######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : مآثر الأبرار ¶ المؤلف : محمد بن علي بن يونس الزحيف الصعدي، بدر الدين، المعروف بابن فند #META# auth: محمد بن علي بن يونس الزحيف الصعدي، المعروف بابن فند #META# cat: السير والتاريخ #META# bkid: 90 #META# الكتاب: مآثر الأبرار #META# bkord: 122 #META# idx: 1 #META# iso: ماثر الابرار #META# bk: مآثر الأبرار #META# max: 1048 #META# المؤلف: محمد بن علي بن يونس الزحيف الصعدي، بدر الدين، المعروف بابن فند #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### | [مقدمة المؤلف] # رب يسر وأعن يا كريم # الحمد لله الذي شرح صدور أوليائه بمواد العناية، ويسر لهم القيام بتفصيل ~~مجملات أنبائه بتكثير أسباب الهداية، وألهمهم الاعتراف بعدم الإحاطة بحصر ~~نعمائه التي لا تدرك لها غاية، وأعجزهم عن استيعاب شكر آلائه وإن اتسعت ~~الدراية والرواية، أحمده وله الخلق والأمر على أن جعل الدنيا دار تخلية ~~يتغلب فيها وضيع القدر على سلطان من هو كليلة القدر خير من ألف شهر، ولو ~~شاء الله على سبيل القهر، لملكها بحذافيرها أهل السوابق والفخر، بحيث يقفون ~~دائما حلولا منها في الصدر، ويستمر الطليق بها أبدا مغلولا تحت حكم الأسر، ~~لكن أبى ربنا جل وعلا لعباده الفضلاء أن ينيلهم في الآخرة الدرجات العلا، ~~حتى يعاملهم في الدنيا معاملة الاختبار والابتلاء: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا ~~}[الملك:2]. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة منوطة من اليقين بأقوى ~~سلسلة، مشفوعة من التحقيق بأنوار أدلة غير مخجلة، صادرة عن اعتقاد راج أن ~~يبلغ قائلها من كل مأمول، غاية السؤل، حتى يعلم ما يقول في رضى الرسول، ~~والوصي وأولاده وزوجته البتول، ويؤيد بالتوفيق إلى التلفيق بين إقامة حجة ~~الفاضل والاعتذار للمفضول، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، واسطة عقد النبوة ~~المنظوم، ونافحة الألوة التي هي زينة المشموم، المستأثر بمؤاخاة أفضل ~~الصحابة على العموم، علي أبي الأئمة الهداة الذين هم للبرية كالنجوم، صلوات ~~الله عليهم أجمعين صلاة تتصل وتدوم، ما انتصر من ظالم لمظلوم، وسفحت عين ~~عبرة للمستحق المحروم. PageV01P082 # أما بعد: فإن أفضل القرب رعاية حقوق أهل الرتب، ولا نعلم رتبة لمخلوق أعلى ~~من رتبة الملائكة ثم الأنبياء، ثم بعدهم رتبة أهل البيت الأصفياء، وقد ~~استأثر الله بتولي ذكر ملائكته، وأنبيائه في كتابه المجيد، بما ليس عليه من ~~مزيد، فما عسى أن يقول ذو مقول، وإن أوتي بلاغة قدامة وعبد الحميد. # وأما أهل بيت المصطفى، فقد ندبت الشريعة المطهرة إلى ذكرهم، ورعاية ~~حقوقهم من وجوه ليس بها خفا، ومن رعاية حقوقهم مدارسة كتب مناقبهم ومطالعة ~~تواريخ سيرهم، ولما ms001 كنت بحمد الله ممن اختار هذا المذهب الشريف له مذهبا، ~~وجعله له ديدنا وأدبا، وآثر أن يكون أهله له حزبا منذ عقل قوله تعالى:{ قل ~~لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى }[الشورى:23]. # وكانت محبتي لهم من أجل النعم التي يستدل بها المؤمن على رشده، وقد قال ~~:((إن الله إذا أنعم على عبد أحب أن يرى أثر نعمته على عبده)) أحببت أن ~~أظهر ما قد عرفته من كثرة مطالعتي لفضائلهم في تأليف، وأجمع متفرقات ماحصل ~~لي من غرر فواضلهم في تصنيف لطيف، ما ذلك جهلا مني بما وضعه أئمتنا ~~وأشياعهم وغير أشياعهم في ذلك من الكثير الطيب، بل لأني أحببت أن يكون لي ~~في الخير العميم نصيب، ولأن تخليد الإنسان ذكره في كتب الصالحين هو العمر ~~الثاني، وقد عول عليه كثير من أهل هذه المعاني، قال أبو الطيب في ذلك: # ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته # ما فاته وضروب العيش أشغال # وقال القاضي العلامة أحمد بن محمد الأرجاني وهو من الأدباء الفضلاء ~~المفلقين: PageV01P083 # لا تحسبن خلود الدهر ممتنعا %~% من ناط عرفا بعرفان فقد خلدا # يقاسم الدهر عيشا لا انقضاء له %~% من يقرن الفضل بالإفضال مجتهدا # الفكر والذكر لايتليهما شرف %~% إذا اللبيب على ركنيهما اعتمدا # فالفكر في سير الماضين يجعله %~% كأنه عاش فيهم تلكم المددا # والذكر في الأمم الباقين يجعله %~% كأنه غير مفقود إذا فقدا # وقد أشار مولانا السيد العلامة صارم الدين إلى هذا المعنى في أبيات أرسل ~~بها إلي يحثني على تمام هذا الشرح، فقال من جملة ذلك ما هذا لفظه: # فاسمع لذلك يابن فند واعتبر %~% بالكائنات ولا علي تفند # وأضف إلى العمر الذي أوتيته %~% عمرا من العمر الذي لك أزيد # فالعمر يذهب عن قريب أمره %~% والذكر عمر آخر لا ينفد # وصل المزيد بحبل ما بينته %~% في شرح ما هو مطلق ومقيد # في متن شرحك ذلك الشرح الذي %~% شرح الصدور وأنت فيه مجود # وإذا بدا لك في الفريدة هفوة %~% فاستر علي ولا علي تبدد # فأنا المقصر في القريض ونظمه %~% لو ms002 أن قلبي لؤلؤ وزبرجد # هذا القول من قصيدة له عليه السلام تزيد على أربعين بيتا أرسل بها إلي، ~~وقد وقف على أكثر مسودة شرحي لمنظومته. PageV01P084 # نعم، ولما كانت منظومته هذه الفريدة، وسيرته الجامعة المفيدة، المسماة ~~(بجواهر الأخبار) من أجل ما نظم في عصرنا في هذا الشأن لما اشتملت عليه من ~~الإحسان والإتقان، على الأسلوب الذي يعرفه من له أدنى عرفان، وسعي في هذا ~~الميدان، ووقفت عليها وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه، أو حائم أوقفته على ~~المنهل قدمه، دعاني الطرب إلى شرحها، وحملني ما بي من الجدب إلى تنوير ~~صبحها، وفي عرض ذلك، وقد كنت حصلت نسخة منها أبياتها في العدد أقل من هذه، ~~بلغني أنها ظهرت منه في صنعاء نسخة قد زاد فيها وحرر معانيها، فما شعرت إلا ~~ورسول من الحضرة المؤيدة حضرة مولانا السيد الصدر، الحلاحل، والملك الأجل، ~~الأنبل، الفاضل، الكامل، سلالة الأئمة الأكابر: محمد بن الناصر سلم إلي ذلك ~~الرسول هذه المنظومة المتأخرة التي زيد فيها على المنظومة المتقدمة، ~~وأعطاني الرسول كتابا مختوما، وقصيدة أخرى للسيد صارم الدين، [ففضضت] ~~الكتاب، وهو بخط مولانا الملك المؤيد، فيه بعض البسط، يذكر فيه بعد السلام ~~وذكر أعلام عامة وخاصة وفيه ما هذا لفظه:(نعم، صدر إليك أحاطك الله قصيدة ~~عجيبة، نظمها السيد صارم الدين إبراهيم بن محمد في أيام الشبيبة ضاهى بها ~~البسامة، وأودع كثيرا من معانيها نظامه، وكثر منه التعويل علينا بأن نتولى ~~فتح مقفلها، وإيضاح مشكلها، وحل رموزها، واستخراج كنوزها، وصدرت إلينا منه ~~قصيدة قالها في هذا المعنى قف عليها، وتفضل بالنيابة عنا، فأنت ألمعي ~~الدراية، وأصمعي الرواية، ولك قريحة منقادة، وفطنة وقادة).انتهى. PageV01P085 # فحينئذ صادف قصده إياي، وتوجيهه الرسم إلى قراي، شغفي بهذا الفن وحبي ~~للدخول فيه، فجوبت كيف أمكن، ثم اعلم أن منظومة السيد هذه تفوق (البسامة) ~~الذي أنشأها ابن عبدون وشرحي هذا بعون الله يأتي أبلغ من (أطواق الحمامة) ~~شرح ابن بدرون وهما عالمان من علماء مغارب مصر، ووجه ترجيحي لكون متن ~~منظومة السيد والشرح عليها يفوقان ms003 ما ذكرته هو أنهما انتظما إشادة معالم ~~أهل بيت المصطفى، ونشر مناقب الأئمة منهم والخلفاء، والشيء يشرف بشرف ~~معلومه، والكلام يحسن على قدر من توجه إليه بمنثوره ومنظومه، فجوبت على ~~السيد صارم الدين، والمؤيد برب العالمين بجواب نثرا ونظما. وأخبرتهما أني ~~قد امتثلت إشارة من إشارته غنم، وقوله عندي بمنزلة الحكم، إذ صادف ورود ذلك ~~قلبا مني مائلا إلى الدخول في حفدة الشيعة بأدنى وسيلة وذريعة، وقلت مرتجلا ~~مخاطبا للملك المؤيد: # أملت هوى قد كان من قبل مائلا %~% وهجت غراما كان من قبل حاصلا # وأشليت فهدا كي تصيد فلم ترم %~% ظبا وجرة حتى ولجن الحبايلا # وكان مطلع قصيدة السيد صارم الدين التي التمس من مولانا المؤيد بها أن ~~يشرح منظومته قوله: # أيا ابن الخلائف من هاشم %~% وأولاهم بالفعال الحسن # وعددها ستة وثلاثون بيتا، فجوبت عليه على وزنها وعددها قلت: # لآل الحسين وآل الحسن %~% سكون العراق ومن باليمن # وداد بقلبي إن تكمن الد %~% راري بأفلاكها ما كمن # وداد غذاني به والدي %~% ولدتني أمي به في اللبن # وقد جاء في مثل سائر %~% تداوله الناس طول الزمن # محال خروح هوى داخل %~% زمان اللبا قبل نشر الكفن PageV01P086 فيا عاذلي عن هوى حيدر %~% وفاطمة الطهر لا تعذلن # فحبهما وذراريهما %~% عتادي ليوم ظهور الغبن # كما جاء عن سيد المرسلين %~% قد يحشر المرء في حزب من # ويا مرسلي من ربا صعدة %~% مهاجر يحيى إمام اليمن # وهاد العباد سبيل الرشاد %~% ونافي الفساد وحصر الدمن # إذا جئت صنعاء وبلغتها %~% فعفر جبينك ثم اسجدن # هنالك تلقى المنى والغنى %~% وتأمن في حرم المؤتمن # حليف العبادة خدن التقى %~% وغيث البرية رب المنن # أويس الأوان وقيس الزمان %~% وقس اللسان ومعن الزمن # وقل للمؤيد يا أوحد %~% شأوت الأفاضل في كل فن # فكل نبيل أخي درية %~% بكفيك مستسلم مرتهن # إذا صرح السيد الأحوذي %~% بقية أشياخ آل الحسن # ونبراس علم بني المصطفى %~% ومن حل في الحفظ أعلى الفنن # بأنك أعلم هذا الورى %~% بهدي الفروض وهدي السنن # وأدرى بأحوال أهل الكساء %~% ومن قام في حربهم أو سكن ms004 # وما قال إلا الذي أعلن %~% النحارير طرا به فاعلمن # فكيف بحقك يا سيدي %~% عددت هنا ورمي كالسمن # ونوهت باسمي ورشحتني %~% لما أنا فيه قصير الرسن # وما ابن اللبون وأنت الخبير %~% قد لز مع بازل في قرن # ويشبه قولك قول امرئ %~% لفرخ البغاث أتستنسرن # ولكن رسومك متبوعة %~% وذلك من ثقل حاذي ومن # لأبذل وسعي ومن طاقتي %~% ومن لم يطعك يبوء بالوهن # على ما أعانيه من ناصب %~% الهموم ومن خمدة في الفطن # بقدر اطلاعي وما أمكنن # طويل معاقرتي للوطن # فإن سد رميي فيما أتيت %~% وجئت بشيء عجيب حسن # فمن فضل ربي وتقويمكم %~% بني المصطفى لي بأغلى الثمن # وإن غير ذاك فمن خاطر %~% كليل ودهر كثير المحن # وملتمس منك إبلاغه %~% إذا مرسل منك حوليه عن # جزيل سلامي فشوقي إلى %~% دعاء له وبنيه ارجحن # وأما إجازة منظومة %~% فذلك رأس القصيد الأغن # عليك السلام سليل الإمام %~% كصوت الغمام إذا ما هتن PageV01P087 [تنبيه] : ثم اعلم أن أكثر المسطور في شرحي هذا من حد قول الناظم: # وكان أول خطب بين أمته %~% حيف جرى من أبي بكر ومن عمر # إلى أن بلغت به سيرة الإمام المنصور بالله: عبد الله بن حمزة بن سليمان ~~منقول من كتابه المسمى (بالشافي) وطريقي في الرواية له حصلت لي من جهة حي ~~مولانا [الإمام العلامة الشامة في العترة الميامين، والعلامة] المتوكل على ~~الله الملك الديان المطهر بن محمد بن سليمان مناولة، وإجازة بحق ما معه في ~~هذا الكتاب -أعني (الشافي) وفي كتاب (البحر الزخار) وغيره من كتب أئمتنا ~~عليهم السلام وشيعتهم، لأني وصلته إلى حصنة كوكبان في سنة ثلاث وسبعين ~~وثمانمائة، فأجاز لي جميع مصنفاته، ومسموعاته أصولها، وفروعها، ومن ذلك ~~كتاب (الكشاف) لجار الله العلامة فخر خوارزم محمود بن عمر الزمخشري رضوان ~~الله عليه، وكذلك (أصول الأحكام في حديث النبي -عليه السلام للإمام المتوكل ~~على الله الرحمن أحمد بن سليمان، وكذلك كتاب (الشفاء في سنة المصطفى) ~~للأمير الكبير فخر الدين الحسين بن محمد الهدوي، والإمام المطهر يروي ما ~~ذكرته لك عن حي الإمام ms005 الذي نعش الله به الدين وأحيا المهدي لدين الله: ~~أحمد بن يحيى قدس الله روحه في الجنة، بحق ما معه من أخيه السيد الأفضل ~~العلامة: الهادي بن يحيى PageV01P088 ومن شيخه عز الدين لسان المتكلمين: محمد بن يحيى بن محمد المذحجي وكان هذا ~~الشيخ محمد بن يحيى من المتبحرين في علم الكلام، وهما يرويان علومهما عن حي ~~الفقيه العلامة لسان المتكلمين: قاسم بن حميد المحلي وغيره، بحق روايته ~~لذلك عن حي والده الفقيه الشهيد: حميد بن أحمد وهو يروي ذلك عن الإمام ~~المنصور بالله، وهو يروي طرق كتابه (الشافي) وما حواه من العلوم معقولها، ~~ومنقولها إلى مشائخه، الذين هم الفقيه الصدر العلامة: علي بن أحمد الأكوع ~~والشيخ شرف الدين شحاك الملحدين، الحسن بن محمد الرصاص والشيخ الصدر ~~العلامة، محي الدين، دعامة المسلمين، الذي له اسمان: حميد، ومحمد بن أحمد ~~بن الوليد العيثمي القرشي والشيخ الأجل الصدر الأنبل، عفيف الدين حنظلة بن ~~الحسن والفقيه الزاهد العابد، شمس الدين أحمد بن الحسن بن المبارك قرأ عليه ~~وهو ينظر في كتابه كل هؤلاء، قالوا: أخبرنا القاضي العلامة حسنة الزمن، ~~محيي ربوع اليمن، شحاك الملحدين، جمال الملة والدين: جعفر بن أحمد بن عبد ~~السلام بن أبي يحيى رضي الله عنه وأرضاه. PageV01P089 # قال: أخبرنا القاضي الإمام أحمد بن الحسن الكني أدام الله توفيقه، والكني ~~هذا ذكر جميع مشائخه وسردهم، وعددهم إلى أن أوصل سند كل كتاب إلى مصنفه، ثم ~~المصنفون سردوا ذكر أهل طرقهم وعددهم إلى أن أوصلوهم الصحابة -رضي الله ~~عنهم-، وكل من الصحابة رفع حديثه إلى نبي الرحمة، وسراج الظلمة [صلى الله ~~عليه وعلى آله] نحو ما ذكره المنصور بالله -عليه السلام- في مصنفه المسمى ~~ب(الشافي) وما عينه المنصور بالله في كتابه المذكور من كتب الحديث غير ما ~~صنفه أئمتنا، وشيعتهم مثل كتاب (الجمع بين الصحاح الستة) لرزين بن معاوية ~~بن محمد بن عمار العبدري الأندلسي و(الجمع بين الصحيحين) لأبي عبد الله ~~محمد بن نصرالحميدي وكذلك(مسند ابن حنبل) يرويه الإمام-عليه السلام- عن عبد ~~الله بن أحمد ms006 بن حنبل، عن أبيه أحمد بن حنبل وكذلك (مفردات الصحاح الستة) ~~وكذلك يروي(مثالب بني العباس) من كتاب (الأغاني) ويذكر فيه من مخازيهم مما ~~يذكره علماؤهم ومواليهم وكذلك(مخازي بني أمية) في (أطواق الحمامة شرح ~~البسامة) كتاب و(كفاية الطالب) فلله الحمد الذي أظهر الحق على أعداء آل ~~محمد في فضل آل محمد فلله الحجة البالغة. # قال: وكذلك مسموعات الإمام أبي سعد السمعاني، ومصنفات أبي بكر الفرغاني ~~ومصنفات ابن سلفة. # قلت: واسمه أحمد بن محمد، حافظ الأسكندرية، أصله من أصبهان، نسب إلى جده ~~سلفة -بكسر المهملة وفتح اللام-، مات سنة ست وسبعين وخمسمائة. PageV01P090 # قال الإمام المنصور بالله -عليه السلام-: وكذلك جميع مصنفات الغزالي له إلى ~~الرواية لما فيها طرق بينة، والذي حمل الإمام على تعيين محفوظاته ~~ومسموعاته، ومسنداته؛ لأن فقيها في عصره من شافعية اليمن أنشأ رسالة سماها ~~(الخارقة) قدح فيها على المنصور، وسائر الزيدية، وقال: إنه يتولى الأولين ~~من الزيدية دون المتأخرين؛ لأنه زعم أنهم خالفوا مذهب أسلافهم في العقائد، ~~وفي أمور الصحابة، وصرح بأن الزيدية لا معرفة لهم بطرق رواية الحديث عن ~~النبي ، فأجاب -عليه السلام- بكتاب (الشافي) وهو أربعة مجلدة كبار، احتوى ~~المجلد الأول على ذكر أهل البيت -عليهم السلام- وذكر من عارضهم من بني أمية ~~وبني العباس إلى وقت المنصور بالله؛ لأن فقيه الخارقة اختار الأئتمام بهم ~~دون غيرهم من العترة الكرام، من غير مبالاة ولا احتشام فاحتاج المنصور ~~بالله أن يذكر من تغلب على الملك من لدن معاوية بن أبي سفيان إلى وقت هذا ~~الشافعي، فحقق له المنصور بالله معايبهم، وخروج أكثرهم عن حدود الدين فضلا ~~عن أن يتسموا بإمرة المؤمنين مما هو موجود في السير، والتواريخ التي يستوي ~~في الإطلاع عليها الموالف، والمخالف، والجاهل، والعارف، وكذلك ذكر أحوال من ~~كان في عصرهم من أقمار العترة الأطهار وعترة النبي المختار، وكان المنصور ~~كلما فرغ من ذكر المتعارضين من الفريقين، قال: فما تقول يا فقيه الخارقة، ~~حلقتك الحالقة؟ فصار هذا النبز لاصقا بهذا الفقيه؛ لأجل المقال الذي خرج من ~~فيه، ولقد ms007 صدق الممثل الأول (رب كلمة تقول لصاحبها: دعني). PageV01P091 # نعم، وما كان في شرح المنظومة مذكور من بعد الإمام المنصور بالله فإني ~~نقلته من مظان الصحة، وقد عزوته في الأغلب إلى مكانه لفهم من يفهم الإشارة ~~واللمحة، فليكن خاطر الواقف على نقلي هذا طيبا، وليصدق هذا النبأ، وقد كنت ~~ذاكرت السيد صارم الدين، والمؤيد برب العالمين، وأخبرتهما أن المذكورين في ~~المنظومة إن حاول الشارح استقصاء أخبار كل من ذكر فيها احتاج إلى مجلدات ~~عدة وقطع مدة!!، يالك من مدة، وتطويل ذكر أهل النحل يؤدي إلى الملل، ~~والاختصار يؤدي إلى الخلل، فوقع الإتفاق مني ومنهما على أن خير الأمور ~~أوساطها لا تفريطها ولا إفراطها، فصممت على ذلك مستعينا بالله على أن ~~يرزقني حسن القصد في سلوك تلك المسالك، ويصلح عملي، ويزكيه ويبارك إنه ولي ~~ذلك، والقادر على ما هنالك، والتزمت أيضا أن لا أذكر شيئا من النقائض التي ~~كانت تصدر في بعض الأحيان من بعض العترة إلى بعض، لأني إن فعلت [ذلك] عاد ~~على نشري لمحاسنهم بالنقض، والتزمت أيضا أن أتابع الناظم في شرح كلامه، فإن ~~بسط بسطت، وإن قبض قبضت، فهذه جملة [مباركة] صالحة، يقال معها: ما أشبه ~~الليلة بالبارحة، والغادية بالرائحة، ويقول من تدبرها ممن يعلم ويفهم: هذا ~~السوار لمثل هذا المعصم، ولم أقل هذا الكلام لافتخار ولا لتعبث، بل لقوله ~~تعالى:{وأما بنعمة ربك فحدث }[الضحى:11]، وقد توخيت مع ذلك التسوية في ~~التعظيم؛ لأن أهل هذا البيت الكريم حسنيهم وحسينيهم، وأولهم وآخرهم حسب ~~منازلهم إلى الوقت الذي ختمت فيه هذا الشرح، ولم أتعرض فيه إلى شرح كلمة ~~لغوية، أو نحوية، أو أصولية PageV01P092 كما قد يفعله بعض المصنفين، ولكني لما رأيت هذه المنظومة محتوية على فضائل ~~لأمير المؤمنين علي -عليه السلام- كثيرة، وقد ذكر الفقيه العلامة: حميد بن ~~أحمد -رحمه الله تعالى- في أول كتابه المسمى ب(بالحدائق الوردية) نكتا ~~شافية، وبالمقصود وافية، وكان كتابه المذكور متداولا في أيدي كثير من أهل ~~جهاتنا ومذهبنا، أحببت أن آتي في شرحي هذا بعوضها مما لم يطلع ms008 عليه كثير ~~ممن اطلع على ذلك، فعمدت إلى جملة مباركة من تعداد فضائل هذا الإمام، ما ~~وجدت أحسن منها ضمنها العلامة: عبد الحميد بن أبي الحديد في أول (شرح نهج ~~البلاغة) هي في هذا الباب البغية المقصودة، والضالة المنشودة، يفهم حسن ~~إيرادها هنا سليم الطبع، ويستمتع بنفعها صحيح البصر والسمع، وأفردت لها ~~فصلا قدمته قبل الشروع، ثم ثنيت بفصل وجدته لأبي بكر الخوارزمي، حكى فيه ~~جملة مما أصاب جماعة من أهل البيت وشيعتهم، يحسن منا لأجله التأسي بهم، ~~وإليه الرجوع، فجاء هذان الفصلان كالشرح لكثير من ألفاظ المنظومة المذكورة، ~~فليتأملها الواقف عليها ويعرف حق أهل البيت عليه ويتبرأ من عقوقهم، وتضييع ~~حقوقهم، وقد فوضت جميع من وقف على مجموعي هذا من أفاضل الإخوان، العارفين ~~بأساليب أهل هذا الشأن أن يصلح ما وجد فيه خللا، فجل من لا عيب فيه وعلا، ~~وسميت هذا الشرح: (مآثر الأبرار في تفصيل مجملات جواهر الأخبار) و(اللواحق ~~الندية للحدائق الوردية) لأنه يأتي جزءا ثالثا لذلك الكتاب. PageV01P093 # اللهم، أذقني من الأهل والأحباب ثمرتي دعاء يستجاب، وثناء يستطاب، ومنك يا ~~رحمان التقبل والغفران، ومجاورة النبي وآله في غرف الجنان، وبتمام هذه ~~الجملة نشرع في الإتيان بالفصلين، ثم نأخذ في شرح المنظومة المباركة شيئا ~~فشيئا، وبالله التوفيق والهداية، وهو حسبنا ونعم الوكيل. PageV01P094 ### | [الفصل الأول] # أما الفصل الأول فاعلم: أن ابن أبي الحديد ذكر نسب أمير المؤمنين ومولده، ~~وموضع قبره، وكثيرا من أحواله، فلما وصل إلى ذكر فضائله، قال ما هذا لفظه: ~~إنها قد بلغت من العظم، والجلالة، والانتشار، والاشتهار مبلغا يسمج معه ~~التعرض لذكرها، والتصدي لتفصيلها، فصارت كما قال أبو العيناء لعبد الله بن ~~خاقان : رأيتني فيما أتعاطى من وصف فضلك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر ~~والقمر الزاهر، الذي لا يخفى على الناظر، فأيقنت أني حيث انتهى بي القول ~~منسوب إلى العجز، مقصر عن الغاية، فانصرفت على الثناء عليك إلى الدعاء لك، ~~ووكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك. PageV01P095 # قال: وما أقول في رجل أقر له أعداؤه وخصومه بالفضل، ms009 ولم يمكنهم جحد مناقبه، ~~ولا كتمان فضائله، فقد علمت أنه استولى بنو أمية على سلطان الإسلام في شرق ~~الأرض وغربها، واجتهدوا بكل حيلة في إطفاء نوره[والتحريض عليه] ووضع ~~المعايب والمثالب[له] ولعنوه على جميع المنابر، وتوعدوا مادحيه، بل حبسوهم ~~وقتلوهم، ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة، أو يرفع له ذكرا حتى حظروا ~~أن يسمى أحد باسمه، فما زاده ذلك إلا رفعة وسموا [إذ كان] كالمسك كلما ~~استتر انتشر عرفه، وكلما كتم تضوع نشره، وكالشمس لا تستتر بالراح وكضوء ~~النهار إن حجبت عنه عينا [واحدة] أدركته عيون كثيرة، وما أقول في رجل تعزى ~~إليه كل فضيلة، وتنتمي إليه كل فرقة، وتتجاذبه كل طائفة، فهو رئيس الفضائل ~~وينبوعها وأبو عذرتها وسابق مضمارها، ومجلي حلبتها، كل من برع فيها بعده ~~فمنه أخذ، وله اقتفى، وعلى مثاله احتذى، وقد عرفت أن أشرف العلوم هو العلم ~~الإلهي؛ لأن شرف العلم بشرف المعلوم ومعلومه أشرف الموجودات، فكان هو أشرف ~~العلوم، ومن كلامه -عليه السلام- اقتبس، وعنه نقل، وإليه انتهى، ومنه ~~ابتدى، فإن المعتزلة الذين هم أهل التوحيد والعدل، وأرباب النظر، ومنهم ~~تعلم الناس هذا الفن تلامذته وأصحابه، لأن كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي ~~هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية وأبو هاشم تلميذ أبيه، وأبوه تلميذه ~~-عليه السلام-. PageV01P096 # وأما الأشعرية: فإنهم ينتمون إلى أبي الحسن علي بن أبي بشر الأشعري وهو ~~تلميذ أبي علي الجبائي وأبو علي أحد مشائخ المعتزلة، والأشعرية منتمون إلى ~~أستاذ المعتزلة، ومعلمهم وهو علي بن أبي طالب -عليه السلام-. # وأما الإمامية والزيدية: فانتماؤهم إليه الظاهر، ومن العلوم علم الفقه ~~وهو -عليه السلام- أصله وأساسه، وكل فقيه في الإسلام فهو عيال عليه ومستفيد ~~من فقهه. # أما أصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف ومحمد وغيرهما فأخذوا عن أبي حنيفة[رحمه الله]. # وأما الشافعي رحمه الله[تعالى] فقرأ على محمد بن الحسن، فرجع فقهه أيضا ~~إلى أبي حنيفة. # وأما أحمد بن حنبل فقرأ على الشافعي، فرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة، وأبو ~~حنيفة قرأ على جعفر الصادق بن محمد ms010 الباقر وجعفر قرأ على أبيهعليه السلام ~~وينتهي الأمر إلى علي -عليه السلام-، وأما مالك[بن أنس] فقرأ على ربيعة ~~الرأي وقرأ ربيعة على عكرمة وقرأ عكرمة على ابن عباس وقرأ ابن عباس على ~~علي[بن أبي طالب] -عليه السلام-. # وأما فقه الشيعة فمرجوعه إليه ظاهر، وأيضا فإن فقهاء الصحابة كانوا عمر ~~بن الخطاب وابن عباس، وكلاهما أخذ عن علي -عليه السلام-. # أما ابن عباس فظاهر، وأما عمر فقد عرف كل واحد[منهم] رجوعه إليه في كثير ~~من المسائل التي أشكلت عليه وعلى غيره[من الصحابة] وقوله غير مرة: لولا علي ~~لهلك عمر، وقوله: لا بقيت لمعضلة، وليس بها أبو الحسن. PageV01P097 # وقوله: لا يفتين أحد في المسجد، وعلي حاضر، فقد عرف بهذا الوجه أيضا انتهاء ~~الفقه إليه، وقد روت العامة والخاصة قوله : ((أقضاكم علي )) والقضاء: هو ~~الفقه، فهو إذن أفقههم. # وروى الكل أيضا أنه-عليه السلام- قال [له] وقد بعثه إلى اليمن قاضيا: ~~((اللهم أهد قلبه، وثبت لسانه )) قال: فما شككت بعدها في قضاء بين اثنين، ~~وهو -عليه السلام- الذي أفتى في الحامل الزانية، وهو الذي أفتى في المرأة ~~التي وضعت لستة أشهر وهو الذي قال على المنبر صار ثمنها تسعا وهذه مسألة لو ~~فكر الفرضي فيها فكرا طويلا لاستحسن منه بعد طول النظر هذا الجواب، فما ظنك ~~فيمن قاله بديهة واقتضبه ارتجالا. # ومن العلوم[علم] تفسير القرآن، وعنه أخذوا ومنه انتزع، وإذا رجعت إلى كتب ~~التفسير علمت صحة ذلك؛ لأن كثيره عنه، وعن ابن عباس، وقد علم الناس حال ابن ~~عباس في ملازمته له، وانقطاعه إليه، وأنه تلميذه وخريجه، وقيل له: أين علمك ~~من علم ابن عمك؟ فقال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط. # ومن العلوم علم الطريقة والحقيقة وأحوال التصوف، وقد عرفت أن أرباب هذا ~~الفن في جميع بلاد الإسلام إليه ينتهون وعنده يقفون، وقد صرح بذلك الشبلي ~~والجنيدي وسري [السقطي] وأبو يزيد البسطامي، و[أبو محفوظ] معروف الكرخي ~~وغيرهم، ويكفيك دلالة[على ذلك] الخرقة التي هي شعارهم إلى اليوم، وكونهم ~~يسندونها بإسناد متصل إليه -عليه السلام-. PageV01P098 # ومن ms011 العلوم علم العربية والنحو وقد علم الناس كافة أنه هو الذي ابتدعه ~~وأنشاه، وأملى على أبي الأسود الدؤلي جوامعه وأصوله، من جملتها الكلام كله ~~ثلاثة أشياء: اسم، وفعل، وحرف [جاء لمعنى] ومن جملتها: تقسيم الكلمة إلى ~~معرفة، ونكرة، وتقسيم وجوه الإعراب إلى: الرفع، والنصب، والجر والجزم، وهذا ~~يكاد يلحق بالمعجزات؛ لأن القوى البشرية لا تفي بهذا الحصر، ولا تنهض لهذا ~~الاستنباط، وإن رجعت إلى الخصائص الخلقية والفضائل النفسانية والدينية ~~وجدته ابن جلاها وطلاع ثنياها. # أما الشجاعة: فإنه أنسى الناس فيها ذكر من كان قبله، ومحى اسم من يأتي ~~بعده، ومقاماته في الحرب مشهورة، يضرب بها المثل إلى يوم القيامة، وهو ~~الشجاع الذي ما فر قط، ولا ارتاع من كتيبة، ولا بارز أحدا إلا قتله، ولا ~~ضرب ضربة قط فاحتاجت الأولى إلى الثانية. # وفي الحديث: كانت ضرباته وترا، ولما دعى معاوية إلى البراز قال له عمرو : ~~لقد أنصفك، فقال معاويه: ما غششتني منذ صحبتني إلا اليوم، أتأمرني بمبارزة ~~أبي الحسن وأنت تعلم أنه هو، أراك طمعت في إمارة الشام بعدي، وكانت العرب ~~تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته فأما قتلاه فافتخار رهطهم بأنه -عليه ~~السلام- قتلهم أظهر وأكثر، قالت أخت عمرو بن عبد ود ترثيه: # لو كان قاتل عمرو غير قاتله %~% [بكيته أبدا ما دمت في الأبد] # لكن قاتله من لا نظير له %~% وكان يدعى أبوه بيضة البلد PageV01P099 وانتبه معاوية يوما، فرأى عبد الله بن الزبير جالسا تحت رجليه على سريره ~~فقعد، فقال له عبد الله : يا أمير المؤمنين، لو شئت أن أفتك بك لفعلت، ~~فقال: لقد شجعت بعدنا يا أبا بكر، فقال : وما الذي تنكره من شجاعتي وقد ~~وقفت في الصف بإزاء علي بن أبي طالب؟ قال: لا جرم أنه قتلك وأباك بيسرى ~~يديه، وبقيت اليمنى فارغة تطلب من يقتل بها، وجملة الأمر أن كل شجاع في ~~الدنيا إليه ينتمي وباسمه يباري في مشارق الأرض ومغاربها، وأما القوة ~~والأيد فبه يضرب المثل فيهما. # قال ابن قتيبة في (المعارف): ما صارع أحدا ms012 قط إلا صرعه، وهو الذي قلع باب ~~خيبر، واجتمع عليه عصبة من الناس ليقلوه فلم يقلوه، وهو الذي اقتلع هبل من ~~على الكعبة، وكان عظيما جدا، فألقاه إلى الأرض، وهو الذي اقتلع الصخرة ~~العظيمة في أيام خلافته عليه السلام بيده بعد عجز الجيش كله عنها فنبع ~~الماء من تحتها. # وأما السخاء والجود: فحاله[فيه] ظاهر، (و) كان يصوم ويطوي ويؤثر بزاده، ~~وفيه أنزل:{ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا } [الإنسان:8]. # وروى المفسرون: أنه لم يكن معه إلا أربعة دراهم، فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم ~~نهارا، وبدرهم سرا، وبدرهم علانية، فأنزل (الله تعالى) فيه:{الذين ينفقون ~~أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية } [البقرة:274]. PageV01P100 # وروي(عنه) : أنه كان يستقي بيده لنخل قوم من يهود المدينة[حتى مجلت يده] ~~ويتصدق بالأجرة، ويشد على بطنه الحجر قال الشعبي وقد ذكره: كان أسخى ~~الناس[كان على الخلق الذي يحبه الله، السخاء والجود] ما قال لسائل قط: لا، ~~وقال معاوية وهو عدوه ومبغضه لمحقن بن أبي محقن الضبي لما قال له: جئتك من ~~عند أبخل الناس- قال: ويحك!! كيف تقول: إنه أبخل الناس ولو ملك بيتا من ~~تبن، وبيتا من تبر، لأنفد تبره قبل تبنه وهو الذي كان يكنس بيوت الأموال ~~ويصلي فيها[شكرا] وهو الذي قال: يا صفراء، ويا بيضاء، غري غيري، وهو الذي ~~لم يخلف ميراثا، وكانت الدنيا كلها بيده إلا ما كان من الشام. PageV01P101 # وأما الحلم والصفح: فكان أحلم الناس عن ذنب، وأصفحهم عن مسيء، وقد ظهر [من ~~صفحه ما كان] يوم الجمل حين ظفر بمروان بن الحكم وكان أعدى الناس له، ~~وأشدهم بغضا [له] فصفح عنه، وكان عبد الله بن الزبير يشتمه على رؤوس ~~الأشهاد، وخطب يوم البصرة فقال:" قد أتاكم الوغد اللئيم علي بن أبي طالب، ~~وكان [علي] -عليه السلام- يقول: ما زال الزبير منا أهل البيت حتى شب [ابنه] ~~عبد الله، فظفر به يوم الجمل، وأخذه أسيرا، وصفح عنه، وقال: إذهب فلا ~~أرينك، ولم يزده على ذلك[وظفر بسعيد بن العاص بعد وقعة الجمل بمكة وكان له ~~عدوا فأعرض عنه ولم ms013 يقل له شيئا] وقد علمتم ما كان من عائشة في أمره، فلما ~~ظفر بها أكرمها، ونفذ معها إلى المدينة بسبعين امرأة من نساء عبد القيس ~~عممهن بالعمائم وقلدهن بالسيوف، فلما كانت ببعض الطريق ذكرته بما لا يجوز ~~أن يذكر به وتأففت وقالت: هتك ستري برجاله وجنده الذين وكلهم بي، فلما ~~وصلت[إلى] المدينة ألقى النساء عمائمهن، وقلن لها: إنما نحن نسوة، # وحاربه أهل البصرة، وضربوا وجهه ووجوه أولاده بالسيف وشتموه ولعنوه، فلما ~~ظفر بهم رفع السيف عنهم، ونادى مناديه[في أقطار العسكر] : ألا لا يتبع ~~مولي، ولا يجهز على جريح، ولا يقتل مستأسر، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن ~~تحيز إلى عسكر الإمام فهو آمن، ولم يأخذ أثقالهم، ولا سبى ذراريهم، ولا غنم ~~شيئا من أموالهم، ولو شاء أن يفعل ذلك لفعل، ولكنه أبى إلا الصفح والعفو، ~~وتقيل سنة رسول الله يوم فتح مكة، فإنه عفا والأحقاد لم تبرد، والإساءة لم ~~تنس، ولما ملك عسكر معاوية PageV01P102 عليه الماء، وأحاطوا بشريعة الفرات، وقال رؤساء أهل الشام[له] : أقتلهم ~~بالعطش كما قتلوا عثمان عطشا، سألهم علي -عليه السلام- وأصحابه أن يسوغوا ~~لهم شرب الماء، فقالوا: لا والله، ولا قطرة حتى تموتوا ظمأ كما مات ابن ~~عفان، فلما رأى -عليه السلام- أنه الموت لا محالة تقدم بأصحابه، وحملوا على ~~مراكز معاوية حملات كثيفة حتى أزالوهم عن مراكزهم بعد قتل ذريع سقطت فيه ~~الرؤوس والأيدي[وملكوا عليهم الماء وصار أصحاب معاوية في الفلاة لا ماء ~~لهم] فقال له أصحابه[وشيعته] : امنعهم الماء -يا أمير المؤمنين- كما منعوك، ~~ولا تسقهم منه قطرة، واقتلهم بسيوف العطش، وخذ هم قبضا بالأيدي فلا حاجة لك ~~إلى الحرب، فقال:[لا] والله لا أكافيهم بمثل فعلهم أفسحوا لهم عن بعض ~~الشريعة، ففي حد السيف ما يغني عن ذلك. # فهذه إن نسبتها إلى الحلم والصفح فناهيك بها جمالا وحسنا، وإن نسبتها إلى ~~الدين والورع فأخلق بمثلها أن تصدر عن مثله -عليه السلام-. # وأما الجهاد في سبيل الله: فمعلوم عند صديقه وعدوه أنه سيد المجاهدين، ~~وهل الجهاد لأحد من الناس إلا ms014 له!!، وقد عرفت أن أعظم غزاة غزاها رسول الله ~~وأشدها نكاية في المشركين بدر الكبرى، قتل فيها سبعون من المشركين، قتل ~~علي[-عليه السلام-] نصفهم، وقتل الملائكة، والمسلمون النصف الأخير وإذا ~~رجعت إلى (مغازي الواقدي) و(تأريخ الأشراف) ليحيى بن جابر البلاذري وغيرهما ~~علمت صحة ذلك، دع من قتله في غيرها كأحد والخندق وغيرهما، وهذا الفصل لا ~~معنى للإطناب فيه؛ لأنه من المعلومات الضرورية كالعلم بوجود مكة، ومصر، ~~ونحوهما. PageV01P103 # وأما الفصاحة: فهو عليه السلام إمام الفصحاء، وسيد البلغاء، عن كلامه قيل: ~~دون كلام الخالق، وفوق كلام المخلوقين، ومنه تعلم الناس الخطابة والكتابة. # قال عبد الحميد بن يحيى : [و] حفظت تسعين خطبة من خطب الأصلع ففاضت، ثم ~~فاضت، وقال ابن نباتة : حفظت من الخطابة كنزا لا يزيده الإنفاق إلا سعة ~~وكثرة، [و] حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب عليه السلام. # ولما قال بعضهم لمعاوية: جئتك من عند أعيا الناس، قال له: ويحك!!كيف يكون ~~أعيا الناس!!، والله ما سن الفصاحة لقريش غيره وحسبك أنه لم يدون لأحد من ~~فصحاء الصحابة العشر [ولا نصف العشر] مما دون له كفاك (نهج البلاغة) وقد ~~مدحه الجاحظ في كتاب (البيان والتبين) وفي غيره من كتبه. # وأما سجاحة الأخلاق، وبشر الوجه، وطلاقة المحيا، والتبسم: فهو المضروب به ~~المثل [فيه] حتى عابه بذلك أعداؤه، وقال عمرو بن العاص لأهل الشام: إنه ذو ~~دعابة شديدة، فقال -عليه السلام- في ذلك: عجبا لابن النابغة!! يزعم لأهل ~~الشام أن في دعابة، وأني امرؤ تلعابة أعافس وأمارس وعمرو بن العاص إنما ~~أخذها من عمر لقوله لما هم باستخلافه: لله أبوك لولا دعابة فيك، إلا أن عمر ~~اقتصر عليها وعمرا أزاد منها وسمجها. PageV01P104 # وقال صعصعة بن صوحان وغيره من أصحاب علي وشيعته: كان فينا كأحدنا، لين ~~جانب، وشدة تواضع، وسهولة قياد، وكنا نهابه مهابة الأسير المربوط للسيف ~~الواقف على رأسه، وقال معاوية لقيس بن سعد : رحم الله أبا الحسن، فلقد كان ~~هشا بشا، ذا فكاهة، فقال قيس: نعم، كان رسول الله يمزح ويتبسم ms015 إلى أصحابه، ~~وأراك تعيبه بذلك، أما والله لقد كان مع تلك الفكاهة والطلاقة أهيب من ذي ~~لبوتين قد مسه الطوى، تلك هيبة التقوى، ليس كما يهابك طغام الشام. # قال ابن أبي الحديد: وقد بقي هذا الخلق متناقلا متوارثا في محبيه، ~~وأوليائه إلى الآن، كما بقي الجفا والخشونة والوعورة في الجانب الآخر، ومن ~~له أدنى معرفة بأخلاق الناس وعوائدهم يعرف ذلك. # وأما الزهد في الدنيا: فهو سيد الزهاد، وبدل الأبدال، وإليه تشد الرحال ~~ما شبع من طعام قط، وكان أخشن الناس مأكلا ولبسا. PageV01P105 # قال عبيد الله بن أبي رافع : دخلت إليه يوم عيد، فقرب جرابا مختوما، فوجدنا ~~فيه خبز شعير [يابسا] مرضوضا فقدم فأكل [منه] فقلت: يا أمير المؤمنين، وكيف ~~تختمه؟ فقال : خفت هذين الولدين أن يليناه بسمن أو زيت، وكان ثوبه مرقوعا ~~بجلد تارة وبليف أخرى، ونعلاه من ليف، وكان يلبس الكرابس الغليظ، فإذا وجد ~~كمه طويلا قطعه بشفرة ولم يخطه، فكان لا يزال متساقطا على ذراعيه حتى يبقى ~~سدى لا لحمة له، وكان يأتدم إذا ائتدم بخل أو ملح فإن ترقى عن ذلك فببعض ~~نبات الأرض، فإن ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الإبل ولا يأكل اللحم إلا ~~قليلا، ويقول: لا تجعلوا بطونكم مقابر للحيوان وكان مع ذلك أشد الناس قوة ~~ولم ينقص الجوع قوته وهو الذي طلق الدنيا، وكانت الأموال تجبى إليه من جميع ~~بلاد الإسلام إلا الشام فيفرقها ويمزقها، ثم يقول: # هذا جناي وخياره فيه # ج # إذ كل جان يده إلى فيه # وأما العبادة: فكان أعبد الناس، وأكثرهم صلاة وصوما، ومنه تعلم الناس ~~صلاة الليل، وملازمة الأوراد، وقيام النافلة، وما ظنك برجل بلغ من محافظته ~~على ورده أن يبسط له نطع بين الصفين ليلة الهرير، فيصلي عليه ورده، والسهام ~~تقع بين يديه، وتمر على صماخيه يمينا وشمالا، فلا يرتاع لذلك ولا يقوم حتى ~~يفرغ من وظيفته، وما ظنك برجل كانت له كثفنة البعير لطول سجوده! وأنت إذا ~~تأملت دعواته، ومناجاته ووقفت على ما فيها من تعظيم الله ms016 سبحانه وجلاله، ~~وما يتضمن من الخشوع لعزته، عرفت ما ينطوي عليه من الإخلاص، وفهمت من أي ~~قلب خرجت وعلى أي لسان جرت. PageV01P106 # وقيل لعلي بن الحسين عليه السلام وكان الغاية في العبادة: أين عبادتك من ~~عبادة جدك؟ قال: عبادتي عند عبادة جدي كعبادة جدي عند عبادة رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم [تسليما]. # وأما قراءة القرآن والإشتغال به: فهو المنظور إليه في هذا الباب، اتفق ~~الكل أنه كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله ولم يكن غيره يحفظه، ثم هو ~~أول من جمعه، نقلوا كلهم أنه تأخر عن بيعة أبي بكر، وأهل الحديث لا يقولون ~~ما قالته الشيعة من أنه تأخر مخالفة للبيعة، بل يقولون: تشاغل بجمع القرآن، ~~فهذا يدل على أنه أول من جمع القرآن، لأنه لو كان مجموعا على حياة رسول ~~الله لما احتاج أن يتشاغل بجمعه بعد وفاته[صلى الله عليه وآله] وإذا رجعت ~~إلى كتب القراءات وجدت أئمة القراء كلهم يرجعون إليه كأبي عمرو بن العلا، ~~وعاصم بن أبي النجود وغيرهما؛ لأنهم يرجعون إلى أبي عبد الرحمن السلمي ~~القارئ وأبو عبد الرحمن كان تلميذه، وعنه أخذ القرآن، وقد صار هذا الفن من ~~الفنون التي تنتهي إليه أيضا مثل كثير مما سبق. PageV01P107 # وأما الرأي والتدبير:[فقد كان] من أشد الناس رأيا، وأصحهم تدبيرا، وهو الذي ~~أشار على عمر بن الخطاب لما عزم[على] أن يتوجه بنفسه إلى حرب الروم والفرس ~~بما أشار، وهو الذي أشار على عثمان بأمور كان صلاحه فيها ولو قبلهالم يحدث ~~عليه ما حدث، وإنما قال أعداؤه: لا رأي له؛ لأنه كان مقيدا بالشريعة لايرى ~~خلافها، ولا يعمل بما يقتضي الدين تحريمه، وقد قال[هو] -عليه السلام-: ~~ولولا الدين لكنت أدهى العرب، وغيره من الخلفاء كان يعمل بمقتضى ما ~~يستصلحه، ويستقويه سواء كان مطابقا للشرع أو لم يكن، ولا ريب أن من يعمل ~~بما يؤدي إليه اجتهاده، ولا يقف مع ضوابط وقيود يمتنع لأجلها مما يرى ~~الصلاح فيه تكون أحواله الدنيوية إلى الانتظام أقرب، ومن كان بخلاف ms017 ذلك ~~تكون أحواله الدنيوية إلى الانتثار أقرب. PageV01P108 # وأما السياسة: فإنه كان شديد السياسة في ذات الله لم يراقب ابن عمه في عمل ~~كان ولاه إياه، ولا راقب أخاه عقيلا في كلام جبهه به، وأحرق قوما بالنار، ~~ونقض دار مصقلة بن هبيرة، ودار جرير بن عبد الله البجلي، وقطع جماعة، وصلب ~~آخرين، ومن جملة سياسته[حروبه في] أيام خلافته بالجمل، وصفين، والنهروان، ~~وفي أقل القليل منها مقنع، وإن كل سائس في الدنيا لم يبلغ فتكه وبطشه مبلغ ~~العشر مما فعل -عليه السلام- في هذه الحروب بيده وأعوانه فهذه [هي] خصائص ~~البشر ومزاياهم، قد أوضحنا أنه فيها الإمام المتبع فعله والرئيس المقتفى ~~أثره، وما أقول في رجل يحبه أهل الذمة على تكذيبهم بالنبوة، وتعظمه ~~الفلاسفة على معاندتهم لأهل الملة، وتصور ملوك الفرنج وملوك الروم صورته في ~~بيعها وبيوت عبادتها، حاملا سيفه، مشمرا لحربه، وتصور ملوك الترك والديلم ~~صورته على أسيافها، كان على سيف عضد الدولة ابن بويه وسيف أبيه ركن الدولة ~~صورته، وكان على سيف إلب رسلان وأبيه ملك شاه صورته، وكأنهم يتفاءلون به ~~للنصر والظفر، وما أقول في رجل أحب كل أحد أن يتكنى به، وود كل أحد أن ~~يتجمل بالإنتساب إليه، حتى الفتوة التي أحسن ما قيل في حدها:أن لا تستحسن ~~من نفسك ما تستقبحه من غيرك، فإن أربابها نسبوا أنفسهم إليه وصنفوا وقصروه ~~عليه، وسموه سيد الفتيان، وعضدوا [حجة] مذهبهم بالبيت المشهور المروي أنه ~~سمع من السماء يوم أحد: # لا سيف إلا ذو الفقار # ولا فتى إلا علي PageV01P109 وما أقول في رجل أبوه أبو طالب سيد البطحاء، وشيخ قريش، ورئيس مكة، قالوا: ~~قل أن يسود فقير، وساد أبو طالب وهو فقير لا مال له، وكانت قريش تسميه ~~الشيخ، وفي حديث عفيف الكندي لما رأى النبي يصلي في مبدأ الدعوة، ومعه ~~غلام وامرأة، قال فقلت للعباس:أي شيء هذا؟ فقال: هذا ابن أخي يزعم أنه رسول ~~الله إلى الناس، ولم يتبعه على قوله إلا هذا الغلام وهو ابن أخي وهذه ~~الإمرأة وهي زوجتهقال ms018 فقلت: ما الذي تقولونه أنتم؟ # قال: ننتظر ما يفعل الشيخ، قال : يعني أبا طالب، وأبو طالب هو الذي كفل ~~رسول الله صغيرا وحماه كبيرا ومنعه من مشركي قريش، ولقي لأجله عناءا ~~عظيما، وقاسى بلاء شديدا، وصبر على نصره والقيام بأمره، وجاء في الخبر: أنه ~~لما توفي أبو طالب أوحي إليه وقيل له: اخرج منها فقد مات ناصرك وله مع شرف ~~هذه الأبوة أن ابن عمه محمد سيد الأولين والآخرين، وأخاه جعفر ذو الجناحين، ~~الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((أشبهت خلقي وخلقي )) فمر ~~يحجل فرحا، وزوجته سيدة نساء العالمين، وابنيه سيدا شباب أهل الجنة، فآباؤه ~~آباء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمهاته أمهات رسول الله وهو مسوط ~~بلحمه ودمه، ولم يفارقه منذ خلق الله آدم إلى أن مات عبد المطلب بين ~~الأخوين عبد الله وأبي طالب وأمهما واحدة، فكان منهما سيد الناس هذا الأول، ~~وهذا الثاني، وهذا المنذر وهذا الهادي. PageV01P110 # وما أقول في رجل سبق الناس إلى الهدى، وآمن بالله وعبده، وكل من في الأرض ~~يعبد الحجر، ويجحد الخالق، لم يسبق إلى التوحيد إلا السابق إلى كل الخير ~~وهو محمد رسول الله . # ذهب أكثر أهل الحديث إلى أنه -عليه السلام- أول الناس اتباعا لرسول الله ~~وإيمانا به، ولم يخالف في ذلك إلا الأقلون، وقد قال هو عليه السلام : أنا ~~الصديق الأكبر، وأنا الفاروق الأول، أسلمت قبل إسلام الناس وصليت قبل ~~صلواتهم. # قال ابن أبي الحديد: ومن وقف على كتب أصحاب الحديث تحقق ذلك، وعلمه ~~واضحا، وإليه ذهب الواقدي، وابن جرير الطبري وهو القول الذي رجحه ونصره ابن ~~عبد البر صاحب كتاب (الاستيعاب). # انتهى الفصل الأول. PageV01P111 ### | الفصل الثاني # ما لفظه: قال الشيخ العلامة أبو بكر الخوارزمي -رحمه الله تعالى - في ~~رسالة كتبها إلى أهل طبرستان: سمعت أرشد الله سعيكم، وجمع على التقوى أمركم ~~بما بكتكم به السلطان الذي لا يتحامل إلا على أهل العدل، ولا يميل إلا على ~~جانب الفضل، ولا يبالي إن مزق دينه إذا ms019 أزوى بدنياه، ولا يفكر إن أعدم رضى ~~الله إذا وجد رضاه، وأنتم ونحن -أصلحنا الله وإياكم- عصابة لم يرض الله لنا ~~بالدنيا، فادخر لنا الأخرى، ورغب بنا عن ثواب العاجل، فأعد لنا ثواب الآجل، ~~وقسمنا قسمين: # قسما: مات شهيدا، وقسما: غاب سعيدا، فالحي يحسد الميت على ما صار إليه، ~~ولا يرغب بنفسه على ما جرى عليه. PageV01P112 # قال أمير المؤمنين عليه السلام : المحن إلى شيعتنا أسرع من الماء إلى ~~منحدره، وهذه مقالة أسست على المحن، وولد أهلها في طالع الهزاهز والفتن، ~~حياة أهلها كلها نغص، وقلوبهم كلها غصص، والأيام عليهم متحاملة، والدنيا ~~عنهم مائلة، فإذا كنا شيعة أئمتنا -عليهم السلام- في الفرائض والسنن، ~~فينبغي أن نتبع آثارهم في كل قبيح وحسن، غصبت فاطمة ميراث أبيها يوم ~~السقيفة، وأخر أمير المؤمنين عن الخلافة، وسم الحسن سرا، وقتل الحسين جهرا، ~~وصلب زيد بن علي بالكناسة، وقطع رأس يحيى بن زيد في المعركة، وخنق عبد الله ~~بن الحسن في حبس الدوانيقي وقتل ابناه: محمد، وإبراهيم على يد موسى بن عيسى ~~العباسي ومات موسى بن جعفر شهيدا في حبس هارون، وسم علي بن موسى بيد ~~المأمون وهزم إدريس بفخ حتى وقع إلى الأندلس فريدا، ومات عيسى بن زيد في ~~بلد الهند طريدا شريدا، وقتل يحيى بن عبد الله بعد الأمان والأيمان، وبعد ~~تأكيد العهود والضمان. PageV01P113 # هذا غير ما فعل يعقوب بن الليث بعلوية طبرستان، وغير قتل محمد بن زيد بن ~~الحسن بن القاسم الداعي على يد آل سامان وغير ما فعله ابن الساج بعلوية ~~المدينة، حملهم بلا غطاء ولا وطاء من الحجاز إلى سامران وهذا بعد قتل قتيبة ~~بن مسلم الباهلي لابن عمر بن علي حين أخذه با مونه وقد ستر نفسه، ووارى ~~شخصه، ولا كما فعل الحسن بن إسماعيل المصعبي في يحيى بن عمر الزيدي خاصة، ~~وما فعله أحمد بن خاقان بعلوية الكوفة، وحسبكم أنه ليس في بيضة الإسلام ~~بلدة إلا وفيها لقتيل طالبي تربة شارك في قتلهم الأموي والعباسي، وأطبق ~~عليهم العدناني والقحطاني، قال الشاعر: ms020 # فليس حي من الأحياء نعرفه %~% من ذي يمان ولا بكر ولا مضر # إلا وهم شركاء في دمائهم %~% كما تشارك أيسار على جزر PageV01P114 قادتهم الحمية إلى المنية، وكرهوا عيش الذلة، فماتوا موت العزة، ووثقوا ~~بمالهم في الدار الباقية، فسخت نفوسهم عن هذه الفانية، ثم لم يشربوا كأسا ~~من الموت إلا شربها شيعتهم وأولياؤهم، ولا قاسوا لونا من الشدائد إلا قاساه ~~أنصارهم وأتباعهم، داس عثمان بن عفان بطن عمار بن ياسر بالمدينة، ونفى ~~أباذر الغفاري إلى الربذة، وأشخص عمار بن [عبد] قيس التميمي، وغرب الأشتر ~~النخعي وعدي بن حاتم الطائي، وسير عمر بن زرارة إلى الشام، ونفي كميل بن ~~زياد من العراق، وجفا ابن أبي كعب وأقصاه، وعادى محمد بن أبي حذيفة وناواه، ~~وعمل في ذم محمد بن أبي بكر فأعمل، وفعل مع كعب ذي الحكنة ما فعل، واتبعه ~~في سيرته بنو أمية يقتلون من حاربهم، ويغدرون بمن سالمهم لا يحفظون ~~المهاجري ولا يصونون الأنصاري، ولا يخافون الله، ولا يخشون الناس، قد ~~اتخذوا عباد الله خولا، ومال الله دولا، يهدمون الكعبة، ويستعبدون الصحابة، ~~ويعطلون الصلاة المؤقتة، ويسيرون في حرم المسلمين سيرتهم في حرم ~~الكفار،وإذا فسق الأموي فلم يأت بالصلاة على كلالة حتى قتل معاوية حجر بن ~~عدي الكندي وعمر بن الحمق الخزاعي بعد الأيمان المؤكدة، والمواثيق المغلظة، ~~وحتى قتل زياد بن سمية الألوف من شيعة البصرة والكوفة صبرا، وأوسعهم حبسا ~~وأسرا حتى قتل الله معاوية على أسوأ أعماله، وختم عمره بشر أحواله، فاتبعه ~~ابنه يجهز على جرحائه، ويقتل ابناء قتلائه إلى أن قتل هانئ بن عروة المرادي ~~ومسلم بن عقيل الهاشمي أولا، وعقب بالحر بن يزيد الرياحي وبأبي موسى، وبعمر وابن PageV01P115 فرصنة الأنصاري وحرب بن مطهر الأسدي وعبد الله بن عمير الكلبي، ومسلم ~~بن[عوسجة] الأسدي، وسعيد بن عبد الله الحنفي، ونافع بن هلال الحملي وحنظلة ~~بن أسعد الشاكري وعاشر ابن أبي شبيب الشاكري في نيف وعشرين من جماعة شيعته، ~~وأمر بالحسين يوم كربلاء، ثم سلط عليهم الدعي بن الدعي عبيد الله بن ms021 زياد ~~فصلبهم على جذوع النخل، وقتلهم ألوان القتل حتى اجتث الله دابره، فانتبه ~~لنصرة أهل البيت طائفة أراد الله أن يخرجهم من عهدة ما صنعوا، ويغسل عنهم ~~وضرة ما اجترحوا، فصمدوا ضد الفئة الباغية، وطلبوا بدم الشهيد الدعي ابن ~~الزانية لا يزيدهم قلة عددهم، وانقطاع مددهم، وكثرة سواد أهل الشام بآرائهم ~~إلا إقداما على القتل والقتال، وسخاء بالنفوس والأموال، حتى اقتل سليمان بن ~~صرد الخزاعي، والمسيب بن نجية الفزاري، وعبد الله بن كامل التميمي في رجال ~~من خيار المؤمنين وعلية التابعين، ومصابيح الأنام وفرسان الإسلام، ثم سلط ~~آل الزبير على الحجاز والعراق، فقتلوا المختار بعد أن شفى غيظ آل محمد، ~~واقتضى لهم الأوتار وأدرك الثأر، وأفنى الأشرار، وطلب بدم المظلوم الغريب ~~فقتل قاتله ونفى خاذله، واتبعوا أبا عمرو بن كيسان، وأحمد بن سميط ورفاعة ~~بن يزيد والسائب بن مالك وعبد الله بن كامل وتلقط [بقايا] الشيعة يمثلون ~~بهم كل مثلة، ويقتلونهم شر قتلة حتى طهر الله من عبد الله بن الزبير ~~البلاد، وأراح من أخيه مصعب العباد، فقتلهما عبد الملك بن مروان:{وكذلك ~~نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون}[الأنعام:129]. PageV01P116 # بعدما حبس ابن الزبير محمد بن الحنفية وأراد إحراقه، ونفى عبد الله بن ~~العباس، وأكثر إرهاقه، فلما خلت البلاد لآل مروان سلطوا الحجاج على ~~الحجازين، ثم على العراقين، فتلعب بالهاشميين، وأخاف الفاطميين، وقتل شيعة ~~علي -عليه السلام-، ومحى آثار أهل بيت النبي، وجرى منه ما جرى على كميل بن ~~زياد النخعي، واتصل البلاء مدة ملك المروانية إلى أيام العباسية حتى أراد ~~الله أن يختم مدتهم بأكثر آثامهم، ويجعل عظم ذنوبهم في آخر أيامهم، فبعث ~~على بقية الحق المهمل والدين المعطل زيد بن علي-عليه السلام-، فخذله ~~منافقوا أهل العراق، وقتله أحزاب أهل الشام، وقتل معه من شيعته نصر بن ~~خزيمة الأسدي ومعاوية بن إسحاق الأنصاري وجماعة ممن شايعه وتابعه وبايعه ~~حتى من زوجه وآواه، وحتى من كلمه وماشاه، فلما انتهكوا ذلك الحريم، ~~واقترفوا ذلك الإثم العظيم غضب الله عليهم، وانتزع الملك منهم، ms022 فبعث عليهم ~~أبا مجرم لا أبا مسلم فنظر-لا نظر الله إليه- إلى صلابة العلوية وإلى لين ~~العباسية، فترك تقاه واتبع هواه، وباع آخرته بدنياه، وبايع لمحابيه بني ~~العباس، وسلطهم على الناس، وافتتح أعماله لهم بقتل عبد الله بن معاوية بن ~~عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وسلط طواغيت خراسان، وخوارج سجستان، وأكراد ~~أصبهان على آل أبي طالب، فداوموا قتلهم في كل سهل وجبل حتى سلط الله عليه ~~أحب الناس إليه، فقتله كما قتل الناس في طاعته، وأخذه بما أخذ به الناس في ~~بيعته، ولم ينفعه أن أسخط الله برضاه، وارتكب ما لا يهواه في هواه، وخلت ~~للدوانيقي الدنيا، يخبط فيها عسفا، ويقضي جورا PageV01P117 وحيفا، إلى أن مات وقد امتلأت سجونه بعد إتلاف من أتلف من أهل بيت النبوة، ~~ومعدن الطيب والطهارة، وقد تتبع غائبهم، وتلقط حاضرهم حتى قتل عبد الله بن ~~محمد بن عبد الله وقد لحق بالسند على يدي هشام بن عمر التغلبي وما ظنك بمن ~~قرب متناوله عليه، ولان مسه على يديه، وهذا قليل في جنب ما فعله هارون بهم، ~~وركبه موسى بمن قتله منهم، فقد عرفتم ما توجه على الحسين بن علي من موسى بن ~~عيسى وما اتفق على ابن الأفطس الحسني من هارون، وما جرى على أحمد بن عيسى ~~الزيدي وعلى القاسم بن علي من حبسه، وعلى ابن غسان حاضر الخزاعي حين أخذ من ~~قتله، وعلى الجملة إن هارون مات، وقد حصد شجرة النبوة، واقتلع غرس الإمامة. # ولستم -أصلحكم الله تعالى- أعظم نصبا في الدين من الأعمش وقد شتموه، ومن ~~شريك وقد غربوه، ومن هشام بن الحكم وقد أخافوه، ومن الحكم بن عيينة وقد ~~أخرجوه، ومن الفضل بن سهل وقد اغتالوه، ومن علي بن يقطين وقد اتهموه. # وأما في الصدر الأول: فقد قتل زيد بن صوحان العبدي، وعون بن عثمان بن ~~حبيب الأنصاري، وخفي حارثة بن قدامة السعدي وضرب زهير الأزدي وشريح بن هانئ ~~الحارثي ومالك بن كعب الأرحبي، ومعقل بن سعيد الرياحي والحارث الأعور ~~الهمداني وأبو ms023 الطفيل الكناني. PageV01P118 # وما منهم إلا من خر عن معركته قتيلا، أو عاش أهلا في بيته ذليلا، يسمع ~~شتيمة الوصي فلا ينكر، ويرى قتلة الأئمة وأولادهم فلا يغير، ولا يخفى عليكم ~~جرح عامتهم وخشونتهم لجابر الجعفي ولرشيد الهجري ولزرارة بن أعين ولفلان، ~~ولأبي فلان. ليس إلا لأنهم -رحمهم الله- كانوا يتولون أولياء الله، ويتبرؤن ~~من أعداء الله، وكفاك به جرما عظيما عندهم، وعيبا كبيرا بينهم، وقل في بني ~~العباس فإنك ستجد بحمد الله مقالا، وجل في عجائبهم فإنك ترى ما شئت مجالا ~~يجبى فيئهم، فيفرق على الديلمي والتركي، ويحمل إلى الفرغاني والمغربي، ~~ويموت إمام من أئمة الهدى، وسيد من سادات أهل بيت المصطفى، فلاتتبع جنازته، ~~ولا تجصص مقبرته، ويموت شراط لهم ولعاب، أو مسخرة أو ضراب، فتحضر جنازته ~~العدول والقضاة، ويعمر مسجد التعزية عنه القواد والولاة، ويسلم عليهم من ~~يعرفونه دهريا، أو سوفسطائيا، ولا يتعرضون لمن يدرس كتابا فلسفيا، أو ~~مانويا، ويقتلون من عرفوه شيعيا، ويسفكون دم من سمى ابنه عليا، ولو لم يقتل ~~من شيعة أهل البيت غير المعلى بن حنين قتله داود بن علي ولو لم يحبس منهم ~~غير أبي تراب المروزي لكان ذلك جرحا لا يبرى وثائرة لا تطفى، وصدعا لا ~~يلتئم، وقرحا لا يلتحم، وكفاكم أن شعراء قيس قالوا في الجاهلية أشعارا ~~يهجون بها المؤمنين، ويعارضون فيها شعراء المسلمين، فحملت أشعارهم، ورويت ~~أخبارهم، ورواها الرواة مثل الواقدي، ووهب بن منبه اليماني وابن الكلبي ~~والشرق بن القطامي، والهيثم بن عدي وابن دأب الكناني وأن بعض شعراء الشيعة تكلم PageV01P119 في بعض مناقب الوصي، بل في معجزات النبي فقطع لسانه، وتمزق ديوانه كما فعل ~~بعبد الله بن عمار البرقي وكما أريد بالكميت بن زيد الأسدي وكما نبش قبر ~~منصور بن الزبرقان النمري وكما أريد من دعبل بن علي الخزاعي مع رفعهم من ~~مروان بن أبي حفصة الأموي وعلي بن الجهم الشامي ليس إلا لغلوهما في النصب، ~~واستحسانهما مقت الدين حتى أن هارون والمتوكل على الشيطان لا على الرحمن ~~كانا لا يعطيان ms024 مالا، ولا يبذلان نوالا إلا لمن شتم آل أبي طالب، ونصر مذهب ~~النواصب مثل عبد الله بن مصعب الزبيري ووهب بن وهب البحتري ومن الشعراء مثل ~~مروان بن أبي حفصة الأموي، ومن الأدباء مثل عبد الملك بن قريب الأصمعي. # فأما في أيام جعفر فمثل بكار بن عبد الله الزبيري وأبي السمط ابن أبي ~~الجبوب الأموي وابن أبي الشوارب العبشمي. # ونحن -أرشدكم الله- قد تمسكنا بالعروة الوثقى، وآثرنا الدين على الدنيا ~~فلن يزيدنا بصيرة زيادة من زاد فينا، ولم يخل بنا عقيدة نقصان من نقص منا ~~فإن ((الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا)) كلمة من الله ووصية من رسول الله، ~~والعاقبة للمتقين، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين، ومع اليوم ~~غد، ومع السبت أحد. # وقال عمار بن ياسر يوم صفين: لو ضربونا حتى نبلغ سعفات هجر لعلمنا أنا ~~على الحق، وأنهم على الباطل، ولقد هزم عسكر رسول الله ثم هزم، ولقد تأخر ~~الإسلام ثم تقدم:{الم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ~~}[العنكبوت:1،2]. PageV01P120 # ولولا محنة المؤمنين وقلتهم، ودولة الكافرين وكثرتهم، لما امتلأت جهنم حتى ~~تقول هل من مزيد، ولما قال الله تعالى:{ولكن أكثرهم لا يعلمون ~~}[الأنعام:37] ولما تبين الجزوع من الصبور، ولا عرف الشكور من الكفور، ولما ~~استحق المطيع الأجر، ولا احتقب العاصي الوزر، فإن أصابتنا نكبة، فذلك ما قد ~~تعودناه، وإن رجعت إلينا دولة فذلك ما انتظرناه، وعندنا لكل حالة آلة، ولكل ~~مقام مقالة فعند المحن الصبر، وعند النعم الشكر، ولقد شتم أمير المؤمنين ~~على المنابر ألف شهر فما شككنا في وصيته، وكذب بمحمد بضع عشرة سنة فما ~~اتهمنا في نبوته، وعاش إبليس -لعنه الله- مدة تزيد على المدد مطيعا فلم ~~نرتب في لعنه، وابتلينا بفترة الحق ونحن مستقيمون بدولته، ودفعنا إلى قتل ~~الإمام بعد الإمام، والوصي بعد الوصي فلا مرية عندنا في صحة إمامته:{وكان ~~أمر الله قدرا مقدورا }[الأحزاب:38]، و{كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف ~~تعلمون}[التكاثر:3،4]، {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ~~ينقلبون}[الشعراء:227]، واعلموا -رحمكم الله تعالى- أن بني ms025 أمية الشجرة ~~الملعونة في القرآن، وأتباع الطاغوت والشيطان، جهدوا في دفن محاسن الوصي، ~~واستأجروا من كذب بالأحاديث على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحولوا ~~الجوار إلى بيت المقدس عن المدينة، والخلافة إلى دمشق عن الكوفة، وبذلوا في ~~طمس الآثار الأموال، وقلدوا عليه الأعمال، واصطنعوا فيه الرجال، فما قدروا ~~على دفع حديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم PageV01P121 ولا تحريف آية من كتاب الله [تعالى] ولا على دس أحد من أعداء الله في ~~أولياء الله. # ولقد كان ينادى على رؤوسهم بفضائل العترة، ويكاتب بعضهم بعضا بالدليل على ~~الحجة لا تنفع في ذلك هيبة ولا تمنع منه رغبة ولا رهبة، والحق عزيز وإن ~~استذل أهله وكثير وإن قل حزبه، والباطل ذليل وإن رصع بالشبهة وقبيح وإن غطي ~~وجهه بالحيلة. # قال عبد الرحمن الحكم وهو من أنفس بني أمية: # سمية أمسى نسلها عدد الحصى %~% وبنت رسول الله ليس لها نسل # وقال كثير السهمي وهو بمكة في ولاية بني أمية: # لعن الله من يسب عليا %~% وحسينا من سوقة وإمام # وقال أبو الهذيل الجحمي في حمة سلطان بني مروان، وولاية أبي سفيان: # تبيت السكارى من أمية نوما %~% وبالطف قتلى ما ينام حميمها # وقال سليمان بن قتة : # وإن قتيل الطف من آل هاشم %~% أذل رقاب المسلمين فذلت # وقال الكميت، وهو جار خالد بن عبد الله [القسري] بالعراق، وسيف خالد يقطر ~~من دماء الشيعة: # فقل لبني أمية حيث كانوا %~% وإن خفت المهند والقطيعا # أجاع الله من اشبعتموه %~% وأشبع من بجوركم أجيعا PageV01P122 وما هذا بأعجب من صياح شعراء بني العباس على رؤوسهم بالحق وإن كرهوه، ~~وبتفضيل من تنقصوه وقتلوه، وقال منصور بن الزبرقان النمري، وهو على بساط هارون: # آل النبي ومن يحبهم %~% يتطامنون مخافة القتل # أمن النصارى واليهود وهم %~% من أمة التوحيد في الأزل # وقال دعبل بن علي[الخزاعي] وهو صنعة بني العباس وشاعرهم: # ألم تر أني مذ ثلاثون حجة %~% أروح وأغدو دائم الحسرات # بنات زياد في القصور مصونة %~% وبنت رسول الله في الفلوات # أرى ms026 فيئهم في غيرهم متقسما %~% وأيديهم من فيئهم صفرات # وقال علي بن العباس الرومي وهو مولى المعتصم: # بآية ألا يبرح المرء منكم %~% يتل على حر الجبين فيعفج # لذاك بني العباس يصبر مثلكم %~% ويصبر للموت الكمي المدجج # أكل أوان للنبي محمد %~% قتيل زكي بالدماء مضرج # وقال إبراهيم بن العباس الصولي وهو كاتب القوم وعاملهم في الري لما قربه ~~المأمون: # يمن عليكم بأموالكم %~% ويعطون من مائة واحدا PageV01P123 وكيف لا ينتقص قوم يقتلون بني عمهم جوعا وسغبا ويملؤن ديار الترك والديلم ~~فضة وذهبا، يقربون المغربي والفرغاني، ويجفون المهاجري والأنصاري، ويولون ~~أنباط السواد وزارتهم، وقلف العجم والطماطمة قيادتهم، ويمنعون آل أبي طالب ~~ميراث أمهم، وفيئ جدهم، ويتمنى العلوي الأكلة فيحرمها، ويقترح على الأيام ~~الشهوة فلا يطعمها، وخراج مصر والأهواز وصدقات الحرمين والحجاز، تصرف إلى ~~إبراهيم المدني، وإلى إبراهيم الموصلي وإلى ابن جامع السهمي وإلى زلزل ~~الضارب، وبرصوم الزامر، وأقطاع بني بختيشوع النصراني قوت أهل بلد، وحادي ~~جمال بغا التركي، والأفشين الأشروسي كفاية أمة ذات عدد، والمتوكل زعموا أنه ~~تسرى باثني عشرة ألف سرية، والسيد من سادات أهل البيت يتعفف بزنجية أو ~~سندية، وصفوة مال الخراج مقصور على أرزاق الصفاعنة، وعلى موائد المخانثة ~~وعلى طعمة الكلابين ورسوم القرادين، وعلى مخارق وعلوية وعلى زرزرة وعمر بن ~~ماية المهلبي يبخلون على الفاطمي بأكلة أو شربة ويضايقونه في دانق وحبة، ~~ويشترون القردة بالبدر، ويجرون لها ما يفي برزق عسكر، والقوم الذين أحل ~~الله لهم الخمس، وحرمت عليهم الصدقة يتكففون[ضرا] أو يهلكون فقرا يرهن ~~أحدهم سيفه، ويبيع ثوبه، وينظر إلى فيه بعين مريضة، ويتشدد على دهره بنفس ~~ضعيفة، ليس له ذنب إلا أن جده النبي[] وأباه الوصي، وأمه فاطمة، وجدته ~~خديجة، ومذهبه الإيمان، وإمامه القرآن، وحقه مصروف إلى القهرمانة ~~والمصراطة، وخمسه مقسوم على نقار الدبكة، وعلى نفقات الدببة والقردة وعلى ~~عرش اللعبة للعبه. PageV01P124 # وماذا أقول في قوم حملوا الوحش على النساء المسلمات، وأخروا العبادة، ~~وخربوا تربة الحسين -عليه السلام- في ذلك المكان، ونفوا زواره إلى البلدان، ~~وما أصف من قوم هم ms027 نطف السكارى في أرحام القيان، وماذا يقال في أهل بيت ~~منهم نبع البغاء وفيهم راج التخنيث، وبهم عرف اللواط، وكان إبراهيم بن ~~المهدي مغنيا، وكان المتوكل مؤبنا وكان المعتمد مخنثا وكان ابن زبيدة ~~معتوها مفروكا، وقتل المأمون أخاه، وقتل المستنصر أباه، وسم موسى بن المهدي ~~أمه، وسم المعتضد عمه، ولقد كانت في بني أمية مخازي تذكر، ومعائب تؤثر، كان ~~معاوية قاتل الصحابة والتابعين، وأمه آكلة أكباد الشهداء الطاهرين وابنه ~~يزيد لعنه الله يزيد القرود ويزيد الفهود وهادم الكعبة، ومنتهب المدينة، ~~وقاتل العترة، وصاحب يوم الحرة، وكان مروان الوزغ بن الوزعة لعن النبي ~~أباه وهو في صلبه فلحقته لعنة ربه، وكان عبد الملك صاحب الخطيئة التي طبقت ~~الأرض وشملت الخلق وهي تولية الحجاج بن يوسف لعنه الله قاتل العباد، ومبيد ~~الأبدال والأوتاد، ومخرب البلاد، وخبيث الأمة الذي جاءت به النذر وورد فيه ~~الأثر، وكان الوليد من جبابرة بني أمية، ومولي الحجاج على المشرق وقرة بن ~~شريك على المغرب. PageV01P125 # وكان سليمان صاحب البطن الذي قتلته كضة، ومات بشما وتخمة،وكان يزيد صاحب ~~سلامة وحبابة الذي فتح الجهارة بالخمر ورقص أيام خلافته على العود والزمر، ~~وأول من أغلا سعر المغنيات وأعلن بالفاحشات، وماذ ا نقول فيمن أعرق فيه ~~مروان من جانب ويزيد بن معاوية من جانب، فهو ملعون ابن ملعونين، وعريق في ~~الكفر بين كافرين، وكان هشام قاتل زيد بن علي، ومولي يوسف بن عمر الثقفي، ~~وآسر يحيى بن زيد العلوي. # وكان الوليد بن يزيد خليع بني مروان الكافر بالرحمن، المحرق للقرآن، أول ~~من قال الشعر في نفي الإيمان، وجاهر بالفسوق والعصيان، والذي غشي ~~أمهات[أولاد] أبيه، وقذف بغشيان أخته، وهذه المثالب مع عظمها وكثرتها ~~وقبحها وشنعها صغيرة وقليلة في جنب مثالب بني العباس الذين بنوا مدينة ~~الجبارين، وفرقوا في الملاهي والمعاصي أموال المسلمين. # فأئمتكم -رحمكم الله- الأئمة المهديون، الذين يقضون بالحق وبه يعدلون، ~~بذلك تقوم خطب جمعتهم، وبذلك تقوم صلاة جماعتهم، فإن كسد التشيع بخراسان، ~~فقد نفق بالحجاز والحرمين، وبالشام والعراقين، والجزيرة والثغرين، وبالجيل ~~والغورين، ms028 وإن تحامل علينا وزير وأمير، فإنا نتوكل على الأمير الذي لا ~~يعزل، وعلى القاضي الذي لا يزال ولم يزل، وعلى الحكم الذي لا يقبل رشوة ولا ~~يطلب سجلا ولا شهادة، وإياه نحمد على طهارة المولد، وطيب المحتد، ونسأله أن ~~لا يكلنا إلى أنفسنا، ولا يحاسبنا على مقتضى عملنا، وإن يعيذنا من رعونة ~~الحشوية ومن لجاج الحرورية وشك الواقفية وإرجاء الحنفية. PageV01P126 # وتخالف أقوال الشافعية ومكابرة البكرية وروايات الكيسانية وجحد العثمانية ~~وتشبيه الحنبلية وكذب الغلاة والخطابية وأن لايحشرنا على نصب أصبهاني، ولا ~~على بغض لأهل البيت طوسي أو شاسي، ولا على إرجاء كوفي ولا على تشبيه قمي، ~~ولا على جهل شامي، ولا على تخيل بغدادي، ولا على قول أباظي مغربي، ولا على ~~عشق لأبي حنيفة بلخي، ولا على تناقض في القول حجازي، ولا على مروق سحرتي، ~~ولا على غلو في التشيع كرخي، وأن يحشرنا في زمرة من أحببناه، ويرزقنا شفاعة ~~من توليناه إذا دعي كل أناس بإمامهم، وسار كل فريق تحت لوائهم، إنه سميع ~~قريب، يسمع ويستجيب وهو حسبنا ونعم الوكيل. # انتهى كلام الخوارزمي -رحمه الله تعالى-ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم ومن هاهنا يقع الشروع في شرح المنظومة على سبيل الاختصار، لأن ~~استقصاء ما احتوت عليه يحتاج إلى أسفار كبار، والله الموفق للصواب. # بسم الله الرحمن الرحيم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. # الدهر ذو عبر عظمى وذو غير %~% وصرفه شامل للبدو والحضر # أقول: هذا يسمى براعة الاستهلال، والمعنى أن يكون المتكلم مبتدأ بما ~~يناسب المقصود، من برع إذا فاق أصحابه في العلم أو غيره، كقول بعض الشعراء ~~يهني الصاحب بولد لابنته في مطلع قصيدة: # بشرى فقد أنجز الإقبال ما وعدا %~% وكوكب المجد في أفق السما صعدا # وكقول ابن الفرج الشاوي يرثي فخر الدولة فجعل مطلع قصيدته: # هي الدنيا تقول بملئ فيها %~% حذار حذار من بطشي وفتكي PageV01P127 فأتى الشاعران في هذين البيتين بكلام يشتمل عن ما سيق الكلام لأجله، وكذلك ~~السيد صارم الدين، وعبر وغير الأول بعين مهملة، ms029 والثاني بغين معجمة، ~~ومعناهما ظاهر، والدهر فهو الزمان. # وأما قوله ((لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر )) فإن معناه: أن العرب ~~كانوا يقولون عند النوازل من المرض والفقر والجدب والموت: أصابنا الدهر، ~~فقيل لهم: لا تسبوا فاعل ذلك بكم فإن ذلك هو الله سبحانه، والدهريه فرقة من ~~فرق الكفر، يقولون: بقدم العالم، واختلفوا في المؤثر فمنهم من نفاه مطلقا، ~~ومنهم من أثبته علة قديمه، ومنهم من أثبته صانعا قديما، ولأفلاطون قولان: # أحدهما: حدوث العالم، وأجمعوا على حدوث التركيب. # وإن قالوا بقدم العناصر، وهي: الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة على ~~اختلاف بينهم، والنسبة إلى الدهر دهري بالفتح وقد تضم، وهي من تغييرات ~~النسب. قوله عليه السلام: # وخطبه معضل للناس عن كمل %~% وحكمه في الورى أمضى من القدر # وجده عند أرباب النهي لعب %~% وغاية الطول منه غاية القصر # ومرهفات مواضيه مناجزة %~% وسمره شأنها التفريق للسمر # وخيله مضمرات في أعنتها %~% شعث النواصي سراع الورد والصدر # وبأسه ماله رد لشدته %~% وكأسه دائر بالحلو والصبر # أجنى على الفرس واليونان قبلهم %~% والروم والترك والسودان والخزر # هذه ست أمم كبار من بني آدم ذكرها السيد في هذا البيت، ولا بد من الإشارة ~~إلى طرف من شأن كل منهم على وجه الاختصار. PageV01P128 ### | [ذكر نسب الفرس ودولهم وبعض ملوكهم وسبب تسميتهم بالفرس] # فأما الفرس فقد اختلف الناس في أنسابهم، وكم من دولة كانت لهم، فمن الناس ~~من قال: إنهم من ولد يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم --صلوات الله عليهم ~~أجمعين -. # ومنهم من زعم أنهم من ولد أرفخشد بن سام بن نوح، وأنه وضع له بضعة عشر ~~رجلا كلهم كان فارسا شجاعا، فسموا الفرس بالفروسية. # وأما الاختلاف في دولهم فمن الناس من زعم أنهم أربعة أصناف، وأن : # الصنف الأول: كان من كيومرت إلى أفريدون، وهم الجمرهنانية. # والصنف الثاني: من كنان إلى دار بن دار، وهم الكنانية. # والصنف الثالث: ملوك الطوائف، وهم الأشعانية. # والصنف الرابع: الساسانية، ومن الناس من جعلهم صنفين: فجعل الصنف الأول ~~من كيو مرت إلى دار بن ms030 دار. PageV01P129 # والصنف الثاني: من أزدشير بن بابك إلى يزدجرد بن شهريان المقتول في زمن ~~عثمان بن عفان، وعدد ملوك هذا الصنف الأخير ثلاثون ملكا، منهم امرأتان، ~~فأول من ملك منهم: أزدشير بن بابك بن ساسان الأصغر، وبينه وبين الهجرة ~~أربعمائة سنة وأربعون سنة، وهو أول من جمع ملك الفرس بعد أن كان قد تفرق، ~~وذلك أن الإسكندر لما قهر الملوك كلها، ومن جملتهم الفرس كتب إلى معلمه ~~أرسطاطاليس يستشيره في أمر الفرس، فقال له: ول كل رجل من أكابرهم ناحية، ~~فإنهم يتنافسون على الملك، فلا يجتمعون على ملك منهم، فمن خالفك منهم كانت ~~مؤنته عليك خفيفة، ففعل ذلك الإسكندر فلم يزالوا كذلك قدر أربعمائة سنة، ~~ولم يجمعهم ملك، ولما ولي أزدشير بعد أن كابد منهم مشقة[عظيمة] شديدة قال: ~~إن كلمة مزقتنا أربعمائة سنة لكلمة مشؤمة يعني كلمة أرسطاطاليس، ولما ~~استوسق له الأمر، ولم يبق من يخالفه إلا الأسكانية من ملوك الطوائف أقسم إن ~~تمكن [منهم] أن لا يبقي منهم رجلا ولا امرأة، فلما تمكن منهم لم يسلم منهم ~~إلا من أخفى نسبه ونفسه، وكان قد أخذ ابنة ملكهم، وكان حسنها بارعا، فلما ~~وقعت عينه عليها، قال: أنت من بنات ملوكهم؟ فقالت: بل من خدمهم، فاصطفاها ~~لنفسه، فحملت منه، فلما علمت بالحمل شهرت نفسها، وقالت: أنا ابنة ملكهم، ~~فأمر شيخا من رجاله يودعها بطن الأرض إشارة إلى قتلها، فقالت للشيخ: إني ~~حبلى من الملك، فقال: لا نبطل زرع الملك فأخذها، وعمل لها سربا تحت الأرض، ~~وجعلها فيه، ثم عمد إلى مذاكيره فجبها، ووضعها في حق وختم عليه، ورجع إلى ~~الملك، وقال: [قد] أودعتها الأرض، ودفع إليه PageV01P130 الحق، وقال: إن فيه وديعة، واستوصاه يرفعها له وأقامت الجارية في ذلك السرب ~~إلى أن وضعت غلاما، فسماه الشيخ: شاه بور، أي: ولد الملك، فسماه الناس ~~سابور، وبقي أزدشير هذا دهرا لا يولد له ولد، فرآه الشيخ حزينا، وكان خاصا ~~به، فقال له: سرك الله -أيها الملك- ويعمرك ما لي أراك كئيبا؟ فقال: من أجل ~~أن ms031 ليس لي ولد يرث ملكي؟ فقال له الشيخ: إن لك عندي ولدا طيبا فادع بالحق ~~فدعا به، ففض خاتمه، فإذا فيه مذاكير الشيخ، وكتاب: إنه لما أمرني الملك ~~بقتل المرأة التي علقت منه لم أر أن أبطل زرع الملك الطيب، فأودعتها بطن ~~الأرض كما أمرني، وتبرأت إليه من نفسي لئلا يجد عائب إلي عيبا ولا سبيلا، ~~فسر أزدشير بذلك سرورا عظيما كبيرا، وأمر الشيخ بعد ذلك أن يجعل الصبي بين ~~مائة غلام من أشباهه في الهيئة، ثم يدخلهم عليه فعرفه أزدشير من بينهم، ~~وقبلته نفسه، فأمرهم أن يلعبوا في حجرة الإيوان بالصولجان، فدخلت الكرة ~~الإيوان فأحجم الغلمان عن دخوله دونه، فدخل، فأمر أزدشير عند ذلك بعقد ~~التاج له. ومما حفظ من وصاياه له عند نصبه إياه للملك أنه قال له: يا بني، ~~إن الملك والدين أخوان، لا غنى لأحدهما عن صاحبه، والدين رأس الملك، والملك ~~حارسه، وما لم يكن له رأس فمهدوم، وما لم يكن له حارس فضائع. PageV01P131 # ومما حفظ من مكاتباته: من أزدشير ملك الملوك إلى الكتاب الذين هم حماة ~~الحرب والحراث الذين هم عمارة الأرض، سلام عليكم، ونحن كاتبون إليكم بوصية ~~فاحفظوها: لا تستشعروا الحقد فيدهمكم العدو، ولا تحبوا الاحتكار فيشملكم ~~القحط، وكونوا لأبناء السبيل مأوى تنجوا في المعاد، وتزوجوا من الأقارب ~~فإنه أمس للرحم، وأقرب للنسب، ولا تركنوا إلى الدنيا فإنها لا تدوم لأحد، ~~ولا تهتموا لها، فلن يكون إلا ما شاء الله، ولا ترفضوها فإن الآخرة لا تنال ~~إلا بها. # وكان مدة ملكه أربع عشرة سنة وستة أشهر، ثم ملك ابنه سابور، وفي أيامه ~~ظهر ماني الثنوي فدخل سابور في مذهبه من القول بإلاهية النور والظلمة، ثم ~~عاد إلى دين المجوس، وترك المانوية. # وكان ملكه ثلاثا وثلاثين سنة، وقيل غير ذلك. # ومن ملوك الفرس: بهرام بن بهرام وكان ملكه تسع عشرة سنة، وأقبل في أول ~~ملكه على القصف، واللهو، والنزه والصيد، لا يفكر في ملكه ولا رعيته حتى ~~خربت البلاد، وقلت العمارة، وكان في بعض الأيام ms032 ركب للصيد فأجنه الليل، وهو ~~يسير نحو المدائن وكانت ليلة قمراء فدعا بالمؤبذ لأمر خطر بباله، فجعل ~~يحادثه، فتوسطوا في مسيرهم بين خرابات كانت من أمهات الضياع، لا أنيس بها ~~إلا البوم، فإذا بوم بها يصيح وآخر يجاوبه. PageV01P132 # فقال الملك: أترى أحدا من الناس أعطي فهم هذا الصوت، فقال المؤبذ:أنا -أيها ~~الملك- ممن خصه الله بذلك، فقال له: فما يقول هذا؟ وما يقول الآخر؟ فقال: ~~هذا بوم ذكر يخاطب بومة أنثى، ويقول لها: أمتعيني من نفسك حتى يخرج بيننا ~~أولاد يسبحون الله، ويبقى لنا في العالم ذكر، وعقب يكثرون الترحم علينا، ~~فأجابته البومة: إن الذي دعوتني إليه هو الحظ الأكبر، والنصيب الأوفر في ~~العاجل والآجل إلا أني أشترط عليك خصالا إن أنت أعطيتها أجبتك إلى ذلك. # فقال لها الذكر: وما تطلبين مني؟ فقالت: أن تعطيني من خرابات أمهات ~~الديار عشرين قرية مما خرب في دولة هذا الملك السعيد، فقال له الملك: فما ~~قال لها الذكر؟ فقال المؤبذ: كان من قوله لها: إذا دامت أيام هذا الملك ~~السعيد أقطعتك منها ألف قرية، فما تصنعين بها؟ قالت: في اجتماعنا ظهور ~~النسل وكثرة الولد، فنقطع كل واحد من أولادنا قرية من هذه الخرابات، فقال ~~لها الذكر: هذا أسهل أمر سألتيه، وأنا ملي بذلك. PageV01P133 # فلما سمع الملك الكلام من المؤبذ عمل في نفسه، واستيقظ من نومه، وأفكر فيما ~~خوطب به، فنزل من ساعته، ونزل الناس وخلا بالمؤبذ، فقال له: أيها القيم ~~بأمر الدين، والناصح للملك على ما أغفله من أمور ملكه، وأضاعه من أمور ~~بلاده ورعيته، ما هذا الكلام الذي تخاطبني به؟ فقد حرك مني ما كان ساكنا، ~~فقال المؤبذ: صادفت من الملك السعيد جدة وقت سعادة البلاد والعباد فجعلت ~~الكلام مثلا، وموقظا على لسان الطائر عند سؤال الملك إياي عما سأل، فقال ~~الملك:أيها الناصح، أكشف لي عن هذا العرض ما المراد به؟ فقال: أيها الملك، ~~إن الملك لا يتم إلا بالشريعة، والقيام لله بطاعته، ولا قوام للشريعة إلا ~~بالملك، ولا عز للملك إلا بالرجال، ms033 ولا قيام للرجال إلا بالمال، ولا سبيل ~~للمال إلا بالعمارة، ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل، والعدل هو الميزان ~~المنصوب بين الخليقة، [نصبه الرب] وجعله[الله] قيما بين عبيده. # فقال الملك: أما ما وصفت فحق، فأبن لي فيما إليه تقصد وأوضح لي في ~~البيان؟ # قال: نعم، أيها الملك، عمدت إلى الضياع، وأقطعتها الخدم وأهل البطالة، ~~فعمدوا إلى ما تعجل من غلاتها فاستعجلوا المنفعة، وتركوا العمارة، والنظر ~~في العواقب، وما يصلح للضياع، وسومحوا في الخراج لقربهم من الملك، ووقع ~~الحيف على الرعية، وعمال الأرض، فأجلوا عن ضياعهم، وقلت الأموال، وهلكت ~~الجنود والرعية، وطمع في ملك فارس من طمع من الملوك والأمم لعلمهم بانقطاع ~~المواد التي يستقيم بها دعائم الملك، PageV01P134 فلما سمع الملك ذلك أقام في موضعه ثلاثة أيام، فأحضروا الوزراء، والكتاب، ~~وأرباب الدواوين، فانتزعت الضياع من أيدي الخاصة والحاشية وردت إلى ~~أربابها، وحملوا على رسومهم السالفة، وأخذوا بالعمارة، وقوي من ضعف منهم ~~وعمرت البلاد وأخصبت وكثرت الأموال عند الجباة، وقويت الجنود، وانقطعت مواد ~~الأعداء، وأقبل الملك يباشر الأعمال بنفسه، فحسنت وانتظم ملكه حتى كانت ~~أيامه تدعى بعيد الأعياد لما عم الناس من الخصب، وشملهم من العدل، ومن ~~مشاهير ملوك الفرس بهرام بن يزدجرد، وكان نشؤه مع العرب، وكان يقول الشعر ~~بالعربية، ويتكلم بلغات كثيرة، وكان على خاتمه مكتوب: بالأفعال تعظم ~~الأخطار، ومما حفظ من شعره يوم ظفر بخاقان حين أخذه أسيرا ثم قتله: # أقول له لما فضضت جموعه %~% كأنك لم تسمع بصولات بهرام # وإني حامي ملك فارس كلها %~% وما خير ملك لا يكون له حامي # ومن ذلك قوله: # لقد علم الأنام بكل أرض %~% بأنهم قد اضحوا لي عبيدا # ملكت ملوكهم وقهرت منهم %~% عزيزهم المسود والمسودا # وكنت إذ تشاوش ملك أرض %~% عبئت له الكتائب والجنودا # فيعطيني المقادة أو ألاقي %~% برجليه السلاسل والقيودا PageV01P135 وملك وهو ابن عشرين سنة، وغاص هو وفرسه في حمأة في بعض الأيام فجزعت عليه ~~فارس لما كان عمها من عدله، وشملها من إحسانه، ثم ملك ابنه يزدجرد، وكان ~~ملكه تسع عشرة ms034 سنة، وحين ملك أحضر رجلا من حكماء عصره، فكان عنده يأخذ من ~~أخلاقه، ويقتبس الرأي منه ليسوس به رعيته، فقال له يوما: أيها[الرجل] ~~الفاضل، ما صلاح الدنيا ؟ فقال: الرفق بالرعية، وأخذ الحق منهم في غير ~~مشقة، والتودد إليهم بالعدل، وأمن السبل، وإنصاف المظلوم من الظالم، فقال: ~~فما صلاح أمر الملك؟ فقال: وزراؤه وأعوانه إن صلحوا صلح وإن فسدوا فسد، قال ~~له يزدجرد: إن الناس قد أعملوا في أسباب الفتن، فصف لي ما الذي يسكنها ~~ويرفعها؟ فقال الحكيم: إن الذي يهيجها جرأة عامية، ويولدها استخفاف خاصية، ~~ويؤكدها انبساط الألسن بضمائر القلوب، وإشفاق موسر، وأمل معسر، وغفلة ملتذ، ~~ويقظة محروم، والذي يسكنها أخذ العدة لما يخاف قبل حلوله، وإيثار الجد حين ~~لا ينفع الهزل، والعمل بالحزم [والرضى] ثم تخلل منهم [ملوك منهم:] كسرى أنو ~~شروان، عمل بسيرة أزدشير بن بابك، وكان ملكه ثماني وأربعين سنة، وهو الملك ~~العادل الذي يضرب بسيرته المثل في العدل، ولما بنى إيوانه، وكان قد ورد ~~عليه رسول ملك الروم بهدايا وألطاف، فنظر إلى إيوانه، وحسن بنائه، ورأى ~~إعوجاجا في ميدانه، فقال: لكان يحتاج هذا الصحن أن يكون مربعا، فقيل له: إن ~~عجوزا لها منزل في مكان الاعوجاج، وإن الملك أرادها بيعه، PageV01P136 وأرغبها في الثمن، فأبت، فلم يكرهها، فبقي الاعوجاج من ذلك كما ترى، فقال ~~الرومي: هذا الاعوجاج أحسن من الاستواء. # وأنو شروان هذا هو الذي استغاث به سيف بن ذي يزن على الحبشة كما سيأتي، ~~وهو الذي يسمى: كسرى الخير. # قالوا: وآخر من ملك من الفرس يزدجرد بن شهران بن أبرويز بن هرمز بن أنو ~~شروان بن بهرام بن يزدجرد بن سابور [بن هرمز بن سابور] بن أزدشير، [الذي] ~~هو أول من ملك من الساسانية، وكان ملك هذا إلى أن قتل -بمرو من بلاد ~~خراسان- عشرين سنة، وذلك لتسع سنين خلت من خلافة عثمان بن عفان، وهي سنة ~~إحدى وثلاثين من الهجرة النبوية. PageV01P137 ### | [ذكر اليونان وإلى من ينتمون] # وأما اليونان، فقد اختلف فيهم أيضا، فذهبت طائفة من الناس ms035 إلى أنهم ~~ينتمون إلى الروم، ويضافون إلى ولد إسحاق -عليه السلام-، وقالت طائفة: [إن ~~يونان] هو: ابن يافث بن نوح وذكر المسعودي في (المروج) أنه قد قيل: إن ~~يونان أخو قحطان، وأنه من ولد شالخ بن أرفخشيد، وأنه انفصل عن أخيه إلى ~~العراق فانتشر ولده في العراق، والبلاد الشرقية، وأخرجتهم فارس، فجعلوا ~~يطوفون الأرض حتى نزلوا على جزيرة الأندلس، وليس بها سكن، وكانت كثيرة ~~الأفاعي فاختطوها، وأبادوها بالعمارة، وأول من اختطها أندلس [بن يافث]. PageV01P138 # قالوا: وكان المعمور بعد الطوفان كطائر: رأسه الشرق، والشمال رجلاه، وما ~~بينهما بطنه، والمغرب ذنبه، فكان يزدرى بنسبته إلى الذنب، وكانت اليونان لا ~~ترى الحرب لضرره، وشغله عن العلوم، فلما نزلوا الأندلس وعمروها حسنت غاية ~~ما يكون، حتى قال قائلهم: إن الطائر هو الطاووس أحسن جماله في ذنبه، وجعلوا ~~دار الملك والحكمة (طليطلة) لتوسطها فنظروا فإذا ليس من يحسدهم على رغد ~~العيش إلا أهل الشقاء، وهم حينئذ العرب والبربر، فرصدوا ارصادا، ولما كان ~~البربر بالقرب منهم، وليس بينهم إلا تعدية البحر، ويرد عليهم منهم طوائف ~~منحرفة الطباع، نفروا منهم، وعلم البربر عداوة الأندلس لهم، فنفروا منهم ~~أيضا إلا أن البربر أحوج إلى أهل الأندلس من أولئك إليهم لوجود الأشياء ~~بالأندلس، وكان بنواحي أرض الأندلس ملك يوناني، وله ابنة جميلة، فتسامع بها ~~ملوك الأندلس، فخطبها كل منهم، فخشي [أبوها] أن يزوجها أحدهم، فيسخط الثاني ~~فاستشارها، والحكمة مركبة في طباعهم، ولذلك قيل: نزلت الحكمة من السماء على ~~أدمغة اليونان، وأيدي الصين، وألسنة العرب، فقالت: اجعل الأمر إلي، فإني ~~أقترح أمرا، فمن فعله تزوجته، وهو أن يكون ملكا حكيما، فقال: نعم ما اخترت، ~~فأجاب الخطاب بذلك، فسكت من ليس حكيما، وكان فيهم حكيمان، فكتبا يطلبانها، ~~فقالت: أطلب أمرا من كل واحد، فأيهما فرغ [أولا] مما أطلب تزوجته، فكتبت ~~إليهما: أريد من أحدكما إدارة رحى بالماء الجاري من ذلك البر، ومن الثاني ~~طلسما نحصن به أرضنا من البربر، فعمد صاحب الرحى إلى خرز عظام من الحجارة، ~~ونضد بعضها إلى بعض ms036 في PageV01P139 البحر المالح الذي بين الجزيرة، والبر الكبير، وجلب الماء العذب من موضع ~~[عال] بالبر الكبير في ساقية وبنى بالجزيرة رحى على الساقية. # وأما صاحب الطلسم فأبطأ عمله؛ لأنه ينتظر الرصد الموافق لعمله غير أنه ~~أحكم أمره فابتنى بناءا مربعا من حجر أبيض بالساحل، فلما انتهى البناء إلى ~~حيث اختار صور نحاسا أحمر وحديدا مصفى مخلوطين بإحكام صورة رجل بربري ~~بلحية، وفي رأسه ذؤابة شعر جعد قائم في رأسه بجعودته، متأبط لكساء قد جمع ~~طرفيه على يده اليسرى بأحكم تصوير، وفي رجليه نعل وهو قائم من رأس البناء ~~على مستدق مقدار رجليه فقط، وهو شاهق طوله نيف على ستة أذرع، وهو محدد ~~الأعلى فينتهي إلى ما سعته قدر ذراع، مادا ليده اليمنى بمفتاح قفل، قابضا ~~عليه،كأنه يقول: لا عبور، فكان من تأثير هذا الطلسم في هذا البحر الذي ~~تجاهه أنه لم ير قط ساكنا، ولا كانت تجري فيه سفينة بربرية حتى سقط ~~المفتاح. PageV01P140 # قال الراوي: وفرغت الرحى قبل الطلسم لكن أخفيت لئلا يبطل [الطلسم] فلما علم ~~صاحب الرحى باليوم الذي فرغ فيه الطلسم، أجرى الماء ودارت الرحى وعلم صاحب ~~الطلسم، وهو في أعلاه، [وعلم] أنه مسبوق سقط من أعلى البناء، وحصل صاحب ~~الرحى على المرأة، والرحى، والطلسم، ثم عمل الملوك مجتمعين طلسمات بأرصاد، ~~وأودعوها تابوتا رخاما في بيت بطليطله، وأقفلوا عليه، وأوصو كل من ملك منهم ~~بزيادة قفل، فاستمر ذلك، فلما حان انقراض دولة اليونان، وقد ملك منهم ستة ~~وعشرون ملكا من يوم عملت الطلسمات، وكان السابع والعشرون منهم ملكا يقال ~~له: لذريق فغزاه من المسلمين طارق بن زياد غلام موسى بن نصير اللخمي في ~~دولة بني أمية. PageV01P141 # قالوا: وقد كان قال لذريق لوزرائه : أريد فتح هذا الباب، قالوا: بل تلقي ~~عليه قفلا كما فعل آباؤك، فأبى، فقالوا: قدر أن يكون فيه مال قدره لنا، ~~ونحن نجمعه لك، فأبى، وكان مهيبا، ففتحه فلم ير فيه إلا مائدة سليمان بن ~~داود -عليه السلام- وتابوتا مقفلا ففتحه، فوجد فيه رقا وفي جانب التابوت ms037 ~~صورة فرسان العرب بأصباغ، فأمر بنشر ذلك الرق فإذا فيه: إذا فتح هذا البيت ~~والتابوت المقفلات بالحكمة دخل القوم الذين صورهم في التابوت جزيرة ~~الأندلس، وذهب ملك اليونان، ودرست حكمتهم، فندم لذريق، وتحقق ذلك، ثم سمع ~~بوصول طارق بن زياد فأمر بلقائه مقدما له، يقال له: تدمير، وإليه تنسب بلاد ~~تدمير بالأندلس، فلما نزل طارق من جبل هنالك بالجيش كتب تدمير إلى لذريق، ~~فكان لذريق مشتغلا بحرب خوارج خرجوا عليه في نواحي بلدته، وكان في كتاب ~~تدمير إلى لذريق: أنه نزل بأرضنا قوم لا ندري أمن السماء هم، أم من الأرض؟ ~~فوصل لذريق في سبعين ألف فارس، ومعه العجل تحمل الأموال والمتاع، وركب ~~سريرا بين دابتين، عليه قبة مكللة بالجواهر، فلما بلغ طارقا دنوه خطب ~~أصحابه، وحثهم على الجهاد، ووعدهم أنه يحمل على لذريق، فإن هلك قبل وصوله ~~إليه فيخلعوه لذلك، وكان لذريق قد نزل بأرض وسيعة، فأقبل طارق وأصحابه ~~عليهم الزرد، وفوق رؤوسهم العمائم والبيض وبأيدهم القسي العربية، قد تقلدوا ~~السيوف، واعتقلوا الرماح، فأقسم أنهم الصور التي رآها في بيت الحكمة في ~~بلده، فازدادت روعته، وحمل طارق وأصحابه، وضرب لذريق بالسيف فقتله على ~~سريره، ولم تقف هزيمة اليونان على بلد، وكانوا PageV01P142 يسلمون بلدا بلدا، وغنم المسلمون أرضهم، وحمل إلى الوليد بن عبد الملك وهو ~~الخليفة يؤمئذ مائدة سليمان بن داود[عليهما السلام] مصنوعة من فضة وذهب، ~~وعليها طوق لؤلؤ، وطوق ياقوت، وطوق زمرد ما يحملها بغل قوي إلا تفسخت ~~قوائمه، وتيجان ملوك اليونان مكللة بالجواهر، وثلاثون ألف فارس من الرق. # قلت: فهذا طرف مختصر من أخبار اليونان، وبه يعلم أنهم كانوا قبل الفرس ~~كما أشار إليه السيد صارم الدين في المنظومة. PageV01P143 ### || [ ذكر الإسكندر ذي القرنين] # ومن ملوكهم الإسكندر وهو ذو القرنين،الذي قتل الملوك، واستولى على ~~الممالك، وسمي ذو القرنين لبلوغه أطراف الأرض، وأن الملك الموكل بجبل قاف ~~سماه بذلك. # ويحكى هذا عن ابن عباس، وقيل: بل ذلك لأنه كان له ذؤابتان من الذهب،ويعزى ~~هذا إلى أمير المؤمنين، وقيل: غير ذلك، ms038 واسمه الصعب وقد ذكره لبيد في شعره فقال: # والصعب ذو القرنين أصبح ثاويا %~% بالخيف في جدث أميم مقيما # وقد اختلف الناس في مدته، فقيل: إنه قبل الهجرة بتسعمائة سنة وثلاث وستين ~~سنة وذكر ابن قتيبة: أن بينه وبين الهجرة أربعمائة سنة، والله أعلم، ولما ~~قهر أملاك الدنيا، ومرض في أرض بابل كتب إلى أمه يعظها، فمن جملة ماذكره ~~لها أن قال: يا أم، مري ببناء مدينة عظيمة حتى يرد عليك موت الإسكندر، ~~وأعدي فيها من الطعام والشراب، واحشدي الناس إليها من جميع البلاد بيوم ~~معروف، ثم تقدمي إلى الناس كافة أن يحضروا إليه، ثم لينادي مناد: لا يحضر ~~طعام أم الملك أحد قد أصابته مصيبة، ليكون مأتم الملك الإسكندر مخالفا ~~لمأتم العامة. # قالوا: فلما بلغها موته صنعت الوليمة، ودعت إليه الناس، ثم أمرت مؤذنا أن ~~لا يحضرها من قد أصيب بمصيبة فلم تر أحدا، فقالت: ما بال الناس لم يحضروا؟ ~~فقيل لها: وأي الناس ما قد أصيب؟ فقالت: يا إسكندر، ما أشبه أوائلك بأواخرك وتسلت. # قالوا: وحمل ببابل فوق أعناق الرجال، ودفن بالإسكندرية، وله في العمر نيف ~~وثلاثون سنة، والله أعلم. PageV01P144 ### | [ذكر طرف من أخبار الروم] # وأما الروم فقد ذكر أهل الأخبار أن الله سبحانه لما أراد ذهاب ملك ~~اليونان أيد عليهم ملك رومية، وهو أغطيطس، وكان أول من سمي بقيصر، وإليه ~~ينسب القياصرة، وسمي بذلك لأن أمه ماتت وهي حامل به فشق بطنها عنه، ومعنى ~~قيصر: بقر وكان هذا الملك يفتخر بأن النساء لم تلدنه، ولا ثنتين وأربعين ~~سنة من ملكه ولد عيسى المسيح -عليه السلام-،واسم قيصر قد صار يطلق على ملك ~~الروم، كما صار اسم كسرى يطلق على ملك الفرس، وتبع على ملك حمير، وقد أشار ~~إلى ذلك بعض من له عناية بأخبار العالم وملوكهم، فقال: # الدار داران إيوان وغمدان %~% والملك ملكان ساسان وقحطان # والأرض فارس والإقليم بابل %~% والإسلام مكة والدنيا خراسان # والجانبان العنيدان اللذا حسنا %~% منها بخارى وبلخ الشاه داران # قد أثبت الناس جما من مراتبهم %~% فمرزبان ms039 وبطريق وطرخان # والفرس كسرى وفي الروم القياصر %~% والحبش النجاشي والأتراك خاقان # قالوا: ولما قهر أغطيطس بقية اليونان، وكان آخرهم في عصره ملكة أتفق له ~~معها حديث ظريف؛ لأنه ما زال يعمل الحيلة في أخذها لعلمه بحكمتها فراسلها ~~فعلمت مراده منها، وقد وترها في قتل زوجها، فطلبت الحية التي تكون بين ~~الحجاز ومصر والشام، وهي نوع من الحيات تراعي الإنسان، حتى إذا نظرت إلى ~~عضو منه قفزت أذرعا نحوه كالريح، فلم تخط ذلك العضو بعينه فتتفل فيه سما، ~~فيأتي عليه، ولا يعلم بها لموته فورا ويتوهم الناس أنه قد مات فجأة حتف أنفه. PageV01P145 # قال المسعودي: وقد رأيت نوعا من هذه الحيات ببلاد خوزستان، ولها رأسان تكون ~~في الرمل، وفي جوف التراب، فإذا أحست بإنسان أو غيره من الحيوان، وثبت من ~~موضعها أذرعا كثيرة فضربت بأحد رأسيها إلى أي موضع الحيوان فمات من حينه. # قالوا: فأمرت تلك الملكة، فحمل لها حية من تلك الحيات، فلما أن كان في ~~اليوم الذي علمت أن أغطيطس يدخل قصرها أمرت بأنواع الرياحين والزهر أن تبسط ~~في مجلسها، وقدام سريرها، وجلست على سريرها، ووضعت تاجها على رأسها، وعليها ~~ثيابها وزينتها، وفرقت حشمها، فاشتغلوا بأنفسهم، وقربت يديها من الإناء ~~الذي فيه الحية، فضربتها فماتت مكانها، وخرجت الحية من الإناء، فلم تجد ~~جحرا، ولا مذهبا تذهب فيه لإتقان ذلك المجلس بالرخام والمرمر، فاستترت بين ~~تلك الرياحين، ودخل أغطيطس حتى انتهى إلى المجلس، فنظر إليها جالسة والتاج ~~على رأسها، فلم يشك أنها تنطق، فدنا منها، فتبين أنها قد ماتت، وأعجب بتلك ~~الرياحين، فمد يده إلى كل نوع منها يلتمسه، ولا يدري ما سبب موتها، وهو ~~متأسف على ما فاته منها، فبينا هو كذلك إذ قفزت الحية، فرمته بسمها، فيبس ~~شقه الذي ضربته. # فعجب من قتلها لنفسها، ثم ما كاد ته به من إلقاء الحية بين الرياحين، ~~وملك بعده عدة من ملوك الروم، حذفت ذكرهم ميلا إلى الاختصار إذ هو مذكور في ~~التواريخ الكبار. PageV01P146 ### | [ذكر أمة الترك] # وأما الترك فهم أيضا ms040 أمة كبيرة من بني آدم، لهم خلوق منكرة، واسم ملكهم ~~خاقان، وبلادهم فيما وراء النهر، وعددهم يجل عن الوصف، ولا يطيعون سلطانا، ~~وإن قصدهم جمع لا طاقة لهم به دخلوا مغاور، وتحصنوا بالرمال، ومنهم ملوك في ~~الإسلام مثل بني سلجوق وغيرهم. PageV01P147 ### | [ذكر أمة السودان] # وأما السوادان: فهم أنواع مختلفة أشهرهم الحبوش، وسلطانهم يسمى النجاشي. # قال المسعودي: إن أرض الحبشة، وسائر السودان كلها مسيرة سبع سنين، وإن ~~أرض مصر جزء واحد من ستين جزءا من أرض السوادان، وإن أرض السودان جزء واحد ~~من الأرض كلها، [والأرض كلها] مسيرة خمسمائة عام فثلث عمران مسكون[مأهول] ~~وثلث براري غير مسكونة وثلث بحار وتتصل بأقاصي السوادان العراة من أرض ~~المغرب(وهي) بلاد تلمسان [وتاهرت] وبلاد فاس ثم السوس الأولى [وبين السوس ~~الأولى وبين القيروان نحو ألفي ميل، وبين السوس الأولى وبين السوس الأقصى ~~نحو عشرين يوما]. PageV01P148 ### | ذكر أمة الخزر # وأما الخزر، فقال المسعودي: هم أمة عظيمة من الناس، مملكتهم متصلة بمدينة ~~الباب[25]، والأبواب التي عمرها أنو شروان. # قال المسعودي: وأول ما يتصل بالباب والأبواب من مدن الخزر مملكة يقال ~~لها: حيدان. # قال: ولما افتتحت [بلاد] الخزر على يد سلمان بن ربيعة الباهلي ؛ انتقل ~~الملك إلى مدينة (إيله) وبينها وبين الأولى سبعة أيام. # قال: وفي هذه المدينة خلق كثير من المسلمين، والنصارى، واليهود، ~~والجاهلية، فأما اليهود: فهم الملك وحاشيته، والخزر من جيشه، وكان تهود ملك ~~الخزر في خلافة هارون الرشيد، وقد انضاف إليه خلق من اليهود، وردوا عليه من ~~سائر أمصار المسلمين، ومن بلاد الروم؛ وذلك أن ملك الروم نقل من كان في ~~مملكته من اليهود إلى دين النصرانية، وأكرههم [فيها] فتهارب خلق[كثير] [من ~~اليهود] من بلاد الروم إلى أرض الخزر. # قال: والغالب في هذه البلد المسلمون لأنهم جند السلطان، وهم يعرفون في ~~بلاده بالأرسنة، وهم نقيلة من نحو بلاد خوارزم، وكان بعد ظهور الإسلام وقع ~~في بلادهم حرب ووباء، فانتقلوا إلى بلاد الخزر، وهم ذوو بأس وشدة، عليهم ~~يعول ملك الخزر في حروبه، فأقاموا ببلده بشروط: ms041 # أحدها: إظهار الدين والمساجد، وأن وزراءه منهم. PageV01P149 # قال المسعودي: فالوزير في وقته من المسلمين، [ومن الشروط أنه متى كان لملك ~~الخزر حرب مع المسلمين] وقفوا في عسكره منفردين من غيرهم لا يحاربون أهل ~~ملتهم، ويحاربون معه سائر الناس من الكفار، وتركب معه في هذا الوقت -أعني ~~وقت المسعودي- نحو من ستة آلاف ناشب بالجواشن، والجلود، والدروع، ومنهم ~~رامحة أيضا على نحو ما في المسلمين من الآلات التي هي السلاح، ولهم قضاة ~~مسلمون، لأن رسم مملكة الخزر أن يكون فيها سبعة قضاة: اثنان للمسلمين، ~~واثنان للخزر يحكمون بحكم التوراة، واثنان لمن بهما من النصارى، والسابع ~~للصقالبة والروسن وسائر الجاهلية، وهي قضايا عقلية، وإذا ورد ما لا ~~علم[لهم] به في التوراة والإنجيل، وكانت نوازل عظاما اجتمعوا إلى قضاة ~~المسلمين، فتحاكموا إليهم، وانقادوا لما توجبه شريعة الإسلام، وبهذه البلاد ~~خلق كثير من المسلمين تجار وصناع وغيرهم طردوا إلى بلاده لعدله وأمنه، وله ~~مسجد جامع، فيه منارة تشرف على قصر الملك، ولهم أيضا مساجد أخر فيها مكاتب ~~لتعلم الصبيان القرآن، وإذا اتفق المسلمون ومن هناك من النصارى لم يكن ~~للملك بهم طاقة. PageV01P150 # قال المسعودي: واسم ملك الخزر خاقان، ومن رسمهم أن يكون في يدي ملك آخر هو ~~وغيره في جوف قصر لا يعرف الركوب ولا الظهور للخاصة ولا للعامة، ولا الخروج ~~من مسكنه، ومعه حرمه لا يأمر ولا ينهى، ولا يدير من أمر الملك شيئا، فإذا ~~ناب أمر الخزر نائب، أو توجه إليهم حرب لغيرهم من الأمم يصعب عليهم دفعه ~~تقدمت الخاصة والعامة إلى ملك الخزر؛ فقالوا له: قد تطيرنا بهذا الخاقان ~~وبأيامه فاقتله، أو أسلمه إلينا نقتله، فربما قتله هو أو أسلمه إليهم، ~~فقتلوه، وربما رق له فدافع عنه. # قال: وإنما ينصب خاقان هذا من بيت بأعيانهم أرى أن الملك كان فيهم، ~~-والله أعلم-. # وثل عرش بني هود فليس لهم %~% على البسيطة من عين ولا أثر # كتبع وبنيه وابن ذي يزن %~% وذي رعين وذي بوس وذي بهر # ملوك صدق لها التيجان قد عقدت %~% وكللت ms042 بنفيس التبر والدرر # شادوا ظفارا وغمدانا وما برحت %~% لهم ببينون آثار وفي هكر # وناعط ثم صرواح ومأربهم %~% وقصر غيمان والبنيان من خمر # وفي ذرى تلقم بئر معطلة %~% لهم وقصر مشيد الصرح والحجر # فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم %~% صرعى من الموت لا صرعى من السكر # كأن ما سكنوا الدنيا ولا لبسوا %~% فيها نفيسا من الديباج والحبر PageV01P151 ### | [ذكر طرف من أخبار التبابعة] # المراد بالعرش هنالك الملك، وببني هود يعرب بن يشجب بن قحطان بن عابر، ~~وهو هود نبي الله -عليه السلام-، والتبابعة من ذرية هود كما أشار إليه ~~السيد صارم الدين، فلنشير إلى طرف من ذكرهم على سبيل الاختصار، فنقول: إن ~~تبعا يطلق على كل واحد من ملوك التبابعة، وتبع هذا المراد به الذي ذكره ~~الله في قوله: {أهم خير أم قوم تبع }[الدخان:37]، وفي قوله تعالى: وقوم تبع ~~(لما كذبوا الرسل أغرقناهم). قالوا: والمراد به هنا أسعد الكامل، ومن هنا ~~اعتقد بعض الناس أنه نبي، لأن الله [تعالى] عده مع الأنبياء عند قصصهم، وقد ~~ذكر قوم كل نبي قبله، ومن الناس من يقول، هو عبد صالح، وكثير من العلماء ~~والصلحاء ترحم عليه، والتبابعة الذين دوخوا بلاد الأعاجم سبعون تبعا. # يدل على ذلك قول النعمان بن بشير الأنصاري في شعر إلى معاوية بن أبي سفيان: # لنا من بني قحطان سبعون تبعا %~% أطاعت لها بالخرج منها الأعاجم # وقول لبيد أيضا: # فإن تسألينا فيم نحن فإننا %~% غضافير من هذا الأنام المسجر # عبيد لحي حمير أن تملكوا %~% ويظلمنا عمال كسرى وقيصر # ونحن وهم ملك لحمير عنوة %~% وما لنا من سادة غير حمير # تبابعة سبعون من بعد تبع %~% توافوا جميعا أزهر بعد أزهر # وقال نشوان بن سعيد : هم ثمانون تبعا، في قصيدته اليائية المشهورة، قال فيها: # أباد الردى منهم ثمانين تبعا %~% تتابع في أقصى البلاد المغازيا # [إلى أن قال] : # فتلك ملوك الأرض بادت وأهلكت %~% ولم يبق منها حادث الدهر باقيا # وأضحوا جميعا بعد عز وقدرة %~% ترابا يطاه اليوم من كان واطيا # وزارت ملوك الروم من آل ms043 قيصر %~% حوادث توهن الجبال الرواسيا PageV01P152 وأما قول النعمان ولبيد سبعون، فلما لم تستقم لهما لفظ ثمانون في شعرهما ~~ولربيع بن ضبع الفزاري، وكان قد عمر ثلاثمائة وخمسين سنة: # وغمدان إذ غمدان لا قصر مثله %~% زهاءا وتشييدا يحاذي الكواكبا # ومأرب إذ كانت وأملاك مأرب %~% توافي جباة الصين بالخرج مأ ربا # وأصحاب بينون وأصحاب ناعط %~% خلى ملكهم منهم وأصبح غاربا # وقل في ظفار يوم كانت وأهلها %~% يدينون قهرا شرقها والمغاربا # لهم كانت الدنيا جميعا بأسرها %~% تؤدي إليهم خرجها الروم دائبا # فمن ذا يرجى الملك من بعد حمير %~% ويأمن تكرار الردى والنوائبا # أولئك مأوى للنعيم كفاهم %~% ولكن وجدنا الشر للخير صاحبا # وقال نشوان بن سعيد في ذلك: # تتابع الأملاك من حمير %~% عدتهم سبعون لا تقصر # من ولد الرا ئش جمهورهم %~% من حمير الأصغر ما حمير # يا أيها السائل عن تبع %~% وتبع كالشمس بل أشهر # خير بني هود نبي الهدى %~% حيث انتهى السؤدد والمفخر # وقد ذكرتهم الشعراء بما يطول شرحه، ومن التبابعة: ذو نواس، واسمه زرعة بن ~~عمرو بن زرعة،من ذرية أسعد الكامل، وذو نواس هو صاحب الأخدود، وسمي بهذا ~~الاسم؛ لذؤابتين كانتا على رأسه، وكان السبب في تملكه أن ذاقيفان الملك ~~الذي كان سيف عمرو بن معدي كرب له، وكان اسمه الصمصامة، وفي ذلك يقول عمرو ~~بن معدي كرب: # وسيف لابن ذي قيفان عندي %~% تخير نصله من عهد عاد # وكان ملك ذي قيفان تسع عشرة سنة. PageV01P153 # قالوا: وكان ملك الروم أهدى لهارون الرشيد جملة سيوف قلعية فأمر الرشيد ~~بإحضار الصمصامة ليحتقر عنده سيوف الروم، فجعل يقط بها السيوف سيفا سيفا ~~كما يقط الفجل، ثم أراهم حد الصمصامة فإذا ليس به فل ولا أثر من تقطيع تلك ~~السيوف، فلما هلك ذو قيفان، ولي مملكة التبابعة لخيعة ذوشناتر، ولم يكن من ~~أهل بيت الملك، وأغرى بالأحداث من بني الملوك، فكان يطالبهم بما تطالب به ~~النسوان. # فكان ممن طالبه بهذه الخصلة ذا نواس، فاتفقت له معه قضية كانت السبب في ~~قتله، وهي مشهورة، فلما استراح أهل ms044 اليمن من لخيعة على يديه؛ ولوه عليهم، ~~وكان على دين اليهود، فشكى عليه يهود نجران غلبة النصارى لهم، وذلك أنه وقع ~~بين النصارى واليهود فتنة بنجران، فنهض ذو نواس إلى نجران بالجنود فحفر ~~الأخدود، وأضرم فيه النار، وخير النصارى بين الرجوع عن دينهم وأن يحرقهم ~~بالنار فمنهم من رجع ومنهم من لم يرجع، وفيه وفيهم نزلت هذه الآيات:{قتل ~~أصحاب الأخدود }[البروج:4] إلى آخرها، فلما صنع ذو نواس بالنصارى ما صنع؛ ~~غضب ذو ثعلبان الأصغر من ولد ذي ثعلبان الأكبر، ومضى إلى ملك الحبشة ودينه ~~دين النصارى فاستنجده، وشكا إليه ما صنع ذو نواس؛ فبعث معه قائدا في ثلاثين ~~ألفا إلى اليمن، فلقيهم ذو نواس، وقال : نحن سامعون مطيعون فدونكم اليمن ~~فهذه مفاتيحه، فابعثوا من يقبض لكم خزائنه، وأتي بمفاتيح تحملها إبل كثيرة، ~~فكتب بذلك القائد إلى النجاشي يشاوره، فكتب إليه أن اقبل الطاعة منهم، ~~فافترقت الحبشة في مخاليف اليمن. PageV01P154 # فلما صاروا بها كتب ذو نواس إلى رؤساء حمير أن يذبحوا كل ثور عندهم أسود ~~ففعلوا ما أراد فوثبوا على الحبشة، فقتلوهم حتى أفنوهم، وبلغ ذلك النجاشي، ~~فعلم أن قد غدربهم؛ فوجه قائدين في جيش عظيم إلى اليمن، يقال لأحدهما: ~~أرياط، والثاني : أبرهة الأشرم، فلقيهم ذو نواس بمن معه فقاتلهم، فلما رأى ~~أنه لا طاقة له بهم اقتحم بنفسه وفرسه البحر فغرق فيه، ثم إن النعمان بن ~~عفير، والنعمان هذا هو أبو سيف جمع جموعا من أهل اليمن فقاتل الحبشة ~~بالسحول فهزم، وصار إلى حقل شرعه فيمن تبعه من أهل اليمن، فلحقهم الحبشة ~~فقاتلوهم، ولم يكن لهم بهم طاقة، فاستولت الحبشة على اليمن. PageV01P155 ### | فصل: في ذكر سيف بن ذي يزن # قالوا: ولما تمكنت الحبشة على اليمن؛ خرج سيف إلى كسرى يستنصره، فوجد ~~عنده النعمان بن المنذر اللخمي فاستأذن لسيف، ولما دخل قام له النعمان من ~~مجلسه، وعظمه، فقال كسرى للنعمان: هذا ملك سمران يعني العرب، فقال له ~~النعمان: نعم. فقدمه كسرى [أيضا] وعظمه، وقال له: ما حاجتك؟ فقص عليه قصته، ~~وأن ms045 الحبشة غلبته على اليمن وسأله النصرة، وقال: أنا ابن عمك، لوني لونك، ~~فوجه معنا من يأخذ البلاد، وتكون في ملكك، فوعده وأقام عنده، وقد كان بعث ~~إليه بأبغل من مال فقال: ما هذا؟ فقالوا: حباء الملك فأمر بتشقيق العباب ~~فاستنثرت الدراهم، وأنهبها الناس فغضب كسرى، وقال: لم يقبل حبائي فقال سيف: ~~جبال أرضي ذهب وفضة، ولم أرد إلا النصر من الملك، وأن تكون بلادي له، فوعده ~~بالنصرة واستشار مرازبته. PageV01P156 # فقال: ما ترون في أمر هذا العربي، وقد وعدته بالنصر وبلاده نائية؟ فقالوا ~~له: أنت ملك وابن ملك والوفاء بك أحسن، فقال له المؤبذ:إن عندي رأيا. قال ~~له: وما هو؟ قال: في سجونك قوم قد استحقوا القتل بجرائمهم، فانظر رجلا من ~~أساورتك شيخا فقوده عليهم، وقوهم بالسلاح ووجههم معه، فإن ظفروا كان باسمك، ~~وإن هلكوا فهو الذي أردت، فأمر كسرى لمن في سجونه فوجههم معه، واختار رجلا ~~من المسجونين، يقال له: وهرز فقوده عليهم، وكانوا في مركبين فغرق أحدهما، ~~وسلم الأخر الذي فيه وهرز، وسيف، فخرجوا إلى ساحل عدن، فلقيهم مسروق بن ~~يكشوم بن إبرهة الأشرم بجموع الحبش فاقتتلوا هنالك ثم أن وهرز قال لهم: على ~~أي شيئ ملكهم يقاتل؟ قيل له: على فرس. فسكت، ثم قال: على ما ملكهم يقاتل؟ ~~فقالوا: على بغل، فقال: على ابن الحمار: انتقل من العز إلى الذل، لقد ذل ~~وذل ملكه، ثم دعا بقوس له وكنانة، ثم استخرج عصابة فعصب بها خفاقيه، وأوتر ~~قوسه، ولم يكن يوترها أحد غيره، ثم استخرج سهما من كنانته، وقال: أروني ~~ملكهم، فقالوا: هو صاحب الدرة الحمراء التي بين عينيه فرماه وهرز فشق ~~الياقوتة، وتغلغل السهم في دماغه فسقط، وانهزمت الحبشة. PageV01P157 # وقد كان اجتمع أهل اليمن في لقاء سيف فحضروا الوقعة معه، فقتلت الحبشة قتلا ~~عظيما، وملك من سلم منهم من القتل، وقد كان كسرى عهد إلى وهرز، وأعطاه تاجا ~~وخلعة من خلعه ومنطقه، وقال له: إذا صرت إلى اليمن فاسأل أهل اليمن عن هذا ~~الرجل يعني سيفا، فإن كان ms046 من الملوك فسلم له الأمر وألبسه التاج والخلعة ~~والمنطقة، وإن لم يكن من الملوك فابعث إلي برأسه، واضبط البلاد إلى أن ~~يأتيك أمري، فلما اجتمع أهل اليمن سألهم وهرز عن سيف؟ فقالوا: ملكنا وابن ~~ملكنا، والقائم بثأرنا؛ فألبسه التاج والخلعة والمنطقة، وسلم له الأمر، ~~[وسيف هذا هو القائل] : # ولقد سموت إلى الحبوش بعصبة %~% أبناء كل غضنفر أسوار # من كل أبيض في الحروب كأنه %~% ليث ببيشة شابك الأظفار # خيمت في لجج البحار فلم يكن %~% للناس غير تزحم الأخبار # قالوا: ابن ذي يزن يسير إليكم %~% فحذار منه ولات حين حذار # والعام عام قدومه ولعله %~% نابت عليه نوائب الأقدار # حتى إذا أمنوا المغار عليهم %~% وافيت بين كتائب الأحرار # ما زلت أقتل فلهم وشريدهم %~% حتى اقتضيت من العبيد بثار # وسيف هذا هو الذي وفد عليه عبد المطلب بن هاشم في وجوه قريش، ووجوه قبائل ~~العرب يهنؤنه بالظفر على العبيد، وبشر سيف عبد المطلب بابن ابنه محمد ، ~~وكان مولودا [في وقته] وكان في الوفد أمية بن أبي الصلت الثقفي فقال فيه: # لا ينقم الثأر إلا كابن ذي يزن %~% في البحر خيم للأعداء أحوالا # أتى هرقل وقد شالت نعامته %~% فلم يجد عنده النصر الذي سالا PageV01P158 ثم انثنى نحو كسرى بعد سابعة %~% من السنين لقد أيغلت إيغالا # حتى أتى ببني الأحرار يقدمهم %~% تخالهم فوق ظهر الأرض أجبالا # من مثل كسرى وإذعان الجنود %~% ومثل وهرز يوم الجيش إذ صالا # له لله درهم من عصبة خرجوا %~% ما إن رأينا لهم في الناس أمثالا # بيضا مرازبة غلبا جحاجحة %~% أسدا تربت في الغيضات أشبالا # أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد %~% أمسى شريدهم في الأرض فلالا # فاشرب هنيئا عليك التاج مرتقيا %~% في قصر غمدان قصرا منك محلالا # قصرا بناه أبوك القيل ذي يزن %~% فهل ترى أحدا نال الذي نالا # منطقا بالرخام المستزاد له %~% ترى على كل ركن منه تمثالا # ثم أطل بالمسك إذ شالت نعامتهم %~% وأسبل اليوم في برديك إسبالا # تلك المكارم لا قعبان من لبن %~% شيبا بماء فصارت بعد أبوالا PageV01P159 ### | فصل: ms047 في ذكر ذي رعين # وهو ذو رعين الأصغر بن عمرو بن شمر، من ذرية ذي رعين الأكبر. # قالت الرواة: إن أسعد [تبع] كان له ولدان أحدهما: حسان، والآخر عمرو، وإن ~~الذي ولي الأمر بعد أسعد هو حسان فدوخ البلاد شرقا، وغربا، وهو المبيد ~~لجديس باليمامة. # قالوا: ولما فرغ حسان من إهلاك جديس نهض يريد العراق، فصعب ذلك على حمير، ~~وعلموا أنه لا ينتهي في غزوه حتى يبلغ بهم حيث بلغ أبوه وجده، وأنه سيبلغ ~~بهم الصين، وبلاد الروم وغيرها؛ فشق ذلك عليهم فاختلفوا إلى أخيه عمرو بن ~~أسعد، فسألوه أن يرد أخاه عن سفره، فقال لهم عمرو: إنه لا يقبل، فقالوا له: ~~إن أبى فاقتله وتملك علينا، وقد كان حسان قال بعد قتل جديس: # من كان يأمل أن يؤ %~% ب فلست من سفري بآيب # فتجهزي وتحملي %~% يا يمن يا خير الركائب # فلقد وطئت بها اليمامة %~% حاجبا من بعد حاجب # سيري إلى هجر %~% لتحوي منهم خير الحقائب # وتوجهي نحو العراق %~% بكل سياف وناشب # حتى نبيد ملوكهم %~% أهل الأكالك والعصائب # ثم إن حمير حلفت لعمرو، وبقي منهم ذو رعين وهو خال عمرو، ونهاه عن قتل ~~أخيه، وقال: إنك تندم فأبى؛ فأكره خاله على الدخول فيما دخلت فيه حمير، ~~فقال له: على شريطة أنك تحفظ لي وديعة تجعلها عند بعض خدمك، وتشدد عليه في ~~حفظها، فقال [له] : نعم. فكتب ذو رعين هذين البيتين في ورقة فدفعهما إليه، وقال: # ألا من يشتري سهرا بنوم %~% قليلا ما يبيت قرير عين # فإن تك حمير غدرت وخانت %~% فمعذرة الإله لذي رعين PageV01P160 فلما قتل عمرو أخاه، ورجع بالجنود إلى اليمن افترقت عليه حمير حتى ضعف عن ~~الغزو، ثم ندم ندامة عظيمة على قتل أخيه، وامتنع منه النوم فشكى ما لقي من ~~السهاد إلى بعض خواصه، فقالوا له: إنك لا تقدر على النوم حتى تقتل الذين ~~أشاروا عليك بقتل أخيك فأمر بكل من أشار عليه بقتل أخيه، أوحالفه عليه أن ~~يأتوا إليه في يوم معلوم، فأتوا إليه في ذلك ms048 اليوم، فأمربهم فأدخلوا جماعة ~~بعد جماعة، وأمر بضرب أعناقهم جميعهم، وكان خاله ذو رعين الأصغر ممن أمر له ~~فأدخل، فذكره مشهده ونهيه عن قتل أخيه، وسأله الوديعة التي تركها عنده، ~~فأتى بها الخادم، فوجد فيها البيتين، فخرج منه سالما مشكورا، وكان مسكن ذي ~~رعين بحصن (خب). # وأما ذو بوس: فهو الحصن المسمى الآن بيت بوس، وهو قطعة من الجبل، وهو قرب صنعاء. # وأما ذو بهر: فاسمه يعفر ذو بهر بن الحارث، ينسب إلى حمير الأصغر، وهو من ~~أعظم مقاولة اليمن. PageV01P161 # قيل: إنه سخر الناس في العمل، وكان في وقته عجوز، ولها ولد فبادر مع الناس ~~إلى العمل، فلزمته أمه لتعمل له غداء قبل مسيره فأبى، وقال: إني أخاف ~~العقوبة. فقالت: لا بأس عليك إني أغدو معك فلما تغدى سارت معه إلى ذي بهر، ~~فأراد عقوبته بتأخره، فقالت العجوز: ترفق بأمرك يا ذا بهر فاليوم لك وغدا ~~لآخر؛ فكف عنه [من] العقوبة، ويقال: إنه اتعظ بكلام العجوز، وقطع ذلك ~~العمل، ومن ذرية ذي بهر: أبو نصر محمد بن عبد الله، وكان عالما ورعا، هرب ~~بدينه من قصر جده ذي بهر، وهو بيت حنبص فخلفه ابن ذي الملاحف القرمطي، ~~وأحرق هذا القصر بالنار، فأقامت فيه أربعة أشهر تتبع خشبه، فأقام أبو نصر ~~بصعدة حتى انقضت دولة القرامطة. # قال نشوان بن سعيد: ومن أولاده آل أبي ثور بوقش. PageV01P162 ### | فصل نذكر فيه بعض مصانع حمير # حسبما أشار إليه السيد صارم الدين. # فأما ظفار فهو قرب يريم من الحقل، وإليه ينسب جزع ظفار، وهو الذي قيل ~~فيه: من دخل ظفار حمر، وغمدان قصر صنعاء، وهو من أعجب ما بنى الملوك؛ لأنه ~~أربع عشرة غرفة بعضها فوق بعض، فهدمت الحبشة بعضها، وهدم عثمان بن عفان بعضها. # وكان موضعه قرب الجامع، وشهرته تغني عن التحديد. # وكذلك غيمان، وبينون، وهو أعني بينون من أرض مأرب. # وأما هكر فقد قيل: إنه المراد بقوله تعالى:{وقصر مشيد }[الحج:45] وناعط، ~~وصرواح من مآثر حمير المشهورة، قد ذكرتها الشعار ورواة الأخبار. # وأما مأرب: ms049 فقد قال بعض العلماء: إنه اسم لقصر في تلك البلاد، فيحتمل أنه ~~مراد السيد صارم الدين؛ لأنه نظمه في سلك عما ئر حمير، واحتج القائل بهذا ~~القول بقول الشاعر: # ألم تروا مأربا ما كان أحصنه %~% وما حواليه من دور وبنيان # وقيل: بل مأرب اسم الملك فسميت البلد باسمه، وقيل: بل هو اسم لتلك الجهة كلها. # قالوا: وكانت العمائر فيها أزيد من مسيرة شهرين للراكب المجد. PageV01P163 # وكان يقتبسون النار بعضهم من بعض مسيرة ستة أشهر، وكانت المرأة إذا أرادت ~~أن تجتني من أي ثمارها شاءت، وضعت مكتلها على رأسها وخرجت تمشي تحت الثمار ~~وهي تغزل وتعمل ما شاءت فلا ترجع حتى تملأ مكتلها مما شاءت من الثمار التي ~~يتساقط عليها طيبا، وكان الملك على أرض مأرب يسمى سبأ، وسمي بذلك؛ لأنه أول ~~من أدخل السبي اليمن وإلا فاسمه عبد شمس، وكان له من الأولاد عشرة، سكن ~~الشام منهم أربعة، وهم: لخم، وجذام، وغسان وعاملة، وسكن اليمن منهم ستة ~~وهم: كندة، ومذحج، وطي، والأشعر، وهمدان، [وأنمار]. # وقد ذكر الله -تعالى- تمزيقهم في كتابه، حيث قال:{لقد كان لسبإ في مسكنهم ~~}...الآية [سباء:15] إلى قوله [تعالى] :{ومزقناهم كل ممزق }[سباء:19] ~~واختلف في العرم، فقيل: هو السد واحدته عرمة، وقيل: العرم الجرذ. # وكان السد فيما يقال قد بناه لقمان الأكبر، وكان صفة حجارة السد بالرصاص ~~قدر فرسخ طولا وفرسخ عرضا، ويقال: إن الذي بناه كان من ملوك حمير. # وقد ذكر ذلك الأعشى وذكر فساده، بقوله: # وفي ذلك للمؤتسى أسوة %~% ومأرب عفى عليه العرم # رخام بنته لهم حمير %~% إذا جاء موراه لم يرم # يروي الزروع وأعنابها %~% على سعة ماءهم إن قسم # فصاروا أيادي لا يقدرون %~% منه على شرب طفل فطم # وأما خمر: فهو في هذا التأريخ قرية كبيرة متسعة قد دخلتها، وصار أكثرها ~~خرابا، ولأهلها رئاسة مشهورة في بني صريم. # وأما تلقم: فوقفت أنا على خط السيد صارم الدين يذكر أنه قصر بريدة، وهي ~~مدينة بأعلى البون. PageV01P164 # قال : ذكروا أنها ذات البئر المعطلة والقصر المشيد. # ولنعد إلى ms050 رقم نظم السيد إلى حيث يومي إلى ذكر أحد باسمه، فنذكر بعض مدته ~~وتأريخ مولده حسبما يتصل بنا خبره على وجه الإيجاز، والله الموفق للتمام ~~والإيجاز، والمرجو للقبول والجواز. # قال السيد صارم الدين: # وغيرهم من ملوك الأرض كم ملك %~% أغنى وأقنى بما ضي السيف والبدر # فكيف يغتر بالدنيا وبهجتها %~% زاكي الحجا ثاقب الآراء والنظر # دار الفناء بلا ريب ولا كذب %~% وربة الخدع بالتسويف والغرر # ظلالها قالص ماض بلا مهل %~% ولبثها لبث طيف زار في سحر # وبرقها خلب لا يرتجي طمع %~% له ولا سحبه تنهل بالمطر # كم أضحكت ثم كم أبكت وكم وهبت %~% واسترجعت من عزيز القدر والخطر # وكم أذلت عزيزا كان ممتنعا %~% وزال ذو عظم فيها بمحتقر # وقومت بمواضي الهند من عوج %~% وعدلت برماح الخط من صعر # فليس شمل عليها غير مفترق %~% وليس صاف بها ما شيب بالكدر # إن شئت تسمع من أنبائها عجبا %~% فسوف أغنيك عن بسط بمختصر # وسوف أنظم للسادات منتشرا %~% نظما وأوضحه شرحا بمنتثر # وسوف أذكر مما قد جرى نكتا %~% وأودع السمع منها أطيب الخبر # في سلك بسامة في الآل قد نظمت %~% غراء تبسم من ملفوفه الزهر # مما أصاب بني الزهراء وشيعتهم %~% وكلم دهرلهم بالناب والظفر # [فليس حي من الأحياء نعلمه %~% من ذي يمان ولا بكر ولا مضر] # [إلا وهم شركاء في دمائهم %~% كما تشارك أنسار على جزر] # [قتلا وأسرا وتشريدا ومنهبة %~% فعل الغزاة بأهل الروم والخزر] PageV01P165 [قال السيد صارم الدين] : هذه الأبيات الثلاثة[الأخيرة] لدعبل بن علي ~~الخزاعي في أهل البيت -عليهم السلام-، وكان دعبل هذا من جملة شعراء الشيعة ~~المجودين[قال السيد صارم الدين] وأئمتنا كثيرا ما يتمثلون بهذه الأبيات في ~~رسائلهم وكتبهم كالإمام أبي الفتح الديلمي والإمام المنصور بالله. # قلت: فإنه قال -عليه السلام- في (الدرة اليتيمة) : وقد أخذ يتألم لأهل ~~البيت -عليهم السلام-، وما فعل معهم وأن أحوالهم أسست على المحن، ونشأت على ~~الهزاهز والفتن. # قال المنصور بالله : وأول عادية عليهم بيعة السقيفة، ثم تبعها ظلم فاطمة ~~الزهراء الشريفة، ثم سبطها الأكبر، وقتل سبطها الأصغر، وصلب ms051 زيد بن علي[بن ~~الحسين بن علي] ومثل بولده يحيى في المعركة، وأتلف عبد الله بن الحسن ~~وإخوته وبنو أخيه في المحابس المظلمة، والمطابق الضيقة، وقتل ابناه النفس ~~الزكية، والنفس الرضية محمد وإبراهيم، ومات موسى بن جعفر شهيدا بأيدي ~~النصارى، وسم علي بن موسى الرضا على يد المأمون، وهزم إدريس بن عبد الله ~~إلى بلاد الأندلس فريدا، ومات عيسى بن زيد في بلاد الهند طريدا، وقتل يحيى ~~بن عبد الله بعد الأمان، ووضوح البرهان، وتجبر يعقوب بن الليث على علوية ~~طبرستان، وقتل محمد بن زيد بن حسن بأيدي آل ساسان، وفعل أبو السياج بعلوية ~~الحجاز ما شاع في البلدان من القتل، والتشريد في هجرة الأمان، حتى قال: ~~وعلى الجملة فليس في بيضة الإسلام بلدة إلا وفيها لقتيل طالبي تربة، ثم قال: # فليس حي من الأحياء نعلمه %~% من ذي يمان ولا بكر ولا مضر PageV01P166 الأبيات الثلاثة.. انتهى كلام المنصور -عليه السلام-، ولعله أخذه من رسالة ~~الخوارزمي التي تقدم ذكرها. # ولنرجع إلى رقم كلام السيد صارم الدين بقلم أحمر من غير شرح لظهور ذلك ~~حتى ينتهي بنا السياق إلى ذكر الأئمة السباق، والدعاة الذين شدوا مآزرهم في ~~رضا المليك الخلاق، شد الحوامل حبك النطاق، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجعل ~~الجنة مصيرهم ومأواهم. # قال السيد صارم الدين[رحمه الله] : # فقل لمن رام للأسباب معرفة %~% وربما تعرف الأسباب بالفطر # حب الرئاسة أطغى الناس فافترقوا %~% حرصا عليها وهم منها على صدر # والحق أبلج والبرهان متضح %~% وبيننا محكم التنزيل والسور # مات النبي أجل الخلق مرتبة %~% محمد خاتم الأنباء والنذر # نبينا المصطفى الهادي الذي ظهرت %~% آياته كظهور الشمس والقمر # صلى عليه إله العرش ما سجعت %~% ورق الحمام على غصن من الشجر # وكان ذلك خطبا من حوادثها %~% مسهلا كل خطب بعده عسر PageV01P167 ### | [ذكر موت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -] # أقول وبالله التوفيق: إن الشروع في تفسير ما أودعه السيد منظومته من سيرة ~~موت النبي وما تلا ذلك من الوقائع، والحوادث، وقيام الأئمة والمقتصدين من ~~هذا المكان على سبيل الاختصار ms052 إذ لا طريق إلى غير ذلك من البسط؛ لأنه كان ~~يؤدي إلى أن شرح هذه المنظومة يفوق مائة مجلد، ودليل ذلك أنه ذكر فيها من ~~ولي الأمر من لدن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذا الوقت الذي ~~رقم فيه هذا المختصر، وهو عام سنة تسع وتسعين وثمانمائة، ووقع فترات كثيرة ~~في جمعه حتى كمل في شعبان من سنة ست عشرة وتسعمائة، وكل واحد ممن ذكره ~~السيد قد سيرت سيرته منهم من احتوت على مجلدين، ومنهم من احتوت على أكثر ~~وأقل، وعلى هذا فقس. # قال ابن إسحاق : في مغازيه بعد أن استكمل ذكر غزوات النبي وسراياه: وكان ~~آخر سراياه سرية أسامة بن زيد إلى الشام فتجهز أسامة، وأوعب معه المهاجرون ~~الأولون. # قال: فبينا الناس على ذلك ابتدأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بشكواه التي قبضه الله فيها إلى ما أراد به من رحمته وكرامته في ليالي بقين ~~من شهر صفر، أو في أول شهر ربيع الأول، فخرج إلى بقيع الغرقد في جوف الليل ~~فاستغفر لهم، ثم رجع إلى أهله فأصبح مريضا. PageV01P168 # وعن أبي مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: بعثني رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم في جوف الليل فقال: ((يا أبا مويهبة، قد أمرت ~~أن أستغفر لأهل البقيع، فانطلق معي)) فانطلقت معه، فلما وقف بين أظهرهم، ~~قال: ((السلام عليكم، يا أهل المقابر، ليهنأ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح ~~الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، فيتبع آخرها أولها، الآخر شر من ~~الأول)) ثم أقبل علي فقال: ((يا أبا مويهبة، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن ~~الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، وخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة)). قال: ~~فقلت: بأبي أنت وأمي، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة. قال: ~~((لا، والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي والجنة)) ثم استغفر لأهل ~~البقيع، ثم انصرف. # قالوا: ولما كان يوم الإثنين الذي قبض فيه رسول الله صلى الله عليه ms053 وآله ~~وسلم خرج إلى الناس وهم يصلون الصبح، وكاد المسلمون يفتنون في صلاتهم فرحا ~~برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،وانفرجوا فأشار إليهم أن اثبتوا في ~~صلاتكم، وتبسم مسرورا لما رأى من هيئتهم في صلاتهم، ثم رجع إلى بيته فانصرف ~~الناس وهم يرون أنه قد أفرق من وجعه، ثم توفي[رسول الله] عند اشتداد الضحى ~~لاثني عشر ليلة خلت من ربيع الأول، وقيل: لليلتين خلتا منه، وقيل: أوله، ~~ودفن ليلة الأربعاء، أو قيل: ليلة الثلاثاء، مدة علته اثنا عشر يوما، وقيل: ~~أربعة عشر يوما، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين، وقيل: خمس وستين، وقيل: ستين. # قال الإمام المهدي: والأول أصح. PageV01P169 # وغسله علي والعباس وابناه الفضل وقثم وأسامة بن زيد، وشقران مولياه، وكفن ~~في ثلاثة أثواب بيض سحولية منسوبة إلى السحول بلدة باليمن وصلى عليه الناس ~~فرادى لا يؤمهم أحد بأمره ، ودفن حيث توفي حول فراشه وألحد له، وفي ذلك ~~يقول حسان بن ثابت -رضي الله عنه-: # بطيبة قبر للنبي ومعهد %~% منير وقد تعفو الرسوم وتهمد # [إلى أن قال] : # فبوركت يا قبر النبي وبوركت %~% بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد # لقد غيبوا حلما وعلما ورحمة %~% عشية يعلوه التراب يوسد # وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم %~% وقد وهنت منهم ظهور وأعضد # يبكون من أبكى السماوات يومه %~% ومن قد بكته الأرض فالناس أكمد # وهل عدلت يوما رزية هالك %~% رزية يوم مات فيه محمد # وهي هكذا إلى آخرها. # قال ابن إسحاق: ولما قبض إنحاز هذا الحي من الأنصار إلى سعد بن عبادة في ~~سقيفة بني ساعدة، فوقع الخلاف بين المهاجرين والأنصار. # قال الشيخ أبو القاسم البلخي : فهو أول خلاف وقع بين الأمة، وقد كان ~~الناس[على] عهده على دين واحد، وهو تصديقه فيما جاء به من صفات الباري ~~والبعث والجزاء. # قال الحاكم : ولا عبرة باختلاف الأمة في الفروع لتصويب بعضهم بعضا، [ولا] ~~بخلاف من ارتد إذ ليس من المسلمين، ثم حدث من بعد يوم السقيفة اختلافهم في ~~الشورى، ثم حدث خلاف أهل الجمل. PageV01P170 # فأما حديث محمد بن مسلمة وأسامة، ms054 وعبد الله بن عمر [وسعد بن أبي وقاص ] ~~وسعيد بن عمرو فلم يخالفوا عليا -عليه السلام -بل- تواقفوا ثم حدث خلاف ~~معاوية، فكان من أعظم الحوادث، ثم حدث عند التحكيم خلاف الخوارج، ثم ما ~~زالت الحوادث والبدع تحدث شيئا فشيئا وقول السيد صارم الدين: فكان ذلك خطبا ~~من حوادثها، إشارة إلى كثرة الحوادث الآتية بعد موت النبي . # وقد أشار إلى ذلك في حديث أبي مويهبة، وأشار إلى قوله : (( من أصيب ~~بمصيبة فليذكر مصيبته بي فإنكم لن تصابوا بمثلي أبدا)). PageV01P171 ### | [ذكر طرف من أخبار السقيفة] # وكان أول أمر بين أمته %~% حيف جرى من أبي بكر ومن عمر # على إمامهما الهادي أبي حسن %~% نفس الرسول كما قد جاء في السور # وبضعة المصطفى الزهراء فاطمة %~% زوج الوصي وأم الأنجم الزهر # تقدما حيدرا في الأمر واغتصبا %~% بالقهر نحلة ذات الفضل والخفر # اعلم أن أول خلاف وقع بين الأمة يوم السقيفة كما تقدم، وفيه ولي أبو بكر ~~الأمر، وللناس في هذه الولاية وصحتها خلاف كثير، وخطب طويل كبير، وأنا أشير ~~إلى طرف من ذلك على وجه الاختصار، ولا أنسب إلى أحد من كبار الصحابة [رضي ~~الله عنهم] ما يوجب التفسيق والإكفار، بل أسلك في توليهم مسلك جل أهل البيت ~~الأطهار. # [وقول سعد بن عبادة] قال أهل السير: لما بويع لأبي بكر بعدقول بعض ~~الأنصار: منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، أنا جذيلها المحكك، وعذيقها ~~المرجب فكثر اللغط وازدحم الناس هناك، وقد كان الأنصار أرادوا البيعة لسعد ~~بن عبادة، فحضر إلى السقيفة وهو مريض، فقال بعض الناس عند التزاحم بالسقيفة ~~: قتلتم سعد بن عبادة، فقال عمر بن الخطاب:[اقتلوا سعدا] : قتله الله. # وقد كان أمير المؤمنين عليه السلام انحاز إلى بيته في جماعة منهم: الزبير ~~والمقداد وجماعة من الصحابة، ولما بلغهم احتجاج المهاجرين على الأنصار، ~~قال: احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة. # وروي أنه قال: واعجباه!! أتكون الخلافة بالصحابة، ولا تكون بالصحابة ~~والقرابة، وقال في ذلك: # فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم %~% فكيف بهذا والمشيرون غيب # وإن كنت بالقربى حججت ms055 خصيمهم %~% فغيرك أولى بالنبي وأقرب PageV01P172 ثم اعلم: أن الناس مختلفون في حكم تقدم المشائخ على علي عليه السلام هل هو ~~صواب أم خطأ؟ وكذلك في حكم أبي بكر في فدك، والعوالي؟ فقالت الإمامية، وبعض ~~الزيدية: إنه خطأ يوجب الفسق، وقال بعض الزيدية: هو خطأ قطعي[لمخالفتهم ~~القطعي] ولا يقطع بالفسق؛ لأن التفسيق بالقياس غير معمول به، وإذ لم تفعل ~~الصحابة ذلك تمردا بل لشبهة. # قال الإمام المهدي في (البحر): فلا تمتنع الترضية عنهم لتقدم القطع ~~بإيمانهم. # قال أبو القاسم البستي في كتاب (التحقيق في الإكفار والتفسيق) ولأن الله ~~قال:{لقد رضي الله عن المؤمنين }[الفتح:18] الآية وكان أبو بكر وعمر من ~~المبايعين، ووضعالنبي شماله على يمينه عن عثمان إذ كان غائبا، فكان يقول: ~~شمال النبي خير من يميني؛ ولأن النبي قال: ((لعل الله قد اطلع على أهل بدر، ~~فقال: اذهبوا فقد عفوت عنكم )). ولأنه لم يتواتر عن علي -عليه السلام- ~~وأولاده البراءة منهم، بل قد روي أنه -عليه السلام- قال يوم مات أبو بكر : ~~أليس النبي قد بشرك بالجنة؟ # وأنه قال: ما في الأرض من أحب أن يلقى الله بصحيفة مثل صحيفة هذا المسجى، ~~وأنه ترحم عليه، وعلى عمر بعد الموت، وقال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو ~~بكر وعمر. PageV01P173 # وروي أن الحسن بن علي -عليهما السلام- كتب إلى أهل البصرة كتاب الدعوة، ~~وترحم عليهما فيه، وقال: إن الله قد بعث محمدا وكان الناس على ضلالة فهدى ~~به الخلق ثم قبضه، ونحن أحق الناس بمكانه غير أن قوما تقدمونا فاجتهدوا في ~~طلب الحق، فكففنا عنهم تحريا لإطفاء نار الفتنة حتى قام قوم فغيروا وبدلوا ~~فحاربناهم. # وروي عن زين العابدين أنه ترحم عليهما، وروى أبو مخنف عن زيد بن علي أنه ~~سئل عنهما؟ فقال: لا أقول فيهما إلا خيرا؛ فكان ذلك سبب خذلان القوم له؛ ~~فلذلك سماهم روافض في قصة طويلة. # وروي عن الصادق أنه قيل له: ما تقول في أبي بكر؟ فقال: ما أقول في رجل ~~ولدني مرتين يعني من قبل الأمهات. # وكان الناصر الأطروش ms056 يترحم عليهما ويثني عليهما في كتبه. # قلت: ونقلت من كتاب (الرياض المستطابة) للفقيه يحيى بن أبي بكر العامري ~~الحرضي المحدث ما لفظه: ومن كلام الإمام المنصور بالله في جواب المسائل ~~التهامية فإنه -رضى الله عنه- يعني المنصور بالله أثنى عليهم يعني كبار ~~الصحابة وعدد من آثارهم على غيرهم، قال فيهم: وهم خير الناس على عهد رسول ~~الله وبعده فرضي الله عنهم وجزاهم عن الإسلام خيرا، ثم قال: فهذا مذهبنالم ~~نخرجه غلطة، ولم نكتم سواه تقية، ومن هو دوننا مكانا وقدرة يسب ويلعن، ويذم ~~ويطعن، ونحن إلى الله تعالى من فعله براء وهذا ما يقضي به علم آبائنا منا ~~إلى علي -عليه السلام-، وفي هذه الجهة من يرى محض الولاء سب الصحابة ~~والبراءة منهم فيتبرأ من محمد من حيث لا يعلم، وأنشد: # إذا كنت لا أرمي وترمي كنانتي %~% تصب جانحات النبل كشحي ومنكبي # انتهى كلام المنصور. PageV01P174 # قلت أنا: وهذه حجج أهل البيت. # هذا القول الثاني: أعني الذين يقولون بأن خطأ الصحابة لم يبلغ كفرا ولا ~~فسقا، وأما البصرية من المعتزلة، والصالحية من الزيدية، وهو مذهب جميع أهل ~~السنة والخوارج، فيقولون: لا خطأ، وتقدم الشيخين على ما هو مفصل في مواضعه. # فهذا الكلام على قوله: حيف جرى من أبي بكر ومن عمر، ويشبه هذا القول، ما ~~روى ابن خلكان : أن علي بن يوسف صلاح الدين بن أيوب كان أبوه قد ولاه ~~البلاد قبل موته، فلما مات أبوه وثب عليه أخواه أبو بكر وعثمان فنازعاه ~~الأمر، فكتب إلى الخليفة العباسي الملقب بالناصر فقال: # مولاي إن أبا بكر وصاحبه %~% عثمان قد غصبا بالسيف حق علي # فانظر إلى حظ هذا الاسم كيف لقى %~% من الآواخر ما لاقى من الأول # فجوب عليه الخليفة بقوله: # وافى كتابك يا ابن يوسف معلنا %~% بالصدق يخبر أن أصلك طاهر # غصبوا عليا حقه إذ لم يكن %~% عد النبي له بيثرب ناصر # فاصبر فإن غدا عليه حسابهم %~% وابشر فناصرك الإمام الناصر PageV01P175 ### | [ذكر فدك وخيبر] # وأما قول السيد[رحمه الله] : واغتصبا بالقهر نحلة ذات الفضل ms057 والخفر؛ ~~فاعلم أني أولا أسوق لك بعض ما ذكره البستي في ذلك أيضا فأقول: إنه ذكر أن ~~الأصل في هذا الباب أن الناس قد اختلفوا في فدك وخيبر فمنهم من قال: كان ~~ذلك في يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن مات، ثم تناوله أبو ~~بكر، وأن فاطمة لم تنازع فيه، وإنما استعلمت عن وجه الحكم، فلما عرفت سكتت ~~وأعرضت وكفت، ومنهم من قال: [إنها] ادعت أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قد نحلها إياه، ثم إنها طولبت بالبينة؛ فأتت برجل وامرأة فقيل لها: ~~إما مع الرجل رجل وإما مع الإمرأة امرأة، فعدلت إلى الميراث فحاجها أبو بكر ~~بقوله صلى الله عليه وآله وسلم :(( إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه ~~صدقة)). فتركت المنازعة عند ذلك. # ومنهم من قال: إنها ادعت أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أيام حياته ~~أنحلها إياه، فلما لم يقبل قولها وقول شاهدها؛ عدلت إلى الميراث. # فلما منعت الميراث احتجت وانصرفت راضية بما جرى، غير أنا لا نعلم أن ~~القوم هل فسقوا بردها أم لا؟ # ومنهم من قال: نعلم أن ردها فسق من حيث أن مالها أخذ ظلما، ومن حيث أن ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني، ~~ومن آذاني فقد آذى الله)). ومن أخذ مالها فقد آذاها لا محالة. PageV01P176 # قال البستي: والذي نقول في ذلك:إن فدك وخيبر كانا لها، ومعلوم أنها ادعت ~~وناظرت أبا بكر، وأهل البيت أجمعوا على ذلك عنها، وكذلك أصحاب التواريخ، ~~ومن يحكي أيام أبي بكر وأخبار فاطمة ذكروا مناظرتها في أمر فدك، فمن أنكر ~~ذلك؛ فقد أنكر بيعة أبي بكر، وإمامته وجلوسه مجلس رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وإذا ثبت دعواها في فدك بهذه الطريقة فالذي نقول: إنها ما ادعت ~~إلا الحق؛ لكونها معصومة؛ ولأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم صلى الله ~~عليه وآله وسلم بشرها بالجنة، وعهد إليها أنها أول أهله تلحق به، وأن ms058 ~~منزلها ومنزل أمير المؤمنين علي بحذاء منزل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ولأنه قال: ((سيدات نساء العالمين أربع : آسية امرأة فرعون، ومريم بنت ~~عمران، وخديجة ابنة خويلد، وفاطمة بنت محمد)). فإذا ثبت أنها من أهل ولاية ~~الله سبحانه لزم القطع بأنها كانت محقة في دعواها غير مبطلة. PageV01P177 # قال الفقيه حميد : إن الخلاف بين الناس في إقدام أبي بكر على ذلك مترتب على ~~ما تقدم من قول الإمامية، وبعض الزيدية، والقول الثاني، والثالث، وروى ~~الفقيه حميد في كتاب (محاسن الأزهار) أن البخاري روى بسنده، عن عائشة: أن ~~فاطمة أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم مما أفاء الله عليه بالمدينة، وفدك، وما بقي من خمس خيبر، إلى أن ~~قالت: فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منه شيئا؛ فوجدت فاطمة على أبي بكر ~~في ذلك وهجرته، ولم تكلمه حتى توفيت، وقد عاشت بعد النبي ستة أشهر، فلما ~~ماتت دفنها علي -عليه السلام- ليلا وصلى عليها، ولم يؤذن بها أبا بكر. PageV01P178 # قال الفقيه حميد: وروى صاحب (المحيط بالإمامة) : أن أبا بكر أخرج وكيل ~~فاطمة من فدك، وطالبها بالبينة بعد شهر من موت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فجاءها وكيلها، فقال: أخرجني أبو بكر؛ فسارت فاطمة إلى أبي بكر ~~ومعها أم أيمن، ونسوة من قومها فقالت: فدك بيدي أعطانيه رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وتعرض صاحبك لوكيلي فقال: يا بنت محمد، أنت عندنا مصدقة إلا ~~أن عليك البينة، فقالت: يشهد [لي] علي بن أبي طالب، وأم أيمن، فقال: هاتي؛ ~~فشهدا وكتب لها صحيفة فختمها ؛ فأخذتها فاطمة فاستقبلها عمر، فقال: يا بنت ~~محمد، هاتي الصحيفة، فأخذها ونظر فيها فتفل فيها، ومزقها، فاستقبلها علي بن ~~أبي طالب -عليه السلام- وقال: مالك -يا بنت محمد غضبى ؛ فذكرت له ما صنع ~~عمر فقال: ما ركبوا من أبيك ومني أعظم من هذا، قال: فمرضت فجاءا يعودانها، ~~فلم تأذن لهما فجاءا من الغد فأقسم علي عليها؛ فأذنت لهما، ms059 فدخلا وسلما، ~~فردت عليهما سلاما ضعيفا، ثم قالت: سألتكما بالله الذي لا إله إلا هو هل ~~سمعتما من رسول الله يقول: ((من آذى فاطمة فقد آذاني )) فقالا: اللهم، ~~نعم. قالت: فأشهد أنكما قد آذيتماني. # قال الفقيه حميد: وقد تقرر في الأخبار أن الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى ~~لرضاها، ومتى كان الخبر مقطوعا به كان الحال في عصمتها ظاهرا جليا، لأن ~~النبي أخبر بذلك مطلقا. # قال: وهذا يقتضي أن يكون غضبها من قضية أبي بكر؛ لأنها وقعت خطئا وإن ~~الله قد غضب لغضبها في ذلك. # قال: وهذا يقتضي أن يكون قضاؤه باطلا. PageV01P179 # قلت: وأما الإمام المهدي فذكر في (البحر) أن قضية أبي بكر صحيحة، وأنها لو ~~كانت باطلة لنقضها علي وبنو هاشم. # وروى أن زيد بن علي سئل عن ذلك؟ فقال: لو كنت إياه ما قضيت إلا بما قضى ~~به أبو بكر. # قال الفقيه حميد: وعلى الجملة فالحال ظاهر عند العترة أن فاطمة ماتت وهي ~~غاضبة من ذلك. # قال: وقد سئل الإمام العلامة القاسم بن إبراهيم -عليه السلام- عن ~~الشيخين؟ فقال: كانت لنا أم صديقة ماتت وهي غضبانة عليهما، ونحن نغضب ~~لغضبها. # وفي [مثل] ذلك يقول بعض أهل البيت -عليهم السلام-: # أتموت البتول غضبى ونرضى %~% ما كذا يفعل البنون الكرام # يا أبا حفص الهوينا فما كنت %~% مليا بذاك لولا الحمام # قال بعض أهل السير: إن معاوية بعد موت الحسن بن علي أقطع مروان ثلث فدك، ~~فلم يزل على ذلك حتى خلصت له بعد خلافته، فوهبها لابنه عبد العزيز فوهبها ~~عبد العزيز لابنه عمر، فلما ولي عمر الخلافة كانت أول ظلامة ردها دعا الحسن ~~بن الحسن بن علي فدفعها إليه، وكانت بيد أولاد فاطمة مدة ولايته. # فلما ولي يزيد بن عاتكة قبضها منهم، فصارت بأيدي بني مروان، كما كانت ~~يتداولونها حتى انتقلت الخلافة عنهم، فلما ولي السفاح ردها على عبد الله بن ~~الحسن ثم قبضها أبو جعفر، ثم ردها ابنه المهدي على ولد فاطمة، ثم قبضها ~~ابنه موسى، ثم هارون، فلم تزل في ms060 أيديهم حتى ولي المأمون فردها على ~~الفاطميين. PageV01P180 # قالوا: إنه جلس يوما للمظالم فأول رقعة وقعت في يده نظر فيها فبكى وقال ~~للذي على رأسه: ناد وكيل فاطمة، فقام شيخ عليه دراعة، وعمامة، وخف، وتقدم ~~فجعل يناظره في فدك، والمأمون يحتج عليه، وهو يحتج على المأمون، ثم أمر أن ~~يسجل لهم بها، فقرأ السجل على المأمون فأنفذه؛ فقام دعبل الخزاعي إلى ~~المأمون، فأنشد الأبيات التي أولها: # أصبح وجه الزمان قد ضحكا %~% برد مأمون هاشم فدكا # فلم تزل في أيدي الفاطميين إلى أيام المتوكل، فأقطعها بعض عماله، وكان ~~فيها إحدى عشرة نخلة غرسها رسول الله بيده، فكان بنو فاطمة يأخذون ثمرها، ~~فإذا قدم الحاج أهدوا لهم منه فيصلونهم فيصير إليهم من ثمن ذلك مال جليل، ~~فصرم ذلك الوالي الذي أقطعه إياه المتوكل ذلك النخل صرمه له بعض وكلائه، ~~فعاد ذلك الوكيل إلى البصرة ففلج وذكر ابن أبي الحديد عقيب ذلك: أن عمر بن ~~عبد العزيز لما ولي رد فدك على ولد فاطمة، وكتب إلى واليه على المدينة وهو ~~أبو بكر بن عمر بن حزم يأمره بذلك، فكتب إليه: إن فاطمة قد ولدت في آل عمر ~~وآل فلان[وفلان] فعلى من أرد منهم؟ وكتب إليه: أما بعد: فإني لو كتبت إليك ~~آمرك بذبح شاة لكتبت إلي أجماء أم قرناء؟ أو كتبت إليك بذبح بقرة لسألتني ~~ما لونها؟ فإذا ورد إليك كتابي هذا فاقسمها في ولد فاطمة من علي، والسلام. PageV01P181 # قال : فنقمت بنو أمية[ذلك] على عمر بن عبد العزيز، وعابوه وقالوا: أهجنت ~~فعل الشيخين، وخرج إليه عمرو بن قيس في جماعة من أهل الكوفة، فلما عاتبوه ~~على فعله قال: إنكم جهلتم وعلمت، ونسيتم وذكرت: إن أبا بكر محمد بن حزم، ~~حدثني عن أبيه، عن جده، أن رسول الله قال: ((فاطمة بضعة مني يسخطني ما ~~أسخطها، ويرضيني ما أرضاها)) وإن فدك كانت صافية على عهد أبي بكر وعمر، ثم ~~صار أمرها إلى مروان فوهبها لعبد العزيز [أبي] فورثتها أنا وإخوتي [عنه] ~~فسألتهم أن يبيعوني حصتهم [منها] ms061 فمن بايع وواهب حتى استجمعت لي، فرأيت أن ~~أردها على ولد فاطمة، فقالوا : فإن أبيت إلا ذلك فامسك الأصل واقسم الغلة، ففعل. PageV01P182 ### | [ذكر آية وحديث المباهلة] # وقوله: نفس الرسول كما قد جاء في السور، إشارة من السيد إلى ما رواه ~~المحدثون: أن وفد نجران قدموا على النبي فناظرهم، واحتج عليهم بما يدل على ~~أنهم قد خالفوا ما في التوحيد وغيره، فأنكروا ذلك فنزلت آية المباهلة ~~فتوامر الوفد بينهم بعد أن خرج النبيوأخرج عليا، وفاطمة، والحسنين، فقالت ~~النصارى: والله إنا لنرى وجوها إن باهلناهم لم يبق على وجه الأرض نصراني.. ~~الحديث، وفي الخبر عن سعد بن أبي وقاص قال: لما نزلت الآية، قوله ~~تعالى:{ندع أبناءنا وأبناءكم }...الآية [آل عمران:61] دعا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عليا وفاطمة، وحسنا، وحسينا، وقال: ((اللهم، هؤلاء ~~أهلي )) وفي رواية لسعد أنه قال: لعلي ثلاث، لأن يكون لي واحدة منهن أحب ~~إلي من حمر النعم، لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوحي ~~أدخل عليا، وفاطمة، وابنيهما، ثم قال: ((اللهم، هؤلاء أهل بيتي، فاسترهم من ~~النار كسترتي إياهم)). PageV01P183 ### || [المراد من لفظ الوصي إذا أطلق] # وقوله: زوج الوصي. # إعلم أن الوصي إذا أطلق، فقيل: وصي رسول الله فالمراد به علي -عليه ~~السلام- حقيقة دون غيره من الصحابة؛ والحجة على ذلك: ما رواه الفقيه حميد، ~~بإسناده إلى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده علي، أنه قال: لي عشر من رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أحب أن لي بإحداهن ما طلعت عليه الشمس، ~~قال لي: ((يا علي، أنت أخي في الدنيا والآخرة، وأقرب الخلائق مني في الموقف ~~يوم القيامة، منزلي يواجه منزلك في الجنة كما يتواجه منزل الأخوين في الله، ~~وأنت الولي، والوزير، والوصي والخليفة في الأهل والمال والمسلمين في كل ~~غيبة، وأنت صاحب لوائي في الدنيا [والآخرة] ووليك وليي، ووليي ولي الله، ~~وعدوك عدوي، وعدوي عدو الله)). # قال الفقيه حميد -رحمه الله-: وقد انعقد الإجماع من الأمة على إطلاق هذه ms062 ~~اللفظة -يعني الوصي- على علي -عليه السلام-. # قال: فليت شعري كيف يكون وصيا على الأمة عموما، والثلاثة المشائخ أئمة ~~قبله، وولايتهم عند من قال بإمامتهم ثابتة عليه، وهل في ذلك إلا المناقضة ~~التي لا تخفى على منصف؟! # رجع إلى قوله : # بعد انقيادهما للحق لو تركا %~% رأى المغيرة شيخ المكر والغرر # لشبهة ما لها أصل لمنتقد %~% والشك في صغر الإقدام والكبر # الضمير في انقيادهما عائد إلى أبي بكر وعمر وقد تقدم طرف من أمرهما. PageV01P184 ### | [المغيرة بن شعبة] # وأما المغيرة: فهو المغيرة بن شعبة الثقفي، [وهو من المعادين لعلي -عليه ~~السلام-] والمراد بالشبهة: ما رواه[الإمام] المنصور بالله في كتاب (الشافي) ~~عن المغيرة أنه قال: أنا أول من صرف هذا الأمر عن أهل هذا البيت، وذلك أني ~~أتيت يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر لازم للباب، ~~فقلت: ما وقفتك ها هنا؟ فقال: أنتظر علي بن أبي طالب يخرج فنبايعه، فقد ~~سمعنا فيه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما سمعنا، فقلت: أنشدك ~~الله عن الإسلام وأهله، والله لئن فعلتم ذلك لتكونن قيصرية وكسروية، ~~ولينتظرن بها الجنين في بطن أمه،قال : فلم يقبل قولي، فذهبت إلى عمر ~~[فلقيته] فقلت [له] : الله الله في الإسلام[وآله] فإني لقيت أبا بكر وهو ~~ينتظر عليا، وقال: كذا[وكذا] وقلت: كذا[وكذا] والله لئن فعلتم هذا لينتظرن ~~بها الجنين في بطن أمه، ولتكونن قيصرية وكسروية. # قال: فخف معي عمر. وكان أبو بكر لا يخالفه فقال عمر لأبي بكر: ما دعاك ~~إلى ما يقول المغيرة، انظر يا أبا بكر لا تطمع في هذا الأمر بني هاشم فإنا ~~إن فعلنا ذلك ذهبت الإمرة من قريش إلى آخر أيام الدنيا. انتهى. # قالوا: وكان علي -عليه السلام- يقنت بلعنه.كما سيأتي. PageV01P185 # وفي شرح ابن أبي الحديد: أنه ذكر عند أمير المؤمنين وجده مع معاوية، فقال ~~علي: وأما المغيرة إنما كان [إسلامه] ؛ لفجرة وغدرة غدرها في قومه وقتل ~~منهم، فهرب إلى النبيكالعائذ بالإسلام، والله ما أرى أحد عليه منذ ادعى ~~الإسلام خضوعا ولا ms063 خشوعا، ألا وإنه كائن من ثقيف فراعنة قبل يوم القيامة، ~~يجانبون الحق، ويسعرون نيران الحرب، ويؤازرون [الظالمين، ألا إن ثقيفا قوم ~~غدر لا يوفون بعهد يبغضون] العرب كأنهم ليسوا منهم وكان المغيرة من أهل ~~المكر والغدر، فمن مكره وحيله أن معاوية لما ولاه الكوفة وقعد فيها، ندم ~~معاوية على ذلك، وبدا له أن يوليها عبد الله بن عامر ؛ ففرحوا وخرجوا للقاء ~~عبد الله، فلما علم المغيرة بذلك ركب وسار حتى أتى معاوية، فقال له: أي شيء ~~أقدمك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قد كبر سني وضعف قواي، وعجزت عن العمل، وما ~~آسى على شيء إلا على شيء واحد وددت أنه لا يفوتني. # قال: وما هو؟ PageV01P186 # قال: كنت دعوت أشراف الكوفة إلى البيعة ليزيد فأجابوني إلى ذلك ووجدتهم ~~سراعا نحوه، فكرهت أن أحدث أمرا دون رأيك؛ فقدمت لأ شافهك بذلك، وأستعفيك ~~عن العمل، فقال له معاوية: يا سبحان الله!! -يا أبا عبد الرحمن- إنما يزيد ~~ابن أخيك، ومثلك إذا شرع في أمر لم يدعه حتى يحكمه، فنشدتك الله، إلا رجعت ~~فتممت هذا، فخرج من عنده، وقال لكاتبه: ارجع بنا إلى الكوفة، فوالله لقد ~~وضعت رجل معاوية في غرز لا يخرجها منه إلا سفك الدماء، وكتب معاوية إلى ~~زياد وهو والي البصرة: إن المغيرة قد عاد إلى الكوفة ليبايع ليزيد بولاية ~~العهد بعدي، وليس المغيرة بأحق منك بابن أخيك، فادع الناس قبله إلى مثل ما ~~دعاهم المغيرة، فلما قرأ زياد الكتاب بعث إلى معاوية، فقال: يا أمير ~~المؤمنين، ورد كتابك بكذا، فما يقول الناس إذا دعيتهم إلى بيعة يزيد وهو ~~يلعب بالكلاب والقردة، ويلبس المصبغ، ويدمن الشراب؟ وبحضرتهم الحسين بن ~~علي، وعبد الله بن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، ولكن تأمره أن يتخلق ~~بأخلاق هؤلاء حولا أو حولين فعسى أن نموه [على] الناس به، فلما قرأ معاوية ~~كتابه، قال: ويلي على ابن عبيد!! لقد بلغني أن الحادي حدا به أن الأمير ~~بعدي زياد، والله لأردنه إلى أمه سمية وإلى أبيه عبيد؛ فقلت : هذه الحيلة ms064 ~~من مكايد المغيرة للإسلام، فإن معاوية لم يكن يجسر على ذلك ولا يخطر له ~~ببال حتى غره المغيرة ليبقى على ولايته، فهذا معنى قول السيد: شيخ المكر ~~والغرر، وكانوا يسمونه أيضا: الشيخ الزاني؛ لأنه لما كان واليا على البصرة ~~لعمر رآه أبو بكرة وثلاثة معه من دار أبي PageV01P187 بكرة وهو يزني بإمرأة، في قصة طويلة مشهورة في التواريخ، فشكوا ذلك إلى عمر ~~فأرسل إليه وإلى الشهود، فصرح ثلاثة عليه بالزنا، وتلكأ زياد في شهادته؛ ~~فدرأ عمر عن المغيرة الحد، وجلد الثلاثة. # قالوا: ولما شهد عليه الأول، قال عمر أو علي على اختلاف الروايتين: إذهب ~~عنك مغيرة ذهب ربعك، ولما شهد الثاني، قال: إذهب عنك مغيرة ذهب نصفك، ثم ~~شهد الثالث، قال: إذهب عنك مغيرة ذهب ثلاثة أرباعك، وجعل المغيرة يبكي إلى ~~المهاجرين فبكوا معه، وبكى إلى أمهات المؤمنين فبكين معه، ولم يكن زياد وهو ~~الرابع حاضرا. # فلما جاء ورأى الكراهة في وجه عمر تلكأ في شهادته، ولم يقطع بها كقطع ~~الثلاثة؛ فدرأ الحد عن المغيرة، وكان عمر بعد ذلك يقول للمغيرة: ما رأيتك ~~إلا خفت أن أرمى بالحجارة من السماء، وكان علي يقول بعد ذلك: إن ظفرت ~~بالمغيرة لأتبعنه أحجاره وقال حسان بن ثابت[رضي الله عنه] في ذلك: # لو أن اللؤم ينسب كان عبدا %~% قبيح الوجه أعور من ثقيف # تركت الدين والإسلام لما %~% بدت لك غدوة ذات النصيف # وراجعت الصبا وذكرت لهوا %~% مع القينات في العمر اللطيف # وروى أبو الفرج الأصبهاني في كتاب (الأغاني) عن الجاحظ قال: كان المغيرة، ~~والأشعث بن قيس وجرير بن عبد الله يوما بكناسة الكوفة في نفر، فطلع عليهم ~~أعرابي، فقال لهم المغيرة: دعوني أحركه. # قالوا : لا تفعل، فإن للأعراب جوابا يؤثر. # فقال: لا بد. # فقالوا: أنت أعلم. # فقال: يا أعرابي، أتعرف المغيرة بن شعبة؟ # فقال: نعم، أعرفه أعور زانيا يرجم ويجلد. # فقال له: أتعرف الأشعث بن قيس؟ PageV01P188 # فقال: ذلك رجل لا يعزى إلى قومه. # فقال: وكيف ذلك؟ # قال: لأنهم عجوم نسبوا إلى كندة، ثم قال: ms065 أتعرف جرير بن عبد الله؟ # فقال: كيف لا أعرف رجلا لولاه لم تعرف قبيلته؛ فقالوا: للمغيرة قبحك الله ~~فإنك شر جليس. # قال المدائني : إن المغيرة بن شعبة كان أزنى الناس في الجاهلية، فلما دخل ~~في الإسلام وبقيت منه بقية ظهرت في أيام ولايته. # قال الطبري: وروى الواقدي قال: لما قدم المغيرة على عمر حين رماه القوم ~~بالزنا تزوج في طريقه إمرأة من بني مرة؛ فقال عمر: إنك لفارغ القلب، شديد ~~الشبق، طويل الغرمول. PageV01P189 ### | [ذكر الخطبة الشقشقية] # رجع الكلام قوله عليه السلام # فأعرض المرتضى والحلق فيه شجا %~% والطرف فيه قذى طام على البصر # وقال للقوم إذ حجوا مخالفهم %~% يوم السقيفة ليس العود كالثمر # ولم تزن عنده الدنيا وزينتها %~% قلامة قدها حي من الظفر # في هذه الأبيات إشارة إلى ما ذكر علي -عليه السلام- في خطبته المعروفة ~~بالشقشقية فإنها مصرحة منه بالتجرم العظيم، والتألم الذي هو [عن] الوجد على ~~المشائخ غير سليم، فروى عنه صاحب (نهج البلاغة) أنه قال: أما والله لقد ~~تقمصها ابن أبي قحافة أو قال فلان، وهو يعلم أن محلي منها محل القطب من ~~الرحى، ينحدر عني السيل، ولا ترقى إلي الطير، فسدلت دونها ثوبا،وطويت عنها ~~كشحا، وطفقت أرتأي بين أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها ~~الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلاقي ربه، فرأيت أن الصبر ~~على هاتا أحجى [فصبرت وفي الحلق شجى، وفي العين قذى] أرى تراثي نهبا، حتى ~~إذا مضى الأول لسبيله، فأدلى بها إلى فلان بعده، [ثم تمثل بهذا البيت] : # شتان ما يومي على كورها %~% ويوم حيان أخي جاير PageV01P190 فيا عجبا!! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عهد إلى آخر بعد وفاته، لشد ما ~~تشطرا ضرعيها فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها، ويخشن مسها، ويكثر ~~العثار[فيها] والاعتذار منها، فراكبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم، وإن ~~أسلس لها تقحم، فمني الناس -لعمر الله- بخبط وشماس وتلون واعتراض، فصبرت ~~على طول المدة وشدة المحنة، حتى إذا مضى [الآخر] لسبيله جعلها في جماعة، ms066 ~~وزعم أني كأحدهم فيا لله!! وللشورى!! متى اعترض الريب في مع الأول منهم!! ~~حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر، ولكني أسففت إذا أسفوا وطرت إذا طاروا، فصغى ~~رجل منهم لضغنه ومال آخر منهم لصهره مع هن وهن إلى أن قام [الثالث من ~~القوم] نافجا حضنيه، بين نثيله ومعطفه وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله ~~خضم الإبل نبت الربيع، إلى أن انتكث [عليه] فتله، وأجهز عليه عمله، وكبت به ~~مطيته فما راعني إلا والناس [يهرعون] إلي كعرف الضبع، ينثالون علي من كل ~~جانب،[حتى] لقد وطىء الحسنان، وشق عطفاي، مجتمعين علي كربيضة الغنم، فلما ~~نهضت بالأمر نكثت طائفة، ومرقت أخرى، وفسق آخرون، كأنهم لم يسمعوا[كلام] ~~الله إذ يقول:{تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا ~~فسادا والعاقبة للمتقين}[القصص:83] بلى، والله لقد سمعوها ووعوها، ولكنهم ~~حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ~~لولا حصول الحاضر، وقيام الحجة لوجود الناصر، وما أخذ الله علي العلماء أن ~~لا يقروا على كظة ظالم ولا PageV01P191 سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم ~~دنياكم هذه عندي أزهد من عفطة عنز قلت: وهذا الذي أشار إليه السيد صارم ~~الدين بقوله: ولم تزن عنده الدنيا وزينتها البيت قالوا: وقام إليه رجل من ~~أهل السواد عند بلوغه هذا الموضع من خطبته فناوله كتابا وأقبل ينظر فيه، ~~فلما فرغ من قراءته، قال له ابن عباس: لو اطردت مقالتك من حيث اقتضبت، ~~فقال: هيهات!! -يا ابن عباس- تلك شقشقة هدرت، ثم قرت. PageV01P192 ### | [تجرم أمير المؤمنين(ع) على من تقدمه] # قال السيد صارم الدين : # وما رأى صرمهم رأيا لأن لهم %~% سوابقا وهو بالصبر الجميل حري # أغضى وجامل فاخترنا مجاملة %~% وسامح القوم في أمر أتوه فري # وقد تجرم منهم في الذي فعلوا %~% وما تعدى إلى سب ولا هذر # قال ابن أبي الحديد: واعلم أنها قد تواترت الأخبار عن علي -عليه السلام- ~~بالتجرم الكبير على المشائخ، نحو قوله: وقال قائل[منهم] : إنك يا ابن أبي ~~طالب على ms067 هذا الأمر لحريص. فقلت: أنتم والله أحرص مني وأبعد، وأنا أخص ~~وأقرب، وإنما طلبت حقا لي، وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه، ~~فلما قرعته بالحجة عن ملأ من الحاضرين بهت لا يدري ما يجيبني[به] اللهم، ~~إني أستعديك على قريش، فإنهم قطعوا رحمي، وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على ~~منازعتي فيما هو لي، ثم قالوا: ألا إن في الحق أن تأخذه، وفي الحق أن تتركه. # ومن تجرماته قوله: ما زلت مظلوما صغيرا وكبيرا، فقيل له: قد علمنا ظلمك ~~في كبرك، فما ظلمك في صغرك؟ فقال: إن أخي عقيلا كان في عينيه وجع، فإذا ~~أرادت الأم أن تذر في عينيه امتنع عليها، وقال: ابدأوا بعلي أولا، فكانت ~~تذر في عيني من غير وجع بهما. # ومن تجرماته: اللهم اجز قريشا فإنها منعتني حقي، وغصبتني إرثي. # ومن ذلك قوله: فجزت قريشا عني الجوازي، فإنهم ظلموني حقي، واغتصبوني ~~سلطان ابن أمي. # وقوله، وقد سمع صارخا ينادي: أنا مظلوم، فقال: هلم، فلنصرخ معا، فإنى ما ~~زلت مظلوما. PageV01P193 # ومن ذلك قوله: وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، وقوله: أرى ~~تراثي نهبا، وقوله: إنهما أصغيا إناءنا وحملا الناس على رقابنا، وقوله: إن ~~لنا حقا إن نعطه نأخذه، وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل وإن طال السرى، وقوله: ~~ما زلت مظلوما مستأثرا علي مدفوعا عما استحقه. # قال ابن أبي الحديد: وأصحابنا -يعني المعتزلة- يحملون هذا كله على ادعائه ~~الأمر بالأفضلية [والأحقية]. # قال: وهو الحق والصواب، فإن حمله على استحقاقه الخلافة يؤدي إلى تكفير ~~المشائخ أو تفسيقهم. # قال: ولكن الإمامية، وبعض الزيدية حملوا هذه الأقوال على ظواهرها ~~وارتكبوا بها مركبا صعبا. # قال: ولعمري إنها موهمة مغلبة على الظن بصحة ما يقوله القوم، لكن تصفح ~~الأحوال يبطل ذلك الظن، ويدرأ ذلك الوهم فوجب أن يجرى مجرى الآيات ~~المتشابهة الموهمة ما لا يجوز على الباري، فإنا لا نعمل بظواهرها لما ~~تصفحنا أدلة العقل. PageV01P194 # وروى ابن أبي الحديد [رواية معناها] : إن رجلا من أهل السنة شاهد يوم ~~الغدير، وما يجري عند قبر ms068 أمير المؤمنين من الأقوال الشنيعة، وسب الصحابة ~~بأصوات مرتفعة، فقال شيخ الحنابلة ببغداد لهذا الحاكي: والله ما جرأهم على ~~ذلك وفتح لهم هذا الباب إلا صاحب هذا القبر[يعني] علي بن أبي طالب، فقال: ~~يا سيدي، هو الذي سن لهم ذلك، وعلمهم إياه وطرقهم إليه، فقال: نعم، والله، ~~فقال: يا سيدي، فإن كان محقا فما لنا نتولى فلانا وفلانا، وإن كان مبطلا ~~فما لنا نتولاه، فينبغي أن نتبرأ منه أو منهما، فقام العالم مسرعا ولبس ~~نعليه، وقال: لعن الله إسماعيل، وهو اسم لهذا العالم الحنبلي إن كان يعرف ~~جواب هذه المسألة، ثم دخل داره. # قال ابن أبي الحديد: فقمنا نحن أيضا وانصرفنا انتهى. # فهو كما ترى مصرحا بالتجرمات. PageV01P195 ### | [الرأي في المشائخ الذين تقدموا عليا( ع)] # قال السيد صارم الدين: # وحين رضى رضينا ما ارتضاه لنا %~% تجرما ورضا منا على الأثر # فرض عنهم كما رضى أبو حسن %~% أو قف عن السب إما كنت ذاحذر # فللمشائخ حق ليس نجهله %~% وسابقات وإن جاروا فلا تجر # قاموا مع المصطفى المختار واجتهدوا %~% وآثروه على الآباء والأسر # وهاجروا الهجرة الغراء واحتملوا %~% ثقل المتاعب والبأساء في الهجر # وسل حنينا وسل بدرا وسل أحدا %~% ومؤتة وتبوكا ثم ذا أمر # اعلم أن فضل المشائخ الثلاثة لا يجهله إلا من أعمى الهوى بصره، وأضاع في ~~عدم حمل أعلام الدين على التأويلات المناسبة لسوابقهم عمره، وقد تقدم طرف ~~مما ذكره سباق أئمتنا في حقهم من التصريح بالترضية ولنا بهم أسوة حسنة، إلى ~~الخير مقربة ومدنية، وكفاهم شرفا ما ذكره السيد في هذه الأبيات المفصحات ~~بسوابقهم التي يستحقون بها المثل الأعلى، والفوز في الدارين بالقدح المعلى، ~~وإنما الشأن في معاوية بن أبي سفيان، وأتباعه من أهل البغي والعدوان، فإنهم ~~الذين لم يألوا الإسلام وأهله غشا وعنادا، ولا برحوا أيام حنين وبدر وأحد ~~على الإسلام وأهله سيوفا حدادا، وهذه الثلاثة المواطن مشهورة نطق بذكرها ~~القرآن الكريم، وتواتر أمرها في سنة النبي العظيم، فنشرح ذكرها في هذا ~~المختصر كتعرض لتقويم القويم، وأما مؤتة وتبوكا وذات ms069 أمر، فالإشارة إلى طرف ~~من التنبيه عليها لا بأس به لخفاء أمرها عن كثير ممن لا اعتناء له بمطالعة السير. PageV01P196 ### | [ذكر غزاة مؤتة] # فأقول: إن مؤتة جهة وجه إليها النبي طائفة من المسلمين، وأمر عليهم زيد ~~بن حارثة قال: ((فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب فإن أصيب فعبد الله بن رواحة ~~الأنصاري )). # قالوا: وكان النعمان بن نهض اليهودي حاضرا، فقال: يا أبا القاسم، إن كنت ~~نبيئا فسيصاب من سميت قليلا كانوا أو كثيرا، إن الأنبياء في بني إسرائيل ~~كانوا إذا استعملوا الرجل على القوم، ثم قالوا: إن أصيب فلان فلو سموا مائة ~~أصيبوا جميعا، ثم جعل اليهودي يقول لزيد بن حارثة: اعهد إلى أهلك فلا ترجع ~~إلى محمد أبدا إن كان نبيا. فقال زيد بن حارثة: أشهد أنه نبي صادق. # قال الواقدي: ولما ودع عبد الله بن رواحة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال له: مرني بشيء أحفظه عنك، قال : ((إنك قادم غدا بلدا السجود فيه ~~قليل، فأكثر السجود)) فقال عبد الله: زدني -يا رسول الله-، فقال: (( اذكر ~~الله فإنه عون لك على ما تطلب)) فقام من عنده حتى إذا [ما] مضى [ذاهبا] رجع ~~فقال: يا رسول الله، إن الله وترا يحب الوتر فقال: ((يا ابن رواحة، ما عجزت ~~فلا تعجز إن أسأت عشرا أن تحسن واحدة )). فقال ابن رواحة: لا أسألك عن شيء بعدها. PageV01P197 # قال الواقدي: ومضى المسلمون فنزلوا وادي القرى فأقاموا به أياما فساروا حتى ~~نزلوا بمؤتة، وبلغهم أن هرقل ملك الروم قد نزل بماء من مياه البلقاء[في بكر ~~وبهراء ولخم وجذام وغيرهم] في مائة ألف مقاتل[وعليهم رجل من بلي] فأقام ~~المسلمون [ليلتين] ينظرون في أمرهم، فقالوا : نكتب إلى رسول الله فنخبره ~~الخبر، فإما أن يردنا أو يزيدنا رجالا، فبيناهم كذلك[إذ] جاءهم عبد الله بن ~~رواحة فشجعهم، فقال: ما كنا نقاتل بكثرة عدد ولا كثرة سلاح، ولا [كثرة] ~~خيل،[إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به] ولكن بهذا الدين فانطلقوا ~~وقاتلوا. # فقد رأينا والله يوم بدر، ما ms070 معنا إلا فرسان إنما هي إحدى الحسنيين إما ~~الظهور عليهم فذلك [ما وعدنا الله ورسوله، وليس لوعده خلف] وإما الشهادة ~~فنلحق بالإخوان نرافقهم في الجنان، فشجع الناس[على قول] ابن رواحة. # وروى أبو هريرة قال: شهدت مؤتة فلما رأينا المشركين رأينا ما لا قبل لنا ~~به من العدد والسلاح، والكراع، والديباج، والحرير، والذهب، والفضة، فبرق ~~بصري، فقال لي ثابت بن أرقم : مالك يا أبا هريرة؛ كأنك ترى جموعا كثيرة. # قلت : نعم. فقال: لم تشهدنا ببدر، إنا لم ننصر بالكثرة. # قال الواقدي: فالتقى القوم فأخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل حتى قتل[طعنوه ~~بالرماح] ثم أخذها جعفر فطاعن ثم نزل عن فرسه فعرقبها فقاتل حتى قتل، فضربه ~~رجل من الروم فقطعه نصفين، فوقع أحد نصفيه في كوته هناك فوجد فيه ثلاثون، ~~أو بضع وثلاثون جرحا. PageV01P198 # قال الواقدي: وقد روى نافع عن ابن عمر، أنه وجد في بدن جعفر اثنتان وسبعون ~~طعنة، أو ضربة بسيف وقال البلاذري: قطعت يداه، وكذلك قال رسول الله : ~~[((لقد أبدله الله بهما] جناحين يطير بهما في الجنة )) [ولذلك سمي الطيار]. # قال الواقدي: ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فنكل يسيرا، ثم حمل فقاتل ~~حتى قتل، فانهزم المسلمون أسوأ هزيمة كانت في كل وجه، ثم تراجعوا فأخذ ~~اللواء خالد بن الوليد وحمل به ساعة، وجعل المشركون يحملون عليه حتى دهمه ~~منهم بشر كثير، وانحاز بالمسلمين، وانكشفوا راجعين. # قال الواقدي : إن النبي يوم التقى الناس بمؤتة جلس على المنبر، وكشف له ~~ما بينه وبين الشام[فهو ينظر إلى معركتهم]. # فقال : ((أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل [بها] ثم قتل، ثم أخذها جعفر بن ~~أبي طالب فقاتل [بها] فقتل)) وسكت عن عبد الله بن رواحة؛ فتغير وجوه ~~الأنصار، وظنوا أنه قد كان من عبد الله بعض ما يكرهون، ثم قال: ((أخذها عبد ~~الله بن رواحة فقاتل حتى قتل شهيدا)) ثم قال((لقد رفعوا إلى الجنة في ما ~~يرى النائم، على سرر من ذهب، فرأيت في سرير ابن رواحة إزورارا عن سريري ~~صاحبيه، فقلت: ms071 لم هذا؟ فقيل:لأنهما مضيا وتردد بعض التردد)). # قال الواقدي: إن خالد بن الوليد انكشف بالناس يومئذ حتى عير وعيروا ~~بالفرار، وتشاءم الناس به. # قال: وروى أبو سعيد الخدري قال: أقبل خالد بالناس منهزمين فتلقاهم أهل ~~المدينة يحثون في وجوههم التراب، ويقولون: يا فرار، أفررتم في سبيل الله. ~~فقال رسول الله : ((ليسوا بالفرار، ولكنهم الكرار )). PageV01P199 # قالوا : وما لقي جيش بعثوا مبعثا ما لقي أصحاب مؤتة من أهل المدينة لقولهم ~~الشر حتى إن الرجل لينصرف إلى بيته وأهله فلا يفتحون له ويقولون: ألا تقدمت ~~مع أصحابك فقتلت. # قال: وجلس الكبراء منهم في بيوتهم حياء من الناس، حتى أمر إليهم النبي ~~واحدا واحدا، يقول لهم: ((أنتم الكرار في سبيل الله )) فخرجوا وكانت سن ~~جعفر يوم قتل إحدى وأربعين سنة. # وقال ابن هشام : [ابن] ثلاث وثلاثين،-والله أعلم- أيهما كان. PageV01P200 ### | [ذكر غزوة تبوك] # وأما تبوك قال ابن إسحاق: قال : لما قفل رسول الله -صلى لله عليه وآله ~~وسلم- من غزوة حنين أمر الناس بالتهيؤ لغزوة الروم، وذلك في زمن عسرة من ~~الناس، وشدة من الحر، وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، والناس يحبون ~~المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم ~~عليه، وكان رسول الله قل ما يخرج في غزوة إلا كنى عنها، فأخبر أنه يريد ~~غير الوجه الذي يصمد له إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه بينها للناس؛ لبعد ~~الشقة وشدة الزمان؛ وكثرة العدو الذي يصمد إليه، ليتأهب الناس لذلك أهبته، ~~فأمر الناس بالجهاز، وأخبرهم أنه يريد الروم، وقال للجد بن قيس أحد بني ~~سلمة: يا جد، هل لك في جلاد بني الأصفر؟ فقال: يا رسول الله، أو تأذن لي ~~ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل بأشد عجبا بالنساء مني، وإنى ~~أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر، فأعرض عنه رسول الله ، وقال: ((قد ~~أذنت لك)) فنزلت هذه الآية[فيه] :{ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في ~~الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين}[التوبة:49]. # وقال قوم ms072 من المنافقين: لا تنفروا في الحر، فأنزل الله فيهم:{وقالوا لا ~~تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون}[التوبة:81]. PageV01P201 # ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجهاز، وجد في سفره، وحض أهل ~~الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله؛ فحمل ناس من أهل الغنى وأحسنوا، ~~وأنفق عثمان بن عفان في ذلك نفقة عظيمة، لم ينفق أحد مثلها، أنفق ألف ~~دينار، فقال رسول الله: ((اللهم، ارض عنه فإني عنه راض)). # وجاء رجال من المسلمين، وهم البكاؤون وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، ~~فاستحملوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكانوا أهل حاجة، فقال:{لا ~~أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ~~ينفقون}[التوبة:92]، وجاء المعذرون من الأعراب فاعتذروا إليه، فلم يعذرهم، ~~وكان نفر من المسلمين أبطت بهم النية عن رسول الله حتى تخلفوا عنه من غير ~~شك ولا ارتياب، وهم الثلاثة الذين تخلفوا كعب بن مالك ومرارة بن الربيع ~~وهلال بن أمية وأبو خيثمة فأما أبو خيثمة فلحقه . # وأما الثلاثة الباقون فندموا، فلما رجع النبي ربطوا أنفسهم في المسجد، ~~وقصتهم مشهورة. # ولأمير المؤمنين علي -عليه السلام- في هذه الغزوة قصة مشهورة قضت له ~~بالفضل الذي ما فوقه فضل، وبالاستبداد بالنص بإمامته ما حاز به السبق ~~والخصل وذلك ثابت فيما رواه الفقيه حميد المحلي في (محاسن الأزهار) وقد ~~أخرجه البخاري، ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة رواه عنهم # في (كفاية الطالب). # قال: وأجمع المحدثون على صحته. PageV01P202 # قال أنس بن مالك : لما خرج رسول الله إلى تبوك استخلف عليا على المدينة ~~وما هناك، فقال المنافقون عند ذلك: إن محمدا قد شنى ابن عمه ومله، فبلغ ذلك ~~عليا فشد رحله وخرج من ساعته، فهبط جبريل -عليه السلام- يخبره بقول ~~المنافقين في علي، وخروج علي للحاق به، فأمر رسول الله مناديا فنادى ~~بالتعريس في مكانهم، قال: ففعلوا، ثم جاؤا إليه يسألونه عن نزوله في غير ~~وقت التعريس فأخبرهم بما أتاه به جبريل عن الله، وأخبرهم أن الله ms073 عز وجل ~~أمره بأن يستخلف عليا بالمدينة. قال: فركب قوم من أصحاب رسول الله ليتلقوه ~~فما راموا مواضعهم إلا وقد طلع علي مقبلا. قال: فتلقاه رسول الله ماشيا ~~وتبعه الناس فعانقوه رجل رجل، ثم جلس رسول الله وحوله الناس، فقال لعلي: ~~(ما أقبل بك إلينا؟) فقص عليه القصة من قول المنافقين، فقال: ((ما خلفتك ~~إلا بأمر الله [تعالى] وما كان يصلح لما هناك غيري وغيرك، أما ترضى -يا ابن ~~أبي طالب- أن أكون استخلفتك كما استخلف موسى هارون، أما والله إنك مني ~~بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي)). # قالوا: فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قسم للناس فرفع إلى ~~علي قسمين، فأنكر ذلك القوم فقال رسول الله : ((أيها الناس، هل أحد أصدق ~~مني ))؟ قالوا: لا، يا رسول الله. فقال: ((أما رأيتم صاحب الفرس الأبلق ~~أمام عسكرنا في الميمنة مرة و[في] الميسرة مرة))؟ PageV01P203 # قالوا: رأيناه يا رسول الله. قال: ((ذلك جبريل-عليه السلام- قال لي: يا ~~محمد، إن لي سهما مما فتح الله عليك، وقد جعلته لابن عمك فسلمه إليه)). قال ~~أنس: فكنت فيمن بشر عليا بقول رسول الله . انتهى. PageV01P204 ### | [ذكر غزاة غطفان] # وأما ذات أمر فهي غزوة غطفان، ولم يكن فيها قتال، ويقال فيها: ذات أمر، ~~وذي أمر بالتأنيث والتذكير بالنظر إلى البقعة، أو الجهة والمكان، ووجدت هذه ~~اللفظة في أكثر نسخ (البحر) للإمام المهدي ذات أم ولعله تصحيف من الناسخ،- ~~والله أعلم-. PageV01P205 ### | [الرأي في معاوية وشيعته] # [قال السيد صارم الدين]: # فليس يسمع منا في أفاضلهم %~% إلا ثناء كنشر المندل العطر # وإن جفونا وحالوا عن مودتنا %~% ولم يراعوا وصاة الله في العتر # فالصبر شيمة أهل البيت إن ظلموا %~% وهل يكون كريم غير مصطبر # والعن معاوية الطاغي وشيعته %~% فهم ذوو الفسق والفحشاء والنكر # هذه صيغة الأمر، وهي معطوفة على قوله: فرض عنهم، يعني إن لك الترضية عن ~~كبار الصحابة أو التوقف. # وأما معاوية وشيعته فالعنهم، وهل الأمر يقتضي الوجوب أم لا؟ فيه خلاف ~~مشهور وكلام السيد صارم الدين هنا ms074 فيه إلمام بقول الصاحب بن عباد: # قالت: معاوية الطاغي أتلعنه %~% فقلت: لعنته أحلى من العسل # قالت: أيكفر فيما قد أتى وعتا %~% فقلت: إي وإله السهل والجبل # قال ابن أبي الحديد: ومن كبار شيعة معاوية عمرو بن العاص، والمغيرة بن ~~شعبة، ومروان بن الحكم، والوليد بن عقبة وحبيب بن مسلمة وبسر بن أرطأة ~~وحوشب وذو الكلاع وشرحبيل بن السمط وأبو الأعور السلمي،[والضحاك بن قيس ] ~~قال: وكان أمير المؤمنين يقنت في الفجر وفي صلاة المغرب ويلعن معاوية، ~~وعمرا،والمغيرة، والوليد،[وحوشب، وذا الكلاع، وشرحبيل بن السمط] وأبا ~~الأعور، والضحاك بن قيس، وبسر بن أرطأة، وأبا موسى الأشعري ومروان بن الحكم. PageV01P206 # وروى ابن أبي الحديد بسنده عن نصر بن عاصم الليثي عن أبيه قال: أتيت مسجد ~~رسول الله والناس يقولون: نعوذ بالله من غضب الله، وغضب رسوله، فقلت: ما ~~هذا؟ فقالوا: معاوية قام الساعة، فأخذ بيد أبي سفيان، فخرجا من المسجد، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لعن الله التابع والمتبوع، رب ~~يوم لأمتي من معاوية ذو الأستاه)). قال : يعني كبير العجز. # وروي أيضا أن رسول الله قال لمعاوية: ((لتتخذن -يا معاوية- البدعة سنة، ~~والقبيح حسنا، أكلك كثير، وظلمك عظيم)). # واعلم أنه لا خلاف بين الشيعة أجمع والمعتزلة، وأكثر فرق الأمة أن معاوية ~~وعمرو بن العاص من أهل عداوة الله، وأنها تجب البراءة منهما؛ لفسقهما ~~ومحاربتهما أمير المؤمنين حتى قتل بسببهما عدة من المهاجرين والأنصار ~~وغيرهم من مشاهير المسلمين، بل قد ادعى بعض العلماء أن معاوية كافر، وروي ~~عنه أشياء استدل بها على كفره، وهي مذكورة في مواضعها. # قال ابن أبي الحديد: ولا ريب في ظهور ضلاله وبغيه، وكل باغ غاو، وأنه ~~[كان] مهتوك الستر، كثير الهزل والخلاعة، ولا يتستر إلا منذ [خرج] على علي ~~-عليه السلام-، وإلا فقد كان في أيام عثمان شديد التهتك موسوما بكل قبيح، ~~وكان في أيام عمر يستر نفسه قليلا خوفا منه، إلا أنه كان يلبس الحرير ~~والديباج، ويشرب في آنية الذهب والفضة، ويركب البغلات ذوات السروج المحلاة ~~وعليهن ms075 جلال الديباج والوشي، ونقل الناس عنه في كتب السير: أنه كان يشرب ~~الخمر في أيام عثمان بالشام. PageV01P207 # فأما من بعد وفاة أمير المؤمنين واستقرار الأمر له فقد اختلف فيه، فقيل: ~~أنه شربها في ستر، ولا خلاف أنه سمع الغناء وطرب عليه. # وقد ذكر أهل السير كثيرا من تلعب الرجلين بالدين، واستعمالهما كيد ~~المسلمين على وجه يدل على أنهما لم يكونا يرجعان إلى حدود الشريعة، بل كان ~~همهما إطفاء نور الله؛ لشيء كان عندهما من أمر الجاهلية والحسد لبني هاشم، ~~ولو أمكنهما قلب الإسلام وإعادة الجاهليه لفعلا، لكن أبى الله إلا أن يتم ~~نوره ولو كره الكافرون. PageV01P208 ### | [ذكر أويس القرني] # قوله: # أردوا أويسا وعمارا لشقوتهم %~% والسيدين وما أبقوا على حجر # أبرأ إلى الله من عمرو وصاحبه %~% والأشعري ومروان ومن بسر # أقول: إن السيد صارم الدين قد جمع في هذين البيتين قصصا، وحوادث كانت ~~بسبب معاوية[عليه اللعنة] وتصدره لما لا يستحقه، وأنا أشير إلى طرف من ذلك ~~على وجه لطيف، فأبدأ بما بدأ به السيد صارم الدين، وهو ذكر سيد السالكين، ~~وعلم الناسكين: أويس[القرني] رحمه الله تعالى ثم أتبعه بذكر علم الصحابة ~~النجباء، المبالغ في تأدية حق ذوي القربى، [قمر الشيعة السامر، ومثلهم ~~السائر] : عمار بن ياسر، ثم أثلث بذكر السيدين الشبيهين بالفرقدين، ثم أربع ~~بذكر حجر بن عدي البريء من الشين والمين، الذي باء قاتله بخسارة الدارين. # فأقول: إن الفقيه حميد المحلي رحمه الله[تعالى] ذكر أن أويس بن عامر ممن ~~حضر صفين، وكذلك الإمام المهدي أحمد بن يحيى -عليه السلام- أشار إلى ذلك في ~~(شرح سيرة البحر) كما أشار إليه السيد صارم الدين هنا، وكذلك رواه اليافعي ~~في (روض الرياحين) لأنه قال. PageV01P209 # وفي الحديث، عن أبي هريرة، أن رسول الله قال:((إن الله يحب من خلقه ~~الأصفياء، الأخفياء، الأبرياء الشعثة رؤوسهم، المغبرة وجوههم، الخميصة ~~بطونهم، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذنوا)) -إلى أن قال- قالوا: ~~يا رسول الله، كيف لنا برجل منهم؟ فقال: ((ذلك أويس القرني)). قالوا: وما ~~أويس القرني؟ قال: ((أشهل ذو ms076 صهوبة بعيد ما بين المنكبين، معتدل القامة، ~~آدم[اللون] شديد الأدمة، ضارب بذقنه، رام بصره إلى موضع سجوده، واضع يمينه ~~على شماله، يبكي على نفسه، ذو طمرين لا يؤبه له، ذو مئزر صوف، ورداء صوف، ~~مجهول في أهل الأرض، معروف في أهل السماء، لو أقسم على الله لأبره، ألا وإن ~~تحت منكبه الأيسر لمعة بيضاء، ألا وإنه إذا كان يوم القيامة قيل للعباد: ~~ادخلوا الجنة، وقيل لأويس: قف فاشفع ؛ فيشفع في مثل ربيعة ومضر، يا علي ويا ~~عمر إذا أنتما لقيتماه، فاطلبا إليه أن يستغفر لكما)). # قال: فكانا يطلبانه عشر سنين لا يقدران عليه؛ فلما كان في آخر السنة التي ~~هلك فيها عمر، قام على[جبل] أبي قبيس فنادى بأعلى صوته: يا أهل اليمن، ~~أفيكم أويس [القرني] ؟ فقام إليه شيخ كبير، طويل اللحية فقال: إنا لا ندري ~~ما أويس، ولكن ابن أخ لي يقال له: أويس، وهو أخمل ذكرا، وأقل مالا، وأهون ~~أمرا من أن نرفعه إليك، وإنه يرعى إبلنا، حقير بين أظهرنا، فعمى عليه عمر ~~كأنه لا يريده، فقال: أين ابن أخيك هذا؟ أيخدمنا هو؟ قال: نعم. PageV01P210 # قال: وأين يصاب؟ فقال: بأراك عرفات. قال: فركب عمر وعلي -رضى الله عنهما- ~~سراعا إلى عرفات، فإذا هو قائم يصلي إلى شجرة، والإبل حوله ترعى، فشدا ~~حماريهما، ثم أقبلا عليه، فقالا: السلام عليك ورحمة الله[وبركاته] ؛ فخفف ~~أويس من الصلاة، ثم رد عليهما السلام؛ فقالا: من الرجل؟ فقال: راعي غنم ~~وأجير قوم؛ فقالا: لا نسألك عن الرعاية، ولا عن الإجارة، ما اسمك؟ فقال : ~~عبد الله. قالا: قد علمنا أن أهل السماوات والأرض عبيد الله، فما اسمك الذي ~~سمتك به أمك؟ # فقال: يا هذان، ما تريدان إلي؟ فقالا: وصف لنا محمدأويسا القرني، فقد ~~عرفنا الصهوبة، والشهولة، وقد أخبرنا أن تحت منكبك الأيسر لمعة بيضاء؛ ~~فأوضحها لنا فإن كانت بك؛ فأنت هو، فأوضح منكبه فإذا اللمعة؛ فابتدراه ~~وقالا: نشهد أنك أويس القرني فاستغفر لنا يغفر الله لك؛ فقال: ما أخص ~~باستغفاري نفسي، ولا أحدا من ولد آدم، ولكن ms077 من في البر والبحر من المؤمنين ~~والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، -يا هذان- فقد شهر الله لكما حالي، ~~وعرفكما أمري، فمن أنتما؟ # فقال علي-عليه السلام-: أما هذا فأمير المؤمنين[عمر لأنه في خلافته] وأما ~~أنا فعلي بن أبي طالب؛ فاستوى أويس قائما، وقال: السلام عليكما ورحمة الله ~~وبركاته فجزاكما الله عن هذه الأمة خيرا؛ فقالا: وأنت جزاك الله عن نفسك ~~خيرا؛ فقال له عمر: مكانك -يرحمك الله- حتى أدخل مكة، فآتيك بنفقة وفضل ~~كسوة من ثيابي، وهذا [المكان] ميعاد بيني وبينك. PageV01P211 # فقال: يا أمير المؤمنين، لا ميعاد بيني وبينك، لا أراك بعد اليوم تعرفني، ~~ما أصنع بالكسوة، أما ترى علي إزارا من صوف، ورداء من صوف، متى تراني ~~أبليهما؟ أما ترى نعلي مخصوفين، متى تراني أبليهما؟ أما تراني قد أخذت من ~~رعايتي أربعة دراهم، متى تراني آكلها؟ يا أمير المؤمنين، إن بين يدي ويديك ~~عقبة كؤد لا يجاوزها إلا ظامر مخف مهزول، فأخف يرحمك الله؛ فلما سمع عمر ~~ذلك ؛ ضرب بدرته الأرض، ثم نادى بأعلى صوته: ألا ليت عمر لم تلده أمه، يا ~~ليتها كانت عقيما، لم تعالج حملها، ألا من يأخذها بما فيها [ولها] يعني ~~الخلافة، ثم قال: يا أمير المؤمنين، خذ أنت هاهنا حتى آخذ [أنا] هاهنا، ~~فولى عمر ناحية مكة، وساق أويس الإبل فوافا القوم، فأعطاهم إياها، وخلى ~~الرعاية، وأقبل على العبادة. # قالوا: وكان أويس إذا أمسى، يقول: هذه ليلة الركوع؛ فيركع حتى يصبح، وكان ~~يقول في الليلة الثانية: هذه ليلة السجود؛ فيسجد حتى يصبح، وكان إذا أمسى ~~يتصدق بما [يبقى] في بيته من فضل الطعام والشراب، ثم يقول: اللهم من مات ~~جوعا فلا تؤاخذني به، ومن مات عريانا فلا تؤاخذني به. # قالوا: وكان يلتقط الكسر من المزابل فيغسلها، ويتصدق ببعضها، ويأكل ~~بعضها، ويقول: اللهم، إني أبرأ إليك من كل كبد جائع. # وروي عن عبد الله بن سلمة قال: غزونا أذربيجان زمن عمر بن الخطاب، ومعنا ~~أويس القرني، فمرض علينا، فحملناه، فلم يستمسك فمات؛ فنزلنا فإذا قبر ~~محفور، وماء مسكوب، وكفن وحنوط، ms078 فغسلناه وكفناه، وصلينا عليه. PageV01P212 # قال اليافعي: يعني ودفناه؛ فلما مشينا قال بعضنا لبعض: لو رجعنا فعلمنا ~~قبره فرجعنا، فإذا لا قبر ولا أثر. # قال اليافعي: وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى -رحمه الله[تعالى] - قال: ~~نادى مناد بصفين: أفي القوم أويس القرني؟ فوجد في القتلى من أصحاب علي ~~-عليه السلام-، قال قلت: وهذا هو الأشهر؛ لأنه في كتب الشيعة، وهم أعرف ~~بأحوال صفين من غيرهم. PageV01P213 ### | [ذكر طرف من أخبار عمار بن ياسر-رضي الله عنه-] # وأما عمار: فهو عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس العنسي ~~المذحجي، يكنى أبا اليقظان حليف بني مخزوم. # قال ابن عبد البر في كتاب (الاستيعاب): كان والد عمار عربي من قحطان من ~~عنس في مذحج؛ فتقدم مكة مع أخوين له يقال لهما: مالك، والحارث في طلب أخ ~~لهم رابع، فرجع الحارث ومالك إلى اليمن، وأقام ياسر بمكة فحالف أبا حذيفة ~~بن المغيرة المخزومي، فزوجه أمة له يقال لها: سمية فولدت عمارا، فأعتقه أبو حذيفة. # فمن هاهنا كان عمار مولى بني مخزوم، وهو عربي لا يختلفون في ذلك، وللحلف ~~والولاء الذي بين بني مخزوم وعمار وأبيه ياسر، كان اجتماع بني مخزوم على ~~عثمان حين نال من عمار من الضرب، حتى انفتق له فتق في بطنه وكسروا ضلعا من ~~أضلاعه؛ فقال بنو مخزوم: والله لئن مات لا قتلنا غير عثمان. # وكان عمار [وأمه] ممن عذب في الله، ثم أعطاهم عمار ما أرادوا بلسانه ~~واطمأن الإيمان بقلبه، فنزلت فيه الآية:{إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ~~}[النحل:106]، وهذا مما أجمع عليه أهل التفسير، وهاجر إلى الحبشة، وصلى ~~[إلى] القبلتين، وهو من المهاجرين الأولين، ثم شهد بدرا، والمشاهد كلها، ~~وابتلي بلاء حسنا، ثم شهد اليمامة وقاتل فيها، ويومئذ قطعت أذنه. # قال بعضهم : رأيت عمارا يوم اليمامة على صخرة، وقد أشرف عليها يصيح: يا ~~معشر المسلمين، أمن الجنة تفرون؟ أنا عمار بن ياسر هلموا إلي، وأنا أنظر ~~إلى أذنه قد قطعت وهي تذبذب، وهو يقاتل أشد قتال. PageV01P214 # قال ms079 ابن عبد البر: وبلغنا أن عمارا قال: كنت تربا لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في سنه، لم يكن أحد أقرب إليه مني سنا. قال: وقد قال ابن عباس في ~~قوله تعالى: {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ~~}[الأنعام:122]: إنه عمار بن ياسر، {كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ~~}[الأنعام:122] إنه أبو جهل، وقال رسول الله : ((إن عمارا ملىء إيمانا [من ~~قدمه] إلى مشاشه)). ويروى: ((إلى أخمص قدميه)). وروي عن عائشة، أنها قالت: ~~ما من أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشاء أن أقول فيه ~~إلا قلت إلا عمارا؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ~~((إنه ملىء إيمانا إلى أخمص قدميه )). وقال عبد الرحمن بن البراء : شهدنا ~~مع علي -عليه السلام- ثماني مائة ممن بايع بيعة الرضوان، قتل منا ثلاثة ~~وستون. [وفي بعض النسخ: مائة وستون] منهم عمار بن ياسر، ومن حديث خالد بن ~~الوليد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من أبغض عمارا أبغضه ~~الله )). فما زلت أحبه من يومئذ. # ومن حديث علي -عليه السلام- أن عمارا جاء يستأذن على رسول الله يوما ~~فعرف صوته، فقال: ((مرحبا بالطيب المطيب ائذنوا له )). # وقال أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (( اشتاقت الجنة إلى ~~أربعة: علي، وعمار، وبلال، وسلمان)). PageV01P215 # وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: شهدنا مع علي -عليه السلام- صفين فرأيت ~~عمار بن ياسر ما يأخذ في ناحية، ولا [في] وادي من أودية صفين إلا رأيت ~~أصحاب محمد يتبعونه كأنه علم لهم، وسمعته يومئذ يقول لهاشم بن عتبة : يا ~~هاشم، تقدم الجنة تحت البارقة اليوم نلقى الأحبة محمدا وحزبه، والله لو ~~ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر ؛ لعلمنا أنا على الحق وهم على الباطل، ثم قال: # نحن ضربناكم على تنزيله %~% واليوم نضربكم على تأويله # ضربا يزيل الهام عن مقيله %~% ويذهل الخليل عن خليله # أو يرجع الحق إلى سبيله # فلم أر أصحاب محمد قتلوا ms080 في موطن ما قتلوا يومئذ، وقد قال أبو مسعود ~~البدري وطائفة من الصحابة لحذيفة حين احتضر وقد ذكر الفتنة: إذا اختلف ~~الناس فبمن تأمرنا؟ فقال : عليكم بابن سمية، فإنه لن يفارق الحق حتى يموت، ~~أو قال: فإنه يزول مع الحق حيث زال. # قال ابن عبد البر: استسقى عمار يوم صفين؛ فأوتي بشربة من ماء فشرب فقال: ~~اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه، إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهد ~~إلي أن آخر شربة أشربها في الدنيا شربة لبن، ثم استسقى ثانية فأتته امرأة ~~طويلة بإناء فيه ضياح من لبن، فقال حين شربه: الحمد الله الجنة تحت الأسنة، ~~والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق، وأنهم على ~~الباطل، ثم قاتل حتى قتل. # [قالوا] : وكتب عمر إلى أهل الكوفة أما بعد: PageV01P216 # فإني بعثت إليكم عمارا أميرا، وعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا، وهما من ~~النجباء، من أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فاسمعوا لهما، واقتدوا ~~بهما؛ فإني قد آثرتكم بعبد الله على نفسي. # قال ابن عبد البر: وإنما قال عمر: وهما من النجباء؛ لقوله : ((إنه لم يكن ~~نبي إلا أعطي سبعة من أصحابه نجباء وزراء رفقاء، [فقال] وإني أعطيت أربعة ~~عشر: حمزة، وجعفر، وأبا بكر، وعمر، وعليا، وحسنا، وحسينا، وعبد الله بن ~~مسعود، وسلمان، وعمارا، وأبا ذر، وحذيفة، والمقداد، وبلالا)). # قال ابن عبد البر: وتواترت الأخبار عن النبي أنه قال: ((تقتل عمارا ~~الفئة الباغية )). وهذا من إخباره بالغيب، وأعلام نبوته، وهو من أصح ~~الأحاديث. انتهى. # وعن أبي سعيد الخدري قال: أمرنا رسول الله أن نقاتل الناكثين[الساكتين ~~والماكثين] والقاسطين، والمارقين؛ فقلنا: يا رسول الله، مع من نقاتل؟ فقال: ~~((مع علي بن أبي طالب، معه يقتل عمار بن ياسر)). # قال في (النجم الثاقب) : هذا حديث صحيح، متفق على صحته، وقد تواترت ~~الأخبار أن عمارا قتل يوم صفين في عسكر علي، ودفن بالرقة، وقبره يزار. PageV01P217 # قال: وقد زرته، ثم قال: إن معاوية أرسل إلى عمار ليرسله إلى علي ms081 في الصلح ~~في صفين، فجعل عمار يعاتب معاوية في حرب علي -عليه السلام- ومعاوية يعرض عن ~~حديثه، ويرغبه في فضول الشام؛ فقال عمار: صدق خليلي؛ فقال: من خليلك أعلي ~~أم غيره؟ فقال: بل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كنت أنقل لبن المسجد ~~لبنتين لبنتين، فمسح الغبار عن رأسي، وقال: ((ويح عمار!! يدعوهم إلى الله، ~~ويدعونه إلى النار )). # قال: وأخرجه البخاري في كتاب الجهاد، وترجم عليه باب مسح الغبار عن ~~الرأس. انتهى. # وكانت صفين في ربيع الآخر سنة 37[سبع وثلاثين] ؛ فلما قتل عمار دفنه علي ~~-عليه السلام- في ثيابه، ولم يغسله. # قال ابن عبد البر: وروى أهل الكوفة أنه صلى عليه -وهو مذهبهم في الشهداء ~~يصلى عليهم ولا يغسلون-، وكانت سنه يوم قتل ثلاثا وتسعين سنة -رحمه الله ~~تعالى-. PageV01P218 ### | [ذكر خبر قثم وعبدالله ابني عبيد الله بن العباس] # وأما السيدان المذكوران فهما: قثم، وعبد الرحمن ابنا عبيد الله بن عباس ~~-رضي الله عنهم-. # قال أهل السير: وفي سنة أربعين من الهجرة وجه معاوية بسر بن أرطأة[لعنهما ~~الله] أحد بني عامر بن لؤي في ثلاثة آلاف مقاتل على السراة ونجران واليمن؛ ~~فلما وصل مدينة النبي، وكان العامل بها لعلي أبو أيوب الأنصاري فخرج منها ~~فارا، ودخلها بسر[بن أرطأة] وصعد منبرها، ولم يقاتله أحد، بل بايعوه ~~لمعاوية، ثم بعث إلى بني سلمه: والله ما لكم عندي أمان ولا بيعة حتى تأتوني ~~بجابر بن عبد الله فانطلق جابر إلى أم سلمة زوج النبي فقال لها: إني خشيت ~~أن أقتل إن لم أبايع، وهذه بيعة ضلالة؛ فقالت له: أرى أن تبايع فقد أمرت ~~ابني عمر بن أبي سلمة أن يبايع، وأمرت ختني ابن زمعة أن يبايع فأتى جابر ~~بسرا فبايعه. # وهدم بسر دورا في المدينة، واستخلف أبا هريرة للصلاة، ثم مضى إلى مكة ~~فخافه أبو موسى الأشعري أن يقتله. # قال : ما كنت لأفعل ذلك بصاحب رسول الله وخلى عنه، ثم مضى إلى اليمن، ~~وكان العامل لعلي عليها عبيد الله بن العباس، فلما سمع بمجئ بسر ms082 استخلف على ~~اليمن عبد الله بن عبد المدان الحارثي وفر هو إلى الكوفة؛ فجاء بسر إلى ~~اليمن فقتل عبد الله بن عبد المدان وولده، ولقى في الطريق ثقل عبيد الله بن ~~عباس وفيه ابنان له صغيران، وهما المذكوران؛ فقتلهما بسر. PageV01P219 # وقيل: إنهما كانا عند رجل من أهل البادية، ولما ظفر بسر بهما وأراد قتلهما، ~~قال له البدوي: علام تقتل هذين الصغيرين ولا ذنب لهما؟ فإن كنت قتلتهما ~~فاقتلني؛ فقال: أفعل، فقتل البدوي، ثم قتلهما. # وقيل: إنه رآهما يمشيان وهما من أجمل الناس وأحسنهم، فقال: من أنتما؟ ~~فقالا: ابنا عبيد الله بن العباس، فقال بسر: الله أكبر، أنتما ممن أتقرب ~~إلى الله بقتلكما، ثم ذبحهما جميعا ثم قتل بصنعاء وغيرها من بلاد اليمن من ~~شيعة علي -عليه السلام- وغيرهم من المسلمين خلقا كثيرا، وكذلك بالطائف، ~~ومكة، واليمامة، والمدينة، فيقال: إنه قتل في هذه الأماكن نيفا وثلاثين ~~ألفا، فلما بلغ ذلك عليا اشتد غمه -ولا سيما- من قتل الصغيرين، ودعا على ~~بسر فقال: اللهم، اسلبه دينه، ولا تخرجه من الدنيا حتى تسلبه عقله؛ فأصابه ~~ذلك، وفقد عقله، وكان يهذي بالسيف ويطلبه فيؤتى بسيف من خشب ويجعل بين يديه ~~زق منفوخ فلا يزال يضربه ما شاء. وكانت هذه عادته حتى مات لا رحمه الله. # قالوا: ثم إن عليا بعث جارية بن قدامة في ألفين، ووهب بن مسعود في ألفين، ~~فصار جارية إلى نجران فحرق بها، وقتل جماعة من شيعة بني أمية، وهرب بسر ~~وأصحابه، فاتبعهم إلى مكة فهربوا منه، ودخل مكة فقال: بايعوا لعلي بن أبي ~~طالب فبايعوه، ثم جاء إلى المدينة وأبوهريرة يصلي بهم، فهرب منه أبو هريرة، ~~وقال: والله لو وجدت أبا سنور لضربت عنقه، ثم بايعه أهل المدينة. PageV01P220 ### | [ذكر طرف من أخبار حجر بن عدي - رضي الله عنه -] # وأما حجر بن عدي الكندي: فكان من حديثه أن المغيرة بن شعبة كان لا ينام ~~عن شتم علي -عليه السلام- وشتم أصحابه والعيب لهم، والترحم على عثمان ~~وأصحابه، وكان حجر بن عدي إذا سمع ذلك ms083 يقول: إياكم لعن الله وذم، وأشهد أن ~~من تذمون أحق بالفضل والتقدم، ومن تمدحون أولى بالذم، فلما كان في آخر زمن ~~المغيرة؛ فنال من علي، وقال في عثمان ما كان يقول؛ قام حجر وصاح: إنك لا ~~تدري بمن تولع، مر لنا بأرزاقنا وأعطياتنا فقد حبستها عنا، وأصبحت مولعا ~~بذم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ومدح المجرمين وتقريضهم؛ فقام معه نحو ~~ثلاثين ألفا، يقولون: صدق حجر؛ فدخل المغيرة بيته، فجاءه قومه قائلين له: ~~علام تترك هذا الرجل يجتري عليك في سلطانك؟ ثم إن بلغ معاوية سخط عليك؛ ~~فقال لهم: إني قد قتلته إنه سيأتي أمير بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به مثل ما ~~صنع بي فيقتله، وأنا فقد اقترب أجلي؛ فلا أقتل خير أهل هذا المصر. # فلما ولى معاوية زياد بن أبيه الكوفة خطب فقال: أما بعد: # فإن غب البغي وخيم، إن هؤلاء حمر فاشروا وأيم الله لئن لم تستقيموا ~~لأداوينكم بدوائكم، ولست بشيء إن لم أحم ناحية الكوفة من حجر بن عدي، وأدعه ~~نكالا لمن بعده، ويل أمك يا حجر، سقط العشاء بك على سرحان. PageV01P221 # قال الطبري في روايته: إن زيادا خطب يوم الجمعة، فأطال الخطبة، وأخر ~~الصلاة؛ فقال له حجر بن عدي: الصلاة. فمضى زياد في خطبته، ثم قال: الصلاة، ~~فمضى في خطبته؛ فأخذ حجر كفا من حصى، وثار إلى الصلاة وثار الناس معه؛ فنزل ~~زياد وصلى بالناس، وكتب إلى معاوية، فأمر معاوية إليه: اشدده بالحديد ~~واحمله إلي؛ فأراد قوم حجر منعه، فقال لهم حجر: لا ولكن نطيع ونسمع؛ فلما ~~دخل على معاوية قال: السلام عليك -يا أمير المؤمنين-؛ فقال له معاوية: ~~والله، لأقتلنك ولا أستقيلك، أخرجوه فاضربوا عنقه فأخرجوه، فقال لهم: دعوني ~~أصلي ركعتين فصلاهما وخفف، وقال: لولا أن تظنوا أني غير الذي بي؛ لأطلتهما، ~~ثم قال لمن حضره من أهله: لا تطلقوا مني حديدا، ولا تغسلوا عني دما فإني ~~لاق معاوية غدا على الجادة ثم ضربت عنقه سادس ستة، أو سابع سبعة أحدهم ولده. # قالت العلماء: فقالت ms084 عائشة لمعاوية بمكة أين كان حلمك عن حجر بن عدي؟ ~~فقال: يا أم المؤمنين، لم يكن يحضرني رشيد، فلما حضرت معاوية الوفاة جعل ~~يغرغر بالموت، ويقول: إن يومي منك يا حجر بن عدي لطويل. # هذا ملخص خبر حجر مع معاوية اختصرته تنبيها على ما ذكره السيد صارم الدين ~~بالبيت الأول، فلنتبع الإشارة إلى جملة من أحوال المذكورين في البيت ~~الثاني، والله الموفق للصواب. PageV01P222 ### | [أمر عمرو بن العاص وحاله مع أهل البيت - عليهم السلام -] # والمراد بعمرو وصاحبه فيه، هو عمرو بن العاص بن وائل السهمي، وكان شديد ~~العداوة لعلي -عليه السلام- ولأولاده؛ فروى المدائني : أنه لقي الحسن بن ~~علي في الطواف، فقال: يا حسن، زعمت أن الدين لا يقوم إلا بك وبأبيك؛ فقد ~~رأيت الله أقام معاوية فجعل الدين راسيا بعد ميله، وبينا بعد خفائه، أفرضي ~~الله بقتل عثمان؟ أو من الحق أن تطوف بالبيت كما يدور الجمل بالظعن [عليك ~~ثياب كغرقئ] وأنت قاتل عثمان، والله إنه لألم للشعث، وأسهل للوعث أن يوردك ~~معاوية حياض أبيك. # فقال له الحسن عليه السلام : إن لأهل النار علامات يعرفون بها: الإلحاد ~~لأولياء الله، والموالاة لأعداء الله، والله إنك لتعلم أن عليا لم يرتب في ~~الدين، ولم يشك في الله ساعة واحدة، وآيم الله لتنتهين يا عمرو أو لأقدن ~~خصيتيك بنواقد أشد من الحديد، فإياك من التهجين علي؛ فإني من قد عرفت[لست ~~بضعيف الغمرة ولا هش المشاشة، ولامرئ المأكلة و] إني من قريش كواسطة ~~القلادة، يعرف حسبي، ولا أدعى لغير أبي، وأنت من تعلم ويعلم الناس، تحاكمت ~~فيك رجال من قريش؛ فغلب عليك جزارها الأمهم حسبا، وأعظمهم لوما، فإياك عني ~~فإنك رجس، ونحن أهل [بيت] الطهارة أذهب الله عنا الرجس، وطهرنا تطهيرا؛ ~~فأفحم عمرو وانصرف كئيبا. # وأما معاوية فقد تقدم طرف من تبيين عناده الحق، وما قال الناس في دينه، ~~وهل يجري عليه اسم الإسلام أم لا؟ ولا وجه لإعادة ذلك. PageV01P223 ### | [طرف من أخبار أبي موسى الأشعري] # وأما الأشعري: فهو عبد الله بن قيس، وهو الذي ms085 جازت عليه الخديعة الكبيرة ~~التي كانت بسببها الفتنة العظيمة بعد تكرير التحذير عليه، وتأكيد الإنذار؛ ~~فلم يغن الحذار حتى نظمت قصته في الأشعار # فقال الحريري : # فإن تك قد ساءتك مني خديعة %~% فقبلك شيخ الأشعريين قد خدع # وقال الصاحب بن عباد: ذهب ثلثا الدين بالأشعريين، يعني: أبا موسى، وأبا ~~الحسن المتكلم شيخ الفرقة الأشعرية وكان من حديث تحكيمه على سبيل الاختصار، ~~أنه لما كان أواخر أيام صفين وأيقن معاوية أنه مغلوب، استشار عمرا بن العاص ~~فقال: ترفع المصاحف فإن قبلوها اختلفوا، وإن ردوها اختلفوا، وآل الكلام إلى ~~أن جعل الحكم إلى عمرو[بن العاص] وأبي موسى، بعد أن كره علي -عليه السلام- ~~تحكيم أبي موسى، وقال: لا أرضى به، وإنه غير مرضي، وقد فارقني، وخذل الناس ~~عني، ولكن هذا ابن عباس. قالوا : والله ما نبالي أنت كنت أو ابن عباس. # قال: فالأشتر؛ فقال الأشعث: وهل طبق سعة الأرض علينا إلا الأشتر؛ فقال ~~علي -عليه السلام-: فإني أخاف أن يخدعه عمرو، فإن عمرا ليس من الله في شيء؛ ~~فقال الأشعث: هو أحب إلينا فبعثوا إلى أبي موسى فجاء، فقال: الأحنف بن قيس ~~لعلي: يا أمير المؤمنين، إن شئت أن تجعلني حكما أو ثانيا، أو ثالثا فإنه لا ~~يعقد عقدة إلا حللتها، ولن يحل إلا عقدت، فأبى عسكر علي عليه السلام إلا ~~أبا موسى الأشعري. # وكان ابن عباس -رحمه الله- يعظ أبا موسى، ويقول: إنه عمرو، فلا تغتر ~~بقوله، وقال النجاشي : شاعر -عليه السلام- في ذلك: PageV01P224 # أبا موسى جزاك الله خيرا %~% عراقك إن حظك في العراق # وإن الشام قد نصبوا إماما %~% من الأحزاب معروف النفاق # وإنا لا نزال لهم عدوا %~% أبا موسى إلى يوم التلاقي # فلا تجعل معاوية بن صخر %~% إماما ما مشى قدم بساق # ولا يخدعك عمرو إن عمرا %~% أبا موسى لداهية الرفاق # قالوا: وقد كان وقع بين أبي موسى وعمرو بن العاص أن يخلعا عليا ومعاوية، ~~ويجعلاها في عبد الله بن عمر بن الخطاب؛ فبهذا انخدع أبو موسى، فلما كان ~~وقت الخطبة قال عمرو لأبي ms086 موسى: اصعد وتكلم، فقال له ابن عباس: قدم الرجل ~~قبلك، ثم تكلم بعده فإنه غدار، فلم يسمع [أبو موسى] وصعد قبل عمرو، وقال: ~~اشهدوا أني قد خلعت عليا ونزع خاتمه، وقال: كما تروني خلعت هذا الخاتم. # وحكى ابن عبد ربه أنه قال: كما خلعت سيفي هذا من غمده وأصلت سيفه، ثم صعد ~~عمرو فحمد الله، وقال: سمعتم خلعه صاحبه وقد خلعته أنا- وبيده خاتم-، وقال: ~~وأثبت صاحبي كما أثبت الخاتم في أصبعي، وفي رواية ابن عبد ربه: كما أثبت ~~سيفي هذا في غمده وكان قد أصلته، ثم أغمده، فقال له أبو موسى: لا وفقك ~~الله، غدرت وخنت، مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، فقال ~~له عمرو: ومثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا، والتمس أصحاب علي أبا موسى فركب ~~ناقته ولحق بمكة، فكان ابن عباس يقول: قبح الله أبا موسى!! فقد حذرته فما ~~عقل، وكان أبو موسى يقول: حذرني ابن عباس غدرة الفاسق. # فقال بعض أصحاب علي في ذلك شعرا: # لعمرك ما ألفى مدى الدهر خالعا %~% عليا بقول الأشعري ولا عمرو PageV01P225 وقال آخر يعاتبهم إذ لم يحكموا ابن عباس[رضي الله عنه] : # لو كان للقوم رأي يعصمون به %~% عند الخطاب رموكم بابن عباس # لله در أبيه أيما رجل %~% ما مثله لقضاء الحكم. في الناس # لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن %~% لم يدر ماضرب أخماس بأسداس # قالوا: وتنازع رجل وامرأة إلى بلال بن أبي بردة [بن أبي موسى ] وكان ~~قاضيا فأمر بالفرقة بين الرجل وامرأته، وكانت المرأة محبة للبقاء مع زوجها؛ ~~فقالت: قبحكم الله من أهل بيت ما خلقتم إلا للفرقة بين المسلمين. # قالوا: وأمر بعض الملوك أميرين له أحدهما من ذرية أبي موسى، والآخر من ~~ذرية روح بن روح بن زنباع فجعل ذلك الملك يتوصاهما، ويكثر التوصية ويؤكدها ~~على ابن روح المذكور، فقال: يا أمير المؤمنين: أراك أكثرت علي وأنت تعلم أن ~~جد هذا خدع دون جدي، فكان أحق مني بتأكيد وصيتك فضحك السلطان، وأظنه عبد ~~الملك بن مروان، ووجم ms087 الأشعري. PageV01P226 ### | [طرف من أخبار مروان بن الحكم] # قلت: والمراد بمروان في منظومة السيد صارم الدين هو مروان بن الحكم. # قال ابن أبي الحديد في شأنه: وأما مروان فأذم وأقل من أن يذكر في ~~الصحابة؛ لأنه كان مجاهرا بالإلحاد هو وأبوه الحكم بن أبي العاص، وهما ~~الطريدان اللعينان، كان أبوه عدو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحكيه ~~في مشيته ويغمز عليه عينه ويدلع له لسانه، ويتهكم به، ويتهافت عليه، وهو في ~~قبضته، وتحت يده، وفي دار دعوته بالمدينة، وهو يعلم أنه قادر على قتله أي ~~وقت شاء من ليل أو نهار، فهل يكون هذا إلا من شأنئ شديد البغضة، ومستحكم ~~العداوة حتى أفضى أمره إلى أن طرده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ~~المدينة وسيره إلى الطائف، ومروان فأخبث عقيدة، وأكثر إلحادا وكفرا منه وهو ~~الذي خطب يوم وصل إليه رأس الحسين -عليه السلام- إلى المدينة فقد حمل الرأس ~~على يديه، وقال: # يا حبذا بردك في اليدين %~% وحمرة تجري على الخدين # كأنما بت بمسجدين # ثم رمى بالرأس إلى قبر رسول الله وقال: يا محمد يوم بيوم بدر، وهذا ~~القول مشتق من الشعر الذي قاله يزيد بن معاوية لابن الزبعري يوم وصله برأس ~~الحسين، والخبر مشهور. # وأما بسر المذكور في آخر البيت فقد تقدم ذكره فلا فائدة في إعادته. PageV01P227 ### | [طرف من أخبار الوليد بن عقبة] # لكن نلحق بمن ذكره السيد في هذا البيت الوليد بن عقبة؛ لأنه من كبار ~~أعداء [أمير] المؤمنين، بل من أعداء الدين، وقد سماه الله الفاسق في كتابه ~~المبين؛ لأنه لاحى عليا ونابذه في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وقال له: أنا أثبت منك جنانا، وأحد لسانا. فقال له علي عليه السلام : اسكت ~~يا فاسق؛ فأنزل الله فيهما: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون ~~}[السجدة:18]. # وسماه الله فاسقا في آية أخرى، وهي قوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبإ ~~فتبينوا أن تصيبوا ...}[الحجرات:6] الآية؛ لأنه كذب على بني المصطلق، وادعى ~~أنهم ms088 منعوه الزكاة، وكان الوليد مذموما معيبا عند رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يكرهه ويعرض عنه، وأبوه عقبة بن أبي معيط هو العدو الأزرق بمكة، ~~وكان يؤذي النبيفي نفسه وأهله، وأخباره في ذلك مشهورة. # فلما ظفر به النبي يوم بدر ضرب عنقه فورث ابنه الشنآن والبغضاء لمحمد ~~وأهله منه، فلم يزل على ذلك إلى أن مات، وهو أحد الصبية الذين قال أبوه ~~فيهم، وقد قدم لضرب عنقه: من للصبية يا محمد؟ فقال: ((النار، اضربوا عنقه )). # وللوليد شعر يقصد فيه الرد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث ~~قال:((وإن ولوها عليا يجدوه هاديا مهديا)). # فقال الوليد: من أبيات يذكر فيها يوم قتل، واختلف في [موضع] قبره -عليه ~~السلام-: # فإن يك قد ضل البعير بحمله %~% فما كان مهديا ولا كان هاديا PageV01P228 ### | [ذكر موضع قبر أمير المؤمنين علي - عليه السلام-] # وذلك لأن عليا -عليه السلام- لما قتل قصد بنوه إخفاء قبره؛ خوفا من بني ~~أمية[لعنهم الله] أن يحدثوا في قبره حدثا، فأوهموا الناس في موضع قبره تلك ~~الليلة أوهام مختلفة، فشدوا على جمل تابوتا موثقا بالحبال تفوح منه روائح ~~الكافور، وأخرجوه من الكوفة في سواد الليل بصحبة ثقاتهم يوهمون أنهم ~~يحملونه إلى المدينة، فيدفنونه عند فاطمة، وأخرجوا بغلا وعليه جنازة مغطاة ~~يوهمون أنهم يدفنونه بالحيرة، وحفروا حفاير عدة منها بالمسجد، ومنها برحبة ~~القصر قصر الإمارة، ومنها في حجرة من دور آل جعدة بن هبيرة المخزومي، ومنها ~~في أصل دار عبد الله بن يزيد القشيري بخرابات الوراقين مما يلي قبلة ~~المسجد[ومنها في الكناسة، ومنها في الثوية] فعمي على الناس موضع قبره، ولم ~~يعلم به على الحقيقة إلا بنوه والخواص المخلصون من أصحابه، فإنهم خرجوا به ~~وقت السحر من الليلة الحادية والعشرين من شهر رمضان، فدفنوه بالنجف، ~~بالموضع المعروف بالغري، بوصاة منه -عليه السلام-، وعهد كان عهده إليهم ~~[وعمي موضع قبره على الناس] فاختلف الآراجيف في صبيحة ذلك اليوم[اختلافا ~~شديدا، وافترقت الأقوال في موضع قبره الشريف، وتشعبت] فادعى قوم [من طي] أن ~~جماعة ms089 من طي وقعوا على جمل في تلك الليلة، وقد ضل أصحابه ببلادهم، وعلى ذلك ~~الجمل صندوق فظنوه مالا؛ فلما رأوا ما فيه خافوا أن يطلبوا به فدفنوا ~~الصندوق بما فيه، ونحروا البعير وأكلوه، وشاع ذلك في بني أمية[وشيعتهم] ~~فاعتقدوه حقا. # فهذا الذي أشار إليه الوليد الفاسق فاعرفه. PageV01P229 ### | [طرف من أخبار الخوارج] # قوله عليه السلام : # ومن موارق جاءت بالبوائق من %~% بين الخلائق وانقادت لكل جري # تعد أشقى مراد من أفاضلها %~% وذا الثدي وداعي غيها قطري # الموارق هنا: [هم] الخوارج، وسموا موارق؛ لحديث سيأتي، ويسمون أيضا: ~~الشراة، والحرورية، والمحكمة، ويرضون بذلك، ولا يرضون بتسميتهم المارقة، ~~ويجمع مذهبهم القول بإكفار علي وعثمان ومن أتى كبيرة، وأصول مذهبهم خمس: ~~الأزارقة منسوبون إلى نافع بن الأزرق والأباضية إلى عبد الله بن يحيى بن ~~أباض، والصفرية إلى زياد الأصفر، والبيهسية إلى أبي بيهس، والنجدات إلى ~~نجدة بن عامر ثم تشعبوا، وأنشأ مذهبهم عند التحكيم عبد الله بن الكوى وعبد ~~الله بن وهب وفارقا عليا، ولهم وقائع في التواريخ. # وأما تسميتهم بالموارق، فلما روى ابن إسحاق، عن النبي أنه كان يقسم ~~الغنيمة يوم حنين، فوقف عليه رجل من بني تميم، يقال له: ذو الخويصرة، فقال ~~له: يا محمد، قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم. فقال له النبي: ((أجل، فكيف ~~رأيت؟)) فقال: لم أرك عدلت؛ فغضب النبيوقال: ((ويحك!! إذا لم يكن العدل ~~عندي فعند من يكون ؟)) فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ألا نقتله؟ فقال: ~~((دعوه، فإنه سيكون له شيعة، يتعمقون في الدين، حتى يخرجوا منه كما يخرج ~~السهم من الرمية، ينظر في السهم فلا يوجد شيء، ثم في القدح فلا يوجد شيء، ~~ثم في الفقو فلا يوجد شيء سبق الفرث والدم)). PageV01P230 # وروى الحميدي في جامعه، فيما تفرد به مسلم، عن زيد بن وهب : أنه كان في ~~الجيش الذين كانوا مع علي -عليه السلام- يوم سار إلى الخوارج، فقال علي: ~~أيها الناس، إني سمعت رسول الله يقول: ((يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن ~~ليست قراءتكم إلى قراءتهم ms090 بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم ~~إلى صيامهم بشيء، يقرؤن القرآن يحسبونه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم ~~تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية)) لو يعلم الجيش ~~الذين يلقونهم ما قضي لهم على لسان نبيه لنكلوا عن العمل، وآية ذلك أن ~~فيهم رجلا له عضد ليس له ذراع، على عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض، ~~أفتذهبون إلى معاوية وأهل الشام، وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم ~~وأموالكم، والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم فإنهم [قد] سفكوا الدم ~~الحرام، وأغاروا على سرح الناس، فسيروا فساروا فلما التقوا وعلى الخوارج ~~عبد الله بن وهب الراسبي، فقال لأصحابه: ألقوا الرماح، وسلوا السيوف من ~~جفونها، فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حررواء، فسلوا سيوفهم، ~~وشجرهم الناس برماحهم فقتل بعضهم على بعض، وما قتل من الناس يعني أصحاب علي ~~-عليه السلام-[يومئذ] إلا رجلان. # فقال علي -عليه السلام-: إلتمسوا فيهم المخدج، فالتمسوه فلم يجدوه، فقام ~~علي بنفسه حتى أتى أناسا قد قتل بعضهم على بعض، فقال: أقلبوهم فوجدوه مما ~~يلي الأرض فكبر، ثم قال: صدق الله وبلغ رسوله. PageV01P231 # قالوا: فقام إليه عبيدة السلماني فقال: يا أمير المؤمنين، آلله الذي لا إله ~~إلا هو لسمعت هذا الحديث من رسول الله ؟ فقال: إي، والله الذي لا إله إلا ~~هو حتى استحلفه عبيدة السلماني ثلاثا وهو يحلف. # ومن الخوارج عبد الرحمن بن ملجم المرادي، وسيأتي ذكره قريبا. # ومنهم قطري بن الفجاءة المازني، وهو مراد السيد بقوله: وداعي غيها قطري، ~~وكان من أمره أنه خرج أيام مصعب بن الزبير، وقاتل عشرين سنة يسلم عليه ~~بالخلافة، وكان هزم جيشا بعد جيش للحجاج بن يوسف حتى توجه إليه سفيان بن ~~الأبرد الكلبي فقتله، وسمي أبوه الفجاءة؛ لقدومه من اليمن فجأة، وكان قطري ~~شجاعا لا يهاب الموت، وله في ذلك أبيات أولها: # أقول لها وقد طارت شعاعا %~% من الأبطال ويحك لن تراعي # قال ابن خلكان: وهي تشجع أجبن خلق الله -سبحانه وتعالى-. PageV01P232 ### | [طرف من أخبار النواصب ms091 وذكر بعض رجالهم] # قوله عليه السلام : # ومن نواصب ضلت في عقائدها %~% وما استقادت لمأثور ولا أثر # عادت عليا وعادت بعده حسنا %~% ثم الحسين لضغن بالنفوس غري # اعلم أن النواصب: اسم لمن نصب العداوة لآل محمد، فهم أدخل من الخوارج في ~~العموم إذ الخوارج يجمعها تكفير علي وعثمان كما تقدم، وفي النواصب من يتولى ~~عثمان، ولأن من النواصب جماعة من الصحابة كعبد الله بن الزبير، وغيره. # قال ابن أبي الحديد: كان ابن الزبير يبغض عليا، وينال منه، وقال مرة ~~وهوفي البصرة وقد أقبل علي -عليه السلام-: جاءكم الوغد اللئيم، ومكث أيام ~~ادعائه الخلافة أربعين جمعة لا يصلي فيها على النبي ، وقال: لا يمنعني من ~~ذكره إلا أن تشمخ رجال بأنافها، وفي رواية: أن له أهيل سوء ينغضون رؤوسهم ~~عند ذكره. # وروي أنه قال لعبد الله بن عباس: ما حديث أسمعه عنك؟ فقال [ابن عباس] : ~~ما هو؟ فقال: تأنيبي وذمي فقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول: ((بئس الرجل المسلم يشبع ويجوع جاره )). فقال ابن الزبير: إني لأكتم ~~بغض أهل هذا البيت منذ أربعين سنة وكان علي -عليه السلام- يقول: ما زال ~~الزبير منا -أهل البيت- حتى نشأ ابنه عبد الله فأفسده وهو الذي حمل أباه ~~على الخروج على أمير المؤمنين، وزين لعائشة مسيرها إلى البصرة. PageV01P233 # وقد عد ابن أبي الحديد جماعة من الناس كانوا يبغضون عليا عليه السلام وأهله ~~صحابة وغيرهم من التابعين، وعدد أسماءهم، ومن فضيع أعمال النواصب ما روى ~~ابن أبي الحديد: أن الحجاج -لعنه الله- قال يوما لعبد الله بن هاني: وهو ~~رجل من بني أودحي من قحطان، وكان شريفا في قومه، وقد شهد مع الحجاج مشاهده ~~كلها،[وكان من أنصاره وشيعته] : والله ما كافأتك بعد ثم أرسل إلى أسماء بن ~~خارجة سيد[بني] فزارة أن زوج عبد الله بن هاني ابنتك ؛ فقال: لا، والله ولا ~~كرامة؛ فدعا [له] بالسياط، فلما رأى الشر زوجه ثم بعث إلى سعيد بن قيس ~~الهمداني، رئيس اليمامة أن زوج ابنتك من عبد الله ms092 بن هاني الأودي ؛ فقال: ~~ومن أود، لا والله ولا كرامة لا أزوجه فقال الحجاج: علي بالسيف؛ فقال: دعني ~~[حتى] أشاور أهلي، [فشاورهم] فقالوا: زوجه، ولا تعرض نفسك لهذا الفاسق؛ ~~فزوجه، فقال الحجاج[بن يوسف] : قد زوجتك بنت سيد فزارة، وبنت سيد همدان، ~~وعظيم كهلان، وما أود هناك، فقال: لا تقل ذاك فإن لنا مناقب ليست لأحد من ~~العرب، فقال : وما هي؟ فقال: ما سب أمير المؤمنين عبد الملك في ناد لنا قط. # قال: منقبة والله. قال: وشهدنا صفين مع أمير المؤمنين معاوية سبعين رجلا، ~~وما شهد مع أبي تراب منا إلا رجل واحد، وكان[والله] ما علمته [امرء] سوء، ~~فقال: منقبة والله، قال: ومنا نسوة نذرن إن قتل الحسين بن علي أن تنحر كل ~~يوم واحدة عشر قلائص ففعلن. PageV01P234 # فقال : منقبة والله،[فقال] : وما منا رجل عرض عليه شتم أبي تراب ولعنه إلا ~~فعل وزاد ابنيه حسنا وحسينا وأمهما فاطمة. فقال: منقبة والله؛ فقال: وما ~~أحد من العرب له من الصباحة والملاحة ما لنا؛ فضحك الحجاج، وقال: أما هذه ~~يا ابن هانئ فدعها؛ لأنه كان ذميما مشوه الخلقة، شديد الأدمة، مجدورا، في ~~رأسه عوج مائل الشدق، شديد الحول. # قالوا: وكان جد الأصمعي من النواصب، ففي الرواية أنه جاء إلى الحجاج، ~~فقال: إن أبوي عقاني فسمياني عليا، فقال: ما أحسن ما توصلت به فقد وليتك ~~سميك يعني شتمه، وأجريت لك كل يوم دانقين فلوسا فإن تعديتهما قطعت باقي ~~يدك، وإنما قال له ذلك؛ لأنه قد كان سرق. # فقال علي -عليه السلام-: من يشهد عليه أنه أخرجها من الحرز فشهد عليه ~~[بذلك] ؛ فقطع يده من أشاجعه، فقيل: ألا قطعتها من زنده، فقال: سبحان ~~الله!! كيف يتوضأ؟ كيف يأكل؟ كيف يصلي؟ # قال ابن خلكان: ولما مات عبد الملك الأصمعي.قال أبو قلابة : # لعن الله أعظما حملوها %~% نحو دار البلاء على خشبات # أعظما تبغض النبي وأهل ال %~% بيت والطيبين والطيبات # قلت: وهذا يدل على أنه ورث النصب من جده. PageV01P235 ### | [ذكر انزواء الدنيا عن الإمام علي، وخبر استشهاده-عليه السلام-] ms093 # قال السيد صارم الدين[-عليه السلام-] : # هذا ومس من الدنيا أبو حسن %~% ما ليس يقنع فيها منه بالعذر # إذ أغمدت سيف أشقاها بهامته %~% وجللته حساما قاطع الأثر # هذان البيتان لكل بيت منهما معنى، فالأول منهما معناه: أن الدنيا إنزوت ~~عن أمير المؤمنين، ومالت إلى معاوية حتى آل الكلام إلى أن ثلاثة تحالفوا ~~على قتل علي عليه السلام ومعاوية، وعمرو بن العاص فما قتل إلا علي في تلك ~~الليلة. # وقد أشار الإمام المهدي عليه السلام في قصيدته القافية إلى طرف من ميل ~~الدنيا عنه -عليه السلام- وإقبالها على ضده حيث قال: # عاديته فترى ابن هند حازه %~% عن أكثر الأمصار والآفاق PageV01P236 ولا كلام أن الدهر والدنيا ينحرفان عن الكملة، ومن ازداد نبلا ازداد عنهم ~~انحرافا وميلا، ومن أحسن ما وجدته من الأمثلة العجيبة، والأعذار المبينة ~~المضيئة ما ذكره ابن أبي الحديد قال: قلت: للنقيب أبي جعفر وكان من سادات ~~العترة، وعلماء الإمامية، وكان لا يذكر المشائخ إلا بخير، وقلت له: ما سبب ~~حب الناس لعلي بن أبي طالب عليه السلام وعشقهم له وتهالكهم عليه [مع أنه ~~كان مزويا من الدنيا] ودعني عن الجواب من جهة الشجاعة، والعلم، والفصاحة، ~~وغير ذلك من الخصال التي رزقه الله منها الكثير الطيب؟ قال: فضحك [وقال ~~لي:كم تجمع جراميزك علي] ثم قال: هاهنا مقدمة ينبغي أن تعلم، وهي أن أكثر ~~الناس مزويون من الدنيا، أما المستحقون فلا ريب أن أكثرهم محرومون نحو عالم ~~يرى أنه لا حظ له في الدنيا، ويرى جاهلا [غيره] مرزوقا وموسعا عليه، أو ~~شجاع قد أبلي في الحروب وانتفع بموضعه ليس له عطاء يكفيه، ويقوم بضراوته ~~ويرى غيره وهو جبان فشل يفرق من ظله، وهو مالك بحظ عظيم من الدنيا وقطعة ~~وافرة من المال[والرزق] أو عاقل شديد التدبير صحيح العقل، قد قدر عليه ~~رزقه، وهو يرى غيره أحمق مائقا تدر عليه الخيرات، وتجتلب أخلاف الرزق، أوذي ~~دين قويم وعبادة حسنة وإخلاص وتوحيد وهو محروم ضيق الرزق، وترى غيره يهوديا ~~أو نصرانيا أو زنديقا كثير المال ms094 حسن الحال، حتى أن هذه الطبقة المستحقة ~~يحتاجون في أكثر الأوقات إلى الطبقات التي لا استحقاق لها، وتدعوهم الضرورة ~~إلى الذل لهم والخضوع بين أيديهم، إما لدفع ضرر أو استجلاب نفع، ودون هذه ~~الطبقات PageV01P237 من ذوي الاستحقاق أيضا [على] ما نشاهده عيانا من نجار حاذق، أو بناء[عالم] ~~أو نقاش بارع، أو مصور لطيف، [وهم] على غاية ما يكون من ضيق الرزق وقعود ~~الدهر بهم، وقلة الحيلة لهم، وغيرهم ممن ليس يجري مجراهم، ولا يلحق طبقتهم ~~مرزوق مرفوع قدره كثير المكتسب، طيب العيش، واسع الرزق، فهذه أحوال ذوي ~~الاستحقاق، وأما الذين ليسوا من أهل الفضائل فحشو العامة، فإنهم أيضا لا ~~يخلون من الحقد على الدنيا، والذم لها، والحنق [عليها] والغيظ منها لما ~~يلحقهم من حسد أمثالهم وجيرانهم، ولا نرى أحدا منهم قانعا بعيشته ولا راضيا ~~بحالته، بل يستزيد ويطلب حالا فوق حاله. PageV01P238 # قال: فإذا عرفت هذه المقدمة فمعلوم أن عليا -عليه السلام- كان مستحقا ~~محروما، بل هو أمير المستحقين المحرومين وسيدهم وكبيرهم، ومعلوم أن الذين ~~ينالهم الضيم، وتلحقهم المذلة والقضيمة يتعصب بعضهم لبعض، ويكونون[إلباو] ~~يدا واحدة على المرزوقين الذين ظفروا من الدنيا، ونالوا منها مآربهم ~~لاشتراكهم في الأمر الذي أهمهم وساءهم، وغصهم ومضهم، واشتراكهم في الأنفة ~~والحمية النفسانية والمنافسة لمن علاهم وقهرهم، وبلغ من الدنيا ما لم ~~يبلغوه، فإذا كان هؤلاء أعني المحرومين متساوين في المنزلة والمرتبة، ~~وبعضهم يتعصب لبعض، فما ظنك بما إذا كان منهم رجل عظيم القدر، جليل الخطر، ~~كامل الشرف، جامع الفضائل محتوي[على] الخصائص والمناقب، وهو مع ذلك ~~محروم[محدود] قد جرعته الدنيا علاقمها وعلته[عللا] بعد نهل من صبرها ~~وصابها، ولقي منها ترحا تارحا وجهدا جاهدا، وعلا عليه من هو دونه، وحكم فيه ~~وفي [بنيه و] أهله ورهطه من لم يكن ما ناله من الأمرة والسلطان في حسابه، ~~ولا دائرا في خلده، ولا خاطرا بباله، ولا كان أحد من الناس يترقب له ذلك، ~~ولا يراه به [في منامه] ثم كان آخر الأمر أن قتل هذا الرجل الجليل في ~~محرابه، وقتل ms095 بنوه[بعده] وسبى حريمه ونساؤه، وتتبع أهله وبنو عمه بالقتل ~~والطرد والتشريد[والسجون] مع فضلهم وزهدهم وعبادتهم وشجاعتهم وانتفاع الخلق بهم. PageV01P239 # فهل يكون في الممكن إلا أن يتعصب البشر كلهم مع هذا الشخص، وهل تستطيع ~~القلوب إلا أن تحبه[وتهواه] وتذوب فيه، وتفنى في عشقه انتصارا [له] وحمية ~~[من أجله، وأنفة مما ناله، وامتعاضا مما جرى عليه] وهذا مركوز في الطباع ~~ومخلوق في الغرائز، كما تشاهد إنسانا قد وقع في ماء عميق وهو لا يحسن ~~السباحة، فإن الناس في الطبع البشري يرقون عليه رقة شديدة، وقد يلقي ~~قوم[منهم] أنفسهم[في الماء] نحوه يطلبون تخليصه، لا يتوقعون على ذلك مجازاة ~~بمال منه أوشكر أو ثواب أيضا في الآخرة، فقد يكون فيهم من لا يعتقد أمر ~~الآخرة، ولكنها رقة بشرية، وكأن الواحد منهم يتخيل في نفسه أنه[ذلك] ~~الغريق. # هذا خلاصة ما ذكره ابن أبي الحديد وهو أمر محسوس تدعو إليه الطبيعة ~~البشرية، أوردته لمناسبته ما ذكره السيد صارم الدين من ميل الدنيا عن علي ~~-عليه السلام-، وقد أحسن مهيار حيث قال في هذا المعنى: # مالي لم أسبق إلى الغنم %~% قسم الرجال وأغفلوا قسمي # الجهد لي والحق عندهم %~% أظمأ ويروى معشر باسمي # ما هذه أولى معاتبة %~% وقضية للدهر في ظلمي PageV01P240 ### || [ذكر استشهاد أمير المؤمنين علي - عليه السلام -] # وأما البيت الثاني في منظومة السيد، فشرحه: أن عبد الرحمن بن ملجم ~~المرادي اللعين، كان يسمى أشقاها، أي أشقى أمة النبي ، وذلك لما روي عن ~~النبي أنه قال لعلي -عليه السلام-:((من أشقى الأولين والآخرين))؟ فقال: ~~الله ورسوله أعلم، فقال:((أشقى الأولين عاقر الناقة، وأشقى الآخرين الذي ~~يضربك يا علي)) وأشار إلى حيث يضرب. # وروي أن عليا -عليه السلام- اشتكى شكوى -أي مرض- فلما شفي، قالوا له: لقد ~~خفنا عليك، قال: ما خفتم علي؟ قالوا: الموت، قال : لعمري ما من الموت أمان، ~~ولكن حدثني الصادق المصدوق : ((أني لن أموت حتى تخضب لحيتي هذه من دم رأسي، ~~يضربني أشقى هذه الأمة، كما عقر ناقة الله أشقى ثمود)). # وروى الحاكم أبو سعيد عن عبد الله بن ms096 يشيع، قال: خطبنا أمير المؤمنين، ~~وقال: فيما عهد إلي رسول الله :((لتخضبن هذه من دم هذا )) فقالوا : يا أمير ~~المؤمنين، ألا تخبرنا به لنبيد عترته، قال : أنشد الله امرءا قتل غير قاتلي. # وروي أنه كان إذا رأى ابن ملجم، تمثل بقول عمرو بن معدي كرب: # أريد حياته ويريد موتي %~% عذيرك من خليلك من مراد # فيقول له أصحابه: هلا تقتله؟ فيقول: كيف أقتل قاتلي، وتارة يقول: إنه لم ~~يقتلني فكيف أقتل من لم يقتلني. # وروي أنه لما خرج إلى صرح المسجد تصايح البط خلفه فزجرهن بعض الحاضرين، ~~فقال: دعوهن فإنهن نوائح. PageV01P241 # وعن أبي الأسود الدؤلي قال سمعت عليا يقول: أتاني عبد الله بن سلام وقد ~~أدخلت رجلي في الغرز، فقال لي: أين تريد؟ فقلت: العراق. فقال: أما إنك لو ~~جئتها ليصيبنك [بها] ذباب السيف، ثم قال علي -عليه السلام-: والله لقد سمعت ~~رسول الله يقول مثله قال أبو الأسود:فعجبت منه رجل محارب يحدث بمثل هذا عن نفسه. # وروي أنه -عليه السلام- لم ينم تلك الليلة التي قتل في صبيحتها، بل بات ~~يمشي بين باب المسجد والحجرة، وهو يقول: والله إنها الليلة التي وعدت فيها، ~~والله ما كذبت ولا كذبت. # ولما أراد أن يخرج من الدار تعلق مئزره بالباب، فأنشأ يقول: # أشدد حيازيمك للموت %~% فإن الموت لاقيكا # ولا تجزع من الموت %~% إذا حل بواديكا # ثم مضى إلى المسجد، وهو يقول: # خلوا سبيل المؤمن المجاهد %~% في الله لا يعبد غير الواحد # ويوقض الناس إلى المساجد # وكان ابن ملجم -لعنه الله- كان قد واعد ثلاثة رجال على أن يقتل كل واحد ~~منهم رجلا، عليا وعمرا ومعاوية، وجعلوا ذلك ليلة من ليالي رمضان، فقال ابن ~~ملجم: أنا أكفيكم عليا، والقصة مشهورة. # قالوا: ولما دخل شهر رمضان كان علي يفطر عند الحسن ليلة، وعند الحسين ~~ليلة، وعند عبد الله بن جعفر ليلة. # وكان لا يزيد على ثلاث لقم، ويقول: أحب أن يأتيني أمر الله وأنا خميص، ~~وإنما بقي ليلة أو ليلتان. # وروي أنه رأى رسول الله في المنام، ms097 فشكى عليه ما لقي من أهل العراق ~~فوعده بالراحة منهم عن قريب، فما لبث بعد ذلك [إلا] جمعة أو جمعتين. PageV01P242 # قالوا: وإن ابن ملجم لقي قطاما، وكان أمير المؤمنين قد قتل أباها وأخاها ~~يوم النهروان، وكانت جميلة فلما رآها أعجبته فخطبها فوعدته بالزواجة على ~~مهر سمته، وعلى قتل علي، والقصة مشهورة. # فلما كان تلك الليلة كمن له في المسجد و[كان] معه اثنان: وردان، وشبيب بن ~~بجرة فابتدأه بالضربة شبيب فلم يصبه، وثناه ابن ملجم[لعنه الله] فأصابه في ~~رأسه، فقال علي -عليه السلام-: فزت ورب الكعبة، لا يفوتنكم الرجل فأخذ، ~~وقتل، واختلف في كيفية قتله -لعنه الله-. # وأما وردان فهرب إلى بيته فلحقه من قتله، وأما شبيب فلزمه في المسجد فخاف ~~لازمه من سيفه، فأرسله فانسل ساعة الزحمة، وسلم من القتل، وفي قتل ابن ملجم ~~لعلي -عليه السلام- يقول عمران بن حطان وهو من علماء الخوارج وفصحائهم: # يا ضربة من تقي ما أراد بها %~% إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا # إني لأذكره حينا فأحسبه %~% أوفى البرية عند الله ميزانا # أخلق بقوم بطون الطير أقبرهم %~% لم يخلطوا دينهم كفرا وعدوانا # فأجابه القاضي أبو الطيب الشافعي بهذه الأبيات: # إني لأبرأ مما أنت قائله %~% عن ابن ملجم الملعون بهتانا # يا ضربة من شقي ما أراد بها %~% إلا ليهدم للإسلام أركانا # إني لأذكره يوما فألعنه %~% دينا وألعن عمران بن حطانا # عليه ثم عليه الدهر متصلا %~% لعائن الله إسرارا وإعلانا # فأنتما من كلاب النار جاء به %~% نص الشريعة برهانا وتبيانا # وروى ابن عبد البر في كتاب (الاستيعاب) لبكر بن حماد شعرا: # [قل لابن ملجم والأقدار غالبة %~% هدمت ويلك للإسلام أركانا] PageV01P243 قتلت أفضل من يمشي على قدم %~% وأول الناس إسلاما وإيمانا # وأعلم الناس بالقرآن ثم بما %~% سن الرسول لنا نورا وتبيانا # صهر النبي ومولاه وناصره %~% أضحت مناقبه نورا وبرهانا # وكان منه على رغم الحسود له %~% مكان هارون من موسى بن عمرانا # وكان في الحرب سيفا صارما ذكرا %~% ليثا إذا لقي الأقران أقرانا # ذكرت قاتله والدمع منحدر %~% فقلت سبحان ms098 رب العرش سبحانا # إني لأحسبه ما كان من بشر %~% يخشى المعاد ولكن كان شيطانا # أشقى مراد إذا عدت قبائلها %~% وأخسر الناس عند الله ميزانا # [كعاقر الناقة الأولى التي جلبت %~% على ثمود بأرض الحجر خسرانا] # قد كان يخبرهم أن سوف يخضبها %~% قبل المنية أزمانا فأزمانا # فلا عفا الله عنه ما تحمله %~% ولا سقى قبر عمران بن حطانا # لقوله في شقي ظل مجتهدا %~% ونال ما ناله ظلما وعدوانا # (يا ضربة من تقي ما أراد بها %~% مخلدا قد أتى الرحمن غضبانا # في ضربة من غوي أوردته لظى %~% فإنه لم يرد قصدا بضربته # إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا) %~% إلا ليصلى عذاب الخلد نيرانا # وروى في كتاب (كفاية الطالب في مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب) ~~لأبي عبد الله محمد بن يوسف الكنجي الشافعي قصة عجيبة عن بعضهم. # قال: كنت أجول في بعض الفلوات إذ أبصرت ديرا فإذا في الدير صومعة، وفيها ~~راهب فأشرف علي فقلت له: من أين تأتيك الميرة ؟ فقال: من مسيرة شهر، فقلت ~~له: حدثني بأعجب ما رأيت في هذا الموضع. PageV01P244 # فقال: نعم، بينا أنا ذات يوم أدير نظري في هذه البرية، وأتفكر في عظمة الله ~~وقدرته إذ رأيت طائرا أبيض مثل النعامة قد وقع على تلك الصخرة، وأومأ إلى ~~صخرة بيضاء فتقيأ رأسا ثم رجلا، ثم ساقا فإذا هو كل ما تقيأ عضوا من تلك ~~الأعضاء التأم بعضها إلى بعض أسرع من البرق الخاطف بقدرة الله سبحانه حتى ~~استوى رجلا جالسا فإذا هم بالنهوض نقره الطائر نقرة فقطعه أعضاء ثم رجع ~~يبتلعه، فلم يزل على ذلك أياما، فكثر والله تعجبي منه، وازددت يقينا، وعلمت ~~أن لهذه الأجساد حياة بعد الموت، ولم يزل على ذلك أياما، والتفت إليه يوما. # فقلت: أيها الطائر، سألتك بالذي خلقك إلا أمسكت عنه حتى أساله، فيخبرني بقصته. # فأجابه الطائر بصوت عربي طليق : لربي الملك والبقاء، الذي يفنى كل شيء ~~ويبقى، أنا ملك من ملائكة الله موكل بهذا الجسد لما أجرم، وأمرني الله عز ~~وجل أن ms099 آتي هذا المكان، لتسأله وتخاطبه فيخبرك بما كان منه. # فقلت: يا هذا الرجل المسيء إلى نفسه، ما قصتك؟ ومن أنت؟ فقال: أنا عبد ~~الرحمن بن ملجم قاتل علي بن أبي طالب فإني لما قتلته، وسارت روحي بين يدي ~~الله، ناولني صحيفة، فيها مكتوب ما عملت من الخير والشر، منذ ولدت إلى أن ~~قتلت عليا، فأمر الله هذا الملك يعذبني إلى يوم القيامة فهو يفعل بي ما قد ~~رأيت، ثم سكت فنقره الطائر [نقرة] فتفرقت أعضائه، ثم ابتلعه عضوا عضوا. # فلما فرغ منه قال: يا آدمي، إني ماض عنك بهذا الجسد إلى جزيرة من البحر ~~الأسود، التي تخرج منها هوام أهل النار إلى يوم القيامة. PageV01P245 ### | [ذكرطرف من أخبار أبي محمد الحسن بن علي، وأخيه أبي عبدالله الحسين بن علي - عليهما السلام - ] # [قال السيد صارم الدين]: # وفي ابن هند وفي ابن المصطفى حسن %~% أتت بمعضلة الألباب والفكر # سقته سم ابن حرب حين سالمه %~% وأمكنت من حسين راحتي شمر # [ونكت ابن زياد بالقضيب له %~% ما كان يلثم منه خاتم النذر] # نفسي فداء قتيل الطف ما فعلت %~% به البغاة وما لاقاه من ضرر # البيت الأول استعاره كله السيد صارم الدين وهو من أبيات (البسامة) وكذلك ~~عجز البيت الثاني، وابن هند هو معاوية بن أبي سفيان وقد تقدم طرف من ذكره. PageV01P246 # وأما الحسن بن علي فمناقبه وفضائله أشهر من أن تذكر في هذا المختصر، لكن ~~أذكر مولده ومدة خلافته ووفاته حسبما جرت به عوائد أهل السير للتبرك بذكره ~~-عليه السلام-، فأقول: هو أبو محمد الحسن بن علي، وأمه فاطمة بنت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، روي أنه لما أخذها الطلق، أخبر بذلك رسول، فأرسل ~~إلى أسماء بنت عميس وإلى عائشة، وقال: ((انطلقا إلى فاطمة فإذا وضعت ما في ~~بطنها فاقرآي فاتحة الكتاب، وآية الكرسي، وآخر سورة الحشر، وقل هو الله ~~أحد، والمعوذتين، وأعلماني بما وضعت))؛ ففعلتا ذلك وبعثتا إليه؛ فأذن في ~~أذنه اليمنى، وأقام في أذنه اليسرى، ولثاه بريقه فحنكه، وقال: ((اللهم، إني ms100 ~~أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم )) وجاء علي عليه السلام فقال: ((ما ~~سميته))؟ فقال: حرب، يا رسول الله، فقال: ((هو حسن، ومن بعده حسين، وأنت ~~أبو الحسن القرم)) ثم جاءت به أمه تحمله بعد ذلك، فقالت:[يا رسول الله] ~~أنحل ابني. فقال: ((قد نحلته المهابة والحياء، ونحلت حسينا الشجاعة والجود، ~~وهما سيدا شباب أهل الجنة، ومن أحبهما فبحبي أحبهما، ومن أبغضهما وبغى ~~عليهما فببغضي أبغضهما)). # وولد الحسن للنصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة عام بدر بعد الوقعة، ~~وعق عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اليوم السابع كبشا، وحلقت رأسه ~~أمه فاطمة، وتصدقت بوزنه فضة على المساكين. PageV01P247 # ومما ورد فيه وفي أخيه وفي أبيه وفي أمه من التفضيل: ما روي أنه قال لهم ~~جميعا: ((أنا حرب لمن حاربتم سلم لمن سالمتم )). وقال:((لما أسري بي رأيت ~~على باب الجنة مكتوبا بالذهب: لا إله إلا الله، محمد حبيب الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم علي ولي الله، فاطمة أمة الله، الحسن والحسين صفوة الله، ~~على باغضهم لعنة الله)). # وعنه أنه قال للحسن: ((اللهم، أحبه وأحب من يحبه )). وعنه أنه قال: ~~((إن ابني هذا سيد، ومن أحبني فليحب هذا في حجري )). # وعن سلمان -رضى الله عنه- قال: قال: رسول الله : ((الحسن والحسين من ~~أحببهما أحببته، ومن أبغضهما أبغضته، ومن أحببته أحبه الله، ومن أحبه الله ~~أدخله الجنة جنة النعيم، ومن أبغضته أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله ~~النار نار جهنم خالدا فيها وله عذاب مقيم)). # وبويع له -عليه السلام- [من] بعد موت أبيه يوم الإثنين، لثمان بقين من ~~شهر رمضان سنة أربعين، وكان من كلامه -عليه السلام- بعد خطبة البيعة أن ذكر ~~عليا، وقال: خاتم الوصيين، ووصي خاتم الأنبياء، وأمير الصديقين والشهداء ~~والصالحين. # ثم قال: أيها الناس، لقد فارقكم رجل ما سبقه الأولون، ولا يدركه الآخرون، ~~لقد كان رسول الله يعطيه الراية فيقاتل جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، ~~فما يرجع حتى يفتح الله عليه، ما ترك ذهبا ولا فضة إلا شيئا [كان] على ms101 صبي له. PageV01P248 # وما ترك في [بيت] المال إلا سبعمائة درهم فضلة عن عطائه أراد أن يشتري بها ~~خادما لأم كلثوم. ثم قال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن ~~[بن علي، و] ابن محمد . # ثم تلا قول يوسف -عليه السلام-:{واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ~~}[يوسف:38] أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله ~~[بإذنه] السراج المنير، أنا من بيت كان جبريل ينزل عليهم، وعنهم كان يعرج، ~~وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. # وأنا ابن الذي أرسل رحمة للعالمين، وأنا من أهل البيت الذين افترض الله ~~مودتهم وولايتهم، فقال فيما أنزل على محمد:{قل لا أسألكم عليه أجرا إلا ~~المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا} [الشورى:23] واقتراف ~~الحسنة مودتنا. # قالوا: وكان عماله عمال أبيه ولما تجهز للمسير إلى معاوية، وقد كان أحس ~~من أكثر جنده الملل من الحروب، وخشي على نفسه وأهل بيته الهلاك فاضطر إلى ~~صلح معاوية على شرائط، والقصة مشهورة. # فلم يف له معاوية بشيء من تلك الشروط بل استثقل حياته فاحتال في سمه على ~~يدي امرأته أم الحسن جعدة ابنة الأشعث بن قيس، وبذل لها مائة ألف درهم ~~وتزويج ابنه يزيد، فلما سقته السم وفى لها بالمال دون التزويج، فتزوجت بعده ~~في أولاد طلحة، فكان أولادها إذا جرى بينهم وبين غيرهم شيء قالوا: يا ابن ~~مسممة الأزواج. PageV01P249 # فلما احتضر الحسن -عليه السلام- قال: لقد سقيت السم ثلاث مرات، ما منهن ~~واحدة بلغت مني ما بلغت هذه، لقد تقطعت كبدي وقد أحسن من قال: # تعز فكم لك من أسوة %~% تفرج عنك كروب الحزن # بموت النبي وقتل الوصي %~% وقتل الحسين وسم الحسن # وتوفي -عليه السلام- بالمدينة وله سبع وأربعون سنة، ومدة خلافته ستة أشهر ~~[وقليل]. # وقيل: ست، وقيل: خمس واختلفوا في موته[على] حسب اختلافهم في مبلغ عمره، ~~وكان قد أوصى أن يدفن إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن ~~يخاف أن تراق محجمة دم. ms102 # قالوا: فلما سمعت عائشة بذلك: ركبت بغلا واستنفرت بني أمية، فقال القائل: ~~فيوما على بغل ويوما على جمل، فجمع مروان من هناك من بني أمية وأتباعهم. # وبلغ ذلك الحسين -عليه السلام- فجاء[هو] ومن معه في السلاح ليدفنوا حسنا ~~مع النبي وأقبل مروان وأصحابه، وهو يقول: يا رب هيجاء هي خير من دعة. أيدفن ~~عثمان في البقيع، ويدفن الحسن في بيت النبي، والله لا يكون ذلك وأنا أحمل السيف. # فلما كادت الفتنة تستعر، قام عبد الله بن جعفر ومسور بن مخرمة وقال ~~عبدالله بن جعفر للحسين: إنه عهد إلي أن أدفنه في البقيع بحقي عليك أن لا ~~تخالفني في ذلك، فدفن في البقيع، وقبره مشهور مع أمه فاطمة -عليهما السلام. PageV01P250 # وللحسين -عليه السلام- فيه من أبيات يرثيه بها: # أأدهن رأسي أم تطيب مجالسي %~% وخدك معفور وأنت سليب # أأستمتع الدنيا بشيء أحبه %~% ألا كل ما يدني إليك حبيب # أشرب ماء المزن أم غير مائه %~% وما لدموعي في الإناء غروب # أفلا زلت أبكي ما تغنت حمامة %~% وما هب في الدنيا صبا وجنوب # بكائي طويل والدموع غزيرة %~% وأنت بعيد والمزار قريب # ولما مضى عني أخي ذقت حرقة %~% به لم يذقنيها سواه غريب # وليس حزينا من أصيب بماله %~% ولكن من وارى أخاه حريب # وما قطرت عيني من الماء قطرة %~% وما اخضر في دوح الحجاز قضيب PageV01P251 ### || فصل في ذكر الحسين [بن علي] - عليه السلام-. # هو أبو عبد الله الحسين بن علي -عليهما السلام-، وأمه فاطمة بنت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان بين ولادتها للحسن، وعلوقها بالحسين ~~خمسون ليلة، ولد -عليه السلام- لخمس ليال خلون من شهر شعبان سنة أربع من ~~الهجرة وأذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أذنه عند ولادته، وعق ~~عنه في اليوم السابع، وحلقت أمه -عليها السلام - رأسه، وتصدقت بوزنه فضة ~~على المساكين. # وروي أن فاطمة لما ولدت الحسن، قالت لعلي: سمه. قال علي -عليه السلام-: ~~وكنت رجلا أحب الحرب، فأحببت أن أسمه حربا، ثم قلت: ما كنت لأسبق رسول الله ms103 ~~صلى الله عليه وآله وسلم باسمه، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فقيل له: سمه، فقال: ((ما كنت لأسبق ربي عز وجل )) فأوحى الله إلى جبريل ~~أنه ولد لمحمد ابن فاهبط وأقرئه السلام، وهنئه، وقل له: إن عليا منك بمنزلة ~~هارون من موسى، فسمه باسم ابن هارون، فهبط جبريل -عليه السلام- فهنأه من ~~الله تعالى، ثم قال: إن الله يأمرك أن تسميه باسم ابن هارون، فقال: وما كان ~~اسمه؟ قال : شبر، قال : لساني عربي. قال: فسمه الحسن؛ فسماه الحسن. # فلما ولد الحسين أوحى الله إلى جبريل: قد ولد لمحمد ابن فاهبط وهنئه، وقل ~~له: إن عليا منك بمنزلة هارون من موسى، فسمه باسم ابن هارون؛ فلما نزل ~~وهنأه وبلغه الرسالة. قال: وما كان اسم ابن هارون؟ فقال: شبير. قال: لساني ~~عربي. قال: فسمه الحسين. قال: فسماه الحسين. PageV01P252 # وكان يشبه النبي من سرته إلى قدمه، وكان شديد البياض حتى أنه [كان] يهتدى ~~إلى موضعه في الليل المدلهم؛ لشدة بياض وجهه ونحره وكيف لا وهو ابن محمد ~~المصطفى، وعلي المرتضى، وفاطمة الزهراء، وخامس أهل الكساء، الذين شهد ~~بتطهيرهم التنزيل، وأثنى عليهم الملك الجليل. قال الله تعالى: {إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا }[الأحزاب:33] فهم ~~المطهرون من الأدناس، ومفضلون على جميع الجنة والناس، ولله القائل: # بأبي خمسة هم جنبوا الرج %~% س كرام وطهروا تطهيرا # أحمد المصطفى وفاطم أعني %~% وعليا وشبرا وشبيرا # من تولاهم تولاه ذو العر %~% ش ولقاه نظرة وسرورا # وعلى مبغضيهم لعنة الل %~% ه ولقاهم المليك سعيرا # وعن النبي أنه قال: ((حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، ~~حسين سبط من الأسباط)). وبويع -عليه السلام- وانتصب للأمر عند ورود نعي ~~معاوية إلى المدينة، وطلب أن يبايع ليزيد، فخرج ليلة الأحد لليلتين بقيتا ~~من رجب سنة ستين، فدخل مكة ليلة الجمعة لثلاث خلون من شعبان، ووردت عليه ~~كتب أهل الكوفة كتاب بعد كتاب إلى مكة بالبيعة له في ذي الحجة من هذه السنة. PageV01P253 # قال أهل السير: ms104 إن معاوية قد كان قال ليزيد فيما أوصاه: قد كفيتك الحل ~~والترحال، وطابت لك البلاد والرجال، وإني لا أتخوف عليك أن ينازعك هذا ~~الأمر إلا أربعة من قريش الحسين، وابن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد ~~الرحمن بن أبي بكر فأما ابن عمر فرجل قد وقرته العبادة، وإن لم يبق غيره ~~بايعك، وأما الحسين فإن أهل العراق لن يدعوه حتى يخرجوه، فإن خرج عليك ~~وظفرت به فاصفح عنه، فإن له رحما ماسة وحقا عظيما، وأما ابن أبي بكر فليست ~~له همة إلا في النساء واللهو فإن رأى أصحابه قد صنعوا شيئا صنع مثلهم، وأما ~~الذي يجثم لك جثوم الأسد، ويطرق إطراق الأفعوان، ويراوغك مراوغة الثعلب ~~فذاك ابن الزبير، فإن وثب عليك وأمكنتك الفرصة منه فقطعه إربا إربا. فلما ~~مات معاوية، وكان على المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وعلى مكة عمرو ~~بن سعيد بن العاص وعلى الكوفة النعمان بن بشير، وعلى البصرة عبيد الله بن ~~زياد، فلم يكن ليزيدهم بعد موت أبيه إلا بيعة النفر الذين سماهم أبوه، فكتب ~~إلى الوليد بن عتبة أن يأخذهم بالبيعة أخذا شديدا ليس فيه رخصة. PageV01P254 # فلما وقف على كتاب يزيد بعث إلى مروان فأوقفه على الكتاب واستشاره، فقال: ~~أرى أن تبعث إليهم الساعة فتدعوهم إلى البيعة والدخول في الطاعة، فإن لم ~~يفعلوا ضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية، فإن علموا وثب كل واحد في ~~ناحية، ودعا إلى نفسه، فأرسل الوليد عمرو بن عثمان إلى الحسين، وإلى ابن ~~الزبير، فوجدهما في المسجد، فقال: أجيبا الأمير؛ فقالا: انصرف فالآن نأتيه، ~~ثم قال ابن الزبير للحسين: أظن [أنه] ما بعث إلينا في هذه الساعة التي ما ~~جرت له عادة بالجلوس فيها إلا لأمر، فقال الحسين: أظن طاغيتهم قد هلك فبعث ~~إلينا؛ ليأخذ البيعة علينا ليزيد قبل أن يفشو الأمر. # قال ابن الزبير: هو ذاك، فما تريد أن نفعل؟ قال: إمض إليه فجمع أهله ~~وفتيانه، ثم قال: إذا دعوتكم فاجتمعوا، فدخل على الوليد ومروان عنده، ~~فأقرأه ms105 كتاب يزيد، ودعاه إلى البيعة، فقال: مثلي لا يبايع سرا، بل على رؤوس ~~الناس وهو أحب إليكم، وكان الوليد يحب العافية، فقال: انصرف إلى دعة الله ~~حتى تأتينا مع الناس، فقال له مروان: والله لئن فارقك الساعة، ولم يبايعك ~~لا قدرت عليه أبدا حتى يكثر القتل بينكما، احبس الرجل عندك حتى يبايعك، أو ~~تضرب عنقه؛ فوثب الحسين قائما، وقال: يا ابن الزرقاء، هو يقتلني كذبت ومنت، ~~ثم خرج فقال الوليد: والله يا مروان، ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس، ~~وأني قتلت حسينا. PageV01P255 # وأما ابن الزبير فإنه قال: الآن آتيكم، ثم خرج في الليل إلى مكة، وخرج ~~الحسين في الليلة الآتية، وهو يقول:{فخرج منها خائفا يترقب }[القصص:21]، ~~فلما دخل مكة {قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل }[القصص:22]، فلما وصل ~~مكة وردت عليه كتب أهل الكوفة أن صل إلينا، وإلا فأنت آثم؛ فلما عزم على ~~المسير جاءه ابن عباس ونهاه عن ذلك، وقال: يا ابن عم، إن أهل الكوفة قوم ~~غدر قتلوا أباك، وخذلوا أخاك، وطعنوه وسلبوه، وسلموه إلى عدوه؛ فأبى ~~الحسين، وعزم على المسير؛ فقال له ابن عباس: إن كرهت المقام بمكة خوفا على ~~نفسك فسر إلى اليمن فإن بها عزلة ولنا بها أنصار، وبها قلاع وشعاب، واكتب ~~إلى أهل الكوفة، فإن أخرجوا أميرهم وسلموها إلى نائبك فسر إليهم، فإنك إذا ~~سرت إليهم على هذه لم آمن عليك منهم، وإن عصيتني فأنزل أولادك وأهلك هاهنا، ~~فوالله إني لخائف عليك أن تقتل كما قتل عثمان، ونساؤه وأهله ينظرون إليه. # ولما بلغ ابن الحنفية مسيره، وكان يتوضأ وبين يديه طشت فبكى حتى ملأه ~~بدموعه، ولم يبق بمكة إلا من حزن لمسيره، فلما كثروا عليه أنشد : # سأمضي وما في الموت عارعلى الفتى %~% إذا ما نوى خيرا وجاهد مسلما # وآسى الرجال الصالحين بنفسه %~% وفارق مثبورا وخالف مجرما # فإن عشت لم أذمم وإن مت لم ألم %~% كفى بك ذلا أن تعيش وترغما # ثم قرأ {وكان أمر الله قدرا مقدورا}[الأحزاب:38]. # وروي أنهم سمعوه مرة ms106 في زمن معاوية، وقد أراد أخذ العهد ليزيد في حياته، ~~فسمعوا الحسين ينشد بيتين لابن مفرغ الحميري : PageV01P256 # لا دعوت السوام في غسق الصبح %~% مغترا ولا دعوت يزيدا # يوم أعطي على المهابة ضيما %~% والمنايا يرصدنني أن أحيدا # فعرفوا أنه سوف يخرج على يزيد. # قالوا: فلما خرج من مكة سابع ذي الحجة وصل إلى بستان بني عامر، فلقيه ~~الفرزدق الشاعر، وقد كان ذلك اليوم يوم التروية، فقال له: إلى أين يا ابن ~~رسول الله، ما أعجلك عن الموسم؟ فقال [له] : لو لم أعجل لأخذت أخذا، ~~فأخبرني عن ما وراءك يا فرزدق؟ فقال: تركت الناس بالعراق قلوبهم معك ~~وسيوفهم مع بني أمية. # وكان الوالي على الكوفة يومئذ النعمان بن بشير، فكتب إليه يزيد بن معاوية ~~بتسليم الأمر لعبيد الله بن زياد، فجهز عمر بن سعد بن أبي وقاص لقتال ~~الحسين في أربعة آلاف، وقال له: اكفني هذا الأمر، وكان عمر يكره قتال ~~الحسين. فقال: اعفني، وقد كان ولاه الري وخراسان، فقال: قاتلهم وإلا عزلتك، ~~فقال: أمهلني الليلة فنظر، فاختار ولاية الري على قتل الحسين فلما أصبح غدا ~~إليه، وقال: أنا أقاتله. # قال ابن سيرين : وقد ظهرت كرامات علي بن أبي طالب في هذا، فإنه لقي عمر ~~بن سعد يوما وهو شاب، فقال له: ويحك يا ابن سعد!!، كيف بك إذا قمت مقاما ~~تخير فيه بين الجنة والنار فتختار النار. PageV01P257 # قالوا: ولما وصل الحسين -عليه السلام- كربلاء وقف ليختار مكانا لينزل فيه ~~فإذا سواد الخيل قد أقبل كالليل فنزلوا مقابلهم، ومنعوهم الماء ثلاثة أيام، ~~فناداهم بعض عسكر عمر بن سعد: يا حسين، أما تنظر إلى الماء كأنه كبد ~~السماء، والله ما تذوق منه قطرة حتى تموت عطشا، وناداه أيضا عمر بن الحجاج: ~~يا حسين، هذا الماء تلغ منه الكلاب، وتشرب منه خنازير أهل السواد والحمير ~~والذئاب، وما تذوق أنت منه قطرة حتى تذوق الحميم في نار الجحيم، وكان سماع ~~هذا القول على الحسين وأصحابه أشد من منعهم الماء. # قال: فلما اشتد بالحسين وأصحابه العطش؛ بعث ms107 إلى عمر بن سعد يطلب الاجتماع ~~به فاجتمع خلوة، فقال له عمر: ما جاء بك؟ فقال: أهل الكوفة. # فقال: أما عرفت ما فعلوا معكم؟ فقال: من خادعنا في الله أنخدعنا، فما ترى ~~دعوني أرجع فأقيم بمكة، أو أذهب إلى بعض الثغور أقيم به، فقال: اكتب إلى ~~ابن زياد بذلك. # فكتب إلى ابن زياد [بما قال] فهم ابن زياد أن يجيبه. فقال شمر بن ذي ~~الجوشن الكلابي: لا تقبل منه حتى يضع يده في يدك، فإنه إن أفلت كان أولى ~~بالقوة منك، وكنت أولى بالضعف منه. قال: نعم. # فكتب إلى ابن سعد: فإني لم أبعثك إلى حسين تمنيه السلامة، وتكون شافعا له ~~عندي، فإن نزل على حكمي ووضع يده في يدي فابعث به إلي وإن أبى فازحف عليه ~~واقتله وأصحابه وأوطء الخيل صدره وظهره، وإن أبيت فاعتزل أمرنا، وسلمه إلى ~~شمر بن ذي الجوشن، فقد أمرناه فيك بأمر، وكتب في أسفل الكتاب: # الآن حين تغلغلته حبالنا %~% يرجو الخلاص ولات حين خلاص PageV01P258 ودفع الكتاب إلى شمر، وقال له: اذهب إليه فإن فعل ما أمرته به، وإلا فاضرب ~~عنقه، وأنت الأمير على الناس. # فلما وصل شمر إلى عمر، ناداه عمر: لا أهلا ولا سهلا يا -أبا الأبرص- لا ~~قرب الله دارك، ولا أدنى مرادك، وقبح ما جئت به، ثم قرأ الكتاب، وقال: ~~والله لقد نهيته عما كان في عزمه، ولقد أذعن ولكنك شيطان، وبعث عمر إلى ~~الحسين فأخبره بما جرى، فقال: والله، لا وضعت يدي في يد ابن مرجانة أبدا، ~~ثم إن عمر نادى: يا خيل الله، اركبي، فزحفوا إليه، وعلم الحسين أنهم ~~قاتلوه، فعرض على أصحابه الانصراف، وكذلك على أهله، وأن يتفرقوا عنه فبكوا، ~~وقالوا: قبح الله العيش بعدك!!، وسعت أخته زينب بنت علي فقامت تجر ذيولها، وتقول: # واثكلاه!! ليت الموت أعدمني الحياة، قبل يموت أخي الحسين خليفة الماضين ~~وثمال الباقين، ثم لطمت وجهها والحسين يعزيها وهي لا تقبل عزاء، ثم قال ~~الحسين: ما يقال لهذه الأرض؟ فقالوا : كربلاء. فبكى، وقال: أخبرتني أم ms108 ~~سلمة، قالت: كان جبريل -عليه السلام- عند رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وكنت معي فبكيت، فقال النبي: ((دعي ابني)). فأخذك ووضعك في حجره، فقال ~~له جبريل -عليه السلام-: ((أتحبه؟)) فقال: ((نعم)). فقال:((إن أمتك ستقتله، ~~وإن شئت[أن] أريك تربة أرضه التي يقتل فيها)). فقال: ((نعم))؛ فبسط جبريل ~~جناحه على أرض كربلاء. # [فقال: هذه أرض كربلاء] فأراه إياها، فلما قيل للحسين: هذه أرض كربلاء. ~~قال: هذه والله الأرض التي أخبربها جبريل رسول الله ، وأني أقتل بها. PageV01P259 # وكان عسكر الحسين -عليه السلام- خمسة وأربعين فارسا ومائة راجل. # قال المسعودي: قتل منهم ثمانون نفسا، ولم يحضر قتال الحسين أحد من أهل ~~الشام، بل كلهم من أهل الكوفة ممن كاتبه، وكانوا ستة آلاف مقاتل، فأعطى ~~الحسين رايته أخاه العباس وجعل البيوت والحرم خلفه، فأطلق القوم النار ورأى ~~البيوت، فناداه شمر: يا حسين، تعجلت النار في الدنيا، فقال له الحسين: يا ~~ابن راعية المعزى، أتقول لي هذا، أنت والله أولى بها صليا. PageV01P260 # قالوا: وكان أول من رمى عسكر الحسين عمر بن سعد، ثم صاح عمر بالناس: ما ~~تنتظرون به احملوا عليه؟ فقال الحسين: الله أكبر، أخبرني جدي قال: ((رأيت ~~كلبا يلغ في دمي )) ولا أراك إلا إياه، فقال شمر: علي كذا وكذا إن كنت أدري ~~ما تقول؛ فالتفت الحسين فإذا بطفل له يتلظى من العطش، فقال: يا قوم، إن لم ~~ترحموني فارحموا هذا الطفل، وقد كان على يده، فرماه رجل من القوم بسهم ~~فذبحه، فجعل الحسين يبكي، ويقول: اللهم، احكم بيننا، وبين قوم دعونا ~~لينصرونا فقتلونا، فنودي من الهواء: يا حسين، دعه فإن له مرضعا في الجنة، ~~ورماه حصين بن تميم بسهم فوقع في شفته؛ فجعل الدم يسيل من شفته وهو يبكي، ~~ويقول: اللهم، إني أشكوا إليك ما يفعل بي وبإخوتي وأهلي، ثم اشتد به العطش، ~~فهم أن يلقي نفسه إلى القوم، ثم شرفت نفسه عن ذلك، فجاء وقت[صلاة] الظهر ~~وصلى بأصحابه صلاة الخوف، فتكالبوا عليهم، فتشدد الحسين ولبس سراويل ضيقا، ~~فأعجلوه فضربه الحصين بن تميم ms109 على رأسه بالسيف فسقط وشاركه شمر بن ذي ~~الجوشن، وكان أبرص، ثم قتل من قتل من آل أبي طالب، والحاصل أنهم إحدى ~~وعشرون نفسا، سبعة أنفس من إخوته، [وهم] : جعفر، والعباس، وعثمان، وأبو ~~بكر، ومحمد الأصغر، وعبيد الله، وعبد الله، ثم أبناء الحسين: علي، وعبد ~~الله، ومن أولاد أخيه الحسن: عبد الله، وأبو بكر، والقاسم، ومن أولاد عبد ~~الله بن جعفر: عون، ومحمد، وعبيد الله، ومسلم بن عقيل قتل بالكوفة، وجعفر ~~بن عقيل، وعبد الرحمن بن عقيل، وعبيد الله بن عقيل، ولمسلم بن عقيل، محمد ~~وعبد الله، ثم أبو سعيد بن عقيل. PageV01P261 # هذه رواية (النجم الثاقب في مناقب علي بن أبي طالب) وروي أيضا في بعض مناقب ~~علي -عليه السلام-. وفيهم يقول سراقة البارقي : # عيني أبكي بعبرة وعويل %~% واندبي إن ندبت آل الرسول # سبعة منهم لصلب علي %~% قد أبيدوا وسبعة لعقيل # لعن الله حيث حل زياد %~% وابنه والعجوز ذات البعول # وهذا الشعر يومي أنهم كلهم من ولد علي وعقيل لا غير، والصحيح ما تقدم أن ~~فيهم من ولد جعفر من ذكر، فقتل الحسين عليه السلام يوم الجمعة[يوم عاشوراء] ~~لعشر مضين من المحرم سنة إحدى وستين سنة وقتل وهو ابن أربع وخمسين سنة. # قيل لرجل شهد كربلاء مع عمر بن سعد: [ويحك!!] أقتلتم ذرية رسول الله :يا ~~ويحكم! فقال: عضضت بالجندل إنك لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا، ثارت ~~علينا عصابة، أيديها في مقابض سيوفها كالأسود الضارية تحطم الفرسان يمينا ~~وشمالا، وتلقي أنفسها على الموت، لا تقبل الأمان، ولا ترغب في المال، ولا ~~يحول [حائل] بينها وبين الورود على [حياض] الموت إلا الاستيلاء على الملوك، ~~ولو كففنا عنها رويدا لأتت على نفوس العسكر بحذافيرها، فما كنا فاعلين لا أم لك. # وكانت مدة ظهوره وانتصابه للأمر إلى أن قتل شهرا واحدا ويومين، ودفن جسده ~~في كربلاء، ورأسه مختلف في مشهده -عليه السلام- على أقوال، فمنهم من قال: ~~إنه رد إلى المدينة مع السبايا، ثم رد إلى الجسد بكربلاء فدفن معه. # قاله هشام ms110 وقيل: إنه دفن بالمدينة عند [قبر] أمه فاطمة، قاله ابن سعد ~~كاتب الواقدي. # وقيل: إنه بدمشق، ذكره ابن أبي الدنيا والبلاذري في تأريخه، وابن عساكر. PageV01P262 # وقيل: إنه بمسجد الرقة، والقول الخامس: إن خلفاء مصر نقلوه من دمشق إلى ~~عسقلان، ثم نقلوه إلى القاهرة، وله مشهد عظيم. # قال حاكي هذه الأقوال: وعلى الجملة في أي مكان كان رأسه وجسده فهو ساكن ~~في القلوب، قال: وفي المعنى أنشد بعض أشياخنا: # لا تطلبوا المولى الحسي %~% ن بأرض شرق أو بغرب # ودعوا الجميع وعرجوا %~% نحوي فمشهده بقلبي # قالوا: ولما وصلت السبايا المدينة [لم يبق أحد حتى خرج] وجعلوا يضجون ~~ويبكون، وخرجت زينب بنت عقيل بن أبي طالب كاشفة شعرها تضج: وآحسيناه!!، وآ ~~إخوتاه!! وآ أهلاه!!، ثم قالت: # ماذا تقولون إن قال النبي لكم %~% ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم # بعترتي وبأهلي بعد مفتقد %~% منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم # ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم %~% أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي # في أربعة آلاف، وابن زياد في ثلاثين ألفا، ثم التقوا[يوما] وكانت لسليمان ~~في أول النهار، ثم عادت عليه في آخره، فقتل سليمان، وافترق التوابون. PageV01P263 # قال ابن جرير : فلما فرغ ابن زياد من التوابين جاءه نعي مروان، فوثب عليه ~~المختار بن أبي عبيد وجاءته الإمداد من البصرة، والمدائن، والأمصار، وأقام ~~معه إبراهيم بن الأشتر النخعي، وخرجت الشيعة معه ينادون: يا ثارات الحسين، ~~فقتل المختار من شهد قتل الحسين بأقبح القتلات وأشنعها، فلم يبق من الذين ~~قاتلوا مع عمر بن سعد أحد، وبعث إلى الذي حمل رأس الحسين [إلى زياد] ~~فأحاطوا بداره فاختبأ في الكنيف فأخرجوه ومثلوا به وحرقوه، وقال المختار: ~~لأقتلن رجلا يرضى بقتله أهل السماوات وأهل الأرض، وكان قد أعطى عمر بن سعد ~~أمانا على أن لا يخرج من الكوفة، فأتى رجل إلى عمر، فقال له: قد قال ~~المختار كذا وكذا، والله ما يريد سواك، فأرسل إليه عمر ولده حفصا، وقال له: ~~يقول لك أبي أن تفي لنا بالذي وعدتنا وبالذي كان بيننا، فقال ms111 له المختار: ~~إجلس، ثم سار رجلان فغابا ثم عادا وبيد أحدهما رأس عمر بن سعد، فقال ولده ~~حفص: أقتلتم أبا حفص؟ فقال[له] المختار: وأنت تطمع في الحياة بعده، لا خير ~~لك فيها، ثم ضرب عنقه، وقال المختار: عمر بالحسين، وحفص بعلي بن الحسين ولا ~~سواء، ثم قال: والله لو قتلت ثلاثة أرباع قريش ما وفوا ولا بأنملة من ~~أنامله، ثم قتل شمرا أقبح قتلة، وقيل: ذبحه كما ذبح الحسين، وواطأ الخيل ~~صدره وظهره، وبعث المختار بالرؤوس إلى محمد بن الحنفية. PageV01P264 # قالوا: ثم جاء ابن زياد فنزل الموصل في ثلاثين ألفا؛ فجهز المختار إليه ~~إبراهيم بن الأشتر في سبعة آلاف، وكان على ميمنة ابن زياد حصين بن نمير ~~السكوني من كندة، وإلى ميسرته عمير بن الحباب السلمي وكان أبو عبيدة يقول: ~~هو فارس الإسلام، فقال حصين بن نمير لابن زياد: إن عمير بن الخباب غير ناس ~~قتلى المرح، وإني لا أثق لك به؛ فقال ابن زياد: أنت لي عدو؛ فقال: ستعلم. # قال ابن الحباب: لما كان في الليلة التي يريد فيها ابن زياد أن يواقع ابن ~~الأشتر في صبيحتها خرجت إليه وكان لي صديقا، ومعي رجل من قومي، فسرت في ~~عسكره، وكان عليه قميص هروي وملاة، وهو متوشح بسيفه، وهو يأمر في عسكره ~~وينهى، فالتزمته من ورائه، فو الله ما التفت إلي ولكن قال: من هذا؟ فقلت: ~~عمير بن الحباب، فقال: مرحبا!! كن بهذا الموضع حتى أعود إليك، فقلت لصاحبي: ~~أرأيت أشجع من هذا قط؟ يحضنه رجل من عسكر عدوه ولا يدري من هو، ولا يلتفت ~~إليه، ثم عاد إلي، وقال: ما الخبر؟ فقلت: القوم كثيرة، والرأي أن تناجزهم ~~فإنه لا صبر لهذه العصابة القليلة على مطاولة الجمع الكثير، وإني متحرك عنك ~~بثلث الناس غدا؛ فلما التقوا كانت على أصحاب إبراهيم أول النهار، ثم تراجع ~~الناس آخر النهار، ونكس عمير بن الحباب رايته، ونادى: يا لثارات المرج، ~~وانخزل بالميسرة كلها، ولم يكن فيها إلا قيس، فلم يعصوه واقتتل الناس ~~فانكشف أصحاب ms112 ابن زياد، ووضع السيف فيهم، وكان من غرق منهم أكثر ممن قتل، ~~قال ابن الأشتر: ثم ضربت رجلا على شاطئ هذا النهر فشممت في سيفي رائحة ~~المسك، فاطلبوه، وانظروا من هو؟ فأتوا PageV01P265 بالنيران فإذا هو عبيد الله بن زياد، فبعث ابن الأشتر برأسه إلى المختار، ~~فجلس بالقصر، وألقيت الرؤوس حوله، فألقاها في المكان الذي وضع رأس الحسين فيه. # قال بعض الرواة: فبينا أنا واقف عند الرؤوس بالكناسة في بعض الأيام، إذ ~~قال الناس: قد جاءت، قد جاءت، فإذا بحية عظيمة تتخلل الرؤوس حتى دخلت في ~~منخري[عبيد الله] بن زياد، وخرجت فغابت ساعة، ثم عادت، ففعلت كذلك ثلاثة ~~أيام، وفي رواية: ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثا. # قال الراوي: أخرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح. # قلت: ورثي الحسين -عليه السلام- بما لم يرث به [أحد] غيره فيما علمت من ~~الكثرة وفي كل زمان ومكان، وناحت عليه الجن، وذلك مشهور مذكور، أذكر منها ~~ما أنشده الشريف الرضي الموسوي ؛ تبركا بذكر المرثى والمرثي، وتأدية لبعض ~~أجر ذوي القربى، نقلتها من (الحدائق الوردية في مناقب أئمة الزيدية). PageV01P266 ### ||| [قصيدة للشريف الرضي في رثاء الحسين بن علي -عليه السلام-] # قال الشريف المذكور: # ولقد حبست على الديار عصابة %~% مضمومة الأيدي على أكبادها # حسرا أجادت بالبكاء عيونها %~% وتغص بالزفرات من إيرادها # وقفوا بها حتى كأن مطيهم %~% كانت قوائمهن من أوتادها # هل يطلبون من النواظر بعدكم %~% شيئا سوى عبراتها وسهادها # شغل العيون عن البكاء بكاؤنا %~% لبكاء فاطمة على أولادها # أترى درت أن الحسين طريدة %~% لفتى بني الطرداء عند ولادها # كانت مآتم بالعراق تعدها %~% أموية بالشام من أعيادها # ماراقبت غضب النبي وقد غدا %~% زرع النبي مطية لحصادها # جعلت رسول الله من خصمائها %~% فلبئس ما ذخرت ليوم معادها # نسل النبي على صعاب مطيها %~% ودم النبي على رؤوس صعادها # وا لهفتاه!! لعصبة علوية %~% تبعت أمية بعد عز قيادها # جعلت عذار الذل في آنافها %~% وغلاظ وسم الضيم في أجيادها # استأثرت بالأمر عن غياتها %~% وقضت بما شاءت على شهادها PageV01P267 طلبت بثأر الجاهلية عندها %~% وشفت قديم الغل من ms113 أحقادها # زعمت بأن الدين سوغ قتلها %~% أو ليس هذا الدين عن أجدادها # الله سائلكم على أرواحها %~% فكسبتم الآثام في أجسادها # أخذت بأطراف الفخار فعاذر %~% أن يصبح الثقلان من حسادها # يروي مناقب فضلها أعداؤها %~% أبدا وتسنده إلى أضدادها # يا عترة. الله. اغضبي. لنبيه %~% وتزحزحي بالبيض من أغمادها # قف لي ولو لوث الإزار فإنما %~% هي مهجة علق الهوى بفؤادها # بالطف حيث غدا مراق دمائها %~% ومناخ أينقها ليوم جلادها # القفر من أوراقها والطير من %~% إطراقها والوحش من عوادها # هذا المقال وما بلغت وإنما %~% هي حلية خلعوا عذارجوادها # أقول جادكم الربيع وأنتم %~% في كل منزلة ربيع بلادها # أغنى ضياء الشمس عن أوصافها %~% بضيائها وحلالها وبعادها PageV01P268 ### | [أخبار الإمام الحسن بن الحسن المثنى بن علي - عليهم السلام-] # وبالإمام المثنى بعده فتكت %~% فتكا أقر ابن مروان على السرر # [ونكت ابن زياد بالقضيب له %~% ما كان يلثم منه خاتم النذر] # المراد بالإمام المذكور في هذا البيت هو: الحسن بن الحسن بن علي بن أبي ~~طالب -عليهم السلام-، وأمه خولة بنت منظور بن زيان الفزاري عقد بها ابن ~~الزبير للحسن، لأن أباها كان خافيا فخرج منظور فركز رايته بين فزارة فلم ~~يبق قيسي إلا دخل تحتها، وقال: أمثلي يقتات عليه في ابنته، فردها له الحسن ~~فسار بها، فقالت له ابنته: ويلك!! إنه الحسن بن علي بن رسول الله أمثله ~~يرد؟! فندم ووقف، ثم قال: إن كان له رغبة فهو يلحقنا، فلحقه الحسن وردها ~~له، فولدت له الحسن فكان مشهورا فضله، ظاهرا نبله، وكان له مواقف عظيمة بين ~~يدي عمه الحسين بن علي -عليه السلام- في كربلاء، وكان فارسا، له يومئذ ~~عشرون سنة، وقتل يومئذ من جنود الضلال عدة، وأصابته اثنتا عشرة جراحة حتى ~~أرتث في وسط القتلى، فحمله خاله أسماء بن خارجة الفزاري، ورده إلى الكوفة، ~~فداواه حتى عوفي، وانصرف إلى المدينة، وكان السبب في قيامه وبيعته عبد ~~الرحمن بن محمد بن الأشعث ولاه الحجاج سجستان، فسار إليها في جيش عظيم قدر ~~ثلاثين ألفا، فخلع عبد الملك والحجاج، وهم بأن ms114 يدعو إلى نفسه، فقال له من ~~معه من علماء الكوفة والبصرة: هذا لا يتم إلا برجل من قريش، فراسلوا علي بن ~~الحسين والحسن هذا، فامتنع علي بن الحسين، وقال الحسن: ما لي رغبة عن ~~القيام بأمر الله، ولكن لا وفاء لكم تبايعوني، ثم PageV01P269 تخذلوني، ولم يزالوا به حتى أجاب، وأخذ عليهم الأيمان المغلظة، وخرج إليه ~~منهم عبد الرحمن بن أبي ليلى وأبو البختري الطائي والشعبي وأبو وائل شقيق ~~وابن سيرين والحسن البصري وجماعة من الأعيان، وتلقب بالرضى، وفي بيعته ~~عليه السلام يقول بعضهم: # أبلغ أبا الذبان مخلوع الرسن %~% أن قد مضت بيعتنا لابن الحسن # ابن الرسول المصطفى والمؤتمن %~% من خير فتيان قريش ويمن # والحجة القائم في هذا الزمن # ثم خرج ابن الأشعث ولقيه الحجاج، واشتد القتال بينهم ثلاث سنين، كان ~~بينهم سبعون وقعة كل ذلك على الحجاج سوى وقعتين، وتقوى أمر ابن الأشعث، ~~ودخل الكوفة، فخطب للحسن بن الحسن حتى إذا كان [يوم] الجمعة الثانية أسقط ~~اسمه، فلما كانت وقعة [دير الجماجم] انهزم فيها ابن الأشعث وتوارى الحسن ~~بأرض الحجاز وتهامة حتى مات عبد الملك[لعنه الله] فلما ولي الوليد بن عبد ~~الملك[لعنهما الله] اشتد طلبه له حتى دس إليه من سقاه السم، وحمل إلى ~~المدينة ميتا، وهو في ثلاث وثلاثين سنة وقيل: سبع وثلاثين سنة، ودفن ~~بالبقيع، وله أولاد محمد وبه يكنى، أمه رملة بنت سعيد بن عمر بن نفيل وعبد ~~الله، وإبراهيم، والحسن، وحبيبة، وزينب، وأم كلثوم، وهؤلاءأمهم فاطمة بنت ~~الحسين -عليهم السلام-، ومن أولاده: جعفر، وداود وفاطمة، ومليكة، وأم ~~القاسم، أمهم أم ولد. PageV01P270 ### | [أخبار الإمام الأعظم زيد بن علي(ع) ] # وفي هشام وفي زيد أتت جللا %~% ومن كزيد وزيد خيرة الخير # دعا هشاما إلى التقوى ونابذه %~% لسب آل رسول الله والنذر # وصغر الأحول الطاغي وحقره %~% ولم يكن في مقام الخصم بالحصر # وبث دعوته في كل ناحية %~% وكان مخرجه لله في صفر # فقاتلته جنود الشام وانحرفت %~% عنه العراق إلى أعدائه الفجر # وخاض في غمرة الهيجاء فأثبته %~% سهم من القوم أهل ms115 البغي والأشر # وكان ما كان من قتل الإمام ومن %~% صلب له فوق جذع غير مستتر # (لم يشفهم قتله حتى تعاوره %~% قتل وصلب مع التحريق بالشرر) # هذا البيت الأخير استعاره السيد صارم الدين من أبيات للصاحب الكافي، رثى ~~بها زيدا، وسيأتي إن شاء الله تعالى، وفي قافيته تغيير يسير؛ لأن هذه ~~مجرورة، وتلك مرفوعة، وهذه رائية وتلك قافية، لكن إعلم [أولا] أن فضل زيد ~~بن علي أشهر من أن يحصر في هذا المختصر، فمن طلب الوقوف على ذلك مستوفى فهو ~~في كتاب (الحدائق الوردية) لكن لا بد من ذكر طرف من شأنه؛ تبركا بفضله ~~وإيمانه وكشفا لتبريزه على أقرانه، وسعادة شيعته وأعوانه، فأقول: هو زيد بن ~~علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، نسب دونه فلق الصباح الأنور، بل شعاع ~~الشمس والقمر، ولله القائل: # آمل أن يعطيني %~% ربي أقصى أملي # بحب زيد بن علي %~% بن الحسين بن علي # وأمه أم ولد اسمها: (جيداء) واشتراها المختار بن أبي عبيد بثلاثين ألف ~~درهم، وقال: ما أرى أحدا أحق بها من علي بن الحسين، فبعث بها إليه. PageV01P271 # [قالوا] : وقد كان رأى تلك الليلة رسول الله آخذا بيده فأدخله الجنة فزوجه ~~حوراء. قال: فواقعتها [فعلقت] فصاح بي رسول الله : يا علي، سم المولود منها ~~زيدا، قال: فما قمنا حتى أرسل[لي] المختار بأم زيد، وكانت ولادته -عليه ~~السلام- سنة 75 وكان يشبه بأمير المؤمنين في الفصاحة، والبلاغة، والبراعة، ~~وكان يعرف في المدينة: بحليف القرآن. # قال خالد بن صفوان : انتهت الفصاحة، والخطابة، والزهادة، والعبادة من بني ~~هاشم إلى زيد بن علي -عليه السلام-، قال: شهدته عند هشام وقد تضايق به ~~مجلسه وهو يخاطبه وروي أنه دخل عليه يوما وعنده يهودي، فأخذ اليهودي يسب ~~رسول الله ويتبجح، ويتكلم في تلك الحضرة فزجره زيد، فقال هشام: لا تؤذينا ~~في مجلسنا وجليسنا والقصة مشهورة، فخرج زيد مغاضبا مغتاظا مما شاهد وكان ~~ذلك أحد الأمور الداعية [له] إلى القيام، والدعاء إلى الله، وهذا معنى قول ~~السيد صارم الدين: وصغر الأحول؛ لأن ms116 هشاما كان أحولا، وقد أشار إلى هذا ~~الفرزدق في قوله: # أيحبسني بين المدينة والتي %~% إليها جميع الناس مهوى منيبها # يقلب رأسا لم يكن رأس سيد %~% وعينا له حولاء باد عيوبها PageV01P272 ### || [ذكر الحول وماهيته وما يشبهه من عاهات الملوك] # وإذ قد عرض ذكر الحول، فلنذكر ما هيته، وشيئا مما قيل فيه، وفيما هو ~~يشبهه من عاهات الملوك، والرؤساء، أما ماهيته فقال بعضهم: إنه تغير في ~~الحدقة، بحيث يرى من هو به الشخص شخصين، وحكي أن بعضهم ذكر هذا المعنى وكان ~~له ولد أحول، فقال: يا أبت، لو كان ذلك صحيحا لرأيت هذين الديكين أربعة، ~~وما ثم إلا ديك واحد؛ فضحك أبوه والحاضرون، وقال بعضهم: إن الأحول يرى ~~الشيء شيئين ليس على إطلاقه، بل إنما ذلك إذا كان حوله هو اختلاف إحدى ~~الحدقتين بالانخفاض والارتفاع، وأما إذا كان سبب اختلاف العينين يمنة ويسرة ~~فلا.قال: وإنما يؤيد ذلك أن الإنسان إذا غمز إحدى حدقتيه حتى تخالف الأخرى ~~يمنة أو يسرة؛ فإنه يرى الشيء شيئين وقد أحسن بعض الأدباء إذ يقول: # يجىء إلينا بالقليل يظنه %~% كثيرا وليس الذنب إلا لعينيه # ومن سوء حظي أن رزقي مقدر %~% براحة شخص يبصر الشىء مثليه # والحول من جملة العاهات. # قالوا: وأصحاب العاهات من الملوك: الأسكندر كان أخنف أنو شروان كان أعور، ~~يزدجر كان أعرج، جذيمة الوضاح كان أبرص، النعمان بن المنذر[كان] أحمر ~~العينين والشعر، عبد الملك بن مروان كان أبخر، يزيد بن عبد الملك كان أفقم ~~أخوه هشام المذكور أحول، مروان الحمار كان أشعر أزرق، عبد الله بن الزبير ~~كوسج موسى الهادي كانت شفته العلياء[كان] فيها تقلص، وكان أبوه المهدي قد ~~رأيت معه خادما يلازمه متى غفل وفتح فاه. قال: موسى أطبق؛ فجرى عليه هذا ~~النبز موسى أطبق. PageV01P273 ### || [رجع الكلام إلى ذكر الإمام زيد(ع)] # رجع كلامنا إلى ذكر زيد بن علي -عليه السلام-. # روى في (الحدائق الوردية) عن ابن عباس، قال: بينا علي -عليه السلام- بين ~~أصحابه إذ بكى بكاء شديدا[حتى لثقت لحيته] فقال له الحسن عليه السلام : يا ms117 ~~أبت، ما لك تبكي؟ قال: يا بني، لأمور خفيت عنك، أنبأني بها رسول ، فقال: ~~[و] ما أنبأك رسول الله ؟ فقال : يا بني، لولا أنك سألتني ما أخبرتك؛ لئلا ~~تحزن، ويطول همك، أنبأني رسول الله فذكر حديثا طويلا، قال فيه: ((يا علي، ~~كيف أنت إذا وليها الأحول اللئيم، الكافر الذميم فخرج عليه خير أهل ~~الأرض[من] طولها والعرض)؟ قلت: يا رسول الله، من هو؟ قال: ((يا علي، رجل ~~أيده الله بالإيمان، وألبسه[الله] قميص البر والإحسان، فيخرج في عصابة ~~يدعون إلى الرحمن، أعوانه [من] خير أعوان، فيقتله الأحول ذو الشنئان، ثم ~~يصلبه على جذع [من] رمان، ثم يحرقه بالنيران، ثم يضربه بالعسبان، حتى يكون ~~رمادا كرماد النيران، ثم يصير[إلى الله عز وجل] روحه وأرواح شيعته إلى ~~الجنان)). PageV01P274 # وروي أن عليا -عليه السلام-: خطب خطبة على منبر الكوفة، وذكر أشياءا وفتنا، ~~حتى قال: يملك هشام تسع عشرة سنة، وتواريه أرضا رصافة رصفت عليه النار، ~~مالي ولهشام جبار عنيد، قاتل ولدي الطيب المطيب، لا تأخذه رحمة ولا رأفة، ~~يصلب ولدي بكناسة الكوفة، زيد في الذروة الكبرى من الدرجات العليا فإن يقتل ~~زيد فعلى سنة الله... الحديث واختلف في سبب ظهوره، فقال في (الحدئق ~~الورديه): السبب في ذلك أن هشاما[لعنه الله] ألزمه الخروج من الشام، وقد ~~وصل إليه إلى هناك هو وخصوم معه ادعى عندهم مالا، فألزمهم هشام بن عبد ~~الملك الخروج إلى العراق، والوالي بها يومئذ يوسف بن عمر بن محمد الثقفي في ~~قصة طويلة، خلاصتها: أنه لما وقع فصل القضية أراد زيد الرجوع إلى المدينة، ~~فأتته الشيعة، وقالوا: أين تخرج عنا -يرحمك الله-، ومعك مائة ألف سيف من ~~أهل الكوفة، والبصرة، وخراسان يضربون بها بني أمية دونك، وليس قبلنا من أهل ~~الشام إلا عدة يسيرة، فأبى عليهم، فلم يزالوا يناشدونه، حتى رجع بعد أن ~~أعطوه العهود والمواثيق، فقال له محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب وقد كان ~~من جملة من خرج معه من عند هشام لتلك الخصيمة : أذكرك الله -أبا الحسين- ~~لما لحقت ms118 بأهلك، ولم تقبل قول أحد[من] هؤلاء، فإنهم لا يفون لك، وإنهم ~~أصحاب جدك الحسين، قال: أجل، وهم بالرجوع إلى المدينة، وقيل: بل أصرم على ~~رأيه، وأنشد أبياتا ستأتي في سياق ذكر من قال: إن السبب في خروجه لا على ~~هذه الصفة. PageV01P275 # قالوا: فحين عزم على العودة إلى المدينة أقبلت إليه الشيعة وغيرهم ~~يبايعونه، حتى أحضر إليه ديوان خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة خاصة سوى ~~أهل المدائن، والبصرة، وواسط، والموصل، وخراسان، والري، وجرجان، وأقام ~~بالكوفة سبعة عشر شهرا، وأرسل دعاته إلى الآفاق كما ذكر الناظم، ولما دنا ~~خروجه أمر أصحابه بالاستعداد، فجعل من يريد أن يفي له يستعد، وشاع ذلك ~~فانطلق سراقة البارقي إلى يوسف بن عمر فأخبره [ذلك] فبعث من يطلبه ليلا فلم ~~يوجد عند الرجلين الذين سعى إليه أنه عندهما، فأتى بهما يوسف، فلما كلمهما ~~استبان له أمر زيد وأصحابه، فأمر بهما يوسف فضربت أعناقهما، فبلغ الخبر ~~زيدا فتخوف أن يؤخذ عليه الطريق، فخرج قبل الأجل الذي ضربه لأهل الأمصار، ~~وكان قد وعد أصحابه ليلة الأربعاء أول ليلة من صفر سنة اثنين وعشرين ومائة، ~~فأصبح زيد ومن انضم إليه في تلك الليلة وهم مائتان وثمانية عشر رجلا، فقال ~~زيد: سبحان الله!!، أين الناس؟ فقيل له:هم محصورون في المسجد، قال: لا، ~~والله ما هذا لمن بايعنا بعذر، ثم بعد ذلك وقع القتال بينه وبين القوم، ~~وأبلي في تلك الوقعة بلاء ظاهرا حتى إذا كان جنح الليل رمي -عليه السلام- ~~بسهم، فأصاب جبهته اليسرى، فترك السهم على حاله، فرجع ورحل أصحابه، ولا يظن ~~أهل الشام أنه رجع إلا للمساء بالليل، فأمر للطبيب، فقال له: إن نزعتها مت ~~من ساعتك، فقال -عليه السلام-: الموت أهون علي مما أنا فيه، فعهد عهده، ~~وأوصى وصيته، ولما فرغ من ذلك نزعت النشابة منه، فقضى نحبه -سلام الله ~~عليه-، وذلك عشية الجمعة لخمس بقين من المحرم سنة PageV01P276 122 على ما قال الفقيه حميد في (الحدائق الوردية) على الأصح. # قلت: فيكون قول السيد صارم الدين في ms119 منظومته: وكان مخرجه لله في صفر، ~~إشارة إلى أنه يعني مخرجه الذي وعد به أصحابه كما تقدم؛ لأن من قتل في محرم ~~كيف يخرج في صفر؟! فافهم. # قال الفقيه حميد: ولما توفي -عليه السلام- اختلف أصحابه في دفنه، ثم ~~اتفقوا على أن عدلوا بنهر عن مجراه، ثم حفروا له، ودفنوه، وأجروا الماء على ~~ذلك الموضع، وكان معهم في تلك الليلة غلام سندي، فلما أصبح نادى منادي يوسف ~~بن عمر: من دل على قبر زيد[بن علي] كان له[من المال] كذا وكذا، فدلهم عليه ~~ذلك الغلام فاستخرجوه[عليه السلام من قبره] واحتزوا رأسه، ووجهوا به إلى ~~هشام[بن عبدالملك] وصلبوا جثته بالكناسة، فهذا ما حكاه في (الحدائق) في سبب ~~ظهوره وقال في (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد في فصل ذكر فيه أهل ~~الإباء وعدد جماعة حتى قال: ومن سلك مذهب أسلافه في إباء الضيم، وكراهة ~~الذل، واختيار القتل [وإيثار] أن يموت كريما: أبو الحسين زيد بن علي بن ~~الحسين بن علي[بن أبي طالب] -عليهم السلام-[أمه أم ولد] وكان السبب في ~~خروجه وخلع طاعة بني مروان أنه كان يخاصم عبد الله بن الحسن بن الحسن في ~~صدقات علي -عليه السلام- هذا يخاصم عن بني حسين، وهذا [يخاصم] عن بني حسن، ~~فتنازعا يوما عند خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم أمير المدينة، ~~فأغلظ كل واحد منهما لصاحبه؛ فسر بذلك خالد وأعجبه تشاتمهما، وقال لهما حين ~~سكتا : اغدوا علي [غدا] فلست لعبد الملك إن لم أفصل بينكما، فباتت المدينة تغلي PageV01P277 كالمرجل، فمن قائل يقول: قال زيد كذا وكذا، ومن قائل يقول: قال عبد الله ~~كذا وكذا، فلما كان الغد جلس خالد في المسجد، وجمع الناس فمن[بين] شامت ~~ومغموم، ودعا بهما، ورغب أن يتشاتما فذهب عبد الله يتكلم، فقال زيد: لا ~~تعجل[يا] أبا محمد، أعتق زيد ما ملك إن خاصمك إلى خالد أبدا، ثم أقبل على ~~خالد، فقال[له] : أجمعت ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأمر ما ~~كان يجمعهم عليه أبو بكر ولا عمر؟ فقال ms120 خالد: أما لهذا السفيه أحد يكلمه؟ ~~فتكلم رجل من الأنصار من آل عمرو بن حزم، فقال: يا ابن أبي تراب، ويا ابن ~~حسين السفيه، أما ترى عليك لوال حقا، ولا طاعة؟ فقال زيد: [اسكت] أيها ~~القحطاني، فإنا لا نجيب مثلك، فقال الأنصاري: ولم ترغب عني؟ فوالله إني خير ~~منك، وأبي خير من أبيك، وأمي خير من أمك، فتضاحك زيد، وقال: يا معشر قريش، ~~هذا الدين قد ذهب[أفذهبت الأحساب] فتكلم عبد الله بن واقد بن عبد الله بن ~~عمر بن الخطاب فقال: كذبت أيها القحطاني، والله لهو خير منك نفسا، وأبا، ~~وأما، ومحتدا وتناوله بكلام كثير، وأخذ كفين من الحصى فضرب بها الأرض، ~~وقال: إنه والله، ما لنا على هذا من صبر وقام، فقام زيد -أيضا- من فوره، ~~وشخص إلى هشام بن عبد الملك [بن مروان وهو في الشام] فجعل هشام لا يأذن له، ~~وزيد يرفع إليه القصص، وكلما رفع إليه قصة كتب هشام في أسفلها: ارجع إلى ~~أرضك، فيقول زيد: والله، لا أرجع إلى ابن الحارث أبدا، ثم أذن له [هشام] ~~بعد حبس طويل، وكان في علو له فرقى زيد إليه وقد أمر هشام خادما له [أن] ~~يتبعه حيث لا يراه ويسمع PageV01P278 ما يقول، فصعد زيد، وكان باديا فوقف في بعض الدرج فسمعه الخادم[وهو] يقول: ~~ما أحب الحياة إلا من ذل، فأخبر الخادم هشاما بذلك، فلما قعد بين يدي هشام ~~وتحادثا حلف له [زيد] على شيء، فقال [له] هشام: لا أصدقك، فقال [له] زيد: ~~إن الله لم يرفع أحدا عن أن يرضى بالله، ولم يضع أحدا عن أن يرضى بذلك منه، ~~فقال هشام: إنه بلغني أنك تريد الخلافة، وتتمناها، ولست هناك؛ لأنك ابن ~~أمة، فقال زيد: إن لك لجوابا. قال: تكلم، فقال: إنه ليس أحد أولى بالله ولا ~~أرفع درجة عنده ممن بعثه وهو إسماعيل بن إبراهيم وهو ابن أمة، فاختاره الله ~~لنبوته، وأخرج منه [محمدا] خير البشر. قال هشام: فما صنع أخوك البقرة؟ فغضب ~~زيد حتى كاد يخرج من إهابه، ms121 ثم قال: سماه رسول الله : ((الباقر)) وتسميه ~~أنت البقرة ؟! لشد ما اختلفتما، [و] لتخالفنه في الآخرة كما خالفته في ~~الدنيا، فيرد الجنة وترد النار، فقال هشام: خذوا بيد هذا الأحمق المائق ~~فأخرجوه، فأخذ الغلمان بيده وأقاموه فقال هشام: أحملوا هذا[الخائن] الأهوج ~~إلى عامله، فقال زيد: والله لئن حملتني إليه، لا أجتمع أنا وأنت جنبين ~~وليموتن الأعجل منا، فأخرج زيد وأشخص[إلى المدينة] فما فارقوه حتى طردوه عن ~~حدود الشام فلما فارقوه عدل إلى العراق، ودخل الكوفة فبايع لنفسه، فأعطاه ~~البيعة أكثر أهلها، والعامل[عليها] على العراق يومئذ يوسف بن عمر الثقفي، ~~وكان بينهما من الحرب ما هو مذكور[في كتب التواريخ]. PageV01P279 # قال: وخذل أهل الكوفة زيدا، وتخلف معه ممن بايعه نفر يسير، فأبلي فيه بلاء ~~حسنا، وجاهد جهادا عظيما حتى أتاه سهم غرب، فأصاب جانب جبهته اليسرى فثبت ~~في دماغه فحين نزع منه مات عليه السلام. # قال ابن أبي الحديد: و[قد] كان محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب -عليهم ~~السلام-، عنف زيدا لما خرج، وحذره القتل، وقال له: إن أهل العراق قد فعلوا ~~مع أهلك ما تعرف فلم يثن ذلك عزمه، بل تمثل [بقول الشاعر] : # بكرت تخوفني الحتوف كأنني %~% أصبحت من غرض الحتوف بمعزل # فأجبتها إن المنية منهل %~% لا بد أن أسقى بذاك المنهل # إن المنية لو تمثل مثلت %~% مثلي إذا نزلوا بضيق المنزل # فاقني حياتك لا أبا لك واعلمي %~% أني امرؤ سأموت إن لم أقتل # انتهى ما ذكره ابن أبي الحديد. PageV01P280 ### || فصل نذكر فيه طرفا من كرامات زيد[بن علي] -عليه السلام- # التي اتفقت له في حال صلبه، ونذكر فيه جماعة ممن صلب في الإسلام، فمن ذلك ~~أن العنكبوت كانت تنسج على عورته ليلا، فكانوا إذا أصبحوا هتكوا نسجها ~~بالرماح ومنها أن امرأة مؤمنة خرجت فطرحت عليه خمارها فالتاثت بمشيئة الله ~~سبحانه فصعدوا فحلوه، فاسترخت سرته حتى غطت عورته ورأيت في بعض الكتب أنه ~~قتل مع زيد[بن علي] رجل من عدوه فصلبوه مع من صلبوا من شيعته -عليه ~~السلام-، فكان بعض عقلاء ms122 المجانين يأتي كل صباح يسلم على زيد وأصحابه، ~~ويترحم عليهم، فإذا وصل إلى خشبة ذلك الرجل، قال: أما أنت -يا هذا- فإن شعر ~~عانتك تخبرني أنك لست من القوم، وإنما أخذت بغير ما أخذوا به؛ لأنهم -رحمهم ~~الله- قد كانوا استحدوا قبل حضور الوقعة، فيتعجب الناس من قوله. PageV01P281 ### || [ذكر جماعة ممن صلب في الإسلام] # قيل: إن أول من صلب في الإسلام عقبة بن أبي معيط قتله رسول الله [ثم] ~~أمر بصلبه، ومنهم: خبيب بن عدي، وابن الدثنة الأنصاري أسرتهما هذيل يوم ~~الرجيع ولهما حديث طويل، ثم صلبوهما، وعقبة بن خثيم بن هلال [النمري] صلبه ~~خالد بن الوليد، وهاني بن عروة المرادي ومسلم بن عقيل بن أبي طالب صلبهما ~~عبيد الله بن زياد بسوق الكوفة، وعبد الله بن الزبير صلبه الحجاج بمكة ~~منكوسا، وقال: لا أنزله حتى تشفع فيه أمه أسماء بنت أبي بكر فلم تتكلم فيه، ~~فيقال: إنه بقي مصلوبا سنة، فمرت به بعد ذلك، فقالت: أما آن لراكب هذه ~~المطية أن يترجل؟ فأنزل، ويقال: إنه أتي إليها بأسلابه فوضعتها في حجرها؛ ~~فحاضت وجرى اللبن في ثديها، فقالت: حنت إليه مواضعه، ودرت عليه مراضعه، ~~ومنهم: يزيد بن المهلب بن أبي صفرة صلبه مسلمة بن عبد الملك وعلق معه ~~خنزيرا وزق خمر، ومنهم: الإمام الولي زيد بن علي -عليهما السلام- بقي ~~مصلوبا أربعة أعوام. # هذه رواها بعض أهل التواريخ، وهو الذي نقلت منه تعداد المصلوبين، وأما في ~~(الحدائق الوردية) فقال: إنه مكث مصلوبا سنة وشهورا، وقيل: أياما، وقيل: ~~سنتين، قال: ذكر ذلك السيد أبو طالب. PageV01P282 # قال: وفي المرشد يرفعه إلى رجاله أنه مكث إلى أيام الوليد بن يزيد وهذه ~~الرواية توافق القول الأول نعم. ولما أنزلوه من الخشبة أحرقوه بالنار، ثم ~~حمل رماده فذري في الفرات، فمكن الله وزير آل محمد أبا حفص الخلال من صلب ~~هشام وضربه وتحريقه، وذلك أنه لما مات طلوه بالصبر كي لا يبلى فوجدوه بعد ~~ما نبشوه مثل ما دفن. # قال بعض شعراء المنصور بالله عبد الله بن حمزة ms123 في كلمة يمدحه بها: # وكم صون جسم كان فيه هلاكه %~% كما صين بالتصبير جسم هشام # هكذا في (الحدائق) وقال المسعودي في (مروج الذهب): إن عمر بن هاني الطائي ~~قال: خرجت مع عبد الله بن علي [عم السفاح والمنصور] حتى انتهينا إلى قبر ~~هشام، فاستخرجناه صحيحا ما فقدنا منه إلا خرمة أنفه، فضربه عبدالله[بن علي] ~~ثمانين سوطا، ثم أحرقه، ثم استخرجنا سليمان بن عبدالملك[من أرض دابق] فلم ~~نجد منه[شيئا] إلا صلبه وأضلاعه، ورأسه، فأحرقناه، وفعلنا كذلك بغيرهما من ~~بني أمية، وكانت قبورهم بقنسرين ثم انتهينا إلى دمشق، فاستخرجنا الوليد بن ~~عبد الملك فما وجدنا في قبره قليلا ولا كثيرا، وحفرنا عن عبد الملك فما ~~وجدنا منه [إلا شؤن رأسه، ثم احتفرنا عن يزيد بن معاوية فما وجدنا فيه] إلا ~~عظما واحدا، ووجدنا مع لحده خطا أسود كأنما خط بالرماد بالطول في لحده، ثم ~~تتبعنا قبورهم في جميع البلدان، فأحرقنا ما وجدنا [فيها] منهم. # قال: وكان سبب فعل عبد الله هذا ببني أمية ما فعله هشام بزيد بن علي ~~-عليهما السلام- فانتصر لبني عمه، انتهى. PageV01P283 # وممن صلب: الإمام يحيى بن زيد -عليهما السلام- في أيام الوليد بن يزيد ~~بالجوزجان، ولم يزل مصلوبا إلى أن جاء أبو مسلم الخراساني، فأنزله وواراه، ~~وصلى عليه، [وأخذ كل من خرج] إلى قتاله بعد أن تصفح الديوان، فقتل من كان ~~في بعثه إلا من أعجزه، وسود أهل خراسان ثيابهم إذ ذلك فصار شعارا لبني ~~العباس، وأمر أبو مسلم بإقامة المأتم في بلخ ومرو سبعة أيام، وناح عليه ~~النساء، وكان من ولد في تلك السنة من أولاد الأعيان سموه يحيى، وممن صلب: ~~خالد بن عبد الله القسري صلبه مروان الحمار، ومنهم: جعفر بن يحيى البرمكي ~~صلبه هارون، وقطعه ثلاث قطع، ثم أحرقه، ومنهم: الوزير محمد بن بقية صلبه ~~عضد الدولة، فرثاه أبو الحسين محمد بن يعقوب الأنباري بترثية ما قيل مثلها ~~في بابها، أولها: # علو في الحياة وفي الممات %~% لحق أنت إحدى المعجزات # كأن الناس حولك حين قاموا %~% وفود نداك ms124 أيام الصلات # كأنك قائم فيهم خطيبا %~% وكلهم قيام للصلاة # مددت يديك نحوهم احتفالا %~% كذلك كنت أيام الحياة # [حتى قال] : # ركبت مطية من قبل زيد %~% علاها في السنين الماضيات # وهي مشهورة، يقال: إن الشاعر هذا كتبها نسخا، ورماها في شوارع بغداد، ~~فتداولها الأدباء حتى بلغت عضد الدولة بن بويه؛ فتمنى أنه المصلوب، وطلب ~~الأنباري سنة، واتصل الخبر بالصاحب الكافي فكتب له الأمان، فلما سمع ~~الأنباري بالأمان قصد حضرة الصاحب، فقال له الصاحب: أنت القائل الأبيات؟ ~~فأقر له وأنشده إياها، فلما بلغ: # فلم أر قبل جذعك قط جذعا %~% تمكن من عناق المكرمات PageV01P284 فقام الصاحب فعانقه وقبل فاه، وأنفذه إلى العضد، فقال: ما حملك على مرثية ~~عدوي؟ فقال: حقوق سبقت، وأياد مضت؛ فجاش الحزن في قلبي فرثيت، فعفا عنه، ~~وأعطاه فرسا وبدرة، ومنهم الفقيه الأديب: عمارة بن علي اليمني صلبه السلطان ~~صلاح الدين يوسف بن أيوب سابع سبعة من أعيان مصر، والقصة مشهورة، ومما رثي ~~به الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي -عليهم السلام-،قول الأنباري : # أبا الحسين أثار فقدك لوعة %~% من يلق ما لاقيت منها يكمد # فعرى السهاد ولو سواك رمت به %~% الأقدار حيث رمت به لم يسهد # [فعبرت بعدك كالسليم وتارة %~% أحكي إذا أمسيت فعل الأرمد] # ونقول: لا تبعد وبعدك ذاويا %~% وكذاك من يلق المنية يبعد # كنت المؤمل للعظائم والذي %~% يرجى لأمر الأمة المتأود # فقتلت حين نضلت كل مناضل %~% وصعدت في العلياء كل مصعد # وطلبت غاية سابقين فنلتها %~% بالله في سنن كريم المورد # وأبى إلهك أن تموت ولم تسر %~% فيهم بسيرة صادق مستنجد # والقتل في ذات الإله سجية %~% منكم وأخذ بالفعال الأمجد # والوحش آمنة وآل محمد %~% ما بين مقتول وبين مطرد # [نصبا إذا ألقى الظلام ستوره %~% رقد الحمام وليله لم يرقد] # ياليت شعري والخطوب كثيرة %~% الأسباب موردها وما لم يورد # ما حجة المستبشرين بقتله %~% بالأمس أوما عذر أهل المسجد PageV01P285 وقال الصاحب الكافي: # بدا من الشيب في رأسي تفاريق %~% وحان للهو تمحيص وتطليق # هذا ولا لهو مع هم يعرفني %~% بيوم زيد ms125 وبعض الهم تعويق # لما رأى أن أمر الدين مطرح %~% وقد تقسمه نهب وتمحيق # وأن أمر هشام في تفرعنه %~% يزداد شرا وإن الرجس زنديق # قام الإمام بحق الله ينهضه %~% محبة الدين إن الدين موموق # [يدعو إلى ما دعا آباؤه زمنا %~% إليه وهو بعون الله مرفوق] # [لما تردت حرارتي عليه ولم %~% فليس يعسره في الخلق مخلوق] # ابن النبي نعم وابن الوصي نعم %~% وابن الشهيد نعم والقول تحقيق # لم يشفهم قتله حتى تعاوره %~% قتل وصلب وإحراق وتغريق PageV01P286 ### | [الإمام يحيى بن زيد - عليهما السلام -]. # وقام يحيى بن زيد بعد والده %~% وهز عاسل عزم غير منكسر # فسلمته إلى سلم بن أحوزها %~% بالجوزجان بلا ضعف ولا خور # صلى الإله على زيد وصفوته %~% يحيى وصلى على أشياعه الغرر # السالكين إلى الأخرى مسالكها %~% والمقبلين على أعمالها الأخر # ففي النهار جهاد طال عثيرة %~% والليل ترجيع آي الذكر في السحر # وأشهد الله أن الحق دينهم %~% وأنهم صفوة الباري من البشر PageV01P287 هو أبو عبد الله، وقيل: أبو طالب يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ~~أبي طالب- عليهم السلام-، كان مثل أبيه في الشجاعة، وقوة القلب في مبارزة ~~الأقران، وله مقامات مشهورة بخراسان مدة ظهوره بها في حروبه لما استشهد ~~أبوه خرج من الكوفة متنكرا مستترا مع جماعة من أصحابه فدخل خراسان، ونزل ~~على الحرش بن عبد الرحمن الشيباني، فكتب يوسف بن عمر إلى نصر بن سيار ~~يطلبه، فكتب إلى عامله عقيل بن معقل الليثي فطلبه ببلخ، فذكر له أنه في دار ~~الحرش، فطالبه بتسليمه فأنكر أن يكون عالما به؛ فضرب ستمائة سوط فلم يعترف، ~~فقال: والله، لا أرفع السوط عنك حتى تسلمه أو تموت، فقال حرش -رحمه الله-: ~~والله لو كان تحت قدمي هاتين لا رفعتهما فاصنع ما بدا لك، فلما خشي ابن ~~الحرش على أبيه دس إليه بأنه يدله عليه إن أفرج عن أبيه فدل عليه [وأخذ] ~~وحمل إلى نصر بن سيار، [فقيده وحبسه] وكتب بخبره إلى يوسف بن عمر، فكتب ~~يوسف إلى الوليد، فأمر الوليد: أن ms126 افرج عنه، واترك التعرض له ولأصحابه، ~~فكتب يوسف إلى نصر بما أمر به الوليد، فدعاه نصر، وحل قيده، وقال له: لا ~~تثر الفتنة، فقال: وهل في أمة محمد أعظم من فتنتكم في سفك الدماء، والشروع ~~فيما لستم له بأهل؟ فسكت نصر وخلى سبيله، فخرج من عنده وجاء إلى بيهق وأظهر ~~الدعوة هنالك فبايعه فيها سبعون رجلا؛ فاجتمع على حربه زهاء عشرة آلاف ~~قائدهم سلم بن أحور عن رأي نصر بن سيار، فخرج عليهم يحيى فقاتلهم وهزمهم، ~~ثم اجتمع عليه بقية العسكر والجيش، فقاتلهم ثلاثة أيام ولياليها أشد قتال ~~حتى قتل أصحابه، وأتته PageV01P288 نشابة في جبهته، ثم حزوا رأسه، وحملوه إلى مروان في رواية (الحدائق) وقال ~~الحاكم في (شرح العيون) : إلى الوليد، وهو المعارض له وكان قتله في شهر ~~رمضان عشية الجمعة سنة ست وعشرين[ومائة] وقيل: سنة خمس وصلب بدنه -عليه ~~السلام- على مدينة الجوزجان، وسنه إذ ذلك ثمان وعشرون سنة، وعرض عليه أن ~~يتزوج، فقال: هيهات!! وأبو الحسين مصلوب بكناسة الكوفة، ولم أطلب بثأره، ~~وكان -عليه السلام- ينشد: # يا ابن زيد أليس قد قال زيد %~% من أحب الحياة عاش ذليلا # كن كزيد وأنت مهجة زيد %~% تتخذ في الجنان ظلا ظليلا # يشير إلى قول أبيه لما خرج من عند هشام: من أحب البقاء استدثر الذل إلى ~~الفناء. # [و] روى الإمام المنصور بالله -عليه السلام-: أن قاتل يحيى [بن زيد] كان ~~قد رأى في منامه[قبل قتله ليحيى -عليه السلام-] أنه رمى نبيا فقتله، فلما ~~أصبح أخبر بذلك من أخبره ثم غل يده إلى عنقه، وأقام كذلك مدة من الزمان حتى ~~خرج يحيى -عليه السلام-، واجتمعت الجنود[الأموية] الطالبة لحربه، فقال له ~~بعضهم: قد قام هذا الخارجي ولا غنى لنا عن رميك، فاخرج معنا فإذا انقضت ~~الحرب عدت بحالك [فخرج] فكان هو القاتل ليحيى -عليه السلام- ولا عقب له. PageV01P289 ### | [الإمام محمد بن عبد الله (النفس الزكية) (ع) ]. # وفي محمدها المهدي ما حفظت %~% حقا لما كتبت كفاه في السير # زاكي الأصول وزاكي الفرع من حسن %~% وخير مؤتزر بالمجد ms127 معتجر # مالت عليه إلى فرعون معشره %~% أبي الدوانيق طاغي عصره الغدر # هو: أبو عبد الله، وقيل: أبو القاسم محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ~~بن علي بن أبي طالب -عليهم السلام-، [و] كان يسمى المهدي، ويسمى صريح قريش؛ ~~لأنه لم يكن في آبائه من أمه أم ولد إلى أمير المؤمنين، وكذلك جداته من قبل ~~أمه، وكان يسمى بالنفس الزكية؛ لورود الأثر: ((أن النفس الزكية تقتل فيسيل ~~دمه إلى حجار الزيت )) وكان كذلك، وحملت به أمه أربع سنين. # فائدة: ومن حمل به أكثر من تسعة أشهر: الضحاك بن مزاحم ولد لستة عشر ~~شهرا، وشعبة بن الحجاج [ولد] لسنتين، وهرم بن حيان ولد لأربع سنين، ولذلك ~~سمي هرما، ومالك بن أنس حمل به أكثر من ثلاث سنين، والحجاج بن يوسف ولد ~~لثلاثين شهرا، وكان يقول: أذكر ليلة ميلادي، وعبد الملك بن مروان ولد لسنة، ~~والشافعي حمل به أربع سنين أو أقل، والحنفية يمازحونهم ويقولون: ما جسر ~~إمامكم يظهر أوان الوجود حتى مات أمامنا؛ فتجيبهم الشافعية: بل إمامكم ما ~~تثبت لظهور إمامنا. PageV01P290 # عدنا إلى ذكر النفس الزكية # قال السيد ط: كان شجاعا فارسا، خطيبا بارعا في الخطبة على تمتمة [فيه] ~~كانت تعتريه إذا تكلم، فإذا عرضت له ضرب صدره بيده فينفصح لسانه، وهو أول ~~من ظهر من آل رسول الله ، وخوطب بأمير المؤمنين، وبعده محمد بن جعفر بن ~~محمد عليه السلام وكان بين كتفيه شامة تشبه شامة النبي ، وفيه يقول الشاعر: # وإن الذي يروي الرواة لبين %~% إذا ما ابن عبد الله فيهم تجردا # له خاتم لم يعطه الله غيره %~% وفيه علامات من البر والهدى # [و] كان [-عليه السلام-] غزير العلم، وافر الفهم، قد سمع من آبائه ~~الحديث، وسمع من نافع، وابن طاووس وله كتاب (السير) المشهور، يقال: إن محمد ~~بن الحسن الشيباني نقل أكثر مسائل السير من هذا الكتاب، وفيه من غرائب ~~الفقه ما يدل على علو منزلته، ويكشف عن عالي مرتبته، وكان -عليه السلام- ~~قويا جدا. # روى الشيخ أبو الفرج، عن ms128 سعيد بن عقبة قال: كنا مع عبد الله بن الحسن ~~بسويقة وبين يديه صخرة، فقام محمد [بن عبد الله] يعالجها ليرفعها فأقلها ~~حتى بلغ ركبتيه، فنهاه أبوه فانتهى،فلما دخل عبد الله عاد إليها فأقلها حتى ~~بلغ بها على منكبيه، ثم ألقاها فحزرت ألف رطل. # قال: ووقف موسى يعني الهادي وهو أخو الرشيد على الصخرة بسويقة، فاجتمع هو ~~ورجل من أصحابه على علاجها وهي على حرفها، فكان جهدهما أن حركاها ومن شعره ~~-عليه السلام-: # متى يرى للعدل نور وقد %~% أسلمني ظلم إلى ظلم # أمنية طال عداتي بها %~% كأنني فيها أخو حلم PageV01P291 [قالوا] : ولما انتشرت دعوته -عليه السلام- في الآفاق وعقدت من أهل الفضل ~~في الأعناق، اضطر إلى الخروج قبل أوانه، وكان السبب في ذلك أن أبا الدوانيق ~~لما حبس عبد الله بن الحسن وإخوته وشدد عليهم بسبب محمد هذا، وأمر بضرب ~~موسى بن عبد الله فضرب ستمائة سوط، ثم أمره أبو جعفر ابن عمه ليكون [له ~~عينا] فتقدم موسى بن عبد الله على أن يكون عينا له على أخيه محمد، فأقام ~~مدة بالمدينة حتى أمر [واليها إلى أبي جعفر] إنك أمرت موسى ليكون عينا لنا ~~على محمد بن عبد الله وإنه عين له علينا، فأمر أبو جعفر بإحضاره، فلما ~~خرجوا بموسى من المدينة خشي عليه أخوه محمد[من] القتل؛ فشهر نفسه في الحال، ~~وكان ظهوره لليلتين بقيتا من شهر جماد الآخرة سنة خمس وأربعين ومائة وانضاف ~~إليه في تلك الحال مائتان وخمسون رجلا حتى وقف على سجن المدينة، وأخرج من ~~فيه ودخل المسجد قبل الفجر، فخطب الناس، وقال في خطبته بعد حمد الله ~~والثناء عليه: أما بعد.. يا أهل المدينة، فإني والله ما خرجت فيكم وبين ~~أظهركم[لأتعززبكم] فغيركم كان أعز لي منكم إلا أني حبوتكم بنفسي مع أنه لم ~~يبق مصر من الأمصار يعبد الله فيه إلا وقد أخذت لي فيه البيعة، وما بقي أحد ~~من مشرق، ولا مغرب إلا وقد أتتني بيعته، وأنا أحق الناس بالقيام بهذا الأمر ~~لأبناء المهاجرين والأنصار، مع ms129 ما قد علمتم من سوء مذهب هذا الطاغية الذي ~~قد بلغ من عتوه وطغيانه أن اتخذ لنفسه بيتا وبوبه بالذهب -يعني أبا ~~الدوانيق-، ثم بالغ في ذمه، ثم صلى بالناس وبايعوه طوعا إلا شرذمة، وهرب ~~والي المدينة لأبي الدوانيق PageV01P292 فلحق وسألوه عن موسى؟ فقال: قد أنفذته إلى المنصور، فبعث جماعة من الفرسان ~~فردوه، ثم خرج -عليه السلام- إلى مكة فبويع هناك، وبعث أخاه إبراهيم إلى ~~البصرة، وأما هو فرجع من مكة إلى المدينة فوجه إليه أبو جعفر عيسى بن موسى ~~في أربعة آلاف رجل، وقال له: إنك سترد على حرم رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وجيران قبره، فإن قتلت محمدا أو أخذته أسيرا فلا تقتل أحدا وارفع ~~السيف، وإن طلب محمد الأمان فأعطه، فلما بلغ محمد مسيره خندق على المدينة ~~خندقا فقاتلهم ساعة، فلما انهزم أصحابه، وتفرقوا رجع إلى دار مروان، فصلى ~~الظهر واغتسل وتحنط، وكان القتال يوم الإثنين للنصف من رمضان. PageV01P293 # قال بعضهم: رأيت محمدا وإنه أشبه [ما] خلق الله به لما ذكر من حمزة بن عبد ~~المطلب، يهز الناس بسيفه ما يقاربه أحد إلا قتله، والله ما يلتق شيئا حتى ~~رماه إنسان بسهم، فوقف إلى ناحية جدار المسجد، وتحاماه الناس، وروي أنه قتل ~~ذلك اليوم اثني عشر رجلا من جنود الظالمين، وكان انهزام عسكره على ما رواه ~~الإمام المنصور بالله في رواية الفقيه الشهيد حميد المحلي في (الحدائق) ~~بحيلة امرأة عباسية كانت في المدينة، فإنها أمر ت خادما لها بقناع أسود ~~رفعه في منارة[مسجد] رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمرت خادما لها ~~آخر فصاح في العسكر: الهزيمة الهزيمة، فإن المسودة قد جاءوا من خلفكم، ~~فدخلوا المدينة، فرأوا الراية السوداء فلم يشكوا في ذلك فانهزم الناس، وبقي ~~وحده يقاتل حتى ضربه رجل على ذقنه فسقطت لحيته على صدره فرفعها بيده وشدها، ~~ثم رمي بنشابة في صدره فحملوا عليه من كل جانب فقتل، والذي تولى الإجهاز ~~عليه حميد بن قحطبة، وفي بعض الأخبار أنه لما حمي الوطيس ms130 خرج النفس الزكية ~~في قبا طاق وهو يقول [شعرا] : # قاتل فما بك إن خشيت بدونه %~% في ظل صرفيها إذا لم تخلد # إن امرأ يرضى بأهون سعيه %~% قصرت مرؤته إذا لم يزدد PageV01P294 فلما قتل حمل رأسه إلى أبي الدوانيق، وكان قتله بعد العصر يوم الإثنين ~~لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، ذكره أبو الفرج الأصبهاني من سنة خمس ~~وأربعين ومائة، وقيل: [سنة] ست، وقيل: إنه قتل عن اثنين وخمسين سنة، وكان ~~مدة قيامه شهرين تزيد أياما قلائل، ولما قتل دخل الجند الظالم المدينة ~~لزيارة قبر النبي، فوقف حميد بن قحطبة على الباب ولم يدخل، فقال له بعضهم: ~~ما رأيت أعجب من أمرك تضرب آباط الإبل لزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وتصل إلى باب مسجده، ثم لا تزوره؟! فقال: والله، إني لأستحي منه، ~~الآن قتلت ولده، ثم أدخل لزيارته، فقال له عيسى بن موسى: اسكت، ولأخيه ~~إبراهيم ترثية : # سأبكيك بالبيض الرقاق وبالقنا %~% فإن بها ما يدرك الطالب الوترا # وإنا أناس لا تفيض دموعنا %~% على هالك منا وإن قصم الظهرا # ولست كمن يبكي أخاه بعبرة %~% يعصرها من جفن مقلته عصرا # ولكنني أشفي فؤادي بغارة %~% تلهب في قطري كتائبها الجمرا # ولبعضهم: # رحم الله شبابا %~% قتلوا يوم الثنية # قاتلوا عنه بنيا %~% ت وأحساب تقية # فر عنه الناس طرا %~% غير خيل أسدية # قتل الرحمن عيسى %~% قاتل النفس الزكية PageV01P295 ### | [عبد الله بن الحسن بن الحسن - عليهم السلام - ]. # وقادت الحبر عبد الله كاملنا %~% أبو الأئمة بعد الشيب والكبر # مغلغلا في حديد تحته قتب %~% وغيبت غرة الديباج في الجدر # والفاطميات تبكي بعدهم جزعا %~% وعين صادقنا تجري بمنهمر # المراد هنا عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب-عليهم ~~السلام-، المسمى بالكامل، وإنما سمي الكامل؛ لأنهم كانوا إذا قالوا: من ~~أعلم الناس؟ من أفصح الناس؟ من أكرم الناس؟ من كذا؟ من كذا؟ قيل: عبد الله ~~بن الحسن وهو أبو الأئمة محمد، وإبراهيم، وإدريس، ويحيى، ومعنى قول الناظم: ~~وقادة الحبر.. يعني الدنيا لأن الكلام ms131 مسوق فيها من أوله إلى آخره، وهو ~~يشير إلى ما ذكرته الرواة نقلته أنا في شرحي على كتاب (الصادح والباغم) ~~ونقل المذكور من كتاب (العقد) لابن عبد ربه؛ لأن ابن الهبارية في (الصادح ~~والباغم) قال ما لفظه: # وإن هو استخفى عن المبارزة %~% وكنت أحظى منه بالمناجزة # فأخدعه كي يضجر للقاء %~% إن الخداع غاية الدهاء # كذلك المنصور كاد ابني حسن %~% فظهرا بعد اختفاء المحن PageV01P296 قال في (العقد): لما ولي أبو العباس السفاح الخلافة قدم عليه بنو الحسن بن ~~علي بن أبي طالب -عليهم السلام- فأعطاهم الأموال، وقطع لهم القطائع، وقال ~~لعبد الله بن الحسن: احتكم علي، فقال: يا أمير المؤمنين، ألف ألف درهم فإني ~~لم أرها قط، فاستقرضها له من صيرفي وأمر له بها ثم أتي إليه بجواهر مروان ~~فجعل يقلبها وعنده عبد الله بن الحسن؛ فبكى عبد الله، فقال له: ما يبكيك يا ~~أبا محمد؟ فقال : هذا عند بنات مروان وما رأت بنات عمك مثله، فحباه به، ثم ~~أمر الصيرفي أن يبتاعه منه بثمانين ألف درهم، ثم خرج بنو حسن فبعث معهم ~~رجلا من ثقاته، فقال له: قم بإزائهم ولا تأل في إلطافهم، وكلما خلوت معهم ~~فأظهر الميل عنا والتحامل علينا وعلى ناحيتنا، وأنهم أولى بالأمر منا، ~~وأحص[واحفظ] ما يقولون وما يكون منهم، فلما قدم عبد الله بن الحسن ومن معه ~~المدينة اجتمع إليه الفاطميون، فجعل يفرق فيهم الأموال تلك فعظم بها ~~سرورهم، فقال لهم عبد الله بن الحسن: أفرحتم ؟ فقالوا: وما لنا لا نفرح بما ~~كان محجوبا عنا، بأيدي بني مروان، حتى آتا الله لقرابتنا وبني عمنا فأصاروه ~~إلينا، فقال: أفرحتم أن تناولوا هذا بأيدي قوم آخرين؟ فخرج الرجل الذي كان ~~وكله السفاح بأخبارهم، فأخبره بما سمع من قولهم، وأخبر أبو العباس أخاه ~~المنصور فعدوها حنة، ثم مات السفاح، وقام بعده المنصور فبعث بعطاء أهل ~~المدينة، وكتب إلى عامله بها أن أعط الناس في أيديهم، ولا تبعث إلى أحد ~~بعطائه، وتفقد بني هاشم، ومن تخلف منهم ممن حضر، وتحفظ بإبراهيم ms132 ومحمد PageV01P297 ابني عبد الله، ففعل، وكتب إليه : لم يتخلف أحد من العطاء إلا محمد ~~وإبراهيم فإنهما لم يحضرا، فكتب أبو جعفر إلى أبيهما يسأله عنهما ويأمره ~~بإظهارهما، ويخبره أنه غير عاذره فكتب إليه: أنه لا يدري أين هما؟ ولا أين ~~توجها؟ فلم يلبث المنصور، [وكان قد] أذكى العيون، ووضع الأرصاد حتى جاءه ~~كتاب من بعض ثقاته أن رسولا لعبد الله بن الحسن وولديه خرج بكتب إلى خراسان ~~بالاستدعاء لهم، فأمر أبو جعفر لرسولهم فأتي به وبكتبه، فردها إلى عبد الله ~~بن الحسن [مع الرسول] بطوابعها لم يفتحها وكتب إليه: إني أتيت برسولك، ~~والكتب معه فرددتها إليك بطوابعها كراهة أن أطلع لك منها [على] ما يغير ~~عليك قلبي، فلا تدع إلى التقاطع بعد التواصل، ولا إلى الفرقة بعد الاجتماع، ~~وأظهر لي ابنيك فإنهما يصيران إلى ما تحب من الولاية والقرابة والشرف، فكتب ~~إليه عبد الله يعتذر، ويعلمه أن ذلك فعل عدو يريد تشتيت ما بينهم بعد ~~التئامه، فبينا هو كذلك إذ جاءه كتاب من بعض ثقاته يخبره أن الرسول [لبنيه] ~~خرج بالكتب بأعيانها على طريق البصرة، وأنه نازل على فلان المهلبي، فوضع ~~أبو جعفر عليه رصدة، فأتي به إليه ومعه الكتب، فحبس الرسول، وأمضى الكتب ~~إلى خراسان مع رسول من عنده من ثقاته، فقدم عليه في الجوابات بما يكره ~~واستبان له الأمر، فكتب إلى عبد الله بن الحسن [بن الحسن بن علي -عليهم ~~السلام-] : # أريد حياته ويريد موتي %~% عذيرك من خليلك من مراد PageV01P298 أما بعد.. فقد قرأت كتبك[وكتب ابنيك] [التي مع رسلك] فأنفذتها إلى خراسان، ~~وجاء الفتى بجواباتها بتصديقها، فقد تقرر عندي أنك مغيب لابنيك، [وأنك] ~~تعرف مكانهما فأظهرهما، فإن لك [علي] أن أعظم صلتهما، وأضعهما بحيث ~~وضعتهما، فتدارك الأمور قبل تفاقمها، فكتب إليه عبد الله بن الحسن[قوله] : # وكيف أريد ذاك وأنت مني %~% وزندك حين يقدح من زنادي # وكيف أريد ذاك وأنت مني %~% بمنزلة النياط من الفؤاد # وكتب إليه أنه لا يدري أين توجها، وأنه لا يعرف الكتب، ولا شك أنها ms133 ~~مفتعلة، فلما اختلفت الأمور على أبي جعفر بعث بسلم بن قتيبة الباهلي، وبعث ~~معه بمال، وقال له: إني إنما أدخلتك بين لحمي وعظمي، فلا تخف عني أمرا ~~تعلمه، فخرج سلم حتى قدم المدينة، وكان عبد الله بن الحسن يجلس بين الروضة ~~والمنبر فجلس إليه سلم وأظهر له المحبة والميل إلى ناحيته، ثم قال له بعدما ~~أنس به: إن ناسا من أهل خراسان وهم فلان وفلان، وسمى له رجالا يعرفهم ممن ~~كان يكاتب بعثوني إليك بمال معي، وكتبوا إليك كتبا فقبل الكتب والمال، وكان ~~عشرة آلاف درهم ثم أقام معه ما شاء الله حتى ازداد به أنسا، [وإليه ~~استئمانه] ثم قال له: إني قد بعث إلي بكتب إلى أمير المؤمنين محمد وإلى ولي ~~عهده إبراهيم، وأمرت أن لا أوصل ذلك إلا إلى أيديهما فإن أوصلتني إليهما ~~أوصلت إليهما المال والكتابين، ورحلت إلى القوم بما يثلج صدورهم، وتقبله ~~قلوبهم، فأنا عندهم بموضع الصدق والأمانة، وإن كان أمرهما مظلما ولم يكن ~~يعرف مكانهما لم يخاطروا بدمهم وأموالهم، فلما رأى PageV01P299 عبد الله أن الأمور تفسد عليه من حيث يرجو إصلاحها إلا بإظهارهما له أوصله ~~إليهما ودفع الكتابين وأربعين ألف درهم معه، ثم قال: هذا محمد، وهذا ~~إبراهيم، فقال لهم: إن من ورائي[من] لم يبعثوني ولهم بعدي غائب، وليس مثلي ~~ينصرف إلى القوم إلا بجملة ما يحتاجون إليه، ومحمد إنما صار إلى هذه الحظة ~~ووجبت له هذه الدعوة لقرابته من رسول الله ، وهاهنا من هو أقرب منه إليه ~~رحما، وأوجب حقا، قال: ومن هو؟ قال: أنت إلا أن يكون معك في ابنك أثر ليس ~~عندك في نفسك، قال: الأمر كذلك عندي، قال: فإن القوم يقتدون بك في جميع ~~أمورهم، ولا يريدون أن يبذلوا دمهم وأموالهم، وأنفسهم إلا بحجة يرجون بها ~~لمن قتل منهم الشهادة، فإن أنت خلعت أبا جعفر وبايعت محمدا اقتدوا بك، وإن ~~أبيت اقتدوا بك أيضا في ترك ذلك ثقة بك، فقال: إني أفعل، فبايع محمدا وخلع ~~أبا جعفر، وبايعه سلم من بعده، ms134 وأخذ كتبه وكتب محمد وإبراهيم وخرج، فقدم ~~إلى أبي جعفر وقد حضر الموسم، وأخبره بالكلام كله فسار أبو جعفر، فلما دخل ~~المدينة أرسل إلى بني الحسن فجمعهم، وقال لسلم : إذا رأيت عبد الله عندي ~~فقم على رأسي، وأشر إلي بالسلام، ففعل، فلما رآه عبد الله سقط في يده وتغير ~~وجهه، فقال له أبو جعفر: مالك [يا] أبا محمد؟ أتعرفه؟ فقال: نعم، يا أمير ~~المؤمنين، أقلني وصلتك رحم، فقال له أبو جعفر: قد عرفت أنك تعرف موضع ~~ولديك، وقد باح السر، فأظهرهما لي، ولك أن أصل رحمك ورحمهما، وأن أعظم ~~ولايتهما، وأعطي كل واحد منهما ألف ألف درهم، فتراجع وهو وعبد الله حتى ~~قبضه في اثني عشر رجلا من PageV01P300 بني الحسن، فأمر بحبسهم جميعا، [ثم سار بهم نحو العراق، وارتجت المدينة ~~بالبكاء من كل دار]. # هذه رواية ابن عبد ربه وقال الحاكم: إنهم فوق عشرين نفرا، فسار بهم، ~~وحبسهم في العراق في أضيق حبس، فبعضهم مات، وبعضهم نجا وهم القليل، ولما ~~خرجوا بهم من المدينة خرج جعفر الصادق وجعل ينظر إليهم من حيث لا يبصر ~~ودموعه جارية على خده، وقتلهم الدوانيقي على صفات مختلفة. # قالوا: وممن مات في الحبس: إسماعيل بن إبراهيم، وكان يسمى الديباج ؛ لأنه ~~كان مثل سبيكة الذهب كلما اشتد الوقد عليها ازدادت حسنا، وممن كان في ~~الحبس: محمد بن إبراهيم أخو إسماعيل، وكان محمد يسمى الديباج الأصفر، ~~وإسماعيل الديباج مطلقا، فقال أبو جعفر لمحمد لما حبسهم: أنت الديباج ~~الأصفر؟ فقال: نعم، فقال: إذن، والله لأ قتلنك قتلة ما قتلها أحد من أهل ~~بيتك، فأمر بإسطوانة فلما فرغت أدخل فيها فبنى عليه وهو حي. رواه ابن جرير ~~الطبري. PageV01P301 # وروي: أن إسماعيل هذا قبل حبسه قد [كان] أتي له من مصر بألفي دينار ورزمتي ~~ثياب، فسايره رجل من[باب] المسجد إلى البيت، فقال: ألك حاجة؟ فقال: لا، ~~إنما أحببت أن أصل جناحك، فأمر له بإحدى الرزمتين وبعض المال، ومن ~~المحبوسين: علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي ms135 طالب وكان كثير ~~التلاوة، وكانوا في ذلك المطبق لا يهتدون إلى أوقات الصلاة إلا بقراءته لما ~~كان قد اعتاده من قبل، ولما اشتد عليهم البلاء، وعظم الأمر، قال له عبد ~~الله بن الحسن: يا بني، قد ترى ما نحن فيه فادع الله تعالى، وكان مجاب ~~الدعوة، ففكر، ثم قال: يا عم، إن لأبي الدوانيق في النار منزلة لم يكن ~~ليبلغها إلا بما فعل بنا، وإن لنا منزلة في الجنه لم نكن لنبلغها إلا بما ~~نحن فيه، فإن شئت أن أدعو الله أن يقصر بنا في منزلتنا في الجنة، ويقصر به ~~في منزلته في النار فعلت، فقال: لا، يا بني، وكان على هذا يعرف هو وامرأته ~~بالزوج الصالح، وكان يسمى: علي الخير، وعلي الأغر، وهو والد الحسين الفخي ~~الآتي ذكره، وروي أن جعفر الصادق- عليه السلام- لم يزل يبكي منذ أخرجهم أبو ~~الدوانيق وفي الرواية: أنه لما قتل منهم من قتل ومات في حبسه من مات، أمر ~~شيبة بن عقال إلى الموسم لينال من آل أبي طالب، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ~~قال: إن علي بن أبي طالب شق عصا المسلمين، وخالف أمير المؤمنين، وأراد ~~[هذا] الأمر لنفسه؛ فحرمه الله أمنيته، وأماته بغصته ثم هؤلاء [ولده] ~~يقتلون، وبالدماء يخضبون فقام إليه رجل، فقال: الحمد لله رب العالمين، ~~ونصلي على محمد الأمين، وسائر النبيين أما ما PageV01P302 قلت من خير فنحن أهله، وما قلت من شر فأنت به أولى، وصاحبك به أحرى، يا من ~~ركب غير راحلته، وأكل غير زاده، إرجع مأزورا، ثم أقبل على الناس، فقال: ~~أخبركم من ذلك بالأبخس ميزانا، والأبين خسرانا؟ من باع آخرته بدنيا غيره ~~فهو هذا، ثم جلس، فقال الناس: من هذا؟ فقيل:[هذا] جعفر الصادق -عليه ~~السلام-. # قالوا: ولما خرج بنو الحسن من المدينة كما تقدم، أنشأ بعض شيعتهم يقول: # من لنفس كثيرة الإشفاق %~% ولعين كثيرة الإطراق # جمدت للذي دهاها زمانا %~% ثم جادت بدمعها المهراق # لفراق الذين راحوا إلى %~% الموت عيانا والموت مر المذاق # ثم راحوا يسلمون علينا %~% بأكف مشدودة ms136 بالوثاق # ما رأينا من البرية طرا %~% مثلهم لو وقى من الموت واق # كرما عند ما ألم وصبرا %~% ليست المقرمات مثل العتاق # فيهم سيد البرية يشكو %~% طول حبس وغص قيد مضاق # غيبت وجهه قريش وعا %~% دت بمفدى مبارك سباق # وروى السيد ط بإسناده إلى محمد بن يحيى الصولي قال: سمعت[محمد بن القاسم] ~~أبا العيناء يقول وقد تذاكرنا ذهاب بصره، قال: كان أبو الدوانيق يثق بجدي، ~~وكان في نهاية الثقة [والعقل] فقال له: قد ندبتك لأمر عظيم عندي موقعه، ~~وأنت عندي كما قال أبو ذؤيب: # الكني إليها وخير الرسول # أعلمهم بنواحي الخير PageV01P303 ثم عرفه ما يريد منه، وأطلق له مالا خطيرا، وقال : مر إلى المدينة وافتح ~~بها دكان عطار، وأظهر أنك من خراسان شيعة عبد الله بن حسن وأنفق على حشمه، ~~وأهد لهم وله ما يقربك عندهم، وكاتبني مع ثقاتك بأنفاسهم، وتعرف لي خبر ~~ابنيه محمد، وإبراهيم، فمضى جدي ففعل ذلك، فلما قبض أبو الدوانيق على عبد ~~الله وأهل بيته جعل يوبخه على شيء فشيء من فعله وقوله، ويخبره بما ظن أن ~~أحدا لا يعلمه، فقال عبد الله لبعض ثقاته: من أين أتينا؟ فقال: من جهة ~~العطار، فقال: اللهم، ابتله في نفسه وولده بما يكون نكالا له، وردعا لغيره. # قال: فعمي جدي، وعمي بعده أبي وولده، وأنا على ما ترون، وكذلك ولدي، [من ~~دعاء عبدالله بن الحسن إلى يوم القيامة]. PageV01P304 ### | [الإمام إبراهيم بن عبد الله بن الحسن عليهم السلام ] # وأوقعت يوم باخمرا يسيدها %~% واستخرجت ليث غاب كان في الحمر # باخمرا: اسم مكان الوقعة التي قتل فيها الإمام إبراهيم بن عبد الله بن ~~الحسن بن الحسن -عليهم السلام-، وكنيته أبو الحسن، ولهذا قال الإمام ~~المنصور بالله عبد الله بن حمزة في ولده إبراهيم [يرثيه] : # أبا حسن وإبراهيم يكنى %~% أبا حسن بقومك أجمعينا # قالوا: [و] كان الإمام إبراهيم هذا قد نشأ على الديانة والعفاف والعلم ~~والعمل حتى بلغ أشرف خطة، وأعلى درجة، وروي أن إبراهيم بن يحيى الهمداني ~~سئل فقيل له: قد رأيت إبراهيم ms137 ومحمدا ابني عبد الله، فأيهما كان أفضل؟ ~~فقال: والله لقد كانا فاضلين شريفين كريمين، عابدين زاهدين، وكان إبراهيم ~~يقدم أخاه محمدا ويفضله، وكان محمد يعرف لإبراهيم فضله، وقد مضيا شهيدين. # وقال بعضهم: لما قتل إبراهيم وأنا بالكوفة أتيت الأعمش بعد قتله، فقال: ~~هاهنا أحدا تنكرونه فقلت: لا، فقال: أما والله لو أصبح أهل الكوفة على مثل ~~رأيي لسرنا [حتى تنزل لعقوقه يعني أبا جعفر] فإذا قال لي: ما حاجتك يا ~~أعمش؟ قلت: جئت لأبيد خضراءك، أو تبيد خضراءي؛ بما فعلت بابن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم. PageV01P305 # وأما بيعته -عليه السلام- فإنه قد كان خرج إلى البصرة داعيا إلى أخيه النفس ~~الزكية، فقام متواريا حتى ظهرت دعوة أخيه بالمدينة، فأظهر هو الدعاء إليه، ~~واستولى على البصرة، وقام بالأمر هناك حتى ورد عليه نعي أخيه وهو يريد أن ~~يصلي صلاة العيد، فصلى [بهم] ثم رقى المنبر، ونعى أخاه إلى الناس، ثم أنشأ ~~يقول متمثلا: # أبا المنازل يا عين الفوارس من %~% يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا # الله يعلم أني لو خشيتهم %~% أو أوجس القلب من خوف لهم جزعا # لم يقتلوك ولم أسلم أخي لهم %~% حتى نموت جميعا أو نعيش معا PageV01P306 لما نزل بايعه علماء البصرة، [وعبادها] وزهادها، واختصت به المعتزلة مع ~~الزيدية، ولا زموا مجلسه، وتولوا أعماله، فاستولى على واسط وأعمالها، ~~والأهواز وكورها، وأعمال فارس، وكان أبو حنيفة يدعو إليه سرا، وكاتبه، وكتب ~~إليه: إذا ظفرك الله بآل عيسى بن موسى وأصحابه فلا تسر فيهم سيرة أبيك في ~~أهل الجمل، فإنه لم يقتل المدبر، ولم يجهز على الجريح، ولم يغنم الأموال؛ ~~لأن القوم لم تكن لهم فئة، ولكن سر فيهم سيرة يوم صفين، [فإنه أجهز على ~~الجريح] وأقسم الغنيمة؛ لأن أهل الشام كان لهم فئة، فظفر المنصور بكتابه، ~~فكتب إلى عيسى بن موسى وهو على الكوفة أن يحمل إليه أبا حنفية إلى بغداد، ~~قال أبونعيم راوي هذه القصة: فقدم بغداد فسقي شربة فمات وهو ابن سبعين سنة، ~~وكان مولده سنة90، وكان ms138 من أتباع الإمام إبراهيم[بن عبد الله] عليه السلام ~~وأما بشر الرحال ومطر الوراق فيروى أن أبا الدوانيق أمر رجلا إلى البصرة ~~ليعرف أحوال إبراهيم، فلما رجع، قال: كيف رأيت مطر الوراق، وبشر الرحال؟ ~~قال: رأيتهما يدخلان على إبراهيم، وعليهما السلاح، فقال: ما كنت أظن أن ~~الصوم أبقى لهما ما يحمل السلاح. PageV01P307 # قالوا: فلما قويت شوكة إبراهيم جهز أبو الدوانيق عيسى بن موسى وغيره ~~لمحاربته، فلما بلغ ذلك إبراهيم أجمع المسير إليهم فأشار عليه بعض أصحابه ~~بالوقوف بالبصرة، فأبى وسار نحوهم، فالتقوا بباخمرا، وكان عسكره إحدى عشر ~~ألف راجل وسبعمائة فارس، وكانت الهزيمة أولا في أصحاب أبي جعفر، ثم كانت في ~~أصحاب إبراهيم -عليه السلام-، فثبت حتى[إذا] كان آخر النهار، رفع المغفر عن ~~وجهه من شدة الحر فجاء سهم فوقع في رأسه، فاعتنق فرسه، واحتوشته الزيدية ~~وأنزلوه فأخذه بشر الرحال إلى حجره، وهو يقول: {وكان أمر الله قدرا مقدورا ~~}[الأحزاب:38]، ثم حمل عليه جند الظلمة فحزوا رأسه، ورأس بشر الرحال، ~~وأمروا بهما إلى [أبي] جعفر، ودفنوا جثة إبراهيم بباخمرا. # قالوا: وصرع معه أربعمائة ضاربوا دونه حتى قتلوا، وكان خروجه في رمضان من ~~سنة خمس وأربعين ومائة، فبقي رمضان وشوال وذا القعدة، وقتل في ذي الحجة ~~ومما رثي به قول غالب بن عثمان الهمداني الناعطي -رحمه الله- [تعالى] : # وقتيل باخمرا الذي %~% نادى فأسمع كل شاهد # أدنى الجنود إلى الجنود %~% تزحف الأسد الحوارد # بالمرهفات وبالقنا %~% والمبرقات وبالرواعد # فدعا لدين محمد %~% ودعوا إلى دين ابن صائد # فرماهم بلبان أب %~% لق سابق للخيل قائد # بالسيف يبري مصلتا %~% هاماتهم بأشد ساعد # فأتاه سهم قاصد %~% لفؤاده بيمين جاحد # فهوى صريعا للجب %~% ين وليس مخلوق بخالد # وتبددت أنصاره %~% وثوى بأكرم دار واحد # نفسي فداء لك من صر %~% يع غير ممهود الوسائد # وفدتك نفسي من غر %~% يب الدار في القوم الأباعد PageV01P308 أي امرئ ظفرت به %~% أيمان أبناء الولائد # وأولئك الشهداء والص %~% بر الكرام لدى الشدائد # ونجار يثرب والأب %~% اطح حيث معتلج العقائد # أقوت منازل ذي طوى %~% فبطاح مكة فالمشاهد # فالخيف ms139 منهم والجمار %~% فموقف الظعن الرواشد # [فحياض زمزم فالمقام %~% فصادر عنها ووارد] # فسويقتان فينبع %~% فبقيع يثرب والملاحد # أمست بلاقع من بني %~% [حسن بن فاطمة الأراشد] # وكان هذا الشاعر من الرئاسة والعلم [بموضع] ليس لأحد مثله، وجد به الطلب ~~بعد قتل إبراهيم حتى ظفر به أبو الدوانيق فقتله، ولم يقله العثرة، ولما قدم ~~للقتل قال: # هل كان يرتحل البراق أبوكم %~% أم كان جبريل عليه ينزل # أم من يقول الله إذ يختاره %~% للوحي قم يا أيها المزمل # يبدي المؤذن في الصلاة بذكره %~% مع ذكره لله حين يهلل PageV01P309 ### | [الإمام علي بن العباس بن الحسن بن الحسن والإمام الحسين بن علي الفخي عليهما السلام] # وبعده فعلي من علا شرفا %~% وليس للمرء دون الموت من وزر # وأسبلت عبرات المؤمنين على %~% دم بفخ لآل المصطفى هدر # المراد بعلي هذا هو: علي بن العباس بن الحسن بن الحسن، والعباس هذا هو: ~~أخو عبد الله الكامل، وهو ممن حبسه أبو الدوانيق. # قال الإمام المنصور[بالله-عليه السلام-] في كتابه (الشافي): إن [علي بن] ~~العباس هذا دعا إلى نفسه ببغداد، واستجاب له جماعة وافرة من الزيدية، فأمر ~~عليه المهدي الجواسيس، فجاءوه بعلمه، فقبض عليه قبل استحكام أمره، ولم يزل ~~في حبسه إلى أن وفد عليه الحسين[بن علي] الفخي عليه السلام فاستوهبه منه ~~فوهبه له، فدس إليه شربة سم فلم تزل تعمل فيه حتى قدم المدينة، فتفسخ ~~لحمه[وتباينت أعضاءه] بعد دخوله المدينة بثلاثة أيام وأما البيت الثاني ~~فأشار به السيد صارم الدين إلى الحسين صاحب فخ، ومن قتل معه من أهل البيت ~~وهو بعينه من أبيات (البسامة)، لكن السيد حرفه فذلك قال: # وأسبلت دمعة الروح الأمين على %~% دم بفخ لآل المصطفى هدر PageV01P310 واعترضه صاحب (أطواق الحمامة شارح البسامة) وقال : إن دمعة الروح الأمين لم ~~تسل إلا على أهل كربلاء يعني الحسين بن علي[بن أبي طالب] وأهل بيته -عليهم ~~السلام-، وصاحب فخ هو: أبو عبد الله الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن ~~الحسن المثلث بن علي بن أبي طالب -عليهم السلام-، أمه ms140 زينب ابنة عبد الله ~~بن الحسن، وكان أبوه وأمه يعرفان بالزوج الصالح لصلاحهما وفضلهما، ولما زفت ~~إليه ليلة العرس قال لها: هل لك أن نصلي هذه الليلة شكرا لله إذ جمع بيننا، ~~قالت: أفعل، فباتا كذلك، فلما دنا طلوع الفجر، قال لها: هل لك في الصوم هذا ~~اليوم شكرا لله؛ إذ جمع بيننا؟ فصاما يومهما، فأقبلت الليلة الثانية فباتا ~~يصليان، ثم صاما ثانيا حتى أقاما سنة كاملة، فقال له عمه عبد الله بن ~~الحسن: لم رغبت عن سنة جدك؟ أقسمت عليك إلا ما تركت هذا الأمر -أو ما هذا ~~معناه- رواه في (محاسن الأزهار) وقال صاحب (كتاب الأنساب) : كان الفخي قد ~~نشأ على السداد، وطرق الرشاد، جامعا بين العلم والعمل، وروى العلماء فيه من ~~الأخبار ما يقضي بفضله؛ فمن ذلك مارواه أبو الفرج، عن زيد بن علي -عليهما ~~السلام-، قال: انتهى رسول الله إلى موضع فخ، فصلى بأصحابه صلاة الجنائز ~~فقال:((يقتل هاهنا رجل من أهل بيتي في عصابة من المؤمنين ينزل عليهم بأكفان ~~وحنوط من الجنة، تساق أرواحهم إلى الجنة قبل أجسادهم)). PageV01P311 # وروى أبو الفرج -أيضا-، عن محمد بن علي- عليهما السلام- فقال : مر النبيبفخ ~~فصلى ركعة، فلما صلى الثانية بكى وهو في الصلاة فبكى الناس لبكائه، فقال: ~~(ما يبكيكم)؟ وذلك بعد انصرافه؟ فقالوا: رأيناك تبكي فبكينا، فقال: ((نزل ~~علي جبريل لما صليت الركعة الأولى، فقال: يامحمد، إن رجلا من ذريتك يقتل في ~~هذا المكان، وأجر الشهيد معه كأجر الشهيدين)). # قالوا: وقد كان اشتهر من الجود والكرم بما لم يشتهر به عربي، ولا عجمي في ~~عصره، وروايته في قدومه على المهدي بن المنصور مشهورة حذفتها هاهنا ~~اختصارا، وأما سبب قيامه فإن موسى الملقب بالهادي لما ولي استخلف على ~~المدينة رجلا من ولد عمر بن الخطاب، فأساء المعاملة لمن فيها من الطالبيين، ~~وطالبهم بالعرض في كل يوم، وأخذ كل منهم بكفالة قريبه ونسيبه، وجرى في ذلك ~~خطب جسيم خلاصته: أن الطالبيين هجموا على العمري داره بعد أن طلع مؤذنهم ~~وقت الصبح المنارة، وأذن بحي ms141 على خير العمل، وصاح العمري: أغلقوا البغلة ~~بالباب، وأطعموني على جبتي ماء، قال الراوي: فولده بالمدينة يعرفون ببني ~~جبتي قال: ثم هرب من داره على وجهه حتى نجا وصلى الحسين بالناس صلاة الصبح، ~~ثم خطب بعد الصلاة، وقال بعد حمد الله والثناء عليه: أنا ابن رسول الله، ~~على منبر رسول الله، في حرم رسول الله أدعوكم إلى سنة رسول الله، أيها ~~الناس، تطلبون آثار رسول الله في الحجر والعود تمسحون بذلك، وتدعون بضعة ~~منه ثم استخلف على المدينة، وخرج قاصدا [له] إلى مكة بمن معه من أهله ~~ومواليه وهم زهاء ثلاث مائة، فلما قربوا من مكة وصاروا بفخ PageV01P312 بلغتهم جيوش المسودة، فعرض عليه العباس بن محمد الأمان، والعفو والصلة، ~~فأبى ذلك أشد الإباء، وعن أبي العرجاء جمال موسى بن عيسى قال: لما وصلنا ~~بستان بني عامر، قال لي : إذهب إلى عسكر الحسين حتى تراه فتخبرني بكل ما ~~رأيت قال: فمضيت ودرت فما رأيت خلالا ولا فلالا وما رأيت إلا مصليا ومبتهلا ~~وناظرا في مصحف، ومعد السلاح، فجئت وقلت: ما أظن القوم إلا منتصرين علينا، ~~فقال: كيف ذاك يا ابن الفاعلة؟ فأخبرته، فضرب يدا على يد فبكى حتى قلت: هو ~~منصرف فقال: هم والله أكرم عند الله منا،[وأحق بما في أيدينا منا] ولكن ~~الملك عقيم، والله لوأن صاحب القبر، يعني النبي ينازعنا الملك لضربنا ~~خيشومه بالسيف، يا غلام، اضرب طبلك ثم سار إليهم فوالله ما انتهى حتى ~~قتلهم، رواه في (الحدائق) قال: وكان أول من بدأ [منهم] بالقتال موسى بن ~~عيسى، قال: فحملوا عليه فاستطرد لهم حتى أوغلوا في الوادي وحمل عليهم محمد ~~بن سليمان من خلفهم، فطحنهم طحنة واحدة حتى قتل أكثر أصحاب الحسين، وجعلت ~~المسودة تصيح بالحسين: يا حسين، لك الأمان، فيقول: الأمان أريد، فحمل عليهم ~~فقتل، وقتل معه سليمان بن عبد الله بن الحسن وعبد الله بن إسحاق [والحسن بن ~~إبراهيم بن عبد الله] و[إبراهيم بن الحسن] ولما قتل الحسين -عليه السلام- ~~حمل رأسه إلى الهادي موسى، ودفنت جثته ms142 الكريمة بفخ، ومشهده هناك مشهور ~~مزور، ولا عقب له، وقتل وهو في إحدى وأربعين سنة، وقبره بفخ عند بستان ~~الديلمي في الزهراء، أمر المنصور عبد الله بن حمزة إلى السيد الحسين بن ~~قتادة بن إدريس بعمارته PageV01P313 فعمر عليه، وعلى الحسن بن محمد قبة حسنة سنة إحدى وستمائة سنة، ولبعضهم ~~يرثي الحسين هذا وأصحابه: # فلأبكين على الحسي %~% ن بعولة وعلى الحسن # وعلى ابن عاتكة الذي %~% أثووه ليس بذي كفن # نزلوا بفخ غزوة %~% في غير منزلة الوطن # كانوا كراما فانقضوا %~% لا طائشين ولاجبن # غسلوا المذلة عنهم %~% غسل الثياب من الدرن # هدي العباد بجدهم %~% فلهم على الناس المنن # رواه الشيخ أبو الفرج الأصبهاني لعيسى بن عبد الله. # وروى عن بعضهم قال: رأيت في النوم رجلا ينشدني ويسألني أن أنشده هذه ~~الأبيات فأنشدته إياها فقال: زد فيها: # قوم كرام سادة %~% من هم ومن هم ثم من PageV01P314 ### | [أخبار الإمام يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن عليهم السلام]. # وفي الغوي ويحيى البر قائمنا %~% أتت بملحمة مسطورة الخبر # وخادع الفضل شروينا فسلمه %~% بعد الأمان إليه غير معتذر # وكان ماكان من نقض الأمان له %~% والغدر ليس لهارون بمنتكر # الغوي: هو هارون الملقب بالرشيد الذي نكث الأمان، والبر التقي: يحيى بن ~~عبد الله، [و] قصتهما أشهر من نار على علم، لكن أذكر هاهنا طرفا من ذلك ~~جريا على العادة، فأقول: أما أبوه عبد الله الملقب بالكامل فقد مضى طرف من ~~خبره، وكذلك أخواه النفس الزكية محمد، وأبو الحسن إبراهيم، وأما أمه فهي ~~قرشية من ذرية زمعة بن الأسود، وأبوها ابن أخت هند والدة النفس الزكية، ~~وأخويه إبراهيم وموسى، كان يحيى هذا من عيون الأئمة، وفضلاء هذه الأمة، قد ~~روى الحديث عن أهله وعن غيرهم، وأكثر روايته عن جعفر الصادق وكان قد حضر ~~القتال مع الفخي، وقاتل قتالا عظيما، وأصيب بنشاب كثير حتى صار كالقنفذ، ~~فلما انقضت الوقعة أقام مستترا مدة طويلة يطوف في الآفاق خوفا على نفسه، ~~[و] وصل صنعاء، وأقام[بها] شهورا، وأخذ عنه علماء صنعاء كثيرا، ms143 ثم دخل بلاد ~~الحبشة وخرج منها، ثم دخل بلاد الترك فتلقاه ملكها بالإكرام، وقدم [له] ~~التحف العظيمة، ودعاه إلى الإسلام فأسلم على يديه سرا، وبث [يحيى] دعاته في ~~الآفاق، فجاءته كتبهم ببيعة مائة ألف منهم العلماء والفقهاء، فقال يحيى: لا ~~بد من الخروج إلى دار الإسلام فنهاه ملك الترك عن ذلك، وقال: إنهم يخدعونك، ~~قال يحيى: لا أستجيز فيما بيني وبين الله[تعالى] أن أقيم في بلد الترك ومعي PageV01P315 مائة ألف مقاتل من المسلمين، فخرج إلى بلاد الديلم، وقال: إن للديلم، معنا ~~خرجة، وأرجو أن تكون معي فلم تكن معه، وإنما كانت مع الناصر وكان في الذين ~~بايعوه من عيون العلماء ا لمشهورين ابن عبد ربه، [و] ابن علقمة، والشافعي ~~وغيرهما، وجرى على الشافعي -رحمه الله- في ذلك نكبة، وذلك أن الرشيد لما ~~بلغه أنه يدعو ليحيى بن عبد الله أنفذ إليه من أتى به على حمار مقيد مكشوف ~~الرأس، فأدخل بغداد على تلك الحال. # قالوا: ولما استجاب ليحيى من استجاب تغيرت أحوال هارون، وقطع الخمر، ولبس ~~الصوف، وافترش اللبود، وتحلى بغير ما يعتاده من العبادة والصلاح، وعلم أنه ~~لا يطيق على أخذ يحيى قسرا، فأعمل الحيلة في إخراجه من هناك فوجه الفضل بن ~~يحيى في خمسين ألف مقاتل، وألزمه التوصل في إخراج يحيى بما أمكن من الحيلة ~~واجتهد الفضل في ذلك إزالة للتهمة عن نفسه؛ لأنه كان قد سعي به إلى هارون، ~~وقيل: إنه يعرف مكانه، وأنه كتب له مسطورا يعرضه على أهل كل جهة ألا ~~يتعرضوا له بحال، فلما جهز الفضل بن يحيى بالخيل والأموال الجليلة،[و] أمره ~~أن يبذل لجستان ما يحب من الأموال، فلما وصل الفضل إلى هناك عرض على ملك ~~الديلم الأموال الجليلة ليخرج يحيى من بلاده فامتنع جستان من ذلك، وكان ~~الفضل [قد] عرف أن امرأة جستان غالبة عليه فطمع فيه من جهتها، فأنفذ إليها ~~من الألطاف والجواهر والطيب والثياب حتى أرضاها، فأشارت على جستان، فأراد ~~تسليمه في قصة طويلة؛ شهد عليه فيها فوق ألف من علماء ms144 الإسلام أنه عبد ~~لهارون، وانخدع جستان، فقال يحيى: إن كان ولابد فاتركني آخذ لي PageV01P316 ولأصحابي الأمان، فكتب له هارون أمانا عرضه يحيى عليه السلام على جميع ~~علماء الإسلام، فكلهم يقول: هذا لا ينقضه ناقض، وهذه نسخة الأمان التي ~~وضعها هارون إلى يحيى بن عبد الله -عليه السلام- : # بسم الله الرحمن الرحيم هذا[كتاب] أمان من أمير المؤمنين هارون بن محمد ~~بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ليحيى بن ~~عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب[بن عبدالمطلب] وسبعين رجلا ~~من أصحابه إني أمنتك -يا يحيى بن عبد الله -والسبعين رجلا من أصحابك بأمان ~~الله الذي لا إله إلا هو، الذي يعلم من أسرار العباد ما يعلم من علانيتهم- ~~أمانا صحيحا، برا صادقا، ظاهره كباطنه، وباطنه كظاهره، لا يشوبه غل، ولا ~~يخالطه غش بوجه من الوجوه، ولا سبب من الأسباب، فأنت يا يحيى بن عبد الله ~~والسبعون رجلا من أصحابك آمنون بأمان الله على ما أصبت من مال أو دم أو حدث ~~على أمير المؤمنين هارون بن محمد، وأصحابه [وقواده] وجنوده، وشيعته، [وأهل ~~مملكته] وأتباعه، ومواليه، وأهل بيته، وعلى أن كل من طالبه، أو طالب أصحابه ~~بحدث كان منه أو منهم من الدماء والأموال، بجميع الحقوق كلها، وما استحق ~~الطالب على يحيى بن عبد الله وأصحابه السبعين، فعلى أمير المؤمنين هارون بن ~~محمد ضمان ذلك [جميعه] وخلاصه حتى يوفيهم حقوقهم[أو يرضيهم] بما شاءوا ~~بالغة ما بلغت تلك المطالبة من دم، أو مال، أو حد، أو قصاص، وأنه لا يؤاخذه ~~بشيء كان منه أو منهم مما وصفنا في صدر [كتابنا] هذا، ولا نأخذه [هو] ~~وإياهم بضغن، ولا ترة، ولا PageV01P317 حقد، ولا وغر بشيء مما كان منه من كلام، أو حدث، أو عداوة ظاهرة أو باطنة، ~~[ولا] مما كان منه من المبايعة والدعاء إلى نفسه، وإلى خلع أمير المؤمنين ~~[هارون] وإلى حربه، وأن أمير المؤمنين هارون [بن محمد] أعطى يحيى بن عبد ~~الله والسبعين رجلا ms145 من أصحابه عهدا خالصا وميثاقا غليظا مؤكدا، وذمة الله، ~~وذمة رسوله، وذمة أنبيائه المرسلين، وملائكته المقربين، وأنه جعل له هذه ~~[العهودو] المواثيق والذمم ولأصحابه في عقدة مؤكدة صحيحة، لا براءة له عند ~~الله في دنياه وآخرته إلا بالوفاء بها، وأني قد أنفذت ذلك لك ولهم، ورضيته ~~وسلمته، وأشهدت الله وملائكته على ذلك وكفى بالله شهيدا، وأنت وإياهم آمنون ~~بأمان الله، وليس عليك ولا عليهم عتب، ولا توبيخ، ولا تبكيت، ولا تعريض، ~~ولا أذى مما كان منك ومنهم إذ كنت في مناوأتي وحربي من قتل كان، أو قتال، ~~أو زلة، أو جرم، أو سفك دم، أو جناية عمدا أو خطأ، أو أمر من الأمور سلف ~~منك أو منهم من صغير من الأمور ولا كبير سرا أو علانية ولا سبيل إلى نقض ما ~~جعلته لك من أمان ولا [إلى] نكثه بوجه من الوجوه، ولا سبب من الأسباب، وإني ~~قد أذنت لك بالتقدم أنت وأصحابك أين شئت من بلاد المسلمين، [و] لا تخاف أنت ~~ولاهم غدرا، ولا خترا، ولا إقفارا حيث أحببت من الأرض فأنت وهم آمنون بأمان ~~الله الذي لا إله إلا هو لا ينالك أمر تخافه، [أو تحاذره] من ساعات الليل ~~والنهار، ولا أدخل في أماني عليك غشا ولا خديعة، ولا مكرا، ولا يكون [ذلك] ~~مني إليك بدسيسة ولا جاسوس، ولا إشارة، ولا معارضة ولا كناية PageV01P318 ولا تصريح، ولا شيء مما تخافه على عذر ولا مطعم، ولا مشرب، ولا ملبس، ولا ~~أضمره لك، ولا ترى مني انقباضا، ولا مجانبة، ولا ازورارا فإن أمير المؤمنين ~~هارون بن محمد[بن عبدالله بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس بن عبد ~~المطلب] نقض ما جعل لك ولأصحابك من أمانهذم هذا، ونكث عنه أو خالفه إلى أمر ~~تكرهه، أو أضمر لك في نفسه غيرما أظهره أو أدخل عليك فيما ذكر من ~~أمانه[وتسليمه] لك [ولأصحابك] الخديعة لك، أو المكر بك، أو نوى غير ما جعل ~~لك الوفاء به، فلا قبل الله منه صرفا، ولا عدلا، وزبيدة ms146 بنت جعفربن أبي ~~جعفر طالق [منه] ثلاثا بتة، وأن كل مملوك له[من عبد] أو أمة، أو سرية أو ~~أمهات أولاد أحرار، وكل إمرأة ينكحها فيما يستقبل فهي طالق وكل مملوك يملكه ~~فيما يستقبل من ذكر أو أنثى فهم أحرار، وكلما ملكه من مال، أو يستفيده فهو ~~صدقة على الفقراء والمساكين، وإلا فعليه المشي إلى بيت الله الحرام حافيا ~~راجلا، وعليه المحرمات من الأيمان كلها، وأمير المؤمنين هارون بن محمد [بن ~~عبد الله] خليع من إمرة المؤمنين، والأمة من ولايته براء، ولا طاعة له في ~~أعناقهم، والله عليه فيما أكد، وجعل على نفسه في هذه الأيمان كفيل، وكفى ~~بالله شهيدا. PageV01P319 # قالوا: وكتب يحيى -عليه السلام- كتابا آخرا على الفضل بن يحيى، وأن هارون ~~أمره بإعطائه الكتاب الذي فيه الأمان، وكتب بخطه، وأشهد الألف والثلاثمائة ~~رجل الذي شهدوا عليه بالرق والزور، وأتى كتاب هارون وخطه بيده، فخرج يحيى ~~إلى بغداد، ثم إلى المدينة، [و] وقف بها مدة، فتمالأ جماعة من قريش على ~~كيده، والسعاية به إلى هارون، وأنه يريد الخروج عليه؛ فحبسه الرشيد وجرى له ~~معه ومع الزبيري مناظرات، خلاصتها: أن هارون نقض ذلك العهد، وقد أشار إلى ~~ذلك أبو فراس حيث يقول: # يا جاهدا في مساويهم يكتمها %~% غدر الرشيد بيحيى كيف ينكتم # ذاق الزبيري غب الحنث وانقشعت %~% عن ابن فاطمة الأحقاد والتهم PageV01P320 ولما احتال الرشيد في نقض العهد قتل يحيى، واختلفوا في قتله كيف كان؟ فروى ~~أبو الفرج بإسناده إلى رجل كان مع يحيى في المطبق قال: كنت [ليلة] قريبا ~~منه، وكان في أضيق البيوت وأظلمها، فبينما نحن ذات ليلة كذلك إذ سمعنا صوت ~~الأقفال[ وقد مضت من الليلة هجعة] فإذا هارون[قد] أقبل[على برذون له ثم ~~وقف] فقال : أين هذا -يعني يحيى بن عبد الله-؟ قالوا: هو بهذا البيت فقال: ~~علي به[فأدني إليه] فجعل هارون يكلمه بشيء لم نفهمه ثم قال: خذوه[فأخذوه] ~~فضرب مائة عصا، ويحيى يناشده الله والرحم والقرابة من رسول الله وهو يقول ~~: ما بيني وبينك قرابة، ثم حمل ورد ms147 إلى موضعه، فقال: كم أجريتم عليه؟ ~~فقالوا : أربعة [أرغفة وثمانية] أرطال ماء، فقال: اجعلوه على النصف، ومكث ~~ليالي ثم سمعنا وقعا فإذا نحن به حتى دخل ووقف وقفة، ثم قال: علي به، فأخرج ~~وفعل به مثل فعله الأول وضرب مائة عصا أخرى، ويحيى يناشده الله، ثم قال: كم ~~أجريتم عليه؟ فقالوا : رغيفين وأربعة أرطال ماء، قال: اجعلوه على النصف، ثم ~~خرج، وعاد إليه ثالثة وقد مرض يحيى[بن عبد الله] وثقل، فلما دخل قال: علي ~~به، قالوا: هو عليل مدنف لما به، قال: كم أجريتم عليه؟ فقالوا : رغيفا ~~ورطلين ماء. قال: فاجعلوه على النصف، ثم خرج فلم يلبث[يحيى بن عبد الله] أن ~~مات، فأخرج للناس ودفن[رضي الله عنه وأرضاه]. PageV01P321 # وقال ابن عمار في روايته: إنه بني عليه إسطوانة[بالرافقة] وهو حي وقيل: بل ~~كان لهارون بركة فيها أسود يرمى بمن سخط عليه فيها، فتكشط لحمه فجوعها، ثم ~~رمى بيحيى إليها فبصبصت له وما ضرته [وقيل: سمم له] وقيل: غير ذلك، وليحيى ~~-عليه السلام- عقب بالمغرب، ورثاه بعضهم بقوله: # يا بقعة مات بها سيد %~% ما مثله في الأرض من سيد # مات الشذى بعده والندى %~% وسمي الدهر به معتدي # لا زال غيث الله يا قبره %~% عليك منه رائح مغتدي # فكم حياء قد حزت من وجهه %~% وكم ندى يحيى به المجتدي # كان لنا غيثا به نرتوي %~% وكان كالنجم به نهتدي # فإن رمانا الدهر عن قوسه %~% وخاننا في منتهى السؤدد # فعن قليل تبتغى ثأره %~% بالحسني الثائر المهتدي # إن ابن عبد الله يحيى ثوى %~% والمجد والسؤدد في ملحد PageV01P322 ### | [الإمام إدريس بن عبد الله - عليه السلام -]. # وسل إدريس غرب العزم منتضيا %~% بالغرب وهو من الأشياع في زمر # فعاجلته بسهم الحتف وأدرعت %~% على سراة بنيه فروة النمر # هو: إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، وأمه عاتكة بنت الحارث بن خالد ~~بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي، لما جمع خصال الشرف، ونشأ نشوء ~~آبائه في العلم، والزهد، اللذين كل بذلك أقر واعترف، سار نحو المغرب، فعرفه ~~جماعة من ms148 أهل تلك النواحي كانوا قد حجوا في تلك السنة التي قتل فيها الحسين ~~الفخي، وشاهدوه يقاتل، وقد اصطبغ قميصه دما، فشهر نفسه في نواحي المغرب، ~~ودعا إلى الله هناك، فلباه خلق كثير. # وكان له مواقف كبيرة ومحاربات جمة ظهر فيها على الجنود العباسية، ~~والخوارج، ولما بلغ هارون خروجه وقوة جانبه قلق، حتى هابته حاشيته، ~~واجتنبوا كلامه خوفا من سطوته، فجاء يحيى بن خالد فأخبروه فجاء من تلقاء ~~وجهه، فقال: يا أمير المؤمنين، مالي أراك كئيبا؟ فإن كان لحدث أوفتق، فلم ~~يزل ذلك يقع على الملوك، ثم يؤول الأمر إلى المحبوب، وإن كان لأمر نفديك ~~فيه بأنفسنا وأموالنا فهي لك [الفداء] وإن كان لأمر لا تكفي فيه نفوسنا ~~وأموالنا سألنا الله كفايته، فقال: إن عاملنا بإفريقية ذكر في كتابه خروج ~~إدريس بن عبد الله، وقد علمت ما بيننا وبين الطالبية ما هو إلا خروجهم، ~~وكان الفنا، فقال: لتطب نفس أمير المؤمنين، فإني أكفيه أمر إدريس، فلا تعرف ~~هلكه إلا مني، فطابت نفس هارون، فاستعمل سما، وأمر به فسمم له -عليه ~~[السلام] -. PageV01P323 # قال بعض الناس: إن السم الذي أرسلوا به كان على يد سليمان بن جرير أحد شيوخ ~~الزيدية ومتكلميها، وهذه الرواية مذكورة في (الحدائق الوردية) ووجدتها ~~-أيضا- مكتوبة بخط السيد الأمير: الحسين بن محمد صاحب (التقرير) يرويها ~~بسنده، إلى أحمد بن عيسى بن زيد -عليه السلام-، قال: جاء رجل من العراق إلى ~~المغرب، يقال له: سليمان بن جرير، وكان مع إدريس فخالفه في شيء، [وقد] كان ~~أعطاه هارون مائة ألف درهم على أن يقتله له، فدخل إدريس الحمام، فأرسل إليه ~~سليمان بسمكة، فحين أكل منها أنكر نفسه، وقال: بطني أدركوا سليمان، فطلب في ~~منزله فلم يوجد فجروا إثره، فامتنع من المسير معهم، وقاتلهم وضرب في وجهه ~~وفي يده ضربتين، فالتي في يده قطعت إحدى أصابعه، وفاتهم هربا، وقيل: بل ~~الذي سمه الشماخ مولى لبني العباس خرج إلى هناك، فأظهر أنه متطبب شيعي؛ ~~فشكا إليه إدريس وجعا في أسنانه، فأعطاه شيئا أن يستقي ms149 به من عند الفجر، ~~وهرب في الليل، وفعل إدريس ما أمره به عند الفجر فقتله من بعد ثلاثة أيام ~~وفي ذلك يقول بعض شعراء العباسيين: # أتظن يا إدريس أنك مفلت %~% كيد الخلافة أو يقيك فرار # فليدركنك أو تحل ببلدة %~% لا يهتدي فيها إليك نهار # إن السيوف إذا انتضاها شخصه %~% طالت فتقصر دونها الأعمار # ملك كأن الموت يتبع أمره %~% حتى يقال تطيعه الأقدار PageV01P324 ### | [ذكر إدريس الثاني وإدريس المثلث] # وله ولد اسمه إدريس، وكان من سادات العترة، وولده إدريس المثلث، وله عقب ~~في المغرب، وملك منهم جماعة، وهم مذكورون في التواريخ. # قال ابن أبي الحديد في معرض مفاخرة بين بني هاشم و[بين] بني أمية: فإن ~~افتخرت الأموية بملوكها في الأندلس من ولد هشام بن عبد الملك، واتصال ~~ملكهم، وجعلوهم بإزاء ملوكنا بمصر[وإفريقية] قالوا لهم: إلا أنا الذين ~~أزلنا ملكهم بالمغرب كما أزلنا ملكهم بالشام[83] والمشرق كله؛ لأنه لما ملك ~~قرطبة الظافر من بني أمية[وهو سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن ~~الملقب بالناصر] خرج عليه علي [بن حمود بن منصور] بن أحمد بن علي بن عبد ~~الله بن عمر بن إدريس [بن إدريس] بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن ~~أبي طالب عليه السلام فقتله، وأزال ملكه، وملك [علي بن حمود] [قرطبة] دار ~~ملك بني أمية، وتلقب بالناصر، ثم قام بعده أخوه القاسم بن حمود [وتلقب ~~بالمأمون، ثم قام بعده يحيى بن علي بن حمود] وتلقب بالمعتلي، فنحن قتلناكم ~~وأزلنا ملككم في المشرق والمغرب انتهى. فإدريس هذا عده الإمام المهدي في ~~(البحر) هو وولده من الأئمة، وهو [ظاهر] كلام السيد هنا. # وأما الحاكم في (شرح العيون) فقال: إن إدريس هذا في الطبقة الذين عد فيها ~~المقتصدين، لأنه ذكر هناك محمد[بن حسن] بن صالح، ومن جرى مجراه. PageV01P325 ### | [الإمام عبد الله بن محمد بن عبد الله - عليه السلام -] # رجعنا إلى نظم السيد صارم الدين وتفسيره قال: # وفجعت بعد عبدالله بالحسن ال %~% مبارك الماجد المأسور بالغرر # المراد بعبد الله هذا: [هو] ms150 عبد الله بن محمد بن عبد الله النفس الزكية، ~~لقبه الأشتر، خرج على أبي الدوانيق في آخر مدة خلافته بالسند، وأرض كابل، ~~وكان السبب في ذلك أن عبد الجبار بن عبد الرحمن صاحب خراسان، كتب إلى النفس ~~الزكية، أن أنفذ إلي ولدك أدعو لك؛ لأن أبا الدوانيق هم بعزله بعد أن ضبط ~~له خراسان، فسار إليه عبد الله في أربعين رجلا أو خمسين إلى مدينة هراة ~~وقبل وصوله إلى عبد الجبار خرج إلى السند، وبقي بها أربع سنين يدعو الناس ~~إلى الإسلام، فأسلم على يديه خلق كثير، وعلى السند من قبل أبي الدوانيق ~~هشام بن عمر التغلبي فوقع بينهم قتال كبير قتل من الفريقين زهاء ثلاثة آلاف ~~رجل، وكان بينهما قدر خمسين وقعة في مقدار سنة، فقتل عبد الله هذا وهو ابن ~~ثلاث وثلاثين سنة، وكان فارسا، شجاعا، ويقاتل أيضا راجلا، قتل في سنة إحدى ~~وخمسين ومائة في شعبان، بعد قتل أبيه بخمس سنين. # فلما قتل هناك رد إلى أهله وولده بعد موت أبي الدوانيق إلى الكوفة، فعقبه ~~بها، فقتل هذا بأرض السند، وأخوه علي بن محمد أخذ بمصر، وحمل إلى أبي ~~الدوانيق، فقتله في السجن. PageV01P326 ### | [الحسن بن إبراهيم بن عبد الله - عليه السلام -] # وأما الحسن المذكور في البيت فهو: الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن ~~بن الحسن بن علي -عليه السلام - ذكره السيد أبو العباس وقال: إنه دعا، وروى ~~له دعوة عجيبة حذفتها ميلا إلى الاختصار، قال: فلما بلغت دعوته اجتمعت إليه ~~الشيعة، [وكان] مستترا بالبصرة، والشيعة يلقى بعضهم بعضا [بأسبابه] فسعى به ~~قرين بن يعلي الأزدي إلى أبي الدوانيق فأعطاه ثلاثة آلاف درهم، وأرسل معه ~~مرعيد النصراني في جماعة من الأعوان، وكتب إلى صاحب البصرة بالسمع والطاعة ~~له، فأقبلوا حتى نزلوا البصرة، فأقبل مرعيد يظهر العبادة، والتأله، ومذهب ~~الشيعة، ومضى قرين إلى الحسن، فأخبره خبره، وعرف بينه وبين الشيعة، فجعلت ~~الشيعة تصف نسكه للحسن حتى صار الحسن مشتهيا للقائه، ومرعيد مع ذلك لا يترك ~~صلة الحسن ms151 بالأموال، ويقول: استعن بها على أمرك، وكلما كتب إليه الحسن ~~كتابا وضعه على [رأسه و] عينه، وأكل ختمه يريد بذلك في رأي العين التبرك ~~إلى أن قالت له الشيعة يوما: إن الحسن يشتهي لقاءك، [فقال لهم] : أخشى أن ~~أشهر أمري ولكن أنا في حجرة فلو جاءني مع هذا، وأومى إلى قرين رجوت أن يكون ~~أغبى لأمره، فأجابته الشيعة إلى ذلك، وعمد مرعيد فهيأ القيود والرجال، فلما ~~وافاه الحسن قيده، وحمل من ساعته إلى أبي جعفر على البريد، فلما وصل[إليه] ~~الحسن أمر بحبسه، وبعث عميرا مولاه، فأخذ قرينا وأخاه، فعذبهما حتى قتلهما، ~~فقال في ذلك بعض الشيعة: # حمدت الله ذا الآلاء لما %~% رأيت قرين يحمل في الحديد PageV01P327 ثم إن سليمان بن الجنيد الطحاوي الصيقل عمل في خلاص الحسن بعد موت أبي ~~الدوانيق من السجن، وقد كان الحسن [دفع ابنه وبنته إلى سليمان] فسماهما ~~بغير اسميهما ورباهما، وكان اسم ابنه: عبد الله، و[اسم] ابنته: خديجة. # فلما أفضت الخلافة إلى[الملقب] المهدي أطلق كل من كان في حبوسه غير الحسن ~~ورجل آخر، فقال سليمان للحسن: قد كنت أظن أنك ستطلق، وما أرى القوم مخرجيك ~~ما دمت حيا، فهل لك أن أعمل في خلاصك ؛ فقال: [افعل] على اسم الله، قال ~~سليمان: فأتيت يعقوب بن داود فشاورته في ذلك، فقال لي: اعمل فإنها فرصة ~~يمكن فيها العمل، قال: فخرجت إلى أصحابي الزيدية، وفيهم أبو الجوزاء، وكان ~~فاضلا، [فإنه صاح] بالمهدي يوما وهو يخطب:{ياأيها الذين آمنوا لم تقولون ما ~~لا تفعلون }[الصف:2] فأمر به فأدخل عليه، فقال [له] : ما حملك على ما صنعت ~~اليوم ؟ قال[له] : قول الله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه }[آل عمران: 187].فاتق الله، قال: ويلك!! من أنت؟ PageV01P328 # قال: رجل من المسلمين، أمرك بمعروف فاعرفه، ونهاك عن منكر فأنكره، قال ~~فضربه بعمود كان معه حتى غشي عليه عامة النهار، ثم دفعه إلى الربيع، وهؤلاء ~~الذين كانوا من الزيدية، فقال لهم سليمان: كونوا على عدة، فإني أريد أن ~~أنقب ms152 على هذا الرجل، فأجابوه بأجمعهم[واحتالوا] حتى نقبوا المطبق وانفتح ~~الحصن، وخرج الحسن وعليه كساء [شعر] أسود، وقد ضرب شعره منكبيه، وكان ~~علاجهم في النقب نصف النهار لما أراد الله من إطلاقه وتسهيل أمره فخرج من ~~الحبس يمشي ويعتقل لا يستطيع المشي، والناس يستحثونه، فقال: لا أقدر على ~~الخطو، ثم أتي له بحمار فركبه حتى أتى منزلا في خان فنزل فيه، وأتي إليه ~~بابنه عبد الله وهو لا يعرفه فسلم عليه، واعتنقا جميعا يبكيان، وسليمان ~~يبكي لبكائهما، ثم تحمل بعد ذلك إلى الحجاز، فأقام في أمان المهدي حتى هلك ~~-عليه السلام-. PageV01P329 ### | [الإمام محمد بن إبراهيم بن إسماعيل(ع)]. # وأنزلت بابن إبراهيم داهية %~% محمد طاعن اللبات والثغر # قاد ابن سهل إليه عسكرا لجبا %~% والعير يقدم نحو الليث من ذعر # وقام فارس شيبان بدعوته %~% أبو السرايا ولم يبخل بمنع سري # المراد بابن إبراهيم هذا هو: محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن ~~الحسن بن الحسن، كنيته أبو عبد الله، وقيل: أبو القاسم، ظهر بالمدينة بعد ~~أن أقام مستترا مدة طويلة، واشتد الطلب عليه من أبي الدوانيق، فلم يقف على ~~خبره، فظهر في خلافة المأمون، وذلك أن نصر بن شبيب قدم حاجا، وكان متشيعا ~~حسن المذهب، فكان ينزل الجزيرة، فلما ورد المدينة سأل عن بقايا أهل البيت ~~من المذكور منهم ؟ فذكروا أنه علي بن عبد الله بن الحسين وعبد الله بن موسى ~~بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ومحمد بن إبراهيم هذا، فأما علي بن عبد الله ~~فإنه كان مشغولا بالعبادة لا يصل إليه أحد، ولا يأذن لأحد. PageV01P330 # وأما عبد الله بن موسى فكان خائفا مطلوبا لا يلقاه أحد، وأما محمد بن ~~إبراهيم فإنه كان يقارب الناس، ويكلمهم في هذا الشأن، فأتاه نصر بن ~~شبيب[ودخل إليه] وذاكره مقتل أهل بيته، وغصب الناس إياهم حقوقهم وأكثر ~~القول في هذا المعنى إلى أن أجابه محمد بن إبراهيم، وأوعده أن يلقاه ~~بالجزيرة، وانصرف الحاج، ثم خرج محمد بن إبراهيم إلى الجزيرة، ومعه نفر من ~~أصحابه وشيعته ms153 حتى قدم على نصر للوعد فجمع[إليه] نصر أهله وعشيرته، ~~وعرض[ذلك] عليهم، فأجابه بعضهم، وامتنع عليه البعض، وكثر القول فيه ~~والاختلاف حتى تواثبوا وتضاربوا بالنعال والعصي، وانصرفوا على ذلك حتى خلا ~~بنصر بعض بني عمه[وأهله] فقال له: ماذا صنعت بنفسك وأهلك؟ أتراك إن فعلت ~~هذا الأمر ونابذت السلطان يدعك وما تريد؟ لا، والله بل يصرف همه ~~إليك[وكيده] فإن ظفر بك فلا خلاص بعدها، وإن ظفر صاحبك وكان عادلا كنت عنده ~~رجلا من أفنى أصحابه، وإن كان غير ذلك، فما حاجتك إلى أن تعرض نفسك وأهلك ~~وأهل بلدك بما لا قوة لك به، وأخرى إن أهل هذه البلد جميعا أعداء لآل أبي ~~طالب، فإن أجابوك الآن [طائعين] فروا عنك منهزمين إذا احتجت إليهم، على أنك ~~من اختلافهم أقرب منك إلى اجتماعهم، ثم تمثل[شعرا] : # وأبذل لابن العم نصحي ورأفتي %~% إذا كان لي بالجهر في الناس مكرما # فإن زل عن نصحي وخالف مذهببي %~% قلبت له ظهر المجن ليندما PageV01P331 فثنى نصرا من رأيه، وفتر نيته، فعاد إلى محمد معتذرا بما كان من خلاف ~~أصحابه ورغبتهم عن أهل البيت، وأنه لو ظن ذلك بهم لم يعده نصرهم، وأومى إلى ~~أن[يحمل إليه مالا و] يقويه بمال خمسة آلاف دينار، فانصرف محمد عنه مغضبا ~~راجعا إلى الحجاز، فلقى في طريقه أبا السرايا السري بن منصور أحد بني ربيعة ~~من ذهل بن شيبان، وكان قد خالف السلطان ونابذه، وعاث في نواحي السواد وكان ~~علوي المذهب، فدعاه [محمد] إلى نفسه، فأجاب وسر بذلك ثم أدخله الكوفة، ~~فدعاهم إلى بيعة محمد، فأجابوه جميعا حتى تكابسوا، وازدحموا عليه، وبعث ~~الدعاة من هنالك إلى جميع النواحي، وبايعه الأشراف: محمد بن محمد بن زيد ~~ومحمد بن جعفر بن محمد وعلي بن عبد الله وغيرهم ممن يطول ذكره، ووجه أخاه ~~القاسم بن إبراهيم إلى مصر داعيا وخلاصة الأمر: أن أبا السرايا ما زال يشن ~~الغارات على جنود المسودة، وينتصر عليهم، ويغنم أموالهم. # وفي خلال ذلك عرض المرض لمحمد بن إبراهيم، فدخل عليه وهو يجود بنفسه، ms154 ~~فرأى في وجهه الموت، فقال له: يا ابن رسول الله، كل حي يموت، وكل جديد بال، ~~فاعهد عهدك؛ فقال: أوصيك بتقوى الله، و[المقام على] الذب عن دينك، ونصرة ~~أهل بيت نبيك، فإن نفوسهم موصولة بنفسك، وول الناس الخيرة فيمن يقوم مقامي ~~من آل علي بن أبي طالب -عليه السلام- فإن اختلفوا، فالأمر إلى علي بن عبيد ~~الله فإني قد بلوت طريقته، ورضيت دينه، ثم اعتقل لسانه، وهدأت جوارحه، ~~فغمضه أبو السرايا، وسجاه، وكتم موته. PageV01P332 # فلما كان الليل أخرجه في نفر من الزيدية ودفنه، وكان موته غرة رجب يوم ~~الخميس سنة تسع وتسعين ومائة، ذكره الحاكم في (شرح العيون). فلما دفن كان ~~من الغد، وقام أبو السرايا فخطب الناس، ونعى إليهم محمدا فارتفعت الأصوات ~~بالبكاء [إعظاما] لوفاته، ثم قال: وقد أوصى إلى علي بن عبيدالله فإن رضيتم ~~به فهو الرضا، وإلا فاختاروا لأنفسكم، فلم ينطق منهم أحد، وتواكلوا. PageV01P333 ### || [استطراد في ذكر الإمام محمد بن محمد بن زيد] # فوثب محمد بن محمد بن زيد وهو غلام حدث السن، فقال : فات الهالك، وبقي ~~الباقي، ودين الله لا ينصر بالفشل، وليست يد هذا -يعني أبا السرايا- عندنا ~~سيئة، وقد شفى الغليل وأدرك الثأر، ثم التفت إلى علي بن عبيدالله، فقال: ما ~~تقول يا أبا الحسن -رضي الله عنك-؟ فقد وصانا بك، أمدد يدك نبايعك، فحمد ~~الله وأثنى عليه، وقال: إن أبا عبيدالله-رحمه الله- قد اختار لكم فلم يعدل ~~الثقة في نفسه وما أرد وصيته تهاونا بأمره، [ولا أدع هذا زهدا، ولا رغبة ~~عنه] ولكن أتخوف أن أشتغل به عن غيره مما هو أحمد عاقبة، فامض -رحمك الله- ~~لأمرك، واجمع شمل ابن عمك، فقد قلدناك الرئاسة علينا، فأنت الرضى عندنا، ~~والثقة في أنفسنا فبايعوه، وفرق عماله، وكان من جملة عماله إبراهيم بن محمد ~~بن جعفر الصادق فأذعن له اليمن بالطاعة بعد وقعة كانت، قيل: إنه قتل فيها ~~من جنود العباسية خمسة عشر ألفا حتى سمي إبراهيم الجزار، وكان ينزل هو ~~وشيعته بالقطيع من صنعاء، وكانت سكته تدعى بشارع المبيضة، ms155 وخرب سد الخانق ~~بصعدة، وقتل البطون التي تبغض أهل البيت باليمن وهم بنو الحارث بنجران، ~~والسليمانيون بعيان، واللعويون بريدة، والكباريون بأثافث والآبارة بظهر، ~~والحواليون ببيت ذخار، وبنو يافع بالسر، وتواترت الكتب على محمد بن محمد ~~بالفتح، وعظم أمره، وأمر أبي السرايا على الحسن بن سهل وزير المأمون، فقام ~~وقعد في حرب أبي السرايا، ووقعت وقائع أكثرها على العباسية حتى إذا كان بعض ~~الوقعات انكسر عسكر أبي السرايا. PageV01P334 # ولم يبق عنده وعند محمد بن محمد إلا شرذمة قليلة، فأسرا، وأتي بهما إلى ~~الحسن بن سهل، فهم بضرب عنق محمد، فنهاه بعض أصحابه، وأشار عليه بالإرسال ~~به إلى المأمون. # وأما أبو السر ايا، فأمر بضرب عنقه، وصلب رأسه في الجانب الشرقي من ~~بغداد، وبدنه في الجانب الغربي. # وحمل محمد بن محمد إلى المأمون إلى خراسان، فأقيم بين يدي المأمون، فجعل ~~يتعجب من حداثة سنه، ثم أمر له بدار فأسكنها، فأقام على ذلك مدة يسيرة ~~مقدارها أربعون يوما، ثم دست إليه شربة فمات، وهو ابن ثماني عشرة سنة، ~~وقبره بمرو. # قالوا: ونظر في الديوان فوجد من قتل من أصحاب السلطان في وقائع أبي ~~السرايا مائتي ألف. # ومما رثي به محمد بن إبراهيم وأبو السرايا، ومن معهما قول محمد بن علي ~~الأنصاري -رحمه الله تعالى رحمة واسعة- : # أبت السكون فما تجف مدامعي %~% عبرا تفيض بدمعها المتتابع # لما تذكرت الحسين وبعده %~% زيدا تحرك حزن قلب جازع # صلى الإله على الحسين وصحبه %~% في كربلاء لما ثووا بمصارع # وعلى قتيل بالكناسة مفرد %~% نائي المحل عن الأحبة شاسع # وجزى ابن إبراهيم عن أشياعه %~% خيرا وأكرمه بصنع الصانع # نعم الخليفة والإمام المرتضى %~% ذي الدين كان ومستقر ودائع # وجزى الإله أبا السرايا خيرما %~% يجري وصولا من مطيع سامع # حاط الإمام بنفسه وبسيفه %~% ولسان ذي صدق وقلب خاشع # في فتية جعلوا السيوف حصونهم %~% مع كل سلهبة وطرف رايع # فتلقين يابن النبي فما لها %~% أحد سواك برغم أنف الطامع # ولقد رأيت بها عليك حلاوة %~% وضياء نور في جبينك. صادع PageV01P335 نعم الظاهر أن الإمام ms156 محمد بن إبراهيم مات كما تقدم. # وذكره أيضا في (شرح العيون) للحاكم، و(الحدائق) للفقيه حميد، وأشار ~~الإمام المهدي في (البحر) وفي قصيدته القافية التي عدد فيها الأئمة إلى أنه قتل. # وأما الطبري في تأريخه فذكر أنه مات فجأة، قال: فقيل إن أبا السرايا سمه، ~~والله أعلم أي ذلك كان. # وأما الحسن بن سهل المشار إليه في المنظومة فهو: السرخسي وزير المأمون ~~بعد أخيه الفضل بن سهل فإنه كان حظيا عند المأمون، وزوجه ابنته بوران، ~~وقصتها في زواجة المأمون مشهورة قال : إن المأمون خرج يوما فتبعه الحسن بن ~~سهل، فقال له: ألك حاجة؟ فقال : نعم، تحفظ علي من قلبك ما لا أستطيع حفظه ~~إلا بك، ولم يزل له وزيرا حتى ثارت السودا عليه، وسببها طول حزنه على أخيه ~~الفضل، فإن المأمون قتله في قصة مشهورة. PageV01P336 ### | [الإمام محمد بن سليمان بن داود بن الحسن - عليه السلام -] # ومس منها بلا جرم ولا سبب %~% محمد ين عظيم الخوف والضرر # لعل السيد صارم الدين عنى بالمحمدين هنا محمد بن محمد بن زيد، ومحمد بن ~~جعفر بن محمد المقدم ذكرهما في ذكر من شايع محمد بن إبراهيم من أعيان ~~العترة، ويحتمل وهو الأظهر أنه عنى محمد بن جعفر هذا، ومحمد بن سليمان بن ~~داود بن الحسن، فإن الإمام المهدي عد هذين في (البحر) في جملة من قام ودعا ~~فدعوة محمد بن سليمان كانت في المدينة، فوثب عليه [ابن] الأفطس الحسن بن ~~الحسن، فقاتله فأبلي واجتهد، وكان محمد بن سليمان رجلا فاضلا، ناسكا، فخذله ~~أعوانه بعد أن أظهر رايته، وقاتل أعداءه، وضبط المدينة، ثم مات بعد ذلك، ~~وهو ابن ستين سنة. # قلت: وهذا الاحتمال الأخير أشبه؛ لأن قول السيد صارم الدين: بلا جرم ولا ~~سبب، [و] عظيم الخوف والضرر، يصلح في حق محمد بن سليمان كونهم ذكروا أنه ~~توارى، والتواري فزع الخوف. # وأما محمد بن محمد، ومحمد بن جعفر فلم يتفق عليهما ما أتفق عليه، بل بلغا ~~في النكاية للعدو والظهور على الخصم ما قد عرفته، فذلك ms157 لا يناسب أن يكونا ~~مراد السيد، والله أعلم. # وكان دعوة محمد بن سليمان في نيف وثمانين، ومشهده بالمدينة. PageV01P337 ### | [الإمام محمد بن جعفر بن محمد - عليه السلام -] # ومحمد بن جعفر مات بجرجان، ومشهده بها، ولم يعده الحاكم في الأئمة، لكنه ~~تسمى بأمير المؤمنين. # قال الإمام المنصور بالله: إن سبب قيامه أن رجلا في تلك المدة صنف كتابا ~~يسب فيه أهل البيت إلى أن اتصل بفاطمة -عليها السلام- فنال منها، فجاء ~~الطالبيون[بالكتاب] إلى محمد بن جعفر عليه السلام فقرأوه عليه، و[قد] كانوا ~~يطلبون منه القيام قبل ذلك فلم يساعد، فلما سمع ذلك لم يرد عليهم جوابا دون ~~دخول منزله، فلبس الدرع، وتقلد السيف، وخرج إليهم، وهو يقول: # لم أكن من جناتها علم الل %~% ه وإني لحرها اليوم صالي # وبايعه من وجوه الطالبيين ورجالهم وفضلائهم[منهم] : الحسين بن الحسن بن ~~الأفطس، ومحمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن علي [-عليهم السلام-] ومحمد ~~بن الحسن المعروف بالسباق وعلي بن الحسين بن عيسى بن زيد وعلي بن جعفر بن ~~محمد فبسط يده، فبايعوه، وخاطبوه بأمير المؤمنين، ولم يخاطب بها قبله من ~~أهله إلا علي، والحسن بن علي -عليهما السلام-. # ومن بعدهما يخاطب بالإمام عموما، ويخاطبه الخواص بأمير المؤمنين، وكان ~~فاضلا، عابدا، شجاعا، سخيا عالما، جمع خصال الكمال. # وكان يصوم يوما، ويفطر يوما، وما علم أنه خرج برداء ورجع به [مدة] حياته، ~~بل يتصدق به أو يهبه. # وروى الحديث، وروى عنه طائفة من نقلة العلم، مثل: محمد بن أبي عمرو وموسى ~~بن سلمة وإسحاق بن موسى الأنصاري واستولى على المدينة ومكة[حرسهما الله ~~تعالى]. PageV01P338 # قال يحيى بن الحسين : سمعت مؤملا يقول: رأيت محمد بن جعفر يخرج [في مكة إلى ~~الصلاة] في ثلاثمائة رجل من الجارودية، [و] الزيدية عليهم ثياب الصوف، ~~وسيماء الخير فيهم ظاهر وكان القائم بحربه هارون بن المسيب فهزموه مرارا ~~وقتلوا من عسكر هارون هذا مقتلة عظيمة. # وله بعد ذلك وقعات بينه وبين الجنود العباسية،كانت اليد له فيها على ~~أعدائه، وبعد ذلك تكاثفت عليه الجنود؛ فالتجأ ms158 إلى جبل في الحجاز[يقال له: ~~ثبير] وأقام الحرب على ساق، وسألوه الهدنة، فلم يساعد إلى ذلك إلى أن عظم ~~الخطب عليه، وحصر أصحابه واضطروا، وافترقوا عنه، فنزل على القوم فأمنوه ~~وتقدم إلى خراسان، فلقيه المأمون بالإنصاف، وكان يركب في ثمانين فارسا من ~~العلويين، فخرج توقيع المأمون لا تركبوا مع محمد بن جعفر، واركبوا مع من ~~شئتم من الطالبيين، فقالوا: لا نركب إلا مع محمد بن جعفر، ولكنا نلزم ~~منازلنا. # فأمر المأمون [أن] اركبوا مع من شئتم، فكانوا يركبون معه حافين به، فدس ~~عليه المأمون سما فقتله. # فلما خرج بجنازته، وثب المأمون فوقع بين العمودين يحمل، فقال له ~~الناس:نكفيك يا أمير المؤمنين، قال لهم: هذه رحم مجفوة منذ مائتي سنة. # ولما وصل قبره نزل فيه وسواه في لحده، فلما طلع قال ولده إسماعيل وأخوه: ~~ما ترى نكلمه في دين أبينا، وما نجده أقرب من هذه الساعة؟ فابتدأهما، فقال: ~~كم خلف أبو عبد الله من الدين؟ قالا: خمسة وعشرين ألف مثقال فقال: قد قضى ~~الله دينه، وصك بها إلى الأهواز[أرزا] وقبضا الآرز فغلي في أسبوع واحد، ~~فباعاه بخمسين ألف مثقال. PageV01P339 ### | [الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي - عليه السلام -]. # وترجمان الهدى والدين قاسمنا %~% أجل معتصم بالدين مشتهر # خليفة بركات فيه ظاهرة %~% كأنها بركات إلياس والخضر # لما دعاها إلى التقوى وما نظرت %~% منه العيون إلى عيش لها نضر # أشلت عليه كلابا لا مرا قبة %~% الا فهاجرها واعتاض بالهجر # هو: أبو محمد القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل، فرع دوحة بسقت في أرض ~~الفخار، ونور زيتونة تتوقد لذوي الأبصار، ما في آبائه إلا من فاق وراق، ~~وانتشر فضله في الآفاق، وقد تقدم ذكر آبائه. # فأما أمه فهي: هند ابنة عبد الملك من ذرية سهيل بن عمرو من بني عامر بن لؤي. # روى الإمام المنصور بالله عن آبائه: أن شيخا من شيوخ آل الحسن بن علي كان ~~يدرس عليه فتيان آل الحسن، فكانوا إذا جاءوه قام في وجوههم وعظمهم، فأقسموا ~~عليه لا فعل، وكان القاسم من شباب أهل ms159 ذلك العصر، وكان إذا جاء قام في وجهه وعظمه. # فقالوا له: أيها السيد، قد عذرناك، وهذا الفتى لك أعذر، فقال: لو تعلمون ~~من حقه ما أعلم لاستصغرتم ما أفعل في حقه. # فقالوا له: وما تعلم؟ فقال: هذا الفتى قال فيه رسول الله : ((يخرج من ~~ذريتي [رجل] مسروق الرباعيتين لو كان بعدي نبي لكان إياه)). وفيه يقول ~~الشاعر: # ولو أنه نادى المنادي بمكة %~% وبطن منى فيمن تضم المواسم # من السيد السباق في كل غاية %~% لقال جميع الناس لا شك قاسم # إمام من ابناء الأئمة قدمت %~% له الشرف المعروف والمجد هاشم # أبوه علي ذو الفضائل والنهى %~% وآباؤه والأمهات الفواطم # بنات رسول الله أكرم نسوة %~% على الأرض والآباء شم خضارم PageV01P340 إمام من أبناء الأئمة قدمت %~% له الشرف المعروف والمجد هاشم # أبوه على ذو الفضائل والنهى %~% وآباؤه والأمهات الفواطم # بنات رسول أكرم نسوة %~% على الأرض والآباء شم خضارم # وله العلم الغزير، والتصانيف المفيدة في كل فن من العلوم. # وأما زهده وورعه [فما لا] يمتري فيه اثنان، ولا يتردد فيه رجلان: # شهد العدو بفضله والأولياء %~% والحق ما شهدت به الأعداء # حكي عن الهادي -عليه السلام- أن المأمون كلف بعض العلوية أن يتوسط بينه ~~وبين القاسم، ويصل ما بينهما على أن يبذل له مالا عظيما، فخاطبه في أن ~~يبتديه بكتاب، أو يجوب عن كتابه. # فقال -عليه السلام-: لا يراني الله أفعل ذلك أبدا. # وروى الإمام المنصور[بالله-عليه السلام-] : أن المأمون توصل بمن قدر عليه ~~في أن يصافيه، ويأمن جانبه فأبى ذلك أشد الإباء، وأمر إليه بوقر سبعة أبغل ~~دنانير على أن يأخذها، ويجيب عن كتابه، أو يبتديه بكتاب، فكره ذلك ورد ~~المال، وقد كان مال إلى حي من البادية[بادية المدينة] يقال لهم: حرب، ~~فحاربوا دونه، ولما رد المال لامه أهله فقال: # تقول التي أنا ردء لها %~% وقاء الحوادث دون الردى # ألست ترى المال منهلة %~% محارم أمواهه باللهى # فقلت لها وهي لوامة %~% وفي عيشها لو صحت ما كفى # كفاف امرئ قانع قوته %~% ومن يرض بالعيش نال الغنى # فإني وما ms160 رمت من نيله %~% وقبلك حب الغنى ما ازدهى # كذي الداء هاجت به شهوة %~% فخاف عواقبها فاحتمى PageV01P341 قالوا: ولما استشهد أخوه محمد وهو بمصر [فلما عرف ذلك] دعا إلى نفسه، وبث ~~الدعاة وهو على حال الاستتار فأجابه عالم من الناس في بلدان مختلفة كمكة، ~~والمدينة، والري، وقزوين، وطبرستان، وتخوم الديلم، وأقام بمصر نحو عشر ~~سنين، فاشتد الطلب به هناك من عبد الله بن طاهر فلم يمكنه القيام، فعاد إلى ~~الحجاز وتهامة، وخرج جماعة من دعاته إلى بلخ والطالقان والجوزجان فبايعه ~~كثير من أهلها، وسألوه أن يرسل إليهم ولده ليظهروا [له] الدعوة، [فانتثر ~~عليه أمره، وانشر قبل التمكن من ذلك] فوجهت الجيوش في طلبه، فانحاز إلى حي ~~من البدو، واستخفى فيهم. # ثم أراد الخروج بالمدينة في وقت من الأوقات، فأشار إليه أصحابه بأن لا ~~يفعل ذلك، وقالوا: إن المدينة والحجاز تسرع إليها الجيوش ولا تتمكن فيهما ~~من الميرة. # ولم يزل على هذه الطريقة مثابرا على الدعوة، صابرا على التغرب، والتردد ~~في النواحي[والبلدان] متحملا للشدة[مجتهدا في إظهار دين الله]. # ولما اجتمع أمره وقت خروجه بعد وفاة المأمون وتولي المعتصم شدد في طلبه، ~~وأنفذ عساكر عظيمة في تتبع أثره، فأحوج إلى الإنفراد عن أصحابه، وانتقض أمر ~~ظهوره، ذكره السيد أبو طالب قال : فله بيعات كثيرة في أوقات مختلفة، أولها ~~سنة سبع وتسعين ومائة، والبيعة الجامعة لفضلاء أهل البيت كانت سنة عشرين ~~ومائتين في منزل محمد بن منصور المرادي بالكوفة وأنه بايعه هناك: أحمد بن ~~عيسى بن زيد فقيه آل الرسول وعابدهم، وعبد الله بن موسى بن الحسن والحسن بن ~~يحيى بن الحسين بن زيد. PageV01P342 # وكانت فضيلة السبق إلى منابذة الظالمين وانتهت إلى هؤلاء فاتفقوا على ~~القاسم وبايعوه، وكانوا قد امتحنوا على فضلهم المشهور الشديد. # فروى أحمد بن عيسى بن زيد -عليهم السلام- قال: طلبنا هارون أنا والقاسم ~~بن إبراهيم، وعبد الله بن موسى، فتفرقنا في البلاد فوقعت إلى ناحية الري، ~~ووقع عبد الله بن موسى إلى الشام، وخرج القاسم إلى اليمن. # فلما توفي هارون اجتمعنا ms161 في الموسم، فتشاكينا ما مر بنا فقال القاسم عليه ~~السلام : أشد ما مر علي أني لما خرجت من مكة أريد اليمن في مفازة لا ماء ~~فيها، ومعي بنت عمي زوجتي وبها حبل، فجاءها المخاض في ذلك الوقت، فحفرت لها ~~حفرة لتتولى أمر نفسها وضربت في الأرض أطلب الماء لها، فرجعت إليها وقد ~~ولدت غلاما، فأجهدها العطش، فرجعت[إليها] وقد ماتت، والولد حي، فكان بقاء ~~الولد أشد علي من وفاة أمه، فصليت ركعتين، ودعوت الله أن يقبضه، فما فرغت ~~من دعائي حتى مات. # وشكى عبد الله بن موسى أنه خرج من بعض قرى الشام، وقد اشتد عليه الطلب، ~~وأنه صار إلى بعض المشائخ وقد تزيا بزي الفلاحين فسخره بعض الجند وحمل على ~~ظهره شيئا، فكان إذا أعيا ووضع ما على ظهره للاستراحة ضربه ضربا شديدا، ~~وقال: لعنك الله، ولعن من أنت منه. PageV01P343 # وقال أحمد بن عيسى: وأنا كان من غليظ ما نالني، أني صرت إلى ورزين ومعي ~~ابني محمد، وتزوجت إلى بعض الحاكة هنالك واكتنيت بأبي حفص الجصاص، فكنت ~~أغدو وأقعد مع بعض من أثق به من الشيعة، ثم أروح إلى منزلي كأني قد عملت ~~يومي، وولدت الإمرأة بنتا، وتزوج ابني محمد في بعض موالي عبد القيس هناك، ~~فأظهر مثل ما أظهرت. # فلما صار لابنتي عشر سنين طالبني أخوالها بتزويجها برجل من الحاكة، له ~~فيهم قدر، فضقت ذرعا بما دفعت إليه، وخفت من إظهار نسبي، وألح علي القوم في ~~تزويجها، ففزعت إلى الله تعالى، وتضرعت إليه في أن يختر لها ويقبضها ويحسن ~~علي الخلف، فأصبحت الصبية عليلة، ثم ماتت من يومها، فخرجت إلى ابني # مبادرا لأبشره فلقيني في الطريق، فأعلمني أنه ولد له ولد فسميته عليا وهو ~~بناحية (ورزين) لا أعرف له خبرا للاستتار الذي أنا فيه. # وروى السيد أبو طالب قال: اشتد الطلب على القاسم[بن إبراهيم] وضاقت عليه ~~المسالك وكان في حانوت إسكاف من خلص الزيدية، فنودي نداء بليغا: برئت الذمة ~~مما آوى القاسم بن إبراهيم، وممن لم يدل عليه، ومن ms162 دل عليه فله ألف دينار، ~~وكذا كذا من البز، والإسكاف مطرق يسمع ويعمل، لا يرفع رأسه فقالوا للإسكاف: ~~نراك ما ارتعت، فقال: ومن لي بالإرتياع، ولو قرضت بالمقاريض بعد رضى رسول ~~الله في وقاية ولده بنفسي. PageV01P344 # قال السيد أبو طالب: وانتقل القاسم إلى الرس في آخر أيامه، وهي أرض ~~اشتراها، وهي وراء جبل أسود بالقرب من ذي الحليفة، وبنى هناك لنفسه وولده، ~~وتوفي بها، و[قد] حصل له ثواب المجاهدين من الأئمة السابقين سنة ست وخمسين ~~ومائتين، وله سبع وسبعون سنة، ودفن هناك يزوره من يريد زيارته في مشهده، ~~فيخرج من المدينة. PageV01P345 ### | [الإمام محمد بن القاسم بن علي بن عمر الأشرف(ع)]. # والطالقاني ويحيىوابن يوسف وال %~% زيدي جارت عليهم ليت لم تجر # الطالقاني هذا: محمد بن القاسم بن علي بن عمر[الأشرف] بن علي بن الحسين ~~بن علي بن أبي طالب[عليهم السلام]. # قال ابن أبي الحديد: [و] كان يلقب بالصوفي ؛ لأنه ما كان يلبس إلا الصوف ~~الأبيض، وكان عالما، فقيها، أديبا زاهدا، حسن المذهب، يقول بالعدل ~~والتوحيد. # قال المنصور في (الشافي): إنه دعا بخراسان فانطوى ديوانه على أربعين ألف ~~مقاتل من خلصان أهل الأديان، وله وقعات كثيرة مع عبدالله بن طاهر الطاهر ~~[و] كانت له اليد عليهم فيها، وكان يكره سفك الدماء، وكان ظنه بالناس حسنا، ~~فقال : كنت أظن [أني] متى دعوت لم يختلف علي اثنان. # ولما رأى كثرة القتلى من أعدائه، قال لأصحابه: لقد هممت بالتخلي، فقالوا: ~~إن فعلت وقع [من] الفساد في الدين أكثر مما خفت، وتتبعوا أولادكم -معشر أهل ~~البيت- فقتلوهم في كل ناحية على التهمة فلا تفعل، ثم خرج من مرو إلى ~~الطالقان وبينهما أربعون فرسخا، فنزل بها وفرق أصحابه في البلاد لدعوة ~~الناس، وهو يريد أن يخلص جنده صالحين كلهم، فاجتمع له عالم كثير من الناس. # قال الراوي: فقلنا له: إن عزمت على فعلك، وخرجت، ونابذت القوم رجونا أن ~~ينصرك الله عليهم، فإذا ظفرت اخترت حينئذ من ترتضيه، وإن فعلت كما أردت أن ~~تفعل بمرو أخذ عبد الله بن ms163 طاهر بعنقك، فأتم عزمه، وخرج فوجه إليه عبد الله ~~بن طاهر قائدا، يقال له: الحسن بن نوح في جند كثيف. PageV01P346 # قال الراوي: فالتقيناهم فقاتلونا قتالا شديدا، فهزمناهم هزيمة قبيحة، فلما ~~اتصل علمه بعبد الله بن طاهر قامت قيامته، فأنفذ قائد آخر، يقال له: نوح بن ~~حيان في جند كالبحر، فلقيناهم فهزمناهم أقبح من الأولى، فانحاز إلى بعض ~~النواحي، ولم يرجع إلى عبد الله بن طاهر، وكتب إليه يعتذر، وأقسم أنه لا ~~يرجع إليه إلا أن يظفر أو يقتل، فأمر له عبد الله بجيش آخر ضخم، فسار إلينا ~~فلقيناه وقاتلناه، وقد كمن كمينا فقاتلناه [ساعة]. # ثم انهزم متطاردا واتبعتهم جنودنا، فلما تفرقنا في طلبه خرج الكمناء على ~~أصحابنا من كل وجه، فانهزمنا، وأفلت محمد بن القاسم، وصار إلى نسا مستترا. # وحكى أبو الفرج في كتابه، رفعه إلى ابن الأزهر أن إبراهيم بن غسان ~~الصوري، صاحب عبد الله بن طاهر قال: دعاني عبد الله بن طاهر يوما، فدخلت ~~فوجدته قاعدا، وإلى جنبه كرسي عليه كتاب مختوم غير معنون، ويده في لحيته ~~يخللها، وكان ذلك من فعله دليلا على غضبه، فتعوذت بالله من شره. # ودنوت منه فقال لي: يا إبراهيم، احذر أن تخالف أمري، فتسلطني على نفسك، ~~فلا أبقي لك باقية، فقلت : أعوذ بالله أن أحتاج في طاعتك إلى هذا الوعيد، ~~وأن أتعرض لشيء من سخطك. PageV01P347 # فقال : قد جردت لك ألف فارس من نخبة عسكري، وأمرت أن يجعل معك مائة ألف ~~درهم، تصرفها إلى من يحتاج إلى صرفها فيه من أمورك، فاضرب الساعة الطبل ~~والبوق، فإنهم يتبعونك فاخرج واركض وخذ من خاصة خيلي ثلاثة أفراس نجب معك ~~تنتقل عليها، وخذ بين يديك دليلا قد رسمته لصحبتك، فادفع إليه من المال ألف ~~درهم، واحمله على فرس من الثلاث وأنزلهن بين يديك فإذا صرت على فرسخ واحد ~~من نسا فافضض [هذا] الكتاب، واقرأه، واعمل[بما] فيه، ولا تغادر منه حرفا، ~~ولا تخالف فيما رمته شيئا. # واعلم أن لي عينا ممن صحبك يخبرني بأنفاسك، فاحذرني، ثم احذر، ms164 وأنت أعرف. PageV01P348 # قال إبراهيم بن غسان: فخرجت وضربت الطبل ووافى الألف الفارس إلى موضع قرب ~~قصور عبد الله بن طاهر، فأشرف علينا من مستشرف له فعبيت أصحابي، وركضت ~~فرسي، فتبعوني حتى إذا صرنا في اليوم الثالث إلى نسا على فرسخ منها، فضضت ~~الكتاب، فإذا فيه: سر على بركة الله وعونه، فإذا كنت على فرسخ [من نسا] فعب ~~أصحابك تعبية الحرب، وادخل نسا وأنفذ قائدا من قوادك في ثلاثمائة [حتى] ~~يأخذ على صاحب البريد داره، فيحدق بها هو وأصحابه، وأنفذ إلى باب عاملها ~~خمسمائة تحذرا من وقوع حيلة ببيعة في أعناقهم لمحمد بن القاسم، وسر في ~~أصحابك إلى محلة كذا وكذا دار فلان بن فلان، فادخل الدار الأولى، ثم انفذ ~~منها إلى دار ثانية، [فإذا دخلتها، فانفذ] منها إلى دار ثالثة، فإذا دخلتها ~~فارق على درجة منها على يمينك، فإنك تصير إلى غرفة فيها محمد بن القاسم ~~العلوي الصوفي، ومعه [91] رجل من أصحابه، يقال له: أبو تراب، فاستوثق منهما ~~بالحديد استيثاقا شديدا، وأنفذ إلي بخاتمك مع خاتم محمد بن القاسم لأعلم ~~ظفرك به قبل كتابك، وأنفذ الخاتمين مع الرسول، ومره فليركض بهما ركضا حتى ~~يصير إلي في اليوم الثالث إن شاء الله [تعالى] ثم اكتب إلي بعد ذلك بشرح ~~خبرك، وكن على غاية التحرز والتحفظ والتيقظ حتى تصير به، وبصاحبه إلى حضرتي. PageV01P349 # قال إبراهيم: فما رأيت خبرا كأنه وحي مثله، فصرت إلى الموضع واستنبئت أمره، ~~فوجدت محمدا على رأس الدرجة متلثما بعمامة، وقد شد له [محمل] على بغل بسفل ~~الدرجة، وهو يريد الرحيل إلى خوارزم، فقبضت عليه وقلت : هات خاتمك، فأعطاني ~~خاتمه، فأنفذته مع خاتمي إلى عبد الله بن طاهر مع رجل، ودفعت إليه فرسا من ~~تلك [الخيل] وجنيبه بجنبها مخافة أن تفتر فرسه وأمرت بعض أصحابي أن يدخل ~~الغرفة، فقال لي: ما تريد من دخول الغرفة وقد أخذتني [وأنا بغيتك] ؟ [قال:] ~~فلم ألتفت إلى قوله، ففتش أصحابي الغرفة، فوجدوا أبا تراب بجبر نقير، ~~والنقير: شبيه بالحوض [من خشب] يطحن فيه ms165 الدقيق، ويعصر فيه [العنب] ~~فأخرجتهما واستوثقت منهما بالقيود الثقال، وكتبت إلى عبد الله بن طاهر ~~بخبرهما، وسرت إلى نيسابور ستة أيام، فصيرت محمد بن القاسم في بيت [واحد من ~~داري] ووكلت به من أثق به من أصحابي، ووكلت بأبي تراب عند رجل آخر، فوضع ~~[محمد] كساءه، وقام يصلي، وعبد الله بن طاهر مطل من غرفة قصره [علينا]. # ولما فرغت من الاحتياط عليه سرت إلى عبد الله بن طاهر، فقصصت عليه القصة ~~شفاها، فقال لي: لا بد أن أنظر إليه، فسار إلي مع المغرب، وعليه قميص ~~وسراويل ونعل ورداء، وهو متنكر فلما نظر إلى محمد بن القاسم، وثقل الحديد ~~[عليه] قال لي: ويحك يا إبراهيم!!ما خفت الله في فعلك، أتقيد هذا الرجل ~~الصالح بهذا القيد الثقيل؟! PageV01P350 # فقلت [له] : أيها الأمير، خوفك أنساني خوف الله، ووعيدك الذي قدمته أذهل ~~عقلي عما سواه، فقال لي:خفف هذا الحديد كله عنه، وقيده بقيد خفيف في حلقة ~~رطل بالنيسابوري، فإن النيسابوري مائتا درهم، وليكون عموده طويلا، وحلقتاه ~~واسعتين ليخطو فيه، ثم مضى وتركه. # فأقام بنيسابور ثلاثة أشهر يريد بذلك أن يخفي خبره على الناس لما كان ~~يخشى من قيام دهماء الناس فيه، وذلك لكثرة من بايعه بكور خراسان. # وكان عبد الله يخرج من إصطبله بغالا عليها القباب، يوهم الناس أنه قد ~~أخرجه، ثم يردها حتى استتر في نيسابور وحمله في جوف الليل، وخرج به مع ~~إبراهيم بن غسان الذي أسره من نسا، ووافى به الري، وقد أمره عبد الله بن ~~طاهر أن يفعل[به] كما فعل هو، يخرج في كل ثلاثة أيام ومعه بغل عليه قبة، ~~ومعه جيش حتى يجوز الري بفراسخ، ثم يعود إلى أن يمكنه سله في ليلة مظلمة ~~[لا يؤبه له فيها] ففعل ذلك خوفا من أن يغلب عليه لكثرة من [قد] أجابه حتى ~~أخرجه من الري، ولم يعلم به أحد، ثم أتبعه حتى أورده بغداد على المعتصم. # قال [إبراهيم] بن غسان: وما رأيت قط أشد جهادا ولا أعف، ولا أكثر ذكرا ~~لله [منه] ms166 مع شدة نفس، واجتماع قلب، ما ظهر منه جزع، ولا انكسار، ولا خضوع ~~في الشدائد التي مرت به، وإنهم ما رأوه قط مازحا إلا مرة واحدة، فإنهم لما ~~انحدروا من عقبة حلوان أراد الركوب، فجاء بعض أصحاب إبراهيم بن غسان، فطأطأ ~~ظهره له حتى ركب المحمل على البغل. PageV01P351 # فلما استوى على المحمل، قال للذي حمله على ظهره مازحا: تأخذ أرزاق بني ~~العباس، وتخدم أولاد علي بن أبي طالب، وتبسم فقال له: جعلت فداك، ولد ~~العباس وولد علي عندي سواء. # [قال إبراهيم] : فما سمعناه مزح، ولا رأيناه تبسم قبل ذلك ولا بعده، ولا ~~رأيناه أظهر غما من شيء جرى عليه إلا يوم ورد علينا كتاب المعتصم. # وقد وردنا النهروان، فكتبنا إليه بالخبر واستأذناه في الدخول به، فرد ~~علينا كتابه يأمرنا أن نأخذ خلال القبة، ونسير به مكشوفا، وإذا وردنا ~~بالنهرين أن نأخذ عمامته، وندخله [بغير عمامة إلى] بغداد[حاسرا] وذلك قبل ~~أن يبني سر من رأى. # فلما أردنا الرحلة من النهروان نزعنا خلال القبة، فسأل عن السبب في ذلك؟ ~~فأخبرناه فاغتم به. # فلما صرنا بالنهرين قلت : يا أبا جعفر، انزع عمامتك فإن الخليفة أمرنا أن ~~تدخل حاسرا فرمى بها إلي فدخل يوم النيروز وذلك في سنة تسع عشرة ومائتين ~~وهو في القبة، وهي مكشوفة وعديله شيخ من أصحاب ابن طاهر والجند بين يديه ~~يلعبون ويرقصون، والمعتصم يضحك، وهو في جوسق كان له، ومحمد بن القاسم يسبح ~~ويستغفر، ويدعو عليهم، وهو يحرك شفتيه، ويقول: اللهم، إنك تعلم أني لم أزل ~~حريصا على تغيير هذا وإنكاره. PageV01P352 # فلما فرغوا من لعبهم، مروا بمحمد بن القاسم إلى مسرور الكبير، فحبسه في ~~سرداب يشبه البير فكاد أن يموت فيه، فبلغ ذلك المعتصم، وقيل: بل دعا إليهم ~~إن كان صاحبكم يريد قتلي، فالآن أموت الساعة، وإن كان يريد حبسي فاعلموه، ~~فأمر المعتصم بإخراجه، وحبس في بستان موسى مع المعتصم في داره، ووكل به ~~مسرور عدة من غلمانه. # وكان في القبة التي هو محبوس فيها عدة روازن وكوى واسعة ms167 الضوء، فطلب ~~مقراضا يكون عنده يقرض أظفاره، فدفع إليه فعمد إلى لبد كان تحته، فقط نصفه ~~وقصصه بالمقراض كهيئة السيور وعمل منه مثل السلم، وطلب منهم سعفة ذكر أنه ~~يريد أن يطرد بها الفأر، فإنه يأكل خبزه، ويسحبه عليه، فأعطوه فقطعها، وحزز ~~حواليها بالمقراض حتى قطعها ثلاث قطع، وقرنها بمسواكه، وجعلها في رأس ~~السلم، وحلق به في أقرب روزنة من تلك الروازن التي عليه، وعلقه فيها، وتسلق ~~عليه وجذبه إليه لما صعد [واستقر] وكانت ليلة الفطر سنة تسع عشرة ومائتين. # وقد أدخلت الفواكه والرياحين وآلة العيد على رؤوس الحمالين إلى البستان، ~~وصار الحمالون إلى القبة التي فيها محمد بن القاسم، فباتوا حولها، فرمى ~~بنفسه من القبة إلى أسفل، فنام بين الحمالين [ساعة] ثم عجل فذهب يخرج فقال ~~له بعض البوابين : من أنت؟ فقال: [أنا] بعض الحمالين أردت الانصراف إلى ~~أهلي، فقال له: نم عندي لا تأخذك العسس فنام عنده. PageV01P353 # ولما طلع الفجر خرج الحمالون، وخرج معهم، [ففلت ومضى] فلما أصبحوا، وفتحوا ~~الباب لم يجدوه، [و] أعلموا مسرورا بخبره فدخل على المعتصم حافيا متحسرا ~~مستسلما للقتل، وأخبره الخبر، فقال له: لا بأس عليك، إن كان ذهب فلن يفوت ~~إن ظهر لنا أخذناه، وإن آثر السلامة واستتر تركناه. # فقال[له] مسرور: إنما هذا بفضلك يا أمير المؤمنين، لو جرى هذا في أيام ~~الرشيد قتلني. # نعم:وقد اختلفوا في أمره -عليه السلام، فقيل: رجع إلى الطالقان فمات فيه، ~~وقيل: انحدر إلى واسط، أكثر ما حققة أهل العلم بهذا الشأن. # وقيل: بل سمه المعتصم بعد ذلك باغتيال، وذهبت طائفة إلى أنه حي على ما ~~تذهب إليه الإمامية. # واعلم أن الطالقان: اسم مدينتين أحدهما بخراسان، وهي التي خرج بها هذا ~~الإمام، والمدينة الثانية من أعمال قزوين، وهي بلد الصاحب الكافي إسماعيل ~~بن عباد، الوزير المشهور، الشيعي، المحقق المذكور، الذي جمع بين رئاستي ~~السيف والقلم، والفصاحة البالغة، والكرم، ورزق السعادة حيا وميتا، وورث ~~الندوة الندامة والوزارة على وجه كمل له به النبل وانتظم، فهو كما قال فيه ~~الرستمي ms168 : # ورث الوزراة كابرا عن كابر %~% موصولة الإسناد بالإسناد # يروي عن العباس عباد وزا %~% رته وإسماعيل عن عباد PageV01P354 وما أحسن قوله : # قالت فما اخترت من دين تفوز به؟ %~% فقلت: إني شيعي ومعتزلي # وأصح روايته، لقول بعضهم: # أنا وجميع من فوق التراب %~% فداء تراب نعل أبي تراب # وقد أجزته أنا بثلاثة أبيات من قولي، وأنا محمد بن علي، مؤلف هذا الشرح، فقلت: # وهذا اسم به سماه طه %~% لمنقبة أجاب بها الصحاب # وقد سمع النواصب أوردوه %~% على وجه الأذية والسباب # ورب مقالة مرت بسمعي %~% كصوت في الهجيرة من ذباب PageV01P355 ### | [الإمام يحيى بن عمر بن علي (ع)] # فصل: وأما يحيى المذكور مع الطالقاني في بيت السيد صارم الدين فالمراد به ~~يحيى بن عمر بن علي بن الحسين بن زيد، صاحب الدعوة. # كان فقيها، فاضلا، ناسكا، شجاعا، فصيحا، شاعرا. # قال ابن أبي الحديد: ويقال: إن الناس ما أحبوا طالبيا دعا إلى نفسه حبهم ~~يحيى، ولا رثي أحد مثل ما رثي به. # وكان شديد البدن، مجتمع القلب، وكان له عمود ثقيل يصحبه في منزله، فإذا ~~سخط على عبد أو أمة من حشمه لواه في عنقه، فلا يقدر أحد أن يحله عنه حتى ~~يحله بنفسه وأمه من ذرية جعفر الطيار. PageV01P356 # قال المنصور في (الشافي): إنه لما أراد الخروج فزار قبر الحسين بن علي ~~-عليه السلام-، وأظهر لمن حضره من الزوار ما أراد، فاجتمع إليه جميعة من ~~الأعراب، ومضى وقصد شاهي فأقام بها إلى الليل، ثم دخل الكوفة فجعل أصحابه ~~ينادون [الناس] : أجيبوا داعي الله، حتى اجتمع إليه خلق كثير، فلما كان من ~~الغد مضى إلى بيت المال، فأخذ ما فيه، ووجه إلى قوم من الصيارفة عندهم مال ~~السلطان، فأخذه منهم، وسار إلى بني حيان، وقد اجتمع إليه أهله، فجعل بعض ~~أهله يشاوره ويخوفه من السلطان، ويكبر ما فعله، ويحذره من القوم، وقرب ~~دارهم، وكثرة جنودهم، فبينما هم كذلك إذا أقبل عبد الله بن محمد في جند كان ~~معه، فانضم إليه من كان يرى رأي القوم، فصاح به ms169 بعض الأعراب: يا يحيى، إنك ~~مخدوع، هذه الخيل قد أقبلت، فوثب يحيى فجال في ظهر فرسه كأنه الأسد، فحمل ~~على عبد الله فضربه ضربة بسيفه على وجهه، فولى هاربا وتبعه أصحابه منهزمين، ~~ثم رجع إلى أصحابه فجلس معهم، ثم خرج وشاع خبره، وانتهى إلى بغداد، فندب له ~~محمد بن عبد الله بن طاهر الحسين بن إسماعيل وضم إليه جماعة من القواد منهم ~~خالد بن عمران، وأبو النساء الغنوي، ووجه الفلس في جنود عظيمة فنفذوا إليه ~~إلى كردة. PageV01P357 # وكان هوى أهل بغداد مع يحيى، فلم يروا قط مالوا إلى طالبي خرج غيره، فنفذ ~~الحسين إلى أن دخل الكوفة، فأقام بها أياما، ثم مضى قاصدا ليحيى حتى وافاه ~~وهو مقيم بنهرف فتقاوما أياما، ثم ارتحل يحيى فنزل قرية يقال لها البحرية ~~وكان على خراج الناحية أحمد بن علي الإسكافي وعلىحرثها أحمد بن [أبي] الفرج ~~الفزاري، فحصل أحمد بن علي [على] مال الخراج فهرب به، وثبت ابن [أبي] الفرج ~~فناوش يحيى مناوشة يسيرة وولى عنه، ومضى يحيى لوجهه يريد الكوفة، فعارضه ~~وجه الفلس فقاتله قتالا شديدا، فانهزم عن يحي فلم يتبعه، ومضى وجه الفلس ~~متوجها حتى نزل بشاهي فصادف بها الحسين بن إسماعيل، وكان معه رجل يعرف ~~بالهيصم بن المعلى العجلي فوافاه يحيى في عدة من أهل بيته وعشيرته، وقد ~~تعبت خيلهم، ورجالهم، فصاروا إلى عسكر يحيي، فحين التقوا كان أول من انهزم ~~في خيله ورجاله، فقتل ابن الحسين بن إسماعيل عامله في ذلك. PageV01P358 # وقيل: بل انهزم لعظم ما لقي، وقد روى علي بن سليمان الكوفي، عن أبيه قال: ~~لقيت الهيصم فذكرنا يحيى بن عمر وهزيمته عنه، فحلف بالطلاق ثلاثا ما انهزمت ~~لصنيع ولا نفاق، وإنما كان يحيى رجلا نزقا في الحرب، فكان يحمل وحده ويرجع، ~~فنهيته عن ذلك فلم يقبل، وحمل مرة كما كان يفعل، فبصرت عيني به في وسط ~~عسكرهم، فلما رأيته قد قتل انصرفت بأصحابي. وعلى الحديث الأول أن يحيى لما ~~رأى هزيمة الهيصم وأصحابه وقف ولم يكترث بذلك، ولم ms170 يزل يقاتل حتى قتل -رحمه ~~الله تعالى ونفع به وبآبائه-، بعد أن [قد] أبلى بلاء شديدا لم ير مثله، ~~ونكاهم نكاية عظيمة فاحتزوا رأسه. # وكان بوجهه ضربات فلم يكن يعرف معها، ولم يتحقق أهل الكوفة قتله، فوجه ~~إليهم الحسين أبا جعفر الحسني يعلمهم أنه قد قتل، فلم يقبلوا قوله، وشتموه، ~~وهموا به وقتلوا غلاما كان وجه معه، فوجه أخا كان ليحيى من أمه يعرف بعلي ~~بن محمد الصوفي من ولد عمر بن علي -عليه السلام- وكان رجلا رقيبا دينا، ~~مقبول القول، فعرف الناس قتل أخيه، فضجوا بالبكاء والصراخ والعويل، وكانوا ~~ناشبين في القتال. PageV01P359 # فلما أيقنوا انصرفوا، ولم يلحقهم الحسين رضا بما قد نال، وانكفأ راجلا إلى ~~بغداد برأس يحيى بن عمر -عليه السلام-، فلما دخل بغداد جعل أهل بغداد ~~يضحكون استهزاء واستبعادا لما ذكر من قتل يحيى بن عمر، ولما دخل الناس على ~~محمد بن عبد الله بن طاهر يهنئونه بالفتح، ودخل أبوهاشم داود بن القاسم ~~الجعفري، وكان ذا عارضة ولسان، وشدة جنان، لا يبالي بما استقبل به الكبراء ~~من أصحاب السلطان، فقال: أيها الأمير، [قد] جئتك مهنئا بما لو كان رسول ~~الله حيا لعزي به، فلم يجبه محمد بن عبد الله عن هذا بشيء، وأمر محمد بن ~~عبد الله حينئذ أخته ونسوة من حرمه بالشخوص إلى خراسان، وقال: إن هذي ~~الرؤوس من قتلى أهل هذا البيت لم تدخل بيت قوم قط إلاخرجت منه النعمة، ~~وزالت عنه الدولة، فتجهزن للخروج، وأدخل الأسارى من أصحاب يحيى -عليه ~~السلام- إلى بغداد. # ولم يكن فيما روي قبل ذلك أحد لحق ما لحقهم من العنف وسوء الحال[و] كانوا ~~يساقون وهم حفاة سوقا عنيفا فمن تأخر ضربت عنقه، وأمر المستعين بتخلية ~~سبيلهم فخلوا إلا رجلا يعرف بإسحاق بن جناح كان على شرطة يحيى بن عمر، ~~فحبسوه حتى مات فآذنوا به محمدا، فخرج توقيعه يدفن الرجس النجس إسحاق بن ~~جناح مع اليهود، ولا يدفن مع المسلمين، ولا يصلى عليه، ولا يغسل، ولا يكفن، ~~فأخرج في ثيابه ملفوفا في ms171 كساء قومسي على نعش حتى وصلوا به البرية فطرح على ~~الأرض، وألقي عليه حائط. PageV01P360 # قال الإمام المنصور بالله في (الشافي): وقد أحسنوا في إسائتهم حيث لم ~~يساعدوا أميرهم في قبر عبد مسلم في مقابر اليهود، لا جرم له إلا نصرة آل ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يرث أحد من أهل البيت -عليهم ~~السلام- قبل يحيى ولا بعده مثل ما رثي به، ورثاه أهل الإجادة من الشعراء ~~بمراث كثيرة. # قال الإمام المنصور بالله : لو ذكرتها لخرجنا إلى الإسهاب. # قال: وإنما نذكر قصيدة ابن الرومي ؛ لأنه من الشعراء المجيدين، وممن لا ~~يتهم على بني العباس في الحكاية لأنهم مواليه، والمحسنون إليه، فكان قوله ~~فيهم أولى من قول غيره. قال: # أمامك فانظر أي نهجيك تنهج %~% طريقان شتى مستقيم وأعوج # ألا أيهذا الناس طال ضريركم %~% بآل رسول الله فاخشوا أو ارتجوا # أفي كل يوم للنبي محمد %~% قتيل زكي بالدماء مضرج # تبيعون فيه الدين شر أئمة %~% فلله دين الله قد كان يمرج # لقد ألحجوكم في حبائل فتنة %~% وللملحجوكم في الحبايل ألحج # بني المصطفى كم يأكل الناس شلوكم %~% لبلواكم عما قليل مفرج # أما فيهم راع لحق نبيه %~% ولا خائف من ربه متحرج # لقد عمهوا ما أنزل الله فيكم %~% كأن كتاب الله فيهم ممجمج # لقد خاب من أنساه منكم نصيبه %~% متاع من الدنيا قليل وزبرج # أبعد المكنى بالحسين شهيدكم %~% تضيء مصابيح السماء وتسرج # لنا وعلينا لا عليه ولا له %~% تسجسج أسراب الدموع وتنشج # وكيف يبكى فائز عند ربه %~% له في جنان الخلد عيش مخرفج PageV01P361 وإلا يكن حيا لدينا فإنه %~% لدى الله حي في الجنان مزوج # وقد نال في الدنيا سناء وهيبة %~% وقام مقاما لم يقمه مزلج # شوى ما أصابت أسهم الدهر بعده %~% هوى ما هوى أومات بالرمل بحرج # وكنا نرجيه لكشف عظائم %~% بأمثاله أمثالها تتبلج # فساهمنا ذو العرش في ابن نبيه %~% ففاز به والله أعلى وأفلج # مضى ومضى الفراط من أهل بيته %~% يؤم بهم ورد المنية منهج # فأصبحت لاهم أنسئوني بذكره %~% كما قال قبلي في ms172 البسوء مؤرج # ولا هو أنساني أساي عليهم %~% بلى هاجه والشجو للشجو أهيج # أبيت إذا نام الخلي كأنما %~% تبطن أجفاني سيال وعوسج # أيحيى العلى لهفا لذكراك لهفة %~% يباشر مكواها الفؤاد فينضج # أحين تراك العيون جلائها %~% وأقذائها ظلت مراثيك تنسج # بنفسي وإن فات الفداء بكم الردى %~% محاسنك اللاتي تمخ فتبهج # لمن تستجد الأرض بعدك زينة %~% فتصبح في أثوابها تتبرج # سلام وريحان وروح وروضة %~% عليك وممدود من الظل سجسج # ولا برح القاع الذي أنت جاره %~% يرف عليك الأقحوان المثلج # ويا أسفا ألا ترد تحية %~% سوى أرج من طي رمس يأرج # ألا إنه ناح الحمائم بعدما %~% ثويت وكانت قبل ذاك تهزج # أذم إليك العين إن دموعها %~% تداعى لنار الشوق حين توهج # وأحمدها لو كفكفت من غروبها %~% عليك وخلت لاعج الشوق يلعج PageV01P362 وليس البكاء أن تسفح العين إنما %~% أحر البكائين البكاء المولج # أتمنعني عيني عليك بعبرة %~% وأنت لأذيال الروامس مدرج # فإني إلى أن يدفن القلب داؤه %~% ليقتلني الداء الدفين لأحوج # عناء على دار ظعنت لغيرها %~% فليس بها للصالحين معرج # ألا أيها المستبشرون بموته %~% أطلت عليكم غمة لا تفرج # أكلكم أمسى اطمأن مهاده %~% بابن رسول الله في القبر مزعج # فلا تشمتوا وليخسأ المرء منكم %~% بوجه كأن اللون منه اليرندج # فلو شهد الهيجا بقلب أبيكم %~% غداة التقى الجمعان والخيل تمعج # لأعطى يد العاني أو أرمد هاربا %~% كما أرمد بالقاع الظليم المهيج # ولكنه ما زال يغشى بنحره %~% شبا الحرب حتى قال ذو الجهل أهوج # وحاشا له من تلكم غير أنه %~% أبى خطة الخسف التي هي أسمج # وأنى له عن ذاك لا أين إنه %~% إليه بعرقيه الزكيين محرج # كدأب علي في المواطن قبله %~% أبي حسن والغصن من حيث يخرج # كأني به كالليث يحمي عرينه %~% وأشباله لا يزدريه المهجهج # كأني أراه والرماح تنوشه %~% شوارع كالأشطان تدلى وتخلج # كأني أراه إذ هوى عن جواده %~% وعفر بالترب الجبين المشجج # فحب به جسما إلى الأرض إذ هوى %~% وحب بها روحا إلى الله تعرج # أأرديتم يحيى ولم يطو أيطلا %~% طرادا ولم يدبر من الخيل ms173 مسحج PageV01P363 تأتت لكم فيه منى السوء هنية %~% وذاك لكم بالغي أغرى وألهج # تمدون في طغيانكم وضلالكم %~% ويستدرج المغرور منكم فيدرج # أجنوا بني اللخناء من شنآنكم %~% وشدوا على ما في العياب وأسرجوا # وخلو ولاة السوء عنكم وعنهم %~% وأحرى بهم أن يغرقوا حيث لججوا # نذار لكم أن يرجع الحق راجع %~% إلى أهله يوما فتشجوا كما شجوا # على حين لا عذر لمعتذرلكم %~% ولا لكم من حجة الله مخرج # فلا تلقحوا الآن الضغائن بينكم %~% وبينهم إن اللواقح تنتج # غررتم لأن صدقتم أن حالة %~% تدوم لكم والدهر لونان أخرج # لعل لهم في منطوى الغيب ثائرا %~% سيسمو لكم والصبح في الليل مولج # بمجر تضيق الأرض عن زفراته %~% له زجل ينفي الوحوش وهزمج # إذا قيس بالأبصار أبرق بيضه %~% بوارق لا يسطيعها المتمجمج # توامضه شمس الضحى فكأنما %~% ترى البحر في أمواجه يتموج # له وقدة بين السماء وبينه %~% تلم بها الطير العوالي فتهزج # يؤيده ركنان ثبتان رجله %~% وخيل كأرسال الخراج وأرهج # إذا كر في أعراضه الطرف أعرضت %~% حراج تحار العين فيها فتحرج # عليها رجال كالليوث بسالة %~% بأمثالهم يثنى الأبي فيغنج # تدانوا فما للنقع فيهم خصاصة %~% تنفسه عن خيلهم حين ترهج # فلو حصبتهم بالفضاء سحابة %~% لظلت على هاماتهم تتدحرج # كأن الرماح اللهذميات فيهم %~% قتيل بأطراف الرديني تسرج PageV01P364 يود الذي لا قوه أن سلاحه %~% هنالك خلخال عليه ودملج # ويظعن خوف الشيء بعد إقامة %~% ظعائن لم يضرب عليهن هودج # فيدرك ثأر الله أنصار دينه %~% ولله أوس آخرون وخزرج # ويقضي إمام الحق فيهم قضاؤه %~% تماما وما كل الحوامل تخدج # وقد كان في يحيى مذ مر خطة %~% وناتجها لو كان في الأمر منتج # هنالكم يشقى البغي بسعيه %~% إذا ظلت الأوداج بالسيف تودج # محضتكم نصحي وإنى بغيرها %~% لأعنق فيما ساءكم وأهملج # مه!! لا تهادوا غرة البغي بينكم %~% كما يتهادى شعلة النار عرفج # أفي الحق أن يمسوا خماصا وأنتم %~% يكاد أخوكم بطنة يتبعج # تمشون مختالين في حجراتكم %~% ثقال الخطا أكفالكم تترجرج # وليدهم بادي الطوى ووليدكم %~% من الريف ريان الطعام خدلج # تذودونهم عن حوضهم بسلاحهم %~% ويرتع فيه ms174 أرتبيل وأبلج # فقد ألجمتهم خيفة القتل منكم %~% وبالقوم حاج في الحيازيم أحوج # بنفسي الأولى كظتهم حسراتكم %~% فقد علزوا قبل الممات وحشرجوا # ولم تقنعوا حتى استثارت قبورهم %~% كلابكم منها بهيم وديزج # وعيرتموهم بالسواد ولم يزل %~% من العرب الأمحاض أخضر أدعج # ولكنكم زرق يزين وجوهكم %~% بني الروم ألوان من الروم نعج # لأن لم يكن للهاشميين عاهة %~% لما شكلكم تالله إلا المعلهج # بآية ألا يبرح المرء منكم %~% يتل على حر الجبين فيعفج PageV01P365 يبيت إذا الصهباء روت مشاشه %~% يساوره علج من الروم أعلج # فيطعنه في سبة السوء طعنة %~% يقوم لها من تحته وهو أفحج # لذاك بني العباس يصبر مثلكم %~% ويصبر للموت الكمي المدجج # فهل علة إلا كهذا وإنكم %~% لأكذب مسئول من الحق يلهج # فلا تجلسوا وسط المجالس حسرا %~% ولا تركبوا إلا ركائب تخدج # أبى الله إلا أن يطيبوا وتخبثوا %~% وأن يسبقوا بالصالحات وتفلجوا # وإن كنتم منهم وكان أبوهم %~% أباكم فإن الصفو بالرنق يمزج # أروني امرأ منهم يزن بابنة %~% ولا تنطقوا البهتان والحق أبلج # لعمري لقد أغرى القلوب ابن طاهر %~% ببغضكم ما دامت الريح تنأج # سعى لكم مسعاة سوء ذميمة %~% سعى مثلها مستكره الرجل أعرج # فلا تعدموا ما حنت النيب فتنة %~% تحش كما حنش الحريق المؤجج # وقد بدأت لو تزجرون بريحها %~% بوائجها من كل أوب تبوج # بني مصعب ما للنبي وآله %~% عدو سواكم أفصحوا أو فلجلجوا # دماء بني عباسهم وعليهم %~% لكم كدماء الروم والترك تهرج # يلي سفكها العوران والعرج منكم %~% وغو غائكم جهلا بذلك تبهج # وما بكم أن تنصروا أولياءكم %~% وتلك هناة في الصدور تخلج # ولو أمكنتكم في الفريقين فرصة %~% لقد ظهرت أشياء تلوي وتخلج # إذا لاستفدتم منهم وتر فارس %~% وإن ولياكم والوشائج توشج PageV01P366 أبى أن تحبوهم مدى الدهر ذكركم %~% ليالي لا ينفك منكم متوج # وإني على الإسلام منكم لخائف %~% بوائق شر بابها اليوم مرتج # وللحزم أن يستدرك الناس أمركم %~% وحبلكم مستحكم العقد مدمج # نظار فإن الله طالب وتره %~% بني مصعب لن يسبق الله مدلج # لعل قلوبا قد أطلتم غليلها %~% ستظفر منها بالشفاء فتثلج PageV01P367 ### | [ذكر ms175 إسماعيل بن يوسف] # فصل: وأما ابن يوسف المذكور في البيت فهو: إسماعيل بن يوسف بن عبد الله ~~[بن محمد] بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن -عليهم السلام-. # قال الحاكم: وله وقائع كثيرة، ولكنه أساء السيرة، وحكي عنه أشياء منكرة، ~~اتفقوا على سقوط عدالته، وأنه ليس بإمام، خرج بمكة وتوفي بها سنة اثنتين ~~وخمسين ومائتين. PageV01P368 ### | [الإمام علي بن زيد] # وأما الزيدي المذكور في البيت، فهو: علي بن زيد، من ولد زيد بن علي ~~-عليهم السلام-، قام في الكوفة في أيام المهتدي العباسي فبايعه نفر قليل من ~~أهلها لما قد أصاب الناس في أيام يحيى بن عمر -عليه السلام-، فوجه إليه ~~المهتدي الشاة بن ميكائل في عسكر ضخم، وذلك قبل خروج علوي البصرة. # حكى علي بن سليمان الكوفي قال:كنا مع علي بن زيد ونحن زهاء مأتي فارس ~~نازلين ناحية من سواد الكوفة، وقد بلغنا خبر الشاه بن ميكائيل فقال لنا علي ~~بن زيد: إن القوم لا يريدون غيري، فاذهبوا وأنتم في حل من بيعتي، فقلنا: لا ~~والله، لا نفعل هذا أبدا، فأقمنا معه، ووافى الشاه بن ميكائيل في جيش عظيم ~~لا يطاق؛ فداخلنا من الرعب أمر عظيم، فلما رأى ما لحقنا قال لنا: اثبتوا ~~وانظروا ما أصنع، فوقفنا ونضى سيفه، وقنع فرسه وحمل في وسطهم يضربهم يمينا ~~وشمالا وأفرجوا له حتى صار خلفهم، وعلا على تلعة، ولوح سيفه إلينا، ثم حمل ~~من خلفهم فأفرجوا له حتى عاد إلى موقفه ثم قال لنا: لا تجزعوا من مثل ~~هؤلاء، ثم حمل ثانية ففعل مثل ذلك، ثم عاد إلينا وحمل الثالثة، وحملنا معه، ~~فهزمناهم أقبح هزيمة، وقتلنا منهم ما شئنا وكانت هذه قصته -رحمه الله ~~تعالى-. PageV01P369 ### | [أخبار الحسن بن زيد(ع)] # ولابن زيد حديث شأنه عجب %~% مع جنود خراسان لمعتبر # المراد بابن زيد هذا هو: الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن ~~زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه[في الجنة] -، فإنه قام ~~ودعا بطبرستان. # قال الإمام ms176 المنصور بالله في (الشافي) فيما يرويه من أخباره: أنه لقي ~~عدوه في بعض حروبه فانهزم الناس عنه، فثبت في أهل بيته وأنفار من خواصه في ~~وجه عشرين ألف فارس من نجب رجال خراسان، فضاربهم بسيفه حتى تراد جيشه إليه، ~~فجاءوا والسيف في يده، وهو يقول: # أمن الوحدة يستو %~% حش من أدرك ثأره # أم بغير الصبر والنجدة %~% ينفي المرء عاره # قد محي بالسيف والإس %~% لام ما قال ابن داره # ولما كتب بعض كتابه عنه كتابا إلى بني العباس عرضه عليه، قال له: ألحق ما ~~أقول أبياتا أنشأها على البديهة: # لا ظلم في ديننا ولا أثرة %~% بالسيف نعلو جماجم الكفرة # يا قومنا بيعتان واحدة %~% هاتا وهاتاك بيعة الشجرة # ردوا علينا تراث والدنا %~% خاتمه والقضيب والحبرة # وبيت ذي العرش سلموه لنا %~% تليه منا عصابة طهرة # فطال ما دنست مناسكه %~% وأظهرت فيه فسقها الفجرة # قال المنصور: وأمر بعمارة المشهدين المقدسين مشهد علي، ومشهد الحسين- ~~عليهما السلام-، وأنفق عليه جملة كثيرة من المال، وكان يأمر إلى الحجاز، ~~والعراق كل سنة ألف ألف درهم، تفرق على ضعفة آل الرسول ورأيت في (البصائر ~~والذخائر) لأبي حيان التوحيدي ما لفظه: أن أبا عاصم، قال في الحسن بن زيد: PageV01P370 # له حق وليس عليه حق %~% ومهما قال فالحسن الجميل # وقد كان الرسول يرى حقوقا %~% عليه لغيره وهو الرسول # فطلبه فهرب منه، ثم لم يشعر به يوما إلا وهو بين يديه يقول: # سيأتي عذري الحسن بن زيد %~% وتشهد لي بصفين القبور # قبور لو بأحمد أوعلي %~% يكون مجيرها حفظ المجير # هما أبواك من يضعا تضعه %~% فأنت برفع من رفعا جدير # فاستحف الحسن كرمه إليه فقام وبسط رداءه وأجلسه عليه وأمنه. PageV01P371 ### | [ذكر دعوة الإمام محمد بن زيد] # ثم دعا بعده أخوه محمد بن زيد وكانت لهما وقعات مع جنود خراسان كما أشار ~~إليه السيد صارم الدين، وكان الناصر الأطروش قد قدم عليهما فأنصفاه وحضر ~~معهما في كثير من وقعاتهما، وله قصة مع محمد بن زيد ستأتي في ذكر الناصر ~~-عليه السلام-، وكان محمد هذا ms177 من أعيان العترة الكرماء، وأهل المعروف ~~العام، والمحافظة على صلة الأرحام، ففي كتاب (الفرج بعد الشدة) للقاضي ~~المحسن بن علي التنوخي ما لفظه: أن محمد بن زيد العلوي الداعي بطبرستان كان ~~إذا افتتح الخراج نظر ما في بيت المال من خراج السنة الماضية؛ فيصرفه في ~~قبائل قريش، وفي الأنصار، وفي الفقراء، وأهل القرآن، وسائر طبقات الناس، ~~حتى يفرغ جميع ما بقي، فجلس في سنة من السنين وفرق المال كما كان يفعل، ~~فلما بدأ ببني عبد مناف؛ قام إليه رجل فقال له: من أي بني عبد مناف أنت؟ # قال: من بني أمية. قال: من أيهم؟ فسكت، فقال: لعلك من ولد معاوية، فقال: نعم. # قال: من أي ولده؟ فأمسك، فقال: لعلك من ولد يزيد؟ PageV01P372 # قال: نعم. قال: بئس الاختيار اخترت لنفسك من قصدك بلدا ولايتها لآل أبي ~~طالب، وعندك ثأرهم في سيدهم، وقد كانت لك مندوحة بالشام والعراق إلى من ~~يتولى جدك، ويحب برك، فإن كنت جئت بجهل منك فما يكون بعد جهلك شيء، وإن كنت ~~جئت مستخفا بهم، فقد خاطرت بنفسك، قال: فنظر إليه العلويون نظرا شديدا، ~~فصاح بهم محمد: كفوا كأنكم تظنون أن في قتل هذا دركا وثأرا بالحسين بن علي ~~-عليهما السلام-، أي جرم لهذا!، إن الله قد حرم أن تطلب نفس بغير ما ~~اكتسبت، واسمعوا حديثا أخبركم به يكون قدوة لكم فيما تستأنفون. # حدثني أبي، عن أبيه، قال: عرض على المنصور سنة حج جوهر كان لهشام بن عبد ~~الملك، وهذا بغيته قد كان بلغه خبره عند محمد ابنه، وما بقي منهم أحد غيره، ~~ثم قال للربيع :إذا كان غدا وصليت بالناس في المسجد الحرام، وقد حصل الناس ~~فيه؛ فأغلق الأبواب كلها، ووكل بها ثقاتك من الشيعة وأقفلها، وافتح للناس ~~بابا واحدا، وقف عليه، ولا يخرج أحد إلا من قد عرفته. # فلما كان من الغد فعل الربيع ما أمره وتبين محمد بن هشام القصة، وعلم أنه ~~هو المطلوب، وأنه مأخوذ فتغير وتحير، وأقبل محمد بن زيد -عليه السلام- ودخل ~~المسجد ms178 فرآه متحيرا وهو لا يعرفه، فقال له : يا هذا، أراك متحيرا فمن أنت ~~ولك الأمان، وأنت في ذمتي حتى أخلصك؟ فقال: أنا محمد بن هشام بن عبد الملك، ~~فمن أنت؟ PageV01P373 # فقال: أنا محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي-عليهم السلام- فقال: فعند ~~الله أحتسب نفسي إذا، فقال: لا بأس عليك -يا ابن عم- فلست قاتل زيد، ولا في ~~قتلك إدراك ثأر، وأنا الآن بخلاصك أولى مني بإسلامك للقتل، ولكن تعذرني في ~~مكروه أتناوله منك، وقبيح أخاطبك به يكون فيه خلاصك، فقال: أنت وذاك، فطرح ~~ردأه على رأسه ووجهه، ولببه به وأقبل يجره فلما وقعت عين الربيع عليه لطمه ~~لطمات، وجاء إلى الربيع، وقال: إن هذا الخبيث جمال من أهل الكوفة أكرى مني ~~جماله ذاهبا وراجعا، وهرب مني في هذا الوقت، وأكرى بعض القواد الخراسانية، ~~ولي عليه بينة، فيضم إلي حرسيين يسيرانه معي إلى القاضي ويمنعان الخراساني ~~من فراره فصير إليه حرسيين، وقال: امضيا معه، فلما بعد عن المسجد قال: يا ~~خبيث، تؤدي إلي حقي؟ # فقال: نعم، يا ابن رسول الله، فقال للحرسيين: انصرفا؛ فانصرفا وأطلقه، ~~فقبل محمد بن هشام رأسه، وقال: بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله {الله أعلم ~~حيث يجعل رسالته }[الأنعام:126]، ثم أخرج جوهرا له قيمة، فدفعه إليه، وقال: ~~شرفني بقبوله، فقال: يا ابن عم، إنا أهل بيت لا نقبل على المعروف مكافأة، ~~وقد تركت لك أعظم من ذلك تركت لك دم زيد بن علي فانصرف راشدا ووار شخصك حتى ~~يخرج هذا الرجل فإنه مجد في طلبك. PageV01P374 # قال: فانصرف وتوارى، ثم أمر محمد بن زيد للأموي بمثل ما أمربه لسائر بني ~~عبد مناف، وضم إليه جماعة من مواليه، وأمرهم أن يخرجوا إلى الري، ويأتوه ~~بكتابه بسلامته، فقام الأموي فقبل رأسه ومضى معه القوم حتى أبلغوه مأمنه ~~فجاءوه بكتابه، ذكر هذه القصة في كتاب (الفرج بعد الشدة) عن أبي الفرج ~~الأصبهاني، عن أبي مسلم بن بحر قال: وكان أبو مسلم وزيرا للداعي محمد بن ~~زيد، قال أبو مسلم: ms179 وكنت مشاهدا للخبر، وسمعته من لفظ الداعي. انتهى. PageV01P375 # قال المنصور بالله في (الشافي): ومحمد هذا كان يضرب به المثل في عدله، ~~فيقال: عدل الداعي وهو الذي أجرى في خراسان رسوم العدل، ونفى رسوم الجور، ~~وأظهر معالم الدين، وعزت الزيدية في أيامه وأيام أخيه الحسن، وانتصف من ~~الأعداء، وقام سوق العدل والتوحيد، وانتفى الجبر والتشبيه، والمذاهب ~~الرديئة من القدر والإرجاء، وكان يحارب جيوش خراسان ويهزمهم، ويقتلهم في ~~أكثر تلك الوقائع، وكان يهم بسرير الملك في بغداد، فقصدوه بكل جهدهم، وقضهم ~~وقضيضهم فكان في بعض تلك الوقعات وقد انكسرت جنود خراسان، تفرق جند الداعي ~~وانتشروا للغنائم، فلما رأى زعيمهم انتشار الناس؛ نصب رايته على رأسه فثابت ~~إليه المنهزمة، وعطف على الناس في جيشه، فالتقاه محمد بن زيد في عدة يسيرة، ~~وثبت وقاتل حتى أصيب بجراحات كثيرة مثخنة، ولم يعرف، وقد أمر ابنه زيد بن ~~محمد فسئل عن أبيه؟ فقال: عهدته يقاتل، فمر به رجل من الجند وتحته فرس ~~أبيه، فقال: هذه فرس أبي، فسأل الجندي؟ فقال: وجدت عليه شيخا، جريحا لاحراك ~~به، فرميت به عنه، وأخذت الفرس، فجاءوا إلى موضعه فوجدوه وبه رمق، فمات،وهو ~~(بجرجان) ومشهده بها مشهور مزور. # قال في (البصائر والذخائر) لأبي حيان التوحيدي، ما لفظه: قال الكني في ~~قتل محمد بن زيد وآله: # آل زيد رماكم الد %~% هر فاجتث أصلكم # بدد القتل بالصو %~% ارم والسمرشملكم # لا أرى الذنب للذي %~% أحدث الآن قتلكم # بل أراه لمعشر %~% أسسوا ذاك قبلكم # وذكر المنصور بالله -عليه السلام- في (الشافي) فيه، وفي أخيه مراثي كثيرة ~~للناصر، وغيره. PageV01P376 ### | [الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين - عليه السلام -]. ... # وفي إمام الهدى الهادي المتوج بالعل %~% لياء أكرم داع من بني مضر # من خص بالجفر من أبناء فاطمة %~% وذي الفقار ومن أروى ظما الفقر # وصاحب المذهب المذكورفي اليمن المش %~% هور من غير لا إفك ولا نكر # سارت بمذهبه الركبان واستلمت %~% بقبره الناس مثل الحجر والحجر # وفي ابن فضل ومن لبى لدعوته %~% وفي مسودة تدعو إلى سقر # فضيت بتسع مع ms180 تسعين معركة %~% غر كبدر وأوطاس وكالنهر # قضى بها نحبه صيد غطارفة %~% مضوا وأشياع صدق من بني الطبري # سائل شباما وصنعاء وصعدة مع %~% نجران عنه وسفح القاع من عصر # وسل بني يعفر عنه وكندتهم %~% وغلب همدان والأخلاف من مضر # تخبرك عن ضربات منه قاطعة %~% قدت دروعا وأردت كل ذي صعر # اعلم أن الكلام في ذكر الهادي -عليه السلام- يقع في فصول: PageV01P377 ### || الأول منها في ذكر نسبه # فهو: أبو الحسن الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن رسول الله ، ~~نسب تتضاءل عنه النجوم الدراري، ويقصر عن إدراك مداه كل مجاري، وما ظنك ~~بنسب يتردد بين النبي والوصي، محمد وعلي، وهما خيرتا الملك العلي، وهذا ~~النسب القصير الممدوح عند فصحاء العرب وعلماء الأدب. # قال المعري أبو العلاء يرثي الشريف أبا أحمد الموسوي وهو والد المرتضى ~~والرضي: # أنتم ذوو النسب القصير فطولكم %~% باد على الكبراء والأشراف # والراح إن قيل ابنة العنب اكتفت %~% بأب عن الأسماء والأوصاف # قالوا: أراد بهذا ما حكاه الفرزدق قال: خرجت من البصرة أريد العمرة فرأيت ~~عسكرا في البرية، فقيل لي: هذا عسكر الحسين بن علي -عليهما السلام-. # قال فقلت: لأقضين حق رسول الله فيه، فأتيته فسلمت عليه، فقال لي: من ~~الرجل؟ فقلت: الفرزدق بن غالب. فقال: هذا نسب قصير. فقلت: أنت أقصر مني ~~نسبا، أنت ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انتهى. # وأم الهادي -عليه السلام- أم الحسن، وقيل: فاطمة بنت الحسن بن محمد بن ~~سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن -عليهم السلام-، ولد بالمدينة سنة خمس ~~وأربعين ومائتين، وحمل حين ولد إلى جده القاسم -عليه السلام-، فوضعه في ~~حجره المبارك، وعوذه ودعا له، ثم قال لابنه: ما سميته؟ قال: يحيى. وقد كان ~~للحسين أخ لأبيه وأمه يسمى يحيى توفي قبل ذلك، فبكى القاسم -عليه السلام- ~~حين ذكره، فقال: والله هو يحيى صاحب اليمن. PageV01P378 ### || فصل: فيما ورد فيه من الآثار # قالوا: وإنما قال القاسم ذلك لأخبار رويت بذكره وظهوره باليمن، وكان بين ~~ولادة الهادي وموت جدهالقاسم سنة ms181 واحدة، فالهادي هو الذي فقأ عين الضلال ~~وأجرى معين العلم السلسال، وهو المبشر به قبل وجوده فيما رواه آباؤه عن ~~جدوده، أن النبي قال:((يخرج في هذا النهج -وأشار بيده إلى اليمن- رجل من ~~ولدي اسمه يحيى الهادي، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، يحي به الله الحق ~~ويميت به الباطل)). # وعن علي -عليه السلام- أنه قال: (يا أيها الناس، سلوني قبل أن تفقدوني، ~~أيها الناس أنا أحلم الناس صغارا، وأعلمهم كبارا، أيها الناس، إن الله ~~تعالى بنا فتح، وبنا ختم. أيها الناس، ما تمر فتنة إلا وأنا أعرف سائقها ~~وناعقها، ثم ذكر فتنة بين الثمانين ومائتين، قال: فيخرج رجل من عترتي اسمه ~~اسم نبي، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، يميز بين الحق والباطل، ويؤلف ~~الله بين قلوب المؤمنين على يديه كما تتألف قزع الخريف، انتظروه في الأربع ~~والثمانين ومائتين في أول سنة واردة وأخرى صادرة). # قال علماؤنا : ومن نظر في الأمور علم أنه -عليه السلام- المراد بالخبر؛ ~~لأن مصنف سيرته حكى أن وصوله إلى صعدة كان في المرة الأخيرة التي استقر ~~فيها في الجهات لستة أيام ماضية من شهر صفر سنة أربع وثمانين وهذه الإشارة ~~من قول علي -عليه السلام- مما يروى أنه مذكور في كتاب (الجفر) وهوكتاب ~~مشهور في ألسنة آل الرسول، لا يكاد يظفر به منهم إلا أهل الوصول. PageV01P379 ### || فصل: في ذكر الجفر وذي الفقار # مما وجد بخط الفقيه الأفضل محمد بن ناجي الحملاني -رحمه الله تعالى- ما ~~لفظه في وصية علي -عليه السلام- أن سيفه يدفع إلى قائم حق، وربما أنه تنقل ~~حتى وقع في يد المطهر بن يحيى قال: وقيل: إن ذا الفقار وختمه بخط علي عليه ~~السلام صار إلى بعض آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من مطهر بن محمد بن ~~المطهر بن يحيى انتهى. # ويقال: إن الهادي -عليه السلام- خرج إلى اليمن بثلاثة أشياء: كتاب الجفر، ~~وذي الفقار، والهيكل، وهذه الثلاثة لم تجتمع لغيره من الأئمة. # قلت: وقد ذكر ابن خلكان، أن محمد بن تومرت الهرغي -بفتح الهاء وسكون ~~الراء ms182 وبعدها غين معجمة- نسبة إلى هرغة قبيلة في أقصى الغرب تنسب إلى ~~الحسين بن علي -عليه السلام- يقال: إنها نزلت بذلك المكان عندما فتح ~~المسلمون البلاد على يد موسى بن نصير. PageV01P380 # قال: وكان محمد بن تومرت هذا قد اطلع على كتاب يسمى (الجفر) وأنه رأى فيه ~~صفة رجل يظهر بالمغرب الأقصى بمكان يسمى السوس، والرجل من ذرية رسول الله ~~يدعو إليه يكون مقامه بموضع من المغرب يسمى اسم هجاء حروفه ت، ي، ن، م، ل ~~ورأى في ذلك الكتاب أن استقامة ذلك الأمر واستيلاءه وتمكنه يكون على يد رجل ~~من أصحابه هجاء اسمه ع، ب، د، م، و، م، ن وتجاوز في وقته المائة الخامسة ~~للهجرة، فأوقع الله في نفسه أنه القائم بأولي الأمر، وأن أوانه قد أزف، فما ~~كان محمد يمر بموضع إلا سأل عنه، ولا يرى أحدا إلا أخذ اسمه، وتفقد حليته، ~~وكانت حلية عبد المؤمن معه فلما وافقه على هذه الصفة صحبه، واستوليا على ~~أكثر المغرب، وبقية السيرة مذكورة في تأريخ ابن خلكان. # قال: وقد كان ابن تومرت في ابتداء أمره قد وصل إلى المشرق طالبا للعلم، ~~فوافق الغزالي وغيره في العراق وأخذ منهم. # قال: وكان أول ظهوره ودعائه إلى الأمر سنة أربع عشرة وخمسمائة، وكان رجلا ~~ربعة، قضيفا أسمر، عظيم الهامة، حديد النظر. # قال صاحب كتاب (المغرب في أخبار أهل المغرب) في حقه شعرا: # آثاره تنبيك عن أخباره %~% حتى كأنك بالعيان تراه # قدم في الثرى وهمة في الثريا، ومهجه ترى إراقة ماء الحياة دون إراقة ماء ~~المحيا، أغفل المرء يطول حله وربطه حتى دب دبيب الفلق في الغسق، وترك في ~~الدماء دويا، وأنشأ دولة لو شاهدها أبو مسلم لما كان لعزمه غير مسلم، وكان ~~قوته من غزل أخته رغيفا في كل يوم بقليل سمن أو زيت، ولم ينتقل عن هذا حين ~~كثرت عليه الدنيا. PageV01P381 # ورأى أصحابه يوما وقد مالت نفوسهم إلى كثرة ما غنموه فأمر بضم جميعه ~~وأحرقه، وقال: من كان يسعى إلى الدنيا فليس له عندي إلا ms183 ما رأى، ومن كان ~~يسعى للآخرة فجزاؤه عند الله، وكان على خمول زيه وبسط وجهه مهيبا منيع ~~الحجاب إلا عند مظلمة، وله رجل مختص بخدمته والإذن عليه، وكان له شعر جيد فمنه: # أخذت بأعضادهم إذ نأوا %~% وخلفك القوم إذ ودعوا # فكم أنت تنهى ولا تنتهي %~% وتسمع وعظا ولاتسمع # فيا حجر الشحذة حتى متى %~% تسن الحديد فلا يقطع # وكان أكثر ما ينشد: # تجرد من الدنيا فإنك إنما %~% خرجت إلى الدنيا وأنت مجرد # وكان يتمثل أيضا بقول المتنبي: # إذا غامرت في أمر مروم %~% فلا تقنع بما دون النجوم # فطعم الموت في أمر حقير %~% كطعم الموت في أمر عظيم # وبقوله أيضا: # ومن عرف الأيام معرفتي بها %~% وبالناس روى رمحه غير راحم # فليس بمرحوم إذا ظفروا به %~% ولا في الردى الجاري عليهم بآثم # [وبقوله أيضا] : # وما أنا منهم بالعيش فيهم %~% ولكن معدن الذهب الرغام # قلت: وإنما استطردت ذكر ابن تومرت لسبب ذكر كتاب (الجفر) ولأن شأنه كان ~~إحياء معالم الدين كما كان ذلك شأن يحيى بن الحسين -عليه السلام- ولله ~~القائل: # تعرض مختارا وما كان ذاكرا %~% لعهد اللوى والشيء بالشيء يذكر # [و] قال ابن خلكان، في ترجمة يزيد بن مزيد الشيباني : إن هارون أعطاه ذا ~~الفقار يوم وجه لحرب الوليد بن ظريف الشيباني الخارجي وقال له: هذا ذو ~~القفار سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خذه، فإنك ستنصر على عدوك، ~~فأخذه فنصر، فقال مسلم بن الوليد: # أذكرت سيف رسول الله سنته %~% وبأس أول من صلى ومن صاما PageV01P382 يعني عليا -عليه السلام-، قيل: إنه أخذه يوم بدر من نبيه بن الحجاج لما ~~قتله، وكان له، وقيل: أعطاه إياه رسول الله ، وسبب مصيره إلى هارون أن ~~النفس الزكية -عليه السلام -لما علم أنه مقتول يوم خرج عليه بنو العباس إلى ~~المدينة، وكان عليه أربعمائة دينار لتاجر، فلما أحس بالموت قال للتاجر: خذ ~~هذا فإنك لا تلقى طالبيا إلا أخذه بحقك، فأخذه منه جعفر بن سليمان بن علي ~~بن عبد الله بن العباس وأعطاه الدنانير، ثم ms184 صار إلى المهدي، ثم إلى الهادي، ~~ثم إلى هارون. # قال الأصمعي: قال لي هارون: ألا أريك ذا الفقار؟ قلت: بلى، قال استله ~~وكان متقلدا به فرأيت [فيه] ثماني عشرة فقرة. انتهى. # وقال في (محاسن الأزهار): بعد أن روى أنه سمع ملك يوم بدر ينادي من ~~السماء، وقيل: هو يوم أحد: # لا سيف إلا ذو الفقا %~% ر ولا فتى إلا علي # اختلفوا في ذي الفقار، فقال بعضهم: إنه سعف نخل نفث فيه رسول الله فصار ~~سيفا، وقيل: هو من صنم كان باليمن فأهدي لرسول الله ، وقيل:إنه نزل من ~~السماء نزل به جبريل -عليه السلام- وفيه نزل:{وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ~~}[الحديد:25] الآية. # وقيل: إنه من الغنائم يوم بدر، وكان للعاص بن أمية بن الحجاج فأعطاه إياه ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكان معه إلى أن توفي ثم صار إلى الحسن، ~~ثم إلى الحسين، ثم إلى زيد بن علي. # وروي أنه صار بعد ذلك إلى الهادي يحيى بن الحسين- عليه السلام-، وفيه ~~يقول: الخيل تشهد لي... الأبيات الآتية. PageV01P383 # قلت: وهذه خاصية عظيمة في الهادي -عليه السلام-، فإنه أشبه أمير المؤمنين ~~[عليا -عليه السلام-] في علمه، وشجاعته، [وسخائه] وورعه وغير ذلك من خصاله ~~المحمودة، ومقاماته المشهودة ثم في كثرة نسله، فإن ذرية الهادي -عليه ~~السلام- كادت أن تملأ الأرض طولها والعرض[103]. PageV01P384 ### || فصل: في ذكر علمه ومذهبه -عليه لسلام- # قال علماؤنا : إن الشرور قد [كانت] عظمت بين أهل صعد ة على كثرتهم وقوتهم ~~في ذلك الأوان، واشتجر القتل بينهم، فلما وصل إليهم، وعظهم وذكرهم، وانتظم ~~الصلح بينهم في الحال بعد أن كان قائد آل يعفر وصل إلى ناحيتهم يريد الصلح ~~بينهم فما ساعدوه إلى ذلك، بل كانوا يقتتلون وهو واقف في ناحيتهم، فقتل ~~عشرون قتيلا، فلما أصلح بينهم الهادي -عليه السلام- قبلوا الصلح في الحال ~~ببركته، وامتلأ اليمن ببركته وعدله عدلا بعد أن كان فيه في الوقت الذي ~~وافاه من القبائح ما تعظم فيه الحال من مذهب القرامطة، والجبرية [وسائر ~~الأفعال] الرديئة الرذلة فطار مذهبه وفقهه في ms185 الآفاق، حتى صارت أقواله في ~~أقصى بلاد العجم يأنسون بها أكثر من أنس أهل اليمن بها وعليها يعتمدون، ~~وبها يفتون ويقضون. PageV01P385 # وروى ولده المرتضى أنه -عليه السلام-، بلغ من العلم مبلغا يختار ويصنف وله ~~سبع عشرة سنة، ومصنفاته مشهورة في كل فن مثل كتاب (الأحكام) و(المنتخب) ~~و(الفنون) وكتاب (المسائل) وكتاب (محمد بن سعيد) وكتاب (الرضاع) وكتاب ~~(المزراعة) وكتاب (أمهات الأولاد) وكتاب (الولاء) وكتاب (القياس) وفي ~~التوحيد كتب جليلة القدر، نحو كتاب (التوحيد) وكتاب (المسترشد) وكتاب (الرد ~~على أهل الزيغ) وكتاب (الإرادة والمشيئة) وكتاب (الرد على ابن الحنفية في ~~الكلام على الجبرية) وكتاب (بوار القرامطة) وكتاب (أصول الدين) وكتاب ~~(الإمامة) و(إثبات النبوة والوصية) وكتاب (الرد على الإمامية) وكتاب ~~(البالغ المدرك) وهو قطعة لطيفة فيها كلامه كأنه الروض ملاحة، والسحر لطافة ~~ورقة وكتاب (تفسير خطايا الأنبياء -عليهم السلام-) وكتاب (الرد على ابن ~~جرير) وكتاب (تفسير ستة أجزاء) و(معاني القرآن) سبعة أجزاء، وكتاب ~~(الفوائد) جزءان، وكتب سوى ذلك كثيرة ما يقرب من عشرين كتابا. # قال الفقيه حميد: وهي ظاهرة قال: وله الحكايات العجيبة في هذا المعنى. # قال الإمام المنصور: إنه لما افتتح صنعاء وافق علماء المجبرة فأرادوا ~~مراجعته، فقالوا: ما تقول يا سيدنا في المعاصي؟ فقال: ومن العاصي؟ فبقوا ~~متحيرين في الفكر إن قالوا: العاصي الباري كفروا، وإن قالوا: العاصي [من] ~~المخلوقين وافقوا كلام الهادي -عليه السلام-، فلما لم يجدوا جوابا دخلوا في ~~مذهبه المنور بتسعة أحرف حكى ذلك في (أنوار اليقين). PageV01P386 # وروى السيد أبو طالب عن علي بن العباس الحسني : أنه سمع أبا بكر بن يعقوب ~~عالم أهل الري وحافظهم حين ورد عليه اليمن، يقول : قد ضل فكري في هذا الرجل ~~يعني الهادي فإني كنت لا أعترف لأحد بمثل حفظي لأصول أصحابنا، وأنا الآن ~~إلى جنبه جذع بينا [أنا] أجاريه في الفقه وأحكي عن أصحابنا قولا، فيقول : ~~ليس هذا -يا أبا بكر- قولكم، فأرادده فيخرج إلي المسألة من كتبنا على ما ~~حكى وادعى، فقد صرت إذا ادعى شيئا عنا أو عن غيرنا لا ms186 أطلب منه أثرا إلى ~~غير ذلك من شهرة علمه ومذهبه، -عليه السلام-. PageV01P387 ### || فصل: في ذكر زهده وورعه # كان -عليه السلام- في الورع، والزهد، والعبادة إلى حد تقصر العبارة ~~دونه،وظهور ذلك يغني عن تكلف بيانه، إلا أنا نحكي قليلا من كثير، فنوء ~~الماطر يشير إلى الغيث الغزير. # روى مصنف سيرته عن من سمعه يقول: والله الذي لا إله إلاهو ما أكلت مما ~~جبيت من اليمن شيئا، ولا شربت منه الماء، وروى عن من سمعه يقول : إلا من ~~شيء جئت به من الحجاز وهذا ورع شحيح؛ لأنه تعفف عن الحلال إذ كان يحوز له ~~أن يتناول من الجزية وأخماس الغنائم. # وروي عن ابنه محمد قال: وجهت غلاما لي إلى [أبي] يحيى بن الحسين أطلب منه ~~قرطاسا أكتب فيه كتابا، فقال يحيى: القرطاس لا يحل له، فدفع إلى الغلام ~~ورقة قطن. # وروي أيضا، عن بعضهم أنه -عليه السلام- قال له: اشتر لي قرطاسا على حدة ~~مما يحل لي الكتب فيه، فاشترى له. # وروى مصنف سيرته، عن عبيد الله بن حبيب وكان يقوم للهادي بأمره قال: قال ~~لي يحيى بن الحسين -عليه السلام-: اشتر لي تبنا أعلفه دوابي، قال: فقلت له: ~~ليس نجد إلا تبن الأعشار، فقال: لا تشتر لنا منه شيئا وأنت تقدر على غيره. PageV01P388 # قال عبيد الله: فلم أجد غيره، فأمرت بعض الغلمان ممن يقوم على الخيل يأخذ ~~منه كيلا معروفا حتى نشتري ونرد ما أخذنا، فعلم يحيى بن الحسين، فوجه إلى ~~عبيد الله فكلمه بكلام غليظ، فقال [له] عبيد الله: أنا آخذ منه كيلا معروفا ~~حتى نرد مكانه، فقال: لست أريد منه شيئا، مالنا وللعشر خذوا هذا التبن، ~~فاعزلوه حتى يعلفه من يحل له، ولم يعلف منه خيله تلك الليلة شيئا، وأمر أن ~~يطرح للخيل قصب بلا تبن ليلتين، ثم قال: اللهم، إني أشهدك أني قد أخرجت هذا ~~من عنقي، وجعلته في أعناقهم. # وروي أنه صاح بغلام له، فسأله عن خرقة؟ فقال له الغلام: قد رقعتها فقال ~~للغلام: أخرجها إلي، فأخرجها من بين ms187 ثياب يحيى بن الحسين -عليه السلام-، ~~وقال له: ويلك!! أنت قليل دين تضع خرقة من الأعشار بين ثيابي! ودخل يوما ~~وقد تطهر للصلاة، فأخذ خرقة فمسح بها وجهه، ثم قال: إنا لله وإنا إليه ~~راجعون هذه الخرقة من العشر، فذكرت له ذلك، فقال: ما يحل لنا أن نمسح به ~~وجوهنا، ولا أن نستظل به من الشمس وكان صواما قواما، يصوم أكثر أيامه، ~~ويحيى أكثر لياليه تهجدا وصلاة. PageV01P389 # روى السيد أبو طالب، عن سليم، وكان يخدم الهادي في داره قال: كنت أتبعه ~~-حين يأخذ الناس فرشهم- في أكثر الليالي بالمصباح إلى بيت صغير في داره كان ~~يأوي إليه، فإذا دخله صرفني فأنصرف، فهجس [ليلة بقلبي أني] أحتبس [على باب ~~البيت] أنظر ما يصنع، قال: فسهر -عليه السلام- ركوعا وسجودا وكنت أسمع وقع ~~دموعه ونشيجا في حلقه، فلما كان الصبح قمت، فسمع حسي، فقال: من هذا؟ فقلت: ~~أنا، فقال: سليم، ما عجل بك في غير حينك؟ # قلت : ما برحت البارحة جعلت فداك، قال: فرأيته اشتد عليه ذلك، وحرج علي ~~[على] أن لا أحدث به في حياته أحدا، فما حدث به سليم إلا بعد وفاة الهادي ~~-عليه السلام-. PageV01P390 ### || فصل: في ذكر بعض خصائصه -عليه السلام- # كان له خصائص وكرامات تكشف عن علو منزلته عند الله تعالى، فمن ذلك ما ~~رواه مصنف سيرته [-عليه السلام-] عن بعضهم قال: كان لي ابن صغير لم يتكلم، ~~وطلبت الدواء له بكل حيلة فأعياني، فعزمت على حمله إلى مكة، فكنت على ذلك ~~إذ أتى كتاب الهادي، فأخذنا خاتمه، فوضعناه [في ماء] فسقيناه الصبي فأفصح ~~بالكلام، فحدث بذلك الناس، وشاهدوا الغلام وهو يتكلم، وقد كان شاهده بعضهم ~~قبل ذلك وهو لا يتكلم. # قلت[و] أنا: وقد جرى لي قصة وقد مرض ولدي فتوسلت بالهادي -عليه السلام- ~~فعوفي، وسأذكرها قريبا فإنها من مشبهات المعجزات، وليس الخبر كالعيان. # وروى مصنف سيرته عن بعضهم، قال: سمعت رجلا يقع في الهادي، وينتقصه في ~~أصله، فما مكث[إلا] أياما حتى أخذه الله ببلاء، فانقطعت رجله قبل أن يموت، ~~ثم مات ms188 بعد ذلك. # قال: وسمعت أيضا أن امرأة تكلمت بكلام سوء، فقامت سحرا فأخذتها النار ~~فاحترقت. # وروي أيضا : أنه كان بنجران فأتي بصبي قد ذهب بصره بجدري فأمر يده على ~~بصره ودعا له؛ فأبصر الصبي. # وروي أيضا أنه -عليه السلام- كان في أرض لا ظلال بها ولا شجر، وكان يوما ~~شديد الحر، كثير السموم، فأنشأ الله سبحانه سحابة فركدت فوق رأس الهادي ~~-عليه السلام- وأصحابه فأظلهم الله بها في ذلك اليوم وما زالت مظلة حتى راح ~~وكانت السماء مصحية ما فيها سحابة غيرها، فتعجب الناس مما رأوا. PageV01P391 # وروي أيضا: أن رجلا من بني ربيعة كان يكثر الرمي لأصحاب الهادي في يوم ~~ميناس فدعا عليه أن الله[تعالى] يقطع يده ؛ فتناصلت أصابعه إلى الرسغين ~~فمات مما نزل به. PageV01P392 ### || فصل في حسن أخلاقه وطيب نفسه # فإنه -عليه السلام- كان حسن الفكاهة، طيب العشرة من صغره إلى كبره، لأنه ~~لا نزق بغيض، ولا فظ غليظ، كان في حال صباه يدخل السوق، فيقول: ما طعامكم ~~[هذا] ؟ فيقولون: حنطة؛ فيدخل يده في الوعاء، فيأخذ منه في كفه ويطحنه ~~بيده، ثم يخرجه فيقول: هذا دقيق، وكان يأخذ الدينار فيؤثر في سكته بأصبعه ~~ويمحوها، وكان على رجل له حق قبل قيامه فامتنع عليه، فأهوى إلى عمود حديد ~~فلواه في عنقه، ثم سواه وأخرج عنقه منه. # قالوا : وكان وهو غلام صغير بالمدينة وكان طبيب نصراني يختلف إلى أبيه ~~الحسين على حمار له يعالجه من مرض أصابه، فنزل عن الحمار يوما وتركه على ~~الباب، فأخذ يحيى الحمار وأصعده[إلى] السطح، فلما خرج الطبيب لم يجد ~~الحمار، فقيل له: صعد به يحيى السطح، فسأله أن ينزله- فمن المثل السائر: ~~إنما ينزل الحمار من صعد به-، فأنزله وقد دميت بنانه، فبلغ ذلك أباه فزجره، ~~لأنه خاف عليه أن ترميه العيون. # قالوا : وكان قويا يأخذ قوائم البعير المسن القوي، فلا يقدر البعير على ~~النهوض، وكان يضرب بسيفه عنق البعير البازل الغليظ، فيبينه عن جسده. PageV01P393 ### || فصل: في شجاعته -عليه السلام- # اعلم أن شجاعته أشهر من أن تذكر في هذا المختصر، وأكثر ms189 من أن تصدر في ~~دفتر وتحرر، فإنه كان إذا التقت الأبطال، وتداعت نزال، ألفيته القطب التي ~~يدور عليها رحى القتال، وكم له من يوم أغر عاود فيه الكر، واستحيا من الفر، ~~إذا حمي الوطيس كان أمام جنوده يضرب كبش الكتيبة، ويشاهد له كل حملة عجيبة. # ولقد صدق -عليه السلام- حيث يقول: # أنا ابن رسول الله وابن وصيه %~% ومن ليس يحصى فضله ووقائعه # وقدما ليوث الحرب فاقدت بينها %~% بطعن وضرب ما تغب وعاوعه # وكان -عليه السلام- يضرب ضرب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -عليه ~~السلام-، ففي الرواية : أنه ضرب رجلا في باب ميناس فحذف السيف من بين ~~رجليه، فلما نظر إليه ابن حميد قال: استروا ضربة هذا العلوي، فوالله لئن ~~رآها الناس لا تناصروا قلت: وهو الذي أشار إليه السيد بقوله: # نخبرك عن ضربات منه %~% (البيت) # وفي الرواية: أنه أوقع -عليه السلام- بالباطنية نيفا وسبعين وقعة حضر ~~فيها القتال بنفسه. # وقد أشار إلى ذلك السيد صارم الدين، وفي الهادي -عليه السلام- يقول ~~الشاعر الخيواني : # لو كان سيفك قبل سجدة آدم %~% قد كان جرد ما عصى إبليس PageV01P394 وطعن -عليه السلام- رجلا فأمرقه، وانكسر الرمح، وبرز له رجل ذات يوم في بعض ~~حروبه، فرفع الرجل يده بالسيف ليضربه، فأهوى عليه بيده فقبض بها على يد ~~الرجل على مقبض السيف، فهشم أصابعه، ولما هزم جيشه يوم إتوة بأسباب خيانة ~~من بعض من كان معه بقي في آخر الناس فلحقته فرسانهم، فكان من عرفه قل طمعه ~~فيه، فجعلوا يطعنونه، وهو ينحي الرماح بسوطه، قال بعض أصحابه: يا سيدي، سل ~~سيفك، فقال: ما كنت لأسله إلا أن أضرب به، فعاجله رجل برمحه، فلما ثبت فيه ~~ثنى يده وكسر السنان، ورمى به في وجه الرجل. # وروى مصنف سيرته: أنه كان في بعض أيامه مع بني الحارث، وانتقوا من خيلهم ~~ما يدنو من أربعين فارسا مدججة في السلاح، وأمروهم أن لا يقاتلوا ويقفوا، ~~حتى إذا رأوا الهادي -عليه السلام- حملوا عليه، فبلغ الهادي خبرهم فلم يعبأ ~~بهم، ولما رآهم قصدهم بنفسه، وحمل عليهم ms190 فما وقف له منهم فارس واحد، وأدرك ~~منهم فارسا فطعنه، وألقاه هو وفرسه في أراكة، وانهزم القوم وعطف عسكره، ~~وقتل من القوم بيده جماعة كثيرة لم يثبت عددها هو ولا غيره، غير أنه كسر ~~ثلاثة رماح، وضرب بسيفه حتى امتلأ قائم سيفه علقا، ولصقت أنامله على قائم ~~سيفه بالدم، وفي ذلك يقول -عليه السلام- من قصيدة: # طرقت لعمرك زاهر مولاها # وستأتي في فصل شعره، وفي أخباره أنه انهزم عنه أصحابه في ريدة، فثبت في ~~وجه عدوه في عدة يسيرة حتى عاد أصحابه، فقتلوا من القوم مقتلة عظيمة. # وقال في ذلك اليوم: # الخيل تشهد لي وكل مثقف %~% بالصبر والإبلاء والإقدام PageV01P395 وستأتي وفي الحكاية أنه لما بايعه أبو العتاهية واستقر في صنعاء كره ~~الخواتيم وغيرهم دخوله صنعاء، واصطفوا قدام داره وهو في مجلس مشرف عليهم، ~~فأتاه أبو العتاهية فقال: يا ابن رسول الله، لا تعجل فإني أرجو أن يؤول ~~الأمر إلى المحبوب، فقال له: أنفذ إليهم فاصرفهم عن موضعهم، فوالله لئن ~~برزت إليهم لأنظمهم في رمحي كما تنظم الجراد في العود، وخرج أبو العتاهية ~~إليهم فناشدهم الله، فلم يقبلوا ورموه بالحجارة والنبل، فاجتمع منهم من ~~الغوغاء وأهل الباطل عشرة آلاف راجل وستمائة فارس ثم وقع القتال بالقرب من ~~دار الهادي -عليه السلام- وجعلوا يرمون كوى في مجلس الهادي بالنشاب، ~~والحجارة فأتى أبو العتاهية إلى الهادي، وقال : اركب جعلت فداك، فركب وأمر ~~ابنه المرتضى فركب، وكذلك أصحابه وخرجوا من داره فلما عاينهم القوم وقد ~~كانوا هزموا أصحابه حتى أدخلوهم الدار، ثم رجعوا إلى موضعهم فحمل عليهم ~~الهادي- عليه السلام- وحده ومعه رجل من أصحابه، فلما قارب القوم وقف عنه ~~صاحبه، ومضى الهادي فطعن أول من لقيه من القوم فقتله، ثم طعن آخر ثم آخر ~~حتى طعن منهم ثلاثة من خيارهم، ثم لحق الخيل فطعن فارسا منهم فطرحه، وكان ~~طعنه لهؤلاء القوم في حملته التي حمل عليهم، فصدق قوله، فنظمهم في رمحه كما وعدهم. # قال الراوي: فسمعته يقول بعد ذلك: ما ندمت على شيء قلته إلا قولي لأبي ms191 ~~العتاهية (إن خرجت إلى هؤلاء الكلاب نظمتهم....) الخبر. PageV01P396 # وفي آخره: وقد آليت أن لا أتكلم بمثل ذلك أبدا، فانهزم الخصوم حتى خرجوا من ~~صنعاء وهو في آثارهم يطردهم، وقتل عسكره منهم جماعة في الجبانة. # وفي الرواية أنه كان -عليه السلام- قد بعث عاملا له إلى برط، فمنعه بعض ~~أهلها من صلاة الجمعة، فخرج الهادي إلى برط فدخله، وليس له إلا ثلاث طرق ~~وأهله دهمه فوقف العسكر في مكان وتقدم في ثمانية فوارس وستة وعشرين راجلا، ~~فقال للقوم: بيننا وبينكم كتاب الله، فإن لم تطيعوا فخلوا بيننا وبين ~~الماء، فأبوا ورموهم ؛ فحمل عليهم، وقتل ثلاثة، وأسر جماعة، وانهزم القوم، ~~فسلبهم العسكر وهموا بقتلهم، فصاح: من قتل قتيلا فهو به، فسئل عن ذلك؟ ~~فقال: ليس لهم فئة أي أمير، فطلب القوم الأمان والبيعة، فقبل منهم، وجمع ~~عسكره، وقال: السلب لكم حلال، لكن هبوه لي أتألفهم به، وأرجو أن أعوضكم به ~~ففعلوا، وأقام ثلاثا لم ينزل على أحد حتى أكلت خيل عسكره العوسج، حتى أن ~~جملا لبعض عسكره دخل زرع رجل، فقال: لأخبرن الهادي، فقال صاحبه: ليس لي، ~~فأخذه وذهب، فناداه الرجل: خذ جملك ثم رجع إلى صعدة، فحاربه الأكيليون وبنو ~~كليب والمهاذر، والعويرات، والبحريون، وكذا بعض بني جماعة، وانحازوا إلى ~~حصنين بعلاف والثور فأمر بهدم منازل الأكيليين، وقطع أعنابهم، فصرخ ابن ~~عباد بالربيعة فتحصنوا بالحصنين، ثم خرج بعد أيام إلى فروة وقطع أعناب ~~الأكيليين، ثم خرج إلى علاف فهربوا عنه وتحصنوا بموضع يقال له: أفقين ثم ~~قاتلهم بعد أيام وأمر برؤوس القتلى، ثم علم بدواب للمهاذر بأفقين فأمر ~~بالغارة عليها، فأخذت فخمسها، ثم قسمت فاستأمن PageV01P397 المهاذر، فرد عليهم الخمس، ثم قصدهم مرة أخرى، فقيل له: إنهم بمكان لا قتال ~~فيه، فقال للطبريين: هبوا لي أنفسكم ساعة فانعموا، فقيل له: إنك تحمل ~~أصحابك على الهلكة، قال : سوف نسركم بعد قليل إن شاء الله تعالى، فطلع ~~عليهم الجبل هو والطبريون، فهزموهم إلى حصن النميص فلما نظر الأكيليون ~~الأمر خرجوا من علاف ونزل عليهم إلى بطن ms192 وادي علاف فأمر بهدم قرية النميص ~~فحرقت، ونهبت، وقطعت الأعناب، وأمر بني كليب بإخراج الأكيليين، وكانوا في ~~جبل يسمى العدنة ثم حلف له الأكيليون على الحق، وأن لا يتركوا كليبا في بلدهم. # ومن فرط شجاعته -عليه السلام-: أنه قال لأصحابه -في بعض أيام حربه لعلي ~~بن فضل القرمطي- قد لزمنا الفرض في قتال هذا الرجل، فجبن أصاحبه عن قتالهم ~~واعتذروا بقلة عددهم، وكثرة عدد أولئك، وكان المقاتلة من أصحابه ألف رجل، ~~فقال: أنتم ألف، وأنا أقوم مقام ألف، وأكفي كفايتهم، فقال له أبو العشائر ~~من أصحابه -وكان يقاتل راجلا-: ما في الرجال أشجع مني، ولا في الفرسان أشجع ~~منك، فانتخب من الجميع ثلاثمائة وسلحهم سلاح الباقي حتى نبيتهم، فإنا لا ~~نفي بهم إلا هكذا، فاستصوب رأيه، فأوقعوا بهم ليلا وهم ينادون بشعاره -عليه ~~السلام- {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز }[الحج:40] ومنحوه ~~أكتافهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وغنم منهم شيئا كثيرا. # وله -عليه السلام-: ليلة تشبه ليلة الهرير لأمير المؤمنين علي -عليه ~~السلام- في وادي المعمة. PageV01P398 # روي أنه قتل فيها بنفسه مائة قتيل، وقتل ولده المرتضى ما يدنو من ذلك، وقد ~~كان معه جماعة من الطبريين خرجوا معه من طبرستان، ومنهم فضلاء وعلماء، ~~وشهداء، ولهم معه جهاد عظيم. PageV01P399 ### || [ذكر العلامة أحمد بن موسى الطبري] # منهم الشيخ العلامة: أبو الحسين الطبري. # وعلى يده انتشر مذهب الهادي في اليمن، وبينه وبين علماء المذاهب مراجعات ~~ومناظرات، وكان سكونه في آخر مدته بصنعاء. # تنبيه # وإذا قد عرض ذكر الشيخ أبو الحسين الطبري فلنذكر ها هنا نبذة من شأنه ~~وشأن أصحابه. # قال بعض العلماء: إن جماعة من الطبريين خرجوا مع الهادي -عليه السلام- من ~~طبرستان كما تقدم للجهاد بين يديه، فقتل منهم من قتل شهيدا، ورجع منهم من ~~رجع إلى بلاده بعد سقوط فرض الجهاد، وبعد موت ابني الهادي. وكان ممن بقي ~~منهم باليمن الشيخ الصدر العلامة شيخ الإسلام، وعماد العدل والتوحيد: أبو ~~الحسين أحمد بن موسى الطبري، فكان له من العناية بإحياء الدين باليمن أضعاف ~~ما ms193 كان منه في حياة الهادي وولديه المرتضى والناصر -عليهما السلام-. # قال: وقد كان هم بالرجوع من اليمن إلى بلاده إذ كانت دار آبائه ومنزل ~~قومه، وبها نشأ فرأى في ذلك رؤيا زجرته عما هم به؛ وذلك أنه ساء ظنه بشيء ~~من أمور أهل اليمن، فهم بالخروج عنها فهبط تهامة، يريد الاستعانة على سفره ~~بنائل[من] سلطان زبيد، وهو يومئذ الحسين بن سلامة مولى آل زياد، فلما قدم ~~تلك البلاد أمسى ليلة من لياليه في بعض دورها، فرأى في نومه كأن الهادي إلى ~~الحق -عليه السلام- قد وقف عليه يقول له:" يا أبا الحسين، تخرج وتترك ~~التعليم بأصول الدين باليمن، اتق الله، ودع عنك هذا " فانتبه مذعورا لذلك، ~~وكر راجعا إلى صنعاء وصعدة وأعمالها ولم يدخل على الملك. PageV01P400 # قالوا: ولما هم بالرجوع، قال: (فكرت في نفسي في إقامتي باليمن، فقلت: الناس ~~منهم أسد، ومنهم ذئب، ومنهم ثعلب، ومنهم شاة، فنظرت فيهم فإذا أحكمهم ~~عليهم، وأقومهم هو الأسد، فكان أحبهم إلي جوارا، فنزلت صنعاء فجاورت ابن ~~الضحاك، فقال لي: ادع إلى مذهبك، وأظهر حب أهل بيت نبيك، وتكلم بما تريد، ~~ولا تخف من هذه العامة الجبرية). # قالوا: فدخل جامع صنعاء وتكلم ودعا إلى مذهب الهادي فاستجيب له فلم يلبث ~~أن صار له حزب وشيعة يصلي بهم في المسجد.انتهى. PageV02P001 ### || فصل: في ذكر طرف من سيرته -عليه السلام - # في الرواية أن أبا العتاهية صاحب صنعاء عطش يوما فأتاه وزيره بماء، فقال ~~له: لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها؟ فقال: بنصف مملكتي. فشربها. # وقال له: لو لم تخرج من جسدك بكم كنت تشتري خروجها؟ قال : بالنصف الآخر، ~~فقال: ما ملكت لا يساوي شربة فانتبه، وقال : فما نصنع؟ فقال: نبعث إلى شريف ~~ينزل بالرس يقال له: يحيى فلعل الله ينجيك به فراسله، فخرج الهادي -عليه ~~السلام- فبايعه هو وعشائره، وأهل ناحيته، وقاتل بين يديه مختلعا من الأمر. # وروي أنه لما دخل الهادي عليه السلام صعدة فأقام فيها آمرا بالمعروف ~~وناهيا عن المنكر، وولى ولاته الجهات، ورسم لهم الرسوم، ms194 ثم افتتح نجران ~~وأقام فيها مدة وعاود إلى صعدة، وكان يتولى كثيرا من الأمور بنفسه سالكا في ~~ذلك طريق المتواضعين، حسن الانصاف للمظلومين من الظالمين. # قال مصنف سيرته: رأيته ليلة وقد جاء رجل ضعيف في السحر يستعدي على قوم ~~فدق الباب، فقال: من هذا يدق الباب في هذا الوقت؟ # فقال له رجل كان على الباب: هذا رجل يستعدي، فقال: أدخله. فاستعدى فوجه ~~معه في ذلك الوقت ثلاثة رجال يحضرون معه خصومه، فقال لي: يا أبا جعفر، ~~الحمد الله الذي خصنا بنعمته وجعلنا رحمة على خلقه، هذا رجل يستعدي إلينا ~~في هذا الوقت لو كان واحدا من هؤلاء الظلمة ما دنا إلى بابه في هذا الوقت ~~مشتك ثم قال: ليس الإمام منا من احتجب عن الضعيف في وقت حاجة ماسة. PageV02P002 # وروى السيد أبو طالب بإسناده، عن علي بن العباس أنه قال: كنا عنده يوما وقد ~~حمى النهار وتعالى وهو يخفق رأسه فقمنا، فقال: أدخل وأغفو غفوة، وخرجت ~~لحاجتي، وانصرفت سريعا إلى المجلس الذي يجلس فيه الناس، فإذا أنا به في ذلك ~~الموضع، فقلت له: في ذلك، فقال: لم أجسر أن أنام ولعل بالباب مظلوما ~~فيؤاخذني الله بحقه. # وروى السيد أبو طالب بإسناده عن أبي الحسين الهمداني وكان رجلا فقيها على ~~مذهب الشافعي، يجمع بين الفقه والتجارة، قال: قصدت اليمن وحملت ما أتجر فيه ~~هناك ابتغاءا لرؤية الهادي -عليه السلام- لما كان يتصل بي من أخباره فلما ~~وصلت صعدة قلت لمن لقيت من أهلها: كيف أصل إليه؟ وبم أصل؟ وبمن أتوسل؟ فقيل ~~لي: الأمر أهون مما تقدر، ستراه الساعة إذا دخل الجامع للصلاة بالناس، فإنه ~~يصلي بهم الصلوات كلها، فانتظرته حتى خرج للصلاة فصلى بالناس وصليت خلفه. # فلما فرغ من صلاته تأملته فإذا هو قد مشى في المسجد نحو قوم أعلاء في ~~ناحية منه فعادهم، وتفقد أحوالهم بنفسه، ثم مشى في السوق وأنا أتبعه فغير ~~شيئا أنكره، ووعظ قوما وزجرهم عن بعض المناكير، ثم عاد إلى مجلسه الذي كان ~~يجلس فيه من داره ms195 للناس، فتقدمت إليه فسلمت فرحب بي، وأجلسني وسألني عن ~~حالي ومقدمي؟ فعرفته أني تاجر، وأني وردت هذا المكان تبركا بالنظر إليه، ~~وعرف أني من أهل العلم فأنس بي. PageV02P003 # وكان يكرمني إذا دخلت إليه إلى أن قيل لي [في] يوم من الأيام هذا يوم ~~الظلامات وإنه يقعد فيه للنظر بين الناس فحضرت فشاهدت هيبة عظيمة ورأيت ~~الأمراء والقواد والرحالة وقوفا بين يديه على مراتبهم. # وهو ينظر في القصص ويسمع الظلامات، ويفصل الأمور فكأني شاهدت رجلا غير من ~~كنت شاهدته، وبهرتني هيبته، فادعى رجل على رجل حقا فأنكره المدعى عليه ~~وسأله البينة، فأتى بها فحلف الشهود؛ فعجبت من ذلك. # فلما تفرق الناس دنوت منه، وقلت له: أيها الإمام، رأيتك حلفت الشهود. ~~فقال : هذا رأي آبائي تحليف الشهود احتياطا عند التهمة، وما تنكر من هذا، ~~وهو قول طاووس من التابعين، وقد قال الله تعالى:{فيقسمان بالله لشهادتنا ~~أحق من شهادتهما }[المائدة:107]. # قال: فاستفدت في تلك الحال منه مذهبه، وقول من قال به من التابعين ~~والدليل عليه، وما كنت قد عرفت شيئا من ذلك قال: وأنفذ إلي يوما من الأيام ~~يقول: إن كان في مالك حق زكاة فأخرجه إلينا، فقلت: سمعا وطاعة من لي بأن ~~أخرج زكاتي إليه. # فلما كان بعد يومين بعث إلي واستدعاني، وإذا هو يوم العطاء قد جلس [له] ~~والمال يوزن ويخرج إلى الناس، فقال : أحضرتك لتشهد إخراج زكاتك إلى ~~المستحقين. # فقمت وقلت: الله الله أيها الإمام أتظنني أرتاب بشيء من فعلك؟ فتبسم ~~وقال: ما ذهبت إلى ما ظننت، ولكن أردت أن تشهد إخراج زكاتك. PageV02P004 # قال: وقلت له يوما من الأيام: أول ما رأيتك وأنت تطوف على المرضى في المسجد ~~تعودهم، وتمشي في السوق، فقال: هكذا كان آبائي،كانوا يأكلون الطعام ويمشون ~~في الأسواق، وأنت إنما عهدت الجبابرة والظلمة. # قالوا: وكانت هذه عادته حتى طمع فيه الفسقة فتبايعوا على غيلته فرموه من ~~الصومعة[بسهم] فدخل المسجد وأخطأه السهم. # فلما صلى بالناس واستقرأ خبرهم فخرجوا فلقطوا النبل من باب المسجد. فقال: ~~اللهم، إني أملت أن ms196 أسير فيهم سيرة الاختلاط، وأن أتولى أمرهم بنفسي ولا ~~أكلهم إلى غيري، فبدأوا بالمكيدة في فإني ضارب الحجاب، ومتحرز حتى يحكم ~~الله بيننا. PageV02P005 ### || فصل: في ذكر طرف من حكمته[-عليه السلام-] # من ذلك قوله : " أصل الخشية لله سبحانه العلم، وفرعها الورع، وفرع الورع ~~الدين، ونظام الدين محاسبة النفس، وآفة الورع تجويز المرء لنفسه الصغيرة من ~~فعله، وأصل التدبير هو التمييز، وأصل التمييز الفكرة، ومن لم يجد فكره لم ~~يجد تمييزه ومن لم يجد تمييزه [بما ركب من عقله] لم يستحكم[له] تدبيره، ~~والعقل كمال الإنسان، والتجربة لقاح العقل، ومن لم ينتفع بتجربته لم ينتفع ~~بما ركب فيه من عقله، وشكر المنة زيادة في النعمة، والنعمة لا تتم لمن ~~رزقها إلا بشكر موليها، ومن أغفل شكر الإحسان؛ فقد استدعى لنفسه الحرمان، ~~ومن أراد أن لا تفارقه نعمة الله فلا يفارق شكر الله، وحسن الرأي التأني، ~~وآفته العجلة إلا عند بيان الفرصة، ومن علم ما لله عنده لم يكد يهلك، ومن ~~أراد ينظر ماله عند الله فلينظر ما لله عنده، ثم ليعلم أن له عند الله مثل ~~ما لله عنده قال الله سبحانه :{من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها }.. الآية ~~[الأنعام:160]. # وجودة اللسان زين الإنسان، وحياة القلب أصل البيان، ومن نظر في عواقب ~~فعله نجا من موبقات علمه، وصاحب الدين مرهوب، وصاحب السخاء محبوب، وصاحب ~~العلم مرغوب إليه، وذو النصفة مثنى عليه، ومن كفى الناس مؤنة نفسه كفاه ~~الله مؤنة غيره. # ومن خضع وتذلل لله فقد لبس ثوب الإيمان، ومن لبس ثوب الإيمان فقد لبس ثوب ~~العزة من الرحمن، قال الله سبحانه :{ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ~~}[المنافقون:8]. PageV02P006 # ومن رزق نزاهة النفس فقد أعطى عوضا عن العبادة، ومن وفق للصبرعند البلاء؛ ~~فقد خفت عليه المحنة العظماء، ومن أراد من الله التسديد والتوفيق فليعمل ~~لله بالإخلاص والتحقيق، والعلم والحكمة لا ينموان مع العصبية والجهل ~~والحيرة؛لا يقيمان مع الطاعة، ومن وفق أمن من الزلل، ومن خذل لم يتم له ~~عمل، ولم يبلغ غاية من الأمل، ومن قوي ms197 باطن قلبه لم يضره ضعف بصره، قال ~~الله تعالى:{فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ~~}[الحج:46] إلى آخر ما ذكره -عليه السلام-. # فله في هذا المعنى اليد الطولى وإنما أردنا التبرك بكلامه. PageV02P007 ### || فصل: في نبذة من أشعاره # فمن ذلك ما تقدم الوعد به، وهو قوله: # طرقت لعمرك زاهر مولاها %~% والحرب مسعرة يشب لظاها # طرقت تبختر في الحلي وفي الكسى %~% إن الخريدة همها وهواها # تكسو مناكب زانها أعجازها %~% عند التعانق حلة ورداها # أقني حيأك فحلتي يوم الوغى %~% درع أعانق جيبها وعراها # نحن الفواطم لهونا طعن القنا %~% ومدامنا حرب تدور رحاها # هلا سألت فتخبري إن لم تري %~% إذ صار يطلب مهجتي أعداها # لاح الصباح وأبرقوا بكتيبة %~% شهماء تدفق خيلها وقناها # والجيش في أيديه كل عقيقة %~% القين أحكم سنها وجلاها # والمشرفية في أكف حماتها %~% تحكي البوارق لمعها وسناها # والخيل تنحط بالفوارس والقنا %~% فوق الفوارس في الوغى أجراها # ومنها : # غربت أنامل راحتي بصفيحتي %~% لله در خبثعن أغراها # ما كان إلا بطحة فتراكبت %~% أولى كتائبها على أخراها # وانقض جمع خميسهم عن وقعة %~% فيها النيار تأججت أحشاها # ومن ذلك قوله -عليه السلام-: # الخيل تشهد لي وكل مثقف %~% بالصبر والإبلاء والإقدام # حقا ويشهد ذو الفقار بأنني %~% أرويت حديه نجيع طغامي # علا ونهلا في المواقف كلها %~% طلبا بثأر الدين والإسلام # حتى تذكر ذو الفقار مواقفا %~% من ذي الأيادي السيد القمقام # جدي علي ذي الفضائل والنهى %~% سيف الإله وكاسر الأصنام # صنو النبي وخير من وارى الثرى %~% بعد النبي إمام كل إمام # وقال -عليه السلام- وأمر بها إلى بني الحارث بنجران، مع كتاب: # خذوا حذركم مني فإني مسير %~% إليكم جنود الله والله غالب PageV02P008 يسيرون للباغين حرب محمد %~% عساكر يملا الأرض منها المقانب # على شزب تعدوا بكل سميدع %~% بأيديهم البيض الرقاق القواضب # وخطية زرق العوالي جنابها %~% مخوف لدى الأبطال ما أن يقارب # بأيدي رجال أهل بأس بخوفهم %~% تشيب لذي الحرب العوان الذوائب # [وما حبسها إلا فراق لأرضكم %~% وتجلب حولي للمسير الكتائب] # وتلفونني مستنصرا في جهادكم %~% وعندكم مني لعمري التجارب ms198 # فلم أر مثل الحرب أوقد نارها %~% أخو عزة دارت عليه المصائب # قوي على تأجيجها بدو أمره %~% ضعيف إذا اشتدت عليه العواقب # يعنف من يأبى عليه اجتلابها %~% ويسلبه إن كان يوما يقارب # يضرمها حتى إذا ما تأججت %~% وعاينني ضاقت عليه المذاهب # فيطلب سلمي حين لا سلم والذي %~% إلى بيته بالركب تهوى الرغائب # أراد خلاصا بعدما غص بالذي %~% جنت يده فهو الشقي المطالب # فلا تحسديه أكلة إن غذى بها %~% تقييه إياها الرماح الزواغب # فويل لمن أمسى يهم بحربنا %~% وويل لمن لم يدر من ذا يحارب # يحارب ضرغاما يحامي على شبل %~% له صولة مخشية ومخالب # قروس لمن أدناه حتف لقاؤه %~% له حملات قرنه منه خائب # يدانيه جهال الرجال بحربه %~% ومن كان ذا علم به فهو هارب # ومن شعره -عليه السلام- [قوله] : # فما العز إلا الصبر في حومة الوغى %~% إذا برقت فيه السيوف اللوامع # هل الملك إلا الأمر والعز والغنى %~% وأفضلكم من هذبته الطبائع # ومن لم يزل يحمي وينقم ثأره %~% ومن هو في الحالات يقظان هاجع # يقلب بطن الرأي فيه لظهره %~% ويمضي إذا ما أمكنته المقاطع PageV02P009 ونحن بقايا المرهفات وسورها %~% إذا كان يوما ثائر النقع ساطع # يموت الفتى منا بكل مهند %~% واسمر مسنون الشبا وهو دارع # فتلك منايانا وإنا لمعشر %~% من الناس في الدنيا البدور الطوالع # أبونا أمير المؤمنين وجدنا الر %~% سول الذي منه تتم الصنائع # نهضت ولم أعجز وقلت مواعظا %~% ذخائر علم إن وعاهن سامع # فكم قائل في نفسه وضميره %~% أيا قائلا في ذا كلامك ضائع # فكيف غناء الكف عند اجتهادها %~% إذا لم تعنها بالفعال الأصابع # بنيت لهم بيتا من المجد سمكه %~% دوين الثريا فخره متتابع # وأضحى لهم عز به ومفاخر %~% وذكر ومجد شامخ الفضل نافع # نعشت كتاب الله بعد هلاكه %~% فليس بغير الحق يزمع زامع # أليس عجيبا أن يسالم ظالم %~% ظلوم لأهل الحق والحق خاضع # قتيل ذليل أهله ومضيع %~% فساحته قفر قواء بلاقع # وعطله أنصاره وحماته %~% فقد درست أعلامه والشرائع # وآل رسول الله قد شغلتهم %~% عيون وأموال لهم ومزارع # [ومنها] : # وحقد وإحياء الضغائن ms199 بينهم %~% ولم يجمعوا فيه وقل التطاوع # أرى الطالبيين الأسود تخاذلوا %~% فمنهم مدان للعدى ومصانع # ولم يطلبوا إرث النبوة بالقنا %~% ولم يمنعوه والرماح شوارع # أرى حقهم مستودعا عند غيرهم %~% ولا بد يوما أن ترد الودائع # ولكنهم أمسوا وأضحوا كآيس %~% يداري ويعطي تافها وهو قانع # شديد عظيم أن تصيروا أذلة %~% وأنتم ليوث حين تخشى الزعازع # وأعداؤكم في غبطة وغضارة %~% وعيش على حافاته الملك ذائع PageV02P010 [ومنها] : # وإني لأحمي أن أبيت بغبطة %~% بطينا وجاري مقتر وهو جائع # فلا تسرعوا بالظن في بأنني %~% ذخرت كنوزا والظنون تسارع # فلست إذا أعطيت أبقي بقية %~% ولست إلى ما لا يحل أطالع # تظنون أن المال عندي مراكم %~% وأني به عنكم ضنينا ممانع # فلست بني عمي أخا تلك فاعلموا %~% وليس عن الأموال مثلي يدافع # لقد عشت فيكم أعصرا بعد أعصر %~% بذولا لمالي إن حوى المال جامع # فلو أن أرض الله طرا بأسرها %~% وأمثالها أضحت حوتها الأشاجع # لجدت بها والله حلفة صادق %~% لبعضكم صدري لذلك واسع # بني العم إني في بلاد ضريرة %~% قليل وداها شرها متتابع # وليس بها مال يقوم ببعضها %~% وساكنها عريان غرثان جائع # سلوا الناس عنها تعلموا ما جهلتم %~% بأخبارها خير الرجال المطالع # نسيتم محاماتي عليكم ودونكم %~% وذلك معلوم لدى الخلق شائع # فإن لم تكافوني بفعلي فتحسنوا %~% فلا يأتني منكم هديتم قطائع # ولا تيأسوا منا فعل أمورنا %~% سيسعفها دهر موات متابع # وله -عليه السلام-: # مل أيها السفر نطوي الأرض منشمرا %~% نحو الحجاز على المهرية النجب # أبلغ بني حسن المختار مالكه %~% عن ناصح لهم ذي منطق ذرب # عن الخليل الذي لم تخش نوبته %~% يوما ولم يرم بالتقصير في العرب # أهل النبوة ما بالي وبالكم %~% وكيف حفتم على مثلي بلا سبب PageV02P011 حتى إذا قمت أدعو بالكتاب على %~% حذو النبي وقد أمعنت بالطلب # حالفتم الخفض واللذات وانغمدت %~% عني سيوفكم في ساعة التعب # ثم أدعيتم أمورا غير واضحة %~% قبل البراهين هذا أعجب العجب # قبلتم قول ملعون أخي دنس %~% إلف الخمور إلى الطنبور والطرب # سباع لا سلم الرحمن مهجته %~% فلم يكن صادقا في سالف ms200 الحقب # بل لو رأيت لكم عوراء واضحة %~% سترتها بوقار غير مجتلب # تحننا وحفاظا ثابتا أبدا %~% إذ أنتم عندنا في موضع القطب # [من الرجا وحقوقا حق واجبة %~% وما لكم من قرابات ومن نسب] # الستر شيمتنا إذا زلة ظهرت %~% من الصديق فعال السادة النجب # وإن تعتب يوما كنت معتبة %~% والفضل فعل ذوي الأخطاروالحسب # إن نلت خيرا فذاك الخير يبلغكم %~% أو كان شرا فأنتم عنه بالجنب # أقيكم كل مكروه ونازلة %~% وأبذل النفس للهندية القضب # من دونكم أن تصابوا يا بني حسن %~% أهل الديانة والإفضال والأدب # فكيف ترضون أن تضحى ولايتكم %~% تركا ويدعى لهم بالرشد في الخطب # فأجمعوا فلكم عز ومكرمة %~% وأنتم الأسد يوم الروع والسغب # فقد سمعتم حبيبا في مقالته %~% (السيف أصدق أنباء من الكتب) # هذا أحق من التعنيف لي عبثا %~% ومن مقال لذي الأموال والطنب # القصيدة بطولها. PageV02P012 # وله -عليه السلام-: # ألا لله عبنا من رآنا %~% وأشباه الكلاب لدى النزال # وقد سرنا إليهم في جيوش %~% مظفرة تدف إلى القتال # بأيديهم بواتر قاطعات %~% يزاح بهن أقحاف القلال # إذا ما حكمت في القوم يوما %~% أطاع لحكمها غلب الرجال # وسمر ركبت فيها المنايا %~% فحل الموت في روس العوالي # وزرق عكفت للحرب صقر %~% على أكبادها زرق النصال # إذا ما قابلت جيشا أحلت %~% بهم من وقعها أنكى النكال # ترنم في الصفوف إذا تدانت %~% ويذهب وقعها كذب المقال # [إلى قوله -عليه السلام-] # أنا الموت الذي لا بد منه %~% على من رام خدعي واغتيالي # وغيث للولي إذا أتاني %~% ومنتجع لمن يبغي نوالي # وله -عليه السلام-: # ولست بقائل ما دمت حيا %~% كما قد قال في الحرب الوقود # أخو الفسق الدوانيقي لما %~% تداخل قلبه الرعب الشديد # تفرقت الضباء على خداش %~% فلا تدري خداش ما تصيد # وشعره -عليه السلام- كثير مذكور في سيرته وغيرها. PageV02P013 ### || فصل: نذكر فيه علي بن الفضل القرمطي # فإنه ظهر في اليمن في سنة ثلاث وستين ومائتين وتقوت شوكته، وأعلن بالكفر، ~~حتى روي أنه كان في عنوان كتبه إلى أسعد بن يعفر : من باسط الأرض وداحيها، ~~ومزلزل الجبال ومرسيها علي بن ms201 الفضل إلى عبده أسعد بن أبي يعفر، وتظهر ~~بمذهب المجوس، وأمرهم بنكاح الأمهات والأخوات، وشرب الخمر وأمر من كان معه ~~أن يسلموا إليه الأموال والحرم، فيخرجوا إليه من جميع ما في أيديهم فهرب ~~منه جماعة، ولحقوا ببلدانهم، وثبت هو ومن أقام معه على الكفر. # وكان يجمع بين عدة من النساء في دار، فإذا كانت ليلة الجمعة جمع الرجال ~~فأرسلهم على النساء، وقد تقع الأم للابن والأخت للأخ فيفجرون بهن ليلتهم ~~فمن امتنع من ذلك قتله وأباح دمه، وروي أنه تسمى برب العالمين. # وروي أنه كان يؤذن المؤذن في عسكره أشهد أن علي بن الفضل رسول الله، وكان ~~ذلك في المذيخرة مدينة لهم باليمن، وتقوت أمورهم، واستحكمت في كثير من ~~نواحي اليمن، وغلبوا على صنعاء، وجرى للهادي - عليه السلام وأولاده -عليهم ~~السلام- في حربهم وقعات كثيرة قتل فيها من قواد القرامطة خلق كثير. # تنبيه: وإذا قد عن ذكر القرامطة هنا، فلنذكر ما حكي في ابتداء ظهورهم، ~~فإن عزالدين بن الأثير ذكر في تأريخه المسمى (بالكامل): أن أول أمرهم كان ~~في سنة ثمان وستين ومائتين. # قال: وفي هذه السنة خرج قوم من سواد الكوفة يعرفون بالقرامطة، جمع قرمطي ~~بكسر القاف وسكون الراء وكسر الميم وبعدها طاء مهملة. PageV02P014 # والقرمطة في اللغة: تقارب الشيء بعضه من بعض، يقال: خط مقرمط إذا كان كذلك، ~~و[كان] أولهم أبو سعيد الآتي ذكره، مجتمع الخلق أسمر، كريه المنظر، فلذلك ~~قيل له: القرمطي ونسب أتباعه إليه. # وذلك أن رجلا أظهر العبادة، والزهد والتقشف، وكان يصنع الخوص ويأكل من ~~كسبه، وكان يدعو إلى إمام من أهل البيت -عليهم السلام-. # وأقام على ذلك مدة، فاستجاب له خلق كثير، وحدث له أحوال أوجب له حسن ~~الاعتقاد فيه، وانتشر ذكرهم بسواد الكوفة. # ثم قال ابن الأثير: وبعد هذا في سنة ست وثمانين ومائتين ظهر رجل منهم ~~يعرف بأبي سعيد الجنابي بالبحرين، واجتمع إليه جماعة من الأعراب والقرامطة، ~~وقوي أمره فقتل من حوله من أهل تلك القرى، وقد كان أولا يبيع للناس الطعام، ~~ويحسب لهم ms202 بيعهم، ثم عظم أمره، وقربوا من نواحي البصرة؛ فجهز إليهم المعتضد ~~جيشا، يقدمهم العباس بن عمر الغنوي فأتقعوا وقعة شديدة أنهزم فيها أصحاب ~~العباس وأسر العباس، وقتل أبو سعيد الأسرى، وأحرقهم، وأطلق العباس، فحضر ~~إلى بين يدي المعتضد فخلع عليه، ثم دخل القرامطة بلاد الشام في سنة تسع ~~وثمانين ومأتين، فجرت بين الطائفتين وقعات يطول شرحها. # ثم قتل أبو سعيد في سنة[إحدى وتسعين ومائتين] في الحمام قتله خادمه، وقام ~~مقامه [ولده] أبو طاهر سليمان فقصد البصرة، فملكها بغير قتال بل صعدوا ~~إليها ليلا على سلاليم الشعر، فقتلوا والي البلد ووضعوا السيف في الناس. # وأقام أبو طاهر سبعة عشر يوما يحمل منها الأموال، ثم عاد إلى بلده وقد ~~كان ملك أبوه هجر والقطيف والطائف وسائر بلاد البحرين. PageV02P015 # وما زال أبو طاهر يعبث في البلاد، ويقتل ويأسر إلى سنة سبعة عشر وثلاثمائة ~~فحج الناس وسلموا في طريقهم، ثم وافى يوم التروية بمكة فنهب الناس، وقتلهم ~~حتى في المسجد الحرام، وفي نفس البيت، وقلع الحجر الأسود، وأنفذه إلى هجر ~~وخرج إليه أمير مكة في جماعة من الأشراف، فقتلهم جميعا، وقلع باب الكعبة، ~~وأصعد رجلا ليقلع الميزاب فسقط ذلك الرجل ومات، وطرح القتلى في زمزم، ودفن ~~الباقين في المسجد الحرام من غير كفن ولا غسل ولا صلاة، وأخذ كسوة البيت ~~فقسمها بين أصحابه، ونهب دور أهل مكة. # فلما بلغ ذلك المهدي عبيد الله صاحب إفريقية كتب إليه ينكر عليه ويلومه، ~~ويلعنه، ويقيم عليه القيامة، ويقول له : حققت علينا الكفر واسم الإلحاد بما ~~فعلت، وإن لم ترد على أهل مكة والحاج، وغيرهم ما أخذت منهم، وترد الحجر ~~الأسود إلى مكانه، وترد كسوة الكعبة، وإلا فأنا بريء منك في الدنيا ~~والآخرة. # فلما وصله هذا أعاد الحجر إلى مكانه واستعاد ما أمكنه من أموال أهل مكة ~~فرده، وقال: أخذناه بأمر، وأعدناه بأمر. # وقد كان أمير بغداد والعراق بذل لهم في رده ألف دينار فلم يردوه، ثم ردوه ~~الآن، ولما أخذه تفسخ تحته ثلاثة جمال قوية من ثقله، ms203 ولما ردوه أعاده على ~~جمل واحد [و] وصل به سالما. # قال ابن خلكان: ولعل الكاتب إلى القرمطي برده ولد عبيد الله المهدي، لأنه ~~توفي في سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وكان رد الحجر في سنة تسع وعشرين ~~وثلاثمائة. PageV02P016 # قال ابن الأثير: ولما عزموا على رده حملوه إلى الكوفة، وعلقوه بجامعها حتى ~~رآه الناس، ثم حملوه إلى مكة، فكان مكثه عندهم اثنتين وعشرين سنة. # قال ابن الأثير: وعلى الجملة فالذي فعلوه في الإسلام لم يفعله أحد قبلهم ~~ولا بعدهم من المسلمين، وملكوا كثيرا من العراق والحجاز، وبلاد الشرق ~~والشام إلى باب مصر. # ثم قتل أبو طاهر في سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة. # والجنابي -بفتح الجيم وتشديد النون وبعد الألف باء موحدة - نسبة إلى ~~جنابة بلد من أعمال فارس، متصلة بالبحرين، والقرامطة منها. ### || رجع الكلام إلى بقية ذكر علي بن الفضل # قال السيد يحيى بن القاسم الحمزي من أولاد الحمزة بن أبي هاشم في كتاب ~~(كشف الأسرار وهتك الأستار من محجوب الباطنية الكفار) ما معناه:أن علي بن ~~الفضل كان ممن يتهم في نفسه بالأبنة. # وروي عنه أشياء فظيعة، ثم حكى أن سبب موته كان على يدي السيد الشهيد علي ~~بن محمد الحسني -رحمه الله تعالى-. # فإنه باع نفسه من الله لما رأى أفعال عدو الله فأعمل الحيلة، وتهيأ تهيئة ~~طبيب عارف، وأوهمه أن به علة إن لم يفعل فيها بما أمره به هلك فأمره بفصد ~~عرقين في رجليه وفصده بمبضع مسموم بسم قاتل، فما مضى عليه إلا قليل حتى بلغ ~~الألم شغاف قلبه وهرب السيد بعد فصده حتى بلغ نقيل صيد فقتل هنالك شهيدا، ~~ثم مات ابن فضل عقيب ذلك يوم الأربعاء للنصف من ربيع الآخر من سنة ثلاث ~~وثلاثمائة. PageV02P017 # وأقام بعده ولده، فقام أسعد بن [أبي] يعفر في حربه فحاصره مدة، ثم قتله ~~وأخاه وجماعه من أتباعه قدر نيف وعشرين رجلا، وبعث برؤوسهم إلى العراق ~~والخليفة إذ ذلك المعتضد في ذي القعدة سنة أربع وثلاثمائة سنة. PageV02P018 ### || فصل: في وفاة الهادي -عليه السلام- # قال علماؤنا: ms204 إنه لما قهر الأعداء، وقرر قواعد المذهب الشريف والدين ~~المنيف. # وقد كان في اليمن مذاهب مختلفة قرامطة، وأباضية قوم من الخوارج، وجبرية ~~فاستأصل الله بحميد سعيه أكثر أهل تلك المذاهب الردية، وأظهر مذهب العترة ~~الزكية، فامتلأ اليمن عدلا، وتوحيدا، وإرشادا، وتسديدا ومهد قواعد السياسة ~~النبوية تمهيدا، وأفنى المفسدين قتلا وصلبا وتشريدا. # عرض له مرض شديد، قيل: إنه سم على يدي بعض خواصه، فقال له: هل استجدت الجعل؟ # وكان مع هذه المرضة الشديدة لم تتغير جلسته، فمات يوم الأحد لعشر باقية ~~من ذي الحجة آخر سنة ثمان وتسعين ومائتين ودفن يوم ثاني، وهو يوم الإثنين ~~قبل الزوال عن ثلاث وخمسين سنة، ودفن في غربي المسجد الجامع بصعدة هكذا في ~~(الحدائق الوردية). # ولعل صفة المسجد قد كانت مغايرة لصفته الآن، لأن قبة الهادي عليه السلام- ~~في هذا التأريخ يمانية الجامع. # وقد رأيت بعض من يزور من الهادي عليه السلام لا يدنو من القبة قليلا ~~بزعمه أن جسده الطاهر مدفون بقرب عتبة الباب، والظاهر خلاف هذا الوهم فإن ~~صعدة في أيدي العترة منذ مات الهادي، وإن تخلل ملك غيرهم لها فمدة يسيرة لا ~~يلتبس في قدرها موضع قبره. PageV02P019 # وعلى الجملة فأينما كان [موضع] قبره تقدم قليلا أو تأخر يسيرا، فقد ملئ من ~~اليمن والإيمان، واشتهرت بركته في جميع الأزمان، وافتخرت به الزيدية على ~~جميع المذاهب والأديان، وأختص أهل صعدة بمشاهدته، والتمسح بزيارته في كل ~~أوان، فهو لهم جنة من طوارق الحدثان، وملجئا عند تراكم المحن، وهجوم الظلم ~~والطغيان، وفيه، وفي قبر الناصر الأطروش، يقول بعض الشعراء: # عرج على قبر بصعدة %~% وابك مرموسا بآمل # واعلم بأن المقتدي بهما %~% سيبلغ حيث يأمل PageV02P020 ### || فصل:وهذه خاتمة مناسبة لما تقدم # وقد وعدت بها، وهي أنه كان في شهر شعبان سنة خمس وتسعين وثمانمائة وقع مع ~~الناس مرض كاد يعم، وهو من قبيل السابع يمرض الإنسان قدر سبع أو أربع عشرة، ~~[يوما] ثم يصح. # ولم يمت منه إلا القليل، وكثير وقوعه مع النساء والأطفال الذين لم يبلغوا ~~الحلم، ومرض عدة ms205 من أصحابنا ونحن صحاح إلى نهار عيد الإفطار، وشرع بابنتين ~~لنا في ساعة واحدة، ولهما في العمر من العشر فما دون، فقلنا: هذا نصيبنا ~~وحمدنا الله على سلامة أخيهما يونس؛ لأنه عندنا في منزلة عظيمة، ولم يكن ~~لنا غيره من الذكور، ولم يزل ذلك الوباء يرتفع وينقطع، ونحن نستبشر ~~بانقطاعه شحا على هذا الولد. # والوالد كما قيل شقي، فلما كان أول يوم من العشر في ذي الحجة في تلك ~~السنة شرعت به الحمى، وقد كنا كالقاطعين بأن قد تعداه الشر، فبقي طول تلك ~~العشر يجاهد والحمى فاترة. # فلما كان يوم العيد اشتد عليه المرض، وذهل عقله بعد ذلك، وقلت متعته ~~وقلنا: هو يعرف في السبع الأول، أو في السبع الثانية، أو في السبع الثالثة، ~~أو في السبع الرابعة والأمر يزداد. # وعلى الجملة فما زال سراجنا يقد وشجننا يكثر، اثنتين وثلاثين ليلة، يمضي ~~علينا اليومان ما نطعم الزاد لا نحن ولا هو لما به من شدة المرض، وأعيتنا ~~الحيل في أمره، وعاده جميع قراباتنا وأصحابنا، وأشجنوا كشجننا. PageV02P021 # فكان في بعض الأيام ضاقت بي جوانب البيت، فخرجت المقبرة [فما وسعني وما ~~دريت ما أدعوا به أهل المقبرة] وداخلني اليأس والقنط، فلم ألق حيلة إلا قصد ~~مسجد الهادي أول الظهر فصليت فيه الظهر، وما تيسر في صرح المسجد قريبا من ~~القبة فلقيني بعض الإخوان ممن قد علم بمرضه فسألني عنه فخنقتني العبرة، ~~وأجهشت بالبكاء حتى سمعني من كان بالمصلى والقبة، ثم دخلتها باكيا، ولازمت ~~التابوت فقلت: يا هادياه، [يا هادياه] بصوت مرتفع بقيت على ذلك ساعة، ثم ~~سلمت أجرة [قراءة] ختمة إلى يد أحد العميان المجاورين للهادي، وهو من أهل ~~الصلاح، وقلت له: اقرأ لي بهذه اليوم وغدا ختمة، ووصيتك الدعاء، فرق لي؛ ~~لأنه كان يسمع ابتهالي. # ثم خرجت من القبة، وقد برد ذلك التلهب الذي كان بقلبي، واستروحت نفسي. # فلما وصلت البيت ودخل الليل استقبلنا ما كنا نستقبله من معاناة مرضه، ~~فاعتراه في تلك الليلة نافض خالف أضلاعه، وصاك أسنانه كما يعلم ms206 الله ونشهد ~~أنه شيء ما عهدناه منذ مرض، فقلت في نفسي هذه المحقوقة ما هذا إلا من طلائع ~~الموت؛ فبتنا بأسوأ حال باته مخلوق، فلما [كان] قرب الفجر أخذتني سنة ~~خفيفة، فرأيت فيها أن محمدا على باب مسجد الهادي [الشرقي وجملا باركا تحته، ~~والمحمل] مغطى بتغطية لها نور عال، وهي ثياب بيض كلها، عرفت في المنام منها ~~ثوب لي للعيد، وهو رفيع أبيض، فدقني الذهن، وتلك الحال بين عيني، فلم يسبق ~~ذهني إلا إلى أن تلك أمارة موت أو جنازة فازداد غمي. PageV02P022 # فلما كان وقت الغداء وأنا عنده عرض علي الغداء وفيه قطعة من سمك وقطعة شوى ~~فعرضت عليه بعض ذلك تبختا وهو زايل العقل كعادته ففتح فاه وازدرد من تلك ~~القطع واحدة صغيرة ثم فتح فاه، وأومأ إلي أن زد، ثم ثنى الإيماء فنتفت له ~~شيئا يسيرا من النوعين، فأخذ منهما ومن طرف رغيف ما كتب الله، ونحن حوله ~~فازداد فرحنا، واستقر بنا الفرج، واستمر من تلك الساعة ما أتى عونه إلا ~~وأكل منها فوق ما أكل من الأولى وجاءت العافية وكنا منتظرين العرق أو رعاف ~~فلم يكن شيء من ذلك إلا بعد أن تعافى بقدر نصف شهر، ثم استمر به العرق ~~فعجبنا من هذه الكرامة، واعتقدنا أن ذلك المحمل غارة من الهادي -عليه ~~السلام-، فنظمت هذا الشعر الآتي ذكره، وأنشدته في مسجد الهادي وغيره، ~~وتناقله عدة من الأصحاب. # ثم رأيت بعد ذلك في النوم بعض فضلاء أهل البيت، يقول لي: [يا محمد، أنت] ~~في جاه رسول الله . # فقلت: لم؟ فقال: بسبب الشعر الذي أنشدته في الهادي -عليه السلام-. # فهذا [مضمون] ما كان من مرض الولد، وما وقع فيه من الغارة الهادوية ~~الخارقة للعادة. # [وهي] هذه القصيدة نفع الله بها وبمن قيلت فيه: # إن كنت ترغب في غوث وإمداد %~% لكل خاف من المكروه أو بادي # أو ترتجي النفع في مال وفي سكن %~% أو تدفع الضر عن أهل وأولاد # فلذ بمشهد يحيى بن الحسين وقل %~% برفع صوتك يا غوثاه يا ms207 هادي # يا هادياه، ويا من حل ساحته %~% من كل داع إلى حق وإرشاد # ومن شهيد ومن علامة علم %~% ككوكب في ظلام الليل وقاد # قوموا بنصري وجدوا في معاونتي %~% وسارعوا في تخلاصي وإنجادي PageV02P023 فهم يجيبون من يدعوهم طمعا %~% في جاههم ما وفى حر بميعاد # ويسمعون دعا العاني الأسير إذا %~% ما صار في ضيق أغلال وأصفاد # قوم بهاليل لا يخشي النزيل بهم %~% من حادثات الليالي حز أو رادي # وجارهم لا يخاف الضيم محترم %~% وأعز من لبدة الضرغام في الوادي # دعوتهم لمهم قد برى جسدي %~% وفت من عظمه عظمي وأعضادي # وقلت يا سادتي ابني ومعتمدي %~% ومن أعد لإصداري وإيرادي # والنور من ناظري والروح من جسدي %~% ومن لرؤيته تهتز أكبادي # قد أطبقت فوقه الحمى مسى وضحى %~% فما له غير شرب الماء من زادي # فاستنقذوه سريعا من مخالبها %~% يا سادتي وأجيبوني بإسعادي # وبادروا واشفعوا لي عند خالقه %~% يبقيه لي عمري شفعا لإفرادي # فرحت من مسجد الهادي وقد نفثت %~% بشرى الإجابة في روعي بإبرادي # مصداق ما روت الأثبات في خبر %~% عن النبي بإرسال وإسناد # إن الأمارة في قبلان كل دعا %~% سكينة مثل برد الماء للصادي # وبعد ذلك لم تبرح تكرر لي %~% بشائر في تصاريفي وتردادي # حتى إذا ليلة واشتد بي قلقي %~% من طول مرضة شبلي أي إشداد # رأيت في النوم نورا صادعا وإذا %~% من تحته محمل يحدوا به الحادي # مجللا بثياب نورها بهج %~% بيض ولم يك فيها ثوب إحدادي # بل كان فيها رديف كنت أذخره %~% لجمعتي ومسراتي وأعيادي # وكان من ريشة الشرقي مخرجه %~% وكان من جهة المطراق إصعادي # ثم انتبهت وتلك الحال راسمة %~% في خاطري مثل طي الوجه بالحادي # فداخلتني لهذا روعة حذرا %~% من أن يكون مناما عكس مرتادي PageV02P024 فما أضا الصبح والحمى لها أثر %~% ولا طريق إلى شبلي بإفساد # وسار من ذلك الإصباح منشرحا %~% مستعلياكل يوم أي مزداد # من غير ما عرق تجري هواطله %~% ولا رعاف لهذا الجنس معتاد # فقلت حمدا لربي قد أتى فرجي %~% وما على عرق تعويل قصاد # وذا دليل ليحيى بن الحسين ms208 على %~% فضائل لم تكن تحصى بتعداد # وإن ربي قد أعطاه في ولدي %~% ما يخرق المسلك المعهود والمعاد # [وذا قليل إلى الهادي وعترته %~% وكل جيرانه روحي لهم فادي] # أفديك يا صاحب التابوت من علم %~% يحلو بتأبينه شعري وإنشادي # يا درة التاج في أبناء فاطمة %~% ويا إمام لأبدال وأوتاد # ويا مقيم عثار الدين ينعشه %~% وناقم الثأر من شان وأضداد # وناشر العلم في شام وفي يمن %~% وحارس الشرع من كفر وإلحاد # مفني القرامطة الطاغين مهلكهم %~% لما وقفت لباغيهم بمرصاد # طمست رسم علي بن الفضل فانعصفت %~% رياحه بعد إبراق وإرعاد # وكان قد طبق الآفاق مذهبه %~% واشتد فيها بأطناب وأوتاد # وطال ما ملئت رعبا لهيبته %~% وما اشتكت منه من عبث وإفساد # كان المؤذن في أثناء موكبه %~% يدعو ابن فضل رسول الله يا غاد # بل ادعى أنه رب العباد فهل %~% وراء ذا القول يا للناس من هاد # فقمت تمعن في استيصال شأفته %~% إمعان هود على عاد وشداد # فالله يجزيك عن مسعاك أفضل ما %~% جزى إماما على تقيم مياد PageV02P025 ما زلت للمذهب الزيدي تظهره %~% وقد بغوه بإطفاء وإخماد # وزيفوه بأرض الشام واتخذوا %~% تلك المقامات عن بغض وأحقاد # وما على التبر عار حين تطرحه %~% في النار آلة أغمار وأوغاد # والبدر ليس نباح الكلب ينقصه %~% ولا خلا سيد من كيد حساد # فكل أشياع زيد من ربا يمن %~% إلى مساقط جيلان فسنداد # صنائع لك في أعناقهم منن %~% عقدتها عقد تأسيس وإيجاد # يكفيك في الأرض فخرا أنما رجل %~% من شيعة الآل في عصر ولا باد # ألا وأنت أساس في انتشارهم %~% في الأرض من بعد تشريد واظهاد # لا سيما في ثوى صعدة وهم %~% رق لقبرك عاليهم مع الشاد # صلى عليك إله العرش خالقنا %~% ما دام في مكتب تهجي أبو حاد # وقدس الله روحا منك طاهرة %~% تقديس باد بفعل الخير عواد # هذا آخر القصيدة المباركة، مجربة الخير، ميمونة الطير، نفع الله بمن كان ~~السبب في إنشائها وأعاد علينا وعلى آبائنا وأمهاتنا وذريتنا من بركاته، ~~وحشرنا في زمرته. آمين. آمين. PageV02P026 ### | [أخبار الإمام الناصر الأطروش ms209 -عليه السلام] # وصاحب الجيل من لله محتسبا %~% شد الإزار وباع النوم بالسهر # الناصر الطاهر الميمون طائره %~% مطهر الجيل من شرك ومن قذر # دعا عقيب ابن زيد دعوة صدعت %~% أنوارها فسناها غير مستتر # وكان إسلام جستان على يده %~% في ألف ألف من العباد للشجر # صالت ضفادع أمواه بدعوته %~% على الأفاعي فذادتها عن النهر # هو: أبو محمد الحسن بن علي [بن الحسن بن علي ] بن عمر الأشرف بن علي بن ~~الحسين بن علي بن أبي طالب، أحساب وافرة، ووجوه ناظرة، وآباء أخيار، أفاضل أبرار: # قوم بهم وبجدهم %~% نرجو النجاح مع الصلاح # وصلوا السيوف بخطوهم %~% فإذا الممنع كالمباح # جبريل خادم جدهم %~% أولاد حي على الفلاح # وأمه أم ولد، مجلوبة من خراسان، وولد بالمدينة على ساكنها أفضل -الصلاة ~~والسلام، وكان -عليه السلام- طويل القامة، يضرب إلى الأدمة، [به] طرش من ~~ضربة أصابت أذنه لحادثة اتفقت عليه بنيسابور، وقيل: بناحية جرجان، والقصة ~~مشهورة، وفيه ورد الأثر عن النبي لما سأله أنس، عن علامات الساعة قال: ~~((من علاماتها خروج الشيخ الأصم من ولد أخي، مع قوم شعورهم كشعور النساء ~~بأيدهم المزاريق))، وهذه كانت صفته وصفة أصحابه. PageV02P027 # وورد فيه عن علي -عليه السلام- في خطبته، أنه قال: يخرج من نحو الديلم من ~~جبال طبرستان فتى صبيح الوجه، يسمى باسم فرخ النبي الأكبر -يعني الحسن بن ~~علي-. وكان -عليه السلام- قد نشأ على طريقة آبائه الأكرمين، وبرز في فنون ~~العلم حتى كان في كل فن منها سابقا لا يجارى،وفاضلا لا يبارى، وله تصانيف ~~كثيرة، عدتها أربع عشرة كتابا، وكان قد قرأ من كتب الله [سبحانه] ستة عشر ~~كتابا منها: التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان، وباقيها من الصحف. # وكان يقول: حفظت من كتب الله ثلاثة عشر كتابا، فما انتفعت منها كانتفاعي ~~بكتابين، أحدهما: الفرقان؛ لما فيه من التسلية لأبينا محمد بما كابده ~~السلف الصالحون من الأنبياء المتقدمين. # والثاني: كتاب دانيال، لما فيه: أن الشيخ الأصم يخرج في بلد يقال لها ~~ديلمان، ويكايد من أصحابه، وأعدائه ما لا يقادر قدره، ولكن عاقبته محمودة. # قال ms210 الفقيه حميد في (الحدائق): وهذا يشهد بشرفه حيث ذكر الله في كتاب ~~دانيال قال: ويحق له ذلك فإنه انتشر على يديه من الإسلام في تلك الجهات ما ~~شهرته تغني عن ذكره، وقد يقال : إن الذي أسلم على يديه مائتا ألف، وقيل: ~~ألف ألف نسمة. # وروي أنه أسلم على يديه في يوم واحد أربعة عشر ألف نسمة، وقد قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من أسلم على يديه رجل وجبت له الجنة )). PageV02P028 # واستقر الإسلام ببركته في تلك النواحي، وكان أكثرها لا يعرف فيها اسم الله، ~~بل هي باقية على الجاهلية، والمجوسية، كان ملكها جستان متزوجا بجدته ~~فأسلموا، وذلك بحميد سعيه، وحسن دعائه -عليه السلام-، لأنه كان في نهاية ~~الرفق واللين حتى عظم تأثيره في الدعاء إلى الله وقد شهد لذلك ما روي عنه، ~~فإنه قال في بعض مقاماته، وقد دخل آمل وازدحم الناس عليه في مجلسه، فقال: ~~أيها الناس، إني دخلت بلاد الديلم وهم يعبدون الشجر والحجر، ولا يعرفون ~~خالقا فلم أزل أدعوهم إلى الإسلام، وأتلطف بالعطف بهم حتى دخلوا فيه ~~أرسالا، وأقبلوا إليه إقبالا، وظهر لهم الحق، وعرفوا التوحيد والعدل، فهدى ~~الله بي منهم زهاء مائتي ألف رجل وامرأة، فهم الآن يتكلمون في العدل ~~والتوحيد، ويناظرون عليهما، ويقيمون حدود الصلاة المكتوبة، والفرائض ~~المفروضة، وفيهم من لو وجد ألف دينار ملقاة في الطريق لم يأخذ [ذلك] لنفسه، ~~وينصبه على رأس مزراقة ينشده ويعرفه، ثم قاموا بنصرتي، وناصبوا آبائهم ~~وأبنائهم وأكابرهم للحرب في هواي، لا يولي أحد منهم عن عدوه، ولا يعرفون ~~غير الإقدام، فلو لقيت منهم ألف جريح لم تر مجروحا في قفاه [وظهره] وإنما ~~جراحاتهم في وجوههم [وأقدامهم]، يرون الفرار من الزحف إذا كانوا معي كفرا، ~~والقتل شهادة وغنما، إلى آخر ما ذكره -عليه السلام-. # وروي عنه -عليه السلام- أنه قال: ليس لي شبر أرض ولا يكون إن شاء الله ~~تعالى، ومهما رأيتموني أقتني ذلك، فاعلموا أني قد خنتكم فيما دعوتكم إليه. PageV02P029 # وروي أن بعض عماله ممن رضيه من ms211 عمال آل طاهر: ذكر أقاليم الأموال المستخرجة ~~من كل واد، فامتنع الناصر من أخذها، فقال الرافع: كان آل طاهر عدولا، ~~والناس بذلك راضون. # قالوا: وكان مبلغها ستمائة ألف درهم، فقال: أنا ابن رسول الله لا ابن ~~طاهر، ومن شعره -عليه السلام- قوله: # واها لنفسي من حياتي واها %~% كلفتها الصبر على بلواها # وسوغ مر الحق مذ صباها %~% ولا أرى إعطائها هواها # أريد تبليغا بها علياها %~% في هذه الدنيا وفي أخراها # بكل ما أعلم يرضي الله # وكان في الشجاعة وثبات القلب بحيث لا تهوله الجنود، ولا يروعه العسكر ~~المحشود، وكان يبرز بين الصفين متقلدا مصحفه وسيفه، ويقول: قال أبي رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ~~وعترتي أهل بيتي)) ثم يقول: فهذا كتاب الله، وأنا عترة رسول الله، لمن أجاب ~~هذا وإلا فهذا، ويقول: # شيخ شرى مهجته بالجنة %~% واستن ما كان أبوه سنه # ولم يزل علم الكتاب فنه %~% يجاهد الكفار والأظنه # بالمشرفيات وبالأسنة # وله -عليه السلام-: # خشيت أن ألقى الإله وما %~% أبليت في أعدائه عذري # أو أن أموت على الفراش ضنا %~% موت النساء أجر في قبري # وعلمت أني لا أزاد بما %~% آتي وينقص من مدى عمري # فشريت للرحمن محتسبا %~% نفسا علي عظيمة القدر # أجري إلى غايات كل علا %~% مثلي إلى أمثالها يجري # لأنال رضوان الإله وما %~% فيه الشفاء لغلة الصدر # في فتية باعوا نفوسهم %~% لله بالباقي من الأجر # صبروا على عفر الخدود وما %~% لاقوا من البأسآ والضر # يا رب فاحشر أعظمي كرما %~% من بطن أم فراغل غبر # أوثعلب أو جوف ثعلبة %~% أو قضب ذيب أو معا نسر PageV02P030 وكانت مناقبه الشاهدة بفضله جمة كثيرة، فمن ذلك أنه قصد [ذات يوم] بعض ~~المساجد، وكان منفردا من الأصحاب، ولا سلاح معه، فرآه بعض أعدائه فطمع فيه ~~وعمده، فلم يجد شيئا يدافع به عن نفسه، فعمد إلى صخرة صماء فسخرها الله له ~~فقبض منها شيئا فرمى بها وجه عدوه، فبقيت آثار أصابعه يزارذلك ويتبرك به. # ومن ذلك أن رجلا كان يتحرب ms212 في الطرقات ومعه كلب قد عوده أنه إذا شاهد من ~~يطمع فيه أرسله، فيعمد الكلب إلى موضع العورة من الرجل، ثم يأتي صاحبه، وقد ~~كفاه المؤنة، فيأخذ ماله، فأقبل الناصر ذات يوم منفردا، وقعد يأكل شيئا من ~~الطعام، فأرسل الرجل كلبه عليه كجاري عادته، فلما وصل الناصر قعد بالقرب ~~منه، ولم يتعرض له، ورمى له الناصر بشيء من الطعام، وأقبل الرجل، فدعا ~~الناصر الله سبحانه أن يسلط عليه كلبه، فسلط عليه فقتله، وانصرف الكلب مع ~~الناصر، وأقام مدة، وكان ربما يحضر معه في شيء من حروبه، فيؤثر في الأعداء ~~حتى كان في بعض الأيام وعمل رجل مائدة للناصر، فتقدم والكلب خلفه فلما ~~استقر الطعام بين يدي الناصر نبح الكلب نباحا عظيما بخلاف العادة، وهم ~~بالطلوع، فمنع من ذلك، وكانوا قد طلعوا إلى موضع بسلم، فأمرهم الناصر أن ~~يخلوا بين الكلب وبين الطلوع، فطلع ووقف بين يدي الناصر، وأكل شيئا من ~~الطعام قبل الناصر فمات من حينه، وكان الطعام مسموما، فسلم الناصر وأصحابه، ~~ومن ذلك أن الناصر وقف ذات يوم بالقرب من ماء، وفيه ضفادع كثيرة وحيات، فخرجت PageV02P031 منه ضفدع، فقصدتها حية، فدخلت الضفدع خلف الناصر كالمستجيرة به، فدعا الله ~~أن يسلط الضفدع على الحية، فاستجاب الله دعاءه، وغدت الضفدع على الحية ~~فقتلتها. # قلت: وإلى هذا أشار السيد، بقوله: # صالت ضفادع أمواه بدعوته.. (البيت) # ويقال: إن الضفادع من تلك المدة تقتل الحيات مستمرا من بركات هذا الإمام ~~عند الله تعالى. # وأما قول السيد صارم الدين: دعا عقيب ابن زيد.. فهو يعني به محمد بن زيد ~~المقدم ذكره. # ففي الرواية أنه لما قتل محمد بن زيد بجرجان، وقد كان الناصر حضر معه ~~الوقعة، فانهزم في جملة المنهزمين، امتد إلى الري على طريق الدامغان، ثم ~~خرج إلى جيلان، وابتدأ يعرض الإسلام على الجيل الذين هم على جانب الديلم، ~~فأسلموا كلهم على يديه، وذلك في سنة سبع وثمانين [ومائتين] بعد ظهور الهادي ~~-عليه السلام- باليمن الخرجة الأولى بسبع سنين، وقد كان أيام قدم على الحسن ms213 ~~بن زيد إلى طبرستان جرى له بعد موته مع أخيه محمد بن زيد قصة عجيبة، وهو أن ~~محمد بن زيد كان يتهمه بأنه منطو على طلب الأمر والدعاء إلى نفسه، ومستشعر ~~الفزع منه لمعرفته لفضله وعلمه إلا أنه كان لا يعدل به عن طريق الإكرام ~~والاحتشام. # قال الشيخ أبو القاسم البلخي: كنا في مجلس الداعي محمد بن زيد بجرجان، ~~وأبو مسلم بن بحر حاضر، وكنا جميعا ممن يذب عن الناصر في تكذيب من ينسب ~~إليه طلب الأمر، فدخل يوما والتفت إلى أبي مسلم، وقال: يا أبا مسلم، من ~~القائل: # وفتيان صدق كالأسنة عرسوا %~% على مثلها والليل تغشى غياهبه # لأمر عليهم أن يتم صدوره %~% وليس عليهم أن تتم عواقبه PageV02P032 قال: فعلم أبو مسلم أنه قد أخطأ في إنشاد ذلك، لأنه يستدل به على أنه معتقد ~~للخروج وإظهار الدعوة، فأطرق كالخجل، وعلمت أنا مثل ما علمه، فأطرقت وفطن ~~الناصر لخطابه، فخجل وأطرق ساعة وانصرف، فلما انصرف التفت الداعي محمد بن ~~زيد إلى أبي مسلم، فقال : ما الذي أنشده أبو محمد؟ فقال: أنشد -أطال الله ~~بقاء الداعي-: # إذا نحن أبنا سالمين بأنفس %~% كرام رجت أمرا فخاب رجاؤها # فأنفسنا خير الغنيمة إنها %~% تؤب وفيها ماؤها وحياؤها # فقال الداعي محمد بن زيد: أو غير ذلك إنه يشتم رائحة الخلافة من جبينه. انتهى. # قالوا: وكان الناصر -عليه السلام- لما دخل آمل وصار إماما، ولى الداعي ~~الحسن بن القاسم [بن الحسن] بن علي بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن ~~زيد بن الحسن أمر جيشه الجميع لشهامته، وحسن بلائه بين يديه، وورعه، ودينه، ~~ولأنه لم يكن من أولاد الناصر من يعتمد عليه في ذلك لأن أبا الحسن كان مع ~~فضله في الأدب على غير طريقة السداد، وكان الناصر معرضا عنه، منكرا لفعله، ~~وأبو القاسم وأبو الحسين كانا صغيرين، فلما ترعرعا كان يستعين بهما فيما ~~يجوز أن يستعان فيه من الشباب، ثم وقع بين الناصر وبين الحسن هذا وحشة، ~~سببها أنه قدم ولده أبو القاسم، والقصة مشهورة خلاصتها: ms214 # أنه لزم الناصر واعتقله مدة، ثم أخرج عليه كرها، ولم يؤاخذه الناصر -عليه ~~السلام- بل لما مرض استؤمر فيمن يقوم مقامه. PageV02P033 # وقيل له: يعهد إلى أحد أولاده، فقال: وددت أن يكون فيهم من يصلح، ولكن لا ~~أستحل فيما بيني وبين الله [تعالى] أن أولي أحدا منهم أمر المسلمين والحسن ~~بن القاسم أحق بالقيام بهذا الأمر ثم توفي بآمل ليلة الجمعة لخمس بقين من ~~شعبان سنة أربع وثلاثمائة، وله -عليه السلام- أربعة وسبعون سنة، وكان آخر ~~شعره قصيدة أولها: # أناف على السبعين ذو الحول رابع %~% ولا بد لي أني إلى الله راجع # وصرت أبا جد تقومني العصا %~% أدب كأني كلما قمت راكع # ... PageV02P034 ### | [من أخبار الإمام الداعي الحسن بن القاسم] # قال السيد أبو طالب: ثم قدم الداعي آمل في شهر رمضان يوم الثلاثاء لأربع ~~عشرة خلت منه، فبدأ بقبر الناصر زاره، ثم بويع له ثانية، وهو يوم الأربعاء، ~~وأظهر حسن السيرة في الأمور كلها من بسط العدل والإحسان إلى الأشراف، وأهل ~~العلم والتشدد على أهل العبث والفساد على ما يضرب به المثل بطبرستان، ~~فيقال: (عدل الداعي). وبقي في الأمر بعد الناصر اثنتي عشرة سنة وأشهرا، ~~واستشهد سنة ست عشرة وثلاثمائة في شهر رمضان، وقد بلغ عمره اثنيتن وخمسين سنة. # قلت: وهو والد أبي عبد الله الداعي الآتي ذكره، فهذا الذي يضرب المثل ~~بعدله، وقد ذكر السيد صارم الدين: أنه ولده، ولعلهما اتفقا في السيرة ~~والمثل، والله أعلم. PageV02P035 ### | [أخبار الإمام المرتضى بن الهادي -عليهما السلام-] # وما ارتضت مرتضانا حين طلقها %~% لعلم مكنون ما في الجفر من أثر # وسلم الأمر مختارا وقلده %~% أخاه أحمد مغني كل مفتقر # عن رأي سادات أهل البيت عن كمل %~% وكل قيل من الأذواء معتبر # هو: أبو القاسم محمد بن يحيى بن الحسين، غصن من أغصان الخلافة الناظرة، ~~وبدر من بدور العترة الطاهرة، ورضيع ثدي الإيمان، وحليف السنة والقرآن، ~~وأمه فاطمة بنت الحسن بن القاسم بن إبراهيم، فهو كريم الطرفين، متناسب ~~الأبوين، وله العلوم الحسنة، والتصانيف المستحسنة في أصول الدين، وفروع ~~الفقه، ms215 وعلوم القرآن. # وكان في الزهد والورع بحيث لا يختلف فيه اثنان، ولا يحتاج إلى إقامة ~~برهان، وله في الشجاعة المقامات المحمودة، والمواقف المشهودة بين يدي أبيه، ~~فكان قطب رحى الحرب إذا دارت، ومسعر نارها إذا التهبت وطارت، انتهت به ~~الحال إلى أن أخذ أسيرا في بعض الحروب، وأقام مدة في ناحية بيت بوس حتى ~~خلصه الله سبحانه، وله في ذلك أشعار كثيرة، وهي موجودة في سيرته -عليه ~~السلام-، منها قوله: # أمير المؤمنين تعز عني %~% ولا تحفل ببعدي واغترابي # وهبني كنت في القتلى صريعا %~% بأطراف الأسنة والحراب # وقم لله مجتهدا مجدا %~% فمثلك لا يعلم بالصواب # وكيف وأنت أفضل من عليها %~% وأبصر بالعلوم وبالكتاب # هذا بعضها وإلا فقدرها أربعة وعشرون بيتا، حتى قال في آخرها -عليه ~~السلام: # فلا تخضع لأهل الكفر وانصب %~% رماح الخط واجعلها حراب PageV02P036 واعلم أن هذه القصيدة جواب على أبيه في قصيدة أرسل بها إليه، وهو محبوس مع ~~القرامطة -لعنهم الله تعالى-، وهي قدر تسعين بيتا -عليهم السلام ورحمة الله ~~تعالى-. # ولما توفي الهادي -عليه السلام- وعظم الخطب بوفاته لكثرة القرامطة بأرض ~~اليمن، وتقوي أمرهم اجتمع الناس إلى المرتضى، وقد كربهم الأمر، فأجهشوا ~~بالبكاء، فلما سكتوا، وسكتت أصواتهم قال لهم: جزاكم الله من أهل محبة ~~وولاية خيرا، ونعم الإمام كان لكم الهادي -عليه السلام- الناصح لكم، الحدب ~~عليكم، إلى آخر ما ذكره، [عليه السلام] ثم أنشأ يقول: # يسهل ما ألقى إلى الوجد أنني %~% مجاوره في داره اليوم أو غدا PageV02P037 فارتجت البلد بالبكاء، وتكلم كل واحد بمبلغ علمه ورأيه، ثم زاد تكلم ~~المرتضى -عليه السلام- ووعظهم كثيرا، ثم بايعه الناس غرة المحرم سنة تسع ~~وتسعين ومائتين، وأقام بصعدة، وفي يده بلد همدان، وخولان، ونجران، وأقام ~~على ذلك مديدة، وسير جنوده لقتال القرامطة، فقتلوهم في كل فج، واستقامت له ~~الأمور حتى إذا دخل شهر ذي القعدة من السنة المذكورة، وجمع وجوه العشائر ~~قبله، وعاب عليهم أشياء كرهها منهم، وعزم على الاعتزال والتخلي من الأمر، ~~وقال في خطبة خطبها عند ذلك: ثم إنكم -معاشر المسلمين- أقبلتم ms216 إلي عند وفاة ~~الهادي رضي الله عنه [وأرضاه]، وأردتموني أقبل بيعتكم، فامتنعت ودافعت، ولم ~~أسلم من إجابتكم إلى ما طلبتم مني خوفا من استيلاء القرمطي -لعنه الله- على ~~بلادكم، وتعرضه للضعفاء والأيتام والأرامل منكم، فأجريت أموركم على ما كان ~~الهادي يجريها، ولم ألتبس بشيء من عرض دنياكم، ولا تناولت قليلا ولا كثيرا ~~من أموالكم، فلما أخزى الله القرمطي، {وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله ~~قويا عزيزا}[الأحزاب:25] تدبرت أمري وأمركم، ونظرت فيما أتعرفه من أخلاقكم، ~~فوجدت أموركم تجري على غير سننها، وألفيتكم تميلون إلى الباطل، وتنفرون عن ~~الحق، إلى أن قال: وذلك بعد رجوعي إلى كتاب الله سبحانه، واشتغال خاطري ~~بتدبير آياته، وإعمال فكري ونظري في أوامره، وزواجره، ومحكمه، ومتشابهه، ~~وخاصه، وعامه، وأمره ونهيه، وناسخه ومنسوخه، فوجدته يوجب علي التبري من هذا ~~الأمر إيجابا محكما، ويلزمني تركه إلزاما قطعا، فاتبعت PageV02P038 عند ذلك أمر الله، ونزلت عند حكمه فإن تقم لله عز وجل علي بعد ذلك حجة، ~~ووجدت على الحق أعوانا، وفي الدين إخوانا، قمت لأمر الله طالبا لثوابه، ~~حاكما بكتابه، وإن لم أجد على ذلك أعوانا صالحين، وإخوانا لأمر الله ~~متبعين، لم أدخل بعد اليقين في الشبهة، ولم أتلبس بما ليس لي عند الله ~~[فيه] حجة، وكنت في ذلك كما قال الله تعالى:{فتول عنهم فما أنت بملوم ~~}[الذاريات:54] إلى آخرها، ثم اعتزل الأمر وخلا بربه، وآثر عبادته على كل ~~شيء، وصرف عماله من بلد همدان وخولان وغيرهما،ولزم منزله في صعدة، وأقام ~~بعض بني عمه يصلح بين الناس، وكان أخوه الناصر في الحجاز، فقدم بعد ذلك، ~~وأشار المرتضى عليه بالقيام [بالأمر] فقام به. # قال مصنف سيرة الناصر : كنت أتصل بالإمام المرتضى، وأتكلم بما أحب بين ~~يديه، وكنت أشرح له أخبار الناس وأحوالهم، وما قد يداخلهم من السرور؛ لأجل ~~توقفه، فيقول: أبشر أظلك [الله] الذي تطلب، ودنا منك ما فيه مرغب. PageV02P039 # فكنت أرى أنه يذكر بذلك قيامه لكثرة عرض الناس أنفسهم عليه، وهو في ذلك ~~يعيد لهم القول الأول، ويدافعهم عن نفسه، فسألت عبد ms217 الله بن محمد بن ~~السعدي، وكان من أفاضل أصحاب الهادي -عليه السلام- وأخيارهم، وأهل البصائر ~~منهم، وذوي السابقة في الهجرة إليه، والمشاهد الشريفة معه، وهو من بني سعد ~~بن بكر بن هوازن، وكانت له المنزلة الرفيعة عند المرتضى، فسألته عن قوله ~~لي: أبشر بالذي تريد؟ فقال: نعم، هو أبو الحسن أحمد بن الهادي قادم إلى ~~البلد، وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحمدت الله سبحانه ~~وانصرفت، فلما كان في شهر محرم [في] سنة إحدى وثلاثمائة قدم الناصر بن ~~الهادي من الحجاز، فأقبل الناس إليه، وسألوا المرتضى إن كان غير قائم ~~بأمرهم أن يعينهم على أخيه في القيام بذلك والبيعة منهم له، ولم يبعدهم عن ~~ذلك، ودافعهم الناصر أيضا، فكان هو والمرتضى أيامهما تلك في خلوة، ولا شك ~~أنهما ينظران فيما يستقيم به أمر الرعية، ثم إن الناصر استدعى نفرا من أهل ~~بيته [وأصحاب أبيه]، فعرفهم بما طلب منه الناس من إقامة أحكام الشريعة، وأن ~~ذلك واجب إذ قد وجد عليه أعوانا، وشاروهم في الأمر، فتكلم أهل بيته، ثم ~~تكلم وجوه من حضر من أصحاب أبيه، فكلهم أوجب له الطاعة والرضا بقيامه، ولم ~~يلبث أن جاء رسول المرتضى بالمصير إليه، ودخل الناس عليهما، فوجدناه قاعدا ~~عن يمين المرتضى، [فتكلم المرتضى] وذكر ما طلب الناس من القيام بالأمر، ~~وبايع أخاه أحمد، ثم بايعه الناس أولا فأولا. PageV02P040 # وفي بعض الروايات أن رجلا من شيعة الهادي كان له محل عند الهادي، قال له: ~~من الخليفة بعدك، والقائم بالأمر من آل رسول الله بعد وفاتك؟ فأبطأ عليه ~~الجواب، ثم أعاد السؤال، فقال له: يا أخي، أحمد يعني ابنه، ثم قال له: ثم ~~من؟ فقال: حسبك إن عمرت عمر ثلاثة أئمة في كلام من نحو هذا. # قلت: ولعل هذا يعني ما أشار إليه السيد صارم الدين بقوله: # يعلم مكنون ما في الجفر من أثر... والله أعلم. # رجع [الكلام] قالوا: وتوفي المرتضى -عليه السلام- بصعدة سنةعشرة ~~وثلاثمائة وله اثنتان وثلاثون سنة، ذكره السيد أبو طالب، ودفن إلى جنب ~~أبيه، ms218 وله من الأولاد: أبو محمد القاسم، وإسماعيل، وإبراهيم، وعلي، وعبد ~~الله، وموسى، ويحيى أبو الحسين وهو الخارج بالديلم الملقب بالهادي -الذي ~~روى عن عمه كتاب (الأحكام) وروى (المنتخب)-، والحسن، والحسين، ومن البنات: ~~أسماء، وخديجة. # ومن ذرية المرتضى: الشريفة الفاضلة العابدة: صاحبة السنام، وإنما سميت ~~صاحبة السنام، لأنه يروى أنه كان ينبت في موضع ظهرها مثل سنام الجمل ملحا ~~كلما أزيل عاد كما كان، وذلك من بركتها، واسمها: حنة بنت عبد الله بن ~~الحسين، وتوفيت سنة خمسمائة وقبرها بمقبرة دار الغزال من مقابر صعدة، وهو ~~مشهور مزور. # والعقب للإمام المرتضى، في جهات اليمن هو من ذرية عبد الله بن المرتضى، ~~والذين في العراق من ذرية يحيى، وهو أبو الحسين الخارج بالديلم كما تقدم ~~ذكره، والله أعلم. PageV02P041 ### | [أخبار الإمام الناصر أحمد بن الإمام الهادي بن الحسين -عليهما السلام-] # فدوخ اليمن الأقصى إلى عدن %~% مع الجبال كبعدان وكالشعر # وكان يوم (نغاش) منه ملحمة %~% مع القرامط لم يبق ولم يذر # وعد سبعة آلاف مضوا عجلا %~% حصائدا بين مرمي ومجتزر # وبالمصانع أخرى منه تشبهها %~% حلت عرى الشرك من كوني ومن قدر # الضمير في قوله: فدوخ اليمن الأقصى.. عائدا إلى أحمد المذكور فيما تقدم، ~~وكنيته الناصر لدين الله، واسمه أحمد بن يحيى بن الحسين، وأمه أم أخيه ~~المرتضى -عليهم السلام- [وكان] قد نشأ على الزهادة، وتربى على النسك ~~والعبادة، حتى كان ذلك له ديدنا وعادة، واقتبس من نور والده الوقاد، وكرع ~~في علم السلف والأجداد، حتى ارتوى من معين علمهم، واستمطر ربابات فهمهم، ~~فله التصانيف المفيدة، والكتب العتيدة، وهي مشهورة، وفي الكتب مذكورة. # وقول السيد صارم الدين: # حلت عرى الشرك من كوني ومن قدر # إشارة إلى [أن] القرامطة الأولى، كانوا يقولون بمعبودين السابق (كوني) ~~والثاني يسمونه قدرا ويستدلون على إثبات قدر بقوله تعالى: {إنا كل شيء ~~خلقناه بقدر }[القمر:49]. # وقد أشار إلى ذمهم بذلك شاعر الناصر الآتي ذكره. PageV02P042 # قال مصنف سيرة الناصر: ولما قدم -عليه السلام- من الحجاز في آخر ذي الحجة ~~من سنة ثلاثمائة اجتمع إليه وجوه ms219 خولان، فاستعانوا به على أخيه المرتضى أن ~~يقوم فيهم، فكره المرتضى ذلك، فسألوا الناصر القيام فيهم على ما كان والده ~~فأجابهم، فأعطوه العهود والمواثيق على القيام معه على كل من ناوأه، وكانت ~~بيعته يوم الجمعة في مسجد الهادي الذي فيه قبره عليه السلام، ثم ركب إلى ~~صعدة القديمة في ذلك اليوم، فاجتمع خلق كثير. # قيل: إنهم ملأوا ما بين صعدة والغيل، وأنشده شاعره إبراهيم بن محمد ~~التميمي في ذلك قصيدة [طويلة] أولها: # عادات قلبك يوم البين أن يجبا %~% وأن تراجع فيه الشوق والطربا # ثم خرج إلى المدح فقال: # قوم أبوهم رسول الله حسبهم %~% بأن يكون لهم دون الأنام أبا # من ذا يفاخر أولاد النبي ومن %~% هذا يداني إلى أنسابهم نسبا # وهي قصيدة جيدة، ومنها قوله في القرامطة: # وصيروا (قدرا) ربا وسابقه %~% (كوني)وقد قسما الأرزاق واحتسبا # وهو الذي أشار إليه السيد صارم الدين. # قالوا: ثم شاور الناصر خولان في نهوضه إلى الحجاز لأهله، فجددوا بيعتهم ~~له، ولأخيه المرتضى على نصرتهما وأولادهما ما بقوا على الأرض، فقدم من ~~الحجاز بعمه عبد الله وغيره من أهله. PageV02P043 # وكانت له -عليه السلام- حروب أكثرها مع الباطنية، وقد كانت شوكتهم قوية في ~~عصره، وأظهروا المنكرات كلها، وشربوا الخمر في شهر رمضان استخفافا بحرمته، ~~وسجعوا سجعا زعموا أنه قرآن نزل على رأسهم في الإلحاد علي بن الفضل، فكانت ~~جنود الناصر في كل وقت تأخذ منهم بالثأر، وتنقم الأوتار، وكان آخر الوقعات ~~وأعظمها وقعة نغاش، وقد كان اجتمع من الباطنية خلق كثير من المغارب، وناحية ~~تهامة، وقائدهم يومئذ عبد الحميد بن محمد صاحب مسور، وندب الناصر عليه ~~السلام عليه قواده، وهم: إبراهيم بن المحسن العلوي وأحمد بن محمد الضحاك ~~وعبد الله بن عمر وغيرهم من الرؤساء، وكان عدة جنود الحق إلى ألف وسبعمائة، ~~والباطنية إلى سبعة آلاف. # قالوا: فلما كان يوم الثلاثاء غرة شهر رمضان من سنة سبع وثلاثمائة نهض ~~جند الناصر -عليه السلام- قاصدين للقرامطة في نغاش وصاح شعيب بن محمد ~~السبيعي الأرحبي، فقال: يا معشر همدان، اسمعوا قولي، ms220 وعوا كلامي، والله، ~~لئن لم أر هذه المضارب خرقا في أيديكم في يومكم هذا ليحلن بكم البوار، ~~ولتكونن للقرامطة بمنزلة حمير عليها براذعها في أيامكم، ولتهتكن حرمتكم، ~~وليذهبن عزكم، فقدموا فدتكم نفسي بالضرب قدما، ولا تنظروا إلى تهويل ~~القرامطة المشركين، فليسوا لكم بنظراء، وما بينكم وبين أن تنالوا من عدوكم ~~ما تريدون إلا صبر ساعة يسيرة، ثم تفوزون بالنصر [والظفر]، وبفخر هذا اليوم ~~باقي الأيام. PageV02P044 # قال مصنف سيرة الناصر -عليه السلام-: ولقد رأيت من سمعه من العسكر اهتزوا ~~بقوله اهتزاز العرب، وحركتهم الحرية والنشاط، فصمموا قدما وعبأت القرامطة ~~عساكرهم على رأس جبل [نغاش]، وكان قائدهم عبد الحميد في القلب بأهل لاعة، ~~وما يليها من بني شاور ومن تابعهم، وفي الميمنة القائد الآخر وهو محمد بن ~~إسماعيل الجوبي، وعبد الله بن [أبي] الملاحف الصنعاني وكانوا في حجور، ~~وعيان، وأهل حفاش، وملحان، والضلع، ومسور، والأعرار، وفي الميسرة يوسف بن ~~يعقوب الوردي وهم أصحاب ركاب القرمطي وأهل الثقة عنده فسار كل واحد من ~~الفريقين حتى تناظروا وتدانوا فاقتتل الناس حتى زالت الشمس، وطلع إبراهيم ~~بن المحسن وكان ردءا للقوم فاقتلعوا مضارب القرامطة، ودخلوا معسكرهم، وولت ~~القرامطة منهزمين لا يلوي أحد منهم على أحد حتى قتل منهم بشرعظيم وأفلت عبد ~~الحميد والرماح في قفاه، وكان تحته فرس جواد ونجى عليه بعد أن كان قد دنا ~~عطبه، وتغنم الناس من السلاح والدواب ما يكثر ويعظم، وانصرفوا عنه، وإذ ~~مضاربهم تحرق في أيديهم علىما حرض عليه شعيب بن محمد وقال عبد الله بن أحمد ~~التميمي أرجوزة أولها: # عوجا خليلي أوان الموسم # ثم خرج إلى ذكر الوقعة فقال: # القرمطي ذي الضلال المرزم # عبد الحميد ذي الفعال المؤثم # إذ فر لا يقصر عن حلملم # وخلف الدعاة لحم الوضم # إياك يا أبا حسن لم نعدم # وسيد لسيد معمم # وباذخ لباذخ عرمرم # من خضرم سلالة لخضرم # وملك بملك عشمشم # ومقول لمقول لم يخضم PageV02P045 وصمد لصمد لم يرغم # من معدن أركانه لم تهدم # بعزة مشكورة لم تذمم # وماجد لماجد لم يبرم ms221 # يلقى الوفود غير كاني الميسم # وأنت نور في الظلام الأقتم # قالوا: فاستقر عبد الحميد في حلملم وتبدد عسكره، وانحل نظام جمعه، وأقام ~~المسلمون في قصر الحمراء يوم الأربعاء، فلما كان يوم الخميس كتبوا إلى ~~الناصر [-عليه السلام-] يعلمونه بما كان من النصر المبين، وأمروا بأخماس ~~الغنائم، وجمع من رؤوس القتلى، وعاد كل من القواد إلى مركزه وموضعه، فعاد ~~جواب الناصر [-عليه السلام-] يحضهم على جهاد القرامطة، وقصدهم إلى أوطانهم، ~~فنهض الجند إلى حلملم، فهرب عبد الحميد وخلف في حلملم رجل من أصحابه، ~~فقصدهم عبد الله بن محمد السعدي في عسكره. # فلما أيقن به [من] في حلملم ولوا هاربين إلى جبل ميتك فدخل السعدي حلملم، ~~فأحرقها بالنار واستولى على ما فيها من الطعام، وطلع عبد الحميد إلى جبل ~~مدع، ثم نهض العسكر كله إلى المصانع، فلما علم بهم هرب إلى مسور. # قال مصنف سيرة الناصر -عليه السلام-: وفتتت هذه الوقعة أعضاد الملحدين. # قال: ولقد شهدت الحروب، وعاينتها منذ بلغت الحلم، فما رأيت يوما كيوم ~~(نغاش) قتلا من أعداء الله. PageV02P046 # قال: ولقد أقمت فرسي في موضع كثر فيه القتل، فسمعت للدماء دويا كدوي الماء ~~إذا هبط من صعود، [قال -رحمه الله-] ولقد رأيت ظبيا مقتولا، [قد سقط بين ~~قبيلتين] وحدثني بعض أصحابنا أنه رأى ظبيين مقتولين في موضع آخر، وذلك أنه ~~لما وقعت الهزيمة في القرامطة مع كثرتهم طلعوا الجبل، فدخلت الوحش [بينهم] ~~فقتلت معهم. ودخل كثير من القرامطة بين القتلى وتضمخوا بالدماء، فلما جن ~~عليهم الليل فلتوا. # قال: ولقد بان لي من ذلك أني أشرفت على موضع من البون، يقال له: باهرة ~~حين رجع المتبع من أصحابنا، فرأينا الجبل أنها كالسيل من القرامطة عراة ~~يسعون هربا ممن كان مندسا في الجبال والشعاب، وتحت الأعناب، وذلك أن كثيرا ~~من عسكرنا مل القتل فسلب وخلاهم، ولقد كررت راجعا على شعب فيه قتلى كثيرة ~~قد ركب بعضهم بعضا، فقلت لمن معي: احفظوا هذا المكان حتى ننظر غدا، فلما ~~كان من الغد نظرت إليه فوجدته ms222 رقيقا بخلاف ما كان، فعلمت أنه كان فيهم ~~أحياء دخلوا بين القتلى، ثم صح لنا الخبر بعد ذلك. # قال: ولقد اجتهدنا أن نعلم عدد القتلى فما قدرنا على ذلك لتباعد الشعاب ~~وافتراق الأمكنة. قال: وفقد من دعاتهم وأهل الرئاسة فيهم ثمانية وأربعون ~~داعيا، ولقد وجدنا بعد ذلك قتلى كثيرة في شعاب نغاش بسلاحهم وثيابهم ما سلبوا. # قال: وما قتل من أصحابنا سوى رجل من أهل البون أخطأ به بعض أصحابنا، وقال ~~شاعر من جند الناصر يمدح أبا جعفر أحمد بن محمد الضحاك الهمداني: PageV02P047 # إن الهمام البطل المعيدى %~% رمى رجال مسور بالكيد # يوم نغاش فرقوا بالأيدي %~% ورمحه خلفهم كالصيد # وهم عناديد كفريق الذود %~% قيدهم صارمه بقيد # قالوا: ولما استقر عبد الحميد بمسور قصدته جنود الناصر [لدين الله -عليه ~~السلام-]، فأحاطت به من جميع جوانبه، وضايقوه أشد المضايقة، وقتلوا فيهم في ~~وقعات كثيرة فما أنقذهم من سطوة الحق إلا جنود المسودة وصلت من العراق إلى ~~زبيد، ووصلوا من هناك قاصدين إلى جنود الناصر -عليه السلام-، وكان مجيئهم ~~بمراسلة من القرامطة ولم يزل الناصر -عليه السلام- ساعيا في إقامة الدين ~~حتى توفي رحمه الله سنة خمس وعشرين وثلاثمائة والمعارض له ولأخيه المقتدر ~~العباسي، ودفن الناصر -عليه السلام- إلى جنب أبيه. قال الحاكم: وبعض ~~الزيدية لا تقول بإمامة المرتضى والناصر. قال: وقد كانا جامعين للشروط، ~~وخصل الانتصاب، ولا بد من القول بإمامتهما، وخلف الناصر أولادا، وهم: ~~القاسم أبو محمد، وفاطمة أمهما رقية بنت إبراهيم بن محمدبن القاسم، ~~وإسماعيل، والحسن، وجعفر، ويحيى، وعلي لأمهات أولاد.وكانت مدة ولايته فيما ~~ذكر الفقيه حميد -رحمه الله- في كتاب (الحدائق) ثلاث عشرة سنة، وملك -عليه ~~السلام- الجوفين، وكانت له زراعة قوية في الجوف، وبلغ عدد البقر السود على ~~حدها دون ما عداها ثلاثمائة ثور أسود، كانت تقوم على زراعته -عليه السلام- ~~بشط معين ومشهده عند أبيه وأخيه مشهور مزور. PageV02P048 # ومن خطبة [له] -عليه السلام-: ألا وإني إنما دعوت إلى ما دعا إليه من كان ~~قبلي من الأئمة الصالحين والعباد المخلصين، أنا عبد الله وابن ms223 نبيه، صلى ~~الله عليه وآله وسلم الشاري نفسه لله [سبحانه]، الغضبان لله جل ثناؤه إذا ~~عصي في أرضه واستخف بفرضه، وقلت الدعاة إلى دينه، فلو أسعفني الأعوان، ~~وعاضدني الأنصار، وصبر على دعوتي أهل الأديان، لعلوت فرسي، واعتضدت رمحي، ~~وتقلدت نجاد سيفي، ولبست درعي، وقصدت أعداء الله عز وجل، [وكافحت الأقران، ~~وعاطيتهم كؤوس الطعان]، صابرا محتسبا، مسرورا جذلا، إذا أشرعت الأسنة، ~~واختلفت الأعنة، ودعيت نزال لمعانقة الأبطال، وسالت الدماء، وكثرت الصرعى، ~~ورضي الرب الأعلى، فيا لها!! خطة مرضية لله عز وجل ثناؤه، وما أشرفها!!، ~~فأنا أشهد الله لوددت أني أجد إلى حيلة سبيلا يعز فيها الدين، ويصلح على ~~يدي أمر هذه الأمة، وإني أجوع يوما وأطعم يوما حتى تنقضي أيامي، وألاقي ~~حمامي، ولو أمكن ذلك ما نزلت عن فرسي إلا لوقت صلاة، والصفان قائمان، ~~والجمعان يقتتلان، والخيلان يتجاولان، فأكون في ذلك كما قال شاعر أمير ~~المؤمنين بصفين: # أيمنعنا القوم ماء الفرات %~% وفينا السيوف وفينا الحجف # وفينا الشوازب مثل الوشيج %~% وفينا الرماح وفينا الزعف # وفينا علي له سورة %~% إذا خوفوه الردى لم يخف PageV02P049 وكان كما قال جدي القاسم [بن إبراهيم] -عليه السلام-: # دنياي ما زال همي فيك متصلا %~% وإن جنابك كان المزهر الخضرا # إذا انقضت حاجة لي منك أعقبها %~% هم بأخرى فما أنفك مفتقرا # متى أراني إلى الرحمن مبتكرا %~% في ظل رمحي ورزقي قل أو كثرا # ثم قال الناصر -عليه السلام- عقيب هذه الخطبة: لكن قل المعين على هذا ~~الدين، فأنا وحيد دهري، وغريب في أمة جدي، وقد شغل بذلك قلبي وضعف عزمي، ~~انتهى ذلك. # ومن شعره -عليه السلام- قوله: # أبعد الأربعين رجوت خلدا %~% وشيبك في المفارق قد أتاك # كأني بالذي لا بد منه %~% من أمر الله ويحك قد دهاك PageV02P050 ### | [ذكر ثلاثة أئمة آخرين] # ولابنه الماجد المنصور ما سمحت %~% بقود ذي لجب كالبحر معتكر # واستعبرت من بني الضحاك إذ فتكوا %~% ظلما بأفضل مختار من الخير # فعاجلتهم رزاياها بمنتصر %~% لغدرهم ثابت الأقدام في الغدر # ذكر السيد صارم الدين في هذه الأبيات الثلاثة ثلاثة أئمة من ms224 أهل البيت ~~[-عليهم السلام-] لم يذكرهم الإمام المهدي -عليه السلام- في (البحر) ولا ~~الحاكم في (شرح العيون). PageV02P051 ### || [الأول الإمام المنصور بن الناصر] # الأول منهم: المنصور يحيى بن أحمد بن الهادي إلى الحق -عليه السلام- مات ~~في شهر محرم سنة ست وستين وثلاثمائة، وقبره في مشهد الهادي بصعدة.قال ~~السيد: وكان من أعلام الأئمة، وهداة هذه الأمة، وله علم باهر، ومعرفة تامة، ~~يعرفها الخابر، قال: وله مسائل، وقف عليها، يذكر فيها عن أبيه [وجده]، ~~ويكثر الرواية عن عمه المرتضى، وعارضه أخوه القاسم، وهو المسمى بالمختار، ~~وأخوه الحسن بن الناصر وكان خراب صعدة القديمة على يدي الحسن هذا، وأخيه ~~المختار سنة تسع وأربعين وثلاثمائة ثم توفي الحسن بعد ذلك في شوال من هذه ~~السنة، وأسر أخوه المختار في سنة 45، ذكر ذلك في (تأريخ صنعاء الصغير). PageV02P052 ### || [الثاني: الإمام المختار بن الناصر] # الثاني: الإمام المختار، واسمه القاسم بن الناصر، استشهد بريدة، ونقله ~~ابن أخيه الإمام يوسف الداعي إلى صعدة، وقبره في المشهد المقدس، وكان ~~الضحاك الهمداني قد أسره وحبسه بالقصر من ريدة، ثم قتله بعد ذلك. قالوا: ~~وكان قد ألزمه تأديب أولادهم، وتعليمهم القرآن، فكان ذلك مما نفع الله به ~~الدين، فإنه علم قيس بن الضحاك، فنشأ قيس على محبته، وولايته، وكانت له ~~ديانة حسنة، فكان أهل بيته يزدرونه، فربما مر بهم، ومعه مشعل طهوره، ~~فيسخرون منه، فلم يلبث قيس أن نهض بالرئاسة، وجمع عساكر وجنودا شتى من ~~نجران، ونجد، والسراة، فأقبل بتلك العساكر حتى أوقع بقومه بخيوان، فكان ممن ~~قتل أبوه، ووطئ بلاد همدان، واستولى على الأمر. # قالوا: وقد كان أيام المختار في الحبس يدخل عليه فساق همدان بالخمر ~~فينجسونه، ويقولون: اشرب، أو شم يا مولانا هذه الروائح، فيدخل عليه بعض ~~شيعته، وهو يبكي كل جمعة، فيقلع ذلك الشيعي طين المسجد الذي قد نجسوه، ~~ويطينه بطين جديد، ويغسل له ثياب صلاته، وما قد نجسه القوم مما يتعلق به، ~~فكان هذا دأبهم ودأبه حتى قتلوه، فانتصر له قيس هذا، ويقال: إن أكثر ~~الأسباب في ظهور مذهب الهادي ms225 في اليمن قيس [هذا]؛ لأنه قوى شيعة الهادي ~~-عليه السلام- بتعصبه لهم. PageV02P053 ### || [الثالث: الإمام المنتصر محمد بن المختار] # الثالث: الإمام المنتصر [لدين الله] محمد بن المختار، وهو الذي قتل قاتلي ~~أبيه، وقصدهم إلى عقر ديارهم، وأمكنه الله منهم، فنقم بثأر الإسلام هو وقيس ~~الفارس الضرغام، ولما قتلهم قال هذه الأبيات: # علام ألام يا سلمى علام %~% عداني اللوم فاطرحي الملاما # فدتك العدل أروع هاشميا %~% هزبرا ضيغما بطلا هماما # ألما تعلمي فتكي جهارا %~% عشية لم تهب نفسي الحماما # وطعني غير ما وكل وضربي %~% كلا وطلا وأحشاءا وهاما # بردت الغل ثم شفيت نفسي %~% بقتلي للأولى قتلوا الإماما # فتى في السلم كان هدى ونورا %~% وسيفا في الوغى ذكرا حساما # به امتثلوا فعال بني زياد %~% غداة الطف واتبعوا هشاما # وهم جنبوا الجوار وحاولوا من %~% بني الزهراء قسرا واهتضاما # فألفونا ضراغمة كراما %~% وألفيناهم جبنا لئاما # وأكرعناهم حو ض المنايا %~% وأسقيناهم كأسا سماما # وقلنا أي بني الزهراء حاموا %~% عن الأحساب أو موتوا كراما # ويا سعد الحماة ويا أزالا %~% أجدوا في عدوكم انتقاما # جلونا حين ما صلنا إليهم %~% بأجمعنا عن اوجهنا القتاما # وأفطر سيف ثأر بني علي %~% ومنهم طالما قد كان صاما # وكلمنا البواتر في طلاهم %~% فخرت هامهم فلقا تراما # وحزنا خيلهم والبيض عنها %~% وأوسعنا أسارهم ذماما # رأينا قتلهم إذ ذاك أحرى %~% بنا من أن نذل وأن نضاما PageV02P054 فصلنا صولة شعواء أضحت %~% أنوف الكاشحين لها رغاما # أبي الهادي الذي قسر البرايا %~% وذاد عن الهدى قدما وحاما # وكان له وللدنيا جميعا %~% إذا انتظما لأمته نظاما # وجدي خير من ركب المطايا %~% رسول الله واتخذ المقاما # وقومي في الأولى بدعوا العطايا %~% وهم يدعوا المنايا والزحاما # بدعنا كل مكرمة ولما %~% نزل للمجد مذ كنا سناما # وما إن زال أولنا نبيا %~% وما ينفك آخرنا إماما # يدين الناس كلهم جميعا %~% لمرضعنا وما بلغ الفطاما # ملأنا الأرض إسلاما وعدلا %~% وملكنا الورى يمنا وشاما # هديناهم صراطا مستقيما %~% وأصبحنا لدينهم قواما # جعلنا من حرامهم حلالا %~% لهم وحلال ما اتبعوا حراما # ولولا نحن ما خروا سجودا %~% ولا مثلوا إلى ms226 نفل قياما # ولا حجوا ولا شرعوا جهادا %~% ولا زكوا ولا فرضوا صياما # يصلي كل من صلى علينا %~% إذا صلى ويتبعنا سلاما # وحسبك مفخرا أنا جعلنا %~% لنفل أو لمفترض لما ما # وقوله: ثابت الأقدام في الغدر... وهو بتحريك الغين المعجمة والدال ~~المهملة بفتحتين عبارة عن المواضع الخشنة، كثيرة الحجارة يقال ذلك لثابت ~~القلب والرأي في الشدائد. PageV02P055 ### | [أخبار الإمام يوسف الداعي - عليه السلام -] # ويوسف العترة الداعي الذي شرفت %~% منه المناسب زاكي الأصل والثمر # والقاسم القائم المنصور من شرفت %~% به عيان على ما شيد من مدر # جرت بأعجب أمر كان بينهما %~% كأمر يوسف والأسباط فاعتبر # ونازلا كل طاغ في زمانهما %~% وصاولا كل ذي جور وذي بطر # وسائل السور من صنعاء ما صنعت %~% به الجنود وقاضي الجبر والقدر # قال السيد صارم الدين فيما وجدته مكتوبا بخطه: إن هذين الإمامين تعاصرا، ~~وحكى أن كل واحد منهما كان يكتب إلى الآخر: يا أخي، جعلت فداك. # قال السيد صارم الدين: ولما دخل الداعي يوسف صنعاء عنوة، صادر القاضي ~~سلمة بن يحيى بن عبد الله بن كليب النقوي، وله قصة مشهورة، جرت له مع بعض ~~المنجمين، وهذا القاضي المشار إليه بقول السيد [صارم الدين] : قاضي الجبر ~~والقدر. # فلتقع الإشارة إلى ذكر كل واحد من الإمامين المذكورين على وجه الاختصار: # أما الأول فهو: يوسف بن يحيى، وهو المنصور بن الناصر بن الهادي إلى الحق ~~يحيى بن الحسين -عليهم السلام-. PageV02P056 # قال الأمير شرف الدين الحسين بن محمد، مصنف (الشفاء) و(التقرير) فيما نقلته ~~عن خط يده المباركة ما لفظه: إن يوسف هذا قام في سنة ثمان وستين وثلاثمائة، ~~وأقام بريدة أياما، ثم سار إلى صنعاء في هذه السنة، وخطب لنفسه، ثم خرج ~~اليوم الثاني فهدم ما كان قد بني في درب صنعاء، وهي أول هدمة هدمها في درب ~~صنعاء، وأقام بصنعاء أياما، وعاد إلى ريدة، وكان معه عسكر عظيم زهاء ألف ~~فارس من حمير، وهمدان وغيرهم، ووقع بينه وبين قيس الهمداني وقعة، وكان قيس ~~قد بنى الدرب، فلما دخل الإمام صنعاء ms227 الدخلة الثانية أمر بهدم هذا الدرب، ~~وخلاصة الأمر: أنه زاد هدمه كرة ثانية في سنة تسع وستين وثلاثمائة، وخرب ما ~~كان حول صنعاء، وقطع في ظهر، ومن كلام للإمام المنصور [بالله] ذكره في معرض ~~ما يجوز للإمام أن يفعله، حتى قال: ولما دخل الإمام يوسف بن يحيى بن الناصر ~~صنعاء عنوة من ناحية الجنوب، وقتل سلمة بن محمد الشهابي في أربعين رجلا، ~~وسبى من دار ابن خلف ودار أبي جعفر نساء كثيرة، قال: فهل يظنه يستجيز السبي ~~من غير دار كفر. # قال: وكذلك الحسين بن القاسم وهب أموال قوم من أهل البون لآخرين، ووهب ~~الرقاب أيضا، فهل يجوز هبة رقبة من لا يجري عليه الرق؟ قال: وما ذلك إلا ~~لجعله الدار دار حرب. PageV02P057 # قلت: وإذ قد جرى ذكر النقوي، فلنذكر هنا قصة له أو لبعض أهله مع مطرف بن ~~شهاب وذلك أنه مرض هذا الشيعي مرضة شديدة، فلما عوفي تذكر ما بقي عليه مما ~~يحيي به دين الله، وهو يمكنه أن يعمل فيه، فذكر إحياء الحكم بصنعاء بمذهب ~~الهادي -عليه السلام-، فنظر كيف يصنع في ذلك، والشوكة للجبرية، فلم ير أنه ~~يتم [له] ذلك إلا بمشاورة محمد بن سلمة الشهابي، وهو السلطان يومئذ ببيت ~~بوس، فأتاه وشاوره هو ويحيى بن حاشد الضحاك سلطان همدان، وكان إليه وإلى ~~قومه أمر صنعاء، وكان بظهر فلم يتعد عن ذلك، لكنه قال: إنما يتم هذا على ~~العامة بمناظرة تكون لقاضي صنعاء، وكان القاضي أحد النقويين فسر بذلك مطرف ~~وتواعدوا ليوم معروف، فحضر فيه السلطانان، وكبار الناس، واجتمعوا إلى بيت ~~بوس، فلما كان ذلك اليوم أتى مطرف إلى بيت بوس في أوله، وقعد هو ومحمد بن ~~سلمة ينتظران يحيى بن حاشد، [والقاضي النقوي والصنعانيين] فلما أقبلوا ~~أقبلوا على الدواب، وعليهم نفيس الثياب، ومعهم من يركب الخيل، وتهيئوا بما ~~أمكنهم من الهيئة الحسنة، فقال محمد بن سلمة لمطرف: انظر ما في القاع -يريد ~~من العدد والزينة-، فقال مطرف: إن كان الدين الثياب، والخيل، والبغال، فقد ~~ظهر ms228 قوة ما هم عليه، فلما دخلوا بيت بوس، وكان فيهم من كبار همدان، والغالب ~~على همدان التشيع، فلما استقر بهم المجلس، وصلح الكلام، قال مطرف: ابتدأت ~~بسؤال النقوي، فقلت: أخبرني أيها القاضي عن فعل قوم لوط الذي هو الفاحشة، ~~أكان منهم باختيارهم؟ أم بقضاء الله وقدره؟ PageV02P058 # فتحير وعظم عليه الأمر، ورأى أنه إن قال: فعلوا باختيارهم خرج عن مذهبه في ~~الجبر، وإن قال: فعلوا بقضاء الله وقدره قبح عند الناس، وأرجف بذلك عليه ~~العامة، فطال سكوته، فقالوا: أجب، فسكت، فلما ضايقوه بكى، فقال له بعض ~~رؤساء همدان: دمعك، أي: دمعت، وهي لغة أهل البون في ذلك الزمان، فلم يزدهم ~~على البكاء، فقيل له في ذلك، فقال: أتوب وأنا على هذه السن. # وفي رواية أنه قال له: قول رسول الله : ((أنا مدينة العلم وعلي بابها )) ~~هل يصح؟ فقال: نعم، فقال: فمن أين دخل أبو بكر؟ فقال غلام كان على رأسه: من ~~الكوة يا مولاي. # قال: فاشتد بكاء النقوي، ثم افترق الناس، وثبتت الكلمة على النقوي أنه ~~يحكم بمذهب الهادي -عليه السلام- في صنعاء فيما ظهر له يقطع، وما خفي عليه ~~أنهاه إلى مطرف، وشاوره فيه، فكان ذلك أحد أسباب ظهور مذهب الهادي -عليه ~~السلام- بصنعاء مع ما كان من الطبري -رحمه الله- وفي أيامه، وقد تقدمت ~~الإشارة إليه. # كانت وفاة الإمام يوسف الداعي بصعدة في [شهر] صفر سنة ثلاث وأربعمائة ~~وقبره إلى جنب أبيه يحيى، بمسجد الهادي -عليهم السلام-، وله عقب كثير، منهم ~~الأئمة اليوسفيون [نذكرهم في مواضع من هذا الشرح إن شاء الله تعالى]. PageV02P059 ### | [الإمام القاسم بن علي العياني -عليه السلام-] # وأما القاسم القائم فيعني به: القاسم بن علي بن عبد الله بن محمد بن ~~[الإمام] القاسم بن إبراهيم، نسب يحكي سناء تلألؤه أنوار الصباح ويعذب ذكره ~~في الأفواه كعذوبة الماء القراح. # [قد] كان نشأ -عليه السلام- على طريقة سلفه الأكرمين، وآبائه الغر ~~الميامين، وكانت جهة منشأته بلاد تزح، من أرض خثعم، فوصل إلى اليمن من تلك ~~الجهة باستدعاء أهل اليمن لوصوله لما تتابعت ms229 الجراد عليهم، وأكلت ثمارهم ~~وزروعهم، فعند وصوله صرفها الله عنهم، فلم تكد ترى في أيامه. PageV02P060 # وكان مشهور البركة فلذلك قصدوه، ثم عاد إلى تزح فأقام بها، وولاته يتصرفون ~~فيما يليه من الجهات والنواحي خاصة من أرض سنحان، وجنب كلها وبلد يام، ثم ~~بعث رسله إلى اليمن في شهر شوال سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة لاستنهاض الناس ~~إلى بين يديه، وحمل ما حصل من الأعشار وأصحبهم كتابا إلى الناس عموما، ~~فوصلت الرسل إليهم، فقام في ذلك رجال من المسلمين من البونيين والخشب، ~~والمغرب، والصيد، وجمعوا من البر والزكاة عشرة آلاف درهم، واجتمعوا في ~~البون لعشر باقية من شهر ذي الحجة من السنة المذكورة، وساروا حتى انتهوا ~~إلى صعدة، فانضاف إليهم جماعة من الناس، ثم ساروا حتى وصلوا [إلى] الإمام ~~القاسم عليه السلام، وهو يومئذ في أسفل وادي بيشة، فلقيهم أولاده في رؤساء ~~خثعم وغيرها ثم قدموا على الإمام في حصن له، وقد كان مريضا مرضا منعه عن ~~اللقاء لهم، وأقبل إليه خلق كثير من خثعم عند قدوم أهل اليمن أقاموا عنده ~~مدة ثم نهض حتى وصل بالقرب من صعدة، فأقام بها أياما، ثم نهض بعد أن تقررت ~~أوامره في صعدة، ونجران، ثم دخل صنعاء، واستحكمت أوامره أيضا في صنعاء ~~ومخاليفها، ودوخ كثيرا من الأعداء، وكان يقود الجيوش الكثيرة، فإن في ~~الرواية: أنه حدث عليه خلاف من بعض أهل نجران، فأمر إلى واليه بصنعاء ~~وأعمالها، فجمع له جنودا كثيرة، ثم نهض إلى نجران بذلك العسكر الضخم، بلغ ~~عدد الخيل فيه ألف فارس سوى نيف وثلاثين فارسا، وعدد الرجل ثلاثة آلاف ~~ومائتان وأربعون راجلا، فلما استقر في نجران دمر أضداده، ثم عاد بجنده ~~المنصور إلى صعدة ثم أمر PageV02P061 بدراهم قد كانت اجتمعت له من نجران، وضم إليها شيئا كان في صعدة من خراجها، ~~فأمر بأن يقسط ذلك على جميع العسكر، فحصل للفارس مائة درهم، وللراجل ثلاثون ~~درهما، فقبض من ذلك بعض العسكر، وكرهه الأكثر استقلالا له، فلما علم بذلك ~~-عليه السلام- خرج وجمع له الناس، ms230 فتكلم معهم بأن قال: يا جميع شيعتي ~~وجنودي، وأهل طاعتي، قد دعوتكم فأجبتم، وانتصرت بكم فنصرتم، وأنا كثير ~~الشكر لكم والثناء عليكم عند الله ندبا، وعند كافة بني آدم، ثم قال في ~~آخره: وأما ظنكم أني بخلت عليكم بشيء سوى ما أمرت [فيكم] بقسمته فلا والله ~~وحق جدي رسول الله ما دخرته عنكم، فاعذروا ابن [بنت] نبيكم، ولا تطلبوه ما ~~لا يطيق فيحبط أجركم. # قال الراوي: فلقد رأيت أعين كثير ممن حضر تفيض بالدمع، ثم عاد -عليه ~~السلام- إلى منزله، وعاد جنده وولاته إلى كل ناحية وخطب له في نواحي مخلاف ~~جعفر، وكحلان، وما يليه، ولم يزل دأبه [-عليه السلام-] إقامة قناة الدين، ~~وإخماد نار الملحدين، وكان إذا حضر معركة نازل الأقران، وأنزل القران، وكان ~~راعيا لأرباب العلم، وازعا لأرباب الظلم، كثير اللطف واللين، معروفا بتقريب ~~المساكين، دمث الشمائل، جزل النائل، يؤثر على نفسه مع الحاجة. # وله رسائل ومكاتبات: مشحونة بالحكم والمواعظ، وهي مذكورة في كتب السير. PageV02P062 # [ومن رسالة له] -عليه السلام-، قوله: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا ~~يرتبطان بغير زمام، ولايؤدى فرضهما بغير إمام، الإقرار بالنبوة لا يصح إلا ~~مع الإقرار بالذرية، الإقرار بالكتاب لا يصح بغير نصاب، مقلد الناس كالباني ~~بغير أساس، [طالب العلم من غير أهله كمشتري الدر بغير خبرة]، والمؤتم بغير ~~العترة كالأعمى يتبع الأعمى. # ومن هذه الرسالة:قوله -عليه السلام-: أما تعلمون -رحمكم الله وهداكم- أن ~~أصل الهلكة منذ بعث الله [سبحانه] آدم [-عليه السلام-] إلى هذه الغاية لم ~~تكن إلا باحتقار الأنبياء -صلوات الله عليهم- في أيامهم، وبالذرية من بعدهم ~~إلى أن تقوم الساعة، وعنوان هذه الرسالة: (من الإمام القاسم بن علي إلى ~~جميع الشيعة الطبريين العارفين بفضل محمد خاتم النبيين). # كانت وفاته عليه السلام: يوم الأحد لتسع خلون من شهر رمضان في سنة ثلاث ~~وتسعين وثلاثمائة، ومشهده بعيان مزور مشهور، مجرب البركة. # قال الفقيه حميد: أخبره شيخه أحمد بن الحسن الرصاص: أنه كان معه وجع، ~~فمسحه بتربته، فرفعه الله عنه. # [و] أولاده -عليه السلام- ستة: وهم يحيى، ms231 وجعفر، وعلي، وسليمان، وعبد ~~الله، والحسين، وسيأتي طرف تفصيل من ذكر [من] أولاده -عليهم السلام-. PageV02P063 ### | [أخبار الإمام المهدي لدين الله محمد بن الحسن بن القاسم عليه السلام] # قوله : # والسيد العلم الداعي الذي ضربت %~% بعدله سائر الأمثال في السير # هو: أبو عبد الله محمد بن الداعي إلى الله الحسن بن القاسم بن الحسن بن ~~علي بن عبد الرحمن من ذرية زيد بن الحسن بن علي- عليهم السلام-. # وأمه جرجر بنت فيروز الديلمي، كل آبائه سادة قادة، وأبوه الأدنى الذي ~~يضرب بعدله المثل في البلاد الذي ظهر فيها أمره، وقد تقدم ذكره، فقول السيد ~~هنا: بعدله تضرب الأمثال في السير. فيه إبهام. # واعلم أنه: انطلق لفظ الداعي على جماعة من أهل البيت [عليهم السلام] ~~منهم: أبو عبد الله هذا، وأبوه، والحسن بن زيد، وأخوه، ومنهم: الداعي يحي ~~بن المحسن، الآتي ذكره، فهؤلاء اشتهروا بهذا الاسم، وإن كان كل إمام فهو داع. # وأما صفة هذا الإمام، فقالوا: إنه كان منور الوجه، حسن الشبيبة، إلى ~~السمن أقرب، كثير البكاء من خشية الله [تعالى] غزير الدمعة، مقربا للصالحين ~~وأهل الخير، شديدا على الفساق، معروفا بسلامة الصدر، حسن الرجوع على حدة ~~مفرطة كانت به، ثم يرجع أحسن رجوع، وجمع بين العلم والعمل، وقد ذكر بعضهم: ~~أنه لو مادت الأرض لعظم شيء لمادت بعلم أبي عبد الله. PageV02P064 # وكان في علم الكلام بحرا تيارا، وشيخه فيه أبو عبد الله البصري الذي قال: ~~كنت أملي بعض (الموجز) لا[بن] أبي بشر الأشعري وكان الداعي يستملي ذلك ~~بنفسه، ويكتبه مع سائر أصحابنا، وكان يحتاج إلى أن يكتب في كل يوم نحو ~~ثلاثين ورقة، أو أقل، أو أكثر، وكنت أتأمله وهو يكتب ذلك، وقد عرق من شدة ~~الحر، وتعب تعبا كثيرا، وهو شيخ سمين، فقلت: أيها السيد، لا تتعب نفسك فيما ~~يمكنك أن تستنب فيه، فقال: إني أحب أن لا أتأخر عن أصحابنا في الاستملاء؛ ~~كما لا أتاخر عنهم في الدرس. # وكان أبو عبد الله البصري يقول لأصحابه: لا تتكلموا في مجلس الشريف ms232 أبي ~~عبد الله في مسألتين: في مسألة الإمامة، وسهم ذوي القربى، فإنه لا يحتمل ما ~~يسمع منكم فيهما. # وروي أنه سمع فقه الحنفية على الشيخ أبي الحسن الكرخي حتى بلغ فيه مبلغا ~~عظيما كان يضرب به في حفظه المثل ولذلك كان بعض الناصرية يقول: إنه -عليه ~~السلام- حنفي، وتارة يقولون: معتزلي. # قال السيد أبو طالب: سمعت كافي الكفاة يذكر: أنه لقيه ببغداد، وأنه كان ~~يحضر داره كثيرا، وأنه أول ما لقي شيخنا أبا عبد الله البصري لقيه في داره. # قال: وكنا نجرب حفظه بفقه أبي حنيفة بأن نكتب له مسائل غامضة، ننسخها من ~~الكتب، وكان يقترح علينا أن نفعل كذلك، فكان ينظر فيها ويكتب أجوبتها ~~تحتها، ولا يغلط في شيء منها على المذهب. PageV02P065 # وكان قد خرج إلى فارس، فأكرمه عماد الدولة وعرف له مكانه من الأبوة، ~~والفضل، وأن عماد الدولة كان أحد قواد الداعي، ثم انتقل الداعي إلى بغداد ~~في أيام معز الدولة أحمد بن بويه فزاده إعظاما؛ لأنه كان هو وأخوه من خواص ~~الداعي. # قال السيد أبو طالب: وكان معز الدولة حين تمكن من بغداد، ولى نقابة ~~العلوية أبا محمد [علي] الكوكبي القمي لخدمة قديمة سلفت له، وكان فيه زعارة ~~وعنف، فشكاه العلوية إلى معز الدولة مرة بعد أخرى، فقال لهم: قد عزلته عنكم ~~فاختاروا لأنفسكم من ترضونه، فأجمع العلوية على أبي عبد الله الداعي فقال ~~معز الدولة: أنا أعظمه عن هذا العمل وأجله أن أخاطبه فيه، فإني أعتقد أن ~~مكان المطيع هو مكانه، وهذا المستحق له دونه، ولكن إن سألتموه، واستشفعتم ~~إليه، وأجابكم إلى ما تريدونه [منه] فهو منية المتمني، فاجتمعوا، وسألوا ~~الداعي ذلك، فامتنع منه، وأنف من الدخول فيه. # هذا مع جلالة هذا الأمر في ذلك الوقت ببغداد، فأعادوا المسألة حالا بعد ~~حال، واستعانوا فيه بالشيخ أبي عبد الله البصري، فإنه كان يحب دخوله في ~~الأمر أيضا ليتمكن بجاهه فسأله ففعل، وشرط على معز الدولة في ذلك شرائط، ~~منها: أن لا يدخل على المطيع، ولا يقبل له الخلعة ms233 التي جرت العادة بإخراجها ~~من داره إلى كل من تولى ببغداد [من] الأعمال الجليلة؛ لأنها تكون سوادا، ~~فامتنع من السواد إلى شرائط أخرى شرطها. # فأجابه معز الدولة إلى جميعها، وأنفذ إليه خلعة بياض، ولم يدخل على ~~المطيع طول مقامه ببغداد. PageV02P066 # قال أبو عبد الله البصري: ما رأيت يوما أحسن من يوم ركوبه حين ولي النقابة، ~~وعليه الخلع، وحوله أشراف بغداد كلهم، وبين يديه حجاب السلطان. # قال: صعدت بعض الغرف المشرفة على الطريق حتى رأيته، ورأيت موكبه، قال: ~~فولى أبا الحسين [بن] عبد الله نقابة الكوفة، وأبا أحمد الموسوي نقابة ~~البصرة، وأبا الحسين الموسوي نقابة واسط، وأبا القاسم الزيدي نقابة الأهواز ~~وأعمالها، وكان معز الدولة يكبره الإكبار الذي لا مزيد عليه حتى أنه كان ~~بين يديه يوما جماعة من أكابر حاشيته، وكانوا إمامية، وفي جملتهم الحولي ~~القمي، فكان معز الدولة يناظرهم، ويقول لهم: يا إمامية، أين إمامكم ؟ ومتى ~~يظهر؟ فقالوا له: أيها الأمير، وأين إمامك ؟ أنت أيضا بلا إمام، فقال: أنا ~~أريكم إمامي فلما دخل أبو عبد الله الداعي، قال: هذا إمامي، وكتب إليه ~~الرضى الموسوي حين ولي النقابة أبياتا مطبوعة ظريفة: # الحمد لله على عدله %~% قد رجع الحق إلى أهله # كم بين من يختاره واليا %~% وبين من يرغب في عزله # يا سيدا يجمع آرائنا %~% مع كثرة الخلق على فضله # ومن غدا يشبه أسلافه %~% في قوله الحق وفي فعله # لو قيل من خير بني المصطفى %~% وأفضل الأمة من نسله # أشار بالأيدي إليك الورى %~% إشارة الفرع إلى أصله # يا ابن علي بن أبي طالب %~% مثلك من دل على مثله # لو لم أقل بالنص في مذهبي %~% وكنت كالقاطع من حبله # لقلت: قد قام إمام الهدى %~% واجتمع العالم في ظله # نيلك في الأمر الذي نلته %~% يزيد والله على نيله PageV02P067 ولم يزل -عليه السلام- ببغداد مقيما حتى ارتفع صيته، وعلا ذكره في الآفاق، ~~فكاتبه أهل الصلاح من أعيان الديلم بأنهم يبايعونه، وينصرونه إن خرج إليهم، ~~فوصل إليه نفر منهم، فخرج من بغداد مستترا لا يقف على ms234 خروجه إلا خواص من ~~أهل العلم، الذين بايعوه ببغداد سرا، وكان معز الدولة غائبا عنها، وكان قد ~~اجتمع للعلوية [من أوقافهم] مال كثير، أراد تفريقه فيهم، وكان مودعا لم يكن ~~يقف عليه أحد، فحين خرج من بغداد كتب رقعة وذكر فيها مبلغ المال والموضع ~~الذي هو فيه، وأن سبيله أن يفرق فيهم، ودفع الرقعة إلى بعض الثقات، ففعل ~~ذلك الثقة، وفرق المال فيهم، وهم يبكون أسفا على أمانته وعليه إذ فارقهم ~~مثله، فوصل الديلم في سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، وبايعه المسلمون من سهل ~~الديلم وجبلها، ومن الجيل، وطبرستان. # قيل : إن الذين بايعوه أربعة آلاف رجل من علماء الأمة، ثم جرى له أن تصاف ~~هو وابن الثائر محمد فقبضه واعتقله على تكرمة، ثم أفرج عنه، واتحدت ~~كلمتهما، وخرج من هوسم، واستخلف عليها ابن الثائر، ووثق به وسكن إليه، ~~وزالت الوحشة بينهما، ثم وقع تخليط في عسكره، وخيانة من بعض أقاربه، فلم ~~يتمكن من الإمداد إلى طبرستان، وأقام بهوسم على ضجر كثير من قلة وفاء الناس ~~له بما كانوا بذلوه له أيام مقامه ببغداد. PageV02P068 # قال السيد أبو طالب: ومن تأثيره العظيم في باب الدين أن الديلم كانوا ~~يعتقدون أن من خالف القاسم [-عليه السلام-] في فتاويه فهو ضال [ومضل]، وكل ~~قول يخالف قوله ضلالة، والجيل يعتقدون مثل هذا في قول الناصر [-رضي الله ~~عنه ]، ولم يكن يسمع قبل دخوله إلى تلك البلاد إذ كل واحد من القولين حق، ~~فأظهر -رضي الله عنه- هذا المذهب بعد أن لقي منهم بسبب تأسيسه غما طويلا، ~~ثم صلح الأمر بحميد سعيه، والقصة بطولها مشهورة مذكورة وأقام بهوسم إلى أن ~~مضى لسبيله سنةستين وثلاثمائة ودفن فيه، وقبره هناك مشهور مزور، وأنفق ~~الصاحب الكافي للانفاق على مشهده صدرا من المال. PageV02P069 ### | [أخبار الإمامين الأخوين المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني، وأخيه الناطق بالحق يحيى بن الحسين -عليهما السلام-] # والسيدان إماما الجيل من لهما %~% في آل أحمد فضل غير منحصر # لم يبلغوا من ظهور العدل مأربة %~% فيها مع مد باع غير ms235 ذي قصر # المراد هنا : السيد المؤيد بالله، وأخوه السيد أبو طالب، والضمير في ~~قوله:لم يبلغوا ضمير جمع، فهو عائد إليهما، وإلى السيد الداعي المقدم ذكره. PageV02P070 ### || [أخبار المؤيد بالله(ع)] # الكلام في طرف من ذكر المؤيد بالله -عليه السلام-: [و] اسمه: أحمد بن ~~الحسين بن هارون بن الحسين بن محمد بن هارون من ذرية زيد بن الحسن # -عليهم السلام-، كانت ولادته بآمل طبرستان سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة ~~فنشأ على السداد، وأحوال الكرام الأباء الأمجاد، وتأدب في عنفوان شبابه حتى ~~برع في الأدب، واختلف إلى السيد أبي العباس أحمد بن إبراهيم وهو من ذرية ~~داود بن الحسن بن الحسن، وكان أبو العباس هذا وحيد عصره، وعالم دهره، ~~والحافظ لعلوم العترة، والناصر لفقه الزيدية، فأخذ عنه المؤيد بالله مذهب ~~الزيدية، وقرأ -عليه السلام- [علم] الكلام على طريقة البغدادية وكان في ~~الأصل إماميا، فوضح له الحق، فانقاد إليه أحسن الانقياد، واختلف إلى أبي ~~الحسين علي بن إسماعيل بن إدريس وقرأ عليه فقه الزيدية والحنفية، وروى عنه ~~الحديث عن الناصر للحق، وكان المؤيد بالله عليه السلام في الورع والتقشف، ~~والاحتياط، والتقزز إلى حد تقصر عنه العبارة، وتصوف في عنفوان شبابه حتى ~~بلغ في علمهم مبلغا عظيما، وصنف في ذلك (سياسة المريدين) وكان يحمل السمك ~~من السوق إلى داره، فكانت الشيعة يقولون: دعنا نتبرك بحمله، فيقول: أنا ~~أحمله قسرا للهوى، وتركا للتكبر لا للإعواز إلى حمله،. # وكان يجالس الفقراء وأهل المسكنة، وكان يرقع قميصه بيده، ويشتمل بإزار ~~إلى أن يفرغه، وكان لا يتقوت ولا يطعم عياله إلا من ماله، ويرد الهدايا، ~~والوصايا إلى بيت المال. PageV02P071 # وكان يكثر ذكر الصالحين، وإذا خلا بنفسه يتلو القرآن بصوت شجي حزين، وكان ~~غزير الدمع كثير البكاء، دائم الفكر، وكان يمسك بيت المال بيده، ويحفظه ~~بنفسه، ولا يثق فيه بأحد، ويفرق على الخدم بيده، ويوقع الخطوط بيده. # واشتهى يوما لحم حوت، فبعث الوكيل إلى السماكين، فلم يجد إلا حوتا لم ~~يقطع، وقالوا: لم نرد أن نقطعه اليوم، فعاد إليه، فأخبره بامتناعهم من ~~قطعه، ms236 فوجه ثانيا، وقال: مرهم عني بقطعه، فأبوا من قطعه، فلما عاد إليه، ~~وأخبره حمد الله على أن رعيته لا تحذر جنبته وأنه عندهم ورعاياه سواء. # وكان كثير الحلم، عظيم الصفح. # حكي أنه دخل المتوضأ ليجدد الطهارة، فرأى فيه رجلا متغير اللون يرتعد ~~فزعا، فقال له: ما دهاك؟ فقال له: إني بعثت لقتلك، فقال: وما الذي وعدوك ~~[به]؟ قال: بقرة، قال: مالنا [من] بقرة، وأدخل يده في جيبه، وناوله خمسة ~~دنانير، وقال: اشتر بها بقرة، ولا تعد إلى مثل ذلك. # وله في الزهد والورع الحكايات الجمة. PageV02P072 # وأما علمه فلم يختلف فيه اثنان، [و] لم يبق فن إلا وقد بلغ فيه الغاية، ~~وأدرك النهاية، وكفى بما حكاه عن نفسه، حيث قال: عزمت أن أسافر [إلى] ~~الأهواز للقاء القاضي أبي أحمد بن أبي علان وسماع (مختصر الكرخي) عنه، ~~فأخبرت الصاحب بما وقع في قلبي، وكتب [لي] كتابا بخط يده، فأطنب في وصفي، ~~ورفع من قدري حتى كنت أستحيي من إيصال ذلك الكتاب، فوصل إلى القاضي ~~المذكور، فقال: مرحبا بالشريف !! [فإذا افتتح المختصر فلتحضر] ولم يزد على ~~ذلك، ولا زارني بنفسه مع تقاعدي عنه من الغد ولا أزارني أحدا من أصحابه، ~~فعلمت أنه اعتقد في كتاب الصاحب أنه صدر لا عن عناية صادقة، فقعدت عنه حتى ~~كان يوم الجمعة، فحضرت الجامع بعد الظهر، ومجلسه غاص بكبار العلماء؛ لأنه ~~قد كان مقصودا من الآفاق، فسئل [القاضي أبو أحمد] عن مسألة كلامية. # و[قد] كان لقي أبا هاشم، فقلت لما توسط في الكلام: إن لي في هذا الوادي ~~مسلكا، فقال: تكلم فأخذت في الكلام، وحققت عليه المطالب ثم أوردت أسئلة عرق ~~فيها جبينه فامتدت الأعين نحوي. # فقلت بعد أن ظهرت المسألة: يقف على فصلي القاضي، وسئل شيخ إلى جنبه عن ~~مسألة في أصول الفقه، فلما أنهى السائل ما عنده، قلت: إن لي في هذا الجو ~~منفسا فقال القاضي: والأصول أيضا، فحققت تلك المسألة على ذلك الشيخ، فظهر ~~ضعفه فسامحته، وسئل شيخ عن يساره عن مسألة في الفقه، ms237 فقلت: لي في هذا ~~القطيع شاة، فقال : والفقه أيضا، فأوفيت الكلام في تلك المسألة حتى تعجب ~~الفقهاء من تحقيقي وتدقيقي. PageV02P073 # فلما ظهرت المسألة كان المجلس قد انتهى، فقام القاضي من صدره، وجاء إلى ~~جنبي، فقال: أيها السيد، نحن ظننا أن الصدر حيث جلسنا، فإذا الصدر حيث ~~جلست، فجئنا إليك نعتذر من تقصيرنا في حقك فقلت: لا عذر للقاضي مع استخفافه ~~بي مع شهادة الصاحب بخطه، فقال: صدقت لا عذر لي، ثم عادني من الغد في داري ~~مع جميع أصحابه، وبالغ في التواضع، فحضرته فقرأت عليه الأخبار المودعة في ~~المختصر، فسمعتها بقراءته، وأمدني بأموال من عنده فرددتها، ولم أقبل شيئا ~~منها، وقلت: ما جئتك [عانيا] مستمنحا، فقد كانت حضرة الصاحب أوفى حالا، ~~وأسهل منالا، ولم يكن هناك تقصير في لفظ، ولا تفريط في لحظ، ففارقته، ~~فشيعني مع أصحابه مسافة بعيدة، وأسفوا على مفارقتي. # وذكر من صنف بعض أخباره أن الصاحب قال ذات ليلة: ليذكر كل واحد منكم ~~أمنيته، فذكر فقال: أما أنا فأتمنى أن يكون السيد أبو الحسين حاضرا وأنا ~~أسأله عن المشكلات، وهو يبينها بألفاظه الفصيحة، وعباراته المليحة، وكان ~~فارقه إلى الديلم، وله -عليه السلام- المصنفات الباهرة، فمنها في الأصول: ~~كتاب (النبوات) يدل على غزارة علمه في الأصول، ثم في الآداب، فإنه بين ~~المعارضات التي عورض بها القرآن الكريم، وكشف أدحاضها، وأبان عوارها بكل ~~وجه، وله في الأصول (التبصرة) كتاب لطيف، وله في فقه الهادي -عليه السلام- ~~(التجريد وشرحه) أربعة مجلدة و(البلغة) أيضا في فقه الهادي -عليه السلام-. PageV02P074 # وله في فقه نفسه (الإفادة) مجلد، و(الزيادات) مجلد، علقه عنه أصحابه، فيه ~~كل مسألة غريبة، وفتوى عجيبة، ولهذين الكتابين شروح وتعاليق عدة، ولما ~~توفي، وأقبل الناس على أخيه أبي طالب يسألونه، فقال له قائل: فأين كان هذا ~~العلم في حياة السيد أبي الحسين؟ فقال: وهل كان يحسن بي أن أتكلم وهو في ~~الحياة؟! وقيل له: أتقول بإمامة أخيك المؤيد؟ فقال: إن قلنا بإمامة زيد فما ~~المانع أن نقول بإمامة أخي. # وقال الشيخ أبو الفضل ms238 بن شروين : دع أئمة زماننا، إنما الشك في الأئمة ~~المتقدمين من أهل البيت وغيرهم، هل كانوا مثل هذا السيد في التحقيق في ~~العلوم كلها أم لا؟ # ومقالاته في كل فن مذكورة، ومقاماته أيضا في الحروب مدونة مشهورة، وله ~~خرجتان أحدهما: في أيام الصاحب الكافي في سنة ثمانين وثلاثمائة سنة، وبين ~~الخرجة الأولى والثانية سنون وفترات. PageV02P075 # وفي خلال وقعاته أسر بعد أن قتل من عسكره ثمانون مسلما ممن لا يرى الفرار ~~عن العدو مع عدة من الفساق، وبقي أسيرا في قرية من قرى جيلان، وفي الرواية ~~أنه كان في اليوم الذي أسر فيه لطمه رجل من الجيل، فدعا عليه وسأل ربه أن ~~يسلط عليه الأكلة في يديه، فعن قريب اسودت يداه، ووقعت فيهما الأكلة حتى ~~ذهبتا، وبقي المؤيد بعد أسره حتى أطلق بدراهم سلمت عنه مبلغها خمسة وعشرون ~~ألف درهم، ثم اتفقت له بعد ذلك وقعات عظيمة، وأحوال جسمية، لم يزل فيها ~~مشجيا للظالمين، معلنا بالدين، حتى توفاه الله حميدا رشيدا، وكانت وفاته ~~يوم عرفة في سنة إحدى عشرة وأربعمائة سنة ودفن يوم الأضحى، وصلى عليه السيد ~~ما نكديم الأعرابي القزويني الخارج بعده بلنجا الملقب بالمستظهر بالله، ~~وقرئ على قبره من يوم دفنه إلى تمام شهر وعليه مشهد مزور، وفيه يقول ~~القائل: # عرج على قبر بصعدة %~% وابك مرموسا بلنجا # واعلم بأن المقتدي بهما %~% سيبلغ ما ترجا # وخلف من الأولاد: الأمير أبا القاسم وحده، واسمه الحسين، وبه يكنى، أولد ~~الحسين أحمد، وأولد أحمد الإمام أبا طالب الأخير يحيى وعقبه كثير، منهم: ~~الإمام القائم في عشر التسعين وخمسمائة [سنة] في بلاد جيلان، وكان للمؤيد ~~[بالله] أصحاب فضلاء نجباء من أهل البيت وغيرهم. PageV02P076 # فمنهم: السيد أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل [بن زيد] بن الحسن الجرجاني، ~~والقاضي زيد بن علي الزيدي وكان من بيت العلم والرئاسة، ومنهم [السيد] ~~مانكديم أحمد بن أبي هاشم، من ولد الحسين بن علي عليه السلام، وهو الخارج ~~بعد المؤيد بلنجا كما تقدم، والشريف أبو القاسم بن زيد بن صالح ms239 الزيدي. # ومن أصحابه في الزهد الشريف أبو جعفر الزيدي، ومن أصحابه الفقيه أبو ~~القاسم بن تال وهو الذي هذب مذهبه، وجمع (الإفادة) و(الزيادات) وهو ~~الأستاذ. # ومنهم: القاضي يوسف الخطيب ومنهم المؤيد والد أبي مضر شريح. # ومنهم: الشيخ محمد بن أبي الفوارس ومن أتباع المؤيد: الشيخ علي بن محمد ~~[بن] الخليل والقاضي زيد بن محمد الكلاري والقاضي شريح وهو أبو مضر بن ~~المؤيد والكني والنيروسي الأخير. # ومن عيون أصحابه -عليه السلام-: PageV02P077 ### || الصاحب الكافي إسماعيل بن عباد # فإن في الرواية أنه كان يلازم مجلسه زمانا، وكان الصاحب يقول: الناس ~~يشرفون بالعلم والشرف، والعلم شرف بقاضي القضاة، والشرف ازداد شرفا بالشريف ~~أبي الحسين [أحمد] يعني المؤيد بالله -عليه السلام-، وللمؤيد فيه القصيدة ~~اللامية، وهي من أفصح القصائد، وأولها: # سقى عهدها صوب من المزن هاطل # حتى قال في آخرها: # ألا أيهذا الصاحب الماجد الذي %~% أنامله العلياء غيوث هواطل # أنامل لو كانت تشير إلى الصفا %~% تفجر للعافين منها جداول # لأغنيت حتى ليس في الأرض معدم %~% وأعطيت حتى ليس في الأرض آمل # وكم لك في أبناء أحمد من يد %~% لها معلم يوم القيامة ماثل # إليك عقيد الملك سارت ركابهم %~% وليس لها إلا علاك وسائل # وأعطيتهم حتى لقد سئموا اللهى %~% وعاد من العذال من هو سائل # وأسعدتهم والنحس لولاك ناجم %~% وأعززتهم والذل لولاك شامل # وكل زمان لم تزينه عاطل %~% وكل مديح غير مدحك باطل PageV02P078 ### || فصل: في ذكر أخيه السيد الناطق بالله : # الظافر بتأييد الله أبي طالب هو : يحيى بن الحسين، وأمه أم أخيه، وهي أم ~~الحسن بنت علي بن عبد الله الحسيني العقيقي. # ولد سنة أربعين وثلاثمائة سنة قرأ على السيد أبي العباس فقه العترة ~~-عليهم السلام- حتى لجج في غماره، ووصل قعر بحاره، وقرأ الكلام على الشيخ ~~أبي عبد الله البصري، وكذلك قرأ [عليه] في أصول الفقه، ولقي غيره من ~~الشيوخ، وأخذ عنهم، وله التصانيف المرموقة، والكتب الموموقة، فمن كتب أصول ~~الفقه: (المجزي) مجلدان، وفيه من التفصيل البليغ ما لايكاد يوجد إلا فيه من ~~كتب هذا الفن، ms240 وله في فقه الهادي -عليه السلام- (التحرير) و(شرحه) مجلدات ~~عدة، تبلغ ستة عشر كتابا، ورجح مذهب الهادي -عليه السلام- حتى ظهر ترجيحه، ~~وتوقدت مصابيحه. # قال الحاكم: عليه مسحة من العلم الإلهي، وجذوة من الكلام النبوي، وكان في ~~الورع والزهد والعبادة على أبلغ الوجوه. # وكان الصاحب الكافي يقول: ليس تحت الفرقدين مثل السيدين، بويع له بعد ~~أخيه، ولم يتخلف عنه أحد ممن يرجع إلى دين وفضل لعلمهم بظهور علمه، وغزارة ~~فهمه، وفي بيعته يقول أبو الفرج بن هندو وقد كان أبو الفرج بلغ الغاية ~~القصوى، والمرتبة العليا في مذهب الفلاسفة، ثم تاب وصار من عيون الزيدية، ~~ومن شيعة السيد أبي طالب فقال: # سر النبوة والنبيا %~% وزهى الوصية والوصيا # إن الديالم بايعت %~% يحيى بن هارون الرضيا # ثم استربت بعادة الأي %~% يام إذ عادت عليا # آل النبي طلبتم %~% ميراثكم طلبا بطيا # يا ليت شعري هل أرى %~% نجما لدولتكم مضيا # فأكون أول من يه %~% ز إلى الهياج المشرفيا PageV02P079 قام آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، وكان يدرس بجرجان مرة، [وبأسرانادين ~~مرة] وبالديلم مرة، فكثر الانتفاع به على طريقة آبائه الأطهار، حتى مضى ~~لسبيله وهو ابن نيف وثمانين سنة. # وكانت وفاته بالديلم سنة أربع وعشرين وأربعمائة سنة. # قال في (الحدائق): وهذا هو الأقرب، وإن ذكر دونه في بعض المواضع، وله ولد ~~واحد، [وهو أبو هاشم محمد] أمه أم الحسن بنت يحيى الداعي الحسيني وقبر أبي ~~طالب بآمل. # ولما خرجت الترك على الملك محمد بن نكش شاه، في سنة عشرين وستمائة، ~~وجاسوا خلال الديار في بلاد الإسلام، وقتلوا النساء والذراري، وخربوا ~~المشاهد إلى القواعد. # وفي جملة ما هدموا المشهدين الشريفين [القبر الأحمر] قبر محمد بن جعفر ~~[بن محمد] بن علي بجرجان وقبر ابن أخيه علي بن موسى الرضا بطوس، جاءت كتب ~~علمائنا من الجيل والديلم بكون هذه الحادثة ويذكرون إنما سلم منهم إلا بلاد ~~الزيدية، ومشاهد أئمتهم مثل مشهد الناصر [للحق] بآمل، وقبري السيدين: أبي ~~العباس، وأبي طالب، وأنهم كانوا يهمون بالوصول إليها، فدفع الله في قلوبهم ~~الرعب، وأن ms241 الموالف والمخالف اعترف بفضل هؤلاء الأئمة. # قلت أنا: وهؤلاء الترك هم التتر، وسيأتي طرف من ذكرهم في آخر الكتاب إن ~~شاء الله تعالى. PageV02P080 ### | [ذكر عدد من أئمة الزيدية في الجيل] # ولا دعاة دعوا في الجيل بعدهم %~% مثل النجوم هدى للخلق في السفر # من كل أبلج بالعلياء متوج بالرا %~% يات أدلج ماضي الجيش في البكر # له قضاة وأشياع تناصره %~% كزيد الحبر والقاضي أبي مضر # قد ذكرت أنا عدة من أعيان شيعة المؤيد، وأخيه قبيل هذا الكلام فخذه من هناك. PageV02P081 ### || [1- الإمام مانكديم (ع)] # وأما الدعاة الذين أجملهم السيد صارم الدين، ولم يسمهم بأعيانهم فهم: ~~السيد مانكديم وقد تقدم طرف من شرح حاله، وأنه دعا بلنجا عقيب موت المؤيد ~~بالله، وكان من أعيان العترة الكرام، ومن المتبحرين في علم الكلام، وله ~~كتاب (شرح الأصول) وهو من أجل الكتب المرجوع إليها، والمعتمد عليها. PageV02P082 ### || [2- الإمام الهادي الحقيني (ع)] # ومنهم: الإمام الهادي الحقيني، وهو أبو الحسن علي بن جعفر، من ذرية زين ~~العابدين علي بن الحسين عليه السلام وكان جامعا للعلوم، ترشح للإمامة في ~~أرض الديلم، وأقبل العلماء إلى بيعته لتكامل شروط الإمامة فيه. # وقد عده الإمام المهدي في (البحر) في زمرة الأئمة، وأشار إلى ذلك الحاكم. # قالوا: وكان الحقيني متشددا في الإنكار على الباطنية، وعلى من يرى أنهم ~~صلحاء، وإباحة دمه، واغتنام ماله دون سبيه واسترقاقه، حتى بلغه ذات يوم أن ~~القاضي مروان بلغته رقعة من الملاحدة على يدي رسول أرسلوه إليه. # والقاضي مروان هذا كان من علماء النحاة، وكان يعتذر على الإمام الهادي ~~بعدم تنفيذ مراده عليه لقصور يده في موضعه، فقال: اللهم، إن كان هذا صدقا ~~فأحضره عندي ها هنا لأصلبنه فيك ولك، فلم تمض أيام إلا مقدار مسافة ما بينه ~~وبين القاضي، فحضر القاضي مروان، فلم يؤجله بل صلبه من ساعته. # وللحقيني -عليه السلام- وصية عجيبة فيها ألفاظ دقيقة ومعان في هذا الشأن ~~وبه حقيقة، فالله تعالى يرزقني العمل بمقتضاها، ويتوب علي توبة يرضاها، ولم ~~يزل قائما في إقامة قناة الدين حتى وثب ms242 عليه بغتة حشيشي من الملاحدة ~~الباطنية، فاستشهد في يوم الإثنين في شهر رجب من شهور سنة تسعين وأربعمائة سنة. PageV02P083 ### || [3- الإمام أبو الرضى الكيسمي (ع)] # ومنهم: أبو الرضا الكيسمي الحسني، كان جامعا لشرائط الإمامة، مؤهلا ~~للزعامة، دعا بعد الهادي الحقيني، فاستولى على جميع أقطار جيلان، وديلمان ~~إلى حدود طبرستان، وكانت المملكة الجائرة إذ ذلك في ديلمان لآل حوى فنابذهم ~~الإمام منابذة علوية حسينية حتى طال عليهم الأمد. # قال راوي أخباره: فحدث أنه -عليه السلام- ذات يوم كان جالسا في مسجد من ~~مساجد جيلان فأراد بعض آل حوى الهجوم عليه، فبكى، وقال: اليوم أفقأ عينه، ~~فهجم المسجد [عليه] بغتة بقضه وقضيضه، فوثب الإمام وأصحابه، فكان في أصحابه ~~رجل يقرأ في (إصلاح المنطق) رماه الظالم بمزراق فاتقاه بالكتاب، ثم عطف على ~~الظالم بالمزراق فضربه على عينه ففقأها بعزة الله وإعانته، كذا فرس للظالم ~~على فقو عينه بأن دنا من جدار المسجد حتى توكأ ذباب المزراق بالجدار ونجا ~~الإمام -عليه السلام- وأصحابه، وقصته في دعائه على الديك، وعلى ولده -عليه ~~السلام- مشهورة. # ولم يعش بعد الحقيني إلا قليلا، ثم قبضه الله إليه. PageV02P084 ### || [4- الإمام أبو طالب الأخير(ع)] # ومنهم السيد أبو طالب الأخير: هو أبو طالب يحيى بن أحمد بن الحسين بن ~~المؤيد بالله -عليهم السلام-، عده في (البحر) من أئمة الهدى، وكان حافظا ~~لمذاهب أهل البيت عليهم السلام متونها وتعاليقها. # وكان خروجه بجيلان سنة اثنتين وخمسمائة، ودانت له أكثر بلاد الجيل، واتصل ~~أمره إلى هوسم، وسرى [أمره] إلى جبال ديلمان، فعارضه شريف حسني، وطرده من ~~هوسم، ثم انتهى الحال [بعد ذلك] إلى أن قويت شوكته، فطرد هذا الشريف من ~~جيلان وديلمان، وكانت أكثر حروبه مع الباطنية قتل في يوم واحد ألفا ~~وأربعمائة، وأخذ من قلاعهم ثمان وثلاثين قلعة. # وافتتح من البلاد مسير اثنتي عشرة ليلة من كل جهة، وأقام أربع عشرة سنة ~~ما يخرج وحده من الجوشق إلا لصلاة خوفا من مكر الباطنية، وكان لا يقبل لهم ~~توبة، ويأخذ أموالهم، ويسبي ذراريهم،وكان يقتل من خالطهم مختارا حتى أمر ms243 ~~بقتل سبعة أنفس فيهم رجل رأى ملحدا صلحا، ولم يتميز عن الستة. # قال القائل: والستة في الجنة، والواحد في النار، وصلب ثلاثة أحياء، ~~ومذهبه أن الصلب للحي [جائز] وهو مذهب كثير من العلماء وكاتبه صاحب عمان، ~~وكان زيديا محبا مناصرا له، وكان حاشيته وغلمانه ومن أجابه اثني عشر ألفا ~~على مذهب الهادي -عليه السلام-، وخدامه كلهم كانوا يصلون، ولم يكن يستعين ~~من الفاسقين إلا بمن يصلي، وكان له من الهيبة ما لم يكن لأحد قبله. PageV02P085 # وكان يركب الفرس من الأرض، وكانت له غاشية على سرجه يركب بها خشية من سم ~~الباطنية، ووصل إلى صعدة من جهته: أبو طالب نصر بن أبي طالب بن أبي جعفر، ~~فقيه الزيدية في عصره وعالمهم، اجتمع في خزائنه من فنون العلم اثنا عشر ألف ~~كتاب، [وقيل: أربعة عشر]. # ووصلت أيضا دعوة هذا الإمام إلى اليمن سنة إحدى عشرة وخمسمائة سنة إلى ~~الأمير المحسن بن الحسن بن الناصر بن الحسن بن عبد الله بن محمد بن المختار ~~بن الناصر بن الهادي -عليه السلام- هكذا نسبه في كتاب (الحدائق) ونقلت أنا ~~نسبه من كتاب يسمي (العباب) للعدوي، فقال: هو المحسن بن محمد بن المختار، ~~ثم قال: ثم بويع له بالخلافة، ويلقب بالمعيد لدين الله. # قال: وكان فقيها خطيبا شاعرا. # قال في (العباب): وقتله الحدادون من أهل صعدة، وقتلوا ولده وجماعة من ~~شيعته في منزله، وهو آمن، وأحرقوه، واستصبحوا شحمه بسبب أنه قتل باطنيا كان ~~ضيفا لبعضهم، فلما قتلوا المحسن أمروا بيده إلى الباطنية فطيبوها، وكفنوها، ~~وردوها إلى بني الهادي، فخرج رجل من شيعته، يقال له: ابن عليان من سناع، ~~فاستنصر بخولان وهمدان، فنفوا أهل صعدة وبقيت خرابا مدة، انتهى كلام ~~العدوي،وسيأتي كلام خلاف هذا القول مما نقلته من (الحدائق) عند ذكر المحسن ~~من منظومة السيد صارم الدين. # عاد الكلام إلى ذكر الإمام أبي طالب، قالوا: ومن محاسن كتبه العهد الذي ~~كتبه للسيد شرف الدين أبي عبد الله الحسين بن عبد الله بن المهدي بن عبد ~~الله بن المرتضى ms244 بن الهادي -عليهم السلام -، وهو عهد عجيب طويل مذكور في ~~(الحدائق). PageV02P086 # قال في آخره: فليعلم إخواننا حفظهم الله تعالى أن مولدنا في ديلمان ومنشؤنا ~~بين جيلان وطبرستان، والعراق وخراسان، وأهل هؤلاء البلدان ليسوا من أهل ~~اللسان والبيان، بل عجم بكم عن العربية، ولسان العجم لا شك عجم وأدنى ~~العجم، وإن بلغوا من الفصاحة الثريا فلا تلحق فرسهم فرسا للعرب العرباء إلى ~~آخر ما ذكر ه -عليه السلام-، ثم توفي في سنة عشرين وخمسمائة بالديلم، وأوصى ~~أن يدفن سرا ليخفى موضع قبره على الباطنية، فهو لا يعلم على التعيين، وإنما ~~يظن ذلك، والله أعلم. PageV02P087 ### | [أخبار الإمام الحسين بن القاسم العياني -عليهما السلام-] # وأنزلت ساحة المهدي قارعة %~% بذي عرار ونقع الخيل لم يثر # وقال قوم: هو المهدي منتظرا %~% قلنا: كذبتم حسين غير منتظر # كيف انتظاركم نفسا مطهرة %~% سالت على السمر والصمصامة الذكر # وللخيالات أوهام مسلطة %~% على العقول التي ضلت عن الفكر # يعني: أن الدنيا أنزلت منزلة المهدي. # والمراد هنا : أبو عبد الله الحسين بن القاسم بن علي العياني، كما فعلت ~~بغيره من أهل البيت الأطهار، وقد كان من أعيان الأئمة في تلك الأعصار، ومن ~~المبرزين الكبار، في كل علم حوته المصنفات والأسفار، والسابقين في ذلك ~~المضمار، فله التصانيف الرائقة في علم الكلام، والكتب الفائقة على مخالفي ~~العترة -عليهم السلام-، وهي كثيرة. # قيل: إنها تبلغ إلى ثلاثة وتسعين مصنفا، منها تفسير كامل سلك فيه الطريقة ~~الوسطى. # وكانت شجاعته معروفة، ومواقفه موصوفة، لا تفتقر إلى شاهد، ولا يطمع في ~~جحدها جاحد، كما قال الإمام المنصور بالله -عليه السلام-: # وهل أحد يقول أبي علي %~% يقهقر عن مناطحة الشفار # قام بعد موت أبيه، وملك من إلهان إلى صعدة وصنعاء، ولم يزل ناعشا للحق، ~~داعيا إلى الصدق إلى أن قتله بنو حماد في بعض حروبه في نواحي البون، قتله ~~رجل من بني زينج سنة أربع وأربعمائة، وعمره نيف وعشرون سنة، واعقب ابنتين ~~لا غير، ومات قطيعا من الذكور. # وروي أن قاتله قربت إليه نار ليتبخر بها فاحترق، ms245 وذلك دلالة على كرامته ~~-عليه السلام-. PageV02P088 # قال الفقيه حميد: وقد بقي جماعة من أشياعه يعتقدون أنه حي [إلى الآن] وأنه ~~المهدي المنتظر، الذي بشر به النبي قال: وقد كتبنا رسالة في هذا المعنى، ~~وسميناها ب(الرسالة الزاجرة لذوي النهى عن الغلو في أئمة الهدى). # قال الفقيه حميد: ولقد اقتصرنا من سيرته على هذا القدر؛ لأنها لم تتصل ~~بنا، وإلا فله وقائع جمة. # قلت: [و] أنا أعلم أن ناسا من شيعته ضلوا فيه، وذهبوا إلى أن كلامه أفصح ~~من القرآن، بل قد رأيت من المصنفات ما نسب إليه، وفيه ما يقتضي بهذا ~~المعنى، وتأوله بعضهم بأنه قاله وهو ذاهب العقل لسبب كثرة تتبعه أنوار ~~العلوم، وقال أصحابه فيه أقاويل هائلة، ولما ظهرت منهم هذه المقالات ~~ونحوها. # قال الفقيه جعيد بن الحجاج الوادعي -وهو صهر لنشوان بن سعيد-: # أما الحسين فقد حواه الملحد %~% واغتاله الزمن الخؤن الأنكد # فتبصروا يا غافلين فإنه %~% في ذي عرار ويحكم مستشهد # قال الراوي: فغضب الشرفاء القاسميون من ذلك غاية الغضب، وتوهموا أن نشوان ~~هو الذي قال الشعر، فهجوه، فقال فيه عبد الله بن القاسم بن جعفر: # أما الصحيح فإن أصلك فاسد %~% وجزاك منا ذابل ومهند # فأجابه نشوان بقصيدة طويلة أولها: # من أين يأتيني الفساد وليس لي %~% نسب خبيث في الأعاجم يوجد # لافي علوج الروم جد أزرق %~% أبدا ولا في السود خال أسود # أبي من العرب الصميم إذا امرؤ %~% غلبت عليه العجم فهو مولد # فدع السفاهة إنها مذمومة %~% والكف عنها في العواقب أحمد # والله ما مني نظام جاءكم %~% فيه يقول حوى الحسين الملحد PageV02P089 ولقد أتيت به فقمت مبادرا %~% عجلا أمزق طرسه وأقدد # فأشاعه من ظن أن ظهوره %~% في الناس مكرمة عليها يحسد # أغضبتم أن قيل مات إمامكم %~% ليس الإمام ولا سواه يخلد # لا عار في قتل الإمام عليكم %~% القتل للكرماء حوض يورد # إلى أن قال[في آخرها ]: # إن النبوة بالنبي محمد %~% ختمت وقد مات النبي محمد # فدع التهدد بالحسام جهالة %~% فحسامك القطاع ليس له يد # من قد تركت به قتيلا ms246 أنبني %~% ممن توعده ومن تتهدد # إن لم أمت إلا بسيفك إنني %~% لقرير عين بالبقاء مخلد # أسكت فلولا الحلم جاءك منطق %~% لامين فيه يذوب منه الجلمد # ينبي بأسرار لديك عجيبة %~% لكن جميل الصفح عنه أعود # ثم آل الكلام بين الأشراف هؤلاء، وبين نشوان إلى الصفح، وتهادي الثناء ~~الحسن، كما أشير إلى ذلك في ذكر الإمام أحمد بن سليمان -عليه السلام-. # وقد حكى مسلم اللحجي في تأريخه عن الإمام المهدي، وعن والده القاسم بن ~~علي -عليه السلام- بما يشوش خاطر المعزب عن معرفة فضلهما، فإنه حكى أشياء ~~كثيرة تقضي بمخالفتهما لمذاهب أسلافهما، وأنهما ربما يسترجحان شيئا من ~~مذاهب العبيديين الذين ملكوا مصر والمغرب وغيرهما من بلاد الإسلام، وكان ~~الصليحيون يدعون لهم، وذلك لا يسلم للشيخ مسلم. PageV02P090 ### | [الإمام محمد بن القاسم بن الحسين الزيدي] # وكان منها على الزيدي ملحمة %~% بحقل صنعاء تجري مدمع النظر # هو:محمد بن القاسم بن الحسين الزيدي، من ذرية زيد بن علي-عليه السلام-، ~~قتل بقاع صنعاء عند الظهر يوم الخميس، لسبع بقين من صفر سنة ثلاث ~~وأربعمائة، قتله هذا الإمام المذكور قبله ؛لأنه نازعه [في] الأمر، وخالف ~~عليه؛ لأن أباه كان من أعوان القاسم العياني على صنعاء، فلما مات القاسم ~~دعا هذا الزيدي إلى نفسه، وبلغ ذلك الحسين بن القاسم، فكتب إلى الناس ~~يأمرهم بأن ينظروا في صفات هذا الداعي لهم إلى البيعة، فإن كان أحق بالأمر ~~بايعوا له، وبايع هو له، ثم لم يلبث أن وثب عليه فقتله. # قال مسلم اللحجي: فهذه الأخبار توجد في سيرة الإمام الحسين مستوفاة، فلا ~~وجه للتطويل في شرحها. انتهى. # قالوا: وأما أبوه فهو مقبور في جامع ذمار في عدنيه، توفي يوم الأربعاء، ~~لست وعشرين ليلة خلت من محرم، سنة أربعة وتسعين وثلاثمائة. # قال بعض نساب العترة: وأظن [أن] من أولاد الزيدي هذا، أو من بني عمه ~~أشراف بيت نعامة من بلاد بني شهاب، ومنهم في صنعاء، وفي جهران، وفي هجرة ~~وزل بوادي عهان، وفي مقري، والله أعلم. PageV02P091 ### | [ذكر الشريف الفاضل وأخيه ذي الشرفين] # قوله: ms247 # وفي الهرابة أيام لفاضلنا %~% وصنوه ذي المعالي خير منتصر # حط الصليحي حوليها بعسكره %~% سبعين ألفا وما فيها سوى قطر # وفي شهارة أيام تعقبها %~% قتل القرامطة الأشرار في أقر # رد المكرم مكسور الجناح وقد %~% وافى بجيش كعد الطبس منتشر # وحاصراه بصنعاء محاصرة %~% تعض منها بنان النادم الحصر # الفاضل هذا هو: القاسم بن جعفر بن القاسم بن علي العياني، وأخوه ذو ~~الشرفين، متوفى في شهارة [محمد بن جعفر] كانا رجلي أهل البيت في زمانهما، ~~كان الفاضل في درجة الإمامة، ولم يدع إلى نفسه؛ لأنه كان يعتقد أن عمه ~~الحسين حي وأنه المنتظر. # وكان الفاضل قد بنى الهرابة في الظاهر من بلاد وادعة وحصنها، وأجرى إليها ~~وشلا من موضع عندها، فسار إليه علي بن محمد الصليحي بجميع أهل اليمن ~~وملوكها، فحاصره سبعين ليلة، وقاتل عليها قتالا شديدا، وقطع الماء عن السيد ~~الفاضل وأصحابه حتى بلغت الشربة ألف دينار، وهلكت البهائم برمتها وبعض بني ~~آدم عطشا. PageV02P092 # وقال السيد الفاضل: والله، ما أعلم أحدا قبلي بلي بمثل ما بليت به، فإن جدي ~~الحسين -عليه السلام- منع الماء ثلاث ليال أو أربع، وأنا منعت الماء سبعين ~~ليلة، ولما دخل الصليحي الهرابة عقيب استيلائه عليها دخل وهو ضام لأنفه من ~~رائحة جيفة الموتى، وأخذ يتعجب من صبر من بها، حتى قال: والله لو ملكت ~~رجالا كرجال الهرابة لأملك بهم العراق، ثم اعتقل السيد الفاضل بصنعاء، وقف ~~في حبسه نحو عامين، وكانت زوجة الصليحي الحرة أسماء محسنة إلى الفاضل [في] ~~أيام حبسه، ثم أطلقه الصليحي، ورأيت أنا في بعض الكتب أنه أسروه وأخاه ذا ~~الشرفين، ثم أطلقهما بشفاعة أبيهما جعفر بن الإمام، ثم عمرا شهارة في بلاد ~~الأهنوم وحصناها، فأما الفاضل فقتل في الجوف وهو ابن سبع وخمسين سنة، وذلك ~~في شهر صفر من سنة ثمان وستين وأربعمائة على غيل أحدثه هناك، قتله أهل ~~الجوف بعناية من الصليحي أحمد بن المظفر وأصحابه، فإنهم منوا النهميين جعلا ~~في قتله؛ لأنه أراد عمارة غيل عمران، وكانوا كارهين لذلك، فلما قتلوه جاءوا ms248 ~~إليه للجعل فأنكر عليهم، وقال: تقتلون ابن رسول الله وتطلبون عليه ~~المكافأة! فذهبوا وقد ندموا، ومات ولا عقب له، وبقي أخوه ذو الشرفين، فحط ~~عليه المكرم أحمد بن علي الصليحي على شهارة بنفسه، ثم رتب عليه جماعة من ~~أقاربه، وكانت الجنود تطلع من اليمن وغيره من البلاد، ويتداولون المكث في ~~المحطة، فبيتهم ذو الشرفين ليلة، فقتلهم قتلا ذريعا، وانتهبت خيلهم ~~وبغالهم، وقيل في ذلك أشعار، وقد كانت المغازي من ذي الشرفين لا تزال تعاهد صنعاء. PageV02P093 # قال مسلم اللحجي: كان الأشراف آل القاسم قد حصروا بني الصليحي، وبني ~~الزواحي وأعوانهم بصنعاء وشبام، وأخذوا عليهم أقطار البلاد، فكان بعضهم في ~~قلعة ثلا يحصر من في كوكبان وشبام، وبعضهم في سناع وحضور، وبعضهم بالمعلل، ~~ثم بقرن عنين يحصر بيت بوس وصنعاء وبعضهم بمشارق صنعاء يحصرونها. # فكان منهم من هو بالمفظوع من جبل كنن، ومنهم من هو بغيره، فضايقوا ~~الصليحيين بالحصار حتى لم يوجد إلى الطعام سبيل ولا وجه، واعتقدوا أن ~~هلاكهم يستباح معه كل محظور، وضايقوا أيضا من تحت أيديهم ومملكتهم من ~~القبائل في الجبال حتى أخذوا سبعة أعشار أموالهم. # قالوا: فلم يزل ذلك كذلك حتى نظر الشريفان القاسم، ومحمد ابنا القاسم في ~~ديوان دخلهما وخرجهما، فوجدوا ما يدخل نحوا من تسعين ألفا، وما يخرج نحوا ~~من ألف ألف وأربعين ألفا أو أكثر، فأيقنا بتعذر الأمر واختلاف الحال، ~~فانصرف من كان منهما بمسور إلى شهارة، وكتبا إلى أهل حضور والقلاع، والعمال ~~في البلاد بالانصراف، فانصرفوا في ليلة واحدة من ثلاثين حصنا، فاسترخى خناق ~~الصليحيين بعد انقضاء الحصار، فانفصلوا إلى مخلاف جعفر، ونزلوا إلى مدينة جبلة. # فروي عن السيدة الصليحية أنها قالت: ما خرجت يومئذ صليحية من صنعاء وفي ~~آذانها إلا الصفر من شدة ما احتاجوا إليه من النفقة، وعظيم ما نزل بهم من ~~الفاقة في تلك المدة. PageV02P094 # قالوا: وكان السبب في جرأة الأشراف بشهارة على الصليحيين أنهم بعد أن صاروا ~~بشهارة قصدهم المكرم في ملوك الدعوة الصليحية وجيوشها، فأقبل حتى نزل بموضع ~~تحت ms249 شهارة، ونزل أحمد بن المظفر بمكان آخر قباله، ونزل عامر [بن] الزواحي ~~ناحية أخرى، ونزل حاشد بن اللديس وآخر معه منهم بموضع آخر، وأحاطوا بشهارة ~~من كل موضع، فقسم الأمير ذو الشرفين الأشراف والشيعة ثلاثة أقسام مائة ~~مائة، وأصحب كل مائة ريحا من طبل وبوق وغيره، فصبحت كل طائفة منهم طائفة من ~~الصليحيين، فقتل حاشد وأصحابه وكثير من جيشه، فانهزم باقيهم، وانهزم سائر ~~الملوك والعساكر أكبر هزيمة، وقتل من لحق منهم. # فلما مضى لذلك سنة أو نحوها جهز المكرم جيشا، وقصد شهارة وانتهى إلى موضع ~~تحتها، يقال له: أقر، فلم يلبث أن انصرف، وفي السنة الثالثة أقبل كذلك ~~فانتهى إلى ظاهر بني صريم، فحاده الأشراف، وكان حده وحد أهل دعوته من أسفل ~~عجيب من ناحية ريدة البون الأسفل فيمنا، وحد الأشراف وشيعتهم من أعلى عجيب ~~فشاما، وقد كان ذو الشرفين قال: أما إني سأفرق بين الصليحي، فأما القتل لهم ~~فلا، ولا أصل إليه، فسار إليهم إلى صنعاء، وحصرهم كما تقدم. # قالوا: وبنى ابن عمه الحسن بن إبراهيم في تلك المدة جبل ثلا، فهو أول من بناه. # ومما أعان على الصليحيين أن قبائل همدان قد كانت أقبلت إلى المكرم فحلفت ~~له على الطاعة وحرب الأشراف، ولم يكن في خزائنه ما يعطيهم إياه، فضرب لهم ~~قدر صفر دنانير، واحتال على تلوينه بما صبغه حتى قلبه. PageV02P095 # وكان العطاء أربعة أربعة فأخذوا عطائهم ورجعوا، فأخذ بعض مشائخهم دينارا ~~معه، فأعطاه البيع فرده، ثم آخر ثم آخر [وهم يردونه] فغضب، وقال: كيف تردون ~~دينار مولانا؟ فأدناه البيع من أنفه فشم رائحة الصفر فالتفت إلى أصحابه ~~فأخبرهم، فرموا بتلك الدنانير وانصرفوا غضابا، وكانوا بعد ذلك من أشد الناس ~~عداوة له ومحبة لآل القاسم. # ومن فضائل هذا الأمير وغاراته على الدين وأهله وحميته على المذهب ~~اليحيوي، والمنصب النبوي: أنه كان في سنة ثلاث وستين وأربعمائة خطب جعفر بن ~~الحسن الشمري بصعدة للصليحيين على منبر الهادي -عليه السلام- بصعدة فنهض ~~الفاضل بنفسه، ولم يرض بنائب غيره حتى دخل صعدة ms250 فقبض على الشمري، ورجع به ~~إلى شهارة فلبث في سجنها إلى سنة سبعين وأربعمائة، فمدح بذلك وأثني عليه، ~~فمما قيل فيه من الشعر: # قدنا من الجبل المنيع جيادنا %~% لدن الأعنة كالصخور صلادما # فمضين شعثا كالعشار بواطنا %~% وسلكن شرقا كالظباء سواهما # يتبعن أشمط هاشم وهمامها %~% نجل الأئمة ذا المهابة قاسما # الماجد الورع التقي الزاهد الب %~% ر الكمي الأريحي العالما # يقصدن هجرة جده الهادي بها %~% أكرم بها وبه إليها قادما # متغضبا لما طغت واستعملت %~% سكان صعدة رأيها المتقادما # ودعا المخلع فوق منبر جدنا %~% قدنا إليه الماقط المتلاحما # فرجعنا بالأسرى وكان مرادنا %~% دون الغنائم والإياب غنائما PageV02P096 قالوا: ومن كماله ودهائه أنه كتب إلى أحمد بن المظفر الصليحي وهو بصنعاء ~~وأعطى الكتاب رسولا له أيام حدوثه بصنعاء، فقال له الرسول: أين أجدك عند ~~رجوعي بالجواب؟ فقال: إسأل أحمد بن المظفر عني. # وكان أحمد هذا كبير الصليحيين في دولة المكرم، ومجربهم للأمور، والخبير ~~بأمور الناس. فلما قدم الرسول صنعاء وأخذ الجواب وأراد الرجوع، فقال لأحمد ~~بن المظفر: أين أجد الشريف القاسم ؟ فقال: ولم سألتني عنه؟ قال: أخبرني ~~بذلك، فضحك وقال: إنه لشيطان. # وقال أتاني الثقة بأنه نفذ أمس من بني فلان، وأمسى البارحة بمكان كذا، ~~وهو اليوم بناحية كذا، وتجده غدا إن شاء الله عند بني فلان بمكان كذا، ~~فانصرف الرسول فوجده حيث كان. # قال: وهذا يدل على دهاء الرجلين جميعا، وقد ألم السيد صارم الدين في ~~البيت المتقدم بقول الشاعر: # عهدت قومي كعديد الطيسي %~% إذ ذهب القوم الكرام ليسي # والطيس: هو الكثير من الرمل، وبقول الحريري : # وأقبلت يوم حد البين في حلل %~% سود تعض بنان النادم الحصر PageV02P097 ### | [أخبار حمزة بن أبي هاشم] # وحمزة روت المنوى له بدم %~% وفرقت منه بين الرأس والقصر # سر الزواحي والأصلوح مصرعه %~% وقد ثأرنا به منهم على الأثر # بعامر وبمنصور وأسرته %~% فما التقى رايح منهم بمبتكر # المراد بحمزة هنا هو: حمزة بن أبي هاشم الحسن، وكنيته النفس الزكية بن ~~عبد الرحمن بن يحيى بن عبد الله بن الحسين بن القاسم ms251 بن إبراهيم -عليهم ~~السلام- # قام محتسبا وليس بإمام، شهد بفضله الموالف والمخالف، وقد ذكره الإمام ~~المتوكل [على الله] أحمد بن سليمان في بعض رسائله على المطرفية في جملة من ~~ذكر من أهل البيت الذين أنكروا على المطرفية، وكانت لحمزة هذا مع بني ~~الصليحي وقعات مشهورة، وكان في بعض أيامه بمسجد حلملم، وقد اجتمع إليه أهل ~~الطرق، وأراد الصلح بينهم في أمور كانت، فأحدث واحد بالقرب من المسجد صوتا ~~يريد به تفريق الناس حتى ينصرفوا بغير صلح. # فقال حمزة: من هذا الذي غير محضرنا، غير الله لونه؟ فأنزل الله بذلك ~~الرجل البرص في مجلسه، عقيب دعائه -عليه السلام-، وصار آية شاهدة بفضله، ~~ولم يزل مجاهدا حتى قتل في المعركة في المنوى موضع بالخشب معروف، وذلك في ~~سنة تسع وخمسين وأربعمائة، في أيام علي بن محمد الصليحي. # وكان يقاتل يوم قتل، وهو يقول: # أطعن طعنا ثائرا غباره # طعن غلام بعدت أنصاره # وانتزحت عن قومه دياره # وفيه يقول شاعر المكرم علي بن محمد الصليحي: # فصرعن بالمنوى منكم سيدا %~% قرما ولم يسمح به أن يصرعا # ملك لو ان بني سليمان معا %~% وزنوه يوما لم يوازن إصبعا PageV02P098 قالوا: وكان جيشه ألفا وخمسمائة فارس وخمسة عشر ألف راجل. # ووقف عنده تسعون شيخا من همدان يجالدون دونه حتى هلكوا. # وقتل معه عشرة من رؤساء همدان، لكل واحد منهم من الأولاد عشرة ذكور وعشر ~~بنات، فعجل الله انتقام قاتله علي بن محمد الصليحي، فلم يحل عليه الحول حتى ~~قتله سعيد بن نجاح الأحول، وقتل معه أخاه عبد الله وجماعة من أهله، وسبيت ~~حريمه، وقد أشار إلى ذلك الإمام المنصور بالله [عبد الله بن حمزة] -عليه ~~السلام- حيث يقول: # كم بين قولي عن أبي عن جده %~% وأبو أبي فهو النبي الهادي # وفتى يقول: حكى لنا أشياخنا %~% ما ذلك الإسناد من إسنادي # ما أحسن النظر البليغ لمنصف %~% في مقتضى الإصدار والإيراد # أفليس جدي حمزة نعش الهدى %~% بحسامه وبعزمه الوقاد # خمسا إلى أن ذاق كأس حمامه %~% وسط العجاجة والخيول غوادي # لم يرتدع في ms252 حربه عن عامر %~% عن فرط إبراق ولا إرعاد # يعني عامر بن سليمان الزواحي الذي قتله الأمير المحسن بن الحسن بين ثلا ~~وشبام، وثأر بحمزة بن أبي هاشم، وحمل السلطان عامر بن سليمان على الأمير ~~المحسن فتطارد له، ثم لقاه الرمح في هزمته، فوقع في نحره، فعطف عليه ولده، ~~فنشل شيعي من خلصان الزيدية كنانته ورماه بسهم كان فيه حمام ولده، فقال ~~شاعر الزيدية: # إنا قتلنا عامرا وابنه %~% يحيى وكانا ملكي حمير # لله در محسن من طاعن %~% والخيل بين عجاجة وستور # جادت له كف الأمير بطعنة %~% ضمنت له منها بموت أحمر PageV02P099 وفي الرواية : أن حمزة لما دفن وأراد أولاده نقله من الموضع الذي دفن فيه ~~أقاموا مدة يطوفون قبره ليلا حتى أمكنتهم الفرصة، فحملوه في شملة [ليلا] ~~وله نور [ساطع] يرى منه أهداب تلك الشملة. # وحمزة هذا هو جد بني حمزة كافة. PageV02P100 ### | [الإمام أبو هاشم النفس الزكية(ع)] # وأبوه أبو هاشم النفس الزكية دعا إلى الإمامة، وكان من فضلاء العترة، وله ~~كتاب (سياسة النفس) في الزهد والوعظ، ولم تطل أيامه، و[إن] كان قد دخل ~~صنعاء واستقام أمره حتى عارضه الشقي الحسين المرواني. # وتوفي أبو هاشم في ناعط من بلاد حاشد، ومشهده هناك مزور مذكور، ولم يذكره ~~السيد صارم الدين، وقد ذكره الفقيه حميد، وغيره. # [وقبر حمزة في بيت الجالد أخبرني بعض الناس أن من قال: يا ناعطاه، يا بيت ~~الجالداه، عند أن يحمل عليه جيش فإنه يرجع عنه ببركة هذين الرجلين]. # تنبيه: اعلم أنه ذكر في (تأريخ مسلم اللحجي) ما يشعر أن عامر بن سليمان ~~الزواحي قاتل حمزة بن أبي هاشم مات حتف أنفه، وذلك أنه قال:لما بلغه خروج ~~حمزة سار من ناحية يريم حتى دخل صنعاء، وكان المكرم يومئذ غائبا عنها فخرج ~~عامر فقتل حمزة بالمنوى. # قال مسلم: وقد أخبرني كثير ممن أدركت من شيوخ الناس [من أهل بلاد شتى] ~~يذكرون أن عامرا مات بأكلة أصابته في دبره، ويروون أن هذا أصابه بقتل حمزة، ~~وآخرون يرون أن ذلك لخطيئة أخرى، وهي ms253 أن رجلا من أهل شبام، ثم من فضلائهم ~~قال: حججت بعد موت عامر الزواحي فأتيت مكة فاستقبل الحاج رجل، فسألهم: من ~~فيهم من أهل شبام؟ فقلت: أنا من أهل شبام، فقال : أخبرني عن عامر الزواحي. PageV02P101 # قلت: نعم، قال: فأخبرني عن سبب موته؟ قلت: أكلت الدود دبره حتى لاحت عظامه، ~~قال: فسجد لله، وقال: اللهم، لك الحمد، اللهم، فإنك عدل، فأعجبني أمره ~~فسألته عن شأنه، وعما صنع، ولماذا كان منه ما كان؟ فقال: أخبرك أني كنت مرة ~~بصعدة فأتيت مسجدها فقعدت خلف أسطوانة منه، وكان في البلد ملوك الصليحيين ~~والزواحيين فدخلوا المسجد، ثم انصرفوا وبقي عامر بن سليمان وغلامان له، ~~فأمرهما فاحتملاه حتى قعد على قبر الإمام الهادي -عليه السلام- ثم كشف عن ~~دبره وتغوط عليه وانصرف. # فقلت: إن كان الله عدلا لم يمت هذا حتى يصاب في دبره بمصيبة، فهذا خبري ~~وسببه ما رأيت. انتهى. # قلت: وما ذكره مسلم خلاف ما عليه جميع الزيدية المخترعة من أن سبب موته ~~قتل الأمير المحسن [له] كما تقدم، والمحسن هذا من بني الهادي -عليه ~~السلام-، وقد افتخر به الإمام الداعي يحيى بن المحسن حيث قال في جوابه على ~~عز الدين بن المنصور -عليه السلام-: # ألم ننقم بثأركم قديما %~% بحمزة يوم أهلكه الزاوحي # قتلنا عامرا فيه انتقاما %~% ومنصورا بأطراف الرماح # إذا ملكت يداك مسير يوم %~% فأرض الله واسعة النواحي # والمحسن هذا هو: الذي قتله أهل صعدة، وسيأتي طرف من خبره قريبا بمعونة ~~الله و[حسن] توفيقه. PageV02P102 ### | [الإمام الناصر أبو الفتح الديلمي -عليه السلام-] # والناصر الديلمي المنتقى سفكت %~% له دما يوم نجد الجاح ذي الحفر # هو: أبو الفتح بن ناصر بن الحسين بن محمد بن عيسى بن محمد بن عبد الله بن ~~أحمد بن عبد الله [بن علي] بن الحسين بن محمد بن زيد بن الحسن بن علي بن ~~أبي طالب -عليهم السلام-. # كان قيامه في أرض اليمن بعد وصوله من ناحية الديلم في سني الثلاثين ~~وأربعمائة سنة، وملك صعدة والظاهر، واختط ظفار وهوحصن الإمام المنصور بالله ms254 ~~-عليه السلام-. # وكان غزير الفهم وافر العلم، له تصانيف تكشف عن علو منزلته وارتفاع ~~درجته، منها (تفسير القرآن الكريم) جمع فيه أنواع المحاسن، وهو كتاب جليل ~~القدر، أودع فيه من الغرائب المستحسنات والعلوم المبتكرات، ما قضى له ~~بالتبريز والإصابة، ودل علىالكمال والنجابة، وهو أربعة أجزاء، ومنها ~~(الرسالة المتبهجة في الرد على الفرقة الضالة المتلجلجة) يعني المطرفية، ~~احتوت على علم رائق وكلام فائق، وله أيضا دعوة حسنة طويلة ذكرها الفقيه ~~حميد في (الحدائق) ومن شعره -عليه السلام-: # ألا يا لهمدان بن زيد تعاونوا %~% على نصرنا فالدين سرب مضيع # ونادوا بكيلا ثم وادعة التي %~% لها المشهد المشهور ساعة تجمع # ولا بد من يوم يكون قتامه %~% بوقع القنا والمشرفية أدرع # سينقاد لي من كان بالأمس عاصيا %~% ويقرب مني النازح المتمنع # أنا الناصر المنصور والملك الذي %~% تراه طوال الدهر لا يتضعضع # سنملأ دنيانا من العدل بعدما %~% مضت حقب بالظلم والجور تنزع PageV02P103 وكان مما وليه صعدة والظاهر، وحارب الصليحي في بلاد مذحج، وقتل من خولان ~~بمجز من أعلى صعيد صعدة مقتلة عظيمة. # وله حروب على أثافت من قبل الصليحي وهي سجال له وعليه، ولم يزل شجى في ~~حلوقهم، حتى قتله الصليحي في نيف وأربعين بنجد الجاح، وقبره بردمان من بلاد ~~عنس، وله عقب، والضمير في قوله: سفكت.. راجع إلى الدنيا، لأنه في معرض ~~ذكرها من أول المنظومة، يعني أنها معاندة لأهل البيت -عليهم السلام- وزويت ~~عنهم، وقد أحسن السيد الرضي حيث يقول: # عتبت على الدنيا فقلت: إلى متى %~% أكابد فقرا همه ليس ينجلي # أكل شريف من علي جدوده %~% حرام عليه الرزق غير محلل # فقالت: نعم، يا ابن الحسين رميتكم %~% بسهم عناد منذ طلقني علي PageV02P104 ### | [أخبار المحسن بن الحسن] # ثم المحسن ذا الإحسان قد فتكت %~% به بأيدي ذوي البغضاء والأشر # المحسن هذا قد تقدم ذكر طرف من خبره، ونزيد هاهنا طرفا ذكره في (الحدائق) ~~فقال: إنه -عليه السلام- لما وصلت دعوة الإمام أبي طالب الأخير -عليه ~~السلام- قام بها أحسن قيام، ونفذت أوامره في صعدة ونجران، والجوفين، ~~والظاهر، و[في] ms255 مصانع حمير. # وفي مشجر الأمير الحسين بن بدر الدين، أن المحسن هذا ملك حصن ثلا وغيره ~~من الحصون، وهو الذي قتل الزواحي قاتل الإمام حمزة بن أبي هاشم جد المنصور ~~بالله عليه السلام-، ثم قتله أهل صعدة وولده غدرا، فقام بثأره السيد الشريف ~~الواصل من الديلم من جهة الإمام أبي طالب المقدم ذكره في ترجمة أبي طالب، ~~وأخرب صعدة، وأعانه على ذلك شيخ الشيعة في وقته محمد بن عليان بن سعد ~~البحيري وأمدهم الأمير غانم بن يحيى بن حمزة السليماني بمال كثير، وقال ~~محمد بن عليان شعرا [أوله] : # تألبت الأوغاد من أهل صعدة # قال الفقيه حميد -رحمه الله تعالى-: وهي إلى خمسين بيتا، انتهى كلامه. PageV02P105 # ووجدت بخط الأمير الكبير العلامة الحسين بن بدر الدين -رحمه الله- [تعالى] ~~مصنف (الشفاء) و(التقرير) ما لفظه: إن قتل المحسن وولده كان بدرب الغز ~~بصعدة، فعند ذلك خرجت ابنته إلى خولان فنكفت القبائل، وعاضدها محمد بن ~~عليان، وأمدهم الأمير غانم المذكور بعشرة آلاف دينار، وكتب إليهم يعتذر أن ~~الخيل لا صبر لها في جهتكم، فعند ذلك [أجمعت القبائل على خراب صعدة ~~وحاصروهم مدة، وضيقوا عليهم] حتى انتهى أمرهم إلى أنهم أمنوهم يحيزون ~~أموالهم ثمانية أيام، وقالوا لهم: نحن نرعى لكم حرمة الهادي -عليه السلام- ~~وأما خراب صعدة فلا بد منه، واشترط ابن عليان أن يلعب بفرسه في درب الغز ~~لما كان قتل[حي] الأمير المحسن فيه. # فلما حيزوا هذه الأيام بقي من أموالهم شيء لم يحيزوه فنهبته القبائل، ~~وأخربوا صعدة، وبالغوا في خراب درب الغز حتى لعب فيه محمد بن عليان، وحرف ~~فيه جواده، وقد كان وعد القبائل بشيء من المال؛ لأنه قد كان أفنى المال ~~الذي أمده به الأمير غانم إلا الشيء القليل، جعل عشرة كيزان مملؤة شقوفا ~~على هيئة الدنانير، وجعل في رأس كل كوز شيئا من الدنانير التي بقيت عنده، ~~وعدلها لهم عند من ارتضاه من شيوخ تلك القبائل. # فلما قضى وطره من خراب صعدة وقتل من قتل منهم، خشي النشبة مع القبائل ~~فيما كان ms256 قد وعدهم [به] فعند ذلك هرب في الليل، واختلف في أمره، فقيل: إنه ~~هرب على جواد يطرده حتى وصل الغفرة. # وقيل: بل خرج في هودج على هيئة امرأة، والله أعلم أي ذلك كان. PageV02P106 # وذكر الأمير الحسين أن قائل القصيدة محمد بن أحمد الطيش، قالها على لسان ~~محمد بن عليان، وهي هذه: # تألبت الأوغاد من أهل صعدة %~% لتهدم دين لله في كل وجهة # فحل بها أمر من الله واقع %~% بما أسلفت من أمرها واستحلت # أتاها من المنصور داع فصدقت %~% به ثم عنه بعد ذلك صدت # فلما رأى منها المحسن ما رأى %~% من الفسق ناداها بصوت فصمت # فدوخ نجرانا ودمر صعدة %~% وأضمرت البغضاء له وأسرت # وأعلنت الطغيان في الشرب والخنا %~% وذلك لما أن عن الرشد ضلت # وأرسل نحوي بعد ذاك كتابه %~% يعاتبني فيه ويطلب نصرتي # فثرت إليه قاصدا نحو صعدة %~% وعقدت بالعزم اعتقادي ونيتي # وسار بسيري عصبة أهل عفة %~% وبيعتهم في الدين أعظم بيعة # [ومنها: ] # فلما وصلنا قاصدين محسنا %~% وجملة إخواني جميعا بحضرتي # وناظرته في حضرة الكل منهم %~% بكل احتجاج حجة بعد حجت # فلما استقام الحق واتضح الهدى %~% وبانت لداعي الحق سبل المحجة # ولم يبق لي عند المحسن حجة %~% مددت يدي طوعا لتسليم بيعتي # فسلمت من بعد احتجاج مكرر %~% لداعي إمامي بعد تسليم إخوتي # وأشعرت نفسي الصبر في كل حالة %~% وصار رداء الصبر في الخطب حلتي # وأبنا جميعا قافلين لبيعة الإم %~% ام الذي نرجو له خير دولت # إلى أن نزلنا في ثلا حيث خيمت %~% نجوم الثريا بين أرباب منعة # ذؤابة قحطان المصاليت حمير %~% بهم نلت في الأيام أرفع رتبة # أفديهم من كل سوء لأنهم %~% هم الذروة القعساء أشرف ذروة # وخضت بهم دين الإله ولم أزل %~% أجدد فيه غرفة بعد غرفة # فلما أتى داعي الإمام الذي به %~% غدا وهو منسوب إلى خير عترة PageV02P107 حميد المساعي السيد العالم الذي %~% غدا قائما في كل فرض وسنة # هتفت بإخواني الذين عهدتهم %~% على بيعة المنصور صحبي وجيرتي # وقلت لهم سيروا لنصر إمامكم %~% فأنتم له في الدهر أعظم ms257 نصرت # فمالوا إلى الخذلان لما دعوتهم %~% فكم زفرة تعتادني بعد زفرة # فسرت ولم أكشف غطاء عليهم %~% رجاء ولم أضمر لهم غير رحمة # وقمت لدين الله لما أتت له %~% براهين من هذا الإمام تجلت # فيا لائمي فيما صنعت بصعدة %~% دع اللوم واسمع حجة القوم واصمت # وسل فرقة الطاغوت عن قتل جارها %~% وقتل ابنه سهلا بماذا استحلت # توسمت الأوغاد عزا ونخوة %~% بقتل الذي أفنته ظلما فزلت # فدمرها داعي الإمام وجنده الح %~% سين الذي طالت به الدهر همتي # فكنت له طوعا إذا رام معضلا %~% بذلت له في المعضل الصعب مهجتي # وقمت قيام الليث عند قيامه %~% دككت بعزمي صعدة خير دكة # بخولان قد دمرت صعدة بعدما %~% طغت وعتت تدمير أصحاب ليكة # ولولا ابن يحيى غانم الملك ما إذا %~% شفيت من الباغين في الدهر علتي # ولكنه قام اغتراما ونخوة %~% ودينا فكانت نخوة خير نخوة # غدا ناصرا للدين من كل ظالم %~% كفور كنصل باتك الحد مصلت # وكان أمير الهاشميين عصمة %~% لدين بني الزهراء أعظم عصمتي # فقل لجميع الباطنية هل رأت %~% دما طل للمقتول في أرض صعدة # ألم أطف حربا أضرمتها لحربنا %~% بصعدة قوم أهل غدر وإحنة # أحاط بها داعي الإمام وجنده %~% مجيبون للمنصور أفضل دعوة # وحاق بها طغيانها وضلالها %~% ألا إنها صلت إلى غير قبلة PageV02P108 انتهى المختار من هذه القصيدة، وحذفت شيئا منها اختصارا، وهي قدر ثمانين ~~بيتا، وقد ذكر في (الحدائق) أنها إلى قدر خمسين بيتا. فافهم. # تنبيه: ومما وجدته بخط الأمير الحسين بن محمد المقدم ذكره أن ابن عليان ~~لما كثرت عنايته في نصر أهل بيت رسول الله نحو ما تقدم، ونحو عنايته في ~~اجتماع الشرف على أنهم ضربوا ملقى إلى مدر من بلاد حاشد في شهر صفر من سنة ~~خمس وأربعين وخمسمائة سنة، فالتقوا، وحضر من ذرية علي -عليه السلام- بشر ~~كثير يزيد على ألف، [و] من كبار الشيعة وعلمائهم، ونظروا فيمن يصلح فيهم ~~للقيام والجهاد ونفي المنكر والفساد، فما وجدوا لذلك مستحقا، فعزم رأيهم ~~على التقدم إلى الإمام أحمد بن سليمان -عليه السلام-، ms258 ورأوا أنه لا يستحق ~~القيام من ذرية علي -عليه السلام- غيره. # قلت: هكذا ذكره الأمير علي بن الحسين، وهذا يدل على أنهم ما قالوا ~~بالإمام أحمد بن سليمان إلا بعد هذه المدة، وهي تأتي قريبا من ثلاث عشرة ~~سنة من دعوته- عليه السلام-. PageV02P109 # قال الأمير الحسين: وكان أكثر من حرضهم على ذلك: الشيخ محمد بن عليان ~~المذكور فنهض منهم ثلاثمائة رجل، فبايعوه -عليه السلام- على ما هو مذكور في ~~سيرته، فلما علم السلطان حاتم بن أحمد وسليمان بن الحسن الشهابي بجد ابن ~~عليان واجتهاده في ذلك اجتهدوا في قتله، وأمروا رجلا من يام، فقتله في سوق ~~سهمان، فاغتم الإمام أحمد بن سليمان لذلك غما شديدا، وحارب حاتم بن أحمد في ~~ثار الشيخ محمد بن عليان المذكور حروبا كثيرة، مذكورة في سيرته -عليه ~~السلام- إلى أن أخذ بثأره يوم القليس، وهو يوم الشرزة وحديثه مشهور. # قلت: و[قد] رأيت في (تأريخ مسلم اللحجي) كلاما يوهم الطعن على ابن عليان ~~المذكور، وأنه كان يشتهي الشهرة، وتهييج الحروب، ويطلب الرئاسة، وذكر بيتين ~~قال: إنهما وجدا مكتوبين في بعض جدران مسجد بنجران، وقد نزل هناك الشيخ ~~محمد المذكور، وهما: # قل لابن عليان دع عنك النواميسا %~% فإن ذلك أمر صار مدروسا # إن كان إبليس أغوى الناس كلهم %~% فأنت أنت الذي أغويت إبليسا # فهذه كما ترى توهم الطعن على هذا الرجل، لكن لعل ذلك من أعدائه الباطنية ~~أو المطرفية، لأنهم يعتقدون أن أباه كان من رؤوس أصحاب مطرف بن شهاب، وأما ~~هذا فاختار مذهب الزيدية المخترعة، ولعمري لقد أرادوا # [أن] يذموا فمدحوا، وأن يفضحوا فافتضحوا. # وما على التبر عار %~% في النار حين يقلب PageV02P110 ### | [الإمام علي بن زيد بن إبراهيم المليح] # وفي ابن زيد لأهل الفكر معتبر %~% لما تسنم رأس الطود من شعر # [و] هو: علي بن زيد بن إبراهيم المليح بن الإمام المنتصر بالله محمد بن ~~الإمام المختار لدين الله القاسم بن الناصر أحمد بن الهادي إلى الحق يحيى ~~بن الحسين -عليه السلام-، قام محتسبا وجمع جموعا، وخرج بها إلى نواحي ms259 ~~صنعاء، وكان قيام علي بن زيد من درب يرسم من أعمال صعدة، فلما بلغ الإمام ~~أحمد بن سليمان ذلك وهو بالجوف قبل دعوته سار إليه بمن أمكنه ناصرا له، وقد ~~كان أنشأ قصيدة وهو نشيد منها: # أما إنه لولا الرجاء لدعوة %~% مباركة تهدي لدين الفواطم # فلما أنشدت بين يديه في عيد رمضان أنشدها رجل، يقال له: يحيى بن مفضل من ~~أهل عمران، ثم تقدم بها معه إلى صعدة، فأنشدها الشرفاء الأجلاء بني الهادي، ~~وكان فيهم هذا الشريف علي بن زيد فحثه ذلك على القيام والدعاء إلى نفسه، ~~وكان قليل العلم، حتى قيل: إنه لم يكن يحفظ إلا ثلث القرآن أو ربعه، فسار ~~إليه [الإمام] كما تقدم وعاونه هو، وصنوه يحيى بن سليمان، وصنوه الثاني عبد ~~الله بن سليمان وغيرهما، ولقوه بالحقل حقل صعدة في خيل ورجال وافرة، فقام ~~معه الإمام ومن تقدم ذكره، وعاضدوه واجتمع إليهم القبائل من همدان، وخولان، ~~وكهلان، وسائر قحطان، وكان منه أن تقدم إلى شظب، وقد كان أشار عليه الإمام ~~أحمد بتقديم صنعاء أولا فأبى فجرى عليه من القتل هناك ما جرى، وأسلمه ~~القبائل في جمادى الآخرة من سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، وللإمام أحمد بن ~~سليمان -عليه السلام- فيه وفي أصحابه ترثية مليحة، وهي: PageV02P111 # حسبي الله في جميع الأمور %~% وهو نعم المولى ونعم الوكيل # أي عيش يصفو لصاحب لب %~% وهو في الحبس مبتلى مغلول # مستضر معذب آخر الده %~% ر حزين عن فعله مسئول # ليس يدري أموثق في المعاصي %~% أم إلى جنة النعيم يؤول # إن دنياك ليس يصفو لها عي %~% ش ولا يهتدى لها تأويل # فاسل عنها وخذ لنفسك زادا %~% ترتضيه فقد أحم الرحيل # واطلب العلم فهو أفضل زاد %~% إن شر الرجال عي جهول # والتمسه وابدأ بمعرفة الله %~% تعالى فقد تراه العقول # وبفقه الأصول دينك من بع %~% د ففيه المسموع والمعقول # آه!! من زلة وتشتيت جمع %~% ومصاب وذاك خطب جليل # في علي بن زيد الفارس الق %~% رم دهانا الزمان وهو عجول # الكريم النبراس في ساعة الس %~% لم وفي ms260 الحرب الصارم المسلول # وادكاري منبة ابن سلي %~% مان اليزيدي حرقة لا تزول # الذي عاش في الزمان حميدا %~% وتولى والقول فيه جميل # ويعيش أصابنا الدهر فيه %~% والزمان الكؤد دأبا يغول # لو أقال الزمان ميتا فدينا %~% هم جميعا لكنه ما يقيل # لو تكن تلك نيتي يعلم ال %~% له وإني عنها بعيد رحول # ما دعوت الإخوان إلا لأمر %~% غيره وهو مرتجى مأمول # إن صرف الزمان يلعب بالن %~% اس فميت من القضا وقتيل # قد دهى الناس الكل من أول الده %~% ر فمات الرسول ثم البتول # فعليتم يا آل يحيى ويا آ %~% ل زيد مهما تغنى الهديل PageV02P112 وذكر -عليه السلام- [منبها و]يعيش؛ لأنه الذي وصل بهما وبجماعة من أصحابهما ~~قتلوا ذلك اليوم، فأشار إلى ذلك، ثم قال الإمام-عليه السلام- قصيدة أخرى ~~بعد رجوعه إلى الجوف يذكر فيها علي بن زيد، وأصحابه، وذكر فيها علي بن زيد ~~وأموره، وما ابتدأه من المشورة في ذلك، وهي: # من ضيع الحزم لم يرشد ولم يصب %~% واغتاله الدهر بالخذلان والنصب # ولو أرته الليالي منظرا حسنا %~% فسوف توقعه من بعد في العطب # دعا ابن زيد فلبينا لدعوته %~% وغيره قد دعا جهرا فلم يجب # وجاءه الناس من شام ومن يمن %~% على الضوامر في ركض وفي خبب # حتى إذا صار من نجد إلى حرض %~% ملك الأمير ومن حقر إلى حلب # وصار في موضع عال أرومته %~% فوق السماك وفوق السبعة الشهب # كاتبته غير وان من شوابة لا %~% تبرح بثافت في عز بلا تعب # ونحن نكفيك ما يعنيك في بلد %~% أكان مقتربا أم غير مقترب # فقال هذا صواب الرأي نفعله %~% ومن بدأ بصواب الرأي لم يخب # ثم انثنى عنه نسيانا فأرسل لي %~% وللقبائل من قحطان والعصب # فجاءه الناس مثل الغيث منسكبا %~% وجئته مسرعا في عسكر لجب # راودته في يشيع حين أعجبني %~% جيش أجش كمثل العارض السكب # فقلت آثر به صنعاء ودع شظبا %~% حتى تعود فليس الرأس كالذنب # فلم يجبني إليه لا لمحقرة %~% ولم تجد أبدا شيئا بلا سبب # فسالت الناس مثل السيل منحدرا %~% حتى حططنا برأس الطود ms261 من شظب # لما حططنا به صرنا بأجمعنا %~% كمثل رحل بلا شد ولا قتب # وباعنا بيعة الخسران مغتنما %~% بالتافه النزر أهل الغدر والريب # وما احتيال أسود الغاب إن سجنت %~% أو الأفاعي إذ صيرن في الجرب PageV02P113 فحينما صيرونا وسط مفتأد %~% هناك جاءوا لنا بالنار والحطب # لما تولوا وفروا عن إمامهم %~% كان الفرار لنا أعدى من الحرب # أما بكيل ذوو العليا وشيعتنا %~% والغر من مذحج كشافة الكرب # فإنهم شاركونا في الأمور معا %~% وما عليهم لنا بالله من عتب # فالله ينصرهم نصرا ويرزقهم %~% خيرا ويؤتيهم صبرا على النوب # فقل لمن سره هذا المصاب لقد %~% أفادك الدهر ما تهوى بلا طلب # يا ضاحكا من مصاب[نالنا] فلقد %~% أشجى وأبكى جميع العجم والعرب # عجبت من قتل قيل من بني حسن %~% وليس قتل بني الزهراء من العجب # لا تحسبن أن هذا الأمر يخملنا %~% ولا يزحزحنا عن أرفع الرتب # حزنا المفاخر والعلياء عن سلف %~% والحلم والعلم إرثا عن أب فأب # ما مات منا كريم صابر يقظ %~% إلا وقام شريف الأصل والحسب # به الشهادة إحدى الحسنيين لنا %~% والموت في مثلها أحلى من الضرب # سنقتفي إثر آباء لنا سلفوا %~% إلى الهدى من إمام سالف ونبي # وسوف يرضوننا من بعدهم بدلا %~% بالله إن شاء رب العرش والحجب PageV02P114 ### | [أخبار الإمام أحمد بن سليمان -عليه السلام-] # وأحمد بن سليمان فما رضيت %~% بعلا به وهو مرضي لدى البشر # دعا وكان إماما سيدا علما %~% برا تقيا ومن كل العيوب بري # وصبحت خيله صنعاء معلمة %~% لما غدا النكر فيها غير مستتر # وحاصرت حاتما فيها عساكره %~% فانقاد للحق بعد الضعف والخور # واجتاحه عند شيعان بملحمة %~% ألف مضوا بين مأسور ومجتزر # اعلم أني في الأغلب أتبع السيد صارم الدين فإن كثر الأبيات في ذكر أحد ~~ممن احتوته منظومته فربما أكثر الشرح، وإن قلل فكذلك، والمراد هنا هو: ~~الإمام أحمد بن سليمان بن محمد بن المطهر بن علي بن الناصر بن الهادي إلى ~~الحق-عليه السلام-، آباؤه من الصفوة الأكارم والخيرة من العرب والأعاجم، ~~مناقبهم كثيرة شهيرة، وفضائلهم ظاهرة منيرة، فهم ms262 أحق بقول القائل: # قوم إذا املولح الرجال على %~% أفواه من ذاق طعمهم عذبوا # وأمه- عليه السلام- الشريفة الفاضلة مليكة بنت عبد الله بن القاسم بن ~~أحمد بن أبي البركات، واسمه : إسماعيل بن أحمد بن القاسم بن إبراهيم، وكان ~~أبوه سليمان يصلح للإمامة، رأى في المنام في حال حمل زوجته بولده أحمد ~~قائلا يقول: # بشراك يا بن الطهر من هاشم %~% بماجد دولته تحمد # بأحمد المنصور من هاشم %~% بورك فيمن اسمه أحمد # وأما جده المطهر بن علي بن الناصر فإنه كان عالما مصنفا، له التصانيف على ~~مذهب الهادي، وخرج على مذهب الهادي شيئا كثيرا، من جملتها: أن الترتيب بين ~~اليدين والرجلين [في الوضوء] لا يجب، وكان شاعرا فصيحا، فمن قوله: # لحاني في الهوى لاح نصوح %~% فغالب مقودي رأس جموح PageV02P115 ومنها : # فسح في الأرض واطلب المعالي %~% فكم من سيد فيها يسيح # ولولا أن في من ساح خيرا %~% يفوز به لما ساح المسيح # توفي علي في ذي جبلة سنة خمس عشرة وأربعمائة كان الإمام أحمد-عليه ~~السلام- قد نشأ على طريقة آبائه الكرام، درس في الأصولين على الفقيه العالم ~~فخر الدين زيد بن الحسن الخراساني البيهقي الوارد إلى اليمن، باستدعاء ~~السيد الإمام علي بن عيسى بن حمزة بن وهاس الحسني السليماني وإن هذا الفقيه ~~وصل لما بلغه مذاهب المطرفية وأنهم يعتزون إلى غير أهل البيت فلحقته مشاق ~~شديدة، ونهب أكثر كتبه بين مكة والمدينة، ودرس الإمام أحمد أيضا على السيد ~~الفاضل، الحسن بن محمد من أولاد المرتضى بن الهادي، كان يستملي من كتاب ~~ينسخه ستة أسطر مرة واحدة، [و] على الفقيه عبد الله بن زيد العنسي اليماني ~~الواصل من جهة الجيل والديلم بعلوم أهل البيت -عليهم السلام- سنة إحدى ~~وخمسمائة سنة، وعلى الشيخ العالم إسحاق بن أحمد بن عبد الباعث الآتي ذكره، ~~وكان إسحاق هذا في نهاية العلم، مصنفا كبيرا، لقي الحاكم أبا سعيد رحمه ~~الله سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وللإمام أحمد كتب كثيرة أكثرها في الرد ~~على المطرفية، ومن كتبه البليغة (أصول الأحكام) فإنه متضمن لثلاثة آلاف ~~حديث ms263 ويزيد على ذلك قدر ثلاثمائة وكسر. PageV02P116 # وكان -عليه السلام- حلو المراجعة، من محاسن كلامه مخاطبة دارت بينه وبين ~~السلطان حاتم بن أحمد؛ لأن حاتما طلب الدخول في طاعته، وسأذكرها عند شرحي ~~لقول السيد صارم الدين: وكم أجاب على غاو... البيت، وعلم الإمام أشهر من أن ~~يذكر في هذا المختصر، وأما كراماته عليه السلام وفضله فأشهر من نار على ~~علم، فمن ذلك أنه أصبح ذات يوم يريد الوضوء عقيب مطر في الناحية التي هو ~~فيها فلم يجد ماء يرتضي لعدم المناهل، ولا وجد ترابا فبقى في حيرة، فبينا ~~هو كذلك إذ التفت على يمينه فوجد ترابا مسكوبا ليس من جنس تراب تلك الناحية ~~فتيمم هو وأصحابه من ذلك التراب، وبنى أهل تلك الناحية على موضعه مسجدا، ~~ومنها أنه أتاه رجل أعمى، يقال له: جابر البصير فسلم وجلس بين يديه، وهو ~~يريد أن يستوهب منه جربة وصيه في بلده فظن الإمام أنه أتاه ليمسح على عينيه ~~فدعا له ومسح على عينيه فرد الله في عينيه النظر، فنظر الإمام ونظر من ~~حوليه فقال: إني لم آتك لهذا فعادت الظلمة في بصره كما كانت، وأقر بذلك ~~وأخبر به حتى عرفه الموالف والمخالف، وكان هذا البصير من المطرفية فلذلك قل ~~يقينه، فسمرت بقصته السمار، ونظمت فيها الأشعار، فمما قيل في ذلك قصيدة ~~القاضي الحميري أولها: # يا ابن بنت النبي كل لسان %~% مادح ما يكون مدح لساني # ظهرت فيك معجزات كبار %~% لم نخلها تكون في إنسان # لم نخبر بها سماعا ولكن %~% ا رأينا يقينها بالعيان # تبرئ الأكمه [العليل] وتشفي %~% بشفاء الله أعين العميان # وتسوق الحياء إلى حيث ما كن %~% ت وتجري الأنهار في الغيطان PageV02P117 غير أن الولي لله لا ين %~% كر حقا خصائص الرحمن # هبك تشفي القلوب منك بعلم %~% فبما ذا تشفي عمى العميان # ومن ذلك أنه لما خرج لحرب صعدة في عسكر عظيم من همدان وخولان لما نكث أهل ~~صعدة عهودهم فقصدهم في ذلك العسكر، وهو قدر عشرين ألفا من راجل وفارس، فلما ~~علم أهل صعدة ms264 بإقباله كبسوا الأبار وطرحوا فيها الجيف، وأشفقت جنود الإمام ~~[-عليه السلام-] من الظمأ، وكان ذلك الوقت في القيظ في شهر حزيران، فهم ~~الإمام أن يأمر بمسنى على بئر الحائط بقرب صعدة فعلم أن ذلك لا يتم ولا ~~يكفي الناس ولا ينفعهم لكثرتهم، وكان الماء معدوما في الضيعة والقطيع لعدم ~~الدلاء والأرشية، فلما فكر في ذلك وعسر عليه الأمر فزع إلى الله تعالى، ~~وقال: اللهم، سهل [لنا] ماء وسيلا في حفار صعدة، وهو في ذلك اليوم ببلد ~~الربيعة فتقدم إلى الجبجب، فأتى والناس ملئ البلاد، [و] قد أتعبهم طلب ~~الماء، فبينا هم كذلك إذ أنشأ الله [سبحانه] سحابة على وادي غراز فوقع ~~المطر واستكن الناس في المضارب، وكانت سبعة مضارب مضروبة قبلي سوق الجبجب، ~~واستكن قوم منهم في الدروب والحوانيت والسوق، وبقي آخر الناس ما له مكان، ~~والمطر عليهم خفيف، لم يظن أحد أنه ينزل منه سيل، فبينا هم كذلك إذ أتاه ~~البشير يعلمه بوصول سيل عظيم حتى أحاط بنواحي صعدة، وبإزائها حفر عظيمة ~~يجاوز بعضها حد البركة الواسعة، فامتلأت ماء قراحا، وما وقع مطر في تلك ~~المدة في أي البلاد، وكان في ذلك الماء من البرد الشديد واللذة [العظيمة] ~~ما لم يكن في ماء قبله ولا بعده كأنه الثلج من برده، فتقدم بعسكره PageV02P118 المنصور فأخذ صعدة عنوة وأخربها، وتغنمت الجنود منها أموالا جليلة وقد ذكر ~~في ذلك شعرا له. # وكانت دعوته عليه السلام: في سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، وانتظم أمره ~~أولا في صعدة، وأعمالها، ونجران، ثم الجوف، والظاهر، وانتشر حسن سيرته في ~~أقطار اليمن، وعمد موضعا يقال له: المقيليد في الجوف من مآثر الجاهلية؛ ~~فأثار العمارة فيه في سنة خمس وأربعين، وكذلك فهو الذي عمر حصن تلمص؛ لأن ~~في الرواية أنه لما شفى غرضه من حرب صعدة، وقمع المعاندين، وأخرب دورهم، ~~وهم بالنقلة إلى الجوف بزوجته وأولاده، وكره الإقامة بالجبجب لأمور، منها: ~~أنه لما صار فيه السوق، وكان يجمع أخلاط الناس، وغوغأهم من أهل صعدة ~~وغيرها، فسمعهم يقولون ما لا ms265 يحب سماعه من أذاهم، وارتفاع أصواتهم، فلم يحب ~~المجاورة لهم؛ فسير أهله إلى مسلت ووقف بعدهم أياما، فبلغه أن أهل صعدة، ~~وبني مالك والربيعة مستبشرون بانتقاله، ومتوعدون للإشراف، ويرسم بالقليعة ~~بعده، ونقم الثأر منهم، فلحقته الحمية، والرأفة على أقاربه وبني عمه ~~وجيرانه، ونظر فإذا هي لا تمكنه الإقامة بيرسم، ولا بالجبجب، فطلع تلمص، ~~ورتب فيه البناء، وتلمص هذا: حصن عظيم جاهلي، قديم، طود شامخ، منفرد وحده ~~من الجبال، مطل على مخلاف صعدة، حاكم عليه، مبني على جنبه مدينة عظيمة تسمى ~~صعدة القديمة، وكان اسمها في الجاهلية جماع، ومن يمانيها وادي غراز وادي ~~جليل القدر، كثير الفروع والمساقي التي تهريق إليه، وتلمص هذا كان ممن ~~يسكنه في الجاهلية نوال بن عتيك نازع الأكتاف، وال لسيف بن ذي يزن الحميري، وكان PageV02P119 يضرب به المثل. # قال الشاعر: # أصبحت توعدني بأمر معضل %~% حتى كأنك نازع الأكتاف # عند ابن ذي يزن برأس تلمص %~% بين الأرائك مسبل الأسجاف # وقال فيه الشاعر: # تلمص القباب في تلمص # كالبيض من تحت الجلاء المخلص # فيه نوال مثل ثعبان النصي # شر نوال زائد لم ينقص # ودونه الخدام غير نكص # فحل لديه كل فحل كالخصي # يخلع أكتاف الرجال إن عصي # يقصون بالأسياف من دون العصي # كم من قتيل لنوال مقعص # وكم قنيص قبلها لم يقنص # يرى بعين من خلال الخصص # فهو كمثل طائر في قفص # ومن جريح بدم مغمص # أصبح تحت المجلس المجصص # وينثني ببينه والغصص # يرجو خلاصه فلم يخلص PageV02P120 قال: فطلعه الإمام -عليه السلام-، وأنشأ العمارة فيه والبناء، وأحكم ~~دوائره، وطرقه ومناهله، وقصر دار الإمارة في قبليه، وبنى فيه بالجص والآجر، ~~وأما قول السيد صارم الدين: وصبحت خيله صنعاء معلمة... البيتين، فذلك إشارة ~~إلى ما ذكره مصنف سيرته -عليه السلام-، حيث قال: إن جماعة من رؤساء اليمن ~~وصلوا إليه- عليه السلام- إلى بيت بوس، فلقيهم إلى السهل، فما زالوا يسلمون ~~عليه زمرا زمرا، وفدا بعد وفد حتى اجترحت كفه، وسال منها الدم من كثرتهم، ~~وكثرة سلامهم، [فلما فرغوا] أموا من ساعتهم صنعاء، وقد ms266 اجتمعت [فيها] همدان ~~مع حاتم بن أحمد، فوقع فيها قتال شديد على جوانبها، وكان مسجد الجامع ~~ملزوما، ثم إن أهل السرار من أهل صنعاء دخلوا المسجد ولزموه، وأبدوا الخلاف ~~مع الإمام، وأثاروا الفتنة على همدان، فدخلت خيل ورجل من أصحاب الإمام على ~~همدان المدينة حتى صاروا في الميدان، وأغلق بعدهم باب غمدان، وحيل بينهم ~~وبين من بقي من أصحابهم خارجا، فقاتلوا قتالا شديدا، وأبلوا بلاء حسنا، ~~فأنكوا في همدان، وأخذوا القطيع، وقربوا من درب صنعاء، وكان الإمام -عليه ~~السلام- عقد لكبار الناس ورؤوسائهم رايات، وكان ممن أعطاه رجلا من أهل ~~صنعاء، وكان محبا لحاتم، فقرب برايته فأعطاها رجلا في الدرب من همدان، ~~فأخذوها ونصبوها معهم في رأس الدرب، وصاحوا بالطاعة والجوار، فكف الناس ~~عنهم بعدما نال الفريقين العناء العظيم، والإمام -عليه السلام- إذ ذاك ببيت ~~بوس فلما بلغ الإمام ما فعله ذلك من إعطائهم الرايةلم يمكنه إلا الرضا بما ~~فعل، ثم إن حاتم بن أحمد طلب PageV02P121 الجوار والصحابة من الإمام، فأصحبه بعض الأشراف الكبار، وجماعة من مشائخ ~~مذحج وخرجوا به من صنعاء إلى الإمام، فلما وصلوا به إلى بيت بوس، ومعه من ~~وجوه همدان، فعند أن قابل حاتم الإمام، أنشد متمثلا بقول كعب بن زهير : # أنبئت أن رسول الله أوعدني %~% والعفو عند رسول الله مأمول # ثم قرب من الإمام -عليه السلام- فسلم عليه هو ووجوه أصحابه، وسأله الأمان ~~والعفو، فعفى عنه، وحلفه هو وأصحابه وبايعهم، وأمسوا تلك الليلة ببيت بوس ~~وساروا من الغد إلى صنعاء، فدخلها على أحسن حال، وأنعم بال، قد مكنه الله ~~من الظالمين، وبوأه منازل الفاسقين، وفتح له فتحا مبينا، ونصره نصرا عزيزا، ~~وأظهر العدل في الناس، فأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وولى القاضي جعفر بن ~~أحمد على القضاء والصلاة بالناس، وولى السوق قوما آخرين، واستقرت له ~~[الأمور] وخضعت له الرقاب، وأقبل الناس من كل جهة يتوددون ويهنئون ويسلمون ~~ويطيعون، وقامت الشعراء بين يديه بالأشعار، وكان من أحسن ما قيل فيه أبيات ~~لسليمان بن فضل يقول فيها: # يوم صنعاء كيوم ms267 مكة بل %~% أعظم من يوم مكة أضعافا # فتحت بالحسام في طرفة الع %~% ين كما يخطف الحسام اختطافا # وقعة أفزعت يعوق ونسرا %~% ويغوث وأتبعتها أسافا PageV02P122 والأشعار في ذلك كثيرة، حذفتها اختصارا، وأما قول السيد: واجتاحه يوم شيعان ~~البيت، فإشارة إلى ما ذكره مصنف سيرته -عليه السلام- المذكورة في ذكر يوم ~~الشرزة وهي وقعة مشهورة، فقال: إن الإمام -عليه السلام- نهض من اليمن ~~بقبائل مذحج من جنب، وعبس وزبيد، فاجتمع معه منهم بشر كثير، [وخيل كثيرة] ~~زهاء من ألف وثمانمائة فارس، وذلك في شهر شعبان من سنة اثنتين وخمسين، فحط ~~بهم في جهران، ونهض حاتم بن أحمد من صنعاء بمن معه من همدان، وغيرهم فحط في ~~نجاد الرفاص، وصار العسكران ينظر بعضهم بعضا، فأقام الإمام -عليه السلام- ~~في محطته أربعة أيام، وعسر على عسكره طلوع النقيل، وقد لزم عليه رأسه، ~~فتقدم الإمام بهم طريق نغيل وكان في ذلك دلالة على صحة ما روي عن أمير ~~المؤمنين -عليه السلام- في ذكر المنصور فقال: اضطرابه في أمره، وشدته في ~~قهره ما بين النقيل إلى نغيل. PageV02P123 # قالوا : فسار بالعسكر إلى أن حط بهم بموضع، يقال له: نجد الشرزة، ونجد ~~شيعان وجوب فحط هنالك، ونجد الشرزة هذا: موضع في وادي ضيق بين قرون وحصون، ~~فقال له الناس: ليس هذا موضع محط، فقال لهم: حطوا فيه، فإن الله سبحانه ~~سينصركم، ويظفركم على عدوكم فحطوا هنالك، وكانت خيل الإمام كثيرة، ورجله ~~قليل، وكانت خيل حاتم بن أحمد تسعمائة فارس معدة كلها، ورجله عشرة آلاف ~~فيهم ثلاثة آلاف قايس وألف فارس: فبينا الإمام وأصحابه غفول، ومعهم منشد ~~ينشدهم، إذ بدى عليهم من أسفل الوادي أول القوم فلم يفزعوا منهم، وظنوهم ~~الأنباء وهم صديق، فلما قرب القوم أيقنوا أنهم من الأعداء فلم يمكنهم لبس ~~السلاح والشد على خيلهم فوقع الطعن بين العسكرين، فابتدروا كالأسود الضارية ~~إلى جهة القوم بذلك الوادي، وكان أول النهار للقوم، فعند ذلك رفع الإمام ~~يديه إلى السماء، وقال:" اللهم، [إنه] لم يبق إلا نصرك، وقال في نفسه: إن ~~ظفر القوم ms268 بنا ظهر مذهب الباطنية وهلك الإسلام والمسلمون، فعند ذلك أرسل ~~الله ريحا عاصفا من المشرق، فقابلت وجوه القوم، فاستبشر الإمام بالنصر من ~~الله، وقال لأصحابه: احملوا، ثم حمل من نهجه، فانهزم القوم، وأعطى الله ~~النصر عليهم، ومنح القوم أكتافهم، ولم يزد أحد يتبعهم، فانجلت المعركة عن ~~خمسمائة قتيل، وخمسمائة أسير، أوقريب من ذلك، ولم تزل الهزيمة فيهم إلى ~~صنعاء، ثم انهزموا من صنعاء، فتعلقوا بالحصون، ثم أمر الإمام -عليه السلام- ~~بهدم درب غمدان، وهو درب منيع قد كان عني حاتم بتحصينه وبنائه، وقد كان ~~رتبه له رجل من مصر، يقال له: القاضي PageV02P124 الرشيد على ترتيب القاهرة بمصر، وذلك أنه حفر بئرا فيه، وهو جبل حتى لحق ~~الماء، ثم بنى دربا مدورا، وكبسه بالطين الرطب حتى صار قطعة واحدة قياس وطن ~~الرمح منكوسا، ثم بنى عليه دايرا ورفع في وسطه قصرا مربعا على أربعة سقوف، ~~وبنى أربع غرف في أعلاه، واستوعب فيه دورا كثيرة من دور أهل صنعاء خربها ~~وأخذ جصتها وآجرها وخشبها، وبنى ثم سورا محيطا بالدرب، ثم خندقا من بعده، ~~وصار قاهرا للمسجد والدرب وصنعاء كلها، ولم يبن في اليمن مثله، وفي هذه ~~الوقعة يقول القاضي محمد بن عبد الله الحميري في عيد الفطر، وقد عيد الإمام ~~-عليه السلام-بهجرة سناع: # تهنا بك الأعياد إذ أنت عيدها %~% وإذ أنت منها بدرها وسعودها # فخمس مئين حز منها وريدها %~% وخمس مئين أثقلتها قيودها # وطاروا إلى روس الجبال شلائلا %~% من الخوف فيها خافقات كبودها # [حتى قال] : # وسربا لغمدان المنيف فأصبحت %~% ذوائبه في الترب ثاو مشيدها # وأضحى ابن عمران المتوج حاتم %~% يقول: ألا عفوا فلست أعودها # وآبت بنفس لا يزال نفيسها %~% إلى كل مجد ليس يحصى عديدها # إذا طلبت همدان منك إقالة %~% وسنحان يوما واستقام أويدها # فعد لهم بالصفح منك وبالرضى %~% فلن يبلغ الغايات إلا معيدها # وحاشاك أن تنسى السوابق منهم %~% وما فعلته في القديم جدودها # إلى آخرها. # [قال السيد صارم الدين] : # وفي زبيد له فتك بفاتكها %~% وما فداه الذي أعطى من الشبر PageV02P125 هذا المقام ms269 من أعظم مقامات الإمام -عليه السلام-، وله فيه من الآيات العظام ~~والمناقب الجسام ما يتجدد، ولا يبيد على مرور الدهور والأعوام، فلقد قام ~~فيه لله بشدة عزم وأيد، ولا مقام عمرو بن عبيد ولا غره بذل المال من عمرو ~~وزيد، تفاديا لرفع الحد عن ذلك العبيد، وذلك أن في الرواية على وجه ~~الاختصار أن الإمام -عليه السلام- قصد زبيد في سنة ثلاث وخمسين، ولما وصلها ~~أقام بها ثمانية أيام، وكان أميرها يومئذ فاتك بن محمد بن جياش أصله حبشي ~~على ما هو مذكور في التواريخ. # قال الراوي: وكان فاسقا خبيثا، يغلب عليه الفساد في نفسه، حتى روي أنه ~~كان له بريمان في بطنه كالمرأة، فعنى الإمام في قتله بعد أن بذل له مالا ~~كثيرا في سلامته، فأقسم بالله لو أعطي ملك زبيد لا فداه، فقتله حدا؛ لقوله ~~: ((من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوه ))، فراوده أصحابه عن أخذ المال ~~وقالوا: إنه لبيت المال، فقال: قد نزهت نفسي عن الطمع عند أهل زبيد وقلت ~~لهم: إني لا أسألكم شيئا، وتلوت عليهم قوله تعالي:{قل ما سألتكم من أجر فهو ~~لكم } [فاطر:47] إلى آخر الآيه، وكان القواد يعطون العساكر نفقاتهم. # قال : وأما أنا فلا أقبض شيئا، وكان معه ومع أصحابه زاد، فلما فرغ كان ~~يأمر من يشتري له الطعام، ويأمر من يطحنه، وكانت حاشيته مقدار ستين رجلا، ~~وولى على زبيد واليا من جهته، وعاد سالما منصورا. PageV02P126 # تنبيه: اعلم أن استقصاء أخبار الإمام هنا يخرجنا عن الاختصار إلى حد ~~الإكثار، فلتقع الإشارة إلى ذكر ما وليه من البلاد، وما يتعلق بذلك، وذكر ~~مدته، وما انتهى إليه أمره، وذكر وفاته، وموضع قبره، وكم له من الولد، ~~وبالله نستعين. # فأما ما وليه من البلاد فقد تقدم أنه انتظم أمره أولا بصعدة ونجران، ثم ~~عرض عليه الخلاف من أهل صعدة كما تقدم. # قالوا : وولي بلاد وادعة وسنحان، وشريف، وولي بلاد خولان، والجوف، ~~والظاهر، وصنعاء وأعمالها، وبلاد مذحج ونواحيها، وخطب له بينبع، وخيبر، ~~ونفذت ولايته إلى الجيل والديلم، وكانت ms270 مدة ولايته ثلاثا وثلاثين سنة، ~~وأصابه العمى في آخر عمره، فأسره فليتة بن قاسم القاسمي، فغضبت رجال همدان ~~عاصيها ومطيعها حتى قرامطتها وأنفوا أشد الأنفة، فنزلوا على فليتة مستشفعين ~~في أمره بشعر، يقول قائلهم: # نحن بني هاشم لكم خدم %~% بحبكم نلتوي ونلتزم # أنتم لنا كعبة نلوذ بها %~% وسو حكم من جهاتنا حرم # فلا ترد الوجوه عابسة %~% عنك وقد قابلتك تبتسم PageV02P127 فنزل إليهم فليتة، فأقسموا لا برح حتى يرسل الإمام [عليهم] عليه السلام ~~فأرسله عن كره منه، وتوفي الإمام -عليه السلام- في شهر ربيع سنة ست وستين ~~وخمسمائة بحيدان من أرض خولان، وقبره هناك مشهور مزور، ومولده سنة خمسمائة ~~وله من الأولاد: مطهر الأكبر، كان من أعيان العترة الأكرمين، وعباد الله ~~الصالحين، وكان من أكبر أعوان أبيه، وملك ناحية في الجهة اليمانية، وقصته ~~في ذلك مشهورة [مذكورة في سيرة أبيه]، ورثي بمراثي كثيرة جيدة في سيرة ~~أبيه، ثم مطهر الأصغر، ويحيى، وسيأتي ذكره، ومحمد، وسليمان، وفليتة، وقاسم، ~~ومحسن، وابنتان. # واعلم أيضا أنه كما قد عورض غيره من الأئمة، فقد يفهم من سياق ما جرى ~~عليه من لزم فليتة أنه لم يكن ذلك إلا لاعتقاد فليته أنه أهل للإمامة كما ~~وجدت ذلك في جواب من الإمام- عليه السلام- على فليتة المذكور بخط الأمير ~~الحسن بن محمد، مضمونه: إنك يا فليتة. # إن ادعيت الإمامة، فقد نقضت أصلك، وأصول أصحابك الحسينية لاعتقادك أنت ~~وهم في الحسين بن القاسم أنه حي [فنقضت] بهذه الدعوة ما أبرموه، وأفسدت ما ~~أحكموه، إلى آخر الجواب، وكذلك في سيرة الإمام أحمد بن سليمان -عليه ~~السلام-، ما لفظه: إن أهل الحقل يعني بذلك صعدة وأعمالها، قوموا الشريف عبد ~~الله بن محمد البهول وأمروه بالمعارضة، فخرج إلى الربيعة بخزيمة ونحر على ~~مقابرهم فأجابوه وأقاموا معه بالخلاف، وللإمام في ذلك شعر مذكور في سيرته أوله: # ماخرد يزرين بالأنوار %~% وكواعب ككواكب الأسحار # إلى آخره. PageV02P128 ### | [ذكر القاضي جعفر بن أحمد بن أبي يحيى-رضي الله عنه-] # ولنعد إلى ذكر، من أشار إليه السيد في أثناء ذكر الإمام، ومن ms271 نصره من ~~أعيان العلماء، ومن عارضه من غيرهم، فنقول: # وجعفر ثم إسحاق له نصرا %~% في عصبة وزر ناهيك من وزر # أراد بجعفر القاضي العلامة جعفر بن أحمد بن [أبي] يحيى بن عبد السلام، ~~عالم الزيدية المخترعة وإمامها، وقد كان أبوه عالم الباطنية، وحاكمها، ~~وخطيبها، والذي إليه يصدرون، وعلى رأيه يعتمدون، وأخوه يحيى شاعرهم، ~~ولسانهم قيل: قتله عبد النبي بن مهدي فهدى الله القاضي جعفر فانقطع إلى ~~الزيدية، ورحل إلى العراق. # قال السيد الهادي -رحمه الله تعالى- في (كاشفة الغمة): إن القاضي جعفر ~~كان من أعظم أعضاد الإمام أحمد بن سليمان وأنصاره، قال: وطالما ذكرهما ~~الإمام المنصور بالله -عليه السلام- واحتج بكلامهما، فيقول: قال الإمام ~~والعالم، ذكر الإمام والعالم، أفتى بذلك الإمام والعالم، وقد قيل: على أهل ~~اليمن نعمتان في الإسلام والإرشاد إلى مذهب الأئمة -عليهم السلام-: # -الأولى: للهادي -عليه السلام-. # -والثانية: للقاضي جعفر -رحمه الله تعالى-. # وكان ابتداء وفقته للإمام -عليه السلام- بذمار وقت مخرجه إلى زبيد، ~~فاعتذر إليه من أمور كانت منه مع المطرفية فيما سبق، ولما وصل العراق تبين ~~له أنه على غير شيء، فعذره الإمام -عليه السلام- وجعله في حل، وقال له: هل ~~علمت يا قاضي أحدا ممن لقيته بالعراق يقول شيئا مما تقوله المطرفية، أو ~~يعتقده أو يعمل به، أو وجدت ذلك في كتاب؟ PageV02P129 # قال: لا، قال: فإنه يجب عليك ردهم عن جهلهم، وتنكر عليهم بدعهم، فإن النبي ~~يقول: ((إذا ظهرت البدع من بعدي فليظهر العالم علمه، فإن لم يفعل فعليه ~~لعنة الله)). # -فقال له القاضي: قد عرفت ما تقول، ولكن القوم كثير، وقد صاروا ملئ يمننا ~~هذا فلو أنكرت عليهم لرموني عن قوس واحدة، وأنت يا مولانا تبعد وتقرب وإني ~~أخافهم ولا طاقة لي بهم، فوقع كلام الإمام في أذن القاضي، وهو ممن علم ~~وعمل، فتقدم وأظهر كتبه التي وصل بها من العراق، وتعرض للتدريس والتعليم في ~~سناع، فلما تسامع به الناس وصلوا إليه من بعيد وقريب، فعند ذلك وقع من أهل ~~وقش من الغم ما لا مزيد عليه ms272 لوجهين: # أما أحدهما: فغاروا منه، وعلموا أنه يستميل الناس عنهم، ويأخذ ما ~~يعتادونه منهم. # -و[الوجه] الثاني: أنه يبين للناس ما يكتمونه من مساوئهم، وقبح اعتقادهم، ~~فانصرفوا وعملوا الملاقي، وكتبوا إلى جميع أصحابهم وتكلموا على القاضي بما ~~ليس فيه، وهجوه، وقالوا للناس: هو باطني ابن باطني، فقال: هلموا إلى ~~المناظرة فأظهر ما فيكم، وأظهروا ما في بين يدي حاكم. # -فقالوا: ومن الحاكم؟ # -فقال: إمام الزمان، فأبوا ذلك. # -فقال: فهلموا نتنافس عند العامة، وضرب لهم مثلا. PageV02P130 # -فقال: مثلي ومثلكم مثل رجال عشرة صحبهم رجل أجنبي، حتى دخلوا منزل رجل ~~فأضافهم ذلك الرجل، وأكرمهم، وتركهم في منزله آمنا لهم، فوجدوا له صندوقا ~~فيه ألف دينار، فقام العشرة، وكسروا قفل الصندوق، واستخرجوا الألف ~~واقتسموها، فأخذ كل واحد منهم مائة [فصيرها في ثيابه]، وذلك الأجنبي ~~ينظرهم، فلما جاء صاحب البيت وجد الصندوق قد كسر، وقد أخذ منه المال. # -فقال لهم: إنكم أخذتم من الصندوق ألف دينار، وقد أمنتكم. # -فقال العشرة: أما ترضانا شهودا لك؛ بأن هذا الرجل الأجنبي أخذها ونحن ننظر. # -فقال الرجل الأجنبي: أما أنا لم آخذ شيئا، ولا [أنا] أقول إنهم الآخذون، ~~ولكن فتشنا فما [قد] قام أحد منا بعد، ففتشه فلم يجد معه شيئا، وفتشهم فوجد ~~مع كل واحد منهم مائة [دينار] فضرب القاضي لهم هذا المثل، فلم يسمعوه، ~~ولجوا في جهلهم وطغيانهم، ونزل إليهم إلى وقش، وأراهم كتب الأئمة التي معهم ~~في وقش، وقال لهم: نتدبر ما في هذه الكتب لنعرف الذي خالفها منا ومنكم. # -فقال. مصنف سيرة الإمام أحمد بن سليمان -عليه السلام-: فلم يسمعوا كلام ~~القاضي جعفر وآذوه، وقام في وجهه رجلان باطنيان، يقال لأحدهما: مسلم اللحجي ~~من أهل شظب. PageV02P131 # والآخر يقال له: يحيى بن الحسين، يلقب الفقيه، فآذياه وسباه، فعاد إلى سناع ~~ومعه جماعة من الأشراف، منهم الأمير بدر الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن ~~يحيى وغيره من أعيان السادة الهدويين، والحمزيين، والعباسيين، ومن أعيان ~~الشيعة عدة، وكان للقاضي في مسجد سناع مدرسة، فعارضه المطرفية في مدرسة ms273 ~~أخرى في جانب المسجد، فقام بعض الأشراف فأطفأ سراجهم، فعادوا فأطفأوا مصباح ~~القاضي جعفر، ووقع بينهم كلام، وارتفع القاضي إلى منزله، فرجموا لهج بيته ~~بالليل، وقد كان القاضي -رحمه الله تعالى- ضرب لهم مثلا آخر. # -فقال: مثلكم ومثلي كمثل قوم عراة في مسجد في ظلمة، وأصواتهم مرتفعة ~~بالقراءة والصلاة، وهم يصلون عراة إلى غير قبلة، فدخل عليهم رجل بمصباح، ~~فوجدهم على أقبح حال عراة، فأجمعوا على الذي دخل بالمصباح يلعنونه ويسبونه. # -فقال: ليس لي جرم غير أني دخلت بالمصباح. # -فقالوا: بلى، إنك أظهرت ما كنا نكتمه، وآل الكلام إلى أن الإمام -عليه ~~السلام- بعد أن بلغه ما لقي القاضي من المطرفية، قال: قد وجب علينا نصرته، ~~فلم يزل يطوف البلاد، وهو ينهي الناس عن مذهبهم ويحذرهم منه، حتى أثر ذلك ~~مع أكثر الناس ونفروا منهم إلا القليل، على ماهو مذكور في سيرة الإمام ~~-عليه السلام-. PageV02P132 # نعم وللقاضي جعفر مصنفات في كل فن، عليها اعتماد الزيدية، وله ~~قصد صالح ووجاهة فلهذا استفاد عليه جماهير علماء الزيدية في وقته، وصاروا ~~أئمة يضرب بعلمه المثل حتى قيل: هم معتزلة اليمن، وقبره مشهور مزور بسناع ~~من أعمال صنعاء وقد زرته -رحمه الله-، وله عقب مشهورون. ### | [ذكر القاضي إسحاق بن عبدالباعث - رضي الله عنه -] ### || فصل في ذكر طرف من أحوال القاضي إسحاق المذكور في بيت السيد المقام صارم الدين # هو الشيخ الصدر العلامة إسحاق بن أحمد بن عبد الباعث، وقد تقدمت الإشارة ~~إلى ذكره، وأنه لقي الشيخ الحاكم أبا سعيد، وكان القاضي إسحاق من علماء ~~الزيدية وعظماء أنصار العترة النبوية، وله في الإمامات تصانيف جمة ورسائل ~~كثيرة، وكانت زيديته خالصة، وهو صنو القاضي جعفر في العلم والبراعة، إلا أن ~~أكثر مصنفاته في الإمامات وأحكامها، ورسائله في سيرها وأغراضها، وله رواية ~~واسعة عن أكابر أئمة العترة النبوية، ومن طالع مصنفاته ورسائله عرف صحة ~~محبته لأهل البيت -عليهم السلام-، وأنه فيها السابق المجلى. PageV02P133 # يحكى أن الشيخ الكبير المعظم الخطير، المسمى السعد بن أبي الليل الجابري ثم ~~الخولاني وصل من ms274 مغارب صعدة فدخل مسجد الهادي -عليه السلام- قاصدا للقاضي ~~إسحاق المذكور، وكان إمام محراب مسجد الهادي -عليه السلام- والخطيب بصعدة ~~للإمام -عليه السلام-، فقال للقاضي: قد كنت أتمنى أن القاك وحدك وأنا رجل ~~جاهل لا أقرأ ولا أكتب، وقد قمنا مع هذا الإمام وقتلنا وقتلنا وأعطيناه ~~الزكاة من أموالنا، ولا ندري نحن على صواب، أم على خطأ، وأنت اليوم أكبر ~~علماء بلادنا وقد أردت أن أجعلك بيني وبين الله، وما هديتني إليه فعلته، ~~وإن استكتمتني حديثا كتمته، وأقسم له على ذلك بأيمان مغلظة من أيمان وطلاق ~~ونذر أن لا يخرج له سرا استكتمه إياه، فغضب عند ذلك القاضي إسحاق، وقال له: ~~أفأكون على هذا السن في هذا المكان الشريف أخطب له في مسجد الهادي على منبر ~~المرتضى والناصر-عليهم السلام- في كل جمعة في مثل هذه المدينة وأدعوا له ~~ويكون عندي غير ما أبدي، أتجعلني منافقا، وتعب من كلامه تعبا عظيما ~~فاستعطفه واعتذر إليه، وقال: قد قلت لك في أول كلامي: إني رجل جاهل، فأقبل ~~إليه القاضي وقال له: أنت مصيب في جهادك، وهو الإمام فزد مع جهادك جهادا، ~~ومع اجتهادك اجتهادا. # قال. السيد العلامة الهادي بن إبراهيم في (كاشفة الغمة) ومنها نقلت هذا ~~الفصل برمته في ترجمة القاضي المذكور؛ لأنه مناسب لميلي إلى الاختصار، فقال ~~السيد المذكور: وسمع من يروي أن الدعاء عند قبره مستجاب وقد جرب. PageV02P134 # قال: وقبره رضي الله عنه تجاه المنصورة بصعدة إلى جهة المغرب، وهو مشهور ~~مزور، توفي -رحمه الله تعالى- سنة خمس وخمسين وخمسمائة، قال: وله تعليق ~~معروف على (الإفادة)، وكان فقيها بارعا فرحمة الله عليه ورضوانه. انتهى. # ولنرجع إلى ذكر من نظمه السيد في ذكر الإمام أحمد بن سليمان -عليه ~~السلام-. PageV02P135 ### | [ذكر القاضي نشوان بن سعيد الحميري] # وكم أجابا علي غاو ومبتدع %~% كمثل نشوان واليامي ذوي النكر # المراد بنشوان هذا هو القاضي نشوان بن سعيد الحميري، فإنه من جملة علماء ~~الزيدية ولم يكن يقدح عليه إلا بكثرة افتخاره بقحطان على عدنان، وله في ذلك ~~هو والأشراف بني القاسم ms275 نقائض كثيرة، وأنا أشير إلى طرف منها على عادتي في ~~الاختصار، إذ حصر ذلك جميعه لا يسعه هذا الشرح، فأول ما أذكره هنا العجب ~~ممن يزعم أنه أخ للإمام أحمد بن سليمان من أمه، وفي هذا غاية الجهل؛ فإن أم ~~الإمام الشريفة الفاضلة مليكة بنت عبد الله كما تقدم، وأم نشوان عربيه من ~~آل أبي عشن، على وزن حسن، وهو بعين مهملة وشين معجمه وبعدهما نون، ذكر معنى ~~ذلك في (شمس العلوم) وفيه يقول الشاعر: # وسيد همدان أبو عشن الذي %~% غزا بيشة واجتاحها بعظائم # ثم إنه كان بينه وبين الإمام في ابتداء الأمر عداوة ومهاجاة، أنا أورد ~~طرفا منها، ثم تلا ذلك التعاطف والتلاطف كما سنراه، فأي دليل يدل على أنهما ~~أخوان، ودليل صفاء الوداد بينهما أنه لما توفي المطهر بن الإمام ووردت ~~التعازي فيه إليه من كثير أهل الإسلام، كان من جملة من كتب إليه يعزيه فيه ~~القاضي نشوان. # -قال راوي سيرته -عليه السلام-: وصدرت مكاتبة للشيخ الجليل نشوان بن ~~سعيد، واعتذر من الشعر، وقال: والله ما أحسنت غير التمثل بقول الشاعر: # كذا فليحل الخطب وليفدح الأمر %~% وليس لعين لم يفض ماءها عذر # تكدرت الآمال بعد مطهر %~% وأصبح مشغولا عن السفر السفر PageV02P136 قلت: وهذان البيتان في مطلع قصيدة لأبي تمام رثى بها محمد بن حميد الطوسي ~~الطائي فغير القاضي نشوان لفظ محمد بمطهر، وهذه المرثية من جيدات المراثي، ~~ففي الرواية أن أبا تمام لما مدح أبا دلف بالقصيدة الجيدة التي أولها: # على مثلها من أربع وملاعب # استحسنها وأعطاه خمسين ألف درهم، وقال له: والله إنها لدون شعرك، ثم قال: ~~والله ما مثل هذا القول [في الحسن] إلا ما رثيت به محمد بن حميد. # -فقال له أبو تمام: وأي ذلك أراد الأمير؟ # -فقال له: قصيدتك الرائية وددت أنها لك في. # -فقال [له] أبو تمام: بل أفدي الأمير بنفسي وأهلي، وأكون المقدم قبله. # -فقال: إنه لم يمت من رثي بهذا الشعر. انتهى. # قلت: وقد وقفت على رسالة أظنها لبعض ذرية نشوان ms276 بن سعيد، قال فيها: ~~والمشهور من نشوان -رحمه الله تعالى- أنه كان يختار أقوال الهادي -عليه ~~السلام-، على سائر فقهاء الإسلام، ويحكم بها بين الخاص والعام، إلا أن ~~تتقوى عنده دلالة فيخبر المستفتين بالخلاف الواقع من أهل الإسلام، وكان في ~~عصره جملة من العلماء هم نجوم في الأرض كنجوم في السماء، من علماء قحطان ~~ونزار، فلم يزر عليه في مذهبه زار مع كثرة المناظرة في ذلك والمذاكرة، وكان ~~في ذلك العصر مظهرا لمذهبه في أشعاره وكتبه، ولم يقع بينه وبين أحد من أهل ~~عصره جفا سوى الأشعار التي قالها هو والشرفاء. PageV02P137 # قال نشوان: انقضت النقائض بيني وبين الشرفاء القاسميين، وذلك قبل طرور ~~الشارب، وبلوغ المآرب، فأما اليوم فقد زدت على الأشد، وصرت من الهزل إلى ~~الجد، وأتاني نذير الشيب، وزايلني كل ريب، وتحليت بحلية الوقار، ونظرت نفسي ~~بعين الاحتقار، ورغبت عن القريض، وملاهي معبد والغريض، وأقمت الشعر بأبخس ~~السعر، واعتضت القرآن بالشعر بدلا، وتركت الجدال، {وكان الإنسان أكثر شيء ~~جدلا }[الكهف:54]، وذهبت في ذلك مذهب لبيد واستبداله الشهد بالهبيد، وجعلت ~~مقاطيع الآيات عوضا من مصارع الأبيات، وذكر الله عوضا عن التشبيب، وذكر ~~المعاد بدلا من الربع والحبيب، ولست من الشعراء بل من عباد الله الفقراء، ~~الذين تحل لهم صدقة الدعاء، التي لا تفيض في الوعاء، وزكاة الاستغفار التي ~~تصرف العذاب عن الكفار، ثم قال: والشرفاء أبقاهم الله مما سألت مبرؤون، ~~ومما ظننت مكبرون، فلتشملني بركتهم بهبة أفضل الصدقات إذا ذكروا الله في ~~أفضل الأوقات، وهي صدقة الدعوات عقيب الصلوات، {إن الله يجزي المتصدقين ~~}[يوسف:88]، ويجعل العاقبة للمتقين، فدعاء الشرفاء المالكين مجاب، وليس بين ~~العبد وربه حجاب، فلعل الله أن يمحو عني موبق الذنوب، ويغسلني من رحمته ~~بذنوب، فقد ضقت ذرعا بما فرطت وأنشبت نفسي في أضيق المسالك وورطت، واصبحت ~~لنفسي ظالما، ومن ظلم غيرها سالما، ولكني أستغفر ربا كريما،{ومن يعمل سوءا ~~أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما}[النساء:110] قال صاحب ~~الرسالة: هذا من كلام نشوان PageV02P138 بعد كتاب (المسك). ms277 # - قلت: ولعله كتاب ديوان أشعاره. # -قال: فهل صاحب هذا الكلام حقيق بسب أو ملام؟ # -قال: ثم وصل إلى نشوان شعر من الأمير عبد الله بن القاسم بن محمد بن ~~جعفر، وهو الذي كان يهاجي نشوان، فيه يقول: # فليهن ندبا سيدا شرفت به %~% من حمير الأحياء والأموات # إلى آخرها. # فأجابه نشوان بقوله: # أما كتابك يا ابن أوحد هاشم %~% فحديقة فيها الكلام نبات # قد أثمرت محض الوداد وفاح لي %~% من طيبات نسيمها نفحات # غرس امرئ طابت مغارس أصله %~% فزكا وطاب فعاله والذات # فغدا وحيد العصر غير مدافع %~% تزهو به الساعات والأوقات # أثنى علي ببعض ما هو أهله %~% وله المكارم والندى عادات # ثم أتى إلى نشوان شعر من الأمير الأجل محمد بن محمد القاسمي يمدحه فيه، ~~ويعتذر من الهجو الذي سبق من الأمير عبد الله بن القاسم، الذي أوله: أما ~~الصحيح فإن أصلك فاسد. # وقد تقدم من نشوان [جواب] عليه في ترجمة الحسين بن القاسم، فخذه من هناك، ~~فأجاب: نشوان على الأمير محمد بن محمد عن الاعتذار هذا بقوله: # أعلى الكآبة منكما لي مسعد %~% فالخل يأسى للخليل ويكمد # إن طاب عيشكما وطاب كراكما %~% فأخوكما مر المعاش مسهد # في قلبه من عتب ابنا قاسم %~% حرق تأجج نارها وتوقد # قوم لهم شرف ومجد باذخ %~% من تحت أخمصه السها والفرقد # وعلى محبتهم نشأت ووالدي %~% والحب يولد والمحبة تولد # حتى سعت بيني الوشاة وبينهم %~% فأمال عبد الله عني الحسد # وأطاع أمرهم وصدق قولهم %~% فأتى بقافيه تقيم وتقعد PageV02P139 فيها مقال منه ليس بجيد %~% ما بال عبد الله وهو الجيد # فرددت حين بهت غير مبالغ %~% في الرد خوفا من مقال ينقد # وغدوت مظلوما كأني ظالم %~% إني على ما نابني متجلد # يا ابن الأئمة من ذؤابة هاشم %~% حيث انتهت علياؤها والسؤدد # وافا كتابك بالصلاح مبشرا %~% لا زلت تصلح أمرنا وتفقد # ونظامك الحسن الذي أهديته %~% تحي القلوب به إذا ما ينشد # حققت فيه مودة لك ضعفها %~% عندي وودا في الحشا يتجدد # وذكرت آل محمد وودادهم %~% فرض علينا في الكتاب مؤكد # وذكرت ms278 زيدا والحسين ومولدا %~% لهما زكي الأصل نعم المولد # بأبي وأمي من ذكرت ومن به %~% يهدى الجهول ويرشد المسترشد # [ومنها قوله] : # واترك جعيدا سوف يلقى ربه %~% ويصيب ما زرعت يداه ويحصد # وتغمد الخطأ الذي منه جرى %~% فالسيد المحمود من يتغمد # والعفو منكم عادة مألوفة %~% والناس يطلب عندهم ما عودوا # [ومنها] : # وأنا المناضل ضدكم عن دينكم %~% والله يشهد والبرية تشهد # لا أستعيض بدين زيد غيره %~% ليس النحاس به يقاس العسجد # إني على العهد القديم محبكم %~% كلف الفؤاد بكم وجسمي مبعد # ثم أتى من الأمير الحسين بن القاسم بن محمد بن جعفر شعر إلى نشوان يمدحه ~~فيه، فأجابه بهذا الشعر: # والله والله العظيم ألية %~% يهتز عرش الله منها الأعظم # إني لودك يا حسين لمضمر %~% في الله أبديه وحينا أكتم # ولود والدك الذي آثاره %~% عنه بحسن حديثه تتبسم # ولود عميك اللذين كليهما %~% في صالحي آل الرسول مقدم # ولود سائر أهل بيت محمد %~% وودادهم فرض لدي ومغنم # قوم أدين بدينهم وبحكمهم %~% ونصوصهم أفتي الخصوم وأحكم # وأنا المحب بن المحب وإن وشى %~% واش ورجم بالظنون مرجم # [إن اللسان عن الفؤاد معبر %~% والنطق عما في الضمير مترجم] # يا طيبا من طيب ومطهرا من %~% طاهر ما فيه وصم يعلم # شوقي إليك على البعاد مضاعف %~% يزداد لاعجه وقلبي مضرم PageV02P140 ثم أتى من الأمير الأجل محمد بن عيسى بن محمد بن جعفر، إلى نشوان مديح أوله: # ألا كل ما ناح الحمام المطوق %~% بكيت وقد يبكي الحزين المشوق # عدد فيها جدود نشوان، وذكر ملوك حمير من التبابعة وغيرهم، حتى قال في آخرها: # أولئك هم آباؤك الغر كلهم %~% أبا حسن والفرع بالأصل ملحق # فهم كالنجوم الزهر إن غاب كوكب %~% فذا بعده في الجو أزهر مشرق # وإني لأرجو أنك الكوكب الذي %~% به ذلك الأصل المؤسس يسمق # لئن كنت قد أنسيت عقد مودتي %~% فقلبي بأشطان المودة موثق # هذا آخرها، فأجابها نشوان بقوله: # أثار شجى ذاك الحمام المطوق %~% أهيجه بث به أم تشوق # به مثل ما بي من جوى غير أننا %~% شجيان معكوم وآخر مطلق ms279 # أسر الذي يخفي الزناد ولم أبح %~% به خوف نار منه تبدو فتحرق # وهي من جيد الشعر الذي يعمل بالفكر عمل السحر. # -قال الراوي: ثم كثرت الأشعار بين الأشراف ونشوان، والمدائح، ورفضوا ~~الهجو الذي نظمته القرائح، -قال: ولقد تهاجى نشوان هو والإمام أحمد بن ~~سليمان بعد المناظرة، التي وقعت بينهما، حتى [أنه] كان من نشوان أنه أرسل ~~بأبيات يقول في أولها : # هل لك في هجرة تفوز بها %~% فالهجر بين الرجال مطرح # لاغرو من صلحنا ومر يتنا %~% على العلا نمتري ونصطلح # إني رأيت النعاج رابضة %~% وادعة والكباش تنتطح # زعم بنا الحاسدون أنهم %~% قد طال يا ابن الكرام ما فرحوا PageV02P141 ثم مدحه نشوان بقوله: # يا ابن الأئمة من بني الزهراء %~% وابن الهداة الصفوة النجباء # وإمام أهل العصر والنور الذي %~% هدي الولي به من الظلماء # كم رامت الكفار إطفاء له %~% عمدا فما قدروا على إطفاء # شمس يراها الحاسدون فلم يطق %~% منهم لها أحد على إخفاء # يا داعيا تدعو الأنام برشدهم %~% وصلاحهم في بكرة وعشاء # أسمعتهم فكأنهم لم يسمعوا %~% ما جاءهم من دعوة ونداء # لبيك ألفا من صديق وامق %~% من بعد خذلان وطول إباء # قلت: وهذا البيت ونحوه يشهد بأن الحال من الإمام ونشوان اتحدت آخرا ~~وأنهما ماتا على رعاية الوفاء وسلوك مسلك إخوان الصفاء، فيكون قول السيد ~~صارم الدين مشيرا إلى نشوان في البيت السابق، منصرفا إلى ما كان بينهما من ~~المناظرة والمنافرة أول المدة، يزيد ما ذكرته وضوحا قول نشوان في هذه ~~القصيدة، بعد قوله: لبيك ألفا: # من شك فيك كمن تبدل حيرة %~% بهداية وعماية بضياء # يا خير من يمشي به قدم على %~% وجه البسيطة من بني حواء # ما عاينت عيني البرية بعده %~% إلا وهم فيها من الأقذاء # لم ألف بعدك من أسر بوجهه %~% ممن أعضت به من الصدقاء # إن غبت عن نظر العيان فلم يغب %~% ذكراك بين القلب والأحشاء # [يجري ودادك حيث يجري الروح في %~% بدني وحيث تحل في أعضائي] # أقصي لبانتي التي أنا طالب %~% في الدهر عاجل نظرة ولقاء # فأجابه الإمام ms280 أحمد بن سليمان بقوله: PageV02P142 # يا أوحد الأدباء والشعراء %~% بل أوحد البلغاء والفصحاء # يامن له عقل رصين ثاقب %~% ويعده العقلاء في العقلاء # ويعده الفقهاء في الفقهاء %~% وتعده العلماء في العلماء # لما زكت أعراقه وأصوله %~% جادت له أفعاله بزكاء # حاز المكارم والمحامد والعلى %~% إرثا عن الأجداد والآباء # من حمير الأملاك خير قبيلة %~% في يعرب والشوكة الحجباء # وافى الكتاب فكان كالماء الذي %~% يهدى إلى العطشان في الرمضاء # ينبي بما تخفي وما تبدي لنا %~% من محض ود خالص وصفاء # ومذكرا ما كان قدما بيننا %~% من صحبة ومحبة وإخاء # وملبيا لي إذ دعوت إلى الهدى %~% كل البرية سامع لدعاء # وموازرا ومعاونا ومساعدا %~% ومعاضدا ومصدقا لرجاء # فليبق في عيش هنيء سالم %~% في العز والتوفيق والنعماء # قال صاحب الرسالة التي نقلت منها هذه النبذة: فليعلم الواقف على هذا الذي ~~أوردت من شعر الشرفاء، ونشوان أنه كان بعد كتاب (المسك) بمدة من الزمان. # -قال: ولو كان شعر نشوان المتقدم كفرا صريحا، لكان شعره الأخير إسلاما صحيحا. # قال: وقد كان لنشوان عناية واجتهاد في قيام الأمير علي بن زيد، وقيام ~~الإمام أحمد بن سليمان. PageV02P143 # -قال: وكذلك لما قام الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة -عليه السلام- ~~خرج معه ابناء نشوان وجدوا واجتهدوا في خدمته، انتهى المراد اختصاره من ~~الرسالة المذكورة، وإنما بسطت القول في هذا الفصل محبة مني أن يكون جميع ~~الناس شيعة لأهل البيت، فمهما وجدت إلى جمع شمل الشيعة سبيلا، أو لقيت إلى ~~ذلك تأويلا، جنحت إليه وعولت عليه، نعم قد حكى في كتاب (المفيد في أخبار ~~صنعاء وزبيد) أن القاضي نشوان دعا إلى نفسه في بيحان، واجتمع معه قريب من ~~سبعمائة فارس، وهذا إن صح يدل على أنه يصحح الإمامة في غير قريش، وقد روى ~~عنه بعض أصحابنا اختياره لهذا المذهب، وقد وقفت له على كلام؛ يدل على أنه ~~قد ندم على دعوته المذكورة، ووجدته مكتوبا بخط [حي] الفقيه محمد بن ناجي ~~الحملاني -رحمه الله تعالى- ما لفظه: كان من علم الله وصولي إلى المشرق، ~~فكلفني أهلها ms281 على أن أحمل الذر أحمال العير، وسمحوا بالمين والأيمان، وشحوا ~~بالصدق والإيمان، فرغبت [وطمعت] في ظاهر كلامهم الذي سمعت حتى أدركني ~~الإملاق بمأرب، فخرجت من الدائرة الرابعة إلى دائرة المتقارب. # فقلت: # ومشارق الأرض مثل الحبس في الضيق %~% فمن تغرب لا يهمم بتشريق # لم يبق حي بهم حتى صحبتهم %~% قد أنزفت بالرقى من أجلهم ريقي PageV02P144 ولبثت بحضرموت كما لبث يونس ببطن الحوت، إلا أن بعض المفسرين قال: لبث ~~[أربعين يوما، ولبثت] سنتين ونصفا، أخصف ورق الندامة خصفا، أتعرض لرزق ~~حلال، وما حصل ما فيه سد بعض الخلة، ثم عدت إلى مأرب، فلقيني من بها، وتعرض ~~سفهاؤوهم للعطية، فقاسمتهم ما على المطية، ثم عولوا على العود إلى المغارب، ~~وحلفوا أيمانا على التمام، وسلموا ذماما بعد ذمام، فأشار السلطان راشد بن ~~جحاف الجوفي بترك العود فقصدت الجوف، فلحقني من خولان آل قفيل فأخذوا ~~القطار، وكانت الكتب على بعيرين، فسلم أحدهما، واقتدي الثاني، فسلمت ووصلت ~~الجوف متخليا من الأعوان والأنصار، ولو شئت وصلته بالجيوش الكبار، لكني ~~قلت: {ما عند الله خير وأبقى }[القصص:60]، فأنشدت: # وما أنا إلا من غزية إن غوت %~% غويت وإن ترشد غزية أرشد PageV02P145 ### | [ذكر اليامي محمد بن أحمد قاضي الاسماعيلية] # وأما قول السيد صارم الدين في منظومته: واليامي ذي النكر.. فوجدت مما ~~نقلت عن خطه أنه عني به قاضي الاسماعيلية في زمانه، وعالمهم، ومنجمهم، ~~وشاعرهم، محمد بن أحمد صنو حاتم بن أحمد، ولم أقف في سيرة الإمام أحمد على ~~شيء دار بينه وبين هذا المذكور، فأذكره هنا، لكن إذا وصفت لك [بعض] ما دار ~~بينه وبين أخيه حاتم بن أحمد كفى ذلك دليلا على غزارة علم هذا الإمام، ~~وتمكنه من الرد على من ناواه، على أن فيما أسوقه من خبره، إشارة إلى ذكر ~~محمد هذا. # فأقول: إن مصنف سيرة الإمام، وكذلك في (الحدائق الوردية) للفقيه العلامة ~~حميد بن أحمد، [ذكر] أن حاتما لما كاتب الإمام مريدا للدخول في طاعته لم ~~يقبله الإمام؛ لأمور قد عرفها منه، فرد حاتم بن أحمد كلاما ms282 جافيا، وتمثل ~~فيه بقول المتنبي: # كدعواك كل يدعي صحة العقل %~% ومن ذا الذي يدري بما فيه من جهل # فرد الإمام -عليه السلام-: # إذا كنت لا تدري بما فيك من جهل %~% فذاك إذا جهل مضاف إلى جهل # ولم أنتحل ما ليس في وإنما %~% مقالي حق قد يصدقه فعلي # ومن جهل الرحمن والرسل لم يكن %~% بمعترف يوما بحق بني الرسل # وكل عباد الله غيرك عارف %~% بما في من أصل شريف ومن فضل # فرد عليه حاتم كلاما فيه بيتا شعر هما: # لنا النهي فيما حرم الله والزجر %~% وليس لكم نهي هناك ولا أمر # فلا زال ذا فينا وذلك فيكم %~% مدى الدهر حتى يأتي الحشر والنشر # فأجابه الإمام -عليه السلام- بكتاب تمثل في أوله ببيت شعر يقول فيه: # لا افتخار إلا لمن لا ينام %~% مدرك أو محارب لا يضام PageV02P146 بسم الله الرحمن الرحيم # حمدت من أنطق الفيلسوف بذكره وحمده، وإن كان مبطنا من ذلك بخلافه وضده؛ ~~لأنه سلك في مبتدأ كلامه طريقة محمودة، ولو أتمها قدم الجفاء والمشاتمة، ثم ~~عاد إليها فتعدى الحدود المضروبة. # جرى ما جرى حتى إذا قيل سابق %~% تلاحقه عرق الحران فبلدا # فرجع إلى عادته من سلاطة اللسان، والسلاطة آفة الإنسان، فكان مثله كمثل ~~[صاحب] المارستان، ولا لوم له فإنه مضى يوم دخلنا عليه صنعاء بعض لب فؤاده، ~~ومضى بعضه يوم الشرزة فبقى بلا لب إلا ما يتكلفه، وأما ما ذكره في الذين ~~كفوه مؤنة الهجاء، فقد هجي رسول الله هجاه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث ~~فرد عليه حسان بن ثابت بقوله: # هجوت محمدا فأجبت عنه %~% وعند الله في ذاك الجزاء # أتهجوه ولست له بكفؤ %~% فشركما لخيركما الفداء # وما هو مثله وهم إلا مثل البعوضة لا يؤذي الإنسان إلا طنينها مع أذنه، ~~فإذا طلبها لم يجدها، وقد بلغت مكروهه ومكروه غيره بحمد الله [تعالى]. # إذا شئت أرغمت العدو ولم أبت %~% أقلب فكري في وجوه المكايد # وقد هجانا أخوه الذي مات طريدا لنا، فناب عنا بعض شيعتنا فقال: # لو سار ألف مدجج ms283 ليحل في %~% غمدان غير إمامنا لم يقدر # تلك الشجاعة لا شجاعة معشر %~% مثل العجائز في ظلال المنظر PageV02P147 وأما قوله: لهم النهي فيما حرم الله والزجر.. فلعل ذلك على الكلاب، والله ~~ما [قد] عرفت لهم سابقة في جاهلية ولا إسلام، كان أول من تسلطن منهم حاتم ~~بن الغشيم ؛ لأنه سرق السلطنة من آل الصليحي، وذلك أنه أسلفهم مالا جمعه ~~معهم، فأعطاه المكرم حلقته، فسرق بسبب الحلقة عدن، فتبعه المكرم إلى عدن، ~~فخالفه إلى صنعاء، فهرب منه إلى براش، كما فعل هو كذلك، وكانت صنعاء لآل ~~القتيب، وهو مشتغل في المنظر بالطب والتنجيم، واللعب بالكلاب، ثم افترق آل ~~القتيب، وقتل بعضهم بعضا، فخالفهم عليها، ولم تكن لأبيه ولا لجده، وأما ~~قوله: لا يحسن بالرجل أن يمدح نفسه، وإن أحسن المدح ما أقر به الضد لضده، ~~فلا يعلم اليوم أكثر منهم عداوة لنا، فقد شهد لنا بالإمامة، والوفاء، ~~والزعامة، وقال فينا: # رأيت إماما لم ير الناس مثله %~% أبر وأوفى للطر يد المشرد # عفا ووفى حتى كأني عنده %~% أخ أو حميم لست عنه بمبعد # [وقال أخوه أسعد في شعره] : # ملكت فأسجح منعما يا ابن فاطم %~% وشيد مباني هاشم ذي المكارم # [إلى قوله] : # فإن كنت قد بلغت عني مقالة %~% فقد تبت يامولاي توبة نادم PageV02P148 وعما قليل يقول كما قال أخوه، ويفرح أن يرجع إلى ما كان عليه أبوه، وقوله: ~~ما يحسن بالرجل العاقل أن يمدح نفسه، فقد حكى الله عن يوسف -عليه السلام- ~~أنه قال:{اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم }[يوسف:55]، وقال ~~تعالى:{ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ... ~~الآية}[الشورى:41]، وقوله: إني طالب دنيا. # -وقوله: هذا طار وهذا فلت، ولذتي في الدنيا قتاله وقتال أمثاله من أعداء ~~الله، وقد نغصت عليه وعلى غيره من أهل الدنيا دنياهم في كل ناحية، ولي ~~اليوم نيف وعشرون سنة كلما فرغت من حرب قوم [من] الظالمين، قمت في حرب ~~آخرين من أعداء رب العالمين، وإني لا أبرح كذلك حتى أموت، وأما قوله: إني ~~كفيت ذم نفسي بأني ms284 له داء لا دواء له، فليعلم أن الداء الذي لا دواء له هو ~~الموت، وأنا له كذلك -إن شاء الله تعالى-، وقد قال النبي : ((نحن السم فمن ~~شاء فليستم، ونحن الشم فمن شاء فليشتم)) وأنا له داء ولضده دواء فليعلم ذلك ~~والسلام، -وصلى الله على [سيدنا] محمد وآله وسلم-. PageV02P149 # قلت: وبهذه الجملة يفهم أن حاتما من رؤساء الباطنية ووجوههم، الذين يعتقدون ~~اعتقادهم، لكن وقفت على رسالة بخط الأمير الحسين بن محمد ملصقة إلى آخر ~~سيرة الإمام أحمد بن سليمان، ذكر أنها من رسائل الإمام أحمد [بن سليمان] ~~أجاب بها على فليتة، وقد اعترض عليه في الاستعانة بهمدان، فرد عليه بكلام ~~قال فيه: فأما السلطان الأجل علي بن حاتم، فإنه مباين للباطنية بالقول ~~والفعل، محارب لهم على ذلك، هو وأبوه وجده أما هو فحربه لهم مشهور ظاهر، ~~وأما أبوه حاتم فكان يمقت الباطنية، ويتبرأ منهم، وله شعر يقول فيه: # بريت من الذويب ومن علي %~% ومن ماذون همدان بريت # موادين عموا وغووا هداهم %~% فإن شايعتهم فلقد عميت # ظموا ورويت من ماء معين %~% ولو أني صحبتهم ظميت # شقوا بخلافهم للدين حقا %~% وخالفت الغواة فما شقيت # ولو أني أشا أشهرت منهم %~% فضائح لا تواريها البيوت # أأخشى الناس في ديني وأعصي %~% كأني بعد ذلك لا أموت # وقومي مذكر وشبا حسامي %~% لسان مثله لولا الصموت # فإن ترني وإياهم جميعا %~% فقل كيف التقى ضب وحوت # ولو وردوا الفرات لنجسوه %~% ولم يك طاهرا حتى يموت # وهنا نثني العنان من استقصاء شرح ترجمة الإمام أحمد بن سليمان، وقد أشرنا ~~إلى زبدة مما يتعلق بذلك حسب الإمكان، ونرجو من الله العون والقبلان. PageV02P150 ### | [أخبار الإمام عبد الله بن حمزة -عليه السلام-] # وفي ابن حمزة عبد الله حاز منا %~% وخير داع دعا منا ومفتخر # جاءت بمعضلة نكدا رائعة %~% وصاولت من غدا بالمكرمات حري # وقادت العجم من أقصى ممالكها %~% إليه تركض خيل البغي والبطر # فحاصرت كوكبانا وهو ساكنه %~% وصنوه فارس الهيجاء في بكر # حتى قضى نحبه والسيف منصلت %~% في كفه ومضى في معشر ms285 صبر # وكان للمال في كفيه أجنحة %~% مهما يقع منه شيء فيهما يطر # هو: أمير المؤمنين أبو محمد عبد الله بن حمزة بن سليمان بن حمزة بن علي ~~بن حمزة القائم بأمر الله، بن الإمام النفس الزكية أبي هاشم الحسن بن عبد ~~الرحمن بن يحيى بن عبد الله بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن ~~إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب -عليهم السلام-، نسب كأن ~~عليه من شمس الضحى رداء، ومن فلق الصباح برودا. # وأما أمه -عليه السلام- فهي الشريفة الفاضلة زينب بنت إبراهيم بن سليمان، ~~من ولد الإمام الخارج بتاهرت من أرض المغرب، وهو من ولد الإمام يحيى بن عبد ~~الله -عليه السلام-. # كان مولد الإمام المنصور بعيشان من ظاهر همدان، في شهر ربيع الآخر لإحدى ~~وعشرين ليلة خلت منه سنة إحدى وستين وخمسمائة. # وروي أنه عند ولادته وقد ولد ليلا ازداد ضوء المصباح، وعلا علوا يجاوز ~~المعتاد حتى بلغ دوين السقف. PageV02P151 # وكان أبوه قد رأى أنه قد ظهر منه نورا ملأ الأرض كلها، فعبره على جدة له ~~شريفة فاضلة، فقالت: أكتمه فقد قيل إنه لابد أن يظهر منك، أو من أبيك ~~المنصور، أو من يدل عليه، ثم عبر رؤياه على رجل وهو يتعحب منها، فلما ~~استكملها، فقال : أبشر يا حمزة بإمام من ذريتك، فصدق الله منامه، وكان ~~والده حمزة أتاه قوم من بني صريم يطلبون منه القيام، والمدافعة عنهم، [من] ~~علي بن حاتم بن أحمد لما ملك أرضهم، فقال: لا فرج لكم على يدي، وإنما فرجكم ~~على يدي هذا الصبي وهو بين يديه ابن عشر سنين أو دونها. # وكان حمزة من فضلاء أهل عصره وعيونهم، له معرفة بأنواع العلم. # وكان قد أقام مع القاضي جعفر بن أحمد -رحمه الله تعالى-، وكان يروى عن ~~القاضي جعفر أنه يصلح للإمامة، ويقول: لو دعا لأجبناه، وكان من أهل السخاء ~~الفائض، فمن ذلك أنه لقيه ضيف، ولم يكن معه شيء، فعمد إلى رداءه فشقه، ~~واشترى له طعاما، وفي ms286 ذلك يقول المنصور [بالله] -عليه السلام- : # وإن أبي أوصى بنيه بخطه %~% ولست بناس للوصية من أبي # وباع تراثا من أبيه لضيفه %~% وشق فضول البرد غير مكذب # وقالوا في صفة المنصور [بالله] -عليه السلام-: إنه كان طويل القامة، تام ~~الخلق، دري اللون، حديد البصر حدة مفرطة، [أبلج]، كث اللحية؛ كان شيبها ~~لقضيب فضة، مات وقد غلب الشيب على عارضيه خاصة. # [حتى] قال له بعضهم: يخضب عارضيه، فقال بديها: PageV02P152 # قالوا اخضب الشيب إن الشيب منقصة %~% في أعين الراشقيات الرغاديد # فقلت ذاك كما قلتم وهيبته %~% نقيض قولكم في أعين الصيد # نحن الذين ضربنا الناس عن عرض %~% على البياض فهل نرضى بتسويد # وكان فيه من الفطنة في صغره ما تحير منه العقول، فإنه ختم القرآن صغيرا، ~~وأخذ يتأسف على ضياع عمره، وأطنب في ذلك، فأخبر والده بذلك، فدعاه، وقال ~~له: يا بني، إنه لم يمض لك من المدة إلا القدر الذي يمكنك أن تصل فيه إلى ~~ما قد وصلت، وأنت مستقبل، فشمر في ذلك، وانتقل إلى الدراسة وأنواع العلم، ~~وبدأ بعلم الأدب، فبرز فيه تبريز البلغاء، وكان يحفظ من شواهد اللغة مالا ~~يحفظ أحد من أهل عصره. # -قال عمران بن الحسن بن الناصر : إن بعض من له حظ وافر في حفظ الأشعار ~~للقدماء والمحدثين، قال: أنا أحفظ قدر مائة ألف بيت، وفلان يحفظ مثلها، ~~ونحن لا نعد حفظنا إلى [جنب] حفظ الإمام شيئا، وكان عارفا بأيام العرب على ~~ضرب من التفصيل، ثم ارتحل للقراءة على الشيخ حسام الدين الحسن بن محمد ~~الرصاص، وكان عالم الزيدية في عصره، وإليه انتهت رئاسة أصحاب القاضي جعفر، ~~فقرأ على الرصاص الأصولين حتى فاق الأقران، فكان يكتب في لوح معشرا في أصول ~~الدين، ومعشرا في أصول الفقه، فيقرأ هذه ثلاثة أشراف وحفظها وهذه كذلك، ~~وصنف في أصول الدين قبل بلوغ عشرين سنة من مولده، فمما صنفه في أيام ~~اشتغاله على شيخه المذكور (جواب الرسالة الطوافة إلى العلماء كافة)، وذلك ~~مشهور، وله كتب في هذا الفن، ورسائل كثيرة، وله في الفقه ms287 (الاختيارات ~~المنصورية)، وكتاب (الفتاوي) وكان يقول الشيخ أحمد بن الحسن الرصاص : أخشى ~~أن تكون إمامة الإمام -عليه السلام- صارفة للناس عن إمامة من بعده. PageV02P153 # قال الفقيه حميد: قلت له: ولم ذلك؟ فقال: لأن الناس يطلبون من غيره من ~~العلم ما عهد من الإمام، وربما لا يتفق ذلك، ولما صدرت تصانيفه إلى الجيل ~~والديلم سنة أربع وستمائة، وأطل عليها السادة من أهل البيت وفقهاء الزيدية ~~هناك تزاحموا إلى بيعته تزاحم الإبل العطاش عند الحياض، وقالوا: هو اعلم من ~~الناصر -عليه السلام-، مع أنهم في الجيل خاصة لا يكادون يعدلون بالناصر أحدا. # قال الفقيه حميد في (الحدائق): ومن شاهد تصانيفه علم أن له المرتبة ~~العظمى، وذلك أنه كان لا يصده كثرة الناس حوله من التصانيف، قال: ولقد ~~شهدته في مجلس الصباح، وهو غاص بمن فيه يكتب في تفسير القرآن الكريم كتابة ~~مستمرة، وهو يسأل في أثناء ذلك عن أمور الدين والدنيا، فيجيب عنها، وإن ~~قلمه لينحدر تحدرا سريعا. # قال: ورأيت بخط من يوثق به أنه أجاب في بعض تصانيفه بيده من أول النهار ~~إلى عند العصر إلى موضع سماه من التصنيف، فعددت ذلك فوجدته بخط متوسط خمس ~~[كراريس] كوامل، وكان -عليه السلام- في الورع، والاحتياط على ما يليق بسعة ~~علمه، وغزارة فهمه، والحكايات في ذلك كثيرة مذكورة، ونحن نشير هاهنا إلى ~~طرف منها على وجه الاختصار، إذ لا يمكن إحصاء مياه البحار، ووبل الأمطار، ~~فمن ذلك أنه كان يأتيه قوم كثير في أوقات مختلفة بشيء من الدراهم وغيرها، ~~فيقبض ذلك منهم، ثم يشكون شكية، فيرد ذلك إليهم بعد إبلاغهم ما يجب إبلاغه. PageV02P154 # قال: الفقيه حميد - رحمه الله تعالى-: ولقد رأيته ذات يوم وهو قابض على ~~درهم يريد صرفه لبيت المال عوضا عن شيء لا خطر له من بقل تناوله وكان قد ~~جيء به، من قوم فداء وأمن بعضهم دون بعض، فالتبس ذلك. # وكان معروفا بالإيثار على نفسه من حال شبابه، كثير الإحسان إلى الوافدين، ~~جم المعروف للطالبين يعطي ما يجد، ويستدين إذا لم يجد. ms288 # قال: وهذه أمور تعرف من حاله بالاضطرار. # قلت: وإلى هذا أشار السيد [صارم الدين] بقوله: وكان للمال في كفيه ~~أجنحة.. البيت، وأما شجاعته -عليه السلام-، فكان في ثبات القلب، ومنازلة ~~الأقران، ومجاولة الفرسان بحيث لا يتمارى فيه اثنان، كم [له] من موقف حطم ~~فيه الوشيج وثلم فيه الصفائح ونيار الحرب تهيج، يشهد له بذلك يوم عجيب، وقد ~~انهزمت جنوده الجمة، وهو في وجه العدو لا يرغب في التولي عن لقائه، حتى لقد ~~دقه أخوه الأمير عماد الدين بالرمح دقة هائلة، لما تفرقت العساكر بعد أن ~~أحب الصبر طلبا للشهادة، وكذلك يوم صنعاء، فإنه دخل في نفر يسير لا يدفع ~~بهم عن نفسه، وفيها جنود العجم إلى سبعمائة فارس، فدخل المدينة غير هائب، ~~وأذن مؤذنه بالأذان النبوي، وصلى وروعه مجموع، وقلبه غير مصدوع، وكذلك يوم ~~ذمار؛ فإنه كان سابقا بجنوده يذود جنود الأعاجم على كثرتها بين يديه، كما ~~يذود الراعي غنمه، وبقي منفردا لا ثاني له في الكر على الأعداء، وقد ذكر ~~ذلك في شعر له، فقال: # وفي ذمار تركت الجيش عن كمل %~% خلفي وكافحتها عن دين معبودي PageV02P155 وكذلك له يوم هران مقام محمود، وجهاد مشهور [مشهود]، وأما كراماته فهي ~~كثيرة لا تحصى، وهل يمكن مخلوق تعديد الحصى، فمن أعجبها، وهي رواية مشهورة ~~أن رجلا من المطرفية أتى ناحية يطلب شيئا من الزكاة، فأخبروه بتسليمها إلى ~~الإمام -عليه السلام- فأطلق لسانه بالسب [له]، ثم انصرف إلى جانب القرية، ~~فسلط الله عليه كلبة لم يجر لها عادة بمضرة أحد، فوثبت على لسانه، ~~فاستخرجتها، وضربتها بأنيابها، فأقام مدة كذلك حتى نفر عنه الناس، ولم ~~يعتبر، بل بقي على عداوته، فأمر الإمام -عليه السلام- بضرب عنقه، وفي ذلك ~~يقول حسن بن عزوي العصيفرى من قصيدة: # أسمع أمير المؤمنين قضية %~% أضحى بفضلك ذكرها مشهورا # أنبئت بالرأسين كلبا مسلما %~% سميته لوداده قطميرا # سمع الذي أطرى عليك بسبه %~% فجرى فعض لسانه تحذيرا # هاتيك معجزة غدا لك ذكرها %~% تحكى بكل صحيفة مسطورا # ومن ذلك ما حصل في أيامه الخير والبركة ms289 من ظهور معادن الحديد بجبال بني ~~جماعة من أعمال صعدة وبلاد خولان وكان [قد بلغ] في ولاية الغز نصف رطل ~~بدينار، وصار في دولته رخص إلى أن بلغ خمسة عشر رطلا بهذا الدينار، بعد أن ~~منع الغز من يشتريه من عدن، إلا من تحت أيديهم فوسع الله على خلقه ببركة ~~المنصور [بالله] -عليه السلام-. PageV02P156 # ومن ذلك أن ورد سار لما تقدم إلى ناحية حوث، وأخرب دار الإمام وعاد صنعاء، ~~فما تم له أسبوع حتى أنزل الله سيلالم يعهد مثله، وقد كان بنى في صنعاء ~~قصرا شامخا، وتأنق فيه، [وتعمق] فهدمه ذلك السيل، واستلب كثيرا من أمواله ~~ونفائسه، ونجى [بنفسه] بعد أن أشفى على الهلاك، وتعفت آثار القصر، وهذه قصة ~~مشهورة، إلى غيرها من كراماته -عليه السلام-، وقد ذكرت في الملاحم، ورويت ~~له منامات صالحة تدل على فضله، يعجز هذا المختصر عن ذكر أكثرها وإنما أوردت ~~هنا ما أوردته تبركا بذكره -عليه السلام-. PageV02P157 # وأما دعوته-عليه السلام- فإنه تقدم من الجوف إلى الحقل في ذي القعدة [في] ~~سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، وسار إلى هجرة دار معين من أعمال صعدة، وأقام ~~بها أربعة أشهر إلا قليلا، واجتمع في هذه المدة إليه [من] العلماء من كل ~~جهة، فوجدوه بحرا زاخرا، وعلما بالمناقب مستأثرا، ولما كان يوم الجمعة ~~الثالث عشر من ربيع الأول سنة أربع وتسعين وخمسمائة، تقدم هو ومن معه إلى ~~المسجد الجامع، فبايعه الناس، وكان أولهم الأميران الكبيران الداعيان إلى ~~الله سبحانه شيخا آل الرسول الآتي ذكرهما، ثم بعدهما الأكابر من فضلاء ~~العترة، ثم سائر العلماء من شيعتهم، ثم استقر في ناحية صعدة -حرسها الله ~~تعالى- بالمشاهد المقدسة، وفرق الدعاة والولاة في النواحي والأقطار، وكان ~~للأمير شمس الدين يحيى بن أحمد في ذلك العناية الأكيدة، والصبر على تحمل ~~مشقة السفر على ضعفه وكبره، حتى روي أنه شوهد وقد ورم قدماه، وكثر تعبه ~~ونصبه في بلاد عذر والأهنوم، ووصلت دعوته تهامة ومخلاف بني سليم، فأطاعه ~~الكل، وكذلك أطاعته المطرفية وبايعوه، وناصحوه، ثم نكثوا بيعته بعد ذلك، ms290 ثم ~~طلع حصن كوكبان، فأقام به مدة، وفي خلال ذلك بايعه من أمراء العجم عدة قدر ~~مأتي فارس، ثم تقدم إلى صنعاء واثقا بالله متوكلا عليه، فلما وصلها وفيها ~~العجم إلى قدر سبعمائة فارس، فتح له أهل المدينة الباب، فدخلها في سبعة ~~أفراس لا غير، وهم إخوته ومن اختص به، وتأخر بقية عسكره خارج المدينة، فدخل ~~الإمام مسجد الجامع، واجتمع العجم، وأحاطوا بالمسجد إحاطة الهالة بالقمر، ~~فوقف [-عليه السلام-] فيه حتى حضر PageV02P158 وقت صلاة المغرب، وأذن المؤذن بأذان أهل البيت -عليهم السلام- فقضى صلاته، ~~ووقف ينتظر الفرج من الله سبحانه، فأمر أخاه أن يشرف على العسكر من فوق ~~السطح، فلما أشرف عليهم آذوه وسبوه، ثم إن الإمام -عليه السلام- أشرف من ~~ذلك الموضع بعينه، فما تكلم أحد منهم إليه بكلمة واحدة مع مشاهدتهم إياه ~~لهيبته، فانتهى الحال إلى أن أهل صنعاء صوبوا خروجه من المسجد، فألبسوه ~~شيئا من ثيابهم، ثم خرجوا به على أنه واحد منهم، وهم يسيرون بين العجم، ~~فسلمه الله تعالى من كيدهم، ثم أقام في بعض البيوت جانبا من الليل، ثم خرج ~~وقصد بعض أبواب المدينة، فجاء وقد اشتدت الحراس في كل ناحية، فعاد هو ومن ~~معه إلى موضعهم واشتوروا، وخاف أهل صنعاء عليه لشدة محبتهم له، فقال بعضهم: ~~يقف في موضع عينوه لا يكاد يصله أحد، فلم يسترجح الإمام ذلك، حتى اتفق ~~الرأي أن يقف في بيت [واحد] غير معروف، واعتنى أعيان أهل المدينة من ~~الزيدية في تفسيد عسكر العجم، فأفسدوا من الرجال مقدار ثلاثة آلاف راجل، ~~فأصبح الصباح، وقد انتظم لهم ما أرادوا، وفتحت أبواب المدينة، فدخل عسكر ~~الإمام -عليه السلام-، فلما رأى ذلك أهل داخل أقبل جند العجم الذي كانوا ~~فيها إلى بين يديه فبايعوه، وإن من كبارهم لمن ترتعد يده عند البيعة رعبا ~~وخوفا قذفه الله في قلوبهم، ثم أذن لهم بالانصراف، فنزلوا اليمن، فاستقر ~~الإمام -عليه السلام- في المدينة، ثم نهض يريد ذمار ففتحها [-عليه السلام-] ~~في ربيع سنة خمس وتسعين [وخمسمائة] بعد فتح صنعاء ms291 بأربعة شهور، فيقال: إن ~~الخبر بلغ صنعاء بفتح ذمار بيومه، وكذلك PageV02P159 ذكروا أن فتح صنعاء اشتهر بمنى يوم العيد، ولم يزل آمرا بالمعروف، ناهيا عن ~~المنكر، وانتظمت له الأمور في الجوف، وصعدة وأعمالها، ونجران ونواحيه، ~~والجهات الغربية، ونفذت دعوته إلى الحجاز، وأقيمت الجمع في ينبع وخيبر، ثم ~~عمر حصن ظفار في شوال سنة ستمائة، فكان سببا لانتظام أحواله، وسداد أموره، ~~ووجه دعاته إلى نواحي جيلان، وديلمان، فبايعت له الزيدية هناك، وخطب له في ~~مساجدها، وكتب دعوته إلى ملك خوارزم علاء الدين [بن] شاه على يدي العالم ~~مجد الدين يحيى بن إسماعيل، وكان من فقهاء الأمة، فلما وصلت الدعوة إلى ~~السلطان -مقدم الذكر- قرأها، وهو من المحققين في العدل والتوحيد هو وأهل ~~بلده، فوهب السلطان للسيد عند ذلك مالا جليلا ووردت إلى الإمام كتب الظافر ~~غازي بن الملك الناصر صلاح الدين( ) من حلب، سنة إحدى وستمائة، والواصل بها ~~رجل من ولد النفس الزكية، فوصل [إلى] اليمن، فعاقه سلطان العجم عن الإمام، ~~فأجابه -عليه السلام- بالشعر الذي أوله: # أتهجر معتمدا دارها... حتى قال [في آخرها] : # إلى حلب حيث صيد الملو %~% ك تحبو وتكرم زوارها # سلالة من شاد دين الإله %~% وطهر بالسيف أوزارها # فرحمة ربي على وجهه %~% عشايا العصور وأبكارها PageV02P160 ثم دخل صنعاء المرة الثانية في صفر سنة إحدى عشر وستمائة، فأقام بها مدة، ~~ثم تقدم إلى ذمار، فانحاز من بها من العجوم إلى ذي خولان، فصمد لهم الإمام ~~-عليه السلام- بنفسه حتى أظفره الله عليهم، فاستولى على الخيل والسلاح، ~~وأعتق الرقاب، ولم يزل -عليه السلام- على ذلك حتى وصلت جنود العجم من ~~المصرية إلى اليمن، فلما قربوا من صنعاء انتقل منها إلى كوكبان لأحد عشرة ~~ليلة خلت من ربيع سنة اثنتي عشرة وستمائة، وهم مروا ببيت أنعم، فحطوا عليه، ~~فأخذوه، ونهضوا إلى بلاد حمير، فحطوا على المصنعة وعزان في رمضان من السنة ~~المذكورة، وأقام لمقاتلتهم في اللطية بجبل الضلع ثلاثة أشهر ونصفا، حتى وقع ~~الصلح يوم الأربعاء غرة شهر المحرم سنة ثلاث عشرة وستمائة، وأقامت محطة ms292 ~~العجم عليه مائة ليلة وسبع ليال، ثم انتقل إلى ظفار، فأقام فيه مدة حتى دنا ~~انقضاء الصلح بينه وبين العجم، وانتقل إلى كوكبان لأربع ليال بقين من ذي ~~الحجة من السنة المذكورة، و[قد] كان المرض ابتدأه في البون، ثم طلع كوكبان ~~والمرض يزداد، وكان من التجلد في حال مرضه والصبر عليه بالمحل العظيم، فكان ~~في حال النزع الشديد، وهو محتب بثوبه، حتى لقد فاضت نفسه -عليه السلام- وهو ~~كذلك، واختار الله تعالى له الانتقال إلى دار كرامته، ومستقر نعمته يوم ~~الخميس لاثنى عشر يوما من محرم سنة أربع عشرة وستمائة، [ثم] نقل إلى بكر، ~~فأقام فيه مدة، ثم نقل بعد ذلك إلى ظفار، فمشهده هناك مشهور مزور، كثير ~~الصدقات والنذور، ومدة عمره اثنتان وخمسون سنة وثمانية شهور واثنتان وعشرون ~~ليلة، ومدة خلافته تسع عشرة PageV02P161 سنة وتسعة أشهر وعشرون يوما، وأولاده -عليه السلام-: محمد، وأحمد، وعلي، ~~وحمزة -درج صغيرا-، وإبراهيم، وسليمان، والحسن، وموسى، ويحيى، وإدريس- درج ~~صغيرا- والقاسم، وفضل -درج صغيرا-، وجعفر توفي ولا عقب له، وعيسى توفي ولا ~~عقب له، وداود، وحسين -درج صغيرا-، هذا كلام الفقيه حميد -رحمه الله ~~[تعالى] - في (الحدائق)، ومفهومه أن أكثر أولاده لهم عقب، ولعل ذلك في زمن ~~الفقيه حميد -رحمه الله [تعالى] - وأما في وقتنا وهو سنة تسعمائة [سنة]، ~~فأظهر من يعلم له ذرية من أولاد المنصور هو ولده شمس الدين أحمد، وولده ~~أعني ولد المنصور، وهو قاسم له ذرية وهم آل أبي سلطان، ومسكنهم خيوان، ~~وانتقل منهم في عصري إلى صعدة: صلاح بن عز الدين، وله أولاد موجودون في ~~عصرنا، فهم كثير مشهورون بالشجاعة، وملكوا صعدة في آخر سنة ستة وستين ~~وثماني مائة سنة، وكذلك نجران والجوف، والظاهر والبون، وكانت هذه البلاد في ~~أيدي آبائهم، فغلبهم عليها حي الإمام المهدي علي بن محمد هو وذريته قدر ~~مائة سنة، ثم استعادها الأمير الحسين بن علي بن القاسم الحمزي، وولاها ولده ~~الهادي، فلما قتل الهادي في الجوف، وليها أخوه عز الدين محمد بن الحسين من ~~سنة ثلاث وسبعين، ms293 وكتبت هذه الألفاظ، وهي بيده في سنة تسعمائة. PageV02P162 ### | [ذكر الأمير عماد الدين يحيى بن حمزة بن سليمان ] # وأما قول السيد صارم الدين: وصنوه فارس الهيجاء في بكر... فهو يعني به ~~الأمير الكبير عماد الدين ذا الشرفين أبا المظفر يحيى بن حمزة بن سليمان، ~~فإن المنصور ولاه ما يلي: ظاهر بني صريم، ثم إلى الظفير وما يتصل به من جهة ~~بلاد حمير ونواحيها، إلى بكر، إلى مساقط حراز، وبقيت هذه البلاد في يده إلى ~~أن توفي المنصور [بالله] -عليه السلام-، وكان له -عليه السلام- عمال وقضاة، ~~فمن عماله: الأمير يحيى بن أحمد بن يحيى بن يحيى ولاه شامي بلاد خولان، ~~وبني جماعة، وبني بحر، والأهنوم، وولى أخاه الكبير بدر الدين: محمد بن أحمد ~~بن يحيى بن يحيى نجران، وولى الأمير علي بن المحسن صعدة [وأعمالها] هذا في ~~ابتداء ولايتهم، ثم ولى بعد ذلك صعدة وأعمالها ونجران وما يتصل بذلك الأمير ~~مجد الدين حتى استشهد، ووليها أخوه تاج الدين أحمد حتى توفي المنصور-عليه ~~السلام-، وولى الظاهر آخرا الشيخ أمين الدين دحروج بن مقبل وولى عيان وما ~~يليه إلى نواحي الجهات الغربية من بلاد حجور وقحطان الأمير الكبير صفي ~~الدين: محمد بن إبراهيم وتوفي وهي في يده، وولى الأمير علم الدين سليمان بن ~~موسى الحمزي الجوف وأعماله، بقي في يده حتى توفي الإمام -عليه السلام-، وقد ~~تقدمت الإشارة إلى ما وليه أخو [المنصور] يحيى بن حمزة، وولى القاضي ركن ~~الدين يحيى بن القاضي جعفر حقل وحقالية وما يليهما من بلاد جنب ونواحيها، ~~وولاه أيضا القضاء، و[كان] القاضي يحيى هذا غزير الفهم، كثير العلم، بالغا ~~درجة الاجتهاد، وولى PageV02P163 بلاد مذحج الشيخ عزان بن سعيد، والشيخ مفضل بن أبي رازح -رحمهما الله ~~تعالى-، وكانا من أهل العلم، وممن ولي له الفقيه ركن الدين سليمان بن ناصر ~~وغيره من أهل العلم، وقبضت ولاته الأموال في نواحي الحجاز، وكانت تصل موفرة ~~على أيدي ولاته، واستمر ذلك في نواحي جيلان وديلمان على وفق الأوامر ~~الإمامية، على يدي داعيه محمد ms294 بن أسعد المرادي ومحمد بن قاسم بن نصير، وولى ~~القضاء بصعدة وأعمالها القاضي محمد بن عبد الله بن أبي النجم وولده عبد ~~الله بعد أبيه، وفي بلاد وادعة القاضي عبدالله بن معرف والقاضي الفاضل عمرو ~~بن عبد الله العنسي في حوث وأعمالها، وكان في نواحي الحجاز السيد يوسف بن ~~علي الحسني الشهيد بعناية صاحب بغداد الملقب بالناصر أحمد، وهو الذي كان ~~معارضا للمنصور من العباسيين، ولما مات المنصور [بالله] -عليه السلام- رثي ~~بمراثي كثيرة، فمن مختارها قول ولده عز الدين الناصر لدين الله محمد، وهي: # بفي الشامتين الترب إن يك نالني %~% مصاب أبي أو هد من عظمه أزري # على حين أعيا المقربات فراقه %~% وسنت له أنياب ذي لبد حسر # فإن يك نسوان بكينا فقد بكت %~% عليه الثريا في كواكبها الزهر # وإن شمت الأعداء يوما فإنني %~% على حدثان الدهر كالكوكب الدري # وما مات من أبقى لمن كان بعده %~% سجالين من جود ومن نائل غمر # أما إنه لولا احتسابي مصابه %~% على كبدي كادت تفيض على النحر # وهي من المراثي الطنانات، [الطيبات] ولظهورها حذفت أكثرها. # تنبيه: # مما يشبه قول السيد صارم الدين: وكان للمال في كفيه أجنحة.. [البيت] : ~~قول بعضهم: PageV02P164 # قالت ظريفة ما تبقي دراهمنا %~% وما بنا صرة منها ولا خرق # لكن إذا اجتمعت يوما دراهمنا %~% ظلت إلى طرق المعروف تستبق # ما يسكن الدرهم المنقوش صرتنا %~% لكن يمر عليها وهو منطلق # [وقول أبي الطيب] : # وكلما لقي الدينار صاحبه %~% في ملكه افترقا من قبل يصطحبا # مال كأن غراب البين يرقبه %~% فكلما قيل هذا محتد نعبا # وقول مسلم بن الوليد صريع الغواني: # وما تدنس منها كف منتقد %~% يأبي الندور فتفنيها صنائعه # وقال آخر: # لا يعرف المال إلا عند ناقله %~% ويوم يجمعه للنهب والبدد # وأحسن من هذا قول سعيد بن المسيب : لا خير فيمن لا يكتسب المال ليكف به ~~وجهه، ويؤدي به أمانته، أو يصون به عرضه، أو يصل به رحمه وقد أحسن ابن ~~الجهم حيث يقول: # وما تجمع الأموال إلا لبذلها %~% كما لا يساق الهدي إلا ms295 إلى النحر # وقريب منه قول بعضهم: # المال ما صان عرضا أو بنى شرفا %~% أوجر أجرا وإلا بئس بالمال # وقول المتنبي: # لمن تجمع الدنيا إذا لم ترد بها %~% سرور محب أوإساءة مجرم # وهنا يقع العود إلى شرح منظومة السيد الأمجد، والعود أحمد لأن فضائل ~~المنصور أظهر من أن يوقف لها على حد، أو يأتي عليها حصر أو عد. PageV02P165 ### | [ذكر الأميرين يحيى ومحمد ابني أحمد بن يحيى بن يحيى] # وقوله: # وشيبتا الحمد شيخانا له نصرا %~% وفرقا همما في النظم للبشر # هما الأميران الكبيران الداعيان للمنصور بالله، وهما: يحيى، ومحمد أبناء ~~أحمد بن يحيى بن يحيى، وفضلهما أشهر من الشمس، وكانا أسن من المنصور بالله، ~~وشمس الدين أكبر من بدر الدين، وفي الرواية أن الإمام أحمد بن سليمان ~~[-عليه السلام-] [لما] سئل من يصلح للإمامة؟ قال: لايأتيكم الخير إلا من ~~هذا وأشار إلى الأمير شمس الدين، وفي بعض الروايات عنه -عليه السلام- لا ~~يأتيكم الخير إلا من هذا، أو على يديه، وكان الإمام المنصور [بالله] [-عليه ~~السلام-] قبل قيامه محبا لأن يلي الخلافة أحدهما، ويكون هو له من أكبر ~~الأعوان، فمن قوله في الأمير شمس الدين: # أصدق ما قال به القائل %~% ما أحوج السيف إلى الحامل # يا ابن علي بن أبي طالب %~% قم فانصر الحق على الباطل # ولا تشكك في اتباع الهدى %~% ولا تصخ إن عذل العاذل # وادع فعندي أنها دعوة %~% كاملة في رجل كامل # فأنت لا أنطقها كاذبا %~% عالم أهل البيت والعامل # وأنت في صيد بني أحمد %~% لا ساقط الذكر ولا خامل # لو عمل العالم في ظلمة %~% لم يخف ربي عمل العامل # والحق لا يترك أعني بها %~% نفسي مكان الجمل البازل # ونحن أعوانك فيما جرى %~% من كل خطب جلل نازل # كأنني انظر تا الله ذي ال %~% طول وعاليهم بها سافل # وهم وبيض الهند عصياننا %~% شوارد كالنعم الجافل # فإن أعدوا السيف لم ينثلم %~% والرمح لا تشكو من الحامل # فلا تسميني بنو أحمد %~% فوق سنام المجد والكاهل # يا أهل بيت الذكر حفوا به %~% فالبيت محتاج ms296 إلى الآهل # وأخلصوا لله سبحانه %~% في خارج الأعمال والداخل # كأنني انظرها شزبا %~% تحكي قطا كاظمة الناهل # تؤم بدرا من بني هاشم %~% في أفق المجد بذي كامل PageV02P166 وله فيه وفي أخيه بدر الدين جواب قصيدة الفقيه شهاب الدين أبي القاسم بن ~~الحسين السليماني : # وهذا شهيد بالذي قلتي حاضر %~% مكين عظيم القدر سبط التراجم # أخو العلم شمس الدين يحيى بن أحمد ب %~% ن يحيى حميد الفضل شيخ الفواطم # وشافعه بدر الهدى صنوه الذي %~% دعا لم يخف في الله لومة لائم # فزرهم وقل ما شئت فيما حكيته %~% وخذ بكلام الطيبين الأكارم # وله -عليه السلام- إلى الأمير بدر الدين [-عليه السلام-] : # ألا هل يحملن لي البريد %~% على خطر المسافة ما أريد # مغلغلة إلي باني المعالي %~% ومن هو للعلى ركن شديد # سلالة أحمد مولى البرايا %~% وقائدها وهاديها الرشيد # وأعظمها على الأعداء ركنا %~% وأصبرها إذا اقترع الحديد # كتبت إليه عن قلب جريح %~% تقلبه الخطوب كما تريد # أعز بني النبي أبا ونفسا %~% هزبرا لا يصد ولا يحيد # بأن الدين ملبسه دريس %~% وثوب الكفر موشي جديد # تغللت السلاسل في هوادي %~% بني حسن وأثقلت القيود # وعطلت المساجد للبغايا %~% وبالت في جوانبها اليهود # كفى خزيا لذي لب بهذا %~% تجول على منابرنا العبيد # وأنت عمود هذا الدين فانهض %~% وشمر أيها الهادي الرشيد # فقد فعل الأعاجم في البرايا %~% فعالا تقشعر له الجلود # ومثلك لا ينام عن المعالي %~% ولا يثني عزائمه الوعيد PageV02P167 وله -عليه السلام- إليهما وقد بلغه فساد قوم من يام، فكتبها إليهما مع ~~تراكم الأشغال: # إن النجاة لزوم خوف الباري %~% وهو المزحزح عن عذاب النار # طال النوى من النفير إلى العدى %~% ولقد عهدت وما يقر قراري # كافحت أرباب الضلال عن الهدى %~% متجردا قبل اخضرار إزاري # حملت أوزاري على عبل الشوى %~% شيخ النسا لا حط من أوزاري # يا راكبي متن العناد وسالكي %~% سبل الضلالة آذنوا ببوار # فالجرد تصنع والصوارم تجتلي %~% والأسد تخطر بالقنا الخطار # وأنا الذي عرفت مواطن صبره %~% في كل يوم حالك الأستار # بل أيها الغادي على غيهامة %~% سرح النجا شملة محضار # بلغ ms297 إلى شمس الهدى وشقيقه %~% بدر الهدى وبنيهما الأطهار # عني رسالة من يروم ببأسهم %~% نعش الهدى وإبادة الفجار # المانعين الجار عند نزوله %~% والرافعين نيارهم للساري # والضاربين الكبش تبرق بيضه %~% في عارض كالعارض المطار # الجائدين إذا السماء بخيلة %~% بالقطر والوافين للغدار # السائلين عن النزيل لبره %~% والقائضين يدا على الزوار # والرافضي الدنيا الدنية خشية %~% والقاطعين تسلط الجبار # شيخين من آل الرسول تسابقا %~% وبنوهما سلكوا على الآثار # مدحتهم أم الكتاب فكم عسى %~% تعطيهم المداح بالأشعار # هم قادة للمسلمين وسادة %~% في دارنا هذي وتلك الدار # وبهم حياة الدين بعد مماته %~% وهم ولاة النقض والإقرار # أو ليس يحيى قام قومة جده %~% يحيى فشال الدين بعد عثار # ودعا لمنصور تطاول سؤله %~% في أن يكون له من الأنصار # دينا لعمرك خالصا ودراية %~% بمواقع الإيراد والإصدار PageV02P168 وأخوه بدر الدين قاد إلى العدى %~% جيشا كمثل الزاخر التيار # فشفى صدور المؤمنين ولم يدع %~% للظالمين بدارهم من دار # وله مواقف لم يكن ليقومها %~% في الروع إلا كل أغلب ضار # وبنوهما السادات أنوار الهدى %~% شم الأنوف سلالة الأخيار # آل النبي هم النجوم وإنما %~% ليس الكواكب كلها بدراري # ما للشموس وللبدور مقيمة %~% ببروجها وكواكب الأسحار # وله مواقف لم يكن ليقومها %~% في الروع إلا كل أغلب ضاري # وبنوهما لسادات أنوار الهدى %~% شم الأنوف سلالة الأخيار # إن النبي لهم النجوم وإنما %~% ليس الكواكب كلها بدراري # ما للشموس والبدور مقيمة %~% ببروجها وكواكب الأسحار # والعزم ماض والأنوف حمية %~% والظالمون على شفير هار # ولكم من الله العظيم جلالة %~% في قلب كل منافق ومماري # جاء الحديث بأن ياما قد عدت %~% أطوارها وتعرضت لشفار # وتجككت ببني السبيل ضلالة %~% وزنادكم في كل خطب واري # إيها بني الهادي فأنتم في بني %~% الزهراء كالاسماع والأبصار # هم كالنهار وأنتم أنواره %~% والفضل للأيام بالأنوار # لولا أبوكم زار عني روحه %~% أزكى صلاة الواحد القهار # أحيى معالم دين أحمد جاهدا %~% وكساه برديه لأصبح عاري # قد قلت للساعي أصيلا قدك لا %~% تهلك فهم سبقوك وجه نهار # مرعى وبعض النبت يفضل بعضه %~% أفعندك السعدان كالجرجار # ما جل من خطب أتوه ms298 جهرة %~% جذلين غير مقلمي الأظفار # متقلدين صفائحا هندية %~% يقطعن متصلا من الأعمار # شم الأنوف يزيد في إقدامهم %~% كلب العدا وتغلب الأشرار PageV02P169 إن تلقهم في السلم تلق زواخرا %~% أو في الوغى تلق القضاء الجاري # كالماء لينا للضعيف ورقة %~% ولضدهم أقسى من الأحجار # شغفوا بكسب المكرمات وبالعلى %~% شغف الفرزدق قادما بنوار # إن تلقهم لا تلقى إلا كاتبا %~% أو خاطبا أو قانتا أو قاري # أو مرشدا في العلم أو مسترشدا %~% أو قائدا للجحفل الجرار # أو كاشفا خطبا عظيما باهضا %~% ثقلا لحيي يعرب ونزار # أنتم بناة الحق فاحموا سرحه %~% من كل أطلس خاتر مغوار # ومما يدل على تعظيم الإمام المنصور [بالله] -عليه السلام- للأميرين ~~المذكورين [من] إنصافه لهما في جواب عليهما؛ لأنه كان له أمير متوليا على ~~صعدة وهو الأمير سليمان بن موسى الحمزي، فاتفق في أيام ولايته أن أخرب قهرة ~~مزيد، وهو رجل من بني مالك، له تعلق بالأميرين المذكورين، فبلغهما ما اتفق ~~فكتبا إلى المنصور يذكران له ذلك، ويستنكران إثقاله للمغارم على الرعية، ~~وعمله بخلاف السنة النبوية، وأنه فعل أفعالا لم تفعل في دولة سيف الإسلام، ~~وأنه [قد] أقدم على نقض الذمة في أمر مزيد، ويربوع وخراب القهرة. PageV02P170 # هذا مضمون كلامهم في الكتاب، فلما وصل إلى الإمام المنصور [بالله -عليه ~~السلام-] أجاب عليهما، فكان من جملة كلامه: وما ذكراه أدام الله عزهما من ~~التغريم بخلاف السنة النبوية، فلو اعتقدناه خلاف السنة ما أقررنا سليمان ~~عليه، ولا حابيناه في حق الله تعالى، لو كان يملك لنا الأرض، ولكن عندنا أن ~~التغريم للجنود المحقة جائز، وأنتما الشاهدان [المحقان] الصادقان لنا على ~~أهل الحقل بأنا كتبنا إليهم، وإلى أهل صعدة أن يرجعوا، ولا يخالطوا ~~الظالمين، فخالفوا الأمر، وكانوا يدا ورجلا لأعداء الله، وأما الذمة لمزيد ~~ويربوع، فلم يقع في ذمة كبار المسلمين وأمرائهم، فكيف وأنتم في الدين قدوة، ~~ودعاة رسل، وأئمة هدى! وأما أنه لم يفعل هذا في دولة سيف الإسلام -لعنه ~~الله- فإن كان المراد أنه أكثر، فلا يمنع أن يدفع المحق أكثر مما يدفع ~~المبطل، ms299 والحديث هل يجوز التغريم أم لا يجوز؟ فأما الفعل في قهرة يربوع، ~~وقهرة مزيد، فما أوجبه شرع النبي بحكمكم، أو حكم من نتصوبه على سليمان بن ~~موسى لم يقدر على الامتناع منه في روحه، ولا في عسكره لو كان في ألف فارس ~~لم يمتنع منكم من صاحب العصا، ووجه الحق وقاح لا يستحي من أحد، ولو وجب ~~عليكم حق تحملته دينا ومنعا، ولو تعبنا فيه، وتلفت نفوسنا نريد بذلك رضاكم ~~لله تعالى، ولكن لا تعجلوا حتى تتبينوا، انتهىمختصرا، وكانت وفاة الأمير ~~شمس الدين -رحمه الله [تعالى] - عن تسع وسبعين سنة، وقبره في [هجرة] قطابر ~~مشهور مزور، وقد نظم في ذلك بعض أهله فقال: PageV02P171 # ألا إن شمس الدين يحيى بن أحمد %~% تقضت لياليه بشهر المحرم # لست مئين حجة قد عددتها %~% وست سنين بعد ذلك فاعلم # وعاش من الدنيا ثمانين حجة %~% سوى حجة والمرء غير مسلم # وتوفي أخوه بدر الدين محمد بن أحمد يوم الخميس، في نصف رجب من سنة 614 ~~[سنة] في هجرة قطابر أيضا، وقبره بها مشهور مزور عن خمسة وثمانين سنة إلا ~~شهرا، وللإمام المنصور بالله في الأمير شمس الدين ترثية بليغة وهي: # ما خير عيش به التكدير معتلج %~% وغايتا منتهاه الموت والهرم # يمسي ويصبح والآمال طامحة %~% والموت مغترم والعمر منهزم # الحمد لله لا ند يشابهه %~% إذ لا يجوز علية الفوت والعدم # ما أعجب الأمر للرآءي بفكرته %~% إن لم يخن مشعريه الطمس والصمم # يا يوم أحمد قد أبقيت في كبدي %~% كلما فلم يبره من بعدك الكلم # [ومنها] : # لولا المنية حتم لا مرد له %~% لكافحت بهما من دونك البهم # وماتت الخيل والأبطال مقعصة %~% بين الخميسين والمزان والخدم # وقام نقع وأيدي الخيل سابحة %~% والسمهرية مأطور ومحتطم # وخضتها وعوالي السيف منصلت %~% والخيل يقرعها الخرصان لا اللجم # في فتية من بني الهادي وإخوتهم %~% من آل حمزة لا ميل ولا قرم # ومن بني القاسم الأبطال إن لهم %~% مكارم حسرت من دونها الأمم # ومن بني حيدر غر جحاجحة %~% يرون دونك كأس الموت يغتنم # لعا لشمس ms300 الهدى والبدر إنهما %~% خير البرية منخص ومنهدم # شيخان من آل طه كلما نطقا %~% تساقط الدر والأمثال والحكم PageV02P172 بحرا نوال وعلم كلما وهبا %~% مواهب خجلت من وقعها الديم # ليثا نزال وسيفا كل ملحمة %~% مرهوبة وجباه الخيل تصطدم # قد أنجبا نفرا غرا جحا جحة %~% لا يسامون العلى إن معشر سئموا # يبنون في المجد ما أبنت أوائلهم %~% ولا يصدنهم خوف ولا عدم # شم العرانين في العلياء همتهم %~% وليس همتهم شاء ولا نعم # فرحمة الله زارته مكررة %~% ما لاح في الأفق نجم أو جرى قلم # [ومنها] : # فقل لأبنا أبينا الصبر شيمتكم %~% إذا تبدلت الأخلاق والشيم # أنتم سنام بني الزهراء فاطمة %~% والرأس إذ في بنيها الرأس والقدم # ولاغرو إن مات من ساداتكم رجل %~% فما مضى علم إلا بدا علم # الموت باب وكل الناس داخله %~% وكأسه دائر في الناس كلهم # انتهت [فليقع الرجوع إلى الإتيان ببقية ما نظمه السيد]، وهو من تتمة ~~الكلام في أخبار الإمام المنصور بالله -عليه السلام- مع من تقدم، فنحسب ~~جميع ذلك منه بدليل رد الضمير إليه في قوله: PageV02P173 ### | [ذكر المشرقي والعفيف] # وما رعى المشرقي الندب حرمته %~% بعد العفيف عفيف الثوب والأزر # المشرقي هو: محمد بن منصور بن مفضل الكبير من آل يوسف، دعا بعد موت عمه ~~العفيف، وعارض [الإمام] المنصور بالله [-عليه السلام-] وإلى هذا أشار السيد ~~صارم الدين بقوله: وما رعى حرمته؛ لأنه صدر منه [وإليه] ما يطول شرحه، ~~ويسوء قبحه، ولا أدري لم سمي المشرقي؟ ومات ولا عقب له، وأما عمه [العفيف] ~~فتكنى بالمنتصر، واسمه محمد بن المفضل الكبير بن الحجاج بن علي بن يحيى بن ~~القاسم بن يوسف الداعي، وكان بين العفيف و[بين] الغز وقعات قبل قيام ~~المنصور بالله[-عليه السلام-]، ولما دعا المنصور بالله والاه، ونصره وأحسن ~~صحبته، ثم توفي في شهر صفر [في] سنة ستمائة في هجرة وقش، وله عقب، منهم ~~السيد صارم الدين ناظم هذه المنظومة، هو وآباؤه -عليهم السلام-، وللإمام ~~المنصور بالله -عليه السلام- في العفيف هذا ترثية عظيمة أحببت الإتيان بها ~~هنا؛ رعاية لحق العترة الكرام ms301 -عليهم السلام-، وهي: # أقول وأيام الحياة قليل %~% وقد غالت الأحباب بعدك غول # ألا كل حي ماخلا الله هالك %~% وليس إلى نيل الخلود سبيل # نظل ونمسي والحمام كأنه %~% علينا بإتلاف النفوس كفيل PageV02P174 فلا تجزعن فالكل حي وميت %~% وللشمس من بعد الطلوع أفول # لعمري لئن مات العفيف محمد %~% لرزؤ فصبر ما علمت جميل # فتى من بني بنت النبي محمد %~% أغر كنصل السيف وهو صقيل # سقى جدثا وارى سواد محمد %~% أجش هديم الجانبين هطول # ولا زال ريحان ومسك وعنبر %~% على القبر تذويه صبا وشمول # لئن قلت غرتنا عليه إحالة %~% وطبع مزاج إنني لجهول # ولكن رآه الله أهل جواره %~% فحم له بعد المقام رحيل # ونحن على حوض المنية شرع %~% شباب وأشياخ معا وكهول # تقول عقول: شمروا وتأهبوا %~% ولا مال إن الظاعنين حلول # خداع حليم القوم يعرف أمرة %~% فيرتاع والجهال عنه غفول # لنا في رسول الله أعظم أسوة %~% فقد مات خير الخلق وهو رسول # ومات أمير المؤمنين شقيقه %~% وصنواه ماتا جعفر وعقيل # وأبنآؤهم صلى الإله عليهم %~% غيوث نوال والأنام طلول # فلو كان من حوض المنية ذائد %~% لماتت كماة دونه وخيول # وجاش خميس للخميس وقصفت %~% رماح لتحمي شخصه وتصول # وهان علينا أن نخوض غمارها %~% لأحمي خليلا في الدفاع جليل # فيا حاملي رضوى عظيما حملتم %~% وزال أجبال الحجاز تزول # .................. # أشم طويل الباع من آل هاشم %~% له حسب لا يعتريه خمول # فنعم مناخ الركب شافته قرة %~% شامية نفاخة وبليل # إذا راح فحل الشول رتكا وخلفه %~% صفايا مطافيل أشا وأفيل PageV02P175 وقاتل كلب القوم من ثأر أهله %~% ليربص فيها والمحاجر حول # هنالك تلقى وجهه وكأنه %~% هلال وبشر الماجدين قليل # ويعطي إذا عز العطا كل سيد %~% ويبسط بشرا وجهه وينيل # ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟......ويبكي جبان فيهما وبخيل # ما من يد في الناس إلا وكفه %~% إليها على طول المنال تطول # حليم كريم أريحي مهذب %~% قطوع لأسباب العناد وصول # إذا سيل معروفا يكاد خفيفه %~% وإن عظم المطلوب منه يسيل # فيا نفس صبرا كم تعدين مجده %~% عريض يبذ الحاسدين طويل # فتى بين يحيى بن الحسين وقاسم %~% فروع ms302 نبوات له وأصول # فصبرا بني بنت النبي محمد %~% وأشياعكم إن العزاء قليل # وهذا ما اتصل بي من خبر هذين الشريفين، فإن ظفرت فيما بعد من خبرهما بما ~~تقر به العين، حسبما قصدته في نشر فضائل أولاد السبطين، ألحقته به ابتغاء ~~إحدى الحسنيين. PageV02P176 ### | [ذكر ما كان بين المنصور بالله عبد الله بن حمزة والأمير يحيى بن أحمد بن سليمان] # [قوله -عليه السلام-] : # وكان من رهطه في ثافت حدث %~% إلى ابن أحمد يحيى غير مغتفر # [ثافت: بالثاء المثلثة بعدها ألف بعد الفاء تاء مثناة من فوق]، وقد يقال: ~~أثافت بالألف قبل المثلثة، وهو معقل حول كولة أهل أبي الحسين، كان في المدة ~~الماضية، فأخربه محمد بن الإمام أحمد بن سليمان، لما نقم بثأر أخيه نقلت ما ~~نقل عن خط السيد صارم الدين، أن الأمير يحيى بن أحمد بن سليمان كان من ~~الأبطال والفصحاء، ولما دعا [الإمام] المنصورلم يلب دعوته، وخرج إلى الملك ~~المسعود ورجع إلى ثافت، فلزمه المنصور أسيرا، ثم إن أصحاب المنصور قتلوه ~~خنقا بالعمائم، فنفر بنو الهادي إلا قليلا، بعد أن حلف لهم المنصور ~~بالأيمان البالغة ما علم ولا أمر. # قال السيد إبراهيم: وكان هذا أول حدث بين هذين البطنين، وقتل أيضا ولده ~~علي بن يحيى بالجبجب قتله أيضا بنو المنصور. انتهى. # ونقلت [أنا] أيضا من ديوان المنصور أبياتا تدل أنه -عليه السلام- كان ~~كثير التألم من يحيى هذا، وذلك أنه نقل عنه إلى المنصور أنه قال: لولا عبد ~~الله بن حمزة ما ذكر بنو حمزة بشيء من الفضل، فكتب إليه هذه الأبيات: # لا أعد القبيح منك قبيحا %~% بل أرى كل ما فعلت مليحا # وأداوي جراح قلبي فقد %~% صيرته بالجفا منك جريحا # ولأهلي نعيت ذما صريحا %~% ثم أصحبته إلي مديحا # ما أرى صنوهم بذلك يرضى %~% وهو يحوي ذهنا ولسنا فصيحا # ولعمري لقد نصحتك في كل %~% أموري لكن عصيت النصيحا # وإذا ما أبيت نصحي فلا قول %~% سوى ما أقوله تصريحا # ليس للأقربين فيك نصيب %~% فاستمع من أخيك قولا صحيحا # وعليك السلام في ms303 كل حين %~% كل ما صاحب الغمام الريحا # وصلاة الإ له تختص في الدهر %~% عليا وأحمدا والمسيحا PageV02P177 ### | [أخبار الإمام الداعي المعتضد بالله يحيى بن المحسن بن محفوظ -عليه السلام-] # وأضرمت بين داعينا وصاحبه %~% محمد نار حرب جزلة الشرر # جدت ظفار وحوث في عداوته %~% وقام فيها أبو فتح مع العذر # المراد بالداعي هو: الإمام المعتضد بالله يحيى بن المحسن بن محفوظ بن ~~محمد بن يحيى بن يحيى، من ذرية الهادي -عليه السلام-، فإنه دعا بعد المنصور ~~بالله، وحكي عن المنصور بالله أنه قال: مع الداعي علم أربعة أئمة وقال به ~~شيعة صعدة، ومن انضم إليهم من الأشراف، وعاداه شيعة الظاهر جميعهم، كالفقيه ~~حميد المحلي وغيره، وأقاموا عز الدين محمد بن المنصور محتسبا، وكان بين ~~الداعي وبينهم مشاعرات ومراسلات معروفة، وكان مفلقا، بطلا، شجاعا، إلا أنه ~~قليل حظ، وأهله يروون حديثا عن النبي ، معناه أنه قال: ((سيخرج من أولادي ~~رجل ينفث بالشعر كنفث الحية بالسم)) أو ما هذا معناه، ويقولون هو المعني ~~بهذا الخبر، لغزر قريحته، وفصاحته، وسهولة الشعر عليه، وأنا أقول: إن صح ~~الخبر فلا نسلم أنه المعني به، فإن أكثر أهل البيت لهم من الفصاحة ~~والانتقال على الشعر أكثر مما لهذا الإمام، ففي الرواية عن ابن خلكان، وقد ~~ذكر الشريف الرضي الموسوي وغزارة فصاحته، فقال : هو أشعر الطالبيين على ~~كثرة شعرائهم وفصحائهم، قال: فإن قلت: هو أفصح قريش لم أبعد. انتهى كلامه. PageV02P178 # ففيه ما يدل على كثرة فصحاء العترة، وهو دليل على ما ذكرته فاعرفه موفقا، ~~وللداعي هذا مصنفات في العربية، وفي أصول الفقه: (كتاب المقنع)جزءان صنف ~~الجزء الأول وعاقه عن تمامه الحمام، فألف الجزء الثاني السيد العلامة محمد ~~بن الهادي بن تاج الدين، وللداعي في كتاب (المقنع) شعر، وهو: # هذا الكتاب كتاب المقنع الشافي %~% أزرى على الكتب في مجموع أوصاف # دحى معان تجلى منه في شهب %~% من الكلام درار بين أصداف # أدلة كسيوف الهند قاطعة %~% صقلتها بصقيل الفكرة الصافي # وما احتذيت مثالا فيه عن أحد %~% إلا طريقة آبائي وأسلافي # وله ms304 أيضا (رسالة جواب على الشتوي) فيها علم جم، أوردت منها أكثرها هنا من ~~خط [حي] الفقيه المرحوم محمد بن ناجي الحملاني، قال في أول خطه: ومن رسالة ~~الأغلب أنها للداعي، وأما حي السيد العلامة الهادي بن إبراهيم فقال في ~~(كاشفة الغمة) : إنها للأمير الكبير [بدر الدين] محمد بن أحمد، قال: إنه ~~جوب بها على الشيعة المذكورين عن الداعي؛ لأنه كان قائلا بإمامته،ولعل ~~رواية السيد في (كاشفة الغمة) هي الصواب، والله اعلم. PageV02P179 # قال المجوب: أما قوله سأل المنصور الشيخ محي الدين النجراني عن خمسة آلاف ~~مسألة، فلعلها خمسمائة فيما أحسب، أو أقل من غير نقص في مبلغ علم المنصور، ~~وغزارة فهمه، بل أخبرنا عما كان وشاهدناه، وأما أن مدة البحث كانت أربعة ~~أشهر، فهي كانت دون ذلك، وأما التسرع إلى تحمل هذه الأعباء الثقيلة، أو ~~التحرج عنها، فكلاهما فعله السلف علي -عليه السلام-، قال: أنا لكم مشير خير ~~من أمير، وقال أبو بكر: وليتكم ولست بخيركم، وقال عمر: لو كان سالم حيا ما ~~داخلني فيه شك، ونقيض ذلك أن عليا -عليه السلام- لم يسمح بحقه بل عدد ~~فضائله، وهو أجلى من الشمس، وروي أن أحد السيدين المؤيد وأبا طالب بعث أخاه ~~ليختبر له الناس إن دعاهم فدعا لنفسه، أو ليس الغيرة من الإيمان{سابقوا إلى ~~مغفرة من ربكم }[الحديد:21] والبدار إلى ذلك بأن تنظم في سلك المناقب ~~والمدائح، أولى من أن تجعل في منثور المعائب والقبائح، قام زيد بعد قتل ~~الحسين ثم ولده يحيى، وإبراهيم بن عبد الله -عليهم السلام- بعد قتل أخيه ~~المهدي، بلغه نعيه وهو في صلاة الجمعة، فدعا إلى نفسه بعد فراغ الصلاة، ~~والناصر جاذب الداعيين[رداهما] مع علو مكانهما، وسمو قدرهما وشأنهما، وأنا ~~قرأت في أصول الدين سبع سنين، ولي في أصول الفقه تصنيف، لم أسبق إلى مثله، ~~وهو (المقنع)، أوضحت فيه الأمثلة وأوردت فيه من الأسئلة مالا يكاد يوجد في ~~غيره، وقرأت الأصولين على الفقيه [الأجل] ترب الإمام المنصور سليمان بن عبد ~~الله السفياني وتغيبت (التحرير) وقرأت على شمس الدين، ms305 ومحمد بن أحمد ~~النجراني، وعلى PageV02P180 الأمير علي بن الحسين ومعلوم أن في (التحرير) بفوائده وفصوله ما يزيد على ~~عشرين ألف مسألة، ولم يكن فقه العترة قبل الهادي والقاسم إلا مجموع الفقه ~~في ورقتين أو ثلاث، وهو إنما تحصل أعني الفقه برد الفروع إلى الأصول، مع ~~طرف من الآثار، وزبد من الأخبار، ولي في العربية تصنيف كاف، وقد قيل: إن ~~الإمام إذا كان عربي اللسان لم يحتج إلى علم النحو، وقرأت (ضياء الحلوم) ~~و(أصول الأحكام) وفيه ما يزيد على أربعة آلاف خبر، وليس [يحتاج] من الأخبار ~~إلا ما يختص بالشرع، وقد قيل: إن أبا بكر لم يكن يروي من الأخبار إلا أربعة ~~وعشرين خبرا، ولعمر مسائل فيها خطأ كمسألة العدة، ومسألة الحامل، ومسألة ~~دية الأصابع، ومسألة المطلقة المبتوتة، ومسألة المهور و[مسألة] الفروع، ~~أكثرها يستفاد بالقياس والاجتهاد، والنبي يقول: ((اختلاف أمتي رحمة)) وكل ~~مجتهد مصيب، وقال علي -عليه السلام-: (إن اجتهدت وأصبت فلك عشرة أجور، وإن ~~أخطأت فلك خمسة)، وفي بعض الأخبار: [فلك] أجران وأجر، وأبو بكر قضى في الجد ~~بسبعين قضية، وابن عباس نفى العول، وقال: من شاء باهلته، واختلاف الصحابة ~~في مسألة الجد، ومسألة الحرام ظاهر، وهو في بطون الصحائف مأثور، ومع ذلك ~~فكان البعض يصوب الآخر، ولعلي - عليه السلام- من القضايا ما لو أجاب به بعض ~~أهل العصر لعد جاهلا، كقوله: العبد لا يملك من الطلاق إلا اثنتين، ولا ~~يتزوج إلا اثنتين، وقوله في أمة تتابعها ثلاثة في طهر واحد: يقرع بينهم، ~~ويغرم القارع، لكل واحد من الآخرين ثلث القيمة، وقضى في بغل شهد أربعة أنه ~~لفلان، وثلاثة أنه لفلان PageV02P181 بأن يقسم بينهما أسباعا، وفي الخنثى بالأضلاع، وبيع أمهات الأولاد، وحكي ~~عنه الرجوع في ذلك، وأجاز زيد: نكاح الكتابيات، والمؤيد بالله يقول في ~~مسائل كثيرة: وأخشى أن قول يحيى -عليه السلام- خارق للإجماع، وأما الفقهاء ~~فاختلافاتهم عجيبة حتى أن من العلماء من قال: لو أفتى مفت بغير علم ما أخطأ ~~قول مجتهد. # قال: وصنفت في الفرائض كتاب (البلغة) وأما التفسير فهو ms306 من هذه العلوم ~~وأما القصص فقد قرأت فيها كتبا من جملتها كتاب (العرائس في المجالس) وطالعت ~~(تفسير الحاكم) وهو لا يحتاج [فيه] إلا إلى مجرد المطالعة بعد فهم هذه ~~الفنون، وقد قال المنصور: مع الداعي علوم لا يحتاج إليها الإمام، وقال: ما ~~نعلم في دار الإسلام اعلم من فلان، وأما السخاء فقد قال بعض العلماء: إذا ~~كان الإمام تقيا حمله ذلك على وضع الحقوق [في] مواضعها، وشجاعته شهد الأمير ~~علي بن الحسين، ولم يثبت هذا إلا في موضعه. # قلت: [و] هذا الكلام الأخير يدل على أن المجوب غير الداعي، ومن هذه ~~الرسالة: وأما الجاحظ فقوله ليس بحجة، وفي الناس من أخرجه عن دائرة الإسلام ~~فضلا عن غير ذلك. PageV02P182 # قال: وأما رجوعنا عن قول إلى خلافه، فليس فيه نقص، والانتقال عن اجتهاد إلى ~~اجتهاد آخر جائز، بل واجب عند وضوح الحجة، ومن العلماء من له قولان في ~~مسألة، ومنهم من له ستة أقوال، علي -عليه السلام- رجع عن بعض قضاياه، ~~والهادي ربما قال في (الفنون) بخلاف قوله في (الأحكام)، وفي (الأحكام) ~~بخلاف قوله في (المنتخب)، وأما قولك: ليس للإمام قوة على تدبير الحروب، وهي ~~أعظم الخصال، ولهذا قدم النبي عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، والوليد ~~بن عقبة على جلة من المسلمين في الغزوات و[في] الحروب. # فالجواب: أنه إذا حصل برهان بقوه التدبير لزم الرجوع إليه، والذي لا يجوز ~~عليه البدي هو الله تعالى، وأما الخلق فيخفى عنهم من الصلاح ما كان ظاهرا، ~~ويظهر لهم ما كان خافيا، وقد ظهر لنا ما خفى عنك: # ونحن بنو بنت النبي محمد %~% ونحن بأطراف الأسنة أذرب # وأما قولك: ليس من الورع نكث بيعة الإمام السابق، وقد علم أهل جهاتكم أنه ~~بايع في حياة [الإمام] المنصور بالله للرضى من آل محمد، وأوهم أن الأمر له، ~~ولما عوتب جحد المبايعة، ثم أقر لتاج الدين وسواه بالبيعة. PageV02P183 # والجواب: إن النكث إنما يكون بالمنابذة والمحاربة والتبري، ولم يفعل شيئا ~~من ذلك، بل توقف وطلب البحث، وقد اجتهد كثير من ms307 العلماء [وغيرهم] في أن ~~يعلمهم بمجرد الأسئلة التي سئل عنها المنصور بالله ما هي؟ فامتنع تحرجا أن ~~ينسب إلى الطعن، وأن تقع الشبهة في قلب [من] لا يمكنه حلها، أو يقع تشنيع ~~من الفرق الضالة، وغيرهم من بعض العترة يأخذون السؤال، ويتركون الجواب، كما ~~فعله أهل عصر هاروت وماروت: نزلا يعلمان الناس السحر وبطلانه فيعلموه لا ~~بطلانه، والذي نعلم أن رحى الحرب [كانت] دائرة بين أصحاب ص بالله في مسور، ~~وبين السلاطين بني عبد الحميد، فلم نكثر سوادهم، ولا نكثنا عهدا، ولا جندنا ~~جندا، مع التمكن من ذلك، وبذل ما يحتاج إليه من الأموال، فما منعنا من ~~المحاربة إلا الألباب الحاضرة، وأما وقوع البيعة، فالمعلوم أنا بايعنا ~~للقائم من آل محمد من غير تعيين، وليس في هذا تناقض؛ لأنه سئل هل بايع لنفسه؟ # فقال: لا، وأخبر [آخر] : أنه بايع للقائم من آل محمد، فلم يرجع الكلامان ~~إلى معنى واحد، وقد كان في المدة الماضية تأتي من ص بالله أخبار متناقضة، ~~وهي جنس ما حكاه السائل من أخبار علمنا كذبها، وتحققنا محالها، وأما قوله: ~~لا يجوز دخول مسور وجهاته. PageV02P184 # فالجواب: أنها ليست بدار حرب على قول كثير من العلماء والأئمة؛ لأن منهم من ~~يشترط غلبة الكفر، وفيهم من يشترط المتاخمة لدار الحرب، ولأن اليد والقهر ~~إنما هما لأولاد السلطان محمد بن حسين، ولم يحك لنا أن فيهم باطنيا، ولا ~~مطرفيا، ولا جبريا، فقد صاهر السلطان صعصعة الأمير عماد الدين وهم بها ~~المنصور [بالله] وأما السلطان سليمان فقد وصل إلى المنصور إلى قلحاح وغيره، ~~وتاب على يديه من الظلم؛ ولأنه يجوز دخول دار الحرب لقضاء الحوائج ذكره ~~أئمتنا، وقد روي أن المأمون لما استقر له الأمر لم يبق طالبي إلا وفد عليه ~~حتى النساء والولدان، وكان عقيل بن أبي طالب يفد على معاوية، وكذلك ابن ~~عباس، وعبد الله بن جعفر، وأكابر من فضلاء الصحابة. # ومن هذه الرسالة: وأما قولك: إنه يسب الإمام بشهادة القاضي علي بن أبي ~~السعود، وهو من مقبولي الشهادة. ms308 PageV02P185 # فالجواب: أنها حكاية باطلة، وقد كذب القاضي بمحضر جامع فعليه التوبة وأما ~~قولك: التوبة وإن كانت مجزية فلا بد من إذاعتها، ولا يقضى بصحتها إلا بعد ~~خبرة سنة، فلا نسلم الإقدام على معصية لعدم الدليل، وإن كان ليس بمعصوم، ~~والتوبة إما عن اعتقاد فيقضى بصحتها في الحال، ذكره أئمتنا -عليهم السلام-، ~~وإما من فعل، فمنهم من قال: لا بد من اختباره بسنة في معرفة العدالة، ~~والمسألة إجتهادية، فأما قوله: بلغنا أنه كان من التدبير القعود عن القيام ~~في صفر، فغير صحيح؛ لأن هذا عمل المنجمين، والدعوة المباركة ما انشرت إلا ~~يوم الثلاثاء آخر صفر، وقد تزوج علي -عليه السلام- فاطمة فيه، وص بالله ~~تزوج بنت هديان فيه، فأما ما يروى عن النبي (( من بشرني بخروج صفر ضمنت له ~~على الله بالجنة))، فقد حكى الفقيه عمرو بن جميل، عن شيخه فخر الدين الحسني ~~في معناه وجها يقرب وهو أن جبريل -عليه السلام- أخبره أنه يقبض في شهر ~~ربيع، فأحب لقاء ربه. انتهى ما اختير من هذه الرسالة، ويتلوها نبذة من شعر ~~الداعي: # ويا شيعة الهادي إلى الحق هل لكم %~% إذا سأل الله العباد جواب # رجوتكم أن تنصروا وتعاضدوا %~% ونصرتكم لي غيبة وسباب # أيعجزكم حمل المواضي لنصرتي %~% فأثقل من سيف عصا وجراب # وقد كان في غربان يوم عصبصب %~% وفي الجبجب المعمور فهو خراب # وله أيضا: # كان منهم ظربيون مضوا بالض %~% ب ضربا وطعنا بالعوالي # سل بهم نجران والحقل معا %~% وشباما وذمارا وأزال # وله أيضا: # وإني لأعفو عن صديقي إذا جفا %~% وأملي له حتى يفيء إلى الود # نسيبي الذي يصفي ودادي بقلبه %~% وإن لم يكن في حالة جده جدي PageV02P186 وله أيضا: # أنا كنز الله في الأرض وما %~% قلت في دعواي هذا كذبا # وأمين الله في الخلق فهل %~% غير هذا أبتغي لي مكسبا # وإذا صدت معد لم نلم %~% إن دعونا للعلا أبنا سبا # حمير الشم وكهلان الألى %~% كرموا فرعا وطابوا منصبا # أرجح الناس حلوما عن يد %~% إن رياح الطيش طارت بالخبا # ركبوا الخيل وراضوها وكم %~% حازها ms309 غيرهم ما ركبا # نعلوا الخيل حديدا وغزوا %~% وسبوا بيضا يكلفن السبا # ثم شادوا قصر غمدان الذي %~% من ديار السعد تأتيه الجبا # ولهم حظ بإفريقية %~% وبوادي الرمل يبدي العجبا # وله في المنصور [بالله] -عليهما السلام-: # وأحسن منها مدح صفوة أحمد %~% إمام الهدى في كفه الحل والعقد # تقمص بالمعروف واعتم وارتدى %~% رداء المعالي فالمعالي له برد # وله إلى الحسن القاسمي [-رحمه الله تعالى-] : # وفي مكة قام الخطيب لجدنا %~% وأدت عمان خرجها وهي تسأم # وكان لكم سبعون حصنا مشيدا %~% ذمرمر منها دونه الطير حوم # ومنها ذخار مع ثلا وشهارة %~% ومسور منها بالسحاب معمم # وفي بكر قد كان منكم عصابة %~% لهم دون أسباب السماوات سلم # وما بالنا يا آل يحيى وقاسم %~% نهان ونرمى بالهنات ونهضم # وما كان غربان بدار مزلة %~% ولا دربنا حتى يهد ويهدم # وله إلى الأمير المؤيد بالله أحمد بن القاسم: # فلا العيش إلا الوصل والدهر نائم %~% ولاعزم إلا مانضاه المؤيد # أمير سليمان وتاج فخارها %~% وركن علاها في الزمان المشيد # حوى الملك إرثا عن أبيه وجده %~% فما كان في مجد طريف ومتلد # فعن قاسم عن غانم عن أبيهما %~% وعن حمزة كان الأساس الموطد # وما كان إلا نشر أيمن دعوة %~% إلى الخلق يهديهم بحق ويرشد PageV02P187 فعارضها أبناء حمزة عنوة %~% ومالوا إلى الشتوي جهلا وقلدوا # أترضى بهذا يا سلالة قاسم %~% وكشف حريم جدهن محمد # وقتل أمير من بني الحسن الرضى %~% إمام الهدى جد له ليس يجحد # وإنهاب أموال وغصب صوافي %~% على ذمم والله في ذاك يشهد # هم حسدونا إرثنا من جدودنا %~% ضلالا وأرباب الرئاسة تحسد # ثلاثون منا من إمام نعده %~% ومحتسب هل فيهم ذاك يوجد # أبونا الرضى الهادي إلى الحق خير من %~% تضمنه في باطن الرمس ملحد # وسبطاه منا المرتضى وشقيقه %~% أبو حسن يثنى عليه ويحمد # له قادم أدت عمان خراجها %~% وفي مكة قام الخطيب المسدد # ويحيى ومختار الإمام ويوسف %~% ومن ولد المختار قام محمد # ومنا ابن زيد قام بعد محسن %~% وأحمد كم ذا من إمام أعدد # نقمتم بثأر القاسمين لقاسم %~% وشملهم في كل ms310 أرض مبدد # وقد تم إلى جوف المجورة جحفلا %~% كثيفا كموج البحر والبحر مزبد # وله أيضا: # سقي ربعهم بين اليريم وسيران %~% سحائب مزن صادق الوبل هتان # وجاد على تلك الربى من شهارة %~% فطود ذري كل أسحم حنان # إلى صور يرخي الخمول وينثني %~% يجود بأحلاف الحياء طود عيشان # فشام فأكناف السواد فأفرق %~% فأدوار حتى ينتهي صوب جوعان # وقالت ذرى خولان أين تيممي %~% فقلت إلى الأهنوم ذروة همدان # كراث ومكنى فلله حمزة %~% وإخوتها أبناء عبيد وسفيان # ومن كان من ابناء شام وحاول %~% مقيما على عادات جود وإحسان PageV02P188 ولله من أبناء نسر ضراغم %~% ونوف وعوف نسل أسياد خفان # وإخوتهم أبناء كفيل وفاحش %~% وحي جميعا أي صيد وأعوان # وما أنا بالناسي ظليمة بعدما %~% عرفت الولي منهم بسر وإعلان # قبائل غر ينطح النطح فخرهم %~% وتسموا معاليهم على برج كيوان # وناد بخولان ابن عمرو إمامهم %~% فلبت سراعا نحوه صيد خولان # قبائل حلت في قتام ويسنم %~% وبين فقيع قد أقاموا وقيوان # مآثرهم في الجوف تحكى وحجة %~% وفي شظب تروى وفي رأس يونان # وهم فتحوا مقرا معا وسحولها %~% وهم عسكر يزهو بهم كل سلطان # هذا ما استرجحت نقله من شعره -عليه السلام-، وتركت مافيه [من] المعارضة ~~والمجاوبة لبعض العترة وشيعتهم لمحبتي للجميع، ولما في [ذكر] ذلك من ~~التشنيع الوسيع، على أهل هذا البيت المنيف الرفيع؛ ولأن راوي الشتم له ~~[كان] كالمذيع، وشريك في التوبيخ والتقريع، وكانت وفاته -عليه السلام- في ~~شهر رجب [من] سنة ست وثلاثين وستمائة وقبره في ساقين من بلاد بني بحر مشهور ~~مزور، وله ذرية كثير في نواحي من الجهات الخولانية. PageV02P189 ### | [ذكر عز الدين محمد بن الإمام عبد الله بن حمزة] # وأمكنت من بني المنصور إذ قصدوا %~% صنعاء من خيل أهل الشام في زمر # قد تقدمت الإشارة إلى أن عز الدين محمد بن الإمام المنصور بالله انتصب ~~محتسبا بعد موت أبيه، واستقرت يده على جميع بلاد أبيه بعده، وعاونه علماء ~~الظاهر وغيرهم، وتقوت شوكته، وساس الأمور، وقاد الجمهور. # قالوا: وكانت له سيرة مشهورة، وأيام منتظمة مذكورة، فمما ms311 نقلت أنا من ~~سيرته أنه لما اجتمع له في سنة ثلاث وعشرين عساكر جمة شاور أمراءه ووزرآءه ~~أين يقصد بهم؟ فأشاروا عليه كل من حضر بمبلغ علمه، وانصرم أمرهم على قصد ~~صنعاء، والصيد كل الصيد في جوف الفرا، وكان في صنعاء يومئذ الملك المنصور ~~عمر بن رسول. PageV02P190 # قالوا: فسار من صعدة إلى أن وازى حوثا ومعه إخوته أولاد المنصور والأمير ~~وهاس بن أبي وهاس، ومخلص الدين جابر بن مقبل، وكبار بكيل وحاشد، فبات بها ~~ليلتين، وسار أخوه شمس الدين من طريق الفقع بمن معه من صعدة، فحط بنهمان ~~ينتظر وصول صنوه، ثم سار يطوي المراحل حتى وصل الجنات، وفيها أمير الغز ~~اسمه سنقر في خيل، فسار في الليل إلى صنعاء، وسيب كثيرا من ثقله، وبذل مالا ~~وعطايا لناس من بني صاع على الرفاقة، فأمر شمس الدين بهدم الجنات، وقدم ~~إليه إلى الجنات عمه عماد الدين يحيى بن حمزة في عساكر جمة، فلما تلاحق ~~العسكر سار بهم عز الدين حتى ضرب خيامه برأس نقيل عصر، وحينئذ أقبل الغز من ~~نهج ذروان، وكان كما قال الله تعالى:{ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ~~ليقضي الله أمرا كان مفعولا}[الأنفال:42] فترك الأمير عز الدين المحطة ~~موضعها، وكانت خيله أربعمائة فارس أكثرها من أهل الشام، ورجله تقارب أربعة ~~آلاف، فصف الغز دون مدينة صنعاء ميمنة وميسرة وقلبا، وتركوا الرجال بين ~~أيدي الخيل، وهم عسكر عظيم، وعبى الأمير عز الدين جنوده، فعمه عماد الدين ~~ميسرة، وشمس الدين ميمنة، وأخوه علي بن المنصور [وهو في القلب]، وأهل ظفار ~~ومن انضاف إليهم ساقة وساروا على هذه التعبئة، حتى قربوا من صنعاء، وصفوف ~~الغز مما يلي مسجد الحرة إلى سور المدينة، فتواقف الناس وبعضهم ينتظر من ~~صاحبه الدنو إليه ليقع التمكن من المراد، فبقوا على ذلك إلى أن قرب الليل، ~~وخاف الناس فوات الفريضة، فأجمع الأمير على الرجوع إلى محطتهم PageV02P191 ، فلما آذن للناس بالانصراف رجعوا من غير تعبئة، وارفضوا في القاع، ودخل ~~بعضهم في بعض، فلما عاين الغز ذلك ساروا ms312 على تعبئتهم سيرا حثيثا حتى دنوا ~~من الناس، فصاح الأمير عز الدين بالرجوع، فلم يجبه أحد، وخف الناس للأمر ~~المقدور فثبت مكانه في إخوته وأصحابه، وكبار [أهل] دولته، ودارت عليهم رحى ~~الحرب، واختلطوا واطعنوا بالرماح، ثم اضطربوا بالسيوف، وعقر من خيل الغز ~~أربع وعشرون فرسا زرقا بالرماح، ولم يرجع إليهم أحد من العسكر، بل تولى ~~القتال الأمير عز الدين بنفسه، وأخذ شمس الدين والأمير مخلص الدين جابر بن ~~مقبل، فرمي فرسه [بسهم] فمات في موضعه، فجال العدو عليه، وقتل شهيدا، وقتل ~~معه جماعة منهم: الشريف سالم بن علي بن محسن العباسي، والقاضي محمد بن عمر ~~بن علي العمراني، ومسعود بن مقبل الزيخي مولى المنصور، وبلنان التركي مولى ~~قتادة بن إدريس الحسني، ويحيى بن مزيد المالكي الخولاني، وأصيب حصان الأمير ~~عز الدين بسهمين، وأصيبت عينه اليسرى بسهم لم يذهب بصره، وأصيب حصان ~~[الأمير] شمس الدين في رجله بضربة وسهم في رأسه، وبطعنة في ساقه، فحينئذ ~~أجفلت الناس وانكسروا، وسار هذا الحصان لا يقدر على فوق السير البطيء، وهو ~~حصانه المعروف بالطرف، لم يعلم في وقته فرس يشاكله ولا يماثله خلقا وفعلا، ~~فلما عقر الحصان تولى الدفاع عن شمس الدين أخوه علي بن المنصور، وابن عمه ~~عبد الله بن الحسن بن حمزة، فوقع فيهما طعن كثير بالرماح، وصوائب بالنشاب، ~~وقع في علي بن المنصور سهم في ظهره فبدا من صدره، وما زال يقاتل عن أخيه ~~حتى وقف حصانه وترجل عنه، وركب PageV02P192 رديفا لرجل من جنده، حتى تعلق بالخيل، ثم ركب فرسا آخر. # قال الراوي: وأبلي أولاد المنصور في ذلك اليوم بلاء عظيما، وجرحوا جراحات ~~كثيرة، وهم إبراهيم، والحسن، وموسى، وعبد الله، ويحيى ابنا الحسن بن حمزة، ~~والأمير وهاس، وصنوه جعفر بن أبي وهاس، والشيخ منصور بن محمد، وجماعة من ~~الشرفاء الموسويين، والحمزيين، والعلويين وغيرهم من كبار الجند الهمدانيين ~~والجنبيين. # قال: واستشهد من الرجال أربعون رجلا، ثم طلع الناس إلى محطتهم فحملوا ما ~~خف مما يعز عليهم، ولم ينتظم للأمير عز الدين اجتماعهم ms313 في تلك الليلة، بل ~~مروا حتى توافوا بحصن ثلا، فأقام شهرا ونصفا، فبدت به الحمى وتعلقت به ~~الأمراض والأوصاب، وفي خلال ذلك أذن للناس بالانصراف، ووصل جنده النزاريين ~~والقحطانيين بصلات وزودهم إلى بلادهم، ثم عاد إلى ظفار في شهر رمضان في ~~النصف الأخير منه، من السنة المذكورة أولا، فأقام به أياما، ثم نزل إلى ~~حوث، والعلة تزداد عليه قليلا قليلا، فأخذ في أحكام وصاياه والتعهد لأموره ~~ظاهرا وباطنا، والدعاء إلى الله والاستغفار، فكان يقول: اللهم، إن كنت قد ~~قبلت عملي فاقبض روحي، وقال في تلك الأيام: # لعمري لئن ضاقت بذنبي فرائصي %~% لعفو الذي سوا السماوات أوسع # جزعت وأعيتني ذنوب لمثلها %~% يراع أخو العلم اللبيب ويفزع # وأفزعني أني إلى الله صائر %~% وكل امرئ يوما إلى الله يرجع # وكيف اعتذاري يوم ألقى صحيفتي %~% مضمنة ما كنت بالأمس أصنع # فلا أنا عنها محدث أجنبية %~% ولا أنا محبور بها فأشيع # حنانيك رب الناس من أن تصيبني %~% بذنبي وهل إلا إلى الله يفزع PageV02P193 وقال في تلك الأيام أيضا: # هل لعين تأبى الكرى من هجوع %~% أو لهم ملازم من نزوع # ولقلب للدهر فيه صدوع %~% وكلام يدمين كل صدوع # ولجسم عليه من وهج الحم %~% ى سوار تبريه بري الخليع # وضجيعي من الغرام خفي %~% وخفي الغرام سر ضجيعي # وليال عرقن جسمي فغادر %~% ن سجودي مطابقا لركوعي # ونفين السهاد عني فأمس %~% يت وبالنيرات أرعى ربوعي # من لعين أليمة في رضى الل %~% ه أصيبت فزايلت ممنوع # ستر الله ذو الجلال عليها %~% أي ستر يغطي وأي منيع # إن أكن واثقا بها في رضى الل %~% ه فمن لي بقلب سوء جزوع # هذه من عطية الله أعطا %~% ني وذو الفضل ذو عطاء وسيع PageV02P194 قال مصنف سيرته: فلما اشتدت علته، ويأس من نفسه، كتب إلى عمه ذي الشرفين ~~يعلمه بحاله، ويأمره بالاحتراز إن حدث عليه حادث، وكتب إلى أخيه شمس الدين ~~إلى نجران [يأمره] بمثل ذلك، وأن لا يقف في نجران عند ورود كتابه، وهي ليلة ~~توفي، ومات تلك الليلة، وهي [ليلة] سابع شهر ms314 ذي الحجة من سنة ستمائة وثلاثة ~~وعشرين، وحمل إلى ظفار بليلته، وكتم أمره شهرا حتى اجتمع أصحابه بأخيه إلى ~~ظفار إلا صنوه شمس الدين أحمد، فأقام بصعدة مدة شهر أو أكثر لأمراض كانت ~~معه من شهر شوال، فلم تكن تمكنه الحركة إلى الجهة، فلما مات عز الدين دفن ~~بالهجرة المنصورية، بمشهد تحت مشهد أبيه -عليه السلام-، ولا عقب لعز الدين ~~غير علي ودنيا، ولا عقب لعلي، وكانت البيعة له بالحسبة بكنن أول شهر صفر من ~~سنة أربع عشرة،ومدة ولايته عشر سنين إلا شهرا، وكانت جملة عمره اثنتين ~~وثلاثين سنة، ومولده ببراقش، وقضاته قضاة أبيه، ومما قيل في هذه الوقعة من ~~الأشعار وهي كثيرة إلا أني اخترت منها شعر الشريف حسن بن جعفر القاسمي، لما ~~تضمن من ذكر خيل القبلة وفرارهم، فأذكرني ذلك كثرة ما علمته من فرارهم فيما ~~مضى، وما شاهدته في مدة عمري، فإنهم قد فروا في مدتي ثلاث فرات: # الأولة: كانوا جندا في صعدة مع حي الشريفة فاطمة بنت الحسن بن أمير ~~المؤمنين، فلما قرب جند صنعاء في دولة المنصور [الناصر] بن محمد هربوا وفروا. # الفرة الثانية: في دولة الناصر أيضا. PageV02P195 # والثالثة: انهزموا من الصعيد، وقد جلبهم الإمام عز الدين بن الحسن بن أمير ~~المؤمنين علي بن المؤيد -عليه السلام- على صعدة، ولم يقف منهم أحد البتة، ~~فلما كان شعر هذا الشريف المقدم ذكره متضمنا لذمهم، ومدح أولاد المنصور ~~بالثبات كما هي لهم عادة عكس أولئك المخذول من انتصر بهم أوردته هنا، ~~والشيء بالشيء يذكر، فقال: يخاطب الأمير عز الدين [ابن المنصور -عليه ~~السلام-] : # عاداتك الصبر والخطي مشتجر %~% يا خير من قلدته أمرها مضر # لولا عزائمك اللاتي عرفت بها %~% ما كان للدين عن عاداته وزر # لكن حميت ببيض الهند حوزته %~% والشاهدان بذاك السمع والبصر # أما المديح فلا نأتي بأيسره %~% لأن كل مديح فيك مختصر # ماذا يقول ذوو الإسهاب في رجل %~% آباؤه برسول الله تفتخر # أما الزيادة في وصف امرئ نزلت %~% في وصفه وعلى آبائه السور # تالله ما غاصت الأفكار ms315 في طرق %~% من غير مدحك إلا غاصت الفكر # لكن أردنا نؤدي بعض مفترض %~% من التهاني فلا ألوت بك الغير # كل الأنام سليم ما سلمت لهم %~% وما بقيت فذنب الدهر مغتفر # عليك للمجد أن تبني قواعده %~% وما عليك إذا لم يسعد القدر # إن النبوة أعلا كل منزلة %~% قد شاب رونقها التنغيص والكدر # هل كان مثل رسول الله من أحد %~% أو كان يبلغ في أوصافه بشر # فكان يوم حنين ما علمت به %~% من الهزيمة لولا معشر صبر # هون عليك وإن نابتك نائبة %~% فالجرح مندمل والكسر منجبر # والدهر يومان يوم مشرب أسن %~% مر المذاق ويوم مشرب خضر # فارفض أحاديث هزاجين لو قصدوا %~% إحداث شيء من العلياء ماقدروا # فكم من الناس غال يدعي حكما %~% يقول لو كان لي التدبير ما قهروا # وفي الحقيقة لو نابته نائبة %~% لم يدر فيها بما يأتي وما يذر PageV02P196 وهل أتى النقص إلا من زعانفة %~% في السلم تسطو وفي الهيجاء تنكسر # ضلوا السبيل فباعوا رشد أنفسهم %~% في الغي تلك لعمري بيعة غرر # أما الرسوس فأهل الصبر ليس لهم %~% عن مورد الحرب تعريج ولا صدر # راضوا الخطوب فلا ملتام مروتهم %~% تهش كلا ولا في عودهم خور # لولاهم ما نجا ناج بمهجته %~% وكان أقصى مدا ناج بها عصر # في ما قط فيه للإنسان هيقعة %~% والجو بالنقع داجي الأفق معتكر # وما لقحطان لايروي صنيعهم %~% يوما بصنعاء أوما بالهم غدروا # كانت مجازات قحطان ونصرتها %~% نهب الأثاث فيا خذلان من نصروا # قد كان حاول عز الدين عزهم %~% فاختاروا الذل بالختر الذي ختروا # لما استعاد إلى ملقا ركائبه %~% وافى وليس لهم عين ولا أثر # لم تنصف العرب في حكم وتلك لهم %~% عادات سوء عليها دلت السير # [انتهى. وأنا أقول: هذا الشعر يدل على أن الهرب لخيل الشام خلة متوارثة، ~~وجبلة مستخبثة، وسجية قديمة، وشنشنة ذميمة، فالله المستعان]. PageV02P197 ### | [أخبار الإمام المهدي لدين الله أحمد بن الحسين بن أبي البركات المعروف بأبي طير -عليه السلام-] # وزلزت عضد المهدي أحمدنا %~% بأ حمد ورمته منه بالكبر # فخضبت شيبة لابن الحسين ms316 دما %~% وعفرت وجهه الوضاح بالعفر # وسامت الشيخ من حوث مهاجره %~% بعد الولاء على صاع من الفطر # وكلفت حسنا تحسين أقبح ما %~% جرت به من صروف الدهر والعبر # دارت رحا حربهم للدين طاحنة %~% فليت أن رحاهم تلك لم تدر # ضحوا بأبيض يستسقى الغمام به %~% قد بايعوه فكانوا أخسر البشر # مالوا إلى أحمد عن أحمد وبغوا %~% على الإمام وقالوا: جار في السير PageV02P198 المراد بأحمد [الأول] : الإمام المهدي لدين الله أحمد بن الحسين بن أحمد بن ~~القاسم بن عبد الله بن القاسم بن أحمد بن إسماعيل بن أبي البركات بن أحمد ~~بن محمد بن القاسم الرسي، وهو القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن ~~الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب -عليهم السلام- نسب يخجل النيرات، ~~ويستنزل بتلاوته شآبيب البركات، ويستدفع بحكايته طوارق الحادثات، كان مولده ~~-عليه السلام- في هجرة كومة ببلد شاكر من [بلاد] الظاهر، وأقام فيها حتى ~~بلغ اثنتي عشرة سنة، ثم نقله عمه إلى مدرسة مسلت، وكان فيها عدة من ~~العلماء، فقرأ في أصول الدين حتى تبحر، ثم في أصول الفقه كتبا كثيرة، ثم ~~الفقه، وكتب الحديث، ثم النحو، واللغة، والتفاسير، فلما ظهر فضله، وانتشر ~~ذكره، طالبه العلماء والأمراء والكبراء من أهل زمانه بالقيام، وكان ممن ~~طالبه بذلك الأمير: شمس الدين أحمد بن المنصور، فقوى خاطره الانتقال من ~~ذيبين إلى ثلا لحاجة عرضت له لا لقصد القيام، فتوهم الناس أنه سار للقيام ~~فيها، فصاحبه بشر كثير إلى هنالك، وتلقاه الشيخ منصور بن محمد الضريوة بما ~~يحق له من الإنصاف والتعظيم، فطلبوا منه القيام، فساعدهم، وذلك في شهر صفر ~~سنة ستمائة وستة وأربعين، وكتب دعوته إلى الناس كافة، وأول من صدرت إليه ~~أولاد [الإمام] المنصور بالله، فلم يتلقوها بكل القبول لما كانت من ثلا، ~~وكان غرضهم أن تكون من ظفار، ووصلته العلماء من كل ناحية إلا الشيخ أحمد بن ~~محمد الرصاص ومن تبعه، فإنه وصل إلى ظفار، وجرى بينه وبين الأمير شمس الدين ~~كلام في امتحان الإمام، وتعنته في PageV02P199 دقائق العلم، ms317 ثم سار الشيخ إلى ثلا بعد أن كان عاهد الأمير [شمس الدين] أن ~~لا يبايع، فلما وصل بسط له الإمام الجناح في الامتحان، فوجده كاملا، فلم ~~يستطع أن يمتنع من البيعة، فبايع على المنبر، وتكلم في مناقب [الإمام] بما ~~سمعه الخاص والعام، ثم كتب الإمام دعوة إلى الأمير عماد الدين صنو المنصور ~~بالله -عليه السلام-، فأجاب دعوته، وأمره بإقامة البيعة في بلادهم، ثم نهض ~~الإمام من ثلا إلى حصن حلب، وهو يومئذ لسلطان اليمن، وقد رتب فيه خلقا ~~كثيرا من الباطنية والمجبرة أهل بأس شديد، فوقع بينهم قتال شديد، حتى أنه - ~~عليه السلام- باشر القتال بنفسه، ثم بعد ذلك حدث من الأمير أحمد بن يحيى بن ~~حمزة محالفة للمظفر على حرب الإمام، ونزل حجة، وأوقع بالمسلمين بها، وقتل ~~منهم كثيرا، وكشف حريمهم، وأخرب قراهم، وانتهب أموالهم، وأسر من أسر من ~~كبارهم، فاغتم الإمام وهو في ثلا، فصبر حتى إذا صاروا إلى قارن هجمهم ~~[الإمام]، وقتل منهم ثلاثمائة رجل ونيفا وثمانين، ولزم الأمير عبد الله بن ~~يحيى بن حمزة أسيرا، وغنم الناس منهم غنيمة عظيمة، وإلى ذلك أشار ابن هتيمل ~~حيث يقول: # قرنت بأهل قارن يوم سوء %~% أزحت بها الزعيم من الزعامة PageV02P200 الأبيات.. ثم نهض إلى الجوف، ثم إلى صعدة في ثمان مائة فارس ورجل كثير، ~~فلما انتهى إلى درب الحناجر لقيه الأمير الكبير الحسين بن محمد صاحب ~~(التقرير) وبنو عمه آل يحيى بن يحيى، ومن تبعهم من همدان، وخولان، وقبائل ~~صعدة، وبايعوه فلما استقر بصعدة، وظهر أمره طلب منه أولاد المنصور الصلح، ~~فقبله بعد أن بذلوا ما أحب منهم من النصرة، وكان في خلال ذلك قصة التنين، ~~وهو رجل مقعد مضت عليه سنون، فمسح عليه فاستوى قائما بإذن الله [تعالى]، ~~وكان الناس يأتون من البلاد البعيدة ليشاهدوه، وقيلت فيه الأشعار الكثيرة، ~~وقد أشار إلى ذلك ابن هتيمل حيث يقول : # أبعد شهادة التنين يعصي %~% من الثقلين مأموم إمامه # أتاك كضفدع الغمرات جهرا %~% فقام كسمهري الخط قامه # وما عرف المسيح بغير هذا %~% أمعجزة ms318 النبوة في الإمامه # وما انفرد ابن مريم عنك إلا %~% بعازر فهو قد أحيا رمامه # ثم كان الصلح بينه وبين أولاد المنصور على شروط، منها: PageV02P201 # تسليم تلمص، وقفل ظفار، ومن جهة عمهم عماد الدين [تسليم] حصن مدع، والمكرام ~~بميتك، والجاهلي، وظفير حجة، وشمسان بالجدم، ومنها: كون الولاة في الجهات ~~من تحت يد الإمام، ومنها: إخراج رهائن حاشد وبكيل، ومنها: أنه يعين من ~~عمالهم من شاء ولا يمنعونه، ورفع أيديهم من الشرف، ويكون البون مقسوما إلى ~~الجنات وعمران، ومنها: أن يردوا خيل آل دعام ونقائصهم في الفتنة، وأن غربان ~~والحواشد لبني القاسم، وبني عوير لبني الهادي، والجوف بين حدوده للإمام، ثم ~~تزوج الإمام بنت الأمير عز الدين، وطابت نفوس الجميع، ثم نهض الإمام من ~~صعده، ومعه الأمير شمس الدين، وكانت الخيل ألف فارس، فقصدوا صنعاء، وفيها ~~الأمير أسد الدين، فعلم أنه لا طاقة له بهم، فارتفع إلى براش فحط الإمام في ~~باب السبحة، والأميرشمس الدين في باب اليمن، فافتتحوا صنعاء، وكان عند ~~الأمير شمس الدين أن أكثر أمور صنعاء تكون إليه، فلم ير الإمام ذلك مصلحة، ~~فضاق صدر الأمير، وظهرت منه الكراهة، وتعمدها الإمام -عليه السلام-، وولاها ~~الأمير الحسن بن محمد القاسمي، وجعل معه القاضي أحمد بن زيدان الصعدي، وولى ~~القضاء أحمد بن سليمان، ثم وصلت اعتراضات من بني الهادي آل يحيى بن يحيى من ~~أجل عقود كانت بينهم وبين الإمام، ويدعون أن تلمص ملكا لهم فيحبون المحاكمة ~~فيه، فأجابهم الإمام بكتاب فيه طول، قال في آخره: واعلموا أنا ما نلقى الله ~~بظلم أحد من خلقه، وكيف نمتنع من الشرع، ونحن الذين عطفنا الناس إليه، ثم ~~وقع الصلح بينه وبين الملك المظفر على أن للإمام: اليمن الأعلى من الأسلاف، ~~وللسلطان: PageV02P202 # اليمن الأسفل، وللإمام ثمانون ألفا محمولة إلى خزائنه، وتسليم حصن حلب، ~~والظفر للإمام، وأنهم جميعا محاربون لأسد الدين، وأن كوكبان للإمام -عليه ~~السلام- عند الاستيلاء على براش، ثم إن الإمام اشترى براش من الأسد ~~بخمسمائة ألف درهم مهدية -[وزن] كل درهم ثلثا قفلة ms319 بقفلة الإسلام- وعشرين ~~ألفا غير الخلع والخيل على المتوسطين بينهم، ففرق الإمام هذا المال على أهل ~~بلاده من ذمار إلى صعدة ونجران ومغاربها ومشارقها، فجعل على كل بالغ غني ~~أربعة دراهم مهدية، أو خمسة دراهم منصورية -أي من ضربية المنصور بالله-، ~~حتى من أموال الأيتام والأرامل، وحكم بوجوب ذلك عليهم، رعاية للمصلحة ~~العامة، ولم يظهر من أحد من العلماء في ذلك طعن، ثم نهض الإمام إلى صعدة، ~~فدخل بالشريفة دنيا بنت [الأمير] عز الدين محمد بن المنصور، وقد كان عقد ~~[له] بها في الدخلة الأولى، وأقام هنالك أياما، ثم بلغه أن الأمير شمس ~~الدين وأسد الدين قد جمعا عسكرا جما يريدان به صعدة، فخرج في لقائهم، فحط ~~محطته في موضع يسمى العجلة عند العمشية لازما للطريق، ولما علم الخصوم ~~سلكوا طريقا أخرى، فلم يشعر الإمام إلا وقد دخلوا صعدة، فعاث عسكرهم في ~~صعدة، وقتلوا القاضي يحيى بن عطية بن أبي النجم، والقاضي زيدان بن مقبل، ~~وكشفوا النساء، وانتهبوا بيوت المدينة، وأسروا منها طائفة، وأقاموا فيها ~~مدة، ولما علم الإمام بذلك نهض إلى الظاهر، ثم وجه أخاه سليمان بن يحيى إلى ~~ناحية الجوف، وقصدوا الأمير موسى بن الإمام المنصور في درب ظالم، فأسروه هو ~~وجماعة من السلاطين، والفقيه الشتوي، وكان PageV02P203 معاندا للإمام مع الأشراف، وغنموا في الدرب غنائم كثيرة، فلما وصلوا ~~بالأمير موسى إلى الإمام وجه به إلى مدع، وأمر بحفظهم حتى يستخرج بهم أسرى ~~صعدة، ثم إن الأمير شمس الدين وأسد الدين نهضا إلى صنعاء خوفا عليها من ~~الإمام -عليه السلام-، فجهز أخاه سليمان لغزو من بقي من أعوانهم في صعدة، ~~فلما قرب منهم هربوا إلى بلاد خولان، فتبعهم إلى الصعيد، ووقع بينهم قتال ~~كبير، فأسر الأمير محمد بن سليمان بن المنصور وجماعة معه، ثم رجع الأمير ~~سليمان إلى صعدة، وأمر بخراب دور من أفسد، وحبس من أدركه منهم، فكتب الشيخ ~~عطية النجراني إلى الإمام كتابا يعترضه فيما فعله صنوه الأمير سليمان، وشنع ~~فيه تشنيعا بليغا، فأجاب الإمام -عليه السلام- جوابا فيه ms320 طول، ثم إن الأمير ~~شمس الدين، وأسد الدين نهضا من صنعاء بعساكر يريدان قتال الإمام، فسارا إلى ~~جبال عيال يزيد، فحطا هنالك، فأمر الإمام الأمير أحمد بن يحيى بن حمزة، فحط ~~قبالتهم، وأمر [معه] الفقيه حميد المحلي، والفقيه أحمد بن موسى [بن مقبل] ~~الصعدي، والفقيه عيسى بن جابر الصعدي، ولما كان يوم الجمعة ثاني شهر رمضان ~~هجم الأميران جند الإمام، فقاتلوهم حتى انكسروا، ثم إن الأميرين حملا ~~بأنفسهما وجنودهما، فانهزم المجاهدون، وقتل الفقيه حميد [رحمه الله تعالى]، ~~والشيعة الذين معه وأسر الأمير أحمد بن يحيى، ثم إن الأمير شمس الدين نزل ~~إلى الملك المظفر إلى زبيد هو وأهله يستنصرونه على الإمام، فأعانهم بأربعين ~~ألف دينار وكساهم، ثم إن المظفر جد في حرب الإمام -عليه السلام- حتى أنه ~~كتب إلى بغداد PageV02P204 وخليفتها يومئذ المعتصم يستعينه [على الإمام]، فبعث إليه بحشيشيين أي ~~فدائيين، والفدائيون يبيعون أنفسهم ويخاطرون بها في قتل من يؤمرون بقتله ~~وإن قتلوا بعده، فلما وصلا إلى المظفر أظهر أنه يريد منهما السعي بينه وبين ~~الإمام -عليه السلام- وفي الباطن أمرهما بقتله، ولهما مال يدفعه إلى ~~ورثتهما بعدهما، فتقدما إلى الإمام على هيئة الصليحين، فتلقاهما الإمام ~~بالإنصاف، فدخلا عليه في بعض الأيام لتمام الصلح والوداع، وطلباه الخلوة، ~~فلم يبق عنده إلا الفقيه قاسم بن أحمد الشاكري، والفقيه المعلى بن عبد الله ~~البهلولي، والشيخ عبدالله بن محمد الصعدي، فقال لهما: تكلما بحاجتكما، ~~فتكلم أحدهما بكلام غير مستقيم، ثم قال: إن معي حديثا سرا فدنا [من] الإمام ~~فاتهمه، فأشار إلى الفقيه قاسم أن يدنو منه، فشاوره الإمام في أذنه اليسرى ~~وعينه مع الحشيشي وهو باسط يديه على فخذيه، ثم إن الفقيه أراد الجواب على ~~الإمام، فشاوره في أذنه اليمني، فستر ما بين الإمام والحشيشي، فحصلت له ~~الفرصة فجذب سكينا كانت في باطن فخذه، وانحط على الإمام [بها]، فلما أحس ~~بها الإمام قريبا منه، وثب قائما، فسقطت عمامته، فوقعت رجله فيها، فسقط على ~~جنبه الأيمن، فوقعت الطعنة في محجمه الأيسر، فدخلت نحوا من ثماني أصابع ms321 بعد ~~أن أخذت في العمامة طاقتين، وأراد أن يطعنه الثانية، فوثب الفقيه قاسم [بن ~~أحمد]، فقبض على السكين بيده فقام، وطعنته ترش من خلفه وأمر بقتله، وقد شد ~~الفقيه على يده وسلم الإمام -عليه السلام-، ثم إن الإمام -عليه السلام- وقف ~~مدة فكاتبه [الشيخ] PageV02P205 أحمد بن محمد الرصاص يوليه الظاهر بحيث لا تكون على يده يد، فلم يسترجح ~~الإمام ذلك، فغضب الشيخ، وطلب للإمام الغوائل، فآل الأمر إلى أنه أوهم ~~الحسن بن وهاس أنه أولى بالإمامة منه، فكان من ابن وهاس وشيعة الظاهر أن ~~كاتبوا قبائل الظاهر بالبراءة من الإمام أحمد، وكان الفقيه حميد المحلي ~~يقول: إن اتفق علي أمر، فأشعروا ما ينجم على الإمام من أهل الظاهر، فلما ~~كتب إليه أهل الظاهر بالبراءة لقيوا الأمير شمس الدين بعد خروجه من صنعاء ~~إلى حمدة، فتحدث الرصاص مع الناس من ارتفاع الصبح يحرضهم على حرب الإمام ~~-عليه السلام- إلى نصف النهار، حتى مقته الحاضرون، ثم كتب إلى الإمام كتابا ~~يطلب منه اللقاء إلى قاعة للمناظرة بشرط أن يكون العسكران مستويين في ~~العدد، فأجابه الإمام بأن هذا طلب معاند لا مهتدي، وأنهم إذا كانوا طالبين ~~الهدى وصلوا إليه، ولهم من الوثائق ما تطيب به أنفسهم، فلم يتفق ذلك منهم، ~~فعزم الإمام على حربهم، وكان زمان شدة وقحط بلغ فيه الصاع النبوي عشرة ~~دراهم قفلة، حتى أكل الناس بعضهم بعضا بعد أن أكلوا الدواب، والحمير، ~~والأشجار، وانقطعت المناهل، وعدم الطعام، ومات الناس في الشوارع جوعا ~~تأكلهم الكلاب والسباع، وذلك سنة خمس وخمسين وستمائة، واستمر إلى سنة ثمان ~~وستين، وهلك كثير من العلماء، والفضلاء، ثم بلغ الإمام - عليه السلام - أن ~~ابن وهاس والرصاص ومن تبعهما يريدون أخذ زرع شوابة، وترويع الناس، فأمر ~~الإمام بالتهيؤ للحرب، وركب في أكثر عسكره، وقد كان عسكر ابن وهاس ~~والحمزيين أغاروا وانتهبوا شيئا من زرع الرعية في غيل شوابة، PageV02P206 فتقدم الإمام حتى أشرف على أقطار الوادي، ورأى محطة القوم، فلما رأوه ~~قصدوه، واستدعى ابن وهاس رجلا أرسله إلى الإمام يقول له: ms322 إن العسكر الذين ~~معه قد اختلوا، وأن المصلحة الملقى للمراجعة، ولو على ظهور الخيل، فقال ~~الإمام عليه السلام : هذا حال محاربة لا مناظرة، ورجع إلى محطته، ثم سار ~~للمحاربة، فانكسر إحدى رايتيه في عرض السيرة، ووقع في النفوس في ذلك ما ~~وقع، وراجعوه بترك السيرة، فقال: امضوا على اسم الله {لن يصيبنا إلا ما كتب ~~الله لنا }[التوبة:51]، فلما رآهم القوم قالوا لحسن بن وهاس، وللرصاص: ما ~~عندكما في قتال الإمام؟ فقالا جميعا: ما لحقكم من الإثم فهو في أعناقنا، ~~وجعل الرصاص يقرأ: {اقتربت الساعة وانشق القمر }[القمر:1]، ولما سار الإمام ~~إلى قريب منهم حملت عليه خيل الحمزيين، فقاتلهم خيل القاسميين من براقش حتى ~~ردوهم، ثم أقبل الأمير شمس الدين بإخوته، ومعهم الرصاص وابن وهاس يحرضانهم، ~~كل واحد في جانب، فأمر الإمام أخاه إبراهيم بن يحيى وجماعة في وجه الأمير ~~شمس الدين فاقتتلوا قتالا شديدا، وثارت عجاجة عظيمة واختلط الناس، وانهزم ~~أصحاب الإمام، ولم يبق معه إلا نفر قليل، ثم أحاط به القوم فقاتلهم، وجعل ~~يضرب فيهم يمينا وشمالا حتى أتى رجل من خلفه فعقر فرسه، ولزم آخر بشكيمتها ~~فانصرعت على جنبها، فهاضت رجل الإمام حتى لم يمكنه الركوب، فطعنه رجل من ~~تفاريخ الدرع طعنة في سرته حتى بلغت إلى كبده، ثم أجهز عليه جماعة، فيهم ~~بعض الشيعة فأقعدوه وفيه رمق، ثم أمرهم ذلك الشيعي بضرب عنقه، فضربها رجل PageV02P207 فأبان رأسه، وقد كان ضرب في وجهه ضربتين أو ثلاثا، ثم حملوا رأسه إلى ظفار، ~~وطافوا به في السكك، ثم حمل جسده الطاهر إلى خيمة الرصاص، فجعل يتكلم ~~ويتبجح بأنه لولا قيامه عليه لما قتل ويظهر ذلك للجهال، ثم دفنت جثته ~~الكريمة في أسفل وادي شوابة، وأقام رأسه الزكي في ظفار ثلاثة أيام، ثم أمر ~~به ودفن مع جسده الطيبة. # قال الإمام المهدي [لدين الله] أحمد بن يحيى -عليه السلام-، وهو الذي ~~نقلت من مصنفه على شرح سيرة (البحر الزخار) هذا الكلام من أوله: ثم إن ~~الأمراء بايعوا لابن وهاس، وكان ms323 من جملة من بايعه الأمير الحسين صاحب ~~(التقرير)و(الشفاء)، وكذلك الشيعة الذي رفضوا بيعة الإمام أحمد، وكذلك ~~أولاد المنصور، ولبث ابن وهاس مدة يسيرة، ثم نفرت عنه قلوب الناس، ووقعت ~~مكاتبات إلى السادة آل يحيى بن يحيى مثل الأمير الحسين، وصنوه الحسن الآتي ~~ذكره، فتقدم الأمير الحسين بن محمد لموافقة الشيخ [محمد بن] منصور صاحب ~~عفار بعد مكاتبة وقعت منه، فتلقاه بالإنصاف، وكان ابن وهاس في بلاد الطرف، ~~فلما بلغه ذلك انزعج، وكاتب شيعة الظاهر فوصله من وصل وجرت مكاتبات، وطلب ~~الأمير الحسين المناظرة حيث يأمن فلم تحصل إجابة، فعمل رسالة عامة سماها ~~(النصيحة الصريحة لأهل الأديان الصحيحة)، ثم بلغه دعوة أخيه الحسن، فلما ~~دعا توقف على الظاهر. PageV02P208 # هذا زبدة ما نقلته من شرح الإمام المهدي [أحمد بن يحيى] -عليه السلام- على ~~(سيرة البحر)، ويلحق بذلك أشياء نقلتها عن غير صاحب (البحر)، منها: أنه ~~استشهد - عليه السلام - في شهر صفر من سنة ست وخمسين وستمائة، وقبره في ~~ذيبين مشهور مزور، وله نذور لا توجد لغيره من الأئمة البدور، وبقبره ينزل ~~الغيث الدرور، و[به] تستدفع الشرور، ويذهب وحر الصدور، وذلك من كرمه حيا ~~[وميتا]، فإن في الرواية أنه ما كان يعد الدراهم، بل يعطي من غير عد، فهو ~~كريم حيا وميتا. # قالوا: وأعطى ابن هتيمل الشاعر ثلاثة آلاف درهم وثلاث خيل ومائتي فردة ~~ثياب، قوم ذلك مع الدراهم بعشرة آلاف درهم، وفي توقيعه أنه وهب ألف فرس ~~وستمائة فرس وسبعين فرسا، أعطى قتادة صاحب مكة ثمانية عشر فرسا، ومن كلام ~~[الإمام] الناصر صلاح بن علي-عليه السلام- يذكره في معرض كرم المهدي أحمد ~~بن الحسين، وكثرة محاصيله، قال فيه: إن أهل زماننا يذكرون كرم أحمد بن ~~الحسين وعطاياه العظيمة، ويجهلون ما كان عليه أهل زمانه من تسليم الواجبات ~~الشرعية، وغيرها من الأموال التي يتقرب بها إلى الله تعالى من نذور [وبر] ~~وإعانات [وتنفلات] حتى قال: ونحن نروي أن الإمام لم يكن يجومك على أحد من ~~الجند هذه الجوامك التي في زماننا هذا، ولا كان في ms324 وجهه من الحصون ما في ~~وجوهنا، فإن حصون المسلمين وعهدهم التي لزمنا القيام بها قدر خمسمائة حصن، ~~لكل حصن رتبة وجوامك. PageV02P209 # قال: وروى لنا بعض السادة بسنده أن بعض أهلنا وصل إلى الإمام المهدي أحمد ~~بن الحسين، وطلبه ثوبا دريا، وفوطة حواشيها حرير لبعض مشايخ آنس، قد كان ~~وصل معه إلى الإمام، فأمر من يطلب ذلك في مخزانه الذي للبز. # قال الراوي: فدخلنا في ذلك المخزان، فوجدناه ملانا بالثياب الدرية وفوط ~~الحرير، وروي: أن رجلا في وقت الإمام المهدي نزل حجة يعمل فوطة حرير، ~~وأهلها ينسجون هذه الفوط، والثياب الدرية، فكان كل من وصل إليه قال له: ما ~~نفرغ لك، معنا عمل للإمام حتى أحاط بعمال حجة، فما وجد فيها صانعا يصنع إلا ~~للإمام عليه السلام انتهى. # قالوا: وكانت في الإمام أحمد بن الحسين - عليه السلام - [من] صفات النبي ~~خلقا وخلقا، وكان لا يقول الشعر، وحكى الفقيه سعد بن عواض الذماري: أنه حج، ~~وكان يقعد أحيانا في الحرم، فسمع رجلا من أصبهان يقرأ القرآن، فقال لسعد: ~~من أين أنت؟ فقال: من اليمن، فقال: إنه يقوم في هذه السنة في ربعها الأول ~~عندكم إمام من أرض همدان، فإن تسمى في أول كتابه المهدي فهو المهدي الذي ~~وعد الله الناس به، فرجع سعد إلى اليمن، وقام الإمام في صفر من السنة ~~المذكورة أولا. PageV02P210 # وقال رجل آخر: كنا بعرفة فإذا برجل محلوق [الرأس] متزر بشيء رقيق، ملتحف ~~بمثله،فسألنا عن بلادنا؟ فقلت: أنا من أهل اليمن [الأسفل]، فقال: هنيئا ~~لكم!! يا أهل اليمن يقوم في هذه السنة عندكم قائم الحق، فقلت: ليس هناك أحد ~~يومى إليه بالإمامة، فقال: هو خامل الذكر، فرجعنا وقد قام الإمام في صفر، ~~وحكي أنه وجد في كتاب عن النبي في المهدي: ((يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه ~~اسم ابني ))، وأشار إلى الحسين -عليه السلام-، وفي (شمس الأخبار) : أنه ~~أقنى الأنف، أجلى الجبهة، يملك سبع سنين أو تسع، وهذه من صفاته-عليه السلام -. # قال منصور بن ورقاء: كنا نقوم بظهر في الليل ms325 ونحن جماعة فما يبصر أحد منا ~~وجه صاحبه إلا الإمام المهدي فنبصر وجهه. # قالوا: ولما دخل صنعاء في مدة حكمه ملأها قسطا وعدلا، وكان فيها ضدهما، ~~وكثرت في تلك المدة الخيرات، قال بعضهم: كان الحشيش في قاع صنعاء يبلغ سرة ~~الإنسان، ورخص كل شيء، وكان -عليه السلام- كما قيل فيه: # أقام الدين في شرق وغرب %~% وأغنى بالعطايا الوافدينا # وجاد وعاد بالمعروف دهرا %~% وعشنا في مكارمه سنينا PageV02P211 ### | [ذكر أحمد بن محمد الرصاص] # وأما قول السيد صارم الدين: وسامت الشيخ من حوث مهاجرة.. البيت، فأراد ~~به: أحمد بن محمد الرصاص، فإنه بايع المهدي -عليه السلام- وناصره، وزوجه ابنته. # قال السيد فيما نقلته من خطه: ثم إن بعض ولاة الإمام طلب فطرة من رجل ~~يختص بالرصاص، فخرج [منها] مهاجرا إلى جبل الحرام في خمسمائة من الأشراف ~~والشيعة، فيهم حد من اسمه علي سبعون رجلا، وكان من جملتهم: حسن بن وهاس، ~~نافر الإمام -عليه السلام- لغير سبب إلا أن الإمام أمره إلى الشيخ ومن خرج ~~معه، فاستغروه، وقالوا: نبايعك فأنت بهذا الأمر أحق منه، فبايعهم. # قال السيد: فحكي أنه لما قتل الإمام -عليه السلام- كما تقدم نزل عن ~~جواده، وصلى ركعتين، وقيل: إنه تبرأ مما أجمع عليه الأشراف [من قتل الإمام ~~عليه السلام]، والله اعلم أي ذلك كان، وعلى الجملة فهي زلة كبيرة، فظيعة، ~~وخطة قبيحة شنيعة، ارتكبها من هذا الإمام أولئك الشيعة، فإنا لله وإنا إليه ~~راجعون. PageV02P212 # قالوا: ولما قتل [الإمام] المهدي -عليه السلام- بقيت الحصون في أيدي أهلها ~~حتى دعا ابن وهاس وسلم الظاهر وصعدة، وفي رواية: أنهم قسموا بلاد الإمام ~~المهدي نصفين له نصف، ولأولاد المنصور نصف، وفي خلال ذلك ندم كثير ممن خذل ~~المهدي، وكان كثير من أعدائه يرحم عليه، وعظمت الكراهة لابن وهاس، وخالفه ~~أصحابه، فحلفوا لشمس الدين بن المنصور، فلما مات في ربيع الآخر من هذه ~~السنة، ومات أخوه موسى بعده بشهرين، حلفوا لأخيه موسى، فلما مات حلفوا ~~لأخيه داود، ومات في سنة أربع وثمانين وستمائة، ولم يبق لابن وهاس نهي ولا ~~أمر، ms326 وظهرت المنكرات، وقبض أولاد المنصور الزكاة لحصونهم، وعجز ابن وهاس عن ~~منعهم، فلما رأى الأمير شرف الدين الحسين بن محمد، وأخوه الإمام الحسن بن ~~بدر الدين ذلك، وما ظهر من البدع دعواه مرارا للمراجعة في أمور الدين فلم ~~يجب، فدعواه إلى الاعتزال فلم يجب، فدعواه إلى المناظرة فامتنع، فحينئذ دعا ~~الإمام الحسن بن محمد كما سيأتي، وكان ابن وهاس يخطب لنفسه في صعدة ~~والظاهر، ثم وقع بينه وبين داود بن المنصور حرب أسر فيها ابن وهاس؛ لأنهما ~~لما افترقا قصده ابن وهاس إلى ظفار ليحاربه، فخرج الأمير داود، فالتقوا ~~بعصافر من بلاد وادعة، فانهزم عسكر ابن وهاس، وثبت ثباتا حسنا، فلزم وأقام ~~في سجن الأمير داود عشر سنين، ثم أخرجه بعد ذلك حين حط الشعبي على ثلا، ~~وأخذ التعبرة ورتب فيها، وسار موسى بن رسول وغيره مع عز الدين بن شمس ~~الدين، فحطوا على تلمص، وتضايق الأمر فاجتمع الأشراف والعلماء على داود بن ~~المنصور ورجحوا له إخراج ابن وهاس للنصرة به PageV02P213 على رفع هاتين المحطتين، فأخرجه على كره منه، ثم وقع التنفيس على الحصنين ~~المذكورين، وقول السيد صارم الدين: # ضحوا بأشمط يستسقى الغمام به %~% قد بايعوه وكانوا أخسر البشر # مأخوذ من قول حسان بن ثابت، في عثمان بن عفان: # ضحوا بأشمط عنوان السجود به %~% يقسم الليل تسبيحا وقرآنا # وكذلك قول السيد: # فخضبت شيبة لابن الحسين # صدره من قول صاحب البسامة: # فخضبت شيب عثمان دما # وعجزه من قوله أيضا: # وألصقت طلحة الفياض بالعفر # ووجدت في بعض التواريخ ما لفظه: وتواترت الأخبار أن التتر من الترك قتلوا ~~خليفة بغداد العباسي في اليوم الذي قتل فيه أحمد بن الحسين، واسم هذا ~~الخليفة: المعتصم بن الناصر العباسي، واستولوا على بغداد، ووضعوا السيف في ~~الناس أياما، فزال ملك بني العباس بعد مضي خمسمائة سنة، والتتر هؤلاء: قوم ~~من الترك الكفرة، خرجوا من أقصى المشارق، فأهلكوا أكثر بلاد الإسلام، ~~وسيأتي طرف من أخبارهم على وجه الاختصار في آخر هذا الشرح عند ذكر البيت ~~الذي ذكرهم فيه ms327 السيد صارم الدين. PageV02P214 ### | [أخبار الإمام الحسن بن بدر الدين -عليه السلام-] # قوله: # ولم تمد بإحسان إلى حسن %~% كفا وقد رام منها كف كل جري # المراد بحسن هنا: هو الإمام المنصور الحسن بن بدر الدين، وقد تقدم ذكر ~~أبيه، كان الحسن هذا من أعيان العترة علما وفصاحة، وخطابة، وتصنيفا، وله ~~تصانيف في أصول الدين، وكتب العربية، وأجوبة ورسائل، ومما صنفه: كتاب ~~(أنوار اليقين في شرح فضائل أمير المؤمنين)، فإنه من أبلغ المصنفات في هذا ~~الشأن، وهو شرح على منظومة له ذكر فيها أشياء عجيبة، ومناقب جمة دالة على ~~تقدم علي -عليه السلام- وأولويته بالخلافة على من تقدمه، وأسلوبه في (أنوار ~~اليقين) يميل إلى ما يسترجحه المرتضى والرضي الموسويان، وغيرهما من الأشراف ~~الحسينيين [من] أن الخطأ من المتقدمين على علي -عليه السلام- كان كبيرة، ~~وأن النص على إمامته صريح، وقد قال بذلك جماعة من أوائل الزيدية، فقد تقدمت ~~الإشارة إليهم في أول هذا الشرح، فأما أهل زماننا هذا وأكثر قدماء الزيدية ~~فيقولون: إن الدليل على إمامته -عليه السلام- خفي يحتاج إلى تأمل ونظر، ~~وكانت دعوة هذا الإمام الحسن بعد أن استشهد الإمام المهدي أحمد بن الحسين ~~-عليه السلام-، وبعد أن دعا الحسن بن وهاس أيضا؛ لأن المهدي -عليه السلام- ~~استشهد في صفر من سنة ست وخمسين وستمائة، ودعا ابن وهاس في ربيع من هذه ~~السنة، ودعا الإمام الحسن يوم خامس وعشرين من شهر شوال سنة سبع وخمسين ~~وستمائة، ودعا وهو ابن إحدى وستين سنة، وظاهر الكلام أنه قد كان بايع ابن ~~وهاس ثم عارضه، لأني وقفت على جواب لأخيه الأمير الحسين بن محمد PageV02P215 على ابن وهاس وشيعته، قال فيه: فإن قيل: فإن الإمام المنصور الحسن بن محمد ~~قد بايع ابن وهاس، ثم أبطل إمامته، وادعى الإمامة لنفسه، فالجواب: إنا قبل ~~ذلك نتكلم في بطلان إمامة ابن وهاس، وفي بيعة المنصور له، وفيما ادعوه من ~~قوله فيه: حسن بن وهاس يصلح للإمامة، واعتراضهم في دعوته [في خلال ذلك]، ~~فأما بطلان إمامة ابن وهاس، فالأصل في دماء المسلمين ms328 وأموالهم الحظر عقلا ~~وشرعا، وقد علمنا ومن جرى مجرانا أن ابن وهاس ثلم ورعه قتله للمهدي بغيا؛ ~~لأن المعلوم أنه حين عزم أصحابه على حرب المهدي -عليه السلام- لبس عدته ~~وركب وصف مع أصحابه، وقد قال النبي : ((من كثر سواد قوم فهو منهم))، ولما ~~عدل المهدي عن الحرب وأراد أن ينزل حالوا بينه وبين النزول وحاربوه، فلما ~~قتل نزل ابن وهاس عن جواده ووقف بين الصفين وصلى ركعتين، قال الأمير ~~الحسين: وقد قال وأنا أسمع: أنا قتلت هذا الشريف ولا أكتم، وقال في كتابه ~~إلى العلماء: ومن لكم بإمام كان على يديه قتل من رقى إلى الخلافة، قال: فقد ~~سقط ورعه إجماعا ما لم يتب، قال الله تعالى: {ويقتلون الذين يأمرون بالقسط ~~من الناس فبشرهم بعذاب أليم}[آل عمران:21]، والمهدي كان ممن يأمر بالقسط، ~~وقد عطف تعالى قتل الآمرين بالقسط على الكفر، وعلى قتل النبيين، فدل على أن ~~كل واحدة [منهن] محبطة للعمل لولاه لما عطفهن، وقد احتج بعض العلماء على أن ~~قتل الإمام كفر، بما جاء في التفسير: أن النفس إمام الحق، في قوله تعالى: ~~{أنه من قتل نفسا بغير نفس أو PageV02P216 فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا}[المائدة:32]، لأن فيهم الأنبياء، ~~وقتلهم كفر بيقين، [وبه] قال البستي، وأما السنة قوله : ((لا يزال المرء في ~~فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما )) ولو لم يكن المهدي إماما فهو من ذرية ~~النبي ، وقد قال فيهم: ((وقدموهم... الخبر حتى قال: ولا تشتموهم فتكفروا )) ~~قال الإمام المنصور [بالله] عبد الله بن حمزة: فقضى بالضلال على من خالفنا، ~~والكفر على من شتمنا، وقد قال : ((حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وقاتلهم ~~والمعين عليهم ومن سبهم)). # قال المنصور بالله عليه السلام : أتدري من المعين عليهم؟ ألا إنه الخاذل ~~لهم، قال: ومن المعلوم أن من آذى الرجل في بهائمه يكون من أعدائه، فكيف من ~~آذى أولاده؟! # قال الأمير الحسين: وهذه صفة ابن وهاس، فإنه دعا إلى قتال المهدي وكثر ~~سواد قاتليه وأعانهم، وقد قال علي ms329 -عليه السلام- في قتيل: (لو تمالأ على ~~قتله أهل صنعاء لقتلتهم به )، ولم ينكر عليه الصحابة. # قال: وقد تمالأ الحمزيون على قتل المهدي -عليه السلام-. # وأما الإجماع فظاهر في تحريم دماء المسلمين وأموالهم إلا بحقها، فلا أصل ~~لإمامته، وقد فعل هذه الكبيرة، وسار في مدة ولايته أقبح سيرة. # وأما بيعة الحسن بن محمد [له]. PageV02P217 # فجوابه: أن البيعة لا تدل على الإمامة، بايع علي -عليه السلام- ثلاث بيعات ~~لغير إمام خشية انشقاق العصا، قال تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين ~~أولياء من دون المؤمنين }[آل عمران:28] إلى أن قال : {إلا أن تتقوا منهم ~~تقاة }[آل عمران:28]، فإذا جاز ما ظاهره الموالاة تقية، فالبيعة أجوز، ولا ~~سيما مع عدم الناصر، دليله أن العباس عرض البيعة على علي [-عليه السلام-] ~~فقال: (لو كان حمزة حيا وجعفر لفعلت)، وللإكراه عليها ممن يخشى سيفه وسنانه ~~قال تعالى: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ] }[النحل:106]، وأيضا فإنه ~~إذا كان تحت رجل ممن يمونه نفوس كثيرة، ولا يجد لهم قوتا إلا من بلد فيها ~~منتصب للإمامة ولا يصلح لها، ولا يمكن الرجل شراء الأقوات إلا بالبيعة ~~للمنتصب جازت، ويدخل تحت قوله تعالى: {إلا أن تتقوا منهم تقاة }[آل ~~عمران:28]، وأيضا فإنها تجوز البيعة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~ولو لكافر، وأما قولكم: هل عقل أو شرع يبيح أن يتخذ ابن المعثور خاصة له؟ # فجوابه: أنا نقول: نعم، فالعقل قد أباح أن ينتصر الإنسان بمحق أو مبطل. # وأما الشرع: فإن الله تعالى ألزم الناس كافة فرض الجهاد كما تدل عليه ~~الظواهر، فتجوز الإعانة بمن استعانه، لاسيما مع إظهار التوبة، وقد استعان ~~النبي يوم حنين بالكفار، وتقوى بالمنافقين. # وأما قولكم: ليس معه درهم حلال ولا مد. PageV02P218 # فجوابه: إن ذلك منكم تحكم، فقد علمنا أن له شيئا من الزراعات والتجارات، ~~وقد أخرج زكاة ثمرة واحدة مائة وخمسين مدا من ألف وخمسمائة مد، ثم إنه صرف ~~كل ماله مرارا من حصن وغيره إلى نائب الإمام المهدي، ثم وهبها له المهدي، ~~وقد أعطانا منها ms330 ما أعطى، ومكننا من الباقي، وقال: أنفقوها في سبيل الله، ~~فإن تمكنتم فضموني، ثم ما وجه سبكم له وكلامكم [عليه]، وقد أحسن إلى كثير ~~منكم، وأطعم الطعام من لاذ به في الشدة كل يوم ستمائة نفس فدون، وأسلف من ~~يليه من ميتك، وبني شاور حبا بحب، وباع على سعر واحد وكان يشترى منه، ثم ~~يباع حينئذ بزيادة الثلثين، ورهائنكم عنده وغيرها، فجازيتموه بإحسانه سبا، ~~ثم يقال: إن أموال كباركم كسبت بحلال وحرام، ولهذا ترك حسن بن وهاس الأكل ~~من مال أبيه. # وروي أن منكم من أكره الناس على بيع أموالهم منه، حتى أن بائعا رأى جربة ~~باعها مكرها قد أصعفت فسقط ميتا، ولإنا استنصرنا به وقد تاب، وأنتم ~~تستنصرون بأهل الطنبور والرباب، وإذا وقع تمكين كتب إمامكم: {نصر من الله ~~وفتح قريب وبشر المؤمنين }[الصف:13]، والله يقول: {لا يتخذ المؤمنون ~~الكافرين أولياء من دون المؤمنين}[آل عمران:28]. PageV02P219 # وأما قولهم: إن الإمام الحسن قال: إن ابن وهاس يصلح للإمامة، فقد تعرض ~~للإنسان شبهة فيعمل على صحتها زمانا، ثم ينظر فيها على الوجه الصحيح، فيقع ~~العلم [له] ببطلانها، على أنا لا نشترط عصمة غير علي -عليه السلام- وابنيه، ~~ثم إنا نقول: إن ابن وهاس قد قال بإمامة المهدي زمانا، وأسر في نصرته كرتين: # كرة باليمن، وكرة بصعدة، وكان يلزم الناس مناصرته، ثم جمع عليه الأشقياء، ~~فقتلوه شر قتلة، ومثلوا به أشنع مثلة، فما كان عذركم فهو عذره. # فأما دعاؤه بعد ابن وهاس فما فيه خطأ ولا زلل؛ لأن إمامة ابن وهاس منهدمة ~~الأساس، والخروج عليه جائز، بل واجب؛ لأنه شق عصا الإسلام، وفرق جمع ~~المسلمين، وقد قال : ((من شق عصا المسلمين فقد خلع ربقه الإسلام من ~~عنقه))، وقال : ((إذا خرج خارج يريد أن يشق عصا المسلمين وتفريق جمعهم ~~فاقتلوه)).وما استثنى أحدا. # ومن جواب آخر للأمير شرف الدين الحسين على شيعة ابن وهاس. # وأما قولكم: إن في بلاد خولان وفي التهائم مناكير، فلو كان قيامكم لله ~~لبدأتم بإزالتها. PageV02P220 # فجوابه: أنه إذا ثبت حصول المنكر في ms331 جهاتكم وغيرها، فإزالة المنكر واجبة مع ~~الإمكان، والمنكر لها مثاب، ثم نقول: حرب البغاة أفضل من حرب الكفار؛ لأن ~~البغاة في دار الهجرة وتنزيهها أولى من ديار الكفر، وقد ذكر المرتضى ~~والمؤيد والمنصور بالله، والسيد عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن ~~الحسن في كتابه إلى المأمون، وقد روي عن إمامكم ابن وهاس هذا مثله، وتحريضه ~~للناس على قتال أصحابه الحمزيين المحاربين للإمام المهدي، وقد جرى في وقتكم ~~هذا ما يوجب البداية بحربكم، وأما إلزامكم بثبوت إمامة صاحبكم عنده بإقراره ~~بالبيعة، فمجرد البيعة لا تدل على صحة الإمامة؛ لأنها تجوز لأمور. # قال الأمير الحسين: وصورة بيعتي لابن وهاس أني قلت: أشترط عليك شروطا: ~~[العمل] بالكتاب والسنة، ولا يأخذ بنو حمزة أحدا بأغراضهم، وأن يفعل ما يجب ~~على السابق للمسبوق، وأن يفعل ما يجب على المسبوق للسابق، فلم تمض ثلاثة ~~أيام حتى نقض ما شرط. # قال الأمير الحسين: ثم إنه ما يقول بإمامة إمامكم إلا شريك في قتل المهدي ~~كابن فلان وابن فلان، وإلا فأهل الشام لا يخرج منهم غير عطية، ثم هلم جرا ~~إلى مكة والمدينة، وهكذا علماء اليمن كافة، بل يقضون بسقوط عدالتكم. # قال الأمير الحسين: وأما قولكم: بايعنا لابن وهاس فاحتج الناس بنا. # فالجواب: أن من بايعه على ما ذكرنا، وأما أنا دعونا الناس، فهم يعلمون ~~أنا فارقناهم من صعدة، ما دعونا أحدا إلى إمامته، ولم تقم في جهاتنا جمعة ~~منذ قام حتى قام [الإمام] المنصور الحسن بن محمد. PageV02P221 # وأما قولكم: إمامكم يدعونا إلى المراجعة، فنحن قد دعوناه فلم يجب، وكيف ~~إمامة من لم يحجزه ورع عن المحرمات، وبلغني أنكم تقولون: إن الحسين بن محمد ~~لا يقول بإمامة أخيه الحسن بن محمد، ولهذا توقف عن نصرته، ولو صح قولكم ~~لأظهرته للناس، والذي أرويه لمن بلغه كتابي هذا والله على ما أقول وكيل ~~وشهيد: إني أعتقد صحة إمامته بالدليل، وأنا أعرض من نفسي المناظرة على صحة ~~إمامته، وبطلان إمامة ابن وهاس، ولولا المرض الحاصل، والعذر الذي ms332 يعرفه [من ~~عرف حالي]، لما تخلفت عن الخروج معه، فقد خرجت معه الكرة الأولى، حتى بلغت ~~حيدان، وعلى كل حال فأنا أنصره بما أستطيع، وقد قال الصادق جعفر بن محمد ~~-عليه السلام-: قائمنا لقاعدنا، وقاعدنا لقائمنا، ولو خرجنا جميعا لقتلنا ~~جميعا، ولو قتلنا لباد الدين، وبطل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، هكذا ~~رواه عنه العلماء. انتهى. # وهذه أبيات حسنة من شعر الإمام الحسن، وهي: # إن الأمور إذا اشتدت مواقعها %~% فإن شدتها تدني إلى الفرج # أما نظرت إلى ما قيل في حكم %~% وكلما امتحنت ذا فطنة حجج # من النبوة شدي أزم تنفرجي %~% فما عليه إذا ماغم من حرج # وكل من سدت الدنيا مذاهبه %~% فاصبر عليها ولو سارت على المهج # لكنها حكم يقضي الحكيم بها %~% إلا وكانت له في الدهر كالسرج # إن الشدائد ما مرت على رجل %~% كانت له حججا ناهيك من حجج # وكانت وفاته -عليه السلام- سنة خمس وسبعين وستمائة في هجرة تاج الدين ~~برغافة، وقبره الشامي من الثلاثة القبور التي في المسجد. PageV02P222 # قال حي السيد العلامة صلاح بن الجلال : وأظن أن عمره يقارب الثمانين. # تنبيه: قد عرض في أثناء ما تقدم ذكر الأمير شرف الدين الحسين بن محمد بن ~~بدر الدين، وذكر ابن وهاس، وذكر ابن المعثور، فلتقع الإشارة إلى ذكر طرف من ~~شأن كل واحد على وجه الاختصار، وكذلك نذكر ثلاث فوائد: PageV02P223 ### | [ذكر الأمير الحسين بن بدر الدين محمد - رضي الله عنه-] # الفائدة الأولى: في ذكر الأمير الحسين بن محمد، فهو من أعلام العترة ~~الميامين، ومن علمائهم المبرزين، وعلمه أكثر من أن يوصف، ومعرفته أشهر من ~~أن تعرف، فله من التصانيف ما يدل على علمه الغزير، حتى قيل: إنه أبو طالب ~~وقته، صنف في الفقه كتاب (المدخل)، وكتاب (الذريعة)، و(التقرير)، ستة ~~أجزاء، و(شفاء الأوام) أربعة أجزاء، مات وما قد كمل، وكمله الأمير صلاح بن ~~الإمام إبراهيم بن تاج الدين، وللأمير الحسين في أصول الدين كتاب، وأما ~~الرسائل والأجوبة فكثيرة منطوية على علم غزير، وله (ثمرة الأذكار في أحكام ~~حرب البغاة ms333 والكفار)، كانت وفاته بعد قيام أخيه، وذلك إما في سنة اثنتين أو ~~ثلاث وستين وستمائة، وعمره نيف وستون سنة. PageV02P224 ### | [ذكر الحسن بن وهاس] # الفائدة الثانية: في ذكر وفاة ابن وهاس بن أبي وهاس بن محمد بن حسين بن ~~حمزة بن أبي هاشم الحسن بن عبد الرحمن، وهو النفس الزكية، وقد تقدم طرف من ~~ذكر النفس الزكية في تدريج نسبه إلى علي -عليه السلام-، وقد تقدم أيضا طرف ~~من أحوال ابن وهاس هذا، في موضع من ذكر سيرة المهدي أحمد بن الحسين، وأنه ~~عارضه وناصبه، وما آل إليه أمره من بيعة أولاد المنصور وغيرهم له، حتى توفي ~~[في سنة] [بياض في المخطوطة أص 199]. PageV02P225 ### | [ذكر ابن المعثور] # [الفائدة الثالثة] : وأما ابن المعثور فهو: الذي بنى حصن عفار وغيره، ~~وحصن عفار هذا مشهور في نواحي الغرب قريب من ميتك، وقد تقدم أن أناسا ~~اعترضوا على الإمام الحسن بن بدر الدين بانضوائه إليه لزعمهم أنه من جملة ~~الظلمة، وقد وقعت أنا على شعر للأمير عز الدين بن شمس الدين بن الإمام ~~المنصور بالله يرد في هذا الشعر على الإمام الحسن المذكور، فقال من جملته: # لمال ابن المعثور كان هذا %~% وللأحداث ما جمع الغبي # مضى لاغارة شبت بثغر %~% ولاكسر القنا أنف حمي # ولكن النساء سمن فيه %~% وزينها الغلائل والحلي # فأجابه الأمير المهدي بن تاج الدين بقصيدة طويلة قال فيها: # ومال ابن المعثور كان فيه %~% لنا في حربكم غرض سني # ولم يبذله سيف الدين إلا %~% لنصر الدين وهو الأريحي # ومهما قيل أقصر عن عطاء %~% أتى منه العطاء البرمكي # ومن هذه القصيدة يشير فيها إلى أنهم قتلوا يحيى بن الإمام أحمد بن سليمان ~~وولده، وغيرهما من بني الهادي -عليه السلام-: # قتلتم فارس الفرسان يحيى %~% ويحيى قد علمت القسوري # وصفوته علي قتلتموه %~% وصفوة جعفر دمه طري # ثلاثة أنجم زهر أبوهم %~% إذا عد الفخار مطهري # وذكر أبياتا بعد هذه الأبيات فيها طرف شتم، وأنا أكره حكايات الشتم الذي ~~يجري بين العترة المطهرين؛ لمحبتي لهم أجمعين، وبتمام الكلام على سيرة ms334 ~~[الإمام] الحسن بن بدر الدين يقع الشروع في ذكر طرف من أحوال ابن تاج الدين. PageV02P226 ### | [أخبار الإمام إبراهيم بن تاج الدين - عليه السلام-] # وفي ابن تاج الهدى المهدي قد حكمت %~% في يوم أفق بما يهوى أبو عمر # وخانه من إليه كان مرتكنا %~% حتى المظفر منه فاز بالظفر # المراد بالمذكور هنا هو: الإمام الأسير، ذو الوجه المنير، والعلم الغزير، ~~المهدي لدين الله: إبراهيم بن تاج الدين أحمد بن بدر الدين محمد بن أحمد بن ~~يحيى بن يحيى، كان قيامه بعد موت عمه الحسن بن بدر الدين، أول يوم من ذي ~~الحجة سنة سبعين وستمائة سنة للهجرة، وانتظم له الأمر بعض الانتظام، وبايعه ~~علماء وقته من أهل البيت و[من] غيرهم. # قالوا: واعترض له الفقيه ابن البناء من أهل الظاهر وسكان ظفار، وجاهره ~~بما يسوءه من القدح والذم والوقيعة في العرض، فحلم عنه الإمام -عليه ~~السلام-، والقصة مشهورة في (كاشفة الغمة) لحي السيد العلامة الهادي بن ~~إبراهيم بن المرتضى، ثم اعترضه أيضا جماعة من شيعة الظاهر، فتولى جواب ~~الاعتراض الأمير الصدر العلامة المؤيد بن أحمد، وكان قائلا به ومعظما له. PageV02P227 # قالوا: ولما توفي الإمام بتعز كما سيأتي أوصى إلى المؤيد المذكور، وكان من ~~جملة وصيته: (يا مؤيداه، يا مؤيداه)، فلما بلغ ذلك [الأمير] شمر عن ساق ~~الاجتهاد، وخلص الإمام عما أوصاه به ونفذ وصيته، هكذا حكاه [حي] السيد ~~العلامة الهادي بن إبراهيم في (كاشفة الغمة)، وقد أخبرني بمعنى ذلك مشافهة ~~مولانا أمير المؤمنين عز الدين بن الحسن بن أمير المؤمنين، وزاد بعد لفظه: ~~يا مؤيداه، [يا مؤيداه]، يا مطهراه، يا مطهراه)، يعني بذلك الإمام المطهر ~~بن يحيى -عليه السلام-، ولم يزل -عليه السلام- قائما بأمر الله أحسن قيام، ~~حتى أسره السلطان المظفر يوسف بن عمر بن علي بن رسول (التركماني) [في] يوم ~~الجمعة في نصف شهر جمادى الأولى من سنة أربع وسبعين وستمائة في أفق من ~~مغارب ذمار، على نحو فرسخين أو ثلاثة؛ لأنه لما انهزم عسكره هناك، ونهبت ~~محطته بما فيها، وكان الذي ms335 تقدم لحربه أمير يقال له: الشعبي في جماعة من ~~الغز فأحاطوا بالإمام في أفق، وتبعهم السلطان في عساكر كثيرة، فانهزم عسكر ~~الإمام كما تقدم، فثبت الإمام، وثبت معه بعض الأشراف ثباتا حسنا، وكان جل ~~عسكره أخواله الأشراف بنو سليمان بن موسى الحمزيين، فبذل لهم السلطان مالا ~~جزيلا، فيقال: إنهم خدعوا الإمام وخذلوه حتى أسر، والوقعة مشهورة، ومات ~~-عليه السلام- في سجن السلطان بتعز، وقبره هناك مشهور مزور؛ لأنه توفي هناك ~~في شهر صفر سنة ثلاث وثمانين وستمائة سنة، وله عقب، وأمه زينب بنت الإمام ~~المنصور بالله -عليه السلام-، وقد قيل: إن الذين خدعوه وعناهم بشعره الآتي ~~ذكره هم أخواله إخوة أمه، PageV02P228 والله اعلم أي ذلك كان، وهذا الشعر يصف فيه الوقعة التي أسر فيها، ويذكر ما ~~كان منه ومن عسكره، وخديعة من خدعه من أعوانه قال -عليه السلام-: # نوائب الدهر في أفعالها العجب %~% والحرب لفظ ومعنى لفظه الحرب # والدهر إن سر يوما في تصرفه %~% فعن قليل إذا ما سر ينقلب # وقد رمتني صروف الدهر عن كثب %~% بأسهم ماضيات عندها العطب # فلم تجدني جبانا عند تطرقني %~% ولا جزوعا لدى البأساء أنتحب # بل صادفتني قوي القلب إن طحنت %~% رحى الهياج فإني للرحى قطب # ورب يوم تغيب الشمس قسطلة %~% فتظلم الشمس حتى يتضي القضب # صبرت فيه على البأساء محتسبا %~% لله إذ كان مثلي فيه يحتسب # كيوم حدة والأبطال عابسة %~% من الهزاهز والشعبي مضطرب # حتى إذا خان بعض الأهل موثقه %~% وغره فضة السلطان والذهب # أبدى شقاقا وأخفى منه معظمة %~% وجاءنا الغدر لا من حيث نحتسب # فملت بالكره لا جبنا ولا جزعا %~% إلا لإحياء ما جاءت به الكتب # كيوم أفق وقد جاء المظفر في %~% عساكر جلها الأتراك والعرب # فلم أحم عن لقاء الأسد إذ نزلوا %~% ولا هربت مع الأبطال إذ هربوا # بل صلت فيه على الآساد منتضيا %~% عزما كعزم هزبر الغيل إذ يثب # وتحت سرجي وقاح حين أحفزها %~% تخالها كوكبا في الجو ينقضب # فما أطاقوا لقائي إذ دلفت لهم %~% بعاسل كرشاء البئر يضطرب # حتى إذا صرت ms336 مشغولا بجمعهم %~% وجاء من خلف ظهري عسكر لجب PageV02P229 نالوا بأيديهم رمحي على غرر %~% فأمسكوه وسيفي بعده جذبوا # ولم أجد عنهم مثنى ومتسعا %~% فأحفز الطرف عنهم ثم أنقلب # لكنهم رصدوا لي كل ناحية %~% فحين خف اشتغالي عنهم وثبوا # ولو يكون قتال القوم من جهة %~% لكان للخلق في أفعالي العجب # فإن غلبت فما هذا بمبتدع %~% فكم بهاليل غلابون قد غلبوا # وبعد ذلك جاءوا بي إلى ملك %~% له المفاخر والعلياء مكتسب # أبو الهزبر نقي العرض من دنس %~% وباذل المال لا زور ولا كذب # فكان منه من الإحسان ما شهدت %~% بفضله فيه عجم الناس والعرب # فمن يبلغ عني كل من سكنت %~% قلبي محبته أو بيننا نسب # أني على خفض عيش في منازله %~% لا يسكن الضيم في قلبي ولا التعب # فليشكروه فإني اليوم شاكره %~% سرا وجهرا وهذا دون ما يجب # وقال -عليه السلام- وهو في حبس المظفر، وكتب بها إلى بعض القضاة آل أبي ~~النجم إلى صعدة، ما لفظه: # لآل أبي النجم الكرام مكارم %~% تحل محل النيرات الثواقب # لهم عادة بذل النوال إذا سطت %~% يد الدهر وانسدت وجوه المطالب # ونشر فنون العلم في كل مشهد %~% إليهم له تحدو قلاص الركائب # وإخلاص دين للإله وعفة %~% وفعل وقول صادق غير كاذب # حتى قال: # وإني إليكم للمظفر شاكر %~% عفا وحباني بعده بالمواهب # فكل هوى أهواه غير مؤجل %~% من الدين والدنيا وكل مطالب # سوى رؤية الأحباب والعذر بين %~% له ما جرى من أسرتي وأقاربي # هم رهنوا أولادهم وبناتهم %~% وقاموا عليه بعد قومة غاضب PageV02P230 فلا لوم إن أمسى بنا غير واثق %~% ولا عتب في هذا عليه لعاتب # وإن كنت عن قومي وأهلي بمعزل %~% ولست إلى ما يذهبون بذاهب # ولكن قد قدمت كل إساءة %~% إليه لتصديق الظنون الكواذب # فقاس أموري كلها بأمورهم %~% كما كنت فيما سرهم غير راغب # وظن مقالي في التصنع مثلما %~% يقولون لا والله رب الأعارب # ودمتم بخير ما ترنم طائر %~% وما لاح برق في متون السحائب # وله وهو في الحبس أيضا يرثي القاضي إسماعيل بن عبد الله بن أبي ms337 النجم، ~~وقد استشهد معه: # خطب ألم فأنساني الخطوب معا %~% وصير القلب في أشغافه قطعا # وهاض مني القوى حتى غدوت أخا %~% عجز وقد كنت للأعباء مضطلعا # فصرت أظهر صبرا إذ شعرت به %~% تجملا وفؤادي مبطن جزعا # وذاك قتل شجاع الدين أحمد من %~% أمسى لكل خصال الفضل قدجمعا # حاز السماحة والعلياء من قدم %~% والحلم والعلم والإقدام والورعا # ذو همة لم تزل قعساء سامية %~% لو ضمها صدر هذا الدهر [ما] اتسعا # وعزمة مثل حد السيف ماضية %~% لو لاقت الصخر يوما لان وانصدعا # إن عد أهل السخاء فهو السخي بما %~% تحوي يداه لنا ما باخل منعا # أو عد أهل الهياج المسعرين لها %~% فهو الذي بلبان الحرب قد رضعا # وقتل قاضي أمير المؤمنين صلاح %~% الدين من لم يزل للحق متبعا # سمح اليدين كريم الوالدين له %~% كف يفرق في العافين ما جمعا # من لم يزل لجميع الخلق معتصما %~% عند الخطوب وللعافين منتجعا # الصاحب الثقة المأمون جانبه %~% والحافظ الود إن دانى وإن شسعا PageV02P231 وقتل نجل سعيد صارمي بيدي %~% إذا نبا السيف واستعملته قطعا # كان الهزبر إذا ما الحرب مسعرة %~% ولم يكن عندها نكسا ولا ورعا # لهفي عليهم جميعا لو شهدتهم %~% لكنت أول من نحو الحمام سعا # وإنما الكل في بحر يعوم به %~% من البلاء وطير الموت قد وقعا # ولم يولوا ولا وليت منهزما %~% وكلهم ذاق من كأس الردى جرعا # ولم أضن بنفسي من مصادمة %~% الموت الزؤام ولكن القضا دفعا # بل قد رميت بها في جحفل لجب %~% وبالجواد ولم أضمر بها فزعا # فذدتهم عن دخول الباب إذ عزموا %~% عن الدخول فكل منهم رجعا # حتى إذا جاء من خلفي ومن قبلي %~% عساكر تحمل الأنصاف والقطعا # فأمسكوا الرمح من خلفي مغادرة %~% والسيف قد أمسكوه والجواد معا # وكنت في موضع مستعصب حرج %~% لم ألق فيه لسعي الطرف متسعا # لم تبق لي حيلة في الدفع عن أحد %~% منهم وألقيت فوق الأرض منصرعا # ثم انتهيت إلى سوح به ملك %~% يحل بيتا من العلياء مرتفعا # فجاد بالعفو والإحسان شيمته %~% وكان للخير والمعروف مصطنعا # إني ms338 أقول ونار الحزن في كبدي %~% سقيا ورعيا لعهد منهم ولعا # ورحمة الله لا تفنى مكررة %~% عليهم ما خفى برق وما لمعا # هذا عزائي لكل المسلمين فمن %~% يبلغه عني فربي حاطه ورعا # ثم الصلاة على المختار من مضر %~% وآله السادة المحيين ما شرعا PageV02P232 وهذا جواب الأمير الكبير شرف الدين الحسن بن يحيى الأشل الهدوي أحببت ذكره ~~هنا؛ لما تضمنه من حال تعظيم الإمام إبراهيم بن تاج الدين، ووصف طرف مما ~~جرى له في الوقعة؛ لأن جميع ذلك لا يخلوا من فائدة عائدة، ونكتة زائدة: # نظم ألم فهاج الوجد والجزعا %~% وجرع النفس من ماء الأسى جرعا # جاءت به نحونا الركبان قاصدة %~% بمثله ما روى راو ولا سمعا # أهدي إلي فطارت مهجتي فرحا %~% شوقا إلى صاحب (الملقى) وما سجعا # فقلت أهلا وسهلا بالنظام ومن %~% أهدى النظام ومن أنشاه وابتدعا # حتى تبينت معناه ومعرضه %~% فكادت النفس تقضي نحبها جزعا # وخامر الجسم من تلقائه ألم %~% حقا وانسار في أحشائه وجعا # وجاش جيش الأسى في القلب وافترق ال %~% صبر الجميل وكان الصبر مجتمعا # وفارق النوم طرفا كان يألفه %~% وصد صدا مبينا عنه وامتنعا # وكلما بعث التذكار لي شجنا %~% أورى الحرارات والأحزان والولعا # وعمت في بحر شوق ماله أمد %~% ما قلت تخفض لي أمواجه رفعا # وصرت في حيرة مما أكابده %~% كأنني قد سقيت الصاب والسلعا # ألقى من الأمر ما لا أستطيع فلو %~% يكون ما بي بصخر لان وانصدعا # من أجل ما نال مولانا وسيدنا %~% الألمعي الأبي الطاهر الورعا # العالم العلم المحمود من علقت %~% به الأماني والآمال مذ رضعا # محض الشمائل لا يرضى بمنقصة %~% ولا يرى أبدا في عرضه طبعا # إمام حق دليل الخير قائده %~% على الشريعة إن أعطى وإن منعا PageV02P233 إنا لنعرف فيه كل مكرمة %~% تؤد كل كريم الخيم مذ يفعا # علما وحلما وعقلا راسخا وندا %~% وربط جأش إذا داعي الحروب دعا # وإن طغى الحرب لاقاه بعزمة ذي %~% بأس يرد جماح الخطب مختضعا # أو شد دهر على أهليه فرجه %~% وكان منتجعا رحبا لمن نجعا # أو ضاق أمر ms339 فلم تعرف مسالكه %~% أنحى عليه صليب الرأي فاتسعا # أو عز أمر جسيم فاستغثت به %~% يوما لغمته أو دفعه دفعا # وإن طرت بين أهل العلم مشكلة %~% جلى وبين معناها لمن سمعا # مهذب نبوي ماجد نجد %~% مقدم علوي طار أو وقعا # سمت به همة في المجد عالية %~% فطاب مرأى على الدنيا ومستمعا # مولاي، مولاي حقا لا أفوه بها %~% زورا ولا ملقا يوما ولا طمعا # يادرة التاج، بابن التاج من شهدت %~% بفضله فضلاء العالمين معا # عز علي الذي أصبحت فيه ولا %~% أستطيع دفعا ولا ألقى له شفعا # لو كان يقبل مني الروح جدت به %~% والآل والمال لا ألقى بذا ضرعا # ولا أراجع حسا في الرجوع إذا %~% ذو فدية حاد يوم السؤم أو رجعا # أما الأسار فأمر لا يعاب فلو %~% رمت الفرار وجدت النهج متسعا # لكن عملت بما جاء الكتاب به %~% حقا وأحييت ما أحيا وما شرعا # فجدت بالنفس يوم الروع محتسبا %~% في (أفق)لم تهب الأنصاف والقطعا # فدافع الله عنك الشر تكرمة %~% ولا فوات لأمر منه قد دفعا # وكان من لطف ربي أن أسرت إلى %~% من لم يزل للخصال الغر متبعا PageV02P234 الفاضل الكامل المحمود شيمته %~% الأوحد الأكرم الوهاب ما جمعا # ما زال يولي ذوي الآمال منه ندا %~% جما ومازال للإحسان مدرعا # من آل غسان أرباب الملوك فلو %~% تلقى إليه أمور الناس لاتسعا # إن قسته بملوك الأرض فاقهم %~% فضلا وكانوا لأدنى فضله تبعا # أولاك ما كان من عفو ومن كرم %~% تقبل الله ما أولى وما صنعا # سارت بذاك له في الأرض مكرمة %~% ومفخر ما بدا نجم وما طلعا # وتركت من وسطها أبياتا ميلا إلى الاختصار، وجئت بآخرها رعاية لحق العترة ~~الأطهار، قال: # هذا جوابي لمن قد قال مخترعا %~% خطب ألم فأنساني الخطوب معا # فمن يبلغ نظمي نحو صاحبه %~% أعزه الله قاضي حاجة ورعى # وحاطه وتولاه وكان له %~% محمد المصطفى من أفضل الشفعا # صلى عليه إله العرش ما طلعت %~% شمس ومهما خفى برق وما لمعا # ويتلوها جواب على وزنها لبعض أهل ذلك الوقت: # أهلا بطرس علينا ms340 نوره طلعا %~% نظما ونثرا بطرس واحد جمعا # من أفضل الناس من عرب ومن عجم %~% وخير داع إلى الدين الحنيف دعا # خليفة الله من أحيا لنا سننا %~% ومن أمات لدينا سعيه بدعا # مهذبا نجل تاج الدين أشرف من %~% أقنى وأفنى ومن أعطى ومن منعا # الباسط الكف للعافين باذله %~% إذا السحائب ضنت جاد واندفعا # كهف الطريد إمام العصر سيدنا %~% أعز من بالهدى والحق قد صدعا # رثى رجالا أصيبوا فالقلوب على %~% ما نالهم ذهبت من أجله قطعا PageV02P235 باعوا من الله أرواحا فأسكنهم %~% في الخلد أشرفها مرأى ومستمعا # سلوا السيوف ولم يخشوا ولا وهنوا %~% في حومة الموت لا هول ولا فزعا # فكل عين عليهم أمطرت ديما %~% وكل نفس عليهم أشربت جزعا # مالي وللدهر ما تنفك نائبة %~% منه تنوب فهلا ارتد واندفعا # وفي سلالة مولانا لنا عوض %~% عمن مضى إن تناسى الدهر أو قرعا # وهكذا الحرب مازال الكمي بها %~% يغشى المهالك صراعا ومنصرعا # جاءت إليك من الرحمن عارفة %~% كستك أمنا وثوب الأمن قد رفعا # لله ملك أفاد المسلمين معا %~% بعفوه عنك مجد طال وارتفعا # أبو الهزبر الذي في ظل دولته %~% أضحى نطاق العلا والفخر متسعا # خير الملوك وأعلاهم وأحسنهم %~% تصرفا في الورى إن ضر أو نفعا # يا ليت شعري والأوهام طامحة %~% تساور اليأس والآمال والطمعا # هل نشتفي من أمير المؤمنين ولو %~% بنظرة تذهب الأوصاب والوجعا # للدين عبرة وجد قط ما رقأت %~% وللمكارم طرف قط ما هجعا # وبارق للندى ما انفك مؤتلقا %~% فمذ أسرت خفى نور وما طلعا # عليك منا سلام الله ما ودقت %~% وطف وما انهل شؤبوب وما همعا PageV02P236 ### || تنبيه في ذكر تاج الدين والد الإمام [إبراهيم] : # كان من سادات العترة وعلماء الأسرة، إذ كان من المجاهدين في سبيل الله، ~~والبائعين أنفسهم من الله، له كرا مات مشهورة، وله تصانيف في أصول الدين، ~~وتولى للمنصور بالله عبد الله حمزة بصعدة بعد أخيه مجد الدين إلى أن مات ~~الإمام المنصور، ثم تولاها بعده لأولاد المنصور، ثم مات في رمضان من سنة ~~أربع وأربعين وستمائة، وقبره بمسجد ms341 الهادي بصعدة. # قلت: ومن فضائل الإمام إبراهيم أنه ولد تاج الدين هذا، وأن جده بدر ~~الدين، وعمه الأمير الكبير شرف الدين الحسين بن محمد، وعمه الثاني الإمام ~~الحسن بن بدر الدين. PageV02P237 ### | [ذكر الأمير مجد الدين يحيى بن محمد] # وعمه الثالث الأمير الشهير الشهيد مجد الدين يحيى بن محمد، فإنه بلغ في ~~العلم مع صغر سنه و[في] الجهاد مبلغا [عظيما] لم يبلغه غيره، و[قد] كان ~~يصلح للإمامة، فإن المنصور [بالله] عبد الله بن حمزة سئل في مرضه من يصلح ~~[للإمامة] بعدك؟ فقال: الأمير مجد الدين - أيده الله -، وقد بقي عليه شيء ~~من علوم القرآن والأصول أصول الفقه، فإن تمكنت بسطته في ذلك، فالله ييسره ~~كمل واستحق فيما نعلمه، والتوفيق بيد الله تعالى، [و] استشهد في دولة ~~المنصور، وعمره ثمان وعشرون سنة، وقبره في الخموس مشهور مزور، وعم أبيه ~~الأمير الكبير شمس الدين يحيى بن أحمد بن يحيى بن يحيى، وللإمام إبراهيم ~~عقب كثير موجودون في هذا التأريخ، ومن نسله: الإمام الداعي علي بن صلاح، ~~المذكور مع الإمام يحيى بن حمزة، فيما سيأتي [إن شاء الله تعالى]. PageV02P238 ### | [أخبار الإمام المتوكل على الله المطهر بن يحيى بن المرتضى -عليه السلام-] # وفي المطهر لم تعدل وقد علمت %~% أن المطهر زاكي الفعل والأثر # من ظللتة السحاب الغر حائلة %~% من دونه وغدت سترا لمستتر # بيوم تنعم والأبطال عابسة %~% وقد تقدم والضلال في الأثر # عنى بهذه الأبيات الثلاثة: الإمام المتوكل على الله المطهر بن يحيى بن ~~المرتضى بن المطهر [بن القاسم] بن المطهر بن محمد بن المطهر بن علي بن ~~الناصر بن الهادي إلى الحق -عليهم السلام-، كان هذا الإمام معروفا بالعلم، ~~والفضل، والورع، كانت الطهارة بيتا أهله قواعده، وعقدا نفيسا آباؤه فرائده، ~~وكان-عليه السلام- أحد أنصار الإمام أحمد بن الحسين -عليه السلام-، فلما ~~قتل، قال له الإمام إبراهيم بن تاج الدين: أدع فأنت أولى مني، وأكبر سنا، ~~فقال: أنا غير داع، [أنت] أنفع للمسلمين مني فادع أنت، فلما أسر الإمام ~~إبراهيم [بن تاج الدين] دعا، فساس الأمور ms342 أحسن سياسة، ومال إليه سادات ~~العترة، وأفاضل أتباعها، وعيون أشياعها، وكان النهاية في كل خلة شريفة، ~~كرما، وعلما، وورعا. # ومن طرائف كرمه وزهده: أنها وضعت في كفه المطهرة دراهم فسها عنها حتى ~~عرقت عليها كفه، فانتبه من سهوه، فرمى بالدراهم عن يده، وقال: ما هذه بشيمة ~~المتوكل، وفيه يقول بعضهم: # سألت عنه فقالوا ليس نثلمه %~% إلا بأمرين مشهورين فاعترف # سخاء كف وإن لم يبق باقية %~% وبذل روح وإن أدى إلى التلف PageV02P239 وله -عليه السلام- دعوة أصدرها إلى العترة الكرام، والعلماء المعظمين، ~~والزعماء المقدمين، والكافة من المسلمين، قال فيها عليه السلام : # سلام عليكم، فإنا نحمد الله إليكم الذي جعل الحق ضياء منيرا، وجعل الباطل ~~هباء منثورا، وآتى آل محمد الحكمة، وآتاهم ملكا كبيرا، وأيدهم بالنصر ~~وتولاهم، وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا، وخذل أعداءهم وأعد لهم جهنم ~~وساءت مصيرا، وصلى الله على [سيدنا] محمد وآله الذين أذهب الله عنهم الرجس، ~~وطهرهم تطهيرا. # أما بعد: PageV02P240 # فإن الله بعث في كل أمة رسولا، وأنزل [معه] كتابا فصل فيه ما أحل لها ~~تفصيلا، وبين لها ما حرم عليها تصريحا وتعليلا، {لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما}[النساء:165]، ولما آذنت الدنيا ~~بالوداع، وأزف من الآخرة الاطلاع، بعث [الله] محمدا سيد المرسلين -صلى الله ~~عليه وعلى آله الأكرمين- ختم به الرسالة، وأوضح به الدلالة؛ {ليهلك من هلك ~~عن بينة ويحيا من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم}[الأنفال:42]، فحين أكمل ~~الله [له] دينه الذي شرع، وشكر سعيه وصنيعه الذي صنع، نقله إلى دار كرامته، ~~[وأكرمه] بجواره، وقد خلف فيكم الثقلين: كتاب ربكم المجيد الذي {لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد}[فصلت:42]، والثقل ~~الثاني: عترتة الطاهرة شموس الدنيا وشفعاء الآخرة، الذين من تمسك بهم لم ~~يضل، ومن اعتصم بمودتهم لم يزل، قال فيهم [أبوهم] رسول الله : ((إني تارك ~~فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبدا : كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ~~إن اللطيف الخبير نبأني أنهما ms343 لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)). PageV02P241 # وقال : ((ما أحبنا -أهل البيت- أحد وزلت به قدم إلا وثبتته أخرى )) فلم يزل ~~منهم قائم بعد قائم، وآمربالمعروف ناه عن المآثم، [ثم] قال أبوهم : ((إن ~~عند كل بدعة من بعدي يكاد بها الإسلام قائما من أهل بيتي، موكلا بها، ليعلن ~~الحق وينوره، ويرد كيد الكائدين، [ويبوره] فاعتبروا يا أولي الأبصار، ~~وتوكلوا على الله، وقولوا: {على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم ~~الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين}[يونس:85،86]. PageV02P242 # ولما رأيت أهل العصر قد ظهرت فيهم البدع، ونزل فيهم الخوف واتسع، وامتلأت ~~قلوب المؤمنين بالجزع، عقيب أمير المؤمنين المهدي لدين رب العالمين إبراهيم ~~بن أحمد -سلام الله عليه وعلى آبائه الأكرمين-، خشيت استئصال شأفة المسلمين ~~بعلو كلمة الظالمين، فشمرت لطلب القائم من أهل البيت عن ساق، حين هدرت ~~شقاشق الشقاق، ونفقت في سوق البغي سلع الظلم والنفاق، وأرجف الظالمون على ~~المسلمين بإرعاد وإبراق، وعقدت للقائم بالإذعان مني مجتهدا، ورضيت بأن أكون ~~[ما بقيت] من ورثة الكتاب مقتصدا، فلم أجد منهم قائما بذلك أبدا، وانضم إلى ~~ذلك وجود الناصر من العترة الأكابر، ومن شايعهم من ذوي النجدة والبصائر، ~~فتعينت الحجة حينئذ علي، وانتهت نصرة الدين إلي، فاستخرت الله تعالى وفزعت ~~إليه، واستعنت به وتوكلت عليه، ونشرت هذه الدعوة الصادقة الجامعة - إن شاء ~~الله تعالى - غير الفارقة، داعيا إلى سبيل ربي [بالحكمة والموعظة الحسنة]، ~~هاجرا في حماية الدين لذيذ النوم والسنة: {تعالوا إلى كلمة سواء بيننا ~~وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من ~~دون الله}[آل عمران:64]، وهلم إلى العمل بالكتاب الكريم، وسنة رسوله -عليه ~~وعلى آله أفضل الصلاة والتسليم- أجيبوا داعيكم، ولبوا مناديكم، واتبعوا ~~هاديكم: # شيخ شرى مهجته بالجنة %~% وسن ما كان أبوه سنه # ولم يزل علم الكتاب فنه %~% يقاتل الكفار والأظنه # بالمشر فيا ت وبالأسنة # ...... PageV02P243 # {ياقومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب ~~أليم}[الأحقاف:31]، وقال أبونا : ((من سمع واعيتنا أهل البيت فلم يجبها كبه ms344 ~~الله على منخريه في نار جهنم ))، فإن أجبتموني حملتكم -إن شاء الله- على ~~المحجة البيضاء لا أعدو بكم سنة جدي قيد شعرة، ولا أفارق إن شاء الله ~~منهاج آبائي الكرام البررة، ووجدتموني إن شاء الله [تعالى] عادلا في ~~الرعية، قاسما بالسوية، على مطابقة الشريعة النبوية، كافلا باليتيم كفالة ~~الأب الرحيم، حائطا لأراملكم حياطة المولى الكبير، متخذا للكبير أخا شقيقا، ~~جاعلا للصغير ولدا شفيقا، لا أدخر لنفسي إن شاء الله من فيئكم وفرا، ولا ~~أستأثر [من] دونكم ورقا ولا تبرا، القريب عندي بعيد حتى يوفي ما عليه، ~~والبعيد عندي قريب حتى يصل حقه إليه، فلا تضربوا عن نصرتي صفحا، ولا تطووا ~~[دون إجابتي] كشحا: {ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من ~~دونه أولياء أولئك في ضلال مبين}[الأحقاف:32]، ولا تميلن بكم الأهواء، ولا ~~تتفرق بكم الآراء، ولا تغرنكم الحياة الدنيا، فإن زينتها تزول وتفنى، ولا ~~تخدعنكم زينتها؛ فآمالها سراب، وأمانيها كذاب، وعمرانها خراب، وحلا لها ~~حساب، وحرامها عقاب، وهي مطية الأعمال الصالحة لذوي الألباب، وسوق التجارة ~~الرابحة إلى الرجعة والمآب: {ياأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم ~~من عذاب أليم، PageV02P244 تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم ~~إن كنتم تعلمون}[الصف:10،11]، فشمروا في الجهاد بالجد والاجتهاد، فإنه أفضل ~~أعمال العباد، وأشرفها في العقبى والمعاد: {إن الله اشترى من المؤمنين ~~أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا ~~عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ~~ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم}[التوبة:111]، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : ((مثل أعمال البر مع الجهاد كمثل المجة الواحدة ~~في البحر اللجي ))، وقال: ((لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما ~~فيها ))، {انفروا خفافا وثقالا [وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله] ~~}[التوبة:41]، وأقبلوا إلى إمامكم أرسالا، ممتثلين ما ألزمكم ربكم تعالى، ~~منتقمين لإمامكم المهدي بثأره، ناعشين دينكم بعد عثاره، موضحين من مذهبكم ~~طامس ms345 آثاره، كايلين لعدوكم بصاعه، ذارعين له ما بلغ من ذراعه، فأنتم حزب ~~الله وحزب الله هم الغالبون، أنتم -إن شاء الله - أنجد منهم وأصبر وأشرف ~~وأفخر، وهم أذل وأحقر، وإن كانوا أكثر وأوفر: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم ~~الأعلون }[آل عمران:139]، {كم من فئة قليلة غلبت PageV02P245 فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين}[البقرة:249]، فاصبروا على منابذة ~~الأشرار، واجأروا إلى ربكم بالدعاء والاستغفار، يمدكم بالنصر والاستظهار: ~~{ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم ~~الكافرين}[البقرة:250]، {هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ~~وسبحان الله وما أنا من المشركين}[يوسف:108]، {فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن ~~تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد}[آل عمران:20]، {فقل حسبي الله ~~لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم}[التوبة:129]، والحمد لله رب ~~العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. # وكان -عليه السلام- كثير التواضع، حتى كان في أيام إمامته يخرج بجماعة من ~~أصحابه يقرأون عليه في ناحية من جبل، فإذا فرغوا من القراءة، إحتطبوا ~~للإمام، فيأخذ الإمام شيئا من الحطب فيحمله معهم، فيسألونه ترك ذلك، فيأبى، ~~وكان يقول أنا من الحطب إلى الحطب. PageV02P246 # قالوا: وكان في وقته السراجي الشريف الآتي ذكره، وكان يؤذيه بكلام فيه ~~شناعة وبشاعة، فيشمخ الإمام عنه عرنين الفضل، وكذلك شيعة الظاهر صمموا على ~~إنكار فضله، وقالوا: صمي صمام، لا خلف ولا أمام، وقد أشار إلى ذلك السيد ~~الواثق في نسبة أهل الظاهر إلى شقاق أبيه وجده وتعصبهم عليهما، وكان الواثق ~~هذا قد دعا إلى نفسه كما سيأتي، فكتب إليه بعض الفضلاء يحثه على عدم ~~المعارضة لحي الإمام المهدي علي بن محمد، والدخول فيما دخل فيه الناس، ~~ويقول : # يا ابن المطهر والإمام الأبلج %~% دع عنك ذا الأمر المريج اللجلج # ودع ا لعدول إلى العدو فإنه %~% للسم يكتمه وإن لم يخرج # فافزع إلى المهدي أخيك ولذ به %~% أعني الإمام علي أمان الملتجي # فهو الذي شهد الأنام بفضله %~% وكذا شهدت فكيف عنه تحتجي # فأجابه السيد الواثق المذكور بقوله: # جاز الرجال على ms346 الطريق الأعوج %~% ومشوا على الشبهات مشي الأهوج # والناس هم صنفان من مستدرج %~% صنف وصنف ليس بالمستدرج # شقوا عصا الإسلام واجتاحوا الهدى %~% فتراهم في ليل معضلة دجي # شجج الغراب بشقها فتصدعت %~% ليت الغراب بشقها لم يشجج # لما رأوني قائما مستصحبا %~% عزما يفلق هام كل مدجج # قالوا: عصيت كما دعوت وأحمد %~% داع وليس لأحمد من مخرج # قلنا: صدقتم دعوتي مشروطة %~% بفساد دعوة أحمد البر النجي # حتى أتت أفواج حوث ثلة %~% تختال بين مقمص ومتوج # فبما هم نقضوا إمامة أحمد %~% هل كان فيه نخلة في المنسج # وبأي شيء زحزحوها عن فتى %~% متقمص بردائها متتوج PageV02P247 ورث الخلافة عن أبيه وجده %~% وافقت عشك يا حمامة فادرجي # إن يخذلوه فإنه مستنصر %~% بسواهم من أوسه والخزرج # أو يتركوه فإنما هو واثق %~% بالله خالقه غياث الملتجي # فأبوه قد قاموا عليه ولم يبل %~% بل قال: شدي أزمة تنفرجي # وكذا المطهر جده من قبله %~% قاموا عليه بصولة وتحجج # قالوا: وكان الإمام المطهر من أفصح أئمة العترة، فإن في الرواية أنها ~~وردت عليه (الرسالة القادحة من الباطنية)، فجوب عليها بسرعة، وقال في صدر ~~الكتاب: # أما بعد.. فإن (الرسالة القادحة) وردت إلى المشهد المقدس المنصوري - سلام ~~الله على ساكنه - بمحروس ظفار، حاسرة لثامها، عاثرة بزمامها، كاشرة في ~~ابتسامها، ترمي في غير سدد، وتكبو في القاع الجدد، لابسة في ظاهرها ثوب ~~الدين الشريف، يشف من تحتها مذهب منشيها السخيف، قد جمع فيها من أغباش ~~جهالاته، وآجن ماء ضلالاته، ما يدل على باطن إلحاده، ويشهد بعناده وإجحاده، ~~تارة يشير إلى نفي صفات النقص والكمال، ومرة يقدح في عدل الكبير المتعال، ~~حتى قال إلى غير ذلك من الترهات، وزخارف الجهالات، وتصور أن ذلك يخفى على ~~أهل العقول، وأن أحدا عندها لا يحسن أن يقول، ولا في ميدان نقض شبههه يجول. # وإذا ما خلا الجبان بأرض %~% طلب الطعن وحده والنزالا # وكان كالباحث عن حتفه بظلفه، والجادع مارن أنفه بكفه، [شعرا] : # ومن لم يتق الضحضاح زلت %~% به قدماه في البحر العميق PageV02P248 قال حي السيد العلامة صلاح بن ms347 [الإمام] إبراهيم بن تاج الدين : وكنت يومئذ ~~بين يد الإمام المطهر -عليه السلام-، فأمرني بتولي جوابها، وهتك حجابها، ~~وكشف نقابها، فامتثلت أمره؛ لأنه حتم يجب إسعافه، ولا يجوز خلافه، قال الله ~~تعالى: {ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم}[النساء:59]، وهو ولي أمرنا، وخليفة عصرنا، إلى كلام طويل، وممن اعترض ~~على الإمام المطهر أيضا: الأمير محمد بن الهادي بن تاج الدين، ونقم أمورا ~~في سيرته المرضية، وأنشأ في ذلك رسالة، فتولى جوابها [حي] السيد صلاح بن ~~الإمام إبراهيم بن تاج الدين المقدم ذكره. # قال-رحمه الله تعالى- وقد أخذ في جوابها: ورأيت أن أتولى الجواب عن ~~مولانا أمير المؤمنين لوجوه: # أحدها: أنه طلب الجواب من كافة المسلمين الإمام والمأموم. # الوجه الثاني: أن فيها مسائل تعلق بمولانا أمير المؤمنين المتوكل على ~~الله رب العالمين، تصورت أني أعرف من غيري بجوابها؛ لكثرة خلطتي له، ولما ~~عرفته منه في ذلك. # الوجه الثالث: أني خشيت أن يتصدى لجوابها غيري ممن يحب طريقة الاعتراضات ~~والتشنيعات ؛ فيؤدي ذلك إلى أمور تقبح أواخرها. انتهى. # [و] كانت دعوته المباركة في سنة ست وسبعين وستمائة سنة، ومات في سنة سبع ~~وتسعين وستمائة سنة، ومشهده في ذروان حجة مشهور مزور. PageV02P249 # وأما قول السيد صارم الدين فيه: من ظللته الغمام... البيتين، فما وقفت على ~~تفصيل القصة فيهما، فإن يسهل الله لي طيافة صنعاء، ألحقت ما وجدته من ذلك ~~في هذا المكان بعون الله [تعالى] وحسن توفيقه، وأوصيت من تمكن من شيء من ~~ذلك بعد وفاتي أن يلحقه [به] وفوضته، وأجر الجميع على الله تعالى، انتهى. # [تفصيل هذه القصة المباركة المشار إليها، إن الإمام -عليه السلام- كان ~~مرابطا في جبال التناعم، شاحكا للملحدين، مرغما لأنوف المعتدين، وكانت بينه ~~وبين الغز وقعة تنعم في شهر محرم، غرة سنة تسعين وستمائة، وهي قصة مشهورة، ~~أشارت إليها مشاعرة بين ولد الإمام المهدي وبين السلطان المؤيد، ومن الشعر ~~الذي من جهة السلطان قوله: # تنح عن الدست الذي لست له %~% سيأتيك فتاك يعلمك الضربا # [وكان جواب] الإمام عليه ms348 السلام جوابا بليغا فيه كلام ضخم، [وشعر فخم]، ~~ومن جملته البيت المشهور: # وما في جبال اللوز عار لسيد %~% غدت واكفات السحب من دونه دربا PageV02P250 [أشار -عليه السلام- إلى ما أشار إليه الوالد -رحمه الله- وذلك أن الله ~~تعالى أكرم الإمام في حال الوقعة بكرامة عظيمة]، وهي: أن الله [سبحانه] ~~أرسل غماما عظيما فطبق الآفاق، فلما حصل ذلك من جهة الله سبحانه وتعالى خرج ~~الإمام -عليه السلام- تحت الغمام في جماعة وافرة من أصحابه، وأمعن الأعداء ~~في طلبه وقد حجبه الله عنهم، وإلى هذه الكرامة الإشارة [بقولهم في الدعاء ~~له] في الخطبة: الصوام القوام المظلل بالغمام. [تم ذلك برواية السيد ~~العلامة شمس الدين أحمد بن عبد الله بن الوزير، عن جده جمال الدين الهادي ~~بن إبراهيم]، تمت. PageV02P251 ### | [أخبار الإمام المهدي محمد بن المتوكل علىالله المطهر بن يحيى (ع)] # وسبطه المنتقى عادته آونة %~% وسالمته يسيرا آخر العمر # وكان فتح آزال من فضائله %~% من بعد يوم شديد الحر مستعر # هو: الإمام الأفضل، والطراز المكلل، المهدي لدين الله محمد بن المتوكل ~~على الله المطهر بن يحيى المقدم ذكره [قبله]، كان -عليه السلام- ممن حاز ~~الفضائل بتمامها في ضمن رسوخ أصولها، وسمو أعلامها، نشأ على طريقة سلفه ~~الأبرار، وآبائه الأقمار، لكنه جنح عنه من أهل عصره الجزيل، وما آمن معه ~~إلا قليل، هذا على تبريزه في العلم، وبلوغه فيه درجة الاجتهاد، وحوزه قصبات ~~السبق في مضمار الإصدار والإيراد، فله تصانيف شاهدة له بما ذكرته في الأصول ~~والفروع، ومن محاسنها (المنهاج الجلي في فقه زيد بن علي) أربعة مجلدة، وله ~~(عقود العقيان في الناسخ والمنسوخ من القرآن) ضمنه من علم التفسير والقرآن ~~فرائد ثمينة، وفوائد بالتحقيق قمينة. PageV02P252 # وحكي أن الإمام يحيى بن حمزة لما وقف على كتاب (المنهاج) راقه كثيرا، ~~واستجاد تفريعاته؛ لأن طريقة الإمام فيه توسعة التفاريع، ومن نظره بعين ~~الإنصاف علم غزارة علم منشيه ومؤلفه، إذ كان فقه زيد بن علي -عليهما ~~السلام- ليس بالكثير، فوسع نطاقه وكثر أطواقه، ومد رواقه، وكاثف أوراقه، ثم ~~له -عليه السلام- موضوعات في سائر ms349 الفنون، ففي العربية كتاب حسن سماه ~~(الكواكب الدرية في شرح الأبيات البدرية) تكلم في إعرابها، وما تحتمله من ~~وجوه الإعراب، وأورد من أقاويل النحاة ومختارات أكاليم علمائها ما يشهد له ~~بسمو المنزلة في هذا الفن، ثم خاض في شيء من الكلام، ومسائل الإمامة، وله ~~في الكلاميات رسائل وجوابات مسائل، اشتمل عليها المجموع المهدي، منها: ~~(الجواب المنير على مسائل أهل الظفير)، و(فلق الإصباح في جواز الإصلاح)، ~~و(العضب الجزاز في تصحيح الجواز)، و(النفحات المسكية في جواب مسائل الشيخ ~~ابن عطية)، وهي أكثر من أن تحصر، فمن أراد مطالعتها عمد إلى المجموع ~~المذكور، وأعمل نظره في موضوعاته، فإن القليل يدل على الكثير، والبرق يخبر ~~عن النوء المطير، وعلى الجملة فقد كان من عيون أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، ~~ومن نظر آثاره، وأعمل في رسائله أفكاره عرف استحقاقه للإمامة، ولو لم يكن ~~إلا ما أودع كتبه من الحواشي والتصحيحات، وطرق السماعات والإجازات، فذلك ~~يدل على العلم، وإليه انتهى السماع المحقق في كتابين: PageV02P253 # أحدهما: (الكشاف) فإنه -عليه السلام- أجاد فيه القراءة والتحقيق، على حي ~~الفقيه العلامة محمد بن عبد الله الكوفي، حتى بهرت معرفته فيه، وله: حواشي ~~معروفة في النسخ، وعلامة حواشي الإمام [(م)] مفردة، وكل كتاب في هذه الجهة ~~لم يصحح على كتاب الإمام، فهو عند أهل هذا الفن غير صحيح الصحة المحققة. # والكتاب الثاني: (شفاء الأوام) إسناد الأكثر إلى سماع الإمام، وهكذا في ~~(أصول الأحكام)، وأمهات كتب العترة -عليهم السلام-، وكانت قراءته في الفقه ~~على والده الإمام المتوكل، وسماع أكثر كتب الحديث، وحقق قراءته في الفقه ~~على الأمير العلامة المؤيد بن أحمد، وكان الأمير المؤيد ممن قال بإمامته، ~~وسار تحت ألويته، وفي بعض رسائل الإمام أن الأمير المؤيد كان معه في محطة ~~الحضائر، وهو ابن ثمانين سنة أعني الأمير المؤيد في هذه السن العالية، وهو ~~في محطة الإمام مرابط في الغز وعساكرهم. # وكانت قراءة الإمام في الأصولين على يد الفقيه العلامة شرف الدين محمد بن ~~يحيى بن حنش، وقراءته في العربية على الفقيه الوشاح، وكان ms350 الإمام -عليه ~~السلام- كثير الشغف بالعلم، كثير البحث عن سائر العلوم، ووصل إليه الفقيه ~~محمد بن عبد الله الكوفي [مرة] أخرى من العراق، فأعاد عليه القراءة في ~~(الكشاف) حين أهداه إليه، وهي النسخة المعتمدة في اليمن، نقلت أكثر ما هنا ~~من (كاشفة الغمة) لحي السيد العلامة الهادي بن إبراهيم [بن علي] المرتضى، ~~وقد أجاز [لي] فيها مولانا الصدر العلامة صارم الدين ناظم هذه المنظومة ~~الذي هذا المختصر شرح عليها. PageV02P254 # قال في (الكاشفة) المذكورة: لكن الإمام -عليه السلام- مع حوزه لهذه الخصال ~~الشريفة لم يخل من تحامل علماء الظاهر عليه، وأنكروا فضله إنكارا لا يليق ~~بمعارفهم الوافرة، وحكي عنهم في المعاندة أشياء كثيرة، منها أن مقعدا أركب ~~دابة، وجيء به للإمام -عليه السلام- فمسح على جسده بكفه الشريفة، ودعا له ~~بالشفاء، فشفاه الله من فوره، وأزال عنه الإقعاد، وهي قصة مشهورة، و[في] ~~كراماته مسطورة، شهد بها جماعة من الفضلاء، فبلغ ذلك أهل الظاهر فساءهم، ~~وأخذوا يقولون: ليس ذلك من دعاء محمد بن المطهر، وتأولوا ذلك على أن هذا ~~الرجل كانت به علة تزول بالهزهزة بهذا اللفظ. # قالوا: فلما ركب الدابة هاضته وهزهزته، فسموها (علة الهزهزة) من هذا ~~الوجه اللطيف، وكان كثير الحلم والصبر، مشهورا بمكارم الأخلاق، وكثرة ~~الاحتمال، وانثالت عليه الاعتراضات من كل جهة من مسترشد ومتعنت، والمتعنت ~~أكثر من المسترشد، وكان يقول في بعض رسائله: هذا الفرس وهذا الميدان، ~~فهلموا - رحمكم الله - إلى الامتحان، ومن غرائب ماسئل عنه في المعرفة عن ~~غور علمه أنه سئل عن الجن وصفاتهم ونكاحاتهم، وما لا مدخل له في علوم ~~الإمامة، فأجاب في ذلك أحسن جواب، ومن كلامه في بعض رسائله في معرض التألم ~~من الاعتراضات ما هذا لفظه، وقد وصف المعترض: لم يعض بناجذه على تمييز، ولا ~~فرق بين تحليل وتحريم، وإيجاب وتجويز، إعتراضا بغير تقدير، ولا هدى ولا ~~كتاب منير، والمناقب مثالب، والراكدات سوالب، والإصابات مصائب، والراجح ~~شائلا، والحالي عاطلا، بغير برهان ثاقب، بل ركز عيون وتكسير حواجب. PageV02P255 # وقال -عليه السلام- في معرض حكاية حاله: أزلنا والمنة ms351 لله والحول والقوة ~~والطول، ارتكاب المنكرات، وضرب المعازف على شرب المسكرات، واضطهاد العلماء، ~~والاستخفاف بالفضلاء، والاستهزاء بالآمرين بالمعروف، والرمز بالناهين عن ~~المنكر، في كلام طويل، حتى قال: فأقمنا قناة الحق، وأظهرنا ولا قوة إلا ~~بالله طاعة الحق، وأقيمت الحدود والتعزيرات، وأنلنا من ظهر منه ذلك أنواع ~~التنكيلات، وباد الفسق وأربابه، وغيض المنكر وأحزابه، ورفع من الإيمان ~~مناره، وطمس الفجور وشعاره، والحمد لله على فضله حمدا كثيرا حسب إنعامه، ~~إلا أن المليح في أعين الناظرين لنا قبيح، والكذب عندهم علينا صحيح، إن ~~ذدنا عن الدين، وأظهرنا حكم الإسلام على المسلمين، تكلم الهامز علينا ~~بالمين، ونسب فعلنا وقولنا إلى الشين، وهذا السائل علينا رأسه حراسة لما ~~يرومه لذاته من الرئاسة، وتوهم أنه أحسن منا للعالمين نظما وسياسة: # إلى الله أشكو عصبة في زماننا %~% يسيؤن فينا القول غيبا ومشهدا # قال في (الكاشفة): هذا كلام الإمام -عليه السلام- منقول من خطه. انتهى. # قال في (البحر الزخار): إنه -عليه السلام- دعا [في] سنة إحدى وسبعمائة، ~~ودخل صعدة يوم الثلاثاء بواقي خمسة أيام من شهر شعبان سنة ثلاث وسبعمائة، ~~وتمكنت بسطته حتى افتتح عدن أبين، ولم يقل بإمامته أكثر شيعة زمانه. # قالوا: وكان بينه وبين [بني] رسول سلاطين اليمن وقعات معروفة، وملك آخر ~~الأمر صنعاء سنة أربع وعشرين وسبعمائة قدر أربع سنين، ورأيت أنا للسلطان ~~الملك المؤيد بيتين من الشعر وهما: PageV02P256 # أيا لورق الطلحي تأخذ أرضنا %~% ولم تشتجر تحت العجاج رماح # وتأخذ صنعاء وهي كرسي ملكنا %~% ونحن بأطراف البلاد شحاح # ورأيت له أيضا أبياتا وهي: # رويدك لا تعجل فما أنت بعلها %~% سيأتيك فتاك يعلمك الضربا # وإن كنت ذا عزم فلا تضح هاربا %~% كعادة من قد صرت من خلفه عقبا # وسائل جبال اللوز عنا وعنكم %~% فأفضلكم ولى وخلفكم نهبا # فعاملتكم بالصفح إذ هو شيمتي %~% وما كنتم تعفون عن واقع ذنبا # فأجابه الإمام -عليه السلام- بقوله: # رويدك إن الله قد شاء حربكم %~% وصيرنا الرحمن في ملككم حزبا # تأخر عن الدست الذي أنت صدره %~% وعد عن الملك الذي نلته غصبا # سأجلبها شعث ms352 النواصي شزبا %~% ويأتيك فتاك يعلمك الضربا # عليها رجال من لؤي بن غالب %~% بهاليل سباقون قد مارسوا الحربا # وادعو بحي من نزار غطارف %~% وآتيك من قحطان بالعرب العربا # إذا أقبلت مثل الهضاب مشيحة %~% تقل رجالا من بني هاشم غلبا # أريناكم كيف النزال بعلمنا %~% وعلمتكم بالسيف ود ذوي القربى # فنحن بضرب السيف أعرف في الوغى %~% وأربطهم جأشا وأثبتهم قلبا # وما في جبال اللوز عار لسيد %~% غدت واكفات السحب من فوقه دربا # فتلك على رغم الحسود فضيلة %~% بها الفخر في الدنيا والفوز في العقبى # سيعلم ملك الناس من آل جفنة %~% أبا الحمد لا زورا أقول ولا كذبا # إذا أقبلت من كل فج عوابس %~% لها ما تشق الشرق نحوك والغربا # بأني لها كفؤ وبعل وسيد %~% أخو سطوة لا أرتضي لكم سبا PageV02P257 كانت وفاته -عليه السلام- في ذي مرمر قبلي صنعاء لثمان بقين من ذي الحجة ~~سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، ونقل إلى صنعاء ومشهده في جامعها مشهور مزور، ~~وله عقب. PageV02P258 ### | [ذكر العلامة يحيى بن الحسين بن علي بن الحسين ] # وإلى جنب قبره قبر السيد الصدر العلامة يحيى بن الحسين بن علي بن الحسين، ~~مصنف (اللمع)، و(القمر المنير)، و(الكوكب) هذه الكتب كلها في فن الفقه، وله ~~في الفرائض (الدرر)، و(هداية البرايا في الفرائض والوصايا) وغير ذلك، وقبره ~~في هجرة قطابر، يلي قبر الأميرين شمس الدين وبدر الدين. # فأما السيد يحيى بن الحسين المذكور، فله من الكتب (الياقوتة) مجلدان، ~~و(الجوهرة) مجلد واحد، وله أجوبة ومسائل،ومات سنة تسع وعشرين وسبعمائة وعمر ~~نيفا وستين سنة. PageV02P259 ### | [ذكر العلامة الهادي بن يحيى بن الحسين] # وولده السيد العلامة الهادي بن يحيى بن الحسين، كان من العلماء الأعيان، ~~وفردا في ذلك الزمان، وكان معروفا بالدهاء، وتجربة الأمور، ولزمه الأمراء ~~بنو حمزة سنة ثمان وخمسين وسبعمائة في خلافة الإمام المهدي علي بن محمد، ~~ووقف في حبسهم ثمانية أشهر إلا نصف شهر، وخلصه الله تعالى، ثم توفي في شهر ~~صفر من سنة أربع وثمانين وسبعمائة وقبره بمشهد بمسجد الهادي بصعدة، وله من ~~العمر سبع وسبعون سنة ms353 -رحمه الله تعالى- وجمع بيننا وبينه في الجنة. PageV02P260 ### | [ذكر نبذة من شعر العلامة مطهر بن محمد بن تريك الصعدي] # [و] اعلم أني وقفت على ديوان شعر ورسائل لحي الفقيه النبيه الفصيح المقول ~~العلامة مطهر بن محمد بن تريك الصعدي بلدا، ذكر فيه ما لفظه: وكان مع ~~الإمام محمد بن المطهر عليه السلام نسخة صحيحة من نسخ (الكشاف) جيء له بها ~~من الشام، وكذلك نسخة (المفتاح) للسكاكي، المشتمل على أربعة علوم: منها: ~~علم المعاني، والبيان، قال : وكنت إذ ذاك مغرما بتصحيح نسخة سماعي التي ~~سمعتها على الفقيه النبيه العلامة محمد بن عبد الله الكوفي، فكتبت إلى ~~الإمام بهذه الأبيات قبل أسمع (الكشاف)، وأنا ذلك اليوم بصنعاء، فقلت: # هل يسمحن لنا الإمام المرتضى %~% وهو الجواد بعارة (الكشاف) # فلنا إليه تطلع وتشوق %~% شوق العطاش إلى الزلال الصافي # أو شوق صب هائم ذي صبوة %~% مصدوقة من لؤلؤ الأصداف # بل شوق مولانا إلى بذل اللها %~% وإغاثة الملهوف والإنصاف # ما نغمة الشادي بأطيب عنده %~% من نغمة لمؤمل أو عافي # سبحان من جمع المكارم عنده %~% وحباه منه بأكرم الأوصاف # واختصه بولاية هو أهلها %~% وبراه برا ليس كدا جافي # وأمال أفئدة الأنام جميعهم %~% طوعا إليه ومرغم الآناف # ويحق ذاك وفوق ذاك لأوحد %~% من أوحد من نجل عبد مناف # فرع النبوة والإمامة ربها %~% شرف الأئمة خيرة الأشراف # صلى عليك الله ما تلا امرؤ %~% قافا وحاطك من أحاط بقاف # ولنا إلى (المفتاح) أيضا هزة %~% فافتح به مغلاق كل تصاف # لا زلت أهلا للجميل وفعله %~% متأبدا كتأبد الأوقاف PageV02P261 قال: وأتيتهم إلى صنعاء وهي للإمام محمد بن المطهر -عليه السلام- أيام ~~سماعنا (للكشاف) على الفقيه محمد بن عبد الله الكوفي المذكور في سنة تسع ~~وثلاثين وسبعمائة سنة للهجرة، فعرض للسيد المطهر الملقب الواثق ولد الإمام ~~محمد بن المطهر مرض، فلم أزره حتى صح من مرضه، فكتبت إليه أبياتا أعتذر ~~فيها عن الزيارة، وفات علي أكثر الأبيات، إلا قولي: # فلا تعتبن على خادم %~% فمثلي في أمره يعذر # وترك الزيارة في وقتها %~% لئلا أرى فيك ما ms354 أحذر # فأولاك مولى الورى صحة %~% وعمرا علاك به تعمر # قال: حتى خرجت إلى ذكر أبيه الإمام -عليه السلام- فقلت: # ودام ودمت مملا به %~% فإنك عين بها يبصر # فلا زال يملك أمر الورى %~% وينهى بحق كما يأمر # فأجابني الواثق بن الإمام -عليه السلام- فقال: # نظامك أم قهوة تعصر %~% أم الراح بالشهد أم سكر # أم الدر في جيد خرعوبة %~% مهفهفة ريقها يسكر # أم الروض تضحك أزهاره %~% وحتى الغمام شجى يمطر # أم المسك ذلك أم عنبر %~% ومن دونه المسك والعنبر # ولا غرو إن كت نظامه %~% إذا فاق يا من له المفخر # ويا ماجدا للعلا حائزا %~% وقاموس علم غدا يزخر # ويا من له في العلا رتبة %~% ويا من هو الأكرم الأكبر # ويا من له كل أكرومة %~% وبالبر هذا الورى يذكر # أتاني قريضك مستعذرا %~% فأهدى السرور ولي مخبر # بأنك لم تنس عهدا وإن %~% بنا ربع ودك مستقمر # فأيقنت أنك نعم الصديق %~% كفينا عليك الذي تحذر # فلا زلت في نعمة دائما %~% وحظك من دهرك الأوفر PageV02P262 قال الفقيه مطهر بن محمد بن تريك في ديوانه المذكور: ولما وصل الأمير مطهر ~~الواثق إلينا إلى صعدة زائرا للمشاهد المقدسة بمشهد الهادي -عليه السلام-، ~~ووقف فيه أياما، ولم يأت إليه أحد من الإخوان كثرهم الله، فكتب إلي بهذه ~~الأبيات معاتبا للأصحاب في عدم التلقي له: # أبلغ نظام مطهر بن محمد %~% سوح الفقيه مطهر بن محمد # وأخضع لطلعته وقبل كفه %~% عني بتسليم يزيل صدى الصدي # إنسان عين ذوي النهى وإمامها %~% الأوحد ابن الأوحد ابن الأوحد # الخضرم المتغطمط المتلاطم ال %~% متدافق اليم الطموم المزبد # وخلائق كالروض يضحك زهره %~% لدموع جفن الفائض المتردد # ومشمر لله يلبس للتقى %~% والدين سربال العفاف ويرتد # فخر الهدى حتف العدى نائي المدى %~% ليث الندا غيث الندى قمر الندي # قل يا خضم العلم يا علم الهدى %~% يا كعبة العافين والمسترشد # ما بال رفضك للسلام على الذي %~% وافى من البلد الشسوع الأبعد # حاشا خلائقك الحسان من الذي %~% بك لا يليق من اعتزال المشهد # لا ميت منا يزار ولا الذي %~% وافاك يلقى بالتصافح ms355 باليد # أنت الذي وافيت معتمدا به %~% من بعد ربي في تناول مقصدي # عهدي بخلقك كالرياض تفتحت %~% منها الكمائم عن سنا زهر ندي # [إن كان عن سب يكدر صفوها %~% مني فعفوا فهو لا يتعمد] # قال: فأجبته بهذه الأبيات: PageV02P263 # نظم الأمير مطهر بن محمد %~% نحو المود مطهر بن محمد # يحكي رياض الخزم باكره الندى %~% نفحاتها تربى على الند الندي # لو كانت الألفاظ منه تجسدت %~% لتصورت من لؤلؤ وزبرجد # أو خالط الماء الزعاق مذاقها %~% كان الفرات اللذ عذب المورد # جادته فكرة أوحدي أوحدي %~% لله در الأحوذي الأمجد # نجل الإمام أبو الإمام الأوحد %~% سبط الوصي ابن النبي الأمجد # رب الفصاحة والرجاحة والحجا %~% بحر السماح لرائح ولمغتدي # من لا يماثل في الخلال جميعها %~% والمقتدى بفعاله لا المقتدي # ماذا نقول وقد أتى في مدحه الت %~% نزيل أبلغ شاعر أو منشد # وافى إلي نظامه متنقدا %~% فعل الشفيق الناقد المتنقد # يثني علي ولست أهلا للثنا %~% لكنه أهل الثنا والسؤدد # ومعاتبا لي في السلام وتركه %~% وعن التخلف عن شهود المشهد # ولو أنه كان العليم بعاذري %~% كان العذير وعادني في العود # طورا على ظهر الفراش وتارة %~% تحت اللحاف مظاهرا للمسند # متألما إذ ذاك من ألم الكلا %~% متزملا متدثرا في المرقد # فإذا شفيت مثلت نحو مقامه %~% لأصافح الكف الكريمة باليد # وأكرر التقبيل أضعاف الذي %~% قد فاتني بالأمس يومي أو غدي # وأعينه وأشد منه أزره %~% حتى ينال بذاك أكمل مقصدي # والود يا فخر الهدى متأكد %~% إني على الود القديم الأوكد # لكن قدرك ما قدرنا قدره %~% فلتعف فالتقصير غير محدد # ثم السلام عليك يا فخر الهدى %~% يا سيد السادات يا فخر الندي # قال الفقيه: فوصل زائرا مبادرا، وكان معي وجع الكلا أيام وصوله، فقلت فيه ~~بيتين لوصوله إلينا وقدومه وتشريفه منزلنا ورفعه منزلتنا، وهما: PageV02P264 # آنست منزلنا وشرفت الذرى %~% تشريف إبراهيم محجوج الورى # فإذا ارتقيت منازلا رقيتها %~% حتى تكون لها الثريا كالثرى # قال: وكتب إلي أبياتا من جهة طبل خانة، وأعلام كانت وديعة الإمام محمد بن ~~المطهر عند الأمير الكبير عز الدين محمد بن ms356 المهدي بن عز الدين، فعول علي ~~في مراجعة الأمير في ردها عليه، فأجاب إلى ذلك، والأبيات تتضمن الاستفهام ~~عن جواب الأمير محمد بن المهدي، وهي : # يا جامعا من فنون العلم ما افترقا %~% ومن بمفخره فوق السماك رقا # يا فخر دين الهدى ياليث كل ندى %~% ياغيث كل ندى يا غوث من طرقا # ماذا أجاب أبو عبد الإله به %~% في رده الكوس والأعلام والخرقا # وقال هذين البيتين في صدر كتاب من أجل ذلك وهما: # يا قمطر العلوم يا جبل الح %~% لم ويا بدر كل ظلام # كن شفيعي إلى الذي يهب الخي %~% ل ويلقى الوفود بالابتسام # فأجبته بهذه الأبيات: # يا ابن بنت الرسول يا ابن الإمام %~% يا محامي عن الهزبر المحامي # قد أتاك الجواب فاعمل عليه %~% حاطك الله من شرور الأنام # وسلامي عليك بعد سلام %~% زاكيا دائما دوام الدوام # فقال أيضا في ذلك: # يا قمطر العلوم قد أزف الس %~% ير بعون الإله يوم العروبة # فلعل الأمير أصلحه الل %~% ه يأتي إلى سبيل المثوبة # فأجبته بهذه الأبيات: # يا هلالا نحب منه طلوعا %~% أبدا دائما ونخشى غروبه # سرنا قربه وأوعد نأيا %~% ونوى من نحب فيه صعوبة # غير أنا نحب ما كان يه %~% واه بيوم الخميس أم في عروبة PageV02P265 ومن شعر الأديب الفصيح ابن حنكاس في الإمام المهدي محمد بن المطهر، نقلتها ~~من غير ديوان الفقيه محمد بن تريك -رحمة الله عليه- : # أما هواي ففيكم ليس ينصرم %~% وسر حبي فيكم ليس ينكتم # فأنتم منتهى سؤلي وحبكم %~% ديني فلا شبه فيكم ولا تهم # لكم بقلبي خيام قد ضربن فلا %~% زالت بكم عامرات تلكم الخيم # عدتم كسالف عهدي بالغويز فح %~% بل الود متصل والصرم منصرم # والسعد لي مقبل والنحس مرتحل %~% والشمل ملتئم والصدع منتظم # ونحن في دعة مما نحاذره %~% من الزمان وباب الصد منسجم # أهلا بعش ابن ابنة البكري إذاقدمت %~% من فوقها تحمل الأنوار والظلم # من كل فاترة الألحاظ فاتنة %~% لها الصباح جبين والإقاح فم # هيفاء تنطق منها الحلي إن خطرت %~% ويصمت الحجل منها ساقها الفعم # في ردفها هيل ms357 في عطفها ميل %~% في ثغرها عسل في خدها ضرم # بدر مشى بقضيب فوق رمل بقا %~% من تحته قدم لي منه ريق دم # لها من الحسن أعلاه وأحسنه %~% وللإمام العلا والمجد والكرم # يا ركب حسبكم إن جئتم شظبا %~% فهاهنا كعبة المعروف فاستلموا # حطوا بسوح أمير المؤمنين ففي %~% جناب ذاك المرجى يعدم العدم # هذي المكارم لا معن ولا هرم %~% وذي المآثر لا عاد ولا إرم # وذا محمدنا مهدي الأنام كفى %~% عن من سواه فلا عرب ولا عجم # هذا الذي سرت الدنيا بطلعته %~% وتنجلي بضياه الظلم والظلم PageV02P266 إذا انتضى الخذم الصمصام يوم وغى %~% لم تدر أيهما الصمصامة الخذم # من المنى عرفات العرف ساحته %~% والمشعران معا والحل والحرم # خرق ترى الوفد أفواجا إليه فذا %~% ركب يشد وهذا معشر قدموا # غيث وغوث لمحتاج ومنتجع %~% والعام أشعث مغبر به قدم # ما في يديه مشاع من تكرمه %~% للطالبين وأما عرضه حرم # إن قال قوم رأوا في وقتنا مثلا %~% لابن المطهر في جود فقد ظلموا # بر رؤوف لذي سلم ومرحمة %~% لكنه في المغازي ضيغم لحم # بدر ولكن من الفضفاض طلعته %~% ليث ولكنه سمر القنا يحم # إن صال ظلت أسود الغاب طائشة %~% أو قال لانت له الألفاظ والحكم # أو شن خيلا فهامات العدى فلق %~% أوحط رجلا فما فوق الثرى طعم # إيه أبا قاسم بل يا أبا حسن %~% يا خير من بيديه الرزق ينقسم # يا أصدق الناس ميعادا إذا وعدوا %~% يا أكرم الناس أفعالا إذا كرموا # حاشاه أن تنطق العوراء بمجلسه %~% إلا التلاوة والأخبار والحكم # إني بعروتك الوثقى لملتزم %~% ولم يضع من بها في الدين يلتزم # يسير سيري بفضل منك في عجل %~% ودم وأعداك لا داموا ولا سلموا # ومما وجدته من شعر السراجي ترثية رثى بها حي الأمير محمد بن وهاس بن أبي ~~هاشم، وعلم الدين علي بن وهاس [-رحمه الله تعالى-] : # عزاء همت بالحادثات غمائمه %~% وخطب جرت بالمعضلات عظائمه # ورزء أصاب المسلمين بأسرهم %~% وهدت من المجد الأثيل دعائمه # لصنوين من آل النبي وحيدر %~% نوالهما قد طبق الأرض ساجمه # فهذا ms358 على العافين فاضت مكارمه %~% وهذا لخصم في الجدال مقاومه # وهذا لجبار الملوك مزاحمه # فمن شام ذا يوم الوغى فهو ضارمه # وهذا يسوس الملك يحمي محارمه # وهذا يشب النار للحرب والقرى # وذاك رؤوف بالضعيف وراحمه # ومن أم ذا يوم النوال فحاتمه # وهذا يقوم الليل والدهر صائمه # وذا للكفور الجاحد الحق راغمه PageV02P267 فمن للمواضي والمذاكي والتقى %~% وللعلم إن شدت لعي محازمه # ومن يدفع الخطب الملم إذا عرى %~% ومن لخصيم في النداء يخاصمه # فقل للمنايا بعد قتل محمد %~% وهلك علي أنفذ الحكم حاكمه # أصيب العلا والجود والدين والتقى %~% فأصبح ركن المجد وهنا عزائمه # فإن يك بدر الدين أصبح ثاويا %~% فما دفنت أفعاله ومكارمه # فقد فرح الدين الحنيف بملكه %~% وعطل منه رسمه ومعالمه # تولى من الدنيا خميصا وظهرة %~% خفيف ولم تكتب عليه مآثمه # وكان بعين المقت ينظر نحوها %~% ويزري بمن يدلي بها ويصارمه # مضى وهو محمود الطريقة سيد %~% وقد أمنت أحقاره وسخائمه # وكان قريع العلم والحلم والتقى %~% وأورع من تلوى عليه عمائمه # ومسألة عقما أعيا لقاحها %~% عياء من النظارتبدو هماهمه # تصدى لها والليل ملق جرانه %~% ولم تبت الحسنى ليلا ترائمه # فألقحها فكرا أرق من الهوى %~% وألطف حتى ثقب الدر ناظمه # فلما أضا الفجر استبانت منيرة %~% وقد نتجت من فكرة لا تراغمه # وكم ليلة قد بات يقرع بابه %~% لمشكلة حتى جلتها عزائمه # فلله من بحر خضم وسيد %~% لقد درست أعلامه ومراسمه PageV02P268 وقائلة عاد الرجال ولم يعد %~% علي ولم يسبق ببشراه خادمه # وأقبل أهلوه وألفوه بعدهم %~% وأفراسه يندبنه وصوارمه # وأمسى طريحا في بلاد بعيدة %~% وحيدا ولم تجمع عليه مآتمه # ولم تمس حوليه بنات ونسوة %~% يعددنه في النآئبات كرائمه # فقلت لها إن المنايا شواخص %~% إلى كل حي عن قريب تصادمه # ولن يدفع الأهلون عنه منية %~% ولو منعته أسده وضراغمه # أبى الله إلا أن يموت بغربة %~% شهيدا بسيف الكفر تدما قسائمه # تظل سيوف الملحدين تنوشه %~% وراحته ترس لها وبراجمه # وفتك ذوي الإلحاد فيه وبغيهم %~% دليل على أن المهيمن راحمه # وقد فاز إذ أعطى مقادة نفسه %~% ومهجته فليتق الله ms359 لائمه # كفى شرفا أن لم يرب بريبة %~% ويمسي لمن يحسو المدام ينادمه # ولا بد من يوم يعز به الهدى %~% يغيث به آساده وأراقمه # بهاليل خطارون بالبيض والقنا %~% وبالعذب المرخى عليه وسائمه # عفاء على الدنيا إذا ما رحلتما %~% وسحقا لها كم من خميس تلاحمه # سقى جدثا مثواكما كل ديمة %~% من الغيث منهل الغرابي غمائمه # فيا راكبا عيرانه شدقمية %~% خديلية كالصقر حمت قوادمه # تيمم إلى الحصن المبارك أهله %~% فأنت على التوفيق واليمن قادمه # إلى ظفر حصن المكارم والعلا %~% وأشرف من نيطت عليه تمائمه # إلى الحسن البر الإمام أخي التقى %~% سلالة وهاس فتلك مراحمه # إلى السيد المشهور من آل هاشم %~% فذاك وحيد العصر حقا وعالمه # إمام إذا قابلت غرة وجهه %~% تهلل بالمعروف وافتد ناسمه # عليه جلال قد كساه مهابة %~% فعنوانه في صفحتيه وخاتمه # يبشر راجيه ببشر بشاشة %~% ويعطيه ما يحوي وحينا يقاسمه # وبلغ إليه من لدني تحية %~% تفوح كنشر المسك فضت نضائمه PageV02P269 وكالروضة الغناء باكرها الحيا %~% ففتح من زهر الرياض تمائمه # وقل يا رضيع المجد قد عز ما جرى %~% على أنني فيما عراكم مساهمه # تأس بما نال النبي وحيدرا %~% وإن حل من هذا العرى متفاقمه # وأعدد له الصبر الجميل فغبه %~% حميد وحوض الموت يكرع حائمه # وأسرتك السادات أهلي ومعشري %~% عليهم سلام قد توجه لازمه # كوالدك البر الرحيم محمد %~% إذا قيل من للحلم والغيظ كاتمه # وذي الشرف الأعلى علي بن قاسم %~% أعزيه في شبل مضى وهو ضائمه # همام لذي الهيجاء قد شهدت له %~% أفاضله يوم الوغى وأكارمه # له عوض في سبطه عند ربه %~% بما اشتملت حزنا عليه حيازمه # أعزيكم أبناء حسين وأنتم %~% بناة عماد الدين والغير هادمه # عيون بني الزهراء أنتم وتاجها %~% وكاهل هذا الدين ثم قوادمه # عليكم سلام الله ما هبت الصبا %~% وما غردت فوق الأراك حمائمه PageV02P270 ### | [أخبار الإمام السراجي - عليه السلام -، وذكر أمر الشعبي سنجر معه] # وللسراجي والشعبي سنجرها %~% قضية خطها الكتاب في الزبر # المراد هنا: يحيى بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن الحسن، وهو ~~سراج الدين بن ms360 محمد بن عبد الله بن الحسن، وقيل: الحسين بن علي بن محمد بن ~~جعفر بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب ~~-عليهم السلام-، قام السراجي هذا ودعا إلى نفسه في نواحي حضور، بعد قتل ~~الإمام أحمد بن الحسين[-عليه السلام-] وكان عالما مبرزا قرأ في نواحي تهامة ~~على الشيخ أحمد بن عجيل، وقرأ في الحديث بمكة المشرفة، فروي أنه كان يحفظ ~~من أحاديث الرسول غيبا ستين ألفا، سمع ذلك من حي السيد العلامة عبد الله ~~بن يحيى بن مهدي وغيره، في تأريخ الجندي ما لفظه: كان [هذا] السراجي إماما ~~كبيرا في مذهب الزيدية، وعكفوا مدة يأخذون عنه العلم، حتى قام وادعى ~~الإمامة، ونزل مع قوم في حصن لهم يعرفون ببني فاهم بحضور، وأطبق معهم على ~~إجابته خلق كثير من الناس، فحينئذ حسده الأشراف على الترأس عليهم، وكان ~~الشعبي حينئذ بصنعاء، فبذل لبني فاهم مالا جليلا، حتى قبضوا عليه، وسلموه ~~إليه فكحله بعد حبسه أياما، فأنزل الله بالذين باعوه الجذام، حتى كان الرجل ~~[منهم] يعتزل في كهف من الكهوف؛ لئلا يجذم أصحابه، فلا يدرون حتى يجذم منهم ~~آخرون، ثم يجيفون جيفة عظيمة بحيث لا يستطيع أحد يقربهم من تغير الرائحة، ~~حتى هلك [منهم] جميع من كان منهم حاضرا ممن صار بالغا، وما زالوا على حال ~~ضر من قتل بعضهم لبعض في كل وقت PageV02P271 [حتى انتهى] إلى وقتنا هذا، انتهى ما ذكره الجندي. # قالوا: وكان كحله عام ستين وستمائة، [فأقام مدة طويلة في صنعاء يدرس]، ~~ويقرأ في العلوم من حفظه إلى أن توفي سنة ست وتسعين وستمائة، قريبا من ~~ثلاثين سنة، فدفن في مسجد الأجذم بصنعاء، وقبره مشهور مزور، وله كرامات ~~مشهورة، فمنها ما جرى لبني فاهم الذين باعوه، ومنها ما يروى أن المظفر لما ~~أمر خادمه سنجر بكحله كان يسمع بعد موته: (مالي ولك يا سراجي، مالي ولك يا ~~ابن تاج الدين)، ومنها ما يروى عن بعض الفضلاء أن ثقة أخبره أنه نام ms361 ليلة ~~في قبة هذا الإمام، فرأى في بعض الليل وقد امتلأت القبة نورا أبلغ من نور ~~السراج والشماع، ومنها أنهم لما أرادوا كحله ذكروا ذلك للمشاعلي فامتنع، ~~فمر عليهم رجل سكران من أهل السائلة غربي صنعاء، فأمروه بكحله، فلما فعل ~~أصابته آفة، فكان لا يولد له ولد إلا أصابته آفة ما تناسلوا. # قال الراوي: وما انقطعت ذريته إلا بقربة، قالوا: وهذا مشهور مع الجيران ~~في السائلة المذكورة. انتهى. PageV02P272 # ومات السراجي [هذا] وخلف ولدين: محمد، وأحمد، وذريته الآن من نسل أحمد، لا ~~ذرية له من غيره. # قال مولانا السيد الأفضل العلامة محمد بن علي السراجي الموجود بصنعاء يوم ~~تأليفي هذه الجملة، وقد كتب إلي بتدريج نسبه إلى هذا الإمام، فقال: أنا ~~محمد بن علي بن محمد بن أحمد [بن علي بن أحمد] بن يحيى المذكور، لا ذرية له ~~إلا نحن. # قال: لكنا نلتقي نحن وجماعة كثير في نواحي ذمار وصنعاء وغيرهما في نسب ~~سراج الدين. # قال: وسراج الدين اطلعت في صغري على كتاب صنفه بعض الشافعية من اليمن ~~الأسفل، في نسب الأشراف، وذكر أنه سمي بذلك؛ لأن أمه حال حملها رأت أنه خرج ~~من جوفها نور، فسمي سراج الدين لذلك، وقيل: سمي بذلك لصباحة وجهه وإنارته. PageV02P273 ### | [ذكر الأئمة الأربعة الذين دعوا في عصر واحد وقطر واحد على مذهب واحد] # وفي علي ويحيى والمطهر والفتحي %~% جاءت بمنشور من السير # وكان يحيى هو الحبر الذي ظهرت %~% علومه كظهور الوشي في الحبر # وما ابن حمزة إلاعالم علم %~% مخايل اليمن لاحت فيه من صغر # ذكر السيد صارم الدين هنا أربعة [أئمة] ممن دعا في عصر واحد، وقطر واحد ~~على مذهب واحد، فمنهم سابق بالخيرات، ومنهم مقتصد، ولا أقول لمحبتي للعترة ~~الأكرمين، ومنهم ظالم لنفسه، وأنا أشير إلى ذكر طرف من سيرة كل واحد حسبما ~~اطلعت عليه، وعلى ما رتبه السيد صارم الدين في منظومته أولا فأولا؛ لأني ~~بان على تقليده في الترتيب، فلا لوم علي لأنه أعرف مني بهذه الأساليب، وهذه ~~توطئة وتمهيد لما سيأتي ms362 عن قريب. PageV02P274 ### || [الأول الإمام علي بن صلاح بن إبراهيم بن تاج الدين ] # فصل: فأولهم في المنظومة: علي بن صلاح بن إبراهيم بن تاج الدين، فإنه قال ~~به جبلان من أهل العلم، وهما السيد يحيى بن الحسين، والفقيه يحيى البحيبح، ~~وقد روي عن [حي] السيد الهادي بن يحيى أن [حي] والده السيد لم يكن يقل ~~بإمامته؛ وإنما عاضده لعل أمور المسلمين تصلح، قالوا: ودعا بعد وفاة الإمام ~~محمد بن المطهر بلا فصل، فبث دعوته في الآفاق، وسيرها إلى علماء الظاهر، ~~ودعاهم إلى إجابة دعوته، وتليبة عروته، والإهراع إلى جمعته وجماعته، ثم ~~قال: إني قد تسنمت غارب هذه الدعوة، مستكملا شرائطها غير خارج عن ~~استحقاقها، وقد لزمكم الإجابة ولكم البحث والاختبار، والامتحان، فعند ~~الامتحان يكرم الرجل أو يهان، ونحن قادمون إليكم وعارضون عليكم نفوسنا، فإن ~~وجدتم الدعوة صادقة والشرائط متكاملة، فلا غضاضة عليكم في اتباع الحق ~~والالتزام بأهداب هذه الدعوة، بل هو الواجب، وإن وجدتم هذه الدعوة خارجة عن ~~الرسوم الشرعية، منافية للحقائق العلمية، غير ثابتة الأساس، ولا محكمة ~~الأمراس، فأنتم مدركون لما في خواطركم، ولم تعجلوا بشق العصا ومخالفة ما ~~دعونا إليه ودللنا عليه. # هذا الكلام حكاه السيد العلامة الهادي بن إبراهيم في (كاشفة الغمة) عن ~~لفظ الإمام الناصر صلاح بن علي-رحمه الله تعالى-، قال السيد: ثم قال الإمام ~~الناصر عقيب ذلك: وهذه حجة لازمة، ومحجة بينة. PageV02P275 # قال: فلما بلغتهم دعوة علي بن صلاح لم ينظروا فيها نظر التحقيق، ولا ~~قابلوها بما يجب [لها] من مراعاة ما ذكره -عليه السلام- أعني الناصر، وقد ~~كان الواجب عليهم اختباره فهو أسبق بالدعوة، وكلامه داع إلى الصواب، سالك ~~منهاج السنة والكتاب. # قالوا : ومن هاهنا ثارت الاعتراضات، وتأججت نار المنازعات. # قال السيد الهادي: وكانت أمور لا حاجة إلى استقصائها، وكانت وفاته بعد ~~موت السيد يحيى بن الحسين بمدة قريبة، وقبره بالجبوب في سودة شظب مشهور ~~مزور، ولا عقب له فيما حكاه [حي] السيد العلامة صلاح بن الجلال. PageV02P276 ### || [الثاني: الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة -عليه السلام-] ms363 # فصل: وثانيهم الإمام الصوام القوام، علم الأعلام وقمطر علوم العترة ~~الكرام، حجة الله على الأنام، المؤيد بالله: يحيى بن حمزة بن علي بن ~~إبراهيم بن يوسف بن علي بن إبراهيم بن محمد بن إدريس بن جعفر بن علي التقي ~~بن محمد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي ~~زين العابدين بن الحسين السبط بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -عليهم ~~السلام-، كان الإمام يحيى عليه السلام في غزارة علمه، وانتشار فضله وحلمه، ~~حيث لا يفتقر إلى بيان، ولم يبلغ أحد من الأئمة مبلغه في كثرة التصانيف، ~~فهو من مفاخر أهل البيت، وعلومه الدثرة من مناقب الزيدية، وكان مع الإمام ~~المطهر بن يحيى في أول شبابه يوم قضية تنعم، فقال: في هذا الولد لله ثلاث ~~آيات: علمه، وخلقه، وخطه، وسمع يوم موته هاتف يقول: إمام علم [وهدى، أما ~~الجهاد] فبدأ واتفق له -عليه السلام- زمان مساعد في شبيبته، في خلو البال، ~~وعدم الاشتغال إلا بالتصانيف، والجمع والتأليف، فلما دعا -عليه السلام-، ~~وكانت دعوته -عليه السلام- في يوم ثاني من شهر رجب من سنة تسع وعشرين ~~وسبعمائة، وقام مناصبا للأعداء لم تسعده الأيام إلى كل المرام، فأكب ثانية ~~على التصنيف، وعكف على التأليف، وكان ذلك من أكبر النعم على المسلمين أن ~~أحيا بعلمه ما أحيا، فله الحمد على ما شاء، فصنف في أصول الدين (المعالم ~~الدينية) مجلد، و(التمهيد) مجلدان، و(النهاية) مجلدان، و(الشامل) أربعة ~~مجلدات، و(مشكاة الأنوار في الرد على الباطنية) مجلد، PageV02P277 و(الإفحام للباطنية الطغام) مجلد، و(التحقيق في التكفير والتفسيق) مجلد، ~~وصنف في أصول الفقه (المعيار) مجلد، و(القسطاس) مجلدان، و(الحاوي) ثلاثة ~~مجلدات، وصنف في الفقه (العمدة)ستة مجلدات، و(الاختيارات) مجلدان، ~~و(الانتصار) ثمانية عشر جزءا، وصنف في النحو (الاقتصار) مجلد، و(الحاصر) ~~مجلد، و(المنهاج) مجلدان، و(الأزهار) مجلدان، و(المحصل) أربعة مجلدات، وصنف ~~في المعاني والبيان (الطراز) مجلدان، وله (الأنوار المضيئة في شرح ~~السيلقية)، و(الديباج المضيء) مجلدان شرح نهج البلاغة، و(الإيضاح) مجلد، ~~صنفه في علم الفرائض، وصنف (التصفية) في الزهد، ومن تصانيفه ms364 الرسالة ~~الملقبة ب(عقد اللآلي في الرد على أبي حامد الغزالي) مختصر، وله (الرسالة ~~الوازعة للأمة عن الاعتراض على الأئمة) مختصر، وله (جواب عن مسائل سأله ~~عنها حي الفقيه أحمد بن سليمان الأوزري )، وله غير ذلك من الوصايا والحكم ~~والآداب، فرحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام خيرا، فما هو إلا آية في ~~الزيدية، وحجة ظاهرة على جميع البرية. PageV02P278 # وما العجب!! إلا ممن كان في زمانه من العلماء، ونحارير [الزيدية] السادة ~~العظماء، كيف جحدوا ما هو كالشمس ضياء، والنجوم رفعة واعتلاء، حتى كابره ~~بعضهم وعانده، ووضع من شأنه ما قلت به الفائدة، حتى قال بعض علماء عصره: ما ~~جمع الإمام يحيى كتابا إلا وأنا أعرف أمه؛ إلا (كتاب التحقيق) فإني وقفت ~~عليه، ولم أعرف له أما مدة من الزمان، وأخذ يعجب الناس، ويقول: هذا مولود ~~لا أم له!! قال: حتى وقفت على كتاب (البستي في التكفير والتفسيق) فرأيته ~~أصلا لهذا الكتاب، وعرفت أنه الأم، فانظر واعجب من هذا العالم على زعمه ~~وكثرة تحامله وجهله، قل {فأتوا بسورة من مثله }[البقرة:23]، على أن الإمام ~~-عليه السلام- [قد] كان كثير التواضع، وعديم التبجح بمصنفاته، حتى كان لا ~~يسميها إلا الحواشي ذكر ذلك في وصيته فتسميته لتصانيفه بهذا الاسم شيء لا ~~يفصح به أدنى المؤلفين، ما ذلك إلا لكرم أخلاقه، وطيب أعراقه. # قالوا: وكان -عليه السلام- من جملة من اشتغل بالتصنيف عن الإقراء ~~والتدريس، وهم جماعه مشهورون وكان دأبهم الاقتصار على ذلك، ومنهم من جمع ~~هذا وهذا. PageV02P279 # قال في (كاشفة الغمة): وكان مع غزارة علمه لما ناظره السيد يحيى حصره وظهر ~~عليه، حتى قال السيد يحيى وقد علق تلك المسائل التي وقع فيها المراجعة، وهي ~~قدر اثنتي عشرة مسئلة، أجاب الإمام عليها بكذا وهو غلط، وفي هذه بكذا وهو ~~غلط، وغلطه في أكثر تلك المسائل، قال: وكان المتولي لا يرادها عن السيد ~~يحيى ولده الهادي بن يحيى، واعلم أن المناظرات سهام تخطي وتصيب، فكم من ~~عالم مبرز إذا جوثي للركب، وطولب البحث تشتت نظره وتقالبت فكرته، ms365 وتبلدت ~~عليه قريحته، ورأيته لاحقا، وإن كان من قبل سابقا، ولهذا قال العلماء في حق ~~الحاكم: إنه يستحضر أهل العلم في حال قضائه؛ إلا أن يكون ذلك يشغله عن ~~استيفاء النظر، ويذهب جودة أفكاره. # قلت: ويؤيده أن الرواة ذكروا أن الحريري صنف من (مقاماته) قدر أربعين ~~مقامة، وتقدم بها إلى حضرة الوزير أنو شروان بن خالد، فلم يصدق دعواه جماعة ~~من أدباء بغداد، وقالوا: هي لمغربي مات، ووقعت أوراقه مع الحريري، فأمره ~~الوزير بإنشاء رسالة، فلم يفتح عليه بشيء، وقام خجلا، فهجاه علي بن أفلح ~~الشاعر بقوله: # شيخ لنا من ربيعة الفرس %~% ينتف عثنونه من الهوس # والقصة مشهورة، وكما لم يقدح هذا في غزارة علم الحريري وفصاحته، فكذا إن ~~صح أن الإمام يحيى أحصر، فلم يقدح ذلك في تبحره في العلم، فإن الحريري لما ~~خلى بنفسه أنشأ العشر الآواخر من مقاماته، وأرسل بها إلى الوزير واعتذر أن ~~هيبة الحضرة الوزيرية أدهشته، ففهم الوزير نزاهته مما نسبه أعداؤه إليه؛ ~~لأنها عادة الأضداد والحساد، ولله القائل: PageV02P280 # وهبك جعلت هذا الصبح ليلا %~% أيعمى العالمون عن الضياء # وعلى الجملة فمعلوم أن الإمام يحيى وحسن سيرته، وطهارة سريرته، وصيته في ~~الزيدية، ومحله في العترة الزكية أشهر من أن يحصره هذا المختصر، قال : # وليس يصح في الأذهان شيء %~% إذا احتاج النهار إلى دليل # وله -عليه السلام- أربع وصايا، من محاسنها الوصية الثانية، قال فيها: # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم، سبحان من اختص بدوام القيومية ~~وسرمدية في الوجود، المتعالي بالعظمة والاختصاص بصفات الجلال على كل معبود، ~~الجواد الذي إليه الرغبة في نيل المطالب، والمعهود إليه في إحراز كل مقصود، ~~الذي أرغم بالموت أنف كل متكبر فخور مختال، وجعله طيا لما يسطر من صحائف ~~الأعمال، وقصر به ما اتسع من تنفيس طوامح الآمال، وقطع به ما امتد وطال من ~~مرائر حبال الآجال، وأذاقهم مرارة طعمه، وجعله قاطعا لوصل الوصال، حتمه على ~~جميع الخلائق بحيث لا محيص لهم عنه ولا زوال، وأرغمهم بقضائه عليهم، ms366 ولا ~~مدفع له عن أنفسهم، ولا يدفع في صرفهم دفع دافع ولا حيلة محتال، وأشهد أن ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله شهادة أعدها ~~لخروج النفس بالموت وميقاته، وأجعلها ذخرا لإحراز رضوان الله تعالى والفوز ~~برضوانه [وجناته]. PageV02P281 # وبعد.. فإني أعتذر إلى الله [تعالى] وإلى من وقف على هذه الأحرف من دخولي ~~في هذا الأمر، فما كان لإحراز حطام دنيا، ولا للترفه بشيء من نعيمها ~~ولذاتها، ولكن قصدت لعل الله أن يظهر كلمة الدين على يدي، ويظهر أحكام ~~الإسلام، ويمحو ربوع الظلم ورسومه بعنايتي، وتخمد نار الجور وتركس آثاره، ~~وتحيا معالم الدين بعد اندراسها، فما تراد الإمامة إلا من أجل هذا، ولا ~~تكون مقصودة إلا بحصوله، وإن كان المقصود منها خلاف ذلك، فهي وبال على ~~صاحبها، ووزر على كل داع إليها، وفي الحديث عن النبي أنه قال: ((لا تسأل ~~الإمارة؛ فإنها يوم القيامة حسرة وندامة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت ~~إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها))، فنعوذ بالله من خسران ~~النفوس، والتورط في متا لف الأطماع، وأنا أستغفر الله العظيم من تفريط جرى ~~مني في نصرة مظلوم، أو إعانة مسكين، أو إغاثة ملهوف، فما كان ذلك إلا من ~~أجل تقاعد الخلق عن نصرتي، والإعراض عما دعوتهم إليه، والإكباب على تحصيل ~~أغراض حقيرة من الدنيا لا نالوها فينعموا، ولا أعرضوا عنها فيستريحوا، ~~فصبرت على الخذلان والنكوص عن نصرة الدين حتى يقضي الله لي بأمره، ويجيرني ~~بجيرة من عنده على هم وغم من مقامات الظلم، ومعانات الشدائد، وارتكاب ~~الفجور، والتلبس بالفواحش، وكانت لنا الأسوة برسول الله في إقامته بمكة ~~على مكابدة وشدة وصعوبة في الأمر حتى فرج الله عليه بإنجاز ما وعده من ~~إظهار الدين بمراغم المشركين، ثم أقول: حق على من كان الموت مصرعه، والتراب ~~مضجعه، والقبر مقره، وبطن الأرض وطنه ومستقره، واللحد PageV02P282 [ضامه]، والدود أنيسه، ونكير ومنكر جليسه، والقيامة موعده، والجنة أو النار ~~مورده، أن لا يزال فكره [إلا] في الموت ms367 وأهواله، ولا همة له إلا في انقطاع ~~العمر وزواله، ولا ذكر إلا له، ولا فكر إلا فيه، ولا استعداد إلا لأجله، ~~ولا تدبر إلا لوقوعه، ولا تعريج إلا عليه، ولا اهتمام إلا به، ولا حوم إلا ~~حوله، ولا انتظار إلا لنزوله، ولا تربص إلا لهجومه، وخليق أن يعد نفسه في ~~الموتى، ويراها في أصحاب القبور، وكل ما هو آت قريب، والبعيد ما ليس بآت، ~~ومصداق ذلك ما أثر عن صاحب الشريعة- صلوات الله عليه-((الكيس من دان نفسه ~~وعمل لما بعد الموت ))، ثم إن وصيتي إلى أولادي، والأقارب، وسائر الإخوان ~~وأهل الصلاح، وأرباب الديانة، والتقوى، والمسلمين، أن يشركوني في صالح ~~أدعيتهم، بالتجاوز عن الفرطات، وإسبال الستر بمغفرة الخطايا في الأوقات ~~المباركة، والأوراد الصالحة المتقبلة، ومجالس التدريس، وأدبار الصلوات، ثم ~~أقول متضرعا إلى الله [تعالى] في قبول معذرتي وغفران ما يعلمه من خطيئتي، ~~في سري وعلانيتي: اللهم، يا من هو المتعالي بجلال العظمة والكبرياء، ~~والمستولي بسلطان القدرة على ملكوت الأرض والسماء، والباسط بجناح الرحمة ~~لكل من بعد من خلقه، ومن قرب ودنا، نسألك بكلماتك التامات، ونور وجهك الذي ~~ملأ الأرض والسموات، أن ترحم عن النار وإصلاء الجحيم رؤوسا تطأطأت خضوعا ~~وتصاغرا لهيبتك، وألا تشوي بها وجوها قد خشعت من خيفتك، واشتملت على أعين ~~قد بكت من خشيتك، وعلى أسماع قد أصغت إلى سماع ذكرك، وموعظتك، وعلى خدود قد ~~سالت عليها الدموع وجرت إشفاقا من PageV02P283 سطوتك، وعلى ألسن قد تحركت بالاستغفار والعذر عن معصيتك، ونطقت بأنواع ~~التقديس وضروب التحميد، وأقرت بمعرفتك، أو تغل بأغلال الحديد رقابا قد خشعت ~~حذرا من رهبتك، أو تحطم بالنار أصلابا طالما أنحنت لأداء فرائضك وعبادتك أو ~~تطلع النار على أفئدة مشتملة على العلم بتوحيدك وحقائق صفاتك وكنه معرفتك، ~~أو تقرن مع الشياطين جنوبا قد تجافت عن المضاجع إسراعا ورغبة في طاعتك، أو ~~تشوي بالنار أكبادا لها تطلع إلى نيل عطائك وتكرمتك، أو تصهر بالحميم بطونا ~~قد انصرفت عن أكل الحرام والسحت خوفا من رهبتك، أو تقطع بكلاليب النار معاء ms368 ~~قد ضميت بالصيام تقربا إلى إحراز مغفرتك، أو تحرق بسعير النار ولهبها ~~أبدانا طالما مدت أكفها لنيل عطائك وهبتك، أو تسيل بالصديد فروجا قد تحصنت ~~من حرامك، وانحرفت عن معصيتك، أو تقرن مع النواصي أقداما طالما مشت إلى ~~المساجد طلبا لإحراز ثوابك ومنتك، أو تمزق بالنار جلودا قد اقشعرت من خوف ~~وعيدك وعظيم سطوتك، فلا وعزتك ما أسبلت العيون واكف العبرات إلا إشفاقا من ~~غضبك وعقابك، ولا طولت العكوف ببابك إلا طمعا في مغفرتك وثوابك، ولا بسطت ~~النفوس أكفها إلا رجاء لنيل رحمتك، فقد مددنا إليك أيدي السؤال واستمطرنا ~~الجود من عطائك الواسع وعظيم النوال، فقد سألنا ما عندك واثقين، فلا تردنا ~~بالحرمان خائبين، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة قمين. PageV02P284 # ثم إن هذه التعاليق التي جمعتها تحفظ وتبسط لمن طلبها بالحفظ والصيانة، لعل ~~الله أن يقسم منها ثوابا، فقد وقعت العناية في تأليفها ليحصل أخذ الفوائد ~~منها، وتكون عونا لمن وقف عليها على تحصيل مراده، وتسهيل مقصده بالتسهيل ~~والتقريب، وما كان من غيرها من سائر الكتب فهي موقوفة على الأولاد، وعلى ~~المسلمين عموما للقراءة بالحفظ والصيانة، ثم كتاب (الانتصار)، إن نفس الله ~~بالمهلة فالنية صادقة في إتمامه على النحو الذي قصدته، وإن حالت الآجال دون ~~إتمامه والعياذ بالله وقع الاجتهاد في بعض من خصه الله بإتمامه على الأسلوب ~~الذي اخترته فيه، فالرجوى في الله عز سلطانه أن ينفع به صالح الإخوان ~~الطالبين للعلم المنقطعين في طلبه، الشاغلين أنفسهم في تحصيل الفوائد، ثم ~~إني أوصي الأولاد، وسائر الأرحام والأقارب بتقوى الله تعالى، ومن بلغته ~~وصيتي من سائر الإخوان والمسلمين، فإنما هي الجنة من النار، وبها يحصل ~~الفوز والسلامة من غضب الله وسخطه، وانتظام أموركم تحصل بالألفة والمحبة، ~~وصلاح ذات بينكم بالمواصلة والتوادد والتراحم، فإن الله تعالى يقول:{ ~~فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم }[الأنفال:1]، وفي الحديث: ((إصلاح ذات ~~البين أفضل من عامة الصلاة والصيام ))، وإياكم والتقاطع والبغضاء فإن فيها ~~هلاك الدين، وحل نظام الأمر وإفساده، ولا تطلبوا الدنيا فإنما هي السم ms369 ~~القاتل، والسناد المائل، ولا تأسفوا على ما فات منها، فإنها منقطعة عن ~~أيديكم وإن حرصتم عليها لا محالة، واعملوا للآخرة، فإن العمل لها من أنفس ~~الذخائر، وكونوا حريصين PageV02P285 على الأمر بالمعروف، وكونوا أول آت به، وانهوا عن المنكر، وكونوا أول من ~~ينتهي عنه، وتخلقوا بأخلاق الصالحين وأهل الدين؛ فإنها من أعظم الخصال ~~وأعلاها، وإياكم والدخول في أمر المسلمين فإن فيه الخطر العظيم، ولقد علم ~~الله [تعالى]، وكفى بالله عليما لو حصل لي الخلاص بعد دخولي فيه ما كرهت، ~~والله [تعالى] يعلم قصدي في الدخول، ويعلم سريرتي في ذلك، وأسأله التجاوز ~~والصفح وقبول المعذرة، فهذه خصال تجب مراعاتكم لها على جهة الإجمال، فإنها ~~نافعة بإذن الله، فأما على جهة التفصيل فمراعاة خصال: # الخصلة الأولى: المواظبة على الصلوات في الجماعة، وحضور المساجد والأنس ~~بها، فإنها بركة الأعمال. # الثانية: الاشتغال بدرس العلم، والمجالسة لأهل الصلاح والدين، فإن ذلك ~~يجر إلى كل خير. # الثالثة: صلة الأرحام، والأقارب ومواساتهم مما أعطاكم الله، فإن الله ~~يخلف لكم ويزيدكم في الأرزاق. # الرابعة: بذل المعروف القليل والكثير لمن طلب وقصد. # الخامسة: مجانبة أهل الدول الظالمة، والبعد عنهم؛ فإن القرب منهم فيه ~~هلاك الدين، وهكذا البعد عن أهل الفسوق والمعاصي، فإن مخالطتهم تجلب الشر. # الخصلة السادسة: هذه التعاليق لا تمنع ممن طلبها للقراءة والفائدة، ~~والمأخوذ عليهم كلما وجدوا فيها [من] نكتة غريبة أو خلاف غريب أن يحركوا ~~ألسنتهم بالاستغفار لي، والدعاء بالرحمة، والتجاوز عن الفرطات، فالخطر عظيم ~~والرحمة واسعة، والعفو عظيم، هذا آخر لفظ وصيته هذه. PageV02P286 # وله وصية [أيضا] أكبر منها وأكثر فائدة إلا أن تعويلي على الاختصار أوجب ~~الاقتصار على هذه، ومن كلام له -عليه السلام- وقد طالع (تصفية) الديلمي ~~محمد بن الحسن-رحمه الله[تعالى] - قال: [و] لما وقفت على [مجموع كلام] ~~الفقيه الصالح محمد بن الحسن الديلمي في علم المعاملة وجدته قد سلك مسلك من ~~تقدم من مشايخ الطريقة كالجنيد، والشبلي، والبسطامي، وغيرهم، ونقل كلامهم ~~من غير تحريف ولا تبديل، وربما يكون في بعض كلامهم ألفاظ يمكن تنزيلها على ms370 ~~أصول الشريعة، ومقاصد الملة، وهم أخوف الناس لله تعالى، وأكثرهم تنزيها ~~لذاته، وأبعدهم عن مقالة أهل الفرق، فلا يظن من وقف على كلامهم الموهم أنهم ~~يقصدون معنى لا يليق بحال الربوبية، ولا يوافق أصول الحكمة، بل همهم تعظيم ~~الخالق، وتطهير قلوبهم عن الرذائل، فهذا ما عندي فيهم إن شاء الله تعالى. PageV02P287 # ومما يدل على غزارة علم الإمام يحيى -عليه السلام- وتبحره في علوم ~~الاجتهاد: أنه كان يفتي في بعض الأوقات بمقتضى النظر، ثم يفتي في مثل تلك ~~القضية بعض الناس بما يقتضي عكس حكمها، حتى لقد سمعت أنه سأله رجل، فأفتاه ~~بفتوى في قضية، ثم سأله آخر في وقت آخر نظير تلك المسألة أو هي بعينها، ~~فأفتاه بغير تلك الصورة، فقيل له في ذلك، فأجاب: بأن هذا مراد الله من ~~المجتهد، أو قال: هذا قسم هذا، وذاك قسم ذاك، أو معناه هذا الكلام، والذي ~~يدل على ذلك مانقلته مما نقل عن بعض كتبه الموضوعة في سيرته أنه قال: كتب ~~عبد الله المؤيد بالله يحيى بن حمزة بن رسول الله : [و] لا يحل لأحد من ~~المسلمين مخالفة الإمام فيما أمر به من مصالح المسلمين {النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم }[الأحزاب:6]، {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا}[الحشر:7]، وفي الحديث: ((ليس للمؤمن إلا ما طابت به نفس إمامه )) ~~نعم، الذي يقضي به الشرع المطهر، ويفتى به، وعليه العمل تصويب المجتهدين في ~~المسائل الاجتهادية، والمضطربات النظرية في الفتاوي الفقهية، والمواقع ~~الخلافية بين العلماء، كيف وما زال الصدر الأول من الصحابة في العصور ~~الخالية، والأزمان المتمادية، متصدرين للفتوى مع جري الخلاف بينهم، من غير ~~نكير ولا تجريح، ولا تأثيم فيما يجري في الفتاوي والأقضية،فهذا دليل واضح. PageV02P288 # نعم: مذهب الناصر-عليه السلام- بطلان طلاق البدعة، لا يعمل عليه، ولا يفتى ~~به، ليس لكونه خطأ فمعاذ الله، ولكنه لا يقوى على النظر، وإذا رأى الإمام ~~منع الخلق عن بعض المسائل الخلافية لمصلحة عظيمة، وجب عليهم الانقياد ~~لأمره، ولا يخالفوه فيما أمر واستصلح، وقد حرمنا على من وقف على ms371 كتابنا هذا ~~من الحكام والمدرسين، وأهل التمييز أن يفتوا بهذا المذهب، ومنعنا من الفتوى ~~به، فلا يحل لمفت الفتوى به، ولا يحل لعامي الدخول فيه بعد منعنا عنه، فمن ~~اهتدى فلنفسه ومن عمي فعليها، فالحذر الحذر عن مخالفتنا، فمن أطاعنا فقد ~~أطاع الله، ومن أطاع الله فله الجنة، ومن عصانا فقد عصى الله، ومن عصى الله ~~فله النار، فنعوذ بالله من النار ومن غضب الجبار، فيعمل على ذلك من وقف ~~عليه. انتهى. PageV02P289 # وقال -عليه السلام- في جواب مسألة التقليد: [وأما مسألة التقليد] فحواشيها ~~ممتدة، وليس يظهر وجوبه، بل لو عبد الله رجل على ظاهر [جملة] الدين من غير ~~تقليد، [جاز ذلك له]، وإن قلد جاز له العمل على رأي بعض العلماء والأئمة ~~بترجيح نفسه لما يقرع سمعه من العلم، والورع، والزهادة، وهذا ممكن في حقه، ~~وإن قلد جاز له الخروج من مذهب من قلده لغرض من الأغراض الدينية، إما لرخصة ~~يعمل عليها، أو اضطر إليها، أو لغير ذلك من الأشياء، أو لأغراض دينية، ~~[ويجوز له أن يقلد إماما] في مسألة دون مسألة، ولا حرج عليه في ذلك، فإن ~~وجد من يسأله من العلماء جاز له العمل على قوله، [وإن لم يجد عمل على ما ~~يحكى له] من رأي الأئمة الماضين في العمل بأقوالهم، والاهتداء بهديهم، وإن ~~بلغه مذهب من يقلدهم بخبر ثقة جاز له العمل عليه، والرأي المعمول عليه، ~~والنظر الأصوب المقطوع به، وهو تصويب الآراء في المسائل الخلافية، والمجاري ~~الاجتهادية، وكيف لا؟ ! ومجاري المحاورات، ومجالس الاشتوار في الأقضية، ~~والفتاوي، والأحكام افترقت، فأهل الصدر الأول من الصحابة -رضي الله عنهم - ~~بتصويب هذه الآراء من غير تضليل ولا تخطئة، وكل ذلك إمارة على كونها حقا ~~وصوابا، والأشبه لا معنى له، إذ كل رأي فهو أشبه بالإضافة إلى قائله، ورأي ~~الذي يستنبطه، ولا وجه إذا له، فمذهب الهادي -عليه السلام- في امرأة طلقها ~~زوجها ألف تطليقة من غير مراجعة فهي واحدة حق، ومذهب المؤيد بالله بأنها ~~تبين بثلاث حق، ومذهب الناصر في طلاق البدعة ms372 حق، ومذهب أحد الروايتين عن ~~زيد بن علي -عليه PageV02P290 السلام- في نكاح الكتابية حق، ومذهب الناصر أن الحجامة لا تنقض الوضوء حق، ~~إلى غير ذلك من المسائل الخلافية، ولا يفترق الحال بين مذهب إمام وإمام، بل ~~كلها حق وصواب. # وليت شعري!! بأي شيء تقع التفرقة مع بلوغ منصب الاجتهاد، وإحراز البلاغة ~~فيه، بل لو قدرنا على زعم المخالف[فيه] في هذه القاعدة أن هناك صوابا،فبأي ~~شيء نعرف كون ذلك حقا؟ ومع أيهم؟ وما علامته؟ وكل واحد منهم يأخذ من الكتاب ~~والسنة فيما ذهب إليه، فإذا لا تفرقة هناك، اللهم، إلا أن يكون بسواد ~~اللحية وبياض الوجه، ومثل هذا لا يكون فرقا بحال، ثم ما حجة من قال: يجوز ~~تقليد الهادي في أن طلاق ألف مرة تطليقة واحدة؟ ولا يقلد الناصر في عدم ~~وقوع الطلاق البدعي، والطلاق المشروط، وليت شعري!! من يمنع تقليد الناصر، ~~فيما ذهب إليه، فيما حكيناه عنه، إما أن يقول: بأنه ليس مذهبا له، فهذا ~~خطأ؛ لأن مذهب الناصر بلغ إلينا كما بلغ [مذهب] الهادي، والمؤيد بالله، ~~وإما أن يكون مذهبا له، خلا أن الناصر غير بالغ درجة الاجتهاد، فلا ولا ~~كرامة، فإنه لا قائل بهذا، مع أن هذه دعوى باطلة، وإما أن يقول: هو مجتهد، ~~خلا أن الآراء في الاجتهاد الحق فيها واحد، فهذا خطأ أيضا، بما أسلفنا ~~بتقريره، فقد ظهر بما ذكرنا سلامة الآراء الاجتهادية عن الخطأ، وأنها صائبة ~~كلها، والحمد لله وحده، انتهى جوابه في هذه المسألة. PageV02P291 # ومن كلام له عليه السلام أفتى به رجلا وصل إليه، وقد طلق زوجته، وردها إلى ~~نكاحه عملا بمذهب الناصر عليه السلام، فوصل هذا الرجل، وقد زوج امرأته ~~فقيه من بلاد الأهنوم، يقال له: إسماعيل، فكتب إليه الإمام -عليه السلام-، ~~بأن قال: وصلنا الشيخ فلان، وحكى لنا يا فقيه عفيف الدين أنه طلق زوجته، ~~وردها إلى نكاحه اعتقادا لمذهب الناصر بتأريخ أرخه، ثم إنك أنكحتها بعد ~~ذلك، فإن كان قد أبرمت بينهما حكما، ومعك ولاية من جهتنا وإلا فالحكم ~~مردود، ونظرنا ms373 نحن في هذه القضية، والقوي عندنا تصويب الآراء الاجتهادية، ~~وأنت -يا فقيه- فلست من أهل الاجتهاد، ومن لا يحسن السباحة يتعذر عليه ~~الغوص في غدير التمساح، فلا تتعرض بما لا تحويه حوصلتك، ولا تقدر على طحنه ~~معدتك والسلام. PageV02P292 # ومن كلام له أفتى به رجلا آخر في مثل ذلك، فقال: وصلنا فلان وسماه باسمه، ~~وحكى لنا أنه طلق زوجته وردها إلى نكاحه على مذهب الناصر، ونحن لا نفتي به، ~~ليس لكونه خطأ -فمعاذ الله-، والزوجان مهما دخلا في مذهبه -عليه السلام- ~~وعملا به لم يعترضهما المسلمون، إذا أغلقا [على أنفسهما] بابهما، وأرخيا ~~ستر الله عليهما، ولكنهما مهما وقع بينهما تشاجر وترافعا إلينا أو أحد ~~منهما، فعلنا معهما بمقتضى ما تصوبه آراؤنا من رفع أو تقرير، وليت شعري!! ~~ما الفرق بين الأخذ بمذهب الناصر والإمام الهادي، وكلاهما قد بلغ رتبة ~~الاجتهاد، والقوي عندنا تصويب الآراء الاجتهادية، فكل من أخذ بقول واحد ~~منهما، ومن سائر الأئمة من أهل البيت فقد تمسك بحبل غير منفصم، والعجب ممن ~~يخطئ أو يفسق المتمسك بمذهب الناصر، والأخذ بأقواله، وهو في الهداية النجم ~~الزاهر، وفي العلم البحر الزاخر، وقد قال : ((أهل بيتي كالنجوم بأيهم ~~اقتديتم اهتديتم))، فعلى هذا الآخذ بمذهبه لا يكفر ولا يفسق ولا يخطأ، بل ~~التخطئة في جنب المخطي، وهذه الرخصة رحمة من الله سبحانه لخلقه. # قال صاحب الشريعة: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى ~~عزائمه))، وفي حديث آخر: ((من لم يقبل الرخصة فعليه من الإثم مثل جبال ~~عرفات ))، فيعلم ذلك الواقف عليه من أهل الإسلام، انتهى كلامه. PageV02P293 # وقد رأيت ما أكثر تبحره، وأوسع مجاله، واطلاعه على أسرار العلوم وغوامضها ~~حتى يصدر منه ما يوهم المناقضة في فتاويه، ومن دقق النظر [علم] أن كل ~~أقواله راجعة إلى لفظ واحد لا اختلاف فيها ولا تدافع، كما قد توهمه بعض ~~القاصرين من أهل زمانه -عليه السلام-، كما تقدمت الإشارة في صدر ترجمته إلى ~~ذلك، فاعرفه موفقا [إن شاء الله تعالى]. # كان مولده -عليه السلام- لثلاث بقين من ms374 شهر صفر من سنة تسع وستين ~~وستمائة، وكانت وفاته في حصن هران، قبلي ذمار [في] سنة سبع وأربعين ~~وسبعمائة، ثم نقل إلى ذمار، ومشهده بها [مشهور] مزور، ولأهل ذمار فيه ~~اعتقاد [عظيم] بليغ، حتى [لقد] كثرت منهم الرواية أنهم ربما أطفؤا [السراج] ~~سراج القبة، واعتنوا في ذلك، ثم يشاهد السراج بعد ذلك متقدا، ويقولون أيضا: ~~إنه مذ مات ودفن بذمار قلما وجد الحنشان بها، ويروون هم وغيرهم من كراماته ~~أشياء هائلة لمن كذبها، وسارة لمن أحبها، وله -عليه السلام- عقب مشهور ~~بالفضل والعلم. PageV02P294 ### || [الثالث الإمام الواثق بالله المطهر بن محمد بن المطهر - عليه السلام -] # فصل: وثالثهم السيد الواثق بالله المطهر بن إلإمام المهدي لدين الله محمد ~~بن الإمام المتوكل على الله المطهر بن يحيى المتقدم ذكره، كان هذا الواثق ~~من أعيان العترة، ونحارير الأسرة، وفصحاء الأمة، ونجباء أبناء الأئمة، دعا ~~بعد موت أبيه، فتعارض هو ومن ذكر السيد صارم الدين في قطر واحد [وزمن ~~واحد]، ولكنه بعد ذلك ضرب عن الدعوة صفحا، وطوى دونها كشحا، كما ذكره في ~~كلام له سيأتي؛ إلا أنه لم يشعر بأنه لم يضرب إلا بعد أن مات الإمام يحيى ~~بن حمزة؛ لأنه قال في بعض ما وجدته [له] : ليعلم أدنى الأمة وقاصيها ~~القاطنون بسوح البسيطة وصياصيها، بعد السلام عليهم الجزيل ورحمة الله الملك ~~الجليل، أنا ما كنا تحملنا من الأعباء، إذ عميت عليهم الأنباء [إلا لنلحق ~~السابقين] من الأجداد الآباء، وأكرم بذلك فريقا، وحسن أولئك رفيقا، فنذكر ~~في الملأ الأعلى، ونفوز من الأجر بالقدح المعلى، فأبى الله أن يجعل [البسط ~~والقبض]، والإبرام والنقض، والرفع والخفض، وإقامة السنة والفرض، إلا في ~~مستودع سره، وترجمان ذكره، وولي نهيه وأمره، ومنفذ تهديده وزجره، علم الشرف ~~الأطول، وطراز العترة الأهول، وصفوة المصطفى، وسبط الأئمة الخلفاء، الخليفة ~~الولي المهدي لدين الله علي بن محمد بن علي -صلوات الله عليه وسلامه ~~وكراماته وإكرامه-. PageV02P295 # فقلنا: الخيار للمختار {وربك يخلق ما يشاء ويختار }[القصص:68]، والسعيد من ~~كفي، وتخفيف التكليف من اللطف الخفي، فأوصدنا هذا ms375 الباب، وطرحنا هذا ~~الجلباب، وسلمنا الأمر لوليه، ونطناه بابن رسول الله وابن وصيه، [وعلقناه ~~على عاتق منكبه]، فالأمر في فضله غير مشتبه: # إذا نحن بايعنا عليا فحسبنا %~% أبو حسن مما نخاف من الفتن # وجدناه أولى الناس بالناس عن يد %~% واعلم أهل الأرض بالفرض والسنن # ففيه الذي فينا من الخير كله %~% وليس بنا كل الذي فيه من حسن # فانقدنا له طائعين، وأتيناه مبايعين، وقلنا له ممتثلين: # رضيناك للدنيا وللدين فارتفع %~% على النجم مسموعا لك النهي والأمر # انتهى الموجود من هذه القصة، وهي كما ترى مؤذنة بأنه بقي داعيا إلى أن ~~ولي الأمر الإمام علي [بن محمد] -والله اعلم- أي ذلك كان، وهذا البيت الذي ~~تمثل به هو للأمير شمس الدين أحمد بن المنصور بالله من جملة أبيات مدح بها ~~الإمام أحمد بن الحسين من قبل افتراق الكلمة، والله المستعان على فتن ~~الزمان. # ومن رسائل الواثق البديعة: رسالة وجهها إلى حي الإمام الناصر لدين الله ~~صلاح بن علي، وهي الرسالة المسماة (بالدر المنظوم المفوف بالعلوم) أنشأها ~~بعد قصة خاو وقال فيها: PageV02P296 # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وصلواته على مولانا ملك الخلفاء، ~~ينهي عبده شكاية منه إلى الرحمن، وإلى خليفته إمام الزمان، من دهر يصابح ~~بالعدوان، ويماسي بالخسران، ويضرب بالخذلان ضرب الكرة بالصولجان، كلبه هر، ~~ووجهه اكفهر، يسلبني الحركة كما يسلبها فعل الأمر، وألغاني كما ألغي واو ~~عمرو، ويتلون كتلون الغول، فأنا فيه كالحرف المعلول، إن دخل عليه الجازم ~~بطل، وخلي مكانه من العمل وتعطل، وإن تحرك وانفتح ما قبله تبدل، يكلفني ~~إخراج حروف الشفة من مخارج حروف الإطباق، وذلك تكليف مالا يطاق، ويتردد بين ~~السعود والنحوس، كأنه أبو قابوس في النعيم والبؤس، الجفاء نوع من جنسه، ~~والعدوان ملزوم لازم أنسه، يلزمني إيجاد فرع من غير أصل، وتركيب نتيجة من ~~غير جنس، وفصل، وإنشاء نتيجة من غير مقدمتين، والحكم بحق بلا تبيين، فله ~~اختلاف الجد في حالات إرثه، وتلون الحرباء في صدقه، ولكنه جعلني كألف بلى ~~كان ألفا ms376 فكتبوه ياء، وكان منصوبا فرجع إلى الخفض، وأمالوه فعاد إلى الرفض، ~~وكتاء الافتعال والابدال، طورا بطاء وطورا بدال، يحمل الشاق، ويكلف المشاق، ~~راحتي فيه متروكة، وحرمتي [فيه] مهتوكة، كالعموم إذا خص، والطير إذا قص، ~~يعارضني بالنقيض، وينقلني من اليفاع إلى الحضيض، كعصى موسى إذا ضرب بها ~~الحجر تنبجس، وإذا ضرب بها البحر تيبس، فأنا مضطرب في الهوان والهون، إن ~~أظهرت فشجون، وإن أخفيت فغبون كأهل الظهور والكمون، إن ظهرت الحركة كمن ~~السكون، وإن ظهر السكون فالحركة لا تكون، أو كزوائد قالون، تثبت وصلا مع ~~السكون، PageV02P297 وتحذف وقفا إن تلاها القارون، يحكم بما يثبت في الأفكار، كما حكم بالسادسة ~~ضرار، يخيب الأمل، وينسخ قبل إمكان العمل، فأنا فيه معرض للفسخ غير آمن ~~للنسخ، أسير غير مفكوك، ومقيد قيده ملكوك، وهو لا يسمع إلى كلام، ولا يصغي ~~لملام، كالجوهر لا يقبل التجزي والانقسام، يبدل الحلو بالمر، ويرد إلى أرذل ~~العمر، ومن وثقت به زادني وها، كما زادوا للسكت ها، رميت فيه بأفوق طائش، ~~بنزول ولدي لاكتساب المعايش، تأليف أوجب صعوبة التفكيك، وسكون طرأ فقهر ~~التحريك، كمضارع دخلت عليه الجوازم، فالسكون له لازم. # عسى جابر العظم الكسير بلطفه %~% سيرتاح للعظم الكسير فيجبرا # وساعد مولانا دهري، فعظم عسري، رفع من دوني رفع خبر إن، وخفضني خفض ~~المجرور بمن، فكأني حذام يخفضني اللازم، وكأنه حيث لرفعه الملازم، قطع على ~~المغيب، وسمع في كلام العيب، قبول الشافعي مراسيل ابن المسيب، فبعد الملتقط ~~للدرر من المغاص والبعد، كالعدم مقطعة الاختصاص، مع الحاجة إلى الهبات ~~والفوائد، حاجة الذي وأخواتها إلى الصلات والعوائد، ومن أعظم البلية، رفع ~~يدي من المنبهية، أرسلت ابن عمر نهى فيها وأمر، أحال أهل الكلام مقدورا بين ~~قادرين، وأمرا بين أمرين، فهذا مقدور بين قادرين، وأمر بين أمرين] والوقوع ~~فرع على الصحة، والإحالة ليس لها صحة، سلبني أطراف بلدي تعميما، سلب آخر ~~المنادي ترخيما: # كما سامحوا عمرا بواو مزيدة %~% وضويق بسم الله في ألف الوصل PageV02P298 فلو نهيت ابن عمر انتهى، وما انتهى إلى ما انتهى، ms377 وما ارتفع إلى ما ليس من ~~أهله، {فقد لبثت فيكم عمرا من قبله }[يونس:16]، فما هم بها، ولا لفت لبته ~~لها، واحتملت الإعراض احتمال الجوهر للأعراض، وصرت لطول المدة وعظم الشدة ~~أرى حقي مغصوبا، وعملي مسلوبا، فأنا قلق الوساد، أعد في الأفراد كالصفة لا ~~تعمل على الإنفراد، كأن الولد سورا على البلد، فلما ذهب الناصر تعدى العدو ~~ولا حاصر، نسيت عليا وتركته نسيا منسيا، وقد اختار في خدمتك الفنا بالبيض ~~والقنا، وخلفته في الأولاد بإقامة أهل العناد، وإمهال البلاد، فأكثروا فيها ~~الفساد، وسينشد لسان حاله يوم يبعث كل حي لسؤاله: # ما كان هذا جزائي إذ أريق دمي %~% أمام جيشك بالهندية الخذم # أن تتركوني منسيا أصيح صدا %~% أو تخلفوني بسوء في ذوي رحم # ابناي أما صلاح فهو منتجع %~% يطلب الرزق إشفاقا من العدم # وصنوه حل في ذروان منتحبا %~% من الجفا جفنه الوكاف لم ينم # ووالدي رجل في سنه كبر %~% بمشقص من صروف الحادثات رمي PageV02P299 أرسل الله على خاو طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، لقد كان طريق فتنتي ~~وسبب محنتي جعل ذنبا لا يغفر، وحوبا لا يكفر، والتوبة للذنب مسقطة، وإنكار ~~إسقاطها سفسطة، إذا كان الذنب حقا والجرم صدقا، كيف وعالم الغيب برأني من ~~العيب برآءة عائشة من الريب، فمن قال سوى هذا، وأعرض عن ذا، ففرية من غير ~~مرية، وذكية من غير مدية، أما أنا فلو وجدت يومئذ الناصر لما فارقت الناصر، ~~ولو تماثلت الاعتقادات، واتفقت الإرادات ما خالف أبو هاشم أباه في الصفة ~~الأخص، ولما جازت الإمامة إلا بالنص، ولكن الخلاف فرقهم ولذلك خلقهم أجازت ~~الأمة المحمدية، أكل الميتة خوف المنية، وشرب المدام إذا أفرط الأوام، ~~وأباح الشرع في القتال، قتل الترس، وإن كان من الأطفال خوف الاستئصال، وأنا ~~خشيت الزوال، ففديت القدم بالنعال، وكنت منذ كنت ناظرا إلي، ومتعطفا علي ~~كالواو تدخل للابتداء والحال، وناصبة للاستقبال، وبمعنى أن والعطف ~~والأقسام، والعدد التام وسائر الأقسام، فلما خاب ظني، وأعرضت عني، أصبحت ~~كتاء القسم لا تدخل إلا على الجلالة، بعد ms378 أن كان معي كل حالة آلة، أما آن ~~للكسير أن يجبر، ولا للمخذول أن ينصر، ولا للمهجور أن يوصل، ولا للمكلوم أن ~~يدمل، {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس }[آل عمران:134]، {والصابرين في ~~البأساء والضراء وحين البأس[أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون] ~~}[البقرة:177]، المحفوفون بالثناء، والصفات الحسنى، عادات السادات، سادات ~~العادات، وتغشى ساحات أهل PageV02P300 السماحات: # إلى ها هنا أنهي[حديثي] وأنتهي # فما شئت في حقي من الخير فاصنع # قلت: هذا آخر [هذه] الرسالة، وقد رأيت براعة هذا السيد وتمكنه من المجال ~~بحسن هذه الأقوال في جميع فنون العلم: فقهها، وكلامها، وأصولها، وفروعها، ~~ونحوها، ولغتها، وغير ذلك، وهذه الرسالة أيضا جارية على مسلك رسالة القاضي ~~نشوان بن سعيد الحميري، فإنه ذكر فيها فنونا من العلم كثيرة على هذا النسق، ~~والفضل للمتقدم، إلا أنه لا كلام أن السيد مبرز على الأقران، وسباق غاية في ~~ذلك الميدان، فإن من وقف على استقداره على ارتجال الشعر المتنوع، وسحبه كل ~~مسحب، من جد وهزل، ورقيق وجزل، علم صحة ما ذكرته لك من بلاغة هذا السيد، ~~وحسن اختراعه وإبداعه، ولولا ما شرطته على نفسي من الميل إلى الاختصار ~~لأوردت من شعره هنا ما يسهي ويلهي، ولكني أحلت غيري على ما هو مشهور معروف ~~من ذلك، متداول بين العوام وأرباب الممالك، فلا فائدة في إيراد ما هو ظاهر، ~~ومن جملة شعره البليغ ما ذكره في طراز قبة [حي] الإمام المؤيد بالله يحيى ~~بن حمزة عليه السلام أوردته هنا لاحتماله أنه قاله عقيب موت الإمام، إما ~~بلا فصل فيكون قد شعره وهو إمام؛ لأنه وقف داعيا حتى دعا الإمام علي بن ~~محمد كما تقدم، أو يكون السيد الواثق قاله بعد مدة متراخية حسبما اتفق من ~~عمارة القبة، فيكون قاله وقد تنحى عن الدعوة، وهو هذا: PageV02P301 # نور النبوة والهدى المتهلل %~% أرسى كلاكله ولم يتحول # في قبة نصبت على خير الورى %~% قدرا وأشرف في الفخار وأفضل # وعلى الإمامة والزعامة والندى %~% والجود والمجد الأثيل الأكمل # وعلى السماحة والرجاحة والنهى %~% وعلى المليك الأوحد المتطول ms379 # والعالم المتوحد المترهب ال %~% متعبد المتنفل المتبتل # يحيى بن حمزة نور آل محمد %~% لب اللباب من النبي المرسل # كشاف كل عظيمة وملاذ ك %~% ل ملمة ورجاء كل مؤمل # يا زائرا يرجو النجاة من الردى %~% عن قبره وضريحه لا تعدل # لذ بالضريح وقف به متضرعا %~% واطلب رضاك من المهيمن واسأل # تحبى بكل وسيلة وفضيلة %~% وتنال خيرا في علو المنزل # شرفت ذمار بقبر يحيى مثلما %~% شرفت مدينة يثرب بالمرسل # فليهن أهل ذمار حسن جواره %~% فيما مضى وكذاك في المستقبل # انتهى، وقد عرفت طول عمره بمعرفتك لقولنا : إنه دعا بعد موت أبيه، ثم ~~حياته في مدة الإمام الناصر، وشكوا عليه كبر السن وغير ذلك، فينبغي البحث ~~عن الوقت والعام الذي مات فيه، وأين موضع قبره، ليلحق بهذا المكان بعون ~~[الله] الملك الديان. PageV02P302 ### || [الرابع الإمام الفتحي - عليه السلام -] # فصل: ورابعهم الفتحي، وهو: أحمد بن علي بن أبي الفتح، داره في هجرة وقش، ~~وكان مع الأشراف بني حمزة في العراقية، وكلام السيد صارم الدين في منظومته ~~هذه قاطع بأنه عارض الإمام يحيى بن حمزة - عليه السلام -، والذي رأيته أنا ~~في بعض الكتب أنه عارض الإمام المهدي علي بن محمد، ويمكن الجمع بين ~~الروايتين؛ بأنه تعمر حتى أدرك دولة الإمامين المذكورين، ويدل على ذلك قول ~~السيد الواثق فيما تقدم [في حكاية تواضع الإمام المطهر] : # قالوا: عصيت كما دعوت وأحمد %~% داع وليس لأحمد من مخرج # قلنا: صدقتم دعوتي مشروطة %~% بفساد دعوة أحمد البر النجي # حتى أتت أفواج حوث ثلة %~% تختال بين مقمص ومتوج # فبما هم نقضوا إمامة أحمد %~% هل كان فيه نحله في المنسج # فهذا يدل على أنهم عدلوا عنه، وعن الفتحي إلى الإمام علي. # وكانت وفاة ابن أبي الفتح برغافة، ولعله من ذرية أبي الفتح الديلمي ~~المقدم ذكره، وهو من ذرية زيد بن الحسن بن علي -عليه السلام- وآل أبي الفتح ~~عدة مشهورون في جهات صنعاء وغيرها، ولم أقف على كثير من تفصيل خبر هذا ~~الداعي الفتحي، فإن ظفرت بشيء من ذلك ألحقته في هذا الموضع بعون ms380 الله تعالى. PageV02P303 ### | [أخبار الإمام المهدي لدين الله علي بن محمد - عليه السلام -] # وابن المفضل داعينا أبو حسن %~% زاكي المساعي حسام العترة الذكر # قيدت إليه وإن لم ترض جانبه %~% لميلها عن بني المختار من مضر # وشادت المذهب الزيدي دعوته %~% وذللت كل جبار من البشر # [هذا] هو: الإمام المهدي لدين الله علي بن محمد بن علي بن يحيى بن منصور ~~بن مفضل بن الحجاج بن علي بن يحيى بن القاسم بن يوسف الداعي بن يحيى بن ~~الناصر بن الهادي إلى الحق يحي بن الحسين [عليهم السلام]، نسب يحكي نور ~~الشمس، ولا يمكن ينال ستره بالبنان الخمس، وإذا تلي نعش قوى النفس، وأبرأ ~~من التخبط والمس [أمه غزية]. # ولد -عليه السلام - بعد سنة خمس وسبعمائة سنة بقيت له الدولة نيفا وعشرين ~~سنة، ونشأ على طريقة آبائه الأعلام، في السعي لأسباب الكمال والتمام، حتى ~~برز في كل فن من الفنون وعلوم الإسلام، وصارت تشد إلى عقوته الأكوار ~~لاقتباس الفتاوي وتنفيذ الأحكام، من المغرب والمشرق واليمن والشام، ثم دعا ~~بثلا يوم الخميس آخر شهر ربيع الآخر [من] سنة خمسين وسبعمائة. PageV02P304 # قال السيد العلامة الهادي بن إبراهيم في (كاشفة الغمة) في وصفه -عليه ~~السلام- ما هذا لفظه: وأما حي مولانا الإمام [علي بن محمد] -عليه السلام- ~~فكان فضله أشهر من الشمس وضحاها، وأجلى من القمر إذا تلاها، درة تاج العترة ~~ومصطفاها، طراز غلائلها ومجتباها، فاروق أئمتها ومرتضاها، ذاتية صفة مجدها ~~ومقتضاها، الذي خص من الفضائل بمنتهاها، وترقى في درجاتها أشرفها وأعلاها، ~~وهديت به هداة الأمة إذ دعاها، فكشف عنها ليلها وبلواها، وألزمها صلاحها ~~وتقواها، ثم قال: واعلم - أرشدك الله وهداك - أن لكل إمام فضلا وهداية، ~~وجهادا وعناية، وجمع الله للإمام المهدي مفترقات الفضل والفضائل، وأعطاه ~~مالم يعطه أحدا من الأواخر والأوائل، ورزقه قبولا في القلوب على افتراقها، ~~وتماما في محبة الجهاد معه على امحاقها، فانقادت له قلوب أهل الزمان، وأحيا ~~الله به ما اندرس من معالم الأديان، وبرقت أسارير دعوته المهدية، فهدج ~~إليها الكبير، ودرج إليها الصغير، وتطلعت ms381 لها الكعاب، ونطقت بفضلها آي ~~الكتاب، وكان أهون المسير إليها الوجيف، وانثال إليها العالم ولا انثيال ~~الحجيج بموسم التعريف، وما هي إلا آية سماوية، وخصائص إلهية، والناس في ~~بركة آثاره إلى يومنا هذا، فالحمد لله {ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يشكرون}[يوسف:38]. PageV02P305 # ثم قال: وكانت أحواله -عليه السلام- زكية النما، يتعطر بثوابها أهل السماء، ~~زكى علمه، وانتشر فضله، وملأ الأقاليم صيته، وامتد في دار الإسلام صوته، ~~اشتغل في بدء أمره بالعلم، حتى فارق له الأوطان، والأهل والإخوان، ففتح ~~الله له أبوابه، وأجزل [له] ثوابه، ونور قلبه، وجعله [الله] للعلوم مصباحا، ~~وفلقا وضاحا، فكان كل فن أدركه يثمر من فوره، ويدرك من وقته، حتى إذا ~~استكمل الفنون ورمقته العيون، وعولت على تحصيله منه العيون، أقام في ~~التدريس أزمنة، لا ينفك عن العلم لا ليلا ولا نهارا، ولا يزال مكبا عليه ~~عشاء وأبكارا، فلما أراد الله إظهار سره المكنون، وقد ألقى عليه محبة منه؛ ~~حرك القلوب بألطافه إلى دعوته، وكشف دياجير الفساد بأنوار عزته، وتم ما ~~أراد الله من إظهار أمره، وسمو ذكره، وارتفاع حاله وقدره، وكان يشبه ~~بالملائكة بما خصه الله به من البهاء، وأتم له من النور، وكان له -عليه ~~السلام-حالات ثلاث : # الحالة الأولى: حالة اقتباس العلم والتحقيق لفنونه، والتحصيل لفوائده ~~والضبط لقوانينه. # [و] الحالة الثانية: حالة التدريس، ونشر ما وهب الله له من حكمته، أقام ~~في محروس صنعاء وغيرها إماما [في العلم] يرجع فيه إليه، ويعول عند الإشكال ~~عليه، ويقصد له من البلاد السحيقة والأمصار البعيدة، في الفتاوي والإرشاد، ~~والإقامة معه لطلب الهداية والاسترشاد. PageV02P306 # [و] الحالة الثالثة: حالة الدعاء إلى الله والجهاد في سبيله، والذب عن حوزة ~~دينه، وكان له من الأثر من الجهاد مالم يكن لغيره ممن تقدمه في اليمن إلا ~~الهادي -عليه السلام- يروى أنه أزال سبع عشرة دولة ظالمة في اليمن. # قال السيد الهادي-رحمه الله تعالى-: وذكر طرف من ذلك يخرجنا عن المقصود، ~~قال: فكان على هذه الحالات في غاية ازدحام لاشتغال كل ms382 حالة بما يلائمها ~~ويشاكلها، الأولى طلبا للعلم، والثانية تدريسا فيه ونشرا لألويته، والثالثة ~~دخولا في الأمر الجليل، فلم يتمكن من البسط في التأليف والتصنيف. # قال: وله -عليه السلام- مختصرات [ورسائل] وأجوبة، لما لا يحصى من ~~المسائل، قال السيد: ومع ذلك فلم يسلم من الاعتراضات، بل ناله ما نال ~~الأئمة الهادين، [و] الخلفاء الراشدين، فروي أنه وصل بعض العلماء وقد كان ~~يطعن في سيرته، ويعترض عليه في كتاب وخطاب، فلما انتهى ذلك العالم إلى باب ~~الإمام وطلب الإذن بالدخول فلم يأذن له، فقيل للإمام: إن فلانا ذو علم ~~وبصيرة، فهلا أذنت له بالدخول! # فقال -عليه السلام-: ما معه من العلم إلا ما يجهل به [انتهى]. PageV02P307 # ومما وجدته بخط الإمام علي بن محمد المذكور وعليه علامته وذكر اسمه، ما ~~لفظه: هذا الخط الأعظم، الأشرف، [الأكرم]، العالي، السامي، الغياثي، ~~الجوادي، الأفضلي، الأوحدي، الأمجدي، الأجلي، النبوي، الإمامي، الحسني، ~~الهدوي، المهدي، خلد الله ملك منشئه، وأعز نصره، وجدد سعده، وكبت حاسده، ~~يشهد للفقيه [الأجل] الأفضل شرف الدين الحسن بن علي بن أحمد بن فند، بأنه ~~عندنا على الإعزاز والإنصاف، منظور بعين المودة والإتحاف، مأثور الصبر ~~والجهاد والمودة، ملحوظ بلحظ الكرامة، مستقر على أكرم الحظوظ والاستقامة، ~~مرفوع في أسمى المراتب، وأسمى المنازل، وإنه من جملتنا، وممن تحوطه شفقتنا ~~وترعاه مودتنا، لايروع له سرب، ولا يكدر له شرب، وكذلك عمه محمد بن أحمد ~~الزحيف، وسائر إخوتهم، وبنو عمهم، وإنا قد ملكناه جميع ما تحت يده ويتصرف ~~فيه مما ينقل ويحول، ومما لا ينقل ولا يحول، وأجزنا له [تسليم] ثمن ذلك كله ~~إلى من اشتراه منهم، وأذنا له في التصرف في ذلك، بأي وجه من سائر وجوه ~~التصرفات، فمن ذلك جميع الدار الكبيرة والسقيف المتصل بها من جهة اليمن، ~~والعلو الذي فوق هذا السقيف، وكذلك الخلف الخارجي للدار وعلوه، يحد الجميع ~~قبليا دار أخيه أحمد بن علي بن فند، ودار ابن الفهري، ويمانيا الطريق ~~المسلوك، وفيه مفتح باب السقيف، والدار أيضا، وغربيا الشارع المسلوك مع ما ~~أخذ من دار ms383 ابن الفهري، وشرقيا الشارع الذي لا منفذ له، مع ما أخذ من دار ~~لإسماعيل بن قعلان، فهما بين هذه الحدود، وهما بناحية الجربة من صعدة، ومن ~~ذلك جميع الفندق والسمسرة اللذين في PageV02P308 الجيبة، وجميع مفاتحهما، يحدهما جميعا الحوايا اللاتي بينهما، وبين سمسرة ~~موسى بن يونس، وما أخذه من سمسرة موسى بن يونس [المصانع]، ويمانيا دار عتيق ~~ودار عدية الدلالة، وملك آل عارضة، وغربيا الطريق إلى بلجاء، وفيه باب ~~الفندق، والحوانيت المخرجات منه، [ومن جملة الفندق السقاية وهي من جملته]، ~~وشرقيا الطريق النافذ إلى باب الحديد وغيره، وفيه مفتح باب السمسرة، ومن ~~ذلك الثلاث الحوانيت المقابلات هذا الفندق، يحدهن [جميعا] شاميا ملك حي ~~الفقيه يحيى بن أحمد النور، ويمانيا دار غانم بن صالح الزوبعي، وغربيا دار ~~ابن الشمري، وشرقيا الطريق، وفيها مفتح أبوابهن، ومن ذلك [ثلثا] البئر ~~المسمى الوكيعية من مزارع صعدة، وجميع ضيعتها التي تحت يده إلا جربة ~~المسجد، وشهرة الجميع ظاهرة، ومن ذلك الحوض والقبة الذين عمرهما على هذه ~~البئر، وكذلك المشرب الذي أحدثه بهذه الضيعة، وكذلك الساقية التي يجري فيها ~~الماء الى موضعيه الذين من ضيعة هذه البئر، وكذلك ملكناه القصبة التي من ~~جملة القفلة المنصورة، ومفسحها المتصل بها [أيضا] وهي [القصبة] التي فيها ~~البئر، يحدها هي ومفسحها المذكور قبليا خلف هذه المنصورة، ويمانيا الطريق ~~إلى مسجد ابن زيدان، وغربيا مسجد القفلة، وشرقيا الخندق، ملكناه هذه القصبة ~~عوضا عن قصبته العامرة في جانب القفلة، وكذلك ملكناه القيراطين الذين في ~~يده من الجربة التي هي قبلي فندقه المذكور أولا، وقيراطين من مفسحهما، ~~وكذلك جعلنا إليه ولاية جربة المسجد التي من ضيعة الوكيعية، وأمرناه يصرف ~~غلتها في مصرفها، PageV02P309 وقد صار إلينا منه زيادة في ثمن الوكيعية والساقية، وجملة ذلك ألف وخمسمائة ~~درهم وزيادة في ثمن الفندق والجربة، والمفاسح، والقيراطين [الذين] في ~~الجربة الأخرى وفي مفسحها، ومن ذلك خمسمائة درهم زيادة الدار دار الجربة ~~والسقيف المتصل بها وما فوقه، والخلف الخارجي من الدار، وما فوقه، وقد ~~دعونا الله له بالهداية إلى ms384 العمل بطاعته واجتناب معصيته، والبركة في ماله ~~وولده، وأن يصلح له شأنه كله، وأذنا له في التصرف فيما تحت يده، وأن يفعل ~~فيه جميع ما يجلب فيه نفعا، ويدفع عنه ضرا، وصدر ذلك كله منا في شهر ربيع ~~الأول من سنة خمس وخمسين وسبعمائة. # أشهدنا مولانا ومالكنا أمير المؤمنين المهدي لدين رب العالمين -صلوات ~~الله عليه وسلامه-، بما نسب إليه في هذه لمن ذكر، وفوق هذا الخط وتحت هذه ~~البسملة ما لفظه: [كتب عبد الله المهدي لدين الله علي بن محمد بن علي، ~~وتحته ما لفظه] : كتب عبد الله بن أحسن الدواري، حكمت بصدور ما صدر من ~~مولانا الإمام المهدي علي بن محمد [بن علي] إلى حي الفقيه شرف الدين حسن ~~[بن علي] بن فند، كان ذلك مني بتأريخ شهر شوال [من] سنة اثنين وثمانين ~~وسبعمائة سنة. انتهى. PageV02P310 # قال بعض العلماء: إنها لما كثرت الفتن، وعظمت المحن في أول دولة الإمام علي ~~بن محمد-عليه السلام- داخل أهل صعدة فتور وملل، وادعى بعضهم على بعض أنه لم ~~ينفق على قدر حاله وماله، فانضربت أمور العسكر، وانقطع عنهم بعض ما ~~يحتاجونه لأنفسهم [وبهائمهم، فاشتغل خاطر الإمام، ولم يتمكن مما يقيم ~~العسكر]، فعول على القاضي جمال الدين علي بن محمد بن هبة الدواري أن ينشئ ~~قصيدة يحرض الناس على الجهاد في سبيل الله، ويحثهم على الإنفاق، فأنشأ ~~قصيدة، وأنشدها في محفل من كبار أهل صعدة، وكبرائهم ورؤسائهم، فبكى عند ~~سماعها جماعة من القوم حتى اخضلت لحاهم، وتعاقدوا في ذلك [الوقت]، وتعاهدوا ~~عنده على بذل الأموال والأرواح بين يدي إمامهم، وعلى الصبر على الجهاد في ~~سبيل الله حتى يأتي الله بالفتح، أو أمر من عنده، وجعلوا ما يحتاجون إليه ~~من ذلك [على] عشرة مقاسم، وألزموا أنفسهم في ذلك مائة ألف درهم، فحمل ~~الفقهاء آل علي بن حسن الهبي النصف خمسين ألف درهم، وحمل علي بن موسى بن ~~جميع الطائي وآل النزاري وآل عليان عشرة آلاف درهم، وحمل أهل درب الإمام ~~والفقيه قاسم بن قرة عشرة ms385 آلاف درهم، وحمل آل فند وآل الظاهر، وآل الذويد ~~عشرين ألف درهم، وحمل آل عليس ومن في جانبهم، والحدادون عشرة الآف درهم، ~~وعلى أنهم إذا نجحت المائة الألف أخرجوا بعدها مائة ألف، على هذه المقاسم، ~~وتراضى القوم بذلك، ووطنوا أنفسهم عليه طالت الفتنة أم قصرت، وهذه القصيدة ~~المذكورة: # سرى همه ليلا وهم الفتى يسري %~% فأمسى نجيا للوساوس والفكر # وأرقه خطب عظيم مؤرق %~% لمن كان ذا دين وذا حسب غمر PageV02P311 تخاذل أهل الدين عن نصر دينهم %~% وأجمع أهل المنكرات على النكر # وشدتهم في النائبات وصبرهم %~% على البؤس والضراء والقتل والأسر # على قلة في مالهم ورجالهم %~% وكثرة أهل الدين في البر والبحر # فقد أظهروا تيها على كل مسلم %~% وعجبا على عجب وكبرا على كبر # فلله ما في القلب من لوعة الأسى %~% ومن حرقة بين الجوانح والصدر # فأين حماة الدين من آل أحمد %~% وشيعتهم أهل الفضائل والذكر # وأين ليوث الحرب من آل حيدر %~% وأبناء قحطان الجحاجحة الزهر # وأين رجال الصبر من كل عائد %~% ومن بطل شهم ومن عالم حبر # وأين ذوو الإفضال والجود والسخاء %~% طلابا لوجه الله في السر والجهر # وأين الكرام المنفقون تضرعا %~% لكسب المعالي والمحامد والذكر # ألا بائع في طاعة الله نفسه %~% فيذهب بالسبق المكرر والفخر # ألا آخذ من ماله سهم نفسه %~% فيحرزه من قبل حادثة الدهر # ألا خائف من لفحة الله راهبا %~% لنار تلظى بالشرار وبالجمر # ألا راغب في رحمة الله طالب %~% جنانا من الياقوت والقصب الدر # ألا بايع دار الغرور بجنة %~% روائحها تسري وأنهارها تجري # ألا شاريا ملكا كبيرا ونعمة %~% بعيش حقير لا يسوغ ولا يمري # قصورا وولدانا وحورا نواعما %~% معرضة للبيع بالثمن النزر # فيا معشر الإسلام مالي أراكم %~% غفولا عن الفضل المضاعف والأجر PageV02P312 ألم يأن أن تستيقظوا عن منامكم %~% فقد بان جنح الليل عن شفق الفجر # وأن تستجيبوا داعي الله إذ دعا %~% فأسمع ذي سمع ومن كان ذا وقر # ألم تسمعوا ما جاء في الكتب واردا %~% عن المصطفى المختار من ولد النضر # ألم تسمعوا ما جاء في الكتب ms386 والذي %~% تولى فرارا عن وعيد وعن زجر # كأنكم لم تخبروا عن نبيكم %~% ولا تقرأوا ما جاء في محكم الذكر # أمنتم عقاب المذنبين جهالة %~% إلى أن حسبتم مثل راعية البكر # أليس إمام الحق بين ظهوركم %~% ينادي ويدعو بالجهاد وبالنفر # أفي فضله شك أفيه تردد %~% فمن شك فيه شك في الشمس والبدر # أفي عصرنا قد كان أو هو كائن %~% نظير له في الحلم والعلم والصبر # عكفتم على دنياكم وإمامكم %~% يجاهد أرباب الضلالة والكفر # حراصا على أزواجكم وحطامكم %~% شحاحا وشح النفس من أعظم الوزر # خلا عصبة من أهل صعدة صابروا %~% على البؤس والضراء في العسر واليسر # ليوث تباري بالصوارم والقنا %~% بحور تطامى باللجين وبالتبر # تواصوا على نصر الإمام وجاهدوا %~% على الدين واختاروا الوفاء على الغدر # فيهنيهم ما أحرزوا من فضيلة %~% ومن شرف يعلو على قمة النسر # فهلا سعيتم سعيهم ونفرتم %~% إلى نصره بالمرهفات وبالسمر # أفي الشرع أن يدعوكم فتثاقلوا %~% وتستأخروا من غير شغل ولا عذر # أفي الدين أن يصلى الأمور بنفسه %~% وحيدا وما منكم معين على أمر PageV02P313 وأن تبخلوا بالمال عنه وقد سخى %~% بمهجته والروح أغلى من الوفر # أنيبوا أنيبوا قبل أن تمطر السماء %~% عليكم بأنواع المصائب والفقر # وينتزع الأرواح والمال عنكم %~% علانية من غير شكر ولا أجر # بخلتم على الله الكريم بفضله %~% عليكم ولم تجزوا بحمد ولا شكر # وآثرتم الدنيا وعاجل نفعها %~% على جنة المأوى فيابيعة الخسر # وأحببتم دنياكم ونساءكم %~% على الله مولاكم فيالك من وزر # كأنكم أرواحكم في حياتكم %~% وأرزاقكم من عند أنفسكم تجري # ألا لا ولكن شح نفس نهاكم %~% وقد جفت الأقلام بالرزق والعمر # ألم تعلموا كم من صحيح منعم %~% أتته المنايا بغتة وهو لا يدري # وكم كادح في ليله ونهاره %~% يريد الغنى والفقر في سيره يجري # فهل تائب من ذنبه ومراجع %~% إلى ربه قبل المصير إلى القبر # ومدكر يوم الحساب وهو له %~% وموقف عدل في القيامة والحشر # فذو العرش إما تخذلوه يمده %~% على عجل بالفتح منه وبالنصر # ولو كان سيف ينصر الدين واحد %~% لقمت بسيفي لابسا حلة الصبر # ولو ms387 كنت ذا مال لأنفقت فضله %~% وصدق فعلي ما تضمنه شعري # فجردت من غمد القوافي صوارما %~% أحد من البيض المهندة البتر # ودونكم من فضل قولي مواعظا %~% ومن لم يجد ماء تيمم بالعفر PageV02P314 قالوا: وكان في اليمن[الأسفل] الداخلي رجل فقيه من رعية السلطان الملك ~~الأفضل، فلحقه معرة من نواب السلطان، فهرب إلى الجبال، وكاتب الإمام علي بن ~~محمد -عليه السلام-. # قالوا: وكان من جلساء الملك الأفضل رجل، يقال له: ابن الراعي، واسمه ~~محمد، وهو يدعي علما [وفقها]، وكان يحسن للسلطان القبائح، ويفتيه بأمور ~~تخالف الشريعة، فوقف هذا المذكور على شعر لذلك الفقيه يشكو على الإمام ~~[فيه] ما يلحقه من المعار، ويحرض الإمام على جهاد السلطان، فأحسن [إليه] ~~الإمام ووعده بكل خير ونوال، وتولى الجواب على هذا الشاعر الذي مدح الإمام ~~حي السيد مطهر الواثق بجواب فائق، فعمل الفقيه محمد بن الراعي جوابا يوبخ ~~فيه الفقيه الشافعي، ويمدح السلطان، وهو هذا: # قفي قبل التفرق يا أماما %~% نطارحك التحية والسلاما # فبي شوق إليك ولي فؤاد %~% مذاب قد غدا بك مستهاما # أكلفه التصبر والتعزي %~% وليس يزيده إلا غراما # عدمت الصبر عنك فلا سلو %~% ولا وصل لها يروي الأواما # ومما أضرم الأحشاء آت %~% حكى لي عن أخي حمق كلاما # كلاما من أجال الفكر فيه %~% رآءه عند رؤيته حراما # لمعتوه تخيل من أصاب %~% أراد بدينه يعطى حطاما # فلم ينتل بما قد قال شيئا %~% ولم يسلم بما فعل الأثاما # تبصر في أمورك واختبرها %~% وسل إن شئت ترفدك الكراما # فأما من سألت فغير شيء %~% إمام الغي لم يشبع طعاما # أتسأل سائلا أبدا ملحا %~% ولا نكرا لديه ولا احتشاما # وكيف يجود من عضت عصاه %~% كلاب الحي أو يعطي المراما # لعمرك ما حذوت على مثال %~% وقد أحرزت في الدارين ذاما # وأعجب منك إذ حركت شخصا %~% يريد لنفسه منا ذماما PageV02P315 يحركه بعتمة أو أصاب %~% تبلغه أمانيكم سهاما # وكيف يطيق أم من ذاك يقوى %~% يمس بكفه منا حطاما # وفي أقطارها ملك كريم %~% حماها أن تنال وأن تراما # على الأقصى يحامي بالمواضي %~% ومن قد ms388 رام عنه لا يحاما # وقلت الشافعيين اقتطعهم %~% وأوسعهم ذماما واحتراما # أبى الرحمن إلا أن ترانا %~% لأهل السنة البيضا سناما # نوالي من أردناه بخير %~% وفينا الله قد وهب الإماما # وفضل الشافعي يذب عنا %~% ويمنع أن نهان وأن نضاما # وأرضك قلت قد شردت عنها %~% ودمع العين ينسجم انسجاما # وأنك ترتجي بهم انتصارا %~% لقد أيقظت أمواتا رماما # فقال مطهر لما أتاه %~% جواب بالكلام جرى كلاما # وما عنا لنصرك صاهلات %~% وعن مضمون شرحك قد تعاما # جهلت فكان نفخك في رماد %~% غروت به ولم تنفخ ضراما # ألم تر أن في ثعبات ملكا %~% لبيع الشافعية قد أقاما # رسولي له في الملك أصل %~% أصيل لا ينال ولا يساما # حمى الدنيا وأهلك معتديها %~% وأمن أرضها يمنا وشاما # فنحن بملكه في خير عز %~% نود له على الدنيا الدواما # أتيناه فأولانا جميلا %~% وإحسانا وإنعاما تواما # وهبنا من مواهبه مئينا %~% وأغنينا الأرامل واليتاما # ومن مدح الملوك ينال عزا %~% ويلقى الذل من مدح الإماما # وما كالأفضل العباس تلقى %~% مليكا لا وراء ولا أماما # فمن والاه لا يخشى افتقارا %~% ومن عاداه قد لاقى الحماما # وكل متوج وعزيز قوم %~% يود بأن يكون له غلاما # تراهم حول ساحته وقوفا %~% يرومون السلامة والذماما # فقل لي للإمام الطهر قولا %~% تكون وراءه الصعب الحساما PageV02P316 عدمنا خيلنا إن لم تروها %~% على أبواب صعد تكم قياما # عليها الترك لابسة دلاصا %~% تعانق في الهياج ولا تراما # تسير أمام ملك شافعي %~% تقود الخيل والجيش اللهاما # ينقط بالرماح السمر صدرا %~% ويشكل بالمواضي البيض هاما # تخيركم إذا حامت عليكم %~% أطاعته أم الموت الزؤاما # وكل جدوده لكم استباحوا %~% فسوف يكون في هذا لزاما # قالوا : فجوب عليه في هذه القصيدة فوق سبعين شاعرا، سيأتي بعضها في ترجمة ~~الإمام صلاح بن علي -عليه السلام-. # وكانت وفاة الإمام علي -عليه السلام- في شهر ربيع الأول من سنة ثلاث ~~وسبعين وسبعمائة، مات وقد لحقه نقص في عقله وتمييزه من وجع أصابه في رأسه، ~~وكان موته بذمار، فنقله ولده إلى صعدة بوصاية من أبيه؛ لأن أهل صعدة أحبوه ~~محبة مفرطة، فعولوا ms389 عليه أن لا يخرج من بين أظهرهم، فقال [لهم] : أنا منكم ~~حيا وميتا، فامتثل ولده بهذه الإشارة وفعل عليها، ودفن في قبته المشهورة ~~بمشهد جده الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين - عليهم السلام -. PageV02P317 ### | [أخبار الإمام الناصر لدين الله صلاح بن علي عليه السلام ] # وكان حظ صلاح من إمارتها %~% عجالة الراكب الماضي إلى السفر # لكنها غرة في الدهر شادخة %~% بيضاء واضحة التحجيل والغرر # عج الرسولي منها في ممالكه %~% عجيج حاملة وقرا على دبر # هو: الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين صلاح بن أمير المؤمنين علي بن ~~محمد المقدم ذكره قريبا، دعا في ظفار آخر أيام أبيه لما تغير حاله كما ~~تقدم، فلما دعا [أدى من أمر الذب عن الدين] ما افترضه عليه رب العالمين في ~~كتابه المبين، فلذلك أجمع على إمامته أهل القبض والبسط، والحل والربط، من ~~علماء البسيطة، وفضلاء الأقطار المحيطة، وعطروا بمدحه المحاضر، وطرزوا ~~أوراق الدفاتر، وأجمعوا على أنه لم يسمع بمثله، ولا سمح الدهر [أبدا] ~~بشكله، [ولم يعلم من] أحد من أهل البصائر الثاقبة، والنفوس التقية ~~المراقبة، إلا من دخل في زمرة أتباعه، وانقاد له مضربا عن نزاعه، لمعرفتهم ~~لما نشر الله به مما قد كان طوته الأيام، من ألوية العدل في الأنام، وما ~~أحيا به الله من ميت الإسلام، وأشاد به ما اندرس من الأحكام، حيث جعله آية ~~صغرت في جنبها الآيات، ونعمة قصرت عن مدحها الغايات، ومد به الدهر باعه ~~المنزوي، ونصر الله به الضعيف على القوي، وحسم بصارمه جيش الغوي، وجمع في ~~ذاته وصفاته مفترقات الفضائل، ونسخ [به] من محاسنه ومحامده ما هو أبهى من ~~الطراز في الغلائل. PageV02P318 ### || فصل: في ابتداء طلبه للعلم # وما يلي ذلك من المعاونة لأبيه في حال سيادته. # اعلم أنه -عليه السلام- كان له في أيام الصبا وقار ذوي الأسنان العالية، ~~وسكينة أرباب الحلوم الزاكية، كان دأبه منذ دب اقتباس العلم والأدب، يكتسب ~~كل يوم فضلا، ويزداد كل وقت نبلا، ويعلو في كل شهر درجات في الفضل علية، ~~ويسمو في كل عام ms390 ذروات في المجد علوية، تباشير الإمامة من جبينه لائحة، ~~ومثاقيل الزعامة في ميزان اختباره راجحة، يشير إليه كل بنان، ويفصح بمدحه ~~كل إنسان، فلما ترعرع وبرع وعلا المنبر العالي وفرع، وبرزت أقلامه في ميدان ~~البراعة، فأكهمت فيه قواضب البراعة، ونطقت رسائله فاسكتت مساليق البيان، ~~وبرزت مساطيره فبدت فرسان الفصاحة والتبيان، وانتشرت فتواه في البلدان، ~~وسارت بإعلام علومه وتدريسه الركبان، وتظاهرت جواهر كلمه، وفرائد حكمه تارة ~~ببدائع الرسائل، وآونة بمحاسن المسائل، فملأ بها كل يد، ونور بها كل بلد، ~~وصار كعبة للعلم مقصودة، وآية في الفضل مشهودة، وفي خلال ذلك يقط رقاب ~~المارقين، ويقمع رؤوس الفاسقين، ويفتح عنوة ثغور الأمصار، ويملك قهرا معاقل ~~الأقطار، ويجهز السرايا والجنود، ويعيد في نصرة الإسلام خفق الألوية ~~والبنود؛ تارة منحدرا، وآونة مصعدا، حتى خضعت له رقاب جبابرة المتمردين، ~~وخنعت له جباه المعتدين، هذا ووالده يومئذ أمير المؤمنين صاحب البسط ~~والقبض، والإبرام والنقض، فلما أراد الله تمام كرامته، وإمضاء أحكام ~~إمامته، رجع الناس إلى المرتكز في أرواعهم وقلوبهم، المؤمل لكشف كروبهم، ~~إلى المعروف بالكمال، السابق إلى محامد PageV02P319 الخلال، لما قد كانوا رأوا من فضله ما بهر. # وعلموا من فضائله ومناقبه ما ظهر واشتهر، فركب الناس إليه متن الطريق، ~~وأتوه {رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق} [الحج: 27] فلما انتهوا ~~إلى مقامه الكريم، قضوا ما يجب له من التعظيم والتكريم، واختبروه في أمر ~~الإمامة والتقمص بهذه الزعامة، فأوجدهم أشد النفور والإباء عن تحمله بهذه ~~الأعباء حتى أقسموا له بكل يمين، ولم يكن أحد منهم ليمين، لقد وجب عليك ~~القيام، والدعاء إلى ما يدعو إليه الأئمة الكرام. # فلما قامت: أدلة الوجوب عليه ورأى عيون المؤمنين ناظرة إليه، أسعفهم ~~داعيا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، غير لاو إلى وطن، ولا معرج على ~~سكن، حتى استولى على أكثر مدن اليمن، وأكثر صياصيه، ومعاقله الشامخة ~~ونواصيه. # نعم: وقد تقدم في ترجمة أبيه -عليه السلام- ذكر الفقيه الشافعي الذي من ~~وصاب، وذم بعض [الفقهاء] الشافعية له على مدح الإمام علي وسؤاله ms391 لنصرته، ~~ومدح الملك الأفضل، وأن شعراء الزيدية جوبوا عليه بفوق سبعين قصيدة. PageV02P320 # قال الراوي لذلك: فأما الإمام صلاح [فإنه فعل] الجواب عليهم عساكر، وجحافل، ~~وكتائب، وقبائل، وصوارم، وذوابل، وأكذب قول ذلك الشاعر، وما وصف به سلطانه، ~~ووطي بلادهم سهلها وجبلها، ولم تغن عنهم أتراكهم والأكراد، ولا العساكر ~~والأجناد، وصدق أقوال الشيعة في أشعارهم، وصارت كلمتهم العليا، وكلمة ~~الجبرية وأنصارهم هي السفلى، وكان من جملة من جوب شعرا ونثرا حي الفقيه ~~الصدر العلامة لسان المتكلمين، وشحاك الملحدين: يحيى بن حسن القرشي الصعدي ~~بلدا، صاحب (منهاج القرشي) في أصول الدين، و(العقد) في أصول الفقه، وهما ~~مصنفان معتبران معتمدان عند الزيدية، فأنشأ يقول: # أتت تهدي إلى البدر الملاما %~% وتستدعي من البحر الخصاما # مثلمة الجوانب حط فيها %~% جنون كان في ظني مناما # تدل على وضاعة مبتديها %~% وتكشف عن حماقته اللثاما # وتحمل نحونا منه خطابا %~% يقول لسان قاريه سلاما # مناثرة الفضول كتبت فيها %~% خيالا مثل قلبك لا يضاما # تمنى المستحيل بها ضلالا %~% وتكذب لاحياء ولا إحتشاما # وما نفع الكلام لقائليه %~% إذا لم يتبع الفعل الكلاما # متى سار الثرى نحو الثريا %~% [متى قد سامت الخف السناما] # متى أتت الرياح إلى ثبير %~% فنالت منه أو هزت شماما # متى أبصرت كلبا أو حمارا %~% أخاف بصوته البدر التماما # متى أشبهت يا ابن جهات طي %~% بفسقك أو حماقتك الإماما # ومن أين اعتراك الجهل حتى %~% حسبت الباز يهتاب الحماما # تفاخر خير أهل الأرض طرا %~% وأشرفهم وأعلاهم مقاما # وتنهض كي تساعيه جنونا %~% يجل وحقه من أن يساما PageV02P321 هو البدر المنير بلا محاق %~% إذا ما كنت يا غمر الظلاما # هو الملك المحكم في البرايا %~% إذا ما كنت للأهواء غلاما # هو الجبل المنيع بنا أمانا %~% لمن يهوى بذروته اعتصاما # هو الحتف المتاح على الأعادي %~% فلن يجدوا لما صدع التئاما # هو المعطي إذا الأنواء ضنت %~% كأن ببطن راحته الغماما # فتى فاق الورى شرفا وفضلا %~% وسادهم وما بلغ الفطاما # له فضل تقر به الأعادي %~% وود لا يرون به انكتاما # له شرف أناف على المعالي %~% فقمتها لنعليه ms392 تساما # له كف يقسم في البرايا %~% كما خلقت عطاء وانتقاما # فيا ابن التركمان بأي فضل %~% تحوز الفضل خلفا أو أماما # ويا ترب الفسالة والمخازي %~% متى أمسكت للعليا زماما # تطاولني وباعك في المعالي %~% قصير ما بلغت به مراما # [أنا تاج العلا إن كان رأسا %~% ومضربه إذا أضحى حساما] # أنا وجه المفاخر حين تبدو %~% أنا ساق الهدى حين استقاما # أنا السيف المهند قد علمتم %~% إذا طلع الضلال إلي هاما # أنا بدر الظلام إذا تعامى %~% أنا بحر العلوم إذا تطاما # أنا زوج الرئاسة سقت مهرا %~% وسيرك نحوها كان احتلاما # أنا بالمجد والعلياء فخري %~% إذا ما كان مفخرك الحطاما # أنا الداعي إلى الحق احتسابا %~% يراني الله للتقوى إماما # فإن أحببت تشبه عبد عبدي %~% فسر نحو العلى سبعين عاما # لقد أمعنت في الأحلام حتى %~% إذا استيقظت أمعنت انهزاما # جهلت حفيظتي فسعيت نحوي %~% كما جهل الطلا الليث الهماما # وما للشمس في العميان ذنب %~% إذا ما أبصروا الدنيا ظلاما # بفيك الترب كيف طمعت فينا %~% ويأبى مجدنا من أن يساما # ونحن الضاربون الهام شقا %~% وموج الموت يلتطم التطاما # ونحن السابقون إذا نجارى %~% ونحن الفائتون إذا نراما PageV02P322 ونحن بنو النبي إذا انتسبنا %~% فمن أنتم نظنكم نيامى # ونحن ملوك بيت الله حقا %~% بنينا الركن منه والمقاما # ونحن ولاة حوض الحشر نسقي %~% موالينا ونمنعه الطغاما # ونحن سفينة فإذا غرقتم %~% فلن تجدوا سوى السفن التزاما # وفينا الوحي والخلفاء فينا %~% فما في غيرنا تجد الكراما # بنا الغالون والقالون هلكى %~% وكنا بين ذالكم قواما # ورثنا المجد من حسن المثنى %~% فهل عجب إذا فقنا الأناما # لقد وجبت مودتنا عليكم %~% فلم ترعوا لواجبها احتراما # وجاءت هل أتى تثني علينا %~% ثناء كنتم عنه نياما # أبانت فضلنا وجحدتموه %~% كأن لكم على الحق احتكاما # وفي يوم الغدير لنا ولاء %~% على كل الورى ساما وحاما # ومبغضنا المنافق والمرائي %~% بهذا النص في الآثار قاما # بنينا مجدنا بالرغم منكم %~% وقمنا دونه من أن يضاما # وكنا فوق رأس المجد تاجا %~% وكنا في محياه ابتساما # وكنا خير من ركب المطايا %~% وكنا خير من صلى ms393 وصاما # ألم تعطوا الخراج لنا قديما %~% ألم تستوهبوا منا الذماما # ألم نوسعكم أسرا ومنا %~% فلا تخفوا أيادينا الجساما # ألم نشبع وحوش الأرض منكم %~% وأكلبها ألم نرو الحساما # وقلت نرجي الزكوات منكم %~% وما قولا صدقت ولا كلاما # عن الزكوات نزهنا فكانت %~% على حتى موالينا حراما # وبالتشيع تنبزنا انتقاصا %~% ولم يعلم لهذا الاسم ذاما # به سبعون ألفا ما عليهم %~% حساب يوم ما يولي الحماما # وتفخر إن أتيت الحقل يوما %~% فقد قهقرت لم تسطع مقاما # أتى نحو السما الشيطان سرا %~% فأبصر شهبها فيه تراما PageV02P323 فأدبر والفؤاد له وجيف %~% ألا يا لهف نفسي لو أقاما # أتتكم من بني الزهراء أسود %~% فكنتم بين أيديهم نعاما # مضيتم ليس يلوي ذو احتساب %~% ولا يرعى لصاحبه ذماما # لبستم في ظلام الليل درعا %~% مخافة بأسنا لستم كراما # نجوتم من مخالبنا ليوم %~% ترون أخفة الموت الزؤاما # تهيوا للقاء ولا تحيدوا %~% فإن لنا بلقياكم غراما # ستصبحكم بها شعث النواصي %~% معودة فوارسها الصداما # فنطوي الأرض طيا كيف شئنا %~% تهامتكم وتنأمها السناما # فكم من وقعة دارت عليكم %~% تركنا المحصنات بها أياما # [وكنتم بين أيديها ظهورا %~% وكنا نحن خلفكم سهاما] # كيوم فشال أيتمنا بنيكم %~% وقسمنا الخزائن والخياما # ويوم تعرقد صلنا عليكم %~% وصلنا وسط حوزتكم قياما # ويوم زبيد خيمنا عليها %~% وأقعدنا معاقلها القياما # وأخربنا المساكن حين كنا %~% بدار الكفر لا نهوى المقاما # دعوا هذا التجلد واستعدوا %~% نراكم عن مقاصدنا نياما # سننقض عهد ملككم قريبا %~% وننثر بالضبا ذاك النظاما # ولن تجدوا لما انحل انعقادا %~% ولن تجدوا لما انتثر انتظاما # وخذها تحمل الأعذار منا %~% إليكم لا التحية والسلاما PageV02P324 مخبرة تطرق أرض الجبر والتشبيه، منحدرة من سماء العدل والتنزيه، تهادى إلى ~~عدينة كالعروس، وتنزل على أهل الضلالة بالبؤس، قامعة لهم لا يملكون دفعها، ~~وواقعة عليهم لا يستطيعون رفعها، كيف رأيتم صنع الله يا معشر الأحزاب يوم ~~أمعنتم الهرب من إرياب، هل جعل الله كيدكم في تضليل! وردكم مشتملين على غير ~~الجميل! وهل أراكم الأسد في الأغيال، تستكفي بالزئير في طرد البغال! ~~[للغنم] بأوباش حطبت بليل، وفراش جمعت من ms394 غثاء السيل، ونزلتم تسحبون ذيول ~~الخزي والعار،:{ قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار } [الحج: 72]، غركم عن سموم ~~ا لهواجر نسيم الباكر، ومكرتم والله خير ماكر، وخرجتم من بيوتكم بطرا ورئاء ~~الناس، وتحزبتم لطمس الدين ورفع منار الظالمين الأرجاس، {ولن تغني عنكم ~~فئتكم شيئا ولو كثرت } [الأنفال: 19]، {وأن الله مع المؤمنين} وبذلتم ~~أموالكم للذين يخوضون ويلعبون، وستنفقونها ثم تكون عليكم حسرة ثم تغلبون ~~حسدتمونا الشرف، والحسد شر خيم، وبغيتم علينا والبغي مرتعه وخيم، لا جرم ~~[إذا] اقتطعتم دون بلوغ الأمل، وشر ما رام امرؤ ما لم ينل، قد رجعتم لظهر ~~المخازي الأملس، وفررتم والفرار بقراب أكيس، ذهبتم بين سمع الأرض وبصرها، ~~لا تدرون ما تطأون من حجرها ومدرها، فيا لها من أحدوثة بالخزي والعار ~~ملوثة!! ألبستكم من الذل أي لباس، ووسمتكم بسمة تعرفون بها في الناس، فلئن ~~أفلتم بجريعات الأذقان، لقد بلغت بأفئدتكم الخفقان، ولأن أنجاكم من هذه ~~جواد الركض، فما أنتم بمعجزين في الأرض، كلا PageV02P325 لا وزر يعصمكم من النكال، ولا مخرج لكم من دائرة الوبال، صرح الشموس ناجزا ~~مناجز، فليس لكم والله من بأسنا حاجز، [لندخلن إن شاء الله عليكم الباب]، ~~ولنضربن حول بيوتكم القباب، وليعلمن المترف عند إرغامنا لأنفه أنه كالباحث ~~عن حتفه بظلفه، فلقد غرتكم الأماني والطمع، كما تجشى لقمان من غير شبع، ~~وجاء بكم من جرف الهلاك يسير، كالحادي وليس له بعير، معتمدا على الأموال ~~والفيلة، [عاد بقرمله] غازيا لنا، وأول الغزو أخرق، ومستهينا بنا، ~~والمستهين بعدوه أحمق، فلئن جاءنا وهو ينغض مدروبه لقد قهقر عنا ترنف روانف ~~أليته، وكان كما قال أهل الأدب في مثله: أفلت وأنحص الذنب، أيها المغتر ~~بالأحلام، لا تغتر، كذا كل مجر في الفلاة يسر، ما خفي عنك، إن الشمس في ~~السماء لكن ترد غداة غب عند أمر من ظمأ، أتحكم علينا هوسك برد داود، وستحجل ~~كما حجل في القيود، وتتوقى الذم وأنت كاسبه وصاحبه، وكيف تتوقى ظهر ما أنت ~~راكبه، وتطير بنا في انقلاب الزمان وأنت بذلك على نفسك جان، ms395 يداك أوكتا ~~وفوك نفخ، ومركبك في بحر الخذلان رسخ، وقل من يقف عند منزلته ورتبته، كما ~~أبى العبد أن ينام حتى يحتلم بربته، قد سبقكم إلى الحسد لنا معاوية، وخلفه ~~في كل عصر [لنا فيه] باغية، فانخرطتم في سلك النواصب والفجار، فأنتم لنا في ~~الحسد سواسية كأسنان الحمار، ما يضر الشمس طنين الذباب، ولا ينجس عباب ~~البحر بول الكلاب، نحن أقطاب الحق وعلينا يدور لولبه، وإلينا ينتمي المجد ~~وبنا يشرف كوكبه، ونحن أهل السبق في كل فضل وكمال، ولكل مكرمة في الأنام ~~إلينا مآل، قد جعلنا الله لشخص PageV02P326 الفخار قمة، واختارنا للقيام بأمر هذه الأمة، وخصنا من المفاخر بالحظ ~~الأسنى، وجعل لنا [من] الشرف لفظا ومعنى فمبغضنا بالنص منافق، والمناوئ لنا ~~على الدين مارق، ليس لأحد صلاة إلا بذكرنا، ولا ورود على الحوض إلا بإذننا، ~~قد جعلنا الله بابا لحطة فمن لم يدخله فإنما أهمل قسطه، لن يضل من تمسك بنا ~~أبدا، ولن يجد الغريق عن سفينتنا ملتحدا، أذهب الله عنا الرجس وطهرنا ~~تطهيرا، وجعل منا سراجا وقمرا منيرا، فبنا يميز الهدى من الضلال، وفينا ~~يهلك الغالي والقالي، وبنا هدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد: ~~{ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد}[الحج: 3] ~~فرقتنا بحمد الله الفرقة الناجية، وعصابتنا العصابة الهادية، وعلماؤنا عدول ~~كل سلف، وأئمتنا الخلفاء في كل خلف، يتصل إسناد مذهبنا بجبريل، ويشهد بصحة ~~عقيدتنا محكم التنزيل، وأنتم [كالغنم] تتبعون كل ناعق، وتهرعون بين يدي كل ~~سائق، تأخذون دينكم في دين الله عن أفواه الرجال، مذبذبين بين يمين وشمال، ~~إنكار المنكر فيكم منكر، والمعروف بين أظهركم لا يذكر، جاهلكم لأمانته ~~خائن، وعالمكم في دين الله مداهن، وأعلى مراتبكم الرقص والتصفيق، وأمثلكم ~~طريقة في بحر الغواية غريق، وإمامكم فيما نسمع مثلوم الجناب، قد آذن من كل ~~خير بذهاب، يصر وأنتم تعلمون على ارتكاب المحرم: {وإذا قيل له اتق الله ~~أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد} [البقرة : 206]، وله في مذاهب PageV02P327 الحماقة فنون، ms396 [وفيه من حب السفاهة جنون]، وسيعلم متبعوه ذل مقامهم يوم ~~يدعو كل أناس بإمامهم، هذا ولكم في كل بدعة في الدين أمير ممن {يجادل في ~~الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير}[الحج:8] قد سلكتم في كل ضلالة منهجا، ~~اتباعا لقوم يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا، لا يصيح بهم إلى الغي صائح ~~إلا استمعوه، (({ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه } [سبأ:20]،{إنهم ألفوا ~~آباءهم ضالين، فهم على آثارهم يهرعون} [الصافات: 69،70]، قلدتم ابن أبي بشر ~~دينكم المدخول، وتركتم سفن النجاة وسلالة الرسول، وتسميتم بأهل السنة ~~والجماعة من الوقاحة وكثرة الخلاعة، وتمسكتم في مخالفتكم بالقرآن، وقد ~~علمتم أنه لا يفارقهم حتى يردوا الجنان، فكيف تمسكون [بكتاب الله؟ !] يا ~~أيها الجهال، ومذهبكم يقتضي أن يكذب في المقال، ألستم تجوزون القبيح على ~~الله، فما دليلكم على نبوة أنبياء؟ أليس مذهبكم التجويز والجبر، فاخبرونا ~~ما معنى النهي والأمر، ألستم تدفعون قضايا العقول فأين تذهبون [عنه] عند ~~تعارض المنقول؟ أليس دليل السمع هو المقدم فيما تميزون بين المتشابه ~~والمحكم؟ أليس قد أجبر على فعله العاصي والطائع؟ ! فما الثمر في إرسال ~~الرسل بالشرائع؟ أليس قد فعل الضلالة والاهتداء؟ ! فما معنى قوله: {إن ~~علينا للهدى }[الليل:12]؟ ! أليس عبادة الأوثان عندكم قضى بها الله؟ ! فما ~~معنى قوله:{وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه }[الإسراء: 23] أليس لا PageV02P328 تصح من فاعل القبائح؟ ! فما الفائدة في الصلاة ونحوها من المصالح؟ ! أيحسن ~~دعاء المقعد إلى الطيران؟ ! أو تكليف الأعمى ينقط القرآن؟ ! أليس لا قدرة ~~على الطاعة إذا لم تكن معها [إستطاعة]؟ ! فما معنى قوله:{لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها }[البقرة: 286] أليس الشرك بالله من القضا؟ ! فلم لا يجب عليكم ~~الرضا ((فكل ميسر لما خلق له ))، تتمسكون؟! ففسروا: {وما خلقت الجن والإنس ~~إلا ليعبدون }[الذاريات: 56] وأظهروا الفرق بين الصور والألوان، وبين الكفر ~~والإيمان، إذا كان ذلك [كله] فعل الرحمن، ولا فعل فيه لإنسان، وهل الكسب ~~شيء فعلتموه، أو فعل فيكم، والأول عكس ما قلتموه، [والتالي] لايجديكم ~~وزعمتم أن الله يصد عبيده عن فعل الجميل، ms397 {ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول ~~الحق وهو يهدي السبيل}[الأحزاب: 4] وقلتم: يجوز أن يغوي عن الرشد عبده ~~:{ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة }[الزمر: 60] فقد ~~حكى الله عن موافقيكم في المعنى : {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما ~~أشركنا }[الأنعام: 148] ثم بين بطلان قولكم وقولهم، فقال: {كذلك كذب الذين ~~من قبلهم }[الأنعام: 148] ألستم تلهجون بالقدر في كل قضية؟! فلم لا تكونون ~~أنتم القدرية؟! وكيف يكون الاسم للنفي لا للإثبات؟ يا أرباب الغواية ~~والهنات؟! ألستم تقدرون في مخالفة الشيطان، فأنتم شهود الزور وخصماء ~~الرحمن، ألستم تذمون PageV02P329 على مالا تطيقه النفوس ؟ فذلك مذهب إخوانكم المجوس، لقد ثلثت النصارى ~~وثنيتم، وأجملت المانوية وبينتم فيما تبطلون القديم الثاني، إذ قلتم بقدم ~~المعاني، ولم استغنت صفة الوجود عن المعنى، ولم يشاركها سائر الصفات في ~~الاستغناء؟! وإذا أدرك تعالى [عن ذلك] بإدراك الأشعرية، وسادسه ضرار، فما ~~معنى قوله:{ لا تدركه الأبصار }[الأنعام: 103]، ولم يجوز عليه الصعود ~~والانحدار، وقولكم إن ذلك غير معقول ليس بمسموع منكم ولا مقبول، ولو جاز أن ~~يرى رؤية غير معقولة، لجاز أن يشتهي شهوة مجهولة، وذهبتم [إلى] أن الله لكل ~~شيء مريد، فبم تفرقون بين الأمر والتهديد؟ ! وإذا أراد قبائح العباد التي ~~فعلوها، فما معنى {كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها}[الإسراء: 38]؟ ! وإذا ~~أراد عدوان المعتدين وظلم الظالمين فما معنى : {وما الله يريد ظلما ~~للعالمين }[آل عمران: 108]؟ ! وإذا أراد منكم البغي والعناد، فما معنى ~~[قوله] : {والله لا يحب الفساد }[البقرة: 205]؟ ! ولم لا يكون مطيعا من فعل ~~ما أراده المطاع، ويستوي في الذم والمدح من عصا وأطاع؟ وإذا جاز أن لا يثيب ~~على الأعمال، فمن أين توجه التكليف على كل حال؟ وإذا كنتم على جواز التعذيب ~~من غير ذنب شهداء، فما معنى قوله: {ولا يظلم ربك أحدا }[الكهف: 49]؟ ! وإذا ~~كان تعذيب من لا ذنب له غير ظلامة، فما معنى: {ونضع الموازين القسط ليوم ~~القيامة }[الأنبياء: 47]؟! وإذا أجاز أن نأخذ الأطفال بذنوب آباءهم PageV02P330 والأمهات، فقد ثبت الظلم، ولا تعريج على العبارات، وكيف ms398 يعاقب الطفل بمعاصي ~~أبيه، ولا يثيب الأب بطاعات بنيه؟ وإذا كانت الشفاعة للفجرة والفساق فما ~~معنى: {أفأنت تنقذ من في النار }[الزمر: 19] وإذا لم يكن بين الطائع ~~والعاصي فرقا، فما معنى آخر سورة الفرقان؟ وإذا كان الفاسق بالمؤمنين ~~لاحقا، فما معنى: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا }[السجدة: 18]؟ وإذا جاز ~~أن يخلف الله في الوعيد، ففسروا : {ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام ~~للعبيد}[ق: 29] وإذا لم يكن هذا القرآن هو كلام الله، وجب أن يكون كلام ~~منكم سواه، ولو كان موجودا في الأزل كما زعمتم، لما كان مرتبا في الوجود ~~كما علمتم، ولو ثبت معنى لقولهم في نفسي كلام، لثبت أيضا لقولهم في نفسي ~~القيام، فإذا ثبت أنه فيما لم يزل كلاما، فما الذي يوجه به {ومن قبله كتاب ~~موسى إماما } [هود: 17]؟ وما معنى [قوله] {فأجره حتى يسمع كلام الله ~~}[التوبة: 6]؟ ما الذي كان يسمعه المطيعون والعاصون؟ وأخبرونا [يا ذوي ~~البصائر والفكر] ما معنى ((كان الله ولاشيء ثم خلق الذكر))؟ وما معنى آيتي ~~الشعراء والأنبياء ؟ فأنتم تزعمون أنكم في علم التفسير أمراء إكشفوا عن ~~معنى ذلك وحقائقه، وإلا فكلوه إلى خالقه،إذا كانت الإمامة بالعقد ~~والاختيار، فكيف أوقعتم الاختيار على غير المختار؟ أوكانت عندكم بالإجماع، ~~فأي أئمتكم لم يقع فيه نزاع؟ أو كانت بالسابقة في الإسلام والفضل، فنحن في ~~ذلك أهل العقد والحل، PageV02P331 وإذا كانت بالنص من الله والنبي فإلينا يتوجه جليه والخفي، ثم إن من ~~عجائبكم المضحكة النادرة وفضائحكم السيئة الظاهرة، أنكم تنفون ما عدا ~~البرهان والخطاب، ومشائخكم ضعفوا عن البيان، وتسقطون الاستدلال بالاستقراء، ~~[وكل دليل لكم بالعموم معرى] وتعيبون علينا قياس التمثيل، وتعتمدون على ~~السفسطة والتخييل، تتبعون الموجودات والوهميات، وتسمونها مسلمات أوليات، ~~وتقسمون علم العقل إلى أولي، ومشهور زعمتم ليس بالجلي، مقالات أخذتموها عن ~~أرسطاطاليس، وعقائد شيخكم فيها إبليس، [لتهجمن] بكم طرق الغواية على النار، ~~وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار. # وقال الفقيه يحيى بن حسن المذكور [-رحمه الله تعالى-] يهنئ الإمام صلاح ~~بقدومه إلى صعدة [ويمدحه]، ويهنئ أهل صعدة ms399 بذلك : # بقطعه يعرف الصمصامة الذكر %~% وبالضيا والتسامي فضل القمر # وبالبسالة حاز الليث مرتبة %~% على النعاج وفاق الثعلب النمر # والناس يفرق عند الخطب بينهم %~% وإن تشابهت الأشكال والصور # تراهم العين طف الصاع كلهم %~% وإنما يعرف العالي إذا اختبروا # كالألف واحدهم إن نابه خطر %~% ودونه الفهم إن ما نابه خطر # بالعزم يستوفي الأوتار طالبها %~% وباطراح الهوينا يدرك الوطر # لا ينثني العز إلا بالسيوف كما %~% لا يستقيم بغير الأرجل السرر # لولا حسامك يا ابن الشم من مضر %~% ما كان في عين دين المصطفى نظر # بينت منهاجه للسالكين به %~% من بعد ما كان لا عين ولا أثر # أطاعك الدهر في الأعداء فحل بهم %~% من جندك القاطعان السيف والغير PageV02P332 وسقت من مال عمدا بالسيوف كما %~% تساق بالسوط نحو الردهة الحمر # ودست هامات أهل البغي فانصرعوا %~% قتلى ومأواهم من بعد ذا سقر # أنهلت حد السيوف المرهفات دما %~% من أنفس غرها من بأسك الغرر # نعم كذا يدرك الأوتار طالبها %~% ويدرك الثأر من فيه له وطر # لا عز إلا لمن كانت مضاربه %~% لحادث الدهر لا تبقي ولا تذر # من جندك الرعب إن حاولت كائنة %~% يا ابن الرسول ومن عليائك الظفر # قضى لك السعد والأيام شاهدة %~% فصار يجري على ما تشتهي القدر # شققت بالعزم قلب الدهر من فزع %~% فينتهي حين تنهاه ويأتمر # جاوزت شأو المعالي غير مكترث %~% وأكثر الناس عن آياته قصروا # وقمت لله تبني الدين محتسبا %~% حتى استقام ونار الحرب تستعر # سللت عزما كسيف الهند منصلتا %~% لا يستقيم له عود ولاحجر # فانحط للحق من في أنفه شمم %~% وخر للوجه من في خده صعر # وانقاد خوفا ملوك الأرض عن طرف %~% ودان كرها لك البدوان والحضر # نشرت في الأرض ثوب العدل وابتهجت %~% وزال بعد العنا عن جفنها السهر # فكل دار على الدنيا نزلت بها %~% فللعلى حولها حج ومعتمر # قد سالمت نوب الأيام جانبنا %~% لما قدمت وجاء الدهر يعتذر # أهلا إمام الهدى والعدل لا برحت %~% لنا بمقدمك الخيرات تنتشر # أنارت الأرض واخضرت لو طأتكم %~% كأنك الغيث فوق الأرض ينهمر PageV02P333 يا أهل ms400 صعدة بشراكم بمنيتكم %~% هذا الذي كان في الأزمان ينتظر # هذا ابن فاطمة هذا ابن حيدرة %~% هذا الفؤاد وهذا السمع والبصر # هذا الإمام الذي فزتم بطاعته %~% هذا الثمال وهذا الكهف والدرر # قد جاء ممتطيا ظهر العلا سحرا %~% في صورة البدر إلا أنه بشر # أغر أبلج مثل الشمس طلعته %~% مقابل الأصل ما في عوده خور # إمام حق زكي من بنى حسن %~% جاءت بمدحته الآيات والسور # بالله معتصم بالله منتقم %~% لله مصطبر بالله منتصر # في تاجه قمر في لفظه درر %~% في سيفه ظفر في كفه مطر # وشامخ من بني الزهراء ممتنع %~% تأوي إليه المعالي وهي تفتخر # وبحر علم إذا ما الحجة انعقدت %~% وليث صدم إذا ما ابتلت العذر # يجل أن تبلغ الأوصاف منه مدى %~% وتحتوي شرح مأثوراته الزبر # يا حجة الله في الدنيا ونعمته %~% ومن به وبحول الله ننتصر # جرد من الحق سيفا يستضاء به %~% واضرب به فرؤوس البغي قدكثروا # كدأب أهل اللجام إصنع بغيرهم %~% منك الشفار ومن أعدائك البقر # أنزل بأهل الخنا ما كنت تنذرهم %~% وقع السيوف فلم تنفعهم النذر # في هذه الأرض من خولان طائفة %~% قد طال في الدين من تلقائها الضرر # وقد جروا في طريق البغي جهدهم %~% ولو نظرت إليهم نظرة عثروا # لا يستقم بغير السيف أمرهم %~% كالعير ليس بغير العود يزدجر # هم خالفوك إلى غير الهدى بطرا %~% فلقهم غب ما يأتي به البطر PageV02P334 باعوا جميل الوفا بالغدر فاجزهم %~% فالمكر بالمكر عند الله مغتفر # هم يحسبون بناء الخطم يمنعهم %~% هيهات لا ينجين من بأسك الحذر # قد جاءهم خبر عن يوم إخوتهم %~% لكنه ليس مثل المخبر الخبر # فاسطر من الحق والمعروف ما طمسوا %~% واطمس من الباطل المذكور ماسطروا # ذكرهم زمن الهادي وصولته %~% في زجره الغي والإلحاد يدكروا # صيرهم مثلا يجري الزمان به %~% فيه لأهل النهى ذكرى ومعتبر # يا طالما طلبوا للدين غائلة %~% وحاولوا وضع عاليه فما قدروا # فاصنع لهم من ثبات العزم واقعة %~% تطوي من الظلم والعدوان ما نشروا # واعطف بسطوة ليث ليس يعطفه %~% عن صيده الناس إن قلوا وإن كثروا ms401 # ودم لهذا الورى كهفا ومعتصما %~% ما هبت الريح أو ما أورق الشجر PageV02P335 ### || فصل فيه ذكر مولده ووفاته -عليه السلام- وموضع قبره # [مولده في شهر صفر سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، ودعا في ظفار سنة ثلاث ~~وسبعين وسبعمائة، وتوفي في القعدة سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة] ودفن بمسجده ~~[المسمى] القبة بصنعاء، وأمه الشريفة دهماء بنت إدريس من ذرية المختار، من ~~أولاد الهادي [-عليه السلام-]. # وأما ما ملك من البلاد فإنه ملك من المدن ذمار وصعدة، ثم افتتح صنعاء في ~~سنة أربع وثمانين وسبعمائة، وكانت لبعض الأشراف آل يحيى بن حمزة، وقهر أهل ~~بلاد اليمن الأقصى، وغاداهم وراوحهم بالمغازي، فوصل زبيد، وعدن، والمهجم وحرض. PageV02P336 ### | [ذكر بني رسول] # ولهذا قال السيد صارم الدين: عج الرسولي منها في ممالكه.. البيت، والمراد ~~بالرسولي هنا هو: إسماعيل الأشرف بن الأفضل العباس بن المجاهد بن الملك ~~المؤيد داود بن المظفر يوسف بن الملك المنصور عمر بن علي بن رسول محمد بن ~~هارون، يقال: إنهم من التركمان، وأما هم فيدعون أنهم من ذرية جبلة بن ~~الأيهم، من ملوك حمير وغسان، ولم تزل دولتهم في اليمن حتى انقرضت بدولة بني ~~عامر في سنة خمسين وثماني مائة [سنه] آخرهم الملك المسعود مات مشردا في ~~بلاد الحبشة أو غيرها، وكان ابتداء تملكهم لليمن في دولة الملك المسعود ~~يوسف بن الملك الكامل من بني أيوب ملوك مصر، وقد ملك اليمن في صفر من سنة ~~أربع وعشرين وسبعمائة، فعاد إلى مصر في ربيع الأول من هذه السنة، واستخلفهم ~~(في اليمن، فملكوها) من ذلك الوقت، وسمي أبوهم رسولا؛ لأنه كان أمينا في ~~دولة بني أيوب في الديار المصرية، يختلف في حوائجهم في تلك البلاد، وكان ~~الإمام صلاح، قد دوخ بلادهم وأخربها، وحمل من أبواب زبيد وغيرها إلى بلاد ~~الزيدية أشياء كثيرة، حتى روى لي بعض الأصحاب: أن مقدمة من القرآن فاخرة ~~غنمها فقيه من أهل يسنم، وأنها باقية بأيدي ورثته عندهم إلى تأريخ كتابة ~~هذه الأسطر، وكذلك ذكر لي بعضهم: أن الشباك الحديد الذي فوق بيت من ms402 بيوت ~~مسجد الهادي، وهو مركب فيه إلى جهة المطراق شاميا من بعض بيوت قرى زبيد، ~~وذكر لي هذا الراوي: من شدة تقوي هذا الإمام وقهره للخاص من الجبرية ~~والعام، ما لو وضع في كتاب كبير لجاء مصنفا مستقلا فضلا عما ملكه من بلاد ~~الزيدية، وشاد معالمه PageV02P337 من مذهب الفرقة العدلية، فجزاه الله عن حياطة مذهب آبائه الجزاء الأوفى، ~~فلقد قام بما اشترطوه من صلاح البلاد والعباد ووفى، وما زال على ذلك في ~~أكثر مدة والده وبعدها حتى اختار الله له قرب جواره، بعد أن بلغه من كل شيء ~~خير أوطاره، فقبضه إلى رحمته فقيدا [فعاد] حميدا سعيدا شهيدا، شرع به المرض ~~في بعض غزواته إلى بلاد حجة، فكاد أن يصح من ذلك، ثم عاوده، فتوفي في ~~صنعاء، فكتم أهله موته، واتخذ له تابوت، وجصص عليه بقي فيه قدر شهرين، كما ~~سيأتي في سيرة الإمام المهدي أحمد بن يحيى، وكتب خواصه إلى صعدة إلى القاضي ~~عبد الله بن حسن الدواري كتابا لطيفا أبهموا فيه العبارة، بأن قالوا: ~~وبعد.. فقد، وكيف، وما، ويا، فلما وصله الكتاب خرج إلى صنعاء في جماعة من ~~الأعيان شرفا وعربا فكان ممن وصل من صعدة ترجيح نصب ولد الإمام، [وهو] علي ~~بن صلاح كما سيأتي، والذي ظهر لي وبلغني أنه -عليه السلام- خلف من الذرية ذكرين: # أحدهما: علي بن صلاح، تولى بعده فلما مات علي سنة أربعين كما سيأتي، خلفه ~~ولده محمد بن علي قدر أربعين يوما، فتوفي. PageV02P338 # والولد الثاني للإمام صلاح اسمه: الحسن أظنه ما خلف ذكرا، لكنه خلف الشريفة ~~فاطمة بنت الحسن، وكانت من الشرائف الكاملات، ملكت أولا صنعاء وأعمالها، ~~فما استقام لها أمر هناك، فنقلت إلى ظفار، فملكته مدة، وكذلك صعدة وحصونها، ~~وقامت مقام أبلغ رجل من الملوك، نظمت أمر صعدة، ونجران، والظاهر، وتزوجها ~~الإمام صلاح بن علي بن أبي القاسم، رزق منها ولدا ذكرا كما سيأتي، ثم ~~أزالها من صعدة ونواحيها حي الناصر بن محمد، ونقلها إلى صنعاء، فماتت فيها، ~~وقبرها هناك، وانقطع أولاد ms403 [الإمام] صلاح بن الإمام المهدي علي بن محمد من ~~الذكور والإناث بموتها، ثم بموت ابنتها، وهي بدرة بنت محمد بن علي بن صلاح ~~[كما سيأتي] فهما ماتا في مدة متقاربة، ولم يبق فيما اعلمه إلا من بقي من ~~أولاد بنات البنات، مثل ورثة بعض أولاد الناصر، وورثة بعض أولاد الإمام ~~المطهر بن محمد بن سليمان، وورثة السيد يحيى بن صلاح، {فسبحان الذي بيده ~~ملكوت كل شيء وإليه ترجعون }[يس: 83]. PageV02P339 ### | [ذكر الأئمة الثلاثة الذين تعارضوا في عصر واحد] # وكان بعد صلاح من حوادثها %~% بحر اختلاف عظيم هائل خطر # قام الإمام علي بعد والده %~% وأحمد بعد والهادي على الأثر # وذاد عن مذهب الهادي أبو حسن %~% وسعي أحمد فيه سعي معتبر # هذا إمام جهاد لا امتراء به %~% وذا إمام اجتهاد ثاقب النظر # [وابن المؤيد نور يستضاء به %~% ومنهل للندى أندى من المطر] # وكلهم سادة غر غطارفة %~% بيض بهاليل فراجون للعكر # والله يصفح عن من قد أتى زللا %~% فلن تر في البرايا غير مفتقر # وكل عبد إلى مولاه مفتقر %~% عند الفريقين أهل العدل والقدر PageV02P340 معنى هذا البيت الأخير: أن أمة محمد مجمعة على أن جميع العباد مفتقرون أي ~~محتاجون إلى الله تعالى؛ لأن جمهور الأمة إما عدلية، أو جبرية، وهم القدرية ~~على الصحيح من مذهبنا، إذا ثبت هذا فاعلم أولا: أن السيد صارم الدين قد ذكر ~~في هذه الأبيات ثلاثة من أئمة الهدى -عليهم السلام- تعارضوا في زمن واحد، ~~وقطر واحد، ومذهبهم واحد، ورمز إلى أن فيهم من هو مقتصد بقول : والله يصفح ~~عمن قد أتى زللا، إشارة إلى مضمون الآية الكريمة التي يقول فيها: {ومنهم ~~مقتصد ومنهم سابق بالخيرات }[فاطر: 32]، وإذا قد ذكر السيد أسمائهم جملة ~~فلتقع الإشارة إلى طرف من تفصيل أحوالهم، وقد تردد النظر مني في البداية ~~[بذكر أيهم] ؛ لأن في كل واحد منهم ما يمكن جعله مرجحا لتقديمه، إما تقدم ~~مولد أو وفاة أو غير ذلك مما لا يخفى وجهه على [من له] أدنى لموح إلى هذه ~~المعاني، فرأيت أن أقلد ms404 السيد صارم الدين، وأبدأ بما بدأ به في منظومته كما ~~[قد] قلدته فيما تقدم من سيرة الإمام يحيى بن حمزة -عليه السلام- وذكر من معه. PageV02P341 ### | [أخبار الإمام المنصور علي بن صلاح بن علي (ع)] # فأقول: أما الإمام علي فمراده به المنصور [بالله] علي بن صلاح بن علي بن ~~محمد المتقدم ذكرهما والمنتشر في الأمة فضلهما، وكان مولده في سنة خمس ~~وسبعين وسبعمائة، وأمه غزية من غز ذمار بنت الأسد بن إبراهيم، فنشأ في حجر ~~الخلافة، وتحلى بحلي العبادة والعفافة، واتسعت مملكته، وعظمت شوكته، وقهر ~~السلاطين، وأباد الملحدين في الدين، وشاد دعائم المذهب الشريف، وأقام أركان ~~الدين الحنيف، واعترف بفضله الموالف والمخالف، واكتسى من حسن الصيت أبهى ~~الحلل والمطارف، وشغف بالصيام والقيام، واكتحل السهر في حنادس الظلام، ~~وعمرت بحسن سيرته أمصار الهدى وبواديها، وأمنت بظهور هيبته السبل، وأنست ~~نواحيها، وأطاعه مطيع الأمة وعاصيها، وانفتح له معاقل البلاد اليمنية ~~وصياصيها، وجبرت زيادته في إحياء معالم الدين، والعدل والجهاد، ما فاته من ~~دقائق علم الاجتهاد، وما أخطأت فراسة المتفرسين فيه وناصبيه بعد موت أبيه، ~~كما أشار إليه مولانا الإمام عز الدين -عليه السلام- في مصنفه وهو (العناية ~~التامة بتحقيق مسائل الإمامة)، وساق ما ذكره أهل مذهبنا وغيرهم في ذكر ~~إمامة من ليس بمجتهد، فقال ما لفظه: [قلت] : والذي يظهر لنا والله يحب ~~الإنصاف أن فراستهم فيه صدقت [في هذا المعنى] -يعني الجماعة الذين نصبوا ~~المنصور علي بن صلاح، وسيأتي ذكرهم إن شاء الله تعالى-. # قال: وأنه بلغ في إحكام السياسة وأحكام الرئاسة والاستقلال بالنظر في ~~الأمور وحسن المباشرة لها مبلغا عظيما لا مطمح وراءه. PageV02P342 # قال: وقد كانت له العنايات الجليلة في المقامات الجميلة في حرب سلاطين ~~اليمن، ونكاية الاسماعيلية، وإجلائهم من المعاقل العظيمة، وغيرهم من الظلمة ~~مالم يكن لأحد غيره، وكان له من محامد الصفات ومحاسن السمات مالا خفاء به. انتهى. # فهذا كلام هذا الإمام استشهدت به لما كان مطابقا للمقام، ولأنه كالحجة في ~~موضع النزاع والخصام ؛ لأنه سبط لأحد الثلاثة الذين [تجاذبوا هذا الزمام]، ms405 ~~وقد صرح بما يدل على حسن خيمه، وإنصافه من غير تلعثام، ولا تعصب كعادة ~~الأغمار الأفدام، فإذا رضي بهذا الحكم المرتضى فبقية اتباع العترة إليه أصخ ~~وبه أرضى. PageV02P343 # فصل: اعلم أن هذا الرجل كان في عصره وحيدا، وفي جهاد الجبرية والباطنية ~~ركنا مشيدا، رزقه الله من الكمال والإقبال ما قربه من الزيدية البال، وحسن ~~من معارضيه إليه الإجمال والاحتمال، لما رأوا تصلبه وتسلطه على من يحاول ~~لمذهبهم النقص والإبطال، فإنه فتح ثلا وهو من الحصون المعتبرة الذي لا ~~تنال، ولا يمكن حصرها، ولا الإستيلاء عليها إلا بعد أعمار طوال، وهلاك ~~أرواح وأموال، وكذلك ذي مرمر فإنه حاصره حتى أخرج [منه] أهله بني الأنف في ~~شهر شعبان من سنة تسع وعشرين وثماني مائة سنة، وأول ما حط عليهم فيه في ~~بواقي ثلاثة أيام [من شوال] من سنة ثماني وعشرين، فتكون مدة المحطة سنة ~~وثلاثة أشهر، وفي أيامه كسفت الشمس كسوفا ما قد عهد، حتى رؤيت النجوم معه ~~نهارا، وذلك في شهر شوال من سنة سبع وثلاثين، ثم تعقبه برد عظيم في هذه ~~السنة، ولما كانت المحطة على ذي مرمر كما تقدم، وخاف ابن الأنف الاستئصال ~~لقلة شحنة الحصن كتب إلى علي بن صلاح بشعر يستعطفه فيه، أوله: # ألا هل فتى مثل السمؤل يوجد %~% يناط به حبل العهاد ويعقد # وقد كان تعب عسكر علي بن صلاح، فهم بعد [سماع] هذا الشعر بعقد ذمة بينه ~~وبين الاسماعيلية أهل الحصن المذكور، ورفع المحطة، فكتب إليه الفقيه أحمد ~~الشامي من صنعاء، وكان شاعرا مفلقا يكره الاسماعيلية، وغيرهم من أعداء أهل ~~هذا المذهب الشريف، وحثه بهذه القصيدة على مداومة الجهاد والحصار لأهل ~~الزيغ والفساد، فقال: PageV02P344 # ما أنت أول من أراد رحيلا %~% عن فرقة لا يهتدون سبيلا # قد هم غيرك بالرحيل فلامه %~% قوم وحمل الذم صار ثقيلا # أترى جنود الله قد حشدت إلى %~% ذي مرمر يأتون جيلا جيلا # متبادرين إلى الجهاد كأنهم %~% أسد قساورة تحل الغيلا # ما فل حد العزم منهم سمكه %~% في الحق لما أن رأوه ms406 طويلا # ومن الملائكة الكرام طوائف %~% قد أكثروا التسبيح والتهليلا # وتخللوا بين الصفوف بشارة %~% للمسلمين وقدموا جبريلا # لجهاد أكفر فرقة في رأسه %~% في الدين واعتذروا بإسماعيلا # قد بدلوا دين الهدى تبديلا %~% وكذلك التوراة والإنجيلا # أخذوا عن القداح ما قدحوا به %~% رب السموات العذاب وبيلا # ونفوا كلام الله في فرقانه %~% كالطور دك لآل إسرائيلا # لولا خصائص حكمه لأذاقهم %~% صاروا بمكة يتبعون الفيلا # ولدكت الغايات من أركانه %~% ألقين فوق رؤوسهم سجيلا # ولأشبهوا أبطال أبرهة الأولى %~% وأراهم التحريم والتحليلا # فأتتهم الطير الأبابيل التي %~% فكفاهم المنصور ذلك عاجلا # لكنه فرض الجهاد على الورى %~% حد الحسام على القيام كفيلا # وأعز دين الله واستعلت به %~% سنن الرسول وشرف التنزيلا # قد سد ثغر الباطنية وانتضى %~% سيفا على مر الزمان صقيلا # أردى به ناموس كفرهم الذي %~% خدعوا به الغوغاء فخر قتيلا # فاليوم أشبهت الليالي صبحها %~% فرحا وطرف الدهر عاد كحيلا # تلك المكارم حازها ثم التقى %~% فخرا عريضا في الأنام طويلا # في ذروة المجد التي ما رامها %~% طرف رنا إلا وعاد كليلا PageV02P345 رفع اللواء وجيشه ألوى على %~% (ذي مرمر) وأناله التنكيلا # قد أيقنوا بالموت في ذرواته %~% لما رأو فيه الطعام قليلا # أعمارهم مقرونة بنفاده %~% فإذا انقضى لم يرتجوا تمهيلا # لولا الأماني أنهم يعطونه %~% مالا يدس به إليه جزيلا # ويسلمون حصونهم ليخلصوا %~% حصنا عظيما في النفوس جليلا # ما جادت الدنيا بحصن مثله %~% هل تتطلبن على النهار دليلا # قال الخليل الصلح، قلت: خديعة %~% يا ليتني لم أتخذك خليلا # أو ليس رأس القوم في يد ضيغم %~% لا يرهب الترجيف والتهويلا # هذا وقد بلغ الجزاير فعله %~% سيحونها وفراتها والنيلا # ما ذا يقول الناس في الدنيا بمن %~% ولى فأعقب فعله تبطيلا # إن لم يسد الجيش جملة أرضهم %~% فلها الرواجف بكرة وأصيلا # لو أخلص النيات كل مجاهد %~% لله عجل نصره تعجيلا # فاصبر فعند الصبر نصر عاجل %~% واجعله في كل الأمور جميلا # واصرف زمانك في الجهاد مصمما %~% والله حسبك فاتخذه وكيلا # وكان هذا الفقيه أحمد الشامي، نقمة على الاسماعيلية، لا يكف عن الإغراء ~~بهم، ولما ملك المنصور ms407 علي بن صلاح ذي مرمر، كما تقدم، ونوى الخروج إلى بيت ~~غفر، وجربان، من بلاد همدان كتب إليه أيضا في هذه السنة المذكورة هذه ~~القصيدة الفريدة: # سلا عن أمور الباطنية من يدري %~% يحدثكم بالسر منها وبالجهر # لقد أظهروا الدين الحنيف وأبطنوا %~% من الكفر ما يخلي السحاب عن القطر # وكم قائل لي كيف كفرت فرقة %~% على ملة الإسلام في ظاهر الأمر # فقلت له إجماع أمة أحمد %~% وإجماع أهل البيت دلا على الكفر # وأخبار أعلام الأنام تواترت %~% على كفرهم فاعلم إذا كنت لا تدري PageV02P346 ولولا لهم علم التواتر ما دروا %~% بوجدان قرن أونبي إلى الحشر # هم انتحلوا دين المجوس سفاهة %~% وقدجعلوا الإسلام للكفر كالستر # ويشهد ما خطوه في كل دفتر %~% بهذا فهل للباطنية من عذر # فمن كان ينفي الكفر عنهم فإنه %~% يغطي على الشمس المنيرة والبدر # ألم يهدموا الإسلام حين تمكنوا %~% على الملك واستولوا على البحر والبر # سآتيك من أنباء تلك بنبذة %~% وإن كان في أخبارهم غاية الكثر # تظهر ميمون المجوسي بدعوة %~% ولقب بالقداح في ذلك العصر # وتأريخه سبع وسبعون حجة %~% مع مائتي عام تماما سوى شهر # وأولاده كانوا أئمة وقتهم %~% وقد ملكوا دست الخلافة في مصر # فأما عبيد الله مهديهم فقد %~% تملك إفريقية الغرب بالقهر # وفي تونس قرت قواعد ملكه %~% إلى طنجة القصوى إلى جانب الثغر # وكان له في القيروان وقابس %~% وقائع في الأعداء أحمى من الجمر # أحل دماء المسلمين وسبيهم %~% وتحريقهم بالنار والشرب للخمر # وأبناؤه في مصر قد ملكوا إلى %~% أقاصي خراسان إلى ما ورا النهر # وصالوا على أرض العراقين وانتهوا %~% إلى مدن الشامات شائعة الذكر # حووا مدنا فيها الرياض كأنها %~% تلحف فيها الدور بالحلل الخضر # فحلوا بها ثم استحلوا عظائما %~% من القتل والتحريق للناس والسكر # وقد قلعوا الركن المكرم مرة %~% وراحوا به الأحساء من البيت ذي الحجر PageV02P347 وهم أحرقوا القرآن عمدا وخربوا %~% مساجد كانت للعبادة والذكر # فجاهدهم لما تبين كفرهم %~% ملوك بني العباس من ذلك القطر # وثاروا بهم قتلا بكل مدينة %~% فزالوا كما زالت ثمود من الحجر # ولم يبق ms408 إلا في قرى الهند منهم %~% قليل لتعليم الكهانة والسحر # وقد ملكوا صنعاء من بعد صعدة %~% إلى عدن قهرا إلى بلد الشحر # فلما استقروا أفسدوا في ديارهم %~% فناصبهم أهل البصيرة والصبر # دعوا وقت يحيى بن الحسين فلم يزل %~% يجاهدهم في صعدة مدة العمر # له معهم بالسيف سبعون وقعة %~% فسائل بها أهل التواريخ والخبر # ومن بعد يحيى أحمد الناصر الذي %~% له وقعات تصدع القلب في الصدر # له في نغاش وقعة ليس مثلها %~% وقائع صفين ولا اليوم في بدر # وللقاسم الشهم العياني وقعة %~% بنجران أفنى شاكرا وبني الصقر # وشق صفوف الباطنية في الوغى %~% كما شق جلباب الدجى فلق الفجر # ولابن سليمان على كبر سنه %~% جهادان من قتل ذريع ومن شعر # أبادهم في يوم غيل جلاجل %~% وفي (سروات القاع) قتلا مع الأسر # ومن شيمة المنصور قتل رجالهم %~% وملك النساء للعالمين بلا مهر # كما اجتثهم بالسيف في أرض صعدة %~% وفي (الجوف) و(البونين) قتلا وفي (نجر) # ويكفي صلاحا في المنقب وقعة %~% أباد بها أهل التكاثر والكبر # تجلت وقتلاها مئين كثيرة %~% قرى الطير لحما والوحوشات في القفر PageV02P348 وقد فتح المنصور بالله أرضهم %~% ببيض المواضي والردينية السمر # وما زال في أرض القرامط لابسا %~% من الله سربال السعادة والنصر # إلى أن رقى الشم الشوامخ وارتقى %~% إلى غاية في ذروة المجد والفخر # ولكنه قد أسبل العفو عنهم %~% وزاد لهم حظا على الجاه والقدر # فقرر في ريعان منهم عصابة %~% وفي (ضلع) قوما كثيرا وفي (ظهر) # وما وقفوا في الذل إلا تربصا %~% لأخذ الصياصي بعد حين من الدهر # فهلا نفاهم من بلاد كأنها %~% رياض من الفردوس أنهارها تجري # ولو قسمت في المسلمين غنيمة %~% لكان هو الأولى وأعظم للأجر # ولا بد من يوم سعيد مبارك %~% له ليلة غراء كما ليلة القدر # يسير به الجيش العرمرم لابسا %~% سرابيل من نقع بألوية حمر # فيصدم جربانا ويقصم أهله %~% بني مكرم أهل المكيدة والمكر # فهم عمدة الداعي الخبيث وهم له %~% سيوف ضباها للعدا أبدا تفري # هم القوم أما حصنهم فهو قرية %~% لها جانب سدوه بالطين والصخر # وفي ms409 رأسه خلق عظيم وما لهم %~% طعام سوى ما استوهبوا بيد الفقر # يقولون مكرا إن من رام أرضهم %~% يحاصرهم ولى قتيلا إلى القبر # وما يعلمون الغيب لكن دهاية %~% تنجوا بها من صاحب النهي والأمر # وهبه كبعض الشامخات التي هوت %~% إلى قبضة المنصور في ساعة اليسر # أبعد ثلا يرجى لحصن سلامة %~% و(ذي مرمر)سامي الذرى سامي القصر # وهذا.مان النصر والفرصة التي %~% إذا انتهزت آلت إلى الحمد والشكر PageV02P349 وقال صاحب ذي مرمر وهو ابن الأنف الداعي، وهو يومئذ محصور في حصنه المذكور، ~~قصيدة يمدح بها الأمير الكبير إدريس بن عبد الله بن داود الحمزي، ويمدح ~~الخليفة: علي بن صلاح، فجوب عليه الفقيه: أحمد بن قاسم الشامي المذكور ~~يناقض قوله بأنه في الظاهر بمعنى وفي الباطن خلافه، فهذا شعر ابن الأنف: # سلام على الدار التي في عراصها %~% منازل قوم لا يذم لهم عهد # منازل أولاد النبي محمد %~% وحيدرة نعم الأبوة والجد # فحاتم هذا العصر إدريس ذو الندى %~% وأولاده الأملاك ليس لهم ند # إذا جئتهم ياصاح فالثم أكفهم %~% ولم لا ومن راحاتها يطلب الرفد # وهن لهم بالعيد لازال عائدا %~% عليهم بأحقاب وطالعه السعد # وقل إن نأى دار وشط بنا النوى %~% فودكم لا يستحيل له عهد # ولكن عدتنا من لقاكم جحافل %~% وهندية بيض وخطية ملد # وخيل كأمثال السعالي شزب %~% وفرسان هيجاء لباسهم السرد # جنود أمير المؤمنين التي اغتدت %~% فضائله في الناس ليس لها عد # أحاطوا بنا من كل باب ووجهة %~% وصاروا وهم من دون حاجاتنا سد # ولكننا في شامخ متمنع %~% يقصر عنه الشامخ الأبلق الفرد # ندافعهم بالله جل جلاله %~% وجند إلهي جند من لا له جند # وصلى إلهي كل يوم وليلة %~% على أحمد المختار ما سبح الرعد # وهذا جواب الشامي المذكور: # أتتحف دارا بالسلام وأهلها %~% أحق به إذ فاتك الفهم والرشد # كأنك أبصرت المنازل قفرة %~% فحييتها لما ألم بك الوجد # وكيف وهم فيها حلول وإنما %~% تحيا إذا لم يبق منهم بها فرد # تقر بأولاد النبي محمد %~% وتنكرهم سرا وهل ينفع الجحد PageV02P350 أينكر ضوء الشمس من هو مبصر ms410 %~% وقد لا ترى أنوارها الأعين الرمد # ووبخت إدريس المتوج ذا العلا %~% بقولك: قوم لا يذم لهم عهد # كأنك قلت العهد منكم مضيع %~% بإهمالكم لكن سرك لا يبدو # وقلت أمير المؤمنين له اغتدت %~% فضائل لا تحصى ولا هي تعتد # وذا منك إقرار وعلم بأنه %~% إمام فلم عن دينه الحق ترتد # أتزعم أن السر في قائم لكم %~% هو الغاية القصوى التي ما لها حد # يجيء على ظهر البراق وكفه %~% به ذو الفقارالعضب فارقه الغمد # ممدا إلى داعيه مستدركا له %~% فيهزم هذا الجيش والنقع مسود # فأنتم إليه أعظم الناس حاجة %~% وإن لم يج قلتم لنا: حازه البعد # وأخبرتنا عن شامخ متمنع %~% صدقت ولكن خصمكم أسدجلد # أتسمونه حصن السمؤل قبل أن %~% يحيط به من كل ناحية جند # تخال بحارا من حديد وإنما %~% مراكبها الخيل المسومة الجرد # وتنسون هذا الاسم من هول عسكر %~% حمته خيول فوق أظهرها الأسد # وهب أنه كالأبلق الفرد منعة %~% وفيه كنوز ليس يحصى لها عد # وزيدت لكم من ملك مصر وبابل %~% جواهر أهدتها إليكم سمرقند # وألقت إليكم كورة الصين ماحوت %~% من الجوهر الشفاف والهند والسند # أترجون إن طال الحصار وعطلت %~% مخازينكم تغنيكم الحجر الصلد # كلوا ذهبا مما جمعتم وفضة %~% وإلا حجارا حينما الجوع يشتد # فما عسكر المنصور عنكم بزايل %~% بقدرة معبود يحق له الحمد # ولو وقفوا حوليه عشرين حجة %~% وكادت بهم تلك المواقف تنهد PageV02P351 ألم ترهم يبنون دورا كما بنوا %~% فخارا ولكن كل أفعالهم مجد # فقد صار هذا الحصن قبضا بكفه %~% لسر به قد خصه الملك الفرد # وفي زحل والمشتري آية له %~% على النصر حيث النحس قارنه السعد # فأنتم وإن أعطيتموه حصونكم %~% فليس له من قبض (ذي مرمر) بد # ففي رأسه كل الحصون وما حوت %~% من الملك فافهمه فقد نجز الوعد # فموتوا لهذا الأمر غيظا وحسرة %~% على أن أمر الله ليس له رد # ولما ملك عامر بن عبد الوهاب حصن ذي مرمر في شهر رمضان من سنة اثنتي عشرة ~~وتسعمائة سنة، تدبرت هذا الشعر بعد مضي قدر ثلاث سنين، فخطر ببالي ms411 أن أنشئ ~~على وزنه أبياتا، أومي فيها إلى نوع من موجبات الاعتبار، وعدم الاغترار ~~بهذه الدار، فقلت: # يقول الزحيفي الذي جده الفند %~% وأشعاره من دونها الشهد والقند # مؤلف هذا الشرح رجوى دخوله %~% بزمرة أهل البيت هذا هو القصد # ليفتكر الإنسان في الدول التي %~% تأتت لها الدنيا وساعدها السعد # وقيلت بها الأشعارفخرا فمثبت %~% وناف فكل عند مذهبه يحدو # كفى واعظا ما أنشدوا في (ذمرمر) %~% وما علموا من ذا سيملكه بعد # تسلطن فيه منذ تسعين حجة %~% تزيد قليلا إن تمادى بنا العد # بنو الأنف أجلاهم وشتت ملكهم %~% من العترة المنصور من لا له ند # فخلفه إرثا لأبناء بنته %~% كما لم يعش من بعض ذكرانه فرد # فزحزحهم منه المسمى بعامر %~% وقادهم أسرا وما مسهم حد # ومزقهم في الأرض كل ممزق %~% ذليلين مقهورين ما لهم جهد # وصارت به للشافعية صولة %~% لهيبتها يستسلم البرق والرعد # فقد حازه إذ قد عرفت مذاهب %~% ثلاثة أصناف أبانهم العد PageV02P352 وذا أصله صنعاء فمن حاز ملكها %~% فليس له من ملك ما حولها بد # فيا ليت شعري من سيخلف بعدهم %~% تعالى الذي يدري بما يجهل العبد # وسبحانه من مالك متصرف %~% فليس لما يقضي بسلطانه رد # يولي وينفي من يشاء بحكمه %~% ويقصي ويدني من يشاء فله الحمد # وما ارتاح في الدنيا قلبا وقالبا %~% سوى من تغشته القناعة والزهد # وما اغتم في الدارين إلا متوج %~% تطيف حواليه العساكر والجند # فذلك أغنى الناس في الناس دائما %~% وهذا فقير لا يقر ولا يهد # فيا رب وفقنا لإصلاح شأننا %~% وجمل علينا يا مهيمن يا فرد # فما هذه الدنيا بدار إقامة %~% وما الشأن إلا جنة الخلد والخلد # وكيف لنا بالخلد إن لم يكن لنا %~% سوابق عند الله عرض ولا نقد # أندان أم نعتان أم ينبري لنا %~% شفيع كنصل السيف أبرزه الغمد # محمد المأمول فيه رجاؤنا %~% ومن جاهه يستوهب العفو والرفد # وسيلتي التوحيد والعدل عنده %~% وإني لأهل البيت كلهم عبد # فكيف تذوق النار جسما غذاؤه %~% لعترته الإنصاف والحب والود # عليهم سلام الله ما كتبت يدي %~% مناقبهم أو بان ms412 لي فيهم الرشد PageV02P353 ### | [أخبار الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى -عليه السلام-] # فصل: وأما أحمد المذكور فهو: الإمام المهدي [لدين الله] أحمد بن يحيى بن ~~المرتضى بن مفضل بن منصور بن المفضل الكبير بن الحجاج بن علي بن يحيى بن ~~القاسم بن يوسف الداعي بن يحيى [المنصور] بن أحمد بن يحيى الهادي إلى الحق ~~يحيى بن الحسين، نسب يحكي النجوم المشرقة، والرياض العبقة، ولله القائل: # نسبة لم تزدك معرفة %~% وإنما لذة ذكرناها # لله منها أساميا عظمت %~% وطاب للذاكرين معناها PageV02P354 ### || ذكر مولده ونشؤه، وطرف من أحواله وسيرته، وتصانيفه، وبيعته، [ومدته]، ووفاته، وموضع قبره على وجه الاختصار. # أما مولده -عليه السلام-: فكان في سنة أربع وستين وسبعمائة، وأما نشؤه ~~فذكر مصنف سيرته وهو ولده، فقال: إنه لما ختم القرآن العظيم أدخله أبوه هو ~~وصنوه الهادي في علم العربية، فلبث في قراءة النحو والتصريف والمعاني ~~والبيان قدر سبع سنين، وانتهى في هذه العلوم الثلاثة إلى غاية بالغة لم ~~ينته إليها غيره من أبناء زمانه، [و] عرف فيها بالتحقيق، والتدقيق، ~~والتدريس، وابتدأ يصنف كتاب (الكوكب الزاهر في شرح مقدمة طاهر) قبل أن ~~ينتهي سنه إلى عشرين سنة، فجمع فيه نحوا كثيرا، وعلما غزيرا، ثم أخذ في علم ~~الكلام ابتدأه على حي أخيه الهادي، وأتمه على حي القاضي العلامة أبي محمد ~~يحيى بن محمد المذحجي وكان من البارعين في هذا الفن، فسمع عليه (الخلاصة)، ~~ونقل (الغياصة) غيبا، ثم (شرح الأصول)، وألقى عليه (الغرر والحجول) الذي ~~صنفه الفقيه قاسم بن حميد، فأتقن حفظهما حتى انتهى إلى أن اختصرهما وجمع ~~معانيهما في كراسين ونصف بالقطع الصغير ليسهل عليه نقله، ثم انتقل إلى علم ~~اللطيف، فقرأ (تذكرة ابن متويه) على القاضي المذكور شرفا، وما خرج حتى أتقن ~~ذلك إتقانا عجيبا، وشرع في اختصار التذكرة، فعاقه عن التمام عائق، ثم قرأ ~~(المحيط) على الفقيه المذكور، فلما تم ذلك انتقل إلى أصول الفقه، فسمع ~~(الجوهرة) على الفقيه المذكور، وحققها تحقيقا عجيبا، ثم اختصرها في منظومة ~~سماها (فائقة الفصول)، وذلك بعد ms413 أن أخذ في قراءة (المعتمد في أصول الفقه) ~~لأبي الحسين البصري، فتمت جامعة لأصول الفقه والخلاف فيه مع صغر حجمها ~~وبلاغة نظمها، ثم انتقل إلى كتاب PageV02P355 (منتهى السؤل)، فقرأه على الفقيه المذكور، فبلغ فيه من الإتقان والتحقيق ~~مالم يبلغه غيره، وفي عرض ذلك سمع سيرة رسول الله على الفقيه العالم علي ~~بن صلاح العدوي، وسمع من كتب اللغة (نظام الغريب)،و(مقامات الحريري)، فصنف ~~شرحا لمقامات الحريري ذهب يوم معبر، وفي عرض ذلك سمع (سنن أبي داود)، ~~واستجاز كتاب (البخاري) و(مسلم)، و(الترمذي)، و(ابن ماجه) من الشيخ المشهور ~~بالحديث سليمان الكوفي من ثغر العدينة، فكتب [إليه] إجازة في ذلك، وبعد أن ~~ثبتت له اليد الطولى في هذه العلوم، أخذ في سماع (الكشاف) على المقري ~~الحائز لقصبات السبق في علوم القرآن: أحمد بن محمد البحيري المعروف بابن ~~النساخ. PageV02P356 # فأما علم الفروع: فإنه لما رأى أنه بحر لا ساحل له، وأنه لا ينفع فيه إلا ~~النقل، ولا يحتاج إلى تدقيق نظر مما قد نص عليه الأئمة -عليهم السلام- من ~~المسائل، وإنما يحتاج إلى نقل أقاويلهم إن أراد حكاية النص فيما جاءوا به، ~~ورأى أن قوما قطعوا في طلبه أعمارهم، ولم ينتهوا منه إلى طائل لسعته، ترجح ~~له سلك [غير] ما سلك أولئك من العزلة والنظر في كتبه المشهورة ك(اللمع)، ~~والعكوف على تكرارها حتى تحفظها؛ لما في ذلك من الإخلال بالفنون التي قد ~~جمعها، فجعل يسمع على حي أخيه بالليل ما قد سمعه على مشائخه، ثم يختصر ما ~~ألقاه عليه صنوه من شروح الكتب التي يقرأ فيها، ونسخها حتى أتمه كتابا ~~مجلدا مستوفيا للخلاف، وكلام السادة والمذاكرين، وأخذ في نقل ما جمعه، فلما ~~تم ذلك توفي حي صنوه الهادي -رحمه الله [تعالى]- قبل موت [حي] الإمام ~~الناصر صلاح بأيام قليلة، فاشتغل بذلك حتى توفي الناصر، فاتخذ له تابوت، ~~وجصصوا عليه وكتموا موته إلى أواخر ذي الحجة، ثم دفن، وكان بعد موته اضطرب ~~الناس فيمن يقوم بالأمر، وكان الناصر قد أشار إلى حي السيد الفاضل علي بن ~~أبي الفضائل، ms414 وأنه أولى بالأمر بعده لمحله في الفضل، وللقرابة منه رفقا ~~بأولاده؛ لأنه ابن عمه، فطلبه الوزراء، فطلبوا منه القيام بالأمر فأجابهم ~~بأن هذا الأمر يفتقر صاحبه إلى البصيرة الواقعة، والمقصود به وجه الله ~~[سبحانه]، وفينا من هو أوقع مني بصيرة يشير إلى المهدي -عليه السلام-، فلما ~~فهموا من السيد ترجيح جانب المهدي [-عليه السلام-] توقفوا. PageV02P357 # قال مصنف سيرة المهدي وهو ولده: وكانوا غير طامعين أن أحدا يجيبهم إلى قيام ~~أي أولاد الإمام الناصر؛ لظهور قصورهم عن هذا الأمر، فوصلتهم كتب من حي ~~القاضي عبد الله [بن حسن] الدواري، وغيره كالسيد صلاح بن الجلال، والسيد ~~داود بن يحيى بن الحسين، يأمرونهم بالتوقف حتى يصلوا، قال: وأوهمهم القاضي ~~في كتابه أنهم يريدون إقامة ولد الإمام، فمالت قلوب الوزراء إلى ذلك لأمور ~~حذفتها؛ لأن فيها طرف طعن على الجماعة، مالي بذكره هنا فائدة؛ لبنائي هذا ~~الشرح على عدم أذية أحد من العترة، ولا من شيعتهم حشرني الله في زمرتهم. # قال: فانتظر الناس وصول القاضي والسادة، فلما وصلوا كان الكلام في ذلك ~~منوطا بالقاضي، فجعل يروض ذوي البصائر في صنعاء للمساعدة إلى تقويم ولد ~~الإمام، فأحضرهم وأخذ رأيهم، فأظهروا الامتناع، فلما أيس منهم توقف، ثم حكى ~~المصنف: أنهم أعملوا الحيلة، واستمالوا جماعة سماهم، استرجحوا إقامة ابن ~~الإمام. # قال: فلما علم ذلك السادة [النبلاء]، والفقهاء الفضلاء انزعجوا أشد ~~الانزعاج، وفزعوا إلى من يصلح من فضلاء أهل البيت، ولم يكن المشار إليه ~~حينئذ للصلاحية في صنعاء إلا ثلاثة، وهم: السيد الناصر أحمد بن محمد بن ~~المطهر بن يحيى المتوكل من آل المطهر، والثاني: السيد الأفضل الأورع علي بن ~~أبي الفضائل. PageV02P358 # [قال:] وثالثهم الإمام المهدي أحمد بن يحيى، قال: فاجتمع العلماء واستحضروا ~~هؤلاء الثلاثة في المسجد المعروف بمسجد جمال الدين في صنعاء، وذكروا السادة ~~ما قد اجتمع عليه أولئك الجماعة من نصب علي بن صلاح، وقالوا لهم: ما ثم من ~~نعلمه من يصلح لهذا الأمر إلا أنتم، فاختاروا أحدكم. # قال: وكان مولانا -يعني أباه المهدي- أصغرهم سنا، كما ms415 يقل الشعر في وجهه، ~~فأجاب عليهم السيد الأفضل الأورع علي بن أبي الفضائل، وكان أكبرهم سنا: أما ~~أنا فمبتلى بالشك في الطهارة والصلاة كما تعرفون حتى تستغرق أكثر وقتي، ومن ~~كان على هذه الصفة، فكيف يصلح لهذا الأمر لاحتياجه؛ إلى تفرغ النظر في أمر ~~الأمة، وافتقاد الأمور، وهذا عذر واضح، وقال السيد الناصر: هذا أمر المقصود ~~به رضوان الله، والقيام بالأحكام [كما] يقتضيه الكتاب والسنة، أصولا ~~وفروعا، وذلك لا يتأتى إلا لمن قد استقل بعلوم الاجتهاد، إلى كلام ساقه ~~المصنف، ثم قال السيد الناصر: وعندي أني قاصر عن هذه المرتبة، ثم انتظروا ~~ما يجيب به مولانا، فأجاب بأني صغير السن كما ترون، وهذا الأمر لا يصلح إلا ~~ممن قد جرب الأمور، وساس الجمهور، وخاض في تدبير الدنيا وعلاجها، ورد حينا ~~ورد عليه، ورجع إلى غيره ورجع إليه، وأنالم يمض علي من العمر ما يتسع لذلك، ~~إلى أن قال: فلست أصلح لذلك في هذه الحال، فلم يقبلوا منه، وأجابوا عليه ~~بأنك ما كنت تحتاج [إليه] من هذه الأمور فنحن عندك بما تحتاج إليه مما لم ~~يتقدم لك فيه تجربة، فيحصل بالمشاورة ما تحتاج إليه من ذلك، ونحن لا نفارقك ~~-إن شاء الله تعالى- في PageV02P359 شدة ولا رخاء، فإن امتنعت بعد بذلنا من أنفسنا السمع [لك] والطاعة، حتى قال ~~السيد علي بن أبي الفضائل: لو أردت مني خدمة في فرسك أو سياسة جملك، لم ~~تأنف نفسي عن القيام بذلك طاعة لله تعالى، ولمن أوجب طاعته، ولا أبخل بنفسي ~~[عن نفسك] في مواضع الأخطار، فإن امتنعت بعد أن كمل الأعوان لم تجدنا بعدها ~~خلفك، وقد ذكر ذلك -عليه السلام- في قصيدة، من جملتها [قوله] : # لما أتاني أناس في الزمان هم %~% أصفى الأنام وأزكاه وأورعه # قالوا: تقدم، فقلت: الآن مختبري %~% في الناس ضيق فاعفوني لأوسعه # قالوا: اختبرناك من قدم فأنت لها %~% أهل وأنك عن قرب ستوسعه # فقمت لا لعلو أبتغيه ولا %~% مال ولا لي ثارقمت أتبعه # إلى آخرها، فلما أجمع رأيهم على إجابته بايعه السيدان المذكوران ms416 ثم ~~العلماء [واحدا بعد واحد]، قال بعضهم: إني لا أفرق بين بيعتي إياك وبين ~~بيعة زيد بن علي -عليه السلام-، ولما تمت البيعة، وكانت قبل دفن الإمام ~~الناصر بأيام قليلة، أزمعوا على الخروج تلك الليلة، فلما علم الوزراء ~~باتفاق الفضلاء، وأنهم في إحداث أمر أزمعوا [على] تعجيل البيعة لولد الإمام ~~قبل أن يظهر أمر الإخوان وما أجمعوا عليه، فاجتمع منهم جماعة عددهم ~~وأسماؤهم أضربت عن ذكرهم؛ لما لا يؤمن معه محبة وضع مراتب العظماء، قال: ~~وبايعوا في جوف الليل لولد الإمام، فلما دنا الصباح قام [الأمير] الباقر بن ~~محمد، وأشرف على القصر وصيح لعلي بن صلاح، وسماه: أمير المؤمنين. # قال: فلما كان الغد خرج أهل البيعة المتقدمة مفترقين غير مجتمعين. PageV02P360 # قلت: وهذه الرواية هي من كلام مسير سيرة المهدي، وهو ولده، وهي تقضي بأن ~~دعوة علي بن صلاح متعقبة لدعوة المهدي، والسيد صارم الدين قال: قام الإمام ~~علي بعد والده وأحمد بعد...، البيت، فقضى بعكس هذه الرواية، ويمكن الجمع ~~بين الروايتين بأنهما لما وقعتا في يوم وليلة تسومح في حكاية ترتب بعضها ~~على الآخر، والله اعلم. PageV02P361 ### || فصل: في ذكر مصنفاته -عليه السلام- وذكر شيء من أشعاره، وما يتصل بذلك # قال مصنف سيرته: له في أصول الدين ثمانية تصانيف: # الأول: (نكت الفرائد). # الثاني: (شرحها). # الثالث : كتاب (القلائد). # [ثم بيض مكان الرابع في المنقول منها، هذه النبذة]، ثم قال: الخامس كتاب ~~(الملل والنحل)، والسادس: كتاب (المنية والأمل، في شرح كتاب الملل ~~[والنحل)، السابع: كتاب (رياضة الأفهام في لطيف الكلام)، الثامن: كتاب ~~(دامغ الأوهام في شرح رياضة الأفهام)، وهو جزءان. # وفي أصول الفقه ثلاثة كتب: # [الأول] كتاب (فائقة الفصول في ضبط معاني جوهرة الأصول). # [الثاني: كتاب (معيار العقول في علم الأصول).] # الثالث: كتاب (منهاج الأصول إلى معرفة معاني شرح معيار العقول). # وفي علم العربية خمسة كتب: # [الأول] كتاب (الكوكب الزاهر في شرح مقدمة طاهر). # الثاني: كتاب (الشافية في شرح معاني الكافية)، لكنه ذهب [منه] كراريس. # الثالث: (المكلل)، وهو شرح على (المفصل). # الرابع: ( تاج علوم ms417 الأدب وقانون كلام العرب). # الخامس: كتاب (إكليل التاج وجوهرة الوهاج). # وفي الفقه خمسة كتب أيضا: PageV02P362 # الأول منها: كتاب (الأزهار)، وضعه في الحبس، ولم يوضع بكاغد عدة سنين، ~~وإنما حفظه السيد علي بن الهادي، ومولانا -عليه السلام- يملي عليه ما صححوا ~~لمذهب الهادي -عليه السلام- وكانا يكتبانه في باب المجلس بجص؛ لأنهم لم ~~يمكنوه من كتب ولا مداد، فلما خرج السيد علي بن الهادي وهو متغيب له كله ~~غيبا محققا صبر حولين كاملين، ثم وضعه بكاغد، وسمي كتاب (الأزهار في فقه ~~الأئمة الأطهار) [أظن الناقل للأم نسي كتاب (البحر الزخار) ]. # قلت أنا: وهذا الكتاب مشهور البركة، غير ممنوع الحركة، سار في الأقطار ~~مسير الشموس والأقمار، وطار في الآفاق، واشترك في تغيبه أخلاط الرفاق، وبلغ ~~مصنفه مناه في انتشاره، وانتفاع الخلق به وهو في الحياة كما أشار إليه ~~-عليه السلام- بقوله في قصيدته القافية: # قد صار ما منعوه في حلي %~% وفي البيت العتيق وينبع وعراق # وهذه منقبة، [و] لو وازنتها جميع المناقب لرجحتها، أو يزن بها جميع ~~الفضائل لألكجتها، أو رمحتها: # وكم له من يد بيضاء طائلة %~% في منهج العلم تعلو أرفع الرتب # الثاني من مصنفاته في الفقه: كتاب (الغيث المدرار المفتح لكمائم ~~الأزهار)، وصنفه في السجن إلى أن وصل البيع؛ لأنهم قد كانوا مكنوه من الكتب ~~من بعد خروج (الأزهار). # الثالث: كتاب (الأحكام المتضمن لفقه أئمة الإسلام). # الرابع: كتاب (الانتقاد للآيات المعتبرة في الاجتهاد). # وله في السنة النبوية: # كتاب (الأنوار الناصة على مسائل الأزهار)، الثاني: (القمر النوار في الرد ~~على المرخصين في الملاهي والأمزار). # وفي علم الطريقة: PageV02P363 # [الأول] كتاب (تكملة الأحكام والتصفية من بواطن الآثام). # الثاني: كتاب (حياة القلوب في عبادة علام الغيوب). # وفي علم الفرائض: # [الأول] كتاب (الفائض). # الثاني: كتاب (القاموس الفائض في علم الفرائض). # وفي المنطق: # كتاب (القسطاس المستقيم في علم الحد والبرهان القويم). # وفي علم التأريخ: # [الأول] كتاب (الجواهر والدرر في سيرة سيد البشر). # الثاني: كتاب (يواقيت السير في شرح كتاب الجواهر والدرر). # وفي معرفة قصص الصالحين: # [الأول] كتاب (تزيين المجالس). ms418 # والثاني: كتاب (مكنون العرائس). انتهى. # وما نقلته مما وجدته مختصرا من سيرته -عليه السلام-. # وأقول: اعلم أن هذا الإمام رزق من الحظوة في منافسة طلب العلم من الزيدية ~~على تحصيل علومه أجمع في جميع الفنون، وتدوين فتاويه، وأشعاره ومطولاته، ~~ومقطوعاته شيئا ما اعلمهم فعلوه بغيره من المتأخرين، فلا تجد جهة من جهات ~~الزيدية خصوصا في الجهة الغربية إلا وقد استقصى أهلها على رقم جلائل أقواله ~~ودقائقها حتى البيت الواحد، وجبلوا على محبته، وكراهة من يتعرض للإعتراض ~~عليه، في أصول أقواله وفروعها، على وجه من شاهده عجب من ذلك. # واعلم أن هذا عوض من الله لما لحقه من انزواء الدنيا عنه، ولعمري إن هذا ~~هو الملك العقيم، كما أشار إليه في شعره الفصيح الفخيم، ولظهور ذلك في أيدي ~~الناس، وتدوينهم إياه في كل كراس، واشتهار شعره فوق اشتهار شعر أبي فراس؛ ~~لم أودع هذا الشرح منه إلا يسيرا من ذكر ما أوردوه ردا على من طعن عليه ~~بأنه في فن الفقه ضعيف الأمراس، حيث يقول: PageV02P364 # وكم جاهل في الناس[قد قال إنني] %~% عن الفقه عار وهو عني غافل # ووالله ما في الوقت اعلم ناقلا %~% من الفقه غيبا مثلما أنا ناقل # فمنه ألوف صرن غيبا بلفظها %~% وفي الذهن بالمعنى سواها مسائل # كثير بلا حصر وهذا تحدث %~% بما الله من إحسانه لي فاعل # ومن ذلك ما أنشأه، وهو في السجن: # سلوا عني الأيام كيف قطعتها %~% وكيف تقضى عنفوان شبابي # يقلن وما زورا شهدن به لقد %~% رأينا فتى لا يزدهيه تصابي # رأينا فتى نيف وعشرون عمره %~% وفي كل فن قد أتى بعجاب # بدرس وتدريس وتصنيف دفتر %~% ومشكلة قد حلها بجواب # سلوا عني الأطماع هل كنت مقبلا %~% عليها وهل أفعمن قط وطابي # يقلن وما زورا شهدن به لقد %~% أبانا وقد جئنا بغير طلاب # سلوا أسرتي عن شيمتي فيهم وعن %~% وصائف آداب الكرام ودابي # يقولوا: رأينا ذا حجا متوقرا %~% صموتا بفكر ناطقا بصواب # فتى بشره يلقى الوفود مبشرا %~% بفضل قرى منه وفصل خطاب # فتى وجهه ينفي الهموم ms419 ولفظه %~% على الكبد الحراء ماء سحاب # ومن ذلك [في] حث الفاطميين علىالتقى [والدين]، [والذم لهم عن موارد ~~الشقاء] : # إذا ما رأيت الفاطمي تمردا %~% أقام على كسب المعاصي وأخلدا # فذاك الذي لما اكتسى ثوب عزة %~% تبدل أثواب الدناءة وارتدا # فيا سوأتا للفاطمي إذا أتى %~% أسير المعاصي يوم يلقى محمدا # فلو لم يكن إلا الحياء عقوبة %~% ولم يخش أن يصلى الجحيم مخلدا # لكان له والله أكبر رادع %~% عن النكر والفحشاء كهلا وأمردا # فقل لبني الزهراء: إن محمدا %~% بنى لكم بيت التقاء وشيدا PageV02P365 وإن أباكم حيدر بعده الذي %~% حماه وقد قامت إلى هدمه العدا # فلا تهدموا بنيان جدكم وقد %~% تحسى أبوكم دونه جرع الردا # فشر فتى في العالمين فتى أتى %~% وقد أصلحت كفا أبيه فأفسدا # ومن ذلك أبياتا قالها جوابا على حي الفقيه أحمد الشامي، وقد عول على ~~الإمام في عارية كتاب (البحر الزخار)، وابتدأه الشامي بهذه الأبيات: # يا من غدا للهدى كالروح في البدن %~% لا تسترد كتابا أنت عنه غني # فإن في بحرك الزخار ما جمعوا %~% في الشرق والغرب والشامات واليمن # زدني كميعاد موسى أستفيد به %~% بحق سبطيك شمس الدين والحسن # فأجابه الإمام المهدي -قدس الله روحه في الجنة-، بقوله -عليه السلام-: # نفيس در غلا عن أنفس الثمن %~% لو أنه ملك داود وذي يزن # أفاضه بحر من حجر المعارف رب %~% اه بأغذية القرآن والسنن # محيي إياس وسحبان وأحنف والنع %~% مان والفضل والبصري والقرني # واها لمن كان هذا حاله ويرى %~% أن يستعير كتابا وهو عنه غني # لكن أهلا وسهلا أنت في سعة %~% خذ ما التمست من الإمهال في زمن # لولاه وقف لمحصور سمحت به %~% عطية وهي عندي أيسر المنن # ولحي السيد العلامة الهادي بن إبراهيم شعر قاله أيام حبس الإمام المهدي ~~[-عليه السلام-] يستعطف فيه [له] علي بن صلاح، ويحثه [فيه] على إطلاقه من ~~القيد، فمنه: # فقلت له: فداك أبي وأمي %~% تلطف بالقرابة والرحامة # فإن السيد المهدي منكم %~% بمنزلة تحق له الفخامة # ألم يك جدك المهدي خالا %~% له وكفى بذلك في الرحامة # فخذ ms420 من قومه الطرفين تحكي %~% إذا جئت الغضا ولك السلامة # نصيحة وامق خدن شفيق %~% محب ليس يحتاج القسامة PageV02P366 فإني والحديث له شجون %~% وليس يليق في الدين الحشامة # أخاف إذا استمر القيد فيه %~% تجيء مقيدا يوم القيامة # فيسألك الإله بأي جرم %~% تقيده وتحبسه ظلامة # ففك القيد عنه كي قر قر يصلي %~% بأركان يريد بها الإقامة # وأغلق دونه بابا عظيما %~% وكله إلى الحفاظة والرسامة # ولا تسمع إلى من قال فيه %~% بترك القيد واطرح الملامة # انتهى الموجود من هذه القصيدة، ثم يقع العود إلى ذكر موته-عليه السلام-: ~~وموضع قبره: أما موته فإنه توفي بالطاعون الكبير الذي مات منه أكثر الأعيان ~~في شهر صفر من سنة أربعين وثمانمائة سنة، عقيب موت علي بن صلاح بدون شهر، ~~كان ذلك في حجة من مغارب صنعاء، ومشهده في حجة مشهور مزور، معروف بالفضل ~~الكثير والصيت الشهير، ويوم توفي -عليه السلام-، وله ولدان، أحدهما: الحسن ~~وهو مصنف سيرته -عليه السلام- فمات ولا عقب له، وكان من الفضلاء الأعيان، ~~أهل العلم الكثير والإتقان. # والثاني من أولاد المهدي اسمه: شمس الدين، وهو من عباد الله الصالحين ~~والأخيار المفلحين، جمع هذا الشرح وهو باق، وله أولاد فضلاء، وسكناهم في ~~حجة حول مشهد الإمام المهدي -عليه السلام-، فكان ولايته من يوم دعا إلى أن ~~مات فوق أربعين سنة؛ لأن دعوته عقيب موت الناصر، وقد ذكرت وقت ووقت موت ~~المهدي، فاحسبه PageV02P367 ### | [أخبار الإمام الهادي علي بن المؤيد(ع) ] PageV02P368 ### | [ذكر طرف من أحوال السيد الحسن بن الإمام علي بن المؤيد] # فائدة: وإذ قد انتهى [بنا] الكلام إلى ذكر [السيد ] الحسن بن الإمام، ~~ووالد الإمام فلنذكر طرفا من أحواله؛ لأنه من أعيان العترة الكرام، وخليق ~~بأن يذكر في هذا المقام. # فأقول: اعلم أن هذا السيد -رحمه الله تعالى - كان في عصره من أعيان ~~السادة، والواسطة من القلادة، والمقصودين بالوفادة، والمعروفين من مكارم ~~الأخلاق بالحسنى وزيادة، كان من البقية المنظور إليهم بعد وفاة أبيه، وحائز ~~قصب الرئاسة فيهم، وهو الذي أتم أساس أبيه للمشهد المقدس. # ولد في شهر صفر ms421 من سنة أربع وثمانين فيكون ولد، وأبوه حي خليفة في مدته ~~نيفا وثلاثين سنة، ومات بين الصلاتين من يوم الخميس رابع وعشرين من شهر ~~محرم سنة إحدى وتسعين وثمانمائة سنة، ويكون قد عاش في مدة خلافة ابنه قريبا ~~من اثنتي عشرة سنة، وكان في مدة حياته متأهلا في مكانهم لنفع العام والخاص، ~~والداني والقاص، وأقام مدرسة القرآن الكريم، ومدرسة لطالب العلم الشريف ~~والتعليم، وكانت تجبى إليه زكوات كثيرة من الجهات في زمانه، فيصرفها في ~~مستحقها إلى أن دعا ولده، وألقى الأمر إليه في ذلك برمته، وكفاه وشفاه، ~~وقرر بناه، وأحمد مسعاه، وأنشد لسان حاله: # رقدت وطاب النوم لي وكفيتني %~% وكل فتى يكفى الأمور ينام # و[قد] كان السيد -رحمه الله - قد اشتهر بالكرم المفرط، حتى كان يفد عليه ~~كثير من البلغاء، والشعراء، والأدباء، من النواحي والأقطار، وقيلت فيه ~~الأشعار، وكانت فيه مكارم أخلاق جمة. PageV02P369 # قال الإمام عز الدين فيما نقلته من خطه: ما رأيت في زماني [من هو] أصدق ~~لهجة منه، وأكثر مجانبة للكذب، حتى في مخاطبات زوجاته، وصغار أولاده، قال: ~~ولا رأيت أقل فحشا وتفاحشا، ولا أحلم وأصبر وأوقر، ولا أبر منه بأهله، ولا ~~أشفق وأرفق، وأكثر تغاضيا واحتمالا، ولا رأيت أحسن منه طهارة وصلاة، وأعدل ~~في ذلك، وله تهجد، وذكر، واستكثار من الصلاة، وحرص على تعهد المسجد ~~والعبادة فيه مع كبر سنه وضعف بدنه وذهاب بصره. PageV02P370 # قال: ومن سعادته أنه حظي في زمانه من المناقب، بما لم يحظ به غيره، [و] ~~منها طول عمره في أفعال البر من الصغر إلى الكبر، ومنها كثرة الأولاد ~~وتعددهم، وما رآه بعينه من الكمال، ومحامد الخلال، ومنها سلامته من نكبات ~~الدهر، ومعار أهله الظاهرة، فلم يسلط عليه عدو ولا ظالم ولا أحد من الدول ~~والقبائل مع منابذته لهم في بعض الأحوال، وأقول: صدق الإمام فيما نطق [به]، ~~فإنك إذا تفكرت فيما بلي به عبد الله بن الحسن [بن الحسن] الكامل من أبي ~~الدوانيق، وما أنزله به وبآله من أنواع العذاب علمت أنه قد ms422 أصاب في لموحه ~~إلى هذا الباب؛ لأن أهل المناصب العلية قل أن يسلموا من أن يقلب لهم الدهر ~~ظهر المجن، ويجرعهم أفاويق المحن، وانظر أيضا إلى النقيب أبي أحمد والد ~~المرتضى، والرضي الموسوي، فإنه ما سلم من طوارق الزمان، ونوائب الحدثان، بل ~~لما اشتهرت فضائله ثقل على عضد الدولة وهابه، وكبر في صدره، فاعتقله في بعض ~~قلاع فارس، وبقي محبوسا حتى مات العضد، ولولده الرضي في ذلك أشعار وأخبار، ~~وقد أشرت [أنا] إليها في شرحي للمرثية التي أنشأها الإمام عز الدين بعد موت ~~أبيه، وهي من طنانات المراثي، ولمطابقتها للمقام أحببت الإتيان بها [هنا ~~لتكون لهذا الباب ختام]، وهي: # مصابك هد الشامخات الرواسيا %~% وصير طرف الفخر والمجد باكيا # وضعضع بنيانا من المجد والعلا %~% له كنت ياصدر الأفاضل بانيا # وسعر نارا للكروب شديدة %~% تذيب القلوب المصمتات القواسيا # وفقدك منه اللب أصبح مدهشا %~% كحيران ملقى في قفار مواميا # وروعك جرح ليس جرح كمثله %~% عدمنا له طبا يداويه آسيا # وبعدك منه القلب قد صار موحشا %~% كئيبا وصار الدمع في الخد جاريا PageV02P371 وموتك خطب ألبس الأرض ظلمة %~% وأكسبها بدر السما والدراريا # عدمنا سلوا حين غيبك الثرى %~% فأمسيت منا غائبا فيه ثاويا # [قريبا ولكن لا تمن بنظرة %~% بعيدا سحيقا في الحقيقة نائيا] # أبا أحمد يا خير حي وميت %~% ويا أوحدا في الفضل برا وزاكيا # ويا شرف الدنيا ويا خير أهلها %~% وفخر بني الدنيا شيخا وناشيا # لقد عشت ميمون النقيبة ناصحا %~% لرب السما في مكسب الحمد ساعيا # مصونا عن الخلق الذميم مبرءا %~% سريعا إلى الخيرات لا متراخيا # غياثا لوفاد مغيثا ومنهلا %~% فراتا لوراد تنيل الأمانيا # كريما جوادا مانحا متفضلا %~% كسوبا ومتلافا مضيفا وكاسيا # فكم جائع أشبعته وهو ساغب %~% وكم لابس لولاك أصبح عاريا # وما زلت لله المهيمن خائفا %~% ترى لبهيمات الليالي معانيا # تصلي على ضعف صلاة طويلة %~% فلا فاتر عنها ولامتوانيا # شكور على النعماء تقدر قدرها %~% ذكور لما أوليته لست ناسيا # ورثت الندى والجود والمجد والهدى %~% وشيدت بنيانا لها كان واهيا # وأسست يا خير الأنام مدارسا ms423 %~% أفدت بها من كان فيهن قاريا # فكم خاتم للذكر فيها وعالم %~% وكم وافد لما أتى كنت قاريا # وربيت في حجر الخلافة راضعا %~% لأخلافها وقتا من الدهرخاليا PageV02P372 وربيت من أبنائك الشم قائما %~% بأعبائها كل الشرائط حاويا # أبوك إمام للأنام وبعده %~% ولدت إماما للبرية ثانيا # ووالدك الهادي إلى دين ربه %~% وصار ابنك الداعي إلى الحق هاديا # توسطت بين الهاديين مباركا %~% كواسطة العقد التي هي ماهيا # [وأدركت هذا ثم هذا معمرا %~% وبايعت هذا بعد ذلك باقيا] # فيالك فخرا لافخار كمثله %~% على البدر والشمس المنيرة ساميا # خصصت به دون البرايا مفضلا %~% فصير كل منه غيرك خاليا # وعمرت سبعا مع ثمانين حجة %~% حميدا سعيدا ظاهر الصيت عاليا # وما زلت محمود السجايا محببا %~% لكل البرايا لم نجد لك قاليا # وما مات من أبقى كمثلك سادة %~% غطاريف صيدا يكسبون المعاليا # ثلاثين من أبناء صلبك لم يكن %~% لهم أحد في الخافقين مساويا # كذا سبعة بعد الثلاثين أنجم %~% ترى في سماء المكرمات بواديا # فمنهم إمام طبق الأرض ذكره %~% يقود النواصي عنوة والصياصيا # إلى سيد صدر متى قام خاطبا %~% على منبر عال يصوغ اللآليا # ومن قائد للجيش أورع ماجد %~% يسر الموالي أويسوء المعاديا # [إلى ناشر للعلم فيه مصنف %~% يجوب إليه الأرض من كان قاصيا] # ومن عابد لله بر مطهر %~% وصاحب ذكر ليس ينفك تاليا # إلى طالب في درس علم مسامر %~% لدفتره حتى يرى النجم باديا # مكارم ذكراها يزين ونظمها %~% يروق من الاسماع ما كان واعيا # وأبقيت من أبنا أبيك مكارما %~% بذكرهم تجلى القلوب الصواديا # كهولا وشبانا وشيخا مبجلا %~% فأكرم بهم رهطا سراة مواليا # فحزت وأحرزت المحاسن كلها %~% فمن فرط تهذيب عدمت المساويا # فيا أبتاه أدعوك دعوة شيق %~% وهيهات يوما أن تجيب المناديا PageV02P373 بكينا فلم يغن البكاء وإننا %~% لنرضى بما كان المهيمن راضيا # لإن كنت لبيت المهيب مسارعا %~% إلى غرف حزن الحسان الغوانيا # وغادرتنا في كربة وكآبة %~% وقد صرت مسرورا بذلك ساليا # فما أنس لا أنسى جميلا صنعته %~% إلي وبرا واسعا وأياديا # فلما أتاني عنك أنك مدنف %~% وما كنت بالإدناف من ms424 قبل داريا # نهضت من الأهنوم نحوك قاصدا %~% ولو فاز قدحي كنت عندك دانيا # وبادرت في تلك المهامه سائرا %~% على عجل مني وفي الليل ساريا # ولا علم لي أن الحمام مسابق %~% عليك محيل كلما كنت ناويا # فقد جاءني ناع بموتك مؤذن %~% ألا ليتني لم أستمع لك ناعيا # ويا ليتني أدركت ما كنت آملا %~% أرى حاملا في النعش ثم مواريا # وياليتني كنت المباشر بعدما %~% توفيت مرضيا عليك وراضيا # أرى غاسلا في الغاسلين وبعده %~% وياليته مافات ما كنت راجيا # ألا ليس ليتا نافعا حر غلة %~% ولا لسقام القلب والكرب شافيا # فصبرا فإن الصبر أوسع ساحة %~% وخير الأسى والحزن ما كان خافيا # وحمدا على مر القضاء وصرفه %~% وإن كانت الأجفان منا هواميا # وإن لنا في المصطفى خير أسوة %~% وآل النبي الأرفعين مراقيا # عليك سلام الله ما هبت الصبا %~% وزارك مني دائما متواليا # وأسكنك الرحمن جنات عدنه %~% تحل إذا ما صرت فيها العلاليا # ونلت الرضا والفوز فيها مخلدا %~% ومن ثمرات للفواكه جانيا # ولا نلت مكروها ولا ماتخافه %~% وكنت من الأهوال في الحشر ناجيا PageV02P374 تمت القصيدة الفريدة، التي تنبئ عن اللوعة الشديدة، أتيت بها هاهنا لما ~~تضمنته من الفوائد العديدة، والتواريخ التي تنخرط في سلك هذا الشرح، [التي ~~تنبي] على فضائل العترة الرشيدة، وليقع الرجوع إلى ذكر ما بقي من أبيات ~~المنظومة [النشيدة]. PageV02P375 ### | [ذكر قريس وعلب وعرقب] # قال السيد صارم الدين -رحمه الله تعالى -: # وذا زمانك فانظر في حوادثه %~% فالوصف يقبح للمحسوس بالبصر # وقد جرت فتن فيه مروعة %~% أتت على أنفس الأرواح والذخر # منها قريس ويقفوا إثرها علب %~% وعرقب وهي دهيا الصم والعبر # اعلم: أني قبل الشروع في شرح كلام السيد صارم الدين من هذا المكان إلى ~~آخر المنظومة أقدم قبل ذلك كلاما يشتمل على مقدمتين: # الأولى: تقرير وتأكيد. # والثانية: توطئة وتمهيد. # أما التقرير والتأكيد، فاعلم أني رغبت إلى شرح هذه المنظومة رغبة كلية، ~~[وذلك] لما اشتملت عليه من فضائل العترة الزكية، والرعاية لحق خير البرية، ~~في تأدية حق المودة التي هي من الفروض الأولية والأمور ms425 الكلية، ولن يتم ذلك ~~إلا بجعلهم في خلوص المودة بالسوية، ولا نفرق بين الحسينية، والحسنية، ولا ~~الهدوية، ولا الحمزية، وهذا وإن كان مذهبي من الصغر إلى الكبر، وجنوحي إليه ~~أنا وآبائي قد ظهر واشتهر، تمسكا منا بما وردت به السور، وعضده من تواتر ~~الخبر، فقد أحببت أقرره هنا، وفي خطبة هذا الكتاب ليدكره من ادكر، ويقص ~~عليه ما ذكرته في ضمن الشرح هذا عن أهل البيت من السير، فإن وجدني حكيت عن ~~أحد منهم ما فيه ما يصم، أو ما يقضي بأني بحزبهم وحبهم جميعا لم أعتصم، أو ~~أني لا أستحسن إنشاد أمثال قول الكميت في محبة حيهم جميعا والميت، حيث يقول: # وما لي إلا آل أحمد شيعة %~% وما لي إلا مشعب الحق مشعب # إليكم ذوي آل النبي تطلعت %~% نوازع من قلبي ظمآء وألبب # إلى النفر البيض الذين بحبهم %~% إلى الله فيما نابني أتقرب # بني هاشم رهط النبي فإنني %~% بهم ولهم أرضى مرارا وأغضب PageV02P376 خفضت لهم مني جناحي مودة %~% إلى كنف عطفاه أهل ومرحب # ومن غيرهم أرضى لنفسي شيعة %~% ومن بعدهم لامن أجل وأرهب # أناس بهم عزت قريش فأصبحوا %~% وفيهم خباء المكرمات المطنب # وأمثال قول مهيار في الثناء على العترة الأطهار: # وعلي للرفقاء في طلب العلا %~% والجاعلين لها الخطار مراقيا # نفس مذللة لما عزت به %~% يعزي شميم الريح زادا كافيا # ولحي آل محمد أطرأ به %~% مدحا وميتهم رضاه مراثيا # هذا لهم والقوم لاقومي هم %~% جنسا وعقر ديارهم لاداريا # إلا المحبة والكريم نطيعه %~% بحدا الكرام الأبعدين أدانيا # بالطالبيين اشتفي من دائه %~% مجدي الذي عدم الدواء الشافيا # وأما وسيدهم علي قوله %~% يشجي العدو ويبهج المتواليا # قسما لقد كرم الغري بضمه %~% قبرا يظل البحرفيه ثاويا # من قصيدة لمهيار مدح فيها أهل البيت ينفي عن نفسه وهم من يتوهم أنه مقصر ~~في حقهم، فليعلم الواقف على هذا أني إن كنت على غير ما ذكرته في حقهم من ~~المودة الأكيدة، وتصحيح النية والعقيدة، فإني مخل بواجب، ومن زمرة النواصب، ~~وكيف يكون ذلك؟ وقد قال فيهم ms426 جدهم: ((وقدموهم.. الخبر)) حتى قال: ((ولا ~~تشتموهم فتكفروا )). # قال الإمام المنصور بالله عقيب روايته لهذا الخبر: فقضى بالضلال على من ~~خالفنا، والكفر على من شتمنا، وقال : ((حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي ~~وقاتلهم والمعين عليهم ومن سبهم)). PageV02P377 # قال المنصور [بالله] أيضا: أتدري من المعين عليهم؟ ألا إنه الخاذل لهم، ~~قال: و[من] المعلوم أن من آذى الرجل في بهائمه يكون من أعدائه، فكيف بمن ~~آذى أولاده؟ ! انتهى. # وأما التوطئة والتمهيد: فاعلم أن السيد صارم الدين-رحمه الله [تعالى] - ~~قد [كان] نظم أكثر هذه المنظومة في مدة متقدمة واقتصر على ذكر المنصور، ~~والمهدي، والهادي، بلفظ أقل من ذكرهم هذا، ولم يذكر أحدا بعدهم من أهل ~~عصره، بل قال: # وذا زمانك فانظر في حوادثه...البيت # ولم يذكر أمر قريس وعلب وعرقب وغير ذلك، بل اعتذر بقوله: # فالوصف يقبح للمحسوس بالبصر PageV02P378 أي أن معرفة أهل العصر بعضهم لبعض مغنية، أو ظن أنه إن ذكر ذلك أرضى بعضا، ~~وأغضب بعضا، وازدرع حبا وبغضا، ثم استرجح بعد ذلك الزيادة في عدد أبيات ~~المنظومة، والإشارة إلى جمل من أحوال أهل زمانه، وهذا الذي استرجحه هو ~~الصواب عند ذوي الألباب، فإن شارح (البسامة) مازال يفكك مقفلها، ويفصل ~~مجملها، حتى وصل إلى ذكر [ملوك] بني المظفر الذين كانوا هم السبب في إنشاء ~~(البسامة)، ولم يذكرهم في شرحه ببنت شفة ولا أشار إليهم على وجه يحصل لمن ~~لا يعرفهم به المعرفة، فأدى اختصاره لذلك إلى أن كثيرا ممن اطلع على شرحه ~~لامه على عدم ذكرهم، وما قبل عذر من اعتذر له في تركهم بأن أمرهم كان ظاهرا ~~في تلك المدة، بل قالوا: ومن أين لك معرفة جميع الناس لأحوالهم؟ فقد تنقل ~~القصيدة إلى مشرق، ومغرب وشام، ويمن، وكذلك شرحها، وأكثر أهل الجهات لا ~~تعرف أحوالهم، بل من تأخر مديدة يسيرة بعدهم من أهل بلادهم يجهل ذلك كما قد ~~جرب، فإنا قد رأينا أشياء مهمة اتفقت في بلادنا وزماننا، وما دونت، فما مضت ~~مدة من أعمارنا إلا وقد مست الحاجة منا إلى ms427 معرفتها، وأما كون ذكر أهل ~~الزمن قد يؤدي في بعض الأحوال إلى إرضاء قوم، وغضب آخرين، فذلك إذا كان ~~الحاكي لأحوال القوم مغرا بذكر المثالب، ومؤثرا للتعصب مع أهل جانب دون ~~جانب، فنعم قد يؤدي تأليف هذه الأشياء إلى ما ذكره وإلى فوقه، وأما إذا كان ~~الداعي للمدون والمؤلف هو رعاية ما يجب للجميع من نظمهم في سلك المودة التي ~~بها يفرق بين المتعصب والمنصف، والمتحامل والمتعفف، فلا كان ما ذكر -عصمنا ~~الله من PageV02P379 التعرض لأذيتهم، وحشرنا في حزب مودتهم- وبتمام هاتين المقدمتين، وتقرير ~~هاتين القاعدتين يقع الشروع في شرح ما ذكره السيد صارم الدين بلطف الله ~~وحسن توفيقه. PageV02P380 ### | [الكلام في قريس وهو موضع بجهران وذكر المتوكل على الله المطهر بن محمد بن سليمان ] # فصل: أما قريس فهو موضع بجهران، ينبغي أن نذكر جملة مما اتفق فيه؛ وذلك ~~أن حي الإمام المتوكل [على الله] المطهر بن محمد بن سليمان بن محمد بن ~~سليمان بن يحيى بن الحسين بن حمزة بن علي بن محمد بن حمزة، وحمزة هذا [هو] ~~جد بني حمزة كافة ابن الحسن وهو: النفس الزكية [بن] عبد الرحمن بن يحيى بن ~~عبد الله أخي الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم، لما دعا المتوكل عقيب موت ~~علي بن صلاح، وتعارض هو وصلاح بن علي بن محمد بن أبي القاسم، وعارضهما ~~الناصر، وهو أصغر منهما سنا، وأقل علما، لكنه أقبلت له الأيام فلزم المطهر ~~في قريس وقد كان نازلا إلى سلطان اليمن هو وقاسم الملقب سنقر وهو عبد لحي ~~علي بن صلاح، تملك صنعاء بعد سيده، فكان يدخل صلاحا مرة، ومطهرا مرة، ~~والناصر مرة حتى آل [به] الأمر [إلى] أن أسره الناصر، ثم مكنه من خنقه، ~~وأما الإمام المطهر فأمر به [الناصر] إلى حصن يسمى الربعة، فأنشأ هناك ~~وسيلة أولها: # ماذا أقول وما آتي وما أذر %~% في مدح من ضمنت مدحا له السور PageV02P381 وستأتي، فلما أتمها، وبلغت إلى صنعاء، قال رجل وزير للناصر، واسمه محمد بن ~~إبراهيم الساودي : انظروا فإنكم تجدون ms428 الرجل قد خرج من الحصن ببركة هذا ~~الشعر، فوجدوا الكلام كما قاله، وما زالت الأحوال تتقلب به منذ خرج من ~~الربعة مرة يتقوى، وأخرى يضعف، وحينا وجيش على صنعاء، وحينا وفتر، ودخل ~~صعدة مرارا على صفة التبع لفاطمة بنت الحسن، ومرة مع الأشراف بني حمزة لما ~~ملكوها كما سيأتي، وفي خلال ذلك تزوج الشريفة بدرة بنت محمد بن علي بن ~~صلاح، وقد كان تزوجها الناصر، وجاءت له ببنت، فلما غاب الناصر بصنعاء ~~ونواحيها لاتساع ملكه هناك، وصعدة ونواحيها بيد الشريفة فاطمة، وابنتها ~~معها، وقع النظر من بعض أعيان من حضر من الشيعة بصعدة في فسخ نكاح الناصر، ~~وتخلية سبيل زوجته المذكورة؛ تتزوج من شاءت، وأكد ذلك بقول بعض الحاضرين: ~~إن الهادي يحيى بن الحسين وغيره من العلماء يشترطون عدالة شهود النكاح، وإن ~~شاهدي نكاح هذه الشريفة كانا فلانا وفلانا، وهما مجروحا العدالة، فتلفق من ~~هذه الأمور أن أقدم المطهر على فسخ ذلك النكاح، ثم لما انقضت عدتها عقد بها ~~وتزوجها، فجاءت له بولده عبد الله، وجاء لعبد الله أولاد ذكور وإناث، ~~وللإمام هذا أولاد على غير هذه الشريفة بدرة، ولهم أولاد، وملك كوكبان ~~والعروش وغيرهما، وكان للأشراف بني حمزة إليه ميل، وسلموا له المنصورة؛ ~~لأنه أعانهم على نقم الثأر من أهل سفل الجوف الذين قتلوا الهادي بن الحسين، ~~وقد كان متوليا لصعدة، فسلمها الأمير محمد بن الحسين للإمام، هي وحصن ~~الفائق بالعشة، ثم استردهما الأمير في تلك PageV02P382 السنة بعد أن عاد الإمام إلى كوكبان، وكان الفقيه المعافى بن عمرو واليا في ~~السودة، وكان من جملة أعوان الإمام، ولهما سيرة كبيرة، ومغازي إلى تهامة ~~وغيرها، وملك الإمام كحلان الشرف، وغيره من حصون المغارب، ثم ملك مدينة ~~ذمار من جهة بني طاهر أعطوه إياها، وقد [كان] أخذوها على الناصر بعد أن لزم ~~الناصر في عرقب كما سيأتي، وسلمه أهل عرقب إلى يد الإمام المطهر، فحبسه ~~[الإمام] معه في كوكبان، وضيق عليه، وعلى مقدمه، وعبده المسمى عبية، فماتا ~~محبوسين، وكان ثالثهما عبد الله ms429 بن محمد بن مداعس من أهل صعدة، فأما هو ~~فخلص من الحبس بفداء جليل صار من أهله إلى الإمام، وعلى أن الأشراف يخرجون ~~السيد يحيى بن صلاح من اللزم، وكانوا قد لزموه في حال وصوله بهم إلى صعدة، ~~وأمه الشريفة بدرة زوجة الإمام المطهر، فضمن بنو مداعس على الأشراف بخروجه، ~~فدفعوا للأشراف أيضا أموالا [جليلة] وأخرجوه، وبقيت ذمار بيد الإمام وولده ~~عبد الله من سنة خمس وسبعين، ومات في صفر من سنة تسع وسبعين، فخلفه ولده ~~المذكور بها، ثم تغير ما بينه - أعني عبد الله - وما بين أهل ذمار لأمور ~~كانت تنسب إليه، ثم تغير ما بينه وبين بني طاهر أيضا، فأخرجه بنو طاهر منها ~~بعد محاط كثيرة في كرار متعددة، ووقع في خلالها إخراب دائر ذمار، وعمارته ~~غير مرة، فلما أزالوه منها، وأخذوا عليه من دروعه وآلة مملكته أشياء كثيرة، ~~فخرج بأهله إلى صنعاء، فلم يمنعه صاحب صنعاء، وهو: محمد بن الناصر الحلال ~~بها، ولا واخذه بما فعله [أبوه مع أبيه]، فعجب الناس من صفح صاحب صنعاء ~~عنه، وعدوا ذلك من PageV02P383 مناقبه، فتكون دولة المطهر وولده على ذمار قدر سبع عشرة سنة، وقد كان ~~المطهر من أعيان أئمة الزيدية علما، وفصاحة، وكثرة أتباع، شيعة نحارير، ~~وسادة أكابر، من وجوههم [السيد] الصدر، العلامة: الهادي بن المؤيد بن علي ~~بن المؤيد، فإنه تابعه، وشايعه، وجاهد معه وتوجه على راية في عسكر جرار ~~غازيا لطرف تهامة، وهناك قبائل طغام، واستولى هو وعسكره على جل مواشيهم ~~إبلا وبقرا وشاء، فلما تحققوا ذلك تقدموا قبلهم، فأمسكوا لهم مضيقا استردوا ~~مالهم، وقتلوا السيد الهادي المذكور في عصابة معه من أعيان المجاهدين، فضاق ~~المسلمون لهذه الكائنة فأنشأ الإمام عليه السلام هذه الترثية، وفيها مضمون ~~ما جرى من بني عبس من استشهاد من ذكر فيها، وهي: # على الأحبة إن لم تبك أجفاني %~% فما أقل الوفا مني وأجفاني # وكيف لا وفؤادي بعد فرقتهم %~% قد صار خلف صبابات وأحزان # فقدت إذ فقد الإسلام بهجته %~% لفقدهم طيب لذاتي وسلواني # من ms430 هم وقد عرفوا منهم وما جهلوا %~% هم الورى فالورى لما فنوا فاني # والدين منهم والدنيا لقد نقصا %~% كما بهم قد نقصنا أي نقصان # فيا عيوني بأعيان الدموع سخي %~% ولاتشحي بها من بعد أعياني # بعد الذي عرفت في الدهر نشأته %~% وفي التقى فهما للمرء صنوان # رضيع أخلاف أنواع العلوم ومح %~% ييها وناشرها حقا بإتقان # الهادي الهادي وابن الإمام ومن %~% كان المرام إذا يوما عنى عاني # مدارس العلم أما بعده درست %~% وساب كم دفتر فيها وديوان # وقال: أين الذي قد كنت آلفه %~% أين الذي كان هجيراه بنيان # ومؤمل المعتفي والمكتفي وكفى %~% عنا كأن لم يكن بالأمس يلقاني PageV02P384 وطالبون الهدى أكدت مطالبهم %~% من بعد هاديهم من ذا له ثاني # كذا سميا رسول الله قد ثويا %~% أبنا سمي علي والأميران # كذا صلاح الذي ما زال مبتدرا %~% في الصالحات مضى مصحوب عفران # والحيدريان كسابا جميل ثناء %~% والقاسميون كساع لأقران # تخرمتهم سيوف المبطلين كما %~% تخرمت قبلهم سادات عدنان # المصطفى سم والطيار سيط دما %~% وحمزة بقرته أم سفيان # كذا علي وسبطاه اللذان هما %~% لأحمد المصطفى المختار سبطان # وكربلاء كم دم قد طل فيه من %~% الآل الكرام بصبيان وفتيان # كجعفر وكعباس ومثلهم %~% محمد في أبي بكر وعثمان # وابناء علي وعبد الله ثم مساميه %~% الذي وضعه والقتل في آن # سبط الحسين الذي رقى السما دمه %~% والندب ممن هما نعم الصليان # ومن بني حسن كم من فتى حسن الأ %~% فعال وار زناد هادم باني # كقاسم ثم عبد الله ثم أبي %~% بكر الذي فتك الأعداء بعدوان # ومن بني جعفر منهم محمدهم %~% وعون أبنا جواد خير معوان # وجعفر بن عقيل ثم نافلة %~% له ومسلمهم وأبناء عيدان # كذا بصنعاء استحلوا ذبحهم قثما %~% وصنوه فهما نعم الشهيدان # كذا الإمامان زيد وابنه صلبا %~% من بعد قتل بأيدي آل مروان # والكامل انتابه وانتاب عترته %~% يومان من آل عباس عبوسان # يوما بيثرب والثاني بساحة ب %~% اخمرى ثوى فيهما ابناه الإمامان # محمد ثم إبراهيم بعد جيوش %~% كم بها من بني المختار من عاني # ثم الحسين وعبد الله مع ms431 حسن %~% أودوا بفخ جميعا مع سليمان # كذاك يحيى بن عبد الله أخرجه %~% شهادة زورت من أرض جستان # فسمه وكذا في الغرب سم أخاه %~% إدريس هارون ذو البغي الغوي الجاني PageV02P385 ونفل زيد سمي المصطفى ابن سمية %~% الذي سمم مأمون بأثمان # كذاك آل الرضا سموا وليس سوى %~% إن عجلوهم إلى روضات رضوان # كذاك يحيى العلاسبط الفتى عمر %~% من آل زيد له في المجد سهمان # وفي ابن زيد حسين بن الحسين سقي %~% مر المنية من أطراف مران # كذلك الحسن الداعي الذي منحت %~% بعصره أصبهان جيشها الهاني # ثم ابنه ذي الهدى من بالإصابة في %~% الظيي أفتى بلا فسق وكفران # والديلمي أبو الفتح الإمام على %~% يد الصليحي قد أودى بردمان # ثم الأمير الذي لبى لدعوته %~% يحيى الحسين الذي من أرض جيلان # محسن الهدوي من أهل صعدة %~% فيه اعملوا فتكا بهدران # وسيد عمران الجوف مقتله %~% والحصن مشهده قبلي خيران # كذا الحقيني من موت أتاه حشي %~% شي فعاجله موتا بكيسان # ثم الحسين الذي من بعد مصرعه %~% لجنبه انتظروه حقب أزمان # وحمزة لصلاح الدين قام وقد %~% أفشى الصليحي إفسادا لأديان # فأعملوا فيه في المنوى مكايدهم %~% فأخرب الله منهم كل بنيان # أما بن حمزة إبراهيم صنو أمير الم %~% ؤمنين العظيم الحال والشان # فزاهر الجوف قد أضحى بمشهده %~% فيه كمشهده مخضر بستان # وفي تهامة مجد الدين أصبح يحيى %~% هالكا بعد إبلاء وإفتان # ثم الذي اجتاز فيها غير مختبر %~% طرفا ولم يك في العليا بجيران # وأحمد بن حسين في شوابة شا %~% بته شوائب ذي كبر وطغيان # من كل متبع طاغوت أمته %~% مستبدل بهداه ثوب عصيان # كذا الإمام ابن تاج الدين إذ فس %~% دت جنوده اقتاده أملاك غسان PageV02P386 حتى أتته المنايا في سجونهم %~% فأظهروا فضله من بعد كتمان # وسيد في ظفار إذ عرى فثوى %~% يحيى فحياه مولاه برضوان # كذا علي سليل الواثق الأسد الر %~% ئبال في باب صنعاء أي محنان # ثم ابنه قتلوه في جهادهم %~% في حقل يحصب من أعمال ذروان # كم فيهما من ذوي الإلحاد سال دم %~% وما الزمان لدى الرحمن ms432 سيان # كذا محمد المحمود سبط أبي %~% الفضائل استمكنوا منه بغدران # كذا فتى الجيل عبد الله فارسها %~% ثاوي بصعدة فردا غدر فرسان # كذا تمشت لإبراهيم في قدم %~% منية لا بذنب مشي بألآن # والسيدان الفتى والكهل قد منحا %~% شهادة حلوة في سفح سحمان # كذا فتى ناصر الدين المتوج عبد %~% الله في باب صنعاء حشو أكفان # ما أنس لا أنس ذكرى من غدا علما %~% بقتله بين أتراب وأخدان # مستشهدا وكذاك السيد العلوي %~% الطاهر العرض من سادات كحلان # أعني سليل علي ذا الفضائل %~% إيراهيم من دمه في حي سنحان # وكم أعد من الأسلاف من ملاء %~% عن حرب من ضل لما يثنهم ثاني # وكم نبي وربانين قد قتلوا %~% فلم يهن من تبقى إذ فنى الفاني # نقفوهم نحن لا الدنيا نريد ولا %~% علو مرتبة فيها بعدوان # وشيعة صدقونا في تشيعهم %~% وآسوا بخير نفوس غير خوان # هم في الموارد أسد غير أنهم %~% هم في المساجد من أحبار رهبان # من كل مصطبر لله منتصر %~% يبغي الرضى لا سوى من عند ديان # باعوا نفوسا إلى البارئ مقدسة %~% فازوا ببيعة ربح غير خسران # وجدي أنيني عليهم وحشتي لهم %~% تأسفي فيض أعياني لو اغناني # تلك الوجوه التي قد طالما سجدت %~% لله في الله قد خرت لأذقان PageV02P387 وضرجت بدماء وهي طائعة %~% سالت بأسياف قوم أهل طغيان # سقى فروى ثرى أجداثهم أبدا %~% من رحمة الله هتان بهتان # مما أقاموه من فرض الجهاد وقد %~% أضاعه غيرهم من بعد إمكان # يا قاتل الآل مع أشياعهم ألهم %~% ذنب سوى النصح في سر وإعلان # أذا جزآؤكم للناصحين أم الباري %~% بذلكم أوصاكم بكتمان # قل لي لمن يدعي صدق الإخاء لمن %~% فاتوا أعيشكم من بعدهم هاني # إن كان ذاك فدعواكم مكذبة %~% أنتم لنا ولهم لستم بإخوان # لا أضحك الله سنا بعدهم ضحكت # %~% عجبا ولا انفك دمع الشامت الشاني # أو لا يكن ذا فجدوا في نكاية من %~% سقى الثرى منهم المثعنجر القاني # بلا توان وهبوا عن منامكم %~% فليس ينقم ثارا عاجز واني # وبالنفوس لإحدى الحسنين وبال %~% أموال جدوا وكونوا خير ms433 إخوان # فالنفس والمال لا بقيا لأيهما %~% والذكر نوعاه أبقاه لخزان # ما أعجب الموت ما بين الصفاح ل %~% حرب المعجبين بصفاح وألحان # وإن تروى دماء من دمائهم %~% من المواضي القواضي كل عطشان # من كل من لم يكن يحمي محارمه %~% عند المجامع من قاص ومن داني # ممن تنشا بحمل الطار مصحفه %~% وبالسماعات عن ترجيع سبحان # والرقص أنساه إخبات السجود فأغ %~% واه اللعين يساوي ألف شيطان # والله نأمل في أقفار أرضهم %~% عنهم ويسكن فيها كل سرحان # على لحومهم اللاتي تقسمها %~% سيف ورمح لضراب وطعان # وماحووا نفلا فيئا نقسمه %~% على الذي جاء في تنزيل قرآن # وتستتم لبانات لنا ونق %~% ول الحمد لله مولي كل إحسان PageV02P388 هذه القصيدة نقلتها كما وجدتها، ولعله بقي منها بقية إن وجدتها في نسخة ~~كاملة ألحقتها [بها] بعون الله وحسن توفيقه. # ولما وقع تعارض المتوكل هذا وصلاح، وكان لهذا شيعة وأتباع، ولهذا شيعة ~~وأتباع، [و] طال الخصام بينهم، واشتغلوا بهذه المعاني عن أمور الجهاد لبني ~~طاهر، وغيرهم من معاندي المذهب الشريف كا لإسماعلية ونحوهم، أنشأ الفقيه ~~أحمد [بن قاسم] الشامي هذه القصيدة في الحث على اجتماع الكلمة والتعاون على ~~الخصم، فقال: # هلا سألت مطهرا وصلاحا %~% هل حصلا للمسلمين صلاحا # أم جهزا جيشا لبلدة طاهر %~% يروي التراب بها دما سفاحا # ويذيق ساكنها الحمام وتمتلئ %~% تلك النواحي والحصون نواحا # أو ليس أملاك المتوج طاهر %~% ملكوا رداع وهيوة وصباحا # ورمى علي في خبان بعسكر %~% وأصاب دمت ونهرها السفاحا # ورقى شوامخ مذحج وأقرهم %~% في أرضهم لا يحملون سلاحا # تلك التي كانت لآل محمد %~% صدقا وهم فيها مسا وصباحا # فسطا عليهم شافعي سالك %~% في مذهب لكن فيه فساحا # فيه الغناء مع البراعة جائز %~% والطار والشطرنج صار مباحا # وكذا السماع تألفت أصواته %~% من مطربات تحدث الأفراحا # وأحل للناس الضياع مآكلا %~% وخيولهم والثعلب الصياحا # هل ربكم قال ارقصوا وتساقطوا %~% وأحبه وجدا لكم وأباحا # من شاء طار إلى السماء بزعمه %~% شوقا فلا يحتاج فيه جناحا # ياداعيان دعا العناد وأديا %~% فرض الجهاد وقدما الأرواحا PageV02P389 وتقمصا زرد الحديد وصافحا %~% تحت ms434 العجاج صوارما ورماحا # واستعملا تقوى الإله وخوفه %~% وسداد ذات البين والإصلاحا # فعسى نفوسكما تجود بجمعها %~% طوعا وإن كانت بذاك شحاحا # هذا ما وجدته من هذه القصيدة الفريدة، فأجاب عليه الإمام المطهر -عليه ~~السلام- بشعر على وزن شعره، وهو هذا: # نور النصائح من نظامك لاحا %~% وعبيرها من نشر طرسك فاحا # لما ندبت إلى شريعة أحمد %~% وبديت منها ما استمات وطاحا # قل لي: فما ذنب الذي لخصومه %~% بذل التناصف وابتغى الإصلاحا # قلنا: المصاحف والذي في كتبنا %~% قالوا نريد كتائبا وصفاحا # قلنا: نحكم من رضينا دينه %~% قالوا نحكم أسهما ورماحا # قلنا: التعاون والمعاقل كلها %~% نعطي أفاضل عصرنا الصلاحا # قالوا: المعاقل إرثنا فنفوسنا %~% صارت بهن عن السماح شحاحا # قلنا: فقد علم الإله فنرتجي %~% منه الفتوح فلم يزل فتاحا # ونقيم نبذل ما بذلنا أولا %~% ونقيم نيات عقدن صحاحا # أترى بعينك بعد ذا كبرا فيا %~% خيبا لمثلك أن يرى قداحا # الحق ما قلت الخليفة منهما %~% من كان عدلا مانعا سماحا # آها لذي شجو يستر ما به %~% عن عاذل خال فلام ولاحا PageV02P390 وأنا الذي قبل الورى بخيارتي %~% علما فلم أر صادقا نصاحا # لا ذنب لي إلا تمام هدايتي %~% لهم وكشف اللبس والإيضاحا # مع حسن إنصاف وصدق وفا ولم %~% يك مذهبي في ضد ذاك فساحا # عف عن الأموال والأرواح والأ %~% عراض لم أك جائرا جراحا # أرثي لذي عدم ومهتضم وإن %~% أو تى تمكنتم فليس مباحا # طلب الأنام إمامهم مستعملا %~% للكيماء والسيمياء متاحا # إن يسألوا أعطى وإن يسألهم %~% مالا يعان به أو الأرواحا # بخلوا بنصرته وقالوا عاجز %~% هل طار باز حين قص جناحا # من لي بذي حسب إذا استنصرته %~% واسى وناصر صادقا نصاحا # لا أضحك الله الأنام ومدمع الإ %~% سلام صار لهضمه سفاحا # أيحل عيش أن تباح مشارب %~% وحمى عزيز الدين صار مباحا # فيه تحكم من أباح قبائحا %~% ويرى حسان الواجبات قباحا # جهل الأنام فصار ما زكوه لا %~% يزكو وأصبحت النساء سفاحا # يامن أتانا من لديه تألم %~% للدين آح لما شكوت وآحا # انهض وأنهض من أمامك %~% واقصدوا لله في أمر ms435 العباد صلاحا # واهتف بأرباب الصلاح فبينوا %~% الحق الصراح فأعلنوه صراحا # وتعرفوا مولاه واعترفوا له %~% فالأمر عن جد وليس مزاحا # إن أنت لم توضح لذي جهل فمن %~% للجاهلين نعدهم إيضاحا # دع عنك قوما دينهم دنياهم %~% ودع الذين تبدلوا ياصاحا # قلها ولو صعبت وصرح لاتبل %~% نور الحقيقة لم يزل وضاحا # فازروا على من مال عن نهج الهدى %~% لا تلبسوا ليلا دجى وصباحا # من راقب الأقوام مات بهمه %~% ويفيد منهم من يكون وقاحا # وعليك تسليم وتكريم وتعظ %~% يم يزور عشية وصباحا PageV02P391 فصل: اعلم أن فضائل هذا الإمام وفواضله [كثيرة] وعلومه جمة غزيرة، وكانت له ~~سيرة يالك في الكمال من سيرة! وبصيرة في أنواع العلوم يالك من بصيرة! ومن ~~مصنفاته: كتاب الإرشاد كتاب حافل، وله رسائل كوامل، وأشعار ينشدها الركبان ~~في القوافل، والرواة في المحافل، وهي كثيرة مدونة ومحفوظة، ومن أجودها، ~~وأفضلها بركة: قصيدته التي أنشأها وهو أسير في حصن الربعة، وقد تقدم مني ~~الوعد بالإتيان بها، وهذا المكان أكثر ملائمة [لإيراد ما فيها]، فلنوردها ~~تبركا بها، وبمن اشتملت على ذكره لعل الله يرزقنا من سره وبره، وهي : # ماذا أقول وما آتي وما أذر %~% في مدح من ضمنت مدحا له السور # عن الثناء لمن جاء الثناء له %~% في معجزات المثاني يعجز البشر # من كان مادحه الديان في سور الق %~% رآن فالمدح إلا ذاك يحتقر # لكن شفاء نفوس ذكر أفضل من %~% سيقت له بعد ذكر الخالق الذكر # من ذكره في مطاوي سمع سامعه %~% ألذ مستمع ينفى به الكدر # من ذكره كلما أبداه ناشره %~% أطلا من العبقري الموشى والحبر # من ذكره كلما أفشاه عابره %~% طيب المعاطس رياه الشذى العطر # من ذكره كلما ثناه ذاكره %~% روض المجالس مرآه البهي النضر # من ذكره كرم من ذكره عظم %~% تكفى به نقم ينفى به عسر # من ذكره شرف بل روضة أنف %~% من ذكره زلف من ذكره فكر # ذاك النبي الذي من قبل مولده %~% لبعثه أنبياء الله قد شهروا # ذاك النبي الذي من قبل مولده %~% سألوا أبه فهم في الجاه ما ms436 قصروا PageV02P392 في نعته سبقوه وهو سابقهم %~% في النعت إن نعتوا والذكر إن ذكروا # بدينه ختمت أديانهم وهم %~% إخوانه وسبيلا واحدا عبروا # أتوا بتصديقه فيما أتى وأتي %~% له بتصديقهم فيما به أمروا # أحبهم وأحبوه فلازم كل %~% في المآل به الحسنى إذا حشروا # بدينه ختم الأديان في الثقل %~% ين الإنس والجن دين ما به غير # ذا خاتم الرسل ذا من للرسالة من %~% ه خاتم علم ذا الخير والخير # ذا طيب الذات ذا من طاب عنصره %~% وذا الذي منه حقا طابت العتر # ذا أحمد المصطفى المختار أحمد من %~% في الأرض سار وفيه سيرت سير # هذا أبو القاسم الماحي الضلالة ذا %~% محمد المحتبى العاقب الطهر # ذا النور ذا الذكر هذا بر قليطس %~% بل ذا الحاشرالمرتضى قولاإذا حشروا # وذا سلالة عبد الله أكرم عبد %~% طاب في الله منه الخبر والخبر # طلاب مطلب من عبد مطلب %~% دفاع ما عنه للمستدفع الحذر # من هاشم وهو من للضيف قد هشم %~% الطعام مطعامهم إن شقت المير # من آل عبد مناف من أناف علا %~% ومن قصي فأقصى ما به افتخروا # ومن كفاه كلاب من كلا بكف %~% اية الورى ربه منهم متى حذروا # من مرة مر تيم للعدى ولمن %~% والاه أري الجنا تشتاره المرر # من كعب بن لؤي ما لوى أبدا %~% له اللوى وهو والي الكوثر إن كثروا # من غالب غالب الأقران خيرهم %~% بقهر سؤدده في فهر قد قهروا PageV02P393 ومالك الأمر من أبناء مالك بن %~% النضر بل من له في العالم النظر # ومن كنانة من كان المكين ومن %~% هو المكون سر فيه معتبر # ومن خزيمة من عن عين ذي خزر %~% بخرمه مارئيا منه انتفى الخزر # ومدرك الفضل من أبناء مدركة %~% ورأس إلياس من تزهو به مضر # من بذله غير نزر في نزار مع %~% د في معد الشفيع إذا حشروا # ذا من سلالة عدنان الذي وجبت %~% جنات عدن لمن في طوعه ائتمروا # آباء صدق بهم فخر لمفتخر %~% لكن لهم بالنبي الطهر مفتخر # ذا خير من وصفوا بالرحلتين %~% وأولو النعمتين وأزكى من له ms437 أثر # سبط الذبيحين سرالذبح فهو أبوالس %~% بطين من ذبحوا أو من به غدروا # العدل في الدين والمبعوث في الثقلي %~% ن والمسود في الكونين لا نكر # ذو البلدتين وذا ذو الهجرتين وذو ال %~% حزبين من هاجروا ثم الأولى نصروا # محرم الحرمين والذي شرع الحج %~% ين الأكبر حج النحر والعمر # ذا ذو الأذانين ذا ذو القبلتين وهذا %~% ذو الصلاتين ذو الطهرين ذو الطهر # ذا ذو الطهورين ذا ذو المنبرين %~% وذو الأمانتين يحط الوزر والوزر # وذو الطعامين والشربين محتضر %~% لشربه كل شرب ليس يحتضر # ذو الطعمتين وذا ذو الليلتين وذو الي %~% ومين ذا ذو مقامي من له خطر # ذا ذو الكتابين ذا ذو البيعتين وهذا %~% ذو الزكاتين للأموال والفطر PageV02P394 كم من مغار لذي الغارين ضاربه %~% صدر المغادر عن نهج الهدى يغر # وبالخفيفين عند البعد ينتصر %~% وبالخفيين عند القرب يقتدر # مكرم بمزار بعد تكرمة ال %~% شهادتين إليه أمت الزمر # قل في نبي كريم صادق نبأ %~% في فضل أبنائه ما فيه مزدجر # من مرهصات أفادت أنه علم %~% للعالمين به الأفراج تنتظر # كالفيل ذل وكيد الخصم ضل وط %~% ير ظل من رميه السجيل ينحدر # ولم تجد أمه في حمله عنتا %~% بل أشعرت أن ذاك السيد الخطر # ويوم مولده الأصنام قد نكست %~% والنار قد خمدت وانقضت الزهر # وفي البحيرة غيض الماء وارتعدت %~% أركان إيوان كسرى فهو منكسر # وأسعد الله سعدا بالرضاع له %~% فاسترجعوه ولما شق ما اصطبروا # وشيد ذكرا وصين الشين من صغر %~% وشد إزرا وشدت قومه الأزر # وفيه قد عرف الرهبان ما شرحت %~% آيات الانجيل والفرقان والزبر # كذا أشار بحيرى حين ظلله الغ %~% مام في سفر أن يترك السفر # وكان ما كان للكهان في قصص %~% في شأن من شأنه شأن له خطر # وفي عمارة بيت الله خص بأن %~% كان الذي عن يديه توضع الحجر # إذ كان في قومه بالأمن مشتهرا %~% والصدق أكرم من في ذين يشتهر # وفي حرى هجر الأحياء وناكر إذ %~% للنكر ما نكروا والهجر ما هجروا # حتى اصطفاه تعالى للرسالة أن %~% قم أنذر الناس ms438 لما أن خلت نذر # فقام فيهم مقام النصح مرتقيا %~% مرقى أولي العزم صبارا كما صبروا PageV02P395 مؤيدا من كبار المعجزات بما %~% له الأكابر ممن كابروا صغروا # نبي مرحمة أقنت وملحمة %~% أفنت ومعجزة لم تفنها العصر # ذكر لو الثقلان إظاهرا ليقو %~% لا مثله ما على مثل له قدروا # إمام كتب إمام في الكتائب أم %~% ي الكتابة فيه حارت الفكر # أحيا مواتا وأحياء أمات له %~% من سارعن أمره طوعا له الشجر # والشمس إذ غربت عادت بدعوته %~% وانشق لما تحدوه به القمر # وأشبع الجيش ما نالت أمينته %~% يمناه منه أساروا وهو ما يسر # والماء من بين ميمون الأصابع إذ %~% مس الضما حين شق الماء ينفجر # والعين زيدت ضياء بعد أن برزت %~% فردها فجلاها وحدها الحور # أعمى بنفثته في الحرب إذ بصروا %~% كما بها عاد يوما للعمى البصر # على البراق رقى السبع الطباق بلي %~% ل ضم فيه له عير العدى السحر # وثم وافى أخلاء الوفاء وأخ %~% وان الصفاء وبأن وافاهم حبر # وكلم الله واستعفى لأمته %~% من التكاليف ما كانوا به أصروا # بالذكر في كفه الحصباء قد نطقت %~% وسبحت إن هذا فيه مدكر # والعجم قد ناطقته والفصيح له %~% بفضله مسه في المنطق العكر # والجذع حن له والجن دان له %~% منهم وكلمه مسترشدا نفر # والأرض ضمت له والماء سيق له %~% واللحم نم بما فيه له يذر # والقطف زف له واللحم جاء له %~% شيا وما مسه جمر ولا سعر PageV02P396 ويوم هجرته ناموا وهم حرس %~% له ومروا بباب الغار ما شعروا # وكان ما فيه يدعو وفق دعوته %~% وصح ما عنه أنبا وهو مستتر # وكان مولاه مما خاف يكلؤه %~% فلم ينله من الأعداء ما مكروا # مثل الجهول أبي جهل غداة غدا %~% عليه خامره في ليه الخور # وأنزل الملك الأعلى ملائكة %~% مدا لهم فهم بالنصر قد ظفروا # وطاب في طيبة السكنى به ونفى %~% عنها التخبث والأوبآ والقذر # وطاب ما بين جنبيها وأذهب عن %~% صدور أوسهم والخزرج الوحر # وكم له من كرامات ومن كرم %~% من رام حصر علاه ليس يقتدر # فضائل المصطفى ms439 قاست فواضله %~% في أن هاتا وهاتا ليس تنحصر # فواضل إذ توالت لا ولي ولا %~% وسمي فما أن أقاسها المطر # كم كفه وكفا كفت وكم وكفت %~% جودا به قد أفاد الوجد مفتقر # بلا سؤال وإن تسأل أراك حيا %~% للسائلين فيعطي وهو يعتذر # ماقال: لاقط إلا في مقرته %~% لولاه قيل على لا ليس يقتدر # عاد المريض وما قال القريض ومن %~% فرط الحياء غضيض طرفه خفر # لم ينتصف من مسيء واستعد لان %~% صاف وحاشاه لم يذهب به الشرر # لم ينفرد عن أكيل حيث كان ولم %~% يظلم أكيلا ولا المأكول يحتقر # يجيب ولو لكراع من دعاه وما %~% بالعرض عن أن يجيبوا إن دعا عذر # لخادم لم يقل لو كان يفعله %~% ولم يكن كهر منه ولا نهر # ومان أهلا ونعلا كان يخصف وال %~% جليس ينصفه من خلقه زهر PageV02P397 كم أطفأ الله من نار لغير هدى %~% بنار حرب لظاها فيه تستعر # وكم ظلام ضلال كم جلا بسناء %~% صوارم بشباها يقصر العمر # بيضا بليل صدام ما دجاه سوى %~% عجاج نقع على الأبطال ينعكر # بالله ملتزم في الله مغترم %~% لله منتقم في الله مغتفر # أمضت مواضيه فيمن قد مضى وصبا %~% مع أنه بالصبا والرعب منتصر # في فتية لم تفتهم قط منقبة %~% لهم بادراك أسنى المجد معتبر # إن طالبوا بلغوا أو طولبوا امتنعوا %~% أو غالبوا غلبوا أو قوهروا قهروا # أوعوطفوا رحموا أوخوشنوا صدموا %~% أو حوكموا حكموا أو كوسروا كسروا # هينون لينون ألافون قد ألفوا %~% لا يوصفون ببغي إن هم انتصروا # شوس عوابس عند البأس لا و %~% بهم إذا مست البأساء بل صبر # أسد ولكن أسد الغاب ما أسرت %~% أشباهها وهم كم بيهس أسروا # كالحاسرين بدارا إن هم ادرعوا %~% كالدارعين اصطبارا إن هم احتسروا # كأن خيلهم إذ عودت ألفت %~% ركض العداء فهي لا بالركض تبتدر # كأن أرماحهم إن ثقفت علمت %~% لها الخواصر واللبات والثغر # كأن كل عذاري مرهف لهم %~% مغرا تشق به الهامات والغرر # من العرانين ممن هاجروا نفروا %~% عن المنازل والأوطان قد نفروا # ثم الألى أحسنوا إيوائه وله %~% عن ms440 المنازل والأوطان ما حجروا # نزيلهم أنزلوه في علا غرف %~% لكن منازل من قد نازلوا حفر PageV02P398 باعوا النفوس من الرحمن وهي له %~% فأربح الله مسعاهم وما خسروا # يرون في طوع وضاح الجبين أجل %~% المرسلين يسيرا ما هو العسر # هم خير أمة مبعوث بذا مدحوا %~% من ذي الجلال فهم إذ ذاك قد فخروا # قل في نبيهم ما شئت غير مقا %~% ل في ابن مريم فيه قومه كفروا # وكل ما قلت في مدح ابن آمنة %~% فغير مين وفيه البسط مختصر # سمى عليه سلام الله أمته %~% باسم آمنه فلها في ذاك مفتخر # فأمة المصطفى إذ ذاك آمنة %~% أن ليس يشملها زيغ ولا ضرر # فخص بالصلوات الطيبات من %~% الباري وإخوانه والآل والأسر # مكرر غير منفك تواصلهم %~% مهما تكررت الأصال والبكر # يارب إني فيما قد أحطت به %~% بهم توجهت إذ جاهي به قصر # حاشاك لا كان ذنبي كفؤ جاههم %~% وفوق ذا عفوك المعروف ينتظر # [يارب لي ولكل المسلمين معا %~% فإن جودك جم ليس ينحصر] # ومن توسل فيما رام من وطر %~% بهم إليك لك الحمد انقضى الوطر # هذه الوسيلة أنشأها وهو محبوس في حصن الربعة كما تقدم PageV02P399 وقد كان في خلال حبسه أخذ يعلم ولدا لوالي الحصن القرآن العظيم، فعلمه إياه ~~في مدة يسيرة، ففرح بذلك الولد، وقال له -عليه السلام-: ما جزاؤك يا مولانا ~~مني إلا أن أخرجك، واحتال الولد في فك حلقة من قيده وبقيت [الحلقة الأخرى] ~~في رجله الأخرى، وعصبا بقية حلق القيد، بخرق لئلا يسمع لها وحي، وحمله على ~~ظهره طول ليلته، فأصبحا وقد جاوزا بلاد الدولة، ودخلا طرف بلاد [بني] ~~الجبر، فانتبه أهل الحصن، وتصايحوا، وخرجوا يقصون بالأثر إلى أن وافوهما ~~أول النهار، وقد دخلا طرف بلاد الغز، فتصايح أهل تلك البلاد واجتمعوا ~~ومنعوا الإمام وصاحبه الذي أخرجه، فرجع أهل الحصن، ومن غار معهم خائبين، ~~ونجا الإمام عليه السلام لبركة هذه الوسيلة وهي مجربة الفضيلة، ولم يزل ~~يجاهد من تلك المدة محتسبا صابرا إلى أن ملك ذمار كما تقدم، واستوطنها، ~~وبنى بها ms441 مسجدا عظيما مشهورا بالبركة، فلما مات في شهر صفر من سنة تسع ~~وسبعين إلى رحمة الله [تعالى]، قبر بجنب مسجده هذا، فعلى هذا تكون مدة ~~خلافته قدر ثمان وثلاثين سنة. PageV02P400 # ومات وله أولاد، وأولاد أولاد من مشاهيرهم شجاعة، وفصاحة، وصيتا: السيد ~~الأفضل عبد الله بن المطهر، وقد ذكرت فيما تقدم أنه خلفه على ولاية ذمار، ~~فانتهت به الحال إلى أن احترب هو وبنو طاهر، وجرت قصص يطول شرحها، فأخرجوه ~~منها، وحل صنعاء حتى ملكها عامر بن عبد الوهاب، فلما سير من بصنعاء من ~~[وجوه] الأشراف، وعيال الأسد، سير عبد الله معهم هو وأولاده، وحللهم الجميع ~~بتعز، وخلت صنعاء من ذرية الناصر بن محمد، ومن ذرية مطهر بن محمد بن ~~سليمان، فسبحان من لا يزول سلطانه، فهذا طرف من ذكر قريس، وما اتفق فيه، ~~أشرت إلى تفسيره على سبيل الاختصار تبعا لاختصار السيد صارم الدين. PageV03P001 ### | [ذكر الإمام المهدي صلاح بن علي بن محمد بن أبي القاسم ] # وأما قوله: ويقفوا أثرها علب وعرقب # فهما أيضا: موضعان نشير إلى: # الأول منهما: وهو علب، فنقول: أشار السيد صارم الدين إلى ما وقع بعلب، ~~وهو قرب صنعاء، وذلك أن حي الإمام صلاح بن علي بن محمد بن أبي القاسم بن ~~محمد بن جعفر بن محمد بن الحسين بن جعفر بن الحسين بن أحمد بن يحيى بن عبد ~~الله بن يحيى، وعبد الله هذا هو: أخو الإمام الداعي يوسف بن يحيى بن أحمد ~~بن الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين -عليهم السلام-. # قال السيد العلامة الهادي بن إبراهيم صاحب كتاب (كاشفة الغمة)، -وهو أعني ~~السيد الهادي من مشاهير السادة اليوسفيين-: إنهم أقرب بيتا إليهم، قال: ولا ~~شك عند أهل المعرفة بأنساب أهل البيت أنهم من أولاد الهادي، قال: وهي نسبة ~~ظاهرة، بل متواترة لمن معرفته بعلم النسب غير قاصرة. # قال: فهم أهل بيت في الشرف كبير، وبالعلم الغزير شهير. PageV03P002 # قلت: وكنية هذا الإمام المهدي لدين الله، وهو [كان] من أهل المعارف، وله ~~كتاب في العربية شرح ms442 على الحاجبية اسمه (النجم الثاقب) انتزعه من شرح ~~[كبير] لوالده عليها، فجاء هذا المنتزع معتمدا في صنعاء ونواحيها، حصله عدة ~~من الطلبة لسلاسة ألفاظه، وتقريبه المقاصد من فهم المبتدئين، فلما دعا هذا ~~الإمام كما تقدم، ورأى أن سنقرا واسمه: قاسم بن عبد الله، وهو الذي خلف ~~سيده علي بن صلاح على مملكته بعد وفاته، ووفاة [ولده] محمد بن علي، فإنه ~~توفي بعد والده بأربعين يوما، فتصدر المملوك هذا على ما يعتاد من الرئاسة ~~في مدة مولاه، فإنه كان من أهل الكمال والهيبة، فرأى الإمام صلاح حال هذا ~~المملوك، وأن الكلام كلامه، أضمر في نفسه أن يلزمه إذا خلا به، فقد كان ~~يواجهه أعني المملوك حينا ومعه خدمه وحاشيته، وحينا وهو وحده، فتواطأ صلاح ~~هو وعدة من وجوه من معه بأنهم إذا دخل سنقر هذا، ترسم عليه جماعة عينهم في ~~منظرة قد عينها لهم، ففشا سرهم، وعلم سنقر بذلك، فطلع كعادته مصبحا للإمام ~~عليه السلام، فكان أول كلمة قالها: أنت أيها الخادم الفلاني، أنت وفلان ~~وفلان ناوون تمسكوني، وتترسمون علي هذا جزائي لفعلي إليكم المعروف أنتم ~~ومولانا يعني الإمام! ثم أشار إلى خدمه أن اقتلوهم قبل [أن] يقتلوكم، ~~فقتلوا أولئك الثلاثة الذين أوصاهم الإمام بالترسم على سنقر، فلما قتلوا ~~رموا برؤوسهم إلى الميدان، ونصروا لسنقر، وأسروا الإمام، بقي ملزوما مدة ~~حتى احتالت الشريفة فاطمة بنت حسن، وهي زوجته في فكاكه من اللزم، ثم انتقلت ~~هي وهو إلى صعدة، وبعد ذلك PageV03P003 قرب سنقر الإمام مطهر من المغارب، وفي عرض ذلك هم سنقر [أيضا بلزم الناصر]، ~~فخرج [من صنعاء] مختفيا بين سبع نسوة حرائر وإماء، حتى دخل هران فانضاف ~~إليه بقية عبيد علي بن صلاح أنفوا من خدمة سنقر وهو مملوك مثلهم، فاستقوى ~~الناصر بهم، فهم سنقر الأمر واجتمع هو والمطهر وبنيا على نزول اليمن، فظفر ~~بهم الناصر في قريس، فلزم مطهرا كما تقدم، وسنقر قيل: إنه خنق وانقطعت ~~دولته ودولة أولاده، وكان له ولد اسمه زيد، وولد اسمه إبراهيم بن قاسم سنقر. ms443 PageV03P004 # وأما الإمام صلاح فلما وصل صعدة واختلف إليها مرارا معارضا للمطهر، وفي بعض ~~تلك المرات تقدم قبله المطهر إلى صعدة فحط عند بير حوجل ومعه [عشرة] أشراف ~~من بني حمزة مشاهير، وقع مع الشريفة وأهل [صعدة] الشجن منهم على صعدة، فسار ~~صلاح بجيشه من صنعاء ليلا ونهارا [مغيرا على صعدة]، وبلغ ذلك الإمام المطهر ~~ومن معه فتلقوا لصلاح من حوالي درب الحناجر يريدون مصادمته، واثقين بقدرتهم ~~عليه وأن عسكره لا يطيقون مقاومتهم، فجاء الإمام صلاح وعسكره من طريق جبل ~~بني عوير وبلاد المهاذر، لأنه بلغهم أن بلاد العبديين مملؤة سيلا لا يحسنون ~~المرور بخيلهم وجمالهم فيها، وفي الباطن أنهم أحبوا عدم المصادمة لخصومهم، ~~فلما دخلوا صعدة علم الإمام المطهر أن قد رتبوها، فعطف هو ومن معه راجعين ~~اليمن، فتقرر صلاح في المدينة، وجمع منها أموالا جمة، وعاقب جماعة من أهل ~~صعدة، وأخذ أموالا قد كان أوصى بها [بعض] آل زيدان لمسجد الذهب، ومسجد ~~زيدان، يقال: إن فيها من الحرير والحاصل جملة مال، وكان يأمر بحبس من امتنع ~~من العقوبة، حتى قيل له: إن المنصورة قد امتلأت بالمحبسين. # فقال: احبسوهم في الحصون. # فقيل له: والحصون قد امتلأت. PageV03P005 # فقال: البور، أي أنزلوهم البور، فجمع جملة من الأموال والذخر والمحاصيل، ~~وتقدم إلى اليمن، فأشار عليه جل وزراءه أن لا يتعرض لصنعاء في سفره هذا ~~[ويتوقع، وأن يعمد ثلا] حتى تلوح لهم الفرصة في صنعاء، [فلم يسعدهم إلى ~~ذلك، واسترجح تقديم صنعاء]، فجاءت طريقهم إلى أن وصلوا علب يماني نقم، ~~فخرجت صنعاء بمن فيها، فوقع طرف قتال انجلت المعركة على أسر الإمام صلاح ~~هناك، ونهب جميع ما معه من الثقل، وتقوى الناصر من تلك الساعة، وبقي صلاح ~~في حبسه، وكان في زمن صلاح في صعدة ونواحيها من رخص الطعام على أنواعه، ~~وكذلك السمن، والسليط، والملح، والحلبة، والغنم الحجازية وغيرها، ما لا يحد ~~ولا يوصف، حتى صارت مدته في رخص هذه الأشياء يضرب بها المثل، فانتهى به ~~حبسه في قبضة الناصر إلى أن توفي في ms444 شهر ربيع من سنة تسع وأربعين، ودفن ~~بمسجد موسى من مدينة صنعاء، فتكون مدة خلافته حوالي ثمان سنين ونصف [سنة]، ~~وأمرت الشريفة من صعدة لقبره بلوح كبير، فلما رآه عبد للناصر من كبار ~~مقادمته، اسمه: ريحان بن سعيد كسر ذلك اللوح بدبوسه، فلم يمهله الله بل ~~أخذه أخذ عزيز مقتدر، وعرف هذه الفضيلة لهذا الإمام أهل صنعاء وغيرها فهي ~~متناقلة إلى آخر الدهر، وكان لهذا الإمام ولد اسمه علي بن صلاح، أمه ~~الشريفة فاطمة بنت الحسن، وكانت البلاد الصعدية في يدها، فتوفي هذا الولد ~~في تلك الأيام، فضاقت عليه كثيرا وضاق لضيقها جميع رعيتها، فما أحدا من أهل ~~صعدة في تلك الأيام اشتهر بمس حناء ولا صابون، وأغرب الناس عن التزاويج ~~الكبار مدة، وكان هذا الولد فيه جمال بارع وكبر بين الليل PageV03P006 والنهار، وتزوج أوان بلوغه بشريفة دخل بها ليلة الجمعة، ومات حور تلك ~~الليلة [ليلة] ثامن، ودفن بمسجد الهادي -عليه السلام- بجانب غربي منه بقي ~~فيه أياما، ثم نقل إلى هذه القبة التي هو فيها الآن، وجاءت من أحسن القباب ~~بأحسن الأمكنة. PageV03P007 ### | [ذكر والد الإمام صلاح بن علي ] # ووالد الإمام صلاح هو السيد العلامة علي بن محمد بن أبي القاسم، كان في ~~زمانه العالم، العامل، فاق في جميع العلوم، له مصنفات كثيرة، من أشهرها ~~كتاب (تجريد الكشاف) ثلاثة مجلدات سابق فائق، وله (التفسير الكبير) مقدار ~~ثمانية مجلدات. # قال السيد الهادي في (كاشفة الغمة): لم يؤلف مثله قبله ولا بعده، جمع كل ~~غريبة، واحتوى على كل مشكلة، ومقدار فتاويه في جميع العلوم مقدار مجلد كبير. # توفي -رحمة الله عليه - في أول سنة سبع وثلاثين، وعمره تسعون سنة ينقص ~~سنتين، ومسكنه صنعاء وبها مات، وأخوه يحيى بن محمد بن أبي القاسم كان ~~رئيسا، ذا همة، ولاه الإمام: علي بن محمد حصن ظفار، ولما توفي السيد ~~العلامة: علي بن محمد بن أبي القاسم رثاه الفقيه: أحمد بن قاسم الشامي فقال: # خطب تكاد له الأفلاك تنفطر %~% والشمس تنقض والأملاك تنتثر # والأرض ترجف لما مات ms445 عالمها %~% وكاد يسطو عليها بعده القدر # ولى علي وخلى في العلى خلفا %~% مثل النجوم هوى من بينها القمر # وكان في ذروات المجد مرتفعا %~% تسمو به رتب العليا وتفتخر # أحصى العلوم فظنوا أنه ملك %~% يمشي على الأرض إلا أنه بشر # تزلزل اليمن الأعلى لفرقته %~% واستوحشت في الورى من بعده مضر # ولم يزل في آزال رنة وبكى %~% بحرقة ذاب منها الترب والحجر # وكاد ينحط من أقطاره نقم %~% على ثرى قبره حزنا وينكسر # أحلى مذاقا من السلوى شمائله %~% وحيثما الغيظ منه يقطر الصبر PageV03P008 إن صال أوصل أوصال العدى تلفا %~% وجاءه العاضدان النصر والظفر # وهل يشاكله الليث الهصور وما %~% لليث رمح ولا صمصامة ذكر # مثل السحاب يخاف الخلق صعقته %~% وترتجي غيثه الأشجار والثمر # يروي جميع أحاديث النبي ولم %~% يرو الجميع أبو بكر ولا عمر # ويكشف اللبس من معنىالكتاب ولم %~% يقدر على فهمه الألباب والفكر # من للكتاب محل بعد غيبته %~% وللأحاديث في الدنيا فينتظر # وللأصولين من ينهي أدلتها %~% إلى الضرورة حتى يصدق النظر # ومن لعلم المعاني والبيان ومن %~% على معاني لطيف النحو يقتدر # أمن يرد الفروع الغامضات إلى %~% علم الأصول ويحصيها فتنحصر # قد حازها منه صدرا كالخضم له %~% موج على شبه الفجار ينفجر # والعلم كالروح للأحيا فإن عدمت %~% لم يبق إلا شخوص الناس والصور # لئن بكوه بأكباد مقطعة %~% وأعين دمعها ما زال ينحدر # وأنزفوا الدمع واستكت مسامعهم %~% حتى يكاد يزول السمع والبصر # فليستعيروا دموعا للنواظر من %~% سحابة من لدنها الماء ينهمر # وليجعلن بكاهم والدموع على %~% دين الإله إلى أن ينقضي العمر # فقد تضعضع دين الله وانهدمت %~% أركانه وعفا من رسمه الأثر # وليس في الناس من يحيي معالمه %~% إلا رجال بني الزهراء وإن قهروا # فهم أجل بني الدنيا وأفضلهم %~% بذاك قد نطق القرآن والخبر # بنوا على العدل والتوحيد مذهبهم %~% ونزهوا الله عما يفعل البشر PageV03P009 والأرض أكثر من فيها مقالهم %~% إن القبيح قضاء الله والقدر # وكل فعل فإن الله خالقه %~% في العالمين ومنه النفع والضرر # أما الأصول فأهل الحشو ما فهموا %~% معناه لكنها ما تفهم البقر # لولاه ms446 ما عرف الباري ولا عرفت %~% آياته إنها منه ولا السور # وفرقة نفت الباري وبعضهم %~% ثناه جهلا فلم يبقوا ولم يذروا # لولا أئمة أهل البيت تدفعهم %~% لكان أكثر هذا الخلق قد كفروا # كمثل زيد ويحيى بن الحسين ومن %~% آل النبي مصابيح قد اشتهروا # ولم يزل قائم منهم له خطر %~% بالحق ملتزم بالله منتصر # يحيي الجهاد ويستدعي العباد إلى %~% فعل الرشاد كما جائت به النذر # ودين جدهم المختار دينهم %~% بذا تواترت الأخبار والسير # وأكثر الناس إيمانا لهم سلف %~% فكيف يخفى عليهم وهو منتشر # خلائف الله من بعد النبي كما %~% كان الخليفة موسى قبل والخضر # فالحق أولئك إن الدين دينهم %~% لا دين من هو بالتقليد يعتذر # فهذه نفثة من صدر محترق %~% يكاد تصعد من أحشائه الشرر # كيف المنام وأرض الله مظلمة %~% من بعد أبلج يستسقى به المطر # بحر جواهره تبدو ولجته %~% فيها لسائله الياقوت والدرر # لولا له فتية من نفس جوهره %~% ما أورقت بعده من فقده الشجر # زاكي الطريقة في قول وفي عمل %~% عذب الخليقة ما في صفوها كدر # وكم له من تصانيف محكمة %~% تكل عن مثلها الأفكار والفكر PageV03P010 أفي المحرم أمر الله صادفه %~% ليت المحرم يمحو رسمه صفر # لا أشرقت شمس مجد بعد غرته %~% ولا استلذ به قلب ولا نظر PageV03P011 ### | [ذكر عرقب] # وعرقب اسم موضع بين ذمار وصنعاء من شرقيها، وصله الناصر فارا من هران، ~~وقد رصد له عدوه في جهران والنقيل رجوى أن يجيها، وهي طريق معتادة، فجاء من ~~طريق عرقب والجربتين، فمن حذره لم ينج، وأتيح له أهل عرقب [والجربتين] ~~واسمه هداد المشرق، ويقابله هداد المغرب والجربتين، فرفقوه وعابوا فيه ~~وسلموه إلى يد الإمام المطهر، فحبسه عنده بكوكبان حتى مات هو وعبده المسمى: ~~عبية الطاهري. PageV03P012 ### | [ذكر الإمام المنصور محمد بن الناصر ] ### || فصل في ذكر نسبه ومدة ملكه وإقبال الدنيا له ثم إقفائها عنه وذكر موته وموضع قبره. # أما اسمه: فهو الناصر، وكنيته المنصور، واسم أبيه محمد بن الناصر بن أحمد ~~بن الإمام المطهر بن يحيى بن المرتضى بن المطهر بن ms447 القاسم بن المطهر بن ~~محمد بن المطهر بن علي بن الناصر بن أحمد بن الهادي إلى الحق يحيى بن ~~الحسين [عليهم السلام]. # وأم الناصر بن محمد الشريفة مريم بنت علي بن صلاح المقدم ذكرهما، لما ~~تربى في قصر غمدان في حجر الخلافة دعته همته العالية إلى أن عارض صلاحا ~~ومطهرا على صغر سنه من سنهما وقلة علمه، فجاء نادرة عصره. # قاد الجنود، وخفقت فوق رأسه البنود، وأسر معارضيه المذكورين وغيرهما من ~~ملوك زمانه، وملك ذمار وصنعاء وصعدة، وما حول ذلك من بلاد الزيدية، وغزى ~~بلاد بني طاهر مرارا، واستولى على حصون شوامخ، وما كان أحد من الملوك يقوم ~~له إلا وظفر به، وانتشر صيته في جميع النواحي. # ومن إقبال الدنيا له أن ذمياجاء إليه إلى حصن هران، وما قد ملك من البلاد غيره. # فقال له: قم اقبض صنعاء فهي في يدك، فقد اقتضى الحساب أنك تصلي الفجر ~~بمسجد وهب، والظهر والعصر بجامع صنعاء، والمغرب بقصر غمدان من غير ضربة ولا طعنة. # فقال له: كيف هذا والمدينة وقصورها وحصونها في يد زيد بن قاسم ولد سنقر، ~~وأهل المدينة على رأيه؟ # فقال الذمي: أنا هذا في يدك وبين يديك وأسير معك، فإن اختلف من قولي هذا ~~[شيء أقل قليل] فروحي هدر. PageV03P013 # قالوا: فسار من ساعته، فلما وصل مسجد وهب آخر الليل صلى به، وارتاع أهل ~~المدينة وداخلهم الفشل ففتحوا له الباب، فجاء وقت صلاة الظهر والعصر وهو ~~وقت المشاركة جمع الصلاتين مشاركة، وخرج متوجها نحو القصر وفيه زيد بن قاسم ~~وغيره في عسكر فوق عسكر الناصر، ففشل العبد وارتاع، وراسل الناصر أن يؤمنه ~~هو وحاشيته ففعل ونصروا له، فما صلى المغرب إلا بقصر غمدان، فاستولى من تلك ~~الساعة على أكثر بلاد علي بن صلاح جده أبي أمه، وانفتحت له البلاد على هذه ~~الصفة، ثم انعكست عليه أموره آخر مدته، وقد أشار إلى طرف من أمره حي السيد ~~الفصيح المصقع إبراهيم بن يحيى الشاعر المشهور من بني الهادي، وكان من ~~أعيان من يحضر ms448 عند الناصر. # فقال: شعرا حمينيا، أوردته هنا وإن كان ملحونا لما كان فيه شرح بعض أحوال ~~الناصر، فالحكمة ضالة المؤمن، وقد ذيلته بأبيات ذكرتها في آخره. # قال مبتدأ: # إن تكن مهجتك والهة محتارة # خذ دوائين من أدوية مختارة # وهمومك على خاطرك كالدارة # ياقريب الفرج يا سريع الغارة # [بيت] # يا إله السما يا مليك الأملاك # جل ملكك فما أقدرك ما أعلاك # يا مدبر بحكمك جواري الأفلاك # تنصب الخلق تارة وتخفض تارة # [بيت] # تحتسب ما ترى من صلاح الأحوال # يكسب الآخرة أهلها بالأعمال # وتحول بحولك جميع الأحوال # وإنما العاجلة مسترده عاره # [بيت] # قد مضى في القصص والسير والأخبار # خدعتهم بآمالها هذي الدار # من ملوك الأعاجم وأهل الأمصار # خادعة فاجعة ماكرة غرارة # [بيت] # في ذمار العبر للذي له معقول # بعد ما كان معلوم عاود مجهول PageV03P014 أوحش القصر وهو الأنيس المأهول # ليس بيت الأسد مثل بيت الفارة # [بيت] # والجراحيش في فرد ساعة طاحت # هجرتها الغواني وعنها راحت # والبواكي عليها وفيها ناحت # لو ترى الرابضة أو ترى المفخارة # [بيت] # وتحرى السلامة بقلعة هران # فرأوا كل ما يكرهون بالأعيان # واجتمع به معه رفقته والأعوان # ذا يطرد وذا تخرب داره # [بيت] # هد ركنه هداد الذي به أمسى # وابن آدم لما يعلمه قد ينسى # مركبه على شاطئه قد أرسى # ما خطر في ضميره عطل والقارة # [بيت] # ومضوا به على باب صنعاء مأسور # عز والله علينا المليك المنصور # وهو ينظر إلى قصر صنعاء والسور # واقيوده إذا ما احترك صرارة # [بيت] # طلعوا به إلى كوكبان الشاهق # والقضا والقدر قائده والسائق # ضيقوا محبسه فيه وما كان لائق # أبخل الناس من ليس يكرم جاره # [بيت] # ثم فاجاه فيه الحمام المحتوم # وعبية حواليه مكبل ملزوم # والمداعس تفادى بمال معلوم # وتخلاص سيد نشب في الغارة # [بيت] # بعد هذاك بيعت مدينة صنعاء # قر فيها قليلا وبين الرجعى # فأتى مشتريها مغيرا يسعى # نحو أرضه وعين الفرج نظارة # [بيت] # قفلوا أهل صنعاء عليها الأقفال # فأتى الشيخ عامر بشير الأهوال # وحووها بخيلاتها والأموال # قال له يا مضيع رددت ms449 العارة # [بيت] # فاستمر ابن طاهر يشن الغارات # وهو يقسم لا ترك رباها حارات # نحو صنعاء ينادي بيا للثارات # ما درى أن قتله بها كفارة # [بيت] # فاجتمع ملك صنعاء لابن الناصر # وخدع به أخيرا خليله عامر # قدر خمسين عاما بعدل طاهر # خدعة يالها مهلكة ضرارة PageV03P015 [بيت] # حط حوله على باب صنعاء بغتة # بالمدافع فكل يدكدك ثبته # قدر خمسة شهور أو هي ستة # والمؤيد يعد بالفكاك أنصاره # [بيت] # فأغاثه إلهه بغارة شعوى # وابن أبي واصل هو أمير الشجوى # بالسراجي كفاه الإله البلوى # ذاك ابن الحسين ناقم بالثارة # [بيت] # حيزوا عامرا وفلوا حده # ثم دبر كسيرا وسيب جنده # وانحصر في نقم ليالي عدة # مزقتهم سيوف بها بتارة # [بيت] # كل هذا ومولى آزال معتل # وتولى وحرق خيامه والحل # فأراه إلهي خصيمه قد ذل # والمرض بالمؤيد يزن أظفاره # [بيت] # فقضى الله عليه الحمام المحتوم # وهو ظالم لنفسه بصورة مظلوم # وقد ابصر مناويه ولى مهزوم # حاملا من خداعه معه أوزاره # [بيت] # بعد عامين عاد ابن [عبد] الوهاب # وافتتحها وكان في الحساب الغلاب # لحصاره لصنعاء وشد الأطناب # مارقد قط حتى تناول ثاره # [بيت] # أسر أحمد سليل المليك الناصر # وحريمه من كان عنده سامر # وعياله وماله وما كان ذاخر # مثل شارب ورهطه وأهل الداره # [بيت] # بعد أن قد هزم أمير الجوفين # مات في سجنه فأطفى النورين # وفعل بالسراجي ما أبكى العين # وأسر ثم شله وأضرم ناره # [بيت] # ليت عين المؤيد ترى ما صالت # ليت نفسي قبيل المؤيد سالت # آمنه بعده وقد كان قالت # لا أرى دى الحرق لنا مطاره # [بيت] # ففراقي لقصري مصيبة صيبا # ما لهذي الليالي خسيسة عيبا # وهوان العزيز كلمة شيبا # صيرتني وكنت المجيرة جارة # [بيت] # ثم لما تخلت لعامر صنعا # وغدا الذئب مع الشاة فيها يرعى PageV03P016 بسط العدل فيها وسد الصدعا # والرعايا لأملاكها عماره # [بيت] # وتقضت ليالي عيال الناصر # بليال المليك المتوج عامر # وليالي ابن عيسى الشجاع الباهر # جل من هو لمن شاء يملك داره # [بيت] # لا اعتراض على مالك من مملوك # فإذا عمرها انتهى ms450 رأيته مفكوك # للولايات عمر بعينه مسلوك # لا ترده عماره ولا أقطاره # [بيت] # ذا نظام لشاعر قديم أنشاه # وعلى قدر لفظه بجهده حشاه # وتلاه أخير بنحوه وشاه # وهو من فك من[ذا] الكتاب إزراه # [بيت] # الفقيه النبيه الزحيفي الفندي # ونطاسيها ووارى الزند # الذي هو لسر الفوائد يبدي # قطب له في علوم السير مدراره PageV03P017 وأما ما ملك من النواحي فاعلم أنه ملك ذمار، وأكثر بلاد خبان، وهيوة وصباح، ~~ورداع، وجل بلاد الزيدية يمنا، وما بين ذمار وصنعاء، وما بين صنعاء إلى ~~ظفار الظاهر، ثم من ظفار إلى صعدة، أخذها على فاطمة بنت الحسن واستولى على ~~جميع حصون صعدة، وملك نجران، وجبانا وعذر، وملك ذي مرمر، والفصين، وأطاعه ~~أكثر أهل الجوفين، والبونين، وأسر الأئمة والملوك، والفقيه المعافى بن عمر، ~~والمهدي بن عز الدين، وما بقي عليه من بلاد علي بن صلاح لم يملكه إلا ~~اليسير، وكانت صعدة للشريفة فاطمة بنت الحسن، فأخذها عليها في سنة خمس ~~وأربعين، وبقيت الحصون بيدها، ووقف بصعدة قدر شهرين، وعاد إلى صنعاء في سنة ~~ست وأربعين، ووصل صعدة كرة ثانية في رمضان من سنة ثمان وأربعين، فوقف بها ~~رمضان، وشوال، وذا القعدة، وتزوج الشريفة بدرة بنت محمد بن علي بن صلاح، ~~واصطلح هو وأمها فاطمة بنت الحسن، ثم خرج إلى صنعاء، وفي هذه السنة مات ~~الإمام صلاح في حبس الناصر كما تقدم، وفي سنة سبع وخمسين أمرت الشريفة ~~فاطمة خدمها قتلوا حسن بن محمد بن علي بن مداعس خلف باب سويدان، وكان يريد ~~الخروج إلى صنعاء، فبعد ذلك قام أخوه عبد الله بثأره، وجاء بالناصر على ~~صعدة، فأخذها في شوال من سنة ستين، واستولى على الشريفة ووزرائها، وقيدهم ~~الناصر، ثم أخرجهم الناصر إلى صنعاء، وخرجت ابنتها بدرة بنت محمد، وولدها ~~يحيى بن صلاح إلى الحظائر من بلاد الربيعة، ثم وصل الناصر إلى صعدة مرة ~~أخرى، وخرج على فللة، فأخرب الحرة التي على فللة، وفي هذه السنتين لم يزل ~~الحرب بينه، وبين بني طاهر سجالا حينا لهم PageV03P018 وحينا له، وفي ms451 آخرها استقووا عليه ففر منهم [خوفا من ذمار إلى هران، فغدر ~~به بعض خواصه، فراسلوا بني طاهر، فخرج من هران عامدا] إلى صنعاء من طريق ~~عرقب، والجربتين، وهداد فقبض [عليه] أهل تلك البلاد، ورجح لهم ذلك فقيه ~~مشهور عندهم بالبركة، وهو من شيعة مطهر، وحسن لهم تسليمه إلى المطهر في آخر ~~رجب من سنة ست وستين، ووقف ملزوما إلى أول سنة سبع وستين، ومات بكوكبان، ~~ونقل إلى صنعاء، فقبره بمسجد القبة من صنعاء، وفي خلال لزومه استمر عامر بن ~~طاهر يغادي صنعاء بالغوائر ويراوحها حتى أضعفها، فاسترجح ولد الناصر بيعها ~~من عامر في شهر شوال من سنة ست وستين، فملكها قدر سنتين ونصف، فظهر لابن ~~الناصر من المتولي على صنعاء لعامر أنه يريد لزمه بصنعاء، وإنزاله إلى عامر ~~إلى اليمن، فتشجن من ذلك، فأرسل إلى محمد بن عيسى، وهو وال على ذي مرمر ~~والفصين أنه يغير عليه خفية، ويخرجه إليه قبل أن يقبض، فتجرد له في بعض ~~الليالي، وذلك الوالي قد خرج ثبت بلاد سنحان، فدخل صنعاء سرا، فلما اتفقا ~~[على الخروج] قال لهما من قال: إن المدينة بأيديكم في هذه الساعة، فانتهزوا ~~الفرصة، ودخلوا على الكراز بيته، وقد كان وزيرا للناصر، ولكنه مال ميلة ابن ~~طاهر، فنهبوا بيت الكراز، والتف أهل صنعاء جماعة عامتهم وعالمهم، وعمدوا ~~قصر غمدان، وبه وال لعامر من همدان، فدعا بالرفاقة، فرفقوه ومن معه، وقبضوا ~~صنعاء من تلك الساعة، وبلغ ذلك عامرا، فأصابه من الغم ما قدم وما حدث، ~~وعاود الغارات يشنها على صنعاء، كان آخر غزوة غزاها من عدن، فوصل صنعاء على ~~غفلة يوم سادس PageV03P019 خروجه من عدن، وجاء وشارب غائب في بلاد حضور في عدة من الخيل لا تبلغ عشرين ~~فارسا، فأرسل إليه ابن الناصر: يا غارة، يا غارة، فأغار [في] تلك الساعة ~~بمن معه، وهم لا يعلمون أعني من مع شارب بكون ابن طاهر قد حط على صنعاء، ~~وأقبلوا من حضور حتى أشرفوا على قاع صنعاء من عصر، فرأوا من الجيش الكثير ms452 ~~ما يشبه الجراد المنتشر، فأحجم بعض من مع شارب، وهو تقدم في قدر سبعة عشر ~~فارسا، غدا في عسكر ابن طاهر وراح مرارا، وسلمه الله [سبحانه] من القتل، ~~وفي خلال ذلك، وباب صنعاء مغلوق في وجهه والمفاتيح بيد ابن الناصر، فجاءوا ~~إليه، وقالوا: افتح لنا نغير على شارب وأصحابه، فأرواحنا على روحه صدقة، ~~ولا ننسى صنيعته معنا في استرجاع صنعاء لنا ولك، وكادوا يسطون بابن الناصر، ~~فأعطاهم المفاتيح، وخرجوا منبثين على محطة عامر، فأخذوا أكثر جمالها ~~أدخلوها صنعاء، وجاء من أخبر عامرا أن الجمال قد دخلت صنعاء، ففرح ظنا منه ~~أنها دخلت بقوتها، فقيل له: إنها منهوبة مطموعة، فما زال يقول: من إيش؟ من ~~إيش؟ [من إيش؟ ]،حتى سقط من فوق مركوبه، فقيل: مات غيظا، وقيل: بل أصابه ~~سهم غرب، وعلى الجملة فما دري ما كان سببه، واستوت الهزيمة في عسكره والقتل ~~الذريع، والسلب لأمواله الجميع، وما سلم إلا من حماه أجله، واستغنى الفليس، ~~وصارت جميلة شارب يضرب بها المثل في المشارق والمغارب، وما زال هو وابن ~~الناصر تقبل لهم البلاد، وتدين لهم العباد، وسيأتي لهذا مزيد إيضاح في ذكر ~~محمد بن الناصر -إن شاء الله تعالى-، ولما قتل عامر قبر بقبة خواجة على باب ~~اليمن، فخشي أهل صنعاء PageV03P020 أن يجيء له من ينقله سرا يتصنع به عند بني طاهر فقبر بقبر ثان بجنب الداير، ~~وما حرس عليه، فمكث أياما، فجاء من نبش قبره وحمله في ثياب، وسار به بعض ~~يوم، فشعر به من شعر، فلحقوه وردوه بعد تنكيل حامله، فقبر في قبر ثالث، ~~[فسبحانك] من تعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، ~~ومما قيل في الناصر مدحا: قول السيد الفصيح المقول إبراهيم بن يحيى، وكان ~~من فصحاء صنعاء في وقته، قال : # أيدري ما الشجي به الخلي %~% أجدك يستوي ظمأ وري # يقول العاذلون هواه غي %~% وقول العاذلين هو الغوي # وأولى من يرق له ويرثى %~% إذا اعتلق الغرام به البري # وأرعى النجم من كلف بسعدى ms453 %~% لأرقب طيفها وهو البطي # وأنى زار طيف ذا سهاد %~% له قلب بحرقته صلي # يقلبه الهوى ظهرا لبطن %~% ويلحق صبره نشر وطي # لجاج اللائمين علي جهل %~% وداء الحب لو علموا دوي # بسمعي عن سماع اللوم وقر %~% وقلبي لاتباعهم عصي # دعاني العاذلون لترك وجدي %~% لأحبابي فقلت الرشد غي # أبى لي الحب ميلا عن هواهم %~% فقلبي عن إراد تكم أبي # أتدعوني إلى تركي هواهم %~% وهل يسلو الهوى إلا دعي # فلما استيأسوا خلصوا نجيا %~% وقلبي بالغرام لهم نجي # وماذاك الغرام أردت لكن %~% جرى في كتبه القلم الوحي # عزلت الإعتزال إلى ذويه %~% فهل شعروا بأني أشعري # أما لو أبصروا قسمات حبي %~% لضلوا رشدهم وعموا وغيوا PageV03P021 وقالوا عند ذاك بلا مراء %~% وقد وضح الجمال اليوسفي # أصاب الشيخ أن لا فعل إلا %~% بتقدير وأخطاه الجني # لعل الله يدركني بلطف %~% فمن عاداته اللطف الخفي # أجب داعي الصبابة غير وان %~% فذا الوسمي يعقبه الولي # وذر ثوب الحياء خلقا سميلا %~% وذا ثوب الربيع العبقري # رباب المزن هامية حمانا %~% وخد الأرض من طرب ندي # تضاحكت الرياض فثغر هذا %~% لجيني وهذا عسجدي # وشق شقيقها الأكمام تيها %~% وماد الغصن واهتز الندي # وغرد طيرها شربوا كؤوسا %~% فخير العيش صرف صرخدي # إذا ما استفها هرم أعادت %~% له ما يفعل الناشي الصبي # لعمرك ما ارتوى منها بلالا %~% فلم يرجع له خلق وري # وكم محدودب كبرا حشاها %~% فجاءك وهو معتدل سوي # وكم من مصمت شرب الحميا %~% فأصبح وهو منطيق بذي # أدرها عانسا بكرا عجوزا %~% حصانا لا يقاربها الغبي # تمشي في المفاصل مشي برء %~% إلى سقم فتاركها غبي # إذا حسيت من الأبريق ليلا %~% أتى الإصباح وانجاب العشي # لها روح سماوي بسيط %~% له جسم زجاجي كري # وريح لو أتى الموتى لحيوا %~% بنكهته ولون عندمي # عقيق ذائب يطفو عليه %~% جمان لؤلؤي جوهري # فلو نظر ابن سيار إليها %~% لصح الجوهر الفرد الخفي # تعرت عن شوائب كل ذات %~% فشاربها عن البأسا عري PageV03P022 أما هي تكسب البخلاء جودا %~% أما الغدار يشربها وفي # أما الهياب يأخذها فيسطو %~% أما الحاقي بصبغتها حفي # محرمة ولكن عن ms454 أناس %~% وما يصفونه شيء فري # فلم يسعد بها إلا سعيد %~% ولم يشقى بها إلا شقي # فخذها من يدي رشا أغن %~% كأن جبينه قمر مضي # وطلعة وجهه صبح ولكن %~% أثيث جعيده ليل دجي # تبارك من برى هذا وهذا %~% يقلهما القوام السمهري # تناول جمرة من وجنتيه %~% ومن فيه فطعمهما شهي # ثلاث كلها نشوات خمر %~% هنيء شربها أبدا مري # وأفضل شربها من فيه يسبي %~% وأفضل ما اغتبطت به السبي # لقد بتنا وقصر طول ليلي %~% منادمي الغزال العوهجي # له طرف يميت به ويحيي %~% وعنق في الرشاقة عيطلي # أعاتبه على مطلي فيغظي %~% حياء وهو عن ديني ملي # ويعلم كنه فقري واحتياجي %~% لما يحويه وهو به غني # فقال: دع العتاب وغن صوتا %~% أعارضك العريف الجعفري # وجس العود رفقا بعد ستر %~% وأنطقه فناطقه الروي # تعالى الله ذا عربي لفظ %~% يخاطب ذا وهذا أعجمي # وحرك رأسه طربا وغنى %~% ألا يا دار مية أين مي # وقلب طرفه بفتور لحظ %~% له فتك بعاشقه أري # كأن على نواظره السواجي %~% حساما سله البطل الكمي # أمير المؤمنين وخير ملك %~% له في الدولة الحظ السني PageV03P023 مليك هاشمي طالبي %~% إمام فاطمي حيدري # هزبر هبزري أصيدي %~% خضم أو حدي أمجدي # لبي نابه يقظ أريب %~% أديب سيد ملك سري # وقور ناهض يم لهام %~% زكي ما جد ندس ذكي # بليغ مصقع خرق هضوم %~% أبي طائع عف جري # له خلق وخلق ذا وضي %~% يلين له الجماد وذا رضي # له أيد وأيد في المعالي %~% وناهيك الحليم الأخوذي # نقي لا يعاب ولا يعيب الأ %~% نام سميدع شهم نقي # يطول وجده المختار فخرا %~% ولا يعلى ووالده علي # حكى جديه منذ كني وسمي %~% وزين ملكه ري وزي # فذا المنصور بالمنصور سمي %~% لوالده بكنيته سمي # هم الشم الأولى سادوا وشادوا %~% فنشر فخارهم عبق ذكي # هم خير الأنام بلا مراء %~% وأفضل من بهم تحدى المطي # تعنعن مجده شأوا بشأو %~% ولي أو وصي أو نبي # فسلني عن مناقبه بيانا %~% فعند جهينة الخبر الجلي # له فضل تقر به الأعادي %~% وكف بالندى سمح سخي # وعلم لو تقسمه البرايا ms455 %~% لأصبح كل ميت وهو حي # وبأس ضمه كرم تليد %~% تقر له به عبس وطي # وحلم لو تعلمه ابن قيس %~% لما قاسته تيم أو عدي # وفهم لو تأمله إياس %~% لآيس أن يقال له: ذكي # وحزم خصه العباس منه %~% بأوفره وعزم موسوي PageV03P024 وتدبير أناف على ابن حرب %~% حنيفي حفي أحنفي # وخلق من رسول الله سبط %~% وخلق منه معروف بهي # أمير المؤمنين فدتك نفسي %~% لما هذا النوال البرمكي # وكم هذا العزائم والسيوف الص %~% وارم والعواسل والقسيي # وكم هذا الذوابل والدروع الس %~% وايل والخميس اليحصبي # وكم هذا الجواشن والخيول الص %~% وافن منتماها أعوجي # وكم هذا الترائك قد تلتها الع %~% واتك والمشاقص والنضي # وكم هذا المغافر والمواضي الب %~% واتر والخناجر والمدي # وكم هذا البوارق أعقبتها الص %~% واعق ما مقاومها حجي # وكم هذا الصواهل جللتها الق %~% ساطل إن ذا أمر بهي # وذي السيدان بالآساد تسعى %~% وهذي العيس رقصها الحدي # وكيف ترى بغاث الطير مهما %~% دنا منها العداة المصرخي # فصعدة تسعى فيرون وهذا %~% ضعيف الحال يغلبه القوي # فإن يك رأي من فيها عنادا %~% فذاك الرأي مسفوه ردي # وإن العدل مشرعه زلال %~% وإن البغي مرتعه وبي # أجدك كل ذا من أجل هذا %~% فلا وان يراك ولا وني # وربتما رغبت لذاك لكن %~% ليحمدك المقام الهادوي # أزرها مكة فلقد تسامت %~% إلى مرآك واشتاقت حلي # وجد بجدة للقاك وجد %~% وهام لك المقام الأ بطحي # وطاب لطيبة منك اقتراب %~% وأسعفك الجناب اليحيوي # ولجت في مجيء منك لنجا %~% ورجى ذاك آمل والغري PageV03P025 وأذعن ما ورا النهرين طوعا %~% فسر والحال فيه أسعدي # ودونك خذ مفاتيح الدنى عن %~% تداني ذا وأنت بها حري # وإني قائل بك عن يقين %~% وإن ضل الكفور الملحدي # وإني عارف بصلاح فعل %~% وإني عن سواك إذن بري # وخذها بنت ليلتها عروسا %~% لها من در ألفاظي حلي # لها الأقلام أعلام وفكري %~% حسام والبحور لها الدوي # يقصر عندها الضليل نظما %~% وهمام المجيد الحنظلي # وأعيت جرولا وكذا جريرا %~% ولم ينطق بمشبهها الرضي # وأنست في القريض أبا نواس %~% ولم يبلغ بلاغتها الصفي # فللقلب الترقرق والتعفي ms456 %~% وللبحر التدفق والأذي # ودم والوقت زهر فيه زهو %~% وعزك أقعسي سرمدي # ودام لأحمد مني صلاة %~% مدى الأيام ما غنى الحدي PageV03P026 هذه القصيدة أمر بها السيد إبراهيم المذكور إلى الناصر أيام فتحه لصعده، ~~وتملكه لها من يد الشريفة فاطمة بنت الحسن، فانتشرت هذه القصيدة بصعدة ~~وغيرها، ونقلها الأدباء، وقد كان وفد على الناصر [قبل ذلك] شاعر من بلاد ~~اليمن، ويقال: إن مسكنه [مدينة] إب، يقال له: ابن العطاب، فأنشده قصيدة ~~فريدة، مدحه فيها وأطنب، فاستحسنها الناصر وغيره، فأجازه جائزة جيدة، اختلف ~~الرواة لي، فقائل يقول: إنه أعطاه بكل بيت منها دينارا ذهبا، والدينار ~~أشرفي، وزاده من العروض والمراكيب بفوق هذا [العدد]،، وزعم لي هذا الرواي ~~أن عددها أحدى وسبعون بيتا، فأما أنا فما وقفت إلا على قدر نيف وخمسين بيتا ~~منها، وقد كتبتها هنا كما وجدتها، وقائل يقول: إنه أجازه ببز هندي ثقيل من ~~أنفس البزوز، جاء للناصر هدية يوم إنشاد هذه القصيدة، فأمر بحمل جميع ذلك ~~إلى هذا الشاعر قبل يفتش، فقيل للناصر: لو نظرت هذه الهدية، فإنها بثمن ~~وافر، وقطع نفيسة، منها خرق قيمة كل خرقة فوق الخمسين الأشرفي أو نحو ذلك، ~~فقال: اعطوه الجميع فهذا بخته، فحمل ذلك البز بين يدي هذا الشاعر من فوره، ~~وهو جملة مال قل من أعطى شاعرا مثله في زماننا، ولكن الأدباء لما سمعوا ~~طالع القصيدة وهو قوله: حلفت بها منكسة الرؤوس.. وما يليه تطيروا منه ~~للناصر، وقالوا: إنه مشئوم، فكان كما قالوه، فإن الدنيا من بعده ولت على ~~الناصر عكس ما قد أقبلت له، وهي: # حلفت بها منكسة الرؤوس %~% يبث دموعها ما في النفوس # تفل شبا الكتائب وادعات %~% وتصدم هامة الجيش الخميس PageV03P027 أراقم بل أساود بل أسود %~% تروع الأسد وهي ببطن حيس # لها لمم إذا خضبت سوادا %~% يشيب لقرعها سود الرؤوس # لها حالا رضى يرجى وسخط %~% يخاف وأنعم تترى وبؤس # ففي حال الرضى والسخط تهمي %~% وتمطر بالسعود أو با لنحوس # نلاعبها فتنسينا القذاذا %~% ملاعبة الرداح العيطموس # لها حكم على البيض المواضي %~% وسمر ms457 الخط في حر الوطيس # بيوم ترفع الأحكام فيه %~% إذا دارت رحى الحرب الضروس # بحيث ترى عيون القوم شوسا %~% وكانت قبل ذلك غير شوس # إليه صادع بالحق راع %~% لها متجنب حنث الغموس # وإن أمسى العذول لفرط غيظ %~% يحاربني ولا حرب البسوس # على هجري لعزة واطراحي %~% لهند والرباب وتختنوس # وميلي عن هوى ريا ولبنا %~% ولم أحفل بمي أو لميس # كواعب كالبدور لها ثغور %~% مراشفها ألذ من الكؤوس # سوالب للعقول وشافيات %~% لداء المس من جسد المسيس # وإني لا أميل إلى تصاب %~% ولا أصبو لحسو الخندريس # رفضت حديثه عني بعيدا %~% ولم أجنج إلى رأي خسيس # إلى من للخلافة فيه زهو %~% يميس به ولا زهو العروس # إلى ابن المصطفى وأجل ملك %~% يفدى بالنفيس وبالنفوس # إلى ملك له خلق رضي %~% فداه كل ذي خلق بئيس # أمير المؤمنين ومن يرجى %~% لدفع شدائد الدهر العبوس # إذا ا عتكرت خطوب الدهر جلى %~% غياهب ليلها الداجي العبوس PageV03P028 بوجه أزهر كالشمس لا بل %~% يفوق بنوره ضوء الشموس # أقام دعائم الإسلام لما %~% أزال مظالم الظلم الدريس # فمدح الناصر بن محمد لي %~% شعار وهو ملبوسي لبؤسي # جعلت مديحه سمري وبثي %~% محاسنه وذكراه لبوسي # إمام طاهر الحسبين زاكي المن %~% اصب والفروع من الغروس # إلى الخيرات ليس بذي توان %~% ولا طرف عن العلياء نعوس # شمائل من رسول الله طابت %~% وخلق ليس بالخلق البئيس # يسوس العالمين بحسن رأي %~% وتدبير وسوس خير سوس # فكم يوم له صدم الأعادي %~% بداء العنقفير الدردبيس # وقاد إليهم جيشا أجيشا %~% أخامس رب صنديد حميس # فعاد مظفرا منصور جيش %~% وراح الضد بالخد التعيس # وكم أغنى العفاة بفيض كف %~% فأخجل صيب الغيث الرجوس # نقيس بجوده الأنواء جهلا %~% فيا بعد المقوس من المقيس # يصول على الملوك فتتقيه %~% بما يرضاه من ذخر نفيس # فيا ملك تصور من سعود %~% كما خلق المعاند من نحوس # إذا مارمت أرض الروم دانت %~% وجاءت بالأتاوة والمكوس # ولو كلفت حقمق هد فاس %~% أتاها بالمعاول والفؤوس # ولو وافت طروسك شاه رخى %~% بطرسوس نجا عنها وطوس # وإن أزمعت غزو الهند أمست %~% خلاء ليس فيها ms458 من أنيس # علوت من الخلافة في محل %~% على قمم الممالك والرؤوس # لبست جديدها ثوبا قشيبا %~% ليهنك ما لبست من اللبوس # وقد وافاك مدح من محب %~% لجود نداك والنعماء غموس PageV03P029 ندين بحبكم شرعا فأنتم %~% نجاة الخلق في يوم عبوس # لي الأقلام أوردها بحوري %~% فتلتقط الجواهر بالنفوس # يصوب من الشفاه لها لعاب %~% برقش عاجه بالأبنؤس # فما أنا خدنها إن لم أطرز %~% بمدحك والثناء حلل الطروس # [و] قد تقدم ذكر ما ملك من البلاد، وكم عاش إلى أن مات محبوسا بكوكبان، ~~وذكر قبره. # وأما أولاده فهم: المؤيد محمد بن الناصر، وهو أكبرهم، وهو الذي ملك صنعاء ~~بعده، وسيأتي بعض ذكره ومدته. # [و] الثاني من أولاد الناصر أحمد، وهو الذي خلف أخاه [محمدا] على مملكة ~~صنعاء، ولم تطل مدة ولايته بل حط عليه عامر بن عبد الوهاب حتى أسره، وأخرجه ~~من صنعاء بجميع حاشيته وأهله. # والثالث من أولاد الناصر: علي بن الناصر، مات في مدة أخيه محمد، ولا عقب ~~ذكر للناصر إلا من ذرية أحمد فقط. PageV03P030 # وأما بنات الناصر: فأكبرهن، وأشهرهن، وأكثرهن بركة، الشريفة: آمنة بنت ~~الناصر، نقلها عامر مع أخيها أحمد إلى مدينة تعز، ونقل السيد صارم الدين ~~إبراهيم بن يحيى بن صلاح وكان ذا منزلة رفيعة عند خاله، صدره في أكثر ~~أموره، وأنزله منزلة الولد السار البار؛ لكونه لم يعش له ولد ذكر ولا أنثى، ~~وقد كان تزوج آمنة هذه قبل السيد يحيى بن صلاح أب إبراهيم المذكور، السيد ~~العلامة: محمد بن يوسف الآتي ذكره، فلما خرج من صنعاء إلى ثلا، ودعا بها ~~إلى نفسه، وتعذر دخوله إلى صنعاء أمر بطلاقها، فخلفه السيد يحيى بن صلاح، ~~وتربى إبراهيم في حجره مع خالته آمنة المذكورة، فكانت شديدة الحنو عليه؛ ~~لأنها أيضا لم ترزق ولدا. انتهى. الكلام هنا في ذكر ما تضمنه قول السيد ~~صارم الدين: # منها قريس وتقفو إثرها علب %~% وعرقب وهي إحدى الصم والعبر # فهذا ما اقتضاه النظر في تفسير هذا البيت على سبيل الاختصار، فلنتبع ~~تفسير بقية أبيات المنظومة، فلنشرع بما ms459 تعقب موت الإمام المطهر من الحوادث، ~~فنبدأ بذكر من دعا بعد موته، أو في حال حياته، ومن عارضهم من ملوك صنعاء وصعدة. PageV03P031 ### || [الكلام فيمن دعا وقت الإمام المطهر وبعد موته وذكر دعوة الإمام عز الدين بن الحسن] # فاعلم: أن الإمام مطهر لما ملك ذمار وقف بها مدة، ثم عرضت له بها مرضة ~~ممتدة حتى مات في شهر صفر من سنة تسع وسبعين، وقد كان في عرض مرضه ترجح ~~للسيد أحسن بن وهاس أن يدعو إلى نفسه في حصنه في الظاهر، وما أجابه أحد ممن ~~يعول عليه، بقي على ذلك مدة، فلما مات المطهر. PageV03P032 ### | [دعوة السيد العلامة محمد بن يوسف بن صلاح] # وكان السيد العلامة محمد بن يوسف بن صلاح بن المرتضى بن حسن بن علي بن ~~يحيى بن منصور من آل المفضل الكبير، كان يوم [مات] المطهر بصنعاء مصاهرا ~~لابن الناصر كما تقدم، فلما علم بوفاة المطهر خرج سرا إلى ثلا في ثلاثة ~~جماعة أو أربعة منهم: أخوه صلاح بن يوسف والفقيه محمد بن علي بن حنش، ~~وأظهروا في ثلا أن هذا الرجل قد دعا إلى نفسه بصنعاء في شهر ربيع الأول، ~~الثاني من شهر وفاة الإمام المطهر، وأشهد على ذلك جماعة هناك، فكاد الناس ~~يجيبونه، وبث دعوته إلى صعدة وفللة، وأكثر بلاد الزيدية في اليمن، وفي خلال ~~ذلك أعني قبل ظهور دعوته في صعدة ونواحيها ا هتم الإمام عز الدين بن الحسن ~~بالدعوة في فللة، واجتمع عنده جماعة أعيان مثل أبيه الحسن، وإخوته وجماعة ~~من الشيعة، فخرج إليهم، وقال: إني استخرت الله من الدعوة في هذه المدة، ~~واعتذر بوجوه، فضاق الحاضرون من فعاله وإحجامه، فكان بعد شهر ووردت دعوة ~~ابن يوسف ينكر فيها بيعته، وأنه متقدم وحذر من المعارضة لما فيها من تغيير ~~قواعد الدين، وقال: قد أعذرنا إليكم- أيها الأصحاب- قبل أن تصدر من السيد ~~عز الدين معارضة، فمن أعذر قبل الفعل فقد أنذر، وكان ورود دعوته سببا في ~~تصميم الإمام عز الدين على الدعوة، وشجعه على ذلك أن أكثر ms460 الناس لازمه، ~~وقالوا له: إن ابن يوسف هذا، وإن كان عالما كبيرا، ونسبه في أهل البيت ~~شهيرا، فأنت تعرف منه، ومن أخيه ما تعرف من مخالطتهما للملوك ووقوفهما بين ~~أظهرهم، وقبضهما لجوائزهم، ونحو هذه الأمور، فصمم على PageV03P033 الدعوة، وأجابه أكثر الناس إلا الأمراء بني حمزة بصعدة، فإنهم رجحوا لابن ~~يوسف البقاء على دعوته، وخطبوا له بصعدة، فاستمرت خطبته بها من يوم الجمعة ~~رابع وعشرين من ذي الحجة سنة ثمانين إلى آخر جمعة في شهر ذي القعدة سنة ~~اثنتين وتسعين، فيكون قد خطب له قدر اثنتي عشرة سنة، ولم يملك شيئا من ~~البلاد، بل وقف في ثلا كالجار، ومالت عنه الشيعة قاطبة مع علمه الغزير، ~~ومنصبه الشهير، والله تعالى يخير، وهو من مشائخي في (البحر الزخار)، وكان ~~متبحرا في العلوم، ذا مراجعة حسنة لطالب العلم وإنصاف في حالة الإلقاء، ولا ~~تضجره كثرة المراجعة، كما [كان] يعرض لكثير من شيوخ التدريس، ومات ولا عقب ~~له، ودفن في ثلا، وورثه أخوه صلاح، فعاش بعده مديدة ثم مات، وورثه ولده ~~أعني ولد أخيه صلاح. PageV03P034 ### | [دعوة الإمام عز الدين بن الحسن] # فلما مات ابن يوسف اجتمعت الكلمة من أكثر الناس لمولانا الإمام الهادي عز ~~الدين بن الحسن بن علي بن المؤيد، فإنه دعا [في يوم] تاسع عشر شهر شوال من ~~السنة المذكورة، فتسلم السودة، وكحلان الشرف، واستولى على الشرفين، وكذلك ~~البلاد الشامية كيسنم، والمثة، وساقين، وما وقع له قدرة على أخذ صعدة، وإن ~~كان الشيعة الذين بها قد أطاعته، وكذلك أكثر شيعة اليمن من الظواهر، ~~والمغارب، وصنعاء، وذمار إلى بلاد خبان ما تخلف عن مبايعته ومشايعته أحد ~~إلا من لا ينظر إليه، ولا يعول عليه، وكان صاحب صنعاء وهو محمد بن الناصر ~~يعلم بدخول ولاته إلى صنعاء لقبض واجب من أحب الخلاص من رعية صنعاء إلى ~~ولاته، فلا ينكر على أحد شيئا من ذلك، فتوفر له من صنعاء وبلادها مصالح ~~كثيرة، وعلى الجملة فكانت واجبات بلاد الزيدية من حد ينبع، والصفراء، وتلك ~~البلاد، وكذلك أشراف ms461 مكة فإن محمد بن بركات، ثم ولده بعده، ومن قال بقولهما ~~من بني الحسن كانت واجباتهم تصير إلى يده، ويشتهروا بموالاته، وأحبوا من ~~أحبه، ومن قدم من الشيعة إليهم بكتاب بخطه أحبوه وآنسوه، وكان قد اشتهرت ~~عندهم بركته في أموالهم وأولادهم ومملكتهم. PageV03P035 ### | [أخبار الإمام عز الدين بن الحسن -عليه السلام-] ### || فصل: في ذكر مولده ونشأته [ومدته]. # ومدة طلبه للعلم الشريف، ومدة ولايته، وما يلحق بذلك من ذكر أولاده، ~~ووالدته، [ووفاته]، وموضع قبره -عليه السلام-، وغير ذلك من أحواله، وذكر ~~مصنفاته، ورسائله، وبعض أشعاره على سبيل الاختصار إذ استيفاء جميع أموره ~~يستغرق مجلدات عدة. # فنقول: إنه -عليه السلام- ولد بأعلى فللة في درب ابن الباب لعشر ليال ~~بقين من شهر شوال من سنة خمس وأربعين وثمانمائة، وكانت دعوته في شوال كما ~~تقدم، وهذا من النوادر، ووقوع الحافر على الحافر، وأمه الشريفة، المكرمة، ~~المعظمة، ذات المنصب الشريف، والحسب المنيف اسمها: ماريه بنت محمد بن يحيى ~~بن عيشان من آل عيشان، ثم من آل زيد بن المليح من بني الهادي -عليه ~~السلام-، وهي من المنجبات، فإنها أمه وأم أخيه الهادي عليه السلام بن ~~المؤيد الذي تقدم ذكره، فيمن استشهد مع الإمام مطهر في رتبة عبس من أرض ~~تهامة، ولله القائل، وهو مهيار بن مرزويه: # إذا رأيت كريما صح مذهبه %~% فاقطع بخير على أبنائه النجب # نشأ هذا الإمام منشأ آبائه الكرام، وقفا منهاج أسلافه الأعلام، فهو كما ~~قال [الإمام] المنصور -عليه السلام-: # نشأته طاهرة إذ نشأ %~% يقفو على نهج أبيه علي PageV03P036 لم يزل منذ عقل إلى أن كمل مولعا بالعلم وتحصيله حتى فاز منه بالأبكار ~~والعون، فأتى منه بما تقر به العيون، ابتدأ طلب العلم في وطنه ثم قصد صعدة، ~~فقرأ فيها على شيوخ عدة، رئيسهم وأشهرهم القاضي العلامة: علي بن موسى ~~الدواري أخذ عنه أكثر الفنون، وصنف فيها، وما قد تم له من السنين عشرون، ثم ~~ارتحل إلى حرض من تهامة لسماع الحديث على حي الفقيه، العالم، المحدث، شيخ ~~السنة النبوية في وقته: يحيى ms462 بن أبي بكر العامري، فسمع عليه (سنن أبي داود) ~~وغيره، واستجاز منه أكثر مسموعاته، فلما قفل من سفره وقد انتهى إلى غاية ~~وطره، لم يزل يترقى في العلوم، ويدمغ هامة الموهوم والمعلوم، حتى برع في كل ~~فن خصوصا علم التوحيد والعدل، فإنه كان فيه أوحد زمانه، برز فيه على ~~أقرانه، وصنف فيه شرحا على منهاج القرشي سماه (المعراج على المنهاج)، أتى ~~فيه بما يشهد له بالتحقيق والتدقيق، واعترف له بالإجادة القريب والسحيق، ~~أكب على قراءته عليه بعد نسخه وتحصيله أعيان الزمان، وجاءه لسماعه جماعة من ~~نواحي جهران وذمار وخبان، فحدث بذكر هذا المصنف الركبان، حتى بلغ الصفراء ~~وينبع، وتلك البلدان، وله مصنفات غيره في سائر الفنون، وفي آخر مدته أخذ في ~~جمع شرح على (البحر الزخار)، ثم أقبل على جمعه والاشتغال به الليل والنهار، ~~واستحضر لذلك عدة كتب مما يتعلق بذلك من فقه، [وأصول فقه]، وأصول دين، ~~ولغة، وتفاسير، و(جامع الأصول) لابن الأثير، وغير ذلك مما يستدعيه كتاب ~~(البحر)، وسلك في ذلك أسلوبا عجيبا، لو مد الله [له] في العمر لجاء هذا ~~الشرح من PageV03P037 أبلغ كتب الزيدية وأجمعها، وأكثرها ضبطا وتصحيحا، ولكنه -عليه السلام- توفي ~~وقد بلغ إلى بعض كتاب الحج، وقد صار ذلك في قدر مجلدين، فعلى هذا كان يأتي ~~بعد كماله ثمانية مجلدات فما حولها، قال لي بعض من روى أحواله في مدة ~~قراءته من الوظائف ما يبهر السامع، ويروق الواصف، فإنه وزع أوقاته على ~~الطاعات توزيعا غير مخالف، ففي بعضها ينسخ الأسفار بخطه ونسخه، ثم يصححها ~~سماعا على شيخه، فكان له خط رائق فائق، وضبط موافق، وبأمثاله لائق، وفي بعض ~~أوقاته يقرئ تلامذته، وفي بعضها ينقل شيئا من القرآن غيبا ويتهجد به. PageV03P038 # قلت: ومن أعجب ما رأيته بخطه في جنب مصحف رأيته بمسجدهم المقدس بفللة، وقد ~~طلعت إلى ثم للزيارة في شهر رمضان من سنة تسعمائة واثنتي عشرة ما لفظه: ~~اتفق والحمد لله الفراغ من نقل القرآن الكريم، وتمام حفظه كله غيبا بين ~~صلاة الظهر والعصر من يوم ms463 السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر جمادى الأولى ~~[من] سنة سبع وتسعين وثمانمائة، بالدار الميمونة بأعلى فللة في المجلس ~~الأوسط من مجالسها ذي الباب الغربي، آخر سورة منه نقلت غيبا سورة الشعراء ~~في هذا الجزء، وكان نقله متفرقا، فالثلث الأول منه نقل حال المدارسة بصعدة ~~إبان الشبيبة، والسدس الآخر منه نقل بعد ذلك بمدة مديدة، وأعوام عديدة في ~~فللة، وبقيته نقل متفرقا فشيء منه في الديار اليمنية، وشيء في الديار ~~الشامية، وأكثر ما نقلناه غيبا في المدة المتأخرة كثيرا ما كان يقع نقله في ~~حال السفر، وحال السير على ظهر المركوب والمنة لله تعالى، والحمد لله على ~~ذلك، وعلى سائر نعمه، ونحن نعد ما يسره [الله] لنا من ذلك من أجل نعمه، ~~وأبلغ قسمه، جعله الله لنا هاديا، وشافعا، ونافعا، وصلى الله على سيدنا ~~محمد وآله وسلم، رجعنا إلى تمام توزيعه لأوقاته، وفي بعضها يشتغل بأمور ~~أهله، وكان إحرازه للعلوم في مقدار عشر سنين{إن هذا لهو الفضل المبين ~~}[النمل:16]، ولقد روى لي هو أنه كتب إلى والده كتابا فيه من البلاغة، ~~والكمال، ومطابقة مقتضى الحال ما يبهر أرباب المقال، فلما تأمله والده ~~وتصفحه، استجاده واستملحه، كتب فيه بخطه العجب: إن صاحب هذا الكتاب ابن سبع ~~عشرة سنة، ولما قضى من PageV03P039 طلب العلم حاجته تفرغ للدرس والتدريس في وطنه، فصار رحلة للقاصدين، ومنتجعا ~~للوافدين يأمه طلبة العلم من أكثر الأمصار، والبوادي والحضار، فممن قرأ ~~عليه مدة مديدة [وأسمع عليه كتبا عديدة] حي الإمام الو شلي: محمد بن علي في ~~عصابة من أهل بلاده أعيان، فسافروا بسفره، وأقاموا بإقامته، وتوجهت إليه ~~المسائل والرسائل من كل جهة، ورمقته الأعين، ونطقت بفضله الألسن، وحظي من ~~الإقبال عليه بما لم يحظ به غيره، وكثرت أرزاقه ونذوره، وازدادت رئاسة ~~عشيرته، وأشرق فيهم نوره، وكان الناس في أيام سيادته يتحدثون بأنه الصالح ~~للإمامة، [والقيام بأعباء الرئاسة والزعامة]، وأنشدت فيه الأشعار، قبيل ~~التلبس بدثارها والشعار، وأشادوا بذكره أبلغ إشادة، وأظهر قوم إمامته في ~~حال السيادة، ورأوا بذلك ms464 لهم الحسنى وزيادة، فلحي الفقيه، [النبيه]، ~~المنطيق، الفصيح: علي بن يحيى الهذلي ثم الضمدي فيه شعر، منه: # وإنا لنرجو عاجلا أن يقيمه يعيد نصاب الملك في مستقره # إله به قامت سماواته السبع %~% ويخلع عنه من يحق له الخلع # وللفقيه، الأفضل، الأديب، اللبيب: عبد القادر بن محمد بن أحسن الذماري ~~شعر ابتدأه في مدح حي والده السيد شرف الدين والد الإمام عز الدين، وختمه ~~بمدح ولده المذكور، وكان إنشاء هذا الكلام قبل دعوة الإمام بأيام، قال: # فيا عز دين الله بادر بدعوة %~% فكل لها من نحوكم متوقع # فإنا لنرجو أن تجاب وإنها %~% يكون لها من حين تظهر موقع PageV03P040 فكان الأمر بحمد لله كما رجى، ووقع لها موقع في قلوب أهل الحجا، [ولقد ~~تحيرت في فضله وعلمه ومكارمه العقول، فلله القائل فيه حيث يقول في مدحه ~~-عليه السلام-: # لو كانت الأشجار أقلاما ولو %~% أن البحار جميعهن مداد # لم تبلغ الكتاب عشر صفاته %~% بل ما لعشر العشر فيه نفاد] # فلما دعا فرح الناس بدعوته غاية الفرح، فكان أول من بايعه والده المبارك، ~~شرف الدين: الحسن بن أمير المؤمنين، وسائر إخوته، وبني عمه، ثم من حضر من ~~العلماء، ثم القبائل، قرئت عليهم دعوته الكبرى، العامة لكل الورى، وفيها من ~~البلاغة الرائعة، والحجج القاطعة، والمواعظ الحسنة، والفضائل المستحسنة، ~~والاعتذارات من القيام أولا، ثم توفر الدواعي والبواعث أخرا ما يشهد بتقدمه ~~وصدقه، وإصابته، وأن إحجامه وإقدامه كانا نظرا للدين والأخذ بحقه، وتفاديا ~~للمذهب من الغشم ورقته، فلما وصلت دعوته إلى الجهات اليمنية مثل صنعاء ~~ومشارقها، ومثل ذمار وما حولها يمنا وشرقا وغربا، ومثل المغارب من حجة ~~وبلادها، ومثل شظب وبلاد الأهنوم، والشرفين إلى حدود تهامة، ومثل جازان، ~~وضمد، ودساع، وتلك النواحي، واجتمع بهم في بلاد الأهنوم وسايروه إلى ~~السودة، وما بقي أحد ممن له يد في العلم إلا وصله في هذا المخرج المبارك، ~~فأوردوا عليه من الأسئلة في كل فن ما ملأ الطروس، وشافهوه بجميع ما يعرض في ~~النفوس، فجاوبهم بما شفى الأوام، وجلى دياجير الظلام، ms465 فلما صحت لهم الحجة ~~ودلهم على المحجة بايعوه وشايعوه، وعاضدوه ونافعوه، وكان هذا الملقى بعد ~~مضي نصف سنة من يوم دعا، وكان فيه من أعيان شيعة PageV03P041 صعدة: الفقيه علي بن عبد الله الرقيمي، وبقيتهم أطاعوا الإمام، وما حصل لهم ~~الخروج من صعدة؛ لأن الأمير [محمد بن الحسين ] أخافهم، فما خرج منهم إلا من ~~خاطر بنفسه، وكنت أنا من [الحاضرين] المخاطرين، فسلم الله، ورجعت صعدة ما ~~حصل لي أذية بحمد الله، فأما القاضي العلامة: محمد بن يحيى بن مرغم، وغيره ~~من أعيان شيعة صعدة وساداتها، فإنهم لما تخوفوا على أولادهم [وأموالهم] ~~استأذنوا الإمام سرا في الفسح لهم في التقية والبقاء في صعدة، فأذن لهم ~~لمعرفته بصدق عذرهم، فلما التقينا نحن وعلماء صنعاء في بلاد الأهنوم ~~وتقدمنا إلى السودة، وقد طابت خواطر اللاقين لنا من أهل اليمن، باختيار ~~الإمام -عليه السلام- استأذنوه في التقدم إلى جهاتهم، فأذن لهم بعد أن ~~بايعوه، وصارفوه، وأخذوا منه ولايات عامة وخاصة، وكانوا فوق مأتي رجل ~~مشهورين بالعلم والعمل، وسائرهم من ذريتهم، وقبائل بلادهم الأعيان مثلهم أو ~~أكثر، وكان ممن لقي من وجوه علماء صنعاء القاضي، العلامة: محمد بن أحمد بن ~~مرغم، والفقيه: علي بن زيد، والفقيه، الأوحد، الأمجد، شحاك الملحدين، ولسان ~~المتكلمين: علي بن محمد البكري، وهو شيخي في النحو، وأصول الدين، والفقيه، ~~الأفضل، الصدر: يحيى بن صالح العلفي، والفقيه أحمد بن محمد الخالدي ما حضر، ~~لكنه اعتذر بمرض عاقه، فكتب يخبر به ويتأسف على عدم الملقى، لكنه لما صح ~~لقي الإمام في ذلك المخرج، وممن لقيه الفقيهان، الأخوان، العالمان، ~~العاملان: أحمد، ومحمد ابني الفهد الكحلاني، فأحمد لازم الإمام حتى استشهد ~~معه في يوم نسرين، وقبره PageV03P042 [مشهد] مزور مشهور بالقرضين، وممن لقي: جماعة من فقهاء الحيمة، والشاحذية، ~~وآنس، وهجرة عرة ثومان، وأكثر من لقي من الأعيان أهل صنعاء كما تقدم؛ لأن ~~صاحب صنعاء وهو المؤيد برب العالمين أذن لهم، فجسروا على الخروج، فلو منعهم ~~كما منع الأمير شيعة صعدة لاعتذروا كما اعتذرت شيعة صعدة، وكان هذا الملقى ms466 ~~من أحسن الملاقي لما وقع فيه من المراجعة والمناصفة والاستظهار بالكتاب ~~والسنة على جمع الكلمة، وقد كان عدة من الناس -أعني من في قلبه ريبة- يظن ~~أن الناس ينفرون ويفترقون وينقلبون، وقد تأكدت الشبه في قلوبهم بسبب تقدم ~~دعوة ابن يوسف، كون صاحب صنعاء يهوى ذلك باطنا، فأبى الله إلا أن يتم نوره ~~ويجمع الكلمة لهذا الإمام، فأطاعه العباد، ودانت له البلاد، ووقع لدعوته من ~~القبول والإقبال مالم يكن يخطر ببال، واعترف له بذلك الموالف والمخالف ~~بالعلم الغزير وجودة التدبير، وكذلك بالكرم الجم الذي يغطي [على] موجات ~~اليم، فلقد سمعت أنا عدة ممن خالط الملوك في صعدة وصنعاء وسائر بلاد اليمن ~~يقولون:إنه لا يوجد لأحد طعام معد لجميع الوافدين في كل حين من ملوك ~~نواحينا مثله، وكذلك من سايره في مخرج أو محطة لا يكاد يجوع، وعادة المحاط ~~بخلاف هذه الصفة، وروى لي هذا الإمام -عليه السلام-: أن رجلا من أعيان جند ~~صنعاء من بني عم محمد بن عيسى الملقب شارب، وصل إلى الإمام وهو على عزم ~~مخرج، فرآه يخرج ما يحتاج إليه أهل المحطة من مخازينه في أسرع وقت، فقال ~~له: العجب إنا في صنعاء، وهي أم المدن إذا رمنا مخرجا مثل هذا احتجنا إلى ~~أن نسخر كل أهل حرفة، ونؤذي أهل كل راحلة، PageV03P043 ولا يكاد يتهيأ لنا شيء يقارب هذا إلا في مدة طويلة، وبعد بلشة لكل من إليه ~~شيء من ذلك، ثم إن هذا الإمام انفرد عن أكثر الأئمة بخصال لم تجمع إلا فيه، ~~وهي: الخطابة، والبراعة في العلم، وعدم الملال والكلال لذلك ليلا ونهارا، ~~وسحرا وسمرا، وسفرا وحضرا، حتى أنه منذ دعا إلى أن توفي إلى رحمة الله ~~ورضوانه، لا حصر لكتبه ولا نهاية، ولا يفرق أحد بين تراكم أشغاله بالترسل ~~والكتابة بين أول دعوته وآخرها، بل ذلك يستمر، فلو جمع ما قد رقمه بيده مما ~~يزري بالدر المنظم، وزهر الربيع المنمنم، لجاء مجلدات تزيد على ثلاثين ~~مجلدا، فما أحقه بما قيل: # إن هز أقلامه يوما ليعملها ms467 %~% أنساك كل كمي هز عامله # وإن أقر على رق أنامله %~% أقر بالرق كتاب الأنام له # وكانت كتبه في أكثر الأحوال تقوم مقام المخارج العظيمة، فكم لعدوه بعد ~~وصولها إليه من هزيمة، فهو أحق بقول من قال: # ولقد تخوفك العدو بجهده %~% لو كان يقدر أن يرد مقدرا # إن أنت لم تبعث إليه ضمرا %~% جردا بعثت إليه كيدا مضمرا # خطروا إليك فخاطروا بنفوسهم %~% وأمرت كتبك فيهم أن تخطرا # عجبوا لجندك أن يجول بسطوة %~% وزلال خلقك كيف عاد مكدرا # لا تعجبوا من رقة وقساوة %~% فالنار تقدح من قضيب أخضرا PageV03P044 ولقد وقفت على كلام في تصنيف حكي فيه سيرة لبعض بني العباس، بالغ في وصف ~~[حسن] خط ذلك الخليفة، وتعجب من إحاطته بقلمه لنظم جميع مملكة العراق، وأن ~~قلمه كفاه عن المخارج الجسام، فقال: فيه أفكاره الكريمة مصروفة إلى عمارة ~~آخرته وعليها موقوفة، وهمته الشريفة بالالتفات إلى تقرير رعيته مشهورة [و] ~~معروفة، لا يضجره منهم كثرة الرغبات، ولا تواتر القصص الواردات من سائر ~~الجهات، ولا يخل مما يرفع إليه بمجالس العرض المقدسة بتأمل قصة واحدة، ~~فيشتغل قلمه الشريف بالإجابة عن كل دقيقة وجليلة وكل رغبة ووسيلة، فكان في ~~عصره الذي هو في جلالة القدر أي عصر كما قيل: "لا يشتغل بالصدر إلا الواسع ~~الصدر"، فما شغله كثرة معاناته للأمور وتفقد أمر الجمهور، وكثرة الأسفار ~~والحركة والتزحزح عن مقر الإمامة العظيم والمملكة، وتفقد أمور الدين، ~~والعكوف على تحصيل مصالح المسلمين وضيق أوقاته العزيزة بالمتجددات، ~~وتوزيعها على النظر في المهمات عن كتابة مقدمة من القرآن العظيم بخط يده ~~الشريفة، أبرزت إلى الديوان العزيز تقرأ في جميع الأوقات، وفي مجالس الجمع ~~والجماعات. # قال مصنف السيرة العباسية: وهذه منقبة مبتكرة من أجل المناقب لم يؤرخ ~~مثلها عن الأئمة الماضين، ولا عن غيرهم من الملوك والسلاطين. # قلت: فانظر إلى مضمون هذا الكلام، وقصه على سيرة هذا الإمام تجده قد ~~استوفاه بالكمال والتمام، فإنه نسخ مقدمة تقرأ في كل حين، ويتداولها جميع ~~الصالحين والمفلحين، من غير (ما) كتب في كل ms468 فن من العلوم، كأنها الدر ~~المنظوم، فغطى نورها نور النجوم. PageV03P045 # تنبيه:ولما دارت السنة بعد دعوته المباركة المستحسنة، ودخل من السنة ~~الثانية محرم، رأى الإمام كثرة من انقاد له من القبائل والشيعة، وافتتاح ~~الجهات التي أهلها غير مدولة وكان دولة صعدة هم الأشراف بنو حمزة، والجهة ~~متقاربة أعني جهة صعدة [وفلله] استرجح دعاءهم إلى طاعته ومبايعته، وتسليم ~~الحقوق إليه وإقامة الجمعة في بلادهم من دون معارضة منه لهم في مملكتهم، ~~فاستثقلوا الأمر وما ظهر له منهم إسعاف، بل عولوا على معارضة ابن يوسف له، ~~وخطبوا له بصعدة كما تقدم، [فكثر] من خولان وغيرهم من الأجناد الوعد للإمام ~~بالنصرة له بالأموال والأرواح وغيرهم، وقد اجتمعوا معه [ما يبلغ] فوق خمسة ~~عشر ألف راجل، ومن خيل القبلة وغيرهم فوق مائة فارس، فعمد صعدة في شهر صفر، ~~فاستقام لهم الأشراف حتى أقبلوا من نسرين كالجراد منتشرين، فما هو إلا أن ~~تراآى الفئتان، فنكص خولان وأهل القبلة منكسرين وولوا مدبرين، وبقي الإمام ~~-عليه السلام- يقول: يا قوم، مقبلين مقبلين، وهيهات الالتفات إلى فرسان ~~الحمزات، فانتهبت محطة الإمام، واستولى عليها الأقوام، فيما تحط الجفون على ~~العيون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقتل من الناس ما يقارب السبعين، وسلم ~~الإمام عليه السلام وإخوته وأولاده، وتحير جماعة من مواده في حصن بني حي، ~~وما حوله من القهران، حتى حصل لهم من الأمراء الأمان، ورفع السيف عمن بقي ~~بذلك المكان، ونزلوا بأمانه، فسلب من سلب، وعطب من عطب، وكان السلب لمن ~~هناك مستمرا إلى اليوم الثاني، وما قتل من دولة صعدة رجل واحد، ومن تلك ~~الساعة ضعفت شوكة الإمام PageV03P046 وجنده حتى دارت سنة، وناوشهم القتال من فللة ومن جهة الظواهر، فأما فتنة ~~فللة فما أثرت شيئا، بل رتب الأمير عليهم رتبا حصرتهم من داخل، ومن خرج ~~[منهم] إلى الصعيد قتل أو سلب، وأما فتنة الظاهر فأثرت طرف أثر، في خلال ~~ذلك أخذ الإمام عليهم حصن الميقاع والعظيمة ببيعه، واستمرا في يده إلى أن ~~مات، وصارا في يد ولده الحسن طول ms469 مدته، وكان بعد أخذه للميقاع انبسطت يده ~~على بعض [بلاد الأشراف في الظاهر] كبلاد بني صريم، ووادعة، وبلاد قاعة، ~~واضطر الأمير محمد إلى مخرج بعد مخرج؛ لارتجاع شيء من هذه البلاد، فلم ~~يقدر، بل قتل من عسكره من قتل في مرار متكررة، وفي عرض ذلك، [و] دار من دار ~~بين الإمام والأمير بصلح مدة، فقال الإمام: لابأس بذلك، لكن نلتقي نحن ~~والأمير، فكاد الأمير أن يساعد للقاء، فخوفه بعض جلسائه من موافقة الإمام ~~لعلمهم أن الأمير مطواع، كريم طباع، فأشفقوا عليه أن يتفق هو والإمام فيحسن ~~الإمام علاجه، ويستميله إلى طاعة الله وطاعته، ويقع في ذلك معادلة وموافقة ~~على القانون المرضي، وتسقط مراتب جلساء الأمير إذ هم ظلمة قد أكلوا البلاد ~~والعباد، والإمام ما عليه [كبة] كغيره، فلم يكن لهم هم إلا المباعدة بين ~~الإمام والأمير من الملقى، وأعملوا في ذلك كم من حيلة، وقالوا للأمير: إن ~~المراسلة بالكتب ومشافهة رسلك للإمام يكفي بما في نفسك فلقد كنت عند الإمام ~~يوما، وقد جاءه رسول من الأمير يذكر أن الأمير قال يحب يلقاه إلى أي ~~الصعيد، فكتب إليه -عليه السلام- كتابا على الفور، وهو في مراجعة لعامة ~~الناس، فكان في خلال كتابته PageV03P047 لذلك الكتاب، وهو يصغي إلى كل من دخل ويقضي غرضه، ويده الكريمة مستمرة على ~~جوابه على الأمير، فلما أفرغه ناولنيه، وقال لي: قصه فما يحسن منا نأمر به ~~قبل قصاصته، ولا فرغت لذلك من كثرة ما تراه من المشادة، فلما قرأته إلى ~~آخره، فلم أجد فيه حرفا زائدا، ولا حرفا ناقصا عن المقصود، فحار فكري في ~~استقدار هذا الإمام على إنشاء هذا الكلام في هذا المحضر العام، واستيفائه ~~لجميع المقصود في هذا المحضر المحشود، فقلت [له] :يا مولانا، ما وجدت إلا ~~ما تقر به العيون، ومن الكمال فوق ما تظن به الظنون، ولقد أذكرني كتابك هذا ~~كتابا حكاه الفقيه الشهيد حميد المحلي في (الحدائق الوردية) عن المنصور ~~بالله أنهم كانوا عنده في محفل مثل هذا، فرأوه يكتب كتابا طويلا، فلما ms470 ~~أفرغه أوقفهم عليه، فرأوا من جمعه وحسنه واحتوائه على علوم جمة وفوائد مهمة ~~ما أكلف بعض الحاضرين، أن قال للمنصور [بالله: الله] يفعل لك ويصنع، وأطنب ~~في مدحه، ثم قال: والله -يا مولانا- إني أخاف أن تكون دعوتك وكمالك للقيام ~~بها سببا في عدم القول بمن يدعو بعدك من أهل البيت، فقال المنصور -عليه ~~السلام -: ولم يا فلان؟ فقال له: لأن الناس يطلبون من القائم بعدما قد ~~ألفوه منك من الكمال في جميع الخصال، فلا يجدون منه ذلك، وكان سببا في عدم ~~القول به، فأعجب المنصور كلام ذلك المتكلم، وأظنه الشيخ أحمد بن الحسن ~~الرصاص، فلما أتممت كلامي للإمام [عز الدين]، قال لي: يا فقيه بدر الدين، ~~الحال قاصر، الحال قاصر [الحال قاصر] ثلاث مرات. انتهى. PageV03P048 # وقد ترجح لي ذكر هذا الكتاب [هنا] أعني كتاب الإمام عز الدين إلى الأمير، ~~ولفظه بعد البسملة: تحيات الله وسلامه وإنعامه وإكرامه، وتظافر بره ~~وإكرامه، على الأمير الكبير، الخطير الشهير، سيد الأمراء، وبدر بيكار أهل ~~الرئاسة من بني الزهراء: محمد بن عز الدين بن أمير المؤمنين، والله تعالى ~~يقيه كل سوء ومكروه، وينيله من الخيرات والقربات ما يؤمله ويرجوه، ويجعل ~~أيام ولايته وإجابته مسفرة الوجوه، وبعد.. فصدوره وكل علم سار بحمد الله ~~بعد أن وردت كتب كريمة من تلقائه من الأصحاب، ووفد القاضي بدر الدين، ~~وذكروا جميعا ما دار بينهم وبين المقام من ذكر مكان الإتفاق، وكونكم ~~بسلامتكم ذكرتم أن يكون في الخلاء [و] على الصعيد، وأن دخول الوادي ما ~~يوافق خواطركم الكريمة، -واعلم حفظك الله- أن الله سبحانه قد حبب إليك جانب ~~الحق، وألقى في قلبك ما ألقاه من [المودة و] المحبة وحسن الميل إلى الأخذ ~~بنصيب من عروته الوثقى، فهذا من كمال حظك، وعلو بختك، فإن الدنيا أمرها ~~يسير، والخطر فيما أنتم عليه خطير كبير، والتخلص بغير طريق الإمامة عسير، ~~والموالاة من خير الدنيا والآخرة، ولما عرفنا ذلك منك انشرح الخاطر، وانفتح ~~إلى جنابك، وعظمت منزلتك عندنا، وصرنا ندعو لك كما يعلم الله عالم ms471 الغيب ~~والشهادة، وما هذا منا لغرض دنيوي فتعويلنا على الدنيا قليل، وما قمنا إلا ~~لله، ولرجوى ما عند الله، لكنا نفرح ونستر بما يفتح الله به على أيدينا من ~~الهداية والصلاح والرشاد، والخروج من غضب الله وعذابه حتى إذا فتح الله ~~بهداية واحد من أطراف الناس سرنا بذلك، وأما أنت PageV03P049 بسلامتك، فأنت من كبراء الشرفاء وقادة الأمراء، وبصلاح الحال فيما يتعلق بك ~~يصلح على يديك، ويهتدي عالم من الناس، والله سبحانه يصدق الأمل، ويصلح ~~النية والعمل، وقد قضت حكمة الله بأن هذه الدار يكون فيها شياطين الإنس ~~والجن، وأنه يوحي بعضهم إلى بعض كما ذكر [الله] في كتابه الكريم، ولما كان ~~هذا الأمر من أبلغ الأمور في الدين عظم اكتراب الشياطين، وصاروا يعملون ~~الحيل في تبعيده، ويتعاونون في ذلك، ويوحي بعضهم إلى بعض، وإذا عسر عليهم ~~العلاج من وجه دخلوا من وجه آخر، لما لم تسعدهم بسلامتك إلى ترك هذا من ~~أصله، رجعوا إلى هذه الأمور، وحاولوا المحق منها، وأنت تعرف وذويك أنه ما ~~يلتقي إلى الخلاء وتحت الأشجار إلا البدو، ومن في حكمهم يتصارخون ساعة، فإن ~~سدوا وإلا ضربوا ميعادا آخر وتفرقوا عشية يومهم، وأما مثلنا ومثلك، فلا ~~يسعهم إلا الأماكن المأهولة للاجتماع، والمشاورة مرة بعد مرة، وفي ليل وفي ~~نهار، ومن معنا ومعك على كرامة، وإضافة، وجميل، وأن تعرف -حفظك الله- أنك ~~تصل إلى وطننا، فهو للمسلمين أجمعين، ونصيبكم فيه الوافر، وأنتم بنو عمنا ~~وإخوتنا وما في ذلك غضاضة بل جمالة، وإن لم يطب لك ذلك فبعض قرى فللة، ~~ففللة لنا ولكم، والهدوي والحمزي، وأنتم فيها أهل مكان ووطن، وأهل الوادي ~~لهم إليكم ميل ومحبة، واختر في وسط الوادي قرية واسعة تختار من بيوتها ما ~~يصلح للالتقاء والإطعام، وأنزلنا إليها من يباشر أمر الطعام، وما ترون من ~~الأمر إلا ما تطيب به النفوس، وتقر العيون إن شاء الله ونحن نذكر ما قد قيل ~~لكم، ونذكر جوابه ربما أنكم مخوفون من PageV03P050 جانبنا، وجواب هذا: أنا أقسم بالله قسما مبرورا جامعا ms472 لوجوه الأكادة كلها ~~لو وصلتنا بسلامتك إلى حد جهاتنا على غير ميعاد ولا مواطأة ولا مؤامنة ما ~~قابلناك إلا بالجميل، فكيف على مثل هذا الوجه هل يظن في إمام المسلمين أنه ~~يغدر؟! والله لو كان يحصل لنا بذلك ملك الدنيا بين أقطارها شامها ويمنها ~~وشرقها وغربها مالقينا الله بغدرة واحدة، ولا رضينا بأنفسنا أن تسود وجوهنا ~~في الدنيا والآخرة، وتبقى لنا كلمة العيب ونحن في قبورنا، ومع هذا فنفعل ما ~~تطيب به نفوسكم، وما سمتمونا إياه من الوثاقة الأكيدة على كيف ما أحببتم، ~~وكذلك ما سمتم من الوثاقة على المشائخ بني حذيفة ومن اخترتم منهم على طريق ~~الضمان والارتهان، [وربما] تخافون من القبائل، ويقال: إنهم يفعلون ويصنعون، ~~وأنهم لا حكم لنا عليهم، وبالله العظيم لو اجتمع في فللة جميع قبائل خولان، ~~ووصلت بسلامتك وحدك على وجه بيننا وبينك ما تمكنوا من مد يد، ولا خطر لهم ~~[هذا] ببال، وإن منهم من هو قاتل لغيره إلى حد مائة قتيل، فإذا سايره درسي ~~من درسة مشهدنا، أو خادم من أطرف خدمنا سار على باب خصمه ما يخافه، وقد وصل ~~إلينا أولاد العليي قاسم بعد وقعة الصعيد، وهم قاتلون للقبائل وسالبون لهم، ~~وساروا في بلاد خولان طولا وعرضا إلى يسنم وغيره [معنا و] وحدهم، فما رفع ~~إليهم رأس، ولا مدت إليهم يد، ووصل من أولادكم بسلامتكم من وصل مرة بعد ~~مرة، فأسألهم عن ذلك ولكن فما يقول لك المغري والمبعد، ومع هذا فينزل إليكم ~~من كبار بني بحر وبني جماعة من أردتم، وإن لم يطب للمقام بسلامته دخول وادي فللة PageV03P051 لاعلاه، ولاوسطه فغيره من الأماكن المتحرزة الموافقة المتسعة للاجتماع ~~ولواحقه من الإطعام وغيره، هذا إن كان للمقام -حفظه الله- رغبة في الإتفاق ~~الذي نرجو أن يكون سببا للخير الدنيوي والأخروي، وبالله ما نضمر لكم في ذلك ~~غشا ولا يتعلق [لنا] به هوى ولا غرض لأنفسنا، ولا قصدنا إلا صلاح دينكم، ~~ومصلحة المسلمين، ورضى رب العالمين :{إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما ~~توفيقي إلا ms473 بالله عليه توكلت وإليه أنيب}[هود: 88]، وما أكثرنا الكلام، ~~والمراجعة قبل الانتقال إلى فللة من قبيل التراخي والبطاء ومحبة المماطلة ~~بالقرب إلا أن تلك الجهات كما تعرفون، [و] مع التقارب يزيد أهل المباعدة ~~فيها، فأردنا إحكام الكلام ونظمه ليقع الوصول، وقد صلح الأمر -إن شاء الله ~~تعالى-، ولئلا يقع وصول إلى فللة بتعذر الالتقاء، فيكون [في] ذلك مزيد ~~قالة، فأجب بما تراه صوابا بعد استخارة الله سبحانه [وتعالى]، واستشارة أهل ~~الخير ومحبي الخير، فما ندم من استشار، ولا خاب من استخار، ونعيذك بالله من ~~شياطين الإنس والجن، ونسأله صلاح الحال والشأن إنه جواد منان، بعد السلام. PageV03P052 # قلت: فانظر إلى هذا الكتاب كيف جمع ما جمع واتسق على هذا النسق والمواجهة ~~مستمرة، وهو يصغي إلى كل واحد على حدة، ويقضي لكل غرضه، ويده تكتب هذا الدر ~~المنظم الموشى والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء فهذا أسلوبه من الترسل البديع ~~مع الخط الجيد الذي أقر له فيه كل رفيع، وأما شعره فرائق فائق، حوى ديوانه ~~منه ما اتفق على جودته أعيان الخلائق، والكاشح والوامق، وقد قسم شعره عليه ~~السلام قسمين : # أحدهما: ما قاله وهو سيد. # و[القسم] الثاني: ما قاله بعد الدعوة، وهذا القسم من شعره قلما أنشأ شيئا ~~منه إلا وراسلني به كله أو بعضه، وحثني على الإنشاء على وزنه وقافيته، طلبا ~~للمفاكهة والمطايبة وتكثير الفائدة في العاجلة والعاقبة، فمن ذلك قصيدة ~~قالها ترثية لأسنانه، وقد أضر به وجعها في آخر زمانه، ولما أكملها أرسل بها ~~إلي قبل يعلم بها أحد، وعول علي في عراض على وزنها، وعلى نهجها، فامتثلت ما ~~أشار إليه -عليه السلام- وأرسلت به إليه، فعاد إلي منه جواب هذا لفظه بعد ~~البسملة، وذكر اسمه - قدس الله روحه ونور ضريحه -: # السلام الأسنى، ورحمة الله الحسنى على الفقيه الأفضل، الأمجد الأكمل، عين ~~أرباب البلاغة، [و] المزري حقا ويقينا بابن المراغة، بدر الدين، خلاصة ~~الإخوان الراشدين، والله يمتع بحياته، ويسعده في جميع أوقاته، وعلى كل ~~حالاته، وبعد.. PageV03P053 # فورد كتابه الكريم، مصحوبا بالنظام الجليل ms474 الفهيم، الذي يفوق ويروق الدر ~~النظيم، فلقد وقفنا عليه وقوف ناظرين بعين التأمل إليه، فوقع منا موقعا فوق ~~كل موقع في حسن الرغوبة، [ومعظم العذوبة]، والنشق المستطاب، فحكمنا عليه ~~بأنه من أحسن المنظومات، وأجل المرقومات، ومن عجائب الاتفاق أنه دفع إلينا ~~وعندنا أعيان من حوالينا على مأدبة كبيرة، فحملنا الإعجاب به على ذكره ~~والتنويه بقدره، وسلمناه إلى الفقيه وجيه الدين: عبد القادر بن محمد، ~~وعولنا عليه أن يجربه على حلة من الإنشاد نحن نستلذ بها منه غاية، ففعل ~~بتلك الحضرة المباركة، فأعجب منه الحاضرون، ورفعوا من شأنه، وشأن منشيه ~~واستدعوا بالابتداء، فأنشد من بعد، ولعمري أن هاتين القصيدتين، ولا سيما ~~جوابكم جديرتان بأن يدونا في الأوراق، وتداولهما الأيدي في الآفاق، ولكنه ~~والله قل في زماننا من يقدر البلاغة حق قدرها، ويوليها ما ينبغي لها من ~~تعظيم أمرها، وأما أنت بسلامتك فقد ارتقيت منها محلا عاليا، وأوتيت منها ~~حظا وافيا، وفقت بما أوتيت من مجملاتها بالإطلاع على غرائب التواريخ ~~ومستبدعاتها، ومع ذلك فما زلت قائما بحق ما تنظمه وتبدعه من أنواع النظام، ~~ومحسنا لأجوبتها، ورافعا من شأنها على مر الأيام، ولقد ترك الأوائل ~~للأواخر، وما خلا زمن عن أهل المقال الفاخر، الله تعالى يتجاوز عنا فرطات ~~اللسان، ويتقبل ما وافق مراده في هذا الشأن، ويختم بخير، والسلام، والدعاء مستمد. # وهذه قصيدة الإمام عز الدين -عليه السلام-: # إذا كنت من قرع الحوادث شاكيا %~% وأصبحت من خطب ينوبك باكيا PageV03P054 وصرت لميت جل عندك رزؤه %~% له نادب بين الأنام وراثيا # وأولى وأحرى بالمراثي وبالبكاء %~% إذا صار بعض منك ميتا وفانيا # فلا خير في عيش وبعضك ميت %~% وإن كان بعض منك حيا وباقيا # فيا عين جودي بالدموع لعلها %~% تهون وجدا في الجوانح خافيا # وبكي على بيض عوامل ثنيت %~% حداد شداد واضحات صوافيا # بثغر يروق الناظرين رواقه %~% ومبتسم يجلو لمن كان رائيا # نعمت بها عصر الشباب ممتعا %~% تنيلك في اللذات ما كنت باغيا # لها أثر فيما يرام بقوة %~% عظمن بها نفعا وطبن مساعيا # فأخنى عليها الدهر ms475 بعد كهولة %~% وبعد اشتعال الرأس شيبا ملاليا # فقد أصبحت نصفين ما بين ميت %~% هوى وثوى لا يبعد اليوم ثاويا # تلا آخر منها إلى الموت أولا %~% وتسع أجابت قبلهن ثمانيا # فمنها قليع بالدماء مضرج %~% فأزعج مقهورا وما كان راضيا # ومنها صريع موته حتف أنفه %~% أهاب به داعي المنون مناديا # وبين سقيم لا دواء لسقمه %~% عليل فلا يلقى طبيبا مداويا # فلا ثابت في أصله ومقره %~% ولكنه أضحى مريجا وواهيا # ولا سالم من صفرة وكدارة %~% بلى صارعن تلك الإثارة خاليا # ولا نفع فيه عند رطب ويابس %~% إذا لم يكن كل الرطوبة حاويا # محاسن كانت فاضمحلت وآذنت %~% ببينونة عنها وعادت مساويا # وفيها قوام الروح والجسم عمره %~% فأي نماء بعدها صرت راجيا PageV03P055 تسل فما الدنيا إذا ما اختبرتها %~% وجدت عليها من بني الدهر ساليا # وكن للأسى والحزن والبث والجوى %~% إلى الله حقا لا إلى الناس شاكيا # رويدك بعض الشر أهون موقعا %~% من الكل فاثبت للمقادير لاقيا # تذكر إذا ما صرت في القبر ثاويا %~% بعيدا عن الأهلين والولد نائيا # وقد ذهبت تلك المحاسن وامحت %~% وصار لهن الترب في اللحد ماحيا # وأفردت للديدان من تحت جندل %~% ولم تلق من أمر ينوبك حاميا # وصرت رميما كالتراب مفتتا %~% مقيما إلى أن يبعث الله داعيا # وذلك أدنى وحشة وكآبة %~% من الحشر والأهوال إن كنت داريا # مواقف يسلبن العقول محارة %~% ويصبح عن روعاتها المرء جاثيا # ونشر دواوين حوت كل واقع %~% ونا شرها من كان من قبل طاويا # ونصب موازين فيا رب راجح %~% ورب خفيف صار بالخسر قاضيا # هنالك إن لم يمنح الله فضله %~% فتلقاه غفارا لذنبك ماحيا # فلا وزر من بطشه وعقابه %~% وإن يعف فضلا منه أصبحت ناجيا # وهذا جوابي الصادر مني إلى حي الإمام -عليه السلام-: # كساك التقى بردا من الفكر ضافيا %~% فما زال بالتوفيق فكرك صافيا # وصرت بحلب الدهر شطريه عالما %~% خبيرا بما يمريه مرا وحاليا # فما الوعظ إلا ما أثرت عيونه %~% ولا الحكم إلا ما توخيت حاكيا # تدبرت أطوار ابن آدم إذ غدا %~% جنينا فمولودا فطفلا فناشيا # فكهلا ms476 فشيخا فانيا ثم ميتا %~% فحيا لأهوال القيامة لاقيا PageV03P056 فخبرت عن كل بما يترك الفتى %~% بصحبة ذي الدنيا من الدهر قاليا # فيطرحها طرح الكريم لربعه %~% إذا خاف فيه سمه والأفاعيا # وينظمها في سلك أحلام نائم %~% أطافت فمنت في المنام الأمانيا # وإلا سراب قد تراآى بقيعة %~% فيحسبه الظمآن ماء مدانيا # وإلا كظل زائل وكبارق %~% بأفق من الآفاق قد بات ساريا # وإلا كوصل الغانيات فإنه %~% يزول إذا حل البياض النواصيا # فتبا لدنيا لا يدوم وصالها %~% لحي وإن أمسى عن الخلق عاريا # وطوبى لقوم عاملوها كفعلها %~% وبتوا عراها عفة وتغانيا # وداروا لزاد للمعاد مبلغ %~% إلى جنة تحوي قصورا عواليا # أولئك أقوام شروا من إلههم %~% لرفضهم الدنيا نفوسا غواليا # كفى واعظا فيها المشيب فإنه %~% يصير لأنوار الشبيبة ناعيا # وسموه في الذكر النذير لأنه %~% بقرب ممات المرء يصبح قاضيا # وما بكت الأمجاد شيئا بكاؤها %~% شبيبتها لو ينفع الدمع باكيا # لعلمهم أن ابيضاض شعورهم %~% يجئ لمسود من الشعر ما حيا # كما أن مسود الثنايا مذكر %~% بموت الثنايا البيض من كان ناسيا # وفي موت بعض قبل بعض مخبر %~% بكون ممات الكل للبعض تاليا # وما زهرة الدنيا سوى مدة الصبا %~% وصحتها أيامها واللياليا # فمهما انقضت يوما تقضى وراءها %~% فيضحي الفتى للضعف فيها مقاسيا # ومن حين ما يبدي المشيب بفوده %~% تقعقع منه الشن إذ صار باليا PageV03P057 وتنفر عنه الغانيات تطيرا %~% بطلعته ينظمن فيه القوافيا # ويبدلن منه الحسن قبحا تجنيا %~% ويبخلن عنه بالسلام تعاميا # وكان الشباب الرحب أكبر شافع %~% وعن أكثر الداعي إليهن كافيا # فلا خير في عمر يرى المرء عنده %~% ببنيته نقصا يسر الأعاديا # وبعد هجوم الشيب للمرء يبتلى %~% بأسنانه ما يعظم الرزء ثانيا # فيتركها ما بين حي وميت %~% كثير اعوجاج ليس يبرح وانيا # وحيئنذ لا عيش يصفو لآكل %~% ولا مشرب للمرء يصبح هانيا # فما حر من هذين أو كان باردا %~% فللألم المخشي يصبح داعيا # وقدر بما زالت جميعا وغادرت %~% أخاها كطفل لا يفك البوازيا # يجنبنه ما كان فيه رداؤه %~% ويطعمنه ما خف طبعا تداريا # وما كل شيخ واجدا من ms477 يربه %~% كما رب طفل يصحب المهد عانيا # فقد تعرض الأسفار للشيخ والنوى %~% فيختل قانونا بعيدا ودانيا # فكيف سكون القلب والحال هذه %~% وأي طريق يسلك المرء واديا # وأي أمان والحوادث كمن %~% تشن على نهب النفوس الأمانيا # فلا لوم للباكي الشباب وعصره %~% إذا ما بكى يوما وأبكى البواكيا # وأفدي الذي قد نبهتني عظاته %~% فقلت مقيما إذ سمعت المناديا # دهاني زماني في جزيل عواملي %~% ولقى جميع الناس مثلي الدواهيا # فكم موجع مثلي يبيت مسهدا %~% ويضحي بنيران التقلقل صاليا # يحاول بث البعض مما أصابه %~% وأحمى كرارا في حشاه المكاويا PageV03P058 فيعذره نظم القريض مرصعا %~% رقيق المعاني عسجدا ولآليا # ويبقى كظيما ليس يملك قدرة %~% يعبر عما صار في القلب ثاويا # ولا يستريح المرء من بعض غمه %~% بغير انحدار الدمع درا جمانيا # أو الشعر يمشي حيثما شاء طائعا %~% يبين به ما كان في الصدر خافيا # كما قد تراه في نظام إمامنا %~% يوحيك أوصاف الأمور كما هيا # ويرمي به عن قوس كل إرادة %~% وما كل قوال يصيب المعانيا # ولا كل بحر كالفرات حلاوة %~% وفيضا ولا كل النجوم دراريا # ولا كل قار للحواميم نافعا %~% ولا كل داع للبرية هاديا # ولا كإمام العصر تلقى مهيمنا %~% بكل مجال في الفصاحة داريا # تصفح إذا ما ارتبت ديوان شعره %~% تجده لأنواع البلاغة حاويا # ويكفيك عن طول قصير مقاله %~% إذا كنت من أمر ينوبك شاكيا # إلى آخر الآبيات تعلم أنها %~% حكت لاتساق النظم وشيا يمانيا # معان كنشر الروض يفصح عرفها %~% ذكرت ديارا دار سات خواليا # وقد شملت معنى مقالة قائل %~% تعز فلا شيء على الأرض باقيا # وأومت إلى شعري إمامين قدسا %~% فوعظهما قد كاد يملا النواحيا # يعني بالإماميين: حي الإمام أحمد بن سليمان، فإن له قصيدة على هذا الروي ~~والوزن أولها: # دعيني أطفي عبرة ما بدا ليا %~% [وأبكي ذنوبي اليوم إن كنت باكيا] # وعارضها حي القاضي نشوان [بن سعيد]، فقال: # ذكرت ديارا دارسات خو اليا...إلى آخرها. PageV03P059 # والإمام الثاني هو: [الإمام] المهدي أحمد بن يحيى [بن] المرتضى صاحب ~~(الأزهار)، و(البحر الزخار)، و(الغيث المدرار)، فله أيضا ms478 قصيدة على هذا ~~الروي والوزن أولها: # دعيني إذا شاهدتني اليوم باكيا # وهي مشهورة أيضا. انتهى. # ومن أشعار حي الإمام عز الدين عليه السلام اللاتي عول علي أن أعارضها ~~بما يجانسها: قصيدة فريدة أنشأها يتشوق إلى بلاده، ويذكر أنه لايبرح شوقه ~~مستمرا، إن كان بالشام اشتاق إلى أهله باليمن، وإن كان بأرض اليمن فكذلك فقال: # أفق أين ما وجهت صرت مفارقا %~% ولم تلق فيما بين حاليك فارقا # تسر بأن تلقى حبيبا ومنزلا %~% عقيب افتراق صار للقلب غارقا # وما نلته إلا بفرقة منزل %~% وأهل وولد وافتقادك وامقا # فتصبح مسرورا هناك وواجدا %~% وصدرك مسرورا هناك وضائقا # فيا جامع الضدين والوقت واحد %~% لقد جئت شيئا للعوائد خارقا # ألا هكذا الدنيا مشوب سرورها %~% وما منحت صفوا من العيش رائقا # إذا ما حلت مرت وإن هي أحسنت %~% أساءت وتعطي السؤل بالسوء لاصقا # نهضنا إلى كحلان والشوق لم يزل %~% لنا قائدا وسط الطريق وسائقا # فلما بلغنا ما نريد ولم نجد %~% عن القصد عن لقيا الأحبة عائقا # وجدنا التلاقي والتداني وقربنا %~% عقيب ابتعاد والوصال الموافقا # أفاد التنائي والتباعد موجبا %~% فأمسى الأسى والكرب للقلب طارقا # إذا ما رأينا من لدينا أحبة %~% محاسنهم زهر تحوز المرافقا PageV03P060 أنسنا وطبنا باللقاء وسرنا %~% مصير النوى من بعد ذلك زاهقا # وعدنا إلى تذكار من شط داره %~% فأضحى بعيدا نازح الدار ساحقا # ومن حجبته أشعب وشواهق %~% فسحقا لها من أشعب وشواهقا # فثارت نيار للجوى وسط الحشا %~% بها أصبح القلب المتيم حارقا # فلي في الدجى جفن نؤوم عن اللقاء %~% وجفن به يمسي على البعد آرقا # وقلب تراه ساكنا بعض ليله %~% وفي بعضه من شدة الوجد خافقا # ألا أيها الساري على ظهر سابح %~% يفوق الجياد الصافنات السوابقا # تحمل وقيت السوء نظما محبرا %~% بديعا بليغا يفضح الدر فائقا # تبث به الشكوى على الخالق الذي %~% تبارك رحمانا رحيما وخالقا # وأوقف عليه كل راعي مودة %~% مصون عن الغش الذي ليس لائقا # يواسي ويأسو ثم يخبر ناظما %~% جوابا لما في النظم هذا مطابقا # وخص به المقصود بالذكر أولا %~% ومن بعده أضحى ms479 له الدمع دافقا # أحبتنا ما بين صنو مفضل %~% تراه صديقا في الأخوة صادقا # هماما سما جودا ومجدا ومفخرا %~% وأصلا أصيلا شامخ الفرع باسقا # ونجل كريم يملأ الأرض صيته %~% مغاربها يا مرسلي والمشارقا # حليف معال لم يزل هو مولعا %~% وما انفك للأسفار خدنا معانقا # وولد سراة طيبين أماجد %~% زكوا عفة في دينهم وخلائقا # غطاريف أطهار كرام أماثل %~% فما أحدا منهم يخاف البوائقا # وأهل بهم صار الفؤاد مولعا %~% مشوقا إليهم غاية الشوق تائقا # أحن إليهم كلما هبت الصبا %~% وتزداد أشواقي إذا شمت بارقا # ومهما تذكرت الشآم ومن به %~% أقام تذكرت العذيب وبارقا # وإن ينس لم ينس التي صار فقدها %~% له عبرات قد أخذن المخانقا # وهل كبد تمشي على الأرض مثلها %~% يهون على أحشائها أن تفارقا # وما أم سقب فارقته فلم تزل %~% تحن حنينا أسمعته النوائقا PageV03P061 بأشوق مني قاطنا ومسافرا %~% وأوجد مني صامتا ثم ناطقا # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة %~% وليس بليت نستفيد الحقائقا # وللشمل جمع ما يشاب بفرقة %~% وليس غراب بالتباعد ناغقا # فقل للأسى رفقا فقد صرت لازما %~% وقل للسلو اذهب فقد صرت طالقا # عسى ولعل الله إني بلطفه %~% ورحمته ما زلت عمري واثقا # وصلتني هذه القصيدة في شهر رمضان الكريم من سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة، ~~وأشار الإمام -عليه السلام- أن أجوب عليها، فجوبت سريعا هذه القصيدة ~~الآتية، فلما بلغته، استجادها واستحلاها، وأنشدها للحاضرين وتلاها، فقل ~~منهم من قام من تلك الحضرة حتى استملاها، وهي هذه، مجردة عن تخميس أردفتها ~~[به] بعد مدة، وحصل لي منه بسببها جائزة سنية، وعطية هنية، [وهي] : # صدقت ولم تبرح مدى الدهر صادقا %~% وما زلت عن أمثال لقمان ناطقا # وسابقت أرباب المقال إلى العلا %~% فقاموا وجاوزت النهاية سابقا # فمن رام إدراكا لشوطك لم يكن %~% لشق غبار من مساعيك لاحقا # بآية ما أبدعت فيما افتتاحه %~% أفق أينما وجهت صرت مفارقا # فإنك ألبست الفصاحة حلة %~% [تفوق على مغسول في الحسن فائقا] # وأنسيت نظما للكميت وجرول %~% وصيرت أرخاخ القريض بياذقا # ا غرو والأشعار أصغر مفخر %~% غدوت به جل الأئمة فائقا ms480 PageV03P062 وأما فنون العلم فالكل مذعن %~% بأنك قد أوضحت منها الدقائقا # كبحر غدا باللؤلؤ الرطب قاذفا %~% وبالعنبر الشحري في البر دافقا # أو الغيث يهدي للسعيد منافعا %~% ويبعث حينا للشقي الصواعقا # كما حزت أسباب الكمال فلن ترى %~% أخا رتبة إلا لحقك سارقا # كأنك ذو القرنين طوفت تبتغي %~% مغارب في جمع النهى ومشارقا # ليعتبر النظار فيما أقوله %~% ولا قدس الله الكذوب المنافقا # أمثل أمير المؤمينن ورهطه %~% يرى الناس أفعالا زكت ومعارقا # وأربعة هل عد في أي معشر %~% نظير لهم سردا كذا متطابقا # توسط عز الدين مابين نجله %~% وناجله كالورد زان الشقائقا # وبالحسن استكني وبالحسن اعتزى %~% وفي المكرمات السيدان توافقا # وإن سبق الهادي القديم حفيده %~% فقد لحق الهادي الأخير ووافقا # وإن قلت قد أربى ونيف لم يكن %~% مديحي لبدر التم إذ تم ماحقا # ألم يك يحيى من حسين وقاسم %~% فهل حط قدرا منهما كان باسقا # لقد فخرت عبس بأن كان منهم %~% ثلاثة أنفار سراة بطارقا # وثنوا لأم أنجبتهم بأنها %~% سمت كل من زمت عليها المناطقا # ولو عاش منهم من يرى لإمامنا %~% بنينا وإخوانا بدورا شوارقا # ويكفي من الأسباط سبطان أعجبا %~% وفي الرأي والإقدام صنوان طابقا # إذا لرأى سادات عبس زعانفا %~% وعد بها همام مرة لاصقا # فيا أيها الغادي على أرحبية %~% يباري ذواري الريح بله الأيانقا # تعد بها ماء بيرسم مصبحا %~% ويمم بها ماء بحيدان غابقا # وطيش عليها في السواد مفاوزا %~% يظل بها الخريت حيران باخقا # نجودا وأغوارا وحينا عقنقلا %~% ومتسعا في طرقه ومضايقا PageV03P063 كأن يرابيعا جعلن ببطنه %~% مساكنها من قاصعيها ونافقا # فحين ترى الأهنوم عرج تعمدا %~% على أرض قحطان كفيت العوائقا # إلى الشرف الأعلى وفي ذا إشارة %~% إذا كنت للتشريك في اللفظ رامقا # ومن حيد كحلان تكحل فإنه %~% يزيد الضياء نورا ويجلو الحمالقا # وإن كنت مكروبا فعفر بتربه %~% جبينك تستفتح بذاك المغالقا # فإن مكانا حل فيه إمامنا %~% جدير بأن يحيي ثراه الخلائقا # وما لكرامات الأئمة منكر %~% ومن قدرة الرحمن ينشي الخوارقا # كما خص مركوب لجبريل إنه %~% يؤثر في الأشخاص حسا ملاصقا # ومن بعد ذا ms481 سلم عليه وقل له %~% فديتك موموقا فديتك وامقا # أتانا نظام منك يفضح عرفه %~% رياض الربيع الزاهرات العوابقا # وفيه من البين المشت شكاية %~% وما كان من جمع الأحبة عائقا # وكون التلاقي للتنائي مظنة %~% وقربك للمحبوب يدني التفارقا # وعددت من صار الفؤاد مولعا %~% بهم ومشوقا غاية الشوق تائقا # فقلت وما تنسى التي صار ذكرها %~% له عبرات قد أخذن المخانقا # وهل كبد تمشي على الأرض مثلها %~% يعز على أحشائها أن يفارقا # فواها لها من نفثة وشكاية %~% وشقشقة فاحت فهاجت شقاشقا # ويا حسن ما عبرت عن سر خاطري %~% وذكرتني رهنا لذي العول عالقا # وهذا الذي أدنى محلي بصعدة %~% وصيرني في أبحر الهون غارقا # حرمت ازدياد النيل من شغفي بهم %~% فبت وما فضل لذي الجيل نافقا # إذا الحر أضحى والخمول نزيله %~% بمنزلة فاهتف به أن يفارقا # وقل: يا أخي فارق ترق كل صاحب %~% فلن يقطع الصمصام إلا مفارقا PageV03P064 فلولا أطيفال كزغب من القطا %~% لمشهدها تبقى النفوس خوافقا # لما كان ظلي للديار ملازما %~% ولا كان قلبي للمواطن عاشقا # ولا كنت إلا في العراق مزاحما %~% نحاريرها للمنتهين مرافقا # وإلا بأرض القدس صاحب خلوة %~% غدا لكؤوس الصحو والمحو ذائقا # ولولا ثلاث هن من لذة الفتى %~% وجدك لم أحفل بمن كان حانقا # فمنهن إتحافي عيالي بطرفة %~% لفرحتها تبقى الثغور بوارقا # ومنهن خوفي أن يذلوا لقاهر %~% يرى ضاربا هذا وهاتيك دالقا # وتستخدم الكبرى في كل معنت %~% ويقذف بالصغرى ورا الباب داهقا # ومنهن رجواي لهم أن يشابهوا %~% أصولهم مهما استقلوا طرائقا # فليس يضر القوم موت سراتهم %~% ولكن إذا شب الخلوفة مائقا # ولا الحسب المأروث لادر دره %~% بمغن وإن أمسى به العز عالقا # ووالله يا مولاي إن بباطني %~% بكور شكا [و] ضعف ذا وعوائقا # وإنك قد حركت داء مخامرا %~% له زمن لم يلق في الطب حاذقا # وإن قد رمى عن قوس فحوي نظمكم %~% وقرطس حتى مر في القلب مارقا # فمنوا على المملوك منكم بدعوة %~% فما جاهكم عند المهيمن زاهقا # بتثبيته في قوله وفعاله %~% وتبليغه فيما يروم الحقائقا # فأنتم لنا يا أهل بيت ms482 محمد %~% ملاذا إذا خفتم علينا البوائقا # عليكم سلام الله ما هبت الصبا %~% وما دام مخلوق يسبح خالقا PageV03P065 وعلى الجملة: فقد احتوى ديوان شعره -عليه السلام- على الغرر والحجول، فهي ~~كصوافن الخيول في كل مضمار تجول، ولولا ميلي إلى الاختصار، لذكرت منها ~~هاهنا ما يزري بالأزهار تجري من تحتها الأنهار،وذكرت أيضا ما عول علي أن ~~أعارضه من تلك الأشعار، لكن من أحب ذلك فليطالعه في ديوانه، وديواني، فكل ~~منا قد رسم ما وضعه، ورقم من ذلك ما اخترعه. # فصل: نذكر فيه مدة عمره -عليه السلام- وموته، وذكر أولاده، وما أوصاهم ~~[به] قبيل موته من اتخاذ مشهد له، مما يرضى به سائر آل الإمام علي بن ~~المؤيد، فاعلم أني قد ذكرت فيما تقدم: أنه ولد بأعلى فللة في شهر شوال من ~~سنة خمس وأربعين. # وأما وفاته : فإنه -قدس الله روحه- كان قليل الأمراض، من أعجب ذلك أنه ~~لما خرج بعد دعوته كما تقدم للقاء العلماء الصنعانيين وغيرهم، فلقوه حول ~~بلاد الأهنوم، وباحثوه في شروط الإمامة، فأجابهم بما طابت به نفوسهم ~~فبايعوه هناك، فواذنهم بالتقدم معه إلى السودة، فاعتذر بعضهم، فلم يعذره، ~~وكانت الطريق إلى السودة طريقين: PageV03P066 # أحدهما: تمر في رأس جبل الأهنوم، مرها من تخوف سدم بلاد قحطان، والطريق ~~الأخرى تمر على أكثر بلاد قحطان، وهي بلاد وخيمة، فكان -عليه السلام- ممن ~~مر هذه الطريق بخيله وجماله، وجل عساكره، وهناك بلاد اسم بئر عندها بئر ~~الشغف بات الناس حولها ليله واحدة، فمرضوا الجميع إلا الإمام -عليه السلام- ~~ومن يخدمه ساعة ركوبه ونزوله، ويقود فرسه قدر خمسه جماعة أو ستة، وقد كان ~~في مدة وقوفه بالهجر يقف للناس في تلك المحطة ليلا ونهارا، وهي بلاد غفصة ~~سدمة، ومن دخل إليه إلى خيمته من أعيان الأصحاب ما قدر يصبر معه على ذلك ~~الغفص، بل كانوا يتنزهون في الأمكنة العالية، وهو صابر على مراجعات الناس ~~على طبقاتهم، وينظم [جميع] أمور تلك المحطة إلى حد الجمال، والغلام إلى حد ~~من هو من أولئك العلماء [والسادة] في منزلة الإمام. PageV03P067 # نعم. وكان ابتداء ms483 مرضه يشبه السدم حمى وعرق، فلم يمنعه عن المواجهة، وتفقد ~~أمر الإمامة ما بعد عنها وما قرب، بل كان في بعض الأحوال يعالج بخطه [في] ~~تصنيف (شرح البحر) كما ذكرت أولا، فما برح ذلك الألم يضعفه وينحفه، وهو على ~~جلده يقرر قلوب أهله، وخواصه، وأولاده، وأوداده، وامتد مرضه من أول يوم من ~~رجب إلى [يوم] ثاني وعشرين منه، فتزايد عليه إلى نصف النهار من غده وهو يوم ~~الجمعة ثالث وعشرين منه، فتوفي إلى رحمة الله ورضوانه، وقد كنت طلعت ~~لعيادته أول الأسبوع الذي مات فيه، فأخبرني بمرضه، وبشرني أنه إلى خير، ~~وأذن لي بالتقدم إلى صعدة، وكان [قد كان] استصحبت شيئا يبدو به من يبدو على ~~المريض، فشكر الصنع، واستودعته، وقال لي: إذا جاءك مني كتاب فاعمل على ما ~~فيه، فسرت من حضرته وخاطري طيب غير مشجن عليه، فلما وصلت صعدة بشرت الأصحاب ~~بعافيته، هذا يوم السبت أو يوم الأحد، وما زلنا نستعلم من يأتينا من عنده، ~~وهم يذكرون أنه لابأس عليه، فلما كان آخر الأسبوع يوم الجمعة لقيني بعض ~~خواصه عند الظهر، فناولني [كتابا] بخطه -عليه السلام- هذا لفظه: PageV03P068 # الحمد لله وحده، [وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم] سلام الله وإكرامه ~~على الفقيه، الأفضل، [الأنبل] : بدر الدين محمد بن علي بن يونس، صدورها ~~ونعم الله واسعة، ومن جملتها ازدياد تلك الزيارة وإطباقها حتى قد بلغت في ~~رقة الحال الغاية، والحمد لله على كل حال، فالدعاء مستمد، وصدرت الخرقة ~~التي وصلت فيها بتلك الفاكهة المحبوبة النافعة، فجزاكم الله خيرا، فقد كان ~~لها تأثير، وبها انتفاع، وأوصينا محمد بن علي النجري يسلم إليكم شيئا من ~~قبيل المواساة من حق الله [تعالى]، فأما ثمن هذه فأنا أدفعه مما يخصني، وقد ~~أوصيت محمدا في ذلك، وحققته له، ولا أرضى بغير ذلك بعد السلام [والدعاء]، ~~فلما قرأت الكتاب ناولني تلك الدراهم المواساة، وهي عطية جزلة، وقال [لي] : ~~هاك الخرقة، وخبرني كم ثمن تلك الهدية، فقد شدد علي في ذلك؟ فقلت له: والله ~~ما آخذ ms484 منك فيها عوضا وما قال الله فيما هناك، فإني أود له بعافية ولو ~~بروحي، فقال لي: فيكون العذر منك إليه، فإني أخاف منه ينقد علي، فقلت له: ~~أنا أعرفه اجتهادك معي، فولى عني من بين السكتين، ولا معه ولا معي خبر ~~أبدا، فما وصلت شق سوق الحدادين في تلك الساعة إلا وقد لقيني عدة يستخبر ~~وني، هل علمت للإمام بمرض؟ فقلت: نعم، له أيام مريض، وهو إن شاء الله إلى ~~خير، فسرت من عندهم قليلا، ولقيني آخرون سألوني كسؤال أولئك ووجوههم ~~متغيرة، فأجبتهم بمثل ذلك الجواب، فسرت إلى أعلى الصرحة، فلقيني آخرون، ~~وقالوا : بلغنا أن الإمام توفي [في] هذا اليوم، هل بلغك شيء من ذلك؟ ~~فنهرتهم، وقلت: هذا كتابه وصلني PageV03P069 من بعض خواصه، فلو كان ثم شجن لأخبرني به فالخبر لا يعديه، ولكن هذا منكم ~~تفاؤل ممن يكره الإمام، فسرت من عندهم قليلا، فإذا آخرون يتلاكتون، فلما ~~قربت منهم سألني بعضهم، فأجبتهم بجوابي الأول لأولئك مستبعدا لهذه ~~الأقاويل، فإذا بواحد قرب مسجد الذويد يقول إن بريدا دخل المنصورة إلى عند ~~الأمير، واعلم بوفاة الإمام، فما ا ستتم خبره لي إلا [و] وصلني رسول من عند ~~القاضي محمد بن يحيى [بن] مرغم من مسجد التوت يقول لي: أجب القاضي، فإن ~~عنده كتابا وصله الآن من فللة إليه وإليك، فقلت: من الرسول؟ فذكر لي خادما ~~من خواص الإمام عرفت به أنه وصل بعلمه، فما ملكت عيني من البكاء، وسرت من ~~فوري إلى مسجد التوت ودموعي تقطر على خدي، ونشيجي يوحي من بعيد، فجئت ~~والقاضي قد انتحب أيضا من البكاء في محرابه، ومن تلك الساعة إرتجت المدينة ~~بالنواح والصراخ، من النساء والرجال، في كل نواحي المدينة، فخلنا السماء ~~سقطت على الأرض، وبكت عليه المخدرات في البيوت، وأهل البوادي، ومن يعرفه ~~ومن لا يعرفه، وخرج الناس إلى فللة معزين على أرجلهم السادة، والقضاة، ~~والشيعة، والأمراء، والخواص، والعوام، فناس وصلوا المشهد بليلتهم، وناس ~~باتوا بأسفل الوادي، وناس جاءوا يوم ثاني، وكثر المعزون من شرق البلاد ms485 ~~وغربها، ونحروا عليه من البقر ما لا يحصى، فلما امتلأت [الهجرة بالعقائر]، ~~وتواذن الناس، ورجحوا [أن يذكروا] للمعزين استحياء ما جاءوا به، فبقاؤه ~~أنفع من نحره، فامتثل المعزون، فبقي من البقر حيا عدة، وتمت الوحشة والروعة ~~بعد موته في الجهات أياما كثيرة، وذكر PageV03P070 جماعة ممن وصل من صنعاء أنهم سمعوا ناعيا في ذلك اليوم ينعاه -عليه ~~السلام-، ويصرخ باسمه، وتلاقوا يتساءلون من أي جهة سمع الناعي؟ فكل يخبر ~~أنه [سمعه] من الجهة الفلانية بجهة غير جهة الثاني، فلما كان اليوم الثالث ~~بلغهم علم وفاته من الكتب، فقطعوا أن ذلك هاتف من الروحانيين أمرهم الباري ~~بعلمهم بذلك؛ لعظم منزلة هذا الإمام من الله سبحانه وتعالى، فأمر السيد ~~المؤيد محمد بن الناصر بعد وصول الكتب إلى الأعيان من السادة والفقهاء، أن ~~يعلموا الناس، ويحثوهم على الحضور إلى الجامع، فحضروا الكل، وقرءوا على ~~نيته قدر سبعة أيام، وأحضرت الشماع والمسارج، وما تخلف أحد أبدا، وكذلك فعل ~~الناس في مسجد الهادي -عليه السلام-، وعظمت الرزية في البرية، وأنشدت مراثي ~~كثيرة في صعدة وصنعاء وغيرها من فصحاء الزمان، والله المستعان، وعليه ~~التكلان، فكان مما قلته من التأبين، وإثارة القلب الحزين قولي: # نقمت الرضى حتى على الروض والقطر %~% إذا ضحكت من بعد قاصمة الظهر # وأوحشني نور الثريا وقد مضت %~% تقهقر نحو الغرب خوفا من الفجر # ويعجبني جنح الظلام لأنه %~% يناسب ما قد كان من فادح الأمر # أبعد إمام العصر يضحك ضاحك %~% ويبسم ثغر بئس ذلك من ثغر # وموتك عز الدين أجرى مدامعي %~% وأشرقني ريقي وضيق من صدري # وصيرني قد ضاق بي الصبر ساحة %~% وقد كنت أوصي الناس قبلك بالصبر # ومهما رأيت الشمس في رونق الضحى %~% ذكرت أفول الشمس من ذلك القصر # وحيث حكوا للنهي والأمر صورة %~% ذكرت اختلال النهي بعدك والأمر PageV03P071 لأن مناط الأمر بالعلم والحجا %~% وقد دفنا مذ غبت عندك في القبر # ولم يبق بين الخلق إلا حثالة %~% تضاهي وضير الزيت في أسفل القدر # أبا حسن من للمعالي يشيدها %~% ومن لبناء المجد بعدك والفخر # أبا ms486 حسن من للعلوم يفيدها %~% ومن لتمام الشرح بعدك للبحر # أبا حسن من للأصولين غيركم %~% وشرحك للمنهاج بعدك من يقري # أبا حسن من للمنابر قارع %~% يساقط وعظا في المسامع كالدر # أبا حسن من للبراعة مورد %~% بكل مقام مورد البيض والسمر # أبا حسن من للفصاحة مفلق %~% يجيد المعاني الغر في النظم والنثر # أبا حسن من للقضايا وفصلها %~% يميز محض العرف منها عن النكر # أبا حسن من للجيوش وبعثها %~% يعود لها حسن السياسة بالنصر # أبا حسن من ذا نراه إذا احتبى %~% بمجلسه في ذلك القصر كالبدر # ومن حوله آل المؤيد من أخ %~% ومن ولد في الدار كالأنجم الزهر # ومن يلتقي الخلان حين يراهم %~% بوجه طليق ظاهر النور والبشر # وما أنس لا أنسى مقالك لي وقد %~% عهدتك في ذا الشهر لا كان من شهر # وذلك قبل الموت في ظن خاطري %~% بعشر ليال أو أقل من العشر # إذا ناب أمر يا محمد فادعني %~% فإني لك الدنيا على نوب الدهر # ولم يك هذا من أياديك أولا %~% فكم لأبي بكر عوان ومن بكر # فلهفي على ما كان بي إن قصدته %~% وأطلعته دون الأنام على سري # حفا وفيا معطيا ما سألته %~% وإن لم أسل أسدى وما أحد يدري # ويطلب مني الرأي والناس كلهم %~% بآرائه يستصبحون من الغدر # ولكن لفضل المرء والرتب التي %~% تسنمها لا ينقص الجل من قدري # وكم قد حكى علمي وأطرى تأدبي %~% وأعجب من حفظي ودون من شعري PageV03P072 فحزني على من كان لي متبححا....كمثلك عز الدين باق إلى الحشر # وما ضرني قول الحسود بأنني....لنسلك لا أرعى الوداد مدى عمري # ولم يدر أني في محبة حيدر....وأولاده قد همت مثل الفتى العذر # فمن مبلغ آل المؤيد أنني %~% شريكهم والله في الحلو والمر # كذلك من حولي من الصحب كلهم %~% فيالك من صحب جحاجحة غر # فإنهم في رزئكم قد تشاركوا %~% وواسوكم في ذلك الغم والكسر # ومدوا بساطا للمآتم والعزاء %~% ولكنه درس المصاحف والذكر # فجازاهم الرحمن خير جزائه %~% وحاطهم في كل وقت من الشر # ويهنيك يا عز الأئمة والهدى %~% جوارك بالآباء ms487 والفوز بالأجر # حميدا سعيدا مثل أهليك رتبة %~% وذبا عن الدين الحنيف لذي الكفر # وسوف تلاقيهم هناك بجنة %~% بها كل نهر بالذي تشتهي يجري # وهذا هو الفوز العظيم وإنه %~% ليعدل ألفي ألف من ليلة القدر # عليك سلام الله ما هبت الصبا %~% وما بات برق فوق مشهدكم يسري PageV03P073 ولنقبض عنان القلم على الجري في هذا اللقم، لأن استيفاء جميع ما خط هذا ~~الإمام، وما رقم وما نثر وما نظم، يستغرق منا مجلدات ضخمة، يخرجنا إلى خلاف ~~ما بنينا عليه هذا الشرح من اختصار كل حكمة، فلنعد إلى ذكر تعداد أولاده ~~-عليهم السلام-، فأول من ولد له الإمام القمقام، علم الأعلام، وحجة الله ~~على الأنام، شرف الدين، أمير المؤمنين: الحسن بن أمير المؤمنين، ثم السيد ~~الأفضل، طراز المجد الأطول، شرف الدين: الحسين بن أمير المؤمنين، ثم السيد ~~[الأوحد، الأفضل] الأمجد، شمس الدين: أحمد بن أمير المؤمنين ثم السيد ~~الأجل، رفيع القدر والمحل، صلاح الدين: المهدي بن أمير المؤمنين، فهؤلاء ~~الأربعة أمهم وأم أختهم الشريفة، الفاضلة: مريم بنت الإمام عز الدين، ~~الشريفة، المكرمة، المعظمة: فاطمة بنت عبد الله بن صلاح بن محمد بن الحسن ~~بن زيد، ومن أولاد الإمام السيد، الصدر، فخر الدين عبد الله بن أمير ~~المؤمنين، وأمه وأم أخته، فاطمة بنت أمير المؤمنين الشريفة، المكرمة: بدرة ~~بنت الحسن بن محمد بن صلاح، وهو من أخوال الإمام عز الدين الذين هم آل زيد، ~~ومن أولاد الإمام المذكور الموجودين بعد السيد، النجيب، المهذب، الأديب: ~~صلاح بن أمير المؤمنين أمه شريفة من الشرف، واسمها: وسنا بنت محمد بن أحمد ~~العلوي، وقد أخبرتك أن أشعار الإمام عز الدين قد ملأت دواوين، وأن منها ~~ترثية لحي والده السيد، الصدر، الأجل، صاحب الرئاسة العامة، والذي كان في ~~عصره الشامة في كرماء أهل البيت والعلامة، وهي من جيدات المراثي، ولما ~~أنشأها الإمام، وتداولها الخاص من شيعته وقرابته والعام. PageV03P074 # قال لي: يا فلان، ما نكره شرحها، فقد نظمت [في] ذلك مدة السيد، وأحواله في ~~سيادته، وتعديد قرابته وغير ذلك، فامتثلت ms488 رسمه، ونفذت حكمه، وشرحتها شرحا ~~لطيفا، وسميته: (الرسالة الناطقة لشرح معاني المرثية الصادقة)، فلما وقف ~~-عليه السلام- على هذا الشرح استجاده، وأمر بنسخه نسخا متعددة، وكساني وأهل ~~بيتي تكرمة لائقة، وعلى حسبما يريده منه مطابقة، وقد تقدمت هذه الترثية في ~~هذا الشرح في آخر الكلام على مضمون ترجمة الإمام، الأوحد: علي بن المؤيد، ~~فإني ذكرت ولده الحسن -عليه السلام- هناك، فاعرفه موفقا. [إنشاء الله ~~تعالى]. PageV03P075 ### | [دعوة الإمام الحسن بن عز الدين بن الحسن ] # فلما مات -عليه السلام- وكان ولده الإمام الحسن يومئذ غائبا في كحلان تاج ~~الدين سار البريد [إليه] يعلم بموته، فوصله يوم ثالث وهو يوم الإثنين أو ~~الثلاثاء، فحشد أعيان أتباعه، وأهل تلك البلاد، [ومن حضر من أشياعه]، ~~فاعلمهم بذلك، فأصابتهم مصيبة على غفلة [وروعة]، وضاقت عليهم الأرض بما ~~رحبت، وأعزوه في تلك الجهات جميعها، ثم عول عليه من عول في القيام، فلما ~~كان يوم الجمعة وهو [يوم] ثامن موت أبيه وهو تاسع وعشرين من رجب المذكور، ~~دعا إلى الله سبحانه في كحلان تاج الدين، وبث دعوته في الآفاق، ووصلت دعوته ~~صعدة، وقد كان انعقد الصلح بين الأمير محمد، والإمام عز الدين مضمونه ~~الهدنة من الفتنة قدر عشر سنين، فقام الإمام الحسن وقد [كان] مضى منها قدر ~~خمس سنين، فحين وصلت دعوته صعدة فرح بها الأمير، وقرروا ذلك الصلح، وزاد في ~~مدته خمس سنين، وأثبتوا للإمام الحسن الخطبة في صعدة، ولم يفعلوها لأبيه من ~~قبله، بل كانت لابن يوسف كما تقدم، وأما السكة فهي للأمير في عصر الإمامين ~~المذكورين، وفي خلال ذلك أطاعه جل الشيعة، وواجهه إلى كحلان عدة منهم، ~~فأنصفهم وأعطاهم عطاء جزيلا، واستمر الناس يفدون إليه من كل جهة، ويرجعون ~~مطيعين سامعين، خلا جماعة من آل المؤيد، فإنهم وصلوا إلى هناك وأنصفهم، ~~ورجى منهم بيعة، فتعنتوه وراوغوه، فعلم بهم جماعة من شيع المغارب، والجهة ~~اليمنية، فراسلوهم ومرضوا الأمر، وكثر ظهور الاختلاف، وأعمل القاضي محمد بن ~~أحمد بن مظفر الحيل في توقيف من علم به إرادة النهوض إلى PageV03P076 الإمام الحسن ms489 ومناهم التماني، وقد كان وقع بينه وبين مولانا الإمام معاداة ~~في عصر الإمام عز الدين على زكاة بلاد كانت موجهة للقاضي، فما زال ذلك من ~~قلب القاضي، وقد عوضه الإمام في حياته بأكثر مما أخذ عليه، فلم يفد ذلك، بل ~~أضمر العداوة للحسن، فلما دعا عانده، وشوش القلوب عليه وأمرضها، فأفسد عليه ~~أجزل أموره، وما زال يضارره ويعانده، حتى كان قيام الوشلي بسبب معاندته كما ~~سيأتي، فأما الجهة الصعدية وبلاد خولان، وأكثر بلاد القبلة، فأطاعه أهلها، ~~وبايعوه، [وشايعوه]، وأقيمت الجمعة بصعدة، وكانت القضاة تصدر وتورد عن ~~ولايته ما اختل عليه خلل إلا معارضة عمه صلاح وأولاده [له] في بلاد خولان ~~وفللة؛ فإنهم آذوه وآذاهم، وما زاد وسعهم المشهد المبارك، بل نزل عمه صلاح ~~إلى الحظيرة حل بها هو وأولاده، واتفقت بينهم فتنة كبيرة، وحلل الإمام ~~[الحسن] دورهم رتبا [بحيث أنه ما زاد أيهم أمن يصل المشهد]، ولما دعا الو ~~شلي بايعوه وقالوا به ووصلوه، وأقطعهم بلادا من الشرق، وكساهم وركبهم، ومن ~~حين دعا الوشلي قلت محاصيل الإمام الحسن من بلاده تلك، فأفنى ما كان قد ~~جمعه حي والده من بيوت الأموال؛ لأنها بقيت معه حصون أبيه صرف عليها من ~~داخل، وتدارى بها القبائل، والبلاد التي تحت هذا العهد مال أهلها إلى ~~الوشلي؛ فوهب لكل ما تحت يده من الواجبات، وبعضها استكفت به الشيعة ~~المنحرفون عن الحسن، فأتعبه ذلك وأذهب ما في يده، وجاهد مجاهدة كبيرة، وأمر ~~إلى شيعته الذين بصعدة ويسنم وغيرهم، فخرجوا إليه إلى السودة مخرجا كبيرا، ~~وذكروا الناس، وعرفوهم PageV03P077 حق الإمام، وأنه السابق، ووعظوهم، وكرروا ذلك، ودخلوا الأسواق، وكتبوا إلى ~~صاحب صنعاء وغيره، فما أثر ذلك كل الأثر، فصبر مولانا -عليه السلام-، ومن ~~صبر قدر، وفي خلال ذلك أخذ عليه بعض الحصون التي كان والده قد قبضها، مثل: ~~حصن يسمى المرخام، وحصن يقال له: الجميمة في بلاد قحطان، وراح عليه السود، ~~وكان قد ولى واليا على كحلان الشرف، وهو شريف من أهل غربان يقال له: حمزة ~~بن الباقر، ms490 فكتب إلى الإمام يستمده على محطة حوله من عسكر الوشلي، فسار في ~~جماعة واحتال حتى دخل الحصن، ورام نصرة واليه، وطرد المحطة من حوله، ~~والوالي كان منه أن قال [له] : قد اكتسر لي عليك جوامك كثيرة، ولا آمن أن ~~تسلم الحصن وتبيعه، وتقبض ثمنه، وأخرج بلا شيء، فاختر إما سلمت لي ما قد ~~انكسر عليك وشأنك بحصنك، وإلا سلمتك إلى يد خصومك وأخذت ثمنك وثمن الحصن، ~~وتهدده وتوعده، وضمره هو ومن معه من النفقة أياما، وإن أنفقهم فمن شيء يسمى ~~الكناب ما قدروا يسيغونه لقلة الاعتياد لأكله، فاضطر الإمام إلى بيع كحلان ~~[المذكور] بجملة دراهم، واستغرق أكثرها هذا الوالي [في] منكسرة، وخرج من ~~الحصن وقد سلم للوشلي هو وحصن المفتاح، وكان في ذلك أمور كبار، منها: أنه ~~ترفق له هو وأصحابه من أولئك القبائل، وممن كان مع الوشلي من جند صنعاء ~~كبعض أولاد شارب؛ فإنه رفقهم حتى أطلعهم حصن مدوم، وأصحابه أحباب للإمام ~~وصهور، فلما أمن معهم أنشأ رسالة هناك وصف فيها ما جرى عليه من واليه ~~الأعيب حمزة بن الباقر نثرا ونظما، وأمر بها إلى صعدة وغيرها، فنقلت وهي ~~موجودة عندي تركت إيرادها هنا PageV03P078 لطولها، وغرضي الاختصار، فمن أحب مطالعتها فهي موجودة في أيدي جل الإخوان. # ولما رجع الإمام إلى الجهة الشامية بعد تسليمه لكحلان المذكور، استرجح ~~طيافة الجهة الشامية مثل: القبضة، والعرين، والحرجة، وتلك النواحي في آخر ~~ذي الحجة [من] سنة اثنتين وتسعمائة، فعول على عدة من السادة والشيعة في ~~المسايرة له إلى هناك، فسرنا معه فلبثنا من يوم سرنا إلى أن رجعنا قدر ~~أربعين نهارا، وما وافقنا أحد من أهل تلك النواحي إلا فأطاع وبايع، وصارف ~~دون جماعة أشراف في بلاد راحة، فإنهم قالوا: قد ظهرت المعارضة من الوشلي، ~~ونحن نتوقف حتى تجتمع الكلمة، ولما رأيت اجتماع القبائل في يوم جمعة في سوق ~~الحرجة، أنشدت قصيدة فريدة ذكرت فيها الإمام، ومن أطاعه من أولئك القبائل، ~~ومدحتهم، ومجدتهم، فوقع لها موقع عظيم، وانثال الناس بعد سماعها إلى جانب ms491 ~~الإمام -عليه السلام-، وهو من كثرة إعجابه بها أمر بها بريدا طاف بها على ~~أهل يسنم، والمثة، وصعدة، وفللة، وساقين، ثم أمر بها إلى صنعاء فقريت في ~~الجامع، وعاد البريد مخبرا لموقعها في تلك الجهات وتناقلها، وهي [هذه] : # لوائك منصور وبرجك طالع %~% ووجهك وضاح ونورك ساطع # وفضلك مشهور وكعبك معتل %~% وحلمك ممتد وطيشك شاسع # وعلمك معروف وجودك شامل %~% وعفوك مرجو وصدرك واسع # وأنت الذي اختبر الرجال سماحة %~% وجودا إذا هب الرياح الزعازع # وأنت الذي لم تنظر العين مثله %~% صلاحا ولم يسمع بمثلك سامع # خرجت على اسم الله من أرض يسنم %~% تبادر في نعش الهدى وتسارع PageV03P079 يحفك من آل النبي عصابة %~% كرام وأشياع بدور طوالع # وأجناد صدق من بكيل وحاشد %~% ومذحج في الهيجاء سيوف لوامع # فوافاك بالترحيب كل قبيلة %~% تضيفك أبشاشا وبعد تبايع # جماعتهم من آل نصر وبعدهم %~% رجال سحار كل من هو شاجع # ووادعة الأمجاد من آل مرحب %~% وسنحان ما سنحان إلا سمادع # وجاءك تهوي من عبيدة عصبة %~% جميعهم للخصم كالسم ناقع # إلى أن حططت الرحل عند قبيلة %~% لها كل يوم في الرقاب صنائع # شريف شريف شرف الله قدرهم %~% وحاطهم من كل سوء بواقع # فهم روس قحطان بن هود وصيتهم %~% بكل بلاد ماله قط دافع # وأكرم بجهمين بن داود إنهم %~% لشيخ جليل للرئاسة جامع # وفي آل بشر قد نزلت وخيمت %~% خيامك حولي من له الله رافع # فإن بني بشر أسود ضراغم %~% وأسياف صدق في الحروب قواطع PageV03P080 يحوطون من أضحى نزيلا بسوحهم %~% كما حفظت بين الكرام الودائع # وزانهم من آل زيد عصابة %~% كما زينت كف الكريم الأصابع # قضاة كأمثال النجوم إنارة %~% وهديا إذا زل الغوي المنازع # هم عرفوا حق الإمام وأخلصوا %~% ودادهم حتى استفاد المراجع # وما غفلوا عن أخذ أوثق دينهم %~% ولا كان منهم في التوثق خاضع # فلما دروا أن الطريق منيرة %~% ووجه الهدى ما سترته البراقع # أجابوا الندا من غير لومة لائم %~% وأحيوا منار الدين قصدا وطاوعوا # فجازاهم الرحمن خير جزائه %~% ولازال منهم للإمام مشايع # فطاعته حتم على كل مسلم ms492 %~% يرى أنه يوما إلى الله راجع # لأن ابن عز الدين أفضل من مشى %~% على الأرض وانظمت عليه الأصابع PageV03P081 ### | [دعوة الإمام محمد بن علي الوشلي] # تنبيه. # ومما يتصل بقول الناظم [-رحمه الله تعالى-] : # وذا زمانك فانظر في حوادثه %~% فالوصف يقبح للمحسوس بالبصر # منها قريس وتفقو إثرها علب %~% وعرقب وهي دهياء الصم والعبر # عمت بفتنتها خصت بمحنتها %~% كل الخلائق من بدو ومن حضر # وقد ذكرت طرفا مما كان في الثلاثة المواضع وتوابع ذلك، ونلحق به خبر دعوة ~~مولانا المنصور بالله: محمد بن علي بن محمد بن أحمد الوشلي من ذرية ~~السراجي، وقد تقدم تدريج نسبه [إليه]، وأنه من ذرية الحسن بن زيد بن الحسن ~~بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -عليه السلام-، فإن هذا دعا عقيب دعوة ~~الحسن بن عز الدين بقدر ثلاثة شهور في وادي ظهر من بلاد بني الحارث من ~~أعمال صنعاء، وكان مبرزا في جميع العلوم، ولازم الإمام عز الدين في فللة ~~وصعدة وغيرهما، يحمل العلم الشريف، وله في أصول الدين مصنف لطيف، ولما تضلع ~~من العلوم، انتشر ذكره في الآفاق، وغطى في السخاء والكرم على أكثر أهل عصره ~~وفاق، فكان لا يحفظ درهما ولا دينارا ولا ملك خزانة لبيت المال، وإنما كان ~~صندوقه بيت مشطه وهو في عمامته، فما أحقه بقول بعضهم: # لا يعرف الدرهم المنقوش صرتنا %~% لكن يمر عليها وهو منطلق # وقوله : # وكان للمال في كفيه أجنحة %~% فإن يقع منه شيء فيهما يطر PageV03P082 ومن كثرة سخائه الذي أقل ما في يده أنه لم يعمر له دارا، ولا غرس غراسا، ~~ولا قنى عقارا، ولا تزوج على أم ولده يحيى غيرها، بحيث أنه في هذه الخصلة ~~أشبه عيسى بن مريم -عليه السلام- إذ لم يضع لبنة على لبنة، ولذلك قال به ~~أكثر الزيدية في جهة اليمن، فلا يستثنى إلا من قد بايع الإمام الحسن من ~~شيعة صعدة، وأرض خولان، وقد كان -عليه السلام- دخل صعدة [في] أيام سيادته ~~وحج منها، ثم عاد منها إلى بلاد ذمار أقام بها زمانا يفيد ms493 الطلبة العلم ~~الشريف حتى وقع منه في جانب عامر معارضة، ومكاتبة إلى صنعاء، ووقف له على ~~كتاب فيه الأذية لهم، وينسبهم إلى الجبر والتشبيه، فأخافوه، وأهموا ~~بالوقيعة به، فتركوه لمنصبه وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. PageV03P083 # فانتقل إلى صنعاء فازدادت محبته في القلوب لكونه باين بني طاهر عكس مولانا ~~الحسن فإنه والاهم، وحالف عامرا على حرب صنعاء وغيرها، وقد كان الحسن بعد ~~أن دعا تقدم من كحلان تاج الدين إلى فللة، فلما بلغته دعوة الوشلي [رجع] في ~~العشر الأواخر من شوال لما وصلته كتب من أوليائه يحثونه على الوصول، ~~ويخبرونه أن حصن الجميمة قد أخذه أهله، وهم لا يستبعدون تقوي الوشلي على ~~تلك البلاد، فرجع إلى السودة، ووقف بها أياما، ثم كتب إلى من [قد] بايعه من ~~شيعته وغيرهم يستدعيهم إلى عنده، فخرج من صعدة، ويسنم، وساقين وغيرها من ~~نواحي جهاته الشامية جماعة كثير قدر سبعين من أهل العلم، فيهم من بطون ~~الشرف قدر ثلاثين، فوافوا السودة يوم ثامن عشر من محرم، ووقع باجتماعهم ~~أمور معجبة للمحب، وموغرة لصدور المجانب، ثم تعقب وصولهم إليه وصول القاضي ~~العلامة: محمد بن أحمد بن مرغم من صنعاء في عصابة قدر أربعين، أكثرهم ~~أعيان، فوقف الجميع عنده قدر شهر ينصون على أن المعارض مبطل، وأن من اتبعه ~~غاو لسبق غيره عليه بالدعوة، وكتبوا بذلك إلى الجهات، وهيهات!! ما أثرت تلك ~~العظات، ولا أحدثت إلا الكلم المحبطات الصادرة من شيع تلك الجهات، وفي خلال ~~ذلك وقعت أشياء من القبائل والعوام المائلين إلى جانب الوشلي، وهنت أمر ~~مولانا الحسن، وطرقوا له في البلاد لكراهتهم ولاية آل المؤيد؛ لزعمهم أنهم ~~أقصياء على الزكاة وجمعها، والوشلي نفس لهم في قبضها، وأقطع الشيع جميع تلك ~~المخاليف، فحصلوا على دقيقها وجليلها، فكان ذلك عونا للوشلي على الاستيلاء ~~على نواحي كثيرة مما قد كان [قد] PageV03P084 تمكن منها الإمام عز الدين، فملك السود، والعدنية، وبقية حصون جميمة سخدا ~~تملكها أهلها لنفوسهم، وكذلك حصن المرخام في بلاد بني شاور، فلما ms494 استولى ~~مولانا الوشلي على هذه البلاد عاد إلى ثلا، فلقي في طريقه [أهل] حصن يقال ~~له: حجر سعيد، لبعض الاسماعيلية. # قالوا: وكان صاحبه من قطاع الطريق، فأخذه عنوة، وأخربه هو وجنوده، وقتلوا ~~هذا الوالي الظالم، ورجلا آخر معه، فتقوت هيبة الوشلي في قلوب الناس، وأحبه ~~من كان له إليه التفات، وفي أوائل شهر رجب من هذه السنة وقع اتفاق بين ~~الحسن والوشلي في بعض [بلاد] الشرف قريبا من مدوم وقفا يتراجعان في الوجه ~~المسوغ للمعارضة، ويذكران أن الأولى الانقياد للشريعة يحييان ما أحيته، ~~ويميتان ما أماتته قدر نصف نهار، فما وقع من أيهما تسليم للثاني، فرجع كل ~~منهما [إلى مكانه]، فالوشلي بقي حاطا على كحلان على حاله، وأمره يتقوى حتى ~~بلغنا أنه أخذ ثلاثة حصون هناك، ثم بعد ذلك ارتفع بمحطته لأنه قطع بعدم ~~قدرته على أخذه في تلك الحال، وقد وقف عليه قدر ثلاثة أشهر، ثم بعد مدة ~~شراه بمال كثير، وأرسل إلى صنعاء يعلمهم بذلك، وكذلك مولانا الحسن كتب إلى ~~فللة يخبرهم بطرف من ذلك، ويعتذر بأن الملجئ إلى بيعه كثرة مؤنه وجوامك ~~رتبته وعدم المدخول فرأى المصلحة في بيعه، ثم انتقل منه إلى مدوم، ووقف به ~~إلى بين العيدين، ثم انتقل إلى الميقاع وفي شهر ربيع الآخر من سنة خمس ~~وتسعمائة نهض الوشلي من ثلا إلى جهة اليمن، فوصل إلى بلاد سنحان من أعمال ~~صنعاء مريدا لغزو ذمار وهي لعامر، وقد كان بعض جند عامر مراكز للوشلي، PageV03P085 وحاطا على حصن هداد، وهو لبعض الأشراف الحمزيين، فلم يشعر الوشلي حتى هجم ~~عليه بعض ذلك الجند نصف النهار، فانهزم -عليه السلام- وانتهبت محطته الجميع ~~من خيام، وخيل، وسلاح، وما خرج إلا فارا على قدميه، وأسر من جيشه قدر سبعين ~~أسيرا، منهم صاحب بكر، وبعض أولاد الأمير: عبد الله الحمزي وقتل من جنده ~~حوالي عشرين قتيلا، وحزت رؤوسهم، ثم رجع مولانا الوشلي إلى ثلا، ثم تقدم ~~منه إلى الشرف، واتفق هو والسيد: صلاح بن الحسن بن علي بن المؤيد على حصار ms495 ~~حصن الدير، لأن واليه واسمه: الحاج أحمد تغلب عليه، وكان فيه من أيام ~~الإمام عز الدين فلا هو سلم للحسن، ولا للوشلي، فحاصراه قدر شهرين، فلم ~~يتمكنا منه وارتفعا عنه. PageV03P086 # ولما حط عامر بن عبد الوهاب على صنعاء المحطة الأولى أغار الوشلي هو ~~والأمير: محمد بن الحسين عليها، واتفقا حوالي ثلا، وقد اجتمع معهما خيل ~~كثير قدر خمسمائة فارس، ووقع من أكثر الزيدية حمية على صنعاء وأهلها، فلما ~~كان يوم الإثنين سادس محرم من سنة ثمان وتسعمائة [سنة] اتفقت وقعة كبيرة في ~~قاع صنعاء، كان الظفر فيها للزيدية استغنى الفليس من طمع عسكر عامر، وتنفس ~~أهل المدينة بتلك الغارة، فخرج منهم من خرج [في] تلك الساعة، وازدحموا على ~~يدي الإمام والأمير وأرجلهما، يقبلونهما لقطعهم بأنه ما حصل الفرج إلا ~~بغارتهما، وارتفعت كلمة المذهب الزيدي ولاحت أعلام النصر، وقرأ القارئ : ~~{كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله }[البقرة :249] فاحتاز عامر ~~وعسكره في جبل نقم، فلم يزل يراسل، ويطلب الأمان، ويترك يرجع بلاده، وغلت ~~عليهم الأسعار حتى بلغ ثمن القرص قفلة فضة، وشربة الماء قريب ثلثي قفلة، ~~بقوا على ذلك من الإثنين إلى الإثنين قدر ثمانية أيام، وقد كان رأي الإمام ~~وأهل صنعاء [على] محاصرته، وأما الأمير: محمد وولده فربما أنهما ما كرها ~~التغافل عنه، وأخذ مال منه كثير ورهائن عرضها وتعديل حصون في هدنة مدة ~~طويلة أو قصيرة فيها يسكن كل في بلاده. PageV03P087 # وقيل: إنه عرض أنه يرد بلاد الزيدية التي قد استولى عليها الشوافع كذمار ~~وما حولها، فوقع النزاع في ذلك بين دولة صنعاء، ودولة صعدة، فأما عامر ~~فاستغنم في حال الخوض، وأخذ في إعداد أهبة الفرار، ففر هو وعسكره وتحملوا ~~ما خف وأحرقوا من أموالهم ما ثقل كالغراير، والمنجنيقات، وأكثر الخيام، ~~وأحمال قوة قد كانوا استولوا عليها من أموال تجار صنعاء. # وحكي لنا: إنهم أحرقوا بزا كثيرا، وكان مهربهم عند طلوع الشمس، وقد باتت ~~نيرانهم تقد طول الليلة، فلحقهم بعض عسكر الإمام وبعض أهل صنعاء، فنهبوهم، ~~وقتلوا ms496 جماعة منهم، ولولا الله سبحانه [وتعالى] وعروض مطر جيد وفيه بعض شيء ~~من البرد حال بينهم وبين من لحقهم، وكان ذلك ببلاد سنحان عند قرية يقال ~~لها: الجرداء فوقف اللاحقون لهم، فلما وصل عامر ذمار بعد انكساره أمر بهدم ~~ذمار ما خلا مساجدها وبعض السماسر، وأتعب الزيدية الذين حول ذمار، ومن ذلك ~~اليوم انتقلت العمارة إلى الجراجيش. PageV03P088 # وأما الإمام والأمير محمد فإنهما وقفا بصنعاء مديدة على عز وإنصاف، ثم رجع ~~الأمير إلى الزاهر، فأقام الخطبة هناك للوشلي، وأمر بذلك إلى صعدة، فأقيمت ~~له أيضا بمسجد الهادي -عليه السلام-، وتولى القضاء بصعدة القاضي محمد بن ~~أحمد بن حابس، وعزل عبد الله الذويد، وخطب له أيضا بصنعاء وتولى القضاء من ~~جهته بعض بني النحوي، وعزل سيدا كان بها حاكما من جهة [محمد] بن الناصر، ~~وحضر الجمعة بصعدة جميع شيعة صعدة بعضهم رغبة وبعضهم رهبة، فالذين حضروا ~~رهبة بنوا على المنافاة للإمام الحسن؛ لأنهم بايعوه، وفي هذه السنة في ~~شعبان منها نزل الإمام من صنعاء إلى الجوف في عسكره، فيهم أحمد بن الناصر ~~وغيره من الأشراف وعيال أسد يريد الأمير يحرب بهم إخوته عبد الله وحميضة، ~~ومن في جانبهما في معين من شريف وعربي فرجح الإمام الخوض بينهم في الصلح، ~~فارتبط الصلح وتحرر، ففرح الناس بذلك، وجاءت البشرى إلى صعدة، ثم تقدم ~~[الإمام] [-عليه السلام-] إلى صعدة بعد أن فسح لأكثر من سايره، ولم يبق معه ~~إلا من يدور عليه أمر المخرج من وزير وخادم شربه وبعض السادة والشيعة الكل ~~مقدار مائة نفر، فدخل صعدة يوم الجمعة سابع وعشرين من شعبان، فلقيه أهل ~~صعدة إلى خلف بلاد العبديين، وكذلك أكثر من حول صعدة من البوادي حتى أن ~~الناس من كثرتهم سقط منهم من سقط، وقام من قام من شدة الزحام، فلم يصله ~~أكثرهم في تلك الساعة، وما منعه من زحمة الناس إلا أهل الخيل على ظهور ~~خيلهم، فلما جاوز بئر جوحل صلى بالناس هناك صلاة الجمعة وتبارك به من لم ~~يكن قد اتصل ms497 به، ثم تقدم إلى مسجد الهادي PageV03P089 -عليه السلام- وصلى بالناس فيه العصر، وكان يوما مشهودا سعيدا، ثم خرج إلى ~~بيت قد أعده له الأمير: أحمد بن محمد وأضافه تلك الليلة هو وعسكره ضيفة ~~سنية، ثم تلاه غيره ممن بصعدة ووقع بينه وبين أكثر شيعة صعدة اختصاص وصفا ~~[و] وداد، واختلفوا إلى حضرته حتى أتباع [الإمام] : الحسن، وأحبه أهل ~~المدينة حبا مفرطا رجالهم والنساء، وتبركوا بطلعته السعيدة وكثرت نذوره، ~~[ولكنه] ما تصرف منها في قليل ولا كثير بل كان ما دخل يده أخذه الأول، فوقف ~~على ذلك في صعدة إلى يوم الأربعاء رابع عشر ربيع الآخر، ثم سار وسايره خيل ~~كثيرة من أهل القبلة أمر لهم الأمير: محمد، فلما وصلوا هم والأمير الزاهر ~~ذكر له الإمام من جهته تمام الصلح بينه وبين إخوته ففهم أنه قد تغير، فضاق ~~الإمام من ذلك هو وغيره من المسلمين فتوجه إلى اليمن، فكان مدة إقامته ~~بصعدة قريب من ثمانية أشهر، وفي الزاهر [قريبا] من أربعة، ولما حط عامر على ~~صنعاء المحطة الثانية أول شهر جمادى الأولى من سنة عشر [وتسعمائة] بمحطة ~~كبيرة مثل الأولى وأكثر، وانضم إليه أشراف معين، فأما الإمام محمد، والأمير ~~محمد، فقالا: أرواحنا وأموالنا على صنعاء ومن فيها صدقة، إذ أخذها يؤدي إلى ~~هلاك هذا المذهب الشريف، فالتقيا إلى الظاهر في شهر رمضان الكريم، وتقدما ~~نحو صنعاء وانتظرا مجيء مادة تقبل من صعدة يصل بها الأمير أحمد بن محمد أو ~~يأمر بها غيره، وقد كانت عنده في صعدة والمخلاف، [وهي] قدر مائتين وخمسين ~~فارسا، فلما أيسا من المادة تقربا من صنعاء، فأشار عليهما من أشار أن يأتيا ~~من طريق شرقي PageV03P090 نقم، ولا يقربا صنعاء، وتلك الطريق تخرجهما إلى حوالي حصن كبن ليكون لهما ~~ظهرا، ثم يبرزان على محطة عامر من جهة ضبر حدين وبيت بوس، والطريق هذه ~~[طريق] وعشة على الخيل، فلما نزلا فيما ذكر حوالي حمراء علب يريدان السبق ~~إلى بيت بوس، أقبلت عليهم أوائل عسكر عامر فمنعوهم المضي بمقصدهم، فوقعت ~~هناك ms498 الوقعة الكبيرة التي اشتهر فيها [الأمير] محمد بن الحسين، فإنه قاتل ~~أولئك العساكر وحده من وقت الغداء إلى بعد العصر بكثير، وكان ما جاء لمن ~~معه ومع الإمام من العسكر قلوا، وما جاء لعامر [ومن معه] كثروا، وبقي ~~الإمام يقاتل في موضع آخر قتالا يحق لمثله، فلما عرف الأمير [محمد] قلة من ~~معه أوصاهم بالاجتماع بين يديه معا، ثم أقفى هو وهم إقفاءة واحدة، ومن مال ~~عنه يمينا أو شمالا قتل أو سلب، ومن سار بين يديه دافع عنه حتى أبلغهم ~~مأمنهم. PageV03P091 # وأما الإمام -عليه السلام- فاستولى عليه عامر لزما هو وولده، وقتل ممن ~~حواليه قدر أربعة أو خمسة، وأخذت المحطة أجمع: خيامها، وخيلها، وجمالها، ~~يكفيك أنه لم يبق قليلا ولا كثيرا إلا ما سار به الأمير، ومن سار سيرته من ~~بني حمزة، وأهل الشام، وكانت الهزيمة يوم الثلاثاء خامس عشر شوال من سنة ست ~~عشرة وتسعمائة ووصل الأمير ومن معه الزاهر آخر نهار الجمعة وهو رابع ~~الكسيرة، وبلغ الخبر إلى صعدة يوم السبت لم يعلم [بذلك] إلا الخواص، وانتشر ~~[الخبر] يوم الأحد، فضاق الناس في صعدة ضيقا كبيرا -خصوصا- من لزم الإمام، ~~وبكى من بكى، ووقع في المدينة فشيعة عظيمة، وبقينا ننتظر ما يخلف ذلك، فمن ~~الناس من تجلد، وبنى على أن صنعاء توثق، فيما يعاود الأمير التجنيد والنصرة ~~لأهل صنعاء، فما حال الأسبوع من يوم الهزيمة حتى وصل من أخبرنا باستيلاء ~~عامر على صنعاء يوم الإثنين سابع يوم الهزيمة، ولما أسروا الإمام حبسوه ~~وقيدوه، وفي خلال ذلك عرض له -عليه السلام- ألم مات منه إلى رحمة الله، ~~فقيل: إنهم سمموا له، وقيل: غير ذلك، وكان بين أسره وموته ثلاثة أشهر، فلما ~~مات -عليه السلام- فقد حميدا، شهيدا، سعيدا، [و] دفن مع جده السراجي بمسجد ~~الأجذم بصنعاء، ووقع مع أكثر الزيدية بل مع أكثر من يعرفه أو يسمع به من ~~موالف أو مخالف وجد عظيم وحزن جسيم، مقعد مقيم، [وولده يحيى خرج من الحبس ~~وسلمه الله، ولا عقب له إلا هذا الولد، وأخت]، ms499 وما أحد من مشاهير صنعاء أحب ~~أن يتظهر بحزن عليه، ولا حضر جنازته إلا من لا ينظر إليه، فالله حسب متولي ~~لزمه، وأطفي نور فضله PageV03P092 [وبركته] وكرمه، فما أحقه بما قيل: # أرادوا ليخفوا قبره عن محبه %~% فطيب ثراء القبر دل على القبر # وهذا دأب أئمتنا،الفضلاء النبلاء، {ليبلوكم أيكم أحسن عملا } [الملك: 2] ~~وتوفي وقد بلغ من العمر قدر خمس وستين سنة تقريبا، لأنه أخبرني مشافهة أنه ~~من أنداد حي الإمام عز الدين، وعز الدين -عليه السلام- عمر خمسا وخمسين ~~سنة، ومات كما تقدم سنة تسعمائة، وعاش من بعده الوشلي قدر عشر سنين، وهذه ~~المدة هي مدة خلافته، وخلف من ذكر وهو السيد، الأفضل، [الأنبل] : يحيى [بن ~~أمير المؤمنين]، أسر مع أبيه، ووقع به جراحة عظيمة سلمه الله من الموت ~~منها، وقد كان عامر أطلقه يوم دخل صنعاء، ثم عن له لزمه وأنزله اليمن مع من ~~أنزله من الأشراف المأسورين، وخلف الإمام فيما اعلم من البنات واحدة توفي ~~وهي مزوجة، وقد كان -عليه السلام- من أهل الكمال في جميع العلوم، والفصحاء ~~في الأشعار، فمن [ذلك] قوله عليه السلام في شأن محطة عامر الأولى: # أمثلي من يطيب له المنام %~% ويهناه الشراب أو الطعام # وصنعاء المدينة في بلاء %~% أحاط بسورها القوم الطغام # ذوو الجبر الذين لهم مقال %~% تلازمه الشناعة والملام # إلى الباري أضافوا كل فعل %~% قبيح لا حياء ولا احتشام # فإن رئيسهم رجل غشوم %~% على صنعاء يبنيه المقام # وأقسم أنه لا قام عنها %~% بغير الفتح أو يرد الحمام # وحاصرها على الأقطار أرسى %~% وفي أرجائها ضربت خيام # وذلك عامر لا طال عمر %~% له الطاغي وعاجله انتقام # كعامر الذي هو جد هذا %~% بغى قدما فأدركه الصدام # وقد ساواه في اسم واعتداء %~% كذاك القتل يشمل والأثام PageV03P093 ولسنا تاركي صنعاء لكن %~% نجيء بمابه يشفى الأوام # بجيش يطحن الأعداء طحنا %~% شبيه السيل يقدمه الإمام # وعز الدين كساب المعالي %~% أمير الشام والبدر التمام # أمير حيدري هاشمي %~% هزبر بيهس بطل همام # شجاع يفرس الأقران فرسا %~% له مجد رفيع لايرام # إذا ماراية عقدت عليه ms500 %~% فلا خوف هناك ولا اهتضام # محمد الذي حمد البرايا %~% شجاعته وقال بها الأنام # فياسبط الحسين أتى عدو %~% لنا ولكم وأنت لنا حسام # وقد صافى عدوك من قديم %~% وأعجبه التشاجر والخصام # إذا صافى صديقك من تعادي %~% فقد عاداك وانصرم الكلام # فأسرج خيل عزمك يا همام %~% وخذ بالحزم لايرخى الحزام # وحصنها بعدتها اعتمادا %~% ولا ينزع من الرأس اللجام # وخصمك قد تورط فاغتنمه %~% فهذا ساعة فيها اغتنام # فصح في الناس وادع إلى جهاد %~% لرأس الدين وهو له سنام # تجيبك حاشد وكذا بكيل %~% وخولان جميعهم ويام # وناد الخيل تأتي من سراة %~% سراة قادة نجب كرام # وإني سوف أحشد من عداهم %~% وألزم من أتاه الاحتلام # ولا أبقي سوى المعذور شرعا %~% صغيرا أو كبيرا لا يلام # انتهى ما وجدته من هذه القصيدة حال كتابة هذا الكراس، وله -عليه السلام- ~~في هذا المعنى قوله: PageV03P094 # جلبنا الخيل من سروات نجد %~% على خصم لننقم منه ثارا # نقيم الحرب في غور ونجد %~% عليه والعجاج عليه ثارا # بكل مكعب من خير عود %~% تخال سنانه في الجو نارا # وكل مهند مشطوب حد %~% يحت العظم شدخا وانكسارا # ونبل متلفات كل ضد %~% فينتثر الذي جمع انتثارا # وأسد ضاربات فوق جرد %~% إذا داروا على الخصم استطارا # بني المنصور أفضل كل جد %~% يحوطون الحقيقة والذمارا # سأطلب منهم إنجاز وعد %~% أصول على أولي هدموا ذمارا # وأقفر ربعها من كل خب %~% فلا ديار فيه ولا ديارا # وأشفي غلتي من كل وغد %~% تجبر في رعيته وجارا # وأصرع من خصومي كل خد %~% وأغسل سبة وقعت وعارا # فخلوا يا بني المنصور أرضا %~% قد امتلأت نوا حيها غيارا # بلاد هي بلاد بني أبيكم %~% لآل المصطفى كانت قرارا # وحلوا أرض يحصب إن فيها %~% مقاما لن ترى فيه غيارا # وكونوا راجعين إلى كبير %~% يسوس أموركم ودعوا الصغارا # فما يرجى لقوم قط عز %~% إذا ناوى صغارهم الكبارا # ولكن الكريم عليه عفو %~% إذا رجعوا وساروا حيث سارا # وخلو البغي إن البغي شؤم %~% على الدنيا ويعقبكم بوارا # لقد بعتم نفوسا عاليات %~% نفيسات بما يلغي احتقارا # فبيعوها من الرحمن ms501 تحظوا %~% بربح لن تروا فيه خسارا # فما ثمن النفوس سوى جنان %~% وهل ثمن يساويها افتخارا # ومن يشري من الرحمن نفسا %~% فيا نعم المشاري والمشارا # فلله الذين شروا نفوسا %~% فما ضاهت تجارتهم تجارا # فعودوا للصلاح فذاك خير %~% حذارا من تفاوتكم حذارا # فذاك خسارة دينا ودنيا %~% فلا تبقوا على ذاك اغترارا # ولبوا دعوة الداعي وقولوا %~% إليك إلهنا نأتي بدارا # فيا سبط الحسين أبا حسين %~% مليك الشام من يحمي القفارا # وإنك ناصر للدين حقا %~% بك الملهوف في الدنيا استجارا # قد الجيش العرمرم وا غتنمه %~% وحسبك صيته في الأرض طارا # ليوث من بني المنصور مهما %~% يفر القرن ما عرفوا فرارا # وأهل الشام أمجاد كرام %~% ذوو الصولات من حازوا افتخارا PageV03P095 شيوخ رفيدة وشيوخ جنب %~% وشهران ذووا قدر كبارا # وإني ناشد طلق المحيا %~% أبا يحيى الذي جبر انكسارا # مليك آزال لا زال المرجى %~% لدفع كريهة تدني التبارا # وذلك أحمد شمس المعالي %~% وبدر في الدياجي قد أنارا # هما الملكان ناصر دين حق %~% ومنتصر لمن عظم اقتدارا # [انتهى الموجود منها أيضا، وأظنها أكثر أبياتا مما هنا، والله اعلم]. PageV03P096 ### | [دعوة الإمام شرف الدين بن شمس الدين -عليه السلام-] # ومما يناسب ما هنا أنه وصل إلى صعدة في آخر شهر ربيع الآخر من سنة اثنتي ~~عشرة [سنة، وصل] إلى الأمير محمد بن الحسين، وإلى ولده أحمد بن محمد، وإلى ~~غيرهما من سادة، وقضاة، وفقهاء، ومشائخ: دعوة من أرض حجة من مولانا: شرف ~~الدين بن شمس الدين بن الإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى المرتضى ~~مضمونها أنه لما روجع السيد، الفاضل، [الصدر، العلامة جمال الدين] علي بن ~~صلاح بن الحسن بن أمير المؤمنين علي بن المؤيد -عليه السلام- في أن يقوم ~~بأمور المؤمنين منذ توفي حي الإمام [الولي] محمد بن علي الوشلي إلى هذا ~~التأريخ، فلم يفعل. PageV03P097 # قال: ولم يكن في شيعة المغارب والظواهر الذين قوموا الوشلي وقدموه على غيره ~~حيلة، ولا بقيت لهم رغبة ولا اعتداد بدعوة مولانا الحسن بن أمير المؤمنين، ~~اجتمعوا ونصبوا شرف الدين بن شمس الدين بن ms502 المهدي لدين الله أمير المؤمنين ~~يوم حادي عشر من جمادى الأولى من هذه السنة، فلما وصلت هذه الدعوة إلى ~~صعدة، وفيها الأمير محمد بن الحسين لم يعجبه ذلك؛ لأن ميله كان إلى السيد ~~علي بن صلاح، ظهر منه ومن ولده أحمد بن محمد عدم الاكتراث بذلك، بل كانت ~~سبيلا في أكثر مراودة السيد علي ومعاودته وإشياع الفضل معه مرارا وكرارا، ~~فما أسعف إلى شيء من ذلك، بل أظهر لهما ولغيرهما أنه لو كانت له رغبة إلى ~~أخذ هذه الأمور فلتة من غير اجتماع من المسلمين كافة لفعلت، فإن عندي دعوة ~~أنشأتها في الأسبوع الذي علمت فيه بوفاة حي الإمام محمد بن علي فيها حضور ~~شهود عدول، احترست بها مخافة من مثل هذه المبادرة والمسارعة التي تجلب ~~المنازعة. # قلت أنا: وكتبت هذه الفائدة الملحقة، وما اعلم ما في علم الباري مما ~~سيكون في مستقبل العمر [من هذه الأمور]، فليقع العود إلى ذكر بقية أبيات ~~منظومة السيد صارم الدين، وشرح ما سنح من ألفاظها، وبالله التوفيق. PageV03P098 ### | [الكلام في خروج التتر] # قوله: # وأصبح الناس في رهج وفي هرج %~% من دونه هرج بغداد من التتر # يعني أن الناس في صنعاء، وبلاد الزيدية في أيام فتنة قريس، وعلب، وعرقب ~~انزعجوا، واضطربوا، وتقلقلوا، وتقلبت بهم الأحوال كتقلبها بأهل المدن التي ~~خرج عليها التتر، وهم أمة من الترك، وقد يقال لهم: التتار بإثبات الألف. # قال في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: إنهم خرجوا على بلاد الإسلام من ~~أقصى المشرق مما يلي [بلاد] الصين، وكان خروجهم في أثناء سنة خمس أو ست ~~عشرة وستمائة سنة في عصر ابن أبي الحديد، ذكر أنهم من أصبر الناس على ~~القتال، لا يعرفون الفرار، ويعملون ما يحتاجون إليه من السلاح بأيديهم، ~~وخيلهم لا تحتاج إلى الشعير، بل تأكل نبات الأرض وعروق المراعي، أكثر ~~مواشيهم في أرضهم الخيل والبقر، [ومع هذا فهم] يأكلون الميتة والكلاب ~~والخنازير، وهم أصبر خلق الله على الجوع والعطش والشقاء [والتعب]، وثيابهم ~~من أحسن الثياب لمسا، وفيهم من ms503 يلبس جلود الكلاب والدواب الميتة والمسافة ~~التي بينهم وبين بخارى، وسمرقند، وجميع ما وراء النهر تزيد على ستة أشهر. PageV03P099 # وكان السبب في خروجهم: أن السلطان المسمى خوارزم شاه استولى على البلاد ~~التي بين بلاد الإسلام، وبين بلاد التتر، وقتل ملوك أهل تلك [الممالك]، ~~وكانوا حجابا على بلاد الإسلام يشغلون التتر، [ويدفعونهم، فلما فتنوا لم ~~يبق من يصبر على دفاع التتر]، وفرغت لهم الطرق، فأول ما أخذوه من بلاد ~~الإسلام بخارى، ثم سمرقند، ثم مازندران، ثم نيشابور بالشين المعجمة، ثم ~~أذربيجان، وهمذان، وتبريز، وزنجان، وقزوين، والكرخ، ثم المراعشة، ثم أخذوا ~~غيرها من مدن خراسان في دون سنة، ولم يبق عليهم إلا أصبهان، فإنهم نزلوا ~~عليها مرارا في سنة سبع وعشرين، ثم في سنة تسع وعشرين وستمائة، فحاربهم ~~أهلها، وقتل من الفريقين خلق كثير، وما حصل لهم من أخذها غرض حتى اختلف ~~أهلها الشافعية والحنفية في سنة ثلاث وثلاثين، ووقعت بينهم حروب شديدة ~~وعصبية ظاهرة، فخرج قوم من الشافعية إلى من يقاربهم من ممالك التتر، وقالوا ~~لهم: اقصدوا البلد بالحرب فنحن نسلمه إليكم، فقصدها التتر، وحاصروها، ~~واختلف سيف الشافعية والحنفية في البلد، فقتل منهم خلق كثير، ثم فتحت ~~الشافعية أبواب المدينة، فلما دخل التتر بدأوا بالشافعية، فقتلوهم قتلا ~~ذريعا، ولم يفوا لهم بالعهود التي [قد] كانوا أعطوهم إياها، ثم قتلوا ~~الحنفية، ثم سائر الناس، وسبوا النساء، وشقوا بطون الحبالى، ونهبوا ~~الأموال، وصادروا الأغنياء، ثم أضرموا النيار، فأحرقوا أصبهان، فصارت تلالا ~~من الرماد، ولم يستوعب التتر من البلاد التي دخلوها مثل أصبهان، وكذلك ~~خوارزم، وقد كانت مدينة قوية، وبها عسكر كثير من الخوارزمية PageV03P100 معروفون بالشجاعة، فإنهم حين وصلتهم التتر لقيوهم، واقتتل الفريقان أشد ~~قتال سمعه الناس، ثم انتهت بهم الحال بعد القتال الشديد، والدفاع الذي ما ~~عليه مزيد إلى أن دخل عليهم التتر [البلاد]، فملكوها أجمع، فلما قضوا وطرهم ~~من القتل والنهب والسبي فتحوا طرق الماء التي يدخلها جيحون إلى خوارزم، ~~فدخل البحر البلد، فغرق أهلها، وتهدمت الأبنية، وبقيت المدينة بحرا، فلم ~~يسلم ms504 منهم أحد، بل كان من ظهر للتتر أخذوه بالسيف، ومن اختفى أخذه الماء ~~فأغرقه فأصبحت خرابا هباء، ثم إن التتر ساروا إلى مرو، فأخربوه بعض خراب، ~~وسبوا من أهله بعضا، وقتلوا بعضا، ثم عمدوا إلى طوس، فنهبوها وقتلوا من ~~أهلها، وأخربوا مشهد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام الذي فيه قبر ~~هارون الرشيد، وأذعن لهم سائر ملوك العجم من فارس وكرمان بالطاعة، وحملوا ~~إليهم الأتاوة، ولم يبق في البلاد الناطقة باللسان العجمي إلا ما حكم فيها ~~سيفهم أو قلمهم، فأكثر البلاد قتل أهلها، وسبق السيف [فيهم] العذل، والباقي ~~أدى لهم الأتاوة رغما وأعطى الطاعة صاغرا، وكانت للتتر بعد ذلك نهضات ~~وسرايا كبيرة إلى بلاد الشام، فقتلوا فيها وسبوا ونهبوا حتى انتهت خيلهم ~~إلى حلب، فارتعد الناس منهم وصانعهم عنها أهلها وسلطانها، ثم عمدوا إلى ~~بلاد صاحب الروم، فبخع لهم بالطاعة، وأرسل إليهم [يسألهم] قبول المال ~~والمصانعة، فضربوا عليه ضريبة يؤديها كل سنة، ورجعوا عن بلاده، وأقاموا على ~~جملة السكون والموادعة للبلاد الإسلامية كلها إلى أن دخلت سنة ثلاث ~~وأربعين، فلم يشعر الناس في بغداد إلا وهم على PageV03P101 البلد، وذلك في ربيع الآخر من هذه السنة، وقد كان الخليفة المعتصم أخرج ~~عساكره إلى ظاهر بغداد على سبيل الاحتياط، فوصل التتر وقد تهيأ ذلك العسكر، ~~وتأهب لهم فوقع بين الفئتين مناوشة قتال، ومراماة بالنشاب، وعرف التتر عدم ~~القدرة منهم على أخذ بغداد في تلك الحال، فلما أظلم الليل أوقدوا نيارهم، ~~وارتحلوا راجعين إلى بلادهم. # قال ابن أبي الحديد: وإلى أن بلغنا من هذا الشرح إلى هذا الموضع لم يذعر ~~العراق منهم ذاعر. # قال: ولو جرت على بغداد حادثة كما جرى على غيرها من البلدان لانقرضت ملة ~~الإسلام، ولم يبق لها باقية. انتهى كلامه. # قلت: فليت شعري هل عاش ابن أبي الحديد [رحمه الله تعالى] إلى سنة ست ~~وخمسين وستمائة، فإن التتر دخلت بغداد فيها وملكتها، وقتلت الخليفة المعتصم ~~وولدين له مع ستة من الخصيان، ونهبت بغداد سبعة أيام، وقتل فيها خلق ms505 كثير، ~~ثم بعد السبع رفع السيف، ووقع السبي في أهلها، وكان دخولهم لها في محرم من ~~السنة المذكورة، ثم انصرفوا عنها، وولوا فيها من تحت أيديهم في شهر صفر، ~~فهذا معنى تفسير كلام السيد صارم الدين في هذا البيت، وقد اقتصر السيد على ~~ذكر بغداد، ولم يقتصر التتر عليها وحدها، بل في غيرها من بلاد الإسلام أكثر ~~مما ذكرته في هذا المختصر، فمن أحب الإطلاع على بسطه، فليطالعه في شرح ابن ~~أبي الحديد، أو غيره من كتب التواريخ. PageV03P102 ### | [الإمام محمد بن الناصر بن محمد بن الناصر ] # [قوله] : # حتى غدت جمرات الحرب هامدة %~% وبدل الله حال العسر باليسر # وقلد الأمر ملك من بني حسن %~% ماض عزائمه من خيرة الخير # مؤيد أيد الدين الحنيف به %~% لواءه خافق بالنصر والظفر # سل عنه أخبر به انظر إليه تجد %~% ملئ المسامع والأفواه والبصر # وليس يعلم ما يأتي الزمان به %~% سوى عليم قديم الذات مقتدر # تكلم السيد صارم الدين بهذه الأبيات أيام تمكن ابن الناصر من البلاد وقهر ~~الأضداد، فكأنه خشي تحول الأحوال، فاستدرك بهذا البيت الأخير، {ولا ينبئك ~~مثل خبير }[فاطر: 14]، والمراد به مولانا الخليفة، الأفضل، طراز العترة ~~المكلل، السيد، الصدر، الحلاحل، العالم، العامل، العادل، صاحب المناقب ~~والمفاضل، والفواضل والفضائل، الذي سار خبر رفقه برعيته وعدله فيهم مسير ~~المثل السائر، المؤيد بالعزيز القاهر، محمد بن الناصر بن محمد بن الناصر، ~~وقد تقدم مني تدريج نسبه في ترجمة أبيه، وذكرت هناك أنه من ذرية الإمام ~~المتوكل على الله المطهر بن يحيى، وأنهم من نسل المطهر بن علي بن الناصر ~~أحمد بن الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين -عليهم السلام-، ولد في عشر ~~الخمسين وثمانمائة، وتوفي في شعبان سنة ثمان وتسعين وثمانمائة، وأمه ~~الشريفة من بني المنتصر أشراف حصن ذروان في حقل يحصب، وهم من آل المطهر بن ~~يحيى، وتربى في حجر الخلافة بصنعاء حتى بلغ مبالغ الرجال، فتقدم إلى صعدة ~~في أوائل سنة خمس وستين، وقف بها قدر سنة فما فوقها، تزوج بها بنت عمر بن ms506 ~~مهدي بن حسن بن زيدان زوجه إياها خالها عبد PageV03P103 الله بن محمد بن مداعس، وكان أبوها قد توفي قبل ذلك بمدة، وقد بينت لك بعض ~~ما جرى على أبيه من فوات أكثر حصونه ومدنه، فبنو حمزة ملكوا عليه من نجر ~~إلى نجران، وقد دخل في ذلك [ظفار وحصونه]، وصعدة وحصونها، وبنو طاهر ملكوا ~~ذمار، وما حولها عنوة إلى حد النقيل، وأما صنعاء فشراها عامر الكبير، فلما ~~ملكها، وقف بها ابن الناصر من سائر من وقف بها من السادة أهل المدارس ~~والمساجد، وما يختلف إليه لأمر ولا لنهي أحد من الناس، وتفرق عنه عبيده، ~~ودخلوا في المهن التي يحصل بها النفقة والكسوة، ومنهم من بعد عن صنعاء ~~وأعمالها يطلب المعاش، فاستمر ملك عامر بصنعاء قدر سنتين ونصف، ثم خطر ~~بباله أن وقوف ابن الناصر بصنعاء مفسدة على المملكة، وأن الرأي إنزاله إلى ~~اليمن، وكتب بذلك إلى عامله بصنعاء، وهو النقيب محمد بن عيسى البعداني، ~~وقال [له] : اخبر المؤيد بما استرجحه السلطان عامر، فأخبره بذلك، ووهب له ~~أياما قليلة ليأخذ في أهبة النقلة، فخاف على نفسه، انما يعقب النقلة إلا ~~الخلود في الحبوس، وكان خادمه محمد بن عيسى بن زيد الأسدي -الملقب شارب- ~~واليا له في ذي مرمر والفصين، وأما حصن براش فكان المتولي له رجلا من عيال ~~أسد، فأرسل ابن الناصر إلى شارب المذكور في خفية يستدعيه، ويستغيثه في ~~خلاصه، فجوب إليه شارب أن كن في أهبة، فخلاصك علي بعون الله [تعالى]، وكان ~~من المقدور أن عامل ابن طاهر على صنعاء خرج إلى بلاد سنحان يقبض زكاتها، ~~وفرغت صنعاء من أكثر الجند، فانتهز شارب الفرصة وجرد قليلا من الخيل والرجل ~~في بعض تلك الليالي، {ودخل PageV03P104 المدينة على حين غفلة من أهلها }[القصص: 15]، لا يريد إلا المهرب بمخدومه ~~فقط، فلما استخرجه من داره وأركبه متوجها به إلى باب المدينة انتشر الخبر، ~~ففرح أكثر أهلها، فتحزبوا وتعصبوا، وقالوا: إذا ولا بد فلا تخرجه حتى نهجم ~~نحن وأنت بيت الكراز، وهو وزير ابن الناصر، ووزير ms507 أبيه من قبله، لكن عاب ~~فيهما ومال ميلة عامر، وكان أول من أشار ببيع صنعاء منه، وتقرب بذلك إلى ~~عامر، فاصطنعه، وترك أكثر أحوال صنعاء وبلادها تحت يده، ولم يبق أحد ~~يعارضه، وصار من عيون أعيان بني طاهر في صنعاء، فاسترجح ابن الناصر وشارب ~~ما أشار به الحاضرون، فكبسوا على الكراز داره [في] تلك الساعة، فاستولوا ~~على جميع ما فيها من الأموال التي لا يحصيها إلا الله تعالى، فلما انتهبت ~~الدار، وقد اجتمع أكثر أهل صنعاء قالوا لشارب ومخدومه: اغتنموا بقية ~~الفرصة، واعمدوا بنا قصر غمدان، ندخله ضربة بضربة، إما لنا وإلا لمن فيه من ~~الرتبة، ففعلوا على ذلك، وأقبلوا على القصر قضهم بقضيضهم، وأحاطوا به من ~~جميع جوانبه، فلما صح ذلك لرتبة القصر وهم عسكر عظيم من همدان وغيرهم، وهم ~~أيضا من أشجع من يكون، لم يكن لهم هم إلا أن صاحوا يطلبون الأمان والرفاقة، ~~وبعضهم فر وقفز من جانب القصر، فما طلع الفجر إلا وقد حازوا صنعاء أجمع، ~~فلما بلغت النقيب ابن عيسى والي عامر كانت همته الشردة إلى ذمار، ومن ذلك ~~اليوم حفظ الله على ابن الناصر رأسه ومملكته، ولما علم عامر بذلك أقامه ~~وأقعده، ولم يزل يشن الغارات [والمغازي] على صنعاء حتى غزاها أربع مرات، ~~وكان في الخامسة PageV03P105 هلكه لا ملكه، وقد تجرد لذلك من عدن فوصل صنعاء يوم سادس، وافاها على غفلة ~~وشارب يومئذ في حضور، فلما بلغه ذلك، وأن قد صار عامر ملويا بمحطته على ~~صنعاء نزل عليهم في عدة من الخيل لا تبلغ ثلاثين فارسا، وهم عدد لا يحصيه ~~إلا الله ما تمنع منهم أهل صنعاء إلا بالدوائر والأبواب، فعمدهم شارب ببعض ~~أولئك الثلاثين فارسا، فقتل من أصحابه جماعة، ومنحه الله النصر، فاستولى ~~على تلك المحطة التي انجلت عن عامر قتيلا لا يدرى من قتله، وقتل حوله من ~~عسكره خلق كثير، واستمرت الكسيرة والنهب لجميع ما أجلب به من الأموال ~~والخيول والسلاح، يكفيك أن هذه الوقعة ما قد سمع بمثلها إلا وقعة علي ms508 بن ~~محمد الصليحي يوم قتل في المهجم من تهامة، وقد خرج في عساكر لا يعلم بها ~~إلا الله تعالى، فقتله سعيد بن نجاح الحبشي، واستاق ما حوته محطته إلى ~~زبيد، فسبحان القادر على كل قادر، ومن ذلك اليوم تمهدت مملكة ابن الناصر ~~وشارب، ورهبتهم الخصوم، حتى أهل خيل قريبا من مائة فارس رئيسهم الأمير ~~عبدل، نزلوا بقرية من أعمال صنعاء تسمى جحنة يريدون حرب أعمال صنعاء، ~~فعمدهم شارب من صنعاء، وكانوا لا يحسبون الخيل قلت أو كثرت، فأحاط بهم عسكر ~~صنعاء، وأرسل الله عليهم الهيبة، فلم تمتد لأحد منهم يد إلى سلاحه ولا إلى ~~فرسه، بل ألقوا بأيديهم إلى القتل والأسر، فأدخلوا الأسرى صنعاء خلدوا في ~~الحبوس إلى أن ماتوا، وقد كان بنو حمزة لما ملكوا صعدة، وكان رئيسهم الحسين ~~بن علي بن قاسم ملكوه عليهم، فنصب ولده الهادي على صعدة وحصونها ونجران، ~~فساس البلاد سياسة حسنة أعني الهادي ، PageV03P106 وأبوه قر في الجوف، واستمر الهادي يشن الغارات على صنعاء بعد تمكن ابن ~~الناصر منها، وبعد مهلك عامر، فتقدم الأمير الهادي في بعض غزواته حتى حط ~~ببلاد همدان بقرب القلعة، ولقيه هناك الإمام مطهر والمعافى بن عمر، وعضدهم ~~الداعي صاحب القلعة بمن في جانبه وراموا الحصار لصنعاء، فخرج عليهم ابن ~~الناصر بجنده فالتقوا بموضع يقال له: مقامر فوقعت هناك وقعة كبيرة مشهورة، ~~تعقبها ارتفاع تلك المحطة، وولى الجمع الحمزي بغير غرض، وبعد مديدة قتل ~~الأمير الهادي في الجوف، وبعد مديدة خرج ابن الناصر على الأشراف إلى الزاهر ~~في عسكر كثير، وكاد يقهرهم، فوقع من بعض جنده دهان للأشراف، وفترة [من ~~القتال]، وتشجن ابن الناصر على صنعاء أن يخلفه عليها أحد من جند بني طاهر ~~لاشتغاله بطول محاصرة الزاهر، فحمله ذلك على رفع محطته، وانكفأ راجعا إلى ~~بلاده، وقد كان كثرت الأراجيف في جميع بلاد الأشراف، وتشجن من بصعدة منهم ~~عليها، فلما تنفس الأشراف من تلك المحطة، خرج الأمير محمد بن الحسين إلى ~~صعدة ممدا عليها ومسكنا لقلوب الناس مما كان داخلهم ms509 من الفشل، ولما قتل ~~الهادي ولم يبق لابن الناصر مشاغر ولا مشاجر، فسح لأكثر الأجناد، ونشر ~~العدل في رعيته، وسار فيهم سيرة حسنة، واقتصر على صنعاء وما حولها، فلم يكن ~~يحتاج من رعيته إلى فرقة ولا معرة فوق أربعين سنة، حتى ضرب بعدله المثل، ~~وقد كان بعد قتل عامر تفرد بملك بني طاهر أخوه علي بن طاهر مديدة يسيرة، ثم ~~مات، وتولى بعده ابن أخيهما عبد الوهاب بن داود، فسار في الناس من أهل ~~اليمن سيرة عميه، في PageV03P107 خلال ذلك واجهه أولاد عامر بن طاهر، وقالوا له: قد وليت الأمر بعد أبينا ~~وعمنا [علي]، وقدمناك علينا، واخترناك وأنت خيار، فقم لنا بنقم الثأر ممن ~~ألحق بنا وبك العار والبوار، وإلا بدأنا بحربك، ولا تجدنا من حزبك، فلم يزل ~~يعدهم ويواعدهم هذه السنة إلى هذه السنة، وفي خلال ذلك عادوه وعارضوه، وخرج ~~عليه منهم من خرج، فقتل منهم من قتل وحبس من حبس، وفي عرض ذلك وهو يهز ~~بالطلوع على صنعاء، فتعرض له عوارض تحول بينه وبين مراده، فاضطر صاحب صنعاء ~~إلى موادعته ومداراته، وتحمل له بأموال وخيول كان يصانعه بها، يستكفي شره ~~لعلمه أنه لا طاقة له بحربه إذ لم يبق له من مملكة أبيه إلا صنعاء وما قرب ~~منها، وخراجها لا يفي بمقاومة ملك اليمن مع مراعاته للرفق بتجار بلاده؛ إذ ~~أكثر مكاسبهم من عدن والهند، فكان هذا النظر منه سببا في تملك تجارة ~~الأموال الجليلة، فلقد كان يدخل منهم الهند في كل جوشن من مائة تاجر، فبقوا ~~على ذلك إلى أن مات عبد الوهاب في شهر جمادى الأولى من سنة أربع وتسعين ~~وثماني مائة، فلما مات اضطرب أمر اليمن على ولده من حد بيت الفقيه وزبيد ~~وغيرهما، وعارضه في الجبل ومملكته خاله عبد الله بن عامر، فكادت مملكة بني ~~طاهر تختل لهذه المعارضة، وابن الناصر كره تقوي عبد الله هذا، وأبطن الخوف ~~منه، فأقام خاطره مع عامر، وسكن عنه، وسكن من أراد مناوأته من الزيدية، ~~وأهل ممالكهم، وبالغ ms510 في نصرته بالقول والفعل، فكان من ذكر له أو رجح له حرب ~~عامر زجره وسكته وبكته، وقد كان فزع الناس إليه الشرق والغرب، والسادة، ~~والقضاة، والعلماء، والأجناد، PageV03P108 وقالوا له: استوت البلاد فقد اشتغل عنك الخصوم بعضهم ببعض فانتهز الفرصة، ~~وسر بنا نسترد بلاد الزيدية، فما نلقى أحسن من هذه المدة، وقد كنت أنا عنده ~~بقصر غمدان وافدا عليه، وجاء الخبر بوفاة عبد الوهاب، وأنا عنده أشاهد ما ~~يقول له الناس في ذلك وما يرد عليهم حتى لقد جاء إليه أهل ذمار، وقد تغلبوا ~~عليها، وقالوا: خذها لك ونحن في يدك، فأرسل معنا من جندك من يقبضها منا لك، ~~ثم نسير بين يديك نطوي لك أرض بني طاهر، فقال لبعض خواصه: سرمعهم واقبض قصر ~~ذمار حتى آمرك فيها بأمري، وأوهم الناس أنه سامع لكلامهم، وأنه على رأيهم ~~في طرد عامر من بلاد الزيدية، فلما قبض واليه ذمار وقصرها أرسل إليه: إنك ~~إن كنت على رأيي، فسلم ما في يدك إلى السلطان صلاح الدين عامر بن عبد ~~الوهاب، فهي بلاده وبلاد أبيه، ومالنا إليها رغبة، فامتثل واليه الأمر، ~~وسلم ذمار وقصرها إلى أمير عامر، فمن تلك الفعلة انخدع الناس ورهبوا عامرا، ~~وداهنه أكثر خصومه لفهمهم أن صاحب صنعاء أينما مال يميل، فلما قبض وكيل ~~عامر ذمارا هان وجد عامر وفرغ من جهة الجبل، وركن بصحة نصرة ابن الناصر، ~~وأنه غير قابل فيه عذل عاذل، فعامل من في بلاده من الزيدية بشر معاملة، ~~وابن الناصر يسمع وينظر، فلم يداخله عليهم غيرة ولا حمية، بل كان إذا اشتكى ~~عليه شاك، أو توجه إليه متوجه يجيبه بأن البلاد بلاد ابن عامر مالنا عليه ~~اعتراض، فاكتسع الزيدية لما رأوه يعضده وينصره نصرة ما فعلها له أهل مملكته ~~الشافعية، فأقبل على حرب من حاربه من بلاد بني طاهر وغيرهم، وفرغ لهم ~~فرغةكبيرة، وصابحهم وراوحهم حتى PageV03P109 صفي له جميع مملكة أبيه وأهليه، وكان يكثر الشكر والثناء على ابن الناصر، ~~ويقول: أنا لله ولمحمد بن الناصر لا أحرمني الله ms511 جزاءه، فما حفظ لي مملكتي ~~إلا هو، وجاء لي خير من أهلي، ووقع بينهما مراسلة ومكاتبة ومهاداة، وكان كل ~~واحد منهما يحلف برأس صاحبه. # ومن أعجب ما اتفق من ابن الناصر قصتان: أذكرهما هنا ليعرف الواقف عليهما ~~أنه ما حسب أن عامرا يجزيه بالإحسان إساءة. # الأولى: أنه لما مات عبد الوهاب، وبلغ ذلك أهل صنعاء وغيرهم من الزيدية ~~أقبلوا عليه يشيرون بالنهضة واغتنام الفرصة، وبالغوا معه في ذلك، وقد رأوني ~~عنده في قصر غمدان بمنزلة رفيعة، جائني منهم عدة في مواقف مختلفة، وقالوا ~~لي: بالله عليك إلا [ما] أنشدت أبياتا تحثه فيها على النهضة، فما عاقبة ~~فعله تعود عليه ولا على الناس بخير، ولا عدو يرجع صديقا، فرقمت أبياتا تدل ~~على مكاشفات الصوفية، فإنا وقعنا من عامر وابن الناصر في مالا يخفى على أهل ~~البصائر، وقلت : قد أعذر من أنذر، ومن حذر فكمن بشر، ولكن لا حيلة في ~~القدر، وهي هذه: # أبجد منك أن تقفا %~% وانتشار الملك قد أزفا # وسعود النصر طالعة %~% وركام الفتح قد وكفا # والذي كنا نحدثه %~% أن سيطوي الأرض قد عرفا # إن هذا وقت ذاك وما %~% كذب الهبي إذا وصفا # يالها من فرصة عرضت %~% ما بها للناظرين خفا # من يضعها سوف يطلبها %~% حين يضحي الوجه وهو قفا # هذه الأقطار شاغرة %~% وحماها انهد وانقصفا PageV03P110 فاشرعوا في عود أرضكم %~% واستعيدوا ذلك الطرفا # بل إذا يمممتم عدنا %~% وزبيدا موطن الظرفا # لم يقم عمرو لزيدكم %~% وغدا الممنوع منصرفا # وطويتم نشر ملكهم %~% مثل طي الكاتب الصحفا # وعدلتم ميل ما صنعوا %~% بنواحيكم وبالضعفا # فجزاء الغادرين وإن %~% كان ضد العفو فهو وفا # وأنت يا منضي القلوص إلى %~% يمن تنوى نوا قذفا # أبلغ السكان في جبن %~% من ولاة الملك والعرفا # إن مولانا المؤيد قد %~% شارك الآباء والسلفا # في تحريه لغزوكم %~% كي يخلوكم سفا ونفا # خفقت أعلامه لكم %~% وإليكم جيشه دلفا # عسكر ضخم شعارهم: %~% حسبنا رب الورى وكفى # من بني طه مقدمها %~% أو بكيل نصرة الخلفا # أعوجيات خيولهم %~% تحمل المران والجحفا # لا تهاب الموت تقحمه %~% بل ms512 تراه روضة أنفا # يا بني المختار مذهبكم %~% لا تهينوه فيختلفا # يا بني المختار ملككم %~% فانزعوه من يد الخلفا # نزعة في وقت شغلهم %~% وتخشيهم لمن عسفا # واغنموها وهي باردة %~% طعمه يحلو لمن خطفا # فعيون الناس شاخصة %~% نحوكم ما أن تذوق غفا # إن دهمتم دولة وقفت %~% هذه الأيام فوق شفا # دهمتها الخلق قاطبة %~% ونكتها جهرة وخفا # إن تراخيتم بهم زمنا %~% قدر شهر فارقبوا التلفا # وتقوت بعد شوكتهم %~% وتكلفتم لها الكلفا # قسما بالله معتمدا %~% من محب أكد الحلفا # إن تضييعا لفرصتها %~% ما يراه ذو النهى نصفا # بل يراه كل معتبر %~% صارفا للنجح بل صلفا # وفق الله المؤيد %~% للمنجدات الغر أن يكفا # وتولاه وكان له %~% ناصرا من دهره كنفا # [تمت]. PageV03P111 # القصة الثانية: أني كتبت إليه من صعدة بعد هذه القصيدة بكتاب وضمنته قصيدة ~~عينية عجيبة، أذكرها عقيب هذه القصة، فعاد جوابه بخطه، أكثر مضمونه بعد ~~بالبسملة قوله: وصل كتابكم الكريم، المزري بالدر النظيم، المشاكل لقميص ~~يوسف إذ هبت به النسيم، منطويا على القصيدة الفريدة المفيدة العينية، ~~المنبية على قديم المودة وحسن العقيدة، فطالعناها وتأملنا لفظها ومعناها، ~~فقلنا: لله در من أنشاها، وبجيد المعنى رصعها وحشاها، فلقد أجاد ناظمها في ~~الاختراع، وأبدع في التضمين والانتزاع، بما لو رآه الصاحب الكافي، القائم ~~بحق العترة القيام [الكامل] الوافي، بعدما استحسنه من تمثل الحسن العسكري ~~مؤلف كتاب (جمهرة الأمثال)، وقد كتب الصاحب إليه ونظم، منه: # ولما أبيتم أن تزوروا وقلتم %~% كبرنا ولم نقدر على الوخذان # الأبيات. # فجوب عليه بنثر وبيت صخر أخي الخنساء : # أهم بأمر الحزم لو أستطيعه %~% وقد حيل بين العير والنزوان # والقصة مشهورة مذكورة في ترجمة الحسن هذا من تأريخ ابن خلكان، وقد استحسن ~~الصاحب ذلك التضمين غاية الاستحسان، فقال المؤيد: [لو وقف] على نظمك لم يعد ~~ما استحسنه في جنب شغلك هذا حسنا، وقد ضمنت العينية أبياتا ذكرها الشاعر ~~عبد الله [بن خالد أبو العميثل] يمدح بها مخدومه عبد الله بن طاهر، وقصيدتي ~~العينية هي هذه برمتها، فالذي لي كتبته بقلم أسود، والذي له بقلم ms513 أحمر؛ ~~ليعرفه الواقف عليه، ويدري باستحسان من مدحته، وأنه قد أنصف وأتحف وبجل، ~~وكرم وجلل، وأعل بالجائزة السنية وأنهل : PageV03P112 # قم يا سعيد الآن غن ورجع %~% بمدح مليك بالفضائل مولع # وابعث لمولانا المؤيد سيرة %~% في الأرض ذات تأرج وتضوع # الأوحد الصمصامة المحيي الندى %~% والركن في البيت الشريف الأمنع # هو نقطة البيكار في أهل الكسا %~% والروح في آل البطين الأنزع # مهدي مدتنا المؤرخ ذكره %~% في الجفر وهو بذي العلامة قد دعي # حتى لقد قطع الرواة بأنه %~% الأولى بقول للفصيح المصقع # [يامن يحاول أن تكون صفاته %~% كصفات عبد الله أنصت واسمع] # [أصدق وعف وبر واصبر واحتمل %~% واصفح وكاف ودار واحكم واشجع] # [والطف ومن تأن وارفق واتئد %~% واحزم وجد وحام واجمل وازمع] # صدقوا وما كذبوا وإن محمدا %~% وجدت به هذي الخصال بأجمع # إن الصريح الفاطمي أحق %~% بالتقريض من متعرب متجزع # ولسيرة ابن الناصر بن محمد %~% بقلوب أهل الدين أعظم موقع # أحيا ربوع العدل فهي بحسنها %~% تنسيك أزهار الربيع الممرع # وتهجر العقد الثمين وقد ثوى %~% من نحر غانية بأرفع موضع # عدل يظل الذئب فيه على الطوى %~% والشاء حوليه تذود وترتع # ما ملك شاه وإن سموه عادلا %~% إلا مجازا عنده أو مدعي # وإذا تصفح منصف سيرا مضت %~% عن آل ساسان الملوك وتبع # لم تختلج فيه الشكوك بأنه %~% منهم ألذ بمنظر وبمسمع # إذ كلهم لم يخل إلا من هوى %~% مطغ يدين به بدين أشنع # أو سطوة يرتاع من هجماتها %~% كم من جنين في البطون ومرضع PageV03P113 من لا له أهل فيهلك إثره %~% ومن البلية هلك من لم يصنع # ولذاك كان يسيح ذو القرنين في %~% غزواته في السر فيض الأدمع # حذر المعرة أن تصيب جنوده %~% من غير قصد منه مهجة يرمع # يا أيها الملك الذي سمحت به %~% أيامه وبمثله لم تطمع # أنت الذي في الرأي قس زمانه %~% وإذا عقدت بذمة لم تخدع # أنت الذي لو شئت أصبح عامر %~% عن ملكه متحيرا في زيلع # لكن رعيت له الوفاء تعمدا %~% رعي السمؤل عهده في الأدرع # وعصيت فيه كل لومة لائم %~% ومرجح ms514 وموصل ومفرع # علما بأن عواقب الفتن النوى %~% والرأي قبل شجاعة المتشجع # فملكت في التحقيق جملة ملكه %~% من غير سفك للدماء بمبضع # ووعيت ما قال الممثل موصيا %~% لسواك إذ كم سامع لم يسمع # داء الرئاسة في متابعة الهوى %~% ودواءها بالدفع لكن من يعي # وإذا الفتى استقصى لنصرة نفسه %~% فاقطع لدولته بسوء المصرع # وبذاك أفحمت الخصوم وصرح ال %~% صبح المنير عن الظلام المفزع # وشأوت أرباب العلو إلى العلا %~% وسبقت سابقهم ولما تتبع # فليهنك الحكم التي أوتيتها %~% وانعم بملك في البسيطة أوسع # مع ما احتويت عليه من علم ومن %~% حزم ومن أدب عميم ممتع # حتى فضحت دراية ورواية %~% وفصاحة ذاك الأديب الأصمعي # ورزقت حظا في العبادة لم تزل %~% تحكي به نسك الإمام الكينعي # يامن نجعت إليه عاما أولا %~% فحمدت لقيته بمدة منجعي # وأقمت مغبوطا بحسن جواره %~% وتصدري بإزآئه وتربعي # ما أنس لا أنسى مشاهدتي له %~% في دسته كالبدر عند المطلع # وتغنمي تكرير لثم أكفه %~% وتلذذي بخطابه وتمتعي # مقدار خمسة أشهر ما ينقضي %~% حين بها إلا وفائدة معي # إما استفاد فريدة أو حكمة %~% لمهذب يأوي إليه ألمعي # جالست منه كابن شور مجلسا %~% لم أستمع فيه مقالة مقذع # لكنه شاب اللقاء تباعدي %~% عن نسوة شعث بداري أربع PageV03P114 ما كن يعتدن انتزاحي ساعة %~% ويسؤهن ترحلي عن مربعي # فبقين يحسبن الليالي كلما %~% يوم يمر عدده بالأصبع # وإذا القوافل أقبلت ما راعني %~% منهن إلا كل طرس مفزع # فتنغصت إذ ذاك لذة خاطري %~% وتوفر الشوق المضر بأضلعي # وفرقت صنعاء كارها لفراقها %~% والدمع من عيني يغرق مدمعي # فسقى أزال نجادها ووهادها %~% من كل نو بالحيا متبرع # وأدام دولة ملكها عز الهدى %~% والدين في عز طويل أمنع # وأعاذه فالعيد إن حققت أن %~% يبقى ويفديه عداه بأجمع # عمرا طويلا لانحصار لعده %~% والله يسمع من دعاه إذا دعي # خذها يزينها مديحك تزدري %~% هبطت إليك من المحل الأرفع # نعم: وتمام جوابه لما وصلته هذه القصيدة، أنه قال: اعلم أنه لا كلام أن ~~قصيدتك هذه من القصائد الطنانات، وأنك في هذه المعاني سباق غايات، وصاحب ms515 ~~آيات، وممن أوتي بلاغة الإنشاء، ولكن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، خلا أن ~~فيها بيتين فيهما طرف جفا في حق السلطان صلاح الدين: أحدهما الذي آخره ~~زيلع، فأبدله كله بقولك: # ووفيت للملك المتوج عامر %~% ومني عدوكما بسوء المرجع PageV03P115 والبيت الثاني الذي قلت فيه: # وملكت في التحقيق جملة ملكه # فأبدله بما تراه مما ليس فيه جفاء عليه -أطال الله عمره، ولا أراه ما ~~يكره، فإنه ممن صدقت فيه الفراسة، وحاز أسباب الرئاسة، وحسن السياسة، فما ~~أحقه بقول ابن الأشعث: # قهر الملوك وسار تحت لوائه %~% أسد الشرى وقماقم الأملاك # هذا آخر كتابه إلي. # [قلت] : فانظر أيها الأخ المنصف إلى ما قد جرى بين هذين الرئيسين أولا من ~~مقتضيات الوداد الخالص، الزائد غير الناقص، وأما مولانا المؤيد فاعتقد ذلك ~~ظاهرا وباطنا، وعصى من حثه على التحرز من كيد هذا الرجل، وقد ضربت له ~~الأمثال، نحو قول من قال: # لا تأمنن امرءا أسكنت مهجته %~% ضيما وتحسب أن الجرح يندمل # فقد يرى ضاحكا في وجه ظالمه %~% وفي بواطنه النيران تشتعل # وكقولهم: # كل العداوة قد يرجى الزوال لها %~% إلا عداوة من عاداك في الدين # وكقولهم: "لا تنسى المرأة أبا عذرها، ولا قاتل بكرها"، وأما عامر فربما ~~أنه في أول أمره عقيب وفاة أبيه، وتقوم أكثر أهل دولته عليه من أهله ~~وغيرهم، واشتغاله بحربهم وعلاجهم ومداراتهم كان يعتقد صداقة ابن الناصر ~~ويحتقن له الصنيع ظاهرا وباطنا، والله اعلم. PageV03P116 # وأما من بعد أن تقوت شوكته، ودوخ أكثر خصومه، وثاب إليه عقله، فما سلم من ~~تذكر دجله ودجل أهله عند ابن الناصر ومن في جانبه كشارب وغيره، ما كان ~~يسمعه من شعرائهم، وعلمائهم، وعبيدهم، ومطربيهم من تحريكهم له، وحثه على ~~حرب صنعاء والقيام بثأرهم، فإنه قلما اجتمعوا هنالك في موكب، أو عرس، أو ~~مسرة، أو مأتم، يطرقهم عصره في تلك الديار إلا هيجوه، وأغروه، وحمزوه، ~~وذكروا أهله، ومن قتل بين أيديهم من أركان دولتهم، وكان يتحرك لذلك، ويضمره ~~سرا، وقد سبقه إلى هذا المعنى غيره من أهل الهمم ms516 العالية. # هذا أبو العباس السفاح لما ملك البلاد بعد بني أمية، وقتل أكثرهم، وأمن ~~جماعة من وجوههم، دخل عليه مولى لبني هاشم، وقد جمعهم لضيفة سنية، فأنشده ~~تعزية بأولئك الضيفان: # اذكروا مصرع الحسين وزيد %~% وقتيل بجانب المهراس # الأبيات. PageV03P117 # وهي مشهورة،، والذي قتل بجانب المهراس: حمزة بن عبد المطلب -عليه السلام-، ~~فما تمالك السفاح بأن أمر بضرب أعناق ضيفه الجميع، ثم مد السماط على جثثهم، ~~وأكثرهم يناشط الموت، فما فرغ من طعامه حتى ماتوا وهم ثمانون رجلا من ~~[أعيان] بني أمية، فافهم ذلك، واعلم: أن الناس مثل الناس، ثم إن عامرا ~~مازال يتقرب من صنعاء، ويزيل الشواغل التي بينه وبينها من المعاندين، وكثر ~~لهجه بذكر ثلاء وغيرها من البلاد التي مال أهلها إلى الوشلي من الزيدية ~~الخارجين عن دولة صنعاء، مثل: أهل كوكبان، وشبام، وذيفان، ويوهم أهل صنعاء ~~أن الوشلي هو وجميع من والاه خصوم، وأهل صنعاء لي صديق، ويكاد يواذن صاحب ~~صنعاء في قصدهم، ولو مر إليهم في بلاده، فيجيب عليه بأن ذلك لك مباح أي حين ~~طلبته، فيغرب عن ذلك مدة ويتناساه، ثم يذكره حتى لهج بهذا المعنى، وكثر ذلك ~~منه، فتوهم صاحب صنعاء صدقه، وفي عرض ذلك، وهدايا عامر متواصلة إلى ابن ~~الناصر، ثم بعد مديدة قلت المهاداة، وشرع عامر في التألم والتشكي من شارب، ~~وأنه يحب تقوي الوشلي وتمكينه ودخوله في البلاد، ولا يأمن على ذمار منه، ~~وأيضا فهو - يعني شاربا - متعرض لحرب همدان، وخرج عليهم إلى بلادهم يحاول ~~أخذ معاقلهم وهم حلفاء لعامر، فكتب إلى صاحب صنعاء يتعتب عليه، ويطلب منه ~~اقتصار شارب من هذه الأمور، وأكثرها موالاة الوشلي؛ لكونه له خصما، وكثر ~~منه التجرم من هذه المعاني، وهو يكفت ما حوله من بلاد الزيدية، وكان وقع من ~~أهل مغارب ذمار ومغارب صنعاء معاندة له، ومخالفة عليه، وقتل لجماعة من ~~عماله، فما شعر الناس PageV03P118 به حتى طلع إلى ذمار يوم عاشوراء من شهر محرم في جمع كثير قدم بعضهم إلى ~~جمعة الجزع في المغرب، فاستولى عليها ms517 وعلى غيرها من تلك الجهات، فلما لم ~~يبق له هناك معاند تقرب من بلاد صنعاء قليلا قليلا بجيوش لا يحصيها إلا ~~الله [تعالى]، ثم دنا من حصن كنن وغيره من البلاد التي كانت متغلبة عليه، ~~ويظهر للناس أنه يريد التقدم إلى ثلاء وأما صنعاء فلا، واعتقد صاحب صنعاء ~~صحة هذا القصد لا غير؛ إذ الأصل الصداقة لاجتهاده معه في تخذيل خصومه من ~~شافعي وزيدي، وأيضا فإن صنعاء ولو أضمر [محطته] عليها على الفرض والتقدير ~~لم يمكنه ذلك؛ لما فيها من الحصانة، والأجناد، والأموال، والسيرة الحسنة من ~~العدل الشامل لأهلها بحيث أن أمانهم وزمانهم ماقد جرى لغيرهم، وصيانتهم من ~~المعار والمطالب فوق أربعين سنة، وأقل هذه الأمور تحملهم على أن من جاءهم ~~لأخذ بلادهم قاتلوه ولو فنيت رؤوسهم وأموالهم، ولكونهم قد اعتادوا حرب بني ~~طاهر في المدة الماضية، وردوا محاطهم، وقتلوا عامرا الأول وهم في ذلك ~~الزمان أقل عددا وعددا ومالا، وأكثر جسارة، فإن كانوا قد ردوا المتقدمين ~~وهم في غاية الضعف و[قتلوا] ملكهم، فهم لرد هذا الذي سابقتهم إليه حسنه مع ~~قوتهم الظاهرة وتوفر أموالهم أقوى، فيكون هذا ونحوه مما يحمل عامرا على عدم ~~التعرض للمحطة عليهم، فلم يزل يتسحلل على صنعاء، فجاءنا الخبر إلى صعدة ~~عاشر من شعبان، أن هذا الرجل قدم ثلاثة مقادمة إلى حدة، وصل أولهم نصف ~~الليل، والثاني آخر الليل، والثالث نصف نهار ثاني، فملأوا ما بين حدةإلى ~~نقم، [وعامر] وبقية مقادمته PageV03P119 وقفوا مكانهم على ما رواه المخبر، وحكى ما وقع مع الناس [هناك] لهم من ~~الهيبة، وابن الناصر يشدد قلوب أهل بلاده، ويقول: إنما قصد هذا الرجل [إلا] ~~العبور إلى ثلاء وغيرها من البلاد التي لا تعلق لنا به، فلو فتحنا له باب ~~صنعاء ليدخل منه، ويخرج من الباب الثاني لما غير علينا ولا على رعيتنا وزن ~~حبة، وشارب وغيره يحذرونه، ويقولون: ذرنا نملأ البلاد بالتحريم ولو جلبنا ~~الخيل من الشام الداخلي؛ ليكونوا عندنا نحتاط بهم، وإن يكن ظاهر عامر ~~وباطنه سواء لم تضرنا الخسارة، ms518 وأخذ [لنا] بالحزم، وإن يكن باطنه خبيثا ~~فالعساكر المتماثلة تتكافأ، فما كان يجيب من عذله، وأشار عليه بالحيطة إلا ~~بأن معكم السلامة ما نحن لهذا الرجل بخصوم، وما صدق ابن الناصر وهو مريض ~~حتى سمع المدافع والأنفاط، وحتى نصبت على القصر المنجنيقات والعراريد، وفي ~~الأمثلة العامية: ولد الحر ما يصدق حتى يرى، و[قد] كان مريضا من فالج أصابه ~~في أول السنة، فلم يزل يتزايد، وكان هذا المرض من أكثر ما عزم عامر على قصد ~~صنعاء؛ لأنه لما لزم المرقد، وقل الدخول عليه من الخاصة والعامة أكثر ~~الحساد الإرجاف عليه بأنه قد مات، وأنهم مخفون لموته، فأودعوه صندوقا [و] ~~قضضوا عليه فيه، وتركوا على سريره شخصا، ولبسوه مثل كسوته، وهو في موضع ~~مظلم، فالذي يرى ذلك الشخص يخرج ويشهد أنه بخير حي سوي، والثاني يقول: [بل] ~~هو غيره ويحلف، فالتبس على الناس الأمر، ووصلت جواسيس عامر إليه إلى بلاده ~~بكتب من ناس في صنعاء يحثونه على مبادرة الفرصة، فعزم وعضد ذلك ما في قلبه ~~من محبة نقم PageV03P120 الثار، ودفع العار، وكان شعاره في ذلك ما أنشده أبو مسلم الخراساني يوم ~~أنزل ببني أمية البوار: # أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت %~% عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا # ما زلت أعمل أفكاري لهلكهم %~% في خفية وهم بالشام قد رقدوا # حتى ضربتهم بالسيف فانتبهوا %~% من نومة لم ينمها قبلهم أحد # ومن رعى غنما في أرض مسبعة %~% ونام عنها تولى رعيها الأسد # فلما ضرب عامر بمحطته على صنعاء لم يكن لأهلها حيلة إلا التحصن بدوائرها، ~~وقد كان بها عمارة حصينة أكيدة، ما فرغت إلا في مدة مديدة، اتخذها ابن ~~الناصر حيطة لهذا المعنى، ونسي قول الشاعر: # عليكم بدرب من رجال فإنني %~% مررت بدرب من حجار يهدم PageV03P121 قد كان أشار عليه الناس أولا بحرب عامر من يوم موت أبيه عبد الوهاب ليشغله ~~عنه بخلفه فعصاهم، واتخذه وليا، ثم أشاروا عليه يوم طلع ذمار بالجيوش ~~الكبار، بأن يحترس بتخديم عساكر يأتي بها من أقصى الشام فعصاهم؛ فصار إلى ms519 ~~ما صار وانتهى أمر أهله ودولته إلى ما انتهى، ولولا أن شاربا احترس قبل دنو ~~المحطة من صنعاء بجند قليل كانوا يخرجون من أبواب صنعاء إلى طرف محطة عامر ~~في غفلات، فيفتكون بهم ويقتلون وينهبون، فلما فشى ذلك في المحطة، وارتاع من ~~بأطرافها من هذا السبب أمر بحيلة هائلة، وهي: اتخاذ دوائر أخر على أبواب ~~صنعاء من جميع جوانبها، فحصل ذلك [الدائر] في أسرع مدة، فبقي من بصنعاء في ~~أضيق من حلقة الفأس، وعزم عامر على تطويل اللبث والإقامة بمحطته، وأمر ~~ببناء محال ودور وحوانيت للبيع والشراء، ومساجد تقام بها الصلاة، فصارت ~~المحطة مدينة تجبى إليها ثمرات كل شيء، وأحدث فيها المطابخ، وجاء إليها ~~التجار من كل فج عميق، ورخصت الأسعار بها، فكان مدة الإقامة في المحطة من ~~أول شعبان إلى يوم الإثنين سادس شهر محرم من سنة ثمان وتسعين قدر ستة أشهر، ~~فوقع في هذا اليوم وقعة كبيرة في قاع صنعاء من الإمام الوشلي، والأمير محمد ~~بن الحسين، فإنهما أغارا على صنعاء كما ذكرته في ترجمة الوشلي، وبين عسكر ~~عامر، كان الظفر فيها للزيدية، وفرج الله على أهل صنعاء، ودخل الوشلي ~~والأمير في أعيان من معهما على ابن الناصر يهنؤنه بالظفر، وقد كان أرجف ~~عليه كما ذكرته، فجوب عليهم، وشكرهم على غارتهم، وفرح بهم فرحا كبيرا على ~~مابه من الضعف من PageV03P122 ذلك المرض الذي نهكته علته وأهانته، وإنما فعل ذلك تجلدا وكثرة مسرة، ولم ~~يزل يتزايد ذلك المرض حتى إذا كان يوم الجمعة من العشر الأول من شعبان سنة ~~تسع وتسعين وثمانمائة قبضه الله تعالى إلى رحمته حميدا فقيدا، فوقع عليه في ~~صنعاء مثل يوم القيامة. # ودفن يوم ثاني موته إلى جنب حي السيد الفاضل، العابد، الزاهد: قاسم شريف ~~من بني الهادي، قبر بمسجد بيت شكر، ووصل الخبر إلى صعدة يوم الأربعاء سادس ~~موته، فامتلأت الجهات ظلمة، وبكى عليه أكثر الناس، وعظم موقع موته على أهل ~~صعدة؛ لأنه [كان] ينصف من وصل إليه منهم مسافرا أو متوفدا، وكذلك ينصف ms520 من ~~استوطن صنعاء منهم، فقد كان نقل إليها منهم في مدته أهل حلل كثيرة تقارب من ~~مائة حلة، وذلك لعدله وحسن صحبته [لهم]، وقرئ عليه القرآن بمسجد الهادي ~~-عليه السلام- بصعدة قدر ثلاثة أيام، التقى العزاء عليه بها الإمام الوشلي؛ ~~لأن خبر موته وصلها وهو بها، وأقيمت المراثي عليه بالمسجد المذكور، وما ~~تخلف أحد عن الحضور للعزاء والقراءة، وبلغنا أن أهل صنعاء وجندها حلفوا ~~لأخيه أحمد؛ لأن محمدا هذا لم يخلف ولدا ذكرا، وأحمد هذا أخوه من أبيه، ~~فولي البلاد إلى أن أخذها عليه عامر، فقبضه وأنزله [معه] إلى بلاده هو ~~وأولاده، وأخته آمنة، فعاش أحمد مأسورا قدر ثلاث سنين، فمات في الأسر، وله ~~ولدان ذكران توفي الأكبر منهما سنة موت أبيه، وبقى الثاني واسمه : إبراهيم، ~~واسم أخيه المتوفي: يحيى. PageV03P123 # نعم وكان ابن الناصر [هذا] من حسنات الدهر، وأفراد العصر، وأهل العلم ~~الغزير، والإطلاع الكثير الشهير، فمن محاسن كتبه إلي، وقد أهديت له نسخة من ~~شرحي للمنظومة المشهورة الملقبة (بالصادح والباغم)، فقال- بعد تحميد كثير- ~~ما لفظه: وحديث الشرح المبارك هو كتاب صغير حجمه، كثير علمه، فجزى الله من ~~أهداه إلينا خيرا، ودفع عنه ضيرا، والتنبهات التي نبهنا عليها يسيرة، ولم ~~تكد تخلو مؤلفات نحارير العلماء عن مثل ذلك. # هذا الزمخشري على نباهة قدره، وتضلعه من العلوم، وهم في (الكشاف) في نسب ~~أيوب النبي -عليه السلام-، وهذا الإمام يحيى بن حمزة وقفنا له على شرح ~~(لنهج البلاغة) [و] يسمى: (الديباج)، وذكر في خطبته: أن جامع النهج: الشريف ~~أبو أحمد والد الشريف الرضي، وهذا وهم ظاهر، وهذا الإمام المنصور بالله وهم ~~في نسب أبي سعيد الخدري، وذكر أنه مولى، ذكر هذا في (حديقة الحكمة شرح ~~الأربعين السيلقية)، وهذه الأوهام غير قادحة في علومهم، وإنما الإنسان يعرض ~~له النسيان، وأما ما حكاه وذكره القاضي شمس الدين أحمد بن خلكان في نسب ابن ~~مقلة، وأنه محمد بن الحسين، فكلامك [هذا] هو الصواب، والوهم وقع منا؛ لأن ~~ابن الناصر ذكر في بعض الكتب: أن اسمه علي، فجوبت ms521 له بكلام ابن خلكان، ~~فاعترف بأن الوهم منه. PageV03P124 # قال: ومطالعتنا لمجموعكم المبارك كانت أياما قلائل، وعول علينا السيد ~~المرتضى بن قاسم في عاريته، ووقف معه برهة، يجدد له كل يوم نزهة، وحديث ~~الخلفاء العبيديين وانحراف النواصب عن أمير المؤمنين، وعن أهل البيت ~~الطاهرين، الأمر في ذلك كما وصفت، والنصب داء دوي، ومشرب وبي، وقد أحسن ~~القائل حيث قال: # تداعى لحرب بني المصطفى %~% ذوو النصب فيها ومراقها # وأحسن الإمام المنصور بالله -عليه السلام-، حيث قال: # لقد مال الأنام معا علينا %~% كأن خروجنا من خلف ردم # قال ابن الناصر في كتابه المذكور: وقد كنت [في] أيام تقدمت عنيت في جمع ~~مجموع في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام، وصدرت إليك منه قطعة قف عليها ~~وردها، ونبه على ما وجدت فيها من خلل، فالمؤمن مرآة أخيه، والله يوفقنا ~~جميعا لما يرضيه، ويجعلنا من المتحابين فيه، وبعد السلام، والدعاء مستمد ~~[وطيه وصل ملحق خيرا] إلى الفقيه جمال الدين قد وجهنا لك عشرين أوقية فضة، ~~فتفضل بقبولها، وبسط العذر، وصدر لها من الفقيه محمد بن مهدي الشقري، وإن ~~حصل مناقلة بها من صعدة فهو أصلح، وبعد السلام، فلما جاءني من مصنفه ~~المذكور قدر سبعة عشر كراسا في قطع كامل بخط متقارب، وقفت على كتاب عارف، ~~مطلع على مناقب أهل البيت دقيقها وجليلها، وزهدت أن بقية الكتاب يأتي مثلي ~~ما أرسل به، وأكثر نقله لما فيه من كتب أئمة الحديث، التي وقع الاتفاق منا ~~ومن مخالفينا على ما فيها. PageV03P125 # نعم: ولما عرض له [المرض] الذي ذكرته لك، فأصله: أنه دخل المطاهر كعادته ~~للطهور، فسقط في المطاهر لوثبة الفالج عليه فيه، فانزعج من عنده من حشمه، ~~واهتالوا من هذا الحادث الذي مالهم به عهد، فأخبروا بذلك من يليهم،ومن ~~يليهم أخبر من يليه، فذاع ذلك في المدينة ثاني ذلك اليوم، وضاق الناس وبقوا ~~على ذلك أياما، فطرأ على ذلك [المرض] عود أكثر صحته، ففشى خبر صحته فوق فشو ~~مرضه، وكتب بذلك إلى صعدة، وقدمت به بشرى يحكون ما قيل ms522 في ذلك من الأشعار، ~~ونقل إلينا بعضهم بعضها، فمنها للسيد الفصيح، ذي النسب الصريح، [والود ~~الصحيح]، عز الدين محمد بن المرتضى بن محمد بن علي بن أبي الفضائل، قوله: # عم هذا السرور عبدا وحرا %~% وأطالوا لمالك الملك شكرا # وزهى الأفق واستنار سناه %~% وعلا النور منه بحرا وبرا # وثغور السعود تفتر عجبا %~% وغصون الفخار تهتز فخرا # ونسيم الرياح يخطر في الرو %~% ض فيهدي لنا من الزهر عطرا # وشموس الكمال تزهر نورا %~% ونجوم السماء تبسم زهرا # وسرى البدر بالسعادة ليلا %~% وبدا نيرا وباليمن أسرى # فرحا بالإمام حين رأته %~% طيبا حائزا شفاء وأجرا # ملك ما لمجده من نظير %~% جعل الجود للرئاسة مهرا # وبنى بيت مجده وعلاه %~% فسما همة وبأسا وقدرا # لا يدانيه في الزعامة ملك %~% فهو بالمكرمات أولى وأحرى # وغدا في الأنام ينشر عدلا %~% ويقيم الهدى وينفذ أمرا # وسعى في إقامة الدين سعيا %~% وأتى غيره من الأمر أمرا # ذو حلوم من العلوم بطين %~% وسواه يلقى من العلم صفرا # قد حوى صدره من العلم بحرا %~% وحوى كفه من الجود بحرا # والذي صدره حوى العلم والك %~% ف حوى الجود كان في المجد صدرا PageV03P126 لست أقوى على معاليه حصرا %~% من لرمل الفلاة يقدر حصرا # يعشق العلم لا يريد سواه %~% ليس يهوى من النواعم بكرا # عذبة الثغر ذات قد رشيق %~% مستطيل من الكواعب عذرا # جيدها الغصن مايسا إن ثناه %~% خافق الريح عطر الأفق نشرا # وعلى خدها كروض بسيم %~% نثرت من زهوره المزن درا # نحن نرضاه هاديا وشفيعا %~% ونرى أن فيه لله سرا # يا إمام الهدى ويا خير داع %~% دمت في العلم والسيادة حبرا # نذر الناس يوم برئك صوما %~% غير أني نذرت وحدي فطرا # عالما أن يوم برئك عيد %~% لا أرى صومه وإن كان نذرا # وعليك الصلاة ما لاح برق %~% لا ترى يا إمام دهرك ضرا # وقلت أنا [في ذلك] رعاية لحق هذا الملك المتفضل [المالك] : # يا بشيرا ما مثله من بشير %~% حين وافى بموجبات السرور # هو فيما أتى به وحكاه %~% من مبادئ معثمرات الصدور # ثم إسراع غارة ms523 الله فورا %~% مثل لمع المهند المطرور # محسن منعم على كل حال %~% خاتم للعسور بالميسور # فجزاه الإله عني جميلا %~% دائما لا يبيد مر العصور # حسبنا الله ربنا وكفانا %~% في شحاك العداة صرف الدهور # إنما القائم المؤيد روح %~% للبرايا صغيرهم والكبير # وإذا اعتل روح جسم تولى %~% كل عضو منه بسقم ضرير # أنت يا ابن المطهرين من الرجس %~% ويا ابن البشير وابن النذير PageV03P127 حجة الله في الزمان على الخلق %~% كما كان حجة ذو الزبور # أنت عالي في كل فضل عميم %~% مثل بدر على الأنام منير # أنت في قصرك الممنع فرد %~% وهو فرد ما مثله في القصور # فيك حلم وعفة وسماح %~% وعلوم غزيرة كالبحور # وهو كهف لمستظل وأمن %~% من مخوف ومنهل للفقير # أطربتنا أخبار برؤك مالم %~% يطرب الركب من مقال المغير # عرجاني بآل نعم فإني %~% دنف مغرم بتلك الخدور # نحمد الله فوق حمد البرايا %~% وله الشكر فوق شكر الشكور # حين لم يفجع الموالين فيمن %~% هو نور لهم على كل نور # أشرق الكون وانجلى كل بؤس %~% وتجلت حنادس الديجور # يالها فرحة تعادل وزنا %~% لو وزنا بيذبل أو ثبير # وتولى الحسود والمظهر الإر %~% جاف في الأرض حظ حر السعير # قدرت حق قدرها في أزال %~% وسعوا في انتشارها والظهور # أيها المعتلي على ظهر حرف %~% مثل نوق تمر مر الصقور # من نجيبات شدقم أو جديل %~% قد رعت ريف عالج أو ثغور # تعثر الريح حين تجري وراها %~% فتلوى بجاثمات الصخور # سر كفاك الإله كل مخوف %~% وتنكبت كل خطب عسير # فإذا ما وصلت أرضا سقاها %~% كل نو من البروج مطير # فاقر عني السلام ملكا بصنعاء %~% لم يزل حبه بأقصى ضميري # كم له من يد لدي وفضل %~% في خفاء من مقصدي وظهوري # ثم قبل كفيه عني ثلاثا %~% في سياق من السلام الكثير # ثم قل إن عبدكم قد تمنى %~% أنه يوم برؤكم في الحضور # الذين اغتدوا وراحوا وكل %~% منهم من شفائكم في حبور # غير أنا في صعدة قد فعلنا %~% ما أطقناه حين نطق البشير # كان منا من استجد صلاة %~% وصياما شكرا لرب ms524 غفور PageV03P128 وأناسا قاموا من الليل بعضا %~% وأناسا وافوا بشرط النذور # ثم أنا نحميك من كل بأس %~% في حمى ربك اللطيف الخبير # أنت جار الإله من كل شر %~% فهو والله خير كل مجير # وعليك السلام يترى ويتلى %~% ما تلى حزبكم حديث الغدير # لا إله إلا الله لا إله إلا الله، الملك لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. # ما أسرع ما أبدلت التهاني بالمراثي، فلم تحل عليه تلك السنة حتى مات، ~~وأنشدت في مراثيه قصائد مبكيات، ومما قلته أنا في ذلك: # لموت مليك من لؤي بن غالب %~% أذيل مصونات الدموع السواكب # وأظلمت الآفاق حتى كأنما ال %~% نهار اسودادا من صنوف الغياهب # وأوحشت الأقطار صار سوادها %~% وأمصارها من وحشة كالسباسب # وأقوت ربوع العلم والحلم والحجا %~% وأكدى طواف المرتجي للمواهب # وأصبح ركن العدل بعد مقيمه %~% ومحييه ميتا غائبا غير آيب # وقد كان مولانا المؤيد مولعا %~% به نازلا منه بأعلى المراتب # تراه ملاكا للسياسة بل هو ال %~% سياسة طرا في جميع المذاهب # به تعمر الدنيا فيكثر خصبها %~% ويكفي بنوها طارقات النوائب # ولم أر ملكا ضم مثل محمد %~% وأحرز أسباب العلا والمناقب # له حكم لقمان وصورة يوسف %~% وملك سليمان وعفة راهب # وصدق أبي ذر وبشر حذيفة %~% وحدس إياس واتساق المناصب PageV03P129 وكان بغمدان المشيع كعبة %~% يطوف بها الوفاد من كل جانب # يبثون عنه الحمد والشكر والثنا %~% ولو سكتوا أنباك ما في الحقائب # فلهفي على ابن الناصر بن محمد %~% محمد المحمود من آل طالب # ووجدي عليه وجد نكدى طوحت %~% بجيرتها الأدنين أيدي الذواهب # فتى كان بي برا حفيا مقربا %~% صديقا وفيا قاضيا للمآرب # إذا انقطعت كتبي إليه لعارض %~% يعاهدني بالكتب في زي عاتب # رسائل أحلى من حياة معادة %~% وأكثر ذكرا من دهور الشبائب # أفكر في كف أقامت خطوطها %~% وكانت محلا في بروج الكواكب # هل انجاب عنها الترب نعيا أم امحت %~% هنا لكم منها خطوط الرواحب # بكته المعالي والعوالي كما بكى %~% عدي كليبا يوم دير الذباذب # وهذا بكت صنعاء عليه وأهلها %~% ومن حولها من شرقها والمغارب # فصعدة قد ms525 عجت عليه ومن بها %~% بأصواتهم مثل الشريك المثاوب # وقائمنا المنصور حامي ثغورنا %~% ومنقذنا من شر تلك النوائب # رأيت له دمعا عليه كأنه %~% سموط لآل في نحور الكواعب # وضجت كرام حوله بات دمعهم %~% تفيض انسكابا كانسكاب الميازب # فيا أيها الموت الذي دق شخصه %~% فلم تره عين ثوت تحت حاجب # هبلت لقد أظميتنا في حلاحل %~% على غرة فعل العدو الموارب # فلو كان يحمي عنك حصن مشيد %~% به حرس يحمون كل محارب # إذا لحماه عنك غمدان عنوة %~% وذو مرمر سامي الذرى والجوانب # وإخوان صدق من ذؤابة هاشم %~% يقودهم الضرغام دامي المخالب # أخوه المسمى أحمد خائض الوغى %~% إذا انقدحت بالخيل نار الحباحب # حواليه جند من بكيل وحاشد %~% يحامون في الهيجاء أمثال شارب # ولكن بأمر الله فيه غلبتنا %~% وأمر إله العرش غير مغالب # ولو كان حي قد فدى من يعزه %~% بنفس وإخوان له وأصاحب # إذا لفداه الأكثرون تبرعا %~% فكم واحد خير لهم من عصائب PageV03P130 وهيهات ما يفدي حميم حميمه %~% إذ الموت للإنسان ضربة لازب # كثير حياة المرء مثل قليلها %~% تزول وباقي عيشه مثل ذاهب # فيا مرسلي إن جئت صنعاء ضحوة %~% حماها إلهي من كثير الشوائب # فقل لي لشمس الدين أحمد والأولى %~% حواليه من صدر خليل وصاحب # لكم أسوة في المصطفى وابن عمه %~% فإنهما أهل النهى والتجارب # وصبرا جميلا واحتسابا فإنما ال %~% ثواب على قدر احتمال النوائب # وقولي لكم صبرا على الرزء سنه %~% وإلا فلستم تلهمون بصائب # ونسأل من عم الورى بنواله %~% وأرخى عليهم مسبلات السحائب # يبل ثرى قبر تضمن جسمه %~% ويؤنسه عند انصراف الأقارب # ويرقاه بالرضوان فورا فلم يكن %~% على طاعة الرحمن غير مواظب # بآية ما كان ابتداء شكائه %~% طهور به ينوي صلاة الرغائب # عليه سلام الله وقفا فإنني %~% رأيت الكريم الحر رهن النوائب # وإني لكل العترة الشم وامق %~% فيا لائمي في حبهم لست صاحب PageV03P131 ### | [ذكر من ملك صعدة في عصر المصنف من أولاد الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة -عليه السلام-] ### || فصل: ومما يحسن ذكره في هذا الموضع الذي ترتب على قوله: # وذا ms526 زمانك، إلى آخره.. أني أذكر نبذة ممن ملك صعدة ونواحيها من بني ~~المنصور بالله في عصرنا، فأقول: PageV03P132 ### || [الأمير الحسين بن علي بن قاسم] # أولهم: الأمير الحسين بن علي بن قاسم، ملكها في ذي الحجة [من] سنة ست ~~وستين وثمانمائة [سنة] ؛ لأنه كان من جملة عسكر جمعه السيد يحيى بن صلاح ~~الهادوي، وحطوا على صعدة، فلما كاد يأخذها توالس الأمير هو وأهل صعدة، ~~وأحبوا جانبه، فوعدهم إن سهلوا له الدخول ووعدوه بذلك، فلما فتح السيد صعدة ~~خاف أهل صعدة إن تقوت شوكته عليهم يجور عليهم ويأخذهم بذنوب قد أسلفوها إلى ~~جدته الشريفة فاطمة بنت الحسن حال إخراج الناصر لها من صعدة، وأخذ البلاد ~~عليها، فرجحوا للأمير الحسين ولأصحابه بني حمزة أن يلزم السيد يحيى، وقالوا ~~له: سيفان لا يصلحان في غمد، فلزمه وصاح للناس بالأمان والضمان، فلما استقر ~~بالمدينة أصلح البلاد، وقدم ولده الهادي عليها إلى أن مات الحسين في [أول] ~~سنة اثنتين وسبعين في الزاهر من الجوف، وقبره هناك مشهور. PageV03P133 ### || [الأمير الهادي بن الحسين] # فاستمر الهادي واليا للبلاد، ولم يكن قد ملك أبوه تلمص وغيره من الحصون، ~~ولكن ملكها الهادي ما خلا حصن نعمان فقد كان مع وال كان فيه لحي عامر بن ~~طاهر، حفظه مدة وانكسر عليهم جوامك كثيرة، فأذن له ابن الطاهر في بيعه، ~~فشراه الهادي بعد أن حط عليه، ثم استمر الهادي يغادي الغارات على صنعاء، ~~ويراوحها وفيها ابن الناصر، فما قدر عليها حتى قتل في ذي القعدة [من] سنة ~~ثلاث وسبعين، قتله بعض عرب الجوف في عدة من عسكره وبني عمه الحمزات. # ودفن عند أبيه في مشهدهم في الجوف. PageV03P134 ### || [الأمير محمد بن الحسين] # وملك البلاد أخوه محمد بن الحسين، فطالت مدته، وتقوت على الأعداء شوكته، ~~واشتهرت شجاعته وحميته، وكثرت في عصره بنو عمه وذريته، ونقم بالثأر ممن قتل ~~أخاه وأسرته، وحضر وقائع كثيرة يخذل الفرسان، ويكسع الأقران، إلى أن توفي ~~على فراشه بين إخوته وعترته، في بلد مسقط رأسه، ومنبت شعبته [بالجوف ~~بالزاهر]، وكان ذلك يوم ms527 حادي عشر من رجب سنة خمس عشرة وتسعمائة سنة، وبلغ ~~علم وفاته إلى صعدة يوم ثالث موته، فوقع فيها رجة عظيمة بموته، وبكى عليه ~~من يعرفه، ومن لا يعرفه، حتى من كان يتمنى موته دامت عليه حسرته، وجرت ~~دمعته؛ لأنه كان فيه خصال محمودة، منها: نزاهته عن المعاصي التي تدنس عرض ~~الشريف، ومنها: # أنه كان كثير الصفح والعفو، وعدم الحنة على الخصم، فإذا قدر عليه في ~~معركة في الأغلب رفع السيف عنه وغير ذلك من خصال الكمال، فأما شجاعته ~~العظيمة، فأقر له بها الموالف والمخالف، وأقام عليه الناس القراءة في ~~المساجد ثلاثة أيام -سيما- بمسجد الهادي -عليه السلام- وأنشدت فيه المراثي، ~~وعقرت عليه العقائر الكثيرة في الجوف، وفي صعدة، ودفن في الزاهر، وعمل عليه ~~هناك تابوت صنع في صعدة، وأرسل به [إلى ثم]، وكانت مدة عمره قدر سبعين سنة ~~فما حولها، وملك البلاد قدر نيف وأربعين سنة، وخلف أولادا نجباء أهل شجاعة، ~~فولي منهم بعده وقبل موته الأمير شمس الدين: أحمد بن محمد، وكنيته المتوكل ~~على الله [تعالى]، فمات أبوه، وقد تقوت شوكته، وانتشرت في البلاد كلمته ~~وهيبته ورعيته، ومال الأشراف بنو حمزة في الأغلب ميلته. PageV03P135 # وأما تدريج نسب محمد بن الحسين إلى المنصور بالله -عليه السلام-، فهو: محمد ~~بن الحسين بن علي بن قاسم بن الهادي بن عز الدين محمد بن شمس الدين أحمد بن ~~الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن سليمان، ونسبه من سليمان إلى علي ~~بن أبي طالب، وإلى رسول الله ظاهر، وقد تقدم في ترجمة المنصور بالله عليه ~~السلام، وذكر من له النسل من أولاده، والمقصود أن الذرية في عصرنا أشهرهم ~~في أولاد شمس الدين، ومن أولاد قاسم بن المنصور آل أبي سلطان بلادهم خيوان، ~~وقد نقل إلى صعدة بعضهم، وهم أولاد حي صلاح بن عز الدين، فأكثر أولاد شمس ~~الدين بن المنصور من نسل ولده عز الدين محمد، وبعدهم في الكثرة أولاد موسى ~~بن شمس الدين، وهم يسكنون بصعدة، والحسينيات، ومنهم من يسكن في البدو، ms528 ~~وأكثر ذرية موسى بن شمس الدين في عصرنا من نسل المهدي بن محمد، وأكبر ~~أولاده: علي بن المهدي، وبعدهم أولاد قاسم بن شمس الدين، وهم أولاد ناصر بن ~~صالح وأخيه علي بن صالح؛ لأنه وقف أمواله في دماج على أولاده وأولادهم، وما ~~تقسم أبضاعها في عصرنا إلا هؤلاء المذكورين، ثم جاء لعز الدين، وهو محمد بن ~~شمس الدين أولاد نجباء كملاء، وهم: # المهدي بن عز الدين، وأحمد بن عز الدين، والهادي بن عز الدين، فأولاد ~~المهدي بن عز الدين في عصرنا في ذرية ثلاثة من أولاده، وهم: # محمد، وذريته أولاد الهادي بن صلاح. # والثاني: الحسن، وذريته آل سند، وعبد الله بن المهدي. # والثالث: صلاح، وذريته السيد أحمد بن داود وأولاده. PageV03P136 # وأما أولاد أحمد بن عز الدين بن محمد، فهم: آل سهيل بن يحيى، يسكنون ~~المسعودة من أعمال صعدة، وآل الخباط يسكنون الزاهر من الجوف. # وأما أولاد الهادي بن عز الدين: فهم الجم الغفير في الجوف، وفي صعدة ~~ونواحيها؛ لأن النسل من عياله في سبعة أو ثمانية، وتدريج نسبهم إليه مشهور، ~~فالمملكة في أيدي أولاده آل علي بن قاسم بن الهادي بن عز الدين، وكان ~~الهادي هذا مالكا لصعدة وغيرها، ويسكن العراقية، واشتهرت نسبة العراقية إليه. # واعلم أن هذا الشريف له في العترة محل رفيع منيف، وكثرة أوصافه وحميد ~~سعيه يستوعب مصنفا كبيرا غير لطيف، لكني أحببت أن آتي من سيرته هنا بنبذة ~~مختصرة؛ رعاية لحق من عدل في رعيته من العترة الكرام، وحذا حذو ~~الأئمةالكرام، في الإقدام والإحجام، واقتفى مذهب جدهم - عليه الصلاة ~~والسلام -، فاعتمدت على رسالة وجهها [إليه] بعض علماء صعدة الأعلام، وهو ~~الفقيه العلامة، المدره الصمصامة: مطهر بن أحمد بن تريك، وكان من نحارير ~~عصره، وقرأ على الإمامين، العلمين، الأفضلين: يحيى بن حمزة، ومحمد بن ~~المطهر، وظهرت علومه في عصرهما، افتتحها الفقيه بقوله: PageV03P137 ### || [رسالة ابن تريك إلى أمير صعدة] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله المتعالي عن الأضداد والأنداد، المنزه عن ظلم العباد، المبرأ ~~عن الصاحبة والأولاد، الحكيم ms529 فيما قضاه، والعدل فيما أراد، لا إله إلا هو ~~الكريم الجواد، والصلاة على خير الرسل وخير العباد محمد وعلى آله الأكرمين ~~الأمجاد. # وبعد.. # فإن الله يشد أعضاد الدين، ويشيد أركانه، ويرفع ذكره، ويعلي مكانه، ~~[ويضاعف أنصاره، ويكثر أعوانه، ويسني قدره العالي]، ويسمي بنيانه بتشيد ~~أعضاد الملك الجواد، سامي المحل، رفيع العماد، شحاك الملحدين، ونصرة ~~الموحدين، جمال الدنيا والدين: الهادي بن محمد بن أمير المؤمنين، ذي الهمم ~~السامية، والعناصر الشريفة الزاكية، والله تعالى يسني له المقاصد، ويلهمه ~~المراشد، ويهديه إلى العمل بطاعته، والمحافظة على مرضاته، ويعينه على ~~القيام بشكره، والامتثال لنهيه وأمره، بحق [جده محمد] المختار، وعترته ~~الطاهرين الأخيار. # نعم: لما لمحت من لمحات ناظره، وفهمت من خطرات خاطره، أنه يحب سلوك طريق ~~النجاة، وتجنب مداحض الخطر والهلكات، وإنه لا يبتغي إلا رضاء ربه في السكون ~~والحركات،أحببت أن أذكر خاطره الكريم، بما إذا أحاط به علما، واحتوى نظره ~~الثاقب عليه فهما، كان محركا لدواعيه إلى ما يكون به سبب النجاة والسلامة ~~من كل مهواة -إن شاء الله [تعالى] -؛ ليعلم مد الله مدته: أن أول ما ينبغي ~~أن يختار له وزيرا صالحا، فقد قال النبي : ((من ولي شيئا من أمور الناس ~~فأراد الله به خيرا جعل له وزيرا صالحا، فإن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه)). PageV03P138 # وقال: ((المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل )). # ثم ليختر بعد ذلك جلساء صالحين يعتمدون مجالسته، فقد قال النبي : ((مثل ~~الجليس الصالح مثل الداري، إن لم يحبك من طيبه وإلا علقك من ريحه)) فإذا ~~اعتمد على ذلك -أدام الله عزه- لم يصدر منه رأي إلا على وفق الصواب، ولا ~~ينفذ له أمر إلا بعد أن تثقفه الألباب، وإن لم يتيسر له جليس صالح على ما ~~في نفسه لم تفته مجالسة كتاب، قال أبو الطيب: # أعز مكان في الدنى ظهر سابح %~% وخير جليس في الزمان كتاب PageV03P139 لا سيما كتب أخبار الأخيار والآثار؛ فإنها جامعة لجميع الأوطار، ناصحة ~~للناظر فيها من الإعلان والإسرار، مهذبة له في أموره من الإيراد ms530 والإصدار، ~~ثم ليول بعد ذلك الولاة الأمناء المكناء، ثم ليستخدم أولي النجدة والبأس، ~~من أجواد الناس، وليطرح من ليس من الأكياس، ثم لينظر [بهم] في الكفاية لهم، ~~والحاصل من المال والمصروف منه، حتى يحمله ذلك على تخفيف ما زاد على ~~الرعية، وحفظ ما لابد منه، فلا يجد تفاوتا بين حالتي الجور والعدل إلا بقدر ~~الذي يصرف في غير وجهه، وهو مالا يخل بالدولة تركه ويضر الرعية فعله فإذا ~~عمل على ضبط ما يتحصل من المال وما يصرف منه، وجعل على كل شيء ناظرا، ~~وحافظا، وصادقا، كان الأمر أقرب إلى الانتظام، ثم ليكن قبض المال وصرفه على ~~وجه يسوغه الشرع، ويجيزه وعلى وفق خواطر العقلاء حتى لا يستنكره من له عقل ~~سليم ونظر مستقيم، فلا يكون أخذه على وجه الفرق التي لا استناد لها، بل على ~~طريقة مرضية وسيرة سوية، وإذا التبس كيفية الطريق إلى ما يكون مسوغا شرعا ~~راجع في ذلك أهل العلم وذاكرهم من جهته، وما يرآه جائزا شرعا وحسنا عقلا، ~~بحيث لا يشوش خواطر الرعية أخذه وقبضه، ويكون تناوله منهم على وجه اللطف لا ~~العنف والتجبر، بل الرفق ولين الجانب، وطلاقة الوجه، فإن الأمر إذا كان على ~~هذه الصفة خفت فيه مؤنه على الرعية، وسهل عليهم بذله، وتبادروا على إعطائه، ~~وتنافسوا في أدائه -إن شاء الله تعالى-. PageV03P140 # وليعلم -مد الله ظله-: أنه إذا سلك بالناس هذه الطريقة الحسنة، وسار بهم ~~السيرة المستحسنة، أطاعه الخاص والعام، وكان عندهم في محل الإمام، وخدموه ~~خدمة إكرام وإعظام، وكمل أمره ودام، وكبت بذلك الأشرار والأعداء، وخاف منه ~~كل من عليه في قلبه داء، وتمنى الكل أن يكون له الفداء، وذلك أن الناس إلى ~~الملك العادل أحوج منهم إلى طعامهم وشرابهم ويقظتهم ومنامهم، لما فيه من ~~المصالح العظام، وتملكه للخلق من الانتظام، أنه ينصر المظلوم، ويكف الظالم، ~~ويؤمن الخائف، ويفك العاني، ويمنع الخلق فيما بينهم من التظالم، وينفي عنهم ~~المآثم، ويعيش في ظله القوي والضعيف والوضيع والشريف إلى غير ذلك من ~~المصالح. PageV03P141 # قال ms531 النبي : ((السلطان العادل ظل الله في أرضه ))،ولعمري أن المتطرق لهذه ~~الطرائق لخليق بهذه الخلائق، فيكون الناس كلهم أعوانه على من ناواه، ~~وأنصاره على من طلبه وخاطاه من غير أن يفتقر إلى طلب خدم وأعوان وعبيد ~~وغلمان، يشهد بذلك العيان،ويعترف به القلب واللسان، ولا يجحده إنس ولا جان، ~~وتحقيقه في سيرة كسرى أنو شروان، ويؤيده قوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان }[النحل:90]، ولا يدخل في خاطره أن السيرة المرضية التي يقضي بها ~~العقل والشرع، وتوافق الغريزة والطبع ممتنعة متعذرة بل هي ممكنة متيسرة؛ ~~لأن الله تعالى لا يكلف الملوك إلا ما كان داخلا في وسعهم؛ قال الله تعالى: ~~{لا يكلف الله نفسا إلا وسعها }[البقرة: 286]، لأنه [تعالى] إذا أمكنهم من ~~البلاد والعباد، وأنفذ أمرهم في الإصدار والإيراد، وجعلهم يقودون الخلق ~~بزمام الطاعة، ويحملونهم على السمع والطاعة، أراد منهم أن ينظروا في عباده ~~وبلاده بما يرضاه، وقد قال تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه ~~لكم}[الزمر:7]، وقال تعالى: {وما الله يريد ظلما للعباد }[غافر:31]، وإذا ~~ثبت أنه إذا أمكنهم من الملك إلا ليفعلوا بما هو صلاح الخلق، دل على أنهم ~~قادرون على السيرة التي فيها استقامة أمر الناس، وصلاحهم على قدر وسعهم ~~وطاقتهم، وأنه أمر متيسر غير متعسر، وأن ثوابهم أكثر وأغزر من ثواب من لم ~~يكلف ذلك لما انطوى تكليفهم عليه من الفوائد والمصالح، ومما يدل على ذلك ~~قوله ((الخلق PageV03P142 عيال الله، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله ))، ولا شك أن الملك العادل للخلق ~~أكثر من منافعهم فيما بينهم، فيكون على ذلك أحب إلى الله من رعيته لأجل ~~نفعه لهم، وذلك إذا فعل ما يفعله منهم لله تعالى وللدار الآخرة وامتثالا ~~لما أراد الله منه نال عند الله درجة عظيمة، لا يبلغها إلا من ملكه الله ~~مثل ما ملكه، وعمل مثل ما عمله، وإنما قلنا: إنه إنما ينال هذه المنزلة عند ~~الله إلا بالنية الصالحة، فلقوله : ((الأعمال بالنيات ))، ولعمري أن من ~~قصده الله سبحانه بأفعاله ولو قلت طاعته أفلح وأنجح، ms532 كيف [إلا] من مكنه ~~الله من الملك، وعمل فيه بما أراده الله منه فإنه أكثر فلاحا ونجاحا، ~~وسدادا وصلاحا، وإياك من قائل يقول لك: إنك إذا سرت في الناس السيرة ~~الحسنة، وسلكت بهم الطريق المستحسنة عتوا وتجبروا، وخالفوا وتكبروا ~~وامتنعوا من أداء الحقوق الواجبة، وسارعوا إلى الشقاق والنزاع، فاحذره فإنه ~~إنما يريد بذلك حطام الدنيا، ولا يراقب الملك الأعلى، وهمته في هم المال، ~~واكتسابه من طرق الحرام لا الحلال، وهو يظهر نصحك، وهو في الحقيقة غاش لك ~~ولنفسه، فالحذار [الحذار] من أن تصغي إليه سمعا، أو تجعل كلامه مجنا [لك] ~~أو درعا فإن الأمر بخلاف ما قال، فلا يكون ذلك إلا إذا كان الملك عاجزا عن ~~ردع الجهال، وقمع أرباب الضلال، وأما إذا كان كالمقام العالي ثابت الجنان، ~~كثير الأعوان، مطاع السلطان، محتني السيف والسنان، قوي الأركان، في كل عنق ~~منه طوق إحسان، فإنه لا يخالف في شأن، وإن خالفه مخالف قام عليه الثقلان، ~~وألحق به الذل والهوان. PageV03P143 # فليعمل المقام العالي -أدام الله عزه- على سلوك هذه الطريقة؛ فإنها تكون ~~سببا لنجاته -إن شاء الله تعالى- على الحقيقة، وليجعل ذلك على سبيل التدريج ~~ليكون أقرب إلى مساعدة النفس إلى ذلك وأسهل على الخاطر؛ لأن الأشياء إذا ~~أخذت على سبيل التدريج من رتبة إلى رتبة وحالة إلى حالة قليلا قليلا طاوعت ~~النفس وساعدت وانقادت، وإذا كلفت النفس طرح ما تألفه [مرة واحدة] جمحت ~~ونفرت، ولم تساعد إلى ما طلب منها، وشق ذلك عليها، وكان [ذلك] سببا إلى عدم ~~الطاعة والإذعان منها. PageV03P144 # قال النبي : ((إن هذا [الدين] متين، فأوغل فيه برفق فإن المنبت لا أرضا قطع ~~ولا ظهرا أبقى))،وقال : ((يسروا ولا تعسروا، وقاربوا، وسددوا))، ألا ترى أن ~~من اعتاد كثرة الأكل عسر عليه تركه دفعة واحدة، وشق ذلك عليه المشقة ~~العظيمة، فلو ترك من الغداء لقمة يسيرة ثم من العشاء كذلك واعتاد ذلك، ~~وتدرج إلى أكل القليل قليلا قليلا سهل ذلك عليه، وقنعت نفسه، وهذا واضح لا ~~يحتاج إلى دليل، وليجتهد بعد ذلك -أمتع ms533 الله بحياته المسلمين- في القيام ~~بما كلفه الله [تعالى] مما يخصه في نفسه، فإنه إذا اجتمع له الأمران حصل له ~~أجران، وكان معظما في كل مكان، ممدوحا في كل أوان؛ لأن من أحبه الله أحبه ~~كل الناس، وانتشر عليه كل قلم ولسان، فقد روي عنه أنه قال: ((إذا أحب الله ~~عبدا جعل محبته في الماء، فمن شرب منه أحبه))، فهذا ما أردت مذاكرته به ~~[عليه] على طريق الإجمال، ولولا كثرة الاشتغال لأوسعت المجال في ضرب ~~الأمثال، والاحتجاج على صحة ما أوردته والاستدلال، ولكنه قال : ((ما قل ~~وكفى خير مما كثر وألهى ))، والمقام أيده الله [تعالى] ممن لا تقرع له ~~العصا، ولا ينبه بطرق الحصى، وهو ممن ذكره أعرف وأدرى، وقدره الشامخ أرفع ~~وأعلى، ألهمه الله [تعالى] وإيانا موجبات الهدى، وجنبه وإيانا مداحض الزلل ~~والردى، وسلك بالجميع مسالك الرضى، بحق محمد المصطفى، وعترته الأصفياء، إنه ~~سميع الدعاء، جزيل العطاء، قادر على ما يشاء؛ وهذه أبيات نظمتها ليتأملها ~~المقام العالي بنظره الثاقب، وفكره الصائب، تحتوي على مضمون ما تقدم، وهي: PageV03P145 # مديحك أحلى ما رواه لسان %~% وذكرك أولى ما حواه جنان # لأنك ملك فيك حلم ورأفة %~% وسوحك للعافي منى وأمان # وعدلك منشور اللواء على الورى %~% ومن ذا الذي تحت اللواء يهان # وأخلاقك الغر الحسان لأنها %~% رياض وأنهار فهن جنان # وجودك منهل لكل مؤمل %~% فليس بخال من نداك مكان # وعرضك موفور مصون معظم %~% ومالك للوفاد ليس يصان # وأنت لدى الحرب العوان غضنفر %~% شجاع ومن خوف الملام جبان # جمال الهدى سمعا لنصحي فإنه %~% يدل عليه سنة وقران # عليك بفعل الصالحات وكسبها %~% فمن يفعل الخيرات فهو معان # وسر سيرة المنصور جدك إنها %~% لملكك في الدنيا حمى وضمان # وتظفر في العقبى بملك مؤبد %~% وجنات خلد حورهن حسان # فإنك في الأشراف درة تاجهم %~% ومن عقدهم وسطاه وهو جمان # ونبراسهم في المعضلات إذا دجت %~% وإن نابهم خطب فأنت سنان # فعيش الفتى ظل يزول وعمره %~% قصير وإن عوفي وطال زمان # وحالاته شتى عليه فتارة %~% علو ووقتا ذلة وهوان # ويوما له ضوء ms534 الشهاب ونوره %~% وحينا وقد غطى عليه دخان # وغاياته شيخوخة وزمانة %~% وموت وقبر ثم بعد يدان # فيا مالك الأشراف يا ابن محمد %~% بدارا لما تنوي فأنت معان # فمثلك من أحيا شريعة جده %~% وقامت صلاة واستقام أذان # ودارت رحى الإسلام بعد سكونها %~% وصالت به كف له وسنان # ألم تر يا نجل الإمام عمارة %~% بصعدة لما بان منك أمان # وخففت بعضا من رعاياك أصبحوا %~% وهم لك أصحاب عليك ضنان PageV03P146 فكيف إذا أسبلت سربال رأفة %~% عليها عنت بصرى لها وعمان # وأضحت قصورا شامخات وحولها %~% بساتينها يلهو بها الورسان # وأصبح من والاك فهو معظم %~% عزيز ومن عاداك فهو مهان # فيا ابن رسول الله وابن وصيه %~% ومن قدره من دونه السرطان # سماعا لنصحي إنه نصح وامق %~% وقول صحيح واضح وبيان # بقيت لأهل الدين كهفا وملجأ %~% يخافك في أوطانه الحدثان # ولا زال للإسلام ظلك دائما %~% وجودك فيه للعفاف خوان # تمت الرسالة، قال مصنفها: إنها أنشئت في جمادى الأولى من سنة ثلاث ~~وثلاثين وسبعمائة [سنة]. PageV03P147 ### | [خاتمة شرح أبيات البسامة] # فصل: ولنختم هذا الشرح بإيراد أبيات المنظومة بقلم أحمر إلى آخرها، ثم ~~تفسير ما ينبغي تفسيره. # قال السيد صارم الدين [رحمه الله تعالى] : # فهاك ما قلت في داع ومقتصد %~% ساع إلى طاعة الرحمن منشمر # قد باينوا كل ذي لهو وذي لعب %~% بالفسق مشتهر للخمر معتصر # يدبر الأمر من مصر إلى عدن %~% إلى العراقين بين الدن والوتر # إذا تهجد بالأسحار سادتنا %~% بمنزل فيه إلهاب لمزدجر # غناهم المطرب الشادي بنغمته : %~% يا أشبه الناس كل الناس بالقمر # طالوا علينا بدنياهم وخالقهم %~% عطاؤه لم يكن فيها بمحتظر # فقل لمن شرعة الإسلام شرعته %~% أي الفريقين قل لي عنه أنت بري # أجر النبي على إرشاد أمته %~% حب القرابة فاغنم أفضل الأجر # وكن بعروة أهل البيت ملتزما %~% فالذكر والآل منجاة لمدكر # ولا يصدك عنهم قول منحرف %~% فالناس أميل نحو العاجل الحضر # أعلى الوسيلة دار للمحب لهم %~% ودار قاليهم المخذول في سقر # صلى الإله عليهم كلما طلعت %~% شمس وما حفت الهالات بالقمر # كملت أبيات المنظومة. # قوله: # فهاك ms535 ما قلت في داع ومقتصد # الداعي: مثل زيد بن علي وولده، والنفس الزكية، وأخيه إبراهيم، والقاسم، ~~والهادي، والناصر، والمؤيد، وأخيه، وأحمد بن سليمان، والمنصور بالله ~~وأضرابهم. # والمقتصد: مثل أحمد بن عيسى بن زيد، [والكوكبي]، ويحيى بن عمر وأشباههم ~~ممن ذكره الإمام المهدي في (البحر)، وقد ذكرهم غيره. # قوله: إذا تهجد بالأسحار سادتنا، والبيت الذي بعده هو مثل قول أبي فراس ~~يعير بني العباس: # إذا تلوا آية غنى إمامكم %~% قف بالطلول التي لم يعفها القدم PageV03P148 وصدر قوله: # يا أشبه الناس كل الناس بالقمر # هو: # كم قد ذكرتك لو أجزى بذكرهم # وقوله: وخالقهم عطاؤه لم يكن فيها،-يعني الدنيا- بمحتظر، فيه إشارة إلى ~~الآية الكريمة:{وما كان عطاء ربك محظورا } [الإسراء:20] يعني: أن الله ~~تعالى يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الآخرة إلا من يحب، وقوله: ~~أي الفريقين قل لي أنت عنه بري، يشبه قول بعضهم [هو الإمام الشافعي -رضي ~~الله عنه-]. # إذا كان في الإسلام سبعون فرقة %~% ونيف على ما جاء في سالف النقل # ولم ينج منهم في اللقاء غير فرقة %~% فماذا ترى ياذا الرجاحة والعقل # أفي الفرق الهلاك آل محمد %~% أم الفرقة اللاتي نجت منهم قل لي # [إذا كان مولى القوم منهم فإنني %~% رضيت بهم لا زال في ظلهم ظلي] # [فخل عليا لي إماما ذخرته %~% وأنت من الباقين في أوسع الحل] # فإن قلت في الناجين فالقول واحد %~% وإن قلت في الهلاك حفت عن العدل # والأربعة الأبيات الباقية تفسيرها ظاهرة. PageV03P149 ### | [ترجمة السيد صارم الدين صاحب البسامة] # ونلحق بهذه الجملة ذكر مصنف هذه المنظومة، ونسبه، وذكر شيء من مصنفاته، ~~وشعره؛ لأنه قال: وذا زمانك فانظر في حوادثه، وهو من أعيان أهل زماننا، وقد ~~جرت عليه من الحوادث السارة والضارة التي عرفناها وشاهدناها ما فيه معتبر. # أما نسبه: فهو السيد صارم الدين: إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن الهادي ~~بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن محمد وهو العفيف، وكان العفيف هذا من ~~أعيان العترة، وهو ممن بايع المنصور بالله، وناصره، وقد ms536 أشرت إلى ذلك، ~~ورثاه المنصور بالله على ما تقدم، وهؤلاء السادة -أعني الناظم- وآباؤه أهل ~~علم غزير، ومصنفات، ودواوين أشعار مشهورة، ومراتب عند رؤساء العترة [عالية] ~~؛ والذي حضرني من شعر السيد إبراهيم الفكيهة قصيدة قالها تشوقا إلى صنعاء ~~من صعدة -لأنها وقعت بينه وبين الناصر وحشة- وهو صاحبها، فمثل الذي هم ~~أشجنوا منه ووصلوا صعدة، فقال شعرا حمينيا وهو: # سل حادي الأضعان # والأهل والجيران # وناشد الركبان # ليت النوى ما كان # قلبي بهم مشتغل # وأنا عليهم وجل # يا مرسلي عن حال صنعاء اليمن %~% والمعهد الخالي بها والدمن # عمن رحل منهم وعن من ظعن %~% ولا افتراق الشمل في ذا الزمن # وجمرته مشتعل # بالنوم لم أكتحل # والبرق من شجان # والوابل الهتان # إذا لمع هاج الشجى والشجن %~% مدامعي قطره إذا ما هتن # [بيت] # [سعيت في الانتقال] # أحباب لي في آزال # لما منعت الحلال # وتركي أهلي والوطن والنسيب # فارقتهم والقلب مني كئيب # ولم يزد لي عيش فيها يطيب # ( ( ( PageV03P150 واغرى بنا السلطان # واقسم لهم أيمان # أهل العداوة والحسد والإحن %~% لا زاد أحد منا بصنعاء سكن # ( ( ( # خرجت إلى صعده الشام # مسير تارك بلد سام # حيث الرعاية والاكرام # لمن بها الذل.قد سام # ( ( ( # خرجت والأعيان # وأنا وجل حيران # منها المدامع جارية في الوجن %~% حتى جمع شملي إلهي ومن # بوالدي والحبيب # وعند جزنا عجيب # لأريحي النجيب # لأمر شأنه عجيب # ( ( ( # أضافنا الاخوان # وعمنا الإحسان # وقابلونا بالفعال الحسن %~% ممن له الإحسان نبت الحسن # [بيت] # وعز في صعدة # وكان له نجده # وما نسى جده # من ذل في صنعاء ولاقى الهوان # وزاد قدره في العلى والمكان # وفرقة الأحباب في ذا الزمان # ( ( ( # لكن جزى الأقران # وما ترك إمكان # جزى بلغ مكة وساحل عدن %~% ياليت شعري من لخصمه غبن # ( ( ( # لكن يا من هواها # ليت النواظر تراها # عذب مؤمل لقاها # مثل القمر في سماها # ( ( ( # ما كدر السلوان # فأسأل المنان # إلا فراقك فأنت روح البدن %~% يجمع بكم شملي ويولي المنن # [بيت] # ياليت ثوبي جناح # وما علي جناح # ذات التقى والصلاح # حتى أحوم فوق تلك الدور # إذا فقدت الست شمس الحور ms537 # من فضلها بين الورى مشهور # ( ( ( # هي درة النسوان # فحاطها الرحمن PageV03P151 وبهجة العادات في ذا الزمن # ربي من الأسوى وكل المحن # ( ( ( # شوقي إليها كثير # كدنا إليها نطير # والبعد شأنه عسير # فالله تعالى يخير # قم يا علي ريحان # وردد الألحان # أنشد فلي خاطر تشوق وحن %~% وكن طفيلي يا علي مؤتمن # انتهى. # ويتلوها قصيدته التي عول فيها على الخليفة محمد بن الناصر في تولي شرح ~~منظومته هذه، وقد ذكرت أنا معنى هذا الكلام في خطبة شرحي هذا، وأوردت جوابي ~~عليه هنالك فخذه من ثم موفقا [إنشاء الله تعالى]، قال السيد صارم الدين: # أيا ابن الخلائف من هاشم # وأولاهم بالفعال الحسن # ومن هو في علمه سابق # وقور حليم كريم عظيم # إذا الطيش حل الحياء لم يطش # وإن عجل الناس في حادث # عليك التحيات من عند من # تخصك ما هب ريح الصبا # فأنت عميد بني أحمد # تفي بالعهود وتعطي الوفود # ويشكرك الوفد بعد الإياب # وتخشى العقوق وترعى الحقوق # وتحمي الثغور بطعن الثغور # وتضرب هامات أعدائها # إليك الشكى من زمان عدا # توالت خطوب علينا به # كفقدان أحبابنا الهالكين # وسيدة قد مضت قبله # وأرجح في علمه من حضن # عطاياه واسعة والمنن # وأظهر من حلمه ما بطن # توقر في أمره وامتحن # غدوت على خلقه مؤتمن # وغنت مطوقة في فنن # وحامي ممالكهم في اليمن # خيولا مسومة في الرسن # وحال إقامتهم في الوطن # وتفعل مفروضها والسنن # وكل مغار بعيد يشن # كضرب العرائب دون العطن # علينا وساق إلينا المحن # تحرك من وجدنا ما سكن # كوالدنا السيد المؤتمن # ووالدة أرضعت باللبن PageV03P152 وسيدة قد مضت قبلها %~% وكانت لعمرك نعم السكن # وست الخلائف بنت الإمام %~% وبهجة غيد نساء الزمن # وأشرف ثاوية في الثرى %~% وأكرم مدرجة في الكفن # أصبنا بها بعد من قد مضى %~% فذا شجن حل فوق الشجن # فضاقت أزال بنا بعدهم %~% فما اتسعت عرصات الدمن # فزال عن القلب معلومه %~% وما كان يدري بعلم وظن # وقد كنت أنشأت منظومة %~% مضمنة حادثات الزمن # بلفظ وجيز كنشر الكنى %~% إذا فاح من بعد ما قد كمن # وحاولت ms538 شرحا لها مشبها %~% يبين من رمزها ما بطن # فحالت عوائق واستحكمت %~% وبدل من قوتي ما وهن # وما في الزمان لها شارح %~% سوى من تضلع من كل فن # ومن عنده علم آبائه %~% وعلم وقائعهم والفتن # وعلم الأوائل من قبلهم %~% كجيش أمد به ذو يزن # وذلك عز الهدى المنتقى %~% ومن فاق في العلم أهل الفطن # فإن تحظ منه بشرح لها %~% فذلك فضل علينا ومن # وذاك إلى ربه قربة %~% تكون لما يتقى كالمجن # لنشر فضائل آل الرسول %~% وكبت معاديهم ذي الإحن # إذا الناصبي وعاه بكى %~% وخر على وجهه والذقن # وصلى الإله على جدهم %~% مدى الدهر ما بازل العيس حن # وكتبت إليه وقد بقي من الشرح هذا أماكن لخمسة أئمة ذكرهم في منظومته، ولم ~~يكن في صعدة فيما علمت شيئا من سيرهم على التفصيل، وهم: الإمام المتوكل على ~~الله المطهر بن يحيى، وولده محمد بن المطهر، والإمام علي بن محمد، وولده ~~صلاح، وولد ولده علي بن صلاح، فجوب علي السيد بكتاب يعتذر بالخوف ممن ملك ~~صنعاء، أعني عامر بن عبد الوهاب. # فكان جوابه رمزا وإشارات منها قوله: # يا أيها السائل عن حالنا %~% أحوالنا ما قالت الضفدع # والشمس لا تطلع من مغرب %~% إلا إذا كان بها يوشع PageV03P153 والجواب الثاني وصلني في السنة التي مات فيها -رحمه الله تعالى-، قصيدة ~~كاملة استرجحت إيرادها هاهنا؛ لحسنها وفصاحتها، وهي: # يا أيها الغادي على عيرانه %~% وجنا تسهل في الصعيد وتصعد # سرح اليدين إذا النواضح حولها %~% جلات وحربا الظهيرة أصيد # تغدو كغدو السيد في زاد الضحى %~% فكأنها سيف يسل ويغمد # بلغ إلى الندب الزحيف تحية %~% منا ومن يحويه ذاك المسجد # وإلى إمام قد ثوى في تربة %~% ما مثله في الفاطمية يوجد # يحيى الذي أحيى به رب العلى %~% ميت الهدى وبه الضلالة تخمد # وعلى أفاضل عنده في مشهد %~% لابن الحسين له الملائك تشهد # وقل المسائل من محمد قد أتت %~% تلقي دقائقها علي وتورد # وتتابعت كتب لأجل جوابها %~% وأنا الجهول وليس مثلي يرشد # والعذر مني في التراخي بين %~% ومبين ما ظاهر لا ms539 يحمد # وإذا أردت لوجهها كشفا فقل: %~% إني سأرسلها إليك وأسرد # حتى أجوبها على ضعف القوى %~% وتحول الحال الذي هو يعهد # وعوارض عرضت لنا وتحول %~% وتقلقل وتزول وتبدد # أصبحت تذكرنا بما قد قاله %~% من قبلنا في الشعر من هو منشد # أودعته للاعتبار قصيدتي %~% لما رأيت لها القوافي تسعد # لا للتأسي بالذين ذكرتهم %~% فسواهم أولى بذاك وأنجد # لا يستوي حال المحق ومبطل %~% وموفق يبغي الصلاح ومفسد # وخصصت منها ما ألم بأرضنا %~% وحكى قضاياه سهام وسردد # من عصر حي علي بن محمد %~% من دان أحمرهم له والأسود # ملك الممالك وانقضت أيامه %~% وتلاه في دست الإمامة أحمد # وتلاهما سبابن أحمد واقتفى %~% ما يصنعان وذو السيادة أسعد PageV03P154 وتملكوا سهل البلاد وحزنها %~% وغدوا بألوية عليهم تعقد # وبنو عبيد بالنوال تمدهم %~% وهم دعاه للمعز وأعبد # والمال لو أعطي أراذل معشر %~% لتمجسوا وتنصروا وتهودوا # ومضى لآل زياد عصر قبلهم %~% ولهم موال للأمور تقلد # وكذا بنو أيوب لما ملكوا %~% مصرا أغاروا في البلاد وأنجدوا # وتملكوا اليمنين واستولوا على %~% ما في زبيد وما حواه السيد # وبنو رسول بعدهم قد متعوا %~% وبنوا قصورا في البلاد وشيدوا # ثم انقضت تلك السنون وأهلها %~% فكأنهم في ظلها ما خلدوا # فاسمع لذلك يا ابن فند واعتبر %~% بالكائنات ولا علي تفند # وأضف إلى العمر الذي أوتيته %~% عمرا من العمر الذي لك أزيد # وصل المزيد بحبل ما بينته %~% في شرح ما هو مطلق ومقيد # في متن شرحك ذلك الشرح الذي %~% شرح الصدور وأنت فيه مجود # وإذا بدا لك في الفريدة هفوة %~% فاستر علي ولا علي تندد # فأنا المقصر في القريض ونظمه %~% لو أن قولي لؤلؤ وزبرجد # واصبر على غصص الزمان كصبرنا %~% وكصبر من غلبت عليه عرد # فلكل عصر لا تزال حوادث %~% تظمي النفوس يشيب منها الأمرد # وإذا نسبت إلى التزيد لم تقل %~% في العصر ذا يتشفع المتزيد # ومتى جمعت تدينا وتعففا %~% ما ضر مثلك ما يقول الحسد # واثبت على قدم التشيع واطرح %~% قولا لنشوان خبيثا ينشد # [إيها قريش فكل حي ميت %~% أظننتم أن النبوة سرمد] # [منكم نبي ms540 قد مضى لسبيله %~% وقضى فهل منكم نبي يعبد] # وبقيت في نعم لديك مقيمة %~% مهما سرى برق وغرد هدهد # قوله: وخصصت منها ما ألم بأرضنا.. وجدت فوقه بخط السيد صارم الدين أعني ~~ديار اليمن. PageV03P155 # وقوله:من عصر علي بن محمد: هو الصليحي الثائر من جبل مسار من أرض حراز، ~~فإنه ملك اليمن بأسره في مدة قليلة من قيامه، فملك من عدن يمنا إلى عقبة ~~عسفان شاما، مدن هذه البلاد وحصونها وسهلها وجبلها، وخلفه ولده أحمد ~~المكرم، ثم عدة من الصليحيين. # وقوله: وبنو عبيد بالنوال تمدهم: يعني ملوك مصر والمغارب، فإن خروجهم كان ~~من بلاد الأندلس، فملكوا تلك البلاد، ثم اتصلت مملكتهم إلى أن ملكوا أكثر ~~الشام والعراق وجميع اليمن، وهم يدعون أنهم أشراف من ولد الحسين بن علي ~~-عليه السلام-، تملك منهم أربعة عشر خليفة حتى أزالهم الترك، وبنو أيوب: ~~أولهم الملك الملقب صلاح الدين واسمه: يوسف بن أيوب، فلما أزالوهم خرجوا ~~على اليمن، فملكهم سيف الإسلام وغيره، وقد ملك البلاد اليمنية غير ~~الصليحيين آل زياد، وهم ينسبون إلى عبيد الله بن زياد قاتل الحسين [بن علي] ~~-عليه السلام-، ولاهم البلاد المأمون في عصره فتمكن منهم من تمكن. # ومن عبيدهم سعيد بن نجاح، وكان الصليحي قد قتل أباه، وأخذ عليه زبيدا، ~~فقتله سعيد المذكور في قصة طويلة. # وقوله: وبنو رسول بعدهم: أي بعد بني أيوب، واسم رسول هذا: محمد بن هارون، ~~وإنما سمي رسولا؛ لأنه كان يخدم بني أيوب، ويمضي في حوائجهم كما ذكرت لك في ~~ترجمة الإمام صلاح بن علي. # وقوله: # فاصبر على غصص الزمان كصبرنا %~% وكصبر من غلبت عليه عرد # يشير إلى قول قاضيها، وهي قرية من أعمال ذمار: # صبرا على عرد مادمت ساكنها %~% صبر الجياد على طول المغارات # قوم إذا حضروا للشرع ما قبلوا %~% إلا يميني مع تطليق زوجات PageV03P156 هكذا فسره السيد صارم الدين، ولنرجع إلى ذكر موته، وذكر عياله. # أما موته: فإنه توفي في شهر جمادى الأولى من سنة أربع عشرة وتسعمائة، ~~وأظنه بلغ من العمر قدر الثمانين، ms541 وقبر حول صنعاء، وتوفي ولده أحمد بعده ~~بمدة يسيرة في بلاد بني طاهر؛ لأنه كان هناك هو وصنوه الهادي وأما أخوهما ~~محمد بن إبراهيم، فتوفي قبل أبيه، أصابته حجر من حجار المنجنيق الذي نصبه ~~عامر بن عبد الوهاب على صنعاء، أصابه ذلك الحجر وهو معرض في بعض شوارع ~~صنعاء، واعلم أن هذا السيد أعني مولانا إبراهيم [بن محمد] تجرع في آخر عمره ~~غصصا [كثيرة]، بقدر ما قد رأى في نفسه وأهليه من النعم الغزيرة الجليلة ~~الخطيرة أعواما كثيرة حضيرة، فسبحان من له في هذا صنع وتدبير، يعجز عنه ~~الصغير والكبير، ولما كان السيد المذكور من العلماء المبرزين، ومن المؤرخين ~~المجودين المحسنين، أحببت أن أذكر هنا ما رثى به ابن الخشاب النحوي بعض ~~علماء وقته؛ لأن أمره يحكي أمر ذلك المرثي، والشيء يذكر بذكر مشبهه، فلتكن ~~هذه الأبيات ختم هذا الشرح المبارك -إن شاء الله تعالى- وتبارك قال: # بينت علمك تصنيفا وتقريبا %~% وعدت بعد لذيذ العيش مندوبا # مازلت تلهج بالتأريخ تكتبه %~% حتى رأيناك في التأريخ مكتوبا # أعربت عن عرب نقبت عن نجب %~% أضحت مناقبهم في الناس تنقيبا # حجبت عنا وما الدنيا بمظهرة %~% شخصا وإن جل إلا عاد محجوبا PageV03P157 وكان الفراغ من تحريره ليلة الأربعاء تاسع وعشرين من شهر محرم الحرام سنة ~~ثلاثة وثلاثين وألف، برسم الفقيه الفاضل، الكامل، سليل الفقهاء النجباء، ~~عماد الدين: يحيى بن صلاح الرتوة حببه الله لصالح الأعمال بحق محمد وآله ~~خير آل، وكفاه نوائب الوقت والأهوال، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. PageV03P158 ms542