######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0001500 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السخاوي (المتوفى: 902هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 902 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم ويليه جواب في الجمع بين حديثين، هما: دعاؤه صلى الله عليه وسلم لأنس بن مالك بكثرة المال والولد، وحديث دعائه بذلك على من لم يؤمن به ويصدقه #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: بحوث ومسائل #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0001500 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-1500 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/1500 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1425 هـ - 2004 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة وتسجيلات دار الإمام مالك، الإمارات العربية المتحدة - أبو ظبي #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # أما بعد حمد الله جاعل من اختاره في الدارين سعيدا، وشامل خلقه بالرزق ~~كرما وجودا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أبي القاسم أسخى الناس وأسمحهم ~~كفا، وأزهدهم في الدنيا وأحسنهم لها صرفا: فقد سئلت عما وقف عليه السلطان ~~الملك الأشرف، أوحد الملوك والمنفرد بما هو به أدرى وأعرف، حفظه الله من ~~جميع أركانه وجهاته، وبلغه في الدارين النهاية من مسراته، في «رسالة منسوبة ~~للحسن البصري» -رحمه الله- في: (الفريضة السابعة: مما يجب على المؤمن من ~~الفرائض في اليوم والليلة) ، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«اللهم من أحبني فارزقه الكفاف، ومن أبغضني فأكثر ماله وولده» (1) ، ~~PageV01P061 # أهو صحيح أم لا؟ وبماذا يجمع به بينه وبين دعائه - صلى الله عليه وسلم - ~~لخادمه سيدنا أنس بن مالك -رضي الله عنه-، حسبما اتفق عليه الشيخان بكثرة ~~المال والولد (1) . PageV01P062 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P063 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P064 # وكذا قال - صلى الله عليه وسلم - لنهد -قبيلة من اليمن-: «اللهم بارك لهم ~~في محضها ومخضها (1) ، ومذقها (2) وابعث راغبها في الدثر (3) ، وافجر له ~~الثمد (4) ، وبارك له في المال والولد» (5) . PageV01P065 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P066 # فقلت: أما الحديث فقد أخبرتني به خاتمة مسندي مصر أم محمد ابنة عمر ابن ~~العز بن جماعة (1) ، عن أبي عمر محمد بن أحمد بن إبراهيم الحنبلي، أنبأنا ~~الفخر أبو الحسن علي بن أحمد الصالحي، عن أبي جعفر الصيدلاني، أخبرتنا ~~فاطمة ابنة عبدالله قالت: أخبرنا أبو بكر بن ريذة، أخبرنا أبو القاسم ~~الطبراني (2) ، PageV01P067 # حدثنا أحمد بن المعلى الدمشقي والحسين بن إسحاق التستري وموسى بن سهل أبو ~~عمران الجوني، قالوا: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا يزيد ~~بن أبي مريم، عن أبي عبيدالله مسلم بن مشكم، عن عمرو بن غيلان الثقفي، عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «اللهم من آمن بي وصدقني، وعلم ~~أن ما جئت به هو الحق من عندك، فأقل ماله وولده، وحبب إليه لقاءك، وعجل له ~~القضاء، ومن لم يؤمن بي ولم يصدقني، ولم يعلم أن ما جئت به الحق من عندك ~~فأكثر ماله وولده، ms01 وأطل عمره» (1) . PageV01P068 # هذا حديث حسن، أخرجه ابن ماجه في (الزهد) من «سننه» (1) ، والحسن ابن ~~سفيان (2) معا عن هشام بن عمار. فوافقناهما فيه بعلو. # وأخرجه أبو القاسم البغوي في «معجم الصحابة» (3) له، والحسن بن سفيان (4) ~~-أيضا- معا؛ عن الحكم بن موسى، وعباس الترقفي في «جزئه» (5) المسموع عندنا، ~~ومن طريقه ابن منده في «معرفة الصحابة» (6) عن محمد بن المبارك الصوري، ~~كلاهما عن صدقة، فوقع لنا بدلا لهم عاليا. # وهكذا رواه أحمد بن القاسم بن مساور ومحمد بن عبد الله الحضرمي، كلاهما ~~عن الحكم. # ورواه أحمد بن زنجويه، عن هشام، وأخرجه أبو نعيم في «معرفة الصحابة» (7) ~~من طريقهم، قال (8) : وحدث به أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، عن معلى بن ~~منصور، عن صدقة مثله. # وأخرجه أبو حفص بن شاهين في «معجم الصحابة» من حديث محمد بن المبارك ~~الصوري، وممن روى هذا الحديث أيضا أبو علي بن السكن، والعسكري (9) ، ~~PageV01P069 # وابن أبي عاصم (1) ، وأبو الشيخ (2) ، ورجاله شاميون موثوقون. # وقول ابن عبدالبر (3) : ليس إسناده بالقوي ليس بجيد، فكلهم إلا ابن مشكم ~~-وهو بكسر الميم وفتح الكاف بينهما معجمة ساكنة (4) -، مخرج لهم في ~~«الصحيح» ، ولكن عمرو بن غيلان اختلف في صحبته كما صرح به أبو نعيم (5) # وابن منده (6) ، وأثبتها خليفة (7) والمستغفري وغيرهما (8) . PageV01P070 # وقال البغوي: سكن الشام، وروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثا (1) ~~، وقال ابن السكن: يقال له صحبة. # وجزم بنفيها ابن البرقي (2) ، وكذا ذكره في (الطبقة الأولى من تابعي أهل ~~الشام ممن أدرك الجاهلية) : أبو الحسن بن سميع (3) ، ولم يقع في رواية واحد ~~ممن عزوت الحديث إليه أنه قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبذلك ~~صرح ابن السكن فقال: لم يذكر في حديثه رؤية ولا سماعا. # وأما ابن عساكر فقال: ليس له عن النبي - صلى الله عليه وسلم - غيره (4) ، ~~وبالجملة فهو مرسل وإنما حسنته لشواهده التي منها ما أخرجه الطبراني في ~~«معجمه الكبير» بسند جيد، وكذا ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ في «الثواب» له، ~~وصححه ابن حبان عن فضالة بن عبيد -رضي الله عنه- بلفظ: «اللهم ms02 من آمن بك ~~وشهد أني رسولك فحبب إليه لقاءك، وسهل عليه قضاءك، وأقلل له من الدنيا، ومن ~~لم يؤمن بك ولم يشهد أني رسولك فلا تحبب إليه لقاءك، ولا تسهل عليه قضاءك، ~~وكثر له من الدنيا» (5) ، ترجم عليه ابن حبان: (دعاء المصطفى لمن شهد له ~~بالرسالة، وعلى PageV01P071 # من أبى ذلك عليه) . # ومنها ما أخرجه الطبراني -أيضا- عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم من آمن بي وصدقني وعلم أن ما جئت ~~به هو الحق قأقلل ماله وولده، وعجل قبضه، اللهم ومن لم يؤمن بي ولم يصدقني ~~ويعلم أن ما جئت به هو الحق من عندك فأكثر ماله وولده، وأطل عمره» (1) . # ومنها ما رواه ابن ماجه في «سننه» وأحمد في «مسنده» وآخرون بسند حسن من ~~حديث نقادة الأسدي -رضي الله عنه- قال: «بعثني رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى رجل يستمنحه ناقة فرده، ثم بعثني إلى رجل آخر، فأرسل إليه بناقة ~~فلما أبصرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «اللهم بارك فيها وفيمن ~~بعثها» . قال نقادة: فقلت: يا رسول الله! وفيمن جاء بها، قال: «وفيمن جاء ~~بها» . ثم أمر بها فحلبت فدرت، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«اللهم أكثر مال فلان وولده -للمانع الأول-، واجعل رزق فلان يوما بيوم ~~-للذي بعث الناقة-» (2) . PageV01P072 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P073 # بل ورد نحو هذا عن جماعة آخرين؛ فروى الترمذي في «جامعه» -وقال: غريب-، ~~عن عبد الله بن مغفل -رضي الله عنه- قال: قال رجل للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: يا رسول الله! إني أحبك، فقال: «انظر ماذا تقول» . قال: والله إني ~~أحبك ثلاث مرات، قال: «إن كنت تحبني فأعد للفقر تجفافا (1) ، # فإن الفقر أسرع إلى من يحبني PageV01P074 # من السيل إلى منتهاه» (1) . PageV01P075 # وروى الإمام أحمد في «مسنده» عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنه شكى ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاجته فقال: «اصبر أبا سعيد، فإن ~~الفقر إلى من يحبني منكم أسرع من السيل من أعلا الوادي -أو: من ms03 أعلا الجبل- ~~إلى أسفله» (1) ، # أوردهما القاضي عياض في «الشفا» (2) بدون عزو في آخر (فصل في علامة محبته ~~- صلى الله عليه وسلم -) . # وروى البزار عن أنس رضي الله عنه قال: أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~رجل فقال: # إني أحبك. قال: «استعد للفاقة» (3) ، ونحوها عن ابن عباس -رضي الله ~~عنهما- PageV01P076 # أيضا (1) . PageV01P077 # وفي «الإحياء» (1) # مرفوعا: «إذا أحب الله عبدا ابتلاه، فإذا أحبه الحب البالغ PageV01P078 # اقتناه» ، قيل: وما اقتناه، قال: «لم يترك له أهلا ولا مالا» . # وعند ابن المبارك في «الزهد» والحازمي معا من حديث يعلى بن الوليد قال: ~~«لقيت أبا الدرداء -رضي الله عنه- فقلت له: ما تحب لمن تحب؟ قال: الموت، ~~قلت: فإن لم يمت، قال: يقل الله ماله وولده» (1) . PageV01P079 # وفي أول «المجالسة» (1) للدينوري من طريق أبي البختري الطائي قال: كان ~~بين عمار بن ياسر -رضي الله عنه- وبين رجل من أهل الكوفة كلام، فقال له ~~عمار: إن كنت كذبت علي فأسأل الله ألا يميتك من الدنيا حتى يوطأ عقبك (2) ، ~~ويكثر مالك وولدك (3) . PageV01P080 # وشكا رجل إلى أبي الدرداء أخا له، فقال: سينصرك الله عليه. فوفد المشتكى ~~منه على معاوية، فأجازه بمئة دينار، فقال أبو الدرداء للمشتكي: هل علمت أن ~~الله قد نصرك على أخيك؟ وفد على معاوية؛ فأجازه بمئة دينار، وولد له غلام ~~(1) . # ورويناها -أيضا- من طريق إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد: أن رجلا من ~~أهل الكوفة وشى بعمار إلى عمر فقال له عمار: إن كنت كاذبا فأكثر ~~PageV01P081 # الله مالك وولدك، وجعلك موطأ العقبين (1) . # وفي «الفردوس» و «مسنده» لكن بدون إسناد عن علي بن أبي طالب -رضي الله ~~عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم ارزق من أبغضني ~~وأهل بيتي كثرة المال والعيال، كفاهم بذلك أن يكثر مالهم فيطول حسابهم، وأن ~~تكثر عيالهم فتكثر شياطينهم» (2) . # وفي (الثامن عشر) من «المجالسة» (3) # من طريق محمد بن سيرين قال: مر ابن عمر رضي الله عنهما على رجل فسلم ~~عليه، فلما جاز قيل له: إنه كافر، فرجع إليه فقال: رد علي السلام، فرد ~~عليه، فقال له: أكثر ms04 الله مالك وولدك، ثم التفت إلينا فقال: هذا أكثر ~~للجزية. PageV01P082 # وروينا في «المزاح والفكاهة» (1) للزبير بن بكار من طريق مسعر، عن عبد ~~الرحمن بن هرمز قال: كان مولى لنا يأتي أبا هريرة -رضي الله عنه- فيقول له ~~أبو هريرة: سلام ورحمة الله، ومت وشيكا، وأكثر الله لمن يبغضك من المال ~~والولد. # وفي (الحادي والعشرين) منها (2) من طريق وهيب بن الورد قال: إن الله -عز ~~وجل- إذا أراد كرامة عبد أصابه بضيق في معاشه، وسقم في جسده، وخوفا في ~~دنياه، حتى ينزل به الموت وقد بقيت عليه ذنوب شدد بها عليه الموت حتى يلقاه ~~وما عليه شيء، وإذا هان عليه عبد يصح جسده، ويوسع عليه معاشه، ويؤمنه في ~~دنياه، حتى ينزل به الموت وله حسنات، خفف عنه بها الموت حتى يلقاه، وما له ~~عنده شيء. # وأما الجمع بينه وبين حديث الدعاء لأنس فالجواب كما ظهر لي: أنه يقال: ~~ليس المالان في الموضعين على حد سواء، فالذي دعا لخادمه بالكثرة منه هو ~~الذي قال فيه - صلى الله عليه وسلم -: «لا خير فيمن لا يحب المال ليصل به ~~رحمه، أو يؤدي به عن أمانته، ويستغني به عن خلق ربه» (3) . PageV01P083 # والمعنى في هذا كما قال العسكري: أنه لا خير فيمن يحب المال لغير هذه ~~الخصال، وإنما يحب المؤمن -يعني: الكامل- المال لهذه الأشياء (1) . ونحوه ~~قول سعيد بن المسيب -رحمه الله-: «لا خير فيمن لا يجمع المال فيقضي دينه ~~ويصل رحمه، ويكف به وجهه» (2) . # ولذلك يروى كما أخرجه الإمام أحمد وابن منيع في «مسنديهما» من حديث عمرو ~~بن العاصي -رضي الله عنهما-، قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «يا عمرو نعما بالمال الصالح للمرء الصالح» (3) ، وفي لفظ: «نعم المال ~~الصالح PageV01P084 # للرجل الصالح» . # وأخرج الديلمي عن جابر -رضي الله عنه-، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «نعم العون على تقوى الله المال» (1) . PageV01P085 # وعند الطبراني في «الأوسط» عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قيل: يا ~~رسول الله من السيد؟ قال: يوسف بن يعقوب بن إسحاق ms05 بن إبراهيم عليهم السلام، ~~قالوا: أفما في أمتك من سيد؟ قال: بلى، رجل أعطي مالا حلالا، ورزق سماحة، ~~وأدنى الفقير، وقلت شكاته في الناس» (1) . # وقال - صلى الله عليه وسلم -في حديث: «ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى، ~~يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، ~~ولهم فضول أموال» -: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» (2) . PageV01P086 # وقال أيضا -كما ستأتي الإشارة إليه- لكعب -رضي الله عنه-: «أمسك [عليك ~~بعض مالك، فهو خير لك» (1) . # وفي آخر: «من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له، ~~وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة؛ مات والله عنه راض» (2) . # وقال ابن عمر -رضي الله عنهما: «لو كان عندي أحد ذهبا، أعلم # عدده، وأخرج زكاته، ما كرهت ذلك، وما خشيت أن يضرني» (3) PageV01P087 # وقال] (1) رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا بأس بالغنى لمن اتقى، ~~والصحة لمن اتقى خير من الغنى، وطيب النفس من النعيم» (2) ، # أخرجه أحمد، وابن ماجه عن خبيب الجهني. # فمن تكون الدنيا [في يديه، ويؤدي الحقوق منها، ويتطوع بالأمور المستحبة ~~فيها، ولم تكن عائقة له عن الوصول إلى الله تعالى، ولا لها في قلبه] (3) ~~مزية ولا يفخر بها خصوصا على من دونه (4) ، ولا يكون بما في يديه منها أوثق ~~منه PageV01P088 # بما عند الله، بحيث يحبسها عما شرع له صرفها فيه، من التقتير على نفسه ~~وعياله، وعدم إظهار نعمة الله -عز وجل- ولا ينفقها في وجوه الباطل التي لم ~~تشرع، ولا يبذر، يكون ذلك زيادة له في الخير. # وكم من غني متصف بذلك وأزيد منه، مثل: داود، وسليمان، ويوسف، وطوائف من ~~الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن ابن عوف، ~~وطلحة الفياض (1) # أحد العشرة -رضي الله عنهم-، وسعد بن الربيع الذي قال: «أنا من أكثر ~~الأنصار مالا» (2) ، وقال له عبد الرحمن بن عوف: «بارك الله لك في أهلك ~~ومالك» (3) -رضي الله عنهما-، وغيرهم من الأولياء (4) . PageV01P089 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P090 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P091 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P092 # وكان عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- يقول: إنه لو رفع حجرا لرجى أن ~~يصيب تحته ذهبا (1) ، وفتح الله ms06 عليه ومات فحفر الذهب من تركته بالفؤوس حتى ~~PageV01P093 # مجلت (1) فيه الأيدي، وأخذت كل زوجة ثمانين ألفا (2) # -وكن أربعا-، وقيل: مئة ألف (3) ، وقيل: بل صولحت إحداهن؛ لأنه طلقها في ~~مرضه على نيف وثمانين ألفا (4) ، PageV01P094 # وأوصى بخمسين ألفا (1) ، بعد صدقاته الفاشية في حياته، وعوارفه العظيمة، ~~أعتق يوما ثلاثين عبدا (2) ، # وتصدق مرة بعير فيها سبع مئة بعير، وردت عليه تحمل من PageV01P095 # كل شيء، فتصدق بها وبما عليها، وبأقتابها وأحلاسها، وأوصى بخمسين ألف ~~دينار، وبألف فرس في سبيل الله، ولأمهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربع مئة ~~ألف، ولمن بقي من أهل بدر لكل رجل أربع مئة دينار، وكانوا مئة فأخذوها ~~وعثمان فيمن أخذ (1) ، # كل ذلك ببركة دعائه - صلى الله عليه وسلم - له بالبركة. PageV01P096 # وكذا دعا للمقداد بالبركة فكانت عنده غرائر من المال (1) ، # ودعا مثله لعروة بن PageV01P097 # أبي الجعد فقال: فلقد كنت أقوم بالكناسة -وهو موضع بالكوفة-، فما أرجع ~~حتى أربح أربعين ألفا، وقال البخاري في حديثه: «فكان لو اشترى التراب ربح ~~فيه» (1) . PageV01P098 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P099 # وروي مثل هذا لغرقدة (1) -أيضا-، بل قد حملت خزائن الأرض إلى رسول ~~PageV01P100 # الله - صلى الله عليه وسلم -، وإلى صاحبيه أبي بكر، وعمر -رضي الله ~~عنهما-، فأخذوها ووضعوها في مواضعها وما هربوا منها لكونهم قد استوى عندهم ~~الماء والمال، والذهب والحجر (1) ، # كما عرف من سيرهم وأحوالهم، إلى غيرهم من الخلفاء الراشدين، والأئمة ~~المهديين، الذين كانوا مع تفاوت مراتبهم للمال خزانا، لا يمتنعون عن بذله ~~في مصارفه التي يزداد بها الدين قوة وبرهانا، ولا يدخرون لأنفسهم منه دارا ~~وبستانا، بل هم واقفون عند قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما أنا قاسم ~~والله يعطي» (2) ، متحرزون PageV01P101 # عن الخطأ، فكثر المصيب فيهم، وقل المخطئ، حتى كان عمر بن الخطاب -رضي ~~الله عنه- يقول معلنا: «من أراد أن يسأل عن المال فليأتنا، فإن الله جعلني ~~خازنا» (1) ، # فهنيئا لهم، ثم هنيئا لهم بالذي تقر به العين. # فالخازن الأمين المعطي ما أمر به أحد المتصدقين (2) ، ومن الأدلة على ~~PageV01P102 ### | جواز الحرص على الاستكثار من المال الحلال لمن وثق من نفسه بالشكر عليه # ، والقيام ms07 بما يجلب به النفع الأخروي إليه، ما صح من حديث همام عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «بينما أيوب ~~عليه السلام يغتسل عريانا خر عليه رجل جراد من ذهب فجعل يحثي في ثوبه ~~فناداه ربه عز وجل يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى، ولكن لا غنى ~~بي عن بركتك» (1) ، # وفي لفظ: «ومن يشبع من رحمتك» ، أو قال: «من فضلك» . # ويشهد لبعض ما أشرت إليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من كانت الآخرة ~~همه جعل الله PageV01P103 # غناه في قلبه وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه ~~جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر ~~له» (1) . PageV01P104 # وقد أنشد سلم بن ميمون الخواص (1) : # أرى الدنيا لمن هي في يديه ... عذابا كلما كثرت لديه # تهين المكرمين لها بصغر ... وتكرم كل من هانت عليه # على أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقتصر في الدعاء لأنس -رضي الله عنه- ~~بالإكثار فقط، بل ضم إليه الدعاء بالبركة (2) الذي صدوره منه - صلى الله ~~عليه وسلم - يشمل عدم الافتتان به بحيث يزول محذوره، إذ الدنيا بلاء وفتنة، ~~ففي التنزيل: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} [التغابن: 15] . # وفي الأحاديث الإلهية يقول الله -عز وجل-: «ابن آدم ما خلقت هذه الدنيا ~~إلا محنة» (3) ، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله مستخلفكم فيها ~~فناظر كيف تعملون» (4) . PageV01P105 # وقال -أيضا-: «إن هذا الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم، وأنهما ~~مهلكاكم فانظروا كيف تعملون» (1) . # وقال -أيضا-: «لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال» (2) . PageV01P106 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P107 # وللخوف من الفتن يروى -كما عند أبي يعلى وغيره - عن حذيفة بن اليمان -رضي ~~الله عنهما- عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خيركم بعد المئتين الخفيف ~~الحاذ (1) الذي لا أهل له ولا ولد» (2) . PageV01P108 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P109 # وفي الباب عدة أحاديث من نمطه (1) . PageV01P110 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P111 # وكذا يشمل عدم نفادها من بين يديه، واحتياجه إلى اللئام ممن يفخر ويزهو ~~بها عليهم. # قال - صلى الله عليه وسلم - لجرير -رضي الله عنه-: «يا ms08 جرير إني أحذرك ~~الدنيا وحلاوة رضاعها ومرارة فطامها» (1) . # ولا شك أن من فاز بشمول البركة في ماله كان ممن يغبط على نواله. # قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا، ~~فسلطه على هلكته في الحق» (2) . # وأما المال الذي دعا بالكثرة منه على من لم يؤمن به، وكذا الذي دعا ~~بالتقلل منه لمحبيه، فهو المباين لما تقدم بكل طريق في الحقوق الواجبة، ~~وكذا المستحبة بل هو المعني بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ورب متخوض في ~~مال الله -عز وجل- ورسوله - صلى الله عليه وسلم - له النار يوم القيامة» ~~(3) . PageV01P112 # ومن شواهد ذلك: حديث أبي كبشة الأنماري -رضي الله عنه- رفعه: «إنما ~~الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالا وعلما، فهو يتقي به، ويصل فيه رحمه، ~~ويعمل لله فيه حقا، فهذا أفضل المنازل؛ وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه ~~مالا، فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته، ~~فأجرهما سواء؛ وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما، يخبط في ماله بغير علم ~~ولا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعمل لله فيه حقا، فهذا بأخبث ~~المنازل؛ وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما، فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت ~~فيه بعمل فلان فهو بنيته فوزرهما سواء» (1) . # رواه الترمذي وابن ماجه. PageV01P113 # وكتب أبو الدرداء إلى سلمان -رضي الله عنهما-: يا أخي! لا تجمع ما لا ~~تستطيع شكره، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «يجاء ~~بصاحب الدنيا يوم القيامة الذي أطاع الله فيها وهو بين يدي ماله، وماله ~~خلفه، كلما تكفأ به الصراط، قال له ماله: امض فقد أديت الحق الذي عليك، ~~قال: ويجاء بالذي لم يطع الله -تعالى- فيه، وماله بين كتفيه، فيعثره ماله، ~~ويقول له: ويلك هلا عملت بطاعة الله -عز وجل- في، فلا يزال كذلك حتى يدعو ~~بالويل» (1) . # أخرجه أبو نعيم في «الحلية» . PageV01P114 # والحاصل أن خيرية المال ليست لذاته (1) ، # بل بحسب ما يتعلق به ولو اتفق PageV01P115 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P116 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P117 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P118 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P119 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P120 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P121 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P122 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P123 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P124 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P125 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P126 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P127 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P128 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P129 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P130 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P131 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P132 # صدور صلة ms09 أو نحوها من الكافر فيه كان حظه فيه ما خول فيه من صحة ومال ~~وشبههما. # وقد روي عن كعب الأحبار قال: «إني لأجد في بعض الكتب: لولا أن يحزن عبدي ~~المؤمن لكللت رأس الكافر بالأكاليل، فلا يصدع ولا ينبض منه عرق» (1) . # وفي التنزيل: {ولولآ (2) أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر ~~PageV01P133 # بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون} [الزخرف: 33] ، ~~ومعناها: لولا أن تميل الدنيا بالناس فيصير الخلق كفارا لأعطى الله الكافر ~~في الدنيا غاية ما يتمنى منها، لقلتها عنده، ولكنه عز وجل لم يفعل ذلك ~~لعلمه أن الغالب على الخلق حب العاجلة (1) ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة؛ ما سقى كافرا منها شربة» (2) . ~~PageV01P134 # وقال -أيضا-: «إن الله -عز وجل- يحمي عبده المؤمن الدنيا، كما يحمي أحدكم ~~مريضه الطعام والشراب» (1) . PageV01P135 # وقال -أيضا-: «يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء بم أخذ المال، أمن ~~حلال أم من حرام» (1) . # وإلى قريب من هذا الجواب أشار شيخنا -رحمه الله- فإنه قال في «فتح ~~الباري» : «فإن قيل كيف دعا لأنس وهو خادمه بما كرهه لغيره، فيحتمل أن يكون ~~مع دعائه له بذلك قرنه بأن لا يناله من قبل ذلك ضرر؛ لأن المعنى في كراهية ~~اجتماع كثرة المال والولد إنما هو لما يخشى في ذلك من الفتنة بهما، والفتنة ~~لا تؤمن معها الهلكة» ، انتهى كلام شيخنا (2) . # ويتأيد بقول أنس -رضي الله عنه-: «أنه - صلى الله عليه وسلم - ما ترك خير ~~آخرة ولا دنيا إلا دعا له به» . # وإلى الفرق بين المالين الذين أحدهما وبال، والآخر نوال؛ أشار - صلى الله ~~عليه وسلم - بقوله: «إن المكثرين هم الأقلون يوم القيامة» . وفي رواية: «هم ~~الأخسرون» (3) . PageV01P136 # وفي لفظ: «هلك المثرون إلا من قال بالمال هكذا وهكذا -فحثى بين يديه وعن ~~يمينه وعن شماله- وقليل ما هم» (1) . # وإلى هذا الفرق أشار القاضي عياض في «الشفا» (2) ، فإنه عقد فصلا (3) لما ~~يختلف الحالان في المدح به، والتفاخر بسببه، والتفضيل لأجله، ومثل لذلك ~~بكثرة المال، وقال: «فصاحبه على ms10 الجملة معظم عند العامة لاعتقادها توصله به ~~إلى حاجته، وتمكن أغراضه بسببه، وإلا فليس فضيلة في نفسه» . # فمتى كان المال بهذه الصورة، وصاحبه منفقا له في مهماته، ومهمات من ~~اعتراه وأمله، وتصريفه في مواضعه، مشتريا به المعالي، والثناء الحسن، ~~والمنزلة من القلوب، كان فضيلة في صاحبه عند أهل الدنيا. # وإذا صرفه في وجوه البر، وأنفقه في سبل الخير، وقصد بذلك الله -تعالى- ~~والدار الآخرة، كان فضيلة [في صاحبه] (4) عند الكل بكل حال. # ومتى كان صاحبه ممسكا له، غير موجهه وجوهه، حريصا على جمعه؛ عاد ~~PageV01P137 # كثره كالعدم (1) ، وكان منقصة في صاحبه، ولم يقف به على جدد السلامة (2) ~~، # بل أوقعه في هوة (3) رذيلة البخل، ومذمة النذالة. PageV01P138 # فإذا التمدح بالمال وفضيلته عند مفضليه ليست لنفسه، وإنما هو للتوصل به ~~إلى غيره، وتصريفه (1) في متصرفاته، فجامعه إذا لم يضعه مواضعه، ولا وجهه ~~وجوهه غير مليء (2) بالحقيقة، ولا غني بالغنى (3) ، ولا متمدح (4) عند أحد ~~من العقلاء، بل هو فقير أبدا (5) ، غير واصل إلى غرض من أغراضه، إذ ما بيده ~~من المال الموصل إليها (6) لم يسلط عليه، فأشبه خازن مال غيره ولا مال له، ~~فكأنه ليس في يده منه شيء (7) ، # والمنفق مليء غني بتحصيله فوائد المال، وإن لم يبق في يده من المال شيء» ~~(8) . PageV01P139 # قال: «وانظر (1) سيرة نبينا - صلى الله عليه وسلم - وخلقه في المال تجده ~~قد أوتي خزائن الأرض ومفاتيح البلاد وأحلت له الغنائم، ولم تحل لنبي قبله، ~~وفتح عليه في حياته - صلى الله عليه وسلم - بلاد الحجاز واليمن وجميع جزيرة ~~العرب، وما دانى ذلك من الشام والعراق (2) ، وجلب (3) إليه من أخماسها، ~~وجزيتها، وصدقاتها، ما لا يجبى للملوك إلا بعضه، وهادته (4) جماعة من ملوك ~~الأقاليم، فما استأثر بشيء منه، ولا أمسك منه درهما، بل صرفه مصارفه، وأغنى ~~به غيره، وقوى به المسلمين، وقال: «ما يسرني أن لي أحدا ذهبا يبيت عندي منه ~~دينار، إلا دينارا أرصده لدين» (5) ، انتهى، والله الموفق. # وأيضا فالناس مختلفون، فمنهم من تصلحه الدنيا ويصلح عليها، ولا يزداد بها ~~إلا فضلا وتواضعا، كما ms11 نشاهده في أفراد. # وقد كان قيس بن سعد الأنصاري -رضي الله عنهما- يقول: اللهم ارزقني مالا ~~وفعالا، فإنه لا يصلح المال إلا بالفعال، ولا الفعال إلا بالمال، اللهم إنه ~~لا PageV01P140 # يصلحني القليل، ولا أصلح عليه (1) ، # وكذا هو الذي قال فيه - صلى الله عليه وسلم -: «إن الجود من شيمة أهل ذلك ~~البيت» (2) . PageV01P141 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P142 # ويروى عن الحسن والحسين أنهما قالا لعبد الله بن جعفر -رضي الله عنهم-: ~~إنك قد أسرفت في بذل المال. فقال: بأبي أنتما وأمي، إن الله قد عودني أن ~~يتفضل علي وعودته أن أتفضل على عباده، فأخاف أن أقطع العادة فيقطع عني (1) ~~. # وقال المأمون لمحمد بن عباد المهلبي: أنت متلاف، فقال: منع الجود سوء ~~الظن بالمعبود (2) . PageV01P143 # وقال أكثم بن صيفي -حكيم العرب-: «ذللوا أخلاقكم للمطالب، وقودوها ~~للمحامل (1) وعلموها المكارم، ولا تقيموا على خلق تذمونه من غيركم، وصلوا ~~من PageV01P144 # رغب إليكم وتحلوا بالجود يلبسكم (1) المحبة، ولا تعتقدوا البخل فتستعجلوا ~~(2) الفقر» (3) . # ومنهم دنيء الأصل رديء الطباع، واثق بما في يديه، فهذا لا يصلحه المال، ~~ولا يصلح عليه. # ولذلك لما سأل ثعلبة بن حاطب- وليس هو بالبدري، إن صح الحديث- رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني مالا، قال ~~له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ويحك يا ثعلبة! أما تحب أن تكون ~~مثلي، فلو شئت أن يسير ربي معي هذه الجبال ذهبا لسارت» . فقال: ادع الله أن ~~يرزقني مالا، فوالذي بعثك بالحق لئن رزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه، قال: ~~«ويحك يا ثعلبة! قليل تطيق شكره، خير من كثير لا تؤدي حقه» . أو قال: لا ~~تطيقه-. فقال: يا نبي الله! ادع الله أن يرزقني مالا، فقال: «اللهم ارزقه ~~مالا» . قال: فاتخذ غنما فبورك له فيها، ونمت حتى ضاقت به المدينة، فتنحى ~~بها، وكان يشهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنهار، ولا يشهد صلاة ~~الليل، ثم نمت، وكان لا يشهد إلا من الجمعة إلى الجمعة، ثم نمت، فكان لا ~~يشهد جمعة ولا جماعة. PageV01P145 # فقال النبي - صلى الله ms12 عليه وسلم -: «ويح ثعلبة بن حاطب» . ثم إنه أمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ الصدقة، فبعث رجلين فمرا على ثعلبة، ~~فقالا: الصدقة، فقال: ما هذا إلا جزية، فقدما المدينة، فلما رآهما النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال -قبل أن يكلماه-: «ويح ثعلبة بن حاطب» . قال: ~~فأنزل الله في ثعلبة: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن} الآية ~~[التوبة: 75] . أخرجه الطبراني والبيهقي في «الدلائل» و «الشعب» ، وابن أبي ~~حاتم، والطبري، وابن مردويه، والباوردي، وابن السكن وابن شاهين، والعسكري، ~~وآخرون من حديث علي بن يزيد، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة ~~الباهلي -رضي الله عنه-، وسنده ضعيف جدا (1) . PageV01P146 # ويؤيد كون الناس مختلفين ما يروى عن عمر، وأنس، وغيرهما من الصحابة ~~-رضوان الله عليهم-، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يقول الله ~~-عز وجل-: إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا بالغنى، ولو أفقرته لأفسده ~~ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا بالفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك» ~~(1) # الحديث. PageV01P147 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P148 # وفي لفظ في حديث أوله: «من عادى لي وليا ... » : «يقول الله -عز وجل-: ~~وربما سألني وليي المؤمن الغنى فأصرفه عنه إلى الفقر، ولو صرفته إلى الغنى ~~كان PageV01P149 # شرا له، وربما سألني وليي المؤمن الفقر فأصرفه إلى الغنى، ولو صرفته إلى ~~الفقر لكان شرا له» (1) . # و ### | قصة الأبرص والأقرع والأعمى # (2) # في مجيء الملك إليهم وسؤاله إياهم PageV01P150 # عن الأحب إليهم، وزوال ما بهم ونولهم ما اختاروه من الأموال، ثم مجيئه ~~إليهم بعد ذلك واحدا بعد واحد، في هيئة فقير مسكين يلتمس نائلهم، فجحد كل ~~من الأبرص والأقرع ما كان فيه قبل ذلك من الفاقة والعلة، ولم يعطه شيئا، ~~وشكر الأعمى نعمة الله عليه فيما آتاه، وفوض إلى الفقير أن يأخذ ما أحب، ~~فقال له: أمسك، فإنما ابتليتم فقد رضي عنك، وسخط على صاحبيك. # وكذا روينا في «المجالسة» (1) من طريق هشام، عن الحسن أنه قال: قد كان ~~الرجل يدع المال إلى جنبه، ولو شاء أتاه فأصاب منه ms13 حلالا، وإنه لمجهود شديد ~~الجهد، فيقال له: رحمك الله ألا تأتي هذا المال فتصيب منه، فيقول: لا إني ~~والله ما PageV01P151 # أدري لعلي إن أتيته فأصبت منه شيئا أن يكون فساد قلبي وعملي، فلا يقربه ~~حتى يموت بجهده ذلك. # وبهذا الحديث يقيد إطلاق قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يحمي ~~عبده المؤمن الدنيا» (1) ، وما أشبهه من الأحاديث التي في التنفير عنها، ~~ولذلك كان أنس -رضي الله عنه- يقول: «اللهم إني من عبادك الذين لا يصلحهم ~~إلا الغنى» (2) . # وصح أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «والذي نفسي بيده لا يقضي الله ~~للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء ~~شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» (3) . # وقال -تعالى-: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي ~~أكرمن. وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن. كلا} ~~[الفجر:15] يقول سبحانه: ليس كل من كثرت عليه الدنيا أكون قد أكرمته، ولا ~~كل من قدرتها عليه أكون قد أهنته، بل قد أوسعها على أعدائي إملاء ~~واستدراجا، وقد أقدرها على PageV01P152 # أوليائي صيانة وحماية وحفظا (1) . # وفي الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله قسم بينكم أخلاقكم ~~وأرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من أحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من ~~أحب» (2) ، وقد يوسعها على أوليائه كمن أسلفت الإشارة بهم، ويقدرها على خلق ~~من أعدائه كفقر الكفار. # والمؤمن لا بد أن يبتلى تارة بالسراء ليشكر، وتارة بالضراء ليصبر، فإن ~~الإنسان صبار شكور، وأما الفاجر فهو كنود يعدد المصائب وينسى النعم، وقد ~~قال -تعالى-: {تدعو من أدبر وتولى} [المعارج:17] ؛ أي: تدعو النار من أدبر ~~عن الحق، فتقول: إلي يا مشرك، إلي يا منافق، إلي يا فاسق، إلي يا ظالم، ~~{وجمع PageV01P153 # فأوعى} [المعارج: 18] أمسكه في الوعاء، ولم ينفقه في طاعة الله، فلم يؤد ~~زكاة، ولا وصل رحما، {إن الإنسان خلق هلوعا} [المعارج: 19] ضجورا شحيحا ~~جزوعا من الهلع، وهي شدة الحرص وقلة الصبر، والمفسرون ms14 يقولون: تفسير الهلوع ~~ما بعده، وهو قوله: {إذا مسه الشر جزوعا. وإذا مسه الخير منوعا} [المعارج: ~~20-21] إذا أصابه الفقر لا يصبر ولا يحتسب، وإذا أصابه المال منعه من حق ~~الله، ثم استثنى الله -عز وجل- من ذلك الموحدين فقال: {إلا المصلين. الذين ~~هم على صلاتهم دآئمون} [المعارج: 23] يقيمونها في أوقاتها، لا يدعونه آناء ~~الليل والنهار؛ يعني: المكتوبة (1) . # وسئل عقبة بن عامر -رضي الله عنه- أهم الذين يصلون أبدا؟ قال: لا، ولكنه ~~الذي إذا صلى لم يلتفت عن يمينه وعن شماله (2) ، # {والذين في أموالهم حق معلوم} [المعارج: 24] ؛ يعني: الزكاة المفروضة، ~~{للسآئل} [المعارج: 25] ، وهو الذي يسأل، {والمحروم} [المعارج: 25] الفقير ~~الذي لا يسأل، يتعفف عن السؤال (3) . PageV01P154 # والحاصل أنه -سبحانه- بين أن الإنسان إذا أصابه خير لتوسعة الرزق منع، ~~وإذا أصابه شر لضيق الرزق جزع، إلا القائمين بالواجبات؛ فإنهم يبتلون ~~بالخير فلا يمنعون، بل يعطون غيرهم ويحسنون لمن دونهم، ويبتلون بالشر فلا ~~يجزعون بل يصبرون، فهم يتواصون بالصبر ويتواصون بالمرحمة، إذا قدروا رحموا ~~اليتيم والمسكين والضعيف، وإن أصيبوا صبروا على فرائض الله وأمره، ~~{وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون} [الأعراف: 168] ؛ أي: امتحناهم ~~بالنعم وبالمصائب (1) . # والفاجر إن أصيب جزع، وإن قدر ظلم، فهذا التفصيل ونحوه هو الصواب، دون ~~إطلاق الجواب على أنه يمكن الفرق بين المالين بخلاف هذا -أيضا-، وذلك بأن ~~يقال: لا يلزم من الكثرة التي دعا بها لأنس وجود مال مدخر، بل لعلها مال ~~يتجدد له في كل يوم من ربح وغيره، وهو ينفده أولا فأولا، بخلاف التي دعا ~~بها لغيره نفيا وإثباتا. # ثم رأيت في «مسند أحمد» ما يؤيد هذا، قال أحمد: حدثنا ابن أبي عدي، عن ~~حميد، عن أنس قال: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أم سليم فأتته ~~بتمر وسمن، فذكر الحديث. وفيه قول أم سليم له: خادمك أنس ادع له، وفيه أنه ~~ما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا له به. وقال: «اللهم ارزقه مالا وولدا، ~~وبارك له فيه» (2) ، قال أنس: فما من الأنصار إنسان أكثر مالا مني، وذكر ms15 ~~أنس أنه لا يملك ذهبا ولا فضة غير خاتمه. وهذه الفائدة رحلة، وحينئذ فلا ~~ينافي ما ورد من دعواته - صلى الله عليه وسلم - المتفق عليها وهي: «اللهم ~~اجعل رزق آل محمد قوتا» (3) . PageV01P155 # وقوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة -رضي الله عنها -كما أخرجه الترمذي ~~وغيره مما صحح الحاكم إسناده-: «يا عائشة! إن أردت اللحوق بي فليكفك من ~~الدنيا كزاد الراكب، وإياك ومجالسة الأغنياء، ولا تستخلفي ثوبا حتى ترقعيه» ~~(1) . # والمروي في «الترمذي» وغيره عن أبي أمامة -رضي الله عنه-، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - PageV01P156 # أنه قال: «إن أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من الصلاة، أحسن ~~عبادة ربه، وأطاعه في السر، وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع، ~~وكان رزقه كفافا فصبر على ذلك، ثم نفض يده، فقال: عجلت منيته، قلت بواكيه، ~~قل تراثه» (1) . # وهكذا كان حال السلف فيما يتجدد لهم من مال (2) . PageV01P157 # قالت أم ذرة -فيما أخرجه ابن سعد-: أتيت عائشة -رضي الله عنها- بمئة ألف، ~~ففرقتها وهي يومئذ صائمة، فقلت لها: أما استطعت فيما أنفقت أن تشتري بدرهم ~~لحما تفطرين عليه؟! فقالت: لو كنت أذكرتني لفعلت (1) . # وكان دخل الإمام الليث بن سعد -رحمه الله- في السنة ثمانين ألف دينار، ~~PageV01P158 # وما وجبت عليه زكاة قط، بل كان ينفدها أولا فأولا، بحيث يعطي الألف دينار ~~دفعة، والخمس مئة ونحو ذلك (1) . # وأما إمامنا الشافعي -رحمه الله- فإنه قدم مرة من اليمن إلى مكة ومعه ~~عشرون ألف دينار، فضرب خيمة خارجا من مكة، وأقام حتى فرقها كلها (2) . ~~PageV01P159 # وأرسل إليه أمير المؤمنين هارون الرشيد مرة بخمسة آلاف دينار، فلما وصلت ~~إليه استدعى بالحجام فأخذ من شعره، فأعطاه خمسين دينارا، ثم أخذ رقاعا فصر ~~من تلك الدنانير صررا، ففرقها في القرشيين الذين هم في الحضرة، وصر لمن ~~يعرفه من أهل مكة حتى ما رجع إلى بيته إلا بأقل من مئة دينار (1) . # ولو سردت أحوال الصحابة فمن بعدهم من الأئمة والخلفاء والملوك وسائر ~~الناس في ذلك إلى وقتنا هذا لكان شيئا عجبا (2) ، # ولكن قد ذكرت ms16 من ذلك جملة PageV01P160 # في كتابي المسمى ب «الجواهر المجموعة» (1) ، قال ابن عمر -رضي الله ~~عنهما-: «لقد رأيتنا وما صاحب الدينار والدرهم بأحق به من أخيه المسلم، ثم ~~لقد رأيتنا بأخرة الآن والدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم» (2) ~~. # وما أحسن قول القائل (3) : PageV01P161 # ملأت يدي من الدنيا مرارا ... فما طمع العواذل في اقتصادي # ولا وجبت علي زكاة مال ... وهل تجب الزكاة على جواد # بذرت المال في أرض العطايا ... فأصبحت المكارم من حصادي # ولو نلت الذي يهواه قلبي ... لوسعت المعاش على العباد # ويستأنس لما أشرت إليه بكون مال المرء النافع في الحقيقة هو الذي يقدمه ~~بين يديه (1) ، # كما قال - صلى الله عليه وسلم - وقد سأل أصحابه: «أيكم مال وارثه أحب ~~إليه من ماله؟» . قالوا: يا رسول الله! ما منا أحد إلا وماله أحب إليه من ~~مال وارثه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اعلموا ما تقولون» . ~~قالوا: ما نعلم إلا ذاك يا رسول الله، قال: «ما منكم رجل إلا مال وارثه أحب ~~إليه من ماله» . قالوا: كيف يا رسول الله؟، قال: «إنما مال أحدكم ما قدم، ~~ومال وارثه ما أخر» (2) . # ونحوه قوله - صلى الله عليه وسلم - لبعض أصحابه: «أمالك أحب إليك أم مال ~~مواليك؟» ، PageV01P162 # قلت: لا، بل مالي، قال: «فإن لك من مالك ما أكلت فأفنيت، أو أعطيت ~~فأمضيت، وسائره لمواليك» (1) ، # فقلت: أما والله لئن رجعت لأقلن عددها. # وشاهد ذلك في «الصحيح» ، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «يقول العبد: ~~مالي مالي، وإنما له من ماله ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فأمضى، ~~وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس» (2) . # أو تكون الكثرة المدعو بها لأنس هي الكثرة من المواشي، وكذا من الزرع ~~والغرس، الذي قال - صلى الله عليه وسلم - فيه -كما في «صحيح مسلم» وغيره- ~~من حديث جابر وغيره: «ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان ~~أو بهيمة أو شيء -وفي لفظ: «أو طائر» - إلا كان له به صدقة» (3) . وذلك كان ~~أكثر أموال الأنصار، ms17 PageV01P163 # الذي قال -رضي الله عنه وعنهم-: أنه من أكثرهم مالا. # ويؤيده قوله -كما مضى قريبا- أنه لا يملك ذهبا ولا فضة غير خاتمه، وكذا ~~يستأنس له بما ورد أنه كان له بستان يحمل في السنة مرتين، وكان فيه ريحان ~~يجيء منه ريح المسك. # وفي «الأدب المفرد» (1) للبخاري من حديث سنان، عن أنس -رضي الله عنه- ~~قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخل علينا (أهل البيت) فدخل يوما ~~فدعا لنا، فقالت أم سليم: خويدمك! ألا تدعو له؟ قال: «اللهم أكثر ماله ~~وولده، وأطل عمره واغفر له» ، فدعا لي بثلاث، فدفنت مئة وثلاثة، وإن ثمرتي ~~لتطعم في السنة مرتين، وطالت حياتي حتى استحييت من الناس، وأرجو المغفرة. # وجاءه قيمه في أرضه فقال: يا أبا حمزة عطشت أرضك، فتردى -أي: لبس رداءه- ~~ثم خرج إلى البرية، ثم صلى ما قضى الله له، ثم دعا، فثارت سحابة وغشيت ~~أرضه، ومطرت حتى ملأت صهريجا (2) له، وذلك في الصيف فأرسل بعض أهله، فقال: ~~انظروا أين بلغت، فإذا هي لم تعد أرضه (3) . # وشبيه قصة أنس -رضي الله عنه- هذه ما صح في «مسلم» من حديث عبيد ابن عمير ~~الليثي، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «بينما رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتا في سحابة: اسق حديقة فلان، فتنحى ~~ذلك PageV01P164 # السحاب فأفرغ ماءه في حرة، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء ~~كله، فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقته، يحول الماء بمسحاته، فقال له: ~~يا عبد الله! ما اسمك؟ قال: فلان -للاسم الذي سمع في السحابة- فقال له: يا ~~عبدالله! لم تسألني عن اسمي فقال: إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه ~~يقول: اسق حديقة فلان لاسمك فما تصنع فيها؟! قال: أما إذا قلت هذا فإني ~~أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثا، وأرد فيه ثلثا» ~~(1) . # والمال الآخر هو النقد المدخر وغيره، ثم إن من كره المال؛ إنما كرهه ~~للحساب عليه، فإنه لا تزول قدماه حتى ms18 يسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيم ~~أنفقه (2) ، ولذا جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- مرفوعا: «يا ابن آدم ما ~~تصنع بالدنيا! PageV01P165 # حلالها حساب، وحرامها عذاب» (1) . # وكون الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم وهو خمس مئة عام، وإن ~~كان ورد أنه يخفف على المؤمنين (2) . PageV01P166 # وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وأنا تاجر، فأردت أن تجتمع لي التجارة والعبادة؛ فلم تجتمعا، فرفضت ~~التجارة، وأقبلت على العبادة. # و [الله] (1) الذي نفس أبي الدرداء بيده! ما أحب أن لي اليوم حانوتا على ~~باب المسجد لا تخطئني فيه صلاة أربح فيه كل يوم أربعين دينارا، وأتصدق بها ~~كلها في سبيل الله -عز وجل-. # قيل له: يا أبا الدرداء! وما تكره من ذلك؟ قال: شدة الحساب. # وفي لفظ: أحب أن أكون من الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله. ~~رواهما أبو نعيم في «الحلية» (2) . PageV01P167 # وعنده -أيضا- عن عوف بن مالك -رضي الله عنه- أنه رأى في المنام قبة من ~~أدم، ومرجا أخضر، وحول القبة غنم ربوض تجتر، وتبعر العجوة. قال: فقلت: لمن ~~هذه القبة؟ فقيل: لعبد الرحمن بن عوف، قال: فانتظرنا حتى خرج، فلما خرج؛ ~~قال لي: يا عوف! هذا الذي أعطانا الله بالقرآن، فلوا أشرفت على هذه البنية ~~(1) لرأيت ما لم تر عينك، ولم تسمع أذنك، ولم يخطر على قلبك، أعده الله ~~لأبي الدرداء؛ لأنه كان يدفع الدنيا بالراحتين والنحر (2) . # ولكن كان سفيان الثوري -رحمه الله- يقول: «لأن أخلف عشرة آلاف درهم ~~PageV01P168 # يحاسبني الله عليها أحب إلي من أن أحتاج إلى الناس» (1) . # ونحوه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن ~~تذرهم عالة يتكففون الناس» (2) . # وكذا قوله لكعب بن مالك حين استشاره في الخروج من ماله كله: «أمسك عليك ~~بعض مالك فهو خير لك» (3) . PageV01P169 # وقال الثوري مرة لمن عاتبه في تقليب الدنانير: دعنا عنك فإنه لولا هذه ~~لتمندل الناس بنا تمندلا (1) . # وفي لفظ عنه: أنه قال لمن عاتبه على بضاعة له يقلبها: لولاها ms19 لتمندل بي ~~بنو العباس (2) ، بل جاء عنه أنه قال: المال في هذا الزمان سلاح المؤمن (3) ~~. PageV01P170 # ونحوه قول سفيان بن عيينة -رحمه الله-: من كان له مال فليصلحه، وفي لفظ: ~~فليتجر وليكتسب، فإنكم في زمان من احتاج فيه إلى الناس، فإن أول ما يبذله ~~دينه (1) . # وكأن السفيانين -رحمهما الله- أشارا إلى ما يروى عنه - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «إذا كان آخر الزمان لا بد للناس فيها من الدراهم ~~والدنانير، يقيم الرجل بها دينه ودنياه» (2) . PageV01P171 # ونحوه: «يأتي على الناس زمان من لم يكن معه أصفر ولا أبيض (1) لم يتهن ~~بالعيش» (2) . PageV01P172 ### | الدنانير والدراهم خواتيم الله في أرضه # ، من جاء بها قضيت حاجته، ومن لم يجئ بها لم تقض حاجته» (1) إلى غير ذلك، ~~مما ينتشر الكلام بسببه؛ بل يروى عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«إنما يخشى المؤمن الفقر؛ مخافة الآفات على دينه» (2) . PageV01P173 # وكان سعيد بن المسيب -رحمه الله- يقول: اللهم إنك تعلم أني لم أجمع المال ~~إلا لأصون بها حسبي وديني (1) . # وعن ابن أبي الزناد وقيل له: أتحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا. فقال: هي ~~وإن أدنتني منها لقد صانتني عنها (2) . PageV01P174 # وأورد الزمخشري في «الكشاف» (1) عند قوله -تعالى-: {ولا تؤتوا السفهاء ~~أموالكم التي جعل الله لكم قياما} [النساء: 5] ، شيئا من هذا. # وروينا في «المجالسة» (2) عن الثوري -أيضا- أنه قال: «والله ما وضع رجل ~~يده قط في قصعة رجل إلا ذلت له رقبته، وما أعرف موضعا لعشرة دراهم لا، ولا ~~لسبع ولا لخمس ولا لدرهم» . # وقد مال كثير من الشافعية إلى تفضيل الغني الشاكر على الفقير الصابر (3) ~~، PageV01P175 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P176 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P177 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P178 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P179 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P180 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P181 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P182 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P183 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P184 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P185 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P186 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P187 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P188 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P189 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P190 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P191 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P192 # فهذا ما فتح الله -عز وجل- به في الجمع بين هذين الحديثين. # وقد استروح الداودي المالكي (1) # -رحمه الله- فقال في حديث الدعاء لأنس PageV01P193 # أنه يدل على بطلان الحديث الآخر قال: «وكيف يصح ذلك وهو - صلى الله عليه ~~وسلم - يحض على النكاح والتماس الولد» ؟ ‍‍! انتهى. # والحكم عليه بالبطلان مع ما أسلفته من طرقه باطل، نعم هو لا يقاوم حديث ~~PageV01P194 # أنس في الصحة، ولو لم يمكن الجمع بينهما بحيث زال التضاد ms20 -إن شاء الله- ~~بين الخبرين وأعملا معا، كان القول بأن أحدهما كاف أصح. # ولذلك تعقب الداودي شيخنا -رحمه الله- وقال: «إنه لا منافاة بينهما -يعني ~~بين الحض على النكاح والتماس الولد، وبين الدعاء بعدم حصول الولد والمال ~~معا- لاحتمال أن يكون ورد في حصول الأمرين معا» . # قال: «لكن يعكر عليه كراهيته لغير أنس ما دعا به له ... » (1) ، ثم أجاب ~~عنه بما أسلفته معزوا إليه. # فإن استشكل -أيضا- دعاؤه - صلى الله عليه وسلم - على من لم يؤمن به بكثرة ~~المال والولد وطول العمر بمن يشاهد من الكفار والمقلين منهما معا، بحيث ~~يكون أشقى الأشقياء، فهو من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة، وهو الذي ~~خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين. # وكذا بمن يهلك قبل الطعن في السن -أيضا-، والحال أن دعاءه - صلى الله ~~عليه وسلم - مجاب، أمكن أن يقال: لعله - صلى الله عليه وسلم - لم يقصد ~~حقيقة الدعاء عليهم، إنما أراد منه تنفير من يحبهما معا من محبيه على الوجه ~~المذموم كما تقدم. # ونحوه القول في غالب من دعا عليهم - صلى الله عليه وسلم - من الكفار ممن ~~تخلف دعاؤه فيهم بأنه لم يرد بذلك إهلاكهم، وإنما أراد ردعهم ليتوبوا. # وقد قيل في «عقرى حلقى» : أن ظاهره الدعاء لكنه غير مراد، وكذا قيل في ~~«ويل أمه» و «لا أبا له» ، و «تربت يداه» ، و «قاتله الله» ونحو ذلك. # ويحتمل أن يقال: لعله أراد قوما مخصوصين في زمنه - صلى الله عليه وسلم -، ~~أو يقال بالفرق بين من صدر منه الدعاء عليه بطريق التعيين وبين من اندرج في ~~العموم، لا سيما بعد نزول قوله -تعالى-: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب ~~عليهم أو يعذبهم PageV01P195 # فإنهم ظالمون} [آل عمران: 128] ، فقد صح أنه - صلى الله عليه وسلم - كان ~~إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع، فربما قال إذا قال ~~سمع الله لمن حمده: «ربنا لك الحمد، اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن ~~هشام، وعياش بن [أبي] ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد ms21 وطأتك ~~على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» (1) يجهر بذلك. # وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: «اللهم العن فلانا وفلانا» لأحياء ~~من العرب، حتى أنزل الله -عز وجل- {ليس لك من الأمر شيء} الآية [آل عمران: ~~128] (2) . # ويستأنس له بقول شيخنا -رحمه الله- في حديث: «أيما مؤمن سببته أو جلدته؛ ~~فاجعل ذلك كفارة له يوم القيامة» (3) ، ما أظنه يشمل ما وقع منه بطريق ~~PageV01P196 # التعميم لغير معين، حتى يتناول من لم يدرك زمنه - صلى الله عليه وسلم -. # بل قال شيخنا (1) -أيضا- في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم اجعل ~~فناء أمتي قتلا في سبيلك بالطعن والطاعون» (2) ، # إذ استشكل بأن أكثر الأمة إنما يموتون بغير الطعن PageV01P197 # والطاعون: # «يحتمل أن يكون - صلى الله عليه وسلم - دعا لأمته بطريق التعميم، فاستجاب ~~الله دعاءه في بعضهم فيكون من العام المخصوص، ويحتمل أن يكون أراد - صلى ~~الله عليه وسلم - بلفظ «أمتي» طائفة مخصوصة كأصحابه مثلا، أو صفة مخصوصة ~~كالخيار مثلا، فيكون من العام الذي أريد به الخصوص. # والأول قد يوجه بأن الصحابة لم يموتوا كلهم بالأمرين ولا بأحدهما فقط، ~~وكذلك الخيار؛ فإن الكثير منهم يموتون بغيرهما، وقريب من الأول دعاؤه - صلى ~~الله عليه وسلم - للمؤمنين بالمغفرة، مع أنه ثبت بالأدلة القطعية عند أهل ~~السنة أن طائفة منهم يعذبون، ثم يخرجون من النار بالشفاعة. # وفي عكس ذلك دعاؤه - صلى الله عليه وسلم - أن لا يهلك أمته (1) بالغرق، ~~وأن يرفع عنهم الرجم من السماء والخسف من الأرض، وأخبر - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه أجيب إليها ثم وقعت بعد، فدل على أن المراد بنفي ذلك عن الأمة ~~نفيه عن الجميع، وأن وقوعه لبعضهم لا يقدح في صحة الحديث؛ لصلاحية اللفظ ~~لإرادة الكل والبعض. # وكذا يقال في الحديث المسؤول عنه، وحديث الطاعون (2) -أيضا-: اللفظ صالح ~~لإرادة الكل والبعض، فدل الواقع على أن المراد البعض فيهما، كما دل الواقع ~~في حديث الغرق ونحوه على أن المراد الكل، ثم إنه ليس المراد بالكل ~~PageV01P198 # جميع الأمة من أولها إلى آخرها، وإنما المراد به جميع من ms22 يكون موجودا في ~~عصر من الأعصار في جميع البلاد من الأمة المحمدية، بحيث تنقرض أمة الإجابة ~~ولا يبقى مثلا من الناس إلا أمة الدعوة. # وهذا لا يقع إلا بعد وقوع الآيات ونزول عيسى ابن مريم، وقبض أرواح من ~~يوحد إذ ذاك من أهل التوحيد، فلا يبقى على وجه الأرض من يقول لا إله إلا ~~الله، فأولئك تقوم عليهم الساعة، كما ثبت في الحديث الصحيح (1) . # وأما ما قبل ذلك فللعلماء فيه اختلاف في مسألة: «هل تخلو الأرض من قائم ~~لله بالحجة؟» (2) ، ليس هذا موضع إيراده. # وممن نحى إلى أن المراد بالأمة في حديث الطاعون الصحابة أبو العباس ~~القرطبي في «شرح صحيح مسلم» (3) ، # وتعقب بأنه قد مات جمع كثير من الصحابة PageV01P199 # بغير الطعن والطاعون، وأجيب: بأنه إذا ساغ تخصيص عموم الأمة بالصحابة، ~~ساغ تخصيص الصحابة بطائفة منهم، ولكن قد استبعد التقي ابن تيمية أصل الجواب ~~في PageV01P200 # حمله على الصحابة فقط، وقال (1) : «متى سلم ذلك، تطرق إلى كل حديث أضيف ~~إلى الأمة» ، نعم قد جزم به شيخنا (2) . فقال: «والحق أن أصل الدعوة ~~للصحابة، ولا منع (3) من إلحاق غيرهم بهم في الفضل المذكور» ، وأيده بما ~~يضيق المحل عن إيراده (4) . # وحديث الغرق المشار إليه هو في «صحيح مسلم» من حديث سعد بن أبي وقاص -رضي ~~الله عنه-، أنه - صلى الله عليه وسلم - أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا ~~مر بمسجد بني معاوية، دخل فركع ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربه طويلا، ثم ~~انصرف إلينا فقال: «سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، فسألت ربي ~~أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألت ربي أن لا يهلك أمتي بالغرق ~~فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» (5) . PageV01P201 # وفي الباب عن أنس (1) ، وثوبان (2) ، وخباب بن الأرت (3) ، وابن عباس (4) ~~، ومعاذ بن جبل (5) ، وأبي بصرة الغفاري (6) # -رضي الله عنهم-. PageV01P202 # ولفظ حديث ثوبان: «وإني سألت ربي أن لا يهلك أمتي بسنة عامة، وأن لا يسلط ~~عليهم عدوا من غيرهم، وأن لا يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض، فقال لي: يا ~~محمد ms23 إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة ~~عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا من غيرهم فيستبيح بيضتهم، حتى يكون بعضهم ~~يهلك بعضا» (1) . PageV01P203 # وعند ابن مردويه في تفسير سورة الأنعام من «تفسيره» في هذه الآية من حديث ~~ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «دعوت الله عز وجل أن يرفع ~~عن أمتي أربعا، فرفع عنهم اثنتين، وأبى أن يرفع عنهم اثنتين: دعوت الله أن ~~يرفع عنهم الرجم من السماء، والخسف من الأرض، وأن لا يلبسهم شيعا ويذيق ~~بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الخسف والرجم، وأبى أن يرفع الآخرتين» (1) . # ونحوه عند البخاري عن جابر قال: لما نزلت هذه الآية: {قل هو القادر على ~~أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} [الأنعام: 65] قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «أعوذ بوجهك» {أو من تحت أرجلكم} قال: «أعوذ بوجهك» {أو ~~يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«هاتان أهون وأيسر» (2) . PageV01P204 # ولعبد الرزاق من حديث أبي بن كعب، في قوله تعالى: {عذابا من فوقكم} قال: ~~الرجم، {أو من تحت أرجلكم} قال: الغرق (1) . # وبحديث سعد تعقب شيخنا رحمه الله قول بعض شراح «المصابيح» أن جميع دعوات ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مستجابة، وقال: «إن في قوله غفلة عن الحديث ~~الصحيح، وهو «سألت الله ثلاثا» وذكره» . # ونحوه قول القاضي عياض في «الشفا» : «قد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه سأل لأمته أشياء من أمور الدين والدنيا، أعطي بعضها ومنع بعضها» (2) ~~. انتهى. # ويساعد شيخنا من أجاب عن استشكال ظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لكل ~~نبي دعوة مستجابة» (3) # بما وقع لكثير من الأنبياء من الدعوات المجابة، ولا سيما نبينا - صلى ~~الله عليه وسلم - PageV01P205 # بقوله: أن المراد بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها، وما عدا ذلك من ~~دعواتهم فهو على رجاء الإجابة، فحالهم فيها بين الرجاء والخوف (1) . # وكذا من قال: إن المراد بأن لكل منهم دعوة عامة مستجابة في أمته، إما ~~بإهلاكهم وإما بنجاتهم، ms24 وأما الدعوات الخاصة فمنها ما يستجاب، ومنها ما لا ~~يستجاب. # وبالجملة فالمقام خطر، وإذا كان ورد في حق المسلمين قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «ما من رجل مسلم دعا الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة، إلا أعطاه ~~بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخر له في الآخرة، ~~وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها» (2) . PageV01P206 # وقال - صلى الله عليه وسلم -: والذي نفسي بيده ما أذن الله لعبد في ~~الدعاء حتى أذن له في الإجابة» (1) ، # فكيف بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فضلا عن نبينا - صلى الله عليه ~~وسلم -. PageV01P207 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P208 # ولا يدفع ذلك ما ورد التصريح منه بعدم الإجابة فيه، وعلى كل حال فقد ~~استغني بما أبديته من الأجوبة عن التقيد في ورطة هذا، والله الموفق (1) . # تم الكتاب بحمد الله وعونه وحسن توفيقه، وذلك على يد الفقير المعترف ~~بالتقصير، أبو الفضل الأعرج (2) ، له ولمن دعا له بالمغفرة، ولجميع ~~المسلمين. # وكان الفراغ منه عام ثمانين وثماني مئة، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله ~~وعترته الطيبين الطاهرين، وسلم تسليما أبدا (3) . # ***** PageV01P209 ### | جواب في الجمع بين حديثين # ، هما: داءه صلى الله عليه وسلم لأنس بن مالك بكثرة المال والولد، وحديث ~~دعائه بذلك على من لم يؤمن به ويصدقه # تأليف الشيخ العلامة # محمد بن عبد الرحمن السخاوي # - رحمه الله تعالى - # (831 - 902) # PageV01P211 ### | مقدمة التحقيق # إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ~~ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهدأن ~~لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد: # فهذا جواب عن توفيق بين حديثين، لم أره منشورا من قبل، وهو في موضوع ~~(المال) ، إذ هو توفيق بين دعائه - صلى الله عليه وسلم - لأنس بكثرة المال، ~~ودعائه - صلى الله عليه وسلم - لبعض أحبابه بقلته. # والمادة التي فيه شبيهة مع ما في «السر المكتوم» بل تكاد تكون مختصرة له، ~~فالأحاديث والآثار والأقوال والنقولات متطابقة، ولذا جعلته عقب «السر ~~المكتوم» ms25 . # وللسخاوي -رحمه الله تعالى- أجوبة متعددة في هذا الموضوع، نشر منها غير ~~واحد في «الأجوبة المرضية فيما سئل عنه من الأحاديث النبوية» (1) . # وفيها كثير من النقولات المتشابهة مع ما في «السر المكتوم» ، مع زيادة في ~~أحدها كادت أن تنحصر في القسم الذي نقلته في (توثيق نسبة «السر المكتوم» ~~للسخاوي) . # وهذا الجواب -الذي ننشره لأول مرة- خال من عنوان، وهو مذكور في فهارس دار ~~الكتب المصرية، تحت: «جواب في الجمع بين حديثين، هما: دعاؤه لأنس بن مالك ~~بكثرة المال والولد، وحديث دعائه بذلك على من لم يؤمن به PageV01P213 # ويصدقه» ، وهكذا أثبت على طرته بخط متأخر جدا عنه، وهذا الجواب من ~~محفوظات دار الكتب المصرية، تحت رقم (210- مجاميع) في (6) ورقات، في كل ~~ورقة لوحتان، في كل لوحة (19) سطرا، أوله: # «الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى، ... » ، وآخره: # « ... والله الموفق، قاله وكتبه محمد السخاوي الشافعي، غفر الله ذنوبه، ~~وستر عيوبه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، آمين» ~~. # وهذه النسخة بخط السخاوي المعروف، وقد ألحق بخطه في الهوامش زيادات، ووضع ~~بعدها (صح) . # ولا يبعد عندي أن يكون هذا الجواب هو أصل «السر المكتوم» ، ثم بدا له # -فيما بعد- أن توسع فيه، ولا سيما بعد أن طلب منه الملك الأشرف قايتباي ~~(1) ذلك، ويقوي هذا الاحتمال الوقوف على تأريخ كل منهما، وهذا ما لم نقف ~~عليه. # ثم ظهر لي عكس هذا الاحتمال، وتقوى عندي، ذلك أن السخاوي -رحمه الله- ~~أشار في أول جوابه هذا أنه ألفه بطلب من الملك الأشرف، لكنه أبهمه، ولم ~~يسمه، وقال ما نصه: # «والتمس (أي الملك الأشرف) من المملوك (أي: السخاوي) ، فكتب ذلك باختصار، ~~لكونه فهم أن الغرض حين سمى القاصد، إنما هو بيان مرتبة الحديث الثاني، ومن ~~أخرجه، ثم تبين له حقيقة المراد، فقال على سبيل الغرض على المشار إليه، لا ~~قصدا للتطويل لديه، غير معترض لما كتبه أولا في تخريج الحديث ... » . # نستفيد من هذا: أن الملك الأشرف طلب اختصارا لجواب ورد عليه للسخاوي، ~~يريد منه صحة الحديث الثاني -إن ثبت- وجواب ms26 الجمع فقط، وهذا PageV01P214 # يشعر أن «السر المكتوم» ألفه قبل هذا الجواب، ووقف عليه الملك الأشرف، ~~وطلب منه اختصاره، ففعل السخاوي في هذا الجواب، هذا ما بدا لي، والله أعلم ~~بالصواب. ### | نسخة أخرى لهذا الجواب # وظفرت -بعد بحث شديد- في «الفهرس الموجز لمخطوطات مؤسسة علال الفاسي» ~~(2/124-125 رقم 932) على نسخة في المؤسسة المذكورة برقم (4172) في (26) ~~ورقة! ضمن مجموع (ق 11-37) بخط مغربي، سماه المفهرس هكذا: # «جواب عن سؤال حول حديث: «اللهم من أحبني فارزقه الكفاف» » ، ولا أدري هل ~~هو نسخة أخرى من «السر المكتوم» (1) ، أم نسخة أخرى من هذا الجواب، أم جواب ~~آخر للسخاوي في الموضوع نفسه، إذ هذا الموضوع أشغل السخاوي كثيرا، وكان له ~~فيه جهود متعددة. ### | عملي في التحقيق # ويتلخص عملي في هذا الجواب على ضبط نصه، ودقة مقابلته على المثبت بخط ~~صاحبه السخاوي، وأحلت في تخريج الأحاديث والآثار وتوثيق النصوص على ما ~~علقته على «السر المكتوم» ، فقد بذلت في ذلك -ولله الحمد والمنة- جهدا أرجو ~~الله أن يكون مميزا، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناتي، وأن يرزقني الإخلاص في ~~القول والعمل، والإحسان في العلم والتعلم والبحث، وأن يجنبني الخطأ والزلل، ~~وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. # وكتب # أبو عبيدة # بعد عشاء يوم السبت # 12/جمادى الآخرة/1424ه PageV01P215 # صورة # PageV01P216 # صورة # PageV01P217 # الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. # برزت الإشارة بالإيماءات مع صريح العبارة من علامة مطيق منطيق، وفهامة ~~متحقق بالتدقيق والتحقيق، مارس كثيرا من العلوم، ونافس بفكره الصافي في فني ~~المنطوق والمفهوم، وظهرت سيادته وانتشرت رئاسته، واغتبط الملوك ببهجته ~~ونضارته، وارتبط الغني فضلا عن الصعلوك بساحته -زاده الله -تعالى- من فضله، ~~وأبقاه لنشر العلم والتنويه بأهله، وختم له بالحسنى، ورفعه إلى المحل ~~الأسنى- إلى استشكال الجمع بين دعائه - صلى الله عليه وسلم - لخادمه سيدنا ~~أنس بن مالك -رضي الله عنه-، حسبما اتفق عليه الشيخان بكثرة المال والولد ~~مع كونه -كما روي من أوجه يرتقي بها إلى الحسن- دعا بذلك على من لم يؤمن به ~~ولم يصدقه، والتمس من المملوك الجواب فكتب ذلك باختصار لكونه ms27 فهم أن الغرض ~~حين سمى القاصد إنما هو بيان مرتبة الحديث الثاني ومن أخرجه، ثم تبين له ~~حقيقة المراد. # فقال على سبيل الغرض على المشار إليه، لا قصدا للتطويل لديه، غير متعرض ~~لما كتبه أولا في تخريج الحديث: # الجواب كما ظهر لي أنه يقال: ليس المالان في الموضعين على حد سواء، فالذي ~~دعا لخادمه بالكثرة منه هو الذي قال فيه - صلى الله عليه وسلم -: «لا خير ~~فيمن لا يحب المال ليصل به رحمه، أو يؤدي به عن أمانته ويستغني به عن خلق ~~ربه» (1) . # والمعنى في هذا كما قال العسكري: إنه لا خير فيمن يحب المال لغير هذه ~~الخصال، وإنما يحب المؤمن -يعني: الكامل- المال لهذه الأشياء (2) ، ونحوه ~~قول سعيد بن المسيب -رحمه الله-: «لا خير فيمن لا يجمع المال فيقضي دينه ~~PageV01P218 # ويصل رحمه، ويكف به وجهه» (1) . # ولذلك يروى -كما أخرجه أحمد وابن منيع في «مسنديهما» - من حديث عمرو بن ~~العاصي -رضي الله عنه-، قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا ~~عمرو نعما بالمال الصالح للمرء الصالح» -وفي لفظ: «نعم المال الصالح للرجل ~~الصالح» (2) . # وأخرج الديلمي عن جابر -رضي الله عنه-، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «نعم العون على تقوى الله المال» (3) . # وعند الطبراني في «الأوسط» عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «قيل يا ~~رسول الله من السيد؟ قال: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم -عليهم ~~السلام-، قالوا: فما في أمتك من سيد؟ قال: بلى، رجل أعطي مالا حلالا، ورزق ~~سماحة، وأدنى الفقير، وقلت شكاته في الناس» (4) . # فمن تكون الدنيا في يديه ويؤدي الحقوق منها، ويتطوع بالأمور المستحبة ~~فيها، ولم تكن عائقة له عن الوصول إلى الله تعالى، ولا لها في قلبه مزية، ~~ولا يفخر بها خصوصا على من دونه، يكون ذلك زيادة له في الخير. # وكم من غني متصف بذلك وأزيد منه مثل سليمان -عليه السلام-، وعثمان ابن ~~عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة الفياض أحد العشرة -رضي الله عنهم-. # بل قد حملت خزائن ms28 الأرض إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلى ~~صاحبيه أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-، فأخذوها ووضعوها في مواضعها، وما ~~هربوا منها لكونهم قد استوى عندهم الماء والمال، والذهب والحجر، كما عرف من ~~سيرهم وأحوالهم (5) . PageV01P219 # على أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقتصر في الدعاء لأنس -رضي الله عنه- ~~بالإكثار فقط، بل ضم إليه الدعاء بالبركة الذي صدوره منه - صلى الله عليه ~~وسلم - يشمل عدم الافتتنان به، بحيث يزول محذوره، إذ الدنيا بلاء وفتنة (1) ~~. # ففي الأحاديث الإلهية يقول الله -عز وجل-: «ابن آدم ما خلقت هذه الدنيا ~~إلا محنة» (2) ، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله مستخلفكم فيها ~~فناظر كيف تعملون» (3) . وقال أيضا: «إن هذا الدينار والدرهم أهلكا من كان ~~قبلكم، وأنهما مهلكاكم فانظروا كيف تعملون» (4) . # وقال -أيضا-: «لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال» (5) . # وكذا يشمل عدم نفادها من بين يديه، واحتياجه إلى اللئام ممن يفخر ويزهو ~~بها عليه (6) . # قال - صلى الله عليه وسلم - لجرير -رضي الله عنه-: «يا جرير إني أحذرك ~~الدنيا، وحلاوة رضاعها، ومرارة فطامها» (7) . # ولا شك أن من فاز بشمول البركة في ماله كان ممن يغبط على نواله. # قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا، ~~فسلطه على هلكته في الحق، ... » (8) . PageV01P220 # وأما المال الذي دعا بالكثرة منه على من لم يؤمن به، وكذا الذي دعا ~~بالتقلل منه لمحبيه، فهو المباين لما تقدم بكل طريق في الحقوق الواجبة، ~~وكذا المستحبة، بل هو المعني بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ورب متخوض في ~~مال الله -عز وجل- ورسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ له النار يوم القيامة» ~~(1) . # ولو اتفق صدور صلة أو نحوها من الكافر فيه كان حظه منه ما خول فيه من ~~صحة، ومال، وشبههما. # وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح ~~بعوضة ما سقى كافرا منها شربة» (2) . # وقال -أيضا-: «يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء بم أخذ المال، أمن ~~حلال أم من حرام» (3) . # وإلى قريب من ms29 هذا الجواب أشار شيخنا رحمه الله، فإنه قال في «فتح الباري» ~~(4) : «فإن قيل: كيف دعا لأنس، وهو خادمه بما كرهه لغيره؟! فيحتمل أن يكون ~~مع دعائه له بذلك قرنه بأن لا يناله من قبل ذلك ضرر، لأن المعنى في كراهية ~~اجتماع المال والولد إنما هو لما يخشى في ذلك من الفتنة بهما، والفتنة لا ~~تؤمن معها الهلكة» انتهى كلام شيخنا. # ويتأيد بقول أنس -رضي الله عنه-: «أنه - صلى الله عليه وسلم - ما ترك خير ~~آخرة ولا دنيا إلا دعا له به» (5) . # وإلى الفرق بين المالين -الذين أحدهما: وبال، والآخر: نوال- أشار - صلى ~~الله عليه وسلم - PageV01P221 # بقوله: «إن المكثرين هم الأقلون يوم القيامة» ، وفي رواية: «هم الأخسرون» ~~(1) . # وفي لفظ: «هلك المثرون إلا من قال بالمال هكذا وهكذا -فحثى بين يديه وعن ~~يمينه وعن شماله- وقليل ما هم» (2) . # وأيضا فالناس مختلفون، فمنهم من تصلحه الدنيا ويصلح عليها، ولا يزداد بها ~~إلا فضلا وتواضعا، كما نشاهده في أفراد. # وقد كان قيس بن سعد الأنصاري -رضي الله عنهما- يقول: اللهم ارزقني مالا ~~وفعالا، فإنه لا يصلح المال إلا بالفعال، ولا الفعال إلا بالمال، اللهم إنه ~~لا يصلحني القليل، ولا أصلح عليه (3) . # وهذا هو الذي قال فيه - صلى الله عليه وسلم -: «إن الجود من شيمة أهل ذلك ~~البيت» (4) . # ويروى عن الحسن والحسين أنهما قالا لعبد الله بن جعفر -رضي الله عنهم-: ~~إنك قد أسرفت في بذل المال. فقال: بأبي أنتما وأمي، إن الله قد عودني أن ~~يتفضل علي، وعودته أن أتفضل على عباده، فأخاف أن أقطع العادة فيقطع عني (5) ~~. # وقال المأمون لمحمد بن عباد المهلبي: أنت متلاف، فقال: منع الجود سوء ~~الظن بالمعبود (6) . # وقال أكثم بن صيفي حكيم العرب: «ذللوا أخلاقكم للمطالب، وقودوها للمحامل، ~~وعلموها المكارم، ولا تقيموا على خلق تذمونه من غيركم، وصلوا من ~~PageV01P222 # رغب إليكم، وتحلوا بالجود يلبسكم المحبة، ولا تعتقدوا البخل فتستعجلوا ~~الفقر» (1) . # ومنهم دنيء الأصل، رديء الطباع، واثق بما في يديه، فهذا لا يصلحه المال، ~~ولا يصلح عليه. # كما يروى عن أنس وعمر وغيرهما ms30 من الصحابة -رضوان الله عليهم-، عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: يقول الله -عز وجل-: «إن من عبادي من لا ~~يصلح إيمانه إلا بالغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح ~~إيمانه إلا بالفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك» (2) ... الحديث. # على أنه يمكن الفرق بين المالين بخلاف هذا -أيضا-، وذلك بأن يقال: لا ~~يلزم من الكثرة التي دعا بها لأنس وجود مال مدخر، بل لعلها مال يتجدد له في ~~كل يوم من ربح وغيره، وهو ينفده أولا فأولا، بخلاف التي دعا بها لغيره نفيا ~~وإثباتا. # أو يكون المدعو بها لأنس هي الكثرة من المواشي، وكذا من الزرع والغرس، ~~الذي قال - صلى الله عليه وسلم - فيه -كما في «صحيح مسلم» وغيره- من حديث ~~جابر وغيره: «ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو بهيمة ~~أو شيء -وفي لفظ: «أو طائر» - إلا كان له به صدقة» (3) . # وذلك كان أكثر أموال الأنصار، الذي قال -رضي الله عنه وعنهم-: أنه من ~~أكثرهم مالا. # ويستأنس له بما ورد أنه كان له بستان يحمل في السنة مرتين، وكان فيه ~~ريحان يجيء منه ريح المسك. PageV01P223 # وجاءه قيمه في أرضه فقال: يا أبا حمزة عطشت أرضك، فتردى -أي: لبس رداءه- ~~ثم خرج إلى البرية، ثم صلى ما قضى الله له، ثم دعا فثارت سحابة فجاءت وغشيت ~~أرضه، ومطرت حتى ملأت صهريزة له، وذلك في الصيف فأرسل بعض أهله، فقال: ~~انظروا أين بلغت، فإذا هي لم تعد أرضه (1) . # والمال الآخر، هو: النقد المدخر وغيره، ثم إن من كره المال إنما كرهه ~~للحساب عليه، وكون الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، وهو خمس ~~مئة عام (2) ، ولكن كان سفيان الثوري -رحمه الله- يقول: لأن أخلف عشرة آلاف ~~درهم يحاسبني الله عليها أحب إلي من أن أحتاج إلى الناس (3) ، ونحوه قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة ~~يتكففون الناس» (4) . # وقال الثوري مرة لمن عاتبه في تقليب الدنانير: دعنا ms31 عنك فإنه لولا هذه ~~لتمندل الناس بنا تمندلا (5) . # بل جاء عنه أنه قال: المال في هذا الزمان سلاح المؤمن (6) . # ونحوه قول ابن عيينة -رحمه الله-: من كان له مال فليصلحه، فإنكم في زمان ~~من احتاج فيه إلى الناس؛ فإن أول ما يبذله دينه (7) . # وكأن السفيانين رحمهما الله أشارا إلى ما يروى عنه - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «إذا كان آخر الزمان لا بد للناس فيها من الدراهم والدنانير، ~~يقيم الرجل فيها دينه PageV01P224 # ودنياه» (1) . # ونحوه: «يأتي على الناس زمان من لم يكن معه أصفر ولا أحمر (2) لم يتهن ~~بالعيش» (3) . # «الدنانير والدراهم خواتيم الله في أرضه، من جاء بها قضيت حاجته، ومن لم ~~يجىء بها لم تقض حاجته» (4) . إلى غير ذلك، مما ينتشر الكلام بسببه. # بل يروى عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنما يخشى المؤمن الفقر؛ ~~مخافة الآفات على دينه» (5) . # وكان سعيد بن المسيب -رحمه الله- يقول: اللهم إنك تعلم أني لم أجمع المال ~~إلا لأصون بها حسبي وديني (6) . # وعن ابن أبي الزناد وقيل له: أتحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟! فقال: ~~هي وإن أدنتني منها فقد صانتني عنها (7) . # وقد جنح إمامنا الشافعي -رضي الله عنه- إلى تفضيل الغني الشاكر على ~~الفقير الصابر (8) ، فهذا ما فتح الله -عز وجل- به في الجمع بين هذين ~~الحديثين. # وقد استروح الداودي المالكي (9) -رحمه الله- فقال في حديث الدعاء ~~PageV01P225 # لأنس: أنه يدل على بطلان الحديث الآخر، قال: وكيف يصح ذلك وهو - صلى الله ~~عليه وسلم - يحض على النكاح والتماس الولد؟! # ولذلك تعقب الداودي شيخنا (1) -رحمهما الله- وقال: «إنه لا منافاة ~~بينهما، يعني بين الحض على النكاح والتماس الولد، وبين الدعاء بعدم حصول ~~الولد والمال معا، لاحتمال أن يكون ورد في حصول الأمرين معا» . # قال: لكن يعكر عليه كراهيته لغير أنس ما دعا به له، ثم أجاب عنه بما ~~أسلفته معزوا إليه. # فإن استشكل دعاؤه - صلى الله عليه وسلم - على من لم يؤمن به بكثرة المال ~~والولد بمن يشاهد من الكفار المقلين منهما معا، والحال أن دعاءه - صلى الله ms32 ~~عليه وسلم - مجاب، أمكن أن يقال: لعله - صلى الله عليه وسلم - لم يقصد ~~حقيقة الدعاء عليهم، إنما أراد منه تنفير من يحبهما معا من محبيه على الوجه ~~المذموم كما تقدم. # ونحوه القول في غالب من دعا عليهم - صلى الله عليه وسلم - من الكفار، ممن ~~تخلف دعاؤه فيهم، بأنه لم يرد بذلك إهلاكهم، وإنما أراد ردعهم؛ ليتوبوا. # وقد قيل في (عقرى) و (حلقى) أن ظاهره الدعاء لكنه غير مراد، وكذا قيل في ~~(ويل أمه) و (لا أبا له) ، و (تربت يداه) ، و (قاتله الله) ونحو ذلك. # ويحتمل أن يقال: لعله أراد قوما مخصوصين في زمنه - صلى الله عليه وسلم - ~~أو يقال بالفرق بين من صدر منه الدعاء عليه بطريق التعيين، وبين من اندرج ~~في العموم، لا سيما بعد نزول قوله -تعالى-: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب ~~عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} [آل عمران:128] ، فقد صح أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - كان إذا أراد أن يدعو على PageV01P226 # أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع، فربما قال إذا قال سمع الله لمن حمده: ~~«اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن [أبي] (1) ربيعة، ~~والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها [عليهم] سنين ~~كسني يوسف» (2) يجهر بذلك. # وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: «اللهم العن فلانا وفلانا» لأحياء ~~من العرب، حتى أنزل الله -عز وجل-: {ليس لك من الأمر شيء} الآية (3) . # ويستأنس له بقول شيخنا (4) -رحمه الله- في حديث: «أيما مؤمن سببته أو ~~جلدته، فاجعل ذلك كفارة له يوم القيامة» (5) : «ما أظنه يشمل ما وقع منه ~~بطريق التعميم لغير معين، حتى يتناول من لم يدرك زمنه - صلى الله عليه وسلم ~~-» . انتهى. # على أنه قد جاء في «صحيح مسلم» من حديث سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-، ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - أقبل ذات يوم من العالية حتى إذا مر بمسجد بني ~~معاوية، دخل فركع ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربه طويلا، ثم انصرف إلينا ~~فقال: «سألت ربي ms33 ثلاثا، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، فسألت ربي أن لا يهلك ~~أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألت ربي أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، ~~وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» (6) . PageV01P227 # وفي الباب عن أنس (1) ، وثوبان (2) ، وخباب بن الأرت (3) ، وابن عباس (4) ~~، ومعاذ بن جبل (5) ، وأبي بصرة الغفاري (6) -رضي الله عنهم-. # وبه تعقب شيخنا (7) -رحمه الله- قول بعض شراح «المصابيح» أن جميع دعوات ~~الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- مستجابة، وقال: «إن في قوله غفلة عن ~~الحديث الصحيح، وهو «سألت الله ثلاثا» (8) ... » وذكره. # ويساعد شيخنا من أجاب من استشكل ظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لكل ~~نبي دعوة مستجابة» (9) بما وقع لكثير من الأنبياء من الدعوات المجابة، ولا ~~سيما نبينا - صلى الله عليه وسلم - بقوله: إن المراد بالإجابة في الدعوة ~~المذكورة القطع بها، وما عدا ذلك من دعواتهم فهو على رجاء الإجابة. # وكذا من قال أن المراد بأن لكل منهم دعوة عامة مستجابة في أمته، إما ~~بإهلاكهم وإما بنجاتهم، وأما الدعوات الخاصة فمنها ما يستجاب، ومنها ما لا ~~يستجاب. # وبالجملة فالمقام خطر، وما قلته أولا من الاحتمالات أنسب، وآخرها أحسنها، ~~وليس المسؤول بأعلم من السائل، والله الموفق. # قاله وكتبه محمد السخاوي الشافعي غفر الله ذنوبه وستر عيوبه، وصلى الله ~~على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، آمين. # ***** PageV01P228 ms34