######OpenITI# #META# bkid: 151020 #META# bk: جهد القريحة في تجريد النصيحة #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: جهد القريحة في تجريد النصيحة (مطبوع مع: صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام) #META# المؤلف: جلال الدين السيوطي #META# المحقق: الدكتور علي سامي النشار، السيدة سعاد علي عبد الرازق #META# الناشر: مجمع البحوث الإسلامية #META# عدد الصفحات: 168 (وهو الجزء الثاني، وصون المنطق هو الأول) #META# أعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (أوقاف عبد الله بن تركي الضحيان الخيرية) #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# inf: None #META# auth: الجلال السيوطي #META# authinf: الجلال السيوطي (849 - 911 ه = 1445 - 1505 م). عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد ابن سابق الدين الخضيري السيوطي، جلال الدين. • إمام حافظ مؤرخ أديب. له نحو 600 مصنف، منها الكتاب الكبير، والرسالة الصغيرة. • نشأ في القاهرة يتيما (مات والده وعمره خمس سنوات). • ولما بلغ أربعين سنة اعتزل الناس، وخلا بنفسه في روضة المقياس، على النيل، منزويا عن أصحابه جميعا، كأنه لا يعرف أحدا منهم، فألف أكثر كتبه. • وكان الأغنياء والأمراء يزورونه ويعرضون عليه الأموال والهدايا فيردها. وطلبه السلطان مرارا فلم يحضر إليه، وأرسل إليه هدايا فردها. وبقي على ذلك إلى أن توفي. • وقرأت في كتاب (المنح البادية - خ) أنه كان يلقب بابن الكتب، لأن أباه طلب من أمه أن تأتيه بكتاب، ففاجأها المخاض، فولدته وهي بين الكتب!. من كتبه:. • (الإتقان في علوم القرآن - ط). • (إتمام الدراية لقراء النقاية - ط) كلاهما له، في علوم مختلفة،. • (الأحاديث المنيفة - خ). • (الأرج في الفرج - ط). • (الاذدكار في ما عقده الشعراء من الآثار - خ). • (إسعاف المبطإ في رجال الموطأ - ط). • (الأشباه والنظائر - ط) في العربية،. • (الأشباه والنظائر - ط) في فروع الشافعية،. • (الاقتراح - ط) في أصول النحو،. • (الإكليل في استنباط التنزيل - ط). • (الألفاظ المعربة - خ). • (الألفية في مصطلح الحديث - ط). • (الألفية في النحو - ط) واسمها (الفريدة) وله شرح عليها. • (إنباه الأذكياء لحياة الأنبياء - ط) رسالة. • (بديعية وشرحها - خ) عندي. • (بغية الوعاة، في طبقات اللغويين والنحاة - ط). • (التاج في إعراب مشكل المنهاج - خ). • (تاريخ أسيوط) وكان أبوه من سكانها. • (تاريخ الخلفاء - ط). • (التحبير لعلم التفسير - خ). • (تحفة المجالس ونزهة المجالس - ط). و(تحفة الناسك - خ). • (تدريب الراوي - ط) في شرح تقريب النواوي. • (ترجمان القرآن - ط). • (تفسير الجلالين - ط). • (تنوير الحوالك في شرح موطأ الإمام مالك - ط). • (الجامع الصغير - ط) في الحديث،. • (جمع الجوامع، ويعرف بالجامع الكبير - خ) ستة أجزاء، كتب سنة 973 في خزانة القرويين وفي الظاهرية [طبع]. • (الحاوي للفتاوي - ط). • (حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة - ط). • (الخصائص والمعجزات النبوية - ط). • (در السحابة، في من دخل مصر من الصحابة - خ) [طبع]. • (الدر المنثور في التفسير بالمأثور - ط) ستة أجزاء. • (الدر النثير في تلخيص نهاية ابن الأثير - ط). • (الدراري في أبناء السراري - خ). • (الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة - ط). • (الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج - ط). • (ديوان الحيوان - ط) اختصره من حياة الحيوان للدميري، وقد ترجم إلى اللاتينية. • (رشف الزلال - ط) ويعرف بمقامة النساء. • (زهر الربى - ط) في شرح سنن النسائي. • (زيادات الجامع الصغير - ط) مرتبة على الحروف. • (السبل الجلية في الآباء العلية - ط). • (شرح شواهد المغني - ط) سماه (فتح القريب). • (الشماريخ في علم التاريخ - ط) رسالة،. • (صون المنطق والكلام، عن فن المنطق والكلام - ط). • (طبقات الحفاظ - ط). • (طبقات المفسرين - ط). • (عقود الجمان في المعاني والبيان - ط) أرجوزة. • (عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد - خ) [طبع]. • (قطف الثمر في موافقات عمر - خ). • (كوكب الروضة - خ) في ذكر جزيرة الروضة التي كان من سكانها (وفيها منزلي بمصر) رأيت منه نسختين إحداهما في الخزانة الخالدية بالقدس، في مجلد ضخم، والثانية في خزانة الرباط (135 ق). • (مقامات - خ) 24 رسالة في مباحث مختلفة، بخزانة الرباط (د 296) [طبع]. • (اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة - ط). • (لب اللباب في تحرير الأنساب - ط). • (لباب النقول في أسباب النزول - ط). • (ما رواه الأساطين في عدم المجئ إلى السلاطين - خ) [طبع]. • (متشابه القرآن - ط). • (مجموعان) مخطوطان، يشتملان على 43 رسالة - ذكر أسماءها حبيب الزيات في (خزائن الكتب). • (المحاضرات والمحاورات - خ) [طبع]. • (المذهب في ما وقع في القرآن من المعرب - خ) [طبع]. • (المزهر - ط) في اللغة،. • (مسالك الحنفا في والدي المصطفى - ط). • (المستطرف من أخبار الجواري - ط). • (مشتهى العقول في منتهى النقول - ط). • (مصباح الزجاجة - ط) في شرح سنن ابن ماجة. • (مفحمات الأقران في مبهمات القرآن - ط). • (مقامات - ط) في الأدب،. • (المقامة السندسية في النسبة المصطفوية - ط). • (مناقب أبي حنيفة - ط). • (مناقب مالك - ط). • (مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا - ط). • (المنجم في المعجم - خ) ترجم به أشياخه. • (نزهة الجلساء في أشعار النساء - خ) في الظاهرية،. • (النفحة المسكية والتحفة المكية - خ) في عدة علوم،. • (نواهد الأبكار - خ) حاشية على البيضاوي [طبع]. • (همع الهوامع - ط) في النحو،. • (الوسائل إلى معرفة الأوائل - خ) وغير ذلك (1). __________. (1) الكواكب السائرة 1: 226 وشذرات الذهب 8: 51 وآداب اللغة 3: 228 وخزائن الكتب 37 وابن إياس 4: 83 والضوء اللامع 4: 65 وفي حسن المحاضرة 1: 188 ترجمة له من إنشائه. وانظر معجم المطبوعات 1073 و Brockelman والفهرس التمهيدي، والخزانة التيمورية 3: 151 ومخطوطات الظاهرية 355. وشعر الظاهرية 406. وخزانة القرويين، الرقم 20. والمنح البادية - خ. نقلا عن: «الأعلام» للزركلي [مع إضافات بين معقوفين] #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 151020 #META# over: 1 #META# seal: 0CA79A02 #META# oauth: 7 #META# bver: 1 #META# pdf: None #META# oauthver: 5 #META# vername: None #META# cat: الفرق والردود #META# lng: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد ابن سابق الدين الخضيري السيوطي، جلال الدين #META# higrid: 911 #META# ad: 911 #META# aseal: 8F5E011F #META# blnk: None #META# pdfcs: None #META# shrtcs: None #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/151020 #META#Header#End# PageV02P006 # كتاب جهد القريحة في تجريد النصيحة # ذكر ما لخصته من كتاب ابن تيمية # الذي ألفه في نقض قواعد المنطق # للفقير إلى عفو ربه، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي الشافعي لخصته من ~~كتاب: "نصيحة أهل الإيمان". # في الرد على منطق اليونان للعلامة: تقي بن تيمية رحمه الله. # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي أرسل الرسل الكرام بالشرائع المطهرة، والصلاة والسلام على ~~سيدنا محمد المؤيد بالمعجزات الواضحة النيرة، وعلى آله وأصحابه الطيبين ~~الخيرة، وبعد فما زال الناس قديما وحديثا يعيبون من المنطق ويذمونه، ~~ويؤلفون الكتب في ذمه وإبطال قواعده ونقضها وبيان فسادها. وآخر من صنف في ~~ذلك شيخ الإسلام أحد المجتهدين: تقي بن تيمية، فله في ذلك كتابان: أحدهما ~~صغير ولم أقف عليه، والأخر مجلد في عشرين كراسا سماه: "نصيحة أهل الإيمان ~~في الرد على منطق اليونان" وقد أردت تلخيصه في كراريس قليلة تقريبا على ~~الطلاب، وتسهيلا على أولى الألباب. فشرعت في ذلك، وسميته "جهد القريحة في ~~تجريد النصيحة" والله الهادي للصواب. # قال شيخ الإسلام أحد المجتهدين تقي بن تيمية في صدر كتابه الذي سماه ~~"نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان". PageV02P009 ### | AUTO مقدمة # أما بعد: فإني كنت دائما أعلم أن المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي ~~ولا ينتفع به البليد. ولكن كنت أحسب أن قضاياه صادقة لما رأينا من صدق كثير ~~منها، ثم تبين لي فيما بعد خطأ طائفة من قضاياه وكتبت في ذلك شيئا. ولما ~~كنت بالإسكندرية اجتمع بي من رأيته يعظم المتفلسفة بالتهويل والتقليد، ~~فذكرت له بعض ما يستحقونه من التجهيل والتضليل. واقتضى ذلك أني كتبت في ~~قعدة بين الظهر والعصر من الكلام على المنطق ما علقته تلك الساعة، ولم يكن ~~ذلك من همتي، لأن همتي كانت فيما كتبته عليهم في الإلهيات وتبين لي أن ~~كثيرا مما ذكروه في المنطق هو من أصول فساد قولهم في الإلهيات مثل ما ذكروه ~~من تركيب الماهيات من الصفات التي سموها ذاتيات، وما ذكروه من حصر طرق ~~العلم فيما ذكروه ms001 من الحدود والأقيسة البرهانية بل ما ذكروه من الحدود التي ~~بها تعرف التصورات بل ما ذكروه من صور القياس ومواد اليقينيات. فأراد بعض ~~الناس أن يكتب ما علقته إذ ذاك من الكلام عليهم في المنطق، فأذنت في ذلك، ~~لأنه يفتح باب معرفة الحق، وإن كان ما فتح من باب الرد عليهم يحتمل أضعاف ~~ما علقته. فاعلم أنهم بنوا المنطق على الكلام في الحد ونوعه، والقياس ~~البرهاني ونوعه. قالوا: لأن العلم إما تصور وإما تصديق؛ فالطريق PageV02P010 # الذي ينال به التصور هو الحد، والطريق الذي ينال به التصديق هو القياس ~~فنقول الكلام في أربع مقامات، مقامين سالبين، ومقامين موجبين. فالأولان في ~~قولهم إن التصور المطلوب لا ينال إلا بالحد، والثاني أن التصديق المطلوب لا ~~ينال إلا بالقياس والآخران في أن الحد يفيد العلم بالتصورات وأن القياس أو ~~البرهان الموصوف يفيد العلم بالتصديقات. PageV02P011 ### | AUTO المقام الأول: التصور لا ينال إلا بالحد # في قولهم إن لتصور لا ينال إلا بالحد. الكلام عليه من وجوه # الأول: لا ريب أن النافي عليه الدليل كالمثبت، والقضية سلبية أو إيجابية ~~إذا لم تكن بديهية، لا بد لها من دليل، وأما السلب بلا علم، فهو قول بلا ~~علم، فقولهم لا تحصل التصورات إلا بالحد قضية سالبة وليست بديهية، فمن أين ~~لهم ذلك؟ وإذا كان هذا قولا بلا علم، وهو أول ما أسسوه فكيف يكون القول بلا ~~علم أساسا لميزان العلم ولما يزعمون أنه آله قانونية تعصم مراعاتها الذهن ~~عن أن يزل في فكرهه؟ # الثاني: أن يقال الحد يراد به نفس المحدود وليس مرادهم هنا. ويراد به ~~القول الدال على ماهية المحدود، وهو مرادهم هنا. وهو تفصيل ما دل عليه ~~الاسم بالإجمال. فيقال إذا كان الحد قول الحاد، فالحاد إما أن يكون عرف ~~المحدود بحد أو بغير حد، فإن كان الأول فالكلام في الحد الثاني كالكلام في ~~الأول. وهو مستلزم للدور أو التسلسل، وإن كان الثاني بطل سلبهم، وهو قولهم: ~~إنه لا يعرف إلا بالحد. # الثالث: أن الأمم جميعهم من ms002 أهل العلوم والمقالات وأهل الأعمال والصناعات ~~يعرفون الأمور التي يحتاجون إلى معرفتها، ويحققون ما يعانونه PageV02P012 # من العلوم والأعمال من غير تكلم بحد منطقي زيادة في م، ولا نجد أحدا من ~~أئمة العلوم يتكلم بهذه الحدود لا أئمة الفقه ولا النحو ولا الطلب ولا ~~الحساب ولا أهل الصناعات مع أنهم يتصورون مفردات عليهم فعلم استغناء التصور ~~عن هذه الحدود. # الرابع: إلى الساعة لا يعلم للناس حد مستقيم على أصلهم، بل أظهر الأشياء ~~الإنسان زيادة من م وحده بالحيوان الناطق عليه الاعتراضات المشهورة. وكذا ~~حد الشمس وأمثاله، حتى إن النحاة لما دخل متأخروهم في الحدود، ذكروا للاسم ~~بضعة وعشرين حدا، وكلها معترضة على أصلهم، والأصوليون ذكروا للاسم بضعة ~~وعشرين حدا، وكلها أيضا معترضة وعامة الحدود المذكورة في كتب الفلاسفة ~~والأطباء والنحاة وأهل الأصول والكلام معترضة لم يسلم منها إلا القليل. فلو ~~كان تصور الأشياء موقوقا عل الحدود، ألم يكن إلى الساعة قد تصور الناس شيئا ~~من هذه الأمور، والتصديق موقوف على التصور فإذا لم يحصل تصور، لم يحصل ~~تصديق، فلا يكون عند ابن آدم علم من عامة علومهم، وهذا من أعظم السفسطة. # الخامس: أن تصور الماهية إنما يحصل عندهم بالحد الحقيقي المؤلف من ~~الذاتيات المشتركة والمميزة، وهو المركب من الجنس والفصل، وهذا الحد إما ~~متعذر أو متعسر، كما قد أقروا بذلك، وحينئذ فلا يكون قد تصور حقيقة من ~~الحقائق دائما أو غالبا، وقد تصورت الحقائق، فعلم استغناء التصورات عن الحد. # السادس: أن الحدود عندهم إنما تكن للحقائق المركبة، وهي الأنواع التي لها ~~جنس وفصل، فأما لا تركيب فيه، وهو مالا يدخل مع غيره تحت جنس كما مثله ~~بعضهم بالعقل، فليس له حد وقد عرفوه، وهو من التصورات PageV02P013 # المطلوبة عندهم، فلم استغناء التصور عن الحد، بل إذا أمكن معرفة هذا بلا ~~حد، فمعرفة تلك الأنواع أولى، لأنها أقرب إلى الحس وأشخاصها مشهودة وهو ~~يقولون: إن التصديق لا يتوقف على التصور التام الذي يحصل بالحد الحقيقي. بل ~~يكفي فيه أدنى تصور ولو بالخاصة، وتصور ms003 العقل من هذا الباب وهذا اعتراف ~~منهم بأن جنس التصور لا يتوقف على الحد الحقيقي. # السابع: أن سامع الحد إن لم يكن عارفا قبل ذلك بمفردات ألفاظه دلالتها ~~على معانيها المفردة لم يمكنه فيهم الكلام، والعلم بأن اللفظ دال على ~~المعنى الموضوع له مسبوق بتصور المعنى. وإن كان متصورا لمسمى اللفظ ومعناه ~~قبل سماعه. امتنع أن يقال إنما تصوره بسماعه. # الثامن: إذا كان الحد قول الحاد، فمعلوم أن تصور المعاني لا يفتقر إلى ~~الألفاظ، فإن المتكلم قد تصور ما يقوله بدون لفظ والمستمع يمكنه ذلك من غير ~~مخاطب بالكلية فكيف يقال لا تتصور المفردات إلا بالحد. # التاسع: أن الموجودات المتصورة إما أن يتصورها الإنسان بحواسه الظاهرة ~~كالطعم واللون والرائحة والأجسام التي تحمل هذه الصفات أو الباطنة كالجوع ~~والحب والبغض والفرح والحزن واللذة والألم والإرادة والكراهة وأمثال ذلك ~~وكلها غنية عن الحد. # العاشر: أنهم يقولون: للمعترض أن يطعن على الحد بالنقض في الطرد أو في ~~المنع وبالمعارضة بحد آخر، فإذا كان المستمع للحد يبطله بالنقض PageV02P014 # تارة وبالمعارضة أخرى ومعلوم أن كليهما لا يمكن إلا بعد تصور المحدود، عم ~~انه يمكن تصور المحدود بدون الحد وهو المطلوب. # الحادي عشر: أنهم معترفون بأن من التصورات ما يكون بديهيا لا يحتاج إلى ~~حد، وحينئذ فيقال كون العلم بديهيا أو نظريا من الأمور النسبية الإضافية ~~فقد يكون النظري عند رجل بديهيا عند غيره لوصوله إليه بأسبابه من مشاهدة أو ~~تواتر أو قرائن، والناس يتفاوتون في الإدراك تفاوتا لا ينضبط فقد يصير ~~البديهي عند هذا دون ذاك بديهيا لذلك أيضا بمثل الأسباب التي حصلت لهذا، ~~ولا يحتاج إلى حد. PageV02P015 ### | AUTO المقام الثاني: (الحد يفيد تصور الأشياء) # وهو الحد يفيد تصور الأشياء، فنقول: المحققون من النظار على أن الحد ~~فائدته التمييز بين المحدود وغيره، كالاسم ليس فائدته تصوير المحدود، ~~وتعريف حقيقته. وإنما يدعى هذا أهل المنطق اليونانيون، أتباع أرسطو، ومن ~~سلك سبيلهم تقليدا لهم من الإسلاميين وغيرهم. فأما جماهير أهل النظر ~~والكلام من المسلمين وغيرهم فعلى خلاف ms004 هذا. وإنما أدخل هذا من تكلم في أصول ~~الدين والفقه بعد أبي حامد في أواخر المائة الخامسة، وهم الذين تكلموا في ~~الحدود بطريقة أهل المنطق اليوناني. وأما سائر النظار ن جميع الطوائف ~~الأشعرية والمعتزلة والكرامية والشيعة وغيرهم، فعندهم إنما يفيد الحد ~~التمييز بين المحدود وغيره، وذلك مشهور في كتب أبي الحسن الأشعري والقاضي ~~أبي بكر وأبي إسحق وابن فورك والقاضي أبي يعلى وابن PageV02P016 # وابن عقيل وإمام الحرمين والنسفي وأبي علي وأبي هاشم، وعبد الجبار ~~والطوسي ومحمد بن الهيصم وغيرهم. # ثم إن ما ذكره أهل المنطق من صناعة الحد لا ريب أنهم وضعوها وضعا وقد ~~كانت الأمم قبلهم تعرف حقائق الأشياء بدون هذا الوضع، وعامة الأمم بعدهم ~~تعرف حقائق الأشياء بدون وضعهم. وهم إذا تدبروا أنفسهم، وجدوا أنفسهم ~~يعملون حقائق الأشياء بدون هذه الصناعة الوضعية، ثم إن هذه الصناعة الوضعية ~~زعموا أنها تفيد حقائق الأشياء ولا تعرف إلا بها، وكلا هذين غلط. ولما ~~راموا ذلك، لم يكن بد من أن يفرقوا بين بعض الصفات وبعض، إذ جعلوا التصور ~~بما جعلوه ذاتيا، فلا بد أن يفرقوا بين ما هو ذاتي عندهم، وما ليس كذلك، ~~فأدى ذلك إلى التفريق بين المتماثلات، حيث جعلوا صفة ذاتية دون أخرى، مع ~~تساويهما أو تقاربهما وطلب الفرق بين المتماثلات ممتنع. وبين المتقاربات ~~عسر. فالمطلوب إما متعذر أو متعسر. فإن كان متعذرا بطل بالكلية. وإن كان ~~متعسرا، فهو بعد حصوله ليس فيه PageV02P017 # فائدة زائدة على ما كان يعرف قبل حصوله، فصاروا بين أن يمتنع عليهم ما ~~شرطوه أو ينالوه ولا يحصل به ما قصدوه وعلى التقديرين، فليس ما وضعوه من ~~الحد طريقا لتصور الحقائق في نفس من لا يتصورها بدون الحد، وإن كان قد يفيد ~~من تميز المحدود ما تفيده الأسماء. # وقد تفطن الفخر الرازي لما عليه آثمة الكلام وقرر في محصلة وغيره أن ~~التصورات لا تكون مكتسبة. وهذا هو حقيقة قولنا: إن الحد لا يفيد تصور ~~المحدود. # وهذا مقام شريف ينبغي أن يعرف، فإنه لسبب إهماله دخل ms005 الفساد في العقول أو ~~الأديان على كثير من الناس، إذ خلطوا ما ذكره أهل المنطق في الحدود بالعلوم ~~النبوية التي جعلت بها الرسل التي عند المسلمين واليهود والنصارى وسائر ~~العلوم، كالطب والنحو وغير ذلك، وصاروا يعظمون أمر الحدود ويزعمون أنهم هم ~~المحققون لذلك: وأن ما ذكره غيرهم من الحدود إنما هي لفظية، لا تفيد تعريف ~~الماهية والحقيقة بخلاف حدودهم، ويسلكون الطرق الصعبة الطويلة والعبارات ~~المتكلفة الهادئة، وليس ذلك فائدة إلا تضييع الزمان، وإتعاب الأذهان، وكثرة ~~الهذيان، ودعوى التحقيق بالكذب والبهتان، وشغل النفوس بما لا ينفعها، بل قد ~~يصدها مما لا بد منه. وإثبات [الجهل] الذي هو أصل النفاق في القلوب، وإن ~~ادعوا أنه أهل المعرفة والتحقيق. وهذا من توابع الكلام الذي كان السلف ~~ينهون عنه، وإن كان الذي ينهي عنه السلف خيرا وأحسن من هذا إذ هو كلام في ~~أدلة وأحكام: PageV02P018 # ولم يكن قدماء المتكلمين يرضون أن يخوضوا في الحدود على طريقة المنطقيين ~~كما دخل في ذلك متأخروهم الذين ظنوا ذلك من التحقيق. وإنما هو زيغ عن سواء ~~الطريق. ولهذا لما كانت هذه الحدود ونحوها، لا تفيد الإنسان علما لم يكن ~~عنده، وإنما تفيده كثرة كلام، يسمونهم أهل الكلام. وهذا لعمري في الحدود ~~التي ليس فيها باطل، فأما حدود المنطقيين التي يدعون أنهم يصورون بها ~~الحقائق، فإنها باطلة يجمعون بها بين المختلفين ويفرقون بين المتماثلين. # والدليل على أن الحدود لا تفيد تصوير الحقائق من وجوه: # أحدها. أن الحد مجرد قول الحاد ودعواه، فقوله مثلا حد الإنسان حيوان ~~ناطق، قصة خيرية مجرد دعوى خلية عن حجة، فإما أن يكون المستمع لها عالما ~~يصدقها بدون هذا القول وإما أن لا يكون، فإن كان الأول، ثبت أنه لم يستفد ~~هذه المعرفة بهذا الحد، وإن كان الثاني عنده، فمجرد قول المخبر الذي لا ~~دليل معه لا يفيده العلم، وكيف وهو يعلم أنه ليس بمعصوم في قوله، فتبين على ~~التقديرين أن الحد لا يفيد معرفة المحدود، فإن قيل يفيده مجرد تصور المسمى ~~من غير أن ms006 يحكم أنه هو ذلك المسئول عنه مثلا أو غيره، قلنا: فحينئذ يكون ~~كمجرد دلالة اللفظ المفرد على معناه، وهو دلالة الاسم على مسماة. وهذا ~~تحقيق ما قلناه من أن دلالة الحد كدلالة الاسم ومجرد الاسم لا يوجب تصور ~~المسمى لمن لم يتصوره دون ذلك بلا نزاع فكذلك الحد. PageV02P019 # الثاني: أنهم يقولون: الحد لا يمنع ولا يقام عليه دليل، وإنما يمكن ~~إبطاله بالنقص والمعارضة: فيقال: إذا لم يكن الحاد قد أقام دليلا على صحة ~~الحد، أمتنع أن يعرف المستمع المحدود به، إذا جوز عليه الخطأ فإنه إذا لم ~~يعرف صحة الحد بقوله، وقوله محتمل الصدق والكذب امتنع أن يعرفه بقوله. ومن ~~العجب أن هؤلاء يزعمون أن هذه طرق عقلية يقينية، ويجعلون العلم بالمفرد أصل ~~العلم بالمركب، ويجعلون العمدة في ذلك على الحد الذي هو قول الحاد بلا ~~دليل، وهو خبر واحد عن أمر عقلي لا حسي، يحتمل الصواب والخطأ والصدق ~~والكذب. ثم يعيبون على من يعتمد في الأمور السمعية على نقل الواحد الذي معه ~~من القرائن ما يفيد المستمع العالم بها العلم اليقيني، زاعمين أ، خبر ~~الواحد لا يفيد العلم، وخبر الواحد وإن لم يفد العلم لكن هذا بعينه قولهم ~~في الحد، فإنه خبر واحد لا دليل على صدقه. بل ولا يمكن عندهم إقامة الدليل ~~على صدقه. فلم يكن الحد مفيدا لتصور المحدود. ولكن إن كان المستمع قد تصور ~~المحدود قبل هذا أو تصوره معه أو بعده بدون الحد، وعلم أن ذلك حده علم صدقه ~~في حده، وحينئذ فلا يكون الحد أفاد التصور وهذا بين. # وتلخيصه: أن تصور المحدود بالحد لا يمكن بدون العلم بصدق قول الحاد وصدق ~~قوله لا يعلم بمجرد الحد، فلا يعلم المحدود بالحد. # الثالث: أن يقال: لو كان الحد مفيدا لتصور المحدود، لم يحصل ذلك إلا بعد ~~العلم بصحة الحد، فإنه دليل التصور وطريقه وكاشفه، فمن الممتنع أن يعلم ~~المعروف المحدود قبل العلم بصحة المعروف، والعلم بصحة الحد PageV02P020 # لا يحصل إلا بعد العلم [بصحة] المحدود، إذا الحد ms007 خبر عن مخبر هو المحدود. ~~فمن الممتنع أن يعلم صحة الخبر وصدقه، قبل تصور المخبر عنه من غير مفيد ~~للخبر. وقبول قوله فيما يشترك في العلم به المخبر، والمخبر ليس هو من باب ~~الإخبار عن الأمور الغائبة. # والرابع: أنهم يحدون المحدود بالصفات التي يسمونها الذاتية والعرضية، ~~ويسمونها أجزاء الحد وأجزاء الماهية والمقومة لها والداخلة فيها، ونحو ذلك ~~من العبارات فإن لم يعلم المستمع أن المحدود موصوف بتلك الصفات امتنع ~~تصوره. وإن علم أنه موصوف بها كان قد تصوره بدون الحد. # فثبت أنه على التقديرين لا يكون قد تصوره بالحد، وهذا بين فإنه إذا قيل: ~~الإنسان هو الحيوان الناطق، ولا يعلم أنه الإنسان احتاج إلى العلم بهذه ~~النسبة، وإن لم يكن متصور المسمى الحيوان الناطق، احتاج إلى شيئين، تصور ~~ذلك، والعلم بالنسبة المذكورة، وإن عرف ذلك؛ كان قد تصور الإنسان بدون الحد. # نعم، الحد قد ينبه على تصور المحدود، كما ينبه الاسم، فإن الذهن قد يكون ~~غافلا عن الشئ، فإذا سمع اسمه وحده، أقبل بذهنه إلى الشئ الذي أشير إليه ~~بالاسم أو الحد، فيتصوره. فتكون فائدة الحد من جنس فائدة الاسم، وتكون ~~الحدود للأنواع بالصفات كالحدود الأعيان بالجهات، كما إذا قيل حد الأرض من ~~الجانب القبلي كذا، ومن الجانب الشرقي كذا، وميزت الأرض باسمها وحدها، وحد ~~الأرض يحتاج إليه إذا PageV02P021 # خيف من الزيادة للمسمى أو النقص منه، فيفيد إدخال المحدود جميعه وإخراج ~~ما ليس به كما يفيد الاسم، وكذلك حد النوع، وهذا يحصل بالحدود اللفظية تارة ~~وبالوضعية أخرى. وحقيقة الحد في الموضعين بيان مسمى الاسم فقط، وتميز ~~المحدود عن غيره لا تصور المحدود. وإذا كان فائدة الحد بيان مسمى الاسم، ~~والتسمية أمر لغوي وضعي، رجع في ذلك إلى قصد ذلك المسمى ولغته، ولهذا يقول ~~الفقهاء من الأسماء ما يعرف حده بالشرع ومنها ما يعرف حده بالعرف. ومن هذا ~~تفسير الكلام وشرحه إذا أريد به تبين مراد المتكلم فهذا يبني على معرفة ~~حدود كلامه. وإذا أريد به تبين صحته وتقريره، فإنه يحتاج ms008 إلى معرفة دليل ~~بصحته، فالأول فيه بيان تصوير كلامه أو تصوير كلامه لتصوير مسميات الأسماء ~~بالترجمة تارة لمن يكون قد تصور المسمى، ولم يعرف أن ذلك اسمه وتارة لمن لم ~~يكن قد تصور المسمى فيشار إلى المسمى بحسب الإمكان إما إلى عينه، وإما إلى ~~نظيره. ولهذا يقال الحد تارة يكون للاسم وتارة يكون للمسمى. # وآثمة المصنفين في صناعة الحدود على طريقة المنطقيين يعترفون عند التحقيق ~~بهذا، كما ذكره الغزالي في كتاب المعيار الذي صنفه في المنطق، وكذا يوجد في ~~كلام، ابن سينا والرازي والسهر وردي وفي غيرهم أن الحدود فائدتها من جنس ~~فائدة الأسماء وأن ذلك من جنس الترجمة PageV02P022 # بلفظ عن لفظ، ومن هذا الباب ذكر غريب القرآن والحديث وغيرهما، بل تفسير ~~القرآن وغيره من أنواع الكلام، هو في أول درجاته من هذا الباب، فإن المقصود ~~ذكر مراد المتكلم بتلك الأسماء وبذلك الكلام. وهذا الحدهم متفقون على أنه ~~من الحدود اللفظية، مع أن هذا هو الذي يحتاج إليه في إقراء العلوم المصنفة ~~بل في قراءة جميع الكتب بل في جميع أنواع المخاطبات. فإن من قرأ كتب النحو ~~أو الطب أو غيرهما لا بد أن يعرف مراد أصحابها بتلك الأسماء، ويعرف مرادهم ~~بالكلام المؤلف، وكذلك من قرأ كتب الفقه والكلام والفلسفة وغير ذلك، وهذه ~~الحدود معرفتها من الدين في كل لفظ هو في كتاب الله تعالى وسنة رسوله "صم" ~~ثم قد تكون معرفتها فرض عين، وقد تكون فرض كفاية. ولهذا ذم الله تعالى من ~~لم يعرف هذه الحدود بقوله: "الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ~~ما أنزل الله على رسوله". # والذي أنزله على رسوله فيه ما قد يكون الاسم غريبا بالنسبة إلى المستمع ~~كلفظ ضيزي وقسورة وعسعس وأمثال ذلك. وقد يكون مشهورا لكن لا يعلم حده بل ~~يعلم معناه على سبيل الإجمال كاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج فتبين أن ~~تعريف الشئ إنما هو بتعريف عينه أو ما يشبهه فمن عرف عين الشئ لا يفتقر في ~~معرفته إلى حد، ومن ms009 لم يعرفه فإنما يعرف به إذا عرف ما يشبهه ولو من بعض ~~الوجوه، فيؤلف له من الصفات المشبهة المشتركة بينه وبين غيره ما يخص ~~المعرف. ومن تدقق هذا، وجد حقيقته، وعلم معرفة الخلق بما أخبروا به من ~~الغيب من PageV02P023 # الملائكة واليوم الآخر وما في الجنة والنار من أنواع النعيم والعذاب. ~~وبطل قولهم في الحد. # الخامس: أن التصورة المفردة تمنع أن تكون مطلوبة؛ فيمتنع أن يعلم بالحد ~~لأن الذهن إن كان شاعرا بها أمتنع الطلب، لأن تحصيل الحاصل ممتنع، وإن لم ~~يكن شاعرا بها أمتنع من النفس طلب مالا تشعر به فإن الطلب والقصد مسبوق ~~بالشعور: فإن قيل: فالإنسان يطلب تصور الملك والجن والروح وأشياء كثيرة، ~~وهو لا يشعر بها، قيل: قد سمع هذه الأسماء، فهو يطب مسماها، كما يطلب من ~~سمع ألفاظا لا يفهم معانيها تصور معانيها. وهو إذا تصور مسمى هذه الأسماء ~~فلا بد أن يعلم أنها مسماة بهذا الاسم إذ لو تصور حقيقة، ولم يكن ذلك الاسم ~~فيها لم يكن تصور مطلوبة، فهنا المتصور ذات وأنها مسماة بكذا، وهذا ليس ~~تصورا بالمعنى فقط بل للمعنى ولاسمه. وهذا لا ريب أنه يكون مطلوبا. # ولكن لا يوجب أن يكون المعنى المفرد مطلوبا، وأيضا فإن المطلوب هنا لا ~~يحصل بمجرد الحد، بل لا بد من تعريف المحدود بل الإشارة إليه أو غير ذلك، ~~مما لا يكتفي فيه بمجرد اللفظ. وإذا ثبت امتناع الطلب للتصورات المفردة، ~~فأما أن تكون حاصلة للإنسان، فلا تحصل بالحد، فلا يفيد الحد التصور. وإما ~~أن ى تكون حاصلة، فمجرد الحد لا يوجب تصور المسميات لمن لا يعرفها، ومتى ~~كان له شعور بها لم يحتج إلى الحد في ذلك الشعور إلا من جنس ما يحتاج إلى ~~الاسم. المقصود هو التسوية بين فائدة الحد وفائدة الاسم. PageV02P024 # السادس: أن يقال لتصور الحقيقة عندهم هو الحد التام المؤلف من الذاتيات ~~دون العرضيات ومبني هذا الكلام على الفرق بين الذاتي العرضي وهو يقولون: ~~الذاتي ما كان داخل الماهية، والعرضي ما [كان] خارجا ms010 عنها. وقسموه إلى لازم ~~الماهية ولازم لوجودها. وهذا الكلام الذي ذكروه مبني على أصلين فاسدين: ~~الفرق بين الماهية ووجودها، ثم الفرق بين الذاتي لها واللازم لها. # فالأصل الأول: قولهم: إن الماهية حقيقة ثابتة في الخارج غير وجودها وهذا ~~شبيه بقول من يقول: "المعدوم شئ، وهو مما يكون، وأضل ضلالهم أنهم رأوا الشئ ~~قبل وجوده يعلم ويراد، ويميز بين المقدور عليه والمعجوز عنه ونحو ذلك ~~فقالوا لو لم يكن ثابتا لما كان كذلك. كما أنا نتكلم في حقائق الأشياء التي ~~هي ماهيتها مع قطع النظر عن وجودها في الخارج فتتخيل الغالط أن هذه الحقائق ~~والماهيات أمور ثابتة في الخارج، والتحقيق: أن ذلك كله أمر ثابت في الذهن. ~~والمقدر في الأذهان. أوسع من الموجود في الأعيان. هو موجود وثابت في الذهن، ~~وليس هو في نفس الأمر لا موجودا ولا ثابتا فالتفريق بين الوجود والماهية، PageV02P025 # مع دعوى أن كليهما في الخارج غلط عظيم وهؤلاء ظنوا أن الحقائق النوعية ~~كحقيقة الإنسان والفرس وأمثال ذلك ثابتة في الخارج، غير الأعيان الموجودة ~~في الخارج وأنها أزلية لا تقبل الاستحالة، وهذه التي تسمى المثل ~~الأفلاطونية ولم يقتصروا على ذلك؛ بل أثبتوا أيضا ذلك في المادة والماهية ~~والمكان. فأثبتوا مجردة عن الصور، ثابتة في الخارج وهي "الهيولي بأولية" ~~التي بنوا عليها قدم العالم. وغلطهم فيها جمهور العقلاء. والكلام على من ~~فرق بين الوجوه والماهية مبسوط في غير هذا الموضع والمقصود هنا التنبيه على ~~أن ما ذكروه في المنطق من الفرق بين الماهية ووجودها في الخارج هو مبني على ~~هذا الأصل الفاسد. وحقيقة الفرق الصحيح، أن الماهية هي ما يرسم في النفس من ~~الشئ والوجود ما يكون في الخارج منه، وهذا فرق صحيح فإن الفرق بين ما في ~~النفس وما في الخارج ثابت معلوم لا ريب فيه. وأما تقدير حقيقة لا تكون ~~ثابتة في العلم ولا في الوجود فهو باطل. # والأصل الثاني: وهو الفرق بين اللازم للماهية والذاتي لا حقيقة له، فإنه ~~إن جعلت الماهية التي في الخارج مجردة ms011 عن الصفات اللازمة، وأمكن أن يجعل ~~الوجود الذي في الخارج مجردا عن هذه الصفات اللازمة وإن جعل هذا هو نفس ~~الماهية بلوازمها، كان هذا بمنزلة أن يقال هو الوجود بلوازمها وهما باطلان، ~~فإن الزوجية والفردية للعدد مثلا مثل الحيوانية والنطق للإنسان وكلاهما إذا ~~خطر بالبال منه الموصوف مع الصفة، PageV02P026 # لم يمكن تقدير الموصوف دون الصفة، وما ذكروه من أن ما جعلوه هو الذاتي ~~يتقدم تصوره في الذهن، فباطل من وجهين: # أحدهما: أن هذا خبر عن وضعهم، إذ هم يقدمون هذا في أذهانهم، ويؤخرون هذا، ~~وهذا تحكم محض، وكل من تقدم هذا دون ذا، فإنما قلدهم في ذلك. ومعلوم أن ~~الحقائق الخارجية المستغنية عنا لا تكون تابعة لتصوراتنا، فليس إذا فرضنا ~~هذا مقدما، وهذا مؤخرا، يكون هذا في الخارج كذلك. وسائر بني آدم الذين [لم] ~~يقلدونهم في هذا الموضع لا يستحضرون هذا التقديم والتأخير ولو كان هذا ~~فطريا كانت الفطرة تدركه بدون التقليد، كما تدرك سائر الأمور الفطرية. ~~والذي في الفطرة أن هذه اللوازم كلها لوازم للموصوف وقد يخطر بالبال، ، وقد ~~لا يخطر. أما أن يكون هذا خارجا عن الذات، وهذا داخلا في الذات، فهذا تحكم ~~محض، ليس له شاهد لا في الخارج ولا في الفطرة. # والثاني: أن يكون الوصف ذاتيا للموصوف: هو أمر تابع لحقيقته التي هو لها ~~سواء تصورته أذهاننا، أو لم تتصوره فلا بد إذا كان أحد الوصفين ذاتيا دون ~~الآخر أن يكون الفرق بينهما أمرا يعود إلى حقيقتهما الخارجة الثابتة بدون ~~الذهن. وإما أ، يكون الفرق بين الحقائق الخارجة لا حقيقة له إلا مجرد ~~التقدم والتأخر في الذهن، فهذا لا يكون حقا إلا إن تكون الحقيقة والماهية ~~هي ما يقدر في الذهن لا ما يوجد في الخارج. وذلك أمر يتبع تقدير صاحب ~~الذهن. وحينئذ فيعود حاصل هذا الكلام إلى أمور مقدرة في الأذهان لا حقيقة ~~لها في الخارج وهي التخيلات والتوهمات PageV02P027 # الباطلة، وهذا كثير في أصولهم. # السابع: أن يقال: هل يشترطون في الحد التام وكونه يفيد تصور ms012 الحقيقة، أن ~~تتصور جميع صفاته الذاتية أم لا، المشتركة بينه وبين غيره أم لا؟ فإن شرطوا ~~لزم استيعاب جميع الصفات. وإن لم يشترطوا واكتفوا بالجنس القريب دون غيره ~~فهو تحكم محض، وإذا عارضهم من يوجب ذكر جميع الأجناس، أو يحذف جميع الأجناس ~~لم يكن لهم جواب، إلا أن هذا وضعهم واصطلاحهم. ومعلوم أن العلوم الحقيقية ~~لا تختلف باختلاف الأوضاع، فقد تبين أن ما ذكروه هو من باب الوضع والاصطلاح ~~الذي جعلوه من باب الحقائق الذاتية والمعارف، وهذا عين الضلال والإضلال كمن ~~يجئ إلى شخصين متماثلين، فيجعل هذا مؤمنا وهذا كافرا وهذا عالما، وهذا ~~جاهلا وهذا سعيدا، وهذا شقيا. من غير افتراق بين ذاتيهما، بل بمجرد وضعه ~~واصطلاحه، فهم من دعواهم القياس العقلي يفرقون بين المتماثلات ويسرون بين ~~المختلفات. # الثامن: إن اشتراطهم ذكر الفصول المميزة مع تفريقهم بين الذاتي والعرضي ~~غير ممكن، إذ من مميز هو من خواص المحدود المطابقة له في العموم والخصوص ~~إلا ويمكن الآخر أن يجعله عرضيا لازما للداهية. # التاسع: أن فيما قالوه دورا فلا يصح، وذلك أنهم يقولون: إن المحدود لا ~~يتصور إلا بذكر صفاته الذاتية. ثم يقولون: الذاتي هو ما لا يمكن تصور ~~الموصوف بدون تصوره. فإذا كان المتعلم لا يتصور المحدود، حتى يتصور صفاته ~~الذاتية ولا يعرف أن الصفة الذاتية حتى يعلم أنه لا يتصور الموصوف PageV02P028 # الذي هو المحدود [بدونها] فلا يعلم أنها ذاتية، حتى يتصور الموصوف، ولا ~~يتصور الموصوف حتى يتصور الصفات الذاتية ويميز بينها وبين غيرها، فتوقف ~~معرفته على معرفة الذاتيات (المتوقفة) عل معرفته، فتوقف معرفته على معرفته، ~~فلا يعرف هو ولا تعرف الذاتيات. وهذا كلام متين يجتاح أصل كلامهم. ويبين ~~أنهم متحكمون فيما وضعوه لم يبنوه على أصل علمي تابع للحقائق. لكن قالوا ~~هذا ذاتي وهذا غير ذاتي بمجرد التحكم. ولم يعتمدوا على أنه لا يمكن حد، ~~فإذا لم يعرف المحدود إلا بالحد، والحد غير ممكن لم يعرف، وذلك باطل. # العاشر: أنه يحصل بينهم في هذا الباب نزاع لا يمكن فصله على ms013 هذا الأصل ~~وما استلزم تكافؤ الأدلة فهو باطل. PageV02P029 ### | AUTO الفصل: في قولهم: إن التصديق لا ينال إلا بالقياس # قولهم: إنه لا يعلم شئ من التصديقات إلا بالقياس الذي ذكروا صورته ~~ومادته، قضية سلبية ليست معلومة بالبديهة، ولم يذكروا عليها دليلا أصلا ~~وصاروا مدعين، ما لم يثبتوه، قائلين بغير علم؛ إذ العلم بهذا السلب متعذر ~~على أصلهم. فمن أين لهم أنه لا يمكن أحدا من بني آدم أن يعلم شيئا من ~~التصديقات التي ليست بديهية عندهم إلا بواسطة القياس المنطقي الشمولي الذي ~~وصفوا مادته وصورته؟ ### | AUTO [نسبية التصديقات] # ثم هم معترفون بما لا بد منه من أن التصديقات منها بديهي ومنها نظري، ~~وأنه يمتنع أن تكون كلها نظرية لافتقار النظري إلى البديهي. وحينئذ فيأتي ~~ما تقدم في التصورات من أن الفرق بينهما إنما هو بالنسبة والإضافة، فقد ~~يكون النظري عند شخص بديهيا عند غيره والبديهي من التصديقات، ما يكفي تصور ~~طرفيه موضوعه ومحموله. في حصول تصديقه، فلا يتوقف على وسط يكون بينهما، وهو ~~الدليل الذي هو الحد الأوسط، سواء كان تصور الطرفين بديهيا أم لا، ومعلوم ~~أن الناس يتفاوتون في قوى الأذهان أعظم من تفاوتهم في قوى الأذهان. فمن ~~الناس من يكون في سرعة التصور وجودته في غاية تباين بها غيره مباينة كثيرة. ~~وحينئذ يتصور الطرفين تصورا PageV02P030 # تاما بحيث يتبين التصور التام اللوازم التي لا تتبين لمن يتصوره، وكون ~~الوسط الذي هو الدليل قد يفتقر إليه في بعض القضايا بعض الناس دون بعض، أمر ~~بين فإن كثيرا من الناس تكون عنده القضية حسية أو مجربة أو برهانيه أو ~~متواترة. وغيره إنما عرفها بالنظر والاستدلال. ولهذا كثير من الناس لا ~~يحتاج في ثبوت المحمول للموضوع إلى دليل لنفسه، بل لغيره، ويبين ذلك لغيره، ~~بأدلة هو غني عنها، حتى يضرب له أمثالا. # وقد ذكر المناطقة أن القضايا المعلومة بالتواتر والتجربة والحدس يختص بها ~~من علمها ولا تكون حجة على غيره بخلاف غيرها، فإنها مشتركة يحتج بها على ~~المنازع، وهذا تفريق فاسد، وهو أصل ms014 من أصول الإلحاد والكفر. فإن المنقول عن ~~الأنبياء بالتواتر من المعجزات وغيرها، يقول أحد هؤلاء- بناء على هذا ~~الفرق- هذا لم يتواتر عندي فلا تقوم به الحجة على وليس ذلك بشرط، ومن هذا ~~الباب إنكار كثير من أهل البدع والكلام والفلسفة لما يعلمه أهل الحديث من ~~الآثار النبوية، فإن هؤلاء يقولون: إنها غير معلومة لنا كما يقول من ~~الكفار: إن معجزات الأنبياء غير معلومة له. وهذا لكونهم لم يعلموا السبب ~~الموجب للعلم بذلك، والحجة قائمة عليهم تواتر عندهم أم لا. # وقد ذهب الفلاسفة أهل المنطق إلى جهالات قولهم: إن الملائكة هي العقول ~~العشرة، وأنها قديمة أزلية، ةأن العقل رب ما سواه، وهذا شئ لم يقل مثله أحد ~~من اليهود والنصارى ومشركي العرب، ولم يقل أحد: إن ملكا من الملائكة رب ~~العالم كله، ويقولون: إن العقل الفعال مبدع كل ما نحت فلك القمر، وهذا أيضا ~~كفر لم يصل إليه أحد من كفار أهل الكتاب PageV02P031 # ومشركي العرب، ويقولون إن الرب لا يفعل بمشيئته وقدرته وليس عالما ~~بالجزئيات ولا يقدر أن بغير العالم، بل العالم فيض فاض عنه بغير مشيئته ~~وقدرته وعلمه وأنه (إذا) توجه المستشفع إلى من يعظمه من الجواهر العالية، ~~كالعقول والنفوس والكواكب والشمس والقمر، فإنه يتصل بذلك المعظم المستشفع ~~به فإذا فاض على ذلك ما يفيض من جهة الرب، فاض على هذا من وجهة شفيعه، ~~ويمثلونه بالشمس إذا طلعت على مرآة، فانعكس الشعاع الذي على المرآة على ~~موضع آخر، فأشرق بذلك الشعاع، فذلك لشعاع حصل له من مقابلة المرآة وحصل ~~للمرآة بمقابلة الشمس، ويقولون: إن الملائكة هي العقول العشرة أو القوى ~~الصالحة في النفس، وأن الشياطين هي القوى الخبيثة، وغير ذلك مما عرف فساده ~~بالدلائل العقلية، بل بالضرورة من دين الرسول. فإذا كان شرك هؤلاء وكضرهم ~~أعظم من شرك مشركي العرب وكفرهم، فأي كمال للنفس في هذه الجهالات، وهذا ~~وأمثاله مفتقر إلى بسط كثير. والمقصود ذكر ما ادعوا في البرهان المنطقي؟ ### | AUTO [بطلان دعواهم] # لا بد في البرهان من قضية كلية # وأيضا ms015 فإذا قالوا: إن العلوم [اليقينية] لا تحصل إلا بالبرهان الذي هو ~~عندهم قياس شمولي، وعندهم لا بد فيه من قضية كلية موجبة، ولهذا قالوا: ~~لإنتاج عن قضيتين سالبتين ولا جزئيتين في شئ من أنواع القياس، لا بحسب ~~صورته كالحملى والشرطي المتصل والمنفصل ولا بحسب مادته لا البرهاني PageV02P032 # ولا الخطابي ولا الجدلي، بل ولا الشعري. فيقال: إذا كان لا بد في كل ما ~~يسمونه برهانا من قضية كلية، فلا بد من العلم بتلك القضية الكلية: أي من ~~العلم بكونها كلية، وإلا فمتى جوز عليها أن لا تكون كلية، بل جزئية، لم ~~يحصل العلم بموجبها. والمهملة (هي) المطلقة التي يحتمل لفظها أن يكون كلية ~~وجزئية في قوة الجزئية، وإذا كان لا بد في العلم الحاصل بالقياس الذي ~~يخصونه باسم البرهان من العم بقضية كلية موجبة، فيقال العلم بتلك القضية إن ~~كان يديها. أمكن أن يكون كل واحد من أفرادها بديهيا بطريق الأولى، وإن كان ~~نظريا احتاج إلى علم بديهي، فيفضى إلى الدور المعي أو التسلسل في ~~المتواترات وكلاهما باطل. # وهكذا يقال في سائر القضايا الكلية التي يجعلونها مبادئ البرهان، ~~ويسمونها الواجب قبولها سواء كانت حسية ظاهرة أو باطنه، وهي التي يحسها ~~بنفسه أو كانت من المحرمات أو المتواترات أو الحدسيات عند من يجعل منها ما ~~هو من اليقينيات الواجب قبولها، مثل العلم يكون القمر مستفادا من الشمس إذا ~~رأى اختلاف أشكاله عند اختلاف محاذاته للشمس، كما يختلف إذا قاربهما بعد ~~الإجماع كما في ليلة الهلال، وإذا كان ليلة الاستقبال عند الإبدار. وهم ~~متنازعون: هل الحدس قد يفيد اليقين أم لا؟ ومثل العقليات المحضة، مثل قولنا ~~الواحد نصف الاثنين، والكل أعظم من الجزء، والأشياء المساوية لشئ واحد ~~متساوية، والضدان لا يجتمعان، والنقيضان لا يرتفعان ولا يجتمعان، فما من ~~قضية من هذه القضايا الكلية التي تجعل مقدمة في البرهان إلا والعلم ~~بالنتيجة ممكن بدون توسط ذلك PageV02P033 # البرهان، بل هو الواقع كثيرا. فإذا علم أن كل واحد فهو نصف كل اثنين وأن ~~كل اثنين نصفهم ms016 واحد، فإنه يعلم أن هذا الواحد نصف هذين الاثنين، وهل جرا ~~في سائر القضايا الأخر من غير استدلال على ذلك بالقضية الكلية. وكذلك كل ~~جزء يعلم أن هذا الكل أعظم من جزئه بدون توسط القضية الكلية. وكذلك هذان ~~النقيضان من تصورهما نقيضين، فإنه يعلم أنهما لا يجتمعان (ولا يرتفعان). ~~وكل أحد يعلم أن هذا المعين لا يكون موجودا معدوما كما يعلم المعين الآخر، ~~ولا يحتاج ذلك إلى أن يستدل عليه بأن كل شئ لا يكون موجودا معدوما معا، ~~وكذلك الضدان فإن الإنسان يعلم أن هذا الشئ لا يكون أسود أبيض، ولا يكون ~~متحركا ساكنا، كما يعلم أن الآخر كذلك. ولا يحتاج في العلم بذلك إلى قضية ~~كلية بأن كل شئ لا يكون أسود أبيض، ولا يكون متحركا ساكنا. # وكذلك في سائر ما يعلم تضادهما، فإن على تضاد المعنيين، على أنهما لا ~~يجتمعان فإن العلم بالقضية الكلية يفيد العلم بالمقدمة الكبرى المشتملة على ~~الحد الأكبر وذلك لا يغني بدون العلم بالمقدمة الصغرى المشتملة على الحد ~~الأصغر. والعلم بالنتيجة وهو أن هذين المعينين ضدان فلا يجتمعان، يمكن بدون ~~العلم بالمقدمة الكبرى: وهو أن كل ضدين لا يجتمعان فلا يفتقر العلم بذلك ~~إلى القياس الذي خصوه باسم البرهان وإن كان البرهان في كلام الله ورسوله ~~كلام سائر أصناف العلماء ولا يختص بما سموه هم البرهان وإنما خصواهم لفظ ~~البرهان بما اشتمل عليه القياس الذي خصوا صورته PageV02P034 # ومادته بما ذكروه، مثال ذلك أنه إذا أريد إبطال قول من يثبت الأحوال ~~ويقول (هي) لا موجودة ولا معدومة، ويقول: وهذا نقيضان وكل نقيضين لا ~~يجتمعان ولا يرتفعان، فإن هذا جعل الواحد موجودا معدوما، ولا يمكن جعل ~~الحال موجودة معدومة، كأن العلم بأن هذا المعنى لا يكون موجودا معدوما بدون ~~هذه القضية الكلية، فلا يفتقر العلم بالنتيجة إلى البرهان. وكذلك إذا قيل: ~~إن هذا ممكن وكل ممكن فلا بد له (من) مرجح لوجوده، على أصح القولين أو لأحد ~~طرفيه على قول طائفة من الناس، أو قيل: هذا ms017 محدث وكل محدث، فلا بد له من ~~محدث، فتلك القضية الكلية وهي قولنا: كل محدث لا بد له من محدث، وكل ممكن ~~لا بد له من مرجح، يمكن العلم بأفرادها المطلوبة بالقياس البرهاني عندهم ~~بدون العلم بالقضية الكلية التي لا يتم البرهان عندهم إلا بها، فيعلم أن ~~هذا المحدث لا بد له من محدث وهذا الممكن لا بد له من مرجح، فإن شك عقله، ~~وجوز أن يحدث هو بلا محدث أحدثه أو أن يكون وهو ممكن يقبل الوجود والعدم ~~بدون مرجح يرجح وجوده، جوز ذلك في غيره من المحدثات والممكنات بطريق ~~الأولى، وإن جزم بذلك في نفسه لم يحتج علمه بالنتيجة المعينة: وهو قولنا: ~~وهذا محدث، فله محدث أو هذا ممكن، فله مرجح، إلى القياس البرهاني. # ومما يوضح هذا: أنك لا تجد أحدا من بني آدم يريد أن يعلم مطلوبا بالنظر ~~ويستدل عليه بقياس برهاني يعلم صحته، إلا ويمكنه العلم به PageV02P035 # بدون ذلك القياس البرهاني المنطقي. ولهذا لا تجد لهذا من سائر أصناف ~~العقلاء غير هؤلاء، ولا ينظم دليله من المقدمتين كما ينظمه هؤلاء، بل ~~يذكرون الدليل المستلزم للمدلول، ثم الدليل قد يكون مقدمة واحدة وقد يكون ~~مقدمتين، وقد يكون ثلاث مقدمات بحسب حاجة الناظر المستدل، إذ حاجة الناس ~~تختلف. وقد بسطنا ذلك في الكلام على المحصل وبينا تخطئة جمهور العقلاء لمن ~~قال إنه لا بد في كل علم نظري من مقدمتين لا يستغنى عنهما، ولا يحتاج أكثر ~~منهما. وهذا ينبغي أن يأخذ عن المواد العقلية التي لا يستدل عليها بنصوص ~~الأنبياء، فإنه يظهر فيها فساد منطقهم، وأما إذا أخذ به في المواد المعلومة ~~بنصوص الأنبياء فإنه يظهر الاحتياج إلى القضية الكلية، كما إذا أردنا تحريم ~~النبيذ المتنازع فيه فقلنا النبيذ مسكر وكل مسكر حرام، أو قلنا هو خمر وكل ~~خمر حرام، فقولنا النبيذ المسكر خمر يعلم بالنص، وهو قول النبي-صلى الله ~~عليه وسلم- "كل مسكر خمر وكل خمر حرام" يعلم بالنص والإجماع؛ وليس في ذلك ~~نزاع وإنما النزاع في المقدمة ms018 الصغرى وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي- صلى ~~الله عليه وآله وسلم- أنه قال: إن كل مسكر خمر وكل خمر حرام. وفي لفظ: كل ~~مسكر خمر وكل خمر حرام. وقد يظن بعض الناس أن النبي- صلى الله عليه وآله ~~وسلم- ذكر هذا على النظم المنطقي ليبين النتيجة بالمقدمتين؛ كما يفعله ~~المنطقيون، وهذا جهل عظيم ممن يظنه فإنه- صلى الله عليه وسلم- أجل قدرا من ~~أن يستعمل مثل هذا الطريق في بيان العلم، بل من هو أضعف عقلا وعلما من آحاد ~~علماء أمته لا يرضى لنفسه أن يسلك طريقة هؤلاء المنطقيين، بل يعدونهم من ~~الجهال الذين لا يحسنون (إلا) الصناعات كالحساب والطب ونحو ذلك. PageV02P036 # وأما العلوم البرهانية الكلية اليقينية والعلوم الإلهية فلم يكونوا من ~~رجالها. وقد تبين ذلك نظار المسلمين في كتبهم وبسطوا الكلام عليهم، وذلك أن ~~كون كل خمر حراما، هو مما علمه المسلمون. فلا يحتاجون إلى معرفة ذلك وإنما ~~شك بعضهم في أنواع من الأشربة المسكرة كالنبيذ المصنوع من العسل والحبوب ~~وغير ذلك، كما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أنه قال لرسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم-: عندنا شراب مصنوع يقال له البتع وشراب يصنع من الذرة يقال ~~له المزر، قال- وكان أونى جوامع الكلم- فقال: كل مسكر حرام، فأجابهم -صلى ~~الله عليه وسلم-، بقضية كلية بين بها أن كل ما يسكر فهو محرم. وبين أيضا أن ~~كل ما يسكر فهو خمر، وهاتان قضيتان كليتان صادقتان متطابقتان، العلم بأيهما ~~كان موجب العلم بتحريم كل مسكر إذ ليس العلم بتحريم مسكر يتوقف على العلم ~~بهما جميعا، فإن من علم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: كل مسكر حرام، ~~وهو من المؤمنين به، علم أن النبيذ المسكر حرام، ولكن قد يحصل الشك هل أراد ~~القدر المنكر. أو أراد جنس المسكر، وهذا شك في مدلول قوله، فإذا علم مراده- ~~صلى الله عليه وسلم-، علم المطلوب، وكذلك إذا علم أن النبيذ خمر والعلم ~~بهذا أوكد في التحريم فإن نمن يحلل النبيذ المتنازع فيه، لا يسميه خمرا، ~~فإذا علم بالنص أن ms019 كل مسكر خمر كان هذا وحده دليلا على تحريم كل مسكر عند ~~أهل الإيمان ال 1 ين يعلمون أن الخمر محرم، وأما من لم يعلم تحريم الخمر، ~~لكونه لم يؤمن بالرسول. فهذا لا يستدل بنصه، وإن علم أن محمدا رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- ولكن لم يعلم أنه حرم الخمر فهذا لا ينفعه قوله: كل ~~مسكر خمر، بل ينفعه قوله: كل مسكر حرام "وحينئذ يعلم بهذا تحريم الخمر، PageV02P037 # لأن الخمر والمسكر اسمان لمسمى واحد عند الشارع وهما متلازمان عنده في ~~العموم والخصوص عند جمهور العلماء الذين يحرمون كل مسكر. # وليس المقصود هنا الكلام في تقرير المسألة الشرعية، بل التنبيه على ~~التمثيل فإن هذا المثال كثيرا ما يمثل به من صنف في المنطق من علماء ~~المسلمين، والمنطقيون يمثلون بصورة مجردة عن المواد، لا تدل على شئ معين، ~~لئلا يستفاد العلم بالمثال من صورة معينة كما يقولون كل أب وكل ب ج فكمل ~~أح. ولكن المقصود هو العلم المقصود من المواد المعينة، فإذا جرت يظن الظان ~~أن هذا يحتاج إليه في المعينات، وليس الأمر كذلك، بل إا طولبوا بالعلم ~~بالمقدمتين الكليتين في جميع مطالبهم العقلية التي تؤخذ عن المعصومين تجدهم ~~يحتجون بما يمكن معه العلم فيها بالمعينات المطلوبة بدون العلم بالقضية ~~الكلية. فلا يكون العلم بها موقوفا على البرهان فالقضايا (النبوية) لا ~~يحتاج إلى القياس العقلي الذي سموه برهانا. وما يستفاد بالعقل من العلوم ~~أيضا لا يحتاج إلى قياسهم البرهاني، فلا يحتاج إليه لا في السمعيات ولا في ~~العقليات، فامتنع أن يقال: لا يحصل علم إلا بالقياس البرهاني الذي ذكروه. # ومما يوضح ذلك أن القضايا الحسية لا تكون إلا جزئية، فنحن (لو) لم ندرك ~~بالحس إحراق هذه النار، وهذه النار، لم تدرك أن كل نار محرقة، . PageV02P038 # فإذا جعلنا هذه قضية كلية، وقلنا كل نار محرقة. لم يكن لنا طريق نعلم به ~~صدق هذه القضية الكلية علما يقينيا، إلا والعلم بذلك ممكن في الأعيان ~~المعينة بطريق الأولى. وإن قبل ليس المراد العلم بالأمور ms020 المعينة فإن ~~البرهان لا يفيد (إلا) العلم بقضية كلية فالنتائج (المعلومة بالبرهان) لا ~~تكون إلا كلية كما يقولون هم ذلك. والكليات إنما تكون كليات في الأذهان لا ~~في الأعيان قيل: فعلى هذا التقدير لا يفيد البرهان العلم بشيء موجود بل ~~بأمور مقدرة في الأذهان لا يعلم تحققها في الأعيان وإذا لم يكن في هذا علم ~~بشيء بموجود، فيكون قليل المنفعة جدا، بل عديم المنفعة، وهم لا يقولون بذلك ~~بل يستعملونه في العلم بالموجودات الخارجية (الطبيعية) والإلهية؛ ولكن ~~حقيقة الأمر- كما بيناه في غير هذا الوضع- أن المطالب الطبيعية التي ليست ~~من الكليات اللازمة بل الأكثرية، فلا تفيد مقصود البرهان. # وأما الإلهيات فكلياتهم فيها أفسد من كليات الطبيعة. وغالب كلامهم- فيها ~~ظنون كاذبة فضلا عن أن نكون قضايا صادقة يولد منها البرهان. ولهذا حدثونا ~~بإسناد متصل عن فاضل زمانه في المنطق وهو الخويخي صاحب كشف أسرار المنطق ~~والموجز وغيرهما أنه قال عند الموت: أموت PageV02P039 # وما عرفت شيئا (إلا) علمي بأن الممكن يفتقر إلى المؤثر. ثم قال: الافتقار ~~وصف سلبي، فأنا أموت، وما عرفت شيئا. وكذلك حدثونا عن آخر من أفاضلهم- وهذا ~~أمر يعرفه كل من خبرهم ويعرف أنهم أجهل أهل الأرض بالطرق التي ينال بها ~~العلوم العقلية والسمعية، إلا من علم منهم علما من غير الطرق المنطقية، ~~فتكون علومه من تلك الجهة لا من جهتهم، مع كثرة تعبهم في البرهان الذي، ~~يزعمون أنهم يزنون به العلوم، ومن عرف منهم شيئا من العلوم لم يكن ذلك ~~بواسطة ما حرره في المنطق، ومما بين أن حصول العلوم اليقينية الكلية ~~والجزئية لا يفتقر إلا برهانهم (أن يقال: إذا كان لابد في برهانهم) من قضية ~~كلية، فالعلم بتلك القضية الكلية لابد له من سبب، فإن عرفوها باعتبار ~~الغائب بالشاهد، فإن حكم الشيء حكم مثله، كما إذا عرفنا أن هذه (النار ~~محرقة) فالنار الغائبة محرقة لأنها مثلها. وحكم الشيء حكم مثله، فيقال هذا ~~استدلال بقياس التمثيل وهم يزعمون أنه لا يفيد اليقين بل الظن، فإذا كانوا ~~إنما علموا القضية الكلية ms021 بقياس التمثيل، يرجعوا في اليقين إلى ما يقولون ~~إنه لا يفيد إلا الظن، وإن قالوا بل عند الإحساس بالجزئيات لأن يفيض عليها ~~الكلي من واهب العقل أو قالوا: من العقل الفعال. عندهم ونحو ذلك- قيل لهم: ~~الكلام فيها به يعلم أن الحكم الكلي الذي في النفس علم لا ظن ولا جهل. فإن ~~قالوا هذا العلم بالبديهة والضرورة، كان هذا قولا بأن هذه القضايا الكلية ~~معلومة بالبديهة والضرورة، وأن النفس مضطرة إلى هذا العلم. وهذا إن PageV02P040 # كان حقا فالعلم بالأعيان المعينة وبأنواع الكليات يحصل أيضا في النفس ~~بالبديهة والضرورة كما هو الواقع، فإن جزم العقلاء بالشخصيات من الحسيات، ~~أعظم من جزمهم بكلية الأنواع أعظم من جزمهم بكلية الأجناس، والعلم ~~بالجزئيات أسبق إلى الفطرة. فجزم الفطرة بها أقوى. ثم كلما قوي العقل، ~~اتسعت الكليات وحينئذ فلا يجوز أن يقال: إن العلم بالأشخاص، وقوف على العلم ~~بالأنواع والأجناس، ولا أن العلم بأنواع موقوف على العلم بالأجناس، بل قد ~~يعلم الإنسان أنه حساس متحرك بالإرادة قبل أن يعلم أم كل إنسان كذلك ويعلم ~~أن الإنسان كذلك قبل أن يعلم أن كل حيوان كذلك فلم يبق علمه بأن غيره من ~~الحيوان حساس متحرك بالإرادة، موقوفا على البرهان وإذا علم حكم سائر الناس ~~وسائر الحيوان، فالنفس تحكم بذلك بواسطة علمها أن ذلك الغائب مثل هذا ~~الشاهد، أو أنه يساويه في السبب الموجب لكونه (حساسا) متحركا بالإرادة ونحو ~~ذلك من قياس التمثيل والتعليل الذي يحتج به الفقهاء في إثبات الأحكام ~~الشرعية. ### | AUTO [مادة الأقيسة] # وهؤلاء يزعمون أن ذلك القياس إنما يفيد الظن، وقياسهم هو الذي يفيد ~~اليقين، وقد بينا في غير هذا الموضع أن قولهم هذا من أفسد الأقوال، وأن ~~قياس التمثيل وقياس الشمول سواء وإنما يختلفان بالمادة المعينة فإن كانت PageV02P041 # يقينية (في أحدهما كانت يقينية) في الآخر وإن كانت ظنية في أحدهما كانت ~~ظنية في الآخر. وذلك أن قياس الشمول مؤلف من الحدود الثلاثة، الأصغر ~~والأوسط والأكبر، والحد الأوسط فيه هو الذي يسمى في قياس التمثيل علة ms022 ~~ومناطا وجامعا [ومشتركا ووصفا ومقتضيا]. فإذا قال في مسألة النبيذ: كل نبيذ ~~مسكر وكل مسكر حرام، فلابد له من إثبات المقدمة الكبرى، وحينئذ يتم ~~البرهان، وحينئذ فيمكنه أن يقول النبيذ مسكر، فيكون حراما قياسا على خمر ~~العنب، بجامع ما يشتركان فيه من الإسكار، هو مناط التحريم في الأصل، وهو ~~موجود في الفرع فيما به (يقرر) أن كل مسكر حرام، به يقرر أن السكر مناط ~~التحريم بطريق الأولى، بل التفريق في قياس التمثيل أسهل عليه لشهادة الأصل ~~له بالتحريم، فيكون الحكم قد علم ثبوته في بعض الجزئيات. ولا يكفي في قياس ~~التمثيل إثباته في أحد الجزأين لثبوته في الجزء الآخر، لاشتراكهما في أمر ~~لم يقم دليل على استلزامه للحكم، كما يظنه بعض للطالبين، بل لابد أن يعلم ~~أن المشترك بينهما مستلزم للحكم والمشترك بينهما هو الحد الأوسط. وهذا ما ~~يسميه الفقهاء وأهل أصول الفقه المطالبة بتأثير الوصف في الحكم؛ وهذا ~~السؤال أعظم سؤال يرد على القياس وجوابه هو الذي يحتاج إليه غالبا في تقدير ~~صحة القياس، فإن المعترض قد يمنع الوصف في الأصل، وقد يمنع الحكم في الأصل، ~~وقد يمنع الوصف في الفرع، وقد يمنع كون الوصف علة في الحكم ويقول: لا نسلم ~~أن ما ذكرته في الوصف المشترك هو العلة أو دليل PageV02P042 # العلة، فلابد من دليل بدل على ذلك من نص أو اجتماع أو سبر وتقسيم أو ~~المناسبة أو الدوران عند من يستدل بذلك، فما دل على أن الوصف المشترك ~~مستلزم للحكم إما علة، وإما دليل العلة: هو الذي يدل على أن الحد الأوسط ~~مستلزم الأكبر، وهو الدال على صحة المقدمة الكبرى، فإن أثبت العلة كان ~~برهان علة، وإن أثبت دليلها، كان برهان دلالة. وإن لم يفيد العلم بل أفاد ~~الظن، فكذلك المقدمة الكبرى في ذلك القياس لا تكون إلا ظنية، وهذا أمر بين. ~~ولهذا صار كثير من الفقهاء يستعملون في الفقه القياس الشمولي، كما يستعمل ~~في العقليات القياس التمثيلي، وحقيقة أحدهما هو حقيقة الآخر. # ومن قال من متأخري أهل ms023 الكلام والرأي كأبي المعالي وأبي حامد والرازي ~~وأبي محمد المقدسي وغيرهم من أن العقليات ليس فيها قياس وإنما القياس في ~~الشرعيات، ولكن الاعتماد في العقليات على الدليل الدال على ذلك مطلقا، ~~فقولهم مخالف لقول نظار المسلمين، بل وسائر العقلاء، فإن القياس يستدل به ~~في العليات كما يستدل به في الشرعيات، فإنه إذا ثبت أن الوصف المشترك ~~مستلزم للحكم كان هذا دليلا في جميع العلوم. وكذلك إذا ثبت أنه ليس بين ~~الفرع والأصل فرق مؤثر كان هذا دليلا في جميع العلوم، وحيث لا يستدل ~~بالقياس التمثيلي، لا يستدل بالقياس الشمولي. # وأبو المعالي ومن قبله من النظار لا يسلكون طريقة المنطقيين ولا يرضونها ~~بل يستدلون بالأدلة المستلزمة عندهم لمدلولاتها من غير اعتبار ذلك بميزان ~~المنطقيين ((لكن جمهور النظار يقيسون الغائب على الشاهد إذا كان المشترك ~~مستلزما للحكم، كما يمثلون به في الجمع بالحد والعلة والشرط والدليل، ~~ومنازعهم PageV02P043 # يقول لم يثبت الحكم في الغائب لأجل ثبوته في الشاهد؛ بل نفس القضية ~~الكلية كافية في المقصود من غير احتياج إلى التمثيل، فيقال لهم: وهكذا في ~~الشرعيات، فإنه متى قام الدليل على أن الحكم معلق بالوصف الجامع لم يحتج ~~إلى الأصل، بل نفس الدليل الدال على أن الحكم يتعلق بالوصف كاف لكن لما كان ~~هذا كليا والكلي لا يوجد إلا معينا كان تعيين الأصل، مما يعلم به تحقيق هذا ~~الكلي، وهذا أمر نافع في الشرعيات والعقليات، فعلمت أن القياس حيث قام ~~الدليل على أن الجامع مناط الحكم، أو على إلغاء الفارق بين الأصل والفرع، ~~فهو قياس صحيح، ودليل صحيح، في أي شيء كان. ### | AUTO [مسمى القياس] # وقد تنازع الناس في مسمى القياس فقالت طائفة من أهل الأصول هو حقيقة في ~~قياس التمثيل، مجاز في قياس الشمول، كأبي حامد الغزالي وأبي محمد المقدسي، ~~وقالت طائفة بل هو بالعكس حقيقة في الشمول، مجاز في التمثيل كابن حزم ~~وغيره. وقال جمهور العلماء: بل هو حقيقة فيهما والقياس العقلي يتناولهما ~~جميعا، وهذا قول أكثر من تكلم في أصول الدين ms024 وأصول الفقه وأنواع العلوم ~~العقلية، وهو الصواب، فإن حقيقة أحدهما هو حقيقة الآخر وإنما تختلف صورة ~~الاستدلال. # والقياس في اللغة تقدير الشيء بغيره، وهذا يتناول تقدير الشيء المعين PageV02P044 # بنظيره المعين وتقديره بالأمر الكلي المتناول ولأمثاله؛ فإن الكلي هو ~~مثال في الذهن لجزئياته؛ ولهذا كان مطابقا وموافقا له. وقياس الشمول هو ~~انتقال الذهن من المعين إلى المعنى العام المشترك الكلي المتناول له ولغيره ~~والحكم عليه بما يلزم المشترك الكلي بأن ينتقل من ذلك الكلي اللازم إلى ~~الملزوم الأول، وهو المعين فهو انتقال من خاص إلى عام، ثم انتقال من ذلك ~~العام إلى الخاص من جزئي إلى كلي، ثم من ذلك الكلي إلى الجزئي الأول، فيحكم ~~عليه بذلك الكلي، ولهذا الدليل أخص من مدلوله الذي هو الحكم، فإن يلزم من ~~وجود الدليل وجود الحكم واللازم ولا يكون أخص من لازمه، بل أعم منه أو ~~مساويه، وهو المعني بكونه أعم. والمدلول عليه الذي هو محل الحكم وهو ~~المحكوم عليه المخبر عنه الموصوف الموضوع، إما أخص من الدليل أو مساويه، ~~فيطلق عليه القول بأنه أخص منه، لا يكون أعم من الدليل. إذ لو كان أعم منه، ~~لم يكن الدليل لازما له، فلا يعلم ثبوت الحكم له، فلا يكون الدليل دليلا، ~~وإنما يكون إذا كان لازما للمحكوم عليه الموصوف المخبر عنه الذي يسمى ~~الموضوع والمبتدأ مستلزما للحكم الذي صفة وخبر وحكم، وهو الذي يسمى المحمول ~~والخبر، وهذا كالسكر الذي هو أعم من النبيذ المتنازع فيه وأخص من التحريم. # وقد يكون الدليل مساويا في العموم والخصوص للحكم لازما للمحكوم PageV02P045 # عليه. فهذا هو جهة دلالته سواء صور قياس شمول وتمثيل أو لم يصور كذلك. ~~وهذا أمر يعقله القلب وإن لم يعبر عنه اللسان. ولهذا كانت أذهان بني آدم ~~تستدل بالأدلة على المدلولات، وإن لم يعبروا عن ذلك بالعبارات المبينة لما ~~في نفوسهم، وقد يعبرون بعبارات مبينة لمعانيهم، وإن لم يسلكوا اصطلاح طائفة ~~معينة من أهل الكلام ولا المنطق ولا غيرهم، فالعلم بذلك الملزوم، لابد أن ~~يكون بينا ms025 بنفسه أو بدليل آخر. ### | AUTO [قياس التمثيل] # وأما قياس التمثيل فهو انتقال الذهن من حكم معين إلى حكم معين لاشتراكهما ~~في ذلك المعنى المشترك الكلي، لأن ذلك الحكم يلزم المشترك الكلي. ثم العلم ~~بذلك اللزوم لابد له من سبب، إذا لم يكن بيننا كما تقدم، فهو يتصور ~~المعينين أولا، وهما الأصل والفرع إلى لازمهما وهو المشترك، ثم إلى لازم ~~اللازم وهو الحكم، ولابد أن يعرف أن الحكم لازم المشترك وهو الذي يسمى هناك ~~قضية كبرى، ثم ينتقل إلى إثبات هذا اللازم للملزوم الأول المعين فهذا هو ~~هذا في الحقيقة، وإنما يختلفان في تصوير الدليل ونظمه وإلا فالحقيقة التي ~~بها صار دليلا، وهو أنه مستلزم للمدلول حقيقة واحدة. # ومن ظلم هؤلاء وجهلهم أنهم يضربون المثل في قياس التمثيل بقول القائل ~~السماء مؤلفة، فتكون محدثة قياسا على الإنسان. ثم يوردون على هذا القياس ما ~~يختص به، فإنه لو قيل السماء مؤلفة، وكل مؤلف محدث، لورد عليه هذه الأسئلة ~~وزيادة. ولكن إذا أخذ قياس الشمول في مادة بينة، لم يكن فرق PageV02P046 # بينه وبين قياس التمثيل، فإن الكلي هو مثال في الذهن لجزئياته، ولهذا كان ~~مطابقا موافقا له، بل قد يكون التمثيل أبين. ولهذا كان العقلاء يثبتون به ~~كذلك فقولهم في الحد إنه لا يحصل بالمثال إنما ذاك في المثال الذي يحصل به ~~التمييز بين المحدود وغيره. بحيث يعرف به ما يلازم لمحدود طردا وعكسا، بحيث ~~يوجد حيث وجد، وينتفي حيث انتفى، فإن الحد المميز للمحدود هذا فقد ميز ~~المحدود من غيره. وهذا هو الحد عند الجماهير النظار. # ولا يسوغون إدخال الجنس العام في الحد، فإذا كان المقصود الحد بحسب الاسم ~~فسأل بعض العجم عن مسمى الخبز، فرأى رغيفا وقيل له هذا، فقد يفهم أن هذا ~~لفظ يوجد فيه كل ما هو خبز سواء كان على صورة الرغيف أو غير صورته. وقد بسط ~~الكلام على ما ذكروه وذكره المنطقيون في الكلام على المحصل وغير ذلك وجد ~~هذا في الأسئلة المجردة، إذا كان المقصود إثبات ms026 الجيم للألف والحد الأوسط ~~هو الباء فقيل كل ألف باء وكل باء جيم أنتج كل ألف جيم. وإذا قيل كل ألف ~~جيم قياسا على الدال لأن الدال هي جيم وإنما كان جيما لأنها باء والألف ~~أيضا باء، فيكون الألف جيما لاشتراكهما في المستلزم للجيم وهو الباء، كان ~~هذا صحيحا في معنى الأول، لكن فيه زيادة مثال قيست عليه الألف مع أن الحد ~~الأوسط وهو الباء موجود فيها. # فإن قيل ما ذكر ثموه من كون البرهان لابد فيه من قضية كلية صحيح، ولهذا ~~لا يثبتون به إلا مطلوبا كليا. PageV02P047 ### | AUTO البرهان لا يفيد إلا الكليات # ويقولون: ### | AUTO البرهان لا يفيد إلا الكليات # . ثم أشرف الكليات هي العقليات المحضة التي لا تقبل التغيير والتبديل، ~~وهي التي تكمل بها النفس فتصير عالما معقولا موازيا للعالم الموجود بخلاف ~~القضايا التي تتبدل وتتغير. وإذا كان المطلوب هو الكليات العقلية التي لا ~~تقبل التبديل والتغيير، فتلك إنما تحصل بالقضايا العقلية الواجب قبولها بل ~~إنما يكون في القضايا التي جهتها الوجوب، كما يقال: كل إنسان حيوان وكل ~~موجود فإما واجب وإما ممكن. ونحو ذلك من الكلية التي لا تقبل التغيير. ~~ولهذا كانت العلوم ثلاثة إما علم لا يتجرد عن المادة لا في الذهن ولا في ~~الخارج وهو الطبيعي وموضوعه الجسم وإما مجرد عن المادة في الذهن لا في ~~الخارج وهو الرياضي كالكلام في المقدار والعدد، وإما يتجرد عن المادة منها ~~وهو إلهي، وموضوعها الوجود المطلق بلواحقه التي تلحقه من حيث هو وجود، ~~كانقسامه إلى واجب وممكن، وجوهر وعرض، وانقسام الجوهر إلى ما هو حال وإلى ~~ما هو محل، وما ليس بحال ولا محل، بل هو يتعلق بذلك تعلق التدبير، وإلى ما ~~ليس بحال ولا محل ولا هو متعلق بذلك. فالأول هو الصورة، والثاني هو المادة ~~وهو الهيولي، ومعناه في لغتهم المحل، والثالث: هو النفس، والرابع: هو ~~العقل. والأول: يجعله أكثرهم من مقولة الجوهر، ولكن طائفة من متأخريهم كابن ~~سينا امتنعوا من تسميته جوهرا، وقالوا: الجوهر ما إذا ms027 وجد، كان وجوده لا في ~~موضوع، أي لا في محل، يستغني عن الحال فيه، وهذا إنما يكون فيما وجوده غير ~~ماهيته، والأول ليس كذلك فلا يكون جوهرا. وهذا مما خالفوا PageV02P048 # فيه سلفهم، ونازعوهم فيه نزاعا لفظيا، ولم يأتوا بفرق صحيح معقول فإن ~~تخصيص اسم الجوهر بما ذكروه أمر اصطلاحي، وأولئك يقولون بل هو (كل ما) ليس ~~في موضوع كما يقول المتكلمون، كل ما هو قائم بنفسه، أو كل ما هو متحيز، أو ~~كل ما قامت به الصفات، أو كل ما حمل الأعراض، ونحو ذلك. وأما الفرق المعنوي ~~فدعواهم أن وجود الممكنات زائد على ماهيتها في الخارج باطل. ودعواهم أن ~~الأول وجود مقيد بالسلوب أيضا باطل، كما هو مبسوط في موضعه. والمقصود هنا ~~الكلام على البرهان. # فيقال هذا الكلام وإن ضل به طوائف؛ فهو كلام مزخرف، وفيه من الباطل (ما ~~يطول) وصفه، لكن ننبه هنا على بعض ما فيه، وذلك من وجوه: # الأول: أن يقال إذا كان البرهان لا يفيد إلا العلم بالكليات والكليات ~~إنما تتحقق في الأذهان لا في الأعيان، وليس في الخارج إلا وجود معين، لم ~~يعلم بالبرهان شيء من المعينات، فلا يعلم به موجود أصلا، بل إنما يعلم به ~~أمور مقدرة في الأذهان، ومعلوم أن النفس لو قدر أن كمالها في العلوم فقط، ~~وإن كانت هذه قضية كاذبة، كما بسط في موضعه، فليس هذا علما تكمل به النفس، ~~إذ لم تعلم شيئا من الموجودات، ولا صارت عالما معقولا موازيا للعالم ~~الموجود بل صارت عالما لأمور كلية مقدرة، لا نعلم بها شيئا من العالم ~~الموجود، وأي خير في هذا، فضلا عن أن يكون كمالا. # والثاني: أن يقال أشرف الموجودات هو واجب الوجود، ووجوده PageV02P049 # معين لا كلي، فإن الكلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، وواجب الوجود ~~يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، وإن لم يعلم منه ما يمنع تصوره من وقوع ~~الشركة فيه، بل إنما علم أمر كلي مشترك بينه وبين غيره لم يكن قد علم واجب ~~الوجود، ms028 وكذلك الجواهر العقلية عندهم، وهي العقول العشرة أو أكثر من ذلك ~~عند من يجعلها أكثر من ذلك عندهم كالسهر وردي المقتول وأبي البركات وغيرهما ~~منهم، كلها جواهر معينة، لا أمور كلية، فإذا لم نعلم إلا الكليات لم نعلم ~~شيئا منها، وكذلك الأفلاك التي يقولون إنها أزلية أبدية، فإذا لم نعلم إلا ~~الكليات، لم تكن معلومة، فلا نعلم واجب الوجود ولا العقول ولا شيئا من ~~النفوس ولا الأفلاك ولا العناصر ولا المولدات، وهذه جملة الموجودات عندهم، ~~فأي علم هنا تكمل به النفس؟ # الثالث: إن تقسيمهم العلوم إلى الطبيعي والرياضي والإلهي وجعلهم ~~(الرياضي) أشرف من الطبيعي، والإلهي أشرف من الرياضي، هو مما قلبوا به ~~الحقائق، فإن العلم الطبيعي وهو العلم بالأجسام الموجودة في الخارج؟ دأ ~~حركاتها وتحويلاتها من حال إلى حال، وما فيها من الطبائع أشرف من مجرد تصور ~~مقادير مجردة وأعداد مجردة، فإن كون الإنسان لا يتصور إلا شكلا مدورا أو ~~مثلثا أو مربعا، ولو تصور كل ما في إقليدس، أو لا يتصور إلا أعدادا مجردة ~~ليس فيه علم بموجود في الخارج، وليس ذلك كمال النفس PageV02P050 # ولولا أن ذلك طلب فيه معرفة المعدودات والمقدرات الخارجية التي هي أجسام ~~وأعراض لما جعل علما. # وإنما جعلوا علم الهندسة مبدأ تعلم الهيئة ليستعينوا به على براهين ~~الهيئة أو ينتفعوا به في عمارة الدنيا. هذا مع أن براهينهم القياسية لا تدل ~~على شيء دلالة مطردة يقينية سالمة عن الفساد إلا في هذه المواد الرياضية. ~~فإن علم الحساب الذي هو علم بالكم المنفصل، والهندسة التي هي علم بالكم ~~المتصل، علم يقيني لا يحتمل النقيض البتة، مثل جمع الأعداد وقسمتها وضربها ~~ونسبة بعضها إلى بعض. فإنك إذا جمعت مائة إلى مائة علمت أنهما مائتان، فإذا ~~قسمتها على عشرة، كان لكل واحد عشرة، وإذا ضربتها في عشرة، كان المرتفع ~~مائة، والضرب مقابل للقسمة، فإن ضرب الأعداد الصحيحة تضعيف آحاد أحد ~~العددين بآحاد العدد الآخر، (والقسمة توزيع أحد العددين على آحاد العدد ~~الآخر) فإذا قسم المرتفع بالضرب على أحد ms029 العددين، خرج المضروب الآخر، وإذا ~~ضرب الخارج بالقسمة في المقسوم عليه خرج المقسوم، فالمقسوم نظير المرتفع ~~بالضرب، فكل واحد من المضروبين نظير المقسوم والمقسوم ليه، والنسبة تجمع ~~هذه كله، فنسبة أحد المضروبين إلى المرتفع، كنسبة الواحد إلى المضروب ~~الآخر، ونسبة المرتفع إلى أحد المضروبين كنسبة الآخر إلى الواحد. فهذه ~~الأمور وأمثالها مما يتكلم فيه الحساب أمر معقول كنسبة مما يشترك فيه ذوو ~~العقول. # وما من أحد من الناس إلا يعرف منه شيئا فإنه ضروري في العلم، ولهذا ~~يمثلون به في قولهم: الواحد نصف الاثنين ولا ريب أن قضاياه كلية واجبة ~~القبول لا تنتقض البتة. PageV02P051 # وهذا كان مبدأ فلسفتهم التي وضعها فيثاغورث، وكانوا يسمون أصحابه أصحاب ~~العدد، وكانوا يظنون أن الأعداد المجردة موجودة خارجة عن الذهن. ثم تبين ~~لأفلاطون وأصحابه غلط ذلك. وظنوا الماهيات المجردة كالإنسان المطلق والفرس ~~المطلق موجودات خارج الذهن وأنها أزلية أبدية ثم تبين لأرسطو وأصحابه غلط ~~ذلك. فقالوا بل هذه الماهيات المطلقة موجودة في الخارج مقارنة لوجود ~~الأشخاص، ومشى من مشى من أتباع أرسطو من المتأخرين على هذا، وهو أيضا غلط. ~~فإن ما في الخارج ليس بكلي أصلا، وليس في الخارج إلا ما هو كلي في الذهن ~~يوجد في الخارج، لكن إذا وجد في الخارج، لا يكون إلا معينا، لا يكون كليا، ~~فكونه كليا مشروط بكونه في الذهن، ومن أثبت ماهية لا في الذهن ولا في ~~الخارج فتصور قوله تصورا تاما، يكفي في العلم بفساد قوله، وهذه الأمور ~~مبسوطة في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا أن هذا العلم وهو الذي تقوم عليه براهين صادقة، لكن لا تكمل ~~بذلك نفس ولا تنجو به من عذاب ولا تنال به سعادة. ولهذا قال أبو حامد ~~الغزالي وغيره في علوم هؤلاء: هي بين علوم صادقة لا منفعة فيها، ونعوذ ~~بالله من علم لا ينفع، وبين ظنون كاذبة لا ثقة بها، وإن بعض الظن إثم، ~~يشيرون بالأولى إلى العلوم الرياضية، وبالثاني إلى ما يقولونه في الآلهيات ~~وفي أحكام النجوم ونحو ذلك. لكن ms030 تلتذ النفس بذلك كما تلتذ بغير ذلك، فإن ~~الإنسان يلتذ بعلم ما لم يكن علمه، وسماع ما لم يكن سمعه، إذا لم يكن ~~مشغولا عن ذلك بما هو أهم عنده منه، كما قد يلتذ بأنواع من الأفعال التي هي ~~من جنس اللهو واللعب. وأيضا ففي الإدمان على معرفة ذلك تعتاد PageV02P052 # النفس العلم الصحيح والقضايا الصحيحة الصادقة والقياس المستقيم. فيكون في ~~ذلك تصحيح الذهن والإدراك. وتعود النفس أنها تعلم الحق وتقوله، لتستعين ~~بذلك على المعرفة التي هي فوق ذلك. # ولهذا يقال: إنه كان أوائل الفلاسفة، أول ما يعلمون أولادهم العلم ~~الرياضي وكثير من شيوخهم في آخر أمره إنما يشتغل بذلك. لأنه لما نظر في ~~طرقهم وطرق من عارضهم من أهل الكلام الباطل، ولم يجد في ذلك ما هو حق، أخذ ~~يشغل نفسه بالعلم الرياضي، كما كان يتحرى مثل ذلك من هو من أئمة الفلاسفة ~~كابن واصل وغيره. وكذلك كثير من متأخري أصحابنا يشتغلون وقت بطالتهم بحكم ~~الفرائض والحساب والجبر والمقابلة والهندسة ونحو ذلك لأن فيه تفريحا للنفس، ~~وهو علم صحيح لا يدخل فيه غلط. وقد جاء عن عمر بن الخطاب أنه قال إذا لهو ~~تم فالهوا بالرمي وإذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض. فإن حساب الفرائض علم ~~معقول مبني على أصل مشروع، فتبقى فيه رياضة العقل وحفظ الشرع. لكن ليس هو ~~علما يطلب لذاته، ولا تكمل به النفس. # وأولئك المشركون كانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل ويدعونها ~~بأنواع الدعوات. كما هو معروف من أخبارهم وما صنف على طريقهم من الكتب ~~الموضوعة في الشرك والسحر ودعوة الكواكب PageV02P053 # والعزائم والأقسام التي بها يعظم إبليس وجنوده. وكان الشيطان بسبب الشرك ~~والسحر، يغويهم بأشياء هي التي دعتهم إلى ذلك الشرك والسحر، وكانوا يرصدون ~~الكواكب ليتعلموا مقاديرها ومقادير حركاتها وما بين بعضها من الاتصالات. ~~مستعينين بذلك على ما يرونه مناسبا لهذا ولما كانت الأفلاك مستديرة، ولم ~~يمكن معرفة حسابها إلا بمعرفة الهندسة وأحكام الخطوط المستقيمة والمنحنية، ~~تكلموا في الهندسة لذلك، ولعمارة الدنيا. فلهذا صاروا يتوسعون في ذلك، وإلا ms031 ~~فلو لم يتعلق بذلك غرض إلا مجرد تصور الأعداد والمقادير، لم تكن هذه الغاية ~~مما يوجب طلبها بالسعي المذكور وربما كانت هذه غاية لبعض الناس الذين ~~يتلذذون بذلك، فإن لذات النفوس أنواع، ومنهم من يلتذ بالشطرنج والنرد ~~والقمار، حتى يشغله ذلك عما هو أنفع له منه. وكان مبدأ وضع المنطق من ~~الهندسة، وسموه حدود، حدود تلك الأشكال لينتقلوا من الشكل المحسوس إلى شكل ~~المعقول وهذا لضعف عقولهم وتعذر المعرفة عليهم إلا بالطريق البعيدة. والله ~~تعالى يسر للمسلمين من العلم والبيان والعمل الصالح والإيمان ما برزوا به ~~على كل نوع من أنواع جنس الإنسان. والحمد لله رب العالمين. # وأما العلم الإلهي الذي هو عندهم مجرد ن المادة في الذهن والخارج. فقد ~~تبين لك أنه ليس له معلوم في الخارج، وإنما هو علم بأمور كلية مطلقة لا ~~توجد كلية إلا في الذهن. وليس في هذا من كمال النفس شيء. وإن عرفوا واجب ~~الوجود بخصوصه، فهو علم بمعين يمنع تصوره من وقوع الشركة PageV02P054 # (فيه) وهذا مما يدل عليه القياس الذي يسمونه البرهان، فبرهانهم لا يدل ~~على شيء معين بخصوصه، لا واجب الوجود ولا غيره، وإنما يدل على أمر كلي. ~~والكلي لا يمنع تصوره من وقو الشركة فيه، وواجب الوجود يمنع العلم به من ~~وقوع الشركة فيه. ومن لم يتصور ما تمتنع الشركة فيه؛ لم يكن قد رف الله، ~~ومن لم يثبت للرب إلا معرفة الكليات، كما يزعمه ابن سينا وأمثاله، ولأن ذلك ~~كمال للرب، فذلك يظنه كمالا للنفس بطريق الأولى، سليما إذا قال: إن النفس ~~لا تدرك إلا الكليات. وإنما يدرك الجزئيات البدن، فهذا في غاية الجهل وهذه ~~الكليات التي لا تعرف الجزئيات الموجودة لا كمال فيها البتة والنفس إنما ~~تحب معرفة الكليات، لتحيط بها بمعرفة الجزئيات، فإذا لم يحصل ذلك، لم تفرح ~~النفس بذلك الوجه. # الرابع: أن يقال هب أن النفس تكمل بالكليات المجردة كما يزعمون، فما ~~يذكرون في العلم الأعلى عندهم، الناظر في الوجود ولواحقه، ليس كذلك فإن ~~تصور معنى الوجود ms032 فقط أمر ظاهر حتى يستغني عن الحد عندهم لظهوره فليس هو ~~المطلوب. وإنما المطلوب أقسامه، ونفس أقسامه إلى واجب وممكن وجوهر وعرض ~~وعلة ومعلول وقديم وحادث، هو أخص من مسمى الوجود. وليس في مجرد معرفة ~~انقسام الأمر العام في الذهن إلى أقسام بدون معرفة الأقسام ما يقتضي علما ~~كليا عظيما عاليا على تصور الوجود. فإذا عرفت الأقسام، فليس فيها ما هو علم ~~بمعلوم لا يقبل التغيير والاستحالة، وليس معهم دليل أصلا يدلهم على أن ~~العالم لم يزل ولا يزال. PageV02P055 # هكذا. وجميع ما يحتاجون به على دوام الفاعل والفاعلية والزمان والحركة ~~وتوابع ذلك فإنما يدل على قدم نوع ذلك ودوامه، لا قدم شيء معين ولا دوام ~~شيء معين. فالجزم بأن مدلول تلك الأدلة هو (العلم) بهذا أو شيء منه، جهل ~~محض، لا مستند له، إلا عدم العلم بموجود غير هذا العالم. ودم العلم ليس ~~علما بمعلوم. # ولهذا لم يكن ند القوم إيمان بالغيب الذي أخبرت به الأنبياء، فهو لا ~~يؤمنون لا بالله ولا بملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا البعث بعد الموت. وإذا ~~قالوا: نحن نثبت العالم العقلي أو المعقول الخارج عن (العالم) المحسوس وذلك ~~هو الغيب. فإن هذا وإن كان قد ذكره طائفة من المتكلمة فالمتفلسفة، خطأ ~~وضلال، فإن ما يثبتونه من المعقولات، إنما يعود عند التحقيق إلى أمور مقدرة ~~في الأذهان لا موجودة في الأعيان. # والرسل أخبرت عما هو موجود في الخارج، وهو أكمل وأعظم وجودا مما نشهده في ~~الدنيا. فأين هذا من هذا، وهم لم كانوا مكذبين بما أخبرت به الرسل، قالوا: ~~إن الرسل قصدوا إخبار الجمهور بما يتخيل إليهم، لينتفعوا بذلك في العدل ~~الذي أقاموه لهم، ثم منهم من يقول: إن الرسل عرفت ما عرفناه من نفي هذه ~~الأمور. ومنهم من يقول بإن لم يكونوا يعرفون هذا وإنما كان كمالهم في القوة ~~العملية لا النظرية. وأقل أتباع الرسل إذا تصور حقيقة ما عندهم وجده مما لا ~~يرضى به قل تباع الرسل. # وإذا علم بالأدلة العقلية أن هذا ms033 العالم يمتنع أن يكون شيء منه قديما ~~أزليا، وعلم بأخبار الأنبياء المؤيدة بالعقل أنه كان قبله عالم آخر منه ~~خلق، وأنه سوف يستحيل وتقوم القيامة، ونحو ذلك، علم أن عامة ما عندهم PageV02P056 # من الأحكام الكلية ليست مطابقة، بل هي جهل لا علم، وهب أنهم لا يعلمون ما ~~أخبرت به الرسل، فليس في العقل ما يوجب ما ادعوه من كون هذه الأنواع الكلية ~~في هذا العالم أزلية أبدية لم تزل ولا تزال. فلا يكون العلم بذلك علما ~~بكليات ثابتة، وعامة فلسفتهم الأولى وحكمتهم العليا من هذا النمط وكذلك من ~~صنف على (طريقتهم) كصاحب المباحث المشرقية وصاحب حكمة الإشراق وصاحب دقائق ~~الحقائق ورموز الكنوز وصاحب كشف الحقائق وصاحب الأسرار الحقيقية في العلوم ~~العقلية، وأمثال هؤلاء مما لم يجرد القول لنصرر مذهبهم مطلقا ولا تخلص من ~~أشراك ضلالهم مطلقا. بل شاركهم في كثير من ضلالهم، وشكلهم في كثير من ~~محالهم، وتخلص من بعض وبالهم، وإن كان أيضا لم ينصفهم في بعض ما أصابوا، ~~وأخطأ لعدم علمه بمرادهم، أو بعدم معرفته أن ما قالوا (غير صواب، ثم إن ~~هؤلاء إنما يتبعون كلام ابن سينا، وابن سينا تكلم في أشياء من الإلهيات ~~والنبوات والمعاد والشرائع، ولم يتكلم فيه سلفه، ولا وصلت إليها عقولهم ولا ~~بلغتها علومهم، فإنه استفادها من المسلمين، وإن كان إنما أخذ عن الملاحدة ~~المنتسبين إلى المسلمين كالإسماعيلية PageV02P057 # وإن كان أهل بيته وأتباعهم معروفين عند المسلمين بالإلحاد، وحسن ما ~~يظهرون دين الرفض، وهم في الباطل يبطنون الكفر المحض. # وقد صنف المسلمون في كشف أسرارهم وهتك أستارهم كتبا كبارا وصغارا ~~وجاهدوهم باللسان واليد إذ كانوا بذلك حق من اليهود والنصارى ولو لم يكن ~~إلا كتاب كشف الأسرار وهتك الأستار للقاضي أبي بكر محمد بن الطيب وكتاب عبد ~~الجبار بن أحمد وكتاب أبي حامد الغزالي وكلام أبي إسحاق وكلام بن فورك ~~والقاضي أبي يعلى والشهر ستاني. وغير هذا مما يطول وصفه. # والمقصود هنا أن ابن سينا أخبر عن نفسه أن أهل بيته وأباه وأخاه كانوا ms034 من ~~هؤلاء الملاحدة، وإنه إنما اشتغل بالفلسفة بسبب ذاك، فإنه كان يسمعهم ~~يذكرون العقل والنفس. وهؤلاء المسلمون الذين ينسب إليهم، وهم مع الإلحاد ~~الظاهر والكفر الباطن، أعلم بالله من سلفه الفلاسفة PageV02P058 # كأرسطو وأتباعه، فإن أولئك ليس عندهم من العلم بالله إلا ما عند عباد ~~مشركي العرب ما هو خير منه. # وقد ذكرت كلام أرسطو نفسه الذي ذكره في علم ما بعد الطبيعة في مقالة ~~اللام وغيرها، وهو آخر منتهى فلسفته، وبينت بعض ما فيه من الجهل. فإنه ليس ~~في الطوائف المعروفين الذين يتكلمون في العلم الإلهي مع الخطأ والضلال مثل ~~علماء اليهود والنصارى وأهل البدع من المسلمين وغيرهم أجهل من هؤلاء، وأبعد ~~عن العلم بالله تعالى منهم. # نعم لهم في الطبيعيات كلام غالبه جيد. وهو كلام كثير واسع، ولهم عقول ~~عرفوا بها ذلك، وهم قد يقصدون الحق، لا يظهر عليهم العناد، لكنهم جهال ~~بالعلم الإلهي إلى الغاية ليس عندهم إلا قليل كثير الخطأ. # وابن سينا لما عرف شيئا من دين المسلمين، وكان قد تلقاه عن الملاحدة وعمن ~~هو خير منهم من المعتزلة والرافضة، أراد أن يجمع بين ما عرفه بعقله من ~~هؤلاء، وبين ما أخذه من سلفه. ومما أحدثه مثل كلامه في النبوات وأسرار ~~الآيات والمنامات، بل كلامه في بعض الطبيعيات وكلامه في واجب الوجود، ولا ~~شيء من الأحكام التي لو أجب الوجود وإنما يذكرون العلة الأولى، ويثبتونه من ~~حيث هو على غنائية للحركة الفلكية يتحرك الفلك للتشبه به فابن سينا أصلح ~~تلك الفلسفة الفاسدة بعض إصلاح حتى راجت على من يعرف دين الإسلام من الطلبة ~~النظار وصاروا يظهر لهم بعض ما فيها من التناقض، فيتكلم كل منهم بحسب ما ~~عنده ولكن سلموا لهم أصولا PageV02P059 # فاسدة في المنطق والطبيعيات والإلهيات، ولم يعرفوا ما دخل فيها من الباطل ~~فصار ذلك سببا إلى ضلالهم في مطالب عالية إيمانية، ومقاصد سامية قرآنية، ~~خرجوا بها عن حقيقة العلم والإيمان، وصاروا بها في كثير من ذلك لا يسمعون ~~ولا يعقلون، بل يسفسطون في العقليات، ويقرمطون ms035 في السمعيات. # والمقصود هنا التنبيه على أنه لو قدر أن النفس تكمل بمجرد العلم. كما ~~زعموه، مع أنه قول باطل فإن النفس لها قوتان: قوة علمية نظرية، وقوة إرادية ~~عملية، فلابد من كمال القوانين بمعرفة الله وعبادته، بجمع محبته والذل له، ~~فلا تكمل النفس فقط. إلا بعبادة الله وحده لا شريك له. # والعبادة تجمع معرفته ومحبته والعبودية له، وبهذا بعث الله الرسول، وأنزل ~~الكتب الإلهية كلها يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وهؤلاء يجعلون ~~العبادات التي أمرت بها الرسل. مقصودها إصلاح أخلاق النفس. لتستعد للعلم ~~الذي زعموا أنه كمال النفس، أو مقصودها إصلاح المنزل والمدينة وهو الحكمة ~~العلمية، فيجعلون العبادات وسائل محصنة إلى ما يدعونه من العلم. ولذلك يرون ~~هذا ساقطا عمن حصل المقصود، كما يفعل الملاحدة الإسماعيلية، ومن دخل في ~~الإلحاد أو بعضه وانتسب إلى الصوفية أو المتكلمين أو الشيعة أو غيرهم ~~فالجهمية قالوا. الإيمان مجرد معرفة الله. وهذا القول وإن كان خيرا من ~~قولهم فإنه جعله معرفة الله بما يلزم ذلك من معرفة ملائكته وكتبه ورسله. ~~وهؤلاء جعلوا الكمال معرفة الوجود المطلق ولواحقه. وهذا أمر لو كان له ~~حقيقة في الخارج، لم يكن كمالا للنفس إلا معرفة خالقها سبحانه وتعالى ~~فهؤلاء الجهمية من أعظم المبتدعة بل جعلهم غير واحد PageV02P060 # خارجين عن الثنتين وسبعين فرقة كما يروى ذلك عن عبد الله بن المبارك ~~ويوسف بن أسباط. وهو قول طائفة من المتأخرين من أصحاب أحمد وغيرهم، وقد كفر ~~غير واحد من الأئمة كوكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وغيرهما من يقول هذا ~~القول وقالوا هذا يلزم منه أن يكون إبليس وفرعون واليهود الذين يعرفونه؛ ~~كما يعرفون أبناءهم، مؤمنين. فقول الجهمية خير من قول هؤلاء، فإن ما ذكروه ~~هو أصل ما تكمل به النفوس. لكن لم يجمعوا بين علم النفس وبين إرادتها التي ~~هي مبدأ القوة العلمية وجعلوا الكمال في نفس العلم، وإن لم يعضده قول ولا ~~عمل، ولا اقتران به الخشية والمحبة والتعظيم وغير ذلك، مما هو من ms036 أصول ~~الإيمان ولوازمه. وأما هؤلاء فبعدوا عن الكمال غاية البعد، والمقصود هنا ~~الكلام على برهانهم فقط، وإنما ذكرنا بعض ما لزمهم بسبب أصولهم الفاسدة. # واعلم أن بيان ما في كلامهم من الباطل والنقص، لا يستلزم كونهم أشقياء في ~~الآخرة، إلا إذا بعث الله إليهم رسولا فلم يتبعوه، بل يعرف به أن من جاءته ~~الرسل بالحق، فعدل عن طريقهم إلى طريق هؤلاء. كان من الأشقياء في الآخرة. ~~والقوم لولا الأنبياء، لكانوا أعقل من غيرهم. PageV02P061 # لكن الأنبياء جاءوا بالحق وبقاياه في الأمم وإن كفروا ببعضه. حتى مشركي ~~العرب كان عندهم بقايا من دين إبراهيم فكانوا خيرا من الفلاسفة المشركين ~~الذين يوافقون أرسطو وأمثاله على أصولهم. # الوجه الخامس: أنه إن كان المطلوب بقياسهم البرهاني معرفة الموجودات ~~الممكنة، فتلك ليس فيها ما هو واجب البقاء على حال واحد أزلاء وأبدا. بل هي ~~قابلة للتغير والاستحالة، وما قدر أنه من اللازم لموصوفه فنفس الموصوف ليس ~~واجب البقاء. فلا يكون العلم به علما بموجود واجب الوجود، وليس لهم على ~~أزلية شيء من العالم دليل صحيح، كما بسط في موضعه وإنما غاية أدلتهم، ~~تستلزم دوام نوع الفاعلية ونوع المادة والمدة، وذلك ممكن بوجود عين بعد عين ~~من ذلك النوع أبدا، مع القول بأن كل مفعول محدث مسبوق بالعدم، كما هو مقتضي ~~العقل الصريح والنقل الصحيح، فإن القول بأن المفعول المعين مقارن لفاعله ~~أزلا وأبدا مما يقضي صريح العقل بامتناعه (في) أي شيء قدر فاعله، لا سيما ~~إذا كان فاعلا باختياره، كما دلت عليه الدلائل اليقينية، ليست التي يذكرها ~~المقصرون في معرفة أصول العلم والدين، كالرازي وأمثاله، كما بسط في موضعه. # وما يذكرون من اقتران المعقول بعلته، فإذا أريد بالعلة، ما يكون مبتدعا ~~للمعلول فهذا (باطل بصريح العقل. ولهذا يقر بذلك جميع الفطر السليمة التي ~~لم تفسد بالتقليد الباطل. ولما كان هذا مستقرا في الفطر كان PageV02P062 # نفس الإقرار بأنه خالق كل شيء، موجبا لأن يكون ما سواه محدثا، مسبوقا ~~بالعدم وإن قدر دوام الخالقية لمخلوق بعد مخلوق فهذا ms037 لا ينافي أن يكون ~~خالقا لكل شيء أو ما سواه محدث مسبوق بالعدم، ليس معه شيء سواه، قديم ~~بقدمه، بل ذلك أعظم في الكمال والجود والإفضال. وأما إذا أريد بالعلة ما ~~ليس كذلك كما يمثلون به من حركة الخاتم بحركة اليدو وحصول الشعاع عن الشمس ~~فليس هذا من باب الفاعل في شيء بل هو من المشروط، والشروط قد يقارن المشروط ~~وأما الفاعل فيمتنع أن يقارنه مفعوله المعين، وإن لم يمتنع أن يكون فاعلا ~~لشيء بعد شيء، فقدم نوع كقدم نوع الحركة. وذلك لا ينافي حدوث كل جزء من ~~أجزائها، بل يستلزمه لامتناع قدم شيء منها بعينه. # وهذا مما عليه جماهير العقلاء من جميع الأمم حتى أرسطو وأتباعه، فإنهم ~~وإن قالوا بقدم العالم، فهم لم يثبتوا له مبتدعا، ولا علة فاعلية، بل علة ~~غائية يتحرك الفلك للتشبه بها، لأن حركة الفلك إرادية. # وهذا القول وهو أن الأول ليس مبدعا للعالم وإنما هو علة غائية للتشبه به، ~~وإن كان في غاية الجهل والكفر، فالمقصود أنهم وافقوا سائر العقلاء في أن ~~الممكن المعلوم لا يكون قديما بقدم علته، كما يقول ذلك ابن سينا وموافقوه. PageV02P063 # ولهذا أنكر هذا القول ابن رشد وأمثاله من الفلاسفة الذين اتبعوا طريقة ~~أرسطو وسائر العقلاء في ذلك سواه أما ما ذكره ابن سينا مما خالف به سلفه ~~وجماهير العقلاء، وكان قصده أن يركب مذهبا من مذاهب المتكلمين ومذهب سلفه، ~~فيجعل الموجود الممكن معلول الواجب، مع كونه أزليا قديما بقدمه. واتبعه على ~~إمكان ذلك أتباعه في ذلك كالسهر وردي الحلبي والرازي والآمدي والطوسي ~~وغيرهم. وزعم الرازي ما ذكره في أن القول يكون- المفعول المعلول للواجب ~~بالذات يكون قديما، مما اتفق عليه الفلاسفة المتقدمون الذين نقلت إلينا ~~أقوالهم كأرسطو وأمثاله. وإنما قاله ابن سينا وأمثاله والمتكلمون إذ قالوا ~~بقدم ما يقوم بالرب من الصفات ونحوها فلا يقولون إنها مفعولة ولا معلولة ~~لعلة فاعلة، بل الذات القديمة هي الموصوفة بتلك الصفات عندهم، فصفاتها من ~~لوازمها يمتنع تحقق كون الواجب واجبا قديما إلا بصفاته ms038 اللازمة له، كما قد ~~بسط في موضعه. ويمتنع عندهم قدم ممكن يقبل الوجود والعدم مع قطع النظر عن ~~فاعله. وكذلك أساطين الفلاسفة يمتنع عندهم قديم يقبل العدم، ويمتنع أن يكون ~~الممكن لم يزل واجبا سواه قيل إنه واجب بنفسه أو لغيره. # ولكن ما ذكره ابن سينا وأمثاله في أن الممكن قد يكون قديما واجبا بغيره ~~أزليا أبديا، كما يقولون في الفلك الذي هو في الإمكان يرد عليه من الأسئلة ~~القادحة في قولهم ما لا يمكنهم أن يجيبوا عنه، كما بسط في موضعه. PageV02P064 # فإن هذا ليس موضع تقرير هذا، ولكن نبهنا به على أن برهانهم القياسي لا ~~يفيد أمورا كلية واجبة البقاء في الممكنات. # وأما واجب الوجود تبارك وتعالى فالقياس لا يدل على ما يختص به وإنما يدل ~~على أمر مشترك كلي بينه وبين غيره، إذ كان مدلول القياس الشمولي عندهم ليس ~~إلا أمورا كلية مشتركة وتلك لا تختص بواجب الوجود رب العالمين سبحانه ~~وتعالى، وفلم يعرفوا ببرهانهم شيئا من الأمور التي يجب دوامها، لا من ~~الواجب ولا من الممكنات. ### | AUTO الآيات - وقياس الأول # ى # وإذا كانت للنفس إنما تكمل بالعلم الذي يبقى بقاء معلومه، لم يستفيدوا ~~ببرهانهم ما تكمل به النفس من العلم، فضلا عن أن يقال إن ما تكمل به النفس ~~من العلم لا يحصل إلا ببرهانهم ولهذا كانت طريقة الأنبياء صلوات الله عليهم ~~وسلامه الاستدلال على الرب تعالى بذكر آياته. وإن استعملوا في ذلك القياس، ~~استعملوا قياس شمول يستوي أفراده، ولا قياس مثل محض. فإن الرب تعالى لا ~~مثيل له، ولا يجتمع هو وغيره تحت كلي يستوي أفراده، بل ما يثبت لغيره من ~~كمال لا نقص فيه، فثبوته له بطريق الأولى. وما تنزه غيره عنه من النقائص، ~~فتنزهه عنه بطريق الأولى. # ولهذا كانت الأقيسة العقلية البرهانية المذكورة في القرآن من هذا الباب، PageV02P065 # كما يذكره في دلائل ربوبيته وإلهيته ووحدانيته وعلمه وقدرته وإمكانه ~~المعاد وغير ذلك من المطالب العالية السنية، والمعالم الإلهية التي هي أشرف ~~العلوم وأعظم ما تكمل ms039 به النفوس من المعارف. وإن كمالها لا بدفيه من كمال ~~علمها وقصدها جميعا. فلابد من عبادة الله وحده، المتضمنة لمعرفته ومحبته ~~والذل (له). وأما استدلاله تعالى بالآيات فكثير في القرآن، والفرق بين ~~الآيات وبين القياس: أن الآية هي العلامة، وهو الدليل الذي يستلزمه عين ~~المدلول، لا يكون مدلوله أمرا كليا مشتركا بين المطلوب وغيره. بل نفس العلم ~~به يوجب (العلم) بعين المدلول كما أن الشمس آية النهار قال الله تعالى: # {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة}. # فنفس العلم بطلوع الشمس، يوجب العلم بوجوب النهار. وكذلك نبوة محمد -صلى ~~الله عليه وسلم- العلم بنبوته بعينه، لا يوجب أمرا مشتركا بينه وبين غيره. ~~وكذلك آيات الرب تعالى، نفس العلم لها يوجب العلم بنفسه المقدسة تعالى، لا ~~يوجب علما كليا متركا بينه وبين غيره، والعلم بكون هذا مستلزما لها هو جهة ~~الدليل. فكل دليل في الوجود لابد أن يكون مستلزما للمدلول. # والعلم باستلزام المعين للمعين المطلوب، أقرب إلى الفطرة من العلم بأن كل ~~معين من معينات القضية الكلية يستلزم النتيجة، والقضايا الكلية هذا PageV02P066 # شأنها، فإن القضايا الكلية إن لم تعلم معيناتها بغير التمثيل، وإلا لم ~~يعلم إلا بالتمثيل، فلابد من معرفة لزوم المدلول للدليل الذي هو الحد ~~الأوسط، فإذا كان كليا، فلابد أن يعرف أن كل فرد من أفراد الحكم الكلي ~~المطلوب، يلزم كل فرد من أفراد الدليل. كما إذا قيل كل أب وكل ب ج- فكل ج ~~أأل فلابد أن يعرف أن كل فرد من أفراد الجيم يلزم كل فرد من أفراد الباء ~~وكل فرد من أفراد الباء يلزم كل فرد من أفراد الألف. ومعلوم أن العلم بلزوم ~~الجيم المعين للباء المعين والباء المعين للألف المعين أقرب إلى الفطرة من هذا. # وإذا قيل تلك الكلية تحصل في الذهن ضرورة أو بديهة من واهب العقل، قيل ~~حصول تلك القضية المعينة في الذهن من واهب العقل أقرب. ومعلوم أن كل ما سوى ~~الله من الممكنات فإنه مستلزم لذات الرب تعالى، يمتنع ms040 وجوده بدون وجود ~~(ذات) الرب تعالى وتقدس. وإن كان مستلزما أيضا لأمور كلية مشتركة بينه وبين ~~غيره فلأنه يلزم من وجوده وجود لوازمه. وتلك الكليات المشتركة من لوازم ~~المعين أعني يلزمه ما يحصه من ذلك الكلي العام والكلي المشترك يلزمه بشرطه ~~وجوده. ووجود العالم الذي يتصور القدر المشترك، وهو سبحانه يعلم الأمور على ~~ما هي عليه، فيعلم نفسه المقدسة بما يخصها، ويعلم الكليات أنها كليات، ~~فيلزم من وجود الخاص، وجود العالم المطلق، كما يلزم من وجود (هذا) الإنسان، ~~وجود الإنسانية والحيوانية. فكل ما سوى الرب مستلزم لنفسه المقدسة بعينها، ~~يمتنع وجود شيء سواه، بدون وجود نفسه المقدسة، فإن PageV02P067 # الوجود المطلق الكلي لا تحقق له في الأعيان، فضلا عن أن يكون خالقا لها ~~مبدعا. ثم يلزم من وجود المعين وجود المطلق، فإذا تحقق الموجود الواجب، ~~تحقق الوجود المطلق، وإذا تحقق الفاعل لكل شيء. تحقق الفاعل المطلق، وإذا ~~تحقق القديم الأزلي تحقق القديم المطلق، وإذا تحقق الغنى عن كل شيء تحقق ~~الغنى المطلق، وإذا تحقق رب كل شيء تحقق الرب كما ذكرنا أنه إذا تحقق هذا ~~الإنسان وهذا الحيوان تحقق الإنسان المطلق، والحيوان المطلق، لكن المطلق لا ~~يكون مطلقا إلا في الأذهان لا في الأعيان، فإذا علم إنسان وجود إنسان مطلق ~~وحيوان مطلق لم يكن عالما بنفس العين. كذلك إذا علم واجبا مطلقا وفاعلا ~~مطلقا وغنيا مطلقا، لم يكن عالما بنفس رب العالمين، وما يختص به من غيره. ~~وذلك هو مدلول آياته تعالى. فآياته تستلزم عينه التي يمنع تصورها من وقوع ~~الشركة فيها. وكل ما سواه دليل على عينه وآية له فإنه ملزوم لعينه فإنه ~~دليل على لازمه، ويمتنع تحقق شيء من الممكنات إلا مع تحقق عينه، فكلها ~~لازمة لنفسه، دليل عليه آية له. ودلالتها بطريق قياسهم على الأمر المطلق ~~الكلي الذي لا يتحقق إلا في الذهن فلم يعلموا ببرهانهم ما يختص بالرب تعالى. # وأما قياس الأولى، الذي كان يسلكه السلف إتباعا للقرآن، فيدل على أنه ثبت ~~له من صفات الكمال التي ms041 لا نقص فيها. أكمل مما علموه ثابتا لغيره، مع ~~التفاوت الذي لا يضبطه العقل، كما لا يضبط التفاوت بين الخالق وبين ~~المخلوق. بل إذا كان العقل يدرك من التفاصيل التي بين مخلوق ومخلوق ما لا ~~ينحصر قدره، وهو يعلم أن فضل الله على كل مخلوق، أعظم من فضل مخلوق على ~~مخلوق، كان هذا مما يبين له أن ما يثبت للرب أعظم من كل ما يثبت لكل ما ~~سواه بما لا يدرك قدره: فكان قياس الأولى يفيده PageV02P068 # أمرا يختص به الرب، مع علمه بجنس ذلك الأمر. # ولهذا كان الحذاق يختارون أن الأسماء المقولة عليه وعلى غيره مقولة بطريق ~~التشكيك، ليست بطريق الاشتراك اللفظي ولا بطريق الاشتراك المعنوي الذي ~~يتماثل أفراده، بل بطريق الاشتراك المعنوي الذي تتفاضل أفراده، كما يطلق ~~لفظ البياض والسواد على الشديد كبياض الثلج وعلى ما دونه كبياض العاج. # فكذلك لفظ الوجود يطلق على الواجب والممكن، وهو في الواجب أكمل وأفضل من ~~هذا البياض. لكن هذا التفاضل في الأسماء المتشككة من معنى كلي مشترك، وإن ~~كان ذلك لا يكون إلا في الذهن. وذلك هو مورد التقسيم: تقسيم الكلي إلى ~~جزئياته، إذا قيل الموجود ينقسم إلى واجب وممكن فإن مورد التقسيم مشترك بين ~~الأقسام. ثم كون وجود هذا الواجب، أكمل من وجود الممكن، لا يمنع أن يكون ~~مسمى الوجود معنى كليا مشتركا بينهما، وهكذا في سائر الأسماء والصفات ~~المطلقة على الخالق والمخلوق كاسم الحي والعليم والقدير والسميع والبصير. ~~وكذلك في صفاته كعلمه وقدرته ورحمته ورضاه وغضبه وفرحه وسائر ما نطقت به ~~الرسل من أسمائه وصفاته. # والناس يتنازعون في هذا الباب فقالت طائفة كأبي العباس الناشي من شيوخ ~~المعتزلة الذين كانوا أسبق من أبي على هي حقيقة في الخالق ومجاز في المخلوق ~~وقالت طائفة من الجهمية والباطنة والفلاسفة بالعكس: هي مجاز في الخالق ~~حقيقة في المخلوق وقال جماهير الطوائف هي حقيقة فيهما، وهذا PageV02P069 # قول طائفة النظار م المعتزلة الأشعرية والكرامية والفقهاء وأهل الحديث ~~والصوفية. وهو قول الفلاسفة، لكن كثيرا من هؤلاء ms042 يتناقض فيقر في بعضها ~~بأنها حقيقة كاسم الموجود والنفس والذات والحقيقة ونحو ذلك. وينازع في ~~بعضها لشبه نفاة الجميع. # والقول فيما نفاه نظير القول فيما أثبته، ولكن هو لقصوره، فرق بين ~~المتماثلين، ونفي الجميع يمنع أن يكون موجودا. # وقد علم أن الموجود يقسم إلى واجب وممكن وقديم وحادث وغني وفقير ومفعول ~~وغير مفعول، وأن وجود الممكن يستلزم وجود الواجب ووجود المحدث يستلزم وجود ~~القديم ووجود الفقير يستلزم وجود الغني، ووجود المفعول يستلزم وجود غير ~~المفعول. وحينئذ فبين الوجودين أمر مشترك. والواجب يختص بما يتميز به. ~~فكذلك القول في الجميع. # والأسماء المشككة هي متواطئة باعتبار القدر المشترك، ولهذا كان المتقدمون ~~من نظار الفلاسفة وغيرهم لا يخصون المشككة باسم، بل لفظ المتواطئة يتناول ~~ذلك كله فالمشككة قسم من المتواطئة العامة وقسم للمتواطئة الخاصة. وإذا كان ~~كذلك فلابد من إثبات قدر مشترك كلي وهو مسمى المتواطئة العامة وذلك لا يكون ~~مطلقا إلا في الذهن وهذا مدلول قياسهم البرهاني. ولابد من إثبات التفاضل ~~وهو مدلول المشككة التي هي قسيم المتواطئة الخاصة، وذلك هو مدلول الأقيسة ~~البرهانية القرآنية، وهي قياس الأولى، ولابد من إثبات خاصة الرب التي بها ~~يتميز عما سواه، وذلك مدلول آياته سبحانه التي يستلزم ثبوتها ثبوت نفسه. لا ~~يدل على هذه PageV02P070 # قياس لا برهاني ولا غير برهاني. فتبين بذلك أن قياسهم البرهاني لا يحصل ~~المطلوب الذي به تكمل النفس في معرفة الموجودات ومعرفة خالقها، فضلا عن أن ~~يقال: لا تعلم المطالب إلا به، وهذا باب أوسع، لكن المقصود في هذا المقام ~~التنبيه على بطلان قضيتهم السالبة وهي قولهم: إن العلوم النظرية لا تحصل ~~إلا بواسطة برهانهم. # ثم لم يكفهم هذا السلب العام الذي تحجروا فيه واسعا وقصروا العلوم على ~~طريقة ضيقة لا تحصل (إلا) مطلوبا لا طائل فيه، حتى زعموا أن علم الله تعالى ~~وعلم أنبيائه وأوليائه، إنما يحصل بواسطة القياس المشتمل على الحد الوسط، ~~كما يذكر تلك ابن سينا وأتباعه. وهم في إثبات ذلك خير ممن نفى علمه وعلم ~~أنبيائه من ms043 سلفهم الذين هم من أجهل الناس برب العالمين وبأنبيائه وكتبه. ~~فابن سينا لما تميز عن أولئك، بمزيد علم وعقل، سلك طريقهم المنطقي في تقرير ~~ذلك. وصاروا هل في سالكي أو سالكي هذه الطريق وإن كانوا أعلم من سلفهم ~~وأكمل، فهم أضل من اليهود والنصارى وأجهل، إذ كان أولئك حصل لهم من الإيمان ~~بواجب الوجود وصفاته ما لم يحصل لهؤلاء الضلال لما في صدورهم من الكبر ~~والخبال، وهم من أتباع فرعون وأمثاله. ولهذا اتخذهم موسى ومن معه من أهل ~~الملل والشرائع مبغضين أو معادين. قال الله تعالى: # {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم، إن في صدورهم إلا كبر ~~ما هم ببالغيه} وقال تعالى: # {كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر ~~جبار} وقال {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم PageV02P071 # وحلق بهم ما كانوا به يستهزئون. فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ~~وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله ~~التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون} # وقد بسط الكلام على قول فرعون ومتابعة هؤلاء له والنمرودين كنعان ~~وأمثالهما من رؤوس الكفر والضلال ومخالفتهم لموسى وإبراهيم وغيرهما من رسل ~~الله صلوات الله عليهم في مواضع وقد جعل الله آل إبراهيم أئمة للمؤمنين أهل ~~الجنة، وآل فرعون أئمة لأهل النار قال تعالى {واستكبر هو وجنوده في الأرض ~~بغير الحق، وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ~~فانظر كيف كان عاقبة الظالمين، وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة ~~لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين، ~~ولقد آتينا موسى الكتاب من بعدما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ~~ورحمة لعلهم يتذكرون} إلى قوله: {قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما ~~أتبعه إن كنتم صادقين}. # وقال في آل إبراهيم: # {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}. # والمقصود أن متأخريهم الذين هم أعلم ms044 منهم جعلوا علم الرب يحصل بواسطة ~~القياس البرهاني، وكذلك علم أنبيائه وقد بسطنا الكلام في الرد عليهم في غير ~~هذا الموضع. والمقصود هنا التنبيه على فساد قولهم إنه لا يحصل العلم إلا ~~بالبرهان الذي وصفوه، وإذا كان هذا السلب باطلا في علم آحاد الناس، كان ~~بطلانه أولى في علم رب العالمين سبحانه وتعالى ثم ملائكته وأنبيائه، صلوات ~~الله عليهم أجمعين. PageV02P072 ### | AUTO أقسام الدليل # فصل: وأيضا فإنهم قسموا جنس الدليل إلى القياس والاستقراء والتمثيل: ~~قالوا؛ لأن الاستدلال: إما أن يكون بالكلي على الجزئي، أو بالجزئي على ~~الكلي، أو بأحد الجزئيين على الآخر. وربما عبروا عن ذلك بالخاص والعام ~~فقالوا: إما أن يستدل بالعام على الخاص، أو بالخاص على العام، أو بأحد ~~الخاصين على الآخر. # قالوا: والأول هو القياس. يعنون به قياس لشمول، فإنهم يخصونه باسم ~~القياس. وكثير من أهل الأصول والكلام يخصون باسم القياس التمثيل. وأما ~~جمهور العقلاء، فاسم القياس عندهم يتناول هذا وهذا. # وقالوا والاستدلال بالجزئيات على الكلي هو الاستقراء، وإن كان تاما فهو ~~الاستقراء التام، وهو يفيد اليقين، وإن كان ناقصا، لم يفد اليقين. فالأول ~~هو استقراء جميع الجزئيات، والحكم عليه بما وجد في جزئياته والثاني استقراء ~~أكثرهما وذلك كقول القائل: الحيوان إذا أكل حرك فكه الأسفل، لأنا ~~استقريناها فوجدناها هكذا، فيقال له التمساح يحرك الأعلى. # ثم قالوا: إن القياس ينقسم إلى اقتراني واستثنائي ما تكون النتيجة أو ~~بعضها مذكورا فيه بالفعل والاقتراني ما تكون فيه بالقوة، كالمؤلف من ~~القضايا الحلية: كقولنا كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام والاستثنائي ما يؤلف من ~~الشرطيات، وهو نوعان: أحدهما متصلة: كقولنا إن كانت PageV02P073 # الصلاة صحيحة، فالمصلي متطهر. واستثناء عين المقدم، ينتج عين التالي، ~~واستثناء نقيض التالي، ينتج نقيض المقدم. والثاني المنفصلة وهي إما مانعة ~~الجمع والخلو، كقولنا العدد إما زوج وإما فرد. فإن هذين لا يجتمعان، ولا ~~يخلو العدد عن أحدهما، وإنا مانعة الجمع فقط كقولنا هذا إما أسود وإما ~~أبيض، أي لا يجتمع السواد والبياض. وقد يخلو المحل عنهما، وإما مانعة ms045 الجمع ~~والخلو فهي الشرطية الحقيقية، وهي مطابقة للنقيض في العموم والخصوص ومانعة ~~الجمع هي أخص من النقيضين فإن الضدين لا يجتمعان وقد يرتفعان وهما أخص من ~~النقيضين. وأما مانعة الخلو فإنهما أعم من النقيضين. # وقد يصعب عليهم تمثيل ذلك بخلاف النوعين الأولين، فإن أمثالهما كثيرة. ~~ويمثلونه بقول القائل: هذا راكب البحر، أولا لا يغرق فيه، أي لا يخلو ~~منهما، فإنه لا يغرق إلا إذا كان في البحر. فأما أن لا يغرق فيه، وحينئذ لا ~~يكون راكبه وإما أن يكون راكبه وقد يجتمع أن يركب ويغرق. والأمثال كثيرة، ~~كقولنا هذا حي، أو ليس بعالم، أو قادر أو سميع أو بصير أو متكلم فإنه إن ~~وجدت الحياة، فهو أحد القسمين، وإن (عدمت) عدمت هذه الصفات. وقد يكون حيا ~~من لا يوصف بذلك، فكذلك إذا قيل هذا متطهر، أو ليس بمصل، فإنه إن عدمت ~~الصلاة، عدمت الطهارة، وإن وجدت الطهارة، فهو القسم الآخر، فلا يخلو الأمر ~~منهما. وكذلك كل عدم شرط ووجود مشروطه فإنه إذا وجد المر بين وجود المشروط ~~وعدم الشرط، كان ذلك مانعا من الخلو، فإنه لا يخلو PageV02P074 # الأمر من وجود الشرط وعدمه. وإذا عدم، عدم الشرط، فصار الأمر لا يخلو من ~~وجود المشروط وعدم الشرط. # ثم قسموا الاقتراني إلى الأشكال الأربعة لكون الحد الأوسط (إما) محمولا ~~في الكبرى موضوعا في الصغرى وهو الشكل الطبيعي، وهو ينتج المطالب الأربعة ~~الجزئي والكلي والإيجابي والسلبي. وإما أن يكون الأوسط محمولا فيهما وهو ~~الثاني ولا ينتج إلا السلب، وإما أن يكون موضوعا فيهما ولا ينتج إلا ~~الجزئيات، والرابع ينتج الجزئيات والسلب الكلي لكنه بعيد عن الطبع. ثم إذا ~~أرادوا بيان الإنتاج الثاني والثالث وغير ذلك من المطالب، احتاجوا إلى ~~الاستدلال بالنقيض والعكس عكس النقيض، فإنه يلزمه من صدق القضية كذب ~~نقيضها، وصدق عكسها المستوى وعكس نقيضها فإذا صدق قولنا: ليس أحد من الحجاج ~~بكافر صح قولنا ليس أحد من الكفار بحاج. # فنقول هذا الذي قالوه: إما أن يكون باطلا، وإما أن يكون تطويلا يبعد ms046 ~~الطريق على المستدل فلا يخلو عن خطأ يصد عن الحق، أو طريق طويل يتعب صاحبه، ~~حتى يصل إلى الحق. مع إمكان وصوله بطريق قريب كما كان يمثله بعض سلفنا ~~بمنزلة من قيل له: أين أذنك؟ فرفع يد رفعا شديدا ثم أدارها إلى أذنه ~~اليسرى، وقد كان يمكنه الإشارة إلى اليمنى أو اليسرى من طريق مستقيم. وما ~~أحسن ما وصف الله به كتابه بقوله: # {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}، فأقوم الطريق إلى أشرف المطالب ما ~~بعث الله به رسوله. PageV02P075 # وأما طريق هؤلاء فهي مع ضلالهم في البعض، واعوجاج طريقهم وطولها في البعض ~~الآخر إنما يوصلهم إلى أمر لا ينجي من عذاب الله فضلا عن أن يوجب لهم ~~السعادة، فضلا عن حصول الكمال للأنفس البشرية بطريقهم. # بيان ذلك أن ما ذكروه من حصر الدليل في القياس والاستقراء والتمثيل، حصر ~~لا دليل عليه، بل هو باطل. # فقولهم أيضا: إن العلم المصلوب لا يحصل إلا بمقدمتين لا يزيد ولا ينقص ~~قول لا دليل عليه بل هو باطل؛ واستدلالهم على الحصر بقولهم: إما أن يستدل ~~بالكلي على الجزئي أو بالجزئي على الكلي أو بأحد الجزئين على الآخر، ~~والأول: هو القياس، والثاني، هو الاستقراء، والثالث، هو التمثيل. # فيقال لم تقيموا دليلا على انحصار الاستدلال في الثلاث، فإنكم إذا عنتم ~~بالاستدلال بجزئي على جزئي، قياس التمثيل، لم يكن ما ذكرتموه حاصرا. وقد ~~بقى الاستدلال بالكلي على الكلي الملازم له، وهو المطابق له، في العموم ~~والخصوص، وكذلك الاستدلال بالجزئي على الجزئي الملازم له، بحيث يلزم من ~~وجود أحدهما وجود الآخر ومن عدمه عدمه. فإن هذا ليس ما سميتموه قياسا ولا ~~استقراء ولا تمثيلا، وهذه هي الآيات، وهذا كالاستدلال بطلوع الشمس على ~~النهار، وبالنهار على طلوع الشمس، فليس هذا استدلالا بكلي على جزئي، بل ~~الاستدلال بطلوع معين على نهار معين (استدلال) بجزئي على جزئي وبجنس النهار PageV02P076 # على جنس الطلوع واستدلال بكلي على كلي وكذلك الاستدلال بالكواكب على جهة ~~الكعبة استدلال بجزئي على جزئي كالاستدلال بالجدي وبنات نعش ms047 والكوكب الصغير ~~القريب من القطب الذي يسميه بعض الناس القطب، وكذلك الاستدلال بظهور كوكب ~~على ظهور نظيره في العرض والاستدلال بطلوعه على غروب آخر وتوسط آخر، ونحو ~~ذلك من الأدلة التي اتفق عليها الناس. قال تعالى {وبالنجم هم يهتدون} ~~والاستدلال على المواقيت والأمكنة أمر اتفق عليه العرب والعجم وأهل الملل ~~والفلاسفة، فإذا استدل بظهور الثريا على ظهور ما قرب منها مشرقا ومغربا ~~ويمينا وشمالا من الكواكب، كان استدلالا بجزئي لتلازمها، وليس ذلك من قياس ~~التمثيل. فإن قضى به قضاء كليا، كان استدلالا بكلي على كلي وليس استدلالا ~~بكلي على جزئي، بل بإحدى الكليتين المتلازمتين على الأخرى. # ومن عرف مقدار أبعاد الكواكب بعضها عن بعض، وعلم ما يقارن منها طلوع ~~الفجر، استدل بما رآه منها على ما مضى من الليل، وما بقي منه، وهو استدلال ~~بأحد المتلازمين على الآخر. ومن علم الجبال والأنهار والترب استدل بها على ~~ما يلازمها من الأمكنة. ثم اللزوم إن كان دائما، لا يعرف له ابتداء، بل هو ~~منذ خلق الله الأرض كوجود الجبال والأنهار العظيمة النيل والفرات وسيحان ~~وجيحان والبحر، كان استدلال مطردا. وإن كان اللزوم أقل من ذلك مدة مثل ~~الكعبة، شرفها الله تعالى، فإن الخليل بناها، ولم تزل معظمة لم يصل عليها ~~جبار قط، استدل بها بحسب ذلك. فيستدل PageV02P077 # بها وعليها، فإن أركان الكعبة مقابلة لجهات الأرض الأربع، الحجر الأسود ~~يقابل المشرق، والغربي الذي يقابله ويقال له الشامي، يقابل المغرب- ~~واليماني يقابل الجنوب، وما يقابله يقال له العراقي- إذا قيل للذي (من ~~ناحية الحجر الشامي وإن قيل لذاك الشامي، قيل لهذا العراقي، فهذا الشامي ~~العراقي) يقابل الشمال، وهو يقابل القطب، وحينئذ فيستدل بها على الجهات، ~~ويستدل بالجهات عليها. # وما كان مدته أقصر من مدة الكعبة كالأبنية التي في الأمصار والأشجار كان ~~الاستدلال بها بحسب ذلك فيقال علامة الدار الفلانية أن على بابها شجرة من ~~صفتها كذا وكذا، وهما متلازمان مدة من الزمان، فهذا وأمثاله استدلال بأحد ~~المتلازمين على الآخر، وكلاهما معين جزئي. وليس هو من قياس ms048 التمثيل. ### | AUTO [الطريق إلى نظار المسلمين] # ولهذا عدل نظار المسلمين عن طريقهم فقالوا: الطريق هو المرشد إلى ~~المطلوب، وهو الموصل إلى المقصود، وهو ما يكون العلم به مستلزما للعلم ~~بالمطلوب، أو ما يكون النظر الصحيح فيه موصلا إلى علم أو إلى اعتقاد راجح ~~ولهم نزاع اصطلاحي هل يسمى هذا الثاني دليلا، أو يخص باسم الإمارة الفقهاء ~~يسمون الجميع دليلا. # ومن أهل الكلام من لا يسمي بالدليل إلا الأول. ثم الضابط في الدليل أن ~~يكون مستلزما للمدلول، فكلما كان مستلزما لغيره، أمكن أن يستدل PageV02P078 # به عليه، فإن كان التلازم من الطرفين، أمكن أن يستدل بكل منها على الآخر، ~~فيستدل المستدل بما علمه منهما على الآخر الذي لم يعلمه ثم إن كان اللزوم ~~قطعيا، كان الدليل قطعيا، وإن كان ظاهرا، وقد يتخلف، كان الدليل ظنيا. ~~فالأول كدلالة المخلوقات على خالقها سبحانه وتعالى علمه وقدرته ومشيئته ~~ورحمته وحكمته، فإن وجودها مستلزم لوجود ذلك، ووجودها بدون ذلك ممتنع، فلا ~~توجد إلا دالة على ذلك، ومثل دلالة خبر الرسول على ثبوت ما أخبر به عن ~~الله، فإنه لا يقول عليه إلا الحق، إذ كان معصوما في خبره عن الله، لا ~~يستقر في خبره عنه خطأ البتة. فهذا دليل مستلزم لمدلوله لزوما واجبا لا ~~ينفك عنه بحال. وسواء كان الملزوم المستدل به وجودا أو عدما، فقد يكون ~~الدليل وجودا وعدما، ويستدل بكل منهما على وجود وعدم، فإنه يستدل بثبوت ~~الشيء على انتفاء نقيضه وضده، ويستدل بانتفاء نقيضه، على ثبوته، ويستدل ~~بثبوت الملزوم على ثبوت اللازم، وبانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم بل كل ~~دليل يستدل به، فإنه ملزوم لمدلوله. # وقد دخل في هذا كل ما ذكروه وما لم يذكروه. فإن ما يسمونه الشرطي المتصل ~~مضمونه الاستدلال بثبوت الملزوم على ثبوت اللازم وبانتفاء اللازم على ~~انتفاء الملزوم؛ سواء عبر عن هذا بصيغة الشرط أو بصيغة الجزم فاختلاف صيغ ~~الدليل مع اتحاد معناه؛ لا يغير حقيقته والكلام إنما هو في المعاني العلية ~~لا في الألفاظ. فإذا قال القائل: إذا ms049 كانت الصلاة صحيحة PageV02P079 # فالمصلي متطهر، وإن كانت الشمس طالعة، فالنهار موجود، وإن كان الفاعل ~~عالما قادرا فهو حي، ونحو ذلك. فهذا معنى وله صحة الصلاة (تستلزم) ثبوت ~~الطهارة، ووله يلزم من صحة الصلاة (صحة) ثبوت الطهارة، وقوله لا يكون مصليا ~~إلا مع الطهارة، وقوله الطهارة شرط في صحة الصلاة وإذا عدم الشرط عدم ~~المشروط، وقوله كل مصل متطهر. فمن ليس بمتطهر فليس بمصل؛ وأمثال ذلك من ~~أنواع التأليف للألفاظ والمعاني التي تتضمن هذا الاستدلال من (غير) حصر ~~الناس في عبارة واحدة. # وإذا اتسعت العقول وتصوراتها، اتسعت عباراتها. وإذا ضاقت العقول ~~والعبارات والتصورات، بقى صاحبها كأنه محبوس العقل واللسان، كما يصيب أهل ~~المنطق اليوناني تجدهم من أضيق الناس علما وبيانا؛ وأعجزهم تصورا وتعبيرا. ~~ولهذا من كان (منهم) ذكيا، إذا تصرف في العلوم، وسلك مسلك أهل المنطق، طول ~~وضيق وتكلف وتعسف، وغايته بيان البين وإيضاح الواضح من العي، وقد يوقعه ذلك ~~في أنواع من السفسطة التي عافى الله منها من لم يسلك طرقهم، وكذلك تكلفاتهم ~~في حدودهم مثل حدهم للإنسان والشمس بأنها كوكب يطلع نهارا. وهل من يحد مثل ~~هذا الحد ونحوه إلا من أجهل الناس. وهل عند الناس شيء أظهر من الشمس، ومن ~~لم يعرف الشمس، فأما أن يجهل اللفظ فيترجم له، وليس هذا من الحد الذي ذكروه ~~وإما أن لا يكون رآها لعماه، فهذا لا يكون يرى النهار ولا الكواكب PageV02P080 # بطريق الأولى. مع أنه لابد أن يسمع من الناس ما يعرف ذاك بدون طريقهم. # وهم معترفون بأن الشكل الأول من الحمليات يغني عن جميع صور القياس. ~~وتصويره بطرق لا تحتاج إلى تعلمه منهم، مع أن الاستدلال لا يحتاج إلى تصوره ~~على الوجه الذي يزعمونه. ### | AUTO [مقدمتا القياس] # فصل: وأما قولهم: الاستدلال لابد فيه من مقتدمين بلا زيادة، قول باطل ~~طردا وعكسا، وذلك أن احتياج المستدل إلى المقدمات مما يختلف فيه حال الناس؛ ~~فمن الناس من لا يحتاج إلا إلى مقدمة واحدة لعلمه بما سوى ذلك، كما أن منهم ~~من لا ms050 يحتاج في علمه بذلك إلى استدلال، بل قد يعلمه بالضرورة (ومنهم من ~~يحتاج إلى مقدمتين)، ومنهم من يحتاج إلى ثلاث، ومنهم من يحتاج إلى أربع ~~وأكثر، فمن أراد أن يعرف أن هذا المسكر المعين محرم، فإن كان يعرف أن كل ~~مسكر محرم، ولكن لا يعرف هل هذا المسكر المعين يسكر أم لا، لم يحتج إلا إلى ~~مقدمة واحدة. وهو أن يعلم أن هذا مسكر؛ فإذا قيل له هذا حرام فقال: ما ~~الدليل عليه؟ فقال المستدل: الدليل على ذلك أنه مسكر، تم المطلوب. # وكذلك لو تنازع ثنان في بعض أنواع الأشربة: هل هو مسكر أم لا، كما يسأل ~~الناس كثيرا عن بعض الأشربة، ولا يكون السائل ممن يعلم أنها تسكر، أو لا ~~تسكر، ولكن قد علم أن كل مسكر حرام، فإذا ثبت عنده بخبر من يصدقه أو بغير ~~ذلك من الأدلة أنه مسكر، علم تحريمه، PageV02P081 # وكذلك سائر ما يقع الشك في اندراجه تحت قضية كلية من الأنواع والأعيان. ~~مع العلم بحكم تلك القضية كتنازع الناس في النرد والشطرنج: هل هما من ~~الميسر أم لا، وتنازعهم في النبيذ المتنازع فيه، هل هو من الحرام، وتنازعهم ~~في الحلف بالنذر والطلاق والعتاق هل هو داخل في قوله {قد فرض الله لكم تحلة ~~أيمانكم} أم لا وتنازعهم في قوله {أو يعفو الذي بيده عدة النكاح} - هل هو ~~الزوج أو الولي المستقل وأمثال ذلك. # وقد يحتاج الاستدلال إلى مقدمتين، لمن لم يعلم أن النبيذ المسكر المتنازع ~~فيه محرم، ولم يعلم أن هذا المعين محرم ومسكر، فهو لا يعلم أنه محرم، حتى ~~يعلم أنه مسكر، ويعلم أن كل مسكر حرام. وقد يعلم أن هذا مسكر، ويعلم أن كل ~~مسكر خمر، لكن لم يعلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم-، حرم الخمر لقرب عهده ~~بالإسلام، أو لنشأته بين جهال أو زنادقة يشكون في ذلك أو يعلم أن النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- قال: كل مسكر حرام، أو يعلم أن هذا خمر، وأن النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- حرم الخمر، لكن ms051 لم يعلم أن محمدا رسول الله، أو لم ~~يعلم أنه حرمها على جميع المؤمنين، بل ظن أنه أباحها لبعض الناس، فظن أنه ~~منهم، كمن ظن أنه أباح شربها للتداوي أو غير ذلك فهذا لا يكفيه في العلم ~~بتحريم هذا النبيذ المسكر تحريما عاما، إلا أن يعلم أنه مسكر وأنه خمر. وأن ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- حرم كل مسكر وأنه رسول الله حقا؛ فما حرمه، ~~حرمه الله، وأنه حرمه تحريما عاما، لم يبحه للتداوي أو للتلذذ. # ومما يبين أن تخصيص الاستدلال بمقدمتين باطل، أنهم قالوا في حد القياس ~~الذي يشمل البرهاني والخطابي والجدلي والشعري والسوفسطائي إنه PageV02P082 # قول مؤلف من أقوال، أو عبارة عما ألف من أقوال، إذا سلمت، لزم عنها ~~لذاتها قول آخر. # قالوا: واحترزنا بقولنا من أقوال عن القضية الواحدة التي تستلزم لذاتها ~~صدق عكسها وعكس نقيضها وكذب نقيضها وليست قياسا قالوا: ولم نقل مؤلف من ~~مقدمات لأنا (لا) يمكننا تعريف المقدمة من حيث هي مقدمة، إلا بكونها جزء ~~القياس، فلو أخذناها في حد القياس كان دورا. # والقضية الخبرية إذا كانت جزء القياس، سموها مقدمة، وإن كانت مستفادة ~~بالقياس سموها نتيجة، وإن كانت مجردة عن ذلك، سموها قضية، وتسمى أيضا قضية ~~مع تسميتها نتيجة ومقدمة. وهي الخبر وليست هي المبتدأ والخبر في اصطلاح ~~النحاة. بل أعم منه. فإن المبتدأ والخبر لا يكون إلا جملة اسمية وفعلية، ~~كما لو قيل قد كذب زيد، ومن كذب استحق التعذير. # والمقصود هنا أنهم أرادوا بالقول في قولهم القياس قول مؤلف من أقوال، ~~القضية التي هي جملة تامة خبرية، لم يريدوا بذلك المفرد الذي هو الحد، فإن ~~القياس مشتمل على ثلاثة حدود: أصغر، أوسط، أكبر، كما إذا قيل: النبيذ ~~المتنازع فيه مسكر وكل مسكر حرام. فالنبيذ والمسكر والحرام كل منها مفرد، ~~وهي الحدود في القياس. فليس مرادهم بالقول هذا، بل مرادهم أن كل قضية قول. ~~كما فسروا مرادهم بذلك. # ولهذا قالوا: القياس قول مؤلف من أقوال؛ إذا سلمت لزم عنها لذاتها ول ~~آخر. واللازم إنما ms052 هي النتيجة، وهي قضية وخبر وجملة تامة وليست PageV02P083 # مفردا. ولذلك قالوا: القياس قول مؤلف، فسموا مجموع القضيتين قولا. وإذا ~~كانوا قد جعلوا القياس مؤلفا من أقوال وهي القضايا امتنع أن يراد بذلك ~~قولان فقط. لأن لفظ الجمع إما أن يكون متناولا للاثنين فصاعدا كوله تعالى: ~~{فإن كان له أخوة فلأمه السدس}. وإما أن يراد به الثلاثة فصاعدا وهو الأصل ~~عند الجمهور، ولكن قد يراد به جنس العدد، فيتناول الاثنين فصاعدا، ولا يكون ~~الجمع مختصا باثنين، فإذا قالوا هو مؤلف من أقوال، إن أرادوا جنس العدد كان ~~هذا المعنى من اثنين فصاعدا، فيجوز أن يكون مؤلفا من ثلاث مقدمات وأربع ~~مقدمات، فلا يختص بالاثنين. وإن أرادوا الجمع الحقيقي. لم يكن مؤلفا إلا من ~~ثلاث فصاعدا، وهم قطعا ما أرادوا هذا. لم يبق إلا الأول، فإذا قيل هم ~~يلتزمون ذلك ويقولون نحن نقول: أقل ما يكون القياس من مقدمتين، وقد يكون من ~~مقدمات، فيقال أولا: هذا خلاف ما في كتبكم، فإنكم لا تلتزمون إلا مقدمتين فقط. # وقد صرحوا أن القياس الموصل إلى المطلوب، سواء كان اقترانيا أو ~~استثنائيا، لا ينقص عن مقدمتين، ولا يزيد عليهما وعللوا ذلك بأن المطلوب ~~المتحد لا يزيد على جزئين مبتدأ وخبر. فإن كان القياس اقترانيا، فكل واحد ~~من جزئي المطلوب، لابد وأن يناسب مقدمة منه: أي يكون فيها إما مبتدأ وإما ~~خبرا، ولا يكون هو نفس المقدمة. قالوا: وليس المطلوب أكثر من جزئين، فلا ~~يفتقر إلى أكثر من مقدمتين. # وإن كان القياس استثنائيا، فلابد فيه من مقدمة شرطية متصلة أو منفصلة ~~تكون مناسبة لكل المطلوب أو نقيضه، فلابد من مقدمة استثنائية فلا PageV02P084 # حاجة إلى ثالثة. قالوا: لكن ربما أدرج في القياس قول زائد على مقدمتي ~~القياس، إما غير متعلق بالقياس، أو متعلق به والمتعلق بالقياس: إما لترويج ~~الكلام وتحسينه، أو لبيان المقدمتين أو إحداهما ويسمون هذا القياس المركب. ~~قالوا: وحاصله يرجع إلى أقيسة متعددة سيقت لبيان مطلوب واحد، إلا أن القياس ~~المبين للمطلوب بالذات منها ليس إلا ms053 واحدا والباقي لبيان مقدمات القياس. # قالوا: ربما حذف بعض مقدمات القياس: إما تعويلا على فهم الذهن لها، أو ~~لترويج المغلطة حتى لا يطلع على كذبها عند التصريح بها. # قالوا: ثم إن كانت الأقيسة لبيان المقدمات، د صرح فيها بنتائجها، فيسمى ~~القياس مفصولا، وإلا فموصول. ومثلوا الموصول بقول القائل: كل إنسان حيوان، ~~وكل حيوان جسم، وكل جسم جوهر، فكل إنسان جوهر. والمقصود بقولهم: كل إنسان ~~حيوان، وكل حيوان جسم، فكل إنسان (جسم وكل جسم جوهر) فيلزم منها أن كل ~~إنسان جوهر. # فيقال لهم: أما المطلوب الذي لا يزيد على جزئين فذاك في النطق به. ~~والمطلوب في العقل إنما هو شيء واحد لا اثنان، وهو ثبوت النسبة الحكمية أو ~~انتفاؤها: وإن شئت قلت: اتصاف الموصوف بالصفة نفيا أو إثباتا، وإن شئت قلت ~~نسبة المحمول إلى الموضوع والخبر إلى المبتدأ نفيا أو إثباتا، وأمثال ذلك ~~من العبارات الدالة على المعنى الواحد المقصود بالقضية. فإذا كانت النتيجة ~~أن النبيذ حرام، أو ليس بحرام أو الإنسان حساس أو ليس PageV02P085 # بحساس ونحو ذلك، فالمطلوب ثبوت التحريم للنبيذ أو انتفاؤه، وكذلك ثبوت ~~الحس للإنسان أو انتفاؤه. والمقدمة الواحدة إذا ناسبت ذلك المطلوب حصل بها ~~المقصود. وقولنا النبيذ خمر يناسب المطلوب، وكذلك قولنا الإنسان حيوان، ~~فإذا كان الإنسان يعلم أن كل خمر حرام، ولكن يشك في النبيذ المتنازع فيه، ~~هل يسمى في لغة الشارع خمرا؟ فقيل النبيذ حرام لأنه قد ثبت في الصحيح عن ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال ((كل مسكر خمر))، كانت (هذه) القضية ~~وهي قولنا قد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: إن كل مسكر خمر)) يفيد تحريم ~~النبيذ، وإن كان نفس قوله قد تضمن قضية أخرى. والاستدلال بذلك مشروط بتقديم ~~مقدمات معلومة عند المستمع، وهي أن ما صححه أهل العلم بالحديث، فقد وجب ~~التصديق بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قاله، وأن ما حرمه الرسول فهو حرام ~~ونحو ذلك. # فلو لزم أن نذكر كل ما يتوقف عليه العلم وإن كان معلوما، كانت المقدمات ~~أكثر من ms054 اثنتين، بل قد تكون أكثر من عشر. وعلى ما قالوه فينبغي لكل من ~~استدل بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يقول: النبي حرم ذلك وما حرمه ~~فهو حرام. فهذا حرام وكذلك يقول النبي أوجبه، وما أوجبه النبي فقد وجب، ~~فإذا احتج على تحريم الأمهات والبنات ونحو ذلك، يحتاج أن يقول إن الله حرم ~~هذا في القرآن وما حرمه الله فهو حرام. وإذا احتج على وجوب الصلاة والزكاة ~~والحج بمثل قول الله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} يقول إن الله أوجب ~~الحج في كتابه وما أوجبه الله، فهو واجب. وأمثال ذلك مما PageV02P086 # يعده العقلاء لكنه وعيا وإيضاحا للواضح وزيادة قول لا حاجة إليها. وهذا ~~التطويل الذي لا يفيد قياسهم نظير تطويلهم في حدودهم، كقولهم في حد الشمس ~~إنها كوكب تطلع نهارا. وأمثال ذلك من الكلام الذي لا يفيد إلا تضبيع الزمان ~~وإتعاب الأذهان وكثرة الهذيان. ثم إن الذين يتبعونهم في حدودهم وبراهينهم ~~لا يزالون في تحديد الأمور المعروفة بدون تحديدهم. # ويتنازعون في البرهان على أمور مستغنية عن براهينهم. وقولهم: ليس للمطلوب ~~أكثر من جزئين فلا يفتقر إلى أكثر من مقدمتين فيقال: إن أردتم ليس له إلا ~~اسمان مفردان فليس الأمر كذلك، بل قد يكون التعبير عنه بأسماء متعددة، مثل ~~من شك في النبيذ هل هو حرام بالنص أم ليس بنص ولا قياس. فإذا قال المجيب ~~النبيذ حرام بالنص كان المطلوب ثلاثة أجزاء. # وكذلك لو سأل هل الإجماع دليل قطعي، فقال: الإجماع دليل قطعي، كان ~~المطلوب ثلاثة أجزاء. وإذا قال: هل الإنسان جسم حساس تام متحرك بالإرادة ~~ناطق أم لا؟ فالمطلوب هنا ستة أجزاء. وفي الجملة فالموضوع والمحمول الذي هو ~~مبتدأ وخبر وهو جملة خبرية قد تكون جملة مركبة من لفظين، وقد تكون من ألفاظ ~~متعددة إذا كان مضمونها مقيدا بقيود كثيرة مثل قوله تعالى: # {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه} وقوله تعالى: PageV02P087 # {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون ms055 رحمة ~~الله} وقوله تعالى: {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك ~~منكم} وأمثال ذلك من الأمثال التي يسميها النحاة الصفات والعطف والأحوال ~~وظرف المكان وظرف الزمان ونحو ذلك. # وإذا كانت القضية مقيدة بقيود كثيرة لم تكن مؤلفة من لفظين، بل من ألفاظ ~~متعددة ومعاني متعددة وإن أريد أن المطلوب ليس إلا معنيان سواء عبر عنهما ~~بلفظين أو ألفاظ متعددة، قيل وليس الأمر كذلك: بل قد يكون المطلوب معنى ~~واحدا، وقد يكون معنيين، وقد يكون معان متعددة، فإن المطلوب بحسب طلب ~~الطالب. وهو الناظر المستدل، والسائل المتعلم المناظر وكل منهما قد يطلب ~~معنى واحدا، وقد يطلب معنيين، وقد تطلب معان. والعبارة عن مطلوبه قد تكون ~~بلفظ واحد، وقد تكون بلفظين. وقد تكون بأكثر. فإذا قال: النبيذ حرام، فقيل: ~~له نعم. كان هذا اللفظ وحده كافيا في جوابه، كما لو قيل له هو حرام فإن ~~قالوا: القضية الواحدة قد تكون في تقدير قضايا، كما ذكرتموه من التمثيل ~~بالإنسان فإن. هذه القضية الواحدة في تقدير خمس قضايا، وهي خمس مطالب، ~~والتقدير هل هو جسم أم لا، وهل هو حساس أم لا، وهل هو نام أم لا، وهل هو ~~متحرك أم لا. وهل هو ناطق أم لا. وكذلك فيما تقدم هل النبيذ حرام أم لا، ~~وإذا كان حراما فهل تحريمه بالنص أو بالقياس. فيقال إذا رضيتم بمثل هذا، ~~وهو أن يجعلوا الواحد في تقدير عدد، فالمفرد قد يكون في معنى قضية. فإذا ~~قال النبيذ المسكر حرام: فقال المجيب نعم، فلفظ نعم في تقدير قوله هو حرام. PageV02P088 # وإن قال ما الدليل عليه: فقال: تحريم كل مسكر (أصله أن كل مسكر حرام أو ~~قول النبي -صلى الله عليه وسلم- كل مسكر حرام ونحو ذلك من العبارات التي ~~جعل الدليل فيها اسما مفردا، وهو جزء واحد، لم يحصل قضية مؤلفة من اسمين ~~مبتدأ وخبر. فإن قوله: تحريم كل مسكر اسم مضاف. وقوله: إن كل مسكر حرام ~~بالفتح مفرد أيضا. فإن أن وما في حيزها في تقدير المصدر ms056 المفرد، وإن ~~المكسورة وما حيزها جملة تامة. # ولذلك إذا قلت الدليل عليه قوله النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو الدليل ~~عليه النص أو إجماع الصحابة، أو الدليل عليه الآية الفلانية أو الحديث ~~الفلاني أو الدليل قيام المقتضي التحريم السالم عن المعارض المقاوم، أو ~~الدليل عليه أنه مشارك لخمر العنب فيم يستلزم التحريم؛ وأمثال ذلك فيما ~~يعبر فيه عن الدليل باسم مفرد لا بالقضية التي هي تامة. ثم هذا الدليل الذي ~~عبر عنه باسم مفرد هو إذا فصل عبر عنه بألفاظ متعددة (والمقصود) أن قولكم ~~إن الدليل الذي هو القياس لا يكون إلا جزئين فقط، إن أردتم لفظين فقط، وأن ~~ما زاد عن لفظين فهو أدلة لا دليل واحد، لأن ذلك اللفظ الموصوف بصفات تحتاج ~~كل صفة إلى دليل قيل لكم: # وكذلك يمكن أن يقال في اللفظين هما دليلان لا دليل واحد، فإن كل مقدمة ~~تحتاج إلى دليل، وحينئذ فتخصيص العدد باثنين دون ما زاد تحكم لا معنى له؛ ~~فإنه إذا كان المقصود قد يحصل بلفظ مفرد وقد لا يحصل إلا بلفظ وقد لا يحصل ~~إلا بثلاث أو بأربعة أو أكثر، فجعل اللفظين هما الأصل PageV02P089 # الواجب دون ما زاد وما نقص، وأن الزائد إن كان في المطلوب جعل مطالب ~~متعددة، وإن كان في الدليل، يذكر مقدمات، جعل ذلك في تقدير أقيسة متعددة ~~تحكم محض، ليس هو أولى من أن يقال، بل الأصل في المطلوب أن يكون واحد ~~ودليله جزء واحد فإذا زاد المطلوب على ذلك، جعل مطلوبين أو ثلاثة أو أربعة ~~بحسب دلالته، وهذا إذا قيل فهو أحسن من قولهم، لأن اسم الدليل مفرد فيجعل ~~معناه مفردا، والقياس هو الدليل. # ولفظ القياس يقتضي التقدير، كما يقال قست هذا بهذا، والتقدير يحصل بواحد ~~وإذا قدر باثنين وثلاثة يكون تقديرين وثلاثة لا تقديرا واحدا، فتكون تلك ~~التقديرات أقيسة لا قياسا واحدا. فجعلهم ما زاد على الاثنتين من المقدمات ~~في معنى أقيسة متعددة، وما نقص عن الاثنين نصف قياس لا قياس تامة، اصطلاح ~~محض ms057 لا يرجع إلى معنى معقول، كما فرقوا بين الصفات الذاتية والعرضية ~~اللازمة للماهية والوجود بمثل هذا التحكم. # وحينئذ فيعلم أن القول لم يرجعوا فيما سموه حدا وبرهانا إلى حقيقة موجودة ~~ولا أمر معقول، بل إلى اصطلاح مجرد كتنازع الناس في العلة: هل هي اسم لما ~~يستلزم المعلول، بحيث لا يتخلف عنها بحال فلا يقبل النقض والتخصيص، أو اسم ~~لما يكون مقتضيا للمعلول، وقد يتخلف عنه المعلول لفوات شرط أو وجود مانع، ~~كاصطلاح بعض أهل النظر والجدل في تسمية أحدهم الدليل، لما هو مستلزم ~~للمدلول مطلقا، حتى يدخل في ذلك عدم المعارض والآخر يسمى الدليل لما كان من ~~شأنه أن يستلزم PageV02P090 # المدلول، وإنما يتخلف استلزامه لفوات شرط أو وجود مانع. وتنازع أهل الجدل ~~على المستدل أن يتعرض في ذكر الدليل لتبيين المعارض جملة أو تفصيلا حيث ~~يمكن التفصيل، أو لا يتعرض لا جملة ولا تفصيلا، أو يتعرض لتبيينه جملة لا ~~تفصيلا. # وهذه أمور وضعية اصطلاحية بمنزلة الألفاظ التي يصطلع عليها الناس للتعبير ~~عما في أنفسهم ليست حقائق ثابتة في أنفسها معقولة يتفق فيها الأمم كما ~~يدعيه هؤلاء في منطقهم. بل هؤلاء (الذين) يجعلون العلة والدليل يراد به هذا ~~أو هذا (وهذا) أقرب إلى المعقول من جعل هؤلاء الدليل لا يكون إلا من ~~مقدمتين فإن هذا هو تخصيص لعدد دون غيره بلا موجب وأولئك لحظوا صفات ثابتة ~~في العلة والدليل وهو وصف التمام أو مجرد الاقتضاء، فكان ما اعتبره هؤلاء ~~أولى بالحق والعقل مما اعتبره هؤلاء الذين لم يرجعوا إلا إلى مجرد التحكم. # ولهذا كان العافون يصفون منطقهم، بأنه اصطلاحي، وضعه رجل من اليونان لا ~~يحتاج إليه العقلاء ولا طلب العقلاء للعلم موقوفا عليه كما ليس موقوفا على ~~التعبير بلغاتهم مثل: فيلا سوفيا وسوفيتبقا وأنولوطيقا وأثولوجيا ~~وقاطيغورياس، ونحو ذلك من لغاتهم التي يعبرون بها عن معانيهم فلا يقول أحد: ~~إن سائر العقلاء محتاجون إلى اللغة، لاسيما من كرمه الله بأشرف اللغات ~~الجامعة لأكمل مراتب البيان المبينة لما تصوره الأذهان بأوجز لفظ وأكمل ms058 ~~تعريف وهذا مما احتج به أبو سعيد السيرافي في مناظرته المشهورة لمتى ~~الفيلسوف، لما أخذ متى يمدح المنطق ويزعم احتياج PageV02P091 # العقلاء إليه. ورد عليه أبو سعيد بعد الحاجة إليه، وأن الحاجة إنما تدعو ~~إلى تعليم العربية، لأن المعاني فطرية عقلية لا تحتاج إلى اصطلاح خاص بخلاف ~~اللغة المتقدمة التي يحتاج إليها في معرفة ما يجب معرفته من المعاني، فإنه ~~لابد فيها من التعلم، ولهذا كان تعلم العربية التي يتوقف فهم القرآن ~~والحديث عليها فرضا على الكفاية بخلاف المنطق. ومن قال من المتأخرين: إن ~~تعلم المنطق فرض على الكفاية، أو إنه من شروط الاجتهاد، فإنه يدل على جهله ~~بالشرع وجهله بفائدة المنطق وفساد هذا القول معلوم بالاضطرار من دين ~~الإسلام. فإن أفضل هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحساس وأئمة ~~المسلمين عرفوا ما يجب عليهم ويكمل علمهم وإيمانهم قبل أن يعرف المنطق ~~اليوناني. فكيف يقال إنه لا يوثق بالعلم، وإن يوزن به، أو يقال إن فطر بني ~~آدم في الغالب لم تستقم إلا به. # فإن قالوا نحن لا نقول إن الناس يحتاجون إلى اصطلاح المنطقيين، بل إلى ~~المعاني التي توزن بها العلوم. قيل: لا ريب أن المجهول لا يعرف بالمعلومات. ~~والناس يحتاجون إلى أن يزنوا ما جهلوه بما علموه، وهو الميزان أن أنزلها ~~الله حيث قال: {الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان} وقال: {لقد أرسلنا ~~بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان}. وهذا موجود عند أمتنا وغير أمتنا، ~~ممن لم يسمع قط بمنطق اليونان، فعلم أن الأمم غير محتاجة إلى المعاني ~~المنطقية التي عبرا عنها بلسانهم، وهو كلامهم في المعقولات الثانية فإن ~~موضوع المنطق هو المعقولات الثانية من حيث PageV02P092 # يتوصل (بها) إلى علم ما لم يعلم، فإنه ينظر في أحوال المعقولات الثانية ~~الماهيات من حيث منطلقة عرض لها إن كانت موصلة إلى تحصيل ما ليس بحاصل، أو ~~معينة في ذلك لا على وجه جزئي بل قانوني كلي. ويدعون أن صاحب المنطق ينظر ~~في جنس الدليل، كما أن صاحب أصول الفقه ينظر في الدليل ms059 الشرعي ومرتبته ~~فيميز، ما هو دليل شرعي وما ليس بدليل شرعي. وينظر في مراتب الأدلة حتى ~~يقدم الراجح على المرجوح عند التعارض. # وهم يزعمون أن صاحب المنطق ينظر في الدليل المطلق الذي هو أهم من الشرعي، ~~ويميز بين ما هو دليل وما ليس بدليل، ويدعون أن نسبة منطقهم إلى المعاني، ~~كنسبة العروض إلى الشعر وموازين الأقوال وموازين الأوقات إلى الأوقات ونسبة ~~الذراع إلى المذرعات. وهذا هو الذي قال جمهور علماء المسلمين وغيرهم من ~~العقلاء إنه باطل، فإن منطقهم لا يميز بين الدليل وغير الدليل، لا في صورة ~~الدليل ولا في مادته، ولا يحتاج أن توزن به المعاني بل ولا يصح وزن المعاني ~~به، بل هذه الدعوى من أكذب الدعاوي. والكلام معهم إنما هو في المعاني التي ~~وضعوها في المنطق، وزعموا أن التصورات المطلوبة لا تنال إلا بها والتصديقات ~~المطلوبة لا تنال إلا بها. فذكروا لمنطقهم أربع دعاوى دعوتان سالبتان ~~ودعوتان موجبتان. ادعوا أنه لا تنال التصورات بغير ما ذكروه فيه من الطريق، ~~يحصل به تصور الحقائق التي لم تكن متصوره وهذا أيضا باطل. PageV02P093 # وقد تقدم التنبيه على هذه الدعاوى الثلاثة: وسيأتي الكلام على دعواهم ~~الرابعة التي هي أمثل من غيرها وهي دعواهم أن برهانهم يفيد العلم التصديقي. ~~وإن قالوا إن العلم التصديقي والتصوري أيضا لا ينال بدونه. فهم ادعوا أن ~~طرق العلم على عقلاء بني آدم مسدودة، إلا من الطريقتين اللتين ذكروهما من ~~الحد وما ذكروه من القياس. وادعوا أن ما ذكروه من الطريقتين توصلان إلى ~~العلوم التي ينالها بنو آدم بعقولهم. بمعنى أن ما يوصل، لابد وأن يكون على ~~الطريق الذي ذكروه آلة قانونية بها توزن الطرق العلمية، ويميز بها الطريق ~~الفاسد. فمراعاة هذا القانون تعصم الذهن أن يزل في الفكر الذي ينال به تصور ~~أو تصديق. # هذا ملخص ما قالوه: وكل هذه الدعاوى كذب في النفي والإثبات، فلا ما نفوه ~~من طرق غيرهم كلها باطلة، ولا ما أثبتوه من طرقهم كلها حق على الوجه الذي ~~أدعوا فيه وإن ms060 كان في طرقهم ما هو حق. كما أن في طرق غيرهم ما هو باطل فما ~~من أحد منهم ولا من غيرهم يصنف كلاما إلا ولابد أن يتضمن ما هو حق فمع ~~اليهود والنصارى من الحق بالنسبة إلى مجموع ما معهم أكثر مما مع هؤلاء من ~~الحق، بل ومع المشركين عباد الأصنام من العرب ونحوهم من الحق أكثر مما مع ~~هؤلاء بالنسبة إلى ما معهم في مجموع فلسفتهم النظرية والعلمية للأخلاق ~~والمنازل والمدائن. ولهذا كان اليونان مشركين كفارا يعبدون الكواكب ~~والأصنام، شرا من اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل بكثير، ولولا أن الله ~~من عليهم بدخول دين المسيح إليهم فحصل لهم من PageV02P094 # الهدى والتوحيد ما استفادوه من دين المسيح، ماد داموا متمسكين بشريعته ~~قبل النسخ والتبديل، لكانوا من جنس أمثالهم من المشركين. ثم لما غيرت ملة ~~المسيح صاروا في دين مركب من حنيفية وشرك، بعضه حق وبعضه باطل وهو خير من ~~الدين الذي كان عليه أسلافهم. # وكلامنا هنا في بيان ضلال هؤلاء المتفلسفة الذين يبنون ضلالهم بضلال ~~غيرهم فيتعلقون بالكذب في المنقولات وبالجهل في المعقولات، كقولهم: إن ~~أرسطو وزير ذي القرنين يقال (له) الإسكندر. وهذا من جهلهم فإن الإسكندر ~~الذي له أرسطو بن فيلبس المقدوني الذي يؤرخ له تاريخ الروم عند اليهود ~~والنصارى، وهو إنما ذهب إلى أرض الفرس، لم يصل إلى السد عند من يعرف ~~أخباره، وكان مشركا يعبد الأصنام وكذلك أرسطو وقومه كانوا مشركين يعبدون ~~الأصنام، وذو القرنين [كان] موحدا مؤمنا بالله، وكان متقدما على هذا، ومن ~~يسميه الأسكندر يقول: هو الأسكندر ابن دارا. # ولهذا كان هؤلاء المتفلسفة إنما راجوا على أبعد الناس عن العقل والدين ~~كالقرامطة والباطنية الذين ركبوا مذهبهم من فلسفة اليونان ودين المجوس ~~وأظهروا الرفض، وكجهال المتصوفة وأهل الكلام وإنما ينفقون في دولة جاهلية ~~بعيدة عن العلم والإيمان إما كفارا وإما منافقين، كما نفق من نفق PageV02P095 # منهم على المنافقين الملاحدة. ثم نفق على المشركين الترك؛ ولذلك إنما ~~ينفقون دائما على أعداء الله ورسوله من الكفار والمنافقين. # وكلامنا ms061 الآن فيما احتجوا به على أنه لابد في الدليل من مقدمتين لا أكثر ~~ولا أقل، وقد عرف ضعفه. ثم إنهم لما علموا أن الدليل قد يحتاج إلى مقدمات ~~وقد يكفي فيه مقدمة واحدة، قالوا إنه ربما أدرج في القياس قول زائد أي ~~مقدمة ثالثة زائدة على مقدمتين لغرض فاسد أو صحيح، كبيان المقدمتين، ~~ويسمونه المركب، قالوا ومضمونه أقيسة متعددة- سيقت لبيان أكثر من مطلوب ~~واحد إلا أن المطلوب منها- بالذات ليس إلا واحدا قالوا: وربما حذفت إحدى ~~المقدمات إما للعلم بها أو لغرض فاسد، وقسموا المركب إلى مفصول وموصول. # فيقال: هذا اعتراف منكم بأن من المطالب ما يحتاج إلى مقدمات، وما يكفي ~~فيه مقدمة واحدة. ثم قلتم: إن ذلك الذي يحتاج إلى مقدمات هو في معنى أقيسة ~~متعددة، فيقال لكم: إذا جعلتم أن الذي لابد منه إنما هو قياس واحد، مشتمل ~~على المقدمتين، وأن ما زاد على ذلك هو في معنى أقيسة كل قياس لبيان مقدمة ~~من المقدمات. فيقولون: إن الذي لابد منه هو مقدمة واحدة، وإن ما زاد على ~~تلك المقدمة من المقدمات، فإنما هو لبيان تلك المقدمة. # وهذا أقرب إلى المعقول فإنه إذا لم يعلم ثبوت الصفة للموصوف وهو PageV02P096 # ثبوت الحكم المحكوم عليه، وهو ثبوت الخبر للمبتدأ، أو المحمول للموضوع ~~إلا بوسط بينهما هو الدليل، فالذي لابد منه هو مقدمة واحدة وما زاد على ذلك ~~فهو محتاج إليه وقد لا يحتاج إليه. # وأما دعوى الحاجة إلى القياس، الذي هو المقدمتان للاحتياج إلى ذلك في بعض ~~المطالب، فهو كدعوى الاحتياج في بعضها إلى ثلاث مقدمات وأربع وخمس، ~~للاحتياج إلى ذلك في بعض المطالب، وليس تقدير عدد بأولى من عدد, وما ~~يذكرونه من حذف إحدى المقدمتين لوضوحها أو للتغليط يوجد مثله في حذف ~~الثالثة والرابعة. ومن احتج على مسألة بمقدمة لا تكفي وحدها لبيان المطلوب، ~~أو مقدمتين أو ثلاثة لا تكفي، طولب بالتمام الذي يحصل به الكفاية. وإذا ~~ذكرت المقدمات منع منها ما يقبل المنع وعورض منها ما يقبل المعارضة، حتى ~~يتم ms062 الاستدلال، كمن طلب منه الدليل على تحريم شراب خاص قال هذا حرام، فقيل ~~له: لم؟ قال ((لأنه نبيذ مسكر)) فهذه المقدمة كافية إن كان المستمع يعلم أن ~~((كل مسكر حرام)) إذا سلم له تلك المقدمة. # وإن نازعه إياها وقال: ((لا نسلم أن هذا مسكر)) احتاج إلى بيانها بخبر من ~~يوثق بخبره، أو التجربة في نظيرها. وهذا قياس تمثيل. وهو مفيد لليقين. فإن ~~الشراب الكثير إذا جرب بعضه وعلم أنه مسكر علم أن الباقي منه مسكر، لأن حكم ~~بعضه مثل بعضه. وكذلك سائر القضايا التجريبية كالعلم بأن الخبز يشبع، ~~والماء يروي، وأمثال ذلك، إنما مبناها على قياس التمثيل))، بل وكذلك سائر ~~الحسيات التي علم أنها كلية إنما هو بواسطة قياس التمثيل. PageV02P097 # وإن كان ممن ينازعه في ((أن النبيذ المسكر حرام)). احتاج إلى مقدمتين: ~~إلى إثبات أن هذا مسكر، وإلى أن كل مسكر حرام، فثبتت الثانية بأدلة متعددة، ~~كقول النبي -صلى الله عليه وسلم- كل مسكر حرام، وكل شراب اسكر فهو حرام. ~~وبأنه سئل عن شراب يصنع من العسل. يقال له ((البتع)) وشراب يصنع من الذرة ~~يقال له ((المزر)) وكان قد أوتي جوامع الكلم فقال: ((كل مسكر حرام)). وهذه ~~الأحاديث في الصحيح. وهي وأضعافها معروفة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~تدل على أنه حرم كل شراب أسكر. # فإن قال: أنا أعلم أنه خمر، لكن لا أسلم أن الخمر حرام، أو لا أسلم أنه ~~حرام مطلقا، أثبت هذه المقدمة الثالثة وهلم جرا. # وما يبين لك أن المقدمة الواحدة قد تكفي في حصول المطلوب، أن الدليل هو ~~ما يستلزم الحكم المدلول عليه، كما تقدم بيانه، ولما كان الحد الأول ~~مستلزما للأوسط، والأوسط للثالث، فإن ملزم الملزوم ملزوم، ولازم اللازم ~~لازم، فإن الحكم لازم من لوازم الدليل، لكن لم يعرف لزومه إياه إلا بوسط ~~بينهما فالوسط ما يقرن بقولك ((لأنه)). # وهذا مما المنطقيون وابن سينا وغيره، وذكروا الصفات اللازمة للموصوف- ~~وأنها ما تكون بينة اللزوم-. وردوا بذلك على من فرق من أصحابهم بين ~~((الذاتي)) و ((اللازم)) للماهية ms063 بأن ((اللازم)) ما افتقر إلى ((وسط)) ~~بخلاف ((الذاتي)). فقالوا له: كثير من الصفات اللازمة لا تفتقر إلى ~~((وسط))، وهو البينة اللزوم ((والوسط)) عند هؤلاء هو ((الدليل)). PageV02P098 # وأما ما ظنه بعض الناس أن ((الوسط)) هو ما يكون متوسطا في نفس الأمر بين ~~اللازم القريب واللازم البعيد، فهذا خطأ ((ومع هذا يستبين حصول المراد على ~~للتقديرين، فيقول: إذا كانت اللوازم منها ما لزومه للملزوم بين بنفسه لا ~~يحتاج إلى ((دليل)) يتوسط بينهما، فهذا نفس تصوره وتصور الملزوم يكفي في ~~العلم بثبوته له، وإن كان بينهما ((وسط)) فذلك الوسط إن كان لزومه للملزوم ~~الأول، ولزوم الثاني له بينا، لم يفتقر إلى ((وسط)) ثان. # وإن كان أحد الملزومين غير بين بنفسه، احتاج إلى ((وسط))، وإن لم يكن ~~واحد منهما بينا، احتاج إلى ((وسطين))، وهذا الوسط هو حد يكفي فيه مقدمة واحدة. # فإذا طلب الدليل على تحريم النبيذ المسكر، فقيل له: لأنه قد صح عن النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((كل مسكر خمر)) أو ((كل مسكر حرام)) فهذا ~~الأوسط وهو قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يفتقر عند المؤمن لزوم تحريم ~~المسكر إلى وسط، ولا يفتقر لزوم تحريم النبيذ المتنازع فيه لتحريم المسكر ~~إلى وسط؛ فإن كل أحد يعلم أنه إذا حرم كل مسكر حرم النبيذ المسكر المتنازع ~~فيه، وكل مؤمن يعلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا حرم شيئا حرم. # ولو قال: ((الدليل على تحريمه أنه مسكر))، فالمخاطب إن كان يعرف أن ذلك ~~مسكر، والمسكر محرم، سلم له التحريم، ولكنه كان غافل عن كونه مسكرا، أو ~~جاهل بكونه مسكرا. # كذلك إذا قال: ((لأنه خمر)) فإن أقر أنه خمر ثبت التحريم، وإذا PageV02P099 # أقر بعد إنكاره، فقد يكون جاهلا فعلم أو غافلا فذكر، فليس كل من علم شيئا ~~كان ذاكرا له. # ولهذا تنازع هؤلاء المنطقيون في العلم بالمقدمتين، هل هو كاف في العلم ~~بالنتيجة، أم لابد من التفطن لأمر ثالث. وهذا الثاني هو قول ابن سينا ~~وغيره، وقالوا: لأن الإنسان قد يكون عالما ((بأن البغلة ms064 لا تلد))، ثم يغفل ~~عن ذلك، ويرى بغلة منتفخة البطن، فيقول ((أهذه حامل أم لا))؟ فيقال له: ~~((أما تعلم أنها بغلة)) فيقول: ((بلى))، ويقال له: ((أما تعلم أن البغلة لا ~~تلد)). فيقول: ((بلى)) قال: فحينئذ يتفطن لكونها لا تلد. # ونازعه الرازي وغيره وقالوا: هذا ضعيف، لأن اندراج إحدى المقدمتين تحت ~~الأخرى إن كان مغايرا للمقدمتين كان ذلك مقدمة أخرى لابد فيها من الإنتاج، ~~ويكون الكلام في كيفية التئامها مع الأوليين كالكلام في كيفية التئام ~~الأوليين ويفضي ذلك إلى اعتبار ما لا نهاية له من المقدمات. وإن لم يكن ذلك ~~معلوما مغايرا للمقدمتين. استحال أن يكون شرطا في الإنتاج لأن الشرط مغاير ~~للشروط وهنا لا مغايرة، فلا يكون شرطا. وأما حديث البغلة فذلك إنما يمكن ~~إذا كان الحاضر في الذهن إحدى المقدمتين فقط، إما الصغرى وإما الكبرى، أما ~~عند اجتماعها في الذهن، فلا نسلم أمه يمكن الشك أصلا في النتيجة. # قلت: وحقيقة الأمر أن هذا النزاع، لزمهم في ظنهم الحاجة إلى مقدمتين فقط، ~~لا في الإنتاج لأن الشرط مغاير للمشروط. وليس الأمر كذلك بل المحتاج إليه ~~ما به يعلم المطلوب سواء كان مقدمة أو اثنين أو PageV02P100 # ثلاثا والمغفول عنه ليس بمعلوم حالة الغفلة، فإذا تذكر صار معلوما بالفعل ~~وهنا الدليل هو العلم بأن البغلة لا تلد، وهذه كان ذاهلا عنها فلم يكن ~~عالما بها العلم الذي تحصل به الدلالة، فإن المغفول عنه لا يدل حينما يكون ~~مغفولا عنه، بل إنما يدل حال كونه مذكورا، إذ هو بذلك يكون معلوما علما ~~حاضرا. والرب تعالى منزه عن الغفلة والنسيان، لأن ذلك يناقض حقيقة العلم، ~~كما أنه منزه عن السنة والنوم، لأن ذلك يناقض الحياة والقومية، فإن النوم ~~أخو الموت ولهذا كان أهل الجنة لا ينامون كما لا يموتون. ويلهمون التسبيح، ~~كما يلهم أحدنا النفس. # والمقصود هنا أن وجه الدليل ((العلم بلزوم المدلول له))، سواء سمي ~~((استحضارا)) أو ((تفطنا)) أو غير ذلك، فمتى استحضر في ذهنه لزوم المدلول ~~لع علم أنه دال عليه. وهذا ms065 اللزوم إذا كان بيناله، وإلا فقد يحتاج في بيانه ~~إلى مقدمة أو اثنتين أو ثلاث أو أكثر. # والأوساط تتنوع يتنوع الناس، فليس ما كان وسطا مستلزما للحكم في حق هذا، ~~هو الدليل الذي يجب أن يكون وسطا في حق الآخر، بل قد يحصل له وسط آخر، ~~((فالوسط)) هو الدليل، وهو الواسطة في العلم بين اللازم والملزوم، وهما ~~المحكوم (به) والمحكوم عليه فإن الحكم لازم للمحكوم عليه ما دام حكما له، ~~والأوسط الذي هو الأدلة مما يتنوع ويتعدد بحسب ما يفتحه الله للناس من ~~الهداية كما إذا كان ((الوسط)) خبرا صادقا، فقد يكون الخبر لهذا غير الخبر ~~لهذا. PageV02P101 # وإذا رؤي الهلام، وثبت عند دار السلطان وتفرق الناس، فأشعوا ذلك في البلد ~~فكل قوم يحصل لهم العلم غير المخبرين الذين أخبروا غيرهم. # والقرآن والسنة الذي بلغه الناس عن الرسول بلغ كل قوم بوسائط غير وسائط ~~غيرهم، لاسيما في القرن الثاني والثالث وهؤلاء لهم مقرئون ومعلمون ولهؤلاء ~~مقرئون معلمون وهؤلاء كلهم وسائط وهم الأوساط بينهم وبين معرفة ما قاله ~~الرسول وفعله، وهم الذين دلوهم على ذلك بأخبارهم وتعليمهم. # وكذلك المعلومات التي تنال بالعقل أو الحس إذا نبه عليها منبه، أو أرشد ~~إليها (مرشد ومن جعل الوسط في اللوازم هو الوسط في نفس ثبوتها للموصوف. ~~فهذا باطل من وجوه كما قد بسط في موضعه، وتقدير صحته، فالوسط الذهني أعم من ~~الخارج كما أن الدليل أعم من العلة، فكل علة يمكن الاستدلال بها. فالوسط ~~الذي يلزمه الملزوم اللازم البعيد هو مستلزم لذلك اللازم فيمكن الاستدلال به. # فتبين أنه على كل تقدير يمكن الاستدلال على المطلوب بمقدمة واحدة إذا لم ~~يحتج إلى غيرها. ولا يمكن إلا بمقدمات فيحتاج إلى معرفتهن، فإن تخصيص ~~الحاجة بمقدمتين دون ما زاد وما نقص تحكم محض. # ولهذا لا تجد في سائر طوائف العقلاء ومصنفي العلوم من يلتزم في استدلاله ~~البيان بمقدمتين لا أكثر ولا أقل ويجتهد في رد الزيادة إلى شيئين وفي PageV02P102 # تكميل النقص بجعله مقدمتين إلا أهل منطق اليونان، ومن ms066 سلك سبيلهم دون من ~~كان باقيا على فطرته السليمة أو سلك مسلك غيرهم كالمهاجرين والأنصار ~~والتابعين لهم بإحسان. وسائر أئمة المسلمين وعلمائهم ونظارهم وسائر طوائف الملل. # وكذلك أهل النحو والطب والهندسة لا يدخل في هذا الباب إلا من اتبع في ذلك ~~هؤلاء المنطقيين، كما قلدوهم في الحدود المركبة من الجنس والفصل، وما ~~استفادوا بما تلقوه عنهم علما يستغنى عن باطل كلامهم أو ما يضر ولا ينفع من ~~الجهل أو التطويل الكثير. # ولهذا لما كان الاستدلال تارة يقف على مقدمة وتارة على مقدمتين، وتارة ~~على مقدمات، كانت طريقة نظار المسلمين أن يذكروا من الأدلة على المقدمات ما ~~يحتاجون إليه ولا يلتزمون في كل استدلال أن يذكروا من الأدلة على المقدمات ~~ما يحتاجون إليه ولا يلتزمون في كل استدلال أن يذكروا مقدمتين كما يفعله من ~~يسلك سبيل المنطقيين بل كتب نظار المسلمين وخطبائهم وسلوكهم في نظرهم ~~لأنفسهم ومناظرتهم لغيرهم تعليما وإرشادا ومجادلة على ما ذكرت وكذلك سائر ~~أصناف العقلاء من أهل الملل وغيرهم إلا من سلك طريق هؤلاء. # وما زال نظار المسلمين يعيبون طريقة أهل المنطق ويثبتون ما فيها من العي ~~واللكنة وقصور العقل وعجز النطق، ويثبتون أنها إلى إفساد المنطق العقلي ~~واللساني أقرب منها إلى تقويم ذلك. ولا يرضون أن يسلكوها في نظرهم ~~ومناظرتهم، لا مع من يوالونه ولا مع من يعادونه. PageV02P103 # الإمام الغزالي وعلم المنطق: # وإنما أكثر استعمالها من زمن أبي حامد، فإنه أدخل مقدمة من المنطق ~~اليوناني في أول كتابه ((المستصفى))، وزعم أنه لا يثق بعلمه إلا من عرف هذا ~~المنطق وصنف فيه معيار العلم ومحك النظر وصنف كتابا سماه ((القسطاس ~~المستقيم، ذكر فيه خمسة موازين الثلاث الحمليات والشرطى المتصل والشرطى ~~المنفصل، وغير عباراتها إلى أمثلة أخذها من كلام المسلمين، وذكر أنه خاطب ~~بذلك بعض أهل التعليم وصنف كتابا في تهافتهم، وبين كفرهم بسبب مسألة قدم ~~العالم وإنكار العلم بالجزئيات والمعاد، وذمها أكثر مما ذم طريقة ~~المتكلمين. وكان أولا يذكر في كتبه كثيرا من كلامهم إما بعباراتهم وإما ~~بعبارة ms067 أخرى، ثم في آخر أمره بالغ في ذمهم، وبين أن طريقهم متضمنة من الجهل ~~والكفر ما يوجب ذمها وفسادها أعظم من طريق المتكلمين ومات وهو مشتغل ~~بالبخاري ومسلم. # والمنطق الذي كان يقول فيه ما يقول، ما حصل له مقصوده، ولا أزال عنه ما ~~كان فه من الشك والحيرة ولم يغن عنه المنطق شيئا. ولكن بسبب ما وقع منه في ~~أثناء عمره وغير ذلك، صار كثير من النظار يدخلون المنطق اليوناني في ~~علومهم، حتى صار من يسلك طريق هؤلاء من المتأخرين يظن أنه لا طريق إلا هذا، ~~وأن ما أدعوه من الحد والبرهان هو أمر صحيح عند العقلاء، ولا يعلم أنه ما ~~زال العقلاء والفضلاء من المسلمين وغيرهم يعيبون ذلك ويطعنون فيه. PageV02P104 # وقد صنف نظار المسلمين في ذلك مصنفات متعددة، وجمهور المسلمين يعيبونه ~~عيبا مجملا لما يرونه من آثاره ولوازمه الدالة على ما في أهله مما يناقض ~~العلم والإيمان، ويفضي بهم الحال إلى أنواع من الجهل والكفر والضلال. # والمقصود هنا أن ما يدعون من توقف كل مطلوب نظري على مقدمتين لا أكثر ليس كذلك. # وهم يسمون (القياس المضمر) القياس الذي حذفت إحدى (مقدمتيه) ويقولون إنها ~~قد تحذف إما للعلم بها، وإما غلطا أو تغليطا. # فيقال إذا كانت معلومة، كانت كغيرها من المقدمات المعلومة، وحينئذ فليس ~~إضمار مقدمة بأولى من إضمار ثنتين وثلاث وأربع، فإن جاز أن يدعى في الدليل ~~الذي لا يحتاج إلى مقدمة، أن الأخرى تضمر محذوفة، جاز أن يدعى فيما يحتاج ~~إلى ثنتين أن الثالثة محذوفة، وكذلك فيما يحتاج إلى ثلاث، وليس لذلك حد، ~~ومن تدبر هذا وجد الأمر كذلك. # ولهذا لا يوجد في كلام البلغاء أهل البيان الذين يقيمون البراهين والحجج ~~واليقينية بأبين العبارات من استعمال المقدمتين في كلامهم، وما يوجد في ~~كلام أهل المنطق، بل من سلك طريقهم كان من المتفيقيهين لطريق العلم عقولا ~~وألسنة، ومعانيهم من جنس ألفاظهم تجد فيها من الركة والعي ما يرضاه عاقل. PageV02P105 # وكان يعقوب بن اسحق الكندي فيلسوف الإسلام في وقته- أعني الفيلسوف ms068 الذي ~~في الإسلم، وإلا فليس الفلاسفة من المسلمين، كما قالوا لبعض أعيان القضاة ~~الذين كانوا في زمان ابن سينا من فلاسفة الإسلام؟ فقال: ليس للإسلام ~~فلاسفة- كان يعقوب يقول في أثناء كلامه العدم فقد وجود كذا وأنواع هذه ~~الإضافات. # ومن وجد في بعض كلامه فصاحة أو بلاغة كما يوجد في بعض كلام ابن سينا ~~وغيره، فلما استفاده من المسلمين من عقولهم وألسنتهم، وإلا فلو مشى على ~~طريقة سلفه وأعرض عما تعلمه من المسلمين لكان عقله ولسانه يشبه عقولهم ~~وألسنتهم. # وهم أكثر ما ينفقون على من لم يفهم ما يقولونه ويعظهم بالجهل والوهم، أو ~~يفهم بعض ما يقولونه، أو أكثره، أو كله مع عدم تصوره في تلك الحال لحقيقة ~~ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- وما يعرف بالعقول السليمة، وما قاله ~~له سائر العقلاء مناقضا لما قالوه، وهو إنما وصل إلى منتهى أمرهم بعد كلفة ~~ومشقة، واقترن بها حسن ظن فتورط من ضلالهم فيما لا يعلمه إلا الله ثم إن ~~تداركه الله بعد ذلك كما أصاب كثيرا من الفضلاء الذين أحسنوا بهم الظن ~~ابتداء، ثم انكشف لهم من ضلالهم، ما أوجب رجوعهم عنهم، وتبرأهم منهم وردهم عليهم. # وضلالهم في الإلهيات ظاهر لأكثر الناس، ولهذا كفرهم فيها نظار PageV02P106 # المسلمين قاطبة. وإنما المنطق التبس الأمر فيه على طائفة لم يتصوروا ~~حقائقه ولوازمه ولم يعرفوا ما قال سائر العقلاء في تناقضهم فيه. # واتفق أن فيه أمورا ظاهرة مثل ((الشكل الأول))، ولا يعرفون أن ما فيه من ~~الحق لا يحتاج إليهم فيه، بل طولوا فيه الطريق، وسلكوا الوعر والضيق، ولم ~~يهتدوا فيه إلى ما يفيد التحقيق. # وليس المقصود في هذا المقام بيان ما أخطأوا في إثباته، بل ما أخطأوا في ~~نفيه، حيث زعموا أن العلم النظري لا يحصل إلا ((ببرهانهم)) وهو من ~~((القياس)). ### | AUTO [أصناف الحجج] # وجعلوا أصناف الحجج ثلاثة: ((القايس)) و ((الاستقراء)) و ((التمثيل)) ~~وزعموا أن ((التمثيل)) لا يفيد اليقين، وإنما ينفيه ((القياس)) الذي تكون ~~مادته من القضايا التي ذكروها. # وقد بينا في غير ms069 هذا الموضع أن ((قياس التمثيل)) ((وقياس الشمول متلازمان ~~وأن ما حصل بأحدهما من علم أو ظن حصل بالآخر مثله إذا كانت المادة واحدة، ~~والاعتبار بمادة العلم لا بصورة القضية، بل إذا كانت المادة يقينية فسواء ~~كانت صورتها في صورة ((قيا التمثيل)) أو صورة ((قياس الشمول)) فهي واحدة، ~~وسواء كانت صورة القياس اقترانيا أو PageV02P107 # استثنائيا بعبارتهم أو [بأي] بعبارة شئت لاسيما في العبارات التي هي خير ~~من عباراتهم، وأبين في العقل، وأوجز في اللفظ، والمعنى واحد. وحد هذا في ~~أظهر الأمثلة إذا قلت: هذا إنسان، وكل إنسان مخلوق، وحيوان، أو إحساس أو ~~متحرك بالإرادة، أو ناطق، أو ما شئت من لوازم ((الإنسان))، فإن شئت صورت ~~الدليل على هذه الصورة، وإن شئت قلت: هذا إنسان والإنسانية مستلزمة لهذه ~~الأحكام فهي لازمة له، وإن شئت قلت: ((إن كان إنسانا فهو متصف بهذه الصفات ~~اللازمة للإنسان)) وإن شئت قلت: ((إما أن يتصف بهذه الصفات، وإما أن لا ~~يتصف. والثاني باطل، فتعين الأول، لأن هذه لازمة للإنسان لا يتصور وجوده ~~بدونها)). # وأما ((الاستقراء)) فإنما يكون يقينيا، إذا كان استقراء تاما. وحينئذ ~~فتكون قد حكمت على القدر المشترك بما وجدته في جميع الأفراد. وهذا ليس ~~استدلالا بجزئي على كلي. ولا بخاص على عام، بل استدلال بأحد المتلازمين على ~~الآخر. فإن وجود ذلك الحكم في كل فرد من أفراد الكلي العام يوجب أن يكون ~~لازما لذلك الكلي العام. # فقولهم: ((إن هذا الاستدلال بخاص جزئي على عام كلي)). ليس بحق وكيف ذلك، ~~والدليل لابد أن يكون ملزوما للمدلول، فإنه لو جاز وجود الدليل مع عدم ~~المدلول عليه، ولم يكن المدلول لازما له، لم يكن. إذا علمنا ثبوت ذلك ~~الدليل- نعلم ثبوت المدلول معه، إذا علمنا أنه تارة يكون معه PageV02P108 # وتارة لا يكون معه فإنا إذا علمنا ذلك، ثم قلنا ((أنه دائما كنا قد جمعنا ~~بين النقيضين. # وهذا اللزوم الذي نذكره ههنا يحصل به الاستدلال بأي وجه حصل اللزوم. ~~وكلما كان اللزوم أقوى، وأتم وأظهر، كانت الدلالة أقوى وأتم وأظهر، ms070 ~~كالمخلوقات الدالة على الخالق -سبحانه وتعالى-، فإنه ما منها مخلوق إلا وهو ~~ملزوم لخالقها، لا يمكن وجوده بدون وجود خالقه، بل ولا بدون علمه، وقدرته ~~ومشيئته وحكمته ورحمته، فكل مخلقو دال على ذلك كله. # وإذا كان المدلول لازما للدليل، فمعلوم أن اللازم إما أن يكون مساويا ~~للملزوم، وإما أن يكون أعم منه، فالدليل لا يكون أعم منه، وإذا قالوا في ~~((القياس)): ((يستدل بالكلي على الجزئي)) فليس الجزئي هو الحكم المدلول ~~عليه، وإنما الجزئي هو الموصوف المخبر عنه بمحل الحكم، فهذا قد يكون أخص من ~~الدليل، وقد يكون مساويا له؛ بخلاف الحكم الذي هو صفة هذا وحكمه الذي أخبر ~~به عنه، فإنه لا يكون إلا أعم من الدليل أو مساويا له. فإن ذلك هو المدلول ~~اللازم للدليل. والدليل هو لازم للخبر عنه الموصوف فإذا قيل: ((النبيذ حرام ~~لأنه خمر)) فكونه خمرا هو الدليل، وهو لازم للنبيذ والتحريم لازم للخمر. # والقياس المؤلف من المقدمتين إذا قلت ((كل النبيذ ال؟ ؟ ؟ ؟ فيه مسكر أو ~~خمر وكل خمر حرام)) فأنت لم تستدل ((بالمسكر أو الخمر)) الذي هو كلي على ~~نفس محل النزاع لدى هو أخص من الخمر وهو النبيذ، فليس هو استدلالا بذلك ~~الكلي على هذا الجزئي، بل استدللت على تحريم هذا النبيذ PageV02P109 # فلما كان تحريم هذا النبيذ مندرجا في تحريم كل مسكر قال: من قال إنه ~~استدلال بالكلي على الجزئي، والتحقيق أن ما ثبت للكلي فقد ثبب لكل واحد من ~~جزئياته، والتحريم هو أعم من الخمر، وهو ثابت لها، فهو ثابت لكل فرد من ~~جزئياتها فهو استدلال بكلي على ثبوت كلي آخر لجزئيات ذلك الكلي. وذلك ~~الدليل هو كالجزئي بالنسبة إلى ذلك الكلي، وهو كلي بالنسبة إلى تلك ~~الجزئيات. # وهذا مما لا ينازعون فيه. فإن الدليل هو ((الحد الأوسط)) وهو أعم من ~~((الأصغر)) أو مساو له، ((والأكبر)) أعم منه أو مساو له، ((والأكبر)) هو ~~الحكم والصفة والخبر وهو محمول النتيجة، ((والأصفر)) هو المحكوم عليه ~~الموصوف المبتدأ وهو موضوع النتيجة. # وأما قولهم في ((التمثيل)) إنه ms071 استدلال بجزئي على جزئي، فإن أطلق ذلك ~~وقيل إنه استدلال بمجرد الجزئي على جزئي))، فهذا غلط، فإن ((قياس التمثيل)) ~~إنما يدل بحد أوسط وهو اشتراكهما في علة الحكم أو دليل الحكم مع العلة فإنه ~~قياس علة أو قياس دلالة. # وإما قياس الشبه. فإذا قيل به لم يخرج عن أحدهما، فإن الجامع المشترك بين ~~الأصل والفرع إما أن يكون هو ((العلة)) أو ما يستلزم ((العلة)) (وإلا) لم ~~يكن الاشتراك فيه مقتضيا للاشتراك في الحكم، بل كان المشترك قد تكون معه ~~العلة، وقد لا تكون، فلا نعلم صحة القياس، بل لا يكون صحيحا إلا إذا ~~اشتراكا فيها ونحن لا نعلم الاشتراك فيها، إلا إذا علمنا اشتراكهما فها، أو ~~في ملزومها فإن ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم PageV02P110 # فإذا قدرنا أنهما لم يشتركا في الملزوم ولا فيها، كان القياس باطلا قطعا ~~لأنه حينئذ تكون ((العلة)) مختصة بالأصل، وإن لم نعلم ذلك لم نعلم صحة ~~القياس. # وقد نعلم صحة القياس بانتفاء الفارق بين الأصل والفرع، وإن لم نعلم عين ~~العلة ولا دليلها فإنه يلزم من انتفاء الفارق اشتراكهما في الحكم. # وإذا كان (قياس التمثيل) إنما يكون إما بانتفاء الفارق أو بإثبات جامع، ~~وهو كلي يجمعهما يستلزم الحكم، كل منهما ممكن تصويره بصور (قياس الشمول) ~~وهو يتضمن لزوم الحكم الكلي لجزئياته، وهذا حقيقة (قياس الشمول). ليس ذلك ~~استدلالا بمجرد ثبوته لجزئي على ثبوته لجزئي آخر. # فأما إذا قيل (بم نعلم أن المشترك مستلزم للحكم) قيل بما نعلم به القضية ~~الكبرى في (القياس) ببيان الحد الأوسط (الذي) هو المشترك الجامع ولزوم الحد ~~الأكبر له هو لزوم الحكم للجامع المشترك كما تقدم التنبيه على هذا. # وقد يستدل بجزئي على جزئي. إذا كانا متلازمين أو كان أحدهما ملزوم الآخر ~~من غير عكس، فإن كان اللزوم عن الذات، كانت الدلالة على الذات وإن كان في ~~صفة أو حكم كانت الدلالة على الصفة أو الحكم. # فقد تبين ما في حصرهم من الخلل، وأما تقسيمهم إلى الأنواع الثلاثة، فكلها ~~تعود على ما ms072 ذكر في استلزام الدليل للمدلول. # وما ذكروه في (الاقتراني) يمكن تصويره بصورة (الاستثنائي) يمكن PageV02P111 # تصويره بصورة (الاقتراني)، فيعود الأمر إلى معنى واحد. وهو مادة الدليل ~~والمادة لا تلعم من صورة ((القياس)) الذي ذكروه، بل من عرف المادة بحيث ~~يعلم أن هذا مستلزم لهذا، علم الدلالة سواء صورت بصورة ((قياس أو لم ~~تصور))، وسواء عبر عنها بعبارتهم أو بغيرها، بل العبارات التي صقلتها عقول ~~المسلمين وألسنتهم خير من عباراتهم بكثير كثير. # ((والاقتراني)) كله يعود إلى لزوم هذا، لهذا وهذا لهذا، كما ذكره بعينه ~~هو الاستثنائي المؤلف من ((المتصل)) و ((المنفصل)) فإن الشرطي ((المتصل)) ~~استدلال باللزوم بثبوت الملزوم الذي هو المقدم وهو الشرط على ثبوت اللازم ~~الذي هو التالي وهو المشروط وبانتفاء اللازم وهو بالتالي الذي هو الجزاء ~~على انتفاء الملزوم الذي هو المقدم وهو الشرط. # وأما الشرطي المنفصل وهو الذي يسميه الأصوليون ((السبر والتقسيم) وقد ~~يسميه أيضا الجدليون (التقسيم والترديد)، فمضمونه الاستدلال بثبوت أحد ~~النقيضين على انتفاء الآخر؛ وبانتفائه على ثبوته وأقسامه أربعة. ولهذا كان ~~في (مانعة الجمع والخلو) والاستثناءات الأربعة وهو- إنه إن ثبت انتفى نقيضه ~~وكذا الآخر وإن انتفى هذا ثبت نقيضه وكذا الآخر. # و(في) مانعة الجمع الاستدلال بثبوت أحد الضدين على انتفاء الآخر والأمران ~~متنافيان. # ومانعة الخلو فيها (تناقض) (ولزم) (و) النقيضان لا يرتفعان، فمنعت الخلو ~~منهما ولكن مسماها وجود شيء وعد آخر، ليس هو وجود الشيء PageV02P112 # وعدمه، ووجود شيء وعدم آخر قد يكون أحدهما لازما للآخر. وإن كانا يرتفعان ~~لأن ارتفاعهما يقتضي ارتفاع وجود شيء وعدمه معا. # وبالجملة ما من شيء إلا وله لازم لا يوجد بدونه، وله مناف مضاد لوجوده، ~~فيستدل عليه بثبوت ملزومه وعلى انتفائه بانتفاء لازمه، ويستدل على انتفائه ~~بوجود منافيه، ويستدل بانتفاء منافيه على وجوده. وإذا انحصر الأمر فيهما ~~فلم يمكن عدمهما جميعا، كما لم يمكن وجودهما جميعا. # وهذا الاستدلال يحصل من العلم بأحوال الشيئين وملزومهما ولوازمهما. وإذا ~~تصورته الفطرة عبر بأنواع من العبارات وصورته في أنواع من صور الأدلة، لا ~~يختص شيء من ms073 ذلك بالصورة التي ذكروها في ((القياس)) فضلا عما سموه ~~((البرهان)). فإن ((البرهان)) شرطوا له مادة معينة وهي القضايا التي ~~ذكروها، وأخرجوا من الأوليات ما سموه وهميات وما سموه (شهورات) وحكم ~~بالفطرة بهما لاسيما بما سموه (وهميات) أعظم من حكمها بكثير من ((اليقنات)) ~~التي جعلوها مواد ((البرهان)). # وقد بسط القول على هذا وبينت كلامهم في ذلك وتناقضهم وأن ما أخرجوه تخرج ~~به ما تنال به أشرف العلوم من العلوم النظرية والعلوم العملية، ولا يبقى ~~بأيديهم إلا أمور مقدرة في الأذهان لا حقيقة لها في الأعيان. ولولا أن هذا ~~الموضع لا يتسع لحكاية ألفاظهم في هذا. وما أوردته عليهم لذكرته، فقد ذكرت ~~ذلك كله في مواضعه من العلوم الكلية والإلهية فإنها هي المطلوبة. # والكلام في المنطق إنما وقع لما زعموا أنه آلة قانونية تعصم مراعاتها PageV02P113 # الذهن أن يزل في فكره، فاحتجنا أن ننظر في هذه الآلة هل هو كما قالوا أو ~~ليس الأمر كذلك؟ ومن شيوخهم من إذا تبين له من فساد أقوالهم ما يبين به ~~ضلالهم وعجز عن دفع ذلك: يقول ((هذه علوم قد صقلتها الأذهان أكثر من ألف ~~سنة وقبلها الفضلاء)) فيقال له: عن هذا أجوبه. # أحدهما: أنه ليس الأمر كذلك. فما زال العقلاء الذين هم أفضل من هؤلاء ~~ينكرون عليهم ويثبتون خطأهم وضلالهم. # فأما القدماء فالنزاع بينهم كثير معروف وفي كتب أخبارهم ومقالاتهم من ذلك ~~ما ليس هذا موضع ذكره. فأما أيام الإسلام فإن كلام نظار المسلمين في بيان ~~فساد ما أفسدوه من أصولهم المنطقية والإلهية بل والطبيعية والرياضية كثير ~~قد صنف فيه كل طائفة من طوائف نظار المسلمين حتى الرافضة # وأما شهادة سائر العلماء بضلالهم وكفرهم فهذا اللسان عام لا يدفعه إلا ~~معاند، والمؤمنون شهداء الله في الأرض. # فإذا كان أعيان الأذكياء الفضلاء من الطوائف وسائر أهل العلم والإيمان ~~معلنين تخطئتهم وتضليلهم إما تفصيلا. امتنع أن يكون العقلاء قاطبة تلقوا ~~كلامهم بالقبول. # أوجه الثاني: أن هذا ليس بحجة، فإن الفلسفة كانت قبل أرسطو وتلقاها من ~~قبله بالقبول طعن ms074 أرسطو في كثير منها وبين خطأهم، وابن سينا وأتباعه خالفوا ~~القدماء في طائفة من أناويلهم المنطقية وغيرها بينوا خطأهم، ورد الفلاسفة ~~بعضهم على بعض أكثر من رد كل طائفة بعضهم على بعض، وأبو PageV02P114 # البركات وأمثاله قد ردوا على أرسطو ما شاء الله لأنهم يقولون: إنما قصدنا ~~الحق ليس قصدة التعصب لقائل معين ولا لقول معين. # والثالث أن دين عباد الأصنام أقدم من فلسفتهم، وقد دخل فيه من الطوائف ~~أعظم ممن دخل في فلسفتهم، وكذلك دين اليهود المبدل أقدم من فلسفة أرسطو. ~~ودين النصارى المبدل أقرب من زمن أرسطو، فإن أرسطو كان قبل المسيح بنحو ~~ثلاثمائة سنة فإنه كان في زمن الإسكندر أن فيلبس الذي يؤرخ به تاريخ الروم ~~الذي يستعمله اليهود والنصارى. # الرابع: أن يقال: فهب أن الأمر كذلك فهذه العلوم عقلية محضة ليس فيها ~~تقليد لقائل، وإنما تعلم بمجرد العقل، فلا يجوز أن يصحح بالنقل- بل لا ~~يتكلم فيها إلا بالمعقول المجرد- فإذا دل المعقول الصريح على بطلان الباطل ~~منها لم يجز رده، فإن أهلها لم يدعوا أنها مأخوذة عن شيء يجب تصديقه، بل عن ~~عقل محض، فيجب التحاكم فيها إلى موجب العقل الصريح. ### | AUTO [قياس الشمول والاستقراء] # فصل: وقد احتجوا بما ذكروه من أن ((الاستقراء)) دون ((القياس)) الذي هو ~~((قياس الشمول)) وأن ((قياس التمثيل)) دون ((الاستقراء))، فقالوا: إن ~~((قياس التمثيل)) لا يفيد إلا الظن، وإن المحكوم عليه قد يكون جزئيا، بخلاف ~~((الاستقراء)) فإنه قد يفيد اليقين والمحكوم عليه لا يكون (إلا) كليا. # قالوا: وذلك أن ((الاستقراء)) هو الحكم على كلي بما يحقق في جزئياته، فإن ~~كان في جميع الجزئيات كان الاستقراء تاما كالحكم على المتحرك ((بالجسمية)) ~~لكونها محكوما ما بها على جميع جزئيات المتحرك من الجماد والحيوان والنبات، PageV02P115 # (والناقص) كالحكم على الحيوان بأنه إذا أكل، تحرك فكه الأسفل عند المضغ ~~لوجود ذلك في أكثر جزئياته. ولعله فيما لم يستقرأ على خلافه كالمساح، ~~والأول ينيقع في (اليقينات) بخلاف الثاني وإن كان منتفعا به في (الجدليات). # وأما (قياس التمثيل) فهو الحكم على ms075 شيء بما حكم به على غيره بناء على ~~جامع مشترك بينهما، كقولهم العالم موجود، فكان قديما كالباري)، أو هو جسم ~~فكان محدثا كالإنسان). وهو مشتمل على (فرع وأصل وعلة وحكم) فالفرع ما هو ~~مثل (العالم) في هذا المثل، والأصل ما هو مثل (الباري) أو (الإنسان). ~~والعلة الموجود أو الجسم). والحكم (القديم أو المحدث) فقالوا: ويفارق ~~(الاستقراء) من جهة أن المحكوم عليه فيه قد يكون جزئيا، والمحكوم عليه في ~~(الاستقراء) لا يكون إلا كليا، قالوا: وهو غير مفيد لليقين. فإنه ليس من ~~ضرورة اشتراك أمرين فيم يعمهما اشتراكهما فيما حكم به على أحدهما، إلا أن ~~يبين الاشتراك علة لذلك الحكم وكل ما يدل عليه فظني، فإن المساعد على ذلك ~~في العقليات عند القائلين به لا يخرج عن (الطرد) والعكس (والسبر والتقسيم). # أما (الطرد والعكس) فلا معنى غير تلازم الحكم والعلة؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ولابد في ~~ذلك من (الاستقراء) ولا سبيل إلى دعواه في الفراغ إذ هو غير المطلوب فيكون ~~(الاستقراء) ناقصا ولاسيما ويجوز أن تكون علة الحكم في الأصل مركبة من ~~أوصاف مشتركة ومن غيرها، ويكون وجودها في الأوصاف. متحققا فيها، فإذا وجد ~~المشترك في الأصل ثبت الحكم لكمال علته، وعند انتفائه فينتفي لنقصان العلة، ~~وعند ذلك فلا يلزم من وجود المشترك في الفرع، ثبوت الحكم لجواز تخلف باقي ~~الأوصاف أو بعضها. PageV02P116 # وأما (السبر والتقسيم) فحاصله يرجع إلى دعوى حصر أوصاف الأصل في جملة ~~معينة. وإبطال كل ما عدا المستبقي، وهو أيضا غير يقيني لجواز أن يكون الحكم ~~ثابتا في الأصل لذات الأصل لا لخارج، وإلا لزم التسلسل، وإن ثبت الخارج فمن ~~الجائز أن يكون لغيرها أبدا، وإن لم يطلع عليه مع البحث عنه، وليس الأمر ~~كذلك في العاديات. فإنا لا نشك مع سلامة البصر وارتفاع الموانع في عدم (بحر ~~من زئبق) (وجبل من ذهب) بين أيدينا، ونحن لا نشاهده، وإن كان منحصرا فمن ~~الجائز أن يكون معللا بالمجموع أو بالبعض الذي لا تحقق له في الفروع، وثبوت ~~الحكم مع المشترك في صورة مع ms076 تخلف غيره من الأوصاف المقارنة له في الأصل. ~~مما لا يوجب استقلاله بالتعليل، لجواز أن يكون في تلك معللا بعلة أخرى، ولا ~~امتناع فيه، وإن كان لا علة له سواه فجائز أن يكون علة لخصوصه لا لعمومه، ~~وإن بين أن ذلك الوصف يلزمه لعموم ذات الحكم، فمع بعده يستغنى عن التمثيل. # قالوا: والفراسة البدنية هي عين (التمثيل)، غير أن الجامع فيها بين الأصل ~~والفرع دليل العلة لا نفسها وهو المسمى في عرف الفقهاء (بقياس الدلالة)، ~~فإنها استدلال بمعلول العلة على ثبوتها، ثم الاستدلال بثبوتها على معلولها ~~الآخر، إذ مبناها على أن المزاج علة لخلق باطن وخلق ظاهر فيستدل بالخلق ~~الظاهر على المزاج، ثم بالمزاج على الخلق الباطن. كالاستدلال (يعرض الأعلى) ~~على (الشجاعة) بناء على كونهما معلولى مزاج واحد كما يوجد مثل ذلك في الأسد. # ثم إثبات العلة في الأصل لابد فيها من (الدوران) أو (التقسيم) كما تقدم ~~وإن قدر أن علة الحكمين في الأصل واحدة فلا مانع من ثبوت أحدهما في الفرع ~~بغير علة الأصل وعند ذلك فلا يلزم الحكم الآخر. PageV02P117 ### | AUTO [اليقين والظن] # هذا كلامهم. فيقال: تفريقهم بين ((قياس الشمول)) ((وقياس التمثيل)) بأن ~~الأول قد يفيد اليقين والثاني لا يفيد إلا الظن، فرق باطل. بل من حيث أفاد ~~أحدهما اليقين أفاد الآخر اليقين، وحيث لا يفيد أحدهما إلا الظن لا يفيد ~~الآخر إلا الظن. فإن إفادة ((الدليل)) لليقين أو الظن ليس لكونه على صورة ~~أحدهما دون الآخر، بل باعتبار تضمن أحدهما لما يفيد اليقين. فإن كان أحدهما ~~اشتمل على أمر مستلزم للحكم يقينا يحصل به اليقين، وإن لم يشتمل إلا على ما ~~يفيد الحكم ظنا لم يفد إلا الظن والذي يسمى في أحدهما ((حدا أوسط)) هو في ~~الآخر ((الوصف المشترك)). # والقضية الكبرى المتضمنة لزوم الحد الأكبر للأوسط هو بيان تأثير الوصف ~~المشترك بين الأصل والفرع. فما به يتبين صدق القضية الكبرى به يتبين أن ~~الجامع المشترك مستلزم للحكم، فلزوم الأكبر الأوسط هو لزوم الحكم للمشترك. # فإذا قلت: ((النبيذ حرام ms077 قياسا على الخمر))، لأن ((الخمر إنما حرمت ~~لكونها مسكرة)). وهذا الوصف موجود في النبيذ. كان بمنزلة قولك: ((كل نبيذ ~~مسكر: ((وكل مسكر حرام)). فالنتيجة: ((قولك النبيذ حرام))، ((والنبيذ)) هو ~~موضوعها وهو الحد الأصغر ((والحرام)) محمولها وهو الحد الأكبر، ((والمسكر)) ~~هو المتوسط بين الموضوع والمحمول وهو الحد الأوسط، المحمول في الصغرى ~~الموضوع في الكبرى. فإذا قلت: ((النبيذ حرام قياسا على خمر العنب))، ((لأن ~~العلة في الأصل هو الإسكار وهو PageV02P118 # موجود في الفرع))، فتبت التحريم لوجود علته فإنما استدللت على تحريم ~~((النبيذ بالسكر)) وهو الحد الأوسط، لكن زدت في ((قياس التمثيل)) ذكر الأصل ~~الذي يثبت به الفرع، وهذا لأن شعور النفس بنظر الفرع، أقوى في المعرفة من ~~مجرد دخوله في الجامع الكلي. وإذا قام الدليل على تأثير الوصف المشترك لم ~~يكن ذكر الأصل محتاجا إليه. # ((والقياس)) لا يحلو إما أن يكون ((بإبداء الجامع)). أو ((بإلغاء ~~الفارق)) (و) هو ((الحد الأوسط)). فإذا قيل: ((هذا مساوى لهذا، ومساوى ~~المساوى مساو))، كانت ((المساواة هي الحد الأوسط))، وإلغاء الفارق عبارة عن ~~((المساواة)). فإذا قيل: ((لا فرق بين الفرع والأصل إلا كذا وهو متعذر))، ~~فهو بمنزلة قولك. ((هذا مساو لهذا، وحكم المساوى حكم مساويه)). # وأما قولهم: ((كل ما يدل على (أن) ما به الاشتراك علة للحكم فظني)) ~~فيقال: لا نسلم فإن هذه دعوى كلية ولم تقيموا عليها دليلا. ثم نقول: الذي ~~يدل به على علية المشترك هو الذي يدل به على صدق القضية الكبرى، وكل ما يدل ~~به على صدق الكبرى في ((قياس الشمول)) يدل به على علية المشترك في ((قياس ~~التمثيل)) سواء كان علميا أو ظنيا. فإن الجامع المشترك في ((التمثيل)) هو ~~الحد الأوسط، ولزوم الحكم له هو لزوم الأكبر للأوسط. ولزوم الأوسط للأصغر ~~هو لزوم الجامع المشترك للأصغر، وثبوت العلة في الفرع. # فإذا كان الوصف المشترك وهي المسمى ((بالجامع)) ((والعلة)) أو ((دليل PageV02P119 # العلة)) أو ((المناط)) أو ما كان من الأسماء إذا كان ذلك الوصف ثابتا في ~~الفرع، لازما له، كان ذلك موجبا لصدق المقدمة الصغرى ms078 وإذا كان الحكم ثابتا ~~للوصف مستلزما له، كان ذلك موجبا لصدق الكبرى. وذكر الأصل ليتوصل به إلى ~~إثبات إحدى المقدمتين. # فإن كان ((القياس)) بإلغاء ((الفارق))، وهو الحد الأوسط (أو) إن كان ~~((القياس)) ((بإبداء العلة))، فقد يستغنى عن ذكر الأصل إذ كان الاستدلال ~~على علية الوصف لا يفتقر إليه. وأما إذا احتاج إثبات علية الوصف إليه، ~~فيذكر الأصل لأنه من تمام ما يدل على علية المشترك، وهو الحد الأكبر. # وهؤلاء الذين فرقوا بين ((قياس التمثيل)) ((وقياس الشمول)) أخذوا يظهرون ~~كون أحدهما ظنيا في مواد معينة، وتلك المواد التي لا تفيد إلا الظن في ~~((قياس التمثيل)) لا تفيد إلا الظن في ((قياس الشمول))، وإلا فإذا أخذوه ~~فيما يستفاد به اليقين من ((قياس الشمول))، أفاد اليقين في ((قياس ~~التمثيل)) أيضا وكان ظهور اليقين به هناك أتم. # فإذا قيل في ((قياس الشمول)): ((كل إنسان حيوان))، ((وكل حيوان جسم))، ~~فكل إنسان جسم))، كان ((الحيوان)) هو الحد الأوسط وهو المشترك في ((قياس ~~التمثيل))، بأن يقال ((الإنسان جسم)) قياس على الفرس وغيره من الحيوانات))، ~~فإن كون تلك الحيوانات حيوانا، هو مستلزم لكونه جسما PageV02P120 # إذا نوزع في علية الحكم في الأصل، فقيل: ((له لا نسلم أن الحيوانية ~~تستلزم الجسمية))، كان هذا نزاع في قوله: ((كل حيوان جسم. وذلك أن المشترك ~~بين الأصل والفرع إذا سمي ((علة))، إنما يراد به ((ما يستلزم أن الحكم)) ~~سواء كان هو ((العلة الموجبة لوجوده في الخارج)) أو كان ((مستلزما لذلك.)) ~~ومن الماس من يسمي الجميع ((علة)) لاسيما من يقول: ((إن العلة إنما يراد ~~بها المعرف وهو الأمارة والعلامة والدليل. لا يراد بها ((الباعث والداعي))، ~~ومن قال: إنه يراد بها ((الداعي)) وهو ((الباعث)) فإنه يقول ذلك في علل ~~الأفعال. وأما غير الأفعال فقد تفسر ((العلة)) فيها ((بالوصف المستلزم)) ~~كاستلزام ((الإنسانية والحيوانية للجسمية)) وإن لم يكن أحد الوصفين هو ~~المؤثر في الآخر. # على أنا قد بينا في غير هذا الموضع، إن ما به يعلم ((كون الحيوان جسما))، ~~به يعلم أن الإنسان جسم))، حيث بنيا أن ms079 ((قياس الشمول)) الذي يذكرونه قليل ~~الفائدة أو عديمها، وأن ما به يعلم صدق الكبرى في العقليات به يعلم صدق ~~أفرادها التي منها الصغرى، بل وبذلك يعلم صدق النتيجة. ثم قال: وتناقضهم ~~فساد قولهم أكثر من أن يذكر، والمقصود هنا الكلام على المنطق وما ذكروه من ~~((البرهان)) وأنهم يعظمون ((قياس الشمول))، ويستخفون ((بقياس التمثيل)) ~~ويزعمون أنه إنما يفيد الظن، وأن العلم لا يحصل إلا بذاك وليس الأمر كذلك، ~~بل هما في الحقيقة من جنس واحد، ((وقياس التمثيل)) الصحيح أولى بإفادة ~~المطلوب- علما كان لأو ظنا- من مجرد (قياس الشمول، ولهذا كان سائر PageV02P121 # العقلاء يستدلون ((بقياس التمثيل)) أكثر مما يستدلون ((بقياس الشمول))، ~~بل لا يصح ((قياس الشمول)) في الأمر العام إلا توسط ((قياس التمثيل)). وكل ~~ما يحتج به على صحة ((قياس التمثيل)) في تلك الصورة ومثلنا هذا بقولهم: ~~((الواحد (لا يصدر عنه) إلا واحد)). # فإنه من أشهر أقوالهم الإلهية الفاسدة. # وأما الأقوال الصحيحة. فهذا أيضا ظاهر فيها. فإن ((قياس الشمول)) لابد ~~فيه من قضية كلية موجبة، فلا إنتاج عن سالبتين ولا عن جزئيتين باتفاقهم. # والكلي لا يكون كليا إلا في الذهن فإذا عرف تحقيق بعض أفراده في الخارج، ~~كان ذلك مما يعين على العلم بكونه كليا موجبا، فإنه إذا أحس الإنسان ببعض ~~الأفراد الخارجية، انتزع منه وصفا كليا لاسيما إذا كثرت أفراده، والعلم ~~بثبوت الوصف المشترك الأصل في الخارج هو أصل العلم بالقضية الكلية. وحينئذ ~~((فالقياس التمثيل أصل، للقياس الشمولي)). إما أن يكون سببا في حصوله، وإما ~~أن يقال لا يوجد بدونه، فكيف يكون وحده أقوى منه؟ # وهم يمثلون الكليات بمثل قول القائل: الكل أعظم من الجزء، والنقيضان لا ~~يجتمعان ولا يرتفعان، والأشياء والمساوية لشيء واحد متساوية ونحو ذلك وما ~~من كلي من هذه الكليات إلا وقد علم من أفراده أمور كثيرة، إذا أريد تحقيق ~~هذه الكلية في النفس ضرب لها المثل لفرد من PageV02P122 # أفرادها وبين انتفاء الفارق بينه وبين غيره أو ثبوت الجامع، وحينئذ يحكم ~~العقل بثبوت الحكم لذلك المشترك الكلي وهذا حقيقة ms080 (قياس التمثيل). # ولو قدرنا أن (قياس الشمول) لا يفتقر إلى (التمثيل) وإلى العلم بمعين ~~أصلا فلا يمكن أن يقال: (إذا علم الكلي مع العلم بثبوت أفراداه في الخارج. ~~كان أكمل منه أن يعلمه بدون العلم بذلك المعين) فإن العلم بالمعين ما زاده ~~إلا كمالا، فتبين أن ما نفوه من صورة (القياس) أكمل مما أثبتوه. # واعلم أنهم في المنطق الإلهي بل والطبيعي غيروا بعض ما ذكره أرسطو، لكن ~~ما زادوه في الإلهي هو خير من كلام أرسطو، فإني قد رأيت الكلامين وأرسطو ~~وأتباعه في الألهيات أجهل من اليهود والنصارى بكثير كثير. وأما في الطبيعات ~~فغالب كلامه جيد، وأما المنطق فكلامه فيه خير من كلامه في الإلهي. # وأظن ما ذكره في تضعيف ((قياس التمثيل)) إنما هو من كلام متأخريهم لما ~~رأوا استعمال الفقهاء له غالبا، والفقهاء يستعملونه كثيرا في المواد ~~الظنية، وهناك الظن حصل من المادة لا من صور القياس، فلو صوروا تلك المادة ~~(بقياس الشمول) لم يفد أيضا إلا الظن لكن هؤلاء لهؤلاء ظنوا أن الضعف من ~~جهة الصورة فجعلوا صورة قياسهم يقينا وصورة قياس الفقهاء ظنيا. # ومثلوه بأمثلة كلامية ليقرروا أن المتكلمين يحتجون علينا بالأقيسة ~~الظنية، كما مثلوه من الاحتجاج عليهم بأن الفلك جسم أو مؤلف فكان محدثا ~~قياسيا على الإنسان وغيره من المولدات، ثم أخذوا يضعفون هذا القياس PageV02P123 # لكن إنما ضعفوه بضعف مادته، فإن هذا الدليل الذي ذكره الجهمية والقدرية ~~ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم على حدوث الأجسام أدلة ضعيفة لأجل مادتها لا ~~تكون صورتها ظنية. ولهذا لا فرق بين أن يصوروها بصورة ((التمثيل)) أو ~~((الشمول)). PageV02P124 ### | AUTO المقام الرابع: البرهان يفيد العلم بالتصديقات # فصل- وأما المقام الرابع وهو قولهم إن القياس أو البرهان يفيد العلم ~~بالتصديقات فهو أدق المقامات. وذلك أن خطأ المنطقيين في المقامات الثلاثة ~~وهي منع إمكان التصور إلا بالحد، وحصول القصور بالحد ومنع حصول التصديق ~~بالحد، ومنع حصول التصديق إلا بالقياس، واضح بأدنى تدبر، ومدركه قريب ~~والعلم به ظاهر. وإنما يلبسون على الناس بالتهويل والتطويل وأظهرها خطأ ms081 ~~دعواهم أن التصورات المطلوبة لا تحصل إلا بما ذكروه من الحد، ويليه قولهم ~~إن شيئا من التصديقات المطلوبة لا تنال إلا بما ذكروه من القياس فإن هذا ~~النفي العام أمر لا سبيل إلى العلم به. لوا يقوم عليه دليل أصلا، مع أنه ~~معلوم البطلان بما يحصل من التصديقات المطلوبة بدون م ذكروه من القياس، كما ~~تحصل تصورات مطلوبة بدون ما يذكرونه من الحد. # بخلاف هذا المقام الرابع، فإن كون (القياس) المؤلف من المقدمتين يفيد ~~(النتيجة)، هو أمر صحيح في نفسه. ### | AUTO كون القياس المنطقي عديم التأثير في العلم # لكن الذي بينه نظار المسلمين في كلامهم على هذا المنطق اليوناني المنسوب ~~إلى أرسطو أن ما ذكروه من صور (القياس) ومواده مع كثرة التعب العظيم ليس ~~فيه فائدة علمية. بل [و] كل ما يمكن علمه (بقياسهم) يمكن علمه PageV02P125 # بدون (قياسهم) فلم يكن في (قياسهم) ما يحصل العلم بالمجهول الذي لا يعلم ~~بدونه ولا حاجة إلى ما يمكن العلم بدونه. فصار عديم التأثير في العلم وجودا ~~وعدما، وفيه تطويل كثير متعب، فهو مع أنه لا ينفع في العلم فيه إتعاب ~~الأذهان وتضييع لزمان وكثرة الهذيان. # والمطلوب من الأدلة والبراهين بيان العلم وبيان الطرق المؤدية إلى العلم ~~وقالوا: هذا لا يفيد العلم المطلوب، بل قد يكون من الأسباب المعوقة له لما ~~فيه من كثرة تعب الذهن، كمن يريد أن يسلك الطريق ليذهب إلى مكة أو غيرها من ~~البلاد، فإذا سلك الطريق المستقيم المعروف، وصل في هذه مدة قريبة بسعي ~~معتدل، فإذا تبين له مما يسلك به التعاسيف ((والعسف في اللغة الأخذ: على ~~غير طريق بحيث يدور طرقا دائرة ويسلك به مسالك منحرفة)) فإنه يتعب تعبا ~~كثيرا، حتى يصل إلى الطريق المستقيم إن وصل، وإلا فقد يصل إلى غير المطلوب. ~~فيعتقد اعتقادات فاسدة، وقد يعجز بسبب ما يحصل له من التعب والإعياء، فلا ~~هو نال مطلوبه ولا هو استراح. هذا إذا بقى في الجهل البسيط، وهكذا هؤلاء. # ولهذا حكى من كان حاضرا عند موت إمام ms082 المنطقيين في زمانه الخونجي أنه ~~قال: عند موته: (أموت وما أعلم شيئا إلا علمي بأن الممكن يفتقر إلى ~~الواجب). ثم قال: (الافتقار وصف سلبي، أموت وما علمت شيئا) فهذا حالهم إذا ~~كان منتهى أحدهم الجهل البسيط. وأما من كان منتهاه الجهل PageV02P126 # المركب فكثير. والواصل منهم إلى علم، يشبهونه بمن قيل له: أين أذنك)؟ ~~فأدار يده على رأسه. ومدها إلى أذنه بكلفة وقد كان يمكنه أن يوصلها إلى ~~أذنه من تحت رأسه وهو أقرب وأسهل. # والأمور النظرية متى جعل لها طرق غير النظرية كان تعذيبا للنفوس بلا ~~منفعة لها. كما لو قيل لرجل: أقسم هذه الدراهم بين هؤلاء النفوس بالسورية) ~~فإن هذا ممكن بلا كلفة، فلو قال له قائل: اصبر فإنه لا يمكنك القسمة حتى ~~تعرف حدها، وتميز بينها وبين الضرب، فإن القسمة عكس الضرب، فإن الضرب هو ~~تضعيف آحاد أحد (العددين بقدر آحاد) العدد الآخر والقسمة توزيع آحاد أحد ~~العددين على آحاد العدد الآخر. ولهذا إذا ضرب الخارج (بالقسمة) في المقسوم ~~عليه، عاد المقسوم وإذا قسم المرتفع بالضرب على أحد المضروبين خرج المضروب ~~الآخر. ثم يقال ما ذكرته في حد الضرب لا يصح، فإنه إنما يتناول ضرب العدد ~~(الصحيح دون) المكسور، بل الحد الجامع لهما أن يقال: (الضرب طلب جملة- تكون ~~نسبتها إلى أحد المضروبين- كنسبة المضروب الآخر إلى الواحد فإذا قيل: (اضرب ~~النصف في الربع فالخارج هو الثمن ونسبته إلى الربع كنسبة النصف إلى ~~الواحد). فهذا وإن كان كلاما صحيحا لكن من المعلوم أن (من) معه ما لا يريد ~~أن يقسمه بين عدد يعرفهم بالسوية إذا ألزم نفسه أن لا يقسمه حتى يتصور هذا ~~كله، كان هذا تعذيبا له بلا فائدة، وقد لا يفهم هذا الكلام، وقد تعرض له ~~فيه إشكالات. PageV02P127 ### | AUTO [الدليل ما كان موصلا إلى المطلوب] # فكذلك (الدليل) هو المرشد إلى المطلوب، والموصل إلى المقصود، وكلما كان ~~مستلزما لغيره فإنه يمكن أن يستدل به عليه. ولهذا قيل: الدليل ما يكون ~~النظر الصحيح فيه موصلا إلى علم أو ظن، فالمقصود ms083 أن كل ما كان مستلزما ~~لغيره بحيث يكون ملزوما له، فإنه يكون دليلا عليه وبرهانا له- سواء كانا ~~وجوديين أو عدميين أو أحدهما وجوديا والآخر عدميا، فأبدا الدليل ملزوم ~~للمدلول عليه، والمدلول لازم للدليل. ### | AUTO [عود إلى مقدمات الدليل] # ثم قد يكون الدليل مقدمة واحدة متى علمت، علم المطلوب، وقد يحتاج المستدل ~~إلى مقدمتين، وقد يحتاج إلى ثلاث مقدمات وأربع وخمس وأكثر ليس لذلك حد ~~ومقدار يتساوى فيه جميع الناس في جميع المطالب، بل ذلك بحسب علم المستدل ~~للطالب بأحوال المطلوب، والدليل ولوازم ذلك وملزوماته فإذا قدر أنه قد عرف ~~ما به يعلم المطلوب إلا مقدمة واحدة، كان دليله تلذي يحتاج إلي بياناته له ~~تلك المقدمة، كمن علم أن الخمر محرم، وعلم أن النبيذ المتنازع فيه مسكر، ~~لكن لم يعلم أن كل مسكر هو خمر، فهو لا يحتاج إلا إلى هذه المقدمة. فإذا ~~قيل: ثبت في الصحيح عن النبي (-صلى الله عليه وسلم-) أنه قال: كل مسكر خمر ~~حصل مطلوبه، ولم يحتج إلى أن يقال. كل نبيذ مسكر، وكل مسكر خمر، ولا أن ~~يقال: كل مسكر خمر، وكل خمر حرام، فإن هذا كله معلوم له لم يكن يخفي عليه، ~~إلا أن اسم الخمر هل هو مختص PageV02P128 # ببعض المسكرات، كما ظنه طائفة من علماء المسلمين، أو هو شامل لكل مسكر، ~~فإذا ثبت له عن صاحب الشرع أنه جعله عاما لا خاصا حصل مطلوبه، وهذا الحديث ~~في صحيح مسلم ويروى بلفظين: (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام)، ولم يقل: (كل ~~مسكر خمر وكل خمر حرام)، كالنظم اليوناني، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~أجل قدرا في علمه وبيانه من أن يتكلم بمثل هذيانهم، فإنه إن قصد مجرد تعريف ~~الحكم لم يحتج مع قوله إلى دليل. وإن قصد بيان الدليل كما بين الله في ~~القرآن عامة المطالب الإلهية التي تقرر الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر. ~~فهو (-صلى الله عليه وسلم-) أعلم الخلق بالحق، وأحسنهم بيانا له. # فعلم أنه ليس جميع المطالب تحتاج إلى مقدمتين، ولا ms084 يذكر في جميعها ~~مقدمتان، بل يذكر ما يحصل به البيان والدلالة، سواء كان مقدمة أو مقدمتين ~~أو أكثر. وما قصد به هدى عام كالقرآن الذي أنزله بيانا للناس يذكر فيه (من) ~~الأدلة ما ينتفع به الناس عامة. وهذه إنما يمكن بيان أنواعها العامة، وأما ~~ما يختص به كل شخص فلا ضابط له حتى يذكر في كلام، بل هذا يزول بأسباب تختص ~~بصاحبه كرعاية نفسه ومخاطبة شخص معين له بما يناسب حاله ونظره فيما يخص ~~حاله ونحو ذلك. # وأيضا فما يذكرونه من القياس لا يفيد إلا العلم بأمور كلية لا يفيد العلم ~~بشيء معين من الموجودات، ثم تلك الأمور الكلية يمكن العلم بكل واحد منها ~~بما هو أيسر من (قياسهم)، فلا تعلم كلية (بقياسهم إلا والعلم بجزئياتها ~~ممكن بدون قياسهم الشمولي) وربما كان أيسر، فإن العلم بالمعينات قد يكون ~~أبين من العلم (بالكليات) وهذا مبسوط في موضعه. PageV02P129 ### | AUTO [الدليل] # والمقصود هنا: أن المطلوب هو العلم والطريق إليه هو الدليل. فمن عرف دليل ~~مطلوبه، عرف مطلوبه، سواء نظمه بقياسهم أم لا، ومن لم يعرف دليله لم ينفعه ~~قياسهم. ولا يقال إن قياسهم يعرف صحيح الأدلة من فاسدها، فإن هذا إنما ~~يقوله جاهل لا يعرف حقيقة قياسهم، فإن حقيقة قياسهم ليس فيه إلا شكل الدليل ~~وصورته. وأما كون الدليل المعين مستلزما لمدلوله، فهذا ليس في قياسهم ما ~~يتعرض له بنفي ولا إثبات، وإنما هذا بحسب علة بالمقدمات ولا فسادها. وإنما ~~يتكلمون في هذا إذا تكلموا في مواد القياس وهو الكلام في المقدمات من جهة ~~ما يصدق بها. [وكلامهم] في هذا فيه خطأ كثير، كما نبه عليه في موضع آخر. # والمقصود هنا أن الحقيقة المعتبرة في كل برهان ودليل في العالم هو ~~((اللزوم)) فمن عرف أن هذا لازم لهذا، استدل بالملزوم على اللازم. وإن لم ~~يذكر لفظ ((اللزوم)) ولا تصور معنى هذا اللفظ. بل من عرف أن كذا لابد من ~~كذا، أو أنه إذا كان كذا كان كذا، وأمثال هذا، فقد علم ((اللزوم)). كما ms085 ~~يعرف أن كل ما في الوجود فهو آية لله، فإنه مفتقر إليه محتاج إليه لابد له ~~منه فيلزم من وجوده وجود الصانع. # وكما يعلم أن المحدث لابد له من محدث، كما قال تعالى: (أم خلقوا PageV02P130 # من غير شيء أم هم الخالقون). قال جبير بن مطعم: لما سمعت هذه الآية أحسست ~~بفؤادي قد انصدع)). فإن هذا تقسيم حاضر يقول: أخلقوا من غير خالق خلقهم؟ ، ~~فهذا ممتنع في بداية العقول. أم هم خلقوا أنفسهم؟ فهذا أشد امتناعا، فعلم ~~أن لهم خالقا خلقهم. وهو -سبحانه وتعالى- ذكر الدليل بصيغة استفهام ~~الإنكار، ليبين أن هذه القضية التي استدل بها فطرية بديهية مستقرة في ~~النفوس، لا يمكن لأحد إنكارها، فلا يمكن صحيح الفطرة أن يدعي وجود حادث ~~بدون محدث أحدثه، ولا يمكنه أن يقول: هذا أحدث نفسه. وكثير من النظار يسلك ~~طريقا في الاستدلال على المطلوب ويقول: لا يوصل إلى مطلوب إلا بهذا الطريق، ~~ولا يكون الأمر كما قاله في النفي، وإن كان مصيبا في صحة ذلك الطريق، فإن ~~المطلوب كلما كان الناس إلى معرفته أحوج، يسر الله على عقول الناس معرفة ~~أدلة له، فأدلة إثبات الصانع وتوحيده وأعلام النبوة وأداتها كثيرة جدا، ~~وطرق الناس في معرفتها كثيرة، وكثير من الطرق لا يحتاج إليه أكثر الناس، ~~وإنما يحتاج إليه من لم يعرف غيره، أو من أعرض عن غيره. # وبعض الناس يكون كلما كان الطريق أدق وأخفى وأكثر مقدمات وأطول، كان أنفع ~~له، لأن نفسه اعتادت النظر الطويل في الأمور الدقيقة. فإذا كان الدليل قليل ~~المقدمات أو كانت جلية لم تفرح نفسه به، ومثل هذا قد تستعمل معه الطرق ~~الكلامية المنطقية وغيرها لمناسبتها لعادته، لا لكون العلم بالمطلوب متوقفا ~~عليها مطلقا، فإن من الناس من إذا عرف PageV02P131 # ما يعرفه جمهور الناس وعمومهم أو ما يمكن غير الأذكياء معرفته، لم يكن ~~عند نفسه قد امتاز عنهم بعلم. فيجب معرفة الأمور الخفية الدقيقة الكثيرة ~~المقدمات. # ولهذا يرغب كثير من علماء السنة في النظر في العلوم الصادقة الدقيقة ~~كالجبر والمقابلة ms086 وعويص الفرائض والوصايا والدور وهو علم صحيح في نفسه وعلم ~~الفرائض نوعان: أحكام وحساب، فالأحكام ثلاثة أنواع، علم الأحكام علة مذهب ~~بعض الفقهاء، وهذا أولها. ويليه علم أقاويل الصحابة والعلماء فيما اختلف ~~فيه منها، ويليه علم أدلة ذلك من الكتاب والسنة. # وأما حساب الفرائض فمعرفة أصول المسائل وتصحيحها والمناسخات وقسمة ~~التركات. وهذا الثاني كله علم معقول يعلم بالعقل كسائر حساب المعاملات وغير ~~ذلك من الأنواع التي يحتاج إليها الناس، ثم قد ذكروا حساب المجهول الملقب ~~بحساب الجبر والمقابلة وهو علم قديم، لكن إدخاله في الوصايا والدور ونحو ~~ذلك، أول من عرف أنه أدخله فيها محمد بن موسى الخوارزمي وبعض الناس يذكر عن ~~علي بن أبي طالب أنه تكلم فيه؛ وأنه تعلم ذلك يهودي، وهذا كذب على علي -رضي ~~الله عنه- ((الدور)) يقال على ثلاثة أنواع: ((الدور الكوني)) الذي يذكر في ~~الأدلة العقلية أنه ((لا يكون هذا حتى يكون هذا))، وطائفة من النظار كانوا ~~يقولون هو ممتنع، والصواب أنه نوعان كما يقوله الآمدي وغيره: دور قبلي ودور PageV02P132 # معي. ((فالقبلي)) ممتنع وهو الذي يذكر في العلل وفي الفاعل والمؤثر ونحو ~~ذلك، مثل أن يقال: ((لا يجوز أن يكون كل من الشيئين فاعلا للآخر، لأنه يفض ~~إلى الدور))، وهو أنه يكون هذا قبل ذاك وقبل هذا. والدور المعي وهو دور ~~الشروط وأخذ المتضايفين مع الآخر مثل: ((لا تكون الأبوة إلا مع البنوة ولا ~~تكون البنوة إلا مع الأبوة. # النوع للثاني: ((الدور الحكمي الفقهي)) المذكور في المسألة السريحية ~~وغيرها، وقد أفردنا فيه مؤلفا وبينا أنه باطل عقلا وشرعا، وبينا هل في ~~الشريعة شيء من هذا الدور أم لا. # الثالث: الدور الحسابي، وهو أن يقال لا يعلم هذا حتى يعلم هذا، ((فهذا هو ~~الذي يطلب حله الجبر والمقتلة)). وقد بينا أنه يمكن الجواب عن كل مسألة ~~شرعية جاء بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- بدون حساب الجبر والمقابلة. وإن ~~كان حساب الجبر والمقابلة صحيحا. ### | AUTO [ليست شريعة الإسلام موقوفة على شيء من علومهم] # فنحن قد بينا أن ms087 شريعة الإسلام ومعرفتها ليست موقوفة على شيء يتعلم من ~~غير المسلمين أصلا، وإن كان طريقا صحيحا، بل طريق الجبر PageV02P133 # والمقابلة فيها تطور، يغني الله عنه بغيره كما ذكرنا في المنطق. وهكذا كل ~~ما بعث به النبي -صلى الله عليه وسلم- مثل العلم بجهة القبلة والعلم ~~بمواقيت الصلاة والعلم بطلوع الفجر والعلم بالهلال، فكل القبلة هذا يمكن ~~العلم به بالطرق التي كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يسلكونها ولا ~~يحتاجون معها إلى شيء آخر. وإن كان كثير من الناس قد أحدثوا طرقا أخر، ~~وكثير منهم يظن أنه لا يمكن معرفة الشريعة إلا بها، وهذا من جهلهم. # كما يظن طائفة من الناس أن العلم بالقبلة لا يمكن إلا بمعرفة ((أطوال ~~البلاد وعروضها)). وهو إن كان علما صحيحا حسابيا يعرف بالعقل، لكن معرفة ~~المسلمين بقبلتهم ليست موقوفة على هذا. بل قد ثبت عن صاحب الشرع -صلى الله ~~عليه وسلم- إنه قال: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)). قال الترمذي: حديث ~~صحيح. ولهذا كان عند جماهير العلماء أن المصلي ليس عليه أن يستدل ~~((بالقطب)) ولا بالجدي ولا غير ذلك بل إذا [من في] جعل الشام ونحوها المغرب ~~عن يمينه والمشرق عن شماله صحت صلاته. # وكذلك لا يمكن ضبط وقت طلوع الهلال بالحساب فإنهم وإن عرفوا أن نور القمر ~~مستفاد من الشمس وأنه إذا اجتمع القرصان عند الاسترار لا يرى له ضوء فإذا ~~فارق الشمس صار فيه النور، فهم أكثر ما يمكنهم أن يضبطوا بالحساب كم بعد من ~~غروب الشمس عن الشمس. هذا إذا قدر صحة تقويم الحساب وتعديله، فإنهم يسمعونه ~~علم التقويم والتعديل لأنهم PageV02P134 # يأخذون أعلا مسير الكواكب وأدناه فيأخذون معدله، فيحسبونه فإذا قدر أنهم ~~حزروا ارتفاعه عند مغيب الشمس. لم يكن في هذا ما يدل على ثبوت الرؤية ولا ~~انتفائها لأن الرؤية أمر حسي لها أسباب متعددة من صفاء الهواء وكدره ~~وارتفاع النظر وانخفاضه وحد البصر وكلاله، فمن الناس من لا يراه. ويراه من ~~هو أحد بصرا منه ونحو ذلك فلهذا كان قدماء علماء الهيئة كبطليموس صاحب ms088 ~~المجسطي وغيره، لم يتكلموا في ذلك بحرف وإنما تكلم فيه بعض المتأخرين مثل ~~كوشيار الديلمى ولمحوه كم رأوا الشريعة جاءت باعتبار الرؤية. فأحبوا أن ~~يعرفوا ذلك بالحساب، فضلوا وأضلوا. ومن قال إنه لا يرى على إثنى عشرة درجة ~~أو عشر ونحو ذلك، فقد أخطأ. فإن من الناس من يراه على أقل من ذلك. ومنهم من ~~لا يراه على ذلك، فلا العقل اعتبروا ولا الشرع عرفوا، لهذا أنكر ذلك عليهم ~~حذاق صناعتهم. # ثم قال: فصورة القياس لا تدفع صحتها، لكن تبين أنه لا يستفاد منه # فصل: القياس مع صحته لا يستفاد به علم بالموجودات: # كما أن اشتراطهم للمقدمتين دون الزيادة والنقص شرط باطل. فهو وإن حصل به ~~يقين فلا يستفاد بخصوصه يقين مطلوب بشيء من الموجودات. فنقول إن صورة ~~(القياس) إذا كانت مواده معلومة لا ريب أنه يفيد اليقين إذا قيل كل أب وكل ~~ب ج، وكانت المقدمتان معلومتين، فلا ريب أن هذا التأليف يفيد العلم بأن كل ~~أج، لكن يقال ما ذكروه من كثرة الأشكال وشرط نتاجها تطويل PageV02P135 # قليل الفائدة كبير التعب ~~............................................................. # فإنه متى كانت المادة صحيحة أمكن تصويرها بالشكل الأول الفطري، فبقية ~~الإشكال لا تحتاج إليها، وهي إنما تفيد بالرد إلى الشكل الأول، إما بإبطال ~~النقيض الذي يتضمنه قياس (الخلف). وإما بالعكس المستوى أو عكس النقيض، فإن ~~ثبوت أحد المتناقضين يستلزم نفي الآخر، إذا روعي التناقض من كل جهة، فهم ~~يستدلون بصحة القضية على بطلان نقيضها وعلى ثبوت عكسها المستوي وعكس ~~نقيضها، بل تصور الذهن لصورة الدليل يشبه حساب الإنسان لما معه من الرقيق ~~والعقار. # والفطرة تتصور القياس الصحيح من غير تعلم. وإن الناس بفطرهم يتكلمون ~~بالأنواع الثلاثة: التداخل، والتلازم، والتقسيم، كما يتكلمون بالحساب ونحوه ~~والمنطقيون يسلمون ذلك. # والحاصل أنا لا ننكر أن (القياس) يتحصل به علم إذا كانت مواده يقينية، ~~لكن نقول: إن العلم الحاصل به لا يحتاج فيه إلى (القياس المنطقي) بل يتحصل ~~بدون ذلك. فلا يكون شيء من العلم متوقفا على هذا (القياس) وتبين المواد ~~اليقينية ms089 التي ذكروها بها علم بالأمور الموجودة، فلا يتحصل بها مقصود تزكو ~~به النفوس. # بل ولا علم بالحقائق الموجودة في الخارج على ما هو عليه إلا من جنس ما ~~يحصل (بقياس التمثيل) فلا يمكن قط أن يتحصل بالقياس الشمولي المنطقي الذي ~~يسمونه (البرهان) علم إلا وذلك يحصل (بقياس التمثيل) الذي يستضعفونه. فإن ~~ذلك القياس لابد فيه من قضية PageV02P136 # كلية. والعلم يكون الكلية كلية، لا يمكن الجزم به إلا مع الجزم بتماثل ~~فأراده في القدر المشترك. وهذا يحصل بقياس التمثيل. # ونحن نبين ذلك بوجوه: # الأول: أن المواد اليقينية قد حصروها في الأصناف المعروفة عندهم، أحدها ~~الحسيات: ومعلوم أن الحس لا يدرك أمرا كليا عاما أصلا فليس في الحسيات ~~المجردة قضية كلية عامة تصلح أن تكون مقدمة في (البرهان اليقيني). وإذا ~~مثلوا ذلك: بأن النار تحرق ونحو ذلك، لم يكن لهم علم بعموم هذه القضية. ~~وإنما يفهم بالتجربة والعادة التي هي من جنس (قياس التمثيل). وإن علم ذلك ~~بواسطة اشتمال النار على قوة محرقة، فالعلم بأن كل نار لابد فيها من هذه ~~القوة هو أيضا حكم كلي، وإن قيل: إن الصورة النارية لابد أن تشتمل على هذه ~~القوة، وأن مالا قوة له ليس بنار. فهذا الكلام إن صح لا يفيد الجزم بأن كل ~~ما فيه هذه القوة يحرق ما لاقاه (يحترق) وإن كان هذا هو الغالب، فهذا يشترك ~~فيه قياس، والتمثيل والشمول والعادة والاستقراء الناقص. إذا سلم لهم ذلك. ~~كيف وقد علم أنها لا تحرق السمندل والياقوت والأجسام المطلية بأمور مصبوغة. # ولا أعلم في القضايا الحسية كلية لا يمكن نقضها، مع أن القضية الكلية ~~ليست حسية، وإنما القضية الحسية: أن هذه النار تحرق فإن الحس لا يدرك ~~الأشياء خاصا، وأما الحكم العقلي فيقولون: إن النفس عند رؤيتها هذه ~~المعينات مستعدة لأن تفيض عليها قضية كلية بالعموم ومعلوم أن هذا من جنس ~~قياس التمثيل، ولا يوثق بعمومه إن لم يعلم أن الحكم العام لازم PageV02P137 # للقدر المشترك. وهذا إذا علم، علم في جميع المعينات. فلم ms090 يكن العلم ~~بالمعينات موقوفا على هذا، مع أنه ليس من القضايا العاديات، قضية كلية لا ~~يمكن نقضها باتفاق العقلاء. # الثاني: الوجدنيات الباطنة. كإدراك كل أحد جوعه وألمه ولذته، وهذه كلها ~~جزئيات، بل هذه لا يشترك الناس في إدراك كل جزء منها، كما قد يشتركون في ~~إدراك بعض ((الحسيات)) المنفصلة كالشمس والقمر، ففيها من الخصوص في المدرك ~~والمدرك ما ليس في ((الحسيات المنفصلة))، وإن اشتركوا في نوعها فهي تشبه ~~((العاديات)). ولم يقيموا حجة على وجوب تساوي النفوس في هذه الأحوال بل ولا ~~عن النفس الناطقة، أنها مستوية الأفراد. # الثالث: المجربات وهي كلها جزئية. فإن التجربة إنما تقع على أمور معينة، ~~وكذلك المتواترات فإن المتواتر إنما هو ما علم بالحس من مسموع أو مرئي. ~~فالمسموع قول معين، والمرئي جسم معين أولون معين أو عمل معين أو أمر معين. ~~وأما الحدسيات إن جعلت يقينية فهي نظير المجربات إذ الفرق بينهما لا يعود ~~إلى العموم والخصوص، وإنما يعود إلى (أن) المجربات تتعلق بما هو من أفعال ~~المجربين والحدسيات (لا) تكون عن أفعالهم وبعض الناس يسمى الكلي تجربيات ~~فلم يبق PageV02P138 # معهم إلا "الأوليات" التي هي البديهيات العقلية، "والأوليات الكلية" إنما ~~هي قضايا مطلقة في الأعداد والمقادير ونحوها مثل قولهم: "الواحد نصف ~~الاثنين"، "والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية" ونحو ذلك. وهي مقدرات في ~~الذهن ليست في الخارج كلية. # فقد تبين أن القضايا الكلية البرهانية التي يجب القطع بكليتها التي ~~يستعملونها في قياسهم لا يستعمل في شيء من الأمور الموجودة، وإنما تستعمل ~~في مقدرات ذهنية، فإذن لا يمكنهم معرفة الأمور الموجودة المعينة بالقياس ~~البرهاني، "وهذا هو المطلوب ولهذا لم يكن لهم علم بحصر أقسام الموجود. بل ~~أرسطو لما حصر أجناس الموجودات في المقولات العشر": الجوهر والكم والكيف ~~والابن ومتى والوضع وأن يفعل وأن ينفعل والملك (والإضافة اتفقوا على أنه لا ~~سبيل إلى معرفة صحة هذا الحصر. # الوجه الثاني: إنما يقال إذا كان لابد في كل قياس من قضية كلية فتلك ~~القضية الكلية لابد أن تنتهي إلى أن ms091 تعلم بغير قياس، وإلا لزم الدور ~~والتسلسل فإذا كان لابد أن تكون لهم قضايا كلية معلومة بغير قياس فيقول: ~~ليس في الموجودات ما تعلم له الفطرة قضية كلية بغير قياس، إلا وعلمها ~~بالمفردات المعينة من تلك القضية الكلية أقوى من علمها بتلك القضية الكلية، ~~مثل قولنا: "الواحد نصف الإثنين"، "والجسم لا يكون في مكان"، "والضدان لا ~~يجتمعان، فإن العلم بأن هذا الواحد نصف الإثنين في الفطرة، أقوى من العلم ~~بأن كل واحد نصف كل اثنين، وهكذا PageV02P139 # على ما يفرض من الآحاد، فيقال: المقصود بهذه القضايا الكلية إما أن يكون ~~العلم بالموجود الخارجي أو العلم بالمقدرات الذهنية. # أما الثاني ففائدته قليلة، وأما الأول فما من موجود معين إلا وحكمه يعلم ~~تعينه أظهر وأقوى من العلم به عن قياس كلي يتناوله فلا يتحصل بالقياس كثير ~~فائدة، بل يكون ذلك تطويلا. وإنما استعمل القياس في مثل ذلك لأجل الغالط ~~والمعاند فنضرب له المثل وتذكر الكلية ردا لغلطه وعناده بخلاف من كان سليم ~~الفطرة. وكذلك قولهم: "الضدان لا يجتمعان"، فأي شيئين علم تضادهما، فإنه ~~يعلم أنهما لا يجتمعان قبل استحضار قضية كلية بأن كل ضدين لا يجتمعان، وما ~~من جسم معين إلا يعلم أنه لا يكون في مكانين قبل العلم بأن "كل جسم لا يكون ~~في مكانين" وأمثال ذلك كثير. # فما من مطلوب معين علم بهذه القضايا الكلية إلا وهو يعلم قبل أن تعلم هذه ~~القضية، ولا يحتاج في العلم به إليها. وإنما يعلم بها ما يقدر في الذهن من ~~أمثال ذلك مما لم يوجد في الخارج. # وأما الموجودات الخارجية فتعلم بدون هذا القياس فيكون مبناه على "قياس ~~التمثيل" الذي ينكرون أنه يقيني. فهم بين أمرين: إن اعترفوا بأن "قياس ~~التمثيل" من جنس "قياس الشمول" ينقسم إلى يقيني وظني بطل تفريقهم، وإن ~~ادعوا الفرق بينهما وأن "قياس الشمول" يكون يقينيا دون "التمثيل" منعوا ~~ذلك، وبين لهم أن اليقين لا يحصل في هذه الأمور إلا أن يتحصل بالتمثيل. ~~فيكون العلم بما لم يعلم من المفردات ms092 الموجودة في الخارج قياسا على ما علم ~~منها، وهذا حق لا ينازع فيه عاقل. PageV02P140 # بل هذا من أخص صفات العقل التي فارق بها الحس لا يعلم إلا معينا" والعقل ~~يدركه كليا مطلقا، لكن بواسطة التمثيل، ثم يدركها كلها مع غروب الأمثلة ~~المعينة عنه، لكن هي في الأصل إنما بعد عن الذهن المفردات المعينة. فقد ~~يغلط كثيرا، بأن يجعل الحكم إما أعم وإما أخص، وهذا يعرض للناس كثيرا، حيث ~~يظن أن ما عنده من القضايا الكلية صحيح، ويكون عند التحقيق ليس كذلك، وهم ~~يتصورون الشيء بعقولهم، ويكون ما يتصوره معقولا بالعقل، فيتكلمون عليه ~~ويظنون أنهم تكلموا في ماهية مجردة بنفسها من حيث هي هي، من غير أن تكون ~~ثابتة في الخارج ولا في الذهن فيقولون: الإنسان من حيث هو هو، والوجود من ~~حيث هو هو والسواد من حيث هو هو ونحو ذلك. # ويظنون أن هذه الماهية التي جردوها عن جميع القيود السلبية والثبوتية ~~محققة في الخارج على هذا النحو؛ وذلك غلط كغلط أولهم فيما جردوه من العدد ~~والمثل الأفلاطونية وغيرها، بل هذه المجردات لا تكون إلا مقدرة في الذهن: ~~وليس كل ما فرضه الذهن أمكن وجوده في الخارج، وهذا الذهن يسمى (الإمكان ~~الذهني). فإن (الإمكان) على وجهين ذهني، وهو أن يعرض الشيء على الذهن فلم ~~يعلم إمتناعه. بل يقول يمكن هذا، لا لعلمه بإمكانه بل لعدم علمه بإمتناعه ~~(مع) أن ذلك الشيء قد يكون: ممتنعا في الخارج. وخارجي: وهو أن يعلم إمكان ~~الشيء في الخارج، وهذا يكون: بأن يعلم وجوده في الخارج أو وجود نظيره، أو ~~وجود ما هو أبعد عن PageV02P141 # الوجود منه، فإذا كان الأبعد عن قبول الوجود موجودا ممكن الوجود، فالأقرب ~~إلى الوجود منه أولى. ### | AUTO [طريقة القرآن في بيان إمكان المعاد] # وهذه طريقة القرآن في بيان إمكان المعاد. فقد بين ذلك بهذه الطريقة فتارة ~~يخبر عمن أماتهم، ثم أحياهم. كما أخبر عن قوم موسى الذين قالوا: "أرنا الله ~~جهرة" قال {فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون * ثم بعثناكم من بعد ms093 موتكم} وعن ~~{الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم} ~~وعن {الذي مر على قرية فأماته الله مائة عام ثم بعثه} وعن إبراهيم إذ قال ~~رب أرني كيف تحيي الموتى القصة. وكما أخبر عن المسيح عليه السلام أنه كان ~~يحيي الموتى بإذن الله وعن أصحاب الكهف: أنهم بعثوا بعد ثلاثمائة سنة وتسع سنين. # وتارة يستدل على ذلك بالنشأة الأولى فإن الإعادة أهون من الإبتداء كما في ~~قوله {إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب} الآية) وقوله {قل ~~يحيها الذي أنشأها أول مرة * قل الذي فطركم أول مرة وهو الذي يبدؤ الخلق ثم ~~يعيده، وهو أهون عليه} PageV02P142 # وتارة يستدل بذلك على خلق السموات والأرض، فإن خلقهما أعظم من إعادة ~~الإنسان كما في قوله: {أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي ~~بخلقهن بقادر على أن يحي الموتى}. # وتارة يستدل على إمكانه بخلق النبات كما في: {وهو الذي يرسل الرياح بشرا ~~.. إلى قوله: كذلك يخرج الموتى}. # فقد تبين أن ما عند أئمة النظار أهل الكلام والفلسفة من الدلائل العقلية ~~على المطالب الإلهية، فقد جاء القرآن بما فيها من الحق وما هو أبلغ وأكمل ~~منها على أحسن وجه، مع تنزهه عن الأغاليط الكثيرة الموجودة عند هؤلاء فإن ~~خطأهم فيها كثير جدا، ولعل ضلالهم أكثر من هداهم وجهلهم أكثر من علمهم. # ولهذا قال أبو عبد الله الرازي في آخر عمره في كتابه "أقسام الذات" لقد ~~تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي ~~غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن إقرأ في الإثبات {الرحمن على العرش ~~استوى} {إليه يصعد الكلم الطيب} واقرأ في النفي {ليس كمثله شيء * ولا ~~يحيطون به علما} ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. # والمقصود أن الإمكان الخارجي يعرف بالوجود لا بمجرد عدم العلم بالإمتاع، ~~كما يقوله طائفة منهم الآمدي. وأبعد من إثبات الإمكان الخارجي بالإمكان ~~الذهني ما يسلكه المتفلسفة كابن سينا من إثبات PageV02P143 # الإمكان الخارجي ms094 بمجرد إمكان تصوره في الذهن، كما أنهم لما أرادوا إثبات ~~موجود في الخارج معقول، لا يكون محسوسا بحال، استدلوا على ذلك بتصور ~~الإنسان الكلي المطلق المتناول للأفراد الموجودة في الخارج، وهذا إنما يفيد ~~إمكان وجود هذه المعقولات في الذهن، فإن الكلي لا يوجد كليا إلا في الذهن، ~~فإن طرق هؤلاء في إثبات الإمكان الخارجي من طريقة القرآن. # ثم إنهم تمثل بهذه الطرق الفاسدة يريدون خروج الناس عما فطروا عليه من ~~المعارف اليقينية والبراهين العقلية، وما جاءت به الرسل من الأخبار الإلهية ~~عن الله واليوم الآخر. # ويريدون أن يجعلوا مثل هذه القضايا الكاذبة والخيالات الفاسدة أصولا ~~عقلية يعارض بها ما أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه من الآيات، وما فطر ~~الله عليه عباده. وما تقوم عليه الأدلة العقلية التي لا شبهة فيها. # وأفسدوا بأصولهم العلوم العقلية والسمعية، فإن مبني العقل على صحتها ~~وسلامتها، ومبني السميع على تصديق الأنبياء صلوات الله عليهم. يحملون للناس ~~الأمرين، فدلوهم على الأدلة العقلية التي بها نعم المطالب التي يمكنهم ~~علمهم بها بالنظر والاستدلال. وأخبروهم مع ذلك من تفاصيل الغيب بما يعجزون ~~عن معرفته بمجرد نظرهم واستدلالهم. # وليس تعليم الأنبياء صلوات الله عليهم مقصورا على مجرد الخبر، كما يظنه ~~كثير، بل هم بينوا من البراهين العقلية التي بها تعلم العلوم الإلهية، ما ~~لا يوجد عند هؤلاء البتة. فتعليمهم صلوات الله عليهم جامع للأدلة العقلية ~~والسمعية. # وهؤلاء على الفساد والقصور مع تأثير نفوسهم من الكبر الذي ما هم بالغيه، ~~كما قال تعالى {الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان آتاهم PageV02P144 # إن في صدورهم إلا كبر ماهم ببالغيه فاستعذ بالله إنه السميع البصير} ~~وقال: {الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله ~~وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} وقال: {فلما ~~جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزئون} ومثل هذا كثير من القرآن. وقد ألف كتاب تعارض الشرع والعقل. # ولهذا لما كانوا يتصورون ms095 في أذهانهم ما يظنون وجوده في الخارج كان أكثر ~~علومهم مبنيا على ذلك في الإلهي والرياضي. # وإذا تأمل الخبير بالحقائق كلامهم في أنواع علومهم، لم يجد عندهم علما ~~بمعلومات موجودة في الخارج، إلا القسم الذي يسمونه الطبيعي، وما يتبعه من ~~الرياضي المجرد في الذهن، فهو الحكم بمقادير ذهنية لا وجود لها في الخارج ~~والذي سموه علم ما بعد الطبيعة إذ تدبر، لم يوجد فيه علم بمعلوم موجود في ~~الخارج وإنما تصوروا أمورا مقدرة في أذهانهم لا حقيقة لها في الخارج ولهذا ~~(كان) منتهى نظرهم وآخر فلسفتهم وحكمتهم هو الوجود المطلق الكلي والمشروط ~~بسلب جميع الأمور الوجودية. # والمقصود أنهم كثيرا ما يدعون في المطالب البرهانية والأمور العقلية ما ~~يكونون قدروه في أذهانهم. ويقولون نحن نتكلم في الأمور الكلية والعقليات ~~المحضة. وإذا ذكر لهم شيء قالوا نتكلم فيما هو أعم من ذلك، وفي الحقيقة من ~~حيث هي هي، ونحو هذه العبارات فيطالبون بتحقيق ما ذكروه PageV02P145 # في الخارج، ويقال: بينوا هذا أي شيء هو؟ فهنالك يظهر جهلهم. وإنما يقولون ~~هو أمر مقدر في الأذهان لا حقيقة له في الأعيان مثل أن يقال لهم: اذكروا ~~مثال ذلك والمثال أمر جزئي، فإذا عجزوا عن التمثيل وقالوا: نحن نتكلم في ~~الأمور الكلية، فاعلم أنهم يتكلمون بلا علم. وفيما لا يعلمون أن له معلوما ~~في الخارج، بل فيما ليس له معلوم في الخارج، وفيما يمتنع أن يكون له معلوم ~~في الخارج، وإلا فالعلم بالأمور الموجودة إذا كان كليا كانت معلوماته ثابتة ~~في الخارج. # وقد كان الخسر وشاهي من أعيانهم ومن أعيان أصحاب الرازي، وكان يقول: ما ~~عثرنا إلا على هذه الكليات، وكان قد وقع في حيرة وشك حتى كان يقول: والله ~~ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد. # والمقصود أن الذي يدعونه من الكليات، هو إذا كان علما، فهو مما يعرف ~~بقياس التمثيل لا يقف على القياس المنطقي الشمولي أصلا، بل ما يدعون ثبوته ~~بهذا القياس، تعلم أفراده التي يستدل عليها بدون هذا القياس، وذلك ms096 أيسر ~~وأسهل. ويكون الاستدلال عليها بالقياس الذي يسمونه البرهاني استدلالا على ~~الأجلي بالأخفى. # وهم يعيبون في صناعة الحد أن يعرف الجلي بالخفي، وهذا في صناعة البرهان ~~أشد عيبا؟ فإن البرهان لا يراد به إلا بيان المدلول عليه وتعريفه وكشفه ~~وإيضاحه، فإذا كان هو أوضح وأظهر، كان بيانا للجلي بالخفي. # قال: ثم إن الفلاسفة أصحاب هذا المنطق البرهاني الذي وضعه أرسطو وما ~~يتبعه من الطبيعي والإلهي ليسوا أمة واحدة، بل أصناف متفرقون وبينهم من ~~التفرق والاختلاف ما لا يحصيه إلا الله، أعظم مما بين الملة PageV02P146 # الواحدة كاليهود والنصارى أضعافا مضاعفة، فإن القوم كلما بعدوا عن اتباع ~~الكتب والرسل كان أعظم في تفرقهم واختلافهم، فإنهم يكونون أضل، كما في ~~الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل) ثم قرأ قوله تعالى ~~{ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون} إذ لا يحكم بين الناس فيما تنازعوا ~~إلا كتاب منزل ونبي مرسل كما قال تعالى {كان الناس أمة واحدة فبعث الله ~~النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه .. الآية} وقال {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} وقال {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى ~~الله والرسول .. الآية} وقد بين الله في كتابه من الأمثال المضروبة ~~والمقاييس العقلية ما يعرف به الحق والباطل وأمر الله بالجماعة والائتلاف ~~ونهى عن الفرقة والإختلاف وأخبر أن أهل الرحمة لا يختلفون فقال {ولا يزالون ~~مختلفين إلا من رحم ربك} ولهذا يوجد أتبع الناس للرسول أقل اختلافا من جميع ~~الطوائف المنتسبة للسنة وكل من قرب للسنة كان أقل اختلافا ممن بعد عنها ~~كالمعتزلة والرافضة فتجدهم أكثر الطوائف إختلافا. # وأما اختلاف الفلاسفة فلا يحصره أحد، وقد ذكر الإمام أبو الحسن الأشعري ~~في كتاب المقالات، مقالات غير الإسلاميين، فأتى بالجم الغفير سوى ما ذكره ~~الفارابي وابن سينا وكذلك القاضي أبو بكر بن الطيب ms097 في PageV02P147 # كتاب الدقائق الذي رد فيه على الفلاسفة والمنجمين ورجح فيه مذاهب ~~المتكلمين من العرب على منطق اليونان. وكذلك متكلمة المعتزلة والشيعة ~~وغيرهم في ردهم على الفلاسفة. وصنف الغزالي كتاب التهافت في الرد عليهم، # وما زال نظار المسلمين يصنفون في الرد عليهم في المنطق ويبينون خطأهم ~~فيما ذكروه في الحد والقياس جميعا، كما يبينون خطأهم في الإلهيات وغيرها ~~ولم يكن أحد من نظار المسلمين يلتفت إلى طريقهم بل الأشعرية والمعتزلة ~~والكرامية والشيعة وسائر الطوائف من أهل النظر كانوا يعيبونها ويعيبون ~~فسادها. وأول من خلط منطقهم بأصول المسلمين أبو حامد الغزالي وتكلم فيه ~~علماء المسلمين بما يطول ذكره. وهذا الرد عليهم مذكور في كثير من كتب ~~الكلام. ### | AUTO [رد أشكال القياس إلى الشكل الأول] # وفي كتاب الآراء والديانات لأبي محمد الحسن بن موسى النوبختي فصل جيد من ~~ذلك، فإنه بعد أن ذكر طريقة أرسطو في المنطق قال: وقد اعترض قوم من متكلمي ~~أهل الإسلام على أوضاع المنطقيين هذه، وقالوا: ما قول صاحب المنطق إلى ~~القياس لا يبني من مقدمة واحدة، فغلط. لأن القاتل إذا أراد مثلا أن يستدل ~~على أن الإنسان جوهر، فله أن يستدل على نفس PageV02P148 # الشيء المطلوب من غير تقديم المقدمتين، بأن يقول الدليل على أن الإنسان ~~جوهر أنه يقبل المتضادات في أزمان مختلفة. وليس يحتاج إلى مقدمة ثانية وهي ~~أن يقول: إن كان قابل للمتضادات في أزمان مختلفة جوهر، لأن الخاص داخل في ~~العام، فعلى أيهما دل، استغنى عن الآخر: وقد يستدل الإنسان إذا شاهد الأثر ~~أن له مؤثرا؛ والكتابة أن لها كاتبا، من غير أن يحتاج في استدلاله على صحة ~~ذلك إلى مقدمتين. # قالوا فنقول: أنه لابد من مقدمتين. فإذا ذكرت إحداهما استغنى بمعرفة ~~المخاطب عن الأخرى، فترك ذكرها. لأنه مستغن عنها. # قلنا لسنا نجد مقدمتين كليتين يستدل بهما على صحة نتيجة لأن القائل إذا ~~قال: الجوهر لكل حي، والحياة لكل إنسان، فتكون النتيجة أن الجوهر لكل إنسان ~~فسواء في العقول قول القائل: الجوهر لكل حي، وقوله ms098 لكل إنسان. # ولا يجدون في المطالب العلمية أن المطلوب يقف على مقدمتين ببنتين ~~بأنفسهما، وإذا كان الأمر كذلك، كانت إحداهما كافية. ونقول لهم: أرونا ~~مقدمتين أوليتين لا تحتاجان إلى برهان يتقدمهما، يستدل بهما على شيء مختلف ~~فيه. وتكون المقدمتان في العقول أولى بالقبول من النتيجة، فإذا كنتم لا ~~تجدون ذلك، بطل ما ادعتيموه. # قال النوبختي: وقد سألت غير واحد من رؤسائهم أن يوجدنيه، فما أوجدنيه فما ~~ذكروه أرسطاطا ليس غير موجود ولا معروف قال: فأما ما ذكره بعد ذلك من ~~الشكلين الباقيين، فهما غير مستعملين على ما بناهما PageV02P149 # عليه. وإذا كان يصحان بقلب مقدماتهما حتى تعود إلى الشكل الأول فالشكل ~~الأول هو الكلام منهما .. انتهى. # قال ابن تيمية: ومقصوده أن سائر الأشكال إنما تنتج بالرد إلى الشكل الأول ~~على ما تقدم بيانه فسائر الأشكال وانتاجها منه كلفة ومشقة، مع أنه لا حاجة ~~إليها، فإن الشكل الأول يمكن أن يستعمل. جميع المواد الثبوتية والسلبية ~~الكلية والجزئية. وقد علم انتفاء فائدته، فانتفاء فائدة فروعه التي لا تفيد ~~إلا بالرد إليه أولى وأخرى. # والمقصود أن هذه الأمة ولله الحمد لم يزل فيها من يتفطن لما في كلام أهل ~~الباطل ويرده. ولهم لما هداهم الله به يتوافقون في قبول الحق ورد الباطل ~~رأيا ورواية من غير تشاعر ولا تواطؤ. # وهذا الذي نبه عليه هؤلاء النظار يوافق ما نبهنا عليه، وتبين أنه يمكن ~~الاستغناء عن القياس المنطقي، بل يكون استعماله تطويلا وتكثيرا للفكر ~~والنظر والكلام بلا فائدة. ### | AUTO [القضايا الكلية العامة] # الوجه الثالث: أن القضايا الكلية العامة لا توجد في الخارج كلية عامة، ~~وإنما تكون كلية في الأذهان لا في الأعيان. وأما الموجودات في الخارج فهي ~~أمور معينة، كل موجود له حقيقة تخصه، متميز بها عما سواه لا يشركه فيها ~~غيره، فحينئذ لا يمكن الاستدلال بالقياس على خصوص وجو معين، وهم معترفون ~~بذلك. وقائلون إن القياس لا يدل على أمر معين وقد يعبرون عن ذلك بأنه لا ~~يدل على جزئي وإنما يدل على كلي. فإذن ms099 القياس لا يفيد PageV02P150 # معرفة أمر موجود بعينه. وكل موجود فإنما هو موجود بعينه، فلا يفيد معرفة ~~شيء من حقائق الموجودات. وإنما يفيد أمورا كلية مطلقة مقدرة في الأذهان لا ~~محققة في الأعيان. # فيما يذكره النظار من الأدلة القياسية التي يسمونها براهين على إثبات ~~الصانع سبحانه، لا يدل شيء منها على عينة. وإنما يدل على أمر مطلق لا يمنع ~~من وقوع الشركة فيه. # فإذا قال: هذا محدث، وكل محدث فلا بد له من محدث، وإنما يدل هذا على محدث ~~مطلق كلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، وإنما تعلم عينه بعلم آخر ~~يجعله الله في القلوب، وهم معترفون بهذا لأن النتيجة لا تكون أبلغ من ~~المقدمات، والمقدمات فيها قضية كلية لابد من ذلك. والكلي لا يدل على معين. ### | AUTO [الآيات] # وهذا بخلاف ما يذكره الله في كتابه من الآيات كقوله تعالى {إن في خلق ~~السموات والأرض .. الآية} إلى غير ذلك يدل على المعين كالشمس التي هي آية ~~النهار. والدليل أعم من القياس فإن الدليل قد يكون بمعين على معين. كما ~~يستدل بالنجم وغيره من الكواكب على الكعبة. # فالآيات تدل على نفس الخالق سبحانه، لا على قدر مشترك بينه وبين غيره فإن ~~كل ما سواه مفتقر إليه، فيلزم من وجوده وجود عين الخالق نفسه. PageV02P151 ### | AUTO [عود إلى اليقين والظن] # الوجه الرابع: أن الحد الأوسط المكرر في قياس الشمول وهو الخمر؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ~~قولك: كل مسكر خمر، وكل خمر حرام، هو مناط الحكم في قياس التمثيل، وهو ~~القدر المشترك الجامع بين الأصل والفرع، فالقياسان متلازمان، كل ما علم ~~بهذا القياس، يمكن عليه بهذا القياس. ثم إن كان الدليل قطعيا فهو قطعي في ~~القياسين، أو ظنيا فظني فيهما. وأما دعوى من يدعي من المنطقيين وأتباعهم أن ~~اليقين إنما يحصل بقياس الشمول دون التمثيل فهو قول في غاية الفساد، وهو ~~قول من لم يتصور حقيقة القياسين. # وقد يعلم بنص على أن كل مسكر حرام، كما ثبت في الحديث الصحيح وإذا كان ~~كذلك، لم يتعين قياس الشمول ms100 لإفادة الحكم بل ولا قياس من الأقيسة. فإنه قد ~~يعلم بلا قياس، فبطل قولهم لا علم تصديقي إلا بالقياس المنطقي كما تقدم. # والمقصود هنا: بيان قلة منفعة أو عدمها، فإن المطلوب إن كان ثم قضية علمت ~~من جهة الرسول تفيد العموم وهو أن كل مسكر حرام حصل مدعاه. فالقضايا الكلية ~~المتلقاة عن الرسول تفيد العلم في المطالب الإلهية: # وأما ما يستفاد من علومهم فالقضايا الكلية فيه إما متيقنة وإما أنها ~~بمنزلة قياس التمثيل، وإما أنها لا تفيد العلم بالموجودات المعينة، بل ~~بالمقدرات الذهنية كالحساب والهندسة، فإنه وإن كان ذلك يتناول ما وجد على ~~ذلك المقدار فدخول المعين فيه لا يعلم بالقياس بل بالحس، فلم يكن القياس ~~محصلا للمقصود ويكون مما لا اختصاص لهم بها، بل يشترك فيها سائر الأمم بدون ~~حضور منطقهم بالبال مع استواء قياس التمثيل وقياس الشمول وإثبات العلم PageV02P152 # بالصانع والنبوات ليس موقوفا على الأقيسة، بل يعلم بالآيات الدالة على ~~شيء معين لا شركة فيه ويحصل بالعلم الضروري الذي لا يفتقر إلى نظر وما يحصل ~~منها بالشمول فهو بمنزلة ما يحصل بالتمثيل أمر كلي، لا يحصل به العلم بما ~~يختص به الرب. وما يختص به الرسول إلا بانضمام علم أخر إليه. ### | AUTO [بديهة ثبوت بعض الأحكام لبعض الأفراد] # الوجه الخامس: أن يقال هذا القياس الشمولي وهو العلم بثبوت الحكم لكل فرد ~~من الأفراد -فنقول قد علم؟ ويسلمون أنه لابد أن يكون العلم بثبوت بعض ~~الأحكام لبعض الأفراد بديهيا. فإن النتيجة إذا افتقرت إلى مقدمتين فلابد أن ~~ينتهي الأمر إلى مقدمتين تعلمان بدون مقدمتين والإ لزم الدور أو التسلسل ~~الباطلان وإذا فرض مقدمتان طريق العلم بهما واحد، لم يحتج إلى القياس ~~كالعلم بأن كل إنسان حيوان، وكل حيوان حساس متحرك بالإرادة. فالعلم بأن كل ~~إنسان متحرك بالإرادة، أبين وأظهر. فالمقدمتان إن كان طريق العلم بهما ~~واحدا، "وقد علمتا" فلا حاجة إلى بيانهما. وإن كان طريق العلم بهما مختلفا ~~فمن لم يعلم إحداهما احتاج إلى بيانها، ولم يحتج إلى بيان ms101 الأخرى التي ~~علمها. وهذا ظاهر في كل ما يقدره. فتبين أن منطقهم يعطي تضييع الزمان وكثرة ~~الهذيان وإتعاب الأذهان. PageV02P153 ### | AUTO [التوصل إلى القضايا العامة] ### | AUTO (مقدمات القياس الكبرى) # الوجه السادس، لا ريب أن المقدمة الكبرى أعم من الصغرى أو مثلها، لا تكون ~~أخص منها، والنتيجة أخص من الكبرى أو فسادية لها وأعم من الصغرة أو مثلها ~~لا تكون أخص منها. والحس يدرك المعينات أولا، ثم ينتقل منها إلى القضايا ~~العامة. فيرى هذا الإنسان وهذا الإنسان وكل مما رآه حساس متحرك بالإرادة ~~فيكون العلم بالقضية العامة. إما أن يكون بتوسط قياس والقياس لابد فيه من ~~قضية عامة. لزوم أن لا يعلم العام إلا بعام، وذلك يستلزم الدور أو التسلسل، ~~فلابد أن ينتهي الأمر إلى قضية كلية عامة معلومة بالبديهة. وهم مسلمون ذلك. # وإن أمكن علم القضية العام بغير توسط قياس، أمكن علم الأخرى، فإن كون ~~القضية بديهية أو نظرية ليست وصفا لازما لها يحب استواء جميع الناس فيه. بل ~~هو أمر نسبي إضافي بحسب حال علم الناس بها فمن علمها بلا دليل كانت بديهية ~~له، ومن احتاج إلى نظر واستدلال كانت نظرية له، وهكذا سائر الأمور. فإذا ~~كانت القضايا الكلية منها ما يعلم بلا دليل ولا قياس وليس لذلك حد في نفس ~~القضايا بل ذلك بحسب أحوال بني آدم، لم يمكن أن يقال فيما علمه زيد ~~بالقياس، أنه لا يمكن غيره أن يعلمه بلا قياس، بل هذا نفي كاذب. PageV02P154 ### | AUTO قياس الشمول وقياس التمثيل متساويان # الوجه السابع: قد تبين فيما تقدم أن قياس الشمول يمكن جعله قياس تمثيل ~~وبالعكس، فإن قيل: من أين تعلم بأن الجامع يستلزم الحكم؟ قيل: من حيث تعلم ~~القضية الكبرى في قياس الشمول. فإذا قال القائل: هذا فاعل محكم لفعله، وكل ~~محكم لفعله فهو عالم. فأي شيء ذكر في علة هذه القضية الكلية فهو موجود في ~~قياس التمثيل. وزيادة أن هناك أصلا تمثل به قد وجد فيه الحكم مع المشترك. ~~وفي الشمول لم يذكر شيء من الأفراد ms102 التي ثبت الحكم فيها ومعلوم أن ذكر ~~الكلي المشترك مع بعض أفراده أثبت في العقل من ذكره مجردا عن جميع الأفراد ~~باتفاق العقلاء. ولهذا قالوا: إن العقل تابع للحس فإذا أدرك الحس الجزئيات، ~~أدرك العقل منها قدرا مشتركا كليا، فالكليات تقع في النفس بعد معرفة ~~الجزئيات المعينة، فمعرفة الجزئيات المعينة من أعظم الأسباب في معرفة ~~الكليات، فكيف يكون ذكرها مضعفا للقياس، وعدم ذكرها موجبا لقوله؟ وهذه خاصة ~~العقل، فإن خاصة العقل معرفة الكليات بتوسط معرفة الجزئيات. فمن أنكرها ~~أنكر خاصة عقل الإنسان، ومن جعل ذكرها بدون شيء من محالها المعينة، أقوى من ~~ذكرها مع التمثيل بمواضعها المعينة، كان مكابرا. وقد اتفق العقلاء على أن ~~ضرب المثل مما يعين على معرفة الكليات، وأنه ليس الحال إذا ذكر مع المثل ~~كالحال إذا ذكر مجردا عنه. # ومن تدبر جميع ما يتكلم فيه الناس من الكليات المعلومة بالعقل في الطب ~~والحساب والطبيعيات والصناعات والتجارات وغير ذلك، وجد الأمر PageV02P155 # كذلك. والإنسان قد ينكر أمرا حتى يرى واحدا من جنسه فيقر بالنوع ويستفيد ~~بذلك حكما كليا ولهذا يقول سبحانه {كذبت قوم نوح المرسلين * كذبت عاد ~~المرسلين} ونحو ذلك. وكل من هؤلاء إنما جاءه رسول واحد. ولكن كانوا مكذبين ~~بجنس الرسل، لم يكن تكذيبهم بالواحد بخصوصه. # ومن أعظم صفات العقل معرفة التماثل والإختلاف. فإذا رأى الشيئين ~~المتماثلين، علم أن هذا مثل هذا فجعل حكمهما واحدا، كما إذا رأى الماء ~~والماء والتراب والتراب والهواء والهواء ثم حكم بالحكم الكلي على القدر ~~المشترك. وإذا حكم بعض الأعيان ومثله بالنظير، وذكر المشترك كان أحسن في ~~البيان، فهذا قياس الطرد. وإذا رأى المختلفين كالماء والتراب فرق بينهما ~~وهذا قياس العكس. # وما أمر الله به من الاعتبار في كتابه يتناول قياس الطرد وقياس العكس، ~~فإنه لما أهلك المكذبين للرسل بتكذيبهم، كان من الاعتبار أن يعلم أن من فعل ~~مثل ما فعلوا أصابه مثل ما أصابهم فيبقى تكذيب الرسل حدا من العقوبة، وهذا ~~قياس الطرد. ويعلم أن من لم يكذب الرسل لا يصيبه ms103 ذلك، وهذا قياس العكس، وهو ~~المقصود من الإعتبار بالمكذبين فإن المقصود إن ثبت في الفرع عكس حكم الأصل ~~لا نظيره. والإعتبار يكون بهذا وبهذا قال تعالى {لقد كان في قصصهم عبرة ~~لأولي الألباب} وقال {لقد كان لكم آية في فئتين ... إن قوله ... إن في ذلك ~~لعبرة لأولي الأبصار} وقد قال تعالى {الله الذي أنزل الكتاب بالحق ~~والميزان} وقال {لقد أرسلنا PageV02P156 # رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} ~~والميزان فسره السلف بالعدل، وفسره بعضهم بما يوزن به وهما متلازمان. وقد ~~أخبر تعالى أنه أنزل ذلك كما أنزل الكتاب ليقوم الناس بالقسط. فما يعرف به ~~تماثل المتماثلات من الصفات والمقادير هو من الميزان وكذلك ما يعرف به ~~اختلاف المتخالفات. فإذا علمنا أن الله تعالى حرم الخمر لما ذكره من أنها ~~تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وتوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء، ثم ~~رأينا النبيذ يماثلها في ذلك، كان القدر المشترك الذي هو العلة، هو الميزان ~~الذي أنزله له الله في قلوبنا لنزن به هذا ونجعله مثل هذا. فلا نفرق بين ~~المتماثلين. فالقياس الصحيح هو من العدل الذي أمر الله به. # ومن علم الكليات من غير معرفة المعين فمعه الميزان فقط. والمقصود بها وزن ~~الأمور الموجودة في الخارج وإلا فالكليات لولا جزئياتها المعينة لم يكن بها ~~اعتبار. كما أنه لولا الموزونات لم يكن بالميزان حاجة. ولا ريب أنه إذا حصر ~~أحد الموزونين واعتبر بالآخر بالميزان كان أتم في الوزن من أن يكون الميزان ~~وهو الوصف الكلي المشترك في العقل، أي شيء حضر من الأعيان المفردة وزن بها ~~مع مغيب الآخر ولا يجوز لعاقل أن يظن أن الميزان العقلي الذي أنزله الله هو ~~منطق اليونان لوجوه أحدها: أن الله أنزل الموازين مع كتبه قبل أن يخلق ~~اليونان من عهد نوح وإبراهيم وموسى وغيرهم وهذا المنطق اليوناني وضعه أرسطو ~~قبل المسيح بثلاثماية سنة فكيف كانت الأمم المتقدمة تزن به. الثاني: أن ~~أمتنا أهل الإسلام مازالوا يزنون بالموازين العقلية. ولم نسمع سلفا بذكر ~~هذا ms104 المنطق اليوناني، وإنما ظهر في الإسلام PageV02P157 # لما عربت الكتب الرومية في عهد دولة المأمون أو قريبا منها. الثالث. أن ~~ما زال نظار المسلمين بعد أن عرب وعرفوه، يعيبونه ويذمونه ولا يلتفون إليه ~~ولا إلى أهله في موازينهم العقلية والشرعية. ولا يقول ليس مما انفردوا به ~~إلا اصطلاحات لفظية، وإلا فالمعاني العقلية مشتركة بين الأمم، فأنه ليس ~~الأمر كذلك بل فيه معاني كثيرة فاسدة. ثم هذا جعلوه ميزان الموازين العقلية ~~التي هي الأقيسية العقلية. وزعموا أنه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن أن ~~يزل في فكره. وليس الأمر كذلك، فإنه لو احتاج الميزان إلى ميزان، لزم ~~التسلسل. وأيضا فالفطرة إن كانت صحيحة وزنت بالميزان العقلي، وإن كانت ~~بليده أو فاسدة لم يزدها المنطق إلا بلادة وفسادا. ولهذا توجد عامة من يزن ~~به علومه، لابد أن يتخبط ولا يأتي فالأدلة العقلية على الوجه المحمود. ومتى ~~أتى بها على الوجه المحمود أعرض عن اعتبارها بالمنطق لما فيه من العجز ~~والتطويل وتبعيد الطريق وجعل الواضحات خفيات وكثرة الغلط والتغلط، فإنهم ~~إذا عدلوا عن المعرفة النظرية العقلية للمعينات إلى أمور كلية، وضعوا ~~ألفاظها وصارت مجملة تتناول حقا وباطلا، يحصل بها من الضلال ما هو ضد ~~المقصود من الموازين. وصارت هذه الموازين عائلة لا عادلة وكانوا فيها من ~~المطففين {الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم ~~يخسرون} وأبن البخس، بل هم بمنزلة من وزن بموازين من الله يزن بها تارة له ~~وتارة عليه. ولا يعرف أهي عادلة أم عائلة والميزان التي أنزلها الله مع ~~الكتاب ميزان عادله تتضمن اعتبار الشيء بمثله، PageV02P158 # وخلافه، فتسوى بين المتماثلين وتفرق بين المختلفين مما جعله الله في فطر ~~عباده وعقولهم من معرفة التماثل والاختلاف. فإذا قيل إن كان هذا مما يعرف ~~بالعقل. فكيف جعله الله مما أرسل به الرسل؟ # قيل لأن الرسل ضربت للناس الأمثال العقلية التي يعرفون بها التماثل ~~والاختلاف، فإن الرسل دلت الناس وأرشدتهم إلى ما به يعرفون العدل ويعرفون ~~الأقيسة العقلية الصحيحة التي يستدل بها على ms105 المطالب الدينية. فليست العلوم ~~النبوية مقصورة على الخبر بل الرسل صلوات الله عليهم بينت العلوم العقلية ~~التي بها يتم دين الله علما وعملا. وضربت الأمثال. فكملت الفطرة بما نبهتها ~~عليه وأرشدتها. مما كانت الفطرة معرضة عنه، أو كانت الفطرة قد فسدت بما ~~يحصل لها من الآراء والأهواء الفاسدة فأزالت ذلك الفساد. والقرآن والحديث ~~مملوءان من هذ، يبين الله الحقائق بالمقاييس العقلية والأمثال المضروبة ~~ويبين طريق التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين. وينكر على من ~~يخرج عن ذلك كقوله {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات ... الآية} وقوله {أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف ~~تحكمون} أي هذا حكم جائر لا عادل، فإن فيه تسوية بين المختلفين. ومن ~~التسوية بين المتماثلين قوله {أكفاركم خير من أولئكم الآية} وقوله {أم ~~حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ... الآية} ~~والمقصود التنبيه على أن الميزان العقلي حق كما ذكر الله في كتابه. وليست ~~هي مختصة بمنطق PageV02P159 # اليونان، بل هي الأقيسة الصحيحة المتضمنة للتسوية بين المتماثلين والفرق ~~بين المختلفين، وسواء صيغ ذلك بصيغة قياس الشمول أو بصيغة قياس التمثيل ~~وصيغ التمثيل هي الأصل وهي أكمل القدر المشترك وهو الجامع. ### | AUTO [المادة القياسية واليقين] # الوجه الثامن: أنهم كما حصروا اليقين في الصورة القياسية حصروه في المادة ~~التي ذكروها من القضايا الحسيات والأوليات والمتوترات والمجربات والحدسيات، ~~ومعلوم أنه لا دليل على نفي ما سوى هذه القضايا. # ثم مع ذلك إنما اعتبروا في الحدسيات والعقليات وغيرهما ما جرت العادة ~~باشتراك بني آدم فيه وتناقضوا في ذلك، فإن بني آدم إنما يشتركون كلهم في ~~بعض المرئيات وبعض المسموعات، فإنهم كلهم يرون عين الشمس والقمر والكواكب، ~~ويرون جنس السحاب والبرق. وإن لم يكن ما يراه هؤلاء هو عين ما يراه هؤلاء ~~وكذلك يشتركون في سماع صوت الرعد، وأما ما يسمعه بعضهم من كلام بعض صوته، ~~فهذا لا يشترك بنو آدم في عينه، بل كل قوم يسمعون ما لم يسمع غيرهم. وكذا ~~أكثر المرئيات. ms106 وأما الشم والذوق واللمس فهذا لا يشترك جميع الناس في شيء ~~معين فيه، بل الذي يشمه هؤلاء ويذوقونه ويلمسونه، ليس هو الذي يشمه ويذوقه ~~ويلمسه هؤلاء. لكن قد يتفقان في الجنس لا في العين وكذلك ما يعلم بالتواتر ~~والتجريب والحدس فإنه قد يتواتر عند هؤلاء ويجر هؤلاء مالم PageV02P160 # يتواتر عند غيرهم ويجرب آخرون جنس تلك الأدوية فيتفق في معرفة الجنس لا ~~في معرفة عين المجرب، ثم هم مع هذا يقولون في المنطق إن المتواترات ~~والمجربات والحدسيات تختص بمن علمها فلا يقوم منها برهان على غيره فيقال ~~لهم: وكذلك المشمومات والمذوقات والملموسات، بل اشتراك الناس في المتواترات ~~أكثر، فإن الخبر المتواتر ينقله عدد كثير، فيكثر السامعون له، ويشتركون في ~~سماعه من العدد الكثير، بخلاف ما يدرك بالحواس، فإنه يختص بمن أحسه، فإذا ~~قال: رأيت أو سمعت أو ذقت أو لمست أو شمت، فكيف يمكنه أن يقيم مع هذا ~~برهانا على غيره؟ ولو قدر أنه شاركه في تلك الحسيات عدد، فلا يلزم من ذلك ~~أن يكون غيرهم أحسها. ولا يمكن علمها لمن لم يحسها إلى بطريق الخبر. ### | AUTO [كون العلوم الفلسفية من المجربات] # فعامة ما عندهم من العلوم الكلية بأحوال الموجودات هي من العلم بعادة ذلك ~~الموجود، وهو ما يسمونه الحدسيات. وعامة ما عندهم من العلوم العقلية ~~الطبيعية والعلوم الفلكية كعلم الهيئة، فهو من قسم المجربات وهذه لا يقوم ~~فيها برهان، فإن كون هذه الأجسام الطبيعية جربت، وكون الحركات جربت، لا ~~يعرفه أكثر الناس إلا بالنقل، والتواتر في هذا قليل. وغاية الأمر أن ينقل ~~التجربة في ذلك عن بعض الأطباء أو بعض أهل الحساب. # وغاية ما يوجد. أن يقول بطليموس: هذا مما رصده فلان، وأن يقول جالينوس: ~~هذا مما جربته أو ذكر لي فلان أنه جربه، وليس في هذا شيء PageV02P161 # من المتواتر. وإن قدر أن غيره جربه أيضا، فذاك خبر واحد، وأكثر الناس لم ~~يجربوا جميع ما جربوه، ولا علموا بالإرصاد ما ادعوا أنهم علموه. وإن ذكروا ~~جماعة رصدوا. فغايته أنه من ms107 المتواتر الخاص الذي تنقله طائفة فمن زعم أنه ~~لا يقوم عليه برهان بما تواتر عن الأنبياء كيف يمكنه أن يقيم على غيره ~~برهانا بمثل هذا التوتر. ويعظم علمي الهيئة والفلسفة، ويدعى أنه علم عقلي ~~معلوم بالبرهان. وهذا أعظم ما يقوم عليه البرهان العقلي عندهم. هذا حاله، ~~فما الظن بالإلهيات التي إذا نظر فيها كلام معلمهم الأول أرسطو. وتدبره ~~الفاضل العاقل لم يفده إلا العلم بأنهم كانوا من أجهل الخلق برب العالمين، ~~وأن كفار اليهود والنصارى أعلم منهم بالأمور. # الوجه التاسع. أن الأنبياء والأولياء لهم من علم الوحي والإلهام ما هو ~~خارج عن قياسهم الذي ذكروه، بل الفراسة أيضا وأمثالها. فإن أدخلوا ذلك فيما ~~ذكروه من الحسيات والعقليات، لم يمكنهم نفي ما لم يذكروه. ولم يبق لهم ضابط. # وقد ذكر ابن سينا وأتباعه أن القضايا الواجب قبولها التي هي مادة البرهان ~~الأوليات والحسيات والمجربات والحدسيات والمتواترات. وربما ضموا إلى ذلك ~~قضايا معها حدودها، ولم يذكروا دليلا على هذا الحصر. ولهذا اعترف المنتصرون ~~لهم أن هذا التقسيم منتشر غير منحصر يتعذر إقامة دليل عليه، وإذا كان كذلك، ~~لم يلزم أن كل ما يدخل في قياسهم لا يكون معلوما. وحينئذ فلا يكون المنطق ~~آلة قانونية تعصم مراعاتها من الخطأ. فإنه إذا ذكر له قضايا يمكن العلم بها ~~بغير هذا الطريق، لم يمكن وزنها بهذه الأدلة وعامة هؤلاء المنطقيون، يكذبون ~~بما لم يستدل عليه بقياسهم، وهذا في غاية الجهل لا سيما إن كان الذي كذبوا ~~به من أخبار الأنبياء. فإذا كان أشرف PageV02P162 # العلوم لا سبيل إلى معرفتها بطريقهم، لزوم أمران: أحدهما: أن لا حجة لهم ~~على ما يكذبون به مما ليس في قياسهم دليل عليه. والثاني أن ما علموه خسيس ~~بالنسبة إلى ما جهلوه فكيف إذا علم أنه لا يفيد النجاة ولا السعادة؟ . # الوجه العاشر: أنهم يجعلون ما هو علم يجب تصديقه ليس علما، وما هو باطل ~~وليس بعلم، يجعلونه علما. فزعموا أن ما جاءت به الأنبياء في معرفة الله ~~وصفاته والمعاد لا حقيقة ms108 له في الواقع، وأنهم إنما أخبروا الجمهور بما ~~يتخيلونه في ذلك، لينتفعوا به في إقامة مصلحة دنياهم، لا ليعرفوا بذلك ~~الحق، وأنه من جلس الكلب لمصلحة الناس. ويقولون إن النبي حاذق بالشرائع ~~العملية دون العلمية. ومنهم من يفضل الفيلسوف على كل نبي وعلى نبينا عليه ~~أفضل الصلاة والسلام ولا يوجبون اتباع نبي بعينه لا محمد ولا غيره. ولهذا ~~لما ظهرت التتار، وأراد بعضهم الدخول في الإسلام قيل إن هولاكو أشار عليه ~~بعض من كان معه من الفلاسفة بأن لا يفعل، قال: ذاك لسانه عربي ولا يحتاجون ~~إلى شريعته. ومن تبع النبي منهم في الشرائع العملية لا يتبعه في أصول الدين ~~والاعتقاد، بل النبي عندهم بمنزلة أحد الأئمة الأربعة عند المتكلمين، فإن ~~أئمة الكلام إذا قلدوا مذهبا من المذاهب الأربعة اقتصروا في تقليده على ~~القضايا الفقهية ولا يلتزمون موافقته في الأصول ومسائل التوحيد، بل قد ~~يجعلون شيوخهم المتكلمين أفضل منهم في ذلك. وقد أخبروا النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) عن الله بأسمائه وصفاته المعينة وعن الملائكة والعرش والكرسي ~~والجنة والنار، وليس في ذلك شيء يمكن معرفته بقياسهم. وكذا أخبر عن أمور ~~معينة مما كان وسيكون وليس PageV02P163 # شخص ذلك ممكن معرفته بقياسهم لا البرهاني ولا غيره، أن أقيستهم لا تفيد ~~إلا أمورا كلية، وهذه أمور خاصة، وقد أخبر (صلى الله عليه وسلم) بما يكون ~~من الحوادث المعينة حتى أخبر عن التتر الذين جاءوا بعد ستماية سنة من ~~أخباره، وكذلك عن النار التي خرجت قبل مجئ التتر سنة 688. فهل يصور أن ~~قياسهم وبرهانهم يدل على آدمي معين أو أمة معينة، فضلا عن موصوف بالصفات ~~التي ذكرها؟ ثم من بلاياهم وكفرياتهم أنهم قالوا إن الباري تعالى لا يعلم ~~الجزئيات ولا يعرف عين موسى وعيسى ولا غيرهما ولا شيئا من تفاصيل الحوادث، ~~والكلام والرد عليهم في ذلك مبسوط في موضعه والمقصود أن يعرف الإنسان أنهم ~~يقولون من الجهل والكفر ما هو في غاية الضلال، فرارا من لازم ليس لهم قط ~~دليل على نفيه. # الوجه الحادي ms109 عشر: أنهم معترفون بالحسيات الظاهرة والباطنة كالجوع والألم ~~واللذة. ونفوا وجود ما يمكن أن يختص برؤيته بعض الناس كالملائكة والجن وما ~~تراه النفس عند الموت. والكتاب والسنة ناطقان باثبات ذلك. ولبسط هذه الأمور ~~موضع آخر، وإنما المقصود أن ما تلقوه من القواعد الفاسدة المنطقية من نفي ~~ما لم يعلم نفيه، أوجب لهم من الجهل والكفر حاجبا وأنهم أسوأ حالا من كفار ~~اليهود والنصارى. # الوجه الثاني عشر: أن يقال كون القضية برهانية معناه عندهم أنها معلومة ~~للمستدل بها. وكونها جدلية معناه كونها مسلمة وكونها خطابية معناه كونها ~~مشهورة أو مقبولة أو مظنونة. وجميع هذه الفروق هي نسب وإضافات عارضة للقضية ~~ليس فيها ما هو صفة ملازمة لها، فضلا عن أن تكون ذاتية. PageV02P164 # لها على أصلهم، بل ليس فيها ما هو صفة لها في نفسها، بل هذه صفات نسبية ~~باعتبار شعور الشاعر بها. ومعلوم أن القضية قد تكون حقا، والإنسان لا يشعر ~~بها فضلا عن أن يظنها أو يعلمها، وكذلك قد تكون خطابية أو جلية وهي حق في ~~نفسها، بل تكون برهانية أيضا كما قد سلموا ذلك، وإذا كان كذلك، فالرسل ~~صلوات الله عليهم أخبروا بالقضايا التي هي حق في نفسها لا تكون كذبا باطلا ~~قط. وبينوا من الطرق العلمية التي يعرف بها صدق القضايا ما هو مشترك، ~~فينتفع به جنس بني آدم، وهذا هو العلم النافع للناس. وأما هؤلاء المتفلسفة ~~فلم يسلكوا هذا المسلك، بل سلكوا في القضايا الأمر النسبي فجعلوا ~~البرهانيات ما علمه المستدل وغير ذلك لم يجعلوه برهانيا، وإن علمه مستدل ~~آخر. وعلى هذا فيكون من البرهانيات عند إنسان وطائفة، ماليس من البرهانيات ~~عند آخرين. فلا يمكن أن تحد القضايا العلمية بحد جامع بل تختلف باختلاف ~~أحوال من علمها ومن لم يعلمها- عند أهل كل صناعة من الحق والباطل ومن الصدق ~~والكذب-. ويمتنع أن تكون منفعتها مشتركة بين الآدميين بخلاف طريقة ~~الأنبياء، فإنهم أخبروا بالقضايا الصادقة التي تفرق بين الحق والباطل ~~والصدق والكذب، فكل ما ناقض الصدق فهو كذب وكل ms110 ماناقض الحق فهو باطل. فلهذا ~~جعل الله ما أنزله من الكتاب حاكما بين الناس فيما اختلفوا فيه. وأنزل أيضا ~~الميزان وما يوزن به. ويعرف به الحق من الباطل. ولكل حق منه أن يوزن به ~~بخلاف ما فعله الفلاسفة المنطقيون، فإنه لا يمكن أن يكون هاديا للحق، ولا ~~مفرقا بين الحق والباطل، ولا هو ميزان يعرف بها الحق من الباطل، وأما ~~المتكلمون فما كان في كلامهم موافقا لما جاءت به الأنبياء، فهو منه. وما ~~خالفه فهو من PageV02P165 # البدع الباطلة شرعا وعقلا، فإن قيل نحن نجعل البرهانيات إضافية. فكل ما ~~عليه الإنسان بمقدماته فهو برهاني عنده وإن لم يكن برهانيا عند غيره، قيل ~~لم يفعلوا ذلك، فإن من سلك هذا السبيل لم يجد مواد البرهان في أشياء معينة ~~مع إمكان علم كثير من الناس لأمور أخرى بغير تلك المواد المعينة التي ~~عينوها. وإذا قالوا نحن لا نعين المواد، فقد بطل أحد أجزاء المنطق وهو ~~المطلوب. # الوجه الثالث عشر. أنهم لما ظنوا أن طريقهم كلية محيطة بطرق العلم الحاصل ~~لبني آدم، مع أن الأمر ليس كذلك، وقد علم الناس إما بالحس وإما بالعقل وإما ~~بالأخبار الصادقة معلومات كثيرة، لا تعلم بطرقهم التي ذكروها ومن ذلك ما ~~علمه الأنبياء صلوات الله عليهم من العلوم، أرادوا إجراء ذلك على قانونهم ~~الفاسد. فقالوا: النبي له قوة أقوى من قوة غيره. وهو أن يكون بحيث ينال ~~الحد الأوسط من غير تعليم معلم، فإذا تصور، أدرك بتلك القوة الحد الذي قد ~~يتعسر أو يتعذر على غيره إدراكه بلا تعليم لأن قوى الأنفس في الإدراك غير ~~محدودة، فجعلوا ما يخبر به الأنبياء من أنباء الغيب إنما هو بواسطة القياس ~~المنطقي، وهذا في غاية الفساد، فإن القياس المنطقي إنما تعرف به أمور كلية ~~كما تقدم، وهم يسلمون ذلك والرسل أخبروا بأمور معينة مختصة جزئية ماضية ~~وحاضرة ومستقبلة، فعلم بذلك أن ما علمه الرسل لم يكن بواسطة القياس ~~المنطقي. بل جعل ابن سينا علم الرب بمعقولاته من هذا الباب، تعالى الله ms111 عن ~~قوله علوا كبيرا. # وقد تبين بما تقرر، فساد ما ذكروه من المنطق من حصر طريق العلم مادة ~~وصورة، وتبين أنهم أخرجوا من العلوم الصادقة أجل وأعظم وأكثر مما اثبتوه ~~وأن ما ذكروه من الطريق، إنما يفيد علو ما قليلة خسيسة لا كثيرة PageV02P166 # ولا شريفة. وهذه مرتبة القوم، فإنهم من أخس الناس علما وعملا وكفار ~~اليهود والنصارى أشرف علما وعملا منهم من وجوه كثيرة. والفلسفة كلها لا ~~يصير صاحبها في درجة اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل، فضلا عن درجتهم ~~قبل ذلك وقد أنشد ابن القشيري في الرد على الشفا لابن سينا. # قطعنا الأخوة من معشر ... بهم مرض من كتاب الشفا # وكم قلت يا قوم أنتم على ... شفا جرف من كتاب الشفا # فلما استهانوا بتنبيهنا ... رجعنا إلى الله حتى كفى # فماتوا على دين رسطاطليس ... وعشنا على ملة المصطفى # فإن قيل: ما ذكره أهل المنطق من حصر طرق العلم، يوجد نحو منه في كلام ~~متكلمي المسلمين. بل منهم من يذكره بعينه إما بعباراتهم، وإما بتغيير ~~العبارة فالجواب. أن ليس كل ما يقوله المتكلمون حقا، بل كل ما جاء به الرسل ~~فهو حق. وما قاله المتكلمون وغيرهم مما يوافق ذلك فهو حق. وما قالوه مما ~~يخالفه فهو باطل. وقد عرف ذم السلف والأئمة لأهل الكلام المحدث. # قال: والعجب من قوم أرادوا بزعمهم نصر الشرع بعقولهم الناقصة وأقيستهم ~~الفاسدة. فكان ما فعلوه، مما جرأ الملحدين أعداء الدين عليه فلا الإسلام ~~نصروا ولا الأعداء كسروا. ثم من العجائب أنهم يتركون أتباع الرسل المعصومين ~~الذين لا يقولون إلا الحق ويعرضون عن تقليدهم ويقلدون ويساكنون مخالف ما ~~جاؤا به من يعلمون أنه ليس بمعصوم، وأنه يخطئ تارة ويصيب أخرى، والله ~~الموفق للصواب. PageV02P167 # هذا آخر ما لخصته من كتاب ابن تيمية. وقد أوردت عبارته بلفظه من غير تصرف ~~في الغالب. وحذفت من كتابه الكثير، فإنه في عشرين كراسا. ولم أحذف من المهم ~~شيئا، إنما حذفت ما لا تعلق له بالمقصود، مما ذكر إستطرادا أو ردا على ~~مسائل من ms112 الإلهيات ونحوها أو مكررا أو نقضا لعبارات بعض المناطقة، وليس ~~راجعا لقاعدة كلية في الفن أو نحو ذلك. وإذا طالع كل أحد كتاب هذا المختصر، ~~استفاد منه المقصود بسهولة أكثر مما يدركه من الأصل فإنه وعر صعب المآخذ ~~ولله الحمد والمنة. ms113