######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0009992 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 911 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: أسرار ترتيب القرآن #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0009992 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-9992 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/9992 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الفضيلة للنشر والتوزيع #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | مقدمات ### | تقديم # الحمد لله الذي أنزل الكتاب متناسبا سوره وآياته، متشابها فواصله ~~وغاياته، وأشهد أن لا إله إلا الله الذي تمت كلماته، وعمت مكرماته، وأشهد ~~أن سيدنا محمدا عبده الذي ختمت به نبواته، وكملت برسالته رسالاته، توالت ~~عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وأحبابه صلواته، وتواتر تسليمه ~~وبركاته ما دامت حياته وبقيت ذاته وصفاته.. وبعد: # فهذا كتاب لطيف، تناول فيه مؤلفه من علوم القرآن، ألا وهو ترتيب السور ~~وتناسقها ومناسباتها، وإيضاح ما في ذلك من إعجاز وبيان ومقاصد، وسوف يتجلى ~~لنا من خلال عرض هذا الكتاب الدقائق التي فتح الله بها على مصنفه، وتلكم ~~اللمحات الزكية التى أكثرها من نتاج فكره، وولاد نظره، وغير ذلك من فوائد، ~~يجنيها القارئ. # وقد قل اعتناء المفسرين بهذا النوع لدقته، وممن أكثر منه الإمام فخر ~~الدين الرازي1 في تفسيره: أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط. # وقال بعض الأئمة: من محاسن الكلام أن يرتبط بعضه ببعض؛ لئلا يكون منقطعا. # وهذا النوع يهمله بعض المفسرين -أو كثير منهم- وفوائده غزيرة، قال ~~PageV01P003 # القاضي أبو بكر بن العربي1: ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون ~~كالكلمة الواحدة، متسقة المعاني، منتظمة المباني -علم عظيم، لم يتعرض له ~~إلا عالم واحد عمل فيه سورة البقرة، ثم فتح الله عز وجل لنا فيه، فلما لم ~~نجد له حملة، ورأينا الخلف بأوصاف البطلة ختمنا عليه، وجعلناه بيننا وبين ~~الله ورددناه إليه2. # ثم إنك لا ترى علما هو أرسخ أصلا، وأبسق فرعا، وأحلى جنى، وأعذب وردا، ~~وأكرم نتاجا، وأنور سراجا، من علم البيان، الذى لولاه لم تر لسانا يحوك3 ~~الوشي، ويصوغ الحلي، ويلفظ الدر، وينفث السحر، ويقري4 الشهد، ويريك بدائع ~~من الزهر، ويجنيك الحلو اليانع من الثمر، والذى لولا تحفيه5 بالعلوم، ~~وعنايته بها، وتصويره إياها، لبقيت كامنة مستورة، ولما استبنت لها يد ~~الدهر6 صورة، ولاستمر السرار7 بأهلتها، واستولى الخفاء على جملتها، إلى ~~فوائد لا يدركها الإحصاء، ومحاسن لا يحصرها الاستقصاء8. # وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام9: المناسبة علم ms01 حسن؛ ولكن يشترط في ~~حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره، فإن وقع على أسباب ~~مختلفة لم يشترط فيه ارتباط أحدهما بالآخر10. PageV01P004 # وقال برهان الدين إبراهيم البقاعي1: "وعلم المناسبات -الأهم من مناسبات ~~القرآن وغيره- علم تعرف منه علل الترتيب، وموضوعه أجزاء الشيء المطلوب علم ~~مناسبته من حيث الترتيب، وثمرته الاطلاع على الرتبة التي يستحقها الجزء ~~بسبب ما له بما وراءه، وما أمامه من الارتباط والتعلق الذي هو كلحمة النسب، ~~فعلم مناسبات القرآن علم تعرف منه علل ترتيب أجزائه، وهو سر البلاغة لأدائه ~~إلى تحقيق مطابقة المعاني لما اقتضاه من الحال، وتتوقف الإجادة فيه على ~~معرفة مقصود السورة المطلوب ذلك فيها، ويفيد ذلك معرفة المقصود من جميع ~~جملها؛ فلذلك كان هذا العلم في غاية النفاسة، وكانت نسبته من علم التفسير ~~نسبة علم البيان من النحو"2. # أما ترتيب السور: فقد اختلف العلماء في ترتيب السور: # - فالقول الأول: إنه توقيفي، تولاه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- كما ~~أخبر به جبريل عن أمر ربه، فكان القرآن على عهد النبي -صلى الله عليه وآله ~~وسلم- مرتب السور، كما كان مرتب الآيات على هذا الترتيب الذي لدينا اليوم، ~~وهو ترتيب مصحف عثمان الذي لم يتنازع أحد من الصحابة فيه مما يدل على عدم ~~المخالفة والإجماع. # - والقول الثاني: إن ترتيب السور باجتهاد من الصحابة؛ بدليل اختلاف ~~مصاحفهم في الترتيب؛ كمصحف ابن مسعود، ومصحف أبي. # - والقول الثالث: إن بعض السور ترتيبه توقيفي، وبعضه باجتهاد من الصحابة؛ ~~حيث ورد ما يدل على ترتيب بعض السور في عهد النبوة، فقد PageV01P005 # ورد ما يدل على ترتيب السبع الطوال والحواميم والمفصل في حياته عليه ~~الصلاة والسلام. # وقد ناقش بعض العلماء1 هذه الآراء الثلاثة، وانتهى إلى ما يلي: # - أن الرأى الثاني الذي يرى أن ترتيب السور باجتهاد الصحابة لم يستند إلى ~~دليل يعتمد عليه. # فاجتهاد بعض الصحابة في ترتيب مصاحفهم الخاصة كان اختيارا منهم قبل أن ~~يجمع القرآن جمعا مرتبا، فلما جمع في عهد عثمان بترتيب الآيات والسور على ~~حرف واحد، ms02 واجتمعت الأمة على ذلك تركوا مصاحفهم، ولو كان الترتيب اجتهاديا ~~لتمسكوا بها. # وحديث ابن عباس رضى الله عنهما: "قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم ~~الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينها ... "2. # وهذا الحديث يدور إسناده في كل رواياته على "يزيد الفارسي" الذي يذكره ~~البخاري في الضعفاء، وفيه تشكيك في إثبات البسملة في أوائل السور؛ كأن ~~عثمان كان يثبتها برأيه، وينفيها برأيه؛ ولذا قال الشيخ أحمد شاكر في ~~تعليقه عليه بمسند الإمام أحمد: "إنه لا أصل له". # وغاية ما فيه أنه يدل على عدم الترتيب بين هاتين السورتين فقط3. # - أما الرأى الثالث: الذي يرى أن بعض السور ترتيبها توقيفي، وبعضها ~~ترتيبه اجتهادي، فإن أدلته ترتكز على ذكر النصوص الدالة على PageV01P006 # ما هو توقيفي، أما القسم الاجتهادي فإنه لا يستند إلى دليل يدل على أن ~~ترتيبه اجتهادي؛ إذ إن ثبوت التوقيفي بأدلته لا يعني أن ما سواه اجتهادي، ~~مع أنه قليل جدا. # وبهذا يترجح أن ترتيب السور توقيفي كترتيب الآيات1. # وقال أبو بكر بن الأنباري2: "أنزل الله القرآن كله إلى سماء الدنيا، ثم ~~فرقه في بضع وعشرين، فكانت السورة تنزل لأمر يحدث، والآية جوابا لمستخبر، ~~ويوقف جبريل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- على موضع الآية والسورة، ~~فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف كله عن النبي -صلى الله عليه وآله ~~وسلم- فمن قدم سورة أو أخرها فقد أفسد نظم القرآن"3. # وقال الزركشي: قال بعض مشايخنا المحققين: قد وهم من قال: لا يطلب للآي ~~الكريمة مناسبة؛ لأنها على حسب الوقائع المتفرقة، وفصل الخطاب أنها على حسب ~~الوقائع تنزيلا، وعلى حسب الحكمة ترتيبا، فالمصحف كالصحف الكريمة على ما في ~~وفق الكتاب المكنون، مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف، وحافظ القرآن العظيم ~~لو استفتي في أحكام متعددة، أو ناظر فيها، أو أملاها لذكر آية كل حكم على ~~ما سئل، وإذا رجع إلى التلاوة لم يتل كما أفتى، ولا كما نزل مفرقا؛ بل كما ~~أنزل جملة إلى بيت العزة، ومن المعجز البين أسلوبه، ونظمه الباهر؛ ms03 فإنه ~~{كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} [هود:1] . # قال: والذي ينبغي في كل آية أن يبحث عن كونها مكملة لما قبلها، أو ~~مستقلة، ثم المستقلة ما وجه مناسباتها لما قبلها؟ ففي ذلك علم جم، وهكذا في ~~السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له. PageV01P007 # وإذا اعتبرت افتتاح كل سورة وجدته في غاية المناسبة لما ختم به السورة ~~قبلها، ثم هو يخفى تارة ويظهر أخرى؛ كافتتاح سورة الأنعام بالحمد، فإنه ~~مناسب لختام سورة المائدة من فصل القضاء؛ كما قال سبحانه وتعالى: {وقضي ~~بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين} [الزمر: 75] وكافتتاح سورة فاطر ب ~~{الحمد} أيضا، فإنه مناسب لختام ما قبلها من قوله: {وحيل بينهم وبين ما ~~يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل} [سبأ: 54] وكافتتاح سورة الحديد بالتسبيح: ~~{سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} [الحديد: 1] فإنه مناسب ~~لختام سورة الواقعة من الأمر به: {فسبح باسم ربك العظيم} [الواقعة: 74] . # وكافتتاح البقرة بقوله: {الم، ذلك الكتاب لا ريب فيه} إشارة إلى {الصراط} ~~في قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} كأنهم لما سألوا الهداية إلى الصراط ~~المستقيم، قيل لهم: ذلك الصراط الذي سألتم الهداية إليه هو الكتاب. # وهذا معنى حسن يظهر فيه ارتباط سورة البقرة بالفاتحة1. # ومن لطائف سورة الكوثر أنها كالمقابلة للتي قبلها "الماعون"؛ لأن السابقة ~~قد وصف الله فيها المنافق بأمور أربعة: البخل، وترك الصلاة، والرياء فيها، ~~ومنع الزكاة، فذكر هنا في مقابلة البخل: {إنا أعطيناك الكوثر} أي: الكثير. # وفي مقابلة ترك الصلاة: {فصل} أي: دم عليها. # وفي مقابلة الرياء: {لربك} أي: لرضاه لا للناس. PageV01P008 # وفي مقابلة الماعون: {وانحر} وأراد به: التصدق بلحم الأضاحي، فاعتبر هذه ~~المناسبة العجيبة1. # وكذلك مناسبة فاتحة سورة الإسراء بالتسبيح، وسورة الكهف بالتحميد؛ لأن ~~التسبيح حيث جاء مقدم على التحميد، يقال: سبحان الله، والحمد لله2. # هذا، وأسأل الله أن ينفع بهذا العمل، وأن يرد الأمة الإسلامية إلى كتابها ~~الكريم وهذا الفرقان، معتصمة به، تالية له، ومتدبرة لما فيه، ومتمسكة بسنة ~~نبيها خاتم النبيين ms04 محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- وما كان عليه السلف ~~الصالح من الصحابة ومن تبعهم، فلا معين إلا الله، ولا دليل إلا رسول الله، ~~ولا زاد إلا التقوى، ولا عمل إلا الصبر عليه، ولا عز لنا إلا في إسلامنا، ~~وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم ~~الدين. # مرزوق علي إبراهيم # في مساء الجمعة # 26 محرم 1422ه # 20 إبريل 2001م # مدينة نصر- القاهرة PageV01P009 ### | نبذة عن مصحف عثمان "رضي الله عنه": # من المآثر الخالدة لذي النورين ما فعله حين جمع الناس على مصحف واحد، ~~وجمع القرآن فيه؛ وبذلك صلح أمر الناس من السلف والخلف، ولولا الذي فعله ~~عثمان -رضي الله عنه- لألحد الناس في القرآن إلى يوم القيامة، كما قال ~~الحسن البصري. # قال الزركشي: وقد اشتهر أن عثمان هو أول من جمع المصاحف؛ وليس كذلك؛ بل ~~أول من جمعها في مصحف واحد الصديق، ثم أمر عثمان حين خاف الاختلاف في ~~القراءة بتحويله منها إلى المصاحف1. # وقال القاضي أبو بكر الباقلاني2 في "الانتصار للقرآن": "لم يقصد عثمان ~~-رضي الله عنه- قصد أبي بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين؛ وإنما قصد جمعهم ~~على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وإلغاء ما ~~ليس كذلك، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا تأويل أثبت مع تنزيل، ~~ومنسوخ تلاوته كتب مع مثبت رسمه ومفروض قراءته وحفظه؛ خشية دخول الفساد ~~والشبهة على ما يأتي بعد"3. # والذي حمل الصحابة -رضوان الله عليهم- على جمع القرآن ما جاء في الحديث ~~أنه كان مفرقا في: العسب واللخاف وصدور الرجال، فخافوا ذهاب بعضه بذهاب ~~حفظته، فجمعوه وكتبوه كما سمعوه من النبي -صلى الله عليه وسلم- من غير أن ~~يقدموا شيئا أو يؤخروا، وهذا الترتيب كان منه PageV01P010 # -صلى الله عليه وسلم- بتوقيف لهم على ذلك، وأن هذه الآية عقب تلك الآية، ~~فثبت أن سعي الصحابة في جمعه في موضع واحد لا في ترتيبه؛ فإن القرآن مكتوب ~~في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب الذي هو في مصاحفنا الآن، أنزله الله ms05 ~~جملة واحدة إلى سماء الدنيا؛ كما قال تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه ~~القرآن} [البقرة: 185] وقال تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} [القدر: 1] ~~ثم كان ينزل مفرقا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مدة حياته عند ~~الحاجة؛ كما قال تعالى: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه ~~تنزيلا} [الإسراء: 106] . # فترتيب النزول غير ترتيب التلاوة؛ وكان هذا الاتفاق من الصحابة سببا ~~لبقاء القرآن في الأمة، ورحمة من الله على عباده، وتسهيلا وتحقيقا لوعده ~~بحفظه؛ كما قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9] ~~وزال بذلك الاختلاف، واتفقت الكلمة. # ولقد كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار ~~واحدة، كانوا يقرءون القراءة العامة، وهي القراءة التي قرأها رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان زيد قد ~~شهد العرضة الأخيرة، وكان يقرئ الناس بها حتى مات؛ ولذلك اعتمده الصديق في ~~جمعه، وولاه عثمان كتابة المصحف. # وروي عن علي -رضى الله عنه- أنه قال: رحم الله أبا بكر! هو أول من جمع ~~بين اللوحين، ولم يحتج الصحابة في أيام أبي بكر وعمر إلى جمعه على وجه ما ~~جمعه عثمان؛ لأنه لم يحدث في أيامهما من الخلاف فيه ما حدث في زمن عثمان، ~~ولقد وفق لأمر عظيم، ورفع الاختلاف وجمع الكلمة، وأراح الأمة. # وقد قال علي رضى الله عنه: لو وليت ما ولي عثمان لعملت بالمصاحف ما عمل1. ~~PageV01P011 # فائدة: # من الأدلة التي ساقها الباقلاني على صحة نقل القرآن وصحة تأليفه وترتيبه: # "ومما يدل على ذلك قول تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} ~~[الحجر: 9] وقوله: {إن علينا جمعه وقرآنه} [القيامة: 17] وقد ثبت بإجماع ~~الأمة -منا ومنهم- أن الله تعالى لم يرد بهاتين الآيتين أنه تعالى يحفظ ~~القرآن على نفسه ولنفسه، وأنه يجمعه لنفسه، وأهل سمواته دون أهل أرضه، وأنه ~~إنما عنى بذلك أنه يحفظه على المكلفين للعمل بموجبه، والمصير إلى مقتضاه ~~ومتضمنه، وأنه يجمعه لهم فيكون محفوظا عندهم، ومجموعا لهم دونه، ومحروسا من ms06 ~~وجوه الخطأ والغلط والتخليط والإلباس، وإذا كان ذلك كذلك وجب بهاتين ~~الآيتين القطع على صحة مصحف الجماعة، وسلامته من كل فساد ولبس؛ لأنه لو كان ~~مغيرا أو مبدلا أو منقوصا منه أو مزيدا فيه، ومرتبا على غير ما رتبه الله ~~سبحانه؛ لكان غير محفوظ علينا، ولا مجموع لنا، وكيف يسوغ لمسلم أن يقول ~~بتفريق ما ضمن الله جمعه، وتضييع ما أخبر بحفظه"1. PageV01P012 ### | عملنا في الكتاب # كان العمل في تحقيق هذا الكتاب على المنهج التالي: # - قابلنا النسخة المطبوعة بتحقيق الأستاذ عبد القادر عطا "وهي نسخة دار ~~الكتب المصرية" على نسخة دمشق1 المطبوعة، التي اعتمد محققها على نسخة ~~الظاهرية. # - رمزنا لنسختنا المصرية ب"المطبوعة". # - رمزنا لنسخة دمشق ب"ظ"، وتميزت هذه النسخة بأنها أتم من النسخة المصرية ~~في الغالب، وفيها ترضية على الصحابة، وبعد ذكر النبي أو الأنبياء يأتي بعد ~~ذلك "عليه السلام" أو "عليهم السلام"، وكذلك حينما يأتي ذكر العلماء، يأتي ~~بعدهم ب"رحمه الله"، فضلا عن الثناء على الله تعالى إذا ذكر الله عز وجل. # - وضعنا الزيادة من نسخة "ظ" بين معقوفين، وكذلك إذا كانت هناك إضافة من ~~الأصول، أو تتمة لنقص وضعناها كذلك بين معقوفين. # - أبقينا التعليقات التى علق عليها الأستاذ عبد القادر عطا، وإن كان فيها ~~خطأ صوبناه، وما كان من نقص أتممناه. # - الرجوع إلى المصادر التى أخذ عنها المؤلف، وكذلك المصادر التي دارت حول ~~هذا الموضوع، وكل ذلك ساعد على تقويم النص، وخروجه بشكل أتم مما كان عليه ~~سابقا. # - قمنا بتصحيح ما وقع من تصحيف، وتحرير ما وقع من تحريف في النص. ~~PageV01P013 ### | عظمة القرآن ووحدته الموضوعية: # بقلم: عبد القادر أحمد عطا # قالت الجن حينما سمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم: {إنا سمعنا ~~قرآنا عجبا، يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا} 1، واهتزت عقيدة ~~الشرك في قلب رجل من صناديد الكفر هو الوليد بن المغيرة حينما سمع بعض ~~آياته من الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال: "ما هو بقول البشر"، وفزع أئمة ~~الكفر من قريش حينما شاهدوا تأثير ms07 القرآن على القلوب، فقالوا لزعمائهم: {لا ~~تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} 2، وسعى أهل النباهة من فتيان ~~العرب -من أمثال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه- إلى رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- فقال: "يا رسول الله، علمني من هذا القرآن" حينما استأسر قلبه ~~لسلطانه، واستشرف على عتبات الإسلام. # تلك واحدة من دلائل عظمة القرآن هي: سلطانه الروحاني الخفي على القلوب، ~~وولايته المطلقة على مدارك الإنس والجن على السواء، وجاذبيته المضيئة لقلوب ~~المهتدين والجاحدين جميعا. # وقد يكون لبعض المكتوبات البشرية سلطان على المشاعر، وجاذبية للنفوس؛ ~~ولكنها لم تصل في ماضي الزمان، ولن تصل في مستقبله إلى أعماق الروح، ولا ~~إلى مستقر الإيمان واليقين، ولا إلى قمة التضحية في سبيلها بالمال والنفس، ~~كما وصل الرواد الأوائل للإسلام إيمانا بالقرأن، ويقينا بسلطانه، واستشهادا ~~في سبيل دعوته، واحتمالا لما لا يطيقه بشر في سبيل إعلاء كلمته. # تلك دلالة لا شك فيها من دلائل عظمة القرآن بالنسبة للمؤمنين، ~~PageV01P014 # يقابلها على نفس الطريق عنف المقاومة لهذا السلطان من جانب الكفار، ~~وجبروت التعذيب الذي تسلطوا به على المؤمنين في مطلع الدعوة، فما لبثوا أن ~~فجروا جديدا من ينابيع الإيمان بما ابتكروا من وسائل التعذيب، ووحدوا شتات ~~الدعاة الأوائل تحت راية الرسول -صلى الله عليه وسلم- بما نفثوا من سموم ~~الحقد والعداء، فكان القرآن هو محور هذا الصراع الرهيب العجيب الذي دارت ~~رحاه على رمال جزيرة العرب، والذي طاشت في نهايته أحلام المعارضين على وفرة ~~المال والرجال والسلاح حينما ذلت رقابهم أمام قلة من الرجال، وقلة من ~~المال، وإعواز في السلاح يحدوها طوفان غامر من اليقين، وإيمان راسخ ~~بالقرآن، وانطباع كامل بأخلاقه، فتحطمت إلى الأبد شوكة الكفر، وشمخ إلى ~~الأبد صرح القرآن. # وثانية الدلائل على عظمة القرآن: صموده أمام دعوات الهدم على مدى التاريخ ~~الطويل، وتصديه لهجمات الإلحاد الضارية في ميدان الحرب وفي ميدان الفكر، ~~فلم تزده تلك الهجمات إلا انطلاقا إلى آفاق جديدة من الأرض، وانبلاجا لنوره ~~على صدر الزمان، وأعماقا بعيدة لجذوره في القلوب، ولئن ذبلت ms08 في بعض أحقاب ~~التاريخ همم أهل الحضارة القرآنية تحت تأثير الصدمات المتوالية واستجابة ~~المؤمنين إلى أهواء النفوس، فما كان هذا الذبول إلا غفوة أعقبها استجماع ~~للقوة، ورؤية مضيئة لحركة التاريخ كما حددها القرآن، فعاد الذبول نضارة، ~~وكان من الضعف قوة، ومن آمال أهل الإلحاد تمزق وخيبة وانحلال، وكان من هذا ~~التمزق دفع لمجتمع المؤمنين إلى ذروة التاريخ. # لقد عانت حضارة القرآن تسلط قريش، وجبروت الروم، وجدل الفرس، وسلاح ~~الصليبية، ولؤم اليهودية العالمية، وأخيرا عانت بريق المذاهب السياسية ~~والاقتصادية وأخصها الشيوعية اليهودية، وكان من أبناء الإسلام أعوان لهؤلاء ~~المتآمرين حاولوا قهر الأعزة على أوهام الشيوعية، فأعزوا في سبيل ذلك أهل ~~الأهواء؛ ولكن أولئك جميعا ذلوا # PageV01P015 # أمام صلابة الحق في القرآن، وذهلوا حينما عجز المال والسلاح والتكتل ~~الدولي عن النيل من إيمان أهل القرآن. # وثالثة الدلائل على عظمة القرآن بعد الصمود الذي لا يستطيعه إلا الكتاب ~~الحكيم: أنه كتاب حضارة تندرج تحت لوائه الأمم والشعوب، وتستسلم حضاراتها ~~لحضارته، فما تلبث أن يحتويها الإطار الشامل للإسلام الرحيب، وتتخذ نفس ~~الصفة الشرعية لخير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر داخل ~~النفس وخارجها، وداخل الأمة وبين الأمم الأخرى، وتؤمن بالحق والعدل عن الله ~~فيصلا وحكما بين الجميع، فلا عنصرية ولا عصبية، ولا استمساك بالذات؛ بل هو ~~إنكار لها، وعمل للمجموع مع الاحتفاظ بكرامة الفرد وكيانه بعيدا عن أي لون ~~من ألوان الامتهان. # فعظمة القرآن نابعة من أنه لا يستجدي الشعوب أن يتبعوه، ولا الحضارات أن ~~تذوب في حضارته؛ بل يعرض أمام العالم وجهه السمح الكريم، ويكشف عن رحابته ~~النادرة بين دساتير الحضارة، ويعلن حربه الضارية على الظلم وامتهان الإنسان ~~للإنسان، وامتهان الإنسان لنفسه وعقله، ويكشف الستر البراق عن عفن اللؤم ~~البشري، وعن الحبائل التى ينصبها أعداء العدل، ومتلصصة الفكر، أولئك الذين ~~يحاربون الله ورسوله لا لشيء إلا لأن الإيمان بهما يقف سدا منيعا أمام ~~أطماعهم وشهواتهم التي لا تدع قيمة إلا حطمتها، ولا مثلا أعلى إلا شوهته ~~وأذلت أهله، والداعين إليه. # وعلى مر ms09 القرون ما زال كبار المفكرين في العالم كله يشيدون بتلك السمة ~~التى استعصى عليهم الجهر بها هذا الردح الطويل من الزمان. # ورابعة الدلائل على عظمة القرآن: سرعته المذهلة في بناء الحضارات إذا ~~أتيح له من ينفذ تعاليمه من القادة على نفسه وأهله قبل أن ينفذها بين # PageV01P016 # جمهور المؤمنين، وهو الأمر الذي أهاب الله تعالى بالمؤمنين أن يحرصوا ~~عليه، وضمن لهم في سبيل ذلك تمكينا سريعا، وزحفا منصورا، وعونا من جند الله ~~يفوق كل قوة وكل جبروت وكل سلاح، وصادف هذا النصح الإلهي من القلوب حبا لا ~~يقاوم للقرآن. # وتدعيما لذلك فقد كان القرآن دستورا حضاريا للعمل على مستوى الأمة كلها، ~~عن طريق الحفظ والدرس والتلاوة الواعية والتدبر والاقتناع والتذكر والتطبيق ~~السلوكي الدقيق، والدليل على أن تحويل القرآن إلى سلوك لم يفرض على ~~المؤمنين بعصا السلطان؛ وإنما جاء عن طريق الدرس والتدبر والاقتناع بعظمة ~~القرآن -ما رواه أبو عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا الذين كانوا يقرءون ~~القرآن -كعثمان وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما وغيرهما- أنهم كانوا إذا ~~تعلموا من النبي -صلى الله عليه وسلم- عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يعملوا ~~بما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا؛ ~~ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة. # وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد ~~في أعيننا، وأقام عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- على حفظ البقرة ثماني ~~سنين. # ويضيق بنا المقام إذا استقصينا أقوال الصحابة في هذا الصدد؛ ولكن الذي ~~نريد أن نوضحه هنا هو أن سرعة الحضارة القرآنية في الانتشار والتأصل نابعة ~~من هذا الينبوع العريق في الأصالة، فلا تتعثر الحضارات إلا من جهل الشعوب ~~بالدساتير وأهدافها، أو من قصور تلك الدساتير في ذاتها، أو في إقناع الشعوب ~~بجدواها، وفي كلا الحالين تختلف الشعوب مع السلطات، وتتمرد على القانون، ~~ومن هنا لا تسرع الحضارة في سيرها نحو غايتها على فرض صلاحيتها، فضلا عن ~~النفقات الهائلة التي # PageV01P017 # يتطلبها إيقاف التيار المتمرد على ms10 السلطة، وتعويق السلطة لذلك عن المضي ~~إلى غايتها. # أما حضارة القرآن فتختلف عن جميع الحضارات من هذه الوجهة، فالقرآن هو ~~الفطرة البشرية التي لا تختلف فيها أمة ولا جنس، فهو مقنع لجميع الناس ~~بجدواه وعظيم فائدته، ودافع لهم بما يحتويه من وجوه الحكمة الملائمة لجميع ~~الأجناس إلى الدرس والتدبر الذي لا يزيد الناس إلا إيمانا وإمعانا في ~~استكشاف الحكم التي لا تنتهي، ولا تضعف في قوتها على كثرتها الكاثرة، ومن ~~هنا كان العلم بدستور الحضارة الإسلامية إلى جانب الاقتناع به عاملا رئيسيا ~~من عوامل السرعة في البناء، والقوة في الأسس التي تقوم عليها الحضارة، ~~وتوفير جهود السلطات الحاكمة؛ حيث تتفرغ لارتياد آفاق جدية لإقامة صرح ~~الإسلام على أرضها. # لقد أمر رب القرآن بتدبر القرآن فقال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ~~ليدبروا آياته} 1، ونعى على من لا يتدبرونه فقال: {أفلا يتدبرون القرآن} 2، ~~ولا يمكن أن يكون التدبر إلا مقرونا بفقه المعاني والأهداف والحكمة؛ ولهذا ~~لم يؤثر خلاف بين الصحابة على معاني القرآن إلا نادرا، ولم يتهرب المخالفون ~~للشريعة من الحدود المشروعة لأمثالهم؛ بل تقدموا إلى رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- طالبين إقامة الحد عليهم، رغم محاولات ردهم عن الاعتراف، ~~والمشروعة للتثبت من أهلية طالب الحد، وجديته في طلب التطهير من الذنب؛ حيث ~~وصل هذا التطهير إلى الموت رجما بالحجارة، وما كان ذلك إلا لأن هؤلاء قد ~~وصلوا إلى درجة من الوعي القرآني والإسلامي لم يصل إليها واضعو الدساتير ~~الأرضية فضلا عن الشعوب المحكومة بها. PageV01P018 # تلك عظمة لا تساق إليها الشعوب بالعصا؛ وإنما تقوم على رعايتها الشعوب ~~بمحض الإيمان والغيرة والعلم والتطلع إلى مزيد من النجاح، الأمر الذي ~~استطاع به الرسول -صلى الله عليه وسلم- وخلفاؤه بناء أعظم حضارة عرفها ~~التاريخ في ربع قرن من الزمان، لا يكفي لإصلاح مدينة واحدة تحت لواء دستور ~~أرضي في أي دولة من دول العالم، وفي جميع أحقاب التاريخ. # ولعل هذا المعنى العظيم هو الذي يفسر لنا الحوافز التى شرعها الله تعالى ~~لحفاظ القرآن، والتالين له في ms11 مختلف الأوقات -لا سيما قرآن الفجر المشهود- ~~حيث يصل الإنسان في هذا الوقت إلى درجة عليا من الصفاء الذي يهيئ لمن يصاحب ~~القرآن فيه فهما لا يمكن أن يتيسر في وقت آخر، حتى لقد شجع النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- من يقرأ القرآن بلا فهم تذرعا إلى دفعه إلى درجة من الفهم فيما ~~بعد، وكذلك من تشق عليهم القراءة تدريبا لهم على أن يألفوا القرآن فتسهل ~~عليهم قراءته، ثم فهمه وتدبره، وكان القرآن شرطا لصحة الصلاة، وأفضل ما ~~يتقرب به العبد إلى ربه، إلى آخر ما هو مسطور في السنة النبوية المشرقة. # وخامسة الدلائل على عظمة القرآن: أن إجماع أهله حجة على الناس جميعا في ~~مختلف العصور، ولم يمنح الله تلك الصفة على المستوى العالمي لأمة غير أمة ~~القرآن، وما كانت عظمة تلك الأمة على هذه الصورة العجيبة إلا من عظمة ~~دستورها: كتاب الله الحكيم. # والذي يتصل بالقرآن من دلائل حجية إجماع المسلمين على العالم قول الله ~~تعالى: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} 1، ولا خروج ~~إلى النور إلا بالقرآن، فإذا أجمعوا على باطل كانت نتيجة إجماعهم إما بقاء ~~الناس في الظلمات، وإما إعادة الناس من النور إلى الظلمات، وهو ما يشهد ~~التاريخ بخلافه؛ إذ أمة القرآن بقيادة رسولهم -صلى الله عليه وسلم- ومن ~~بعده من PageV01P019 # الأئمة جاهدوا الناس لإنقاذهم من شؤم الظلام إلى وضح النور، وما زال ~~إجماعهم هكذا في مجال الرأي والفكر والاستنباط. # وحينما أعطى الله تعالى أمة القرآن سلطان الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر كان ذلك سلطانا من الله تعالى لهم أن يصيبوا الحق فيما كان معروفا ~~أو منكرا عند الله حينما يجمعون على أحدهما أو عليهما معا أو يختلفون فلا ~~يعدوهم الحق، وكذلك يقول الله تعالى عن أمة القرآن: {وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} 1 فالوسط: من ~~يرتضى قوله، والشاهد: من يكون قوله حجة في مجلس القضاء للفصل في الخصومات، ~~وهو إيذان بأن الحق لا يعدوهم مجتمعين أو مختلفين. ms12 # وهذه الصفة وإن كانت لأمة القرآن فإنما اكتسبوها من القرآن، فلولا أن ~~القرآن مهيمن على جميع الكتب، ورسوله شاهد على شهداء الأمم كلها، وفيصل بين ~~الحق الذي هو من عند الله وبين باطل تلك الأمم، لما كان لأهله تلك الصفة، ~~ولا تلك العظمة المستمدة من القرآن على مستوى العالم كله في الدنيا، والتي ~~تتعدى الدنيا إلى مجلس القضاء في الآخرة؛ حيث يشهد رسول القرآن -صلى الله ~~عليه وسلم- على شهداء الأمم جميعا. # وأخيرا، فإن إعجاز القرآن هو العظمة الذاتية التي حار العلماء والمفكرون ~~في الكشف عنها، وما زالوا يكتشفون منها كل يوم جديدا، ولا يزالون كذلك ما ~~دام القرآن متلوا أو محفوظا في الصدور. # وليس القول بالإعجاز في القرآن موجها نحو العجز عن فهمه بالقدر الذي تقوم ~~به الشريعة كما يحلو لبعض هواة الجدل حول الدين أن يتلمسوا معنى بعيدا عن ~~نطاق الفكر الإسلامي كهذا المعنى الذى لم يقل به أحد، فيقيموا حوله سوقا ~~لئيما من الجدل، ويطلقوا القول بعدم PageV01P020 # إعجازه من هذه الوجهة التي لم تخطر على بال مسلم من العامة فضلا عن ~~الخاصة، فيظن بعض البسطاء في نهاية تلك السوق نفي الإعجاز عن القرآن ~~بالكلية؛ نتيجة لذلك اللؤم في الفكر، أو لهذه الهواية البهلوانية مما يشبه ~~ألعاب "السيرك" من الكلام يقتل به صاحبه نفسه، ويقتل غيره، وحسبه أن تلوك ~~الألسنة اسمه على أي صفة وأي صورة من الصور والصفات حتى ولو كانت باللعنات ~~المترادفات. # عظمة القرآن في أنه آية من آيات الله واضحة المعنى والهدف بالقدر الذي ~~يحتمله البشر، ويفهم منه القانون الإلهي، سهل الأسلوب؛ حتى ليخيل لمن مارس ~~طريقته أنه يستطيع مثله، فإذا حاول عجز عجزا كاملا، واعتراه النقص والتخبط ~~مهما أجهد عقله ونفسه، وراضها على تلك الحكمة الأسلوبية الناصعة الوضوح في ~~القرآن. # ولهذا كان وصف الوليد بن المغيرة للقرآن واضحا في أن نسق القرآن مغاير ~~تماما لنسق الكلام البشري، فما هو إلا ضرب من القول فوق قدرات البشر سماه: ~~"سحرا يؤثر". # قال الوليد لأبي جهل: والله ما ms13 فيكم رجل أعلم بالشعر مني، ولا برجزه، ولا ~~بقصيده، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، ووالله إن ~~لقوله الذي يقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، ~~وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته. # فلما قال له أبو جهل: إن هذا القول لا يرضى به قومه، فكر طويلا فلم يجد ~~إلا أن ينسبه إلى قوة من القوى غير المنظورة، وغير المقدورة، فقال: "سحر ~~يؤثر"، وبطلان نسبة القرآن إلى السحر معلوم؛ ولكن نسبة الوليد إياه إلى تلك ~~القوة غير المنظورة يبطن العجز عن معارضته، وشلل القدرة العربية -على الأقل ~~في ذلك العصر وفي وسط الكفار الذين يتلمسون وجها للمعارضة- عن الإتيان ~~بمثله، فهو وإن لم # PageV01P021 # يعزل القرآن عن القدرة البشرية عزلا كاملا؛ بل أبقى من يستطيع السحر ~~قادرا على مثله، فقد زلزل بهذا الرأي عموم القدرة الإنسانية على مثله، ~~وشهادة العدو بذلك شهادة بالإعجاز إذا راعينا جانب الكفر واللدد في الخصومة ~~في وزن هذا القول بميزان علمي دقيق. # ومن أحسن ما قيل في تعليل إعجاز القرآن ما قاله ابن عطية في مقدمة تفسيره ~~"1/ 278": "إن الله قد أحاط بكل شيء علما، فإذا ترتبت اللفظة من القرآن علم ~~بإحاطته أي لفظة تصلح أن تلي الأولى، وتبين المعنى بعد المعنى، ثم كذلك من ~~أول القرآن إلى آخره، والبشر يعمهم الجهل والنسيان والذهول، ومعلوم ضرورة ~~أن أحدا من البشر لا يحيط بذلك، فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من ~~الفصاحة، وبهذا يبطل قول من قال: إن العرب كان في قدرتها الإتيان بمثله ~~فصرفوا عن ذلك، والصحيح أنه لم يكن في قدرة أحد قط؛ ولهذا ترى البليغ ينقح ~~القصيدة أو الخطبة حولا، ثم ينظر فيها فيغير فيها، وهلم جرا، وكتاب الله لو ~~نزعت منه لفظة، ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم يوجد ... وقامت ~~الحجة على العالم بالعرب؛ إذ كانوا أرباب الفصاحة، ومظنة المعارضة". # لقد كان العرب أشد الناس أنفة، وأكثرهم مفاخرة، والكلام سيد عملهم، ms14 فكان ~~من المحال أن يطيقوا ثلاثا وعشرين سنة من التحدي ولا يعارضونه لو استطاعوا ~~إلى ذلك السبيل. # ونقل السيوطي عن حازم في منهاج البلغاء ما يتم به كلام ابن عطية؛ إذ قال: ~~وجه الإعجاز في القرآن من حيث استمرت الفصاحة والبلاغة فيه من جميع أنحائها ~~في جميعه استمرارا لا يوجد له فترة ولا يقدر عليه أحد من البشر، وكلام ~~العرب ومن تكلم بلغتهم لا تستمر الفصاحة والبلاغة من جميع أنحائها في ~~العالي منه إلا في الشيء اليسير المعدود، ثم # PageV01P022 # تعرض الفترات الإنسانية، فينقطع طيب الكلام ورونقه، فلا تستمر لذلك ~~الفصاحة في جميعه؛ بل توجد في تفاريق وأجزاء منه. # وأي عظمة تعدل عظمة العجز عن معارضة نظم القرآن وأسلوبه على مدى أربعة ~~عشر قرنا من الزمان وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ حتى أصبح الكلام في ~~هذا الموضوع في عصرنا ضربا من صرف الناس عن عظمة التشريعات القرآنية، ولعبة ~~لئيمة يمارسها الأعداء من جبابرة اللؤم والخداع. # وقد فطن المرحوم الأستاذ الدكتور محمد أحمد الغمراوي في الكتاب الأول من ~~كتابه "الإسلام في عصر العلم" إلى دلالة نص من القرآن على عظمة القرآن ~~وإعجازه الذي لن يزال ماضيا في الأمم من وجهة نظر العلم؛ ذلك النص هو قول ~~الله تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} 1، وقد لفت ~~-رحمه الله- النظر إلى كلمات "الفطرة" و"الناس" و"لا تبديل لخلق الله"، ~~فالفطرة هي السنن الإلهية الثابتة التي تقوم عليها الخلقة في أصلها، والناس ~~لفظ شامل لمن عاش ومن سيعيش على ظهر الأرض من كل الشعوب والأمم، وعدم ~~التبديل يدحض زيف العلماء التجريبيين الذين يحلو لهم مهاجمة الإسلام وغيره ~~من الأديان بالتعارض مع العلم؛ وإنما التعارض وقع في تجاربهم لا في السنن ~~الثابتة التي لما يصلوا إليها بعد، فظنوا القصور في أصل القوانين، بينما ~~القصور ما زال في عقولهم وتجاربهم. # ويقول رحمه الله: "ومن أعجب عجائب تلك الآية الكريمة وصف ms15 الإسلام -دين ~~القرآن- بأنه نفس الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهذا شيء فوق العقل ~~البشري أن يتصوره فضلا عن أن يسبق إليه في القديم PageV01P023 # والحديث، والإنسانية كلها إلى الآن لا تعقل حتى إمكان تحقيقه، فلا ~~فلاسفتها ولا مشرعوها يحدثون أنفسهم بالوصول يوما إلى نظام ينطبق على ~~الفطرة من جميع وجوهها، والمسلمون في شغل بما ينبذ إليهم الغرب من الآراء ~~والمذاهب، غافلين عن الكنز الذي بين أيديهم، والنور الذي فوق أبصارهم، ~~والنعمة الكبرى التى من الله عليهم بها في الإسلام. # وحسب القرآن من العظمة أنه المعجزة الباقية على مدى الدهر؛ حيث اندثرت ~~معجزات الرسل السابقين جميعا بعد أداء وظيفتها في إقامة الدليل على صدق ~~أولئك الرسل. وحسبه كذلك من العظمة أنه يتصل بالحياة ما بقيت الحياة، فبه ~~حياة القلوب بالإيمان، وبه حياة الإيمان بالجهاد، وبه قيام الجهاد بمنهجه ~~الأمثل في تربية إنسان الحضارة الأمثل، وبهذا الإنسان الموصول بالقرآن تنبض ~~الحياة بالعدل، وبه يدبر الظلم والإلحاد، وما كانت معجزات الرسل السابقين ~~كذلك؛ فقد كانت كلها إما متصلة بحياة جسد، أو متحدية وهم السحر، أو حجة على ~~قوم بعينهم مردوا على الكفر فهلكوا بعدها بوسيلة تدمير غيبية، وما كذلك ~~معجزة القرآن التى بقيت لتحقق مزيدا من الاتساع في قاعدة الإيمان على مدى ~~الزمان. # وحدة الموضوع في القرآن: # لا أريد أن أطيل القول في موضوع تلاحم آيات القرآن من الوجهة التي طرقها ~~الإمام السيوطي، وطرقها في عصره الإمام برهان الدين البقاعي في كتابه "نظم ~~الدرر في تناسب الآي والسور" وهو موسوعة جيدة جدا في ستة مجلدات مخطوطة ~~-كبار- وطرقها حديثا المرحوم الأستاذ سيد قطب في كتابه "في ظلال القرآن"؛ ~~وإنما أريد أن أحدد القول في وحدة موضوع القرآن من حيث هو قوانين فطرية ~~تتدرج إلى قانون واحد فطري من وجهة الاجتماع البشري، لا يمكن بأي حال أن ~~يتبدل ولا يتغير؛ بل إنه يحكم التصرفات البشرية في كل مكان، # PageV01P024 # ويخضعها لسنته وتجاربه المنظورة وغير المنظورة في ثنايا القرآن والتي ~~تتنافر مع أهواء الناس، وتتفق تماما مع ms16 الوعي العقلي الموصول بوعي البصيرة ~~والروح؛ أي: الوعي العقلي المنفصل عن الهوى. # أقول: إن القانون الرئيسي الذي تدور حوله مواضيع القرآن الفرعية هو: أن ~~الإنسان عبد فقير مأمور محبوس في مملكة عدوه، والله معبود غني مانح للحرية ~~من سجن الدنيا إلى حقيقة الحرية في جواره الأعلى، ولا تجد تشريعا في القرآن ~~وفي أي باب من أبواب الفقه الإسلامي إلا وهو متصل بهذا القانون الرئيسي؛ ~~بحيث تتضافر التشريعات كلها لتحقيق هذا الأصل وتحويله إلى عقيدة شاملة هي ~~"لا إله إلا الله محمد رسول الله". # ولقد جاء القرآن الكريم بهذا الأصل الفطري مؤيدا بنصوصه فروعه الأربعة: ~~فنحن نراه يؤكد عبودية الإنسان وغيره من الكائنات في نصوص أشملها قوله ~~تعالى: {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا} 1، ويؤكد فقر ~~العباد بقوله: {والله الغني وأنتم الفقراء} 2، وأكد أن الإنسان خاضع للأمر ~~وليس بآمر ولا حاكم بقوله: {ليس لك من الأمر شيء} 3، {وما تشاءون إلا أن ~~يشاء الله} 4 إلى آخر ما ورد في القرآن من الأوامر الموجهة إلى الإنسان على ~~وجه الإلزام، وأكد حبس الإنسان في مملكة عدوه بقوله تعالى: {من كان يريد ~~حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب} 5، فبين أن الدنيا للذين لا نصيب لهم في الآخرة، وهم ~~أعداؤنا، وأريد هذا المعنى الذي يكون شطرا كبيرا في العقيدة بقوله: ~~PageV01P025 # {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من ~~فضة ومعارج عليها يظهرون، ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون، وزخرفا وإن ~~كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين} 1. # وآيات الله في النفس إذا تأملها الإنسان مجردا عن الكتب والرسالات ~~السماوية تبينت له تلك القوانين الفطرية، وتأكد له أن القرآن لم ينزل إلا ~~بهذه الفطرة التي هي الخلقة الإلهية بقوانينها العلمية الثابتة التي ~~يواجهها إنسان العصر فاغرا فاه من الدهشة متصورا أنه على ضد في هذه الحياة؛ ~~لكثرة ما اعتراه من النسيان، وصلابة ms17 ما غلف قلبه من رين الغفلة؛ حتى ظن ~~الباطل حقا والحق باطلا إلا من عصم الله، وقليل ما هم. # فالإجماع قد انعقد في جميع الأفهام على أن العبد: اسم خاص للمملوك من جنس ~~العقلاء، والمملوك: اسم لعاقل قهره غيره فاستولى عليه استيلاء السيد على ~~العبد، سواء أكان القاهر له إنسانا مثله، أو شهوة من شهواته، أم طاغوتا من ~~الطواغيت، أم شيطانا من الشياطين، أم هو قوة خفية لا يستطيع أن يميزها، ولا ~~يتبين لها وجها ولا جهة، قاهرة عليا فوق كل القوى. # وتأمل الإنسان في نفسه دون تقيد بكتاب ولا رسول يؤكد له في أصل الفطرة ~~أنه عاقل مقهور بالتكوين والإنشاء من العدم، وإذا كان مقهورا بأصل الفطرة ~~على هذه الصورة فقد انعدمت في فطرته المشيئة؛ لأن المشيئة عبارة عن نهاية ~~الملكية، والإنسان قد فطر على ضدها من المملوكية التي أوضحناها، والدليل ~~على فقدان الإنسان للمشيئة من واقع سلوكه أنه يشاء الكثير من الخير، ولا ~~يصيب إلا المقدور له، والمقسوم منذ الأزل السحيق. PageV01P026 # وإذا تحققت العبودية في فطرة الإنسان، وتحقق عدم أهليته للملكية كان ~~فقيرا بفطرته، والفقر يقتضي الحجر وعدم التصرف إلا بإذن وسلطان من المالك ~~الحق. # وإذا كان الإنسان في أصل الفطرة على ما وصفنا من العبودية والفقر يعيش ~~على تلك البسيطة الهائلة من الأرض، ولا يستطيع النفوذ من أقطارها، كان ~~مقامه عليها على تلك الصورة بحكم الحبس للمحنة والابتلاء، ولا يتصورها ~~مملكة إلا من عجز عن إدراك الفطرة، واتخذ إلهه هواه، وادعى الحرية، وعلا في ~~الأرض على الملوك على مدرجة الضلال. # والبلاء الذي يمتحن به الإنسان هو اختلاف بني جنسه حول تلك الحقائق ~~الفطرية اختلافا هائلا، ومن وجهات مختلفة، فاختلف الناس حول الإذعان لتلك ~~الحقائق، أو ادعاء ضدها من الحرية والغنى والحاكمية والسيادة، ثم اختلفوا ~~حول الحق حينما اتفق بعضهم على أن عبودية الإنسان جبلة فطرية في أصل خلقته، ~~ثم اختلقوا طرائق وشواكل حول الغيبيات كلها، لا سيما البعث الذي شكل الخلاف ~~حوله مذهبا دهريا على حكمة الفطرة ms18 من أولها إلى آخرها، فكان بعث الرسل ~~وإنزال الكتب ضرورة لا محيص عنها؛ لإقامة الحجة، وهداية الناس، وحمايتهم من ~~عواقب الخلاف حول الفطرة، وإن كان الخلاف في أصله هو الآخر فطرة وسنة من ~~سنن الله في الخلق {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين، ~~إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} 1، فإن الكتب والرسالات كانت لقمع الجنوح ~~النفسي تحت تأثير الخلاف إلى فوضى مدمرة لا تبقي ولا تذر. # كان من أمهات المسائل التى عني القرآن بفصل القول فيها: مسألة العبودية ~~لله، ومسألة البعث للجزاء والكشف عن الحقيقة العظمى التي PageV01P027 # اختلف حولها الإنسان في عالم الجسد المادي بما له من مقتضيات الخلاف ~~واللدد في الخصومة، وتلك الحقيقة العظمى هي الوجود الإلهي، وإذعان كل ~~الكائنات لسلطانه طوعا أو كرها؛ ولذلك ارتبط إثبات البعث بإثبات الوجود ~~الإلهي، وإثبات الدلائل على شمول علمه وقدرته، وارتبط كل ذلك بأصل الفطرة ~~على الوجه الذي بيناه في هذه العجالة، وكان من تلك المسائل شطر كبير من ~~القرآن، تبعا لجهل أكثر الناس بها، ونسيان فطرتهم وهم يحاولون علمها، ~~وتشددهم في إنكارها أو الغفلة عنها {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث ~~الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ليبين لهم الذي ~~يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين، إنما قولنا لشيء إذا ~~أردناه أن نقول له كن فيكون} 1. # فلما كان الخلاف مركوزا في الفطرة، لم تكن هناك سبيل إلى إدراك حقيقة ~~البعث المؤكد للحقيقة الإلهية العظمى إلا حين يرتفع الخلاف بنقل الحياة إلى ~~صورة أخرى ذات فطرة لا خلاف فيها، فيتحقق وجود حالة من الحياة مغايرة لتلك ~~الحياة التي يحياها الإنسان في الدنيا ينكشف فيها الغطاء، ويحد البصر، فيرى ~~ما لم يكن يراه من قبل {ونزعنا ما في صدورهم من غل} 2، فلا خلاف ولا تطاحن ~~حول الحقائق. # ويطول بنا القول لو ذهبنا نستقصي منهج القرآن في إثبات هذا الشطر من فطرة ~~الإنسان؛ ولكننا نشير إلى قسم آخر من أقسام تلك الفطرة؛ ms19 هو الحرية ~~الإنسانية التي ترتبط هي الأخرى بموضوع البعث ارتباطا وثيقا؛ بحيث تشكل معه ~~ومع العبودية والفقر إلى الله موضوعا واحدا، يتصل بموضوعات أخرى فرعية هي ~~مقومات أو شواهد على صدق تلك الفطرة الإلهية الحكيمة، وتستغرق شطرا كبيرا ~~من القرآن. PageV01P028 # لا حرية مطلقة للإنسان في هذه الدنيا، هكذا تنطق شواهد الفطرة التي جبل ~~الله عليها الإنسان، وقامت عليها الشواهد في شريعته مما يمارسه نفس ذلك ~~الإنسان الذي يدعي لنفسه الحرية والسيادة والغنى وهما وسرابا لا حقيقة له ~~في الذات ولا في الصفات، كما قرر القرآن. # والنموذج الواضح الذي يمكن الوصول من خلاله إلى هذه النتيجة الفطرية هو ~~الغنى الذي ساد الناس بزعمه من جبابرة المال وملوك الأرض، حتى ملك العبيد، ~~وخضعت له الرقاب، وجمع الجنود، واستولى على الأرض، فما له من منازع في أمر، ~~ولا معقب في رأي، مطاع على عزة وامتناع في أنظار العامة من غير المستبصرين ~~الباحثين عن الحقيقة في أصل الفطرة. # ويقول الإمام أبو زيد الدبوسي ردا على تلك الدعوى العريضة: إن هذا المدعي ~~للحرية والملك ما استقر سلطانه، وعلا مكانه بفطرته؛ وإنما بجنوده، وبأس ~~عبيده، لا يستغني عنهم ساعة لاستدامة ما هو فيه، فهو يطلبهم بهواهم، ~~وينيلهم مناهم، صدقا برغبته فيهم، والناس يطيعونه رياء لخوفهم منه، أو طمعا ~~فيما في يده، وهو يطيع هوى من دونه، وهم يطيعون من فوقهم، وطاعته لهوى ~~الناس ضرورية، وطاعة الناس له ليست ضرورية؛ لبقاء منزلتهم في أنهم عبيد ~~فقراء مأمورون بلا وال، غير أن طاعة الناس له بأجسامهم، وطاعته لأهوائهم ~~بقلبه فاستترت وما ظهرت إلا لأهل البصائر. # ويمضي الإمام الدبوسي في بيان العجيب إلى أن يقول مخاطبا هذا النوع ممن ~~يدعون الحرية والغنى: # فعميت وجلست على سرير العبودية للعبيد، وكان ائتمارك للجنود، وأحاطت ~~بقلبك المكاره والآفات، وظننت أنك ملك، هيهات. ما أنت إلا مأمور حشمك، ~~والرعية مأمور ملكهم، غير أن النفس لبست عليك مقام الائتمار بمسارعتك إلى ~~الفعل قبل الأمر. # PageV01P029 # ويمضي الإمام الدبوسي في بيانه العجيب إلى أن يقول مخاطبا ms20 هذا النوع من ~~الناس فيقول: # إن تصرفك في أموالك كلها متردد بين جائز مأمور به، وفاسد منهي عنه، وما ~~هكذا علامة الملك والقهر؛ لكنه علامة الإذن على الفقر، غير أن الله تعالى ~~خلقك للابتلاء مدة بقائك، وقرن بقاءك بغذائك، وخلق مما في الأرض منفعة لك ~~إلى وقت انقضائك، فقسم لكل عبد نصيبا مفرزا؛ كي لا يتغالبوا فيتفانوا وجعل ~~عليهم من أصلحهم قيما وهو السلطان، فهم يتمتعون بالأنصباء من يد القيم من ~~أحوال طفولتهم وصغرهم، فإذا عقلوا سلمت إليهم الأنصباء لحق الإذن في ~~التجارة دون إثبات الملك، فإذا بلغوا وكملت الحالة، ضربت عليهم الضرائب ~~للمولى، وخوطبوا بأدائها مدة الحياة ليعتقوا إذا أدوا، وسلمت إليهم للحال ~~الأنصباء لحق الإذن تسليم يد؛ ليتصور الأداء بحكم تباين الأيدي، وإن لم يكن ~~في الحقيقة ملكا للمؤدي، حتى لم يملكوا من أموالهم إلا بمقدار ما فك الله ~~الحجر عنهم بالعقد. # وهنا يتصل هذا الموضوع بموضوع الرق في القرآن والشريعة بعدما انحسم القول ~~في مشكلة الملك والحرية، والنصوص القرآنية المتعارضة في الظاهر، من حيث ~~يثبت الملك في بعض النصوص للإنسان، ويرجع الملك كله لله وينتفي عن الإنسان ~~في النصوص الأخرى، ثم يتصل الموضوع الواحد للقرآن بالتشريعات المالية ~~وفروعها تحقيقا للملك الإلهي والقدر المتاح للعباد بالتصرف، ثم بموضوع ~~البقاء الإنساني بالتكاثر بعدما بقي المال، وما يتبع ذلك من أبواب التشريع، ~~ثم بموضوع المجتمعات الإنسانية وحضاراتها التي لا تزدهر إلا تحت الأمر ~~الإلهي، ولا تندثر إلا تحت التمرد على تلك الأوامر، وبموضوع القصص القرآني ~~وتوجيه النظر نحوه في حركة التاريخ تحقيقا لهذا الأصل الفطري الذي تدرج حتى ~~وصل إلى قاعدة أوسع يحتمل فيها النسيان؛ ولهذا شرعت العبادات والذكر لدوام ~~التذكر. # PageV01P030 # ولا يخلو موضوع من موضوعات التشريع من دليل واضح على تلك الفطرة الثابتة، ~~وخير ما يمكن أن ندرك من خلاله موضوع الحرية الإنسانية هو موضوع الرق وما ~~يتصل به من تشريعات؛ إذ إن الرق والعبودية لما كانا من فطرة الله تعالى ~~التي فطر الناس عليها، وأن الملكية للإنسان في ms21 الدنيا ما هي إلا ابتلاء ~~ينال الإنسان من خلالها ومن خلال الأوامر المتصلة بها حقيقة الحرية، فقد ~~شرع الله من التشريعات السلوكية في هذا الصدد ما تتضح به تلك الفطرة لكل ذي ~~عينين. # يملك الرجل أخاه ملك يمين بسبب مشروع هو أن يكون أو أحد أصوله ممن تمردوا ~~على دعوة العبودية لله بالسلاح فأسروا في الحرب الدينية؛ ولكن رحمة الله ~~اقتضت أن يشرع له وجه من وجوه الحرية هو "المكاتبة"، والكتابة باب واسع في ~~الفقه الإسلامي، يشتري العبد حريته من سيده بمال معلوم، ولما كان العبد لا ~~يملك، فقد ندب السيد إلى أن يأذن له في العمل بجزء من المال إحسانا، ويتصرف ~~العبد بقدر ما انفك عنه الحجر، كأنه مالك وليس إلا عبدا، فإذا أدى عتق، ~~وإذا عجز بقي عبدا، ومن هذه القضية التي يمارسها الإنسان بأمر الله يمكن ~~الفصل في قضية الحرية الكبرى على المستوى الغيبي، بعد دراستها على المستوى ~~المشهود. # فالحرية الممنوحة من الله تعالى لعباده الذين أدوا ما وجب عليهم في دار ~~الابتداء تشمل الذات في الدنيا والصفات في الآخرة جميعا، ويشهد لذلك قوله ~~تعالى عن هؤلاء الأحرار في دار النعيم: {لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد} ~~1، فما يريده هؤلاء الأحرار يتحقق بمجرد المشيئة، وتحقق المراد بمجرد ~~المشيئة وإن كان حقا لله فقد أكرم الله به عبده المطيع بتكوين ما يشاؤه. # فإذا كانت الحرية في الدنيا هي خلاص حق الحر في نفسه وماله، فما ~~PageV01P031 # لأحد على الفائز بالجنة حق في شيء من أحواله، فيكون عبدا في ذاته من حيث ~~التكوين، عتيقا في أفعاله من حيث الإنعام والتكريم. وهكذا يكون مثل ما في ~~التشريع، وصلا بين حياتين يدرك المستبصر من خلالهما كل أسرار الفطرة التى ~~لم يخرج عنها القرآن في أي موضوع فرعي من مواضيعها، ومن هذه النافذة يمكن ~~أن تتصل موضوعات القرآن في وحدة متماسكة لا خلل فيها. # وجانب آخر متلاحم مع هذا الأصل الفطرى الذي دار حديثنا حوله، ودارت حوله ~~الكثير من آيات القرآن الكريم هو: ms22 العدل باعتباره الفطرة التي بنى الله ~~تعالى عليه هذا الكون المنظور وغير المنظور، وردنا من خلال تلك الفطرة إلى ~~موضوع المعبود الحق الذي تقوم على أساسه الحضارة القرآنية، والدعوة ~~العالمية إلى الإسلام ونجاحها اليقين من حيث تعثرت خطى الدعاة في عصرنا ~~الحاضر حينما أخلوا بتلك الفطرة. # وأصل هذا الجانب الرئيسي: أن الله -عزت قدرته- علق بقاء الأنفس بالمال، ~~وعلق بقاء الجنس بازدواج الذكر والأنثى، فأنت ترى أن أسباب البقاء والتكاثر ~~هي شهوات الطبيعة التي فطر الله الناس عليها؛ لتكون تلك الشهوات سائقة إلى ~~أسباب البقاء، ثم أعلن سبحانه أنه ما خلقهم للاستغراق في تلك الشهوات؛ بل ~~ليوحدوه ويعبدوه بأمره على خلاف الطبع؛ ولهذا نرى القرآن يدعو إلى العمران ~~ويشرع النكاح، وينعى على من يحرم الطيبات من الرزق، وفي الوقت نفسه يمقت ~~الترف والإغراق، ويدعو إلى إيثار الآخرة على الأولى، ويعلق ملك الآخرة ~~بالتوحيد والهدى، في مقابلة تعليق الحاضرة على الشهوات والهوى، وهنا كان ~~الابتلاء الذي لا ينجو الإنسان منه إلا بالعدل وإقامة الموازين الدقيقة في ~~شئون المال والعلاقات الجنسية بين الرجال والنساء. # عدل الإنسان مع نفسه، فلا ينساق إلى الترف في الجسد والعقل، وعدل الإنسان ~~في علاقته بربه، فلا تطغى عليها الدنيا بشهواتها، # PageV01P032 # ولا تطغى العبادة على العمران، وعدل الإنسان في علاقته مع غيره من بني ~~جنسه؛ إبقاء على الأخوة الضرورية لنجاح الأمة في شريعة الجهاد في سبيل ~~الله، وقد أفاض القرآن في هذه المواضيع وربطها بما أشرنا إليه من مواضيع في ~~شطر كبير جدا من آياته. # وغاية العدل: أن يصل الإنسان إلى أن كل سلطان عليه غير سلطان الله فهو ~~شرك وضلال، وكل عبودية لسواه ذل، وعلى الإنسان أن يوفق بين ارتباط مصالحه ~~الدنيوية بغيره من الناس وبين العبودية لله، فلا يمنح الإنسان أكثر من حقه ~~في أنه عبد مسخر للعمل وتبادل المنافع مع غيره، ولا يتحدث عن الخالق الأعلى ~~حديثه عن العبيد، ولا يخلط بين الفاني ومانح الحياة. # وعلى هذا النهج تخلص عقيدة المؤمن من الشرك الخفي والجلي، وعلى ms23 العكس إذا ~~اختلت موازين العدل بين الإنسان ونفسه، فمال إلى الشهوات؛ فإنه حينئذ يصبح ~~إنسانا مختلا في توازنه بين مطالب الروح ومطالب الجسد، ويضعف أو ينعدم ~~شعوره بسلطان الله وقهره ما دام مقهورا للشهرة، مدفوعا بسلطان المال، ومن ~~هذا تكون الفوضى، ويتحطم بناء المجتمع باختلال نظام الأسرة. # فالإنسان لا يصبح سويا صالحا لممارسة شعائر الإيمان الحق كما يريده الله ~~تعالى إلا إذا عدل بين مطالب جسده، ومطالب عقله، ومطالب روحه: # فمطالب الجسد: إبقاؤه حيا متكاثرا دون سرف ولا تقتير. # ومطالب العقل: النظر في العلوم والمعارف التى تؤدي إلى رقي الإنسان ~~وتساميه عن وحل الانحراف. # ومطالب الروح: وصلها عن طريق العبودية والعبادة بمصدر الوجود الحق، ~~وإسناد التوفيق إليه، والبراءة من الحول والقوة، والفرار إليه في كل ~~المهمات. # وظلم الإنسان لنفسه في جانب من الجوانب الثلاثة ينتهي به إلى مرتبة # PageV01P033 # الأنعام حينما يعبد هواه، وإلى الشرك حينما يصبح الظلم عظيما بالغفلة عن ~~الله، وعن مراقبته، ومراقبة إنعامه، ونسبة شيء من ذلك إلى العبيد باللسان ~~أو بالوجدان أو بالعمل. # ولقد بث الله تعالى تعاليمه للمؤمنين -وحدة الموضوع القرآني- عن طريق ~~العدل في المطالب البشرية الفطرية في مواضع كثيرة من أظهرها أوائل سورة ~~الروم. # فقد افتتحها الله تعالى بتذكير المؤمنين بأن النصر من عند الله ولكنهم لا ~~يعلمون؛ لأنهم يغفلون عن مطالب الروح فلا يعلمون إلا ظاهرا من الدنيا، ثم ~~أرشد إلى منهاج الوفاء بمطالب العقل والروح، ووجه الأنظار إلى التفكر في ~~أنفسهم وفي خلق السماوات والأرض بالحق لعاقبة الجزاء، وإلى دراسة تواريخ ~~الأقدمين من جبابرة الكفر، وكيف انتهى بهم الحال إلى ذل مقيم، ثم وجه ~~الأنظار إلى استمرار خط الحياة بعد الموت، وبسط القول في الثواب والعقاب، ~~وأمدهم بمادة التفكر الموصلة إلى حقيقة الإيمان والتوحيد، وكيف أن الملك ~~الحق يفعل ما يريد. # ثم انتهى القول الكريم إلى مخاطبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتوجيهه ~~نحو عناصر الفطرة في هذا البيان الحكيم، فقال تعالى قولا فصلا فيه كل العلم ~~لأهل البصائر والذكرى. # {فأقم وجهك للدين حنيفا ms24 فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق ~~الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون، منيبين إليه واتقوه ~~وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ~~كل حزب بما لديهم فرحون} 1. # وهذا هو الموضوع الواحد الذي شرحه القرآن، وعرضه على مختلف PageV01P034 # المناهج حتى يستحق وصف الله تعالى له بأنه كتاب البشرية كلها، جاء به ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الناس كافة في كل العصور والأجيال. # فسبحان الله الذي أقام بالعدل والقسط والميزان هذا الكون الهائل، وأنطق ~~بالعدل حركات الكواكب، ودرجات الحرارة والبرودة، وموج المحيط، وهدير ~~السحاب، وسوق الماء، واضطرب الأرض بالنبات، وكل سر لله في خلقه منظور ~~ومحسوس ومغيب عن مدارك الإنسان، وربط بين العدل والفطرة، وربط بين الفطرة ~~والقرآن، وأنزله كتابا واحد الموضوع، كتاب الهدى والتوحيد والفطرة. # عبد القادر أحمد عطا # PageV01P035 ### | ترجمة الإمام السيوطي # 1: # "849-911ه/1445-1505م": # نادرة زمانه، وفريد عصره وأوانه، إمام الشيوخ، وعمدة أهل التحقيق ~~والرسوخ، قطب الشارحين، وتاج المدققين، حامل لواء الفصاحة وحلة البلاغة. # جلال الدين، أبو الفضل، عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الدين ~~الخضيري السيوطي، الحافظ المحدث، اللغوي الأصولي الفقيه المفسر، ولد سنة ~~849ه، شب يتيما فحفظ القرآن، وطلب العلم، فألح في طلبه، وأغرم منذ نعومة ~~أظافره بالجلوس للشيوخ والعلماء، ولما بلغ سن الأربعين اعتزل الناس وخلا ~~بنفسه في روضة المقياس بالقاهرة على نيل مصر، وانهمك في التأليف والتصنيف، ~~له كتب كثيرة؛ منها: ### | 1- # جمع الجوامع. ### | 2- # الجامع الصغير. ### | 3- # تاريخ الخلفاء. ### | 4- # تنوير الحوالك. ### | 5- # الحاوي. ### | 6- # حسن المحاضرة. ### | 7- # تدريب الراوي. ### | 8- # الإتقان في علوم القرآن. ### | 9- # طبقات الحفاظ. ### | 10- # طبقات المفسرين. # توفي بروضة المقياس، ودفن بالقاهرة في حوش قوصون خارج باب القرافة ~~المعروف الآن ببوابة السيدة عائشة سنة 911ه. PageV01P036 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | مقدمة المؤلف # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم: # [قال الشيخ الإمام العالم، العامل، الحجة، البحر الفهامة، رحلة الطالبين، ~~عمدة المفتين، لسان المتكلمين، محيي السنة في العالمين، أبو الفضل جلال ~~الدين عبد الرحمن بن الشيخ العلامة كمال الدين، ms25 السيوطي، الشافعي، فسح الله ~~تعالى في مدته، ونفعنا والمسلمين ببركته، وجعلنا وإياه من حزب محمد وعترته] ~~1: # الحمد لله الذي أنزل كتابه المجيد على أحسن أسلوب، وبهر بحسن أساليبه ~~وبلاغة تركيبه القلوب، نزله آيات بينات، وفصله سورا وآيات، ورتبه بحكمته ~~البالغة أحسن ترتيب، ونظمه أعظم نظام بأفصح لفظ وأبلغ تركيب، صلى الله على ~~من أنزل إليه لينذر به وذكرى، ونزله على قلبه الشريف، فنفى عنه الحرج، وشرح ~~له صدرا، وعلى آله وصحبه مهاجرة ونصرا.. وبعد: # فإن الله سبحانه من علي بالنظر في مواقع نجومه، وفتح لي أبواب التطرق2 ~~إلى استخراج ما أودع فيه من علومه، فلا أزال أسرح النظر في بساتينه من نوع ~~إلى نوع، وأستسنح3 الخاطر في ميادينه فيبلغ PageV01P037 # الغرض ويرجع وهو يقول: لاروع، فتقت1 عن أنواع علومه ولقبتها، وأودعت ما ~~أوعيت منها في دواوين وأعيتها، ونقبت2 عن معادن معانيه وأبرزتها، وأوقدت ~~عليها نار القريحة وميزتها، وألفت في ذلك جامعا ومفردا، ومطنبا ومقصدا3، ~~ومن خلق لشيء فإلى تيسره، ومن أحب شيئا أكثر من ذكره. # وإن مما ألفت في تعلقات القرآن كتاب "أسرار التنزيل"4 الباحث عن أساليبه، ~~المبرز أعاجيبه، المبين لفصاحة ألفاظه وبلاغة تراكيبه، الكاشف عن وجه ~~إعجازه، الداخل إلى حقيقته من مجازه، المطلع على أفانينه، المبدع في تقرير ~~حججه وبراهينه، فإنه اشتمل على بضعة عشر نوعا: # الأول: بيان مناسبات ترتيب سوره، وحكمة وضع كل سورة منها. # الثاني: بيان أن كل سورة شارحة لما أجمل في السورة التي قبلها. # الثالث: وجه اعتلاق فاتحة الكتاب بخاتمة التي قبلها. # الرابع: مناسبة مطلع السورة للمقصد الذى سيقت له، وذلك براعة الاستهلال. # الخامس: مناسبة أوائل السور لأواخرها. # السادس: مناسبات ترتيب آياته، واعتلاق بعضها ببعض، وارتباطها وتلاحمها ~~وتناسقها. # السابع: بيان أساليبه في البلاغة، وتنويع خطاباته وسياقاته. # الثامن: بيان ما اشتمل عليه من المحسنات البديعية على كثرتها، ~~PageV01P038 # كالاستعارة، والكناية، والتعريض، والالتفات، والتورية، والاستخدام واللف ~~والنشر، والطباق، والمقابلة، وغير ذلك، والمجاز بأنواعه، وأنواع الإيجاز ~~والإطناب. # التاسع: بيان فواصل الآي، ومناسبتها للآي التي ختمت بها. # العاشر: مناسبة أسماء السور ms26 لها. # [الحادي عشر: الألفاظ التى ظاهرها الترادف وبينهما فرق دقيق] 1. # الثاني عشر: بيان وجه اختيار مرادفاته ولم عبر به2 دون سائر المرادفات3. # الثالث عشر: بيان القراءات المختلفة، مشهورها، وشاذها، وما تضمنته من ~~المعاني والعلوم، فإن ذلك من جملة وجوه إعجازه. # الرابع عشر: بيان وجه تفاوت الآيات المتشابهات في القصص وغيرها؛ بالزيادة ~~والنقص، والتقديم والتأخير، وإبدال لفظة مكان أخرى، ونحو ذلك. # وقد أردت أن أفرد جزءا لطيفا في نوع خاص من هذه الأنواع؛ هو مناسبات ~~ترتيب السور؛ ليكون عجالة لمريده، وبغية لمستفيده، وأكثره من نتاج فكري، ~~وولاد نظري؛ لقلة من تكلم في ذلك، أو خاض في هذه المسالك، وما كان فيه ~~لغيري صرحت بعزوه إليه، ولا أذكر منه إلا ما استحسن، ولا انتقاد عليه، وقد ~~كنت أولا سميته PageV01P039 # "نتائج الفكر في تناسب السور" لكونه من مستنتجات1 فكري كما أشرت إليه، ثم ~~عدلت وسميته "تناسق الدرر في تناسب السور"؛ لأنه أنسب بالمسمى، وأزيد ~~بالجناس. # وبالله تعالى التوفيق، وإياه أسأل حلاوة التحقيق، بمنه ويمنه. ~~PageV01P040 ### | مقدمة في تريتب السور ### | مدخل # ... # مقدمة في ترتيب السور: # اختلف العلماء في ترتيب السور، هل هو بتوقيف من النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- أو باجتهاد من الصحابة؟ بعد الإجماع على أن ترتيب الآيات توقيفي، ~~والقطع بذلك. # فذهب جماعة إلى الثاني؛ منهم: مالك، والقاضي أبو بكر1 في أحد قوليه، وجزم ~~به ابن فارس2. # ومما استدل به لذلك: اختلاف مصاحف السلف في ترتيب السور، فمنهم من رتبها ~~على النزول، وهو مصحف علي، كان أوله: "اقرأ" ثم البواقي على ترتيب نزول ~~المكي، ثم المدني، ثم كان أول مصحف ابن مسعود "البقرة" ثم "النساء" ثم "آل ~~عمران" على اختلاف شديد، وكذا مصحف أبي بن كعب وغيره، على ما بينته في ~~الإتقان3. # وفي المصاحف لابن أشتة بسنده عن عثمان أنه أمرهم أن يتابعوا الطول4. ~~PageV01P041 # وذهب جماعة إلى الأول؛ منهم: القاضي أبو بكر في أحد قوليه وخلائق، قال ~~أبو بكر بن الأنباري1: أنزل الله القرآن كله إلى سماء الدنيا، ثم فرقه في ~~بضع وعشرين سنة، فكانت ms27 السورة تنزل لأمر ينزل، والآية جوابا لمستخبر، ويوقف ~~جبريل النبي -صلى الله عليه وسلم- على موضع الآية والسورة، فاتساق السور ~~كاتساق الآيات والحروف كله2 عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فمن قدم سورة أو ~~أخرها فقد أفسد نظم القرآن3. # وقال الكرماني في البرهان: ترتيب السور هكذا هو عند الله تعالى في اللوح ~~المحفوظ4 على هذا الترتيب، وكان يعرض النبي -صلى الله عليه وسلم- على جبريل ~~ما اجتمع لديه منه، وعرضه -صلى الله عليه وسلم- في السنة التى توفي فيها ~~مرتين5، وكذلك قال الطيبي6. PageV01P042 # وقال ابن الحصار1: [ترتيب السور] 2 ووضع الآيات موضعها إنما كان بالوحي. # وقال البيهقي في المدخل: كان القرآن على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم ~~-مرتبا سوره وآياته على هذا الترتيب، إلا الأنفال وبراءة للحديث الآتي ~~فيها3. # ومال ابن عطية4 إلى أن كثيرا من السور كان قد علم ترتيبها في حياته -صلى ~~الله عليه وسلم- كالسبع الطوال، والحواميم، والمفصل، وأن ما سوى ذلك يمكن ~~أن يكون قد فوض الأمر فيه إلى الأمة بعده5. # وقال أبو جعفر بن الزبير: الآثار تشهد بأكثر مما نص عليه ابن عطية، ويبقى ~~منها القليل يمكن أن يجرى فيه الخلاف؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "اقرءوا ~~الزهراوين: البقرة وآل عمران"، "رواه مسلم"6، وكحديث سعيد بن خالد أنه -صلى ~~الله عليه وسلم- "صلى PageV01P043 # بالسبع الطوال في ركعة، وأنه كان يجمع المفصل في ركعة" "أخرجه ابن أبي ~~شيبة"1. وأنه -صلى الله عليه وسلم- "كان إذا أوى إلى فراشه قرأ قل هو الله ~~أحد، والمعوذتين" "أخرجه البخاري"2. وفيه عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه ~~قال في بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء: "إنهن من العتاق الأول، ~~وهن من تلادي"3. # وقال أبو جعفر النحاس4: المختار أن تأليف السور على هذا الترتيب من سول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- لحديث: "أعطيت مكان التوراة السبع الطوال، ~~وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفضلت بالمفصل"، "أخرجه أحمد وغيره"5. قال: ~~فهذا الحديث يدل على أن تأليف القرآن مأخوذ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~وأنه من هذا الوقت هكذا. PageV01P044 # وقال الحافظ ابن ms28 حجر: ترتيب معظم السور توقيفي؛ لحديث أحمد وأبي داود عن ~~أوس الثقفي قال: كنت في وفد ثقيف، فقال [لنا] 1 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "طرأ علي حزبي من القرآن، فأردت ألا أخرج حتى أقضيه". قال أوس: ~~فسألنا أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ ~~قالوا: نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، ~~وثلاث عشرة سورة، وحزب المفصل، من "ق" حتى نختم2. # قال: فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو عليه في المصحف الآن كان على ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال بعضهم3: لترتيب وضع السور في المصحف أسباب تطلع على أنه توقيفي صادر ~~من حكيم: # الأول: بحسب الحروف؛ كما في الحواميم، وذوات {الر} . # الثاني: لموافقة آخر السورة لأول ما بعدها4؛ كآخر الحمد في المعنى وأول ~~البقرة. # الثالث: الوزن في اللفظة كآخر {تبت} وأول "الإخلاص". # الرابع: لمشابهة جملة السورة لجملة الأخرى؛ ك"الضحى" و {ألم نشرح} 5. ~~PageV01P045 # وقال بعضهم: إذا اعتبرت افتتاح كل سورة وجدت في غاية المناسبة لما ختمت ~~به السورة التى قبلها، ثم [هو] 1 يخفى تارة، ويظهر أخرى. # وأخرج ابن أشتة2 عن ربيعة أنه سئل: لم قدمت البقرة وآل عمران وقد نزل ~~قبلهما بضع وثمانون سورة بمكة، وإنما نزلتا بالمدينة؟ فقال: قدمتا، وألف ~~القرآن على علم ممن ألفه [به ومن كان معه فيه واجتماعهم] 3 على علمهم بذلك، ~~فهذا مما ينتهى إليه، ولا يسأل عنه4. # فإن قلت: فما عندك في ذلك؟ # قلت: الذي عندي أولا: تحديد محل الخلاف، وأنه خاص بترتيب سور الأقسام ~~الأربعة، وأما نفس الأقسام الأربعة؛ من تقديم الطوال، ثم المئين، ثم ~~المثاني، ثم المفصل، فهذا ينبغي أن يقطع بأنه توقيفي، وأن يدعى فيه ~~الإجماع، وإن لم أر من سبقني إلى ذلك؛ وإنما دعاني إلى هذا أمران: # أحدهما: ما تقدم من الأحاديث قريبا، وحديث ابن عباس -رضي الله عنهما- ~~الآتي في الأنفال. # والثاني: أن المصاحف التي وقع فيها الاختلاف في الترتيب اتفقت ~~PageV01P046 # على ذلك؛ فإن مصحف ms29 أبي بن كعب وابن مسعود كلاهما قدم فيه الطوال، ثم ~~المثاني، ثم المفصل؛ كمصحف عثمان؛ وإنما اختلفا في ترتيب سور كل قسم كما ~~بينت [ذلك] 1 في الإتقان2. # [وهذا دليل قوي في دعوى القطع بأن ذلك توقيفي] 3. # فإذا تحرر ذلك، ونظرنا إلى محل الخلاف، فالمختار عندي في ذلك: ما قاله ~~البيهقي؛ وهو: أن ترتيب كل السور توقيفي، سوى الأنفال وبراءة. # ومما يدل على ذلك ويؤيده: توالي الحواميم، وذوات {الر} 4 والفصل بين ~~المسبحات، وتقديم {طس} على القصص، مفصولا بها بين النظيرتين [طسم الشعراء، ~~وطسم القصص] في المطلع والطول، وكذلك الفصل بين الانفطار والانشقاق ~~بالمطففين، وهما نظيرتان في المطلع والمقصد، وهما أطول منها، فلولا أنه ~~توقيفي لحكمة لتوالت المسبحات، وأخرت "طس" عن القصص، وأخرت "المطففين" أو ~~قدمت، ولم يفصل بين {الر} و {الر} 5. # وليس هنا شيء أعارض به سوى اختلاف مصحف أبي وبن مسعود -رضي الله عنهما- ~~ولو كان توقيفيا لم يقع فيهما اختلاف، كما لم يقع في [ترتيب] الآيات6. ~~PageV01P047 # وقد من الله علي بجواب لذلك نفيس؛ وهو: أن القرآن وقع فيه النسخ كثيرا ~~للرسم، حتى لسور كاملة، وآيات كثيرة، فلا بدع أن يكون الترتيب العثماني هو ~~الذي استقر في العرضة الأخيرة؛ كالقراءات التي في مصحفه، ولم يبلغ ذلك أبيا ~~وابن مسعود -رضي الله عنهما- كما لم يبلغهما نسخ ما وضعاه في مصاحفهما من ~~القراءات التي تخالف المصحف العثماني؛ ولذلك كتب أبي في مصحفه سورة الحفد، ~~والخلع، وهما منسوختان1. # فالحاصل أني أقول: ترتيب كل [من] 2 المصاحف بتوقيف، واستقر التوقيف في ~~العرضة الأخيرة على [الترتيب العثماني، كما أن جميع القراءات والمنسوخات] 3 ~~المثبتة في مصاحفهم بتوقيف، واستقر التوقيف في العرضة الأخيرة على القراءات ~~[العثمانية، ورتب أولئك ما كان عندهم] 4 ولم يبلغهم النسخ. PageV01P048 ### | سورة الفاتحة # افتتح سبحانه كتابه بهذه السورة؛ لأنها جمعت مقاصد القرآن؛ ولذلك كان من ~~أسمائها: أم القرآن، وأم الكتاب، والأساس1، فصارت كالعنوان وبراعة ~~الاستهلال. # قال الحسن البصري2: إن الله أودع علوم الكتاب السابقة في القرآن، ثم أودع ~~علوم القرآن في ms30 المفصل، ثم أودع علوم المفصل في الفاتحة، فمن علم تفسيرها ~~كان كمن علم تفسير جميع الكتب المنزلة "أخرجه البيهقي في شعب الإيمان"3. # وبيان اشتمالها على علوم القرآن قرره الزمخشري4 باشتمالها على الثناء على ~~الله بما هو أهله، وعلى التعبد، والأمر والنهي، وعلى الوعد والوعيد، وآيات ~~القرآن لا تخلو5 عن هذه الأمور6. # [و] قال الإمام فخر الدين7: المقصود من القرآن كله تقرير أمور ~~PageV01P049 # أربعة: الإلهيات، والمعاد، والنبوات، وإثبات القضاء والقدر، فقوله: ~~{الحمد لله رب العالمين} يدل على الإلهيات، وقوله: {مالك يوم الدين} يدل ~~على نفي الجبر، وعلى إثبات أن الكل بقضاء الله وقدره، وقوله: {اهدنا الصراط ~~المستقيم} إلى آخر السورة يدل على إثبات قضاء الله، وعلى النبوات، فقد ~~اشتملت هذه السورة على المطالب الأربعة، التي هي المقصد الأعظم من القرآن1. # وقال البيضاوي2: هي مشتملة على الحكم النظرية، والأحكام العملية، التي هي ~~سلوك الصراط المستقيم، والاطلاع على مراتب السعداء، ومنازل الأشقياء3. # وقال الطيبي: هي مشتملة على أربعة أنواع من العلوم التي هي مناط الدين: # أحدها: علم الأصول، ومعاقده معرفة الله عز وجل وصفاته، وإليها الإشارة ~~بقوله: {رب العالمين، الرحمن الرحيم} ومعرفة المعاد4، وهو المومأ إليه ~~بقوله: [ {مالك يوم الدين} . # وثانيها: علم الفروع، وأسه العبادات، وهو المراد بقوله: {إياك نعبد} ] 5. ~~PageV01P050 # وثالثها: علم ما يحصل به الكمال، وهو علم الأخلاق، وأجله الوصول إلى ~~الحضرة الصمدانية، والالتجاء إلى جناب الفردانية، والسلوك لطريقة الاستقامة ~~فيها، وإليه الإشارة بقوله: [ {وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم} . # ورابعها: علم القصص والإخبار عن الأمم السالفة والقرون الخالية، السعداء ~~منهم والأشقياء، وما يتصل بها من وعد محسنهم ووعيد مسيئهم، وهو المراد ~~بقوله:] 1 {أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} . # قال: وجميع القرآن تفصيل لما أجملته الفاتحة؛ فإنها بنيت على إجمال ما ~~يحويه القرآن مفصلا؛ فإنها واقعة في مطلع التنزيل، والبلاغة فيه: أن تتضمن ~~ما سيق الكلام لأجله؛ ولهذا لا ينبغي أن يقيد شيء من كلماتها ما أمكن الحمل ~~على الإطلاق2. # وقال الغزالي3 في "خواص القرآن": مقاصد القرآن ستة: ثلاثة مهمة، وثلاثة ms31 ~~تتمة: # الأول: تعريف المدعو إليه، كما أشير إليه بصدرها. # وتعريف الصراط المستقيم، وقد صرح به فيها. # وتعريف الحال عند الرجوع إليه تعالى، وهو الآخرة، كما أشير PageV01P051 # إليه بقوله: {مالك يوم الدين} . # والأخرى: تعريف أحوال المطيعين، كما أشار إليه بقوله: {الذين أنعمت ~~عليهم} . # [حكاية أقوال الجاحدين، وقد أشير إليها ب: {المغضوب عليهم} و {الضالين} ] ~~1. # وتعريف منازل الطريق، كما أشير إليه بقوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} 2. ~~PageV01P052 ### | سورة البقرة # قال بعض الأئمة1: تضمنت سورة الفاتحة: الإقرار بالربوبية، والالتجاء ~~إليها في دين الإسلام، والصيانة عن دين اليهود والنصارى. # وسورة البقرة تضمنت قواعد الدين، وآل عمران مكملة لمقصودها. # فالبقرة بمنزلة إقامة الدليل على الحكم، وآل عمران بمنزلة الجواب عن ~~شبهات الخصوم؛ ولهذا ورد فيها كثير من المتشابه لما تمسك به النصارى. # فأوجب الحج في آل عمران، وأما في البقرة فذكر أنه مشروع وأمر بإتمامه بعد ~~الشروع فيه2، وكان خطاب النصارى في آل عمران، كما أن خطاب اليهود في البقرة ~~أكثر؛ لأن التوراة أصل، والإنجيل فرع لها، والنبي -صلى الله عليه وسلم- لما ~~هاجر إلى المدينة دعا اليهود وجاهدهم، وكان جهاده للنصارى في آخر الأمر3، ~~كما كان دعاؤه لأهل الشرك قبل أهل الكتاب؛ ولهذا كانت السور المكية فيها ~~الدين الذي اتفق عليه الأنبياء، فخوطب به جميع الناس، والسور المدنية فيها ~~خطاب من أقر بالأنبياء من أهل الكتاب والمؤمنين، فخوطبوا ب: يأهل، ~~PageV01P053 # الكتاب، يا بني إسرائيل، يأيها الذين آمنوا. # وأما سورة النساء فتضمنت أحكام الأسباب التي بين الناس، وهي نوعان: ~~مخلوقة لله، ومقدورة لهم، كالنسب والصهر؛ ولهذا افتتحت بقوله: {يا أيها ~~الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها} 1 [ثم] 2 قال: ~~{واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} 3. # فانظر إلى هذه المناسبة العجيبة، والافتتاح، وبراعة الاستهلال؛ حيث تضمنت ~~الآية المفتتح بها ما في أكثر السورة من أحكام؛ من نكاح النساء ومحرماته، ~~والمواريث المتعلقة بالأرحام، وأن ابتداء هذا الأمر بخلق آدم، ثم خلق زوجته ~~منه، ثم بث منهما رجالا كثيرا ونساء في غاية الكثرة. # [و] ms32 4 أما المائدة فسورة العقود، [و] 4 تضمنت بيان تمام الشرائع، ومكملات ~~الدين، والوفاء بعهود الرسل، وما أخذ على الأمة، وبها تم5 الدين، فهي سورة ~~التكميل؛ لأن فيها تحريم الصيد على المحرم، الذي هو من تمام الإحرام، ~~وتحريم الخمر الذي هو من تمام حفظ العقل والدين، وعقوبة المعتدين من السراق ~~والمحاربين، الذي هو من تمام حفظ الدماء والأموال، وإحلال الطيبات، الذي هو ~~من تمام عبادة الله؛ ولهذا ذكر فيها ما يختص بشريعة محمد -صلى الله عليه ~~وسلم- كالوضوء] 6 والتيمم، والحكم بالقرآن على كل ذي دين. PageV01P054 # ولهذا كثر فيها لفظ الإكمال والإتمام، وذكر فيها: أن من ارتد عوض الله ~~بخير منه، ولا يزال هذا الدين كاملا؛ ولهذا ورد أنها آخر ما نزل1 لما فيها ~~من إرشادات الختم والتمام. وهذا الترتيب بين هذه السور الأربع المدنيات من ~~أحسن الترتيب2. انتهى. # وقال بعضهم: افتتحت البقرة بقوله: {الم، ذلك الكتاب لا ريب فيه} فإنه ~~إشارة إلى الصراط المستقيم في قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} كأنهم3 لما ~~سألوا الهداية إلى الصراط المستقيم، قيل لهم: ذلك الصراط الذي سألتم4 ~~الهداية إليه، كما أخرج بن جرير وغيره من حديث علي -رضي الله عنه- مرفوعا: ~~"الصراط المستقيم كتاب الله"5 "وأخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن مسعود ~~موقوفا"6. # وهذا معنى حسن يظهر فيه سر ارتباط البقرة بالفاتحة7. # وقال الخويي8: أوائل هذه السورة مناسبة لأواخر سورة الفاتحة؛ لأن الله ~~تعالى لما ذكر أن الحامدين طلبوا الهدى، قال: قد أعطيتكم ما طلبتم: هذا ~~الكتاب هدى لكم فاتبعوه، وقد اهتديتم إلى الصراط المستقيم المطلوب المسئول. ~~PageV01P055 # ثم إنه ذكر في أوائل هذه السورة الطوائف الثلاث الذين ذكرهم في الفاتحة، ~~فذكر الذين على هدى من ربهم، وهم المنعم عليهم، والذين اشتروا الضلالة ~~بالهدى، وهم الضالون، والذين باءوا بغضب من الله، وهم المغضوب عليهم1. ~~انتهى. # [و] 2 أقول: قد ظهر لي بحمد الله وجوها من هذه المناسبات: # أحدها: أن القاعدة التي استقرأتها3 القرآن: أن كل سورة تفصيل لإجمال ما ~~قبلها، وشرح له، وإطناب لإيجازه، وقد استمر4 معي ms33 ذلك في غالب سور القرآن، ~~طويلها وقصيرها، وسورة البقرة قد اشتملت على تفصيل جميع مجملات الفاتحة. # فقوله: {الحمد لله} تفصيله: ما وقع فيها من الأمر بالذكر في عدة آيات، ~~ومن الدعاء في قوله: {أجيب دعوة الداع إذا دعان} "186" الآية، وفي قوله: ~~{ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته ~~على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا ~~وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} "286"، وبالشكر في قوله: ~~{فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} "152". # وقوله: {رب العالمين} تفصيله قوله: {اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من ~~قبلكم لعلكم تتقون، الذي جعل لكم الأرض فراشا PageV01P056 # والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا ~~تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} "21، 22"، وقوله: {هو الذي خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم} ~~"29"؛ ولذلك افتتحها بقصة خلق آدم الذي هو مبدأ البشر1، وهو أشرف الأنواع ~~من العالمين، وذلك شرح إجمال2 {رب العالمين} . # وقوله: {الرحمن الرحيم} قد أومأ إليه بقوله في قصة [توبة] 3 آدم: {فتاب ~~عليكم إنه هو التواب الرحيم} "54"، وفي قصة إبراهيم لما سأل الرزق للمؤمنين ~~خاصة [بقوله: {وارزق أهله من الثمرات من آمن} "126"] ، فقال: {ومن كفر ~~فأمتعه قليلا} "126"؛ وذلك لكونه رحمانا. # وما وقع في قصة بني إسرائيل: {ثم عفونا عنكم} "52" إلى أن أعاد الآية ~~بجملتها في قوله: {لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} "163". # وذكر آية الدين4 إرشادا للطالبين من العباد5، ورحمة بهم، ووضع عنهم الخطأ ~~والنسيان والإصر، وما لا طاقة لهم به، وختم بقوله: {واعف عنا واغفر لنا ~~وارحمنا} "286" PageV01P057 # وذلك شرح قوله: {الرحمن الرحيم} . # وقوله: {مالك يوم الدين} "الفاتحة: 4" تفصيله: ما وقع من ذكر يوم القيامة ~~في عدة مواضع؛ ومنها قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به ~~الله} "284". والدين [في الفاتحة] : الحساب [في البقرة] . # وقوله: {إياك نعبد} مجمل شامل لجميع أنواع الشريعة الفروعية، وقد ms34 فصلت في ~~البقرة أبلغ تفصيل، فذكر فيها: الطهارة، والحيض، والصلاة، والاستقبال، ~~وطهارة المكان، والجماعة، وصلاة الخوف، وصلاة الجمع، والعيد، والزكاة ~~بأنواعها؛ كالنبات، والمعادن1، والاعتكاف، والصوم، وأنواع الصدقات، والبر، ~~والحج، والعمرة، والبيع، والإجارة، والميراث، والوصية، والوديعة، والنكاح، ~~والصداق، والطلاق، والخلع، والرجعة، والإيلاء، والعدة، والرضاع، والنفقات، ~~والقصاص، والديات، وقتال البغاة، والردة، والأشربة، والجهاد، والأطعمة، ~~والذبائح، والأيمان، والنذور، والقضاء، والشهادات، والعتق. # فهذه أبواب الشريعة كلها مذكورة في هذه السورة2. # وقوله: {وإياك نستعين} شامل لعلم الأخلاق. وقد ذكر منها في هذه السورة ~~الجم الغفير؛ من التوبة، والصبر، والشكر، والرضا، والتفويض، والذكر، ~~والمراقبة، والخوف، وإلانة القول. # وقوله: {اهدنا الصراط المستقيم} إلى آخره. تفصيله3: PageV01P058 # ما وقع في السورة من ذكر طريق الأنبياء، ومن حاد عنهم من النصارى؛ ولهذا ~~ذكر في الكعبة أنها قبلة إبراهيم، فهي من صراط الذين أنعم عليهم، وقد حاد ~~عنها اليهود والنصارى معا؛ ولذلك قال في قصتها: {يهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم} "142"، تنبيها على أنها الصراط الذي سألوا الهداية إليه. # ثم ذكر: {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك} "145"، ~~وهم المغضوب عليهم والضالون الذين حادوا عن طريقهم. ثم أخبر بهداية الذين ~~آمنوا إلى طريقهم. ثم قال: {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} "213". ~~فكانت هاتان الآيتان تفصيل إجمال: {اهدنا الصراط المستقيم} إلى آخر السورة. # وأيضا قوله أول السورة: {هدى للمتقين} "2" إلى آخره في وصف الكتاب، إخبار ~~بأن الصراط الذي سألوا الهداية إليه هو: ما تضمنه الكتاب؛ وإنما يكون هداية ~~لمن اتصف بما ذكر [من صفات المتقين] . ثم ذكر أحوال الكفرة، ثم أحوال ~~المنافقين، وهم من اليهود، وذلك [أيضا] 1 تفصيل لمن حاد عن الصراط ~~المستقيم، ولم يهتد بالكتاب2. # وكذلك قوله هنا: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط} "136" الآية، فيه تفصيل النبيين المنعم ~~عليهم. وقال في آخرها: {لا نفرق بين أحد منهم} "136" تعريفا PageV01P059 # بالمغضوب عليهم والضالين الذين فرقوا بين الأنبياء؛ ولذلك عقبها بقوله: ~~{فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا} "137" أي: ms35 إلى الصراط المستقيم، ~~صراط المنعم عليهم كما اهتديتم1. # فهذا ما ظهر لي، والله أعلم بأسرار كتابه. # الوجه الثاني: أن الحديث والإجماع على تفسير {المغضوب عليهم} باليهود، ~~والضالين بالنصارى2، وقد ذكروا في سورة الفاتحة على حسب ترتيبهم في الزمان، ~~فعقب بسورة البقرة، وجميع ما فيها [من] خطاب أهل الكتاب لليهود خاصة، وما ~~وقع فيها من ذكر النصارى لم يقع بذكر الخطاب3. # ثم بسورة آل عمران، وأكثر ما فيها من خطاب أهل الكتاب للنصارى4؛ فإن ~~ثمانين آية من أولها نازلة في وفد نصارى نجران، كما ورد في سبب نزولها5، ~~وختمت بقوله: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله} "آل عمران: 199"، وهي في ~~النجاشي وأصحابه من PageV01P060 # مؤمني النصارى، كما ورد به الحديث1. وهذا وجه بديع في ترتيب السورتين؛ ~~كأنه لما ذكر في الفاتحة الفريقين، قص في كل سورة مما بعدها حال كل فريق ~~على الترتيب الواقع فيها؛ ولهذا كان صدر سورة النساء في ذكر اليهود، وآخرها ~~في ذكر النصارى2. # والوجه الثالث: أن سورة البقرة أجمع سور القرآن للأحكام والأمثال؛ ولهذا ~~سميت في أثر: "فسطاط القرآن"3، الذي هو: المدينة الجامعة، فناسب تقديمها ~~على جميع سوره. # الوجه الرابع: أنها أطول سورة في القرآن، وقد افتتح بالسبع الطوال4، ~~فناسب البداءة بأطولها. # الوجه الخامس: أنها أول سورة نزلت بالمدينة، فناسب الابتداء5 بها؛ فإن ~~للأولية نوعا من الأولوية. # الوجه السادس: أن سورة الفاتحة لما6 ختمت بالدعاء للمؤمنين بألا يسلك بهم ~~طريق المغضوب عليهم ولا الضالين إجمالا، وختمت سورة البقرة بالدعاء بألا ~~يسلك بهم طريقهم في المؤاخذة بالخطأ والنسيان، وحمل الإصر، وما لا طاقة لهم ~~به تفصيلا، وتضمن آخرها PageV01P061 # أيضا الإشارة إلى طريق المغضوب عليهم والضالين بقوله: {لا نفرق بين أحد ~~من رسله} "285" فتآخت السورتان وتشابهتا في المقطع، وذلك من وجوه المناسبة ~~في التتالي والتناسق. وقد ورد في الحديث التأمين في آخر سورة البقرة كما هو ~~مشروع في آخر الفاتحة1، فهذه ستة وجوه ظهرت لي، ولله الحمد والمنة. ~~PageV01P062 ### | سورة آل عمران # قد تقدم ما يؤخذ منه مناسبة وضعها. # وقال ms36 الإمام: لما كانت هذه السورة قرينة سورة البقرة، وكالمكملة لها، ~~افتتحت بتقرير ما افتتحت به تلك، وصرح في منطوق مطلعها بما طوي في مفهوم ~~[مطلع] 1 تلك2. # وأقول: قد ظهر لي بحمد الله وجوه من المناسبات: # أحدها: مراعاة القاعدة التي قررتها، من شرح كل سورة لإجمال ما في السورة ~~قبلها، وذلك هنا في عدة مواضع: # منها: ما أشار إليه الإمام، فإن أول البقرة افتتح بوصف الكتاب بأنه لا ~~ريب فيه. وقال في آل عمران: {نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه} ~~"13"، وذلك بسط وإطناب؛ لنفي الريب عنه. # ومنها: أنه ذكر في البقرة إنزال الكتاب مجملا، وقسمه هنا إلى آيات ~~محكمات، ومتشابهات لا يعلم تأويلها إلا الله3. # ومنها: أنه قال في البقرة: {وما أنزل من قبلك} "البقرة: 4" [مجملا] 4، ~~وقال هنا: {وأنزل التوراة والأنجيل، من قبل هدى PageV01P063 # للناس} "3، 4" مفصلا. وصرح بذكر الإنجيل هنا؛ لأن السورة خطاب للنصارى، ~~ولم يقع التصريح به في سورة البقرة بطولها؛ وإنما صرح فيها بذكر التوراة ~~خاصة؛ لأنها خطاب لليهود. # ومنها: أن ذكر القتال وقع في سورة البقرة مجملا بقوله: {وقاتلوا في سبيل ~~الله} "190، 244" [وقوله] : {كتب عليكم القتال} "البقرة: 216"، وفصلت هنا ~~قصة أحد بكمالها1. # ومنها: أنه أوجز في البقرة ذكر المقتولين في سبيل الله بقوله: {أحياء ~~ولكن لا تشعرون} "البقرة: 154" وزاد هنا: {عند ربهم يرزقون، فرحين بما ~~آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم} "169، 170" ~~الآيتين، وذلك إطناب عظيم. # ومنها: أنه قال في البقرة: {والله يؤتي ملكه من يشاء} "البقرة: 247". ~~وقال هنا: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ~~وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير} "26"، فزاد ~~إطنابا وتفصيلا. # ومنها: أنه حذر من الرباء في البقرة، ولم يزد على لفظ الربا إيجازا2 وزاد ~~هنا قوله3: {أضعافا مضاعفة} "130"، وذلك4 بيان وبسط. PageV01P064 # ومنها: أنه قال في البقرة: {وأتموا الحج} "البقرة: 196"، وذلك إنما يدل ~~على الوجوب إجمالا، وفصله هنا بقوله: {ولله على الناس حج البيت} "97". ~~وزاد: ms37 بيان شرط الوجوب بقوله: {من استطاع إليه سبيلا} "97". ثم زاد: تكفير ~~من جحد وجوبه بقوله: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} "97". # ومنها: أنه قال في البقرة في أهل الكتاب: {ثم توليتم إلا قليلا منكم} ~~"البقرة: 83". فأجمل القليل، وفصله هنا بقوله: {ليسوا سواء من أهل الكتاب ~~أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون} "113، 114" الآيتين. # ومنها: أنه قال في البقرة: {قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا ~~أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون} "البقرة: 139". فدل بها على تفضيل ~~هذه الأمة على اليهود تعريضا لا تصريحا، وكذلك قوله: {وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا} "البقرة: 143" في تفضيل هذه الأمة على سائر الأمم بلفظ فيه يسير ~~إبهام، وأتى في هذه [السورة] 1 بصريح البيان فقال: {كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس} "110". فقوله: {كنتم} أصرح في قدم ذلك من {جعلناكم} ثم زاد [بيان] ~~وجه الخيرية بقوله: {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} ~~"110"2. PageV01P065 # ومنها: أنه قال في البقرة: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها ~~إلى الحكام} "البقرة: 188" الآية. وبسط الوعيد هنا بقوله: {إن الذين يشترون ~~بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة} "77" الآية، ~~وصدره بقوله: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن ~~تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس ~~علينا في الأميين سبيل} "75". # فهذه عدة مواضع وقعت في البقرة مجملة، وفي آل عمران تفصيلها. # الوجه الثاني: أن بين هذه السورة وسورة البقرة اتحادا وتلاحما متأكدا؛ ~~لما تقدم من أن البقرة بمنزلة إزالة الشبهة؛ ولهذا تكرر هنا ما يتعلق ~~بالمقصود الذي هو بيان حقيقة الكتاب: من إنزال الكتاب، وتصديقه للكتب قبله، ~~والهدى إلى الصراط المستقيم1. وتكررت هنا آية: {قولوا آمنا بالله وما أنزل} ~~"البقرة: 136" بكمالها؛ ولذلك أيضا ذكر في هذه ما هو تال لما ذكر في تلك، ~~أو لازم في تلك، أو لازم له. # فذكر هناك خلق الناس، وذكر هنا تصويرهم في الأرحام2، وذكر هناك مبدأ خلق ms38 ~~آدم، وذكر هنا مبدأ خلق أولاده3، وألطف من ذلك: أنه افتتح البقرة بقصة آدم؛ ~~حيث خلقه من غير أب ولا أم، وذكر PageV01P066 # في هذه نظيره في الخلق من غير أب؛ وهو عيسى عليه السلام1؛ ولذلك ضرب له ~~المثل بآدم، واختصت البقرة بآدم لأنها أول السور، وآدم أول في الوجود ~~وسابق، ولأنها الأصل، وهذه كالفرع والتتمة لها، فمختصة بالإعراب2 [والبيان] ~~. # ولأنها خطاب لليهود الذين قالوا في مريم ما قالوا، وأنكروا وجود ولد بلا ~~أب، ففوتحوا بقصة آدم؛ لتثبت في أذهانهم، فلا تأتي قصة عيسى إلا وقد ذكر ~~عندهم ما يشهد لها3 من جنسها. # ولأن قصة عيسى قيست على قصة آدم في قوله: {كمثل آدم} "59" الآية، والمقيس ~~عليه لا بد وأن يكون معلوما؛ لتتم الحجة بالقياس، فكانت قصة آدم والسورة ~~التي هي فيها جديرة بالتقدم. # ومن وجوه تلازم السورتين: أنه قال في البقرة في صفة النار: {أعدت ~~للكافرين} "البقرة: 24"، ولم يقل في الجنة: أعدت للمتقين، مع افتتاحها بذكر ~~المتقين والكافرين معا4، وقال ذلك في آل عمران5 في قوله: {وجنة عرضها ~~السماوات والأرض أعدت للمتقين} "133"، فكأن السورتين بمنزلة سورة واحدة. # وبذلك يعرف أن تقديم آل عمران على النساء أنسب من تقديم النساء عليها. ~~PageV01P067 # وأمر آخر استقرأته؛ وهو: أنه إذا وردت سورتان بينهما تلازم واتحاد، فإن ~~السورة الثانية تكون خاتمتها مناسبة لفاتحة الأولى للدلالة على الاتحاد. ~~وفي السورة المستقلة عما بعدها يكون آخر السورة نفسها مناسب لأولها، وآخر ~~آل عمران مناسب لأول البقرة؛ فإنها افتتحت بذكر المتقين، وأنهم المفلحون، ~~وختمت آل عمران بقوله: {واتقوا الله لعلكم تفلحون} "200". # وافتتحت البقرة بقوله: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} ~~"البقرة: 4"، وختمت آل عمران بقوله: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما ~~أنزل إليكم وما أنزل إليهم} "199"، فلله الحمد على ما ألهم. # وقد ورد أنه لما نزلت: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} "البقرة: 245"، ~~قالت1 اليهود: يا محمد، افتقر ربك، فسأل عباده القرض2، فنزل قوله: {لقد سمع ~~الله قول الذين قالوا إن الله ms39 فقير ونحن أغنياء} "181"3 4، فذلك أيضا من ~~تلازم السورتين. # ووقع في البقرة حكاية عن إبراهيم: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو ~~عليهم آياتك} "البقرة: 129" الآية، ونزل في هذه: {لقد من الله على المؤمنين ~~إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم} "164"، وذلك أيضا من تلازم ~~السورتين. PageV01P068 ### | سورة النساء # قد تقدم وجه مناسبتها. # وأقول: هذه السورة أيضا شارحة لبقية مجملات سورة البقرة. # فمنها: أنه أجمل في البقرة قوله: {اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من ~~قبلكم لعلكم تتقون} "البقرة: 21"، وزاد هنا: {خلقكم من نفس واحدة وخلق منها ~~زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء} "1". # وانظر لما كانت آية التقوى في سورة البقرة غاية، جعلها في أول هذه السورة ~~التالية لها مبدأ1. # ومنها: أنه أجمل في سورة البقرة: {اسكن أنت وزوجك الجنة} "البقرة: 35"، ~~وبين هنا أن زوجته خلقت منه في قوله: {وخلق منها زوجها} "1". # ومنها: أنه أجمل في البقرة آية اليتامى، وآية الوصية، والميراث، والوارث، ~~في قوله: {وعلى الوارث مثل ذلك} "البقرة: 233"، وفصل ذلك في هذه السورة ~~أبلغ تفصيل2. # و [منها أنه] 3 فصل هنا من الأنكحة ما أجمله هناك. PageV01P069 # ومنها: أنه1 قال في البقرة: {ولأمة مؤمنة خير من مشركة} "البقرة: 221" ~~فذكر نكاح الأمة إجمالا، وفصل هنا شروطه2. # ومنها: أنه ذكر الصداق في البقرة مجملا بقوله: {ولا يحل لكم أن تأخذوا ~~مما آتيتموهن شيئا} "البقرة: 299"، وشرحه هنا مفصلا3. # ومنها: أنه ذكر هناك الخلع، وذكر هنا أسبابه ودواعيه؛ من النشوز وما ~~يترتب عليه، وبعث الحكمين4. # ومنها: أنه فصل هنا من أحكام المجاهدين، وتفصيلهم درجات، والهجرة، ما وقع ~~هناك مجملا، أو مرموزا5. # وفيها من الاعتلاق بسورة الفاتحة: تفسير: {الذين أنعمت عليهم} في قوله6: ~~{من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} "69". # وأما وجه اعتلاقها بآل عمران فمن وجوه: PageV01P070 # منها: أن آل عمران ختمت بالأمر بالتقوى، وافتتحت هذه السورة به1، وذلك2 ~~من آكد3 وجوه المناسبات في ترتيب السور، وهو نوع من [أنواع] 4 البديع يسمى: ~~تشابه الأطراف. # ومنها: أن سورة آل عمران ذكر فيها قصة أحد مستوفاة، وذكر في هذه ms40 السورة ~~ذيلها، وهو قوله: {فما لكم في المنافقين فئتين} "88"؛ فإنها نزلت لما اختلف ~~الصحابة فيمن رجع من المنافقين من غزوة أحد، كما في الحديث5. # ومنها: أن في آل عمران ذكرت الغزوة التى بعد أحد بقوله: {الذين استجابوا ~~لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح} "آل عمران: 172"6، وأشير إليها هنا ~~بقوله: {ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما ~~تألمون} "104" الآية7. # وبهذين الوجهين8 عرف أن تأخير النساء عن آل عمران أنسب من PageV01P071 # تقديمها عليها في مصحف ابن مسعود؛ لأن المذكور هنا ذيل ما في آل عمران ~~وتابعه ولاحقه1، فكانت بالتأخير أنسب. # ومنها: أنه [لما] 2 ذكر في آل عمران قصة خلق عيسى بلا أب، وأقيمت له ~~الحجة بآدم، وفي ذلك تبرئة لأمه، خلافا لما زعم اليهود، وتقريرا لعبوديته، ~~خلافا لما ادعته النصارى، وذكر في هذه السورة الرد على الفريقين معا؛ فرد ~~على اليهود بقوله: {وقولهم على مريم بهتانا عظيما} "156"، وعلى النصارى ~~بقوله: {لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ~~ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} إلى قوله: {لن يستنكف ~~المسيح أن يكون عبدا لله} "171، 172". # ومنها: أنه لما ذكر في آل عمران: {إني متوفيك ورافعك إلي} "آل عمران: ~~55"، ورد هنا على من زعم قتله بقوله: {وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن ~~مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه ~~لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا، بل رفعه ~~الله} "157، 158". # ومنها: أنه لما قال في آل عمران في المتشابه3: {والراسخون في العلم ~~يقولون آمنا به كل من عند ربنا} "آل عمران: 7"، قال هنا: {لكن الراسخون في ~~العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك} "162" الآية. # ومنها: أنه لما قال في آل عمران: {زين للناس حب الشهوات من PageV01P072 # النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة ~~والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا} "آل عمران: 14" الآية. # فصل هذه ms41 الأشياء في السورة التي بعدها على نسق ما وقعت في الآية؛ ليعلم ~~ما أحل الله من ذلك فيقتصر عليه، وما حرم فلا يتعدى إليه؛ لميل النفس إليه. # ففصل1 في هذه السورة أحكام النساء ومباحاتها2 للابتداء بها في الآية ~~السابقة في آل عمران، ولم يحتج إلى تفصيل البنين؛ لأن الأولاد أمر3 لازم ~~[للإنسان] 4 لا يترك منه شيء كما يترك من النساء، فليس فيهم مباح فيحتاج ~~إلى بيانه، ومع ذلك أشير إليهم في قوله: {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ~~ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا} "9". # ثم فصل في سورة المائدة أحكام السراق، وقطاع الطريق5، لتعلقهم بالذهب ~~والفضة الواقعين في الآية بعد النساء والبنين. ووقع في سورة النساء إشارة ~~إلى ذلك في قسمة المواريث. # ثم فصل في سورة الأنعام أمر الحيوان والحرث، وهو بقية المذكور في آية آل ~~عمران. فالنظر إلى هذه اللطيفة التي من الله بإلهامها! PageV01P073 # ثم ظهر لى أن سورة النساء فصل فيها ذكر البنين أيضا؛ لأنه لما أخبر بحب ~~الناس لهم، وكان من ذلك: إيثارهم على البنات في الميراث، وتخصيصهم به ~~دونهن، تولى قسمة المواريث بنفسه، فقال: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل ~~حظ الأنثيين} "11"، وقال: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء ~~نصيب} "7". فرد على ما كانوا يصنعون من تخصيص البنين بالميراث؛ لحبهم ~~إياهم1، فكان ذلك تفصيلا لما يحل ويحرم من إيثار البنين، اللازم عن الحب، ~~وفي ضمن ذلك تفصيل لما يحل للذكر أخذه من الذهب والفضة وما يحرم. # ومن الوجوه المناسبة لتقدم آل عمران على النساء: اشتراكها مع البقرة في ~~الافتتاح بإنزال الكتاب، وفي الافتتاح ب {الم} وسائر السور المفتتحة ~~بالحروف المقطعة كلها مقترنة؛ كيونس وتواليها، ومريم وطه، والطواسين، و ~~{الم} العنكبوت وتواليها، والحواميم، وفي ذلك أول دليل على اعتبار المناسبة ~~في الترتيب بأوائل السور. # ولم يفرق بين السورتين من ذلك بما ليس مبدوءا به سوى بين الأعراف ويونس ~~اجتهادا لا توقيفا [كما سيأتي] 2، والفصل بالزمر بين {حم} غافر و {ص} ~~وسيأتي. # ومن ms42 الوجوه في ذلك أيضا: اشتراكهما في التسمية بالزهراوين في حديث: ~~"اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران" 3، فكان افتتاح القرآن بهما نظير ~~اختتامه بسورتي الفلق والناس، المشتركتين في التسمية بالمعوذتين. ~~PageV01P074 ### | سورة المائدة # وقد تقدم وجه في مناسبتها. # وأقول: هذه السورة أيضا شارحة لبقية مجملات سورة البقرة؛ فإن آية الأطعمة ~~والذبائح فيها أبسط منها في البقرة1، وكذا ما حرمه2 الكفار تبعا لآبائهم في ~~البقرة موجز3، وفي هذه السورة مطنب أبلغ إطناب في قوله: {ما جعل الله من ~~بحيرة ولا سائبة ... } "103، 104". # وفي البقرة ذكر القصاص في القتلى4، وهنا ذكر أول من سن القتل، والسبب ~~الذي لأجله وقع، وقال: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا ~~بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل PageV01P075 # الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} "32"، وذلك أبسط من ~~قوله [في البقرة] : {ولكم في القصاص حياة} "البقرة: 179". # وفي البقرة: {وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية} "البقرة: 58"، وذكرت1 قصتها ~~[هنا مطولة. وذكر في البقرة من ارتد مقتصرا عليه، وقال] 2 هنا: {فسوف يأتي ~~الله بقوم يحبهم ويحبونه} "54". # وفي البقرة قصة الأيمان موجزة، وزاد هنا بسطا بذكر الكفارة3. # وفي البقرة قال في الخمر والميسر: {فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما ~~أكبر من نفعهما} "البقرة: 219". وزاد في هذه السورة ذمها، وصرح بتحريمها4. # وفيها من الاعتلاق بسورة الفاتحة: بيان المغضوب عليهم والضالين في قوله: ~~{قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه} "60" ~~الآية. وقوله: {قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} "77". # وأما اعتلاقها بسورة النساء، فقد ظهر لي فيه وجه بديع جدا؛ وذلك أن سورة ~~النساء اشتملت على عدة عقود صريحا وضمنا، PageV01P076 # فالصريح: عقود الأنكحة، وعقد الصداق، وعقد الحلف، في قوله: {والذين عقدت ~~أيمانكم فآتوهم نصيبهم} "النساء: 33". وعقد الأيمان في هذه الآية، وبعد ذلك ~~عقد المعاهدة والأمان في قوله: {إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق} "النساء: 90"، وقوله: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية} ~~"النساء: 92". # والضمني: عقد الوصية، ms43 والوديعة، والوكالة، والعارية، والإجارة، وغير ذلك ~~من الداخل في عموم قوله: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} ~~"النساء: 58"، فناسب أن يعقب بسورة مفتتحة بالأمر بالوفاء بالعقود، فكأنه ~~قيل: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} "1" التي فرغ من ذكرها في السورة ~~التي تمت، فكان ذلك غاية في التلاحم والتناسب والارتباط. # ووجه آخر في تقديم سورة النساء، وتأخير سورة المائدة؛ وهو: أن تلك أولها: ~~{يا أيها الناس} "النساء: 1"، وفيها الخطاب بذلك في مواضع، وهو أشبه بخطاب ~~[الكفار وتنزيل] 1 المكي، [وهذه أولها: {يا أيها الذين آمنوا} "1" وفيها ~~الخطاب بذلك في مواضع، وهو أشبه بخطاب المدني] 2 وتقديم العام3 وشبه المكي ~~أنسب. # ثم إن هاتين السورتين في التلازم4 والاتحاد نظير البقرة وآل عمران، ~~فتلكما في تقرير الأصول؛ من الوحدانية، والكتاب، PageV01P077 # والنبوة، وهاتان في تقرير الفروع الحكمية1. # وقد ختمت المائدة بصفة القدرة، كما افتتحت النساء بذلك2. # وافتتحت النساء ببدء الخلق، وختمت المائدة بالمنتهى من البعث والجزاء3، ~~فكأنهما سورة واحدة، اشتملت على الأحكام من المبتدأ إلى المنتهى. # ولما وقع في سورة النساء: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين ~~الناس} "النساء: 105" الآيات، وكانت4 نازلة في قصة سارق سرق درعا5، فصل في ~~سورة المائدة أحكام السراق والخائنين. # ولما ذكر في سورة النساء أنه أنزل إليك الكتاب لتحكم بين الناس، ذكر في ~~سورة المائدة آيات في الحكم بما أنزل الله حتى بين الكفار، وكرر قوله: {ومن ~~لم يحكم بما أنزل الله} "44، 45، 46". # فانظر إلى هذه السور الأربع المدنيات، وحسن ترتيبها، وتلاحمها، وتناسقها، ~~وتلازمها. PageV01P078 # وقد افتتحت البقرة التي هي أول ما نزل في المدينة1، وختمت بالمائدة التي ~~هي آخر ما نزل بها، كما في حديث الترمذي2. PageV01P079 ### | سورة الأنعام # قال بعضهم: مناسبة هذه السورة لآخر المائدة: أنها افتتحت بالحمد، وتلك ~~ختمت بفصل القضاء، وهما متلازمتان كما قال: {وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد ~~لله رب العالمين} "الزمر: 75". # و [أقول] 1 قد ظهر لي بفضل الله مع ما قدمت الإشارة إليه في آية {زين ~~للناس} 2: أنه لما ذكر في آخر ms44 المائدة: {لله ملك السماوات والأرض وما فيهن} ~~"المائدة: 120" على سبيل الإجمال، افتتح هذه السورة بشرح ذلك وتفصيله. # فبدأ بذكر: أنه خلق السماوات والأرض، وضم إليه أنه جعل الظلمات والنور، ~~وهو بعض ما تضمنه قوله: {وما فيهن} في آخر المائدة، وضمن قوله: {الحمد لله} ~~[أول الأنعام] أن له ملك جميع المحامد، وهو من بسط [جميع] 3: {لله ملك ~~السماوات والأرض وما فيهن} [في آخر المائدة] . # ثم ذكر: أنه خلق النوع الإنساني، وقضى له أجلا مسمى، وجعل له أجلا آخر ~~للبعث، وأنه منشئ القرون قرنا بعد قرن، ثم قال: {قل لمن ما في السماوات ~~والأرض قل لله} "12"، فأثبت له ملك جميع المنظورات، ثم قال: {وله ما سكن في ~~الليل والنهار} "13"، فأثبت له ملك جميع المظروفات في4 الزمان، ثم ذكر أنه ~~خلق سائر PageV01P080 # الحيوان، من الدواب والطير، ثم خلق النوم واليقظة، والموت والحياة، ثم ~~أكثر في أثناء السورة من ذكر الخلق والإنشاء لما فيهن من النيرين، والنجوم، ~~وفلق الإصباح، وخلق الحب والنوى، وإنزال الماء، وإخراج النبات والثمار ~~بأنواعها، وإنشاء جنات معروشات وغير معروشات، والأنعام، ومنها حمولة وفرش، ~~وكل ذلك تفصيل لملكه ما فيهن، وهذه مناسبة جليلة1. # و2 لما كان المقصود من هذه السورة بيان الخلق والملك، أكثر فيها من ذكر ~~الرب الذي هو بمعنى المالك والخالق والمنشئ، واقتصر فيها على ما يتعلق بذلك ~~من بدء الخلق الإنساني والملكوتي، والملكي والشيطاني، والحيواني والنباتي، ~~وما تضمنته من الوصايا، فكلها متعلقة بالمعاش والقوام الدنيوي3، ثم أشار ~~إلى أشراط الساعة [والبعث] 4. # فقد جمعت هذه السورة جميع المخلوقات بأسرها، وما يتعلق بها، وما يرجع ~~إليها، فظهر بذلك مناسبة افتتاح السور المكية بها5، وتقديمها على ما تقدم ~~نزوله منها. # وهي في جمعها الأصول والعلوم والمصالح الدنيوية نظير سورة البقرة في ~~جمعها [الأصول و] 6 العلوم والمصالح الدينية، وما ذكر فيها من PageV01P081 # العبادات المحضة، فعلى وجه الاختصار1 والإيماء؛ كنظير ما وقع في البقرة ~~من علوم بدء الخلق ونحوه، فإنه على وجه الإيجاز2 والإشارة. # فإن قلت: فلم لا أفتتح القرآن بهذه السورة ms45 مقدمة على سورة البقرة؛ لأن ~~بدء الخلق سابق3 على الأحكام والتعبدات؟! # قلت: للإشارة إلى أن مصالح الدين والآخرة مقدمة على مصالح المعاش ~~والدنيا، ولأن4 المقصود [من الخلق] 5 إنما هو العبادة، فقدم ما هو الأهم في ~~نظر الشرع6، ولأن علم بدء الخلق كالفضلة، وعلم7 الأحكام والتكاليف متعين ~~على كل واحد؛ فلذلك لا ينبغي النظر في علم بدء الخلق وما جرى مجراه من ~~التواريخ إلا بعد النظر في علم الأحكام وإتقانه. # ثم ظهر لي بحمد الله وجه آخر -أتقن مما تقدم- وهو: أنه لما ذكر في سورة ~~المائدة: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا ~~تعتدوا} "المائدة: 87" إلى آخره [ثم ذكر بعده: {ما جعل الله من بحيرة} ~~"المائدة: 103" إلى آخره] 8 فأخبر عن الكفار أنهم حرموا أشياء PageV01P082 # مما رزقهم الله افتراء عليه، وكان القصد بذلك تحذير المؤمنين أن يحرموا ~~شيئا مما أحل الله، فيشابهوا بذلك الكفار في صنيعهم، وكان ذكر ذلك على سبيل ~~الإيجاز، ساق هذه السورة لبيان ما حرمه الكفار في صنيعهم، فأتى به على ~~الوجه الأبين والنمط الأكمل، ثم جادلهم فيه، وأقام الدلائل على بطلانه، ~~وعارضهم وناقضهم، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه القصة1، فكانت هذه السورة ~~شرحا لما تضمنته المائدة من ذلك على سبيل الإجمال، وتفصيلا وبسطا، وإتماما ~~وإطنابا. # وافتتحت بذكر الخلق والملك2؛ لأن الخالق والمالك هو الذي له التصرف في ~~ملكه ومخلوقاته إباحة ومنعا، وتحريما وتحليلا، فيجب ألا يتعدى عليه بالتصرف ~~في ملكه. # وكانت هذه السورة بأسرها متعلقة بالفاتحة من وجه كونها شارحة لإجمال ~~قوله: {رب العالمين} وبالبقرة3 من حيث شرحها لإجمال قوله: {الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم} "البقرة: 21"، وقوله: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض ~~جميعا} "البقرة: 29"، وبآل عمران من جهة تفصيلها لقوله: {والأنعام والحرث} ~~"آل عمران: 14"، وقوله: {كل نفس ذائقة الموت} "آل عمران: 185" الآية. # وبالنساء من جهة ما فيها من بدء الخلق، والتقبيح لما حرموه على ~~PageV01P083 # أزواجهم، وقتل البنات بالوأد1. # وبالمائدة من حيث اشتمالها على الأطعمة بأنواعها2. # وفي افتتاح السور ms46 المكية بها وجهان آخران من المناسبة. # الأول: افتتاحها بالحمد. # والثاني: مشابهتها للبقرة، المفتتح بها السور المدنية، من حيث أن كلا ~~منهما نزل مشيعا. ففي حديث أحمد: "البقرة سنام القرآن وذروته، نزل مع كل ~~آية منها ثمانون ملكا"3، وروى الطبراني وغيره من طرق: "أن الأنعام شيعها ~~سبعون ألف ملك"، وفي رواية: "خمسمائة ملك"4. # ووجه آخر؛ وهو: أن كل ربع من القرآن افتتح بسورة أولها الحمد. [فأول ~~القرآن سورة {الحمد} ] 5، وهذه للربع الثاني، والكهف للربع الثالث، وسبأ ~~وفاطر للربع الرابع. PageV01P084 # وجميع هذه الوجوه التي استنبطتها من المناسبات بالنسبة إلى أسرار القرآن1 ~~كنقطة من 2 بحر. # ولما كانت هذه السورة لبيان بدء الخلق، ذكر فيها ما وقع عند بدء الخلق؛ ~~وهو قوله: {كتب على نفسه الرحمة} "12"، ففي الصحيح: "لما فرغ الله من ~~الخلق، وقضى القضية، كتب كتابا عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي" 3. ~~PageV01P085 ### | سورة الأعراف # أقول: مناسبة وضع هذه السورة عقب سورة الأنعام فيما ألهمني الله سبحانه: ~~أن سورة الأنعام لما كانت لبيان الخلق، وقال فيها: {هو الذي خلقكم من طين} ~~"الأنعام: 2"، وقال في بيان القرون: {كم أهلكنا من قبلهم من قرن} "الأنعام: ~~6"، وأشير فيها إلى ذكر المرسلين، وتعداد كثير منهم، وكانت الأمور الثلاثة ~~على وجه الإجمال لا التفصيل، ذكرت هذه السورة عقبها؛ لأنها مشتملة على شرح ~~الأمور الثلاثة وتفصيلها. # فبسط فيها قصة خلق آدم أبلغ بسط؛ بحيث لم تبسط في سورة كما بسطت فيها1، ~~وذلك تفصيل إجمال قوله: {خلقكم من طين} "الأنعام: 2"، ثم فصلت قصص المرسلين ~~وأممهم، وكيفية إهلاكهم2 تفصيلا تاما شافيا مستوعبا، لم يقع نظيره في سورة ~~غيرها3، وذلك بسط حال القرون المهلكة ورسلهم، فكانت هذه السورة شرحا لتلك ~~الآيات الثلاث. # وأيضا فذلك تفصيل قوله: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} "الأنعام: 6"؛ ~~ولهذا صدر هذه السورة بخلق آدم الذي جعله الله في الأرض خليفة4. وقال في ~~قصة عاد: {جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح} "69" PageV01P086 # وفي قصة ثمود: {جعلكم خلفاء من بعد عاد} "74". # وأيضا فقد قال في الأنعام: {كتب ربكم على نفسه ms47 الرحمة} "الأنعام: 54" وهو ~~موجز، وبسطه هنا بقوله: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون} "156" ~~إلى آخره، فبين من كتبها لهم. # وأما وجه ارتباط أول هذه السورة بآخر الأنعام فهو: أنه قد تقدم هناك: ~~{وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه} "الأنعام: 153"، وقوله: {وهذا كتاب ~~أنزلناه مبارك فاتبعوه} "الأنعام: 155"، فافتتح هذه السورة أيضا [بالأمر] 1 ~~باتباع الكتاب في قوله: {كتاب أنزل إليك} إلى [قوله] 1 {اتبعوا ما أنزل ~~إليكم من ربكم} "2، 3". # وأيضا لما تقدم في الأنعام: {ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} "الأنعام: ~~159"، {ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} "الأنعام: 164"، ~~قال في مفتتح هذه السورة: {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين، ~~فلنقصن عليهم بعلم} "6، 7"، وذلك شرح التنبئة المذكورة. # وأيضا فلما قال في الأنعام: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} "الأنعام: ~~160" الآية، وذلك لا يظهر إلا في الميزان، افتتح هذة السورة بذكر الوزن، ~~فقال: {والوزن يومئذ الحق} "8". ثم ذكر من ثقلت موازينه، وهو من زادت ~~حسناته على سيئاته، ثم من خفت موازينه، وهو من زادت سيئاته على حسناته، ثم ~~ذكر بعد ذلك أصحاب الأعراف، وهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم2. PageV01P087 ### | سورة الأنفال # اعلم أن وضع هذه السورة وبراءة1 ليس بتوقيف من الرسول -صلى الله عليه ~~وسلم- والصحابة، كما هو الراجح في سائر السور؛ بل اجتهاد من عثمان رضي الله ~~عنه. # وقد كان يظهر في بادئ الرأي: أن المناسب إيلاء الأعراف بيونس وهود؛ ~~لاشتراك كل [منهما] 2 في اشتمالها على قصص الأنبياء، وأنها مكية النزول، ~~خصوصا أن الحديث ورد في فضل السبع الطوال، وعدوا السابعة يونس، وكانت تسمى ~~بذلك كما أخرجه البيهقي في الدلائل3. ففي فصلها من الأعراف بسورتين هما ~~الأنفال وبراءة فصل للنظير من4 سائر نظائره، هذا مع قصر سورة الأنفال ~~بالنسبة إلى الأعراف وبراءة. # وقد استشكل ذلك قديما حبر الأمة ابن عباس، فأخرج أحمد وأبو داود والترمذي ~~والنسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن ~~عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني5، PageV01P088 # وإلى براءة وهي من المئين1، فقرنتم ms48 بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر: بسم ~~الله الرحمن الرحيم، ووضعتموها في السبع الطوال؟ فقال عثمان: كان رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشئ ~~دعا بعض من كان يكتب، فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها ~~كذا وكذا، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل [بالمدينة] 2، وكانت براءة من آخر ~~القرآن نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، فقبض رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ~~ولم أكتب بينهما سطر: بسم الله الرحمن الرحيم3، ووضعتها في السبع الطوال4. # فانظر إلى بن عباس -رضي الله عنهما- كيف استشكل على عثمان -رضي الله عنه- ~~أمرين: وضع الأنفال وهي قصيرة مع السور الطويلة، ووضعها هي وبراءة في أثناء ~~السبع الطوال، مفصولا بهما بين السادسة والسابعة، وانظر كيف أجاب عثمان ~~-رضي الله عنه- أولا بأنه لم يكن PageV01P089 # عنده في ذلك توقيف، فإنه استند إلى اجتهاد، وأنه قرن بين الأنفال وبراءة ~~لكونها شبيهة بقصتها في اشتمال كل منهما على [الأمر] 1 القتال، ونبذ ~~العهود، وهذا وجه بين المناسبة جلي، فرضي الله عن الصحابة، ما أدق أفهامهم! ~~وأجزل آراءهم! وأعظم أحلامهم! 2 # وأقول: يتم بيان مقصد عثمان -رضي الله عنه- في ذلك بأمور فتح الله بها: # الأول: أنه جعل الأنفال قبل براءة مع قصرها؛ لكونها مشتملة على البسملة، ~~فقدمها لتكون كقطعة3منها، وتكون براءة بخلوها منها كتتمتها وبقيتها؛ ولهذا ~~قال جماعة من السلف: إن الأنفال وبراءة سورة واحدة، لا سورتان4. # الثاني: أنه وضع براءة هنا لمناسبة الطوال؛ فإنه ليس في القرآن بعد ~~الأعراف أنسب ليونس طولا منها5، وذلك كاف في المناسبة. # الثالث: أنه خلل بالسورتين [الأنفال وبراءة] أثناء السبع الطوال المعلوم ~~ترتيبها في العصر الأول؛ للإشارة إلى أن ذلك أمر صادر لا عن توقيف، وإلى أن ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبض قبل أن يبين محلهما، فوضعا [هنا] 6 ~~كالموضع المستعار بين السبع الطوال، بخلاف ما لو وضعتا بعد السبع الطوال، ~~فإنه كان يوهم ms49 أن ذلك محلهما PageV01P090 # بتوقيف، وترتيب السبع الطوال يرشد إلى دفع هذا الوهم1. # فانظر إلى هذه الدقيقة التي فتح الله بها، ولا يغوص عليها إلا غواص. # الرابع: أنه لو أخرهما وقدم يونس، وأتى بعد براءة بهود -كما في مصحف أبي ~~بن كعب- لمراعاة مناسبة السبع الطوال، وإيلاء بعضها بعضا، لفات مع ما أشرنا ~~إليه أمر آخر آكد في المناسبة، فإن الأولى بسورة يونس أن تولى بالسور الخمس ~~التي بعدها، لما اشتركت فيه من الاشتمال على القصص، ومن الافتتاح ب {الر} ~~2، وبذكر الكتاب، ومن كونها مكيات، ومن تناسب، ما عدا الحجر في المقدار، ~~وبالتسمية باسم نبي، والرعد اسم3 ملك، وهو مناسب لأسماء الأنبياء. # فهذه ستة وجوه في مناسبة الاتصال بين يونس وما بعدها، وهي آكد من ذلك ~~الوجه الواحد4 في تقديم يونس بعد الأعراف. # ولبعض هذه الأمور قدمت سورة الحجر على النحل، مع كونها أقصر منها، ولو ~~أخرت براءة عن هذه السور الست [لبعدت] 5 المناسبة جدا لطولها بعد عدة6 سور ~~أقصر منها بخلاف وضع سورة PageV01P091 # النحل بعد الحجر؛ فإنها ليست كبراءة في الطول. # ويشهد لمراعاة الفواتح في مناسبة الوضع ما ذكرنا من تقديم الحجر على ~~النحل لمناسبة ذوات {الر} قبلها، وما تقدم من تقديم آل عمران على النساء ~~وإن كانت أقصر منها لمناسبة البقرة في1 الافتتاح ب {الم} وتوالي الطواسين ~~والحواميم، وتوالي العنكبوت والروم ولقمان2 والسجدة، لافتتاح كل ب {الم} ~~ولهذا قدمت السجدة على الأحزاب التي هي أطول منها. # هذا ما فتح الله به. # وأما ابن مسعود فقدم في مصحفه البقرة على: النساء، وآل عمران، والأعراف، ~~والأنعام، والمائدة، ويونس، فراعى [السبع] 3 الطوال، وقدم الأطول فالأطول، ~~ثم ثنى بالمئين، فقدم براءة، ثم النحل، ثم هود، ثم يوسف، ثم الكهف، وهكذا ~~الأطول فالأطول، وذكر الأنفال بعد النور4. # ووجه مناسبتها لها: أن كلا منهما مدنية، ومشتملة على أحكام، وأن في النور ~~{وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما ~~استخلف الذين من قبلهم} "النور: 55" الآية. وفي الأنفال: {واذكروا إذ أنتم ~~قليل ms50 مستضعفون في الأرض تخافون} "26" الآية. ولا يخفى ما بين الآيتين من ~~المناسبة؛ فإن الأولى مشتملة على الوعد بما حصل، وذكر به في الثانية، ~~فتأمل. PageV01P092 ### | سورة براءة # أقول: قد عرف وجه مناسبتها، ونزيد هنا أن صدرها1 تفصيل لإجمال قوله في ~~الأنفال: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء} "الأنفال: 58" ~~الآية، وآيات الأمر بالقتال متصلة بقوله هناك: {وأعدوا لهم ما استطعتم من ~~قوة} "الأنفال: 60"؛ ولذا قال هنا في قصة المنافقين: {ولو أرادوا الخروج ~~لأعدوا له عدة} "46". # ثم بين السورتين تناسب من وجه آخر؛ وهو: أنه سبحانه في الأنفال تولى قسمة ~~الغنائم، وجعل خمسها خمسة أخماس2، وفي براءة تولى قسمة الصدقات، وجعلها ~~لثمانية أصناف3. PageV01P093 ### | سورة يونس # أقول: قد عرف وجه مناسبتها فيما تقدم في الأنفال1، ونزيد هنا: أن مطلعها ~~شبيه بمطلع سورة الأعراف؛ فإنه2 سبحانه قال فيها: {أنذر الناس وبشر الذين ~~آمنوا} "2" فقدم الإنذار وعممه، وآخر البشارة وخصصها، وقال تعالى في مطلع ~~الأعراف: {لتنذر به وذكرى للمؤمنين} "الأعراف: 2" فخص الذكر وأخرها، وقدم ~~الإنذار، وحذف مفعوله ليعم. # وقال هنا: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش} "3"، وقال في أوائل الأعراف مثل ذلك3. # وقال هنا: {يدبر الأمر} "3". وقال هناك: {مسخرات بأمره ألا له الخلق ~~والأمر} "الأعراف: 54". # وأيضا فقد ذكرت قصة فرعون وقومه في الأعراف، واختصر ذكر4 إغراقهم، وبسط5 ~~في هذه السورة أبلغ بسط6. # فهي شارحة لما أجمل في سورة الأعراف منه. PageV01P094 ### | سور هود # ... # سورة هود: # أقول: وجه وضعها بعد سورة يونس زيادة على الأوجه الستة السابقة: أن سورة ~~يونس ذكر فيها قصة نوح مختصرة جدا مجملة1، فشرحت في هذه السورة وبسطت ما2 ~~لم يبسطه في غيرها من السور3، ولا في سورة الأعراف على طولها، ولا في سورة ~~{إنا أرسلنا نوحا} [نوح: 1] التي أفردت لقصته. # فكانت هذه السورة شارحة لما أجمل في سورة يونس [توفية بالقاعدة، ثم إن ~~مطلعها شديد الارتباط بمقطع سورة يونس] 4، فإن قوله هناك: {واتبع ما يوحى ~~إليك} "يونس: 109" هو عين قوله هنا: {كتاب ms51 أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم ~~خبير} "2". PageV01P095 ### | سورة يوسف # أقول: وجه وضعها بعد سورة هود زيادة على الأوجه الستة السابقة: أن قوله ~~في مطلعها: {نحن نقص عليك أحسن القصص} "3" مناسب لقوله في مقطع تلك: {وكلا ~~نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} "هود: 120". # وأيضا فلما وقع في سورة هود: {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} ~~"هود: 71"، وقوله: {رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت} "هود: 73". وذكر ~~هنا حال يعقوب مع أولاده، وحال ولده الذي هو من أهل البيت مع إخوته، فكان ~~كالشرح لإجمال ذلك. # وكذلك قال هنا: {ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من ~~قبل إبراهيم وإسحاق} "6" فكان ذلك كالمقترن بقوله في هود1: {رحمت الله ~~وبركاته عليكم أهل البيت} "هود: 73". # وقد روينا عن ابن عباس وجابر بن زيد في ترتيب النزول: أن يونس نزلت، ثم ~~هود، ثم يوسف2. وهذا وجه آخر من وجوه المناسبة في ترتيب هذه السور الثلاث؛ ~~لترتيبها في النزول هكذا. PageV01P096 ### | سورة الرعد # أقول: وجه وضعها بعد سورة يوسف زيادة ما تقدم بعدما فكرت فيه طائفة من ~~الزمان: أنه سبحانه قال في آخر تلك: {وكأين من آية في السماوات والأرض ~~يمرون عليها وهم عنها معرضون} "يوسف: 105" فذكر الآيات السمائية والأرضية ~~مجملة، ثم فصل1 في مطلع هذه السورة بقوله2: {الله الذي رفع السماوات بغير ~~عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر ~~الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون [} تفصيل للآيات السمائية. ~~وقوله: {] 3و هو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل ~~فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون، وفي ~~الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء ~~واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} "2-4" ~~تفصيل للآيات4 الأرضية. # هذا مع اختتام سورة يوسف بوصف الكتاب، ووصفه بالحق، وافتتاح هذه بمثل ~~ذلك5، وهو من تشابه الأطراف. PageV01P097 ### | سورة ms52 إبراهيم # أقول: وجه وضعها بعد سورة الرعد زيادة على ما تقدم بعد إفكاري فيه برهة: ~~أن قوله في مطلعها: {كتاب أنزلناه إليك} "1" مناسب لقوله في مقطع تلك: {ومن ~~عنده علم الكتاب} "الرعد: 43" على أن المراد ب"من" هو: الله تعالى جل ~~جلاله. # وأيضا ففي الرعد: {ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم ~~أخذتهم} "الرعد: 32"، وذلك مجمل في أربعة مواضع: الرسل، والمستهزئين، وصفة ~~الاستهزاء، والأخذ، وقد فصلت الأربعة في قوله: {ألم يأتكم نبأ الذين من ~~قبلكم قوم نوح وعاد وثمود ... } "9-16" الآيات1. PageV01P098 ### | سورة الحجر: # أقول: تقدمت الأوجه في اقترانها بالسورة السابقة؛ وإنما أخرت عنها لقصرها ~~بالنسبة إليها، وهذا القسم من سور القرآن للمئين، فناسب تقديم الأطول1، مع ~~مناسبة ما ختمت به لبراعة الختام وهو قوله: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} ~~"99"، فإنه مفسر بالموت2، وذلك مقطع في غاية البراعة. # وقد وقع ذلك في أواخر السور المقترنة، ففي آخر آل عمران: {واتقوا الله ~~لعلكم تفلحون} "آل عمران: 200"، وفي آخر الطواسين: {كل شيء هالك إلا وجهه ~~له الحكم وإليه ترجعون} "القصص: 88"، وفي آخر ذوات {الر} : {وانتظر إنهم ~~منتظرون} "السجدة: 30"، وفي آخر الحواميم: {كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم ~~يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ} "الأحقاف: 35". # ثم ظهر لي وجه اتصال أول هذه السورة بآخر سورة إبراهيم؛ فإنه تعالى لما ~~قال هناك في وصف يوم القيامة: {وبرزوا لله الواحد القهار، وترى المجرمين ~~يومئذ مقرنين في الأصفاد، سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار} "إبراهيم: ~~48-50"، قال هنا: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} "2" فأخبر أن ~~المجرمين المذكورين إذا طال مكثهم في النار، ورأوا عصاة المؤمنين الموحدين ~~قد أخرجوا منها تمنوا أن PageV01P099 # لو كانوا في الدنيا مسلمين، وذلك وجه حسن في الربط، مع اختتام آخر تلك ~~بوصف الكتاب، وافتتاح هذه به1، وذلك من تشابه الأطراف2. PageV01P100 ### | سورة النحل # أقول: وجه وضعها بعد سورة الحجر: أن آخرها شديد الالتئام بأول هذه؛ فإن ~~قوله في آخر تلك: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} "الحجر: 99" الذي هو مفسر ~~بالموت، ظاهر ms53 المناسبة لقوله هنا: {أتى أمر الله} "1"، وانظر كيف جاء في ~~المقدمة ب {يأتيك اليقين} [بلفظ المضارع] 1، وفي المتأخرة بلفظ الماضي؛ لأن ~~المستقبل سابق على الماضي، كما تقرر في المعقول والعربية2. # ثم3 ظهر لي أن هذه السورة شديدة الاعتلاق بسورة إبراهيم؛ وإنما تأخرت4 ~~عنها لمناسبة الحجر، في كونها من ذوات {الر} . # وذلك: أن سورة إبراهيم وقع فيها ذكر فتنة الميت، ومن هو مثبت5 وغيره6، ~~وذلك أيضا في هذه بقوله: {الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} "28" ~~الآيات، فذكر الفتنة، وما يحصل عندها من الثبات والإضلال، وذكر هنا ما يحصل ~~عقب ذلك من النعيم والعذاب7. PageV01P101 # ووقع في سورة إبراهيم: {وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم ~~لتزول منه الجبال} "إبراهيم: 46"، و [قد] 1 قيل: إنها في الجبار الذي أراد ~~أن يصعد السماء بالنسور2، ووقع هنا أيضا في قوله: {قد مكر الذين من قبلهم} ~~"26". # ووقع في سورة إبراهيم ذكر النعم، وقال عقبها: {وإن تعدوا نعمت الله لا ~~تحصوها} "إبراهيم: 34"، ووقع هنا ذكر ذلك معقبا بمثل ذلك. PageV01P102 ### | سورة بني إسرائيل # اعلم أن هذه السورة والأربع بعدها من قديم ما أنزل1. # أخرج البخاري عن ابن مسعود أنه قال في بني إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، ~~والأنبياء: " [هن] 2 من العتاق الأول، وهن من تلادي"3، وهذا وجه في ~~ترتيبها، وهو اشتراكها في قدم النزول، وكونها مكيات، وكلها4 مشتملة على ~~القصص. # وقد ظهر لي في وجه اتصالها بسورة النحل: أنه سبحانه لما قال في آخر ~~النحل: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} "النحل: 124" فسر في هذه ~~[السورة] 5 شريعة أهل السبت وشأنهم، فذكر فيها جميع ما شرع لهم في التوراة، ~~كما أخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال: " [إن] 6 التوراة كلها في خمس عشرة ~~آية من سورة بني إسرائيل"7، وذكر عصيانهم وإفسادهم8، وتخريب مسجدهم، ثم ذكر ~~استفزازهم للنبي -صلى الله عليه وسلم- وإرادتهم إخراجه من المدينة، ثم ذكر ~~سؤالهم إياه عن الروح، ثم ختم السورة بآيات موسى التسع، وخطابه مع فرعون، ~~وأخبر أن [فرعون أراد أن ms54 يستفزهم من الأرض، فأهلك، PageV01P103 # وورث بنو إسرائيل من بعده، وفي ذلك تعريض بهم، أنهم كما استفزوا النبي] 1 ~~-صلى الله عليه وسلم- ليخرجوه من المدينة هو وأصحابه كنظير ما وقع لهم مع ~~فرعون لما استفزهم، و [قد] 2 وقع ذلك أيضا. # ولما كانت هذه السورة مصدرة بقصة تخريب المسجد الأقصى أسري بالمصطفى ~~إليه، تشريفا له بحلول ركابه الشريف3، فلله الحمد على ما ألهم. PageV01P104 ### | سورة الكهف # قال بعضهم: مناسبة وضعها بعد سورة الإسراء: افتتاح تلك بالتسبيح، وهذه ~~بالتحميد1، وهما مقترنان في القرآن وسائر الكلام؛ بحيث يسبق التسبيح ~~التحميد؛ نحو: {فسبح بحمد ربك} 2 "الحجر: 98"، وسبحان الله وبحمده. # قلت: مع اختتام ما قبلها بالتحميد أيضا3، وذلك من وجوه المناسبة بتشابه ~~الأطراف. # ثم ظهر لي وجه آخر أحسن4 في الاتصال؛ وذلك: أن اليهود أمروا المشركين أن ~~يسألوا النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ثلاثة أشياء: عن الروح، وعن قصة ~~أصحاب الكهف، وعن قصة ذي القرنين5، وقد ذكر جواب السؤال الأول في آخر سورة ~~بني إسرائيل، فناسب اتصالها بالسورة التي اشتملت على جواب السؤالين ~~الآخرين6. # فإن قلت: هلا جمعت الثلاثة في سورة واحدة؟ PageV01P105 # قلت: لما لم يقع الجواب عن الأول بالبيان1، ناسب فصله في سورة. # ثم ظهر لي وجه آخر: وهو أنه لما قال فيها: {وما أوتيتم من العلم إلا ~~قليلا} "الإسراء: 85"، والخطاب لليهود، واستظهر على ذلك بقصة موسى في بني ~~إسرائيل مع الخضر، التى كان سببها ذكر العلم والأعلم2، وما دلت عليه من ~~إحاطة3 معلومات الله عز وجل التي لا تحصى، فكانت هذه السورة كإقامة الدليل ~~لما ذكر من الحكم4. # وقد ورد في الحديث أنه لما نزل: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} قال ~~اليهود: قد أوتينا التوراة، فيها علم كل شيء؛ فنزل: {قل لو كان البحر مدادا ~~لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} "109" ~~في هذه السورة5، فهذا وجه آخر في المناسبة، وتكون السورة من هذه الجهة ~~جوابا عن شبهة الخصوم فيما قدر بتلك. # وأيضا فلما قال هناك: ms55 {فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا} "الإسراء: ~~104" شرح ذلك هنا وبسطه بقوله: {فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء} إلى {ونفخ في ~~الصور فجمعناهم جمعا، وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا} "98-100"، فهذه ~~وجوه عديدة في الاتصال6. PageV01P106 ### | سورة مريم # أقول: ظهر لى في وجه مناسبتها لما قبلها: أن سورة الكهف اشتملت على عدة ~~أعاجيب: قصة أصحاب الكهف، وطول لبثهم هذه المدة الطويلة بلا أكل ولا شرب، ~~وقصة موسى مع الخضر، وما فيها من الخارقات، وقصة ذي القرنين، وهذه السورة ~~فيها أعجوبتان: قصة ولادة يحيى بن زكريا1، وقصة ولادة عيسى، فناسب ~~تتاليهما2. # وأيضا فقد قيل: إن أصحاب الكهف يبعثون قبل قيام الساعة، ويحجون مع عيسى ~~ابن مريم حين ينزل3، ففي ذكر سورة مريم بعد [ذكر] 4 سورة أصحاب الكهف مع ~~ذلك -إن ثبت- ما لا يخفى من المناسبة. # وقد قيل أيضا: إنهم من قوم عيسى، وإن قصتهم كانت في الفترة، فناسب توالي ~~[سورة] 5 قصتهم و [سورة] 5 قصة نبيهم6. PageV01P107 ### | سورة طه # أقول: روينا عن ابن عباس وجابر بن زيد في ترتيب النزول: أن طه نزلت بعد ~~سورة مريم، بعد ذكر سورة أصحاب الكهف، وذلك وحده كاف في مناسبة الوضع، مع ~~التآخي بالافتتاح1 بالحروف المقطعة. # وظهر لي وجه آخر؛ وهو: أنه لما ذكر في سورة مريم قصص عدة من الأنبياء؛ ~~وهم: زكريا، ويحيى، وعيسى، الثلاثة مبسوطة وإبراهيم، وهي بين البسط ~~والإيجاز، وموسى، وهي موجزة بجملة2 أشار إلى بقية النبيين في الآية الأخيرة ~~إجمالا3. # وذكر في هذه السورة شرح قصة موسى التي أجملها هناك، فاستوعبها غاية ~~الاستيعاب، وبسطها أبلغ بسط4، ثم أشار إلى تفصيل قصة آدم، الذي وقع [في ~~مريم] 5 مجرد اسمه هناك6، ثم أورد في ### | سورة الأنبياء # بقية قصص من لم يذكر في مريم؛ كنوح ولوط، وداود، وسليمان، وأيوب، وذي ~~الكفل، وذي النون، وأشير إلى قصة من ذكرت قصته PageV01P108 # إشارة وجيزة؛ كموسى، وهارون، وإسماعيل، وزكريا، ومريم؛ لتكون السورتان ~~كالمتقابلتين. # وبسطت فيها قصة إبراهيم البسط التام فيما يتعلق به مع قومه، ولم تذكر ms56 ~~حاله مع أبيه إلا إشارة1 كما أنه في سورة مريم ذكر حاله مع قومه إشارة ومع ~~أبيه مبسوطا2. # فانظر إلى عجيب هذا الأسلوب، وبديع هذا الترتيب. PageV01P109 ### | سورة الأنبياء # قدمت ما فيها مستوفى1، وظهر لي في اتصالها بآخر طه: أنه سبحانه لما قال: ~~{قل كل متربص فتربصوا} "طه: 135"، وقال قبله: {ولولا كلمة سبقت من ربك إلى ~~أجل مسمى} "طه: 129". # قال في مطلع هذه: {اقترب للناس حسابهم} "1" إشارة إلى قرب الأجل، ودنو ~~الأمل المنتظر2. # وفيه أيضا مناسبة لقوله هناك: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم} "طه: 131" الآية. # فإن قرب الساعة يقتضي الإعراض عن هذه3 الحياة الدنيا؛ لدنوها من الزوال ~~والفناء؛ ولهذا ورد في الحديث: أنها لما نزلت قيل لبعض الصحابة: هلا سألت ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- عنها؟ فقال: "نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن ~~الدنيا"4. PageV01P110 ### | سورة الحج # أقول: وجه اتصالها بسورة الأنبياء: أنه ختمها بوصف الساعة في قوله: ~~{واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا} "الأنبياء: 97"، ~~وافتتح هذه بذلك، فقال: {إن زلزلة الساعة شيء عظيم، يوم ترونها تذهل كل ~~مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى} ~~"1، 2". # PageV01P111 ### | سورة المؤمنون # 1: # أقول: وجه اتصالها بسورة الحج: أنه لما ختمها بقوله: {وافعلوا الخير ~~لعلكم تفلحون} "الحج: 77"، وكان ذلك مجملا، فصله في فاتحة هذه السورة، فذكر ~~خصال الخير التي من فعلها فقد أفلح، فقال: {قد أفلح المؤمنون، الذين هم في ~~صلاتهم خاشعون} "1، 2" الآيات. # ولما ذكر [في] 2 أول الحج قوله: {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث ~~فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة} "الحج: 5" الآية. زاده هنا بيانا ~~[وإطنابا] 3 في قوله: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة ~~في قرار مكين} "12، 13" الآيتان. فكل جملة أوجزت هناك في القصة4 أطنب فيها ~~هنا. PageV01P111 ### | سورة النور # أقول: وجه اتصالها بسورة {قد أفلح} : أنه لما قال [فيها] 1: {والذين هم ~~لفروجهم حافظون} "المؤمنون: 5"، ذكر في هذه أحكام من لم يحفظ فرجه، من ~~الزانية والزاني، ms57 وما اتصل بذلك من شأن القذف، وقصة الإفك، والأمر بغض ~~البصر2، وأمر فيها بالنكاح حفظا للفروج، وأمر من لم يقدر على النكاح ~~بالاستعفاف، وحفظ فرجه، ونهى عن إكراه الفتيات على الزنا3. # ولا ارتباط أحسن من هذا الارتباط، ولا تناسق أبدع من هذا النسق. ~~PageV01P112 ### | سورة الفرقان # ظهر لي بفضل الله بعدما أفكرت مدة1: أن نسبة هذه السورة لسورة النور، ~~كنسبة سورة الأنعام إلى المائدة؛ من حيث أن النور قد ختمت بقوله: {لله ما ~~في السماوات والأرض} "النور: 64"، كما ختمت بقوله: {لله ملك السماوات ~~والأرض وما فيهن} "المائدة: 120". # وكانت جملة النور أخصر من المائدة، ثم فصلت هذه الجملة في سورة الفرقان ~~فافتتحت بقوله: {الذي له ملك السماوات} إلى قوله: {وخلق كل شيء فقدره ~~تقديرا} "2"، كما افتتحت الأنعام بمثل2 ذلك3. وكان قوله عقبه: {واتخذوا من ~~دونه آلهة} "3" إلى آخره، نظير قوله هناك: {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} ~~"الأنعام: 1". # ثم ذكر في خلال هذه السورة جملة من المخلوقات؛ كمد الظل، والليل، والنوم، ~~والنهار، والرياح، والماء، والأنعام، والأناسي، ومرج البحرين، والإنسان، ~~والنسب، والصهر، وخلق السماوات والأرض في ستة أيام، والاستواء على العرش، ~~وبروج السماء، والسراج، والقمر، إلى غير ذلك، مما هو تفصيل لجملة: {لله ما ~~في PageV01P113 # ال س ماوات والأرض} 1 "النور: 64"، كما فصل آخر المائدة في الأنعام بمثل ~~ذلك2، وكان البسط في الأنعام أكثر لطولها. # ثم أشار في هذه السورة إلى القرون المكذوبة وإهلاكهم3، كما أشار في ~~الأنعام إلى ذلك4، ثم أوضح5 هذه الإشارة في السورة التي تليها -وهي ~~الشعراء- بالبسط التام، والتفصيل البالغ6، كما أوضح تلك الإشارة التي في ~~الأنعام وفصلها في سورة الأعراف التى تليها7. # فكانت هاتان السورتان في المثاني، نظير تينك السورتين [الأنعام والأعراف] ~~في الطوال، واتصالهما بآخر النور، نظير اتصال تلك بآخر المائدة، المشتملة ~~على فصل القضاء8. # ثم ظهر لي لطيفة أخرى؛ وهي: أنه إذا وقعت سورة مكية بعد سورة مدنية، ~~افتتح أولها بالثناء على الله؛ كالأنعام بعد المائدة، PageV01P114 # والإسراء بعد النحل، وهذه بعد النور، وسبأ بعد الأحزاب، والحديد بعد ~~الواقعة، ms58 وتبارك بعد التحريم1؛ لما في ذلك من الإشارة إلى نوع استقلال، ~~وإلى الانتقال من نوع إلى نوع. PageV01P115 ### | سورة الشعراء # أقول: وجه اتصالها بسورة الفرقان أنه تعالى لما أشار فيها إلى قصص مجملة ~~بقوله: {ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا، فقلنا اذهبا ~~إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا، وقوم نوح لما كذبوا الرسل ~~أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما، وعادا وثمودا ~~وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا} "الفرقان: 35-38" شرح هذه القصص، وفصلها ~~أبلغ تفصيل في السورة1 التي تليها؛ ولذلك رتبت على ترتيب ذكرها في الآيات ~~المذكورة فبدئ بقصة موسى2، ولو رتبت على الواقع لأخرت كما في الأعراف. # فانظر إلى هذا السر اللطيف الذي من الله بإلهامه. # ولما كان في الآيات المذكورة إشارة إلى قرون بين ذلك كثيرة3، زاد في ~~الشعراء تفصيلا لذلك قصة قوم إبراهيم، وقوم لوط، وقوم شعيب4. # ولما ختم الفرقان بقوله: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} "الفرقان: ~~63"، وقوله: {وإذا مروا باللغو مروا كراما} "الفرقان: 72" PageV01P116 # ختم هذه السورة بذكر الشعراء الذين هم بخلاف ذلك، واستثنى منهم من سلك ~~سبيل أولئك، وبين ما يمدح من الشعر، و [ما] 1 يدخل في القول2 "سلاما"، وما ~~يذم منه، ويدخل في اللغو3. PageV01P117 ### | سورة النمل # أقول: وجه اتصالها بما قبلها: أنها كالتتمة لها، في ذكر بقية القرون، ~~فزاد سبحانه فيها ذكر سليمان وداود، وبسط فيها قصة لوط أبسط مما هي في1 ~~الشعراء2. # وقد روينا عن ابن عباس، وجابر بن زيد، في ترتيب [نزول] 3 السور: أن ~~الشعراء نزلت ثم طس4، ثم القصص، وذلك كاف في5 ترتيبها في المصحف هكذا. # وأيضا فقد وقع فيها: {إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا} "7" إلى آخره، ~~وذلك تفصيل قوله في الشعراء: {فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين} ~~"الشعراء: 21". PageV01P118 ### | سورة القصص # أقول: ظهر لي بعد الفكرة: أنه سبحانه لما حكى في الشعراء قول فرعون ~~لموسى: {ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين، وفعلت فعلتك التي ~~فعلت} "الشعراء: 18، 19" إلى قول موسى: ms59 {ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي ~~حكما وجعلني من المرسلين} "الشعراء: 21"، ثم حكى1 في طس النمل قول موسى ~~لأهله: {إني آنست نارا} "النمل: 7" إلى آخره، الذي هو في الوقوع بعد ~~الفرار، ولما كان [الأمران] 2 على سبيل الإشارة والإجمال، بسط في هذه ~~السورة ما أوجزه في السورتين، وفصل ما أجمله فيهما على حسب ترتيبهما. # فبدأ بشرح تربية فرعون له، مصدرا بسبب ذلك: من علو فرعون، وذبح أبناء بني ~~إسرائيل الموجب لإلقاء موسى عند ولادته في اليم خوفا عليه من الذبح، وبسط ~~القصة في تربيته، وما وقع فيها إلى كبره، إلى السبب الذي من أجله قتل ~~القبطي، وهى الفعلة التي فعل، إلى الهم بذلك عليه، والموجب لفراره إلى ~~مدين3، إلى ما وقع له [فيها] 4 مع شعيب، وتزوجه بابنته، إلى أن سار بأهله، ~~وآنس من جانب الطور نارا فقال لأهله: {امكثوا إني آنست نارا} "29" إلى ما ~~وقع له فيها من المناجاة لربه، وبعثه إياه رسولا، وما استتبع ذلك، إلى آخر ~~القصة. # فكانت السورة شارحة لما أجمل في السورتين معا على الترتيب5. # وبذلك عرف وجه الحكمة في تقدم "طس" على هذه، وتأخيرها عن الشعراء، فلله ~~الحمد على ما ألهم. PageV01P119 ### | سورة العنكبوت # أقول: ظهر لي في وجه اتصالها بما قبلها: أنه تعالى لما أخبر في أول ~~السورة السابقة عن فرعون أنه: {علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة ~~منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم} "القصص: 4" افتتح هذه السورة بذكر ~~المؤمنين الذين فتنهم الكفار وعذبوهم على الإيمان بعذاب دون ما عذب به قوم ~~فرعون بني إسرائيل؛ تسلية لهم بما وقع لمن قبلهم، وحثا لهم على الصبر؛ ~~ولذلك قال هنا: {ولقد فتنا الذين من قبلهم} "3"، وهذه أيضا من حكم تأخير ~~القصص عن1 "طس". # وأيضا فلما كان في خاتمة القصص الإشارة إلى هجرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم2، وفي خاتمة هذه الإشارة إلى هجرة المؤمنين بقوله: {يا عبادي الذين ~~آمنوا إن أرضي واسعة} "56" ناسب تتاليهما. PageV01P120 ### | سورة الروم # أقول: ظهر لي في اتصالها بما قبلها: أنها ms60 ختمت بقوله: {والذين جاهدوا ~~فينا لنهدينهم سبلنا} "العنكبوت: 69"، وافتتحت1 هذه بوعد من غلب من أهل ~~الكتاب بالغلبة والنصر، وفرح المؤمنين بذلك، وأن الدولة لأهل الجهاد فيه، ~~ولا يضرهم ما وقع لهم قبل ذلك من هزيمة2. # هذا مع تآخيها بما قبلها في المطلع، فإن كلا منهما افتتح ب {الم} غير ~~معقب بذكر القرآن، وهو خلاف القاعدة الخاصة في المفتتح3 بالحروف المقطعة؛ ~~فإنها كلها عقبت بذكر الكتاب أو وصفه، إلا هاتين السورتين وسورة القلم؛ ~~لنكتة بينتها في "أسرار التنزيل"4. PageV01P121 ### | سورة لقمان # أقول: ظهر لى في اتصالها بما قبلها مع المؤاخاة في الافتتاح ب {الم} : أن ~~قوله تعالى هنا: {هدى ورحمة للمحسنين، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ~~وهم بالآخرة هم يوقنون} "3، 4" متعلق بقوله في آخر سورة الروم: {وقال الذين ~~أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم ~~البعث} "الروم: 56" الآية، فهذا عين إيقانهم بالآخرة، وهم المحسنون ~~الموقنون بما ذكر1. # وأيضا ففي كلتا السورتين جملة من الآيات2 وبدء الخلق3. # وذكر في الروم: {في روضة يحبرون} "الروم: 15"، وقد فسر بالسماع4، وفي ~~لقمان: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} "6" وقد فسر بالغناء وآلات ~~الملاهي5. PageV01P122 ### | سورة السجدة # أقول: وجه اتصالها بما قبلها: أنها شرحت مفاتح الغيب الخمسة1 التي ذكرت ~~في خاتمة لقمان. # فقوله هنا: {ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} "5"، شرح ~~لقوله هناك: {إن الله عنده علم الساعة} "لقمان: 34"؛ ولذلك عقب هنا بقوله: ~~{عالم الغيب والشهادة} "6". # وقوله: {أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز} "27"، شرح قوله2: ~~{وينزل الغيث} "لقمان: 34". # وقوله: {الذي أحسن كل شيء خلقه} "7" الآيات، شرح لقوله: {ويعلم ما في ~~الأرحام} [لقمان: 34] . # وقوله: {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض} "السجدة: 5" و {ولو شئنا لآتينا ~~كل نفس هداها} "السجدة: 13"، شرح لقوله: {وما تدري نفس ماذا تكسب غدا} ~~"لقمان: 34". # وقوله: {أإذا ضللنا في الأرض} إلى قوله: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل ~~بكم ثم إلى ربكم ترجعون} "10، 11"، شرح لقوله: {وما تدري نفس بأي أرض تموت} ~~"لقمان: 34"، فلله ms61 الحمد على ما ألهم. PageV01P123 ### | سورة الأحزاب # أقول: وجه اتصالها بما قبلها: تشابه مطلع هذه ومقطع تلك؛ فإن تلك ختمت ~~بأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإعراض عن الكافرين، وانتظار عذابهم1، ~~[ومطلع هذه الأمر بتقوى الله، وعدم طاعة الكافرين والمنافقين، فصارت ~~كالتتمة لما ختمت به تلك، حتى كأنهما سورة واحدة] 2. PageV01P124 ### | سورة سبأ # أقول: ظهر لى وجه اتصالها بما قبلها: وهو أن تلك لما ختمت بقوله: {ليعذب ~~الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين ~~والمؤمنات} "الأحزاب: 73" افتتحت هذه بأن له ما في السماوات وما في الأرض1، ~~وهذا الوصف لائق بذلك الحكم؛ فإن الملك العام والقدرة التامة يقتضيان ذلك. # وخاتمة سورة2 الأحزاب: {وكان الله غفورا رحيما} "الأحزاب: 73"، وفاصلة ~~الآية الثانية من مطلع سبأ: {وهو الرحيم الغفور} "2". PageV01P124 ### | سورة فاطر # أقول: مناسبة وضعها بعد سبأ تآخيهما في الافتتاح بالحمد، مع تناسبهما في ~~المقدار. # وقال بعضهم: افتتاح سورة فاطر بالحمد مناسب لختام ما قبلها، من قوله: ~~{وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل} "سبأ: 54"، كما قال: ~~{فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين} "الأنعام: 45"، فهو ~~نظير اتصال أول الأنعام بفصل القضاء المختتم به المائدة1. PageV01P125 ### | سورة يس # أقول: ظهر لي وجه اتصالها بما قبلها: أنه لما ذكر في سورة فاطر قوله: ~~{وجاءكم النذير} "فاطر: 37" وقوله: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم ~~نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير} "فاطر: 42"، والمراد به ~~محمد صلى الله عليه وسلم1، وقد أعرضوا عنه وكذبوه، فافتتح هذه السورة ~~بالإقسام على صحة رسالته، وأنه على صراط مستقيم؛ لينذر قوما ما أنذر ~~آباؤهم، وهذا وجه بين. # وفي فاطر: {وسخر الشمس والقمر} "فاطر: 13"، وفي يس: {والشمس تجري لمستقر ~~لها ذلك تقدير العزيز العليم، والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون ~~القديم} "38، 39"، وذلك أبسط وأوضح. # وفي فاطر: {وترى الفلك فيه مواخر} "فاطر: 12"، وفي يس: {وآية لهم أنا ~~حملنا ذريتهم في الفلك المشحون، وخلقنا لهم من مثله ما يركبون، وإن نشأ ~~نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون} "يس: 41-43" ms62 فزاد القصة بسطا. ~~PageV01P126 ### | سورة الصفافات # ... # سورة الصافات: # أقول: هذه السورة بعد "يس" كالأعراف بعد الأنعام، وكالشعراء بعد الفرقان، ~~في تفصيل أحوال القرون المشار إلى إهلاكهم1، كما أن تينك2 السورتين تفصيل ~~لمثل ذلك كما تقدم. PageV01P127 ### | سورة ص # أقول: هذه السورة بعد الصافات كطس بعد الشعراء، وكطه والأنبياء بعد مريم، ~~وكيوسف بعد هود، في كونها متممة لها بذكر من بقي من الأنبياء، ممن لم ~~يذكروا فيها؛ فإنه سبحانه ذكر في الصافات: نوحا، وإبراهيم، والذبيح، وموسى، ~~وهارون، ولوطا، وإلياس، ويونس، وذكر هنا: داود، وسليمان، وأيوب، وأشار إلي ~~بقية من ذكر، فهي بعدها أشبه شيء بالأنبياء وطس بعد مريم والشعراء1. ~~PageV01P127 ### | سورة الزمر # [أقول] 1: لا يخفى وجه اتصال أولها بآخر "ص"؛ حيث قال في "ص": {إن هو إلا ~~ذكر للعالمين} "ص: 87"، ثم قال هنا: {تنزيل الكتاب من الله} "1"، فكأنه ~~قيل: هذا الذكر تنزيل، وهذا تلاؤم2 شديد؛ بحيث إنه لو أسقطت3 البسملة ~~لالتأمت الآيتان4 كالآية الواحدة. # وقد ذكر الله تعالى في آخر "ص" قصة خلق آدم5، وذكر في صدر هذه قصة خلق ~~زوجه [منه] 6، وخلق الناس كلهم منه، وذكر خلقهم في بطون أمهاتهم خلقا من ~~بعد خلق، ثم ذكر أنهم ميتون، ثم ذكر وفاة النوم والموت، ثم ذكر القيامة، ~~والحساب، والجزاء، والنار، والجنة7، وقال: {وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد ~~لله رب العالمين} "75". # فذكر أحوال الخلق من المبدأ إلى المعاد، متصلا بخلق آدم المذكور في ~~السورة التي قبلها. PageV01P128 ### | سورة غافر # أقول: وجه إيلاء الحواميم السبع1 سورة الزمر: تآخي المطالع في الافتتاح ~~بتنزيل الكتاب، وفي مصحف أبي بن كعب أول الزمر {حم} 2، وذلك مناسبة جليلة3. # ثم إن الحواميم ترتبت لاشتراكها في الافتتاح ب {جم} ، وبذكر الكتاب بعد ~~حم، وأنها مكية؛ بل ورد في الحديث أنها نزلت جملة4 [واحدة] 5. # وفيها شبه من ترتيب ذوات {الر} الست6. # فانظر ثانية الحواميم وهي فصلت، كيف شابهت ثانية ذوات {الر} هود في تغيير ~~الأسلوب في وصف الكتاب، وأن في هود: {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت} "هود: 1"، ~~وفي فصلت: {كتاب فصلت آياته} "فصلت: 3"، وفي ms63 سائر ذوات {الر} 7 {تلك آيات ~~PageV01P129 # الكتاب} 1 "الحجر: 1"، وفي سائر الحواميم: {تنزيل الكتاب} "غافر: 2" أو ~~{والكتاب} 2 "الدخان: 2". # وروينا عن جابر بن زيد، وابن عباس في ترتيب نزول السور: أن الحواميم نزلت ~~عقب الزمر، وأنها نزلت متتاليات كترتيبها في المصحف: المؤمن، ثم السجدة، ثم ~~الشورى، ثم الزخرف، ثم الدخان، ثم الجاثية، ثم الأحقاف، ولم يتخللها نزول ~~غيرها3، وذلك4 مناسبة جلية واضحة في وضعها هكذا. # ثم ظهر لي لطيفة أخرى؛ وهي: أنه في كل ربع من أرباع القرآن توالت سبع سور ~~مفتتحة بالحروف المقطعة. فهذه [السور] 5 السبع مصدرة ب {حم} ، وسبع في ~~الربع الذي قبله [متوالية و] 6 ذوات {الر} 7 الست متوالية، و {المص} ~~الأعراف؛ فإنها متصلة بيونس على ما تقدمت الإشارة إليه، وافتتح أول القرآن ~~بسورتين من ذلك، وأول النصف الثاني بسورتين8. # وقال الكرماني في "العجائب"9: ترتيب الحواميم السبع لما بينها ~~PageV01P130 # من المشاكل الذي خصت به؛ وهو: أن كل سورة منها استفتحت بالكتاب أو وصفه، ~~مع تفاوت المقادير في الطول والقصر، وتشاكل الكلام في النظام. انتهى. # قلت: # وانظر إلى مناسبة ترتيبها؛ فإن مطلع غافر مناسب لمطلع الزمر، ومطلع فصلت ~~التي هي ثانية الحواميم مناسب لمطلع هود التي هي ثانية ذوات {الر} 1، ومطلع ~~الزخرف مؤاخ لمطلع الدخان، وكذا مطلع الجاثية لمطلع الأحقاف2. PageV01P131 ### | سورة القتال # [أقول:] 3 لا يخفى وجه ارتباط أولها بقوله في آخر الأحقاف: {فهل يهلك إلا ~~القوم الفاسقون} "الأحقاف: 35"، واتصاله وتلاحمه وبحيث إنه لو أسقطت ~~البسملة منه لكان متصلا اتصالا واحدا لا تنافر فيه كالآية الواحدة، آخذا ~~بعضه بعنق بعض4. PageV01P131 ### | سورة الفتح # [أقول:] 1 لا يخفى وجه حسن وضعها هنا؛ لأن الفتح بمعنى النصر، مرتب على ~~القتال، وقد ورد في الحديث: أنها [نزلت] 1 مبينة لما يفعل به وبالمؤمنين، ~~بعد إبهامه في قوله تعالى في الأحقاف: {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} 2 ~~"الأحقاف: 9"، فكانت متصلة بسورة الأحقاف من هذه الجملة3. PageV01P132 ### | سورة الحجرات # [أقول:] 1 لا يخفى تآخي هاتين السورتين [الفتح والحجرات] مع ما قبلهما؛ ms64 ~~لكونهما مدنيتين، ومشتملتين على أحكام، فتلك فيها قتال الكفار، وهذه فيها ~~قتال البغاة2، وتلك ختمت بالذين آمنوا، وهذه افتتحت بالذين آمنوا3، وتلك ~~تضمنت تشريفا له صلى الله عليه وسلم خصوصا مطلعها، وهذه أيضا في مطلعها ~~أنواع من التشريف له صلى الله عليه وسلم4. PageV01P132 ### | سورة الذاريات # أقول: لما ختمت "ق" بذكر البعث، واشتملت على ذكر الجزاء، والجنة، والنار، ~~وغير ذلك من أحوال القيامة، افتتح هذه السورة بالإقسام على أن ما توعدون من ~~ذلك لصادق1، وأن الدين -وهو الجزاء- لواقع. # ونظير ذلك: افتتاح المرسلات بذلك، بعد ذكر الوعد والوعيد والجزاء في سورة ~~الإنسان2. PageV01P133 ### | سورة الطور # أقول: وجه وضعها بعد الذاريات: تشابههما في المطلع والمقطع؛ فإن في مطلع ~~كل منهما صفة حال المتقين بقوله: {إن المتقين في جنات} "الذاريات: 15، ~~الطور: 17" الآيات، وفي مقطع كل منهما صفة حال الكفار، بقوله في تلك: {فويل ~~للذين كفروا} "الذرايات:60"، وفي هذه: {فالذين كفروا} "42"1. PageV01P133 ### | سورة النجم # أقول: وجه وضعها بعد الطور: أنها شديدة المناسبة لها؛ فإن الطور ختمت ~~بقوله: {وإدبار النجوم} "الطور: 49"، وافتتحت هذه بقوله: {والنجم إذا هوى} ~~"1". # ووجه آخر: [وهو] 2 أن الطور ذكر فيها ذرية المؤمنين، وأنهم تبع لآبائهم3، ~~وهذه فيها ذكر ذرية اليهود4 في قوله: {هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض [وإذ ~~أنتم أجنة في بطون أمهاتكم} "32" الآية، فقد أخرج ابن أبي حاتم، وبن ~~المنذر، والواحدي بأسانيدهم عن ثابت بن الحارث الأنصاري، قال: كانت اليهود ~~تقول: إذا هلك صبي صغير هو: صديق، فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~فقال: $"كذبت يهود، ما من نسمة يخلقها الله في بطن أمه إلا أنه شقي أو ~~سعيد"، وأنزل الله عند ذلك {هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض} الآية] 5. # ولما قال هناك في المؤمنين: {ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من ~~شيء} "الطور: 21" أي: ما نقصنا الآباء بما أعطينا البنين، مع نفعهم بما عمل ~~آباؤهم، قال هنا في صفة الكفار أو بني الكفار: {وأن ليس للإنسان إلا ما ~~سعى} "39" خلاف ما ذكر في المؤمنين الصغار. # وهذا ms65 وجه بين بديع في المناسبة، من وادي التضاد. PageV01P134 ### | سورة القمر # 1: # أقول: لا يخفى ما في توالي هاتين السورتين من حسن التناسق [والتناسب] 2 ~~في التسمية؛ لما بين النجم والقمر من الملابسة، ونظيره توالي الشمس والليل ~~والضحى، وقبلها سورة الفجر3. # ووجه آخر وهو: أن هذه السورة بعد النجم كالأعراف بعد الأنعام [وكالشعراء ~~بعد الفرقان] 4، وكالصافات بعد يس، في أنها تفصيل لأحوال الأمم المشار إلى ~~إهلاكهم في قوله هناك: {وأنه أهلك عادا الأولى، وثمود فما أبقى، وقوم نوح ~~من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى، والمؤتفكة أهوى} "النجم: 50-53"5. ~~PageV01P135 ### | سورة الرحمن # أقول: لما قال سبحانه وتعالى في آخر القمر: {بل الساعة موعدهم والساعة ~~أدهى وأمر} "القمر: 46"، ثم وصف حال المجرمين في سقر، وحال المتقين في جنات ~~ونهر، فصل هذا الإجمال في هذه السورة أتم تفصيل، على الترتيب الوارد في ~~الإجمال. # فبدأ بوصف مرارة الساعة، والإشارة إلى إذهابها1، ثم وصف النار وأهلها2، ~~والجنة وأهلها3؛ ولذا قال [ {يعرف المجرمون بسيماهم} 41، فلم يقل: ~~"الكافرون" أو نحوه؛ لاتصاله بقوله هناك: {إن المجرمين} "القمر: 47"، ثم ~~وصف الجنة وأهلها، وكذا قال] 4 فيهم: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} "46"، وذلك ~~هو عين التقوى5، ولم يقل: [و] 6 لمن آمن وأطاع، أو نحوه؛ لتتوافق الألفاظ ~~في التفصيل والمفصل. # وعرف بذلك أن هذه السورة بأسرها شرح لآخر السورة التي قبلها، فلله الحمد ~~على ما ألهم وفهم7. PageV01P136 ### | سورة الواقعة # أقول: هذه السورة متآخية مع سورة الرحمن في أن كلا منهما في وصف القيامة، ~~والجنة والنار، وانظر إلى اتصال قوله هنا: {إذا وقعت الواقعة} 1 بقوله ~~هناك: {فإذا انشقت السماء} "الرحمن: 37"؛ ولهذا اقتصر في الرحمن على ذكر ~~انشقاق السماء، وفي الواقعة على ذكر رج الأرض1، فكأن السورتين لتلازمهما ~~واتحادهما سورة واحدة. # ولهذا عكس في الترتيب، فذكر في أول هذه السورة ما ذكره في آخر تلك، وفي ~~آخر هذه ما في أول تلك، كما أشرت إليه في سورة آل عمران مع سورة البقرة. # فافتتح [في سورة] 2 الرحمن بذكر القرآن، ثم ذكر الشمس والقمر، ms66 ثم ذكر ~~النبات، ثم خلق الإنسان، والجان من مارج من نار3، ثم صفة [يوم] 4 القيامة، ~~ثم صفة النار، ثم صفة الجنة. # وابتدأ هذه بذكر القيامة ثم صفة الجنة، ثم صفة النار، ثم خلق الإنسان، ثم ~~النبات، ثم الماء، ثم النار، ثم [ذكر] 5 النجوم، ولم يذكرها في الرحمن، كما ~~لم يذكر هنا الشمس والقمر، ثم ذكر القرآن. # فكانت هذه السورة كالمقابلة لتلك، وكرد العجز على الصدر. PageV01P137 ### | سورة الحديد # قال بعضهم: # وجه اتصالها بالواقعة: أنها بدأت1 بذكر التسبيح، وتلك ختمت بالأمر به2. # قلت: وتمامه: أن أول الحديد واقع موقع العلة للأمر به، وكأنه قيل: {فسبح ~~باسم ربك العظيم} "الواقعة: 96"؛ لأنه {سبح لله ما في السماوات والأرض} ~~"1". PageV01P138 ### | سورة المجادلة: # أقول: لما كان في مطلع الحديد ذكر صفاته الجليلة؛ ومنها: الظاهر والباطن، ~~وقال: {يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج ~~فيها وهو معكم أين ما كنتم} "الحديد: "4" افتتح هذه بذكر أنه سمع قول ~~المجادلة التي شكت إليه صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قالت عائشة -رضي الله ~~عنها- حين نزلت: "سبحان الذي وسع سمعه الأصوات، إني لفي ناحية البيت لا ~~أعرف ما تقول"1. # وذكر بعد ذلك قوله: {ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما ~~يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} "7"، وهو تفصيل لإجمال قوله2: # {وهو معكم أين ما كنتم [والله بما تعملون بصير] 3} "الحديد: 4". # وبذلك تعرف الحكمة في الفصل بها بين الحديد والحشر، مع تآخيهما في ~~الافتتاح ب {سبح} 4. PageV01P138 ### | سورة الحشر # [أقول:] 1 آخر سورة المجادلة نزل فيمن قتل أقرباؤه من الصحابة يوم بدر2، ~~وأول الحشر نازل3 في غزوة بني النضير4، وهي عقبها، وذلك نوع من المناسبة ~~والربط5. # وفي آخر تلك: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} "المجادلة: 21"، وفي أول هذه: ~~{فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب} "2". # وفي آخر تلك ذكر من حاد الله ورسوله6، وفي أول هذه ذكر من شاق الله ~~ورسوله7. PageV01P139 ### | سورة الممتحنة والصف # ... # سورة الممتحنة: ms67 # أقول: لما كانت سورة الحشر في المعاهدين من أهل الكتاب عقبت بهذه؛ ~~لاشتمالها على ذكر المعاهدين من المشركين؛ لأنها نزلت في صلح الحديبية1. # ولما ذكر في الحشر موالاة المؤمنين بعضهم بعضا ثم موالاة الذين [نافقوا ~~الكفار] 2 من أهل الكتاب، افتتح هذه السورة بنهي المؤمنين عن اتخاذ الكفار ~~أولياء؛ لئلا يشابهوا المنافقين في ذلك، وكرر ذلك وبسطه إلى أن ختم به، ~~فكانت في غاية الاتصال؛ ولذلك فصل بها بين الحشر والصف، مع تآخيهما في ~~الافتتاح ب {سبح} 3. # سورة الصف: # أقول: في سورة الممتحنة ذكر الجهاد في سبيل الله، وبسطه في هذه السورة ~~أبلغ بسط4. PageV01P140 ### | سورة الجمعة # أقول: ظهر لي في وجه اتصالها بما قبلها: أنه تعالى لما ذكر في سورة الصف ~~حال موسى مع قومه، وأذاهم له، ناعيا عليهم ذلك1، وذكر في هذه السورة حال ~~الرسول -صلى الله عليه وسلم- وفضل أمته؛ تشريفا لهم؛ ليظهر فضل ما بين ~~الأمتين؛ ولذا لم يعرض فيها لذكر اليهود. # وأيضا لما ذكر2 هناك قول عيسى: {ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد} ~~"الصف: 6"، قال هنا: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} "2" إشارة إلى ~~أنه الذي بشر به عيسى، وهذا وجه حسن في الربط. # وأيضا لما ختم تلك السورة بالأمر بالجهاد وسماه تجارة، ختم هذه بالأمر ~~بالجمعة، وأخبر أنها خير من التجارة الدنيوية. # وأيضا فتلك سورة الصف، والصفوف تشرع في موضعين: القتال، والصلاة، فناسب ~~تعقيب سورة صف القتال بسورة صلاة تستلزم الصف ضرورة، وهي الجمعة؛ لأن ~~الجماعة شرط فيها دون سائر الصلوات. # فهذه وجوه أربعة فتح الله بها. PageV01P141 ### | سورة المنافقون # أقول: وجه اتصالها بما قبلها: أن سورة الجمعة ذكر فيها المؤمنون، وهذه ~~ذكر فيها أضدادهم، وهم المنافقون؛ ولهذا أخرج الطبراني في الأوسط عن أبي ~~هريرة: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة ~~الجمعة يحرض بها المؤمنين، وبسورة المنافقين يفزع بها المنافقين1. # وتمام المناسبة: أن السورة التي بعدها فيها ذكر المشركين، والسورة التي ~~قبل الجمعة فيها ذكر أهل الكتاب من اليهود ms68 والنصارى2، والتي قبلها وهي ~~الممتحنة فيها ذكر المعاهدين من المشركين3، والتي قبلها وهي الحشر فيها ~~المعاهدين من أهل الكتاب4؛ فإنها نزلت في بني النضير حين نبذوا العهد ~~وقوتلوا. # وبذلك اتضحت المناسبة في ترتيب هذه السور الست هكذا؛ لاشتمالها على أصناف ~~الأمم، وفي الفصل بين المسبحات بغيرها5؛ لأن إيلاء سورة المعاهدين من أهل ~~الكتاب بسورة المعاهدين من المشركين أنسب من ترك ذلك6، وإيلاء سورة ~~المؤمنين بسورة المنافقين أنسب من غيره. # فظهر بذلك أن الفصل بين المسبحات التي هي نظائر لحكمة دقيقة من لدن حكيم ~~خبير، فلله الحمد على ما فهم وألهم. # هذا وقد ورد عن ابن عباس في ترتيب النزول: أن ### | سورة التغابن # نزلت عقب الجمعة7، وتقدم نزول سورة "المنافقون" فما فصل بينهما إلا ~~لحكمة، والله أعلم. PageV01P142 ### | سورة التغابن # أقول: لما وقع في آخر سورة المنافقون: {وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن ~~يأتي أحدكم الموت} "المنافقون: 10" الآية، عقب بسورة التغابن؛ لأنه قيل في ~~معناه: إن الإنسان يأتي يوم القيامة، وقد جمع مالا، ولم يعمل فيه خيرا، ~~فأخذه وارثه بسهولة، من غير مشقة في جمعه، فأنفقه في وجوه الخير، فالجامع ~~محاسب معذب مع تعبه في جمعه، والوارث منعم مثاب، مع سهولة وصوله إليه، وذلك ~~هو التغابن1. # فارتباطه بآخر السورة المذكورة في غاية الوضوح؛ ولهذا قال هنا: {وأنفقوا ~~خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} "16". # وأيضا ففي آخر تلك: {لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله} ~~"المنافقون: 9"، وفي هذه: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} "15"، وهذه الجملة ~~كالتعليل لتلك الجملة؛ ولذا ذكرت على ترتيبها2. # وقال بعضهم: لما كانت سورة المنافقون رأس ثلاث وستين سورة، أشير فيها إلى ~~وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: {ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء ~~أجلها} "المنافقون: 11"، وأنه3 مات على رأس ثلاث وستين سنة، وعقبها ~~بالتغابن؛ ليظهر التغابن في فقده صلى الله عليه وسلم4. PageV01P143 ### | سورة الطلاق والتحريم # ... # سورة الطلاق: # أقول: لما وقع في [آخر] 1 سورة التغابن: {إن من أزواجكم وأولادكم عدوا ~~لكم} "التغابن: 14"، وكانت عداوة الأزواج ms69 تفضي إلى الطلاق، وعداوة الأولاد ~~قد تفضي إلى القسوة، وترك الإنفاق عليهم، فعقبت2 ذلك بسورة فيها ذكر أحكام ~~الطلاق، والإنفاق على الأولاد والمطلقات بسببهم. # سورة التحريم: # أقول: هذه السورة متآخية مع التي قبلها في الافتتاح3 بخطاب النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- وتلك مشتملة على طلاق النساء، وهذه على تحريم الإيلاء، ~~وبينهما من المناسبة ما لا يخفى. # ولما كانت تلك في خصام نساء الأمة، ذكر في هذه خصومة نساء النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- إعظاما لمنصبهن أن يذكرن مع سائر النسوة، فأفردن بسورة ~~خاصة؛ ولهذا ختمت بذكر امرأتين في الجنة: آسية امرأة فرعون، ومريم بنة ~~عمران4. PageV01P144 ### | سورة تبارك # أقول: ظهر لي بعد الجهد: أنه لما ذكر آخر التحريم امرأتي نوح ولوط ~~الكافرتين، وامرأة فرعون المؤمنة، افتتحت هذه السورة بقوله: {الذي خلق ~~الموت والحياة} "2" مرادا بهما الكفر والإيمان في أحد الأقوال1؛ للإشارة ~~إلى أن الجميع بخلقه وقدرته؛ ولهذا كفرت امرأتا نوح ولوط، ولم ينفعهما ~~اتصالهما بهذين النبيين الكريمين، وآمنت امرأة فرعون، ولم يضرها اتصالها ~~بهذا الجبار العنيد، لما سبق في كل من القضاء والقدر. # [ثم ظهر لي] 2 وجه آخر: وهو أن [أول] 3 "تبارك" متصل بقوله في آخر ~~الطلاق: {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن} "الطلاق: 12"، فزاد ~~ذلك بسطا في هذه الآية: {الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن ~~من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور} إلى قوله: {ولقد زينا السماء الدنيا ~~بمصابيح} "3-5"، وإنما فصلت بسورة التحريم؛ لأنها كالتتمة لسورة الطلاق4. ~~PageV01P145 ### | سورة ن والحاقة # ... # سورة ن: # أقول: لما ذكر سبحانه في آخر [سورة] 1 تبارك التهديد بتغوير الماء2، ~~استظهر عليه في هذه السورة بإذهاب ثمر أصحاب البستان في ليلة بطائف طاف ~~عليه3 وهم نائمون، فأصبحوا لم يجدوا له أثرا، حتى ظنوا أنهم ضلوا الطريق4، ~~وإذا كان هذا في الثمار وهي أجرام كثيفة، فالماء الذي هو لطيف رقيق أقرب ~~إلى الإذهاب؛ ولهذا قال: {وهم نائمون، فأصبحت كالصريم} "19، 20"، وقال ~~هناك: {إن أصبح ماؤكم غورا} "الملك: 30" إشارة إلى أنه ms70 يسري عليه في ليلة ~~كما أسري5 على الثمرة في ليلة. # سورة الحاقة: # أقول: لما وقع في "ن" ذكر يوم القيامة مجملا في قوله: {يوم يكشف عن ساق} ~~"القلم: 42" الآية، شرح ذلك في هذه السورة نبأ6 هذا اليوم، وشأنه العظيم7. ~~PageV01P146 ### | سورة سأل ونوح # ... # سورة سأل: # أقول: هذه السورة كالتتمة لسورة الحاقة في بقية وصف يوم القيامة والنار1. # و [قد] 2 قال ابن عباس: إنها نزلت عقب سورة الحاقة3، وذلك أيضا من وجوه ~~المناسبة في الوضع. # سورة نوح: # أقول: أكثر ما ظهر [لي] 4 في وجه اتصالها بما قبلها بعد طول الفكر: أنه ~~سبحانه لما قال في "سأل": {إنا لقادرون، على أن نبدل خيرا منهم} "المعارج: ~~40، 41" عقبه بقصة قوم نوح، المشتملة على إغراقهم5 عن آخرهم؛ بحيث لم يبق ~~منهم ديار6 وبدل خيرا منهم [فوقعت موقع الاستدلال والاستظهار لتلك الدعوى، ~~كما وقعت قصة أصحاب الجنة في سورة "ن" موقع الاستدلال والاستظهار] 7 لما ~~ختم به تبارك. # هذا مع تآخي مطلع السورتين في ذكر العذاب الموعد به الكافرين8. ~~PageV01P147 ### | سورة الجن والمزمل # ... # سورة الجن: # أقول: قد فكرت مدة في وجه اتصالها بما قبلها، فلم يظهر لي سوى أنه ~~[سبحانه] 1 قال في سورة نوح: {استغفروا ربكم إنه كان غفارا، يرسل السماء ~~عليكم مدرارا} "نوح: 10، 11"، وقال في هذه السورة [لكفار مكة] 2: {وألو ~~استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا} "16"، وهذا وجه بين في ~~الارتباط3. # سورة المزمل: # أقول: لا يخفى وجه اتصال أولها: {قم الليل} "2" بقوله في آخر تلك: {وأنه ~~لما قام عبد الله يدعوه} "الجن: 19"، وبقوله: {وأن المساجد لله} "الجن: ~~18"4. PageV01P148 ### | سورة المدثر والقيامة # ... # سورة المدثر: # أقول: هده متآخية مع السورة التي قبلها في الافتتاح بخطاب النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- وصدر كليهما نازل في قصة واحدة. # وقد ذكر عن ابن عباس في ترتيب نزول السور: أن المدثر نزلت عقب المزمل ~~[كذا] 1 أخرجه ابن الضريس، وأخرجه غيره عن جابر بن زيد2. # سورة القيامة: # أقول: لما قال سبحانه في آخر المدثر: {كلا بل لا يخافون الآخرة} "المدثر: ~~53" بعد ms71 ذكر الجنة والنار، وكان عدم خوفهم إياها لإنكارهم البعث، ذكر في ~~هذه السورة الدليل على البعث [من أوجه] 3، ووصف يوم القيامة، وأهواله، ~~وأحواله، ثم ذكر من قبل ذلك [من خروج الروح من البدن ثم ما قبل ذلك] 4 من ~~مبدأ الخلق، فذكرت الأحوال [الثلاثة] 5 في هذه السورة على عكس ما هي في ~~الواقع. PageV01P149 ### | سورة الإنسان # أقول: وجه اتصالها بسورة القيامة في غاية الوضوح؛ فإنه تعالى ذكر في آخر ~~تلك مبدأ خلق الإنسان من نطفة، ثم ذكر مثل ذلك في مطلع هذه السورة، مفتتحا ~~بخلق آدم أبي البشر. # ولما ذكر هناك خلقه [من نطفة] 1 منهما، قال هنا: {فجعل منه الزوجين الذكر ~~والأنثى} "القيامة: 39"، ولما ذكر هناك خلقه منهما، قال هنا: {فجعلناه ~~سميعا بصيرا} "2"، فعلق به غير ما علق بالأول، ثم رتب عليه هداية السبيل، ~~وتقسيمه إلى شاكر وكفور، ثم أخذ في جزاء كل. # ووجه آخر هو: أنه لما وصف حال يوم القيامة في تلك السورة، ولم يصف فيها ~~حال النار والجنة؛ بل ذكرهما على سبيل الإجمال، فصلهما في هذه السورة، ~~وأطنب في وصف الجنة2، وذلك كله شرح لقوله تعالى هناك: {وجوه يومئذ ناضرة} ~~"القيامة: 22"، وقوله هنا: {إنا أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا} ~~"14"، شرح لقوله هناك: {تظن أن يفعل بها فاقرة} "القيامة: 25". # وقد ذكر هناك: {كلا بل تحبون العاجلة، وتذرون الآخرة} "القيامة: 20، 21"، ~~وذكر هنا في هذه السورة: {إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ~~ثقيلا} "27"، وهذا من وجوه المناسبة3. PageV01P150 ### | سورة المراسلات # ... # سورة المرسلات: # أقول: وجه اتصالها بما قبلها: أنه تعالى لما أخبر في خاتمتها أنه {يدخل ~~من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما} "الإنسان: 31"، افتتح هذه ~~بالقسم على أن ما يوعدون واقع، فكان ذلك تحقيقا لما وعد به هناك المؤمنين، ~~وأوعد الظالمين. # ثم ذكر وقته وأشراطه بقوله: {فإذا النجوم طمست} "8" إلى آخره. # ويحتمل أن تكون الإشارة بما توعدون1 إلى جميع ما تضمنته السورة من وعيد ~~للكافرين، ووعد للأبرار2. PageV01P151 ### | سورة عم # أقول: وجه اتصالها بما قبلها: تناسبها معها في ms72 الجمل؛ ففي المرسلات1: ~~{ألم نهلك الأولين، ثم نتبعهم الآخرين} "المرسلات: 16، 17"، {ألم نخلقكم من ~~ماء مهين} "المرسلات: 20"، {ألم نجعل الأرض كفاتا} "المرسلات: 25" إلى ~~آخره، وفي عم: {ألم نجعل الأرض مهادا} "6" إلى آخره، فذلك نظير تناسب جمل: ~~ألم نشرح، والضحى، بقوله في الضحى: {ألم يجدك يتيما فآوى} "الضحى: 6" إلى ~~آخره، وقوله: {ألم نشرح لك صدرك} "الشرح: 1" مع اشتراك هده السورة والأربع ~~قبلها في الاشتمال على وصف الجنة والنار، ما عدا المدثر في الاشتمال على ~~وصف يوم القيامة وأهواله، وعلى ذكر بدء الخلق، وإقامة الدليل على البعث. # وأيضا في سورة المرسلات: {لأي يوم أجلت، ليوم الفصل، وما أدراك ما يوم ~~الفصل} "المرسلات: 12-14"، وفي هذه السورة: {إن يوم الفصل كان ميقاتا، يوم ~~ينفخ في الصور فتأتون أفواجا} "17، 18" إلى آخره، فكأن هذه السورة شرح يوم ~~الفصل المجمل ذكره في السورة التي قبلها2. PageV01P152 ### | سورة النازعات وعبس والتكوير # ... # [سورة النازعات: # ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها عقب سورة عم، وأولها يشبه أن يكون ~~قسما لتحقيق ما في آخر عم، أو ما تضمنته كلها على حد ما تقدم في ~~{والمرسلات} مع {هل أتى} ، {والذاريات} مع {ق} ] 1. # سورة عبس: # أقول: وجه وضعها عقب النازعات مع تآخيهما في المقطع؛ لقوله هناك: {فإذا ~~جاءت الطامة} "النازعات: 34"، وقوله هنا: {فإذا جاءت الصاخة} "33"، وهما من ~~أسماء يوم القيامة2. # سورة التكوير: # أقول: لما ذكر في [آخر] 3 عبس: {فإذا جاءت الصاخة، يوم يفر المرء من ~~أخيه} "عبس: 33، 34" الآيات، ذكر يوم القيامة كأنه رأي عين [شرح حاله في ~~هذه السورة والتي بعدها؛ ولهذا ورد] 4 في لحديث: "من سره أن ينظر يوم ~~القيامة كأنه رأي عين، فليقرأ: {إذا الشمس كورت} "1" و {إذا السماء انفطرت} ~~"الانفطار: 1" و {إذا السماء انشقت} 1 "الانشقاق: 5 ". PageV01P153 ### | سورة الانفطار والمطففين # ... # سورة الانفطار: # أقول: قد عرف مما ذكرت وجه وضعها هنا، مع زيادة تآخيهما في المقطع1. # سورة المطففين: # أقول: الفصل بهذه السورة بين الانفطار والانشقاق التي هي نظيرتها من خمسة ~~أوجه: الافتتاح ب {إذا السماء} "الانفطار، الانشقاق"، والتخلص ms73 ب {يا أيها ~~الإنسان} "الانفطار، الانشقاق: 6"، وشرح حال يوم القيامة؛ ولهذا ضمت ~~بالحديث السابق، والتناسب في المقدار، وكونها مكية. # وهذه السورة مدنية [وأطول منهما] 2، ومفتتحها ومخلصها غير ما لهما3 لنكتة ~~[لطيفة] 4 ألهمنيها الله، وذلك أن السور الأربع لما كانت في صفة حال يوم ~~القيامة، ذكرت على ترتيب ما يقع فيه. # فغالب ما وقع في التكوير، وجميع ما وقع في الانفطار، يقع5 في PageV01P154 # صدر يوم القيامة، ثم بعد ذلك يكون الموقف الطويل، ومقاساة العرق ~~والأهوال، فذكره في هذه السورة بقوله: {يوم يقوم الناس لرب العالمين} "6"؛ ~~ولهذا ورد في الحديث: "يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه" 1. # ثم بعد ذلك تحصل الشفاعة العظمى، فتنشر الكتب، فأخذ باليمين، وأخذ ~~بالشمال، وأخذ من وراء الظهر، ثم بعد ذلك يقع الحساب. # هكذا وردت بهذا الترتيب الأحاديث، فناسب تأخير سورة الانشقاق التي فيها ~~إتيان الكتب والحساب2، عن السورة التي قبلها، والتي فيها ذكر الموقف عن ~~التي فيها مبادئ يوم القيامة. # ووجه آخر وهو: أنه جل جلاله لما قال في الانفطار: {وإن عليكم لحافظين، ~~كراما كاتبين} "الانفطار: 10، 11"، وذلك في الدنيا، ذكر في هذه السورة حال ~~ما يكتبه الحافظان، وهو: كتاب مرقوم جعل3 في عليين، أو في سجين، وذلك أيضا ~~في الدنيا؛ لكنه عقب بالكتابة، إما في يومه، أو بعد الموت في البرزخ كما في ~~الآثار، فهذه حالة ثانية للكتاب4 ذكرت في السورة الثانية. # وله حالة ثالثة متأخرة عنها5؛ وهي أخذ صاحبه باليمين أو غيرها، وذلك يوم ~~القيامة، فناسب تأخير السورة التي فيها ذلك، عن PageV01P155 # السورة التي فيها الحالة الثانية، وهي الانشقاق، فلله الحمد على ما من ~~بالفهم لأسرار كتابه1. # ثم رأيت الإمام فخر الدين قال في سورة المطففين أيضا: اتصال أولها بآخر ~~ما قبلها ظاهر؛ لأنه تعالى بين هناك أن يوم القيامة من صفته [أنه] 2 {لا ~~تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله} "الانفطار: 19" وذلك يقتضي تهديدا ~~عظيما للعصاة؛ فلهذا أتبعه بقوله: {ويل للمطففين} "11" الآيات3. ~~PageV01P156 ### | سورة الانشقاق والبروج والطارق # ... # سورة الانشقاق: # قد استوفى الكلام فيها ms74 في سورة المطففين. # سورة البروج والطارق: # أقول: هما متآخيتان فقرنتا، وقدمت الأولى لطولها، وذكرا بعد الانشقاق ~~للمؤاخاة في الافتتاح بذكر السماء؛ ولهذا ورد في الحديث ذكر السماوات مرادا ~~بها السور الأربع1، كما قيل: المسبحات. PageV01P156 ### | سورة الأعلى والغاشية # ... # سورة الأعلى: # أقول: في سورة الطارق ذكر خلق [النبات] والإنسان في قوله: {والأرض ذات ~~الصدع} 1 "الطارق: 12"، [وقوله: {فلينظر الأنسان مم خلق} إلى {إنه على رجعه ~~لقادر} "الطارق: 5-8"، وذكره في هذه السورة في قوله: {خلق فسوى} "2"، وقوله ~~في النبات: {والذي أخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى} "4، 5"، وقصة النبات في ~~هذه السورة أبسط، كما أن قصة الإنسان هناك أبسط، نعم، ما في هذه السورة أعم ~~من جهة شموله للإنسان وسائر المخلوقات. # سورة الغاشية: # أقول: لما أشار سبحانه في سورة الأعلى بقوله: {سيذكر من يخشى، ويتجنبها ~~الأشقى، الذي يصلى النار الكبرى} إلى قوله: {والآخرة خير وأبقى} "الأعلى: ~~10-17" إلى المؤمن والكافر، والنار والجنة إجمالا، فصل ذلك في هذه السورة، ~~فبسط صفة النار والجنة مستندة إلى أهل كل منهما، على نمط ما هنالك؛ ولذا ~~قال [هنا] : {عاملة ناصبة} "3" في مقابل: {الأشقى} "الأعلى: 11" [هناك] ، ~~وقال [هنا] : {تصلى نارا حامية} "4" إلى {لا يسمن ولا يغني من جوع} "7" في ~~مقابلة {يصلى النار الكبرى} "الأعلى: 12" [هناك] ، ولما قال [هناك] في ~~الآخرة: {خير وأبقى} "الأعلى: 17" بسط [هنا] صفة أكثر من صفة النار؛ تحقيقا ~~لمعنى الخيرية. PageV01P157 ### | سورة الفجر والبلد # ... # سورة الفجر: # أقول: لم يظهر لي في1 وجه ارتباطها سوى أن أولها كالإقسام على صحة ما ختم ~~به السورة التي قبلها، من قوله جل جلاله: {إن إلينا إيابهم، ثم إن علينا ~~حسابهم} "الغاشية: 25، 26"، وعلى ما تضمنه من الوعد والوعيد، كما أن أول ~~الذاريات قسم على تحقيق ما في "ق"، وأول المرسلات قسم على تحقيق ما في [ ~~{هل أتى} وأول {والنازعات} قسم على تحقيق ما في] 2 "عم". # هذا مع أن جملة: {ألم تر كيف فعل ربك} "6" هنا، مشابهة لجملة {أفلا ~~ينظرون} "الغاشية: 17" هناك3. # سورة البلد: # أقول: وجه اتصالها بما قبلها: أنه لما ذم ms75 فيها من أحب المال، وأكل4 ~~التراث، ولم يحض على طعام المسكين، ذكر في هذه السورة الخصال التي تطلب من ~~صاحب المال، من فك الرقبة، والإطعام في يوم ذي مسغبة5. PageV01P158 ### | سورة الشمس والليل والضحى # أقول: هذه الثلاثة حسنة التناسق جدا؛ لما في مطالعها من المناسبة؛ لما ~~بين الشمس والليل3 والضحى من الملابسة، ومنها سورة الفجر؛ لكن فصلت بسورة ~~البلد لنكتة أهم، كما فصل بين الانفطار والانشقاق، وبين المسبحات؛ لأن ~~مراعاة التناسب بالأسماء والفواتح وترتيب النزول، إنما يكون حيث لا يعارضها ~~ما هو أقوى وآكد في المناسبة. # ثم إن سورة الشمس ظاهرة الاتصال بسورة البلد، فإنه سبحانه لما ختمها بذكر ~~أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، أراد الفريقين في سورة الشمس على سبيل ~~الفذلكة4، فقوله: [في الشمس] {قد أفلح من زكاها} "9" هم أصحاب الميمنة في ~~سورة البلد، وقوله: {وقد خاب من دساها} "10" [في الشمس] ، هم أصحاب المشأمة ~~في سورة PageV01P159 # البلد، فكانت هذه السورة فذلكة تفصيل تلك السورة؛ ولهذا قال الإمام: ~~المقصود من هذه السورة: الترغيب في الطاعات، والتحذير من المعاصي. # ونزيد في سورة الليل: أنها تفصيل إجمال سورة الشمس، فقوله: {فأما من أعطى ~~واتقى} "الليل: 5" وما بعدها، تفصيل {قد أفلح من زكاها} "الشمس: 9"، وقوله: ~~{وأما من بخل واستغنى} "الليل: 8" الآيات، تفصيل قوله: {وقد خاب من دساها} ~~"الشمس: 10". # ونزيد في سورة الضحى: أنها متصلة بسورة الليل من وجهين، فإن فيها: {وإن ~~لنا للآخرة والأولى} "الليل: 13"، وفي الضحى: {وللآخرة خير لك من الأولى} ~~"4"، وفي الليل: {ولسوف يرضى} "الليل: 21"، وفي الضحى: {ولسوف يعطيك ربك ~~فترضى} "5". # ولما كانت سورة الضحى نازلة في شأنه -صلى الله عليه وسلم- افتتحت بالضحى، ~~الذي هو نور، ولما كانت سورة الليل [نازلة في بخيل في قصة طويلة، افتتحت ~~بالليل الذي هو ظلمة. # قال الإمام: سورة الليل] 1 سورة أبي بكر، يعني: ما عدا قصة البخيل2، ~~وكانت سورة الضحى سورة محمد، عقب بها، ولم يجعل بينهما واسطة ليعلم ألا ~~واسطة بين محمد وأبي بكر. PageV01P160 ### | سورة {ألم نشرح} : # أقول: هي شديدة الاتصال بسورة الضحى؛ لتناسبهما في ms76 الجمل؛ ولهذا ذهب بعض ~~السلف إلى أنهما سورة واحدة بلا بسملة بينهما1. قال الإمام: والذي دعاهم ~~إلى ذلك هو: أن قوله: {ألم نشرح} كالعطف على {ألم يجدك يتيما فآوى} "الضحى: ~~6" [في الضحى] 2. # قلت: وفي حديث الإسراء أن الله تعالى قال: "يا محمد، ألم أجدك يتيما ~~فأويت، وضالا فهديت، وعائلا فأغنيت، وشرحت لك صدرك، وحططت عنك وزرك، ورفعت ~~لك ذكرك، فلا أذكر إلا ذكرت" الحديث، أخرجه ابن أبي حاتم3، وفي هذا أوفى ~~دليل على اتصال السورتين معنى. PageV01P161 ### | سورة التين # أقول: لما تقدم في سورة الشمس: {ونفس وما سواها} "الشمس: 7" فصل في هذه ~~السورة بقوله: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، ثم رددناه أسفل سافلين} ~~"4، 5" إلى آخره. # وأخرت هذه السورة لتقدم ما هو أنسب بالتقديم من السور الثلاث1 واتصالها ~~بسورة البلد لقوله: {وهذا البلد الأمين} "3"، وأخرت لتقدم ما هو أولى ~~بالمناسبة مع سورة الفجر2. # لطيفة: # نقل الشيخ تاج الدين بن عطاء الله السكندري3 في "لطائف المنن" عن الشيخ ~~أبي العباس المرسي4 قال: قرأت مرة: {والتين والزيتون} إلى أن انتهيت إلى ~~قوله: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، ثم رددناه أسفل سافلين} "4، 5" ~~ففكرت في معنى هذه الآية، فألهمني الله أن معناها5: لقد خلقنا الإنسان في ~~أحسن تقويم روحا وعقلا، ثم رددناه أسفل سافلين نفسا وهوى6. # قلت: فظهر من هذه المناسبة وضعها بعد {ألم نشرح} ، فإن تلك أخبر فيها عن ~~شرح صدر النبي -صلى الله عليه وسلم- وذلك يستدعي كمال عقله وروحه، فكلاهما ~~في القلب الذي محله الصدر، وعن PageV01P162 # تبرئته1 من الوزر الذي ينشأ عن2 النفس والهوى، وهو معصوم منهما، وعن رفع ~~الذكر؛ حيث نزه مقامه عن كل وصم3. # فلما كانت هذه السورة في هذا العلم الفرد من الإنسان، أعقبها بسورة ~~مشتملة على بقية الأناسي، وذكر ما خامرهم من4 متابعة النفس والهوى. ~~PageV01P163 ### | سورة العلق والقدر # ... # سورة العلق: # أقول: لما تقدم في سورة التين بيان خلق الإنسان في أحسن تقويم، بين هنا ~~أنه تعالى: {خلق الإنسان من علق} "2" وذلك ظاهر الاتصال، فالأول بيان العلة ~~الصورية، وهذا ms77 بيان العلة المادية1. # سورة القدر: # قال الخطابي2: لما اجتمع أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- على القرآن، ~~ووضعوا سورة القدر عقب العلق، استدلوا بذلك على أن المراد بهاء الكناية في ~~قوله: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} "1" الإشارة إلى قوله: {اقرأ} "العلق: ~~1". # قال القاضي أبو بكر بن العربي: وهذا بديع جدا3. PageV01P163 ### | سورة لم يكن # أقول: هذه السورة واقعة موقع العلة لما قبلها؛ كأنه لما قال سبحانه: {إنا ~~أنزلناه} "القدر: 1" قيل: لم أنزل؟ فقيل: لأنه لم يكن الذين كفروا منفكين ~~عن كفرهم حتى تأتيهم البينة، وهو رسول من الله يتلو صحفا مطهرة، وذلك هو ~~المنزل. # وقد ثبتت الأحاديث بأنه كان في هذه السورة قرآن نسخ رسمه وهو: "إنا ~~أنزلنا المال لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو أن لابن آدم واديا لابتغى ~~إليه الثاني، ولو أن له الثاني لابتغى إليه الثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم ~~إلا التراب، ويتوب الله على من تاب"1. # وبذلك تشتد المناسبة بين هذه السورة وبين ما قبلها؛ حيث ذكر هناك إنزال ~~القرآن، وهنا إنزال المال، وتكون السورتان تعليلا2 لما تضمنته سورة اقرأ؛ ~~لأن [في] 3 أولها ذكر العلم، وفي أثنائها ذكر المال، فكأنه قيل: إنا لم ~~ننزل المال للطغيان والاستطالة والفخر؛ بل ليستعان به على تقوانا، وإقامة ~~الصلاة، وإيتاء الزكاة4. PageV01P164 ### | سورة الزلزلة # أقول: لما ذكر في آخر "لم يكن" أن جزاء الكافرين جهنم، وجزاء المؤمنين ~~جنات، فكأنه قيل: متى يكون ذلك؟ فقيل: {إذا زلزلت الأرض زلزالها} "1" أي: ~~[حين] تكون1 زلزلة الأرض، إلى آخره. # هكذا ظهر لي، ثم لما راجعت تفسير الإمام الرازي، ورأيته ذكر نحوه فحمدت2 ~~الله كثيرا، وعبارته: ذكروا في مناسبة هذه السورة لما قبلها وجوها؛ منها: ~~أنه تعالى لما قال: {جزاؤهم عند ربهم جنات عدن} "البينة: 8"، فكأن المكلف ~~قال: ومتى يكون ذلك يا رب؟ فقال: {إذا زلزلت الأرض} "1". # ومنها: أنه لما ذكر فيها وعيد الكافرين، ووعد المؤمنين، أراد أن يزيد في ~~وعيد الكافرين فقال: {إذا زلزلت الأرض} ونظيره: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} ~~3 ثم ذكر ما للطائفتين ms78 فقال: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت ~~وجوههم} 4 إلى آخره، ثم جمع بينهما هنا في آخر السورة بذكر الذرة من5 الخير ~~والشر. انتهى6. PageV01P165 ### | سورة العاديات والقارعة # ... # سورة العاديات: # أقول: لا يخفى ما بين قوله في الزلزلة: {وأخرجت الأرض أثقالها} "الزلزلة: ~~2"، وقوله في هذه السورة: {إذا بعثر ما في القبور} "9" من المناسبة ~~والعلاقة1. # سورة القارعة: # قال الإمام: لما ختم الله سبحانه السورة السابقة بقوله: {إن ربهم بهم ~~يومئذ لخبير} "11" فكأنه قيل: وما ذاك؟ فقال: هي القارعة، قال: وتقديره: ~~ستأتيك القارعة على ما أخبرت عنه في قولي2: {إذا بعثر ما في القبور} 3 "9". ~~PageV01P166 ### | سورة التكاثر والفيل # ... # سورة التكاثر 1: # أقول: هذه السورة واقعة موقع العلة لخاتمة ما قبلها؛ كأنه لما قال هناك: ~~{فأمه هاوية} "القارعة: 9" قيل: لم ذلك؟ فقال: لأنكم {ألهاكم التكاثر} "1" ~~فاشتغلتم بدنياكم [عن دينكم] 2، وملأتم موازينكم بالحطام، فخفت موازينكم ~~بالآثام؛ ولهذا عقبها بسورة والعصر، المشتملة على أن الإنسان في خسر، بيان ~~لخسارة تجارة الدنيا، وربح3 تجارة الآخرة؛ ولهذا عقبها بسورة الهمزة، ~~المتوعد فيها من {جمع مالا وعدده، يحسب أن ماله أخلده} "الهمزة: 2، 3"، ~~فانظر إلى تلاحم هذه السور الأربع، وحسن اتساقها4. # سورة الفيل: # [أقول:] 5 ظهر لي في وجه اتصالها بعد الفكرة: أنه تعالى لما ذكر حال ~~الهمزة اللمزة، الذي جمع مالا وعدده، وتعزز بماله وتقوى، عقب ذلك بذكر قصة ~~أصحاب الفيل، الذين كانوا أشد منهم قوة وأكثر أموالا وعتوا، وقد جعل كيدهم ~~في تضليل، وأهلكهم بأصغر الطير وأضعفه، وجعلهم كعصف مأكول، ولم يغن عنهم ~~مالهم ولا عددهم6 ولا شوكتهم ولا فيلهم شيئا. # فمن كان قصارى تعززه وتقويه بالمال، وهمز7 الناس بلسانه، أقرب إلى ~~الهلاك، وأدنى إلى الذلة والمهانة. PageV01P167 ### | سورة قريش والماعون # ... # سورة قريش: # هي شديدة الاتصال بما قبلها؛ لتعلق الجار والمجرور في أولها بالفعل في ~~آخر تلك؛ ولهذا كانتا في مصحف أبي سورة واحدة1. # سورة الماعون 2: # أقول: لما ذكر [الله] 3 تعالى في سورة قريش: {الذي أطعمهم من جوع} "قريش: ~~4"، ذكر هنا ذم من لم يحض على طعام ms79 المسكين. # ولما قال هناك: {فليعبدوا رب هذا البيت} "قريش: 3" ذكر4 هنا من سها عن ~~صلاته5. PageV01P168 ### | سورة الكوثر والكافرون # ... # سورة الكوثر: # قال الإمام فخر الدين: هي كالمقابلة للتي قبلها؛ لأن السابقة وصف الله ~~سبحانه فيها المنافقين بأربعة أمور: البخل، وترك الصلاة، والرياء فيها، ~~ومنع الزكاة، وذكر في هذه السورة في مقابلة البخل: {إنا أعطيناك الكوثر} ~~"1" أي: الخير الكثير، وفي مقابلة ترك الصلاة {فصل} "2" أي: دم عليها، وفي ~~مقابلة الرياء: {لربك} "2" أي: لرضاه، لا للناس، وفي مقابلة منع الماعون: ~~{وانحر} "2" وأراد به: التصدق بلحوم الأضاحي، قال: فاعتبر هذه المناسبة ~~العجيبة1. # سورة الكافرون: # أقول: وجه اتصالها بما قبلها: أنه تعالى لما قال: {فصل لربك} "الكوثر: 2" ~~أمره أن يخاطب الكافرين بأنه لا يعبد إلا ربه، ولا يعبد ما يعبدون، وبالغ ~~في ذلك فكرر، وانفصل منهم على أن لهم دينهم وله دينه. PageV01P169 ### | سورة النصر # أقول: وجه اتصالها بما قبلها: أنه [لما] 1 قال في آخر ما قبلها: {ولي ~~دين} "الكافرون: 6" فكان فيه إشعار بأنه خلص له دينه، وسلم من شوائب الكدر2 ~~والمخالفين، فعقب ببيان وقت ذلك، وهو مجيء الفتح والنصر، فإن الناس حين3 ~~دخلوا في دين الله أفواجا، فقد تم4 الأمر وذهب الكفر5، وخلص دين الإسلام ~~ممن كان يناوئه؛ ولذلك كانت السورة إشارة إلى وفاته صلى الله عليه وسلم6. # وقال الإمام فخر الدين: كأنه تعالى يقول: لما أمرتك في السورة المتقدمة ~~بمجاهدة جميع الكفار، بالتبري منهم، وإبطال دينهم، جزيتك على ذلك بالنصر ~~والفتح، وتكثير الأتباع7. # قال: ووجه آخر؛ وهو: أنه لما أعطاه [الله] 8 الكوثر؛ وهو: الخير الكثير، ~~ناسب تحميله مشقاته وتكاليفه، فعقبها بمجاهدة الكفار، والتبري منهم، فلما ~~امتثل ذلك أعقبه بالبشارة بالنصر والفتح، وإقبال الناس أفواجا إلى دينه، ~~وأشار إلى دنو أجله، فإنه ليس بعد الكمال إلا الزوال. # توقع زوالا إذا قيل تم9 PageV01P169 ### | سورة تبت # قال الإمام: وجه اتصالها بما قبلها: أنه لما قال: {لكم دينكم ولي دين} ~~"الكافرون: 6"، فكأنه قيل: إلهي، وما جزائي؟ فقال الله له: النصر والفتح، ~~فقال: وما جزاء عمي الذي ms80 دعاني إلى عبادة الأصنام؟ فقال: {تبت يدا أبي لهب} ~~"1" الآيات. # وقدم الوعد على الوعيد ليكون النصر معللا1 بقوله: {ولي دين} ، ويكون ~~الوعيد راجعا إلى قوله: {لكم دينكم} على حد قوله: {يوم تبيض وجوه وتسود ~~وجوه فأما الذين اسودت وجوههم} "آل عمران: 106". # قال: فتأمل في هذه المجانسة الحافلة2 بين هذه السور، مع أن سورة النصر من ~~أواخر ما نزل بالمدينة3، والكافرون وتبت من أوائل ما نزل بمكة4؛ ليعلم أن ~~ترتيب هذه السور من الله، وبأمره. # قال: ووجه آخر؛ وهو: أنه لما قال: {لكم دينكم ولي دين} "الكافرون: 6" ~~كأنه قيل: يا إلهي، ما جزاء المطيع؟ قال: حصول النصر والفتح، فقيل: وما ~~ثواب العاصي؟ قال: الخسارة في الدنيا، والعقاب في العقبى، كما دلت عليه ~~سورة تبت5. PageV01P171 ### | سورة الإخلاص # قال بعضهم: وضعت هاهنا للوزان في اللفظ بين فواصلها ومقطع سورة تبت. # وأقول: ظهر لي هنا غير الوزان في اللفظ: أن هذه السورة متصلة ب {قل يا ~~أيها الكافرون} في المعنى؛ ولهذا قيل: من أسمائها أيضا الإخلاص، وقد قالوا: ~~إنها اشتملت على التوحيد، وهذه أيضا مشتملة عليه؛ ولهذا قرن بينهما في ~~القراءة في الفجر، والطواف، والضحى، وسنة المغرب، وصبح المسافر، ومغرب ليلة ~~الجمعة1. # وذلك أنه لما نفى عبادة ما يعبدون، صرح هنا بلازم ذلك، وهو أن معبوده ~~أحد2، وأقام الدليل عليه بأنه صمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ~~ولا يستحق العبادة إلا من كان كذلك، وليس في معبوداتهم ما هو كذلك. # وإنما فصل بين النظيرتين بالسورتين3 لما تقدم من الحكمة، وكأن إيلاءها ~~سورة تبت ورد عليه بخصوصه. PageV01P172 ### | سورة الفلق والناس # قال: أقول: هاتان السورتان نزلتا1 معا -كما في الدلائل للبيهقي- فلذلك ~~قرنتا، مع ما اشتركتا فيه من التسمية بالمعوذتين، ومن الافتتاح ب {قل أعوذ} ~~، وعقب بهما سورة الإخلاص؛ لأن الثلاثة سميت في الحديث بالمعوذات ~~وبالقواقل2. # وقدمت الفلق على الناس -وإن كانت أقصر منها- لمناسبة مقطعها في الوزان ~~لفواصل الإخلاص مع مقطع تبت3. # وهذا آخر ما من الله به علي من استخراج مناسبات ترتيب ms81 السور، وكله من ~~مستنبطاتي، ولم أعثر فيه على شيء لغيري إلا النزر اليسير الذي صرحت بعزوي ~~له، فلله الحمد على ما ألهم، والشكر على ما من به وأنعم، سبحانك لا أحصي ~~ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. # ثم رأيت الإمام فخر الدين ذكر في تفسيره4 كلاما لطيفا في PageV01P173 # مناسبات هذه السور، فقال في سورة الكوثر1: اعلم أن هذه السورة كالمتممة ~~لما قبلها من السور، وكالأصل لما بعدها. # أما الأول فلأنه تعالى جعل سورة "الضحى" في مدح النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- وتفصيل أحواله، فذكر في أولها ثلاثة أشياء تتعلق بنبوته: {ما ودعك ~~ربك وما قلى، وللآخرة خير لك من الأولى، ولسوف يعطيك ربك فترضى} "الضحى: ~~3-5"، ثم ختمها بثلاثة أحوال من أحواله فيما يتعلق بالدنيا: {ألم يجدك ~~يتيما فآوى، ووجدك ضالا فهدى، ووجدك عائلا فأغنى} "الضحى: 6-8". # ثم ذكر في سورة "ألم نشرح" أنه شرفه بثلاثة أشياء: شرح الصدر، ووضع ~~الوزر، ورفع الذكر. # ثم شرفه في سورة "التين" بثلاثة أنواع [من التشريف] 2: أقسم ببلده، وأخبر ~~بخلاص أمته من الناس بقوله: {إلا الذين آمنوا} ووصولهم إلي الثواب3 بقوله: ~~{فلهم أجر غير ممنون} "التين: 6". # وشرفه في سورة اقرأ بثلاثة أنواع: {اقرأ باسم ربك} "العلق"، وقهر خصمه ~~بقوله: {فليدع ناديه، سندع الزبانية} "العلق: 17، 18"، وتخصيصه بالقرب في ~~قوله: {واسجد واقترب} "العلق: 19". # وشرفه في سورة "القدر" بليلة القدر، وفيها ثلاثة أنواع من الفضيلة: كونها ~~خيرا من ألف شهر، وتنزل الملائكة والروح فيها، وكونها سلاما حتى مطلع ~~الفجر. PageV01P174 # وشرفه في "لم يكن" بثلاثة أشياء: أنهم خير البرية، وجزاؤهم جنات، ورضي ~~عنهم. # وشرفه في "الزلزلة" بثلاثة أنواع: إخبار الأرض بطاعة أمته، ورؤيتهم ~~أعمالهم، ووصولهم إلى ثوابها حتى وزن الذرة. # وشرفه في "العاديات" بإقسامه بخيل الغزاة من أمته، ووصفها بثلاث صفات. # وشرفه في "القارعة" بثقل موازين أمته، وكونهم في عيشة راضية، ورؤيتهم ~~أعداءهم في نار حامية. # وفي "ألهاكم التكاثر" هدد المعرضين عن دينه بثلاثة: يرون الجحيم، ثم ~~يرونها عين اليقين، ويسألون عن النعيم. # وشرفه في "العصر" بمدح أمته ms82 بثلاثة: الإيمان، والعمل الصالح، وإرشاد ~~الخلق إليه؛ وهو: التواصي بالحق والصبر. # وشرفه في سورة "الهمزة" بوعيد عدوه بثلاثة أنواع من العذاب1: ألا ينتفع ~~بدنياه، وينبذ2 في الحطمة، ويغلق عليه. # وشرفه في سورة "الفيل" أن رد كيد عدوه بثلاث: بأن جعله في تضليل، وأرسل ~~عليهم طيرا أبابيل، وجعلهم كعصف مأكول. # وشرفه في سورة "قريش" [بأن راعى مصلحة أسلافه من ثلاثة أوجه] 3: تآلف ~~قومه، وإطعامهم، وأمنهم. # وشرفه في "الماعون" بذم عدوه بثلاث: الدناءة، واللؤم في قوله: ~~PageV01P175 # {فذلك الذي يدع اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين} "الماعون: 2، 3"، وترك ~~تعظيم الخالق في قوله: {فويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم ~~يراؤون} "الماعون: 4-6"، وترك انتفاع1 الخلق في قوله: {ويمنعون الماعون} ~~"الماعون: 7". # فلما شرفه في هذه السور بهذه الوجوه العظيمة قال: {إنا أعطيناك الكوثر} ~~أي: هذه الفضائل المتكاثرة المذكورة في هذه السور، التي كل واحدة منها أعظم ~~من ملك الدنيا بحذافيرها، فاشتغل أنت بعبادة ربك، إما بالنفس، وهو قوله: ~~{فصل لربك} "الكوثر: 2"، وإما بالمال وهو قوله: {وانحر} ، وإما بإرشاد ~~العباد إلى الأصلح، وهو قوله: {قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون} ~~"الكافرون:1، 2" الآيات، فثبت أن هذه السورة كالتتمة لما قبلها. # وأما كونها كالأصل لما بعدها فهو: أنه تعالى يأمره بعد هذه أن يكف عن أهل ~~الدنيا جميعا بقوله: {قل يا أيها الكافرون} إلى آخر السورة، ويبطل ~~أديانهم2، وذلك يقتضي نصرهم على أعدائهم؛ لأن الطعن على الإنسان في دينه ~~أشد عليه من الطعن3 في نفسه وزوجه4، وذلك مما يجبن عنه كل أحد من الخلق؛ ~~فإن موسى وهارون أرسلا إلى فرعون واحد فقالا: {إننا نخاف أن يفرط علينا أو ~~أن يطغى} "طه: 45" ومحمد -صلى الله عليه وسلم- مرسل إلى الخلق جميعا، فكأن ~~كل واحد من الخلق كفرعون بالنسبة إليه، فدبر الله في إزالة الخوف الشديد ~~تدبيرا لطيفا بأن قدم هذه السورة، وأخبر فيها بإعطائه الخير الكثير، ومن ~~PageV01P176 # جملته أيضا: الرئاسة، ومفاتيح الدنيا، فلا يلتفت إلى ما بأيديهم من زهرة ~~الدنيا، وذلك أدعى إلى مجاهرتهم1 بالعداوة، ms83 والصدع بالحق؛ لعدم تطلعه إلى ~~ما بأيديهم. # ثم ذكر بعد سورة "الكافرين" سورة "النصر"؛ فكأنه تعالى يقول: وعدتك ~~بالخير الكثير، وإتمام أمرك، وأمرتك بإبطال أديانهم، والبراءة من ~~معبوداتهم2، فلما امتثلت أمري أنجزت لك الوعد بالفتح والنصر، وكثرة ~~الأتباع، بدخول الناس في دين الله أفواجا. # ولما تم أمر الدعوة والشريعة، شرع في بيان ما يتعلق بأحوال القلب ~~والباطن؛ وذلك أن الطالب إما أن يكون طلبه مقصورا على الدنيا، فليس له إلا ~~الذل والخسارة والهوان، والمصير إلى النار، وهو المراد من سورة "تبت"، وإما ~~أن يكون طالبا للآخرة، فأعظم أحواله أن تصير نفسه كالمرآة التي تنتقش فيها ~~صور الموجودات. # وقد ثبت أن طريق3 الخلق في معرفة الصانع على وجهين: منهم من قال: أعرف ~~الصانع، ثم أتوسل بمعرفته إلى معرفة مخلوقاته، وهذا هو الطريق الأشرف، ~~ومنهم من عكس4، وهو طريق الجمهور. # ثم إنه سبحانه ختم كتابه المكرم بتلك الطريقة التي هي أشرف، فبدأ بذكر ~~صفات الله، وشرح جلاله في سورة "الإخلاص"، ثم أتبعه بذكر مراتب مخلوقاته في ~~"الفلق"، ثم ختم بذكر مراتب النفس PageV01P177 # الإنسانية في "الناس"، وعند ذلك ختم الكتاب. فسبحان من أرشد العقول إلى ~~معرفة هذه الأسرار الشريفة [المودعة] 1 في كتابه المكرم! هذا كلام الإمام2. # ثم قال في "الفلق": سمعت بعض العارفين يقول: لما شرح الله سبحانه أمر ~~الإلهية في سورة "الإخلاص"، ذكر هاتين السورتين عقبها في شرح مراتب الخلق ~~على ما قال: {ألا له الخلق والأمر} 3. # فعالم الأمر كله خيرات محضة، بريئة عن الشرور والآفات، [و] 4 أما عالم ~~الخلق فهو الأجسام الكثيفة5، والجثمانيات6، فلا جرم قال في المطلع: {قل ~~أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق} "الفلق: 1، 2". # ثم [من الظاهر أن] 7 الأجسام إما أثيرية أو عنصرية، والأجسام8 كلها خيرات ~~محضة؛ لأنها بريئة عن الاختلال9 والفطور، على ما قال: {ما ترى في خلق ~~الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور} "تبارك: 3". PageV01P178 # وإما عنصرية، فهي1 إما جمادات، فهي خالية عن جميع القوى النفسانية، ~~فالظلمات فيها خالصة، والأنوار عنها ms84 زائلة، وهو المراد من قوله: {ومن شر ~~غاسق إذا وقب} "الفلق: 3". # وإما نبات، والقوة العادلة هي التي تزيد في الطول والعمق معا، فهذه القوة ~~النباتية كأنها تنفث في العقد2. # وإما حيوان، وهو محل القوى التي تمنع الروح الإنسانية عن الانصباب إلى ~~عالم الغيب، والاشتغال بقدس جلال الله، وهو المراد بقوله: {ومن شر حاسد إذا ~~حسد} "الفلق: 5". # ثم إنه لم يبق من السفليات بعد هذه المرتبة سوى النفس الإنسانية، وهى ~~المستعيذة3، فلا يكون مستعاذا4 منها فلا جرم قطع هذه السورة، وذكر بعدها في ~~سورة "الناس" مراتب ودرجات النفس الإنسانية. انتهى5. # ولم يبين المراتب المشار إليها، وقد بينها ابن الزملكاني في أسراره6 ~~فقال: إضافة "رب" إلى "الناس" تؤذن بأن المراد بالناس: الأطفال؛ لأن الرب ~~من ربه يربه، وهم إلى التربية أحوج، وإضافة "ملك" إلى "الناس" تؤذن بإرادة ~~الشباب به؛ إذ لفظ "ملك" يؤذن بالسياسة والعزة [والقوة] 7، والشبان إليها ~~أحوج، وإضافة "إله" إلى "الناس" PageV01P179 # تؤذن بأن المراد به الشيوخ؛ لأن ذاته مستحقة للطاعة والعبادة، وهم أقرب، ~~وقوله: {يوسوس في صدور الناس} "الناس: 5" يؤذن بأن المراد بالناس العلماء ~~والعباد؛ لأن الوسوسة غالبا عن الشبه1، وقوله: {من الجنة والناس} "الناس: ~~6" يؤذن بأن المراد بالناس الأشرار، وهم شياطين الإنس الذين يوسوسون لهم، ~~والله تعالى أعلم2. # تم بحمد الله تعالى وتوفيقه # قال مؤلفه -نفعنا الله ببركاته، وأمدنا من نفحاته: فرغت من تأليفه يوم ~~الأحد، الثالث عشر من شعبان سنة ثلاث وثمانين وثمانمائة، ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل. PageV01P180 ### | الفهارس الفنية ### | فهرس الحديث النبوي والآثار # أعطيت مكان التوراة السبع الطوال ... 44 # اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران ... 43-74 # أن الأنعام شيعها سبعون ألف ملك ... 84 # إن التوراة كلها في خمس عشرة آية ... 103 # أن الحواميم نزلت عقب الزمر ... 130 # أن الشعراء نزلت ثم طس ... 118 # أن المدثر نزلت عقب المزمل ... 149 # إن رحمتي سبقت غضبي ... 85 # إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ ... 141، 142 # أن سورة التغابن نزلت عقب ... 142، 143 # أن طه ms85 نزلت بعد سورة مريم ... 108 # أن يونس نزلت ثم هود ... 96 # إنا أنزلنا المال لإقامة الصلاة ... 164 # أنه أمرهم أن يتابعوا الطول ... 41 # أنه -صلى الله عليه وسلم- صلى بالسبع الطوال ... 43، 44 # أنه -صلى الله عليه وسلم- كان إذا أوى ... 44 # أنه لم نزلت: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} قال اليهود ... 106 # أنها عقب سورة عم ... 153 # إنهن من العتاق الأول ... 44 # البقرة سنام القرآن ... 84 # التأمين في آخر سورة البقرة ... 62 # سبحان الذي وسع سمعه الأصوات ... 138 # الصراط المستقيم كتاب الله ... 55 # ضعوا هؤلاء الآيات في السورة ... 89 # طرأ علي حزبي من القرآن ... 45 # فسطاط القرآن ... 61 # قدمتا وألف القرآن على علم ممن ... 46 # كان يعرض النبي -صلى الله عليه وسلم- على جبريل ... 42 # كذبت اليهود ... 134 # كيف تحزبون القرآن ... 45 # لما فرغ الله من الخلق وقضى ... 85 # ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال ... 88 # من سره أن ينظر إلى يوم القيامة ... 153 # نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا ... 110 # هن من العتاق الأول ... 103 # وضع الأنفال وهي قصيرة ... 89 # يا محمد ألم أجدك ... 161 # يقوم أحدهم في رشحه ... 155 # PageV01P181 ### | فهرس الأعلام # "أ" # آدم "عليه السلام" 67 - 72 - 86 - 108 - 128 - 150 # آسية 144 # إبراهيم 59 - 96 - 108 - 109 - 116 - 127 # أبي بن كعب 41 - 47 - 48 - 91 - 129 # أحمد بن حنبل 44 - 45 - 84 - 88 # إسحاق "عليه السلام" 59 - 96 # إسماعيل "عليه السلام" 59 - 109 # أشتة 41 - 46 # إلياس 127 # أوس الثقفي 45 # أيوب "عليه السلام" 108 - 127 # "ب" # البخاري 44 - 103 # أبو بكر الصديق "رضي الله عنه" 160 # أبو بكر "القاضي" 41 - 42 # أبو بكر بن الأنباري 42 # أبو بكر بن العربي 164 # البيضاوي 50 # البيهقي 43 - 47 - 49 - 88 # "ت" # الترمذي 79 - 88 # "ث" # ثابت بن الحارث 134 # "ج" # جابر بن زيد 96 - 108 - 118 - 130 - 149 # جبريل "عليه السلام" 42 # ابن جرير 103 # أبو جعفر النحاس 44 # أبو جعفر بن الزبير 43 # "ح" # ابن أبي حاتم ms86 134 - 161 # الحاكم 55 - 88 # ابن حبان 88 # ابن حجر 45 # الحسن البصري 49 # ابن الحصار 43 # PageV01P182 # "خ" # الخضر 106 - 107 # الخطابي 163 # الخويي 55 # "د" # داود "عليه السلام" 108 - 118 - 127 # أبو داود 45 - 88 # "ذ" # ذي القرنين 105 - 107 # ذي الكفل 108 # ذي النون 108 # "ر" # الرازي "فخر الدين" 49 - 156 - 165 - 169 - 170 - 173 # ربيعة 46 # "ز" # زكريا "عليه السلام" 108 - 109 # الزمخشري 49 # "س" # سعيد بن خالد 43 # سليمان "عليه السلام" 108 - 118 - 127 # "ش" # شعيب "عليه السلام" 116 # ابن أبي شيبة 44 # "ط" # الطبراني 84 - 141 # الطيبي 42 - 50 # "ع" # عائشة "رضي الله عنها" 138 # ابن عباس "رضي الله عنه" 46 - 88 - 89 - 96 - 103 - 108 - 118 - 130 - ~~142 - 147 - 149 - 153 # أبو العباس المرسي 162 # عثمان بن عفان "رضي الله عنه" 41 - 47 - 88 - 89 - 90 # ابن عطاء الله السكندري 162 # ابن عطية 43 # عيسى "عليه السلام" 67 - 72 - 107 - 108 - 141 # "غ" # الغزالي 51 # "ف" # ابن فارس 41 # فرعون 94 - 103 - 104 - 119 - 120 - 144 - 145 - 176 # PageV01P183 # ابن الفريس 149 # "ك" # الكرماني 42 - 130 # "ل" # لوط "عليه السلام" 108 - 116 - 118 - 127 - 145 # "م" # مالك 41 # مريم بنت عمران 67 - 74 - 109 - 144 # ابن مسعود "رضي الله عنه" 44 - 47 - 48 - 55 - 72 - 92 - 103 # مسلم 43 # ابن المنذر 134 # موسى "عليه السلام" 103 - 106 - 107 - 108 - 109 - 116 - 118 - 119 - 127 ~~- 140 - 176 # "ن" # النجاشي 60 # النسائي 88 # نوح "عليه السلام" 86 - 95 - 98 - 108 - 116 - 127 - 135 - 145 - 147 # "ه" # هارون "عليه السلام" 109 - 116 - 127 - 176 # أبو هريرة "رضي الله عنه" 141 # "و" # الواحدي 134 # "ي" # يحيى بن زكريا "عليه السلام" 107 - 108 # يعقوب "عليه السلام" 59 - 96 # PageV01P184 ### | فهرس أسماء الكتب # أسرار التنزيل "قطف الأزهار في كشف الأسرار"، للسيوطي 38، 121 # البرهان [في توجيه متشابه القرآن] ، للكرماني 42 # الدلائل، للبيهقي 88 # خواص القرآن، للغزالي 51 # شعبت الإيمان، للبيهقي 49 # عجائب القرآن، ms87 للكرماني 130 # لطائف المنن، لتاج الدين بن عطاء الله السكندري 162 # المدحل [إلى السنن الكبرى] ، للبيهقي 43 # المصاحف، لابن أشتة 41 # PageV01P185 ### | فهرس الكتاب # الصفحة الموضوع # 3 تقديم # 10 نبذة عن مصحف عثمان رضي الله عنه # 13 عملنا في الكتاب # 14 عظمة القرآن ووحدته الموضوعية # 36 ترجمة الإمام السيوطي # 37 مقدمة المؤلف # 41 مقدمة في ترتيب السور # 49 سورة الفاتحة # 53 سورة البقرة # 63 سورة آل عمران # 69 سورة النساء # 75 سورة المائدة # 80 سورة الأنعام # 86 سورة الأعراف # 88 سورة الأنفال # 93 سورة براءة # 94 سورة يونس # 95 سورة هود # 96 سورة يوسف # 97 سورة الرعد # 98 سورة إبراهيم # 99 سورة الحجر # 101 سورة النحل # 103 سورة بني إسرائيل # 105 سورة الكهف # 107 سورة مريم # 108 سورة طه # 110 سورة الأنبياء # 111 سورة الحج # 111 سورة المؤمنون # 112 سورة النور # 113 سورة الفرقان # 116 سورة الشعراء # 118 سورة النمل # 119 سورة القصص # 120 سورة العنكبوت # 121 سورة الروم # 122 سورة لقمان # 123 سورة السجدة # 124 سورة الأحزاب # 125 سورة سبأ # 125 سورة فاطر # 126 سورة يس # 127 سورة الصافات # 127 سورة ص # 128 سورة الزمر # 129 سورة غافر # 131 سورة القتال # 132 سورة الفتح # 132 سورة الحجرات # 133 سورة الذاريات # 133 سورة الطور # 134 سورة النجم # 135 سورة القمر # 136 سورة الرحمن # 137 سورة الواقعة # 138 سورة الحديد # 138 سورة المجادلة # 139 سورة الحشر # 140 سورة الممتحنة # PageV01P186 # الصفحة الموضوع # 140 سورة الصف # 140 سورة الجمعة # 141 سورة المنافقون # 143 سورة التغابن # 144 سورة الطلاق # 144 سورة التحريم # 145 سورة تبارك # 146 سورة ن # 146 سورة الحاقة # 147 سورة سأل # 147 سورة نوح # 148 سورة الجن # 148 سورة المزمل # 149 سورة المدثر # 149 سورة القيامة # 149 سورة الإنسان # 151 سورة المرسلات # 152 سورة عم # 153 سورة النازعات # 153 سورة عبس # 153 سورة التكوير # 154 سورة الانفطار # 154 سورة المطففين # 156 سورة الانشقاق # 156 سورة البروج والطارق # 157 سورة الأعلى # 157 سورة ms88 الغاشية # 158 سورة الفجر # 158 سورة البلد # 159 سورة الشمس والليل والضحى # 161 سورة "ألم نشرح" # 161 سورة التين # 163 سورة العلق # 163 سورة القدر # 164 سورة "لم يكن" # 165 سورة الزلزلة # 166 سورة العاديات # 166 سورة القارعة # 167 سورة التكاثر # 167 سورة الفيل # 168 سورة قريش # 168 سورة الماعون # 169 سورة الكوثر # 169 سورة الكافرون # 169 سورة النصر # 171 سورة تبت # 172 سورة الإخلاص # 173 سورة الفلق والناس # 181 الفهارس الفنية # 181 فهرس الحديث النبوي والآثار # 182 فهرس الأعلام # 185 فهرس أسماء الكتب # 186 فهرس الكتاب # 188 أهم المصادر والمراجع # PageV01P187 ### | أهم المصادر والمراجع # - القرآن الكريم. # - الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي "ومعه إعجاز القرآن، للباقلاني" - ~~بيروت - 1398ه - 1978م. # - أحكام القرآن، لابن العربي - ت: علي محمد البجاوي - القاهرة - 1378ه - ~~1958م. # - آداب الشيخ الحسن البصري، لابن الجوزي - ت: سليمان الحرش - الرياض - ~~1414ه - 1993م. # - إرشاد الرحمن في الناسخ والمنسوخ والمتشابه، للأجهوري "مخطوط" ~~الأزهرية. # - أسباب النزول، للسيوطي، ت: قرني أبو عميرة - القاهرة. # - أسباب النزول، لأبي الحسن النيسابوري - بيروت - 1402ه - 1982م. # - الأمد الأقصى، لأبي زيد الدبوسي "مخطوط" بدار الكتب المصرية. # - إنباه الرواة على أنباه النحاة، للقفطي، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم - ~~القاهرة - 1401ه - 1981م. # - الانتصار للقرآن، للباقلاني "صورة خطية" عن مخطوطة قره مصطفى باشا - 6 ~~مكتبة بايزيد في إستانبول. # - الأنساب، للسمعاني، ليدن - 1912م. # - البدر الطالع. # - البرهان في توجيه متشابه القرآن لما فيه من الحجة والبيان "أسرار ~~التكرار في القرآن"، ت: عبد القادر أحمد عطا - القاهرة. # - البرهان في علوم القرآن، للزركشي، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم - دار ~~المعرفة - بيروت. # PageV01P188 # - بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، للسيوطي، ت: محمد أبو الفضل ~~إبراهيم - بيروت. # - تاريخ دمشق، لابن عساكر، ت. د/ شكري فيصل وآخرين - دمشق - 1389ه - ~~1977م. # - التحبير في علم التفسير، للسيوطي، بيروت 1408ه - 1988م. # - التفسير الصحيح "موسوعة الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور"، إعداد: ~~أ. د/ حكمت بن بشير بن ياسين - دار المآثر - المدينة المنورة - 1419 ه. # - تفسير القرآن العظيم مسندا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~والتابعين، لابن ms89 أبي حاتم، ت: أسعد محمد الطيب - مكة المكرمة والرياض - ~~1417ه - 1997م. # - تفسير القرآن العظيم، لابن كثير - القاهرة - مطبعة التوفيق - القاهرة. # - تفسير البيضاوي. # - التكملة، لابن الأبار. # - تلخيص أخبار النحويين المذكورين في كتاب الإنباه للقفطي، لابن مكتوم ~~"مخطوط" بدار الكتب المصرية. # - الجامع لأحكام القرآن الكريم، للقرطبي - الرياض. # - جامع البيان، لابن جرير الطبري - بيروت - 1389ه - 1978م. # - حسن المحاضرة، للسيوطي، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم - القاهرة - 1387ه - ~~1967م. # - حقائق التفسير، لأبي عبد الرحمن السلمي "مخطوط" - دار الكتب المصرية. # - خواص القرآن، لأبي حامد الغزالي. # - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، للحافظ ابن حجر، ت: محمد سيد ~~جاد الحق - القاهرة - 1385ه - 1966م. # - الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للسيوطي - بيروت - 1403ه - 1983م. # PageV01P189 # - دلائل الإعجاز، لعبد القاهر الجرجاني، تعليق: محمود محمد شاكر - ~~القاهرة - 2000م. # - دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، للبيهقي، ت: د/ عبد المعطي ~~قلعجي - بيروت - 1405ه - 1985م. # - دليل مخطوطات السيوطي وأماكن وجودها، لأحمد الخازندار، والشيباني - ~~الكويت - 1403ه - 1983م. # - الديباج المذهب، لابن فرحون - "ط" المعاهد - 1351ه. # - سنن الترمذي. # - سنن أبي داود. # - سنن الدارمي. # - سنن النسائي. # - سير أعلام النبلاء، للذهبي، ت: مجموعة من الباحثين بإشراف: شعيب ~~الأرناءوط - بيروت - 1401ه وما بعدها. # - سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- لابن هشام. # - شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لابن العماد الحنبلي - بيروت. # - شرح الكشاف، للطيبي "مخطوط" الأزهرية. # - شعب الإيمان، للبيهقي. # - صحيح البخاري. # - صحيح مسلم. # - الضعفاء، للذهبي. # - الضعفاء والوضاعون، لابن الجوزي "مخطوط" الأزهرية. # - الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع، للسخاوي - القاهرة 1352ه. # - طبقات الشافعية، للسبكي - القاهرة. # - طبقات القراء، للجزري. # PageV01P190 # - طبقات النحويين واللغويين، للزبيدي، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم - ~~القاهرة 1373ه. # - العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، لابن الجوزي "مخطوط" الأزهرية. # - العلل الواردة في الأحاديث النبوية، للدارقطني، مراجعة د/ محفوظ الرحمن ~~زين الله السلفي - الرياض - 1405 ه - 1985م. # - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، للشوكاني ~~- بيروت 1250م. # - قراءة عبد الله بن مسعود "مكانتها - مصادرها - إحصاؤها"، للأستاذ ~~الدكتور محمد أحمد خاطر "حفظه الله" - القاهرة 1999م. # - كتاب المصاحف، لابن أبي داود سليمان السجستاني، ms90 نشر: آرثر جفري القاهرة ~~- 1355ه - 1936م. # - الكشاف عن حقائق التنزيل، للزمخشري. # - كشف المعاني في المتشابه المثاني، لابن جماعة، ت: مرزوق علي إبراهيم - ~~الرياض - 1420ه - 1999م. # - لطائف المنن، لابن عطاء الله السكندري، ت: الإمام عبد الحليم محمود ~~"رحمه الله" - القاهرة - 1999م. # - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للهيثمي. # - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية الأندلسي، ت: الرحالي ~~الفاروق، ورفاقه - الدوحة - قطر - 1389ه - 1977م. # - المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري. # - مسند الإمام أحمد بن حنبل. # - مسند الشهاب، للقضاعي، ت: حمدي عبد المجيد السلفي - بيروت 1407ه - ~~1986م. # - مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور، لإبراهيم بن عمر البقاعي، ت: د/ ~~عبد السميع محمد أحمد - الرياض - 1408ه - 1987م. # PageV01P191 # - المطالب العالية في زوائد المسانيد الثمانية، لابن حجر. # - معاني القرآن، للنحاس، ت: محمد علي الصابوني - جامعة أم القرى - مكة ~~المكرمة - 1408ه - 1988م. # - مفاتيح الغيب "المشتهر بالتفسير الكبير"، للإمام الرازي، وبهامشه تفسير ~~العلامة أبي السعود - القاهرة - 1289ه. # - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، لابن تغري بردي - القاهرة - ~~1386ه - 1949م. # - نظم الدرر في تناسق الآيات والسور، لبرهان الدين إبراهيم البقاعي - ~~بيروت - 1415ه - 1995م. # - نكت الانتصار لنقل القرآن، للباقلاني. # - وجيز الكلام في الذيل على دول الإسلام، للسخاوي، ت: بشار عود ورفاقه - ~~بيروت 1416ه - 1995م. # - وفيات الأعيان، لابن خلكان، ت: محمد محيي الدين - القاهرة - 1948م. # - يتيمة الدهر، للثعالبي، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد - القاهرة - ~~1956م. PageV01P192 ms91