم فإن استوينا في المعصية كان لهم ~~الفضل علينا والقوة وإن لم ننصر عليهم بفضلنا ل نغلبهم بقوتنا # واعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله تعالى يعلمون ما تفعلون فاستحيوا ~~منهم ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله ولا تقولوا أن عدونا شر ~~منا فلن يسلطوا علينا وإن أسأنا فرب قوم سلط عليهم شر منهم كما سلط على بني ~~إسرائيل لما علموا بمعاصي الله كفرة المجوس @QB@ فجاسوا خلال الديار وكان ~~وعدا مفعولا @QE@ فاسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه على عدوكم ~~أسأل الله ذلك لنا ولكم # وترفق بالمسلمين في مسيرهم ولا تسير بهم سيرا يتعبهم ولا تقصر بهم عن ~~منزل الرفق بهم حتى يبلغوا عدوهم والسفر لم ينقص قوتهم فإنهم سائرون إلى ~~عدو مقيم حاقد الأنفس والكراع وأقم بمن معك في كل جمعة يوما وليلة يكون ذلك ~~لهم راحة يحمون بها أنفسهم ويرمون أسلحتهم وأمتعتهم ونح منازلهم عن قرى ~~PageV02P062 # أهل الصلح فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق به وبدينه ولا يرزؤا أحدا من ~~أهلها شيئا فإن لهم حرمة وذمة ابتليتم بالوفاء بها كما ابتلوا بالصبر عليها ~~فكما صبروا لكم فوفوا لهم # ولا تستنصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح وإذا وطئت أدنى أرض العدو ~~فآذك العيون ms331 بينك وبينهم ولا يخفى عليك أمرهم # وليكن عندك من العرب أو من أهل الأرض من تثق به وتطمئن إلى نصحه وصدقه ~~فإن الكذوب لا ينفعك خبره وإن صدق في بعضه والغاش عليك ليس عينا لك # وليكن منك عند دنوك من أرض العدو أن تكثر من الطلائع وتبث السرايا بينك ~~وبينهم فتقطع السرايا أمدادهم ومرافقهم وتتبع الطلائع عوراتهم وانتق ~~للطلائع أهل الرأي والبأس من أصحابك وتخير لهم سوابق الخيل فإن لقوا عدوك ~~كان أول من يلقاهم أهل القوة # واجعل أمر السرايا إلى أهل الاجتهاد والصبر والجلد ولا تخص بها أحدا من ~~خاصتك فيضيع من رأي مؤامرتك أكثر مما حابيت به أهل خاصتك ولا تبعث طليعة ~~ولا سرية في وجه يتخوف فيه عليها ضيعة ونكاية فإذا عانيت العدو فاضمم إليك ~~أقاصيك وطلائعك وسراياك واجمع إليك مكيدتك ثم تعاجلهم المناجزة ما لم ~~PageV02P063 # يستكرهك قتال حتى تبصر عورة عدوك ومقاتله وتعرف الأرض كلها كمعرفتك أهلها ~~فتصنع بعدوك كصنعه بك ثم اذك أحرار أحراسك على عسكرك وتحفظ من البيات جهدك ~~وكل أسير أتيت به ليس له عهد فاضرب عنقه لترهب به عدو الله وعدوك # والله ولي أمرك ومن معك وولي النصر لكم على عدوكم والله المستعان # | العارض الثاني # # | السفر # ويتقدمه قبل الشروع فيه العلم بأمور تهم المعرفة بها حكما وشريعة بحسب ~~تكميل النظر في طبيعة الوجود المنتظم السلك برعاية الملك والسلطان ولنعرضها ~~في مسائل # | المسألة الأولى # أن الحركة والسكون لا بد من تعاقبهما على الأجسام الطبيعية ضرورة استحالة ~~الخلو عنهما ضرورة من حيث أنهما ضدان لا متوسط بينهما وما يوجد من أجسام ~~الخليقة لازما له الحركة كالأجرام العلوية أو السكون كالهياكل الأرضية ~~بمقابل ما اختص من ذلك جائز عليه كما تقرر في الحكمة والكلام # | المسألة الثانية # أن للإنسان من أنواع الحركات نوعا اختص به دون سائر الحيوان وهو انتقاله ~~من موضع إلى موضع آخر بعيد منه في مدة طويلة وما PageV02P064 # | المسألة الثالثة # أن مصدر هذا النوع من الانتقال عن قوى ثلاثة للإنسان # أحدها القوة الشهوانية ms332 كسفر التجار إلى البلاد النازحة والأقطار ~~المتباعدة طلبا للربح الخطير # الثانية القوة الغضبية كسفر الملوك لتدويخ الأقاليم وتخويف الممالك قصدا ~~للقهر والغلبة وما يتبع ذلك من الاستيلاء على الأملاك والذخائر فبالقصد ~~الثاني # الثالثة القوة التمييزية كرحلة طالبي العلوم إلى الأمصار النائية ~~والأصقاع الشاحطة حرصا على تحصيل المزيد منها بمبلغ الجهد # | المسألة الرابعة # أن طلب السكون أخص بطبيعة المتحرك حركة قريبة أو بعيدة بدلالة ما يشاهد ~~من تعب دوامها ووجود الراحة بعد ذلك بالسكون ومن هناك وردت المنة بأوقات ~~المتمكن منه طبيعة وهو الليل في قوله تعالى @QB@ هو الذي جعل لكم الليل ~~لتسكنوا فيه والنهار مبصرا @QE@ وقوله تعالى @QB@ وجعلنا الليل لباسا ~~وجعلنا النهار معاشا @QE@ # | المسألة الخامسة # أن لمكان الاختصاص بذلك ينبغي طلب الفرار عن الحركة البعيدة بحسب يشاهد ~~من قواطع الطير والسمك فغير بالغ في ذلك مبلغ الإنسان لأن ما بالطبع ليس ~~كما بالفكر والروية # الإمكان وسواء في ذلك الملوك وغيرهم نعم وعن الحركة القريبة متى عريت عن ~~الفائدة المعتبرة دينا ودنيا كالتردد في أسواق والطرق من غير حاجة ~~PageV02P065 # سوى التفرج بالنظر للمارة والمشاهدة لما فيها من الأمور الملهية لذوي ~~البطالة # | المسألة السادسة # أن المانع من تغليب السكون على الحركة في السيرة الفاضلة يتصور في ~~السلطان وغيره ففي السلطان كما إذا كان لزوم مركز الدولة إيثارا للدعة ~~والسكون يوجب تضييع ثغور المملكة ويطمع فيها طالب التغلب عليها وفي غيره ~~كما إذا كان المقام في بلده إخلادا للراحة مع الحب فيه كما يدعو غليه خلق ~~الضعف والكسل فيسجل عليه باستصحاب نكد عيشه واحتمال ذله ذهولا عن قوله ~~تعالى @QB@ ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة @QE@ ~~وكما حض عليه قول الشاعر # ( وإذا نبا بك منزل فتحول % ) # | المسألة السابعة # إن مخالفة الطبيعة بتغليب الحركة على السكون التغليب المفرط مذموم في ~~الملوك كحركة من تخطى منهم حدود مملكته إلى ما وراءها كما تقدم من القصد ~~الأصلي والتابع وفي غيرهم كتوغل السفارة من التجار في استقصاء طلب المال ~~المحمود في جهة المعمور ms333 برا وبحرا لما سبق أن ذلك من مقتضى الشهوة فقط ~~وكإفراط ذوي الرحلة في طلب العلوم متى اقتضى الحال ترجيح الاقتصار على ~~الحاصل منها ولا يخفى ذلك على ذي بصيرة بالحقائق شرعا وحكمه # | المسألة الثامنة # أن المراعاة ما تقدم فالمحمود في التدبير الفاضل اختيار ما هو وسط بين ~~الطرفين المتقابلين في ذلك شأن سائر الخلاق والأفعال نعم تتفاوت الأخلاق ~~والطبقات في اختيار الوسط من ذلك تفاوتا عظيما بحسب اعتبارات PageV02P066 # لا تنحصر والضابط الكلي فيه اتباع هداية الطبيعة إليه برعاية ما يتكفل ~~بصلاح الدين والدنيا بحسب شخص من سائر الطبقات قل كل يعمل على شاكلته # والطبيعة بإذن الله تعالى لا تفعل باطلا ^ وخلق كل شيء فقدره تقديرا ^ ~~@QB@ ذلك تقدير العزيز العليم @QE@ # | المسألة التاسعة # قال الغزالي السفر وسيلة إلى الخلاص من مهروب عنه والوصول إلى مرغوب فيه ~~والأول ديني كالجاه والمال المضرين ودنيوي عام كالفتنة والغلاء وخاص كمن ~~يقصد بآذاية على انفراده والثاني ديني كالعلم والعمل ودنيوي كالمال والجاه ~~انتهى ملخصا # | المسألة العاشرة # قال النووي يجب على المسافر تعلم ما يحتاج إليه في سفره كاحتياج اللازم ~~من أحكام الجهاد للغازي ومن المناسك للحاج ومن فقه البيوع للتاجر ومن ~~الضروري في الدين للسائح المتعبد ومن شروط الصيد للصائد ومن النصيحة في حفظ ~~الأمانة مع ما يحتاج غليه المنعزل للراعي انتهى المقصود منه ملخصا # | العارض الثالث # # | الشدائد النازلة # ومن النافع فيها تذكيرات يقتضيه غرض التمحيص بها خصوصا وعموما # | التذكير الأول # أن من ضرورة وضع الدنيا عن قصد الابتلاء بها شرا وخيرا ^ ونبلوكم ~~PageV02P067 # بالشر والخير فتنة ) وجود الشدائد المكدرة لصفو الراحة فيها عما قريب ~~تعريفا بما وضعت عليه وإعلاما ومن ثم قال الشيخ تاج الدين لا تستغرب وقوع ~~الأكدار ما دمت في هذه الدار فإنها ما أبرزت إلا ما هو مستحق وصفها وواجب ~~نعتها قال الشاعر # ( طبعت على كدر وأنت تريدها % صفوا من الأقذار والأكدار ) # وقال الآخر # ( إن الليالي لم تحسن إلى أحد % إلا أساءت إليه بعد إحسان ) # | التذكير الثاني # أن من لازم نصب الحدود ms334 الشرعية لتجري بها مصالح الدارين عن أنهج طريق ~~بالنسبة إلى كل أحد في نفسه @QB@ من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها @QE@ ~~أن تكون المعصية بمجاوزة تلك الحدود سببا في الشدة المصاب بها من نزلت به ~~@QB@ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم @QE@ تعجيلا للعقوبة قبل يوم ~~الجزاء # | التذكير الثالث # أن شياع المعصية وخصوصا من السلطان ومن يليه هو سبب وجود الشدائد العامة ~~الابتلاء بمصائبها كما روى عن ابن عباس رضي الله عنه مرفوعا إذا فشي في هذه ~~الأمة خمس حل بهم خمس إذا أكلوا الربا PageV02P068 # كانت الزلزلة والخسف وإذا جار السلطان قحط المطر وإذا تعدى على الذمة ~~كانت الدولة لغيره وإذا ضيعت الزكاة ماتت البهائم وإذا كثر الزنا كان الموت # | التذكير الرابع # أن الرجوع إلى الله تعالى بالتوبة مما أوجب وقوع الشدة الخاصة والعامة هو ~~الكفيل بتعجيل الفرج منها وتبديل العسر بها يسرا كما وقع لقوم يونس صلى ~~الله عليه وسلم لما تابوا من الكفر قال تعالى ^ فلو كانت قرية آمنت فنفعها ~~إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ~~ومتعناهم إلى حين ^ وفي الحديث من لازم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق ~~فرجا ومن كل هم مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب ) # | التذكير الخامس # أن الخاص بالسلطان من ذلك بالقول الكلي الخصلة التي ترجم عليها الطرطوشي ~~أنها ملجأ الملوك عند الشدائد ومعقل السلطان عند اضطراب الأمور وتغيير ~~الأحوال وهي أن يترك للناس دينهم ودنياهم بمعنى أن لا يحول بينهم وبين صلاح ~~ذلك واستظهر على ثمرة العمل بهذه الخصلة بحكايتين # | الحكاية الأولى # قول المأمون في آخر مواقعه مع أخيه الأمين وقد نفذت له بيوت الأموال وألح ~~الجند في طلب الأرزاق بقيت لأخي خصلة لو فعلها ملك موضع قدمي هاتين فقيل له ~~وما هي قال والله إني لأضن بها على نفسي فضلا على غيري فلما خلص له الأمر ~~سئل عنها فقال لو أنه نادى بحط الخراج والوظائف السلطانية عشر سنين لملك ~~الأمور علي لكن الله ms335 غالب على أمره PageV02P069 # | الحكاية الثانية # قول الفضل بن سهل لما استشاره المأمون وقد خشي انتقاض أهل خراسان ف فتنة ~~مع الأمين قد قرأت القرآن والحديث والرأي عندي أن تجمع الفقهاء وتدعوهم إلى ~~العمل بالحق وإحياء السنة وتواصل النظر في المظالم وتقرب الرؤساء والقواد ~~وتعدهم بالمواعد الكريمة والولايات السنية # ففعل ذلك وحط على أهل خراسان رفع الخراج فمالت وجوه الخلائق إليه وانقاد ~~غليه رافع بن المهلب وكان اعظم الملوك بخراسان # تكميل # من الشدائد ما تهم العناية بتنزيل التعريف بما يعود بإخلاص التوجه به ~~تعجيل الفرج منها على أجمل عوائد الصنع الغريب والمذكور منها ثلاثة # | الشدة الأولى # تكالب العدو وهو صنفان كافر بالإسلام وباغ على الدولة والسلطان # الصنف الأول # العدو الكافر وصدق اللجا إلى الله تعالى بعد بذل الوسع في مدافعته أعظم ~~ما يرجى به الخلاص منه حكى الشيخ ابن الخطيب في ترجمة السلطان المقدس أبي ~~الحجاج بن إسماعيل بن فرج من هؤلاء الملوك النصريين السلطان الذي كان على ~~عهده من ملوك النصارى بقشتالة أبادهم الله تعالى كان طاغية مهابا وملكا ~~مجدودا وهبت له الرياح وعظمت به للمسلمين نكاية وتملك الخضراء بعد أن أوقع ~~بالمسلمين الوقيعة العظمى بطريف ثم نازل جبل الفتح وكاد يستولي منه على هذه ~~PageV02P070 # الجزيرة لولا أن الله تداركها بجميل صنعه وخفى لطفه لا إله إلا هو فهلك ~~بمحلته من ظاهره حتف أنفه ليلة عاشوراء من عام إحدى وخمس وسبعمائة فتنفس ~~المختنق وانجلت الغمة وانسدل الستر # ثم قال كنت منفردا بالسلطان رحمه الله تعالى وقد غلب اليأس وتوقعت ~~الفضيحة أوانسه بعجائب الفرج بعد الشدة وأقوى بصيرته في التماس لطف الله ~~وهو يرى الفرج بعيدا ويتوقع من الأمر عظيما وورد الخبر بمهلكه فاستحالت ~~الحال إلى ضدها من السرور والاستبشار والحمد لله على نعمه # الصنف الثاني العدو الباغي ومدافعته عن تلك الجهة متعودة النجح ببلوغ ~~الأمل فيه على أجمل صنع غريب ومما وقع من ذلك للقائم بأمر الله تعالى من ~~خلفاء بني العباس في بغي البساسيري عليه أبلغ عبرة # حكى بعض ms336 الشيوخ أنه لما اشتدت به محنته كتب إلى مكة شاكيا فيه ما ناله ~~منه بما نصه بسم الله الرحمن الرحيم إلى الله العظيم من عبده المسكين اللهم ~~إنك عالم بالسرائر ومطلع على مكنونات الضمائر اللهم إنك غني بعلمك ~~PageV02P071 # واطلاعك على أمور خلقك عن إعلامي لك وهذا عبد من عبيدك قد كفر نعمتك وما ~~شكرها وألقى العواقب وما ذكرها أطغاه حلمك وتجبر بأمانك حتى تعدى علينا ~~بغيا وأساء إلينا عتوا وعدوا اللم قل الناصر واعتز الظالم وأنت المطلع ~~العالم والمنصف الحاكم بك نستعين عليه وإليك نهرب من يديه فقد تعزز ~~بالمخلوقين ونحن نستعين بالله رب العالمين # اللهم إنا حاكمناه إليك وتوكلنا في إنصافنا منه عليك ورفعنا ظلامتنا إلى ~~حلمك ووثقنا في كشفها بكرمك فاحكم بيننا بالحق وأنت خير الحاكمين # وأظهر قدرتك فيه وأرنا ما نرتجيه فقد أخذته العزة بالإثم اللهم فاسلبه ~~عزه وملكنا بقدرتك ناصيته يا أرحم الراحمين يا رب العالمين و صلى الله عليه ~~وسلم محمد خاتم النبيين # قال فلما وصل الكتاب إلى مكة وعلق على باب الكعبة ودعى بما فيه ذبح ~~البساسيري في ذلك اليوم وهزم جيشه على يد الملك المظفر طغرلبك بن ميكال ~~الغزي صاحب خراسان وأعاد الخليفة إلى ما كان من حاله ورجع إلى داره انتهى # قلت في معجم الصدفي للقاضي عياض كانت فتنة البساسيري وهو أرسلان التركي ~~وقيامه ببغداد على أمير المؤمنين القائم بأمر الله وحشده العرب مع قريش بن ~~بدران العقيلي إلى بغداد ودخولهم إياها وانتهابهم دار الخلافة وأسره لأمير ~~المؤمنين القائم بأمر الله ودعاؤه بمنابر بغداد لصاحب مصر وإخراج أمير ~~المؤمنين إلى الجوفية آخر سنة خمسين وأربعمائة إلى أن خلصه الله من يده ~~وأظفره به ورده إلى خلافته على يد الملك المظفر طغرلبك أبي طالب محمد بن ~~ميكال الغزي صاحب خراسان آخر سنة إحدى وخمسين وأربعمائة PageV02P072 # | الشدة الثانية # المجاعة والغلاء والتوجه إلى الله تعالى برحمة المحتاج إلى الصدقة من ~~أعظم ما تنفتح به أبواب الفرج منها لقوله تعالى @QB@ إن رحمة الله قريب من ~~المحسنين ms337 @QE@ وفي الحديث من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته وكان الله ~~في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه # قال الأستاذ أبو سعيد ومن خطة نقلت فإذا كان في حاجة المساكين كان الله ~~في حاجته وعونه فكشف عنه كربه # قال ومن هنا سميت الصدقة فراجة الكرب # قلت وأبلغ من هذا في الرحمة لهم حال هذه الشدة مساهمتهم في مس البلوى بها ~~ليتذكر إليهم ويستدعي به رحمة المولى الرحيم كما يروى أن يوسف صلى الله ~~عليه وسلم لما ملك خزائن الأرض كان يجوع ويأكل خبز الشعير وكان قبل ذلك لا ~~يأكله فاستنكره بطنه فضربه بيده وقال هو الله ما ترى حتى يوسع الله على ~~المسلمين # فائدة في تنبيه لا خفاء أن القحط من أسباب هذه الشدة وعند ذلك فمن أنجح ~~ما تستمطر به سحب الغمام خضوع السلطان لله تعالى وتذلله بين يديه كما يحكى ~~أنه قحط الناس بقرطبة في آخر مدة الناصر من خلفاء بني أمية فأمر القاضي ~~منذرا بالبروز إلى الاستسقاء فتأهب أياما إنابة ورهبة واجتمع الناس في مصلى ~~الربض بارزين إلى الله تعالى في جمع عظيم وصعد الخليفة في أعلى مصانع القصر ~~المشرفة PageV02P073 # ليشارف الناس وشاركهم في الدعاء إلى الله تعالى وقبل بروزه غدوة ذلك ~~اليوم جاءه رسول الخليفة للخروج والناس متسابقون إلى المصلى فقال للرسول ~~وكان من خواص الخليفة ها أنا سائر فيا ليت شعري ما الذي يصنع الخليفة قال ~~ما رأيناه أخشع منه في يومنا هذا إنه لمنفرد بنفسه لابس أخشن الثياب مفترش ~~التراب قد رمد به على رأسه وعلى لحيته قد علا بكاؤه واعترف بذنوبه يقول يا ~~رب هذه ناصيتي بيدك أتراك تعذب الرعية بي وأنت أحكم الحاكمين لن يفوت شيء ~~مني قال فتهلل وجه منذر عندما سمع من قوله وقال يا غلام احمل المطر معك فقد ~~أذن الله بالسقيا إذا خضع جبار الأرض فقد رضي جبار السماء فكان كما قال ولم ~~ينصرف الناس إلا بالسقيا # | الشدة الثالثة # الوباء والطاعون ذكر المتأخرون فيما ms338 يتوسل به إلى الله تعالى في كشف ~~الكرب العظيم بها وسائل ثلاث # الوسيلة الأولى الدعاء على ما رجحه غير واحد من شيوخ المذهب خلافا لبعض ~~الحنابلة في كراهيته ومن المعين فيما حكاه الشيخ شهاب الدين بن حجر عن ~~الزركشي أن بعض السلف كان يدعو عقب صلاته ويقول اللهم إنا نعوذ بك من عظيم ~~البلاء في النفس والأهل والمال والولد الله اكبر الله أكبر الله أكبر مما ~~نخاف ونحذر الله أكبر الله أكبر عدد ذنوبنا حتى تغفر اللهم كما شفعت فينا ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فأمهلنا وعمر بنا منازلنا ولا تؤاخذنا بسوء ~~أفعالنا ولا تهلكنا بخطايانا يا رب العالمين PageV02P074 # | فائدة في تنبيه # قال الشيخ شهاب الدين ابن حجر وأما الاجتماع له كما في الاستسقاء فبدعة ~~حدثت في الطاعون الكبير سنة تسع وأربعين وسبعمائة بدمشق # ثم حكى إنكار الشيوخ على من جمع الناس في موضع فصاروا يدعون ويصرخون ~~صراخا عاليا وخرج الناس إلى الصحراء ومعظم أكابر البلد فدعوا واستغاثوا ~~فعظم الطاعون عند ذلك وكثر وكان قبل دعائهم أخف # قال ووقع هذا في زماننا حين وقع الطاعون بالقاهرة في السابع والعشرين من ~~شهر ربيع الأخير سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة وكان من يموت بها دون الأربعين ~~فخرجوا إلى الصحراء ودعوا وأقاموا ساعة ثم رجعوا فما نسلخ الشهر حتى صار ~~عدد من يموت بالقاهرة فوق الألف ثم تزايد ووقع استفتاء عن ذلك فأفتى بعض ~~الناس بمشروعية ذلك واستند فيه إلى العموميات الواردة في الدعاء واشتد آخر ~~إلى أن وقع في زمان الملك المؤيد وأجرى ذلك وحضره جماعة من العلماء فما ~~أنكروه وأفتى جماعة منهم بأن ترك ذلك أولى لما يخشى من الفتنة لأنه إن أجدى ~~لم يأمن خطر الطاعون وإن لم يجد لم يأمن من سوء الظن بالعلماء والصالحين ~~والدعاء ونحوت هذا المنحى في جوابي وأضفت إلى ذلك أنه لو كان مشروعا ما خفى ~~على السلف ثم على الفقهاء الأمصار وأتباعهم فلم يبلغنا في ذلك خبر ولا أثر ~~ولا فرع مسطور عن أحد ms339 من الفقهاء وألفاظ الدعاء وصفة الداعي لها أثر وأسرار ~~يختص كل حادث بما يليق به PageV02P075 3 والمعتمد في ذلك يغاير الاتباع لا ~~مدخل للقياس في ذلك وما ورد في التخويف بالكسوف بين له سنة تغاير ما ورد في ~~التخويف بالجدب وما ورد في النازلة كالقحط والوباء على رأي القنوت في ذلك ~~يغاير ما ورد في الكسوف والاستسقاء فالذي يأتي بهذا لهذا وبهذا لهذا يلحق ~~بمن أحدث في الدين ما ليس منه فيرد عليه وقد نص الشافعي على أنه لا قنوت في ~~الاستسقاء وهو يؤيد ما ذكرته والله أعلم # انتهى المقصود # الوسيلة الثانية كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ذكر لك الشيخ ~~شهاب الدين ابن أبي حجلة عن بعض الصالحين فاستدل له وإن لم يرد به نص صريح ~~بحديث أبي بن كعب رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أجعل ~~لك نصف صلاتي الحديث وفي آخره أجعل لك صلاتي كلها قال إذا تكفى همك ويغفر ~~ذنبك وذكر أنه لما أن أشاع ما بلغه من ذلك وأخبر به أصحابه قال له بعضهم ~~الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تدفع كل بلاء الطاعون وغيره ~~PageV02P076 # قال فقابليته بالتعظيم ووقع كلامه مني بموقع عظيم ثم اجتمعت بالشيخ شمس ~~الدين بن خطيب مرود وأخبرته بذلك فقال لقد أحسن في الكلام المشار إليه ولو ~~رأيته لقبلت يده انتهى المقصود منه # الوسيلة الثالثة # الصلاة إما في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أحزنه أمر فزع ~~إلى الصلاة # قال ابن أبي حجلة وذلك أن الصلاة يستشفى بها من عامة الوجاع قبل ~~استحكانها فمن أحس ببدء الألم من الطاعون أو غيره فبادر إلى الوضوء والصلاة ~~وفرغ قلبه لله تعالى وجمع همته على الله في صلاته اندفع عنه ذلك الألم بإذن ~~الله أو خف فلم يحصل له من ثقله ما حصل لمن أعرض عن الله وعن الصلاة # قال وبالجملة فلها أثر عجيب في حفظ صحة البدن والقلب وقواهما ودفع المواد ~~الردية ms340 عنها وما ابتلى رجلان بعاهة أو أذى أو محنة أو بلية إلا وكان حظ ~~المصلي منهما أقل وعاقبته أسلم # قال للصلاة تأثير عجيب في دفع شرور الدنيا لا سيما إذا أعطيت حقها من ~~تكميل الطهارة ظاهرا وباطنا فما استدفعت شرور الدارين ولا استجلبت مصالحها ~~بمثل الصلاة وسر ذلك إنها صلة الله تعالى فعلى قدر صلة العبد لله يفتح عليه ~~من الخيرات أبوابها ويدفع عنه من الشرور أسبابها انتهى ملخصا # | العارض الرابع # # | الرسالة # ولموقعها من الملك عند مسيس الحاجة غليها تخصها رعايات من السياسة سابقة ~~ولاحقة PageV02P077 $ الرعاية الأولى تحقق أن موقع الرسول من السلطان موقع ~~الدليل من المدلول والبعض من الكل ففي سياسة أرسطو اعلم أن الرسول يدل على ~~عقل من أرسله إذ هو عينه فيما لا يرى وأذنه فيما لا يسمع ولسانه عندما غاب ~~عنه وقالوا الرسول قطعة من المرسل # قلت ومن المشهور قولهم ثلاثة دالة على صاحبها الرسول على المرسل والهدية ~~على المهدي والكتابة على الكاتب # | الرعاية الثانية # اختيار من يرضى بها لأجل هذا الموقع ففي بقية كلام أرسطو المتقدم مقررا ~~لما يترتب عليه فيجب أن تختار أرفع من في حضرتك عقلا وبصيرة وهبة وأمانة ~~وتجنبا لجميع الريب # ( إذا ما كنت متخذا رسولا % فلا ترسل سوى رجل نبيل ) # ( فإن النجح في الحاجات يأتي % لطالبها على قدر الرسول ) # | الرعاية الثالثة # تقسيم الارسال بحسب اتصافهم بما يطلب فيهم إلى ثلاثة كما يظهر من كلام ~~أرسطو أحدها الكامل الاتصاف بما شرط فيه وهو المفوض إليه بعد المعرفة بغرض ~~مرسله ولذلك لا يوصي لاحتمال أن يرى عند المشاهدة أن الصواب في غير ما وصي ~~به قال PageV02P078 # ( إذا كنت في حاجة مرسلا % فأرسل حكيما ولا توصه ) # ( وإن باب أمر عليك التوى % فشاور لبيبا ولا تعصه ) # الثاني المتوسط الانصاف اقتصارا على الثقة والأمانة والتيقظ وهو المقتصر ~~على ما ألقى إليه من غير زيادة ولا نقص ليؤدي الجواب عليه كما سمعه # الثالث المقتصر على الأمانة فقط وهو الموجه بكتاب ليأتي بجوابه # قلت والعرف الآن أنه لا ms341 يعد من الارسال وإنما يسمى رقاصا ورتبته متخلفة ~~عنهم بكثير # | الرعاية الرابعة # اجتناب تخصيص الوزير بها وإن كان المتصف بأكمل الصفات وأجمعها ففي سياسة ~~أرسطو إياك أن ترسل وزيرك ولا تخرجه عن حضرتك فإن في ذلك فساد ملكك # قلت لأن منزلة الوزير من السلطان منزلة السلطان من الرعية فكما لا تستغني ~~الرعية عن السلطان لا يستغني هو عن الوزير # | الرعاية الخامسة # اعتماد التلطف في الوصول إلى المقصود بها والتيقظ لوجوه التهدي غليه ~~تحصيلا واستجلابا كما حكى ابن رضوان أن الوزير الشهير أبا عبد الله بن ~~الحكيم لما وفد رسولا عن سلطانه ملك الأندلس PageV02P079 # على السلطان أبي يعقوب ملك المغرب قال له ما مطلب سلطانك بعد أن فعلنا له ~~كذا وأسعفناه بكذا وعدد ما قدمه إليه من الصنائع الحسنة # فقال له نعم يا مولانا رضي الله عنكم كل ذلك كان ولم ينكره مولاي ولا ~~جهله لكن لسان حاله ينشد # ( أيا ملبسي النعما التي جل قدرها % لقد خلقت تلك الثياب فجدد ) # قال فأكمل مطالبه ووفى بحسن تلطفه مآربه # | الرعاية السادسة # اتقاء التساهل في اختيار الرسول لما يؤدي إليه من عظيم الضرر مع الموالي ~~والمعادي فعن بعض الحكماء اختر رسولك في الحرب والمسالمة فإن الرسول يلين ~~القلوب ويخشنها ويبعد الأمور ويقربها ويصلح الود ويفسده وكان أزدشير يقول ~~كم من دم سفكه الرسول بغير حق وكم من جيوش قد قتلت وعساكر قد انتهكت ومال ~~قد نهب وعهد قد نقص بخيانة الرسول وكذبه # | الرعاية السابعة # امتحان الرسول قبل ترشيحه للرسالة قال الجاحظ من الحق على الملك أن يمتحن ~~رسوله محنة طويلة قبل أن يجعله رسولا إلى بعض خاصته ثم حكى عن ملوك الأعاجم ~~إنها كانت تمتحن من تختاره للرسالة بجعله رسولا إلى بعض خاصته مع جعل عين ~~عليه فإذا طابق ما أحصاه PageV02P080 # العين عليه وعلم صدق لهجته جعله رسولا إلى عدوه مع بعث العين عليه فإن ~~اتفقنا فيما رجعا به وعلم أن قد صدقه وسيره رسولا إلى ملوك الأمم ووثق به ~~وأقام بعد ذلك خبره ms342 مقام الحجة انتهى ملخصا # | الرعاية الثامنة # إرداف الرسول بثان أو بثالث ورابع إن كانا اثنين وذلك مما اخذ به بعض ~~حكماء الملوك مبالغة في التحفظ من خيانة الرسول أو تقصيره فعن أزدشير أنه ~~كان يقول يجب على الملك إذ وجه رسولا إلى ملك آخر أن يردفه بآخر وإن وجه ~~رسولين أن يتبعهما اثنين فإن أمكنه أن لا يجمع رسولين في طريق ولا ملاقاة ~~ولا يترافقا فيتوافقا فعل # قلت وهذا مبالغة يعسر العمل بها والميسور منها لا يترك # | الرعاية التاسعة # تربص العمل بمقتضى ما ورد به الرسول حتى يوقف على حقيقته من جهة أخرى ذكر ~~ذلك الجاحظ قائلا على السلطان إذا عاد إليه رسول بكتاب أو رسالة من ملك في ~~خير أو شر أن لا يحدث في ذلك أمرا حتى يكتب إليه مع رسول آخر بحكاية الأول ~~حرفا حرفا فإن الرسول ربما حرر بعض ما أمل فافتعل الكتاب وحرض المرسل ~~المرسل إليه وأغرى به كذبا عليه ثم حكى ما اتفق لرسول عن الأسكندر لما أمر ~~بخلع لسانه من قفاه حين وقف على زيادة منه تعرفها بإعادة ارسول إلى من كذب ~~عليه ذلك الرسول PageV02P081 # قلت الوقوع في ذلك نادر والتحفظ منه بهذه المبالغة ربما يتعذر # فلا توقف لما ذكر والصواب ما تقتضيه الحال والله تعالى المرشد غليه ~~والمعين لمن شاء عليه # | الرعاية العاشرة # تعلم الرسول ما يجب عليه شرعا وسياسة فقد قال النووي في فصل معرفة ما ~~يحتاج إليه المسافر حسبما تقدم عنه وإن كان رسولا عن سلطان إلى سلطان أو ~~نحوه اهتم بتعلم ما يحتاج غليه من أدب المخاطبات وأجوبة المحاورات وما يحل ~~من الضيفات والهدايا وما يجب عليه من رعايات النصيحة وتوفي الغش والخداع ~~والنفاق والحذر من التثبت في مقدمات العذر إلى غير ذلك مما يتعين عليه ~~انتهى ملخصا # تتميم من مستحسن ما وفت به الارسال من حقوق مرسلها في الثناء عليه بحسن ~~السيرة على أبلغ بيان ما حدث به الجاحظ عن الفضل بن سهل قال كانت الملوك ~~إذا جاءت ms343 بالهدايا للمأمون تجعل اختلافهم إلي فكنت أسأل رجلا منهم عن سير ~~ملوكهم وأخبار عظمائهم فسألت رسول ملك الروم عن سير ملكهم فقال بذل عرفه ~~وجرد سيفه فاجتمعت عليه القلوب رغبة ورهبة لا يبطر جنده ولا يحوج رعيته سهل ~~النوال حزن النكال الرجاء والخوف معقودان في يده فقلت كيف حكمه قال يرد ~~الظلم ويردع الظالم ويعطي كل ذي حق حقه فالرعية اثنان راض ومغتبط قلت وكيف ~~هيبتهم له قال يتصور في القلوب فتغضى له العيون # قال فنظر رسول ملك الحبشة إلى إصغائي له إقبالي عليه فسأل ترجمانه ما ~~الذي يقول الرومي قال له يذكر ملكهم ويصف سيرته فتكلم مع الترجمان بشيء ~~فقال له الترجمان إنه يقول أن ملكهم ذو أناة PageV02P082 # عند القدرة وذو حلم عند الغضب وذو سطوة عند المغالبة وذو عقوبة عند ~~الإجرام وقد كسى رعيته جميل نعمته وخوفهم عنيف عقوبته فهم بتراؤه ترائي ~~الهلال خيالا ويخافونه مخافة الموت نكالا أوسعهم عدله ورد عنهم سطوته فلا ~~تمتهنه مزحة ولا توهنه غفلة إذا أعطى أوسع وإذا عاقب أوجع فالناس اثنان راج ~~وخائف فلا الراجي خائب الأمل ولا الخائف بعيد الأجل قلت فكيف هيبتهم له قال ~~لا ترفع غليه العيون أجفانها ولا تتبعه الأبصار إنسانها كأن رعيته قطا ~~رفرفت عليهم صقور صوائد فحدثت المأمون بهذين الحديثين فقال كم قيمتها عندك ~~قلت ألفا درهم قال يا فضل إن قيمتها عندي لأكثر من الخلافة أما علمت قول ~~علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قيمة كل أمرء هي ما يحسن أفتعرف أحدا ~~من الخطباء البلغاء يحسن أن يصف أحدا من خلفاء الله الراشدين المهديين بمثل ~~هذه الصفة فقد أمرت لهما بعشرين ألف دينار وأجعل العذر مادة بيني وبينهما ~~في الجائزة فلو لا حقوق الإسلام وأهله لرأيت إعطاءهما ما في بيت مال العامة ~~والخاصة دون ما يستحقانه # | العارض الخامس # # | الوفود # وللسياسة الفاضلة بهم عنايات # العناية الأولى احتفال السلطان للقائهم بإظهار زينة الملك وجماله فقد كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يتجمل بها للوفود والعظماء ms344 # قال القرافي وذلك أهيب وأوقع في النفوس وأجدر لحصول التعظيم في الصدور ~~PageV02P083 # قال ابن رضوان فهو أمر عادي وشرعي # العناية الثانية إكرام من يرد فيهم من ذوي النباهات في قومه وفي الحديث ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وفد عليه زيد الخيل بسط له رداءه ~~وأجلسه عليه وقال إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه # العناية الثالثة حسن الإقبال عليهم بالتلطف لهم في الخطاب تأنيسا لهم ~~وإدلالا ففي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رفيقا بالوفد # قلت كقوله صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس مرحبا بالوفد غير خزايا ولا ~~ندامى # العناية الرابعة الأذن في الكلام لمن هو أهل له في المقام السلطاني لئلا ~~يتجاسر عليه من لا يستحقه هناك ففي وفادة قريش على سيف بن ذي يزن قوله لعبد ~~المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان لا يعرفه وأراد أن يتكلم إن كنت ~~ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد أذنا لك وفي وفادة الحجازيين على عمر بن عبد ~~العزيز رضي الله عنه قوله للغلام الذي تصدر PageV02P084 # للكلام ليتكلم من هو أسن منك # العناية الخامسة إفاضة الإحسان على وفد التهنئة مبالغة في الترحيب بهم ~~وإدخال السرور عليهم قال ابن رضوان وهي من سنن الملوك الحسنة وكأنها في ~~معرض شكر الله تعالى بإدخال المسرة على خلقه على النعمة المهناء بها انتهى # شرح إشارة تقدمت بحكايتين فيهما جمل من آداب هذا المقام # الحكاية الأولى قضية وفد قريش على سيف بن ذي يزن يروى عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال لما ظفر سيف بن ذي يزن بالحبشة وذلك قبل بعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أتاه وفود العرب وأشرافهم وشعراؤهم لتهنئته وتمدحه وأتاه ~~وفد قريش وفيه عبد المطلب بن هاشم وأمية بن عبد شمس وخويلد بن أسد في عدة ~~من وجوه قريش وأهل مكة وأتوه بصنعاء وهو في قصره الذي يقال له غمدان ~~فاستأذنوا عليه فأذن لهم ودخلوا عليه وهو متضمخ بالعنبر وبيض المسك من ~~مفارقه ms345 وعن يمينه ويساره الملوك وأبناء الملوك فاستأذن عبد المطلب في ~~الكلام وكان أجل القوم قدرا وأعظمهم فخرا وأعلاهم نسبا وأكرمهم حسبا ولم ~~يكن سيف يعرفه فقال له إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد أذنا لك فقال ~~عبد المطلب أيها الملك إن الله عز وجل قد أحلك محلا رفيعا صعبا منيعا شامخا ~~باذخا وأنبتك نباتا طابت أرومته وعزت جرثومته وثبت أصله وبسق فرعه في أكرم ~~معدن وأطيب موطن وأنت رأس العرب PageV02P085 # وربيعها الذي به تخصب وعمودها الذي عليه العماد ومعقلها الذي إليه يلجأ ~~العباد سلفك خير سلف وأنت منهم خير خلف ولن يخمد ذكر من أنت خلفه أيها ~~الملك نحن أهل حرم الله وسدنة بيته أشخصنا عليك الذي أبهجنا بك فنحن وفد ~~التهنئة لا وفد المرزية قال فأيهم أنت أيها المتكلم قال أنا عبد المطلب بن ~~هاشم بن عبد مناف قال ابن أختنا قال نعم قال ادن فأدناه ثم أقبل عليه وعلى ~~القوم قال مرحبا وأهلا وناقة ورحلا وأمنا ومستناخا سهلا وملكا مجلا يعطي ~~عطاء جزلا قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم وقبل وسيلتكم لكم الكرامة ~~رحبا ما أقمتم والحباء إذا أظعنتم فأخبره ببعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من قومه وأمر لكل رجل منهم بمائة من الإبل وعشرة أعبد وعشر إماء وعشرة ~~أرطال ذهبا وعشرة أرطال فضة وكرش عنبر وأمر لعبد المطلب بعشرة أمثال ما أمر ~~لهم # الحكاية الثانية # خبر وفد الحجازيين على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فيروى أنه لما ولي ~~الخلافة وفد عليه الوفود من كل بلاد فوفد عليه الحجازيون فتقدم غلام منهم ~~للكلام وكان حديث السن فقال له عمر ليتكلم من هو أسن منك فقال أصلح الله ~~أمير المؤمنين إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه فإذا منح الله عبدا لسانا ~~لافظا وقلبا حافظا فقد استحق الكلام وعرف فضله من سمع خطابه من الأنام ولو ~~أن الأمر يا أمير المؤمنين بالسن لكان في مجلسك هذا من الأمة من هو أحق به ~~منك فقال نعم ms346 صدقت قل ما بدا لك فقال PageV02P086 # الغلام أصلح الله أمير المؤمنين نحن وفد تهنئة لا وفد تعزية وقد أتيناك ~~لحق الله الذي من علينا بك لم يقدمنا عليك رغبة ولا رهبة أما الرغبة فقد ~~أتتنا منك وأما الرهبة فقد أمنا جورك بعدلك فقال له عمر عظني يا غلام فقال ~~اصلح الله أمير المؤمنين إن ناسا من الناس غرهم حلم الله تعالى عنهم وطول ~~آمالهم وكثرة ثناء الناس عليهم فزلت بهم أقدامهم فهووا في النار فلا يغرنك ~~حلم الله تعالى وطول أملك وكثرة ثناء الناس عليك فتزل بك قدمك فتلحق بالقوم ~~فلا جعلك الله منهم وألحقك بصالح هذه الأمة ثم سكت فسأل عمر عن سن الغلام ~~فإذا هو ابن ثمان عشرة سنة ثم سأل عن نسبه فإذا هو من ولد الحسين بن علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه وتمثل بقوله # ( تعلم فليس المرء يولد عالما % وليس أخو علم كمن هو جاهل ) # ( وإن كبير القوم لا علم عنده % صغير إذا التفت عليه المحافل ) # ( وإن صغير القوم والعلم عنده % كبير إذا ردت غليه المسائل ) PageV02P087 # | الفصل الثاني # # | في سياسة الوزير # والمذكور منها باعتبار ما يخصه ثلاث سياسات لنفسه وسلطانه وأرباب دولته # | السياسة الأولى # # | سياسة لنفسه # لينتهض بما تحمل ما وراءها كما قيل لا يضبط الكثير من الناس من لا يضبط ~~نفسه الواحدة وجوا معها الكلية أخذ نفسه بمعتقدات علمية وعزائم عملية فهي ~~ضربان # | الضرب الأول # # | المعتقدات العلمية # وهي جملة # | المعتقد الأول # إن بالتصرف بمقتضى العدل والنصفة يملك سائر القلوب ويظفر منها بالمحبة ~~الصادقة وبموجب الجور والقهر لا يملك منها إلا التصنع في الظاهر وهي طالبة ~~في السر لمن يملكها ويأمر عليها بما تنقاد إليه ظاهرا وباطنا PageV02P089 # قلت وهذا وإن سيق مثله في السلطان فهو يجري في الوزير إذ هو فرعه وشعبة ~~منه # | المعتقد الثاني # إن بقاء النعمة عليه ببقاء النعمة منه واستقامة الأمور على حسب استقامتها ~~به # قلت لأن النعمة من العبد شكران على النعمة عليه فإذا كفر بها بتركه فقد ~~عرضها للزوال ms347 كما تقدم تقريره في الشكر فليستحضر معناه في هذا المقام # | المعتقد الثالث # إن صلاح الأمر به أفضل ما يعتمد به من فوائد الولاية وعوائد الخصوصية بها ~~كشمول الأمن وعموم الرضا ووفاء الذمة وإفاضة الإحسان فبذلك تحسن الأيام ~~ويطيب الذكر وتملك القلوب ولا كذلك إذا أعرض عن هذا القصد ونأى عنه بجانبه # | المعتقد الرابع # إن إيثار الراحة وقت الحاجة إلى الحركة يعقب تعبا لا بد منه عند فوات ~~البدار إليها تحصيلا لمصلحتها وإذ ذاك فتحمل تعبها أولى من النهوض لتعب لا ~~فائدة فيه البتة # | المعتقد الخامس # إن الإبقاء على من يهم بزوال نعمته رعاية لموجب الإقالة له من عناية ~~سابقة واستحقاق لدوام استصحابها كفيل بحسن الحراسة من الله تعالى بإحراز ~~السلامة من التبعة وادخار المثوبة عليه يوم الجزاء PageV02P090 # | الضرب الثاني # # | العزائم العلمية # وهي جملة # | العزيمة الأولى # تقديم تقوى الله واستشعار مراقبته فيما أوجب عليه من طاعة السلطان ~~ومقابلة ثقته به بما يوفي بحقوقه اللازمة وحمل الكافة على مقتضى الشرع الذي ~~هو نهاية المعدلة بينهم وبذل الوسع فيما تقلد من ذلك واعتمد عليه في الوفاء ~~به # | العزيمة الثانية # مسارعته للقيام بالأعمال الوقتية والوظائف الحاضرة حذرا من آفات التأخير ~~ومحذور عوائقه وأيضا فالوقت الذي تؤخر إليه له عمل آخر يخصه قالوا وأقل ما ~~يلحق من ازدحام الأعمال دخول الخلل فيها # | العزيمة الثالثة # احترازه من إغفال شيء تقلده اتكالا على ثناء الناس عليه بمحاسن القيام ~~بالوظيف لما يظن به من الخروج عن المحمود منه بمقدار ما خرج إليه من ذلك ~~ولأن الثقة بمدح الناس ذهولا عن المساوئ الباطنة عدول عن اعتبار ما هو أوفى ~~في المعرفة وأصدق في الدلالة # | العزيمة الرابعة # اعتماده عند توزيع وظائف الخدمة على وسيلتين الكفاية والأمانة وإن كان ~~المتصف يهما بعيدا عن العناية به لولا هما وذلك لما يعود به قبول ~~PageV02P091 # ما سواهما من التضييع المتصف بهما والخيانة مع الرمي بنقيضه الإيثار بهوى ~~أو هواده أو تقصير # | العزيمة الخامسة # ترفعه عن التبذل لكثرة مباشرة العامة لما في طباعها من إهانة ms348 من خالطها ~~وتنقيصه بإفراط الدالة عليه لكن بحيث لا يفرط في غلطة الحجاب لما تقدم من ~~تقرير مضرته وعظم الوعيد عليه فقد جعل الله لكل شيء قدرا # | السياسة الثانية # # | سياسة السلطان # وذلك بآداب يعظم يعظم بها مقامة ومتقيات يحذر منها في خدمة ملكه وتدبيره ~~فهي نوعان # النوع الأول وهو جملة آداب # الأدب الأول إخلاص النية الصالحة في كل ما يلفظ به بين يديه فقد قال ~~أفلاطون إذا طابق الكلام نية المتكلم حرك نية السامع وإن خالفها لم يحسن ~~موقعه ممن أريد به وذكر قضيته مع الملك الذي سجنه # قلت وقول الشيخ تاج الدين كل كلام يبرز عليه كسوة القلب الذي برز منه ~~يشمل هذا المقام وغيره ويعمه PageV02P092 # الأدب الثاني عدوله بالسلطان عن المضرة بالناس متى سلك طريقها بأعمال ~~التلطف له في جذبه بالرفق بطريق المنفعة مظهرا بالناس متى سلك طريقها ~~بأعمال التلطف له في جذبه بالرفق بطريق المنفعة مظهرا له أن صورته عنده ~~محبة الإحسان وكراهة الأضرار # قلت وبالوثوق به يلجئه للسلوك على النهج الذي أرشده إليه ذلك بنج الهداية ~~عليه # الأدب الثالث تنزله في إلقاء الفائدة للسلطان بحيث لا يشعر بأنه المفيد ~~له بها ففي الأفلاطونيات ينبغي للوزير أن يخرج إفادته للملك في صورة ~~الاستفادة منه ولا ينسى محله عند رفع السلطان له # وفي العهود اليونانية إذا شاورك الملك فلا تكلمه كلام المرشد لمن استهداه ~~فيما أشكل عليه ولير فيك من الحاجة إلى عرض ما تشير به عليه أكثر من حظه في ~~فائدة ما بدا منك # | الأدب الرابع # تنبيه سلطانه على إمضاء التغيير لما يخل بحفظ الشريعة بإحياء سننها وقمع ~~البدع فيها مع إحالة ذلك عليه بعد مبادرته هو لواجب التغيير بنفسه ليظهر ~~للناس أن عناية السلطان بذلك فوق ما أهمه هو من العناية به # قال في العهود فإنك تهدي إليه فيه ما يزيد في مكانتك ويحسن أثارك ويطيب ~~أخبارك # الأدب الخامس أعمال جهده في التماس عذر السلطان في ما أقر له فيه بالخطأ ~~مع الحذر من التصريح بالموافقة ms349 عليه ففي الأفلاطونيات إذا ذكر لك رئيس خطأ ~~كان منه واعترف به فأجل فكرك في الاعتذار له منه واحذر أن تعنفه ولا تجمع ~~معه على ذمه PageV02P093 # قلت ينظر إلى هذا قوله في موضع آخر إذا أردت تسكين غضب الملك على أحد ~~فادخل معه في غيظة وصغر أمره وأعلمه أن منزلته دون التي خرج إليها الملك ~~ليستريح إليك ويسكن ثم يتأتى له بعد ذلك كما يعمل الزجاج بآلة الزجاج ~~ينقلها بعد الخروج من النار إلى موضع حار لئلا يضر بها برد الهواء # | الأدب السادس # تخصيص من أحسن إليه على تخصيص الشكر بالسلطان والاعتراف له بالمنة لما ~~فيه تعظيم مقامه وتوفيقه على إيثار له بنتائج المساعي الحميدة ففي العهود ~~حرض من أحسنت إليه شكر الملك دونك ليقف على أن سعيك له أكثر من سعيك لنفسك # | الأدب السابع # اقتصاره في التصريف بمقتضى الفضائل الملوكية على فضيلتي الصبر والعدل وما ~~وراء ذلك فإلى السلطان لا له ففي الأفلاطونيات يحتاج الوزير إلى أن لا ~~ينازع الملك فضيلة إلا فضيلة الصبر على مزاولة الأمور والعدل فيها وإعطاء ~~كل طبقة ما تستحقه فإن هذا له خاصة والملك الزيادة والنقصان بمقدار ميله ~~ومحبته والتسمح الذي لا يسع الوزير في شيء منه # | الأدب الثامن # مراعاة أحوال سلطانه في السر والجهر والغيبة عنه والحضور معه بحيث لا ~~يخفى عليه شيء من أموره ولا يغيب عنه قليل منه ولا كثير PageV02P094 # قال الطرطوشي لا يعرف ما له وما عليه حتى يراعي من صاحبه الواثق به ما ~~يراعيه العاشق الغيور من المعشوقة المتهمة # قلت ولا يخفى على ذي فهم فإذا به يتوصل إلى ذلك # | الأدب التاسع # معرفة خلق سلطانه ليسلك في التدبير على حسبها وهي السخاء والبخل والقوة ~~على التدبير والضعف والاسترسال وسوء الظن وحسن البشر والانقباض والسخي يؤثر ~~الشكر على التوفير والبخيل يؤثر التوفير على الشكر والقوي على التدبير ~~يستدعي المشاركة على السعي ويحرز بذلك الحجة للمشاركة والضعيف على التدبير ~~يركن إلى التفويض والحيلة لما لا يحمد عاقبته والحسن الظن يتمكن معه ms350 من ~~إحكام أموره ويتبع فيها أقصى مبالغ المصلحة والسيئ الظن يشتغل بطلب الخلاص ~~منه على التفرغ لتدبيره والحسن البشر يزيد في نشاط صاحبه ويملك قلوب ~~الأحرار بإقباله والشديد الانقباض يكل عن السعي في أموره ويمنع انشراح ~~الصدر لموالاته # قال في العهود اليونانية ويحدث عن هذه الأخلاق إذا ازدوجت ستة عشر نوعا ~~قال وقد ظن أن بين كل خلق منها وضده خلقا معتدلا وهذا موجود في العقل ولا ~~ظهور له في الحس والمراد ما يغلب من ذلك حسا قال فأعط صورة من تخدمه من ~~الملوك ما يناسب تأليفها من التدبير يحسن أثرك وينقاد لك سلطانك # فائدة لمعرفة أخلاق السلطان طريقان طريق المباشرة له وطريق اعتبارها ~~بأخلاق من يغلب عليه ففي الأفلاطونيات اعرف أخلاق الملك من أخلاق من يغلب ~~عليه من معاشريه وأدخل إليه من خلق أقربهم إليه أن وثقت من نفسك بنفاذ في ~~ذلك PageV02P095 # | الأدب العاشر # وهو رأس الأمور كلها وملاك هذه الآداب تقوى الله تعالى وذلك في تقديم ~~طاعته وذلك لأمرين # أحدهما أن السلطان لا طاعة له في معصية الله تعالى لما تقرر ذلك شرعا ~~وأنظر في موعظة الحسن لابن هبيرة وقد سأله عن الكتاب يرد عليه من سلطانه ~~بما فيه مخالفة هل له سعة في تقديم الطاعة له فقال الله أحق أن تطيعه ولا ~~طاعة له في معصية الله فأعرض كتاب أمير المؤمنين على كتاب الله فإن وجدته ~~موافقا له فخذ به وإن وجدته مخالفا فأبعده يا ابن هبيرة اتق الله فإنه يوشك ~~أن يأتيك رسول من رب العالمين يزيلك عن سريرك ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق ~~قبرك فتدع سلطانك ودنياك خلف ظهرك وتقدم على ربك وتنزل على عملك يا ابن ~~هبيرة وإن الله ليمنعك من يزيد وإن يزيد لا يمنعك من الله وإني لأحذرك بأس ~~الله الذي لا يرده القوم المجرمين انتهى المقصود منه # وأحصل في يديه إذا خرجت عن يديك وإنما لك علي الطاعة في طاعته وليس لك ~~علي الطاعة في معصيته فبكى الملك واستدناه وزاد ms351 في إكرامه PageV02P096 # الثاني إن بتقدير إيثاره بالطاعة فهو الذي بتسليطه تعجل العقوبة فقد قال ~~المقتدر بالله لوزيره علي بن عيسى اتق الله يعطفني عليك ولا تعصه فيسلطني ~~عليك قال المأمون لبعض وزرائه إياك أن تعصي الله فيما تتقرب به إلي فيسلطني ~~عليك # قلت وأولى إذا كانت المعصية بالطاعة له في محظور كما دل عليه حديث من ~~أعان ظالما عليه # كفاية محذور قد دل الوجود وشهد العيان أن الصدق مع الله تعالى في تقديم ~~طاعته ضامن للنجاة وتيسير الخلاص الجميل كما حكى عن الوزير الذي أمره ملكه ~~بقتله فقال له إن رأى الملك أن يعرفني بموجب ذلك فعل قال له إنك حملت نفسك ~~على مخالفتي على حال لا يستجيزها رشيد فقال له الوزير لو كنت أيها الملك ~~مالكي وحدك لأنفذت ما تأمرني به من PageV02P097 # غير مسألة ولا استرابة ولكنك تملك ظاهري ولي من سري وعلانيتي واحصل في ~~يديه إذا خرجت عن يديك وإنما لك علي الطاعة في طاعته وليس لك علي الطاعة في ~~معصيته فبكى الملك واستدناه وزاد في إكرامه PageV02P098 # | النوع الثاني # # | المتقي # وهو جملة متقيات # المتقي الأول إمضاء ما فوض إليه من غير مطالعة ( 45 ) له بمهماته . ففي ~~الافلاطونيات : إذا استوزرك الملك فلا تقبلن منه تفويضه فإن ذلك مخطر ~~بالوزير # قلت زاد في العهود والتفويض مظنة للتكثير # قال فإن أكرمك بذلك لموجب فأشرك معك حاكم الشريعة وخلد كل ما أمضيته في ~~ديوان مفرد له وطالع الملك بجملة ذلك تسلم # المتقي الثاني ترك التحفظ في كلامه عند مخاطبة السلطان كمجاوزة مقدار ~~الحاجة فيه والاحتجاج لغيره ففي العهود تحفظ في كلامك عند مخاطبته واحذر أن ~~يتعدى قولك ما دعت إليه الحاجة وسلم الناس عليك فيه # وجنب كلامك الاحتجاج بغيرك والتمثيل بسواك فربما أضر هذا بك وبمن تذكره # المتقي الثالث تقدم السلطان عليه فيما يعود بصلاح الملك جدا وتشميرا # ففي العهود واعلم أن عارا ونقيصة بك أن يتقدمك الملك في الصبر على الملاذ ~~وهجر الدعة وشدة اليقظة وقوة التفكير في مصلحة PageV02P099 # المملكة فإنه ms352 إن سامحك بذلك وسره في نفسه تقدمه عليك فيه فهو يحطك لديه ~~ويرى أنه لا مؤازر له فيما عداه وتابعه فاجتهد أن يراك متقدما له فيها ولا ~~يحس منك بتقصير عنها # المتقي الرابع إظهار ما له من فضائل تجاوز فضائل أهل طبقتك ففي ~~الأفلاطونيات إذا خدمت ملكا فلا تظهر منك له فضيلة تجاوز فضائل أهل طبقتك ~~فإنه لا يحسن موقعها لك ويرى بها أن قعودك أكثر من كفايتك # قلت ينظر إلى هذا قوله في موضع آخر ينبغي لمن طال لسانه وحسن بيانه ألا ~~يحدث الناس بغرائب ما يسمع فإن الحسد لحسن ما يظهر منه يحملهم على تكذيبه ~~وترك الخوض في الشريعة وإلا حملتهم المنافسة على تكفيره # المتقي الخامس إجابته لمشاركة السلطان فيما يذهل به عن التدبير والسياسة ~~ولو في لحظة من الزمان ففيها إذا استعملت على أمر ملك والسياسة ولو في لحظة ~~من الزمان ففيها إذا استعملت على أمر ملك فلا تأنس بلذة ولا بنعماء في ~~الوقت الذي يخلو به لذلك واستعمل الجد والتدبير في الوقت الذي يهزل فيه وإن ~~دعاك إلى مشاركته أعلمته أنه لا يجب أن يجتمعا على اللهو لئلا يغيب نور ~~العقل عن المملكة # المتقي السادس ذم رذيلة ظهرت فيه ونهيه عنها ففيها لا تذمن رذيلة ظهرت في ~~أحد من الملوك عنده ولا تنه عنها فإن الأمر والنهي للملك دونك ولكن أذكر له ~~الفضيلة التي خرجت تلك الرذيلة عنها وحسنها عنده فإنه يلزمها ويضرب عما ظهر ~~منه من تلك الرذيلة كأن يبخل PageV02P100 # فتحسن له توفية الأشياء وإعطاءها حقوقها وتقبح عنده الخرق والسرف فإنك ~~إذا عرفته بذلك رأى قبح البخيل فيجتنبه # المتقي السابع إقدامه على مجاوبة معادية في المجلس السلطاني إلا بإذن # ففيها إذا نابزك أحد بين يدي الملك فلا تكلمه إلا بإذنه واذكر له أنك لا ~~تطلق لسانك في مجلسه لجلالته عندك بجميع ما يحضرك فيه وأظهر التهاون بذلة ~~والتبسم منه فإنه يتشيظ وتقع به التهمة وأنت وادع # المتقي الثامن تغطية بحضرة السلطان ففيها لا تتغيظ بين ms353 يدي الملك فإن ~~الغيظ يحرك الانتصار ولا يكون في مجلسه إلا به ولكن حرك غضب الملك بوجوب ~~الحجة وخل بينه وبين الأمر # المتقي التاسع تشفي الغيظ به من عدو مكافح إيهاما أن ذلك من مصالح ملكه ~~ففيها أشد الأشياء على الرئيس أن قد تتشفى به من عدوك وتوهمه أن ذلك من ~~مصلحة أمره فإنك تقيمه مقام الكلب الذي تحركه على ما ينفعك دونه فاحذر هذا ~~ولا PageV02P101 # تظهر له بغضا لأحد أو محبة واجعل غضبك ورضاك تلقاء استخفاف الناس من ~~مملكته # المتقي العاشر تكلفه للسلطان ما لا يوفي به مقداره ففي العهود لا تنزل من ~~الملك منزلة تحتاج فيها إلى تكلف ما ليس في طبعك والاستعانة عليه في شيء ~~منها وإيقاع حيلة في مساورتها فليس عائد ما عليك بمقدار أخطارها بك # المتقي الحادي عشر قبول رضي السلطان بعد العتب عليه إلا بعد ظهور صحبته ~~ففي العهود إذا عتب عليك في شبهة لاحت في أمرك فلا تقبل رضاه عنك إلا بعد ~~أن تقدم حجتك وأره انك لا تؤثر الحياة إلا ببراءة الساحة من سوء الظنة فإن ~~ذلك زائد في محلك ومنبه على خطرك # المتقي الثاني عشر كثرة تردد حرم السلطان إليه في طلب الحوائج # ففي الأفلاطونيات ليحذر الوزير انصباب حرم الملك إليه في حوائجهم ولتكن ~~الواسطة بينه وبينهم أما أم الملك أو من وقف الملك على غيرته على الوزير من ~~حرمه # المتقي الثالث عشر سروره على ما يختص بالسلطان من ملبوس ومركوب ومتزين به ~~ففي العهود واحذر لباس ثوبه وركوب مركبه واستخدام ما يتزين به PageV02P102 # المتقي الرابع عشر إفراط الدالة على السلطان لسوء منقلبها ففي العهود ~~واحذر مصارع الدالة فإنه أكثر أعدائك في سمو حالك واستقامة أمرك # قلت ففي الأفلاطونيات شر الإدلال الإدلال على الملوك ومنه إمساكك عن ~~الاعتذار فيما فرقت به عند الملوك واستهانتك بخصمك حتى يتأثر الملك بقوله # المتقي الخامس عشر مساواته للسلطان في الزينة # قال الطرطوشي إذا كان الوزير يساوي الملك في الهيئة والطباعة فليصرعه ~~الملك فإن لم يفعل ms354 فليعلم أنه المصروع # قلت لأنها مبدأ الاستبداد عليه كما يرد إن شاء الله وقديما تخوف من ذلك ~~على الوزراء وحذروا من سوء عاقبته # يحكى أن والد بعض الوزراء قال لولده وقد رآه تجاوز الحد في حاله يا بني ~~إنه لقد غمني نظام أمرك وما رأيت من فساده فقال له ابنه وما أنكرت مني فقال ~~رأيت هيئة ابن الملك وعدده أقل من هيئتك وعددك ورأيت الجند قد أعطوك من ~~إعظامهم ما ليس عندهم فيه PageV02P103 # مستزاد للملك ولاان يعمر منزلته فأنزل مما رقيت إليه من قبل أن يرميك ~~الملك عنه # المتقي السادس عشر تعرضه بالتوسع في الحال لتغيير السلطان عليه ففي ~~الأفلاطونيات أكثر استثقال الملوك من خدمهم على كثرة ما يحتجنون من الأموال ~~ويملكون من الضياع والآلات فإذا رأى منك ما يستكثره فرده إليه وعرفه بأنك ~~جمعته له باسمك والتزم هذا له وإن أظهر كرهه له # قلت وعلى أن توسعه قد يكون بحسب ما يطلق له عناية به لاسيما في الدول ~~العظيمة الوفر كما يحكى عن الوزير أبي الفرج يعقوب أن مخدومه العزيز صاحب ~~مصر أقطعه مائة ألف دينار وخوله بعد موته من العبيد والممالك أربعة آلاف ~~وخوله جوهرا بأربعمائة ألف دينار # المتقي السابع عشر # إفراط سعيه في تكثير البنين والأتباع ففي العهود تجنب الانهماك في طلب ~~كثرة الولد والزيادة في الحشم فإن الحاسد يراهم وما PageV02P104 # يضطر إليه لها من نعمه وإنما هم مؤنة مستهلكة لعائدك لهم وردها وعليك ~~صدرها والاقتصاد في أمورك أدوم لسلامتك وأغض لطرفك الساهر عنك وأروح لقلبك ~~وجوارحك # قال وليكن وكدك ونهاية خوضك في استقراء حال المملكة وتأمل أقطارها وما ~~عليه كل جزء منها من زيادة أو نقصان أو سداد ثغر أو تدبير مصلحة تبقى لك ~~شرفها ويحسن بك أثرها # المتقي الثامن عشر ظهور موجدته على استوائه في العائد مع من دونه ففي ~~العهود إذا كنت للملك أنصح من جميع وزرائه وساوى عائدك عائدهم فلا كربك ذلك ~~لأنك تأخذ منه ما فرضه لك العقل وهم يأخذون ما أعطاهم ms355 إياه الهوى الذي لا ~~يثبت مع التكشف # المتقي التاسع عشر # إقامة الحجة عند قصد السلطان له أو لأحد من أتباعه بتغير حال دون طلب ~~العذر ففي الأفلاطونيات إن قصدك الملك في تابع لك أو في شيء من أمورك فليكن ~~طلب العذر له في ذلك أرشد من طلب الحجة التي تعصم منه # ولا يتأثر كلام الأتباع فيه وانظر على ولدك فضلا عن غيره بعين الملك تسلم ~~من انحرافه # المتقي العشرون # طلب الترفع عند المزيد له في الكرامة ففي الأفلاطونيات زد في PageV02P105 # تواضعك للملك بمقدار زيادته في رفعتك فإن استعفاك من ذلك فأعلمه أن ترك ~~ذلك عندك إثم وأن في تخطيه حرجا عليك فإن عقبى ذلك محمود لك # | السياسة الثالثة لخواص السلطان # # | وسائر أرباب الدولة # وهم طبقتان # المسالمون له في الظاهر والمتطلعون إلى منزلته # | الطبقة الأولى المسالمون # والنافع له في سياستهم مدارات خمسة # | المدارة الأولى # تنزيلهم حيث يضعهم الاستحقاق من خطوة المكانة الواضحة عند ذوي الأقدار ~~على موفور الجراية دونها مع إرضاء السلطان في تفضيل الأمراء بما لا يتجاوز ~~من الإحسان إلى حدود الشرف فبذلك يؤمن محذور الوقوع في خلل التدبير لسائر ~~الطبقات وغرور مخالفة قصد السلطان بالجملة # | المدارة الثانية # إرضاؤهم بعد ذلك بحسن الاعتذار لهم بما يصلح قلوبهم ويسكن في الرضا بما ~~وصلت إليه نفوسهم مع التلطف في تحسين طاعة السلطان إليهم ليهدي الله سبحانه ~~نتيجة قصدك وشكر فضيلة سعيك فتظفر منه بصفاء النية لك وتأمينك على جميع ~~الأمور PageV02P106 # | المدارة الثالثة # إعلامهم بأنك لا تتصرف إلا بإذن السلطان ومشورته فيما دق وجل # قال العهود مكن في نفوسهم أنك لا تعمل إلا ما رآه ولا تؤثر إلا ما رضيه ~~وإن لك منه منزلة من زادك عنها فقد أخطر بك وأن قبولها يزري على اختيارك # | المدارة الرابعة # كفايتهم كثرة التردد عليه بإحالتهم على السلطان في استيفاء مطالبهم ~~تعظيما لمقامه وليأخذ سائر الأولياء منه بحظ ففي العهود احذر انضباب هذه ~~الجماعة عليك وإخلالها بمرادها مؤد أن للملك اعتمادا على قيامك بأمرها ~~ووضعها إياك من ms356 قلوبها بحيث لا يؤثره الملك فإنه ينبت للملك في قلبه سوء ~~الظن بك وفساد النية # | المدارة الخانسة # كتم الأسرار السلطانية عنهم ولو تناهوا في الرفعة والجلالة ففي العهود لا ~~تفش لأحد وإن عظم قدره لديك سر الملك واجعل قلبك قبرا له وإن كثرت عليك ~~أسراره أثبتها بخطك بترجمة اخترعتها لا يعرفها سواك وتصفحها في كل أوقاتك # | الطبقة الثانية # # | المتطلعون إلى منزلته # وله معهم في التحفظات والسياسات مقابلات جمة # | المقابلة الأولى # استكثاره من العمل بمقتضى الفضائل المرغمة لأنف المنافس PageV02P107 # والمطالب الصواب أن تجاهدهم بالزيادة في فضائلك والتقدم بمناصحته والترفع ~~عن قصدها فإن المنافسين لفضل ما بينك وبينهم كثير والمتعالين عنك عددهم جم ~~غفير المقابلة الثانية $ # اصطناعه لمن ضادهم وطهر عليهم من يحرسه منهم ويكفيه مؤنة الانتصار له مع ~~رميهم بأشكالهم وقرع بعضهم ببعض # قلت وعلى شرط أن يكون ذلك بما لا تبعة فيه وفاءا بالتقوى التي هي ملاك ~~الشأن كله كما تقدم # | المقابلة الثالثة # إغضاؤه عنهم كرما وصفحا ففي العهود اليونانية تلق فرائطهم بحسن الإقالة ~~وسوء قولهم بكرم العفو وخلهم وما خامر قلوبهم من الحسائف فإن تسلط الجاهل ~~على نفسه فيما قصر عنه أضر من سوء ظفر أعدائه به # قلت وفي معناه قيل # ( لن يبلغ الأعداء من جاهل % ما يبلغ الجاهل من نفسه ) # | المقابلة الرابعة # أخذ حاشيته بإنصاف الناس وتخطي العدل فيهم إلى الفضل PageV02P108 # قلت وهو من أبلغ المزيد في الفضيلة لأن فضيلة التابع من حيث تبعيته فرع ~~فضيلة المتبوع # | المقابلة الخامسة # اختيار من يصطفيه ويصطنعه ففي العهود اختر من تصطنعه فإن اختيار الصنيعة ~~يرد عنك سوء الذكر وقيح القول # قلت وقد تقدم أن صلاحه بصلاح حاشيته وبطانته # | في سياسة سائر الخواص والبطانة # # | في صحبة السلطان وخدمته # وقبل بيان ذلك فهنا مقدمتان # | المقدمة الأولى # # | في الترهيب من مخالطته # ولو بمجرد الدخول عليه إذا جار قال الغزالي هي حالة مذمومة جدا ومنها ~~تغليظات وتشديدات تواترت بها الأخبار والآثار # قلت ويكفي من الوارد من ذلك أمران أحدهما أن النجاة والسلامة في اجتناب ~~ذلك ms357 وبالعكس ففي الحديث وقد وصف صلى الله عليه وسلم الأمراء الظلمة وقال ~~فمن نابذهم نجا ومن اعتزلهم سلم أو كاد أن يسلم ومن وقع معهم في دنياهم فهو ~~منهم وعن سفيان الثوري أنه قله لمن طلب منه الوصية إياك والأهواء إياك ~~والسلطان PageV02P109 # الثاني ما ينقص من الدين به فوق ما يزيد من الحط به قال أبو ذر رضي الله ~~عنه لسلمة يا سلمة لا تغش أبواب السلاطين فإنك لا تصيب من دنياهم شيئا إلا ~~أصابوا من دينك أفضل منه وعن الحسن أنه قال لا تجيبن أميرا وإن دعاك لتقرأ ~~عنده سورة من القرآن فإنك لا تخرج من عنده إلا شرا مما دخلت # موعظة روى أن الزهري لما خالط السلطان كتب إليه أخ له في الدين عافانا ~~الله وإياك أبا بكر من الفتن فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك ~~الله ويرحمك أصبحت شيخا كبيرا وقد أثقلتك نعم الله بما فهمك من كتابه وعلمك ~~من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء ~~قال تعالى @QB@ لتبيننه للناس ولا تكتمونه @QE@ واعلم أن أيسر ما ارتكبت ~~وأخف ما احتملك أنك أنت آنست وحشة الظالم وسهلت سبيل الغي بذنوبك ممن لم ~~يرد حقا ولم يترك باطلا حين دناك اتخذوا قطبا تدور عليك رحى ظلمهم وجسرا ~~يعبرون عليك إلى بلائهم وسلما يصعدون فيه إلى ضلالهم يدخلون بك الشك على ~~العلماء ويقتادون بك قلوب الجهال فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما أخربوا ~~عليك وما أكثر ما أخذوا منك مما أفسدوا عليك من دينك فما يؤمنك أن تكون ~~فيمن قال الله تعالى فيهم PageV02P110 # @QB@ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ~~@QE@ الآية وانك تعامل من لا يجهل ويحفظ عليك من لا يغفل فداو دينك فقد ~~دخله سقم وهيئ زادك فقد حضر سفر بعيد ^ وما يخفى على الله من شيء في الأرض ~~ولا في السماء ^ والسلام # توضيح من معنى ما لأجله ورد هذا التغليظ أمران # أحدهما ms358 معصية السكوت عن تغيير ما يرى من منكرات متعددة كلبس حرير ~~وافتراشه واستعمال أواني ذهب أو فضة وهو أن عذر بالخوف فقد كان في غنى عن ~~تعرضه بالمشاهدة لتوجه الخطاب عليه بالتغيح ثم سقوطه عنه بذلك العذر # تعميم قال الإمام الغزالي وعلى هذا القول من علم فسادا في موضع لا يقدر ~~على إزالته لا يجوز له أن يحضر ليجري ذلك بين يديه # وهو يشاهده ويسكت بل ينبغي أن يحترز عن مشاهدته # قلت إلا إن كان حضوره في طريق استجلاب مصلحة ولا انفكاك له عن تلك ~~المشاهدة وله نظائر # الثاني سنة القول المحظور شرعا كالدعاء والثناء على غير شرط ذلك ~~وكالتصديق في باطل تصريحا أو تلويحا وكإظهار ما يدعيه من حبه والشوق إلى ~~لقائه إذ الغالب أنه لا يقتصر على السلام وفي كل من ذلك وعيد لحديث من دعا ~~لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه PageV02P111 # وفي حديث إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق # قلت ولعسر التحرز من هذه الآفات استبعد العلماء نجاة من يتعرض لها مخاطرا ~~بنفسه ودينه # قال الخطابي ليت شعري من الذي يدخل إليهم اليوم فلا يصدقهم على كذبهم ومن ~~الذي يتكلم بالعدل إذا شهد مجالسهم ومن الذي ينصح ومن الذي ينتصح منهم # ثم قال إن الذي هو أسلم يا أخي في هذا الزمان وأحوط لدينك أن نقل من ~~مخالطتهم وغشيان أبوابهم وان تسأل الله الغنى والتوفيق لهم 3 معذرة قال ~~الغزالي اثر تقريره بما لخصناه من كلامه أولا فلا يجوز الدخول عليهم إلا ~~بعذرين # أحدهما أن يكون من جهتهم أمر إلزام لا أمر إكرام وعلى أنه لو امتنع لأوذي ~~أو أفسد عليه طاعة الرعية واضطرب أمر السياسة فتجب الإجابة طاعة لهم بل ~~مراعاة لمصلحة الخلق حتى لا تضطرب الولاية # الثاني أن يدخل عليهم في دفع ظلم عن نفسه أو عن مسلم سواه إما بطريق ~~الحسبة وإما بطريق التظلم والتكلم بشرط ألا يكذب ولا يسيء ولا يدع نصيحة ~~يتوقع لها قبولا PageV02P112 # قلت ومثله قول ابن العربي ms359 صحبة الظالم على التقية مستثناة من النهي حال ~~الاضطرار # | المقدمة الثانية # # | التحذير من صحبته # قال الطرطوشي اتفقت حكماء العربوالعجم ووصاياهم على النهي من صحبة ~~السلطان # قلت والمذكور هنا من الغرر قرروه بيانا لعلة ذلك النهي جملة # الغرر الأول ندور الإخلاص والسلامة فيها ففي دمنة وكليلة ثلاثة لا يسلم ~~منها إلا القليل صحبة السلطان وائتمان النساء على الأسرار وشرب السم على ~~التجربة # وكان يقال قد خاطر بنفسه من ركب البحر وأعظم منه خطرا صحبة السلطان فإن ~~من صحب السلطان فقد لبس شعار الغرور # الغرر الثاني فوات قيام خيرها بشرها قال الطرطوشي لا يتكافأ خير السلطان ~~وشره لأن خيره لا يعدو مزيدا لمال وشر السلطان قد PageV02P113 # يزيل المال ويتلف النفس التي بها طلب المزيد ولا خير في الشيء الذي ~~سلامته مال وجاه وفي نكبته الجائحة والتلف # قال ولهذا قيل للعتابي لم لا تصحب السلطان على ما فيك من الأدب # قال لأني رأيته يعطي عشرة آلاف في غير شيء ويردي من السور في غير شيء ولا ~~أدري من أي الرجلين أكون # الغرر الثالث تعرض قاصد الصلاح بها لعودها عليه بالفساد قال ميمون بن ~~مهران قال لي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يا ميمون احفظ عني أربعا لا ~~تصحبن سلطانا وإن أمرته بالمعروف ونهيته عن المنكر ولا تخلون بامرأة وإن ~~أقرأتها القرآن ولا تصلن من قطع رحمه فإنه لك قاطع ولا تتكلمن بكلام اليوم ~~تعتذر منه غدا # قال الطرطوشي وكم قد رأينا وبلغنا عمن صحب السلطان من أهل الفضل والعلم ~~والعقل والدين لمصلحة ففسد هو به # الغرر الرابع حرمان سعادة من ابتلى بها في دمنة وكليلة من ابتلى بصحبة ~~السلطان فلا سعادة له فإنهم لا عهد لهم ولا وفاء ولا حميم ولا قريب ~~PageV02P114 # ولا يكرم عليهم أحدا إلا أن يطمعوا فيه فيقربوه عند ذلك فإذا قضوا حاجتهم ~~تركوه # الغرر الخامس تردد صاحبها بين فوت اللذة إن قصد اللذة إن نصح أو تحمل ~~الوزر إن خان قال ابن المقفع لابنه إن وجدت من ms360 السلطان وصحبته غنى فاغن ~~نفسك عنه واعتزله جهدك فإنه من يأخذه السلطان بحقه يحل بينه وبين لذات ~~الدنيا ومن لا يأخذه بحقه يكسبه الفضيحة في الدنيا والوزر في الآخرة # قلت وبذلك اعترفوا بوضوح الأمر فيه فيحكى عن زياد أنه قال لجلسائه من ~~أغبط الناس عيشا قالوا لأمير وجلساؤه قال ما صنعتم شيئا إن لأعواد المنبر ~~لهيبة وإن لقرع لجام البريد لروعة ولكن أغبط الناس عندي رجل له دار لا يجري ~~عليه كراؤها وزوجة صالحة قد رضيته ورضيها فهما راضيان بعيشهما لا يعرفونا ~~ولا نعرفهم فإنه إن عرفنا وعرفناه أتعبنا ليله ونهاره وأذهبنا دينه ودنياه # أحدهما في حكم الهند إنما مثل السلطان في قلة وفائه في أصحابه وسخاء نفسه ~~عمن فقده منهم مثل الصبي والمكتب كلما ذهب واحد جاء الآخر # قلت السلطان إذا انقطع عنهم فهي الأولى فأرحامهم مقطوعة وحبالهم مصرومة ~~إلا من رضوا عنه في ساعتهم ووقتهم PageV02P115 # الثاني فيها أيضا صحبة السلطان على ما فيها من العز والثروة عظيمة الخطر ~~إنما تشبه بالحبل الوعر فيه الثمار الطيبة والسباع العادية والثعابين ~~المهلكة والارتقاء إليه شديد والمقام فيه أشد # خاتمة من منظوم التحذير وغبطة التخلف عن صحبة السلطان قيل # ( إن الملوك بلاء حيثما حلوا % فلا يكن لك في أكنافهم ظل ) # ( ماذا يؤمل من قوم إذا غضبوا % جاروا عليك وإن أرضيتهم ملوا ) # ( وإن نصحت لهم ظنوك تخدعهم % واستثقلوك كما يستثقل الكل ) # ( فاستغن بالله عن أبوابهم كرما % إن الوقوف على أبوابهم ذل ) # وقول آخر # ( أنست بوحدتي ولزمت بيتي % فطاب العيش لي وصفا السرور ) # ( وأدبني الزمان فلا أبالي % هجرت فلا أزار ولا أزور ) PageV02P116 # ( ولست بسائل ما دمت حيا % أسار الجند أم ركب الأمير ) # انعطاف إذا تقرر محذور هذا الأمر عاجلا وموعوده ما هو أدهى منه آجلا ~~فلصحبة السلطان على كثرة غررها وتقصير نفعها عن ضرها آداب كثيرة وشروط ~~وحقوق يبعد المطلوب منها والمشروط لكنها نوعان في التحصيل وضربان في ~~التقسيم الخاص للتفصيل ما يتأدب بفعله ترفعا لديه وترقيا وما يتأدب بتركه ~~حذرا منه وتوقيا وربما ms361 جمع الغرضين وشمل المطلوبين المفترضين # النوع الأول وهو جملة آداب # الأدب الأول أن يتلطف له عند الخطاب لأمرين # أحدهما أن الله تعالى قد أمر باللين في القول في مخاطبة العظماء وان ~~كفروا وذلك في حق المؤمن أوجب قال الله تعالى @QB@ فقولا له قولا لينا لعله ~~يتذكر أو يخشى @QE@ # الثاني أن حسن التلطف في الخطاب يحظى بنجح السعي وبلوغ القصد لا سيما في ~~مقامي السؤال والاستعطاف # حكاية دخل معن بن زائدة على الرشيد وقد كان وجد عليه PageV02P117 # فمشى يقارب الخطو فقال له كبرت يا معن قال في طاعتك يا أمير المؤمنين ~~فقال وإنك لجلد قال على أعدائك يا أمير المؤمنين فرضي عنه وولاه # الأدب الثاني أن يصغي لكلامه إذا تكلم لأمرين # أحدهما أن ذلك من الحقوق التي لا يتقرب أرباب الخصوصية بأفضل منها بحسب ~~الظاهر # قال الجاحظ من حق الملك إذا حدث بحديث أن يصرف كل من حضره فكره وذهنه ~~ونحوه # فقال وكان عبد عوف يقول لم يتقرب العامة إلى الملوك بمثل الطاعة ولا ~~العبيد بمثل الخدمة ولا البطانة بمثل حسن الاستماع # الثاني أن التأدب به بعيد بنيل الحظوة وترفيع الدرجة PageV02P118 # كان روح بن زنباع يقول إن أردت أن يمكنك الملك من أذنه فأمكن أذنك من ~~الإصغاء إليه إذا حدث # وكان معاوية يقول يغلب على الملك حتى يركب بشيئين شرف الحلم عند سورته ~~والإصغاء إلى حديثه # حكاية قال الجاحظ حكى عن أبي بكر البرقي أنه بينما هو في مجلس أبي العباس ~~إذ حدث أبو العباس بحديث من أحاديث الفرس فعصفت ريح فأوقعت طستاطينا من سطح ~~إلى المجلس فارتاع أبو العباس ومن حضره ولم يتحرك أبو بكر لذلك ولم تزل ~~عينه مطالعة لأبي العباس # فقال له ما أعجب شأنك يا هذا لم يرعك ما راعنا قال يا أمير المؤمنين إن ~~الله عز وجل يقول @QB@ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه @QE@ وإنما للرجل ~~قلب واحد فلما عمره السرور بأمير المؤمنين لم يكن فيه لحادث بحال مجال وإن ~~الله تعالى إذا أفرد ms362 لكرامة أحدا وأحب أن يبقى له ذكرها جعل تلك الكرامة ~~على لسان نبيه وخليفته وهذه كرامة خصصت بها مال إليها ذهني وشغل بها فكري ~~فلو انقلبت الخضراء على الغبراء لما أحسست بها إلا بما يلزمني في نفسي ~~لأمير المؤمنين فقال له أبو العباس لأن بقيت لك لأرفعن منك موضعا لا تطوف ~~به السباع ولا تنحط عليه العقبان PageV02P119 # الأدب الثالث أن يستشعر الصبر في خدمته على كل حال ففي الأفلاطونيات ~~استعمل الصبر في خدمة الملوك ليس عند المكروه وحده ولكن في المحبوب مثل أن ~~تصبر على ما وعدك ولا تكره بإنجازه # قلت وذلك لأمرين # أحدهما أنه لا ملجأ له إلى البدار بالنظر في خاص أو عام إلا بعد الفراغ ~~إليه مما هو أهم في نفس الأمر أو عنده وحينئذ فالصبر هو المرجوع إليه ومن ~~ثم قال أفلاطون أيضا اصبر على سلطانك فلست بأكبر شغله ولا بك قوام أمره # الثاني أنه متى وطن راجيه على ملازمة الصبر مع إسقاط الترفع عن الخضوع له ~~كان أقرب لحصول مقصوده فقد قيل من لزم باب السلطان بصبر جميل وكظم الغيظ ~~وإطراح الأنفة وصل إلى حاجته # حكاية قيل أنه قام رجل على باب كسرى سنة فلم يؤذن له فقال له الحاجب أكتب ~~كتابا وخففه أوصله لك فقال لا أزيد على أربعة أسطر فكتب في السطر الأول ~~الأمل والضرورة أقدماني على الملك وفي الثاني ليس مع العدم صبر على المطلب ~~وفي الثالث الرجوع بلا إفادة شماتة الأعداء وفي الرابع إما نعم مثمرة وألا ~~آمال ميؤسة فوضع كسرى تحت كل سطر علامة انصرف بها بستة عشر ألف درهم # الأدب الرابع أن يصحبه بالهيبة والوقار قالوا لأنه إنما احتجب لأجل ذلك ~~فلا يترك الهيبة معه # قلت وإلا وقع في محذورين PageV02P120 # أحدهما حماقة الدالة العائدة بهلاك المجترئ بها عليه قيل لعبد الله بن ~~جعفر ما الخرق قال الدالة على السلطان والوثبة قبل لعبد الله بن جعفر ما ~~الخرق قال الدالة على السلطان والوثبة قبل الإمكان وقال ابن المقفع أولى ~~الناس ms363 بالتهلكة الفاحشة المقدم على السلطان # الثاني تقصير الأنفس بارتفاعها عن تعظيم المزيد من الحرمة والجديد من ~~النعمة وقد قيل إذا زادك السلطان تأنيسا فزده إجلالا وإذا جعلك السلطان أخا ~~فاجعله أبا وإن زادك فزده # حكاية يقال أن يزدجرد رأى بهرام ابنه بموضع لم يكن له أن يقف به فقال له ~~مررت بالحاجب فقال نعم قال وعلم بدخولك قال نعم قال أخرج إليه فاضربه ~~ثلاثين سوطا ونحه عن السر ووكل بالحجابة أزدهرد ففعل ذلك بهرام وهو إذ ذاك ~~ابن ثلاث عشر سنة ولم يعلم الحاجب فيما غضب عليه الملك فلما # فلما جاء بهرام بعد ذلك ليدخل دفعه أزدهرد في صدره دفعة أرقده منها وقال ~~إن رأيتك بهذا الموضع ثانية ضربتك ستين سوطا ثلاثين منها لجنايتك على ~~الحاجب بالأمس وثلاثين لئلا تطمع في الجناية PageV02P121 # علي فبلغ ذلك يزدجرد فدعا أزدهرد فخلع عليه وأحسن إليه # قال الجاحظ وذكر لنا أن موسى الهادي دخل على أمير المؤمنين المهدي فزجره ~~وقال له إياك أن تعود لمثلها إلا أن يفتح عليك بابك # قال وليس لابن الملك من الملك إلا ما لغيره من الاستكانة والخضوع والتذلل ~~والخشوع ولا له أن يظهر دالة الأبوة ومنزلة البنوة # الأدب الخامس أن يرضى منه بما طار له من السهم من فرض الجراية ومتعود ~~الإحسانفي أوقاته ففي الأفلاطونيات إن استطعت أن يرى الملك غناك عنه ليس ~~بأن توهمه كثرة الجدة ولكن بأن تعلم أن القليل يقيم أحوالك كما يقيم الكثير ~~أحواله فافعل فإنه أدوم لسلامتك عليه # قلت وذلك لوجهين أحدهما أن البطانة لا ترفع في حوائجها إلا لموجب وربما ~~لا يسلم لها وجوده وإذ ذاك فالأولى بها القناعة بالحاصل إلى أن تحظى ~~بالمزيد مع السلامة كان شيرويه يقول إنما تعذر البطانة برفع حوائجها إلى ~~الملك عند ضيقة تكون أو جفوة تنالهم من ملوكهم وعند تتابع أزمة أو ظرف محدث # الثاني أن الكفاية إذا بلغت منها أقصى الحدود وهي تراها من القليل الذي ~~لا يغني في الحمل حتى أفصحت بطلب الزيادة فالذي جرأها ms364 على ذلك إنما هو ~~الشره والمنافسة # قال الجاحظ ومن ظهرت منه هاتان الخلتان كان جديرا أن تنزع كفايته من يده ~~وينقل إلى الطبقة الخسيسة ويلزم أذناب البقر وحراسة الأرض PageV02P122 # حكاية ذكر عن بعض الأمراء أن رجلا من ناحية رفع إليه رقعة يسأله فيها ~~إجراء أرزاقه # فقال له كم عيالك فزاد في العدد فقال له كذبت فأقام سنة لا يجترئ على ~~كلامه ثم رفع إليه رقعة أخرى فقال له كم عيالك فقال له أربعة فقال صدقت ~~ووقع في حاشية الرقعة يجري على عياله كذا وكذا # تلخيص من جملة هذا النوع من الآداب الدعاء للسلطان عند الدخول عليه ~~والإسراع بالقيام عنه وإذا فهم أنه يريد ذلك التلطف في الشكر له إظهار ~~الخفة في طاعته والكناية عن الاسم والصفة إذا وافق ذلك اسمه أو صفته مجانية ~~من سخط عليه خدمته على شرط الطاعة له في المكروه ومما يخالف الغرض التلطف ~~في إلقاء النصيحة غليه مسايرته عند ركوبه بالمحل الذي لا يضطر إلى التفاته ~~نحوه أو الدخول عليه بعد المهازلة دخول من لم يجر بينهما شيء شدة الحذر بعد ~~تقريبه وتمكينه حتى يكون منه على حد السنان خدمة الجاهل من الرؤساء باتباع ~~رضاه والعاقل بما فيه إحراز الحجة له وعليه إظهار الاستهانة له بما فضلت به ~~عليه والتعجب بما فضل به عليك إخراج القول والفعل بحسب ما غلب عليه من خدمة ~~الطبيعة أو العقل ادعاء النقص عنه في قوة غير القوة التي ظهر لك فيها الفضل ~~عليه لتخف على قلبه مداراته بحسب الإمكان تعلمه وكأنك تتعلم منه وتشير عليه ~~وكأنك تستشيره # النوع الثاني وهو أيضا جملة خصال يتأدب معه بتركها نذكرها ملخصة مخافة ~~التطويل وهي إفراط الدعاء له ومناداته باسمه ورفع PageV02P123 # الصوت بحضرته ابتداء الحديث بمجلسه إذا كان هو المتكلم والضحك من حديثه ~~وإظهار التعجب منه وإعادة الحديث عليه وإن طال العهد بإلقائه عليه رفع ~~الرأس إلى حرمه رفع العين إليه إذا دخل عليه وقد كان مازحه وإعلامه أن له ~~عليه حقا إظهار أن ms365 صواب قول أو فعل إنما كان منه حمله ما يرى منه جملة على ~~أن يدخل بينه وبين أهله وولده أن يرى لنفسه أنه بموضع سره ويعنه إذا أصاب ~~منه لطف منزلة الانقباض عنه التهالك عليه إذا تغير له السؤال عن أحواله عند ~~السؤال التهاون بالكذب بين يديه على وجه الهزل المبادرة بالجواب إذا سأل ~~غيره أن يسار بمجلسه أحدا أو يومئ إليه بالغمز الإلحاح عليه في المسألة ~~استبطاؤه إذا سأله إضمار العتب عليه مخافة أن يبدو على وجهه مكابرته في ~~التحول عما يحب أو يكره التملق له في كل ساعة إذا نزل منه منزلة أمره ~~استيحاشه من إكرامه للأشرار لأجل الحاجة إليهم الإكثار من غشيانه أو الصعود ~~عنده إظهار شرف نفسه إذا فضل عليه غيره معاداة أحد من حرمه كما قيل ~~PageV02P124 # ( ليس الشفيع الذي يأتيك مئتزرا % مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا ) # | خاتمة إفادة # من مستحسن ما ورد في هذا النوع في معرض الوصية به لمصاحب الأمراء معينا ~~أو مفيدا وصيتان # الوصية الأولى ما رواه الشعبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال لي أبي ~~أني أرى هذا الرجل يعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستفهمك ويقدمك على ~~الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإني موصيك بخلال أربع لا ~~تفشين له سرا ولا يجزين عليك كذبا ولا تطو عنه نصيحة ولا تغتابن عنده أحدا ~~قال الشعبي فقلت لابن عباس كل واحدة خير من ألف قال أي والله خير من عشرة ~~آلاف # الوصية الثانية قال الأصمعي قال لي الرشيد أول يوم عزم فيه على تأنيسي يا ~~عبد الملك أنت أحفظنا ونحن اعقل منك لا تعلمنا في PageV02P125 # ملأ ولا تسرع إلى تدبيرنا في خلا واتركنا حتى نبتديك بالسؤال فإذا بلغت ~~من الجواب قدر استحقاقه فلا تزد وإياك والبدار إلى تصديقنا وشدة العجب بما ~~يكون منا وعلمنا من العلم ما نحتاج إليه على عتبات المنابر وفي فواصل ~~المخاطبات ودعنا من رواية وحشي الكلام ومن غرائب الأشعار وإياك وإطالة ~~الحديث ms366 إلى أن نستدعي ذلك منك ومتى رايتنا صادين عن الحق فأرجعنا غليه من ~~غير تعزير بالخطأ ولا الإضجار بطول الترداد قال الأصمعي فقلت له أنا إلى ~~حفظ هذا الكلام أحوج مني إلى كثير من البر PageV02P126 & الباب الثاني & # | في واجبات ما يلزم السلطان سياسة القيام بها وفاء بعهدة ما تحمله وطولب ~~منه والمذكور منها جملة # الواجب الأول حفظ أصول الدين وقد تقدم ما يتضح به أن ذلك هو المقصود ~~الأعظم من السلطان والغرض الآن تفصيل بعض ما يكون به هذا النوع من الحفظ ~~متى ظهر مبتدع أو منجم زائغ وفرضه في مسائل # المسألة الأولى القيام على المبتدع في الدين بما يكفه عن ضلال بدعته من ~~ناحية الولاة وغيرهم وعلى حساب موقع البدعة في المخالفة يظهر بأحكام ~~متفاوتة الطلب باعتبار ذلك الموقع تجري عليه إرشادا أو نكالا # أحدها التعليم وإقامة الحجة كما وقع لابن عباس رضي الله عنهما مع الخوارج ~~حين ذهب إليهم مناظرا ومرشدا حتى رجع منهم ألفان أو ثلاثة آلاف ولعمر بن ~~عبد العزيز رضي الله عنه مع غيلان القدري PageV02P127 # الثاني الهجران بترك الكلام والسلام كما وردت الوصية بذلك عن غير واحد من ~~السلف كقولهم إذا ألفيت صاحب بدعة في طريق فخذ في طريق آخر وقولهم من جلس ~~إلى صاحب بدعة نزعت منه العصمة # الثالث التغريب كفعل عمر رضي الله عنه بصبيغ حين سأل عن المشكلات على غير ~~طريق الاتباع لنهج الصراط السوي حتى أدركه شؤمه النكال بذلك فبقي بين قومه ~~خاملا حتى هلك بعد أن كان سيدهم # الرابع الضجر قال الشيخ الإمام أبو إسحق الشاطبي كما سجنوا الحلاج قبل ~~قتله بسنين عدة # قلت وبعد ذلك كان قتله بفتوى فقهاء ذلك العصر # الخامس ذكره بما هو عليه تحذيرا منه وتنفيرا بشرط أن لا يتعدى فيه الصدق ~~فلا يفترى عليه ما لم يفعل وأن لا يتجاوز إلى ذكر معايبه الخلقية أو شر كان ~~في أبيه أو أمه لأن ما وراء المحتاج إليه باق على التحريم PageV02P128 # السادس القتال إذا ناصبوا المسلمين بالحرب ms367 وخرجوا عليهم بالسيف والسنان ~~كما فعله علي رضي الله عنه وغيره من الخلفاء الراشدين وأحكامهم في ذلك ~~مخالفة في أمور لقتال الكفار وهي مقررة في مواضعها # السابع القتل إذا عثر عليه ولا يخلو إذ ذاك أن يظهر بدعته أو يستتر بها ~~فإن أظهرها ولم يرجع عنها قتل بعد استتابته وإن استتر بها وكانت كفرا أو ~~تؤول إليه قتل دون استتابته وهو # الثامن قالوا لأنه في حكم الزنديق المقتول عند العثور عليه دون استتابة ~~وعند جماعة لا بد من استتابته قال ابن زرقون وبه أفتى ابن لبابة # التاسع تكفير من قام الدليل على تكفيره إما لصراحة البدعة بالكفر ~~كالإباحة والقول بالحلول والاختيار لتكفير ما يؤول منها إلى الكفر كما ذهب ~~إليه القاضي أبو بكر في جملة من الفرق # العاشر وهو مبني على ذلك أن لا يرثهم ورثتهم من المسلمين ولا يرثوا أحدا ~~منهم ولا يغسلون إذا ماتوا ولا يدفنوا في مقابر المسلمين قال PageV02P129 # الشيخ أبو إسحاق الشاطبي ولا المستتر فإنه يحكم له بحكم الكافرين وورثته ~~أعرف بالنسبة إلى الميراث # الحادي عشر الأمر بأن لا يناكحوا تأكيدا للهجران وعدم المواصلة # قلت ولما يتقي على ولده من سيران البدعة إليه خصوصا بعد موته وتخلفه في ~~حضانة نسائهم أشار إليه الشيخ أبو حفص العطار فيما حكاه البرزلي # الثاني عشر تجريمهم على الجملة قال الشيخ أبو إسحق الشاطبي فلا تقبل ~~شهادتهم ولا روايتهم ولا يكونون ولاة قضاة ولا ينصبون في مناصب العدالة من ~~إمامة وخطابة قال إلا أنه قد ثبت عن جملة من السلف رواية عن جماعة منهم ~~واختلفوا في الصلاة خلفهم من باب الأدب ليرجعوا عما هم عليه # الثالث عشر ترك عيادة مرضاهم زجرا وعقوبة # قلت لأن عيادته من باب التوقير لهم وقد ورد من أتى صاحب بدعة ليوقره أعان ~~على هدم الإسلام وروى مرفوعا وهو ظاهر المعنى # الرابع عشر ترك شهود جنائزهم إهانة لهم وإذلالا قال في المدونة ولا يسلم ~~على أهل البدع ولا يناكحون ولا يصلي خلفهم جمعة ولا غيرها ولا تشهد ms368 جنائزهم # الخامس عشر ضربهم كما فعل عمر رضي الله عنه بصيغ وعن مالك في القائل بخلق ~~القرآن أن يوجع ضربا ويسجن حتى يتوب # وعن الشافعي حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد ويجملوا PageV02P130 # على الإبل ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال هذا جزء من ترك الكتاب ~~والسنة وأخذ في الكلام قال الأئمة وعني بذلك أهل البدع # لأمر نصر السنة بذلك # المسألة الثانية ركون المبتدع إلى الولاة من أعظم ما يخل بهذا الحفظ ~~لأمرين أحدهما ما فيه من الإخافة لمن أبى من الإجابة له سجنا وضربا وقتلا ~~كما وقع لبشر المريسي بعهد المأمون ولأحمد بن أبي داود في أيام الواثق وفي ~~الواقع من ذلك نظائر # الثاني ما ينشأ عن ذلك من كثرة المجيبين للدعوة لأن سوق أكثر النفوس لما ~~يراد منها بوازع السلطان أمكن مما هو بمجرد الباعث الديني وعند ذلك فيجب ~~على ولاة الأمر إبعاد هذا الصنف المشؤوم وإسلامهم لإجراء PageV02P131 # أحكام السنة عليهم مخافة الفتنة بهم أولا وإدخال الضرر بهم على الدين ~~ثانيا # تعريف من عصمة القيام بهذا الواجب من وصمة الإخلال به ما وقع بعهد أمير ~~المسلمين الغالب بالله ابن نصر أيدهم الله في قضية المعروف بالفزاري الظاهر ~~بمالقة أيام المتغلب عليها إذ ذاك من رؤساء بني إشقيلولة ملخصا من كلام ~~الشيخ ابن الخطيب أن هذا الشقي لتناهي الفتنة به إلى أن تخطى موجب ذلك إلى ~~أن ادعى النبوة كان قد استهوى هذا الرئيس وتببعه لذلك ثاغية وراغية من ~~العوام الصم البكم مستبصرين فيه جناية وبعد زمان من قتله على يد الأستاذ ~~أبي جعفر بن الزبير بغرناطة وذلك عند إدالة الدولة بمالقة إلى أمير ~~المسلمين أبي عبد الله بن نصر وتمكن الأستاذ من المطالبة له والاستظهار ~~عليه بالشهادات PageV02P132 # قلت ففاز هذا السلطان رحمه الله بمنقبة هذا الواجب في مثل هذا الدجال ~~المفتون به من عميت عليه مراشده # نادرة فائدة قال الشيخ ابن الخطيب حدثني شيخنا أبو الحسن بن الجياب قال ~~لما أمر بالتأهب يوم قتله وهو في السجن الذي ms369 اخرج منه إلى مصرعه جهر بتلاوة ~~سورة يسن فقال له أحد الزعرة ممن جمع السجن بينهما اقرأ قراءتك لأي شيء ~~تتطفل على قراءتنا اليوم وما في معنى هذا فتركها مثلا للوذعيته # المسألة الثالثة ما يتأكد على السلطان أن يمنع منه منكرات من الفضول ~~المخلة برعاية هذا الحفظ وأعظمها منكرا # المنكر الأول الكهانة وما في معناها وقد تقدم وعيد التلبس بها شرعا وعلى ~~فرض عدم الذكرى به كما عند غير المتشرعين فقد شهدوا بضرر إباحة السمح فيها ~~لآحاد الرعية ففي العهود اليونانية لا تطلق لأحد أن يتكهن في مملكتك ولا ~~يدعي علم شيء مما هو كائن فإن ذلك يبعث سوء القول في أيامك ويطلق السنة ~~المرجفين بك # المنكر الثاني الجدال غير المحمود لأمرين # أحدهما مصير من اشتغل به إلى الضلال بعد الهوى فعن أبي هريرة رضي الله ~~عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ضل قوم بعد هدى إلا أتوا ~~الجدال ثم قرأ ما ضربوه لك إلا جدلا رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ~~PageV02P133 # الثاني مآله للتفكير المفضي للتقاتل بالسيف والسنان فعن أبي سعيد الخدري ~~رضي الله عنه قال كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تتذاكر ينزع ~~هذا بآية وينزع هذا بآية فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما ~~يفقأ في وجهه حب الرمان فقال يا هؤلاء بهذا بعثتم أم بهذا أمرتم لا ترجعوا ~~بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض # مطابقة في العهود اليونانية لا تطلق الجدال إلا لمن استحق الفتيا فيما ~~جادل عليه من منفعة في دين أو عالم بصناعة قد استقرى خواصها وناضل عليها ~~بمعرفته بها فإن من قصد لمعارضة دين أو إفساد معاني علم من العلوم من غير ~~خدمة له وطالب بالأدلة ما يعجز عن نصرته ومرتبة التصديق به فأذقه من بأسك ~~ما يردعه عن سوء الخوض فإنه يفسد عليك النشأ ويحيل الأحداث عن خدمة الأديان ~~والعلوم والمعايش ويريهم أنه قد أعتقهم من رق الزلل وإنما تعبدهم للشكوك ~~وحرمهم الارتياض ms370 بما يستمر عائده وهو من اضر ما في مملكتك وأسوأهم أثرا في ~~من أصغى إليه # الواجب الثاني تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بين المتنازعين ~~قال الماوردي حتى تعم النصفة فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم PageV02P134 # قلت وهنا للنظر الكلي طرفان أحدهما فيما يسوغ له في هذا المقام رعيا ~~للسياسة المعتبرة # الثاني فيما لا يسوغ له مما لا يعتبر من السياسة وقبل ذلك فهنا مقدمتان ~~في تنبيه # المقدمة الأولى أن الماوردي وتبعه القرافي في النقل عنه فرضا ما يذكر في ~~الطرف الأول باعتبار صاحب المظالم وصاحب الجرائم وقصدنا ذكر ذلك من حيث هي ~~أحكام سلطانية من غير تنزل لتلك الخطط لذهاب رسمها إلا ما كان من خطة ~~الشرطة حسبما تقدم # المقدمة الثانية انهما خصا ذلك بالسلطان دون القاضي كأنهما يقصران النظر ~~السياسي وإن شهد لهم الشره بالاعتبار على السلطان فقط وإن القاضي بمعزل عن ~~المشاركة في ذلك وابن فرحون قد نبه في كثير منها على أن القاضي له مشاركة ~~في ذلك لا يخرج بها عن موضوع خطته حسبما يذكر عنه إن شاء الله # الطرف الأول في ما يسوغ للسلطان في هذا المقام وفيه مسألتان # المسألة الأولى ما جلبه الماوردي في ذلك وتبعه القرافي مخصوصا بصاحب ~~المظالم وهو أمور # أحدهما أن له من القوة والهيبة ما ليس للقضاة # قلت لا سيما عند مصير الخروج عن عصبية الدولة والبعد عن ولايتها بالنصرة ~~والحماية إلى الضعف الذي تقدمت الإشارة إليه عن ابن خلدون وحتى في ولاة ~~خططها السلطانية فهم لذلك أقوى من القضاة وأهيب كما فرضه الماوردي ومع ذلك ~~فلا يدفع القاضي في الجملة عن تلك الخصوصية PageV02P135 # فقد قال سحنون ينبغي للقاضي أن يشتد حتى يستنطق الحق ولا يدع من حق الله ~~شيئا ولا يلين في غير ضعف نقله ابن بطال في مقنعه قال ابن فرحون وهذا نص في ~~استعمال القوة والهيبة # الثاني أنه أفسح مجالا وأوسع مقاما # قلت لوجود المقتضى لذلك حسب ما تقدم لتنبيه على مثله مرارا وللقاضي منه ~~حظ وافر ms371 كما لا يخفى # الثالث ما له من استعمال الإرهاب وكشف الأمور بالإمارات الدالة وشواهد ~~الحال اللائحة مما يؤدي إلى ظهور الحق # قال ابن فرحون وللقاضي أن يأخذ بالإمارات والقرائن في وجوه كثيرة قال وقد ~~نقل ابن قيم الجوزية أن مالكا رحمه الله تعالى ذهب إلى التوصل بالإقرار ~~بالحق بما يراه الحاكم استنادا لقوله تعالى @QB@ إن كان قميصه قد من قبل ~~@QE@ الآية # الرابع أنه يقابل من ظهر ظلمه بالتأديب # قال ابن فرحون وهو المذهب كتأديب أحد الخصمين إذا آذى صاحبه أو الشهود ~~PageV02P136 # ولابن سهل أن المدعي إذا انكشف للحاكم انه مبطل في دعواه فإنه يؤدبه واقل ~~ذلك الحبس ليندفع بذلك أهل الباطل واللدد عن ذلك # الخامس أنه يتأنى في تردد الخصوم عند اللبس ليمعن في الكشف بخلاف القضاة ~~إذا سألهم أحد الخصمين فصل الحكم لا يؤخر # قال ابن فرحون وهذا هو المذهب كما ذكره في آداب القاضي ومنه إذا طال ~~الخصام في أمر وكثر التشغيب فيه لا بأس له أن يخرق كتبهم إذا رجا في ذلك ~~تقارب الأمر ويفسخ ما بأيدهم من الحجج ويأمرهم بإبداء الخصومة وهو في ~~المتيطية وغيرها # السادس أن له رد الخصوم إذا أعضلوا إلى واسطة الأمناء ليفصل بينهم صلحا ~~عن تراض وليس ذلك للقاضي إلا برضى الخصمين # قال ابن فرحون وقواعد المذهب ومسائله تقتضي ذلك فقد ذكر في آداب القاضي ~~انه إذا خشي تفاقم الأمر بإنقاذ الحكم بين الخصمين أو كانا من أهل الفضل أو ~~بينهما رحم أو ولاء بينهما أقامهما وأمرهما بالصلح وقد أقام سحنون رجلين من ~~صالحي جيرانه من بين يديه وقال استرا على أنفسكما ولا تطلعاني على سركما ~~قال ولا بد في هذا كله من الوسائط # وقد قال عمر رضي الله عنه رددوا القضاء بين ذوي الأرحام حتى يصطلحوا فإن ~~فعل القضاء يورث الضغائن PageV02P137 # السابع أن له أن يقم في ملازمة الخصمين إذا وضحت إمارات التجاحد وبادر في ~~إلزام الكفالة فيما يشرع فيه تكفل لينقاد الخصوم إلى التناصف ويتركوا ~~التجاحد بخلاف القضاة # قال ابن ms372 فرحون وعندنا أنه يؤدبهما على ذلك # قلت وهو أعرف في السياسة وأجدى على نهج التقويم بها # الثامن أنه يستمع شهادة المستورين بخلافهم # قال ابن فرحون والمذهب أن القاضي يسمع أيضا في مواضع عديدة كما في القضاء ~~بشهادة التوسم وبشهادة غير العدول للضرورة # التاسع انه يحلف الشهود أن ارتاب فيهم بخلاف القضاة # قال ابن فرحون وقد فعله ابن بشير قاضي الجماعة بقرطبة # وروى عن ابن وضاح أنه قال أرى لفساد الزمان أن يحلف الحاكم الشهود قال ~~وابن وضاح ممن أخذ عن سحنون PageV02P138 # العاشر أن له أن يبدأ باستدعاء الشهود ويسألهم عما عندهم في القضية بخلاف ~~القضاة لا يسمعون البينة حتى يريد المدعي إحضارها ولا يسمعونها إلا بعد ~~مسألة المدعي لسماعها # قال ابن فرحون وعندنا أن للقاضي أن يفعل ذلك في مواطن # قال فتحصل من هذا أن ما ذكره القرافي ليس هو مذهب مالك رحمه الله تعالى # المسألة الثانية ما جعله من ذلك منوطا بوالي الجرائم وهو أمور # أحدها سماع قذف المتهم من أعوان الإمارة في غير تحقيق الدعوى المعتبرة ~~ويرجع إلى قولهم هل هو من أهل هذه التهمة أم لا فإن نزهوه أطلقه أو قذفوه ~~بالغ في الكشف بخلاف القضاة # قال ابن فرحون وقد استحبوا للقاضي أن يتخذ كاشفا قد ارتضاه يكشف عن أحوال ~~الشهود في السر ويقبل منه ما نقل إليه وقالوا ينبغي أن يستبطن أهل الدين ~~والأمانة والعدالة ليستعين بهم على ما هو بسبيله ويقوى بهم على التوصل إلى ~~ما ينوبه وأجازوا التجريح في السر بالواحد العدل وهو نحو ما ذكره من أعوان ~~الإمارة # الثاني أنه يراعي شواهد الحال وأوصاف المتهم في قوة التهمة وضعفها بأن ~~يكون المتهم بالنساء متصنعا لهن فتقوى التهمة أو متهما بالسرقة وفيه اثر ~~ضرب مع قوة بدن وهو من أهل الدعارة فتقوى أولا يكون شيء من ذلك فتخف وليس ~~ذلك للقضاة PageV02P139 # قال ابن فرحون وعندنا يجوز للقاضي مراعاة شاهد الحال # الثالثة تعجيل حبس المتهم للاستبراء والكشف ومدته شهر أو حسب ما يراه ~~بخلاف القضاة ms373 قال ابن فرحون وذلك أيضا للقاضي # ثم ذكر عن ابن سهل في قضية الرامي بالدم من غير حضور بينة أن المتهم به ~~يحبس من خمسة عشر يوما إلى ثلاثين يوما وغير المتهم يحبس كاليومين والثلاثة ~~ونحوها ثم إن أتى طالب الدم في داخل المدة بسبب قوي وجبت الزيادة في حبسه ~~بقدر ما يراه # الرابع أنه يجوز له مع قوة التهمة ضرب المتهوم ضرب تقرير ليصدق فإن أقر ~~وهو مضروب ليقر لم يعتبر إقراره تحت الضرب وإن كان ليصدق عن حاله قطع ضربه ~~واستعاد إقراره # فإن أقر بخلاف الإقرار الأول أخذه بالثاني ويجوز العمل بالإقرار الأول مع ~~كراهة وليس ذلك للقضاة # قال ابن فرحون وذلك عندنا يجوز للقاضي تعاطيه في الدعاوي على أهل التهم ~~والعدوان لكن لا يخرجهم ذلك عن صفة الضرب المحدود ولا يعاقبهم بغير ~~العقوبات الشرعية # الخامس أن له فيمن تكررت منه الجرائم ولم ينزجر بالحدود استدامة حبسه إذا ~~أضر بالناس في جرائمه حتى يموت ويقوته ويكسوه من بيت المال بخلاف القضاة ~~PageV02P140 # قال ابن فرحون وذلك مما يفعله القاضي وذكر من ذلك عن ابن سهل أن من شهد ~~فيه انه من أهل الفساد والتعدي وجب عليه الأدب الموجع والحبس الطويل # قال فإن الإغلاظ على أهل الشر والأخذ على أيديهم مما يصلح الله به العباد ~~والبلاد # السادس أن له تحليف المتهم للاختبار حاله ويغلظ عليه الكشف ويحلفه ~~بالطلاق والعتاق والصدقة كإيمان بيعة السلطان ولا يحلف قاض أحدا في غير حق ~~ولا يحلف إلا باليمين بالله # قال ابن فرحون وللقاضي أن يحلف المتهم وهو مشهور وأما اليمين بالطلاق ~~فإنما ذكروها في الوالي يأخذ الشارب فيحلفه بالطلاق مكرها على ألا يشرب ~~الخمر ولا يفسق وان لا يغش في عمله ولا يتلقى الركبان وفي الوالد أن يحلف ~~ولده مكرها له على اليمين تأديبا له قال وألزموا الحالف اليمين وإن أكره ~~عليها # قال وكان ابن عاصم محتسبا بالأندلس وكان يحلف بالطلاق تغليظا به # قال ابن وضاح وذكرت ذلك لسحنون فقال من أين أخذ ذلك ms374 فقلت له من الأثر ~~المروي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه تحدث للناس أقضية يقدر ما أحدثوا ~~من الفجور فقال سحنون مثل ابن عاصم يتأول هذا تعظيما لشأن ابن عاصم لأنه ~~ممن أخذ عن ابن القاسم # قلت وعن الشيخ ابن مهدي الوانوغي من أصحاب PageV02P141 # ابن عرفة أنه كلام يحتمل المدح والذم ذكره في تعليقه على المدونة # السابع أن له أخذ المجرم بالتوبة قهرا ويظهر له من الوعيد ما يقوده إليه ~~طوعا ويتوعده بالقتل فيما لا يجب فيه لأنه إرهاب لا تحقيق ويجوز أن يحققه ~~بالدب فقط بخلاف القضاة # قال ابن فرحون ولم أقف عليه في حق القاضي # الثامن أن له سماع شهادة أهل المهن إذا كثر عددهم ولا يسمعهم القاضي # قال ابن فرحون وللقاضي ذلك عند الضرورة # التاسع أن له النظر في المواثبات وإن لم يوجب غرما ولا حدا ثم إن لم يكن ~~بواحد منهما أثر سمع قول السابق في الدعوى وإن كان بأحدهما اثر فقيل يبدأ ~~بسماع دعوى ذي الأثر # وقال الأكثرون يبدأ بسماع السابق والمبتدي بالمواثبة اعظم جرما وتأديبا ~~ويختلف تأديبهما باختلافهما بالجرم وباختلافهما بالهيئة # قال ابن فرحون ومسائل المذهب تقتضي أن للقاضي ذلك # قال وعلى الجملة فقد قال أبو إسحاق ابن الأمين للقاضي النظر في جميع ~~الأشياء إلا في قبض الخراج واختلف هل له قبض أموال الصدقات وصرفها في ~~مستحقها إذا لم يحضر ناظر أم لا PageV02P142 # قلت وإلا ما أخرج عن نظره بحكم النص أو العادة كما تقدم عن ابن قيم ~~الجوزية # الطرف الثاني فيما لا يسوغ له مما لا يعتبر من السياسة ومن ذلك الحكم ~~بالفراسة # قال ابن العربي الفراسة لا يترتب عليها حكم وقد كان قاضي القضاة الشامي ~~المالكي ببغداد أيام كونه بالشام يحكم بالفراسة جريا على طريق القاضي إياس ~~بن معاوية وقد كان إياس قاضيا في أيام عمر بن عبد العزيز وله أحكام كثيرة ~~بطريق الفراسة # قال وكان شيخنا فخر الإسلام أبو بكر الشاشي صنف جزءا في الرد عليه كتبه ~~لي بخطه ms375 وأعطانيه # قال وذلك صحيح فإن مدارك الأحكام معلومة شرعا مدركة قطعا وليست الفراسة ~~منها انتهى # قال ابن فرحون فالحكم بها مثل الحكم بالحزر والتخمين وذلك فسق وجور من ~~الحاكم والظن يخطئ ويصيب وإنما أجيزت شهادة الوسم في محل مخصوص بالضرورة ~~PageV02P143 # قلت في قواعد المقري يمنع في حكم الدين اعتماد الحزر والتخمين # ومن ثم منع الحكم بالنجوم والفأل وإن كان يعجبه الحسن منه صلى الله عليه ~~وسلم وكذلك الزجر والرمل والفراسة وإن كانت الفراسة من صفات المؤمن وفي ~~التنزيل @QB@ إن في ذلك لآيات للمتوسمين @QE@ # قال وينقض الحكم بذلك وإن وافق الحق لفساد مبناه # قال وكره المالكية أن يكون القاضي داهية كذلك وغن استحسنوا أن يكون ذكيا ~~فطنا بحيث لا يخدع انتهى المقصود منه # تكملة في تنبيه # إذا كانت الفراسة بالمقدار الذي يتوصل بلطف الحيلة به إلى استخراج الحق ~~بعد ظهور الإمارة المعتبرة في استناد الحكم إليها فهي من مستحسن ما يعد من ~~ذكاء المتصف بها من الملوك وسائر الولاة ويكفي من المنقول من ذلك حكايتان # الحكاية الأولى يروى عن المنصور أنه جلس في إحدى قباب مدينته فرأى رجلا ~~ملهوفا يجول في الطرقات فأرسل إليه من أتاه به فسأل عن حاله فأخبره أنه خرج ~~في تجارة فأفاد مالا وأنه رجع بالمال إلى منزله فدفعه إلى أهله فذكرت ~~امرأته أن المال سرق من بيتها ولم ير نقبا بالدار ولا أثرا فقال له المنصور ~~منذ كم تزوجتها قال منذ سنة قال أبكرا تزوجتها أم ثيبا قال ثيبا قال أفلها ~~ولد من سواك قال لا قال فشابة هي أم مسنة قال بل حدثه فدعا المنصور بقارورة ~~طيب كان يتخذ له حاد الرائحة غريب PageV02P144 # النوع فدفعها غليه وقال له تطيب من هذا الطيب فإنه يذهب همك # قلما دخل الرجل من عند المنصور قال المنصور لأربعة من ثقاته ليقعد كل ~~واحد منكم على باب من أبواب المدينة فمن مر به أحد فشم منه هذا الطيب ~~فليأتيني وخرج الرجل بالطيب فدفعه إلى امرأته وقال لها وهبه لي أمير ms376 ~~المؤمنين فلما شمته بعثت به إلى رجل كانت تحبه # وقد كانت دفعت المال إليه وقالت له تطيب من هذا الطيب فإن أمير المؤمنين ~~وهبه لزوجي فتطيب منه الرجل # مر مجتازا ببعض أبواب المدينة فشم الموكل بالباب رائحة الطيب منه فأخذه ~~فأتى به المنصور فقال له المنصور من أين استفدت هذا الطيب فإن رائحته غريبة ~~معجبة فقال اشتريته فقال أخبرني من أين اشتريته فتلجلج الرجل واختلط كلامه ~~فدعى المنصور صاحب شرطته وقال له خذ هذا الرجل إليك فإن أحضر كذا وكذا من ~~الدنانير فخله يذهب حيث يشاء وإن امتنع فاضربه ألف سوط من غير مؤامرة # فلما خرج من عنده دعا صاحب شرطته وقال له هول عليه وجرده ولا تقدمن بضرب ~~حتى ترى أمري فخرج به صاحب الشرطة فلما جرده وسجنه أذعن ورد الدنانير ودعا ~~الرجل # وقال أريتك إن رددت عليك الدنانير بأعيانها تحكمني في امرأتك قال نعم قال ~~فهذه دنانيرك وقد طلقت المرأة عليك # وأخبره بخبرها PageV02P145 # الحكاية الثانية يروى أن رجلا قدم بغداد يريد الحج وكان معه عقد يساوي ~~ألف دينار فاجتهد في بيعه فلم يتفق فجاء إلى عطار موصوف بالخير فأودعه إياه ~~ثم حج وعاد فأتاه بهدية فقال له العطار من أنت وما هذا # فقال له الرجل أنا صاحب العقد الذي أودعتك إياه فأنكره ودفعه من دكانه ~~وقال يدعي علي مثل هذه الدعوى فاجتمع الناس وقالوا للحاج ويلك هذا رجل خير ~~فما وجدت من تدعي عليه إلا هذا فتحير الحاج وتردد إليه فما زاده إلا شتما ~~وضربا فقيل له اذهب إلى عضد الدولة فله في هذه الأشياء فراسة فكتب قصته ~~وجعلها على قصبة ورفعها إلى عضد الدولة فصاح به فجاء فسأله عن حاله فأخبره ~~بالقصة فقال له اذهب إلى العطار غدوة واقعد على دكانه فإن منعك فاقعد على ~~دكان يقابله من بكرة إلى المغرب وافعل هذا ثلاثة أيام فإني أمر عليك في ~~اليوم الرابع وأقف وأسلم عليك فلا تقم لي ولا تزدني على رد السلام وجواب ما ~~أسألك عنه وإذا ms377 انصرفت عنك فأعد عليه ذكر العقد ثم أعلمني بما يقول لك فإن ~~أعطاكه فجيء به إلي فقال فجاء إلى دكان العطار ليجلس فمنعه فجلس مقابله ~~ثلاثة أيام فلما كان في اليوم الرابع جاء عضد الدولة في موكبه العظيم فلما ~~رأى الخراساني وقف فقال له سلام عليك فقال الخراساني ولم يتحرك وعليكم ~~السلام فقال يا أخي تقدم فلا تأت إلينا ولا تعرض عن حوائجك علينا فقال كذا ~~اتفق ولم يشبعه الكلام وعضد الدولة يسأله ويحتففي به وقد وقف العسكر كله ~~والعطار قد أغمي عليه من الخوف فلما انصرف التفت العطار إلى الحاج فقال له ~~ويحك متى أودعتني هذا العقد وفي أي شيء كان ملفوفا فذكرني لعلي أذكر فقال ~~من صفته كذا وكذا فقام يفتش ثم نفض جرة عنده فوقع العقد فقال قد كنت نسيته ~~ولو لم تذكرني في الحال ما ذكرته ثم أخذ العقد وقال أي فائدة لي أن أعلم ~~عضد الدولة ثم قال لنفسه فلعله يريد أن يشتريه فذهب إليه وأعلمه فبعث به مع ~~الحاجب وعاقب العطار PageV02P146 # | الواجب الثالث # # | إقامة الحدود # وفيه مسائل # المسألة الأولى من الوارد في الترهيب من مواقعة الحدود وانتهاك المحارم ~~أمران # أحدهما غيرة الله تعالى عليها ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يغار وغيرة الله أن يأتي العبد ~~المؤمن ما حرم الله عليه # الثاني مصير العمل الصالح بذلك كالهباء المنثور فعن ثوبان رضي الله عنه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم ~~القيامة بأعمال أمثال جبال تهامة بيضاء فيجعلها الله هباء منثورا قال ثوبان ~~رضي الله عنه يا رسول الله صفهم لنا لئلا نكون منهم ونحن لا نعلم قال أما ~~أنهم من إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم أقوام إذا ~~خلوا بمحارم الله انتهكوها رواه ابن ماجة قال المنذري ورواته ثقاة # تمثيل روى الترمذي عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال رسول الله صلى ms378 ~~الله عليه وسلم أن الله ضرب مثلا صراطا مستقيما على كنفي الصراط أي جانبيه ~~داران لهما أبواب مفتحة على الأبواب سور وداع يدعو على رأس السراط والله ~~يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم والأبواب التي على كنفي ~~الصراط حدود PageV02P147 # الله فلا يقع أحد في حدود الله حتى يكشف الستر والذي يدعو من فوقم واعظ ~~ربه عز وجل # المسألة الثانية من الترغيب المروي في إقامة الحدود أمران # أحدهما تأكيد الأمر بها باستواء القريب والبعيد فيها فعن عبادة بن الصامت ~~رضي الله عنه # قال قال صلى الله عليه وسلم أقيموا حدود الله في القريب والبعيد ولا ~~تأخذكم في الله لومة لائم رواه ابن ماجة # الثاني تعجيل ثمرة السياسة بها خصوصا وعموما فعن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحد يقام في الأرض خير لأهل الأرض من ~~أن يمطروا ثلاثين صباحا رواه النسائي وابن ماجة ولفظه قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حد يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين ~~صباحا # المسألة الثالثة المداهنة في إقامة الحدود عائدة بنقيض مصلحتها من حلول ~~النقمة بها عاجلا ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن قريشا أهمهم شأن ~~المخزومية التي سرقت فقالوا من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ~~قالوا ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه أسامة ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله ~~PageV02P148 # تعالى ثم قام فاختطب فقال إنما هلك الذين منقبلكم أنهم كانوا إذا سرق ~~فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن ~~فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها # تمثيل روى البخاري عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا ~~على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها ms379 فكان الذين في أسفلها إذا ~~استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أن خرقنا في نصيبنا خرقا ولم ~~نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ~~جميعا # المسألة الرابعة مما يدل على منع الشفاعة في الحدود زائدا على ما يفهم من ~~الحديث الأول في المسألة قبل أمران # أحدهما تردده بها في غضب الله تعالى حتى ينزع فعن أبي الدرداء رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أيما رجل حالت شفاعته دون حد من حدود ~~الله تعالى لم يزل في غضب الله تعالى حتى ينزع وأيما رجل شد غضبا على مسلم ~~في خصومة لا علم له بها فقد عاند الله في حقه وحرص على سخطه وعليه لعنة ~~الله تتابع إلى يوم القيامة وأيما رجل أشاع على مسلم كلمة هو منها بريء سبه ~~بها في الدنيا كان حقا لله أن يدليه يوم القيامة في النار حتى يأتي بنفاذ ~~ما قال رواه الطبراني # الثاني مضادة الله تعالى بها وأعظم بذلك هلاكا فعن ابن عمر رضي الله ~~عنهما قال سمعت رسول الله يقول من حالت شفاعته دون حد في حدود الله فقد ضاد ~~الله عز وجل ومن خاصم في باطل وهو PageV02P149 # يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسقاه الله ~~ردعه الخبال حتى يخرج مما قال رواه أبو داوود # تفسير قال المنذري في الردعة بفتح الراء وسكون الدال المهملة وتحريكهما ~~أيضا وبالعين المعجمة هي الوجل والخبال بفتح الخاء المعجمة والهاء الموحدة ~~هي عصارة أهل النار وعرفهم كما جاء مفسرا في مسلم وغيره # المسألة الخامسة قبول الشفاعة في الحدود وهو من باب إرضاء الناس بسخط ~~الله تعالى ووباله محذور من وجهين # أحدهما أن فاعل ذلك موكل إلى الناس ولن يغنوا عنه من الله شيئا فقد كتب ~~معاوية إلى عائشة رضي الله عنها أن اكتبي لي كتابا توصيني فيه ولا تكثري ~~علي فكتبت إليه سلام عليك أما ms380 بعد فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول من التمس رضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس ومن التمس رضى ~~الناس بسخط الله وكله الله إليهم والسلام # الثاني إن ذلك يعود عليه بسخط الله وسخط الناس فعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسخط الله في رضى الناس سخط ~~الله عليه وأسخط عليه من أرضاه في سخطه ومن أرضى الله في سخط الناس رضي ~~الله عنه وأرضى عنه من أسخطه في رضاه حتى يزينه ويزين عمله وقوله في عينه ~~رواه الطبراني # فوائد فقهية تكمل مقصود الموضع في الجملة PageV02P150 # الفائدة الأولى إقامة الحدود ولاية مخصوصة بالسلطان والسيد في رفيقه على ~~تفصيل في مواضع مقررة قال ابن العربي وهو قسمان تناول إيجابها وذلك للقضاة # قلت ما دامت مستندة إليهم كما تقدم # قال وتناول استيفائها وقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم لقوم منهم علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه ومحمد بن مسلمة وهي أشرف الولايات لأنها على أشرف ~~الأشياء وفي الأبدان فلمعصية الناس ورخصهم بالذنوب ألزمهم الله الذلة بأن ~~جعلها في أيدي الأدنياء والأوضاع من الخلق # الفائدة الثانية قال ابن الحاجب والحدود كلها بسوط وضرب معتدلين قاعدا ~~غير مربوط مخلي اليدين على الظهر والكتفين دون غيرهما ويجرد الرجل ويترك ~~على المرأة ما لا يقيها واستحسن أن تجعل المرأة في قفة # قلت زاد الباجي عن الموازنة في متولى الضرب أن يكون وسطا من الرجال ~~الأقوياء ولا ضعيفا وزاد ابن العربي ويفرق عليه الضرب في ظهره ويتجنب ~~مقاتله # قال وقال أبو حنيفة ضرب الزاني أشد من ضرب القذف وضرب القذف أشد من ضرب ~~الشرب # قال وكأنهم رأوا صورة الذئب فركبوا عليها صورة العقوبة والشرب أخف من ~~القذف والقذف أخف من الزنى فحملوه عليه وقرنوه به # الفائدة الثالثة قال ابن الحاجب ويؤخر حيث يخشى الهلاك كما تقم في الزاني ~~PageV02P151 # قلت يعني قوله هنالك وينتظر للجلد اعتدال الهواء وروى ألا يؤخر للحر وهو ~~قول ms381 أن خيف على السارق أن يقطع في البرد أخر قال ابن القاسم والذي يضرب ~~الحد في البرد مثله إذا خيف عليه أخر والحر بمنزلة البرد قال ابن راشد ~~ومثله في الكتاب ويؤخر المريض إلى برئه # الفائدة الرابعة قال في المدونة ولا يجلد السكران حتى يصحو # قال ابن عرفة زاد في سماع أبي زيد بن القاسم ولو خاف أن يأتيه شفاعة ~~فيبطل حده اللخمي وكذا في الزنا والفرية فإن أخطأ الإمام فحده في حال سكره ~~وهو طافح لم يجزه وإن كان سكرا خفيفا أجزأه وإن كان طافحا فأذهب ذلك الضرب ~~عنه حسب ضرب وقت ذهب عنه إلا أن يكون ضربه في الفرية برضا المفتري عليه ~~فيجوز قال ابن عرفة هذا على أن الحق فيه كله أو على رعى الخلاف قال وقال ~~عبد الحق عن بعض شيوخه القرويين إن جهل الإمام وأقام الحد على السكران قبل ~~صحوه مضى ذلك ولا يعاد قال يريد لأنه يجد ألم الضرب بعد صحوه # الفائدة الخامسة قال ابن عرفة ناقلا عن الشيخ عن ابن حبيب PageV02P152 # ليس عليه نفي الشارب مع الضرب وسواه من حلاق ولا سجن ولا طواف إلا المدمن ~~المعتاد المشهور بالفسق فلا بأس أن يطاف به ويشهر واستحب مالك أن يلزم ~~السجن # الفائدة السادسة قال في المدونة ويقيم أمير الجيش الحدود ببلاد الحرب على ~~أهل الجيش في السرقة وغيرها وذلك أقوى له على الحق # قلت ولو كانت من المغنم لقوله بعد ذلك ومن سرق من بيت المال أو من المغنم ~~وهو من أهل ذلك المغنم قطع قيل أو ليس له في المغنم حصة قال قال مالك وكم ~~تلك الحصة # الفائدة السابعة قال ابن حبيب ينبغي أن تكون إقامة الحدود علانية لينتهي ~~الناس عما حرم الله عليهم # قلت لقوله تعالى @QB@ وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين @QE@ قال ابن ~~العربي وفقه ذلك أن الحد يردع المحدود ومن شهده وحضره يتعظ بذلك ويزدجر ~~ويشيع حديثه فيعتبر به بعده # الفائدة الثامنة لا رأفة في الحدود لقوله تعالى @QB@ ولا تأخذكم بهما ms382 ~~رأفة في دين الله @QE@ فقيل في إسقاط الحد وقيل في تخفيفه # قال ابن العربي وهو عندي محمول عليهما معا فلا يسقط الحد على الزاني ولا ~~يخفف عنه # الفائدة التاسعة قال ابن العربي يزيد الحد لزيادة الذنب فقد أتى عمر رضي ~~الله عنه بسكران في رمضان فضربه مائة وثمانين حد الخمر وعشرين لهتك حرمة ~~الشهر وكذا يجب أن تتركب العقوبات على تغليظ الجنايات وهتك الحرمات انتهى ~~المقصود منه PageV02P153 # الفائدة العاشرة قال المقري في قواعده الشبهة إما قريبة جدا كالشركة في ~~القطع فتعتبر أو بعيدة جدا كالأجير والصدق فيه فلا تعتبر أو متوسطة فقولان ~~هذا ضابط مذهب مالك قال ومن هذا تعرف وجه الرد لما أفتى به الفقيه أبو موسى ~~عيسى ابن الإمام حدثني رحمه الله أن عبد الحق بن أبي بكر حاكم تونس أخبره ~~أنه وجد رجلا وامرأة فأفلت الرجل فأقرت المرأة بأنها مكنته من نفسها واعتلت ~~بما كان الناس فيه يومئذ من شدة المسغبة وأنها لحقها من الجوع ما حملها على ~~ذلك فرحمتها وسرحتها قال فقلت له أصبت فقد قالوا إذا سرق لجوع لم يقطع # فقلت الجوع يبيح أخذ مال الغير باختلاف في لزوم الثمن فيه فسرقته لو لم ~~تكن جائزة فهي شبهة قوية ولا يباح الزنى بوجه ولا على حال ولا مناسبة بينه ~~وبين إباحته فلا تنهض شبهة تدرء الحد فيجب الحد ولا بد انتهى المراد منه # عاطفة تتميم من صدق الحذر من موافقة الحدود طلب القصاص والاستحلال مما ~~عسى أن يكون فيه خلاص ولا تؤمن فيه تبعة ويكفي من ذلك أثران # الأثر الأول قيل دخل عثمان رضي الله عنه فوجد غلاما له يعلف ناقته فرأى ~~في علفها شيئا فأخذ بأذنه فعركها ثم ندم فقال لغلامه قم فاقتص مني فأبى ~~الغلام فلم يزل به حتى قام فأخذ بأذنه قال أعرك وهو يقول شد حتى عرف عثمان ~~أنه قد بلغ منه ثم قال واها لقصاص الدنيا من قصاص الآخرة # الأثر الثاني قال مالك بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله ms383 عنه لما ولى ضرب ~~رجلا ثم ندم فقال مالي ولهذا إلا رددتها عليهم # فسمعت عائشة رضي الله عنها بذلك فأرسلت إليه فجاء إليها فقال PageV02P154 # إني ضربت رجلا وقد كنت معافى من هذا أن أضرب أحدا قالت عائشة رضي الله ~~عنها كذلك الإمام قال فما المخرج قالت أن تأتي الرجل فتسأله أن يجعلك في حل ~~فاستحل منه # دلالة قال الطرطوشي ودل ذلك على أن الأمير والمأمور في القصاص سواء إذا ~~جنى أحدهما على الآخر وان الأمير إذا ظلم المأمور زال تأمره عليه وكان ~~الأمير في ذلك المعنى كبعض المؤمر عليهم حتى يتحاكموا إلى السلطان الأعظم # | الواجب الرابع # # | عقوبة المستحق وتعزيزه # وقبل تلخيص الكلام فهنا مقدمتان التعزير قال ابن فرحون وهو تاديب استصلاح ~~وزجر على ذنوب لم يشرع فيها حد ولا كفارة # قلت تأديب الاستصلاح يعم المكلف وغيره كتأديب الصبيان والبهائم والمجانين ~~والزجر على الذنوب التي لم يشرع فيها حد ولا كفارة يختص بالمكلف جزاء على ~~الذنوب الذي لم يقدر فيه حد ومن ثم قال ابن عرفة وموجب المعصية غير الموجبة ~~حدا عقوبة فاعلها إن رفع للإمام # المقدمة الثانية فيما يدل على مشروعيته ويكفي من ذلك الإجماع قال ابن قيم ~~الجوزية فيما نقل عنه ابن فرحون اتفق العلماء في أن التعزير مشروع في كل ~~معصية ليس فيها حد بحسب الجناية في العظم والصغر وحسب الجاني في الشر وعدمه ~~PageV02P155 # قلت وسيأتي إن شاء الله من مواضيع التأديب به عن السنة الكريمة حظ صالح ~~إذا عرفت هذا فلكمال التلخيص له نظران أحدهما من حيث هو مشروع في الجملة ~~والآخر من جهة ما يخص السلطان بحسب رعاية السياسة فيه # النظر الأول وفيه مسائل # المسألة الأولى التعزير في حق الله تعالى واجب عند مالك وأبي حنيفة وقال ~~الشافعي ليس بواجب وللإمام أن يقيمه أو يتركه لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يعزر القائل له في قصته مع الزبير رضي الله عنه إن كان ابن عمتك ولأنه ~~غير مقدر فلا يجب كضرب الأب والمعلم والزوج قال ms384 القرافي والجواب عن الأول ~~أنه حق لرسول الله صلى الله عليه وسلم فجاز له تركه بخلاف حق الله تعالى ~~وعن الثاني أن غير المقدر يجب كنفقات الزوجات والإقارب ونصيب الإنسان من ~~بيت المال قال لأن تلك الكلمات كانت تصدر من الأعراب لجفائهم لا لقصد السب # المسألة الثانية قال القرافي واتفقوا على عدم تحديد أقله واختلفوا في ~~أكثره فعندنا هو بحسب الجناية والمجني عليه وقال أبو حنيفة لا يتجاوز به ~~أول الحدود وهو أربعون حدا لعبد بل ينقص منه سوط وللشافعي قولان قال ما ~~حاصله لنا وجهان أحدهما أن عمر رضي الله عنه زور عليه معن بن زرارة كتابا ~~ونقش عليه مثل خاتمه فجلده مائة فتشفع فيه قوم فقال ذكرتني الطعن وكنت ~~ناسيا فجلده بعد ذلك مائة أخرى ثم جلده بعد ذلك مائة أخرى ولم يخالفه أحد ~~وكان إجماعا PageV02P156 # قلت حكى عن ابن فرحون عن ابن قيم الجوزية أنها ثلاثمائة في ثلاثة أيام ~~الثاني أن الأصل مساواة العقوبة للجناية # قلت سبق مثله لابن العربي في قواعد المقري العقوبات تتفاوت بتفاوت أنواع ~~الجنايات كالخمر والزنا لا بتفاوت أفراد النوع الواحد كالقطرة من الخمر ~~والجرة وربع دينار وقنطار فينبغي ملاحظة هذا المعنى في التعزير عندي ردا ~~لما وكل لاجتهادنا إلى ما فصله ربنا @QB@ وما كان ربك نسيا @QE@ لا يقال ~~قوله صلى الله عليه وسلم لا تجلدوا فوق حد من حدود الله تعالى حجة في منع ~~الزيادة لأنا نقول لا حجة فيه لوجهين أحدهما أنه مقصور على زمانه صلى الله ~~عليه وسلم لأن الجاني إذ ذاك لا يكفيه هذا المقدار وحكاه المازري عن ~~الأصحاب الثاني أن لفظ الحدود في عرف الشرع لا يقصر على حد الزنى وشبهه بل ~~يتناول كل مأمور به ومنهى عنه فالتعزير على هذا من جملة الحدود # قال ابن الشاط وهذا أصح وأقوى قال فإن قيل الحديث يقتضي بمفهومه أنه يجلد ~~عشر جلدات فما دونها غير الحدود فما المراد بذلك فالجواب أن المراد به جلد ~~غير المكلفين كالصبيان والمجانين والبهائم والله ms385 تعالى أعلم انتهى # المسألة الثالثة قال ابن فرحون ما حاصله إذا زيد فيه على الحد فهل يبلغ ~~به القتل أولا فيه خلاف عندنا يجوز قتل الجاسوس المسلم إذا تجسس للعدو وقال ~~به بعض الحنابلة وقتل الداعية للبدعة والمفرق للجماعة بعد استتابتهم وقال ~~به بعض الشافعية وصرح PageV02P157 # الحنفية بقتل من لا يزول فساده إلا بالقتل كاللوطي المكثر من ذلك انتهى # المسألة الرابعة يلاحظ فيه وإن لم يتقدر كالحد اجتناب أمرين أحدهما ~~إسقاطه بالجملة بحسب الغرض والهوى قال القرافي وهو فسوق خلاف الإجماع # الثاني إفراط الزيادة فيه على القدر الكافي منه قال ابن عبد السلام ينبغي ~~أن يقتصر على القدر الذي يظن انزجار الجاني به ولا يزيد عليه وفي الحديث ~~ولأن يخطئ الإمام في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة قال وإن كان هذا ~~الكلام جاء في الحدود فهو متناول لغيرها من الزواجر # المسألة الخامسة إذا أتى على النفس فلا اكتراث بذلك وإن زاد على الحد فقد ~~أمر مالك رحمه الله بضرب إنسان وجد معه صبي فوق سطح مسجد وقد جرده وضمه إلى ~~صدره أربعمائة سوط فانتفخ من ذلك ومات ولم يستعظم ذلك مالك وقال ابن حبيب ~~وقال لي مطرف ولقد أتى هشام بن عبد الملك وهو قاضي المدينة برجل خبيث معروف ~~باتباع الصبيان قد لصق بغلام في ازدحام الناس حتى أمنى فبعث به هشام إلى ~~مالك وقال أترى أن أقتله فقال مالك أما القتل فلا ولكن أرى أن تعاقبه عقوبة ~~موجعة فأمر به هشام فضرب أربعمائة سوط وألقاه في السجن فما لبث أن مات فذكر ~~ذلك لمالك فما استنكره # المسألة السادسة إذا كان التعزير مصروفا إلى اجتهاد الحاكم بقدر القائل ~~مثلا والمقول له والقول فقال ابن الحاجب فيخفف ويتجافى PageV02P158 # عن الرفيع وذوي الفلتة ويثقل على ذوي الشر فائدة في تنبيه # قال ابن فرحون المراد بالرفيع من كان من أهل القرآن والعلم والآداب ~~الإسلامية لا المال والجاه والمعتبر في الدني الجهل والجفاء والحماقة فمن ~~كان من أهل الشر ثقل عليه بالأدب ms386 ليزدجر ويزدجر به غيره # المسألة السابعة من لازم صرفه إلى اجتهاد الحاكم عدم اختصاصه بزجر معين ~~ومن ثم تعددت أنواعه كالضرب واللوم والحبس والإقامة في المحافل ونزع ~~العمامة وحل الإزار والهجر والنفي وضرب القفا مجردا عن ساتره بالأكف قال ~~ابن عرفة جرى به عمل القضاة قلت وكذا بالأندلس حتى في ولاة الحسبة # المسألة الثامنة الجناية التي عقوبتها التعزير أنواع ترك واجب كمنع ~~الزكاة وشبهه وسنة كترك الوتر وفعل مكروه كحلق الشارب ومحرم وهو ضروب ما ~~فيه العقوبة والكفارة والغرم كقتل العمد إذا عفى فيه عن القتل فتجب الدية ~~وتستحب الكفارة ويضرب مائة ويسجن سنة أو القصاص والأدب كالجراح عمدا والغرم ~~كإتلاف المتمولات أو التعزير فقط كالخلوة بالأجنبية وشبه ذلك أو الكفارة ~~والغرم كقتل الخطأ أو الكفارة والأدب مع الإثم كالجماع في رمضان # المسألة التاسعة يثبت التأديب على الجناية للسلطان ومن يليه من الولاة ~~ولا خفاء بذلك وللأبوين في ولدهما ومن ثم يدرأ الحد عنهما PageV02P159 # عند تولد القتل عنه إذا ادعيا عدم القصد إليه ولمعلم الكتاب أو الصنعة # ولذلك قال مالك رضي الله عنه في المجموعة إن ضرب صبيا ما يعلم أنه من ~~الأدب فمات فلا يضمن وإن جاوز به الأدب ضمن ما أصابه # وللسيد في رفيقه استصلاحا له قال ابن عبد السلام ولكن برفق وبقدر الحاجة ~~وللزوج فيما يتعلق بمنع حقه قال ابن عرفة ولذا قيل تدميتها عليه لغو # المسألة العاشرة من الرفق بين التعزير والحد زائدا على ما يفهم فيما سلف ~~أمور أحدها أن التعزير يسقط بالتوبة قال القرافي ولا أعلم فيه خلافا قال ~~والحدود لا تسقط بها على الصحيح إلا الحرابة لقوله تعالى @QB@ من قبل أن ~~تقدروا عليهم @QE@ # الثاني أن التعزير يختلف باختلاف الإعصار والأمصار قال القرافي فرب تعزير ~~في بلد يكون إكراما في بلد كقلع الطيلسان بمصر تعزير وفي الشام إكرام وكشف ~~الرأس عند الأندلسيين ليس هوانا وبالعراق ومصر هوان # قلت كشف الرأس بالأندلس هوان في حق ذوي المروءة # الثالث أن التعزير على وفق الأصل لاختلافه بحسب ms387 الجناية قال القرافي ولقد ~~خولفت القاعدة في الحدود فسرى الشرع سرقة ربع دينار وسرقة ألف وشارب قطرة ~~من الخمر وشارع جرة مع اختلاف مفاسدهما جدا # قلت وقد حكى عن المعري أنه قال مستشكلا # ( يد بخمس مئين عسجد فديت % ما بالها قطعت في ربع دينار ) PageV02P160 # وأجيب بأن قيل # ( عز الأمانة أغلاها وأرخصها % ذل الخيانة فافهم حكمة الباري ) # يشهد لما قيل أن حد السرقة شرع لحفظ الأعراض ليلا تلطخ برذيلة السرقة # النظر الثاني وفيه مسائل # المسألة الأولى العقوبة السياسية يجب أن تقدر بحسب الجناية والجاني كما ~~سبق في التعزير الشرعي ومن ثم قال بعضهم ليست الجناية سواء فستوي عقوباتها ~~ولا الناس سواء فتتماثل عقوباتهم بل منهم من يعاقب بالأبعاد ومن يزاد مع ~~ذلك منع قرابته وأصحابه من كلامه ومن يعاقب بإلزام داره أو بلده # تعريف من حسن مناسبة العقوبة للجناية حكايتان # الحكاية الأولى في المقتطف من كلام الناصر وقد أعطى عامل كبير لقب بمهذب ~~الدولة مالا جليلا على أن يلقب بمهذب الدولة بكسر PageV02P161 # الذال فوقع على القصة يؤخذ ماله ويصفع قذاله وتبقى على الفتح ذاله # الحكاية الثانية روى أن أبا المظفر الابيوردي الشاعر وكان متكبرا وينسب ~~إلى معاوية الأصغر كتب رقعة إلى أمير المؤمنين المستظهر بالله وعلى رأسها ~~الخادم المعاوي فكره الخليفة النسبة إلى معاوية فبشر الميم ورد الرقعة إليه ~~فصار الخادم العاوي فحطه إلى أدون الرتب حين رفع نفسه إلى نسب لم يرضه ~~الملك وسلك معه سبيل التنكيت الأدبي إذ كان من أهل الأدب بأن أبقى نسبه بخط ~~نفسه قال ابن رضوان وهي من لطائف المستظهر بالله # المسألة الثانية من السياسة في العقوبة السلطانية أن تعجل تارة وتؤجل ~~أخرى لما في ذلك من الفائدة المقصودة الحصول # قال بعضهم ليكن عقابك معجلا ومؤجلا حتى يظن السالم منه أنه سياسة فلا ~~ينبسط إلى العودة إلى مثل فعله لخوفه من عقوبته # قلت ووجوه الفائدة في ذلك متعددة والناظر إليها بعين البصيرة يعتمد منها ~~ما يقتضيه الوقت والحال # المسألة الثالثة من الوصية به في هذا ms388 الباب مطابقة العقوبة للجناية سرا ~~وعلانية قال بعضهم اجعل لذنب السر عقوبة السر ولذنب PageV02P162 # العلانية عقوبة العلانية فإنك إذا عاقبت على ذنب السر علانية رأى الناس ~~العقوبة وغفلوا عن الذنب فرموا رأيك بالفساد ونسبوك إلى الظلم وإذا عاقبت ~~على ذنب العلانية سرا انبسطت عليك الذنوب واجترأ الظالم والسفيه # قال وقد تندر من ذلك ندرات فيها السلطان على ذنب العلانية سرا إذا أراد ~~أن يتصف بالحلم # قلت وقد تقتضي الحال شهرة العقوبة وإن خفيت جنايتها حيث يؤمن ذلك المحذور # المسألة الرابعة قال الجاحظ من أخلاق الملك السعيد أن لا يعاقب وهو غضبان ~~لأن حاله هذه لا يسلم معها من التجاوز لحد العقوبة فإذا سكن غيظه ورجع إلى ~~طبعه أمر بعقوبته على الحد الذي سنته الشريعة ونقلته الملة فإن لم يكن في ~~الشريعة ذكر عقوبة ذنبه فمن العدل أن يجعل عقوبة ذلك الذنب واسطة بين غليظ ~~الذنوب ولينها وان يجعل الحكم عليه فيه ونفسه طيبة وذكر القصاص منه على بال # قلت ولتأكيد الاتصاف بهذا الخلق وقعت العناية بالتنبيه عليه من غير واحد ~~ففي محاسن البلاغة على الملك أم يعمل بثلاث خصال تأخير العقوبة في سلطان ~~الغضب وتعجيل مكافأة المحسن والتزام الأناة والتثبت # المسألة الخامسة نقل ابن رضوان عن صاحب الطب الروحاني أنه قال ينبغي ~~للملك أن يكون في وقت المعاقبة بريئا من أربع PageV02P163 # خلال الكبر والقسوة وضديهما لأن الأولين يدعوان إلى أن يكون الانتقام ~~والمعاقبة مجاوزين لمقدار الجناية والآخرين إلى أن يكونا مقصرين عنه # المسألة السادسة التعفف عن الدماء في العقوبة مطلوب من وجهين أحدهما شرعي ~~وهو ما يدل على تحريم الهجوم عليها إلا بحقها كقوله صلى الله عليه وسلم في ~~الصحيحين من رواية ابن مسعود رضي الله عنه أول ما يقضي بين الناس يوم ~~القيامة في الدماء الثاني سياسي ومن معتبره قول أرسطو يا اسكندر أكد ما ~~أوصيك به وطالما أوصيتك به بامتثاله يصح أمرك ويدوم ملكك التعفف عن الدماء ~~فإنها عقوبة انفرد الخالق العالم بالسرائر وأنت في ذلك إنما تقدم ms389 على سنة ~~لست تعلم باطنها فتحفظ من هذا جهدك # تنبيه مجرد حصول القتل بغير حق هو موجب للتشريك في وعيد الإقدام عليه وهو ~~سخط الله ولعنته ولقوله صلى الله عليه وسلم لا يشهد أحدكم قتيلا لعله أن ~~يكون مظلوما فتصيبه السخطة معهم رواه الإمام أحمد وقوله صلى الله عليه وسلم ~~لا يقفن أحدكم موقفا فيه رجل قتل مظلوما فإن اللعنة تنزل على من حضره حين ~~لم يدفعوا عنه ولا يقفن أحدكم موقفا يضرب فيه رجل ظلما فإن اللعنة تنزل على ~~من حضره حين لم يدفعوا عنه رواه البيهقي PageV02P164 # المسألة السابعة ذكروا لمكان هذا الخطر في العقوبة بالقتل أن من حق الملك ~~أن يتربص به وإن وجد المسوغ له كما حكي عن عبد الملك بن مروان أنه قام تسع ~~سنين يرى قتل عمرو بن سعيد الأشدق فمرة يرجئه ومرة يهم به ومرة يحجم وأخرى ~~يقدم حتى قتله # قال الجاحظ على أخبث حالاته عنده قال عن سليمان الخادم أشهد بالله لكنت ~~من الرشيد وهو متعلق بأستار الكعبة بحيث يمس ثوبي ثوبه وبدني بدنه وهو يقول ~~في مناجاته لربه اللهم إني أستخيرك في قتل جعفر بن يحيى ثم قتله بعد ذلك ~~بخمس سنين أو ست # المسألة الثامنة من محمود السيرة في هذا الباب طلب عذر من تعرض بظاهر ~~فعله لما يوجب عقوبته كما رفع إلى عبد الله ابن طاهر قصة مضمونها أن جماعة ~~خرجوا إلى ظاهر البلد للتفرج ومعهم صبي فكتب على رأسها ما السبيل إلى فتية ~~خرجوا لمتنزههم يقضون PageV02P165 # أوطارهم على قدر أخطارهم ولعل الغلام ابن أحدهم أو قرابة بعضهم # المسألة التاسعة قال النووي تستحب الشفاعة إلى ولاة الأمر وغيرهم من ~~أصحاب الحقوق ما لم يكن في حد وأمر لا يجوز تركه قال ودلائله ظاهرة في ~~الكتاب والسنة وأقوال علماء الأمة لقوله تعالى ^ من يشفع شفاعة حسنة يكن له ~~نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا ~~^ # وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي ms390 الله عنه قال كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال اشفعوا تؤجروا ~~ويقضي الله عز وجل على لسان ما شاء انتهى ملخصا # قلت وقد سبق ما يدل على وعيد الشفاعة سعيا وقبولا في الحدود # المسألة العاشرة الحكايات في قبول الشفاعة المستحبة متعددة ويكفي منها ~~اثنتان # الحكاية الأولى روى أن قتيلة بنت النضر بن الحارث تعرضت للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو يطوف واستوقفته وحدثته حتى انكشف منكبه وقد كان قتل أباها ~~فأنشدته الأبيات التي تقول في آخرها # ( ما كان ضرك لو مننت وربما % من الفتى وهو المغيظ المحنق ) # ( والنضر أقرب من قتلت وسيلة % وأحقهم إن كان عتق يعتق ) # قال النبي صلى الله عليه وسلم لو كنت سمعت شعرها ما قتلته PageV02P166 # الحكاية الثانية لما قتل الحارث بن أبي شمر الغساني المنذر بن السماء وهو ~~المنذر الاكبر وماء السماء اسر جماعة من اصحابه وكان فهم شاس بن عبدة في ~~تسعين رجلا من بني تميم وبلغ ذلك اخاه علقمة بن عبدة الشاعر صاحب امرئ ~~القيس فقد الحارث ممتدحا بقصيدته المشهورة التي يقول فيها # ( طحابك قلب في الحسان طروف % بعيد الشباب عصر حان مشيب ) PageV02P167 # فانشده إياها حتى بلغ إلى قوله # فلا تحرمني نائلا عن جناية % فاني امرؤ وسط القباب غريب ) # وفي كل حي قد حظيت بنعمة % فحق لشاس من نداك ذنوب ) # فقال الحارث نعم واذنبت واطلق شاسا اخاه وجماعة اسرى بني تميم ومن سال ~~فيه أو عرفه من غيرهم # قال ابن رضوان وامثال هذا كثير والشفاعة وقبولها امران شرعيان وثوابهما ~~عظيم ولا يرحم الله من عباده إلا الرحماء # توفيه واجب من ضروب الكلام في العقوبة الزاجرة عن الجناية أو التوصل بها ~~إلى استخراج الحقوق تقرير النظر في السجن بحسب الشرع والسياسة وفيه مسائل # المسألة الأولى أن للعقوبة به ملحظين أحدها من حيث ما خف منه وهو بذلك ~~الاعتبار اخفها واسلمها وعليه ينزل قول مروان ابن الحكم أول من اتخذ السجن ~~كان حليما # الثاني من جهة ما ms391 ثقل منه وهو ذا ذاك اشدها وابلغها ومن ثم قرن بالعذاب ~~الاليم في قوله تعالى @QB@ إلا أن يسجن أو عذاب أليم @QE@ وعد يوسف عليه ~~السلام الخروج منه احسانا اليه في قوله تعالى PageV02P168 ^ وقد احسن بي ~~إذا اخرجني من السجن ^ وكتب على بابه فيما يقال هذه منازل البلوى وقبور ~~الاحياء وتجربة الاصدقاء وشماته الاعداء ونسأل الله تعالى العافية # المسألة الثانية نقل ابن فرحون عن ابن قيم الجوزيه أن الحبس الشرعي ليس ~~هو السجن في مكانه ضيق وانما هو تضييق الشخص ومنعه من التصرف نفسه سواء كان ~~في بيت أو مسجد أو ملازمة الغريم له ولهذا سماه النبي ص صلى الله عليه وسلم ~~اسيرا ففي سنن أبي داوود عن الهرماس بن حبيب عن جده قال اتيت النبي ص صلى ~~الله عليه وسلم بغريم لي فقال لي الزمه ثم قال لي يا اخا بني تميم ما تريد ~~أن تفعل بأسيرك قال وهذا كان السجن في زمانه ص صلى الله عليه وسلم وزمان ~~أبي بكر رضي الله عنه فلما انتشرت الرعية في زمن عمر رضي الله عنه اتباع ~~بمكة دارا وجعلها سجنا وفيه دليل على جواز اتخاذه انتهى ملخصا # المسألة الثالثة أن وجود المقتضي لا تخاذه لما انتهض بعد السلف لتنوع ذلك ~~الاتخاذ بحسب حال المسجون فلا جرم لا بد من اعتبار ما اقتضاه من ذلك ومن ثم ~~قال ابن فرحون لا شك في قبوله بعهده الأمام إلى من قلده ولاية أن يكون لهم ~~سجن ثقيف للدعار ومن تخاف غائلته وسجن اخر غير ذلك للمستورين المحبوسين في ~~الديون والاداب واشباهها وسجن للنساء مفرد بواباته موثوق بهن ولو جعل ~~للمستورات المحبوسات في الديون والاداب سجن على حدة عن PageV02P169 # سجن المحبوسات في التهم القبيحة لكان احسن انتهى المراد منه ملخصا # المسالة الرابعة للمدعى عليه بجناية ثلاث حالات # الحالة الأولى أن لا يهتم بها لبرائته وسلامة ناحيته وهذا لا يعاقب بسجن ~~ولا بغيره # قال ابن فرحون اتفاقا وفي عقوبة المتهم له قولان قال والصحيح الأول صيانة ~~لتسلط ms392 أهل الشر على اعراض البراء ثم أن كان المدعى به حقا لله تعالى لم ~~يحلف وفي حق الادمي قولان مبنيان على سماع هذه الدعوى والصحيح إنها لا تسمع ~~ولا يحلف بمجردها لئلا يتطرق الاراذلة إلى اذاية الأفاضل انتهى ملخصا # الحالة الثانية أن يهتم بها لفجوره وفسوقه وهذا لا بد من الكشف عنه بقدر ~~لصوق التهمة بجانبه ضربا وحبسا # قال ابن قيم الجوزية فيما نقل عنه ابن فرحون ما علمت أحدا من ائمة ~~المسلمين يقول أن هذا المدعى عليه يعني المتهم يحلف ويرسل بلا حسب ولا غيره ~~وليس ذلك مذهبا أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم ولو حلفناه واطلقناه مع ~~اشتهاره بالفساد وقلنا لا نأخذه إلا بشاهدي عدل كان ذلك مخالفا للسياسة ~~الشرعية ومن ظن ذلك فقد غلط غلطا فاحشا مخالفا لنصوص رسول الله ص صلى الله ~~عليه وسلم ولاجماع الأمة ومن ثم تجرأ الولاة على مخالفة الشرع وتوهموا أن ~~السياسة الشرعية قاصرة عن مصلحة الخلق فتعدوا حدود الله تعالى إلى أنواع من ~~المظالم والبدع في السياسة وسببه الجهل بالشريعة انتهى ملخصا # استظهار قال في المدونة ومن ادعى على رجل انه سرقه لم يحلفه إلا أن يكون ~~متهما فانه يحلف ويهدد ويسجن وألا لم يتعرض له فان PageV02P170 # كان من أهل الفضل وممن لا يشار اليه بهذا ادب الذي ادعى ذلك عليه # فائدتي في تنبيه قال ابن فرحون ما خلصه ناقلا عن ابن قيم الجوزية المتولى ~~لضرب المتهم قال جماعة من المالكية هو الوالي والقاضي وبه قال أحمد وقال ~~بعض الشافعية هو الوالي دون القاضي وكذا الحبس يختص به الوالي فقط وبه قال ~~جماعة من الحنابلة استدلالا بان الضرب المشروع هو الحد والتعزيز بعد ثبوت ~~السبب يختص به القاضي وموضوع ولاية الوالي منع الفساد وقمع ذوي العدوان ~~وذلك لا يتم إلا بعقوبة المتهم وموضوع ولاية الحاكم ايصال الحقوق واثباتها ~~فكل يفعل ما فوض اليه فيه # قال ابن فرحون وما نقله عن مذهبنا صحيح فان للقاضي ضرب المتهم وفي احكام ~~ابن سهل من ms393 ذلك ما يوضح صحة نقله # قلت وقد تقدم ما هو التحقيق في عموم الولايات وخصوصها بحسب العرف والعادة ~~فاليه المرجح في هذا الموضع # قال ابن فرحون مفرعا عليه وكلام ابن سهل وغيره مبنى على عرف الاندلس في ~~ولاية القضاء فان كانت في قطر اخر يمنع من تعاطي هذه السياسات نصا أو عرفا ~~منع القاضي منه وألا فلا لانها دعوى شرعية حكمها الاختيار بالحبس له والضرب ~~فيسوغ له الحكم فيها كغيرها من المحكومات PageV02P171 # الحالة الثالثة أن يجهل امره في البراءة منها أو الاتصاف بمثلها فهذا ~~يحبس حتى ينكشف حاله قال ابن فرحون وهذا حكمه عند عامة علماء الإسلام قال ~~والمنصوص عند اكثر الأئمة انه يحبسه القاضي والوالي وهو منصوص لمالك ~~واصحابه قال ابن حبيب سالت مطرفا عن رجل سرق متاعه فاتهم رجلا من جيرانه أو ~~رجلا غريبا لا يعرف حاله اترى الأمام أن يحسبه حتى يسال عنه ويبين حاله قال ~~نعم ارى ذلك على الأمام وارى أن لا يطيل حبسه لان النبي ص صلى الله عليه ~~وسلم حبس رجلا اتهمه المسروق منه بسرقة وقد صحبه في السفر قال ابن حبيب ~~وقاله ابن الماجشون واصبغ وابن عبد الحكم # قال فقد جعل ادعاؤه السرقة هاهنا مثل لو ادعى انه جرحه أو قتل له وليا في ~~حبسه ابتداء انتهى # مزيد بيان # قال ابن حبيب حبس مجهول الحال دون حبس المتهم لقول مطرف وارى أن لا يطيل ~~حبسه قلت له يعني مطرفا فان كان المتهم منبورا بالسرقة متهما بها قال فذلك ~~اطول لحبسه انتهى # المسالة الخامسة المدة التي يحبس فيها المحبوس ثلاثة # اجدها المصروفة إلى اجتهاد الحاكم إما مطلقا كحبس التعزير أو منبها فيه ~~على مقدار يلحظ فيه الكفاية في الاستبراء كحبس المتهم بالقتل والضرب المخوف ~~منه الموت قروره بشهر أو نحوه ومتى قويت التهمة زيد فيه بقدرها PageV02P172 # الثانية المقدرة بالسنة كما في حبس القاتل عمدا إذا عفى عنه الدية سنة ~~وحبس من قتل عبدا مسلما عدما أو أدى قيمته بعد ضربه مائة وحبس القاتل ms394 خطأ ~~فيه قولان # الثالثة المستغرقة لعمر المحبوس إلى أن تظهر توبته أو يأتي بما يراد منه ~~مما كان في السجن لاجله فقد قال مالك رحمه الله في رواية مطرف في المعروفين ~~بالفساد والجرم أن الضرب قلنا ينكلهم ولكن ارى أن يحبسهم السلطان في السجون ~~ويثقل عليهم بالحديد ولا يخرجهم منه ابدا فذلك خير لهم ولاهلهم وللمسلمين ~~حتى تظهر توبة أحدهم وتثبت عند السلطان فإذا صلح من ظهرت توبته اطلقه ذكره ~~في النوادر وقال سحنون من اخذ أموال الناس وتعدى عليها وادعى العدم فتبين ~~كذبه فانه يحبس ابدا حتى يؤدي أو يموت في الحبس ويكون عليه الضرب بالدرة ~~المرة بعد المرة حتى يؤدي # تنبيه على فهم قال ابن رضوان ليعلم الملك أن الله تعالى انطق لسان نبيه ~~يوسف الصديق صلوات الله تعالى على نبينا وعليه بالدعاء أهل السجون فقال ~~اللهم اعطف عليهم قلوب الاخيار ولا تغم عنهم الأخبار فمن خلق الملك الصالح ~~أن يحرص على أن يكون من الاخيار الذين عطف الله قلوبهم عليهم فيامر بتعهدهم ~~بالطعام وتنظيف المكان واللباس وتسهيا سبل العبادات والصون من شدة البرد ~~والحر بإصلاح المبنى حيث استقرارهم وتفقد الامناء المكلفين بهم حذرا من أن ~~يليهم من يضيق عليهم في العذاب ليستفيدوا منه بما يكون لهم من مسكة باقية ~~أو نفقته ضرورية فقد حدث من ذلك في بعض المدن PageV02P173 # ما يهول سماعه ويعظم على الدين وقوعه نسأل الله العفية من بيع اخرة ~~الملوك بدنيا الملوك بدينا انتهى # خاتمة من لطيف ما ذكر بحال السمجون وغريبه حكايتان # الحكاية الأولى يوري أن أبا جعفر كان في مجسله المبني على باب خراسان من ~~مدينته التي بناها واضافها إلى اسمه فسماها بمدينة المنصور مشرفا على دجلة ~~وكان قد بنى على كل باب من ابواب المدينة في الاعلى من طاقة المعقود مجلسا ~~يشرف منه على ما يليه من البلاد من ذلك الوجه وكانت اربعة ابواب فبينما ~~المنصور في هذا المجلس جالسا إذ جاء سهم عابر حتى سقط بين يديه فذعر ~~المنصور ذعرا ms395 شديدا ثم اخذه فإذا مكتوب عليه بين الريشتين # ( اتطمع في الحياة إلى التناد % وتحسب أم مالك من معاد ) # ( ستسأل عن ذنوبك والخطايا % وتسئل بعد ذاك عن العباد ) # ثم قرأ على الريشة الأخرى # ( هي المقادير تجري في اعنتها % فاصبر فليس لها صبر على حال ) # ( يوما تريك خسيس القوم ترفعه % إلى السماء ويوما تخفض العالي ) # ثم قرأ على الريشة الأخرى PageV02P174 # ( أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت % ولم تخف سوء ما يأتي به القدر ) # ( وساعدتك الليالي فاغتررت بها % وعند صفو الليالي يحدث الكدر ) # قال وإذا على جانب السهم مكتوب همدان منها رجل مظلوم في حبسك فبعث من ~~فوره من خاصته ففتشوا السجن فوجدوا شيخنا في بيت من السجن فيه سراج يسرج ~~وعلى بابه جارية وإذا شيخ موثق بالحديد متوجه نحو القبلة يردد هذه الاية ~~@QB@ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون @QE@ فسألوه عن بلاده فقال همدان ~~فحمل ووضع بين يدي المنصور فسأله عن حاله فاخبره انه نم مدينة همدان من ~~ارباب النعم بها وان واليك علينا دخل بلادنا ولي ضيعته تساوي ألف ألف درهم ~~أراد اخذها مني فامتنعت فكبلني بالحديد وحملني وكتب أني عاص فطرحت في هذا ~~المكان فقال المنصور منذ كم قال منذ اربعة اعوام أمر بفك الحديد عنه ~~والاحسان اليه وانزله احسن منزل وقال له يا شيخ قد رددنا عليك ضيعتك ~~بخراجها ما عشت وما عشنا واما مدينة همدان فقد وليناك عليها واما الوالي ~~فقد حكمناك فيه وجعلنا امره اليك فجزاه الشيخ خيرا ودعا له بالبقاء وقال يا ~~امير المؤمنين إما الضيعة فقد قبلتها واما الولاية فلا اصلح لها واما واليك ~~فقد عفوت عنه أمر له المنصور بمال جزيل وبرا واسع واستحله وحمله إلى بلده ~~مكرما بعد أن صرف الوالي وعاقبه على ما جناه وسال الشيخ مكاتبته في مهماته ~~واخبار بلده واعلامه بما يكون من ولايته على الحرب والخراج ثم انشأ المنصور ~~يقول # ( من يصحب الدهر لا يأمن تصرفه % يوما وللدهر احلاء وامرار ) # ( وكل شيء وان دامت سلامته % إذا انتهى فله لا بد ms396 اقتصار ) PageV02P175 # الحكاية الثانية ذكر أن اسحقاق بن إبراهيم بن مصعب والي بغداد رأي في ~~منامه كأن النبي ص صلى الله عليه وسلم يقول اطلق القاتل فارتاع لذلك روعا ~~عظيما ونظر في الكتب الواردة لاصحاب السجون فلم يجد فيها ذكر قاتل فأمر ~~باحضار السندي وعياش فسألهما هل رفع اليهما أحد ادعي عليه بالقتل فقل له ~~عياش نعم وقد كتبنا بخبره فاعاد النظر فوجد الكتاب في اضعاف القراطيس وإذا ~~الرجل قد شهد عليه بالقتل فاقر به فأمر اسحاق باحضاره فلما دخل عليه ورأى ~~ما به من جرتياع قال له أن صدقتني اطلقتك فابتدأ يحدثه بخبره وذكر انه كان ~~هو وعدة من أصحابه يرتكبون كل عظيمة ويستحلون كل محرم وأنه كان اجتماعهم في ~~منزل بمدينة أبي جعفر المنصور يعتكفون فيه على كل بلية فلما كان في بعض ~~الايام جاءتهم عجوز كانت تختلف اليهم للفساد ومعها جارية بارعة الجمال فلما ~~توسطت الجارية الدار صرخت صرخة فبادرت اليها من بين اصحابي فأدخلتها بيتا ~~وسكنت من روعتها وسألتها عن قضيتها فقالت له الله الله في فان هذه العجوز ~~خدعتني PageV02P176 # واعلمتني أن في جيرانها حقا لم يكن مثله فشوقتني إلى النظر لما فيه فخرجت ~~معها واثقة بقولها فهجمت بي عليكم وجدي رسول الله ص صلى الله عليه وسلم ~~وامي فاطمة وأبي الحسين بن علي فاحفظوهم في قال الرجل فضمنت لها أن اخلصها ~~وخرجت إلى اصحابي فعرفتهم بذلك فكأني اغريتهم بها وقالوا لما قضيت حاجتك ~~منها اردت صرفنا عنها وبادروا اليها فقمت دونها امنع منها فتفاقم الأمر ~~بيننا إلى أن نالتني جراح وعمدت إلى اشدهم كان في امرها واكلبهم على هتكها ~~فقتلته ولم ازل امنع منها إلى أن تخلصت منه سالمة امنة مما خافته على نفسها ~~واخرجتها من الدار فسمعتها نقول سترك الله كما سترتني وكان لك كما كنت لي ~~وسمع الجيران الصيحة فدخلوا الينا والسكين في يدي والرجل متشحط بدمه فرفعت ~~على هذه الحالة فقال اسحاق قد عرفت لك ما كان من حفظك للمرأة ووهبتك لله ~~ورسوله ms397 قال فوا حق من وهبتني له ولا عاودت معصية ولا دخلت في ريبة حتى القى ~~الله فاخبره اسحاق بالرؤيا التي راها وان الله لم يضيع له ذلك وعرض عليه ~~برا واسعا فابى قبول شيء من ذلك # تعريف # اعجب من هذا الاتفاق الغريب في اطلارق المسجون مع شدة الحرص على هلاكه ما ~~حكاه الحميدي أن الوزير أبا جعفر أحمد بن سعيد بن حزم PageV02P177 # كان جالسا بين يدي مخدومة المنصور في بعض مجالس فرفعت اليه رقعة استعطاف ~~لام رجل مسبحون كان المنصور اعتقله حنقا عليه لجرم استعظمه منه فلما قرأها ~~اشتد غضبه وقال ذكرتني به والله واخذ القلم أراد أن يكتب يصلب فكتب يطلق ~~ورمى الورقة الو وزيره المذكور فاخذ الوزير القلم وتناول ورقة وجعل يكتب ~~بمقتضى التوقيع إلى صاحب الشرطة فقال له المنصور وما هذا الذي تكتب قال ~~باطلاق فلان فحرد وقال من أمر بهذا فناوله التوقيع فلما رآه قال وهمت والله ~~ليصلبن ثم خط على التوقيع أراد أن يكتب يصلب وكتب يطلق واخذ الوزير الورقة ~~وأراد أن يكتب إلى الوالي بالاطلاق فنظر اليه المنصور وغضب اشد من الأول ~~وقال من أمر بهذا فناوله التوقيع فراى خطه فخط عليه أراد أن يكتب يصلب فكتب ~~يطلق واخذ الوزير التوقيع وشرع في الكتابة إلى الوالي فران المنصور فانكر ~~اكثر من المرتين الاوليين فأراه خطه بالاطلاق فلما رآه عجب من ذلك وقال نعم ~~يطلق على رغمي فمن اراد الله سبحانه اطلاقه لا اقدر انا على منعه قال ابن ~~حيان فسمي طليق الله واشتهر بذلك PageV02P178 # | الواجب الخامس # # | رعاية أهل الذمة # وفيه مسائل يتضح بها من ضرورة النظر فيه ومكمله # المسالة الأولى من اوعب الشروط الماخوذة عليهم ما تضمنه كتاب عبد الرحمن ~~بن غنم إلى عمر رضي الله عنهما ونصه قال كتبنا لعمر بن الخطاب حين صالح ~~نصارى الشام بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب لعبد الله عمر امير المؤمنين ~~من نصارى مدينة كذ وكذا لما قدمتم علينا سألناكم الامان لأنفسنا وذراينا ~~واموالنا واهل ملتنا وشرطنا ms398 لكم على انفسنا أن لا نحدث في مدائننا ولا فيما ~~حولها ديرا ولا كنيسة ولا قلية ولا صومعة راهب ولا نجدد ما خرب منها ولا ~~نحني ما كان منها في خطط المسلمين ولا نمنع كنائسنا أن ينزلها أحد من ~~المسلمين في ليل ولا في نهار وان نوسع ابوابها للمارة وابن السبيل وان ننزل ~~من مدائننا من مر بنا من المسلمين ثلاث ليال نطعمهم ولا نؤدي في منازلنا ~~ولا كنائسنا جاسوسا ولا نكتم غشنا للمسلمين ولا نعلم اولادنا القران ولا ~~نظهر شركا ولا ندعو اليه أحدا ولا نمنع أحدا من ذوي قرابتنا الدخول في ~~الإسلام أن أرادوه وان نوقر المسلمين ونقوم لهم من مجالسنا إذا أرادوا ~~الجلوس ولا تشبه بهم في شيء من لباسهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين وفرق ~~شعر ولا تتكلم بكلامهم ولا تكنى بكناهم ولا نركب PageV02P179 # السروج ولا نتقلد السيوف ولا تتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله معنا ولا ~~ننقش على خواتمنا بالعربية ولا نبيع الخمور واذ نجز مقاديم رؤوسنا وان نلزم ~~زيا حيث ما كنا وان نشد الزنانير على اوساطنا وان لا نظهر الصلبان على ~~كنائسنا وان لا نظهر صلبينا وكتبنا في شيء من طرق المسلمين واسواقهم ولا ~~نضرب نواقيسنا في كنائسنا إلا نقرا خفيفا ولا نرفع اصواتنا بالقراءة في ~~كنائسنا في شيء من حضرة المسلمين ولا نخرج شعانينا ولا باعوثا ولا نرفع ~~اصواتنا مع موتانا ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين ولا ~~اسواقهم ولا نتطلع عليهم في منازلهم # فلما اتيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالكتاب زاد فيه ولا نضرب أحدا من ~~المسلمين شرطنا لكم ذلك على انفسنا واهل ملتنا وقبلنا عليه الامان فان نحن ~~خالفنا عن شيء مما شرطناه لكم وضمناه على انفسنا فلا ذمة لنا وقد حل لكم ~~منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق فكتب اليه عمر رضي الله عنه أن امضي ما ~~سألوه وزد فيه حرفين اشترطتهما عليهم مع ما شرطوه على أنفسهم إلا تشتروا ~~شيئا من ms399 سبايا المسلمين ومن ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده # فائدة في تنبيه من هذه الشروط ما يسقط الطلب به كأرزاق المسلمين واضافة ~~المجتاز بهم ثلاثة قال مالك ارى أن يوضع ذلك عنهم لما احدث عليهم ~~PageV02P180 # من الجور قال الباجي وقوله يدل على أن ذلك مع الوفاء بما عوهدوا عليه # المسالة الثانية هذه الشروط باعتبار الاخلال بها ثلاثة # أحدها ما ينتقص به عقد الذمة اتفاقا قال القرافي كالخروج على السلطان ~~ونبذ العهد والقتل والقتال وحدهم أو مع العدو # قلت وكالتمرد على الأحكام والتطلع على عورات المسلمين # الثاني ما لا ينتقض به ذلك اتفاقا قال القرافي كترك الزنار وركوبه الخيل ~~وترك ضيافة المسلمين ونقش خواتمهم بالعربية ونحو ذلك مما تخف مفسدته # قلت ولا بد من ذلك من التعزير كما نصوا عليه في ترك الزنار وظهور السكر ~~المتعمد وبسط اللسان # الثالث ما اختلفت في الحاقة بالأول والثاني كالزنا بالمسلمة طوعا الحقه ~~مالك في بالثاني فلا ينتقض والحقه ربيعة وابن وهب بالأول فينتقض # قلت والمشهور قول مالك كما صرح به خليل # المسالة الثالثة بر أهل الذمة ماذون فيه لقوله تعالى @QB@ لا ينهاكم الله ~~عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا ~~إليهم إن الله يحب المقسطين @QE@ والتودد اليهم منهي عنه لقوله تعالى @QB@ ~~يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ~~@QE@ # قال القارفي والبابان ملتبسان فيحتاجان إلى الفرق # قلت اختصر المقري في قواعده ما فرق به بقوله البر المأذون لهم فيه ما ~~يرجع إلى قربهم والاحسان اليهم مع حفظ المرتبة وعلو الإسلام وهو مستحب ~~وجائز والاقساط العدل الواجب فيهم وهو مستحق PageV02P181 # واجب والتودد المنهى عنه ما يرجع إلى الاكرام واستعمال الاداب التي ~~يستحقها الرؤساء والاكفاء من دونهم أو هو في درجتهم وهو حرام قال فلا تصح ~~حجة اسماعيل القاضي بالآية في قيامه للنصراني الذي ورد عليه من قبل السلطان ~~باكرامه له بل ذلك منه وضع لمرتبتي الفقه والقضاء بتوهم عارض دينوي وهو ~~باطل انتهي # المسالة الرابعة ms400 الفرق بين جواز اخذ الجزية على الكفر ومنع اخذ العوض عن ~~المعصية ملخصا بالمعنى من كلام القرافي أن الجزية مشتملة على العوض على ~~التزام مفسدة قليلة لدفع مفسدة عظيمة وتوقع مصلحة عليا واخذ العوض عن ~~المعصية متضمن لترجيح مصلحة حقيرة على مفسدة عظيمة وذلك لان الكافر إذا قتل ~~فانه فاته الإيمان فشرعت الجزية رجاء أن يسلم في المستقبل وإذ ذاك فتتبعه ~~ذريته وتتصل سلسلة الإسلام من قبله وان مات على كفره فإسلام ذريته متوقع ~~إلى يوم القيامة وساعة من الإيمان تعدل دهورا من الكفر ومن ثم كان خلق آدم ~~عليه السلام على وفق الحكمة واكثر ذريته كفار وعند ذلك فلم تشرع الجزية ~~لمصلحة المأخوذ فقط بل لما اشير اليه ولا كذلك اخذ العوض عن المعصية لرجحان ~~مفسدته بكل اعتبار # المسالة الخامسة من وعيد الاخلال بواجب العدل فيهم بما لهم من ذمة الله ~~ورسوله امران أحدهما التعرض لمحاجة النبي ص صلى الله عليه وسلم عنهم يوم ~~القيامة ففي سنن أبي داوود أن رسول الله ص صلى الله عليه وسلم قال من ظلم ~~معاهدا أو انتقضه أو كلفه فوق طاقته أو اخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا ~~حجيجه يوم القيامة # الثاني براءة النبي ص صلى الله عليه وسلم ممن تناهي به الظلم إلى قتل ~~واحد منهم بغير حق ففي صحيح ابن حبان أن رسول الله ص صلى الله عليه وسلم ~~قال # ايما رجل امن رجلا على ذمة ثم قتله فأنا من القاتل بريء وان كان يوم ~~المقتول كافرا قال المنذري وقال ابن ماجه فانه يحمل لواء العذر يوم القيامة ~~PageV02P182 # تفريغ قال القرافي فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة في عرض أحدهم ~~أو نوع من أو أنواع الاذاية أو اعان على ذلك فقد ضيع ذمة الله تعالى وذمة ~~رسوله ص صلى الله عليه وسلم وذمة الإسلام # استظهار قال وقد حكى ابن حزم في مراتب الإجماع له أن من كان في الذمة ~~وقصده العدو في بلادنا وجب الخروج لقتالهم حتى نموت ms401 دون ذلك صونا لمن هو في ~~ذمة الله تعالى وذمة رسول الله ص صلى الله عليه وسلم لان تسلميه اهمال لعقد ~~تلك الذمة انتهى لعظيم # قال فعقد يؤدي إلى اتلاف النفوس والأموال صونا لمقتضاه عن الضياع انه ~~لعظيم # تكلمه بيان لاخفاء أن ما سبق من عد السياسة في اركان الملك أولا وما بين ~~هنا من جملها ثانيا كاف في هذا المقام بحسب ذلك القصد ولكن رأيت أن اكلمه ~~بذكر ما كتب به طاهر بن الحسين لابنه عبد الله لما ولاه المامون الرقة ومصر ~~وما بينهما فانه قال ابن خلدون من احسن ما كتب في ذلك واوعبه وانه عهد اليه ~~فيه ووصاه بجميع ما يحتاج اليه في دولته وسلطانه من الاداب الدينية ~~والخلقية والسياسات الشرعية والملوكية وحثه على مكارم الاخلاق ومحاسن الشيم ~~بما لا يستغنى عنه ملك PageV02P183 # ولا سوقه قال ونص الكتاب منقولا من كتاب السير بسم الله الرحمن الرحيم ~~إما بعد فعليك بتقوى الله وحده لا شريك له وخشيته ومراقبته عز وجل ومزايلة ~~سخطه وحفظ رعيته بالليل والنهار والزم ما البسك الله من العافية بالذكر ~~لمعادك وما أنت صائر اليه وموقوف عليه ومسؤول عنه والعمل في ذلك كله بما ~~يعصمك الله عز وجل وينجيك يوم القيامة من عقابه واليم عذابه فان الله ~~سبحانه قد احسن اليك وأوجب عليك الرأفة بمن استرعاك أمرهم من عباده والزمك ~~العدل فيهم والقيلم بحقه وحدوده عليهم والذب عنهم والدفع عن حريهم وبيضتهم ~~والحقن لدمائهم والامن لسلبهم وادخار الراحة عليهم ومواخذك بما فرض عليك ~~وموفقك عليه عنه ومسائلك ومثيبك عليه بما قدمت واخرت ففرغ لذلك فهمك وعقلك ~~وبصرك ولا يشغلك عنه شاغل وانه رأس امرك وملاك شأنك و أول ما يوفقك الله عز ~~وجل به لرشدك # وليكن أول ما تلزم به نفسك وتنسب اليه فعلك المواظبة على ما افترضه الله ~~عز وجل عليك من الصلوات الخمس والجماعة عليها بالناس قبلك وتوقعها على ~~سنتها في اسباغ الوضوء لها وافتتاح ذكر الله عز وجل فيها وترتل في قراءتك ms402 ~~وتمكن في ركوعك وسجودك وتشهدك ولتصدق فيها لربك نيتك وحض عليها جماعة من ~~PageV02P184 # معك وتحت يدك واداب عليها لانها كما قال الله عز وجل @QB@ إن الصلاة تنهى ~~عن الفحشاء والمنكر @QE@ ثم اتبع ذلك بالاخذ بسنن رسول الله ص صلى الله ~~عليه وسلم والمثابرة على خلائقه واقتفاء اثار السلف الصالح من بعده وإذا ~~ورد عليك أمر فاستعن عليه باستخارة الله عز وجل وتقواه وبلزوم ما انزل الله ~~عز وجل في كتابه من امره ونهيه وحلاله وحرامه واتمام ما جاءت الاثار عن ~~رسول الله ص صلى الله عليه وسلم ثم قم فيه بما يحق لله عز وجل عليك ولا ~~تميلن عن العدل فيما احببت وكرهت لقريب من الناس أو بعيد واثر الفقه واهله ~~والدين وحملته وكتاب الله عز وجل و العاملين به فان افضل ما يتزين به المرء ~~الفقه في دين الله والطلب له والحث عليه والمعرفة بما يتقرب به منه إلى ~~الله عز وجل فإنه الدليل على الخير كله والقائد إليه والآمر به والناهي عن ~~المعاصي والموبقات كلها وبه مع توفيق الله عز ووجل يزداد العبد معرفة به ~~واجلالا له لامرك والهيبة لسلطانك والانس بك والثقة بعد لك وعليك بالاقتصاد ~~في الأمور كلها فليس شيء ابين PageV02P185 # نفعا ولا احسن امنا ولا اجمع فضلا منه والقصد داعية إلى الرشد والرشد ~~دليل على التوفيق قائد إلى السعادة وقوام الدين والسنن الهادية بالاقتصاد ~~فاثره في دنياك كلها ولا تقصر في طلب الاخرة والأعمال الصالحة والسنن ~~المعروفة ومعالم الرشد و لاغاية للاستكثار من البر والسعي له إذا كان يطلب ~~به وجه الله تعالى ومرضاته ومرافقة اولياء الله في دار كرامته # واعلم أن القصد في شأن الدنيا يورث العز ويحصن من الذنوب وانك لن تحوط ~~نفسك ومرتبتك ولا تصلح امورك بأفضل منه فأته واهتد به تتم امورك وتزيد ~~مقدرتك وتصلح خاصتك وعامتك واحسن ظنك بالله عز وجل تستقم لك رعيتك والتمس ~~الوسيلة اليه فالأمور كلها تستديم به النعمة عليك ولا تتهمن أحدا من الناس ~~فيما وليته ms403 من عملك قبل أن تكشف امره فام ايقاع التهم بالبراءة والظنون ~~السيئة بهم مأثم فاجعل من شأنك حسن الظن في بأصحابك واطرد عنك سوء الظن بهم ~~وارفضه فيهم بعينك ذلك على اصطناعهم ورياضتهم ولا يجدن عدو الله الشيطان في ~~امرك مغمزا فانه إنما يكتفي بالقليل من وهنك فيدخل عليك من الغم بسوء الظن ~~بهم ما ينغمص لذاذة عيشك # واعلم انك تجد بحسن الظن قوة وراحة PageV02P186 # وتكفي بها ما احببت كفايته من امورك وتدعو به الناس إلى محبتك والاستقامة ~~في الأمور كلها ولا يمنعك حسن الظن بأصحابك والرأفة برعيتك أن تستعمل ~~المسألة والبحث عن امورك والمباشرة لأمور الاولياء والحياطة للرعية والنظر ~~في ما يقيمها ويصلحها بل لتكون مباشرة لأمور الاولياء والحياطة للرعية ~~بالنظر في حوائجهم وحمل مسؤوناتهم اثر عندك مما سوى ذلك فانه اقوم للدين ~~واحيي للسنة # واخلص نيتك في جميع هذا وتفرد بتقويم نفسك تفرد من يعلم انه مسؤول عما ~~صنع ومجزئ بما احسن ومأخوذ بما اساء فان الله عز وجل جعل الدين حزرا وعزا ~~ورفع من اتبعه وعززه فاسلك بمن تسوسه وترعاه نهج الدين وطريقة الاهدى واقم ~~حدود الله تعااى ل في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم وما يستحقوه ولا تعطل ~~ذلك وا تتهاون فيه ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة فان في تفريطك في ذلك ما ~~يفسد عليك حسن ظنك # واعزم على امرك في ذلك بالسنن المعروفة وجانب البدع والشبهات يسلم لك ~~دينك وتقوم لك مروئتك وإذا عاهدت عهدا فوف به وإذا وعدت الخير فانجزه واقبل ~~الحسنة وادفع بها واغمض من عيب ذي عيب من عريتك # واشدد لسانك عن قول الكذب والزور وابغض أهل النميمة فان أول فساد امورك ~~في عاجلها واجلها تقريب الكذوب والجرأة على الكذب PageV02P187 # لان الكذب رأس المثاثم والزور والنميمة خاتمتها لان النميمة لا يسلم ~~صاحبها وقائلها لا يسلم له صاحب ولا يستقيم لطبعه أمر # واحببت أهل الصلاح والصدق واعز الاشراف بالحق واعن الضعفاء وصل الرحم ~~وابتغ بذلك وجه الله تعالى واعزاز امره والتمس فيه ثوابه ms404 والدار الاخرة # واجتنب سوء الاهواء والجور واصرف عنهما رأيك واظهر براءتك من ذلك لرعيتك ~~واقم بالعدل سياستهم وقم بالحق فيهم وبالمعرفة التي تنتهي بك إلى سبيل ~~الهدى # واملك نفسك عند الغضب واثر الوقار والحلم واياك والحدة والطيش والغرور ~~غيما أنت بسبيله واياك أن تقول انا مسلط افعل ما اشاء فان ذلك سريع فيك إلى ~~نقص الرأي وقلة اليقين بالله وحده لا شريك له واخلص لله النية فيه واليقين ~~به # واعلم أن الملك لله سبحانه وتعالى يؤتيه من يشاء من عباده وينزعه ممن ~~يشاء ولن تجد تغيير النعمة وحلول النقمة إلى أحد اسرع منه إلى جهلة النعمة ~~من أصحاب السلطان والمبسوط لهم في الدولة إذا كفروا نعم الله عز وجل ~~واحسانه واستطالوا بما أتاهم الله عز وجل من فضله ودع عنك شره نفسك # ولتكن ذخائرك وكنوزك التي تدخر وتكنز البر والتقوى والعدل واصلاح الرعية ~~وعمارة بلادهم والتفقد لأمورهم والحفظ لدمائهم والاغاثة للمهوفهم ~~PageV02P188 # واعلم أن الأموال إذا كنزت وادخرت في الخزائن لا تنمو وان كانت في صلاح ~~الرعية واعطاء حقوقهم وكف الاذى عنهم نمنت وزكت وصلحت بها العامة وتزينت ~~بها الولاة وطاب بها الزمان واعتقد العز والمنعة فليكن كنز ذخائرك تفريق ~~الأموال في عمارة الإسلام واهله ووفر منه على اولياء امير المؤمنين قبلك ~~حقوقهم واوف رعيتك من ذلك حصصهم وتعهد ما يصلح من امورهم ومعاشهم فانك إذا ~~فعلت ذلك قرت النعمة بملكك واستوجبت المزيد من الله عز وجل وكنت بذلك على ~~جبابة خراجك وجمع أموال رعيتك وخراجك اقدر وكان الجميع لما شملهم من عدلك ~~واحسانك اسكن لطاعتك واطيب نفسا بكل ما اردت فاجهد نفسك فيما حددت لك في ~~هذا الباب ولتعظم خشيتك فيه فإنما يبقي من المال ما انفق في سبيل الله وفي ~~سبيل حقه # واعرف للشاكرين شكرهم واثبهم عليه واياك أن تنسيك الدنيا وغرورها هول ~~الاخرة فتتهاون بما يحق عليك فان التهاون يورث التفريط والتفريط يورث ~~البوار وليكن عملك لله عز وجل وفيه وارج الثواب فان الله سبحانه قد اسبغ ~~عليك ms405 نعمة في الدنيا واظهر لديك فضله فاعتصم بالشكر وعليه فاعتمد يزدك الله ~~خيرا واحسانا فان الله عز وجل يثيب بقدر شكر الشاكرين وسيرة المحسنين ~~PageV02P189 # واقض بالحق فيما حملت من النعم والبست من الكرامة ولا تحقرن ذنبا ولا ~~تمارين حاسدا ولا ترحمن فاجرا ولا تصلن كفورا ولا تداهن عدوا ولا تصدقن ~~نماما ولا تأممن غدارا ولا توالين فاسقا ولا تتبعن غاويا ولا تحمدن مرائيا ~~ولا تحقرن انسانا ولا تردن سائلا فقيرا ولا تحسنن باطلا ولا تلاحظن مضحكا ~~ولا تخلفن موعدا ولا تزهون فخرا ولا تظهرن غضبا ولا تأتين بذخا ولا تمشين ~~مرحا ولا تزكين سفيها # ولا تفرطن في طلب الاخرة ولا تدفعن الايام عمايا ولا تغمضن عن ظالم رهبة ~~منه أو محاباة ولا تطلبن ثواب الاخرة بالدنيا # واكثر مشاورة الفقهاء واستعمل نفسك بالحلم وخذ عن أهل التجارب وذوي العقل ~~والرأي والحكمة ولا تدخلن في مشورتك أهل الرفه والبخل ولا تسمعن منهم قولا ~~فان ضررهم اكثر من نفعهم وليس شيء أسرع فسادا لما استقبلت فيه أمر رعيتك من ~~الشح واعلم انك إذا كنت حريصا كنت كثير الأخذ قليل العطية وإذا كنت كذلك لم ~~يستقم لله امرك إلا قليلا فان رعيتك إنما تعتمد على محبتك بالكف عن اموالهم ~~وترك الجور عليهم ووال من صفا لك من اوليائك بالا فضال عليهم وحسن ~~PageV02P190 # العطية لهم واجتنب الشح واعلم انه أول ما عصى به الانسان ربه وان العاصي ~~بمنزلة الخزي وهو قوله تعالى @QB@ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون @QE@ ~~فسهل طريق الجود بالحق واجعل للمسلمين كلهم في فيئك حظا ونصيبا وايقن أن ~~الجود من افضل اعمال العباد فاعده لنفسك خلقا وارض به عملا ومذهبا # وتفقد الجند في دواوينهم وامكنتهم وادرر عليهم ارزاقهم ووسع عليهم في ~~معاشهم ليذهب الله عز وجل بذلك فاقتهم فيقوى لك أمرهم وتزيد به قلوبهم في ~~طاعتك وامرك خلوصا وانشراحا وحسب ذي السلطان من السعادة أن يكون على جنده ~~ورعيته إذا رحمة في عدله وعطيته وانصافه وعنايته وشفقته وبره وتوسعته فزايل ~~مكروه ms406 أحد البابين باستشعار فضيلة الباب الآخر ولزوم العمل به تلق أن شاء ~~الله به نجاحا وصلاحا وفلاحا # واعلم أن القضاء من الله تعالى بالمكان الذي ليس فوقه شيء من الأمور لانه ~~ميزان الله تعالى الذي تعتدل عليه احوال الناس في الأرض وبإقامة العدل في ~~القضاء والعمل تصلح احوال الرعية وتأمن السبل وينتصف المظلوم من الظالم ~~ويأخذ الناس حقوقهم وتحسن المعيشة ويؤدي حق الطاعة ويرزق الله العافية ~~والسلامة ويقوم الدين وتجري السنن والشرائع على مجاريها لتنجز الحق والعدل ~~في PageV02P191 # القضاء وليتمكن ربحك ويقر جدك واستوف أمر الله عز وجل وتورع عن الشبهات ~~وامض لاقامة الحدود واقلل العجلة وابعد وتورع عن الشبهات وامض لاقامة ~~الحدود واقلل العجلة وابعد عن الضجر والقلق وانتفع بتجربتك وانتبه في صمتك ~~واسدد في منطقك وانصف الخصم وقف عند الشبهة وابلغ في الحجة # ولا تاخذك في أحد من عريتك محاباة ولا مجاملة ولا لومة لائم وتثبت وتأن ~~وراقب وانظر وتفكر وتدبر واعتبر وتواضع لربك وارفق بجميع رعيتك وسلط الحق ~~على نفسك ولا تسرعن إلى سفك دم فان الدماء من الله عز وجل بمكان عظيم فإياك ~~انتهاكا لها بغير حقها # وانظر حق الخراج الذي استقامت عليه الرعية وجعله الله للإسلام عزا ورفعة ~~ولاهله توسعه ومنعة ولعدوه وعدوهم كتبا وغيظا ولاهل الكفر من بغاتهم ~~ومعاديهم ذلا وصغارا فوزعه بين أصحاب بالحق والعدل والسوية والعموم فيه ولا ~~ترفعن منه شيئا عن شريف لشرفه ولا عن غني لغناه ولا عن كاتب لك ولا عن أحد ~~من خاصتك ولا حاشيتك ولا تأخذن منه فوق الاحتمال له ولا تكلفن أمر فيه شطط ~~واحمل الناس كلهم على امن من الخوف فان ذلك اجمع لالفتهم والزم لرضي العامة ~~واعلم انك جعلت بولايتك خازنا وحافظا وراعيا وانما سمي أهل عملك ورعيتك ~~لانك راعيهم وقيمهم فخذ منهم ما اعطوك من عفوهم PageV02P192 # ونفذه في قوام أمرهم وصلاحهم وتقويم اودهم واستعمل عليهم ذوي الرأي ~~والتدبير والتجربة والخبرة بالعمل والعلم بالسياسة والعفاف # ووسع عليهم في الرزق فان ذلك من الحقوق اللازمة ms407 لك في ما تقلدت واسند ~~اليك ولا يشغلك عن شاغل ولا يصرفنك عنه صارف فانك متى اثرته وقمت فيه ~~بالواجب استدعيت به زيادة النعمة من ربك وحسن الاحدوثة في عملك واحرزت به ~~المحبة من رعيتك واعنت على الصلاح فدرت الخيرات ببلدك وفشت العمارة بناحيتك ~~وظهر الخصب في كورك وكثر خراجك وتوفرت اموالك وقويت بذلك على ارتياض جندك # ارض العامة بإفاضة العطاء فيعم من نفسك وكن محمود السياسة مرضى العدل في ~~ذلك عند عدوك وكن في امورك كلها إذا عدل وقوة والة وعدة فنافس في هذا ولا ~~تقدم عليه شيئا تحمد مغبة امرك إن شاء الله تعالى # واجعل في كل كورة من عملك امينا يخبرك بخبر عمالك ويكتب اليك بسيرهم ~~واعمالهم حتى كأنك مع كل عامل في عمله معاينا لأموره كلها وان اردت أن ~~تأمرهم بأمر فانظر في عواقب ما اردت من ذلك فان رأيت السلامة فيه العافية ~~ورجوت فيه حسن الدفاع والنصح والصنع فامضه وألا فتوقف عنه وراجع أهل البصر ~~والعلم به ثم خذ فيه عدته فانه ربما نظر الرجل في أمر من اموره وقد اتاه ~~على ما يهوي فاغواه ذلك PageV02P193 # واعجبه فان لم ينظر في عواقبه اهلكه ونغص عليه امره فاستعمل الحزم في كل ~~ما اردت وباشره بعد عون الله عز وجل بالقوة # واكثر من استخارة ربك في جميع امورك وافرغ من عمل يويك ولا نؤخره لغدك ~~واكثر مباشرته بنفسك فان لغد امورا وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذي اخرت # واعلم أن اليوم إذا مضى ذهب بما فيه فإذا اخرت عمله اجتمع عليك أمر يومين ~~فشغلك ذلك حتى تمرض منه وإذا امضيت يوم عمله ارحت بدنك ونفسك واحكمت امور ~~سلطانك # وانظر احرار الناس وذوي الفضل منهم ممن بلوت صفاء طويتهم وشهرة مودتهم لك ~~ومظاهرتهم بالنصح والمحافظة على امرك فاستخلصهم واحسن اليهم وتعاهد أهل ~~البيوتات ممن قد دخلت عليهم الحاجة واحتمل مؤونتهم واصلح حالهم حتى لا ~~يجدوا لخلتهم مسا وافرد نفسك للنظر في امور الفقراء والمساكين ومن لا يقدر ~~على ms408 رفع مظلمة اليك والمحتقر الذي لا علم له بطلب حقه فسل عنه اخفى مسألة ~~ووكل بأمثاله أهل الصلاح من عريتك ومرهم برفع حوائجهم PageV02P194 # وحالاتهم اليك لتنظر فيها بما يصلح الله به أمرهم وتعاهد ذوي البأساء ~~ويتاماهم وار أملهم واجعل لهم ارزاقا من بيت المال اقتداء بأمير المؤمنين ~~اعزه الله تعالى في العطف عليهم والصلة لهم ليصلح الله بذلك عيشهم يرزقك به ~~بركة وزيادة # واجر للاضراء من بيت المال وقدم حملة القران منهم والحافظون لاكثره في ~~الجراية على غيرهم وانصب لمرضى المسلمين دورا تؤويهم وقوما يرفقون بهم ~~واطباء يعالجون اسقامهم واسعفهم بشهواتهم ما لم يؤد ذلك إلى سرف في بيت ~~المال # واعلم أن الناس إذا اعطوا حقوقهم وافضل امانيهم لم يرضهم ذلك ولم تطب ~~انفاسهم دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم طمعا في نيل الزيادة وفضل الرفق بهم ~~وربما تبرم المتصفح لأمور الناس لكثرة ما يرد عليه ويشغل ذكره وذهنه وفكره ~~منها ما يناله به مؤونة ومشقة وليس من يرغب في العدل ويعرف محاسن اموره في ~~العاجل وفضل ثواب الاجل كالذي يستقل ما يقربه من الله تعالى ويلتمس به ~~رحمته # واكثر الآذن للناس عليك وابرز لهم وجهك وسكن لهم حواسك واخفض لهم جناحك ~~واظهر لهم بشرك ولين لهم النطق في المسألة والتصريح والنظر واعطف عليهم ~~بجودك وفضلط وإذا اعطيت فأعط بسماحة وطيب نفس والتمس الصنيعة والأجر من غير ~~مكدر ولا منان للصنيعة فان العطية على ذلك تجارة مربحة إن شاء الله تعالى # واعتبر بما ترى من امور الدنيا ومن مضى من قبلك من أهل السلطان ~~PageV02P195 # والرياسة في القرون الخالية والامم البائدة ثم اعتصم في احوالك كلها بأمر ~~الله سبحانه وتعالى والوقوف عند محبته والعمل بشريعته وسنته واقامة دينة ~~وكتابه واجتنب ما فارق ذلك وخالفه ودعا إلى سخط الله عز وجل # واعرف ما يجمع عمالك من الأموال وما ينفقون منها ولا تجمع حراما ولا تنفق ~~اسرافا واكثر مجالسة العلماء ومشاورتهم ومخالطبتهم وليكن هواك اتباع السنن ~~واقامتها وايثار مكارم الاخلاق ومعاليها وليكن اكرم دخلائك ms409 عليك وخاصتك ~~اليك من إذا رأى عيبا فيك فلا تمنعه هيبتك من انهاء ذلك اليك في ستر ~~واعلامك بما فيه من النقص فان أولئك انصح اوليائك ومظاهريك # وانظر عمالك الذين بحضرتك وكتابك فوقت لكل رجل منهم في كل يوم وقتا يدخل ~~عليك فيه بكتبه ومؤامراته وما عنده من حوائج عمالك وامور كورك ورعيتك ثم ~~فرغ لما يورده عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهمك وعقلك وكرر النظر فيه والتدبر ~~له فما كان موافقا للحق والحزم فامضه واستخر الله عز وجل فيه وما كان ~~مخالفا لذلك فاصرفه إلى التثبت فيه والمسألة عنه # ولا تمنن على رعيتك ولا على غيرهم بمعروف تؤتيه لهم ولا تقبل من أحد إلا ~~الوفاء والاستقامة والعون في امور المسلمين ولا تضعن المعروف إلا على ذلك ~~PageV02P196 # وتفهم كتابي اليك واكثر النظر فيه والعمل به واستعن بالله على جميع امورك ~~واستخره فان الله عز وجل مع الصلاح واهله وليكن اعظم شغلك وافضل رغبتك ما ~~كان فيه لله عز وجل رضى ولدينه نظاما ولاهله عزا وتمكينا ولذمته عدلا ~~وصلاحا وأنا اسأل الله عز وجل أن يحسن عونك وتوفيقك ورشدك وكلاءتك والسلام # قال ابن خلدون وحدث الاخباريون أن هذا الكتاب لما ظهر وشاع امره واعجب به ~~الناس واتصل بالمأمون ولما قريء عليه قال ما ابقى أبو الطيب يعني طاهرا ~~شيئا من امور الدنيا والدين والتدبير والرأي والسياسة وصلاح الملك والرعية ~~وحفظ السلطان وطاعة الخلفاء وتقويم الخلافة إلا وقد احكمه واوصى به ثم أمر ~~المأمون فكتب به إلى جميع العمال في النواحي ليقتدوا يه ويعملوا بما فيه ~~انتهى PageV02P197 # | الكتاب الرابع # # | في عوائد الملك وعوارضه # وفيه بابان أحدهما في عوائقه المانعة من دوامه والآخر في عوارضه اللاحقة ~~لوجوده & الباب الأول & # | في عوائق الملك المانعة من دوامه # ولما كان منعها من ذلك دليلا على استحكام هرم الدولة بطروق الخلل اليها ~~على وجه لا يتخلف عنه مقتضى ما انذرت به من ذلك المنع كان النظر هنا منحصرا ~~في التعريف بأمور ثلاثة # أحدها العوائق المنذرة بذلك # والثاني ms410 كيفية طروق ذلك الخلل # والثالث أن مقتضى الانذار بمنع دوام الملك لاستحكام هرمه لا يتخلف ~~PageV02P199 # | النظر الأول # # | في التعريف بالعوائق المنذرة بمنع دوام الملك # وهي جملة # العائق الأول حصول الترف والتنعيم للقبيلة وذلك لانها إذا غلبت بعصبيتها ~~بعض الغلب استولت على النعمة بمقداره وبحسب استظهار الدولة به وإذا بلغت ~~الدولة غايتها من الغلب فنعوا بما سوغوا من نعمتها به وشوركوا به من ~~جبايتها فلا تسموهممهم إلى شيء من منازع الملك ولا يهتمون إلا بالكسب وخصب ~~العيش والاخذ بمذاهب الملك في المباني والملابس فتذهب خشونة البداوة وتضعف ~~العصبية والبسالة وتنشأ بنوهم واعقابهم في مثل ذلك حتى يصير لهم سجية وخلقا ~~فتنقص عصبيتهم وبسالتهم مع تعاقب الاجيال إلى أن تنفرض جملة واذاك يتأذنون ~~بالانقراض قال ابن خلدون وعلى قدر ترفهم يكون اشرافهم على الفناء فضلا عن ~~الملك فان عوارضه كاسرة من سورة العصبية التي بها التغلب واذا انقرضت قصر ~~القبيل عن المدافعة فضلا عن المطالبة # استظهار قلت هو معنى قول أفلاطون الدول الطوال تبتدأ بخشونة الطباع ~~واستعمال الحقائق وحسن الطاعة لله تعالى ولولاة الأمر فإذا دفعت أعداءها ~~وأمن أهلها كانت مدافعتهم به لا عدائهم بازاء اخذهم بنصيب من النعم التي ~~تتهيأ لهم فإذا غرقوا في خصبها ورفاهة العيش بها شغلوا بالترفه عن النصرة ~~وبالهزل عن الجد وتحكمت عليهم الأحداث حتى PageV02P201 # لا ينعصم أمرهم على أحد طلبهم فينقضي امرها بمن حاولها # تمثل قالوهي تشبه الثمرة فإنها في بدئها خشنة الطعم ثم ثم تذكى فيتوسط ~~امرها ثم تنضج فتكون مع الاستطابة اقرب الثمار إلى الفساد والاستحالة # العائق الثاني لحاق المذلة للقبيل وانقيادهم لسواهم وذلك لان مذلتهم ~~وانقيادهم دليل على فقدان العصبية وعجزهم لذلك عن المدافعة واولى عن ~~المطالبة # اعتبار قال ابن خلدون واعتبر ذلك في بني اسرائيل لما دعاهم موسى عليه ~~السلام إلى ملك الشام مخبرا لهم بان الله تعالى قد كتبه لهم كيف عجوزا ~~وقالوا أن فيها قوما جبارين وأنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها أي بضرب من ~~القدرة غير العصبية بل من ms411 معجزاتك يا موسى ولما عزم عليهم لجوا غي ارتكاب ~~العصيان وقالوااذهب أنت وربك فقاتلا انا ها هنا قاعدون وذلك لما الفوا من ~~العجز عن المطالبة بما حصل فيهم من خلق الانقياد وبما الفوا من الذل للقبط ~~احقابا حتى ذهبت عصبيتهم جملة مع انهم لم يؤمنوا حقا بما اخبروا به من ملك ~~الشام فأقصورا عن ذلك بما استحكم فيهم من خلق المذلة وطعنوا فيما اخبروا به ~~وامروا لاجله فعوقبوا بالتية وهو اقامتهم في قفر من الأرض ما بين الشام ~~ومصرا اربعين سنة لم يأووا فيها لعمران ولا نزلوا مصرا # حكمه بالغة قال ويظهر أن حكمه ذلك التيه مقصودة وهو فناء الجيل ~~PageV02P202 # الذين خرجوا من قبضة الذل والقهر وتخلفوا بما افسدوا من عصبيتهم حتى نشأ ~~فيهم جيل آخر لا يعرف القهر ولا يسام بالمذلة فلا جرم اقتدروا بما نشأ لهم ~~من العصبية على المطالبة والتغلب # قال ويظهر من ذلك أن الاربعين سنة اقل ما يأتي فيها فناء جيل ونشأة جيل ~~اخر فسبحانه الحكيم العليم # قال وفي هذا اوضح دليل على شأن العصبية وانها التي بها المدافعة ~~والمطالبة وان من فقدها عجز عن جميع ذلك انتهى # العائق الثالث استحكام طبيعة الملك من الانفراد بالمجد وحصول الترف ~~وايثار الدعة # بيان الأول أن المجد متى كان مشتركا بين العصبية كان سعيهم له واحدا ~~واستعانتهم في طلب العز مضمونة وإذا انفرد به الواحد منهم على ما يقدر إن ~~شاء الله تعالى كسر من سورتهم واستأثر بالأموال دونهم فتكاسلوا ولحقهم ~~الهوان ومخامرة الذل ثم الجيل الثاني ينشأ على ذلك بحيث لا يعتقدون إلا أن ~~اعطاء السلطان اجر لهم على الحماية وقل أن يستأجر أحد نفسه على الموت وذلك ~~موجب لاقبال الدولة به على الهرم ولفساد العصبية بذهاب نجدتها PageV02P203 # الذمة بما كان عنه في غنى ويزيد في اكثر الصور # قال فالعاقل اللبيب يتعين عليه الفرار من ذلك لان غنيمة المسلم إنما هي ~~براءة ذمته ومن استغلت ذمته قل أن يسلم انتهى ملخصا # المسألة الثانية عشرة أن طلب الرزق ms412 للاشتغال بعلم الكيمياء ليس أيضا من ~~طرق المعاش الطبيعي ولا من وجوه الكسب المأذون فيه شرعا # بيان الأول # أن الصحيح عند غير واحد من الحكماء استحالة وجودها ولذلك لم ينقل عن أحد ~~من العلماء انه عشر عليها # قال وما زال منتحلوها يتخبطون فيها عشواء إلى هلم جرا ولا يظفرون الا ~~بالحكايات الكاذبة # قال والذي يجب أن يعتقد وهو الحق الذي يعضده الواقع إنها من جنس اثار ~~النفوس الروحانية وتصرفها في عالم الطبيعة بنوع كرامة أن كانت خيرة ومن نوع ~~السحر أن كانت شريرة والمتكلمون فيها من اعلام الحكماء كجابر ومسلمة ومن ~~قبلهم إنما نحوا هذا PageV02P203 # البيان الثاني من وجوه # أحدها أن الترف الطبيعي للملك على ما يأتي إن شاء الله تعالى يكثر عوائد ~~الدولة حتى لا يفي دخلها بخرجها ويزداد ذلك في الاجيال المتأخرة إلى أن ~~يقصر العطاء عن تلك العوائد ويطالب صاحبها بحصر النفقات في الحروبفلا يجد ~~أربابها محصيا عن ذلك فينزع ما بأيدي الكثير منهم لنفسه أو لبنيه وذوي ~~صنائعه فيضعفون هم لذلك ويضعف هو بضعفهم # الثاني أن تقتصر العطاء عن النفقات إذا كثر الترف يضطر السلطان إلى ~~الزيادة فيه ومقدار الجباية لا يوفي بذلك وان زيد فيه بأحداث المكوس بقي ~~بعد محدودا فإذا وزع على الاعطيات وقد زيد فيها لما كثر من الترف نقص عدد ~~الحماية ثم لا يزال الترف يتزايد والاعطيات كذلك بسببه إلى أن يعود الجيش ~~إلى اقل الاعداد فتضعف الحماية ويتجاسر على الدولة من يجاورها من الدول ومن ~~تحت ايديها من العصائب ويتأذن الله تعالى بالفناء الذي كتبه على خليقته # الثالث أن الترف مفسد للخلق بما يوهم في النفس من الوان الشعر والسفسفة ~~فتذهب فتذهب منهم خلال الخير التي كانت علامة على نيل الملك ويتصفون ~~بنقيضها من خلال الشر الدالة على الادبار والانقراض وتأخذ الدولة مبادئ ~~العطب وينزل بها امراض مزمنة من الهرم إلى أن يقضي عليها # قلت هو معنى قول أفلاطون إذا اقبلت المملكة خدمت الشهوات العقول وإذا ~~ادبرت خدمت العقول الشهوات لانه ms413 لا حامل على الترف إلا حب الشهوات # البيان الثالث أن الدعة الطبيعية للملك على ما يأتي إن شاء الله تعالى ~~تصير عند اتخاذها مألفا وخلقا وجبلة شأن العوائد كلها فتنشأ PageV02P204 # الاجيال الحادثة على ذلك وينقلب خلق التوحش وينسون عوائد البداوة التي ~~بها كان الملك من البأس والنجدة واذ ذاك فلا فرق بينهم وبين سوقة الحضر إلا ~~في الشارة فتضعف حمايتهم ويعود وبال ذلك على الدولة ثم لا يزالون يتلونون ~~بعوائد السكون والدعة ورقة الحاشية في جميع الأحوال وهم في ذلك يبعدون عن ~~خشونة البداوة وينسلخون عنها شيئا فشيئا وينسون خلق البسالة التي كانت بها ~~الحماية حتى يعودوا عيالا على حامية أخرى أن كانت لهم # اعتبار # قال ابن خلدون فاعتبر ذلك في الدول التي اخبارها في الصحف لديك تجد ما ~~قلته من ذلك صحيحا من غير ربية # قلت في الافلاطونيات الافراطات في الدول مبادئ الفساد فإذا انصاف اليها ~~ايثار الراحة والاستهانة بمشورة ذوي التجارب والاتكال على البخت لم تلبث # انجبار قال وربما يحدث في الدولة إذا طرقها هذا الهرم بالترف والراحة أن ~~يتخير صاحبها انصارا وشيعا من غير جلدتهم ممن تعود الخشونة و الصبر على ~~الحروب ومعاناة الشدائد ويكون ذلك دواء للدولة من الهرم الذي يتوقع طروفه ~~حتى يأذن الله فيها بأمره # تعيين واقع قال كما وقع في الترك بالمشرق فصار غالب جندهم الموالي ~~المتخيرون من الممالك المجلوبين إلى ملوكهم فهم أجرأ على PageV02P205 # الحرب والصبر على الشظف من ابناء الممالك الذين ربوا في ماء النعيم ~~ونشأوا في ظل الدعة والسكون # قال وكذا في دولة الموحدين بأفريقية فان صاحبها كثيرا ما يتخذ جنده من ~~زنانة العرب ويترك أهل الدولة المتعودين للترف فتستجد الدولة بذلك عمرا اخر ~~سالما من الهرم والله وارث الأرض ومن عليها # العائق الرابع ارهاف الحد وبيانه أن مصلحة السلطان للرعية ليست في ذاته ~~من حسن شكله أو ملاحة وجهه أو اتساع علمه أو ثقب ذهنه بل من حيث اضافته ~~اليهم فان الملك والسلطان من الأمور الإضافية فالسلطان من له ms414 رعية يملكها ~~والرعية من لها سلطان والصفة التي له من حيث اضافته اليهم تسمى ملكة وهي ~~كونه يملكهم فان كانت حسنة صالحة كان لهم مصلحة وان كانت سيئة متعسفة كان ~~ضررا عليهم وهلاكا لهم والرفق اصل هذه الملكة الحسنة فبالسمح به يستقيم ~~أمرهم ويشربون محبته ويستميتون دونه في محاربة اعدائه ولا كذلك إذا كان ~~قاهرا باطشا بالعقوبة منقبا عن العورات وتعديد الذنوب فإنهم إذ ذاك ~~يستشعرون خوفه ويلوذون منه بالكذب والمكر والخديعة وإذا تخلقوا بذلك فسدت ~~اخلاقهم وربما خذلوه في مواطن الحروب لضعف الحماية بفساد النيات أو اجتمعوا ~~على قتله لذلك فتفسد الدولة وان دام على تلك الحالة فسدت العصبية ففسد ~~النظام PageV02P206 # من اصله بالعجز عن الحماية فاتضح أن ارهاف مضر بالملك ومفسد له في الاكثر # قلت وهو ما أردنا من تضمنه أكثر عوائق الملك وهو ظاهر # العائق الخامس الحجاب الواقع دليلا على الهرم وبيانه انه في تدريج الوقوع ~~ثلاثة # الحجاب الأول عند رسوخ عزا السلطان واحتياجه إلى الانفراد بنفسه وذلك لان ~~الدلة في أول امرها أن كان قيامها بالدين فهو بعيد عن منازع الملك وان كان ~~بالغلب بالبداوة والحاصل بالعصبية كذلك وحينئذ فصاحبها يكون سهل الآذن ~~قريبا من الناس فإذا رسخ عزه واحتاج إلى انفراده مع اوليائه للمفاوضة في ~~اموره لما يكثر عليه من الغاشية احتجب عن العامة واتخذ الآذن ببابه على من ~~لا يأمنه فيكون حاجبا له من الناس وقائما ببابه لهذه الوظيفية # الحجاب الثاني إذا استفحل الملك وجاءت مذاهبه المستحيل بها خلق ~~PageV02P207 # صاحبه وهي خلق غريبة يحتاج مباشرها إلى مداراتها ومعاملتها بما يجب لها ~~فربما جهلها منهم بعض مباشرتهم فوقع فيما لا يرضيهم فسخطوه واسلموه إلى ~~هوان الانتقام منه فانفرد بمعرفة هذه الاداب مع الخواص من أوليائهم وحجبوهم ~~لمراعاتهم حجابا اخر اخص من الأول الواقع في أول الدولة على ما تقدم كما في ~~ايام معاوية وعبد الملك من خلفاء بني امية وهذا الثاني يقع عند نهاية عز ~~الدولة وكمال خلق الملك كما عند مجيء دولة بني العباس ms415 فدعا ذلك اليه وصار ~~اسم الحاجب اخص به واتخذ بباب الخلفاء داران أحدهما للخاصة والاخرى للعامة ~~على ما هو مسطور في أخبارهم # الحجاب الثالث عند محل دولة الحجز على السلطان وذلك لان مؤمل إلاستبداد ~~به أول ما يبدأ به وان حجب عنه بطانة أبيه وخواص أوليائه موهما له أن في ~~مباشرتهم اياه خرق حجاب الهيبة وفساد قانون الادب ليقطع بذلك عنه لقاء غيره ~~ويعوده ملابسة اخلاقه إلى أن يستحكم الاستيلاء عليه # تعريف قال ابن خلدون وهذا الحجاب لا يقع في الغالب إلا اخر الدولة دليلا ~~على هرمها ونفاذ قوتها # قال وهو مما يخشاه أهل الدول على أنفسهم لان القائمين بالدولة يحاولون ~~ذلك عند هرمها وذهاب الاستبداد من اعقاب ملوكها PageV02P208 # لما ركب في النفوس من صحبة الاستقلال بالملك خاصة مع التشريح لذلك وحصول ~~دواعيه ومباديه والله غالب على امره # العائق السادس حجر السلطان والاستبداد عليه وبيانه من وجوه # أحدها في وقت حدوثه وذلك إذا استقر الملك في نصاب معين ومنبت واحد من ~~القبيل القائمين به وانفردوا بوارثته واحدا بعد واحد بحسب الترشيح فعنده ~~يحدث التغلب على منصبه من الوزراء والحاشية # الثاني في سببه وهو في الاكثر ولاية صبي صغير أو مستضعف من أهل البيت ~~يترشح لها بعد أبيه أو يخصمه بها ذووه وخوله فيقوم به لعجزه عن الاستبداد ~~كافله من وزرائه أو حاشيته أو قبيلة موريا بحفظ امره عليه حتى يؤنس منه ~~الحجر وجاعلا ذلك ذريعة للملك فيحجب الصبي ويعوده اللذات التي يدعو اليها ~~الترف وينسيه النظر في الأمور السلطانية حتى يعتقد أن حظ السلطان من الملك ~~إنما هو الجلوس على السرير وخطاب التهويل والقعود مع النساء خلف الحجاب وان ~~العقد والحل والأمر والنهي والولاية والعزل ومباشرة الاحوال الملوكية من ~~النظر في الجند والمال والثغور إنما هو للوزير فيسلم له في ذلك إلى أن ~~يتحول الملك اليه باستحكام صبغة الرياسة والاستبداد ويورثه عشيره وابناءه ~~من بعده كما وقع لبني بويه PageV02P209 # والترك وكافور الاخشيدي وغيرهم بالمشرق وللمنصور ابن أبي عامر بالأندلس # الثالث ms416 في مضرته بالملك وانذاره بالبوار غالبا ولا يخفي ذلك من اخلاله ~~بالقصد من السلطان ومرض الدولة به إذ لا بر منه إلا في الاقل النادر والله ~~يوتي ملكه من يشاء # استدراك قال ابن خلدون وقد يتقطن ذلك المحجور لشأنه فيحاول الخروج من ~~ربقة الحجر ليرجع الملك إلى نصابه إما بقتل المتغلب أو دفعه عن الرتبة فقط ~~إلا أن ذلك نادر لأن الدولة إذا أخذت في تغلب الوزراء والأولياء استمر لها ~~ذلك وقل أن تخرج عنه لانه إنما يوجد غالبا من الترف ونشأة ابناء الملك ~~منغمسين في نعمة قد نسوا عهد الرجولة والفوا اخلاق الديات والاظار فلا ~~ينزعون إلى رياسة ولا يعرفون استبداد من تغلب إنما همهم في القنوع بالألفة ~~والتفنن في أنواع الترف # العائق السابع استظهار السلطان على قومه وذوي عصبيته بالموالي والمصطنعين ~~وذلك لانه في الطور الثاني على ما يأتي إن شاء الله تعالى ينفرد فيه بالمجد ~~دونهم ويدافعهم عنه بالرماح واذ ذاك يصيرون من بعض اعدائه فيحتاج إلى من ~~يستظهر به عليهم من غير جلدتهم في مدافعتهم عن الأمور وصدهم عن المشاركة ~~ليستخلفهم لذلك ويقلدهم PageV02P210 # جليل الاعمال والولايات من الوزارة والقيادة والجباية وما يختص به لنفسه ~~لانهم حينئذ أولياؤه الاقربون ونصحاؤه الاخلصون # قال ابن خلدون وذلك مؤذن باهتضام الدولة وعلامة على مرضها المزمن لفساد ~~العصبية التي كان الغلب بها ومرض قلوب أهل الدولة لما لحقهم من الامتهان ~~وعداوة السلطان فيحقدون عليه ويتربصون به الدوائر ويعود وبال ذلك على ~~الدولة ولا يطمع في برءها من هذا الداء لانه ما مضى يتأكد في الاعقاب إلى ~~أن يذهب رسمها # قلت هو معنى قول أفلاطون يستدل على ادبار الملك من قصده المخلصين له ~~بالسوء # اعتبار قال واعتبر ذلك في دولة بني امية كيف كانوا إنما يستظهرون في ~~الحروب والولايات برجال العرب كعمر بن سعد وعبيد الله بن زياد والحجاج بن ~~يوسف والمهلب بن أبي صقره وخالد بن عبد الله القسري وابن هبيرة وموسى بن ~~نصير وبلال بن أبي بردة ونصر بن سيار ms417 PageV02P211 # وامثالهم وكذلك صدر بن العباس فلما صارت الدولة للانفراد بالمجد وكبح ~~العرب عن التطاول للولايات صارت الوزارة للعجم والصنائع من البرامكة وبني ~~سهل وبني بويه وموالي الترك مثل بغا ووصيف وابن طولون وابنائهم وغيرهم ~~فتصير الدولة لغير من مهدها والعز لغير من اجتلبه سنة الله في عبادة # العائق الثامن انقسام الدولة الواحدة إلى دولتين قال ابن خلدون وهو أول ~~ما يقع فيها من اثار الهرم وذلك لان الملك عند ما يستحفل وينفرد صاحبه ~~بالمجد يأنف حينئذ من المشاركة ويصير إلى قطع اسبابها باهلاك من استراب به ~~من قرابته المرشحين لمنصبه واذ ذاك يتخوفون على أنفسهم وينزعون إلى القاصية ~~ويجتمع اليهم من يلحق بهم في التخوف فيستبد ذلك المنازع فيها ولا يزال امره ~~يتعاظم لتراجع نطاق الدولة حتى يقاسمها أو يكاد PageV02P212 # استشهاد ولزوم هذا الانقسام متكرر الوقوع في دول عديدة # الدولة الأولى دولة العرب صدر الإسلام # قال ابن خلدون كان امرها مجتمعا ونطاقا ممتدا وعصبية بني عبد منف غالبة ~~على سائر مضر لم ينبض عرق من الخلاف سائر ايامهم إلا ما كان من ظهور ~~الخوارج لاقامة بدعتهم لا لنزعة ملك ورياسة ولم يتم أمرهم لمزاحمتهم ~~العصبية القوية ولما خرج الأمر من بني لبني العباس وكانت الدولة العربية قد ~~بلغت الغاية من الغلب والترف وآذنت بالتقلص عن القاصية نزع عبد الرحمن ~~الداخل إلى الأندلس قاصية دولة الإسلام واستحدث بها ملكا وصير الدولة بها ~~دولتين ثم نزح ادريس إلى المغرب وقام بأمره وامر ابنه من بعده البرابرة ~~واستولوا على قاصية المغرب ومن ثم ازدادت الدولة تقلصا فامتنعت الاغالبة ~~عليها ثم خرجت الشيعة وقام بأمرهم كتامة وصنهاجة واستولوا على افريقية ~~والمغرب ثم مصر والشام والحجاز PageV02P213 # وغلبوا على الادارسة وصارت الدولة العربية ثلاث دول دولة بني العباس ~~يمركز العرب ومادة الإسلام ودولة بني امية المجددة بالأندلس ودولة ~~العبيديين بأفريقية ومصر والشام والحجاز # الدولة الثانية دولة بني العباس # انقسمت كذلك دولا قال فكان في الجزيرة والموصل بنو حمدان وبنو عقيل بعدهم ~~وبمصر والشام بنو طولون وبنو ms418 طغج بعدهم وبالقاصية بنو سامان فيما وراء ~~النهر وخراسان والعلوية في الديلم وطبرستان وال ذلك إلى استيلاء الديلم على ~~فارس والعراقين وعلى بغداد والخلفاء ثم جاء السلجوقية وملكوا جميع ذلك ~~فانقسمت دولتهم بعد الاستفحال كما هو معروف في أخبارهم # الدولة الثالثة دولة صنهاجة بالمغرب وافريقية قال لما بلغت إلى غايتها ~~ايام بادس ابن المنصور وخرج عليهم عمه حماد واقتطع ممالك المغرب لنفسه ما ~~بين جبل اوراس إلى تلمسان وملوية واختط القلعة بجبل كتامه واستحدث ملكا اخر ~~قسيما لملك آل بادس PageV02P214 # وبقي آل بادس بالقيروان وما ولاها ولم يزل ذلك إلى انقراض امرها جميعا # الدولة الرابعة دولة الموحدين # قال لما تقلص ظلها بأفريقية بنو أبي حفص فاستقلوا بها واستحدثوا ملكا ~~لاعقابهم بنواحيها ثم لما استفحل أمرهم واستولوا على الغاية خرج بالممالك ~~الغربية من أعقابهم الأمير أبو زكريا يحي ابن السلطان أبي اسحاق رابع ~~خلفائهم واستحدث ملكا ببجاية وقسنطنية وما والاها وورثة بينه وقسموا به ~~الدولة قسمين ثم استولوا على كرسي الحضرة بتونس ثم انقسم الملك ما بين ~~أعقابهم ثم عاد الاستيلاء فيهم # تعريف قال وقد ينتهي الانقسام إلى اكثر من دولتين أو ثلاثة في غير اعياص ~~الملك من قومه كما وقع في ملوك الطوائف بالأندلس وملوك العجم بالمشرق ~~ومملوك صنهاجة بأفريقية فقد كان لاخر أمرهم في كل حصن من حصون إفريقية ثأر ~~مستقل وكذلك حال الجريد والزاب قبيل هذا العهد PageV02P215 # قال وكذا شأن كل دولة لا بد وان يعرض فيها عوارض الهرم بالترف والدعة ~~وتقلص ظل الغلب فينقسم اعياصها أو من يغلب من رجال دولتها الأمر ويتعدد ~~فيها الدول والله وارث الأرض ومن عليها # | النظر الثاني # $ في التعريف بكيفية طروق الخلل إلى الدول # لما كان مبنى الملك على اساس لا بد منهما أحدهما العصبية وهو المعبر عنه ~~بالجند # والثاني المال الذي هو قوام الجند وما يحتاج اليه الملك والخلل إذا طرق ~~الدولة طرقها في هذين الاساسين # بيان طروق الخلل في العصبية وذلك إذا احاط بذوي التمهيد بها للدولة ~~هادمان # أحدها الترف ms419 المستحيل به خلق البسالة على ما تقدم بيانه # الثاني العهد الذي يأخذهم به صاحب الدولة إذا جاءت طبيعة الملك ثم يصير ~~اخذا إلى النيل لما يحصل من مرض قلوبهم عند رسوخ الملك لصاحبه فتأخذهم به ~~غيره منه على ملكه خصوصا ذوي قرباه المقاسمين له في اسم الملك فتفسد عصبيته ~~منهم وهي العصبية الكبرى التي بها جمع العصائب واستتباعها ويستبدل منها ~~بالموالي والمصطنعين ولا تكون عصبيتهم مثل ذلك في شدة الشكيمة لفقدان الرحم ~~منها فينفرد عن العشيرة PageV02P216 # وهم أهل النعرة الطبيعية ويشعر بذلك أهل العصائب الأخرى فيتجاسرون عليه ~~وعلى بطانته تجاسرا طبيعيا فيما لهم ويتبعهم بالقتل واحدا بعد واحد ويقلد ~~الآخر من أهل الدولة في ذلك الأول مضافا لما نزل به من مهلكة الترف فيستولي ~~عليهم الهلاك ترفا وقتلا حتى يخرجوا عن ضبغة العصبية الأولى ويصيروا اجزاء ~~على الحماية لتقل الحماية النازلة بالأطراف والثغور فتتجاسر الرعية على بعض ~~الدولة في ذلك ويبادر الخوارج من الاعياص وغيرهم إلى تلك الاطراف لما ~~يرجعون من حصول غرضهم بمتابعة أهلها لهم وامنهم من وصول الحماية اليها ولا ~~يزال كل ذلك يتدرج ونطاق الدولة ضائق حتى يتقربوا من مركز الدولة وربما ~~انقسمت الدولة عند ذلك بدولتين أو ثلاث على قدر قوتها في الأصل كما تقدم ~~ويقوم بأمرها غير أهل عصبيتها اذعانا لهم ولغلبهم المعهود # اعتبار # قال ابن خلدون واعتبر هذا في دولة الإسلام انتهت أولا إلى الأندلس والهند ~~والصين وكان أمر بني امية نافذا في جميع العرب بعصبية بني عبد مناف حتى لقد ~~أمر سليمان بن عبد الملك من دمشق بقتل عبد العزيز ابن موسى بن نصير بقرطبة ~~فقتل ولم يرد امره ثم تلاشت PageV02P217 # لما اصابهم من الترف فانقرضوا وجاء بنو العباس فغضوا من اعنه بني هاشم ~~وقتلوه الطالبين وشردوهم فنلاشت عصبية بني عبد مناف وتجاسر العرب عليها ~~فاستبد عليها أهل القاصية مثل بني الاغلب بأفريقية واهل الأندلس وغيرهم ~~وانقسمت الدولة ثم خرج بنو ادريس بالمغرب وقام البربر بأمرهم اذغانا ~~للعصبية التي لهم وامنا من وصول ms420 الحماية اليهم # تحصيل واقع # قال فإذا خرجت الدعاة اخرا تغلبوا على الاطراف والقاصية وحصلوا هناك ملكا ~~تنقسم به الدولة وربما زادوا على ذلك متى زادت الدولة تقلصا إلى أن ينتهوا ~~إلى المركز وتضعف بذلك الدولة على إنها ربما طال امرها إذ اذك فيستغني عن ~~العصبية بما حصل لها في نفوس ابالتها من صبغة الانقياد والتسليم منذ سنتين ~~طويلة منضما لاكتفاء صاحبها بالأجراء على الحماية من جندي ومرتزق # وقال وربما كانت الدولة في هذه الحال اسلم من المخارجة والمنازعة ~~لاستحكام صبغة التسليم والانقياد بذلك إذ النفوس تحدث سرها بمخالفة ولا ~~يختلع في ضميرها انحراف عن الطاعة فيكون اسلم من الهرج والانتقاض الحادث ~~بالعصائب والعشائر PageV02P218 # ثم قال لا يزال أمر الدولة كذلك وهي تتلاشى في ذاتها شأن الحرارة الغزيرة ~~في البدن العادم للغذاء إلى أن ينتهي إلى وقتها المقدور # فلكل اجل كتاب ولكل دولة امد والله يقدر الليل والنهار # | بيان طروق الخلل في المال # ويظهر ذلك من تقرير احوال الاحتياج اليه وهي ثلاثة # أحدها حالة الاقتصاد في النفقة والتعفف عن الأموال وذلك في أول الدولة ~~حين تكون اخلاقها البدوية مقتضية لذلك ومتجافية عن خلق الكيس في جمع ~~الأموال فلا تسرف حينئذ ولا داعية اليه # الثاني حال كثرة الانفاق والاقدام على المزيد في الجباية بأحداث المكوس ~~وذلك عند استفحال الملك واستدعائه لعوائد الترف وظاهر أن ذلك مبدأ ظهور ~~الترف وطليعة طوارق الخلل من هذه الجهة PageV02P219 # الثالث حال افراط كثيرة المؤونة ومد اليد إلى التعدى على الأموال بشبهة ~~أو بدونها زائدا على التجارة ومضاعفة المكوس وذلك عند تزايد احوال الترف ~~واستطالة الملك بالقهر والاعتساف # مزيد بيان استحكام الخلل هنا واضح الظهور ومنه مضافا لما ظهر منه امور # أحدها أن الجند يتجاسرون على الدولة لفشلها وهرم عصيبتها فيبادرهم صاحبها ~~بإفاضة العطاء وكثرة الاحسان ولا يجد من ذلك بدا # الثاني أن جباة الأموال إذ ذاك تعظيم ثروتها بكثرة ما بأيديهم من الجباية ~~وقد يتسع لذلك جاههم فيهتمون باحتجا ن الأموال وتفشو السعاية فيهم بعضهم من ~~بعض ms421 منافسة وحسدا فتعمهم المصادرات واحدا بعد واحد إلى أن تتلاشى أحوالهم ~~ويفقد ما كان للدولة بهم من الابهة والجمال وبعدهم يتجاوز إلى أهل الثروة ~~من الرعايا سواهم # قلت الخلل هنا حقيقة إنما هو في تجاوز المصادرة إلى من سواهم واما بفقد ~~الابهة والجمال أمر قريب شرعا وسياسة عادلة # الثالث أن الشوكة عند ذلك أيضا تضعف عن الاستطالة والقهر فيعدل بصاحب ~~الدولة لا محالة إلى المداراة لهذا الخلل ببذل المال ويراه نفع من السيف ~~لقلة غنائه فتعظم حاجتها إلى الأموال ولا يغني فيما يريد # نهاية حال لا خفاء يتناهى استحكام خلل الدولة عند مصيرها إلى هذه الغاية ~~وتعرضها به لاستيلاء الطالب عليها أن قصدها PageV02P220 # قال ابن خلدون وألا بقيت وهي تلاشى إلى أن تضمحل كالذبال في السراج إذا ~~فنى زينته طفئ والله مالك الأمور ومدبر الاطوان لا اله إلا هو # قلت في الافلاطونيات علل الدولة كثيرة وأبعدها علل العوز وهي تشبه نفاذ ~~الرطوبة من العضو فإنها اصعب برءا من زيادة الرطوبة فيه # النظر الثالث في التعريف بان مقتضى الانذار بمنع دوام الملك لاستحكام ~~هرمه لا يتخلف وعبر عنه ابن خلدون بان الهرم إذا نزل بالدولة لا يرتفع # قال لانه لكا كان طبيعي الحدوث للدولة ضرورة أن اسبابه وهي العوائق ~~المنذرة به على ما تقرر كذلك فارتفاعه اذن لا يمكن كما في حدوثه للمزاح ~~الحيواني لان ما هو طبيعي لا يستبدل # تنبيهان أحدها قال وقد يتنبه كثير من أهل الدولة ممن له يقظة في السياسة ~~فيرى ما نزل به من اسباب الهرم ويحبسه ممكن الاتفاع فيأخذ في تلافي الدولة ~~واصلاح مزاجها ظنا منه أن التقدير لحقها من الغفلة عن التلافي وليس كذلك ~~لأنها امور طبيعية والعوائد هي المانعة من ذلك لانها أيضا طبيعية فان من ~~ادرك اباه وكبراء أهل بيته يلبسون الحرير ويتحلون بالذهب في السلاح ~~والمراكب ويتحتجبون عن الناس في المجالس والصلوات لا يمكنه المخالفة في ذلك ~~إلى الخشونة في اللباس والزي والاختلاط بالناس ولو فعل ذلك لرمي بالجنون ~~والوسواس في ms422 الخروج من PageV02P221 # العوائد دفعة وخشي عاقبته في سلطانه # قال وانظر شان الأنبياء عليهم السلام في إنكارهم العوائد ومخالفتها لولا ~~التأييد الإلهي # قال وربما تكون العصبية قد ذهبت فتكون الابهة عوضا من موقعها من النفوس ~~فإذا ازيلت مع ضعف العصبية تجاسر الرعايا على الدولة بذهاب اوهام الابهة ~~فيتدرع بها ما امكن حتى ينقضي الأمر # الثاني قال وربما تحدث عند اخر الدولة قوة توهم أن الهرم قد ارتفع عنها ~~ويومض ذبالها ايماضة الخمود كما في الذبال المشتعل فانه عند مقاربة انطفائه ~~يومض ايماضة توهم إنها اشتعال وهي انطفاء # قال فاعتبر ذلك ولا تغفل سر الله وحكمته في اطراد وجوده على ما قدر فيه ~~فلكل اجل كتاب PageV02P222 & الباب الثاني & # | في عوارض الملك اللاحقة لطبيعة وجوده # ولما كان السعي في اختيار المنازل الحضرية الاجتماع واكتساب المعايش ~~والعلوم متأخر بلوغ الغاية فيه من وجود الملك ومن عوارضه باعتبار رأينا ~~تكميل التعريف بعوارض الملك من حيث هو بتقرير ما تأخر من ذلك عن وجوده فهنا ~~اربعة فصول # أحدها في عوارض الملك من حيث هو # الثاني في اختيار المنازل الحضرية الاجتماع # الثالث في اكتساب المعايش # الرابع في اكتساب العلوم # فلنأت بها ملخصة من كلام ابن خلدون رحمه الله بحسب اللائق بهذا المقام # | الفصل الأول # # | في عوارض الملك من حيث هو # وهي جملة تذكرها مع ما يلحق بها في مضمن مسائل # المسألة الأولى انفراد صاحب الدولة بالمجد وذلك لان الملك على ما سلف ~~إنما هو بالعصبية وهي متالفة من عصبيات كثيرة تغلبها واحدة منها لوقتها حتى ~~يصير جميعها في ضمنها وبذلك يحصل الاجتماع والغلب على الناس PageV02P223 # حكمة طبيعية قال وسره أن العصبية العامة للقبيل هي مثل المزاح للمتكون ~~وهو إنما يكون عن العناصر وقد تبين في موضعه إنها إذا اجتمعت اجتمعت ~~متكافئة لا يقع منها مزاج أصلا إلا بعد أن يغلب فيها واحد اجتمعت على الآخر ~~وحينئذ يقع الامتزاج # قال وكذلك تلك العصبيات لا بد من غلبة واحدة منها حتى تجمعها وتضمها ~~وتصيرها عصبية واحدة كبرى ولا يوجد ms423 ذلك إلا لذوي رياسة فيهم ثم لا بد من ~~تعيين واحد منهم لرياسة الجميع لغلبة منتبه وغرسه # تركيب قال وإذا تعين له ذلك فمن الطبيعة الحيوانية خلق الكبر والانفة ~~فترجح حينئذ عن المشاركة في استتباعهم ويجيء خلق التأله الذي في طباع البشر ~~على ما تقتضيه السياسة من انفراد الحاكم لفساد النظام بالتعدد لو كان فيهما ~~الهة إلا الله لفسدتا ليجدع انوف العصبية ويصدهم عن المشاركة لهم في التحكم ~~ويختص به ما استطاع حتى لا يترك لاحدهم ناهزا في الأمر ولا حملا فيفرد لا ~~محالة بالمجد كله # قال وقد يتم ذلك للأول من ملوك الدولة وقد لا يتم إلا للثاني أو الثالث ~~على قدر ممانعة العصبيات وقوتها إلا انه أمر لا بد له منه في الدول سنة ~~الله في عباده # المسألة الثانية الترف وذلك أن الأمة إذا تغلبت على ما يبد ذوي الملك ~~قبلها كثر رياشها وعوائد نعمها وتجاوزوا ضروريات العيش وخشونته PageV02P224 # إلى نوافله ورقته وتصير لتلك النوافل عوائد ضرورية في تحصيلها تابعين في ~~ذلك سنن من قبلهم في آكل الطيب ولس الانيق وركوب الفاره واستجادة الفرش ~~والانية إلى اخر الدولة على قدر حالهم يكون حظهم منه إلى أن يبلغوا منه ~~الغاية التي للدولة أن تبلغها بحسب قوتها وعوائد من قبلها سنة الله في خلقة # المسالة الثالثة الدعة والسكون # وذلك لان الملك لا يحصل إلا بالمطالبة وإذا حصلت غايتها منه انقضى السعي ~~اليهما كما قيل # ( عجبت لسعي الدهر بيني وبينها % فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر ) # وعند ذلك يقصرون عن المتاعب المتكلفة في طلبه ويؤثرون الراحة والسكون ~~والرجوع إلى تحصيل ثمرات الملك من مباني القصور واجراء المياه واغتراس ~~الروضات والتأنق في الملابس والمطاعم والانية والفرش والاستمتاع بسائر ~~احوال الدنيا ويورثون من بعدهم من الاجيال ولا يزال تزايد فيهم إلى أن يأذن ~~الله فيه بأمره # المسألة الرابعة شاراته الخاصة به لتميز السلطان بانتحالها عن الرعية ~~والبطانة وسائر الرؤساء لما تقتضيه الابهة والبذخ والمشتهر منها جملة # الشارة الأولى الالة وهي ضربان # الضرب الأول ms424 الألوية والرايات ومنها فوائد # الفائدة الأولى إنها من شعار الحروب منذ عهد الخليقة فلم تزل PageV02P225 # بها الموحدون في أول دولتهم بالمغرب لما كانوا عليه من منازع الديانة ~~والتورع عن لباس الحرير والذهب فاسقطوا وظيفة الاقامة لها ونعم ما فعلوا # الثانة جهة العناية بها في ابهة الملك عند اخذه بمذاهب الترف فمن هنا ~~نلخص من كلام ابن خلدون ما يقتضيه التعريف بعوارض الملك والحق من ورائه # قال كان مملوك العجم قبل الإسلام يجعلون ذلك الطراز بصور الملوك واشكالهم ~~أو غير ذلك فاعتاض ملوك الإسلام عن ذلك بكتب اسمئهم مع كلمات تجري مجرى ~~الفأل وعينوا في الدولتين إذ كان عندهم من افخم الأحوال دورا تسمى دور ~~الطراز وقلدوا القائم على النظر فيها خواص الدولة وثقاة الموالي وعلى ذلك ~~كان الحال في دولة بني امية بالأندلس والطوائف بعدهم وفي دولة العبيدين ~~بمصر ومن كان على عهدهم من ملوك العجم بالمشرق ولما ضاق نطاق الدول عن ~~الترف بتعددها وضعف استيلائها بطلت هذه الوظيفة والولاية عليها من اكثر ~~الدول بالجملة وفي آخر دولة الموحدين بالمغرب استدركوا منها طرفا لم تكن ~~بتلك النباهة # قال واما لهذا العهد فاردكنا منه في الدولة المرينية لعنفوانها وشموخها ~~رسما جليلا تلقوه من دولة بني الأحمر معاصريهم بالأندلس واتبع هو في ذلك ~~دول الطوائف فاتى منه بلمحة شاهدة بالأثر PageV02P225 # الامم تعقدها في مواطن الحروب والغزوات ولعهد النبي صلى الله عليه وسلم ~~ومن بعده من الخلفاء وعند انقلاب الخلافة ملكا اتخذوها مع ذلك زينة وتنويها ~~فكثيرا ما كان العامل أو قائد الجيش يعقد له الخليفة من العباسيين ~~والعبيدين لواء ويخرج إلى عمله أو بعثه في موكب من أصحاب الرايات فلا يتميز ~~موكب العامل والخليفة إلا بكثرة الألوية أو قتلها أو بما اختص به الخليفة ~~من الألوان لرايته وبنده # الفائدة الثانية أن القصد بها تكثيرا أو تلوينا واطالة إنما هو التهويل ~~في الاكثر قال وربما تحدث في النفوس وتلوناتها غريبة والله الخلاق العليم # قلت قال ابن المناصف هي ارواح العساكر وبثباتها ثبات افئدة ms425 الجماهير وحيث ~~انتفلت انتفلت معها القلوب وان ادبرت تبعتها انفس الجلد والهروب # الفائدة الثالثة أن تلوينها يختلف باختلاف الدول في اختياره كالسواد في ~~ايام بني العباس حزنا على شهدائهم من بني هاشم ونعيا على بني امية في قتلهم ~~ولذلك سموا المسودة والبياض عند الطالبين الخارجين عليهم في كل جهة وعصر ~~مخالفة لهم ففي ذلك سموا المبيضة سائر أيام العبيدين وكذا جميع من خرج ~~عليهم ولما نزع المأمون عن لبس السواد وشعاره عدل إلى لون الخضرة فجعل ~~رايته خضراء PageV02P226 # الفائدة الرابعة أن التكثير منها والتقليل يختلف أيضا بحسب مقاصد الدول ~~في ذلك فالعبيديون لما خرج منهم العزيز نزار إلى فتح الشام كان له خمسمائة ~~من النبود والموحدون وبنو ايدهم الله تعالى اقتصروا على سبعة في العدد ~~تبركا بالسبعة قاله ابن خلدون وزناته يبلغون إلى العشرة والعشرين # قال وقد بلغت أيام السلطان أبي الحسن فيما ادركناه مائة من البنود ملونة ~~بالحرير ومنسوجة بالذهب ما بين كبير وصغير ومائة من الطبول ويأذنون للولاة ~~والقواد في اتخاذ راية واحدة صغيرة من الكتان بيضاء وطبل صغير أيام الحرب ~~لا يتجاوزون ذلك والترك يتخذون فيما ذكر ابن خلدون على عهده راية واحدة ~~عظيمة وفي رأسها خصلة كبيرة من الشعر وهي شعار السلطان عندهم ثم تتعدد ~~الرايات ويبالغون في الاستكثار من الطبول والجلالقة من الافرنجة من الأندلس ~~يتخذون فيما ذكر أيضا على عهده الوية قليلة ذاهبة في الجو صعدا ومعها قرع ~~الأوتار ونفخ الغيطات يذهبون فيها مذهب الغناء في مواطن حروبهم PageV02P227 # قال هكذا ابلغناعنهم وعن من وراءهم من ملوك العجم وفي خلق السماوات ~~والأرض واختلاف السنتكم والوانكم آيات للعالمين # الضرب الثاني قرع الطبول ونفخ الابواق والقروت وقد كان المسلمون لاول ~~الملة يتجافون عن ذلك تنزها عن غلظة الملك واحتقار الابهة التي ليست من ~~الحق في شيء وعنج مصير الأمر لمن بعدهم شاركوا فيه ملوك الامم كما تقدمت ~~حكايته عنهم # توجيه ذكر أر سطوا في السياسة أن السر في ذلك ارهاب العدو في الحرب فان ~~الاصوات الهائلة لها ms426 تأثير في النفوس بالروعة # قال ابن خلدون ولعمري انه لامر وجداني في مواطن الحروب يجده كل أحد من ~~نفسه # قال وهذا الذي ذكره أن كان فهو صحيح في بعض الاعتبارات واما الحق في ذلك ~~فهو أن النفس عند سماع النغم والاصوات يدركها الفرح والطرب فيصيب مزاج ~~الروح نشوة يستسهل بها الصعب ويستميت بالزهو فيه وهو موجود حتى في ~~الحيوانات العجم كانفعال الابل بالحداء والخيل بالصفير ويتأكد ذلك بتناسب ~~الاصوات كما في الغناء ولاجله يتخذ العجم في مواطن الحروب الالة الموسيقية ~~PageV02P228 # فيحدو المغنون بالسلطان ليحركوا نفوس الشجعان بطربهم إلى الاستماتة # شهادة قال ابن خلدون ولقد رأينا في حروب العرب المنشد يغني امام الموكب ~~بالشعر ويطرب فتجيش همم الابطال بما فيها ويسارعون مجال الحرب وينبعث كل ~~قرن إلى قرنه وكذا زنانة يتقدم إلى الشاعر عندهم امام الصنوف ويغني فيحرك ~~بغنائه الجبال الرواسي وينبعث على الاستمامة من لا يظن بها # كشف حقيقة قال واصله كله فرح يحدث في النفس فتنبعث منه الشجاعة كما تنبعث ~~عن نشوة الخمر بما حدث عنها من الفرح والله تعالى اعلم # الشارة الثانية السرير # وفيه نظر من وجوه # أحدها أن المراد به شامل لكل ما يجلس عليه السلطان من اعواد منصوبة ~~وآرائك منضدة ليرتفع به عن مساواة أهل مجلسه عظمة وإجلالا # الثاني أن الجلوس عليه سنة معرفة في منازع الملك قبل الإسلام وبعد انقلاب ~~الخلافة ملكا فقد كان لسليمان عليه السلام سرير من عاج منعشى بالذهب ولملوك ~~العجم اسرة من ذهب يجلسون عليها PageV02P229 # الثالث أن اتخاذه إنما يكون بعد استفحال الدولة والترف شأن الابهة كلها ~~وفي أول الدولة لا تتشوف اليه خشونة خلق البداوة إذ ذاك # الرابع أول من اتخذه معاوية رضي الله عنه بعد أن استأذن النا فيه وقال ~~لهم أني قد بدنت فأذنوا له فاتخذه واتبعه فيه الملوك الإسلاميون وصار لهم ~~من منازع الملك والأبهة # حكاية كان عمرو بن العاص رضي الله عنه بمصر يجلس في قصره على الأرض مع ~~العرب وياتيه المقوقس ومعه سرير من الذهب ms427 محمول على الأيدي لجلوسه شأن ~~الملوك يجلس عليه وهم امامه ولا يغيرون عليه وفاء له بما عقد معهم من الدعة ~~واطراحا لابهة الملك # قال ابن خلدون ثم كان بعد ذلك لبني العباس والعبيدين وسائر ملوك الإسلام ~~شرقا وغربا من الاسرة والمنابر والتخوف ما عفى على الاكاسرة والقياصرة ~~والله مقلب الليل والنهار # تعريف حكى ابن قتيبة انه كان يستقبل بفراش الملك في PageV02P230 # مجلسه المشرق أو مهب الدبور ويجعل تكأته مما يلي المشرق ويستقبل به مهب ~~الصبا لان ناحيتي الصبا والمشرق يوصفان بالعلو وناحيتي المغرب والدبور ~~بالانخفاض # الشارة الثالثة السكة # وهي الختم على الدنانير والدراهم بطابع حديد ينقش فيه صور وكلمات مقلوبة ~~ويضرب به عليه فتخرج رسوم تلك النقوش عليها ظاهرة مستقيمة ويضرب به عليه ~~فتخرج رسوم تلك النقوش عليها ظاهرة مستقيمة بعد اعتبار عيار النقد في خلوصه ~~بالسبك مرة بعد أخرى وبعد تقدير أشخاص الدنانير والدراهم بوزن معين يصطلح ~~عليه فيكون التعامل بها عددا وان لم تقدر أشخاصها فالتعامل يكون وزنا # قلت وقد تقدم تخليص الكلام عليها في فصل الولاية الدينية # الشارة الرابعة الخاتم # وفي التعريف بوجوه النظر فيه فوائد # الفائدة الأولى انه من الخطط الدينية والوظائف الملوكية والختم على ~~الرسائل والصكوك معروف للملوك قبل الإسلام وبعده وفي الصحيحين أن النبي ص ~~صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب إلى قيصر فقيل له أن العجم لا يقبلون ~~كتابا إلا أن يكون مختوما فاتخذ خاتما من فضة ونقش عليه محمد رسول الله قال ~~البخاري جعل الثلاث كلمات في ثلاثة اسطر وختم به وقال لا ينقش أحد مثله قال ~~وتختم به أبو بكر وعمر وعثمان ثم سقط من يد عثمان في بئر اريس وكانت قليلة ~~الماء فلم يدرك قعرها بعد واغتم لذلك وتطير منه وصنع اخر على مثاله # الفائدة الثانية انه يطلق على امور على الآلة المجعولة في PageV02P231 # الاصبع ومنه تختم إذا لبسه وعلى النهاية والتمام ومنه ختمت الأمر إذا ~~بلغت اخره وختمت القران كذلك ومنه خاتم الامن على السداد الذي تسد به ms428 ~~الأواني والدنان يقال فيه خاتم # الفائدة الثالثة إذا صح اطلاقه على هذه الأمور صح اطلاقه على اثرها ~~الناشئ عنها فيحتمل أن يكون هذا الختم بالخط اخر الكتاب أو اوله بكلمات ~~منتظمة من حمد أو تسبيح أو باسم السلطان أو الأمير أو صاحب الكتاب كائنا من ~~كان أو بشيء من نعوته علامة على صحة الكتاب وسمي ذلك علامة وخاتما تشبيها ~~له بأثر الخاتم الاصبعي في النقش ومنه خاتم السلطان وخاتم القاضي # ويحتمل أن يكون لغمس الخاتم في المداد والطين وصنعه على الصفح فتنقش ~~الكلمات فيه فيكون من معنى النهاية والتمام كأن الكتاب لا يتم العمل به إلا ~~بهذه العلامة ويحتمل أن يختم به في شيء لين فينقش فيه حروفه ويجعل على موضع ~~الحزم من الكتاب إذا خزم وعلى المودعات فيكون من السداد # قلت ومن هذا خاتم السلطان ومن يليه لهذا العهد على هذه الصورة لكن يسمى ~~بالطابع اخذا من هذا المعنى # الفائدة الرابعة أن أول من احدث الختم على الكتاب أي العلامة PageV02P232 # معاوية رضي الله عنه وسببه انه أمر لعمرو بن الزبير عند زياد بالكوفة ~~بمائة ألف ففتح الكتاب وصير المائة مائتين ورفع زياد حسابها فأنكرها معاوية ~~وطلب بها عمروا وحبسه حتى قضايا عنه اخوه عبد الله واتخذ معاوية عند ذلك ~~ديوان الخاتم وخزم الكتب ولم تكن تخزم أي جعل لها السداد # تفسير ديوان الخاتم عبارة عن الكتاب القائمين على إنفاذ كتب السلطان ~~والختم عليها بالعلامة أو بالجزم وقد يطلق الديوان على مكان جلوس هؤلاء ~~الكتاب # الفائدة الخامسة الخزم للكتب إما بدثر الورق كما في عرف كتاب المغرب أو ~~بلصق راس الصحيفة على ما ينطوي عليه من الكتاب كما في عرف أهل المشرق وقد ~~جعل على مكان الدثر أو اللصاق علامة يؤمن معها من فتحه فالمغاربة يجعلون ~~على الدثر قطعة من الشمع ويطبعون عليها بخاتم نقشت فيه علامة لذلك فيرتسم ~~النقش في الشمع والمشارقة في التقديم يختمون على مكان اللصق بخاتم منقوش ~~أيضا قد PageV02P233 # غمس في طين احمر فيرسم النقش عليه ms429 وكان هذا الطين يسمى في الدولة ~~العباسية بطين الختم وكان يجلب من سيراف # تعريفان # أحدهما أن هذا الخاتم الذي هو العلامة المكتوبة أو النقش للسداد أو الخزم ~~للكتب خاص بديوان الرسائل وكان ذلك للوزير في الدولة العباسية ثم اختلف ~~العرف وصار لمن اليه الترسيل وديوان الكتاب # الثاني من شارات الملك وعلامته في دول المغرب اتخاذ الخاتم للإصبع # قال ابن خلدون فيستحبون صوغه من الذهب ويرصعونه بالفصوص من الياقوت ~~والفيروزج والزمرد ويلبسه السلطان شارة لهم في عرفهم كما كانت البردة ~~والقضيب في الدولة العباسية والمظلمة في الدولة العبيدية والله مصرف الأمور ~~بحكمته # قلت صوغ الخاتم من الذهب للرجال حرام ومن الفضة وبعضه ذهب كذلك على ~~المشهور # الشارة الخامسة الطراز # قلت حاصل هذه الشارة كتب اسم السلطان أو علامته الخاصة طراز اثواب الحرير ~~المعدة للباسه أولا وعند ذلك فالنظر فيها من جهتين # أحدهما جهة المشروعية في الغرض فيها فقط ولا خفاء إنها ساقطة الاعتبار ~~شرعا لتحريم لباس الحرير على الرجال ولذلك لم يأخذ PageV02P234 # شاهد قوة قال واما دولة الترك بمصر والشام لهذا العهد ففيه من الطراز بحر ~~زاخر على مقدار ملكهم وعمران بلادهم لكنه لا يصنع في دورهم وليست من وظائف ~~دولتهم وما تطلبه من ذلك فمن صناعه ويرسم اسم السلطان أو الأمير عليه ~~ويعدون ذلك من طرف الصناعة اللائقة بالدولة والله مقدر الليل والنهار # الشارة السادسة الفساطيط والأخبية # وهي من الة السفر وزينته الاستعداد له على نسبة الدولة في الثروة واليسار ~~ولها باعتبار الأخذ به أو الترك له حالتان # إحداهما حالة البداية ولا وجود لهذه الشارة فيها لاستغنائها بما جرت به ~~عادتها في اتخاذه قبل الملك في عهد الأولين وخلفاء في امية كانوا يسكنون في ~~أسفارهم بيوتهم التي كانت لهم من الوبر والصوف بظمونهم وسائر حالهم ~~واجيالهم من الاهل والولد كما هو شأن العرب لهذا العهد # الثانية حالة النهاية في استفحال الملك وأخذه بمذاهب النرف كما في العرب ~~المشار اليهم عند تعينيهم بعد في منازع البذج والحضارة والانتقال من سكنى ~~الخيام ms430 إلى سكنى القصور ومن ظهر الخفه PageV02P236 # إلى ظهر الحافر فاتخذ السكنى في أسفارهم بيوت الكتان مختلفة الأشكال ~~مقدرة الأمثال من القوراء والمستطيلة والمربعة فاختلفوا فيها بابلغ مذاهب ~~الاحتفاء والزينة ويدير الأمير أو القائد على فساطيطه سياجا من الكتان يسمى ~~بالمغربي بلسان أهل الغرب بافراك بالكاف التي بين القاف والكاف يختص به ~~السلطان بذلك القطر # قال ابن خلدون واما المشرق فيتخذه كل امير وان كان دون السلطان وستمر ~~الحال على ذلك في مذاهب الدول بذخا وترفا # قال وكذا كانت دولة الموحدين وزناتة وكان سفرهم أول أمرهم في بيوت سكناهم ~~قبل الملك من الخيام والقياطين ولما اخذوا في مذاهب الترف وسكنى القصور ~~اتخذوا الأخبية والفساطيط وبلغوا من ذلك فوقف ما ارادوه # الشارة السابعة المقصورة للصلاة وهي والدعاء في الخطبة قال ابن خلدون من ~~الأمور الخلافية ومن شارات الملك الإسلامي ولم تعرف في غير دول الإسلام # قلت وفيها على ذلك القصد ما نكمله من غير وجوه PageV02P237 # أحدها أول من احدثها قيل مروان بن الحكم حين طعنه اليماني وهو نقل مالك ~~في العتبية قال وجعلها من طين وجعل فيها تشبيكا وقيل معاوية رضي الله عنه ~~حين ضربه الخارجي وقطع عرق النسا من صلبه وهذا نقل المؤرخين حكاه الشيخ أبو ~~عمر في الاستيعاب عن الزبير ابن بكار # الثاني الموجب لاتخاذها إما خوف الاغتيال كما وقع لمعاوية ومروان وغيرهما ~~صرح بذلك ابن رشد حسبهما يأتي عنه إن شاء الله تعالى أو ما تقتضيه نخوة ~~الملك في الترفع من الاختلاط بالناس ولو امن من ذلك المحذور وهو ظاهر قول ~~ابن خلدون وانما اتخذت عند حصول الترف والاستفحال شأن احوال الابهة كلها ~~وقد يراعي الامران وان استقل كل واحد منهما # الثالث من الملوك من أزال رسمهما من الجوامع وهو أبو يعقوب بن ~~PageV02P238 # عبد المؤمن القائل فيه ابن جبيش وقد سئل عنه وهو عمر بن عبد العزيز عدلا ~~علما وزهدا وفضلا وحمل ابن خلدون ذلك على طريق البداوة التي كانت إذ ذاك ~~شعارهم # قال ولما استفحلت دولتهم وأخذت بحظها ms431 من الترف وجاء يعقوب المنصور ثالث ~~ملوكهم فاتخذها وبقيت من بعده سنة ملوك المغرب والأندلس # قال وهذا الشأن في سائر الدول سنة الله في عباده # قلت خلق البداوة اقرب إلى تحري الصواب في ترك الأحداث لغير موجب وبالجملة ~~في اجتناب كل ما لم يؤذن فيه # الرابع نص ابن رشد في مواضع من البيان على أن اتخاذها مكروه لكونها محدثة ~~قال ما نصه عند قول مالك أول من جعل المقصودة مروان الخ ما تقدم نقله وجه ~~قوله الأعلام بان المقصودة محدثة لم تكن على عهد النبي ص صلى الله عليه ~~وسلم ولا على عهد الخلفاء PageV02P239 # بعده وانما أحدثها الأمراء للخوف على أنفسهم فاتخاذها في الجوامع مكروه ~~انتهى # ولابن الحاج في مدخله مبالغة في تقرير تلك الكراهة بما عدد من مفاسد ~~اتخاذها # قلت ويظهر الآن أن الخوف الذي علل به الأحداث ينهض في رفع الكراهة لما ~~ينشأ عن تحققه من المفاسد العظام لا سيما أن صح النقل عن معاوية رضي الله ~~عنه ففيه مع ذلك اسوة إذ هو صحابي كريم مشهود له عنه أهل السنة باستمراره ~~بعد رسول الله ص صلى الله عليه وسلم على ما كان عليه من فضيلة الصحبة ~~والسابقة وتلك المفاسد لا تقاوم ضرر عدم اتخاذها حيث يتوقع ولبيانه محل آخر # الخامس إذا كانت هذه المقصورة مباحة لكل الناس في الصف الأول ما بداخلها ~~ملاصقا لمقام الأمام وان كانت غير مباحة فهو ما وراءها واليا جوارها روى عن ~~مالك رحمه الله تعالى # قلت وعلى الاختيار جواز اتخاذها لما اشير اليه وان الحائل إذا انقطع به ~~الصف حالة الضرورة لا يضر بالصف الأول ما يلي الأمام داخلها وقد نقل النووي ~~عن الشافعية انه مذهب المحققين ومقتضى الظواهر PageV02P240 # قلت ولوضع اتخاذها صور متعددة لخلاف فيها البحث باعتبار هذا المقام ~~لتقريره محل آخر والله تعالى اعلم # الشارة الثامنة الدعاء في الخطبة # وقد تقدم لابن خلدون انه من شارات الملك الإسلامي وللكلام فيه مجالان # المجال الأول ما تقتضيه مذاهب الملك فيه والواقع منه ms432 بحسب تلون الحالة ~~أمور # أحدها إحداثه عند حصول الابهة ووجود المانع من ولاية صلاة السلطان بنفسه ~~فيشيد بذكره الخطيب النائب عنه تنويها باسمه ودعى له بما جعل الله تعالى ~~مصلحة العالم فيها كما تقدم التنبيه عليه خصوصا في تلك الساعة التي هي مظنة ~~الإجابة # الثاني في مشاركة الخليفة فيه عند الاستبداد عليه فيدعى له أولا ثم ~~للمتغلب عليه بعده # قال ابن خلدون وذهب ذلك بذهاب تلك الدول وصار الأمر إلى اختصاص السلطان ~~بالدعاء له دون من سواه # الثالث غفلة بداية الدولة أولا لخشونة بداوتها عن تعيين المدعو له ~~اقتناعا بالدعاء المبهم لمن ولى أمر المسلمين # قال ابن خلدون ويسمون مثل هذه الخطبة عباسية يعنون بها أن الدعاء على ~~الأجمال إنما يتناول العباسي تقليدا في ذلك لمن سلف ولا يحلفون بما وراء ~~ذلك من تعيينه والتصريح باسمه فإذا انتهت عيون سياستهم ونظروا في أعطاف ~~ملكهم طالبوا بالتعيين والتصريح ولم يقنعوا بتعميمه الإبهام PageV02P241 # الرابع اذعان الدولة المغلوبة للإفصاح باسم غالبها إما في بدايتها أو ~~عندما يدركها كما يحكي أن يعقوب بن عبد الحق ما هد دولة بني مرين حضره رسول ~~المستنصر من بني أبي حفص وتخلف في بعض أيامه عن شهود الجمعة فقيل له لما لم ~~يحضر هذا الرسول فقال لخلو الخطبة من ذكر سلطانه فأذن في الدعاء له وكان ~~ذلك سببا لاخذهم بدعوته وكما يحكي أن يغمر اسن بن زيان ما هد دولة ~~PageV02P242 # بني عبد الواد لما غلبه الأمير أبو زكريا ابن أبي حفص على تلمسان ثم بدا ~~له في اعادة الأمر اليه على شروط من جملتها ذكر اسمه على منابر سائر عمله ~~فقال هي أعوادهم يذكرون علها من شاؤا # وقلت وشاهدت بتلمسان وبعض اعمالها لهذا العهد تصريح الخطيب بأسم السلطان ~~أبي عمرو عثمان صاحب تونس مقدما في الذكر على اسم صاحب تلمسان السلطان أبي ~~عبد الله من اعقاب بني زيان لما بينهما من الشروط في ذلك # انعطاف فإذا استقلت الجولة بنفسها وقويت على شأنها استنكف حينئذ صاحبها ~~من مثلذلك وافراد ms433 الدعاء لنفسه وتجاوز في التنويه باسمه إلى الغاية # قال ابن خلدون والعالم بستان ^ والله على كل شيء قدير ^ # المجال الثاني ما تقتضي به الأحكام الشرعية ولا تخلو من حالتين ~~PageV02P243 # أحدهما أن يفعل في بعض الاوقات لمعارض يتأكد عنده ولا اشكال حينئذ في ~~مشروعيته وتوجه الأمر به وعليه يتنزل قول ابن خلدون أن أول من دعا للخليفة ~~في الخطبة ابن عباس دعا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما في حطبته وهو عامل ~~له على البصرة فقال اللهم انصر عليا على الحق لانه اصل لما اتصل به العمل ~~من ذلك دائما # الثانية أن يلتزم في الخطبة التنويه بمقام الملك واشادة باسم القائم به ~~وفيه تعارضت انظار الشيوخ فمن منكر له وحاكم عليه بالبدعة لعدم العمل عند ~~الأولين كالشيخ عز الدين ومن تبعه ومن مصوب ومن معتقد لاستحسانه لدلالة ~~استمرار العمل به عنده على أن له أصلا صحيحا كالأستاذ أبي سعيد وغيره ومن ~~قائل برجحانه ووجوبه بعد الأحداث ومصير تركه خفية اعتقاد السلطان في الخطيب ~~ما تخشى غائلته كالشيخ ابن عرفة فيما اجاب به عند استطلاع ما عنده في ذلك ~~ولتمام البحث فيه مقام آخر # التفات هذا النظر إنما هو حيث يكون الدعاء مجردا عن الغلو في الثناء ~~المفرط والمدح الكاذب فان اقترن ذلك بذلك كما في بعض الدول فمعظم الشيوخ ~~على الإنكار واوجبوا عنده اعتقاد أمرين # أحدها عدم نفع الدعاء لسوء الأدب فيه قال الشيخ عز الدين في تقريره فان ~~من عاق من سيده عاص له بمخالفة آمره قائلا في شفاعته اكرم عبدك المطيع ~~لأمرك العاكف على خدمتك كان عند السيد كاذبا جديرا بان لا تقبل شفاعته # الثاني عدم وجوب الأنصاف المطلوب في الخطبة قال ابن العربي رأيت الزهاد ~~بمدينة السلام والكوفة إذ بلغ الأمام إلى الدعاء أهل الدنيا قاموا فصلوا ~~ورايتهم أيضا يتكلمون مع جلسائهم فيما يحتاجون اليه من PageV02P244 # أحدهما أن يفعل في بعض الاوقات لمعارض يتأكد عنده عنده ولا اشكال حينئذ ~~في مشروعيته وتوجه الأمر به وعليه يتنزل قول ms434 ابن خلدون أن أول من دعا ~~للخليفة في الخطبة ابن عباس دعا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما في خطبته ~~وهو عامل له على البصرة فقال اللهم انصر عليا على الحق لانه اصل لما اتصل ~~به العمل من ذلك دائما # الثانية أن يلتزم في الخطبة التنويه بمقام الملك واشادة باسم القائم به ~~وفيه تعارضت انظار الشيوخ فمن منكر له وحاكم عليه بالبدعة لعدم العمل عند ~~الأولين كالشيخ عز الدين ومن تبعه ومن مصوب ومن معتقد لاستحسانه لدلالة ~~استمرار العمل به عنده على أن أصلا صحيح كالأستاذ أبي سعيد غيره ومن قائل ~~برجحانه ووجوبه بعد الأحداث ومصير تركه خفية اعتقاد السلطان في الخطيب ما ~~تخشى غائلته كالشيخ ابن عرفة فيما اجاب به عند استطلاع ما عندع في ذلك ~~ولتمام البحث فيه مقام آخر # التفات هذا النظر انا هو حيث يكون الدعاء مجردا عن الغلو في الثناء ~~المفرط والمدح الكاذب فان اقترن ذلك بذلك كما في بعض الدول فمعظم الشيوخ ~~على الإنكار واوجبوا عنده اعتقاد أمرين # أحدها عدم نفع الدعاء لسوء الأدب فيه قال الشيخ عز الدين في تقريره فان ~~من شفع في عاق من سيده عاص له بمخالفة آمره قائلا في شفاعته اكرم عبدك ~~المطيع لأمرك العاكف على خدمتك كان عند السيد كاذبا جديرا بان لا تقبل ~~شفاعته # الثاني عدم وجوب الإنصات المطلوب في الخطبة قال ابن العربي رأيت الزهاد ~~بمدينة السلام والكوفة إذا بلغ الأمام إلى الدعاء أهل الدنيا قاموا فصلوا ~~ورأيتهم أيضا يتكلمون مع جلسائهم فيما يحتاجون إليه من PageV02P245 # امورهم أو في عليهم ولا يصغون حينئذ لانهم عندهم لغو فلاا يلزم استماعهم ~~لا سيما وبعض الخطباء يكذبون انتهى # قلت وما ابدع ما للمقري في ذلك قال في التحف والطرف له سمعت العلامة أبا ~~زيد ابن الأمام يقول في تفسير قوله عليه السلام في الموطأ إذا قلت لصحابك ~~انصت والامام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت إذا اخذ في الثناء على السلطان جاز ~~الكلام وارتفع وجوب الإنصات لانه في هذه ms435 الحالة يمدح ولا يخطب فهو بان يحثى ~~التراب في وجهه اولى منه بان يستمع لقوله قال فاستحسنت هذا من رأيه # فقلت الغالي اولى بان يكون هو الداعي فعلى من مر به أن يمر كريما ومن ~~حضره أن يعرض عنه تبرءا وتسليما قال الله عز وجل @QB@ وإذا مروا باللغو ~~مروا كراما @QE@ وقال @QB@ وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه @QE@ وقالوا @QB@ ~~لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين @QE@ # المسألة اللقب الخاص يصاحب الدولة وقد زعم ابن العربي PageV02P245 # الحاتمي أن الحكمة الإلهية جرت في العالم باختصاص الخليفة باسم ينفرد به ~~بحيث إذا اطلق لا يفهم منه غيره ثم لا عليه في الاشتراك في بقية اسمائه ~~تأسيا بمن استخلفه وهو الله تعالى فانه خاص باسم الألوهية فإذا قيل الله لم ~~يفهم منه سواه سبحانه تعالى # قلت هو معنى ما نسب لارسطو يجب على الملك أن يختص باسم علم مشهور يشرف ~~على من سواه لانه علم يشار إليه وغرض يقصد نحوه وقول ابن العربي تأسيا بمن ~~استخلفه في معنى اطلاق التخلق به لا سيما الألوهية وفي ذلك كلام الشيوخ ~~مقرر في مواضعه إذا تقرر هذا فقد تحيروا من ذلك في الدولة الاسلامية بحسب ~~التدريج في المقتضي له القابا جملة # اللقب الأول خليفة رسول الله ص صلى الله عليه وسلم سمى بذلك أبو بكر رضي ~~الله عنه لما بويع بعد وفاة رسول الله ص صلى الله عليه وسلم لم يزل الأمر ~~على ذلك إلى أن توفى رضي الله عنه اقتناعا به واقتصارا على شرف غايته فلقد ~~قيل له رضي الله عنه يا خليفة الله فقال لست بخليفة الله ولكني خليفة رسول ~~الله ص صلى الله عليه وسلم # قلت من هناك قال النووي ينبغي إلا يقال خليفة الله بل يقال الخليفة ~~وخليفة رسول الله ص صلى الله عليه وسلم وامير المؤمنين # اللقب الثاني امير المؤمنين وفيه كلام من وجوه # أحدها أن أول من سمي به عمر رضي الله عنه لما بويع بعد أبي بكر رضي الله ~~عنه ms436 استثقالا بكثرة الاضافات في قولهم له قبل ذلك خليفة خليفة PageV02P246 # رسول الله ص صلى الله عليه وسلم خصوصا عند تزايد ذلك دائما إلى أن ينتهي ~~إلى الهجنة ويذهب منه إلى التمييز بتعدد الاضافات فعدلوا عنه إلى ما يناسبه ~~ويدعى به مثله # الثاني ذكر الشيخ أبو عمر في التسمية به علتين # إحداهما ما اشير إليه من كراهية الاستثقال حيث قال قال عمر كان أبو بكر ~~يقال له خليفة رسول الله ص صلى الله عليه وسلم فكيف يقال لي خليفة خلفية ~~رسول الله ص صلى الله عليه وسلم يطول هذا فقال له المغيرة بن شعبة أنت ~~اميرنا ونحن المؤمنون فأنت امير المؤمنين قال فذاك إذا # الثانية أن لبيد بن ربيعة وعدى بن حاتم قدما إلى المدينة وأناخا ~~راحلتيهما بفناء المسجد ثم دخلا فإذا بهما بعمرو بن العاص فقالا له استأذن ~~لنا على امير المؤمنين يا عمرو فقال عمروا انتما والله أصبتما اسمه نحن ~~المؤمنون وهو اميرنا فوثب عمرو فدخل على عمر فقال السلام عليك يا امير ~~المؤمنين فقال عمر ما بداك في هذا الاسم يعلم الله لتخرجن مما قلت قال أن ~~لبيد بن ربيعة وعدى بن حاتم قدما فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد ثم دخلا ~~وقالا لي استأذن لنا يا عمرو على امير المؤمنين فهما والله اصابا اسمك أنت ~~الأمير ونحن المؤمنون فجرى الأمر PageV02P247 # على ذلك # اعتبار بسابقة عناية يروي انه رضي الله عنه خرج إلى المسجد ومعه الجارود ~~العبدي فإذا يامرأة على الطريق فسلم عليها فردت عليه السلام ثم قالت هيه يا ~~عمر عهدتك وأنت تسمى عميرا في سوق عكاظ تقارع الصبيان فلم تذهب الأيام حتى ~~سميت امير المؤمنين فاتق الله في الرعية واعلم أن من خان الوعيد قرب منه ~~البعيد ومن خاف الموت خشي الفوت فبكى طويلا فقال لها الجارود قد ابكيت امير ~~المؤمنين واكثرت فقال عمر دعها أو ما تعرفها هذه خولة بنت حكيم امرأة عبادة ~~بن الصامت التي سمع الله قولها من سمائه فعمر اجدر أن يسمع قولها ~~PageV02P248 # الثالثة ms437 بعد استقرار تسمية الخلفاء بهذا اللقب افردوا به قديما من ملك ~~الحجاز والشام والعراق والمواطن التي هي ديار العرب ومراكز الدولة ومادة ~~الملك والفتح وسلم لهم ذلك إلى أن أدرك الهرم الدولة هناك واستولى عليها ~~الاستبداد والجهل فانقسمت دولة القاصية إذ ذاك فرقتين أحدهما من بقي على ~~هذا التسليم تواضعا معهم في العدول إلى نعت آخر كما يحكي عن يوسف بن تاشفين ~~ملك لمتونة انه لما ملك العدوتين اجتمع إليه اشياخ القبائل وقالوا أنت ~~الخليفة على المغرب وحقك اليوم أن تدعى الأمير بل ندعوك يا امير المؤمنين ~~فقال لهم حاشى الله أن تتسمى بهذا الاسم إنما يتسمى به ويستحقه خلفاء بني ~~العباس وأنا رجلهم والقائم بدعوتهم في بلاد المغرب فقالوا له لا بد لك من ~~اسم تمتاز به عن امراء القبائل فتسمى بأمير المسلمين وقيل خاطبه به ~~المستظهر بالله العباسي في التقليد الذي رجع به إليه الفقيه أبو محمد بن ~~العربي وابنه القاضي أبو بكر من مشيخة اشبيلية بعد أن اوفدهما على المستظهر ~~ببيعته فاتخذه لقبا يختص به # قلت ورد عليه مع ذلك القاضي أبو بكر بكتابين من الشيخين الإمامين أبي ~~حامد الغزالي وأبي بكر الطرطوشي بالدعاء له والوصية بالمسلمين # الثانية من شمخ بانفه عن هذا التسليم لما ثبت لديه من ضعف الخلافة ~~بالمشرق ولما رأى في نفسه من استحقاق المشاركة في ذلك كما اتفق لعبد الرحمن ~~الناصر من خلفاء الأموية بالأندلس بعد مضي مدة من ولايته PageV02P249 # فعهد إلى الخطيب بقرطبة أن يخطب به وانفذ الكتب إلى العمال بما نصه # إما بعد فأنا احق من استوفى حقه واجدر من استكمل خطه الذي فضلنا الله به ~~واظهر أثرنا فيه ورفع سلطاننا إليه ويسر على أيدينا إدراكه وسهل بدولتنا ~~مرامه والذي أشاد في الأفاق من ذكرنا وعلو امرنا والعن من رجاء العالمين ~~بنا وأعاد من انحرافهم إلينا واتبشارهم بدولتنا والحمد الله ولي النعمة ~~والانعام بما انعم به واهدى الفضل بما تفضل علينا فيه وقد رأينا أن تكون ~~الدعوة لنا بأمير المؤمنين وخروج ms438 الكتب عنا وورودها علينا بذلك إذا كل مدعو ~~بهذا الاسم غيرنا منتحل له ودخيل فيه ومتسم بما لا يستحقه وعلمنا أن ~~التمادى على ترك الواجب لنا من ذلك حق اضعناه واسم لا يستحقه علمنا أن ~~التمادي على ترك الواجب لنا من ذلك حق أضعناه واسم ثابت استقطناه أمر ~~الخطيب بموضعك أن يقول به واجر مخاطبتك لنا عليه أن شاء الله والله ~~المستعان # فائدة قال البغوي لا بأس أن يسمى بأمر المسلمين امير المؤمنين والخليفة ~~وان كان مخالفا لسيرة امة العدل لقيامه بأمر المؤمنين وسمع المؤمنين ة له # اللقب الثالث الاوصاف الجارية الاسم العلم مبالغة في التعظيم واحرازا ~~لتمييز الخلفاء بها بعضهم عن بعض لما في امير المؤمنين من الاشتراك كالسفاح ~~والمنصور والهادي والمهدي والرشيد وما في معنى ذلك وأول من فتح الباب بنو ~~العباس من لدن بلوغهم الغاية في بذخ الملك إلى آخر أمرهم واقتفى أثارهم فيه ~~العبيديون بأفريقية ومصر وتجافي عنه بنو PageV02P250 # أمية بالمشرق أول جريا مع سذاجة ولم يفارقوا منازعها وبالأندلس ثانيا ~~تقليدا لسلفهم مع القصور عن ذلك لتخلفهم عن ملك قطر الخلافة التي هي مركز ~~العصبية إلى أن جاء الناصر منهم فزاد على تسميته بأمير المؤمنين على ما ~~تقدمت الحكاية عنه أن يلقب بالناصر لدين اله واستمر مثله فيمن بعده سائر ~~دولتهم وعند انتساخها بدول الطوائف اقتسموا تلك الألقاب وتوزعوها لقوة ~~استبدادهم فتقلبوا منها بما بما شاؤوا كما قال ابن شرف ناعبا عليهم ذلك # ( مما يزهدني في ارض أتدلس % أسماء معتمد فيها ومعتضد ) # ( ألقاب مملكة في غير موضعها % كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد ) # اللقب الرابع الأمير كانوا في صدر الإسلام يسمون به قواد البعوث وهو فعيل ~~من أمر قال ابن خلدون وكان الجاهلية يدعون عليه ص صلى الله عليه وسلم امير ~~مكة وامير الحجاز قلت ثم اقتصر عليه كثير ممن استقل بالملك تلقيبا أو واثة ~~إلى أن بلغوا الغاية التي هي PageV02P251 # قوة دولتهم فعند ذلك انتقلوا إلى الألقاب الخاصة بالملك كما تقدم عن يوسف ~~بن تاشفين في ms439 انتقاله إلى التسمية بأمير المسلمين # فائدة قال ابن العربي سمي بالأمير ولم يسم بالناهي لان الأمر سبق فينا ~~قبل النهي فان الله أمر إبليس بالسجود لادم قبل أن ينهاه عن الشجرة فوقع ~~الابتلاء بالأمر قبل النهي فلا جل ذلك قدم عليه في الذكر الشجرة اللقب ~~الخامس امير المسلمين دعي بذلك سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لإمارته على ~~جيش القادسية وهم معظم المسلمين يومئذ # قلت وعليه اقتصر هؤلاء الملوك النصريون إلى هذا العهد ايدهم الله ونصرهم ~~واوائل زنانة بالمغرب # اللقب السادس الألقاب الخلصة بالمتغلبين على الدول تشريفا لهم عمن غلبوه ~~على الأمر واشعارا بحسن ولا يهتم له وهم في ذلك فرقتان # أحدهما الواقفون عند هذا الحد كملوك عجم المشرق في تسمية الخلفاء ~~المتغلبين بشرف الدولة ونظام الملك وبهاء الملك ونحو ذلك # الثانية المتجاوزون إلى ما وراء الغاية من ذلك في انتحال ما هو خاص ~~بالملك اشعارا بالخروج عن ربقة الاصطناع حيث أضافوها إلى الدين فقط كصلاح ~~الدين ونور الدين ونحو ذلك وهم المتأخرون منهم لما قوى استبدادهم وتلاشت ~~بهم عصبية الخلافة # اللقب السابع الأمام المعصوم تسمى بذلك مهدي الموحدين لامرين بإحداهما ~~اعتقاد رأي الشيعة في وجوب نصب امام معصوم يحفظ PageV02P252 # به نظام العالم في كل زمان # الثاني الترفع عند اتباعه عن أمير المؤمنين لما فيها من مشاركة الوالدان ~~من اعقاب أهل الخلافة يومئذ شرقا وغربا كذا قرر ابن خلدون قال ثم انتحل ولي ~~عهده عبد المؤمن اللقب بأمير المؤمنين وجرى عليه أعقابه من بعده وال بي حفص ~~من بعدهم استئثارا به عمن سواهم لوراثتهم ما جاء به أمامهم ولذهاب عصبية ~~قريش وتلاشيها فكان ذلك دأبهم # قلت والى الآن في آل أبي حفص والله يمد من يشاء بعونه # المسألة السادسة أن المتغلبين على السلطان لا يشاركونه في اللقب الخاص ~~لامرين # أحدها أن المتغلب لا صبغة فل في الملك كما في السلطان المنفرد بها من أول ~~الدولة بما كان له من العصبية الحاصل بها الغلب أولا وبما بقي منها حافظا ~~لدوام ms440 الدولة وشاملا لعصبية من تغلب عليه # الثاني انه لا يحاول باستبداده انتزاع الملك ظاهرا بل ثمرته من الأمر ~~والنهي والحل والعقد موهما انه متصرف عن سلطانه منفذ من وراء الحجاب ~~لاحكامه فلذلك يتجافى عن سمات الملك والقابه جهده ويبعد نفسه عن التهمة ~~بذلك ومتى تجاسر على التعرض بشيء منه هلك لاول وهلة # موعظة قال ابن خلدون وقد وقع مثل هذا لعبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر ~~حين سما إلى مشاركة هشام وأهل بيته في لقب الخلافة ولم يقنع بما قنع أبوه ~~واخوه من الاستبداد بالحل والعقد فطلب من هشام الخليفة أن يعهد له بالخلافة ~~فنفس ذلك عليه بنو مروان PageV02P253 # وسائر قريش وبايعوا لابن عم الخليفة هشام بن محمد بن هشام بن عبد الجبار ~~وخرجوا عليهم وكان في ذلك خراب الدولة العامرين وهلاك خليفتهم والله خير ~~الوارثين # المسالة السابعة تفاوت الموالي والمصطنعين بتفاوت قديمهم وحديثهم في ~~الالتحام بصاحب الدولة وسببه أن المقصود من موافقة العصبية ومغالبتها لا ~~يتم إلا بالنسب لما تقدم والولاية بالولاء أو الحلف بتنزل منزلته لانه وان ~~كان طبيعيا فإنما هو وهمي والمعنى الذي به الالتحام إنما هو العشرة وطول ~~الصحبة بالمربى والرضاع وسائر احوال الموت والحياة وإذا حصل الإلتحام بذلك ~~جاءت النعرة والمناصرة كما هو مشاهد ومثله حاصل في الاصطناع فانه يحدث بين ~~المصطنع ومن اصطنعه نسبة خالصة من الوصلة تنزل هذه المنزلة وان لم يكن بنسب ~~فثمرات النسب إذا موجودة # وإذا تقرر هذا فالولاية بين القبيل وبين أوليائهم متى سبقت حصول الملك ~~كانت عقائدها اصح لامرين # أحدهما انهم قبل الملك اسوة لا يتميز النسب عن الولاية إلا عند الاقل ~~منهم فيتنزلون منهم منزلة ذوي القربى وإذا اصطنعوهم بعده كانت مرتبته مميزة ~~للسيد عن المولى ولاهل القرابة عن أهل الولاية والاصطناع لما تقتضيه احوال ~~الرياسة من ذلك فتميز حالهم ويتنزلون منزلة الاجانب PageV02P254 # فيضعف الالتحام الذي به التناصر وذلك انقص من الاصطناع قبل الملك # الثاني أن الاصطناع قبل الملك يخفي شأن تلك اللحمة بطول الزمان ويظن به ms441 ~~في الاكثر النسب فتقوى العصبية ولا كذلك يعده لقرب العهد واستواء الاكثر في ~~معرفته فلا جرم يتميز عن النسب وتضعف العصبية بالنسبة إلى ما قبل الدولة # شهادة عيان قال ابن خلدون فاعتبر ذلك في الدول والرياسات تجده فكل من كان ~~اصطناعه قبل الملك والرياسة المصطنعة تنزل به لشدة التحامه به منزلة ابنائه ~~وذوي رحمه ومن كان اصطناعه بعد لا يكون له من اللحمة ما للأولين # قال هذا مشاهد بالعيان حتى أن الدولة في آخر امرها ترجح إلى اصطناع ~~الأجانب فلا يبنى لهم مجد كما للمصطنعين قبلها لقرب العهد حينئذ بأوليتهم ~~ومشارفة الدولة على الانقراض فيكونون منحطين في مهاوي الضعة # اعلام قال وانما يحمل صاحب الدولة على إليهم في الاصطناع ما يعترى في ~~نفوس الصنائع الأولين من التعزز عليه وقلة الخضوع له ونظره بما ينظر إليه ~~أهل نسبة لتأكد اللحمة منذ الاعصار المتطاولة بالمربى والانتصار بسلفه ~~والانتظام مع كبراء أهل بيته فينافرهم لما يحصل بذلك من الدالة والاعتزاز ~~عليه ويعدل عنهم إلى استعمال سواهم ويكون عند اتخلاصهم قريبا فلا يبلغون ~~رتب المجد ويبقون على حالهم وهكذا شأن الدول في أواخرها PageV02P255 # قال واكثر ما يطلق اسم الصنائع والاولياء على الأولين واما هؤلاء ~~المحدثون فخدم واعوان والله ولي المؤمنين # المسالة الثامنة تفوت مراتب صاحب السيف والقلم # لا خفاء أن السيف والقلم كلاهما الة عظمى للسلطان في الاستعانة بهما على ~~آمره إلا انه متى اشتدت الحاجة الو واحد منهما اكثر من الآخر فرتبة صاحبه ~~هي المقدمة # امام السيف ففي حالتين # أحدهما أول الدولة لأنها لا تتمهد إذ ذاك إلا بصدق الاعتماد عليه ~~والتسليم لغناء المعونة به والاستظهار واين هذا من مرتبة القلم الذي غايته ~~إذ ذاك أن يكون خادما فقط # الثانية آخر امرها لأنها والحالة تلك بما نالها من الهرم بضعف العصبية ~~وقلة الناصر تشتد حاجتها إليه في الدفاع به واكثر من القلم ومعلوم أن رتبة ~~من يحتاج إليه اكثر فوق رتبة من الحاجة إليه دون ذلك ولاجله يكون ارباب ~~السيوف في الحالتين اوسع ms442 جاها واكثر نعمة من أصحاب الاقلام واما القلم ففي ~~وسط الدولة حيث يستغنى صاحبها بعض الشيء عن السيف لما تمهد من آمره وما ~~انصرف إليه همه من تحصيل ثمرات الملك في ضبط الجباية وتنفيذ الأحكام والقلم ~~هو المعين له في ذلك والمعتمد فيه عليه ففي هذه الحالة التي اشتدت فيها ~~الحاجة إليه يكون أربابه أوسع جاها ونعمة واعلى رتبة ومكانه واقرب من ~~السلطان مجلسا واكثر إليه ترددا وفيها يستغني عن الوزراء وحملة السيوف ~~ويبعدون عن باطن السلطان ويحذرون على أنفسهم من بوادره PageV02P256 # وهو فيما قرب من الأرض اكثر لانعكاس الاشعة من سطح الأرض بمقابلة الاضواء ~~فتتضاعف الحرارة هنا لا جل ذلك وإذا تجاوزن مطارح الاشعة المنعكسة فلا حر ~~هناك بل يكون فيه البرد حيث مجالي السحاب والشمس في نفسها لا حارة ولا ~~باردة إذ هي جسم بسيط مضيء ولا مزاج له # قال وعوج بن عناق هو من العمالقة أو من الكنعانيين الذين كانوا فريسة بني ~~اسرائيل عند فتحهم الشام واطوال بني اسرائيل وجثمانهم لذلك العهد قريب من ~~هياكله يشهد بذلك ابواب بيت المقدس فإنها وان خربت وجددت لم تزل المحافظة ~~على اشكالها ومقادير ابوابها وكيف يكون التفاوت بين عوج وبين أهل عصره بهذا ~~المقدار وانما شأن غلطهم في هذا انهم استعظموا اثار الامم ولم يفهموا حال ~~الدول في الاجتماع والتعاون وما يحصل بذلك وبالهندام من الاثار العظيمة ~~فصرفوه إلى قوة الأجسام وشدتها بعظم هياكلها وليس الأمر كذلك # التنبيه قال زعم المسعودي نقلا عن الفلاسفة أن الطبيعة لما برأ الله ~~الخلق كانت في نهاية القوة والكمال فكانت الاعمار اطول والاجسام اقوى فان ~~طرق الموت إنما هو بانحلال القوى الطبيعية فإذا كانت قوية كانت الاعمار ~~ازيد وعندما ادركها الضعف بتناقض المادة قصرت الاعمار ولا يزال كذلك إلى ~~وقت الانحلال وانقراض العالم PageV02P256 # شهادة قال ابن خلدون في معنى ما كتب به أبو ملم للمنصور حين آمره بالقدوم ~~إما بعد فانه مما حفظناه من وصايا الفرس اخوف ما يكون الوزراء إذا سكت ~~الدهماء سنة ms443 الله في عباده # المسالة التاسعة انتقال الدولة من البداوة إلى الحضارة # وذلك لانهما طوران طبيعيان للدول وطور البدواة منهما متقدم على طور ~~الحضارة لان الغلب الذي به الملك إنما هو بالعصبية وما يتبعها من شدة البأس ~~وتعود الافتراس ولا يكون ذلك غالبا إلا مع البدواة فطورها اذن متقدم على ~~الملك ثم إذا حصل الملك تبعه الرفه واتساع الأحوال والحضارة إنما هي تفنن ~~في ترف ذلك واحكام الصنائع المستعملة في مذاهبه من المطابخ والملابس ~~والمباني والفرش والانية على حسب ما تنزع إليه النفوس من الشهوات والملاذ ~~وما تتلون به من العوائد فطورها إذا للملك تابع لطور الحضارة ضرورة تبعية ~~الرفه للملك إذا تقرر هذا # فهناك أمور # أحدها أن هذا الانتقال هو من الدول السالفة إلى الدول الخالفة فحضارة ~~الفرس قلا الإسلام انتقلت للعرب بني أمية وبني العباس وانتقلت حضارة بني ~~أمية بالأندلس إلى ملوك المغرب من الموحدين وزناتة وانتفلت حضارة بني ~~العباس إلى الديلم ثم إلى الترك السلجوقية ثم إلى الترك المماليك بمصر ~~والتتار بالعراقين # الثاني أن الدولة الخالفة لمكان هذا الانتقال تقلد السالفة في مذاهب ~~الحضارة فمنهم يأخذون وعلى منوالهم ينسجون كما وقع للعرب PageV02P257 # لما ملكوا فارس والروم ولم يكونوا لذلك العهد في شيء من الحضارة فقد قدم ~~لهم المرفق فحسبوه رقاعا وعثروا على الكافور في خزائن كسرى فاستعملوه في ~~عجينهم ملحا وامثال ذلك فلما استعبدوا اهل الدول قبلهم واستعلموهم في مهنهم ~~وحاجات منازلهم واختاروا منهم المهرة في مثل ذلك والقومة عليه افادوفم ~~علاجه والقيام على التفنن فيه فبلغوا الغاية فيه وتطوروا بطور الحضارة ~~والترف في استجادة المطاعم والمشارب والملابس والمباني والأسلحة والفرش ~~والانية وسائر الماعون والخرثى فأتوا من ذلك بما وراء الغاية في مثله # الثالث انه على قدر الدولة يكون شانها في الحضارة لان أمورها من الترف ~~والترف من توابع الثروة والثروة من توابع الملك ومقدار ما يستولي عليه أهل ~~الجولة فعلى نسبة الملك يكون ذلك كله # الرابع انه من افخم ما جرى من ذلك على نسبة الملك في ms444 الدول الاسلامية ما ~~وقع منه في مقامين # أحدها الجوائز والاعطية بلغت في دولة بني العباس والعبيدين ومن بعدهم ما ~~علم من أحمال المال وتخوت الثياب واعداد الخيل بعدما كانت أيام بني أمية ~~الإبل في الأكثر أخذا بمذاهب العرب وبدواتهم # الثاني الولائم والأعراس حكي من ذلك في عرس المأمون ببوران بنت الحسن بن ~~سهل ما يقتضي منه العجب كنثر أبيها يوم الأملاك على الطبقة الأولى من حاشية ~~المأمون بنادق المسك ملتوتة على الرقاع PageV02P258 # بالضياع والعقار مسوغة لمن حصلت في يده بما يسوقه إليه البخت من ذلك وعلى ~~الطبقة الثانية بدر الدراهم في كل بدرة عشرة آلاف وعلى الثالثة بدر الدراهم ~~كذلك بعد أن انفق في مقام المأمون بداره اضعاف ذلك وكإعطاء المأمون في ~~مهرها ليلة زفافها ألف حصاة من الياقوت وايقاد شموع العنبر في كل واحدة ~~منها مائة من وهو رطل وثلثان وبسطه الفرش التي كان الحصير منها منسوجا ~~بالذهب مكللا بالدر والياقوت # وقال المأمون حين رآه قاتل الله أبا نواس كأنه ابصر هذا حيث يقول في صفحة ~~الخمر # ( كان صغرى وكبرى من فقاقعها % حصباء در على ارض من الذهب ) # واعداده بدار الطبخ من الحطب ليلة الوليمة نقل مائة واربعين واربعين بغلة ~~عاما كاملا ثلاث مرات في كل يوم وفني لليلتين واوقدوا واربعين بغلة عاما ~~كاملا ثلاث مرات في كل يوم وفني لليلتين واوقدوا الجريد يصبون عليه الزيت ~~وامره النواتية بإحضار السفن لاجازة الخواص لدجلة من بغداد إلى قصور الملك ~~بمدينة المأمون لحضور الوليمة فكان ما اعد منها لذلك ثلاثين الفا في كثير ~~من هذا # قال ابن خلدون وكذلك عرس المأمون بن ذي النون بطليطلة نقله PageV02P259 # بن بسام وابن حيان # الخامس أن من أهل الدول من حاول اتباع من قبله في هذا الباب فرأى انه نقص ~~عنه فقنع لما بلغت قدرته إليه كما يحكي أن الحجاج أو لم في ختان بعض ولده ~~فاستحضر بعض الدهاقين فسألهم عن ولائم الفرس وقال اخبروني بأعظم صنيع شهدته ~~فقالوا له نعم ايها الأمير شهدنا بعض ms445 مرازبة كسرى وقد صنع لأهل فارس صنيعة ~~احضر فيها صحافا من الذهب على اخونة الفضة اربعا على كل واحد ويحمله اربع ~~وصائف ويجلس عليه اربعة من الناس فإذا طعموا اتبعوا اربعتهم المائدة ~~بصفائحها ووصائفها فقال الحجاج يا غلام انحر الجزور واطعم الناس وعلم انه ~~لا يشغل بهذه الابهة المسألة العاشرة اختلاف أحوال أهل الدولة باختلاف ~~أطوارها وذلك أن الدولة تنتقل في أطوار مختلفة وحالات متجددة ويكتسب ~~PageV02P259 # اصحابها في كل طور خلفا من احوال ذلك الطور لان الخلق تابع بالطبع لمزاح ~~حالة # قال ابن خلدون واطوار الدولة لا تتعدى في الغالب خمسة اطوار الطور الأول ~~طول الظفر بالبغية والاستيلاء على الملك # ويكون فيه صاحب الملك اسوة قومه في اكتساب المجد وجباية المال والمدافعة ~~عن الحوزة لا ينفرد دونهم بشيء ولان ذلك هو مقتضى العصبية التي وقع بها ~~الغلب وهي لم تزل بعد بحالها # الطور الثاني طور الاستبداد على قومه والانفراد دونهم بالملك ودفعهم عن ~~المشاركة يكون فيه معتنيا باصطناع الرجال واتخاذ الموالي والصنائع لجدع ~~انوف أهل عصبيته وعشيرته المقاسمين له في نفسه الضاربين في الملك بمثل سهمه ~~حتى يقر الأمر في نصابه ويفرد أهل بيته لما يبني من مجده فيعاني من ~~مدافعتهم ومغالبتهم مثل ما عاناه الأولون في طلب الأمر أو اشد لان الأولين ~~دفعوا الأجانب فكان ظهورهم عليهم بأهل العصبية جميعا وهذا يدافع الاقارب ~~ولا يظاهره عليهم إلا الأقل من الأباعد # الطور الثالث طور الفراغ والدعة لتحصيل ثمرات الملك من تحصيل المال ~~وتخليف الاثار فيستفرغ وسعه في الجباية وضبط الدخل والخرج وتشييد المباني ~~الحافلة والامصار المتسعة والهياكل المرتفعة واجازة الوفود PageV02P261 # من اشراف الامم ووجوه القابئل وبث المعروف في اهله مع التوسعة على صنائعه ~~بامال والجاه واختبار جنوده وادرار ارزاقهم حتى يظهر اثر ذلك عليهم فيباهي ~~بهم بهم الدول المسالمة ويرهب الدول المحاربة # نهاية قال ابن خلدون وهذا الطور آخر اطوار الاستبداد من أصحاب الدولة ~~لانهم في هذه الاطوار كلها مشتغلون بآثارهم بانون أمرهم موضحون الطرق لمن ~~بعدهم # الطور الرابع طور ms446 القنوع والمسالمة # ويكون فيه قانعا بمباني سلفه مسالما لانظاره من الملوك مقلدا للماضين من ~~ابائه يتبع أثارهم حذو النعل بالنعل ويتبع طرقهم بأحسن مناهج الاقتداء ويرى ~~أن في الخروج عن تقليدهم فساد آمره وانهم ابصر بما بنوا من مجده # الطور الخامس طور الاسراف والتبذير # طور الاسراف والتبذير # يكون فيه متلفا لما جمع اولوه في الشهوات والكرم على البطانة واصطناع ~~اخوان السوء وخضراء الدمن وتقليدهم عظيمات الأمور التي لا يستقلون بحملها ~~مستفسدا لكبار الأولياء من قومه وصنائع سلفه حتى يحقدوا عليه ويتخاذلون عن ~~نصرته مضيفا على جنده بما انفق من اعطياتهم في شهواته وحجب عنهم وجه ~~مباشرته وتفقده PageV02P262 # منذرة بوار # قال ابن خلدون وفي هذا الطور تحصل في الدولة طبيعة الهرم ويستولى عليها ~~المرض المزمن الذي لا تكاد تخلص منه ولا يكون لها معه برء إلى أن تنقرض ~~والله خير الوارثين # المسألة عشرة أن اثار الدولة على نسبة قوتها في اصلها # وذلك أن الاثار إنما تحدث عن القوة التي بها كانت أولا وعلى قدرها يكون ~~الاثر وهو ظافر # قلت وتقتصر في تلخيص ما قرر من ذلك على اثرين اختصارا # الاثر الأول المباني الشامخة والهياكل العظيمة # لا توجد من ذلك إلا على نسبة قوة الدولة في اصلها إذ لا يتم إلا بكثرة ~~الفعلة واجتماع الأيدي على التعاون في العمل فإذا كانت الدولة فسيحة ~~الجوانب كثيرة الممالك والرعايا كثر وجود الفعلة وحشدوا من افاقها فتم ~~العمل على عظم هياكله # شهادة عيان قال ابن خلدون وانظر بالمشاهدة ايوان كسرى وما اقتدر به الفرس ~~وقد عزم الرشيد على هدمه فشرع فيه ثم ادركه العجز وقضية استشارته يحيى بن ~~خالد معروفة PageV02P263 # قلت وقد تقدمت الاشارة إلى ذلك فانظر كيف تقدر دولة على بناء لا تستطيع ~~أخرى على هدمه مع بون ما بين الهدم والبناء في السهولة تعرف من ذلك بون ما ~~بين الدولتين # قال وانظر إلى بناء الوليد بدمشق وجامع بني أمية بقرطبة والقنطرة التي ~~على واديها وكذا بناء الحنايا لجلب الماء إلى قرطجنة في القناة ms447 الراكبة ~~عليها واثار شرشال بالمغرب والاهرام بمصر وكثير من هذه الاثار الماثلة ~~للعيان ومنها مصانع قوم وثمود وما قصة القران عهنا انتهى # وهنا تنبيهان # التنبيه الأول أن تلك الأفعال للاقدمين إنما كانت بالهندام وكثرة الفعلة ~~واجتماع الأيدي عليها فبذلك شيدت تلك الهياكل والمصانع ولا يصح ما تتوهمه ~~العامة أن ذلك لعظم اجسام الأولين إذ ليس بين البشر في ذلك بون الهياكل ~~والاثار # قال ابن خلدون ولقد اولع القصاص بذلك وتغالوا فيه وسطروا فيه عن عاد ~~وثمود والعمالقة إخبار عريقة في الكذب من اغربها زعمهم أن عوج بن عناق من ~~العمالقة كان لطوله يتناول السمك من البحر ويشويه إلى الشمس فزادوا إلى ~~جهلهم بأحوال البشر الجهل بأحوال الكواكب لما اعتقدوا أن للشمس حرارة تشتد ~~فيما قرب منها والحر إنما هو الضوء PageV02P264 # قال وهذا وجه لا رأي له إلا التحكم وليس له علة ولا طبيعة ولا سبب برهاني ~~ونحن نشاهد مساكن الأولين وأبوابهم ما احدثوه من البنيان والهياكل والديار ~~والمساكن كديار ثمود المنحوتة في الصلد من الصخر بيوتا صغارا وابوابا ضيقة ~~وقد اشار ص صلى الله عليه وسلم إلى إنها ديارهم ونهى عن استعمال مياههم ~~وطرح ما عجن به # وقال لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باغين أن يصيبكم ~~مثل ما اصابهم وكذلك ارض عاد ومصر والشام وسائر بقاع الأرض شرقا وغربا ~~والحق ما قررناه انتهى # الاثر الثاني وقد سبقت إليه الاشارة الأموال المرتفعة إلى خزائن الملك ~~فان كثرتها بحسب قوة الدولة أيضا وقد نقل المؤرخون من ذلك ما يهول سماعه ~~خصوصا ما رفع منه إلى بيت المال ببغداد من جميع النواحي أيام المأمون حسبما ~~حكاه كتاب خراج الدولة # قال ابن خلدون واما الأندلس فالذي ذكره الثقات من مؤرخيها أن عبد الرحمن ~~الناصر خلف في بيوت امواله ما جملته بالقناطير خمسة آلاف قنطار وخمسمائة ~~قنطار في كل سنة # قال ورأيت في بعض تواريخ الرشيد أن المحمول الي بيت المال في أيامه سبعة ~~آلاف قنطار وخمسمائة قنطار في كل سنة ms448 # قال فاعتبر ذلك في نسب الدول بعضها من بعض ولا تنكرن ما ليس بمعهود عندك ~~ولا في عصرك شيء من امثاله فتضيق حوصلتك عن ملتقط الممكنات فكثير من الخواص ~~إذا سمعوا امثال هذه الأخبار عن PageV02P266 # الدول السابقة بادروا بالإنكار وليس بصواب أن احوال الوجود والعمران ~~متفاوتة وكثير منها في غاية الشهرة والوضوح بل فيها ما يلحق بالمستيفض ~~والمتواترة وفيها المعاين والمشاهد من اثار البناء وغيره # قلت ختم هذا الفصل بان النقول عن الدول من الأحوال يؤخذ منه مراتبها في ~~القوة والضعف واعتبر ذلك بما حكاه عن ابن بطوطة مما حدث به عن ملك الهند ~~وذلك في رحلته فلا نطول به لكن ذكر بعد ذلك كلاما لا يسع الاستغناء عنه وهو ~~أن الانسان يرجع في قبول الأخبار أو ردها إلى التمييز بين طبيعة الممكن ~~والممتنع بصريح عقله ومستقيم فطرته مما دخل في نطاق الإمكان قبله وما خرج ~~عنه رفضه # قال وليس المراد الإمكان العقلي فان نطاقه اوسع شيء فلا يفرض حدا بين ~~الواقعات بل الإمكان بحسب المادة التي للشيء فإذا نظر اصله وجنسه وفصله ~~ومقدار عظمه وقوته اجرى الحكم من نسبة ذلك على احواله بالامتناع على ما خرج ~~عن نطاقه @QB@ وقل رب زدني علما @QE@ # المسألة الثانية عشرة أن المغلوب مولع بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ~~وسائر احواله وعوائده # وسببه اعتقاد النفس كمال من غلبها بما وقر عندهم من تعظيمه فتنحل جميع ~~مذاهبه وتتشبه به في ملبسه ومركبه وسلاحه وسائر أحواله ولذلك تجد الأبناء ~~يتشبهون بآبائهم دائما لاعتقادهم الكمال فيهم PageV02P267 # شهادة قال ابن خلدون وانظر إلى كل قطر من الاقطار كيف يغلب على اهله زي ~~الحامية وجند السلطان في الأكثر لانهم الغالبون لهم حتى انه إذا كانت امة ~~تجاور أخرى ولها الغلب عليها فيسرى إليهم من هذا التشبيه والاقتداء حظ كبير ~~كما في الأندلس لهذا العهد مع امم الجلالقة فانك تجدهم يتشبهون بهم في ~~ملابسهم وشاراتهم والكثير من عوائدهم حتى في رسم التماثيل في الجدارن ~~والبيوت حتى لقد يستشعر من ذلك الناظر ms449 بعين الحكمة انه علامة الاستيلاء ~~والأمر لله # قلت وصدق في ذلك والله تعالى المسؤول في العصمة مما يدل عليه ذلك # قال وتامل في هذا سر قولهم الناس على دين الملك فانه من بابه إذا الملك ~~غالب لمت تحت يده والرعية مقتدون به لاعتقاد كماله اقتداء الابناء بآبائهم ~~والمتعلمين بمعلميهم والله العليم الحكيم # المسألة الثالثة عشرة أن الأمة إذا غلبت وصارت في ملكة غيرها أسرع إليها ~~الفناء والسر فيه والله اعلم امران # أحدها أن النفس إذ ملك عليها امرها وصارت بالاستبعاد الة لسواها حصل فيها ~~من التكلف ما يقتصر به الامل الذي به التناسل والاعتمار لما يحدث عنه من ~~نشاط القوى الحيوانية فإذا ذهب الامل وتبعه ما يدعو إليه من الأحوال مع ~~ذهاب العصبية بالغلب عليها تناقص عمرانهم وتلاشت مكاسبهم وسواء كانوا ~~PageV02P268 # قد حصلوا على غاية من الملك أو لم يحصلوا # الثاني أن الانسان رئيس بالطبع بمقتضى استخلاصه والرئيس غلب على رياسته ~~تكاسل حتى عن شبع بطنه وري كبده كما هو موجود في اخلاق الاناسي ولقد يقال ~~مثله في الحيوان المفترس وانه لا يسافد إذا كان في ملكه الادمي فلا تزال ~~الأمة المغلوبة في تناقص واصمحلال إلى أن يأخذهم الفناء والبقاء لله وحده # اعتبار قال ابن خلدون واعتبر ذلك في الرس فقد كانوا ملارا العالم كثرة ~~ولما فنيت حاميتهم بقي منهم اكثر من الكثير فقد احصى سعد بن أبي وقاص رضي ~~الله عنه من وراء المدائن منهم فكانوا مائة ألف وسبعة وثلاثين الفا ولما ~~تحصلوا في ملكة العرب وقبضة قهرهم لم يكن بقاؤهم إلا قليلا ودثروا كأن لم ~~يكونوا # تنبيه قال ولا تحسبن أن ذلك لظلم نزل بهم فمملكة الإسلام في العدل كما ~~علمت وانما طبيعة في الانسان إذا غلب على آمره وصار الة لغيره # قال ولهذا فإنما يذعن للرق من الامم في الغالب صنفان # أحدها امم السودان لنقصان الانسانية فيهم وقربهم من عرض الحيوانات العجم # الثاني من يرجو بانتظامه في ربقة الرق حصول رتبة أو افادة مال ~~PageV02P269 # قال كما وقع ms450 للترك بالمشرق والعلوج بالأندلس لما تعودوا من استخلاص ~~الدولة لهم فلا يأنفون من الرق لما يؤملونه من ذلك # المسألة الرابعة عشرة أن اواخر الدول يتوقع فيها العمران ويكثر فيها وقوع ~~الموتان والمجاعات # بيان الأول أن الدول في بدايتها لا بد من الرفق في ملكتها إما من الدين ~~أن كانت دعوتها دينية أو من المكارمة التي تقتضيها بداوتها الطبيعة وعند ~~ذلك تنبسط امال الرعية في العمران واسبابه فيتوفر ويكثر التناسل ولما كان ~~ذلك بالتدريج فأثره إنما يظهر بعد جيل أو جيلين في الأقل وبعد ذلك تشرف ~~الدولة على نهاية عمرها الطبيعي فيكون العمران حينئذ في غاية الوفور ~~والنماء لا يقال قد تقدم أن اواخر الدول يكون فيها الاجحاف بالرعية وسوء ~~الملكة لها لانا نقول الاجحاف وان حدث حينئذ وقلت الجباية فإنما يظهر اثره ~~في تناقض العمران بعد حين على حسب التدريج في الأمور الطبيعية فلا تعارض ~~بين الموضعين # بيان الثاني أن كثرة وقوع المجاعات إما من العدوان في الجبايات والأموال ~~والفتن الحادثة من انتفاض الرعايا أو كثرة الخوارج لهرم الدولة فيقل في ~~كثرة احتكار الزرع غالبا وصلاحه لا يتسم على وتيرة واحدة إذ طبيعة العالم ~~في كثرة الامطار وقلتها مختلفة والزرع والثمار والضرع على نسبة ذلك # وثقة الناس في الأقوات إنما هي بالاحتكار فإذا فقد عظم توقعهم للمجاعات ~~فغلا الزرع وعجز عنه اولو الخصاصة فهلكوا أو كان القحط والاحتكار مفقودا ~~فشمل الناس الجوع # بيان الثالث أن كثرة حدوث الموتان إما من شدة المجاعات أو كثرة ~~PageV02P270 # الفتن لاختلال الدول ووقوع الوباء وسببه في الغالب فساد الهواء بكثرة ~~العمران لكثرة ما يخالطه من العفن والرطوبات الفاسدة وإذا فسد الهواء وهو ~~غذاء الروح الحيواني وملابسه دائما فيسري الفساد إلى مزاجه فان قوي وقع ~~المرض في الرئة وهذه هي الطواعين والاكثر العفن به وتضاعف الحميات المهلكة ~~وكثرة العمران هي سبب التعفن والرطوبة الفاسدة # رعاية حكمة قال ولهذا تبين في الحكمة أن تخلل الخلاء والفقر بين العمران ~~ضروري ليكون تموج الهواء يذهب بما يحصل في الهواء ms451 من الفساد والعفن بمخالطة ~~الحيوانات ويأتي بالهواء الصحيح ولهذا يكون الموتان في المدن الموفورة ~~العمران اكثر من غيرها بكثير كمصر في المشرق وفاس بالمغرب والله يقدر ما ~~يشاء # قلت ما ذكرناه من أن فساد الهواء غالبا سبب الوباء هو قول الاطباء # ونقل الشيخ شهاب الدين بن حجر ابطال الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية له ~~من وجوه سنة قال اثر تقريرها عنه ولذلك اعيا الاطباء دواؤهم حتى يسلم ~~حذاقهم انه لا دواء له ولا دافع له إلا الذي خلقه وقدره # قال ابن حجر واما كون بعض الأوجاع في الطاعون قد يكون من غلبة بعض ~~الطبائع فلا ينافي كونه من طعن الجن لاحتمال أن حصول ذلك التغيير عند وجود ~~الطعنة فينزع بدن المطعون فيفور به الدم وتحصل له الكيفية الرديئة التي ~~يشخصها الاطباء بحسب ما اقتضيه قواعدهم ولا ينافي ذلك اصب سببه الأول والله ~~اعلم # قلت ما أشار إليه من طعن الجن هو ما صرحت به الأحاديث انه من وخز الجن ~~وللكلام في ذلك محل آخر # المسألة الخامسة عشرة أن الدول اعمار طبيعية كما للأشخاص PageV02P271 # قلت هذا الفصل سلك فيه ابن خلدون مسلكا غريبا وادعى أن اعمار الدول لا ~~تعدو في الغالب عمر ثلاثة اجيال والجيل عمر شخص واحد على التوسط وهو اربعون ~~سنة منتهى النمو إلى غايته ومجموع ذلك مائة وعشرون سنة العمر الطبيعي ~~للأشخاص على زعم الاطباء والمنجمين ثم قرر ذلك بما حاصله # أن الجيل الأول لم يزالوا على خلق البداوة وخشونتها من البسالة والاشتراك ~~في المجد والصبر على شظف العيش وذلك حافظ لسورة العصبية فلا يزال جانبهم ~~مرهوبا والناس لهم مغلوبون # والجيل الثاني يتحولون من البداوة إلى الحضارة ومن الشظف إلى الترف ومن ~~الاشتراك في المجد إلى انفراد الواحد به وكسل الباقين عن السعي فيه ومن عز ~~الاستطالة إلى ذل الاستكانة فتنكسر من سورة العصبية وتبقى لهم الكثير من ~~ذلك بما ادركوا الجيل الأول وباشروا من أحوالهم في سعيهم ثم إلى المجد ~~وتراميهم إلى الدفاع والحماية فلا يسعهم ms452 تركه بالكلية رجاء في رجوع تلك ~~الأحوال السالفة # والجيل الثالث ينسون عهد البداوة كأن لم تكن ويبلغ الترف فيهم غايته ~~وتسقط منهم العصبية بالجملة ويعجزون عن الحماية والمطالبة ويتلبسون بالشارة ~~والزي وركوب الخيل وحسن الثقافة وهم في الأكثر اجبن من النسوان على ظهروها ~~فإذا جاء المطالب لهم لم يقاموا مدافعته فيضطر صاحب الدولة إلى الاستظهار ~~بسواهم من أهل النجدة والاستكثار من اصطناع من يغني عن الدولة بعض الفناء ~~حتى يأذن الله بانقراضها # قال فهذه ثلاثة اجيال فهي تكون هرم الدولة إلا أن عرض عارض من فقدان ~~المطالب فيكون الهرم حاصلا والمطالب لم يحضرها ولو جاء لما وجد مدافعا فإذا ~~جاء اجلهم لا يستأجرون ساعة ولا يستقدمون PageV02P272 # قال وهذا العمر للدولة بمثابة عمر الشخص من المزيد إلى سن الوقوف إلى سن ~~الرجوع ولهذا يجري على السنة الناس في المشهور أن عمر للدولة مائة سنة وهذا ~~معناه فاعتبر انتهى # قلت تقدم له هذا قبل أن طول امد الدولة على نسبة القائمين بها في القلة ~~والكثرة واستظهر على ذلك بشهادة الواقع من طول امد كثير من الدول ثم هو هنا ~~يقرر عمرها بما ذكر ويجعله طبيعيا فانظر فيه متأملا # | الفصل الثاني # # | في اختيار المنازل الحضرية الاجتماع # وفيه مسائل # المسألة الأولى أن الدول اقدم من المدن والأمصار لامرين # أحدها أن البناء واختطاط المنازل إنما هو من منازع الحضارة يدعو اليها ~~الترف والدعة وذلك متأخر على البداوة ومذاهبها # الثاني أن المدن والأمصار ذات هياكل واجرام عظام وبناء كثير فيحتاج إلى ~~اجتماع الأيدي وكثرة التعاون وليست من الضروريات التي تعم بها البلوى حتى ~~يكون النزوع إليها شرطا واضطراريا بل لا بد من تعم بها البلوى على ذلك وسوق ~~الناس إليه مضطرين بعصا الملك أو مرغبين في PageV02P273 # الاجر الذي لا يفي لكثرته إلا الملك فإذا لابد من تمصير الامصار واختطاط ~~المدن من الدولة والملك فوائد مركبة # إحداهما إذا بنيت وكمل تشييدها بحسب نظر من شيدها وبما اقتضته الأحوال ~~السماوية والارضية فيها فعمر الدولة حينئذ عمر لها فان ms453 كان امد الدولة ~~قصيرا ووقف الحال فيها عند انتهاء الدولة وتراجع عمرانها وخربت وان كان امد ~~الدولة طويلا فلا تزال المصانع فيها تشيد والمنازل الرحيبة تكثر وتتعدد ~~ونطاق الأسوار بتباعد وينفسخ إلى أن تتسع الخطة وتبعد المسافة كما وقع ~~لبغداد وأمثالها حكى الخطيب في تاريخه أن الحمامات بلغ عددها ببغداد عهد ~~المأمون خمسة وستين ألف حمام كانت مشتملة على مدن وامصار متلاصقة ومتقاربة ~~تجاوز الأربعين ولم تكن مدينة واحدة جمعها سور واحد لافراط العمران # قال ابن خلدون وكذا حال القيروان وقرطبة والمهدية ومصر القاهرة ~~PageV02P274 # الفائدة الثانية ما تقدم من أن عمر الدولة للمدينة المتوقف تأسيسها عليها ~~هو حيث تكون تلك المدينة لا مادة لها تفيدها حفظ العمران بترادف النزول ~~فيها ممن البوادي فهناك يكون انقراض الدولة انقراضها لها فيتناقض عمرانها ~~شيئا فشيئا إلى أن تفقر من الساكنين وتخرب # قال كما وقع في بغداد ومصر والكوفة بالمشرق والقيروان والمهدية وقلعة ابن ~~حماد بالمغرب وامثالها فتفهمه واما أن كانت لها تلك المادة فهناك يدوم لها ~~حفظ الوجود ويستمر عمرها بعد الدولة # قال كما تراه بفاس وبجاية من المغرب والعراق العجم من المشرق لان أهل ~~البدو إذا انتهت أحوالهم إلى غايتها في الرفه والكسب تداعوا إلى الدعة ~~والسكون الذي في طبيعة البشر فينزلون المدن والأمصار ويتأهلون فيها # الفائدة الثالثة قال وربما تنزل المدينة بعد انقراض من اختطفها دولة ~~ثانية تتخذها قرارا وكرسيا وتستغني بها عن اتخاذ غيرها فتحفظ تلك الدولة ~~سياجها وتتزايد مبانيها ومصانعها بتزايد احوال الدولة # الثانية وتستجد بعمرانها عمرا آخر كما وقع بفاس والقاهرة لهذا العهد ~~فاعتبر ذلك وافهم سر الله في خليقته # قلت وبعد انقراض الدولة في اواسط هذه المائة التاسعة بفاس PageV02P275 # كرسي ملكهم خلفهم الشريف ابن عمار فيها ناسخ دولتهم ثم الشيخ ابن يحي ~~الوطاسي منتزع ذلك من يده إلى هذا العهد وان كان بها خراب كثير حسبما ~~شهدناه والبقاء لله وحده # المسألة الثانية أن الملك يدعو إلى نزول الامصار لامرين # أحدهما ما ينزع إليه بعد استقرار حصوله من ms454 الدعة والراحة واستكمال ما كان ~~ناقصا في البدو من احوال العمران # الثاني دفع ما يتوقع عليه من مطالبات المتنازعون لا سيما حيث يكون المصر ~~ملجأ لمن يروم بنزاعه سلف ما حصل منه فيضطر صاحبه إلى الجد في الاستيلاء ~~على ذلك المصر ليأمن المحذور بسببه PageV02P276 # قال وان لم يكن هناك مصر استحدثوه ضرورة لتكميل عمرانهم أولا وليكون شجا ~~في حلق من يروم الامتناع فيه من الخوارج ثانيا # المسألة الثالثة أن الذي تجب مراعاته في اوضاع المدن اصلان مهمان دفع ~~المضار وجلب المنافع # الأصل الأول دفع المضار وهي نوعان # أحدهما ارضية ودفعها بإدارة سياج الأسوار على المدينة ووضعها في مكان ~~ممتنع امام على هضبة متوعرة من الجبل أو باستدارة بحر أو نهر بها حتى لا ~~يوصل إليها إلا بعد العبور على جسر أو قنطرة فيصعب منالها على العدو ~~ويتضاعف تحصينها # الثاني سماوية ودفعها باختيار المواضع الطيبة الهواء لان ما خبث منه ~~بركود أو تعفن لمجاورته لمياه فاسدة أو منافع متعفنة أو مروج خبيثة يسرع ~~المرض فيه للحيوان الكائن فيه لا محالة كما هو مشاهد بكثرة # قال ابن خلدون وقد اشتهر بذلك في قطر المغرب بلد قابس من بلاد الجريد ~~بأفريقية فلا يكاد سكانها أو طارقها يخلص من حمة العفن بوجه وقد يقال أن ~~ذلك حادث فيها # توجيه نقل البكري في سبب حدوثه انه وقع فيها حفر ظهر فيه أناء من النحاس ~~مختوم عليه بالرصاص فلما فض ختامه صعد منه دخان إلى الجو وانقطع وكان ذلك ~~بدء امراض الحميات فيه # قال وأراد بذلك أن الإناء كان فيه بعض أعمال الطلسمات لوبائه وانه ذهب ~~سره بذهابه فرجع إلى العفن والوباء # قال وهذه الحكاية من مذاهب العامة ومباحثهم الركيكة والبكري لم ~~PageV02P277 # يكن من شأنه العلم واستنارة البصيرة بحيث يدفع مثل هذا فنقله كما سمعه # تحقيق قال والذي يكشف الحق في ذلك أن الاهوية العفنة اكثر ما يهيئها ~~لتعفن الأجسام وامراض الحميات ركودها فإذا تخللها الريح وتفاشت وذهب بها ~~يمينا وشمالا خف شأن العفن ومرض الحيوان ms455 منه والبلد ذا كثر ساكنه وكثرت ~~حركاتهم تموج الهواء وحدث الريح المتخلل للهواء الراكد ولا كذلك إذا بقي ~~الهواء على حالة ركوده بقلة الحركة لخفة الساكن فان ضرره بالحيوان كثير ~~وبلد قابس كانت عند استجار العمران بأفريقية كثيرة الساكن فكان ذلك معينا ~~على تموج الهواء وتخفيف الاذى منه فلم يكن فيها كثير عفن ولا مرض وعندما خف ~~وتخفيف الاذى منه فلم يكن فيها كثير عفن ولا مرض وعندما خف ساكنها ركد ~~هواؤها المتعفن بفساد مياهها فكثر العفن والمرض هذا وجهه لا غير # دلالة عكس قال وقد رأينا عكس ذلك في بلاد وضعت ولم يراع بها طيب الهواء ~~وكانت امراضها كثيرة لقلة سكانها وعندما كثروا انتقل حالها عن ذلك كدار ~~الملك بفاس لهذا العهد المسمى بفاس الجديد وكثير من ذلك في العالم # الأصل الثاني جلب المنافع والمرافق وذلك بمراعاة أمور # أحدها الماء كأن يكون البلد على نهر أو بازائه عيون عذبة ولان وجوده كذلك ~~يسهل الحاجة إليه وهي ضرورية # الثاني طيب مرعى السائمة وقربه إذ لا بد لكل ذي قرار من دواجن الحيوان ~~للنتاج والضرع والركوب ومتى كان المرعى الضروري لها كذلك كان اوفر من ~~معاناة المشقة في بعده PageV02P278 # الثالث قرب المزارع الطيبة لان الزرع هو القوت الضروري وكونها كذلك اسهل ~~في اتخاذه واقرب في تحصيله # الرابع الشعراء للحطب والخشب فالحطب لعموم البلوي به في وقود النيران ~~والخشب للمباني وكثيرا ما ستعمل فيه ضروريا وكماليا # الخامس وليس بمثابة ما قبله قربه من البحر لتسهيل الحاجات القاصية من ~~البلاد النائية ولا خفاء أن هذه الأمور تتفاوت بحسب الحاجة وما تدعوا إليه ~~ضرورة الساكن # تنبيه قال ابن خلدون وقد يكون الواضع غافلا عن نفس الاختيار الطبيعي ~~وانما يراعي ما هو اهم على نفسه أو قومه من غير التفات لحاجة غيرهم كما ~~فعله العرب في أول الإسلام في المدن التي اختطوها بالعراق والحجاز وإفريقيا ~~فانهم لم يرعوا فيها إلا المهم عندهم من مراعي الإبل وما يصلح لها من الشجر ~~والماء الملح ولم يراعوا الماء ms456 ولا المزارع والحطب والمراعي كالقيروان ~~والكوفة والبصرة وسجلسماسة وامثالها # قال ولهذا كانت اقرب إلى الخراب لما لم تراع فيها الأمور الطبيعية # اعلام فما يراعي في المدينة المبنية على البحر امران أن تكون في جبل وان ~~تكون بين امة موفودة العدد ومتى لم تكن كذلك طرقها العدو البحري أي وقت ~~أراد لا منه من اجابه الصريخ لها وعدم غناء خفرها المتعودين للدعة في ~~الدفاع # قال ابن خلدون وهذا كالإسكندرية من المشرق وطرابلس وبونه وسلا من المغرب ~~PageV02P279 # قال ومتى كانت متوعرة المسالك وحولها القبائل بحيث يبلغها الصريخ تمنعت ~~بذلك من العدو رئيس من طروقها كما في سبتة وبجاية وبلد القل على صغرها # فهم حقيقة # قال فافهم ذلك واعتبره في اختصاص الإسكندرية باسم الثغر من لدن الدولة ~~العباسية مع أن الدعوة كانت من ورائها ببرقة وإفريقيا اعتبارا للمخافة ~~المتوقعة فيها من البحر لسهولة وضعها # قال ولذلك والله اعلم كان طروق العدو لها ولطرابلس في الملة مرات متعددة # المسالة الرابعة أن الهياكل العظيمة لا تستقل ببنائها الدولة الواحدة ~~وذلك لأمور مرجحة وشاهدة # أحدها أن البناء يحتاج إلى النعاون عليه بجمع الأيدي الكثيرة ومضاعفة ~~القدر البشرية وحينئذ تبلغ مما عظم منه الغاية المقصودة # الثاني أن المباني قد تكون لعظمها اكثر من القدر مفردة أو مضاعفة ~~بالهندام لتحتاج إلى معاودة أخرى في ازمنة متعاقبة إلى أن تتم كما يحكي أن ~~سد مأرب بناه وساق إليه سبعين واديا وعاقه الموت عن اتمامه فأتمه ملوك حمير ~~من بعده # الثالث أن الملك الواحد تجده يشرع في تأسيس المباني الضخمة فإذا لم يتمها ~~من بعده من الملوك بقيت بحالها من غير تمام # الرابع أن كثيرا من المباني الهائلة عجز عن هدمها من قصرت مقدرته عن ~~الهدم مع انه اسهل من البناء لانه رجوع إلى الأصل الذي هو العدم والبناء ~~على خلاف الأصل وعند ذلك تعلم أن القدر الذي أسسته مفرطة القوة وانها اثر ~~دول عديدة PageV02P280 # شهادة عيان قال عن حنايا المعلقة إنها لعهده يحتاج أهل تونس إلى انتخاب ~~الحجارة لبنائهم ms457 ويستجيد الصناع حجارتها يتحالون على هدمها الأيام العديدة ~~ولا يسقط الصغير جدارنها إلا بعد جهد جهيد وتجتمع له المحافل المشهورة # قال شهدت منها في أيام صباي كثيرا والله على كل شيء قدير # المسألة الخامسة أن الامصار والمدن بإفريقيا والمغرب قليلة وذلك لامرين # أحدهما أن هذه الاقطار كانت للبربر منذ الآلاف من السنين قبل الإسلام ~~وعمرانهم إنما هو بدوي والدول التي ملكتهم من الإفرنجة والعرب لم يطل امدها ~~فيهم حتى تنتقل إليهم حضارتها فلم تكثر مبانيهم لذلك # الثاني أن المباني إنما تتم بالصنائع والصنائع التي هي من توابع الحضارة ~~لا تنتحلها البربر لا عراقهم في البدو فإذا لا تتخذ المباني ولا تتشوف ~~اليها فضلا عن المدن وأيضا فهم عصبيات وانساب والأنساب والعصبية اجنح إلى ~~البدو ولا يدعوهم إلى سكنى المدن إلا الترف والغنى وقليل ما هو في الناس # تتجه قال ابن خلدون لذلك كان عمران بلاد العجم كله أو اكثره قرى وظواعن ~~وقياطن وكنن في الجيال وكان عمران بلاد العجم كله أو اكثره قرى وامصارا ~~ورساتيق كالأندلس والشام ومصر وعراق العجم وامثالها لان العجم في الغالب ~~ليسوا بذوي انساب يحافظون عليها إلا في الأقل واكثر ما يكون سكنى البدو أهل ~~الأنساب لان لحمة النسب اقرب واشد عصبية كذلك فتنزع بصاحبها إلى التجافي عن ~~المصر الذي يذهب بالبسالة ويصيره عيالا على غيره PageV02P281 # قال فافهمه وقس عليه # المسألة أن المباني والمصانع في الملة الاسلامية قليلة بالنسبة إلى ~~قدرتها والى من كان قبلها من الامم وذلك لامرين # أحدهما ما ذكر على البربر بعينه لان العرب اعرق في البدو وابعد عن ~~الصنائه # الثاني انهم كانوا قبل الإسلام اجانب من الممالك التي استوالوا عليها ~~ولما تمالكوا لم ينفسح الأمر حتى تستوفي رسوم الحضارة مع انهم استغنوا بما ~~وجدوا من ذلك لغيرهم # زاجر دين قال ابن خلدون لاخفاء أن الدين إذ ذاك كان مانعا لهم من المغلاة ~~في البنيان والاسراف فيه وفد عهد لهم عمر رضي الله عنه حين استأذنوه في ~~بناء الكوفة بالحجارة وقد وقع الحريق ms458 في القصب الذي كانوا بنوا به من قبل ~~فقال افعلوا ولا يزدن احدكم على ثلاثة ابيات ولا تطاولوا في البنيان ~~والزموا السنة تلزمكم الدولة وعهد للوفد وتقدم إلى الناس إلا يرفعوا بنيانا ~~فوق القدر قالوا القدر مالا يقربكم من السرف ولا يخرجكم عن القصد # تغيير حال قال ولما بعد بالدين والتحرج في امثال هذه المقاصد وغلبت طبيعة ~~الملك والترف واستخدام العرب امة الفرس واخذوا عنهم الصنائه والمباني ~~فحينئذ شيدوا المباني والمصانع وكان عهد ذلك قريبا بانقراض الدولة ولم يفسح ~~الأمر لكثرة البناء واختطاط المدن والأمصار إلا قليلا # وليس كذلك غيرهم من الامم فالفرس والقبط والنبط والروم طالت PageV02P282 # امادهم الافا من السنين وكذلك العرب الأولى من عاد وثمود والعمالقة ~~والتبابعة طالت امادهم ورسخت فيهم الصنائع فكانت مبانيهم وهياكلهم اكثر ~~عددا وابقى على الأيام اثرا والله وارث ومن عليها # المسألة السابعة أن المباني التي تختطها العرب يسرع اليها الخراب إلا في ~~الأقل وذلك لامرين # أحدهما شأن البداوة والبعد عن الصنائع كما تقدم فلا تكون مبانيهم وثيقة ~~التشييد # الثاني وهو امس به قلة مراعاتهم لحسن الاختيار في اختطاف المدن بمراعاة ~~ما تقدم من ذلك فإنه بالتفاوت فيه تتفاوت جودة المصر أو رداءته من حيث ~~العمران الطبيعي والعرب بمنعزل عن ذلك إنما تراعي مراعي الإبل خاصة لا ~~تبالي بالماء طاب أو خبث ولا قل اكثر ولا يسألون عن زكي المزارع والاهوية ~~لانتقالهم في الأرض ونقلهم الحبوب من البلد البعيد والظعن كفيل لهم بطيب ~~الرياح لا سيما في القفر المختلف لأنها نما تخبث مع القرار وكثرة الفضلات # اعتبار قال وانظر لما اختطفوا الكوفة والبصرة والقيروان لم يراعوا في ~~اختطاطها ار مراعي الإبل وما يقرب من الفقر ومسالك الظعن فكانت بعيدة عن ~~الوضع الطبيعي للمدن ولم تكن لها مدة يمتد عمرانها من بعدهم لما تقرر انه ~~يحتاج إليه في حفظ العمران بأول وهلة لانحلال أمرهم وذهاب عصبيتهم التي ~~كانت سياجا لها اتى عليها الخراب والانحلال كأن لم تكن والله يحكم لا معقب ~~لحكمه # المسألة الثامنة أن ms459 المصر إذا استجر عمرانه رخصت فيه اسعار الضروري من ~~الاوقوات وغلت اسعار الحاجي والكمالي من الفواكه وغيرها وإذا ضعف عمرانه ~~كان الأمر بالعكس PageV02P283 # بيان الأول باعتبارين # أحدهما رخص الضروري وغلاء الحاجي # الاعتبار الأول وهو أن توفر الدواعي على السعي في اتخاذ الحبوب التي هي ~~من ضرورات القوت توجب كثرة وجودها في ذلك المصر بكثرة ما يفضل منها عن كل ~~متخذ لها عن نفسه أو عياله وإذا كثرت رخص سعرها في الغالب إلا أن تصيبها ~~افة سماوية ولولا احتكارها لما يتوقع من ذلك لبذلت دون لكثرتاه بكثرة ~~العمران # الاعتبار الثاني وهو أن عدم عموم البلوى بما هو حاجي يقضي بقلة وجوده ~~وإذا قل مع شدة الطلب عليه من قبل المترفين غلت اسعاره لا محالة كآلام ~~والفواكه فان استكثار عوائد الترف منها مع قلتها بانصراف همة الكثير لاتخاذ ~~ما هو اهم من منها موجب لغلاء سعرها كما هو مشاهد وتلحق به الصنائع ~~والأعمال لكثرة المترفين وكثرة حاجاتهم إلى امتهان غيرهم إلى استعمال ~~الصناع في مهنهم فيبذلون أهل الاعمال اكثر من قيمتها منافسة في الاستئثار ~~بها فتغز لفعلة والصناع وتغلو اعمالهم وتكثر نفقات أهل المصمر في ذلك # البيان الثاني أن المصر الصغير نقل اقواته لقلة العمل فيه ويتوقع عدمها ~~لذلك فيمسك ما يحصل منها ويحتكر ويعز وجوده ويغلو ثمنه على طالبه ولا كذلك ~~مرافقه من الاشياء التي لا تدعو اليها الحاجة لقلة الساكن وضعف الحال فتختص ~~برخص لا محالة # تنبيه قد يدخل في قيمة الأقوات امران موجبان لغلاء سعرها في الامصار ~~PageV02P284 # أحدهما ما يفرض عليها من المكوس والمغارم في الاسواق وفي ابواب المصر ~~امما السلطان أو لجباتها من قبله لا سيما في اواخر الدول كما تقدم والبادية ~~لما قل فيها لذلك رخص سعرها بالنسبة إلى الامصار # الثاني قيمة علاج فلحها إذ هو محافظ عليه في سعرها قال ابن خلدون كما وقع ~~بالأندلس لهذا العهد لا بهم لما ألجأهم النصارى إلى سيف البحر وبلاده ~~المتوعرة الخبيثة الزراعة وملكوا عليهم الأرض الزاكية والبلد الطيب احتاجوا ms460 ~~إلى علاج المزارع لاصلاح نباتها وفلاحتها باعمال ذات قيم فاعتبروها في ~~السعر وصار قطر الأندلس مخصوصا بالغلاء أجل ذلك # قال ويحسب الناس إذا سمعوا ذلك انه لقلة الحبوب والاقوات لديهم وليس كذلك ~~فهم اكثر أهل المعمور فلحا واقواهم عليه # وقل أن يخلو منهم سلطان أو سوقة عن الزراعة إلا قليلا من أهل الصناعات ~~والمهن والطراء على الوطن من الغزاة المجاهدين ولهذا يخصهم السلطان في ~~عطاياهم بالعولة وهي القوت والعلف من الزرع # قال ولما كانت بلاد البربر بالعكس من ذلك في زكاء المنبت وطيب الاراضي ~~ارتفعت عنهم مؤنة الفلح جملة مع كثرته وعمومه فلا جرم رخصت اقواتهم ببلدهم ~~والله مقدر الليل والنهار # المسألة التاسعة أن تأثل العقار الكثير أهل الامصار لا يكون دفعة بل ~~بتدرج وان مستغلاته لا تفي بحاجة مالكه # بيان الأول أن الثورة لا تفي بتملك ما يخرج من ذلك عن الحد ولو بلغت في ~~الكثرة ما عسى أن تبلغ وانما يحصل ذلك على التدريج إما بالوراثة ~~PageV02P285 # من ابائه وذوي رحمه أو بحوالة الاسواق فيه إذا حلت الغبطة به وتملك لذلك ~~بابخس ثمن لما ينزل من العوارض الموجبة لذلك # بيان الثاني أن الحاجة إلى التوسع في عوائد الترف لا تحصل لمالك العقار ~~من مستغلاته فقط لأنها في الغالب إنما هي لسد الخلة وضرورة المعاش فحسب # قال ابن خلدون والذي سمعناه من مشيخة البلد أن القصد باقتناء العقار ~~والضياع إنما هو الخشية على من يترك خلفه من الذرية الضعاف ليتمسكوا ~~بفوائدها ما داموا عاجزين عن الاكتساب فإذا اقتدروا عليه سمعوا فيه لانفسهم ~~وربما يكون منهم العاجز عن الكسب لضعف بدنه أو آفة في عقله المعاشي فيكون ~~ذلك العقار قواما لحاله هذا قصد المترفين في افتنائه واما المتمول منه ~~اجراء احوال الترف عليه فلا # تصوير نادر قال وقد يحصل ذلك منه للقليل أو النادر بحوالة الاسواق وحصول ~~الكثرة البالغة منه إلا أن ذلك إذا حصل ربما امتدت إليه اعين الأمراء ~~والولاة واغتصبوه في الغالب أو ارادوه على بيعه منهم ونالت اصحابه ms461 منه مضار ~~ومعاطب والله غالب على آمره # المسألة العاشرة أن المتوملين من أهل الامصار يحتاجون إلى الحماة ~~والمدافعة وذلك لان الحضري إذا عظم تموله وكثر للعقار والضياع تأثله انفسحت ~~أحواله في الترف حتى يزاحم فيها الأمراء والملوك واذ ذاك يغصون به وتمتد ~~اعينهم إلى تملك ما بيده ويتحيلون على ذلك بكل ممكن يحصل به في ربقة حكم ~~سلطاني ينزع به ما له لا سيما واكثر الأحكام PageV02P286 # السلطانية جائزة في الغالب إذ العدل المحض إنما هو في الخلافة الشرعية ~~وقد انقلبت ملكا عضوضا وعند ذلك لا بد له من حماية تذود عنه وجاه ينسحب ~~عليه من ذوي قرابة للملك أو خالصة له أو عصبية يتحاماها السلطان ليأمن من ~~ذلك من طوارق التعدي وا اصبح نهبا بوجوه التحيلات واسباب الحكم الجائز # المسألة الحادية عشرة أن البدوي يقصر عن سكنى المصر الكثير العمران # وذلك لان المص الكثير العمران يحتاج فيه إلى مدة من العمل يقابل بها طلب ~~الوفاء بعوائد ترفه الذي انقلب به الحاجي ضروريا والبدوي ضعيف مادة المعاش ~~لسكناه بمكان سوق العمل الذي هو سبب الكسب فلا يفي بمطالب المصر بذلك وكذلك ~~يتعذر عليه سكناه لا محالة وهكذا يتشوف إليه فسريعا ما يظهر عجزه ويفتضح ~~عما قريب # تخصيص قال ابن خلدون إلا من يقدم منهم بتأثل المال وحصل له منه قوق ~~الحاجة ويجري إلى الغاية الطبيعية أهل العمران من الدعة والترف فحينئذ ~~ينتقل إلى المصر وينتظم حاله مع احوال أهل المصر في عوائد ترفهم # قال وهكذا شأن بداية الامصار والله بكل شيء محيط # المسألة الثانية عشرة أن الحضارة في الامصار من قبل الدول فإنها ترسخ ~~باتصال الدولة ورسوخها # وذلك لان الدولة تجمع امول الرعية وتنفقها في بطانتها والبطانة فيما ~~PageV02P287 # تعلق بهم وهم الأكثر من أهل المصر فتعظم بذلك الثروة وتزيد عوائد الترف ~~وتستحكم الصنائع في سائر فنونه وهذه هي الحضارة ولذلك تجد الامصار القاصية ~~ولو توفر عمرانها يغلب عليه احوال البداوة في جميع مذاهبها بخلاف مدن ~~الاقطار التي هي مركز الدولة ومقرها ms462 وذلك لمجاورة السلطان وفيض امواله فيهم ~~كالماء يخضر ما يقرب منه إلى أن ينتهي في البعد منه إلى الجفوف ثم إذا ~~اتصلت تلك الدولة وتعاقب ملوكها على ذلك المصر واحدا بعد واحد استحكمت ~~الحضارة فيهم وزادت رسوخا واستقرارا # شواهد اعتبار # أحدها أن الشام لما طال فيه ملك اليهود نحوا من ألف واربع مائة سنة رسخت ~~فيه حضارتهم وتحذقوا في عوائد المعاش والتفنن في صنائعه من المطاعم ~~والملابس وسائر احوال المنزل # قال ابن خلدون حتى إنها لتؤخذ عنهم في الغالب إلى اليوم # الثاني أن مصر لما دام فيها ملك القبط ثلاثة آلاف سنة رسخت أيضا عوائد ~~الحضارة في بلدهم واعقبهم فيها ملك الإسلام الناسخ فلم تزل عوائد الحضارة ~~بها متصلة # الثالث أن اليمن لما اتصلت به دولة العرب منذ عهد العمالقة والتبابعة ~~الافا من السنين واعقبهم ملك مضر رسخت فيه أيضا عوائد الحضارة # الرابع أن العراق لما توالت فيه دول النبط والفرس من لدن الكلدانين ~~والكينية والكسروية والعرب بعدهم الافا من السنين رسخت الحضارة أيضا ~~PageV02P288 # قال ابن خلدون فلم يكن على وجه الأرض لهذ 1 ا احضر من الشام ومصر والعراق # الخامس أن الأندلس لما امتدت فيها الدولة العظيمة للقوط ثم ما اعقبها من ~~ملك بني أمية الافا من السنين # قال ابن خلدون وكلتا الدولتين عظيم اتصلت فيهما عوائد الحضارة واستحكمت # السادس أن إفريقية لما صارت الاغالبة كان لهم فيها من الحضارة بعض الشيء ~~لما حصل لهم من ترف الملك وكثرة عمران القيروان وورث ذلك عنهم كتامة ~~وصنهاجة # قال وذلك كله قليل لم يبلغ أربعمائة سنة وانصرمت دولتهم واستحالت صبغة ~~الحضارة لعدم استحكامها وتغلب بدو العرب الهلاليين عليها وبقي اثر حضارة ~~العمران # قال والى هذا العهد يؤنس ممن له بالقلعة والقيروان أو المهدية سلف فتجد ~~له من احوال الحضارة في شؤون منزله وعوائد أحواله اثارا متلبسة بغيرها ~~يميزها الحضري البصير بها وكذا في اكثر امصار إفريقية # السابع أن المغرب انتقل إليه منذ دولة الموحدين من الأندلس حظ كثير من ~~الحضارة بما ms463 كان لدولتهم من الاستيلاء على بلادها وانتقال الكثير من أهلها ~~إليهم طوعا وكرها PageV02P289 # قال ثم انتقل أهل المشرق الأندلس عند جالية النصارى إلى افريقيا فابقوا ~~بها من الحضارة اثارا ومعظمعا بتونس امتزجت بحضارة مصر وما ينقله المسافرون ~~من عوائدها فكان بذلك للمغرب وافريقية حظ من الحضارة صالح عفى عليه الخلاء ~~ورجع إلى أعقابه وعاد البربر إلى أديانهم من البدواة والخشونة # قال وعلى كل حال فأثر الحضارة بأفريقية اكثر منها بالمغرب ولقرب تداول ~~فيها من الدول السالفة اكثر من المغرب ولقرب عوائدهم من عوائد أهل مصر ~~بكثرة المترددين بينهم فتفظن لهذا السر فانه خفي على الناس انتهى # مزيد تحصيل قال واعلم إنها أمور متناسبة وهي حال الدولة في القوة والضعف ~~وكثرة الامو وعظم المدينة وذلك أن الملك صور الخلقية والعمران وكلها مادة ~~له من الرعايا والأمصار وامور الجباية عائدة عليهم ويسارهم غالبا من ~~اسواقهم ومتاجرهم وإذا افاض السلطان عطاء في أهلها انبثت فيهم ورجع إليه ثم ~~إليهم منه فهو ذاهب عنهم في الجباية والخراج عائد عليهم في العطاء فعلى ~~نسبة مال الدولة يكون يسار الرعية وعلى نسبة يسار الرعية يكون مال الدولة # قال واصله كله العمران وكثرته فاعتبره في الدول تجده والله يحكم لا معقب ~~لحكمه # المسألة الثالثة عشرة أن الحضارة غاية للعمران ومؤذنة بفساده لنهاية عمره ~~وذلك لما تقدم الملك غاية للعصبية والحضارة غاية للبداوة والعمران كله من ~~حضارة وبدواة وملك وسوقة له عمر مخصوص كما لأشخاص PageV02P290 # المكونات والأربعون للإنسان غاية في تزايد قواه عندها تقف الطبيعة عن ذلك ~~برهة ثم تأخذ في الانحطاط والحضارة في العمران لا مزيد وراءها لان الترف ~~إذا وجد فيها دعا بطبعه اليها تفننا فيها وتأنقا في استجابة احوالها وذلك ~~هو المراد بها وإذا حصلت تلك الغاية فيها تبعها طاعة الشهوات وتلونت النفس ~~من عوائدها بألوان كثيرة لا تستقيم بها أصلا في الدين ولا في الدنيا # بيان الأول من وجهين # أحدهما من استحكام صبغة تلك العوائد النفس بألوان كثيرة من الرذائل ~~المخلة بالمرؤة التي هي ms464 عنوان الديانة وجامعها خلق الشر والسفسفة # الثاني أن من تلك الرذائل المخلة بالمرؤة ما يقضي بإسقاط الديانة رأسا ~~كالانهماك في الشهوات المحرمة من الزنا واللواط وشرب الخمر وشبه ذلك # بيان الثاني من وجهين # أحدهما أن التفنن في الحضارة تعظم به النفقة المتضاعفة بغلاء المصر ويخرج ~~عن القصد سرفها حتى يذهب بطارف الكسب وتالده # الثاني أن الخلق الحاصل من الحضارة البالغة النهاية في الترف هي عين ~~الفساد لان الانسان إنما هو انسان باقتداره على جلب منافعه ودفع مضاره ~~واستقامة خلقه للسعي في ذلك والحضري لا يقدر على شيء من ذلك حسبما يتبين أن ~~شاء الله # عاطفة بيان إذا انحرف الحضري عن استقامة دينة ودنياه بما ينطبع في نفسه ~~من صبغة العوائد الموجبة لذلك فظاهر أن ذلك مستلزما لفساد المصر وخرابه إما ~~من جهة فساد الدين فمن وجهين PageV02P291 # أحدهما ما يظهر فيه من الفساد المخل بنظامه المحفوظ برعاية الدين كالكذب ~~والغش والخلابة والسرقة والمقامرة والفجور في الإيمان والمجاهرة بالفسوق ~~واطراح الحشمة حتى بين الاقارب وذوي المحارم # الثاني ما تعود به شهوة الزنا واللواط من فساد النوع الذي به عمرانه إذ ~~ذلك من جملة ما يسترسل فيه مطيع هواه في اتباع الشهوات مام بالزنا فبوساطة ~~اختلاط الأنساب بمائة الفاسد واما باللواط فبغير واسطة # قال وهو اشد في فساد النوع إذ هو يؤدي إلى ان لا يوجد والزنا إلى عدم ما ~~يوجد منه # قال ولذلك كان مذهب مالك رحمه الله في اللواط اظهر من مذهب غيره ودل انه ~~ابصر بمقاصد الشريعة فافهم ذلك واعتبر به أن غاية العمران هي الحضارة ~~والترف وانه إذا بلغ غايته انقلب إلى الفساد بمقاصد الشريعة واخذ في الهرم ~~كالأعمار الطبيعية للحيوان # واما من جهة فساد الدنيا فمن وجهين # أحدهما أن المترفين إذا كثروا في المصر وفسدت أحوالهم واحدا واحدا تأذن ~~الله في خراب نظامه # قال وهذا معنى قول بعض أهل الحواضر أن المدينة إذ كثر فيها غرس النارنج ~~تأذنت بالخراب حتى أن كثيرا من العامة يتحامى غرسها بالدور # وليس ms465 المراد ذلك ولا انه خاصة فيها وانما معناه أن البساتين واجراء ~~المياه هو من توابع الحضارة إذ لا يقصد بها إلا اشكالها فقط ولا تغرس إلا ~~بعد هو من توابع الحضارة إذ لا يقصد بها إلا اشكالها فقط ولا تغرس إلا بعد ~~التفنن في مذاهب الترف وهو الطور الذي يخشى عليه هلاك المصر وخرابه # قال ولقد قيل مثل ذلك في الدفلى وهو من هذا الباب إذ لا يقصد PageV02P292 # بها إلا تلون البساتين بنورها ما بين احنر وابيض وهو من مذاهب الترف # الثاني أن الحضري كما سبقت إليه الاشارة لا يقدر على مباشرة حاجاته ولا ~~على دفع مضاره فالأول لعجزه لما حصل له من الدعة أو ترفعه لما ربى عليه من ~~الترف والثاني لما فقد من خلق البأس بالمربي في قهر التأديب والتعليم فهو ~~لذلك عيال على الحامية المدافعة عنه # قال ثم هو أيضا فاسد في دينه غالبا بما افسدت منه العوائد وما تلونت به ~~النفس من ملكتها إلا في الأقل النادر # قال إذ فسد الانسان في قدرته ثم في اخلاقه ودينه فقد فسدت انسانيته وصار ~~عل الحقيقة # فائدة قال وبهذا الاعتبار كان الذين يقربون من جند السلطان إلى البداوة ~~والخشونة انفع نم الذين يربون على الحضارة وخلقها وهو موجودة في كل دولة # مزيد ايضاح من مفاسد الحضارة أن كثيرا من ناشئة الدولة وولدانهم ممن اهمل ~~عن التأذيب وغلب عليه خلق الجوار والصحاب يجاري السفلة في الخلق الذميمة ~~وان كانوا ذوي اسناب وبيوت # قال لان الانسان بشر متماثلون وانما تفاضلوا باكتساب الفضائل واجتناب ~~الرذائل فمن استحكمت فيه صبغة الرذيلة وفسدت خلق الخير فيه لم ينفعه زكاء ~~نفسه ولا طيب منتبه # برهان وجود قال ولهذا تجد كثيرا من اعقاب البيوتات وذوي الاحساب أهل ~~الدول منطرحين في الغمار منتحلين للحرف الدينة لما فسد من اخلاقهم ولما ~~تلونوا به من صبغة الشر السفسفة PageV02P293 # المسألة الرابعة عشرة أن الامصار التي هي كراسي الملك تخرب بخراب الدول # قال قد استقرينا في العمران أن الدولة إذا انتقصت ms466 فان المصر الذي يكون ~~كرسيا لسلطانها ينتقص عمرانه وربما ينتهي إلى الخراب ولا يكاد ذلك يتخلف ثم ~~استدل بأمور نذكرها ملخصة من كلامه # أحدها أم مصير هذا الكرسي في ملكة الدولة المتجدد يذهب بالكثير من احوال ~~الرفه لرجوع اهله إلى خلق تلك الدولة في تقليل تلك النفقة لما توجبه بداوة ~~بدايتها فينقص بذلك حضارته وكثير من عوائد ترفه وهو المراد بخرابه من تلك ~~الجهة # الثاني أن عوائد أهل الدولة السابقة وخصوصا احوال الترفه ينكرها أهل ~~الدولة لكما بينهم من المنافسات الناشئة عن العداوة المتمكنة وإذا كانت ~~منكرة لديهم صارت لذلك مفقودة إلى أن تنشأ لهم بالتدريج عوائد أخرى تكون ~~عنها حضارة مستأنفة وضعها بين ذلك قصور الحضارة الأولى ونقضها وهو المراد ~~أيضا باختلال عمران المصر # الثالث أن الدولة إذا اتخذت كرسيا لملكها غير ما كان للدولة السابقة ~~تسارع الناس بالانتقال إليه وخف لذلك عمران الكرسي الأول فنقصت حضارته ~~وتمدنه كما وقع للعرب في العدول عن المدائن إلى الكوفة والبصرة ولبني ~~العباس في التحول عن دمشق إلى بغداد وللسلجوقية في الخروج عن بغداد إلى ~~اصبهان وبني مرين في العدول عن مراكش إلى فاس # الرابع أن الدولة المتجددة لا بد فيها من تتبع أهل الدولة السابقة ذا ~~غلبت عليها بتحويلهم إلى مصر آخر يؤمن فيه غائلتهم وهم اكثر PageV02P294 # أهل المصر وإذا نقلوا على وجه التغريب والحبس أو الكرامة والتلطف بحيث لا ~~يؤدي إلى نفرة حتى لا يبقي فيه إلا الباعة والهمل وإذا ذهب من المصر اعيانه ~~على طبقاتهم نقص ساكنة وهو معنى اختلال عمرانه # قلت ومن ثم قيل إذا ولت قلت امة وإذا اتت دولة نسخت امه # المسألة الخامسة عشرة أن لغات أهل الامصار إنما تكون بلسان الأمة والجيل ~~الغالبين عليها أو المختطفين لها وشاهد ذلك من الواقع في الممالك الاسلامية ~~امران # أحدهما أن لغات أهل الامصار شرقا وغربا عربية وان كان اللسان العصري منها ~~قد فسدت في الجميع ملكته وتغيير اعرابه بمخالطة الاعاجم وسببه ما وقع ~~للدولة الاسلامية من الغلب على ms467 الامم والناس تبع لسلطان الدولة وعلى دينه ~~وأيضا فدين الإسلام مستفاد من الشريعة وهي بلسان العرب لان النبي ص صلى ~~الله عليه وسلم عربي فوجب هجرها سوى اللسان العربي وعند ذلك فاستعماله من ~~شعائر الإسلام وطاعة العرب القائمين به # الثاني انه تملك العجم جميع الممالك الاسلامية كان لديلم والسلجوقية ~~بالمشرق وزنانة وجمع البربر بالمغرب وفسد اللسان العربي وكاد يذهب لولا ~~حفظه لعناية المسلمين للسنة فبذلك استمر بقاؤه وترجحت المحافظة عليه وان ~~كان عربيا بالنسبة إلى ما تحول إليه من اللغات العجمية PageV02P295 # تعريف قال ولما ملك التتر بالمشرق ولم يكونوا على دين الإسلام ذهب ذلك ~~المرجح وفسدت اللغة العربية على الاطلاق ولم يبق لها رسم في الممالك ~~الاسلامية بالعراق وخراسان وبلاد فارس وارض الهند والسند وما وراء النهر ~~وبلاد الشمال وبلاد الشمال وبلاد الروم وذهبت اساليب اللغة العربية من ~~التعبير والكلام إلا قليل ليقع تعليمه صناعيا بالقوانين المتدارسة من علوم ~~العرب وحفظ كلامهم لمن يسره الله لذلك # اثر عناية قال وربما بقيت اللغة العربية مصر والشام والأندلس والمغرب ~~لبقاء الدسن طلبا لها فانخفظت بعض الشيء واما في ممالك العراق وما وراءه ~~فلم يبق لها اثر ولا عين حتى أن كتب العلوم تكتب باللسان العجمي وكذا ~~تدريسه في المجالس والله مقدر الليل والنهار PageV02P296 # | الفصل الثالث # # | في اكتساب المعاش بالكسب والصنائع وفيه مسائل # المسألة الأولى أن الانسان مفتقر بالطبع إلى ما يحفظ به وجوده من لدن ~~نشوئه إلى منتهى تطويره والله الغني وأنتم الفقراء ومن مظاهر غناه تعالى ~~خلق جميع ما في العالم لجبر هذا الفقر تفضلا وامتناعا @QB@ وسخر لكم ما في ~~السماوات وما في الأرض جميعا منه @QE@ لكثرة تفاصيل ذلك اشعارا بسعة الجود ~~نبه على عجز الوقوف عليها @QB@ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها @QE@ # المسألة الرابعة انه متى تجاوز طور الضعف قادرا على افتناء المكاسب سعي ~~فيه بدفع العوض عما حصل بيد غيره مما خلق للجميع كما أمر به اظهارا لما وضع ~~الوجود عليه فابتغوا عند الله الرزق وما يحصل منه بغير ms468 سعي كالمطر المصلح ~~للزراعة فهو معين والسعي لا بد منه ولو في تناوله على حسب ما قدره قل كل من ~~عند الله # المسألة الثالثة أن تلك المكاسب أن كانت بمقدار الضرورة فهي معايش وان ~~زادت عليه فهو متمول ورياش وكلاهما أن انتفع به سمى رزقا وان لم ينتفع به ~~سمى كسبا كالتراث يسمى باعتبار الهالك كسبل لعدم انتفاعه به وبحسب الوارث ~~أن انتفع به يسمى رزقا فالرزق ما انتفع به PageV02P297 # منتفع ولو بتعمد فيه خلافا للمعتزلة في اشتراطه صحة التملك اخراجا للحرام ~~عن مسماه لان الله تعالى يرزق الظالم والغاصب والمؤمن والكافر ويختص ~~بهدايته من يشاء # قلت ولا يصح منه التملك كالبهائم وما من دابة في الأرض إلا على الله ~~رزقها # المسألة الرابعة أن الله تعالى خلق حجري ذهب والفضة من المعدنيات قيمة ~~جميع المتمولات وقنية أهل العالم من الذخائر النفسية واقتناء غيرها في بعض ~~الاوقات القصد به تحصيلها بما يقه فيه من حوالة الاسواق التي هي لا يترصد ~~فيها فهما إذا اصل المكاسب والقنية والذخيرة # المسألة الخامسة أن الكسب هو قيمة الاعمال الانسانية إما بالصانع فظاهر ~~واما ما ينضم لبعضها كالخشب مع النجارة والغزل مع الحياكة فالعمل فيه اكثر ~~فقيمته ازيد واما بغيرها فلا بد في قيمته من قيمة العمل الذي به حصوله نعم ~~ربما يخفي ملاحظته كما في اسعار الأقوات في الاقطار التي لا خطر لعلاج ~~الفلح فيها لخفة مؤونته فلا يشعر بها إلا القليل من أهل الفلح # المسألة السادسة أن الاعمال إذا فقدت أو قلت بانتقاص العمران اذن الله ~~تعالى يرفع الكسب بدليل قلة الرزق في الامصار القليلة الساكن أو فقده لقلة ~~الاعمال فيها ومن هنا تقول العامة في البلاد إذا تناقص PageV02P298 # عمرانها قد ذهب رزقها حتى العيون ينقطع جريها لان وفورها إنما هو ~~بالأنماط والامتراء الذي هو العمل الانساني كالحال في ضروع الأنعام فما لم ~~يكن امتراء ولا انباط نضبت وغارت وجفت كما يجف الضرع إذا ترك امتراؤه # قال وانظر في البلاد التي تعهد فيها العيون ms469 لايام عمرانها ثم يأتي عليها ~~الخراب كيف يفوز مياهها جملة كأن لم تكن انتهى # المسألة السابعة أن الحكماء قالوا وتبعهم الادباء كالحريري وغيره اصول ~~المعايش اربعة الامارة لاخذ ما بيد الغير بقهرها على قانون متعارف وهو ~~المغرم والجباية والتجارة وهي اعداد البضائع لطلب اعواضها بالتقلب بها في ~~البلاد أو احتكارها لترصد بها حوالة الاسواق والفلاحة وهي استخراج فضول ~~الحيوان الداجن كاللبن والحرير والعسل وثمرة النبات من الزرع ولشجرة ~~والصناعة وهي عمل في مواد معينة كالكتابة والفروسية أو غير معينة وهي جميع ~~المهن والتصرفات # المسألة الثامنة أن الطبيعي منها للمعاش ما عدا الإمارة وأقدمها بالذات ~~الفلاحة لبساطتها وإدراكها للفطرة وإلى هذا تنسب إلى آدم أبي البشر ~~والصناعة ناشئة عنها لتركيبها وتعليمها بالفكرة والنظر ومن ثمة لا توجد ~~PageV02P299 # غالبا إلا في الحضر المتأخرين عن البدو وتنسب إلى ادريس الاب الثاني ~~للخليفة والتجارة وان كانت طبيعية فاكثر طرقها تحيلات في تحصيل ما بين ~~القيمتين في الشراء والبيع واباحها الشارع لان اخذ المال فيها من الغير ليس ~~مجانا # المسألة التاسعة أن خدمة الناس ليست من المعاش الطبيعي إما للسلطان فلا ~~ندراجها في الامارة واما لغيره فلأن ترفع اكثر المترفين عن مباشرة حاجاته ~~أو عجزه عنها حتى يتخذ من يتولى ذلك له ويقطعه عليه جزءا من ماله غير محمود ~~في الرجولية الطبيعية إذا الثقة بكل أحد عجز مع زيادتها في المؤونة لكن ~~العوائد تغلب طبائع الانسان إلى مالوفها فهو ابن عوائدة لا بن نسبة # المسألة العاشرة أن الخديم الذي يستكفي به ويرثق بغنائه كالمفقود إذ هو ~~اربعة مضطلع بأمره موثوق به فيما يحصل بيده وبالعكس فيهما أو في أحدهما فقط # فالأول لا يمكن أحد استعماله لانه باضطلاعه وثقته غني عن أهل الرتب ~~القاصرة ومحتقر لاجر الخدمة فلا يستعمله إلا الأمراء لعموم الحاجة إلى ~~الجاه # والثاني لا ينبغي لعاقل استعماله لان من ليس بمضطلع ولا موثوق به يجحف ~~بمخدومه بتضييع عم اضطلاعه وخيانته وفقد ثقته # والثالث وهو الموثوق به غير المضطلع # والرابع عكسه وهو المضطلع غير ms470 الموثوق به # للناس في الترجيح بينهما مذهبان قال ولكل من الترجحين وجه إلا أن المضطلع ~~ولو كان غير موثوق ارجح للناس من تضييعه ومحاولة PageV02P300 # التحرز من خيانته والمضيع المأمون ضرره بالتصنيع اكثر من نفعه فاعلم ذلك ~~واتخذه قانونا في الاستكفاء بالخدمة والله قادر على ما يشاء # المسألة الحادية عشرة أن ابتغاء الرزق من الدفائن والكنوز ليس بمعايش ~~طبيعي لان العثور عليها اتفاقي ونادر واعتقاد ضعفاء العقول العاجزين عن ~~المعاش الطبيعي أن أموال الامم السالفة مختزنة تحت الأرض لا تستخرج إلا بحل ~~طلاسمها السحرية هوس ووسواس والحكايات المتناقلة في ذلك أحاديث خرافة لان ~~إخفاء المال للإتلاف والهلاك أو لمن لا يعرف ممن سيأتي ليس من مقاصد ~~العقلاء والختم عليها بالأعمال السحرية أن صح ممن سيأتي ليس من مقاصد ~~العقلاء والختم عليها بالأعمال السحرية أن صح ذلك مبالغة في الستر ونصب ~~الإمارات عليه مناقض لذلك القصد واموال الامم الغابرة إنما هي الات ومكاسب ~~والعمران يوفرها أو ينقصها وربما تنتقل من قطر إلى قطر ومن دولة إلى أخرى ~~مع أن المعدنيات يدركها البلاء كسائر الموجودات # توجيه # قال وما يوجد من ذلك في مصر فسببه أن القبط الذين ملكوها منذ دهور كانو ~~يدفنون موتاهم بموجودهم من الذهب والفضة والجواهر النفسية فقبورهم مظنة ~~لوجوده ومن هناك عنى أهل مصر بالبحث عنها حتى انهم حين ضربت المكوس عن ~~الاصناف آخر الدول ضربت على أهل المطالب وصارت ضريبة على من يشغل بذلك من ~~الحمقاء والمهوسين PageV02P301 # قلت وكذا في بلادنا الأندلسية ادراجا لها في الضريبة المسماة لديهم ~~بمنفعة الغرباء وهم أهل الكدية بجيل الدعاوي الكاذبة # موعظة # قال فيحتاج من ابتلى بهذا الوسواس أن يتعوذ بالله من العجز والكسل في طلب ~~معاشه كما تعوذ من ذلك رسول الله ص صلى الله عليه وسلم ولا يشغل نفسه ~~بالمحالات والمكاذب من الحكايات ^ والله يرزق من يشاء بغير حساب # استدراك # يكفي من شوم الاشتغال بذلك امران # أحدهما سوء حال المعروف به زائدا على تعرضيه لنيل العقوبات ومضايقة ~~المطالبات فقد قال ابن الحاج ms471 الغالب على أهل هذا الشأن شظف العيش وقلة ذات ~~اليد لان البركة في امتثال السنة حيث كان # الثاني تسببه في التسليط على هدم دور المسلمين ومساجدهم حتى من ناحية ~~عداة الدين فقد حكى ابن الحجاج وقوعه بالديار المصرية يكتب من أراد منهم ~~تخريب مسجد أو دار مسلم معاد له أن في الموضع الفلاني كذ وكذا مؤرخا بتاريخ ~~قديم على صورة تشعر بعتاقة المكتوب وقدمه ثم يلقيه في موضع من يعلم قدرته ~~على فعل ذلك بالقوة أو الحيلة فيخرب ذلك الموضع لا محالة # دلالة قال ويدل على ذلك أن اكثر اليهود والنصارى قل أن تحفر لهم دار أو ~~بيعة أو كنيسة والكل في بلد واحد ثم قرر حكم العثور عليه أن اتفق في ارض ~~العنوة أو الصلح أو فيا في العرب بما هو معروف في الفقه إلى أن قال فالحاصل ~~أن واجده لا شيء له فيه إلا التعب وشغل PageV02P302 # المنحى ولهذا كنا كلامهم فيها الغازا حذرا من انكار الشرائع على السحر لا ~~لان ذلك ضنانة بها كما هو رأي من لم يذهب إلى التحقيق في ذلك # قال واكثر ما يحمل عن انتحالها العجز عن الطرق الطبيعية للمعاش فيروم ~~الحصول على الكثير من المال دفعة بها وبغيرها من الوجوه غير الطبيعية # لحاق شؤم قال واكثر من يعتني بذلك الفقراء حتى في الحكماء ابن سينا ~~القائل باستحالها كان من عليه الوزراء ذوي الثروة والغنى والفارابي القائل ~~بإمكانها كان من الفقراء الذين يعوزهم ادنى بلغة من العيش وهي تهمة ظاهرة ~~في انظار النفوس المولعة بانتحالها والله الرازق ذو القوة المتين انتهى ~~ملخصا من مواضع في كلامه # بيان ثاني # إنها كانت خارجة عن الصنائع الطبيعية ولذلك لا يحصل فيها على حقيقة ولا ~~ثبت على طول الاختبار كان الاشتغال بها ضائعا PageV02P304 # وفساده في الخلق شائعا واذ ذاك فوجه المنع من التلبس به وضاح الاسرة وقد ~~ركب الشيوخ عليها احكاما جملة # أحدها منع نقله القلشاني عن القاضي أبي مهدي عيسى الغبريني قائلا لانه أن ~~لم يبين غش ms472 وان بين لم يعامل بها وحكى ابن ناجي انه نقله عن بعض المغاربة ~~أخذا عن قول الشيخ في الرسالة ولا أن يكتم من أمر سلعته شيئا ما إذا ذكره ~~كرهه المبتاع # الثاني رد شهادة المشتغل بها قاله ابن عرفة في فصل ما ينافي العدالة # الثالث منع امامته حكاه عن الشيخ الفقيه الصالح أبي الحسين المنتصر مفتيا ~~به # الرابع كراهة صحبة أهل الفضل ممن يشتغل بها أو يطلب الكنوز PageV02P305 # وقال ابن الحاج يتعين على من تعلق بالإرادة الهرب الكلي ممن يشار إليه ~~بشيء ذلك لان حال المريد نظيف والنظيف يتأثر بأقل شيء يقابله من الوسخ # تنبيه على مفسدة # قرر ابن الحاج أن من مفاسدها على فرض إنها لا تغيير على طول المدة إنها ~~تداوي الأرض النافع فيها التداوي بالذهب والفضة وهي ليست فيها في الأصل قوة ~~أن ذادت في مرض العليلاو قضت عليه قال وعليه فمن تعاطى شيئا منها يثقل ~~بأموال الناس ودمائهم # المسألة الثالثة عشرة أن الجاه مفيد للمال لان صاحبه مخدوم بالأعمال في ~~جميع مطالبه من ضروري أو حاجي أو تكميلي لضرورة الاحتياج إليه فيحصل له قيم ~~تلك الأعمال من عير عوض مع قيم ما يستعمل فيه الناس كذلك وهي لصاحب الجاه ~~كثيرة فتفيد الغني لاقرب وقت ويزداد مع الأيام يسارا وثروة ومن ثم كانت ~~الامارة أحد اسباب المعاش وفاقدة بالكلية ولو كان ذا مال لا يكون يساره إلا ~~بمقدار ماله على نسبه سعية وهم اكثر التجار ولهذا يوجد منهم ذو الجاه ايسر ~~بكثير # شهادة # قال ومما يشهد لذلك أنا نجد كثيرا من العلماء أهل الدين إذا اشتهر حسن ~~الظن بهم واعتقد الجمهور معاملة الله تعالى في أرفادهم فاخلصوا في أعانتهم ~~والاعتمال في مصالحهم اسرعت إليهم الثروة واصبحوا PageV02P306 # مياسير لما يتحصل من قيم الأعمال التي اعينوا بها وهم قعود في منازلهم ~~والله يرزق من يشاء بغير حساب # المسألة الرابعة عشرة أن السعادة في الكسب وغيره لما تحصل غالبا أهل ~~الخضوع وللتملق لان الجاه لما كان مفيدا للمال كما سبق ms473 وكان موزعا في الناس ~~بحسب طبقاتهم كان بذله من اعظم النعم واجلها واذ ذاك لا يبذله صاحبه لمن ~~دونه إلا عن يد عالية فيحتاج مبتغيه إلى خضوع وملق وألا فيتعذر حصوله وإذا ~~حصل بتواضع متواضع هذا الخلق حظى بالسعادة في كسبه وغيره كما يفوت المترفع ~~عن هذا التواضع # برهان وجود # قال ولهذا نجد الخلق الكثير لمن يتخلف بالترفع عن هذا التواضع لا يحصل ~~لهم عرض من الجاه فيقتصرون في التكسب على أعمالهم ويصيرون إلى الفقر ~~والخصاصة PageV02P307 # كشف حقيقة # قال وهذا الترفع إنما يحصل من توهم الكمال واحتياج النا إليه كالعالم ~~المتجر والكاتب الماهر المجيد والشاعر البليغ وكل محسن في صناعته كما يتوهم ~~ذوو الأنساب في تعززهم بما رأوه أو سمعوه من حال ابائهم استمساكا في الحاضر ~~بالمعدوم إذ الكمال لا يورث وكما يتخيل ذوو الحنكة والتجربة في الاحتياج ~~إليهم وكل هؤلاء تجدهم مرتفعين لا يخصمون لذي جاه ولا يتملقون لمن هو اعلى ~~منهم ويستصغرون من سواهم لاعتقادهم الفضل عليه ويحاسب أحدهم الناس في ~~معاملتهم اياه بمقدار ما يسر في نفسه ويحقد على من قصر له في شيء من ذلك ~~وربما يدخل على نفيه الهموم والاحزان من تقصيرهم معه ويبقى في عناء عظيم من ~~ايجاب الحق لنفسه واباية الناس له من ذلك وكل هذا في ضمن الجاه فإذا فقده ~~بهذا الخلق مقته الناس به ولم يحصل له حظ من احسانهم وقعد عن تعاهد من فوقه ~~بغشيان منازلهم ففسد معاشه وبقي في خصاصة وفقر وفوق ذلك بقليل واما الثورة ~~فلا تحصل له أصلا # قال ومن هذا اشتهر بين الناس أن الكامل في المعرفة محروم من الحظ وانه قد ~~حوسب بما رزق منها واقتطع له ذلك من الحظ ومن خلق لشيء يسر له انتهى ملخصا ~~PageV02P308 # محذور واقع # قال ولقد في الدول اضطراب في المراتب من أهل الخلق ويرتفع بسببه كثير من ~~السفلة وينزل كثير من العلية وذلك لان الدول إذا بلغت عادتها من التغلب ~~وانفرد منها منبت الملك بسلطانهم وشمخ عن الدولة باستمرارها ms474 تساوي حينئذ ~~عند السلطان كل من انتمى إلى خدمته وتقرب إليه بنصيحته فيسعى كثير من ~~السوقة في القرب إليه بجده ونصحه ويستعين على ذلك بعظيم من الخضوع والتملق ~~إليه بجده ونصحه ويستعين على ذلك بعظيم من الخضوع والتملق إليه ولحاشيته ~~وذوي نسبه حتى ترسخ قدمه معهم فيحصل له بذلك حظ عظيم من السعادة وينتظم في ~~عداد أهل الدولة وناشئتها حينئذ من ابناء قومها الذين ذللوا صعابها مغترون ~~بأثر ابائهم شامخة بها نفوسهم فيمقتهم بذلك السلطان ويباعدهم ويميل إلى ~~هؤلاء المصطنعين الذين لا يعتدون بقديم ولا يذهبون إلى دالة ولا ترفع وأنما ~~دأيهم الخضوع له والتملق والاعتمال في غرضه فيتسع جاههم وتعلة منازلهم ~~وتبقي ناشئة الدولة فيما هم فيه من الترفع والاعتداد بالقديم لا يزيدهم ذلك ~~إلا بعدا من السلطان ومقتا وايثار لهؤلاء المصطنعين عليه إلى أن تنقرض ~~الدولة # قال وهذا أمر طبيعي في الدول ومنه جاء شأن الاصطناع في الغالب والله فعال ~~لما يريد PageV02P309 # المسألة الخامسة عشرة أن القائمين بأمور الدين من القضاء والشهادة ~~والقتيا والتدريس والإمامة والخطابة والآذان ونحو ذلك لا تعظم ثروتهم غالبا ~~وذلك لأمور # أحدها أن الكسب قيمة الأعمال كما تقدم وهي متفاوتة بحسب الحاجة اليها ~~لعموم البلوى بها وقيمتها على تلك النسبة أهل هذه الصنائع الدينية لا تضطر ~~إليهم العامة بل ما احتاج إلى ما عندهم ممن اقبل على دينه والاحتياج إلى ~~التيا والقضاء ليس على وجه الاضطرار والعموم وحينئذ فيستغني عنهم غالبا ~~وانما يهتم بإقامة مراتبهم صاحب الدولة لما هو ناظر في المصالح فيقسم لهم ~~حظا من الرزق على نسبة الحاجة إليهم لا يساويهم بأهل الشوكة ولا بذوي ~~الصنائع الضرورية وان كانت بضاعتهم اشرف فلا يطير في سهمهم إلا القليل # قلت ومما ينسب لابن حبيب في التشكي من ذلك # ( صلاح امري والذي ابتغي % هين على الرحمن في قدرته ) # ( ألف من الصفر واقلل بها % لعالم أربى على بغيته ) # ( رياب يأخذها دفعة % وصنعتي أشرف من صنعته ) # ويعني بزرياب المعني الشهير PageV02P310 # الثاني انهم لشرف بضاعتهم اعزه على الخلق ms475 وعند أنفسهم فلا يخضعون أهل ~~الجاه ولا يسعهم التذلل أهل الدنيا فيفوتهم بذلك حظ عظيم من وجوه التمول # قلت وفي ذلك يقول القاضي أبو الحسن الجرجاني الأبيات المشهور له # ( يقولون لي فيك انقباض وانما % رأوا رجلا عن موقف الذل اجحما ) # ( يرى الناس من داناهم هان عندهم % ومن اكرمته عزة النفس اكراما ) # ( وما كل برق لاح لي يستفزني % ولا كل من لاقيت ارضاه منعما ) ~~PageV02P311 # ( وما زالت منحازا بعرضي جانبا % من الدم اعتد الصيانة مغنما ) # ( إذا قيل هذا منهل قلت قد ارى % ولكن نفس الحر تحتمل الظما ) # ( واني إذا ما فاتني الحظ لم ابت % اقلب كفي اثره متندما ) # ( ولكنه أن جاء عفوا قبلته % وان مال لم اتبعه هلا وليتما ) # ( واقبض خطوى عن حظوظ قرينه % إذا لم انلها وافر العرض مكرما ) # ( واكرم نفسي أن اضاحك عابسا % وان اتلقى بالمديح مذمما ) # ( انهنهها عن بعض ما لا يشينها % مخافة أقوال العدا فيما أولما ) # ( ولم اقض حق العلم أن كنت كلما % بذا طمع صيرته لي سلما ) # ( ولم ابتذل في خدمته العلم مهجتي % لا خدم من لاقيت لكن لا خدما ) # ( اغرسه عزا واجنيه ذلة % إذا فاتباع الجهل قد كان احزما ) PageV02P312 # ( فان قلت جد العلم كاف فإنما كفى % حين لم يحفظ حماه واسلما ) # ( ولو أن أهل العلم صانوه صانهم % ولو عظموه في النفوس لعظما ) # الثالث انهم لما هم فيه من الشغل بهذه الصنائع الشريفة المشتملة على ~~الفكر والبدن لا تفرغ اوقاتهم للمساعي العائدة بادرار الارزاق فلذلك لا ~~تعظم ثروتهم غالبا # عبرة بالغة # قال ابن خلدون ولقد باحثت بعض الفضلاء فانكر ذلك على فوقع بيدي اوراق ~~مخرمة من حسابات الدواوين بدار المأمون تشتمل على كثير من الدخل والخرج ~~يؤمئذ وكان فيما طالعت فيها أرزاق القضاة والائمة والمؤذنين فوفقته عليه ~~وعلم منه صحة ما قلته ورجع إليه وقضيت العجب من اسرار الله في خلقه وحكمته ~~في عوالمه واله الخالق المقدر # المسألة السادسة عشرة أن الفلاحة من معاش المستضعفين أهل العافية من ~~البدو وذلك لامرين # أحدها أن كيفيتها سهلة التناول ولبساطتها ms476 واصلها في الطبيعة وذلك لا ~~ينتحلها أهل الحضر في الغالب ولا المترفون PageV02P313 # الثاني أن منتحلها مخصوص بالهوان والذلة ففي الحديث انه ص صلى الله عليه ~~وسلم قال وقد رأى السكة ببعض دور الانصار ما دخلت هذه دار قوم إلا دخله ~~الذل لكن حمله البخاري على الاستكثار منها # قلت وقد ذكر ابن الحاج لحاق هذا الذل لمنتحلها في الديار المصرية قال ~~كأنه عبد لبعضهم اسير ذليل صغير لا مال له ولا روح لما فيها من الذل في هذا ~~الزمان # توجيه قال ابن خلدون وسببه والله اعلم ما يتبعها من المغرم المفضي لتحكم ~~اليد الغالبة إلى مذلة الغالب وقهره ففي الحديث # لا تقوم الساعة حتى تعود الزكاة مغرما إشارة للملك العضوض الذي يسمى ~~فجوره حقوق الله تعالى حتى تصير مغارم الدول وضرائبها تسمى حقوقا # قلت ووجه آخر وهو أن الاكثار منها مظنة لنسيان الجهاد الذي به الغزو ~~والحماية كما يلوح من توجيه البخاري رحمه الله تعالى ويشهد له ما رواه ~~الأمام أحمد رحمه الله عن ابن عمر رضي الله عنهما قال PageV02P314 # سمعت رسول الله ص صلى الله عليه وسلم إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب ~~البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا ~~إلى دينكم # المسألة السابعة عشرة أن معنى التجارة محاولة على التكسب لتنمية المال في ~~الشراء بالرخص والبيع بالغلاء # قال بعض شيوخ التجار لطالب الكشف عن حقيقتها انا اعلمكها في كلمتين اشتر ~~الرخيص وبع الغالي وقد حصلت التجارة والقدر الباقي يسمى ربحا والمحاولة ~~لتحصيله إما بانتظار حوالة الاسواق أو نقلها إلى بلد آخر هي فيه انفق # وهنا محاولتان المحاولة الأولى الاحتكار ومتعلقه ضربان أحدهما مالا يضر ~~فيه وهو جائز قال ابن عرفة الحكرة في كل شيء طعام أو غيره جائزة وما اهم ~~احتكاره بالناس منه احتكاره # قلت هو في الطعام قول المدونة # وقال اللخمي هو احسن وفي ادخار الأقوات في الرخاء مرتفق وقت الشدة ولولاه ~~لم يجد الناس فيها عيشا ولو قيل انه مستحسن لم اعبه ms477 # قال ابن عرفة وهو مقتضى تعليله بالإرفاق فلأنه مصلحة راجحة سالمة عن مضرة ~~الناس إذا كان فاعله لا يتمنى غلاء PageV02P315 # قلت وقد صرح به ابن العربي قال في العارضة أن كثر الجالب وكان أن لم يشتر ~~منه رد الطعام كانت الحكرة مستحبة # الثاني ما يضر فيه وهو ممنوع قال ابن رشد اتفاقا # قلت لما ورد فيه من الوعيد الزاجر عن المضرة ففي الصحيح من احتكر فهو ~~خاطئ أي اثم وفي سنن ابن ماجه الجالب مرزوق والمحتكر ملعون # مزيد تخويف # قال ابن خلدون ومما اشتهر عند ذوي البصر والتجربة أن احتكار الزرع لتحين ~~اوقات الغلاء به مشؤوم وعائد على فائدته بالتلف PageV02P316 # والخسران # قال وسببه والله اعلم أن الناس لحاجتهم إلى الأقوات مضطرون لما يبذلون ~~فيها فتبقى النفوس متعلقة به وفي تعلق النفوس بما لها شر كبير فيه وباله ~~على من يأخذه ولعله الذي اعتبره الشارع في اخذ أموال الناس بالباطل وهذا ~~وان لم يكن مجانا فالنفوس متعلقة به لاعطائه ضرورة من غير سعة في العذر فهو ~~كالمكره وما عدا الأقوات لا اضطرار اليها وانما يبعث عليها التفنن في ~~الشهوات فلا يبذل المال فيها إلا بإختيار ولغرض ولا يبقي للنفوس تعلق بما ~~اعطى فيه فلهذا تجتمع القوى النفسانية على متابعة من عرف بالاحتكار بما ~~يأخذه من أموالهم فيفسد والله اعلم # مناسبة # قال وسمعت فيما يناسب هذا حكاية ظريفة اخبرني شيخنا أبو عبد الله الابلي ~~قال حضرت عند القاضي بفاس لعهد السلطان أبي سعيد وهو الفقيه أبو الحسن ~~الملياني وقد عرض عليه أن يختار بعض الألقاب المخزنية لجرايته قال فاطرق ~~مليا ثم قال لهم من مكس الخمر فاستضحك الحاضرين من اصحابه وتعجبوا وسألوه ~~عن حكمه ذلك فقال إذا كانت الجبايات كلها حراما فأختار منها مالا تتابعه ~~نفوس معطيها والخمر قل أن يبذل فيها أحد ماله إلا وهو PageV02P317 # طرب مسرور بوجدانه غير اسف ولا متعلق به انتهى # ملاحظة تنظر إلى معجل هذا العقاب وفيه شهادة له ما خرجه الاصبهاني عن أبي ~~يحي المكي عن ms478 فروخ مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه أن طعاما على باب ~~المسجد فخرج عثمان رضي الله عنه وهو أمير المؤمنين يومئذ فقال ما هذا ~~الطعام فقالوا طعام جلب إلينا أو علينا فقال بارك الله فيه وفيمن جلبه ~~إلينا أو علينا فقال له بعض الذين معه يا أمير المؤمنين قد احتكر قال ومن ~~احتكره قالوا احتكره فروخ وفلان مولى عمر بن الخطاب فأرسل أليهما فاتياه ~~فقال ما حملكهما على احتكار طعام المسلمين قالوا يا أمير المؤمنين نشتري ~~بأموالنا ونبيع فقال عثمان رضي الله عنه سمعت رسول الله ص صلى الله عليه ~~وسلم يقول من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس فقال ~~عند ذلك فروخ يا أمير المؤمنين فأني اعاهد الله واعاهدك أن لا اعود في ~~احتكار طعام ابدا فتحول إلى مصر واما مولى عمر فقال نشتري بأموالنا ونبيع ~~فزعم أبو يحي انه رأى مولى عمر مجذوما متدوخا المحاولة الثانية نقل السلع ~~من بلد إلى آخر وفيه للتاجر البصير بالتجارة رعايات ثلاث # إحداهما نقل ما تعم الحاجة إليه من الغني والفقير والسلطان والسوقة إذ في ~~ذلك نفاقه وخروجه ولا كذلك ما يخص حاجة البعض إليه لتعذر الشراء على ذلك ~~البعض وحينئذ فيكسد سوق المنقول وتفسد ارباحه PageV02P318 # الثانية نقل ما هو وسط في صنفه فان الغالي من كل السلع إنما هو يختص به ~~أهل الثورة وحاشية الدولة وهو الأقل بخلاف الوسط فان الناس في الحاجة إليه ~~اسوة # الثالثة وهو خاص بطلب الربح والعظيم نقل سلع البلد البعيد المسافة أو ~~المخوف الطريق فإنها لبعد مكانها وشدة ضرر نقلها يقل حاملها ويعز وجودها ~~واذ ذاك فيحصل ناقلها على ربح عظيم بسبب ذلك والبلد القريب المسافة الامن ~~الطريق يكثر الناقل منه واليه فيكثر المنقول وترخص أثمانه # ذلالة وجود # قال ولهذا تجد التجارة الداخلين إلى بلد السودان ارفع الناس وأكثرهم ~~أموالا لبعد طريقهم ومشقته باعتراض المفاوز المخطرة بالخوف والعطش ويقل ما ~~نقل إلينا واليهم فيسرع إلى هؤلاء الغنى والثروة من اجل ذلك والمتمردون في ms479 ~~الافق الواحد ما بين امصاره وبلدانه فائدتهم قليلة وارباحهم تافهة لكثرة ~~السلع بكثرة ناقلها # المسألة الثامنة عشرة أن رخص الاسعار مضر بالمحترفين بالرخيص لان الكسب ~~إنما هو بالبضائع أو التجارة وإذا دام الرخص في المتجور فيه ولم تحصل فيه ~~حوالة سوق فسد الربح بطول تلك المدة وكسد سوق ذلك الصنف وساءت أحوالهم ~~PageV02P319 # اعتبار # قال واعتبر ذلك بالزرع إذا استدبم رخصه كيف تفسد احوال المحترفين بزراعته ~~لقلة الربح فيه ويصيرون إلى الفقر والخصاصة ويتبع ذلك فساد حال المحترفين ~~من لدن زراعته إلى مصيره ماكولا وان رزق الجند منه يقوي فساد حالهم إذ كانت ~~ارازاقهم من السلطان على أهل الفلح زرعا فإنها تقل جبابتهم من ذلك ويعجزون ~~عن اقامة الجندية # تنبيه # إذا افرط الغلاء فعلى مثل هذه الحالة إلا في النادر فربما عاد فناء المال ~~بسبب احتكاره واذ ذاك فالمعاش إنما هو في التوسط من ذلك وسرعة حوالة ~~الاسواق # قال وانما يحمد الرخص في الزرع لعموم الحاجة إليه والعالة من الخلق هم ~~الأكثر في العمران فيعم الرفق بذلك # المسألة التاسعة عشرة أن الناس في التجارة صنفان المنتفع بها والذي ينبغي ~~له تركها # فالأول من له أحد أمرين أو كرهما الكفاية والجاه # والثاني من فقد الأمرين معا # وبيانه أن محاولة التنمية لا بد فيه من حصول المال بأيدي الباعة في ~~PageV02P320 # شراء البضائع وبيعها وتقاضي اثمانها أهل النصفة منهم قليل فلا بد من الغش ~~والمطل المجحف بالربح لتعطل المحاولة في تلك المدة والانكار المذهب لرأس ~~المال أن لم يقيد بالشهادة وغناء الحكام في ذلك قليل لبناء الحكم على ~~الظاهر فيعاني التاجر من ذلك احوالا صعبة ولا يكاد يحصل على تافه من الربح ~~إلا بالمشقة العظيمة أو يتلاشى رأس المال فان كانت له كفاية بالجرأة على ~~الخصومة والبصر بالحساب والاقدام على الحكام كان إلى النصفة اقرب وألا فلا ~~بد له من جاه يعتضد به ليوقع له الهيبة عند الباعة ويحمل الحكام على انصافه ~~وان فقد الأمرين عرض بما له بالذهاب وصيره مأكله للباعة وكاد إلا ms480 يقتضيه ~~منهم أصلا # قلت وجوه التجارة كثيرة قد لا يلزم هذا المحذور في بعض منها فتأمله # المسألة العشرون أن خلق التجار نازلة عن خلق الرؤساء وبعيدة عن المرؤة ~~ذلك لان التاجر لا بد له في محاولة التجارة من عوارض حرفتها الناقصة عن ~~المرؤة والمكايسة والمضاعفة وممارسة الخصومات وذلك مما ينطبع في النفس من ~~اثارها المذمومة إذ افعال الخير تعود بآثار الخير وافعال الشر والسفسفة ~~تعود بضد ذلك PageV02P321 # تفاوت اثر # قال وتتفاوت هذه الاثار بتفاوت اصناف التجار في اطوارهم فالسافل منهم ~~المضطر لمخالطة شرار الباعة ذوي الغش والخلابة والفجور في الاثمان اقرارا ~~وانكارا تكون رداءة تلك الخلق لديه اشد وتغلب عليه السفسقة والبعد عن ~~المروات وألا فلا بد له من تأثير المكايسة في مرؤته وفقدان ذلك فيهم ~~بالجملة قليل # اتفاق نادر # قال ووجود الصنف الثاني منهم وهم المجرعون بالجاه المغني لهم عن مباشرة ~~ذلك كله نادر واقل من النادر وذلك بان يتوفر المال عنده دفعة بنوع غريب أو ~~وراثة بحيث يستغني به عن الاتصال بالدولة ويكسبه ظهورا وشهرة فيرتفع عن تلك ~~المباشرة استغناء بكفايته وكلائه وحشمه ويساهله الحكام في الاصناف من حقه ~~برا به وحفاية فيبعد عن تلك الخلق لاضطراره بمشارفة وكلائه وفاقا وخلافا ~~إلا انه قليل ولا يكاد يظهر اثره والله خلقكم وما تعلمون # المسألة الحادية والعشرون أن الصانع لا بد له من معلم وذلك لان الصناعة ~~هي ملكة في أمر عملي فكري وعند ذلك فاشتراط المعلم فيها ظاهر من وجوه ~~PageV02P322 # أحدها أن العملي جسماني محسوس ويقبل احوال ما هو كذلك بالمباشرة والمعلم ~~أو عب لها واتم فائدة # الثاني أن المكلة صفة راسخة بتكرار الفعل وهو بالمعاينة اكمل فالمكلة ~~الحاصلة عنها اكمل # الثالث أن صدق المتعلم في الصناعة على قدر جودة التعليم وملكة المعلم ~~وذلك من اثر المعاينة فيكون شرطا في خلقه وحصول ملكته # المسألة الثانية والعشرون أن رسوخ الصنائع في الامصار برسوخ الحضارة على ~~الدول الطويلة الامد وقبل بيان ذلك فالصنائع إنما تكمل بكمال العمران ~~الحضري وكثرته وما لم ms481 يستوف التمدن به فلا تنصرف الهمم لما وراء الضروري ~~ومن المعاش وإذا استوفى مبالغ كماله ووقت اكماله بالضروري وما يزيد عليه ~~فحينئذ يصرف ذلك الزائد إلى الكمالات في المعاش بالضروري وما يزيد عليه ~~ومنها الصنائع # إذا تقرر هذا فتلك الصنائع هي العوائد التي لا رسوخ لها إلا بكثرة ~~التكرار الطويل الامد وظاهر إنها بعد استحكام صبغتها لذلك يفسدها جملة شأن ~~الملكات الراسخة الحصول # دلالة وجود # قال ولهذا تجد الامصار المستحدثة العمران ولو بلغت مبالغها PageV02P323 # في الوجود لم يستحكم فبها رسوخ وذلك لان القديمة العمران راسخة بطول ~~الاحقاب وتكرار الأحوال وهذه لم تبلغ الغاية بعد قال : وهذا كحال في ~~الأندلس لهذا العهد فتجد فها رسوم الصنائع قائمة واحوالها مستحكمة البهجة ~~كالمباني والطبخ واصناف الغناء واللهو والآلات والاوتار والرقص وتنصيد ~~الفرش وحسن الترتيب والأوضاع في البناء وصوغ الانية وجميع المواعين وإقامة ~~الولائم والأعراس وسائر الصنائع التي يدعوا لها الترف وعوائده فتجدهم اقوم ~~عليها وابصر بها فهم على حصة موفورة من ذلك وحظ متميز بين جميع الامصار وان ~~كان عمرانه قريبا نقص والكثير منه لا يساوي عمران غيرها من بلاد العدوة # قال وما ذلك إلا لرسوخ الحضارة فيهم برسوخ الدولة الأموية وما قبلها من ~~دولة القوط وما بعدها من دولة الطوائف إلى هلم جرا # قال وكذا نجد بالقيروان ومراكش وقلعة ابن حماد أثرا باقيا من ذلك وان ~~كانت هذه كلها اليوم خرابا أو في حكم الخراب ولا يتفطن لها إلا البصير من ~~الناس فتجد من هذه الصنائع إثارة تدل على ما كان بها كأثر الخط الممحو في ~~الكتاب والله الخالق العليم # المسألة الثالثة والعشرون أن الصنائع ضربان بسيط يختص بالضروريات ومركب ~~يراد للكماليات وللأول خواص PageV02P324 # إحداهما تقدمه بالطبع في التعليم لبساطته اولا ولتوفر الدعاوي على نقله ~~لاختصاصه بالضروري ثانيا # الثانية نقص تعليمه لذلك إلى أن يكمل باستخراج مركباته من القوة إلى ~~الفعل بالاستنباط الفكري على التدريج # الثالثة حصوله في أزمان وأجيال لا دفعة واحدة لازما بالقوة لا يخرج إلى ~~الفعل إلا كذلك خصوصا ms482 في الأمور الصناعية فإذا لا بد لها من زمان # اعتبار # قال ولهذا تجد الصنائع في الامصار الصغيرة ناقصة ولا يوجد منها إلا ~~البسيط فإذا تزايدت حضارتها ودعت امور الترف إلى استعمال الصنائع خرجت من ~~القوى إلى الفعل والله اعلم # المسألة الرابعة والعشرون أن الصنائع إنما تستجاد وتكثر إذ كثر طالبها ~~لأمرين # أحدها إنها إذا طلبت توجه اليها النفاق واجتهد الناس في تعلمها ابتغاء ~~المعاش بها وإذا لم تطلب كسد سوقها ورغب عن تعلمها فاختصت بالترك والاهمال # الثاني أن الاجادة فيها إنما تطالبها الدولة التي هي السوق الاعظم لنفاق ~~كل شيء فإذا نفقت فيها حظى صاحبها بجدوى الاشتغال بها والسوقة PageV02P325 # وان طلبوها فبدون طلب الدولة بكثير وحينئذ فإذا لم يكن هناك دولة طالبة ~~فلا وجود للصنائع على كمال # المسألة الخامسة والعشرون أن الامصار إذا قاربت الخراب انتقصت منها ~~الصنائع لما تقدم أن استفادتها إنما هي بكثرة طالبها فإذا ضعفت احوال المصر ~~واخذ في الهرم بانتقاص عمرانه تناقص فيه الترف ورجعوا إلى الاقتصار على ~~الضروري بنقل الصنائع التابعة للترف لتعذر المعاش بها فيفر صاحبها إلى غيره ~~أو يموت عن خلف منه فيذهب رسم تلك الصنائع جملة # قلت في الافلاطونيات لا تزال الصناعات في البلدان موفورة ما وجد من أهلها ~~مطبوعون فيها فإذا خلت منهم فسد نظامها # تمثيل # قال ابن خلدون كماا يذهب النقاشون والصواغون والكتاب والنساخ وامثالهم ~~ولا تزال الصناعة في تناقص ما دام المصر في انحطاط إلى أن يضمحل والله ~~الخلاق العليم # المسألة السادسة والعشرون أن العرب ابعد الناس عن لاصنائع وذلك لأنهم ~~اعرق في البدو وابعد عن العمران وما يدعو اليه من الصنائع وغيرها وعجم ~~المغرب من البربر بمثابتهم في ذلك لرسوخ بداوتهم منذ احقاب من السنين وعجم ~~المشرق وأمم النصرانية بعدوة البحر الرومي أوم PageV02P326 # الناس عليها لأنهم أعرق في العمران الحضري وأبعد عن البدو وسذاجته # شاهد اعتبار # قال ولهذا تجد اوطان العرب وما ملكوه في الإسلام قليلة الصنائع بالجملة ~~حتى تجلب اليه من موضع آخر وكذا بالمغرب إلا ما ms483 كان من صناعة الصوف في نسجه ~~والجلد في خرزه ودبغه فإنهم لما استحضروا بالغوا فيها المبالغ لعموم البلوي ~~بها وكون هذين اغلب السلع في قطرهم لما هم عليه من حال البداوة # قلت في التحف و الطرف للمقري سمعت بعض الفقراء يقول لو رأى ارسطو قدر ~~البرنس في اللباس والكسكس في الطعام لاعترف للبربر بحكمة التدبير الدنيوي ~~وان لهم قصب السبق في ذلك # انعطاف # قال وانظر بلاد العجم من الصين والهند وارض الترك وأمم PageV02P327 # النصرانية كيف استكثرت فيها الصنائع واستجلبتها الامم من عندهم كما رسخت ~~في المشرق منذ ملك الامم الاقدمين من الفرس والنبط والقبط وبني اسرائيل ~~ويونان والروم احقابا متطاولة رسخت فيها احوال الحضارة ومن جملتها الصنائع # قال وأما اليمن والبحرين والحجاز والجزيرة وان ملكها العرب إلا انهم ~~تداولوا ملكها آلا من السنين واختطوا امصارها ومدنها وبلغوا المبالغ من ~~الحضارة والترف كعاد وثمود والعمالة وتبع والاذواء فطال امد الملك والحضارة ~~ورسخت الصناعة فلم تبل ببلاد الدولة فبقيت مستجدة حتى الآن واختصت بذلك ~~كصناعة الوشي والنصب وما يستجد من حوك الثياب والحرير والله وارث الأرض ومن ~~عليها # المسألة السابعة والعشرون أن من حصلت له ملكة في صناعة لا يجيد ملكة في ~~أخرى كالخياط إذا اجاد ملكة الخياطة ورسخت في نفسه فلا يجيد من بعدها ملكة ~~التجارة أو البناء إلا أن تكون الأولى لم تستحكم بعد ولم ترسخ صنعتها # توجيه # وسبب ذلك أن الملكات صفات للنفوس والوان فلا تزدحم دفعة والباقي على ~~الفطرة اسهل لقبول الملكات واحسن استعدادا لحصولها PageV02P328 # فإذا تلونت النفس بالملكة خرجت عن الفطرة وضعف استعدادها باللون الحاصل ~~من هذه الملكة فكان قبولها للملكة الأخرى اضعف # قلت قال الفارابي عسير وبعيد من هو معد بالطبع للفضائل كلها الخلقية ~~والنطقية اعدادا تاما كما هو عسير أن يوجد بالطبع من هو معد نحو الصنائع ~~كلها إلا أن الأمرين جميعا غير ممتنعين والاكثر أن كل واحد معد نحو فضيلة ~~ما أو فضائل ذات عدد محدود أو صناعة أو عدة صنائع محدودة # شهادة واقع ms484 # قال ابن خلدون والوجود يشهد له فقل أن تجد صاحب صناعة يحكمها فيحكم من ~~بعدها أخرى ويكون فيهما على رتبة واحدة من الاجادة وكذا في العلم وان كانت ~~الملكة فيه فكرية فمن حصل فيه على ملكة علم واجادها في الغاية قل أن يجيد ~~ملكة علم آخر على نسبته إلا في النادر # قلت كما حكى ابن خلكان عن كمال الدين بن يونس أن فقهاء عصره كانوا يقولون ~~انه يدري اربعة وعشرين فنا دراية متقنة PageV02P329 # قال وكان في كل فن منها كأنه لا يعرف سواه # قال وبالجملة فإن مجموع ما كان يعمله من العلوم لم يسمع من أحد ممن تقدمه ~~انه كان قد جمعه ولقد جاءنا الشيخ اثير الدين المفضل أبو علي الابهري صاحب ~~التعليقة في الخلاف والتصانيف المشهورة من الموصل إلى اربل في سنة خمس ~~وعشرين وستمائة ونزل بدار الحديث وكنت اشتغل عليه بشيء من الخلاف فبينما ~~انا يوما عنده إذ دخل عليه بعض فقهاء بغداد وكان فاضلا فتجاريا في الحديث ~~زمانا وجرى ذكر الشيخ كمال الدين فقال له الاثير لما حج الشيخ كمال الدين ~~ودخل بغداد كنت هناك فقال نعم فقال كيف كان اقبال الديوان العزيز عليه فقال ~~ذلك الفقيه ما انصفوه على قدر استحقاقه فقال الاثير ما هذا إلا عجب والله ~~ما دخل بغداد مثل الشيخ فاستعظمت منه هذا الكلام وقلت له يا سيدي كيفتقول ~~هذا فقال يا ولدي ما دخل بغداد مثل أبي حامد والله ما بينه وبين الشيخ نسبة # وكان الاثير على جلالة قدره في العلوم يأخذ الكتاب ويجلس بين يديه يقرأ ~~والناس يوم ذلك مشتغلون في تعاليق الاثير وقد شاهدت هذا بعيني وهو يقرأ ~~عليه كتاب المجسطي # قال ولقد حكى لي بعض الفقهاء انه سأل الشيخ كمال الدين عن الاثير ومنزلته ~~في العلوم فقال لا أعلم فقال وكيف هذا يا مولاي وهو في خدمتك منذ سنين ~~عديدة ويشتغل عليك فقال أني مهما قلت بحثا تلقاه بالقبول وقال نعم يا ~~مولانا فما راجعني في بحث قط حتى ms485 اعلم حقيقة فضله # قال ابن خلكانن ولا شك انه كان يعتمد هذا القول مع الشيخ تأدبا وكان عنده ~~بالمدرسة البدرية وكان يقول ما تركت بلادي وقصدت الموصل PageV02P330 # إلا للاشتغال على الشيخ انتهى المقصود منه # قلت نقلت هذا الكلام استطرادا في استجلاء واظهار الفضلاء وان خرجنا به عن ~~المقصود وموقعه عند اهله موقعه # المسألة الثامنة والعشرون الصنائع الضرورية في العمران الخضري ضربان # أحدها ما هو ضروري وغير شريف بالموضوع كالفلاحة ومالبناء والخياطة ~~والنجارة والحياكة # الثاني ما هو ضروري و شريف بالموضوع ومراتبه صناعات ثلاث الصناعة الأولى ~~صناعة التوليد # وهي المعروفة باستخراج المولود الادمي من بطن امه ثم ما يصلحه بعد الخروج ~~وموضوعها المولود وامه وهي ضرورة في كون الانسان إلا في حق من استغنى عنها ~~معجزة أو الهاما وتختص بالنساء غالبا وتسمى العارفة بذلك قابلة لقبولها ما ~~تعطيه النفساء من الجنين # الصناعة الثانية الطب # وهو حفظ صحة الانسان ودفع المرض عنه وموضوعه بدن الانسان ضرورية في ~~الحواضر لكثرة الاكل وفقد الرياضة وتعفن الهواء إلا البوادي للسلامة من ذلك ~~بقلة الاكل لعدم الخصب ووجود الرياضة بكثرة الحركة وهي ضرورية في الحواضر ~~لكثرة الاكل وفقد الرياضة وتعفن الهواء إلا البوادي # قال ولهذا لا يوجد طبيب في البادية بوجه # مزيد فائدة # قال ابن الاكفاني منفعته بالنسبة إلى البدن والنفس فالبدن بكمال ~~PageV02P331 # الصحة التي هي افضل حالانه وانما يحفظ به والنفس بالتمكن من استكمالها في ~~قوتها النظرية والعملية إذ الاسقام مانعة من ذلك # قال وأيضا فالطبيب يستفيد بنظره في التشريح ومنافع الاعضاء ما يوضح له أن ~~الذي خلق كل شيء خلق الانسان في احسن تقويم ثم إذا اطلع على ما يطلبه كل ~~عضو من داء وما اعد له من دواء ومصيره إلى الموت بعده يتضح له أن الذي يرده ~~اسفل سافلين هو احكم الحاكمين انتهى # الصناعة الثالثة الكتابة # وهي رسوم واشكال حرفية تدل على الكلمات المسموعة الدالة على ما في النفس ~~وهي حافظة على الانسان حاجته وحقيقتها على النسيان ومبلغة ضمائر النفس إلى ~~البعيد الغائب ms486 ومخلدة نتائج الافكار والعلوم في الصحف ورافعة الوجود ~~للمعاني وشرفها ظاهر من هذه الوجوه # المسألة التاسعة والعشرون أن غير الضروري منها في العمران إلى اسم ~~الحضارة على كثرتها ضربان # أحدها ما تدعو اليه عوائد الترف القاصر عن مجاوزة الحد فيه مانعا في ~~استجادة ما هو كمالي حتى تكون فائدة المشتغل به انفع من فائدة ما هو ضروري ~~كالدهان والصفار والطباخ والسفاج والهراس ومعلم الغناء والرقص وقرع الطبول ~~على التوقيع وشبه ذلك # الثاني ما يدعو اليه الترف الخارج عن الحد الذي تعداه استبحار العمران ~~كما يصدر عن أهل مصر في تعليم الطيور والحمر وتخيل اشياء PageV02P332 # من العجائب بايهام قلب الاعيان وتعود المشي على الخيوط ورفع الاثقال وغير ~~ذلك من الصنائع التي لا وجود لها في المغرب لنقصان عمرانه عن عمران تلك ~~الديار # المسألة الثلاثون أن الصنائع تكسب صاحبها عقلا وخصوصا الكتابة والحساب ~~وذلك لأن خروج النفس الناطقة للإنسان من القوة إلى الفعل إنما هو بتجدد ~~العلوم والادراكات من المحسوسات اولا ثم تكتسب القوى النظرية إلى أن يصير ~~ادراكا بالفعل وعقلا مخصا وهو كمال وجودها وجسدها فيجدها لذلك أن كل نوع من ~~العلم والنظر يفيدها عقلا فريدا والصنائع بلا شك يحصل عنها وعن ملكتها ~~قانون علمي مستفاد من تلك الملكة فيزيد عقلا لا محالة # قلت هو معنى قول افلاطون الصناعات متممة لقوى النفس والاعضاء هي تعين ~~النفس على ما لا تصل اليه إلا بأعضاء الجسد # تنزيل قال والكتابة من بينها اكثر افادة لذلك لاشتمالها على علوم وانظار ~~دون غيرها وهي الانتقام من صور الحروف الخطية إلى الكلمات اللفظية في ~~الخيار ومنها إلى المعاني التي في النفس فيحصل لها ملكة الانتقال من الأدلة ~~إلى المدلولات وهي ملكة من التعقل تفيد كمال عقل ومزيد فطنة وصناعة الحساب ~~لاحقة بذلك لاحتياج تصرفها في العدد باضلم والتفريق إلى استدلال كبير فيبقى ~~صاحبها متعودا للاستدلال والنظر وهو معنى العقل @QB@ والله أخرجكم من بطون ~~أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ~~@QE@ PageV02P333 # | الفصل الرابع في ms487 اكتساب العلوم # وفيه مسائل جملة نلخص منها ما يليق بالموضع ويكمل قصده وغرضه # المسألة الأولى أن العلم والتعليم طبيعي في العمران البشري لان الانسان ~~إنما يتميز عن سائر الحيوان بالفكر المهتدى به لصلاح دينه ودنياه وذلك ~~بتصديق الأنبياء وتعاوه بابناء جنسه وترديده في ذلك دائما إذ لا يفتر عنه ~~طرفة عين فتنشأ العلوم والصنائع ثم لأجل ما جبل عليه من ذلك يرغب في تحصيل ~~ما ليس عنده من المدركات فؤرجع إلى من سبقه به أو اخذه عن نبي مشافهة أو ~~بواسطة فيتلقى ذلك عنه ويحرص على استفادته منه ثم أن فكره في ذلك يتوجه إلى ~~واحد من الحقائق ناظرا في عوارضه الذاتية حتى يصير الحاقها به ملكة له ~~وعلمه بذلك علما مخصوصا تتشوف نفوس الجيل الثاني تحصيله بالرجوع إلى ذوي ~~الخصوصية به ويجيء التعليم لا محالة # المسألة الثانية أن تعليم العلم من جملة الصنائع لامرين # أحدها أن الملكة في العلم غير الفهم فيه لوجود فهم مسألة واحدة من فن ~~واحد مشتركا بين الشادي في ذلك الفن والمبتدي فيه وبين العامي والعالم ~~النحرير والملكة إنما هي للعالم أو الشادي فقط ولما كانت الملكات كلها ~~جسمانية والجسمانيات بأسرها محسوسة فيفتقر إلى التعليم ضرورة PageV02P335 # الثاني أن اختلاف الاصطراحات فيه كما لكل امام مما اختص به شأن الصنائع ~~كلها وكما بين المتقدمين والمتأخرين في علم الاصول والفقه والعربة ي يدل ~~على أن ذلك ليس من العلم وألا لكان واحدا عند الجميع فالعلم واحد وتلك ~~الاصطلاحات صناعات # رعاية # قال ابن خلدون ولهذا كان السند في التعليم في كل علم أو صناعة يفتقر إلى ~~مشاهير المعلمين فيها معتبرا عند أهل كل فن وجيل # قلت قال ابن الاكفاني كل تعليم وتعلم فإنما يكون بعلم سابق في معلوم ما ~~من عالم لمن ليس بمعلوم ولما قرر نحوه الشيخ الأمام أبو اسحاق الشاطبي رحمه ~~الله قال وان كان الناس قد اختلفا هل يمكن حصول العلم دون معلم أو لا بد لا ~~مكانه من معلم ولكن الواقع في مجاري العادات ms488 أن لا بد من المعلم وهو متفق ~~عليه في الجملة وان اختلفوا في بعض التفاصيل كإختلاف الجمهور والامامية في ~~اشتراط العصمة وقد قالوا كان العلم في صدور الرجال ثم انتقل إلى الكتب ~~وصارت مفاتحه بأيدي الرجال # قلت قال ابن الاكفاني لم تزل سنة العلماء القدماء جارية في تعليم العلم ~~مشافهة دون كتاب فلم يصل علم إلى غير مستحقه ولكثرة المشتغلين بالعلوم ~~حينئذ وحرصهم على تحصيلها استمرت اليهم فلما ضعفت الهمم وقصرت انقرض بعض ~~العلوم فأخذ من بقي من العلماء في تدوين العلوم PageV02P336 # في الكتب لتبقى ولا تبيد # فائدة # ذكروا في الشروط الدالة على حصول الملكة في العلم امورا وهي المعرفة ~~بأصول أي علم كان وما يبني عليه ذلك العلم وما يلزم عنه والقدرة على ~~التعبير عن مقصوده وعلى دفع الشبه الواردة عليه فيه # تعريف ذكر ابن خلدون ما حاصله أن سير التعليم لعهده له بحسب الواقع ~~حالتان # الحالة الأولى # واشرافه على الانقطاع في قطر المغرب كله لنقص الصنائع فيه باختلال عمرانه ~~وتناقص دوله عند خراب القيروان وقرطبة وانقراض دولة الموحدين بعد ذلك ~~بمراكش لكن في اواسط المائة السابعة رحل إلى المشرع من افريقية القاضي أبو ~~القاسم ابن زيتون فادرك أصحاب الأمام فخر الدين واخذ عنهم ولقن تعليمهم ~~وحذق في العقليات والنقليات ورجع إلى تونس PageV02P337 # يعلم كثير وتعليم حسن وجاء على اثره من المشرق أبو عبد الله ابن شعيب ~~الدكالي كان ارتحل اليه من المغرب فأخذ من مشيخة مصر ورجع إلى تونس واستقر ~~بها وكان تعليمه مفيدا فأخذ عنهما أهل تونس واتصل سند تعليمهما في اصحابهما ~~جيلا بعد جيل حتى انتهى إلى ابن عبد السلام شارح ابن الحاجب واصحابه وانتقل ~~من تونس إلى تلمسان من ابن الأمام واصحابه فإنه قرأ مع ابن عبد السلام ~~واصحابه على مشيخة واحدة وفي مجالس بأعيانها واصحاب ابن عبد السلام بتونس ~~وابن الأمام بتلمسان لهذا العهد إلا انهم من القلة بحيث يخشى انقطاع سندهم # ثم ارتحل من زواوة في آخر المائة السابعة أبو علي ناصر الدين ms489 PageV02P338 # المشذالي وادرك أصحاب ابن الحاجب واخذ عنهم وأقر تعليمهم وقرأ مع شهاب ~~الدين القرافي في مجالس مختلفة وحذق في العقليات والنقليات ورجع إلى المغرب ~~بعلم كثير وتعليم مفيد ونزل بجاية واصل سند تعليمه بطلبتها وربما انتقل إلى ~~تلمسان عمران المشذالي من اصحابه واوطنها وبث طريقته فيها وصحابه لهذا ~~العهد ببجاية وتلمسان قليل أو اقل من القليل # تنزيلان # أحدها قال وبقيت فاس وسائر اقطار المغرب خلوا من حسن التعليم من لدن ~~انقراض تعليم قرطبة والقيروان ولم يتصل سند التعليم فيهم فعسر عليهم حصول ~~الملكة والحذق في العلوم إذ ايسر طرقها إنما هو بالمحاورة والمناظرة فهو ~~الذي يقرب شأنها وطالب العلم منهم تجده بعد ذهاب الكثير م عمره ملازما ~~المجالس العلمية ساكتا لا ينطق ولا يعارض وعنايته بالحفظ اكثر من الحاجة ~~فلا جرم لا يحصل على طائل من PageV02P339 # ملكة التصرفي العلم والتعليم # ومن يرى منهم انه قد حصل تجد ملكته قاصرة أن ناظرا أو عارض وما اتاهم ~~القصور إلا من قبل التعليم وانقطاع تمهيده وألا فحفظهم ابلغ من حفظ سواهم ~~لشدة عنايتهم به وظنهم انه المقصود من الملكة العلمية وليس كذلك # شهادة # قال ومما شهد بذلك في المغرب أن المدة المعينة لسكنى طلبة العلم بالمدارس ~~عندهم ست عشرة سنة وهي بتونس خمس سنين # قال وهذه المدة على المتعارف هي اقل ما يتأتى فيها للطالب حصوله مبتغاه ~~من الملكة العلمية أو اليأس من تحصيلها فطال امدها بالمغرب بشدة القصور أجل ~~عسرها من قلة الجودة في التعليم خاصة لا مما سوى ذلك # التنزيل الثاني # قال واما أهل الاندلس فذهب رسم التعليم من بينهم وذهبت عنايتهم بالعلوم ~~لتناقص عمران المسلمين بها منذ مئين من السنين ولم يبق من رسم العلم فيهم ~~إلا فن العربية والادب لاقتصارهم عليه ومحافظتهم على سنن تعليمه واما الفقه ~~فرسم خال واثر بعد عين واما العقليات فلا اثر ولا عين لانقطاع سند التعليم ~~فيها بتناقص العمران وتغلب العدو على عامتها إلا قليلا بسيف البحر شغلهم ~~بمكاسبهم اكثر من شغلهم بما بعدها ms490 والله غالب على امره انتهى PageV02P340 # الحالة الثانية # بقاؤه بالمشرق نافق الاسواق زاخر ببحور العناية بحفظ اتصال العمران ~~الموفور وان خرجت امصاره التي كانت معادن العلم كبغداد والكوفة والبصرة فإن ~~الله تعلى قد ادال منها بامصارها اعظم منها وانتقل العلم منها إلى عراق ~~العجم وما وراء النهر من المشرق ثم إلى القاهرة وما يليها من المغرب فلم ~~تزل موفورة العمران متصلة بسند التعليم # تحصيل واقع # قال فأهل المشرق على الجملة ارسخ في صناعة تعليم العلم بل في سائر ~~الصنائع حتى انه ليظن أن عقولهم على الجملة ونفوسهم الناطقة اكمل من عقول ~~أهل المغرب ونفوسهم وان حقيقة الانسانية بيننا وبينهم تفاوتة لما يرى من ~~كيسهم في العلوم والصنائع وليس كذلك إذ لا تفاوت بين المشرق والمغرب بهذا ~~المقدار وانما ذلك في الاقاليم المنحرفة كالاول والسابع واما الذي فضل به ~~أهل المشرق فهو ما يحصل في النفس من آثار الحضارة من العقل المزيد في ~~الصنائع # مزيد تحقيق # قال ويزيده تدقيقا أن الحضر لهم في احوال الدين والدنيا اداب يوقف عندها ~~اخذا وتركا كأنها حدود لا تتعدى وهي مع ذلك صنائع يتلقاها الآخر عن الأول ~~وكل صناعة مركبة فيرجع فيها إلى النفس ويكسبها عقلا مزيدا تستعد به لقبول ~~صناعة أخرى يتهيأ بها العقل لسرعة ادراك المعارف وحسن الملكات في التعليم ~~والصنائع وسائر الاحوال العادية PageV02P341 # تزيد الانسان ذكاء في عقله واضاءة في فكره فيزدادون بذلك كيسا لم يرجع ~~إلى النفس من الاثار العلمية فيظنه العامي تفاوتا في الحقيقة الانسانية ~~وليس كذلك # دلالة # قال إلا ترى إلى أهل الحضر مع أهل البدو وكيف تجد الحضري متحليا بالذكاء ~~ممتلئا من الكيس لاجادته من الملكات الصناعية والاداب والادراكات في ~~العوائد الحضرية مالا يعرفه البدوي فلما امتلأ من ذلك فكل من قصر عنه ظنه ~~انه لكمال في عقله وان نفوس أهل البدو قاصرة فطرتها وعن فطرته وليس كذكل ~~فإن فيهم من هو في أعلى رتبة من الفهم والكمال في عقله وفطرته لكن فاقه أو ~~فاته الحضري بظهور رونق الحضارة ms491 والصنائع والتعليم عليه لرجوع آثارها إلى ~~النفس # انعطاف # قال وكذا اله المشرق لما كانوا في العلم والصنائع ارفع رتبة وكان أهل ~~المغرب اقرب إلى البداولة ظن المغفلون في بادي الرأي انه لكمال في حقيقة ~~الانسانية اختصوا به عن أهل المغرب وليس ذلك بصحيح فتفهمه ^ والله زيد في ~~الخلق ما يشاء ^ انتهى # تعريفان # أحدها قال ابن خلدون واكثر من عنى بالصنف الأول في الاجيال المعروفة ~~اخبارهم الامتان العظيمتان في ضخامة الدولة قبل الإسلام فارس PageV02P342 # والروم فكانت علومهم بحورا زواخر في آفاقهم واعصارهم فتوفر عمرانهم ~~وشماخة دولهم وكان قبلهم للكلدانيين والسرايانيين والقبط عناية بالحسر ~~والنجامة والطلسمات وعنهم اخذوا ذلك # قلت قال ابن الاكفاني في السحر منفعة أن يعلم ليحذر لا ليعمل به # قال ولا نزاع في تحريم عمله إما مجرد علمه فظاهر الاباحة بل ذهب بعض ~~النظار إلى فرض كفاية لجواز ظهور ساحر يدعى النبوءة فيكون في الأمة من ~~يكشفه وينقض مقالته فيعمل به قصاصا # قلت قال الطرطوشي تعلمه أو تعليمه كفر عند مالك رحمه الله # قال القرافي وهو في غاية الاشكال # واجاب ابن الشاط بأنه على وجهين # أحدها لتعرف حقيقته لتجتنب أو لغير ذلك قال وهذا ليس بكفر # الثاني لقصد تحصيل اثره متى احتاج لك # قال وهاذ هو الذي اقتضى ظاهر الكتاب انه كفر يعني وهو الحجة لمالك رحمه ~~الله PageV02P343 # قلت وعليه فقوله بالتكفير ليس على الاطلاق # قال ابن الشاط والقول بطلب تعلمه للفرق بينه وبين المعجزة صحيح # انعطاف قال ولقد يقال أن هذه العلوم إنما وصلت إلى يونان قبل الفرس إذ ~~كان شأنها عندهم عظيما وذلك حين قتل الاسكندر دارا وغلب على مملكة الكينية ~~فاستولى على كتب علمهم والمسلمون لما فتحوا بلادهم اصابوا من صحائف تلك ~~العلوم ما لا يحده الحصر فكتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر رضي الله عنه ~~يستأذنه في شأنها فكتب اليه أن اطرحوها في الماء فان كان فيها هدى فقد ~~هدانا الله بأهدى منه وان يكن ضلالة فقد كفانا الله فطرحوها في الماء أو في ms492 ~~النار # المسألة الثالثة أن العلوم وانما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة ~~وذلك لان تعلم العلم من جملة الصنائع كما تقرر والصنائع كما تقدم قبل ذلك ~~انمما تكثر في الامثار المستجدة العمران بطول امد الدول المتعاقبة عليها # قال ومن تشوف بفطرته إلى العلم ممن نشأ في القرى والامصار غير المستبحرة ~~العمران فلا يجد فيها التعليم الصناعي واذ ذاك فلا بد له من الرحلة في طلبه ~~كشأن الصنائع كلها # شاهد اعتبار PageV02P344 # قال واعتبر ما قررناه بحال بغداد وقرطبة والقيروان والبصرة والكوفة ~~وامثالها لما كثر عمرانها صدر الإسلام واستوفت فيها الحضارة كيف زخرت فيها ~~بحار العلم وتفننوا في اصطلاحات التعليم واصناف العلوم حتى اربوا على ~~المتقدمين وفاتوا المتأخرين ولما تناقص عمرانها انطوى ذلك البساط جملة وفقد ~~بها العلم والتعليم وانتقل إلى غيرها من اقطار الإسلام # تعريف # قال ونحن اليوم نرى لهذا العهد أن العلم والتعليم إنما ه بالقاهرة من ~~بلاد مصر لاستبحار عمرانها استحكام حضارتها منذ آلاف من السنين فاستحكمت ~~فيها الصنائع وتفننت ومن جملتها تعليمالعلم # قال واكد بذلك فيها ما وقع لهذه العصور بها منذ مائتين من السنين في دولة ~~الترك من ايام صلاح الدين بن ايوب إلى هلم جرا وذلك لان الامراء من الترك ~~يخشون عادية سلطانهم على من يخلفونه من ذريتهم لما له عليهم من الرق ~~والولاء ولما يخشى من معاطب الملك ونكباته فاستكثروما من بناء المدارس ~~والزوايا والربط ووقفوا عليها الاوقاف المغلة يجعلون فيها شركاء لولدهم ~~ونصيبا ينظر عليها ويصيب منها مع ما فيهم غالبا من الجنوح إلى الخير ~~والتماس الاجور في المقاصد والافعال فكثرت الاوقاف لذلك وكثر وطالب العلم ~~ومعلمه ومتعلمه بكثرة جرايتهم منها وارتحل الناس اليها في طلب العلم من ~~العراق والمغرب ونفقت فيها اسواق العلوم وزخرت بحارها والله يخلق ما يشاء ~~PageV02P345 # قلت وقع هذا التأكيد بما ذكر فقد لوحظ فيه امور اخر وهو ما يخشى من رفع ~~العلم الحقيقي فيه حيث يجعل غاية طلبه # قال ابن الاكفاني من تعلم علما للاحتراف لم يأت عالما إنما ms493 جاء شبيها ~~بالعلماء ولقد كوشف علماء ما وراء النهر بذلك ونطقوا به لما بلغهم بناء ~~المدارس ببغداد اقاموا مآتم العلم وقالوما كان يشتغل به ارباب الهمم العلية ~~والانفس الكريمة الزكية الذين يقصدون العلم لشرفه والكمال به فيأتون علماء ~~ينتفع بهم وبعلمهم وإذا صاروا عليه اجرة تدانى اليه الاخساء وارباب الكسل ~~فيكون ذلك سببا لارتفاعه # المسالة الرابعة أن العلوم التي يخوض فيه البشر صنفان # أحدهما طبيعي للإنسان يهتدي اليه بفكره وهو العلوم الحكمية ولذلك لا تختص ~~بملة لاستواء جميع العقلاء في مداركها على أي ملة كانوا وهي موجودة في ~~النوع الانسان مذ كان عمران الخليقة # قلت قال ابن الاكفاني المراد بالحكمة هنا استكمال النفس الناطق في قوتها ~~النظرية والعملية بحسب الطاقة الانسانية والاول لحصول الاعتقادات اليقينية ~~في معرفة الموجودات واحوالها والثاني بتزكية النفس باقتناء الفضائل واجتناب ~~الرذائل # قلت ومع موافقة الشريعة في الالهي منها فحكمته جهالة مضرة # الثاني نقلي يوخذ عن واضعه وهو العلوم الشرعية لا مجال للعقل فيها إلا في ~~الحاق الفروع بالأصول لعدم اندراج الجزئيات الحادثة تحت النقل PageV02P346 # الكلي بمجرد الوضع ولما كان هذا الالحاق القياصي يتفرع عن الأخبار بثبوت ~~الحكم في الأصل وهو نقلي رجع إلى النقل بذلك لا محالة # قلت قال ابن الاكفاني مقررا لمنفعة هذا الصنف من العلوم ومن المعلوم أن ~~ارسال الرسل عليهم السلام إنما هو لطف من الله تعالى لخلقه ورحمة لهم ليتم ~~أمر معاشهم ويبين مآل مرادهم بحال الشريعة ضرورة على المعتقدات الصحيحة ~~التي يجب التصديق بها والعبادات المقربة من الله تعالى مما يجب القيام بها ~~والمواظبة عليها # قال والأمر بالفضائل والنهي عن الرذائل مما يجب قبوله # قلت إما شرعا فنعم واما عقلا ففيه ما هو معلوم في موضعه # قال واما الروم فكانت الدولة فيهم اولا ليونان وكان لهذه العلوم بينهم ~~مجال رحم وحملها مشاهير من رجالهم وغيرهم إلى أن انتهت الرياسة فيها إلى ~~أرسطو المسمى بالمعلم الأول وعند مصير الأمر إلى لاقياصرة هجروا تلك العلم ~~كما تقتضيه الملل والشرائع وبقيت في صحفها ms494 مخلدة في خزائنهم إلى أن ملكوا ~~الشام وهي باقية فيهم # تاريخ قال ثم جاء الله بالإسلام المستولى على ملك الروم وغيرهم ابتدأ ~~أمره بالسذاجة والغفلة عن الصنائع إلى أن اخذت الدولة من الحضارة بالحظ ~~الذي لم يكن لغيرهم من الامم وتفننوا في الصنائع والعلوم فتوجهوا إلى ~~الاطلاع على هذه العلوم الحكمية لما سمعوا من اساقفة المعاهدين وبما تسموا ~~اليه فطرة الانسان فيها فبعث أبو جعفر PageV02P347 # المنصور إلى ملك الروم أن يبعث اليه من يكشف له عليها أو يكتب التعاليم ~~مترجمة فبعث اليه بكتاب اقليدس وبعض كتب الطبيعيات واطلع عليه المسلمون ~~فازدادوا حرصا على الظفر بما بقي منها # وجاء المأمون بعد ذلك وكانت له في العلم رغبة فانبعث لهذه العلوم واوفد ~~الرسل على ملك الروم وطالب في استخراج علوم اليونانيين وانتساخها بالخط ~~العربي وبعث المترجمين لذلك فأوعب منها واستوعب وعكف عليها النظار من أهل ~~الإسلام وبلغوا فيها الغاية وخالفوا كثيرا من آراء المعلم الأول واختصوه ~~بالرد والقبول لوقوف الشهرة عنده وكان من اكابرهم في الملة الفارابي وابن ~~سينا بالمشرق وابن الصائغ بالأندلس واقتصر كثير على انتحال التعاليم وما ~~يتبعها من النجامة والسحر والطلسمات ووقعت الشهرة في هذا المتنحل على مسلمة ~~بن أحمد المجريطي من أهل الاندلس واصحابه # داخلة فساد # قال ودخل من هذه العلوم داخلة واستهوت الكثير الناس بما جنحوا اليها ~~وقلدوا آراءها والذنب في ذلك لمن ارتكبه ولو شاء الله ما فعلوه # قلت ذكر في فصل ابطال الفلسفة وفساد منتحلها أن ضررها في الدين كثير ثم ~~ختمه بقوله فليكن الناظر فيها متحرزا جهده من معاطبها وليكن نظر من ينظر ~~فيها بعد الامتلاء من الشرعيات والاطلاع على التفسير PageV02P348 # والفقه واصله وألا فقل أن يسلم والله الموفق للحق والهادي اليه انتهى ~~مخلصا # خاتمة اعلام # ثم أن المغرب والاندلس لما ركدت ريح العمران به وتناقصت العلوم بتناقصه ~~اضمحل ذلك منه إلا قليلا من رسومه تجدها في تفاريق من الناس وتحت رقبة من ~~علماء السنة ويبلغنا عن أهل المشرق أن بضائع هذه العلوم عندهم ms495 لم تزل ~~موفورة وخصوصا في عراق العجم وما وراء النهر وانهم على نهج من العلوم ~~العقلية والنقلية لتوفر عمرانهم واستحكام حضارته # قال ولقد وقفت بمصر على تواليف في المعقول متعددة لرجل من علماء هراة من ~~بلد خراسان يشهر بسعد الدين التفتازاني بلغ منها الغاية في علوم الكلام ~~واصول الفقه والبيان تشهد بأن له ملكة راسخة في هذه العلوم وفي اثنائها ما ~~يدل على أن له اطلاعا على العلوم الحكمية أيضا وقدما راسخة عالية في سائر ~~الفنون الفلسفية كذلك بلغنا لهذا العهد أن هذه العلوم الفلسفية ببلاد ~~الافرنجة من ارض رومة وما يليها من العدوة الشمالية نافقة الاسواق ومتعددة ~~بمجالس التعليم والله اعلم بما هنالك وهو يخلق ما يشاء ويختار PageV02P349 # التعريف الثاني # قال فالنصف الثاني وهو العلوم الشرعية إنها قد نفقت اسواقها في الملة بما ~~لا مزيد عليه وانتهت فيها مدارك المناظرين إلى الغاية التي لا فوقها بشيء ~~وهذبت اصطلاحاتها وزينت فنونها فجاءت من وراء الغاية في الحسن والتنميق ~~وكان لكل فن رجال يرجع اليهم فيه واوضاع يستفاد منها التعليم واختص المشرق ~~من ذلك والمغرب بما هو مشهور منها # قال وقد كسدت اسواق العلم لهذا العهد بالمغرب لتناقص عمرانه وانقطاع سند ~~التعليم والله مقدر الليل والنهار انتهى المقصود منه # المسألة الخامسة # أن كثرة التواليف في العلوم عائقة عن التحصيل # قال اعلم انه مما اضر بالناس في تحصيل العلم والوقوف على غايته كثرة ~~التواليف واختلاف الاصطلاحات في التعليم ثم مطالبة المتعلم باستحضار ذلك ~~وحينئذ يسلم له منصب التحصيل فيحتاج إلى حفظ PageV02P350 # كلها أو اكثرها ولا يفي عمره بما كتب منها في صناعة واحدة إذا تجرد لها ~~فيقع القصور ولا بد دون رتبة التحصيل # التمثيل الأول # مطالبة المشتغل بالمذهب المالكي بكتاب المدونة وما كتب عليها من الشروحات ~~ككتاب ابن يونس وللخمي وابن بشير PageV02P351 والتنبيهات والمقدمات و كتاب ~~العتبية و البيان والتحصيل و كتاب أن الحاجب وما كتب عليه مع احتياجه إلى ~~تمييز الطريقة القيروانية من الطريقة القرطبية والبغدادية والمصرية وطرق ~~المتأخرين عنهم والاحاطة ms496 بذلك كله وحينئذ يسلم له منصب الفتيا وهي كلها ~~متكررة والمعنى واحد والعمر ينقضي في واحد منها # قلت قد نصوا على قريب من هذا فاللمازري في تعقيبه على احياء الغزالي وقد ~~قرر أن التعليم لا بد فيه من مؤونة عظيمة وهذه المدونة تشتمل على ستة ~~وثلاثين ألف مسئلة ومائتين ليس في العصر من يسامح المقتصر عليها بالفتوى ~~ولا يصفه بامامة أو الفتيا حتى يضيف اليها الاطلاع على امثال هذه المسائل # قال ابن خلدون ولو اقتصر المعلمون المتعلمين على المسائل المذهبية ~~PageV02P352 # فقط لكان سهلا وكان التعليم دون ذلك بكثير ومأخذه قريبا ولكنه داء لا ~~يرتفع لاستقرار العوائد عليه فصارت كالطبيعة التي لا تتبدل # التمثيل الثاني # مطالبة الناظر في العربية بكتاب سبويه وطرق البصريين والكوفيين ~~والبغداديين والاندلسيين وطرق المتأخرين كابن الحاجب وابن مالك والعمر ~~ينقضي دون ذلك فلا يطمع أحد في الغاية منه PageV02P353 # إلا القليل النادر لتشعبه بما ذكر وصعوبته هذا وهي آلة ووسيلة فكيف يكون ~~الحال في القصد الذي هو الثمرة # تنبيه # تكثير التواليف لمريدها من طلبة العلم لا يقال فيه انه عائق عن التحصيل ~~بل هو كفيل بكماله ومن ثم قال ابن حزم الاستكثار من الكتب من دعائم العلم ~~إذ لا يخلو كتاب من فائدة وزيادة علم وقد كشف الخليل عن فائدة جمعها ~~وغاياته فقال اقلوا من الكتب لتحفظوا واكثروا منها لتعلموا # المسألة السادسة أن كثرة الاختصارات الموضوعية في العلوم مخلة بالتعليم # قال ذهب كثير من العلماء المتأخرين إلى اختصار الطرق والانحاء في العلوم ~~بوضع مختصرات مشتملة على حصر مسائلها وادلتها باختصار في الالفاظ وحشو ~~القليل منها بالمعاني الكثيرة أو باختصار ما وضع من المطولات للتفسير ~~والبيان تقريبا للحفظ كما فعل ابن الحاجب في الفقه واصوله وابن مالك في ~~العربية والخونجي في المنطق وهو فساد في التعليم واخلال في التحصيل # قلت وحاصل ما ينشأ عن ذلك مع اخلاله بالبلاغة امور # أحدها أن فيه تخليطا على المبتدئ بالقاء الغايات اليه وهو لم يستعد بعد ~~لقبولها وهو من سوء التعليم كما سيأتي ms497 إن شاء الله تعالى PageV02P354 # الثاني أن فيه مع ذلك شغلا كبيرا على التعليم بتتبع الالفاظ العويصة ~~للفهم لتزاحم المعاني عليها واستخراج المسائل من بينها ولا يتخلص من ذلك ~~إلا بعد ذهاب حظ صالح من الوقت # الثالث أن الملكة الحاصلة بعد ذلك كله من التعلم منها إذا تم سداده ولم ~~تعقبه آفة قاصرة عن الملكات الحاصلة من الموضوعات البسيطة لكثرة ما يقع ~~فيها من التكرار والاطالة المفسدين لحصول الملكة التامة # ثم قال فقصدوا إلى تسهيل الحفظ على المتعلم فاركبوه صعبا يقطعه عن تحصيل ~~الملكات النافعة وتمكنها ومن يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له # قلت ومما يعاب به سرعة تقلب الفهم لها لتعذر استحضار ما يفيده ويعسر عليه ~~دائما وقد ذكر لنا عن ابن الحاجب انه ربما راجع بعض المواضع من مختصرة ~~الفقهي فلم يفهمه واذ ذاك فما الظن بسواه # عاطفة تكميل # لقصد المسألتين المذكورتين آنفا بذكر فوائد مهمة PageV02P355 # الفائدة الأولى # قال ابن الاكفاني كتب العلوم لا تحصر كثرة لكثرة العلوم واختلاف الاغراض ~~في الوضع والتأليف لكنها من جهة المقدار ثلاثة مختصرة في لفظها وجزء معناها # وهذه تجعل تذكرة لرؤوس المشاكل ينتفع بها المتهي للاستحضار وربما افادت ~~بعض المبتدئين الأذكياء لسرعة جرأتهم على المعاني العبارات الدقيقة ومبسوطة ~~ينتفع بها للمطالعة ومتوسطة لفظها بأزاء معناها ونفعها عام # الفائدة الثانية # قال أيضا المصنفون المعتبرة تصانيفهم فريقان # أحدهما من له في التعليم ملكة تامة ورؤية كافية وتجارب وثيقة وحدس صائب ~~واستخبار قريب وتصانيفهم عن قوة تبصرة ونفاذ فكر وسداد رأي يجمع إلى تحرير ~~المعاني بتهذيب الالفاظ وهذه لا يستغني عنها أحد من العلماء فإن نتائج ~~الافكار لا تقع عند حد بل لكل عالم ومتعلم منها حظ وهؤلاء احسنوا ~~PageV02P356 # إلى الناس كما احسن الله تعالى اليهم زكاة عن علومهم لبقاء الذكر في ~~الدنيا وجزيل الاجر في الاخرة # الثاني من له ذهن ثاقب وعبارة طلقة ووقعت له كتب جيدة جمة الفوائد لكنها ~~غير انيقة التأليف والنظم فاستخرج دررها واحسن نظمها وهذه ينتفع بها ms498 ~~المبتدؤون والمتوسطون وهؤلاء مشكورون على ذلك شكر الله سعيهم # الفائدة الثالثة # شرط الشيخ الأمام أبو اسحاق الشاطبي في الانتفاع بمطالعة الكتب العلمية ~~شرطين # أحدهما تقدم فهم مقاصد علمها ومعرفة اصطلاحاته قال وذلك يحصل من مشافهة ~~العلماء أو بما هو راجع اليه إذ الكتب وحدها لا تفيد الطالب منها شيئا دون ~~فتح العلماء كما هو مشاهد # الثاني تحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد تحصيله فإنهم اقعد به من ~~المتأخرين # قال واصل ذلك التجربة المشاهدة في أي علم كان فالمتأخر لا يبلغ من الرسوخ ~~فيه ما بلغه المتقدم والخبر الدال على ذلك فمنه خير القرون قرني الحديث وهو ~~يشير أن كل قرن مع ما بعده كذلك ثم ذكر من الأخبار ما يقتضي الاعلام بنقص ~~الدين والدنيا واعظم ذلك العلم فهو إذا في نقص بلا شك فلذلك صار تحرى كتب ~~المتقدمين وكلامهم PageV02P357 # وسيرهم انفع لمن اراد الأخذ به للاحتياط في العلم أي نوع كان وخصوصا علم ~~الشريعة الذي هو العروة الوثقى والوزر الاحمى انتهى ملخصا # قلت قد سبقه لهذا المعنى غير واحد من الشيوخ فقد حكى أبو الحسن الشاري في ~~تاريخه عن بعض شيوخه انه كان يبالغ في الوصية بالاعتماد على كتب المتقدمين ~~حتى انه كان لا يقتني كتابا من كتب المتأخرين # قال ولقد كان بعض من لقيناه من المحققين يميل إلى هذه الطريقة # وحكى عن ابن خروف انه كان لا يقرأ من كتب النحو حاشا كتاب سيبويه ويرى ~~انه يطرح ما سواه كمفصل الزمخشري وغيره PageV02P358 # قال وكان يسمح في بعض الاوقات في الاصول لابن السراج والتبصرة المنسوبة ~~للصيمري انتهى # قلت ولابن عرفة ع بعض الشيوخ فيما يخص كتاب ابن الحاجب الفرعي كلام هو ~~اشد من هذا فراجعه في موضعه # المسألة السابعة أن وجه الصواب في تعليم العلم وطرقاته أن يلقى للمتعلم ~~على التدريج في مرات ثلاث # إحداهما يلقي عليه اولا مسائل في كل باب من الفن هي اصول ذلك الباب فيه ~~ويقرب له في شرحها على سبيل الاجمال ومراعاة قوة عقله ms499 واستعداده حتى ينتهي ~~إلى آخر الفن ومنذ ذلك تحصل له ملكة ضعيفة غايتها تهيئته لفهمه وتحصيله ~~PageV02P359 # الثانية يرفعه في التلقين عن تلك الرتبة باستيفاء البيان الخارج عن ~~الاجمال واعلامه بما هناك من الخلاف ووجهه إلى أن ينتهي إلى آخر الفن فتجود ~~ملكته # الثالثة يرجع به وقد شدا فلا يترك عويصا ولا مبهما إلا اوضحه وفتح له ~~مقفله فيتخلص من الفن وقد استولى على ملكته # قال وقد يحصل للبعض في اقل من ذلك بحسب ما يخلق له وييسر عليه # مخالفة صواب # قال وقد شاهدنا كثيرا من المعلمين يغفلون عن طريق هذا التعليم بالقاء ~~المسائل المقفلة في أول وهلة ثم مطالبة المتعلم باحضار ذهنه في حلها وحفظ ~~ما تلقى منها اعتقادا أن ذلك مران على التعليم وصواب فيه فيخلطون عليه ~~بالقاء الغايات في المبادئ وقبل استعداده للفهم فإن قبول العلم والاستعداد ~~لفهمه ينشأ تدريجيا والمتعلم أول الأمر عاجز عن الفهم في الجملة إلا في ~~الاقل وعلى سبيل التقريب والاجمال ثم لا يزال استعداده يتدرج بمخالطة مسائل ~~ذلك الفن وتكرارها عليه والانتقال فيها من التقريب إلى الاسهاب حتى تتم ~~الملكة في الاستعداد ثم في PageV02P360 # التحصيل وإذا القيت عليه الغاية في ابتدائه وهو عاجز عن الفهم والوعي ~~وبعيد عن الاستعداد كل ذهنه وحسب ذلك من صعوبة العلم في نفسه فتكاسل عن ~~قبوله وتمادى في هجرانه # فقال وانما أتى ذلك من صعوبة التعليم وسوءه # وصايا نافعة # أحدها ينبغي للمغلم أن يزيد المتعلم على فهم كتابه الذي اكب على التعليم ~~منه بحسب طاقته وقبوله مبتدئا أو منتهيا ولا يخلط مسائل الكتاب بغيرها حتى ~~يعيه من اوله إلى آخره ويستولي منه على ملكة به ينفذ في غيره لان المتعلم ~~إذا حصل ملكة ما استعد بها لقبول ما بقي حتى يستولي على الغاية وإذا خلط ~~عليه الأمر عجز عن الفهم وادركه الملل وانطمس وآيس من التحصيل وهجر العلم ~~والتعليم والله يهدي من يشاء # الثانية ينبغي له أن لا يطول على المتعلم في الفن الواحد أو الكتاب ~~الواحد بتقطيع ms500 وتفريق ما بينهما لانه ذريعة النسيان وانقطاع مسائل الفن ~~بعضها عن بعض لعسر حصول الملكة بذلك وإذا كانت اوائل العلم واواخره حاضرة ~~عند الفكر كانت الملكة الناشئة ايسر حصولا وماحكم صبغة لان الملكة إنما ~~تحصل بتتابع الفعل وتكرره ومتى تنوسي الفعل فالملكة الناشئة عنه كذلك والله ~~علمكم ما لم تكونوا تعلمون # الثالثة ينبغي إلا يخلط على المتعلم علمين معا فإنه حينئذ قل أن يظفر ~~PageV02P361 # بواحد منهما لتقسم البال وانصرافه عن كل واحد منهما إلى تفهم الآخر ~~فيستغلقان معا ويستصعبان ويعود منهما بالخيبة # قلت من كلام ابن رشد الحكيم مقررا لهذا المعنى من احب أن يتعلم اكثر من ~~شيء واحد في وقت واحد لم يتعلم واحد منهما وقديما وردت الوصية بذلك وعن ~~بعضهم انه قال لمؤدب ولده لا تخرجهم من علم إلى علم حتى يحكموه فإن اصطكاك ~~العلم في السمع وازدحامه في الوهم مضلة مغلقة للفهم # المسألة الثامنة # أن العلوم الالية لا توسع فيها الافكار ولا تفرع المسائل وذلك لان العلوم ~~صنفان # أحدهما مقصو لذاته كالتفسير والحديث والفقه وعلم الكلام من الشرعيات ~~والطبيعيات والالهيات من الحكميات وهذه فلا حرج من توسيع الكلام فيها ~~وتفريع المسائل لمزيد تمكن الملكة بذلك # الثاني آلة لذلك المقصود لذاته كالعربية والحساب وغيرهما للشرعيات ~~والمنطق للحكميات وربما كان لعلم الكلام واصول الفقه على طريقة المتأخرين ~~وهذه فلا ينبغي أن يوسع فيها الكلام ولا تفريع المسائل لخروجها بذلك عن ~~المقصود بها واخلاله بما هي اليه وسيلة لضيق العمر عن تحصيل الجميع على هذه ~~الصورة وحقيق به الاشتغال بها فذلك تضييع للعمر وخوض فيما لا يغني ~~PageV02P362 # تمثيل قال وهذا كفعل المتأخرين في النحو والمنطق بل وهذا كفعل المتأخرين ~~في النحو والمنطق بل واصول الفقه لأنهم اوسعوا الكلام فيها نقلا واستدلالا ~~واكثروا من التفريع بما اخرجها إلى قبيل المقصود لذاتها وربما جر ذلك إلى ~~انظار ومسائل لا حاجة بها فيما هي آلة له فتكون لذلك لغوا # قلت مثله قول ابن العربي من اقام عمره حسابيا أو نحويا فقد هلك وهو ms501 ~~بمنزلة من اراد صنعة شيء فشحذ الالة عمره ثم مات قبل عمل صنعته # وقول الشيخ أبي اسحاق الشاطبي كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا تنبني ~~عليها فروع فقهية أو آداب شرعية ولا تكون عونا في ذلك فوضعها في اصول الفقه ~~عارية # لزوم ومامجب قال ابن خلدون فعلى المعلمين كما هو وسيلة أن لا يستبحروا ~~فيه ولا يستكثروما من مسائله وقوفا بالمتعلم مع الغرض منه # قلت مثله قول الغزالي كل ما يطلب لغيره فلا ينبغي أن تجد فيه المطلوب ~~وتستكثر منه # وقال ابن خلدون ومن ترقت همته بعد ذلك إلى توغل فيه ورأى في نفسه قياما ~~بذلك وانتهاضا اليه فليختر لنفسه وكل PageV02P363 # ميسر لما خلق له # قلت وقد قررنا في روضة الاعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام ما يتضح ~~به هذا الموضع على التمام إن شاء الله تعالى # المسألة التاسعة أن مذاهب أهل الامصار الاسلامية مختلفة في طرق تعليم ~~الولدان وقبل بيان ذلك فتعليم الولدان القرآن من شعائر الدين ومراسمه أخذ ~~به أهل الملة ودرجوا عليه لما يسبق به إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده ~~إذ هو اصل التعليم المبني عليه ما يحصل بعده من الملكات وذلك لان تعليم ~~الصغار اشد رسوخا وهو اصل لما بعده لان السابق الأول إلى القلوب كالاساس ~~للملكات وعلى كل حال الاساس يكون حال كل ما يبني عليه إذا تقرر هذا فلاهل ~~الامصار الاسلامية في هذا التعليم طرق # الطريقة الأولى لأهل المغرب ومن تبعهم من قراء البربر # وهي اقتصارهم على تعليم القرآن فقط واخذهم اثناء ذلك بالرسم واختلاف ~~القراء فيه من غير مزيد عليه من الحديث والفقه أو الشعر أو كلام العرب إلى ~~أن يحذق في ذلك قبل البلوغ وبعده إلى الشبيبة أو ينقطع دونه فيكون انقطاعا ~~عن العلم بالجملة وكذا في إذا PageV02P364 # راجع ذلك بعد طائفة من عمره فهم لذلك اقوم على رسم القرآن وحفظه من سواهم # الطريقة الثانية لأهل الاندلس # وهي تعليمهم للقراءة والكتابة من حيث هو لكنه لما كان القرآن اصل ذلك ms502 ~~ومنبع الدين والعلوم جعلوه أصلا في التعليم وخلطوا به رواية الشعر والترسيل ~~وحفظ قوانين العربة ي وتجويد الخط والكتابة وعنايتهم به اكثر من الجميع إلى ~~أن يخرج عن حد البلوغ إلى الشبية وقد شدا بعض الشيء في العربية والشعر وبرز ~~في الخط والكتابة وتعلق بأذيال العلم على الجملة لو كان فيها سند لتعليم ~~العلوم ولكنهم ينقطعون عند ذلك لانقطاع سند التعليم في أفقهم ولا يحصل لهم ~~إلا ذلك التعليم الأول وفيه كفاية واستعداد إذا وجد المعلم # الطريقة الثالثة لأهل افريقية # وهي خلط هذا التعليم بالحديث في الغالب ومدارسة قوانين العلوم وتلقين بعض ~~مسائلها إلا أن عنايتهم باستظهار القرآن ووقوفهم على اختلاف روايات قرائه ~~اكثر مما سواه وعنايتهم بالخط تبع لذلك وبالجملة فطريقتهم اقرب إلى طريقة ~~أهل الاندلس لاتصال سند طريقتهم بمشيخة أهل الاندلس الذي جازوا عند تغلب ~~النصارى على شرق بلدهم واستقروا بتونس وعنهم اخذ ولدانهم من بعد ذلك ~~PageV02P365 # الطريقة الرابعة لأهل المشرق # وهي خلط التعليم كذلك فيما بلغ عنهم # قال ولا أدري بم عنايتهم منه والذي ينقل لنا أن عنايتهم بدراسة القرآن ~~وصحف العلم في زمان الشبيبة ولا يخلطونه بتعليم الخط لاختصاص المنتصبين ~~لتعليم قوانينه على انفراده كسائر الصنائع فلذلك لا يتداولونه في المكاتب ~~وإذا كتبوا لهم الالواح فبخط قاصر عن الاجادة ومن اراد تعلم الخط ابتغاه من ~~أهل صنعته # فائدة اختبار # قال فأما أهل افريقية والمغرب فأفادهم الاقتصار على القرآن القصور عن ~~ملكة اللسان جملة لان القرآن لا ينشأ عنه في الغالب ملكة لعجز البشر عن ~~الاتيان بمثله ولا ملكة لهم في غير اساليبه فلا ملكة لهم في اللسان وحظهم ~~الجمود على العبارات وقلة التصرف في الكلام وربما كان أهل افريقية اخف من ~~أهل المغرب لخلطهم في تعليم الولدان بعبارات قوانين العلوم فيقتدرون على ~~شيء من التصرف في الكلام الأول إلا أن ملكتهم في ذلك قاصرة عن البلاغة ~~لنزول محفوظهم عن تلك العبارات منها # قال وأما أهل الاندلس فأفادهم التفنن في التعليم بكثرة رواية الشعر ~~والترسيل ومدارسة العربية ms503 من أول العمر حصول ملكة صاروا PageV02P366 # بها أعرف في اللسان العربي وقصروا في سائر العلوم لبعدهم عن مدارسة ~~القرآن والحديث فكانوا لذلك أهل خط وأدب بارع أو مقصر على حسب التعليم ~~الكتاب بعسر تعليم الصبا # غريبة # قال ولقد ذهب ابن العربي إلى غريبة في وجه التعليم واعاد في ذلك وأبدأ ~~وقدم تعليم العربية والشعر كما هو مذهب أهل الاندلس # قال لأن الشعر ديوان العرب ويدعو إلى تقديمه مع العربية فساد اللغة ثم ~~ينتقل منه إلى الحساب ليتمرن فيه ثم إلى درس القرآن واستغفل أهل بلاده في ~~أخذ الطفل بالقرآن في أول أمره لقراءته ما لا يفهم وتبعه في أمر غيره اهم ~~منه # قال ثم ينظر في أصول الدين ثم أصول الفقه ثم الجدل ثم الحديث ونهي مع ذلك ~~عن خلط علمين إلا مع قبول المتعلم لجودة ذهنه ونشاطه # قال وهو لعمري مذهب حسن إلا أن العوائد لا تساعد عليه وه ياملك بالاحوال # توجيه عادة # قال ووجه ما اختصت به العوائد من تقدم دراسة القرآن ايثار التبرك به ~~وخشية ما يعرض للولد في جنون الصبا من القواطع عن العلم فيفوته PageV02P367 # القرآن لأنه ما دام في حجر الصبا منقاد للحكم فإذا تجاوز البلوغ انحل من ~~ربقة القهر فربما عصفت به رياح الشبيبة فألقته بساحل البطالة فيغتنمون ~~تحصيل القرآن له قبل ذلك # قال ولو حصل اليقين باستمراره في طلب العلم وقبول تعليمه لكان هذا المذهب ~~اولى مما اخذ به أهل المشرق والمغرب ولكن الله يحكم ما يشاء لا معقب لحكمه # المسألة العاشرة أن الشدة على المتعلمين مضرة بهم # وذلك لأن ارهاف الحد للتأديب مضر بالمتعلم لا سيما في اصغار الولدان لانه ~~من سوء الملكة بدليل أن من كان مرباه بالقهر من متعلم أو مملوك أو خديم عاد ~~عليه بضيق النفس وذهاب النشاط وحصول الكسل والحمل على الكذب والخبث والمكر ~~والخديعة وفساد معاني الانسانية من حيث الاجتماع وهي الحمية والمدافعة ~~والقبول عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل حتى ينقبض عن غاية مقصودة فيرتكس ~~ويعود في ms504 أسفل السافلين كما وقع لكل امة حصلت في قبضة القهر والعسف ~~PageV02P368 # اعتبار قال واعتبر ذلك في كل من يملك عليه امره ولا تكون الملكة الكافلة ~~له رفيقة به تجد ذلك فيهم وانظر في اليهود وما حصل فيهم بذلك من خلق السوء ~~حتى انهم يوصفون في كل افق وعصر بالحرج ومعناه في الاصطلاح المقهور ~~والمتخابث والكيد وسببه ما قلناه فلذلك ينبغي لمعلم الولدان أن لا يشدد ~~عليهم في التأديب # استظهار # قال وقد قال محمد ابن أبي زيد لا ينبغي لمؤدب الصبيان أن يزيد في ضربهم ~~إذا احتاجوا اليه على ثلاثة اسواط ومن كلام عمر رضي الله عنه من لم يؤدبه ~~الشرع لا ادبه الله حرصا على صون النفوس عن مذلة التأديب وعلما بأن المقدار ~~الذي عينه الشرع لذلك املك له فإنه اعلم بمصلحته PageV02P369 # تعليم ملوكي # قال ومن أحسن مذاهب التعليم ما تقدم به الرشيد لعلم ولده قال خلف الاحمر ~~بعث إلى الرشيد لتأديب ولده الامين فقال يا أحمر أن امير المؤمنين قد دفع ~~اليك مهجة نفسه وثمرة فؤاده فصير يدك عليه مبسوطة وطاعته لك واجبة فكن له ~~بحيث وضعك امير المؤمنين اقرئه القرآن وعرفه الأخبار وروه الاشعار وعلمه ~~السنن وعرفه بمواقع الكلام وبدئه وامنعه من الضحك إلا في اوقاته وخذه ~~بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا عليه ورفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه ~~ولا تمرن بك ساعة إلا وانت مغتنم تأديبة وفائدة تفيده إياها من غير أن ~~تحزنه فتميت قلبه وذهنه ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه وقومه ~~ما استطعت بالرفق والملاينة فإن اباهما فعليك بالشدة والغلطة # المسألة الحادية عشرة # أن الرحلة في طلب العلم ولقاء المشيخة مزيد كمال في التعليم فعليك به ~~وذلك لأمرين PageV02P370 # أحدهما أن على قدر كثيرة الشيوخ تكن حصول الملكة ورسوخها لما في ذلك من ~~تكرير المباشرة والتلقين بحسب تعدد لقائهم # الثاني أن تكرر الأخذ عنهم يفيد المتعلم تمييز الاصطلاحات لما يرى من ~~اختلاف طرقهم فيها بمجرد العلم عنها وتحقق إنها انحاء تعليم وطرق توصل لا ms505 ~~إنها جزء منها كما يعتقده كثير # قال فالرحلة لا بد منها في طلب العلم لاكتساب الفوائد والكمال بلقاء ~~المشايخ ومباشرة الرجال والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم # قلت ليشاع العناية بها عند المحصلين # قال الغزالي قل مذكور في العلم من زمان الصحابة رضي الله عنهم إلى زماننا ~~إلا وحصل العلم بالسفر وسار لاجله وعن مالك ابن دينار رضي الله عنه اوحى ~~الله إلى موسى عليه السلام أن اتخذ نعلين من حديد وعصا من حديد ثم اطلب ~~العلم وماصبر حتى تخرق نعالك وتكسر عصاك # قال ابن العربي وهو أول من رحل في طلب العلم من أهل الشرائع PageV02P371 # المسألة الثانية عشرة # أن العلماء من بين الناس ابعد عن السياسة ومذاهبها وذلك لامرين أحدهما ~~انهم يعتادون النظر الفكري والغوص على المعاني الدقيقة واتنزاعها من ~~المحسوسات وتجريدها في الذهن امورا كلية يحكم عليها بأمر على العموم لا ~~بخصوص مادة أو شخص أو جنس أو صنف من الناس وبعد ذلك يطبقون تلك الكليات على ~~الخارجيات # الثاني انهم يقيسون الأمور على اشباهها بما اعتادوا من القياس الفقهي فلا ~~يزال حكم نظرهم في الذهن ولا يصير إلى المطابقة إلا بعد الفراغ من البحث ~~والنظر ولا يصير بالجملة اليها وانما يتفرع في الخارج عماما في الذهن من ~~ذلك كل الأحكام الشرعية فإنها فروع كما في المحفوظ من أدلة الكتاب والسنة ~~فيطلب مطابقة ما في الخارج لها عكس ما في الانظار في العلوم العقلية ~~المطلوب في صحتها مطابقتها لما في الخارج فإذا هم منفردون في سائر انظارهم ~~بالأمور الذهنية لا يعرفون سواها والسياسة تحتاج إلى مراعاة ما في الخارج ~~أو ما يلحقها من الاحوال الخفية لا مكان اشتمالها على ما يمنع من الحاقها ~~بشبه أو مثال أو تنافى الكلي الذي يحاول تطبيقه عليها ولا PageV02P372 # يقاس شيء من احوال العمران على الآخر لاحتمال اختلافهما في غير ما اشتبها ~~فيه من وجوه # قال فيكون العلماء لما تعودوه من تعميم الأحكام وقياس الأمور بعضها على ~~بعض إذا نظروا في السياسة افرغوما ms506 ذلك في قالب افكارهم ونوع استدلالاتهم ~~فيقعون في الغلط الكثير اولا يؤمن عليهم # تنيبه قال ويلحق بهم أهل الذكاء والكيس لانهم ينزعون بثقوب اذهانهم إلى ~~مثل شأن الفقهاء من الغوص على المعاني والقياس والمحاكات فيقعون في الغلط ~~والعامي السليم الطبع المتوسط الكيس لقصور ذهنه عن ذلك وعدم الاعتبار به ~~يقتصر بكل مادة على نص حكمها في الاحوال والاشخاص على ما اختص به ولا يتعدى ~~في الحكم بتعميم قياس وقوفا ي اكثر نظره مع المواد المحسوسة كالسابح لا ~~يفارق الموج عند المد ولذا قيل # ( ولا توغلن إذا ما سبحت % فإن السلامة في الساحل ) # قال ويكون مأمونا من الغلط في سياسته مستقيم النظر في معاملة ابناء جنسه ~~فيحسن معاشه وتندفع آفاته ومضاره وفوق كل ذي علم عليم PageV02P373 # المسألة الثالثة عشرة أن حملة العلم في الإسلام أكثرهم العجم # قال ومن الغريب الواقع أن حملة العلم الشرعي أو العقلي في الملة ~~الاسلامية أكثرهم العجم إلا في القليل النادر وان كان منهم العربي في نسبه ~~فهو اعجمي لي لغته ومرباه ومشيخته مع أن الملة عربية وصاحب شريعتها عربي # قلت ملخص ما ذكر في ذلك من السبب يظهر باعتبارين وجود العلم بكثرة في ~~الاعاجم وقلته في العرب # الاعتبار الأول كثرة وجود العلم في الاعاجم وذلك في نوعيه الشرعي والعقلي # النوع الأول الشرعي والسبب فيه أن الملة في اولها لم يكن فيها علم ولا ~~صناعة لسذاجة بداوتها إذ ذاك واحكام شريعتها كانت لرجال ينقلونها في صدورهم ~~وقد عرفوا مآخذها من الكتاب والسنة تلقوها عن الشارع واصحابه والقوم يومئذ ~~عرب لم يعرفوا أمر التعليم والتدوين ولا دعتهم اليه حاجة لجرى الأمر على ~~ذلك من الصحابة والتابعين وسموا الحاملين لذلك بالقراء الذين كانوا يقرأون ~~الكتاب وليسوا بأميين كباقي العرب فلما بعد النقل من لدن دولة الرشيد احتيج ~~إلى وضع التفاسير القرآنية وتقييد الحديث مخافة ضياعه إلى معرفة الاسانيد ~~وتعديل الرواة ثم كثر استخراج احكام الواقعات من الكتاب والسنة فصارت ~~العلوم الشرعية ملكات في الاستنباط والتنظير PageV02P374 # واحتاجت إلى علوم آخر ms507 وهي وسائل اليها كقوانين العربية لفساد اللسان ~~وقوانين ذلك الاستنباط والذب عن العقائد الايمانية بالأدلة لظهور البدع ~~والالحاد # وهذه كلها علوم ذات ملكات محتاجة إلى التعليم فاندرجت في جملة الصنائع ~~واحتاجت إلى التعليم وقد تقدم أن الصنائع من منتحل الحضر وان العرب ابعد ~~الناس عنها فصارت العلوم لذلك حضرية وبعد العرب عنها والحضر لذلك العهد فهم ~~العجم أو من في معناهم من الموالي ومن تبعهم في الحضارة من أهل الامصار ~~فكان صاحب صناعة النحو سيبويه والفارسي والزجاج وهم عجم في النسب لكن ربوا ~~في PageV02P375 # اللسان العربي فاكتسبوه بالمربي ومخالطة العرب وحملة الحديث أكثرهم عجم ~~أو مستعجمون باللغة والمربي وعلماء علم الكلام واصول الفقه كذلك وكذلك اكثر ~~المفسرين فلم يقم بفهم العلم وتدوينه إلا الاعاجم وظهر مصداق قوله صلى الله ~~عليه وسلم لو تعلق العلم بأعنان السماء لناله رجال من ابناء فارس # النوع الثاني العقلي وذلك انه لم يظهر في الملة إلا بعد أن ظهر حملة ~~العلم ومؤلفوه واستقرت اصنافه كلها صناعة فاختصت بالعجم وتركها العرب كسائر ~~الصنائع ولم يزل في امصارهم طول ما بقيت حضارتها كالعراق وخراسان وما وراء ~~النهر فلما خربت تلك الامصار وذهبت منها الحضارة التي هي سر الله في حصول ~~العلوم والصنائع ذهب العلم جملة لما شملهم في البداولة واختص بالامصار ~~الموفورة الحضارة # قال ولا اوفي اليوم حضارة من مصر فهي أم العلوم وديوان الإسلام وينبوع ~~العلوم والصنائع وبقي بعض الحضارة فيما وراء النهر بالدولة التي فيها فلهم ~~بذلك حصة من العلوم والصنائع لا تنكر واعتبر ذلك بما تقدم له من وقوفه على ~~كتب التفتازاني # قال واما غيره من العجم فلم ير لهم بعد من بعد الأمام فخر الدين ونصير ~~الدين الطوسي كلام يعول على نهايته في الاجادة PageV02P376 # قال فاعتبر ذلك وتأمله تر عجبا في احوالك الخليقة والله يخلق ما يشاء لا ~~اله إلا هو # الاعتبار الثاني # قلة وجود العلم في العرب وذلك لان الذين ادركوا منهم الحضارة وخرجوا ~~اليها عن البداوة صرفوا عن النظر في العلم ms508 لامرين # أحدهما اشتغالهم بالرياسة في الدولة العباسية وما دفعوا اليه من القيام ~~بالملك ووظائف الامارة فهم كانوا اولياء ذلك والقائمين بأعبائه # الثاني انفتهم من انتحال العلم حينئذ لمصيره من جملة لاصنائع وشأن الؤساء ~~استنكافهم عن المهنة بها أو بما يجر اليها فدفعوا ذلك إلى من قام به من ~~العجم والمولدين لكن ما زالوا يرون لهم حق القيام به فإنه دينهم وعلومهم ~~ولا يحتقرون حملتها كل الاحتقار حتى إذا خرج الأمر من العرب إلى العجم صارت ~~العلوم الشرعية غريبة النسب عند أهل الملك بما هم عليه من البعد عن نسبها ~~وامتهن حملتها لبعدهم عنهم واشتغالهم بما لا يجدي عليهم في الملك فيما ~~يعتقدون وعند ذلك فظاهر قلة وجود العلم في العرب وكثرته في الاعاجم ~~PageV02P377 # | الخاتمة في سياستي المعيشة والناس # وقبل الختم بهما فهنا مقدمتان # إحداهما في التقوى والاخرى في حسن الخلق إذ برعاية هاتين الخصلتين صلاح ~~المعاش والمعاد ومن ثم تأكدت عناية النبي صلى الله عليه وسلم بالوصية بهما ~~فعن أبي ذر رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم اتق الله ~~حيث ما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن # | المقدمة الأولى في التقوى # # | وفيها مسائل # المسألة الأولى سبق في مقدمات الكتاب أن المقصود بالخلق ليس مجرد الدنيا ~~فقط بل الدين المتكفل بنيل سعادة الابد في الدار الاخرة وحينئذ بحسب ~~الاعتبار فالدنيا وضعها لأخذ الزاد منها في السعي للفوز بهذه السعادة وهو ~~التقوى المنصوص عليها في قوله تعالى @QB@ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ~~@QE@ فمن انقضى عليه نفس من انفاس عمره لا يشتغل فيه بأخذ الزاد فقد أخل ~~بما قصد به وضيع PageV02P379 # ما لا قيمة له في اعتداده بما ليس بشيء وهو الخسران المبين ومن ثم قال ~~الحجاج واعجب ذلك الحسن رضي الله عنه أن امرءا تمضي هل ساعة في غير ما خلق ~~له لجدير أن تطول عليها حسرته إلى يوم القيامة وفي معناه قال الباجي رحمه ~~الله # ( إذا كنت اعلم علما يقينا % بأن جميع ms509 حياتي كساعة ) # ( فلم لا اكون ضنينا بها % واجعلها في صلاح وطاعة ) # المسألة الثانية # مما يدل على أن هذه الخصلة العظيمة اشرف غايات الوجود الانساني وارفع ما ~~يترقى به لاحراز تلك السعادة إنها وصية الله تعالى للاولين والآخرين من ~~عباده قال تعالى @QB@ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن ~~اتقوا الله @QE@ # قال الغزالي لو كانت في العالم خصلة هي أصلح للعبد من هذه الخصلة الأمر ~~بها عباده ووصى خواصه فلما اقتصر عليها علمنا إنها الغاية التي لا تجاوز ~~والخصلة الجامعة لخير الدنيا والاخرة # قلت ولأمر ما تكرر الحض عليها في الكتاب العزيز تصريحا وتلويحا # قال ابن العربي ذكرها في كتابه تعالى نصا في نحو مائة وتسعين موضعا ووقعت ~~بالمعنى فيما لا يحصى قال # ولكثرة ذكر الله تعالى لها لم تجر على لسان النبي صلى الله عليه وسلم إلا ~~قليلا # المسألة الثالثة # من فوائدها الجامعة بين خير الدنيا والاخرة امور يكفي منها عشرة ~~PageV02P380 # الفائدة الأولى # التأييد والنصرة ^ أن الله مع الذي اتقوا والذين هم محسنون ^ واعلموا أن ~~الله مع المتقين قال العلماء المعية معيتان عامة وهي معية الاحاطة والعلم ^ ~~وهو معكم اينما كنتم ^ وخاصة وهي معية المعونة والنصرة @QB@ إذ يقول لصاحبه ~~لا تحزن إن الله معنا @QE@ # قال صاحب مشارع الاشواق وهذه معية منوطة بالعبودية الخالصة من شوائب ~~المخالفات فمن كان عبد الله حقا فلا غالب له إذ الله معه وهو ناصره ومؤيده ~~@QB@ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم @QE@ من الله # الفائدة الثانية # الحراسة من الاعداء ^ وان تصبروما وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ^ قال ابن ~~العربي فإن فعلموها يعني الصبر والتقوى لا يصل اليكم كيدهم شيئا فإن الله ~~محيط بعلمهم ويمكر لكل ماكر امسكه الله أو ارسله وان ادركتم قوله @QB@ ~~فاتقوا الله لعلكم تشكرون @QE@ أي اتقوا الله أن تدفعوها بنخوة تخالف ~~الشريعة أو بكبر يضاد الملة وخذوها بامتثال الحدود والقيام تحت جريان ~~المقادير تكونوا من الشاكرين # واجل الشكر ما كان على المصائب انتهى PageV02P381 # الفائدة الثالثة # النجاة ms510 من الشدائد ومن يتق الله يجعل له مخرجا # قال ابن العربي إذا صدق العبد في تقواه سله من المعاصي كالشعرة من العجين ~~تقيا نقيا وكفاه المهم ولم يبتله بالشغل ولا كلفه طلب الرزق ولا مكن منه ~~الخلق وجلى عنه الظلم ويسر له العسير كما قال ومن @QB@ يتق الله يجعل له من ~~أمره يسرا @QE@ وان سبق منه تفريط وعاد إلى التقوى كفر عنه ما مضى وذلك ~~قوله يكفر سيئاته انتهى المقصود منه # الفائدة الرابعة # حصول العاقبة الحسنى والعاقبة للمتقين # قال ابن العربي يعني الذين استعانوا بالله وصبروا على بلاء الله ورضوا ~~بقضاء الله ولم يؤثر فيهم الخروج من الوطن ولا تعذر الزمن # الفائدة الخامسة # اصلاح الاعمال @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ~~يصلح لكم أعمالكم @QE@ # قال ابن العربي قيل سددوا اقوالكم تسدد اعمالكم ولقد رفع عنك الحرج من ~~رضي عنك بحالة وقالة فالحالة ترك الشرك والقالة كلمة الشهادة فإذا فعلتم ~~ذلك اصلح الله اعمالكم الدنيوية من الخلل وغفر لكم في الآخرة الزلل فحصلت ~~لكم سعادة الدارين PageV02P382 # قال ومن فوائد أبي سعيد الشهيد ذكر الاعمال بالجمع وقدمها على الغفران ~~لأنه ما لم تصلح اعمالك ولم تكفك اشغالك لم تتفرغ لحديث آخرتك # الفائدة السادسة # الرزق الحلال @QB@ ويرزقه من حيث لا يحتسب @QE@ خرج ابن المبارك عن الحسن ~~قال لزم رجل باب عمر رضي الله عخنه كلما خرج رآه بالباب فقال يوما انطلق ~~فأقرأ القرآن فإنه سيغنيك عن باب عمر فانطلق الرجل فقرأ القرآن ففقده عمر ~~فجعل يطلبه إذ رآه يوما فقال له يا فلان لقد فقدناك فما الذي حبسك عنا فقال ~~يا أمير المؤمنين أمرتني أن اقرأ القرآن فقرأته فإنني عن باب عمر فقال له ~~وما قرأت قال @QB@ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب @QE@ ~~فقال عمر رضي الله عنه فقه الرجل فلأجل هذا قيل في هذا المعنى من تحقق ~~بالتقوى هون الله عليه الاعراض عن الدنيا # الفائدة السابعة # فتح ابواب البركات الكفيلة باتمام النعمة وحسن عاقبتها ms511 @QB@ ولو أن أهل ~~القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض @QE@ # قال ابن العربي ولو اتقوا ما حذرناهم منه واعتبروا بمن سلف قبلهم من ~~الامم لمكناهم من امالهم الدنيوية وعصمناهم من الافات # قال وليس العبرة في النعمة وانما العبرة في البركة فيها وليست العبرة في ~~البركة إنما العبرة في العاقبة وهي الرضا PageV02P383 # الفائدة الثامنة # الكرامة والعزة @QB@ إن أكرمكم عند الله أتقاكم @QE@ # قال ابن العربي وذلك من أعظم مراتبها واكثر فوائدها وأجل ثمراتها فأكرم ~~الخلق عند اله أكثرهم وقاية ومن استوفاها فهو اقرب إلى الله وارفع مرتبة ~~لديه # قال في احكامه وفي الحديث الحسب يساوي المال والكرم يساوي التقوى # الفائدة التاسعة # البشارة في الدنيا وعند الموت ^ الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في ~~الحياة الدنيا وفي الأخرى ^ # قال ابن العربي الذين قالوا لا اله إلا الله ووفوا بذلك في الاعتقادات ~~والتحرز من الغفلات والتوقي من الشبهات دع عنك المحرمات لهم البشرى قطعا في ~~الحياة الدنيا بالمعيشة الطيبة وفي الأخرى بالحالة المرضية # الفائدة العاشرة # رجاء الرحمة واتقوا الله لعلكم ترحمون # قال الاستاذ أبو سعيد التقوى على كمالها عزيزة الوجود واجتماع خصالها ~~متعذر ورحمة الله تعالى لا تنحصر فيستقيم حمل PageV02P384 # الأمر بها مع الترجية على انه في كل خصلة منها على انفرادها مع قطع النظر ~~عن غيرها لأن الاية ليست نصا في عموم التقوى ولا في عموم الرحمة لأن اتقوا ~~وترحمون فعلان في الاثبات لا عموم لهما ويدل عليه حديث البغي في البخاري ~~وحديث غصن الشوك في الموطأ # قال ومن هذا الباب خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ثم رجام برحمة التوبة ~~عليهم أجل عملهم الصالح وان كان مشوبا بشيء # المسألة الرابعة # محل هذا التقوى القلب لقوله صلى الله عليه وسلم التقوى ها هنا اشار إلى ~~صدره فالعناية به لذلك ولتوقف صلاح سائر الجوارح عليه متأكدة قال صلى الله ~~عليه وسلم أن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد ~~كله إلا وهي القلب # قال الغزالي وصلاحه بتقدم تطهيره ms512 من حب الدنيا هو رأس كل خطيئة والداء ~~العضال الذي اعجز الخلق # قال وطريقه في ذلك بمعرفة عيب الدنيا وآفتها وشرف الاخرة ورتبتها # قال واقل آفاتها وهو متيقن للعاقل والجاهل إنها منقضية على القرب وسعادة ~~الاخرة لا انقضاء لها هذا أن سلمت من الموذيات والمكدرات وهيهات لم يسلم ~~أحد من ذلك PageV02P385 # المسألة الخامسة # قال الغزالي حدها تبرئة القلب عن شر لم يسبق اليك مثله بقوة العزم على ~~تركه حتى يصير ذلك وقاية بينك وبين كل شر # قال ثم الشرور قسمان اصلي كالمعاصي المحضرة وغير اصلي كالمباح المأخوذ ~~بشهوة وتقوى الأول فرض وهي ادنى الدرجات وتقوى الثاني ادب وهي اعلاها ~~والجمع بينهما هو الكمال الجامع لكل خير فيها وهو الورع الذي هو ملاك الدين ~~انتهى ملخصا # المسألة السادسة # قال العلماء منازل التقوى ثلاثة عن الشرك وعن البدعة وعن المعاصي # قال الغزالي وقد ذكرها الله تعالى في آية واحدة في قوله @QB@ ليس على ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا ~~الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا @QE@ فالاولى عن الشرك والايمان ~~في مقابلة التوحيد والثانية عن البدعة والايمان الذي ذكر معهما إقرار ~~بالسنة والجماعة والثالثة عن المعاصي الفرعية والاقرار فيها مقابلها ~~بالاحسان وهو الطاعة والاستقامة عليها # المسألة السابعة # تفتقر التقوى إلى علوم ثلاثة # العلم الأول المتقى وهو الله سبحانه لقوله تعالى @QB@ واتقوا الله @QE@ ~~فإذا لا تصح إلا بعد معرفته بأسمائه وصفاته ووعوده ووعيده ضرورة لأن تعبده ~~بها ثان عن معرفة المتعبد له بما يجب لوجوده المقدس جل جلاله PageV02P386 # العلم الثاني وهو المتقى به وهو العمل بالطاعات واجتناب السيئات قال ~~الاستاذ أبو سعيد من لا يعرف ما يعمل ولا ما يترك لا يصح أن يكون متقيا ~~وألا فيتقي ماذا # وقد قال القائل # ( خل الذنوب صغيرها % وكبيرها فهو التقى ) # ( واصنع كماش فوق ارض % الشوك يحذر ما يرى ) # ( لا تحتقرن صغيرة % أن الجبال من الحصا ) # قال ولا شك أن الأعمى لا يعرف الشوك من غيرها ليتقيها فلا بد له أن ms513 يقع ~~فيها كذلك كل من لا يعرف طرق الشرع اعمى عنها حيث لا يتصور أن يسلكها انتهى # قلت ومن هنا يجب علم ما به التقوى الواجبة من باب ما لا يتوصل إلى الواجب ~~إلا به فهو واجب # العلم الثالث الباعث على التقوى وهو الفكرة المعبر عنها بالذكر الخفي وهو ~~ذكر الله تعالى عند أمره ونهيه # قال الاستاذ أبو سعيد من لا يعرف موضعها لا يكون له باعث على التقوى # قال وموضوعها امران # أحدها فوائد التقوى # قلت وقد سبق منها ما فيه كفاية # الثاني الأحكام المتعلقة بأقوال العباد واعمالهم وهي خمسة عشر حكما ~~منصوصا عليها من علمها مع تلك الفوائد فقد توفرت عنده دواعي التقوى وعلم ~~علومها التي تضمنها قوله تعالى @QB@ إنما يخشى الله من عباده العلماء @QE@ ~~PageV02P387 # المسألة الثامنة # الأحكام التي أشار اليها هي الاطلاع والترقب والتلقي والحفظ والاملاء ~~والكتب والاتساخ والتعاقب والمقابلة والعرض والدعاء والاداء والروية والوزن ~~والجزاء # فالأول وهو الاطلاع أنواع أحدها اطلاع الله تعالى @QB@ ونعلم ما توسوس به ~~نفسه @QE@ @QB@ ألم يعلم بأن الله يرى @QE@ # ( إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل خلوت ولكن قل على رقيب % ولا تحسبن ~~الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليه يغيب ) # الثاني اطلاع الحفظة الكرام وان عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما ~~تفعلون # قلت وفي الحديث أن لسانك قلمهم وريقك مدادهم وما ينطوي القلب عليه قليل ~~يطلعون عليه وذلك بعلامة يجعلها الله لهم وقيل يبقى عنهم مغيبا # الثالث اطلاع جميع الملائكة لما ورد أن العرش مرآتهم التي يرون فيها جميع ~~الوجود كالادميين واحوالهم ليشهدوا لهم وعليهم في الاخرة # والثاني هو الترقب من الحفظة @QB@ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ~~@QE@ أي حاضر فهو بمعنى الملازمة قال الاستاذ أبو سعيد وفي هذا يفارق ~~الاطلاع يريد المتقدم الذكر قال إذ الملازمة أمر زائد على العلم # قلت وكتب الشيخ أبو اسحاق الشاطبي على هذا الموضع ومن خطه نقلت وتأمل ~~اطلاع ابليس وقبيله على احوال العبد @QB@ إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ~~ترونهم @QE@ PageV02P388 # والثالث ms514 وهو التلقي في قوله تعالى @QB@ إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن ~~الشمال قعيد @QE@ ومعناها أخذ الملكين الكاتبين عنك اقوالك وافعالك قبل أن ~~توخذ عنك ومثله تلقي الركبان فإذا صدرت منك حسنة أو سيئة بقوله أو فعل ~~تلقياها قبل الناس أجمعين # قال الاستاذ وهذا يقتضي المبادرة وذلك أمر زائد على الملازمة والعلم # والرابع وهو الحفظ فمن قوله تعالى @QB@ ويرسل عليكم حفظة @QE@ @QB@ وإن ~~عليكم لحافظين @QE@ ومعناه خلاف النسيان أي يعلمونه ثم لا ينسونه إلى أن ~~يؤدوا الشهادة يوم القيامة فيكون العمل مكتوبا في كتبهم محفوظا في نفوسهم # والخامس وهو الاملاء ومعناه القاؤك على الملكين كل ما تقوله من خير أو ~~شرك فإن أكثرت اكثرا وإن اقللت قللا فمستفاد من قوله تعالى @QB@ إذ يتلقى ~~المتلقيان @QE@ الاية أي ما يلقيه العبد كانت عائشة رضي الله عنها تقول لمن ~~تحدث بعد العتمة ألا تريحون الكتاب # السادس وهو الكتب ففي قوله @QB@ إن رسلنا يكتبون ما تمكرون @QE@ كراما ~~كاتبين قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن لله ملائكة ينزلون كل يوم بشيء ~~يكتبون فيه اعمال العباد # والسابع وهو الاستنساخ في قوله تعالى ^ هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق انا ~~كنا نستنسخ ما كنت تعلمون ^ PageV02P389 # قال الاستاذ فسره ابن عباس رضي الله عنهما بأن الله تعالى خلق النون وهي ~~الدواة وخلق القلم فقال اكتب قال وما أكتب قال ما هو كائن إلى يوم القيامة ~~من عمل معمول برا وفجورا ورزق مقسوم من حلال أو حرام ثم ألزم كل شيء من ذلك ~~شأنه دخوله في الدنيا ومقامه فيها وخروجه منها كم هو ثم جعل على العباد ~~حفظة كتابا وعلى الكتاب خزانا فالحفظة ينسخون في كل يوم من الخزان عمل ذلك ~~اليوم فإذا فنى ذلك الرزق وانقطع الاثر وانقضى الاجل أتت الحفظة الخزنة ~~يلطبون عمل ذلك اليوم فتقول الخزنة ما نجد لصاحبكم عندنا شيئا فترجع الحفظة ~~فيجدونه قد مات # ثم قال ابن عباس ري الله عنه ألستم قوما عربا تسمعون الحفظة تقول انا كنا ~~نستنسخ ما كنتم تعلمون وهل ms515 يكون الاستنساخ إلا من اصل قال فقد اخبرك ابن ~~عباس أن على العباد حفظة وعلى الحفظة خزانا يسمون أيضا حفظة الحفظة # والثامن وهو التعاقب فالمراد به تعاقب الملائكة في الخلق ليلا ونهارا ~~لقوله صلى الله عليه وسلم يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ~~الحديث قال الاستاذ وهو مستفاد من قوله تعالى @QB@ ويرسل عليكم حفظة @QE@ ~~فهم يتعاقبون عند ما يرسلون # والتاسع وهو المقابلة فهي في الاتنساخ قال ابن عباس رضي الله عنه فرغ ~~الله مما هو كائن تنسخ الملائكة ما يعمل العباد يوما فيوما من اللوح ~~المحفوظ فيقابل به عمل الانسان لا يزيد على ذلك ولا ينقص # والعاشر وهو العرض ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال تعرض الاعمال يوم ~~الاثنين ويوم الخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا PageV02P390 # صائم قال الاستاذ قيل أن المعروض ما كتبت الملائكة وألا فالاعمال معلومة ~~لله تعالى في كل وقت وعند العرض ينسخ منها ما يجري عليه من خير ويلغى سائره ~~والمكتوب اولا هو الجميع # قال وتعرض أيضا على ارواح المعارف المؤمنين وعلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليشهدون بها وقع ذلك في رقائق ابن المبارك انتهى # والحادي عشر وهو الدعاء ففي قوله تعالى @QB@ كل أمة تدعى إلى كتابها @QE@ ~~أي إلى الكتاب الذي كتبته حفظتها في الدنيا # الثاني عشر وهو الاداء ففي قوله تعالى @QB@ وقال قرينه هذا ما لدي عتيد ~~@QE@ أي هذا ما عندي حاضر مما كتبته عليه فهو أداء شهادة يحملها القرين في ~~الدنيا وكذلك أداء الاعضاء والأرض بشهادتها ^ يوم تشهد عليهم ألسنتهم ~~وايديهم وارجلهم بما كانوا يعملون والأرض يومئذ تحدث اخبارها ^ # الثالث عشر وهو الرؤية ففي قوله تعالى @QB@ ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ~~ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره @QE@ # والرابع عشر وهو الوزن في قوله تعالى @QB@ والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت ~~موازينه فأولئك هم المفلحون @QE@ الاية حمل على الموزونات أو على انه اتى ~~بلفظ الجمع تعظيما لشأنه وتحذيرا من السيئات وتحريضا على الحسنات ~~PageV02P391 # قال بعض الشيوخ ولو لم تسمع ms516 من القرآن إلا هذه الاية لكان فيها للعاقل ~~كفاية لاشتمالها على الوعيد التام لأهل الذنوب والوعد الجميل لأهل الطاعات # والخامس عشر وهو الجزاء @QB@ اليوم تجزون ما كنتم تعملون @QE@ @QB@ ليجزي ~~الله كل نفس ما كسبت @QE@ # قلت ومن ثم سميت القيامة بيوم الجزاء اعلاما بأن لا تجزي نفس عن نفس شيئا # قال ابن العربي أي لا تقضي ولا تفدى لقوله تعالى @QB@ فاليوم لا يؤخذ ~~منكم فدية @QE@ # قال أما انه يقضي بغير اختياره من حسناته بما عليه من الحقوق # المسألة التاسعة # قال الشيخ عز الدين الناس في رتبة مشقة التقوى على ثلاثة # أحدها شاب نشأ في عبادة الله ولا تقع منه إلا الصغائر نادرا فرعايتها ~~سهلة عليه لمصيرها كالعادة المألوفة له ومهما وقعت منه الزلة استوحش منها ~~وبادر إلى الاقلاع عنها # الثاني تائب من ذنوبه بعد ما ألف المعاصي فنفسه تذكره بشهواتها والشيطان ~~يحثه على ذلك فرعايتها شاقة عليه لما ألف من الركون إلى الشهوات والاستراحة ~~من مشقة الطاعات # الثالث مسلم موحد مرتكب جميع ما يهواه من المعاصي والمخالفات PageV02P392 # فرعايتها شديدة المشقة لما يفوته من تلك الشهوات ويشق عليه من ملابسة ~~الطاعات # المسألة العاشرة # تقدم في الباعث على التقوى ما يؤخذ منه تسهيل مشقتها وحاصله بالخوف تارة ~~وبالرجاء أخرى ومن ثم قال الشيخ عز الدين إذا نظر إلى ما أعد الله للمتقين ~~من الكرامات حثه على حتمال مشقة الطاعات وإذا نظر إلى ما توعد به العصاة من ~~العقاب حثه على أن يتقيها بملازمة المشقات في اقامة الطاعات # قال ولا بد من استحضار ذلك دائما حتى يصير الثواب والعقاب نصب عين فيحثاه ~~على فعل الطاعات وترك المخالفات # | المقدمة الثانية في حسن الخلق # وقد سبق في مقدمات الباب الثاني من الكتاب الثاني أيضا ما هو من فصول هذا ~~المقام وكماله الآن بما يفتقر اليه من مسائله # المسألة الأولى # قال الغزالي هو صفة سيد المرسلين وأفضل اعمال الصديقين والاخلاق السيئة ~~هي السموم القاتلة والمخازي الفاضحة PageV02P393 # وقال الطرطوشي واعلموا أن الخلق الحسن افضل مناقب العبد وبه يظهر ms517 جواهر ~~الرجال # قال والانسان مشهور بخلقه فإن الله تعالى خص النبي صلى الله عليه وسلم ~~بما خصه به من الفضائل ولم يثن عليه بشيء بمثل ما أثنى عليه بخلقه فقال ~~@QB@ وإنك لعلى خلق عظيم @QE@ # قال وعن هذا قال الشيوخ أن الله دعا الخلق اليها كما دعا نبيه صلى الله ~~عليه وسلم # المسألة الثانية # من فضائله المرغب فيها أمور أحدها دلالته على أن المنتصف به من خيار ~~العباد ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال لم يكن النبي ~~صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا وكان يقول أن من خياركم أحسنكم خلقا # الثاني انه أثقل ما يوضع في ميزان الحسنات يوم القيامة فعن أبي الدرداء ~~رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما شيء اثقل في ميزان المؤمن ~~يوم القيامة من خلق حسن والله يبغض الفاحش البذيء رواه الترمذي # الثالث أن صاحبه احب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقرب الناس اليه ~~في الآخرة فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما انه سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول إلا اخبركم بأحبكم الي وأقربكم مني مجلسا PageV02P394 # يوم القيامة قالوا نعم يا رسول الله قال أحسنكم خلقا رواه الأمام أحمد # الرابع تبليغه لا عظم الدرجات مع التقصير في العمل فعن أنس بن مالك رضي ~~الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أن العبد ليبلغ بحسن خلقه ~~عظيم درجات الاخرة وشرف المنازل وانه لضعيف العبادة وانه ليبلغ بسوء خلقه ~~أسفل درجة في جهنم # الخامس انه في معاملة الخلق لما يفوت من ارضائهم بمعروف المال فعن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انكم لن تسعوا ~~الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق # المسألة الثالثة # لحسن الخلق علامات تدل على عدوى الوفاء بها بعد المجاهدة # قال الغزالي وأول ما يمتحن به الصبر على الاذى واحتمال الجفا قال وقال ~~يوسف بن اسباط علامتها عشرة ms518 اشياء قلة الخلاف وحسن الانصاف وترك طلب ~~العثرات وتحسين ما يبدو من السيئات والتماس المعذرة واحتمال الاذى والرجوع ~~بالملامة على النفس والتفرد بمعرفة عيوب نفسه دون عيوب غيره وطلاقة الوجه ~~للكبير والصغير ولطف الكلام لمن دونه وفوقه PageV02P395 # المسألة الرابعة # قال الغزالي ولم يبلغ كمال الاعتدال فيها يعني الخلق الحسن إلا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الناس بعده متفاوتون في القرب والبعد منه # قال فكل من قرب منها فهو قريب من الله تعالى بقدر قربه من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكل من جمع كمالها استحق أن يكون بين الخلق ملكا مطاعا ~~يرجعون اليه ويقتدون به ومن انفك عن جملتها واتصف بأذدادها استحق أن يخرج ~~من بين العباد لقربه من الشيطان اللعين المبعد ولم يبعث صلى الله عليه وسلم ~~إلا بتميم محاسن الاخلاق # قلت مثله للطرطوشي وهو مقطوع به من سيرته صلى الله عليه وسلم # المسألة الخامسة # الحكايات في حسن الخلق متعددة ويكفي منها في الموضع حكايتان # الحكاية الأولى يروى أن علي بن موسى الرضا كان يميل وجهه إلى السواد إذ ~~كانت أمه سوداء وكان له في نيسابور على باب داره حمام وكان إذا دخله فرغ له ~~فدخله يوما فاطبق بابه ومر الحمامي إلى بعض حوائجه فتقدم انسان رستاقي ونزع ~~ثيابه ودخل الحمام فرأى علي بن موسى الرضا رضي الله عنه فظن أنه بعض خدم ~~الحمام فقال له قم فاحمل الي الماء فقام وامتثل جميع ما كان يأمره به فرجع ~~الحمامي فرأى ثياب PageV02P396 # الرستاقي وسمع كلامه مع علي بن موسى فخاف وهرب وخلاهما فلما خرج علي بن ~~موسى وسأل عن الحمامي فقيل له خاف مما جرى فهرب فقال ما ينبغي له أن يهرب ~~أن الذنب على من وضع ماءه عند أمة سوداء هلا اختار # الحكاية الثانية قيل كان محمد بن سحنون ايام قضائه بأفريقية إذا قعد ~~للتدريس أتاه انسان يتخطى رقاب الناس حتى يصل اليه فيحدثه ساعة في أذنه ثم ~~ينصرف فبقى كذلك مدة وكان إذا اقبل يقول القاضي ms519 لجماعته افسحوا له ويأتي ~~فيفعل العادة ثم انقطع بعد ذلك مدة فسأل عنه من حضره فقاولوا لا عرف خبره ~~فقال اطلبوه فإذا وجدتموه فآتوني به فوجدوه فأتوا به اليه فأخذه وخلا به ~~وقال له ما منعك من عادتك فقال له يا سيدي لي بنات قد كبرن واحتجن إلى ~~التزويج وأنا فقير فقال لي بعض الناس أغضبت فلانا فنحن نزيل فقرك ونجهز ~~بناتك أو كما قالوا فبقيت تلك المدة أجيء اليك فاقذفك واشتمك وأفعل ما قدر ~~رأيت علك تغضب يوما فيحصل لي ما اتفقوا عليه فلما أيست من غضبك تركت ذلك إذ ~~لا فائدة فيه فقال له لو اخبرتني كنت اقوم لك بضرورتك ثم قال له اعليك سفر ~~فقال له لو اخبرتني كنت اقوم لك بضرورتك ثم قال له اعليك سفر فقال يا سيدي ~~أي شيء اشرت به على فعلت فأمر الكاتب أن يكتب له كتابا بالوصية عليه إلى ~~نوابه في البلاد وانه مستحق ممن يعتني به القاضي فسافر إلى البلاد ثم رجع ~~ومعه الأموال ما أزال فقره وجهز بناته PageV02P397 # | السياسة الأولى # # | سياسة المعيشة # وقبل النظر فيها فهنا مقدمات # المقدمة الأولى # أن الاكتساب للمعاش مطلوب شرعا ما لم يمنع منه مانع كما أن تركه مع ~~القدرة عليه مذموم كذلك أو مفضول فقك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يكتسب لنفسه وعياله ويدخل الاسوال لذلك حتى قالت الكفرة @QB@ ما لهذا ~~الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه @QE@ توهما أن ذلك ~~ينقض من على منصبه وحاشاه بل هو المعظم عند الله وأقرب إلى مرضاته لما فيه ~~من التواضع والفهم عنه في الدلالة على طرق المكاسب بحسب ما وضع الوجود عليه # قال الشيخ الأمام أبو اسحاق الشاطبي في بعض تقاييده وكذلك اصحابه رضي ~~الله عنهم كانوا بين عامل في سوقه وعامل في أرضه ومسافر يبتغي من فضل الله ~~وهم القدوة لمن سوماهم ولم يكونوا يتحاشون من ذلك ولا يلحقهم فيه كسل وكان ~~الغنا من مقاصدهم والتكسب من شأنهم وعلى صحة ذلك ms520 اتفق العلماء رضي الله ~~عنهم # المقدمة الثانية # أن القيام بأمهات الصنائع الضرورية فرض على الكفاية كما قرره غير واحد ~~كالفلاحة والبناء والخياطة والتجارة والحياكة حتى الحجامة مما تدعو اليه ~~الضرورة PageV02P398 # غنيمة ثاب ينبغي لمن قام بشيء من هذه الصنائع المفروضة على الكفاية أن ~~ينوي فيه أمرين # أحدهما امتثال الأمر به وان كان معقول المعنى ليحصل له الثواب من تلك ~~الجهة # الثاني اسقاط الطلب به عن المسلمين ليدخل في قوله صلى الله عليه وسلم ~~الله في عون العبد ما كان العبد في عون اخيه واذ ذاك فلا فرق بين الاشتغال ~~به والتلبس بالعبادة المحضة كالصلاة ونحوها وهو من بركات النية الصالحة نبه ~~عن ذلك ابن الحاج وحض عليه وهو ظاهر # المقدمة الثالثة # أن الممعايش المبتغى بها طلب الرزق من جملة الاسباب الموضوع عليها ترتيب ~~الوجود والاسباب من حيث هي اسباب لا اثر لها بنفسها في مسبباتها ولا هي ~~مولدة لها وانما الاثر في الحقيقة لفاعل كل شيء وهو الله تعالى لما نبه ~~عليه في قوله تعالى @QB@ أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ~~@QE@ ^ أفرأيتم ما تحرثون أ أنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ^ فالامناء ~~والحرث سبب يكتسبه الانسان وما ينشأ عنهما فالله خالقه ومبدعه # تنزيل # قال الشيخ أبو اسحاق الشاطبي رحمه الله فكذلك قعود التاجر في الحانوت ~~مثلا هو السبب والله يهيئ له المعاش إذ لا قدرة له على جلب PageV02P399 # البائعين والمشترين فهو شبه ناصب يد الفقر إلى الله تعالى في ذلك السبب # ثمرة # قال وكل من علم هذا تحقق أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ينشأ له من ~~هذا العلم حالة قلبية تسمى التوكل وهو الاعتماد على الله والتعويل على فضله ~~ورحمته دون الاعتماد على السبب والاكتساب علامة # قال وعلامة ذلك في العبد أن لا يتغير بتغير الاحوال فإن الاكتساب لا يؤمن ~~اختلافه بالكساد والنفاق والنشاط والكسل وغير ذلك فقد يكون موسعا عليه ثم ~~يصير مقدورا عليه وبالعكس فإذا كان ثابتا صابرا مع وجود هذه العوارض فذلك ~~هو الدليل ms521 على أن قلبه متعلق بمسبب الاسباب وهذا اعلى مراتب التوكل وقد قال ~~تعالى @QB@ ومن يتوكل على الله فهو حسبه @QE@ انتهى المقصود منه # إذا تقرر هذا فلا نوار الاضاءة بجوامع العمل بهذه السياسة مطالع ثلاثة ~~PageV02P400 # | المطلع الأول # # | في كليات مما تدبر به المعيشة من جانب الوجود وفيه انارات # الانارة الأولى # اقتناء المكاسب في الوقت المحمود لذلك وهو سن الشبيبة والاكتهال وذلك لأن ~~الانسان اربعة احوال الصبا والشبيبة والاكتهال والشيخوخة مانعان من ذلك ~~لفساد الاعضاء وضعف القوى لا سيما العقل والتجربة في الصبا قالوا ومن أول ~~الشبيبة إلى منتهى الاكتهال من أربعين وذلك من العشرين إلى الستين وما وراء ~~الستين فضعيف لما تفي بتدبير نفسه ومكابدة ضعفه وما قبل العشرين فتخرج ~~وتعلم وأوان للارتياض واكتساب الفضائل # الانارة الثانية # توسط سعي هذا الاقتناء بين طرفي الافراط والتفريط فالأول لئلا يقطع عمره ~~في جميع ما يصل به إلى اللذات التي يشاركه فيها الحمار والخنزير أو يستعد ~~به لمتخوف الحاجة وقد وقع فيها مثلها أو اشد كما قيل # ( ومن ينفق الساعات في جمع ماله % مخافة فقر فالذي فعل الفقر ) # والثاني لئلا يهمل التكسب اتكالا على البخث وايثارا لدواعي الطباع من غير ~~مادة كافية فيضيع الحزم ويعجز عن غاية ما اختاره ومقصد اليه إذ لا قدرة ~~عليه غالبا إلا بالمال PageV02P401 # الانارة الثالثة # توسع الحيلة في الاكتساب بحسب مزيد الفطنة وجودة الفكر والروية قال بعض ~~الحكماء يتحرى ايضا بباله ضروب المهن وما يمكنه أن ينفذ فيه حيلة ولا يحفل ~~فيما ينفقه من ذلك بقول قائل # قال وبالجملة فهنا في خدمة السلطان والصنائع اللطيفة اشياء يمكن الفهم أن ~~يخترع منها في بلد دون بلد ووقت دون وقت مكسبا يخالف به العامة أن ساعده ~~البخت # الانارة الرابعة # سلامة السعي من الضر وكثرة التعب وان كان الربح اقل وحيث لا يتهيأ ذلك ~~ويضطر إلى الحركة وخصوصا في البحر فعلى شرطين # أحدهما تخير الاوقات التي تغلب فيها السلامة مع تقدم استجادة المراكب ~~الكبار غير القديمة والكاملة العدة الحاذقة النواتية # والثاني تقليل ms522 مسافة الجري فيه ما أمكن قال بعض الحكماء وهذه امور متى ~~احرزها الحازم مع تقليل ركوبه كانت أقرب إلى السلامة # الانارة الخامسة # اقتصاد النفقة بتوسطها بين رذيلتي السرف والتبذير قال البلخي المال إنما ~~يقتني ليرتفق به في مصالح المعاش وبازاء كل جمع منه تفريق ومقابل كل كسب ~~منه اتفاق ولكن دخل منه خرج # قال ولذلك قد يوجد المال الكثير إذا انفق منه باسراف لم يلبث أن ينفذ ~~ويفنى حتى يبقى صاحبه عائلا مملقا # قلت وفيما ارشد اليه الكتاب العزيز مع وضوح معناه كفاية قال تعالى ^ ~~والذين إذا انفقوما لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ^ PageV02P402 # | المطلع الثاني # # | في أمهات مما تحفظ به من جانب العدم وفيه اضاءات # الاضاءة الأولى # اجتناب مفرط الحرص الخارج عن حدود الاجمال في الطلب المحمود عقلا ونقلا # قال البلخي وهو صورة افراط قوة الشهوة التي سمتها الحكماء مصيدة لان عامة ~~الناس إنما يقعون في المتالف والمعاطب بتسليط هذه القوة عليهم # قال وليست هي مصيدة لهم فقط بل ولاصناف الحيوان فإن اصطياده بالمصائد ~~المنصوبة لها إنما يقودها اليه الشره المفرط إلى تناول ما يلوح من الاغذية ~~في تلك المصائد # الاضاءة الثالثة # اتقاء بخل النفقة في الاغراض الثلاثة التي هي في هذا المقام مقاصد ~~الساعين للدين والدنيا وهي طلب اللذة والحمد والأجر لئلا يفوته في ترك ~~النفقة في تحصيلها خيراتها العاجلة والاجلة فيفقد فائدة النفع بالمال ويعود ~~عليه بالشقاء لا السعادة وفي الحديث إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو ~~لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت # قلت وقد سبق أن مالا ينتفع به من المال لا يسمى رزقا # الاضاءة الثالثة # احتراز الحزم من غرر المعاملة بالنسيئة باعتبار من يظن به عدم الوفاء ~~PageV02P403 # ففي العود اليوانية ما حاصله أن كساد السلع وبوارها اولى من مقامها ي ذمة ~~من ساء قضاؤه لا سيما أن اضطر اليها واستمالك فيها بزيادة الربح وسرعة ~~القضاء ليحوزها منك فهناك يتوقع محذور الخطر لا محالة # قال وان كان الاخلاف مع هذا سهلا عليه والحياء ms523 مفقودا منه احتجت إلى ~~مقابلته بما يزل سورة مروءتك وموقعك في الشر لا يعدل هذا شيء من المصائب # الاضاءة الرابعة # تباعد التحفظ من عاقبة التظاهر للناس بأقصى ما تبلغ اليه صورة الحال ففي ~~العهود اليونانية لا تخرجنك كثرة مالك إلى التصدي للناس الناس فإنك تبتاع ~~بذلك حسن الثناء وتردع به حسد الحاسد وطعن الطاعن # الاضاءة الخامسة # هي طلب السلامة من مخالطة السلطان ففي العهود لا يحملنك تراه من قرب ~~الأمور على أهل طبقتك بالسلطان إلى ملابسته والترسم به فإن موقعك منه موقع ~~السخلة من الاسد يحميها في شبعه ويطرقها في جوعه # تمثيل قال وقد شبه المخالط للسلطان من ذوي المال برجل شق عليه نقل الماء ~~إلى داره لسقي بستان له بها واصابة حاجاتها منه فاحتفر من PageV02P404 # بحر يجاوره نهرا إلى داره فاستمته به وحسن اثره عليه في سكون الماء ~~وتقاصره عن الزيادة فلما زاد ماء ذلك البحر وماجت امواجه غلب على النهر ~~والنهر على الدار فغرق جميع ما فيها وكان ما خسر بها اضعاف ما توفر عليه ~~منه # قال ولا يغرنك سهولة الأمر عليه في موافقتك فإنها عليه في خلافك اسهل # عاطفة تكميل بتتميمتين # التتميمة الأولى # ذكروا مما يرجع لمعاني المطلع الأول امورا يدبر بها المعاش # أحدها خدمة زمان الشيخوخة قبل مجيئه كما يخدم في الصيف زمان الشتاء قبل ~~هجومه بجمع الحطب وما يصعب إذ ذاك الوصول اليه # الثاني إثبات مكارم الاخوان المحسنين كما يثبت ديوان المعاملة ليتخلص ~~منها بحسن المكافأة له فتسلم الحرية من رق الايادي # الثالث احراز هني العيش بحمد الناس مساعي الاكتساب واصابتهم منه ما تقوم ~~به الحجة عليهم ليعتصم بهم من الاشرار إذ سياسة الغني اشد من سياسة الملك ~~للرعية كذا في العهود # الرابع مراعاة من فوقك وتحتك ومن في طبقتك فالأول بالتواضع معه والثاني ~~بالشفقة عليه والثالث بالانصاف له وإلا خشيت على نفسك بما يكدر معاشك ~~PageV02P405 # الخامس اظهار الفاقة عند ضعف مال السلطان ففي العهود الواجب في الخدمة من ~~ذوي اليسار إذا قلت أموال السلطان ms524 أن يظهروا الفاقة ويقبضوا التوسعة حتى ~~ترجع اموالهم إلى وفورها فإن انتقاص أموال الملك محنة لحقت الاغنياء ~~بمملكته # التميمة الثانية # قرروا أيضا مما هو في غرض المطلع الثاني امورا # أحدها معاملة الاصدقاء والمعارف فقد قالوا لا تتم مبايعة بين صديقين لان ~~من احوال المبايعة استغلاء البائع الثمن واسترخاص المبتاع السلعة وليست ~~تحتمل الصداقة هذين # الثاني مسامحة الاهل والولد في الاسترسال في مطالب الترف وعوائد البذخ ~~لما في ذلك من الفساد العائد على النفس والمال إما المال فظاهر واما النفس ~~فلما سبق أن الترف مفسد لها مما يرسم فيها من الوان الشر والسفسفة # الثالث الناس الشرار بقضاء حوائجهم وتوفية اغراضهم لئلا تعجز المقدرة عن ~~الوفاء لما تعود من ذلك وحينئذ فلا بد من المحاجزة بينك وبينهم بسياج ~~الوقوف عند حد محدود PageV02P406 # الرابع مرور زمان في غير ما يعود بمصلحة معاش أو معاد لان العمر قصير لا ~~يتسع بخلق ما يضيع منه في غير شيء # الخامس اعتماد السلطان في مطالبة المعاملين لما فيه من خلاف حسن المدارات ~~ولطيف التأني ومزاولة الأمور بالرفق وفساد النيات كذا في العهود # قلت ولا يعارض ما تقدم في التعويل على الجاه في استخلاص الحقوق لأن ذلك ~~حيث لا يمكن بهذه السيرة وهنا مع وفائها بالمقصود لا تعدل عنها # المطلع الثالث # في مهمات دينية يعتبر منها حفظ المعاش من جانبي الوجود والعدم وفيه لوامع # اللامع الأول # أن العدل في المعاملة المعاشية باتقاء الظلم فيها وان لم يفسد العقد وهو ~~ظلمان ما يعم ضرره وما يخص المعامل # الظلم الأول ما يعم ضرره وله مثالان المثال الأول الاحتكار وقد سبق بيانه ~~حكما وحكمة وتكميله الآن بملاحظة امرين # أحدهما ما ورد في فضيلة تركه ففي الحديث من جلب طعاما فباعه بسعر وقته ~~فكأنما تصدق به وفي رواية فكأنما اعتق رقبة PageV02P407 # الثاني ما روى عن السلف في شدة الحذر منه وهم الاسوة في الاتباع فعن ~~بعضهم انه جهز سفينة حنطة إلى البصرة وكتب إلى وكيله بع هذا الطعام يوم ~~يدخل البصرة ولا ms525 تؤخره إلى الغد فوافق سعة في السعر فقيل له أن أخرته جمعة ~~ربحت فيه أضعافه فأخره جمعة فربح فيها امثاله وكتب إلى صاحبه بذلك فكتب ~~اليه يا هذا انا كنا قد قعننا بربح يسير مع سلامة ديننا وانك خالفت وما نحب ~~أن نربح أضعافه لذهاب شيء من الدين وقد جنيت علينا جناية فإذا أتاك كتابي ~~هذا فخذ المال كله فتصدق به على ضعفاء البصرة وليتني انجو من الاحتكار ~~كفافا لا لي ولا علي # المثال الثاني ترويج الدرهم الزائف في اثناء النقد قال الغزالي إذ يستضر ~~به المعامل أن لم يعرف وان عرف فيروجه على غيره كذلك الثالث والرابع ولا ~~يزال يتردد في الايدي ويعم الضرر ويتسع الفساد ويكون وزر الكل ووباله راجعا ~~اليه فإنه الذي فتح ذلك الباب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سن في ~~الإسلام سنة سيئة فعمل بها من بعده كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ~~من اوزارهم شيئا # مبالغة # قال وقال بعضهم انفاق درهم زائف اشد من سرقة مائة PageV02P408 # درهم لأن السرقة معصية واحدة وقد تمت وانقطعت وانفاق الزائف بدعة اظهرها ~~في الدين وسنة سيئة يعمل بها من بعده فيكون عليه وزرها بعد موته والى مائة ~~سنة ومائتي سنة إلى أن يفنى ذلك الدرهم ويكون عليه ما فسد ونقص من أموال ~~الناس بسببه فطوبى لمن مات وماتت معه ذنوبه والويل الطويل لمن يموت وتبقى ~~ذنوبه مائة سنة ومائتي سنة يعذب بها في قبره ويسئل عنها إلى انقراضها قال ~~الله تعالى @QB@ ونكتب ما قدموا وآثارهم @QE@ أي ونكتب أيضا ما آخروا من ~~آثار اعمالهم كما نكتب ما قدموه # تأصيل قال الشيخ أبو اسحاق الشاطبي قاعدة أن ايقاع السبب بمنزلة ايقاع ~~المسبب # قلت ويعني سواء قصد ذلك المسبب أو لا لما بين هو هذا في القاعدة قائلا ~~لأنه لما جعل مسببا عنه في مجرى العادات عد كأنه فاعل له مباشرة # تحصيل قسم ابن رشد التعامل بالزائف إلى اربعة حرام مع من يعلم غشه به ms526 ~~ومكروه مع من لا يؤمن غشه كالصيارفة وشبههم ومختلف في جوازه وكراهته مع من ~~يجهل صنعه وجائز اتفاقا مع من يكسره أو يعلم انه لا يغش به إلا على قياس ~~قول سحنون في نوازله من كتاب السلم PageV02P409 # تفريع قال ابن عرفة مختصرا لكلامه فإن باعه ممن يخشى أن يغش به فما عليه ~~إلا الاستغفار ومن يغش به يجب عليه رده أن قدر فإن عجز ففي وجوب الصدقة بكل ~~ثمنه أو بالزائد على قيمة بيعه ممن لا يغش به # ثالثها لا تجب صدقة بشيء منه إلا استحبابا # الظلم الثاني # ما يخص ضرره المعامل وهو كل ما يستضر به وضابطه العدل فيه # الغزالي إذ لا يحب له إلا ما يحب لنفسه # قال وكل ما لو عومل به لشق عليه وشق على قلبه فينبغي له أن لا يعامل به ~~غيره بل ينبغي أن يستوي عنده درهمه ودرهم غيره # تفصيل # لما يظهر به بيان هذه الجملة أمثلة # المثال الأول الثناء على السلعة بما ليس فيها ووجهه الغزالي بأن الكذب ~~فيه مع القبول تلبيس ومع رده اسقاط مرؤة لان مالا يروج به قد لا يقدح في ~~ظاهر المروءة فيها PageV02P410 # قال وان اثنى على السلعة بما فيها هذيان وتكلم بما لا يعني إلا بقصد ~~تعريف اخيه المسلم من غير اطناب # تحذير # قال ولا ينبغي أن يحلف عليه البتة لأنه كذب فيمين غموس وهي من الكبائر ~~التي تدع الديار بلاقع وان صدق فقد جعل الله تعالى عرضة لايمانه والدنيا ~~اخس من أن نقصد ترويجها بذكر الله من غير ضرورة وفي الخبر ويل للتجار من ~~بلى والله ولا والله وويل للصناع من غد وبعد غد # تنبيه # قال بان الحاج وهذا إذا كان الحلف بالله فإن كان بالعتق أو الطلاق فهو ~~اشنع لدخوله تحت شهادة قوله صلى الله عليه وسلم لا تحلفوا بالطلاق ولا ~~بالعتاق فإنهما من ايمان الفساق ولذلك قال مالك يؤدب من حلف بهما قال ولا ~~شك أن فاعل ذلك تمحق البركة من بين يديه فلا ينتفع ms527 بالمال غالبا # ملاحظة # قال ولذلك تجد كثيرا منهم كأنهم وكلاء وأمناه في اموالهم لا يجدون سبيلا ~~إلى التصرف بها في طاعة غالبا بل هم خزنة PageV02P411 # لغيرهم طوعا أو كرها ولا منتفع لهم به إلا قليلا قال وعلامة كون المال له ~~تسليطه على هلكته في الحق انتفاعا به وتخليدا لآثار بركته # حكايتان # يعتبر بهما في شدة الحذر من الثناء ولو بالتلويح # الحكاية الأولى # روى عن يونس بن عبيد انه كان بزازا وانه طلب منه خز للشراء فأخرج غلامه ~~سقط الخز فنشره ونظر اليه وقال اللهم ارزقنا الجنة فقال لغلامه رده إلى ~~موضع ولم يبعه وخاف أن يكون ذلك تعريضا بالثناء على السلعة قال الغزالي ~~فهؤلاء تحروا في الدنيا ولم يضيعوا دينهم بل علموا أن ربح الاخرة اولى من ~~ربح الدنيا # الحكاية الثانية # نقل عن بعض السلف أن رجلا جاء يطلب منه خرقة ليشتريها فأمر العبد فأخرجها ~~له فلما أخرجها ضرب عليها بيده فقال له سيده ردها وقال للمشتري لا ابيعك ~~اشيئا قال ولم قال لأن العبد ضرب بيده عليها حين اخرجها لك وذلك يحسنها في ~~عينك قال ابن الحاج فهكذا كان فعل السلف في تصرفهم فعلى منوالهم فإنها في ~~أن كنت محبا لهم وألا فلا تدع ما ليس فيك PageV02P412 # المثال الثاني # كتم عيوب المبيع خفيها وجليها قال في الرسالة عاطفا على بعض ما لا يجوز ~~في البيع ولا أن يكتم من أمر سلعته ما إذا ذكره كرهه المبتاع أو كان ذكره ~~ابخص له في الثمن قال بعض شراحها يريد كرهها للمبتاع ولا ينتقص ذلك من ~~الثمن ولا يشينها عند بعض الناس دون بعض بدلالة قوله أو كان ذكره ابخس له ~~في الثمن # قلت ويدل عليه وجهان # أحدهما انه غشر والغش حرام بدليل قوله صلى الله عليه وسلم من غشنا ليس ~~منا # والثاني انه خلاف النصح المبني عليه دين الإسلام لما ورد أن جريرا رضي ~~الله عنه كان إذا قام إلى السلعة يبيعها نص على عيوبها ثم خير وقال أن شئت ~~فخذ ms528 وان شئت فاترك فقيل له انك إذا فعلت هذا لم ينفد لك بيع فقال انا ~~بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم # اعلام قرر الغزالي أن هذا النصح لمشقته لا يتيسر إلا باعتقاد امرين # أحدهما أن اخفاء العيوب لا يزيد في الرزق بل يمحقه ويذهب ببركته لما ورد ~~في الحديث البائعان إذا صدقا ونصحا بورك لهما في بيعهما وان كذبا نزعت بركة ~~بيعهما # الثاني أن ربح الاخرة خير من ربح الدنيا والعاقل لا يستبدل PageV02P413 # الذي هو ادنى بالذي هو خير والخير كله في سلامة الدين # تنزيل # ذكروا هنا نوادر من العيوب الواجبة البيان في المبيع كدراهم الكيمياء ~~وثوب الميت وخصوصا ميت الوباء والثوب المنسوج من شعر الميتة والثوب النجس ~~إذ كان جديدا وشؤم الدار والفرس وتحقيق ما ينقص منه الثمن وما لا ينقص له ~~موضع آخر # تنبيه # قال الغزالي الغش حرام في البيوع والصنائع جميعا لا ينبغي أن يتهاون ~~الصانع بعمله على وجه لو عامله به غيره لما ارتضاه لنفسه بل ينبغي أن يحسن ~~الصنعة ويحكمها ثم يبين غشها أن كان فيها فبه يتخلص # قلت قال ابن الحاج كل ما يرى أهل الصنعة انه غش أو مكروه فهي يتجنبه ولا ~~يقربه # المثال الثالث # تطفيف المكيال والميزان قال تعالى @QB@ ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا ~~على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون @QE@ # قال الغزالي لا مخلص من هذا إلا بأن يرجح إذا اعطى وينقص إذا PageV02P414 # أخذ إذ العدل الحقيقي قلما يتصور ومن استقصى حقه بكماله يوشك أن يتعداه # قلت هذا من حيث الاحتياط واما ما يقتضيه لسان العلم فاعتدال لسان الميزان ~~في قبته وامتلاء المكيال ثم يرسل يده هذا هو الواجب فقط نص عليه مالك رحمه ~~الله تعالى في سماع اشهب قائلا فإن سأله أن يميله يعني لسان الميزان لم أر ~~أن ذلك من وجه المسألة قالوا وكذلك يسأله أن يكيل الكيل المعتاد كما في ~~سؤال السمح لبعض الثنم بغير تكلف إذ هو من المسامحة # تعميم قال ms529 مالك رحمه الله يقال لكل شيء وفاء وتطفيف # قال ابن العربي كما أن السرقة في كل شيء واسوأها الذي يسرق صلاته فلا يتم ~~ركوعها ولا سجودها # قلت وقد قالوا الصلاة مكيال فمن وفا وفي له ومن طفف طفف له # المثال الرابع الخروج عن سعر الوقت كذبا وتلبيسا وذلك في مواضع يكفي منها ~~اثنان # أحدهما تلقي الركبان قال ابن عرفة إلا وشر التلقي تلقي الركبان للسلع ~~الواردة بمحل بيعها لقرية قبل ورودها إياها منهى عنه ثم استدل بحديث ~~البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن PageV02P415 # رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تتلقوا الركبان ولا يبع بعضكم على ~~بيع بعض ولا تناجشوا ولا يبيع حاضر لباد ولا تصروا الغنم ومن ابتاعها فهو ~~بخير النظرين بعد أن يحلبها أن رضيها امسكها وان سخطها ردها وصاعا من تمر # تخفيف # يجوز لمن بقرية على نحو ستة اميال من المصر المجلوب اليه السلع شراء ما ~~يحتاج اليه من ذلك ولو للتجارة قاله في سماع ابن القاسم قال ابن عرفة وربح ~~التلقي قال محمد لا يطيب له وفي سماع ابن القاسم التصدق به قال ليس بحرام ~~ولو فعله احتياطا فلا بأس به # والثاني النجش لما سبق من النهي عنه فسره مالك بأن يعطيه في سلعته اكثر ~~من ثمنها وليس في نفسه شراؤها ليقتدي به غيره # وقال المازري وغيره الناجش الذي يزيد في السلعة ليقتدي به غيره قال ابن ~~عرفة وهو اعلم من قول مالك لدخول اعطائه مثل ثمنها أو اقل في قول المازري ~~وخروجه عن قول مالك ثم نقل تفسير ابن العربي وفيه تصريح باستحسان الناجش ~~قيمتها لدفع الغبن عن صاحبها # تخريج واقع # قال كان بعض من كان مشهورا بالخير والصلاح ومعرفة صالحي الشيوخ وكانت له ~~شهرة تجر في الكتب إذا حضر سوق الكتب فيستفتح للدلالين في الكتب ما يبنون ~~عليه الدلالة ولا غرض له في شراء الكتاب PageV02P416 # الذي يستفتح ثمنه قال وهو جائز على ظاهر تفسير مالك واختيار ابن العربي ~~لا على ظاهر ms530 تفسير المازري # قال البرزلي لعل هذا ما اشتهر عنه في سوق الكبيين انه يستفتح ولا إرادة ~~له فيعلم بذلك المزايدون فيجوز مطلقا على كل قول # قلت ولأبي وليس من النجش ما يتفق عليه أن يأتي الدلال بالسلعة لمن يعرف ~~قيمتها فيستفتح ما ينادي به وهو لا يريد شراءها لأنه وان كان لا يشتريها ~~فهو لا يفعله ليغر به غيره # فائدة في نوازل ابن الحاج والنجش الموجب للخيار ما تواطأ عليه الناجش ~~والبائع أو كان من ناحيته ولو انفرد به الناجش اثم ولا شيء على البائع # رخصة يجوز لمن حضر سوم سلعة يريد شراءها أن يقول لرجل كف عني ولا تزد علي ~~قاله مالك في سماع القرويين قال ولا احب الأمر العام أن يتواطأ الناس بهذا ~~فسدت البيوع # تشديد # لا يجوز تواطؤ جماعة يحضرون بيع سلعة على أن لا يزيدوا على كذا وكذا نص ~~عليه في سماع القرويين قائلا والله ما هذا بحسن قال ابن رشد لأنه فساد على ~~البائع وضرر به ثم ذكر حكمه بعد الوقوع ولا يسع نقله # حكاية # روى عن بعض الصالحين التابعين انه كان بالبصرة وله غلام بالسوس يجهز اليه ~~السكر فكتب اليه غلامه أن قصب السكر قد اصابته آفة في هذه السنة فاشتر سكرا ~~كثيرا فلما جاء وقته ربح فيه ثلاثين الفا PageV02P417 # وانصرف إلى منزله ففكر ليلته فقال ربحت ثلاثين ألفا وخسرت نصح رجل من ~~المسلمين فلما اصبح غدا إلى بائع السكر فدفع اليه ثلاثين الفا فقال بارك ~~الله لك فيها فقال ومن اين صارت لي فقال أني كتمتك حقيقة الحال وكان السكر ~~قد غلا في ذلك الوقت فقال رحمك الله قد اعلمتني الآن وقد طيبتها لك قال ~~فرجع بها إلى منزله وتفكر وبات ساهرا # وقال ما نصحته لعله استحيا مني فبكر اليه من الغد وقال عافاك الله خذ ~~مالك اليك فهو اطيب لقلبي فأخذ منه ثلاثين ألفا # قال الغزالي وهذه الحكاية تدل على انه ليس له أن يغتنم غفلة صاحب المتاع ~~ويخفي عن البائع غلاء ms531 السعر وعن المشتري تراجع الاسعار وألا كان ظالما ~~تاركا للنصح والعدل للمسلمين # اللامع الثاني # أن الاحسان في المعاملة باحراز ما يتكفل بنيل السعادة قال الغزالي وهو ~~يجري من التجارة مجرى الربح كما أن العدل سبب النجاة فقط # قال ولا يعد من العقلاء من قنع في معاملة الدنيا برأس ماله وكذا في ~~معاملات الاخرة ولا ينبغي للمتدين أن يقتصر على PageV02P418 # العدل ويدع ابواب الاحسان وقد قال تعالى @QB@ إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان @QE@ ونعني بالاحسان فعل ما يتنفع به المعامل وهو غير الواجب ~~لدخوله في بعض العدل لكنه تفضل وتكرم # قلت وتقدم أن أفراده ليست في الطلب على حد واحد بل هي متفاوتة بحسب رتبته ~~في المعنى الذي يطلب لأجله # ارشاد # يقال تنال رتبة الاحسان فيما قرر من هذا المقام بواحد من امور ستة # الأمر الأول اجتناب مغابنة المعامل بما لا يتغابن به عادة لا مطلقا ~~لمشروعية اصلها ضرورة أن البيع لا ينفك عنها في الجملة فمتى بذل المشتري ~~زيادة على معتاد الربح لشدة رغبته أو اجاته ندب ترك القبور إذ هو احسان كأن ~~لم يكن اخذ الزيادة ظلما # حكاية يروي انه كان عند يونس بن عبيد حلل مختلفة الاثمان فمر إلى الصلاة ~~وخلف ابن اخته في الدكان فجاء اعرابي وطلب حلة بأربع مائة فعرض عليه من حلل ~~المائتين فاستحسنها فاشتراها منه فمشى بها وهي على يده فاستقبله يونس فعرف ~~حلته وقال له بكم اشتريتها PageV02P419 # فقال بأربعمائة فقال له لا تساوي اكثر من مائتين فارجع حتى تردها فقال ~~هذه تساوي ببلدنا خمسمائة وقد رضيتها فقال له انصرف فإن النصح في الدين خير ~~من الدنيا وما فيها ثم رده إلى الدكان ورد عليه مائتين درهم وخاسم ابن اخته ~~وقال له إما استحيت تربح مثل الثمن وتترك النصح للمسلمين قال والله ما ~~أخذها إلا وقد رضى قال فهل رضيت لنفسك ما رضيت له # فائدة هي لسلامة هذه المغابنة من الظلم الواجب الاجتناب حتى عند التوقي ~~منها احسانا كان الرد بها إذا زادت على الثلث ms532 في بيع المكايسة غير مأخوذ به ~~في المشهور وهو ظاهر المذهب عند ابن رشد نعم إذا كان البيع استرسالا فالغبن ~~فيه ظلم واذ ذاك فاجتنابه واجب لا احسان الحديث غبن المسترسل ظلم # الأمر الثاني احتمال الغبن للمشتري أن كان فقيرا احسانا اليه بالتساهل ~~ودخولا في قوله صلى الله عليه وسلم رحم الله سهل البيع سهل الشراء فإن كان ~~غنيا طالبا بتجره مزيد الربح فاحتمال الغبن له غير محمود لوجهين # أحدهما انه تضييع مال من غير اجر ولا حمد فقد ورد المغبون لا محمود ولا ~~مأجور # والثاني انه من شأن المخدوع في عقله ولذلك كان خيار السلف يستقصون في ~~الشراء ثم يهبون مع ذلك الجزيل قيل لبعضهم تستقصي في شرائك على اليسير ثم ~~تهب الكثير ولا تبالي فقال أن الواهب PageV02P420 # يعطي فضله والمغبون عقله # الأمر الثالث استيفاء الحق على مقتضى التخلق به ومن ذلك أحد وجهين # أحدهما الاقتضاء بالسمح والمساهلة لقوله صلى الله عليه وسلم رحم الله ~~بعدا سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى سمحا إذا اقتضى اخرجاه في الصحيحين عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه # الثاني انظار المعسر بالحق لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه من يسر على معسر في الدنيا يسر الله عليه في الاخرة ~~رواه مسلم # حكاية # روى أن الحسن باع بغلة له بأربعمائة درهم فلما استوجب المال قال له ~~المشتري اتسمح يا أبا سعيد فقال له قد وهبت لك مائة درهم فقال له فأحسن يا ~~أبا سعيد فقال له قد وهبت لك مائة درهم أخرى فقبض من حقه مائتين درهم فقيل ~~له هذا نصف الثمن فقال هكذا الاحسان وألا فلا # الأمر الرابع توفية الدين على وجه الاحسان فيه اقتفاء لفضله ففي الصحيح ~~عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال PageV02P421 # استسلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بكرا فجاءته ابل الصدقة قال أبو ~~رافع فأمر في رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اقضى الرجل بكرته فقلت ms533 لا ~~اجد في الابل إلا جملا خيارا ورباعيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اعطيه اياه فإن خيار الناس احسنهم قضاء # فائدة # مما يلتمس به احراز هذا الاحسان امران # أحدهما البدار اليه وان عجز نوى القضاء متى ما قدر فعن القاسم مولى ~~معاوية رضي الله عنه انه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من ~~تداين بدين وهو يريد أن يقضيه حريص على أن يؤديه فمات ولم يقض دينه فإن ~~الله قادر على أن يرضي غريمه بما شاء من عنده ويغفر للمتوفي ومن تداين بدين ~~وهو يريد أن لا يقضيه فمات على ذلك لم يقض دينه فإنه يقال له ظننت أن لن ~~توفى فلانا حقه منك فيؤخذ من حسناته فيجعل حسنات لرب الدين فإن لم تكن له ~~حسنات اخذ من سيئات رب الدين وجعلت في سيئات المطلوب رواه البيهقي # الثاني احتمال كلام صاحب الحق ففي الحديث أن صاحب دين جاء إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عند حلول اجله ولم يتفق قضاؤه لجعل يشدد الكلام على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم به اصحابه فقال دعوه فإن لصاحب الحق ~~مقالا # الأمر الخامس اقالة المستقيل قال الغزالي فإنه لا يستقيل إلا متندم مستضر ~~بالبيع فلا ينبغي أن يرضي لنفسه أن يكون سبب استضرار اخيه # قلت روى أبو داوود في مراسيله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال PageV02P422 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من اقال نادما اقاله الله نفسه يوم ~~القيامة # الأمر السادس قصد معاملة الفقير بالنسيئة ناويا في الحال إلا يطالبه ما ~~لم يظهر له ميسرة توسعة عليه وتيسير النيل ما يعجز عنه لولا الاحسان اليه ~~فهذا القصد الحميد # قال الغزالي وقد كان في صالح السلف من له دفتران للحسنات أحدهما ترجمته ~~مجهولة فيها أسماء من لا يعرف من الضعفاء كأنه يقول خذ ما تريد فإن يسر لك ~~فاقض وألا فأنت في حل وسعة # فائدة # الحق ابن الحاج بقصد مبايعة الفقير بالدين معونة أهل ms534 الخير والدين كما ~~يندب السمح لهم في بيع النقد ما لم يضر بحاله قائلا ينبغي لمن له جدة أن ~~يبيع بالدين لمن اتصف بذلك ويصبر عليه حتى يفتح الله له # انعطاف # قال الغزالي مشيرا لهذه الأمور السنة فهذه تجارات السلف وقد اندرست ~~والقائم بها محيي لسنتها قال وبالجملة التجارة محك الرجال وبها يمتحن دين ~~الرجل وورعه PageV02P423 # ولذلك قيل ( لا يغرنك من المر % ء قميص رقعه ) # ( أو ازار فوق كعب الساق منه رفعه % ) # ( ولدى الدرهم فانظر % غيه أو ورعه ) # اللامع الثالث أن شفقة التاجر على دينه يحفظه من ايثار الدنيا عليه ~~اغترارا بها وغفلة عن المعاد وقد قال تعالى @QB@ بل تؤثرون الحياة الدنيا ~~والآخرة خير وأبقى @QE@ وما هو كذلك لا ينبغي لعاقل أن يشغله عنه ما هو ~~بالضد منه فيفوته الربح العظيم والسعادة التي لا نفاد لها # توضيح # الشفقة الحافظة لدين الذي هو رأس مال المؤمن وغنيمة عمره متعددة الجهات ~~والمذكور من امهاتها خمس # الشفقة الأولى أن يدخل بنية الاستعفاف في التجارة عن السؤال وكف الطمع عن ~~الناس اكتفاء في القيام على نفسه ومن يعود له بما يعود عليه الدخول في هذا ~~السبب إلى غير ذلك من النيات التي لا حصر لها كنية القيام بفرض الكفاية أن ~~كان سببه كذلك ونصح المسلمين ومعاملتهم بالعدل والاحسان والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر وشبه ذلك مما لا يخفي على ملتقط منثور نفائسها من مواضع ~~تقريرها PageV02P424 # ثمرة # قال الغزالي وإذا اضمر هذه النيات كان عاملا في طريق الاخرة فإن استفاد ~~مالا فهو مزيد وان خسر في الدنيا ربح في الاخرة # قلت وتكون نفس تجارته لا فرق بينها وبين الصلاة ونحوها بحيث لو فاجأه ~~الموت وجده على افضل الاحوال في الجملة كما قرره ابن الحاج في ذلك وهو ظاهر # الشفقة الثانية أن لا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الاخرة وهي المساجد قال ~~تعالى ^ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله واقام الصلاة وايتاء ~~الزكاة # قلت وأهم ما يربح فيها أداء الصلاة في وقتها جماعة ms535 قال الشيخ تاج الدين ~~لانه أن ضيعها اشتغالا بنفسه استوجب المقت من ربه ورفعت البركة من كسبه # قال ويستحيي أن يراه الحق سبحانه مشتغلا بحظوظ نفسه عن حقوق ربه # تبصرة # من وجوه التجر في سوق الاخرة عملان أحدهما جعل أول النهار للزوم المسجد ~~اشتغالا بأوراده كان عمر رضي الله عنه يقول PageV02P425 # للتجار اجعلوا أول نهاركم لآخرتكم وما بعده لدنياكم وكان السلف الصالح ~~يجعلون أول النهار وآخره للاخرة والوسط للتجارة فلم يكن بيع الهريسة ~~والرؤوس إلا للصبيان واهل الذمة لانهم كانوا من بعد في المساجد # الثاني مبادرة القيام إلى الصلاة عند النداء اليها قالت عائشة رضي الله ~~عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون في بيته يخصف النعل ويعين ~~الخادم حتى إذا نودي للصلاة قام كأنه لا يعرفنا # اتباع # كان السلف لذلك يبتدرون عند الاذات ويتركون الاسواق للصبيان وأهل الذمة ~~ويتسأجرون بالقراريط لحفظ الحوانيت وكان ذلك معيشة لهم # قال الغزالي وجاء في تفسير قوله تعالى @QB@ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع ~~عن ذكر الله @QE@ انهم كانوا حدادين وخرازين فكان أحدهم إذا رفع المطرقة ~~وغرز الاشفا وسمع الاذان لم يخرج الاشفا من المغرز ولم يرفع المطرقة ورمى ~~بها وقام إلى الصلاة PageV02P426 # تذكرة # قال الشيخ تاج الدين وليذكر إذا سمع المؤذن قوله تعالى @QB@ يا قومنا ~~أجيبوا داعي الله @QE@ وقوله @QB@ استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما ~~يحييكم @QE@ وقوله @QB@ استجيبوا لربكم @QE@ # قلت وقد تقدم أن افضل الذكر ذكر الله عند امره ونهيه # الشفقة الثالثة إلا يكون شديد الحرص على السوق للتجارة وذلك بأن يكون أول ~~داخل وآخر خارج وذلك لأمرين أحدهما أن الاسواق عش الشيطان وموضع توليده كان ~~عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنه يقول لا تكن أول من يدخل السوق ~~ولا آخر خارج منها فإن بها باض الشيطان # الثاني أن الشيطان الموكل بالاسواق مصاحب لمن كان كذلك ومن ثم هو شر ~~أهلها فقد روى أن ابليس يقول لولده سر بكتائبك فأت صاحب الاسواق وزين الكذب ~~والحلف والخديعة والمكر والخيانة ms536 وكن مع أول داخل وآخر خارج منه وفي الخبر ~~سرع البقاع الاسواق وشر أهلها اولهم دخولا وآخرهم خروجا # تعليم # قال الغزالي وتمام هذا الاحتراز أن يراقب وقت كفايته فإذا حصلت انصرف ~~واشتغل بتجارة الاخرة فقد كان من السلف من إذا ربح PageV02P427 # دانقا انصرف قناعة به وكان فيهم من ينصرف بعد الظهر وبعد العصر ومن لا ~~يعمل في الاسبوع إلا يوما أو يومين اكتفاء بذلك # الشفقة الرابعة أن لا يكتفي بتوقي للحرام بل يحذر مثار الشبهة ومظان ~~الريبة # قال الغزالي ولا ينظر إلى الفتاوي بل يستفتي قلبه فما وجد فيه حزازة ~~اجتنبه # قلت لقوله صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق ~~طمأنينة والكذب ريبة وفي الصحيح عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال سألت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والاثم فقال البر حسن الخلق والاثم ~~ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع الناس عليه وتحقيق ذلك بصرف الاستناد اليه ~~والى النظر في تحقيق مناط الحكم لا في النظر في دليله لانحصار مداركه فيما ~~لا مدخل فيه لما يقع في القلوب وبسطه خارج عن القصد فلا نطيل به والاشارة ~~اليه كافية # انعطاف # قال الغزالي مبينا لمظان الشبهة عند المعاملة وانما الواجب أن ينظر ~~التاجر إلى من يعامله فكل منسوب إلى ظلم أو خيانة أو سرقة أو ربا فلا ~~يعامله وكذلك الاجناد والظلمة واعوانهم لانه معين بذلك على الظلم ~~PageV02P428 # قال وبالجملة فينبغي أن يقسم الناس عنده إلى من يعامل ومن لا يعامل وليكن ~~من يعامله اكثر في هذا الزمان # قلت وما يلزم عن هذا من ضيق مجال المعاملة يوسعه لمن أخذ فيه بالعزيمة ~~مدلول قوله تعالى @QB@ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ~~@QE@ على أن في المسألة نظرا له محل آخر # الشفقة الخامسة أن يراقب جميع معاملاته مع كل واحد ممن عامله وذلك لامرين # أحدهما انه يحاسب في الجملة كغيره فليعد الجواب ليوم السؤال والحساب # والثاني انه يقال يوقف ms537 التاجر يوم القيامة مع كل من باع منه شيئا وقفة ~~ويحاسب عن كل واحد محاسبة على عدد من عاملهم قال بعضهم رأيت بعض التجار في ~~النوم فقلت ما فعل الله بك قال نشر على خمسين ألف صحيفة فقل اهذه كلها ذنوب ~~فقال هذه معاملات الناس عدد من كنت تعامله في الدنيا لكل انسان صحيفة مفردة ~~فيما بينك وبين ه من أول المعاملة إلى آخرها # جامع إشارة # قال الغزالي مشيرا لجميع ما لخصناه في هذا المطلع فهذا ما على المكتسب في ~~معاملته من العدل والاحسان والشفقة على الدين # قال فإن اقتصر على العدل كان من الصالحين وان اضاف اليه الاحسان كان من ~~المقربين فإن راعي مع ذلك وظائف الدين يعني بالشفقة عليه كان من الصديقين ~~PageV02P429 # | السياسة الثانية # # | سياسة الناس # # | وقبل التلخيص لها فهنا مقدمات # المقدمة الأولى # قال الغزالي الالفة ثمرة حسن الخلق والتفرق ثمرة سوء الخلق فحسن الخلق ~~يوجب التحبب والتآلف والتوافق وسوء الخلق يثمر التباغض والتحاسد والتناكر # قلت مما يدل على حمد الثمرة الأولى تعظيم المنة بها على الخلق في قوله ~~تعالى ^ لو انفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف ~~بينهم فأصبحتم بنعمته اخوانا ^ وعلى سوء مغبة الثانية صريح الزجر عنها في ~~قوله تعالى @QB@ واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا @QE@ والشواهد على ~~الأمرين من السنة الكريمة لا تنحصر # المقدمة الثانية الاستكثار من الاصدقاء مذموم لوجهين # أحدهما ندور من يصلح منهم للحصبة المعتد بها وحينئذ فالتوسع فيها خلاف ~~التوقي والحذر ففي الحديث تجدون الناس كإبل مائة ليس فيها راحلة قال ~~الخطابي الراحلة البعير الذلول الذي يركب عليه PageV02P430 # ويرحل عليه فاعل بمعنى مفعول كقولهم سر كاتم أي مكتوم وماء دافق أي مدفوق ~~والذي يريد والله اعلم أن الواحد من المائة من الناس لا يصلح أن يصحب كما ~~أن الواحد من المائة من الناس لا يصلح أن يصحب كما أن الاحد من المائة من ~~الابل لا يصلح أن يركب يشير به إلى الاقلال من صحبة الناس والحذر منهم ms538 ~~والثاني اداؤه إلى العداوة آخر الأمر فعن بعضهم انه قال الاستكثار من ~~الاخوان وسيلة الهجران قال الخطابي يريد انهم إذا كثروا كثرت حقوقهم فلم ~~يسعهم برك وان تأخرت حقوقهم عنهم استبطئوك فهجروك وعادوك له وما احسن ما ~~عبر ابن الرومي عن هذا حين قال # ( عدوك من صديقك مستفاد % فلا تستكثرن من الصحاب ) # ( فإن الداء اكثر ما تراه % يكون من الطعام أو الشراب ) # المقدمة الثالثة # الوصية من التحذير من قرناء السوء متكررة الورود ويكفي منها اثنتان # أحدها ما في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المرء على دين خليله فلينظر المرء من يخالل # قال الخطابي معناه لا تخالل إلا من رضيت دينه وأمانته فإنك إذا خاللته ~~قادك إلى دينه ومذهبه فلا تغرر بدينك ولا تخاطر بنفسك فتخالل PageV02P431 # من ليس يرضي في دينه ومذهبه قال عن سفيان بن عيينة وقد ذكر هذا الحديث ~~انظر إلى سليمان بن عبد الملك صحبه رجاء بن حيوة فقومه وسدده انظر إلى ~~فرعون معه هامان انظر إلى الحجاج معه يزيد بن أبي مسلم شر منه # الثانية ما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال عليك باخوان الصدق تعش ~~في اكنافهم فإنهم زينة في الرخاء وعدة في الشدة والبلاء وضع أمر اخيك على ~~احسنه حتى يجبك ما يعلمك منه واعتزل عدوك واحضر صديقك إلا الامين الامين من ~~خشي الله ولا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره ولا تطلعه على سرك واستشر في ~~امرك الذين يخشون الله # قلت قد سبق في الركن الرابع عشر من اركان الملك شيء من هذا المعنى ومن ~~المروى فيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه منظوما قوله # ( ولا تصحب اخا الجهل % واياك واياه ) # ( فكم من جاهل اردى % حكيما حين آخاه ) # ( يقاس المرء بالمرء % إذا ما هو ما شاه ) # ( وللشيء على الشيء % مقاييس واشباه ) # ( وللقلب على القلب % دليل حين تلقاه ) # المقدمة الرابعة التحرز من عوام الناس مطلوب من جهات واهمها اثنتان ~~PageV02P432 # أحدهما اساءة الظن ms539 بهم فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه احترسوا من الناس ~~بسوء الظن وعن حصين الرقاشي وقد سئل ما بقي من رأيك فقال سوء الظن # الثانية قلة الثقة بهم وقديما وردت الوصية بذلك فقد رى أن عبد الملك بن ~~مروان وجد حجرا فيه مكتوب بالعبرانية فبعث إلى وهب بن منبه فإذا فيه مكتوب ~~إذا كان الغدر في الناس طباعا فالثقة بكل أحد عجز وقد قال عمر بن عبد ~~العزيز رضي الله عنه لمحمد بن كعب القرظي أي خصال الرجل اوضع له قال كثرة ~~كلامه وافشاء سره والثقة بكل واحد # تنبيه # تقدم في القاعدة الخامسة عشر من قواعد الملك أن اساءة الظن إنما هي حيث ~~يؤدي تحسينه إلى مفسدة راجحة على مصلحته ومتى رجحت مصلحته فهي المعتبرة في ~~النهي عن هذه الاساءة لقوله تعالى ^ اجتنوا كثيرا من الظن ^ ومن ثم قال ابن ~~قيم الجوزية الفرق بين الاحتراز وسوء الظن أن المحترز كرجل خرج مسافرا ~~بماله ومركوبه فهو يحترز جهده من مكروه ما يتوقع في السفر والسيء الظن ~~ممتليء القلب بالظنون السيئة بالناس حتى يظهر على لسانه وجوارحه فيبغضهم ~~ويبغضونه ويحذر منهم ويحذرونه PageV02P433 # قال فالأول يخالطهم ويحترز منهم والثاني يتجنبهم ويلحقه اذاهم الأول فيهم ~~داخل بالنصيحة والاحسان مع الاحتراز والثاني خارج منهم مع الغش والدغل ~~والبغض انتهى ملخصا # قلت وقد ذكر الخطابي أن اكثر ما يعرض هذا لمن يحس من نفسه بتهمة ويعرف ~~عند الناس بريبة كوصف المنافقين به في قوله تعالى @QB@ يحسبون كل صيحة ~~عليهم @QE@ قال وما احسن قول المتنبي في أهل هذه الصفة حيث يقول # ( إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه % وصدق ما يعتاده من توهم ) # ( وعادى محبيه بقول عداته % واصبح في ليل من الشك مظلم ) # المقدمة الخامس ترك الاعتداد بالعوام وقلة الاكتراث بهم مطلوب من وجهين # أحدهما أن رضاهم كما قيل غاية لا تدرك روى اكثر من صيفي قائلا بعده ولا ~~يكره سخط من رضاه الجور وعن يونس بن عبد الاعلى قال لي الشافعي يا أبا موسى ~~رضا الناس ms540 غاية لا PageV02P434 # تدرك ليس إلى السلامة من الناس سبيل فانظر ما فيه اصلاح نفس فالزمه ودع ~~الناس وما هم فيه انتهى وفي معناه انشد أبو العباس ثعلب # ( دع الناس ما شاؤوا يقولون فإنني % لأكثر ما يحكي علي حمول ) # ( فما كل من اغضبته انا معتب % وما كل ما يروى علي اقول ) # الثاني أن الاغترار ربما يصدر منهم فما الشأن أن يعتبر ممن سواهم مناف ~~لكمال البصيرة بهم قال الخطابي الواجب على العاقل أن لا يغتر بكلام العوام ~~وثنائهم وان لا يثق بعهودهم واخائهم فانهم يقبلون مع الطمع ويدبرون مع ~~الغنى ويطيرون مع كل ناعق كان الحسن يقول إذا رآهم هؤلاء قتلة الأنبياء # وكان بعضهم يقول إذا رآهم قاتل الله هذه الوجوه التي لا ترى إلا عند الشر # وقال آخر إذا اجتمعوا غلبوا وإذا تفرقوا لم يعرفوا وقيل إذا اجتمعوا ضروا ~~وإذا تفرقوا نفعوا قال يريد انهم إذا تفرقوا رجع كل واحد منهم إلى صناعته ~~فيخرز الاسكاف ويخصف الحذاء وينسج الحائك ويخيط الخائط فينتفع الناس بهم ~~انتهى # ثم انشد لابن عائشة PageV02P435 # ( جربت الناس واخراقهم % فصرت استأنس بالوحدة ) # ( ما اكثر الناس لعمري وما % اقلهم في ملتقى العدة ) # فائدة # يطلق الغوغاء على هؤلاء الذين لا عبرة بهم قال الاصمعي والغوغاء الجراد ~~إذا ماج بعضه في بعض قال وبه سمي الغوغاء من الناس # قلت ومن علاماتهم ما تضمنته الخطابي عن أبي عاصم النبيل وذلك أن رجلا ~~أتاه فقال أن امرأتي قالت لي يا غوغاء فقلت لها أن كنت غوغاء فأنت طالق ~~ثلاثا فقال له أبو عاصم هل أنت ممن يحضر المناطحة بالكباش والمناقرة ~~بالديوك فقال لا فقال له فهل أنت ممن يحضر يوم يعرض السلطان أهل السجون ~~يقول فلان اجلد من فلان فقال لا فقال هل أنت الرجل الذي إذا خرج الأمير يوم ~~الجمعة جلست على ظهر الطريق حتى يمر ثم تقيم بمكانك حتى يصلي وينصرف فقال ~~لا قال أبو عاصم لست بغوغاء إنما الغوغاء من يفعل هذا PageV02P436 # المقدمة السادسة # من اخلاق العامة الموجبة لندور ms541 السلامة منهم ما ركب فيهم من الخلاف ~~المقتضي لذلك طبعا بإذن الله ومشيئة ومراده ويدل على امران # أحدهما ورد الخبر به ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~جالسا ذات يوم وقدامه قوم يصنعون شيئا كرهه من كلامهم ولفظهم فقيل يا رسول ~~الله إلا تنهاهم فقال لو نهيتم عن الحجون لا وشك بعضهم أن يأتيه وليس له ~~حاجة قال الخطابي قد اخبر صلى الله عليه وسلم بهذا القول أن الشر طباع في ~~الناس وان الخلاف عادة لهم وحض بذلك على شدة الحذر منهم وقلة الثقة بهم # الثاني وجود ذلك بالعيان قال بعض العلماء أن من الناس من يولع بالخلاف ~~أبدا حتى يرى انه افضل الأمور وان لا يوافق احدا ولا يجمع معه على أمر ورأى ~~ولا يواتيه على صحبة ومن كان هذه عادته فإنه لا ينصر الحق ولا يعتقده دينا ~~ومذهبا إنما يتعصب لرأيه وينتقم لنفسه ويسعى في مرضاتها حتى انك أن رمت ~~تترضاه وتوخيت أن توافقه على الرأي الذي يدعوك اليه تعمد إلى خلافك فيه ولا ~~يرضى حتى ينتقل لنقيض قولك وقوله الأول # فإن عدت في ذلك إلى وفاقه عاد فيه إلى خلافك قال الخطابي فمن كان في هذه ~~الحال فعليك بمباعدته والنفار عن قربه فإن رضاه غاية لا تدرك ومدى شأوه لا ~~يلحق PageV02P437 # حكاية قال الزجاج كنا عند المبرد فوقف علينا رجل فقال أسألك عن مسألة من ~~النحو قال لا فقال اخطأت فقال يا هذا كيف اكون مخطئا أو مصيبا ولم اجبك عن ~~المسألة فأقبل عليه اصحابه يعنفونه فقال لهم خلوا سبيله ولا تعرضوا له انا ~~اخبركم بقصته هذا الرجل وهو انه يحب الخلاف وخرج من بيته وقصدني على أن ~~يخالفني في كل شيء اقوله ويخطئني فسبق لسانه بما كان في ضميره # عاطفة # من اثر الشر الطبيعي في الناس تعدي الظلم به والاذاية إلى الابرياء وذوي ~~الحقوق عليهم # قال بعض الحكماء الشر في الناس طباع وحب الخلاف لهم عادة والجور فيهم سنة ~~ولذلك تراهم يؤذون ms542 من لا يؤذيهم ويظلمون من لا يظلمهم ويخالفون من ينصحهم # وقال الاصمعي قيل لرجل لم توذي جيرانك قال فمن اوذي أو اوذي من لا اعرف ~~وانشد الخطابي لبعضهم # ( وما أنت إلا ظالم وابن ظالم % لانك من اولاد حوا وآدم ) # ( فلو كنت مثل القدح الفيت قائلا % ألا ما لهذا القدح ليس بقائم ) # ( ولو كنت مثل النصل الفيت قائلا % إلا ما لهذا النصل ليس بصارم ) # قال وسئل بعضهم متى يسلم الانسان من الناس قال إذا لم يكن في خير ولا شر ~~قيل ومتى يكون كذلك قال إذا مات قال وذلك لأنه وهو حي إما أن يكون خيرا ~~فالاشرار يعادونه واما أن يكون شريرا PageV02P438 # فالاخيار يمقتونه والمثل في قديم الدهر ما لقي الناس من الناس # ( ومن ذا الذي ينجو من الناس سالما % وللناس قيل بالظنون وقال ) # قلت ومن ثم تعد السلامة منهم أن امكنت على اغرب نادر سعادة معجلة فقد روي ~~عن حسان انه قال احفظوا عني هذا البيت # ( وان امرء امسى واصبح سالما % من الناس إلا ما جنى لسعيد ) # المقدمة السابعة # فساد الزمان واهله مشهود به من جهتين # الجهة الأولى مجيء الاعلام به وهو نوعان # أحدهما الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق كقوله ~~صلى الله عليه وسلم يذهب الصالحون الأول فالأول وتبقى حثالة كحثالة الشعير ~~لا يبالي الله بهم # قال الخطابي حثالة الشعير رذالته وما لا خير فيه منه يقول كما لا يؤكل ما ~~يبقى من حثالة الشعير كذلك لا يصحب من يبقى من الناس في آخر الزمان # والثاني آثار عن السلف الكريم كقول أبي هريرة رضي الله عنه ذهب الناس ~~وبقي النسناس فقيل له وما النسناس قال يشبهون بالناس وليسوا بناس وكتمثيل ~~عائشة رضي الله عنها بقول لبيد PageV02P439 # ( ذهب الذين يعاش في اكنافهم % بقيت في خلف كجلد الاجرب ) # ( يتحدثون مجانة وملاذة % ويعاب قائلهم وان لم يشغب ) # ثم تقول ويح لبيد لو ادرك هذا الزمان وكذا قال الراوي عنها ثم كذلك ~~مسلسلا # حكاية # التشكي من ذلك روى الخطابي ms543 عن أبي داحة قال خرج الينا يعقوب بن داوود ~~وزير المهدي ونحن على بابه فقال ما صدر هذا البيت # ( ومحترس من مثله وهو حارس % ) # فإن أمير المؤمنين سأل عنه فلم يكن عند واحد منا جواب قال قلت انا اخبرك ~~به قال ابن داحة # ( اقلي على اللوم يا أم مالك % وذمي زمانا ساد فيه الفلافس ) # ( وساع مع السلطان ليس بناصح % ومحترس من مثله وهو حارس ) # قال والفلافس رجل من أهل الكوفة من بني نهشل بن دارم وكان على شرط القباع ~~بالبصرة فقال فيه الاشهب بن رميلة النهشلي PageV02P440 # ( يا جارة يا ابن أبي ربيعة انه % يخلو إذا اختلط الظلام ويشرب ) # ( جعل الفلافس حاجبين لبابه % سبحان من جعل الفلافس يحجب ) # الجهة الثانية # وقوع اثره وجودا من ابلغ ما يعرف به وصفان # الوصف الأول قال الخطابي قرأت لمنصور بن عمار في صفة الزمان قال تغير ~~الزمان حتى كل عن وصفه اللسان وامسى خربا بعد حداثته شرسا بعد لينه يابس ~~الضرع بعد غزارته ذابل الفرغ بعد نضارته ناحل العود بعد رطوبته بشع المذاق ~~بعد عذوبته فلا تكاد ترى لبيبا إلا ذا كمد ولا ظريفا واثقا بأحد ولا أصبح ~~له حليفا إلا جاهل ولا امسى به قرير العين إلا غافل فما بقي من الخير إلا ~~الاسم ولا من الدين إلا الرسم ولا من التواضع إلا المخادعة ولا من الزهادة ~~إلا الانتحال ولا من المروءة إلا غرور اللسان ولا من الأمر بالمعورف والنهي ~~عن المنكر إلا حمية النفس والغضب لها فيطلع الكبر منها ولا من الاستفادة ~~إلا التعزز والتبجيل والتحلي ولا من الافادة إلا الترأس والتجلل فالمغرور ~~المائق والمذموم عند الخلائق والنادم من العواقب PageV02P441 # المحطوط عن المراتب من اغتر بالناس ولم يحسم رجاؤه باليأس ولم يطلب قلبه ~~بشدة الاحتراس فالحذر الحذر من الناس فقد اقل الناس وبقي النسناس ذئاب ~~عليهم ثياب أن استردفتهم حرموك وان استنصرتهم خذلوك وان استنصحتهم غشوك وان ~~عاملتهم غبنوك وان غبت عنهم اغتابوك أن كنت شريفا حسدوك وان كنت وضيعا ~~حقروك وان كنت ms544 عالما ضللوك وبدعوك وان كنت جاهلا عيروك ولم يرشدوك وان نطقت ~~قالوا مهذار حديد وان سكت قالوا عيي بطيء بليد وان تعقت قالوا متكلف متعمق ~~وان تغافلت قالوا جاهل احمق فمعاشرتهم داء وشقاء ومزايلتهم دواء وشفاء ولا ~~بد أن يكون في الدواء كراهة ومرارة فاختر الدواء بمرارته وكراهته على الداء ~~بغائلته وآفاته والله المستعان # الوصف الثاني # روى الخطابي عن الحسن انه قال اعلموا أن الناس شجرة لظى وفراش نار ودبان ~~طمع أن الدنيا فتحت على أهلها كلبوا والله عليها اسوا الكلب حتى عدا بعضهم ~~على بعض بالسيوف واستحل بعضهم حرمة بعض تخالفوا على شجنه كسببوها من كل ~~PageV02P442 # حرام وانفقوها في كل شر وطبقوا الأرض ظلما قاتلهم الله وهو قاتلهم اتخذوا ~~عباد الله خولا واتخذوا هذا المال دولا سبحان الله ما لقيت هذه الأمة من ~~منافق قهرهم واستأثر عليهم ومن صاحب بدعة خرج عليهم بسيفه صنفان حثيثان قد ~~عما على كل مؤمن من اعلاج عجم واعرابي لا فقه له ولا دين ومنافق مكذب وامير ~~مترف نعق بهم ناعق وخرجوا يسعون معه فراش نار وذبان طمع يبيع اقوام دينهم ~~بثمن بخس من مات إلى النار ومن عاش عاش في شر ظهر الجفاء وقل العلماء وذهب ~~الحياء وفشت النكراء ذهب الصالحون وبقي خشارة كخشارة الشعير لا يبالي الله ~~بهم باله انتهى # المقدمة الثامنة # اختلاف طبقات الناس في الخلق والسجايا ناشيء عن مقتضى ما خلقوا منه ~~ونسبوا اليه ويدل عليه خبران # أحدهما قوله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من ~~جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض منهم الاحمر والاسود والابيض والسهل ~~والحزن والخبيث والطيب PageV02P443 # قال الخطابي قد بين صلى الله عليه وسلم في هذا القول أن الناس اصناف ~~وطبقات وانهم إلى تفاوت في الطباع والاخلاق فيهم الخير الفاضل الذي ينتفع ~~بصحته ومنهم الرديء الناقص الذي يتضرر بقربه وعشرته كما أن الأرض مختلفة ~~الأجزاء والتراب فمنها العذاة الطيبة التي يطيب نباتها ويزكو ربيعها ومنها ~~السباخ الخبيثة التي ms545 تضيع بذرها ويبيد زرعه وما بين ذلك حسب ما يوجد منها ~~حسا ويشاهد عيانا # الثاني قوله صلى الله عليه وسلم الناس معادن قال PageV02P444 # الخطابي وفي هذا القول أيضا بيان أن اخلاق الناس غرائز فيهم كما أن ~~المعادن ودائع مركوزة في الأرض فمنها الجوهر النفيس ومنها الفلز الخسيس ~~كذلك ظواهر الناس وطباعهم منها الزكي الرضى ومنها الناقص الدني وإذا كانوا ~~كذلك كان الأمر في العيان منهم مشكلا أو استبراء العيب فيهم متعذرا فالحزم ~~إذا الامساك عنها والتوقف عن مداخلتهم إلى أن تنكشف المحنة أن اسرارهم ~~وبواطن امورهم فيكون عند ذلك اقدام على خبرة وماحجام عن بصيرة # قال ولعلك إذا خبرتهم قليتهم وإذا عرفتهم انكرتهم إلا من يخصهم الثناء ~~وقليل ما هم # استظهار # أورد هنا استدلالا على ما ذكر ما روى بسنده إلى أبي الدرداء رضي الله عنه ~~مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم اخبر تقله PageV02P445 # وثق الناس رويدا ثم قال سمعت شيخنا أبا بكر القفال يقول لولا انه قد قيل ~~اخبر تقله لقلت انا اقله تخبر # تفريع # ترتب على هذه المقدمة ما سبقت الاشارة اليه في صورة الباب الأول من ~~الكتاب الثاني أن الذي تسهل به صحبة الخلق انزالهم منزلة الحيوان المشبه ~~بهم في الخلق ليحلق به المعاملة وان اصل التنبيه على ذلك لسفيان ابن عيينة ~~في تأويل قوله تعالى @QB@ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا ~~أمم أمثالكم @QE@ كما يشهد له الخبران المتقدمان PageV02P446 # قال عنه الخطابي ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من شبه البهائم فمنهم من ~~يهتصر اهتصار الاسد ومنهم من يعدو عدو الذئب ومنهم من ينبح نباح الكلاب ~~ومنهم من يتطوس كفعل الطاووس ومنهم من يشبه الخنازير التي لو القى اليها ~~الطعام الطيب عافته فإذا قام الرجل عن رجيعه ولغت فيه وكذلك تجد الادميين ~~من لو سمع خمسين كلمة لم يحفظ واحدة منها وان اخطأ رجل عن نفسه أو حكى خطأ ~~غيره ترواه وحفظه # تسليم # قال الخطابي ما احسن ما تأول أبو محمد ms546 هذه الاية واستنبط منها هذه الحكمة # قال وإذا كان الأمر كذلك فاعلم يا اخي انك إنما تعاشر البهائم والسباع ~~فليكن حذرك منهم ومباعدتك اياهم على حسب ذلك # قال ولأجل ذلك رأى الحكماء أن السلامة من آفات السباع الضارية والخلاص ~~منها اسهل من السلامة من شر الناس ثم انشد للشافعي رحمه الله PageV02P447 # ( ليت الكلاب لنا كانت مجاورة % واننا لا نرى ممن نرى احدا ) # ( أن الكلاب لتهدي في مواطنها % والناس ليس بهاد شرهم أبدا ) # ( فاحتل لنفسك في تغريدها أبدا % تعش سعيدا إذا ما كنت منفردا ) # قال ونحو هذا قوله # ( شر السباع الضواري دونه وزر % والناس شرهم ما دونه وزر ) # ( كم معشر سلموا لم يؤذهم سبع % ولم نرا بشرا لم يوذه بشر ) PageV02P448 # قال روينا عن الشافعي انه قال ما اشبه هذا الزمان إلا بما قال تأبط شرا # ( عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى % وصوت انسان فكدت منه اطير ) # فائدة # قال وسأفيدك يا أخي فائدة يجل نفعها وتعظم عائدتها وما اقولها إلا عن ودك ~~وشفقة عليك فإن البلوى ف يمعاشرة أهل زمانك عظيمة فاستعن بالله على ما ~~يلقاك من اذاهم فإنك لن تخلو من قليله وان سلمت من كثيره وذلك انك قد ترى ~~الواحد بعد الوماحد منهم يتكالب على الناس ويتسفه على اعراضهم وينبح فيهم ~~نباح الكلاب فيهمك من شأنه ما يهمك وتود منه أن لا يكون رجلا فاضلا يرجى ~~خيره ويؤمن شره فيطول في امره فكرك ويدوم به شغل قلبك فازح هذا العارض عن ~~نفسك بأن تعده على الحقيقة كلبا خلقة وجهلة وزد به في عدد الكلاب واحدا أو ~~لعلك قد مررت مرة من PageV02P449 # المرات بكلب من الكلاب ينبح ويعوي وربما كان أيضا قد تساور وتقهقر فلم ~~تحدث نفسك في امره أن يعود انسانا ينطق وينبح ولم تتأسف له أن لا يكون دابة ~~تركب أو شاة تحلب فاجعل هذا المتكلب كلبا مثله واسترح من شغله وارح مئونة ~~الفكر فيه وكذلك فليكن عندك بمنزلة من جهل حقك وكفر معروفك فاحسبه حمارا أو ~~زد به ms547 في عدد الحمير واحدا فبمثل هذا تتخلص من آفة هذا الباب وغائلته وكثرة ~~الملامة والله المستعان # المقدمة التاسعة # فساد الخاصة من الناس واقع بحسب الانذار به لا محالة وذلك في صنفين # الصنف الأول العلماء المسممون لاستحكام فسادهم بعلماء السوء ومن الوارد ~~بذلك منهم خبران # أحدها قول النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح أن الله لا يقبض العلم ~~انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء فإذا لم يبق عالم ~~اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فافتوا بغير علم فضلوا واضلوا PageV02P450 # قال الخطابي قد اعلم صلى الله عليه وسلم أن آفة العلم ذهاب اهله وانتحال ~~الجهال له وترؤسهم على الناس باسمه وحذر الناس أن يقتدوا بمن كان من أهل ~~هذه الصفة واخبر انهم ضلال مضلون # الثاني قول ابن مسعود رضي الله عنه كيف بكم إذا البستكم فتنة يربو فيها ~~الصغير ويهرم فيها الكبير وتتخذ سنة فإن غيرت يوما قلت هذا منكر قالوا ومتى ~~ذلك يا أبا عبد الرحمن قال ذلك إذا قلت امناؤكم وكثر امراؤكم وقلت فقهاؤكم ~~وتفقه لغير الدين والتمست الدنيا بعمل الاخرة # تعريف روى عن الحسن انه قال طلاب هذا العلم ثلاثة اصناف من الناس ~~فاعرفوهم بصفاتهم فصنف تعلموه للمراء والجدل وصنف تعلموه للاستطالة والختل ~~وصنف تعلموه للتفقه والعقل فصاحب المراء والجدال متعرض للقتال في اندية ~~الرجال يذاكر العلم بخفة الحلم قد تسربل الجشع وتبرأ من الورع فدق الله من ~~هذا خيشومه وقطع منه الحزم حيزومه وصاحب الاستطالة والختل ذو خب وملق ~~PageV02P451 # يستطيل على اشباهه من امثاله فيختلهم بخلع حليته فهو لحلوانهم هاضم ~~ولدينه حاطم فاعمى الله عن هذا خبره وقطع من آثار العلماء اثره وصاحب ~~التفقه والعقل ذو كآبة وحزن قد تنحى عن فرشه وقام الليل في حندسه يعمل ~~ويخشع قد ازكتاه يداه واعمرتاه رجلاه فهو مقبل على شأنه عارف بأهل زمانه قد ~~استوحش من كل ثقة من اقرانه فشد الله من هذا اركانه واعطاه يوم القيامة ~~امانه # الصنف الثاني الامراء الموصوفون لتحقق فسادهم بأمراء الجور ومن ms548 الانذار ~~بذلك خبران # أحدهما قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح انكم سترون بعد اثره وامورا ~~تنكرونها قالوا فما تأمرنا به يا رسول الله قال ادوا اليهم حقهم واسألوا ~~الله حقكم # الثاني قوله صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة اعاذك الله من امارة ~~السفهاء فقال وما امارة السفهاء قال امراء يكونون من بعدي لا يهتدون بهديي ~~ولا يستنون بسنتي فمن صدقهم بكذبهم واعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا مني ~~ولست منهم ولا يردون على حوضي ومن لم PageV02P452 # يصدقهم ولم يعنهم على ظلمهم فولئك مني وأنا منهم وسيردون على حوضي يا كعب ~~بن عجرة الناس غاديان فمبتاع نفسه فمعتقها وبائع نفسه فموبقها رواه الأمام ~~أحمد واللفظ له # اعلام # فساد اخذ هذين الصنفين ملازم في الوجود لفساد الصنف الآخر غالبا ومن ثم ~~يتضاعف بهما محنة الناس وافاتهم فمن كلام أبي مروان بن حيان في ذلك ولم تزل ~~آفة الناس منذ خلقوا في صنفين منهم هم كالملح فيهم الامراء والفقهاء قلما ~~تتنافر في اشكالهم بصلاحهم يصلحون وبفسادهم يردون # قال فقد خص الله سبحانه هذا القرن الذي نحن فيه من اعوجاج هذين الصنفين ~~لدينا بما لا كفاء له ولا مخلص منه فالامراء القاسطون قد نكبوا بهم عن نهج ~~الطريق ذيادا عن الجماعة وجريا إلى الفرقة والفقهاء ائمتهم صموت وصرفوا عما ~~اكده الله عليهم من التبيين لهم قد اصبحوا بين آكل من حلوائهم وخابط في ~~اهوائهم وبين مستشعر مخافتهم اخذا بالتقية في صدقهم # قال فما القول في ارض فسد ملحها الذي هو المصلح لجميع اغذيتها هل هي إلا ~~مشفية على بوارها واستئصالها # قلت قال الغزالي مشيرا إلى ما ينظر إلى هذا المعنى ولذلك قيل ما ~~PageV02P453 # فسدت الرعية إلا بفساد الملوك ولا فسدت الملوك إلا بفساد العلماء # المقدمة العاشرة # القصد في المخالطة والعزلة هو المحمود في الجملة وفيه عبارات تحوم على ~~لزوم التوسط به بين طرفي افراط ذلك وتفريطه # أحدهما قول اكثم بن صيفي الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة ومعرفتهم مكسبة ~~لقرين السوء فكن للناس بين ms549 المنقبض والمقارب فإن خيار الأمور اوسطها # الثانية قول وهب بن منبه لو هيب بن الورد وقد قال له أني أريد أن اعتزل ~~الناس فقال له لا بد لك من الناس ولا بد للناس منك لك اليهم حوائج ولهم ~~اليك حوائج ولكن كن فيهم اصم سميعا اعمى بصيرا سكوتا ونطوقا # الثالثة قول ابن مسعود رضي الله عنه خالط الناس وزايلهم ودينك لا تكلمنه # قال الخطابي يريد خالطهم ببدنك وزايلهم بقلبك # قال وليس هذا من باب النفاق بل من باب المدارات وهي صدقة كما في الحديث ~~PageV02P454 # الرابعة قول محمد بن الحنفية رضي الله عنه من لم يعاشر بالمعروف من لا ~~يجد له من معاشرته بدا يجعل الله له فرجا ومخرجا # قلت في معناه قال المتنبي # ^ ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى % عدوا له ما من صداقته بد ^ # الخامسة # قال الخطابي الطريقة المثلى في هذا الباب أن لا تمتنع من حق يلزمك للناس ~~وان لم يطالبوك به وان لا تنهمك لهم في باطل لا يجب عليك وان دعوك اليه وان ~~من اشتغل بما لا يعنيه فاته ما يعنيه ومن انحل في الباطل جمد عن الحق وكن ~~مع الناس في الخير وكن بمعزل عنهم في الشر وتوخ أن تكون فيهم شاهدا كغائب ~~وعالما كجاهل # قال وانشد أبو زيد في المعنى # ( إذا ما عممت الناس بالانس لم تزل % لصاحب سوء مستفيدا وكاسبا ) # ( وان تقصهم يرموك عن سهم بغضة % فكن خالطا أن شئت أو كن مجانبا ) # ( فلا تدنون منهم وملا تقصينهم % ولكن امرا بين ذاك مقاربا ) # عاطفة رجوع # إذا تقررت هذه المقدمات فقالوا منفعة هذه السياسة في امرين # أحدهما السلامة من الناس والاخرة استخراج المنافع منهم وجوامع ما يحصل به ~~ذلك ملخص في مسائل PageV02P455 # المسألة الأولى # في ملك اللسان وملاكه عن خطرين قاتل كما قيل اللسان كالسبع أن لم توثقه ~~عدا عليك وقال # ( واحفظ لسانك ايها الانسان % لا يلدغنك انه ثعبان ) # ( كم في المقابر من قتيل لسانه % كانت تهاب لقاءه الشجعان ) # ومفسدكما قيل لا تفسدن ms550 لسانك فيفسد عليك شأنك # وقال # 0 احفظ لسانك أن تقول فتبتلي % أن البلاء موكل بالمنطق ) # الخطر الأول القاتل واسرعه بذلك امران كلام في الشرع بما يخالفه وخوض في ~~السلطان بما يغضبه # الأمر الأول الكلام في الشرع وذلك باحدى محظورات أحدها مخالفة السنة ~~اعتقادا أو عملا على وجه قريب أو بعيد # قلت إما القريب وخصوصا في القطعيات فظاهر والنظريات قد ينتهي بشؤم ~~الانحراف فيها عن نهج الطرق السنية إلى توقع ذلك المحظور وفي الواقع من ذلك ~~ما فيه عبرة الثاني دقيق الكلام في تفسير قرآن أو حديث وخصوصا أن كان مذهبا ~~لذوي ضلالة PageV02P456 # قلت وليس هذا لأجل السلامة من الناس فقط بل ولمفسدة الكلام معهم بما لا ~~يفهمون والنهي عنه مقرر في مواضعه واقل ما فيه حديث السلامة من القدح في ~~الديانة ما اشار اليه ابن الرومي في قوله # ( غموض الأمر حين يذب عنه % يقلل ناظر القول المحق ) # ( تجل عن الدقيق عقول قوم % فيقضي للمجل من المدق ) # الثالث ذكر أسماء الفلاسفة فضلا عن الخوض في شيء في علومهم في ملأ من ~~الناس أو مع واحد منهم # قلت ولا يفهم من هذا التحفظ انه لمجرد سد باب التهمة خاصة بل الحق أن ~~الفلسفة مع مضرتها بالدين باطلة في نفسها لما تقرر إنها غير وافية بالقصد ~~المدعي فيها ولا كافية في معرفة السعادة الموعود بها بعد الموت والناظر ~~فيها بشرطه له غرض آخر غير ما يظن من حسن فيها الإعتقاد وضل بها عن سواء ~~السبيل وبسط ذلك لا يليق بالموضع # الأمر الثاني الخوض في السلطان وذلك بأحد اسباب مهلكة PageV02P457 # أحدها ذكره بسوء في نفسه أو فيما هو من سببه أن كان حقا ومن مبالغة ~~التحفظ في ذلك أن يعلم منك انك لا تأخذ في شيء من ذمه كأنه ليس في طباعك ~~إلا مع ثقة وقليل ما هم الثاني مشاهدة المواطن المذكور فيها بما يكره ومن ~~الواجب في ذلك أن يبعد في الهرب والبعد على المشاركة طلبا للسلامة # الثالث مصاحبة المتهم عنده باضمار الانحراف ms551 عنه أو يتوقع مصيره إلى ذلك ~~خوف أن يظن به مثل ذلك إذ المرء على دين خليله # الخطر الثاني المفسد وذلك امران أحدها وهو اشهدهما سب الناس والتعرض لهم ~~فإنه جالب عدواتهم ومثير مطالبتهم بالمعارضة عليها # قلت ومن كلام مالك رحمه الله ادركت اقواما كانت لهم عيوب فسكتوا عن عيوب ~~الناس فسكت الناس عن عيوبهم وادركت اقواما لم تكن لهم عيوب فتكلموا في ~~الناس فأحدث الناس لهم عيوبا # وصية # قالوا ولا تقارض عليه من واجهه به فالدنيا احقر والعمر اقصر من اشتغال ~~رفيع الهمة بعداوة من السب ارفع منه بعداوة من واجهه بما يكره # قلت وقد سبق في المقدمة الثامنة ما قرر الخطابي في ذلك # الثاني كلمة سخيفة يسقط بها قائلها وان لم يعد على أحد والسلامة منها ومن ~~كل كلام ضار إنما هو بأمرين قراءة الاداب الدالة على فرق ما PageV02P457 # بين الكلام الغث والسمين وتعود ترك الكلام إلا بعد التروي فيما يليق أن ~~يتكلم به أو يمسك عنه # فائدة # مما يستعان به على السلامة من اللسان طلبا للسلامة من الناس ملاحظة امرين ~~أحدهما النجاة من ملك ما يتكلم به فعن الشافعي انه قال للربيع من اصحابه يا ~~ربيع لا تتكلم فيما لا يعنيك فإنك إذا تكلمت بالكلة ملكتك ولم تملكها # الثاني ستر العيوب عنهم بالصمت قال النووي بلغنا أن قس بن ساعدة واكثم بن ~~ساعدة واكثم بن صيفي اجتمعا فقال أحدهما لصاحبه كم وجدت في ابن آدم من ~~العيوب قال هي اكثر من أن تحصى والذي احصيته ثمانية الاف عيب ووجدت خصلة ~~واحدة أن استعملها سترت العيوب كلها قال وما هي قال حفظ اللسان # قلت وفي معناه قال ابن الجزار # ( اياك من زلل اللسان فإنما % عقل الفتى من لفظه المسموع ) # ( فالمرء يختبر الاناء بنقره % فيرى الصحيح به من المصدوع ) # المسألة الثانية # في ملك الحواس واهمها العينان لوجهين # أحدهما استدلال الناس خاصة وعامة على مضمر الناظر بهما كنظره إلى الوجوه ~~الحسان من ذكر أو أنثى ولو كالتفاتة لحظ PageV02P459 # الثاني وهو ms552 سبب عن ذلك حكمهم عليه بما كان في غنى عنه ومستورا فيما ينطوي ~~عليه جنانه # قلت واقتصر هنا على ملك هذه الحاسة دون اخواتها لان غرض هذه السياسة إنما ~~هو اصلاح الظاهر فقط ومدركات باقي الحواس لا يكون بحضرة الناس فلا جرم لم ~~تقع به عناية في الموضع # المسألة الثالثة # في صورة الانسان باطنا وظاهرا والمراد بذلك رعاية امور # أحدها ملك قواه النفسانية فالغضبية عن الحدة والحرج والكبر وجب الاستعلاء ~~وظهور الحسد والعداوة والمضرة وشبه ذلك والشهوانية عن السبق والاستهتار ~~واطلاق الحواس في الملاذ وترديد خسائس الشهوات على اللسان ونحو ذلك # الثاني تحسين معاملته بالعدل والانصاف وترك استعمال الخبث وفرط الدهاء ~~إلا لحاجة واجتناب الكذب والمرآء والجدال والمزاح المفرط ونحو ذلك # الثالث ضبط حركاته عما يشين كالاشارة باليد أو الرأس أو غير ذلك عند ~~الكلام والعبث بنتف اللحية وفتلها وتنقية الانف وقتل ما يخرج منه بين ~~الاصابع وشبه ذلك # الرابع توسطه في احوال نفسه وبدنه بين طرفي الافراط والتفريط باتيان ~~الاقتصاد والميل إلى التستر وكتم سره والترسل في الكلام باعتدال واجتناب ~~الحشو فيه كسمعت ونحو ذلك من الكلمات المعينة و الهذي في الحركات والوقار ~~والتؤدة واتقاء مواضع الريب وتقليل الكلام وتقديره في كل PageV02P460 # مقام بما يليق به واعتدال حركة العين والجوارح بين الحدة والخمود ونحو ~~ذلك # الخامس تزيين ظاهره بما يدل على المرؤة وشرف النفس كنظافة الجسم والاطراف ~~والفم وقص الشارب والظفر وشبه ذلك # المسألة الرابعة # في احواله الخارجة عنه والمذكور من ذلك سيرة اللباس والاولى منه في ~~اعتدال التحسين له ما جمع امور # أحدها تخصيص الدرجة به أو ترفيع القدر خصوصا أن ترفع بنفسه أو كان في دار ~~غربة فإن الغريب ابن ثوبه # الثاني عدم اخلاله بمقدرة ما له ليلا يعاب من حيث قصد الجمال في اعين ~~الناس وتوهم السلامة منهم # والثالث توسطه في مرتبة مثله وجريه على معتاد الزمان والمكان فإن الخروج ~~عن المألوف منفر وأيضا من شأن العامة أن لا تفضل من الموجودات إلا الأجسام ~~الدنيوية والسائس ms553 يترفع فيهم بما هو رفيع عندهم عظيم المحل في اعينهم فيفوز ~~منهم بالكرامة وقضاء الحوائج مع السلامة منهم إذ الضرورة دافعته اليهم # قلت ومن المنظوم في الحض على استجادة الثياب في الجملة قوله PageV02P461 # ( اجد الثياب إذا اكتسيت فإنها % زين الرجال بها تهاب وتكرم ) # ( ودع التواضع في اللباس تحريا % فالله يعلم ما تكن وتكتم ) # ( فدنى ثوبك لا يزيدك زلفة % عند الإله وانت عبد مجرم ) # ( وبهاء ثوبك لا يضرك بعد أن % تخشى الإله وتتقي ما يحرم ) # جامع بيان # قالوا وقطب هذا المدار معوله منك النفس واعتياد التروي في الأقوال ~~والافعال فما وجب اطلاقه أو صرفه عمل عليه وقانون ذلك اطلاق الحركات لمنفعة ~~أو راحة لا تعقب الما أو تستلزمه فاللذة راجحة عليه # قلت وعلى شرط موافقة الشرع ببراءة الذمة من تبعته # المسألة الخامسة # في الاخوان والصديق منهم باعتبار ما لاجله الصداقة ثلاثة صديق التعليم ~~والراحة والمنفعة # الصديق الأول صديق التعليم وشرطه جودة الفهم معلما أو مرافقا أو متعلما ~~والسلامة من الحسد وحب الغلبة وخبث الطباع والغدر والتلون والملق # قلت وقد مر في روضة الاعلام من آداب هذه الصداقة ما فيه بلاغ واطناب بيان # الصديق الثاني صديق الراحة وينبغي فيه الظرف وخفة الروح وسلامة الجهة ~~وكتم الاسرار والمحبة ولبراءة من الحسد والمساعدة وحسن الخلق PageV02P462 # قلت ويجب على المتدين تقييد الراحة وطريقها بمقتضى ما تبيحه الشريعة ~~وتطلقه ولا اعتبار هنا بكلام من لا ينضبط بدي فليحذر منه ونحن نستعيذ بالله ~~تعالى أن نزيد ذلك بتصريح أو تلويح # الصديق الثالث صديق المنفعة ويطلب فيه الأمانة والنصيحة والاجتهاد ~~والمعرفة بالمنتفع به فيه ولا احتياج إلى ما وراء ذلك متى احرزه وجمعه # قلت وتقدم أن الخديم المستكفي به مع الوثوق بغنائه كالمفقود وان المستكفي ~~وان كان غير مأمون ارجح من عكسه # تعميم القدر المحتاج اليه في الجميع اطراح الحسد والخبث والعداوة وسوء ~~النية والظن وحب الاضرار والغلبة والغبن والمكالبة والاستنقاص وأصل ذلك كله ~~خبث لانفس واخفها سوء الظن والجميع لها سم قاتل لا تفي به الصداقة بالعداوة ms554 ~~ولا المنفعة بالمضرة # تخصيص وقع للخطابي فيما يرجع لمعاني الصداقة الأولى تحذير بالغ من ~~الاغترار فيها بصحبة شرار المتعلمين # ولخصه الغزال بما نصه دع الراغبين في صحبتك والتعليم منك فليس لك منهم ~~مال ولا جمال اخوان العلانية اعداء السريرة إذا لقوك تملقوك وإذا غبت عنهم ~~سفهوك ومن اتاك منهم كان عليك رقيبا وإذا PageV02P463 # خرج عليك كان خطيبا أهل نفاق ونميمية وغل وخديعة ولا تغتر بإجتماعهم عليك ~~فما غرضهم العلم بل المال والجاه أن يتخذوك سلما إلى اوطارهم وحمارا في ~~حوائجهم وان قصرت في غرض من اغراضهم كانوا اشد اعدائك ثم يعدون ترددهم اليك ~~دالة عليك ويرونه حقا واجبا لديك ويفرضون عليك أن تبذل عرضك وجاهك ودينك ~~لهم فتعادي عدوهم وتنصر قريبهم وخادمهم ووليهم وتنتهض لهم سفيها وقد كنت ~~فقيها وتكون لهم تابعا خسيسا بعد أن كنت متبوعا رئيسا ولذلك قيل اعتزال ~~العامة مرؤة تامة # قال الغزالي وصدق فإنك ترى المدرسين في رق دائم وتحت حق لازم ممن تردد ~~إليهم كأنه يرى حقه واجبا عليهم ثم مضى في تقرير ذلك بما فيه بلاغ فراجعه ~~من هناك # ارشاد المستعمل مع الاخوان عملان تفصيلي واجمالي # العمل التفصيلي بحسب طبقات الصداقة فمع صديق التعليم استعمال حركات س ~~حركة المعلم ج + س المعلمين من غير انبساط ولا ميل كثير عما يلم به من ذلك ~~أن PageV02P464 # سلمت طباعه وان كان ساذجا سلك سبيله في وقاره وملك نفسه عن سائر قوى ~~النفس ومع صديق الراحة استعمال ما لا يبالي به أن نقل عنك ولا يحصل ذلك إلا ~~مع التحفظ ومزجه بحركات الشرع # قلت وعلى شطر ما تقدم من التقييد بمقتضى الشرع واذ ذاك يكون المزح به ~~حقيقة لا لمجرد التحرز خاصة ومع صديق المنفعة استعمال صورة الوقار معه مع ~~اطراح قوى النفس ومشاركته ما يشارك فيه من غير مزيد عليه # العمل الثاني الاجمالي بإعتبار الجميع وذلك تحسين النية في المعاملة ~~وتوسط الظن والمنفعة بمقدار التوسع والوفاء واللقاء بالبر والبشاشة وقضاء ~~الحومائج وحسن الثناء عليه في الغيب والشهادة ms555 ومشاهدة فرحهم ولزوم التوسط ~~في النفقة مع الكرم والبراءة من التملق بذلك واجتناب الكبر والكذب والترأس ~~واظهار انه افضل وافهم واعلم والسكوت عن عيب هو فيه فلا يذكره له ولا لغيره ~~واحتمال سائر العيوب متى صفي منه الأكثر وتمهيد يذكره له ولا لغيره ~~والاحتمال خصوصا متى كانت عوارض زائلة والاعتبار بها عما لا يرضاه منك أو ~~سيقبلها أن صحت الصداقة PageV02P465 # المسألة السادسة # في المعارف وهم صنفان # أحدهما المطبوع على غائلة الشر وخبث النفس وفسادها وعلاجه مداراته ~~بالسلام والبعد من خلطته ومعاملته بالوقار والسكون متى تسور عليها حتى يثقل ~~عليه والثناء عليه بالجميل والتحيل في عدم لقائه حتى ينساك ويشتغل بغيرك # الثاني سائر من لا ينتهي إلى ذلك ومعاملتهم بالسلام عليهم والسؤال عن ~~حالهم والبشاشة عند اللقاء وترك الانبساط والكلام معهم وتقليل خلطهم إلا ~~بعد التجربة الطويلة أحد المقاصد المتقدمة # تكملة بيان ذكر الغزالي في تقرير هذا الباب جملتين لكثير من آداب المعيشة ~~والمعاشرة نذكرها تماما لهذا الغرض # الجملة الأولى قال وهي الجامعة أن لا تصغر منهم احدا حيا أو ميتا فتهلك ~~إذ لا تدري لعله خير منك للختم له بالصلاح وان كان فاسقا ولا تنظر إليهم ~~بالتعظيم لهم في حال دنياهم فإن الدنيا صغيرة عند الله تعالى صغير ما فيها ~~ومهما عظم أهل الدنيا في نفسك فقد عظمت الدنيا فتسقط عند الله تعالى ولا ~~تبذل لهم دينك لتنال من دنياهم فتصغر في اعينهم ثم تحرم دنياهم فإن لم تحرم ~~كنت قد استبدلت الذي هو ادنى بالذي هو خير ولا تعاديهم PageV02P466 # بحيث تظهر العداولة فيطول الأمر عليك في المعاداة ويذهب دينك ودنياك فيهم ~~ويذهب دينهم فيك إلا إذا رأيت منكرا في الدين فتعادي افعالهم القبيحة وتنظر ~~إليهم بعين الرحمة لتعرضهم لمقت الله تعالى وعقوبته بعصيانهم فحسبهم جهنم ~~يصلونها فإنك تحقد عليهم ولا تستكن إليهم في مودته لك وثنائهم عليك في وجهك ~~وحسن بشرهم لك فإنك أن طلبت حقيقة ذلك لم تجد في المائة إلا وماحدا وربما ~~لم تجده ولا تشك إليهم ms556 احوالك فيكللك الله إليهم ولا تطمع أن يكونوا لك في ~~الغيب والسر كما في العلانية فذلك طمع كاذب وأنى تظفر به ولا تطمع بما في ~~ايديهم فتستعجل الذل ولا تنال الغرض ولا تعل عليهم تكبرا لاستغنائك عنهم ~~فإن الله تعالى يلجئك إليهم عقوبة على التكبر بإظهار الاستغناء وإذا سألت ~~اخاص منهم حاجة فقضاها فهو أخ مستفاد فإن لم يقضها فلا تعاتبه فيصير عدوا ~~تطول عليك مقاساته ولا تشتغل بوعظ من لا ترى فيه مخائل القبول فلا يسمع منك ~~ويعاديك وليكن وعظك عرضا وارسالا من غير تنصيص على الشخص ومهما رأيت منهم ~~كرامة فاشكر الله تعالى الذي سخرهم لك واستعذ بالله أن يكلك إليهم وان بلغك ~~منهم غيبة ورأيت منهم شرا أو اصابك منهم ما يسوءك فكل أمرهم إلى الله تعالى ~~واستعذ بالله من شرهم ولا تشغل نفسك بالمكافأة فيزيد الضرر بعمله ويضيع ~~العمر بشغله ولا تقل لهم لم تعرفوا حقي أو موضعي # واعتقد انك لو استحققت ذلك لجعل الله تعالى لك موضعا في قروبهم فالله ~~تعالى هو المحبب والمبغض إلى القلوب وكن فيهم سميعا لحقهم اصم عن باطلهم ~~نطوقا بحقهم صموتا عن باطلهم واحذر صحبة اكثر الناس فإنهم لا يقيلون عثرة ~~ولا يغفرون زلة ولا يسترون عورة ويحاسبون على PageV02P467 # النقير والقطمير ويحسدون على القليل والكثير ينتصفون ولا ينصفون ويأخذون ~~على الخطأ والنسيان ولا يعفون يعيرون الاخوان بالنميمية والبهتان فصحبة ~~أكثرهم خسران وقطيعتهم رجحان أن رضوا فظاهرهم الملق ومان سخطوا فباطنهم ~~الحنق لا يؤمنون في حنقهم أو لا يرحمون في قلقهم ظاهرهم ثياب وباطنهم ذياب ~~يقطعون بالظنون ويتغامزون بالعيون ويتربصون بصديقهم ريب المنون يحصون عليك ~~العثرات في صحبتهم ليواجهونه بها في غضبهم ولا تعول على مودة من لم تختبره ~~كل الخبرة فإن صحبته مدة في دار أو موضع فتجربه في عزله وولايته وغناه ~~وفقره أو تسافر معه أو تعامله في الدينار والدرهم أو تقع في شدة فتحتاج ~~إليه فإن رضيته في هذه الأحوال فتخذه أبا لك أن كان كبيرا أو ابنا ms557 لك أن ~~كان صغيرا أو أخا لك أن كان مثيلا # الجملة الثانية قال وهي مما حفظ من كلام بعض الحكماء قال أن اردت حسن ~~المعيشة والمجالسة فالق صديقك وعدوك بالرضى من غير ذلك لهم ولا هيبة منهم ~~وتوقر في غير كبر وتواضع في غير ذلة وكن في جميع امورك في اوسطها فكلا طرفي ~~قصد الأمور ذميم ولا تنظر في عقبك ولا تكثر الالتفات ولا تقف على الجماعات ~~وإذا جلست فلا تستوفز وتحفظ عن شبيك اصابعك والعبث بلحيتك وتخليل اسنانك ~~PageV02P468 # وادخال اصبعك في انفك وكثرة بصاقك وتنحمك وطرد الذباب عن وجهك وكثرة ~~التمطي والتثاوب ف يوجوه الناس وفي الصلاة وغيرها وليكن مجلسك هاديا وحديثك ~~منظوما مرتبا واصغ إلى الكلام الحسن ممن حدثك من غير اظهار عجب مفرط ولا ~~تسأله اعادته واسكت عن المضاحك في الحكايات ولا تحدث عن عجائب ولدك أو ~~جاريتك أو شعرك أو صنيفك سائر ما يخصك ولا تتصنع تصنع المرأة في التزين ولا ~~تتبذل تبذل العبد وتوق كثرة الكحل والاسلاف في الدهن ولا تلح في الحاجات ~~ولا تشجع احدا على الظلم ولا تعلم اهلك وولدك فضلا عن غيرهم مقدار مالك ~~فإنهم أن رأوه قليلا هنت عليهم وان كان كثيرا لم تبلغ قط رضاهم واخفهم من ~~غير عنف ولن لهم من غير ضعف ولا تهازل عبدك ولا امتك فيسقط وقارك وإذا ~~خاصمت فتوقر وتحفظ من جهلك وتجنب عجلتك وتفكر في حجتك ولا تكثر الاشارة ~~بيدك ولا تكثر الالتفات لمن وراءك ولا تجث على ركبتيك وإذا هدأ غضبك فتكلم # وإذا قربك السلطان فكن منه على مثل حد السنان وان استرسل اليك فلا تأمن ~~انقلابه عليك وارفق به رفقك بالصبي وكلمه بما يشتهيه ولا يحملك لطفه بك أن ~~تدخل بينه وبين اهله وولده وحشمه وان كنت لذلك مستحقا عنده فإن سقطة الداخل ~~بين الملك واهله سقطة لا تنعش وزلة لا تقال # واياك وصديق العافية فإنه أعدى الاعداء ولا تجعل مالك اكرم PageV02P469 # من عرضك وإذا دخلت مجلسا فالادب فيه البداية بالتسليم وترك ms558 التخطي لمن ~~سبق والجلوس حيث اتسع وحيث تكون اقرب إلى التواضع أن تحيي بالسلام من قرب ~~منك عند الجلوس # ولا تجلس عند الطريق فإن جلست فأدبه غض الطرف ونصر المظلوم واغاثة ~~الملهوف وعون الضعيف وارشاد الضال ورد السلام واعطاء السائل والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر والارتياد لموضع البصاق فلا تبصقن في جهة القبلة ~~ولا عن يمينك ولكن عن يسارك أو تحت قدمك اليسرى # ولا تجالس الملوك فإن فعلت فأدبه ترك الغيبة ومجانبة الكذب وصيانة السر ~~وقلة الحوائج وتهذيب الالفاظ والاعراب في الخطاب والمذاكرة بأخلاق الملوك ~~وقلة المداعبة وكثرة الحذر منهم وان ظهرت المودة ولا تتجشأ بمحضره ولا ~~تتخلل بعد الاكل عنده وعلى الملك أن يحتمل كل شيء إلا افشاء السر والقدح في ~~الملك والتعرض للحرم # ولا تجالس العامة فإن فعلت فأدبه ترك الخوض في حديثهم وترك الاصغاء إلى ~~اراجيفهم والتغافل عما يجري من سوء الفاظهم وقلة اللقاء لهم مع الحاجة ~~إليهم واياك أن تمازح لبيبا أو غير لبيب فإن اللبيب يحقد عليك والسفيه ~~يتجرأ عليك لأن المزح يخرق الهيبة ويسقط ماء الوجه ويذهب بحلاوة الود ويشين ~~فقه الفقيه ويجريء السفيه ويسقط المنزلة عند الحكم وتمقته النفوس ويميت ~~القلب ويباعد عن الرب تعالى ويكسب الغفلة ويورث الذلة وبه تظلم السرائر ~~وتموت الخواطر وبه تكثر العيوب وتبين الذنوب وقد قيل لا يكون المزاح إلا من ~~سخف أو بطر ومن بلى في مجلس بمزاح أو لغط فليذكر الله تعالى عند قيامه ثم ~~ذكر حديث كفارة المجلس PageV02P470 # | مسكة الختام # تقدم أن احدا لم يلغ في كمال الاعتدال في اصول الاخلاق وفروعها مبلغ ~~النبي صلى الله عليه وسلم ومقتضى ذلك مع طلب الاقتداء به أن سيرته صلى الله ~~عليه وسلم في سياسة الدين والدنيا هي السيرة الجامعة لمحاسن الشيم ومكارم ~~الاخلاق # وقبل الختم بتلخيص ذلك تبركا فهنا مسألتان # المسألة الأولى # في فوائد الوقوف عليه وهي جملة # الفائدة الأولى دلالته على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم ولكن بعد العلم ~~بجواز النبوة في الجملة على ما ms559 أشار إليه ابن التلمساني وان كان الجاحظ ~~اعتبرها على الاطلاق وتبعه الغزالي في المنقذ من الضلاة والامام فخر الدين ~~في المعالم وملخصها من تقرير الغزالي أن من شاهد احواله صلى الله عليه وسلم ~~أو بلغه مستفيض خبرها المشتمل على اخلاقه واقوال وافعاله وسياسته لاصناف ~~الخلق بالهداية والتآلف والانقياد منضما إلى ما خص به من عجائب الاجوبة في ~~مضائق الاسئلة وترافع التدبير ومحاسن الاشارة لتفاصيل الأحكام التي يعجز ~~نحارير الفقهاء عن ادراك اوائلها لم يبق له ريب في أن ذلك لا قدرة للبشر ~~على اكتسابه بحيلة وانما يتصور بتأييد سماوي وقوة الهية لا سيما وهو صلى ~~الله عليه وسلم امي لم يقرأ كتابا ولم تلمذ لاستاذ ولا رحل في طلب العلم ~~واذ ذاك فهو قاطع بصدقه وبصحة ما أتى به ومن ثم كان العربي القح يقول عند ~~رؤيته ص وما هذا وجه كذاب PageV02P471 # الفائدة الثانية # شهادته بإنه اكرم الخلق على الله تعالى وارفعهم لديه مقاما وتقريره على ~~طريقة الأمام الفخر انه صلى الله عليه وسلم بلغ لهذا الكمال العظيم في ~~انتفاع الخلق به في الدعوة إلى التوحيد اولا والحث على مكارم الاخلاق ثانيا ~~مبلغا لم يبلغه أحد من اكابر الأنبياء والرسل لانه عند ظهوره صلى الله عليه ~~وسلم قلب الدنيا من الباطل إلى الحق ومن الظلمة إلى النور في اكثر بلاد ~~المعمور حتى اطلق الالسنة بالتوحيد وطهر النفوس من خبائث الاخلاق ورجع ~~الخلق من حب الدنيا إلى حب المولى بحسب الإمكان وعند ذلك فهو صلى الله عليه ~~وسلم اكرم الخلق على الله تعالى وافضل رسول بعثه # قال ابن التلمساني لا شك في فضله من هذا الوجه مع ماله من الفضائل # الفائدة الثالثة # اقتضاؤه بهذه الدلالة والشهادة اقتداء الخلق به في سياسة الدين والدنيا ~~لامرين # أحدهما ورود الأمر بذلك كتابا وسنة بقوله تعالى @QB@ لقد كان لكم في رسول ~~الله أسوة حسنة لمن كان @QE@ الاية قال عياض عن الترمذي الحكيم الاسوة في ~~الرسول الاقتداء به والاتباع لسنته وترك مخالفته في قول أو فعل ms560 وقوله صلى ~~الله عليه وسلم أن احسن الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور ~~محدثاتها PageV02P472 # الثاني حصر السعادة في متابعته صلى الله عليه وسلم إما في الدين فظاهر ~~واما في الدنيا فلما تقرر وقد تقدم أن مصالحها إنما تعتبر برعاية الشرع لها ~~تحصيلا وجلبا ومن ثم اعرض الموفقون عن اعتبار سياسة الدنيا بما يفهم منه ~~الاستبداد به لآراء الفلاسفة # حكاية قال ابن العربي كان الباجي ينتظر يوما اذن أحمد بن هود فجالسه ابنه ~~الملقب بالمؤتمن وكان يفلسف وجاذبه ذيل الحديث فقال له هل قرأت ادب النفس ~~لافلاطون فقال له إنما قرأت أدب النفس لمحمد بن عبد الله صلى الله عليه ~~وسلم قال ابن العربي وعني بذلك ما تضمنته الشريعة من قرآن وسنة في هداية ~~البشر وايضاح السنن # الفائدة الرابعة # اعلامه بأن أدب هذا الاقتداء في الظاهر عنوان مثله في الباطن لوجهين # أحدهما أن سرائر القلوب منابع الاعمال ومغارس بذرها فمتى عذب موردها ~~واينع روضها دل على أن القلب صالح السريرة لا محالة # الثاني أن انوار السرائر إذا اشرقت على الظواهر زينتها بدلت مساويها ~~محاسن PageV02P473 # قال الغزالي ومن لم يكن صدره مشكاة الانوار الإلهية لم يفض على ظاهره ~~جمال الاداب النبوية انتهى # الفائدة الخامسة # احالته في هذا الاقتداء على القرآن الذي كان خلقه صلى الله عليه وسلم ~~واصل تهذيبه وتكميله # قال الغزالي ومنه يشرق النور على كافة الخلق # قلت وعند ذلك فمن اقتدى بغيره صلى الله عليه وسلم ضل ومن استضاء بسواه ~~بقي في العمى ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # المسألة الثانية # في سياق ما يدل من الأخبار على فضله صلى الله عليه وسلم مع الاشارة إلى ~~جمل من اوصافه الظاهرة واخلاقه الباطنة الشاهد ذلك كله باستحقاق ذلك الفضل ~~العظيم والمذكور من ذلك خبران # الخبر الأول يروى أن عمر رضي الله عنه سمع بعد وفاة النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول وهو يبكي بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد كان لك جذع تخطب ms561 الناس ~~عليه فما كثر الناس اتخذت منبرا لتسمعهم فحن الجذع لفراقك حتى جعلت يدك ~~عليه فسكن فأمتك اولى بالحنين عليك حين فارقتهم بأبي أنت وأمي يا رسول الله ~~لقد بلغ من فضلك عند ربك أن جعل طاعتك طاعته فقال من يطع الرسول فقد اطاع ~~الله بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عند أن اخبرك بالعفو ~~PageV02P474 # عنك قبل أن يخبرك بذنبك فقال عفا الله عنك لم اذنت لهم بأبي أنت وأمي يا ~~رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده أن بعثك آخر الأنبياء وذكرك في اولهم ~~فقال تعالى ^ وإذا اخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وابراهيم وموسى ~~وعيسى بن مريم ^ لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أهل النار يودون لو يكونوا ~~اطاعوك وهم بين اطباقها يعذبون @QB@ يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا ~~الرسول @QE@ بأبي أنت وأمي يا رسول الله لئن كان موسى بن عمران اعطاه الله ~~حجرا يتفجر منه الانهار فما ذاك بأعجب من اصابعك حين نبع منها الماء صلى ~~الله عليه وسلم بأبي أنت وأمي يا رسول الله لئن كان سليمان بن داوود اعطاه ~~الله الرحي غدوها شهر ورواحها شهر فما ذاك بأعجب من البراء حين سرت عليه ~~إلى السماء السابعة ثم صليت الصبح من ليلتك بالابطح صلى الله عليه وسلم ~~بأبي أنت وأمي يا رسول الله لئن كان عيسى بن مريم اعطاه الله احياء الموتى ~~فما ذاك بأعجب من الشاة المسمومة حين كلمتك وهي مسمومة فقالت لا تأكلني فإن ~~مسمومة بأبي أنت أمي يا رسول الله لقد دعا نوح على قومه فقال ^ ربي لا تذر ~~على الأرض من الكافرين ديارا ^ ولو دعون علينا مثلها لهلكنا عن آخرنا فلقد ~~وطأ ظهرك وادمى وجهك وكسرت رباعيتك فأبيت أن تقول إلا خيرا فقلت اللهم اغفر ~~لقومي فإنهم لا يعلمون بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد ابتعك في قلة سنيك ~~وقصر عمرك ما لم يتبع نوحا في كثرة سنه وطول عمره فلقد آمن بك الكثير وما ~~آمن ms562 معه إلا قليل بأبي أنت وأمي يا PageV02P475 # رسول الله لو لم تجالس الاكفؤا ما جالستنا ولو لم تنكح الاكفؤا ما انكحت ~~إلينا ولو لم تؤاكل إلا كفؤا ما واكلتنا لبست الصيف وركبت الحمار ووضعت ~~طعامك على الأرض ولعقت اصابعك تواضعا منك صلى الله عليه وسلم # قال الرشاطي قد جمع هذا الخبر كثيرا من آياته ومعجزاته صلى الله عليه ~~وسلم تسليما # الخبر الثاني روى عن ابن أبي هالة التميمي عن الحسن بن علي رضي الله ~~عنهما قال سألت خالي هند بن أبي هالة وكان وصافا عن حلية النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأنا اشتهي أن يصف لي منها شيئا اتعلق به # قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألؤ ~~القمر ليلة البدر اطول من المربوع واقصر من المذب عظيم الهامة رجل الشعر أن ~~انفرقت عقيقته فرقها وألا فلا يجاوز شعره شحمة اذنيه إذا هو وفره ازهر ~~اللون واسع الجبين ازج الحواجب سوابغ في غير قرن بينهما عرق يدره الغضب ~~اقنى العرنين له نور يعلوه يحسبه من PageV02P476 # لم يتأمله اشم كث اللحية سهل الخدين ضليع الفم مفلح مشذب الاسنان دقيق ~~المسربة كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة معتدل الخلق بادن متماسك سواء ~~البطن عريض الصدر بعيد ما بين المنكبين ضخم الكراديس انور المتجرد موصول ما ~~بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط عار يالثديين والبطن ما سوى ذلك اشعر ~~الذراعين والمنكبين واعال يالصدر طويل الزندين رحب الراحة شتن الكفين ~~والقدمين شائل الاطراف خمصان الاخمصين مسبج القدمين ينبو عنهما الماء إذا ~~زال زال قلعا يخطو تكفيا ويمشي هونا ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب ~~وإذا التفت التفت جميعا خافض الطرف نظره إلى الأرض اطول من نظره إلى السماء ~~جل نظره الملاحظة يسوق اصحابه ويبدر من لقيه بالسلام # قال قلت صف لي منطقه قال كان صلى الله عليه وسلم متواصل الاحزان دائم ~~الفكر ليست له راحة طويل السكوت يفتتح الكلام ويختمه باشراقة ويتكلم بجوامع ~~الكلم فصل لا ms563 فضول ولا تقصير دمث ليس بالجافي ولا المهين يعظم النعمة وان ~~قلت لا يذم منها شيئا لا يذيم ذواقا ولا يمدحه ولا تغضبه الدنيا وما كان ~~لها فإذا تعدى الحق لم يعرفه أحد ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له ولا يغضب ~~لنفسه ولا ينتصر لها PageV02P477 # إذا أشار أشار بكفه كلها وإذا تعجب قلبها وإذا تحدث اتصل بها فضرب براحته ~~اليمنى بطن ابهامه اليسرى وإذا غضب اعرض واشاح وإذا فرح غض طرفه جل ضحكة ~~التبسم ويفتر عن مثل حب الغمام # قال فكتمتها عن الحسن زمانا ثم حدثته فوجته قد سبقني إليه فسأل عما سألت ~~عنه ووجدته قد سأل اباه عن مدخله ومخرجه ومجلسه وشكله فلم يدع منه شيئا قال ~~الحسن سألت أبي رحمه الله تعالى عن دخول النبي صلى الله عليه وسلم قال كان ~~دخوله لنفسه مأذونا له في ذلك فكان إذا آوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة ~~اجزاء جزأ لله تعالى وجزأ لأهله ثم جزء بينه وبين الناس فيرد ذلك على ~~العامة والخاصة ولا يؤخر عنهم شيئا أو قال يدخر فكان من سيرته في جزء الأمة ~~ايثار أهل الفضل بإذنه وقسمه على قدر فضلهم في الدين فمنهم ذو الحاجة منهم ~~ذو الحاجتين ومنهم ذو الحوائج فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما يصلحهم والامة من ~~مسألتهم عنه واخبارهم بالذي ينبغي لهم ويقول ليبلغ الشاهد منكم الغائب ~~وابلغوني حاجة من لا يستطيع ابلاغها فإنه من ابلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع ~~ابلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة لا يذكر عنده إلا ذلك ولا يقبل من أحد ~~غيره يدخلون روادا ولا يتفرقون إلا عن ذواق ويخرجون أدلة PageV02P478 # قال فسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه قال كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يخزن لسانه إلا فيما يعنيه ويؤلفهم ولا ينفرهم ويكمر كل كريم قوم ~~ويوليه عليهم ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره ولا ~~خلقه ويتفقد اصحابه ويسألأ الناس عما في الناس ويحسن الحسن ويقويه ويقبح ~~القبيح ويوهيه ms564 معتدل الأمر غير مختلف لا يغفل مخافة أن يغفلا أو يميلوا لكل ~~حال عنده عتاد لا يقصر عن الحق ولا يجوزه الذين يلونه من الناس خيارهم ~~افضلهم عنده اعمهم نصيحة واعظمهم عنده منزلة احسنهم مواساة ومومازرة # قال فسألته عن مجلسه فقال كان صلى الله عليه وسلم لا يقوم ولا يجلس إلا ~~على ذكر ولا يوطن الاماكن وينهى عن اياطنها وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ~~ينتهي به المجلس ويأمر بذلك ويعطي كل جلسائه بنصيبه لا يحسب جليسه أن احدا ~~اكرم عليه منه من جالسه أو فاوضه في حاجة صابرة حتى يكون هو المنصرف عنه ~~ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول قد وسع الناس منه بسطه ~~وخلقه فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحق سواء مجلسه PageV02P479 # مجلس علم وحياء وامانة لا ترفع فيه الاصوات ولا تؤبن فيه الحرم ولا تنثى ~~فلتاته متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى متواضعين يوقرون فيه الكبير ويرحمون ~~الصغير ويؤثرون ذا الحاجة أو قال ويحفظون الغريب # قال كيف كانت سيرته في جلسائه قال كان صلى الله عليه وسلم دائم البشر سهل ~~الخلق لين الجانب ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا عياب ولا مزاح يتغافل عما ~~لا يشتهي ولا يويس منه ولا يجيب فيه قد ترك نفسه من ثلاث المراء والاكثار ~~وما لا يعنيه وترك الناس نم ثلاث كان لا يذم احدا ولا يعيره ولا يطلب عورته ~~ولا تكمل إلا فيما رجا ثوابه إذا تكلم اطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير ~~فإذا اسكت تكلموا ولا يتنازعون عنده من تكلم انصتوا له حتى يفرغ حديثهم ~~عنده حديث اولهم يضحك مما يضحكون منه ويتعجب مما يتعجبون منه ويصبر للغريب ~~لعى الجفوة في منطقة ومسألته حتى أن كان اصحابه ليستجلونه ويقول إذا رأيتم ~~صاحب الحاجة يطلبها فارفدوه ولا يطلب الثناء إلى في من مكافئ ولا يقطع على ~~أحد حديث حتى يتجوزه فيقطعه بانتهاء أو قيام PageV02P480 # قال قلت كيف كان سكوته صلى الله عليه وسلم قال على اربع ms565 عن الحلم والحذر ~~والتقدير والتفكر فأما تقديره ففي تسوية النظر والاستماع من الناس واما ~~تذكره قال أو تكفره ففيما ينبغي ويعني وجمع له الحكم صلى الله عليه وسلم في ~~الصبر فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزعه وجمع له في الحذر اربع اخذه بالحسن ~~ليقتدي به وتركه القبيح لينتهي عنه واجتهاد الرأي فيما يصلح امته والقيام ~~لهم بما جمع لهم أمر الدنيا و الاخرة انتهى # انجاز موعد # إذا تقرر هذا فكان صلى الله عليه وسلم زائدا على ما تقدم له من اوصاف ~~جلاله وكماله وهو في معناه اعلم الناس واشجعهم واعدلهم واعفهم واصدقهم ~~واوفاهم والينهم عريكة في الأمة واكرمهم عشرة من رآه هابه ومن عاشره احبه ~~يخصف النعل ويرقع الثوب يخدم في مهنة اهله يجيب دعوة المملوك يمشي وحده ~~وتارة حافيا يردف خلفه يقبل الهدية ويكافئ عليها لا يقبل الصدقة يعصب عن ~~بطنه الحجر من الجوع # قال البلالي قيل الحجر تصحيف ولا يصح الصاقه البطن الكريم بالحصباء في ~~حديث لحكمة دفع حرارة الجوع له فتأمله قال وللتأسي به وتظاهره بالبشرية ~~كيلا يتغالى فيه ومن ثم وقيت امته محذور المغالاة انتهى يأكل مما حضر ومما ~~يليه احب اللحم إليه كتف PageV02P481 # الشاة ومن البقول الدباء ومن لاصباغ الخل ومن التمر العجوة يلبس ما وجد ~~ركب مرة بعيرا وأخرى حمارا يحب الطيب ويكره الرائحة الكريهة يكتحل بالاثمد ~~ويجيب الوليمة ويكثر دهن رأسه ولحيته يلبس خاتما فضة يلازم السواك يحتجم ~~عند الحاجة يباسط أهله يطيل الصلاة يقصر الخطبة يعود المريض يشهد الجنائز ~~يجالس الفقراء يؤاكل المساكين يقبل المعذرة لا يمازح في حق يصل الرحم من ~~غير ايثار على من هو افل منهم لا يهوله شيء من أمر الدنيا لا يحقر مسكينا ~~لا يهاب ملكا ما لعن قط امرأة ولا خادما قال البلالي إلا أصحاب المعاصي بلا ~~تعين ما ضربت يده صلى الله عليه وسلم إلا في سبيل الله ما انتقم لنفسه قط ~~ما اختار إلا ايسر الأمرين ابعد الناس عن المآثم يصابر ذا الحاجة حتى ms566 ينصرف ~~ولا يرسل يده حتى يرسلها الآخر لا يواجه احدا بما يكره يتحدث مع اصحابه إذا ~~ذكروا أمر الدنيا أو أمر الجاهلية يضحك ويبتسم لا يمضي له وقت في غير عمل ~~لمعاده أو ضروري لمعاشه يخرج إلى بساتين اصحابه يكرم الداخل عليه ويؤثره ~~بالوسادة يجلس مستقبل القبلة إذا جلس إليه أحد وهو يصلي خفض صلاته يدعو ~~اصحابه بكناهم ارأف الناس بكل مؤمن خير الناس للناس جهير الصوت حسن النغمة ~~يعرض عن الجاهل يكنى عن المكروه عند الاضطرار إليه إذا نزل به الأمر فوض ~~المخرج فيه إلى الله تعالى احب الطعام إليه ما كثرت عليه الأيدي لا يأكل ~~الثوم ولا البصل ولا الكراث PageV02P482 # لا يتنفس في الإناء لا يسأل أهله طعاما ولا سحرة عليهم يعجبه الثياب ~~الخضر اكثر لباسه البياض إذا لبس جديدا على خلق ثيابه اعطاه مسكينا لا ~~يجزيء بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح رقيق البشرة يعرف في وجهه رضاه ~~ومغضبه اجود الناس كفا واوسعهم صدرا واصدقهم لهجة قال علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه ناعتا له لم ار قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم # إلى هنا انتهى تمام القصد وكماله وتحققت في انجاز مواعده بتميهد قواعده ~~مطامعه وآماله # فنحمد الله تعالى على ما يسر من مرامه ونشكره على المعونة في عقده ~~وانبرامه ونستغفره من خطأ ما خطه البنان وزلل ما طغى به القلم وجمح به ~~العنان ونصلي ونسلم على سيد ولد آدم عربا وعجما وافضل من ورد اسمه في الكتب ~~السوالف بالسنة الخوالف مترجما سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم الذي ~~اوقف عليه وصف الكمال وقصره وايده المقام الصعب بالقاء الرعب ونصره صلاة ~~تتيمن بها فتحا وختما ونؤدي من فرضها اللازم بمقتضى أمرها الجازم حتما وعلى ~~آله الأبرار وأصحابه الناصحين له في الإعلان والاسرار ما تعاقب الزمان يوما ~~وغدا وراح إليه مشتاق الوصول وغدا بمقتضى امرها الجازم حتما وعلى آله ~~الابرار واصحابه الناصحين له في الاعلان والاسرار ما تعاقب الزمان يوما ~~وغدا وراح إليه مشتاق ms567 الوصول وغدا PageV02P483 ms568