######OpenITI# #META# المؤلف: أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الرعيني المالكي المعروف بالحطاب #META# bkid: 37540 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: قرة العين لشرح ورقات إمام الحرمين ¶ المؤلف: أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الرعيني المالكي المعروف بالحطاب ¶ رحمه الله تعالى ¶ (902 - 954 ه) ¶ ضبط نصه وعلق عليه: جلال علي عامر الجهاني ¶ عفا الله عنه ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# auth: الرعيني، الحطاب #META# Lng: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرعيني المالكي #META# max: 63 #META# bk: قرة العين لشرح ورقات إمام الحرمين #META# authinf: الحطاب (902 - 954 ه = 1497 - 1547 م) ¶ فقيه مالكي، من علماء المتصوفين. ¶ أصله من المغرب، ولد واشتهر بمكة، ومات في طرابلس الغرب. ¶ من كتبه (قرة العين بشرح ورقات إمام الحرمين - خ) في الأصول، و (تحرير الكلام في مسائل الالتزام - ط) و (هداية السالك المحتاج - خ) في مناسك الحج، و (تفريح القلوب بالخصال المكفرة لما تقدم وما تأخر من الذنوب - ط) و (مواهب الجليل في شرح مختصر خليل - ط) ست مجلدات، في فقه المالكية، و (شرح نظم نظائر رسالة القيرواني، لابن غازى - خ) ورسالة في (استخراج أوقات الصلاة بالأعمال الفلكية بلا آلة - خ) وجزآن في (اللغة) و (تحرير الكلام - خ) فقه ¶ نقلا عن: «الأعلام» للزركلي #META# ndata: قرة 8FFF814D الموفق. #META# ضبط نصه وعلق عليه: جلال علي عامر الجهاني #META# bkord: 11651 #META# archive: 22 #META# الكتاب: قرة العين لشرح ورقات إمام الحرمين #META# authno: 570 #META# ad: 954 #META# idx: 1 #META# comp: 1 #META# higrid: 954 #META# cat: أصول الفقه والقواعد الفقهية - مرقم آليا #META# iso: قره العين لشرح ورقات امام الحرمين #META# digitization_comments: عفا الله عنه #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا محمد ### | AUTO قال الشيخ الإمام العالم العلامة الحبر الفهامة، مفتي المسلمين ~~ببلد الله الأمين، أبو عبد الله محمد ابن سيدنا ومولانا الشيخ العلامة محمد ~~الحطاب -نفع الله به آمين-: # [مقدمة المؤلف] # الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ~~أجمعين. # وبعد .. # فإن كتاب الورقات في علم أصول الفقه للشيخ الإمام العلامة، صاحب التصانيف ~~المفيدة، أبي المعالي عبد الملك إمام الحرمين- كتاب صغر حجمه وكثر علمه ~~وعظم نفعه وظهرت بركته. # وقد شرحه جماعة من العلماء -رضي الله عنهم-، فمنهم من بسط الكلام عليه، ~~ومنهم من اختصر ذلك. # ومن أحسن شروحه شرح شيخ شيوخنا العلامة المفيد جلال الدين أبي عبد الله ~~محمد بن أحمد المحلي الشافعي (¬1)، فإنه كثير الفوائد والنكت، اشتغل به ~~الطلبة وانتفعوا به، إلا أنه لفرط الإيجاز قارب أن يكون من جملة الألغاز، ~~فلا يهتدى لفوائده إلا بتعب وعناية. # وقد ضعفت الهمم في هذا الزمان، وكثرت فيه الهموم والأحزان، وقل فيه ~~المساعد من الإخوان، فاستخرت الله تعالى في شرح الورقات بعبارة واضحة، ~~منبهة على نكت الشرح المذكور وفوائده، بحيث يكون هذا الشرح شرحا للورقات ~~وللشرح المذكور، ويحصل بذلك الانتفاع للمبتدئ وغيره إن شاء الله تعالى. PageV01P005 # ولا أعدل عن عبارة الشرح المذكور إلا لتغييرها بأوضح منها، أو لزيادة ~~فائدة، وسميته {قرة العين لشرح ورقات إمام الحرمين}. # والله سبحانه المسؤول في بلوغ المأمول، وهو حسبي ونعم الوكيل. PageV01P006 ### | AUTO [ترجمة الإمام الجويني] (¬1) # ولنقدم التعريف بالمصنف على سبيل الاختصار فنقول: # هو الشيخ الإمام، رئيس الشافعية، وأحد أصحاب الوجوه، وصاحب التصانيف ~~المفيدة، أبو المعالي عبد الملك ابن الشيخ أبي محمد عبد الله بن يوسف بن ~~محمد الجويني، نسبة إلى جوين، وهي ناحية كبيرة من نواحي نيسابور، يلقب ~~بضياء الدين. # ولد في المحرم من سنة تسعة عشر وأربعمائة، وتوفي بقرية من أعمال نيسابور ~~يقال لها: بشتنقان (¬2) ليلة الأربعاء، الخامس والعشرين من شهر ربيع الثاني ~~سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. # جاور بمكة والمدينة أربع سنين يدرس العلم ms01 ويفتي، فلقب بإمام الحرمين، ~~وانتهت إليه رئاسة العلم بنيسابور، وبنيت له المدرسة النظامية (¬3)، وله ~~التصانيف التي لم يسبق إلى مثلها (¬4)، تغمده الله برحمته، وأعاد علينا من ~~بركاته، آمين. # قال المصنف رحمه الله تعالى: # (بسم الله الرحمن الرحيم) أصنف، وكذا ينبغي أن يجعل متعلق التسمية ما ~~جعلت التسمية مبدأ له، فيقدر الآكل: بسم الله آكل، والقارئ: بسم الله أقرأ، ~~فهو أولى من تقدير: أبتدىء، لإفادته تلبس الفعل كله بالتسمية، وأبتدئ لا ~~يفيد إلا تلبس الابتداء به. PageV01P007 # وتقدير المتعلق متأخرا لأن المقصود الأهم البداءة باسم الله تعالى، ولإفادة الحصر. # وابتدأ المصنف بالبسملة اقتداء بالقرآن العظيم، وعملا بحديث: {كل أمر ذي ~~بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر}، رواه الخطيب في كتاب ~~(الجامع) بهذا اللفظ (¬1). # واكتفى بالبسملة عن الحمدلة إما لأنه حمد بلسانه، وذلك كاف، أو لأن ~~المراد بالحمد معناه لغة، وهو الثناء، والبسملة متضمنة لذلك، أو لأن المراد ~~بالحمد ذكر الله تعالى. # وفي رواية في مسند الإمام أحمد: {كل أمر ذي بال لا يفتح بذكر الله فهو ~~أبتر -أو قال: أقطع -} (¬2) على التردد. # وقد ورد الحديث بروايات متعددة، قال النووي: وهو حديث حسن. # فلما اكتفى بالبسملة عن الحمدلة قال: (هذه ورقات) قليلة، كما يشعر بذلك ~~جمع السلامة، فإن جموع السلامة عند سيبويه من جموع القلة. # وعبر بذلك تسهيلا على الطالب وتنشيطا له، كما قال تعالى في فرض صوم شهر ~~رمضان: {أياما معدودات} فوصف الشهر الكامل بأنه أيام معدودات، تسهيلا على ~~المكلفين وتنشيطا لهم، وقيل: المراد في الآية بالأيام المعدودات عاشوراء ~~وثلاثة أيام من كل شهر، فإن ذلك كان واجبا أول الإسلام ثم نسخ. # والإشارة ب (هذه) إلى حاضر في الخارج إن كان أتى بها بعد التصنيف، وإلا ~~فهي إشارة إلى ما هو حاضر في الذهن. PageV01P008 # وهذه الورقات (تشتمل على فصول) جمع فصل، وهو اسم لطائفة من المسائل تشترك ~~في حكم. ### | AUTO وتلك الفصول (من) علم (أصول الفقه) ينتفع به المبتديء وغيره. # [تعريف أصول الفقه] # (وذلك) أي لفظ أصول الفقه ms02 له معنيان: # أحدهما: معناه الإضافي، وهو ما يفهم من مفرديه عند تقييد الأول بإضافته ~~للثاني. # وثانيهما: معناه اللقبي، وهو العلم الذي جعل هذا التركيب الإضافي لقبا ~~له، ونقل عن معناه الأول إليه، وهذا المعنى الثاني ذكره المصنف بعد هذا في ~~قوله: (وأصول الفقه طرقه على سبيل الإجمال) إلخ. # والمعنى الأول هو الذي بينه بقوله: (مؤلف من جزأين)، من التأليف، وهو ~~حصول الألفة والتناسب بين الجزأين، فهو أخص من التركيب الذي هو ضم كلمة إلى ~~أخرى، وقيل: إنهما بمعنى واحد. ### | AUTO وقوله: (مفردين) من الإفراد المقابل للتركيب، لا المقابل ~~للتثنية والجمع، فإن الإفراد يطلق في مقابلة كل منهما، ولا تصلح إرادة ~~الثاني هنا لأن أحد الجزأين الذين وصفهما بالإفراد لفظ (أصول) وهو جمع، وفي ~~كلامه إشارة لذلك حيث قال: # [تعريف الأصل] # (فالأصل ما بنى عليه غيره)، أي فالأصل الذي هو مفرد الجزء الأول، ما بني ~~عليه غيره، كأصل الجدار أي أساسه، وأصل الشجرة أي طرفها الثابت في الأرض. # وهو أقرب تعريف للأصل؛ فإن الحس يشهد له كما في أصل الجدار والشجرة. # فأصول الفقه أدلته التي يبنى عليها. # وهذا أحسن من قولهم: الأصل هو المحتاج إليه، فإن الشجرة محتاجة إلى ~~الثمرة من حيث كمالها، وليست الثمرة أصلا للشجرة. PageV01P009 # ومن قولهم (¬1): الأصل ما منه الشيء، فإن الواحد من العشرة وليست العشرة ~~أصلا له. ### | AUTO ولما عرف الأصل عرف مقابله وهو الفرع على سبيل الاستطراد فقال: ~~(والفرع ما يبنى على غيره) كفروع الشجرة لأصولها، وفروع الفقه لأصوله. # [تعريف الفقه] # (والفقه) الذي هو الجزء الثاني من لفظ (أصول الفقه) له معنى لغوى وهو ~~الفهم، ومعنى شرعي وهو: (معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد). # كالعلم بأن النية في الوضوء واجبة، وأن الوتر مندوب، هذا على مذهب ~~الشافعي، وأما عند المالكية فسنة مؤكدة، وأن تبييت النية شرط في الصوم، وأن ~~الزكاة واجبة في مال الصبي وغير واجبة في الحلي المباح، وأن القتل عمدا ~~يوجب القصاص ونحو ذلك من المسائل الخلافية. # بخلاف ما ليس طريقه الاجتهاد، كالعلم بأن ms03 الصلوات الخمس واجبة، وأن الزنى ~~محرم، والأحكام الاعتقادية كالعلم بالله سبحانه وتعالى وصفاته ونحو ذلك من ~~المسائل القطعية، فلا يسمى معرفة ذلك فقها، لأن معرفة ذلك يشترك فيها الخاص ~~والعام. # فالفقه بهذا التعريف لا يتناول إلا علم المجتهد، ولا يضر في ذلك عدم ~~اختصاص الوقف على الفقهاء بالمجتهدين، لأن المرجع في ذلك للعرف (¬2)، وهذا ~~اصطلاح خاص. # والمراد بالمعرفة هنا العلم بمعنى الظن، وأطلقت المعرفة التي هي بمعنى ~~العلم على الظن؛ لأن المراد بذلك ظن المجتهد، الذي هو لقوته قريب من العلم. # وخرج بقوله: (الأحكام الشرعية)، الأحكام العقلية، كالعلم بأن الواحد نصف ~~الاثنين، والحسية كالعلم بأن النار محرقة. PageV01P010 # والمراد بالأحكام في قوله: (معرفة الأحكام الشرعية) جميع الأحكام، فالألف ~~واللام فيه للاستغراق. ### | AUTO والمراد بمعرفة جميع ذلك التهيؤ لذلك، فلا ينافي ذلك قول مالك ~~رضي الله عنه -وهو من أعظم الفقهاء المجتهدين-، في اثنين وثلاثين مسألة من ~~ثمان وأربعين مسألة سئل عنها: لا أدري، لأنه متهيء للعلم بأحكامها بمعاودة ~~النظر، وإطلاق العلم على مثل هذا التهيؤ شائع عرفا، تقول: فلان يعلم النحو، ~~ولا تريد أن جميع مسائله حاضرة عنده على التفصيل، بل إنه متهيء لذلك. # [أقسام الحكم الشرعي] # ثم بين الأحكام المرادة في قوله الأحكام الشرعية فقال: (والأحكام سبعة: ~~الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه والصحيح والباطل). # فالفقه العلم بهذه السبعة، أي معرفة جزئياتها، أي الواجبات والمندوبات ~~والمباحات والمحظورات والمكروهات والأفعال الصحيحة والأفعال الباطلة، ~~كالعلم بأن هذا الفعل مثلا واجب وهذا مندوب وهذا مباح وهذا محظور وهذا ~~مكروه وهذا صحيح وهذا باطل، وليس المراد العلم بتعريفات هذه الأحكام ~~المذكورة فإن ذلك من علم أصول الفقه لا من علم الفقه. # وإطلاق الأحكام على هذه الأمور فيه تجوز؛ لأنها متعلق الأحكام. # والأحكام الشرعية خمسة: الإيجاب والندب والإباحة والكراهة والتحريم. # وجعله الأحكام سبعة اصطلاح له، والذي عليه الجمهور أن الأحكام خمسة لا ~~سبعة كما ذكرناها، لأن الصحيح إما واجب أو غيره، والباطل داخل في المحظور. ### | AUTO وجعل بعضهم الأحكام تسعة وزاد: الرخصة والعزيمة، وهما راجعان ~~إلى ms04 الأحكام الخمسة أيضا، والله أعلم. # [تعريف الواجب] # ثم شرع في تعريف الأحكام التي ذكرها بذكر لازم كل واحد منها فقال: # (فالواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه). PageV01P011 # أي فالواجب من حيث وصفه بالوجوب، هو ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه. # فالثواب على الفعل والعقاب على الترك أمر لازم للواجب من حيث وصفه ~~بالوجوب، وليس هو حقيقة الواجب، فإن الصلاة مثلا أمر معقول متصور في نفسه، ~~وهو غير حصول الثواب بفعلها والعقاب بتركها. # فالتعريف المذكور ليس تعريفا بحقيقة الواجب إذ لا يمكن تعريف حقيقته ~~لكثرة أصناف الواجبات واختلاف حقائقها، وإنما المقصود بيان الوصف الذي ~~اشتركت فيه حتى صح صدق اسم الواجب عليها، وذلك هو ما ذكره من الثواب على ~~الفعل والعقاب على الترك. # وكذلك يقال في بقية الأحكام. # فإن قيل: قوله يعاقب على تركه يقتضى لزوم العقاب لكل من ترك واجبا، وليس ~~ذلك بلازم. # فالجواب أنه يكفي في صدق العقاب على الترك وجوده لواحد من العصاة، مع ~~العفو عن غيره. # أو يقال: المراد بقوله (ويعاقب على تركه)، أي ترتب العقاب على تركه، كما ~~عبر بذلك غير واحد، وذلك لا ينافي العفو عنه. # وأورد على التعريف المذكور أنه غير مانع، لدخول كثير من السنن فيه، فإن ~~الأذان سنة وإذا تركه أهل بلد قوتلوا، وكفي بذلك عقابا، وكذلك صلاة العيدين ~~عند من يقول بذلك، ومن ترك الوتر ردت شهادته ونحو ذلك. # وأجيب بأن المراد عقاب الآخرة، وبأن العقوبة المذكورة ليست على نفس الترك ~~بل على لازمه، وهو الانحلال من الدين، وهو حرام، ورد الشهادة ليس عقابا، ~~وإنما هو عدم أهلية لرتبة شرعية شرطها كمالات تجتمع من أفعال وترك، فدخل ~~فيها الواجب وغيره. PageV01P012 # ألا ترى أن العبد إذا ردت شهادته لم يكن ذلك عقوبة له، وإنما ذلك لنقصانه ~~عن درجة العدالة؟! # على أن الصحيح أن الأذان في المصر فرض كفاية، ونص أصحابنا على أنه لا ~~يقاتل من ترك العيدين. ### | AUTO والسؤالان واردان على حد المحظور، والجواب ما تقدم (¬1). # [تعريف المندوب] # (والمندوب) هو ms05 المأخوذ من الندب، وهو الطلب لغة. # وشرعا من حيث وصفه بالندب هو (ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه). PageV01P013 ### | AUTO [تعريف المباح] # (والمباح) من حيث وصفه بالإباحة (ما لا يثاب على فعله)، يريد ولا على ~~تركه، (ولا يعاقب على تركه)، يريد ولا على فعله، أي لا يتعلق بكل من فعله ~~وتركه ثواب ولا عقاب. ### | AUTO ولا بد من زيادة ما ذكرنا لئلا يدخل فيه المكروه والحرام. # [تعريف المحظور] # (والمحظور) من حيث وصفه بالحظر، أي الحرمة (ما يثاب على تركه) امتثالا، ~~(ويعاقب على فعله). ### | AUTO وتقدم السؤالان وجوابهما. # [تعريف المكروه] # (والمكروه) من حيث وصفه بالكراهة (ما يثاب على تركه) امتثالا (ولا يعاقب ~~على فعله). # وإنما قيدنا ترتب الثواب على الترك في المحظور والمكروه امتثالا، لأن ~~المحرمات والمكروهات يخرج الإنسان من عهدتها بمجرد تركها، وإن لم يشعر بها ~~فضلا عن القصد إلى تركها، لكنه لا يترتب الثواب على الترك إلا إذا قصد به ~~الامتثال. # فإن قيل: وكذلك الواجبات والمندوبات لا يترتب الثواب على فعلها إلا إذا ~~قصد به الامتثال. ### | AUTO فالجواب: أن الأمر كذلك، ولكنه لما كان كثير من الواجبات لا ~~يتأتى الإتيان بها إلا إذا قصد بها الامتثال، وهو كل واجب لا يصح فعله إلا ~~بنية، لم يحتج إلى التقييد بذلك، وإن كان بعض الواجبات تبرأ الذمة بفعلها ~~ولا يترتب الثواب على ذلك إلا إذا قصد الامتثال، كنفقات الزوجات ورد ~~المغصوب والودائع ورد الديون ونحو ذلك مما يصح بغير نية، والله أعلم. # [تعريف الصحيح] PageV01P014 ~~(والصحيح) من حيث وصفه بالصحة اصطلاحا: (ما يتعلق به النفوذ) بالذال ~~المعجمة، وهو البلوغ إلى المقصود، كحل الانتفاع في البيع والاستمتاع في ~~النكاح. # وأصله من نفوذ السهم أي بلوغه إلى المقصود. # (ويعتد به) في الشرع، بأن يكون قد جمع ما يعتبر فيه شرعا، عقدا كان أو عبادة. ### | AUTO فالنفوذ من فعل المكلف، والاعتداد من فعل الشارع، وقيل: إنهما ~~بمعنى واحد. # [تعريف الباطل] # (والباطل) من حيث وصفه بالبطلان: (ما لا يتعلق به النفوذ ولا يعتد به) ~~بأن ms06 لم يستجمع ما يعتبر فيه شرعا، عقدا كان أو عبادة. ### | AUTO والعقد في الاصطلاح يوصف بالنفوذ والاعتداد، والعبادات توصف ~~بالاعتداد فقط. # [تعريف العلم] # (والفقه) بالمعنى الشرعي المتقدم ذكره (أخص من العلم)؛ لصدق العلم على ~~معرفة الفقه والنحو وغيرهما، فكل فقه علم وليس كل علم فقها. # وكذا بالمعنى اللغوي، فإن الفقه هو الفهم، والعلم المعرفة، وهي أعم. # (والعلم) في الاصطلاح: (معرفة المعلوم)، أي إدراك ما من شأنه أن يعلم، ~~موجودا كان أو معدوما، (على ما هو به) في الواقع، كإدراك الإنسان أي تصوره ~~بأنه حيوان ناطق، وكإدراك أن العالم وهو ما سوى الله تعالى حادث. # وهذا الحد للقاضي أبي بكر الباقلاني، وتبعه المصنف. # واعترض بأن فيه دورا، لأن المعلوم مشتق من العلم، فلا يعرف المعلوم إلا ~~بعد معرفة العلم، لأن المشتق مشتمل على معنى المشتق منه مع زيادة. PageV01P015 # وبأنه غير شامل لعلم الله سبحانه، لأنه لا يسمى معرفة إجماعا، لا لغة ولا ~~اصطلاحا. ### | AUTO وبأن قوله: (على ما هو به) زائد لا حاجة إليه، لأن المعرفة لا ~~تكون إلا كذلك (¬1). # [تعريف الجهل] # (والجهل تصور الشيء على خلاف ما هو به) في الواقع. # وفي بعض النسخ (على خلاف ما هو عليه) كتصور الإنسان بأنه حيوان صاهل، ~~وكإدراك الفلاسفة أن العالم قديم. # فالمراد بالتصور هنا التصور المطلق الشامل للتصور الساذج وللتصديق (¬2). # وبعضهم وصف هذا بالجهل المركب، وجعل الجهل البسيط عدم العلم بالشيء، كعدم ~~علمنا بما تحت الأرضين وبما في بطون البحار، وهذا لا يدخل في تعريف المصنف، ~~فلا يسمى عنده جهلا. # والتعريف الشامل للقسمين أن يقال: الجهل انتفاء العلم بالمقصود، أي ما من ~~شأنه أن يقصد فيدرك، إما بأن لم يدرك أصلا وهو البسيط، أو بأن يدرك على ~~خلاف ما هو عليه في الواقع، وهو المركب. ### | AUTO وسمي مركبا لأن فيه جهلين: جهل بالمدرك، وجهل بأنه جهل به. # [أقسام العلم الحادث] # (والعلم) الحادث وهو علم المخلوق ينقسم إلى قسمين: ضروري ومكتسب. # وأما العلم القديم وهو علم الله سبحانه وتعالى، فلا يوصف بأنه ضروري ms07 ولا مكتسب. PageV01P016 # فالعلم (الضروري) هو (ما لم يقع عن نظر واستدلال) بأن يحصل بمجرد التفات ~~النفس إليه، فيضطر الإنسان إلى إدراكه ولا يمكنه دفعه عن نفسه، وذلك ~~(كالعلم الواقع) أي الحاصل (بإحدى الحواس) جمع حاسة بمعنى القوة الحساسة ~~(الخمس) الظاهرة، احترازا من الباطنة: # (التي هي: السمع): وهو قوة مودعة في العصب المفروش في مقعر الصماخ، أي ~~مؤخره، يدرك بها الأصوات بطريق وصول الهواء المتكيف بكيفية الصوت إلى ~~الصماخ، بمعنى أن الله سبحانه يخلق الإدراك في النفس عند ذلك. # (والبصر)، وهو قوة مودعة في العصبتين المجوفتين اللتين يتلاقيان في ~~الدماغ ثم يتفرقان فيتأديان إلى العينين، يدرك بهما الأضواء والألوان ~~والأشكال وغير ذلك مما يخلق الله إدراكه في النفس عند استعمال العبد تلك القوة. # (والشم)، وهو قوة مودعة في الزائدتين الناتئتين في مقدم الدماغ الشبيهتين ~~بحلمتي الثدي، يدرك بها الروائح بطريق وصول الهواء المتكيف بكيفية ذي ~~الرائحة إلى الخيشوم، يخلق الله سبحانه وتعالى الإدراك عند ذلك. # (والذوق) وهو قوة منبثة في العصب المفروش على جرم اللسان، يدرك بها ~~الطعوم، بمخالطة القوة اللعابية التي في الفم للمطعوم ووصولها إلى العصب، ~~يخلق الله سبحانه وتعالى الإدراك عند ذلك. # (واللمس)، وهو قوة منبثة في جميع البدن، يدرك بها الحرارة والبرودة ~~والرطوبة واليبوسة ونحو ذلك عند الاتصال والالتماس، يخلق الله سبحانه ~~وتعالى الإدراك عند ذلك. # وفي بعض النسخ تقديم اللمس على الشم والذوق. # وهذه الحواس الخمس الظاهرة هي المقطوع بوجودها، وأما الحواس الباطنة التي ~~أثبتها الفلاسفة فلا يثبتها أهل السنة؛ لأنها لم تقم دلائلها على الأصول ~~الإسلامية. # ودل كلام المصنف على أن العلم الحاصل من هذه الحواس غير الإحساس. PageV01P017 # ويوجد في بعض النسخ بعد ذكر الحواس الخمس (أو التواتر)، وهو معطوف على ~~قوله: (بإحدى الحواس الخمس). # والمعنى أن العلم الضروري كالعلم الحاصل بإحدى الحواس الخمس، وكالعلم ~~الحاصل بالتواتر، وذلك كالعلم الحاصل بوجود النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وكظهور المعجزات على يديه وعجز الخلق عن معارضته. # ومن العلوم الضرورية العلم الحاصل ببديهة العقل، كالعلم بأن الكل أعظم ms08 من ~~الجزء، وأن النفي والإثبات لا يجتمعان. ### | AUTO (وأما العلم المكتسب فهو الموقوف على النظر والاستدلال)، كالعلم ~~بأن العالم حادث، فإنه موقوف على النظر في العالم ومشاهدة تغيره، فينتقل ~~الذهن من تغيره إلى الحكم بحدوثه. # [تعريف النظر] # (والنظر هو الفكر في حال المنظور فيه)، ليؤدى إلى علم أو ظن، بمطلوب ~~تصديقي أو تصوري. ### | AUTO والفكر حركة النفس في المعقولات، بخلاف حركتها في المحسوسات ~~فإنها تسمى تخييلا. # [تعريف الاستدلال والدليل] # (والاستدلال طلب الدليل) ليؤدي إلى مطلوب تصديقي، فالنظر أعم من ~~الاستدلال، لأنه يكون في التصورات والتصديقات، والاستدلال خاص بالتصديقات. # (والدليل) لغة: (هو المرشد إلى المطلوب، لأنه علامة عليه). ### | AUTO وأما اصطلاحا: فهو ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب جزئي. # [تعريف الظن والشك] (¬1) # (والظن تجويز أمرين أحدهما أظهر من الآخر) عند المجوز -بكسر الواو-. PageV01P018 # وقول المصنف رحمه الله: إن الظن هو التجويز، فيه مسامحة، فإن الظن ليس هو ~~التجويز، وإنما هو الطرف الراجح من المجوزين -بفتح الواو-، والطرف المرجوح ~~المقابل له يقال له وهم. # (والشك تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر) عند المجوز -بكسر الواو-. ### | AUTO والتردد في ثبوت قيام زيد ونفيه على السواء شك، ومع رجحان ~~أحدهما ظن للطرف الراجح، ووهم للطرف المرجوح. # [تعريف أصول الفقه بالمعنى الاصطلاحي] # (و) علم (أصول الفقه) الذي وضعت فيه هذه الورقات (طرقه)، أي طرق الفقه ~~الموصلة إليه، (على سبيل الإجمال)، كالكلام على مطلق الأمر والنهي وفعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم والإجماع والقياس والاستصحاب والعام والخاص ~~والمجمل والمبين وغير ذلك، المبحوث عن أولها بأنه للوجوب حقيقة، وعن الثاني ~~بأنه للحرمة كذلك، وعن البواقي بأنها حجج وغير ذلك مما سيأتي. # بخلاف طرق الفقه الموصلة إليه على سبيل التعيين والتفصيل، بحيث أن كل ~~طريق توصل إلى مسألة جزئية تدل على حكمها نصا أو استنباطا، نحو: {أقيموا ~~الصلاة}، {ولا تقربوا الزنى}، وصلاته صلى الله عليه وسلم في الكعبة كما ~~أخرجه الشيخان (¬1)، والإجماع على أن لبنت الابن السدس مع بنت الصلب حيث لا ~~عاصب لها، وقياس ms09 الأرز على البر في امتناع بيع بعضه ببعض إلا مثلا بمثل يدا ~~بيد كما رواه مسلم (¬2)، واستصحاب العصمة لمن يشك في بقائها، فإن هذه الطرق ~~ليست من أصول الفقه وإن ذكر بعضها في كتبه -يعنى أصول الفقه- تمثيلا. PageV01P019 # (وكيفية الاستدلال بها) أي بطرق الفقه الإجمالية من حيث تفاصيلها وجزئياتها ~~عند تعارضها، من تقديم الخاص منها على العام، والمقيد على المطلق وغير ذلك. # وإنما حصل التعارض فيها لكونها ظنية، إذ لا تعارض بين قاطعين. # وقوله: (وكيفية) بالرفع عطفا على قوله: (طرقه). # وكيفية الاستدلال بالطرق المذكورة تجر إلى الكلام على صفات من يستدل بها، ~~وهو المجتهد. ### | AUTO فهذه الثلاثة -أعني طرق الفقه الإجمالية وكيفية الاستدلال بها ~~وصفات من يستدل بها- هي الفن المسمى بهذا اللقب، أعني أصول الفقه، المشعر ~~بمدحه بابتناء الفقه عليه، وهو المعنى الثاني الذي تقدمت الإشارة إليه. # [أبواب أصول الفقه] # (و) قوله (أبواب أصول الفقه) مبتدأ، خبره (أقسام الكلام والأمر والنهي ~~والعام والخاص)، ويذكر فيه المطلق والمقيد، (والمجمل والمبين والظاهر)، وفي ~~بعض النسخ (والمؤول) وسيأتي، (والأفعال) أي أفعال الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، (والناسخ والمنسوخ والتعارض والإجماع والأخبار) جمع خبر، (والقياس ~~والحظر والإباحة وترتيب الأدلة وصفة المفتي والمستفتي وأحكام المجتهدين). ### | AUTO فهذه جملة الأبواب، وسيأتي الكلام عليها مفصلا إن شاء الله ~~تعالى (¬1). # [باب أقسام الكلام] # (فأما أقسام الكلام) فلها حيثيات: # فأولها من حيث ما يتركب منه: (فأقل ما يتركب) منه (الكلام اسمان)، نحو: ~~الله أحد. # - (أو اسم وفعل) نحو: قام زيد. PageV01P020 # - (أو فعل وحرف) نحو: ما قام، أثبته بعضهم، ولا يعد الضمير في قام الراجع ~~إلى زيد مثلا كلمة لعدم ظهوره، والجمهور على عدة كلمة. # - (أو اسم وحرف) وذلك في النداء، نحو: يا زيد، وأكثر النحاة قالوا: إنما ~~كان نحو يا زيد كلاما؛ لأن تقديره أدعوا زيدا، أو أنادي زيدا، ولكن غرض ~~المصنف رحمه الله وغيره من الأصوليين بيان أقسام الجملة ومعرفة المفرد من ~~المركب، فلذلك لم يأخذوا فيه بالتحقيق الذي يسلكه النحويون. # (والكلام) في الاصطلاح (ينقسم) من حيثية أخرى (إلى:) ms10 # - (أمر) وهو ما يدل على طلب الفعل، نحو: قم. # - (ونهي) وهو ما يدل على طلب الترك نحو: لا تقم. # - (وخبر) وهو ما يحتمل الصدق والكذب، نحو: جاء زيد، وما جاء زيد. # - (واستخبار) وهو الاستفهام، نحو: هل قام زيد؟ فيقال: نعم أو لا. # (وينقسم) الكلام أيضا (إلى:) # - (تمن) وهو طلب ما لا طمع فيه، أو ما فيه عسر: فالأول نحو: ليت الشباب ~~يعود يوما، والثاني: نحو قول منقطع الرجاء: ليت لي مالا فأحج به، ويمتنع ~~التمني في الواجب نحو: ليت غدا يجيء، إلا أن يكون المطلوب مجيئه الآن فيدخل ~~في القسم الأول. # - والحاصل أن التمني يكون في الممتنع والممكن الذي فيه عسر. # - (وعرض) بسكون الراء، وهو الطلب برفق نحو: ألا تنزل عندنا، ونحوه ~~التحضيض إلا أنه طلب بحث. # - (وقسم) بفتح القاف والسين، وهو الحلف، نحو: والله لأفعلن كذا. # (ومن وجه آخر ينقسم) الكلام أيضا (إلى: حقيقة ومجاز). # (فالحقيقة) في اللغة: ما يجب حفظه وحمايته. PageV01P021 # وفي الاصطلاح: (ما بقي في الاستعمال على موضوعه) أي على معناه الذي وضع له ~~في اللغة. # (وقيل: ما استعمل فيما اصطلح عليه من المخاطبة) التي وقع التخاطب بها وإن ~~لم يبق على موضوعه الذي وضع له في اللغة، كالصلاة المستعملة في لسان أهل ~~الشرع للهيئة المخصوصة، فإنه لم يبق على موضوعه اللغوي وهو الدعاء بخير، ~~وكالدابة الموضوعة في العرف لذوات الأربع كالحمار فإنه لم يبق على موضوعه ~~اللغوي وهو كل ما يدب على الأرض. # (والمجاز) في اللغة: مكان الجواز. # وفي الاصطلاح: (ما تجوز) أي تعدي به (عن موضوعه)، وهذا على القول الأول ~~في تعريف الحقيقة، وعلى القول الثاني: هو ما استعمل في غير ما اصطلح عليه ~~من المخاطبة (¬1). # (والحقيقة إما لغوية) وهي التي وضعها واضع اللغة، كالأسد للحيوان ~~المفترس. # (وإما شرعية) وهي التي وضعها الشارع، كالصلاة للعبادة المخصوصة. # (وإما عرفية) وهي التي وضعها أهل العرف العام، كالدابة لذوات الربع، وهي ~~في اللغة كل ما يدب على وجه الأرض، أو أهل العرف الخاص كالفاعل للاسم ~~المعروف عند النحاة. ms11 # وهذا التقسيم إنما يتمشى على القول الثاني في تعريف الحقيقة دون الأول، ~~فإنه مبنى على نفي ما عدا الحقيقة اللغوية، فالألفاظ الشرعية كالصلاة والحج ~~ونحوهما، والعرفية كالدابة مجاز عندهم. PageV01P022 # وفي إثبات المصنف للحقيقة الشرعية والعرفية دليل على اختيار القول الثاني، ~~وهو الراجح، وإن اقتضى تقديمه للقول الأول على ترجيحه. # وجعل المصنف الحقيقة والمجاز من أقسام الكلام مع أنهما من أقسام ~~المفردات، إشارة إلى أن المفرد لا يظهر اتصافه بالحقيقة والمجاز إلا بعد ~~الاستعمال لا قبله، والله أعلم. # (والمجاز إما أن يكون بزيادة أو نقصان أو نقل أو استعارة. # فالمجاز بالزيادة مثل قوله تعالى: {ليس كمثله شيء})، فالكاف زائدة لئلا ~~يلزم إثبات مثل له تعالى؛ لأنها إن لم تكن زائدة فهي بمعنى مثل، فيقتضى ~~ظاهر اللفظ نفي مثل مثل الباري، وفي ذلك إثبات مثل له وهو محال عقلا، وضد ~~المقصود من الآية، فإن المقصود منها نفي المثل، فالكاف مزيدة للتأكيد، وقال ~~جماعة: ليست الكاف زائدة والمراد بالمثل الذات كما في قولهم: مثلك لا يفعل ~~كذا، لقصد المبالغة في نفي ذلك الفعل عنه، لأنه إذا انتفي عمن يماثله ~~ويناسبه كان نفيه عنه أولى. # وقال الشيخ سعد الدين (¬1): القول بأن الكاف زائدة أخذ بالظاهر، والأحسن ~~ألا تكون زائدة وتكون نفيا للمثل بطريق الكناية التي هي أبلغ، لأن الله ~~سبحانه موجود قطعا، فنفي مثل المثل مستلزم لنفي المثل، ضرورة أنه لو وجد له ~~مثل لكان هو تعالى مثلا لمثله، فلا يصح نفي مثل المثل، فهو من باب نفي ~~الشيء بنفي لازمه، كما يقال: ليس لأخي زيد أخ، فأخي زيد ملزوم، وأخي لازمه، ~~لأنه لا بد لأخي من أخ هو زيد، فنفيت اللازم، وهو أخو أخي زيد، والمراد نفي ~~ملزومه وهو أخو زيد، إذ لو كان له أخ لكان لذلك الأخ أخ وهو زيد. # (والمجاز بالنقصان مثل قوله تعالى: واسئل القرية) أي أهل القرية، ويسمى ~~هذا النوع مجاز الإضمار، وشرطه أن يكون في المظهر دليل على المحذوف، ~~كالقرينة العقلية هنا الدالة على أن الأبنية لا ms12 تسأل لكونها جمادا. PageV01P023 # فإن قيل: حد المجاز لا يصدق على المجاز بالزيادة والنقصان؛ لأنه لم يستعمل ~~اللفظ في غير موضوعه. # فالجواب: أنه منه، حيث استعمل نفي مثل المثل في نفي المثل وسؤال القرية ~~في سؤال أهلها، فقد تجوز في اللفظ وتعدى به عن معناه إلى معنى آخر. # وقال صاحب التلخيص (¬1): إنه مجاز من حيث أن الكلمة نقلت عن إعرابها ~~الأصلي إلى نوع آخر من الإعراب، فالحكم الأصلي ل (مثله) النصب؛ لأنه خبر ~~ليس، وقد تغير بالجر بسبب زيادة الكاف، والحكم الأصلي ل (القرية) الجر، وقد ~~تغير إلى النصب بسبب حذف المضاف. # (والمجاز بالنقل) أي بنقل اللفظ عن معناه إلى معنى آخر لمناسبة بين معنى ~~المنقول عنه والمنقول إليه، (كالغائط فيما يخرج من الإنسان)، فإنه نقل إليه ~~عن معناه الحقيقي وهو المكان المطمئن من الأرض، لأن الذي يقضى الحاجة يقصد ~~ذلك المكان طلبا للستر، فسموا الفضلة التي تخرج من الإنسان باسم المكان ~~الذي يلازم ذلك، واشتهر ذلك حتى صار لا يتبادر في العرف من اللفظ إلا ذلك ~~المعنى، وهو حقيقة عرفية مجاز بالنسبة إلى معناه اللغوي. # فقول من قال: إن تسميته مجازا مبني على قول من أنكر الحقيقة العرفية ليس ~~بظاهر؛ إذ لا منافاة بين كونه حقيقة عرفية ومجازا لغويا كما عرفت. # (والمجاز بالاستعارة كقوله تعالى: {جدارا يريد أن ينقض}) أي يسقط، فشبه ~~ميله إلى السقوط بإرادة السقوط التي هي من صفة الحي دون الجماد، فإن ~~الإرادة منه ممتنعة عادة. # والمجاز المبني على التشبيه يسمى استعارة. PageV01P024 # وعبارة المصنف توهم أن النقل قسم من المجاز ومقابل للأقسام وليس كذلك، فإن ~~النقل يعم جميع أقسام المجاز، فإن معناه تحويل اللفظ عن معناه الموضوع له ~~إلى معنى آخر. # فقوله: {ليس كمثله شيء} منقول من الدلالة على نفي مثل المثل إلى نفي المثل. # وقوله: {واسأل القرية} منقول من الدلالة على سؤال القرية إلى سؤال أهل ~~القرية. # ولفظ الغائط منقول من الدلالة على المكان المطمئن المعين إلى فضلة ~~الإنسان. # وقوله: {جدارا يريد أن ينقض} منقول من ms13 الدلالة على الإرادة الحقيقية التي ~~هي إرادة الحي إلى صورة تشبه صورة الإرادة الحقيقية. # فالمجاز كله نقل اللفظ من موضعه الأول إلى معنى آخر، لكنه قد يكون مع ~~بقاء اللفظ على صورته من غير تغيير وهذا المجاز العارض في الألفاظ المفردة، ~~كنقل لفظ الأسد من الحيوان المفترس إلى الرجل الشجاع، ونقل لفظ الغائط من ~~المكان المطمئن إلى فضلة الإنسان، وقد يكون مع تغيير يعرض للفظ بزيادة أو ~~نقصان، وهو المجاز الذي يعرض للألفاظ المركبة. ### | AUTO ويسمى المجاز الواقع في الألفاظ المفردة مجازا لغويا، والمجاز ~~الواقع في التركيب مجازا عقليا، وهو إسناد الفعل إلى غير ما هو له في ~~الظاهر، والله أعلم. # [باب الأمر] # ولما انقضى كلامه على أقسام الكلام أتبع ذلك بالكلام على الأمر فقال: # (والأمر استدعاء الفعل بالقول لمن هو دونه على سبيل الوجوب)، بأن لا يجوز ~~له الترك. # فقوله: (استدعاء الفعل) يخرج به النهي لأنه استدعاء الترك. # وقوله: (بالقول) يخرج به الطلب بالإشارة والكتابة والقرائن المفهمة. # وقوله: (لمن هو دونه) يخرج به الطلب من المساوي والأعلى، فلا يسمى ذلك ~~أمرا، بل يسمى الأول التماسا، والثاني دعاء وسؤالا. PageV01P025 # وهذا قول جماعة من الأصوليين، والمختار أنه لا يعتبر في الأمر العلو، وهو ~~أن يكون الطالب أعلى رتبة من المطلوب، ولا الاستعلاء وهو أن يكون الطلب على ~~سبيل التعاظم. # والفرق بين العلو والاستعلاء أن العلو كون الآمر في نفسه أعلى درجة من ~~المأمور، والاستعلاء أن يجعل نفسه عاليا بتكبر أو غيره وقد لا يكون في نفس ~~الأمر كذلك، فالعلو من صفات الآمر والاستعلاء من صفات كلامه. # وقوله: (على سبيل الوجوب) يخرج الآمر على سبيل الندب بأن يجوز الترك. # واقتضى كلام المصنف أن المندوب ليس مأمورا به، وفيه خلاف مبني على أن لفظ ~~الأمر حقيقة في الوجوب أوفي القدر المشترك بين الإيجاب والندب وهو طلب ~~الفعل؟ وقيل: إنه حقيقة في الندب، وقيل غير ذلك. # (وصيغته) أي صيغة الأمر الدالة عليه (افعل). # وليس المراد هذا الوزن بخصوصه، بل كون اللفظ دالا على الأمر ms14 بهيئته نحو: ~~اضرب وأكرم واستخرج و{لينفق}، و{ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا ~~بالبيت العتيق}. # (وهي) أي صيغة الأمر (عند الإطلاق والتجرد عن القرينة) الصارفة عن الوجوب ~~(تحمل عليه) أي على الوجوب، نحو: {أقيموا الصلاة}. # (إلا ما دل الدليل على أن المراد منه الندب) نحو: {فكاتبوهم إن علمتم ~~فيهم خيرا} لأن المقام يقتضى عدم الوجوب، فإن الكتابة من المعاملات. # (أو الإباحة) نحو: {وإذا حللتم فاصطادوا}، فإن الاصطياد أحد وجوه التكسب ~~وهو مباح، وقد أجمعوا على عدم وجوب الكتابة والاصطياد. # وظاهر كلامه أن الاستثناء في قوله: (إلا ما دل الدليل) منقطع؛ لأن الدليل ~~هو القرينة، ويمكن أن يكون متصلا. # وتختص القرينة بما كان متصلا بالصيغة، والدليل بما كان منفصلا عنها؛ لأن ~~ما كانت القرينة فيه منفصلة داخل في المجرد عن القرينة. PageV01P026 # مثال القرينة المتصلة قوله تعالى: {فالآن باشروهن}، بعد قوله تعالى: {أحل ~~لكم ليلة الصيام الرفث إلى نساءكم}. # ومثال القرينة المنفصلة قوله تعالى: {وأشهدوا إذا تبايعتم}، والقرينة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم باع ولم يشهد، فعلم أن الأمر للندب. # (ولا تقتضي) صيغة الأمر العارية عما يدل على التقييد بالتكرار أو بالمرة ~~(التكرار على الصحيح) ولا المرة، لكن المرة ضرورية؛ لأن ما قصد من تحصيل ~~المأمور به لا يتحقق إلا بها، والأصل براءة الذمة مما زاد عليها (إلا ما دل ~~الدليل على قصد التكرار) فيعمل به، كالأمر بالصلوات الخمس وصوم رمضان. # ومقابل الصحيح أنه يقتضى التكرار، فيستوعب المأمور بالفعل المطلوب ما ~~يمكنه من عمره حيث لا بيان لأمد المأمور به، لانتفاء مرجح بعضه على بعض. # وقيل: يقتضى المرة (¬1)، وقيل: بالوقف. # واتفق القائلون بأنه لا يقتضي التكرار على أنه إذا علق على علة محققة ~~نحو: إن زنى فاجلدوه، أنه يقتضى التكرار. # (ولا تقتضى) صيغة الأمر (الفور)، يريد ولا التراخي، إلا بدليل فيهما، لأن ~~الغرض إيجاد الفعل من غير اختصاص بالزمن الأول والثاني. # وقيل: يقتضى الفور (¬2). # وكل من قال بأنها تقتضى التكرار قال إنها تقتضى الفور. # (والأمر بإيجاد الفعل أمر به وبما لا يتم) ذلك ms15 (الفعل كالأمر بالصلاة) ~~فإنه (أمر بالطهارة)، فإن الصلاة لا تصح إلا بالطهارة (المؤدية إليها). PageV01P027 # (وإذا فعل) بالبناء للمفعول والضمير للمأمور به (يخرج المأمور عن العهدة) ~~أي عهدة الأمر ويتصف الفعل بالإجزاء. # وفي بعض النسخ: وإذا فعله المأمور يخرج عن العهدة، والمعنى أن المكلف إذا ~~أمر بفعل شيء ففعل ذلك الفعل المأمور به كما أمر به، فإنه يحكم بخروجه عن ~~عهدة ذلك الأمر، ويتصف الفعل بالإجزاء، وهذا هو المختار. # وقال قوم: إنه يحكم بالإجزاء بخطاب متجدد. # (الذي يدخل في الأمر والنهي وما لا يدخل) # هذه ترجمة معناها: بيان من يتناوله خطاب التكليف بالأمر والنهي ومن لا ~~يتناوله. # وقال: (ما لا يدخل) تنبيها على أن من لم يدخل في خطاب التكليف ليس في حكم ~~ذوى العقول. # (يدخل في خطاب الله تعالى المؤمنون) المكلفون، وهم العاقلون البالغون غير ~~الساهين. # ويدخل الإناث في خطاب الذكور بحكم التبع. # (و) أما (الساهي والصبي والمجنون) فهم (غير داخلين في الخطاب) لانتفاء ~~التكليف عنهم، لأن شرط الخطاب الفهم، وهم غير فاهمين للخطاب. # ويؤمر الساهي بعد ذهاب السهو بجبر خلل السهو، كقضاء ما فاته من الصلاة، ~~وضمان ما أتلفه من المال؛ لوجود سبب ذلك وهو الإتلاف، ودخول الوقت. # (والكفار مخاطبون بفروع الشريعة) على الصحيح (وبما لا تصح إلا به وهو ~~الإسلام) اتفاقا (¬1). PageV01P028 # وقوله: (لقوله تعالى: {ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين}) حجة للقول ~~الصحيح. # وقيل: إنهم غير مخاطبين بفروع الشريعة لعدم صحتها منهم قبل الإسلام وعدم ~~مؤاخذتهم بها بعده. # وأجيب: بأن فائدة خطابهم بها عقابهم عليها، وعدم صحتها في حال الكفر ~~لتوقفها على النية المتوقفة على الإسلام. # وأما عدم المؤاخذة بها بعد الإسلام فترغيبا لهم في الإسلام (¬1). # (والأمر) النفسي (بالشيء نهي عن ضده)، بمعنى أن تعلق الأمر بالشيء هو عين ~~تعلقه بالكف عن ضده، واحدا كان الضد، كضد السكون الذي هو التحرك، أو أكثر ~~كضد القيام الذي هو القعود والاتكاء والاستلقاء. # فالطلب له تعلق واحد بأمرين هما: فعل الشيء والكف عن ضده، فباعتبار الأول ~~هو أمر، ms16 وباعتبار الثاني هو نهي. # وقيل: إن الأمر بالشيء ليس عين النهي عن ضده ولكن يتضمنه. # وقيل: ليس عينه ولا يتضمنه، وعزاه صاحب جمع الجوامع للمصنف. # وأما مفهوما الأمر والنهي فلا نزاع في تغايرهما، وكذا لا نزاع في أن ~~الأمر اللفظي ليس عين النهي اللفظي، والأصح أنه لايتضمنه. # وقيل: يتضمنه، فإذا قال اسكن فكأنه قال: لا تتحرك؛ لأنه لا يتحقق السكون ~~إلا بالكف عن التحرك. # (و) أما (النهي) النفسي (عن الشيء) فقيل: إنه (أمر بضده)، فإن كان واحدا ~~فواضح، وإن كان كثيرا كان أمرا بواحد من غير تعيين. # وقيل: إن النهي النفسي ليس أمرا بالضد قطعا. # وأما النهي اللفظي فليس عين الأمر اللفظي قطعا، ولا يتضمنه على الأصح. PageV01P029 # وقيل: يتضمنه، فإذا قال: لا تتحرك فكأنه قال: اسكن، لأنه لا يتحقق ترك ~~التحرك إلا بالسكون. # (والنهي استدعاء الترك بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب) على وزان ~~ماتقدم في الأمر. # إلا أنه يقال هنا: قوله: (استدعاء الترك) مخرج للأمر. # وقوله هنا: (على سبيل الوجوب) أي بأن لا يجوز له الفعل، مخرج للنهي على ~~سبيل الكراهة، بأن يجوز له الفعل. # ولا يعتبر فيه أيضا علو ولا استعلاء، إلا أن النهي المطلق مقتض للفور ~~والتكرار، فيجب الانتهاء في الحال، واستمرار الكف في جميع الأزمان، لأن ~~الترك المطلق إنما يصدق بذلك. # (ويدل) النهي المطلق شرعا (على فساد المنهي عنه) شرعا على الأصح عند ~~المالكية والشافعية، وسواء كان المنهي عنه عبادة كصوم يوم العيد أو عقدا ~~كالبيوع المنهي عنها. # واحترزنا ب (المطلق) عما إذا اقترن به ما يقتضى عدم الفساد كما في صور ~~البيوع المنهي عنها، وسقطت هذه المسألة من نسخة المحلي. ### | AUTO (وترد صيغة الأمر والمراد به) أي بالأمر (الإباحة) كما تقدم، ~~(أو التهديد) نحو: {اعملوا ما شئتم}، (أو التسوية) نحو: {اصبروا أولا ~~تصبروا}، (أو التكوين) نحو: {كونوا قردة خاسئين}. # [باب العام] # (وأما العام فهو ما عم شيئين فصاعدا)، أي من غير حصر. # وهو مأخوذ (من قوله: عممت زيدا وعمرا بالعطاء وعممت جميع الناس بالعطاء) ms17 ~~أي شملتهم، ففي العام شمول. PageV01P030 # وفي بعض النسخ: (مثل عممت زيدا وعمرا)، ولا يصح ذلك لأن عممت زيدا وعمرا ~~ليس من العام الذي يريد بيانه. # وقوله: (ما عم شيئين فصاعدا) جنس يشتمل على المثنى كرجلين، وأسماء العدد ~~كثلاثة وأربعة، ونحو ذلك. # وقولنا: (من غير حصر) فصل مخرج للمثنى ولأسماء العدد، فإنها تتناول شيئين ~~فصاعدا لكنها تنتهي إلى غاية محصورة. # (وألفاظه) أي صيغ العموم الموضوعة له (أربعة) أي أربعة أنواع: # النوع الأول: (الاسم الواحد المعرف بالألف واللام) التي ليست للعهد ولا ~~للحقيقة، فإنه يفيد العموم بدليل جواز الاستثناء منه نحو: {إن الإنسان لفي ~~خسر إلا الذين آمنوا}. # (و) النوع الثاني (اسم الجمع)، أي الدال على جماعة (المعرف باللام) التي ~~ليست للعهد نحو: {اقتلوا المشركين}. # (و) النوع الثالث (الأسماء المبهمة كمن فيمن يعقل) نحو: من دخل دارى فهو ~~آمن، (وما فيما لا يعقل) نحو: ما جاءني قبلته، (وأي في الجميع) أي من يعقل ~~ومن لا يعقل نحو: أي عبيدي جاءك فأحسن إليه، وأي الأشياء أردته أعطيتك، ~~(وأين في المكان) نحو: أين تجلس أجلس، (ومتى في الزمان) نحو: متى تقم أقم، ~~(وما في الاستفهام) نحو: ما عندك؟ (و) في (الجزاء) أي المجازاة نحو: ما ~~تفعل تجز به. # وفي نسخة: (والخبر) بدل الجزاء نحو قولك: علمت ما علمت -بتاء المتكلم في ~~الأول وتاء الخطاب في الثاني-، جوابا لمن قال لك: ما علمت؟ # (وغيره) أي غير ما ذكر، كالخبر على النسخة الأولى والجزاء على النسخة ~~الثانية. PageV01P031 # (و) النوع الرابع (لا في النكرات) أي الداخلة على النكرات، فإن بنيت النكرة ~~معها على الفتح نحو: لا رجل في الدار فهي نص في العموم، وإن لم تبن فهي ~~ظاهرة في العموم نحو: لا رجل في الدار (¬1). # (والعموم من صفات النطق) أي اللفظ، والنطق مصدر بمعنى منطوق به. # (ولا يجوز دعوى العموم في غيره) أي في غير اللفظ (من الفعل وما يجرى ~~مجراه) أي مجرى الفعل. # فالفعل كجمعه عليه الصلاة والسلام بين الصلاتين في السفر كما رواه ~~البخاري (¬2)، فلا ms18 يدل على عموم الجمع في السفر الطويل والقصير، فإنه إنما ~~وقع في واحد منهما. ### | AUTO والذي يجري مجرى الفعل كالقضايا المعينة، مثل قضائه صلى الله ~~عليه وسلم بالشفعة للجار، رواه النسائي عن الحسن مرسلا (¬3)، فلا يعم كل ~~جار لاحتمال خصوصية في ذلك الجار. # [باب الخاص] # (والخاص يقابل العام) فيقال في تعريفه: هو ما لا يتناول شيئين فصاعدا من ~~غير حصر، بل إنما يتناول شيئا محصورا: إما واحدا أو اثنين أو ثلاثة أو أكثر ~~من ذلك، نحو: رجل ورجلين وثلاثة رجال. # (والتخصيص تمييز بعض الجملة) أي إخراج بعض الجمل التي يتناولها اللفظ ~~العام، كإخراج المعاهدين من قوله تعالى: {اقتلوا المشركين}. # (وهو) أي المخصص -بكسر الصاد- المفهوم من التخصيص (ينقسم إلى: # متصل) وهو ما لا يستقل بنفسه، بل يكون مذكورا مع العام. # (ومنفصل) وهو ما يستقل بنفسه ولا يكون مذكورا مع العام، بل يكون مفردا. PageV01P032 # (فالمتصل) ثلاثة أجزاء على ما ذكر المصنف: # أحدها: (الاستثناء)، نحو: قام القوم إلا زيدا. # (و) ثانيها (التقييد بالشرط)، نحو: أكرم بني تميم إن جاءوك، أي الجائين منهم. ### | AUTO (و) ثالثها (التقييد بالصفة)، نحو: أكرم بني تميم الفقهاء. # [تعريف الاستثناء] # (والاستثناء) الحقيقي، أي المتصل هو: (إخراج ما لولاه) أي لولا الاستثناء ~~(لدخل في الكلام)، نحو المثال السابق. # والاستثناء المتصل هو: ما يكون فيه المستثنى بعض المسثنى منه. # واحترزنا به عن المنفصل، وهو: ما لا يكون فيه المستثنى بعض المستثنى منه، ~~نحو: قام القوم إلا حمارا، فليس من المخصصات وإن كان المصنف سيذكره على ~~سبيل الاستطراد. # ولابد في الاستثناء المنقطع أن يكون بين المستثنى والمستثنى منه ملابسة ~~كما مثلنا، فلا يقال: قام القوم إلا ثعبانا. # (وإنما يصح) الاستثناء (بشرط أن يبقى من المستثنى منه شيء) ولو واحدا، ~~فلو استغرق المستثنى منه لم يصح وكان لغوا، فلو قال: له علي عشرة إلا تسعة ~~صح ولزمه واحد، ولو قال: إلا عشرة، لم يصح ولزمته العشرة. # (ومن شرطه) أي الاستثناء (أن يكون متصلا بالكلام) بالنطق أو في حكم ~~المتصل، فلا يضر قطعه بسعال ms19 وتنفس ونحوهما مما لا يعد فاصلا في العرف، فإن ~~لم يتصل بالكلام المستثنى منه لم يصح، فلو قال: جاء القوم، ثم قال بعد أن ~~مضى ما يعد فاصلا في العرف: إلا زيدا لم يصح. # وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يصح الاستثناء المنفصل بشهر، وقيل ~~بسنة، وقيل أبدا (¬1). PageV01P033 # (ويجوز تقديم الاستثناء) أي المستثنى (عن المستثنى منه)، نحو: ما قام إلا ~~زيدا أحد. ### | AUTO (ويجوز الاستثناء من الجنس) وهو المتصل المعدود في المخصصات ~~المتصلة كما تقدم، (ومن غيره) وهو المنقطع كما تقدم. # [التخصيص بالشرط] ### | AUTO (والشرط) وهو الثاني من المخصصات المتصلة، (يجوز أن يتأخر عن ~~المشروط) في اللفظ كما تقدم، (ويجوز أن يتقدم عن المشروط) في اللفظ نحو: إن ~~جاءوك بني تميم فأكرمهم، وأما في الوجود الخارجي فيجب أن يتقدم الشرط على ~~المشروط أو يقارنه. # [التخصيص بالصفة] # (و) التقييد بالصفة، وهو الثالث من المخصصات المتصلة، يكون فيه (المقيد ~~بالصفة) أصلا (ويحمل عليه المطلق) فيقيده بقيده، (كالرقبة قيدت بالإيمان في ~~بعض المواضع) كما في كفارة الظهار، فيحمل المطلق على المقيد احتياطا. ### | AUTO ثم شرع يتكلم عن القسم الثاني من المخصص، أعنى المنفصل فقال: # [التخصيص بالمخصص المنفصل] # (ويجوز تخصيص الكتاب بالكتاب) على الأصح نحو: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ~~أربعة قروء} الشامل لأولات الأحمال، فخص بقوله: {وأولات الأحمال أجلهن أن ~~يضعن حملهن}. # ونحو قوله: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} الشامل للكتابيات، لأن أهل ~~الكتاب مشركون لقوله تعالى: {وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى ~~المسيح ابن الله}، إلى قوله تعالى: {لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون}، خص ~~بقوله تعالى: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم}، أي حل لكم، ~~والمراد هنا بالمحصنات الحرائر. PageV01P034 # (و) يجوز (تخصيص الكتاب بالسنة) سواء كانت متواترة أو خبر آحاد، وفاقا ~~للجمهور، كتخصيص قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} الآية الشامل ~~للمولود الكافر لحديث: {لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم} (¬1). # (و) يجوز (تخصيص السنة بالكتاب) كتخصيص حديث الصحيحين {لا يقبل الله صلاة ~~أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ} (¬2)، بقوله: ms20 {فلم تجدوا ماء فتيمموا} وإن وردت ~~السنة بالتيمم أيضا بعد نزول الآية. # (و) يجوز (تخصيص السنة بالسنة) كتخصيص حديث الصحيحين {فيما سقت السماء ~~العشر} (¬3)، بحديثهما: {ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة} (¬4). # (و) يجوز (تخصيص النطق بالقياس، ونعنى بالنطق قول الله تعالى وقول الرسول ~~صلى الله عليه وسلم) لأن القياس يستند إلى نص من كتاب الله تعالى وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم فكان ذلك هو المخصص. ### | AUTO مثال تخصيص الكتاب بالقياس قوله تعالى: {الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة}، خص عمومه الشامل للأمة بقوله تعالى: ~~{فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب}، وخص عمومه أيضا بالعبد المقيس على الأمة. # [باب المجمل والمبين] # (والمجمل) في اللغة: من أجملت الشيء إذا جمعته، وضده المفصل. # وفي الاصطلاح هو: (ما افتقر إلى البيان)، أي هو اللفظ الذي يتوقف فهم ~~المقصود منه على أمر خارج عنه: إما قرينة حال، أو لفظ آخر، أو دليل منفصل. PageV01P035 # فاللفظ المشترك مجمل؛ لأنه يفتقر إلى ما يبين المراد من معنييه أو من ~~معانيه، نحو قوله تعالى: {ثلاثة قروء} فإنه يحتمل الأطهار والحيضات، ~~لاشتراك القرء بين الطهر والحيض. # (والبيان) يطلق على التبيين الذي هو قول المبين، وعلى ما حصل به التبيين ~~وهو الدليل، وعلى متعلق التبيين ومحله وهو المدلول. # والمصنف عرفه بالنظر إلى المعنى الأول بقوله: (إخراج الشيء من حيز ~~الإشكال إلى حيز التجلي) أي الظهور والوضوح. # وأورد عليه أمران: أحدهما: أنه لا يشتمل التبيين ابتداء قبل تقرير ~~الإشكال؛ لأنه ليس فيه إخراج من حيز الإشكال. # والثاني: أن التبيين أمر معنوي، والمعاني لا توصف بالاستقرار في الحيز، ~~فذكر الحيز فيه تجوز، وهو مجتنب في الرسم. # وأجيب بأن المراد من قوله: (إخراج الشيء من حيز الإشكال) ذكره وجعله واضحا. ### | AUTO والمراد بالحيز مظنة الإشكال ومحله، والله أعلم. # [تعريف النص] # (والنص ما لا يحتمل إلا معنى واحدا) ك (زيدا) في: رأيت زيدا. # (وقيل) في تعريف النص هو: (ما تأويله تنزيله) أي يفهم معناه بمجرد نزوله ~~ولا يحتاج إلى تأويله، نحو: ms21 {فصيام ثلاثة أيام} فإنه يفهم معناه بمجرد ~~نزوله ولا يتوقف فهمه على تأويله. # (وهو) أي النص (مشتق من منصة العروس وهو الكرسي) الذي تجلس عليه لتظهر ~~للناظرين. # وفي قوله: (مشتق من منصة العروس) مسامحة؛ لأن المصدر لا يشتق من غيره على ~~الصحيح، بل يشتق غيره منه، فالمنصة مشتقة من النص، فالنص لغة الرفع، فإذا ظهرت PageV01P036 ~~دلالة اللفظ على معناه كان ذلك في معنى رفعه على غيره، فقوله: (مشتق من ~~منصة العروس) لم يرد به الاشتقاق الاصطلاحي، وإنما أراد اشتراكهما في ~~المادة. ### | AUTO والنص عند الفقهاء يطلق على معنى آخر وهو ما دل على حكم شرعي من ~~كتاب أو سنة، سواء كانت دلالته نصا أو ظاهرا. # [تعريف الظاهر والمؤول] # (والظاهر ما احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر)، كالأسد في نحو: رأيت ~~اليوم أسدا، فإنه ظاهر في الحيوان المفترس، لأنه المعنى الحقيقي، ومحتمل ~~للرجل الشجاع. ### | AUTO والظاهر في الحقيقة هو الاحتمال الراجح، فإن حمل اللفظ على ~~الاحتمال المرجوح يسمى اللفظ مؤولا، وإنما يؤول بالدليل، كما قال: (ويؤول ~~الظاهر بالدليل)، أي يحمل على الاحتمال المرجوح (ويسمى) حينئذ (الظاهر ~~بالدليل) أي كما يسمى مؤولا كما في قوله تعالى: {والسماء بنيناها بأيد}، ~~فإن ظاهره جمع يد، وهو محال في حق الله تعالى، فصرف عنه إلى معنى القوة ~~بالدليل العقلي القاطع. # [باب] (الأفعال) # هذه ترجمة، والمراد بها بيان حكم أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ولهذا ~~قال المصنف: # (فعل صاحب الشريعة) يعنى النبي صلى الله عليه وسلم (لا يخلو: إما أن يكون ~~على وجه القربة والطاعة أو غير ذلك)، والقربة والطاعة بمعنى واحد. # فإن كان على وجه القربة والطاعة (فإن دل دليل على الاختصاص به يحمل على ~~الاختصاص)، كالوصال في الصوم، فإن الصحابة لما أرادوا الوصال نهاهم صلى ~~الله عليه وسلم عنه وقال: {لست كهيئتكم} متفق عليه. # (وإن لم يدل) دليل على الاختصاص به كالتهجد، (لا يخص به لأن الله تعالى ~~يقول: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة})، أي قدوة صالحة، والأسوة بكسر ~~الهمزة ms22 وضمها لغتان قرئ بهما في السبعة، وهو اسم وضع موضع المصدر أي اقتداء PageV01P037 ~~حسن، والظرفية هنا مجازية مثل قوله تعالى: {لقد كان في يوسف وإخوته آيات ~~للسائلين}. # وإذا لم يختص ذلك الفعل به صلى الله عليه وسلم فيعم الأمة جميعها. # ثم إن علم حكم ذلك الفعل من وجوب أو ندب فواضح، وإن لم يعلم حكمه (فيحمل ~~على الوجوب عند بعض أصحابنا) في حقه صلى الله عليه وسلم وفي حقنا؛ لأنه ~~الأحوط، وبه قال مالك رضي الله عنه وبعض أصحابه. # (ومن أصحابنا من قال يحمل على الندب) لأنه المحقق. # (ومنهم من قال يتوقف عنه) لتعارض الأدلة في ذلك. # (فإن كان) فعل صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم (على وجه غير القربة ~~والطاعة) كالقيام والقعود والأكل والشرب والنوم (فيحمل على الإباحة في حقه ~~وحقنا) وهذا في أصل الفعل، وأما في صفة الفعل فقال بعض المالكية: يحمل على ~~الندب، ويؤيده ما ورد عن كثير من السلف من الإقتداء بهم في ذلك. # وقال بعضهم: يحمل على الإباحة أيضا. ### | AUTO وعلم مما ذكره المصنف انحصار أفعاله صلى الله عليه وسلم في ~~الوجوب والندب والإباحة، فلا يقع منه صلى الله عليه وسلم محرم لأنه معصوم، ~~ولا مكروه ولا خلاف الأولى، ولقلة وقوع ذلك من المتقي من أمته، فكيف منه ~~صلى الله عليه وسلم؟ # [باب الإقرار] # (وإقرار صاحب الشريعة) صلى الله عليه وسلم (على القول الصادر من أحد) ~~بحضرته (هو)، أي ذلك القول (قول صاحب الشريعة)، أي كقوله. # كإقراره صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه على قوله، إعطاء ~~سلب القتيل لقاتله متفق عليه. # (وإقراره) أي صاحب الشريعة (على الفعل) الصادر من أحد بحضرته (كفعله) أي ~~صاحب الشريعة. PageV01P038 # كإقراره صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد على أكل الضب، متفق عليه (¬1)، ~~وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم معصوم عن أن يقر على منكر. # (وما فعل في وقته) أي زمنه صلى الله عليه وسلم (في غير مجلسه وعلم به ولم ~~ينكره فحكمه حكم ما فعل ms23 في مجلسه). ### | AUTO كعلمه صلى الله عليه وسلم بحلف أبى بكر الصديق رضي الله عنه إنه ~~لا يأكل الطعام في وقت غيظه، ثم أكل لما رأى ذلك خيرا، كما يؤخذ من حديث ~~مسلم في الأطعمة (¬2). # [باب النسخ] # (وأما النسخ فمعناه لغة الإزالة)، يقال: نسخت الشمس الظل إذا أزالته ~~ورفعته بانبساط ضوئها. # والإزالة والرفع بمعنى واحد. # (وقيل: معناه النقل، من قولهم: نسخت ما في هذا الكتاب أي نقلته). # وفي الاستدلال بهذا على أن النسخ بمعنى النقل نظر، فإن نسخ الكتاب ليس هو ~~نقلا لما في الأصل في الحقيقة، وإنما هو إيجاد مثل ما كان في الأصل في مكان ~~آخر، فتأمله. # وليس هذا باختلاف قول، وإنما هو بيان لما يطلق عليه النسخ في اللغة، فذكر ~~أنه يطلق على معنيين: على الإزالة، وعلى النقل، وذكر بعضهم أنه يطلق على ~~معنى ثالث PageV01P039 ~~وهو التغيير، كما في قولهم: نسخت الريح آثار الديار، أي غيرتها، والظاهر ~~أنه يرجع إلى المعنى الأول وهو الإزالة فإنها أعم. # واختلف في استعماله في المعنيين اللذين ذكرهما المصنف فقيل: إنه حقيقة ~~فيهما، فيكون مشتركا بينهما، وقيل إنه حقيقة في الإزالة مجاز في النقل. # وذكر بعضهم قولا ثالثا: إنه حقيقة في النقل مجاز في الإزالة، وهو بعيد. # (وحده) أي معناه الاصطلاحي الشرعي: (هو الخطاب الدال على رفع الحكم ~~الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه)، أي لو الخطاب الثاني، (لكان) الحكم ~~(ثابتا، مع تراخيه)، أي الخطاب الثاني (عنه)، أي الخطاب المتقدم. # وهذا الذي ذكره رحمه الله حد للناسخ، ولكنه يؤخذ منه حد النسخ وأنه: رفع ~~الحكم الثابت بخطاب متقدم، بخطاب آخر، لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه. # ونعني (برفع الحكم) رفع تعلقه بفعل المكلف، فقولنا: (رفع الحكم) جنس يشمل ~~النسخ وغيره كما سيأتي بيانه. # وقولنا: (الثابت بخطاب) فصل يخرج به رفع الحكم الثابت بالبراءة الأصلية، ~~أي عدم التكليف بشيء، فإنه ليس بنسخ، إذ لو كان نسخا كانت الشريعة كلها ~~نسخا، فإن الفرائض كلها كالصلاة والزكاة والصوم والحج رفع للبراءة الأصلية. # وقولنا: (بخطاب آخر) ms24 فصل ثان يخرج به رفع الحكم بالجنون والموت. # وقولنا: (على وجه لولاه لكان ثابتا) فصل ثالث يخرج به ما لو كان الخطاب ~~مغيا بغاية أو معللا بمعنى، وخرج الخطاب الثاني ببلوغ الغاية أو زوال ~~المعنى فإن ذلك لا يكون نسخا له، لأنه لو لم يرد الخطاب الثاني الدال على ~~ذلك لم يكن الحكم ثابتا لبلوغ الغاية وزوال العلة. # مثال ذلك: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع}، فتحريم البيع مغيا بقضاء الجمعة، ~~فلا يقال: إن قوله PageV01P040 ~~تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} ناسخ ~~للأول، بل هو مبين لغاية التحريم. # وكذا قوله تعالى: {وحرم عليكم صيد البر مادمتم حرما}، فلا يقال: إنه ~~منسوخ بقوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا}، لأن التحريم لأجل الإحرام، وقد زال. ### | AUTO وقولنا: (مع تراخيه) فصل رابع يخرج به ما كان متصلا بالخطاب من ~~صفة أو شرط أو استثناء، فإن ذلك تخصيص كما تقدم، وليس ذلك نسخا. # [أنواع النسخ] # (ويجوز نسخ الرسم وبقاء الحكم) أي يجوز نسخ رسم الآية في المصحف وتلاوتها ~~على أنه قرآن، مع بقاء حكمها والتكليف به، نحو: آية الرجم وهي: {الشيخ ~~والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة}، قال عمر رضي الله عنه: إياكم أن تهلكوا ~~عن آية الرجم، وذكرها، ثم قال: فإنا قد قرأناها، رواه مالك في الموطأ (¬1)، ~~قال مالك: الشيخ والشيخة الثيب والثيبة. # ورواه غير مالك بلفظ {الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من ~~الله والله عزيز حكيم}، وأصل الحديث متفق عليه من غير ذكره لفظها. # والمراد بالثيب المحصن وضده البكر، والله أعلم. # (و) يجوز (نسخ الحكم وبقاء الرسم) نحو قوله تعالى {والذين يتوفون منكم ~~ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج} نسخت بالآية التي ~~قبلها، أعني قوله تعالى: {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا}، وهو كثير. # (و) يجوز (نسخ الحكم والرسم معا) نحو حديث مسلم: {كان فيما أنزل عشر ~~رضعات معلومات، فنسخن بخمس معلومات} (¬2)، أي ms25 ثم نسخت تلاوة ذلك وبقى حكمه ~~كآية الشيخ والشيخة، قاله الشافعي وغيره. PageV01P041 # وقال المالكية وغيرهم: تحرم المصة الواحدة ولا حجة في حديث عائشة رضي الله ~~عنها؛ لأن ظاهره متروك؛ لأن فيه: فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا ~~فيما يقرأ من القرآن، وذلك يقتضي وقوع النسخ بعد موته صلى الله عليه وسلم، ~~فلم يثبت كونه قرآنا، ولا يحتج بأنه خبر واحد؛ لأن الخبر الواحد إذا توجه ~~إليه قادح توقف عن العمل به؛ وهذا لما لم يجئ إلا بالآحاد مع أن العادة ~~تقتضى مجيئه متواترا، كان ذلك ريبة فيه وقادحا، ولأنه لا يحتج بالقراءة ~~الشاذة على الصحيح لأنها ليست بقرآن وناقلها لم ينقلها على أنها حديث، بل ~~على أنها قرآن، وذلك خطأ، والخبر إذا وقع فيه الخطأ لم يحتج به، والله أعلم. # (و) يجوز (النسخ إلى بدل) كما في نسخ استقبال بيت المقدس باستقبال ~~الكعبة. # (وإلى غير بدل) كما في نسخ قوله تعالى: {إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين ~~يدي نجواكم صدقة}. # (و) يجوز النسخ (إلى ما هو أغلظ) كما في نسخ التخيير بين صوم رمضان ~~والفدية بالطعام إلى تعيين الصوم. # (و) يجوز النسخ (إلى ما هو أخف)، كما في قوله تعالى {إن يكن منكم عشرون ~~صابرون يغلبوا مائتين}. # (ويجوز نسخ الكتاب بالكتاب) كما في آيتي العدة وآيتي المصابرة. # (ونسخ السنة بالكتاب) كما في نسخ استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة ~~الفعلية في حديث الصحيحين (¬1) بقوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام}. # (ونسخ السنة بالسنة) كما في حديث مسلم: {كنت نهيتكم عن زيارة القبور ~~فزوروها} (¬2)، ومراد المصنف بذلك ما عدا نسخ السنة المتواترة بالآحاد، ~~فإنه سيصرح بعدم جوازه، ويأتي أن الصحيح جوازه. PageV01P042 # وسكت عن التصريح ببيان حكم نسخ الكتاب بالسنة، لأن كلامه الآتي يقتضي أنه ~~يجوز بالسنة المتواترة ولا يجوز بالآحاد. # وقد اختلف في جواز ذلك ووقوعه، وقال في جمع الجوامع: "الصحيح أنه يجوز ~~نسخ القرآن بالقرآن أو بالسنة"، أي سواء كانت متواترة أو آحادا، ثم قال: ~~"والحق أنه لم يقع إلا ms26 بالمتواترة". # وقال الشارح (¬1) في شرحه لجمع الجوامع: "وقيل: وقع بالآحاد في حديث ~~الترمذي وغيره {لا وصية لوارث}، فإنه ناسخ لقوله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر ~~أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين}، قلنا: لا نسلم عدم ~~تواتر ذلك ونحوه للمجتهدين الحاكمين بالنسخ لقربهم من زمان النبي صلى الله ~~عليه وسلم" انتهى. # ويوجد في بعض نسخ الورقات: (ولا يجوز نسخ الكتاب بالسنة)، ويريد غير ~~المتواترة، بدليل ما سيأتي، واختار القول بالمنع، وتقدم أنه يجوز تخصيص ~~الكتاب بالسنة، فكأنه رأى أن التخصيص أهون من النسخ. # (ويجوز نسخ المتواتر) من كتاب أو سنة (بالمتواتر) منهما. ### | AUTO (ونسخ الآحاد بالآحاد وبالمتواتر، ولا يجوز نسخ المتواتر) ~~كالقرآن والسنة المتواترة (بالآحاد)؛ لأنه دونه في القوة، وقد تقدم أن ~~الصحيح الجواز، لأن محل النسخ هو الحكم، والدلالة عليه بالمتواتر ظنية، فهو ~~كالآحاد، والله أعلم. # [باب التعارض والترجيح] # (فصل) في بيان ما يفعل (في التعارض) بين الأدلة. # وهو تفاعل من: عرض الشيء يعرض، كأن كلا من النصين عرض للآخر حين خالفه. # (إذا تعارض نطقان) أي نصان من قول الله سبحانه وتعالى ومن قول رسوله صلى ~~الله عليه وسلم، أو أحدهما من قول الله تعالى والآخر من قول رسول الله صلى ~~الله عليه PageV01P043 ~~وسلم، (فلا يخلو إما أن يكونا عامين أو خاصين أو أحدهما عاما والآخر خاصا ~~أوكل واحد منهما عاما من وجه وخاصا من وجه). # (فإن كانا عامين: فإن أمكن الجمع بينهما جمع)، وذلك بأن يحمل كل منهما ~~على حال، إذ لا يمكن الجمع بينهما مع إجراء كل منهما على عمومه؛ لأن ذلك ~~محال، لأنه يفضى إلى الجمع بين النقيضين، فإطلاق الجمع بينهما مجاز عن ~~تخصيص كل واحد منهما بحال. # مثاله حديث مسلم: {ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن ~~يسألها} (¬1)، وحديث الصحيحين: {خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين ~~يلونهم ثم يكون بعدهم قوم يشهدون قبل أن يستشهدوا} (¬2)، فحمل الأول على ما ~~إذا كان من له الشهادة غير عالم بها، والثاني على ما إذا ms27 كان عالما، وحمل ~~بعضهم الأول على ما كان في حق الله كالطلاق والعتاق، والثاني على غير ذلك. # (وإن لم يكن الجمع بينهما) أي بين النصين (يتوقف فيهما) عن العمل بهما ~~(إن لم يعلم التاريخ)، أي إلى أن يظهر مرجح لأحدهما. # مثاله قوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانكم}، وقوله تعالى: {وأن تجمعوا بين ~~الأختين}، فالأول يجوز جمع الأختين بملك اليمين، والثاني يحرم ذلك، فتوقف ~~فيهما عثمان رضي الله عنه لما سئل عنهما فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، ~~ثم حكم الفقهاء بالتحريم لدليل آخر، وهو أن الأصل في الأبضاع التحريم. # (فإن علم التاريخ فينسخ المتقدم بالمتأخر) كما في آيتي عدة الوفاة، وآيتي ~~المصابرة. # والمراد بالمتأخر المتأخر في النزول لا في التلاوة والله أعلم. PageV01P044 # (وكذا إذا كانا) أي النصان (خاصين)، أي وإن أمكن الجمع بينهما جمع كما في ~~حديث {أنه صلى الله عليه وسلم توضأ وغسل رجليه} (¬1) وهذا مشهور في ~~الصحيحين وغيرهما، وحديث {أنه توضأ ورش الماء على قدميه وهما في النعلين} ~~رواه النسائي والبيهقي وغيرهما (¬2)، فجمع بينهما في حال التجديد لما في ~~بعض الطرق: {إن هذا وضوء من لم يحدث} (¬3). # وقيل: المراد بالوضوء في حديث الغسل الوضوء الشرعي، وفي حديث الرش اللغوي ~~وهو النظافة. # وقيل: إنه غسلهما في النعلين وسمي ذلك رشا مجازا. # وإن لم يمكن الجمع بينهما ولم يعلم التاريخ توقف فيهما إلى ظهور مرجح ~~لأحدهما. # مثاله ما جاء أنه صلى الله عليه وسلم سئل عما يحل للرجل من امرأته وهي ~~حائض، فقال: {ما فوق الإزار}، رواه أبو داود (¬4)، وجاء أنه قال: {اصنعوا ~~كل شيء إلا النكاح} أي الوطء، رواه مسلم (¬5)، ومن جملة ذلك الاستمتاع بما ~~تحت الإزار، فتعارض فيه الحديثان فرجح بعضهم التحريم احتياطا، وبعضهم الحل؛ ~~لأنه الأصل في المنكوحة، والأول هو المشهور عندنا وعند الشافعية، وقال أبو ~~حنيفة وجماعة من العلماء بالثاني. # ووقع في كلام الشرح بعد ذكر الحديث الثاني: "ومن جملة ذلك الوطء في ما ~~فوق الإزار فيتعارض فيه الحديثان"، والظاهر أنه سهو، فإن ما فوق الإزار ~~يجوز ms28 الاستمتاع به باتفاق العلماء، قال النووي في شرح مسلم: بل حكى جماعة ~~كثيرة الإجماع عليه. # وإن علم التاريخ نسخ المتقدم بالمتأخر كما تقدم في حديث زيارة القبور. PageV01P045 # (وإن كان أحدهما عاما والآخر خاصا فيخصص العام بالخاص)، كحديث الصحيحين: ~~{فيما سقت السماء العشر}، وحديثهما {ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة} (¬1)، ~~فيخص الأول بالثاني، سواء وردا معا أو تقدم أحدهما على الآخر أو جهل ~~التاريخ. # (وإن كان أحدهما عاما من وجه وخاصا من وجه فيخص عموم كل واحد منهما بخصوص ~~الآخر) إن أمكن ذلك، وإلا احتيج إلى التاريخ. # مثال ما يمكن فيه التخصيص حديث أبى داود وغيره: {إذا بلغ الماء قلتين ~~فإنه لا ينجس} (¬2)، مع حديث ابن ماجه وغيره {الماء لا ينجسه شيء إلا ما ~~غلب على ريحه وطعمه ولونه} (¬3)، فالأول خاص في القلتين عام في المتغير ~~وغيره، والثاني خاص في المتغير عام في القلتين وما دونهما. # فيخص عموم الأول بخصوص الثاني، فيحكم بأن ماء القلتين لا ينجس بالتغيير، ~~وخص عموم الثاني بخصوص الأول فيحكم بأن ما دون القلتين ينجس وإن لم يتغير ~~هذا مذهب الشافعية، ورجح المالكية الثاني لأنه نص والأول إنما يعارضه ~~بمفهومه، والقصد التمثيل. # ومثال ما لا يمكن تخصيص عموم كل منهما بخصوص الآخر حديث البخاري {من بدل ~~دينه فاقتلوه} (¬4)، وحديث الصحيحين {أنه صلى الله عليه وسلم نهي عن قتل ~~النساء} (¬5)، فالأول عام في الرجال والنساء خاص بأهل الردة، والثاني خاص ~~في النساء عام في الحربيات والمرتدات، فيتعارضان في المرتدة هل تقتل أم لا؟ ~~فيطلب الترجيح. PageV01P046 ### | AUTO وقد رجح بقاء عموم الأول وتخصيص الثاني بالحربيات بحديث ورد في ~~قتل المرتدة (¬1)، والله أعلم. # [باب الإجماع] # (وأما الإجماع) فهو ثالث الأدلة الشرعية الأربعة: أعني الكتاب والسنة ~~والإجماع والقياس. # وهو لغة العزم، كما في قوله تعالى: {فأجمعوا أمركم}. # وأما في الاصطلاح: (فهو اتفاق علماء العصر) من أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم (على حكم الحادثة). # فلا يعتبر وفاق العوام معهم على المعروف. # والعصر الزمان. # (ونعنى بالعلماء الفقهاء)، يعنى المجتهدين، فلا يعتبر موافقة ms29 الأصوليين معهم. # (ونعنى بالحادثة الحادثة الشرعية) لأنها محل نظر الفقهاء، بخلاف غير ~~الشرعية كاللغوية مثلا فإنها محل نظر علماء اللغة. # (وإجماع هذه الأمة حجة دون غيرها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: {لا تجتمع ~~أمتي على ضلاله}) رواه الترمذي وغيره (¬2). # (والشرع ورد بعصمة هذه الأمة) لهذا الحديث وغيره. # (والإجماع حجة على العصر الثاني) ومن بعده. # (و) الإجماع حجة (في أي عصر كان)، سواء كان في عصر الصحابة أوفي عصر من بعده. PageV01P047 # (ولا يشترط) في حجية الإجماع (انقراض العصر) بأن يموت أهله (على الصحيح)، ~~لسكوت أدلة حجية الإجماع عن ذلك، فلو اجتمع المجتهدون في عصر على حكم لم ~~يكن له ولا لغيره مخالفته. # وقيل: يشترط في حجيته انقراض المجتهدين؛ لجواز أن يطرأ لبعضهم ما يخالف ~~اجتهاده فيرجع. # وأجيب: بأنا نمنع رجوعه للإجماع قبله. # (فإن قلنا انقراض العصر شرط فيعتبر) في انعقاد الإجماع (قول من ولد في ~~حياتهم وتفقه وصار من أهل الاجتهاد) فإن خالفهم، لم ينعقد إجماعهم السابق، ~~(فلهم) على هذا القول (أن يرجعوا عن ذلك الحكم) الذي أجمعوا عليه. # وعلى القول الصحيح لا يقدح في إجماعهم مخالفة من ولد في عصرهم ولا يجوز ~~لهم الرجوع. # (والإجماع يصح بقولهم) أي بقول المجتهدين في حكم من الأحكام: إنه حلال أو ~~حرام أو واجب أو مندوب أو غير ذلك وهذا هو الإجماع القولي. # (و) يصح أيضا (بفعلهم)، فإن فعلوا فعلا فيدل فعلهم على جوازه وإلا كانوا ~~مجمعين على الضلالة، وقد تقدم أنهم معصومون من ذلك. # قالوا: ولا يكاد يتحقق ذلك، فإن الأمة متى فعلت شيئا فلابد من متكلم بحكم ~~ذلك الشيء. # وقد قيل: إن إجماعهم على إثبات القرآن في المصاحف إجماع فعلى وليس كذلك؛ ~~لتقدم المشورة فيه بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم. # وقيل: مثال الإجماع الفعلي إجماع الأمة على الختان، وهو مشروع بالإجماع ~~الفعلي، أما وجوبه وسنيته مأخوذ من أقوالهم، وذلك أمر مختلف فيه. PageV01P048 # (و) يصح الإجماع أيضا (بقول البعض وبفعل البعض وانتشار ذلك) القول أو الفعل ~~(وسكوت الباقين) من المجتهدين عنه مع ms30 علمهم به من غير إنكار، ويسمى ذلك ~~بالإجماع السكوتي. ### | AUTO وظاهر كلام المصنف أنه إجماع، وفيه خلاف: فقيل: إنه إجماع، ~~وقيل: إنه حجة وليس بإجماع، وقيل: ليس بإجماع ولا حجة (¬1). # [حكم قول الصحابي] # (وقول الواحد من الصحابة ليس بحجة على غيره) من الصحابة اتفاقا ولا على ~~غيره من غير الصحابة (على القول الجديد). # وفي القديم: هو حجة، وهو قول مالك رضي الله تعالى عنه (¬2)، لحديث: ~~{أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم} رواه ابن ماجه (¬3). # وذكر الواحد لا مفهوم له فإن الخلاف جار فيما لم يجمعوا عليه. # (باب) يذكر فيه الكلام على الأخبار # وهكذا يوجد في بعض النسخ، وأكثر النسخ على سقوط لفظ الباب والاكتفاء بقوله: # (وأما الأخبار) بفتح الهمزة، فهي جمع خبر، فيذكر تعريف الخبر أولا ثم ~~أقسامه. PageV01P049 # (فالخبر ما يدخله الصدق والكذب)، بمعنى أنه محتمل لهما لا أنهما يدخلانه ~~جميعا، واحتماله لهما بالنظر إلى ذاته أي من حيث إنه خبر، كقولك: قام زيد، ~~فالصدق مطابقته للواقع، والكذب عدم مطابقته للواقع. # وقد يقطع بصدق الخبر أو بكذبه بأمر خارجي، فالأول كخبر الله تعالى وخبر ~~رسوله صلى الله عليه وسلم، والثاني كقولك: الضدان يجتمعان لاستحالة ذلك ~~عقلا، فلا يخرجه القطع بصدقه ولا كذبه عن كونه خبرا. # (والخبر ينقسم إلى قسمين: آحاد ومتواتر). # (فالمتواتر) هو (ما يوجب العلم، وهو أن يروى جماعة لا يقع التواطؤ على ~~الكذب من مثلهم) وهكذا (إلى أن ينتهي إلى المخبر عنه، ويكون في الأصل عن ~~مشاهدة أو سماع لا عن اجتهاد). # كالإخبار عن مشاهدة مكة، وسماع خبر الله تعالى من النبي صلى الله عليه ~~وسلم، بخلاف الإخبار عن أمر يجتهد فيه كإخبار الفلاسفة بقدم العالم. # (والآحاد) هو ما لا يبلغ إلى حد التواتر (هو الذي يوجب العمل) بمقتضاه ~~(ولا يوجب العلم) لاحتمال الخطأ فيه، ولو بالسهو والنسيان. # (وينقسم) أي خبر الآحاد (إلى مرسل ومسند). # (فالمسند ما اتصل إسناده) بأن ذكر في السند رواته كلهم. # (والمرسل ما لم يتصل إسناده) بأن سقط بعض رواته من السند. # (فإن كان) المرسل ms31 (من مراسيل غير الصحابة) كأن يقول التابعي أومن بعده: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (فليس ذلك) المرسل (حجة) عند الشافعي؛ ~~لاحتمال أن يكون الساقط مجروحا، (إلا مراسيل سعد بن المسيب) بفتح المثناة ~~التحتية وكسرها، وهو من كبار التابعين رضي الله عنهم، فإذا أسقط الصحابي ~~وعزا الأحاديث للنبي صلى الله عليه وسلم فإن مراسيله حجة، (فإنها فتشت) أي ~~فتش عنها (فوجدت PageV01P050 ~~مسانيد)، أي رواها الصحابي الذي أسقطه (عن النبي) صلى الله عليه وسلم، وهو ~~في الغالب صهره أبو زوجته، أي أبا هريرة رضي الله عنه. # وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في أشهر الروايتين عنه وجماعة من العلماء: ~~المرسل حجة؛ لأن الثقة لا يرسل الحديث إلا حيث يجزم بعدالة الراوي (¬1). # وأما مراسيل الصحابة فحجة؛ لأنهم لا يروون غالبا إلا عن صحابي والصحابة ~~كلهم عدول (¬2)، فإذا قال الصحابي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ~~محمول على أنه سمعه من صحابي آخر فله حكم المسند. # وقولنا: (غالبا)، لأنه قد وجدت أحاديث رواها الصحابة عن التابعين، خلافا ~~لمن أنكر ذلك. # وهذا فيما علم أن الصحابي لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، وأما ~~إذا لم يعلم ذلك وقال الصحابي: قال النبي صلى الله عليه وسلم، فهو محمول ~~على أنه سمعه منه صلى الله عليه وسلم. # (والعنعنة) مصدر عنعن الحديث إذا رواه بكلمة "عن"، فقال: حدثنا فلان عن ~~فلان، و(تدخل على الأسانيد) أي على الأحاديث المسندة فلا يخرجها عن حكم ~~الإسناد إلى حكم الإرسال، فيكون الحديث المروي بها مسندا لاتصال سنده في ~~الظاهر لا مرسلا. # (وإذا قرأ الشيخ) على الرواة وهم يسمعون فإنه (يجوز للراوي أن يقول ~~حدثني) فلان (أو أخبرني). PageV01P051 # (وإذا قرأ هو) أي الراوي (على الشيخ فيقول) الراوي: (أخبرني، ولا يقول ~~حدثني)؛ لأنه لم يحدثه. # ومنهم من أجاز ذلك، وهو قول مالك رضي الله عنه وسفيان ومعظم الحجازيين، ~~وعليه عرف أهل الحديث؛ لأن القصد الإعلام بالرواية عن الشيخ. # وهذا إذا أطلق، وأما إذا قال: حدثني قراءة عليه، فلا خلاف ms32 في جواز ذلك ~~والله أعلم. ### | AUTO (وإن أجازه الشيخ من غير قراءة) من الشيخ عليه ولا منه على ~~الشيخ (فيقول) الراوي: (أجازني أو أخبرني إجازة)، وفهم منه جواز الرواية ~~بالإجازة وهو الصحيح، والله أعلم. # [باب القياس] # (وأما القياس) فهو الرابع من الأدلة الشرعية (¬1). # وهو في اللغة: بمعنى التقدير، نحو: قست الثوب، وبمعنى التشبيه نحو قولهم: ~~يقاس المرء بالمرء. # وأما في الاصطلاح: (فهو رد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما في الحكم). ### | AUTO ومعنى رد الفرع إلى الأصل جعله راجعا إليه ومساويا له في الحكم، ~~كقياس الأرز على البر في الربا، للعلة الجامعة بينهما، وهي الاقتيات ~~والادخار للقوت عند المالكية، وكونه مطعوما عند الشافعية. # [أقسام القياس] # (وهو) أي القياس (ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إلى قياس عله، وقياس دلالة، ~~وقياس شبه). PageV01P052 # (فقياس العلة) وهو القسم الأول: (ما كانت العلة فيه موجبة للحكم) أي مقتضية ~~له، بمعنى أنه لا يحسن عقلا تخلف الحكم عنها، ولو تخلف عنها لم يلزم منه ~~محال، كما هو شأن العلل الشرعية. # وليس المراد الإيجاب العقلي، بمعنى أنه يستحيل عقلا تخلف الحكم عنها، ~~وذلك كقياس تحريم ضرب الوالدين على التأفيف بجامع الإيذاء، فإنه لا يحسن في ~~العقل إباحة الضرب مع تحريم التأفيف. # وقد اختلف في هذا النوع، فمنهم من جعل الدلالة فيه على الحكم قياسية، ~~ومنهم من ذهب إلى أنها غير قياسية، وأنها من دلالة اللفظ على الحكم. # (و) القسم الثاني من أقسام القياس (قياس الدلالة وهو الاستدلال بأحد ~~النظيرين على الآخر). # (وهو أن تكون العلة دالة على الحكم ولا تكون موجبة للحكم)، أي مقتضية له ~~كما في القسم الأول. # وهذا النوع غالب أنواع الأقيسة، وهو ما يكون الحكم فيه لعلة مستنبطة ~~لجواز أن يترتب الحكم عليها في الفروع ويجوز أن يتخلف. # وهذا النوع أضعف من الأول، فإن العلة فيه دالة على الحكم وليست ظاهرة فيه ~~ظهورا لا يحسن معه تخلف الحكم. # وذلك كقياس مال الصبي على مال البالغ في وجوب الزكاة فيه، بجامع أنه مال نام. # ويجوز أن يقال: ms33 لا يجب في مال الصبي، كما قال أبو حنيفة (¬1). PageV01P053 # (و) القسم الثالث من أقسام القياس (قياس الشبه، وهو الفرع المتردد بين ~~أصلين، فيلحق بأكثرهما شبها). # كالعبد المقتول، فإنه متردد في الضمان بين الإنسان الحر من حيث إنه آدمي، ~~وبين البهيمة من حيث إنه مال، وهو بالمال أكثر شبها من الحر، بدليل أنه ~~يباع ويورث ويوقف وتضمن أجزاؤه بما نقص من قيمته، فيلحق به وتضمن قيمته وإن ~~زادت على دية الحر. ### | AUTO وهذا النوع أضعف من الذي قبله ولذلك اختلف في قبوله، (ولا يصار ~~إليه مع إمكان ما قبله) والله أعلم. # [أركان القياس] # وأركان القياس أربعة: الفرع والأصل والعلة وحكم الأصل المقيس عليه، ولكل ~~واحد منها شروط. # (ومن شرط الفرع أن يكون مناسبا للأصل) في الأمر الذي يجمع بينهما للحكم، ~~بأن تكون علة الفرع مماثلة لعلة الأصل: # في عينها: كقياس النبيذ على الخمر لعلة الإسكار، # أو في جنسها: كقياس وجوب القصاص في الأطراف على القصاص في النفس بجامع ~~الجناية. # وقد يقال بأنه يستغنى عن هذا الشرط بقوله في حد القياس: رد الفرع إلى ~~الأصل لعلة تجمعهما في الحكم. # (ومن شرط الأصل أن يكون) حكمه (ثابتا بدليل متفق عليه بين الخصمين)، بأن ~~يتفقا على علة حكمه ليكون القياس حجة على الخصم. # فإن كان حكم الأصل متفقا عليه بينهما ولكن لعلتين مختلفتين لم يصح ~~القياس. # فإن لم يكن خصم فالشرط ثبوت حكم الأصل بدليل يقول به القايس. PageV01P054 # (ومن شرط العلة أن تطرد في معلولاتها) بحيث كلما وجدت الأوصاف المعبر بها ~~عنها في صورة، وجد الحكم، (فلا تنتقض لفظا) بأن تصدق الأوصاف المعبر بها ~~عنها في صورة لا يوجد الحكم معها، (ولا معنى) بأن يوجد المعنى المعلل به ~~ولا يوجد الحكم، فمتى انقضت العلة لفظا أو معنى فسد القياس. # مثال الأول: أن يقال في القتل بمثقل إنه قتل عمد عدوان، فيجب به القصاص ~~كالقتل بالمحدد، فينتقض ذلك بقتل الوالد ولده فإنه لا يوجب القصاص مع أنه ~~قتل عمد عدوان (¬1). # ومثال الثاني أن يقال: تجب ms34 الزكاة في المواشي لدفع حاجة الفقير، فيقال: ~~ينتقض ذلك بوجود ذلك المعنى وهو دفع حاجة الفقير في الجواهر. # والمرجع في الانتقاض لفظا ومعنى إلى وجود العلة بدون الحكم، وإنما غاير ~~بينهما لأن العلة في الأول لما كانت مركبة من أوصاف متعددة نظر فيها إلى ~~جانب اللفظ، ولما كانت في الثاني أمرا واحدا نظر فيها إلى المعنى وكأنه ~~مجرد اصطلاح والله أعلم. # (ومن شرط الحكم أن يكون مثل العلة)، أي تابعا لها (في النفي والإثبات)، ~~أي في الوجود والعدم. # (فإن وجدت العلة وجد الحكم) وإن انتفت انتفى، وهذا إن كان الحكم معللا ~~بعلة واحدة كتحريم الخمر فإنه معلل بالإسكار، فمتى وجد الإسكار وجد الحكم ~~ومتى انتفي انتفى. # وأما إذا كان الحكم معللا بعلل فإنه لا يلزم من انتفاء بعض تلك العلل ~~انتفاء الحكم، كالقتل فإنه يجب بسبب الردة والزنى بعد الإحصان وقتل النفس ~~المعصومة المماثلة وترك الصلاة وغير ذلك والله أعلم. PageV01P055 ### | AUTO [تعريف العلة] # (والعلة هي الجالبة للحكم)، أي الوصف المناسب لترتب الحكم عليه، كرفع ~~حاجة الفقير فإنه وصف مناسب لإيجاب الزكاة. # (والحكم هو المجلوب للعلة) أي هو الأمر الذي يصح ترتبه على العلة. ### | AUTO ولما فرغ من ذكر الدلائل الشرعية المتفق عليها شرع يذكر الدلائل ~~المختلف فيها (¬1)، فمنها أن يقال: إن الأصل في الأشياء الحرمة أو الإباحة فقال: # [فصل في الحظر والإباحة] # (وأما الحظر) أي الحرمة (والإباحة، فمن الناس من يقول: إن الأشياء) بعد ~~البعثة (على الحظر)، أي مستمرة على الحرمة؛ لأنها الأصل فيها، (إلا ما ~~أباحته الشريعة). # والاستثناء منقطع، فإن ما أباحته الشريعة الأصل فيه أيضا الحرمة عنده. # (فإن لم يوجد في الشريعة ما يدل على الإباحة يتمسك بالأصل) وهو الحظر. # (ومن الناس من يقول بضده)، أي بضد هذا القول، (وهو أن الأصل في الأشياء) ~~بعد البعثة (أنها على الإباحة إلا ما حظره الشرع) أي حرمه. # والصحيح التفصيل: وهو أن أصل المضار التحريم، والمنافع الحل، قال الله ~~تعالى: {خلق لكم ما في الأرض جميعا} ذكره في معرض الامتنان، ولا ms35 يمتن إلا بجائز. # وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن ماجه وغيره: {لا ضرر ولا ضرار} ~~(¬2)، أي في ديننا، أي لا يجوز ذلك. PageV01P056 ### | AUTO وهذا حكم الأشياء بعد البعثة، وأما قبل البعثة فليس هناك حكم ~~شرعي يتعلق بشيء لانتفاء الرسول المبين للأحكام (¬1). # [فصل في الاستصحاب] # ومن الأدلة المختلف فيها الاستصحاب، ولما كان الاستصحاب له معنيان أحدهما ~~متفق على قبوله أشار إليه بقوله: # (ومعنى استصحاب الحال الذي يحتج به) عند عدم الدليل الشرعي كما سيأتي (أن ~~يستصحب الأصل)، أي العدم الأصلي (عند عدم الدليل الشرعي)، إذا لم يجده ~~المجتهد بعد البحث عنه بقدر طاقته. # كأن لم يجد دليلا على وجوب صوم رجب فيقول: لا يجب؛ لاستصحاب الأصل، أي ~~العدم الأصلي. # وعلى وجوب صلاة زائدة على الخمس فإن الأصل عدمه. # وأما الاستصحاب بالمعنى الثاني المختلف فيه وهو ثبوت أمر في الزمان ~~الثاني لثبوته في الأول، فهو حجة عند المالكية والشافعية دون الحنفية. ### | AUTO ولما فرغ من ذكر الأدلة شرع في بيان الترجيح بينها فقال: # [فصل في ترتيب الأدلة] # (وأما الأدلة فيقدم الجلي) منها (على الخفي)، وذلك كالظاهر على المؤول، ~~واللفظ في معناه الحقيقي على معناه المجازى. # (و) يقدم الدليل (الموجب للعلم على) الدليل (الموجب للظن)، فيقدم ~~المتواتر على الآحاد، إلا أن يكون الأول عاما فيخص به كما تقدم في تخصيص ~~الكتاب بالسنة. # ويقدم (النطق) أي النص من كتاب أو سنة (على القياس)، إلا أن يكون النطق ~~عاما فيخص بالقياس كما تقدم (¬2). PageV01P057 # (و) يقدم (القياس الجلي) كقياس العلة (على) القياس (الخفي) كقياس الشبه. # (فإن وجد في النطق) أي النص من كتاب أو سنة (ما يفسر الأصل) أي العدم ~~الأصلي الذي يعبر عنه باستصحاب الحال كما تقدم فواضح أنه يعمل بالنطق ويترك ~~الأصل، وكذا إن وجد إجماع أو قياس. # (وإلا) أي وإن لم يوجد شيء من ذلك (فيستصحب الحال) أي العدم الأصلي فيعمل ~~به كما تقدم. ### | AUTO ولما فرغ من الكلام عن الأدلة شرع يتكلم على الاجتهاد فذكر شروط ~~المجتهد فقال: # [فصل في ms36 الاجتهاد والتقليد] # (ومن شرط المفتى) وهو المجتهد (أن يكون عالما بالفقه أصلا وفرعا خلافا ~~ومذهبا). # مراده بالأصل دلائل الفقه المذكورة في علم أصول الفقه (¬1)، وفي إدخالها ~~في الفقه كما تقتضيه عبارته مسامحة. # ويحتمل أن يريد بالأصل أمهات المسائل التي هي كالقواعد ويتفرع عليها ~~غيرها، لكن يفوته التنبيه على معرفة أصول الفقه إلا أن يدخل ذلك في قوله ~~كامل الأدلة. # ومراده بالفروع المسائل المدونة في كتب الفقه. PageV01P058 # ومراده بالخلاف المسائل المختلف فيها بين العلماء. # وبالمذهب ما يستقر عليه رأيه، هذا إن حمل على المجتهد المطلق، وإن حمل ~~على المجتهد المقيد فمراده بالمذهب ما يستقر عليه رأي إمامه. # وفائدة معرفة الخلاف ليذهب إلى قول منه، ولا يخرج منه بإحداث قول آخر، ~~لأن فيه خرقا لإجماع من قبله، حيث لم يذهبوا إلى ذلك القول. # (و) من شرط المفتي أيضا (أن يكون كامل الأدلة في الاجتهاد). # ويحتمل أن يريد بكمال الأدلة صحة الذهن وجودة الفهم بعده، فيكون ما بعده ~~شرطا آخرا، ويحتمل أن يريد بكمال الأدلة ما ذكره بعده فيكون تفسيرا له، ~~أعني قوله: (عارفا بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام) من النحو والفقه ~~ومعرفة الرجال الراوين للحديث، ليأخذ برواية المقبول منه دون المجروح. # وإذا أخذ الأحاديث من الكتب التي التزم مصنفوها تخريج الصحيح كالموطأ ~~والبخاري ومسلم لم يحتج إلى معرفة الرجال. # (وتفسير الآيات الواردة في الأحكام والأخبار الواردة فيها) ليوافق ذلك في ~~اجتهاده ولا يخالفه. # والمراد من ذلك معرفة ما يتعلق بفقه تلك الآيات وفقه تلك الأخبار دون ~~معرفة القصص. # ولا يشترط أن يكون حافظا للقرآن ولا لآيات الأحكام منه ولا محيطا ~~بالأحاديث والآثار الواردة في الأحكام. # قال الشافعي رضي الله عنه: لا تجتمع السنن كلها عند أحد، فالمراد أن يكون ~~عالما بجملة من الأحاديث الواردة في الأحكام المشهورة عند أهل العلم وعالما ~~بفقهها، ولا يشترط أن يعرف الأحاديث الغريبة ولا تفسير غريب الحديث، وإن ~~كان معرفة ذلك تزيده تمكينا. PageV01P059 # (ومن شروط المستفتى أن يكون من أهل التقليد)، أي ليس من أهل الاجتهاد ms37 لكونه ~~لم يجتمع فيه شروطه، (فيقلد المفتي) أي المجتهد (في الفتوى). # وأشار بذلك إلى مسألتين: # إحداهما: أنه لا يجوز تقليد كل أحد، بل إنما يقلد المجتهد إن وجده. # والثاني: أنه إنما يقلده في الفتوى، ولا يقلده في الأفعال، فلو رأى ~~الجاهل العالم يفعل فعلا لم يجز له تقليده فيه حتى يسأله، إذ لعله فعله ~~لأمر لم يظهر له، أي المقلد. # وعلم منه أن من كان من أهل الاجتهاد لم يجز له أن يقلد غيره كما نبه عليه ~~بقوله: (وليس للعالم) أي المجتهد (أن يقلد) غيره، لتمكنه من الاجتهاد، هذا ~~هو الصحيح، وقيل: يجوز. # (والتقليد قبول قول القائل بلا حجة) يذكرها. # (فعلى هذا قبول قول النبي صلى الله عليه وسلم) فيما يذكره من الأحكام (لا ~~يسمى تقليدا)، لأنه يجب الأخذ بقوله فيما يذكره من الأحكام، وإن لم يذكر ~~دليل ذلك الحكم، لأنه قد قام الدليل على قبول قوله، أعني المعجزة الدالة ~~على رسالته. # (ومنهم من قال التقليد قبول قول القائل وأنت لا تدرى من أين قاله) أي لا ~~تعلم مأخذ ذلك القول عند قائله. # (فإن قلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بالقياس) أي يجتهد ولا ~~يقتصر على الوحي (فيجوز أن يسمى قبول قوله تقليدا)، لاحتمال أن يكون قاله ~~عن اجتهاد. # وإن قلنا: إنه لا يجتهد وإنما يقول عن وحي لقوله تعالى: {وما ينطق عن ~~الهوى إن هو إلا وحى يوحى} فلا يسمى قبول قوله تقليدا لإسناده إلى الوحي. # وهذه المسألة فيها خلاف، أعني مسألة اجتهاده صلى الله عليه وسلم والصحيح ~~جواز الاجتهاد للنبي صلى الله عليه وسلم ووقوعه منه، وهو الذي رجحه ابن ~~الحاجب. # وقيل: لا يجوز، وقيل: يجوز في الآراء والحروب. PageV01P060 ### | AUTO والصواب أن اجتهاده صلى الله عليه وسلم لا يخطئ. # [تعريف الاجتهاد] # ولما ذكر أن الاجتهاد يجب على من اجتمعت فيه شروطه عرفه بقوله: (وأما ~~الاجتهاد فهو بذل الوسع) أي تمام الطاقة (في بلوغ الغرض) المقصود من العلم ~~لتحصيله، بأن يبذل تمام طاقته في النظر في ms38 الأدلة الشرعية ليحصل الظن ~~بالحكم الشرعي. # (فالمجتهد إن كان كامل الأدلة في الاجتهاد) الذي تقدم ذكره فهو المجتهد ~~المطلق، ودونه مجتهد المذهب وهو المتمكن من أن يخرج الدليل منصوصا زائدا ~~على نصوص إمامه، ودونه مجتهد الفتوى وهو المجتهد المتبحر في مذهب إمامه ~~المتمكن من تخريج ترجيح قول آخر. # فإن اجتهد كل واحد من هؤلاء (في الفروع فأصاب فله أجران) أجر على اجتهاده ~~وأجر على إصابته. # (وإن اجتهد) في الفروع (وأخطأ فله أجر واحد) على اجتهاده، وسيأتي دليل ~~ذلك، ولا إثم عليه لخطئه على الصحيح، إلا أن يقصر في اجتهاده فيأثم لتقصيره وفاقا. # (ومنهم) أي من علمائنا (من قال: كل مجتهد في الفروع) التي لا قاطع فيها ~~(مصيب)، بناءا على أن حكم الله في حقه وحق من قلده ما أداه إليه اجتهاده. # وهذا قول الشيخ أبى الحسن والقاضي أبى بكر الباقلاني من المالكية ~~وغيرهما، والمنقول عن مالك أن المصيب واحد. # وأما الفروع التي فيها قاطع من نص أو إجماع فالمصيب فيها واحد وفاقا، فإن ~~أخطأ فيها المجتهد لعدم وقوعها عليه لم يأثم على الأصح. # (ولا يجوز) أن يقال: (كل مجتهد في الأصول الكلامية) أي العقائد الدينية ~~(مصيب؛ لأن ذلك يؤدى إلى تصويب أهل الضلالة) من النصارى القائلين بالتثليث، PageV01P061 ~~(والمجوس) القائلين (بالأصلين) للعالم النور والظلمة، (والكفار) في نفيهم ~~التوحيد وبعثة الرسل والميعاد في الآخرة (¬1). # وهو من عطف العام على الخاص، وكذلك قوله: (والملحدين) إن أريد بالإلحاد ~~معناه اللغوي وهو مطلق الميل عن الحق، وإن أريد بالملحد اصطلاحا وهو من ~~يدعي أنه من أهل ملة الإسلام ويصدر عنه من ينافيه كالمعتزلة ونحوهم في ~~نفيهم صفات الله تعالى كالكلام وخلق الله لأفعال العباد وكونه مرئيا في ~~الآخرة وغير ذلك - فليس من عطف العام على الخاص. # (ودليل من قال: ليس كل مجتهد في الفروع مصيبا قوله صلى الله عليه وسلم: ~~{من اجتهد وأصاب له أجران ومن اجتهد وأخطأ له أجر واحد})، رواه الشيخان ~~ولفظ البخاري: {إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ms39 ثم ~~أخطأ فله أجر واحد}، ذكره في كتاب الاعتصام، ولفظ مسلم مثله إلا أنه قال: ~~{فاجتهد ثم أصاب} إلى آخره، ذكره في كتاب القضاء (¬2). # (ووجه الدليل) من الحديث (أن النبي صلى الله عليه وسلم خطأ المجتهد تارة ~~وصوبه أخرى). # فإن قيل: قوله في الحديث {من اجتهد} أعم من أن يكون كامل الأدلة في ~~اجتهاده أو لا، والمصنف خصه بكونه كامل الأدلة. # فالجواب والله أعلم: أن من لم يكن كامل الأدلة فيما اجتهد فليس من أهل ~~الاجتهاد وفرضه التقليد، فهو معتد باجتهاده فيكون آثما غير مأجور، والله أعلم. # ووقع الحديث المذكور في رواية عند الحاكم بلفظ: {إذا اجتهد الحاكم فأخطأ ~~فله أجر واحد فإن أصاب فله عشرة أجور}، وقال: صحيح الإسناد (¬3). PageV01P062 # وهذا ما يسره الله سبحانه وتعالى في جمعه في شرح الورقات، جعل الله ذلك ~~خالصا لوجهه الكريم، ونفع به في الحياة بعد الممات، إنه سميع قريب مجيب ~~الدعوات. # ونعوذ بالله من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع، ونفس لا تشبع، ~~أعوذ بك اللهم من شر هؤلاء الأربع. # ونسأل الله العظيم بجاه نبيه الكريم أن يصلح فساد قلوبنا ويوفقنا لما ~~يرضيه عنا، ويغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا ووالديهم وإخوانهم وأصحابنا ~~وأحبابنا وجميع المسلمين بمنه وكرمه، آمين (¬1). PageV01P063 ms40