######OpenITI# #META#Header#End# ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0009.png) # الحمد لله الذي أعجم حرف الوجود بنقطة نور جماله الأسنى، ونوع أشكال الآثار ~~لظهور معاني نتائج الأوصاف، فاتضحت لطائف أسرار أسمائه الحسنى، وأجرى في الحقائق ~~والصور نفسه القدسي من غير حلول ولا كيف؛ فقامت به وله ذرات الكائنات دليلة عليه ~~في حالة الإبعاد والإدناء، ونفى القرب والبعد منزها عنهما، ثم اختار إثابتهما، ومع ذلك ~~فهو أقرب إلى الألباب منهما وأدنى، أحمده حمدا تنقطع به الحدود والرسوم، وتغيب فيه ~~الإدراكات والفهوم، وتخفى عنده الإضافة، وترتفع النسبة بكل وجه ومعنى، وأشهد أن لا ~~اله إلا الله وحده لا شريك له، المقدس عن شهادة كل شاهد بما له من شهادة، بما له من ~~الشهادة القدسية الأزلية الفردية العينية الغيبية، الشاملة للكمال الأحدي الأبدي صريحا ~~وضمنا، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، مركز الحضرات، وساقي الخمرات، ~~والمنجي من الحسرات جودا وفضلا ومنا، صاحب الرسالة، وواضح الدلالة، وكاشف ~~الأسرار في بيان لطيف شريف تتم به الكتمان، والخارق بما أيد به من بديع البرهان ~~حجب الأذهان، الفرد الجامع لأعداد الأعيان في مشاهد العيان فروعا ومبنى، الحرف ~~المعجم والصراط الأقوم، والإمام الأعظم والسابق الأقدم، والسائق كل شائق إلى الرفيق ~~الأعلى، والرقيب الأهنى، شافع الوترية، ووتر الإثنينية، وبحمع اللطائف، ومنبع المعارف ~~المتنوعة فرادى ومثنى، فصلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أولي الأشباح الفرشية، ~~والأرواح العرشية، والحقائق السامية التى اتخذت من اليقين في الظلم البشرية نبراسا، ~~وأقامت على ثغور وجودها من التقى حراسا، فارتفعت إلى رياض القدس، وتعطرت ~~بروائح نفحات الأنس عقلا وذهنا، صلاة دائمة باقية ما رفعت الستائر، وحققت الأشائر، ~~وتنوعت المظاهر في رقي المآثر، فنال السائر من سنى المفاخر في أشرف المحاضر. # وبعد.. فإن أحلى ما تحلت بحلاه الأفهام، وأولى ما تنورت بالقلوب عن إشراق ~~سنا برقه الخاطف للشكوك والأوهام، وعلى ما تعطرت بعرف شذا عطره العابق الأسرار ~~والحقائق علم الربوبية، المسمى بعلم الحقيقة، المشتمل على الأسرار الغامضة والمعاني ~~الدقيقة؛ لذا العلماء به هم سرج الذروة العلياء، وإليهم المفزع في الآخرة والدنيا، وكنت ~~ممن ms001 استسعد بالشغف به في زمن الصبا، وعلق قلبه بحبه وإلى أهله مال وصبا، ولم أزل PageV01P009 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0010.png) ~~على ذلك ملازما حافظا لما تيسر لي من أسراره الفائقة، قاعدا وقائما، مبينا لظاهرها ~~ولخفيها كانتما، وطال ما تردد إلى كثير من الأخلاء من غير تردد، والتمسوا مني بحسب ~~اعتقادهم الكامل على سبيل اللطف والتودد، أن أضع لهم في التصوف رسالة أنيقة المبنى ~~لطيفة المعنى، حاوية للأشياء المعظمة، كاشفة حجاب الأشكال عن وجوه الرموز ~~المكتمة، مؤذنة ببيان ما تيسر وصفه من النكت واللطائف، مرصعة بجواهر العقائد ~~والمعارف، من غير جنوح إلى الدليل والتعليل، ولا تعرض لكثير من الأقاويل، وأنا أبالغ ~~ني اختصارها؛ لتزيد بذلك حلاوة أساؤها؛ ولينتفع بها كل أحد في السفر والإقامة، ~~عساهم أن يصلوا بذلك إلى حظائر الفوز والكرامة. # فوجهت فكري إلى خزانة حفظي فوجدتها صغرا، وتحققت بقلة البضاعة سرا ~~وجهرا، وقدمت رجلا، وأخرت أخرى، وقلت لعل الإمساك عن ذلك أولى وأحرى، ~~ولزمت باب الكريم بفقر وذلة، ورجوت أن يكون ذلك خالصا لوجه الله من غير علة، ~~ففتح الفتاح بتيسير [الإيضاح] ولاح ضياء الانشراح، فابتدرت تلقي ذلك العطاء، ~~فأخذت في البيان وكشف الغطاء، مستغفرا من الزلل والخطأ، منبسطا بهذا الفضل مغتبطا، ~~بحيبا من سأل سائلا فتح الله عز وجل، مراجيا منه تأييدي وإسعادي، وإليه تفويضي واستنادي، ~~وأسأله النفع به لي ولسائر الأحباب، ورضوانه عني وكشف الحجاب، أنه جاد الكريم، ~~وسيتها: «تحفة الحبيب فيما يبهجه في رياض الشهود والتقريب» والله ولي التوفيق، وبه ~~الهداية إلى سواء الطريق مدخل صدق، وموئل رفق، وشرة وداد وعشق، وأبواب [خير ~~ورزق. # اعلم أن الحق سبحانه وتعالى كان غيبا في غيب، وواحدا فردا بغير ريب، فنظر ~~بعين علمه ني حضرة غيب ذاته المطلق الذي لا يتوقف ثبوته له على أمرنا، فرقى فأبصر ~~كمالا مخالفا موافقا مستورا ني غيب هويته، مغايرا للكمال الأول الوجودي، الذاتي ~~الوجوبي فوق الإرادة الكلية، فحظيت إلى نفسها وجذبته بها إليها في حظائر قدسها، ~~وأبرزت له معنى مستمنا أمرا، وخاطبته به فانفصل، ودعته بها ms002 إليها فيها فاتصل، وقربته ~~فامتثل، ونسبته ونسبت به وإليه، ودلته عليها به كما كانت هي الدليلة عليه، فقام الاسم ~~الظاهر حاملا من الغيب المطلق(1) هذه الصورة الكلية التي هي خزانة الكثرة، وخلف PageV01P010 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0011.png) ~~الاسم الباطن في مقام الإظهار، كما خلق الاسم الباطن في مقام الإخفاء، فشهد هذا ~~المظهر المضمر بنفسه في مقام ظاهريته الأولى، كما شهد منشئة أزله في أبده، فبرزت عند ~~ذلك الحقائق، وتبعتها سائر النوابع واللوازم غيبا وشهادة، وتنوعت الأعداد، وتبين المراد ~~ني مفاهيم مراسيم: # «كنت كنزا لا أعرف، فخلقت الخلق فتعرفت لهم فبي عرفوني»(1) ؛ وذلك لأن ~~الواحد من حيث وحدانيته في مقام أحديته لا ينتج غيره، ولا يظهر عنه كثرة، فلا يصح ~~معه إلا هو فقط، ولا يظهر لديه تأثر ولا تأثير، ولا تغير ولا تغيير، ولم يظهر معاني ~~الأوصاف، ولا خفايا الألطاف إلا على يد قوابل هذا الكلي الجزئي، البعيد القريب، ~~الأرضي السماوي، الغيبى الشهادي، العدمي الوجودي، الكائن البائن، الراحل الساكن، ~~الناقص الكامل، العليم الحكيم، الذي هو قبلة الخلائق، ومنتهى الحقائق، فظهر به ما ظهر، ~~رأشهد على به ما أشهد، وحاضر قد غاب، وغائب منحضر، وحصر وما انحصر، ~~وخلف [سيري] في أرضه، وأقام بإحياء سنته وفرضه، ودعا إلى حبه، ونهى عن بغضه، ~~وتوجه بمعناه بذاته، وفنى عن كله وبعضه، وفرق وجمع، وخفض وارتفع، وعصى ~~وأصفح، وفارق واجتمع، ونفذ مراسيم الصفات، وغمره دائر الأفعال، واستفتح بمفاتيح ~~الأسماء أبواب حظائر الذات، وانقطع في الوجود العمائي، مستريحا من صور الأشكال، ~~ومعاني السبحات، وفيه ظهرت المكنونات، وبه قامت المكونات، ولولاه ما دارت ~~العلويات، ولولاه ما ثبتت السفليات. # ثم بعد هذا الجمع الرفيع المقدار، شكله ني العناصر، وفرقه ني الطبائع، [وأداره] ني ~~الأطوار، وكان نورا يتلألا في الكون الغيبي، ثم انتقل إلى عالم القلم، ثم إلى عالم اللوح، ثم ~~تفرق في الهواء والسحاب والظلام والنور، ومازج العلويات، ومكث مستقرا تحت ~~العرش، ولم يزل منتقلا من خزانة، ومن كون إلى كون، وهو ممد بمعنى الحياة الربانية حتى ~~نزل مع المياه من ms003 السماء، ثم تفرق في الأرض، فاكتسب من حرارتها وبرودتها ورطوبتها، ~~ويبوستها وقوتها، ولينها وصعبها وذلولها، فسرى ني كل ذرة من ذراتها، فاستقر في كل ~~قطر ني أقطارها، واكتسب من كل طبيعة من طبائع ما فيها، وما عليها، وما فوقها، وما ~~تحتها، كما اكتسب وهو في السماء وصف النور والظلمة، والزفة والبهاء والكمال، PageV01P011 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0012.png) ~~ومازج الكواكب السيارة، واكتسب من قوتها الثابتة، واكتسب من رزانتها وثباتها وكمالها، ~~والكواكب السعدية واكتسب من معناها، واكتسب من طباعها، ولم يبق ذرة من ذرات ~~الكائنات، ولا جزء من أجزاء الموجودات حتى خالطه ومازجه ممازجة أفادته اكتساب ما ~~ني المذكورات من المنافع والمضار ظاهرا وصورة، وإنما في الحقيقة هو المفيد لها في كل ~~حال من حالات تنقلاته وتطوراته ما استحقته من وصف الكمال في مقامها، إذ تلك ~~وظيفتها ني كل وجود من الموجودات حسا ومعنى، فإذا جاء إبان ظهور هذا المفقود، ~~توجهت القدرة فجمعته بعد تفرقه وألفته، وظهرت له بوصف الإيجاد، وحققت له ~~الإرادة أنواع الإمداد، وقابلته الحياة الأزلية، فاكتسب منها وصف الحياة، وكلما قابله ~~وصف من الأوصاف ظهر فيه وانطبع معناه، فصار موجودا بعد أن كان مفقودا، وواجدا ~~بعد أن كان فاقدا، وحيا بعد أن كان ميتا، وموجودا بعد أن كان لم يكن شيئا مذكورا. # ثم لما أن كانت الحياة العامة معنى شاركه فيه كل من كان داخلا في المحبة العامة، ~~فصله سبحانه بعد أن أجمله، وفضله على سائر الأجناس بوصف النطق، فتسمى حيوانا؛ ~~لتأثره بالحياة الأصلية أولا وآخرا، ناطق الكلمة بسماع الكلام القدسي في العالم الإنسي، ~~ولم يجعل سبحانه تركيبه دفعيا، بل جعله تدريجيا لأسرار يعز علي وصفها، ومعان لطيفة ~~يجل ذكرها وكشفها، وكمله بحقيقة كماله، واختصه بصفات وأسماء، كما استأثر سبحانه ~~بذلك، وجعل حقيقته ثابتة عنده، معلومة له، مأخوذة منه، مضاهية له، مميزة في حضرته، ~~متفردة في تلقي كلمته أزلا وأبدا حسب مقامه ورتبته، وجعل الحقيقة أحوالا يتغلب فيها ~~هذا المسمى، وينضاف إليه، ويوصف بها من الصور والنشأة والتطورات، وجعله مألوها ~~مربوبا محظورا، ms004 مصحوبا مطلوبا، موهوبا مقصودا، محمودا مطاعا، معظما مكرما، حاكما ~~سويا، سيعا بصيرا، لطيفا خبيرا، وليا نصيرا، وإن ظهر بوصف خرافي عالم الاعتبار من ~~كونه طالبا راغبا، لاهيا عابثا، قاصدا حامدا، راكعا ساجدا، طائعا سامعا، معظما مكرما ~~محترما، منافرا متغيرا، متلوئا ومتكدرا، فإنما تلك أحوال اعتبارية، وأمور نسبية ساترة ~~لكمالات، حفية خفية، لو ظهرت لبطنت هذه الأحكام، وهى إن ظهرت فظهورها قاض ~~بخفائها، وخفاؤها مثبت للتجرد منها، والتباعد عنها؛ ليهلك من هلك ممن قضى لمن ~~يكون هالكا عن تبينة أي أمر واحد مفيد لسر الوضع، ومحقق لما ترتب على ذلك شرعا ~~وعقلا، ويحى بنور الظهور من حى بالتأثر ني المقام الانفعالي عن تبينة، أي أمر مقرر ~~بخفايا ما هنالك من الأسرار الثبوتية والسلبية حسا ومعنى، ونى ذلك قلت نظم، أتك PageV01P012 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0013.png) ~~رموز من صفات قديمة: ~~تقميل المعاني نشوهآ من عقادها وما هي إلى نقطة وتنوعت ~~وأنواعها مسلوبة باعتبارها فان رمت منها ~~ما يرام وجدته بعيدا بديعا في مقام ستارها ~~وإن تك تهوى القيد أطلق ترى الذي تريد ويخفى عنك سترا انحصارها ~~فهل هي إلا عين عين وسرها الذي تحقق في الأعيان معنى إشهارها ~~أيا طالب الكشف الصريح بيانه لقدرت محض المحق من حر نارها ~~ألا إنها سبل يعز على الفتى سلوك إليها لارتفاع منارها ~~فكم سلبت فيها عقول أحبة فأصبحوا سكارى في فنا ديارها ~~وكم بعثت قوم فقالوا بها لها وكم وهبتآ وهبا بمحض اختيارها # ثم لما أن أراد الله سبحانه وتعالى تتميم هذا المراد، واختار فتح أبواب خزائن ~~القدرة بمفاتيح الإرادة، وأرسل مراسيم القهر على يد القوابل الملكية، أمرا لها بالقبض من ~~أطراف الأرض البسيطة، مكلفا لها بأخذ قبضة تكون منها، وفيها هذه النشأة العزيزة ~~الجليلة، المقهورة القاهرة، المحاطة المحيطة، ولم يزل الأمر متنقلا حتى ظهر بالاستحقاق في ~~الحقيقة العزرائيلية، فقبضت ما قبضت حين انبسطت واتسعت لها المعاني في اقتضاء ~~الحقائق، ففهمت الأمر ولم تقف عند ظاهر الاستفادة المأخوذة من الأرض عند توجه ~~الامتثال الرباني، ففعلت وما قصرت، وقررت ms005 ما قررت، وأظهرت ما أظهرت، ويد الله ~~الباقية هي الفاعلة من وراء حجب تلك القوى النورانية الملكية من غير شريك لما في ~~ذلك مطلقا، ولما أن تم قبضه واستوفي ما استحقه من التأثر في ذلك العالم بآثار اسمه ~~القابض، ظهر البسط بواسطة اسمه الباسط، فأظهر في هذه القبضة أنواعا من الأحكام ~~المختلفة آثارها، فتأثر هذا المكون وتغير وتنقل وتحول، واستحال من الترابية إلى الطينية ~~بفيضان ماء الرحمة من خزائن المنة والفضل والإحسان، واستمر متربيا في ذلك المربى ~~حتى تخمرت طينته المسنونة الفائقة على المسك والعنبر والمند والغالية، وأنواع الجواهر ~~النفيسة الثمينة، فقسمه سبحانه إلى أقسام مختلفة، وجعل ني كل قسم منها فائدة ونعمة لا ~~تشاكل الواحدة منها الأخرى، وأودع ني كل جزء من أجزائه قوة من القوى وأمده، PageV01P013 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0014.png) ~~يدرك بها الأصوات بطريق وصول الهواء، وبالبصر، وجعله قوى مودعة في العصبتين ~~المحوفتين النابتتين من مقدم الدماغ، اللتين تقاربان في سلوكهما حتى تتحدا ثم تتفرقان، ~~وتذهب كل واحدة منها إلى عين، ومدرك هذه القوة هو الصورة المنطبعة في الرطوبة ~~الجليدية، وهذه الصور ليست بمنتقلة عن الشيء إلى الرطوبة المذكورة، بل إنما هي حاصلة ~~بأم مظهر الصور؛ لاستعداد حاصل بالمقابلة من غير توصل إلى تعليل ذلك لعزة مدركه، ~~والذي يختص البصر بإدراكه الألوان والضوء، وذلك بالذات وما عداهما من الأشكال ~~والأعداد والأوضاع وغيرها فبتوسطهما، أما اللون فتصوره ووجوده ضروريان. # وقيل السواد: هيئة قابضة للبصر وللبياض مفرقة. # وقيل البياض هو: الذي يتخيل عند مخالطة الهواء للأجسام الشفافة المتصغرة جدا، ~~ونفوذ الضوء فيها كما في البياض، فبدا الماء والثلج والسواد يتخيل عند عدم ذلك، وزعم ~~بعضهم أن لا حقيقة للألوان أصلا. # وقيل السواد: لون حقيقي؛ لأنه لا ينسلخ بخلاف البياض، فإنه قابل لكل الألوان، ~~فلا يكون منها. # وقيل: إن اللون الحقيقي هو السواد والبياض، وما عداهما فمركب عنهما. # وقيل: الألوان الحقيقية خمسة: السواد، والبياض، والحمرة، والصفرة، والخضرة، ~~والبواقي يتركب منها، وقيل غير ذلك. # وأما الضوء فتصوره ووجوده غنيان عن التعريف، واختلف فيه، فقيل: ms006 هو نفس ~~اللون، فظهوره المطلق هو الضوء، وخفاؤه المطلق هو الظلمة، والمتوسط بينهما هو ~~الظل، والحق الذي يصار إليه أنه كيفية زائدة على اللون؛ لأن السواد والبياض يشتركان في ~~اللونية، ويختلفان في الإضافة، وما به الاشتراك غير ما به الاختلاف، واعلم أن الضوء إذا ~~لم يكن ذاتيا للشيء كضوء القمر يسمى نورا، واللمعان المترقق على أجسام الساتر للونها ~~إن كان ذاتيا يسمى شعاعا، كضوء الشمس، أو عرضيا كلمعان المرآة يسمى بريقا، ~~والظل عبارة عن الضوء الثاني وهو متوسط بين الضوء والظلمة، والظلمة عبارة عن عدم ~~الضوء عما من شأنه أن يضيء، وحصول البصر ليس يجري للانطباع المذكور وإلا كان ~~يلزم رؤية الشيء الواحد شيئين؛ لانطباعه ني [حدقتيا) العينين، والحال أنه ليس كذلك، ~~بل إنه يتأدى الشبح في العصبتين المحوفتين إلى ملتقاهما بواسطة الروح الذي فيهما. # ويقال أن الإبصار إنما هو بخروج شعاع من العين على شكل مخروط، زاويته عند PageV01P014 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0015.png) ~~مركز البصر، فقاعدته عند شكل البصر، وأن الشعاع الذي في العين يتكيف الهواء بكيفيته، ~~ويصير ذلك سببا للإبصار، وبالشم وهي قوة أودعها - جلت قدرته - في الزائدتين ~~النابتتين في مقدم الدماغ الشبيهتين بحلمتي الثدي، وجعل بهما إدراك الروائح بطريق ~~وصول الهواء المتكيف بكيفية ذي الرائحة إلى الجسوم، وبالذوق وهي قوة ذوقية رثها ~~وبثها في العصب المفروش على جرم اللسان، وجعلها سببا لإدراك الطعوم بمخالطة ~~الرطوبة اللعابية العذبة التي في الفم بالطعوم، ووصولها إلى العصب، وجعل سبحانه وتعالى ~~هذه الرطوبة العذبة التي في الفم مستحيلة إلى الطعم الوارد هي شابهة للقوة اللامسة ني ~~افتقارها إلى المماسة في إدراك الطعوم، إذ لا بد لها من متوسط يؤدي الطعم، ويقبله ~~ويكون عادما له في نفسه ليؤديه كما هو، ولو لم تكن الرطوبة اللعابية عديمة الطعم، لا ~~لأن الطعوم من غير شوب في حالة الصحة، وأدتها بطعام الخلط الغالب في حالة المرض ~~وباللمس، وهي قوة منبثة في جميع البدن مختلفة الأنواع، فمنها ما يحكم بين الحار والبارد، ~~ومنها ما يحكم بين الرطب واليابس، ومنها ms007 ما يحكم بين الخفيف والثقيل، ومنها ما ~~يحكم بين الأملس والخشن، ومنها ما يحكم بين الصلب واللين، فتبارك الله رب العالمين، ~~وأمده بخمس قوى باطنة، وهي الحس المشترك، والخيال، والمتخيلة، والوهم، والحافظة. # فالحس المشترك قوة مرتبة في التجويف الأول من الدماغ، ومبادي عصب الحس ~~تجتمع عندها صور جميع المحسوسات فتدركها، وإدراكها بواسطة الروح المصبوب في ~~مبادي عصب الحس لاسيما في مقدم الدماغ. # والخيال قوة رتبها في آخر التجويف المقدم، يجتمع فيه مثل جميع المحسوسات، ~~وتبقي فيها الغيبة عن الحواس، وعن الحس المشترك وهو آلتها وهي خزانتها، وإن ذلك ~~الروح المصبوب في البطن المقدم من الدماغ لاسيما في جانب الأخير. # والمتخيلة قوة أودعها في الجزء الأول من التجويف الأوسط من بطون الدماغ، ~~وجعلها متحركة دائما لا تسكن نوما ولا يقظة، وجعل آلتها الروح المصبوب في الجزء ~~الأول من التجويف الأوسط، وليس من شأن تلك القوة بالطبع أن يكون عملها منتظما، ~~بل النفس هي التي تستعملها على أي نظام تريد، فإن استعملتها بواسطة القوة العقلية ~~سيت مفكرة، وإن استعملتها بواسطة الوهم سمي متخيلة. # والوهم قوة رتبها في آخر التجويف الأوسط من الدماغ، فجعلها مدركة للمعاني ~~غير المحسوسة، الموجودة ني المحسوسات، وصرفها ني ترتيب الأحكام الجزئية. PageV01P015 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0016.png) # والحافظة قوة رتبها ني التجويف الأخير من الدماغ بحفظ الأحكام الجزئية التي ~~حكم بها الوهم، وساها حافظة، وجعل آلتها الروح المصبوب في التجويف الأخير من ~~الدماغ، وصرفها في إعانة الوهم بالحفظ، وهي أبحاث لطيفة، وكنا فيما ذكرناه آنفا ~~مسائل وغرائب وعجائب شريفة، أضربت عنها صفحا خوف التطويل، وبالله المستعان ~~دائما. كرمه بأن جعل له نفسا ناطقة، كلية لطيفة، مودعة في القالب البدني، وجعلها محلا ~~لسائر الصفات الذميمة، والأخلاق الكريمة، والشيم الجميلة، خزانة للغرائب والعجائب، ~~مهبطا للطائف المواهب، وجعل البدن طولا وعرضا مع ما اشتمل عليه من الأعضاء ~~والجوارح، والعروق والأعصاب، وبقية القوة الباطنة، وما فيها من معانيها بالنسبة إليها ~~كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض، فلم يجعلها ني جهة دون جهة، ولا قريبة من البدن، ms008 ولا ~~بعيدة عنه، ولا مغيرة لشكله، ولا ممازجة، ولا مفارقة له، وجعل مثالها فيها كمثل الزبد ~~المنبث في كل قطرة من قطرات اللبن، وجزء من أجزائه إذ هو ممازج له، ومغاير له طبعا ~~ووضعا، ولم يخترع ولم يبتدع أحسن ولا أزين، ولا أبين، ولا أجمع، ولا أنفع، ولا ~~أسطع، ولا أرفع مقاما منها؛ فلذلك شرفها وكرمها، وبحد شأنها وفخرها، فقال: ~~(ولفس وما سواها * فالهمها فجورها وتقواها) ، وقال: (لا أقسم ~~بيزم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة)،2، وادخل النافية على فعل ~~القسم للتأكيد. # والمراد بالنفس اللوامة: النفس المتقية التي تلوم المقصرة يوم القيامة على تقصيرها ~~ني التقوى، والتي تلازم لوم نفسها أبدا، وإن اجتهدت بالطاعة، وصرفت أوقاتها في ~~العبادة، أو هي النفس المطمئنة التي اطمأنت بذكر الله تعالى، واطمأنت إلى الحي ولم ~~يقطعها لا شك ولا ريب، ولم يستنفرها خوف ولا حزن، ولم يحجبها عن الله أثر ولا ~~صفاء ولا كدر، ولا عمل ولا أمل، ولا إشفاق ولا أدب، ولا طمع ولا رجاء، فإن النفس ~~إذا توقت ني سلسلة الأسباب والمسببات، ولزمت العروج إلى رياض القدس، وحظائر ~~الوهم وصلت إلى مرامها الأصلي، فاستغنت بمولاها عن من سواه. PageV01P016 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0017.png) # والمراد بالنفس اللوامة: النفس المطمئنة، اللائمة للنفس الأمارة أو الخبر، لما جاء ~~ال صلى الله عليه وسلم ال : (ليس من النفس برة ولا فاجرة إلا وتلوم نفسها يوم القيامة، إن عملت ~~خيرا قالت: كيف لم أزدد? وإن عملت شرا، قالت: ليتني كنت قصرت أو نفس آدم، ~~فإنها لم تزل تلوم على ما خرجت به من الجنة)1). # وعلى كل وجه من الوجوه المذكورة، فقد ظهر لك تعظيم الله تعالى، ومزيد تقريبه ~~وتشريفه لها بإضافتها إليه في قوله: (ويحذركم الله نفسه [آل عمران:28، فيجب ~~على اللبيب أن يعرف قدرها ومقامها، وأن يحذر غوائلها، وأن يتقي غدرها ومكرها، ~~وهى حقيقة واحدة، وأوصافها مختلفة، وبكل وصف يظهر عليها مما تقوم عليه أو تتصف ~~به، تسمى باسم مناسب لذلك الوصف، ولها أخلاق وأوصاف وأحوال، وخطرات ~~وخطوات، وزلات وتبعات، ms009 وفلتات ونفثات، وتقلبات ودهشات، وأمور جلية وخفية، ~~وسيأتي التنبيه على ما تيسر من ذلك، مع بيان ما يحتاج إليه السالك قولا وفعلا وعرفا بما ~~فيه الكفاية، وربك الفعال لما يريد، ومما زينه به وأحكم إتقانه باطنا بسببه أن وهب له ~~قلبا، وأودعه حبا ووهبا، وعلما وحلما، وعرفانا وإتقانا، ومكالمة ومسامرة ومحاضرة، ~~وألبسه حلقة الخلافة، وحلى له أوصافه، فشهد ما في عالم التقريب الأول، وسيحقق له ~~المشاهدة آخرا في عالم الفرق الثاني، وجعل هذا القلب لطيفة نورانية ربانية، مغمرة لدوائر PageV01P017 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0018.png) ~~جسمانية، واسعا محيطا لم يخرج عن دائرة ذرة من ذرات العوالم [المهيأ] له شكل مناسب ~~للشكل الصنوبري المشابه له، والجسد وما فوقه من الدوائر بالنسبة في حلقة ملقاة في فلاة ~~من الأرض، له عينان ولسان، وله أربعة أبواب: باب ينفتح إلى الحظائر الجلالية، وباب إلى ~~الحظائر الجمالية، وباب إلى العوالم الملكوتية، وباب إلى العوالم الملكية، وله مع ذلك باب ~~ينفتح إلى الحقيقة الإنسانية، وباب ينفتح إلى الدوائر العلمية، وباب ينفتح إلى الرياض ~~العملية، وباب ينفتح إلى الحظائر الشهودية، على الباب الأول حارس التخصيص، وعلى ~~الثاني حارس الأدب، وعلى الثالث حارس الصيانة، وعلى الرابع حارس الرعاية، وعلى ~~الخامس حارس الفكرة، وعلى السادس حارس التوفيق، وعلى السابع حارس التقريب، ~~وعلى الثامن حارس الإرادة، وعلى الباب الأول سر متخذ من سر (واصطنعتك ~~لنفسي) . وعلى الثاني سر متخذ من معنى : (إنا كل شيء خلقناه بقدر) ~~[القمر 49]، وعلى الثالث سر متخذ من لطيفة: (ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات) ~~[الزخرف: 32، وعلى الرابع سر متخذ من لباب معنى: (نحن قسمنا بينهم معيشتهم ~~في الحياة الدنيا) [الزخرف: 32]، وعلى الخامس سر متخذ من خفي لطيفة : (لقد ~~حلقنا الإنسان في أحسن تقويم) لتين، وعلى السادس سر متخذ من خاصة: ~~(وعلم آدم الأسماء كلها)، مطرز بطراز: ( وعلمك ما لم تكن تعلم) ~~13] مزين بزينة: (علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم) ،، وعلى ~~السابع سر متخذ من حقائق أسرار: (والله خلقكم وما تعملون) ، ~~وعلى الثامن سر متخذ من خفي دقيق غامض: (سنريهم ms010 آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ~~حتى يتبين لهم أنه الحق) ، موثق بسر: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) ~~[الذاريات: 21)، مرصع بجوابه: (وجوة يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة) ~~23،22]، فافهم إن كنت تفهم وإلا فافهم: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل) ~~[الأحزاب:4] سر جامع، وكوكب مضيء لامع، وتعريف مؤتلف لإيضاح معنى منفي ~~مختلف. PageV01P018 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0019.png) ~~[الغيب]، الجامع لكل صفة من صفات الأضداد للقيد باختلاف الأسماء ني صور الأعداد ~~من جمع وتفرقة، وقيد وإطلاق ونحوها، وفتح بأحديته أبواب الكثرة الثابتة أعيان الأفراد ~~منها في حضرة الوحدة غيبا وشهادة، وفتح أبواب الصفات القدسية بمفاتيح التعيين ~~والتخصيص والتمييز، وفتح أبواب الأفعال بمفاتيح التجلي الوجودي، الوجوبي الإطلاق، ~~وفتح أبواب الخصوص بالعموم، وفتح أبواب العموم بالسعة، وفتح أبواب السعة بالعلم، ~~وفتح أبواب الإيجاد بالقول، وفتح أبواب القول بتوجه الإرادة، وفتح أبواب الإدراكات ~~بمنبت التلقي والانطباع، وفتح أبواب الكمالات بالطلب والتحصيل، وفتح أبواب ~~التوجهات بالحركات الحبيبة، وانبعاث الهمم إلى نيل الأنظار، وفتح أبواب المودة بمفاتيح ~~المناسبة المعنوية والارتباط، وفتح أبواب التباين والافتراق بمفاتيح حكم [التصريف]، ~~وفتح أبواب الإكرام وحصول الربح الأبدي بمفاتيح التعريف، وفتح أبواب الفتح ~~بالاصطفاء، وفتح أبواب الاصطفاء بالعناية، وفتح أبواب العناية بالتقريب، وفتح أبواب ~~التقريب بالمحبة، وفتح أبواب المحبة بالعلم، وفتح أبواب العلم بالموهبة، وفتح أبواب الموهبة ~~بسابقة الحسنى، وفتح أبواب العلم اللدني بالشهود والمعاينة، وفتح أبواب الحيرة والعجز ~~عن معرفته بمفاتيح التردد، والقصور عن تعقل الجمع بين صور الأضداد المختلفة، وشهود ~~اتفاقها وثبوتها في عين الوحدة كالإطلاق والقيد ونحوهما، وفتح أبواب السلامة من ~~الأكدار بمفاتيح التفويض والتسليم، وخفف أثقال التفويض ببيانه، أن مرجع كل شيء ~~ومصيره إليه؛ دفعا للحرج؛ وإسقاطا للجناح، وفتح أبواب الكرامة بمفاتيح الاستقامة؛ ~~تثبيتا للسالك؛ وتقوية لحاله، وصيانة عن التغير والتأثر بآثار التلوين؛ تأييدا له وتسديدا، ~~وفتح أبواب المعاملة بمفاتيح المجازاة المقرونة بالزيادة والتضعيف، وفتح أبواب الأمور ~~القدرية بمفاتيح داعية الأحوال والمواريث، وما يناسب مقام الانحراف والاعتدال ونحوهما ~~على قدر المعاني والصور، وبحسب الآثار؛ عدلا وفضلا، وقطعا وفصلا، وفتح أبواب ~~الاختصاص بمفاتيح ms011 حركات القلم الأعلى القدسي الجاري دائما بإبقاء الأعيان، وإمداد ~~الأكوان، وإثبات الأغيار، ونفيها تحقيقا لمعاني القرب الظاهرة على يد الإقبال المحقق ~~كماله بحكم البعد والإدبار ونحوهما، وفتح أبواب المنافع باختلاف المطالب، وتنوعات ~~الأغراض والمقاصد، وفتح أبواب الإجمال بقصور الأذهان عن حمل لطائف أعداده، وفتح ~~أبواب التفصيل بمفاتيح اتساع الوجود اللوحي، المخصوص بالحفظ عن التبديل والتغير ~~والتحريف، وفتح أبواب المصالح الدنيوية بمفاتيح حركات الأفلاك والدوائر، وفتح أبواب PageV01P019 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0020.png) ~~الموجودات [النورية] بالحركات العرشية، وما يتبعها من الأدوار، وفتح أبواب الآثار ~~بمعاني الحركات المستقرة ني كل كوكب نحسي وسعدي [...]، وفتح أبواب الحركات ~~باختيار الظهور والإظهار، وفتح أبواب التمييز الأمري بلطائف التنزلات الكرسية، كما ~~علم ذلك واستأثر دون غيره، وفتح أبواب الأجرام العلوية باختلاف أطوار فلك الشمس ~~المنيرة، كما فتح وجود الليل والنهار، وفتح أبواب المعاش الدنيوي بالمعادن والأحجار، ~~كما فتح أبواب الأرزاق بالرطوبات والأمطار، وفتح أبواب البقاء والإبقاء بالاعتدال ~~الناني للاحتلاف بين المتباينة أصلا وفرعا، وفتح أبواب الإجابة بمفاتيح السؤال والدعاء، ~~وفتح أبواب العطاء بمفاتيح الاستحقاق والافتقار، وفتح أبواب الدعاء بجميل الترغيب ~~والوعد الثابت المحقق، كما فتح أبواب الطاعة والعبادة بمفاتيح التشويق إلى الثواب، وما ~~ينال من جزيل العطاء في مقام الاقتراب، وفتح أبواب الامتثال ببلوغ الخطاب وسماعه، ~~كما فتح أبواب المعصية بالجهل والغفلة والنسيان، وفتح أبواب العبودية بمفاتيح الذل، ~~وثبوت وصف الانكسار، وشهود الفقر، وإدراك العجز والتقصير، وفتح أبواب المناجاة ~~بالقربة المكملة بكمال المواجهة بحسن التلقي والأدب، ولما تم الكمال بلطيف الاعتذار، ~~وفتح أبواب الهدى بمفاتيح البيان المتزين به اللسان، وفتح أبواب البيان باللغة المفيدة ~~بعبادتها الأنيقة بما فني الفؤاد من الدلالة على النقصان والكمال، وفتح أبواب التراكيب ~~بمفاتيح الحركات الإعرابية المبينة لمعاني الأوضاع المختلفة شرعا واصطلاحا، وفتح أبواب ~~الإشفاع بالأوتار، كما فتح أبواب الأفراد من الأعداد بالثواني لتنوع الأشائر والمعاني، ~~وفتح أبواب النقم بالشرك، كما فتح أبواب الرحمة بالتوحيد والاعتراف بما له من الصفات ~~القدسية، وفتح أبواب الممكنات بمفاتيح مقابلة القدرة لها، وتأثير الإرادة فيها تخصيصا ~~وتخليصا وتنصيصا، وإيجادا وإعداما، ms012 وفتح أبواب الاكتساب بمفاتيح اعتياد حصول ~~للرابح والفوائد، وفتح أبواب الخذلان بمفاتيح الحرمان، كما فتح أبواب الامتنان بالتوفيق ~~وانشراح الجنان، وفتح أبواب الطمأنينة والسكون بالله تعالى، بشهود ما له من بدئ ~~الجمال ونعوت الكمال، وفتح أبواب قبول التوبة بمفاتيح الاعتذار والافتقار، وفتح أبواب ~~الخطاب بكلماته العزيزة، كما فتح أبواب كلماته بالقرآن المفضل على الكتب كلها، وفتح ~~أبواب كلماته بالفاتحة الوافية الواقية الشافية، وفتح أبواب كلماتها بالبسملة، كما فتح ~~أبواب البسملة بحرف الباء الحاكي بإعجابه علم الكثرة، وبتجرده عالم الوحدة، وانحطاط ~~رتبة نقطتها مقام العابدين أهل النسك والتواضع، وبانفصالها مقام المخلصين في العمل، PageV01P020 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0021.png) # 21 ~~المتجردين عن رؤية وجودهم حياء منه وأدبا بين يديه وجل، وفتح أبواب النقطة بستر ~~الإمداد المنفتح به لسان الفضل في حفرة الإحسان، وفتح أبواب المعرفة بالإلهام الرافع عن ~~الأفهام حجب الشكوك والأوهام، وفتح أبواب حفرة صفاته بمن أظهره، وخلق على ~~صورته فبه صفته الباقية الدائمة، القديمة الجامعة لأشتان أفراد أنواع الكمالات، وجعل ~~أسماءه المجازية الاعتبارية مفتاحا لكل باب من الأبواب الغيبية والشهادية، وني الحقيقة إما ~~أسماؤه الحسنوية هي المفاتيح التي يستفتح بها أبواب المطالب، والمصابيح التي يتوصل بها ~~إلى أعلى المراتب، وكما أنه جعل سبحانه وتعالى هذه الأبواب منفتحة إلى هذا القلب ~~الذي جعله خزانة من الخزائن خاوية لأنواع الذخائر والجواهر والمعادن، جعل أمرها ~~مفترضا إلى هذا الإنسان الذي هو أصل الظهور، ومجمع لكل بهجة وسرور، وجعل أمره ~~مفترضا إليه سبحانه وتعالى، وهو المنفتح له بسر الإيجاد والإمداد، والفاتح لمعنى كمالات ~~غيبه الأزلي بسر إبداع وجود هذا الموجود، واختراع ما خصه به من الصفات التي اقتضى ~~ثبوتها انكشاف ما لم يكن معروفا ولا مألوفا، ولا موصوفا إلا بوجوده غيبة وشهادة، ~~واختص سبحانه وتعالى هذا القلب بالاطلاع على أسرار هذه الأبواب والمفاتيح، وما ~~تعلق بها من لطائفها، وكتب له أن يكون عليما بها لا يغرب عنه مثقال ذرة، والأدنى من ~~ذلك بوجه من الوجوه، ولا باعتبار من الاعتبارات، ولا ينكر على ما أشرنا إليه بما يفهم ms013 ~~من ظاهر قوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) نعام:5]، فإن ذلك ~~نفى لمعرفة بحموعها، أو نفى بمعرفتها باعتبار الحقيقة والمعنى، أو نفى لمعرفتها من غير ~~هداية من الحق وإرشاد إليها، أما ما يحصل بإلهامه سبحانه وفتحه وبيانه، فإنه لا يمتنع ~~علمه وإدراكه، ولا يلزم من ذلك حصول الاشتراك بين من علمه فيما علمه وبينه سبحانه ~~وتعالى، ومن تأمل في ذلك أدنى تأمل علم أن المتعذر إما هو معرفتها من حيث كونها ~~مفاتيح أولية لمطلق الغيب باعتبار فتحها الأول من جهة الحقائق، إذا المفتاحية الثابتة ~~للاسم رسم زائد على ما اختص من الحقيقة الأصلية، يعرف ذلك بشاهدة حصول الفتح ~~منها وبحصول أثره، وبحصول الكيفية ووقوعها أولا؛ فلذلك لا يعلمه إلا الله تعالى لما ~~ثبت لذاته القديمة من سبق الوجود والقدم، إذ هو الموجود أزلأ الذي كان ولا شيء معه، ~~وهو الآن على ما عليه كان، ولو فرض شهادة شاهد في الوجود الفرقي سر الفتح ~~والانفتاح، وكون المقتضي لهما سمي بتلك التسمية لم يكن شاهدا للحقيقة، وإنما تكون ~~شهادته لأمور فرقية، وأحوال اعتبارية لا تخالف ما في الأعيان، ولا تكون هي هي، ومن PageV01P021 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0022.png) ~~علامات إدراك ذلك كونه موجودا بعد فناء الرسم، وامحاق الحكم والوصف والاسم ~~والاستهلاك الكلى تحت ظهور أنوار الحق، وغلبة سلطان الوجود المطلق الوجودي، مع ~~زوال صور الأشباح والأمثال والأشكال، وغيبة كل صورة وخيال، واحتجاب العارف ~~والمعروف، والواصف والموصوف حقا وزوالا، واحتجابا محققا لوجود في الوجود، ~~وماحيا بإثباته معاني تلك القيود والإضافات والنسب واللواحق والتوابع أصلا وفرعا، ونى ~~ذلك قلت، ثم منحتك علما يخطف الطرف برقه، ويمنح أهل المحبة سر التمزق(1) : ~~ولولا اختلال العقل قلت مقالة يحير ها فكر اللبيب المحقق ~~ولكن كشف السر أمر يحرم ولست بذي مرسل أروم تحرقي ~~كفى باشاراتي بيائا مبرهنا[يفهمها] في السر أهل التشوق ~~الى كم وكم أبدي وأهدي لطائفا وأهل السواء مرضى بداء التفرق ~~فبالله يا روح العوالم كلها ويا سر سر الكون في كل منطق ~~دغ الفهم والمفهوم ms014 وادخل الحظائر وشاهد جمالا في مجالي التألق ~~وبادر إلى شرب براحة مقلةخمور معان قد حلت بالتروق ~~يخاطبك المعنى بمعناه معلنا فيغنيك من يعطيك أعظم موثق # ويبعدك الإبقاء عند التعشق ~~ويدنيك بالإفناء مقام البقاءويبع ~~فلا أنت فان لا ولا انت بالبقاء ولا بق # ولا بقيود لا ولا بتعلق ~~ولا انتا بل أنت المراد بعينيه لك الحكم في الأكوان فاحكم وفرق PageV01P022 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0023.png) # وما أنت مختار له هو كائن فالق حجاب الوهم عنك ومزق # وحقق ودقق واشهد القصد واضحا ولا تك ممنوعا بقيد التعوق # إشارة وجيزة إلى مراتب عالية رفيعة عزيزة: جعل الله سبحانه وتعالى للقلب ~~أيضا تقلبات تختلف وجوها، ولا يخلو في كل مرة من مرات تقلباته عن مقابلة عالم من ~~العوالم الخمس، التي هي الأصول والقواعد لكل ما وجد، وكان قابلا للوجود فأولها: عالم ~~الغيب المطلق، ثم الإضافي، ثم الشهادي، ثم العالم الذي هو إلى الشهادة أقرب، ثم عالم ~~الأمر الجامع، فطار يقابل القلب هوية الحق وغيبه، فتنتفي عنه الوسائط من الصفات ~~وغيرها، ويتجرد عن كل قيد إضافي، وحكم كوني، ونزول عنه النسب، فلا يبقى لشيء ~~ولا بشيء ولا عند شيء، ولا يزول، ولا يرى، وإما يكون في المكتتم الوحداني غير ~~منسوب إلى شيء، ولا خال من النسبة مطلقا، فيكون منزها مقدسا، متفردا متوحدا، ~~وآفلا في حلل الإطلاق الكلي، محققا للتقييد الفرعي والأصلي، وتارة يحاذي عالم ~~الأرواح، فتنطبع فيه صورة قابلها، وكأن هو موصفها فيصل بذلك إلى دوائر الكشف ~~والإبانة، ولربما إذا قويت حقيقته لطهارتها الأصلية، فتحلت بالأخلاق المحمودة، وخلت ~~من تمكين القوى الطبيعية التي هي السر الجامع بين الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة ~~ونحو ذلك، ومنعها من الاستيلاء على قواها الروحانية وتجردت وآثرت، وكان لها كمال ~~الاختيار في مستقرها الأكمل من غير توقف على تكلف وتعمل، وتارة يقابل العالم ~~القلوب فيفاض عليه فيوض التمكين، فيصبح أمينا على خزانتها، ومتفرقا فيما هنالك ~~تنفيذا لمراسيم الإرادة الخفية؛ وتحسينا للوجوه المقابلة لذلك العالم، فراعى حكم المؤازرة ~~والمناسبة، ويفصل حكم ما أجملته الشريعة الإلهية، ms015 ويبين حكمها من غير إفراط ولا ~~تفريط في التفصيل والبيان، وتارة يقابل عالم العناصر وتركيباتها، فيتميز بين متفرقاتها ~~بالموازين الربانية المشروعة والمعقولة، فيستعمل الحواس والقوى فيما تكون المصلحة فيه ~~على قدر الإمكان مع دعاية الأهم، وكفها عما ليس بمنهم مع المجانبة الكلية لتصريفها في ~~الأمور الفضولية، وشدة التحافظ والاحتراز، وتارة يقابل عالم المثال، وذلك يكون بنسبة ~~مقيدة، فيختص بصور عالم الخيال الإنساني، فيدرك موافقة ما في الحس الظاهر في المعنى؛ ~~لأن الخيال لا يتوسم فيه إلا ما يكون منقولا إليه مما قابل من عالم الحس، فإن اتفق فهي ~~على أصله، وان اختلف فلاختلاف صور التركيب، وكثرة تبدله وتجدده، وقد تكون ~~المقابلة لعالم المثال المطلق، فتختلف [منائره وتحاط وتتواتر بشائره]، وتتفق أوائله. PageV01P023 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0024.png) ~~وآواخره، فافهم ذلك محققا، وبالله التوفيق، وكشف ستائر، ووصف معاني الثائر ما ~~ذكرناه من العوالم الخمس، إنا مثالها ني عالم الإنسان بمراتب مخارج حروف الكلمات، ~~فأولها باطن الوجود القلبي الذي من أصل جريان النفس، ومقابلة الشفتان مقابلة الشهادة ~~والغيب، وما بقي من الثلاثة فهي الصدر والحنك والحلق، فكأنما كل مخلوق لا بد له من ~~الانتماء إلي أحد هذه المراتب الخمس، كذلك كل حرف من حروف الكلمات لا بد له ~~من الاعتماد على مخرج من هذه المخارج، وهذا باعتبار المقابلة الملكية في الوجود ~~الإنساني، أما المقابلة الملكوتية باعتباره، فالمقابل هو العين التي منها منبع الحياة الثابتة من ~~كل معنى من المعاني، ويقابل ذلك الاعتقاد واليقين المشتملين على باب البيان من الذهن ~~الحالي، والمظهر لكل سر من الأسرار، والثلاثة الباقية إما هو العقل والفكر والإنسانية، ~~التي فيها وبها تجتمع صفات معاني الصور الفرقية، والجمعية، والعقلية، والطبيعية، ~~والسمعية، والوضعية، عبادة وعبودية وعبودة، وفيها أسلفناه من الإشارة إلى المقابلة ~~الأولية الجبروتية كفاية، وبالله المستعان، وقد أطلنا توسعة الأشائر، وما بلغنا عشارها ما ~~أردناه من الإجمال فضلا عن التفصيل، ولو طمعنا في ذلك لم نصل إلى قصاراه، ولم ~~نستطع الحصول على جدواه، (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من ms016 ~~بعده سبعة أبحر ما تفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم) ، شعر أتتك ~~رموز من معان شريفة: # تشير إلى شر يحل على الكشف فبادر إليها راغبا متآتلا # تجد من شذاها ما يفوق على العرف ألا أنها قد يروق كماله # على جيد تبيان بما لاح من وصف فطوبى لمن قد راح بعشق حسنها # يعانقها بالسمع والقلب والطرف فينتج كل منها سترا مبرهن # ويحيي به من غاب في ظلم الحتف لقد جئت بالحق الصريح وليس لي # وصول إلى إرشاد من ضل من عرف ولست بهادي الناس إلا باذن من # تولاهم في حالة الجمع والصرف له الحكم في كل الأمور بلا استراء # فمن يهده قد فاز بالجود واللطف ومن يضلل الله القوي بقهره # يكن خاسئا ني ظلمة الحجب والصدف، مشرب فيه عذب المذاق، وبحمع فيه PageV01P024 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0025.png) ~~نزاهة القلوب ونزهة الأخلاق، قد اختلف الناس في التعبير عن القلب اختلافا كثيرا، وكل ~~منهم إنما نطق بحسب حاله دانيا، عما يناسب مقام كماله، لكنهم قد انقسموا في مقام ~~البيان إلى أقسام فمنهم من سمع فقاسى، ومنهم من غاص في بحار المعاني فاستخرج درر ~~الأسرار، وكشف حجب اللباس، وكل منهم على كمال بالنسبة إلى نفسه، وهو ناقص ~~باعتبار ما حجب عنه من خبايا خفايا اللطائف، الواصل إليها صاحب السير والرقى، ~~والفائز بها في حظائر قدسه، فأن رمت إدراك هذا الجوهر الفريد، فارجع بك وإليك، ~~واسمع منك، وانظر ما فيك، وإلا فألق السمع وأنت شهيد، واعلم بأنك ظل انبسط في ~~مقام الاعتبار، وتحرك بالقدرة وقابلها بمقابلاتها، بل إنها له في كل دقيقة وذرة، فاكتسبه ~~نسبا جعلتها سببا لظهورها وظهوره، ثم حجبته بها كما نسبت الحجاب إليها بسببه، ~~وأهلته في خلوات الاجتباء لتنزل كمالاتها، فقام في ذلك المقام خليقة عنها، بحتلئا آثار ~~أنوار صفاتها، فاختلفت أسماؤه باختلاف أسماء المعين لها، كما تعينت مع ثبوت وصف ~~التنزيه، وحققت له الإرادة في رتب التخصيص؛ لأن به من التوحيد والشرك والتشبيه، ~~واقتضى الحال أن يظهر الفرق لنزول فنسب شييا إجمالا وتفصيلا ms017 إليه، فاقترب وبعد، ~~وشقى وسعد، وضل واهتدى، واسترشد واعتدى، وغفل وانتبه، فعند تنفس الروح الإلهي ~~عليه بإنفاذ المراسيم الجلالية يسمى نفسا، وعند ارتياحه بميله الكلي، وطلب عالم الشهود ~~والتجلي يسمى روحا، وعند تقلبه بين تقوية ذلك النفس وصيانته، وبين تفريقه، وبين ~~الحفظ والتحافظ، وبين تلقي مظاهر الجلال ومظاهر الجمال يسمى قلبا، فإن تحقق بمعنى ~~الإحاطة، وقام بها قياما تاما، فحوى بتقيده المطلقات وجمعها يسمى عقلا، وإن كان ما ~~به له فيه ارتسم وقوي على ما لديه من تقريراته وتدبيراته الأصلية والفرعية سمي سرا، وإن ~~ظهر في مقام الكتم، وخفي في مقام البيان يسمى خفيا، وإن كان ني مقام خفاء من ~~مستأثر أن الحق سمي أخفى، فأنت ظل محدث لظلال ساتر مستور بأوصاف الجلال ~~والجمال، موجود مفقود، طالب مطلوب، محب محبوب، ثابت مثبت، تقي [متعرف] ~~حافظ، مفوت لك حجب لا تحصى، وستائر لا تستقصى بها، ثم وجودك كما هي به أو ~~كل شيء، إنما هو متصل ومنفصل بسببك، وجعل الله تعالى منها المعنى صورا صورية ~~ظاهرة باطنة فيه، وهو قريب منه وعنه، بعيد بحفظه وبكاؤه كلاعة الوالد للوليد على يد ~~القوي، منزل إليه كلماته فينفذ مراسيمه، ويحقق إشاراته، فخذ معان فاض فيضها من ~~العالم القدسي، واقتض بسرك بكر فكر جليت عليك ولم يطمثها الجني ولا إنسي، فإذا PageV01P025 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0026.png) ~~فهمت هذه الزبدة حصل لك الانتفاع بها في عالم الكثرة والوحدة، وعلوت بها إلى المقام ~~الأنسي، ففتحت لك أبواب الأوصاف العليا، فشربت رحيق التحقيق بكاسات المعنى، ~~لمثل هذا فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. # تذنيب وتقريب: فد تبين بما ذكرنا أن القلب والسر، وما في معناها معنى واحد ~~تختلف أسماؤه بحسب مراتبه، وقيل في الفرق بينها وبين ما شاكلهما من معاني الإنسان: ~~أن السر ليس هو شيء مستقل بنفسه له وجود وذات كالروح والنفس، وإنا هي لما ~~صفت النفس وتركت، انطلق الروح من وفاق ظلمت النفس، وأخذ في العروج إلى أوطان ~~القرب، وافترج القلب عند ذلك من مستقره مطلعا إلى الروح، فاكتسب ms018 وصفا زائدا على ~~وصفه، فاستعجم على الواجدين ذلك الوصف حيث رأوه أصفى من القلب سموه سرا، ~~ولما كان للقلب وصف زائد على وصفه بتطلعه إلى الروح اكتسب وصفا زائدا في ~~عروجه، استجمع على الواجدين فسموه روحا، وقيل: هو ألطف من الروح ؛ لاتصافه ~~بوصف أخص من الوصف الأول. # وقيل السر: هو الروح الذي لطف، وترقى لطيفه مودعة في القوالب كالأرواح، ~~وهي محل المشاهدة كما أن الأرواح محل المحبة، والقلوب محل المعرفة، والنفوس محل ~~الشهوة، والعقول محل تحصيل الشوارد الفوائد بواسطة الفكر ونحوه. # وقيل السر: ما لك عليه إشراف، والسر ما لا اطلاع عليه لغير الحق، وعند القوم ~~أن السر ألطف من الروح، والروح أشرف من القلب. # ويقولون: الأسرار معتقة عن رق الأغيار وعن الآثار، ويطلق لفظ السر على ما ~~يكون مصوئا مكتوما بين المحب ومحبوبه ني سائر الأحوال، وعليه يحمل القول من قال: ~~أسرارنا بكر لم يفضضها وهم واهم، ويقولون: صدور الأحرار قبور الأسرار(1). # والسر المصطلح عليه عند القوم غير مذكور ني كلام الله تعالى، وإما المذكور ني ~~كلام الله تعالى الروح والنفس، وتتنوع صفاتها ني القلب والفؤاد والعقل، وحيث لم نجد ~~في كتاب الله تعالى ذكر السر بالمعنى المشار إليه، ورأينا الاختلاف شائعا فيه، أمسكنا عن ~~الحوض فيه تأدبا، وني مثل هذا الترقي الثابت بين الروح والقلب المنوه بذكره آنفا تترقى ~~النفس إلي محل القلب، وتنخلع من وصفها، فتصير نفسا مطمئنة إلى القلب، مريدة لكثير PageV01P026 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0027.png) ~~من مراداته، والقلب لا يريد إلا ما يريد مولاه، فيؤدي به الحال عند ذلك إلى التبري عن ~~الحول، والقوة، والإرادة، والاختيار، فيذوق صرف طعم العبودية، فيصير حرا. # قال خاتة الأولياء، وخلاصة السادة المحققين، بحر الفوائد شيخنا وإمامنا، الوالد - ~~طيب الله ثراه، وجعل الفردوس الأعلى مثوانا ومثواه، وجمعنا في حظائر شهوده وإياه في ~~هذا المقام - والذي يظهر لي والله أعلم بغيبه: أن الحق سبحانه وتعالى ظهر في النطفة التي ~~هي أصل الإنسان بمظاهر، وتجلى فيها بتجليات في أنواع أطوارها سماها في كل تجل ~~وطور، ms019 ونشأه باسم حخاص، وكانت نطفة، ثم صارت علقة، ثم صارت مضغة، ثم عظاما ~~غير مكسوة، ثم صارت جنينا وطفلا رضيعا، ثم بالغا ثم شابا، ثم كهلا، ثم شيخا هرما إلى ~~ما وراء ذلك من النشأة البرزخية، ثم الملكوتية، ثم الأخروية، هذا ما قطع النظر عن الذرة ~~المأخوذة عليها العهد والميثاق يوم السبت إلى ما قبل ذلك إلى المنتهى للعلم القديم ~~السابق، فهل العلقة غير النطفة، والمضغة غير العلقة، أو العظام غير المضغة إلى هلم جرا، ~~وكذلك النفس الأمارة في مقام النطفة، ثم اللوامة في مقام المضغة، ثم المطمئنة في مقام ~~العظام، وهكذا الحقيقة واحدة، والنشأة متغيرة، وبحسب اختلاف النشأة تختلف الأسماء، ~~فتسمى النفس تارة أمارة، ثم لوامة، ثم مطمئنة، ثم قلبا، ثم عقلا، وهكذا بحسب ترقيها ~~وتلقيها، وتلطفها وصفاء جوهرها، ألا ترى أن الحبوب ذات الأدهان وغيرها، كيف ~~تختلف أسماؤها وأسماء ما تنوع منها من أدمة وأدهان هذه الحنطة مثلا قبل تسنبلها تسمى ~~نباتا وخضرا وزرعا، فإذا تسنبلت سميت سنبلا، فإذا حصدت سميت حصيدا وعمودا، فإذا ~~ذابت سميت درنجة وبيدرا، فإذا زرعت وبذرت كان ساقها نبتا ولبها قحا، فإذا طحنت ~~كان اسمها دقيقا، فإذا خلط دقيقها بالماء صار عجينا، فإذا طبخ بالنار صار خبزا، ~~وتختلف أسماء الخبز باختلاف شأنه وأنواعه كما لا يخفى، ويتميز بزيادة محاسنه بالأدم ~~والحشو، فيسمى كحكا ومحشوا، وكنافة وذلابية وسنبوسكة وملفوفا، وناعما ويابسا ~~وبقسماطا، وغير ذلك مما هو واضح، فهل حقيقة المنشأ والسمية، والرقاق، والطحين، ~~والنخالة، والبرغل، والسميدة، والقمحة، والسويقة إلى غير ذلك من الحقيقة النباتية، فتأمل ~~ذلك بقلب سليم، وتلطف في ترقيك إلى ظهور الذات الأحدية الفردية الصمدية، مع ~~وحدتها المقدسة عن التكثر ني أعيان الموجدات بصفاتها القدوسية المنوعة، التي لا هي ~~هي، ولا هي غيرها، وتجليها في أسمائها، واختلاف الأسماء بحسب آثارها، بحيث ترى في ~~مقام التعدد والكثرة ما ظاهره التضاد والتبيين، فإن الأول غير الآخر ني بادىء الرأي، PageV01P027 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0028.png) ~~وكذا الباطن غير الظاهر، والقابض غير الباسط، وكذا بقية الأسماء، وفى الحقيقة عند ms020 إمعان ~~النظر ليست غيرية بالكلية، وإما كل اسم منها هو عين مقابله بالنسبة إلى مسماه، وإن ~~كان غيره بالنسبة إلى حقيقته ومقتضاه، وجميع ما أوردناه ذكره الإمام الوالد في كتابه ~~شرح تائية ولي الله عمر بن الفارض، المسمى ب «المدد الفائض والكشف ~~العارض»، وما ذكره هو الغاية في باب التفهيم والتقريب للعقول السليمة، فافهمه واقتد، ~~وبالله التوفيق إيماء باختصار، وتلويح يهيج البصائر والأبصار، ولما أن أتم الله تعالى خلق ~~هذا الإنسان أظهر له صنوف الإحسان، وابتلاه بالافتتان والامتنان، ونوع له المراتب ني ~~دوائر الخفاء، وجعل ذلك الإظهار والظهور باعتباره متفقا مختلفا، وخلع عليه خلعا نوعها ~~وجملها وزينها وصنفها إلى أصناف، وجعل اختلافها باختلاف معاني الأسماء والأوصاف، ~~ونسم له نسما ادخرها له ني خزائن الإنتحاف، وأظهر له منها ما ناسبه في مقام التكليف ~~والمخاطبة، ثم نصبه مسؤولا ني علم التجريد، ومقرا ني عالم التشريف، وشاهدا في مقام ~~يسمى وظائف التكليف، فقال جل وعلا لسائر الذرات التي في ربى العلا: (ألست ~~بربكم قالوا بلى) ]، فظهر بهذا الإيجاب ني مقام الخطاب الندب ~~والإيجاب، وبانقسام الأقوال إلى إقرار بصفات فضيلة ونعوت علية، فإن من آمن بجرد ~~التجريد، وقام العباد بسيدهم ومولاهم بوظائف التوحيد، وكانت الحقيقة كنزا وبرزت ~~بجهولة فميزت، وكمل ظهور أوصافها بتنوع ألطافها فركبت شكلا سمته جسدا، وفرقته ~~إلى أقسام وارد عنه لطيفة ستها روحا، وأبرزت كنزها بعد أن كان مكنونآ، وعرفته بعد ~~أن لم يكن معلوما؛ إعطاء لهذه الذات حكما يناسب، ويضاف في الصورة حكم ذاته؛ ~~وإظهارا لهذه الأحكام اللازمة له كلزوم كمالات صفاته، فكما ثبت له كمالات اقتضى ~~الحال أن تتنوع له أسماء بتنوعها نسبت إلى العبد أحوال اقتضى المقام أن تسمى بأسماء ~~مختلفة توافق ما حصلت النسبة إليه بنسبة، وكانت للذات العلية صفات، ثبت للعبد أحوال ~~تضارعها مضارعة اعتبارية، وكذا ثبت له أفعال ثبويا تابعا لما ثبت لسيده ومولاه، إذ ~~العبد مخلوق على صفة سيده، مطبوع على كمالاته وإن كانت أصلية في حق السيد، فرعية ~~ني حق عبده، حقيقية للسيد، ms021 بحازية لعبده؛ ولكون صفات العبد اعتبارية، فارقت ~~الصفات الحقيقة، وكان لصفات العبد الغناء، كما ثبت لصفات سيده دوام الاستمرار ~~والبقاء، فبذلك حصل البقاء بين الرب والمربوب، والعابد والمعبود، والقاصد والمقصود، ~~والحاسد والمحسود، وعند ظهور ذلك اقتضى المقام أن يكون الرب آمرا ناهيا له، وأن ما PageV01P028 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0029.png) ~~أمر الرب يكون واجبا أو مندوبا، وما نهى عنه يكون حراما أو مكروها، وما فوض أمره ~~إليه ولم يرتب ثوابا ولا عقابا، ولا مدحا ولا ذما، فهو المباح، ولما أن كانت الأرواح ~~والحقائق أنوارا لطيفة لا قابلية فيها للمخالفة والعصيان، وعلم أن ما تركب من التراب، ~~والمشتمل على بقية العناصر لا قابلية له أن يكون مطيعا، ولا قوة على تلقي وصف ~~الكمال، وسبق في علمه ظهور كل وصف من أوصاف الجلالية والكمالية، وكل فعل من ~~أفعاله العدلية والفضلية، أمر الروح الأعلى أن يقابل دوائر الأجساد، وأن ينزلها، وأن ~~يدبرها، وأن يعمرها، وأن يزينها، وأن يظهرها فتوجه الروح بأمر الباقي إلى تكميل ما أمر ~~به، ونصب كرسيه في الوجود الجسدي، ونفذ في كونه مراسيم إراداته، فانقادت له ذرات ~~عوالمه، وقامت بخدمته وامتثال أمره فاحختلج في مملكته النفع والضر، وقابلهما الخير ~~والشر، وتوجه كل منهم إلى ملك هذا البدن، فقوى جانب النفع وظهر حجته، وأيد ~~بمعقبات القوى، والإدراكات الدافعة المانعة الحافظة له من أمر الله تعالى، واستقام أمر هذه ~~المملكة، ونادى الملك في جنده من الحواس الظاهرة، والقوى الباطنة والمعنوية، والجوارح ~~والجوانح أن أقبلي بأمره، وانقادي لحكمه، وادخلي في زمرة أهل طاعتي، فانقادت الجنود ~~بأمر ربها، فتصرف فيها حين سكن منها، واقتضى المقام ظهورا ملائما يسمى نعيما، ~~وثبوئا مؤلما يسمى عذابا أليما، وانقسم النعيم إلى ظاهر تخصصت به الأجساد، وإلى ~~باطن امتاز به الروح والفؤاد، وافتقر المقام إلى بحلى يظهر فيه كمال المراد، وكان مقام ~~التعريف روضة الروح، كما كانت اللذائذ الظاهرة مقام كمثل انتفاع الأجساد، فعند ~~اختصاص الروح بمكارمها في عالمها خلق شكل نوراني، مشتمل على غرائس وعرائس ~~ونفائس سميت الجنة، وأذن لهذا الوجود ms022 العزيز المكرم، الإمام المقدم أن يسكنها متبوعا ~~لغرفها، متصرفا في لطائفها وشرائفها، وأن يقدم فيها من اتصف بطاعته، وأن يخرج منها ~~من اتصف بمخالفته ومعصيته، ثم أمر مناد أن ينادي في أقطار الوجودات، وأن يشيع النداء ~~ني سائر الأقطار والجهات، وأن اسجدوا لهذا الخليفة السلطان، الكامل المكمل لدوائر ~~الإمكان، فقامت له أشكال نورانية، وصور نارية، فألفته النورانية لما بينها وبينه من ~~المناسبة، وبغضته النارية لما فيها من القوى المخالفة له من وجه، وإن وجدت الموافقة ~~من وجه، وباعتبار فليس لها كمال الظهور، وكأن للفرقة الأولى كمال الاشتهار، كما كان ~~الفرقة الثانية كمال الاختفاء والاستتار، ولما أن وقعت أبصار الناظرين على هذا الوجود ~~العظيم المقدار، واختلفت أنظارهم باختلاف ما نظروه وشهدوه، فمنهم من وقع بصره PageV01P029 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0030.png) ~~على كمالاته فابتدره بالتعظيم والسجود، ومنهم من وقع بصره على ما ظنه نقصا، فأخذ ~~في الشقاق والجحود، فبآدم ظهرت كمالات الملائكة، وهي عين كماله، وبه ظهر نقصان ~~الشياطين مذ تقيدوا بصورته، ووقفوا عند ظل خياله، فسمى من سجد عابدا، وطرد من ~~تقيد وصار عاندا، وكان السجود لأدم تعليما له كيفية الطاعة، وكان تقريب الملائكة ~~إيذائا بالقرب الحاصل لمن قام امتثالا للأوامر، كما أن الإباء والاستكبار إعلام بنهاية حال ~~الشقي الخاسر، وكان وجود الموجودين المأمورين بطاعة آدم وتعظيمه، كالمرآة الكاشفة ~~الحقائقه ومعانيه، ولطائفه المستورة فيه، كما كان آدم مرآة جالية لما انطوى في عالم ~~الغيب المطلق من الكمال والتكميل، فظهر ني أفق من غائرة ما ظهر في أفقه، وترتيب ~~الأحكام بما وجد من تخلقه وتحققه، فبوجود آدم انفتحت أبواب الوجودات، وبتعلمه ~~وتعليمه انفتحت أبواب العلوم والمعارف، وبسجود الملائكة انفتحت أبواب العبادات، ~~وحققت أنواع السعادات، وجاء القائم بتعمير دوائر الانتقام، وانفتحت له أبواب الذل ~~والخزي والهوان، فناسب مقام الاعتبار أن يسمي ما ناسب الروح جنة، وأن يسمي ما لم ~~يناسبها نارا، فتزينت الجنة ودامت محاسنها ولطائفها، ولو قدت النيران وظهر كربها، ~~واستمر مخلدا مؤبدا سعيرها، وانطبع ني المرآة الآدمية وصف الكمال بمقابلة العابدين، ~~وظهر فيها أثر ms023 صورة النقصان بمقابلة معصية الشياطين، ووجدت الملائكة مدخلا إلى آدم ~~ما انطبع فيه من صورها، وووجدت الشياطين مدخلا إليه بما انطبع فيه من صورها، ~~فغلب حبه على الملائكة، فلزموا خدمته جزاء لتقريبه إياهم من رضوان مولاهم، وازداد ~~بغضه ني قلوب الشياطين، إذ كان شقاؤهم على يده وطردهم بسببه، فلزموا خديعته، ~~وأخذوا في ذمه، وعكفوا على الاحتيال فيه إضلاله وإضلال ذريته، وكل منهم أضحى ~~مستمدا من المولى، وهو ممد له على حسب استعداده واستمداده سعادة وشقاوة، تقريبا ~~وتبعيدا هذا، ودعاوى القبول ني مقام المقابلة حاصلة، وتحركات القدر باعثة كل ذرة إلى ~~ما كتب لها من السعادة وضدها؛ فلذلك ابتلى آدم بنعيم حسنت له ظواهر الفائدة، ~~وخفيت عنه بواطن شدائده، فتعلق به وتمنى الخلود فيه، فقره وخاف الانفصال ~~والارتحال، فوجده وظهر له من عين بعده ما قربه كما ظهر له من عين قربه ما أبعده، ~~وبالغ ني نعيم الجسد فاغتبط به بما اغتبط حتى غلبت بشريته على روحانيته، فنزل إلى ~~الأرض، وهبط فاستغرب هذا الوجود، واختلف عليه المقصود وكان في الظاهر هبوط ~~عقوبة، وني الباطن قربة ومثوبة، إذ هو لم يخلق منها إلا للسكون إليها وللسكنى فيها، PageV01P030 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0031.png) ~~وكان ني مقام البداية ضعيفا ففاز بالولاية، ولما عمر الوجودين صار قويا، فأصبح نبيا ~~ناشرا لإعلام: (إني جاعل في الأرض خليفة) [البقرة : 30] قائما فيها بكل ما أراد ~~الحق، وخليفة مدبرا متصرفا مالكا فعالا لما يريد، فبمقتضى اختلاف الصور والأشكال، ~~اختلفت عليه المقامات والأحوال، فبعد قربه سمى بعيدا، وأمر بالتقريب والتودد والتحبب، ~~واختلفت إليه الرسل، وتنوعت له السبل، فأول باب دعاه من إليه ما فتحه له أولا، وجعل ~~وصوله إليه بسببه، وكلف الملائكة بتلقيه عنه وألزمهم بالاهتمام بأكرمه لأجله، وهو العلم ~~الموجب لسعادة الدارين، والمقتضى للفوز بالكمال من وردت في بيان فضله الآيات، ~~وتواترت الأحاديث الصحيحة بما لطالبه من ارتفاع الدرجات، قال الله تعالى: (يرفع الله ~~الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) [الجادلة: ، وقال تعالى: (وفوق ~~كل ذي علم عليم) وس]، وقال تعالى: ms024 (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ~~ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) . # وقال تعالى: (فاسالوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) . # وقال تعالى: (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) ~~[البقرة:269]، وقال تعالى: (وعلمك ما لم تكن) . # وقال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) ذ، أي: ~~ليعرفوني. # وقال نبيه صلى الله عليه وسلم، عابد الله على الجهل، كالباني على أمواج البحر». # وقال صلى الله عليه وسلم، (فضل العالم على العابد، كفضل القمر على سائر الكواكب ليلة ~~كماله)(2). # وقال: «فضل العالم على العابد، كفضل عائشة على النساء، وفضل عائشة على ~~النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام»(). PageV01P031 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0032.png) # وقال: «فضل العالم على العابد، كفضلي على أدناكم، والذي نفسي بيده لعالم ~~واحد أشد على الشياطين من ألف عابد»). # وقال: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين). # وقل صلى الله عليه وسلم: من سلك طريقا يطلب فيه علما، سهل الله له. # وني رواية المصابيح: «سلك الله به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع ~~أجنحتها لطالب العلم رضاء بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في ~~الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العلم على العابد كفضل القمر ليلة البدر ~~على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ~~وإنما ورثوا العلم، فمن اخذه أخذ بحظ وافر. # وقال: «أن الله تعالى وملائكته، وأهل السماء والأرض حتى النملة في جحرها، ~~وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير»(3). # قال: «إذا مات ابن ادم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع ~~به، أو ولد صالح يدعو له»(6). # والآيات والأحاديث والآثار، والحكايات والقصص والمواعظ المرغبة في إفادة ~~العلم واستفادته كثيرة، وكيف لا وهو أول ما صرفت الهمة ني تحصيله، وأول ما دأب ~~المكلف ني معرفة دليله وحلوله، وهو وإن تنوع فمرجعه إلى علم ربوبية، وعلم عبودية، ~~ومعرفة الله تعالى أولى بالتقديم، وهي السبب الأعلى ms025 والصراط المستقيم، وهي على ثلاث ~~مراتب أعلاها ما كان عن شهود وإيقان، وكشف وعيان، وأدناها ما كان عن ساع ~~وتقليد وإيمان، وبينهما رتبة وسطى عالية سافلة، وهي الناشئة عن دليل وبرهان، فعلوها ~~بالنسبة إلى المعرفة بالتقليد، وانحطاطها بالنسبة إلى المعرفة الحاصلة للشاهد ني عالم PageV01P032 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0033.png) # 33 ~~الشهود والتفريد، المفيدة لتجريد التوحيد، وقد احختلف في التقليدية، فقيل: كافية، وقيل: ~~لا بد من النظر وبدونه لا يصح الإيمان، والأول أصح كما اختاره الغزالي وغيره من ~~المحققين، فيجب التقرب إلى الله بصحيح الاعتقاد، فيثبت لذاته العلية، ولصفاته القدسية، ~~ولسمائه الحسنوية ما ثبت له عقلا وشرعا، فيقر أولا بأن له ذاا، وذاته عبارة عن نفسه ~~التي هو بها موجود، ونفسه عبارة عن شيء استحق الأسماء والصفات بهويته، وهو غيب لم ~~ينطق ناطق بعبارة، ولا رمز ولا إشارة إلا وهي واقعة عليه من وجه، غير مشتملة على ~~معانيها من كل وجه، فلا يدرك مفهومها، ولا يحصر علوها؛ لأن الشيء إنا يعرف بما ~~يناسبه فيطابقه، أو ما ينافيه فيضاده، وليس لذاته تعالى في الوجود مطابق ومناسب ولا ~~مخالف، ولا مناف ولا مضاد، فخفى سريان المعنى في الكلام، واقتضى بذلك أن يكون ~~مدركا للأنام، فذاته سبحانه مخالفة للذوات، واختصت بصفات أزلية قامت بها، والصفات ~~جمع صفة، وهي ما دل على ذات باعتبار معنى هو المقصود، أو على ذات مبهمة، ومعنى ~~معين، والفرق بين الصفة وبين اسمها كما أفاده العلامة سعد الدين التفتازاني: أن اللفظ إن ~~وضع للشيء باعتبار بعض معانيه وأوصافه من غير ملاحظة لخصوصية الذات، حتى أن ~~اعتبار الذات عند الملاحظة لا يكون إلا لضرورة أن المعنى لا يقوم إلا بالذات، فهو صفة ~~كالمعبود، واسم الصفة ما دل على ذات باعتبار معنى ليس مقصودا، فلفظ الإله دال على ~~الذات المقدسة باعتبار معنى هو المعبودية بالحق، وهو المقصود لا غير، فهذا نفس ~~الصفة، والأول اسمها، وإن وضع له بدون ملاحظة ما فيه من المعاني كرجل وفرس أو مع ~~ملاحظة بعض ذلك، أي: ملاحظة خصوصية للذات كالكتاب ms026 للشيء المكتوب، والنبات ~~للجسم النابت، وكجميع أسماء الزمان والمكان، والإله فهو اسم غير صفة، ويستدل على ~~أن المقصود هو المعنى أوالذات، بأن الأول لا يوصف بوصف ويوصف به والثاني ~~بالعكس، ولا خفاء في أن الإله من قبيل الثاني إذ ثبت في الاستعمال إله واحد ولم يثبت ~~إله، فيكون اسما انتهى، وقد يقال بأن الصفة ما أوصلت إلى فهمك معنى الموصوف، ~~فأوجبت ميلك إليه لكونه جميلا أو إعراضك عنه ونفرتك؛ لكونه على العكس من ذلك، ~~وصفات الله مفيدة سر معناه، وجالية للعقول والأذهان لطائف لا تتكشف إلا بها، وهي ~~مع ذلك لا ينفك تعلقها ولا قيامها بالموصوف بها أزلا وأبدا من غير اختلاف مطلقا، ~~وليس بعين ذاته ولا غير ذاته. PageV01P033 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0034.png) ~~والوجود، وقسم هي غيره، وهي الصفات الفعلية، وقسم لا هي هو ولا غيره، وهي الحياة ~~والعلم والقدرة والإدارة، والسمع والبصر والكلام، وسيأي الكلام على أعداد الصفات ~~المذكورة موضحا، وبالله التوفيق، درر اعتقاد، وغرر تحقيق القصد والمراد، وفوائد بهجة ~~لأولي الاجتهاد، وفرائد تنور الفؤاد. # وتنقسم الصفات اصطلاحا إلى أربعة أقسام نفسية وسلبية ومعان ومعنوية، فالصفة ~~النفسية هي الحال الواجبة للذات ما كانت الذات غير معللة بعلة كالتحيز مثلا للجرم، فإنه ~~واجب له مادام، وليس ثبوته له معللا بعلة، فالوجود صفة نفسية، والصفة السلبية ما ~~كانت غير موجودة في نفسها، وكان مدلولها نفيا أو سلبا كالقدم والبقاء والمخالفة ~~للحوادث، فإن مدلول كل منها نفى أمرا لايليق بمولانا سبحانه، فمدلول القدم سبق العدم ~~على الوجود، أو نفى الأولية له، ومدلول البقاء نفى طرو العدم أو سبق لحوقه للوجود، ~~ومدلول المخالفة للحوادث نفى المماثلة لها في الذات والصفات والأفعال، وصفة المعاني ~~ما كانت موجودة في نفسها سواء كانت حادثة كبياض الجرم وسواده، أو قديمة كعلم الله ~~تعالى وقدرته، والصفة المعنوية هي التي ليست بموجودة فيه نفسها، وهي واجبة للذات ~~مادامت الذات معللة بعلة ككون الذات عالمة وقادرة، فإنها إنا توصف بكونها عالمة ~~مادامت معللة بالعلم، وبكونها قادرة مادامت معللة بالقدرة. # وقد اختلف ني ms027 عد الوجود من الصفات، فإن قيل أنه عين الذات، وهي مذهب ~~الأشعري فعده بمقتضى ذلك فيه تسامح، وإن قيل بكونه زائد على الذات، وهو مذهب ~~الرازي فذلك صحيح لا تسامح فيه والله اعلم، وتنقسم الصفات باعتبار آخر إلى متعلقة ~~وغير متعلقة، فالحياة لا تتعلق بشيء، والمتعلق منها ينقسم إلى قسمين إلى علم التعلق ~~وهو العلم والكلام، وإلى خاص التعلق وهي القدرة والإرادة والسمع والبصر، فالصفتان ~~الأوليان تتعلقان بالممكنات دون الواجبات والمستحيلات، وإنما الصفتان الأخريان وهما ~~السمع والبصر فتتعلقان بالواجبات والجائزات دون المستحيلات، والمراد بالتعلق اقتضاء ~~الصفة القدسية أمرا زائدا على قيامها بالذات العلية، فافهم ذلك راشدا تفصيل وبيان ~~وتحقيق واتقان بإيقان، قد علمت بأن لواجب الوجود صفات، ومنها القدم وهو سلب ~~العدم السابق على الوجود، أو عدم الأولية للوجود، أو عدم افتتاح الوجود، إذ لولم يكن ~~قديما لكان حادثا، ولو كان حادثا لاحتاج إلى محدث، واحتاج محدثه إلى محدث ~~ولتسلسل، والتسلسل محال، فالحدوث المستلزم له محال، وقد استشكل إطلاق القدم على PageV01P034 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0035.png) ~~الله وتسميته به؛ لكون هذا اللفظ جعل صفة لشيء حقير، فقيل عرجون قديم وما يكون ~~صفة للحقير، كيف يكون صفة للعظيم؟ ورد ذلك برواية الحافظ البيهقي له في الأسماء ~~الحسنى الثابتة عه صلى الله عليه وسلم وايتها. # وقال جماعة من المتكلمين بجواز اشتقاق اسم من الأسماء، وإطلاقه على الله تعالى ~~مما لايؤدي إلى نقص وعيب لاسيما إذا دل على الاشتقاق الكتاب والسنة والإجماع، ~~فيجوز أن يقال الله تعالى القاضى أخذا من قوله: (والله يقضي بالحق) [غاف:2، ~~وني الحديث : (الطبيب هو الله تعالى»). # ويقال الأزلى الأبدي؛ لأن من صدق عليه أنه قام، صدق عليه أنه قائم، فخلص ~~فما ذكر أن الفعل إذا سمع اشتق منه اسم الفاعل، والمراد إذا كان وصفا حقيقيا بخلاف ~~المجازي، فإنه لا يشتق. # وعند جمع من الفقهاء: أن الطالب الحالف بالأسماء التوقيفية يمين صريحة، تقوية ~~وترجيح لما ذكر، والأصل أن أسماعه توقيفية، فما أطلقه الشرع أطلقناه، وما منعنا من ~~إطلاقه منعناه، وما لم يرد ms028 فيه إذن ولا منع لم نقض فيه بتحليل ولا تحريم، فإن الأحكام ~~الشرعية تتلقى من موارد الشرع، ولو قضينا بتحليل أو تحريم لكنا مثبتين حكما بغير ~~الشرع، وهذه مسألة قد شاع فيها خلاف بين أهل السنة، فمن قائل بالجواز، ومن قائل ~~بعدمه، وقد أسلفنا ماهو الأرجح من ذلك وبالله الهداية إلى الصواب، ومنها البقاء وهو ~~استمرار الوجود، أو سلبا لعدم اللاحق للوجود، ومنها الوحدانية وهي انتفاء التعدد فني ~~الذات والصفات والأفعال، فلا ثاني له في ذاته لا بحسب الاتصال المسمى بالكم المتصل، ~~ولا ثاني له في صفاته، ويقال له الكم المنفصل، ولا شريك له ني أفعاله إذ لو لم يكن PageV01P035 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0036.png) ~~واحدا لافتقر إلى شريك، ولو وجد شريك لفسد نظام العالم، واختلف اختلافا ظاهرا ~~البتة؛ لأنه لو ثبت له نظير ما ثبت لمولانا من القدرة مثلا لزم عند تعلق تلك القدرتين ~~بإيجاد ذلك الممكن، وألا يوجد بهما معا؛ لأن إحدى القدرتين إما أن توجد ذلك ~~المقدور الممكن أو لا، فإن أوجدته لم توجده القدرة الأخرى لما يلزم تحصيل الحاصل، ~~وإن لم توجده لزم الفجر عليها، والمتصف بالفجر لا يصلح أن يكون إلها، وإن قيل أن ~~القدرتين معا تتعلقان بالممكن، فتوجدانه، فيقال ذلك أيضا محال؛ لأنه يستحيل وجود أثر ~~واحد من المؤثرين لا يلزم من رجوع الأثر الواحد أثرين، وذلك مستحيل عقلا فإذا لا بد ~~من عجز أحد المؤثرين، وذلك مستلزم لفجر الآخر الممائل له في القدرة على الإيجاد، ~~وإذا لزم عجزهما معا ني هذا الممكن لزم عجزهما في بقية الجائزات، وذلك مقتضى ~~استحالة وجود الجائزات، والحس قاض ببطلان ذلك ضرورة، قال تعالى: (لو كان فيهما ~~آلهة إلا الله لفسديا فسبحان الله رب العرش عما يصفون) . # ومنها: القيام بنفسه، ومعناه استغناؤه عن المحل والمخصص، فلا يفتقر إلى محل؛ لأنه ~~ليس بصفة من الصفات المجردة عن الذات، ولا عرض من الأعراض خلافا لما زعمته ~~النصارى، ومن ني معناهم من الباطنة قاتلهم الله، وكذا لا يقتصر إلى مخصص؛ لأنه ليس ~~بجرم من ms029 الأجرام، ولا جسم من الأجسام كما تقول اليهود والفرقة المجسمة، بل هو المنزه ~~على الجسمية والجوهرية والعرضية التي هي أقسام العالم؛ لأنه إما قائم بنفسه أو بغيره، ~~والثاني العرض، والأول يسمى بالعين، وهو محل الثاني المقدم له إما مركب وهو الجسم، ~~أو غير مركب وهو الجوهر، وقد يكون فردا، ومنها المخالفة للحوادث، أي: لا يماثآل ~~حادثا منها، والمثلان كل الموجودين سد أحدهما مسد الآخر أو كل الموجودين يثبت ~~لكل واحد منهما من صفات النفس ما ثبت لأحدهما من صفات النفس، ما لم يثبت ~~للآخر، فهو سبحانه منزه عن مشابهة خلقه، إذ لو كان مماثلا لشيء لكان حادثا مثلها، ~~ولو كان حادثا لافتقر إلى محدث، وذلك المحدث إلى محدث ويلزم من ذلك وجود الدور ~~والتسلسل، ولو حصلت المشاهة، وثبت القدم له وللحدوث المماثآلة، وذلك جمع بين ~~متنافيين. PageV01P036 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0037.png) # 37 ~~انكشافا تاما لا يحتمل النقيض بوجه من الوجوه، وقدرته صفة ذاتية أزلية أبدية توجد ~~الممكنات، أو تعدمها على وفق الإرادة والمشبه، وإرادته صفة ذاتية تخصص من شأن ~~الذات العلية، تخصيصه ببعض ما يجوز عليه، وسمعه صفة ذاتية أزلية أبدية ينكشف بها كل ~~مسموع لذات مولانا، كما أن بصره صفة ذاتية تنكشف به المبصرات لذات مولانا . ~~انكشافا تاما، لكن يكون ذلك الانكشاف زائدا على من انكشف بالعلم، فقولنا زائدا لا ~~يلزم منه نسبة النقص إلى صفة العلم إن ذلك كفر ، بل المراد أنها تفيد أن للذات كشفا ~~زائدا على كشف العلم، ولو كان هو كشف العلم لكان حقيقة السمع والبصر عين حقيقة ~~العلم وليس كذلك، ألا ترى أنك في الشاهد تحيط علما بشخص أنه في بيت مثلا، ولا ~~شك في ذلك فإذا سمعت صوته ألست تستفيد كشفا بالسمع لم يكن موجودا عندك حالة ~~العلم، ولو أنك أبصرته لاستفدت كشفا آخر زائدا على ما كان عندك من السمع والعلم، ~~فإذا فهمت هذا في حقك سهل عليك فهمه في حقه سبحانه وتعالى، وقولنا في صفة العلم ~~لا يقارنه نقيض لا يفهم منه أنها لم ms030 تكن منكشفة له، وانكشفت، إذ العلم له المتعلق ~~بالواجبات والمستحيلات والممكنات، ومن الواجبات ذاته العلية، وصفاته الوجودية لم ~~تزل أزلا، ولا تزال أبدا، فهى منكشفة له ني الأزل والأبد انكشافا تاما بمعنى تجليه له ~~على الدوام، لا بمعنى لم تكن منكشفة وانكشفت، والانكشاف التام بحسب التعلق، فإن ~~تعلق العلم بحادث انكشف ذلك الحادث عند وجوده للذات العلية كما كان منكشفا لها ~~قبل وجوده، ألا ترى أن القدرة والإرادة لا تتعلقان إلا بالممكنات أعني الحوادث، ولا ~~يلزم من ذلك عدم قدمها، بل هما قديمتان، وان كان تعلقهما حاديا، وكذلك فليفهم تعلق ~~العلم، فإن كان المعلوم حادثا كان التعلق به حادثا، وإن كان قديما كان التعلق به قديما ~~من غير ارتياب، وكلامه صفة من صفاته أزلية أبدية، خالية عن الاتصاف بالحرف ~~والصوت؛ لما في ذلك من رزيلة الحدوث الذي هو ثابت للحروف والأصوات سابقا ~~ولاحقا، ويلزم حدوث من اتصف به، ولا نفيضه أقوى من رذيلة الحدوث، ولما فيه أيضا ~~من رذيلة البكم الذي هو لازم الحروف والأصوات، إذ لو كان كلام مولانا بالحروف ~~والأصوات لزم زيادة على رزيلة الحدوث اتصافه، تقدس عن ذلك بوصف [الحسة] التي ~~هي أصل البكم عن الدلالة عن معلوماته التي لا نهاية لها بصفة الكلام، بل ويلزم [الحسة] ~~عن الدلالة به في آن واحد على معلومين له فأكثر، فخلص من هذا أن الكلام المشتمل ~~على الحروف والصوت، وما في معناه من كلامنا النفسي، ملازم لمعنى البكم، فيستحيل PageV01P037 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0038.png) ~~اتصاف مولانا بمثلهما، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، وإنما الأصوات والحروف دالة على ~~الكلام النفسي القائم بالذات، اتصف به المولى وأسعه لنبيه موسى التليلا بهذا الوصف من ~~غير حروف ولا صوت، بهذا تطوع الغزالي في إحيائه، وفاقا للشيخ أبي الحسن الأشعري ~~إذ مذهبه أن كلام الله القديم الذي هو صفته يجوز أن يسمع حكاه التفتازاني، وقال: ~~ومنعه الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني، وهو اختيار الشيخ أبي منصور، ثم قال تفريعا على ~~هذا: فموسى الل ا سمع صوئا دالا على كلام ms031 الله، لكن لما كان بلا واسطة الكتاب ~~والملك خص باسم الكليم انتهى # قال الامام الغزالي في «إحيائه»: ومن استعد أن يسمع موسى الع لا في الدنيا كلاما ~~ليس بحرف ولا صوت، فليستنكر أن يرى في الآخرة موجودا ليس بحسم ولا لون، وإن ~~عقل أن يرى ما ليس بلون ولا جسم، ولا قدر ولا كمية، وهو إلى الآن لم ير غيره، ~~فليعقل من حاسة السمع ما عقله في حاسة البصر، فإذا فهمت هذا فاعلم أن القرآن يطلق ~~على كلام الله تعالى القائم بذاته العلية باعتبار، ويطلق على المكتوب في المصاحف من ~~النظم المعجز باعتبار، ويقال للنظم المعجز المسمى بالقرآن كلام الله بمعنى الدلالة، فإنه ~~دال على كلام الله تعالى، ولا يلزم من دلالته عليه أن يكون حالا فيه كما لا يلزم من دلالة ~~الحروف والأصوات المعبر بها عن النار، أن تكون النار حالة فيها إذ لو كان كذلك ~~لاحترق فم المتلفظ بها، واحترقت الطروس، يكتب عليها بالحروف التي تدل عليها، ~~وليس كذلك كما يشاهد في المحسوس، فخلص من هذا أن الحروف والأصوات لا توصف ~~بالقدم، وإن سميت واحترقت بمنع مسها، وتحريم ذكرها والنطق بها على من كان جنبا أو ~~حائضا، ولو كانت قديمة لما انعدمت أبدا إذ ما ثبت قدمه استحال عدمه، والقديم ما PageV01P038 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0039.png) ~~دلت عليه، وهو الكلام الأزلي الأبدي كلام الله القائم بذاته الذي لا يجوز انفكاكه ولا ~~انتقاله عن الذات، ولا يقبل العدم ولا التقديم ولا التأخير، ويعبر عنه تارة بالعربي، وتارة ~~بغيره من الألسنة، ولا يلزم من تغاير العبادات التغاير في المغير عنه، فيجب الإيمان ~~بوجوده سبحانه وتعالى، وبما ثبت له من الصفات القدسية، وباستحالة ما ضادها وما ~~نافاها من الصفات البشرية، وبجواز نسبة ما استوى طرفاه وجودا وعدما، وإيجادا ~~وإعداما. # وكذلك يجب التصديق بحاضر حضرته من ملائكته الذين هم وسائط بين الله تعالى ~~وبين الناس ورسل، وحقيقتهم أنهم أجسام لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، ~~وعند طائفة من النصارى أنها النفوس الفاضلة المفارقة للأبدان، وقالت ms032 الحكماء: أنها ~~جواهر محردة مخالفة للنفوس الناطقة ني الحقيقة، وعند طائفة من النصارى أن النفوس ~~الفاضلة البشرية المفارقة للأبدان في حقيقة منقسمة إلى قسمين قسم شأنهم الاستغراق ني ~~معرفة الحق، والتنزه عن الاشتغال بغيره كما وصفهم في محكم تنزيله، فقال: (يسبحون ~~الليل والنهار لا يفترون) [الانبياء:20]، وهم العليون والملائكة المقربون، وقسم يدبر ~~الأمر من السماء إلى الأرض إظهارا لما سبق به الفضاء، ونفذ به القدر، وجرى به القلم في ~~سابق القدم (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) حريم:، وهم ~~المدبرات أمرا فمنهم سماوية، ومنهم أرضية، وكذا يجب الإيمان بسائر الكتب المنزلة من ~~السماء على يد جبريل عليه السلام من الوحي الذي اختص الله به الرسل من توراة ~~وإنجيل وزبور وصحف وغيرها، لاسيما هذا الكتاب العزيز الذي من الله به علينا، وصانه ~~من التحريف والتبديل، واتفق أهل السنة والجماعة على أنه كلام الله تعالى، ومنزل من ~~عنده، واختلفوا في معنى الإنزال، فمنهم من قال إظهار القراءة، ومنهم من قال بأن جبريل ~~اللا ألهمه الله تعالى إياه وهو في السماء، وهو عال عن المكان، وعلمه قراعتها ثم ~~جبريل اللل أتاه في الأرض وهو يهبط ني المكان وهو زهر باسم لأولي المكارم، وقد ~~ذكر أئمة التحقيق والاتقان ني التنزيل طريقين أحدهما اه لى الله عليه ولم خلع من صورة البشرية إلى ~~صورة الملكية، وأخذها من جبريل اللت، والثاني أن الملك انخلع إلى البشرية حتى أخذه ~~الرسول صلى الله عليه ولمنه، والأول أصعب الحالين، ويحتمل أن يكون نزول القرآن بأن يتلقنه الملك ~~من الله تعالى تلقنا روحانيا، أو يحفظ من اللوح المحفوظ، فينزل به على الرسول صلى الله عليه وسلم، فلقيه ~~عليه، وفي المنزل ثلاثة أقوال أحدها: أنه اللفظ والمعنى، وأن جبريل الللا حفظ القرآن PageV01P039 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0040.png) ~~من اللوح المحفوظ ونزل به، ويؤيده ما جاء: # الأول أن أحرف القرآن في اللوح المحفوظ كل حرف منها قدر جبل قاف، وإن ~~تحت كل حرف معان لا يحيط بها إلا الله تعالى. # ثانيها: أن جبريل ms033 إنما نزل بمعاني خاصة، وأنه التلتيلا علم تلك المعاني وعبر عنها ~~بلغة العرب، وتمسك قائل هذا بظاهر قوله تعالى: (زل به الروح الأمين * على قلبك) ~~[الشعراء: 193 ،194]. # ثالثها: أن جبريل اللثلا ألقى عليه المعنى، وإنه عبر بهذه الألفاظ بلغة العرب، وان ~~أهل السماء يقرؤونه، ثم أنه أي: جبريل التليلا نزل به كذلك بعد ذلك. # وفي كيفية الوحي أقوال، أحدها: أن يأتيه الملك في مثل صلصلة الجرس كما ني ~~الصحيح وغيره، ومعنى قول مثل صلصلة الجرس أنه صوت متداول يسمعه ولا يتنبه له ~~أول ما يسمعه من يفهمه، قيل: هو صوت أجنحة الملك والحكمة في تقدم هذا الصوت ~~استحضار الموحى إليه لأن يفرغ سمعه للوحي، فلا يبقى فيه مكان لغيره، وهذه أشد حالة ~~للوحي ني الصحيح، وقيل إنما كان يجد ذلك الل ل إذا أنزلت عليه آية وعيد أوتهديد. # ثانيا: أن ينفث ني روعة الكلام نفثا، ثالثهما: أن يأتيه في صورة الرجل فيكلمه، ~~رابعهما: أن يأتيه الملك وهو نائم، وعد قوم من هذا القسم سورة الكوثر، خامسها: أن ~~يكلمه الله تعالى إما يقظة كليلة الأسراء أو مناما كما في حديث معا صذ الله عله ، هذا وكلام الله ~~المنزل قسمان: قسم قال الله تعالى لجبريل الللل: قل للنبي الذي أنت مرسل إليه من عندي ~~أن الله يقول لك افعل كذا وكذا، وأمر بكذا وكذا، ففهم ذلك جبريل، ونزل به على النبي ~~الله عله وسلم وقال لهم مقالة الحق ولم تكن العبادة تلك العبادة كما يقول الملك لمن يثق به: قل ~~لفلان يقول لك الملك اجتهد في الخدمة مثلا، واجمع جندك المقتال، فإن قال الرسول ~~يقول لك الملك تتهاون في خدمتي، ولا تترك الجند يتفرق، وحثهم على المقاتلة لا ينسب ~~إلى كذب ولا تقصير ني أداء الرسالة، وإن غير عند التعبير عن المقصود كلمات الملك، ~~وقدم وأخر في ذلك، وقسم آخر قال الله تعالى لجبريل اللل: اقرأ على النبي الذي أنت ~~مرسل إليه من عندي هذا الكتاب، فنزل جبريل اللل بكلام الله تعالى ms034 من غير تغيير ولا ~~تدبير كما يكتب الملك كتابا، ويسلمه إلى أمين ويقول له اقرأه على فلان، فهو لا يغير ~~منه كلمة ولا حرفا، فالقسم الأول من هذين القسمين المذكورين هو السنة، وقد ورد أن ~~جبريل اللخفلا كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن، والقسم الثاني: هو القرآن فلذلك جاز PageV01P040 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0041.png) ~~رواية السنة بالمعنى؛ لتأدية جبريل بالمعنى، ولما تجز القراءة بالمعنى؛ لأن جبريل أتاه ~~باللفظ، ولم يبح له تأديته بالمعنى، والسر في ذلك أن القصد التعبد باللفظ والإعجاز به، ~~فلا يقدر أحد أن يأتي بما يقوم مقامه؛ ولأن تحت كل حرف منه معان لا يحاط بها ~~كثرة، فلا يستطاع أن يؤتى ببدله ساد مسده، وحفف عن الأمة حيث جعل المنزل ~~متلفظا به، ومرويا بالمعنى، ولولا ذلك لحصلت المشقة ولم يؤمن من التبديل والتحريف، ~~والأقوال والأشائر في هذا البحث كثيرة، وذكرها يخرجنا عن المقصود، فيجب التصديق ~~بهذا القرآن العزيز، وبجميع ما فيه وما اشتمل عليه من أمر ونهى، ووعد ووعيد، وخبر ~~واستخبار، وناسخ ومنسوخ، ومحكم وبحمل، ومبين ونص، وظاهر ومتشابه ونحو ذلك، ~~وإن اختلفت مواطن النزول وأسبابه وأوقاته ووقائعه، سواء كان ذلك المنزل مكيا أو ~~مدنيا، سفريا أو حضريا، ليليا أو نهاريا، صيفيا أو شتائيا، فراشيا أو غير فراشي، انزل ~~ذلك يقظة أو مناما، عرف وقت نزوله أولم يعرف، تكرر نزوله أو لا، نزل مفرقا أو ~~جميعا، أنزل على أحد من الأنبياء أو اختص به نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم ون غيره، وكذا يتعين ~~التصديق برواياته ولغاته، وأن كلها عربية وما فيه مثل السجيل والاستبرق والقسطاس ~~والمشكاة، فمن توافق اللغتين أعني لغة العرب والعجم والروم والحبشة كالصابون في جميع ~~اللغات. # ولابن الحاجب أشكال في هذا البحث، وهو أن مثل يوسف وجبريل يمنعه النحاة ~~من الصرف للعلمية والعجمة، وهذا تصريح منهم بأن في القرآن ألفاظا غير عربية، ولا ~~يلزمه منع الحرف في غير الجمع وألفي التأنيث لعلة واحدة، ويجاب بما قاله العلامة المحقق ~~الشيخ جلال الدين المحلي - رحمه الله - في شرحه ms035 على جمع الجوامع ني الأصول حيث ~~قال: ولا خلاف في وقوع العلم الأعجم في القرآن كإبراهيم وإسماعيل، ثم قال: ويحتمل ~~ألا يسمى معربا، وهذا هو الحق والصواب؛ لأن العلم ما وضعه واضع اللغة. # قال الزركشي: ليست الأعلام معربة قطعا، وإنما خرجت من محل الخلاف؛ PageV01P041 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0042.png) ~~لوقوعها ني القرآن الجليل، وإجماع النحويين على أن إبراهيم ونحوه ممنوع الصرف ~~للعلمية والعجمة، ولو كان من توافق اللغتين ما نظر إلا إلى الوضع العربي، والقول الفصيح ~~المعتمد الصحيح الذي يقال، ويحسم مادة هذا الإشكال هو أن تعلم أن المراد بالألفاظ ~~الأعجمية المنفى ورودها في القرآن هي أسماء الأجناس؛ لأنها هي التي وضعها واضع لغة ~~العجم، بدليل تمسكهم بالقسطاس والمشكاة لا الأعلام، فإنه لم يضعها واضع العجم بعد ~~وجودهم اسما على الأولاد والبلاد والقبائل، والأعلام لا توصف بحقيقة ولا بحاز، نص ~~عليه الأصوليون كالآمدي وغيره. # وإما وضعها واضع اللغة كما هو مشهود لا مرية فيه، ويؤيد هذا القول ابن ~~الحاجب ني الكافية العجمة، أن تكون علما في العجمية. # قال الشراح: فإن اسم الجنس العجمي كالديباج ونحوه، إذا جعل علما صرف، ~~فظهر أن المانعة هي التي اخترعها العجم أعلاما، والممنوعة هي التي وضعها واضع لغة ~~العجم، والله تعالى أعلم، وكذا يجب التصديق والإيمان بخواص البشر الذين رفع الله تعالى ~~مقامهم، ونوع إكرامهم، وخصهم بشرع، وجعلهم منقسمين فيه إلى قسمين، فمنهم من ~~أمر بإبلاغه وهو الرسول، ومنهم بالعمل به فقط وذا النبي، ويجب علينا أن نصدق بكل ~~منهم على اختلاف أعدادهم. # وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عدد الأنبياء، فقال: (مائة ألف وأربعة وعشرون ~~ألفا)، ونى رواية: «مائتا ألف وأربعة وعشرون ألفا»، لا جرم وجب تصديقهم، ~~والإيمان بهم على الجملة من غير تعرض لعددهم، ويجب علينا أن نصدق بثبوت ما لهم ~~من المعجزات، وهى الأمور الخارقة للعادة، المقرونة بالتحدي، المنزلة من الحق منزلة ~~قوله: «صدق عبدي في كل ما يبلغه عني»(2)، وأن نقر مع ذلك بأن بعثتهم جائزة لا ~~واجبة على الله تعالى، ms036 خلافا لما زعمته المعتزلة القائلون بوجوبها على الله تعالى بناء على ~~أصلهم الفاسد ني القول بوجوب رعاية الصلاح والأصلح على الله تعالى لا مستحيلة ~~خلافا للبراهمة، وما قيل من أن ثبوت البعثة متوقف على علم المبعوث بأن الباعث هو الله ~~تعالى، ولا سبيل إليه، فممنوع إذ قد ينصب الله له دليلا أو يخلق له علما ضروريا، PageV01P042 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0043.png) ~~ويجب في حقهم الصدق والأمانة، وتبليغ كل وحي أمروا بإبلاغه إلى الخلق، ويشترط في ~~حقهم العصمة، وبحانبة كل ذنب من الذنوب صغيرها وكبيرها، عمدها وسهوها كما مال ~~إليه الشيخ أبو إسحاق الإسفرائيني، وأبو الفتح الشهرستاني، والقاضي عياض، ووافقهم ~~العلامة السبكي؛ لكرامتهم على الله تعالى، وارتفاع رتبهم عنده، والأكثر على جواز ~~صدور الصغيرة عنهم سهوا ما لم تكن دالة على الحسنة، كسرقة لقمة، والتطفيف بتمرة، ~~وينتبهون عليها لو صدرت عنهم، وسول صلى الله عليه وسلم، في صلاته حين نسى في الظهر فصلاها ~~حمسا، وسلم في الظهر أو العصر من ركعتين وتكلم، ليس بمشكل ولا بمنكر على ما تقدم ~~من نفي السهو عنه، وعن غيره من الأنبياء عليهم السلام؛ لأن المنع من السهو منع من ~~استدامته لا من ابتدائه؛ وبأن محله في القول مطلقا، وفى الفعل إذا لم يترتب عليه حكم ~~شرعي، فإن ترتب فلا، وقد ترتب على فعله حكم شرعي، وهو لم يبعث إلا لبيان ~~الشرائع. # وأفاد القاضي عياض: أن السهو في حه صلى الله عليه وسلم في الفعل غير مضاد للمعجزة، ولا ~~قادح في التصديق، وشرط النبوة المذكورة، وكونه أكمل أهل زمانه خلقا وعقلا وفطنة، ~~قوي الرأي، سليما من دناعة الأبوين، وفعلهما مالا يباح مما هو قادح في النسب، بريئا ~~من العيوب المنفرة كالبرص، وهو بياض شديد مبقع يظهر في ظاهر البدن حتى يصير كله ~~مبيض اللون، وهو داء رديء بطيء البرء يفوت كمال التمتع، والجنون وهو مرض يزيل ~~الشعور من القلب مع بقاء الحركة والقوة في الأعضاء، والعمى وهو عدم الإبصار عما من ~~شأنه أن يكون بصيرا، والجذام وهو علة يحمر ms037 منه العضو، ثم يسود، ثم يتقطع ويتناثر، ~~وكلها مستحيلة عليهم، وما نقل من عمى شعيب الأليا، فذلك ضعف بصر حصل له من ~~كبر السن، وبياض عيني يعقوب ليس عمى، وإما غشاوة حصلت له بواسطة كثرة البكاء ~~على ولده يوسف عليهم السلام، وكذا يستحيل عليهم كل وصف لا يليق بهم مما يوجب ~~نقصا حخلقيا أو خلقيا، وهم وإن بلغوا أقصى مراتب الكمال، فإنهم أبشار يتأثرون بالمنافع ~~والمضار، فيلحقهم المرض ويصيب أبدانهم الظاهرة دون قلوبهم، فإنها مصونة عن وصول ~~المرض إليها بقلامة ظفر، وكذلك الجوع والنوم إنما يكون في ظواهرهم دون بواطنهم؛ ~~فلذلك تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، وابتلاؤهم بما يجوز عليهم إنما هو لأسرار منها: ~~تعظيم الأجر والتشريع، والتسلي عن الدنيا، والتنبه لخسة قدرها الوضيع، وإما لغير ذلك ~~من الأسرار التي استأثر الله تعالى بعلمها، ولم يطلع عليها إلا من شاء من خواص عباده PageV01P043 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0044.png) ~~وأوليائه، فأيقن ما لهم من الكرامات والمعجزات، واحذر الغلو وهو من المحظورات، ~~واعلم بأن أفضل الأنبياء على الإطلاق نبينا محمدا صلى الله عيه وسلم، اسله إلى الخلق أجمعين، وجعله ~~فاتحا وخاما للنبيين، ونسخ بشريعته سائر الشرائع، وجعله قطبا عليه مدار الكائنات، ~~ولولاه لم يخلق سماء ولا أرض، ولا طول ولا عرض، واختص بالسيادة والكرامة. # وقال: «أنا سيد الناس يوم القيامة عزيز وجيه، لبيب نبيه، أصيل جليل، بهي جميل، ~~اول آخر، باطن ظاهر، عاقب حاشر، حق شهيد، حامد محمود أحمد محمد حميد، طه يس، ~~المزمل المدثر، النبي الرسول، الشافع المشفع، العبد الكريم، الولي النصير، المؤمن ~~الحنيف، البشير المبشر، السراج المنير، المذكر البرهان، المصدق للرسل، والمكتوب ~~في الكتب، القيم الخازن، دعوة إبراهيم، وبشرى عيسى، المتوكل، ليس بصخاب في ~~الأسواق، ولا فظ ولا غليظ، وأعطي المفاتيح»، ومعناه أن الله يفرق بين الحق ~~والباطل، وهو شفيع المذنبين، وقائد العز المحجلين، المصطفى المجتبى، نبي التوبة، ونبي ~~الرحمة المقفى، وله ألف اسم لا يعلمها إلا الله تعالى، كما أن للحق ألف اسم استأثر الله ~~بها، وقد اختصه الله بذلك، وأتاه ما ms038 لم يؤت أحدا من الأنبياء والمرسلين، وأيده ~~بالمعجزات الباهرات، وجعلها بيانآ لصدقه فيما يدعيه عن الله تعالى، وذلك مثابة لحالة ~~شخص قائم بين يدي الملك، مقبلا على قوم يدعي أنه رسول الملك إليهم، فإنه إذا قال ~~للملك الذي هو قام بين يديه، ومتحمل لرسالة: إن كنت صادقا فيما نقلت عنك، فأقم ~~دليلا على صدقي، وخالف عادتك، ولم يكن معتادا للقيام على السرير، فقام على السرير ~~مخالفا لعادته، يحصل للحاضرين علم بأن ما ادعاه هذا الرسول حق وصدق. PageV01P044 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0045.png) # 45 # ومن معجزله صلىل الله عليه وسلم ما حصل جهرا من انشقاق القمر، وتسليم الحجر، وسعي ~~الشجر، وحنين الجذ ع الذي كان يخطب إليه، ثم فارقه حين اختار الخطبة على المنبر عند ~~كثرة الناس والاحتياج إلى العلو على مرتفع؛ ليكون أبلغ في إيصال المواعظ إلى أسماعهم، ~~وإفهامهم لطائف كلماته الفصيحة، فعند ذلك حن الجذع، ومن مناقبه نبع الماء جهرا من ~~بين أصابعه والناس يشهدون ذلك، وأكد ذلك شربهم منه وأبلهم، وذلك بأثر بخة بخها ~~في بئر نزحت بالحديبية، وكان ماؤها قليلا، وكان القوم الذين شربوا من ذلك الماء ألفا ~~وأربعمائة، ولقد أخبرته الشاة المسمومة بأنها مسمومة، وصح أنهم كانوا يسمعون تسبيح ~~الطعام وهو يؤكل إلى غير ذلك، وهي إما حسية أو عقلية، وأكثر معجزات أنبياء بني ~~إسرائيل إما كانت حسية؛ لفرط بلادتهم، وبعد أذهانهم، وقصور أفهامهم، وقلة بصيرتهم، ~~وهذه الأمة إما أكثر المعجزات التي خص الله تعالى بها نبيهم، وجعلها أمارة على صدقه ~~عقلية؛ وذلك لفرط ذكائهم، وجودة أفهامهم، وسرعة انتقالها ني إدراك المطلوبات ~~المعنوية، وتحصيلها لذلك في أقصر مدة، وأنذر زمن؛ ولبقاء هذه الشريعة المطهرة ~~مشرفة على تواتر الأزمان وتواليها إلى يوم القيامة ، جعلت المعجزات عقلية ليطلع عليها ~~ذوي البصائر. # وفى البخاري: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان ~~الذي أوتيته وحيا أوحاه الله تعالى إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا. # ومعنى هذا الحديث أن كل معجزة ماضية كانت حسية تشاهد بالأبصار كناقة ~~صالح، ms039 وعصى موسى، والقرآن معجزة عقلية مدركة بالبصيرة، فالتابعون لهذا البي صلى الله ليه وسلم. ~~أكثر من التابعين لغيره من الأنبياء؛ لأن من شهد المعجزة بعين رأسه فيما مضى من ~~الأزمنة، مضى وانقرض وانقرضت مشاهدته بانقضائه، والذي يشاهد بعين البصيرة باق ما ~~شاهده يشاهده من جاء بعده [مستمرا يقينا] أبدا لا ينفك، ولا يختلف إلى قيام الساعة، ~~فاختص عليه الصلاة والسلام بأعظم معجزة باقية إلى يوم الدين، وهي النظم المعجز الذي ~~أعنى كل بليغ بجزالته وغرابة أسلوبه، وبلاغته وانتهائه في الفصاحة إلى الطرف الأقصى، ~~فإنه لا أفصح ولا أوضح، ولا أكمل ولا أبذل، ولا أنسب ولا أعذب من ألفاظه، ولا ~~أسد ولا أشد تلاؤما وتشاكلا من لفظه، وأما معانيه، فكل ذي لب يشهد لها بالتقدم في PageV01P045 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0046.png) ~~46 ~~أبواب البلاغة، والترقي إلى أعلى درجات الإتقان والبيان الواضح، هذا وإعجاز القرآن قد ~~يتعلق بفصاحته وبلاغته أو بمعناه، والإعجاز المتعلق بفصاحته وبلاغته لا يتعلق بعنصره ~~الذي هو اللفظ والمعنى؛ لأن ألفاظه غير ألفاظ العرب، وقد يوجد كثر من معانيه ني ~~الكتب المتقدمة، قال تعالى: (وإنه لفي زبر الأولين) أي : أن معناه ني ~~الكتب المتقدمة، وما فيه من المعارف وبيان الأحوال الغيبية السابقة واللاحقة، فإعجازه ~~ليس براجع إلى القرآن من حيث هو قرآن، بل لكون حصوله لم يسبق بتعليم ولا تعلم، ~~فالإعجاز حاصل بالمنظم المخصوص الذي هو صورة القرآن، لا باللفظ والمعنى اللذان ~~هما عنصره، ولا شك أن باختلاف الصور يختلف حكم الشيء واسمه لا بعنصره كالخاتم ~~والقرط والسوار، فإن باختلاف أشكالها اختلفت أسماؤها لا بمجرد عنصرها الذي هو ~~الذهب والفضة والحديد، فإن الخاتم المتخذ من الذهب ومن الفضة ومن الحديد يسمى ~~خاتما، وإن كان العنصر مختلفا، وإن اتخذ الآن من ذهب اختلفت أشكالها واختلفت ~~أساؤها، وان كان العنصر واحدا. # قال السكاكي ني «المفتاح»: اعلم أن إعجاز القرآن يدرك ولا يمكن وصفه، ~~كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة، وكما يدرك طيب النغم العارض ~~لهذا الصوت، ولا يمكن تحصيله لغير ذي الفطرة السليمة ms040 إلا بإتقان علم المعاني والبيان، ~~والتمرين فيهما، انتهى. # وقيل: إعجازه هو بما فيه من الإيجاز والبلاغة. # وقيل: البيان والفصاحة. # وقيل: هو الوصف والنظم. # وقيل: هو كونه خارجا عن جنس كلام العرب من النظم والنثر والخطب والشعر، ~~مع كون الحروف التي ني كلامه هي الحروف التي فيه. # وقيل: كون قارئه لا يكل ساعه ولا يمل، وإن تكررت عليه تلاوته. # وقيل: الإعجاز لما فيه من الأخبار الماضية. # وقيل: هو ما فيه من أمور الغيب، والحكم على كثير من الشؤون والأحوال بالقطع. # وقيل: هو مشتملأ على علوم يشق حصرها. # وقيل: الإعجاز لما يظهر من صنيعه ني القلوب، وتأثيره ني النفوس، ولما يخلص إلى ~~القلب من ساعه من الروع والمهابة والإشفاق، مع ما يدرك فيه من الحلاوة والطلاوة PageV01P046 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0047.png) ~~ونحوهما ما لا يكون في غيره، والأقوال في ذلك بل وني أنواع علومه كثيرة، وقد أفردت ~~بالتصنيف، لكن من عرف أجناس الكلام المختلفة، وأن مراتبها في مقام البيان متفاوتة، ~~وأن منها البليغ الرزين الجزل، ومنها الفصيح القريب السهل، ومنها الجائز الطلق المرسل، ~~عرف ما في ذلك من اللطائف والأسرار، وجمع إلى ذلك معرفة مراتب الكلام باعتبار ضم ~~الحروف المبسوطة، ثم تأليف الكلمات، ثم نظمها، ثم معرفة أواخرها، وإتقان أسجاعها، ~~ثم أدرك الأوزان، وعرف ما يتعلق بذلك من التناسق والتناسب ونحوهما، أدرك بذلك ~~حظا وافرا من معرفة معاني أساليب تراكيب كلام الله العزيز، واطلع على إعجازه، وعلى ~~غير ذلك مما لا يضبط جدواه، ولا تحصى غايته ومنتهاه، وليست هذه الرسالة محلا ~~للإطناب، وبالله الهداية إلى الرشاد والصواب. # برق لامع [وقول جامع]: # وكما يجب الإيمان بالله وبما له من صفات، وبالأنبياء والرسل وما لهم من ~~المعجزات، يجب الإيمان بالقدر خيره وشره، ونفعه وضره، وحلوه ومره، والله سبحانه ~~وتعالى خالق لجميع أفعال العباد، وإن غيره ليس له قدرة على إيجاد شيء ولا إحدائه ولا ~~اختراعه، فالأحبال والأعمال والأحوال والأعمار والأكدار والمنافع والمضار، وسائر ~~الأخلاق والأرزاق والحركات والسكنات، وسائر الكائنات قدرها بحكمته، ودبرها ~~بمشيئته، وأظهرها بقدرته، واليه مصيرها، ms041 وبيده تدبيرها، لا يسأل عما يفعل فيما أظهره ~~من حكمه، وأخفاه من حكمته، ومع ذلك فإنما المتعين نفي الشر ونحوه من الأحوال ~~[الردية] عنه سبحانه أدبا، وإن كان خالقا له، والمختار أن الرضا والمحبة غير الإرادة ~~والمشيئة، فالخير بتقديره ورضاه، الشر بتقديره لا برضاه. # قا صلى اللهله عليه وسلمي محكم كتابه العزيز: (ولا يرضى لعباده الكفر) ، وهذا هو ~~مذهب أهل الحق خلافا للمعتزلة، فإنهم أنكروا إرادة الله تعالى للقبائح ونحوها، قائلين بأنه ~~تعالى أراد من الكافر الإيمان، ومن الفاسق الطاعة، زعما منهم أن إرادة القبيح كخلقه ~~وإيجاده قبيحة، ونحن معاشر أهل السنة نقول بأن الكسب والاتصاف بالقبيح والنقصان ~~قبيح لا الأقدار على ذلك، وما يحصل من الأرزاق، فهي منه سبحانه وتعالى إذ لا رازق ~~غيره، وفرقة المعتزلة قالت: من حصل له الرزق بكد وتعب، فهو الذي يرزق نفسه، ومن ~~لا فالله هو الرازق له. # ومعتقدنا أن كل ما ينتفع به في التغذي إنما هو رزق الله المقسوم لذلك المنتفع؛ PageV01P047 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0048.png) ~~48 ~~لأن العبد دائما يأكل رزقه وإن كان حراما، وخالفت المعتزلة في ذلك، قائلين بأنه لا ~~يكون إلا حلالا؛ لاستناده إلى الله تعالى في الجملة، وذلك لا يصح أن يكون حراما يترتب ~~عليه العقاب، وأقبح أهل السنة بأن لا قبيح بالنسبة إلى الله تعالى إذ له فعل ما شاء، ~~وعقابهم على تناول ما حرم عليهم للعصيان؛ لسوء مباشرتهم الأسباب، ومما يحتج به ني ~~الرد على المعتزلة فيما ذكروه: أن المتغذي لما يكون حراما فقط طول عمره ليس ~~بمرزوق، وذلك مخالف لما ني قوله تعالى: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) ~~[هود:6] ، والحق تعالى لا يترك ما أخبرنا به، إذ قوله صدق، ووعده حق، وهو لا يخلف ~~الميعاد، ويجب علينا أن نؤمن بأنه خلق الاهتداء بيده تعالى، وخلق الضلالة. # وقالت المعتزلة: بأن العبد خالق لأفعال نفسه، وأنه يهدي نفسه إن شاء، ويضلها ~~إن أراد، فمن أراد الله به اللطف، خلق له قدرة على امتثال أمره، فصار مطيعا، ms042 ومن يرد ~~فتنته خلق فيه قدرة على المعصية والمخالفة، وختم على قلبه بطابع الشقاء، وسره بأكنة ~~الضلالة، ومنعه من إدراك الكمال لما يجعله عليه من أقفال الإشقاء والإبعاد، وإن ماهيات ~~أي: حقائق الممكنات بحعولة مطلقا ني الأصح، وكذا يجب علينا أن نصدق تصديقا ~~جازما بكل ما جاء عن الله تعالى من الأمور الغيبية ، ونطق به الرسل عليهم الصلاة PageV01P048 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0049.png) # 40 ~~والسلام من موت، وحقيقة انقطاع تعلق الروح بالجسد، بقاؤها في عالم آخر معذبة أو ~~منعمة، ومع الإيمان بذلك يندب لنا ندبا أن نكثر من ذكره، وان نستعد له بالتوبة من ~~الذنوب حتما خشية وروده بغتة، وأن نخرج من المظالم سواء تعلقت بالأعراض، أو ~~بالذوات، أو بالأموال، وأن نتشوق إلى لقاء الله تعالى غير معترضين عليه، مقرين بأن ما ~~قدره وشاءه ودبره ورضي به هو الأكمل لنا، زاهدين ني الدنيا، راغبين في الآخرة، ~~معترفين بنقصاننا، مستغفرين من سيئاتنا، وذميم أخلاقنا، ملازمين تلاوة القرآن، والتفكه ~~بفواكه ذكر الله تعالى، فعسى أن ننال حسن الخاتمة التي هي مطلب أكابرينا الآخرة، ~~ولطال ما أسهروا مقلهم ليلا، وأظمأوا بطونهم؛ خوفا من السلب وسوء الخاتمة. # وقيل: منهم من سبقت له الحسنى، ومنهم من حقت عليه كلمة العذاب، نعوذ بالله ~~من ذلك، وكذا يجب علينا أن نؤمن بنعيم القبر وعذابه، إذ كل منها من نطق به الكتاب ~~العزيز، وجاءت السنة الصحيحة الصريحة بإثباته، ولم يرتب فيه إلا من ضل عن الملة ~~الحنيفية، والشريعة المحمدية كبعض الروافض والمعتزلة فتجهم الله تعالى، قائلين بأن الميت ~~جماد، وتعذيبه محال إذ لا إدراك له. # والجواب: بأن قدرة الله تعالى محققة لما سبقت به الأقضية الربانية نافذة في كل ~~شيء لا يتوقف عليها شىء، فإذا أراد أن يذيق أحدا نعيما أو عذابا أليما، جعل ني كل ~~الأجزاء أو بعضها نوعا من الحياة على قدر يصل به ما كتب لذلك العبد من النعيم ~~والعذاب إلى بحموع الروح والجسد، كان الجسد مقبورا أو مطروحا، بحتمعا أو متفرقا في ~~بطون الحيات أو حواصل الطيور، ms043 حيث كان وأين حل ولو جزء من أجزائه، فلا بد من ~~اتصال القدر المكتوب من المرغوب أو المرهوب إلى ذلك العبد المقتضي له أو عليه بما ~~سبقت به المقادير منها في شيء، ليس بغريب ولا عجيب بالنسبة إلى القدرة الإلهية، ~~ولربما اشترك رجلان مثلا في حالة النوم، واختص أحدهما بمعانقة الجواري والأبكار، ~~وتنزه على شواطئ جداول الأنهار، ويسرح ني رياض، ويقتطف منها الثمار، واختص ~~الآخر برؤية القبور والأنكال والسياط والعصى، وإدراك أنواع مهولة من حيات وعقارب، ~~وأشكال مختلفة، ورأى من يضربه ويهينه ويهدده بأنواع مما يكون به الخزي والنكال، ~~ويجد أثر ذلك من الألم في نفسه ونحو ذلك، فإذا فهم هذا المثال قوي اليقين، وثبت ~~الاعتقاد في أن الفعل أوالترك مما خفي عنا، أو ظهر لنا مما ألفناه، أو لم نألفه نفوض أمر ~~ذلك كله إلى الله عز وجل، الذي يرى هذين النائمين ما ذكر في المثل، هو قادر على أن يفعل PageV01P049 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0050.png) ~~بالمقبور المتحقق للثبور ما شاء من العقوبة وغيرها، وأن يذيق المقبور من الثواب ~~والأجور والفرح والعطاء والغبطة والسرور، ما سبق في علمه أن يكون مختصا به، وإن لم ~~يجد أثر ذلك، ولم تدركه مقلنا، وحجبت عن الاطلاع عليه، وأقرب من المثل المذكور ~~رجل خصه الله بالسلامة في بدنه، وآخر عليل، فالعليل يجد ما هو معهود من القلق ~~ونحوه، والصحيح لا يجد شيئا من ذلك، وإن اجتمعا في فراش واحد، فلم يبق إلا بحرد ~~نفوذ القدرة والمشيئة، هذا وعذاب القبر إما هو جملة الروح والجسد، وكذا النعيم إنا ~~يحصل الاشتراك فيه للروح والجسد. # واعلم أن الروح لطيفة مودعة ني هذا الهيكل الكثيف، جارية فيه جريان الماء ني ~~العود الأخضر. # وقيل: هي عرض، وهي الحياة التي صار البدن بوجودها حيا. # وقيل: ليست بجسم ولا عرض، بل هي جوهر قائم بنفسه غير متحيز مدبر البدن ~~تحرك له غير داخل فيه ولا خارج عنه، واختار قوم الإمساك عنها تأسيا به عليه الصلاة ~~والسلام، والجسد ما تلف من جوهرين فصاعدا، وقد ms044 سبق بيان الفرق بين الحقائق ~~المعنوية، وذكرنا ما يناسب ذلك مفصلا ولله الحمد والمنة، وأن الملكين الموكلين ~~بمحاسبة العبد في قبره المسمى أحدهما بمنكر، والآخر بنكير حق وصدق، وجاء وصفهما ~~بأنهما أسودان أزرقان، كلامهما كالرعد، بصرهما كالبرق، وشعورهما كأجام القصب، ~~وأنيابهما كالصياصي، وهي الحصون ني شكل عظيم لا يحيط بعلمه إلا الله سبحانه، مع ~~كل واحد منهما مطراق لو اجتمع الثقلان لما أفلاه، لو ضرب جبلا لصار ترابا، فإذا نزلا ~~به ردت الروح إليه، أي: إلى الميت، فسمع كلامهما، ويرد جوابهما ويكون حال العبد ~~كحاله وقت الغرغرة، فيقعدانه وينتهرانه، فمن كان سعيدا صار منكر مبشرا له، وصار ~~نكير بشيرا له، ومن كان شقيا يقال للأرض التيمي عليه فتلتئم عليه، فتختلف أضلاعه، ~~ولا يزال كذلك حتى يبعثه الله تعالى من مضجعه ذلك. # والأحاديث المشتملة على بيان الكيفية الحاصلة ني القبر، والأخبار والقصص ~~كثيرة، ولسنا بصدد إيرادها. واعلم أن الله تعالى يمد هذين الملكين بقوة وإدراك لا يطلع ~~عليها، ولا يعلم كنهها إلا هو سبحانه وتعالى، بحيث لا يفوتهما سؤال أحد، ولا يختلط ~~سؤال أحد منهم، وإن تباعدت الجهات، واختلفت المسافات، كما أمد سبحانه وتعالى ~~عزرائيل الحخلا بقوة يقبض ها أرواح جميع العباد، ويحتمل أن يكون الله تعالى قد جعل لهم PageV01P050 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0051.png) # 51 ~~أعوانا، كما جعل لملك الموت، فيوجهان إلى من شاء الله تعالى بعض أعوانهم مزدوجين، ~~بحيث أنه يدخل على كل ميت منهم ملكان، يسمى أحدهما منكر، والآخر بنكير، ~~ويحتمل غير ذلك، وقدرته سبحانه غير محصورة، وكذا إرادته جلت عظمته، والسؤال ~~الحاصل من الملكين واحد لا يتكرر، ويعافى منه الشهداء ببارقة السيوف ظاهرا، ومن قيل ~~ببوارق سيوف مشاهدة الجمال والحسن المطلق، فهو أحرى بهذا المقام فيما نراه، وكذا ~~المرابط في ثغر من ثغور المسلمين بنية الحراسة، مخلصا عمله له تعالى، ومن رابط ثغر ~~وجوده فحفظه من الشيطان وأعوانه بنية دفع الوساوس عن قلبه، ومنع الأعداء من ~~التصرف في المملكة المعنوية المخزونة، فهو أولى بهذا المقام فيما ظهر لنا، وكذلك الوفاة ms045 ~~ليلة الجمعة أو يومها، أو صادف موته انقضاء رمضان وعرفة ونحوهما، ومن طلعت ~~النجوم السعدية، وأشرفت له أوقات الصفا، وظهرت له يوم المزيد لطائف معاني التوحيد، ~~فانجذبت روحه إلى العالم الأعلى، ثم مات على تلك الحالة، فهو أولى بذلك من غيره، ~~لاسيما إذا أدرك ليلة عيد عوده إلى معالم شهوده، وقد تمم العبادات، وأتى بما خوطب به ~~من وظائف القربان، أو قصد حضرة الجمع مفارقا لآثار الأغيار، وتاركا معالم الشهوات، ~~ومنازل الأكدار على جواد همته، متزودا زاد الصدق، مرافقا لإخوان العشق، حاملا للعدد ~~الذكرية، مغرسا بجنة التقوى حتى وصل إلى عرفان معلم العرفان، وانبسط بما اغتبط به ~~من معالم الكشف والعيان، وقرب نفسه ونجزها بسكاكين المجاهدة حتى أوصلها إلى ~~حظائر القدس، ومعالم الأنس بعد أن طاف بلعبة الجمال، وشرب من زلال معتقة الأفكار ~~ما زمزم به في معالم الإظهار، ثم سعى بين صفاء الصفا، ومروة الاقتدار بأولي المروة، ~~والفتوة من أهل الجود والوفا، ثم كان وقد صلى في المقصد باليمين، وصلى خلف المقام، ~~مفارقا للحال في ربى التمكين، ورمي جمرة الجفا، والصدود، وتعلق بالحجب، وفارق ~~الأصحاب والأحباب ملتزما في ملتزم الإرادة نفى جميع القيود، ثم مات على ذلك، فلا ~~شك في فوزه بالأمان من كل بلاء وكرب وفتنة، وسيأتيك إن شاء الله تعالى أشائر في هذه ~~المادة تبهر بجود الله العقول، ولا يقوى على سلوك مفاوزها ومفاهيمها فحول أرباب ~~المنقول، وربك الفتاح العليم، ويجب الإيمان بما بين يدي الساعة، مما أخبر المصطفى ~~لله عله وبلم جوده من الفتن، كخروج الدجال، وفتنته فتنة عظيمة ؛ ولعظمها استعاذ البي صلى الله ليه وسلم. ~~منها، وأمر بالاستعاذة منها، وقال فيه: (ما من نبي إلا وأنذر قومه منه إنذار نوح التليلا ~~قومه به، وله صفات وأحوال منها أنه أعور العين اليمنى، وأن عنبة عينه طافية، PageV01P051 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0052.png) ~~مكتوب بين عينيه ك اف ر، يقرا ذلك كل أحد موفق، وإن لم يكن قاريا، معه واديان ~~أحدهما جنة، والآخر نار، ناره جنة، وجنته نار، وهو قصير أفحج ms046 جعد، يبرئ الأكمه ~~والأبرص، ويحيي الموتى، ويقول للناس: أنا ربكم لا يدخل مكة ولا المدينة لحراسة ~~الملائكة لهما، وجلوسهم على أنقابهما، يأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، وتعظم ~~الفتنة بانقياد ذرات الوجود له، وباخراج الأرض كنوزها، وما فيها من النباتات ~~والدفائن ونحو ذلك). # وقد قيل: أنه ابن صياد، وفيه خلاف بين جهابذة النقلة من الحفاظ النقاد، ومدة ~~مكثه في الأرض أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كبقية ~~الأيام المعتادة. # ومن المنجيات من هول فتنته: قراءة فواتح سورة الكهف، وسيحاجه رجل من ~~صادقي هذه الأمة، فيتوجه إليه بأنواع العذاب، فلا يزداد إلا نعمة، ولذاذة بفيضان ما ~~يمده الله تعالى على يد هذا الصادق من الرحمة، ويقبل الروح عيسى بن مريم اله عي له ~~وحواريه يومئذ أصحاب الكهف والرقيم، وسيحجون معه فإنهم لم يحجوا ولم يموتوا، ثم ~~يقرر عيسى الللا أمور الشريعة، ويجدد لهذه الأمة أمر دينها، ويصلى مع هذه الأمة، ~~ويكون إمامهم منهم تكرمة لهم، ويصفو حال الناس فلا يموت أحدا بمرض أربعين سنة، ~~ويقول الرجل لغنمه ولدوابه: اذهبوا فارعوا، وتمر الماشية بين الزرعين من غير أن تؤذيه، ~~ويرتفع ني زمنه أذى المؤذيات من الحشرات والأفاعي والسباع، ويبذر الزارع مدا من ~~القمح فيجيء منه سبعمائة مد من غير حرث، ويتزوج ويولد له ويمكث في الأرض خمسة ~~وأربعين سنة، ويدفن ني روضة المصطفيالله ع # وأخرج القرطبي عن أبي حفص البالسي، عنه صلى الله عليه وسلم في آخره: «ويدفن معي في ~~قبري، فأقوم أنا وعيسى من قبر واحد بين أبي بكر وعمر»(2). # ومما جاء صحيحا : «أن عيس يلا ال يلي يجتمع مع المهدي، وأن المهدي يساعده ~~على قتل الدجال بياب لد بارض فلسطين، وانه يصلي إماما بعيسى اللة، وهمن معه من PageV01P052 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0053.png) ~~هذه الأمة). # وقد ذكر القرطبي عن أبي داود عن أبي سعيد الخدري، أن النبي صلى الله ليه وسلم ال: (يكون ~~في أمتي المهدي إن قصر فسبع، وإلا فتسع فتنعم فيه أمتي نعمة لم يسمعوا بمثلها قط، ~~تؤتي ms047 أكلها، ولا تترك منه شيئا، والمال يزمئذ كدوس، يقوم الرجل فيقول: يا مهدي ~~اعطني، فيقول: خذم(). # وقد ذكر المصطفي صلى الله عليه وسلم من وصفه: «أنه أجلى الجهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض ~~بسطا وعدلا ، كما ملئت جورا وظلما. # وذكر المصطفي صلى الله عليه وسلم في حديث رواه عنه عبد الله قال: «لز لم يبق من الدنيا إلا ~~يوم واحد لطول الله تعالى ذلك اليوم، حتى يبعث الله فيه رجلا من أهل بيتي. # أو قال: «من أمتي يواطىء اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، وخروجه يكون من ~~المغرب الأقصى، يمشي النصر بين يديه أربيعن ميلا، راياته بيض صفر، فيها رقوم اسم ~~الله الأعظم، مكتوب: فلا تهزم له راية». # وقيام هذه الرايات وانبعاثها من ساحل البحر بموضع يقال له «مامين» من جبل ~~المغرب فيعقد هذه الرايات مع قوم، فيأخذ الله لهم ميثاق النصر والظفر، ( أولئك حزب ~~الله ألا إن حزآب الله هم المفلحون) لحادلة :22، ويأتيه الناس من كل مكان، ~~فيبايعونه بمكة وهو بين الركن والمقام، ويكون من أولاد فاطمة - رضي الله عنها - فلذا ~~يقال له: الفاطمى القائم في آخر الزمان، وهو أول أشراط الساعة التي قضى بها، وأخبر ~~رسوله صلى الله عليه وسلم وقوعها، وخبره صدق وجود يأجوج ومأجوج. # ويقال: أنهم تسعة أعشار بني آدم، وأصلهما من أجيج النار، وهو ضوؤها وشررها ~~شبهوا به؛ لكثرتهم وشدتهم، وهم من أولاد يافث بن نوح التلخلا والترك منهم. PageV01P053 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0054.png) # قيل: إن طائفة منهم خرجت تغير، فضرب ذو القرنين السد، فبقوا خارجه فسموا ~~الترك؛ لأنهم تركوا خارجين. # وني «التواريخ»: أن أولاد نوح ال ثلاثة: سام وحام ويافث، فأبو العرب ~~والعجم والروم سام، وأبو الحبشة والزنج والنوبة حام، وأبو الترك والخزر والصقالبة ~~ويأجوج ومأجوج يافث. # وقيل: يأجوج أمة ومأجوج أمة، كل أمة أربعة آلاف أمة، لا يموت منهم رجلا إلا ~~وينظر ألف ذكر من صلبه، وقد حملوا السلاح، وهم ثلاثة أصناف منهم مثل الأرز، وهو ~~شجر معروف ني الشام، طوله مائة وعشرون ذراعا، وهؤلاء لا يقوى ms048 لهم جبل ولا ~~حديد، ومنهم من طوله وعرضه سواء، ومنهم من يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا ~~يمرون بفيل ولا شيء من أنواع الوحوش إلا أكلوه، ومن مات منهم أكلوه، أولهم بالشام، ~~وآخرهم بخراسان، يشربون أنهار المشرق، وبحيرة طبرية. # ويقال: أن منهم من مفرط ني الطول، ومنهم من طوله شبر واحد، وأصل خلقهم ~~كما ني تفسير الخازم عن علي : «أن آدم التليا احتلم ذات يوم، فامتزجت نطفته ~~بالتراب، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج» # فلهم اتصال بنا من جهة الأب لا من جهة الأم، ولما أن ملك ذو القرنين البلاد، ~~واطلع على ما هم عليه من الفساد، وذلك أنهم كانوا يخرجون أيام الربيع إلى أرضهم، ~~فأدركوا منهم أذى كثيرا؛ لأنهم اعتادوا بألا يمرون على شيء أخضر إلا أكلوه، ولا يابس ~~إلا حملوه، وأدخلوه أرضهم. # وقيل: فسادهم أنهم كانوا يأكلون الناس، وقيل: أن فسادهم المذكور ني سورة ~~الكهف معناه: أنهم سيفسدون عند خروجهم من السد الذي جعله ذو القرنين، وبهذا ~~السد الذي انتخذه ذو القرنين من قطع الحديد، وأفرغ عليه النحاس المذاب عرض خمسون ~~واد، وارتفاعه مائة ذراع، وطوله فراسخ. # وعه صلى الله عليه وسلم ن قال: «فتح من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وعقد بيده ~~تسعين»2). PageV01P054 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0055.png) # ومعنى ذلك أنه جعل رأس إصبعه السبابة في وسط الإبهام من باطنها شبه الحلقة، ~~لكن لا يتبين لهما إلا خلل يسير، وهذه الهيئة تسمى عند الحساب بما ذكر في الحديث: ~~((ولا يزالون يحفرون هذا السد في كل يوم، حتى إذا كادوا يخرقونه، قيل لهم: ارجعوا ~~فإنكم غدا تخرقونه، فيرجعون فيعيده الله تعالى أشد مما كان، حتى إذا بلغ مدتهم وأراد الله ~~تعالى ابتلاء عباده بهم، يقول لهم الموكل عليهم: ارجعوا فستخرقونه غدا إن شاء الله ~~تعالى، فإذا استثنى عادوا فوجدوه كما تركوه، فيخرقونه ويخرجون على الناس يستقون ~~الماء، ويتحصن الناس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فتعود السهام مخضبة ~~بالدماء، فيقولون قهرنا من في الأرض، وعلونا من في السماء قسوة وغلوا، ms049 أي: غلظة ~~وفضاضة وتكبرا، فيبعث الله تعالى عليهم نغفا في أعناقهم، والنغف دود يكون ني أنوف ~~الإبل والغنم، فيصبح المسلمون لا يسمعون لهم حسا، وينزل إليهم رجل قد وطن نفسه ~~على أن يقتلوه لينظر خبرهم فيجدهم موتى، فينادي ألا أبشروا فقد هلك عدوكم، فتجره ~~الناس ويخلون سبل مواشيهم، فما يكون لهم رعي إلا لحومهم، فتشكر الدواب عليها ~~كأحسن ما شكرت من نبات أصابته قط، ومعنى شكر الدواب: زيادة لحومها سمنا وامتلاء ~~ضروعها لبنا، ويحج المسلمون البيت، ويعتمرون بعد ذلك # ولا يدخل يأجوج ومأجوج حرم مكة ولا المدينة ولا بيت المقدس، كذا صح من ~~طرق معتمدة، فاعرفه موفةا. # ومما كتب الله ظهوره من أشراط الساعة، وأخبرنا نيبا صلى الله عليه وسلم وقوعه، وخبره صدق ~~لا مرية فيه، منها: دابة الأرض، وهي دابة رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها ~~أذن فيل، وقرنها قرن إبل، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هرة، ~~وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين اثنى عشر ذراعا. # ويقال: أن وجهها وجه رجل، وسائر خلقها كخلقة الطير. # وعن عليصلى الله عله : «ليست بدابة لها ذنب، ولكن لها لحية». # ويقال: بأن رأسها يمس السحاب، ورجلاها ني الأرض يكون لها ثلاث خرجات ~~من الدهر، فتخرج خروجا بأقصى اليمين، ثم يفشو ذكرها بالبادية، ولا يدخل ذكرها PageV01P055 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0056.png) ~~مكة، ثم تخرج قريبا من مكة، ثم بين الناس في المسجد الحرام، وإذا بها قد خرجت ما بين ~~الركن الأسود إلى باب بني مخزوم عن يمين الخارج في وسط من ذلك، فيرفض الناس ~~عنها، ويثبت لها عصابة يتحققون بأنهم لا يعجزون الله هربا، فتمر بهم تنفض التراب عن ~~رأسها فتخلى عن وجه هرم حتى تدعها كالكواكب الدرية، ثم تذهب سائحة في الأرض ~~لا يدكها طالب، ولا يعجزها هارب، ومعها خاتم سليمان وعصا موسى -عليهما ~~السلام - وأنها لتأتي الرجل فيقوم ويعوذ منها، فتأتيه من خلفه وتقول: يا فلان الآن ~~تصلي، فيقبل عليها بوجهه فتشتمه ني وجه، ويتحاور الناس في ديارهم، ms050 ويصطحبون ني ~~أسفارهم، ويشتركون ني الأموال، يعرف الكافر من المؤمن، فيقال للمؤمن: يا مؤمن، ~~ويقال للكافر: يا كافر، ويقال: بأنها تخرج من الصفا، وعيسى بن مريم التلتيلا يطوف ~~بالبيت، وتضطرب الأرض لخروجها، فأول ما يبدأ منها رأسها ملمعة ذات برق وريش، ~~تسمي الناس مؤمنا وكافرا، أما المؤمن فتترك وجهه كأنه كوكب دري، يضيء ويجلو ني ~~الأبصار سنا إشراق وجهه، وتكتب بين عينيه مؤمن، وأما الكافر فتكتب بين عينيه نقطة ~~سوداء، وتكتب بين عينيه كافر. # ويقال: بأنها تخرج ني شعب جياد، فإذا خرجت تكلمت بكلام عربي فصيح، قيل: ~~تقوله هذا مؤمن وهذا كافر. # وقيل: تقول قوله تعالى: (أن الناس كانوا باياتنا لا يوقنون) ل2]، ~~ويقال: أن هذه الدابة هي الجساسة، وقيل هي ناقة صالح اللكلا، وقيل هي فصيل ناقة ~~صالح. # ومن أشرط الساعة التي أخبر الله تعالى بها، ونطق نبيه عليه الصلاة والسلام ~~بصدورها: طلوع الشمس من مغربها، وغلق باب التوبة وهو باب عظيم مفتوح مسيرة ~~سبعين سنة لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها، وذلك حين يذهب المعروف، فلا يأمر ~~به أحد، ويفشو المنكر فلا ينهى عنه، وتكثر المعاصى والمخالفات في الأرض، فتحبس ~~الشمس مقدار ليلة تحت العرش كلما استأذنت ربها من أين تطلع، فلا يأتيها جواب حتى ~~يحبسها مقدار ثلاث ليال للشمس وليلتين للقمر، فلا يعرف طول تلك الليلة إلا ~~المتهجدون ني الأرض وهم يومئذ عصابة قليلة ني كل بلدة من بلاد المسلمين، فإذا تم لها ~~مقدار ثلاث ليال أرسل الله تعالى إليهما جبريل اله ، فيقول: أن الرب سبحانه يأمر لما ~~أن ترجعا إلى مغاربكما فتطلعان منه، وأنه لا ضوء لكما عندنا ولا نور، فيطلعان من PageV01P056 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0057.png) ~~مغاربهما أسودين لا ضوء للشمس ولا نور للقمر مثلهما ني كسوفهما قبل ذلك، فذلك ~~قوله تعالى: (وجمع الشمس والقمرك [لقيامة:، فيرتفعان كذلك مثل البعيرين ~~والفرسين، فإذا ما بلغا سترة في مغاربهما في السماء، جاءها جبريل فأخذ بقرونهما وردهما ~~إلى المغرب، فلا يغربهما ولكن يغربهما من باب التوبة، ثم يرد المصراعين، ثم ms051 يلتئم ما ~~بينهما، فيصير كأنه لم يكن بينهما صدع، فإذا انغلق باب التوبة لم تقبل التوبة بعد ذلك ~~من تائب، ثم إن الشمس والقمر يكسيان بعد ذلك الضوء والنور، ثم يطلعان على الناس، ~~ثم يغربان. # وفي الحديث: ((يبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها، عشرين ومائة ~~سنة»(1). # ومن أشرط الساعة: زلزلة الأرض، والمراد بزلزلتها: اضطرابها الحاصل لها عند ~~النفخة الأولى كما سبق القدر بوقوع ذلك، أو ذلك اضطراب شديد يحصل لها عند ~~النفخة الثانية، والفائدة في زلزلتها ثلاثة أشياء أحدها: كسر ما عليها، ثانيها: إخراج ما ~~فيها من الأموات والدفائن والكنوز، ثالثها: جمع الأعضاء المتفرقة والشعور، وتقع الزلزلة ~~للأرض مرتين: مرة في الدنيا، والثانية في الآخرة، وفائدة زلزلة الدنيا: بعث النفس عن ~~التفكر والاعتبار، وتذكر زلزلة القيامة العظيمة، وكيف لا تكون عظيمة وقد وصفها الله ~~تعالى ني كتابه بقوله: (إن زلزلة الساعة شيء عظيم) ؛ فلذا لا يقدر أحد أن ~~يصف ما اشتملت عليه من الأهوال والشدائد، والأوجال والكروب والتوائب، وما يحدث ~~بعدها من اختلاف المصائب المقتضية لذهول كل مرضعة عما أرضعت؛ لما يحصل من ~~الدهشة المفضية إلى تبدد العقول، وطيران الألباب بحيث يزول التمييز [بالتزلزل] (إذا ~~زلزلت الأرض زلزالها * وأحرجت الأرض أثقالها) ،2 من الدفائن، وقيل: ~~من الموتى، وذلك أن الله سبحانه وتعالى إذا أراد تتميم خراب هذا العالم يرسل دخائا يملا ~~ما بين السماء والأرض، وذلك بعد الدابة وبعد خراب الكعبة المشرفة، ونقص الحبشة ~~لحجارتها حجرا حجرا، وبعد ارتفاع القرآن من صدور الناس ومن المصاحف، جاء هذا ~~الدخان فأصاب المؤمن والكافر والفاجر، فأما المؤمن فيصيبه مثل الزكام، وأما الكافر PageV01P057 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0058.png) ~~58 ~~والفاجر فيدخل في أنوفهم فيتعب مسامعهم، ويضيق أنفاسهم، ثم يبعث الله تعالى ريحا من ~~الجنوب من قبل الجن مسها مس الحرير، وريحها ريح المسك، فيقبض روح المؤمن ~~والمؤمنة، ويبقى شرار الناس، ويكون الرجال لا يشبعون من النساء، والنساء لا يشبعن ~~من الرجال، ثم يبعث الله تعالى الرياح فتلقيهم في البحر، فإذا حصلت النفخة الأولى صعق ~~من في ms052 السموات ومن في الأرض، أي: ماتوا، إلا من شاء الله، وهم جبرائيل وميكائيل ~~وإسرافيل وملك الموت، ولم يبق بعد النفخة إلا هؤلاء الأربعة، وقيل: هم الشهداء، فإنهم ~~متقلدون سيوفهم حول العرش، وقيل: يموت هؤلاء الأربعة يعني جبريل وبقية نظرائه من ~~الملائكة، وملك الموت يقبض روحه بيده، وقيل غير ذلك. # والأخبار والأقوال في جميع ما ذكرناه من أشراط الساعة مضطربة، وألفاظ الروايات ~~متباينة، ولسنا بصدد بسط الكلام في ذلك إذ به يحصل الخروج عن المقصود بيان ميعاد ~~صحيح عند أصحاب النظر الفقاد، لا بد من إعادة الأجساد وبعثها وإزعاجها إلى الحشر ~~بالنفخة الثانية وحثها، فمذهب أهل الحق أنه سبحانه وتعالى سيحيي الموتى، قال تعالى: ~~(وهو الذي يبدا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) وقل صلى الله عليه ولم (الله لا إله ~~إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب)، وقال: (ثم إلينا ترجعون) ~~[العنكبوت:57]، وقال: (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة) ، ~~وقال: (كما بدأنا أول حلق تعيده) ء]، وقال: (أليس ذلك بقادر على ~~ان يحبي الموتى) [لقي:4]. # وقد تكرر ذلك ني الكتاب والسنة كثيرا، حتى صار مما علم بحيئه من الدين ~~بالضرورة والإجماع، منعقد على كفر من أنكره جوازا ووقوعا. # وقال المعتزلة بوجوبه عقلا بناء على قولهم الفاسد: بثواب المطيع، وعقاب ~~العاصي. # ونقول بوجوب الوقوع؛ لثبوته من طريق الكتاب والسنة، وتتفرق الجواهر من غير ~~انعدام، ثم يجمعها الله تعالى، كذا قالت الكرامية، والحق انعدامها إلا بعضا مخصوصا بالبقاء ~~منها، وهو قدر يسير يقال له عجب الذنب، وأنكرت الفلاسفة إعادة الأجسام، قالوا: ~~وإنما تعاد الأرواح بمعنى أنها بعد موت البدن تعاد إلى ما كانت عليه من التجرد، مدركة PageV01P058 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0059.png) ~~للذة وغيرها، والاعتقاد الصحيح أن المعاد هو الجسماني، وذلك إيجاد لأجزاء الجسم ~~الأصلية، وتعود منه بعد فنائها. # وقيل: جمع الأجزاء بعد تفرقها مع إعادة الأرواح إليها، والصواب أن الإمساك عن ~~القطع بواحد من القولين المذكورين إذ تعين أحدهما موقوف على دليل سمي قاطع، ومع ~~القول بما هو الحق والصواب من إعادتها ms053 انعدم بعينه لا نحكم بأنه إنما يكون على الكيفية ~~التي كان عليها مع القطع باستحالة خلافها؛ لأن ذلك نسبة إلى القدرة الربانية بما ليس لها ~~من الوصف الناقص، والوصف الكامل الثابت لها شولها لكل فرد من الأفراد الممكنة، ~~والإعادة إحداث كالإبداع الأول، وغاية ما يحصل لهذا الجسم من العدم الطارىء ما ~~يصيره معدوما كأن لم يكن موجودا به، فكما تعلقت القدرة بإيجاده أولا تتعلق بذلك، ~~ثانيا على ما سبق له من الصور والأشكال في عالم العالم القديم الأزلي من غير أن يفوت ~~مثقال ذرة من أجزائه التي كانت في الدنيا منذ تصويره في بطن أمه إلى موته، وخروجه من ~~الدنيا، هذا والروح التي هي معنى أو جسم لطيف سار في البدن سريان ماء الورد والنار ~~في الفحم لا تنهي ولا تبيد، ولا يعرفوا لها هلاكا البتة مما يعرض للبدن، وإنا هي باقية في ~~مستقرها من عليين وسجين، ومعنى إعادتها: إرجاعها إلى التعلق بالبدن، فإذا رجعت إلى ~~البدن يسمى البدن حيا، كما أنه لما أن فارقه سمي البدن ميتا، إذ حياة العباد الحاصلة ~~عرض يلازم وجوده تعلق الروح بالبدن، فإذا فارقته الروح فارقته الحياة، فإذا أراد الله ~~تعالى تحقيق الميعاد، وبعث الأجساد أمر السماء أن تمطر من ماء يقال له: ماء الحيوان، ~~فتمطر أربعين سنة حتى يكون الماء من فوق الأجساد اثنى عشر ذراعا، ثم يأمر الله ~~الأجساد فتنبت كنبات الطراثيت والبقل، فإذا تكاملت الأجساد يقول الله تعالى: «لتحيي ~~حملة العرش، فيحيون، ثم يقول لتحيي جبريل وميكائيل وإسرافيل، ثم يأمر الله إسرافيل، ~~فيأخذ الصور ثم يدعو الأرواح، فيؤتى بها تتوهج أرواح المسلمين نورا والأخرى مظلمة، ~~فيأخذ الله تعالى فيلقيها في الصور، ثم يقول لإسرافيل انفخ نفخة البعث، فينفخ فتخرج ~~لأرواح كأمثال النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول الله: وعزتي وجلالي ~~لأرجعن كل روح إلى جسدها، فتدخل الأرواح ني الأرض إلى الأجساد، ثم تدخل في ~~الخياشيم، فتمشي في الأجساد مشي السم في اللديغ، فتنشق الأرض عنهم وأول من تنشق ~~عنه ms054 الأرض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم م كرامات وجمائل لا يسع هذا المقام ذكرها، ثم تخرج البقية PageV01P059 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0060.png) ~~كلهم أبناء ثلاث وثلاثآين، ولسانهم بالسريانية». # وقد اتفق الحفاظ أن ما بين النفختين أربعون عاما، والصور من نور يجعل ني ~~الأرواح، يقال: أن فيه من الثقب على عدد أرواح الخلائق، فإذا حصل ما ذكر حشر الله ~~الأجساد، أي: جمعها، وجعل الحشر عاما لالإنس والجن والدواب والوحوش والسباع ~~والطير والهوام وخشاش الأرض، وكل ما له روح، وأحضر الجميع بمجلس الحساب، وهو ~~على القليل والكثير والجليل والحقير والفتيل والقطمير، وهو حق ثابت لا يمتري فيه ذو ~~دين، وقد اتفق على صحته وثبوت وقوعه علماء التحقيق واليقين، لكن من الناس من ~~يدخل الجنة بغير حساب، وهم المشار إليهم بقوله صلى الله عليه وسلم كما أخرجه مسلم في الصحيح: ~~«يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب»، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: («هم ~~الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون»، ومن الناس من يدخل النار ~~كذلك، وهم الذين وقعت إليهم الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح، الذي منه يقول ~~الله تعالى لآدم التا: # «يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، قال: يقول: أخرج بعث ~~النار، قال: وما بعث النار? قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون)، ونقل ~~القرطبي في تذكرته ما لفظه: (ثم يأمر آدم التلتيثلا أن يحخرج بعث النار من ذريته، وهم ~~سبعة اصناف البعثان الأولان يلتقطهم عنق من النار من بين الخلائق، لقط الحمام حب ~~السمسم، وهم أهل الكفر بالله، عتوا وجحدوا. # وظاهر هذا الالتقاط إنه من غير حساب ولا سؤال، ويعضد هذا قوله تعالى: (لا ~~يسأل عن ذيبه إنس ولا جان) إلى أن قال: ( يعرف المجرمون ~~بسيماهم فيرحذ بالتواصي والأقدام) ، ومن الناس من يحاسب حسابا ~~يسيرا، ومن نوقش عذب وهلك، فعلى من أيقن بذلك وآمن به أن يكون مبادرا إلى PageV01P060 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0061.png) ~~الاستعداد له بما يكون مخلصا من أهواله، دافعا لكربه وأوجاله من علم ms055 وعمل، وزهد ~~وورع، وتقوى وذكر، وفكر وشكر، وامتثال أمر، وسهر وأرق، وقلق وحرق، وصيام ~~وقيام، ودوام غرام، وإفشاء سلام، وإطعام طعام، وصلاة وصلات، وبر وعطاء، وجوار ~~ودعاء، وابتهال وإقبال على أسباب وصل وفراق من خيال ومحال، ولو بتسيب واحتيال، ~~وترك افتخار واختيال، وتعلق وتشوق، وتلق وتزق، وتصدق بالروح في سبيل المحبوب، ~~وإرسال رسائل الزفرات مسطرة بماء العبرات المهملة في رياض خلوات العبر والندم على ~~ما فات مع الإخلاص في جميع ذلك، وتعجل الحساب قبل هجومه عملا ب «حاسبوا ~~أنفسكم قبل أن تحاسبوا»(، وليحكم ذلك إحكاما يثبت للمولى به الحجة على نفسه، ~~فيبعثها على الافتقار والاعتذار، ومحو مسطرات الأوزار من صحائف القبول والأفكار، ~~فبذلك ونحوه تحصل له النجاة يوم القيامة من الحسرة والندامة، ويصل إلى منازل ~~التخصيص والتكريم (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) ~~[الشعراء:88 ،89). # ومما يجب التصديق به: الصراط، وهو حق ثابت نطق به القرآن، وأخبر به نبينا ~~الصادق المصدق، وهو جسر ممدود على متن جهنم أدق في الحجم من الشعر، وأحد في ~~القطع من السيف، [تزل عليه أقدام الكفار] وعليه كلاليب تشابه شوك السعدان، متعلق ~~بها زبانية من الملائكة لا يعلم أحد من الخلائق عددهم، ترده كل الخلائق، ووروده هو ~~المراد في قوله تعالى: (وإن منكم إلا واردها) [مريم:ا7]، فمن حصل له الهلاك، ~~وسبقت له سابقة الشقاوة، سقط في النار على وجهه، ولم يستطع المجاوزة، ومن دخل في ~~عموم أهل الرحمة، وسبقت له سابقة الحسنى، نجا من السقوط وجاوزه، كما قال تعالى: ~~(ثم تنجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا) ]، والمحاوزة على مراتب، ~~وذلك بحسب الأعمال فمنهم من يسلكه كالبرق، ومنهم كالريح، ومنهم كالجواد، ومنهم ~~من يكون حاله على خلاف ما ذكر وأنكره كثير من المعتزلة، وحملوا الآية الواردة فيه ~~على أن المراد بها طريق جهنم، استنادا منهم إلى أن فيه مالا يخفى من تعذيب صلحاء ~~المؤمنين، ولا تعذيب عليهم. PageV01P061 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0062.png) # قلنا : لا يبعد تسهيله على من سبقت له النجاة من المؤمنين، ms056 إذ القدرة شاملة لكل ~~ممكن من الممكنات مما استوى طرفاه وجودا وعدما، فالذي سير الطير في الهواء، وجعل ~~مع كل إنسان ملائكة لا يحصى عددهم وكلهم في تفرقة طعامه وشرابه وتصريفه بعد ~~طبخه في معدته، إلى سائر الأجزاء الكثيفة واللطيفة، وجعل مع كل ملكا ملكين كاتبين ~~أحدهما على جانبه الأيمن، والآخر على الأيسر، ومنعه من سماع كلامهما، وحجب ~~الأبصار عنهما، والذي أعطى خواص عباده مقام الكرامة، وأيدهم بثبات القدم، وشدة ~~الحركة بحيث قطعوا المسافات البعيدة، إما على وجه الماء أو في متسع فضاء الهواء، أليس ~~ذلك بقادر على أن يجعل ذلك الطريق الدقيق، والصراط الرقيق متسعا، وإن اختلفت فيه ~~أشكال المخلوقات، وكثر الازدحام عنده، أجل قدرته فعالة، وإرادته لا يتوقف عنها أمر ~~من الأمور مطلقا، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وربك الفعال لما يريد. # ومما يجب التصديق به ما أنبأ الله تعالى عنه في كتابه، ووعد بكونه في القيامة النبي ~~ختار، سيد الكو صلى الله عليه وسلم هو الميزان، ولا شك ولا ريب في ذلك مطلقا. # قال الله تعالى: (والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون) # كراف:8]، وقال تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا ~~وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين)اء]. # وني الحديث: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله ~~وبحمده، سبحان الله العظيم. فأثبت الميزان فتعددت وجوده، وأنه ظاهر، وأن له ~~كفتين ولسائا، كل كفة طباق السماء والأرض، خلافا للمعتزلة حيث أنكروه مستدلين ~~بأن الأعمال أعراض، وإن أمكن إعادتها ووزنها؛ ولأنها ليست بمحجوبة عن الله سبحانه ~~وتعالى، فوزنها حينئذ عبث. # قلنا: أن الموزون كتب الأعمال، أو يخلق من الثواب أجساد، فتوزن، ولعل ني ~~ذلك للحق تعالى حكمة خفية لم يطلع عليها غيره سبحانه، وكفتا هذا الميزان كفة من ~~نور، وكفة من ظلمة، فالتي من نور للحسنات، والأخرى للسيئات، والناس ني وزن ~~أعمالهم على ثلاث طبقات، بل أربع طبقات، الأولى: هم الذين لا ينصب لهم ms057 ميزان، ولا ~~ينشر لهم ديوان، وهم أهل البلاء، الثانية: المتقون، فتوضع حسناتهم في الكفة النيرة، PageV01P062 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0063.png) # 63 ~~وصغائرهم لا يكون لها وزن، الثالثة: المخلصون، فتوضع حسناتهم ني كفة، وسيئاتهم ني ~~الكفة الأخرى، فإن حصل الرجحان في أحدهما ولو بصوابة جوزي به مستحقه ثواب أو ~~عقاب، الرابعة: الكفار، ولا يقام لهم ميزان لما يحصل لهم من خسة القدر، وحصول ~~الازدراء بهم، وحبط أعمالهم، وكيف لا وفائدة الوزن تشريف الموحدين ليتميز به مقدار ~~الطاعات، ومقدار الحسنات، ويرتفع بالوزن شأن من ثقلت حسناته، وخفت سيئاته، ~~وذلك فضل من الله الجواد الكريم. # ومما يجب علينا أن نصدق به تصديقا جازما، خاليا من الشك والارتياب: حوض ~~المصطفى، نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، وهذا الحوض هو المسمى بالكوثر، قيل: هو النبوة والكتاب، ~~وقيل: القرآن، وقيل: الإسلام، وقيل: كثير الأشياع والأتباع والأمة، وقيل: الإثيار، وقيل: ~~تيسير القرآن، وتخفيف الشرائع، وقيل: هو رفعة الذكر، وقيل: أنه نور في قلبه دله عليه، ~~وقطعه عمن سواه، وقيل: هو الشفاعة، وقيل: معجزات الرب التي هدى بها أهل الإجابة ~~لدعوته، وقيل: هو لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وقيل: هو الفقه في الدين، وقيل: ~~الصلوات الخمسة، وقيل: هو العظيم من الأمر، وقيل: هو نهر عظيم [....ا] عليه خير ~~كثير، وقيل: نهر في الجنة، والأصح أنهما حوضان: أحدهما في الموقف، قيل: الصراط، ~~والثاني: في الجنة أن الحوض قبله. # وقد ترادفت الأحاديث الصحيحة الثابتة في وصفه، فيجب الإيمان به، والاستعداد ~~لارتشاف كؤوسه الرائقة، والنازج بأنديته العاطرة العابقة بلزوم السنة، وبحانبة البدعة، فيا ~~له من حوض اختلفت معانيه تنوعا، وحلى شرابه السائغ لمن لم يكن مبتدعا، وقد حرم ~~على المنافقين، وعلى أهل الارتداد، ومن قصد الشرب منه وكان من أهل الكبائر، وإن ~~مات موحدا فإنه يصرف عنه ويزاد، وإن كان ظالما، أو أعان على الكبائر، أو كان من ~~الروافض والخوارج وأصحاب الأهواء، فإنه لا يذوق من لذيذ مذاقه العذب اللطيف، ولا ~~أدنى مراد، إذ كل من أحدث في الدين أمرا ليس هو ms058 منه، فهو مطرود عنه كما قال ~~جهابذة العلماء اليقاد. # وقد جاء في وصفه ما جذب الفؤاد، وللعقل سلب، وكيف لا وهو نهر في الجنة ~~حافاته من ذهب، من شرب منه فلن يظمأ بعد ذلك ولن يموت، وقد علا مقداره، إذ ~~تربته أطيب من المسك، وبحراه على الدر والياقوت، وفيه مما يكشف البأساء، ويطفئ ~~الغلل، ويزيل العلل، إذ ماؤه أبيض من الثلج، وأحلى من العسل. PageV01P063 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0064.png) # وفي صحيح مسلم، عن أنسلي الله علنه قال: (بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إ أغفى ~~إغفاءة رفع رأسه متبسما، قلنا: ما أضحكك يا رسول الله? قال: نزلت علي آنفا سورة ~~فقو صلى ال ليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم» (إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك والآحر إن ~~شانئك هو الأبتر) ثم قال: «أتدرون ما الكوثر؟» فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر ~~وعدنيه ربي عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آتية عدد النجوم، ~~فيجامح العبد منهم، فأقول: إنه من أمتي، فيقال: لأنك لا تدري ما أحدث بعدك). # وني «التذكرة» للقرطبي، عن أنس بن مالك اه : أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قول: «حوضي ~~ما بين أيلة إلى مكة بأربعة كنجوم السماء، أو كعدد نجوم السماء، له كيزان من الجنة ~~كلما نضب أمداه، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، وسيأتيه قوم ذابلة شفاههم ~~لا يطعمون منه قطرة واحدة، من كذب به اليوم لم يشرب منه يومئذ. # وأخرج الترمذي، عن سمول صلى الله عنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن لكل نبي حوضا، ~~وانهم يتباهون أيهم أكثر واردوه، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم واردة»(9) قال ~~الترمذي: هذا حديث حسن غريب، رواه قتادة عن حسن عن سمرة، وقد رواه ~~الأشعث بن عبد الملك، عن الحسن ا ه، عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر فيه عن سمرة. # وجاء: «ولكل نبي حوض إلا صالحى الت، فإن حوضه ضرع ناقته»(). # فبالحوض المسمى بالكوثر اختص نبينا ms059 محمد صلى الله عليه وسلم، واختص الكوثر بما لم يختص به ~~غيره من الحياض، وفي القيامة يختص صالحوا هذه الأمة بالشراب من عذب مائه الفياض؛ ~~ولكثرة وارديه يمسى كوثرا، ولا شك أن من شرب منه كان بنور القدس منورا، ومن ~~شرب منه فاز بانتفاء أحزانه، وسيتم البسط والسرور لهذه الأمة بشهودهم لنبيهم عنده، ~~ورؤيتهم لخلفائه الأربع على أركانه، متعنا الله وأحبابنا بذلك الجمال، وأر شفنا زلال ذلك ~~النوال، وجعل ذلك موصولا برضوانه ووصاله، وجمعنا في مستقر رحمته، فمجدوا له إنه ~~يجيب السائلين، ورحمته قريبة من المحسنين، ومما يجب التصديق به والإقرار بصحته، PageV01P064 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0065.png) # 65 ~~والتشوق إليه شفاعة نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، الناطق بها القرآن، والمخصوص بها دون أمثاله ~~وأقرانه، وهي الشفاعة العظمى التي يحصل بها السمو إلى العالم الأسمى، وبحموع شفاعاته ~~العظمى مختلف فيها، فمن الحفاظ من قال: أنها ثلاث شفاعات: الشفاعة، وشفاعة ني ~~السبق إلى الجنة، وشفاعة في أهل الكبائر. # قال ابن عطية: والمشهور أنها شفاعتان فقط العامة، وشفاعة ني إخراج المذنبين من ~~النار، فالأولى هي التي اختص بها، والثانية له ولغيره. # وقال القاضي عياض: شفاعات نبا صلى الله عليه وسلم مشس شفاعات، الأولى: العامة. # الثانية: إدخال قوم الجنة بغير حساب. # الثالثة: في قوم من أمته استوجبوا النار بذنوبهم، فيشفع نبيا صلى الله عليه وسلم، ومن شاء الله تعالى ~~أن يشفع ويدخلون الجنة، وهذه الشفاعة هي التي أنكرتها البدعية الخوارج والمعتزلة، وهي ~~الاستحقاق العقلي المبني على التحسين والتقبيح. # الرابعة: فيمن دخل النار من المذنبين، فيخرج بشفاعة نبا صلى الله عليه وسلم، وغيره من الأولياء ~~والملائكة -عليهم الصلاة والسلام - وإخوانهم المؤمنين، وهذه الشفاعة أنكرتها المعتزلة ~~أيضا، فإذا منعوها فيمن استوجب النار بذنبه وإن لم يدخلها، فأحرى أن يمنعوها فيمن ~~دخلها. # الخامسة: في زيادة الدرجات لأهلها ورفعتها، وهذه لا تنكرها المعتزلة، ولا تنكر ~~شفاعة الحشر الأولى، ويزاد على ما ذكر شفاع صلى الله ليه وسلم عن عمه أبي طالب من العذاب، وهي ~~ثابتة في الأخبار الصحيحة، فتكون شفاعة ms060 سادسة. # وذكر الأحاديث الواردة في شفاله صلى الله عليه وسلم، وكذا في شفاعة بقية الأنبياء والمرسلين، ~~والأولياء والصالحين، والملائكة المقربين، وسائر العلماء العاملين، مع ما يتعلق بذلك ~~الخرجنا عما نحن بصدده من قصد الاختصار، فاذا لم يبق شافع من الخلق أجمعين، قال ~~أرحم الراحمين: # (شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم ~~الراحمين، فيقبض قبضته من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط عادوا حمما، ~~فيلقيهم في نهر على افواه الجنة، يقال له: نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في ~~حميل السيل كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم، يعرفهم أهل الجنة ويقولون: هؤلاء عتقاء ~~الرحمن من النار، الذين أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، ثم يقول: PageV01P065 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0066.png) ~~ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من ~~العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل من هذا، فيقولون: يا ربنا وأي شيء أفضل من ~~هذا، فيقول: رضائي، فلا أسخط عليكم بعده أبدا). # رزقنا الله وأحبابنا رضوانه، وأنالنا عفوه وغفرانه، إنه ولي الإجابة، كريم لا يخيب ~~من قصد بابه. # ومما يجب اعتقاده، والتصديق بوجوده ما ورد في الكتاب العزيز متضمنا لذكره، ~~وتكرر ذلك ني كثير من آياته، وكذا نطقت الأحاديث الشريفة بإثبات وجوده، وذلك: ~~الجنة والنار، وما فيهما من النعيم والسرور، والغبطة والحبور، والويل والهلاك والثبور، ~~والأنكاد والأنكال، والضنك والدحور، فيجب علينا أن نعتقد أنهما مخلوقتان موجودتان ~~الآن، خلافا للمعتزلة القائلين: بأنهما ستوجدان يوم القيامة، إذ قبل ذلك الوقت لا فائدة ~~فيه؛ ولأنهما لو خلقتا لهلكتا؛ لقوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه) ]، ~~قلنا: ما ذكر ني الآية وإن كان عاما، فهو مخصوص؛ لقوله تعالى في الجنة : (أعدت ~~للمتقين):13]. # وني النار: (أعدت للكافرين) قرة: 24]، وقد وردت آيات كثيرة ظاهرة دالة ~~على الوجود كقصة آدم وحواء، وحمل مثال ذلك على بستان من بساتين الدنيا لا يخفى ~~ما فيه مما يشبه التلاعب أو العناد، والمفهوم من لفظها المعرف بالألف واللام ما جاء ~~الوعد بها في صرائح السنن؛ لأن ms061 اللام للعهد ولا معهود غيرها، ولا يجوز أن تكون أداة ~~التعريف مفيدة للعموم؛ لأن سكنى جميع الجنان محال، وأمرل صلى الل عليه وسلم بوطهما إلى الأرض ~~حيث قال تعالى: (قلنا افبطوا) [لقرة: 38]) مفيد لكون الجنة ني السماء، ولو كانت ~~في الأرض لقال: اخرجوا، وأما قوله تعالى في آية الحجر، وص حكاية عن أمره للشيطان ~~عند طرده من الجنة، أو من السماء، أو من زمرة الملائكة بالسقوط، والانحطاط عن ~~المراتب العلية، والأقطار السماوية بلفظ الخروج، فلا يستلزم نفي ما ذكر لأنه يجامع ~~الهبوط، ونفى المعتزلة الفائدة ني وجود الجنة الآن ممنوع؛ لأنها دار نعيم، وقد جعلها ~~مسكنا لمن يستحبه بلا فترة من الحور والولدان والطير. PageV01P066 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0067.png) # وقد ذهب إمام المسلمين، الإمام الأعظم أبو حنيف الة الله عله، وغيره من علماء ~~المسلمين: إلى أن الحور قد خصهن الله بالبقاء، وحماهن من الموت، فلا يذقن غصته، بل ~~هن ني حكم المستثنيات من ذلك كالأرواح والجنة والنار والعرش والكرسي ونحوها، ~~والاختيار له أولا وآخرا (لا يسأل عما يفعل وهم يسالون)ء. # ومما يجب اعتقاده، ما وعد الله به أهل طاعته ممن سبقت لهم السعادة بنوال ~~الرضوان في الجنان : من رؤيتهم له سبحانه وتعالى في الدار الباقية، عند تجردهم من ~~الصفات الزائلة الفانية، المضمحلة المتلاشية، قال الله تعالى: (وجوة يومئذ ناضرة * إلى ~~ربها ناظرة * ووجوة يومئذ باسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة [قيامة:22 -25]. # وفي الحديث الصحيح عله صلى الله عليه وسلم آأه قال: «إنكم سترون ربكم، كما ترون القمر ~~ليلة البدر)، وفي بعض الروايات: «كما ترون الشمس»(4، وفي بعض الروايات: «لا ~~تضامون»()، وفي بعضها: «لا تضارون في رؤيته، كما لا تضارون في رؤية القمر ليلة ~~البدر)(). # أوكما قال، والتشبيه المذكور ليس في المرئي، وإنما هو في الرؤية، ومعناه: كما ~~إنكم إذا رأيتم القمر ليلة البدر، وليس دونه سحاب فلا تشكون في كونه هو القمر، ~~كذلك إذا رأيتم من تنزه عن مشاكلة الأجسام والصور في أعلى حضرة، وأعظم مستقر، ~~لا يعتريكم شك ولا ارتياب في أنه ms062 هو معبودكم، وأنه رب الأرباب، وإنما حصل التمثيل ~~بالقمر ليلة البدر؛ لما لا امتراء فيه من أن ذلك غاية ظهوره، وارتفاع الشك عنه كونه ~~قمرا بخلاف رؤيته ليلة البدر، فإنه وإن رآه الرائي، فيحتمل حصول الشك، ووقوع ~~المنازعة فيه، وقد اختلف فيمن يراه في الآخرة، فقيل: يراه في الموقف كل أحد حتى ~~المنافقون والكفار، ثم يحجبون بعد ذلك؛ ليكون عليهم حسرة، وأما ني الجنة فإجماعا أنها ~~حاصلة للأنبياء والرسل، والصديقين من كل أمة، ورجال المؤمنين من هذه الأمة، PageV01P067 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0068.png) ~~واختلف ني الصالحات من نساء هذه الأمة، فقيل: لا يرين؛ لأنهن مقصورات في الخيام؛ ~~ولأنه لم يرد ني الأحاديث ما فيه تصريح برؤيتهن. # وقيل: يرين، أحد من عموم النصوص الواردة في ذلك، وقيل: يرين، لكن ني مثل ~~أيام الأعياد، فإن الله تعالى يتجلى في مثل أيام العيد لأهل الجنة تجليا عاما، فيرينه ني مثل ~~هذا الحال دون غيره. # ويعضد هذا القول الأخير ما أخرجه الدارقطني في كتاب «الرؤية»، قال: حدثنا ~~أحمد بن سليمان بن الحسن، قال: حدثنا محمد بن عثمان بن محمد، قال: حدثنا مروان بن ~~جعفر، قال: حدثنا رافعي أبو الحسن مولى بني هاشم، قال: حدثنا عطاء، عن ميمونة، عن ~~أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم القيامة رأى المؤمنون ربهم عل، ~~فأحدثهم عهدا بالنظر إليه في كل جمعة، وتراه المؤمنات يوم الفطر، ويوم النحر». # قال الحافظ ابن رجب في «اللطائف»: كل يوم كان للمسلمين عيدا لهم في الجنة ~~يجتمعون فيه على زيارة ربهم، ويتجلى لهم فيه، ويوم الجمعة يدعى في الجنة يوم المزيد، ~~ويوم الفطر والأضحى يجتمع أهل الجنة فيهما للزيارة. # وروي: أنه يشارك النساء الرجال في العيدين، كما كن يشهدن العيدين في الدنيا ~~دون الرجال. # وهذه الأوقات المذكورة إما هي لأهل العموم، وأما أهل الخصوص، فإنهم يرون ~~ريهم في الجنة، ويرون بكرة وعشيا، وأهل خصوص الخصوص لا يغيب عن أبصارهم في ~~الجنة ولا لحظة، كما إنه ني الدنيا لم يكن ms063 غائبا عن بصائرهم ولا لحظة؛ إذ جنة جنتهم ~~شهود وجهه الأعلى ولا غير ذلك. PageV01P068 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0069.png) # وأما الملائكة، فقيل: لا يرون، وقيل يراه جبريل فقط، والأصح أنهم يرون ربهم، ~~وكذا مؤمنو الجن، وأما مؤمنو الأمم السابقة، ففي رؤيتهم احتمالان لابن أبي حمزة، ~~والأظهر مساواتهم لهذه الأمم، إذ السبب المثبت ذلك لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وجود لهم، فلا مانع ~~منه مطلقا، فأيقن بثبوت الرؤية، وأنها جائزة في الآخرة عقلا وشرعا، وأنها ممتنعة في الدنيا ~~شرعا لا عقلا، وذلك كله في حق غير المصطفي صلى الله عليه وسلم، أما هو فإنه ثبت له ليلة الإسراء ~~حين ركب البراق، وزار بيت المقدس مسافرا إليه يقظة من مكة في أدنى ساعة، ثم عرج ~~واخترق السبع الطباق، ولم يزل كذلك ورفيقه جبريل الأمين، حتى وصل إلى حظائر ~~الكشف واليقين، فتأخر جبريل؛ لضعف القوة الملكية عن تلقى اللمعات النورية، فناداه: ~~(«في مثل هذا المقام يتخلى الخليل عن خليله»، فقال: «وما منا إلا له مقام معلوم، لو ~~تقدمت أنملة لاحترقت)(1)، فعند ذلك كشف الحجاب، وطاب الشراب، وفتحت له ~~الأبواب وصار إلى المصير الأعلى من روضة الاقتراب، وزالت عنه الصور والأشكال، ~~والمسببات والأسباب، وغاب عن الجزئية والكلية، ونظر إلى الحق بالحق، فرآه بعين رأسه ~~رؤية جلية لا امترى فيها، ولا افترى، وما زاغ بصره وما طغى، وما ينطق عن الهوى، بل ~~هو وحي تلقاه من مولاه حيث أوحى إليه ما أوحى، ورجع من ليلته إلى منزله بهدايا ~~الرحمة، ونفائس العطايا المخصوصة بها هذه الأمة، فبذلك علا مقامه، وتنوع مرامه، ~~وانزاع به عن الوجود اليقيني ظلامه- فعليه صلاة الله وسلامة- وعلى آله وأصحابه ~~وأحبابه أجمعين. # ويجب مع اعتقاد ما تقدم، أن نصدق بثبوت الخلود لأهل الجنة، مغتبطين بما هم ~~فيه من اليسر والسرور، منبسطين بأنواع اللذات والحيور، فاكهين بما أتاهم ربهم من أنواع ~~الجمائل والعطايا والحبور، وكذلك الخلود ثابت لأهل النار، أهل الشرك والكفر والدمار ~~والخزي والبوار، مقرنين في الأصفاد، متقلبين ني نكال ووبال وأغلال، آكلين من زقوم، ~~شاربين ms064 من حميم، تتمزق له الأعضاء والجلود، وتتساقط منه اللحوم، وتتفتت منه الأكباد؛ ~~لكن من مات موحدا لا يخلد فيها، وإن مات مرتكبا للكبائر سفيها، ولا يدخل النار إلا ~~تحله القسم، ثم يخرج بعد ذلك إلى دار النعيم، متلذذا بلذاتها على الأرائك. # ومرجع جميع ما يجري على الأشكال والصور ني كل وجود، وكون من كل كائن، PageV01P069 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0070.png) ~~إنما هو بقضاء وقدر، لا مشارك للحق فيه، وله الاختيار في سائر العبيد، وربك الفعال لما ~~يريد، يشاء ويحكم ويقدر. # وكما يجب عليك بعد التصديق بما لسائر الأنبياء والمرسلين من الكمالات ذائا ~~وصفة وعزما وفعلا. # وأن تعتقد فضل نبينا محمدا صلى الله عليه سلم، وأفضليته، وأرجحية شأنه وقدره، وتميزه على ~~سائر المخلوقات من الملائكة، والنبيين، والمرسلين من المستقدمين والمستأخرين. # كذلك يجب عليك أن تعتقد أن أفضل الخلق بعد الانبياء والمرسلين، رفيق نبينا ~~المختار في الغار، وناصره في المسار، وسابق رجال الأمة إلى الإسلام والبذل والإيثار، ~~خليفته على المسلمين من بعده، والحافظ في حياه صلى الله عليه وسلم وبعد موته لوثيق وده: أبو بكر ~~عبد الله بن عثمان، الصديق كنية أبيه، أبو قحافة بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن ~~قيم بن مرة بن كعب بن قصي بن غالب القرشي التيمي، ويجتمع نسبه مع الني صلى الله عليه وسلم و ~~مرة بن كعب. # وأمه أم الخير بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة، أسلم ووالده ~~ووالدته، وصحبوه صلى الله عليهوسلم وامتاز أبو بكر بمصادقته له، وتصديقه له تصديقا جازما من غير ~~تردد ولا توقف، ولقبه عتيق من النار، ربما لأنه لم يكن في نسبه شيء يعاب، أو لحسن ~~وجهه وجماله، فهو وزير المصصط صىالله عليه وسلم، ورضي عنه، وخاصته من الأرض أجمعين، وسيد ~~كهول أهل الجنة بعد النبيين والمرسلين، كتب اسمه على ساق عرش الرحمن، وسمي بولي ~~الفضل في القرآن، وساه بالأتقى، وسأله هل هو راض عنه على لسان جبريل? وأخبره بأنه ~~قد خصه بالرضوان، وكتب خلافته ms065 ني السماء، وعقد لواها تحت سدرة المنتهى، ورحم ~~به سائر أهل الإيمان، لو اجتمع الإنس والجان على ضبط شمائله، وما له من المفاخر ~~والمراتب العلية ما استطاعوا ذلك مطلقا، وأنى لهم بذلك، وقد أثنى الله في كتابه عليه، ~~وبين مرتيته الرفيعة لسيد أحبابه، ولا شك أن ثناء الله تعالى لا يقابل بثناء سواه، وقد تأكد ~~ذلك باستخلاف رسول الله صلى الله عليه وسل على أمته، وتقديمه على غيره، وشكره له، ومدحه ~~وثنائه، يكفي ني ذلك قوله صلى الله عليه وسلم عرفا بشأنه: «ما لأحد عندنا يد إلا كافيناه، ما خلا أبا ~~بكر، فإن له عندنا يدا يكافئه الله تعالى بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحد ما نفعني ~~مال أبي بكر، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، إلا وان صاحبكم خليل PageV01P070 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0071.png) ~~الله». # وفي الحديث عن عائشة -رضي الله عنها - أنها قالت: لم أعقل أبوي إلا ~~وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم رني النهار، وبكرة ~~وعشيا(2). # ولد بعد الفيل بثلاث سنين تقريبا، وبادر إلى الإيمان، ولزم المصطفي صلى الله عليه وسلم، وصحبه ~~صحبة صادقة، آثره فيها على نفسه وماله وولده والناس أجمعين، وحفظ من المصطفي صلى الله عليه وسلم. ~~مائة حديث واثنين وأربعين حدييا، اتفق الشيخان منها على ستة، وانفرد البخاري بإحدى ~~عشر، ومسلم بحديث، والسبب في قلة روايته الأحاديث عهن صلى الله عليه وسلم، تقدم وفاته قبل انتشار ~~الأحاديث، إذ الحفاظ من التابعين إنما اعتنوا بالحفظ والتحصيل، والاستماع والسماع بعد ~~ذلك، وكانت خلافته من بعهدله صلى الله عليه وسلم سنتين، وثلاثة أشهر، وعشر ليال، وتوفي في آخر يوم ~~الإثنين، سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وعمره ثلاثة وستون سنة كعمل صلى الله عليه وسل ومات كمدا ~~وحزنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودفن معه في حجرته التي هي بيت ابنته عائشة -رضي الله ~~عنها - وعن أبيها وجدها. # ثم ولي أمر المسلمين من بعده، من هو ms066 أفضل الخلق بعده وبعد الأنبياء والمرسلين، ~~عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد الغري بن رياح - بالمثناة تحت - بن عبد الله بن قرط ~~-بضم القاف، وسكون الراء، وبالطاء المهملة- بن رزاح -راء ثم زاي ثم ألف ثم حاء ~~مهملة - بن عدي بن كعب بن لوى بن غالب القرشي العدوي، واسم أمه حنتمة -بفتح ~~الحاء المهملة، ثم نون ساكنة، ثم مثناة فوق مفتوحة- بنت هاشم بن المغيرة بن ~~عبد الله بن مر بن مخروم بن لقط بن كعب بن لوى، وقيل: بنت هشام بن المغيرة، فعلى ~~هذا تكون أخت أبي جهل، والصواب أنها بنت هاشم، فتكون بنت عمه، والله تعالى ~~أعلم. # مولده بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، أسل لى الله عليهلم وأرضاه في السنة السادسة، فعز به ~~الإسلام، وكان إسلامه إجابة للدعوة المحققة القبول، حيث قا صلى الله عليه وسلم: اللهم أعز الإسلام PageV01P071 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0072.png) ~~بأحب الرجلين إليك عمر بن الخطاب، وعمرو بن هاشم»( يعني: أبا جهل، فقبل ~~الدعاء ني ابن الخطاب، ولما أن أسلم نزل جبريل، فقال: يا محمد استبشر أهل السماء ~~بإسلام عمر ال ، فهو من أجل السابقين، وأفضل الأولين والمهاجرين، وأول من سي ~~بأمير المؤمنين، وأول من دون الدواوين، وجمع الناس لصلاة التراويح، ووضع التاريخ ~~الإسلامي من الهجرة، وأول من ضرب بالدرة، ونهى عن بيع أمهات الأولاد، وأول من ~~جمع الناس على صلاة الجنازة بأربع تكبيرات، وكانوا قبل ذلك يكبرون خمسا وستا، ~~وكان من أشراف قريش، وإليه انتهت سفاراتهم في الجاهلية، بحيث إذا وقع بينهم وبين ~~غيرهم حرب بعثوه رسولا، وكان إسلامه فتحا، وهجرته نصرا، وإمامته رحمة. # روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسمائة وتسعة وثلاثون حديثا، متفق على ستة ~~وعشرين منها، وانفرد البخاري بأربعة وثلاثين، ومسلم بأحد وعشرين. # روى عنه أجلأء الصحابة الأخيار، وأجمعوا على أفضليته بعد ذلك، وبادروا إلى ~~متابعته فهو الليث الفطن الشجاع، الأمير الأمين، المقدام المطاع، كان الشيطان يفر من ~~ظله، وقد شهدت الكتب المنزلة جميل فضيلة وصفه الخلقي، إذ هو وكماله الخلقي ms067 لا ~~ينحصر ولا ينتهي، كان أنهق، تعلوه حمرة العينين، في عارضه خفة تعمل بيديه جميعا، أرفع ~~الناس حتى كان إذا مشى فكأما راكب على دابة، ليس في لونه أدمة، ومن وصفه بذلك ~~فكأنه رآه عام الرمادة، فإن فيه تغير لونه؛ وذلك لزيارة ورعه وتقواه، إذ كان الناس ني ~~عام الرمادة قد حصل لهم قحط، فألزم نفسه بألا يأكل السمن ولا اللبن حتى يخصب ~~الناس، وواظب أكل الزيت، وكان الزيت لا يوافق مزاجه؛ فلذلك تغير لونه إلى الأدمة، ~~كان الخصب باطنا ذو كرامات فائقة، ومناقب شارقة كقصة النيل وزلزلة الأرض، وقوله ~~وهو على منبره: يا سارية الجبل، عزيز بين الأصحاب، محترم مهاب، وافق نطقه نطق ~~الكتاب ني عدة مواضع، به جعل الله الحق على قلبه ولسانه، ذو العدل في القضايا، والجود ~~إلى البرايا، حسن الرعاية للسرايا، كامل الأوصاف، حميد المزايا، لطيف الشمائل، كريم ~~الشيم والسجايا، يقول الحق ولو على نفسه، ولا تأخذه في الله لومة لائم، قد اشتهرت ني ~~الآفاق أوصافه، واتضحت لذوي البصائر ألطافه، لا يجازى في [الحق] والزهد والورع، ~~ولا يبارى إذا أحسن أو قضى، أو تصدق أو أعطى، أو صام أو قام، أو سجد أو ركع، PageV01P072 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0073.png) ~~بحر همام، جر عزيز ذو رصانة واحتشام، فرق الله به بين الحق والباطل؛ فلذا لقب ~~بالفاروق، واستخلفه أبو بكر -رضي الله عنهما - على أمة المصطف صلى الله عليه وسلم، فوفى بأداء ~~الحقوق، شهد له المصطفي صلى الله عليه وسلم القوة والكمال خلقا وخلقا؛ لما رأى من غريب شأنه في ~~يقظته ومنامه، [وحث] الناس على المبالغة في تعظيمه واحترامه، وشاعت أخبار فراسته ~~وفروسيته بين ملوك الروم، وهب نسيم فضله فشفى كل مزكوم، أفردت كمالاته ~~بالتصنيف، ومع ذلك فما بلغ المادحون ولا الواصفون من نعته الجميل المد، ولا التصنيف ~~كان ذا حفظ عجيب، وإتقان وتحقيق وغريب. # روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة وتسعة وثلاثون حديثا، متفق على ستة ~~وعشرين منها، وقد انفرد البخاري بأربعة وثلاثين، ومسلم بأحد وعشرين، ms068 وقد روي عنه ~~أجلاء الصحابة كابن مسعود، وابن عباس، وعثمان، وبقية العشرة إلا أبا بكر كان من ~~دعائه في يوم من الأيام حيث قال: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلدة ~~رسولك، قالت ابنته حفصة - رضي الله عنها - : أنى يكون هذا، فقال: يأتي به الله إن ~~شاء(1) كذا رواه البخاري. # فقدر أن طعنه النصراني فيروز أبو لؤلؤة، غلام المغيرة، وهو قائم في صلاة الصبح ~~إماما بسكين مسمومة في كتفه وخاصرته، فقال: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي على يد ~~رجل يدعي الإسلام، وطعن الكافر أبو لؤلؤة مع عمر ثلاثة عشرة رجلا توني منهم سبعة ~~وعاش الباقي، وحين أحس بأنه مقتول قتل نفسه، ولما أن علم عمر والناس أنه لا يعيش ~~حين استدعى بطبيب من بني الحارث بن سعد، فسقاه ماء نبذ فيه تمر فخرج شكلا، ~~فأسقوه لبنا، فخرج أبيض، فشرع في الوصية، فجعل الخلافة شورى بين عثمان، وعلي ~~وطلحة والزبير وسعد وابن عوف، وقال: لا أعلم أحدا أحق بها من هؤلاء الذين توفي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هو عنهم راض، وحسب الدين الذي عليه فوجده ستة وشانين ألفا، فقال ~~لابنه عبد الله : إن وفى مال آل عمر، فأدوه منه وإلا فسل من بني عدي، وإن لم تف ~~أموالهم، فسل في قريش ولا تصدهم إلى غيرهم، ثم بعثه إلى أم المؤمنين عائشة -رضي الله ~~عنها- فقال: قل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل: أمير المؤمنين، فإني لست أميرهم، ~~وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فجاء فسلم واستأذن، فوجدها PageV01P073 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0074.png) ~~تبكي، فقال لها: فأذنت فقالت: كنت أوده لنفسي، ولأؤثرنه اليوم على نفسي، فلما أقبل ~~عبد الله من عندها قال: ما لديك؟ قال: ما تحب قد أذنت، قال: الحمد لله ما كان شيء ~~أهم لي من ذلك، فإذا أنا قبضت فاحملوني، ثم سلم وقال: يستأذن عليك عمر بن ~~الخطاب، فإن أذنت فأدخلوني، وان ردت فردوني إلى مقابر المسلمين، وأوصاكم ألا ~~تغالوا ني كفنه وغسله بعد قضاء ms069 نحبه ولده عبد الله، وحمل على سرير رسول الله صلى الله عليه وسلم،م ~~ني المسجد صهيب، وكبر أربعا، ونزل في قبره ابنه عبد الله، وعثمان، وسعيد بن زيد، ~~وابن عوف، ودفن يوم الأحد لاستهلال المحرم سنة أربع وعشرين، وكانت خلافته عشر ~~سنين، وحمسة أشهر، وإحدى يوما، وكان استشهاده يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي ~~الحجة، ستة ثلاث وعشرين من الفجرة، وبلغ من العمر ثلاثا وستين كأبي بكر، وعلي، ~~وعائشة -رضي المه عتهم- وذلك كله على تصحيح المشهور. # وقيل غير ذنك. # وني أمور العلمين أقضل الأصحاب من بعده، وهو عثمان بن عفان، أمير ~~نمؤمتين. أيو عمرو. وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو ليلى بن أبي العاص بن أمية بن عبد ~~شس بن عيذ مناف بن قصي القرشي الأموي المكي، ثم المدني. # أمه امبا أروى بنت كريز -بضم الكاف، وفتح الراء، بعدها ياء تحتية، ثم زاي- ~~ابن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمها أم حكيم البيضاء، بنت ~~عبد المطب، عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم # دعاه أبو بكر إلى السلام قديما، فأسلم قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم ار الأرقم، وهاجر ~~الهجرتين بزوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان تزوجه بها قبل النبوة، وتوفيت عنده أيام ~~غزوة بدر، السنة الثانية من الهجرة في رمضان، وتأخر عن بدر لتمريضها بإذن النبيصيى الله علي ~~ووصل الخبر بالنصر ببدر يوم دفنها بالمدينة، ثم تزوج أختها أم كلثوم بنت رسول اله صلى الل عليه وسلم ~~، وتوفيت عنده سنة تسع من الهجرة، وولدت له رقية، ولم تلد أم كلثوم شيقا، وقد صح ~~عن النبيى الل عي أنه قال: «والذي نفسي بيده، إنه لأول من هاجر بعد إبراهيم ولوط، ولم ~~يعرف أحد تزوج بنتي غيره، تزوج الأولى قبل النبوة، والأخرى بعد ذلك». # فلذا سمي بذي النورين، قال المصطف صى الله عليه وسلم ظيما له، وتعريفا بما له عنده من PageV01P074 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0075.png) ~~ارتفاع الشأن: «لو كانت عندي ثالثة زوجتها لعثمان»، وبايع ms070 عنده بيده حين بعثه إلى ~~مكة بيعة الرضوان، وكيف لا وهو ذو الصدقات والنفقات، والقنوة والأخبار، والضراعة ~~والصلوات، جامع لآيات القرآن المتفرقات، وبحهز جيش العسرة، ووسع مسجد ~~المصطفي صلى الله عليه وسلم، وكان من أهل الفتوة والمروة، والبذل والعطاء، والحياء والتقي والنقى، ~~والشجاعة والضبط والذكاء. # روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ائة وستة وأربعون حديثآ، اتفق على ثلاثة منها، وانفرد ~~البخاري بثمانية، والإمام مسلم بخمسة بعد الفيل، واستشهد يوم الأربعاء لثمان عشرة ~~خلت من ذي الحجة سنة حمس وثلاثين. # وقيل يوم الجمعة، وقد بلغ من العمر تسعين أو شمان وشانين، أو اثنين وشمانين أو ~~غير ذلك، وبويع له في الخلافة في غرة المحرم، عام أربع وعشرين، فخلافته بما اثنتا عشرة ~~سنة إلا ليال، وقيل: بويع له يوم السبت بعد دفن عمر بثلاثة أيام، وحج في خلافته بالناس ~~عشر سنين على التوالي، وصلى عليه جبير بن مطعم، وحكيم بن حزام، وقيل: المسور بن ~~مخرمة، وقيل: الزبير بن العوام، ودفن بالبقيع ليلا؛ عجزا عن إظهار دفنه لغلبة قاتليه. # وقيل: إنما دفن في أرض اشتراها من رجل يقال له: كوكب، وتلك الأرض يقال ~~لها: حش كوكب، وزادها في البقيع، والحش هو البستان، وبسط عنان البيان لفضائله ~~وشيمه وجمائله يخرج عن المقصود، وفضائله وفضله لا تحصيها الرسوم، ولا يحاط بها، ~~فرضي الله عنه وأرضاه. # ثم فوض الله أمور بلاده وعباده إلى كامل المناقب، ورفيع المراتب، ابن عم ~~الرسول، وزوج البتول، سيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، شهير النسب، ورفيع ~~المقام والحسب، جد الشرفاء، ومعدن العدل والفضل والعرفان والصفاء، ولقد فاق غيره ~~من الأصحاب الكرام بمؤاخاته ومصاهرتهله صلى الله عليه وسلم فهو أبو السبطين، وأول هاشي ولد بين ~~هاشميين، وأول خليفة من بني هاشم، وأحد العشرة المبشرة بالجنة، وأحد الستة أصحاب ~~الشورى، الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو عنهم راض، وأحد العلماء الربانيين، والخلفاء ~~الراشدين، والشجعان المشهورين، والزهاد المذكورين، أسلم وهو ابن عشر، أوخمس ~~عشرة، أو شان، وهاجر ms071 إلى المدينة بعد أداء الوصايا والودائع نيابة عن الن صلى الل عليه وسلم شهد PageV01P075 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0076.png) ~~بدرا وأحدا والخندق، وسائر المشاهد إلا تبوك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ستخلفه فيها على المدينة، ~~فقال المنافقون: ما خلفه إلا استثقالا، فأخذ سلاحه ولحلله صلى الله عليه وسلم وأخبره بمقالتهم، فقال ~~اله لول: كذبوا، إنما خلفتك لما ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي، أما ترضى أن تكون ~~مني بمنزلة هارون من موسى، إلا إنه لا نبي بعدي»(1)، وأعطاه اللواء في مواطن كثيرة، ~~وأصابه يوم أحد ست عشرة ضربة، وأعطاه الراية يوم خيبر، وأخبر أن الفتح يكون على ~~يديه، وخصصه بذلك حين تشوقت إليه نفوس الصحابة، ومنهم عمر، فلما أن أصبح ~~قال: أين علي؟ وكان أرمد، فبصق ني عينيه فبرئ، وشجاعته في الحروب مشهورة، ~~وقوته وفتوته وكمالاته ثابتة في الأخبار الصحيحة المأثورة، وله الكلام الفائق، وإن رجونا ~~لم نبلغ ذلك لما له من المفاخر التي خرس عن حصرها كل لسان ناطق، لم يرد في فضل ~~أحد سواه ما ورد ني فضله، وذلك نذر قليل بالنسبة إلى علو مقامه، ورفعة محله. # كان شديد الأدمة، عظيم العينين، بطينا أصلع ربعة من القوم، مائلا إلى القصر، ~~كث اللحية وفيها طول، حسن الوجه، أبيض الرأس واللحية، وربما حخضب لحية باطنا، ~~وكان له حاجب يقال له: قنبر، وصاحب شرطته معقل بن قيس، وقاضيه شريح به ~~استقضاه بالكوفة عمر بها، واستمر إلى أيام الحجاج، وأول من بايع لعلي بالخلافة طلحة، ~~واتبعه الياقون، وكان مدة خلافته أربع أو ست أو حمس سنين، إلا ثلاثة أشهر، وكان قد ~~تولاها بعد عثمان يوم الجمعة لثمان عشرة، خلت من ذي الحجة، سنة حمس وثلاثين، ~~ومات شهيدا بضربة حصلت له من الشقي ابن ملجم بسيف مسموم في جبهته، فأوصله ~~دماغه، وكانت الضربة ليلة الجمعة العاشرة من رمضان، ولما أن ضربه قال: فزت ورث ~~الكعبة، ولما فرغ من وصيته قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم لم يتكلم بعدها ~~إلا بلا إله إلا الله، ولم يزل ms072 كذلك حتى توني بالكوفة، وهو ابن ثلاث أو حمس وستين، أر ~~تسع وخمسين، والأصح أنه ابن ثلاث وستين، وغسله الحسن والحسين، وعبد الله بن ~~جعفر، وصلى عليه ابنه الحسن، ودفن بالكوفة، وقبره مما يلي قبله له المسجد بالكوفة. # وقيل عند قصر الإمارة، وقيل: حوله الحسن إلى المدينة عند فاطمة، والأصح الذي ~~ارتضاه ابن الأثير وغيره: أنه بالنجف، يكفيه شرفا أن جمع الله له بين مصاهرة نبيه ~~وقرابته، مع ما أتاه من الحكمة، وتنوع العلوم والفهوم، كما أخبر عنه نبياه صلى الله علي معرفا PageV01P076 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0077.png) ~~بسنى مقامه الرفيع: «أنا مدينة العلم، وعلي بابها، فمن أراد العلم، فليأت بابه. # ولقد قال ابن عباس -رضي الله عنهما- : «لقد أعطي تسعة أشعاب العلم». # والله لقد شاركهم في العشر العاشر، فهو عين المؤمنين، وأميرهم ويعسوبهم، ~~والسبب الذي اتصل به نسب النبي صلى الله عليه وسلم المصطفى، إذ هو زوج ابنته، وأبو ذريته، فإنه ~~انقرضت ذرية لسيد الخلق إلامن فاطمة -رضى الله عنها وأرضاها- ولولا خشية الملل ~~من الإطالة لبالغنا في ذكر شمائله الأنيقة، وذكرنا على التفصيل ما بيننا وبينه من مشايخ ~~الطريقة، التى من الله علينا بخدمة رجالها، وبلغ نفوسنا بهم شريف آمالها، إذ هو واسطة ~~عقدها وإليه النهاية، وهو بحر يغترف منه ويستحرج جواهر المعارف والدراية، فلله ~~الحمد إذ وفقنا لذلك، وشرف بنا أشرف المسالك، وهو الغني الشكور. # وتركت ذكر أزواجه وأولاده [ومناقبهم]، ولطائف شمائلهم وصفاتهم؛ اختصارا ~~واستغناء بما ملأ الآفاق من كريم خصائلهم وضوحا واشتهارا، فرضي الله تعالى عنهم ~~وأرضاهم، وجعل بجاههم الجنة مثوانا، كما جعلها مستقرهم ومثواهم إنه جواد كريم، ~~ونعتقد كمال بقية الصحابة من العشرة، وهم طلحة، والزبير بن العوام، وسعد، وسعيد، ~~وبازل الأموال ومنفقها في سبيل الله عبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، وقد ~~ذكرنا أبا بكر وعمر وعثمان وعلى، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، فهؤلاء هم العشرة ~~المبشرون بالجنة، أهل الكمال والبهاء والعلو في رياض المنة، وكذا نعتقد الكمال في بقية ~~الأصحاب، والأصحاب جمع صاحب، وهو كل مؤمن ms073 اجتمع بالني صل الله عليه وسلم، ولو مرة وهو ~~مؤمن ومات على ذلك، وأهل بيته وهم أقاربه من مؤمني بني هاشم، وبني المطلب، ~~وأصحاب الكساء وهم فاطمة وعلى والسبطان؛ لما جا لي صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم، وعليه مرط ~~مرجل من شعر أسود، فجلس فجاعت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم جاء ~~الحسن والحسين فأدخلهما فيه، ثم قال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطميرا) الأحزاب:33]3). # وقيل: أهله أتقياء أمته؛ لحديث ورد في ذلك، وأنصاره الذين نصروه على أعدائه، PageV01P077 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0078.png) ~~فأووه وواسوه، وأووا أصحابه وواسوهم، وهم الأوس والخزرج الذين قال فيهم تبارك ~~وتعالى: (والذين تبرووا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون ~~في صدورهم حاجة مما أوتوا ويوثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يرق ~~شح نفسه فأولئك هم المفلحون) ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ي حقهم: ~~«الأنصار كرشي وعيبتي»(1)، وقال: «وفي كل دور الأنصار خير»(4). # وقال: «لولا الهجرة، لكنت امرها من الأنصار)(3). # وقال: (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار»(9) إلى غير ذلك ~~من الأحاديث الصحيحة ونحوها، الواردة في فضلهم، وفضل المهاجرين، وهم الذين آثروا ~~رضوان الله تعالى، ورضوان رسوله صلى الله عليه وسلم على حظوظ أنفسهم، فتركوا بلادهم ومهادهم، ~~وهاجروا مع المصطفي صلى الله عليه وسلم ن مكة إلى المدينة هي مهاجرة، ونعتقد أن كل فعل صدر ~~منهم وقول ورأي، إنما هو حق وصواب، وكمال وسداد، وأن قتيلهم وقاتلهم في الجنة ~~مخلدين، وأن ما وقع بينهم من التشاجر ونحوه، إنما نشأ عن اجتهاد قرب كلا منهم إلى ~~رضوان الله تعالى، ولم يقدح في رأيه، ولا دينه، ولا يقينه، قد صانهم الله تعالى من الخطأ ~~والزلل، وحمى نياتهم وعزائمهم وأعمالهم من الأعراض والقوادح والعلل. # ونعتقد أن عائشة -رضى الله عنها- أم المؤمنين، الصديقة بنت الصديق، زوجة ~~المصطف صلى الله عليه وسلم، طاهرة عفيفة حصان رزان، مبرأة من كل ما نسب إليها في حديث الإفك ~~ونحوه، قد ms074 أنزل الله تعالى براعتها من السماء، وابتلى من قال فيها ما هي منزهة عنه ~~بالعماء، لا نشك في اعتقاد كمالها، ولا نرتاب، ولا نفرق في الحب والاعتقاد بين أحد من ~~الآل والأقارب والعشائر والأصحاب، وهذا هو الاعتقاد الصواب، النافع في الدنيا ويوم ~~الحساب، ثبتنا الله تعالى عليه، ونعمنا به في الدنيا والآخرة، وجمعنا معهم ومع أحبابنا في ~~دار كرامته، ومستقر رحمته من غير خزي ولا ندامة فإن جواد كريم، ولو أخذنا نذكر ~~أنساب من ذكرناهم من الصحابة، وكناهم وألقابهم، ووقائعهم، وموالدهم، ومالهم من PageV01P078 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0079.png) ~~النعيم والجمائل، وذكر مواضع قبورهم، وما يتعلق بذلك من الأخبار والأثار والتواريخ، ~~وذكر من نقل ذلك، وما صح منه، وما لم يصح، لحال الحال، واتسع المقال، وذلك ~~بجناح إلى أسفار، وإنا نحن بصدد الاختصار، ولولا الاستطراد لم نتعرض لهذا المقدار، ~~وني لك كفاية لأولي الأبصار، وربك يخلق ما يشاء ويختار. # تعريف لطيف بسر شريف، وكما يجب الإيمان بمعجزات الأنبياء، كذلك يجب ~~التصديق بكرامات الأولياء، والفرق بين الكرامة والمعجزة والسحر، مع كون كل واحد ~~منها أمرا خارقا للعادة، أن المعجزة: ما كانت مقرونة بالتحدي، وهو أن يطلب ممن ~~أرسل إليهم أن يأتوا بمثل ما جاء الرسول، مع عدم المعارضة ممن أرسل إليهم، وثبوت ~~المعجزة لهم عن ذلك. # والكرامة: هي الأمر الخارق للعادة، الجاري من قبل الولي، وهو العارف بالله ~~وصفاته، المطلع على أحوال نفسه ذميمها وحميدها، على قدر يتوصل إلى اتقاء المحرمات، ~~وتجنب الشبهات، والتحرز من الوقوع في المخالفات، والانهماك في لذيذ الشهوات، فما ~~يجري على يد من اتصف بهذه الصفات، ولم يقترن بالتحدي، ولا دعوى النبوة فتلك هي ~~الكرامة، وقد نطق الكتاب العزيز بإثباتها، وكونها حقا وصدقا، وقد تواتر وقوعها من كثير ~~من الصحابة، وشاع وقوعها من أولي الكمال وممن بعدهم، بحيث لا يمكن إنكارها، ~~فيظهر على طريق نقض العادة للولي من قطع المسافات البعيدة ني المدة القليلة، كإتيان ~~آصف بعرش بلقيس إلى سليمان التلتلا قبل ارتداد الطرف إليها مع بعد المسافة، إذ كان ~~بينه ms075 وبين عرش بلقيس مسافة شهر، ولم يكن آصف نبيا. # وظهور الطعام والشراب من غير كسب ولا سبب كما وقع لمريم، فإن زكريا ال ~~كان كلما دخل عليها محل عبادتها، وجد عندها من الأرزاق ما هو مخالف للعادة، (قال يا ~~قريم ألى لك هذا قالت هو من عند الله) [ل عمران:37]، كما وقع لها عند حمل ~~عيسى الل ووضعه من هذه النخلة اليابسة، وعود بهجتها ونضارتها إليها وشراتها عند ~~مسها لها، وتساقط شراتها بالغة جنية عند تحريكها، وظهور الماء لها، وشهادة الطفل ~~الصغير ببراعتها مما نسب إليها، ونطقه بما أفصح وأوضح بإنه لا والدية، ولا مولودية بينه ~~وبين الحق، وأن لا ممازجة، ولا اختلاط بينه لة، وبين مريم أم عيسى، تعالى وتقدس ~~وتجد عن ذلك، وعن كل مالا يجوز نسبته إليه من صفات الأجرام، ونعوت الأجسام ~~علوا كبيرا. PageV01P079 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0080.png) # ومن الكرامات ما حصل من المشي على الماء، كما وقع ذلك لكثير من الأولياء، ~~والطيران في الهواء، كما نقل عن جعفر بن أبي طالب، ولقمان السرخسي وغيره، وجعفر ~~المذكور وهو أخو سيدنا علي بن أبي طالي لى الله عله لأبويه، وذلك أنه لما قطعت يداه يوم ~~موته حين اقتحم عن فرسته الشقراء، فعقرها ثم تقدم فقاتل حتى قتل، فدعا له رسول الله ~~اله ليهولم وقال ني دعائه: «أبدله الله تعالى جناحين يطيربهما في الجنة». # ذكر ابن الأثير عن أبي هريرةا قل صلى الله عليه وسلم روأيت جعفرا يطير في الجنة مع ~~الملائكة»(2). # قال الرواة: فلذا سي جعفر الطيار، هذا هو المنقول. # وأقول: إن أريد مطلق ما يكرم الله به عبده من جميل العطايا في الدنيا أو ني ~~الآخرة، فعد ما حصل لجعفر بدعوة رسول الله صلى الله عليه سلم ي الجنة من الطيران مع الملائكة كرامة ~~في غاية الوضوح، وإن أريد ما يحصل من خوارق العوائد للأولياء في الدنيا مما يكون ~~معجزة للرسول التي ظهرت هذه الكرمات على يد لبعض أتباعه المقرين له بالنبوة ~~والرسالة، الطائعين له في أوامره ونواهيه، ففي ms076 عد ذلك من كرامات الأولياء، الجارية على ~~أيديهم ني الدنيا نظر، ولم أر من تعرض لذلك، هذا وأحوال أهل الجنة، إنما هي بخلاف ~~أحوال أهل الدنيا، وهي ني غالب أوصافها خارقة لعوائد الدنيا، كما هو واضح لا يحتاج ~~إلى تقرير وبيان. # ومن الكرامات: خطاب بعض الحيوانات لبعض الآدميين، كخطاب كلب أهل ~~الكهف لهم، وكلام البقرة الثابت خبرها في قوله صلى الله عليه وسلم (بينما رجل يسوق بقرة قد حمل ~~عليها إذا التفتت البقرة إليه، وقالت: إني لم أخلق لهذا، إنما خلقت للحرث، فقال ~~الناس : سبحان الله بقرة تتكلم، فقال الي صلى الله عليه وسلم: منت بهذا وأبو بكر وعمر»، يعني: ~~بأن الله سبحانه وتعالى قادر على إنطاق الجمادات والحيوانات وغيرها، ومن ذلك تسبيح ~~القصعة بين يدي سليما صلالله ليه وسلم وابي الدرال صلى الله عله وسلم، وسماعهما للتسبيح الصادر عنها، ومن ~~ذلك تسبيح الفأر المشهور ني الصحيح وغيره. PageV01P080 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0081.png) # ومن ذلك حديث جريح، ومن ذلك ما وقع لامير المؤمنين عمر حين نادى على ~~منبره يا سارية الجبل، كما أشرنا إليه في مناقبه، ومن ذلك ما وقع للعلاء الحضرمي حين ~~أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة، فحال بينهم وبين الموضع قطعة من بحر، فدعا الله سبحانه باسمه ~~الأعظم حتى مشى هو ورفقاؤه على الماء، ومن ذلك ما وقع لبشير وأسيد بن خضيرمما ~~هو مشهور، وذلك ما وقع لإبراهيم الأجيري مع اليهودي، ودخول ابنهم النار بثيابه، ~~فعادت عليه كنار الخليل بردا وسلاما، ولم يصبه منها شيء، وكان ذلك سببا لإسلام ~~اليهودي. # ومن ذلك ما وقع لشيخنا وأستاذنا، الشيخ العارف، والقطب الكاشف، سيدي أبي ~~العباس أحمد التباسي المغربي، وهو رجل تونسي الأصل، وكان أبوه من أهل الثروة ~~والنعمة، ولم يلتفت إلى ذلك بل خرج عن دياره وبلاده، ووصل إلى خدمة شيخه الشيخ ~~العارف الكامل، الجامع الفاضل، شيخ الأقطار، وغوث الأمطار، وقمر الليل، وشس ~~النهار، الشيخ المحقق المدقق، ذي الكمال المألوف، والبر الموصوف والمعروف، سيدي ~~أبي العباس أحمد بن مخلوف الشابي ms077 القيرواني، ففتح له على يديه، وصار من أرباب ~~المكاشفات والتصرفات، حتى صار يخبر بالمغيبات. # قال والدي -رحمه الله -: أخبرني سيدي مسعود الصنهاجي، وكان من أكابر ~~أصحاب الشيخ التباسى، نفعنا الله تعالى ببركاته: أن بعض الفقراء وقعت منه نظرة لامرأة ~~أجنبية، وحضر المجلس، فأخذ الشيخ في الكلام على عادة تربيته للفقراء. # قال سيدي مسعود: وكان الشيخ إذا أراد أن يخبر بمغيبة على سبيل الكشف بتغير ~~وجهه، ويعرق وينح صوته، ويميل عنقه عقب كلامه. # قال: فاستطرد الشيخ في الكلام، ثم قال: ما بال أحدهم يدخل علينا، وعينه تقطر ~~من الزنا، وكل منا ذاب حياء عند ذلك، ووجلا وصار أهل المجلس كل منهم ينظر إلى ~~صاحبه، ويظن أنه المشار إليه، ويتفكر في نفسه حتى افترق المجلس، واعترف صاحب ~~الذنب بذنبه. قال سيدي مسعود: ولقد كاشفني بأمور وقعت لي في حجي قبل أن أحج، ~~وبأمور وجدتها عيانا. PageV01P081 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0082.png) # كما قال من غير شك ولا ريبة ولا شكال، وكان هذا الشيخ ينفق من الغيب، ~~أدرك ذلك طوائف من أصحابه، ومن كمالاته أنه لم يقرأ من القرآن إلا الم، وسورة ~~يوسف، ومع ذلك إذا تكلم في الطريق يستحضر من البقرة، إلى من الجنة والناس، وكان ~~يستحضر النصوص المدونة. # قال شيخنا السيد الشريف على بن ميمون -برد الله ثراه - : دخلت عليه فوجدته ~~يقرأ رسالة ابن أبي زيد على مقتضي ظاهر الشرع، وباطن الطريق، حتى قلت في نفسي: ~~هذا هو التقرير. # أو كما قال: وكان فيما بلغنا أنه إذا أشكل على جهابذة المحققين من أعيان ~~المدرسين من العلماء ناحية مسألة من مسائل العلوم الظاهرة، يرسل إليه فيوضحها ~~ويقررها على أحسن ما يكون، ولم يمت حتى كتب على خديه بقلم نوراني: - رحمه الله- ~~فكان لفظ رحمة مكتوبا على الخد الأيمن، وعلى الأيسر الجلالة، فيالها من كرامة أخرى، ~~وكانت هذه الكتابة واضحة يقرأها كل من يدرك القرآن إذا قرب من الشيخ. # ومن غريب ما بلغنا من بعض الثقاة: أن الشيخ حصل له مرض، فاحتاج إلى النقلة ~~من محل إلى آخر، ms078 فنادى أربعة أنفار من أصحابه ليحملوه، وكان مستلقيا على نحو ~~بساط، فقام كل من الأنفار الأربعة عند طرف من أطرافه، فلم يستطيعوا رفعه، فاستدعى ~~بأربعة أنفار معهم، فلما أن كمل عددهم شانية، خف عليهم حتى حملوه ونقلوه لسر ~~إلهي، وأمر رباني، قدره العزيز العليم، سبحانه لا إله إلا هو. # ومن كرامات بعض من دخل في طريقه من الإناث: أنها قامت في صلاتها على ~~سجادتها، وكانت السجادة متنجسة بواسطة فضلة طفل لها ألقاها على السجادة، وهي لا ~~تشعر بها، وكانت ظلمة، فرفعتها السجادة حتى رمتها، فاستعاذت بالله من الشطيان ~~الرجيم، ثم عادت مرة أخرى ورفعتها السجادة مرة أخرى إلى أن ألقتها إلى الأرض، ولم ~~تزل كذلك حتى تفضحت الأمر فوجدت النجاسة، وعلمت بأن هذه الحالة إما هي صيانة ~~لها من الله تعالى، وحماية من التطلخ بتلك الفضلة، وعناية بها؛ لئلا تكون صلاتها فاسدة ~~بواسطة ما ذكر، وهذا كله قطرة من بحر لا تعد أمواجه، ولا تخاض ثياجه. # وذلك مقتبس من البحر المحيط، العالم العامل، الفضل القطب الكبير، الرباني ~~سيدي أحمد بن مخلوف الشابي، الهذلي القيرواني، فإن كرماته أجل من أن تكون محصورة، ~~ولا يطمع طامع ني إحصائها وإحصاء ما لها من البركات المشهورة، وكيف لا وهو الذي PageV01P082 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0083.png) # 83 ~~تساق إليه الأموال، وفي مخيم معناه: تحط الرحال الشيخ البلاد الغريبة، وبحر السداد، ~~ومفتاح الحظائر الحبية من كراماته، التي تفكهت الأذواق بيانع قطافها، وحارت العقول ني ~~بدائع أوصافها، ما تخضبت نباتات الأقلام فرحا، وامتلأت به بطون الدفاتر ترفعا من ~~فياضه في كل معنى، فأصبح من زلاله الصافي متطفحا، إن الله تعالى حين أشفه النسيم ~~الوجدي، فألقى في قلبه حب الاجتماع بالقطب الهندي، وكما ألقى ذلك في قلبه، ألقاه ~~ني قلب قطبه، وأنهض همته فتوجه من بلاد الهند إلى بلاد العرب بقصد زيادة الشيخ أبي ~~مدين، وكان أبو الفتح الهندي سائرا إذ كشف له عن شجرة في بعض بلاد الله تعالى، ~~مكتوب على أوراقها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، الشابي ms079 ولي الله، فلما أن رأى الهندي ~~ذلك، قال في نفسه: ياترى أين يكون هذا الرجل الشابي، فشاء الله بمرور الشيخ الهندي ~~بناحية الشابي، فلما أن رأى الشابي جمعا من الفقراء، ومعهم الأعلام فعزمهم إلى منزله ~~فوقعت المحاورة، وآثرت المجاورة، فوجد الشابي الهندي بحرا لا ساحل له، فصحبه في ~~قصص طويلة، ففتح له على يديه وحج معه، فبينما هو أي الشابي يتكلم في الطريق ني ~~المسجد الحرام بإذن شيخه، وشيخه الهندي، والقطب الكبير حاضران، كانت من الشيخ ~~الهندي التفاتة، فاذا بالكعبة تطوف به، وكان لاحظ ذلك، فقال له شيخه الهندي: طينته يا ~~شابي طينته فلا تشغل بها، يعنى: هذه طينته فلا تشتغل بها عن الله وعجل. # وله مناقب جمة منها: أنه كان ينتقل مع رجال الغيب، أولي الطيران ويطير معهم ~~ني الهواء، ويحضر بحالس أهل الله مشكلا بشكل طير من الطيور. # ولقد قال بعض الأولياء بمصر، لبعض أصحاب الشيخ الشابي: إني أرى الأولياء ~~يحضرون بحلسي، ولم أر الشابي معهم، فذكر ذلك للشابي، فقال ني جوابه: قل له: أما ~~رأيت الطير على بجلسك، فإذا قال: نعم، فقل: ذلك الطير الكبير هو الشابي. # وله مناقب وكرامات لا تحصى عدا، ولا يحاط بها حصرا وحدا، وكذلك لطريقته ~~الغرا العلوية، الحاوية لكل منقبة المناقب السنية، ومن مناقبها انتشارها ني البلاد شرقا ~~وغربا، وكل من سمع بها أو بأهلها ازداد فيهم وفيها شغفا وحبصا، وكان قصدي أن أذكر ~~مشايخها واحدا بعد واحد، وأن اذكر ما تيسر من كراماتهم ومناقبهم، منتهيا بذلك إلى ~~حضرة باب العلوم والمواهب، يعسوب المؤمنين وأميرهم، بحر المناقب علي بن أبي ~~طال صلى الله عله ول وارضاه، وجعل الجنة مستقرنا كما جعلها مستقره ومثواه، وإنا منعني من ذلك ~~ما قصدته من الاختصار، وربك يخلق ما يشاء ويختار. PageV01P083 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0084.png) ~~الشيخ عرفة، أبقاه الله تعالى ونفعنا ببركاته، فلقد حييت ببقائه القلوب، وتيسر للطالب به ~~كل مطلوب. # ومن مناقبه التي سارت بها الركبان، وشاع نورها وأضاء من أفق دار القيروان، أن ~~سلطان بلاد المغرب كان ms080 قد حب بنقل واش كذاب وضع في الحبس وقيد بالحديد، كان ~~ني كل وقت من أوقات الصلوات يشير الشيخ عرفة إلى القيود من الحديد، فتتساقط فيقوم ~~فيصلي، فقال له بعض ما كان معه في السجن: إذا كان مثل هذا المقام لك عند الله تعالى، ~~فلأي شيء ترضى ببقائك؟ فقال: لا يكون خروجي إلا في وقت معلوم لم يحضر إلى ~~الآن، واستمر هنالك كذلك حتى رأى سلطان بلاد المغرب رسول الله صلى الله عليهوسلم، فقال له: ~~عجل بإطلاق عرفة مكرما، وإياك من التقصير يكن مغضوبا عليك، فإنه ولي من الأولياء ~~عند الله تعالى، أو كلاما هذا معناه، فلما أن أصبح أطلقه مكرما معززا مبجلا معظما، ~~وكم له من منقبة شارقة، وكرامة ظاهرة بارقة، ومكاشفة ظاهرة، ما ترك منها أعظم مما ~~ذكرنا، وأجل مما نقل وسطر، نفعنا الله ببركاته، وأعاد علينا وعلى أحبابنا من سنى ~~نفحاته. # ومن الكرامات الظاهرة، والمناقب الفاخرة ما أشرق في الألباب والصدور، ~~واستحق أن يكتب ببياض النور على خدود الحور، ما ظهر لشيخنا وقدوتنا إلى الله تعالى، ~~وأستاذنا ومرشدنا، فريد العصر، وأعجوبة الدهر، بحر العرفان، ومعدن التحقيق والإيقان، ~~ذي الجد الكبير، والجد العجيب، غوث الله في أرضه، وغيث خلقه في إحياء سنته وفرضه، ~~بحددا أمر الدين في هذا الزمان للأمة، ومرشد الطالبين إلي رياض الكمال والرحمة، الشيخ ~~على بن ميمون الحسني المغربي، حقق الله لنا به المقاصد، وجمعنا وإياه في ألطف المحاضر، ~~وأشرف المشاهد، فمن ذلك ما حكاه لي بعض أهل العلم والتدريس، وقد توجهنا إلى ~~زيارة قبر سيدي الشيخ عام سبعة وثلاثين وتسعمائة، فقال: إن من غريب كرامات من ~~أنتم متوجهون لزيارته، ما شاهدته بعيني وذلك: أن رجلا من الأجناد أرسل كلبا قال: أو ~~صقر على غزال، فركضت الغزال حتى جاءت إلى الأرض التي هو مدفون فيها، فدخلتها ~~واحتمت ني ظل الشيخ، فقيل للجندي: دعها فإنها فعلت فعل العائد بقبر الشيخ، فلم ~~يلتفت إلى مقالتهم، وجاء إليها وهي قائمة، ولم تبرح من مكانها حتى جاء الجندي ~~وامسكها ms081 وذبحها، واكل من لحمها، فلما فرغ من اكلها أخذه وجع في بطنه، واستمر PageV01P084 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0085.png) ~~حتى مات من ليلته والله تعالى أعلم، فلما أن غسل كان لحمه على المغتسل يتقطع قطعا، ~~وجلده كأنما تهرى [......]، كمن مات بداء نشأ عن تناول سم. # قال الراوي: فعلمت أنا وغيري أن ذلك كله من بركة الشيخ، وكرامة أكرمه الله ~~بها بعد موته جلالا لمقامه، وأخبرني شفاها جمع ممن يسكن قرية محدل مفوش التي هي ~~قرية الشيخ وقبره فيها: أنه كان في جوارهم وفي قريتهم كروم، وقد يبست أغصانها، ~~وفسدت عروقها، وتعطلت بالكلية، فمنذ حل الأستاذ الشيخ المذكور بتلك النواحي، ~~عادت الأراضى المجدبة مخصبة، وعادت أشجار العنب المذكورة آنفا إلى أحسن ما يكون، ~~وانبعت شارها، وهى مستمرة من ذلك الآن إلى هذا الزمان، ولم نعرف ذلك إلا من ~~بركته، ولقد حصلت منافرة بين رجلين من الفقراء، فخرج أحدهما على وجهه، فسمع ~~الشيخ بذلك، فقال لمن كان السبب في ذلك: إما أن تأتي به، وإما أن تذهب عني، فلم ~~يلبث يسير إلا وذلك الرجل الذي خرج على وجهه قد دخل على الشيخ وهو يبكي، ~~فسأله عن سبب بكائه، فأخبره: إنه كان كلما توجه إلى طريق وجده مسدودا، ورأي ~~الشيخ هو المانع له؛ لكونه قد تشكل له في شكل السد، وأدرك ذلك اللميذ من حالة ~~سيدنا الشيخ ما أذهله، حتى كاد أن يخرج من عقله، ولقد جاءه ذات يوم من الأيام بعض ~~المدرسين، وأهل الفتوى، وأهل القدرة على التصحيح والتصنيف، وهو كامل حتى في فن ~~أصول الدين، بحيث وصلت قوته إلى أن قال: لو جاء الأحد والسبعون فرقة وجادلوني، ~~القطعتهم بما أويته من واضح الحجة، وما وهبني مولاي من ترتيب الأدلة والبراهين، ومع ~~ذلك فحين اجتمع بشيخنا السيد الشريف على بن ميمول نى الله عليه عنه ، لم يسعه إلا اتباعه ~~ودخوله في جملة الفقراء. # ولقد وقعت لهذا العالم النحرير مشكلة في علم الكلام، فجاء إلى الشيخ وسأله ~~اياها، فقال: أما الآن فليس عندي ما أجيب به، فامش ms082 واشتغل بالله، فإن رزقنا الله تعالى ~~من معنى ذلك شيئا أسمعنا إياه، فتوجه السائل إلى خلوته، فلم يلبث إلا يسيرا، واذا ~~برسول الشيخ قد جاء يناديه، فانطلق إليه، فلما أن جلس بين يديه أسمعه من الجواب ما ~~يدهش العقول والألباب، ثم بعد فراغه من تقريره السؤال، وإيضاح مشكلة، قال: والله إني ~~طالعت هذا الجواب، ونقلته لك من اللوح المحفوظ، وكلاما هذا معناه، فسأل السائل عما ~~سأله، وسمع من جواب? فقال: سألته عن طرف غصن من أغصان شجرة كبيرة، فإذا به ~~قد اقتلعها بغصونها وأوراقها وشروشها، وسائر توابعها، وقال: خذ هذه، أو كما قال PageV01P085 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0086.png) ~~يشير بذلك إلى أنه قد أجاب بالمراد، وزاد هذه الزيادة حتى كان ممثلا بمن فعل هذه ~~الفعلة، فرضي الله عنه، ورضي عنا به دنيا وأخرى، وهذا قليل من كثير، ونذر يسير من ~~بركاته ومناقبه، وما اشتمل عليه من المحاسن والمناقب. # وقد صنف بحر الفوائد، شيخنا الوال اله يه كتابا مشتملا على محاسنه ومناقبه ~~وعجائبه وغرائبه، وساه «مجلى الحزن عن المحزون في مناقب السيد الشريف، الشيخ أبي ~~الحسن علي بن ميمون»، وقد جمع فيه فأوعى، وأجابته القوافي والنكت والإشارات، ~~وأنواع الرموز طوعا، فمن أراد الشذور الذهبية، والرموز الفضية الطرية، والفواكه الشهية ~~منه، فعليه بمطالعته وبمراجعته، فإنه ليشفي العليل، ويطفىء الغليل، وفيه الكفاية على ~~الإجمال والتفضيل. # وأما كرامات خانتمة المحققين، وخلاصة المدققين، وبحر الولاية، وروضة الهداية، من ~~كل كل لسان عن وصفه، وحار كل عقل في حصر تقاه، وعلومه وفهومه، ودينه ويقينه، ~~ولينه وتواضعه، وأدبه ورغبته، وجوده ولطفه، شيخ الشريف والطريف، والعلم الفرد، ~~المرشد إلى سبيل الحقيقة، بحر الفوائد شيخنا وقدوتنا، الإمام الوالد، قدس الله سره العزيز، ~~وجمعنا وإياه ني دار الكرامة، وحمانا في حماه المنيع، وكرمه [الكثير]، فإن أحاديثها الغريبة ~~لا تحصر، وني الآفاق أشهر من أن تذكر، جمع إلى العلوم النقلية والعقلية مرتبة المكاشفة، ~~والولاية والتصرف، وغاص بحار التحقيق حتى نطق كل ناطق بأنه إمام الأئمة في العلم ~~والتصوف، فمن كراماته الفائقة، وأحاديث مناقبه الصادقة: ms083 إنه شكى إليه بعض أصحابه ~~بأنه لايرزق ولدا، ولم يزل يعرض له بذلك، فبينما هو وإياه في الحمام ليلة من الليالي، أو ~~يوما من الأيام، إذا بالشيخ قد أخذته حالة، فناداه وقال له: ادن مني، ثم ضرب بيده ~~المباركة على صلبه، فبعد ذلك رزق أعدادا من الذكور، ولم يكن ذلك إلا من بركته الله عيه ~~وأرضاه. # ومن كراماته: أنه كان ذات ليلة من الليالي يتكلم ني طريق السلوك مع بعض فقرائه ~~بعد صلاة العشاء في بيت، وني البيت سراج موقد، ففرغ منه الزيت فقام بعض فقرائه ~~يصب فيه زيتا، فانطفئ فأراد أن يشعله، فقال له الشيخ: اقعد فإن من عباد الله من إذا ~~أراد، قال للسراج: اتقد فيتقد، فما فرغ الشيخ من كلامه إلا والسراج قد اتقد من غير ~~زيت، ولاشيء من الأدهان إلى آخر الليل، واستمر إلى قريب طلوع الشمس، وأظن ~~الراوي قال ني هذه الرواية: ولم ينطفئ حتى جاء الشيخ وطفأه بنفسه. PageV01P086 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0087.png) # وأخبرني بعض أهل العلم، وكان مسافرا في مصر: أنه كان عند إيابه من البلدة ~~المذكورة في أثناء الطريق، فحصل لدابته عتى وتعب والمطر واقع، وأظنه قال: ونحن ~~بالقرب من ماء، ووقع الحمل من على دابته، وقد تركه الرفقاء وساروا، وبقي وحيدا ~~فريدا، فنادى الشيخ باسمه، فلم يلبث إلا يسيرا، إلا وهو بالشيخ الوالد واقفا عنده، فقال ~~له ملاطفا ومؤنسا: ما الذي قطعك يا فلان عن القافلة، فاعتذر إليه بما حصل لدابته، فما ~~هو إلا أن أخذ بطرف من أطرافها، وأقامها وحمل عليها أمتعته، ثم ركبه عليها، ثم أوصله ~~إلى القافلة في أسرع مدة، فتفقده ذلك الرجل، فلم يجده ولم يدر أين مضى في الأرض أو ~~ني السماء. # وأخبرني ثقاة من أصحابه، وكانوا تجارا ببعض الأطراف الهندية، فبينما هم ني ~~مركب من مراكب البحار، وإذا بالرياح قد اختلفت عليهم حتى أشرفوا على الغرق، ~~فاستغاثوا باسم الوالد، فاذا به قد خرج على شكله المعهود من البحر، عليه ثيابه التي ~~يعتاد لبسها، وإذا قد جاء إلى تحت ms084 المركب، فحمله على عاتقه ولم يزل حتى أوصل ~~السفينة بمن فيها إلى ساحل السلامة، والناس ينظرون إلى ذلك، ثم غاب عنهم، وكم ~~شوهد مناما ويقظة في كثير من المحاضر والمجالس المشهورة بالخير والصلاح، ولما أن فتح ~~السلطان المظفر، والملك المؤيد، سلطان العرب والعجم سليمان -أدام نصره- مدينة ~~رودس، شوهد الشيخ الوالد راكبا على فرس شهباء، أو قال الراوي: بيضاء، وقبل فتحها ~~بنحو ساعة، شهد قوم الشيخ قد تقدم وفتح باب المدينة، فمشى الرجل المشاهد له، ~~وأخبر بعض وزراء السلطان، وبعض خواصه، فما هو إلا أن ابتدر هو وطائفة من العسكر ~~باب المدينة، فإذا به مفتوح، فدخلوا فلما أن جاؤوا إلى بعض الكنائس وجدوا الشيخ ~~ومعه طائفة يصلون، ويهللون ويكبرون، ويرفعون أصواتهم بكلمة الإسلام وبالصلاة على ~~النبي عليه أفضل الصلوات، وأكمل التحيات، فجاء ذلك الرجل وابتدر الرجل للشيخ ~~بالسلام، فنظر اليه مغضبا، وخفي عن بصره، فأخبر بعض الوزراء وحوله جماعة بذلك، ~~فصدقه بعض الحاضرين وأعوانهم، وقال: نعم أنا رأيت ذلك الرجل بعيني على هذا ~~الوصف، فتعجب الوزير من ذلك، وزاد اعتقادا في سيدي الشيخ الوالد، ولما أن رجع ~~ذلك الرجل من سفره، جاء إلى منزل الشيخ في حياته، واجتمع به وبكى، فقال له: لا ~~تفش شييا مما رأيت تهلك، فكأنه تكلم مع بعض الناس خفية بذلك، فأرسل خلفه ~~وزجره، وقال له: ما لك والدخول في إشاعة هذا الكلام، أما علمت أن من حسن إسلام PageV01P087 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0088.png) ~~المرء تركه ما لا يعنيه، تالله إن عدت إلى الإخبار بما رأيت فلا تعرفني، وهذا معنى ما ~~أخبرني به هذا الرجل بعد موته سيدي الشيخ الوالد، وهو رجل مغربي حج بيت الله الحرام ~~مرارا والله أعلم، كان ممن سبق إلى خدمة الأستاذ الوالد، وخدمة شيخه السيد الشريف ~~اله عل وتقدم، وهو أخبر بما قال، ولقد أخبر لصوص بعد توبتهم بأنهم جاؤوا إلى مرقد ~~الشيخ بقصد إذايته، فوجدوه قائما يصلي، والمحل ممتليا عليه نور، وكانت الليلة مظلمة، ~~ولم يكن فيه سراج ولا قنديل ونحوهما. # ولقد أخبر بموته ms085 قبل حلول مرضه، وعرف بأمور تصدر في بلدته وغيرها من بعد ~~موته من أصحابه ومن غيرهم، فجاءت مواعيده التي أشار بها، كفلق الصبح، وما تخلفت ~~كلمة من كلماته، بل جاءت على أتم وجه أشار بوقوعه، وكان في مرض موته إذا جاء ~~أحد بالدواء تبسم، ويقول قضي الأمر، لا حاجة لي بالدواء ونحوا من هذه الكلمات، وني ~~يوم موته، وعند قرب خروج روحه علم بذلك، واستدعى بوالدته واسترضاها وودعها، ~~وكذلك استدعى بأولاده ذكورا وإنانا، وأوصاهم بالتقى ولزوم الذكر، ثم طلب أن يتيمم ~~ثم دخل ني الصلاة، فبينما هو عند قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستتعين) ، ~~إذ خرجت روحه، أو وصلت الغرغرة، وكانت له جنازة مشهودة، وعند قبره تستجاب ~~الدعوات سواء كانت دنيوية أو أخروية، جربت ذلك أنا وغيري، وشهدت عيانا له ني ~~نفسي من الكرامات ما لا أحصيه من ذلك، إني ابتليت في صغري بسوء الفهم والحفظ ~~حتى ناهزت الاحتلام، وفهمي ني إدبار، فبينما أنا في ليلة من الليالي عند السحر، وإذا أنا ~~بالشيخ الوالد، وقد أخذته حالة فأخذت في الإنشاء في شيء من كلام القوم، فلما أن ~~سرى عنه ورجع إلى طوره، خرج من بيته وأخذ في الوضوء في وعاء من نحاس واسع، ~~فلما أن فرغ أخذت ذلك الماء وشربته، فمن يومئذ وجدت البركة في الحفظ والفهم، وما ~~توقف علي بجود الله وبركته شيء من المطالب القلبية مطلقا. # ومما حكي لي من لا أستربي ني صدقه: إنه تغلب عليه بعض أعوان الظلمة، ~~وأخذوه من بلدته قهرا، وسجن وقيد ووضع عنقه وبقية أعضائه في السلاسل والأغلال، ~~فاستغاث لسيدي الشيخ الوالد، فتساقطت عنه الأغلال والقيود، فقام على قدميه، وإذا ~~باب السجن مفتوح، وإذا بالسجانين رقود على باب السجن، ولم يزل في أمن منهم ومن ~~غيرهم، حتى وصل إلى بلدته سالما باذن الله تعالى وبركته. # ولقد قال لبعض أصحابه سنة من السنين ني رمضان: إذا كنت غدا في بحلس الكلام PageV01P088 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0089.png) # 80 ~~والوعظ يمر على باب المسجد ثلاثة من اليهود، فأما الاثنان ms086 منهم فينصرفان، والواحد ~~يقبل فيقف على باب المسجد، ويقف فيستمع الكلام، ثم لا ينفصل المجلس إلا وقد دخل ~~ني الإسلام، فإني خيرت بين أن يموت رجل في بحلسي، وبين أن يسلم يهودي، فسألت ~~الله إسلام اليهودي، وخيرة المسلم، فوجدت في قلبي ثبوت ذلك، فلما أن أصبح الشيخ ~~وجلس ني جماعة على كرسيه وأخذ في الكلام، كان ما قال واضحا مشهودا جليا، كذا ~~ذكر بعض أصحابه وهو أخبر بما قال. # وأما ما روي له من الكرامات، وروية اجتماع الشيخ بحضرة النيصلى الله عليه وسلم ناما، وغير ~~ذلك من العجائب والغرائب، فذلك شيء لا أحصر عده، ولا أضبط حده ، وهذا شيء ~~ملأ الأسماع، وانتشر في الآفاق، وامتلأت منه الأقطار والبقاع، وشرفت به العقول ~~والطباع، ولولا الاختصار لذكرت من ذلك ما ينعش البصائر، ويدهش الأبصار، ويكفيك ~~ني فضله شهادة شيخيه بالكمال، ولما أن توجه إلى زيارة شيخه السيد الشريف، وكان ~~فيبلدة بورسة من بلاد الروم، فلما أن وصل الوالد إليه، فوض إليه أمر تربية الفقراء، وكان ~~الوالد في خلال الكلام وهو واقفا، أي: شيخه في باب المسجد، وكل ما مر عليه ملا من ~~فقراء، من أولي العلم والفضل، والموالي أرباب التحقيق والإتقان والتدريس ونحوهم، ~~يقول لهم: ادخلوا واسمعوا كلام الطريق من أخلاق وعرفان وتحقيق نعم هكذا هكذا، نعم ~~هذا كلام الطريق، وهو واقف يسمع ويضرب على ركبتيه فرحا وسرورا. # ولقد قال بعض العوام من كبراء أهل محلتنا، وكان مشهورا بالخير والصلاح: أشهد ~~على سيدي الشيخ السيد المغربي أنه قال: لست بشيخ، وإنما أنت كرجل علم بكنز ني ~~بلدة، فأراد أن يعم الانتفاع به كل أحد، فجاء فاستخرج ما فيه، ثم دل الناس عليه ومضى ~~ني حال سبيله، فالكنز المعمي «علوان»، وقد جاء علي بن ميمون، فاستخرج ما فيه من ~~العلوم والمعارف، ودل الناس على الانتفاع به، والأخذ عنه بهذا اللفظ أو ما يقاربه. # وأخبرني سيدي الشيخ السيد -قدس الله سره العزيز - هذا الرجل: وكان ثقة عدلا ~~عاقلا دينا، لم أطلع على ما يريبني ms087 في دينه وصلاحه. # وأخبرني هذا الرجل مرة أخرى، عن سيدي الشيخ الشريف بن ميمون المغربي، ~~نفعنا الله ببركاته: أنه قال له في حق والدي استمسكوا بهذا الرجل، فوالله ليسخرن له ~~ملوك الأرض اعتقادا وانقيادا، وكأني أراهم وهم على بابه زيارة وحبا، واعتبارا وتبركا، ~~وليملأن الله ذكره في البلاد شرقا وغربا، وليسكنن الله القلوب حبه. PageV01P089 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0090.png) ~~90 # فكان كا قاله الشيخ ني حق خليفته الإمام الوالد: مشهودا محققا، أشهر من نار على ~~علم، ولقد أجمع أهل الصلاح والتقوى، والعلم والعمل، والمعروف والسلوك والجذب ~~وغيرهم على ولايته وبركته وصلاحه، حتى أن كل من رآه غالبا يبدر التسليم والانقياد، ~~والحب والتعظيم، وذلك شيء اختصه الله به وحققه له، مع فراسة وكياسة، وسياسة ~~ودين، ولين ويقين، ومكاشفة وإخبار بكثير من المغيبات، فرضي الله عنه، وكيف لا وهو ~~شيخ المسلمين ني زمانه، والداعي إلى الله على بصيرة في سره وإعلانه، إليه المرجع إذا ~~وجدت مشكلة، وغابت عن العيان، ولئن مست الناس كربة من الكرب استشفعوا بشاني ~~الزمن، صادح بالحق لا يخاف لومة لائم، صادق النية لا يرعوى من بطشه، ظالم يده ~~مبسوطة بالعطاء، لا يكنها خوف الإملاق، مبسوط قلمه ولسانه في ميادين البيان، ~~ومصنفاته ومؤلفاته، ونتائج فكره شاهدة بأنه من السباق تستقل للثريا أن يكون فما ليده ~~المقبلة، ولا شك أن أيام الدهر بغيث الرحمة، وغوث الأمة، والبحر أضحى يستمطر من ~~أنوائه، والنيرات ني أفلاكها تستحق أن تلتمس من أضوائه شمس الذروة العليا، ونفع ~~الخليفة في الآخرة والدنيا، وإن بالغت ني وصفه، فإنما أنا موصوف بالتقصير، وكلما ~~انطلق طرف فيما له من المناقب والكرامات، رجع وهو حسير، فأسأل الله بحقه، وحق ~~مشايخ أهل الصدق والعناية والجد والسبق والولاية، أن يجمعنا معهم ومعه في مستقر ~~رحمته، وأن يبهجنا بشهود جماله البديع في حظائر السعادة، ومنازل الكرامة، ولم تزل ~~بجود الله وكرمه المناقب والكرامات على الحقيقة مشهودة، وثابتة لأهل هذه الطريقة ~~والكمالات مأثورة عنهم، والمكاشفات مشهودة منهم، غير أنهم لا يطلعوا عليها؛ وذلك ~~لأنهم أصابهم دعوة ms088 من شيخ الطريق الأكبر الشيخ أحمد الشابي -نفعنا الله تعالى ببركاته- ~~وذلك أن الشيخ ذات يوم من الأيام هتف به هاتف، وقال له: يا أحمد ستكون لك ذرية ~~وأتباع، فاستعاذ الله من الشيطان مخافة أن يكون ذلك الهاتف منه، فلما تكرر القول من ~~الهاتف، قال: اللهم إن كان ما يقول هذا الوارد جلا فاحجب عنهم ما قسمت لهم من ~~الخير؛ كي لا يفتنوا، ومراده بذلك حجب الكرامات عنهم؛ لئلا يميلوا إلى الدنيا، ومراده ~~بالذرية والأتباع: الفقراء والتلامذة، إذ الأبوة على قسمين: صلبية، وقلبية. # وكذلك النبوة، ومن كان فتا أعظم للفرد ممن كان صبيا قويا، فلما حصل من ~~الشيخ ني الدعاء لم تظهر الكرامات على آثار هذا الطريق، وإن ثبت لهم فلا يطلعون ~~عليها، هذا وليس الشأن ني الكرامة، وإنما الشأن ني الطاعة لله ورسوله ظاهرا وباطنا PageV01P090 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0091.png) ~~بوصف الاستقامة؛ ولهذا قيل: كن طالبا لاستقامة، ولا تكن طالبا لكرامة، ولربما اهتزت ~~نفسك لطلب الكرامة، ومولاك يطالبك بالاستقامة، وكونها من أشرف المطالب، أمرنا ~~بطلبها في كل يوم وليلة سبع عشرة مرة في كل ركعة من ركعات الصلوات الكتوبة ني ~~الفاتحة، ولعلو مقامها وارتقاء مرامها قال صلى الله عليه وسلم: (شيبتني سورة هود وأخواتها»؛ ~~لاشتمال سورة هود وأخواتها على الأمر بالاستقامة؛ ولما كانت الكرامة محل الافتتان، ~~وزلزلة النفس، تعين على الولي أن يخفي كرامته، كما يتعين على النبي أن يظهر معجزاته؛ ~~لكونه النبي بواسطة ما خصه الله تعالى به من [العلم] في صيانة من الاختلاف، وتبدل ~~الأحوال، بخلاف الولى، فإنه وإن كان قد منحه الله تعالى مقام الحفظ في قابلية التبدل ~~والتغير، وانعكاس الحال، كما قيل للجنيد: أيزني الولي، فقال: وكان أمر الله قدرا مقدورا؛ ~~فلذلك كان شيخنا الأعلى أبو العباس الشابي -قدس الله سره العزيز - كان يطرد الفقراء ~~إذا ظهرت لهم كرامات، وسكنت نفوسهم إليها؛ لما يجتباه عليهم من الزيغ والفتنة، ~~وحصول الاغترار، وهذا والكرمات إما هي أمر يقوي الله تعالى به ضعفاء هذه الطريقة ، ~~ويونسهم بوجوده؛ تربية أاحوالهم، وترقية لهم، وهي ms089 ليست بمقام ولا بحال أكملي. # وربما شاركنا في مقام المكاشفة بعض الرهبان من النصارى، إذا وصل بالرياضة ~~والجوع إلى مقام تنقطع فيه الخواطر، وتصفو من الكدورات البشرية العقول والسرائر، فإذا ~~وصل إلى ذلك ربما أخبر بالمغيبات ونحوها، ولربما فاق الإنسان أقل طائر من الطيور ني ~~مقام الطيران، وأقل الحيتان في كرامة المشي على الماء، ولربما قطع الشيطان اللعين من ~~المشرق إلى المغرب، وبالعكس في لحظة، وهو في لعنة الله تعالى وغضبه، فلا تغتر بحصول ~~هذه الأشياء ونحوها، مع جهودك بنفسك وبربك وبالكتاب وبالسنة، وعدم فضلك من ~~الأوصاف البشرية الذميمة، ولا تتشوف إلا إلى عيوبك لتصلحها، وما تكن من أقوام ~~سلبوا عندما ادعوه كمالا، وهو عين نقصهم من إمساك الحيات، وإبراء ذوي العاهات ~~كالمجادلين ونحوهم، واستصعبوا ما وجدوه مستورا في الكتب، مما اتصف به من انتموا ~~إليه بنسب وتلمذة من كرامات وبركات، ورموز وإشارات لم يصلوا إليها، بل ولم ~~يفهموها حتى يأخذوا بأسبابها إليها، بل بعدوا بنسبتها إليهم والتشوف بها، وهم با ~~جاهلون وعن سبلها غافلون، حتى انقضت لياليهم وأظلمت، وقد أنقضت ظهورهم، بل PageV01P091 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0092.png) ~~هم الذين ني غمرة ساهون لا يفقهون حديث القوم، وهم في ريبهم يترددون لا يشعرون ~~أيان يبعثون، ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون، لا يعرفون من طريق الصالحين إلا ~~دعوى، وإن قاموا أو هاموا، فمتابعة للأهواء من غير أن يشم أحدهم رائحة من روائح ~~حقيقة التقوى. # أو ما علم الذاهل منهم أن الدر من وراء الصدف، وأن الزبد من وراء اللبن، وأن ~~الحقيقة من وارء الوهم، والعيان من وراء الخبر، وشتان بين من يطلب الكرامة، وبين من ~~مطلبه الكريم، فالذي يطلب الكرامة مركوس في شهوات نفسه، ومن أراد الكريم فهو ~~المقيد بظلمات حسنه، ومن لا إرادة له فاز بوصال الحبيب في رياض قدسه. # فظهر بما ذكرناه: أن حصول الكرامة ليس شرطا في الولاية، ومقام من ظهرت عليه ~~ليس بأرفع من مقام عارف لم تظهر عليه، فإن أكتر الصحابة لم تظهر عليهم كما ظهرت ms090 ~~على من دونهم ني المقام من التابعين، وهلم جرا، بل أكابرهم كالصديق والفاروق ~~وغيرهم، إما ظهرت على أيديهم من ذلك شيء قليل محصور بالعدد، وأما غيرهم من ~~التابعين، ونحوهم من المتأخرين فيظهر منهم كثير من ذلك. # ولا شك في ارتفاع مقام الصحابة على غيرهم، سيما الأكابر منهم، والكرامة التامة ~~ما هي بالعلم والمعرفة، وكمال الاتصاف بالتقوى. # قال تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) [رات:23]، فاعرف ذلك تكن ~~رشيدا، واعلمه بالأدب في حق من رزق الكرامة ألا يغتر بها خوفا من الحسد، وحماية، ~~وصيانة نفسه من الرضي [والعجب] والانقطاع بها عما هو مطلوب حقيقة، وإن لم ~~تحصل له، فلا يجوز له عند أئمة القلوب أن يتطلبها، ولا أن يعمل لحصولها، ولا أن ~~يسكن قلبه إلى استحبابها، ومتى خالف ذلك كان متركا في عبادته، مرتكبا في حظوظ ~~وشهوات، بعيدا عن حظائر قربه من سيده ومولاه، نسأل الله تعالى السلامة من ذلك منة ~~وكرما آمين. # موصل الشمائل والوسائل: PageV01P092 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0093.png) # 93 ~~الشيخ أبو العباس المرسي : معرفة الولي أصعب من معرفة الله تعالى؛ لأن الله ظاهر بكماله ~~وجماله، معروف بما يسديه من جزيل نواله، والولي مستور عنك بما يظهر لك منه من ~~موافقة غيره فيما هم عينه من أكل وشرب، ولبس ومخالطة، ومشي في الاسواق، ونحو ~~ذلك مما يبعد عن إدراكك كون مثل هذا المتصف بصفات البشرية أن يكون وليا لله ~~تعالى، قريبا منه، والغالب عليه في بادئ الرأي الخمول والخفاء، وإليهما أشا لى الله عليه وسبقوله: ~~«رب أشعث أغبر لا يؤبه له مدفوع بالأبواب، لو اقسم على الله لأبره. # وكذا جاعت الإشارة إلى كونهم موصوفين بالخمول بما صح ني الأخبار القدسية من ~~قوله تعالى، كما رواه عند نبيه محمد صلى الله عيه وسلم حيث قال: «(أوليائي تحت قبابي لايعلمهم ~~سوائي»4، أو قال: ((غيري»(3)، أو كما قال فهم لعظم فعالهم، وارتفاع شأنهم كليلة ~~القدر، عظيمة الشرف، جليلة المقام، خفية عن العيون لا يطلع عليها إلا ذاك من ذاك. # وكذلك من تكون من العرائس المخدرات، ms091 ولا يطلع عليها إلا من يكون قريبا ~~منها وله حظ منها بمودة أو قرابة ونحو ذلك، وكذلك الأولياء لا يطلع عليهم إلا القليل ~~من الخلق، وإما غالب عليهم ربهم بالكفر أو الفسوق أو الزندقة أو نسبتهم إلى البدعة أو ~~الجنون ونحو ذلك. # وطوبى لمن رآهم أو رأى من رآهم معظما لقدرهم، مهتديا بهديهم، وإذا أراد الله ~~سبحانه بك الخير، وخصصك بالاطلاع على ولي من أوليائه، طوى عنك وجود البشرية، ~~وأشهدك معنى الخصوصية. # وللولي علامات يعرف منها: إيثار الحق، والإعراض عن الخلق، والتزام السنة . # قال الشيخ أبو علي الجرجاني: الولي هوالفاني في حالة الباقي مع الحق مشاهدا له، ~~تولى الله سياسته، فظهرت علية أنوار التولي، ولم يكن له عن نفسه اختيار، ولا بين يديه، ~~ولا مع غير الله قرار، انتهى. # وني بعض الإشارات الواردة عن جناب الله تعالى، إما سميت الأولياء أولياء؛ لأنهم ~~بلدني دون غيري، فمن كان قريبا من الله تعالى متخلقا بما أمر أن يتخلق به من الأساء PageV01P093 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0094.png) ~~الحسنوية، والصفات القدسية من الرحمة والملك والقدس، والإيمان والكرم والجود، والعلم ~~والفضل والبذل، والستر والحلم والحياء، والشهود والحبر وغير ذلك، فهو ولي الله على ~~الحقيقة، ومن لا فلا، وإن علا نسبه، وإن تنوعت نسبه، واشتهر بين الناس حسبه، بل هو ~~ما لم يوصف بهذه الصفات ني دركات العذاب الأليم، ولا تسأل عن أصحاب الجحيم، ~~ولو أخذنا شكلهم على مراتب الولاية، ومقامات الأولياء من أولى السلوك والجذب، ~~وتعيين ما لهم من المقادير، لطال الحال، واتسع المقال، وفيما أشرنا إليه كفاية، وسيأتي ~~قريبا تتمات لهذه المادة بمناسبة أخرى، وبالله التوفيق. # وإذا عرفت بما تقرر لك من ذكر المعجزة والكرامة بعض مقامات الأنبياء ~~والمرسلين، والأولياء والصالحين، فاعلم أنه قد يرد خارق للعادة على يد ممكور به ~~مستدرج، فاسق شقي، ويقال لذلك السحر، وهو أمر يبتلى به كثير ممن حقت عليه ~~كلمة العذاب، وهو حق ولا حقيقة ه ويكون بالقول وبالفعل، ويمرض ويؤلم ولا يقتل، ~~ويفرق بين الزوجين. # ونفى المعتزلة، وأبو جعفر الاستراباذي ms092 حقيقته، وقالوا: هو تخيل، فاستدلا بقوله ~~تعالى: (يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى) [طه:66]. # وذهب قوم إلى أن الساحر قد يقلب الأعيان بسحره، فيجعل الحمار إنسانا، ~~وكذلك العكس بحسب قوة السحر، وهذا باطل لأنه لو قدر على ذلك لقدر على أن يرد ~~نفسه إلى الشباب، ويمنعها من الموت ، ومن أنواعه السيميا والكيميا، ولقد وصل القبط ~~أيام دولة دلوكا ملكة مصر بعد فرعون إلى الغاية منه، ولم يصل إلى ذلك سواهم، فإنهم ~~صوروا في البرايا صور عساكر الدنيا، ووضعوا السحر على البرايا، فأتي عسكر قصدهم، ~~أتوا إلى ذلك العسكر المصور، فما فعلوه بهم من قلع الأعين، وقطع الأعضاء اتفق نظيره ~~للعسكر القاص دلهم فتحا منهم العساكر، وأقاموا ستمائة سنة، والنساء هن الملوك ~~والأمراء بهم بعد فرعون وجنوده، حكاه القراني وغيره. # والحاصل أن السحر جائز عقلا، وواقع شرعا بدليل قصة هاروت وماروت، ولقد ~~سحر الني صلى الله عليه وسلم وساحره لبيد بن الأعصم «على مشط ومشاطة وجف طلعة كما ني ~~الصحيح، حتى كان يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء، وما كان يفعله، ومكث كثيرا كذلك. PageV01P094 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0095.png) # وفي غير الصحيح: رأنه مكث سنة، ومحل سحره بئر زر، وإن لم يزل كذلك ~~حتى شفاه الله تعالى بتنزيل سورة الفلق» كما هو المشهور. # و(سحر ابن عمر-رضي الله عنهما - فتكوعت رجلاه). # وسحرت جارية عائشة - رضى الله عنها -، وهو موجب للكفر والفسق، وإما ~~نشأ طلبه عن خلق ذميم كامن في النفس، ومعناه في اللغة: صرف الشيء عن وجهه، ففعله ~~حرام، وتعلمه ليسحر به حرام، وإن أقر له به، يقتل بالسيف إذا كان متعمدا أواعترف به، ~~ولا يكفر عند أئمتنا إلا إذا جمع اعتقادا مكفرا، كجعل الكواكب شريكة الله تعالى، ~~والفعل والتدبير، وكما يحرم تعلم السحر يحرم تعلم الكهانة والتنجيم، والضرب بالرمل ~~والشعير، والحصا والشعبدة ونحو ذلك، وأخذ الأجر عليه، والمشي إلى أهله وتصديقهم، ~~وليس لنا أن نعتقد بأن ما ينشأ من الانفعالات والتغيرات عن السحر أنها من الساحر، ~~ومن علمه وأفعاله وإما هي بمحض قدرة الله ms093 تعالى وإرادته ومشيئته، إذ هو الفاعل لكل ~~شيء على الحقيقة، وغيره على المجاز، فلا شريك له في التقدير، ولا في التأثير، ولا في غير ~~ذلك مطلقا، والسحر من الكبائر، ولا حصر لعددها. # اخرج عبد الرزاق في تفسيره، عن ابن عباس -رضي الله عنهما - حيث قال: «وقد ~~قيل له: الكبائر سبع، قال: هي إلى السبعين أقرب». # وفي رواية عند أبي حاتم: (ثم إلى سبعمائة أقرب». # وقد قيل في حدها: أنها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، ورقة ~~الديانة، فهي مبطلة للعدالة، وكل جريمة لا تؤذن بذلك، بل تبقى حسن الظن بصاحبها، ~~فلا تحبط العدالة، ومنها القتل، والزنا، وشرب الخمر، ومطلق السكر، والقذف، واللواط، ~~وفطر رمضان، واليأس من رحمة الله تعالى، والأمن من المكر والغضب، والسرقة، وشهادة ~~الزور، والرشوة، والقيادة، ومنع الزكاة، والدياثآة، والفرار من الزحف، والخيانة ني الكيل، ~~والوزن، والطهارة، والنميمة، وكتم الشهادة، واليمين الفاجرة، وسب الصحابة، وضرب ~~المسلم وسبابه، والعقوق، وقطع الرحم، وتقديم الصلاة وتأخيرها، وأكل مال اليتيم، PageV01P095 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0096.png) ~~96 ~~وأكل الخنزير والميت، والربط، والغل، والمواظبة على الصغيرة بإصراره عليها، ونسيان ~~القرآن، والوطء في الحيض، وإحراق الحيوان، وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب، وترك ~~الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر مع القدرة، وعدم التنزه من البول، والتغرب بعد ~~الهجرة، والإضرار ني الوصية ومنع عابر السبيل فضل الماء والشرب في البتة الذهب ~~والفضة، ومع ذلك فارتكاب الكبائر ليس بكفر، ولا ينسلب به الإيمان، والفاسق إذا مات ~~بلا توبة لم يخلد ني النار كما أسلفناه، وعلى الناس من نصب إمام يقوم لهم بالمصالح، ~~كسد الثغور، وتجهيز الجيوش، وقهر المتغلب والمتلصص، وإن كان المنصوب مفضولا ~~لإجماع الصحابة -رضي الله عنهم - على ذلك بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، حتى قدموه على دفنه ~~اله عليه وسلما ظهر لهم الواجبات، ولم يزل الناس على ذلك في الأعصار الماضية، وهلم جرا، ولا ~~ينعزل بجوره، ولا يجوز الخروج عليه، وإن جاز خلافا للمعتزلة، إذ جوره لعزله عندهم، ~~وتنفذ أحكامه للضرورة، والكلام على شروط الإمامة، وما ms094 يتعلق بذلك من الأحكام ~~والأبحاث مخرج عن المقصود، ومن ألطاف الله تعالى بهذه الأمة، ما اختصهم به دون ~~غيرهم من بعث كامل على رأس كل مائة سنة يجدد لهم أمر دينهم، ولقد كان عند الأولى ~~عمر(، وعند الثانية إمامنا محمد بن إدريس الشافعي(2) # وابن سريج ني الثالثة، وقيل الأشعري. # والرابعة الباقلاني(3)، أو الإسفرائيني(6). # وني السنة الخامسة حجة الاسلام، الحبر البحر الغزالي( # وفي السادسة الرازي(5). # وابن دقيق العيد في السابعة(). PageV01P096 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0097.png) # وفي الثامنة البلقينى(. # وقيل غير ذلك، وادعى السيوطي أنه المجدد ني التاسعة (2). # وقال الوالد -رحمه الله - شيخه السيد الشريف، وهو المجدد فيها، ولا يبعد أن ~~يكون الوالد -قدس الله سره العزيز - هو المجدد إذ الشروط المذكورة في شرط المجدد، ~~موجودة فيه من مطى آلياته وهو فيها، ودحلت العاشرة وهو فيها مشار إليها بالعلم، ~~ونصر السنة، وجمعه بين كل فن، وقد تحمم علمه غالب أهل زمنه، فلا ترى أحدا ممن ~~عاصره، إلا وقد استفاد منه كثيرا من الفوائد، وهو منفرد بما هو عليه من الكمال ~~الصحيح الدراية، محقق من أولى التحقيق في علم الحديث والرواية، راشدا مرشدا، سعيدا ~~مسعدا، بحاب الدعوة، ناصر الحق بجد وقوة، قد حصل له من هداية كثير من أهل ~~الضلال ممن سلكوا على يده طرق العلوم، وسبل الأعمال ما لا يدخل تحت مقال، ولم ~~يزل كذلك مدركا لقريب من أربعة عشر عاما من تمام التسعمائة، التي هي القرن التاسع ~~مستمرة إلى سنة ست وثلاثين وتسعمائة، مقررا للناس من أمور دينهم، موضحا لهم ~~أحكام يقينهم، كاملا مرشدا إلى سبيل الحق على بصره حتى قضى نحبه ني السنة ~~المذكورة، فبهذا ظهر لي ما ظهر، فقلت: ذلك رجاء وأملا لا رجما بالغيب، ولا تفرقا ~~بالهوى فيما جاء بالخبر، وسيرفع الله لهذه الأمة عزا وناموسا، ويبعث إليهم بحددا لهم أمور ~~دينهم في آخر السنين روحه عيسى؛ فيقرر لهذه الأمة شريعة نبيها الرسول المخصوص ~~بالقدر الرفيع، والمقام العلي، ويصلي معهم خلف الإمام المهدي، المسمى بالفاطمي، في ~~حوال وقصص أشرنا إليها عند ms095 كلامنا على الإيمان بما أخبر به الرسل والأنبياء من أشراط ~~الساعة، فإذا حصل نزول عيسى إلى الأرض، وست به الصور الدينية، وبين الأحكام ~~الشرعية حصل به اختتام مقام الولاية العامة، فلا يوجد بعده ولي مطلقا، كما أن بمحمد ~~لله عله وسلم تمت مقامات النبوة، فلا يجوز أن يأتي من بعده نبي، فإذا ختمت الولاية بعيسى PageV01P097 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0098.png) ~~كان ذلك من أعظم أشراط الساعة، فبعده ينتقل الأمر إلى الآخرة، وتقوم الساعة، ومنها ~~لطائف، ونكت، ومناسبات كان ينبغي أن تذكر، لكن ترك التعرض لها اختصارا، والله ~~المستعان. # أكمل الكمال، ومورد النوال. # اعلم أن الايمان هو تصديق القلب فقط بما علم بحيء الرسول صلى الله عليه وسلم بل ضرورة، ~~والأمر به أمر بأسبابه كإلقاء الذهن، وصرف النظر، وتوجيه الحواس، ويعتبر في التصديق ~~تلفظ من قدر على الشهادتين بهما، إذ ذاك علامة لنا على ما خفي عنا من التصديق، ~~فالتلفظ المذكور شرط لإيمان لا شطره، فمن صدق ولم يتلفظ مع التمكين كان مؤمنا ~~عند الله تعالى لا عندنا، خلافا للإمام أي العكس، ولا تخفى مقالة الخوارج والكرامية ~~ونحوهم ني ذلك، وأدلتهم واضحة، والأصح صحة إيمان المقلد، وهو قابل للزيادة ~~والنقصان عززنا خلافا لأبي حنيفة رحمه الله، ويجوز أن يقول القائل: أنا مؤمن إن شاء الله ~~مالم يقصد الشك، أو نفي ثبوته، إذ ليس بخفي أن الاستثناء المذكور فيه اتباع لما في الأية ~~من قوله تعالى: (ولا تقولن لشاىء إنى فاعل ذالك غدا إلا أن يشاء الله) ~~[الكهف:23، 24]، وخالف الإمام أبوحنيفة وأصحابه في ذلك، والأصح بقاء الإيمان ~~مع الغفلة والنوم، والنسيان والغشي، والموت، وإن كان كل منها مضادا للمعرفة ~~والتصديق؛ لأن الشارع حكم ببقاء حكمها إلى قصد المؤمنين إبطالها، بفعل ما جعله ~~الشارع منافيا لهما، فيرتفع الحكم عند ذلك. # وخالفت المعتزلة في ذلك، وقالوا: بمضادة الموت، والغفلة للمعرفة، والإسلام هو ~~التلفظ بالشهادتين، ويعتبر ني صحته من غير خلاف في كونه شرطا أو شطرا، أر ~~الإحسان كما ني الحديث الصحيح: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن ms096 لم تكن تراه، فإنه ~~يراك»)، وسنذكر مزيد بيان في الإحسان فيما يأتي إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق لا ~~رب غيره. # مورد صاف، ومشرب شاف، ورياض نضر، وكوكب مشرق سناه مستمر. # اعلم أن من أيقظ طرف فكرته، وفتحها في عين نفسه، وشهد العكس في صوابه ~~كما يرى الصواب ني عكسه، وانسلب وانجذب من العناصر الترابية، والهياكل الجسمية، PageV01P098 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0099.png) ~~ورقى إلى حظائر الغيب، فحققه وحقق به معنى الشهادة، وثبتت له الإرادة عند مفارقته ~~للإرادة، ففنى مذ هوى فيمن هوى، وحليت فيه الصورة الأصلية، فما ضل وما غوى، ~~وجاءته بواعث التشويق فساقته إلى غار الغيرة متحريا الحراء الطلب، ونفحات القدس من ~~حظائر الأنس، ففاجأه ملك التوفيق بقرآن الجمع، فتنزل به على قلبه، وأمر بإظهاره، وتنبأ ~~فكذب من كذب، وصدق من صدق، فتنوع هذا الإلهام في بحالس الإفهام، فدعى هذا ~~الداعي سائر الجوارح، فانقاد منها، ومن الجوانح من استحق الزلفى، وأعرض من أنكر، ~~فأرخى عليه حجبا وسدفا، فعند ظهور معنى العرف والنكرعلى يد هذا الداعي، كثرت ~~المطالب مع قلتها، وتنوعت مع اتحادها، واختلفت المراتب بين هؤلاء الأصناف، فمنهم ~~من قربته المنة، ومنهم من أقلقته المحنة، وكلهم في الحقيقة إلى المقصد الأسنى متقرب، ~~وبأسباب الوصال متسبب، فمنهم من أشر له سعيه الانفصال، فابتلى بالصور، وصرف ~~إلى الأشكال، ومنهم من أنتج توجهه كمال الاتصال، لكن قد يكون مع هدى أو مع ~~ضلال، فمن تقيد بالظاهر، وكان في مزح وبسط، ومناف للمقصود نميت أحواله ~~الدنيوية، ومن كان في يقين ودين، وعرفان وسماع، واطلاع وارتفاع، سميت أحواله ~~الأحخروية، ولا بد منهم من قيامة، ووقت يظهر لهم فيه الحسرة والندامة، فأهل الحجب ~~يهملون، وأهل الكشف تعجل لهم الأمور الغيبية، فلا يغفلون عنها، ولا يذهلون، وقد ~~جعل لكل منهم أمور تقربهم إلى مقام الوصول بمعاني الرد بصور القبول، ولا بد لكل ~~منهم من أمارات تدلهم على ساعتهم التي هي معلم عصيانهم وطاعاتهم، ومن أولها ~~الممات، ولا بد له من مقدمات، ولا بد لكل من المقدمات من أمارات، فالأمارات ms097 ~~الطاهرة قد تقدمت الأثارات إليها، والكلام في الموت المعنوي ومقدماته، وما بعده ينشأ ~~من إليهم كرباته، فاول مقدمات اللقاء حصول الفناء. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه: «لا راحة للعبد دون لقاء ربه». # وللممات مقدمات، وقد يرد بغتة، ويحصل للعارف فلتة، وأول مقدماته حصول ~~الاعتدال بداء المحبة، الناشيء عن الفكرة، والنظر بعين العبرة، المشار إليه بقول الخليل ~~ابراهيم الحل: «فنظر نظرة ني النجوم، فقال: إني سقيم»، فكذا العارف إذا نظر نظرة في PageV01P099 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0100.png) ~~نجوم الصور المشرقة في فلك الوجود، دالة على القديم الموجود الذي لا يختلف كماله، ~~فأحبه فتشوق لفرط عشقه إلى لقائه، فارتاحت روحه العلية إلى الرجوع إلى وطنها ومحلها ~~الأصلي، فحصل الاصفرار والانكدار في الوجنة الأنيقة، فلعجت الأمراض بأعماق ~~الأعضاء، وتنزل معنى الاصطلام لغيب هذه الروح في جمال الكمال، ويتقبلها إلى مستقرها ~~الباقي في الأزل، ولم يزل ولا يزال، فحينئذ تتوارد الأسقام، وتختلف الآلام والمشاق، ~~ويقل الأكل والشرب، وتجمع القوى على الانتقال والفراق، فتنزل المعاني الجلالية؛ لتنشر ~~الآثار القيصية، فتستخرج من الهيكل ما استحى التجريد، وتعيده إلى البساطة المخالفة ~~للتركيب، فتقتضي بظهورها وبديع تأثيرها إعدام الحركات، وإسقاط الآثار الاختيارية، ~~فينتقل بذلك القبض إلى البسط، وتشع له الدوائر كما اتسعت عيله وبه، وله ومنه عند ~~القبضة الأولى اتساعا يجعل المعالم القدسية له شهادة، والعوالم الخلقية غيبا، ثم إذا ارتقى ~~عن هذا المقام، وفتحت له أبواب سموات الارتفاع والإكرام، شهد بما هو أرق وأحلى ~~وأعلى حقا وصدقا، فكلما كان ما شهد في هذا الكون، والذي هو قلبه مسمى بأساء، ~~كذلك يسمى ني الكون الآتي باسماء، وذلك على حسب الاعتبارات، وهو واحد فرد من ~~أزل الآزال، ظاهر في صور وأشكال، وإن وجدت أعداد في الوجود تماثله، فإنما هي نسخ ~~له، وهو نسخة لها لا يفقد أحد منهم مما في الآخر شيئا، إلا ما انتفى من ذلك كان كلا ~~من المذكور في مقام الاتفاق، والاختلاف كالمرايا المتقابلة موجود في كل واحدة، عين ما ~~موجود ني نظيرها، ولها ms098 ملابسة وملابس، وأسماء وكنى، وألقاب وأوصاف، ونسب ~~وتوابع، ولوازم ولواحق، وأفعال وانفعالات، وتأثرات وتأثيرات، وظهورات واختفاءات، ~~ففي كل زمن تظهرها هذه الحقيقة بمعنى، ولمعنى يقتضي لها بسببه شأن لايناسب الماضي ~~ولا المستقبل، والغرض أنه غير مخالف له، ذاق معنى مقالتى هذه، من سلك الطريق، ~~وأدرك معاني العرفان حين جاب أودية التحقيق، وحذار أن تفهم بأن إشاراتي أو رموز ~~كلامي طامحة إلى مذهب أهل التناسخ، أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، وإنا هي أسرار ~~مصونة بالكتاب والسنة، مؤزرة بالدلائل الشرعية، لكن ضيق المقام أدى إلى الخفاء ~~المراد، فستذكرون ما أقول لكم، وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد، وهذا المعنى ~~المتفق المحتلف له وجوه متنوعة، مقابلة لجميع الحقائق والمعاني الأصلية والفرعية، فإذا ~~انكشفت مقابلته، واستقرت على ما وضعت له، أطلق عليها الحياة، وإذا احتجب ذلك ~~المعنى سي ميتا، وما يطلق عليه من الموت ليس بافناء يحصل للحقيقة، وإن اقتضى PageV01P100 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0101.png) ~~تفكيك الصورة، بل هو انتقال وارتحال، ونزول وطلوع من الآفاق الأصلية، والاعتبار بما ~~يعرض لكرسي الملك من الجمع والتفرقة بين أجزائه، ولا يلزم اختلاف الأحوال لذلك ~~الكرسي الذي هو مستقر الملك، ومحل تفصيل أقضيته وأقداره، أن يكون ذلك عارضا ~~للملك، كعروضه لكرسيه، بل الملك باق بما سبق من استحقاقه لذلك أزلا وأبدا، وهذا ~~والموت سر يخفي الظاهر، ويظهر به المستور، ويقتضي انحلال أجزاء المركب وتجرد ~~البسيط، فإذا حصل هذا الأثر لمستحقه سقطت الشهوة، وخلصت الإرادة، وسكنت ~~الحركات، وخلت الحواس من مدركاتها، والغرض أن الإدراك في ذلك الوقت أظهر منه ~~قبل ذلك، وتختلف التسمية لتلك الحالة باختلاف الأسباب، فمن كان السبب في إدراك ~~لهذا الموت مخالفته للهوى، وقمع النفس الكلية الناطقة عن اتباعه، سي ذلك بالموت ~~الأحمر، وإن كان السبب تنوير البطن بالجوع، والوصول به إلى التخلية الباطنية والظاهرة، ~~سمي بالموت الأبيض، وإن كان السبب فيه ليس الخشن، وما بثقل على النفس من الحرق ~~البالية والمرقعات، التي لا قيمة لها، سمى ذلك بالموت الأخضر، وإن كان السبب تلذذه ~~بالبلايا وشهودها ms099 من جلائل النعم من غير شعور بكرب الأذى، وواصل السالك الغناء ~~ني الله تعالى، وغاب عن الوجود المقيد بما بدا له من أنوار الوجود المطلق، سمي ذلك ~~بالموت الأسود، وعند حصول هذا الموت بأنواعه تحصل الاشتباهات، فقد بهت نسيم ~~الخذلان، فيعرف وجه الحقيقة إلى الخليقة، فيحصل الاشتراك، وقد ترتب نسائم العصمة ~~من خزائن الرحمة، فتصرف وجه القلب إلى شهود الرب، فيغلب التجريد، فيحصل كمال ~~الإيمان والتوحيد، وتلك خاتمة الكمال التي بها يخلص الإنسان من الافتتان على كل حال، ~~فإذا انتقلت الروح عن الهيكل الترابي، والوجود السرابي، فتحت لها أبواب السموات، ~~وأذن لها بالعروج حتى تخترق الحجب النورانية، كما اخترقت الحجب الظلمانية، فإذا ~~فارقت الظلمة والنور، وجدت الحق معها كما كان من غير اختلاف لما شهدته أولا في ~~عوالم الشهود، ثم تعاد إلى مقابلة الأجساد؛ ليظهر لها من دنا منها، ومن بعد عنها، وما ~~حل فيها، ثم ترجع إلى عالم الغيب المسمى بعالم البرزخ، فيظهر لها منكر المحاسبة، ونكير ~~المراقبة، وتدرك عذاب الأنكار، ونعيم الإقرار، فإن حصل التوافق في مقامات فرقها ~~وجمعها، وكشف لها في مواقع يقينها شرة انقيادها، وقيامها بحقوق شرعها، ثم تستمر ني ~~ذلك الوجود مقيدة بالإطلاق، مطلقة من القيود إلى يوم الجمع الأكبر، والمشهد الأفخر، ~~وذلك يوم بحموع له الناس، وذلك يوم مشهود، وما نؤخره إلا لأجل معدود، ولا بد لهذا PageV01P101 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0102.png) ~~اليوم من مقدمات تسمى بالأشراط لا تتكشف معانيها لأهل التفريط والإفراط، ومن ~~أشراطها المعنوية وقوع الفتن في أراضي الأبدان، ومن ذلك زلزلة الأرض المثمرة، وذلك ~~لأحوال وشؤون منها: إخراج ما فيها من الدفائن الإيمانية، والكنوز العرفانية، وطرح ~~أنقال الذنوب والخطايا، ومحض الذنوب، ورزايا البلايا، فإذا أراد الله سبحانه وتعالى زلزلة ~~أراضي القلوب حمل جبل قاف الذي هو المعنى العقلي، الذي هو تكلمت سائر القوى، ~~والمتافع الظاهرة والباطنة من قواه المتصلة بتلك الأرض، التي سبقت المقادير باضطرابها ~~وتحركها، فتحركت بإذنه سبحانه وتعالى، وذلك إنما هي زلزلة الخاصة التي لا تكون من ~~أشراط الساعة، أما الزلزلة العامة ms100 فإذا صرخ مارج القهر في صورة الوجود الانساني، ~~وعمت الزلزلة كل جزء من الأجزاء، وأدرك كل عضو من الأعضاء، واختلفت المعاني ~~الموجبة لذلك، فقلب زلزلة الحياء، وقلب بزلزلة الإشفاق، وقلب بزلزلة الرعب، وقلب ~~بزلزلة الطلب، وقلب بزلزلة الطرب، وقلب بزلزلة الغرام، وقلب بزلزلة الهيام، وقلب ~~بزلزلة الاصطلام، وقلب بزلزلة الأحزان والكروب، وقلب بزلزلة صور المعاصي ~~والذنوب، وقلب بزلزلة الوسواس والفكر، وقلب بزلزلة الهواجس، وقلب تزلزله سطوة ~~الجدل، وقلب تزلزله فجأة الجمال، وقلب تزلزله مزعجات الحق، وقلب تزلزله جواذب ~~الخلق، وقلب تزلزله المشاهد الفرقية، وقلب تزلزله الجمعية، فإذا تزلزلت الأرض المعنوية ~~زلزالها، وأخرجت الأرض أثقالها حصل البيان، وزال الكتمان، وامتاز أهل الكمال من # ومن أشراط الساعة المعنوية: خروج المعين للهواء متسلطا على الوجود البشري، ~~راكبا دابة الشهوة، متخيلا أن الوجود النفساني هو الجنة، وأن الوجود القلبي الروحاني هو ~~النار، وذلك لعكس الموضوع، فإذا قام مظهر الصفاتية الاقترابية، ومحقق الأحوال الجدالية ~~فتن الخوارج، حتى أدركت فتنته أهل الخمول المقبوبين في أراضي العزلة، ولم يخلص من ~~فتنته إلا أهل السبق، وخواص من أهل السبق، فيعلموا بما ظهر به من الصفات الناقصة أن ~~ليس بمستحق لأن يكون متبوعا، أما اهل الوهم مما لايعرفون الفرق بين الحق والباطل، ~~وإنما يقعون مع الصور الزخرافية، ويجنحون إلى اللذائذ الدنيوية، فيتبعون ما تشابه ابتغاء ~~البغي والفجور، ويقنعون بسير المطالب، ولو على يد أهل الكذب والزور، ولربما ناظره ~~الفكر السليم، وقطع حجته، فقابله بالتخيلات، فلم يرده إلا إيمانا ويقينا، ولا يزال مفسدا ~~في الأرض بغير الحق، حاكما فيها، ظلما وعدوائا، حتى ينزل الروح الأمين محييا لشرائع PageV01P102 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0103.png) ~~القلب، مقررا لأحكام اليقين وقتل الهوء، ويحكم ني الوجود، ويعدل ني البرايا، ويحسن ~~إلى الرعايا، ويتعبد بالشريعة المحمدية، ويعمل بالأعمال القلبية، ويصل مع إمام الأمة الذي ~~هو العقل الميمون، ولا يرى التقدم عليه مطلقا، فإذا تم الصنائع وبين الشرائع، دعى بداعي ~~الحق إلى مقام الاحتجاب، ودفن بعض قضاء تحية مع القلب في روضة الاقتراب، إلى يوم ~~ظهور الججزاء والحساب، ثم إذا ms101 أراد الله تعالى تقريب زمان الامتنان، وايصال أرباب الإيمان ~~إلى دار الأمان، بالغ في إظهار أسباب الافتتان، فأرسل يأجوج ومأجوج إلى الخواطر ~~الفاسدة، والوساوس الذميمة، فيملكون الوجود السدي، فيفسدون زروع الأعمال، ~~وينتهلون المناهل الإنسانية كل الانتهال، فإذا لم يبق للعبد ما يعتمد عليه من المعارف، ~~ولا من العلوم، ولا من الأعمال عادت عوائد الجود والكرم بإعادة ما كان لهذا العبد من ~~الفضل والنعم، فيأذن الله تعالى بفناء هذه الخواطر النفسانية، وتفنى تلك الوساوس ~~الشيطانية، وتوزن زروع الأعمال، وتخضر الوجودات بالعلوم اللدنية، واللمحات الخفية، ~~وتتساقط شار المواصلة من أغضان المشاهدة، المالية أشجارها في أراضي الكشف ~~والمعاينة، ويظهر المكتوم، وتتحقق الفاتحية بالخاتمية، فتقوى المعارف والعلوم. # ثم مع ذلك يظهر من أرض الطبيعة البشرية دابة، وهي النفس الكلية المكملة بالحياة ~~والنطق، وتخرج في أشكال وصور وأمثال من أرض الصفا، ومعها سر عصا موسى، وهو ~~معني اللسان المترجم عما فيها من الأسرار والمعاني، ومعها أيضا سر خاتم سليمان الذي ~~هو لطيفة معنى الفراسة، فتميز بها بين المؤمن والكافر، والبر والفاجر، وتقبل على كل ~~محمود، وتعرض عن كل شيء مطرود، ويكون نطقها بيان الحقائق، وما هي عليها من ~~الطرائق، وتبين مكتمات الأسرار، وذلك منة من الله تعالى وجود وامتنان، وفضل ~~وإحسان، وتأنيس لأرباب الألباب، ورفع دوام الحجاب، بدوام ظواهر الأسباب، ~~وبظهورها يتم البيان، ويحصل لكل أحد الإيقان، ويطمئن السالك مستبشرا عند خروجها ~~مخلوصة من ظلمات الطبائع، وسلامته بأنواع القواطع والموانع، وارتقائه إلى أشرف ~~المجامع، وفوزه بأشرف الرياض والمراتع، وبكشف السر المصون بظهور معنى: (أن ~~الناس كانوا بعايبتنا لا يوقنون) [لل:82] ، ثم إذا لم يكن المقام قابلا لوصول ~~أهل التعبد بالاكتساب، ولا الارتقاء إلى معالم اللقاء بالوسائل والأسباب، طلعت الشمس ~~من مغربها، فلم يقبل هناك المتاب، وطلوعها من مغربها كناية عن رجوع الروح الى PageV01P103 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0104.png) ~~المركز الأول، والأوج الأكمل بحكم الوفاة، وانتساخ أوقات الحياة، وتكشف هذه ~~الأسرار، وبسر هذه الأساء قول النبي المحختار، المحذر المبسش صلى الله عليه وسلم، إن الله يقبل توبة ~~العبد ها ms102 لم يغرغر»، فإذا طلعت من آفاق السماء وقعت في بروج الغرغة، فلا معنى ~~للتوبة، ولا ظهور للمغفرة، ثم بعد ذلك تبدل أرض المعصية بأولى منها، وتظهر بارتحال ~~من عصوا فيها، وبعدوا عنها، ثم تنسف جبال الأوهام، ثم تتكدر نجوم الأفهام، ثم تشقق ~~سموات الأفكار بالغمام، ثم يبعث الله العباد فيخرجون من الأجداث سراعا، بإجراء النفس ~~الرحماني في صور الصور، حين لا مفر ولا وزر، فعند ذلك تحشر الجوارح والجوانح، ~~متصفين بأوصاف التجريد، ويقفون مزدحمين في مقام الطلب بمعنى التوحيد، فتدنو ~~الشمس من الرؤوس، ويتضح الكامل والناقص، والموهوم والملبوس، ويمد له صراط ~~الاستقامة، الذي هو محل الامتحان، فإن عنى بالسالك في سائر المسالك، فلم يكن سائلا ~~إلى الإفراط، ولا إلى التفريط جاز فائزا، ولا تخطفته نيران القطعية والبحران، ويظهر له ~~تمام الأمور، وخفايا السر المستور عن نصبه لميزان الكتاب والسنة، فمن ثقلت موازينه ~~مرجح عنده الحق، فآثره على غيره، ولم يلتفت إلى من سواه، ولم يتقيد بشهود من عداه، ~~فهو ني عيشة راضية، وحظائر سامية، ومشاهد أوصاف منبسطا مغتبطا بما لا يحصى من ~~خفيات الألطاف، وجمائل الإسعاف، يطاف عليه بكؤوس المحاضرة، زلال النوال في رياض ~~المسامرة على يد سراري، أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا ~~خطر على قلب بشر، نابعا مشربه من عين، رضي الله عنهم، ورضوا عنه، ذلك لمن ~~خشي ربه، طالعا كوكب كماله من آفاق أن المتيقن في جنات ونهر، في مقعد صدق عن ~~مليك مقتدر، وأما من خفت موازينه من المشاهد القدسية، وخلت معانيه من اللطائف ~~الأنسية، فأمه هاوية إلى الوجودات الحسية، مستقلة إلى الأنواع والصور الجنسية، متبوئة ~~أودية الفرق، المتوقدة بنيران الغضب والطرد والمقت، والصدد والعطب، فهو خالد ني ~~العذاب، قد ضرب بينه وبين الأحباب من أولي الألباب، أرباب الاقتراب بسور له باب، ~~وباطنه ني الرحمة، وظاهره من قبله العذاب، فافهم ما أشرت إليه، فإسما هو على قدر من ~~الدر المصون لمثل هذا، فليعمل العاملون، وني ذلك فليتنافس المتنافسون. # بيان وتفصيل، وتنزل وتنزيل، ms103 وجمع الطاف وظائف، وأسرار وفوائد من غير PageV01P104 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0105.png) ~~إكثار من ذكر دليل ولا تعليل. # اعلم بأن الله تعالى إنا أوجد عباده للعبادة المثمرة للقرب، التي هي وسيلة الوصلة، ~~وإن لم يكن في الحقيقة ثم قرب ولا بعد؛ لكونها من صفات الأجسام، ونعوت الأجرام، ~~لكن لما تنوع الأمر إلى طلب فعل، وطلب كف، سمي من قام بالمراد متقربا، ومن قام ~~بخلافه متباعدا، والمنتهى إلى مقام الرضوان قريبا، والمتعرض المستحط بعيدا؛ ولذلك ~~مثال يكشفه، ونظام يجمعه ويصفه، مع أنه اعتباري، ومعنى عارض طارئ، وذلك أن من ~~أراد أن يطلع على أمر لا يمكنه إدراكه من نفسه لنفسه، فتجده يتوصل إلى ذلك بمقابلة ~~مرآة صقيلة تكشف له الحقائق الكثيرة والقليلة، وتصف له ما قابلها، وتكون إلى ظهور ~~الأمر المكتوم ذريعة ووسيلة، فإن أحكم شكلها، وكمل معناها، فأحسن صقلها وقابل بها ~~ما أراد انكشافه له، سمي بمقتضى ذلك واصلا، وإن ألزم نفسه رداها، وأبقي على وجه ~~مراته صداها، سمى بإعراضه واحتجابه بعلله وأمراضه محتجبا، فوصوله أمر ثبت له ~~بانكشاف مراده له في تلك المرآة، واحتجابه وانقطاعه نسبة حصلت له بتقصيره عن ~~اجتهاده في نيل مناه، فإذا توجه السالك، وصقل مرآة قلبه، وتمم صقلها بمياه الأذكار، ~~وكشف عنها صداء الأغيار، أشرقت فيها الأنوار، وظهرت مكنونات الأسرار، وإلا تراكم ~~عليه الظلام، وتنوعت الآلام، وأسلبت على معناه حجب الأوهام، وحق له أن تنسب إليه ~~الكمالات إذا قام بما ذكر أولا، والنقائص، إن كان مغيرا مبدلا. # فإذا عرفت هذا، فاعلم أن أول باب يتعين على الفقير أن يستفتحه إذا أراد الوصول ~~إلى عوالم الإقبال والقبول باب التوبة، التي هي الرجوع عن المخالفة إلى الموافقة مع معرفة ~~الذنب الذي يجب عليه أن يرجع عنه، ناظرا إلى ما فوته على نفسه بإتيانه، وما حملها من ~~الأوزار وأثقال الآثام باصراره عليه، وملاحظة مراد من أقدره عليها وخلاه، وفعلها من ~~غير معالجة بعقوبة ونحوها، وشكره على ستره بستره، وحلمه وعفوه، محققا أن الحجة ~~إنما هي منقامة عليه له مع استعظامها، والتحفظ ms104 من استحسانها عقلا، أو مخالطة من ~~اتصف بها خوفا من العود، ولا بد من اتهام النفس فيها، والتحلل من الظلم قولا وفعلا، ~~والندم بالقلب، والاعتذار باللسان، والكف عن المحخالفة بسائر الجوارح، والباعث على ~~ذلك تذكر الآلاء، واستحضار العظمة، وصفات القهر والجبر، والنظر في الوعد والوعيد، ~~والفكر في قصر المدة ونحو ذلك، ثم الأخذ في الارتقاء عن ذلك بنسيان الجناية، والتوبة ~~من تلك التوبة، والاستغفار مما يجري على لسانه وقلبه من الاستغفار، وأن لا يرى مؤثرا PageV01P105 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0106.png) ~~إلا الله تعالى، وألا يرى فعلا، ولا أثرا، ولا رسما إلا له، فيتحقق عيانا بستر فناء الخلق، ~~وبقاء الحق، فإن كان السالك في البداية أفادته توبته كثرة الطاعة، المقتضية لمضاعفة ~~الثواب وتنوعه، أو ني المرتبة الوسطى أشمرت له حفظ الوقت من التضييع، واستحقار ~~الذنب ني جانب العفو والغفران، وكانت حائلة بينه وبين المخالفة، وأشرت له إن رقى ~~عن هذه المرتبة رجوعه إلى الحق عمن دونه، ويشهد أن توبته بالنسبة إليه معلولة، فلا ~~يسع إلا التوبة، ثم التوبة من التقيد بشهود تلك العلة، ثم يرتقي به الحال إلى مقام الإتابة، ~~التي هي الرجوع إلى المولى إصلاحا للعمل، أو وفاء بالعهد، وتصحيحا للحال بصدق ~~المقال، فالتوبة عهد، والإتابة وفاء به، وكمالها بالتخلص من التبعات، والتألم لما صدر من ~~المخالفة، واستدراك ما فاته، ولا تتم إلا بمفارقة لذة المعصية، والاتصاف بالخوف، ~~وإثبات العذر للغير، وبرجاء ثبوت الرحمة لهم، والعفو ونحوهما من الاعتراف بآفات ~~الخدمة لمن وجبت له؛ لئلا تنال النفس غرضها مع إلزامها بالاستقامة على اليأس التام من ~~العمل، مع ثبوت الاضطرار، وشهود اللطف الإلهي في ذلك، ويفتقد ذلك إلى حزن على ~~التفريط في الخدمة، والتورط ني الجفاء، وتضييع الأوقات في الذهول والغفلة، مع الارتقاء ~~بالحزن على تعلق القلب بالتفرق، وإعراضه عن الجمع الموجب لاشتغال النفس ~~بالمرديات، مع تمثلها بصور مشتهياتها، المانع لها عن إدراك ما يحقق لها الكمال من ~~شهود ونحوه، والفرق بينه وبين الخوف المأمور به، مع اجتماعهما في مادة التألم، أن ~~الحزن ما ms105 كان على فائت، والخوف ما هو مترقب، والخوف انزعاج القلب، ومفارقة ~~الطمأنينة باستحضار ما ورد من الوعيد على ألسنة الرسل، وقد يكون خوفا من عقوبة، ~~وهو الخوف الموجب لصحة الإيمان، أو من حصول مكر بعد استغراق في يقظة، ~~وارتشاف كؤوس حلاوة حضور وملاطفة، وهو خوف أهل المراقبة، أو من حصول ~~احتجاب، وهو خوف الخاصة، بل وهم ني صيانة من ذلك، وما يعرض لهم أوقات ~~المناجات مما يكسبهم الأدب عند صدمة آثار بمحال العزة، فإنما هي هيبة وإجلال، فما ~~كان منه حذرا من عقوبة، فهو ني مقام النفس، أو عن مكر، فهو في مقام القلب، أو أدبا، ~~فهو ني مقام السر، وذلك أقصى درجات الخوف، ولا بد مع ذلك من مداومة الحذر على ~~النفس من أن تجنح إلى العناد، ثم على العمل؛ لئلا يصير ضائعا، ثم على الخليقة مع إثبات ~~عذرهم فيما قاموا به، إذ المشيية ني الحقيقة هي التي تصرفهم إدبارا وإقبالا، ثم على ~~الوقت؛ لقلا يخالطه تفرق، ثم على القلب؛ لآلا يزاحمه عائق من ملل، أو فترة أو شبهة PageV01P106 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0107.png) ~~تخالف الحال، فينقطع بذلك عن الترقي، ثم على اليقين؛ لئلا يمازجه سبب، ويسمى هذا ~~جمعيه بالإشفاق، ومنه ما يصون الفعل عن العجب، ويمنع من مخاصمة العصاة على فعلهم ~~بالعلم بثبوت عذرهم، ويحمل على الامتثال، والوقوف على الحد، فإذا تم ذلك بشروط ~~أثر الرجاء، مع كونه من أضعف منازل الطالبين، وأدنى مراتب الواصلين، إذ موضوعه ~~تبريد حرارات الخوف، لكن فيه تقوية الداعية الباعثة على ملازمة المعاملة، وحسن الظن ~~بالله تعالى، وربط القلب به، والاعتماد عليه، ونفي العلائق والوسائط ونحوهما، ولا بد من ~~ترجيحه على الخوف عند مسيس إلحاقه إليه، أو ترجيح الخوف عليه كذلك، فإن لم يفتقر ~~إلى الترجيح تعينت التسوية بينهما، إذ هما جناحان للقلب، ولا بد من اعتدالهما، ومتى ~~وصل العارف إلى مطلب تعين تركهما، والبدار إلى نفي التعلق بهما، إذ فيهما قطع ومنع ~~واحتجاب، وينقسم الرجاء باعتبار المتصفين به إلى ما يبعث على الاجتهاد، وينوع التلذذ ms106 ~~بالخدمة، ويوقظ النفس باعنا لها على ترك المناهي، وإلى ما يوقفهم موقفا يحصل لهم به ~~كمال الصفة من كدورة التعلق بالسوي، مع الألفة عن الميل إلى التفرقة، وصون الهمة عن ~~الدناءة، ومشاركة الأخساء، وإلى ما يبعث على الشوق إلى لقاء الله تعالى، المكدر للعيش، ~~والموجب لقوة الرغبة في الحق، مع ما ينافي ذلك بالنسبة إلى الخلق، وهذه أعلى مراتبه قم ~~عليه بعد استفراغ الجهد. وقيامه بما استطاع من الأعمال أن يرعاها من النقص والخلل، ~~الموجبين لبطلان ظاهرها وباطنها، دائبا في تكثيرها إلى أن يصل إلى قدر يشهد نقص ~~ذلك العمل فيه؛ اتهاما لنفسه؛ وخوفا من الرياء والدعوى، وأن يتوصل بذلك إلى رعاية ~~الأوقات بحيث يقف في سيره لتكميله، ثم يرتقي حتى يغيب عنه بشهود منة الله تعالى ~~وفضله، ثم يأخذ في التخلص من ذلك حتى يبقى ويفنى ما لحظ من الشهود، وأن يديم ~~التعلق بالمقصود، أخذا في تعظيم سالب للعقل، وتقرب حامل لأثقال الأعمال، وفرح ~~باعث على الاستكثار من الأعمال، مع مراقبة نظره سبحانه وتعالى، والفرق بين هذا وبين ~~ما ذكر أن السابق صفة القلب التي يتعين أن يستمر عليها، وهذه صفة الحق الثابتة له على ~~الدوام، وشرتها إسقاط المعارضة، وإفناء الإرادة في الإرادة، والفعل في الفعل، فلا يعترض ~~عليه ني عمله وحكمه، بل ينسى نفسه، ويذهل عن النظر إليها وإلى وجودها، فضلا أن ~~يدرك شيئا من مصالحها ومنافعها ومضارها، فيبعثك المقام على معرفة سر الأول، فتراقب ~~القدم الذاتي، فتتلقى بذلك بحلي التوحيد الذاتي، وتظهر لك آيته الكبرى، فتدرك معاني ~~معلومات الأزل، وتشهد تفرقها على أجزاء الزمان مرتبة بمناسبة خاصته، جارية الى الأبد، PageV01P107 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0108.png) ~~وتكسى علة تقيد بمعنى الإطلاق، فتبقى في تلك المشاهدة أزليا أبديا، وقد تغيب عن ~~ذلك بما ترمقه من أنوار التجليات الذاتية، فتخفى بذلك خفاء يحقق لك الظهور ني سائر ~~مراتب الظهور غيبا وشهادات، ومن علامات ذلك الرجوع عن المخالفات، والتمسك ~~بالأمر مع إجراء الوصف على ظاهر الكتاب والسنة، وصيانة الانبساط مع الحق أن يشوبه ~~حالة ms107 تخالف الأدب في مقام رعاية الحرمة، ولا يتم ذلك إلا بتهذيب الأعمال الصادرة ~~عنك من جهالة تبطلها، أو تقيد بعادة تفسدها، أو وقوف عندها بهمة جامدة، وعزيمة ~~راقدة، وكذا لا بد من تهذيب الأحوال من تقيد برسوم ونحوها، وألا يلتفت إلى حظ، ~~وأن يهذب النية التي هي المبنى، وأساس الكمال حسا ومعنى من جميع المقاصد العادية، ~~والتعلقات النفسانية، واللفتات السرية، واللذائذ الطبيعية بوصف الاستقامة، وهي استواء ~~القصد ني السلوك إلى الله تعالى، وهي وإن كانت دون الاستقامة السلوك في الله، فهي ~~روح تحى بها الأحوال، كما تكون أساسا للغاية، فهي برزخ جامع بين أعمال التقرب، ~~وأحوال أهل الجمع والوصول، فإن كانت على سنن اجتهاد في اقتصاد موافق لظاهر ~~الشرع، لا يجاوز حد الإخلاص، فهي استقامة العامة، أو على اتخاذها بأحكام بدايتها، ~~وإتام نهايتها، وعدم رؤيتها، بالغيبة عن تطلبها، ونفيها بالاستغراق في شهود إقامة الحق له ~~وتقويمه، ثم لا بد من الرضاء بالقضاء، والإيمان بالقدر مع التوكل والتفويض، وعدم ~~الاهتمام بأمر الرزق، وإسقاط التدبير على الله في الأمور السابقة واللاحقة، وعدم النظر ني ~~شيء، وعدم انتظار آخر، والاكتفاء بسابق تدبيره، وكونه لم يزل على ما اتصف به أزلا ~~من صفات التدبير ونحوها، وأن القدر لا يجري إلا على حسب مراده، لا على مراد ~~المعارض له، بل أكثر ما يكون ما لم يدبر، وأقل ما يكون مما دبر له، إذ القدر يجري ~~على خلاف ما تتعلق به الظنون، إذ هو المنفرد بتدبير مملكته، فإذا سلمت إليه تدبير أمر ~~غيرك، فسلم إليه تدبير أمر وجودك، فإن نسبة وجودك إلى هذه العوالم نسبة توجب ~~تلاشيك ني مملكته، فاهتمامك بأمر نفسك وتدبيرك لها، وتشتت فكرتك لأجلها جهل ~~منك بالله تعالى، فإذا تحققت بأنك ملكه، علمت بأن ليس لك تدبير ما هو له هذه، ~~وأنت في ديار ضيافته، ومن أدب الضيف ألا يتحملهما مع صاحب المنزل، وألا يعترض ~~في شيء البتة، ومن لم يجد فراغا يتوصل به إلى أداء ما وجب عليه من الحقوق، فكيف ~~يجد ms108 له فراغا يتوصل به إلى تدبر أو تدبير ني شيء ما، ومن لم يدبر دبر، ومن دبر وكل ~~إلى نفسه. PageV01P108 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0109.png) # ألا ترى أدب الخليل مع الججليل حين قال له جبريل التلتلا: «ألك حاجة؟ قال: اما ~~إليك فلا»(1، ومع ذلك، فلم ينف الحاجة لاقتضاء المقام، القيام بوصف العبودية، ~~وإظهار الفاقة إلى الله تعالى، فجمع في كلامه بين حق الربوبية ومقام العبودية، ولا منافاة ~~بين هذا المقام، وبين ما شاء وشاع عن بعض السادة القادة من الصوفية، حيث قال: لا ~~يكون الصوفي صوفيا حتى لا يكون له إلى الله تعالى حاجة، فإن ذلك قول صدق، وإشارة ~~صحيحة جارية على قوله: نظام مؤول هو ونظائره بما هو موافق للشرع، مطابق لما ني ~~أذوق أولي الأفهام، فمن ذلك أن الصوفي تحقق بأن الله تعالى قضى له جميع مصالحه، ~~وسائر ما يحتاج إليه قبل أن يخلقه، فليس من الحاجة إلا وهي مقضية في الأزل، ولا يلزم ~~من نفي الحاجة نفي الاحتياج، إذ لا تكون له حاجة واحدة، بل حوائج مستمرة متعددة ~~لا تنقطع، ولا تزول على ممر الأنفاس، فلا يزال اضطراره موجودا على توالي الأزمان، ~~وأنه إذا سأل حاجة، فإما يسألها عبودية وافتقارا وامتثالا، لا افتنانا من عند نفسه، ولا ~~اختيارا، ولا رغبة في اكتساب اللذائذ ونحوها، أو يكون الكلام جرى منهم على حذف ~~مضاف، وتقديره لا يكون له حاجة إلى الله تعالى، أي: إلى خلقه، وإما حوائجه مرفوعة ~~إلى الله تعالى وحده، ومدد صاحب هذا المقام من قوله صلى الله عليه وسلم بعطي أصحابه: «إذا سألت، ~~فسأل الله، وإذا استعنت، فاستعن بالله، فهو على حد قوله تعالى: (وجآء ربك) ~~[الفجر:22]، وقول إبراهيم الل حين رأى كوكبا: (قال هذا رب) [لاعام:، ~~يعني: هذا صنع ربي، وحخلق ربي. # وقولهم: لا يكون الصوفي صوفيا، حتى لا يكون بجعل كان هاهنا تامة، ويكون ~~معناه لا يكون له وجود أصلا، بل حصل له الفناء عن وجوده، ثم فنائه، ثم ترقي عن ذلك ~~فصار باقيا بربه ومولاه، فيكون ms109 له إلى الله حاجة، وإن الصوفي لا تتعلق همته بشيء، ~~فيكون طالبا له، وإما سبحانه يكون هو مطلوبه، وشتان بين طالب الحق، والطالب من ~~الحق، وإذا سأل الله فلا يسأله على وصف الاحتياج، وإما يسأله على قدم مسيس ~~الاضطرار؛ ولشدة ذكره له، شهوده لصفاته العظيمة يغلب عليه الحياء، فلا يرفع حاجته ~~إليه، وأنه إذا أحكم مقام التوكل، وارتفع بهمته إلى ما هو أعلى من مراتب التفويض PageV01P109 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0110.png) ~~والتسليم، علم أن العبد لا يملك قوة، فضلا عن استطاعة قبل أقداره سبحانه وتعالى ~~عليها، ولا يتوصل باختيار إلى مراد، فكيف يأمن أن يمكر به، فلا تساعده الأقدار على ما ~~أراد، ولا يجد له من نفسه ثقة حتى يختار بها أو يختار لها، ولا يرى له عملا منجيا، ولا ~~مخالفة مهلكة، ولا قابلية على الانطلاق إلى الأسباب، بل قيده شهود انفراد الحق بتدبير ~~الحركة والسكون، وسائر الآثار المحختلفة بالسالك تارة إلى التفرقة، وتارة إلى الجمع، فلا ~~يرى مصرفا ولا متصرفا سواه، فتعظم ثقته به، فيرجع عن منازعة أحكامه، واعتراض ~~أقسامه، فيعلم أنه ما سمي له في الذكر الحكيم، وكتب له في سابق العلم القديم هو الواقع لا ~~غير، ويظهر له بمعانيه تجلي الحق في الأزل صور الأعيان، فيتخلص من سجن القصور ني ~~الطلب؛ فلذلك لا يحتاج إلى الوسائل، ولا إلى الأسباب، ولا إلى الوسائط، ويرى أن ~~حاجته وسيلة، وأن اضطراره سبب، وأن سؤاله واسطة، وإن ذلك إنا ينشأ عن إرادة، ~~وإن ذلك قيد عن الوصول إلى الإرادة الباقية، فبهذا المعنى لا يكون له مع الله تعالى مراد ~~إلا ما أراده، فلا يكون له حاجة إلى الله تعالى، فينتهي إلى مقام التسليم بما ذكر، وهو ~~التفويض والتوكل ني المعنى، والمؤدى واحد إلا إنه على أسباب الطلب، إذ العلل ني ~~التوكل أكثر، وأبين وأظهر؛ ولذا صار أدناها، والتفويض والثقة أو سطها، والتسليم أعلاها، ~~فالتوكل توصل إلى المطلوب بواسطة الاعتماد، والتفويض هي البراءة عن الحول والقوة، ~~والثقة هي ترك المنازعة، والتسليم هو الإعراض عن مزاحمة ms110 العقول لما يشق على الأوهام، ~~مما غيب علمه وخفي عنها، والإذعان لأمور وأسباب تخالف القياس العقلي، مع الإجابة ~~إلى المراد، وإن حصل مانع يفزع الطالب من ركوب الأهوال، والخروج من فضاء العلم ~~إلى حكم الحال، وما يقتضيه من نفي الصور والأشكال، والارتفاع عن ذلك بملاحظة ~~تسليم الحق نفسه إلى نفسه، من غير مزاحمة شهود الرؤية ولا غيرها، بشرط كون ذلك ~~تعين الحق؛ ليحصل خلوص الذات بالذات ني الذات، وهذا هو التسليم الموصل إلى ~~التوحيد الذاتي، والمحقق للسر في الله، المبلغ في كل غرض وبغية، سواء طلبت الحاجات أو ~~لم تطلب، وجدت أو لم توجد، شوهدت أو لم تشهد، فانظر إلى كلام العارفين كيف ~~اشتمل على هذه المعاني الرائقة، والأسرار الفائقة، وهذا بحسب ما ظهر وجاز إظهاره، ~~وما خفي إنا يحار العقل عن تصوره، واللسان عن إبرازه وتبيينه، والسمع عن إدراكه ~~وتلقيه، والوجود عن إظهار مثقال ذرة لما بقي الكون الدنيوي، ولفني العالم أو غاب ما ~~فيه من الصور والأشكال فبالله، فالتسليم أسني وأبرك، وتجنبت الإنكار فإنه الداء المهلك، PageV01P110 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0111.png) ~~وإذا سمعت شيئا من إشاراتهم فافهمه على وجهه إن كنت من أهله، فإن لم تكن فسلم، ~~وحسن الظن، وكمل الاعتقاد، ولا تتحجر على الغيب، ففضل الله تعالى واسع، وعطاؤه ~~شامل لا يمنع منه سائل، ولا يتوصل إليه بكثرة الأسباب ولا الوسائل، فهو كما قال الله ~~تعالى ني كتابه الكريم: (ذا لك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل العظيم) ~~[الحديد: ا2])، فاسلك بكلمات أولياء الله مسلك التأويل، فذلك متعين كتعين ما وجب ~~تأويله من آيات التنزيل، وعظم جنابهم بقبول سائر ما يرد عنهم، كقبول ما يرد من كلام ~~الرسل والأنبياء، فما نطقوا به نظما ونثرا، سرا وجهرا، غيبة وحضورا، صحوا وسكرا، ~~فإنما هي عين كلام رسل الله تعالى، بل عين كلام الله، ولا يجوز أن يكون شيء من ~~الأشياء جوهرا وعرضا، حسا ومعنى، علوا وسفلا، ملكا وملكوئا، ومع ذلك، وما وراء ~~ذلك من الوجودات الممكنة، ومن فيها إلا بكلمة ms111 من كلمات الحق، وذلك باعتبار ~~صدورها عن كلامه القديم، الأزلي المقدس عن الحرف والصوت ونحوهما، ولا بد لك إذ ~~ذاك من معرفة الأساليب العربية، وما اشتملت عليه من حقيقة وبحاز، وتشبيه وكناية، ~~وتورية واستعارة، وتلويح وتعريض وتصريح، وغير ذلك حسبما هو مسطور في كتب ~~المعاني والبيان، فإن السالك هذه الحجة، والخائض في هذا الشرع مفتقر إلى ذلك، كيف ~~لا والقرآن العزيز الذي لايأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه مع أنه أصدق كل قيل، ~~وأفصح كل نظم، وأبلغ كل عبارة مشحون بذلك، ومن المعلوم أنه ورد فيه ما لا يجوز ~~إطلاقه على ذات الله تعالى، مما لا يحل اعتقاده على ظاهره، بل يجب التسليم فيه مع عدم ~~اعتقاد ظاهره، وتفويض حقيقته إلى علم المتكلم به أزلا وأبدا، وتأويله بما يليق بكل من ~~مقاماته وأساليبه، فإذا فهمت أن كلام الله تعالى، وكلام أنبيائه ورسله وأوليائه شيء واحد ~~إذا ما تكلم به الرسل، إما هو عين الوحي الإلهي، والنفث الروحي، والناموس القدسي، ~~وما تكلم به الأولياء، إنا هو عين الإلهام الرباني، والخطاب الرحماني المعنوي، الفكري ~~السري، الذي لا مدخل للشيطان فيه، وليس هو من قسم الهوس إذ هم مصونون عن ~~ذلك، محفوظون من الاتصاف به في كل نفس من أنفاسهم، فاحذر من الاعتقاد الذميم، ~~المفضي بك إلى الإنكار على أولياء الله تعالى، والخوض في أحوالهم بما لا يعنيك، بل ~~يعتيك ويطغيك، فتكون بذلك محاربا لهم، وبمحاربتهم تحارب سيدك ومولاك، وإياك من ~~التقليد في ذلك لمقيد بعقال عقله، ماكثا في ظلمات وهمه، زين له سوء عمله، فرآه حسنا ~~فبادر الى الانقياد، وسوء الاعتقاد في هذه الطانفة، الذين هم خلاصة هذه الامة، فجهل PageV01P111 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0112.png) ~~مرادهم فعاداه، وعاداهم، وعدى عليهم بلسانه وقلبه، ويده وقلمه، ونسب النقص إلى ~~غرائمهم وكلماتهم وإشارتهم، وأفعالهم وأحوالهم، ولربما أطلق الكفر عليهم أو الزندقة ~~ونحوها، فأصبح والعياذ بالله من حبهم محروما، ومن حربهم مهزوما، ومن حزبهم ملعونا ~~مطرودا، مدحوراا مذموما، نعوذ بالله من سوء القضاء، ودرك الشقاء، ونسأله العصمة ms112 ني ~~الحركات والسكنات، والكلمات والإرادات، والأفكار والخطرات من مضلات الفتن إلى ~~موج اللقاء، فهو العطوف الرؤوف، الجواد الكريم. # إفادة تهذيب لأحسن الأساليب: # ما ذكرناه من ترك التدبير، وملازمة التفويض والتسليم، والالتفات كل الالتفات إلى ~~مقام التوكل، يحتاج صاحبه إلى الصبر على البلايا، والشكر على العطايا. # أما الصبر، فبأن تتجرع كل مرارة من المرارات القدرية ، مع حبس النفس على ~~إظهار شيء من ذلك إلى الغير، وكتمان الجزع والألم يكن صبرا، وهو من أصعب المنازل ~~على أهل البداية، ومن أنقصها عند أهل النهاية، إذ هو مثمر للوحشة في منازل المحبة، ~~وموجب للشرك ني مشهد التوحيد، ومع ذلك فهو قوام الأعمال، وزينة الأحوال، ~~وعمارة القلوب، وتخفيف لأعباء أثقال الكروب، يجب الاهتمام به على كل أحد، إذ هو ~~من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإن بعث عليه خوف وعيد، كان صبرا على المعصية، ~~أو أدى إلى أحكام طاعة بتحسينها بالإخلاص، ورعايتها بالتحافظ عليها من الشوائب ~~النقصية، وأوصل إلى تحصينها بمعالى الاستقامة، كان صبرا على الطاعة، وإن فتح للعامل ~~باب ملاحظة حسن الجزاء، وترقب فرح يعمر روحه أجساد الحقائق والأحوال، كان ~~صبرا على البلاء، وأدناه ما كان لله، وأوسطه ما كان بالله، وأعلاه ما كان على الله، وقد ~~يكون ني الله، وقد يكون مع الله، وقد يكون عن الله، وهذا النوع الأخير يكون في أخص ~~مقامات المشاهدة، وذلك بأنه قد يرجع العبد إلى مولاه إجلالا واستحياء، فتنطبق بصيرته ~~خجلا وذوبائا، ويخفى إحساسه لعظيم ما يشهده من سر معنى التجلي، وهذا من أشد ~~الصبر؛ لأنه يتمنى دوام هذا الحال؛ وفاء لحق الجلال، وهو منية الروح، إذ هي تحب ~~استمرار تمتعها بنور الجمال، والسالك يغار على تلك المشاهدة أن يكون شاهدا لها؛ لعدم ~~استحقاقه لمشاهدتها، والوصول إلى مشاهدها، فكما أن للنفس في الهموم منازعة حالة ~~الصبر، فكذا للروح عند وصولها إلى هذه المراتب منازعة؛ فلذلك يكون أشد الصبر ما ~~كان عن الله، وود يستحلي العبد البلاء أشد منه استحلاء واستلذاذا بالنعمة ونحوها، PageV01P112 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0113.png) ~~فينقلب صبره شكرا، ms113 والشكر فعل ينبئ عن تعظيم المنعم؛ بسبب إنعامه على الشاكر قولا ~~وفعلا واعتقادا، ولا بد فيه من معرفة النعمة، إذ هي سبيل يوصل إلى معرفة المنعم، وقد ~~يكون على المحاب، وهو شكر أهل البداية، أو على المكاره، وهو شكر الصديقين، وقد ~~يغيب الشاكر عن شكره النعمة بشهود المنعم جلت عظمته. # وهذا الشهود ينقسم إلى أقسام، أحدها: ما يوجب استغراق المشاهد في مشاهدة ~~المنعم، حتى يشتغل بذلك عن النعمة، وهذا هو المشهود المثمر لحفظ الأدب بين يديه، ~~ونسيان العبد ما فيه من القربة والكرامة. # وثانيها: استغراقه في شهوده حبا له، بحيث أن كل شيء يصدر منه فإما يكون ~~رضاء له. # وثالثآها: استغراقه في شهوده تفريدا، ولا يشهد مع الحق نعمة تشكر، ولا شدة ~~تذكر، وهذا هو شكر العارفين الواصلين. PageV01P113 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0114.png) # وقد اختلف في تفضيل الغني والفقير، مع الاتفاق على أن ما أحوج من الفقر. ~~مكروه، وما له بطر من الغنى مذموم. # فقيل: إن الغني الشاكر أفضل؛ لأنه متصف بصفتين من صفات المولى، وهما الغنى، ~~والشكر، إذ من أسمائه تعالى الغني والشكور، بخلاف الفقير الصابر؛ لأنه متصف بصفة: ~~من صفات العبيد، وهي الفقر بصفة من صفات المولى، وهي الصبر إذ من أسمائه الصبور، ~~وإلى هذا ميل جمهور العلماء، وميل القشيري وغيره، وجمهور الصوفية إلى تفضيل الفقير ~~الصابر؛ استدلالا بما في الأحاديث من ارتفاع درجة الفقير على الغني من سبق الفقراء ~~الأغنياء إلى الجنة بخمسمائة عام ونحو ذلك، وعن ابن حنيفة: أن الفقير الصابر هو الغني ~~الشكور. # وقال الشيخ أبو علي الدقاق: الأفضل أن يعطي الإنسان قدر كفايته ويصان فيه، ~~وهذا مذهب من يرى تفضيل مذهب الاعتدال، وإن خير الأمور أوساطها، وبه أقول، ~~وإليه ترجيحه أميل، ولا بد أيضا من الرضاء، وهو سكون القلب تحت جريان الحكم ~~بحيث لا تحالجه إرادة، ولا تعارضه داعية والاختيار، ولا ترتد، وهو أوثق الأسباب التي ~~يتوصل بها إلى التلذذ بلذائذ حلاوة الإيمان، والقيام بمقتضى حلاوة الإيمان من رضي الله ~~ربا، وهو مقر لسخط العابد عما دون ms114 معبوده، ويوجب طهارته من الشرك الأكبر، وإنما ~~يصح بشروط منها ترجيح الله بالحب عن غيره، وأن يرضى بكل ما قضاه واختاره له، مع ~~عدم الاتهام له ني شيء البتة، وأن يؤثره بالطاعة والعبادة، وأن يقدمه على من سواه ~~بالتعظيم، وكمال الامتثال، وأن يغيب بذلك عن رضوان نفسه وسخطها، فيبعثه ذلك ~~على ترك التحكم بالتسمي، وإيثار أمر دون أمر، فيثمر ذلك إسقاط التمييز، فلا يبالي ~~بجنة ولا نار ولا بغيرها، ويؤدي به ذلك إلى مقام الحياء، الذي هو انكسار وتغير، يتولد ~~من تعظيم بمزيد تكريم، مقترن بود صادق، ونشأ ذلك عن علم العبد بنظر سيده ومولاه ~~إليه، واطلاعه على ما هو عليه، فيعينه ذلك على المقام باحتمال أثقال المجاهدة، واستقباح ~~المخالفة، والكف عن ذكر ما بينه وبين سيده إلى غيره، وقد ينشأ عن النظر في القرب ~~التام، فيبعثه على الأنس والمحبة، وعلى مقدار ذلك تظهر له الوحشة من السوى، وقد ينشأ PageV01P114 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0115.png) ~~عن شهود في حضرة المعاينة، فتقارن الشهود هيبة من غير تفرقة، ولا ادراك غاية، 10 ~~توقف عليها، ولربما حمله ذلك على الصدق الذي هو توجه القلب إلى المتصود بهاغية ~~جارية إلى الطلب، وانعطاف في السر حامل لانجذاب إلى المطلوب، وشرط العسادق ~~يحتمل داعية تدعو إلى نقض عهد، ولا يقوى على مقارنة غيره، ولا يعارضه فتتوى ~~بقطعه عن تحصيل ما توجه إليه، وكمال الصدق أن يؤثر الحق على نفسه بكل كمال ثبت ~~له، ولو على حسب الاعتبار، وأن يستمر شاهدا من نفس النقصان غير مغارق لعزيمة. ~~ولا أحذ برخصته، إذ الصوفي لا مذهب له، ومعناه: أنه لا التفات إلى نفسه حتى يذيتب ~~لذائذ الراحة، ويصرفها بالرخص عن الألقاب، بل يستمر ملازما سلوك سبل الغرائم. أر ~~لا مذهب له؛ لأن مطلبه ليس في جهة من الجهات، حتى يكون طالبا في تلك الجهة من ~~المذهب الخاص بها، والمذهب مكان الذهاب، وإنما أغناه شهوده له عن طلبه ني وجود ~~من الوجودات، وزاد ثقة بما انكشف له من سر معية، وإحاطة الشاملة لكل ms115 فرد من أقرد ~~المحدثات، وزاده تحقيقا علمه بثبوت كل وصف لمن اتصف به، واستمراره له من غير ~~انفكاك، فهو يرى ما هو الأصل، ومن هو المستحق لصفات القدس الباقية من العلم ~~رالسمع والبصر ونحوها، وتحقق بفناء غيره، وفناء ما لهم من النسب والإضافات، ويرى ~~أنه في نفسه ممن ثبت له الفناء، والفاني لا طلب له فضلا أن يختص طلب لهذا المطلوب ~~بمذهب من المذاهب، إذ هي في الحقيقة منتقية إلا لأمور اعتبارية، وأحوال مقتضية ~~لموافقة ما جاء الشرع العزيز بإثباته؛ امتنائا وامتحانا، ومن كمال الصدق أيضا: أن يكوت ~~الصادق راضيا مرضيا، قصوده مستقيمة، يتحقق بأن وجوده ثوب معار، كساه الله تعائى ~~إياه، وهو في مقام السلب، إذ هو بدون وجوده الحق ليس بشيء، بل هو هالك محض، ~~وعدم صرف، وكلما تصور حسنة صارت سيئة، وكلما أثبت قربا شهده بعدا، وكلم ~~لحظ وصلا وجده صدا، فإذا تحقق وجوده لزم تحققه بانتفاء فعله، ومتى ما شرك أشر، ~~ومتى ما وجد ألحد، ومتى ما كان فنى، ومتى ما شمله الآن وقع في لجة النقصان، ومتى ما ~~دخله كيف تمحض مع الجور والحيف، فلا آفة له إلا نفسه، ولا تخلص له منها إل *، ~~فهو مهتوك مستور، غالب مغلوب، طالب مطلوب، فهو عبد ما دامت أنانيته باقية، فيذا ~~انكشفت عنه الحال وسكنت، وإراداته علم ما لا تسعه الإشارة، ولا تحفل معانيه العبارة، ~~بل تسكت عنده العبرات، وتتواتر دونه الحسرات، وتدق الأعناق، وتغيب الأرواح، فضلا ~~عن الأشباح، فلا ينفع في هذا المقام إلا التصديق، ولا يصل إليه واصل إلا بالتفضيل PageV01P115 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0116.png) ~~الموصل إلى البغية على صراط التوفيق، والمحقق بجواهر الأشائر المستخرجة من ثغر بحر ~~التحقيق، والمبهج للصدور بظهور رحماتي، إلا إلى الله تصير الأمور، وفي معنى هذا قلت ~~بإذن الله تعالى، وحسن توفيقه: نصحتك فاظفر بالبقاء ولا ترم: # م يعمى جوانحامراما بنيل الكون منك تحرقا ~~فنالتآ هلاكا صدها عن سبيلها دنتآ نحو قصد أؤ مالتآ تشرقا ~~وخفى بها ما كان من خفائها وأرشفها كأسا لطيفا ms116 مروقا ~~فلا هي بالإفناء كانت ولا التي وأظهر منها سر سر تحققا ~~تحير عقول الخلق عند صفاتها فوز بابقاء ولا تعرف البقا ~~فإياك إياك الغرام فإنها فإن لحظت # فان لحظتها دكدكتها تزق ~~فأفناهم حتى أذاق جميعهم بلاء على أهل الوداد تفرقا ~~أذابتهم حتى تمنوا هلاكهم من أين لا تحصى ولن تنفع الرقى ~~إلا أنه سلب ومحق لمن درى ولم يبلغوه لا ولم يشهدوا اللقا # ومن دامه نال الهلاك الحققا # تتميم أنيق لسر واضح على التحقيق، وتأكيد إيضاح، وتجديد افتتاح: # جميع ما ذكر آنفا، وبين وشرح سالفا، بني على بغض الدنيا التي معناها كل شيء ~~دنا من الإنسان، وشغله عن الله تعالى، ومن علامات بغضها: الزهد فيها، إذ هو قربة ~~للمتقرب، وإن كان حسنة في حق من جلس على بساط المحاضرة، وتنعم بلذائذ المسامرة، ~~وقد يكون ني الشبهة بعد ترك ما تحقق خطره، ووضح نقصه، وظهر أمره، والباعث ~~عليه، والأنقه عن الاتصاف بما فيه من النقصان والعيب، والحذر من مشاركة الفساق، ~~وأرباب المخالفة، وقد يكون في الفضول، وما زاد على القدر المحتاج إليه، والباعث عليه ~~اغتنام التفرغ إلى تعمير الأوقات بالعبادة، وقطع الاضطراب عن القلب، أو مشاركة ~~الأنبياء والمرسلين، والأبرار والصديقين فيما لهم من الحلية التي أثبتت لهم الزينة، وأوردتهم ~~الطمأنينة عاجلا وآجلا، وقد يكون زهدا في الزهد، والباعث عليه احتقار حصل، ترك ~~زهدا من غير ترجيح لحالة من الحالات عن ملاحظة صور الاكتساب جملة وتفصيلا. # ومن كلمات الوالد - قدس الله سره العزيز - : ليس الزهد بأن تزهد ني اللين من PageV01P116 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0117.png) ~~الدين، وإنما الزهد أن تزهد بعد أداء شروط الزهد في الزهد، والزهد والورع إخوان، الا ~~أن الورع أقوى منه في استقصاء التوقي، ومزيد التجرح والتضييق على النفس، باجتناب ~~الرخص، وعدم التوسع في المباح، وملازمة الأحد بالعزيمة؛ خوفا من الوقوع في الحرام ~~والشبه؛ تعظيما لله تعالى ولأمره، وقد تكون مصونة للنفس، وقد يكون استمرارا على ~~الصيانة، وارتقاء الدناءة، وتخلصا من تعدي الحدث، وقد يكون احترازا عن تضييع ~~الوقت، ومساعدة التفرق، ms117 وأدناه الأول، وأعلاه الثالث، وهو لكل نوع من أنواعه حسن، ~~والتعلق به جميل، ومن آثاره إثارة إثارة الإيثار، وهو تخصيص الغير، وتقديمه على نفسه ~~بالانتفاع بذلك الملك المخصص للمؤثر، وشرطه أن يكون فيما مباح، ولا يحرم، ولا ~~يترتب على الظفر به فساد ولا هجر ولا بعاد، والباعث عليه رغبة تامة تبعث على ~~اكتساب مكارم الأخلاق، وتعظيم يحمل على نسيان نفس المؤثر ما لها، وذكرها لحقوق ~~غيرها الواجبة عليها، واستقباح الشح المانع من ذلك، ويتعين عليه طلب الكسب، ~~وحسن الخلق، وقوة العزيمة، وقد يكون إيثار رضوان المحبوب على غيره، وقد يكون إيثار ~~المحبوب ذاته على غيره، وترك من سواه لأجله، ثم نسيان ذلك الترك والتحقق، بمعنى: ~~ليس لك من الأمر شيء، وهذا هو الجمال الذي يتحقق السالك مقام صلى الله عليه وسلم، ويبعثه على ~~الوصول، والاتصاف بما له من الخلق العظيم، الذي هو قطب يدور عليه كمال أهل ~~التصوف، وقد وهبهم من سر التصريف والتصرف، وهو هيئة كمالية راسخة في النفس، ~~تبعث على بذل المعروف إلى الخلق، وكف الأذى عنهم، أو على النسب بأن يكون ~~معروف الله تعالى، معدولا إلى النفس، وصرفه ما يكون من سرائر أقداره عنها، وذلك لا ~~يتأتى إلا بمعرفة مقام الخلق، والاطلاع على ما هم عليه من الكمال العيني، وإن ظهر ما ~~يخالف ذلك في العالم الصوري، بحيث يحصل الأمن لكل ذرة حقيرة أو عزيزة من هذا ~~العبد، وأن يحبهم حبا يجذبهم، كما ينجذب به إليهم، وأن يكسبهم النجاة من هموم ~~الدنيا، بإقامة العذر والشفاعة والإعانة ونحوها. # ومن هموم الآخرة: الصيحة عند وجود القابلية، والدعاء والضراعة عند التفاتها، ~~وبالشفاعة في القيامة، والتخليص من كربها، مع الإحسان إليهم بما ذكر، فلا بد من ~~تحسين الخلق لهم، وذلك بأن يرى في كمال يبرز من هذا العامل لهم، فإنا استحق عليها ~~كل شيء يحصل منهم، وإن قل يستحق شكرا أوعفوا وسترا، وإنه يستحق أن يكون ربي ~~له يجازي، وتعمد القيام بذلك، فلا بد من تصفيته وصرفه عن شوائب الأكدار، الموجبة ms118 PageV01P117 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0118.png) ~~للنقصان ني المرقى الأكمل، والمشهد الأعلى، ومن أنواع تحسين الخلق مع الخلق ملازمة ~~التواضع، وخفض الجناح، فالتواضع بأن يقيم نفسه عند كل أحد مقاما يعلم أنه يقيمه فيه، ~~وأن يقيم غيره عنده ني مقام يرتجى هو من غيره أن يقيمه في ذلك المقام، وأما خفض ~~الجناح، فهو لين الجانب، ومزيد الرفق، وهو أبلغ التواضع، وأنهى ما يكون من مراتب ~~الأدب مع الله سبحانه وتعالى، وأرفعه ألا يخطر بقلبه أحدا إلا ويرى أنه خير منه، وإنا ~~يغشى عن النظر إلى النفس بعين الاحتقار والمبالغة في اتهامها، وعدم الالتفات إلى ما تبرز ~~به من زخارف قولها وفعلها، وأن يبالغ في ازدراتها حتى لا يرى في غيره من الخلق شرا ~~مطلقا، وإنما يرى نفسه بعينها هي أشد الخلق شرا. # وقد قيل لبعض الحكماء: هل تعرف نعمة لا يحسد عليها، وبلاء لا يرحم صاحبه ~~عليه، قال: نعم أما النعمة: فالتواضع، وأما البلاء: فالتكبر، وليس للإانسان أن يفرط ني ~~التواضع كل الإفراط حتى يصير ضعة، ومعناها: أن ينزل الإنسان نفسه منزلة تزري به، ~~وتفضي إلى تضييع حقه، وكثيرا ما بينهم التواضع والضعة، ويلتبس كل منهما بالآخر حتى ~~يشكل أمرهما على كثير من السالكين، فلا يظهر الفرق بينهما كما يحصل الاشتباه بين ~~الكثرة والعزة، مع كون العزة محمودة، والكبر مذموما، فيعسر الفرق بينهما والتمييز إلا ~~على أولي الألباب والبصائر، وإنما يحصل الاشتباه في ذلك بينهما في الصورة، فالكبر ~~جهل الإنسان بنفسه، وإنزالها فوق منزلتها، والعزة معرفة الإنسان بحقيقة نفسه، وإكرامها ~~وتبليغها حقها، وإنزالها ني منزلتها وقد قيل للحسن: ما أعظمك في نفسك؟ فقال: ~~لست بعظيم، ولكني عزيز. # وني قوله تعالى: (يتكبرون فى الأرض بغير الحق)، إشارة ~~لخفية لطيفة تفيد إثبات العزة بالحق، ونفي التكبر، فالوقوف على حد التواضع من غير ~~انحراف إلى الضعة، وقوف على صراط العزة المنصوب على متن نار الكبر التي لا نجاة ~~منها، إلا لمن كان تقيا، لمعت أنوار المشاهدة من قلبه، فذابت نفسه، واكسبه ذوبانها ~~مزيد الصفا والخلوص من دنس ms119 الكبر، ورجس العجب، وتطهر بمياه الشهود وفك من ~~كل قيد من القيود، فاكسبه الإطلاق والانطلاق إلى فضاء عالم القدس، فخلص من وثاق ~~الأكدار، وفاز هو بالقرب من الملك الستار، الحليم الغفار، ونال في ذلك المقام من ~~الإكرام ما لا عين رأت، ولا أذن سعت، ولا خطر على قلب بشر، بلغنا الله تعالى ذلك ~~وأحبابنا، إنه جواد كريم. PageV01P118 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0119.png) # ومن حسن الخلق: المداراة، واحتمال الأذى، ولقد بلغ من مدارته ل: أنه وجد ~~قتيلا من أصحابه بين اليهود، فوراه بمائة ناقة، ولم يتعرض لليهود، وأن بأصحابه الحاجة ~~إلى بعير واحد يستقون، ولا يخفى عطفه على ذلك الرجل الذي قال فيه كما هو ثابت ي ~~الصحيح: (بئس ابن العشيرة»(، أو ((بئس أخوة العشيرة» حتى إذا انتهى إليه ألان له ~~القول، وأقبل فسئل عن ذلك، فقال: «شر الناس من أكرمه الناس مخافة شره»(، وني ~~رواية: (اتقاء فحشه)3. # وكا صلى الله عليه وسلم تآلف أجلاف العرب، ويعطي الأقرع بن حابس ونظراءه المائة من ~~الإبل، ويدع المهاجرين الأولين، والأنصار السابقين، ويقول: «إني لأعطي الرجل وغيره ~~أحب إلي منه؛ مخافة أن يكبه الله تعالى في النار على وجهه». # ولما أن سمع مخرمة، وكان في خلقه شيء مما [.......(5] جاء البي صلى الل عيه وسلم فخرج ~~هل صلى الله عليه وسلم قباء، وهو يقول: خبأت لك هذا مداراة، وحفظا لك من التعرض للهلاك. # وكذا صبر على الشقى عبد الله بن أبي بن سلول، رأس المنافقين، وكان قدادا ~~جلدا، فأغضى عنه عفوا، وصلى عليه، وخالف عمر الفاروق في رأيه، ونزع ثوبه وأشعره ~~إياه، وتفل في فمه إظهارا لسعة صدلهصلى الله عليه وسلم، وإظهارا لعظيم خلقه، ومثل هذا من شمائله ~~الحميدة، وخصاله الشريفة لا تكاد تحصى، ولله در الإمام عليلاله حيث يقول: «إنا ~~لنصافح أكفا نرى قطعهام. # وعن أبي الدرداءال قال: «إنا لنكشر في وجوه أقوام، وإن قلوبنا لتلعنهم»(). # فمن تخلق بالمداراة، ولم ير لنفسه فضلا، ولم يثبت عليه حقا، حصل على مقام PageV01P119 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0120.png) ~~الفتوة، لاسيما إن جمع على ms120 ذلك ترك الخصومة والأذى، ونسي عيوب غيره، وقرب من ~~أقصاه وأحسن إلى من آذاه واعتذر عمن جناه، وتودد إليه سماحا لا كظما بحيث يقدر ~~على إنفاذه، ولم يمضه، وأنفث همته في سيرها أن تتعلق بدليل، وتمزج طلبها بملاحظة ~~عوض، وأن تتقيد ني شهودها بتصور رسم، فقد حصل مقاما عظيما، وأدرك نوالأ ~~جسيما. # نور اهتداء، وعلم ابتداء، وبهجة مهجة، وقطاف دان، وشرة إحسان، مغنية ~~الأولي العرفان عن البرهان. # ولأوي مع ما ذكر من تصميم العزم وأجمله، بصرف الهمة إلى الله تعالى، والتجرد ~~لطاعته، والفرار إليه بالتخلص من ظلمات الجهل بنور العلم، ومن الإعراض إلى الإقبال، ~~ومن الكسل إلى التشمير، ومن السماع إلى المعاينة ، والاطلاع على المراد بالتجلي ~~الشهودي، ثم من غير إليه، ثم من شهود الفرار إلى شهود المنة، ثم من الشهود إليه، ثم يفر ~~منه إليه، ويستشفع به منه عنده بعد أدائه لما وجب من القصد بالارتياض، تاركا للتردد في ~~طلبه، قاطفا لكل سبب يقطع عنه مذهبا، ظاهره بالأعمال الشرعية، وباطنة بالآداب ~~العبدانية، متزينا معناه بالاتصاف، بما أذن فيه من الأوصاف القدسية، فإذا قام بذلك ~~اختلفت الجواذب عليه، فألقته ني بحر الفناء، وحمله موج الغيبة إلى بحمع الأضداد في عالم ~~الفردية، فاستراح حيث لا راحة له، ولا حركة، ولا سكون جملة وتفصيلا. # شفاء وموعظة، وتذكرة موقظة: # اعلم أن معنى القصد والعزم، والإرادة والنية، والهمة والهاجس والهم، باعتبار ~~المؤدى واحد، ويقال لأول توجه القلب إلى الفعل: هاجس، فإن قوي يسمى: إرادة، فإن ~~زاد التوجه، وقويت الإرادة فهو الهم،، فإن قوي سي بالعزم، فإن قوي سمي بالنية، والنية ~~هي والقصد بمعنى واحد على الراجح، وقد جمع الأستاذ الوالد ذلك في بيت مفرد، فقال: ~~اصول الفعل هجس، فالإرادة فهم الفهم ملتنا الإفادة # وله أيضا: # الفعل اوله هجسن، ويعقبه ارادة ثم هم وعزم فالنية # فالقصد إن لم يكن تفسير نيتنا، لكنه هو هي، والخمس أصلية، وهذه المذكورات ~~اساس الفعل؛ لأنه لا يكون إلا بها، وعلى كل حال، فيتعين على الطالب أحكام التوجه ~~الى الله ms121 تعالى بقصد، وصدق، وعزم كامل، يبعثه على إرادة تجرده عن العادات، وتولف PageV01P120 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0121.png) ~~قلبه مع قلوب أولياء الله تعالى، وتشغله عن كل شاغل، وتوجب له الاعتدال، وتوصله إلى ~~الذهول عن نفسه بعد ذهوله غيره، وتوقفه على قدم الأدب، فلا يغلو في حالة ظنا أن ~~يصل بها إلى مطلب، ولا ينقطع عن سبب أمر به غرورا؛ فتستوي عنده الأطوال، فيرقى ~~بذلك إلى الفناء عن التقيد بالأدب الكسبي عند حصول الأدب الوهبي، ثم يزداد ارتقاؤه ~~حتى يصل إلى مقام الفقر الذي هو البراءة من رؤية الناشئة، عن نفض اليدين من الدنيا ~~ضبطا أو طلبا، وإراحة اللسان من التعرض لها ذما أو مدحا، والمبني عن الرجوع إلى ~~سابقه، والموجب لصحة الاضطرار، والموصل إلى المنقطع الوحداني الذي يحصل فيه ~~التلاشي، فلا يبقى إلا الواحد الحق، فبهذا يصح تعريف الفقر بأنه هو الغناء في أحدية جمع ~~الذات. # وني مدح نفائس جواهره الفاخرة قال النبي صلى الله عليه وسلم (الفقر سواد الوجه في ~~الدارين»(1)، والمراد بذلك حصول الغناء الصرف، والعدم المحض لصاحبه في الدنيا ~~والآخرة، وهو الاستهلاك في عين الذات؛ لأن العدم يكنى عنه بالسواد والظلمة، ويكنى ~~عن الوجود بالبياض والنور، وهذا هو الفقر الذي افتخر به الأولون والمقربون، وغيرهم ~~من اكابر الأولياء، وخواص الأصفياء، وإليه رفعت الإشارة بقوله صلى الله عليه سلم (الفقر فخري، ~~وإليه أشار السيد الوالد -قدس الله سره العزيز - بقوله: ~~فاء الفقير فني فبقي به والقاف قوة صدقه في قربه ~~والياء يعبد مخلصا متخلصا والراء رؤية ربه في قلبه ~~هذا الفقير فليس يعرف غير من أولاه قدما فضله من وهبه # وله برد الله ثراه، وبلغنا مطالبنا به، وجمعنا في مستقر رحمته، وإياه: # الفقر أحرفه اثنتا خمسة مجموعة في لفظة لا تنكر # الف لألف الاجتهاد مع الغناء واللام لطف دائم متكرر # والفاء فضل أو فتوة او فني والقاف قهر النفس عما تحذر PageV01P121 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0122.png) ~~والراء رؤيتنا لمنة ربنا فهو الذي حقا ويشكر # من كان متصفا بجملة نعتنا فهو الفقير ومن عداه مزور ms122 ~~إن الفقير لربه متحقق بحقائق متواضعا لا يفخر # ذا نادر في ذا الزمان محجب في حصن غيرة ربه لا يظهر # ناهيك بالفقر مقاما، تم به وصول الطالبين، وانتهت إليه رغبة الراغبين، فأشرهم ~~الغناء بالله عن كل سبب، ومتى حصل التعلق بشيء كان ذلك فقرا، فالجهال يرون ~~الأسباب غنى؛ لاحتجابهم بها عن المؤثر الحقيقي، فيسكنون إلى الآثار؛ فيحصل لهم التقيد ~~بها، فذلك هو الفقير على الحقيقة، وما عداه هو الغني، لاسيما إن أشمر مسألة الحكم، وعدم ~~اعتراض الأقدار مع استقامة النفس على المحبوب من العزائم والصعاب، وتحاشيها، مما ~~يباين ذلك وسلامتها، وملاحظتها الغير رياء، وسمعه اكتفاء بما يحصل، هلا من شهود ~~ذكر الحق لها، وتذكرها لفناه، والفوز بشهود وجوده بالفناء، فيعبد الفناء في أسمائه ~~وصفاته؛ فيكون البقاء واحدا، والفناء واحدا، والوصف واحدا، والمتصف واحدا؛ فتتم ~~الأحوال، ويرتفع الخيال، وتكتتم الاثنينية، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، وإلى ~~ذلك أشار بعض العارفين بقوله: إذا تم الفقر فهو الله، ومن معاني هذا الكلام، أن الفقر لا ~~يتم إلا بوصول المتصف به إلى أعلى ما يكون من مراتبه، وقد تبين أن معناه الفناء الكلي، ~~وأعلى مراتبه الوصول إلى البقاء الكلي الذي لا إشارة في مشهده إلا إلى الله تعالى، وشة ~~معان أخر تركتها صونا لها واختصارا. # نجم ناجم لأنواع المراحم: # قد تقدم فيما سلف فضل العلم، والعالم، والمتعلم، وارتفاع رتبة الساعي ني ~~تحصيله ونشره، واستفادته، وإفادته، ولا بد مع ذلك من كونه نافعا، وهو الباعث على ~~الأعمال، والقيام بوظائف العبادة، وتحقيق مراتب العبودية، وإثبات حقوق الربوبية، وهو ~~محتلف، فقد يكون لسانيا، وقد يكون جنانيا، وقد يكون عيانيا، وقد يكون كسبيا، وقد ~~يكون وهبيا، وقد يكون عقليا، وقد يكون سعيا، وقد يؤخذ من التواتر المفيد لليقين، ~~وقد ينبت ني الأسراد الطاهرة، وينبت ني القلوب الطيبة المتروية بمياه الرياضة، وقد يفيد ~~إظهار الخفي، وإخفاء الأمر الظاهر، وإحضار الغائب، أو تغييب الشاهد، وقد يظهر ني ~~الأنفاس الصادقة، ويغلب وجوده ني ساعات الصفاء، وأوقات حصول التجليات الإلهية، PageV01P122 ![image ms123 file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0123.png) ~~والنفحات القدسية، والمواهب الرحمانية، الناشئة عن تجل رباني قدسي رحماني غير ~~مشوب بأمر وهمي، ولا وازع شيطاني، وذلك هو العلم المحقق للوصول إلى العلم اللدني، ~~الذي لا يتوقف على إسناد، بل إسناده وجوده وإدراكه عيانه، فلا ينعت بعبارة، ولا ~~بحصر بإشارة ليس بين صاحبه، وبين الغيب حجاب قد ألبسه المولى سربالا من الهيبة في ~~حضائر الاقتراب، وجعل الغيب له شهودا، وحصر أنواع الكمال له؛ وفيه وبه، فألقت ~~إليه مقاليدها صعاب الكائنات، وأقبلت وجوه المطالب طوعا لأمره في سائر الجهات، ~~وصار له إطلاق التصرف على اختلاف أنواع الحالات، وارتقى بذلك على الحكمة، ~~فوضع كل شيء في مقامه بعد الاطلاع التام الحاصل له على أحوال الكائنات، وخواصها، ~~ومصالحها، ومفاسدها، ومعرفته بخفيها، واطلاعه على ارتباطها من المسببات بأسبابها، ~~مع تحقيقه لأسرار أغوارها، وأغوار أسرارها غير متجاوز ما عينه الله تعالى، واختص به ~~كل ذرة من تلك الذرات في كل وقت من الأوقات التي عينت له، وعين لها في الأزل، ~~وعلقت عليه، وتقيدت به، واستمرت ولم تزل، وارتقى هذا الطالب بذلك إلى مشاهدة ~~مراد الله ني ذلك؛ فأدرك أن هذه الأقسام المقدرة على اختلافها وتفاوتها، لا ينبغي أن ~~تكون على خلاف ما ظهرت عليه من كن العدم إلى فضاء الوجود، ولا ينبغي أن يظهر ~~عليها من الأوصاف إلا ما ظهر واستقر، وظهر له أن المنع الظاهر خير من العطاء في ~~مقامه، وكذلك العطاء هو أكمل من المنع في مقامه، وأن كلا منهما عين الآخر، وأن لا ~~مغايرة بينهما إلا بنسبة اعتبارية، وأحوال جسدية، وأسباب بحازية، فسبحان من أشهد ~~أولياءه بره ني منعه ووصله في قطعه، ولذذهم بذلك، وصرف عنهم الآلام عند ذلك، ~~وخفف عنهم الأثقال بما جلي لهم، وتلى عليهم من سر: (وعسى أن تكرهوا شيعا وهو ~~خير لكم) ، فما منع أحدا شيئا إلا وفيه حكمة، وكلما قضي لعبده ~~قضاء كان فيه الخير، والصلاح لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. # كاشف المعارف، وخمار اللطائف، ونظام الظرائف، وزينة كل واقف في خير ~~المواقف: # وقد ms124 انقسم العلم إلى إدراك أحكام ظاهرة، وعلم بأحكام باطنة؛ فالعلم بالأحكام ~~الظاهرة هو أن يدرك المكلف ما تعبده الله تعالى به من أحكام وإسلام وايمان وإحسان، PageV01P123 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0124.png) ~~وصرفه، بأن يعرف شروط البيع والشراء، والأخذ والعطاء، والربا والرهن والقرض، ~~والإجازة والشفعة، والوديعة والوقف، وأن يعرف أحوال الوصية والوصاية وأحكامها، ~~وأن يعرف أحكام النكاح، وما يترتب على ذلك من نفقه وكسوة، وأحكام قسم ونشوز ~~وغير ذلك، وأن يعرف أحكام القصاص وأمور الجراح؛ ليكون مقيدا لجوارحه عن كل ~~محرم تعلق بها، وأن يعرف أحكام الجهاد؛ ليكون ساعيا في تأدية واجبه، أو في إدراك ~~ثوابه، وأن يكون مدركا لما يجب فيه الحد، ومالا يجب، وما يثبت فيه التقرير، وما لا ~~يكون، تاركا لما نهى عنه مع معرفته ببقية الأحكام المتعلقة ببقية الأبواب؛ ليقابل ما أمر به ~~من الواجبات والمندوبات بالارتكاب، وما نهى عنه من المحرمات والمكروهات ~~بالاجتناب، فإذا تم إدراك ذلك ظاهرا تعين عليه أن يعرف ذلك كذلك باطنا، فإذا قام ~~بمقتضى ذلك عملا؛ فحري بعد إدراكه لهذا المدرك أن ينجو من كل من مهلك، وأن ~~يصل إلى المراد على أوضح منهج ومسلك، ولولا خشيه الإطالة لشرحت لكل باب من ~~أبواب الفقه، وكل مسألة من مسائل فصوله بطريق الاقتباس على الأمكن المناسب ~~لاصطلاحات السادة الصوفية، كثر الله تعالى أعدادهم، وضاعف فتحهم وإمدادهم ، ~~وذكرت لك مع ذلك ما يحضر من الأدلة والتعليلات والمناسبات، التي تظهر في كل رتبه ~~مقام، وذلك يحتاج إلى مطولات وبحلدات عديدة، وهذه الرسالة الوجيزة ليست بصدد ~~هذا البيان، ولله الأمر من قبل، ومن بعد، وبالله المستعان. # ومما يتعين على الإنسان أن يعلمه علما جامعا لشرائط الكمالات: علم القلوب ~~المنقسم إلى علم الرياضة، الموصل إلى علم المكاشفة، وينقسم الأول إلى: علم بالعوارض، ~~وعلم بالأعيان. # والثاني: علم الغيوب، أو يقيد بما في الأذهان، وكل منها قد يؤدى إلى هلاك وفناء، ~~أو وجود وبقاء، وكل نوع من ذلك قد اختص ببواعث لا توجد في سواه غالبا على ~~الأول خطرة مفلقة جامعة، أو مفرقة ms125 مقوية، أو ممزقة سالبة، أو محققة مغرقة، أو محرقة ~~مظلمة، أو مشرقة متألقة، مكشوفة أو مكتومة، مطلقة أو مقيدة، متعلقة وغير متعلقة، ~~فالخطرة خطاب يرد على الضمير، فتثير شجنا بقلب القلب له، فتحرك أطراف القوى ~~على يد اللمة القوية المتصرفة ني العبد الباعث له على طلب المقصود، طلبا صرفا لا ~~يقترن بلبث، ولا مهل، ولا فتور، ولا قصور، مؤكدا ذلك باستجواب الأعضاء والأجر، ~~عالي الانقياد والمطاوعة بحيث لا تحصل المخالفة ني شيء البتة، ولربما كانت كاملة؛ PageV01P124 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0125.png) ~~فصانت القلب عن الالتفات إلى ما سوى الحق من الممكنات، وأورثته أنفة عن النظر بعين ~~لمبالاة بالأسباب والعلل، وعصمته من الثقة بالأمل، وجدته جذابا قويا عن حضيض ~~الالتفات إلى الأحوال والمقامات، أو التدنس بالأعراض؛ لغيبتها عنهما، وعن الدرجات ~~بما يقصده من سنن السبحات المنجية من الغرض، والحرق في تيار بحار الذات، فالخطرة ~~هي أصل الأعمال، ومبدأ الكمال، ومحقق الآمال، والموردة موارد النجاة، أو النكال، ولا ~~سلك سالك إلا بها؛ فهي الأصل والنتاج، وقوام الأبدان والمعاني، وباب المسرة ~~والابتهاج، فلا ترد إلا بإذن المولى، وإن بعثت على الأنقص، ودلت على الأولى يا لها من ~~ثر يرد على المعاني؛ فيورث التأثير، وغير مختلف لاختلاف المقامات، وعلى حسب ~~اختلاف المقادير تكشف الستر عن مخدرات الغيوب؛ فتحقق الكمال، أو تظهر العيوب، ~~رهى ريح مختلفة، فتارة تكون هي الحجاب، وتارة تأتي بالنصرة أو العذاب، فإن كانت ~~واردة من خزائن الابتلاء، صارفة عن العلا، مقيدة بالباطل، محققة للوصف العاطل، ضعيفة ~~التأثير سميت شيطانية، أو قوية التأثير باعثة على السواد والتدمير ، آمرة بالسوء أمرا ~~جازما؛ فهي النفسانية، وإن كانت مذكرة بالخير دالة على الكمال، قوية سنية مشرقة، ~~تزيد ندبة أرجة بلجة بهجة، غير معترضة بشيء، ولا مخالفة في معنى، ولا أثرا، ولا وصفا؛ ~~فهي ربانية إلهية رحمانية، وتأتى مختلفة الآثار والأسماء، ولكن متحدة في الحقيقة والمعنى، ~~وقد تكون بين خاطر الملك وخاطر الحق مع إنها خبرية، ويقال لها: القلبية، وقد تكون ~~عقلية، وقد تسمى يقينية، وقد تختلف وقد تتفق، ms126 فخاطر الحق وكذلك خاطر الملك ~~والقلب والعقل يجب تقويته وامتثاله، وكذا يتعين ألا يتوقف في قبول اليقيني لا الشكي، ~~ويجب بحانبة خاطر النفس؛ لأنها إنا تدعو إلى اكتساب الشهوات واتباع الهوى؛ فنظر ~~بمجرد حصول خاطرها في القلب لذلك علامة، وذلك بأن يحس السالك بألم شديد، ~~وضيق زائد في الصدر، ويجد في الأعضاء وجعا وثقلا وفتورا، وكذلك يتأكد باعادة ~~خطرة الشيطان لجثتها، وشدة اشتمالها على الشر، والدعاية إلى الضلالة؛ ولانتشارها ني ~~عالم المعنى علامات منها: إنه إذا خطر يستوفر، ويمر بعجلة، ولايجد ني القلب راحة، ~~ويكون من ابتلى كأما استقبل سائر الظلمات، وذلك لما زجته الرياء وعبادة غير الله ~~تعالى، وقصده بالتعظيم، ويظهر على الأعضاء ثقل حتى يشهد منها كأنها وقت المرازب ~~ونحوها، والفرق بينه وبين خاطر النفس يرد ني شكل واحد، ونى قوة واحدة، وخاطر ~~الشيطان يرد في فنون، فيظهر كل من العباد والعباد من كل طريق إلا طريق الإخلاص، فلا PageV01P125 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0126.png) ~~126 ~~بعضهم إذا كان الخاطر من الله تعالى يكون تنبيها للعبد، وإيقاظا له، وإذا كان من الملك، ~~فيكون تحريضا على العبادة؛ وإذا كان من النفس يكون مطالبا بشهوة، وإذا كان من ~~الشيطان بتزين معصيته، وربما يدعو الشيطان إلى عبادة، ويحرض عليها، أو على ذكر ~~آخر، أو على شهوة فيشتبه بالملكتي والنفسي، وإما يفرق بين الخاطر الملكي يتولد من ~~السكون والطمأنينة، والشيطاني يعقبه الوحشة والثقالة، وبأن النفس إذا طلبت شيئا لم تزل ~~تطلب ذلك الشيء، وتلح في الطلب، ولا يتجاوز عنه مثل الطفل إذا طلب شيئا عليه ~~ويبالغ ولا يقبل البدل، فلا ينفى هذا الخاطر إلا بسعي تام، وجد بليغ ، والشيطاني إذا ~~نفيته ينقطع في الحال، لكن يعقبه خاطر آخر، وآخر أن مقصود الشيطان الإضلال ~~والإغارة على تضييع الوقت، وإدخال التفرقة، وإذهاب الجمعية بأي شيء كان بذلك، أر ~~بخاطر آخر انتهى. # فلا ينبغي للعبد أن يكره ما يلقي الدين من الخواطر، وإن كانت شيطانية، فقد ~~يوصل الحق عبده إلى درجة القرب بواسطة الشيطان، فإنه قد يلقى في وجود ms127 العبد حب ~~العمل بقصد الخلق؛ فإذا عبدوا بقصد التفات الخلق إليهم، والتفتوا إليه ازدادوا بذلك ~~رغبة، فإذا استحلوا ذلك مرارا، انغمسوا في بحر التعبد والعبادة؛ فوجدوا طعم لذتها، ~~وحضت للحق فحصل لهم الانصراف عن الخلق بما يظهر لهم من نور الحقائق والمعاني، ~~ولربما كان العبد في غفلة؛ فجاءه الشيطان بوازع نقصي حسنه له فلم يساعده، بل بادر ~~إلى الاستغفار والاستعاذة ونحوهما، وارتقى بعد ذلك إلى معالي الأمور من التذكر والتبصر ~~ونحوهما، وكان ورود الشيطان على من اتصف بهذه الصفات الجبلة إعزازا له وتقريبا ~~وتحبيبا، وإذلالأ للشيطان وإذاقة لأنواع العذاب المتنوعة، واختلفت عليه شهب ثاقبة من ~~الذكر والفكر، والصبر والشكر، والتلاوة والاسترجاع، والحوقلة والحسبلة ونحوها من ~~الأذكار والأوراد، ففاز السالك ببغيته ومطلوبه، ورجع الشيطان مخذولا مقتولا، فائزا ~~بالخزي والخيبة والحرمان؛ فلهذا المعنى مالت السادة الصوفية، كثر الله تعالى أعدادهم ني ~~بره وبحره، الشيطان مهماز الفقير، وكيف لا، وبه ينبعث إلى معالم القدس، ورياض ~~الأنس، ومقامات الوهب، ومنازل القرب. # وقال آخرون من سادتنا الصوفية -حيا الله مع محياهم بالتحية القدسية - في بعض ~~إشارتهم: الشيطان منديل الفقير، يعني: بأن ما يحصل من كمالاته، وشرائف احواله ~~ومقاماته، فهي منسوبة إلى الله تعالى، جارية بتوفيقه له وتخصيصه، وما كان من الذنوب PageV01P126 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0127.png) # 127 ~~الخطايا، والذلل والعلل، وأنواع المصائب والنوائب، والمعاصي والمحاذي، فإما هي إلى ~~الشيطان منسوبة، وإن كان الأول بتوفيق الله تعالى، والثاني بتقديره وخذلانه العبد؛ فإنما ~~الشيطان السبب فيه لا محال؛ فتعينت النسبة إليه، ألا ترى إلى كليم الله موسى النيلا حين ~~قتل القبطي، وجرت صورة الفعل على يديه؟! كيف قال كما حكاه الله تعالى عنه ني ~~القرآن العظيم: (هذا من عمل الشيطاين) لصص. # فليزن الإنسان الخواطر بميزان الكتاب والسنة، فما كان من ذلك واجبا أو مندوبا؛ ~~فليقم بمقتضاه، وليعمل بمنطوقه وفحواه، وليس له أن يغفل مؤداه، وما كان محرما أو ~~مكروها، فليجانبه بحانبة كلية، وليلجأ منا إلى الله تعالى، وما استوى الخاطر أن فيه تعين ~~العمل بما هو الأقرب إلى مخالفة الهوى، ms128 فإن الأمر المخالف لما هو الموافق للحق ~~والصواب، فإن النفس لها اعوجاج، وبلاء كامن في كثير من الأحوال والأعمال، التي ~~ظاهرها الكمال المحض الذي يبعد في كل رأي ونظر وفكر، كونه مذموما أو متضمنا في ~~باطنه لشيء من ذلك لا يطلع على أغوار ذلك ولطائفه، وما فيه من الأحكام المنوعة ~~والأسرار، إلا الله وحده لا شريك له، ثم من من عليه، فأطلعه على ذلك من نبي أو رسول ~~أو ولي، سالك مرشد، مسلك ملحوظ بعين العناية الربانية، جعلنا الله تعالى ني بركاتهم، ~~ولا أخلانا من سماتهم في ظواهرنا وبواطننا، ودنيانا وأخرانا؛ فإنه جواد كريم. # ساردة معنى، قيدت نادرة مبنى: # أصل الخواطر وانقسامها إلي محمود ومذموم قوله تعالى: (فألهمها جورها ~~وتقولها) . # فالفجور إما ينشأ عن ملة شيطانية، والتقوى إنما تنشأ عن ملة ملكية إشارةه إلي صلى ال عليه وسلم ~~فارقا بينهما بقوله: (إن للشيطان لمة بابن ادم، وللملك لمة، فإنما لمة الشيطان فإيعاد ~~بالشر، وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك ~~فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الآخرة، فليتعوذ بالله من الشيطان»، ثم قرأ: ~~(الشيطين يعد كم الفقر ويأمركم بالفحشاء) . # واعلم بأنه إذا حصلت لمة الشيطان، حصلت في النفس حركة تتقدح منها ظلمة، PageV01P127 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0128.png) ~~فتحدث سوء همته، فيطلع الشيطان على القلب إذ ذاك، ويأخذ في الإغواء والوسوسة، ~~فتتنوع الشرور، وتتراكم البلايا، وتحررت المخالفات والمعاصي، وإذا حصلت لمة الملك ~~(1) انقدح ني الروح نور ساطع، فيظهر من ذلك النور في القلب همة عالية، فيحدث ~~بسببها ما يظهر من الخيرات والبركات، وأنواع القلب، وصنوف المبار، فإذا وردت ~~اللمتان ظهرت الحركتان، وظهر سر العطاء والابتلاء من معط كريم، مبتل حكيم، وقد ~~تعلوه مرتبة السالك إلى مقام تنقطع عنه الخواطر، تستره بأنوار القرب والبعد عن النفس، ~~وبعد النفس عنه؛ ولأن الخواطر أيضا رسل، والرسالة إنما تفتح إرسالها إلى من بعد دون ~~من قرب، وحضر في الحظائر العينية، وقد تختلف الأحوال والأوصاف والمقامات على ~~حسب اختلاف الأشائر، شريعة وطريقة ms129 وحقيقة (4). # نكتة ساطعة، وجوهرة لامعة: # ومن فوائد الخزائن بعث عزائم السالكين على السير والترقي بعد استكمالهم لما ~~خوطبوا بين التخلص والتنقي، وقابلهم بما تعين عليهم من التحفظ والترقي، وتعرضهم ~~لنفحات المولى بالتطلب والتلقي، ولا دوام يتم ذلك إلا بدوام الطهارة البدنية والقلبية، ~~وملازمة تصويم المعدة والستر، ودوام الصمت إلا عن مخاطبة الحق، وسماع مناجاته، ~~ودوام الخلوة مع الله تعالى، وتطييب الفم، وتنقية القلب من أحباث أكدار السوى بسر لا ~~إله إلا الله، وربط القلب بشيخ مرشد كامل، جاب أودية التحقيق، وسلك الطريق، وأذن PageV01P128 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0129.png) ~~له ني الإفادة، ورفع من الرفعة علما، وبسط له من الكرامة سجادة، لم يمل إلى الدنيا لا ~~لفظا ولا حظا، ولا نية ولا عزما، إذ صحب هذا الكامل بشروط الصحبة، رقاه على ~~كامل همته إلى حظائر القرب، ونال على يديه كل أدب، وبلغ غاية مقام الأدب المشار إليه ~~بقوله صلى الله عليه وسلم أدبني ربي، فأحسن تأديبي». # تنقيح وتصحيح، وبداية وتوضيح: # الأصل في الموجودات إما هى الظلمة، قال صلى الله عليه وسلم، ( كان الناس في ظلمة، فرش الله ~~عليهم من نوره)(6). ورشه سبحانه وتعالى: كناية عن تخصيصه الثابت لكل ذرة من ~~الذرات، فكما كان الأصل هو الظلمة باعتبار المعالم الأولى، كذلك الأصل ني المشاهد ~~السلوكية، إنا هى عين الظلمة، فإذا توجه العبد إلى الله تعالى على جادة الانقطاع ~~والاعتزال، واقتفاء آثار أهل الكمال، فأول باد يبدو له إنا هو الظلمة، وقد تعم من كل ~~جهة، وقد تشكل له في شكل الغيم الأسود، فإذا فنيت الحظوظ، وبقيت الحقوق صفا ~~وابيض، مثل المزن والنفس إن بدت، فلونها لون السماء وهو الزرقة، وقد يظهر الحظ ~~الشيطاني في شكل نار غير صافية ممزوجة بظلمة، وقد يتشكل ني شكل زنجي طويل، ذو ~~هيبة، يسعى كأنه يطلب الدخول في الإنسان، فإن تعرض له أذي المتعرض له، بنحو ~~الضرب، وإن ترك ولم يلتفت إليه بشيء، تلاشى واضمحل، والفرق بين نار الذكر ~~الظاهرة من آفاق الصدد، وبين نار الشيطان الضروري، إن نار الذكر ms130 صافية، سريعة ~~الحركة، آخذة في الصعود إلى جرته العلو، ونار الشيطان ثقيلة بطئة الحركة، مختلطة بكدر ~~ردخان وظلمة، وعلامة النار الحقية انشراح يعقبها سكون وطمأنينة، وأنت خبير بأن ~~الكون وما فيه تركب من أربعة أركان، كلها ظلمات، بعضها فوق بعض تراب وماء ~~وهواء ونار، وأنت ممازج بهذه العناصر، قريب منها بمناسبة خاصة، بك وألحقتك بها ولا ~~سبيل إلى الانفصال عنها، إلا بإعطاء كل ما يستحقه من الأمور الخاصة والعامة، ثم ~~باستخراج اللطيفة النورانية من بين هؤلاء بسير معنوي، تشهد ني اختلافه اختلاف ~~الأحوال حتى يصل إلى مستقر يثبت فيه سائر الآثار بكسوة إلاهية، يحصل لنا بها غاية PageV01P129 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0130.png) ~~الامتياز، حيث يضمحل الخيال الذي هو الحامل لأثقال الأفكار من عالم المثال(1) إلى ~~حظائر الشهود والكمال، وكل ما تعلق من شيء بمناسبة من العناصر، وأخذت في صرفه ~~وقطعه، والانصراف عنه، ظهر لك عند كل إفناء وفناء، صور تناسب العنصر في الشكل ~~الظاهر، فتشاهد في فناء الحظ الترابي تجاوز تقطعها، فتراها كأنها تسير من تحتك، والحال ~~بخلاف ذلك كمن تسير به سفينته، فإن يخيل إليه أن الجبال تسير معه، وليس في الواقع ~~كذلك. # وكذا يرى كأنه ني بئر، والبئر تنزل عليه من فوق، وليس كذلك، ولربما شهد ~~جدارا على شاطئ البحر يريد أن ينقض عليه وهو فيه، فيخشى الغرق من سقوط عليه، ~~وإن لم يكن ما فيه ني الواقع موفقا لذلك، فمتى ما شهدت الصور الترابية، فاعلم أنك ني PageV01P130 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0131.png) ~~الأراضي النفسية، وإذا ما شهدت بحارا تعبرها، وأنت فيها غارق، فذلك فناء الحظ ~~المائي، وتكون إذ ذاك في الوجودات القلبية، فإن كانت البحار التي تشاهدها، إما هي ~~صافية، وفيها شموس وأقمار ونجوم، وأنوار ولطائف وأزهار، [..............](1 فاعلم ~~أنك قد دخلت غمرات المعرفة، وإذا شهدت مطرا ينزل، فاعلم أن ذلك فيض فاض من ~~خزائن الاختصاص؛ لاستخلاص قلبك من وثائق السوى، وتحريره من رق الغيرية، ~~واستنبات أشجار المحبة الباسقة أغصانها على أصول الإفراد، والاعتراف بالألوهية، ~~والتسليم لأحكام الربوبية قصدا واختيارا، وإذا شاهدت تلهب ms131 النيران، وأنت ملقى أو ~~خائض فيها، فهي الحظوظ النارية، فإن كنت خارجا منها، كنت مبشرا بنجاتك من ~~شرارها وضرها وضررها، وإذا اتسع الفضاء في عينك، وغلب عليك شهود الوسع، ~~واختلفت عليك الألوان خضرة وصفرة وحمرة وزرقة، وظهر لك من فوق ذلك هواء. # فاعلم أنها صفات قلبك البهيجة رياضة، فالخضرة علامة حياته، ولون النار الصافية ~~إمارة فوق الهمة للضاهية للقدرة الباقية، والإرادة الدائمة السرمدية، وإن كان اللون ~~المذكور مشوبا بكدرة، فتلك أمارات نيران الشهوة، المورثة للتعب ومزيد من المشقة ني ~~السير على السائر، وإن كان اللون زرقة، فهو أمارة رونق النفس، وإن كان صفرة، فهو ~~دليل الضعف، وإن كانت الصفرة غير قوية، فهي دليل على المرور على الحقيقة الروحية، ~~وهذه الألوان مشابهة في اختلافها لأحوال النباتات، فمتى كان النبات موصوفا بالخضرة، ~~كان ذلك دليل على قوته، واستكمالا لأوصاف الكمالية، وأنه سريع النمو، ومتى ما ~~اصفر لونه، دل لذلك على ألم ألم به، وعارض عارضة، فإن اتحدت الألوان كان ذلك ~~دليلا على الجمعية، وإذا اجتمعت واختلطت في حالة واحدة، فهو تلوين، وإن استمر لون ~~الخضرة، فهو تكين، وآخر الألوان لون الخضرة، وعنه تنشأ الأنوار الساطعة، والبروق ~~اللامعة، والخضرة إن كانت من صفاء، فهي من غلبة نور الحق، أو تكدر، فهي من ~~ظلمات الوجود. # وبعد شهوده لهذه الألوان يظهر لون يشابه العقيق، وهو لون الفضل الكبير، وهذا ~~اللون إنما يظهر بعد معاناة غمرات المجاهدة، وسكرات المكابدة، فإذا استحق العارف ~~ظهور ذلك بدا له لون، فقابل جبهته كان لون أسود عليه نقط لوغها محمر من مداد مدد PageV01P131 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0132.png) ~~رحماني، يظهر تارة كبيرا أو آخر صغيرا، بقدر ما يتحرق من الحجاب، وهذا إنا يحصل ~~ني النهايات دون البدايات. # ليس يخفى تنوع ما ابتلى الله به هذا الإنسان من الأحوال الظاهرة والباطنة، ~~والسرية والجهرية، ومما ابتلى به ما حسنه له، وزينه في العقل الذي اختصه به من ~~الشهوات، التي باتصافه به أو ببعضها، أطلق عليه اسم البعد، وصار بعيدا، وأطلق عليه ما ~~منعه من شهود ms132 محبوبه ذائا وصفة، وسمي حجابا، وجعل هذا الحجاب نسبة من النسب ~~الاعتبارية الوهبية الإضافية، معنى وعددا، وبحموعها سبعون ألف حجاب، منها عشرة ~~آلاف مظللة للطيفة القابلية، وعشرة آلاف مخيمة على الحقيقة النفسية، وعشرة آلاف ~~مستقرة في اللطيفة القلبية، وعشرة آلاف مودعة في الأودية السرية، وعشرة آلاف ثابتة ~~أعمدتها في ربى المعاني الروحية، وعشرة آلاف على الأسرار الخفية، وعشرة آلاف ~~مضروبة أطنابها على اللطيفة الحقية، وجعل مع ذلك سبحانه لكل حجاب من الحجب ~~لوئا من الألوان، فلون اللطيفة القالبية، الدخان الكدر، ويظهر لون الحجب النفسية في لون ~~الزرقة الصافية، ويظهر نور الحجاب القلبي ني لون العقيق الأحمر الصافي، ويظهر نور ~~الحجب السرية ني لون البياض الصافي الصفيق، ويظهر لون الحجب الروحية في شكل ~~الصفرة، وتكون الحجب الساترة للطيفة الخفية ظاهرة في لون السواد، لكن يكون براقا ~~نازلا من الأعلى، منصوبا إلى الأدنى، ويظهر نور الحجاب المنسوب إلى الستر الأخفى ني ~~لون الخضرة الصافية، وكل حجاب من هذه الحجب، ولطيفة من هذه اللطائف، إنما هو ~~مرآة تنكشف فيها، وبها شكل من الأشكال الغيبية، كما إنها سبب لتحقيق الأمور ~~الشهادية، ففي الأول: تظهر صورة الحق، وفي الثاني: صورة الجحيم، وفي الثالث: صورة ~~الجنة، وني الرابع: حقائق الملائكة، وني الخامس: الأولياء، وني السادس: الأنبياء، وني ~~السابع : نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عليهم أجمعين، وقد يختلف الحال، فإن كان السالك مسلكا خفيا ~~جذبيا وهبيا، ظهرت ني الأول: صور الآثار، وني الثاني: اختلاف الأقضية والأقدار، وني ~~الثالث: صفات الأفعال، وني الرابع: معاني الأسماء، وفي الخامس: انكشاف السبحات، وني ~~السادس: ظهور غيب الذات، وفي السابع: انقلاب الأعيان، وفناء الطالب، وبقاء ~~المطلوب، واحتجاب المطلوب، وظهور الطالب بحيث يطلق في هذا المقام المسمى ~~بالفرق الثاني، أن لها طالب ولا مطلوب ولا طلب، وقد تختلف الإشارات، وقد تثبت، PageV01P132 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0133.png) ~~وقد تزول، وقد تتحد في المعنى، ويشرق نجمها من غير أفول، وهذا مقام تزل عنده ~~العقول، ولا تحصره النقول، تالله لقد منعت من البيان؛ فلذا خرس اللسان، فلم أدر ms133 ما ~~أقول، وفي ذلك قلت مستشهدا متضمنا، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، واليه أنيب: ~~إني لأكتم من علمي جواهره وإن يصبني عند الكتم كل عنا # جتني منه في المعنى حقائقه كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتنا # شةمن البيان وإن اصبحت مرتهنا ~~حاشا لمثل إتيانا بفاحشة ~~وقد تقدم في هذا أبو حسن زوج البتول الرضية الحبر ~~موجبا مهديا معنى لطائفه الى الحسين ووصى قبله الحسنا ~~يا رب جوهر علم لو أبوح به وأبد ما فيه من أسراره علنا ~~واكشف السر عنه من أشائره قيل لي انت ممن يعبد الوثنا ~~[ولساحل] رجال مسلمون رمى وأكسبوا القلب من تلويمهم حزنا ~~وأجمعوا أن قتلي قربة وهم يرون أقبح ما يأتونه حسنا ~~لم يعرفوا سر قصدي لا ولا شعروا بمن نأى عنه قلبي وهو منه دنا ~~كلا ولم يعرفوا أسرار معرفة ايدت واهدت واسدت للأنام منا ~~ني خليع سليب العقل مطرح في حانة الحب معبودا ولست ائا ~~معناي سار ودار الكون أجمع ولم يجد فيه غيري بهجة وسنا ~~فراح يطلبني مني على سبيل [قائمة] تنل قصدا ولم يحجبه غير أنا ~~أنا الذي كان مني كل كائنة وها انا الفرد فاطلبني ودغ شمنا ~~ائا الفتى بوصفي والمسلم بما فد كان لي في احتجابي من علا وسنا ~~ففهم إشارات اهل الله معتقدا فيهم وحاذز سوى هذا ترى الفتنا # نصيحة مهمة، ولطائف صحيحة، تحقق لطالبها أنواع رحمة: # احذر أيها الطالب أن تقف عند شيء من هذه المراتب المذكورة، او تتقيد بطلب PageV01P133 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0134.png) ~~شيء من هذه المواهب المحصورة، وإن أبهم عليك من شيء، وحار فيه عقلك، فلا يأس ~~من ضبط ما أشكل عليك، وعرضه على شيخك الذي هو وسيلتك إلى مطالبك الظاهرة ~~والباطنة، فإذا تبين كل الحكم، واطلعت على خبايا خبايا الرموز المكتمة، فأعدل عن ~~ذلك إلى غيره، واحذر من التقيد به، والالتفات إليه، تكن ممقويا مفتونا ملعونا. # قال محقق زمانه، وقطب عصره وأوانه، بحر الفوائد، شيخنا وإمامنا الوالد - برد ~~الله ثراه، وجمعنا في مستقر رحمته، وإياه: ms134 يتعين على الفقيرأن ينصرف إلى المحاهدة عند ~~وصوله إلى الأنوار؛ ليصرف نفسه عن التعلق بها، والسكون إليها، والوقوف عندها، فإنه ~~يحتاج إلى ذلك أشد منه احتياجا إليه عند ابتلائه بالظلمات، ووصوله إليها؛ لأن النفس ~~تقر بنقصان الظلمات، فيسهل اندفاعها بسرعة بخلاف النور، فإنها تتوهم انحصار القصد ~~فيه، وأنه هو النهاية فيحتاج عند ذلك إلى ما ذكر من المجاهدة ونحوها. # هذا معنى كلام أفادني إياه في جواب خطرة شكوتها إليه في مقام من المقامات، ~~وقد أجاد فيه، وأفاد غاية القصد والمراد، فالنفس من طبعها الاحتجاب بالظلمة والنور، ~~والفرح والترح، والغم والسرور، ونحو ذلك، ولا يخلص من ذلك إلا من لحظته لواحظ ~~العناية، وصانته بصيانة الحماية والرعاية، ظاهرا وباطنا، ((وما يلقنها إلا الذين صبروا وما ~~يلقلها إلا ذوحظ عظيم) [فصلت: 36]. # رشح بال، بشرح حال، ومطمح صحيح إلى أرض فسيح. # الأصل ني الحد وتنوعها قوله صلى الله عليه وسلم «إن لله سبعين ألف حجاب من نور ~~وظلمة»(2). # وني حديث آخر: «حجابه النور، ولو كشفه لأحرقت سبحات وجه ما انتهى ~~إليه بصره من خلقه»()، وني رواية أخرى بدل النور النار، فالسبحات بضم السين، جمع ~~سبحة كغرفات وغرفة، والمراد بها جلالته كذا فسره أهل اللغة، والمراد بها نور وجه ~~والأنوار التي أدركها الراؤن والملائكة سبحوا وهللوا والمراد بها قلوب خاصة عباده PageV01P134 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0135.png) ~~وأنوار أنوارهم الظاهرات التي لو ظهرت آثارها للخلق لسلبت عقولهم، واختلفت ~~أحوالهم، وغابوا عن معالم الإدراك والإبانة والتمييز؛ لما يكشف لهم من التحف الإلهية التي ~~كتمتها أسرارهم، وخفتها وجوداتهم، مما لا يقوى عالم الأجسام أن يحيط بمثقال ذرة ~~منها، ويعضد هذا التأويل ما رواه ابن الأثير في «النهاية»، إذ قال رسولله الل له عليه : «النظر ~~إلى وجه علي عبادةم(). # وقيل معناه: أن عل لى الله عيه كان إذا برز، قال الناس: لا إله إلا الله، ما أشرف هذا ~~الفتى، لا إله إلا الله ما أعلم هذا الفتى، لا إله إلا الله، ما أشجع هذا الفتى، وكانت رؤيتهم ~~له تحملهم على توحيدهم لله ms135 تعالى، وتسبيحهم له، وهذا كله باعتبار ما ظهر لهم على ~~طلعته الميمونة من طلائع الخير أما لو أدركوا ما خفي عنهم في معانيه من الأسرار الإلهية، ~~واللطائف الربانية المشار بها دون غيره، وكذا غيرها لم يطق أحد الثبات عند ظهور ما ~~خفي فيه من سر العبودية، فإن المظهر الضمير في بصره راجع إلى الخلق، وما فيه انتهى ~~إليه، بمعنى: بشر، ومن خلقه بيان له، وما ذكرته آنفا هو أفصح وأوضح أصلا وفرعا، ~~وبالله التوفيق. # أشار بما ذكره إلى أن حجاب الحق مغاير للحجب المعهودة، فهو محتجب عن ~~الخلق بأنوار عزه وجلاله، وأشعة عظمته وكبريائه، وذلك هو الحجاب الذى تدهش دونه ~~العقول، وتذهب الأبصار، وتتحير البصائر، ولو كشفه فتجلى لما ورائه من حقائق ~~الصفات، وعظمة الذات، لم يبق مخلوق إلا احترق، وما مفتور إلى تلاشى واضمحل، ~~وأصل الحجاب الستر الحائر بين الرائي والمرئي، ومعناها هنا: منع الأبصار من الإصابة ~~بالروية؛ لما ذكره فقام ذلك المنع مقام الستر الحائل، فعبر به عنه. # والحجاب المذكور في هذا الحديث وغيره، يرجع على الخلق؛ لأنهم المحجوبون عنه ~~بما منعهم من إدراكه، ولا يجوز أن يفهم العكس لتنزه الله سبحانه وتعالى عنه إذ لا يغرب ~~عن علمه، ولا عن بصره مثقال ذرة في السموات، ولا أصغر من ذلك، ولا أكبر إلا في ~~كتاب مبين، وهو محيط به علما وبصرا وسمعا، والحجاب أمر معنوي خلق فينا، ومنعنا ~~بواسطته من الرؤية، ولم تحصل لنا قوة تصلح لرؤيته في هذه الدار، كما لم يحصل نظر ~~ذلك للأعمى والأصم والأكمة، وكل ذلك فيه آيات دالة على قهره، وإن ذلك فيه عدل PageV01P135 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0136.png) ~~كما قهر أبصارنا، ومنعنا من رؤية الملائكة والجن والشياطين، وجواهر الهواء، وغير ذلك ~~مما لا يعلمه إلا هو سبحانه وتعالى، وذلك الحاكم لا يعد ولا يحصى، وربك الفعال لما ~~يريد هذا، وهو ني الحقيقه ليس بمحجوب، ولا يجوز عليه ذلك بكونه من صفات الأجرام ~~والأجسام، وهو مقدس عن ذلك، وإما منعنا من رؤيته باستيلاء سلطان نوره، وشدة ms136 ~~ظهوره، كضعف بصر الخفاش المانع له من نور الشمس من الشمس الضاحية ني السماء ~~الصاحية، مع أن الشمس موجودة بلا ارتياب، ولا سيما إذا لم يسترها سحاب، فحال ~~الخفاش أنه كلما اشتد نور الشمس، تشدد الظلمه عليه، وكلما اشتدت الظلمة اشتد النور ~~له من الظلمة، وقوي بصره، مع أن غيره من الطيور التى قويت أبصارها تدرك مالا يدركه ~~ذلك الخفاش، وتصل إلى ما لم يصل إليه من الابتهاج لأسباب المعاش، فانظر إلى حاله ~~وتأمل ني الكمال الحاصل له من نقصان، وفى النقصان الحاصل من كمال، واعلم أن مقام ~~التجلي والاستتار إنما ثبت لأهل الطلب تأديا وتثبيتا وتقريبا، فالتجلي قد يكون فتنة، وقد ~~يكون منة، وقد يكون إثناء، وقد يكون إبقاء، وقد يكون ارتقاء، وقد يكون مختلفا، وقد ~~يكون متفقا، وهو عباره عن المشهد الذى يرى فيه العبد جريان القدرة في الأشياء ~~المقتدية لظهور صفات النفس واستتارها، مقرونة بكمال صفات القلب في مقام الظهور، ~~وذلك إنما يكون بارتفاع الصور الغيرية، وانتقاء شهود الهياكل البشريه، فإذا تم ذلك سمي ~~تجليا، ومتى ما حصلت الحيلولة بين الشاهد والمشهود، ولو بادني ما يكون من الصور ~~المتوهمة أو غيرها، كان ذلك استتارا وحجابا، هذا والحق تعالى ليس بجسم، فيرى ولا ~~بجرم، فيتصل به متصل، ولا ينفصل عنه منفصل، فالحجاب كما سلف إنما هو أمر يثبت ~~لنا باعتبار عجزنا، وكلال قوانا المعنوية والحسية عن الاختصاص بذلك، وهو منزه عن ~~الحجاب والاحجتاب، بدليل ما ثبت من الأمور القطعية من سمعية ونحوها، فالضعف إن ~~بقى سمي حجابا، وإن انتفى سمي كشفا مشهودا من غير أن يكون لله تعالى أوصاف ~~تتجدد، وأمور تتعدد، وإنما المثال فى ذلك، من يكن حاملا لمرآة، وتلك المرآة قد ~~تحملت معنى الحجب وسر الكشف، فإن قابلها وأقبل عليها، ظهر في وجودها ما يحكي ~~أوصاف المقابل لها، وإن أعرض عنها بقي معناها على ما هو مختص به من الكمال، ~~والتكمل المستأثر به دون غيره، ولو قابل المقابل بهذه المرآة ألف ألف مقابل، وكانت ~~المقابلة صحيحة، ms137 وصفته وكشفته من غير انطباع، ولا امتزاج، ولا حكم على تلك ~~الصورة بأنها غير ما ني المرآة، ولا على ما ظهر فيها بأنها غير المقابل لها، فإذا سهل PageV01P136 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0137.png) ~~عليكم فهم هذا المثال، انفتح لك باب يقصر اللسان، وتعجز القوة عن بيانه وذكره، والله ~~ولي العصمة، والزيغ والضلال وبه المستعان على كل حال، وفي ذلك قلت: ~~أيام [..0.] قد طال منه تصبروقد زاد منه ش # وقد زاد منه شوقه وغرامه # وفارق خيالا فيك لاحت خيامه ~~تهز بما قد جاء من طالع السنا وفار ~~وإن كنت في شك فهو لاح وانجلى بذلك سر طال عنك اكتتامه ~~وعسعست الأوهام وانفتح المنى ولاح صباخ كنت أنت ظلامه ~~وما تم غير فيك يأتي بظلمة سواك وفيك النقص فاض غمامه # ب القلب عن سر غيبه فلا تبقه في الفرق فهو ملامه ~~وأنت حجاب القلب عن سر غيبه # نال القلب كل جهالة ولولاك لم يطبع عليه ختامه # بدت من عزيز حق فيك مقامه ~~فعج عن سبيل الغير وأشهد مشاهدابدت من عز ~~تطهر من الآنام في مورد الفنا وقدم إماما كنت أنت إمامه ~~وقل بإسلام أنت كلي بلا أسترا على ما بدا مني إلى سلامه ~~ولا شمة تسليم ولا شمة ناطق وما شمة موجود فيرعى زمامه ~~وما شمة مفقود ولكن أشائر يحققها المعنى فيسمو نظام ~~فدونك هذا الشرف فهو مروق لصب علاه كربه وسقامه # تنقيح وتصحيح مهابة، وتوضيح: # واعلم أن التجلي (1) قد يكون عاما أو خاصا، مطلقا أو مقيدا، بحملا أو مبينا، ~~معينا أو مبرهنا، موصلا للبقاء أو للفناء، موصولا أو مقطوعا، فعليا أو وصفيا، أو اسميا أو ~~ذاتيا، وأول مراتبه المكاشفة، ومن مقدماتها الفراسة المشار إليها بقوله صلى الله عليه وسلم: اتقوا فراسة ~~المؤمن، فإنه ينظر بنور الله، فافهم بقوله: «بنور الله»، أن الشاهد قد يكون شهوده ~~بواسطة النور، وهو مقام العوام من أهل الإيمان، وبلا واسطة الحق، وذلك مقام حسن، PageV01P137 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0138.png) ~~والفراسة توهم من غير استدلال بشاهد، ولا اختبار بتجربة، ولا بتضمن الإشارة إلى ms138 ~~عين، ولا الصدور عن علم، ولا أن تكون مسبوقة بوجود، مع أنها شرة غرس الإيمان ~~المغروسة في أرض اليقين، المتروي بفيض مياه صدق الحال، المسمية له في زمن اعتدال ~~ظهور الكشف المنبسط، ظل على الوجود الانساني، والكشف ينقسم إلى قسمين، قسم: ~~يطلع به الإنسان على أعيان صور الموجودات، فيدرك اختلاف الأحوال عليها، ويخبر ~~بموت زيد، وصحة عمرو، وقدوم الغائب، وعدم إدراك الطالب لبغيته، وإدراك الآخر ~~ذلك، وهو مقام ناقص باعتبار ما فوقه، وإن كان كاملا في حد ذاته، وقسم يطلع ~~المكاشف به على حقيقة النفس الكلية، فيعرفها ويرتقي بذلك إلى معرفة من ورائها، وهو ~~بكل شيء محيط، وتتحقق له كل صفة من صفاتها في شكل من أشكال الحيوانات، سبعا ~~كان أو غيره، فيرى صفة الحرص في صورة الفأر والنمل، والشره في صورة الذئب ~~والخنزير والبخل على صورة الكلب، والحقد على صورة الحية، والكبر على صورة النمر، ~~والغضب على صورة الفهد، والشهوة على صورة الحمار الذكر، والشيطنة على صورة ~~الشياطين، والغرور والمكر، والحيلة على صورة الثعلب والأرنب، وكل وصف فإنما يراه ~~على صورة الحيوان المناسب لها في الخلق والمعنى، فإن شهد ذلك الصورة قوية غالبة، دل ~~ذلك على طول زمن التخلص، أو ضعيفة، أو مفتولة، أو مفلوتة، دل ذلك على سرعة نيل ~~المراد وحصول التخلص، ولا يزال يتقلب من حال إلى حال، ومن شكل إلى شكل، ~~كالماء يتلون بلون الظرف، والجبل يتلون بلون السماء، وتلك الصور في مقام النفس، ~~وهذا ني مقام القلب، وني هذا مقام يظهر له أشكال وصور وأمثال، فإذا عبر عن الأفلاك ~~القلبية العلوية، ظهرت له الكواكب السيارة بانكشاف، واختلاف، وانخساف، إن كان ~~ني مقام التلوين، وبصفاء ويقين، وزيادة ظهور وتبيين، إن حصل له مقام التمكين، كأنه ~~يعرج ويرتقي من ساء إلى سماء، ويدور متنزها في الأفلاك وأقطارها، مبتهجا بأنوارها ~~حتى يرى صورة النجوم على اختلاف بروجها ومنازلها، طلوعا وغروبا، ظهورا واختفاء، ~~ويرى صورة القمر والشمس، ولا يزال كذلك حتى ينتهي إلى المشهد الكرسي، ثم إلى ~~عالم العرش، ms139 ثم إلى عالم اللوح، ثم يرى ويسمع جريان القلم بالسر القدري، تقديرا ~~وتدبيرا، وإمضاء وإبداعا، ثم يرتقي الى النور المحمدي، وذلك بعد أن يمر على روحانيات ~~الأولياء من الأقطاب والأنجاب والأبدال وغيرهم، ثم يرتقي إلى روحانيات الأنبياء طبقة ~~بعد طبقة، ويرى الأشكال الغيبية على ما هي عليه، ويرى إحاطة الملائكة به، وطوافهم PageV01P138 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0139.png) ~~ببيته المعمور، وتعظيمهم لرقه المنشود، وكل مقام يصله فإنا يدفعه إلى ما هو أعلى منه، ~~وكل من يجتمع بروحانيته، فإنما يدل على من هو الرفيع أزلا وابدا، ولهذا السالك أحوال ~~وصفات، وهموم وكربات، وغموم وبليات، تثبت بحسبه، وتختفي بحسب ما هو طالب ~~له من وعود وشهود وسعود، وقيود وقيام، وهيام وغرام، وصلاة وصيام، وكدر وصور، ~~وضرر وسحب مظلمة، ورعود وبروق، وأهوية وفضاء، وظلال وتلال وجبال، ونيران ~~وإخوان وفتن، وأغلال ومنن، وكؤوس زلال نوال، وسرج ومشاعل وشوع، وأطيار ~~وأشجار ورياض، وحياض وسواقي وفساقي ومراقي، وأوتار وسماع، واطلاع وارتفاع، ~~واجتماع وانخلاع، وأوقات هنيئة، ومقامات وأحوال، وقبض مؤنس، وبسط موحش، ~~وانعكاس وعكس، وصواب واتهاب واصطحاب، واقتراب وهيبة، وأنس وتواجد، ووجد ~~ووجود، وفقد وغلبة، وفرق وجمع، وجمع الجمع، وفناء وبقاء، وغيبة وحضور، وصحو ~~ومحو، وسكر وإفاقة، وشوق وذوق وشرب، وري وسلب، وإثبات ومحق، ومحاضرة ~~ومكاشفة، ومشاهدة ومعاينة، ولوائح وطوالع ولوامع، وطوارق وشوارق، وقرب وبعد ~~وبوارة، وتجريد وتفريد، ومسامرة، وأمور يضيق نطاق النطق عنها، فإذا شهد هذه ~~اللطائف، وقام بما فيها من الوظائف شريعة وطريقة وحقيقة، تلقته معاني التخصيص، ~~فحملته على رفرف الاجتباء، وزج في نور التحقيق، ثم في نور التجريد، ثم ني نور ~~التوحيد، فنادى حقيقة شيخه، وروحانيته المرافقة له في مقام الأنس الأعلى، والتقدير ~~الأرفع في مثل هذا المقام يتخلى الخليل عن خليله، فغابت عنه الرسوم، ورأى أن لكل ~~شيء مقاما معلوما، ففارق ما علمه، وتحقق بالحقائق الإلهية، فرفع عن الأغيار، وسمع في ~~ذلك المجمع ما تصنف كماله وتنوع: ~~ما وحد الواحد من واحد إذ كل من وحده جاحد ~~توحيد من ينطق عن نعته عارية ابطلها الواحد # توحيدهآ إياه ms140 توحيدهآ وكل من ينعته لا حد # وتنوعت له الأشائر، وارتفع الحجاب، وفهم سر الإضافة في مقام الاقتراب، ~~وفتحت له أبواب جنان المعاني، وأشهد السدرة التي إليها منتهى الأماني، وغشيته هنالك ~~أنوار، وكان لمعناه ما كان لبدن المصطفى، وقلبه من الرؤية والشهود، وحصل التجلي، ~~وارتفعت الحجب، وانتفت القيود. PageV01P139 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0140.png) # فريدة عجائب، وتحفة مفيدة للمواهب: # إذا زال الحجاب (1)، وحصل التجلي، فقد يكون في مقام الأفعال، فيكتب العارف ~~سلب الحول والقوة والإرادة، فلا يشهد شيئا إلا منه ال له بشرط حفظه لأ حكام الشريعة ~~المطهرة، وأهل هذا التجلي، وإن عظم مقامهم، فإنا هم محجوبون عن حقيقة الأمر، وما ~~فاتهم من المراد أكثر مما نالوه وأدركوه، فهم مقطعون بما ظهر لهم من تجليات الحق ني ~~الأفعال، عن تجلياته في الأسماء والصفات، وقد يكون في مقام الأسماء، فيستغرق وجود ~~العبد سيده ومولاه، حتى متى ناديت الحق بذلك الاسم، أجابك العبد كإجابته لو ناديته ~~باسمه، وذلك لتأثير ذلك الاسم فيه، فإن كان التجلى باسم الجلالة، وكان العبد في مقام ~~الضعف، ومراتب البداية دكدك طور عقله، فغاب واضمحل وتلاشى، أو في مقام القوة، ~~ومنازل النهاية ثبت لذلك، وكان موصوفا بصفة ما زاغ البصر وما طغى، ثم لا بد لهذا ~~العبد من إدراك معاني تجليات بقية الأسماء، فإن كان بالاسم الرحماني ظهرت عليه آثار ~~الرحمة، أو بالرحيمي اختص أهل الاختصاص بذلك على حسب المقام والحال، وتجلى له ~~باسم العليم، ظهرت عليه آثار الحكمة، ونشر في وجوده أعلام العلم، وباسمه الحق لم ~~يشهد وجود شيء في الوجود باطلا ولا عاطلا، ومنهم من أظهر فيه سر اسمه القدوس، ~~فبرىء من التأثر بالآثار الحادثة، وبقي مقدسا من كل وصف ذميم، متبرئ من كل خلق ~~من أخلاق أولي التثريب والتلويم، ومنهم من أظهر فيه سر اسمه الظاهر، فأصبح ظاهرا في ~~الوجود برشاده وإرشاده. # ومنهم من تجلى فيه باسمه الباطن، فأخفاه كالأقطاب، ورجال الغيب. # ومنهم من تجلى بسر اسمه الحي، فأحيى الموتى كعيسى وإبراهيم -عليهما السلام- ~~وكذا كل اسم تجلى به في وجود ms141 عبد من عبيده، فإنما يكسبه سرا من أسراره، وأثرا من ~~آثاره، وقد يكون التجلي وصفيا، وذلك عبارة عن قبول العبد للاتصاف بما أذن الرب، ~~أمرا بالاتصاف به من صفاته قبولا أصليا، حكميا قطعيا، فمن تجلى بصفة الحياة، سرت ~~معاني هذا العبد ني الوجود سريان الماء في العود، فأكسبته الحياة الكاملة حتي يصير روحا PageV01P140 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0141.png) ~~له، ومن تجلى فيه بصفة العلم، فنشر العلوم في العوالم كلها، وعلم كيف كان كل شيء، ~~وكيف يكون، وكيف هو كائن، وعلم ما لم يكن علما واضحا جليا محققا، أصليا فرعيا، ~~قطعيا شهوديا، سمعيا ذوقيا، ومن تجلى له بصفة السمع، سمع خطاب الجمادات له، ~~وأدرك تسبيحها ونطقها، والنباتات والحيوانات، وكلام الملائكة، واختلاف اللغات، ~~وكان البعيد عنده قريبا، والخفي جليا، وسع خطاب الله تعالى، ولذيذ مناجاته من غير ~~جهة، ولا جارحة، ويكون السماع بكليته لا بإذن، فإذا قال السالك الواصل: أنت ~~حبيبي، سمع ذلك الخطاب عائدا إليه، وكذا كل شيء يبرز عنه، فإنما يعود إليه عودا لا ~~فرق فيه، واتصالا لا انفصال فيه، ومن تجلى له بصفة البصر، أدرك ذلك العبد ما قدر له ~~من المغيبات على قدر ما يتجلى فيه من سر الوصف الإلهي، فلا يغرب عن بصره شيء ~~لاقى به، وناسبه أن يطلع عليه الأمر اطلع عليه، وكذا من تجلى له بوصف القدرة، لا ~~يتوقف عليه شيء من الأمور، التي تقتضي ذلك الوصف على حسب ظهوره في العبد، أن ~~يكون ذلك المقتضي موجودا، وبحسب ما تقتضيه الإرادة الإلهية عند تجليها للسالك، ~~وفيه من غير كيف ولا حلول، وكذا من تجلى له بما كتب أن يتجلى له بذلك الوصف، ~~فإنما بكسبه ما هو أهل من التجلي، ومن أثره ، ومن تجلى له بصفة الكلام، أخبر ~~بالمغيبات من الأسرار والأقدار، إخبارا صحيحا واضحا، لا شك فيه ولا ريب، إلى غير ~~ذلك مما يقتضيه مقام التجلي الوصفي، وقد يكون التجلي ذاتيا، فلا يبقي ولا يذر؛ لأن ~~الذات عبارة عن الوجود المطلق عن الاعتبارات والإضافات والنسب والأوجه ونحوها، ~~لا ms142 على أنها خارجة عن الوجود المطلق، ولها ثلاثة أحوال: # الأول: الأحدية(، وفيها يحجب السالك عن إدراك الأسماء والصفات. # الثاني : تجلي الهوية، فليس فيها إلا الفناء فلا يبقي شاهد، ولا شهود. # الثالث: تجلي الأينية، ولا يخفى ما فيها من التجرد الكلي، المتجلي ني مقام جهة ~~الأعلى لإعادة ما فنى من الوجودات، وقد يكون التجلي مطلقا، وقد تختلف الإشارات ~~والمعاني في وجود وجب كتمانه، وحرم الحوض فيه عبارة وإشارة، فإذا وصل السالك إلى PageV01P141 ![image file](./0954MuhammadIbnCaliIbnCatiyya.TuhfatHabib_0142.png) ~~مقام، لم يسعه فيه غير ربه، ورجع بلطائف وهيبة من المعارف واليقين، وصلات الصلاة، ~~وتحف الكمالات، اجتمع له المفترق، وافترق المجتمع، وتصرف في الوجود فضلا وعدلا، ~~وتسلط على من فيه إحياء وإماتة، وإيجاد وإفناء، وقتلا، كما يظهر ذلك للأنبياء في صور ~~المعجزات، وللأولياء في صور الكرامات، فكان له مقام التصرف في الوجود المقيد، ~~والمقام المحمود ني الوجود المطلق، وكل ذلك معان وإشارات وكنايات واستعارات، ~~وبحال وظهورات، تغيب عندها العقول، لكنها تحقق للعبد الوصال والوصول، ويلبس ~~حلة من سر قوله ني الحديث: # «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي ~~يبطش بها، ورجله التي يمشي بها»(1 إلى آخره. # ويكتسب ميرايا من المقام المحمدي (6)، ويصير هو المقدم والمقدم في الوجود الأحدي ~~بالمعني الأحمدي، ويعطي معنى الوسيلة والفضيلة، والدرجة العالية الرفيعة في جنان الوصال، ~~ورياض الكمال، ويكون له ني الوجود الثاني ما كان في الوجود الأول، فيحقق البدء ~~والاختتام، والحمد له رب العالمين، وقع الفراغ من تحرير هذا الكتاب، بعون الله الملك ~~الوهاب، سنة اثنين وألف، وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين، آمين. PageV01P142 ms143