######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : العناية التامة في تحقيق مسألة الإمامة ¶ المؤلف : الإمام عز الدين بن الحسن #META# auth: الإمام عز الدين بن الحسن #META# cat: التوحيد وأصول الدين #META# seal: #META# bkid: 45 #META# الكتاب: العناية التامة في تحقيق مسألة الإمامة #META# bkord: 21 #META# idx: 1 #META# iso: العنايه التامه في تحقيق مساله الامامه #META# comp: 1 #META# bk: العناية التامة في تحقيق مسألة الإمامة #META# max: 296 #META# المؤلف: الإمام عز الدين بن الحسن #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### || AUTO مقدمة # جرت عادة الأصحاب بذكر الإمامة في كتب علم الكلام، وفي أصول الدين، وعدت ~~في بعض كتبهم أحد الأصول الخمسة. وليس لذلك وجه يظهر فإنها مسألة فروعية، ~~وباب من أبواب الفقه بين علمي وعملي، وليس ينبغي أن يعد من فن الكلام إلا ~~ما كان علما بالله عز وجل ذاته وصفاته، وأفعاله وأحكام أفعاله، والذي ينبغي ~~أن نعتذر به لهم في ذلك وجهان: # أحدهما: أنها مسألة قطعية، لا يؤخذ فيها إلا بالعلم اليقين، والأدلة ~~والبراهين، فألحقت بالفن الذي هذا حاله وهذه صفته. # وثانيهما: إظهار الاهتمام بهذه المسألة وتعظيم شأنها، وإنزالها من القلوب ~~بمنزلة رفيعة، إذ هذا الفن أجل الفنون. فكما أدخل فيه وألحق به انسحب عليه ~~حكمه، والعذر الأول لا تعويل عليه ولا إلتفات إليه ويستنكر من أن يلحق بعلم ~~الكلام كل مسألة قطعية، من الفروع وأصولها وغيرها. # وأما العذر الثاني: فعذر حسن، وأحسن منه أن الإمامة لما كانت خالفة ~~النبوة وقائمة مقامها، وبدلا منها حتى قضت الحكمة برفعها، وكانت النبوة من ~~فن الكلام، وباب من أبواب كتاب العدل منه ذكرت في الفن الذي تذكر النبوة ~~فيه، لكنه لما لم يكن لها تعلق بباب العدل ولا غيره من أبواب فن الكلام. # أخزت وذكرت بعد فراغ ذلك الكلام على أبواب ذلك الفن وحذي يذكرها فيه حذو ~~ذكرها في فن الفقه حيث تذكر في آخره. والله سبحانه وتعالى أعلم. PageV01P002 ### ||| AUTO بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. الحمد لله ~~الذي جعل الإمامة ذروة للدين، وسناما وصلاحا لآراء العالم ونظاما، وناط بها ~~قواعد من الشرائع وأحكاما، وجعلها للنبوة الهادية للخلق إلى الحق ختاما، ~~ولشرعة سيد الأنام الفاصلة بين الحلال والحرام تكملة وتماما، والصلاة ~~المتبعة إكراما وسلاما، على أشرف البرية ومن كان للرسل إماما. # وعلى عترته الذين ما زالوا لشرعته حفاظا وقياما، وعلى أصحابه الذين وفوا ~~بنصرته وشمروا الساق في طاعته أزمانا وأعواما، وفزعوا إلى نصب من يخلفه في ~~أمته ويتحمل أعباء شرعته قبل مواراته في ms001 حفرته إجلالا لأمر الرئاسة الدينية ~~وإعظاما، (وبنوا لها) بمسيس الحاجة إليها واهتماما. PageV01P003 # وبعد فإنه لم يزل بعض أهل الولع بالتحقيق في العلوم الدينية ومن همه في ~~سلوك منهج التدقيق يسألنا إملاء نبذة في مسألة الإمامة شافية، وبما أراد من ~~تنقيح معانيها وافية، وكلما اعتذرنا عن ذلك بما نحن عليه من الشواغل ~~المستغرقة للأذهان على مر الزمان في كل مكان لم يزدد إلا مبالغة في طلب ~~الإسعاد، والتماس الإسعاف إلى ذلك المراد، فلم نر إلا الإجابة وعدم ~~الابتعاد، وإن كانت الأوقات مشغولة، والقلوب من كثرة المشاق معلولة، وأيدي ~~الأنظار المحررة مغلولة، فإعانة الله سبحانه وتعالى مأمولة، وإياه نسأل أن ~~يثبتنا في الورد والصدر، وما نأتي وما نذر، وأن يوفقنا لإصابة الصواب، ~~ويعصمنا عن الزيغ والارتياب، ونحن نأتي من أصول مسائل الإمام وفروعها، بما ~~اقترح السائل ذكره والتمس تحقيقه وصدره، ورام منا إيضاحه ونشره، ما سبقنا ~~إليه وما لم نسبق، وما حقق في غير إملائنا هذا وما لم يحقق، حسب ما يدخل في ~~حيز الإمكان، والله تعالى المستعان. مع التزام الإنصاف والاغتراف من المورد ~~الصاف، ورفع التعصب بالكلية، فليس لنا بمذهب وليس وراء الله للمرء مطلب. PageV01P004 ### ||| AUTO القول في حقيقة الإمامة وبيان ماهيتها # أما لغة فقيل: ض (عبد الله الدواري): الإمام المتقدم على غيره، في أمر من ~~الأمور على حد يقتدي به فيه، ومنه إمام الصلاة سواء كان مستحقا لذلك أو غير ~~مستحق، في هدى أو ضلال، وعلى الأول قوله تعالى{واجعلنا للمتقين إماما ~~}[الفرقان: 74] وعلى الثاني{وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار }[القصص: 41] ~~وقيل: المقتدي به في خير أو شر، ويجمع ذلك قوله تعالى{يوم ندعو كل أناس ~~بإمامهم }[الإسراء: 71]. # والتحقيق أن الإمام لغة مأخوذ من أمهم، وأم بهم إذا تقدمهم، وأنه أيضا ~~الذي يقتدي به، ذكر المعنى الأول في (القاموس)، والآخر في (الصحاح)، ولا ~~يزاد على هذا. # وحيث حصل المعنى أطلق اللفظ، فلا يحتاج إلى ذلك التفصيل، والإمامة صفة ~~الإمام ووظيفته وهو كونه يقتدى به وكونه متقدما. # وأما اصطلاحا فقيل الإمام ي: (يحيى بن ms002 حمزة) رئاسة عامة لشخص من الأشخاص ~~بحكم الشرع، وقيل ض(عبد الله بن حسن الدواري): رئاسته على كافة الأمة في ~~الأمور الدينية والسياسية، على حد لا يكون لأحد عليه طاعة في ذلك ولا لأحد معه. # وقيل: (الإمام المهدي): رئاسة عامة لشخص واحد، يختص به أيضا أحكام مخصوصة ~~على وجه لا يكون فوق يده يد. # قلت: والمعنى متقارب، والاحترازات فيما ذكر لا يعزب على ذي الذوق السليم، ~~وفسر بأمراء السرايا، وهذان المعنيان ثابتان في حق الإمام. PageV01P005 # ويقال فيهم خلفاء الله في أرضه، وكلام جار الله شعر بجوازه، لأن المراد أن ~~الله استخلفهم على الملك كمن استخلفه سلطان على بلد من بلاده وهو المراد ~~بقوله تعالى في آدم -عليه السلام-: {إني جاعل في الأرض خليفة }[البقرة: 30] ~~وفي داود -عليه السلام-{ياداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض }[ص: 26]ه ~~والنووي حكى الخلاف في ذلك، بأن قال جوزه بعضهم بقوله تعالى: {هو الذي ~~جعلكم خلائف الأرض }[الأنعام: 165]ومنعه الجمهور حكاه عن الماوردي وروي: أن ~~رجلا قال لأبي بكر: يا خليفة الله، فقال: أنا خليفة محمد -صلى الله عليه ~~وآله وسلم- ه وأن عمر بن عبد العزيز أنكر على من قال له ذلك ولا يكون هذا ~~إلا في آدم -عليه السلام-. # وداود لما ذكر فيهما. وذكر الهادي إلى الحق -عليه السلام- في (الأحكام)، ~~أنه من كانت فيه شروط الإمامة فهو خليفة الله تعالى في أرضه. # قال: وبلغنا، عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، أنه قال: ((من أمر ~~بالمعروف ونهى عن المنكر من ذريتي فهو خليفة الله في أرضه، وخليفة كتابه، ~~وخليفة رسوله)). PageV01P006 ### ||| AUTO القول في الإمامة # مذهب جمهور علماء الإسلام أنها واجبة، وحكى عن الأصم وهشام الفوطي وبعض ~~الحشوية، وبعض المرجئة، وبعض النجدات من الخوارج، أنها لا تجب رأسا، بل إن ~~أمكن الناس نصب إمام عدل من غير إراقة دم، ولا إثارة حرب، فحسن ولا بأس به. # وإن لم يتهيأ ذلك وقام كل واحد بأمر منزله، ومن لديه من ذي قرابة وجار، ~~فأقام فيهم الحدود، وأجرى عليهم الأحكام، ms003 وكفى ذلك ولم يكن بهم حاجة إلى ~~الإمام. # وأما إقامته بالسيف والحرب فلا يجوز، وحكي عن هشام الفوطي: إنه لا يجوز ~~نصب الإمام في حال ظهور الظلمة، لما يخشى من نفورهم وتعرضهم له، وما لا ~~يؤمن من إثارة الفتنة. # وأما مع عدم ذلك فينصب وجوبا، لإظهار شعائر الشريعة، وحكي عن الأصم، عكس هذا. # وأما النجدات من الخوارج فالحكاية عنهم متحدة بما سبق ذكره، والقائلون ~~بالوجوب، اختلفوا فالبصرية ذهبوا إلى أنها تجب بطريق الشرع لا العقل. # وقالت الإمامية، والبلخي، والجاحظ، وأبو الحسين البصري، بل تجب عقلا ~~وسمعا، وعن الإمامية عقلا فقط، ثم اختلف هؤلاء في طريق وجوبها عقلا. # فقالت الإمامية لكونها لطفا، فإن المكلف إذا عرف أن هنا إماما نصب لزجر ~~من عصى، وعقوبته كان أقرب إلى فعل الطاعة، وتجنب المعصية، ممن لم يعرف ذلك. PageV01P007 # وقال النظام، والبلخي، وأبو الحسين البصري، طريق ذلك في أنه داخل في دفع ~~الضرر المعلوم ووجوبه بالعقل لأن الناس مع كثرتهم، وتوفر دواعيهم إلى ~~التعدي والظلم، لا يتكلف ذلك منهم إلا مع رئيس لهم له سلطان وأعوان، ~~فيمتنعون لخوفهم إياه عن العدوان، ومعلوم أن في وجود السلطان وقوة شوكته، ~~واستقامته، دفعا لهذه المضار في الغالب . # والمختار أن وجوبها لا يعلم إلا من جهة الشرع، وأنه لا مجال للعقل هنا، ~~وأن اللطفية واندفاع الضرر غير معلومين ولا مظنونين. # وأنه كثير مما ينعكس ذلك، فيلون كثير من المكلفين، أبعد معها من الطاعة، ~~وينفتح كثير من المضار الدنيوية، بسبب الإمامة. # قلت: ولم يزل يختلج في الخاطر إشكال ما ذكره الأصحاب من أمر الوجوب، ~~وحقيقة ظاهر كلامهم إن الوجوب على الأمة، فهل الواجب تحصيل الإمام، ووجود ~~الإمام في الخارج فهذا غير مقدور لهم، لأنه إذا فرض أن في الأمة واحدا أو ~~اثنين، أو ثلاثة يصلحون للإمامة، ويجمعون شروطها. # فمن الجائز أن يمتنعوا عن التأهل لها، والقيام بتكاليفها، وليس في مقدور ~~سائر الأمة فعلهم لذلك، بل إذا امتنعوا عن ذلك ولم يسعدوا إليه، لم يكن ~~داخلا في إمكان سائر الأمة، ولا ms004 متصورا من جهتهم. # وإن كان المراد أن الواجب على الأمة(ص3) في ذلك والمبالغة، والإهتمام ~~بأمره، سواء حصل أو لم يحصل، فالعبارة مشكلة، وكان الأليق على هذا أن يقال: ~~يجب على الأمة إبلاغ الجهد، واستفراغ الوسع في نصب الإمام. PageV01P008 # وليس هذه العبارة بموجودة قط في شيئ من كتب علم الكلام، ولا في الفقه، وإن ~~كان المراد: أنه يجب على من صلح للإمامة التأهل لها، إن كان واحدا ففرض عين. # وإن كانوا جماعة ففرض كفاية، ويجب على الأمة أن يعقدوا له، ويبايعوه ~~وينصبوه، فهذا تفسير يقضى باختلاف معنى الوجوب في حق الأمة، فكان يليق أن ~~يقال: يجب على من صلح للإمامة إن (يتأهل) لها، ويجب على سائر الأمة أن ~~يعقدوها له ولو قبل هذا، إن لم تسعه، فإنما العقد من جماعة قليلة، وأشخاص ~~معدودين من أهل العقد والحل، فكيف يجعل هذا واجبا على الأمة كلها. # وإن قيل: معناه إنه يجب على الأمة كافة، إجابته، وطاعته، ومتابعته، فهذا ~~واجب آخر غير ما كنا بصدده، فالأمر كما ترى في تحقيق معنى الوجوب، والتحقيق ~~المرجوع إليه أن الوجوب في هذه المسألة مختلف في حق الأمة، والصالح لها يجب ~~عليه القيام والانتصاب، بعد حصول من يعقدها له، إذا قلنا طريقها العقد، ومع ~~ظن الإجابة إن قلنا طريقها الدعوة، فهذا واجب على الصالح للإمامة، والواجب ~~على المعتبر من خير الأمة، وأهل الحل والعقد منهم أن ينصبوه ويختاروه، وهو ~~واجب كفاية، حيث كان الصالحون لذلك أكثر مما يحتاج إليه فيه. # والواجب على سائر الأمة أن يسلكوا طريقهم، ويتبعوا آثارهم، ويتابعوهم في ~~ذلك، هذا حيث جعلنا طريقها العقد والاختيار. # وإن جعلنا طريقها الدعوة، فالواجب على الأمة إجابة الداعي الكامل، ~~وطاعته،ومتابعته لا غير. والله عز وجل أعلم ه. PageV01P009 # وقد قيل: المهدي في مذهب الإمامة مرجعه، إلى أن الواجب في هذا هو على الله ~~سبحانه، وهو أن يجعل لنا إماما ينص عليه، ويعلمنا بوجوب طاعته، كما أنه يجب ~~أن يكلفنا بالشرعيات، التي هي لطف. # فإذا عرفت ذلك: فأحسن ما يحمل عليه ms005 القول بوجوب الإمامة، أنه يجب على ~~المسلمين عموما الإهتمام بأمرها، والنظر في تحصيلها، على سبيل الجملة. # وأما التفصيل فعلى حسبما ذكرناه آنفا، والقصد أن يجري الناس على أسلوب ما ~~كان عليه الصحابة -رضى الله عنهم- بعد موت النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ~~من الاهتمام الكلي، والفزع إلى نصب الإمام وإيثاره على تجهيزه -صلى الله ~~عليه وآله وسلم- مع كونه من أهم الأمور، ومباشرة ذلك ينهى من الأعيان، ~~والكبراء، وأهل الحل والعقد، وسائر الناس فرضهم العمل بما أبرموه واعتمدوه. # فهذا هو المعنى والمراد، ولا مشاجة في العبارة. والله سبحانه وتعالى أعلم. # ثم إنا نعود إلى تتميم الكلام، فيما كنا بصدده. فنقول: قد حققنا المذاهب ~~في وجوب الإمام. # فأما المنكرون لوجوبها، فاحتجوا بأن الإمام بمنزلة الوكيل للأمة، وللموكل ~~أن يتولى بنفسه ما وكل فيه من دون الوكيل. # وهذا احتجاج ركيك وليس الإمام بوكيل للأمة، ولا خليفة عنهم، وإنما هو ~~خلفية لرسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-. وكمأمور لله تعالى، وأمين له، ~~ومؤتمن على الدماء والأموال والأديان، وبإقامة الأدلة على وجوب الإمامة ~~عليه يسقط هذا القول ويبين بطلانه. # وأما ذكر ما يحتج به القائلون، بأن وجوبها إنما يعرف بالعقل وحده، ~~فبطلانه يتبين بإقامة الحجج الشرعية السمعية. PageV01P010 # وأما ما يحتج به القائلون بأن العقل طريق إلى وجوبها مع الشرع، فليس مما ~~يهمنا ذكره إن صح ما زعموه فزيادته خير، وتقوية للوجوب، ومعين على المطلوب. # وإن لم يصح ففي الأدلة، الأدلة السمعية الشرعية، غنية وكفاية، وحججهم ~~جميعا في الكتب المتداولة معروفة فمن رغب إلى الوقوف عليها، فليطالعها. # وأما الحجج التي يذكرها أهل المذهب المختار، فهي ثلاث: # الحجة الأولى: إجماع الصحابة على ذلك، فإنه لما توفي النبي -صلى الله ~~عليه وآله وسلم- فزعوا إلى نصب إمام من غير تراخ منهم، آثروه على تجهيز ~~رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ولم يسمع من أحد منهم على شك ينازعهم ~~في تعيين الإمام القول بأن هذا أمر لا حاجة بنا إليه، ولا تكليف علينا فيه، ~~ولا ملجئ لنا إلى هذا التنازع ms006 بل لم يختلفوا في النصب وإن اختلفوا في ~~المنصوب. # الحجة الثانية: إن الصحابة أجمعوا على أن أمر الحدود إلى الإمام، وأن ~~التكليف بها على سبيل الإستمرار إلى أن ينقطع التكليف، والخطاب بها ورد ~~مطلقا غير مشروط بقيام إمام، وقامت الأدلة السنية، على أن الإمام شرط في ~~ذلك، ووجوب تحصيل ما لا يتم الواجب إلا به، لأنه يجب كوجوبه. # الحجة الثالثة: إن المعلوم ضرورة من دينه -صلى الله عليه آله وسلم- أن ~~الجهاد فرض واجب على الأمة، وأن وجوبه لم يسقط بموته -صلى الله عليه وآله ~~وسلم-، وأن الإمام شرط في آدائه والقيام به، مع كون إقامة الإمام أمرا ~~ممكنا للأمة. PageV01P011 # ويثبت بذلك وجوبه، فهذه الأدلة الثلاثة غاية ما يستدل به في هذه المسألة، ~~ويعتمد عليه ولم يشر إلا إلى أصولها، ولها بسط وتفصيل وسياق، لمقدماتها ~~واحتجاج عليها يطول شرحه، ونشره، فلم نر موجبا لاستيفائه هنا، إذ هي أمور ~~معروفة متداولة، والقصد الاختصار، والله تعالى الموفق للصواب. PageV01P012 ### ||| AUTO القول في كون هذه المسألة قطعية # هذا هو مذهب الأكثر على ما حكاه الإمام المهدي أحمد بن يحيىعليه سلام ~~الله ورضوانه، قال -عليه السلام: وزعمت الأشعرية، وبعض المعتزلة، أنها ~~اجتهادية بناء منهم على أن أدلتها ظنية. # قلت: ولا يبعد أن أكثرهم القائلون إنها اجتهادية، فإنه لا ينقل عن أحد من ~~طوائف الفقهاء وأتباع أئمتهم، القول بقطعيتها، وكلامهم فيها وقواعدهم تقضي ~~بأنها عندهم من المسائل الظنية الاجتهادية. # واعلم: أن هذا الخلاف يذكر في وجوب الإمامة، والظاهر أن القائلين ~~بقطعيتها يقولون بذلك في وجوبها، وغيره من مسائلها كشروطها، وأحكامها ~~وطريقتها، والنص على بعض الأئمة وغير ذلك. # ويعدون الإمامة وتفاريعها من المسائل القطعية العلمية، وما كان فيها من ~~عملي فمترب على علمي، وإدخالهم لها في فن الكلام، يدل على ذلك فأنه لا شيء ~~منه ظني. # وأن القائلين بظنيتها دون ذلك، في جميع مسائلها، إذ لا يصح أن يكون ~~فروعها قطعيه، وأصولها ظنية ولا ذلك، وهو كالعلم بالصفة، مع العلم بالذات، ~~فلا يصح أن يكون العلم بالذات استدلاليا، ms007 والعلم بالصفة ضروريا، ولا أن ~~يكون اعتقاد الذات غير علم واعتقاد الصفة علما، وهذا أمر ظاهر. والله أعلم. # ونحن نقول وبالله التوفيق: هذه مسألة تحار فيها الأفهام، وتكثر فيها ~~الأوهام، ومن حقق النظر فيها ازداد تحيره، وطال تفكره، فإن حكمنا على ~~أدلتها بأنها ظنية، وأن المسألة اجتهادية، أدى ذلك إلى طرف من التهاون ~~بأمرها، وتحقير ما عظمه الله تعالى من قدرها. PageV01P013 # مع كون هذه المسألة من قواعد الإسلام، وعليها يدار الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر، الذي هو من أعظم أبواب الدين، وله بعثت الرسل عليهم السلام، ~~وأنزلت الكتب، وعليها يترتب إذهاب النفوس، وإتلاف الأموال، وتجهيز الجنود ~~وإنفاق أموال الله تعالى، وغير ذلك مما يطول ذكره ونشره. # وإن قلنا بأنها قطعية، وأنها من المسائل العلمية اليقينية، فقاعدة ذلك ~~قيام البراهين الموصلة إلى العلم اليقين، المؤدية إليه، الموقفة عليه، وما ~~سكنت النفوس إلى أن أدلة هذه المسائل من هذا القبيل الصريح، ولا وجدناها ~~على ما يراد من التنقيح والتصحيح، ولا سليمة من ورود الإشكال، ولا خالصة عن ~~التشكك بحال، والأدلة السمعية القطعية في القرآن الصريح، الذي هو نص، ~~والسنة المتواترة تواترا حقيقيا، مع صراحة دلالتها، وخلوها عن اللبس، ~~وكونها من قبيل النص والإجماع المتواتر المعلوم، والقياس القطعي الذي (لا) ~~شك فيه. # فأما الدليل من الكتاب والسنة، على وجوب الإمامة فمنتف ولم يرد في آيات ~~القرآن، ولا الأحاديث النبوية المتواترة صريحة الدلالة في هذه المسألة شيء. # وأما القياس فلا مدخل له هنا وأدلته المذكورة من قبيل الإجماع، ومرجعها ~~كلها إليه، ومدارها عليه، وقطعية دلالة الإجماع، تنبني على أصليين لا بد أن ~~يكونا قطعيين: # أحدهما: أدلة حجية الإجماع. # والثاني: تهيئ الطريق إلى حصوله. PageV01P014 # فأما أدلة حجيته: فهي مذكورة مشهورة، وفي إفادتها للقطع إشكال، لأن الذي ~~استدل به في ذلك من الكتاب من قبيل الظواهر، التي دلالتها ظنية، والذي ~~استدل به من السنة، أخبار أحادية والذي تكلفه ابن الحاجب وغيره. # واعتسفوا فيه من الاستدلال على الإجماع بالإجماع، أو ما يعود إليه، هو من ~~قبيل ظن ms008 السراب ماء. # ولقد أتى ابن الحاجب مع كماله، وجلالة حاله، في هذا المعنى بما لا يروج ~~ولا يلتفت إليه، وسلك فيه مسلكا بعيدا عن المنهج السوي، ولم يزل منذ طالعنا ~~كتابه ودارسناه، نستهجن ذلك ونتعجب من عدم تنبيه شارحي كتابه، على عدم ~~صوابه، وكوننا لم نقف على اعتراضه في ذلك، ولا تعرض أحد من المحققين ~~لمنافسته، مع تداول الأيدي لكتابه. # واحتفال أهل المذاهب على اختلافها حتى وفق الله سبحانه للوقوف على كلام ~~لبعض المحققين المعتبرين من المتأخرين، يتضمن تزييف ما ذكره، وتضعيف ما ~~زبره وسطره، في هذا المعنى حتى كأنا أخذنا كلامنا عنه، أو أخذ كلامه عنا، ~~فتأمل ما ذكرناه تأمل إنصاف، وأحط بما أشرنا إليه من جميع الأطراف، وما ~~زلنا في هذه المسألة نقدم رجلا ونؤخر أخرى، ونمعن النظر فيما هو أولى وأحرى. # فإن نظرنا إلى الأدلة المذكورة، وتأملنا مقدماتها، وأردنا نظمها في سلك ~~الأدلة القطعية، والبراهين اليقينية، وجدناها كما أشرنا إليه ونبهنا عليه. PageV01P015 # وإن حكمنا على تلك الأدلة بأنها ظنية، ورجعنا إلى أن هذه المسائل اجتهادية، ~~فكيف هذا وعلى أي وجه يتقرر، مع كون هذه المسألة كما قدمنا ذكره من معظمات ~~المسائل الدينية، وقواعد الأحكام الشرعية، وعليها يبنى أمر الجهاد الأعظم، ~~الذي هو سنام الإسلام، وأفضل أنواع البر. # ومعظم ما بعث له النبي الأمين عليه وعلى آله أفضل الصلاة، وأزكى التحيات، ~~واشتغل خاتم النبيين -عليه السلام-، وإليها مرجع الأمر بالمعروف، والنهي عن ~~المنكر، وتجديد أمر الشريعة النبوية المطهرة، وصيانتها من كل خصلة رذلة، ~~وإنصاف المظلوم من الظالم، والذب عن المناهي والمحارم. # ثم أنه خطر بالبال في هذا المعنى شيء مما يظهر به حال الإمامة ومحلها ~~وعظم قدرها، وفخامة أمرها، وحاصله لذلك سبحانه جبل القلوب، وغرس فيها ~~استعظام أمر الإمامة، وشدة الاحتفال بذلك. PageV01P016 # وذكر فيها أن هذا بشر له حال مزيد على حال أهل الرئاسة، والمملكة والسلطنة، ~~وبعث الدواعي إلى الإتصال به، والإقتراب والتمسك منه، بسبب من الأسباب، فكم ~~إمام راجح، زح الحال قليل المال، ذي لباس خشن، وطعام ms009 غليظ، ومنزل غير واسع، ~~وقلة من الحفل والأعوان، ومكابدة المشاق والرقاق، وفي زمنه وبالقرب منه ~~سلطان أو سلاطين، كل منهم ذو أبهة رائعة، ومملكة واسعة، وأموال زكية، وقصور ~~عالية، وجنود وافية،ولباس ورواء يروق الناظرين، وأطعمه شهية لذيذة ~~للوافدين، وقناطير مقنطرة، من الذهب والفضة، وغير ذلك من زهرة الحياة ~~الدنيا ومحاسنها الغض، التي صارت القلوب إليها مقبلة، وبها مولعة، ولمثلها ~~متمنية، ثم ترى الناس إلى ذلك الإمام الذي ذكرنا صفته وحاله أميل، وله أحب، ~~ولأمره أشد تعظيما، وأبلغ تجليلا وتكريما، ويجد له من الموقع ما لا يكاد ~~الوصف يحيط به دون من ذكر ممن هو ذو سلطنة، وحاله في الدنيا مستحسنة، ونجد ~~كثيرا من الناس له علق بالإمام، وشغف به وغرام، وداره عنه نائية، فلا ~~يعرفه، ولا يدري ما صفته، ولا ينال شيئا من معروفه، ولا يسمع شيئا من ~~كلامه، ولا يطلع له على سبب مما يقتضى المحبة ويغرسها، سواء كونه إماما ~~وكون انتصابه للإمامة نما إلى سمعه ومثل هذا لا يتفق لأحد من الملوك، ولو ~~أنه حيزت له الدنيا بحذافيرها، وانتشرت مملكته في جميع أقطارها، وترى أعادي ~~الإمام، وإن اشتدت عداوتهم له، ونكايتهم إياه، أو نكايته لهم، لا يخلون عن ~~استعظام قدره، ولا يجحدون ما عظمه الله تعالى من أمره، ولا يخلون عن شجن ~~ومخافة من عداوته، وترقب لسوء مغبتها، وترى PageV01P017 منهم من يواصله سرا وظاهرا، ويرغب أن يكون له عبد، وتجد من ينتصب لعداوة ~~الإمام ومعاندته، لا يخلو عن أهل أو ولد، أو ذي علقة بهم، يخالف ما هو ~~عليه، وله محبة في جانب الإمام، وتعظيم له ومواصلة باطنه، واتصال إليه ~~بسبب، ولم يحمله على ذلك كراهة من هو في جانبه، وترى أعوان الظلمة وأعيان ~~جندهم، ووجوه أركان دولتهم، لا يقطعون أيديهم عن الإمام، ولا يخلون عن ~~مواصلة كماله. # وأعجب من هذا ما يتفق من بعض الملوك أهل النخوة والتكبر والترفع من ~~الخضوع للإمام، وإعظامه غاية الإعظام، والتذلل له ولرسله إليهم، ولمن له به ~~أدنى علقة سبابه يستحيل منهم، ms010 أن يفعلوه لأعظم ملوك زمانهم، ويجد في قلوب ~~الأخيار، والعلماء الأحبار، والزهاد الأبرار، من المحبة للإمام، والولع ~~والإشتغال بأمره أمرا عظيما، لم يقدهم إليه هوى ولا غرض، ولا داع من دواعي ~~الدنيا، ولا غرض مع تنوير قلوبهم وتصفيتها عن أدران الذنوب، وترى كثيرا من ~~أهل المذاهب المخالفين لأهل هذا المذهب الشريف، المتحاملين عليه والمزورين ~~عنه، ينسون أو يتناسون ذلك في حق الإمام غالبا، وأعيانهم وعلمائهم يعظمون ~~الإمام غاية التعظيم، ويكرمونه غاية التكريم. PageV01P018 # ولو شرحنا ما وقفنا عليه في هذه الأنواع في حقنا، وعلمنا حقا متيقنا، لطال ~~شرح ذلك، فهذه الأمور التي نبهنا عليها وأشرنا إليه، وغيرها مما تركنا ~~ذكره، تدل دلالة واضحة على أن الإمامة لها سر عظيم، وشأن خطير، وأنها عند ~~الله تعالى بمكان مكين، ومحل رفيع، وأنها ليست بمنزلة المسائل الاجتهادية ~~الظنية، التي كل مجتهد فيها مصيب، والمقدم فيها والمحجم آخذ من الإصابة بنصيب. # ووجه آخر وهو: أن المتأمل لأمورها، وحال المترشح لها، الناهض بأعبائها، ~~مطلع على أنه يحصل بالإمام من المصالح الدينية، والمطالب المرضية، وحراسة ~~الدين الحنيف، والعلم العظيم الشريف، ونفع المسلمين، وقمع الظالمين، وجنود ~~الدين، وإيغار صدور المعتدين، ما لا يكاد تخطر سعته وكثرته ببال، ومن تأمل ~~حال الأمة ومساعيهم، وما تشتمل عليه الأوقات والساعات، من أعمالهم ~~وأقوالهم، وخطابهم وكتابهم، وجد من ذلك ما يشفي الصدور، ويدل على الحظ ~~الموفور، وإن ذلك لو لم يكن لكان سببا في الاختلال، وتناقض الأحوال، ~~والمصالح التي يشتغل بها الإمام، ويعتني بها الاعتناء التام، ويقطع فيها ~~الليالي والأيام، والشهور والأعوام، لو أخذنا في ذكرها ونشرها وتفصيلها ~~وتحصيلها استوعبت كثيرا من الأوراق، ولطال فيها المشاق، وخرجنا عما نحن ~~بصدده من الإيجاز، والتحفظ عن إرخاء القلم والإحتراز، ولا ينبئك مثل خبير. # وبالجملة فأئمة الهدى حقا مما قيل (خلفاء الله في أرضه، وأمناه على خلقه، ~~وحراس دينه، وحفظة شريعته، وملجأ بريته). PageV01P019 # ولو أن إماما تناهي به ضعف الشوكة، وقلة الجهد، وعدم انبساط اليد إلى أن ~~يقف بأعلى جبل عال، لا يمد ولا يقبض، ms011 ولا يبرم ولا ينقض، مع كماله في نفسه، ~~وجمعه لشرائط الإمامة وكونه لم يؤت في ذلك من سوء تدبير، ولا زهد في الخير ~~ولا تقصير في السعي لكان للمسلمين فيه خير كثير، ونفع كبير، يرجعون إليه في ~~المهمات، ويصدرون عنه في كثير من التصرفات، ويكونون الأمور المركبة على ~~الإمامة أهل استقرار وثبات. # قال بعض الفضلاء من السادة، لإمام زمانه وقد كثرت حركاته واقتحامه لأخطار ~~الأسفار ما معناه: ترجيح السكون، وعدم تعريض النفس للذهاب، أن يقال ~~للمسلمين ولو (و) قع السكون والوقوف رأس جبل عال ليس بقليل، وهو أرجح من ~~فوائد الإحتراك مع تجويز الهلاك. # ووجه آخر: وهو أنك تجد لأئمة الهدى من التنويرات والكرامات، وإجابة ~~الدعوات، والحالات الدالة على عظم المكانة عند الله تعالى ما يهدي إلى شرف ~~هذه المنزلة، وعلو هذه الدرجة، وأن هذا ليس بموكول إلى نظر الناظر، واجتهاد ~~المجتهد، ولا بحال يستوي فيه المحتفل والمهمل، والناهض والرافض، والمحب ~~والباغض، والنافي والمثبت، والملتزم والمتلعب، وأن هذه المسألة ليست كمسألة ~~المضمضة والاستنشاق، وغسل الرجلين ومسحهما، ونحو ذلك من المسائل الظنية ~~والإجتهادية، التي درجتها بالنظر إلى غيرها غير عليه. PageV01P020 # وغير بعيد أن يستهجن كثير ممن يقف على كلامنا هذا، جعلنا هذه الوجوه طريقا ~~إلى عظم شأن هذه المسألة ومخرطة لها عن حيز المسائل القليلة الخطر، ومنهجا ~~إلى إلحاقها بالمسائل الجليلة القدر، العظيمة الشأن، التي يصير بها من لم ~~يصب جادة الصواب فيها ويسلكها من الآثمين بل من الظالمين وسبب الاستهجان ~~كون هذه المشاق مما لم يسبق إليه. # ولا يطرق الأسماع وكأنه قريب الميلاد، والنفوس تنفر عما لا تألفه ~~وتعتاده، وإلا فمن أنصف وجانب التكبر بما تعجرف، وتأمل ما هداه الدليل إليه ~~من سواء السبيل وتعرف. # وجده كلاما حسن المعاني، قوي المباني، وهذا شيء دعانا إليه ما تيقناه من ~~عظم أمر الإمامة وحالها ومحلها، وارتفاع منزلتها ودرجتها، مع كون أدلتها ~~ليست بذلك. # فقد ورد عليها أسئلة مشكلة من أراد الإطلاع على تحقيقها، والوقوف على ~~غاية ما قيل فيها، فليطالع المراسلة الدائرة ms012 فيها، بننا وبين حي الفقيه ~~الأفضل جمال الدين علي بن محمد البكري رحمه الله تعالى، فإنا وإياه أشبعنا ~~فيها الفصل، وأتينا بما له على ما ذكره غيرنا في ذلك فضل. # وكذلك شرح مقدمة الكلام من كتاب (البحر) لمصنفه قدس الله تعالى وجهه ~~وروحه، فإنه بسط في ذلك ووسع المسالك، فجزاه الله تعالى خيرا. PageV01P021 # تنبيه: تعرف مما ذكرناه ونشرناه أن الإمام من مصالح الدين العظيمة، وخيراته ~~العميمة، وهو أمر لا ينبغي أن يعدل عنه ولا أن يستراب فيه، وعليه نص الشيخ ~~أبو علي، وقاضي القضاة، وعزا إلى الشيخ أبي هاشمالقول: بأنه من مصالح ~~الدنيا، والأمور المتعلقة به كلها دنيوية فحكمه في ذلك كحكمها، وكان مثل ~~هذا الشيخ جدير بأن لا يصدر عنه مثل هذا القول ولا يحوم حوله، والله سبحانه أعلم. PageV01P022 ### ||| AUTO القول في طريق ثبوت الإمام وما تنعقد به إمامته # قيل ي(الإمام يحيى بن حمزة): والإجماع منعقد على أن الرجل لا يكون إماما ~~بمجرد صلاحيته للإمامة، وإنما يكون إماما بأمر آخر غير ذلك. # وقيل (الإمام المهدي): حكى الحاكم عن بعض الزيدية أنه بإجتماع الخصال ~~يصير إماما، قال: الصحيح من مذهبهم أنه لا يصير إماما إلا بإنضمام أمر ~~زائد. انتهى. # قال المهدي: ولا أحفظ هذا المذهب لأحد من الزيدية، وإن صح فهو ظاهر ~~السقوط لخرقه الإجماع السابق. # وقد اختلف في ذلك الأمر، فمذهب الجمهور من الزيدية إلى أن الإمامة تنعقد ~~في غير من وقع النص عليه بالدعوة، وذهبت المعتزلة والأشعرية، والخوارج، ~~والمرجية، وأصحاب الحديث، والأكثر من أهل القبلة، والصالحية من الزيدية، ~~إلى أنها تنعقد بالعقد والاختيار. # قال الإمام المهدي -عليه السلام- وبه قال بعض الزيدية، كالمؤيد بالله، ~~ومن تابعه. # وقال الإمام يحيى -عليه السلام-: حكى عن الإمام المؤيد بالله -عليه ~~السلام- أنه قال: لا يمتنع أن يكون عقد الخمسة لمن اجتمعت فيه الخصال طريقا ~~إلى ثبوت الإمامة. # روى كثير من المتأخرين أن القول بثبوت الإمامة بالعقد لم يقل به م بالله ~~-عليه السلام- وإن قال به في غيرها منهم القاضي عبد الله الدواري في ms013 ~~تعاليقه. قال: وإنما لم يجز أن يكون العقد والاختيار طريقا إلى إمامة علي، ~~والحسنين عليهما السلام، لأن إمامة هؤلاء ثبتت بالنص. # قال: ويبعد أن يكون أحد من أصحابنا قام بالإمامة، ولم يعقد له. PageV01P023 # قال الإمام يحيى بن حمزة: وظاهر كلامه هذا فيه دلالة على أنه يذهب إلى أن ~~العقد طريق إلى ثبوت الإمامة، لمن عقد له، خلا أنه يمكن تصوير الخلاف ~~بيننا، وبين من خالف، بأن يقال: فلو قام من هو صالح للإمامة، ودعى ولم تعقد ~~له فهل تصح إمامته، أو لا؟ فعلى قولنا تصح، وعلى قولهم لا تصح. # قال: وما قاله أصحابنا من اعتبار الدعوة في طريق الإمامة قوي من جهة ~~الشرع لإجماع العترة عليه وضعف دعوى الإجماع على كون الاختيار طريقا ~~للإمامة، وما ذكره م بالله -عليه السلام- قوي من جهة النظر فإن عليه عمل ~~الصحابة فيما فعله عمر ورضوه وسكتوا عليه، قال: ولا يقال: إن المؤيد بالله ~~مخالف للإجماع بمخالفة القولين المتقدمين فقائل يعتبر بانعقاد الإمامة ~~الدعوة لا غير، وقائل يعتبر في انعقادها العقد والإختيار من غير زيادة. # فإذا قال المؤيد: لا يمتنع فيمن عقد له الخمسة، وكان جامعا للخصال ~~المعتبرة في الإمامة، أن يكون العقد طريقا إلى إقامته، كان هذا القول قولا ~~ثالثا مخالفا الإجماع، لأنا نقول: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلان إحداث القول الثالث لا يكون خرقا للإجماع، كما قررنا في ~~الكتب الأصولية. # وأما ثانيا: فلأن جمعه بين العقد والاختيار والدعوة، يكون قوة لا محالة، ~~وزيادة وثاقه، في طريق الإمامة، فما كان هذا حاله، لا يمنع منه، فلا وجه ~~للتشنيع على المؤيد بالله -عليه السلام- فيما ذهب إليه. PageV01P024 # قلت: ويؤخذ من مفهوم كلام الإمام يحيى -عليه السلام-، في حكاية مذهب المؤيد ~~بالله -عليه السلام-، أنه يعتبر العقد والدعوة معا، وإن لم يلخص عبارته، ~~ويلوح من عبارته وكلامه هذا إن ذلك رأيه -عليه السلام-، والله أعلم. # قيل ض(القاضي عبد الله الدواري): وروي عن زيد بن علي، والناصر، والمؤيد ~~الله، كقول المعتزلة، قال: ولم تصح لنا عنهم هذه ms014 الرواية في الإمامة، إلا ~~أن للمؤيد بالله في (الزيادات) كلاما يحتمل ذلك في الإمامة، وهو متأول، ~~فأما الولايات غير الإمامة، فهو مصرح فيها بمثل قول المعتزلة. # واعلم: أن المذاهب في طريق انعقاد الإمامة كثيرة متفاوتة، ولكن هذين ~~المذهبين هما المعول عليه، والمرجوع للمحققين إليه، وقد ذهب أكثر المعتزلة، ~~منهم: الشيخ أبو هاشم، أن من طرقها عهد الإمام الأول على من يقوم بها بعده، ~~إذا قبل ذلك المعهود إليه. # قيل (المهدي): وهو قول أكثر الأمة، وخالفهم أبو علي في ذلك. وحكى عنه ~~المهدي -عليه السلام- أن الإمامة تنعقد بذلك مع رضا أهل الحل والعقد، وقال ~~سليمان بن جرير: إذا أراد الإمام أن ينص على غيره فله ذلك، لا على جهة ~~الإلزام، بل من قبيل المشورة عليهم، والتعريف لهم بصلاحيته، بأن يختاروه إن شاءوا. # وفي المسألة مذاهب أخر، كقول من قال: تنعقد بالغلبة، وقول من قال: ~~بالإرث، وقول من قال بالنصر، هذه المذاهب جديرة بترك ذكرها، وعدم سطرها. PageV01P025 # حجة أصحابنا على اعتبار الدعوة، إجماع العترة، قيل (المهدي) وإجماعهم على ~~ذلك واضح، في مصنفاتهم وسيرهم، لا يمكن إنكاره ولا دفعه، واحتجوا بأن ~~المعلوم أنه لا بد من طريق إلى انعقادها، والأمة مفترقة في ذلك، فقائل ~~بالدعوة، وقائل بالعقد والإختيار، وقائل: بالنص من النبي -صلى الله عليه ~~وآله وسلم- أو من الإمام. # وقائل بالغلبة، فإذا أبطلت الأقوال الثلاثة غير الدعوة، تعين الحق في ~~القول بها وإلا خرج الحق على أيدي الأمة، وأن تكون كلها مخطئة فيما الحق ~~فيه مع واحد وذلك يتضمن إجماعهم على الخطاء، واحتج أيضا بقوله: -صلى الله ~~عليه وآله وسلم-: ((من سمع واعيتنا أهل البيت ، فلم يجبها كبه الله على ~~منخريه في النار)). والواعية الدعاء، والمراد به دعاء الإمام. # واحتج أهل العقد والاختيار بالإجماع الواقع من الصحابة يوم السقفية، على ~~الفزع إلى العقد والاختيار والاعتبار له، وحكمهم بصحة الإمامة من وقع في ~~ذلك في حقه دون من لم يقع له، فاقتضى ذلك أن الإمامة لا تنعقد إلا به، ~~واحتج القائلون بالنص من الإمام، ms015 بعمل الصحابة رضي الله عنهم. # فإن أبا بكر عهد إلى عمر، فأجمعوا على وجوب العمل بذلك، وسمعوا وأطاعوا، ~~فكان ذلك إجماعا على أنه طريق تنعقد به الإمامة كالعقد، وزاد من لم يعتبر ~~رضا أهل العقد والحل أن الناس كرهوا عهد أبي بكر إلى عمر حتى قالوا: وليت ~~علينا فظا غليظا، ولم تمنع كراهتهم من تمام ذلك، ولا انتقض بها ما أبرم ~~منه، فهذه زبدة ما احتج به أهل المذاهب الثلاثة، وتوصلوا به إلى تصحيح ما ~~ذهبوا إليه، وقد اعترض دليل الأصحاب: PageV01P026 # أما الأول: فبأن قيل: وأي إجماع من العترة وفيهم إمامية يخالفون في ذلك ثم ~~أن العترة كيف يعلم إجماعهم، مع انتشار أعدادهم في أقطار الأرض، وأي سبيل ~~إلى العلم بهم، فكيف بإجماعهم ذكره ض عبد الله الدواري في تعليقه، ومثل هذا ~~المعنى في إجماع العترة، ذكره السيد محمد بن إبراهيم في كتابه (العواصم)، ~~وبسط القول فيه، وذكر من علماء العترة وأعيانهم خلقا كثيرا في المغرب، لا ~~يطلع على مذاهبهم ولا أقوالهم. # وأما الثاني: فبأن قيل إنما تثبت بذلك صحة ما يقولونه، لو كانت المذاهب ~~المذكورة حاضرة، لا يمكن القول بغيرها، فحينئذ إذا بطلت إلا واحدا منها ~~تعين الحق فيه، وأما حيث غيرها من الأقوال ممكن ولا حصر فيها، لما يمكن أن ~~يذهب إليه الذاهب فلا، بل يجوز بطلان غير ما ذهبتم إليه، وبطلان مذهبكم ~~وكون الحق في غير ذلك كله. # وأما الاحتجاج بالخبر: فهو أحادي، ولا دلالة فيه على أن الدعوة هي طريق ~~ثبوت الإمامة، إنما يدل على وجوب طاعة الداعي. # وأجيب عما احتج به أهل العقد والإختيار بأن قيل: إن أردتم أنهم أجمعوا ~~على ذلك معتقدين أنه الطريق إلى انعقادها، فدوال على ذلك فلا سبيل لكم إلى ~~تصحيحه. # وإن أردتم أنهم أجمعوا على ذلك، معتقدين بأنه الطريق إلى انعقادها على ~~مجرد فعله، فلا فرع لكم في ذلك،ونحن لا نسلم حسن الإختيار، حينئذ ولا عدم ~~التناكر فيه، لأن الإمامة في ذلك الحال ثابتة النص. PageV01P027 # وأجيب عن حجة القائلين بنص ms016 الإمام: بأنه لا دليل على أن الإمام الأول إليه ~~ذلك، فإنه حكم شرعي، لا يثبت إلا بدليل شرعي، و(لا)إجماع المدعي غير صحيح، ~~فإن عليا -عليه السلام- أنكره، ولم يرضه هو وأتباعه، فكيف ينعقد الإجماع من دونهم. # قلت: ولا يخفى على المتأمل أن جميع أدلة أهل المذاهب الثلاثة، المذكورة ~~عن القطع بمراحل، وأنها إذا محصت وتأملت حق التأمل، لم تنته بنا إلى يقين، ~~ولا أفادت القطع الخالي عن التجويز والتخمين. # وأولى ما يقال: إنه لا بد من الجمع بين الأمرين، العقد والإختيار، ~~والدعاء إلى الله تعالى، والإنتصاب لهذا الأمر، وإشهار النفس له، وأن ~~أحدهما لا يكفي في ثبوت الإمامة على سبيل القطع. # وأما العقد فإذا فرضت حصوله وأن جماعة من أهل الحل والعقد اختاروا واحدا ~~صالحا للإمامة، فعقدوها له، ونصبوه واختاروه، ثم أغلق باب داره على نفسه، ~~وخمل ولم ينهض، ولا شهر سيفه، ويدع إلى ربه، فليس من الإمامة في شيء، وأي ~~نفع لذلك في أمر الإمامة، وتكاليفها العامة، وما أحسن ما أثر عن موسى بن ~~جعفر حيث قال: "ليس منا أهل البيت إماما مفترض الطاعة وهو جالس في بيته، ~~والناس (.......ص9). # وعن الإمام الحسين بن علي الفخي، أنه قال: (من كان منا أهل البيت داعيا ~~إلى كتاب الله تعالى، وإلى جهاد أئمة الجور، فهو من حسنات زيد بن علي، فتح ~~والله لنا زيد بن علي الجنة، وقال: {ادخلوها بسلام آمنين }[الحجر: 46]. # وعن الإمام الجليل زيد بن علي، أنه قال: (أيكون إماما الجالس في بيته، ~~المسبل عليه ستره). PageV01P028 # وأما الدعوة فإذ فرضت حصولها، لا عن مواطأة لأحد من أهل الحل والعقد، ولا ~~رضي واحد منهم، فغير بعيد ثبوت الإمامة واستقرارها، ولا تخلو الأمة عن ~~التعلق به، والمشاركة فيه، والإحتجاج إليهم فيه. # فإن أجابوا وبايعوا ورضوا به، استقرت إمامته، وصحت دعوته، ولو لم يقع ذلك ~~منهم فلا صحة لدعوته ولا استقرار لها. # ويؤكد ذلك ما جرت عادة الأمة والأئمة، من التشاور في هذا الأمر، والتواطؤ ~~عليه، وسبق الدعوة بالعقد والاختيار لا نجد إماما ms017 قام غالبا إلا على هذه ~~الكيفية المرضية، ولا يستحسن الإمام أن يبين للأمة أمرهم هذا، ويشتغل ~~بالنظر فيه. # ويجانب ما أمر الله به من المشاورة وندب إليه بها على سبيل العموم، ولا ~~يفعل هذا من له تثبت في الأمور،ومثل هذا التكليف العسير، لا ينبغي أن ~~يتسارع إليه إلا عن مشاورة ومفاوضة لأهل الحل والعقد، ومن له في صلاح الأمة ~~والأمور المهمة جد وجهد. ولا يخلو الأمر عن أحد وجهين: # إما أن يغلب على ظنه رغبتهم في ذلك إليه، وأشد حاجتهم إياه، ففي ذلك ~~تقوية لأمره، وشد لأزره. # ومن سوء التدبير أن يحجب ذلك عنهم والحال هذه، فأن غلب على ظنه أنهم له ~~كارهون وعنه نافرون، وأنهم لذلك لا يحبون وفيه لا يرغبون، فليس مثله من ~~يقدم على أن يؤم الناس مع كراهتهم له ولا صلاح في ذلك، وإذا كانت إمامة ~~الصلاة تحرم على من عرف كراهة المؤمنين إياه، مع سهولة المؤنة في ذلك، ~~فبالأولى والأحرى أمر الإمامة الكبرى، والله سبحانه أعلم. PageV01P029 # فائدة: إذا جعل الطريق إلى ثبوت إجابة الإمام العقد والإختيار، فلا إشكال ~~أن ثبوت إمامته يكون عقيب العقد لا قبله ولا بعده، منفصلا عنه. # وإذا جعل الطريق إلى ذلك الدعوة، قيل (المهدي): فلا يصح، أن يقال: إن ~~ثبوت الإمامة يتأخر عن الدعوة، لأنه يؤدي إلى أن يدعو إلى من لم تثبت وجوب ~~طاعته ولا تتقدم إذا لم يكن قد انعقدت قبل الدعوة، فيجب أن يقارن بها ~~الدعوة لا تتقدم ولا تتأخر. # قلت: وفي هذا نظر، وكيف يقارن المتطرق إليه والطريق ويوصل إليه في حال ~~سلوكها للتوصل إليه، والصحيح أن دعوته طريق إلى ثبوت الإمامة، وأن ثبوتها ~~عقيب حصول الدعوة، وأن ذلك لا يمنع من تقديم الدعوة، بل يقال: من كملت فيه ~~شروط الإمامة، واستجمع خصالها، فله أن يدعو ويثبت حقه عند إتيانه بها ولا ~~إشكال في ذلك، ويلحق بما ذكر بيان معنى الدعوة وبيان ماهيتها، وبيان صفة ~~العقد والإختيار وكيفيته. # أما الدعوة، فقيل (المهدي): هي أن يظهر الرجل من ms018 نفسه الانتصاب لمقاتلة ~~الظالمين، وإقامة الحدود والنظر في المصالح العامة ويدعو إلى ذلك، وقيل: ~~التهيؤ للقيام بأمور الأمة والإمامة، والعزم على تحمل مشاق ذلك، والمباينة ~~للكفرة والفسقة، مع كونه في موضع لا يكون لهم فيه سلطان عليه ولا يد، بحيث ~~يمكن استحضاره إليهم، لا أن المراد أن يكون لا يأمن أن يوجهوا إليه ~~العساكر، ويجوز أن ينالوا منه منالا مع ذلك، فهذا لا يمنع صحة الدعوة. # قال: ولا يشترط في صحة الدعوة بألفاظ الدعاء، كأن يقول: أدعوكم إلى كذا ~~فأجيبوني، وأطيعوا أمري، بل يكفي أن يظهر أنه قد عزم على القيام بأمر ~~الإمامة. PageV01P030 # قلت: المناسب لمعنى الدعوة أن يدعو الإمام إلى طاعته وإعانته ومظاهرته، ~~مخبرا بتأهله لتكاليف الإمامة، وانتصابه لها، وما عدا ما ذكر فزوائد ترجع ~~إلى شروط صحتها، وما لا بد لصاحبها منه، والله أعلم. # وأما العقد والاختيار فصفته: أن يقول العاقدون للإمام: نصبناك لنا إماما، ~~أو رضيناك أو اخترناك، وعقدنا لك الإمامة، قيل (القاضي عبد الله الدواري): ~~ويقبل ما وجهوا إليه من ذلك. # قلت: أما الإتيان بلفظ القبول فلا يشترط، وإنما القصد أن يقبل ثقتهم ~~إياه، بقول أو فعل، أو شروع مما يفهم به عدم الرد، ولا يعتبر منهم زيادة ~~على ما ذكر. # قال الحاكم: وصفقة اليد ليست شرط في العقد، وإنما الشرط أن ينطق كل منهم ~~بنصبه إماما، أو ينصبه واحد منهم، ويرضاه الباقون، وإن لم يصدر منهم كلام، ~~واختلف في عدد الناصبين. # فالذي ذهب إليه أبو علي، وأبو هاشم، وقاضي القضاة، والجمهور من معتبري ~~العقد والإختيار، أنه لا بد أن يكونوا خمسة اعتبارا بالعقد لأبي بكر. # فإن العاقدين له عمر، وأبو عبيدة، وعبد الرحمن بن عوف، وأسيد بن حضير، ~~وبشير بن سعد. وفي فائق ابن الملاحمي الخمسة: عمر، وأبو عبيدة، وبشير بن ~~سعد، وأسيد بن حضير، وسالم مولى أبي حذيفة. # وقيل: لا بد أن يكونوا ستة، كعد أهل الشورى، الذين جعل عمر الأمر شورى ~~بينهم، وهو ضعيف، لأن قصد عمر أن يعقد خمسة منهم للسادس إذ ms019 لا يتهيأ غير ذلك. # ولذلك أحتج به لاعتبار الخمسة، وقيل: أربعة عدد شهود الزنا. PageV01P031 # وقال أبو القاسم البلخي في آخرين ثلاثة: أن عمر قال في أهل الشورى: فإن ~~افترقوا في الرأي نصفين، فالثلاثة الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف. # وقال سليمان بن جرير وآخرون معه: يكفي اثنان قياسا على الشهادة، وعن ~~بعضهم: يكفي واحد، وعزا هذا إلى الشيخ أبي الحسين، وابن الملاحمي، ورووا ~~أنه عن الشيخ أبي علي. # وفي (شرح مقدمة البحر)، عن الشيخ أبي القاسم: أنه يكفي بيعة واحد للإمام، ~~وإن لم يرض غيره، فأما مع رضا أربعة عند تعيين الخمسة فذلك كاف اتفاقا ~~بينهم، وذكر أن أبا القاسم احتج بأن بشيرا بايع أبا بكر قبل استقرار رضا ~~الجماعة، فرأوا أن أمره قد ثبت ببيعته فبايعوه، وأن العباس قال لعلي كرم ~~الله وجهه في الجنة: أمدد يدك أبايعك قبل أن يراضي غيره في ذلك. # ولم ينكر عليه، وأن عبد الرحمن بايع عثمان، قبل مراضاة بقية أهل الشورى، ~~وقد رد ما ذكره بأن أبا عبيدة، وبشيرا، بايعا أبا بكر بعد مراضاة بقية ~~الخمسة، وأن ابن عوف ما بايع عثمان إلا بعد مراضاة بقية أهل الشورى. # وقد سبق أنه يكفي قول العاقدين: نصبناك أو رضيناك، وإن لم تقع بيعة ولا ~~صفقة يد. # وقال الإمام المهدي -عليه السلام-: ظاهر أخبار السقيفة، تقضي بأن النصب ~~لا يكون إلا بالبيعة، والبيعة إعطاء العهد على أقرب الأمور، واستظهر عليه ~~بقول أبي بكر: بايعوا أحد هذين الرجلين، ولم يقل انصبوا. PageV01P032 # وبقول العباس رضى الله عنه لعلي كرم الله وجهه في الجنة: امدد يدك أبايعك، ~~وبالآيات المذكور فيها البيعة كقوله تعالى: {إن الذين يبايعونك }[الفتح: ~~10] {إذا جاءك المؤمنات يبايعنك }[الممتحنة: 12] وبمبايعة الرسول -صلى الله ~~عليه وآله وسلم- (بشماله) إصفاقا بها على يمينه، عن عثمان في بيعة الرضوان ~~فأخذ من ذلك أن العقد بالبيعة بصفق اليد على اليد، ووضعها فيها. # قال: وهذا يقتضي أنها لا تنعقد بمجرد قول العاقد: نصبتك، ونحوه. # قلت: وهذه مآخذ ليست بالقوية، والذي فعل يوم ms020 السقيفة إنما هي صورة فعل لم ~~يدل دليل على اعتبارها، وتوقف عقد الإمامة عليها، وذكر المبايعة في قصة ~~بيعة النساء وبيعة الحديبية للدلالة فيها على أن مثل ذلك يعتبر في انعقاد ~~الإمامة. # تنبيه: حكى الإمام يحيى -عليه السلام- في كيفية البيعة، أنها إنما كانت ~~مجرد لمس الكف، بعد المواطأة على ما تعاقد عليه المتبايعان، من دون لفظ يقع ~~عند وضع اليد على اليد. انتهى. # والظاهر أنه لا بد في البيعة من النطق، وأنها من قبيل القسم والعهد، ~~وبذلك جرت العادة، وليس لوضع اليد حكم يلزم، ولا يقع به انعقاد المبايعة، ~~وتأكيد أمرها. # وإنما ينضم إلى العهد تصويرا للترابط والتلازم. والله سبحانه وتعالى أعلم. # تنبيه: لا يعتبر في العاقدين للإمامة وغيرها كونهم من أهل الاجتهاد، ~~وإنما يعتبر منهم العدالة، وكونهم غير مخلين بما يلزم علمه من أصول الدين ~~وغيره، وعلمهم بالأوصاف المعتبرة في المنصوب وصلاحيته لذلك. PageV01P033 # قال القاضي: ذكر معنى ذلك في (المحيط)، ودليله أمر العاقدين لأبي بكر، وأهل ~~الشورى فإنهم لم يكونوا كلهم أهل اجتهاد، وكانوا على الصفة التي ذكرنا. # تنبيه آخر: وهل يشترط إجماع العاقدين عند العقد والرضى به أولى. # قال بعض القائلين به: لا بد من إجماعهم، لأن العقد الذي احتج به، ووقع في ~~زمن الصحابة-رضي الله عنهم-، كان كذلك، وذكر ذلك القاضي أبو مضر. وقال ~~بعضهم: لا يشترط ذلك، ويصح مع كون كل واحد منهم عقد له وحده أو رضي به، ولو ~~كان غائبا بأن يأتي بذلك كتابه أو رسوله. # تنبيه آخر: لو وكل عدد العقد المعتبرون غيرهم أن يعقدوا له، وينصبه أو ~~واحد منهم، هل يصح ذلك ويكفي أو لا؟ # قيل: لا بد أن يتولوا العقد، ولا يصح أن يوكلوا غيرهم، وقال محمود ~~الملاحمي: صفة عقد الخمسة أن يوكلوا واحدا منهم ليعقد أو يرضوا بعقده، لا ~~أن يعقدوا جميعا. # وقال في (المحيط): المعتبر في ذلك رضا الناصبين، كان بعقدهم جميعا أو عقد ~~أحدهم ورضي الباقون، قال: ولا يحتاج في ذلك إلى إيجاب وقبول ولا اعتبار ~~بالضرب باليد ms021 وضرب الكف على الكف. # تنبيه آخر: هل لمن عقدت له الإمامة أن يعزل نفسه، ويعتزل عما ولي فيه في ~~وجه الناصبين أو في وجه عدد غيرهم، كعددهم ممن يصلح للعقد، كما أن هذا ~~الحكم ثابت لكل منصوب في غير الإمامة؟ # قيل (القاضي عبد الله الدواري): يحتمل ذلك، ويحتمل خلافه مهما كان واجدا ~~للأعوان على تنفيذ الأحكام الإمامية أو شيء منها، وهو الظاهر من كلام ~~أئمتنا عليهم السلام. PageV01P034 # وأما الناصبون فهل لهم أن يعزلوا من نصبوه أو لا؟ أما في غير الإمام فقيل: ~~تصح، وقيل: لا. # وأما الإمام فلا يصح ذلك فيه، لأنه بالنصب قد صارت له الولاية عليهم، ~~والحكم فيهم بما راءه، لا أن الحكم لهم عليه، وهذا كله مع استقامة حال ~~المنصوب. # قيل: فأما مع اختلاف حال المنصوب إماما أو قاضيا، بحيث لو اطلع عليه قبل ~~العقد لم يعقدوا له فلهم أن يعزلوه بل لا يبعد انعزاله من غير عزل. والله أعلم. PageV01P035 ### ||| AUTO القول في شروط الإمام والصفة التي يجب أن يكون عليها # أعلم أن الإمام لا بد أن يكون متميزا على سائر الناس لأنه بعد انعقاد ~~الإمامة يكون أفضل الناس، وإنما النظر فيمن نص عليه أمير المؤمنين والحسنين ~~عليهم السلام، هل يعتبر الشروط فيهم أولا. # ذكر القاضي عبد الله الدواري: إن إمامتهم لما ثبتت بالنص لا تحتاج إلى ~~شروط، قال: فلو قدرنا أنه لم يكن فيهم كل الشروط أو بعضها لم يقدح ذلك في ~~إمامتهم، وإن كان معلوم أنها فيهم أكمل. # قلت: هذا وهم لأنه ما ثبت اشتراطه في حق الإمام، وكانت الإمامة تتوقف ~~عليه فلا بد منه ولا سبيل إلى بطلان اشتراطه في حق إمام، ونقول لا يجوز أن ~~ينص إلا على من هو كامل. # فإذا وقع النص، دل على كمال الشرائط، فلا تفتقر إلى البحث عنها، إذ لا ~~يجوز أن ينص الحكيم (على) من هي مختلة فيه. # وليس النص على الإمامة بأبلغ من إظهار المعجز على النبي -صلى الله عليه ~~وآله وسلم-. # ومن المعلوم أنه لا ms022 يجوز أن يقع الوحي، ويظهر المعجز، إلا على من جمع ~~الشرائط التي لا بد أن يكون الإمام عليها، فإن فرض أن النص وقع على من هو ~~خال من بعض ما ذكر اشتراطه، دل على أنه غير شرط، وأن شروط الإمامة لا تتوقف عليه. # واعلم أن شرائط الإمام تنقسم إلى: خلقية، واكتسابية. PageV01P036 ### |||| AUTO أ- شروط الإمام الخلقية # فأما الخلقية: فأن يكون ذكرا، حرا، بالغا، عاقلا، ذا منصب مخصوص فالأربعة ~~الأول متفق عليها، ومجمع على اشتراطها، قال الإمام المهدي -عليه السلام-: ~~لا يقدح في الإجماع على ذلك خلاف العباسية. # وقولهم: بأن طريقها الإرث، وأنه يستلزم استحقاق الطفل والمرأة لها، فإنه ~~قول حادث لا إلتفات إليه، ولا تعويل عليه، ولأن المقصود بالإمام يتوقف على ~~ذلك، لأنه (إن) لم يكن على هذه الأحوال، لم يتمكن من التصرفات المقصودة ~~منه، ولا يكمل فيها، ولأن المرأة فرض عليها الاحتجاب، وعدم الخروج من ~~الجلباب، وأن لا تسافر إلا بمحرم مرضي،ولا تتمكن من مباشرة الناس ومخالطتهم ~~على الوجه السوي، وصوتها قد يحرم استماعه، ومناجاتها ومخالطتها قد يفضي إلى ~~أمور محظورة. # ولقد بلغ أن امرأة كانت لها نهضة وفراسة وعلو همة، وكانت تقهر الأعادي، ~~وتأسر الرجال، فأسرت مرة أسيرا وشدت وثاقه، وأحرزته في دارها، وكان يرقد ~~معها في منزلها، فكان من بعد مدة أن ظهر حملها، وعلقت منه، فسئلت؟ فقالت: ~~السبب قرب الوساد، وطول السواد، فهل مثل هذا الجنس يصلح للنظر في حال الأمة ~~عموما، وتجهيز الجهاد والغزوات، وتسهيل الحجاب، والنزول لأهل الحاجات، ونحو ذلك. # وأما الطفل والمملوك والمجنون، فليس إليهم تولي أمر نفوسهم فضلا عن أمر غيرهم. # وأما المنصب فمذهب أكثر الأمة اعتباره، وذهبت الخوارج إلى صحة الإمامة في ~~جميع الناس ما خلا المماليك، وروي مثل هذا عن النظام، ورواه الجاحظ، عن ~~كثير من المعتزلة. PageV01P037 # وقال به طائفة من الصحابة، منهم: سعد بن عبادة وغيره، من الأنصار، ولعمر بن ~~الخطاب كلام يقضي بأن هذا رأيه، وهو قوله: لو كان سالم مولى حذيفة حيا ما ~~خالجتني فيه الشكوك، وبه قال ms023 نشوان بن سعيد، وزعم أنه أعدل الأقوال، وبالغ ~~ضرار وغلا. # فذهب إلى أن كون الإمام من الأعاجم أولى من أن يكون من غيرهم، لأن إزاحته ~~عنها أيسر إذا دعت حاجة إلى ذلك. # والقائلون باعتباره اختلفوا، فقالت المعتزلة، والصالحية ن الزيدية، فيما ~~رواه عن الصالحية ابن لملاحمي، والفقيه حميد وغيرهما. وهو قول طوائف أهل ~~الجبر والأرجاء: يجب أن يكون قرشيا. # وقال الشيخ أبو علي وهو مذكور في (المحيط): إذا لم يكن في قريش من يصلح ~~للإمامة صحت في غيرهم. # وقال جمهور الزيدية والإمامية: يجب أن يكون فاطمي الأب، أو الأم والأب، ~~قيل (الإمام يحيى بن حمزة): عن قوم (من) زيدية خراسان: يجوز أن يكون الإمام ~~عباسي الأب، فاطمي الأم. # قال: وهذا قول محدث، قد وقع الإجماع من أئمة العترة والزيدية على خلافه. # والذي استدل به على اعتبار المنصب على سبيل الجملة، إجماع الصحابة على ~~اعتباره بعد منازعة الأنصار لقريش، وطلبهم أن يكون فيهم لما هم عليه من ~~السالفة الحسنة، فلما احتج أبو بكر عليهم بالقرابة من رسول الله صلى الله ~~عليه وآله قبلوا ذلك واستسلموا له وبايعوه وانقطع الخلاف، واستدل بثلاثة ~~أحاديث عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: # الحديث الأول: قوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((قدموا قريشا ولا ~~تقدموهم ، الأئمة من قريش)) فلو ثبت إمام من غيرهم لم يصح العموم. PageV01P038 # الحديث الثاني: قوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((الولاة من قريش ، ما ~~أطاعوا الله واستقاموا لأمره)). # الحديث الثالث: قوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((قدموا قريشا ولا ~~تؤخروهم )) فلو أقيم إمام من غيرهم، لكان فيه ارتكاب ما نهى عنه من ~~تأخيرهم، والإخلال بما أمر به من تقديمهم، واحتج غير المعتبرين له بأنه ~~يعلم ضرورة (إمكان) قيام إمام (غير) قرشي، وجمعه للشرائط، وإمكان قيامه بما ~~ينصب الإمام لأجله ولا دليل على اعتباره. # وأما الإجماع فغير مسلم فإن الأنصار لم تنقطع منازعتهم في ذلك، ولا ~~أذعنوا فيه ولا اعترفوا بالخطأ، وبايع بعضهم سعد بن عباده، ولم يقتض بطلان ~~أمره بعد ms024 أن بايعه كثير من الأنصار إلا حسد ابن عمه بشير له ومسارعته إلى ~~بيعة أبي بكر، فكان أول من بايعه فاتبعته الأنصار، وازدحموا على بيعة أبي ~~[بكر]ورفض المبايعون منهم سعد بيعته وكان سعد حينئذ مريضا، فقيل: لا تطؤا ~~سعدا ولا تقتلوا سعدا. # فقال عمر: اقتلوا سعدا قتله الله، فقام قيس بن سعد بن عباده، فلزم بلحية ~~عمر وقال: لو نذرت منه شعرة لأخذت ما فيه عيناك. # وقال سعد لعمر: والله لولا المرض، لتسمعن لسعد زئيرا كزئير الأسد، يخرجك ~~منها إلى أصحابك إلى حيث كنتم أذلة صاغرين، وما بايع سعد أبا بكر ولا عمر، ~~وخرج إلى الشام مغاضبا لقومه حين خذلوه فمات فيه في خلافة عمر، وللأنصار ~~أشعار تدل على عدم الرضا والتأسف لخذلان سعد، وتقضي بعدم انقطاع نزاعهم، قالوا: PageV01P039 # وأما الأحاديث الثلاثة فهي أحادية غير متواترة ومعارضة بما يقضي بخلافها، ~~كقوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((أطيعوا السلطان ولو أمر عليكم عبد حبشي ~~أجدع)). # وقول عمر في سالم وقد تقدم ذكره، قال المهدي -عليه السلام-: وهذه ~~الاعتراضات فادحة بغير تردد سيما إذا لم يكن الخبر الأول متواترا، قال: وإن ~~حكمنا بتواتره فليس دلالته قطعية إذ لا تصريح فيه بتحريمها في غيرهم ويحتمل ~~الأولوية. # قلت: وأما الخبران الأخران فدلالتهما أضعف، وهما دون الأول في الاشتهار، ~~قيل (القاضي عبد الله الدواري): وقد ذكر بعض أئمة الحديث، أن الخبر الأول ~~موضوع لا أصل له، وروى بعض من كان في السقيفة: إن هذا الخبر لم يذكره أبو ~~بكر ولا احتج به، ولو كان صحيحا ما قال عمر في سالم ما قال، واحتج أصحابنا ~~بإلإجماعين: # أحدهما: إجماع العترة على ذلك وإجماعهم حجة. # والثاني: إجماع الأمة على أنها جائزة ولا إجماع في حق غيرهم، وهو حكم ~~شرعي، لا يثبت إلا بدليل، ولا دليل على ثبوت أهلية الإمامة لكل الناس ولا ~~لجملة قريش إذ لا قرآن في ذلك ولا سنة متواترة ولا صريحة المعنى بما تقرر ~~ولا إجماع. # وأما الفاطميون فالإجماع (منعقد) في حقهم، فإن القائلين بأنها ms025 في جملة ~~الناس أو في جملة قريش قائلون بذلك في حقهم. وهذا الاستدلال كما ترى. # أما أولا: فلأن تحقق الإجماع في حق الأمة، وفي حق العترة مشكل، كما سبقت ~~الإشارة إليه فلا إجماع. # وأما ثانيا: فلأن خلاف الإمامية كافة تستمر في ذلك ومنهم طائفة من العترة ~~فلا إجماع. PageV01P040 # ثالثا: فلأن...... ذكر عن الأمة لا يعد إجماعا على هذا المذهب الشريف، لأن ~~حاصله جوازها فيهم وعدم جوازها في غيرهم. # فلو صح الإجماع لم يكن إلا على الطرف الأول فقط، وقد لخصنا هذا المعنى في ~~كتابنا (المعراج)، وأشرنا فيه إلى تقويم الإعوجاج، ولم نقف لأصحابنا في هذا ~~المعنى على ما يشفي الأوام، ويذهب الأوهام، ويقطع اللجاج، ولقد عجبنا من ~~كلام الإمام يحيى -عليه السلام- في هذه المسألة واحتجاجه بأنه لا خلاف بين ~~أئمة العترة، والمعتزلة، والأشعرية على صلاحيتهم للإمامة. # قال: ولا يقال (أ)ليس الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: ((الأئمة من ~~قريش )) وفي ظاهر هذا الحديث دلالة على كون الإمامة جائزة في جميع بطون ~~قريش، فلا يجوز العدول عنه، لأنا نقول: هذا فاسد، فإن في ظاهر الحديث ما ~~يدفع هذه المقالة، فإنه قال الأئمة ومن هنا للتبعيض. # ولا شك أن الفاطمية بعض قريش، فلهذا قصرناها في حقهم، هذا جميع ما أورد ~~-عليه السلام- في كتابه (الانتصار)، على سعة بسطه فيه، وما أجل هذا الإمام ~~عن تفصيل ما يرد على كلامه هذا (من) التضعيف والتزييف، ومن تأمل ذلك من أهل ~~التمييز لم يعرف (ب) عنه، والله تعالى أعلم. PageV01P041 # واحتج الإمام المهدي -عليه السلام- في (الغايات)، بطريقة عقلية تحريرها: إن ~~الإمامة رئاسة عامة يكمل المقصود بها، لكمال انقياد الناس لصاحبها وينقص ~~بنقصانه، ولا شك أن انقياد الناس للرئيس الذي من أشرف مناصبهم أقرب في ~~العادة من انقيادهم لغير الأشرف، ولا نزاع في أن أولاد البطين أشرف مناصب ~~العرب، وذلك يوجب على المكلفين اعتبار المنصب في الإمامة وتكلم على أصول ~~هذه (المسألة)، الدلالة ومقدماتها، (وتسقط) في ذلك وادعا في بعضها (أنه) ~~معلوم ضرورة، واحتج على البعض، قال: وهذه ms026 الطريقة حجة عقلية قطعية، ولم ~~يسبقنا إليها غيرنا. # وأقول والله يحب الانصاف العجب مما أدعاه ولعمري أن هذه الدلالة جديرة ~~بأن لا تفيد الظن فضلا عن أن تفيد القطع ثم كيف يحتج بدليل عقلي على فرع من ~~فروع مسألة شرعية غير عقلية لم يثبت أصلها إلا بالأدلة السمعية، وإذا كان ~~الأصل غير عقلي فكيف يكون الفرع عقليا. وإنما هذا من قبيل التعسف، وعنه ~~مندوحة. # فائدتان: الفائدة الأولى إنما تصح نسب الداعي، ويصح به كونه فاطميا وهو ~~يثبت بالشهرة، واختلف في معناها، فقيل: تواتر المخبر بذلك حتى يحصل العلم ~~الضروري، وقيل: أن يتكلم به أكثر أهل تلك المحلة، أو البلدة التي هو فيها ~~ولو لم يحصل العلم به. وقيل: حيث يكون المخبرون بذلك خمسة فصاعدا، ومما ~~يثبت به نسبه حكم حاكم معتبر، وهو أبلغ دليل على صحة النسب، وبأن يخبر ~~عدلان أنه مشهور النسب في محله أو جهته، قيل: وبأن يخبر عدله أنه على فراش ~~فاطمي وقيل: عدلتان، وقيل: (بياض في الأصل). PageV01P042 # الفائدة الثانية: إذا تزوج فاطمي مملوكة فحصل (.....ص14) الجواز بأن يكون ~~ولدها ذكرا ثم عتق هل تصح إمامته، وتثبت كفاءته لمن لم يمسه الرق أو لا، ~~قيل: لا، وقيل: نعم. # وفصل: فقيل: أما الكفاءة فلا، وأما صحة الإمامة فنعم، قيل (القاضي عبد ~~الله الدواري): وهو الصحيح، ويلحق بهذه الفائدة ما إذا اشترك فاطمي وغيره ~~في وطئ أمة مشتركة بينهما فجاءت بابن فادعياه، قال أبو مضر: لا تصح ~~إمامته،وقيل: لأنه لكل واحد منهما ابن، وكل واحد منهما له أب، بل ويحرم ~~عليه ما يحرم على بني هاشم، والله أعلم. PageV01P043 ### |||| AUTO ب - الشروط الاكتسابية # وأما الشروط الإكتسابية فهي: العدالة، والورع، والسخى، والشجاعة، وحسن ~~التدبير، والعلم، وألا يتقدمه داع مجاب، ونحن نتكلم فيها واحدا واحدا. # أما العدالة والورع: فهما في الحقيقة شرط واحد، فإن الورع يتضمن العدالة ~~وينطوي عليها، وقد يعدان شرطان نظرا إلى أن العدالة يراد بها السلامة من ~~الأمور المكفرة والمفسقة وما ينقض العدالة مما عدا ذلك، والورع يرجع إلى ms027 ~~التحري في الحقوق والأموال والتصرفات، وقد عدهما الإمام يحيى بن حمزة -عليه ~~السلام- شرطين، فجعل معنى العدالة: أن لا يكون الإمام كافرا صريح ولا ~~تأويل، ولا فاسق تصريح يتلبس بالكبائر الفسقية وينهمك فيها، ويستعمل ~~الفواحش، لأن المقصود المهم منه إزالة المعاصي الكبيرة، فمن فعلها فكيف ~~يكون منصبا للإمامة وحاصلا عليها، فكيف يقوم الظل والعود أعوج. # ولا فاسق تأويل كالخارجي والباغي ونحوهما، فمثل الإمام من يبعد عن هذه ~~الأمور، وادعى الإجماع من جهة الصدر الأول من الصحابة والتابعين إلى يومنا ~~هذا، على أن الإمام لا تجوز إمامته إلا أذا كان عدلا مجنبا عن الخصال ~~الكفرية والخصال الفسقية من جهة الخوارج ومن جهة التأويل على ما فصلناه، ~~واحتج على ثبوت الإجماع بقيام الصدر الأول على عثمان لما نقموه منه، قال ~~وإن لم يقطع بكونه فسقا حتى أفضى الأمر إلى قتله. # وفيه دلالة على أنه لا بد من اعتبار العدالة، وحسن السيرة، فإن على ~~الخليفة أن يقفوا أثر المستخلف، وهو الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-، ومن ~~كان بعده من الأئمة السائرين بسيرته المقتفين لأثره. PageV01P044 # قلت: وقد حكى القاضي عبد الله الدواري عن بعضهم القول بصحة إمامة كافر ~~التأويل وفاسقه، قال: وقال بصحة إمامة الفاسق أهل خراسان، ومن كان من ~~البغدادية، قال: ويقرب أن الخلاف في فاسق التأويل يجري على صفة الخلاف في ~~قبول شهادته. # قلت: وخلاف الحشوية في صحة إمامة الفاسق المتغلب على الأمر ظاهر، ولهذا ~~قالوا: بإمامة يزيد الخمور متبع الفجور، الفاسق، المارق، شديد الجرأة على ~~الله تعالى، الذي هتك ستور الإسلام بوقعة كربلاء، ووقعة الحرة، وغير ذلك. # وقيل: إنهم لا يخالفون في اعتبار العدالة عند عقد الإمامة، وإنما خلافهم ~~في الفسق الحادث بعد انعقادها. # قال الإمام المهدي -عليه السلام-: وقد قال بمقالتهم بعض الفقهاء كالنووي، ~~فإنه نص على ذلك في (المنهاج)، وصرح به في (الروضة). # قلت: وذلك ظاهر عنهم ولا يبعد أن يكون مذهبا لأهل مذهبه كافة، وقد يؤول ~~بهم هذا المذهب الشنيع في ظاهره على أن القصد ثبوت أحكام الإمام ms028 له بثبوت ~~وجوب طاعته في غير معصية الله تعالى، ونفوذ أحكامه المطابقة لشرع الله ونحو ~~ذلك، لئلا يقع التنازع وانشقاق العصا وما يتفق من المفاسد لسبب ذلك، لا ~~أنهم يقولون بأنه إمام في نفس الأمر ثابتة فيه أحكام الإمامة حقيقة. PageV01P045 # قلت: ويؤخذ من مذهبهم أن الذي عليه أئمة الهدى من الخروج على الظلمة، ~~ومنابذتهم خطأ، ولا يعتقدون إمامتهم، بل ليت أنهم سلموا ولم يتعاطوا ~~ملامتهم، وما هو إلا مذهب شنيع ورأي فضيع، وتأوله بعيد وتيسبيره غير مفيد، ~~فالله المستعان على زلات العلماء الأعلام الأعيان، ومن المعلوم أن الصحابة ~~رضي الله عنهم لما خاضوا في أمر الإمامة وتنازعوا إلى عد الفضائل، وصدر ~~منهم ما يقضي باعتبار الأفضل، وقال عمر لأبي بكر لما قال بايعوا أحد ~~الرجلين يعني عمر وأبا عبيدة: أتقول هذا وأنت حاضر. # ولأن المقصود من الإمام إقامة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وحراسة ~~الإسلام، وصيانة الدين، فكيف يتهيأ مع جهل الإمام وفسقه، إنما كلامهم هذا ~~رد للإمامة إلى حكم السلطنة، والله أعلم. # واعلم: أنه لا بد من اعتبار ما يعتبر في العدالة من غير ما ذكر، وذلك ~~تنزيه نفسه عن بعض المباحات كإفراط الضحك، وكثرت المداعبة والمزاح،والبول ~~في السكك والشوارع، واللعب بالحمام؛ لأنه لا ينبغي أن يشتغل إلا بأمور ~~الدين والنظر في أحوال الناس وقضى حوائج المسلمين، ويجب أن يتنزه عن ~~الصغائر المستخفة كما ورد في التطفيف بحبه وسرقة بصلة وإذا كان مثل هذا ~~يعتبر في حق الشاهد فاعتباره في حق الإمام أولى وأحرى. PageV01P046 # قال الإمام يحيى: لأنه إذا كان باحراز منصب الإمامة أفضل الخلق، فينبغي أن ~~يكون أقوم الخلق في حق الله تعالى وأطوعهم له وأعظمهم منزلة عنده، ولا ~~يتعاطى مثل تلك المباحات والصغائر المستخفة، مما تقل المهابة، وتسقط ~~المرتبة، وتطرد التهمة في الدين، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن ~~مواقف التهم. # قال الإمام يحيى بن حمزة -عليه السلام-: وأما الورع فهو ملاك الصفات ~~وعليه التعويل في أكثر تصرفات الإمام فإنه مهما كان ورعا عن الوقوع ms029 في ~~المحرمات كانت أموره وتصرفاته جارية على قانون الشريعة المطهرة من غير ~~مخالفة فيأخذ الأموال من حلها ومن حيث أمر الشرع بأخذها منه ويضعها في ~~مواضعها. # قلت: والأصحاب يحتجون بقوله تعالى: { قال لا ينال عهدي الظالمين ~~}[البقرة: 124] في جواب إبراهيم -عليه السلام-، ووجه الاحتجاج بها مذكور في ~~(الكشاف) وغيره من كتب الكلام وفيه كفاية. # وأما السخاء فالمعتبر منه، أن يضع الأموال في وجوهها، ولا يبخل بها عن ~~ذلك، ولا يستأخر بها بخلا وضنة. # قال الإمام يحيى بن حمزة: ولا يقدح في ذلك أن يدخر شيئا من الأموال ~~لنائبة من النوائب، وحادثة من الحوادث، تنجم عليه من الظلمة والبغاة ~~فينفقها فيها. PageV01P047 # قال: ولا يشترط تجاوز الحد في الكرم. قيل: (المهدي) ولا أن يسخى ببذل ماله ~~الخالص، ووجه اشتراط هذا الشرط أنه لو لم يكن سخيا بالغنى المذكور كان مخلا ~~بالواجب وهذا ينافي الورع، ولهذا قيل: بأن هذا الشرط يدخل في اشتراط الورع، ~~ولأن من المقصود من نصب الإمام أخذ الحقوق من أهلها ووضعها في مواضعها، ~~فمخالفة ذلك خلاف المقصود. # وأما الشجاعة فمعناها أن يكون مجتمع القلب عند الحرب وملاوثة العدو، ~~وبحيث لا يكون فرقا جبانا، طائش الفؤاد، منزعج الصدر، على حال لأجله يمتنع ~~منه الثبات في القتال، ويقتضي عدم اتساع الصدر لعظم القلق والإشفاق. PageV01P048 # هكذا فسر الإمام يحيى -عليه السلام- هذا الشرط، وهو تفسير حسن، وهو بمعنى ~~ما ذكره غيره، ونص عليه الناصر للحق -عليه السلام- وكثير من المتكلمين، ~~وأما ما روي عن الهادي إلى الحق -عليه السلام-: إن معنى الشجاعة، أن يحمل ~~على الألوف، ويخلط الصفوف بالصفوف، لا يهاب الجمع والإقدام، عليه قلوا أو ~~كثروا، فلعله -عليه السلام- أراد التعريف بأبلغ أنواع الشجاعة وغاية الأمر ~~فيها، ويبعد أن يجعل مثل هذا شرط ولو حكم باشتراطه لقدح ذلك في إمامة كثير ~~من الأئمة المعتبرين، وقل ما يكون الإنسان على هذه الحالة، ووجه اشتراط ~~الشجاعة إن لو لم يكن الإمام كذلك لم يؤمن أن ينهزم حال ملاقات العدو لجبنه ~~ودهشه، وفي ذلك وهن في الدين ms030 وتقوية لأمر المعاندين، وقد قال تعالى: {ومن ~~يولهم يومئذ دبره }[الأنفال: 16] الآية، فكيف يكون حال الإمام إذ آل إلى ~~هذا المآل، ولأن الجبن يصد عن أمر الحرب وتدبيره على وجه يقع به نكاية ~~العدو، وعن إقامة الحدود، وتنفيذ الأحكام على كبراء الناس وعظمائهم، وهذا ~~يخالف الغرض بالإمامة. # وأما التدبير وحسن السياسة، قيل (المهدي)لا: وحقيقة التدبير معرفة الطرق، ~~التي يتوصل بها إلى الأنواص على وجه لا ينكره من عرف وجه سلوكها توصل، لو ~~بها أقرب ما يتوصل به ذلك الطالب إلى ذلك المطلوب بحسب حاله وسواء وصل إليه أو لا؟ PageV01P049 # قلت: والقصد أن يكون له رأي قويم، وتدبير سديد، فإن تعد الرأي الصائب يجلب ~~أنواع المصائب، ولابد أن يكون معروفا بحسن السياسة التي معها يتمكن معها من ~~تمهيد الرئاسة وتدبير أمر الحرب والسلم، وإقامة قانون الحرب مهما كان أرجح ~~وأصلح، ويكون مع صواب السلم إليها أجنح، كما فعل -صلى الله عليه وآله وسلم- ~~في إقامة الحرب، وشن الغارات، على من خالفه، وكما سالم يوم الحديبية، في ~~إقامة الحرب عشر سنين، لما رأى في الصلح للمسلمين حيث كان الضعف حاصلا ~~فيهم، فانكشف في ذلك الصلح الخير والبركة، فهكذا يكون حال الإمام، والمشترط ~~أن يكون أكثر رأيه الإصابة في الحرب والسلم والسياسة. # قيل (القاضي عبد الله الدواري): ويدل على أن الإجماع ينعقد من الأئمة على ~~اشتراط ذلك، ولأن كونه على غير هذه الصفة ينقض الغرض بإمامته، ولا يتمكن ~~حينئذ من ضبط الجنود، وتقويم أود العساكر، ولا يهتدي إلى ما فيه صلاحهم، ~~وتنتظم به أمورهم، وتكون به نكاية العدو أو جلبة إلى الطاعة. # وأما الاجتهاد وبلوغه في العلم إلى درجته فقد اختلف فيه، والمشهور عن ~~أكثر الأمة أنه لا بد من أن يكون عالما مجتهدا، والمعتبر ما يحرز به نصاب ~~الاجتهاد، ولو احتاج في بعض الأحوال إلى أن يراجع غيره في بعض المسائل ~~ويستمد منه إذ لا يقدح ذلك في اجتهاد المجتهد، والخلاف فيه من وجوه: # أحدها: ما ذهب إليه الإمامية، من اعتبار أن يبلغ ms031 في العلم والاجتهاد إلى ~~حد لا يحتاج معه إلى غيره من العلماء في شيء من المسائل، بل شرطوا أن لا ~~يأخذوا شيئا من العلوم إلا عنه وربما اشترطوا أن يكن أعلم الناس. PageV01P050 # وثانيها: ما ذهب إليه الغزالي، وصرح به الإمام يحيى بن حمزة، في ~~(الانتصار)، وحكاه في (الغايات) عن المؤيد بالله -عليه السلام-، أنه إذا ~~أعوز المجتهد فلم يؤجد صحت إمامة المقلد لئلا تعطل الأحكام المتعلقة ~~بالإمام. # وثالثها: ما ذكره في بعض تعاليق الشروح، من أنه روي عن المنصور بالله عبد ~~الله بن حمزة -عليه السلام-، فإنه روى رواية غير مشهورة، وأن الفقيه حميد ~~بن أحمد رواه عن بعضهم رواية مبهمة، وهو أنه إذا كان للإمام تمييز وترجيح ~~للأقاويل وعرفان لوجه القول، وإن لم يبلغ في العلم درجة الإجتهاد، كالحال ~~التي عليها أكثر أهل البصائر فهو المقصود والمعتبر. # فأما المقلد الصرف الذي لا عرفان له بوجه القول ولا هداية إلى ترجيح قول ~~على قول، ويقرب أن إمامته لا تصح. # حكاه القاضي عبد الله الدواري، قال: وهو القوي لأن كثيرا من الأئمة ~~الماضين من الصحابة، وأهل البيت دعوا إلى الإمامة مع قصور علمهم ولم ينقم ~~عليهم ذلك. # قال: وإنما الذي يشترط بلوغه فيه درجة الاجتهاد والاستقلال بحيث يرجع ~~إليه هو التدبير. PageV01P051 # قلت: وقد وقفت للقاضي المذكور في كتاب (الشريدة)، وكتاب (تعليق الأصول)، في ~~النسختين المستنسختين من المسودتين، على التصريح باشتراط الاجتهاد فلما ~~استرجح هو ومن حضره، نصب المنصور بعد موت والده الإمام الناصر لدين الله ~~-عليه السلام-، وكان القاضي في هذا الرأي هو العلم المشهور المرجوع إليه ~~فيه خدش بيده ما ذكره في كتابيه المذكورين من التصريح باشتراط الاجتهاد، ~~ورقم في الهامش بخطه إجازة إمامة المقلد فلم يحترز عن النقادة في ذلك، ~~فنعوذ بالله من اتباع الهوى ومحبة الدينا. PageV01P052 # وهذا القاضي على كماله، ومحاسن خلاله، وسعة علمه، ووفور حلمه، كانت منه هذه ~~الهفوة، التي خالف فيها قواعد أهل مذهبه، من أئمة العترة وعلماء شيعتهم، ~~فقد كانت عادتهم ألا يقدموا على نصب ms032 الإمام إلا عن مشورة واتحاد رأي وإن ~~جرت معارضة ممن يتعاطى العلم من أهل المعرفة، كما كان في مدة الإمام يحيى ~~بن حمزة، والإمام علي بن محمد من المعارضات وقبلهما، فلما جرت هذه القضية ~~فتحت باب التنازع والتساهل، ونشأت بها مفاسد، وانهدمت قواعد، ولو كان هذا ~~مذهبا للقاضي المذكور من ابتدأ أمره وقوله واحتوت عليه مصنفاته السابقة ~~لهذه القضية الخارقة لكان الأمر أهون، وإن كان يقتضي ما ذكره الأصحاب أن ~~ذلك خرق للإجماع، على أن المنصور المذكور لم يكن يوم نصبه على ما ذكره من ~~إحراز نصاب الترجيح، وقد أشار إلى ذلك الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى ~~-عليه السلام- في (الغايات)، فإنه حكى قول المؤيد بالله، والإمام يحيى بن ~~حمزة، والغزالي. قال ما لفظه: ولقد تطرق أهل محبة الدنيا بهذه المقالة إلى ~~أن سهلوا طريق الإمامة، حتى ولوها من لم يعرف فروض صلاته وصيامه، ولا عرف ~~من أصول دينه أصلا، ولا يدرك من سياسة الأمور فصلا، بل اتخذوه أميرا وهو في ~~التحقيق مأمور. PageV01P053 # قلت: ليس في مذهب الإمامين المؤيدين والغزالي ما يسوغ لهم مثل هذا، وأما ما ~~ذكره في سياسة الأمور وأنه غير أمير بل هو مأمور (فلعله) عرف ذلك من حاله ~~يوم نصبه، والذي يظهر لنا والله يحب الإنصاف أن فراستهم فيه صدقت في هذا ~~المعنى، وأنه بلغ في أحكام السياسة وأحكام الرئاسة والاستقلال في الأمور ~~وحسن المباشرة مبلغا عظيما لا يطمح وراءه، وقد كان له من العنايات الجليلة، ~~والمقامات الجميلة، في حرب سلاطين اليمن ونكاية الإسماعيلة، وإخلائهم عن ~~المعاقل العظيمة وغيرهم من الظلمة ما لم يكن لأحد غيره، وكان له من محاسن ~~الصفات ومحامد السمات ما لا خفى به. # فليت إنه نجى من قضية معبر، وما كان في يومها ألأغبر ولنعد إلى أصل ~~الكلام، ونقتصر على هذا القدر فيما عن من طغيان الأقلام. # فنقول: أما مذهب الإمامية، فهو من جملة مذاهبهم التي غلوا فيها، وبالغوا ~~مبالغة لا تروج ألفاظها ولا معانيها، وأي دليل على اشتراط أن يكون أعلم ms033 ~~الناس؟ وأي طريق يستطرق إلى العلم بذلك من غير التباس؟ وأي حاجة للإمام أو ~~فيه يقتضي ما ذكروه ويستدعيه؟ # وقد كان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وهو أعلى درجة من الإمام وأملى ~~بما ذكروه يرجع إلى غيره في بعض الأنظار والصلح، أراد يعقده في أمر المدينة ~~على بعض ثمارها، وكموضع النزول في حرب بدر، وكان أبو بكر وعمر أيضا يرجعان ~~إلى غيرهما من الصحابة ولم يعد ذلك قدحا فيهما. PageV01P054 # وأما مذهب الجمهور فاستدلوا عليه بالإجماع، قال الإمام يحيى بن حمزة: ~~الإجماع ينعقد على وجوب كون الإمام مجتهد في علوم الشريعة، ليكون متمكنا من ~~الفتاوى فيما تعرض من الحوادث والوقائع التي ترد عليه، فيعمل فيها برأيه ~~ويفتي بما صح عنده. انتهى. # وقال بعضهم: الأحكام المنوطة بالإمام، فيها استباحة الفروج والدماء ~~والأموال والفيئ والغنائم، وفيها من لطيف الأحكام وغامض المسائل ما لا يدرك ~~إلا بالاجتهاد، ولا يزال يتجدد على مر الأوقات، حادثة بعد حادثة، فلو كان ~~غير مجتهد، ولا يشتغل في العلم بها بنفسه وقع في حيرة ولبس ولم يدر ما يأتي ~~ويذر، وإذا فرض مقلد فرجوعه إلى من قلده قد يتعذر في بعض الأحوال، فإن أقدم ~~حينئذ أو أحجم بغير بصيرة ففيه إثم كبير وفساد كثير، وإن ترك تلك الأحكام ~~متعطلة من حكم الله تعالى انتقض الغرض المقصود منه، واحتج في (الغايات) ~~بالإجماع، وذكر أن علماء الزيدية والمعتزلة وجل المجبرة نقلوا في مصنفاتهم ~~وصرحوا بأنه وقع (الاتفاق) على اعتبار الاجتهاد، وعدم صحة الإمامة مع غيره ~~كالبلوغ والعقل، وذكر ما نص عليه السيد صاحب (شرح الأصول)، من كونه لا خلاف ~~فيه وإنما حكى الخلاف في اشتراط الاجتهاد القاضي واستبعده أيضا وتأوله. PageV01P055 # قال -عليه السلام-: ما وقفنا على باب الإمام في أي المصنفات الأصولية ~~والفروعية على تباين أراضي مصنفيها وأراءهم إلا وحكوا الإجماع منعقد على ~~ذلك من دون اختلاف، حتى لو ادعي أن التواتر حاصل بخبرهم لكثرة عددهم لم ~~يبعد، لأن كل واحد منهم -في الأغلب- لم ينقل الإجماع عن الكتاب الذي نقل ~~عنه ms034 المصنف الآخر.قال ض عبد الله الدواري: في دعوى الإجماع نظر. # قلت: لا شك أنه يتطرق النظر إلى دعوى الإجماع في هذا الموضع وغيره، لكن ~~يقال له: إن كنت ممن يلمح إلى هذا المعنى وهو أن اعتقاد الإجماع لا يتهيأ ~~في أصله أوفي نقله، مالك تحتج به في غير هذه المسألة، وإن كان التنظير يختص ~~بالإجماع في هذه المسألة، فلعمري أنه أظهر منه في غيرها وأقوى، واحتج -عليه ~~السلام- بشيء من الآيات والأخبار والآثار،كقوله تعالى:{أفمن يهدي إلى الحق ~~أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى}[يونس: 35] وقوله تعالى: {إن الله ~~اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم}[البقرة: 247] قول النبي-صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((من استعمل على قوم عاملا وفي تلك العصابة أرضى لله تعالى ~~منه وأعلم بكتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وآله وسلم- فقد خان الله ~~ورسوله)). # وقول علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه في الجنة-، في أمر السقيفة: (والله ~~يا معشر المهاجرين لنحن أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم، ما كان فينا القارئ ~~لكتاب الله تعالى، الفقيه في الدين، العالم بالسنة). PageV01P056 # وقرر المهدي -عليه السلام- هذا الاستدلال ما أمكنه، وبسط فيه القول حينما ~~استحسنه، فأما لو فرض أن المسألة ظنية اجتهادية فلا بأس بمثل هذا التكليف ~~والتشبث بالمآخذ البعيدة، فمثل هذا في مسائل الظن غير قليل. # وأما مع ما هو بان عليه هو وغيره من كون المسألة قطعية، فترك التعلقات ~~بهذه المتعلقات هو اللائق ممن كان ذلك مذهبه، فإنها مما ينبغي أن يكون عنده ~~مآخذ بعيدة إذ الأمر المذكور لا مدخل له هنا ولا أثر، والخبر المذكور أحادي ~~ودلالته غير صريحة ومرجع التمسك به في القياس الذي ليس بمعلوم، والآيتان ~~الكريمتان الأولى منهما غير صريحة ولا واردة في هذا المعنى ولا لمح فيها إليه. # والأخرى وإن كانت أقرب منها إلى ما نحن بصدده، فهي عن إفادة العلم بلزوم ~~اشتراط الاجتهاد في الإمام بل عن إفادة الظن بمراحل، وليس فيها أن نبي بني ~~إسرائيل أخبر بلزوم اشتراط ذلك في الملك ms035 الذي بعثه لهم بل اعتذر به في ~~اختياره لطالوت، فمدلول ذلك أنه أمر مرجح ولو لزم منه اشتراطه للزم اشتراط ~~البسطة في الجسم ولا قائل به. # ثم عاد المهدي -عليه السلام- إلى طريقة عقلية، وقال: يصلح ذلك بعد معرفة ~~المقصود بقيام الإمام وهو إقامة الحق أو الدلالة عليه، ورد الشارد منه ~~إليه، ونحن نعلم ضرورة أن القائم لا يمكنه ذلك إلا إذا كان عارفا بالحق، ~~ولا يمكنه المعرفة إلا بالاجتهاد في العلوم الدينية. # قال: وهذا واضح كما ترى. قلت: بل هو غامض لا يرى، وغير لائق من مثله ~~-عليه السلام- أن يستدل بالعقل في المسائل الشرعية الفرعية، كما قدمنا في ~~اشتراط المنصب. PageV01P057 # وأما مذهب الإمامين المؤيدين بالله تعالى، والغزالي، فاحتج عليه الإمام ~~يحيى بن حمزة، بأن الضرورة تجوز ذلك، وإلا أدى إلى خلو الزمان عن الأئمة ~~وفي ذلك ضرر وفساد كبير، لأنه يؤدي إلى تعفية أثار الديانة، وإمحاء رسوم ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطي بساط الجهاد وتعفية أعماله وبطلان ~~أحكامه، إلى غير ذلك من الفساد. # قلت: وهو مذهب قوي حسن، لكن يزاد فيه أنه إذا تعذر الاجتهاد لم يكف أن ~~يكون مقلدا صرفا، بل لا بد أن يكون مميزا تميزا حسنا، عارفا بالله تعالى ~~وصفاته، وما يجوز عليه، وما لا يجوز، له مشاركة في العلوم المحتاجة، مرتقي ~~إلى درجة الترجيح، وهذا المذهب لا يعد مصادما للإجماع، بل قد صرح الإمام ~~المهدي -عليه السلام- بان الإجماع إنما انعقد على اشتراط الاجتهاد عند ~~إمكانه، وأن الخلاف ثابت عند تعذر الاجتهاد. # قال: ونحن نرفع القاعدة هذه، ونقول: إنه لا يتعذر مع بقاء التكليف، وهم ~~يقولون: يجوز تعذره مع بقاء التكليف. # قال: ونحن لا نخالف مع فرض تعذر الاجتهاد، مع بقاء التكليف بنصب الإمام ~~في أن إمامة المقلد حينئذ جائزة وإلا كنا مكلفين بما لا يطاق، ومع تجويز ~~ذلك يرجع الخلاف (إلى) الوفاق من غير شك ولا خلاف بيننا وبينهم إلا في ~~تجويز خلو الزمان عن المجتهد. # قلت: ينبغي أن يقال في تجويز خلو الزمان من ms036 مجتهد صالح للإمامة، وأما ~~وجود مجتهد لا يصلح لها ففرض وجوده من مسألتنا هذه كفرض عدمه. PageV01P058 # تنبيه: قد عرفت أنه يؤخذ من كلام الإمام المهدي -عليه السلام-، أن المسألة ~~اتفاقية مع تقدير خلو الزمان عن مجتهد صالح للإمامة، ويؤخذ من هذا أنه لو ~~خلا الزمان عن فاطمي مثلا أو عن شجاع صالح للإمامة أن الإمامة لا تتوقف على ~~ذلك لتعذره وحصول الضرورة إليها. # ويتفرع على هذا لو أن الزمان خلا عن كامل الشروط، ولم يوجد إلا من فيه ~~نقص، ولكن الناقصين متعددون، وبعضهم مختلف، فأحدهم ناقص عن شرط المنصب، ~~وآخر ناقص عن الاجتهاد، وآخر ناقص عن التدبير، وآخر ناقص عن الشجاعة، ألجأت ~~الضرورة إلى قيام ناقص ما الأرجح اعتقاده من تلك النواقص هل يعدل إلى ~~المجتهد أن أمر العلم أهم أو إلى ذي المنصب أو إلى ذي التدبير بنظر في ذلك. # وتحقيق الكلام في هذا المعنى، الذي لم نقف لأحد ممن سبقنا على كلام فيه، ~~أن المعتبر الترجيح والنظر فيما هو من ذلك النقصان، أقل إخلالا بمقصود ~~الإمامة وتكاليفها العامة، فمن كان نقصانه أكثر خللا أطرح وعدل إلى غيره، ~~وإن قدر أن الشرطين المفروض خلوا أحد الملحوظين بالإمامة، عن أحدهما وخلوا ~~الآخر عن الآخر مستويان في الحكم، وبكل واحد فيهما رجحان من جهة دون أخرى، ~~بحيث أنه لا تفاوت يثبت التحيز ممن سبق بالدعوة، إن جعلناها الطريق أو ~~بالاختيار على القول به، كان حكم الإمامة ثابتا لمن دون الآخر، ويمكن من ~~التفريع على هذه القاعدة ما هو أشنع مما ذكر، ولكنه أمر ربما لا تدعو ~~الحاجة إليه، ولا يخلوا جهابذة النظر على البينة عليه، ولنقتصر على هذا ~~القدر في هذا المعنى، والله تعالى أعلم. PageV01P059 # تنبيه آخر: ذكر اشتراط الاجتهاد في الإمام مستدعي تحقيق معنى الاجتهاد وقدر ~~نصابه وتعداد علومه، ومن عادات المصنفين ذكر ذلك إلى استيفائه، ونحن ~~استرجحنا طي هذا المعنى، لأنه أمر موجود غير مفقود، وكتب علم الكلام، وفن ~~الأصول، وبعض كتب الفقه مشتملة عليه، فلا نشتغل بذلك في ms037 إملائنا هذا إيثارا ~~إلى للإختصار واكتفاء بما في المتداول من الأسفار والله تعالى ولي التوفيق ~~والهادي إلى أيمن طريق. # تنبيه آخر: الذي قد ذكرناه من شروط الإمام وشرحناه، هي الشروط المعتبرة ~~المحتاج إليها في الإمام المحتاج إلى ذكرها واقتصر بعض المحققين، وقد يذكر ~~غيرها من الشروط والصفات المعتبرة حسبما يشير إليه. # فمنها: أن يكون سليم الحواس والأطراف فلا يكون أعمى، ولا أصم ولا أبكم، ~~ولا أكسح، ولا أقطع، ويتصل بهذا أن يكون سليما من الخصال المنفرة، فلا يكون ~~أبرص ولا أجذم، ولا ممن يعتريه الجنون في بعض الأحوال ولا غير ذلك من ~~المنفرات. # أما النوع الأول: فلإخلاله بما يقصد من الإمام وينصب أجله وهو ظاهر. # وأما النوع الثاني: فلما فيه من التنفير المخل بما يراد فإنه لا قوام ~~لأمر الإمام وما يقصد من القيام إلا أن يكون الإمام ممن يرغب إلى مثله، ولا ~~ينفر عنه، ولا يستكره القرب منه ولا الاتصال به، وقد ثبت اشتراط مثل ذلك في ~~حق النبي مع تأييده بالمعجزات ونزول الوحي عليه، ففي حق الإمام أولى. PageV01P060 # ومنها: الفضل فكثير من العلماء يعده من الشروط، ويسرده في سياق الإتيان ~~بها، ومن هؤلاء من لا يفسره وترك تفسيره خلل إذا المقصود به غير مكشوف، ولا ~~واضح وضوح غيره من الشروط، ومنهم من يفسره تفسيرا يقضي بأنه لا حاجة إلى ~~ذكره، ولا موجب لعده لرجوع معناه إلى معنى بعض الشروط المذكورة المشهورة، ~~وقد أخل الإمام المهدي أحمد بن يحيى -عليه السلام-، في مقدمة البحر وشرحها، ~~بعدم تفسيره حيث قال: ويجب كونه أفضل الأمة، أو كالأفضل منهم، وحكى الخلاف ~~وأقام الدليل، ولم يأتي من تفسيره بكثير ولا قليل. # وأما القاضي عبد الله بن حسن الدواري ففسره وما قصر، فقال: اختلف في معنى ~~الفضل في الإمام، فقال قوم المرجع به إلى اختصاص الشخص بالأمور التي لأجلها ~~يحتاج إلى الإمام منهم الإمام المنصور بالله، والفقيه حميد، وقال فعلى هذا ~~ينبغي أن لا يعد الفضل شرطا زائدا والا فضل على هذا هو الأكمل ms038 في ثبوت ~~الشرائط له. # ومنهم من قال الفضل العفة والصلاح في الدين، والأفضل الأكمل في ذلك قال: ~~وهذا المعنى يرجع إلى الورع فلا يعد شرطا زائدا عليه.قال: والأصح أن يقال: ~~إن المراد بالفضل أن يكون(له) من المحافظة على الطاعات، والتجنب للمكروهات، ~~ما يعتاده كثير من الصالحين، ويكون بينه وبين القبح حاجز، وبينه وبين ~~الإخلال بالواجبات ليحترز في ذلك عن الإقدام والترك. قال وهذه سنة لكثير من ~~الصالحين، وفي الحديث النبوي ((لكل ملك حمى وإن حمى الله تعالى محارمه، ~~وإنه من دار حول الحمى يوشك أن يقع فيه)). PageV01P061 # قال: ويعبر عن الفضل باستحقاق الثواب والأفضل الأبلغ في ذلك وليس بمراد هنا ~~إذ لا طريق إليه إلا الوحي. والله أعلم. # قلت: والذي يلوح لي ويقوى عند التأمل، أن المقصود بالفضل الزيادة في خصال ~~الخير، وإحراز الفضائل، وأن الأفضل من كان أدخل في تحصيل الشروط، وهي فيه ~~أوفر وأظهر، ففي العلم بأن يكون أعلم من غيره محرزا من العلم فوق ما يشترط ~~في الاجتهاد، وفي الورع أن يكون شديدا في المبالغة فيه، بحيث يكون يترك ~~بينه وبين المحرمات أشياء ليست بمحرمة بعدا منها وآخذا في التحرز عنها. # وفي الشجاعة أن يكون له من الإقدام وحسن التلاقي في الحروب، ما يزيد على ~~ذلك القدر المعتبر. # وفي السخاء كذلك، وفي التدبير كذلك، بحيث يكون له من الألمعية والفراسة ~~وحسن السياسة فوق ما سبق اشتراطه واعتباره.ه. # وفي سلامة الحواس والأطراف، وصحتها وحدتها، وقوتها وبسطة الجسم ما يزيد ~~على ما لا بد منه، وكالتدبير في البلاغة والبيان، والنظم والنثر، والخطابة ~~والكتابة، وحلاوة اللسان، ومكارم الأخلاق، كالبشر، وترك الكبر، وشدة ~~التواضع، وإنصاف الأتقياء، وشدة الشكيمة على الأشقياء ونحو ذلك. # هذا هو معنى الفضل والأفضل، فهذا المعنى من هو أدخل فيما ذكر وأكثر أخذا ~~منه وتخلقا به. # فإذا عرفت ذلك فلا ينبغي أن يعد الفضل شرطا مستقلا، إذ المشترط والمعتبر ~~من الشروط تحصيل معنى الاجتهاد، والورع، والشجاعة، والسخاء، ونحو ذلك. # ولا يشترط زيادة على القدر المعتبر، وإنما ينبغي على ms039 هذا أن يكون محط ~~الفائدة، ومحل النزاع أنه هل يشترط أن يكون أفضل أولا؟ PageV01P062 # معنى أنه إذا كان الصالح للإمامة أكثر من واحد، لكن البعض أحرز نصاب الشروط ~~المعتبرة من غير زيادة ولا نقص، وغيره زاد عليه فيها كلها أو في بعضها أن ~~للكل منهم له زيادة على القدر المعتبر، ولكن حالهم في الزيادة مختلف، فمنهم ~~من هو أدخل فيها وهي فيه أكثر، ومنهم من هو دونه في ذلك، فهل يصح أن ينصب ~~المفضول بهذا المعنى مع وجود الأفضل، أو لا يليق أن يكون هذا محل الخلاف، ~~فالذي عليه الزيدية وبعض المعتزلة، كعباد أن إمامة المفضول لا تصح. # ذكره القاضي عبد الله بن حسن الدواري قال: وممن نص على ذلك الهادي إلى ~~الحق، والناصر -عليهما السلام-، ويفسق المفضول إذا سبق الأفضل بالدعاء إلى ~~الإمامة. # وقال بعضهم: إمامة المفضول تصح بكل حال، وهو مذهب البغدادية، وبه قالت ~~الزيدية الصالحية، ويروى عن غير من ذكرناه كسليمان بن جرير، وذهب أبو علي، ~~وأبو هاشم، إلى جواز إمامة المفضول لعذر لا لغير عذر، كما في شأن علي بن ~~أبي طالب -كرم الله وجهه في واسع جناته-، فإن العدول إلى غيره لعذر وهو ~~الوحشة التي كانت في القلوب من أجله، لما كان منه -عليه السلام ورحمة لله ~~وبركاته- من قتل كثير من الصناديد الداخل أقاربهم في الإسلام، ولحسده -عليه ~~السلام- على ما يختص به من صفات الكمال. # هذا معنى ما حكاه وذكره القاضي عبد الله بن حسن الدواري، وقال الإمام ~~المهدي أحمد بن يحيى -رضوان الله عليه-، القول باشتراط الأفضل أو المساوي ~~له إلا لعذر كأن يكون أعمى هو قول المعتزلة،والأشعرية، وأكثر الزيدية. # ونسب الخلاف فيه إلى الحشوية، فإنهم يجيزون إمامة المفضول وغير عذر.ه. PageV01P063 # واحتج من لا يجيز إمامة المفضول بتحري الصحابة -رضى الله عنهم- للأفضل، ~~وفزعهم إلى عد الفضائل، وقول عمر بن الخطاب لأبي بكر حين قال: بايعوا أحد ~~الرجلين، يعني عمر وأبا عبيدة: أتقول هذا وأنت حاضر، ولأن الإمام قدوة في ~~الدين لجميع المسلمين فمن حق ms040 القدوة أن يكون أكمل ممن يقتدي به فيما هو ~~قدوة فيه، إذ لا يحسن أن يقتدي الأكمل بمن هو دونه، وجوب الاقتداء أنها ~~تلزمهم طاعته، ويلتزمون اجتهاده إذا وقع منه إلزام. # قال الإمام المهدي -عليه السلام-: وكافيك أن الإمام قائم مقام الرسول ~~-صلى الله عليه وآله وسلم- في موارده ومصادره، ومن حق من يخلف رجلا في ~~أعماله أن يكون أقرب الناس شبها به في تأدية تلك الأعمال، وإلا عاد الغرض ~~في استخلافه مكانه ليقوم مقامه بالنقص والإبطال، وكلما كمل فضل رجل قرب ~~شبهه بالرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- ويبعد عن الشبه بنقصان الفضل، وقد ~~بالغت الإمامية، وكذلك الجارودية من الزيدية فزعموا أن إمامة المفضول لا تصح. # ولو لعذر مانع عن قيام الأفضل وهو غير صحيح فإن المفضول إذا كان أصلح ~~وأرجح في قيامه بالمصالح المقصودة من الإمامة، فهو أولى رعاية للأصلح، يوضح ~~ذلك أن الأفضل لو كان أعمى لم يصلح أن يقام لهذا الأمر، وكذا لو اختل فيه ~~شرط كالشجاعة والتدبير وعلى ما قاعدتهم يستد حينئذ باب الإمامة إذ الأفضل ~~غير صالح ووجوده مانع عن قيام المفضول الصالح. PageV01P064 # قلت: وهذا الاحتجاج، وممن ذكره الإمام المهدي لدين الله -عليه السلام- لا ~~يتهيأ على ما رجحناه من تفسير الأفضل، بأنه جامع الشروط مع زيادة على القدر ~~المعتبر منها، وإنما تهيأ على غيره من التفاسير. والله سبحانه أعلم. # واحتج مجوزوا إمامة المفضول، بجعل عمر الأمر شورى بين ستة متفاوتين في ~~الفضل، وقال أبو بكر: وليتكم ولست بخيركم، ويمكن أن يجاب بأن عمر بن الخطاب ~~ربما اعتقد تساويهم، وبأن كلام أبي بكر على جهة التواضع، وهضم النفس، كقوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تفضلوني على يونس بن متى )). # وقد ادعى بعض أصحابنا الإجماع على اعتبار الأفضل، وقال صاحب (أنوار ~~اليقين)، لا خلاف في ذلك، واختلاف الصحابة في الأئمة الأربعة إنما كان ~~لاختلافهم في الأفضل. # قلت: دعوى الإجماع فيه مجازفة، والخلاف مشهور مأثور، منذ زمن الصدر ~~الأول، يدل عليه قول عمر: لو كان سالم مولى أبي ms041 حذيفة حيا ما خالجتني فيه ~~الشكوك، وعلي -عليه السلام- ووجوه العشرة وغيرهم من فضلاء الصحابة موجودون. # ويتصل بهذا الكلام ذكر فوائد: # الفائدة الأولى: تترتب على ما فسرنا به الأفضل، يقال: لو وجد اثنان أو ~~ثلاثة أو أكثر مختلفين في الأفضلية، فأفضلية هذا بزيادة في التدبير وهذا ~~بفصاحة وبلاغة وغير ذلك، فكل منهم أفضل باعتبار معنى من تلك المعاني برز ~~فيه وبذ الأقران في تعاطيه ما المعمول عليه حينئذ والأقرب والله اعلم أنه ~~يرجع إلى ترجيح أهل الحل والعقد، في هذه الأمور المتعارضة، ويتوخون ما هو ~~الأرجح والأصلح في الأمور المقصودة بالإمامة، وما أداهم نظرهم إليه عملوا عليه. PageV01P065 # وقد ذكر القاضي عبد لله بن حسن الدواري في موضعين، من تعليقه علي الشرح، ~~أنه إذا اتفق رجلان في شرائط الإمامة، ولم يكن أحدهما أكمل من الآخر في شئ ~~منها، ولا سبق بدعوة ولا عقد، فأولاهما بالإمامة أكثرهما فهما، ثم أحلمهما، ~~ثم أحسنهما خلقا، ثم أفصحهما لسانا وأحسنهما عبارة، قال ذكر ذلك صاحب ~~(الكافي)، ويعرف أنه أولى، إذا كان فيه خلة حميدة، سيما إذا كان الناس ~~معهما أقرب إلى اتباعه، وإن كانت تلك الخلة من غير صفات الإمام وشرائط ~~الإمامة، كأن يكون أحدهما أتم في خلقه وهيبته، وأحسن ثباتا، وأسمى همة، ~~وأوسط نسبا، وأكثر أباء في العلم والفضل، وأكثر رحامة وبني عمومه لنصرته ~~ونحو ذلك من الخلال التي معها اتساق الأمور له أبلغ من غيره، فمن كانت فيه ~~فهو أولى بالإمامة، لكنه لو دعا غيره قبله أو عقد له كان هو الإمام ولم ~~يقدح في صحة إمامته كون غيره أتم. # وقال في موضع: إذا كان أحد الصالحين للإمامة أكثر نسكا، والآخر أكثر ~~سياسة وأحسن تدبيرا، فإن الآبر في السياسة والتدبير أولى بالإمامة، إذ حاجة ~~الأمة إلى حسن السياسة وزيادتها أمس من حاجتها إلى زيادة النسك. # قال: وعلى الجملة فالغرض بالإمامة صلاح المسلمين، وحسن الرعاية لهم، ومن ~~كان ظن هذا فيه أغلب على العاقدين أن يعقدوا له، وعند القائلين بالدعوة لا ~~يجوز لمن يعلم أن ms042 غيره أتم منه سياسة وصلاحا للمسلمين أن يقوم بأمر الأمة ~~فالعقد له باطل والدعوة تحتمل ذلك. PageV01P066 # الفائدة الثانية: إذا دعى داع كامل الشروط، وقام بأعباء الإمامة، ثم ظهر ~~بعد ذلك أن غيره أفضل منه، وأكمل في خصالها، وأدخل في شرائطها، ما يكون ~~الحكم في ذلك؟ # اختلف فيه، فقيل: إنه يجب على الداعي تسليم الأمر للأفضل، وقال السيد أبو ~~طالب: لا يجب ذلك، بل يستمر على حاله، وقد صار أفضل لتحمل أعباء الأمامة. # الفائدة الثالثة: قيل(القاضي عبد الله الدواري): كون الإمام أفضل بالنظر ~~إلى جميع أهل البيت، فذلك مما لا سبيل إلى العلم به لانتشارهم في أقطار الأرض. # قال بعض المتكلمين: إنما يعتبر الأفضل منهم في القطر الذي فيه المكلف، ~~قيل في البريد، وقيل: في مسافة ثلاثة أيام. # وقيل: في مبلغ علم المكلف، وليس عليه البحث عن الأفضل مع وجود الفاضل. # ومنها أن لا تسبق دعوته دعوة مجاب، وليس هذا من الشروط التي هي من صفات ~~الإمام ونعوته الراجعة إليه، وإنما هو في الحقيقة يرجع إلى المنع، فلا ~~ينبغي أن تعد من صفات الإمام التي يتوقف عليها صحة القيام، وإن كان من ~~أصحابنا من يعده شرطا، وينظمه في سلك تعداد الشروط، لفظا وخطا، وأبلغ من ~~بسطه غاية البسط، في استيفاء ذكر هذا الشرط، وأوضح فيه المعنى والقصد ~~المهدي -عليه السلام- فإنه قال: # من شروط الإمام أن يدعو في حال لم يكن قد تقدمه داع مجاب أجابه بعض الأمة ~~فأما حيث قد تقدمه داع مجاب ودعا بعد ذلك فهو باغ. # إذا كان الأول كامل الشروط وقد أجيب، لا إذا لم يكن كاملا أو كان كاملا ~~ولم يجبه من الأمة من ينتفع بإجابته بل لم يجبه أحد أو أجابه من لا نفع في ~~إجابته لقلته أو خموله، فلا حكم حينئذ بتقدم دعوته. PageV01P067 # قال: ومن عرف أنه إذا دعا أجابه من الناس من ينفع الله بإجابته، في إمضاء ~~الأحكام الشرعية على الوجه المشروع وجبت عليه الدعوة حينئذ، وصارت دعوة ~~الأول كأنها لم تكن إذا بطل ms043 نفعها في المقصود كما يبطل الوقف والتحبيس. # ببطلان نفع العين (في) المقصود، قال -رحمه الله تعالى-: لكن لا يجوز له ~~الدعاء إلا بعد اليأس من إجابة الأول ونهوضه لا مع كون الإجابة مرجوة، وذكر ~~أنه أخذ هذه المسألة من نصهم على جواز تنحي الإمام مع كون غيره أنهض، ولا ~~وجه له إلا كون الغرض بالأنهض يكون أكمل، ولا شك أن المجاب يكون أنهض ممن ~~لم يجب، ثم أورد على نفسه سؤالا، وهو أنهم نصوا على جواز التنحي حينئذ لا ~~وجوبه، فمن أين لك وجوبه؟ # وأجاب: بأن هذا الحكم مما إذا حسن وجب، لأن الإمامة وجبت لمصلحة عامة، ~~فإذا جاز له التنحي لتلك المصلحة وجب عليه لأن رعايةالمصلحة وهو وجوب ~~الإمامة من الأصل. # قال: ولا يقال: إن التنحي المنصوص على جوازه يقع برضى المتنحي، فكيف يقاس ~~عليه ما لم يقع برضاه، وهو دعوة غيره بعد دعوته. # قال: لأنه لا عبرة برضى المتنحي، إذا كان المتنحي قد وجب عليه لأن القصد ~~رعاية مصلحة الأمة لا مصلحته وحده، والحق في ذلك لله تعالى لا له فلا عبرة ~~برضاه، هذا حاصل ما ذكره في (الغيث)، وقد استوفى الكلام في هذا المعنى ~~وأجاد فيه، وإن كان عند تدقيق النظر والمبالغة في النقادة بالرؤية الوقادة ~~لا يخلو عن نظر. والله سبحانه أعلم. ثم لنعد إلى الكلام على أصل هذا الشرط: PageV01P068 # فنقول: الظاهر من مذهب الزيدية، وجمهور المعتزلة، وكثير من الأمة، أنه لا ~~يصح قيام إمامين معا في وقت واحد، ولا يصح قيام المتأخر منهما إن سبق ~~أحدهما بالدعاء هكذا حكى القاضي عبد الله. # وفي (الغايات) نسبة هذا القول إلى المعتزلة جملة، وبعض الزيدية، قال ~~القاضي: الخلاف في ذلك مع عباد بن سليمان، ومحمد بن سلام الكوفي، وحكاه في ~~(زوائد الإبانة)، عن كثير من السادة والعلماء. # وروى عن م بالله -عليه السلام- رواية مغمورة، وبه قال بعض الخوارج، وبه ~~يقضى رأي سعد بن عبادة وأتباعه، حيث قالوا منا أمير ومنكم أمير. # وقال الناصر -عليه السلام- بصحته، إذا تباعدت الديار، ms044 ونسب في (الغايات) ~~تجويز إمامين إلى الكرامية، ونسبه إلى القاسم بن علي العياني، -عليه ~~السلام-، فإنه قال: إذا كان في قرية واحدة إمامان يدعوان إلى الله تعالى ~~لكل منهما رعية، اختلفت رعيتهما، ولم يؤمن أن يوقعوا الوحشة بينهما فالواجب ~~على من أحله ذلك المحل أن يكون بمن معه من الرعية في معزل يملك فيه تصرفهم، ~~ولا يكون حيث يبلغ صاحبه وأصحابه اختلافهم ومضارهم. وما لا يؤمن من كونه ~~بين مثلهم فإذا فعل ذلك ملك كل رعيته ودانت له مودته وصار كل بما يرضي الله تعالى. # قال المهدي -عليه السلام-: فصرح -عليه السلام- بجواز إمامين في وقت واحد، ~~على الصورة المذكورة. # وقال الإمام يحيى في (الإنتصار): أما مع تقارب الأوطان والأماكن، ~~فالإجماع منعقد من جهة الصدر الأول من الصحابة والعترة والفقهاء على المنع ~~من ذلك. PageV01P069 # وأما مع تباعد الأوطان في الأقاليم البعيدة، والأمصار المتفاوتة في البعد، ~~ففيه مذهبان: المنع وهو رأي العترة والمعتزلة، والأشعرية والخوارج، ~~والفقهاء، ويحكى عن المؤيد أخرا لأن المقصود إقامة قانون الدين والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا يحصل بواحد، وأمره في الأقاليم البعيدة ~~ينفذ بإنفاذ الولاة والقضاة والكتب والرسل، كما كان في أزمنة الخلفاء، ~~وتجويز الإمامين في وقت واحد، هو رأي المؤيد بالله -عليه السلام-. # أولا: ومحكى عن الجاحظ، وعباد الصيمري، وحكاه الشيخ أبو القاسم في كتاب ~~(المقالات) عن قوم من التابعين، وهو محكي عن الناصر، وهذا هو المختار. # قال -عليه السلام-: وعليه يحمل ما كان من الإمامين، الهادي إلى الحق يحيى ~~بن الحسين، والناصر عليهما السلام، لما كانا في الأماكن المتباعدة، ~~والأقاليم المتباينة، فإن اتفق اجتماعهما وجب على المفضول تسليم الإمامة ~~للأفضل منهما. # وحكي عن الناصر -عليه السلام- أنه إن لم يفعل فسق لأن غرضه الدنيا وإحراز ~~الملك على الإنفراد، وهو خلاف الدين احتج المانعون بإجماع الصحابة، وبرد ما ~~قالته الأنصار،حيث قال عمر بن الخطاب: سيفان في غمد إذا لا يصلحا[ن] وكان ~~ذلك بمحضر جمع كثير من الصحابة، وبلغ الباقين ولم ينكره أحد فكان إجماعا ~~لأن المسألة قطعية، ms045 فقول البعض فيها بقول وسكوت الآخرين مع علمهم به يكون ~~إجماعا وصوابا، إذ لو لم يكن كذلك كانت الأمة قد أجمعت على الخطأ. هكذا ~~قرره القاضي عبد الله بن حسن الدواري. PageV01P070 # قلت: والعجب منه حيث قضى بأن الإجماع السكوتي في المسائل القطعية يكون ~~قطعيا، مع احتمال كون السكوت المشار إليه لغير ما ذكره، والحوامل الممكنة ~~كثيرة، وهذا من المجازفة والغلو في أمر الإجماع والإعتساف، واحتجوا بما روي ~~عنه -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما )). # وبما روي عنه -صلى الله عليه وآله وسلم: ((من دعى إلى نفسه أو إلى غيره ~~وهناك إمام فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)) وهذان الخبران ~~دلالتهما صريحة إلا أنهما آحاديان والمسألة قطعية، واحتجوا بأن الأمة بعد ~~الصدر الأول حالا بعد حال لم يقيموا إلا واحدا لم يعلم منهم نصب اثنين في ~~عصر واحد وهذا إجماع منهم وتأكيد للإجماع الأول. # ويرد عليه أن عدم فعلهم إياه لا يدل على امتناعه إنما يدل على عدم وجوبه، ~~واحتج المحيزون له بالقياس على الأنبياء عليهم السلام، والقضاة والأوصياء، ~~ونحو ذلك من الولايات، التي مرجعها إلى التصرف على الناس. # وعن الناصر -عليه السلام- أنه قال: لا خلاف أن الله تعالى قد بعث أنبياء ~~في عصر واحد، وكذلك حكم الأئمة، كان إبراهيم ولوط في عصر واحد، وإسماعيل ~~وإسحاق -عليهما السلام- في عصر واحد، وموسى وهارون -عليهما السلام- في عصر ~~واحد، وداود وطالوت وأشمويل في عصر واحد، ويحيى وعيسى في عصر. # قلت: ولعل للمانعين أن يجيبوا بأن القياس غير صحيح، أما الأنبياء عليهم[ ~~] فلعصمتهم والأمن من منازعتهم ولأن ذلك بوحي من السماء، فنقطع بأنه الأصلح ~~وأنه لا مفسدة فيه. PageV01P071 # وأما الأوصياء والحكام، فليس أمرهم يقضي في العادة إلى تنازع ولا تشاجر، ~~فالقاضيان لا يزيد كل واحد منهما على أن يقضي بين المترافعين إليه بما يصح ~~لديه، والوصيان لا يزيد حالهما في التصرف في مال الصغير، على تصرف ~~المشتركين في مال لهما، والشركة مشروعة ولا خلل فيها. # وأما أمر الإمامين فإنه مظنة ms046 للتشاجر والتفاخر ولا عصمة مانعة، وليست ~~التصرفات المقصودة منها بيسيره، ولا مقصورة على أشياء معينة. # وأقول وبالله التوفيق: إني لم أزل أنظر في هذه المسألة، وأتأمل الأمر ~~فيها، برهة من الزمان، فإذا نظرت إلى الأمر المقصود بنصب الإمام من مصالح ~~الإسلام، فمن البعيد المتعسر أن يتمكن إمام واحد من النظر في أمور ~~المسلمين، ومصالح الدين في جميع النواحي والأقطار والبوادي والأمصار، ومن ~~منابذة الظالمين في جميع الأوقات، وهذا أمر يعلم بالاضطرار، ولا يتهيأ فيه ~~إنكار، وهل من قام بالديار اليمنية مثلا يتمكن من تدبير أمور الشام، ~~والعراق، ومصر، والهند، والصين، ونحوها؟ فإذا حكمنا بأنه لا يجوز أن يقوم ~~في جميع الأرض غير إمام وحده، فما يكون علمه؟ وليس مبلغ قطره ولقد خبرنا ~~هذا الأمر فوجدنا الإمام لا يكاد يحكم التصرف فيما غاب عنه، ولو مسافة يوم ~~أو يومين مع وجود الأعوان والكفاة، فكيف بقطر تكون مسافته شهور كثيرة، ~~ودونه البحار والمهامة والقفار، ويقوي عندي أنه لا أقل من تعدد الأئمة ~~بالنظر إلى الأقطار المتباعدة، وأنه لا بأس بأن يقوم إمام في الديار ~~اليمنية، وإمام آخر بالعراق، وإمام آخر بالجيل والديلم. PageV01P072 # وعلى هذا في غيرها فإن الذي يخاف منه التشاجر، واختلاف الآراء مأمون مع هذا ~~التباعد القاطع للأخبار، والإطلاع للأغلب، مع كون المفروض أن كل داع إلى ~~الله تعالى ومنخرط في سلك الأئمة الهداة، قاصدا لوجه الله تعالى، لا للملكة ~~والرئاسة، وأن الغرض المقصود المطلوب إحياء دين الله تعالى، والنظر في ~~مصالح المسلمين، ومنابذة الظالمين، ولقد كنت شديد العجب من غفلة الأصحاب عن ~~هذا المعنى وللنظر فيه وتطابق آرائهم ونصوصهم في مصنفاتهم على خلافه، وردهم ~~مذهب الناصر وما نقل عنه مع وضوح صوابه، وانكشاف وجه القوة فيه، وتمسكهم في ~~ذلك بتلك الحجج الضئيلة والأدلة الضعيفة والدعاوي التي لا حاصل لها ولا ~~تعويل عليها. # فلما وفق الله تعالى لتحصيل كتاب (الغايات)، والمطالعة له، وقفنا على ~~كلام فيه، يشفي الأوام، ويشهد لمصنفه بالإصابة والإحكام، ويقضي بأن الذي ~~وقع في أنفسنا وقع مثله في ms047 نفسه الكريمة الزكية وقضت أنظاره الوافية. PageV01P073 # قال -عليه السلام- ما لفظه: وأنا أقول: إنا لما علمنا العلة التي لأجلها ~~منعوا من إمامين، وهو التشاجر عند اختلاف الرأي ونحو ذلك، وعلمنا تقاطع ~~الديار المتباينة كالصين واليمن ونحو ذلك، بحيث يتعذر لأجل ذلك التقاطع بين ~~الديار، وتوسط سلاطين الجور في البلدان، وضعف يد الإمام عن الإنبساط على ~~الأقطار وتواصل شوكته فيها، فلا يبعد أن يجب نصب الإمامين والثلاثة ~~والأربعة بحسب تباين الديار، ليحصل بذلك إقامة الأمور التي يجب نصب الإمام ~~من أجلها في أقطار كثيرة، لتعذر إقامتها بقائم واحد في قطر واحد، وتعذر نصب ~~إمام اليمن واليا له في الصين مع ارتفاع شوكته فيما بينهما، وتعذر المواصلة ~~عند الاحتياج، إلى أخذ أمره ورأيه في إصدار وإيراد لعدم اتصال شوكته وتنائي ~~الديار ومخافتها، ويتعذر ذلك في مثل أحوال زماننا هذا ومعلوم ضرورة، وإذا ~~علم ذلك وجب علينا أن لا نعطل قطرا من أقطار المسلمين من إقامة قائم فيه ~~تقوم فيه الأحكام التي نحتاج الإمام فيها. # قال -عليه السلام-: وإجماع الصحابة إنما كان حيث حال الإسلام على خلاف ما ~~هو عليه الآن من الإنتشار، وإتصال شوكته، حتى صارت الجهات المتباينة لأجل ~~إتصال شوكته ومواصلة الخليفة كالقطر الواحد، فأمكن إتصال أخبار الولاة ~~حينئذ إلى الخليفة وإنفاذ الأوامر من جهته ومن ثم منعوا ذلك فأما في هذه ~~الأحوال فالحق ما ذكرناه، وإلا تعطل أكثر الأقطار عن إقامة الأمور التي ~~نحتاج الإمام فيها، وهي جل أحكام الإسلام وقواعد هذا هو الحق الذي يترجح ~~لنا في هذه المسألة. PageV01P074 # قلت: لله در هذا الإمام، فقد أجاد الكلام، ووفى بالمرام فيما ذكره ظاهر ~~ظهور الشمس وعار عن الاشتباه واللبس، وقال الحاكم صاحب التفسير: وما يحكي ~~عن بعض الزيدية، فإنما أرادوا إذا تباعدت الديار، ولم يقف أحدهما على الآخر ~~مثلما كان من حال الهادي، والناصر عليهما السلام، وكل واحد منهما يأمر ~~وينهي ويقيم الأحكام، حتى إذا التقيا سلم أحدهما للآخر، ويلوح من كلامه هذا ~~استحسان هذا القول. # وقد تقدم تصريح الإمام عماد ms048 الدين والإسلام يحيى بن حمزة -عليه السلام- ~~باختياره. # قال: والحجة عليه أن البعد يقضي بجواز ذلك لمصلحة، فإن حادثة لو وقعت في ~~أقصى المغرب والإمام في أقصى المشرق، فتستحيل مراجعته فيها مع قصور وقتها ~~وأنه لا يمكن التأخير فيها، وعلى هذا تقضي المصلحة الشرعية بجواز ما قلناه ~~من صحة قيام الإمامين بالأمر مع تباعدهما، ويحتمل ما وقع من الإجماع على ~~المنع من ذلك على تقارب الأقطار. # قال المهدي -عليه السلام-: وقد حكي عن بعض أصحابنا، أنه حكي في حواشي ~~تذكرة أبي طالب أنه يجوز إمامان وثلاثة وأربعة في وقت واحد في بلد واحد ~~بإجماع أهل البيت -عليهم السلام-. # قال -عليه السلام-: الرواية فيها ضعف بل لا يبعد القطع بكذبها فإن كتب ~~أهل البيت مشحونة بخلاف ذلك، ويتصل بما ذكرناه فوائد: # الفائدة الأولى: هل يجوز خلو الزمان عن إمام موجود وعن من يصلح للإمامة أولا؟ PageV01P075 # أما الطرف الأول: فلا كلام أنه يجوز خلو الزمان، عن حصول الإمام وانتصابه ~~للإمامة، وذلك أمر متحقق ويرد على قاعدة أصحابنا، وظاهر إطلاقهم في وجوب ~~الإمامة على الأمة، أن يقال يلزم من عدم تحصيل الإمامة وثبوتها إطباق الأمة ~~على الإخلال بالواجب وهم معصومون عن ذلك، وهو سؤال متوجه، لكنا قد قدمنا في ~~ذلك هذا المعنى ما يرفع الإشكال ويمنع من قدح السؤال. # وقال في (الإنتصار): المحكي عن الأئمة العترة والزيدية والمعتزلة ~~والفقهاء، أنه يجوز خلو الزمان عن الأئمة عقلا، لكن الشرع يمنع من ذلك فلا ~~يجوز على هذا خلو الزمان عن الأئمة من جهة الشرع، وحكي عن الإمامية ~~والبلخية أنه لا يجوز خلو الزمان عن الأئمة عقلا ولا شرعا، وذهب ضرار ~~والأصم إلى جواز خلو الزمان عن الأئمة مع سلامة الأحوال، وإلى هذا ذهبت ~~فرقة من الخوارج. # قال: والمختار جواز خلو الزمان عن الإمام بدليل جواز خلوه عن الأنبياء، ~~فالفترة بين موسى وعيسى، على ما حكي ألف سنة، والرسول # -صلى الله عليه وآله وسلم- بينه وبين عيسى -عليه السلام- ألف سنة، وهذا ~~في الأئمة أولى وأحق. PageV01P076 # وأما الطرف الثاني: ms049 وهو الخلو عمن يصلح للإمامة، فالذي عليه أهل العدل، ~~وجمهور المتكلمين المنع من ذلك، قال القاضي عبد الله بن حسن الدواري: ~~والخلاف في ذلك مع من لا يوجب الإمامة، احتج المانعون من خلو الزمان عن ~~صالح للإمامة بجميع الشروط بأن علينا تكاليف لا تصلح تأديتها إلا مع وجود ~~الإمام كإقامة الجمعات والحدود ونحو ذلك،فيجب على الله تعالى أن لا يخلي ~~الزمان عن صالح للإمامة، إذ لا يتم لنا تأدية ما كلفناه إلا مع وجود ~~الإمام. # قال الدواري: فما كان من الشروط من فعل الله كالمنصب والعقل ونحوهما وجب ~~على الله تعالى فعله، وما كان منها اكتسابيا فالواجب عليه تعالى توفير ~~الدواعي لا تحصيله. # قلت: في هذا الاستدلال من الركة والضعف والخطل ما لا يخفى على ذي ألمعية ~~وحسن روية، وهل الشروط التي تتوقف عليها الواجبات وهي من فعل الله تعالى ~~يجب على الله أن يفعلها ويحصلها!!؟ هذا مما لا قائل به، فإن الله سبحانه ~~وتعالى أوجب الواجبات، وهي تتوقف على العقل والبلوغ، وما كان منها مختصا ~~بالذكور كالجهاد ونحوه. # فيتوقف على الذكورة، ولا يقال: إنه يجب على الله تعالى فعل هذه الشروط ~~ليتم التكليف، والمكلف فيما كان مشروطا من جهة الله ومن فعله في فسحة أن ~~خلقها الله تعالى له بعد ما كلفه وإلا سقط عنه التكليف، والله سبحانه لا ~~يجب عليه أن يفعل ما يتم به التكليف ولا قائل بذلك. # ثم أنه أورد على نفسه سؤالا فقال: إن قيل إذا كان الوجه ما ذكرتم، ~~فقولوا: لا يجوز خلو الزمان عن إمام، لأن القيام بما ذكرتم لا يتم إلا ~~بوجود إمام لا بوجود من يصلح فقط. PageV01P077 # قلنا: لا يجب ذلك بل يجب على الله تعالى أن يجعله على أوصاف الإمامة، التي ~~لا يقدر عليها إلا هو ويوفر دواعيه إلى اكتساب الأوصاف التي لا بد منها في ~~ثبوت الإمامة الصحيحة. # ثم من يجعل طريق الإمامة الدعوة والخروج فالواجب عليه الدعاء، وعلى القول ~~بالعقد يجب العقد على العاقدين وعلى غيرهم الرضا. # ويتفرع ms050 على هذه الفائدة خلاف وقع بين الشيخين، قال أبو هاشم: لا يجوز أن ~~يخلو الزمان عن قرشي جامع الشرائط، فهذا الشرط وهو شرط المنصب لا بد من ~~حصوله كسابق الشروط، وبه قال قاضي القضاة. # وقال الشيخ أبو علي: لا، بل يجوز خلو الزمان عن حصول المنصب، وبه قال ~~الغزالي وغيره، وحينئذ تجوز الإمامة في غير قرشي كما يجوز التيمم عند عدم ~~الماء، وتوقف أبو عبد الله البصري، وقد احتج في (الغايات) لتصحيح قول أبي ~~هاشم احتجاجا بسيطا. # ولا شك أنه الأرجح على قاعدتهم، لأنهم أوجبوا أن لا يخلو الزمان عن صالح ~~للإمامة كامل الشرائط فالمنصب أحد الشرائط، ويتوقف عليه الصلاح المذكور، ~~ولو قيل بما قاله أبو علي للزم مثل ذلك في سائر الشروط، فيجوز الخلو عن شرط ~~الاجتهاد وعن شرط الشجاعة أو غيرهما. # ويجوز حينئذ إمامة المقلد، وإمامة من ليس بشجاع كالتيمم مع الوضوء، إلا ~~أن أبا علي فرق فقال: المقصود بقيام الإمام لا يفوت بوفات المنصب، فتصح ~~الإمامة من دونه فجاز اختلاله بخلاف غيره من الشروط كالعقل والعدالة. # تنبيه: ويأتي على مذهب أصحابنا وقاعدتهم أنه لا يجوز خلو الزمان عن ~~فاطمي، وقد صرح به في بعض تعاليق الشرح. PageV01P078 # الفائدة الثانية: إذا ثبت أنه لا يجوز خلو الزمان عن صالح للإمامة، فهل ~~يجوز أن يوجد في وقت واحد جماعة يصلحون للإمامة؟ قيل: هذا لا ينبغي أن يقع ~~فيه منازعة، ولا يفتقر إلى مواقعة، وأي مانع يمنع من ذلك من جهة القدرة ~~والحكمة، وقال عباد بن سليمان والإمامية: لا يجوز ذلك. # أما الإمامية فبنوا على أصلهم أن طريقها النص، وأنه لا نص إلا على واحد ~~فواحد، وفي الحقيقة أنه لا خلاف بيننا وبينهم إلا في قاعدتهم التي بنو ~~عليها، ولا يخالفون في جواز وجود جماعة فاطميين مجتهدين عدول، أهل تدبير ~~وشجاعة، وسخى وفضل، ولا يعدون مخالفين هنا. # وأما عباد بن سليمان فالذي دعاه إلى هذا المذهب الضعيف، أنه لو وجد جماعة ~~صالحون لأدى ذلك إلى أن يختار واحد منهم لغير مرجح ms051 في اختياره ولا يصح ~~ترجيح من غير مرجح. # ولا معنى لما ذكره: وقد جعل عمر الشورى بين ستة فقضى بصلاحيتهم كلهم، ولم ~~ينكر عليه والمرجح للإمامة أحد الجماعة الصالحين، اختيار العاقدين له، وعند ~~معتبري الدعوة سبقه بها، واختبار العاقدين لواحد من جملة جماعة غير صالحين ~~غير مستبدع ولا مستنكر، فإن العادل المختار إذا أعنت له أمور مستوية، في ~~تعلق الداعي وانتفاء الصارف اختار أحدها من غير مرجح، كمن يأكل أحد رغفان ~~مستوية، وواحدة من رمانات (لا تفاضل بينها)، وكسالك إحدى طريقين مستويين في ~~الإتصال إلى الجهة المقصودة في القرب والسهولة وانتقاء الشوائب. PageV01P079 # فرع: إذا فرض وجود جماعة صالحين كما ذكر ما يكون فرض الأمة في حقهم، ومن ~~يتعين للقيام بأعباء الأمة منهم، أما معتبروا الدعوة فالعبرة عندهم لمن دعا ~~منهم وترشح لذلك. # فأما معتبروا العقد فمن أرسل الله تعالى العاقدين إليه، ونصبوه كان ~~المعول عليه كما ذكر آنفا، لكن قال الشيخان أبو علي، وأبو هاشم: لا يعمدوا ~~إلى واحد فيختاروه بل يقرع بينهم حيث كانوا مستوين في الخصال المعتبرة، ~~وقال بعض المعتزلة: بل يكون الهاشمي أولى من سائر بطون قريش حيث كان ~~الصالحون لهذا الأمر هاشميا وغيره. # وقال ضرار بن عمر: بل العجمي أولى من العربي، والذليل من العزيز ليكون ~~عزله إذا أحدث ما لا يرضاه المسلمون أيسر وأسهل، ولا تعويل على ما ذكره، ~~لأنه بنى على قاعدة منهارة وهو صلاحية الإمامة في الناس عموما، ولأن الذي ~~يحدثه الإمام إذا كان فسقا انعزل بذلك وبطلت ولايته من دون عزل عازل ~~فتخلفهم عنه كاف وليس يعتبر العزل عن التولية في الإمام كالحاكم. # هكذا في (الغايات) وعندي أن الاحتجاج على ضرار بما ذكره لا يطابق مراد(ه) ~~بما ذكره، لأن قصده إمكان عزله، وسهولة خلعه عن مرتبته، وتقطيع علائقه، لا ~~نفس بطلان إمامته. # لكن قوله غني عن الإبطال، ولا ينبغي فيه توسيع المقال، ولو كان علته ~~العليلة كما ذكره لاقتضت أن يجعل الإمام من أطراف الناس وأدنيائهم، لأن ~~إبطال أمره وقت الحاجة إليه ms052 أيسر هذا ما لا ينبغي أن يقول به مميز. والله أعلم. PageV01P080 # وأما كلام الشيخين، فقد رده المهدي -عليه السلام- بأنه لا وجه للقرعة هنا، ~~إذا الحق للعاقدين فالخيار إليهم في المنصب وليس للمنصوب حق فلا يقاس على ~~الأحكام التي اعتبرت القرعة فيها في مسائل النكاح والعتاق والقسمة، فإن ~~وجهها فيها المساواة بين أهل الحق والحق هاهنا لأهل النصب عند معتبره. # وأما من رجح الهاشمي على غيره من المعتزلة فكلامه قوي لوجهين: أحدهما ~~قربه من رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وهو مرجح ظاهر للإمامة أعرض ~~عنه، فعلى كل واحد من الأمرين ويجب معرفته إذا كان ظاهرا، إما بالموافقة أو ~~بالتبرء منه والإعراض عن أمره. # وقال القاضي عبد الله بن حسن الدواري: إن معرفة شرائط الإمامة، ومعرفة ~~إمام الزمان واجب على كل مكلف من الآدميين، إذ على كل مكلف تكليف يتعلق ~~بالإمامة والإمام وهذا في حق الذكور، فأما المرأة فإن كانت عليها زكاة ~~واجبة أو التزمت أمرا للإمام أن يلزمها إياه وجبت عليها معرفة إمامته ~~وشرائط الإمامة وإلا لم يجب عليها، إذ لا تكليف عليها يتعلق بذلك، وما لا ~~يتم الواجب إلا به يكون واجبا كوجوبه، ويدل على ذلك الإجماع أيضا، وقوله ~~-صلى الله عليه وآله وسلم-: ((تمسكوا بطاعة أئمتكم ولا تخالفوهم ، فإن ~~طاعتهم طاعة الله، ومعصيتهم معصية الله)) والتمسك بالطاعة فرع على معرفة ~~الإمام. # تنبيه: مضمونه أنه هل يجب على كل مكلف العلم اليقين في ذلك أو يجب عليه ~~العلم بما وجد السبيل إلى علمه، عند بلوغ دعوة الإمام إليه ويقلد فيما لا ~~سبيل إليه إلى العلم به في تلك الحال من الشرائط وإن انكتم العلم بذلك من بعد؟. PageV01P081 # قال القاضي عبد الله بن حسن الدواري: الظاهر من كلام العدلية أنه لا بد له ~~من العلم بجميع ذلك، ولا يسوغ له التقليد بشيء منه فما علمه بالخبرة فهي ~~كافية في ذلك وما لم يعلمه بالخبرة يطلب العلم به بالتواتر، وعليه شدة ~~البحث وهو معذور في التزام حكم الإمامة، قبل العلم بما ms053 ذكرناه. # وقال الفقيه حميد وغيره: لا بد من العلم بالشرائط الا كونه مجتهدا فيكفي ~~التقليد فيه. # وعن بعضهم: وكذلك التدبير، وجودة الرأي يسوغ التقليد فيه إذ ليس كل مكلف ~~يتمكن من عرفان الأراء ومصادرها ومواردها، وعن بعضهم جواز التقليد في شرائط ~~الإمامة فيه وإن أمكن بعد ذلك العلم بالبحث وغيره. # قال القاضي عبد الله الدواري: والأصح أنه لا بد من العلم اليقين بإجتماع ~~الشرائط، وأن على كل مكلف تحصيل العلم بذلك، بالخبرة أو البحث وعليه الرحلة ~~إلى الإمام، حيث كان يختبر حاله وإن كان ممن يمكنه الاختبار أو الرحلة إلى ~~عدد يخبرونه عن حاله خبرا متواترا، وإن لم يمكن من الإختبار ولا أخبره عدد ~~التواتر باجتماع الشرائط ففرض الإمامة ساقط عنه، هذا حاصل ما وقفنا عليه من ~~كلام الأصحاب في هذا الباب. PageV01P082 # وأقول وبالله التوفيق: إن القول بأنه يلزم المكلف من قارئ وأمي وحاذق وذي ~~بله ومميز ومن (لا)تمييز له، وأن يعلم علما يقينا أن الداعي قد جمع الشرائط ~~المعتبرة في الإمامة شرطا شرطا، وأنه يلزمه ما يتوقف هذا عليه من العلم ~~بلزوم شرائطها، وأنه لا بد منها، وأنه يلزمه بالتوقف كلما ذكر عليه من وجوب ~~الإمامة، وأنه لا بد منها وعموم التكليف بما هو من الغلو ومجاوزة الحد ~~وارتكاب الشطط واقتحام المسلك الوعر والإعتساف، الذي لا يخفى على أولي ~~الإنصاف، ولعمري إن تكليف العوام بذلك من قبيل تكليف ما لا يطاق، وأنه خارج ~~عن وسعهم وقدرتهم، وأنه لا يبلغ إلى ذلك ولا إلى ما هو دونه طوقهم وقواهم، ~~وأنه لا يبعد عن أن يكون كتكليف (الأعمى) بإعجام مصحف أو رقم كتاب، وأنه لو ~~أخذ عالم من العلماء المختارين يلقن قاصيا أدلة هذه المسائل، ويلقيها في ~~سمعه ويشرحها له أعواما طويلا أمدها، عظيما مددها، ما بلغ إليها مزيد من ~~ذلك ولا أدركه وكان كسوم بعض الأنعام من أن يتعلم فيصير من الأعلام، ولو ~~كان هذا واجبا متحتما لكان العوام محكوم عليهم بالإخلال بواجب الإمامة، ~~فإنهم ليسوا في طرف منها ولا ms054 وسط وأنهم آثمون معاقبون مفرطون، وإنهم في ~~طاعتهم للأئمة واتباعهم ومشايعتهم والمجاهدة بين أيديهم، والإئتمار ~~بأوامرهم مخطئون، وللمنكر مرتكبون، ولكان فرض الإمام نفسه وفرض العلماء ~~والفضلاء أن ينكروا عليهم إجابتهم للإمام وطاعتهم له، وتسليم الحقوق إليه ~~والمجاهدة بين يديه، فليس للإمام أن يقهرهم على المنكر، ولا لأحد من علماء ~~الإسلام أن يكتم ما علمه الله من ذلك. PageV01P083 # فمن كتم علما علمه الله تعالى إياه ألجم بلجام من نار، وأقل ما يلزم من ذلك ~~أن يتبينوا ما يجب عليهم مما ذكر ولم يؤثر عن أحد من الأئمة ولا من علماء ~~الأمة، أنه انتصب في سوق أو جامع أو مجمع ليشعر الإمامة، وإحرازه إياها، ~~وجمعه لنصابها، وأنه لا يجوز لهم اتباعه واستماعه، وطاعته ومحبته، وامتثال ~~أوامره ونواهيه، حتى يحصل العلم بما ذكرناه، وكان يلزم في العوام أن عجزوا ~~عن ذلك (ولم) يتمكنوا منه، أن يسقط عنهم تكليف الإمامة، وأن لا يجوز للإمام ~~أن يدعوهم، ولا أن يقهرهم على ما يجب له، من تسليم الحقوق وامتثال الأوامر، ~~وأن لهم أن يعتذروا بأنه لم يحصل لهم العلم اليقين بإمامته، وعليه أن يقبل ~~ويعذرهم فلا يدعوهم ولا يقهرهم، وهذه إلزامات لازمة فإن التزمها أصحابنا ~~فقد اقتحموا من المحذورات جانبا، وكانوا ممن لم يجد إلا الأسنة مركبا، وإن ~~قهقروا عنها وحادوا منها لم يكن لهم بد من الإعتراف بأن تحصيل العلم اليقين ~~ليس من فروض العوام إن سلم أنه من فرض المميزين. PageV01P084 # والذي يتوجه ويكون سليما من الشطط والأود أن معرفة الشرائط، ووجه اشتراطها ~~أن يعتمدوا معرفة إحراز الإمام كيفياتها واحتوائه عليها، إنما هو فرض ~~جهابذة النقد وأرباب الحل والعقد، ومن هم في رتبة النصب والاختيار، ويعزل ~~عن مهاوي الشك (.....ص30) وإن فرض العوام أن يقتدوا بالعلماء الأعلام، فمن ~~بلغهم دعوته، وعرفوا من علماء زمانهم ومكانهم إجابته والتزام طاعته لزمهم ~~أن يجيبوه ويستمعوه ويطيعوه ويتبعوه، ويعتمدوا في أمر دينهم عليه، ويسلموا ~~ما عليهم من الحقوق إليه، وينهضوا للجهاد بين يديه ويأخذوا دينهم وما يحل ~~لهم وما ms055 يحرم عليهم من لدنه، وإن اختلف علماء زمانهم في أمره كانوا مع من ~~يعرفون أن علمه أرجح ودينه أصلح، وإن كانوا في درجه واحدة من العلم والدين ~~اعتمدوا الأكثر وإن استووا من كل وجه، كان فرضهم التوقف، وهذا هو المذهب ~~العدل والقول الفصل، وليس الإمامة وإن عظم شأنها، وارتفع مكانها، تساوي ولا ~~تداني النبوة، ولا هي في اشتراط العلم اليقين كمثلها ولا في محلها. PageV01P085 # ومن المعلوم أن الأنبياء لم ترشد أممهم إلى أنه يجب عليهم أن يعلموا نبؤتهم ~~يقينا، وأن ينظروا في ثبوتها، ويستدلوا على إنصافهم بها، وأن يتطرقوا إلى ~~ذلك بمعرفة عدل الله وحكمته، وأنه لا يجوز من الحكيم أن يظهر المعجزة على ~~الكاذب، وأن هذه المعجزة التي ظهرت على النبي خارقة للعوائد، خارجة عن نوع ~~الحيل والشعابذ، ولا قالوا لمن جاءهم مسلما من نحو الأعراب ومن لم يستطيع ~~قرع هذا الباب لا يجوز لك أن تعتقد نبوئتنا ولا أن تجيب دعوتنا، إلا بعد أن ~~تنظر في أمرنا، وتيقن صحة ما ذكرنا، فإنه إذا كان فرضه العلم اليقين، ~~ومعرفة صحة النبوة بالأدلة والبراهين لم يجز له أن يعتقد ذلك ولو ثبتت ~~النبوءة في نفس الأمر اعتقادا غير يقين، لأنه يكون مقدما على ما لا يؤمن ~~قبحه، والإقدام على ما هذه صفته كالإقدام على القبيح، والمقدم على القبيح ~~يجب الإنكار عليه، وليس يصح على الأنبياء أن يقروا من يرتكب محظورا عليه ~~ولا يساعدوه إليه. # ومن المعلوم يقينا أن عادة الأنبياء -عليهم السلام- وهجيراهم وديدنهم ما ~~كان إلا قبول قول من جاءهم مسلما، والسرور بمن وفد عليهم مؤمنا، مع علمهم ~~من حاله أن النظر المؤدي إلى العلم لا يخطر بباله، ومما يشهد بذلك الخبر ~~الذي أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، في كتبهم ~~المشهورة. PageV01P086 # ورواية أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: بينا نحن جلوس مع النبي -صلى الله ~~عليه وآله وسلم- في المسجد إذ دخل رجل على جمل ثم أناخه في المسجد ثم قال: ~~أيكم محمد؟، ورسول الله -صلى الله عليه وآله ms056 وسلم- متكئ بين ظهرانيهم، ~~فقلنا هذا الرجل الأبيض المتكئ. # فقال لي ابن عبد المطلب؟ فقال له النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((قد ~~أجبتك )) فقال له الرجل: إني سائلك فمشدد عليك فلا تجد علي في نفسك. فقال: ~~((سل عما بدا لك)) فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، الله أرسلك إلى الناس ~~كلهم، فقال: ((اللهم، نعم)) فقال: أنشدك بالله، الله أمرك أن تصلي الصلوات ~~الخمس، في اليوم والليلة. # قال: ((اللهم، نعم)) قال: أنشدك بالله، الله أمرك أن تصوم هذا الشهر من ~~السنة: قال: ((اللهم، نعم)) قال: أنشدك بالله، الله أمرك أن تأخذ هذه ~~الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا. PageV01P087 # قال: ((اللهم، نعم)) قال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورأي من ~~قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر، هذا لفظ البخاري فانظر كيف ~~أخذ ثبوت النبوة عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وقبل كلامه في ذلك ~~بعدما أكده بما أمكن من التأكيد واشتد في اعتقاده وتصديقه له عليه، ولم ~~يلتفت إلى غير ذلك ولا بحث عن المعجز ولا سأل عن دليل الصدق، وأقره النبي ~~-صلى الله عليه وآله وسلم- على ذلك ولم ينكره عليه، ولا يثبت التصديق ولا ~~نبهه على النظر والاستدلال، ولا أرشده إلى ذلك المعجز، بحال ولا سياق القصة ~~تقضي بأنه خطر له ذلك ببال، وكونه ذكر أنه رسول من وراءه من قومه ليعلموا ~~على ما يأتيهم به من أمر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، والبلوغ إليه ~~والدرية لما هو عليه. # وحكى ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم ينكره عليه ولا على من ~~وراءه من قومه وأقرهم على ذلك، فتأمل ما ذكرناه تأمل إنصاف، واغترف من هذا ~~النمير الصاف. PageV01P088 ### ||| AUTO القول فيما تبطل به إمامة الإمام بعد ثبوتها # هو ضربان: # الضرب الأول: ما هو من فعل الله سبحانه وتعالى ويخرج به عن التمكن من ~~مباشرة ما قام لأجله كالجنون المطبق،والعمى، والصمم، والمرض المذهب للقوى. # أو ما كان مبطلا لأحد الشروط المعتبرة، فمتى ms057 صار كذلك ووقع اليأس من عوده ~~على ما كان عليه من أوصاف الكمال، خرج بمجرد ذلك عن الإمامة، ولا يفتقر إلى ~~عزل ولا إخراج. # قال الإمام يحيى: أما الجنون المطبق فلا خلاف بين أئمة العترة والفقهاء، ~~أنه موجب لبطلان الإمامة لأنه من استمر عليه الجنون يكون حينئذ كالصبي ومن ~~كان كالصبي كيف يكون واليا على أمور المسلمين، قال: وأما العمى فلا خلاف ~~بين أئمة العترة أيضا والفقهاء أنه موجب لبطلان الإمامة، وحكى عن الشيخ ~~(أبي) علي الجبائي أنه لا يكون مبطلا لهما، واحتج على بطلان ما قاله بأن ~~أمور الإمامة لا تستقيم إلا مع البصر. # قال: وأما الزمانة المفرطة والمرض المقعد فهما مبطلان للإمامة بلا خلاف ~~بين أئمة العترة والفقهاء لما ذكرناه. # قلت: ولقائل أن يقول أما ما كان من هذه الآفات والعوارض مقارنا للدعوة أو ~~واقعا عقيبها فلا كلام إن ذلك مانع عن المقصود، وصاد عن المراد ولا معنى ~~لانتصابه حينئذ، ولا غرض يعود منه. PageV01P089 # وأما إذا فرض أن هذا أمر عرض له بعد أن استثبت أمره، وظهر قهره، وانتشر ~~ذكره، ومهد الأمور وساسها، وبعث العمال ونصب الكفاة، وصار يسوس الأمر ~~ويدبره من مقره، وأوامره نافذة في النواحي ويتلقاه بالقبول، وفي كل جهة ~~والي يدبر أمرها، وينظر في حوادثها، ويقيم ما شرعه الله وقام الإمام لأجله ~~فيها من الجمعة، والحدود، وقبض الحقوق، وكف يد الظالم عن المظالم، ونصب ~~راية الجهاد، والقيام بواجبه، فما المانع من بقاء إمامته، مع بقاء عقله ~~وتدبيره وحسن رأيه، وكون الذي عرض له إما عمى أو صمم أو نحوهما، مما لا ~~يمنعه عن فهم الوقائع والإطلاع على الحوادث والنظر فيها. # وكون العارض لا يبطل معه تصرفه وآرائه وسياسته ولا يختل به خلل في أمره ~~وما قام له، لا فيما حضره ولا فيما غاب عنه، وقد لاح لي من سيرة الإمام ~~الأجل المتوكل على الله عز وجل، أحمد بن سليمان، أنه بعد عمى بصره صدر عنه ~~من التصرفات ما لا يسوغ إلا مع بقاء الولاية، وليس ms058 المرض المزمن والعمى ~~بأشد في ضعف أمره وإخلال تصرفه، مما جرى لعمر بن الخطاب، من تلك النازلة ~~التي ألمت به وقطع لأجلها بذهابه، وصار مأيوسا من حياته، ومن المعلوم أنه ~~لم يرفع يده عن التصرف حينئذ في بقية حياته ولا فيما يكون بعد وفاته، وكان ~~منه ما كان من الأمر بالشورى، وإلزام العمل بمقتضاها إلى حد إلزام القتل ~~عند الشارع. PageV01P090 # وكان منهم التزام ذلك العمل به ولا معنى للزوم امتثال أمره فيما أمر به إلا ~~حيث هو في تلك (الحالة قائم) بأمر الإمامة، ولو كانت إمامته قد بطلت لذلك ~~العارض لبطل أمره فلا يعمل بقوله ولا يعتمد عليه. والله سبحانه أعلم. # ومن هذه العوارض وقبيلها وإن لم يكن من فعل الله تعالى الأسر المأيوس فكاكه. # قال الإمام المهدي -عليه السلام-: واليأس هو غلبة الظن أنه ينقطع عمره ~~تحت الأسر لإمارات تقتضي ذلك، قال الإمام يحيى بن حمزة -عليه السلام-: وهذا ~~مذهب العترة، واختاره السيدان الأخوان، لأن ما ذكر بمنزله العلة التي لا ~~يرجى زوالها فإن لم يكن مأيوسا عنه لم ينعزل ويصير بمنزلة مرجو الزوال. وهل ~~العبرة باليأس به أو بالناس؟، الأظهر أن العبرة بهم في ذلك لا به، فإن ~~التكليف في نصب غيره يتعلق بهم لا به، والنظر في ذلك إليهم لا إليه، فربما ~~يتعذر عليهم فهم ما لديه، فإذا قام غيره بعد الإياس منه ثم اتفق تخلصه من الأسر. # قال الإمام يحيى بن حمزة -عليه السلام-: فالمحكي عن الإمامين القاسم، ~~والناصر، إن على من قام تسليم الأمر إلى الأفضل فيهما، فإن أبى كان مخطئا ~~فاسقا هكذا لفظه، حكاه الإمام يحيى عنهما، وفيه انضراب واختلال، لا يخفى ~~على المتأمل، والذي حكاه القاضي عبد الله الدواري عنهما -عليهما السلام: إن ~~المفضول يسلم الأمر للأفضل وإن لم يسلم فسق، وهذه عبارة قويمة وحكاية ~~مستقيمة. # قال: وحكي عن بعض الزيدية: إن الثاني أحق لتحمله الأعباء، وصبره على ~~المشاق في مجاهدة أعداء الله تعالى. PageV01P091 # قال: وهو محكى عن زين العابدين، والنفس الزكية، وهو ms059 رأي السيدين الأخوين. # قال: وهو المختار، لأن الثاني قد صار أفضل من الأول المأسور الذي قد ~~تقادم عهده وعقدت الأمة لمن قام بالأمر بعده. # فلا يجوز نقض ذلك لأنه وقع في حال يجوز منه وينعقد كما لا يبطل نكاح ~~الأمة بوجدان الطول على نكاح الحرة، وكذا من أخذ الزكاة وهو فقير ثم حصل له ~~الغنى من بعد فإنه لا يلزمه دفع ما كان أخذ منها. # قلت: ولا شك في قوة هذا القول، لأن قيام الثاني كان بعد بطلان إمامة ~~الأول وزوالها، وهو كما لو كان ذلك المأسور لم يدع مع كماله. # فائدة: اتفق هذا العارض وهو الأسر للإمام العظيم المهدي لدين الله ~~إبراهيم بن تاج الدين وكان من أقمار الأئمة الأطهار وأسره سلطان اليمن بأفق ~~حول ذمار، وكان -رحمه الله- من أهل الجد والاجتهاد، في إقامة راية الجهاد، ~~وحط على صنعاء مرة بعد أخرى، واشتهر أن سبب أسره وغلبة السلطان عليه خذلان ~~الأمير داود بن الإمام المنصور بالله له، وأنه خدعه وطمع فيما بذل له من ~~السلطان، وإلى ذلك عرض الإمام في قصيدة له ذكر فيها قصة أسره وما كان من ~~أمره، حتى قال: # حتى إذا خان بعض الأهل موثقه .... وغره فضة السلطان والذهب # ولم يقم أحد بالأمر في حياته بل انتظروا أمره، وكان من أنصاره وأعوانه ~~ونبلاء زمنه وأعيانه، الأمير الشهير، الجليل الخطير، المؤيد بن أحمد، ~~والإمام المتوكل على الله المطهر بن يحيى. PageV01P092 # ولما دنت منه الوفاة أوصى إليهما، ورقم وصيته بخط يده، في كتاب كان معه بلغ ~~به إليهما واستغاث بهما في تنفيذ وصاياه، حتى كان آخر ما رقمه في وصيته: يا ~~مؤيداه، يا مؤيداه، يا مؤيداه، يا مطهراه، يا مطهراه، يا مطهراه. # وقام بعده بالأمر الإمام المتوكل المذكور فبورك للدين والمسلمين فيه، ~~وأمر أهل الجهات الخولانية بتسليم الزكوات، إلى الأمير المؤيد، لقضى ديون ~~الإمام إبراهيم، واتفق هذا العارض للإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى ~~المرتضى، فأسر في قصة يوم معبر، وقد جرى له قريب من الأسر في ms060 بيت بوس، وخلص ~~منه فورا، فأسر من خروجه في أسره الثاني، وظن أنه يشدون فيه وحينئذ فزع ~~طائفة من أهل الحل والعقد، إلى والدنا الإمام الهادي لدين الله -عليه ~~السلام. # منهم: القاضي العلامة محمد بن حمزة بن مظفر، ذي المصنفات المتعددة، في ~~علم التفسير، فإنه جد في ذلك واجتهد، وكانت له فيه مساع مشكورة، وعنايات ~~مأثورة، وكتب ورسائل في الأفاق منشورة، وتابعه وتبايعه أعيان عصره وعلماء ~~دهره، كالسيد فقيه أهل البيت أحمد بن داود وهو ووالده ممن حضر قيام المنصور ~~علي بن صلاح مع القاضي عبد الله بن حسن الدواري ثم ندما فيما بلغنا، وأظهرا ~~التوبة، وكالسيد محمد بن الداعي أحمد بن علي بن أبي الفتح، وكان آية في ~~زمانه، بلغ أنه كان يحي الليل كله بركعتين اثنتين يتلو فيهما القرآن كله. PageV01P093 # والسيد محمد بن جبريل من أولاد الإمام الداعي، وله تصنيف في آيات الأحكام ~~وغير (ها)ؤلاء من السادة آل يحيى وغيرهم، وكالفقيه العلامة جبل العلم، يوسف ~~بن أحمد بن عثمان، والقاضي الأفضل أحمد بن سليمان النجري، وكان من أعيان ~~الزمان، والفقيه الفاضل ذي الكرامات الباهرات، محمد بن صالح الآنسي، ~~والفقيه الأعلم الأوحد، الأعبد، محمد بن ناجي الحملاني وإخوته، وكثير من ~~غيرهم، وممن بايعه في مبتدأ الأمر السيدان الأوحدان، الأخوان الهادي، ~~ومحمد، ابنا إبراهيم بن علي المرتضى، ومن شواهد ذلك رسالة أنشئها السيد ~~الهادي في تفضيله وذكر كماله، أولها: الحمد لله. # عليك من إمام أمة، وكاشف غمة، رفع فيها من شأنه، وقضى بعلو مكانه، وكتاب ~~كتبه السيد محمد بخط يده، وجهه إلى الإمام جوابا عن كتاب الإمام إليه وقفنا عليه. # وفيه من التعظيم والتبجيل، والثناء الجميل ما لا يقدر قدره، وهو مفتتح ~~بأبيات قد ذهب أولها، والباقي منها يصف فيه الكتاب الوارد إليه: # فضضت ختامه فأفاض دمعي .... وفض الفهم من قلب جريح # فلو قد كنت ميتا ثم نودي .... به لأجبت من تحت الضريح # فيا عجباه من طرس بديع .... حباه الله معجزة المسيح # وآخر تلك الأبيات الرائقة: # أمير المؤمنين بقيت فينا ms061 .... على رغم العداة بقاء نوح # ولا زالت تقاد إليك طوعا .... رقاب العاصيات من الفتوح PageV01P094 ثم اتفق بعد ذلك خروج الإمام المهدي وفكاكه من الأسر، وكانت للهادي علي بن ~~المؤيد في ذلك عناية، وبعد خروجه جاء قاصدا إلى الإمام الهادي إلى حتى ~~وافاه بوادي فللة، حال نهوضه إلى صعدة لافتتاحها، بعناية من الأمراء آل زيد ~~فاتفقا وخطب كل منهما، وكانت خطبة الهادي منطوية على التهنئة له بخلوصه من ~~السجن، وخروجه منه، وختمها بأبيات رائية الروي بلغية مضمنة للبيت المشهور، وهو: # وما جئت حتى أيس الناس أن تجي .... وسميت منظورا وجئت على قدر PageV01P095 يشير على أنه جاء حال الإنتهاض لافتتاح تلك المدينة، ويزعم كثيرون أنه إنما ~~ضمن أبياته البيت المذكور، لتشير إلى حصول الأيس منه بخروجه وما يقتضي من ~~بطلان إمامته، وصحة إمامة نفسه، ثم كان لهما موقف شهده الفضلاء والعلماء ~~بصعدة، في دار القاضي يحي بن عبد الله بن حسن الدواري، في أول يوم الجمعة، ~~وجرى فيه التسليم من المهدي للهادي،وأشهد على نفسه بذلك جماعة من الفضلاء، ~~منهم السيد أحمد بن داود بن يحيى بن الحسين، والفقيه محمد بن صالح الآنسي، ~~وبنوا على أنه يتولى خطبة الجمعة، ويذكر ذلك ويصرح به وخرجوا من تلك الدار ~~وتفرقوا منها على ما ذكر، فلما فشى الخبر وساء كثير من الناس ممن له نفار ~~عن الإمام الهادي وكراهته لقوة شوكته كالقضاة آل الدواري، احتالوا في بعض ~~ما أبرمه من ذلك، على يد رجل يقال له: ابن مكابر، يسعى في ذلك وكان من أهل ~~حلاوة اللسان، والإمعان في الخداع، والمهارة في المكر، حتى شوش قلب المهدي، ~~وثبطه عن ذلك، فانتظر لموعده وتولى الصلاة فلم يحضر بل أقام في المطهر حتى ~~كاد الوقت يفوت، فصعد الهادي المنبر، وتولى الخطبة والصلاة، وحين فهم ذلك ~~المهدي، خرج من مطهره، ودخل صلى مع الناس. PageV01P096 # روينا ذلك كله بأسانيد صحيحه، وروايات صريحة، عن العدول الثقات، منهم والدي ~~قدس الله روحه، ومنهم رجل موثوق به من الفقهاء، آل أبي الرجال، يرفعه إلى ms062 ~~الفقيه محمد بن صالح، ومنهم حي الإمام المتوكل الكل منهم ساق في روايته ~~وفيها اختلاف، ويتحصل مما اتفقوا عليه ما ذكر إلا المتوكل فإنه لم يرو ~~التسليم، بل التواطؤ عليه من طريقة (أخذنا نسبة) التعبير إلى ابن مكابر، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولم يزل الهادي والمهدي مصطحبين متواصلين متجاملين متراحمين، تدور بينهما ~~مكاتبة ومراسلة، والمهدي بعد ذلك الموقف كالمنتحي، وإن لم يظهر ذلك ولا ~~يقطع يده عن التصرفات بالكلية بل ترك التلقب بأمير المؤمنين، وطوى ذلك من ~~علامته، وإذا عرض عليه أحد ممن قد أجاب الهادي وبايعه، أن ينحرف إليه أبى ~~ذلك، وإذا خاض في صلح بين القبائل المتعادين وصعب الأمر عليه صرفهم إلى ~~الهادي، وإذا طعن أحد على الهادي ذب عنه وأجاب على الطاعن، كما كان فيه في ~~شأن أحمد بن قاسم الشامي، وكان من شيعة الهادي، ثم نفر (ولفق اعتراضات) ~~مناقشا في السيرة، قضا بذلك منه عدم صلاح السريرة ومر على المهدي كالمتحف ~~له بذلك، فأجاب عن اعتراضه ولم يطلعها واحدا واحدا وانقلب الشامي من عنده خائبا. # ولما توفي الهادي عزا أولاده فيه، وتألم لذهابه ورقم في أول تعزيته الآية ~~الكريمة: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمان ودا}[مريم: 96]. PageV01P097 # وكان إذا عن ذكره له في كتبه يقول: قدس الله روحه ونور ضريحه، وقدم إليه ~~والدي أكرم الله نزله وهو بناحية لاعة بعد موت والده الهادي، فسلم له ما ~~تركه من الحصون بناحية اليمن، واستشاره في الديون التي مات وهي عليه، ~~استدانها لبيت المال، فأمر قبائل خولان بتسليم واجبهم لقضائها رحمهم الله ~~تعالى أجمعين ورفع درجتهم في عليين وجمع بيننا وبينهم في دار النعيم وجواره ~~الكريم. # الضرب الثاني: مما يبطل إمامة الإمام هو ما يتوقف على اختياره، ولا يزول ~~معه التمكن من التصرف كالكفر والفسق. # قال الإمام يحيى: فإذا وقع من الإمام على جهة التعمد للعصيان، بطلت ~~إمامته لانعقاد الإجماع من أئمة العترة والفقهاء، على أن الإمام لا يجوز أن ~~يكون كافرا ولا فاسقا، واستظهر عليه بتبرأ النبي ms063 -صلى الله عليه وآله وسلم- ~~من خالد بن الوليد بقتله بني جذيمة، وما كان من علي -عليه السلام- في أمر ~~ابن عباس، لما ولاه الحجاز فاخذ ما له، وأنكر عليه غاية الإنكار، ووبخه ~~غاية التوبيخ، لما خان في عمالته. # قلت: المشهور أن ذلك كان في توليه على بعض الأمصار في العراق. # قال -عليه السلام-: وما كان من علي -عليه السلام- في حق القعقاع برسوله، ~~والمغيرة بن شعبة، من الإنكار عليهما، لما خانا في عمالتهما، وأخذاها ولحقا ~~بمعاوية، قال: فإذا كانت ولاية العمال تبطل بالفسق فهكذا حال الإمام تبطل ~~ولايته مع الكفر والفسق أولى وأحق. PageV01P098 # وأعلم أن الفسق (ينقسم) إلى باطن وظاهر، قال المهدي: فإن كان باطنا لم ينحل ~~به عقد الإمامة، قال: لأنه قد جاز العقد لمن يجوز أن يكون باطنه الفسق ~~وكذلك إذا حدث ولم يعلموه. # قلت: هذا الكلام قلق فإن أراد أن الذي فسق باطنا، إمامته صحيحة غير باطلة ~~ولا ذاهبة حقيقة، وفي نفس الأمر نجيب إلى أنه بنفسه يجوز له أن يورد ويصدر ~~ويتصرف، كما لو لم يكن كذلك فهذا بعيد، وما (هو) حينئذ إلا ظالم مريد جمع ~~إلى فسقه المبطل لحقه التصرفات العظيمة الذي هو الآن ليس من أهلها ولا بمحل لها. # وإن أراد أنه بعد ذلك باق على الإمامة في ظاهر الأمر وفي حق الأمة بحيث ~~أنه لا جناح عليهم في طاعته ومتابعته والتزام أوامره ونواهيه، إذ ليسوا ~~متعبدين بما غاب عنهم، فهذا صحيح لا نزاع فيه، إلا أنه لا يعد مثبتا ~~لإمامته ومانعا من بطلانها في نفس الأمر كما في من عقد له والظاهر العدالة ~~وهو في الباطن فاسق. # قال الراوي: إذا كانت معصيته سرا لم يطلع عليها، فلا تعود إمامته إلا ~~بتجديد العقد عند القائلين به، لكن ليس عليه أن يطلعهم على فسقه وبطلان ~~إمامته بل القصد تجديد العقد، ولو أوهم أنه أراد بتجديده الاحتياط ~~والتأكيد، بل لا يجوز أن يخبرهم بأنه عصا، وعلى القول بأن المعتبر هو ~~الدعوة فإنه إذا تاب من تلك المعصية الباطنة ms064 تعود إمامته حيث كان باقيا على ~~التجرد للقيام بأمر الأمة. PageV01P099 # قال المهدي: وإن كان فسقه ظاهرا فاختلف الناس في ذلك، فالجمهور من المعتزلة ~~والزيدية وهو مذهب الشافعي-رضى الله عنه-، أنه يخرج بذلك عن كونه إماما، ~~كما لا يجوز ابتداء العقد له، وهو الذي رواه العراقيون عن أبي حنيفة، ~~وأنكروا أن يكون مذهبه جواز إمامة الفاسق. # وحكى عن ابن الملاحمي من معتزلة خراسان، وأهل ما وراء النهر: إنه لا يعزل ~~بالفسق الظاهر وأنه يجوز العقد للفاسق. # ولمحمد بن الحسن قولان في بطلان ولايته بالفسق، واحتج -عليه السلام- على ~~بطلانها بقوله تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين }[البقرة: 124]وقرر الاحتجاج ~~بها بما أمكن. # وعندي أن الاحتجاج بها ضعيف على القول بأن المسألة قطعية، واحتج بأن ~~الإمامة إن ثبتت بالنص فلا يجوز أن ينص الله على فاسق ويأمر بالاقتداء به، ~~وإن ثبتت بالاختيار فلا يجوز للمختارين اختيار من لا يثقون بدينه، لأنهم ~~باختياره حكموه في دماء الناس وأموالهم. # قلت: وأهمل -رحمه الله تعالى- ما إذا ثبتت بالدعوة، فيراد وأن تثبت ~~بالدعوة لم يجز لأحد أن يجيب دعوته ولا يعتبرها ولا يلبي نداه: # وكيف يقوم الظل والعود أعوج # تنبيه: إذا تاب من كفره أو فسقه هل تعود إمامته وولايته أو لا؟. # قال الإمام يحيى: الذي عليه أئمة العترة والفقهاء أن إمامته تعود عليه، ~~وحكى عن أبي العباس والإمامية، إنها لا تعود إليه أبدا ولا يصلح لها بحال، ~~قال: والمختار أنها تعود بالتوبة، كما هو رأي الأئمة والمعتزلة والفقهاء ~~كما يزول بالتوبة الشرك وهو أعظم المعاصي. PageV01P100 # قلت: والتحقيق أنه إذا كفر أو فسق بطلت إمامته وصار الكفر أو الفسق مانعا ~~منها، فإذا تاب زال الكفر والفسق ولم يصر إماما إلا بثبوت طريق الإمامة ~~وحصولها، وتجددها بأن يجدد الدعاء إلى الله تعالى عند معتبري الدعوة، أو ~~بأن يجدد نصبه واختياره والعقد له عند معتبري العقد، وهذا هو مذهب ~~المتقدمين من أئمة العترة أنه يجب تجديد الدعوة بعد التوبة كما يجب ابتداء، ~~وحكى في (الانتصار) عن القاسمية: إنه يعود إلى ms065 الإمامة بمجرد التوبة من غير ~~تجديد الدعوة وهو كمذهب المعتزلة والفقهاء في عود إمامته من غير تجديد ~~العقد والاختيار. # ووجه ذلك بأنه إنما كان إماما لحصوله على الصفات المعتبرة في حقه، فإذا ~~فسق زالت الولاية وما يجب له، فإذا تاب عاد على ما كان عليه من الصفات ~~المعتبرة الموجبة لإمامته وهذا الوجه ضعيف، وهو احتجاج بنفس ما ذهبوا إليه ~~من غير زيادة، وما مثله إلا مثل رجل كان يملك شيئا فأزال ملكه ثم ندم على ~~السبب المزيل للملك، فكما لا يعود إلى ملكه إلا بتمليك جديد كذلك حكم ~~مسئلتنا هذه، وقد أسند مذهبهم بأن في تجديد العقد مشقة وإظهارا للوحشة وخطأ ~~من الدرجة والمثولة ومتبعا للأمر، وذلك خلاف للمشروع وهو إسناد لا تعويل ~~عليه، وليس مثل ذلك يمنع من الرجوع إلى القواعد المعتبرة ولا تجديد العقد ~~له أو تجديد الدعوة بأشنع من ارتكابه ظهر الفسوق بظهور ذلك في حقه، وانتصر ~~الإمام يحيى بن حمزة -عليه الصلاة والسلام- بعدم الافتقار إلى تجديد الدعوة ~~عند معتبريها، بأنه إنما صار إماما لكماله وإحرازه شرائطها. PageV01P101 # وتلك الصفات حاصلة كاملة، وقد زال المانع، قال -عليه السلام- وأما على قول ~~معتبري العقد والإختيار فلا بد من التجديد. # قلت: إنما يصح ما ذكره لو كان مذهب معتبري الدعوة معناه أنه يصح أن يصير ~~إماما بنفس كماله وجمعه للشرائط، وهم لا يقولون بذلك وإنما نسب الحاكم هذا ~~القول إلى قائل مجهول، ومذهبه غير مشهور، ولأنه(غير) معمول به وإنما ~~المشهور أنه إنما يصير إماما لأجل الدعوة بعد حصول الشروط وكمالها، فالدعوة ~~هي السبب في ثبوت الإمامة والعلة الموجبة لها، فإذا كانت قد بطلت لأجل ما ~~عرض من كفر أو فسق، فلن تعود إمامته إلا بدعوة أخرى وعله توجب مثل ذلك ~~الحكم الذي قد زال، وقد يقال: إنا لا نجعل الفسق مبطلا للدعوة بل مانعا من ~~ثبوت أحكامها فإذا زال المانع استمر إيجاب العلة وهو تكليف الله سبحانه ~~وتعالى. # تنبيه: هل يعتبر الاختبار بعد التوبة من الفسق الظاهر أو لا؟ لم يتعرض ms066 ~~الإمام يحيى بن حمزة والإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى المرتضى ~~-عليهما السلام- لذلك بإشارة ولا تصريح، لكن تعرض لذلك القاضي عبد الله بن ~~حسن الدواري، وقال: إذا كان فسقه جهرا، فإن إمامته لا تعود إلا بعد التوبة ~~ومدة الخبرة، والاستمرار على التوبة سنة فما زاد، ويختبر حاله في تلك المدة ~~ثم بعد ذلك تعود له الإمامة بتجديد الدعوة عند أهل الدعوة، وتجديد العقد ~~عند أهل العقد. # قلت: وهذا كلام حسن، وإذا اعتبر ذلك في الشهادة مع خفة المؤنة فيها ~~فالإمامة في ذلك أولى وأحرى. PageV01P102 # تنبيه آخر: في حكم فاسق التأويل وقد اختلف فقيل: هو كفسق الخوارج بجامع ~~خروجه من ولاية الله وتأويله ضم جهالة إلى ضلالة. # وقيل لا، لأنه بفسق الخارجة متجر على الله سبحانه وتعالى متعمدا لفعل ~~القبيح، فمثله لا يؤتمن ولا يؤمن منه الإقدام على غير ذلك من المحظورات ~~والمنكرات، في أمور الأمة والإمامة تعمدا، وليس كذلك فسق التأويل فإنه إنما ~~ارتكبه بحسنه ظانا للإصابة فيه مع تحرجه فما يعلمه معصية. PageV01P103 ### ||| AUTO القول في أنه هل للإمام أن يعزل نفسه ويتنحى عن الأمر أولا، ~~وهل للعاقدين له أن يعزلوه أو لا؟ # أما عزل العاقدين له إياه فالأظهر أنه ليس لهم ذلك وأنه لا يعتزل إن ~~عزلوه، لأنه قد صار بعد العقد والاختيار إماما، يلي التصرف عليهم، وعلى ~~غيرهم ويده فوق أيديهم، ولو جعلنا لهم أن يعزلوه وحكمنا بصحة ذلك، لكانت ~~أيديهم فوق يده، ولكانوا هم المتولين عليه هذا مع استقامة حالهم وعدم ~~انتشار أمره واختلاله. # قال القاضي عبد الله بن حسن الدواري: فأما إن وقع في أمره اختلال بحيث لو ~~عرف ذلك قبل العقد لم يعقد له، فلهم عزله بل ربما أنه قد انعزل بذلك من غير عزل. # قلت: وفي هذا الكلام نظر، والقصد أنه لا سبيل لهم إلى عزله، بل إن حدث ~~منه ما يبطل إمامته انعزل وبطلت من غير عزل وإن لم ينته به الحال إلى ذلك، ~~فلا يد لهم عليه ولا سبيل لهم إليه.وإن ms067 تنحى إلى غيره: # فقال الإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى بن المرتضى: لا يجوز إذ قد ~~تعلق به التكليف بانتصابه وتجرده وليس إليه إسقاط ذلك التكليف عن نفسه بعد ~~لزومه إلا أن يسقطه الله تعالى عنه، ولا طريق إلى معرفة ذلك إلا عن وحي، ~~ولا وحي بعد موت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-. # قال: فأما مع تنحيه لقيام من هو أنهض منه بأمر الجهاد، ومن هو أصلح ~~لالإمامة فجائز فإن وجد الناصر إلى المقصود بالإمامة صلاح أمر الأمة فإذا ~~كان بقيام الآخر أتم وأكمل وغلب في الظن ذلك وجب على القائم الأول التنحي ~~له رعاية للمصلحة. PageV01P104 # قلت: الذي يظهر لي جواز التنحي إلى غيره إذا كان ذلك الغير يقوم مقامه ويسد ~~مسده ويحصل به من إقامة أمر الإمامة وتكاليفها ما حصل به إذ المقصود هو ~~ذلك، وليس ثم ما يوجبه بعينه دون غيره، ولا دخوله في الأمر يلزمه الاستمرار ~~إلا حيث يقع الخلل بالترك، وإلا فما الدليل على لزوم ذلك مطلقا. # وأما تنحيه إلى من هو أنهض منه (فإن) لم نجعله واجبا ونحكم بلزومه، وإلا ~~فلا أقل من أن يكون أولى وأعلى، فإن الغرض يكون بذلك أولى وأ(و)فر، والصلاح ~~فيه أوضح وأظهر، والقصد بالإمامة حصول ما يستدعيه مما يتوقف عليها من إحياء ~~الدين وجهاد المعتدين ونفع المسلمين وقمع الظالمين، وما كان أدخل في ~~المقصود كان أرجح وأصلح وأوجب، وألزب وليس القصد بما يجب على الإمام أمرا ~~راجعا إلى نفسه مختصا به، إنما يرجع إلى عامة المسلمين وتكليف الدين، ~~والمتوجه صرف النظر إلى ما هو أصلح، والأقوم بحوائجها ومعانيها، والله ~~تعالى أعلم. PageV01P105 # وأما تنحيه عن الأمر لا إلى غيره، واعتزاله عن التكاليف الإمامية وإطراحه ~~لها، فقد قال الإمام عماد الإسلام: لا خلاف بين أئمة العترة والزيدية، ~~والمعتزلة والفقهاء، أنه لا يجوز لمن كملت فيه أوصاف الإمامة أن يعتزل عن ~~النظر في أمر الرعية، ويتنحى عن التصرف فيما يتصرف فيه الأئمة، من الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا كان ms068 يجد من يعينه على ذلك من أهل الفضل ~~والدين، فإن لم يجد من أهل الفضل وأهل العلم من يعينه على أمره جاز له ~~الإعتزال والتنحي ويكون ذلك عذرا في الإعتزال، كما فعل أمير المؤمنين في ~~أول الأمر، فإنه اعتزل عن التصرف لما لم يجد أعوانا على مأربه مع أن الحق ~~كان له إلى أن وجد الأعوان على ذلك، وكما فعل الحسن بن على لما فسد عليه ~~أصحابه وخذلوه فإنه اعتزل الأمر وخلاه لمعاوية. # وكما فعل القاسم لما بويع له واجتمع إليه الناس لما رأى فشلهم ونكوصهم عن ~~نصره وفساد قصودهم وميلهم إلى الدنيا، وإعراضهم عن الآخرة، وغلب على ظنه ~~أنه لا يمكنه القيام بالأمر فاعتزل، وهكذا غير هؤلاء من سادات أهل البيت ~~وأئمة العترة، يعتزلون عن التصرف إذا لم يجدوا ناصرا، لأن المقصود وجه الله ~~تعالى والإعراض عن الدنيا، فإذا لم يكن الأمر صافيا عن الأغراض الدنيوية ~~كان ذلك موجبا للإعتزال، وهذا هو اللائق بمن كان مقصوده الأمور الأخروية. # وقال الإمام المهدي -عليه السلام- ألأصح في فعل علي بن أبي طالب رضى الله ~~عنه، والقاسم -عليه السلام-، أنها لم تبطل ولا يتهم، بل (با)اعتزالهم ~~المذكور، ولكن يسقط فرض الجهاد فقط. PageV01P106 # وأقول والله الموفق: ينبغي تلخيص هذه المسألة وتحقيق النظر فيها، وإني لم ~~أزل أتأمل في أمرها والنظر في أطرافها، وأعدل ما يقال فيها، والأقرب أن حال ~~الداعي الداخل في هذا الأمر المتحمل لإعباءه، لا يختلف في أول الأمر وأخره، ~~فلا يكون لدخوله في هذا الأمر تأثير في اختلاف التكليف بل تكليفه بعد دخوله ~~كتكليفه قبله، ولا يختلف الحال إلا باختلاف الإعتبارات، وتعاكس الحالات، ~~فمتى فرض أنه قبل قيامه قد تعين عليه الأمر، وتحتم عليه هذا التكليف، وصار ~~لازما له، لا مخلص له عنه بأن لا يقوم أحد مقامه، ولا يسد مسده، وحيث يؤدي ~~تأخره إلى اختلال أمور الدين وانتشار نظام الإسلام، قد دخل في ذلك الأمر ~~قاصدا لوجه الله تعالى. PageV01P107 # قائما بما فرض الله تعالى فما عدا مما بدا، وحاله في ms069 الإنتهاء كحاله في ~~الإبتداء، وحيث لم يتحتم الأمر عليه ولا يتوجه إليه، وكان واجبا مخيرا أو ~~فرضا موسعا وغيره يقوم مقامه، ويسد مسده، واستمرت الحالة هكذا من قبل قيامه ~~إليها بعده، فليس دخوله في الأمر بعد عقد الإمامة لازما وأمرا موجبا، كنذر ~~الناذر وهبة الواهب، وبيع البائع، ولا ثم دليل ولا شرع يقضي بأن نفس الدخول ~~في هذا الأمر يعد من العقود اللازمة والموجبات القائمة، هذا على سبيل ~~الجملة، ثم إذا فرض انه دخل في الأمر لتعيينه عليه وتضيقه في حقه، ثم اتفق ~~بعد ذلك أن نشأ (وحصل) من الصالحين لهذا الأمر والذين يقومون مقامه طائفة ~~بحيث أن تنحيه لا يؤدي إلى ضياع الأمر وانتشار النظام، وتنفس أهل الظلم ~~والإجرام، صارت الحال غير الحال، واتسع حينئذ المجال، وكذلك لو فرض أنه دخل ~~في الأمر لا لتعيينه عليه بل ليقوم بفرض الكفاية، لوجد أن الصالح غيره، ثم ~~تعقب ذلك عدم من يقوم مقامه ويسد مسده، فإنه يصير الأمر مضيقا عليه ومتعينا ~~بعد أن لم يكن كذلك. # وكذلك فرض أنه دخل في الأمر لتعينه عليه وتحتمه ولزومه، غالبا على ظنه ~~وجود الأعوان وصلاح الشأن، فاتفق بعد الخذلان، وخان العهود وخان، حتى آل ~~الأمر إلى البطلان، فإنه مع ذلك يصير في فسحة من الأمر ويكون في تخلصه من ~~الدرك، وخروجه عن هذا التكليف أمير نفسه، بل الخروج والتخلص عن الدرك أولى ~~به وأليق بحاله. PageV01P108 # فكذلك لو فرض أنه لم يتهيأ له استقامة حاله، وانتظام أمره، إلا بخروجه عن ~~القانون الشرعي، وبسلوكه السبيل غير المرضي، واعتلاقه بما يؤثمه من ~~التصرفات، وإن كان في خلال قائما بالأمور المهمات، ومحصلا للمصالح ~~الدينيات، فإنه لا يلزمه أن يتعرض للإثم، ويضر نفسه لينفع غيره، فإن نظره ~~لنفسه أولى به وأوجب عليه، ولا ينبغي أن يكون كذبالة يضيئ للناس وهو يحترق. PageV01P109 ### ||| AUTO القول فيما يلزم الرعية للإمام # قال الإمام يحيى -عليه السلام-: يجب عليهم نصرته ومؤازرته وإعانته، ~~ومعاضدته وإعانته على ما في وجهه من المكالف، وأن يطيعوه فيه، وينقادوا ms070 ~~لأمره، وينهضوا إذا استنهضهم لقتال عدوه، ولا يكتمون عليه شيئا من النصائح، ~~ويجذبوا له النصيحة من أنفسهم سرا وجهرا، ويحرم عليهم خذلانه، قال -عليه ~~السلام-: والأصل في ذلك كله، قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}[النساء: 59]. # قال: وأولو الأمر هم الأئمة بإجماع الأمة، وروى زيد بن علي، عن آبائه، عن ~~علي -عليهم السلام- أنه قال: ((ثلاثة لا ينظر الله تعالى إليهم يوم القيامة ~~ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل بايع إماما عادلا فإن أعطاه شيئا من ~~الدنيا وفا له وإن لم يعطه لم يف له، ورجل قاعد على ظهر الطريق يمنع سابلة ~~الطريق، ورجل حلف بعد العصر لقد أعطي بسلعته كذا وكذا وأخذها الآخر مصدقا ~~له بيمينه وهو كاذب)). # قلت: ظاهره وقف هذا الحديث على علي -عليه السلام-، وهو مما رفع إلى النبي ~~-صلى الله عليه وآله وسلم-، وأخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود والنسائي، من ~~حديث أبي هريرة، ولفظه: ((ثلاثة لا يكلمهم الله تعالى يوم القيامة ولا ~~يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بطريق يمنعه ابن السبيل، ورجل ~~بايع رجلا في سلعة بعد العصر فحلف له بالله تعالى لأخذها بكذا وكذا فصدقه ~~وأخذها وهو على غير ذلك، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا للدنيا، فإن أعطاه ~~منها ما يريد وفا له وإن لم يعطه لم يف له)). PageV01P110 ### |||| AUTO ### |||| AUTO ويتفرع على هذه الجملة سبعة أحكام # [1] حكم: هل قول الإمام يكون حجة يجب العمل به؟ # حكي عن السيد أبي العباس والإمامية: إن قوله حجة فلا يجوز لأحد مخالفته ~~فيما قاله. # والذي عليه الجماهير من الأئمة وسائر الأمة أنه ليس بحجة، وفصل الإمام ~~يحيى -عليه السلام- فاختار أنه حجة فيما يتعلق بالفتاوى دون غيرها لقوله ~~تعالى: {ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم}[النساء: 59]وهو عام في وجوب الطاعة إلا ما خرج بدليل، ولقوله تعالى: ~~{من يطع الرسول فقد أطاع الله }[النساء: 80] فإذا كان الإمام مطيعا للرسول ~~فيما أفتى به من الأحكام الشرعية وجبت طاعته. ms071 # قال: وهذا هو المراد بقولنا إن قوله حجة لا يجوز مخالفتها فيما أفتى به ~~من الأحكام الشرعية المطابقة للكتاب والسنة. # فأما غير الفتاوى فلم تدل عليها دلالة فلهذا لم تكن لازمة، واحتج ~~القائلون بأنه حجة مطلقا بإنه كما لا يجوز مخالفته فيما حكم به كذلك فيما ~~قاله، واحتج النافون مطلقا بأن إثباته حجة لا تصح إلا بدلالة عقلية أو ~~شرعية ولا دلالة على ذلك من أي الجهتين. # قلت: وحجة (..........)بحجة قوله مطلقا باطلة، لأن قياس ذلك على حكم قياس ~~فاسد، إذ لا جامع بين الحكم وغيره، ولو لزم ذلك في الإمام للزم في الحاكم ~~المنصوب للقضاء إذ لا يجوز مخالفة حكمه. PageV01P111 # وأما ما احتج به الإمام يحيى -عليه السلام-، على ما اختاره من التفصيل، ~~فاحتجاج عليل، لا يخفى على متأمل، خفى وجهه ودلالته، وأن الذي احتج به إن ~~دل على أن قوله في الفتاوى حجة فليدل على ذلك في غيرها فليس ما أدلى به ~~يختص بالفتاوى دون غيرها. # وقوله: فإذا كان الإمام مطيعا للرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى آخر ~~كلامه فيه ركة، وما كان مثل ذلك ينبغي أن يصدر عن مثله. # قلت: بل حكم من بلغه دعوة الإمام، وتحقيق ذلك: أنه إن علم جمعه للشرائط ~~بالتواتر، فإن كان له عذر عن الوصول إلى الإمام لم يغفل عن الدعاء إليه وعن ~~الدعاء له، والعذر كمرض مانع أو كفل والدين عاجزين لا يجدان من يكفلهما ~~غيره أو ملازمة غريم لا يجد قضائه، أو خوف على نفسه أو ماله، وإذا لم يكن ~~له عذر توجه عليه النهوض إلى الإمام والبلوغ إليه لتحقيق حاله فليس الخبر ~~كالعيان، وليتعرف الإمام ويعرض عليه نفعه فيما يصلح له كتولي عمل أو قضاء ~~أو نحو ذلك كالوزارة، حيث كان من أهل الرأي والمشورة، ولا يجوز له التأخر ~~والتراخي، إلا حيث علم أن لا حاجة للإمام إليه. # قال الإمام يحيى -عليه السلام-: وإذا كان له مال وفيه سعة وجبت عليه ~~المواساة له، بما قدر عليه مما يكون فاضلا ms072 عن كفايته وكفاية من يمونه لقوله ~~تعالى: {هل أدلكم على تجارة }[الصف: 10] إلى آخر الآيات فنفهم منه وجوب ~~الجهاد بالمال كوجوبه في النفس، وإن علم بالتواتر أو الخبرة عدم جمع الداعي ~~للشروط، فلا يجب عليه النهوض إليه ولا إلى غيره إذ الإمامة باطلة. PageV01P112 # وإن كان لا علم له بكمال الداعي ولا عدم كماله، فإن كان لا عذر له نهض إليه ~~ليختبره ويعرف حاله فيما مثله يعرفه، ويسأل غيره عما لا يعرفه كما لو كان ~~غيره عالما أو كان عالما ببعض الفنون دون بعض، فإنه يرجع إلى من يعلم ذلك ~~كله ممن يثق به، وإن كان له عذر بحث وسأل واستخبر من مشافهة ومكاتبة، وكان ~~فرضة الرجوع إلى أهل المعرفة والفضل، وقد تقدمت في ذلك إشارة. # تنبيه: إذا خشى المكلف من ظالم في بلدة على نفسه إذا نهض للبحث عن حال ~~الإمام أو إذا قام بما يجب له عليه، فإن الهجرة تلزمه عن دار شوكته، لأنه ~~محمول حينئذ فيها على الإخلال بواجب كما لو حمل على ترك الصلاة ونحوها. # تنبيه آخر: ما ذكر من وجوب البحث ثابت على الرجال فقط دون النساء، ~~فالأقرب أنه لا يلزمهن البحث لأن فرض الجهاد ساقط عنهن ووجوب متابعة الإمام ~~فرع على وجوب الجهاد. # وأما الزكاة فللإمام مطالبتهن بها وأخذها منهن، إذ له أخذها ممن لا يعتقد ~~إمامته ولهن أن يقلدن في صحة إمامته، ذكره المهدي -عليه السلام-. قال: وهو ~~الذي يترجح عنده، وفي (تعليق اللمع) للدواري، ما لفظه: لا يلزم المرأة ~~معرفة إمام زمانها بالإجماع، إلا إذا كان عليها زكاة فعليها أن تعرف إمامته ~~لتدفع الزكاة إليه أو بإذنه. PageV01P113 ### |||| AUTO 2- حكم من توقف في الإمام # اعلم أن التوقف يختلف باعتبار القصد فيه وباعتبار مدله. # أما القصد فإن عرف من المتوقف أن توقفه لسوء قصد، كأن يتوقف عن اتباع ~~الإمام وطاعته، أو يشق عليه أمر المتابعة والقيام بحق الإمام، وتكاليف ~~الإمامة مع معرفته لصحة الإمامة، أو وجد أنه السبيل إلى معرفتها، أو كان ~~توقفه لغرض يعود ms073 عليه، وعرض من أعراض الدنيا يتوصل إليه،أو لئلا يفوت عليه ~~بالإثبات أو النفي مأرب له ومكاسب أو نحو ذلك، فمن هذا حاله لا ينبغي أن ~~يعد متوقفا بل جائرا على الحق متعسفا وأنه من المتهاونين بأمر الدين مخطئ ~~آثم منخرط في سلك أهل الجرائم. # وإن كان توقفه للتحري في أمر دينه، والتثبت في إقدامه وإحجامه، والمخافة ~~من زلل أقدامه، فلينظر في وقت توقفه إن كان في زمان يسير، لا بد للتثبت من ~~التوقف في مثله، وهو ما يسع للخبرة التامة، والمباحثة الشديدة الأكيدة، ~~والمتوقف على هذه الكيفية ممدوح غير مذموم، وبرئ من النقادة غير ملزوم. PageV01P114 # وأما إذا أفرط وغلى في التوقف، وطالت فيه مدته وجاوز القدر المحتاج فيه، ~~فمخطئ آثم لتفريطه فيما أوجب الله تعالى عليه من القيام بحق الإمام، حيث ~~كان المتوقف فيه كامل الشرائط ثابت الإمامة، ومن المباينة له وعدم التلبيس ~~في أمره حيث كان غير ثابت الإمامة فإنه من دعا وليس بكامل ولا محتو للصفات ~~المعتبرة والشروط المحررة فمباينته واجبة، لا ينبغي في حقه الإدهان، بل يجب ~~كشف القناع والتحذير في حقه عن الإتباع، لأنه ترشح لما ليس أهلا له، ودخل ~~في أمور محرمة عليه، وتصرف تصرفات لا تسوغ له في النفوس والأموال، ولكن ~~التوقف مع صحة إمامة الداعي أشد خطرا وأعظم تفريطا، لأن الواجب عليه مع ذلك ~~أوسع وأشد وألزم مما إذا كان الداعي غير إمام، ومع ذلك فهو أقل جريمة من ~~النافي إلى سهولة التدارك والتلافي، وقد كان قال في (الغيث): البحث عن ~~الإمام بعد بلوغ دعوته واجب مضيق، لا يجوز التراخي عن البحث لغير عذر فسق، ~~ولا يسعه الإخلال باعتقاد إمامة الإمام، والقطع بها إلا مهلة النظر فقط، ~~لأن العزم على طاعته بعد بلوغ دعوته واجب مضيق للآية: {أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر}[النساء: 59] فقرن طاعته بطاعة الرسول، ولا شك أن طاعة ~~الرسول واجبه مضيق، والنظر في صحة (نبوته) مضيق لأجل ذلك، فكذلك الإمام، ~~قال: ولا منازع في ذلك ولا أحفظ فيه خلافا، ولا ms074 أسمع أن أحدا من الأمة يسوغ ~~التراخي عن التزام أمر الإمام بعد قيامه، والإلتزام يتوقف على النظر في ~~كماله، فحينئذ يكون النظر في أمره واجبا مضيقا من دون تردد. PageV01P115 # فائدة: سلك بعض أهل الزمان في أمر الإمام مسالك غير معهودة، ولا ينبغي أن ~~تكون لأهل المعرفة والديانة بمقصودة وما هي إلا بدع محدثة منكرة، ومجانبة ~~للمناهج الواضحة النيرة. # وخير أمور الناس ما كان سنة .... وشر الأمور المحدثات البدائع # فمن ذلك ما اعتمده بعض الأعيان من معاملة الإمام معاملة لا تقضي بنفي ولا ~~إثبات ولا توقف، وأظهر مدح الإمام والثناء عليه والتعظيم له، والتمس منه ~~الولاية في التصرفات المبتنية عليها، واستعطى منه، وقبل عطيته مما أمره ~~طوعا وكرها، ومما عاقب به العصاة، ومما ضمنه من عليه حقوق لله تعالى، وحصره ~~فحث العوام على طاعته وبيعته ومصارفته، فهذا نوع يقضي بالإثبات، ويخالف حال ~~المتوقف والنافي وينافيه. # ومن طريق آخر: يتحرى في مكاتبة الإمام عن وصفه بالإمامة، وعن تلقيبه ~~بأمير المؤمنين، وعن الإجابة على من سأله عنه بأنه إمام، وهذا مقتضى حال ~~النافي أو المتوقف واستحسن هذه الطريقة وسلكها إلى أن فارق الدنيا، وتابعه ~~غيره عليها، وربما كان يقول هذا رجل كان له كمال ومحاسن خلال، وقد أجابه ~~وبايعه العلماء والفضلاء، وأهل الحل والعقد، وهو أصلح وأنهض من غيره، ~~وتأهله لهذا الأمر وقيامه بتكاليفه أصلح من طرحه له وإهماله إياه، وليس ~~غيره يقوم مقامه، ومن مثل هذا يقضي العجب، فإن القواعد المعروفة قاضية بأن ~~الداعي ليس إلا أحد رجلين. # إما كامل الشروط جامع الصفات المعتبرة، حسن السيرة والسريرة، فهو إمام ~~قطعا، ومتابعته ومشايعته والتصريح بإمامته كل ذلك واجب شرعا. PageV01P116 # وإما خال عن كمال الشرائط منتقص الصفات، فالواجب نفي إمامته، وعدم إظهار ~~متابعته، والحكم عليه بما يقتضيه حاله، واجتناب مذاهبه، وأما هذا المذهب ~~الغريب، والدين المستحدث المريب، فهو من البدع المصادمة لما أوجب الله ~~تعالى وشرع، ولولا محبة الإجمال والستر لأوضحنا الأمر، وصرحنا بما حمل على ~~ذلك من الأغراض الدنيوية والمقاصد التي ليست بمرضية. ms075 # ومن ذلك ما اعتمده كثير من المميزين وأهل الدين، من التهاون بأمر الإمام، ~~وعدم الاحتفال به والاهتمام، وعدم مواصلته بلسان ولا قلم، وتنزيل وجوده ~~منزلة العدم، وعدم الإنتهاض إليه، ورفض التعلق والتعويل عليه، حتى كأن هذا ~~تكليف قد نسخ أو أمر قد فسخ، ولا يظهر منهم أن ذلك لتحققهم لعدم كماله ~~وانتقاص شرائطه وخصاله، ولو ادعوا ذلك لن يساعدوا إليه، ولا يقرروا عليه ~~وإلا فمن أين لهم الطريق إليه، فإنهم ما رأوا الإمام ولا أبصروه، ولا نهضوا ~~إليه ولا اختبروه، وإن ادعوا أن ذلك تواتر لهم، وانتهى إليهم فغير صحيح لأن ~~المعلوم من حال من واصل الإمام من ناحيتهم ونهض إليه من جهتهم أنهم لا ~~يعودون منه إلا قائلين به معتقدين لإمامته، محسنين للثناء عليه، وإنما ~~الحوامل لهم على ذلك متنوعة. PageV01P117 # فلعل منهم من حمله على ذلك محبة السكون والدعة، وعدم الإضطراب والزعزعة، ~~والسلامة عن شوائب دنيوية تعرض لملتزم العروة الإمامية، كان حي والدنا ~~الإمام علي بن المؤيد-عليه السلام-، إذا سئل عن أعيان بايعوه وتابعوه أول ~~الزمان، ثم رفضوا ذلك الشأن، يقول -عليه السلام-: ((غلب عليهم حب المدن، ~~ولعل منهم من دعاه إلى ذلك الآنفة عن الإنخراط في سلك الأتباع، والتعاظم أن ~~يعد من زمرة الأشياع، وما كان ذلك يليق بذي ديانة وتحقيق، فإن الكبر على كل ~~تقدير مذموم، وصاحبه في الدنيا منتقص ملوم، وفي الآخرة للجنة التي وعد ~~المتقون محروم، فكيف إذا صد عن القيام بما أوجب الله تعالى من حقوق الإمام، ~~ولعل منهم من يعتقد أن الإمامة درجة مرتفعة، لا ينالها أحد من أهل الأزمان ~~المتأخرة، ورتبة منيعة عليهم متنكرة متوعرة، وأنها أمر قد طوى وتعذر بكل ~~حال وما كانت إلا منذ مدة الإمام فلان فما قبلها من الأزمان، وهذه جهالة ~~ونوع ضلالة، فلم يكن مثل ذلك حجرا محجورا، وما كان عطاء ربك محظورا. # وغير مستبعد (و) لا مستبدع، أن يدخر لكثير من المتأخرين، ما عزب عن كثير ~~من المتقدمين، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وليس في ms076 العقل ولا في الشرع ~~ما يقضي بأن شرائط الإمامة قد تعذرت، وأن مسالك الساعين إليها قد توعرت)). PageV01P118 ### |||| AUTO 3- حكم من امتنع من بيعة الإمام # الذي ذكره الإمام الهادي إلى الحق -عليه السلام-، في كتاب (الأحكام): ~~أنها تطرح شهادته، وتسقط عدالته، ويحرم نصيبه من الفيء. # قال الإمام يحيى بن حمزة -عليه السلام-: سقطت عدالته، لأن الإجماع منعقد ~~على فسقه بمخالفته الإمام، فيما تعود مصلحته على عامة المسلمين، قال -عليه ~~السلام-: وإنما طرحت شهادته فلأنا إذا حكمنا عليه بالفسق، لم يكن مقبول ~~الشهادة، وأما تحريم الفيء فإنما يستحق بالنصرة للإمام والكون تحت ~~طاعته.انتهى. # والحاصل أنها من ما يجب للإمام على المأموم وإن امتنع منها فقد أخل ~~بواجب، ودليل وجوبها الآية الكريمة: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر}[النساء: 59]ولا طاعة لمن امتنع من بيعة الإمام، ولأن فيها قوة لأمر ~~الإمام، وقد يقع بها تهوين أمر من يعاديه، وينتظم بها الحال، ويجتمع به ~~الشمل، وتقع بها السكينة والطمأنينة في قلب الإمام، وظنه بنفسه على ~~المأموم، وتحصل بها مراعات المأموم، لما شملته وتأكد طاعته، ويحاذر من ~~مخالفتها أن يصير منسوبا إلى حزب الناكثين، والدخول في زمرتهم. # وكما أنها تجب حيث طلبها الإمام أولا، فإنها تجب حيث طلبها ثانيا وثالثا ~~لما ذكرناه، والنظر في ذلك إلى الإمام حسبما يراه مصلحة، فإن النبي -صلى ~~الله عليه وآله وسلم- بايع الأنصار قبل خروجه من مكة بيعتين، بيعة النساء ~~سميت بذلك، لاشتمالها على ما اشتمل عليه بيعة النساء المذكورة في سورة ~~المودة. # ثم بيعة العقبة على الموت: وبايع بعد مصيره إلى المدينة بيعتين: PageV01P119 # فالبيعة الأولى: بيعة الرضوان، لما أمر عثمان أن يتحسس له أخبار مكة، فبلغه ~~أنهم قتلوه، وهي بيعة الرضوان وبيعة الشجرة. # والبيعة الثانية: يوم الحديبية، وإرسال عثمان إلى مكة كان من الحديبية، ~~والإرجاف بقتله بلغ إلى الحديبية فبايع النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ~~أصحابه على مناجزة القوم، وصفق شماله على يمينه فبايع بها لعثمان، وكلام ~~جابر في هذه البيعة التي هي بيعة الرضوان، وبيعة الشجرة، وبيعة الحديبية. # قال ms077 في سيرة ابن هشام في غزوة الحدبيبة، وقصتها: لما بلغ رسول الله # -صلى الله عليه وآله وسلم- أن عثمان قد قتل لا يبرح حتى يناجز القوم، ~~ودعا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- الناس إلى البيعة، وكانت بيعة ~~الرضوان تحت الشجرة فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله -صلى الله عليه ~~وآله وسلم- على الموت. # وكان جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- يقول: إن رسول الله -صلى الله عليه ~~وآله وسلم- لم يبايعنا على الموت، ولكن بايعنا على أن لا نفر، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. PageV01P120 ### |||| AUTO 4- حكم ناكث بيعة الإمام # قال الإمام يحيى -عليه السلام-: من نكث بيعة الإمام العادل المحق، وامتنع ~~من طاعته مع العلم بإمامته، فهو فاسق بالإجماع، لكن لا يقاتله الإمام ما لم ~~يظهر العداوة ولم يقاتل، فإن أمير المؤمنين عليا -عليه السلام- لم يقاتل ~~ابن عمر، وأسامة، ومحمد بن مسلمة مع ما ظهر منهم من نكث بيعته لما لم ~~يحاربوه. # قلت: يتحقق حقيقة النكث منهم، فالمشهور عن ابن عمر أنه لم يبايع حتى شنع ~~كثيرون عليه لامتناعه من بيعة أمير المؤمنين -عليه السلام-، وكونه بايع ~~الحجاج لعبد الملك بن مروان، والمشهور عنهم التوقف والخذلان، وعدم القيام ~~معه في حروبه، وتركهم الجهاد، والله سبحانه وتعالى أعلم. PageV01P121 ### |||| AUTO 5- حكم من ضم إلى نكث البيعة قتاله # وهذا كما كان من طلحة والزبير، في حق أمير المؤمنين -عليه السلام-، فلم ~~يقتصرا على مجرد النكث بل كان منهما ما كان من قتاله والبغي عليه والمناصبة له. # قال الإمام يحيى-عليه السلام-: فلأجل هذا فسقوا بخروجهم عليه مع كونه ~~داعيا إلى الحق وأمر بقتالهم. # قال -عليه السلام-: أمرت أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، وقال: ~~ما وجدت إلا قتالهم أو الكفر بما أنزل على محمد -صلى الله عليه وآله وسلم. PageV01P122 ### |||| AUTO 6- حكم من عرف بالتثبيط عن الإمام # إما عن بيعته أو عن إمامته، أو عن الخروج إليه، ومناصرته أو نحو ذلك. # قال الإمام يحيى بن حمزة -عليه السلام-: فالواجب تعزيره بالضرب والحبس ~~والإهانة، وإن رأى الإمام طرده طرده لأنه ms078 ساع في توهين أمر الإمام، وفساد ~~أحواله، وينشأ من ذلك ضعف أحوال المسلمين وتقوية أمر الفسقة، والظلمة، فمن ~~كانت هذه حاله استحق الزجر والتأديب لإقدامه على ما هو فساد في الدين، ~~ومحظور في حكم رب العالمين ولأن في إهانته بشئ مما ذكر زجرا وتحذيرا ومنعا ~~لغيره عن مثل حاله، ولئن مثل ذلك نوع من الإرجاف وقد قال تعالى: {لئن لم ~~ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة}[الأحزاب: ~~60]الآيات. # قال الإمام يحيى بن حمزة -عليه السلام-: وقد تضمنت إبعاد مريض القلب عن ~~قبول دعوة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وحجته، وذكر استحقاقه ~~اللعنة والطرد والإغراء به والقتل، فهكذا يكون حال الإمام لقيامه مقام ~~الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- إلا فيما خصه الدليل. # تنبيه: من كان من أهل التثبيط أو من كان يظهر منه الفساد على الإمام، فلا ~~ينبغي أن يأذن له الإمام بالخروج معه أو مع بعض أمرائه، ولا يجوز للمؤمنين ~~أن يصطحبوه، وحال من يظهر منه الفساد على أحد وجوه، منها: # تخذيل المسلمين عن الجهاد: كأن يصف كثرة أهل الحرب، أو كثرة خيولهم أو ~~جودة سلاحهم، وأنه لا طاقة للمسلمين بهم فمثل هذا يهنهم ويكسر من همهم في ~~الإقدام على القتال. PageV01P123 # ومنها: أن يصدر منه ما يكون فيه عون لأعداء الحق كأن يزعم أن ورائهم مددا ~~عظيما أو أن من ورائهم كمينا أو جيشا كثيرا. # ومنها: أن يأتي بغير هذا المعنى من الإرجاف، وما ييئس المسلمون عن النيل ~~من خصومهم لقوة شوكتهم ونحو ذلك. # ومنها: أن يكون جاسوسا، وهو الذي ينقل أخبار أهل الحق إلى أعاديهم، ~~ويدلهم على عوراتهم، ويفضي إليهم بأسرارهم، وهؤلاء لا ينبغي أن يصحبوا ~~الإمام في سفر ولا حضر ولا جيوشه، وهم المقصودون في قوله تعالى: {اقعدوا مع ~~القاعدين ، لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولاوضعوا خلالكم}[التوبة: ~~46،47]أي: ما زادوكم إلا ضررا وفسادا، ولأوقعوا الخلاف بينكم. # وقيل: لا تسرعوا إلى تفريق جموعكم، لا يقال: فقد كان النبي -صلى الله ~~عليه وآله وسلم- يأذن لعبد ms079 الله بن أبي في الخروج معه، وكان جامعا لهذه ~~الخصال الرذائل، وكان من أعظم المثبطين والمخذلين، لا بالقول أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا لا يلتفتون إلى مثله، لأنهم أهل البر ~~والتقوى، وأين جنود الأئمة عليهم السلام ومن يصحبهم منهم!؟ ولأن رسول الله ~~-صلى الله عليه وآله وسلم- كان ينزل عليه الوحي بأخبارهم، وما يصدر منهم ~~فيطلع على مكرهم بخلاف الأئمة عليهم السلام. PageV01P124 ### |||| AUTO 7- حكم الجاسوس # وقد تقدم ذكر صفته، قال الإمام يحيى -عليه السلام-: إن كان جاسوسا لأهل ~~الحرب جاز قتله إن كان في دار الحرب، وإن دخل دار الإسلام بغير أمان جاز ~~ذلك وجاز استرقاقه، ويكون فيئا لمن أخذه. وإن دخل بأمان طرد وأخرج لفساده، ~~فإن امتنع نبذ إليه العهد وجاز قتله، وإن كان جاسوسا لأهل البغي قتل إن قتل قصاصا. # وكذا إن قتل أحد من المسلمين بسببه، ما دامت الحرب قائمة بين الإمام ~~والبغاة، وإن أتفقت الهدنة طرد ولم يقتل. ويلحق بهذا الباب ذكر مسألة جليلة ~~القدر، عظيمة الخطر، وهي أن من حقوق الإمام المفروضة على المسلمين، تسليم ~~الزكوات إليه، وتبليغها حتى تصير بيده قليلها وكثيرها وصغيرها وكبيرها، ~~وظاهرها وباطنها، ومن صرفها إلى غيره بغير أمره أعاد، ومن اتهمه بالغل ~~استحلفه بالمواثيق الشداد، والقول بأن الولاية في ذلك إليه، هو مذهب الأئمة ~~الأعلام والمحققين من علماء الإسلام، والحجة على ذلك قوله تعالى: { خذ من ~~أموالهم صدقة }[التوبة: 103]الآية، وما رواه ابن عمر، عن النبي -صلى الله ~~عليه وآله وسلم-: ((ادفعوا صدقاتكم إلى من أولاه الله تعالى أمركم )). # وقوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((أمرت أن أخذها من أغنيائكم ، وأردها ~~في فقرائكم)). PageV01P125 # وقوله -صلى الله عليه وآله وسلم- لمعاذ حين أرسله إلى اليمن: ((إعلم أن في ~~أموالهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وترد في فقرائهم)) والإمام خليفة الرسول، ~~والقائم مقامه فيما يتعلق بأحكام الشرع إلا ما خصه الدليل، وقد قال أبو بكر ~~في أمر بني حنيفة: لو منعوني عقالا، أو قال: عناقا مما أعطوه رسول الله ~~-صلى الله ms080 عليه وآله وسلم- لحاربتهم، ولم ينكره أحد من الصحابة -رضي الله ~~عنهم- بل استقر رأيهم كلهم على ذلك، وعلى ذلك جرى عمل الخلفاء الأرشدين، ~~والأئمة الهادين، خلفا عن سلف، ما تباين رأيهم في ذلك ولا اختلف، والمعلوم ~~من أمر رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وخلفائه وأئمة الأمة، استعمال ~~العمال على الزكوات، وبعث السعاة في جميع الجهات، لقبض ظاهرها وباطنها، ~~وخافيها في أداني الأرض وقاصيها، وجهاد من عصاهم في تسلميها، والتصريح ~~بتشنيع جريمته وتعظيمها، وقد خالف الفريقان الشافعي وأصحابه، وأبو حنيفة ~~وأصحابه، في الزكوات الباطنة، زكاة النقدين وما في حكمهما، وأموال التجارة، ~~والمعنى ما كانت زكاته ربع العشر فقالوا: إن ولاية ما هذه حاله إلى ~~أربابها، وليس لولاية الإمام تعلق به، ونسب هذا إلى جماعة من متقدمي أهل ~~البيت -عليهم السلام-، وحجة أهل هذا المذهب قوله تعالى: {إن تبدوا الصدقات ~~فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم}[البقرة: 271]. # قال الفقيه ف ابن عثمان -رحمه الله تعالى-، وأعاد من بركاته في ~~(الثمرات): ويحتمل أن المراد صدقة النقد أو مع عدم الإمام انتهى. PageV01P126 # ولا كلام إن دلالة هذه الآية غير صريحة ولا واضحة، فإنها مرجوحة غير ~~راجحة،لما تقدم من أدلة المذهب المختار، وقال الشافعي في أحد قوليه وهو ~~الجديد وكذلك زكاة الأموال الظاهرة كالمواشي، وما أخرجت الأرض، ولا حجة له ~~في هذا إلا القياس على الباطنة، وإذا اختل الأصل لم يصح ما يبنى عليه فهذا ~~ما سنح ذكره في هذا الفصل، واقتضى المقام ذكره، والمسألة مبسوطة في مواضعها ~~من الكتب الفروعية. # تنبيه: وفي حكم الزكوات في ثبوت ولاية الإمام عليها، واستنادها إليه ~~الفطرة، والخمس، والجزية، والخراج كالصلح، وما جرى هذا المجرى، وبالجملة ~~فجميع الحقوق إلا ما كان وجوبه سبب من المكلف كالكفارات، والمظالم ~~المجهولة، وما هو بسبب منه، فالجمهور أن ولايته إلى من وجب عليه ولا يخلو ~~عن خلاف تحقيقة في موضعه، والله تعالى أعلم. # فائدة عظيمة النفع، ينبغي أن يصغى إليها ويعول عليها: PageV01P127 # إعلم أن مدار أمر الإمام فيما يراد منه، وما ms081 يقوم لأجله عن حقوق الله ~~ومصيرها إليه أداء الجهاد الذي هو سنام الإسلام وأجل فرائضه، لا يقوم ~~ويتهيأ إلا ببذل الأموال، وتجنيد الأجناد، وإعطاء الرغائب، وكذلك غيره من ~~مصالح الدين ومواساة المحتاجين، وتعهد المساجد والمناهل، وإحياء العلم ~~والتدريس، وإطعام الطعام، وارتباط الخيل وغيرها، مما يدور أمره عليه، ~~والإنفاق على العالم والعهد وغير ذلك بحيث أنه لولا ثبوت الأموال وحقوق ~~الله لما أمكنه النظر في شيء من تلك الأمور، ولكان كآحاد الناس لم تستقم له ~~راية، ولا كان على إمامته آية، فسبيل من وفقه الله تعالى للقيام بحق الإمام ~~تعظيم هذا الحق الذي للإمام في قلوب أهل الإسلام، والحث عليه والدعاء إليه، ~~ومن التفريط في جنب الله والإساءة إلى الإمام الداعي إلى الله تعالى ما ~~اعتاده كثير من المتسمين بالفقه، المتسمين بالتشنيع، المدعين للتمييز من ~~التثبيط للناس عن تسليم الحقوق إلى الإمام، والترخيص لهم في ذلك وإفتائهم ~~بأن ولاية زكواتهم إليهم، ومدار النظر فيها عليهم، وأنه هو المختار للمذهب، ~~وليس وراء ذلك للمرء مطلب، والذي دعاهم إلى ذلك التحامل على الإمام، ~~وكراهية الصلاح لأمره، والإنتظام والتهافت على اختطاف الزكوات، والولع ~~بالأخذ وقول هات، بحيث أنهم لو رضوا عن الإمام، وحظوا منه بالمرام، ما ~~أفتوا بهذه الفتوى، ولا صرحوا بهذه الدعوى، وما أفتوا بما أفتوا به إلا ~~اتباعا للأهواء، وخبطا كخبط عشواء، ولا تحل الفتوى إلا لذي الاجتهاد، ~~والنظر الوقاد، أو لذي الترجيح الفارق بين السقيم والصحيح، ما قرر كلاما PageV01P128 في كتاب، أو قراءة قرآة بتلقن مرتاب، فحقه الإعراض والسكوت، ليس (بعثك ~~فاردجي) ولكن التجاسر على الفتوى ممن ليس بأهلها من بدع الزمان. # وخير أمور الناس ما كان سنة .... وشر الأمور المحدثات البدائع # وهذا المذهب مشهورة نسبته إلى أبي طالب، وروي عن الهادي، والناصر، وأبي ~~العباس، وظاهر كلام (الإنتصار) أنه إنما عزي إلى الهادي -عليه السلام- لما ~~في سيرته من كونه نهى عن أخذ الزكاة ممن نأئي من البلاد التي لا يليها، ~~لأنه لا يحميهم فإن سلموها طوعا جاز وهذه رواية، الله أعلم ms082 بصحتها. # والتعليل بعدم الحماية عليل، وليس الزكاة كالجزية ولا العلة في وجوبها ~~حماية أهلها وأمانهم، إنما هي عبادة مالية بحت، حمي صاحبها أو لم يحم أمن ~~أو لم يأمن، ويمكن الاستدلال بهذا على ضعف الرواية، فمثل هذا التعليل ما ~~ينبغي أن يصدر عن ذلك الإمام الجليل، وقد قال -عليه السلام- في (الأحكام): ~~وإذا كان في الزمان إمام حق فإليه استيفاء الزكوات كلها من أصناف الأموال ~~الظاهرة والباطنة، وإلى من يليه من قبله، وله أن يجر أرباب الأموال على ~~حملها إليه، ويستحلف من يتهم بإخفائها، قال في (الإنتصار): وحكي عن الناصر ~~أنه قال: وللإمام المطالبة بزكاة الأموال الظاهرة والباطنة، وليس لأربابها ~~أن يدفعوها إلى أحد (ممن) يحبون من قرابتهم، ويلزمهم دفعها إلى الإمام ومن ~~يلي من قبله بأمره ليدفعها إليه، وللإمام أن يعزز من فعلها. # قال الإمام يحي -عليه السلام-: فهذان الإمامان قد تطابق كلامهما وتوافقا ~~على أن نظر الزكوات إلى الإمام الذي على الحق والعدل. PageV01P129 # قلت: وليس في كلامهما -عليهما السلام- هذا تصريح ولا تعريض، بأن ذلك ~~مقصو(ر) على جهة دون جهة، ولا على ناس دون ناس، ولا أنه يتوقف على نفوذ ~~الأوامر، ثم نقول لأهل الفتوى: تلك الفتوى المتبعة للأهواء، قد نص في ~~(الياقوتة) وغيرها على أن الأفضل عند أهل هذا المذهب الصرف إلى الإمام، ~~فإذا أفتيتم به فلم لم تعرفوا العوام بأن الأفضل خلاف ذلك، ثم نقول لهم: قد ~~ذكر الفقيه العلامة يوسف بن أحمد بن عثمان، في (الزهور)، وغيره، وحكوا عمن ~~حكوا عنه أن هذا مع عدم مطالبة الإمام بالحقوق، فأما مع المطالبة منه فيكون ~~أمرها إليه إجماعا، ثم نقول: قد نص أهل المذهب على أن للإمام أن يلزم الناس ~~مذهبه فيما يقوي به أمره، فأين أنتم عن الإلزام وعن وجوب الإلتزام!؟، ثم ~~نقول لهم: هلا قصدتم الله عز وجل في العوام بأن تفتوهم بما هو الأحوط لهم ~~في دينهم، فإن القائلين بأن ولايتها إليهم يقولون بأن صرفها إلى الإمام ~~أفضل، والقائلين بأن ولايتها إلى الإمام يقولون صرفهم لها ms083 بأنفسهم لا ~~يجزيهم، ويصيرون آثمين مطالبين بها في الدنيا والآخرة، فأي شيء هو الأولى ~~لهم تسليمها إلى الإمام فيقع الخلاص لهم إجماعا، أو تفريقها بأيديهم ~~فيكونوا في ذلك عند البعض آثمين مجرمين مفرطين متبوعين، بل أعظم من هذا، أن ~~الإمام المنصور بالله -عليه السلام- نص في (المهذب) أنه من أخذ الزكاة في ~~عصر الإمام معتقدا لجواز الأخذ كان ردة، لرده ما علم ضرورة وإن أخذ ما علم ~~بالتحريم كان فسقا، وهكذا يكون عنده حكم الصارف إذ لا فرق، فهلا إذا كنتم ~~لستم في منصب الإفتاء، وإنما قصدتم الحكاية حكيتم هذا PageV01P130 المذهب الفاجع الزائغ، المقتضي للهرب مما نص هذا الإمام الجليل على أنه ~~ردة، وكقور نعوذ بالله منه ومن السلوك في مسالك الغرور، فيتبين أن المفتي ~~بذلك المذهب من أهل الأهواء والأغراض والقلوب المراض. # واعلم أن مذهب أبي طالب في هذه المسألة ضعيف جدا، وقد وقفنا لبعض العلماء ~~على نسبته فيه إلى الغلط، ثم إنا نوضح ضعف هذا المذهب، بوجوه غير ما تقدم ذكره: # أحدها: أن نقول: تسليم الحقوق إلى الإمام حق من حقوقه الواجبة على ~~الإمام، وقد صرحتم بسقوطه عمن لم تنفذ أوامره عليه، ولم يكن من أهل الناحية ~~الذين تظهر عليهم طاعته، وينفذ عليهم وطأته، فهل تقولون أن سائر حقوقه التي ~~يجب لهم من طاعة أو محبة (والالتزام بعروته) والجهاد بين يديه وإجابة داعية ~~وغير ذلك ساقطة عمن تلك صفته، بسقوط وجوب تسليم الحقوق إليه أولا؟ # إن قلتم: نعم، هي كلها ساقطة عنه كسقوطه، كان حاصل كلامكم أنه من لم ينفذ ~~أوامر الإمام عليه لم يتوجه الخطاب بوجوب طاعته إليه، فيكون وجوب القيام في ~~حقه كعدمه، ولا يثبت إلى الإمام حكم من الأحكام إلا في حق من جرت أحكام ~~ولايته عليه، حتى لو لم ينفذ أوامره إلا على أهل محله لم يكن إماما إلا لهم ~~فقط، ولو لم ينفذ أوامره على أحد لم يكن إماما لأحد وكان كواحد من سائر ~~الناس، وهذا إبطال لأحكام الإمامة، وتنكيس لها على الهامة، ورمي ms084 بها في جب ~~ثمانين قامة، هذا مالا ينبغي أن يقول به مميز من الناس، ولا يلتبس عليه شيء ~~من الإلتباس. PageV01P131 # وإن قلتم: إنه لا يسقط عمن لا ينفذ أوامره عليه من حقوقه إلا ذلك الحق فقط ~~وبقية حقوقه باقية واجبة، ومن ينفذ أوامره عليه لازمة، قلنا: هاتوا لنا ~~المخصص وأبرزوه، الذي قضى بأن الإمام إمام في جميع الأحكام إلا هذا الحكم ~~المخصوص، فخروجه عنه منقوص، وهو تخصيص من غير مخصص، وفرق من غير فارق مخلص، ~~وثانيها أن نقول: أخبرونا عن مقاتلة الخلفاء الراشدين، والأئمة الهادين، ~~الذين كانوا عن تسليم الحقوق إليهم متمردين، هل قاتلوهم على أمر يستحقونه ~~عليهم وولايته إليهم، أو لا؟ # إن قلتم بالثاني فقد جعلتموهم باغين، وعلى من قاتلوهم متعدين، وإن (قلتم) ~~بالأول فقد أبطلتم ما ذهبتم إليه، وعرفتم أن لا تعويل عليه،ولولا عموم ~~ولاية الإمام لما ساغ له أن يقاتل مانع الزكاة عنه، ولا يقاتل إلا من لا ~~نفوذ لأوامره عليه، وقد قلتم: لا يجب عليه أن يسلم الزكاة إليه. PageV01P132 # وثالثها: أن نقول: أليس الإمام إذا دعا فهو في حال دعوته ومبتدئ أمره لا ~~تنفذ أوامره على أحد من الناس، بلا إشكال في ذلك ولا إلباس، فلو أن الناس ~~كلهم مع معرفتهم لصحة إمامته، وجمعه لشرائطها، واعترافهم بذلك منعوه ~~الزكوات والحقوق الواجبات، وقالوا: لا ولاية لك على ما لدينا من الحقوق، ~~لأن أوامرك الآن لا نفوذ لها علينا، فنفرقها على المستحقين بأيدينا، أليس ~~كلامهم صوابا على رأيكم!؟، فأخبرونا كيف يستقيم أمره بعد ذلك، ويتهيأ له ~~الجهاد، ومنابذة الظالمين، والنظر في مصالح الدين، إنه لا يستقيم له حال ~~إلا بما يقع في يده من بيت المال، وهذا أمر ظاهر لا يدفع، ومكشوف لا يتقنع، ~~فتبين لك بما ذكرناه وأوضحناه، أن هذا المذهب لا يعول عليه، ولا يلتفت ~~إليه، ولا يفتي به من يريد وجه الله تعالى والدار الآخرة، وإنما يفتي به ~~أهل الأهواء الباطنة والظاهرة، وكافيك عن ذلك كله أن الأدلة الدالة على ~~ثبوت ولاية الإمام في ذلك ms085 لم تفرق بين من ينفذ أوامره عليه، ومن لا نفوذ ~~لها في حقه، وأنه لا يعلم للقول بالفرق في هذه المسألة حجة عليه، ولا دليل ~~يتوجه إليه، والله أعلم بالصواب، وهو المرجو لإزاحة الشك والارتياب. PageV01P133 ### ||| AUTO القول فيما يلزم الإمام للرعية ويتعلق بذلك من الأحكام ~~الشرعية # يلزمه أن يسير فيهم السيرة المرضية، المطابقة للسنة النبوية، الخالصة عن ~~شوب الهوى، ومحبة الدنيا الدنية، فيأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ~~ويقيم الحدود على مرتكبها، ويغيث المظلومين، وينابذ الظالمين، ويجد في ~~تنفيذ الشريعة المطهرة وأحكامها، ونصب قضاتها وحكامها، ويعامل المتقين ~~بالرفق وحسن الخلق وإلانة الجانب، ويعامل الفجار بخلاف ذلك، ولا تأخذه في ~~الله تعالى لومة لائم، ولا يحجم عن شيء مما ذكر إلا لعذر مانع، وعائق حائل ~~أو خيفة مفسدة في الدين لا تقوم بها تلك المصلحة. # ومن تكاليفه ما هو مقصور عليه لا يقوم به غيره، كإقامة الجمعات، وتجنيد ~~الجنود، وحفظ بيضة الإسلام، وغزو الكفار والبغاة، ونحو ذلك، ومن تكاليفه ما ~~يعمه وغيره كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإصلاح الطرق، وعمارة ~~المساجد ونحو ذلك. PageV01P134 # وهذا النوع يكون أكد في حقه وألزم له، وعليه تسهيل الحجاب، بحيث يتصل به ~~الضعفاء والمساكين والمظلومون لقضاء حوائجهم التي يجب عليه قضائها، ولا يجب ~~ذلك مستمرا بل في بعض الأوقات، بحيث لا يتعذر على من ذكر ما ذكر، وإلا فإن ~~له أن يحتجب في بعض الأوقات للخلو بأهله وخاصته، وقضاء مالا بد له من ~~قضائه، من أكل وشرب، ونوم وقضاء حاجته، وفعل عبادة، وعليه تقريب أهل الفضل ~~يعني أنهم يكونون أقرب اتصالا به من غيرهم لأنه ينبغي تعظيمهم وهذا نوع ~~منه، وقد أرشد الله إلى ذلك بقوله تعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي يريدون وجهه}[الكهف: 28] الآية. ومجالستهم حتى يكتسب من ~~علم، أو عمل، أو تذكر بأمر الآخرة، وعليه الاستشارة للأعيان فيما لنظرهم ~~فيه مجال ومكان من أمور الأمة، قال تعالى: {وشاورهم في الأمر }[آل عمران: ~~159] وعليه أن يتعهد الضعفاء فيما يحتاجون إليه، حسب ما يتوجه ms086 عليه من عطاء ~~أو إنصاف من ظالم مما يحتاجون، والمراد بهم من لا يتصل به من النساء ~~والصبيان ومرضى المساكين، وعليه في أمور الجهاد وآدابه ما يذكر في بابه، ~~وتكاليف الإمام كثيرة، وإنما هذه نبذة يسيرة إلى المقصود مشيرة. PageV01P135 # تنبيه وإرشاد: وينبغي أن يتوجه النظر المستجاد، ومسائلة (إلى) جهابذة ~~النقاد. اعلم أنه كثير ما يغلط على الإمام في أمر الفقراء والمساكين، ويشيع ~~ذلك بين الناس اعتقاد جهل، وهو أنه يلزمه النظر في أرزاقهم وكفايتهم، ~~وإجابة سائليهم من غير التفات إلى حال الإمام ولا إلى حال المأموم ولا ذكر ~~شرط في ذلك ولا قيد من القيود، ولقد رأينا ذلك وسمعنا ما يقضي منه العجب ~~بحيث أنه قد يتظلم كثير من الفقراء تظلما كثيرا من الإمام كتظلم المنهوب من ~~الناهب، والمغصوب حقه من الغاصب، وقد يتصور بعضهم بصورة الغريم المطالب، ~~ولهم في ذلك فنون ومذاهب، وقد ينتصب بعضهم لوعظ الإمام ويخوفه الوقوف بين ~~يدي الله تعالى يوم الحشر والقيام. # وقد يزعم بعضهم أن الذي تهلكه المجاعة في السنة الشهباء، ولم يتداركه ~~الإمام يصيره بمنزلة قاتل العمد وغير هذا، وغيره من فنون الجهالة من أنواع ~~الضلالة، والذي جرءاهم على ذلك ما يقفون عليه في الكتب المتدارسة ~~المتداولة، من ذكر ما يوهم ما فأهوابه(كاللمع) و(التذكرة) وغيرهما، فقد ذكر ~~في (اللمع): إن الإمام يغنيهم عما يحتاجونه أو بعضه بحسب رأيه، قال بعض ~~شارحي اللمع فيه روايتان بالغين المعجمة من الغناء وبالعين المهملة من ~~الإعانة. # وقال في (التذكرة): ويفضل الضعفاء والأرامل والمساكين، ويغنيهم عن مسألة ~~غيره من ذوي السعة، حيث وفي كلام (التذكرة) إشارة إلى تفسير ذلك اللفظ الذي ~~في (اللمع). PageV01P136 # وقال في (الأزهار) وشرحه (الغيث): وتعهد الضعفاء فيما يحتاجون إليه من ~~إعطاء أو إنصاف من ظالم، والمراد بهم من لا يتصل به من النساء والصبيان ~~والمرضى والمساكين. # قال المهدي -عليه السلام-: ويكفيه من تعهدهم أن يوصي نائب كل جهة في تعهد ~~مساكينها ومواساتهم كل بقدر حاله، فلما وقف من ليس له تحقيق على ما ذكر ms087 أخذ ~~بظاهره، وحملهم الشغف بالإعطاء والتحامل على الأئمة بما يصير إليهم من بيوت ~~الأموال على عدم التأمل للأمر، والتفهم بشروطه والنظور لأحوال يكون عليها ~~الإمام ويختلف في حقه، وما عدم أهل تلك الكتب ومن حذا حذوهم أنهم رموا بمثل ~~ذلك الكلام رميا خاليا عن الأحكام، والاهتمام بعدم الإيهام لا جهلا منهم ~~للأمر، ولا قصدا للإلباس على الناس، وكلام (الأزهار) وشرحه أعدلها وأقربها ~~إلى عدم الإشكال والإبهام، وهو صريح في تحقيق حال من يتعهد ويتوجه النظر في ~~حاله، وأكثر الفقراء عن ذلك المعزل والغلط المشار إليه في هذا المعنى عن ~~الأهم من وجوه أربعة: # الأول: إن المنقدح في نفوس المنافسين للإمام المشار إليهم أن هذا الواجب ~~يجب على كل إمام، وأن ثبوت الإمامة يستدعيه ويقتضيه، ويصرحون بأنه ما شرعت ~~الإمامة ووجب انتصاب الإمام إلا لهذا المعنى، والغرض من هذا الوجه ظاهره، ~~فإنه ليس كل إمام يتمكن من ذلك، وكم من إمام لا يحتوي على شيء، ولا يتمكن ~~من مواساة فقير واحد فضلا عن أن يواسي كل فقير فضلا عن أن يغنيه، وحال ~~الإمام الواحد يختلف، وقد يتمكن في وقت دون وقت، وقد يكون في بعض الأحوال ~~ذا حال واسع وفي بعضها على أمر ضيق. PageV01P137 # فنيبغي أن لا يوجه للتشنيع إليه إلا بعد التحقيق لما هو عليه. # الوجه الثاني: إن المواساة وتعهد المحتاجين، إنما تجب على الإمام حيث ~~وصلت في يده فضله بعد القيام مما لا يستقيم حاله إلا به، وبعد إعداد شيء ~~نافع لما يعرض وينوب، ومع الخلو عن استيعاب الأمورالجهادية لما في يده من ~~الحقوق الواجبة. # وقد صرح المنصور بالله -عليه السلام- بذلك، وقال ما معناه: إن مواساة ~~الإمام للفقراء، إنما تتوجه مع عدم الاحتياج إلى سد الثغور واستقامة أمر ~~الجهاد، وأما مع الحاجة إلى ذلك فهو أقدم ولو أدى إلى موت الفقراء للحاجة ~~والمجاعة، لأن موت الفقراء لا يتعدى أضراره، ولا يؤدي إلى فساد في الدين ~~بخلاف الإخلال بشيء من أمر الجهاد وما يحتاج فيه. # وصرح الإمام إبراهيم بن تاج ms088 الدين في بعض رسائله بأن عماله لا يواسون ~~الفقراء والمساكين إلا بربع الواجب، وأما ثلاثة أرباع فيتركه لما عدا ذلك. ~~قال: إلا أن يتضيق أمر الجهاد فلا يعطوا الفقراء شيئا. PageV01P138 # الثالث: أن أكثر من يدعى هذه الدعوى على الإمام، ويناقشونه في أمر أنفسهم، ~~وهو من لا اهتمام له بشيء من أمر الإمام والإمامة، ومن هو غافل عن ذلك معرض ~~عنه غير مشتغل به، فلا يخطر بباله من تكاليف الإمامة وفوائدها وثمراتها إلا ~~وجوب مواساة الفقراء من الإمام، وإنما يتعهد الإمام ويزوره لقضاء حاجة فقط، ~~بحيث أنه لولا هي لما وفد عليه ولا التفت إليه، فلا يأتيه إلا مطالبا له ~~بها، وهذه غلطة ظاهرة، فإنه لا يجب على الإمام أن يتعهد من لم يقم بشيء من ~~حقه وما يجب له، وما كلف الناس به من أمره، ومن فرط في أمر الإمام أو ما ~~يجب له فحقه على الإمام ساقط. # وقد صرح المنصور بالله -عليه السلام- بذلك، ونص على أنه لا يجب على ~~الإمام مواساة من لم يقم بحقه، ويؤدي ما كلف من أجله، قال -عليه السلام- ما ~~لفظه: يجب الجهاد بالسنان والحسام، واليد والكلام، وكل أحد يقدر على الجهاد ~~فمن لم يجاهد فلا حق له في الواجب، ولا على الإمام له عهده كيف وقد ارتكب ~~عظيما، وترك فرضا جسيما. # قال: كل من كان قعيد بيته، وجليس أهله وعشيرته، فلا يلزم الإمام عهدته، ~~ولا القيام بمؤنته، وله أن يعطي بعض الأشياع أو بعض الأجناد دون بعض وأكثر ~~من بعض، كما كان رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-يعطي الحلفاء من ~~الأعراب من بيوت الأموال نحو مائة بعير، وفقراء المهاجرين والأنصار، على ~~الصفة يود الواحد مضغه من الطعام. PageV01P139 # وقال المهدي أحمد بن الحسين -عليه السلام-: يقتضي العامل الواجبات فيوفر ~~منها ثلاث أرباعها للجهاد ويصرف في الفقراء والمساكين ممن قام بفرض الجهاد ~~فإن لم فلا حظ له في شيء من ذلك. # الوجه الرابع: إن عد مواساة الفقراء والمساكين من الحقوق اللازمة للإمام، ~~هو بناء على قيام ms089 الناس بحقه في تأدية جميع الحقوق إليه، واستيفائه لها ~~ومصيرها بيده، فحينئذ يجب عليه صرفها بمصارفها، ومن مصارفها الفقراء ~~والمساكين ويتعلق به في ذلك ويتوجه الطلب إليه، وأما حث الإمام ما عليه ~~بصفة ما عليه أكثر الأئمة -عليهم السلام- من عدم قوة اليد، وشدة القهر، ~~وعجزهم عن استيفاء الحقوق كلها، وامتناع أربابها عن تسليمها كلها. # وكون الأكثر منهم متمردين فلا يصير إلى الإمام شيء منهم وكون البعض لا ~~يسلمون إلا البعض منها، فمن أين يجب مثل ذلك على الإمام؟. PageV01P140 # واعلم أن توجه مواساة فقراء كل جهة ليس إلا مع قبض واجباتها كلها، والحقوق ~~التي فيها بأجمعها، وإذا لم يقبض الإمام من قطر شيئا ولا أذعن له أهله ولا ~~تمكن من قهرهم على تسليم ما عليهم من ذلك فلا حق لفقرائه عليه ولا شيء لهم ~~يتوجه إليه، ومن المعلوم قطعا أنه لا يجب على القائم في اليمن مثلا أن ~~يتعهد فقراء مصر والعراق والشام ولا يعد ذلك من تكليفه، وكذلك ما كان بذلك ~~الحكم وعدم مصير واحد إليه، وإذا كان من الجهات ما لا يصير إلى الإمام من ~~واجباته والحقوق التي على أهله إلا البعض كالنصف، أو الثلث، أو الربع، على ~~ما هو الغالب من حال الجهات الإمامية بالديار اليمنية فإن عادة أهلها غالبا ~~يسلم البعض من واجباتهم إلى الإمام وترك البعض بأيديهم، ويقولون فيما ~~يزوونه على الإمام هو نصيب الفقراء، ويسمونها الإمام نصيب الجهاد فلا حق ~~لفقراء هذه الجهات المشار إليها عند الإمام، ولا لهم علة يعتلون بها عليه، ~~إذا لم يقبض لهم شيئا وحصتهم من الواجبات عند أربابها وبأيديهم والطلب فيها ~~يتوجه إليهم وسواء كان ترك حصة الفقراء بإذن الإمام ورضى منه أو لا يرضاه ~~وبغير إذن منه. # أما حيث لم يحصل له منهم تسليم الواجب كله ولا تمكن من قهرهم فظاهر، وأما ~~حيث كان ذلك بإذن منه ورضا ولو شاء لقبض الكل فلأن قبض نصيب الفقراء من ~~أرباب الواجبات ليس بواجب عليه، لا أنه حق عليه والواجب لازم له، ms090 فإنه لو ~~لم يطالب الناس بتسليم الحقوق، ولا يلزمهم ذلك لم يعد مخلا بواجب، ولهذا ~~حكم الفقهاء بأن التخلية إلى المصدق كافية لا إلى الإمام ما ذاك إلا لأن ~~الإمام لا يجب عليه القبض. PageV01P141 # وأما المصدق فيجب عليه وذلك لإلزام الإمام إياه، واستعماله عليه يكون بصفة ~~الأمين، لا يقال: ومن أين أن حصة الفقراء والمساكين يتعين فيما بقي بيد رب ~~الزكاة والحقوق، فإن حصتهم في الزكاة مشاعة، فإذا قبض الإمام بعضا من ~~الزكوات ونحوها، كان لهم حصتهم منه حيث قبض الزكاة كلها وإلى أربابها حيث ~~تولوا صرفها وتفريقها، فإذا قال رب الزكاة للإمام: هذا إليك، وهو حصة ~~الجهاد ونحوه من المصارف، وهذا إلى حصة الفقراء والمساكين حيث كان ربعا أو ~~حصتهما، وحصة الغارم وابن السبيل مثلا حيث كان نصفا، وقبل ذلك الإمام منه، ~~وأقره عليه فلا شيء في يد الإمام للفقير حينئذ، ولا حق يتعلق به له، ولا ~~يلزم أن يكون قسمة الزكاة (بين مصارفها) كقسمة الأشياء المملوكة بين ~~مالكيها، فيشترط الحضور والتراضي، أو مصير كل نصيب إلى مستحقه، فيما قسمته ~~إفراز ألا(ترى) أن بعض أرباب الزكاة لو صرفوا (في) ابن السبيل حصته من ~~واجبهم أو إلى الغارم مثلا حصته، ولم يسلموا للفقير والمسكين شيئا لم يكن ~~مطالبة أولئك المصروف إليهم وأن يقولوا حصتنا مشاع فسلموا لنا حصتنا مما ~~صار إليكم، فلم يرض بما ذكروه من بقاء حصتنا بأيديهم، هذا مالا يقول به ~~أحد، ولا يتصور ولا يتقرر، ولو كان المصارف كالمالكين لما جاز أن يختص بعض ~~أهل المصارف دون بعض، وفقير دون سائر الفقراء، والأمر فيما ذكرناه ظاهر. PageV01P142 # وأما فرض أن يد الإمام انبسطت وتمكن من قهر أهل جهة، فاستوفى منها الحقوق ~~كلها واستقصى عليها، فلا كلام أنه يجب عليه تعهد من فيها من الضعفاء الذين ~~حققتهم، كما ذكره المهدي -عليه السلام- أحمد بن الحسين، وهم الذين لا ~~يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. # وأنه يتوجه عليه أن يواسيهم كل منهم على حسب حاله وحسب ما يراه، وأما ~~فقراءها المتمكنون من ms091 التكسب والضرب في الأرض وحق الإمام واجب عليهم، ولازم ~~إياهم لتمكنهم من القيام به، فهؤلاء شأنهم أنهم إن قاموا بحق الإمام وما ~~كلفوا به من أجله، فمواساته إياهم لازمة له، وقيامه بحقهم واجب عليه، ويحسن ~~أن يصرف إلى الفقراء والمساكين من أهل تلك الجهة قدر الربع من واجباتهم، ~~لأنه أحوط، وإن لم يلزم مراعاة هذا التقدير بل له الزيادة عليه، والنقص ~~منه، وهذا حيث كان في الأمر سعة وأحواله مستقيمة، ولا يلحق بما ذكره خلل، ~~وباب الجهاد غير موسع، ولا يستوعب بحيث لا خلل كان ولا ضرر ولا إجحاف. PageV01P143 # دقيقة: اعلم أن الأصحاب -رحمهم الله تعالى- تركوا تقييد ما يجب على الإمام ~~من تلك الأمور بما أشرنا إليه ويتهيأ عليه، إلا أنهم في الأغلب يذكرون ما ~~هو عليه بعد ذكر ما هو له، فبينوا وجوب ما يجب عليه على تقدير حصول ما ~~قدموه مما يجب له، ولا شك أنه إذا فرض قيام الأمة بما يجب عليهم له، ومن ~~ذلك تسليم حقوق الله تعالى مع طاعتهم له، والجهاد بين يديه فإن تعهد ~~الضعفاء والفقراء ومواساتهم لفقرهم ولقيامهم بحقه، أمر لازم له مع كونه ~~موكولا إليه النظر في الإكثار والإقلال، والتسوية والتفضيل، حسب ما يوفيه ~~نظر الإمام إلى الصلاح، ومستحضر النية الصالحة، والقصد الحسن، مجانبا في ~~ذلك الهوى والغرض، ولو سئل من ذكر تلك الظواهر فيما يجب على الإمام، هل ذلك ~~يجب عليه مع خلو يده عن بيوت الأموال واستيفاء الحقوق؟ لقالوا: لا. # وهل يجب عليه مع استيعاب الجهاد وأمور الإمامة التي لا بد منها، ولا ~~يستقيم الأمر إلا معها لما في يده؟ لقالوا: لا. # وهل يجب عليه ذلك لفقراء قطر لا يصير إليه (شيء) من واجباته؟: لقالوا: ~~لا. وهل يجب عليه للمعرضين عنه الرافضين لما يجب له، التاركين للجهاد معه، ~~المشتغلين بخاصة أمرهم دونه؟. لقالوا: لا. ولكنه قد (قل) الناقل لهذه ~~المعاني، وعدم البناء على قوى المباني، فأما أهل الجهل والبله، وعدم ~~التمييز وهم الجم الغفير، فلا يستغرب ذلك منهم، فإن الجهل ms092 داء، والجاهلون ~~لأهل العلم أعداء. # وأما أهل التمييز والمعرفة فهم لا يجهلون ما ذكرناه، ولا ينكرون ما ~~عرفناه، ولكن غفلوا عن ذلك، وصمم آذانها، والله ولي التوفيق. PageV01P144 # وقد جرت مراجعة ومناظره في هذه المعاني في سنة ثلاث وثمانين وثمان مائة ~~سنة، بيننا وبين بعض علمائنا، ونحن حينئذ بطويلة بني تاج الدين، ووجدناه لا ~~يخطر بباله شيء مما قدرناه مع جودة علمه، ووفور فهمه، لكن لم نزل نقرر ذلك ~~لديه، حتى عرفه واعترف به ورجع إليه، وحضر حينئذ تلك المراجعة عين علماء ~~الزمن، ودرة تاج الأخيار بديار اليمن، فوجدناه محيطا بما ذكرناه فتولى بعض ~~المناظرة، وكانت له على ما قصدنا تقريره ظاهرة. # تنبيه: قد (مر) ما أوضحناه ورجحناه، وكشفنا الغطاء عنه، في شأن ما يتوجه ~~على الإمام لفقراء الأنام، والهاشميون في ذلك أقل حقا من غيرهم، وليس يسوغ ~~لفقرائهم ما يسوغ للفقراء من غيرهم، فأكثر حقوق الله تعالى لا علقة لهم ~~بها، ولا مدخل لهم فيها، والحقوق التي تسوغ لهم قليلة، ونظر الناس إلى ~~المخلص منها أقل، ومع ذلك فلجاج كثير من الهاشميين في هذا المعنى على ~~الإمام أشد وإلحافهم فيه أكثر وأجد، ومن البدع الشنيعة ما صار عليه كثير ~~منهم من التكالب على الزكاة، والتناول منها على الوجه الذي لا يرضى به ~~الله، وتجاريهم على الاستقطاع منها وأكلها، والانتفاع بها من غير حلها، ~~وتنزيل أنفسهم منزله فقراء سائر الناس، والتوصل إلى أخذها بكل وجه ممكن سرا ~~وجهرا وطوعا وكرها وقسرا. PageV01P145 # ومن طريق الأئمة ومن غيرها مع أن قرائهم والممييزين منهم يقرءون في كتب ~~الهداية أنها أشد حرمة من الميتة، وأنهم يدرسون ذلك ويدارسون فيه، ويسومون ~~الإمام أن يعطيهم منها، ويوفر حضهم فيها، ولا يكاد يخطر ببالهم أن تحريم ~~ذلك عليهم من مسائل الإجماع، وأنه مما لا يتهيأ فيه وجه مساغ، ولا أن ذلك ~~يصادم شرع جدهم الذين نالوا اسم الشرف ومعناه لأجله، وحازوا رتبة من ~~الرئاسة والجلالة لشرفه وفضله. # فائدة: ومما يغلط فيه على الإمام استنكار كثير من المميزين، لما ms093 يصرفه ~~الإمام إلى المؤلفين، واستنكاره واستهجانه لأجله، واعتقاد التفريط فيه، وقد ~~يقول قائلهم: كانت عطية فلان الظالم أو الفاجر، يعني جماعة من الفقراء ~~الفضلاء الأخيار، الذي لا يساوي شسع نعل أحدهم، وهذا من الجهل بعظم موقع ~~المصلحة الحاصلة من التأليف في الدين، وكونها أعظم موقعا من المصلحة ~~الحاصلة لمواساة الفقراء والمساكين، فإن مواساتهم والمصلحة فيهم مقصورة ~~عليهم لا تتعداهم، وأما المؤلف ففي إعطاءه مصالح يتم نفعها ويعظم موقعها، ~~فقد تكون المصلحة فيه قوة شوكة الحق، أو حفظ بيضة الإسلام، أو سد ثغر، أو ~~دفع شر كان على المسلمين وجانب الدين، أو توصل إلى إقامة معروف ونهي منكر، ~~وغير ذلك من أنواع المصالح الدينية، والمقاصد المرضية، وإنما يتوجه ما ~~ذكروه لو أنه أعطاه لما يرجع إليه، ولكونه على الذي هو عليه، ولو رام ~~الإمام أن يجري أمره على قاعدة وأن تتم منه قيام الفائدة، ويده مقبوضة عن ~~المؤلفين، ومواساته مقصورة على الفقراء والمساكين، لرام شططا، ولتقاصرت عنه ~~فسيحات الخطأ، فإن أمر الإمام لا PageV01P146 يستقيم إلا بالتأليف على أنواعه، ولا يتم ولا ينتظم أبدا إلا مع كثرته ~~واتساعه، هذا والإمام خليفة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-وليس له ~~إلا الاقتفاء لآثاره، والاهتداء بنوره وقد ظهر واشتهر ما اتفق وصدر من سيد ~~البشر من إعطاء المؤلفين العطايا الواسعة، وإيثارهم على أهل المناصرة ~~والمشايعة، كما فعل يوم حنين فإنه أعطى جماعة من المؤلفين كل واحد منهم ~~مائة من الإبل، وخصهم بذلك دون الأخيار من المهاجرين والأنصار، ولم يؤثر ~~أنه أعطى فقيرا ذلك اليوم للافتقار من ذلك عشر المعشار، ولعل المعطين أولئك ~~لا يساوون كلهم ولا يزنون عند الله تعالى أثار أخمص واحد من السابقين ~~الأولين، وسادة الأنصار والمهاجرين، وكفى بذلك دليلا واضحا وضوح النهار، ~~ولكن من جهل الأمور خاض فيها بغير اعتبار. # ومن اعتلق به هوى النفس جانب مقتضى البصر والاستبصار، ومما يقضي منه ~~العجب أن هذا المعنى المشار إليه قد يرتكز في ذهن كثير من أرباب الزكاة، ~~الذين لهم مسكة من التمييز ms094 فترى منهم من يسوم الإمام إلى صرف ما أعطاه من ~~واجبه إلا إلى الفقراء، ومنهم من لا يثق به في ذلك فيشترط في واجبه أن يوجه ~~للفقراء من عنده، ويكون هو المسلم إليه ذلك من يده، وغفلوا عن كون الإمام ~~أتقى الناس في الناس وأعرفهم بطرق الخلاص. PageV01P147 # وأنه لو لم يكن الفضيلة إلا في الصرف إلى الفقراء لكان ذلك ممكنا بغير ~~واسطة الإمام، فكان مقتضاه أن لا يشرع التسليم إليه ولا يجعل مدار الخلاص ~~عليه، ولو كان المقصود هو الصرف إلى الفقراء وهو الغرض المهم، لما كان ~~تسليم الحقوق الواجبة إلا إلى الإمام هو الأفضل والأكثر ثوابا والأوفر ~~التسليم إلى الفقير ممكن بغير ذلك مما يقتضي الأفضلية. # ولو تأمل من أشير إليه لفرق وتيقن أن صرف الزكاة في جهاد ظالم، أو كافر، ~~أو إزالة منكر، أو تأليف رجل يقع بتأليفه قوة لشوكة الحق، وتوصل إلى نعش ~~الإسلام من أعظم القرب وأجلها، وأنه لا يحل نفع الفقير أو فقيرين في محلها، ~~وأن حصول ذلك يثبت تلك الزكاة، وما سلم منها وأعطاه مما ينبغي أن تقر به ~~عينه وتطيب به نفسه، وأنه بذلك يكون مشاركا في الجهاد ونائلا به نصيبا ~~يستجاد. PageV01P148 # وهذا (حين الفراغ) من إملاء ما أردنا ذكره في هذا المختصر من مسائل الإمامة ~~الخاصة منها والعامة، حسب ما أشار إليه السائل وعول عليه، وتركنا منها ما ~~لم تشر أسئلته إلى ذكره، وما لا خفي منها في أمره، ولنختم الكلام بذكر ~~أطراف من ذلك السؤال، وألفاظ مما أورد من المباحثة الحسنة، والمذاكرة ~~المستحسنة، وأجاد فيها المقال قال: هل مسألة الإمام قطعية أو ظنية؟ ثم ما ~~القطعي من شروطها وتفاريعها ومستتبعاتها؟ أقول: قد ذكرنا في هذا الإملاء ~~المبارك أدلة مسألة الإمامة أصولها وفروعها، واستقصينا ما يعول عليه من ~~مآخذها، ولم نجد ما هو فوق ذلك في شيء من مظانه بعد البحث المستوفي عن ذلك، ~~وأشرنا إلى ما سبق منا في المراسلة الدائرة بيننا وبين حي الفقيه الأفضل ~~جمال الدين علي بن محمد ms095 البكري قدس الله روحه ونور ضريحه، فليتأمل السائل ~~ما ذكرناه من الأدلة، وما رد عليها، فهو بحمد الله تعالى لا يعزب عنه ما هو ~~قطعي منها، ينتهي إلى العلم اليقين، وما ليس كذلك فالاتفاق على الأدلة تغني ~~عن ذكر حكمها في إفادة القطع وعدمه، إذ قد صارت غير مجهولة، بل معروفة ~~وموضحة للواقف عليها مكشوفة، وغير بعيد أن يختلف حال الناظرين في الأدلة، ~~فمنهم من توصله إلى العلم، ومنهم من لا تبلغ به إليه، بل إلى درجة الظن كما ~~أن أنظارهم تختلف. PageV01P149 # فمنهم من ينظر في ذلك فتوصله للمطلوب، ومنهم من ينظر فيه فلا توصله إلا إلى ~~عكسه، كاختلاف أنظار العقلاء في العالم فمنهم من أوصله نظره فيه إلى إثبات ~~الصانع الجليل، ومنهم من أفضى نظره إلى النفي والتعطيل، فمن ادعى من ~~علمائنا رحمهم الله تعالى أن نظره في مسائل الإمامة وشروطها ولواحقها، أفضى ~~به إلى برد اليقين، وطمأنينة النفس صدقناه، وعلى أحسن المحامل حملناه. # ومن لم يدع ذلك ولا يعترف به، فهو أخص بأحوال نفسه، وحكمه في تكاليف ~~الإمامة حكم الأول، فيما يعتمد من أمورها وعليه يعول. # وقد شاع في كثير من النواحي والبقاع أنا نقول: بأنها اجتهادية، ويكاد ~~يشنع علينا بذلك من في قلبه مرض، أو له في التشنيع غرض، وتشنيعهم من وجهين: # أحدهما: اعتقاده أن هذا خلف من العدل فيما نحن عليه من الدعاء إلى الله ~~تعالى، وخطل من الرأي، وزلل في الاعتقاد. # الثاني: اعتقادهم أن هذا ينافي ما نحن فيه وعليه من الدعاء إلى الله ~~تعالى وإلزام الناس الطاعة، وما نحن عليه من الإيراد والإصدار، والقيام ~~بهذه التكاليف الكبار. # ومن هذا أو نحوه يقضي العجب، ويعرف منافاته كثير من الناس لقانون الأدب. # أما أولا: فما نعلم أنا صرحنا بهذه العقيدة، ولا أتينا فيها بعبارة لها ~~مفيدة، ولا زدنا على أن ناقشنا في قطعية الأدلة، ولو زدنا عليها أسئلة ~~مشكلة قد سبقنا الأصحاب إلى إيرادها، ونشر إيرادها، وإن كنا زدنا في تدقيق ~~النظر فيها، ونقرنا عن غوامض ms096 معانيها، ومن مثل هذا لا تؤخذ المذاهب. PageV01P150 # وأما ثانيا: فعلى فرض الذهاب إلى هذا المذهب، أي أمر اقتضى التشنيع فيه، ~~وأوجب بأن الخلاف بين العقلاء قد يعرض في العلوم الضرورية الموجودة من ~~النفس التي تدفع العالم إليها؟، كخلافهم في مخبر الأخبار المتواترة، فمن ~~ذاهب إلى أنه معلوم ضرورة، وأن العلم به يعد من علوم العقل، فمن لم يحصل له ~~فعقله مختل، ومن ذاهب إلى أنه معلوم بطريق النظر والاستدلال معرض لما يرد ~~عليه من التنظير والإشكال. # ومن ذاهب إلى أنه ليس بمعلوم بحال وأنه إنما يظن ظنا، فتجويز خلافه ممكن ~~لا محال، والخلاف في كثير من المسائل الأصولية الفروعية، قطعية هي أم ظنية، ~~فإنه واسع فلم نسمع عن أحد من أئمتنا، وعلماء مذهبنا -رحمهم الله تعالى-، ~~أنه شنع القول بكون مسألة الإمامة اجتهادية على كثرة حكايتهم لذلك في ~~مصنفاتهم، ومع كثرة المخالفين في ذلك من الأئمة وعلمائها، ولا يصدر التشنيع ~~في ذلك إلا من جاهل أو متجاهل أو ذي عداوة متحامل. # وأما ثالثا: فأي منافاة بين القول بكونها اجتهادية، وبين إقدام الإمام ~~على التصرفات المرضية، ليس ذلك مما ينافيه في حكم من الأحكام أحكامها، ولا ~~يخالف نهج علم من أعلامها، ولا يتغير به شيء من أحوالها، ولا يتوقف على ~~خلافه عمل من أعمالها. # فإن الأعمال في المسائل الإجتهادية كما هي في المسائل القطعية، إذ ما أدى ~~المجتهد إليه اجتهاده، صار العمل به معلوما وجوبه مقطوعا به، وكثير من ~~المسائل الاجتهادية يتوقف عليها قتل النفوس وقطع شيء من الأعضاء وأخذ ~~الأموال ونحو ذلك. PageV01P151 # فليكشف أهل التشنيع عن موجبه، وما الذي ينهدم بكونها اجتهادية من الأعمال ~~من الإمام ويختل به. # قال وما حكم العوام الذين لا يهتدون إلى معرفة الشرائط؟، وهل هم ناجون ~~بالتقليد مع الخطر الذي ما عليه مزيد في الإقدام على الأرواح والأموال مع ~~الإمام من غير تحقيق منهم للحال؟، وما حكمهم في قتالهم معهم من يذهب إلى ~~الزكاة من أهل القبلة المعدودين من فرق الملة؟ # أقول: قد تقدم في ms097 أثناء هذا الإملاء ما هو فرض العوام في أمر الإمام، ~~وأنهم لا يكلفون في شأنه بما يكلف أهل المعرفة، وأن فرضهم الرجوع في ذلك ~~إلى العلماء، والأخذ عنهم والاتباع لهم، وأتينا في ذلك بما يشفي ويكفي، وهو ~~الحق الذي لا محيد عنه، وإقدام العوام مع الإمام على الأرواح والأموال هو ~~فرضهم، والواجب عليهم واللازم لهم،وما لا يجوز لهم النكوص عنه، فإن طاعة ~~الإمام ومتابعته والجهاد معه حيث توجه هو الواجب على كل مؤتم، وكيف يقال ~~بأن العامي يجب عليه اتباع الإمام وطاعته، ولا يجوز له أن يقاتل معه، ولا ~~يجاهد على راية، فيكون حينئذ إماما غير إمام ومطاعا غير مطاع. # ووجوب متابعة الإمام وطاعته فيما رام أمر متفق عليه غير متنازع (فيه) ~~لوجوب(طاعة) الإمام فأقل أحواله الفسق. # قال المهدي -عليه السلام-: وهو قريب عندي إذ هو رد ما علم ضرورة من دين ~~النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، ومن رد ما علم ضرورة من دين الإمام فقد ~~اتبع غير سبيل المؤمنين قطعا، فتناوله الوعيد. انتهى. PageV01P152 # ومن ذلك قتالهم معه من يذهب إلى كفر فإن ذلك واجب عليهم من جملة طاعته، ولا ~~(يكلفون) تقدم علمهم بكفره، ولا وقوفهم على أدلة جواز قتاله، بل الواجب ~~متابعة الإمام في ذلك وغيره، فإنما جعل إماما ليؤتم به، والدرك في ذلك عليه ~~حتى أنه لو فرض خطأه في ذلك كان خطأه هو المخطئ وحده، وهم مصيبون في ~~متابعته لأنها فرضهم. # ولا تكليف على اتباع الإمام في أن يعلموا قبل أن يبايعوه على أمر أراده ~~ودعاهم إليه أنه مصيب فيه، ولا أن يقدم النظر في ذلك والاستدلال عليه، ولا ~~يسمع بذلك في عصر من الأعصار ولا نبه عليه أحد من الأئمة الأطهار. # فلم يقل علي -عليه السلام- لأتباعه وجنوده الألوف المؤلفة، وعساكره ~~المتكاثفة، قدموا النظر في صواب ما أنا عليه وخطأ البغاة، ولا تقاتلوهم حتى ~~تعلموا ذلك. # وتطلعوا على أدلة وجوبه أو جوازه، ولا عرضهم واحدا واحدا وتبين حالهم في ~~معرفة ذلك وعدمها، ولو وجب ذلك لكان ms098 العوام المقدمون على القتال مع الأئمة ~~آثمين مخطئين مرتكبين لقبيح، ويلزم الأئمة نهيهم وزجرهم عن ذلك لأنه نهي عن ~~المنكر، وهذا ما لم يقل به واحد، ولا التفت إليه واعتمد. PageV01P153 # وهذا ونحوه يدخل تحت قوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم}[النساء: 59] وتحت قوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((من سمع واعيتنا ~~أهل البيت فلم يجبها كبه الله تعالى على منخريه في نار جهنم)). والواعية ~~الإمام الداعي، وما روي عنه -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((لخليفتي على ~~الناس السمع والطاعة ، ما استرحموا فرحموا، وحكموا فعدلوا، وعاهدوا فوفوا، ~~ومن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله تعالى والملائكة والناس أجمعين)). # وعن زيد بن علي -عليه السلام- على الإمام أن يحكم بما أنزل الله عز وجل، ~~ويعدل في الرعية فإذا فعل ذلك حق عليهم أن يسمعوا ويطيعوا، ويجيبوا إذا دعوا. # قال: وكيف مدافعة الإمام لمن لم تصح إمامته؟ وهل يأخذ الزكاة منه قهرا، ~~ويقاتله عليها؟ وهل لرب المال المدافعة عن نفسه، ولو بالقتل لأنه غير سالك ~~سبيل المؤمنين إذا كان يدين بعدم إمامة ذلك الإمام، وعدم كماله؟ إن قلنا ~~له: المدافعة فكيف يكون الفئتان جميعا محققين، وما نظر ذلك؟ وإن قلنا: ليس ~~للإمام قتاله، وليس له الإمتناع عن التسليم إن لم يعرف إمامته، فما وجهه؟ PageV01P154 # أقول: معاملة الإمام لمن لم تصح له إمامته، إذا عرف به أن تأخره عنه يجرح ~~في دينه، ويثبت في أمره، أن يراجعه ويوضح له السبيل، وينصب له الدليل، ~~ويحسن التوجيه والتعليل، فإن رجع إلى الصواب فهو المقصود، وإن أبى فأمره ~~غير محمود، وحينئذ ينزله الإمام في تكاليف الإمامة منزلة غيره من يثبت، ~~وغيره فيلزمه القيام بها من تسليم الحقوق والجهاد، وبشكه في الإمامة وهو ~~ثابت الإمامة لا يقتضي سقوط الواجب عنه ولا مسامحة فيه، فيكرهه (على) تسليم ~~الزكاة وغيرها مما أمره إليه، ويقاتله على ذلك إن أبى وعصى، ولا يخلصه من ~~ذلك سوء عقيدته في الإمام، ولا انتفى صحة الإمامة عنه، قوله: # وهل لرب المال المدافعة عن نفسه ms099 حيث لم تصح له الإمامة؟، جوابه أنه ليس ~~له ذلك مع فرض ثبوت الإمامة، وإذا ركب ذلك على أصله في نفيها لم (يصح) لأنه ~~ركب على أصل فاسد إذ المفروض صحتها، وما ركب على الفاسد فهو فاسد، ~~فالمدافعة منه خطأ وعدوان، ولا يصح أن يجتمع حقية مدافعة الإمام، وحقية ~~مدافعته عن ذلك، لأن مع ما ذكر من فرض صحة الإمامة، الإمام محق في مطالبته ~~وهو مخطئ في مدافعته، وإذا فرض عدم صحتها فالإمام مخطئ في مطالبته وهو محق ~~في مدافعته، ولا نعلم قائلا يقول: ليس للإمام أن يطالب من ينفي إمامته، أو ~~يتوقف فيها بالحقوق التي عليه، فلو فرض منحرفا لا متحريا. PageV01P155 # والمسألة منصوصة، ولو قيل بذلك لكان فيه وهن على الإمام، وتضعيف أمره، ~~والجهاد لم يشرع إلا لمن عصى الإمام، ولم يطعه فيما أمر به، ولو قصرنا ~~الإمام عن إكراه النافي لإمامته على ما يجب عليه الأداء إلى (بطلان) أمره، ~~فلن يمتنع عليه الأمن لا يثبت إمامته باطنا وظاهرا، فعرفت أن القول بذلك ~~يؤدي إلى ارتفاع ما لا بد للإمام منه، من مجاهدة العاصين له المهملين لحقه ~~الزواين لحقوق الله تعالى عنه. # وهذا ما لا قائل به، وحال المنكر لإمامة الإمام في عدم صحة الاعتذار بذلك ~~فيما عليه من حقوقه حكم منكر الصانع فيما هو مفروض من صلاة وصيام. # فكما أنه لا (يعذر) فيها وإن كان اعتقاده منافيها، فكذلك هاهنا. قال: وما ~~حكم المتوقف إذا تمادى به الزمان، وطال توقفه، وعرف الإمام صدقه، ورصانة ~~دينه، إن قلنا: يعذره فكيف إذا كانت صفة الكل، أو الأكثر، فإنه يؤدي إلى ~~بطلان أمر الإمام، وإن لا يعذره فكيف وهو لم يأل جهدا في الاستبراء لدينه، ~~وتحصيل يقينه؟، أقول: قد تقدم ذكر التوقف وحكمه، وأتينا فيه بما لا مزيد ~~عليه، والتحقيق أنه لا وجه لإطالة التوقف ولا مقتضي له، فإن مسألة الإمامة ~~وشروطها واضحة، جلية غير غامضة، ولا حفية فما في إطالة الخبرة ~~ويعتبر(تعسير) الأمر وهو هون على الإمام، ولا معنى للتوقف إلا ms100 في حق رجلين، ~~رجل منتزح عن الإمام فاضطربت عنده الروايات في كماله وعدمه، وإجابة الناس ~~له وعدمها، وكمال الشرائط فيه وانتقاصها، فشأنه التوقف حتى يهيئ الله تعالى ~~له البلوغ إلى عند الإمام، وفهم الصحيح مما بلغه وخلافه، أو حتى يتواتر له ~~الصحيح من ذلك ويضمحل الفاسد. PageV01P156 # ورجل بلغ إلى الإمام ليختبره، ولم يمض من المدة ما يحصل فيه الاختبار ~~الحقيقي، والاطلاع على إحراز النصاب المعتبر من كل شرط، وأما ما عدا ذلك ~~مما هو إلا من قبيل السخافة والجهالة، أو من قبيل اتباع الهوى والغرض، ~~وعروض السقم للبصيرة والمرضى، فكم من متوقف يطول توقفه، ويستمر تعسفه، ولا ~~حائل (هل)له على ذلك إلا ما يعرض له في كل واحد من طرفي الإثبات والنفي من ~~الشوائب الدنيوية، والأحوال التي لا تكون عنده مرضية، وما هذا دين الله ~~تعالى، ولا بين به الحق والباطل من واسطة، ولا بأس بأن يباحث الإمام ~~المتوقف، ويسأله عن سبب توقفه، إن كان شك في شيء من الشروط قرر عليه حصوله ~~وثبوته. # وإن كان لشيء رآه في أمر السيرة قرر عنده وجهه، والحامل عليه وعدم الخطأ ~~فيه، وإن كان لسبق داع قيل له: هل الأول عندك ثابت الإمامة فلا معنى ~~لتوقفك؟، ولا (.......................ص55) فتقدم دعوته كلا يقدم بل قيام ~~من ليس بصالح للإمامة، مما ينبغي أن يكون داعيا إلى قيام الكامل، ومؤكدا ~~للوجوب في حقه، وإن كنت متوقفا في الأول فكذلك توقفت في الثاني، فهذه حيرة ~~مركبة على حيرة وجهالة منظمة إلى جهالة، والحاصل أن التوقف إذا جاوز القيد ~~المعتاد والمحتاج فصاحبه ضال، ولكن ضلالته دون ضلالة الثاني، مع فرض صحة ~~الإمامة ودون ضلالة المثبت مع فرض بطلانها. PageV01P157 # قوله: فكيف يعذره وهو لا يألو جهدا إلى أخره؟، قلنا: فيلزمك أن تعذر النافي ~~إذا كان نفيه له إمامته تحريا في أمر دينه إذ لا فرق، وأن تعذر المتوقف في ~~نبوة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-بل المتوقف في إثبات الصانع، إذا جهدا ~~في تحصيل المعرفة، ولكن ما حصلت ويلزم ms101 تصحيح مذهب أهل الحيرة والتكافؤ، ~~والله ولي التوفيق. # قال: وما تكليف أهل الزمان في حق الأئمة المتقدمين، وهل يجب معرفة ~~إمامتهم جميعا، بمعرفة جمعهم الشرائط، كما يجب في حق إمام الزمان بذلك فيما ~~يأمر به، أم لا يجب شيء من ذلك؟، وهل يجب اعتقاد إمامتهم وحملهم على ~~السلامة من دون معرفة جمعهم للشرائط؟ أقول الأئمة السابقين، أولهم أمير ~~المؤمنين، وسيد الوصيين علي بن أبي طالب -عليه السلام-، ويلحق به ولداه ~~الحسنان -عليهما السلام-، وهؤلاء هم الدرجة العلياء. # والطبقة الأولى: وهم المعصومون والمنصوص عليهم. # والطبقة الثانية: من بعدهم إلى الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين # -عليه السلام-. # الطبقة الثالثة: من بعده إلى المنصور بالله عبد الله بن حمزة # -عليه السلام-. PageV01P158 # والطبقة الرابعة: من بعده إلى زماننا هذا، هكذا ذكره والدنا الإمام الهادي ~~إلى دين الله تعالى علي بن المؤيد بالله -عليه السلام- في رسالة له غراء، ~~ومقالة رائعة عذراء، ذكر فيها طبقات الأئمة ودرجاتهم، ونزلها على هذا ~~التنزيل، قال في الطبقة الرابعة: هي من الإمام أحمد بن الحسين المهدي إلى ~~أن ألجأت الحال فصار الأمر عندي، واستثنى من هذه الطبقة الرابعة الإمام ~~يحيى بن حمزة، وقال: هو جدير بأن يعد أمة وحده، وله في هذه الرسالة ألفاظ ~~رشيقة، ومعان دقيقة، وكان الباعث له عليها أن السيد العلامة الهادي بن ~~إبراهيم بن علي المرتضى، وجه إليه رسالة بالغ في الثناء عليه فيها، وتفضيله ~~على كثير ممن قبله أولها: # الحمد لله عليك من إمام أمة، عده عليه السلام،على المسلمين نعمة، فأنشأ ~~الإمام -عليه السلام-. # هذه الرسالة وأظهر التواضع فيها، والحط من أمره حتى استشهد بقول بعضهم: # وابن اللبون إذا ما لز في قرن .... لم يستطع صولة البزل القناعيس # وأجاد معاني عالية وأطاب وأتى بالألفاظ البليغة، والمعاني العذاب، بما ~~يروق الألباب، ثم نعود إلى ما هو المقصود فنقول: أما من بعد علي -عليه ~~السلام- من الأئمة غير إمام الزمان، فلا قائل بأنه يجب معرفة إمامتهم، ولا ~~البحث عنها، ولا أنه يتعلق بنا في شأنهم تكليف لا ms102 اعتقاد إمامه، ولا عمل ~~يتبع ذلك. # قال بعض أصحابنا: لأنه لا تكليف علينا علمي ولا عملي، في معرفة ذلك، وإن ~~كان العلم بذلك ممكنا بأن يتواتر الخبر إلينا بمثل ذلك لكنه ولو تواتر فإنه ~~حينئذ غير واجب لأنه علم ضروري. PageV01P159 # وذكر الدواري في تعليقه على شرح الأصول: أن الأظهر من كلام الزيدية، وغيرهم ~~أنها تجب معرفة إمامة زيد بن علي-عليهما السلام-، وعلل ذلك بأنه مجمع على ~~إمامته، وجمعه للشرائط يحتاج إلى معرفتها، والعلم بذلك ليكون طريقا إلى ~~معرفة إمام الزمان وأوصافه، أو الاعتبار في الشرائط التي تشترط في الإمام، ~~أو في أكثرها بإجماع الأمة أو أهل البيت، ولا إجماع معلوم إلا فيه، فإن ~~الأمة والعترة فيما بعد زمنه كثر انتشارهما فقلما يعلم لهما إجماع. # قلت: وهذا الكلام فيه نظر(وما هو) إلا كلام لا صحة له لأن إمامة زيد بن ~~علي كإمامة غيره، بل غيره من الأئمة السابقين (من) كانت مدة قيامه أطول، ~~وأثاره في باب الدين أكمل، ولا عمل يتعلق بمعرفة إمامته، ولا تكليف إليها، ~~وإن كان -عليه السلام- من شموس الأئمة وأقمارهم، وهو مؤسس قواعدهم المرضية، ~~وموضح أثارهم، والتعليل المذكور عليل، فإن الأدلة على وجه اشتراط شروط ~~الإمامة قائمة، وهي المرجوع إليه في اشتراطها، وليس ذلك مستند إلى معرفة ~~إمامة زيد بن علي -عليه السلام-، فإن إمامته إنما عرفت لمعرفة إحرازه ~~للشرائط وجمعه لها، لا أن معرفة شروط الإمامة تؤخذ من معرفة إمامته، ولا ~~يجب أن يكون كل إمام أوصافه كأوصافه، وكماله فيها ككماله، فإن زيدا -عليه ~~السلام- زاد على قدر ما يشترط فيها زيادة واسعة، ولو اشترط أن يكون كل إمام ~~على صفته لأدى إلى إبطال إمامة كثير من الأئمة فهذا الكلام لا وجه له. PageV01P160 # وأما إمامة أمير المؤمنين فأهل المذهب يتفقون على وجوب معرفتها، وأنها فرض ~~محتوم، واختلفوا هل هي فرض عين، أو فرض كفاية، فالأكثر على الأول، ممن نص ~~على ذلك الهادي والقاسم -عليهما السلام-، وفي كلام الهادي -عليه السلام-، ~~ما يقضي بأن الجهل بذلك فسق. # والحجة لأهل ms103 هذا القول إجماع العترة، والأقل على الثاني وهو الأرجح عندي ~~والأولى، وللأصحاب مبالغة في هذه المسألة حتى أنهم عموا بوجوب ما ذكره ~~العلماء والعوام، واختاروا رقم ذلك في الوصايا، وضم الشهادة به إلى ~~الشهادتين، ومن المعلوم أن مثل ذلك لا يدخل في إمكان العوام، ولا يجدون إلى ~~العلم به سبيلا، وأنه في حقهم كتكليف ما لا يطاق، وليس معهم فيه إلا ~~التقليد المحض، وقد ذهب الفضل بن شروين أنها إنما تجب على العلماء دون ~~العوام، وهو أعدل الأقوال، واحتج بأن معرفة إمامة أمير المؤمنين علي -عليه ~~السلام- متلقاة من جهة معرفة اللغة فلا يعرف وجوبها إلا من له غوص في اللغة. # وأما رقم ذلك وفعله في الوصايا فمن قبيل الغلو فليس كل مسألة يجب العمل ~~بها مما يحق لها مثل ذلك، وليس له من الفوائد إلا معرفة كون الموصي زيدي ~~المذهب، وليس كل موص يفتقر إلى التعريف بمذهبه، ولا يحتاج إلى ذلك منه وكل ~~من يعرفه يعرف مذهبه إن كان ذلك إلى حجة. # وأما الحسنان -عليهما السلام- فالأكثر على أن حكمهما حكم أبيهما، ومن أهل ~~المذهب من لا يوجب معرفة إمامتهما. # قال القاضي الدواري: لم يذكر وجوب معرفة إمامة الحسنين -عليهما السلام- ~~جماعة من أئمتنا، منهم السيد المؤيد بالله، وصاحب الكافي، والأمير الحسين. PageV01P161 # أما صاحب (الكافي) فصرح بأن العلم بإمامتهما غير داخل في أصول الدين، قال ~~ومن لم يعرف إمامتهما لم يفسق عند جميع العلماء. # وأما المؤيد بالله، والأمير الحسين فلم يذكرا الوجوب، ولا نفياه. وللهادي ~~-عليه السلام- وولديه ما يقضي بأن معرفة إمامتهما واجبة، وسوى المهدي بين ~~إمامة الثلاثة في وجوب المعرفة لها، وقال: لا خلاف في كون معرفة إمامتهم ~~كلهم فرض، لأنها منصوصة، ومعرفة معاني نصوص الكتاب والسنة واجبة، ولم يتعرض ~~الإمام يحيى في (الإنتصار) لوجوب معرفة إمامتهما، وإنما قصر الكلام على ~~إمامته -عليه السلام-. # وحكى إجماع العترة والشيعة على وجوب معرفة إمامته، وخطأ من لم يعرفها، ~~لأن العلم بها من أصول الدين لأن كل من لا يعرفها على التفصيل لا يمكنه ms104 ~~معرفة إمام زمانه، لأن إمامة غيره -عليه السلام- متفرعة على معرفة إمامته، ~~وإن اختلفت الطريق فلا يكون من بعده إماما إلا إذا حصل على مثل أوصافه. # قال الإمام يحيى بن حمزة: ورأي الأكثر من أئمة العترة، والأكثر من ~~المعتزلة، أن الإخلال بمعرفة إمامته يكون فسقا إلا ما يحكى عن المؤيد بالله ~~فإنه لم يقطع بفسقه، ثم رجع إلى كونه مخطئا، قال الإمام يحيى: والمختار ~~الذي يجب عليه التعويل ما قاله المؤيد: وهو الحكم عليه بالخطأ دون الفسق ~~لأنك إنما تهدم عمله بالأدلة القاطعة الشرعية وهي منفية هنا. PageV01P162 # وقال المهدي -عليه السلام-: إن الجاهل لها لا يفسق، ولا يخطأ مع قيام غيره ~~بذلك، وأما المجوز للإخلال بمعرفتها على كل وجه فإنه مخطئ ولا قطع بفسقه. ~~قوله في السؤال: وهل يجب اعتقاد إمامتهم، وحملهم على السلامة من دون معرفة ~~جمعهم للشرائط؟. # جوابه أنه لا يجب الاعتقاد المذكور بل لا يجوز إلا عن نظر واستدلال ~~وتحقيق، فإن الاعتقاد الذي ليس على هذه الصفة يجوز كونه اعتقاد جهل، والجهل ~~قبح، والإقدام على ما لم يؤمن قبحه كالإقدام على القبيح، فلا يتوجه ذلك ~~الاعتقاد إلا مع تواتر الكمال وحصول شرائط الإمامة، والسيرة المرضية، ومهما ~~لم يحصل ذلك، فلا ينبغي أن يعتقد ذلك، وكذلك فلا ينبغي أن يعتقد فيهم الخطأ ~~ولا النقصان، ولا عدم الكمال، إذ لا طريق له إليه، ولا بأس بالحمل على ~~السلامة وهو ألا يظن فيهم أنهم ترشحوا لهذا الأمر مع عدم كمالهم فيه بل ~~يتوجه أن يظن فيهم الخير، وللعوام في ذلك تقليد العلماء. # هذا وأن من الأئمة من هو مذكور، وحاله في الفضل والكمال وجمع محاسن ~~الخلال مشهور، فلا يخفى على أحد صحة إمامته وكماله وفضله، وإحرازه للشرائط، ~~وإحاطته بالأوصاف الحسنة لكون سيرته مرضية. PageV01P163 # ومنهم -عليهم السلام- من أمره خاف عن بعض المميزين بل كثير من دعاة أهل ~~البيت يخفي أمره على بعض المبرزين فقد كان منهم في جهة الأندلس وغيرها، من ~~لم تبلغ دعوته ولا تسير سيرته، قال: وما يكلف به في ms105 حق المتعارضين ~~السابقين، مع تواليهم وتعاديهم؟ أقول: أول ما نشأت المعارضة فيما نعلم زمن ~~الهادي، والناصر -عليهما السلام-، وكانا متباعدي الأقطار، ومتبايني الديار ~~والمزار، وحالهما في الفضل والكمال لا ينكر بحال، وحبذا ما كان بصفة ~~تعارضهما، فلا شك أنهما معا مرضيان وإمامتهما معا في القوة والصحة ظاهرة ~~الثبات، وما جرى من المتعارضين على هذه الكيفية فلا إشكال فيه، ولا يفتقر ~~فيه إلى تنبيه. # وأما حيث تقارب المتعارضان، وتنازعا وتحاربا، فلا يتصور أن يكونا محقين ~~معا بل أكثر ما يتهيأ أن يكون أحدهما فقط محقا، ويكون الآخر باغيا عليه، ~~وخارجا عن ولاية الله تعالى إلى عداوته فلا إمامة مع البغي. # وإما (حيث) تقاربت دارهما، ولم يتشاجرا ولا تحاربا، وكان كل واحد منهما ~~حسن المجاملة والمعاملة للأخر وهما متواليان غير متعادين، فالذي تقتضيه ~~القواعد أن الإمامة (ليست) إلا لأحدهما، والأخر ليس بإمام، وإنما نتولاه ~~كما تولاه الإمام المعارض له، ومن الحق في عدم المعارضة ثابت له، هذا على ~~سبيل الإجمال. # وأما التفصيل فهو أنه إن ثبت لنا طريق إلى كون أحد المتعاديين بعينه هو ~~الإمام، وكون الأخر بصفة الباغي عليه، وثبتت لنا طريق إلى أن أحد ~~المتواليين بعينه هو كامل الشرائط، صحيح الدعوة، ثابت الإمامة. PageV01P164 # وأنه الفائز بذلك والحائز له دون صاحبه دنا بذلك واعتقدناه في الصورتين ~~معا، فإن لم تستقم تلك القاعدة ففرضنا في المتواليين المعروفين بحسن الصفات ~~والأحوال توليهم معا، والترحم عليهم، وحسن الظن بهم، وأن نقول في ~~المتعاديين: { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما ~~كانوا يعملون}[البقرة: 141]. # قال: ومن ليس بإمام عند أهل البيت كعمر بن عبد العزيز، ما حكمه؟ أقول: ~~حكم عمر بن عبد العزيز، ومن على صفته ممن حسنت سيرته وسريرته، ولم يختل فيه ~~إلا شرط المنصب الفاطمي عند أصحابنا أنه ليس بإمام، وإنما هو سلطان عادل، ~~وأنه مخطئ بترشحه لهذا الأمر، ويؤل أمره إلى ما عليه الخلفاء المتقدمون ~~لأمير المؤمنين، وكلام أهل البيت عليهم السلام فيهم معروف متناقل فمنهم ~~المبالغ ms106 في التأثم والتخطية، ومنهم السالك سبيل التولي والترضية، فما عومل ~~به عمر الأكبر ينبغي أن يعامل به عمر الأصغر فليس بناقص عنهم في حسن السيرة ~~والسريرة، في العدل وإن تأخر بل قد قضي له لمزية جلية غير خفية، وهو أنه ~~سلك لهذا السبيل في العدل بعد انطماسه واندراسه، وخراب أساسه، وتقادم العهد ~~بمثله، وكون أهل زمانه لا يعترضونه في شأنه. PageV01P165 # وأما عمر بن الخطاب فإنه سلك سبيل العدل، وهو واضح غير منطمس، وشهير غير ~~مندرس، ومع قرب العهد بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخليفته ~~المرتضاة، وكونه بين ظهراني الصحابة الأخيار، وفضلاء المهاجرين والأنصار، ~~الذي لو رام الميل بينهم عن السيرة المرضية لقوموه بالسيوف الهندية، ~~والرماح الخطية،ولم يقروه على خلاف السيرة النبوية، فانظر في عظم شأن تلك ~~المزية (ص59) ويلحق بعمر بن عبد العزيز في العدل، وإن لم يكن مساويا ولا ~~مدانيا في الفضل يزيد بن الوليد. # قال الحاكم: أجمع المعتزلة على صحة إمامتهما، وعندي أنه يمكن أن يتمحل ~~لعمر بن عبد العزيز من الأعذار في توليه لما تولاه، ما لا يمكن أن يتمحل ~~لعمر بن الخطاب في مثل ذلك، وهو أن من المعلوم قطعا أنه لم يفعل أو فعل، ثم ~~رام التنحي لبعض أعلام البيت، وإيثاره بهذا الأمر لما تم له ذلك، ولا وجد ~~إليه سبيلا وإن ترك تولا الأمر يزيد بن عبد الملك،وأخوه هشام بن عبد ~~الملك،أو من يضاهيهما من الساعين لدين الله تعالى في الانهدام، وقد جعل ~~سليمان بن عبد الملك الأمر إليه ثم إلى يزيد ثم إلى هشام، فلو لم يسعد إلى ~~تولي الأمر، أو رام التنحي بعد التولي، لما تولاه إلا من ذكر أمرا محتوما، ~~لا محيص عنه ولا مناص، كما يتيقن ذلك من عرف أحوالهم وسيرتهم وأساليبهم. PageV01P166 # وأما عمر بن الخطاب فمن المعلوم أنه لو ترك التولي للخلافة، أو تنحى عنها ~~لمن هو أحق بها منه، لما قام مقامه إلا من هو أفضل منه وأكمل، وأعلم ~~بالعلوم الدينية وأعمل، وإذا عرف ذلك ms107 فغير بعيد أن يتحتم على عمر بن عبد ~~العزيز ما كان منه من تولي الأمر لما فيه من إزالة المنكرات، وتغيير ~~الظلامات، وإقامة قواعد الدين، وصيانة الإسلام عن أقاربه المعتدين، جزاه ~~الله خيرا عن الإسلام والمسلمين، والحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه ~~على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطيبين الطاهرين من يومنا هذا إلى ~~يوم الدين. # قال المؤلف مولانا أمير المؤمنين: هذا الإملاء المبارك، وفرغ منه أوان ~~صلاة الجمعة لسبع ليال خلون من شهر ذي الحجة الحرام سلخ سنة ثماني وتسعين ~~وثمانمائة سنة، وفرغت أنا من رقمه بعد شروق الشمس في يوم الخميس سادس شهر ~~جمادى الآخرة، الذي هو من شهور عام ثمان وثمانين وألف، بخط الفقير إلى الله ~~تعالى المستمد ممن نسخ له واطلع عليه، ونظر إليه الدعاء بحسن الختام، وبلوغ ~~المرام، صلاح بن أحمد بن صالح بن دغيش الحيمي اليوسفي، غفر الله له ولأبويه ~~وإخوانه، السابقين له، واللاحقين، ولجميع المسلمين المؤمنين، السالكين طريق ~~المؤمنين، مما استنسخت فرقمت للولد القاضي العلامة، القدوة الفهامة، محمد ~~بن الحسن بن أحمد بن صالح بن دغيش الحيمي، حفظه الله تعالى، وأمد بطول ~~حياته، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد ~~خاتم النبيين وسيد الأولين والأخرين، والحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا ~~طيبا مباركا فيه. PageV01P167 # وهذه جوابات تسمى الجواب المعقول في بيان القطع بإمامة أئمة آل الرسول، ~~إنشاء سيدنا الفقيه العلامة، الحبر الفهامة، المدرة الصمصامة، ~~لسانالمتكلمين، وزين الموحدين، جمال الدنيا والدين، علي بن محمد البكري ~~رحمه الله تعالى: # قال: بسم الله الرحمن الرحيم: وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم، الحمد ~~لله حمدا يستدعي مزيد فضله، ويستوجب مواد طوله، في الإنباء عن البراهين ~~القاطعة، والحجج البالغة، والصلاة والسلام على من محى رسم الضلال، وارتقى ~~من الشرف أعلى ذروة الكمال، محمد وآله خير آل. وبعد. # فقد ورد من تلقاء مولانا السيد الأفضل، العلامة الأمثل، عز الدين بن ~~الحسن بن أمير المؤمنين دام دوام الفاعل، واحتجب عن النوائب احتجاب ms108 ضمير ~~اسم الفاعل، طرس كريم، يتضمن البحث عما أهمل تحقيقه كثير من الناس، مع كونه ~~للدين كالرأس، ولكثير من الأحكام الشرعية كالأساس. # وذلك مسألة الإمامة المقتضية لمن اختص بها الرئاسة والزعامة، وبحثه أيده ~~الله تعالى عن ذلك من ثلاث جهات: PageV01P168 # الجهة الأولى: # المطالبة بدليل على صحة ما ادعاه أصحابنا، من كون مسالة الإمامة من ~~المسائل القطعية، لا من المسائل الاجتهادية، والقدح في ما أورده من الأدلة ~~على ذلك. # الجهة الثانية: # بيان ما يلزم على القول بكونها قطعية من الأمور المستبعدة. # الجهة الثالثة: # الرد على المفسقين في إمامة الإمام المتوقف فيها. PageV01P169 ### ||| AUTO أما الجهة الأولى: فقال أبقاه الله تعالى: قد وقع الخلاف بين ~~الأمة هل مسائل الإمامة من المسائل القطعية، التي لا يأخذ فيها إلا بالأدلة ~~القاطعة، أم هي من المسائل الاجتهادية، التي هي لإنظار المجتهد تابعة، ~~فالظاهر من مذهب أئمتنا ومشايعيهم والمعتزلة ومشايعيهم، أنها قطعية يتعلق ~~التكليف فيها بالعلم اليقين، وأن الوصول فيها إلى العلم لازم لجميع ~~المكلفين، ولذلك ألحقوها بفن أصول الدين، وليست علما بالله تعالى ولا ~~بصفاته، ولا بأفعاله ولا بأحكام أفعاله، وأشار بعض متكلمي أصحابنا إلى ~~تجويز كون السبب في ذلك من حيث أنه مطلب منافع العمل فيها الاعتقاد الذي هو ~~العلم دون الظن، ثم نظر وأشار إلى تعليل أخر رمز إليه الفقيه حميد رحمه ~~الله تعالى في وسيطه لا حاجة إلى ذكره هنا، مع أن الأليق بها فن الفقه، وإن ~~كانت قطعية إذ هي من المسائل الفرعية والأحكام الشرعية. # أقول وبالله التوفيق: اختلف القائلون بأن الإمامة غير واجبة عقلا هل هي ~~واجبة شرعا أم لا؟! فقال أكثر الأمة من العدلية والجبرية: إنها تجب شرعا. PageV01P171 # وقال أبو بكر الأصم من المعتزلة، وهشام الفوطي، وبعض الحشوية، والنجدات من ~~الخوارج، وبعض المرجئة: إنها لا تجب لا عقلا ولا شرعا، لكن إن تمكن الناس ~~أن ينصبوا إماما عدلا من غير إراقة دم ولا جور فحسن، وإن لم يفعلوا ذلك ~~وقام كل امرئ منهم بأمر منزله، ومن يشتمل عليه من ذي ms109 قرابة ورحم وجار، ~~وأقام فيهم الحدود والأحكام، على كتاب الله تعالى وسنة نبيه -صلى الله عليه ~~وآله وسلم- جاز ذلك، وإن لم يكن لهم إلا إمام ولا يجوز إقامته بالسيف ~~والحرب، هكذا حكى نشوان بن سعيد في (شرح رسالة الحور العين)، وحكى الفخر ~~الرازي عن هشام الفوطي من أصحابنا هذا المعنى، فقال: إنه لا يوجب نصب ~~الإمام في حال ظهور الظلمة لأنهم ربما أنفوا عن طاعته فخشى أن يقتلوه ~~فقيامه يؤدي إلى إثارة فتنة، وأما مع ظهور التناصف فيجوز نصبه لإظهار شعار ~~الشريعة. # وحكي عن الأصم عكسه، وهو لا يوجب إمامة الإمام إلا عند ظهور التظالم بين ~~الناس فإن لم يظهر لم يجب. # وأما النجدات فلا يوجبون نصبه في حال من الأحوال. ثم اختلف القائلون ~~بوجوب الإمامة شرعا، هل هي من المسائل القطعية أم من الاجتهادية؟. فذهب ~~الأكثر وهو الحق إلى أنها قطعية إذ دليلها قطعي، وذهب الأشعرية وبعض ~~المعتزلة إلى أنها اجتهادية بناء منهم على أن أدلتها ظنية، هذا تحقيق ~~الخلاف في ذلك، ولعل مولانا أبقاه الله تعالى أراد بالأمة بعضهم، ~~وبالمعتزلة أكثرهم، لأن بعضهم لا يقول: إنها قطعية بل يقضي بأنها من ~~المسائل الاجتهادية كما عرفت. PageV01P172 # وأما استشهاده أبقاه الله تعالى على كون مسائل الإمامة عند الأكثر من ~~القطعيات، بكونهم ألحقوها بفن أصول الدين فهو صحيح لا عوج فيه، وقد ذكره ~~الفقيه قاسم بن أحمد بن حميد المحلي رحمه الله تعالى، في تعليقه على الشرح، ~~حيث قال: # أما اتصالها يعني الإمامة بباب أصول الدين جملة، فاعلم أولا: أن بعضهم قد ~~عدها من مسائل الاجتهاد، وأخرجها عن باب أصول الدين، وجعل كل مجتهد فيها ~~مصيبا، والجمهور على خلاف ذلك، وأنها معدودة من مسائل أصول الدين، والأدلة ~~عليها قطعية لا يدخلها الاجتهاد ولا الظن أصلا. # قلت: ولعل ما حكاه مولانا عن بعض المتكلمين يعود إلى ذلك. قوله: مع أن ~~الأليق بها فن الفقه إلى آخره. # قلنا: إنه وإن كان الأمر كذلك فلا حرج في ذكرها في فن الأصول، لذلك الغرض ~~كما ms110 ذكرت فيه مسألة الشفاعة، ومسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمثل ~~ذلك، والمشاحة في أمثال هذا ليس من همنا. # قال أبقاه الله تعالى: ولم أظفر من أدلة الأصحاب مع هذه الدعوى بما ~~مقدماته يقينية، وقواعده التي تبتني عليها قوية، مع كثرة بحثي عن ذلك في ~~كتب الأصول والفروع، وتطلبه من مصنفات المعقول والمسموع، فإن مسائل الإمامة ~~متفرعة إلى فروع كثيرة كوجوب نصب الإمام، ووجوب اتباعه، ومعرفة شرائط ~~الإمامة، ووجه اشتراط كل واحد منها، ووجه الاقتصار عليها، ومعرفة ما يحتاج ~~إلى الإمام فيه، ووجه قصره عليه، وغير ذلك. # والأدلة القاطعة الشرعية ليست إلا الكتاب الصريح، والسنة المتواترة، ~~والإجماع، والقياس القطعيين. PageV01P173 # وأما العقل فلا مجال له هنا على الصحيح، ولم يتضح لي ثبوت شيء من هذه ~~الأدلة القاطعة في هذه المسائل ولا شيء منها. # أقول: لا وجه يتمسك به من أنكر كون مسائل الإمامة قطعية، إلا ما يدعيه من ~~أنه لا دليل يقتضي ذلك، ونحن الآن نقيم البرهان بعون الله على صحة القطع ~~بها حتى تظهر صحة ما ادعاه أصحابنا -رضي الله عنهم-. PageV01P174 ### ||| AUTO القول في أن أدلة مسألة الإمامة قطعية # فنقول: أما وجوب نصب الإمام، فالدليل عليه وجوه ثلاثة: # أحدها: إجماع الصحابة حيث فزعوا عقيب موت النبي -صلى الله عليه وآله ~~وسلم-إلى نصب من يخلفه وبادروا إلى ذلك واختصموا فيه، وظهر التشاجر، وقال ~~أبو بكر -رضي الله عنه-: لا بد لهذا الأمر ممن ينظمه ويقوم به، ولم ينازعه ~~أحد في ذلك ولا علم أن أحدا منهم [قال] لا حاجة إلى الإمام، بل أمر كل منهم ~~إلى نفسه، بل أجمعوا على مثل ما ذكر أبو بكر أنه لا بد من قائم تلجأ الأمة ~~إليه، ولم ينازع في شدة الحاجة إليه منازع، علم ذلك ضرورة من حالهم حينئذ، ~~ومن ثم اشتغلوا بطلب ذلك قبل مواراة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-في ~~حفرته، ولم ينكر أحد منهم تقديم الاشتغال بذلك والاهتمام به، على الاشتغال ~~بتجهيز رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-ومواراته، بل فزع ms111 كل واحد منهم ~~إلى النظر فيمن يخلف رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-في تعليق الأمور ~~به على حد تعليقها برسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-في حياته. # وأما اشتغال علي -عليه الصلاة والسلام- عن الحضرة معهم بتجهيز رسول الله ~~-صلى الله عليه وآله وسلم-فإنما هو لأحد أمرين: # 1- إما لكونه الوصي له دون غيره فرأى أن ذلك متعين عليه دونهم. PageV01P175 # 2- أو ثقة بإجماع الصحابة للنظر في ذلك، وأنهم يرجعون إلى مشاورته بعد ~~خوضهم في ذلك، وإتقان النظر فيه، فيهديهم إلى الحق، وعلى الجملة فما سمع عن ~~أحد منهم أنه قال: لا حاجة بنا إلى الخليفة نسمع له ونطيع، بل يبقى كل أمر ~~إلى نفسه، بل قرائن الأحوال المفيدة للعلم تشهد بأنه لو صدر هذا الكلام من ~~أحد منهم لنهروه، وكرهوه وسفهوه، لعلمهم ضرورة مخالفة رأيه، لما يصلح به ~~أمر الأمة، وقد يستفاد العلم عند قوة القرائن، ألا ترى أنا نعلم كثيرا من ~~أحوال غيرنا ضرورة بقرائن تشهد بذلك، وهذا الدليل اعتمده أبو هاشم في بعض ~~المواضع، وذكره جماعة من أصحابنا، واستدل الفخر الرازي مع الدليل الثاني ~~الذي سنذكره. PageV01P176 # قال الإمام المهدي أحمد بن يحيى -عليه السلام-: وهو قوي جدا على قول من جعل ~~الإجماع حجة قاطعة، وأما مولانا أبقاه الله تعالى فإنه بعد أن حكاه عن ~~أصحابنا، وقضى بكونه أشف أدلتهم هنا، اعترضه بأن قال وهذا الدليل عن القطع ~~بمراحل، وكيف وهو إجماع فعل فقط، وعدم حصول التواتر في النقل عن كل واحد من ~~الصحابة معلوم، وكل مسألة يكون دليلها الإجماع، فالأقرب عدم تأتي القطع ~~فيها، وهي بأن تكون ظنية أو لا وهيهات!! أن تجتمع شرائط الإجماع القطعي في ~~حق أئمة النقل والتنقير، فكيف بأهل الإجمال والعقول الكبير، ولو قدرنا حصول ~~شرائط الإجماع وتواتره عن كل واحد من الأمة، فقد ورد على ما يجعله دليلا ~~على كون الإجماع، وهو الآية الكريمة: {ويتبع غير سبيل المؤمنين }[النساء: ~~115] ما ورد وحكم عليها الفحول بأنها من الظواهر، وليست من الصرائح في ~~الدلالة، هذا أخر ms112 ما ذكره مولانا من القدح في هذا الدليل. PageV01P177 # وأقول: لقد بالغ -أبقاه الله تعالى- في تضعيف أدلة أصحابنا، على هذه ~~المسألة حيث حكم أولا على هذا الدليل بأنه أشف أدلتهم في ذلك، ثم قضى ثانيا ~~بأنه عن القطع بمراحل، ونحن لا نساعده إلى واحد من الطرفين. # أما الأول: # فلأن هذا الدليل وإن كان عندنا قوي فمستذكر ما هو أقوى منه إن شاء الله تعالى. PageV01P178 # وأما الثاني: # فلأنه عندنا قوي صحيح، غير بعيد من الحق الصريح، لا طعن فيه لطاعن، وما ~~أورده من الاعترضات فيجاب عنه. # أما قوله: إنه إجماع فعلي، فهذا قد أورده الفقيه يحيى بن حسن القرشي ~~_رحمه الله تعالى- في (المنهاج)،وتحريره: إن هذا إجماع فعلي واجتماع الأمة ~~على فعل لا يكون حجة على وجوب ذلك الفعل إلا إذا علمنا أنهم إنما فعلوه ~~لوجوبه عندهم وظهر لنا ذلك. # فأما مع جهلنا الوجه الذي أوقعوا عليه ذلك الفعل فلا وجه للاحتجاج به، ~~ونحن لا نعلم أنهم فزعوا إلى نصب الإمام لوجوب ذلك، ولا طريق لنا إلى القطع ~~به، ومن الجائز أنهم إنما فزعوا إلى ذلك لكونه أصلح لهم في دنياهم لا ~~دينهم، أو لكونه أولى في صلاح الدين أيضا، لا لوجوبه عليهم وجوبا حتما، كما ~~في صلاة الوتر فإن إجماعهم على فعلها لم يدل على خفي بها ومع هذا الاحتمال ~~لا يستقيم الاحتجاج بذلك على أن الإمامة واجبة على الأمة. PageV01P179 # والجواب: إنا لا نسلمبما ذكره من الاحتمال؛ لأن المعلوم ضرورة أنه يجب على ~~كل مسلم نصرة الإسلام، وتوهين أركان الكفر؛ ما أمكنه حسبما يستطيع من ذلك، ~~وكل عاقل يعلم ضرورة أن بقاء الأمة بعد موت الرسول -صلى الله عليه وآله ~~وسلم-فوضى؛ لا أمير لهم ينظم أمرهم، ويجمع كلمتهم، ويتفرغ لسد الثغور، ~~وإصلاح ما أفسده الجهال والضلال هدم لما كان -صلى الله عليه وآله وسلم- ~~شيده، وخرقا لما كان قد سدده؛ فإن الأمة حينئذ أشبه بغنم لا يحفظها راع عن ~~موانع الطلب، ولا يحرسها عن أن يعبث فيها الذئاب فتذهب وفرتها كل الذهاب، ~~والمنكر ms113 لذلك معاند دافع للعلم الضروري من جهة العادة لا إشكال في ذلك، ~~فعلم أنهم إنما فزعوا إلى نصب الإمام لتقوية أمر الإسلام، ولا شك أن تقويته ~~عليهم فرض واجب وحتم لازب؛ فيجب أن يكون فعلهم ذلك إنما كان لأجل وجوبه وهو ~~المطلوب، وهذا الجواب ذكره الإمام المهدي، وبالغ في تضعيف الاعتراض حتى قال: # إنه غير واقع ولا يصدره عن فطانة. وأما قوله: إن عدم حصول التواتر في ~~النقل عن كل واحد من الصحابة معلوم؛ فهو دعوى مجردة قد دخل فسادها في أثناء ~~الدليل المذكور، وكيف يدعي العلم بعدم حصول التواتر في النقل مع حصول إمارة ~~التواتر فيه، وهو العلم الضروري يوضحه، لا نجد فرقا بين هذا العلم وبين ~~كثير من العلوم التواترية؛ فما ورد هنا ورد هناك ودعوى الفرق غير واضح. PageV01P180 # وأما قوله: إن كل مسألة يكون دليلها الإجماع؛ فالأقرب عدم تأتي القطع فيها ~~إلى آخره فيقال له: ولم قلت ذلك؟ هل لاستبعاد تحقق وقوع الإجماع؛ كما ذهب ~~إليه بعضهم؟ فمجرد الاستبعاد ليس بحجة مع أن الاستبعاد إنما يثبت في غير ~~إجماع الصحابة -رضي الله عنهم-، والمدعي في الدليل إنما هو إجماعهم أو قلت ~~ذلك لفقد التواتر في النقل كما ادعيت، فقد مر الكلام على ذلك؛ أو من حيث أن ~~دليل صحة الإجماع غير قوي، فهذا قد أوردته أخرا حيث قلت ولو قدرنا حصول ~~شرائط الإجماع وتواتر..إلخ. وهو غير قادح لأن الآية الكريمة التي ذكرتها؛ ~~وإن لم تفد القطع بكون الإجماع دليلا فنحن نستدل على ذلك بغيرها، وهو قوله ~~-صلى الله عليه وآله وسلم-: ((لا تجتمع أمتي على ضلالة )). # ووجه الاستدلال به هو أن نقول: إن معنى هذا الخبر قد ورد ورودا متواترا ~~بألفاظ نقلت أحادا، كما في شجاعة علي -عليه السلام- وسخى حاتم؛ فإنه وإن ~~كانت الوقائع الدالة على الشجاعة والسخى نقلت آحادا إلا أن المعنى الحاصل ~~من تلك الوقائع نقل نقلا متواترا، وهذا الوجه قد استحسنه ابن الحاجب على أن ~~ما ذكرته من القدح في صحة الإجماع ينقض ما ms114 اعترفت به أولا من أن الإجماع ~~أحد الأدلة القاطعة فخلص هذا دليل سليما عن المطاعن. PageV01P181 ### ||| AUTO الدليل الثاني # إن الله تعالى فرض الحدود وأمر بإقامتها في نحو قوله تعالى: # {فاقطعوا أيديهما }[المائدة: 38] وأجمعت الأمة على أنه لا يقوم بها إلا ~~الإمام، أو من يلي من قبله، قال -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((أربعة إلى ~~الولاة )). الخبر فيجب نصب الإمام لأنه لا يتم الواجب إلا به وهذا الدليل ~~هو الذي اعتمده الإمام القاسم بن إبراهيم -عليه السلام- في كتاب (الدعامة)، ~~واعتمده أبو علي الجبائي، في كتاب المبتداء، واعتمده أبو هاشم في ~~(الأنوار)، واعتمده الفخر الرازي في (نهاية العقول). # قال مولانا -أبقاه الله تعالى- معترضا على هذا الدليل، بعد أن حكاه عن ~~الأصحاب: وهذا يترتب على ثبوت هذا الإجماع المدعى، ويقيم تواترا، وفي ذلك ~~من البعد ما لا يخفى بل هو في حكم المتعذر المستحيل. أقول: قد اعترض هذا ~~الدليل باعتراضين: PageV01P182 # أحدهما: هو الذي أورده مولانا -حفظه الله تعالى- وهو لعمري اعتراف قوي؛ ~~وكيف تصح دعوى إجماع الأمة في إقامة الحدود، أو في غيرها من سائر الأحكام ~~المذكورة، مع أن أبا حنيفة -رضي الله عنه- تحيز للأمر إقامة الحدود، وإن لم ~~يكن ثم إمام فجعل أمرها إلى أهل الشوكة.ه. والحشوية وكل من خالف في وجوب ~~الإمام لا يجعلون الإمام شرطا في إقامة هذه الأمور، والجمعة فيها الخلاف ~~الظاهر أعني في كون الإمام شرطا، وكذلك الفيء والصدقات فكيف يمكن دعوى ~~إجماع الأمة مع هذا الخلاف!؟ فإن ادعى إجماع الصحابة فهو بعيد أيضا؛ لأن ~~أبا حنيفة والشافعي -رضي الله عنهما- أقرب عهدا، وأعرف لمواقع إجماعهم، فلو ~~عزموا إجماعهم على أنها تختص الإمام ولا تجوز من غيره لما يصححوها من دونه. PageV01P183 ### ||| AUTO الاعتراض الثاني # ما حكاه مولانا معناه، عن الفقيه يحيى بن حسن القرشي -رحمه الله تعالى- ~~حيث، قال: ما آمنكم أن يكون الأمر بإقامة الحدود مشروطا بحصول الإمام ~~ووجدانه، وهذا الاعتراض أورده الشيخ أبو عبد الله البصري، وجعله قادحا على ~~هذه الدلالة وضعفها لأجله، وجوابه ما أشار إليه مولانا أبقاه ms115 الله تعالى: ~~إن الأمر بإقامة الحدود وما ورد مطلقا لزم تحصيل شرطه، ولم يتوقف وجوبه على ~~حصول شرطه، وذلك واضح، قال مولانا حاكيا عن القرشي: وأورد اعتراضا أخر، وهو ~~أنه لو كان نصب الإمام واجبا على الأمة لما أجمعوا على ترك هذا الواجب، ولا ~~كلام في خلو بعض الأزمنة عن الإمام، وإن وقع الشك في جواز الخلو عمن يصلح ~~للإمامية. # قال: وهذا أقوى كما ترى. أقول: هذا الاعتراض غير وارد على شيء من الأدلة ~~إنما هو وارد على نفس المذهب، وهو القول بوجوب نصب الإمام فلا يقدح، وقد ~~حكم مولانا له بالقوة ونص عليه بالصحة، ويمكن الجواب بما ذكره الإمام ~~المهدي -عليه السلام- من أن الإمامة وإن كانت واجبة على الأمة فوجوبها على ~~أهل كل عصر موسع غير مضيق في سائر الأقطار، واختلاف الأنظار في طلب الصالح ~~لها وتعيينه. PageV01P184 # وإذا كان وجوبها موسعا لم يظهر لنا إخلال الأمة بها؛ إلا حيث قدرنا أن أهل ~~عصر انقرضوا كافة، ولم يقم فيهم قائم حق، وهذا لا سبيل إليه، فإنا نعلم أن ~~الأمة لم تخل من قائم حق مدة مديدة يقطع فيها بانقراض كل أهل عصر إذ لا ~~يغلب في الظن ذلك إلا في قدر مائة وخمسين سنة مثلا، والمعلوم ضرورة من بعد ~~الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-أن الأمة لم تخل هذا المدة المديدة من ~~قائم حق بل لا يزال أئمة الحق داعين قائمين، وإن وقعت فترة بين القائمين ~~فإنما هي مدة يسيرة لا ينقضي فيها من أهل العصر إلا القليل، فلم يجمع أهل ~~حينئذ على إخلال بواجب. # قال -قدس الله روحه-: وإنما قلنا: إن وجوبها موسع غير مضيق لما علمنا أنه ~~يجب تحري الأفضل والأقطار متباينة لا يمكن الإحاطة بفضلائها وأحوالهم عقيب ~~موت الإمام الأول بل يحتاج إلى بحث ونظر في مهلة يتمكن فيها من معرفة ~~الأصلح للإمامة في أي الأقطار هو أو نحو ذلك. # قلت: ولأنه قد قام الدليل القاطع على وجوب النصب على الأمة، وهذا ~~الاعتراض غير وارد على شيء ms116 من أركان ذلك الدليل فلو لم يحكم بكون وجوبه ~~موسعا لكانت الأمة قد أجمعت على الإخلال بالواجب، وذلك باطل فصح كونه النصب ~~واجبا موسعا بما لا يخفى صحته، وبذلك ظهر لك ضعف هذا الإيراد وأنه عار عن ~~الصحة والسداد. PageV01P185 ### ||| AUTO الدليل الثالث # وهو أشف الأدلة وأقواها أن يقال: إن المعلوم ضرورة من دينه -صلى الله ~~عليه وآله وسلم-أن الجهاد فرض واجب على الأمة، وأن وجوبه لم يسقط بموت ~~النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، والمعلوم أن الإمام شرط في أدائه والقيام ~~به، وذلك أمر ممكن للأمة، أعني إقامة إمام فثبت بذلك وجوبه، والدلالة مبنية ~~على خمسة أصول، وهي واضحة: # أما الأصلان الأولان # فمعلومان من ضرورة الدين. PageV01P186 # وأما الأصل الثالث # وهو أن الإمام شرط في القيام بالجهاد وفي حصول المقصود به وهو نكاية ~~العدو، فالذي يدل على ذلك أنا نعلم ضرورة من جهة القادة أنه لو خرج معسكر ~~عظيم لقتال عدو، وليس عليهم أمير يرجعون إلى أمره في تهيئة القتال وكيفيته، ~~وترتيب مواضعه بل كل واحد منهم يعمل برأيه في ذلك يقاتل حيث يشاء، ويتأخر ~~ويتقدم حيث يرى رأيه، ولا ناظم لأمرهم في ذلك، فإن العقلاء يحكمون عليه ~~بالإخلال بالشرط الذي يتم به مطلوبهم من نكاية العدو ودفع مضرته، وأنهم ~~عرضوا أنفسهم للكسيرة، وعدوهم للظفر بهم على ما نعلم في العادة من حال ~~المعسكر الذي هذا حاله، ولا يدفع ذلك إلا معاند، وإذا ثبت ذلك في الخروج ~~على العدو وجب مثله في التحرز من سطوته وهجومه؛ فإن قوما لو كان لهم عدو ~~طالب لنكايتهم في إقامة رجل منهم كامل العقل والرأي في كل وقت لا يأمنون ~~هجومه عليهم واستئصالهم شأفتهم، ولم ينظروا في إقامة رجل منهم كامل العقل ~~والرأي ليتجرد للنظر فيما يدفع به ضرر خصمهم، ويحصل به التحرز من نكايته لا ~~تشغله خويصة نفسه عن تدبير ذلك النظر فيه بل تركوا أمرهم شتى ينظر كل واحد ~~منهم فيما يخص نفسه ويعود عليه وعلى عائلته منفعته ودفع مضرة ذلك العدو عن ms117 ~~نفسه فقط، PageV01P188 فإن العقلاء يحكمون عليهم بالإخلال بما يجب عليهم من دفع مضرة عدوهم عنهم، ~~وأنهم بإخلالهم بذلك في حكم من لم يدفع الضرر عن نفسه، ووجوب دفع الضرر عن ~~النفس معلوم به ضرورة، فعلم بذلك أن نصب الرئيس شرط في مجاهدة العدو مطلوبا ~~كان أو طالبا؛ ولا شك أن الكفار والفساق منبسطون في الأرض على مرور الليالي ~~والأيام، وأن # التكليف لمجاهدتهم مستمر وهو لا يستقيم ويتم المقصود به إلا بما ذكرناه ~~من نصب الرئيس الكامل بشروط الإمامة بما علمناه ضرورة من جهة العادة، فلزم ~~القضاء بوجوب نصبه إذ ما لا يتم الواجب إلا به يجب كوجوبه. # وأما الأصل الرابع # وهو أنه ممكن للأمة، فذلك معلوم ضرورة. PageV01P189 # وأما الأصل الخامس # وهو أنه يثبت بذلك وجوب الإمامة فلا ما لا يتم الواجب إلا به يجب كوجوبه ~~فلا شك فصح، وثبت ما رمناه من وجوب الإمامة على الأمة قطعا وبطل قول ~~المخالف. # وهذا البرهان قطعي واضح الأركان، إذ بعض أركانه معلوم ضرورة، وبعضها ~~بدلالة قطعية لا مدخل للتشكيك فيها، فهذا جملة ما يدل على وجوب نصب الإمام قطعا. # وأما ما يدل على سائر الفروع فسيساق إليك إن شاء الله تعالى، ثم قال ~~مولانا -أبقاه الله تعالى- مشنعا مستدركا: فانظر إلى هذه الأدلة التي رسمت ~~بكونها يقينية وانظر إلى تركهم إيراد أدلة على سائر أطراف مسائل الإمامة ~~وتفاصيلها. أقول: صحة تسميتهم لها يقينية تبتنى على اندفاع ما ورد عليها من ~~المطاعن، وقد أردنا في دفعها ما يشفي ويكفي بحمد الله تعالى، إلا الدليل ~~الثاني فإنا لا ننازع في ضعفه وقوة ما ورد عليه كما قدمنا، وأما استدراك ~~مولانا عليهم بقوله: إنهم تركوا إيراد أدلة أدلة على سائر أطراف مسائل ~~الإمامة، فهو غير مسلم إذ لم يهملوا ذلك بل قد أوردوا من الأدلة على ذلك ما ~~لا يخفى. # أما وجوب اتباع الإمام فقد استدلوا عليه بقوله تعالى: {ياقومنا أجيبوا ~~داعي الله }[الأحقاف: 31] الآية، وقوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((من ~~سمع واعيتنا أهل البيت )) الخبر ms118 ونحو ذلك من الأخبار المتفقة على معنى ~~واحد، واستدلوا أيضا على ذلك بأنه قد قام الدليل على وجوب الإمامة ~~والانتصاب لها، فمن انتصب لها مع كمال الشروط فيه بأنه قد امتثل ما أمره ~~الله تعالى به من الإمامة توجب علينا طاعته واتباعه. PageV01P191 # وأما معرفة شرائط الإمام فقد استدلوا على وجوبها بالإجماع، قال السيد في ~~(شرح الأصول) ما معناه فإنه لا خلاف بين الأمة في وجوب معرفة إمام الزمان ~~يعني معرفة ما اختص به من الصفات المعتبرة، واستدلوا أيضا على ذلك بأن ~~الإمامة هي الدرجة الثانية من النبوة. # وقد ثبت وجوب معرفة النبوة على كل مكلف عامي وغيره فكذلك يجب مثله في ~~الإمامة فإن الإمامة لم تنقص عنها إلا في درجة واحدة، وهو الوحي لا غير، ~~وإلا فما اختص به النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-من الأحكام قد اختص به ~~الإمام غالبا، واستدل بعضهم على ذلك أيضا بأنه يجب على المكلفين إجابة دعوة ~~الإمام والانقياد لأمره، ومن القبيح أن ينقادوا لأمره، ولما يعرفوا هل هو ~~إمام أم لا؟!. # وأما وجه اشتراط كل واحد من الشرائط، وسائر ما أشار إليه مولانا من ~~الفروع؛ فكلامهم فيه ظاهر في غير موضع، فلا حاجة إلى تطويل الكلام ببيانه، ~~فهذا جملة ما يتعلق بالجهة الأولى من الكلام. PageV01P192 ### ||| AUTO بيان ما يلزم على القول بكون الإمامية قطعية # وأما الجهة الثانية: فقال -أبقاه الله تعالى-: ثم نقول: إذا صح هذا ~~المذهب، وهو أن الإمامة قطعية لا يجوز الأخذ فيها إلا بالدليل القاطع، وأن ~~الحق فيها مع واحد لزم على هذه القاعدة كل واحد من المكلفين، مع وجدان من ~~يدعي الإمامة أن ينظر في المسألة أصولها وفروعها، ولا يجوز له الإقدام ولا ~~الإحجام، ولا الإثبات ولا النفي، إلا بعد أن يطلع على أدلتها ويعلم حصول ~~العلم اليقين له عنها حتى ينتهي إلى العلم بوجوب متابعة هذا الداعي وصحة ~~دعواه أو خلاف ذلك وإلا كان مخطأ. # إنما سواء وافق الحق في نفس الأمر أم لا لأنه لا فرق بين الإقدام ms119 على ~~الخطأ وبين الإقدام على ما لا يؤمن كونه خطأ في القبيح، ولزم أن لا يصح ~~التقليد في شيء من مسائل الإمامة، ولا الرجوع فيها إلى أقوال العلماء ~~كغيرها من المسائل القطعية التي لا يصح التقليد فيها. # وقد ذكر بعض مذاكري المذهب، وهو الفقيه ل ما يقضي بهذا في حق من بلغته ~~دعوة للإمام ولم يتمكن من النهوض إليه، قال -رحمه الله تعالى-: والظاهر أنه ~~لا يعتقد إمامته حتى يحصل إجماع من العلماء عليه، أو تواتر الخبر بجمعه ~~للشروط لأن المسألة قطعية، ولا يجوز الدخول بالتقليد إلا عند من جوزه في ~~مسائل الأصول، ونظره الفقيه ل -رحمه الله تعالى- بأنه ما يكاد يتفق ذلك، ~~ولا وجه للتنظير لأنه لا عبرة بالاتفاق وعدمه، والذي يقتضيه أصول أهل ~~المذهب ما ذكره الفقيه ل. PageV01P193 # أقول: هذا الإلزام الذي ذكره مولانا ملتزم وليس محذور يخاف، ولا مجال يلزم، ~~وكلام الفقيه ل في ذلك خير لا عوج فيه، وهو ظاهر كلام أصحابنا في مواردهم ~~ومصادرهم، وقد صرح به الفقيه قاسم بن أحمد إلا في تفصيل العلم فإنه سوغ ~~للعوام تقليد العلماء، قال: لأنه لا طريق لهم سوى ذلك، ولهذا قال الإمام ~~المهدي أيضا، فإنه ذكر: أنه يجب على العامي معرفة ما عدا العلم من الشرائط ~~إما بالخبرة أو بالتواتر. # قال: وأما الاجتهاد فلا طريق له إلى اختصاص الإمامة به إلا نقل الناقلين ~~من العلماء المجتهدين، إذ كل عالم بفن يخبر أنه وحده عارفا للقدر المحتاج ~~إليه من فنه. # قال -رضي الله عنه-: فإذا نقلوا ذلك فللعامي الأخذ بنقلهم، وإن لم يبلغ ~~حد التواتر، لأن شرط التواتر المقيد بالعلم هنا مفقود، وهو الاستناد إلى ~~المشاهدة، والعلم لا يشاهد، لكن تدل عليه الأقوال فقط فالتواتر حينئذ هنا ~~لا يفيد علما فيتحرى بالظن. # قال رحمه الله تعالى: فإن اختلف الناقلون في كمال علمه، رجع إلى الترجيح ~~صحة نقلهم فإن حصل ترجيح عمل به وإلا فالواجب الوقف حينئذ قال الفقيه قاسم: ~~وقد اختار بعضهم جواز التقليد للعوام في معرفة الإمام، ms120 واجتماع الشروط فيه ~~وهو ضعيف. انتهى. # ثم قال مولانا -أبقاه الله تعالى-: ومن توابع القول بكونها قطعية أنه ~~يلزم الأئمة وغيرهم الإنكار على من اعتقد صحة إمامتهم من غير فهم القواعد ~~والوصول في ذلك إلى العلم اليقين، لأن من كانت هذه صفته مقدم على قبيح ~~ومرتكب له، والإنكار على مرتكب القبيح واجب، إلى آخر ما ذكره في هذا ~~المعنى. PageV01P194 # أقول: الواجب على الأئمة حمل أتباعهم على السلامة، وأن ما أقدموا عليه من ~~الاعتقاد وتوابعه من تسليم الحقوق ونحوها، كان عن دليل وليس عليهم أن ~~ينكروا على الاتباع قبل أن يعلموا حقيقة أمرهم، وأما بعد علمهم بأن ~~اعتقادهم صدر لا عن دليل فلا شك في لزوم الإنكار حينئذ. # فقد ساعدنا مولانا إلى ما رام من لزوم الإنكار على من كانت تلك صفته، فإن ~~قال: إنا قد علمنا الأئمة أنهم لم ينكروا، فإما حكمنا بخطأ الأئمة أو بكون ~~المسألة ظنية؛ قلنا: قد دللنا على أنها قطعية فإن صح عن الأئمة أنهم تركوا ~~الإنكار كان ذلك دليلا على عدم علمهم بحال الأتباع لا على خطأهم بتركهم ~~الإنكار عليهم، ولا على كون المسألة ظنية، ومع عد علمهم لأنكرتهم الإنكار ~~كما قدمنا، ويصير حال الأئمة في ذلك كحال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ~~فإذا حسن من النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-أمر العربي الجلف باعتقاد ~~نبوته، وتسليم الحقوق إليه، من غير أن يأمره بتقديم النظر في ذلك، حملا لمن ~~اتبعه على السلامة فبالأولى أن يحسن ممن هو دونه، وهو الإمام، أمر العوام ~~باعتقاد إمامته وتسليم الحقوق إليه، مع حملهم بعد الاتباع والتسليم على أن ~~ذلك كان عن دليل، فإن قال: إن بين المسألتين فرقا فإن مسائل الإمامة أخفى ~~من مسائل النبوة، لا نسلمه فإن في مسائل النبوة ما يحتاج إلى دقيق النظر، ~~بل لو ادعى العكس في ذلك لأمكن، ثم سلمنا ما ذكره من زيادة خفاء مسائل ~~الإمامة على مسائل النبوة، فلا شك أن في سائر مسائل الأصول ما هو أدق وأخفى ~~من مسائل الإمامة، ms121 وكان يلزم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-وسائر PageV01P195 العلماء الإنكار على العوام جميع[ما] اعتقدوه من ذلك، وخلافه معلوم لا ذلك ~~إلا بما ذكرناه من الحمل على السلامة. # وأما ذكره مولانا -أبقاه الله تعالى- من أن أكثر المعتزين إلى الأئمة ~~القائلين بإمامتهم، الممتثلين لأوامرهم ونواهيهم، المترتبة على صحة الإمامة ~~وثبوتها، لم يقدموا على ذلك لنظر اقتضاه، ولا دليل أوصلهم إليه، فذلك حمل ~~منه لهم على غير ما ينبغي سواء جعلنا الإمامة ظنية أو قطعية، ثم لو سلمنا ~~أن ذلك معلوم لمولانا من حالهم، فمن أين أن الأئمة قد علموه أيضا حتى ~~يلزمهم الإنكار!؟ فإنه لا يلزم فيما علمه شخص أن يعلمه أخر. # قوله: وليس لقائل أن يقول: كثير من المسائل القطعية يصح التقليد فيها، ~~فإنا نقول: ذلك لا يصح إلا فيما كان منها عمليا لا يترتب على علمي، قلنا: ~~هذا صحيح، لكن لسنا نسلم أن تسليم العامة للحقوق إلى الأئمة، صدر عن تقليد ~~بل هو كتسليمهم لها إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-سواء سواء، وهذا ~~إتمام جملة ما يتعلق بالجهة الثانية من الكلام. PageV01P196 ### ||| AUTO الرد على المفسقين في إمامة الإمام المتوقف فيها # وأما الجهة الثالثة فقال -أبقاه الله تعالى-: والعجب مما ظهر في زماننا ~~من تجاسر غير العارفين من المثبتين للإمامة على تفسيق النافي لها والمتوقف ~~ولعنه، واعتزال الصلاة خلفه، مع أن التفسيق لا يصح الأخذ فيه والإثبات له ~~إلا بالبرهان القاطع الذي لا مانع له ولا مدافع من كتاب صريح، وخبر متواتر ~~صحيح، أو إجماع قطعي، واستبعدوا أن يكون القياس من طرقه لتعسر القطع بعلة ~~الحكم، وانحصارها وعدم تعددها، والمعلوم أنك لو سألت كل واحد من هؤلاء ~~المذكورين عن معنى الفسق وأسبابه وطرقه وأحكامه؟ لما درى كيف يجيبك دع عنك ~~العلم بكون نفي الإمامة، أو التوقف فيها يقتضيه، وفي الحقيقة أن التعجب من ~~علماء زماننا الراسخين في العلم كثرهم الله تعالى ونفع بعلومهم، كيف سكتوا ~~عن من هذه صفته مع وجوب التنبيه، والتعريف بما يتحتم في الدين الحنيف!!؟، ~~فإنه إن ms122 سلم ثبوت الفسق في هذه المسألة لم يحسن تقرير أرباب التفسيق من غير ~~استدلال وتحقيق، بل يجب الإنكار عليهم والإعذار في ذلك إليهم. # فما ظنك بمن يلقن الجهلة ذلك ويفتيهم به ويأمرهم باعتقاده، أقول: لا شك ~~في خطأ من فسق بغير برهان، وقد ورد من الوعيد عليه ما لا يخفى على إنسان، ~~لكن الواجب حمل المفسقين على السلامة، وأن التفسيق صدر منهم عن دلالة. # قوله: والمعلوم أنك لو سألت كل واحد من هؤلاء إلى أخره، قلنا: بل ذلك ~~مظنون لقرنية خفى دليل الفسق على من هو مثلهم، والواجب إطراح الظن وإيثار ~~الحمل على السلامة، فقد يظهر لبعض الناس من أدلة الشرع ما يخفى على أخر. PageV01P197 # قوله: وفي الحقيقة أن التعجب من علماء زماننا!!. قلنا: إنما سكتوا لأنه غلب ~~في ظنهم أن التفسيق وقع من المفسقين عن برهان، والإنكار لا يجب بل لا يحسن ~~إلا بعد العلم بأن الواقع منكر، وأما تلقين الجهلة ذلك وأمرهم باعتقاده فهو ~~إن سلمنا وقوعه محمول على أنه اقترن به تلقين الدليل أيضا والأمر ~~باستعماله. # ثم إنا نقول: وأي محذور باعتقاد ذلك؟ إذا كان الآمر يعتقد التفسيق لدليل ~~قاطع عنده فإنه يحسن منه أمر غيره بالاعتقاد، ثم نحمل المأمور على أنه لا ~~يعتقده إلا لدليل، كما يأمره باعتقاده الصانع مثلا أو صفاته، فإن قال: إن ~~المراد باعتقاد الصانع هو العلم به، فهو إنما أمره بالاعتقاد الواقع على ~~وجهه والعلم إنما يصدر عن دليل. # قلنا: وكذلك هذا نقول: فما وجه التشنيع؟ قال مولانا -أبقاه الله-: ثم إنا ~~نقول: أي الأدلة المعتبرة دل على فسق من ينفي إمامة الإمام؟ أو يتوقف فيها؟ ~~وأي طرق والعقل اقتضى ذلك؟. # أما العقل فلا مجال له هنا، فما حجة القائلين بذلك؟، والذاهبين إليه من ~~أدلة الشرع؟ أما أكثر أئمتنا، وعلمائنا، فالظاهر عنهم القول بعدم التفسيق، ~~ولهذا نقل عنهم حسن الثناء على المشائخ المتقدمين على أمير المؤمنين علي بن ~~أبي طالب -كرم الله وجهه في الجنة-، والترضية عليهم، والتعظيم العظيم لهم، ~~مع أن ms123 أولئك المشائخ المذكورين نفوا إمامة علي -عليه السلام- وزادوا على ~~النفي بما ظاهره البغي فإنهم تصدروا وأهلوا نفوسهم للإمامة، ورأوا أنهم ~~أولى بها منه. PageV01P198 # هذا وإمامته -عليه السلام- أظهر من إمامة غيره، لقيام النصوص عليه، ووضوح ~~الأدلة على عصمته، وكثرة فضائله، وعلو شأنه، وارتفاع مكانه. # ويقول: سلمنا أن الإمامة قطعية، فليس من لازم كل قطعيته أن المخطئ فيها ~~فاسق إذ ليس كل خطأ كبيرة فإنه لا يثبت كون المعصية كبيرة إلا بدليل كما ~~ذكروه من ثبوت الحد عليها، أو التصريح بعظمها أو فحشها أو كبرها، أو نحو ~~ذلك، أو الوعيد عليها بعينها على خلاف في ذلك. # ولا أعلم حصول شيء من ذلك الطرق في مسألتنا. أقول: اعلم أن التفسيق في ~~هذه المسألة مما عظم فيه الإشكال، وكثر فيه القيل والقال، والناس بذلك ~~فريقان، فريق قطع بالفسق، وفريق لم يقطع به، لعدم قيام الدليل عنده، وقد ~~قال -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((المؤمن وقاف عند الشبهات )) وقال علي ~~-عليه السلام-: لأن أخطئ في العفو أحب علي من أن أخطئ في العقوبة، وإلى هذا ~~قال جماعة من حذاق العلماء رحمهم الله تعالى: # قلت: وبقولهم أقول، قال الإمام المهدي -عليه السلام- في (الغايات) ما ~~لفظه: وأما الخلاف الواقع بين الزيدية والمعتزلة في الإمامة هل يؤدي ~~التفسيق أم لا؟! فقد ذكر كثير من شيوخنا أن من دفع إمامة إمام ثابت الإمامة ~~وأنكر أو جهل، فهو كمن حاربه ونابذه في أنه فسق. # قال الشيخ أبو القاسم البستي: وإلى هذا ذهب كثير من الزيدية، قال: والذي ~~يختاره أنه لا دلالة على تفسيق من جهل إمامة الإمام إذا لم يقترن به خروج ~~عليه ومحاربته. PageV01P199 # قال الإمام المهدي -عليه السلام-: وهذا هو الحق عندي، قال -عليه السلام-: ~~ولا بد في إيراد كلام في تبيين الحق من ذلك، فنقول: إعلم أن شيوخنا ~~المتكلمين من المعتزلة -رحمهم الله تعالى- إنما قالوا: إن الخروج على ~~الإمام على جهة البغي، ونفي إمامته، والطعن فيه والقعود عن نصرته، مع ~~الإمكان من غير عذر سواء في الحكم وأن ms124 كلا من الأمرين فسق لا فرق بينهما. # وزعمت الإمامية أن مخالفة الإمام المفترض الطاعة، والجهل بأمره، وموالاة ~~عدوه كفر، وفيهم من يقول: إنه فسق، وإن لم يكن كفرا، وربما يسمى من هذا ~~سبيله مسلما، ولا نسميه مؤمنا. # وفي الزيدية من يقول بتفسيق من لم يعرف إمامة الإمام، ويجري جهله بإمامته ~~مجرى الخروج عليه، والعداوة له، والذي عليه التحصيل من الزيدية أن الخروج ~~على إمام الحق فسق، فأما الجهل بإمامته إذ ادعى الإمامة لغيره، أو الجلوس ~~مجلس الإمام في غير وقت إمام يحرم مخالفته، أو في وقت إمام منصوص عليه لكنه ~~لم يقم بالأمر كعلي بن أبي طالب -عليه السلام- أيام الشيخين فلا دلالة على ~~كون ذلك فسقا. هذه ألفاظه -عليه السلام- في (الغايات)، ومثله ذكر الشيخ ~~المحقق أبو القاسم البستي في كتاب (البحث والتحقيق عن أدلة التكفير ~~والتفسيق). # ثم قال -رحمه الله تعالى-: بعد أن ذكر ما جرى في الصدر الأول: وقد استدل ~~على أن العدول عن إمامة الإمام فسق، والجهل به واعتقاد إمامة غيره بضروب من ~~القياس، إذ النص غير ممكن، فمن ذلك أن الخروج عليه فسق. PageV01P200 # وقد علمنا أن من حاربه من جنس البغاة كمن لم يحاربه، ومن كان في جملتهم كمن ~~حارب الإمام، فلم يكن البغي والخروج عليه فسقا للمحاربة، وإنما كان فسقا ~~للعدول عن طاعته إلى طاعة غيره، وهذا موجود فيمن عدل عن أمير المؤمنين ~~-عليه السلام- إلى أبي بكر فيجب أن يكون فسقا قال رحمه الله تعالى وهذا لا ~~يصح التعليق به، وذلك أن الأمة أجمعت على أن البغي على الإمام فسق فمن أظهر ~~نفسه في البغي عليه، وكان من جنس البغاة، فالظاهر من حاله أنه منابذ له ~~ومحارب، إذا لم يكن هناك إكراه. # ومن هذا سبيله فالإجماع قد كشف عن كونه فسقا، ولا يجب في غيره أن يكون ~~فاسقا، والدلالة مفقودة، وقد بينا أن القياس في التفسيق والتكفير متعذر من ~~حيث لا يمتنع أن نعرف عظم الفعل، ولا نعرف علة العظم على التفصيل، وإن كنا ~~نعلم إنما ms125 عظم لعلة، وبعد فإنه يمكن أن يقال: إن البغي عظم لمفسدة فيه خاصة ~~لا توجد في غيره، ويمكن أن يقال: العلة في عظيمة كونه بغيا على الإمام. # قال -رحمه الله تعالى-: فإن قيل: الباغي كما تعظم بغيه، فقد تعظم اعتقاده ~~في الإمام أنه غير إمام، واعتقاده في الباغي أنه إمام، وهذا يوجب أن يكون ~~غير الباغي بمثابته. قيل له: إذا أفردت اعتقاد الباغي عن بغيه، وخروجه على ~~الإمام حتى لا يبقى إلا الجهل بإمامته، واعتقاده إمامة غيره، فلا دلاله ~~عندنا على كونه فسقا بمجرده، وإنما نعلم أن الباغي فاسق، ويجوز أن يكون وجه ~~العظم إجتماع ذنوب لو انفرد كل واحد منها لم يكن فسقا هذا كله كلام أبو ~~القاسم البستي -رحمه الله تعالى-. # وهو من أهل التحقيق، والنظر في أكثر موارده ومصادره. PageV01P201 # قلت: وليس لأحد أن يستدل على فسق من نفى أو توقف في غير مهلة النظر بأن ~~يقول: إن للإمام حرب من هذا حاله ومقاتلته على عدم تسليم الحقوق، وجواز ~~الحرب والمقاتلة متفرع على ثبوت الفسق، لأنا نقول: ليس له محاربتهم حتى ~~يدعوهم إلى طاعته، فيتغلبوا وينتصبوا لحربه وحين انتصابهم لحربه ينضم إلى ~~ذلك الاعتقاد ما أوجب الفسق، فيحكم به حينئذ، ومثل هذا يقال في حق الصحابة ~~-رضي الله عنهم-، مع علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه في الجنة- فإنا إذا ~~حكمنا بصحة إيمانهم لم يكن له -عليه السلام- حربهم حتى يدعوهم إلى الطاعة ~~فينتصبوا لحربه، وحينئذ يجوز له مقاتلتهم، والله أعلم. # نعم، وليس لمن يقطع بالفسق أن يعتقد في المفسق أنه صدر عنه التفسيق لا عن ~~دليل لأنه يجوز أن يظهر لبعض الناس من أدلة الشرع ما لا يظهر للبعض الآخر؛ ~~فنسأل الله سبحانه المادة بالهداية إلى القول الفصل المرضي عنده. PageV01P202 # وأما ما ذكره مولانا من أن التفسيق في ذلك يقضي به معاملة السلف بدليل ما ~~كان بين القاسم بن علي العياني، ويوسف الداعي، وما كان بين بعض أتباع حي ~~الإمام الناصر محمد بن علي بن محمد ومن عارضه، ms126 وما كان بين الإمامين الهادي ~~بن علي بن المؤيد، والمهدي أحمد بن يحيى سلام الله عليهما، فقد أطال فيه ~~الكلام مع كونه لا ينهض حجة في مثل هذا المقام، لأن غاية ما تدل سيرهم ~~المباركة هو كونهم لا يقولون بفسق نافي الإمامة، وذلك ليس بحجة على ~~المفسقين؛ لأن المسألة قطعية، والحق فيها مع واحد، وأعجب من هذا استشهاده ~~-أبقاه الله تعالى- بما حكاه بعد ذلك عن المؤيد بالله -قدس الله سره- لأنه ~~-عليه السلام- كان بعيدا عن التكفير والتفسيق حتى أنه لم يفسق المجبرة مع ~~أقاويلهم المنكرة. # وقال مولانا -أبقاه الله تعالى-: وأما منع الصلاة خلف من خالف المؤتم في ~~العقيدة في الإمام من نفي أو إثبات، أو توقف بحيث أن المثبت لا تجزيه صلاته ~~خلف النافي والعكس، وكذلك المتوقف على ما ظهر واشتهر في هذا الزمان، ~~وانتشرت به الفتوى في جميع البلدان، فقد خفى على وجهة فإن الذي تمنع الصلاة ~~خلفه على المذهب فإنه هو الفاسق، ومن في حكمه، وهو المصر على معصية لا ~~يفعلها في الأغلب إلا الفسقة، وأن يعلم كونها فسقا نحو كشف العورة بين ~~الناس، والتطفيف، والشتم الفاحش غير القذف، واحترزوا بقولهم في الأغلب عما ~~يرتكبه الفسقة، وبعض المؤمنين في العادة كالغيبة، والكذب ونحوهما، إلى آخر ~~ما ذكره هذا المعنى. PageV01P203 # أقول: أما مع القول بفسق النافي والمتوقف فعدم صلاة المثبت خلفهما على ~~المذهب ظاهرة، وأما مع عدم القول بالفسق فلعل الوجه في منع الصلاة خلف من ~~خالف المؤتم في العقيدة في الإمام هو ما يلحق المؤتم منهما من التهمة ~~بالموافقة في المذهب في الإمامة إذ قد صار الغالب من حال المختلفين في ~~الإمامة هو المجانبة، فإذا صلى أحد المختلفين في الإمامة خلف الأخر اتهم ~~المؤتم منهما بأنه لا يخالف الإمام في العقيدة في الإمامة، وقد ثبت أن ~~الإمامة قطعية الحق فيها مع واحد، فيكون المؤتم منهما قد وقف في موقف من ~~مواقف التهم، وقد قال -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((من كان يؤمن بالله ~~واليوم الأخر فلا يقفن مواقف ms127 التهم )). # وإذا صح أن ذلك موقف تهمة كان عاصيا فيكون حينئذ قد أطاع بنفس ما به يمضي ~~فلهذا لم تصح صلاته، والله أعلم. # فإن قيل: فلو فرضنا زوال هذا هو الاتهام. قلنا: إذا فرضنا ذلك وجب القضاء ~~بصحة صلاة المؤتم منهما حينئذ، ثم قال مولانا بعد ذلك: هب أنا سلمنا فسق ~~النافي ونحوه فمنع الصلاة خلفه مما لا يصح فيه التقليد والتلقين، إذ هذا من ~~العمل المترتب على علمي، فكيف يحسن تقرير من لا يعرف القواعد على هذه ~~القضية بل الأمر بها، والحث عليها، أقول: قد بينا فيها من هذا ليس من ~~التقليد في شيء، وأن الأمر إنما أمر العامي بالعمل وبتقديم العلم عليه على ~~أنه قد ذكر في (التقرير) أنه يجوز التقليد في كون الكبيرة تنقض الوضوء إلا ~~في كونها توجب الفسق. قوله: حتى أن كثيرا من المتدينين رفضوا لذلك صلاة ~~الجماعة وأهملوها بالكلية إلى آخره. PageV01P204 # أقول: أما حيث يختل أحد شروطها فرفضهم لها غير مستنكر بل هو الأولى حينئذ ~~والأظهر، وأما مع تكامل الشروط فلعمري أن رفضها حينئذ خلاف المشروع، وصد ~~الموضوع، كيف وهي شعار الدين، وعلامة إيمان المؤمنين. # وقد ورد على الحث عليها والزجر على تركها ما هو معلوم مشهور، وظاهر غير ~~مستور، فلا حاجة إلى تطويل الكلام بذكره. # وأما صلاة علي -عليه السلام- خلف المشايخ -رضي الله عنهم- فلأنه لم يكن ~~يفسقهم ولا كانت هناك تهمة تلحقه، وكذلك صلاة المهدي خلف الهادي -عليهما ~~السلام- بصعدة؛ وأما تشنيع عبد الصمد الدامغاني فلا ينبغي أن يلتفت إليه، ~~ولا الاعتماد عليه، كيف وقد قال -صلى الله عليه وآله وسلم-((لا يؤمنكم ذو ~~جرأة في دينه )) على أنه قد نقم عليهم في رسالته أمورا صحيحة قضت بها ~~النصوص الصريحة بعدها مثالب، وهي في التحقيق مناقب. # وأما إجازة الإمام يحيى -عليه السلام- بالصلاة خلف المجبرة فمبني على ~~أصله في عدم تكفيرهم وتفسيقهم. # وأما قوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((إنكم تصلون بهم فما صلح فلكم ~~ولهم ، وما فسد فعليكم دونهم)) فالمراد ما فسد لأمر فيكم لم ms128 يعلمه المؤتمون ~~من حالكم، والله سبحانه وتعالى اعلم. # هذا أخر ما سمح به الفكر الفاتر، وسنح للنظر القاصر، فإن جاء مرضيا ~~فبتوفيق الله تعالى وإلهامه وتمكينه، وإلا فمن تصور منشئه فيما ينتجيه ~~فليتلقاه الواقف عليه بالاحتمال، والإغضاء عما حواه من الاختلال، والله ~~سبحانه وتعالى المسؤول أن يهدينا هدى الصالحين، ويذودنا عن موارد الخاطئين، ~~بمحمد الأمين، وآله الأكرمين، وصلى الله على سيدنا محمد عبده ورسوله. PageV01P205 # تم هذا الجواب الموقور رحم الله منشئه وكاتبه، ومن كتب له برحمته الواسعة ~~ومغفرته الجامعة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على ~~سيدنا محمد وآله آمين. # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم، ونسأله ~~العصمة عن الخطل والزلل، في القول والعمل، آمين. # نحمد الله تعالى على ما أمدنا به من نور الهداية، وكشف عنا من ظلم ~~الجهالة والغواية، ونسأله المزيد من توفيقه والتيسير في الدين، للزوم أوضح ~~طريقة، ونصلي على سيدنا محمد نبيه الناصح للأمة، الكاشف للغمة، الآمر ~~بتنكيب مسالك المهالك، الزاجر عن الإنخراط في سلك الجهل البهيم الحالك، ~~وعلى آله مفاتيح البهم، ومصابيح الظلم، وسلم كثيرا. وبعد. PageV01P206 # فإنه لما ورد جواب الأخ الفقيه العلامة، الشامة في أرباب المعارف والعلامة، ~~جمال الدين عمدة العلماء الراشدين، أمتع الله تعالى بطول حياته، ودفع ~~الأسواء والمكروهات عن كريم ذاته، تأملته فوجدته شاهدا بكمال معرفته، ~~وزيادة بسطته، وجودة بصيرته، وتوقد قريحته، وصحة عبارته، وقوة بلاغته، ~~وتيقنت أنه قد بلغ في إجابة تلك المذاكرة غاية ما يمكن المجيب، بل لا يبلغ ~~شأوه في ذلك التصرف والترتيب، وأنه قد رزق بلاغة الإنشاء، والفضل بيد الله ~~يؤتيه من يشاء، ولكنه -أيده الله تعالى- سلك مسلك الجدال، ورام بجودة ~~فراسته وحسن عبارته، تقويم ما خرج عن حد الاعتدال، نصرة منه للسلف الأمجاد، ~~ورغبة في صيانة ما أورده عن الإفساد، لا ميلا إلى سلوك سبيل العناد، فإنه ~~والحمد لله من أهل الهدى والرشاد، وقد انضوى جوابه في بعض المسائل على ~~الاعتراف وتصديق المقال، وفي ms129 بعضها على الرد والإبطال. # وهأنذا أنبه على ما عدل فيه الأخ -أيده الله تعالى- عن التسليم، وأوضح أن ~~جميع ما أوردته عن الإبطال سليم، حسبما اقتضاه النظرة، وسمحت به الفكرة، ~~غير قاصد لمجرد الهراء ولا جانح إلى جانب المراء، والله سبحانه المطلع على ~~ضمائر القلوب، والمحيط بسرها المحجوب، معترفا بالتقصير، عالما بأن الباع ~~قصير، عارفا بأني إلى تعمد الهفوات وستر العورات فقير، ومن الله تعالى ~~الهداية في البداية والنهاية. قوله: فلعل مولانا -أبقاه الله تعالى- أراد ~~بالأمة بعضهم وبالمعتزلة أكثرهم. PageV01P207 # إعلم أن خلاف الأصم ومن معه إن صحت الرواية عنهم لا يعتد به، ولا يلتفت ~~إليه، لندرتهم وانقطاع خلافهم، والخلاف واقع بين الأمة وإن خرج عنه بعضهم. # ثم أنه لا وجه لقصر الخلاف، في كون الإمامة قطعية أو اجتهادية، على ~~القائلين بوجوبها شرعا، فإن القائل يعد وجوبها، أو وجوبها عقلا لا بد له من ~~الحكم عليها بكونها قطعية أو ظنية، وإنما قلنا: الظاهر من مذهب المعتزلة؛ ~~لأنه لا كلام في أن الظاهر عنهم ما رويناه عنهم فلا حاجة إلى تأويل قولنا ~~المعتزلة بأكثرهم، على أنا لو أضفنا القول هذا إليهم لا على جهة الظهور بل ~~بأن نقول: قالت المعتزلة أو نحوه لكان له مساغ، فقد جرت بذلك عادت العلماء ~~والمصنفين في عباراتهم، بل قد يضاف إلى المعتزلة ما هو قول الأقل منهم، ~~ولما طالعت الأم التي نقلت عنها النسخة الصادرة إلى الأخ أيده الله وجدت ~~لفظ: بين الأمة ساقطا، والذي فيها: قد وقع الخلاف هل مسائل الإمامة إلى ~~أخره، فذلك مما سارع إليه القلم لا عن تأمل، قوله: ومسألة الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر لمثل ذلك. PageV01P208 # أما مسألة الشفاعة فلها تعلق ظاهر بباب الوعيد، الذي هو من فن الكلام، وأما ~~الأمر بالمعروف فالكلام فيه كالكلام في الإمامة، والذي نقلناه عن بعض ~~متكلمي أصحابنا، وأردنا به غير الفقيه قاسم شامل للناس، قوله: ولا أعلم أن ~~أحدا منهم قال: لا حاجة إلى إمام، يقال: ليس عدم علمنا إلى ذلك يدل على ~~انتفاءه على أنا ms130 وإن علمنا انتفاء ذلك عنهم جميعا، فأكثر ما فيه أن يكون ~~ذلك إجماعا سكوتيا فعليا، فأين يكون من إفادة القطع؟، على أنا إذا رجعنا ~~إلى أنفسنا وجدنا هذا الدليل لم يكسبها يقينا، ولم يفدها سكونا، قوله: علم ~~ذلك ضرورة من حالهم، يقال: وكيف يعلم ذلك من حالهم ضرورة من لا يعرفهم ولا ~~يعلم أعدادهم، ولا سمائهم، ولا أعيانهم؟. # والمعلوم أنك لو سألت أكثر الناس بل كلا منهم عن الصحابة منهم لما أخبرك ~~إلا بالأقل منهم، فكيف يعلم ما صدر منهم ضرورة من لا يعرفهم؟ وكيف تقيد ~~قرائن الأحوال العلم بالعقائد؟ إنما الذي يفيده قرائن الأحوال العلم ~~بالمرادات. PageV01P209 # وأما العقائد فلا يعرف بها إلا التعبير عنها. قوله: فسنذكر ما هو أقوى منه، ~~يقال: هذا كالتسليم لعدم إفادته العلم لأن قوة الدليل بحسب إفادته للعلم ~~وإيصاله إلى مدلوله، فإذا كان موصلا إلى العلم، فلا معنى لكون غيره أقوى ~~منه، إنما يقال مثل هذا في الدلائل الظنية إذ تفاوت في إفادتها للظن، فمنها ~~ما يحصل عنه المقارب، ومنها ما يحصل عنه الغالب، وللظن درجات تتفاوت بتفاوت ~~قوة الأمارات لا العلم، ولا يقال: المراد بالأقوى هو الأوضح، أو الأسلم من ~~الشغب، فمع إفادته للعلم لا يكون لغيره مزية عليه في القوة، على أنه سيتضح ~~كون هذا الدليل أقوى أدلة هذه المسألة، وأن المدعي كونه أقوى أضعف منه. # نكتة: الأقرب عندي أن الإجماعات المروية المدعى فيها كونها يقينية قطعية ~~على وجوه منها: # ما مضمونه القول بما يعلم من الدين ضرورة كجهل الإسلام، ويكفر من خالف ~~فيه ويفسق، فيصح دعوى القطع بالإجماع فيه، وكيف لا وجد من خالف فيه لا يصلي ~~جماعة وموافقته فيعلم إجماع المسلمين عليه، من حيث أنه من خالف فيه لم ~~يعتبر، ومنها ما لا يكفر المخالف فيه ولا يفسق، ولكنه أمر واضح، لا يتصور ~~فيه مخالفة كتقديم القطعي من الأدلة على الظني فيقرب دعوى الإجماع فيه ~~المقطوع به من الصحة من حيث أنه منقول من مشاهير العلماء متواتر عنهم ~~وغيرهم ممن لا ms131 يعرفه أولا نقل عنه، لا يتصور مخالفته لأمي حيث النقل ~~التواتري عن واحد واحد من الأمة المعتبرين في الإجماع فذلك متعذر. PageV01P210 # ومنها ما خرج عما ذكر، فالصحيح أنه ظني لا قطعي، لأن المستند فيه النقل عن ~~الجمهور مع عدم الاطلاع على الخلاف فيه، ومثل ذلك لا يعد قطعيا مع كون ~~المخالفة فيه ممكنة متصورة، ومصداق ذلك قول أحمد وهو من أئمة النقل، وأهل ~~العلو في الطبقة: من ادعى الإجماع فهو كاذب. قوله: فيجب أن يكون فعلهم ذلك ~~إنما كان لأجل وجوبه. # يقال: هذا الجواب غير مقنع، وأكثر ما فيه أن هذه قرينة تفيد الظن كون ~~فعلهم لأجل الوجوب، ومثل هذه القرينة لا بد منها في كل إجماع فعلي يستدل به ~~على الوجوب ولا يقتضي مثل ذلك كون الإجماعات الفعلية قطعية، ولو صح مثل هذا ~~التكليف لأمكن دعوى القطع في كل إجماع فعلي، ولا يلتفت إلى ما ذكره مولانا ~~المهدي -قدس الله روحه- من تضعيف الاعتراض، والحكم بعدم وقوعه، وعدم فطانة ~~مورده، فإن السؤلات في القادحة القادحة لا يكفي في دفعها تضعيفها، وانتقاص ~~موردها. قوله: فهي دعوى مجردة. يقال: بل الدعوى المجردة ما أشار إليه ~~الفقيه -أيده الله تعالى- من حصول العلم الضروري بأن كل واحد من الصحابة ~~يقول بوجوب الإمامة، ونصب الإمام، وأنه لا فرق بين هذا أو بين غيره من ~~التواتريات، كالعلم بأن في الدنيا مكة كما يقضي به مفهوم كلامه -حاطه الله ~~تعالى- وإن لم يصرح بجميعه. # والمعلوم أنك لو سألت مدعي ذلك من العلماء -عادت بركاتهم- عن أعيان ~~الصحابة، المدعى معرفة حالهم في ذلك، أو أعدادهم لما وجدتهم على تحقيق في ~~ذلك ولا إحاطة به، دع عنك من ليس من أهل المعارف، فكيف يعرف مقالة أشخاص أو ~~فعلهم أو عقيدتهم ضرورة من لا يعرف أعيانهم ولا أعدادهم، ولا سمائهم!؟. PageV01P211 # فإن قيل: ليس معرفة ذلك شرطا بل المقصود أنه قد تواتر عن أصحاب رسول الله ~~-صلى الله عليه وآله وسلم-أنه فعلوا أو قالوا كذا، قلنا: التواتر المفيد ~~للعلم الضروري لا بد أن ms132 يستند إلى إدراك، وأن يبلغ نقلته عددا لا يجوز على ~~مثله التواطؤ على الكذب، وأن يتساوى الطرفان والوسائط في العدد المعتبر، ~~فنقول: ما الذي نقل عن جميع الصحابة -رضي الله عنهم- جملة مما هو مدرك ~~ليتعقل حصول العلم الضروري عنه، ثم نقول: أليس الذين فزعوا عقيب موت النبي ~~-صلى الله عليه وآله وسلم-إلى نصب من يخلفه واهتموا بذلك غاية الاهتمام. # هم المجتمعون في السقيفة، والمعلوم أنهم ليسوا كل المعتبرين في الإجماع؟، ~~فإن صح التواتر عنهم، فما الذي نقل عن غيرهم ممن غاب عنهم؟ هل سكوتهم؟ ~~فالمرجع به إلى عدم الإنكار، وهو غير مدرك، فكيف يعلم ضرورة سلمنا، فلا ~~يعلم من سكوتهم أنهم على صفة أولئك المجتمعين علما ضروريا، أو غير ذلك فما ~~هو؟، فإن قيل: كلامك هذا ينطوي على القول بتعذر حصول الإجماعات التواترية ~~القطعية، إذ لا يمكن معرفة أعيان الأمة جميعا، ولا أسمائهم ولا أعدادهم، ~~لمن يدعي العلم بإجماعهم، وإن نقل عنهم أنهم أجمعوا جملة، وأنه تواتر ذلك ~~عنهم، فقد شغبت فيه وشككت على من ندبه. PageV01P212 # قلت: إن لم يكن ذلك متعذرا فلا كلام في تعسره، وما ادعى فيه قطعية الإجماع ~~فإجماعهم على أن القاطع يقدم على المظنون، ونحوه من المسائل الواضحة، مما ~~أظن التواتر فيه حصل عن ذلك واحد من الأمة، بل لما كان خلافه لا يتصور أن ~~يذهب إليه مميز فضلا عن عارف عدل ادعى القطع به عن المعتبرين من الأمة. ~~والله سبحانه أعلم. # قوله: بمجرد الاستبعاد ليس بحجة. يقال: لم نجعله حجة ولا إلى أي المطالب ~~بحجة قوله: مع أن الاستبعاد إنما ثبت في غير إجماع الصحابة. # يقال: عدم حاصل منهم، وهو موجب الاستبعاد. قوله: فنحن لا نستدل على ذلك ~~بغيرها. # يقال: هذا اعترافبعدم قطعية دلالة الآية الكريمة على حجية الإجماع، وهو ~~يتضمن الاعتراف بما أشرنا إليه من بيان أن الأصحاب مع دعوى القطع في دلائل ~~مسائل الإمامة لم يثبتوها على قاطع لاستنادهم إلى الإجماع مع استنادهم في ~~حجية الإجماع إلى ما ليس بقاطع فقد أسندوا في ms133 الاستدلال على القطعي إلى ما ~~ليس بدليل قاطع، والاستدلال بغير الآية الكريمة لا ينقض ما أراد به. # فإن أصحابنا لم يستدلوا بغيرها مما أوردته معتمدين عليه بل اعتمادهم في ~~ذلك عليها، وإنما المستند إليه الغزالي، ومن تابعه. قوله: على إنما ذكرته ~~من القدح في صحة الإجماع ينقض ما اعترفت به أولا من أن الإجماع أحد الأدلة ~~القاطعة يقال: ما ذكرته من كون ما أوردته من القدح في صحة الإجماع ينقض ما ~~اعترفت به أولا من كونه أحد الأدلة القطعية. PageV01P213 # غير مسلم بل ما ذكرته جلي عن التناقض لا تدافع فيه ولا تعارض، لأني لم أقدح ~~في صحة الإجماع، وإنما قدحت في قطعية دليل من أدلته، والقدح في حجية دليل ~~من أدلته لا يقضي بعدم صحة سائر أدلته ولا يأبى. # أقول: بعدم حجيته ولو قضى بذلك ما قلته من كون محققي العلماء قضوا بظنية ~~دلالة تلك الآية الكريمة على كون الإجماع حجة، وهو صدق لا محالة يقضي بذلك ~~عنك ما صرحت به من تسليم ذلك على الخلو ذهبت مثلا إلى ظنية جميع أدلة ~~الإجماع لم يكن ذلك ناقضا لما قدمته من عدة أحد الأدلة لاحتمال كوني عددته ~~منها على قاعدة أكثر العلماء. # وهي أيضا قاعدة أصحابنا، ونحن فرضنا الكلام فيما نافسناهم فيه على ~~قواعدهم، وحاربناهم على أصولهم. # قوله: بل يحتاج إلى بحث ونظر في مهلة يتمكن فيها من معرفة الأصلح للأمة ~~في أي الأقطار هو، ونحو ذلك. يقال: لا يخفى ما في هذا الجواب من التكلف ~~والتعسف والقول بأن ذلك من الواجبات الموسعة لم يوجب المصير إليه والتعويل ~~عليه إلا ضيق الخناق، وعظم موقع السؤال الوارد ووضوح قدحه، وكذلك جعل وقته ~~الموسع جميع وقت أهل كل عصر حتى ينقرض آخرهم. PageV01P214 # وأما الاستدلال على ذلك بتباين الأقطار وعدم إمكان الإحاطة بفضلائها عقيب ~~موت الإمام الأول، ففيه تصريح بوجوب الإحاطة بفضلاء جميع الأقطار، ومعرفة ~~الأفضل منهم، وهذا مما لا يعمل به أحد والصحيح خلافه، وهو يقرب من تكليف ~~المحال، ولو كان شرطا لتطلب ms134 إمامة أكثر الأئمة فإنه لم يعلم في أحد منهم ~~أنه لا أفضل منه في وقته في شيء من الأقطار، ويظهر ذلك ظهورا بينا في حق ~~الأئمة الداعين باليمن فإنا نعلم أنه لم يتقدم دعوة أحدهم البحث في الشام، ~~والعراق، والغرب، وسائر البلدان حتى حصل العلم بعدم الأفضل على أن أدلة ~~وجوب نصب الإمام من فزع الصحابة عقيب موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وقبل مواراته، وما يتوقف من الأحكام الواجبة على الإمام كاشتراطه في الجهاد ~~يقضي بالتضيق، ويدل عليه كما يدل على أصل الوجوب، وعلى عدم الوسع مدة مديدة ~~قدر مائة وخمسين سنة، تتعطل الحدود وينتكس فيها أعلام الجهاد، ويشتد عضد ~~الكفر والعناد، فافهم قوله. # قلنا: ولأنه قد قام الدليل القاطع على وجوب النص على الأمة. يقال: هذا ~~نفس المتنازع فيه الذي لا يقع المساعدة إليه، ولا التقرير عليه، ومثل هذا ~~تعد مصادرة على المطلوب، ولا يقع التسليم لديه. قوله: وهو أشف الأدلة ~~وأقواها، يقال: مع إيضاح عدم قطعيته وإتيانه على ما هو ظني محض وسنبينه ~~فظهر ظنية ما عداه من الأدلة لأن ظنية الأقوى مستلزمة بظنية المفضول، في ~~القوة استلزاما بينا على أنه سيتضح لك ما قدمناه من كون الدليل الأول أشف ~~الأدلة وأقواها، بما نحققه من كون هذا الدليل أضعفها وأوهاها. PageV01P215 # قوله: وأما الأصل الثالث: وهو أن الإمام شرط في القيام بالجهاد، يقال: إن ~~أردت أن الشارع جعله شرطا ففي ذلك اعتراف بعد وجوب نصبه لأن تحصيل شرط ~~الواجب ليجب لا يجب إن أردت أن الأمر ورد مطلقا، وأنا نقطع بتوقفه على نصب ~~الإمام فدعوى القطع في هذا الأصل غير مسلم؛ فإن وجوب الجهاد الذي أوجبت نصب ~~الإمام لأجله من الواجبات الشرعية التي لا مجال للعقل فيها، بل ربما أن ~~العقل كان يقضي بفتحه لو لم يرد الشرع به فأي الأدلة الشرعية القطعية من ~~كتاب صريح، أو سنة، أو إجماع متواترين، أو قياس قطعي، يعلم حكم أصله ووجود ~~العلة فيه وعلتها ووجودها، في الفرع علما دالا ذلك؟ ms135 ومن أي هذه الأنواع ~~دلتك؟ هذا الذي أورده على أن الإمام شرط في غزو الكفار والبغاة ومدافعتهم، ~~مع أن هذه مسألة ظنية، اختلفت فيها أنظار الأئمة والفقهاء، وإنما اختلفت ~~المقالات لاختلاف الأمارات. # أما المدافعة فلا أعلم قائلا باشتراط الإمام فيها، وأما اشتراطه في ~~الغزو، فأكثر الأمة وبعض العترة على عدم اشتراطه، ونسب عدم اشتراطه في ~~(البحر) إلى المؤيد بالله، والإمام يحيى والفريقين، وقواه واحتج عليه، بما ~~لا مدفع له، وصرح بجواز الغزو مع الظلمة، وكذلك حكى ذلك غيره، قال في (شرح ~~الإبانة): لا خلاف في جواز ذلك إلا عن الهادي -عليه السلام-، وإنما الخلاف ~~في الوجوب، فظهر لك من هذا أن من جعل الإمام شرطا، إنما اشترطه في أصل ~~الوجوب لا في تأدية أمر قد وجب وتحصيل شرط الوجوب لا يجب. PageV01P216 # فأما قوله: الذي يدل على ذلك أنا نعلم ضرورة من جهة العادة إلى آخره. فهو ~~لا يدل على وجوب نصب إمام جامع للشرائط، وعدم دلالته على ذلك ظاهر وإنما هو ~~من قبيل الصناعة في الكلام، وإبرازه في قالب الانتظام، حتى يخيل إلى سامعه ~~أنه في قوة المعنى متناهي، وهو في الحقيقة ضعيف واهي. قوله: وقد أوردنا في ~~دفعها ما يشفي ويكفي. # يقال: ليست الدعاوي في إثبات المقاصد كافية، ولا للسؤالات القادحة نافية. ~~قوله: فهو غير مسلم إذ لم يهملوا ذلك. يقال: بل إهمالهم أو أكثرهم له، وعدم ~~اهتمامهم به ظاهر، ومن أورده منهم وتعرض له فيما لا يشفي على سبيل العروض ~~لا القصد هذا فيما اطلعنا عليه من الكتب المعتمدة والأسفار المتداولة، ~~وأهلها هم الذين أردنا نسبة الإهمال لا غيرهم، ممن لم نطلع على مصنفاته، ~~ولا وقفنا على حججه. # وأما رأيه وما لم يعلمه ويطلع عليه أكثر مما علمناه وطالعناه والعلم علم ~~الله جل جلاله. قوله: بل أوردوا من الأدلة على ذلك ما لا يخفى يقال: هذا ~~الذي نقله الأخ -أيده الله تعالى- من استدلالهم على هذه الفروع. إلى أن ~~قال: فلا حاجة إلى تطويل الكلام ببيانه مما لا يخفى ms136 على من له أدنى ذوق، ~~أنه من الأمارات الظنية، لا الدلائل اليقينية، وإنما تلك ظواهر وأخبار ~~أحادية، ودعاوي مجردة عن إيراد البينة القوية، كدعوى الإجماع على وجوب ~~معرفة شرائط الإمام، سبحان الله تعالى ما أسهل الاستدلال بالإجماعات إذا ~~كان الأمر هكذا. قوله: PageV01P217 # ثم حكمتم بعد الاتباع والتسليم، على أن ذلك إنما كان عن دليل. يقال: الحمل ~~على ذلك إنما يكون مع الاحتمال، وعدم الجزم بأحد الطرفين، فأما مع القطع ~~الذي لا شك فيه فلا ونحن نعلم ضرورة من حال العوام عدم معرفة ماهية الإمامة ~~ومعناها، فضلا عن أحكامها وتحقيقها، وفهم دقائق مسائلها، بل قد علمنا من ~~حال كثير من المميزين الحذاق المهرة في بعض العلوم عدم معرفة ذلك، والإحاطة ~~بشيء منه، فكيف بالعوام أشباه الأنعام، الذين لا يميزون بين الخاص والعام، ~~ولا يعرفون الفرق بين المأموم والإمام!؟. # لقد حكى لي ثقة: إن بعض ولاة بعض الدعاة في زماننا كثر ترداده إلى بعض ~~الجهات لقبض الواجبات، وهو كثير الدعاء إلى إمامه، والحث على محبته، ~~واعتقاد إمامته وفضله، وتزكيته وتسليم الحقوق إليه، وكثير الترغيب في ذلك ~~حثا أنه بذلك يشوق إلى نصر إمامه، والتماس البركة منه، فما شعر أهل تلك ~~الجهة حتى وصلهم ذلك الوالي، ومعه عبد من الحاكة، عليه ثوب شديد البياض، ~~فظن من ظن من أهل تلك الجهة أن العبد المذكور هو الإمام، الذي يذكره ويدعوا ~~إليه، ولو احتجت إلى شرح ما يصدر عن العامة في هذا الشأن وغيره مما يعلم به ~~بلههم وحمقهم، ومما يلتحق بحكانا المغفلين لطال الكلام، والأمر في ذلك واضح ~~غني عن الاستشهاد، فكيف يمكن حمل من هذه صفته على ما ذكره الأخ -أيده الله ~~تعالى-. قوله: فذلك حمل منه لهم على غير ما ينبغي. PageV01P218 # يقال: إن كان المراد على غير ما ينبغي أن يكونوا عليه، فنعم هو كذلك على ~~قاعدة الأصحاب، واللأئمة، في ذلك على المقدمين لا عن نظر ودليل، وإن كان ~~المراد على غير ما ينبغي منه حملهم عليه، فذلك إنما يتوجه لو كان ms137 ذلك الحمل ~~من قبيل الظن المنهي عنه. # وأما اليقين المستبين اللأئمة على من أظهره وصرح به. قوله: فإنه لا يلزم ~~فيما علمه شخص أن يعلمه أخر. يقال: الأئمة -عليهم السلام- أهل التنوير ~~والتجريب، وهم أجل من أن يجهلوا حال أهل زمانهم المخالطين لهم، مع ظهوره ~~وعدم خفائه، وليس دونهم في الفراسة وقوة الحدس يجهل أن العوام يجهلون دقائق ~~المسائل، التي تدق عن نظر التحاريم حتى وقع فيها الاختلاف والخبط الكثير. ~~قوله: لكن لسنا نسلم أن تسليم العامة للحقوق إلى الأئمة صدر عن تقليد، ~~يقال: نحن مع معرفة ذلك، والقطع به لا يحتاج إلى تسليم، وهو مما لا يعزب عن ~~ذهن ذي الفكر والنظر السليم. # والأخ -أيده الله تعالى- لا يجهل ذلك، ولكنه بنى هذا وأمثاله عل أساس علم ~~الجدل، وقاعدته ونسجه على منواله، وأبرزه في حليته. قوله: حمل المفسقين على ~~السلامة قد تقدم ما هو كالجواب عنه من عدم إنكار الحمل بالقطع على خلافه. ~~قوله: قلنا: بل ذلك مظنون. يقال: الفرق بين العلم والظن ظاهر، لا يخفى على ~~من له درية، وقد وجدنا من أنفسنا العلم الذي لا لبس فيه، بما ذكرناه ولا ~~معنى للرد علينا فيما ادعينا فكل أعلم بحال نفسه. قوله: محمول على أنه ~~اقترن به تلقين الدليل أيضا. يقال: قد باحثنا كثيرا من المتلقنين ~~والملقنين، فوجدناهم جميعا عادمين لتلقن الدليل وللتلقين. PageV01P219 # قوله: ثم المأمور على أنه لا يعتقده إلا لدليل. يقال: كيف يحسن منه أمر ~~غيره بالإقدام على ما لا يأمن كونه خطأ وهو قبيح، والأمر بالقبيح قبيح، ولا ~~معنى لهذا الحمل لأنه لا يصور إلا مع كون المأمور مظنة لذلك، بأن يكون ~~عارفا بأن مثل ذلك يتوقف على معرفة الدليل القاطع مع كونه ممن له أهلية ~~النظر، فأما مع كون ذلك في حكم المستحيل منه، فلا معنى لذلك الحمل، ثم ~~نقول: هلا لقنه مع تلقين التسبق، إن ذلك لا يسوغ له إلا بعد معرفة الدليل، ~~إن كان القصد إرشاده سواء السبيل، ومثل ذلك لم يسمع به عن أحد ms138 من الملقنين، ~~ولا أظنه خطر لهم ببال. # قوله: إن صدر عنه التفسيق لا عن دليل. يقال: ولم لا يكون ذلك بعد النظر ~~في أدلة الفسق التي أوردها، واشتد اعتقاده إليها، فإن قطعية الدليل وعدمها، ~~مما يمكن معرفته، لا يبعد الجزم به بل لمن نظر وأمعن الفكرة في أنواع ~~الأدلة، وأقسامها، وما يمكن الاستدلال به دلالة قاطعة منها، فلم يجد دليلا ~~أن يقطع بعدم حصول القاطع، فإن القرآن ما يدل من آياته دلالة قاطعة متلوة ~~معروفة، والأخبار المتواترة، والإجماع المتواتر إن صح، مما لا اختصاص به ~~لأحد دون غيره من أهل البحث والمعرفة، والقياس متعذر في مسألتنا أو متعسة، ~~ولو أمكن إطلاع بعض دون بعض على الحجة في الأدلة الظنية التي لا حكم لها في ~~مسألتنا. قوله: كونه ينهض حجة في مثل هذا المقام. # يقال: أردنا بذلك الاستظهار بأحوال السلف، وردع المفسقين المستبدين، في ~~تفسيقهم إلى فتوى من ليس كمثلهم في الرتبة، وبيان أن هذه العقيدة المستفيضة ~~من الأمور المستبدعة المستحدثة. PageV01P220 # وخير أمور الناس ما كان سنة .... وشر الأمور المحدثات البدائع # قوله: وأعجب من هذا إلى آخره، مثل المؤيد بالله -عليه السلام- يستشهد ~~بأقواله، ويستظهر بأحواله، وليس ذلك بمستغرب، وإن كان قدس الله روحه على ما ~~حكاه الأخ -أبقاه الله تعالى- من العقيدة. # قوله: هو ما يلحق المؤتم منها من التهمة. يقال: الخوف التهمة، إنما يكون ~~مع عدم صحة الصلاة خلف المخالف في العقيدة، فإذا صلى المؤتم خلفه اتهم ~~بموافقته، ويكون سبب التهمة أنه لو كان مخالفا له في العقيدة لما صلى خلفه ~~لعدم صحة الصلاة خلف المخالف، فتحصيل الظن بأنه لو كان مخالفا له لم يصل ~~خلفه، فإذا جعلت التهمة سببا في منع الصلاة، وقع الدور لتوقف كل من لحوق ~~التهمة وامتناع الصلاة على صاحبه. PageV01P221 # فإن قيل: إن سبب لحوق التهمة ما ذكرناه من كون الغالب من أحوال المختلفين ~~في مسألة الإمامة، ما ذكر من المباينة والمجانبة لا ما ذكرته من امتناع ~~الصلاة خلفه، فهي في الأصل صحيحة لولا لحوق التهمة. قلنا: ms139 المجانبة لا ~~يقتضى اعتزال الصلاة مع اعتقاد صحتها، أو إحراز فضيلتها ولا يفعل ذلك وهو ~~جعل صلاته تابعة لهواه، معتبرا فيها غير مطابقة رضى الإله عز وجل، إلا من ~~هو عن الخير بمعزل، وكيف يليق بمميز فضلا عن فاضل، أن يجعل صلاته وصلة إلى ~~وليه بفعلها، وإيغار صدر عدوه بتركها؛ سبحان الله ما أبعد هذا عن مقصود ~~المحققين!!، فكيف يظن في المسلم المميز أنه لو كان مخالفا للإمام المخطئ في ~~عقيدته لما صلى خلفه ولترك صلاة الجماعة لا لمانع بل لما اعتاده الجهلة من ~~ذلك هذه تهمة تتفرع على ظن السوء، وقد بلغني عن بعض علماء زماننا المشددين ~~في منع الصلاة خلف نافي الإمامة ما يقضي بأن الغرض من ذلك تشنيع حال النافي ~~وتقبيحه، وإيغار صدره، وتعظيم جرمه، وتفظيع شأن النفي في قلوب العامة، ~~ليكون ذلك مرعبا في جانب الإثبات، منفرا عن جنبه النفي، ولعمري إن ذلك من ~~الغرور العظيم، المصادم لنظر الشارع الحكيم، ولو كان مثل هذا الغرض مقصودا ~~لنبه الشرع الشريف عليه ولأوصى العليم الخبير أو رسوله السراج المنير إليه، ~~وما أبعد هذا عما ذكره المؤيد بالله قدس الله روحه، وهو مذكور عنه في ~~(الإفادة): PageV01P222 # لما كتب إليه بعض أصحابنا يلومه على تسويغ صرف الزكاة إلى نافي إمامته ~~ويشير إلى أن في ذلك توهينا لأمره، وتسهيلا لاطراحه وهجره، فأجاب -أعاد ~~الله من بركاته-. آمين بالتشنيع الكبير على صاحبه، وعرفه بأنه لا يترك ~~مذهبه لما يعود عليه من النفع، واستهجن مثل ذلك النظر، وولج صاحبه عليه ومن ~~أراد مطالعته، وهو مثبت في حواشي هذه النسخة مع أن بين المسألتين فرقا. # قوله: قد بينا فيما مر أن هذا ليس من التقليد في شيء قد تقدم ما يرشد إلى ~~الجواب عنه. قوله: فرفضهم لها غير مستنكر. # هذا مسلم لا إشكال فيه، لكن لا معنى لهذا التقسيم، لأنه قد وضح وتقرر كون ~~اختلاف العقيدة في الإمام لا يختل به شرط عند الرافضين، فقد رفضوها مع عدم ~~الاختلال فآثروا شفاء غيض صدورهم، وإيغار ms140 صدور من ليس على عقيدتهم، على ~~درجات الفضل الكبير، ودرك الأجر الكثير، إساءة للنظر، واستهانة لعظيم الخطر. # قوله: ((لا يؤمنكم ذو جرأة في دينه )) يقال: وجه الاحتجاج بهذا الحديث ~~صحيح في حق ذي الجرأة على فعل القبيح، ولكنه يدل بمفهومه دلالة بينة على أن ~~نافي إمامة الإمام متثبتا في أمر دينه، لا يمنع الصلاة خلفه لعدم جرأته بل ~~لكونه على صدها. # وإن فرضنا كون ذلك فسق تأويل لعدم حصول علة النهي، وأما قياسه على فاسق ~~الخوارج، فلا يصح لعدم العلة المنبه عليها، وهي الجرأة والله أعلم. PageV01P223 # قوله: فمبني على أصله في عدم تكفيرهم وتفسيقهم. في هذا نظر لأن الإمام يحيى ~~-عليه السلام- ذكر ذلك على أصل أهل المذهب في تكفيرهم، ونص على أن الصلاة ~~تصح خلفهم عند المكفرين، وأفتى بذلك على قاعدتهم، والمسألة منصوصة له في البحث. # وأما على أصله فهو مستغن عن ذكر ذلك، والله أعلم بالصواب، وهو حسبنا ~~وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد الأمين، وآله الطيبين الطاهرين وسلم. # بسم الله الرحمن الرحيم # بحمدك اللهم استفتح مقالي، وبإستعانتك استنجز أفعالي، وبتوفيقك ألتمس ~~الإصابة في المقال، وبعصمتك أعوذ من ركوب الضلال، وأتقرب إليك بالصلاة على ~~سيدنا محمد الرضي، وآله وأتباعه في السبيل المرتضي. # وبعد: PageV01P224 # فإنه لما وردت رسالة مولانا العلامة، الشاهدة له بكونه في العلماء الشامة، ~~وفي السيوف الصمصامة، عز الملة والدين، وترجمان الأدلة واليقين، نفع الله ~~تعالى ببركته، كما نفع بعلومه، وحرس ذاته الكريمة حراسة سمائه ~~بنجومه،أجبتها بما حضرني من الجواب، من غير إخلال ولا إسهاب، بعد أن ~~طالعتها، واستقرأت مسائلها رغبة في طلب الحق الواضح، ومسارعة إلى الطعن ~~بالدليل الراجح، مع عزيمة صارمة باتباعها، إن وجدت عندها الصواب، وإطراح ~~التعصب لمذهب الأصحاب، وسلوك مسلك المسترشدين المنقادين لما وضح انتهاجه، ~~الخارجين عن المسلك البين إعوجاجه، لا كما حملني مولانا # -أيده الله تعالى- عليه من أني سلكت في بعض مواضع الجواب مسلك الجدال، ~~ورمت بجودة الفراسة وحسن العبارة ms141 تقويم ما خرج عن حد الاعتدال، فإن الله ~~تعالى هو المطلع على سرائر الصدور، وبيده سبحانه وتعالى أزمة الأمور. # ثم أنه بعد ذلك ورد من تلقاء مولانا-أيده الله تعالى- من التشكيكات على ~~تلك الجوابات، ما يشهد له بأنه كسعي المناضلة، عنتري المنازلة، سابق في ~~ميدان الجولان، أخذ لقصب السبق عند الرهان، ولم أكن أحسب أن أحدا يبلغ ذلك ~~الأمد من التحقيق، أو يسلك ذلك النمط في التدقيق، أو يتمكن ذلك التمكن في ~~صناعة الإنشاء، ولكن الله تعالى يختص برحمته من يشاء، فما أحقه بقول من قال: # فاق الرجال بإخلاق مهذبة .... وفات من كان جاراه وباراه PageV01P225 ولعمري أن كلامه ليشفي السقيم، وأن الزمان بمثله لعقيم، خلا أنه -أيده الله ~~تعالى- سلك في تلك التشكيكات المسلك الذي عزا إلينا انتهاجه، وجرى في ذلك ~~المجرى مع ظهور إعوجاجه، وهأنذا كاشف عن وجه ما ذكرته القناع، معترفا بأني ~~في ذلك قصير الباع، مستمدا من الله سبحانه وتعالى التوفيق والهداية إلى ~~أوضح طريق بمنه ورحمته، فأقول متتبعا لما أورده أيده الله تعالى. # قوله: إعلم أن خلاف الأصم، ومن معه إن صحت الرواية عنهم، لا يعتد به ولا ~~يلتفت إليه لندرتهم وانقطاع خلافهم، قلنا: لا وجه للتقييد بقوله إن صحت ~~الرواية لأنها ظاهرة الشهرة عنهم. # وقد رواها الإمام المهدي -عليه السلام-، في (غايات الأفكار) والفخر ~~الرازي في (نهاية العقول)، والفقيه قاسم في (الغرر والحجول)، والفقيه يوسف ~~في (الزهور)، ورواها غير هؤلاء أيضا، وليست في الشهرة بأضعف من كثير من ~~الروايات التي لا ينبغي إهمالها. # وكذلك ما ذكره من ندرتهم غير مسلم، فإن المخالف في ذلك أبو بكر الأصم من ~~المعتزلة، وهشام الفوطي، وبعض الحشوية، والنجدات من الخوارج، وبعض المرجية، ~~ولا شك في عدم ندور مثل هؤلاء. # وأما انقطاع خلافهم فهو رجم بالغيب لعدم الطريق إلى ذلك، إذ يجوز وجود ~~متابع لهم في بعض النواحي ولم يطلع عليه. قوله: والخلاف واقع بين الأمة وإن ~~خرج عنه بعضهم، قلنا: نعم؛ ولكن عبارته مشعرة بعدم الخروج. قوله: ثم أنه لا ~~وجه ms142 لقصر الخلاف في كون الإمامة قطعية أو اجتهادية، على القائلين بوجوبها ~~شرعا؛ فإن القائل بعدم وجوبها أو وجوبها عقلا، لا بد له من الحكم عليها ~~بكونها قطعية أو ظنية. PageV01P226 # قلنا: أما من قال بوجوبها عقلا فنعم، لا بد له من أخذ الأمرين، وقصر الخلاف ~~في ذلك على القائلين بوجوب الإمامة شرعا صحيح لا خلل فيه ولا مجاز. # وإنما قصرنا الخلاف عليهم بتمام المقصود الذي سيق له الكلام بذلك؛ وأما ~~من لم يقل بوجوبها رأسا فلا يسلم أنه يقول بأحد الأمرين؛ لأنه يتفرع على ~~القول بالوجوب. قوله: لأنه لا كلام في أن الظاهر عنهم ما رويناه عنهم، فلا ~~حاجة إلى تأويل قولنا: المعتزلة بأكثرهم. # قلنا: لا نسلم ظهور ذلك عن جميعهم، فإن الإمام المهدي -عليه السلام- ~~وغيره حكوا خلافه عن بعض المعتزلة، وذلك يدفع ظهوره عن جميعهم. قوله: على ~~أنا لو أضفنا القول هذا إليهم على حجة الظهور، بل بأن نقول: قالت المعتزلة ~~أو نحوه لكان له مساغ. # قلنا: نعم، له مساغ على جهة المجاز، ولم يمنع من ذلك فإن دأب العلماء ~~والمصنفين وعادتهم في عباراتهم، بل إنما منعنا أن يراد به ظاهره، وحملنا ~~مولانا في الجواب على أنه أراد به المعنى الصحيح، فما وجه هذا الكلام؟. # قوله: ولما طالعت الأم، إلى قوله: فذلك مما سارع إليه القلم لا عن تأمل. ~~قلنا: ما وقع في الأم هو اللائق بفطنة مولانا وذكائه، وكثيرا ما تسارع ~~أقلام العلماء الراسخين إلى غير المراد، وتبادر إلى غير المقصد والسداد، ~~ولعمري أن المبالغة في المناقشة عن أمثال هذا ليست من آداب المخلصين لكن ~~تعرض له مولانا -أيده الله- فتبعناه. قوله: أما مسألة الشفاعة فلها تعلق ~~ظاهر بباب الوعيد. PageV01P227 # قلنا: إذا حسن ذكر الشفاعة في فن الكلام لذلك التعلق مع كون الطريق إلى ~~ثبوتها شرعية، فلا بأس بذكر مسألة الإمامة، ومسألة الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر فيه أيضا آخر وهو أنهما مما يجب العلم بهما على المكلفين، وإن ~~تفاوت التعلقات. قوله: ليس عدم علمنا بذلك يدل على انتفائه. # قلنا: ms143 بل يدل إذا كان المعلوم من الأمور التي لو وقعت لنقلت لتوفر ~~الدواعي إلى نقلها، ومسألتنا من هذا القبيل على أنا لم نكتف في بيان انتفاء ~~ذلك بمجرد انتفاء العلم به، بل ضممنا إليه قولنا: بل أجمعوا على مثل ما ذكر ~~أبو بكر أنه لا بد من قائم تلجأ الأمة إليه إلى آخره، ومما اشتهر في صفة ~~ذلك ما روي أنه لما توفي -صلى الله عليه وآله وسلم-كان أول من خطب أبو بكر ~~-رضي الله عنه- فقال: "أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ~~ومن كان يعبد إله محمد فإنه حي لا يموت، لا بد لهذا الأمر ممن يقوم به، ~~فانظروا أو هاتوا آرائكم رحمكم الله تعالى" فتبادروا من كل جانب: صدقت، ~~ولكنا ننظر في هذا الأمر ولم يقل أحد منهم: إنه لا حاجة إلى الإمامة ثم ~~أبكروا إلى سقيفة بني ساعدة وتركوا أهم الأشياء، وهو دفن رسول الله-صلى ~~الله عليه وآله وسلم-، ورأوا نصب الإمام أهم من ذلك. نعم، ولهذا يدفع قوله: ~~فأكثر ما فيه أن يكون إجماعا سكوتيا. قوله: على أنا إذا رجعنا إلى أنفسنا ~~وجدنا هذا الدليل لم يكسبها يقينا، ولم يفدها سكوتا. PageV01P228 # قلنا: لعل المانع من إفادة هذا الدليل اليقين لتلك إلا نفس هو ما سبق إليها ~~من اعتقاد خلاف مقتضاه. قوله: يعلم ذلك من حالهم ضرورة من لا يعرفهم، ولا ~~يعلم أعدادهم، ولا أسمائهم، ولا أعيانهم. # قلنا: أما العلم بأعدادهم وأسمائهم، فلا شك أنه غير معتبر في العلم ~~بأحوالهم مطلقا، وأما العلم بأعيانهم فإنما يعتبر في حق الناقلين عنهم، ~~المشاهدين لهم فقط، فإذا علموا أعيانهم، وسمعوا أقوالهم، وشاهدوا القرائن ~~الظاهرة المحتفة بها وكان فيهم كثرة ثم نقلوا ذلك إلى غيرهم، بأن قالوا ~~للذين بعدهم مثلا: إنا سمعنا كل واحد من الصحابة يقول كذا، وشاهدناه حينئذ ~~من القرائن كيت وكيت، فإنه حينئذ يحصل العلم الضروري للمنقول إليهم بأحوال ~~المنقول عنهم بلا ريب. # وإن لم يعلموا ما ذكره مولانا -أيده الله تعالى- على تعارض مولانا حفظه ms144 ~~الله تعالى. فنقول: ألسنا نعلم ضرورة من حال الصحابة القول بأنه لا إله إلا ~~الله، واعتقاد ذلك، فلا بد من بلى فيقال: كيف يعلم ذلك من حالهم ضرورة من ~~لا يعرفهم، ولا يعرف أعدادهم، ولا أسمائهم، ولا أعيانهم؟ وجوابه: جوابنا، ~~والله أعلم. # قوله: وكيف يفيد قرائن الأحوال العلم بالعقائد إلى آخره. قلنا: وأي مانع ~~من ذلك، فإنه معلوم الصحة من غير تردد، ألا ترى إن أحدنا إذا جادل على ~~تصحيح أمر، وعلمنا من شاهد حاله أنه غير موري في ذلك فأنا نعلم أنه معتقد ~~لذلك الأمر بلا شك. PageV01P229 # وأما الفرق بين المرادات والعقائد في ذلك فهو غير واضح، ولا وجه له. قوله: ~~لأن قوة الدليل بحسب إفادته للعلم وإيصاله إلى مدلوله، فإذا كان موصلا إلى ~~العلم فلا معنى لكون غيره أقوى منه. قلنا: بل له معنى وهو سرعة إيصال ~~الأقوى إلى العلم، لقرب مقدماته، وسلامته من التشغيب، وبذلك تظهر المزية ~~لأحد الدليلين على الأخر، وإن اشتركا في كونهما موصلين إلى العلم، وقد جرت ~~بمثل ما ذكرناه عادة العلماء والمصنفين في كتبهم، فلا وجه لإنكاره. قوله: ~~على أنه سيتضح كون هذا الدليل أقوى أدلة هذه المسألة، وأن المدعي كونه أقوى ~~منه أضعف منه. # قلنا: وسيتضح أن الأمر كما ادعينا وأن الحق ما قلنا. # قوله: نكتة: الأقرب عندي، أن الإجماعات المروية المدعى فيها كونها يقينية ~~قطعية على وجوه إلى أخره. قلنا: هذا التفصيل مبني على استبعاد وقوع الإجماع ~~وعلى منعه، كما ذكره الإمام أحمد بن حنبل -رضي الله عنه. # ونحن وإن سلمنا بعده فإنما يكون في غير إجماع الصحابة بعد انتشار أمة ~~الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-، والمدعي في مسألتنا إنما إجماع الصحابة ~~-رضي الله عنهم- فلا يقدح ذلك الاستبعاد فيما قلنا. ولا يمنعنا مما رمناه، ~~وما ذكره مولانا أيده الله تعالى من عدم انحصار الصحابة -رضي الله عنهم- ~~أيضا غير مسلم. قوله: وأكثر ما فيه أن هذه قرينة تقيد كون ظن فعلهم لأجل ~~الوجوب. PageV01P230 # قلنا: ليست بقرينة بل برهان قطعي، وتقريره أن ms145 كل عاقل يعلم ضرورة أن نصب ~~الإمام بعد موت الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-يرفع شأن الإسلام، ويعلي ~~منارة، والإخلال به يقتضي هدمه وزوال قراره، والمعلوم الذي لا يلتبس من حال ~~الصحابة، أن كل ما كان كذلك فإنهم يهتمون بشأنه ويفعلونه لأجل أنه كذلك، إذ ~~هم أشد الناس عناية بأمر الإسلام وتقوية أركانه، وهاتان المقدمتان ينتجان ~~أن الصحابة نصبوا الإمام لأجل أنه يرفع أمر الإسلام، ويعلي مناره، وأن ~~الإخلال به يقتضي عكس ذلك. # ثم نركب قياسا أخر، فنقول: قد ثبت أن الصحابة نصبوا الإمام لأجل أنه يرفع ~~أمر الإسلام ويعلي مناره، وأن الإخلال به على العكس من ذلك، وكل ما فعل ~~لتلك الصفة فقد فعل لأجل الوجوب، ينتج أن الصحابة نصبوا الإمام لأجل الوجوب ~~وهو المطلوب. # أما المقدمة الأولى فظاهرة مما تقدم، لأنها نتيجة القياس الأول. # أما الثانية: فإن الوجوب لازم لتلك الصفة. فإن قلت: غاية ما يقتضي هذا ~~الاستدلال وجوب نصب الإمام على الصحابة فقط بعد موت النبي -صلى الله عليه ~~وآله وسلم-لوجود العلة التي ذكرتم في ذلك الزمان، لقرب عهد بالكفر، فمن أين ~~أنه يجب نصبه بعد ذلك الزمان، وهو وقت استقرار الإسلام وانتشاره في ~~الأقطار؟. PageV01P231 # قلت: هذا سؤال حسن ويمكن الجواب عنه، بأن يقال: لا شك أن بقاء الأمة فوضى ~~لا أمير لهم ينظم أمرهم، ويجمع كلمتهم، ويتفرغ لسد الثغور، وإصلاح ما أفسده ~~الجهال، وارتكبه أهل الضلال، يقتضي الوهن في الإسلام في أي وقت كان، وإن ~~كان في صدر الإسلام أظهر. قوله: ومثل هذه القرينة لا بد منها في كل إجماع ~~فعلي إلى آخره. # قلنا: لا نسلم ذلك، فليس كل حكم واجب أجمعت الأمة على فعله يقتضي الإخلال ~~به حفظ منار الإسلام، كما قلنا في نصب الإمام. # قوله: ولا يلتفت إلى ما ذكره مولانا المهدي -قدس الله روحه- من تضعيف ~~الاعتراض إلى أخره. قلنا: بل يتوجه الالتفات إليه انقيادا لما قام به ~~البرهان، واتباعا لما أوضحه -عليه السلام- من التبيان. قوله: فإن السؤلات ~~القادحة لا يكفي في دفعها تضعيفها ms146 وانتقاض موردها. # قلنا: لم يعتمد -عليه السلام- على ذلك بل اعتمد في ذلك على ما حكيناه ~~عنه، وقررناه بما لا مزيد عليه. قوله: بل الدعوى المجردة مما أشار إليه ~~الفقيه أيده الله تعالى من حصول العلم الضروري بأن كل واحد من الصحابة يقول ~~بوجوب الإمامة، ونصب الإمام، وأنه لا فرق بين هذا أو بين غيره من ~~المتواترات، كالعلم بأن في الدنيا مكة كما يقضي به مفهوم كلامه حاطه الله ~~تعالى وإن لم يصرح بجميعه. # قلنا: أما العلم الضروري بأن كل واحد من الصحابة يقول بوجوب الإمامة فقد ~~صرحنا به وادعيناه وقررناه بالتصحيح، وأوضحنا أنه الحق الصريح، فلا يصح ~~القول بأن ذلك منا دعوى مجردة، كما قاله مولانا لكنه حاطه الله تعالى ~~قابلنا بمثل قولنا وكال لنا بمثل كيلنا. PageV01P232 # وأما أنه لا فرق بين هذا وبين غيره من المتواترات، فإن أراد أنا قلنا: بعدم ~~التفرقة بينهما في مجرد حصول العلم فصحيح، فما يمنع منه؟. وإن أراد أنا ~~سوينا بينهما في الجلي والظهور، فحاشا!! وكلا!! وليس في كلامنا ما يشعر به ~~قط، بل عندنا أن العلوم التواترية تتفاوت فبعضها أجلى من بعض، بحسب قوة ~~طرقها وضعفها، قوله والمعلوم أنك لو سألت مدعي ذلك عن العلماء عن أعيان ~~الصحابة المدعي معرفة حالهم في ذلك وأعدادهم، لما وجدتهم على تحقيق في ذلك. # قلنا: ما هو جواب عن هذا مفصلا. قوله: التواتر المفيد للعلم الضروري، لا ~~بد أن يستند إلى إدراك إلى أخره. # قلنا: شرط التواتر وإن تعددت فإن حصول العلم بمخبر الخبر غير واقف على ~~العلم بتكاملها، بل حصول العلم عند الخبر يكشف عن تكاملها، إنما يلزم ذلك ~~عند الشيخ أبي الحسين، ومن تابعه لقولهم: إن العلم التواتري كسبي لا ضروري؛ ~~لأن الكسبي لا يحصل إلا بعد تيقن مقدماته. قوله: ما الذي نقل عن جميع ~~الصحابة جملة لما هو مدرك ليتعقل حصول العلم. قلنا: نقل عنهم أقوال وأفعال ~~شاهدة بأنهم يعتقدون وجوب النصب. قوله: أو غير ذلك فما هو؟. # قلنا: أقوال شاهدة باعتقادهم لوجوب الفزع، ms147 وإنكارهم لصلاحية المفزوع ~~إليه. قوله: فإن أصحابنا لم يستدلوا بغيرها مما أوردته معتمدين عليه. قلنا: ~~بل اعتمدوا على ذلك في أكثر مورادهم ومصادرهم، وإسناده إلى الغزالي لا ~~يقتضي استبداده به، وعدم اعتمادهم عليه أيضا. قوله: لأني لم أقدح في صحة ~~الإجماع، وإنما قدحت في قطعية دليل من أدلته. PageV01P233 # قلنا: سياق كلامك يقضي بما ذكرناه فإذا أنكرته، واعترفت بصحة الإجماع، ~~فرحبا بالوفاق. قوله: لاحتمال كوني عددته منها على قاعدة أكثر العلماء. # قلنا: القدح بالسؤلات إنما يتوجه على ظاهر العبارات، والتفوض لا يندفع ~~بالاحتمالات. قوله: والقول بأن ذلك من الواجبات الموسعة لم يوجب المصير ~~إليه، والتعويل عليه إلا ضيق الخناق وعظم موقع السؤال الوارد ووضوح قدحه. # قلنا: لا ريب في أن ذلك السؤال وارد على المذهب، وهو القول بوجوب نصب ~~الإمام، لا على شيء من أركان الأدلة الدالة على وجوب النصب، وقد أجمع ~~المحققون على أن ما هنا حاله من الأسئلة، فإنه غير قادح ولا يلزم الجواب ~~عنه أصلا، لا سيما إذا يرد على جهة المعارضة للدليل، فكيف يصح الحكم عليه ~~بعظم الموقع ووضوح القدح؟ وكيف يقتضي وروده ضيق الخناق؟، والحال ما ذكرناه، ~~لكن مولانا -أيده الله تعالى- عول في بعض كلامه على تهويل العبارات، وتفخيم ~~المقالات، ونحن ممن لا يقعقع خلقه بالشنان، ولا يفزعه التهويل باللسان، ~~وهذا كله مع فرض عدم التمكن من الجواب عن السؤال. # وأما مع التمكن كما سنوضحه فالحال في ضعف السؤال، وعدم وروده أظهر. قوله: ~~ففيه تصريح بوجوب الإحاطة بفضلاء جميع الأقطار، ومعرفة الأفضل منهم. # قلت: هذا الاستدلال الذي ذكره الإمام المهدي عليه مبتني على أنه يجب في ~~الإمام أن يكون أفضل الأمة، أو مساويا لأفضلها إلا لعذر. PageV01P234 # وهذا مروي عن جل المعتزلة والأشعرية، وأكثر الزيدية، ولعلهم لا يعتبرون، ~~ولا يوجبون البحث في جميع الأقطار، بل يقولون: يجب أن يكون أفضل أهل زمانه، ~~إما في علمنا أو في ظننا، بحسب الإمكان، كما يقوله بعض المعتزلة، فلا يرد ~~ما ذكره مولانا من أن ذلك يقرب من تكليف المحال. # قوله: ms148 ولو كان ذلك شرطا لبطلت إمامة أكثر الأئمة. قلنا: لعلهم لا يوجبون ~~البحث في جميع الأقطار لتعسره، أو تعذره عندهم بل إنما يوجبون البحث في بعض ~~الأقطار، وقد فعلوه، أو لعلهم يقتفون في الإمام أن يكون من جملة فضلاء ~~زمانه، كما نفهم من كلام بعض الزيدية. قالوا: لأن معرفة الأفضل متعذرة بعد ~~وقت الصحابة لكثرة الناس، وخفى كثير من أهل الفضل. # قوله: على أن أدلة وجوب نصب الإمام من فزع الصحابة عقيب موت النبي -صلى ~~الله عليه وآله وسلم-، وقبل مواراته، وما يتوقف من الأحكام الواجبة على ~~الإمام كاشتراطه في الجهاد يقضي بالتضيق، فيدل عليه كما يدل على أصل ~~الوجوب، وعلى عدم التوسيع مدة مديدة، قدر مائة وخمسين سنة يتعطل فيها ~~الجهاد، وتنتكس فيها أعلام الرشاد، ويشتد عضد الكفر والعناد. # قلنا: أما مع فزع الصحابة ومسارعتهم إليه قبل مواراة رسول الله # -صلى الله عليه وآله وسلم-، فلا ينبغي الاحتجاج به على عدم التوسيع؛ لأن ~~المسارعة إلى الوجوب في أول وقته، لا يدل على تضيقه بل الأفضل في الوجوب ~~الموسع أن يفعل في أول وقته. PageV01P235 # وكان الواجب عليهم تحري الأفضل وإعطاء كل ذي حق حقه، لكنهم أخلوا بالنظر ~~الواجب عليهم، وبادروا إلى العقد لأبي بكر خوفا من الشقاق العصي ويفرق ~~الجماعة، لو انتظروا عليا -عليه السلام- حتى يفرغ من دفن رسول الله -صلى ~~الله عليه وآله وسلم-. # وأما توقف الأحكام الواجبة على الإمام كالجهاد ونحوه، فهو إنما يقتضي ~~وجوب نصب الإمام عند الإمكان، وقبل البحث عن الصالح للأمة لا يمكن النصب. # وصار الحال في ذلك، كالحال في وجوب نصب القاضي على الإمام حيث لا يتسع هو ~~للحكم بين الناس، وعرف من نفسه ذلك، فإنه يجب عليه نصب الحاكم وجوبا موسعا ~~غير مضيق، وإن كان ثم خصومات يجب فصلها وتعذر عليه ألا يساغ لها لأمور أهم، ~~فكما أن نصب القاضي وإن وجب، ومست الحاجة إليه، فإنه لا يتضيق على الإمام، ~~بل له مهلة البحث عن الصالح للقضاء والدرية، ولو في مدة لها امتداد ms149 كذلك ~~الحال في وجوب نصب الإمام على الأمة لا يتضيق عليهم بل يكون موسعا القدر ~~الذي حققناه، وهذا أوضح كما ترى. قوله: ومثل هذا بعد مصادرة على المطا. # قلنا: ليس ما ذكرناه من المصادرة في شئ لأن المصادرة أن تكون المطا وبعض ~~مقدمات الدليل شيئا واحدا، وليس مطلوبنا من هذا الجواب بيان وجوب نصب ~~الإمام على الأمة؛ لأنا قد قررناه بدلائل أخر بل المطا إبطال السؤال الوارد ~~على القول بوجوب النصب على شيء من أركان تلك الدلائل الدالة على وجوب النصب. PageV01P236 # وهذا واضح لا التباس فيه، فجعل ذلك من المصادرة من باب وضع الاسم على غير ~~مسماه فافهم. قوله: يقال: مع إيضاح عدم قطعيته، وإتيانه على ما هو ظني محض، ~~وسنبينه فظهر ظنية ما عداه. # قلنا: إذا أمكنك بيانه استقام لك هذا الإيراد، لكن دون بيانه حوط الفناد. ~~قوله: على أنه سيتضح لك ما قدمناه من كون الدليل الأول أشف الأدلة وأقواها، ~~بما تحققه من كون هذا الدليل أضعفها وأوهاها. # قلنا: وسيتضح الأمر على خلاف ما تضمنته هذه الدعوى، وأن هذا الدليل قد ~~بلغ في القوة الغاية القصوى. قوله: في القدح على الدليل الثالث إن أردت أن ~~الشارع جعله شرطا ففي ذلك اعتراف بعدم وجوب نصبه؛ لأن تحصيل شرط الواجب ~~ليجب لا يجب وإن إردت أن الأمر ورد مطلقا. # وإما يقطع بتوقفه على نصب الإمام فدعوى القطع في هذا الأصل غير مسلمة. ~~قلنا: هذا القسم الثاني هو الذي أردناه دون القسم الأول، ولا يضرنا عدم ~~تسليمه لذلك لأن صحة الدعاوي لا تقف على تسليم الخصوم. قوله: فأي الأدلة ~~الشرعية القطعية دل على أن الإمام شرط في غزو الكفار والبغاة أو مدافعتهم؟. # قلنا: ظاهر كلامه أنه لا يصح لنا أن نستدل بالعقل على ذلك، وليس الأمر ~~كذلك، بل كما يدل السمع على ذلك يدل عليه العقل أيضا، ولنا عليه دليلان: ~~عقلي وسمعي: PageV01P237 # أما الدليل العقلي: فهو ما ذكرناه في الجواب من أنا نعلم ضرورة من جهة ~~العادة إلى آخره، وما أورده ms150 مولانا عليه من أن ذلك لا يدل على وجوب نصب ~~إمام جامع للشروط غير وارد، لأن الرئيس الذي يرجع إليه في جهاد الكفار ~~والفساق، الجهاد الموافق للشرع الشريف ويقوم به، لا بد من أن يكون عارفا ~~حتى يتمكن من الإقدام والإحجام في الجهاد ومدافعة الأعداء على الوجه ~~الشرعي، وأن يكون ذا رأي ومتانة حتى يدير الحرب والسلم، ويشتد في مواضع ~~الشدة، ويلين في مواضع اللين، وأن يكون شجاعا مجتمع القلب فلا يضعف عن لقاء ~~العدو، ولا يجبن عن القيام بالحرب، وأن يكون سليم الحواس والأطراف؛ لأن عدم ~~التمكن من الجهاد مع فقد السلامة ظاهر، وأن يكون في الظاهر لأن الفاسق ربما ~~أوقع جهاده للأعداء على غير الوجه المطابق للشرع، وربما أخذ الفيء كله ~~لنفسه، أو وضعه في غير مستحقه، ويندرج في ذلك كونه مسلما بطريق الأولى. # فإن قلت: إنه لا يعتبر أن في أمير الجيش أن يكون عدلا، ولا عارفا أيضا، ~~ألا ترى إلى إمارة خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، عهده رسول الله -صلى ~~الله عليه وآله وسلم-على الجيوش، قلت: هما كانا من تحت أمر النبي -صلى الله ~~عليه وآله وسلم-. # ونحن إنما اشترطنا ما ذكرناه في من ليس تحت أمر إمام كامل الشرائط؛ وأما ~~من هو تحت أمره فلا يعتبر ذلك فيه لأنه كالآلة للإمام، ولا بد أيضا من كونه ~~حرا بالغا عاقلا ذكرا. PageV01P238 # أما العقل فلأن الصفات التي قدمنا ذكرها لا تحصل إلا معه؛ وأما الذكورة ~~فلأن الغالب من حال النساء أن لا تحصل لهن الصفات التي ذكرناها ولأنه لا ~~يحصل لهن من الهيبة ما يحصل للرجال، وإن حصلت لهن هيبة فإنما هو لهيبة ~~السادات، وهكذا القول في البلوغ. # وأما الحرية فلاستحقار الناس بالعبيد، ولأن أزمنتهم مشغولة بخدمة ~~السادات، ولا بد أيضا أن يكون سخيا، ومن منصب مخصوص؛ لأن الناس لمن هو كذلك ~~أطوع، وإليه أميل، فيحصل المقصود من نكاية العدو، وتوهين جانب الكفر، ~~والمعاصي على أتم الوجوه وأكملها، كما هو الواجب على كل مسلم، وهذه في ms151 صفات ~~الإمام المعتبرة فصح أنه لا يتم تأدية المجاهدة الشرعية لأعداء الدين، ~~وتوهين أمر الفسقة والملحدين على أتم الوجوه، إلا برئيس جامع لشرائط ~~الإمامة، وهو المطلوب. # وظهر لك ظهورا بينا أن ما ذكرناه هو الحق الواضح، والصواب اللايح، وأنه ~~ليس من قبيل مجرد الصناعة في الكلام، وإبرازه في قالب الانتظام، كما ادعاه ~~مولانا -أيده الله تعالى-، فنسأل الله أن يزيدنا هداية إلى الصواب، وأن ~~يصلح لنا أمر العاقبة والمآب، بمحمد الأمين، وآله الأكرمين، فهذا هو الدليل ~~العقلي على أن الإمام شرط في القيام بالجهاد الشرعي، وحصول الفرض به وهو ~~العمدة. PageV01P239 # وأما الدليل السمعي: فهو ما حكاه الله تعالى في محكم كتابه عن بني إسرائيل ~~حين قهرهم عدوهم وأزعجهم من ديارهم، فطلبوا القيام بمجاهدته، فإنهم أول ما ~~طلبوا مالا يستقيم إلا به، فقالوا: لنبيهم أشمويل -عليه السلام-{ابعث لنا ~~ملكا نقاتل في سبيل الله }[البقرة: 246]، ولم يقولوا: إئذن لنا نقاتل ~~عدونا، ما ذاك إلا لما علموا أن القتال من دون ملك ينظمه، ويدبر أمره لا ~~يستقيم، فطلبوا ما يحصل به قوامه، وهو بعث الملك لهم فقرر الله تعالى ~~ورسوله نظرهم في ذلك، ولم ينكر نبيهم -عليه السلام- ما اعتقدوه من كون ~~القتال لا يستقيم إلا بملك، وإلا لم يحصل الغرض المقصود به، فأجاب سؤالهم ~~بأن أخذ عليهم العهد بأنهم يقاتلون متى أمرهم الملك الذي التمسوا إقامته، ~~وأنهم لا يتركون القتال معه حيث قال: {هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا ~~تقاتلوا}[البقرة: 246] فقرروا على أنفسهم الوفاء بما عهد به إليهم، بأن ~~قالوا: {وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله}[البقرة: 246] الآية فلما أنس منهم ~~الوفاء، وعلم أن الجهاد لا قوام له إلا بملك ينظم أمره ويعلم أحكامه. PageV01P240 # قال: إن [الله]قد بعث طالوت ملكا، واختاره من غير بيت الملك، وكان دينا ~~عالما، علم الله تعالى من حاله من البسالة في القتال، وسعة العلم بالأحكام، ~~التي تتعلق بالجهاد، ومن ثم لما استنكروا إقامته عليهم، وليس من بيت ~~مملكتهم بين الله تعالى على لسان نبيه العلة التي لأجلها ms152 اختاره عليهم. ~~فقال: {إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم}[البقرة: 247] ~~وبين سبحانه وتعالى أن من حق الملك الذي به قوام الجهاد على قانونه المرضي ~~عنده؛ أن يجمع ثلاث خصال، وهي الدين الوازع، والعلم الواسع، والإقدام ~~الرائع، فبين اشتراط الخصلة الأولى بقوله: {اصطفاه عليكم}، وهو سبحانه لا ~~يصطفي إلا من رضى دينه وتقواه، لقوله: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم ~~}[الحجرات: 13] وبين اشتراط الخصلة الثالثة بقوله (والجسم) إذ لا فائدة في ~~الجسم إلا ليكون إقدامه الذي في قلبه نافعا في نكاية عدوه، ولو أقدم وهو ~~ضعيف الجسم، لم يحصل الغرض المقصود بإقدامه، وهذه في جل شروط الإمامة وما ~~عداها فهو مضاف إليها، وهي أصل لما عداها من الشروط. PageV01P241 # فلما قرر نبيهم ما اعتقدوه من أن الجهاد لا يستقيم إلا بملك ينظم أمره، بأن ~~أجابهم إلى ما التمسوه من بعث الملك علمنا بذلك صحة ما اعتقدوه من أن ~~الجهاد لا يستقيم إلا بملك ينظمه فثبت كونه شرطا في القيام بالجهاد، وهو ~~المطا، لا يقال: إن شرع من قبلنا لا يلزمنا إلا بدليل من شريعتنا يقوم على ~~لزومه لنا؛ لأنا نقول: بل يلزمنا حيث حكاه في كتابنا، ولم تقم دلالة على ~~أنه قد نسخ، واعلم أن هذا الدليل السمعي ظاهره القوة لكن المعتمد هو الدليل ~~العقلي فاعرف ذلك. # وأما ما ذكره مولانا -أيده الله تعالى- من الإجماع على عدم اشتراط الإمام ~~في المدافعة، ومن قول كثير من العلماء بعدم اشتراطه في الغزو أيضا، فهو لا ~~ينقض ما ذكرناه؛ لأنا لا نمنع من إمكان حصول نكاية العدو مع رئيس غير جامع ~~لشرائط الإمام، لكنها لا تحصل معه على الحد الذي يحصل مع من اجتمعت فيه ~~الشرائط المعتبرة، كما قلناه أولا، ولا شك أنه يجب تقوية شوكة الإسلام، وشد ~~عضده على أبلغ ما يمكن ويكون، والله تعالى أعلم بالصواب. # قوله: ليست الدعاوي في إثبات المقاصد كافية، ولا للسؤالات القادحة ~~(الفادحة) نافية. قلنا: الأمر كما ذكره مولانا أيده الله تعالى، لكن الواجب ~~أن يعرض كل من ms153 الكلامين على معيار النظر والاعتبار، وميزان التأمل ~~والافتكار، لكي يتضح الخطأ من الصواب، ويتميز الشراب من لامع السراب. # قوله: وإنما تلك ظواهر وأخبار أحادية، ودعاوي مجردة عن إيراد البينة ~~القوية، كدعوى الإجماع على وجوب معرفة شرائط الإمام. PageV01P242 # قلنا: إنه يجب اعتقاد ظاهر العموم إذا علم عدم ما يخصصه، والأخبار وإن كانت ~~أحادية، فهي متواترة المعنى، ودعوى الإجماع لا يفتقر إلى بينة، بل يتوقف ~~العلم به على قوة البحث، فلعل من علمه أكثر بحثا ممن لم يعلمه، فلا وجه ~~لتعجب مولانا أيده الله تعالى، من ادعاء السيد مانكديم -رحمه الله- للإجماع ~~في ذلك على أنا إنما أوردنا ذلك ردا لما ادعاه مولانا -أبقاه الله تعالى- ~~من تركهم إيراد أدلة على سائر أطراف مسائل الإمامة، فأريناه أن ذلك غير ~~متروك، ولا مغفول عنه، وأنهم قد أوردوه في مواضع كثيرة، كما لا يخفى على من ~~طالعها. # قوله: ونحن نعلم ضرورة من حال الإمام عدم معرفة ماهية الإمامة ومعناها، ~~فضلا عن أحكامها وتحقيقها. # قلنا: الكلام في الإمامة كالكلام في النبوة؛ حذ النعل بالنعل فما قيل في ~~إحداهما قيل مثله في الأخرى من غير فصل، ومن حصل له العلم بحال العوام في ~~ذلك، كما حصل لمولانا -أيده الله تعالى- فالواجب عليه أن يعمل بحسب علمه من ~~الزجر والإنكار، وعدم التقرير على ما هم عليه من الخطأ، وقد تكرر من مولانا ~~-أبقاه الله تعالى- ادعاء العلم بحال العوام في مواضع متعددة ولا ينبغي منا ~~متابعته في التكرير، لكنا نأتي بأمر كلي. PageV01P243 # فنقول: يجب على كل من علم ذلك في بعض العوام أن ينكر عليه وينهاه، ويعمل ~~بحسب علمه في ذلك، ويحمل من لم يعلم منه ذلك على السلامة، وما أورده مولانا ~~-أيده الله- من حكاية بعض الثقات لا يفرع عليه؛ لأنه قد يصدر من المغفلين ~~في حق الصانع سبحانه وتعالى، ورسله من الأمور الشنيعة ما لا ينبغي رقمه في ~~الأوراق فضلا عن الأئمة، والواجب الإنكار على من هذا حاله في الموضعين. # قوله: وإن كان المراد على غير ما ينبغي منه حملهم ms154 عليه، قلنا: نعم هذا هو ~~المراد، وما ذكره من حصول اليقين قد مر الكلام عليه، قول الأئمة عليهم ~~السلام أهل التنوير. # قلنا: نعم، هم كذلك، لكن لا يشترط فيهم عندنا أن يكونوا ممن يعلم الغيوب، ~~وينكشف لهم السر المحجوب، بل هم كغيرهم من الآحاد في ذلك على أن الأنبياء ~~-عليهم السلام- أعلى حالا منهم، وقد حسن منهم أمر العوام باعتقاد النبوة، ~~وتسليم الحقوق إليهم، من غير أن يأمروهم بتقديم النظر في نبؤتهم، حملا لهم ~~على السلامة، ولم يظهر لهم من حالهم شيء، فما ظنك بالأئمة الذين هم دونهم ~~في التنوير؟! وهذا واضح لا لبس فيه فالأولى لمولانا -أيده الله- سلوك طريقة ~~الإنصاف، والعدول عن طريق الاعتساف، كما هو عادته المألوفة، وطريقته ~~المعروفة. قوله: كيف يحسن منه أمر غيره بالإقدام على ما لا يأمن كونه خطأ. # قلنا: بل الخطأ في ذلك مأمون ؛لأنه إذا أمره باعتقاد الإمامة فالمراد ~~العلم بها، واعتقاد العلم مأمون الخطأ فيه عند الآمر والمأمور. PageV01P244 # أما الآمر فظاهر؛ وأما المأمور فلأنه لا يوقعه إلا بدليله، ويصير الحال في ~~ذلك كالحال فيمن أمر غيره بأن يعتقد وجود الصانع سبحانه وتعالى، أو شيئا من ~~صفاته سوى سوى.قوله: ومثل ذلك لم يسمع عن أحد من الملقنين. # قلنا: ليس عدم سماع ذلك يقتضي نفيه. قوله: ، ولا أظنه خطر لهم ببال. ~~قلنا: إن بعض الظن إثم. # قوله: ولم لا يكون ذلك بعد النظر في أدلة المفسق التي أوردها، وأسند ~~اعتقاده إليها. # قلنا: أما بعد النظر فيما ذكر فله ذلك ولم يمنع منه. قوله: بل لمن نظر ~~وأمعن الفكرة في أنواع الأدلة وأقسامها، وما يمكن الاستدلال به دلالة قاطعة ~~منها فلم يجد دليلا أن يقطع بعدم حصول القاطع. # قلنا: ذلك متعذر أو متعسر على القوة البشرية؛ فإن الإحاطة بطرق البحث ~~كلها على وجه يعلم معه أنه لا شيء غيرها مما يتعذر أو يتعسر، لا سيما في حق ~~أهل زماننا هذا، على أنا إذا فرضنا وقوع ذلك وجب العمل بمقتضى العلم، ونحن ~~إنما منعنا حيث لم يظهر ms155 له شيء من ذلك. # قوله: أردنا بذلك الاستظهار بأحوال السلف، وردع المفسقين المستندين في ~~تفسيقهم إلى فتوى من ليس كمثلهم في الرتبة. # قلنا: هذا مبني على ما اعتقده مولانا في حق المفسقين من الخطأ، وقد مر ~~الكلام عليه، وأما البيت الذي أنشده فليس بشاهد مرضي. # أما أولا: فليس بحجة. PageV01P245 # وأما ثانيا: فلعدم دلالته على المقصود، لأن البدعة: هو كل ما دل القرآن ~~بمحكمه والعقل برؤيته على أنه ضلالة، وعند المفسق أنه إنما فسق لبرهان فليس ~~ببدعة عنده. وإن كان الحق عندي خلافه، وهو عدم الحكم بالفسق، والتوقف في ~~ذلك، عملا بقوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((المؤمن وقاف عند الشبهات )) ~~قوله: مثل المؤيد بالله -عليه السلام- يستشهد بأقواله، ويستظهر بأحواله. # قلنا: نعم، مثله -عليه السلام- من يقتدى به في الأقوال والأفعال؛ لأنه ~~-عليه السلام- من جملة الأئمة، وكبار الأمة، لكن في المسائل الاجتهادية لا ~~القطعية؛ لأن الحق فيها مع واحد، فلا ينبغي أن يرجع فيها إلى فعل فلان ~~وفلان، وإن كان من عيوب أهل الزمان. قوله: لتوقف كل من لحوق التهمة وامتناع ~~الصلاة على صاحبه. # قلنا: لسنا نجعل لحوق التهمة ما ذكرته، بل سببها ما ذكرناه من كون الغالب ~~من أحوال المختلفين في مسألة الإمامة هو المجانبة والمباينة، قوله: ~~المجانبة لا تقتضي اعتزال الصلاة مع اعتقاد صحتها. # قلنا: إن المقتضي للاعتزال إنما هو لحوق التهمة، وسبب لحوق التهمة هو ~~غلبه المجانبة، ومع لحوق التهمة يزول اعتقاد الصحة؛ لأنه حينئذ قد أطاع ~~بنفس ما به عصى. قوله: ولا بعد ذلك، وهو جعل صلاته تابعه لهواه، معتبرا ~~فيها غير مطابقة رضاء الإله، إلا من هو عن الخير بمعزل إلى أخره. PageV01P246 # قلنا: نعم، لا يفعل أحد صلاته لذلك الغرض إلا من هو عن الخير بمعزل لكن هذا ~~بمعزل عما قلناه، ومجانب لما ذكرناه؛ لأنا لم نسوغ تركها لهذا الغرض، بل ~~لما يلحقه من التهمة المنهي عنها، بقوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((من ~~كان يؤمن بالله واليوم الأخر فلا يقفن مواقف التهم )) وتفرغ التهمة على ~~المباينة ms156 التي ليست بحسنة لا تدفع حسن ترك الصلاة لأجل تلك التهمة، كما لا ~~يخفى لكن مولانا -أبقاه الله تعالى- عول هاهنا على التشنيع الذي لا يجدي ~~صاحبه، ولا يقل راكبه. # وأما ما حكاه عن المؤيد بالله -قدس الله تعالى- سره، فلعل التهمة في ذلك ~~مرتفعة والله أعلم. # قوله: لأنه قد وضح وتقرر كون اختلاف العقيدة في الإمام لا يختل به شرط ~~عند الرافضين للصلاة. # قلنا: لا نسلم لا ما قد بينا أن مع التهمة يصير مطيعا بنفس ما به عصى. ~~قوله: ولكنه يدل بمفهومه دلالة بينة على أن نافي إمامة الإمام متثبتا في ~~أمر دينه لا يمنع الصلاة خلفه لعدم جرأته. # قلنا: ما ذكرنا من التهمة يدفع دلالة هذا المفهوم إن سلمناه. قوله: في ~~هذا نظر!! لأن الإمام يحيى -عليه السلام- ذكر ذلك على أصل أهل المذهب في ~~تكفيرهم. # قلنا: جوابنا متوجه على ما يقتضيه ظاهر العبارة في الرسالة، فلا موقع ~~للتنظير [إذا] قوله: وأما على أصله فهو مستغن عنه. PageV01P247 # قلنا: لا نسلم استغناءه عنه على أصله؛ لأنه -عليه السلام- يقطع بخطاب أهل ~~الجبر في العقيدة فربما يتوهم أنه مع عدم الحكم بفسقهم فجعلهم كالفساق في ~~عدم صحة الصلاة خلفهم، لشناعة عقيدتهم، كما في من كشف عورته بين الناس ~~ونحوه، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله ~~على سيدنا محمد الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى التابعين لهم ~~بإحسان إلى يوم الدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله ~~على سيدنا محمد وآله. # نعم، وأما التقسيمات التي أوردها مولانا أيده الله تعالى: # فلعمري إنها لأبحاث شريفة،ونكت لطيفة،لم يسبق إليها أحد من حذاق العلماء، ~~ولا تنبه لها أحد من عيون الفضلاء، بل جرى مولانا أيده الله تعالى في ذلك ~~السبيل بغير دليل، وأبدع فيما أفاده من التقسيم الجليل، فالله المسؤول أن ~~يؤيد ببقاء مولانا الملة، ويبرز بعنايته ما استتر من صحيحات الأدلة، فلن ~~ينسج على منواله، ولا تسمح بصيرة بمثاله، واعلم أرشدنا الله وإياك إلى ~~الصواب، وجعلنا ممن رجع ms157 إليه وأناب، أنه لا نزاع في القسم الثالث: # وهو إصابة أحد الفريقين وخطأ الأخر، وكذلك لا نزاع في القسم الثاني. وهو ~~أن يكونا مخطئين معا، وإنما النزاع كل النزاع في القسم الأول وهو أن يكونا ~~مصيبين معا، ويكفينا في دفع ما أورده فيه وجهان. # أحدهما: معارضة. # والثاني: تحقيق. PageV01P248 # أما المعارضة فيمن خرج على إمام الحق منتصبا سيفه، شارعا رمحه، محاولا ~~لانتزاع روحه، واستئصال شأفته، لأنه ينافي فيه مثل ما ذكر مولانا فيمن صدر ~~منه مجرد النفي فيلزم حمله على السلامة، والحكم بعدم خطأه في خروجه ~~واعتقاده، وقبح مقاتلته مع الإمام، وبيان ذلك أن يقال: لا يمتنع أن يكون ~~الخارج على الإمام قد أمعن النظر في طريقته، وينظر أحوال سيرته، فظهر له من ~~الأمور المبطلة لدعواه، المجانبة لرضى مولاه، المبيحة لسفك دمه، وهتق حرمه، ~~ما خفي على المثبت لإمامته، المعتقد لصحة ولايته، فليس للمثبت إذا أن يحكم ~~بخطأ ذلك الباغي في بغيه، بل يحمله على السلامة وهذا ظاهر الفساد؛ لأن فيه ~~تصويب القاتلين لأئمة الهدى، ومصابيح الدجى، -سلام الله عليهم-. # وأما التحقيق: فهو أن يقال: إنه ليس لكل من المثبت والنافي، أن يخطئ ~~الأخر حتى يظهر له حقيقة حاله، أو يطالبه بوجه اعتقاده، فلا يبرزه فيكون ~~حينئذ قد أحل نفسه محل التهمة، والمخطؤن محمولون على أنهم إنما حكموا على ~~مخالفهم بالضلال، بعد أن ظهرت لهم حقيقة الحال، وتيقنوا أنه راكب لمعين ~~العناد، متبع لهواه في ذلك الاعتقاد اللهم، إلا أن يظهر لنا خلاف ذلك، ~~عملنا بمقتضى ما ظهر. PageV01P249 # وأما قول مولانا -أيده الله تعالى- في أخر كلامه: وعلى هذا يتنزل ما كان من ~~معاملة بعض السلف بعضا، مع اختلافهم في أئمة زمانهم، من عدم تعاديهم ~~ونساخهم مع اعتقادهم أن المسألة قطعية، فليس بواضح لجواز أنهم كانوا يصرمون ~~بالخطأ في ذلك الاختلال، لكنهم كانوا لا يحكمون ببلوغه درجة الفسق، فلهذا ~~حسنت معاملتهم فيما بينهم، والله سبحانه وتعالى أعلم، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله ms158 وسلم. # وكان تمام ذلك، والرقم لما هنالك، بعد الظهر بقليل، يوم الثلوث تاسع عشر ~~شهر صفر المظفر، الذي هو من شهور سنة تسعة وثمانين وألف 1089ه، بخط أفقر ~~عباد الله، المحتاج إلى عفو الله، السائل لربه العظيم، ومولاه الكريم، ~~الرضى عنه، وحسن التوفيق، والهداية إلى أوضح سبيل وطريق، صلاح بن أحمد بن ~~صالح بن دغيش الحيمي اليوسفي، لطف الله به وبوالديه، وبقرائبه، وجميع ~~المسلمين، وذلك مما رقم لسيدي الولد القاضي العلامة عز الإسلام، وسليل ~~آبائه الكرام، محمد بن الحسن بن أحمد بن صالح بن دغيش -حفظه الله تعالى-. PageV01P250 ### | AUTO وسيلة العمال إلى صالح الأعمال # للإمام عز الدين بن الحسن عادت بركاته # بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين والحمد لله رب العالمين.أما بعد. # حمدا لله على ما أهلنا للإرشاد والهداية، وللرغبة، إليه في أن يقينا ~~أخطار الزعامة والولاية، والاستعاذة به من الندامة والملامة لأجلها وسوء ~~الغاية، واستمداد التوفيق منه لنا ولإخواننا وأعواننا وأرباب العمل منهم ~~والسعاية، والتوكل عليه والإركان إليه في البداية والنهاية. # والصلاة والسلام على رسوله سيد الأنبياء، وعترته الأصفياء ما خفقت راية ~~وتليت أية، فإنه غير عازب عن الأفهام ما يلزم الإمام من الإهتمام، بالخاص ~~من المصالح والعام، وإن التكاليف المتعلقة بالإمامة لن تقوى عليها الجبال، ~~مدارها على تحصيل بيوت الأموال، بأيدي السعاة والعمال، خاصة في هذا الزمان ~~الذي لم يبق لأهله تعويل على غير الدرهم والدينار، وليس لهم إلتفات إلى ما ~~أوجبه الله تعالى من حقوق الإمام ولا نظر في ذلك ولا اعتبار، ولم نزل نتأمل ~~حال أولي العمل ونؤمل منهم الاستقامة، فيخيب الأمل حتى يكاد يظفر منهم بما ~~يرضى سجاياه إلا الأقل. PageV01P251 # فرأينا بعد استخارة الله عز وجل تحرير هذه الرسالة، وتصدير هذه المقالة إلى ~~عمالنا كافة ليكون لهم عن التفريط فيما يلزمهم من (تكاليف) الولاية كافة، ~~وسميناها (وسيلة العمال إلى صالح الأعمال)، ونرجو أن يتقوم بها الأود، ~~ويصلح لأجلها ما فسد، وتوقظ من غفل، ويتضح مسلك السلامة في العمل، وموضوعها ~~تعداد الآداب، التي ينجو باعتمادها العاقل ms159 من العذاب ويفوز بها يوم المآب ~~وضمنه ما لا تحتوي ما سلف من مؤلفات السلف فهي درة (ثمينة)، وجديرة بأن ~~(يتخذها) الولاة والسعاة غنيمة، والله تعالى ولي التوفيق في القول والعمل، ~~وبه الاعتصام من الخطأ والزلل. PageV01P252 ### || AUTO الأدب الأول # أنه لا ينبغي للإنسان أن يتعرض لطلب الولاية ويتصدى لها ما لم تتوجه عليه ~~لأحد الوجوه التي نذكر في الأدب الثاني -إن شاء الله تعالى-، وذلك لأن ~~الولاية يتعلق بها تكاليف وأخطار، وجدير بالعاقل أن يهتم ويغتم بما عليه من ~~التكاليف التي لا مندوحة له عنها، ولا مخلص له منها، وهي المتوجهة إليه عند ~~إكمال أبنية عقله فعل من يقوم فيها بما يجب عليه ويلزمه، فكيف يتصدى ~~لتكاليف أخر لا يجب عليه إدخاله نفسه فيها ويحمله باختياره لها!!؟ # وأما من لا يثق بنفسه ولا (يغلب) على ظنه قيامه بتكليف العمل والتولي ~~فلتشتد الكراهة في حقه بل لا يبعد خطر ذلك عليه، لما ورد فيه من الوعيد ~~والتهديد والترهيب والتشديد، فقد روت عائشة أم المؤمنين عن رسول الله -صلى ~~الله عليه وآله وسلم- أنه قال: ((ويل للعرفاء !! ويل للأمناء!! ليتمنين ~~أقوام يوم القيمة أن ذوائبهم معلقة بالثريا يتذبذبون بين السماء والأرض، ~~ولم يكونوا عملوا على شيء))، وورد هذا الحديث من طريق أبي هريرة بلفظه.قال ~~-صلى الله عليه وآله وسلم-: ((ويل للأمراء !! ويل للعرفاء!! ويل للأمناء!!، ~~ليتمنين أقوام يوم القيامة أن ذوائبهم معلقة بالثريا يدلون بين السماء ~~والأرض وأنهم لم يلوا عملا))، وعن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله -صلى ~~الله عليه وآله وسلم-: ((إن في النار حجرا، يقال لها: ويل يصعد عليها ~~العرفاء وينزلون))، وعنه -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: ((إنه سيفتح ~~عليكم مشارق الأرض ومغاربها ، وأن عمالنا في النار إلا من اتقى الله عز وجل ~~وأدى الأمانة)). PageV01P253 ### || AUTO الأدب الثاني # أنه ينبغي للإنسان التأهل للولاية حيث يتعين عليه إما لعدم سد غيره مسده ~~فيها أو لتعيين الإمام وإلزامه إياها، أو حيث يكون في تولية إدخال سرور على ~~الإمام أو ms160 دفع اغتمام عنه، وكفاية ما أهمه منه، أو حيث يكون قويا عليها ~~أمينا فيها مع الثقة من نفسه أنه يعمل بمقتضى التقوى ويراقب عالم السر ~~والنجوى. # أما حيث يتعين عليه فلأنه أمر قد وجب عليه لا سبب منه ولا يتعرض للوجوب، ~~والتفريط حينئذ تفريط في حب الله تعالى والإخلال بما فرض الله تعالى ~~والقيام به حق لازم كالقيام بالصلاة والزكاة. # وأما حيث يكون في ذلك إدخال سرور على الإمام وكفاية ما أهمه منه فلأن مثل ~~هذا في حق الطارف من المسلمين قربة جليلة وطاعة وفضيلة، فكيف بذلك في حق ~~الإمام الأعظم مع انتفاء الأسباب المكروهة والخطر المتقدم ذكرها!!؟، وشواهد ~~ذلك من الأخبار لا غاية لها ولا انحصار كقوله # -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((من كان في حاجة أخيه كان الله تعالى في ~~حاجته ، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله بها عنه كربة من كرب يوم القيامة)) ~~رواه ابن عمر. # وقوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((إن لله خلقا خلقهم لحوائج الناس ، ~~يفزع الناس إليهم في حوائجهم، أولئك الآمنون من عذاب الله)) رواه ابن عمر أيضا. # وروي عنه، وعن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((من مشى ~~في حاجة أخيه حتى يثبتها له أظله الله عز وجل بخمسة وسبعين ألف ملك يصلون ~~عليه ويدعون له إن كان صباحا حتى يمسي وإن كان مساء حتى يصبح، ولا يرفع ~~قدما إلا حط الله عنه خطيئة ورفع بها درجة)). PageV01P254 # وعن زيد بن ثابت -رضي الله عنه-: ((لا يزال الله عز وجل في حاجة العبد ما ~~دام في حاجة أخيه )). # وعن أنس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((من لقي أخاه ~~المسلم بما يحب فبشره بذلك بشره الله عز وجل يوم القيامة)). # وروي عن الحسن بن علي -عليهما السلام- قال: قال رسول الله # -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((إن من موجبات المغفرة إدخالك السرور على ~~أخيك المسلم )). # وروي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه ms161 وآله ~~وسلم- قال: ((إن أحب الأعمال إلى الله تعالى بعد الفرائض إدخال السرور على ~~المسلم)) فهذه الأخبار وغيرها دلت على عظم موقع قضى حاجة أي مسلم كان ~~وإدخال السرور عليه، ولا شك أن تولى العمل للإمام وكفايته فيه قضاء حاجة ~~مهمة له ومما يدخل السرور عليه والانشراح ولا ينبغي لمسلم أن يزهد في ~~الفضائل، وترغيب نفسه في الطاعات والقربات. PageV01P255 # وأما حيث كان يعلم من نفسه كونه قويا أمينا، ولا يتوه في ذلك، والقدوة ما ~~صدر عن يوسف الصديق -عليه السلام- من التعرض للولاية والإدلاء لذلك وهو ~~دليل واضح، ثم إن تولي العمل لأئمة الهدى خصلة شريفة ووظيفة رفيعة وأي ~~وظيفة وأخذ بنصيب من الجهاد، وإعانة الإمام في تكاليفه الشداد، ويوصل إلى ~~كسب المعاش من وجه مستطاب لا تعاب وتسبب إلى السلامة من شوائب الاكتساب، ~~واستغنى عن المسألة المحرمة والحرف المذممة، وقد ورد من الأخبار والترغيب ~~في العمل على الصدقة بالتقوى كافية كفاية، كقوله -صلى الله عليه وآله ~~وسلم-: ((العامل على الصدقة بالحق لوجه الله عز وجل كالغازي في سبيل الله ~~حتى يرجع إلى أهله)) رواه رافع بن خديج، وورد من طريق عبد الرحمن بن عوف ~~ولفظه: ((العامل إذا استعمل فأخذ الحق وأعطى الحق لم يزل كالمجاهد في سبيل ~~الله حتى يرجع إلى بيته)). # وعن أبي هريرة، عنه -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((خير الكسب كسب العامل ~~إذا نصح )). PageV01P256 ### || AUTO الأدب الثالث # ينبغي له إذا رجح في حقه الإجابة إليها والعمل عليها أن يجيب بسهولة ~~وانطلاق وبشر ولا يتلكى ويتعنت، ويظهر شدة الامتناع ويرغب في تكرر المراجعة ~~فإن ذلك ما يشوب نفعه ويكدره، وقد يكون سببا في انتقاض أجره وعدم توفر ~~صنيعه ومخالفة بشبهة، وما أمر به من المسارعة إلى طاعة الله وأولى الأمر، ~~واللائق بمن شأنه الإسعاد ومآله إليه أن يبدأ به ويجيب إجابة الكرام ~~بانطلاق واهتمام، وكل صنيعة يبديها صاحبها بعد تنكد ومماطلة وتعبيس فهي غير ~~هنيئة، وما أحسن ما قيل فيما يناسب هذا أو يشابهه: # وخير العطا ما وافق الضر ms162 نفعه .... ولم يقفه ابن ولا أمة مطل # وما كان صبرا واحتسابا ولم يكن .... رجاء لما بعد جزاء لما قبل PageV01P257 ### || AUTO الأدب الرابع # ينبغي له عند النبأ على الإسعاد والإجابة والانقياد أن يستحضر النية ~~الحسنة والقصد الصالح، ويصفي القلب عن خواطر السوء والمقاصد الدنيوية؛ فإن ~~الأعمال بالنيات حتى (أن) النية الحسنة قد تصير المباح من جنس القرب ~~المقربة إلى الله تعالى الموجبة للثواب، و(تغير) صورة الواجب إلى المحظور ~~الذي يستدعي العقاب كمن قصد بالسجود لغير الملك المعبود، وقصد بصلاته أن ~~يقال: صلاة هذا حسنة، أو أن ينال بها إربا من مأرب الدنيا فيستحضر في قلبه ~~أنه أجاب تقربا إلى الله تعالى وسببا إلى الثواب بنفع الإمام وإعانته ~~ومظاهرته وأخذ نصيب من الجهاد معه ونفع المسلمين الذين يصير إليهم ما جمعه ~~وقبضه والمشاركة في تحصيل ما صرف منه، من المصالح الدينية ونفع أرباب ~~الزكاة بتخليص ذممهم وتسهيل التخلص عنها عليهم، وإذا عرض له قصد الانتفاع ~~لعماله وما يصير إليه من حصته نوى أن ذلك ليستعين به على طاعة الله عز وجل ~~ويستغني به عن ما حرمه الله تعالى، وينفع عائلته ومن يلزمه نفعه، ويؤدي ما ~~أوجبه الله من حقهم ونحو ذلك، وليحذر أشد الحذر أن يجعل قصده عرض الدنيا ~~وما يعود إليها فيحرم نفسه الخير مع تمكنه منه، ويسهل له ووضوح طريقه: # فلم أر في عيوب الناس شيئا .... كنقص القادرين على التمام # واعلم أن النية هي كقطب الرحى للعمل، فعليها من الأعمال مدار الأعمال ~~الأخروية ولا قول ولا عمل إلا بنية، وهي بالقلب لا باللسان. PageV01P258 # وقد ورد في هذا المعنى من السنة والقرآن ما يستغني عن الفعل والبيان كقوله ~~-صلى الله عليه وآله وسلم-: ((إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما ~~نوى)) وهو من الأحاديث المشهورة المباركة المبرورة، حتى قال بعض العلماء ~~هذا الحديث يبنى عليه ربع الإيمان، وهو مما رواه عمر بن الخطاب وادعى بعض ~~علماء الحديث فيه التواتر. # وعنه -صلى الله عليه وآله وسلم: ((الناس على نياتهم )) رواه أبو هريرة. ms163 PageV01P259 ### || AUTO الأدب الخامس # حسن المعاملة لمن ولي عليه، وأن يجد في الرفق وحسن الاستدعاء لهم إلى ~~الطاعة والتسليم والانقياد، ولا يدلهم في أول الأمر أن يعرض لهم وحشة عنه ~~ويتوه وإزورار لا سيما حيث لم يكن قد سبقت بينهم وبينه معرفة واختلاط، وحيث ~~كان عليهم قبله متول غيره فليلطف ويتدخل إلى ما يريده منهم، ويحسن المراجعة ~~لهم كل ما يليق به، ويصبر على ما قوبل، من أذى أو نفرة أو وقع فيه من مشقة ~~أو عسرة؛ ثم ليبسط لهم عذره في التولي عليهم ويعرفهم بأن هذا أمر قد وجب ~~عليه إما بإلزام الإمام أو لأنه أمر ديني، ونفع الإمام واجب على من يحسنه ~~ويمكنه ثم ليعرفهم (بحق) الإمام ووجوب طاعته، وما في ذلك من الخير وما في ~~خلافه من الشر والضير، ولا ييأس لما يراه من جماحهم وإياهم، ولا يعتقد ~~استمرآهم على ذلك فهم عما قليل راجعون وإذا اشتد جماحهم وتعليهم فليجتهد في ~~إصلاح واحد منهم، واستدخاله في الطاعة فما أسرع تلاحقهم، وللرعية الذين ~~تنفذ عليهم الأوامر مزاج وعلاج، وكذلك لم يقاربهم في الرهبة والخوف من ~~عواقب المعصية، وللأخيار وأهل العزة علاج آخر على الجملة، ولكل مقام مقال، ~~وقد كان لبعض أعوان الأئمة فيما مضى بشر عظيم في هذا المعنى للصبر الذي كان ~~عليه مع حسن القصد ولطف المعاملة والإحكام فيها، والله مع الصابرين، ومما ~~ينبغي أن يعرفهم به ما في التسليم إلى الإمام من الفضل وعظيم الأجر ~~ومشاركته فيما هو فيه، وكون ذلك حضهم من الجهاد معه، فإنه لا ينبغي ممن قعد ~~عن الجهاد بنفسه أن لا يحترم الإعانة بحق الله الذي لا نقص عليه في تسليمه ~~ولا خلل، وأنه إذا كان لا بد أن يخرج PageV01P260 زكاة فصرفها وتسليمها إلى من يجزيه التسليم إليه بل يثاب أسنى الثواب عليه ~~أولى له وأخلق به من أن يصرفها على وجه لا يخلصه (فيصير) غير متخلص بها في ~~أخراه، ولا مشفع بها في دنياه، ونحو هذه المعاني المحكمة المباني، وملاك ~~هذا الأدب ms164 هو الصبر على معاناتهم وأذاهم وعدم التأنف والمنافرة والمقابلة ~~لما صدر منهم من مساوي الأخلاق بمحاسنها، وأن يدفع بالتي هي أحسن، فإن ~~الخلق الحسن هو مرهم هذه الأمور والمقاصد ونيل المأرب والفوائد والمرقاة ~~إلى درك الأمر العسير والذريعة إلى التوسعة والتيسير، ومع ذلك فهو أمر سهل ~~يسير لا يفتقر إلى تعب ولا يفضي بالمتخلق به إلى نصب، والله تعالى هو ~~الموفق. PageV01P261 ### || AUTO الأدب السادس # أداء الأمانة واجتناب الخيانة، وهذا الأدب هو واسطة عقد الآداب والخلاصة ~~منها واللباب، ومحك الأديان، وقاعدة الصلاح في هذا الشأن، قل في زماننا هذا ~~المتأدب به والمعتمد عليه، والناظر بعين التوفيق إليه، لأن الزمان المشار ~~إليه بارتفاع الأمانة وكثرة الخيانة، وقد صار الناس على ما قال رسول الله ~~-صلى الله عليه وآله وسلم-: ((إذا فعلت أمتي خمس عشر خصلة فقد حل بها ~~البلاء ، ثم عد منها أن يكون المغنم دولا والأمة مغنما والزكاة مغرما)) ~~ولزوم ويحميها وارتفاعها في الخصال الشريفة وتقدمها وفضاعة شأن الخيانة وما ~~فيها من الخساسة والوضاعة مما لا يخفى على الخواص ولا العوام ولا يحمله أحد ~~من أولي الأحلام والأفهام، ولا يفتقر إلى الإيضاح بعد الإبهام، فطابق في ~~ذلك العقل والنقل، وصرح به في غير موضع كتاب الله عز وجل وهو القول الفصل، ~~قال الله تعالى: { فليؤد الذي اؤتمن أمانته }[البقرة: 283] {إن الله يأمركم ~~أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها }[النساء: 58] {إنا عرضنا الأمانة على ~~السماوات والأرض والجبال}[الأحزاب: 72] الآية، {إن الله لا يحب من كان ~~خوانا أثيما }[النساء: 107] {إن الله لا يحب الخائنين }[الأنفال: 58]. PageV01P262 # وأما ما ورد في السنة والأخبار المروية فمما لا يحصره حساب ولا يشتمل عليه ~~كتاب، قال -صلى الله عليه وآله وسلم-: (فيما) نحن بصدده من أنواع الأمانة ~~ما لفظه: ((إن الخازن المسلم الأمين الذي يفعل ما أمر به فيقطعه كاملا ~~موفرا طيبة به نفسه فيدفعه إلى الذي أمر به أحد المتصدقين)) أخرجه البخاري ~~ومسلم في صحيحيهما من طريق أبي موسى، وقد سبق من الأحاديث في ترغيب العامل ~~بالحق وعلى التقوى ms165 في الأدب الثاني ما هو من شواهد هذا المعنى فإن المراد ~~به العامل الأمين، وسبق فيه أيضا من الترهيب للعمال ما يعرف به عظيم موقع ~~الخيانة والمغلول من الذنوب الموبقة، والجرائر المهلكة، فنعوذ بالله من ذلك ~~ونسأله السلامة من المهالك، فليحتزر العاقل غاية الاحتراز عن أن يأخذ شيئا ~~غير ما فرض له ولو مثقال ذرة، فإن الله تعالى يحاسب به فإن الكتاب لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، قال -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((من ~~استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول)) رواه عبد الله ~~بن بريدة، وعن عبادة بن الصامت، أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ~~بعثه على الصدقة، فقال: ((يا أبا.... اتق الله لا تأتي يوم القيمة ببعير ~~تحمله له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة لها ثغاء، قال: يا رسول الله إن ذلك ~~لكذلك. قال: أي، والذي نفسي بيده))، قال: والذي بعثك بالحق لا أعمل لك على ~~شيء أبدا. PageV01P263 # وعن عدي وغيره قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: ((من ~~استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخطيا فما فوقه كان غلولا يأتي به يوم ~~القيامة))، وفي أخر هذا الحديث أنه -صلى الله عليه وآله وسلم- قال لمن ~~استعظم، فقال: سمعتك تقول: كذا وكذا، قال: ((وأنا أقوله: إن من استعملناه ~~منكم على عمل فليجئ بقليله وكثيره فما أولى منه أخذه وما نهي عنه انتهى)). # وروى أبو رافع، عنه -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه مر بالبقيع فقال: ~~((أفا لك ، فكبر ذلك في ذرعي، فاستأخرت وظننت أنه يريدني، فقال: (مالك أمس) ~~فقلت: أحدثت حدثا قال: (لا، ومالك) فقلت: أففت لي، قال: ((لا، ولكن هذا ~~فلان بعثته ساعيا على شيء فلان فغل غيره فدرع عليه مثلها من النار)). # وعن عبد الله بن عمر، أنه كان على ثقل رسول الله -صلى الله عليه وآله ~~وسلم- رجل يقال: له كركرة فمات، فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ~~((هو في النار )) فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة ms166 قد غلها وعن زيد بن خالد ~~أن رجلا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- توفي يوم حنين، ~~فذكروا لرسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فقال: ((صلوا على صاحبكم ، ~~فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: إن صاحبكم غل في سبيل الله)) ففتشنا متاعه ~~فوجدنا حرزا من حرز يهود لا يساوي درهمين))، فانظر إلى ما شملته هذه ~~الأحاديث من الوعيد الشديد والزجر والتهديد وغيرها مما تركنا رقمه إيجازا ~~واختصارا وفيما ذكرناه كفاية وزيادة. PageV01P264 # تنبيه: ينبغي لمن اطلع على خيانة العامل أن لا يكتم ذلك عليه، ولا يستره ~~فإن ذلك نوع من الإدهان ومناف لما أوجب الله سبحانه وتعالى من نصيحة أولي ~~الأمر ويعني ذلك أن لا يتحرج صدر العامل أو لئلا يكون نميمة أو لاعتقاد ~~بوجه الستر عليه، أو لغير ذلك من الحوامل فهو مغرور ممن قال الله فيه: {وهم ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا }[الكهف: 104]، فإنه بذلك شاركه في الخيانة وتصور ~~بصورة الراضي بها، وخالف ما أوجب الله تعالى من النصيحة التي جعلها النبي ~~-صلى الله عليه وآله وسلم- من الدين، ولا شك أن الخيانة منكر، وأن تاركها ~~والتعريف بها يؤدي إلى إزالتها، إما بأن يصلح العامل ما فسد أو بأن يرفع ~~يده عن العمل ويبعد، وبالكتم يسبب المعصية واستمرارها والبقاء عليها ~~فالكاتم كتارك إنكار المنكر، وهو تفريط في جنب الله عز وجل. # وعن سمرة بن جندب، أنه قال: أما بعد فكان رسول الله -صلى الله عليه وآله ~~وسلم- يقول: ((من يكتم غالا فهو مثله )). PageV01P265 ### || AUTO الأدب السابع # اجتناب التفريط فإنه يشارك الخيانة في وجوب الضمان غالبا وإيجاب مطلق ~~الإثم، وأما المساواة فيه فهي متحققة، والتفريط أنواع منها غفلته وتراخيه ~~في وقت العمل والقبض المعتاد؛ فإن لذلك أوقاتا إذا أخر عنها وقع التناقض ~~والتفويت، فينبغي منه التوفر وإحضار الذهن وهو إن كان في جهة العمل فذلك ~~منه بمرأى ومسمع، وإن كان نازحا عنها فلا أقل من أن يبحث ويترقب ولا بأس أن ~~يكون له في الجهة من يشعره بذلك في وقته، وإذا كانت ms167 [جهته متسعة] لمارها ~~يأتي شيئا فشيئا قدم ما تقدم، وإن كانت تأتي في وقت واحد قدم ما هو مظنه ~~الفوات وإن استوى الحال منها اتخذ أعوانا ممن ينوبه، ونظر في الأمر نظرا ~~مخلصا عن درك التفريط، وإن عجز عن كل ذلك أذن الإمام به وعرفه أنه لا يتمكن ~~إلا من العمل في بعض تلك الجهات لينظر الإمام فيمن يعينه أو يستقل بجمع ~~البعض عليها. PageV01P266 # ومنها: أن يتراخى في تبليغ ما جمعه فذلك(لا) شك تفريط، ومن حقه أن يتبادر ~~بتبليغه بنفسه أو بواسطة إلى يد الإمام أو من أهله لالتقائه حسب العادة، ~~وأن لا يغفل عن ذلك ليخلص ذمته عن عهدة الأمانة وليحذر عن الآفات التي يقع ~~بها الفوات من سرقة المتاع أو خيانة الوديع، أو ظن أمر يقتضي نقضه أو ذهابه ~~أو مرض العامل نفسه أو موته أو غير ذلك؛ ثم إن التبليغ فرضه وهو في الحقيقة ~~مستأجر عليه والجمع من دونه لا ثمرة له ولا فائدة؛ فإنه لا انتفاع للإمام ~~بما جمع ولم يبلغ إليه كما لا ينتفع بما لا يجمع، اللهم إلا أن يأمره ~~الإمام ببقائه عنده، أو حيطة في جهة يعينها له فعليه الامتثال ويخرج بذلك ~~عن الإخلال، وحيث أمر بتركه وعدم تبليغه في تلك الحال أو منعه من التبليغ ~~مانع من خوف أو غيره، أو لم يتمكن منه للاشتغال بتبعة العمل فليحذر من ~~التفريط فيما جمعه وصار في يده بوجه من الوجوه لا يأمن منها من يناقصه، فإن ~~كان حيطة له في بيته احترز عليه من أهله وولده ولم يأمنهم عليه فيجعله في ~~منزل لا سبيل لهم إليه ويحجبه عنهم ويكتم ما استطاع الكتم، وإن كان تحت يد ~~وديع لم يرض به إلا مع أو يعينه وظهور أمانته وعدالته فحيث أنه لا يخاف ~~عليه في حياته ولا بعد مماته، وإن كان تاركا له في منزل لغيره أو في دار ~~سكنها غيره احترز في ذلك بالمغالق الوثيقة والأقفال الحريزة ونحو ذلك، ولا ~~يفتر حيث كانت الغلقة ونحوها ms168 متقدمة على تصييره لما في المنزل وبيد أهله من ~~قبل ذلك فإنه لا يأمن أن يكون لها مفتاحان، وإنما اللائق أن يتخذ من ذلك ما ~~يقع به الأمن مما ذكر وإن كان حبا في PageV01P267 مدفن لم يرض من المدافن إلا ما يؤمن عليه من السرقة والانتهاب وما يعزب أنه ~~لا يغير ما دفن فيه، ومع ذلك كله فيحترز بالتنزيل القليل والكثير في مسطور ~~يذكره أن يسمي ويعرف به بعد موته على هذا المنوال في أنواع التحرزات فإنما ~~قصد التنبيه والتمثيل لا الحصر. # ومنها: أن لا يكتري للحمل من لا يؤمن فذلك تفريط، وينبغي له التحفظ في ~~هذا المعنى وكثير ما يعرض الخيانة ويقع بسببه الفوات الذي لا يمكن تلافيه، ~~ولا يكري محملة لا ممن يوثق به أو مع مسايرته له، إذا سيرها به فيما نقص ~~وطلب ضمين عليه من نصبه أوجبت بقطع أنه إن خان لم يعنه، وأنه ممن يحكم عليه ~~ويحترز في أن يجعل له مجالا في الاعتذار إن خان فإذا كان المحمول مكيلا ~~مثلا والمكاييل تختلف جعل له مكيالا إما تحمل مع الحمال أو يكون مساويا ~~لمكيال المخزان الذي يحمل إليه الحب، وإن كان المحمول مما يوزن حقق وزنه ~~وأخبر الإمام أو من يقع التبليغ إليه بقدره، وشرط على الحامل أن يأتيه ~~بجواب ينطوي على تحقيق بلوغ ما صيره إليه، ونحو هذا من التحرزات والتنقضات ~~التي لا تعزب عن ذي الفهم والألمعية. # ومنها: أن يسلك بما معه طريقا مخوفا أو تأمن الحامل فسلوكه أو يأذن له، ~~فإن هذا أمر بضمان التفويت، وينبغي له التحرز والاحتياط منه جدا ولو سلوك ~~طريق متعد أو توقف حتى تسلك القافلة والنظر فيمن سايره ولو بأجرة كاملة، ~~وإن أعوزه ذلك كله لم يقع له ما تضمن به ويأمن به على ما معه راسل الإمام ~~وخبرة بذلك ليمده بالنظر فيه، أو يأذن له فيما خشي منه فيخرج عن الملام ~~والضمان وفي حكم الإمام من أمر بالتبليغ إليه. PageV01P268 # ومنها: أنه (لا يبيع) بنفسه فإن ذلك ms169 من مضان الإضاعة لأنه قل ما يقضي ما ~~كان من هذا القبيل بل يداخل المستدين الطمع ويستعسر القضاء ويستنكر الطلب ~~من العامل ومن الإمام، وقد يكون ذلك سببا في التنفير والتنكير فينبغي أن ~~يحترز عن ذلك وأن لا يبيع إلا بنقد فإن أضطر إلى أن بيني فبوثيقة ممن لا ~~يخاف تغيره إن ألح عليه، ولا يبالي بالتشديد عليه في الطلب، وهذا ما لم ~~يأمره الإمام أن يبتني فإن أمره بذلك لغرض فيه، أو لتعذر حضور الثمن فعليه ~~الامتثال ولا ضمان عليه فيما تعذر عليه فيه الاستقضاء وفات من ذلك. # ومنها: سلوك سبيل المحاباه فعليه إن لا يحابي أحدا قط فيما يرجع إلى ~~ولايته والمحاباه على وجوه: # أحدها: أن يحابي أرباب الزكوات فيما وقع منهم من الغلول وعدم الموافاة أو ~~الامتناع من توفير الحصة التي أمروا بتوفيرها من الزكاة. PageV01P269 # وثانيها: أن يحابي من اختطف شيئا منها لا عن إذن من الإمام ولا برضى، كما ~~عليه كثير من الناس في زماننا هذا أنهم يختطفون ما أمكنهم من الزكوات ولا ~~يبالون بأمر الإمام ولا نهيه عن ذلك ولا بما فيه الخطر، والعوام اتباع كل ~~ناعق واختداعهم من أيسر الأشياء وأسهلها وقد يتفق ذلك لرغبتهم إلى نفع من ~~يصيرون إليه الواجب، ومكانه عندهم وسعة جاهه لديهم وقد يفعلونه لنوع من ~~المخادعة كأن يوهمهم أن الإمام قد أذن له بذلك أو كتب إليه كتابا ويحسنون ~~الظن فيه، فيقبلون كلامه أو يريهم كتابا ويقرأه عليهم، وإن كان ليس فيه شيء ~~من ذلك أو يكتبه بخطه يوقفهم عليه، ويستشهد بعض المغفلين الذين يعرفون مجرد ~~الكتابة من غير تيقظ ولا معرفة للخط، أو يذكر لهم أن الإمام مستغن عن هذا ~~أو غير ناظر إليه، وهو لا يبلغ إليه ولا ينتهي إلى يديه أو الإمام إنما ~~ينفقه على الأجناد في علف البهائم والجمال، وعلى سفلة الناس كالمهاتير ~~والغلمان، وغير ذلك من أنواع التغرير والتلبيس والتمحلات لأخذ الزكوات ~~ووضعها في الكيس. # وهذا من أعظم الأسباب المفوتة لبيوت الأموال والزكوات، والمعصية ms170 لعدم ~~توفيرها وهي مصيبة قد شاعت في جميع الجهات وجرى عليها كثير من أهل التمييز ~~إلا من عصم الله تعالى من عباده وقليل ما هم. PageV01P270 # وثالثها: أن يحابي من خانه فيها من وديع أو حامل أو نحوهما، والحوامل على ~~المحاباه كثيرة كالاستحياء فقد يحمله الحياء على الإغضاء وعدم المناقشة ~~وكالصداقة والرحامة، فتحمله محبة من صدر منه شيء من ما ذكر أو رحامته على ~~الإبقاء عليه، وعدم جرحه والقدح فيه وترك الإطلاع على فعله، وكاستعظام حال ~~الفاعل، واعتقاد أن حاله يعظم على أن ينكر عليه ما فعله أو ينهيه إلى ~~الإمام وكاعتقادات السكوت أصلح وأرجح، وما قد فات فقد مات، وأن المناقشة ~~تؤدي إلى فساد أو ازدياد في خلاف ما يراد، وكظن أن اللائق بحاله الستر على ~~من تعنا وعدم الكشف عن حاله وأن في ذلك انتهاك بحرمته ومخالفة اللائق ~~بالحال، وأن الأولى له التحمل فلا يدري القيم على ولايته أو يرفع أو يشك ~~عنها فما باله يكسب عداوة الناس لأمر لا يدري ما حكمه فيه وكأن ينظر إلى ما ~~يفوت عليه من حصته فيجدها لا توازي ما يلحقه من المشقة في الشجار والخصام. PageV01P271 # وكل هذه الحوامل فاسدة ولا ثمرة لها ولا فائدة، والمحاباة فيما ذكر وفي ~~غيره خيانة وتفريط، ولا ينبغي لأهل الاحتياط في دينهم والتحرز عما يشينهم، ~~والواجب عليه أن يجتهد في إصلاح ما عز من ذلك ودفعه والإنكار على فاعله، ~~وتقبيح فعله وأن لا يألو جهدا في ذلك وما أعجزه إصلاحه منه ودواه رفعه إلى ~~الإمام في وقته واستمد رأيه فيه ونظره واستورد أمره فما أمره الإمام به ~~فعله، وإذا خيل إليه أن السكوت عما وقع أولى فلا يستقل برأيه في ذلك، بل ~~يرفع القضية إلى الإمام ويعرفه بما خطر بباله من استرجاح للإغضاء وما في ~~المناقشة من الشوائب، ثم يعمل بما رآه الإمام من تقرير ما رآه أو عدمه وما ~~كان في الحوامل من حقه إلى ترك الإنكار أصلح له في دنياه فمغلطه، فإنه وإن ~~كان كذلك ms171 فلا نقص عليه في دنياه فكذلك ينقصه في دينه، ويخل فيما يلزمه في ~~أمانته وتكاليف ولايته، والله الموفق. # وللتفريط أنواع وأسباب غير ما ذكر، والقصد التحرز عنها كلها والاحتياط ~~والتحفظ حسب الإمكان، والله المستعان. PageV01P272 # تنبيه: اعلم أن الزكوات وبيوت الأموال وما يجمع الإمام كثير ما يعرض له ~~الفوات والانتقاص، وينظر إليها أهل التلصص والاختلاس، ويشق التورع عنها على ~~أكثر الناس، وما هي إلا عرضة للانتهاب وعرض للفوات والذهاب، ولا نجد من ~~يتورع عنها على حد تورعه عن غيرها ولا من يستحي من أخذها كاستحيائه عن أخذ ~~غيرها، فلهذا يتوجه الاحتراز الكلي عليها واستقرار التجويزات البعيدة في ~~ذلك، وعدم الأمن والثقة إلا بمن قد وقعت له خيرة كبيرة منها، وفي التعفف ~~عنها، بلغني أن بعض الأئمة السابقين عليهم السلام كان كثيرا ما يذكر هذا ~~ويصوره في زكاة الحب، فيقول ما معناه: إن رب الزكاة يعمل النظر في نقصها ~~والتحيل في البخس ولا يسلمها حتى نال منها ما نال ثم يدفعها إلى العامل، ~~فلا يزال يكرر النظر فيما يستبد به منها، ويصير إليه حتى نال منها ويقع ~~فيها ثم يدفعها إلى الحامل فيكون منه ذلك، ثم كذا في الخازن ثم فيمن يدفع ~~إليه شيئا منها لينظر فيمن يطحنه، ثم هكذا في الطاحن ثم في المبلغ عنه، ثم ~~في من دفع إليه ليخبره، ثم فيمن يناوله منه لتبليغه إلى الأكلة، وصدق -رحمه ~~الله تعالى- في ذلك. # وقد وقفنا على حديث مرفوع مضمون يتكل خروج الصدقة وخلوصها إلى الغاية ~~المطلوبة منها، ومعناه أن الصدقة لا تخرج إلا من حيث يجيء ثلاثة وسبعين ~~سلطانا أو كما قال. PageV01P273 ### || AUTO الأدب الثامن # أنه لا ينبغي أن يصرف مالم يؤمر بصرفه في تأليف أو مواساة ضعيف ولا يمتنع ~~عن صرف ما أمر بصرفه فيما ذكر وفي غيره فهذان طرفان، والوجه فيهما كليهما ~~ظاهر فإن يد الإمام فوق يده، ولا يحل له من التصرفات إلا ما أمره به جملة ~~أو تفصيلا، ولا يحل له أن يخالف ما أمره به، والذي ms172 في يده حكمه حكم الأمانة ~~لا يجوز التصرف فيها إلا بإذن صاحبها ورأيه. PageV01P274 ### || AUTO الطرف الأول # يقدر بما يخطر بباله (أن) مثل ذلك يليق ويحسن، وأن فيه صلاحا وأنه لو لم ~~يعط (.....) ويوضح لهم لما أمن أن ينشأ من ذلك مفسدة، وأن مواساة الضعفاء ~~أمر لازم لا يليق حرمانهم عن شيء لهم فيه مدخل، ونحو هذا (من) البواعث على ~~ما ذكر من الاتفاق وهي مغلطة، فإنه ليس لأحد أن ينفق ما ليس له في وجوه ~~البر، ولو قصد بذلك التقرب لم يكن قربة بل معصية، ولم يستحق به الثواب بل ~~العقاب، وفرضه أن لا يتعدى ما أمر به ولا يزيد ولا ينقص والعمل بالحسنة هنا ~~لا معنى له، والذي يتوجه في مثل ذلك أن يستأذن الإمام فيما عن له جملة أو ~~تفصيلا فالجملة أن يطلب من الإمام الإذن والتفويض فيما رآه صلاحا؛ فإن ~~امتنع لم يتعد الحد ولم يفعل ما منعه منه وإن سعد كان ما فعله صادر على ~~الوجه المرضي، لكن لا يغير بالتفويض ولا يفعل به إلا ما علم أو غلب على ظنه ~~حصول المصلحة فيه وأن الإمام لو اطلع عليه لرضيه، والتفصيل أن يستأذن في ~~مواساة فقير بعينه أو تأليف شخص منصوص عليه فإن أذن له فعل، وإن غفل عنه ~~اغتفل، والحذر كل الحذر أن ينفق شيئا لغرض يعود عليه أو هوى يتعلق به. PageV01P275 # تنبيه: أما إذا اتفق أمر لا يستغني فيه عن التأليف، ويقع بسبب تركه مفسدة ~~أو فوت مصلحة ويتضيق وقته بحيث أنه لم يتمكن من الاستئذان فيه فالواجب عليه ~~أن يفعل وأن لا يترك ذلك تحريجا واللائق بالإمام أن يصوبه فيما فعل ويشكره ~~عليه، وإن لم يستحسنه لوجه خفي عن العالم أو اجتهاد خالف اجتهاده فالأقرب ~~أن يضمن وصول ذلك لا يخفي ولا يفتقر إلى ضرب مثل، وشرط ما ذكر حصول القطع ~~فيه فلا بد أن يقطع أنه إن لم يتألف في ذلك الغرض فات أو أنه لم يتألف وقع ~~فساد من انتهاب لما ms173 في يده أو ظهور معصية الإمام وخلاف، ولا بد أن يقطع أو ~~يظن ظنا مقاربا بأنه إذا فعل حصل الغرض المقصود من حصول النفع أو اندفاع ~~الضرر ولا يكفي توهم ذلك أو ظنه ظنا ضعيفا بحيث أنه لا يأمن أن ينفق ما ~~ينفق ثم لا يحصل الغرض. PageV01P276 ### || AUTO وأما الطرف الثاني # وهو ما يلزمه من العمل مما أمر به من إنفاق أو غيره فلا لبس في وجوبه إذ ~~هو مأمور فيجب عليه امتثال الأمر، لأنه فائت فيلزمه قبول ما ورد عليه من ~~المستنيب له ومأمور يتحتم عليه طاعة الإمام، ولو أن الإمام أمره بأن يطرح ~~ما جمعه البحر أو يرمي به من شاهق في البر للزمه ذلك، إذ لا يمكن القطع به، ~~ولا صلاح فيه فلعل فيه صلاحا قد علمه الإمام ولا يحتج بعدم علمه إياه، فإن ~~ما لم يعلم أكثر مما علم، وأوضح من هذه أن يأمره بالتسليم إلى رجل يعتقد ~~أنه لا يستحق أولا مصلحة في إعطائه، فإن نظر الإمام فوق نظره وعليه ~~الإمتثال لما علم وجهه وما لم يعلم. اللهم، إلا أن يعرف أن الإمام إنما أمر ~~بالإعطاء لسبب، وذلك السبب لا وجود له كفقر أو عمل أو قضاء إرب وإنما أتفق ~~غرر الإمام فيه فحينئذ يحسن فيه يلقي ذي الحاجة الواردة عليه بأمر الإمام ~~تلقيا حسنا ينطوي على تفخيم شأن أوامر الإمام، كأن يقول أمر الإمام مطاع ~~وأنت على خير، ثم يراجع الإمام مشافهة أو مكاتبه وينبهه على ما علمه من عدم ~~ثبوت السبب الموجب، فإن أمره بالفعل أما استحيا عن الرجوع فيما قد أسعد به ~~أو لمصلحة أخرى فعل، وإن إذن له في الترك ترك على وجه جميل، وأوضح للطالب ~~العذر على ما يراه من إجمال أو تفصيل، وخالقه بخلق حسن، وحاصل الأمر أن ~~طاعة الإمام في الإقدام والإحجام لازمة له وواجب عليه، وأن اللائق بحاله ~~المسارعة إليه، وأن الإمام إذا سمح بسائل أو أمر بإعطاء سائل والانقياد إلى ~~ذلك والمسارعة إليه من فرض العامل ms174 طاعة الله تعالى ولإمامه، واغتناما للأجر ~~في ذلك كما ورد في الخبر PageV01P277 المتقدم نقله((الخازن الأمين الذي يفعل ما أمر به بتعطيه كاملا موفرا ~~ويدفعه إلى الذي أمر به أحد المتصدقين))، ولأن في ذلك كسب صنيعة واستدعا ~~ثناء ودعاء وشكر بغير غرامه ولا مشقة، فهل العدول من ذلك إلى المنع الذي هو ~~معصية ومأثمة ومبتدع لأسواء الثناء، وموجب الذم والملامة إلا من قبيل ~~الخذلان والحرمان فأقل قيل ما يفعل العامل أن يتلقى ذا الحاجة ومن بيده فضل ~~الإمام بالبشر والرحب والخلق الحسن، ويجانب التعبيس والتقطيب، وما يشين ~~ويريب فإن كان المطلوب منه لم يتعلثم ولم يمطل ساعة واحدة، وإن كان يده ~~خالية وهو واثق بحصول شئ يعطيه عرفه بذلك ووعده لحصوله، وإن يكن الشيء ~~حاصلا في جهة نازحة عرفه بذلك وسار معه أو أرسل من يعطيه أيا أو كتب له، ~~وليجانب المطل الذي لا موجب له فإنه شين وتنغيص وتكدير لمروة الإمام وجالب ~~للملام، وإن لم يبق في يده شيء أو لم يحصل له شيء، ولا يرجو شيئا قريبا ~~عرفه بذلك وتأسف لعدم حصول غرضه وإحقاق مسعاه، وكتب معه إلى الإمام بذلك ~~وإن صدر من ذي الوصل أذى احتمله وصبر عليه ودفع بالتي هي أحسن، ومع التمكن ~~من التسليم يسلم إليه ما ذكر من غير زيادة ولا نقصان، وإن خطر بباله أن هذا ~~يستحق الزيادة على وجه له راجع نفسه بأي أمين ليس لي أن أعطي مالم أومر به، ~~والإمام أعرف مني بالأرجح في التقدير والأولى من القليل والكثير، وإذا خطر ~~بباله أن هذا العطاء أكثر مما يتوجه لمثل هذا المعطي، وإن قيل هذا يجحف ~~بالإمام فينبغي النقص فليتأمل ليعرف أن فرضه الامتثال فقط، وأن الإمام أخص ~~منه بذلك وما رضي به فعليه أن يرضى به ولا يخالفه PageV01P278 فيه، اللهم إلا أن يستقل ما عين فترجح له أن يزيد زيادة مما هو له أو ~~يستأذن الإمام فيها إن أمكنه الاستئذان أو يفعل ما يعقل، وله نظر الإمام في ~~حسبانها له أو ms175 عليه وعدم مساغها له. # تنبيه: أما إذا استنكر ما ورد به وصل الإمام وجوز الغلط في الكتابة كأن ~~يوصل لرجل خفيف القدر بمائة أوقية بحيث أن مثل ذلك يعد خارقا للعادة، ولا ~~يمكن تقدير وجه يقتضيه ويقدر أن القصد إلى مائة درهم مثلا، وإنما وقع لفظة ~~أوقية في مكانه من سهو القلم أو مثل ذلك فقد يتفق، فينبغي في مثل هذا ~~المقام التثبت والاستمهال حتى يتحقق الأمر، ولا عتب في مثل ذلك، وإنما الذي ~~منعنا عنه أن يتحقق قصد الإمام إلى العطاء الكبير ويمتنع لعدم استرجاحه. # تنبيه آخر: إذا وجه الإمام لشخص شيئا إلى عامل ليعطيه إياه من ثمرة معنية ~~أو مصلحة مبينة فلم يدرك منها شيئا فلا ينبغي أن يجبره العامل في ذلك من ~~ثمرة أو مصلحة أخرى؛ لأنه لم يؤمر بذلك ولا يأمن أن يكون قد بدأ الإمام ~~بطول المدة واختلاف النظر واختلاف حال المعطي في غنى وفقر وموالاة وغيرها، ~~وأيضا فلا يأمن أن يكون الإمام قد عوضه في ذلك، فمثل هذا لا ينبغي الإقدام ~~عليه إلا بأمر جديد. PageV01P279 # تنبيه آخر: ما ورد من الأوصال مبينا ملخصا منطويا على ذكر القدر والجنس ~~والنوع والصفة ففرضه أن يعمل به، وقد ارتفع اللبس وقطعت مادة التردد، وإن ~~ورد وصل الإمام مطلقا في ذلك كله أو في شيء منه ففرضه أن يجري مجرى الأقدار ~~ويحمله على أدون لما يمكن ويعتاد من ذلك، فإذا أمره بتسليم ثوب مثلا نظر في ~~الثياب المعتادة ويسلم من أقلها قدرا وقيمة في جهته وإن قال كذا وكذا درهما ~~وفي الجهة نقد أن قال أوقية وفي الجهة صرفان سلم من أدونهما، وإن قال كذا ~~وكذا حبا فسلم من أدون أجناس الحبوب التي يعتاد الهبة منها وأخفها، وإذا ~~قال كذا وكذا مدا أو زبديا أو صغيرة أو مشرفة أو غير ذلك حمله على الأقل ~~إذا كان في تلك الجهة مكيالان متفاوتان أو أكثر. # والوجه في جميع ذلك واضح وهو أن هذا الذي في يده ليس له، والأصل عدم ms176 ~~الإذن فلا يسلم إلا ما ينبغي الإذن من أمر به فيه، ولأن الإمام لو قصد إلا ~~على أكثر لصرح به ولذكره تنشيطا للطالب وتتطيبا لنفسه وتصريحا بفيض مرؤته، ~~وتحرزا عن مخالفة المأمور فلا يحمله على الإطلاق في الأغلب إلا لإستحياء من ~~التصريح بالأنقص أو خشية إلحاح السائل في أن يجعله غيره وما يحمله فعدم ~~ذكره الأعلى والأكثر يقضي بعدم الاهتمام بذلك، إذ الاهتمام يقضي الذكر ولا ~~شك أنه غير مأمور وما لم يؤمر به فليس له أن يفعله وعروض شك له في كونه ~~أراده لا يسوغ الإقدام استصحابا للأصل؛ ولأنه لو تبين زيادة فالزيادة ممكنة ~~والتكميل، بخلاف ما إذا صح له تحقق كراهية فقد صار الاسترجاع غير ممكن في ~~الأغلب، فإن أمكن فمستهجن. PageV01P280 # تنبيه آخر: ينبغي أن يقع الاحتراز الكلي عن العمل بالأوصال المزورة فقد فشا ~~هذا في زماننا واتفق الكثير من الولاة الاغترار به، وفاتت بسببه أموال ~~وصارت في غير موضعها على غير رأي الإمام، فإن كان العامل من أهل الألمعية ~~ومعرفة الخطوط لم يخل نفسه عن التأمل لما يرد عليه والستر له ولا يقدم إلا ~~مع التحقق، وإن كان أميا أو قليل الخبرة لذلك لم يكن بد من أن يعرض ما ورد ~~عليه على أهل المعرفة التامة في هذا المعنى، ولا يكتفي على النفرين معا ~~كحال حامل الوصل واعتقاد صلاحه ودينه فيترك التثبت فقد فعل هذا كثير ممن ~~فطن دينه وورعه، والله المستعان. # وما أحسن ما قاله الزمخشري رحمه الله تعالى. # إني على ما أراه لا أحذركم .... معرة اللص والأكراد والفسقة # لكن أحذركم من يبتدي لكم .... في صورة الزهد لكن همه السرقة # صلاته السيف والتسبيح أسهمه .... وصومه رمحه والمصحف الدرقة PageV01P281 ### || AUTO الأدب التاسع # وكان خليقا بالتقدم، لأن موضع نفعه للمتولى والمتولي عليه عظيم، أنه يليق ~~بعامل الإمام أن يهتم بصلاح أهل جهته وولاته، ويبالغ في إرشاد كل منهم ~~وهدايته، ولا يقصر همه وسعيه على قبض الزكاة وسائر الحقوق واستحصالها فقط، ~~بل يتوجه عليه الوعظ والتذكير والحث على أداء ms177 الواجبات كلها وترك المقبحات ~~كلها، وحسن التلطف والاستدعاء إلى الخير وتعليم مقالة الدين إن كان ممن ~~يصلح لذلك، فإن هذه خصلة شريفة ودرجة منيفة،{ ومن أحسن قولا ممن دعا إلى ~~الله وعمل صالحا}[فصلت: 33] ((ولأن يهدي الله تعالى على يديك رجلا خير لك ~~مما طلعت عليه الشمس ))، وللمتولي من قبل الإمام والواصل من عنده محل في ~~النفوس وموضع في القلوب، فيكون في هذه الفضيلة في حقه ألزم كما أنه لا ~~ينبغي أن يخلي الإمام كتبه ورسائله التي يبعث بها مع رسله وعماله عن ذلك ~~فينبغي له إذا دخل إلى بلد أن يدخل بسكينة ووقار مع ذكر الله تعالى وحسن ~~السمت ولزوم الصمت إلا عما دعت إليه الحاجة، ثم إذا جمعهم لتبليغ رسالته أو ~~طلب ما عندهم واجتمعوا عنده بأنفسهم بدأ بوعظهم وتذكيرهم وحثهم على النظر ~~في أمر معادهم وتعظيم (أمر الآخرة) في قلوبهم وتهوين أمر الدنيا والتعريف ~~بما في طاعة الله تعالى من الثواب والخير دنيا وآخرة، وما في خلاف ذلك ~~وعكسه بعبارة حسنة سلسة، ومعان واضحة غير متعقدة، وتوسط بين الإيجاز ~~والإطناب بما يستهجن عند العامة ويعاب، وإذا فهم منهم الإخلال بشيء من ~~الواجبات كالصلاة أو نوع شيء من المعاصي أشبع الفصل في ذلك وشنع عليهم ما ~~ارتكبوه منه وأورد PageV01P282 الشواهد القرآنية والنبوية بما يقضي بفحشه وعظمه، ثم يخرج إلى ما هو بصدده ~~من طلب الواجب والتماس تسليمه بعد التعريف بقدره، وما يلزم منه، وما ورد من ~~الحث على التوفير ومحاسبة النفس على القليل، وما في الغلول من الحساب ~~والعقاب وتناقص الثمرات وعروض الأفات، والله تعالى الموفق لإصلاح الأعمال ~~والنيات. PageV01P283 ### || AUTO الأدب العاشر # ينبغي له إذا استرجح الإمام عزله ورفع ولايته وعذره عما قلد من العمل ~~يلقي ذلك بانطلاق واستبشار، وأن لا يظهر منه قط كراهية له، وهو إما كاره ~~للعمل من قبل راغب في الترك لمشقة دنيوية أو خشية تبعة أخروية، فحقه أن ~~يحمد الله تعالى على تسهيل إربه وحصول مطلبه على وجه لا خلل فيه ولا إخلال، ~~ولا ms178 غضبا لإمامه ولا لربه ذي الجلال. # وإما راغب في بقاء الولاية وكاره لرفع يده عنها، فأول ما يعتمده أن يرى ~~من نفسه جلدا وأن لا يشعر بما أبطنه أحدا، ولا يطلع عليه والدا ولا ولدا، ~~فإن تلك خصلة ذميمة ينبغي أن يسترها بستر الله تعالى وأن لا يشيعها ~~ويظهرها، ثم إذا ظهر اغتمامه ساء بذلك الواثق وأشمت العدو والكاشح ~~والمماذق، ولم يعدم على ذلك طرفا من الملام وتطرقا للظنون السيئة إليه ~~والأوهام. PageV01P284 # اتفق عزل وال مرة فاشتد وجده وأخذ يتشفع بأهل الوجاهة ليقع رده، فسمع بعض ~~الظرفاء يقول: ليس هذا على فوات الثمر إنما هو على فوات النصف، وبعد أن ~~تحكم أمره في التستر والتجلد يعالج نفسه ويفتقدها وينظر في أسباب أسفها ~~ووجدها، فإن تبين ذلك أو حصول مال واكتسابه أو غير ذلك مما يرفع إلى عرض ~~الحياة الدنيا لأنها على ذلك وشنعه عليها ووبخها عليه، وعرف أنها له عدو ~~مبين، وأنها إنما تسعى في هلاكه حيث شاها بخصلة من ورطة كان فيها مهلكة ~~واشتغل بتقويم أودها، وصلاح فسادها ما هون على نفسه، بتأمل حال الدنيا ~~والتفكر فيها، وما لا بد منه من انقضاء شهواتها وبقاء تبعاتها وسرعة فراقها ~~وانقطاع حلاوة مذاقها، وأنها كالطل القالص ونعميها غير خالص، وإن وجد ~~الباعث على ذلك الذي وقع معه فوات الأغراض الدينية المتعلقة بذلك العمل ~~وهذا مستبعد فليسأل عليها بأن السعيد من كفى، وإن تحقيق التكليف من اللطف ~~الخفي، وأن السلامة من الأخطار هو أبلغ المآرب والأوطار، ويستحضر قول بعض ~~الشعراء: # على أنني راض بأن أحمل الهوى .... وأخلص منه لا علي ولا ليا PageV01P285 قال بعض الأئمة -عليهم السلام-: ينبغي أن يكون العامل فيما وليه من الأعمال ~~كالماشي على النار أحب شئ إليه الخروج منها، ثم إن مما يلزمه ويليق به ~~ويجمل بحاله أن لا يتغير أمره وصفته فيما كان عليه من ود الإمام ونفعه ~~والاعتلاق به، والجد في إعانته، فحيث أنه لم يرد على ما كان عليه من قبل ~~الولاية لم ينقض منه، ms179 وينبغي له أن يعين من يخلفه في الولاية، ويحث على ~~التسليم، ويزجر من امتنع من ذلك أو علق الأمر به، وأراد أن يقبض ما عنده ~~على جاري العادة، فكثير ما يتفق مثل ذلك بجهل العوام وعدم تمييزهم وميلهم ~~إلى ما ألفوه واعتادوه ويعوزهم عن غير ذلك، والدين النصيحة لله تعالى ~~ولرسوله ولأئمة المسلمين، وكل مكلف مما يمكنه، وقيمة كل امرئ ما يحسنه، ~~وحسبنا الله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى. # والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين ~~الطاهرين، وكان فراغي من هذه الوسيلة، وترقيم تلك الفضيلة بعد شروق شمس يوم ~~الأحد المبارك رابع من شهر ذي الحجة الحرام الذي هو من شهور عام سنة تسع ~~وثمانين وألف سنة. # بخط قلم العبد الضعيف الراجي عفو ربه الخبير اللطيف، صلاح بن أحمد بن ~~صالح الحيمي غفر الله له ولوالديه وللمؤمنين آمين، وذلك مما رسم بعناية ~~الولد القاضي عز الإسلام محمد بن الحسن بن أحمد بن صالح الحيمي حفظه الله ~~تعالى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد ~~وعلى آله وسلم تسليما طيبا. # وهذه مسألة ونبذة ذكرها الإمام الهادي إلى الحق عز الدين بن الحسن -عليه ~~السلام-. PageV01P286 # في النهي عن الغلو في التشكيك في الطهارة ونحوها وجزاه الله عنا خيرا. # أما بعد حمدا لله الملك الديان التي قضت حكمته بإنظار الشيطان، وتسليطه ~~على الإنسان، لوجوه من الحكمة أحاط بها علما، وضعت على العباد معرفة وفهما، ~~والصلاة والسلام على من بعثه الله تعالى رحمة للأمة، وكاشفا للغمة، ومبلغا ~~لشريعته، وهاديا إلى سنته -صلى الله عليه وآله وسلم- وعلى الطيبين من أهله ~~وسلم تسليما كثيرا يفضي بهم إلى جنته. # فإن بعض الإخوان الصالحين سألني إملاء كلام ينطوي على إنكار ما يعرض ~~لكثير من المتعصبين من الخلق في أمر الوضوء قاصدا الاستعانة بما عليه على ~~زجر أرباب الشك وأهليه. # فتحتمت إجابته ولزمت على البر والتقوى إعانته، على حال اشتغال منا وعينه ~~الكتب التي ينطوي على الأخبار الواردة ms180 في هذا المعنى عنا. # فنقول وبالله التوفيق: الشيطان لما كان من شأنه المبالغة في إغواء ~~الإنسان، والسلوك في ذلك إلى كل مسلك ودته الاختبار، في أن يضل ويهلك، وقد ~~طالت في ذلك ممارسته وعظمت بطرق التوصل إليه بخبرته، تيقن أنه من رسخ ~~الإيمان في صدره، ورسم الله تعالى في قلبه، وأدركته العصمة عن ارتكاب ~~الكبائر واقتراف الجرائر، فصار بينه وبين المعاصي الظاهرة حائل، وأيس عن ~~اقتناصه في ذلك بالحبائل. PageV01P287 # لم يجد له سبيلا إلى أن يستنزله إلى مباشرة المعاصي عمدا أو تحريا ولا أن ~~يجذبه إلى فعل ما يعتقده طغيانا على الله وتعديا، فأتى له من هذه الطريق ~~الأخرى، وجازاه مجازاة من يد له إلى ما هو أولى في دينه وأحرى، ووسوس إليه ~~بأنه لا كمال لدينك الذي صرت حريصا عليه، وملتقنا بكليتك إليه إلا أن يبالغ ~~في أمر الطهارة، ويحتاط في شأنها ولا تقتصر على ما يعتاده غيرك في فعلها ~~وإتيانها، وأنهم أهل تساهل في أمرها وتقصير في أدائها فأدخل الشك على يقينه ~~وأوقعه في لبس من دينه، ونال منه ما أراد وسلبه ما كان عليه ينطوي من الهدى ~~والرشاد. # فقد يقضي ذلك بالمرء إلى أن يترك الصلاة في وقتها ويخل بالإتيان بها على ~~وجهها، ويتعدى حدود ما فرض الله وشرع ويكون لدرك الشقاق من أهل البدع، ~~فانظر في دقة مسلك الشيطان وعظيم تصرفه في إضلال الإنسان، ولو أنه جاء إلى ~~هذا المتدين فبالغ معه إلى أن يترك الطهارة عن أصلها، أو يقطع الصلاة جهلا ~~بفضلها، لما نال المريد ما يريده ولقوبل بالصد والرد السديد فنعوذ بالله من مكره. PageV01P288 # وندرء بألطاف الله تعالى في نحره، هذا وأحوال من عرض له هذا العارض يختلف ~~ويتفاوت فمنهم من ينتهي به الشك والغلو إلى إنكار الضروريات، يعتقد ويقطع ~~مع غسله للعضو مرارا كثيرة أنه لم يغسله، حتى ترى منهم من يسأل الذي عندهم ~~هل غسله أو لا؟ ولا يقتصر من غسله على عشر مرات وعلى عشرين مرة بل قد ينتهي ~~إلى مائة ms181 أو أكثر، وقد يبلغ به الحال إلى أن يقسم بالله وبالأيمان الكفرية ~~أنه لا يزيد على ما قد فعله، لعل نفسه الشيطانية تتدفع عن ذلك ثم لا يعد، ~~شاهدنا ذلك مع بعض أهل هذا الامتحان ومن هو في ما عدا الأمر من كملة الرجال ~~أهل الإحكام والإتقان. # ومنهم من يفضي به ذلك إلى قطع الصلوات والوقوع في أعظم المنكرات، ثم يأتي ~~بها قضاء وقد تركها أداء فوقع في الفسوق والعصيان، وأدرك منه ما تمناه ~~الشيطان، حكى لنا بعض الكبراء أن رجلا ممن ابتلي بالشك في الطهارة وهو من ~~أهل الدين والحلم والتدريس في كتب العلم كان يشتغل بالوضوء للفجر حتى تشرق ~~الشمس، وترتفع ولا يصلي الفجر إلا بعد ارتفاعها ويشتغل بالوضوء للظهر ~~والعصر حتى يدخل وقت المغرب على سبيل الاستمرار والدوام. ومنهم من لا ينتهي ~~به الحال إلى ما ذكر، ولكن يبالغ في أمر الوضوء ويتعدى القدر المشروع فيه ~~ويطيل الاشتغال به حتى قد يفوته وقت الشارع ويحرم الفضيلة في أداء وقت ~~الصلاة في أول أوقاتها، ويتعذر عليه الاشتغال بشيء مما يهم أمره من الخصال ~~الدينية أو المنافع الدنيوية التي لا غنى له عنها ولا بد له منها كالابتغاء ~~من فضل الله أو الانقياد لأمر الغاية أو نحو ذلك، وكلامنا هو في شأن من هذه حاله. PageV01P289 # فأما من بلغ به الحد إلى ترك الصلاة في وقتها وإنكار الضرورة وإبطال حكمها ~~واستعمال الأيمان المغلظة مع ملازمة الحنث فيها، فتلك أمور ظاهرة الفحش، ~~معلومة العصيان، مقتضية لغضب الرحمن، وقبحها لا يفتقر إلى بيان والذي يوجه ~~إلى من ذكرناه أن نقول له: المعلوم من حالك قطعا أنك ما تريد بوضوئك إلا ~~أداء ما كلفته وطاعة ربك فيما فرضه عليك، والإتيان بشروط صحة صلواتك، وأن ~~الله تعالى لو لم يشرع الوضوء وتكلفك الإتيان به لما اشتغلت بشيء منه قط، ~~فإذا كان هذا هو مرادك وقصدك فما الملجي إلى أنك تأتي بغير ما شرع وبخلاف ~~ما كلفت به، وبما لم يشترط في صحة صلاتك وتعدى ms182 من المشروع إلى غيره، ومن ~~الواجب إلى سواه، فتأمل بعقلك هل يليق منك أن تتعب نفسك وتذهب في أمر لم ~~يشرعه الله تعالى لك ولا أوجبه عليك ولا يدلك إليه، ولا يعود عليك نفع منه ~~قط في دينك، ولا دنياك!!؟ وإنما فائدتك منه أن يمقتك الله تعالى عليه، وأن ~~تكون به مخالفا لما شرع ومرتكبا للبدع، ومفوتا لثوابك الذي يجب لك لو ~~اقتصرت على المشروع وتركت ما نهيت عنه إما نهي حظر أو نهي تنزيه، هذه شقاوة ~~لا شك فيها، وإضاعة للعمل والوقت وبطالة يستعاذ بالله من مثلها، وإذا خطر ~~ببال ذي الشك أن العبرة في حكم النجاسة بغلبة الظن ولم يحصل له عليه إلا ما ~~يجري عليه ما قد اعتاده حتى يغلب على ظنه زوالها ولم يحصل فصار واجبا عليه ~~ولا يعد تعبدا إلا في حق من يحصل عليه الطولة. PageV01P290 # قلنا: هذا مما خيله الشيطان إليه وأدخله من اللبس عليه، والصحيح على أصل ~~معتبر الظن، ما ذكره بعضهم من أنه يعتبر الظن ما لم ينص إلى زيادة على ~~الثلث ثم إن اعتبار الظن عند القائلين به إنما هو بالنظر إلى من لا يعرض له ~~هذا العارض المخالف لمقتضى العقل والنقل، وكيف يعتبر الظن فيمن أمضى به ~~الشك إلى مخالفة يقتضي العلوم الضرورية والطرق اليقينية، ولو خطر ببال إلى ~~طالب حال من هذا حاله لصرح وقطع بأنه متعد، وأنه لا مراعاة لظن مثله، ولا ~~اعتبار به ولا قائل بأن الظن يعتبر فيما يخالف حدود الشرع وينافيها فمن ~~المعلوم قطعا أن الذي يغسل عضوه عشر غسلات أو عشرين غير واقف على مقتضى ~~الشرع ولا متأس بالشارع -صلى الله عليه وآله وسلم-، وأن ظنه فاسد فإن هذا ~~العارض الذي عرض له من قبيل الوسواس قد صير ظنه غير مورس وقد أخل في حقه ~~بصحيح النظر، ثم إن السيد أبي طالب -عليه السلام- هذا إنما يرد ذكره ~~والتعليل به في إزالة النجاسة في العذر في نحو غسل الوجه مرارا كثيرة ~~واسعة، أوفي مسح الرأس ms183 الذي يتعدى فيه الثلاث أو غسل اليدين كذلك ولقد ~~شاهدنا وبلغنا من أولي الشك عجائب وغرائب. PageV01P291 # فمنهم من يعظم الرزية في غسل الوجه، ومنهم من يتعدى الحدود في مسح الرأس ~~وشاهدنا من تعلق به الشك في مسح الأذنين فيقف على ذلك ساعة طويلة، وهو يكرر ~~المسح ويتردد فيه ويدخل على نفسه اللبس في أمره، فلا ينبغي أن يعتل الشاك ~~في شكه بقول نبي أو قول إمام، وإنما الواجب عليه أن يعتقد إنما إلي من قبيل ~~الشيطان نعوذ بالله منه، فيجتهد في مدافعته، ويحترز عن طاعته، وليرجع إلى ~~مقتضى الشرع الشريف وأسلوب الدين الحنيف، فإنه -صلى الله عليه وآله وسلم- ~~بعث بالحنيفية السمحة وبالتيسير وعدم التعسير، وكان -صلى الله عليه وآله ~~وسلم- ينهى عن التشديد وأسلوبه في التوضؤ عن مثل هذا الأسلوب بعيد، وإذا ~~ألهمه الشيطان أن يقول قصدي في ذلك صالح وما أردت به إلا رضى الله عز وجل ~~ويتفق الإتيان لما شرعه لأنه لم يتحصل لي تيقن إذا ما كلفت به إلا لهذا، ~~ولو أني تركت شيئا منه لما حصل في تيقن الإتيان بما كلفته فلم أكن متخلصا عنه. PageV01P292 # قلنا: لك ما أحسن النية، فهو لا يفيدك في ارتكاب البدعة، فإن النية الحسنة ~~لا تنفع صاحبها وتفيده إلا إذا تعلقت بالفعل على الوجه الذي شرع ولو كان ~~حسن النية بعيد مع خلاف ذلك للزم أن يحسن بها الفعلالقبيح كمن سرق مال ~~الغير ليسد به فاقة الفقر ويواسي به المحتاجين، ومعلوم أن ذلك لا يفيد، ~~وأما بأنه لم يقع تيقن إذا ما كلف به إلا بذلك، فهذا اعتذار بالجهل وسبيله ~~أن يشتغل بمداواة جهله وأن لا يعتمده في أمر دينه، ويعمل بمقتضاه وتخلصه من ~~هذا الجهل يحصل بأيسر تأمل، وهو أنك تقرأ ما ذكره علماء الشرع وحفظة العلم ~~وتطلع عليه إن لم يكن قد نظرت إليه، وإن كان قد قرأه فبأن تتذكره وتتأمله ~~فإنك تجد الأمر هونا يسيرا لا معيبا عسيرا، وليس ثم إلا إزالة نجاسة أو يجر ~~غسل عضو شرع غسله. ms184 # أما إزالة النجاسة فالأمر فيه قريب وإن كانت نجاسة خفية لا جرم لها كأثر ~~البول، وأكثر ما قيل فيه: أن يغسل مكانها ثلاث مرات، والغسلة تحصل بصب ~~الماء والدلك مرة، وهذا شئ يسير غاية، وأيضا فلا حاجة إلى ما يعتاده الناس ~~من غسل موضع النجاسة وغيره معه؛ إنما الواجب مكانها فقط كثقب الذكر ونحوه ~~وكما أصابه البول من الفرج، وإن كانت النجاسة ظاهرة لها جرم فالقصد إزالتها ~~حتى تذهب عينها ثم غسلتان يسيرتان بعد ذلك، وهذا كله يتفق بأيسر عمل وقليل ~~من الماء، ولا فائدة ولا ثمرة ولا مثوبة فيما زاد على ذلك، إنما هو علق ~~وتجاوز بحد المشروع وتشاغل بما لا فائدة فيه. PageV01P293 # وأما غسل أعضاء الوضوء فأكثر ما قيل في الغسل: إنه إمساس العضو الماء حتى ~~يسيل مع الدلك، والقصد أن يسيل الماء من الجزء الذي وقع عليه إلى ما لديه ~~لا يشترط أن ينتهي إلى الأرض ولا أن يصب الماء صبا، وهذا أمر يسير إذا ~~تأمله متأمل وحد الفرض ينقضي بأقل شئ من الماء وأقل عمل باليد فإنما القصد ~~بالدلك إجراء اليد على الجسد مع قليل اعتماد لا مشقة فيه ولا إيلام ولا ~~كثير حركة. # ثم قد ندبت التثنية والتثليث مما قال الزيادة على ذلك، هذا في أمر ~~الوضوء، وكذلك في أمر الغسل القصد إزالة النجاسة على ما ذكر، ثم إجراء ~~الماء على البدن مع ما تيسر من الدلك على وجه يقتضي أن يسيل الماء من جانب ~~إلى جانب، ولوقف أنه لم ينته إلى الأرض منه قطرة فيا عجبا من هذا الابتداع ~~الذي لا غرض فيه ولا وجه يقتضيه، ما الموجب لصب الماء الكثير والدلك ~~المتكرر وإتعاب النفس في ذلك وتضييع الوقت!!، وليتأمل من له أدنى عقل هل ~~يليق به امتحان نفسه وإضاعة وقته وإهماله ما يعود عليه نفعه على هذا الوجه ~~ما هذه إلا بطالة وضلالة، وسلوك في سبيل البلسة، واستعمال لما يستعمله إلا ~~من لا عقل له إذ العاقل لا يحمل المشقة إلا لأحد أمرين ms185 أو لكلتيهما إما غرض ~~ديني أو غرض دنيوي وهذا خال عنهما، أما الديني فالغرض يحصل باتساع السنة ~~والإتيان بما كلف به على الوجه المشروع وفي ذلك مخالفة لهذا. # وأما الدنيوي فلا نفع في ذلك ولا دفع ضرر، وإنما هو مشقة تذهب هدرا ويرجع ~~فيه صاحبه إلى الوراء. PageV01P294 # وهاهنا وجه أخر: ينبغي أن يعالج به الشاك نفسه، وهو أن يبحث عما كان عليه ~~معلم الشرع ومبلغه -صلى الله عليه وآله وسلم- ففرضنا الاقتداء به والجري ~~على ما كان عليه ويتبع كتب الآثار وما نقل عنه العلماء الأخيار، ويسأل عن ~~ذلك إذا كان أميا، فإن ذكر ما كان عليه -صلى الله عليه وآله وسلم- من تيسير ~~الأمر في ذلك فاغتساله بالصاع وبوضوءه بالمد ونحو ذلك مما يعزب به معاكسة ~~هذه الطريقة المشؤمة، وكذلك فليبحث عن حال الصحابة وأئمة العترة فإنه لا ~~يبلغه عن أحد منهم الاعتداء في الوضوء، ولا المبالغة فيه، حتى قال بعض ~~الأئمة عليهم السلام فيمن زاد على الغسلات الثلاث: أنه قد أساء وتعدى وظلم، ~~وقد ذكر بعض العلماء أنه ينبغي لذي الشك أنه يتجنبه بكل ممكن ويطرحه، ولو ~~خيل إليه أن صلاته باطلة واعتقد ذلك فلا يصرفه هذه الاعتقاد عن تحقيق ~~الوضوء، فإنه بعد كسع النفس ومخالفتها وعدم التعويل على اعتقادها هذا ~~الفاسد تعود إلى صحة الاعتقاد وطريق الرشاد وحصول المراد، والله سبحانه ~~أعلم، وهو تعالى ولي التوفيق، والفاتح بنيل التحقيق والهداية إلى آمن طريق، ~~وهو حسبنا وكفى، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المصطفى، والسلام على ~~عباده الذين اصطفى. PageV01P295 # قال في الأم المنقول منها: تم بحمد الله ومنه في تأريخ شهر ذي القعدة ~~الحرام، الذي هو من شهور عام سنة أربع وتسعين وثمان مائة، وفرغت من تحرير ~~ذلك ونقله من الأم إلى ذلك، وأنا الفقير إلى الله تعالى صلاح بن أحمد بن ~~صالح الحيمي لطف الله به وغفر له ولوالديه وللمؤمنين، بعد شروق شمس اليوم ~~المسمى يوم الإثنين، ثامن عشر من شهر الحجة الحرام، عام تسع وثمانين وألف سنة. # وذلك برسم ms186 الولد القاضي العلامة الصدر القدوة الفهامة، محمد بن الحسن بن ~~أحمد بن صالح الحيمي حفظه الله وأمتع بطول حياته آمين، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم. PageV01P296 ms187