######OpenITI# #META# book_id: 1978 #META# epub_url: https://www.masaha.org/pages/download.php?flink=../upload_book/dl_file/2105.epub&bid=1978 #META# multivol_id: 902 #META# title: تسلية المجالس و زينة المجالس - الجزء1 #META# المؤلف: السيد محمد الكركي الحائري‏ #META# المواضيع: أهل البيت #META# الناشر: مؤسسة المعارف الإسلامية #META# عدد الصفحات: 592 #META#Header#End# PageV01P005 ### | [مقدمة المؤلف] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي جعل مصائب دار الغرور مصروفة إلى وجوه أوليائه، ونوائب ~~بطشها المشهور موقوفة على جهة أصفيائه، ووعدهم على الصبر الجميل بالثواب ~~الجزيل في دار جزائه، وأراهم فضل درجة الشهادة في منازل دار السعادة ~~الباقية ببقائه، فبذلوا أرواحهم لينالوا الزلفى من رحمته، وباعوا أنفسهم من ~~الله بنعيم جنته، وتلقوا حدود الصفاح (1) بشرائف وجوههم، وقابلوا رءوس ~~صدور الرماح بكرائم صدورهم، فكورتهم وقد أظلم ليل نقع (2) الحرب، وبلغت ~~القلوب الحناجر لوقع الطعن والضرب، وكفر القتام (3) شمس النهار بركامه، ~~وغمر الظلام فجاج الأقطار بغمامه، وخشعت الأصوات لوقع الصرام على هامات ~~الرجال، وأشرقت الأرض بما سال عليها من شابيب الجريال (4)، فلم تر إلا ~~رءوسا تقطف، ونفوسا تختطف، وأبطالا قد صبغت PageV01P027 # جيوبها بدم الحتوف، وفرسانا وجبت جنوبها بغروب السيوف (1)، لرأيت منهم ~~وجوها كالبدور في ظلم النقع مشرقة، واسدا في غاب (2) الرماح مطرقة، يرون ~~الموت في طاعة ربهم راحة أرواحهم، وبذلوا الوسع في إعلاء كلمة خالقهم مجلية ~~أفراحهم. # ليوث إذا ضربت الحرب جمرها، غيوث إذا السماء منعت درها، رهبان إذا الليل ~~أرخى ستوره، أعلام إذا النهار أشاع نوره، مصابيح الظلام إذا الغسق غمت ~~سدفته، مجاديح (3) الانعام إذا الزمان عمت أزمته، سادة الامة، وقادة ~~الأئمة، ومعدن الحكمة، ومنبع العصمة، وبحار العلم، وبحار الحلم، إن سئلوا ~~أوضحوا، وإن نطقوا أفصحوا، وإن استسمحوا جادوا، وإن استرفدوا عادوا، أصلهم ~~معرق، وفرعهم معذق، وحوضهم مورود، ومجدهم محسود، وفخرهم ... (4)، النبوة ~~أصلهم، والامامة نسلهم، لا شرف إلا وهم أصله، ... (5) # وامروا بالجهاد في سبيل الله فأتمروا، لبسوا القلوب على الدروع عند ~~مكافحة الكفاح، وتلقوا بالخدود والصدور حدود الصفاح ورءوس الرماح، يرون طعم ~~الموت في طاعة ربهم أحلى من العسل المشار (6)، وارتكاب PageV01P028 # الأخطار في إعلاء كلمة خالقهم أولى من ركوب العار. # جدهم أكرم مبعوث، وخير مرسل، وأشرف مبعوث بالمجد الأعبل (1)، والشرف ~~الأطول، لم يضرب فيه فاجر، ولم يسهم فيه عاهر، نقله الله من الأصلاب ~~الفاخرة إلى الأرحام الطاهرة، واختصه بالكرامات الباهرة، والمعجزات ~~الظاهرة، ونسخ الشرائع بشريعته، وفسخ المذاهب ms001 بملته، أقام به الاسلام وشد ~~أزره (2)، وأوضح به الايمان وأعلا أمره، وجعله مصباحا لظلم الضلال، ~~ومفتاحا لما استعلن من الأحكام، وأحيا به السنة والفرض، وجعله شفيع يوم ~~الحشر والعرض، وأسرى به إلى حضيرة قدسه، وشرفه ليلة الاسراء بخطاب نفسه، ~~فهو أشرف الموجودات، وخلاصة الكائنات، أقسم ربنا بحياته، وجعله أفضل أهل ~~أرضه وسماواته، وأزلفه بقربه، واختصه بحبه، فهو سيد المرسلين، وإمام ~~المتقين، وخاتم النبيين، النبي المهذب، والمصطفى المقرب، الحبيب المجيب، ~~والأمين الأنجب. # صاحب الحوض والكوثر، والتاج والمغفر، والخطبة والمنبر، والركن والمشعر، ~~والوجه الأنور، والجبين الأزهر، والدين الأظهر، والحسب الأطهر، والنسب ~~الأشهر، محمد سيد البشر، المختار للرسالة، الموضح للدلالة، المصطفى للوحي ~~والنبوة، المرتضى للعلم والفتوة. # صاحب الفضل والسخاء، والجود والعطاء، والمذاكرة والبكاء، PageV01P029 # والخشوع والدعاء، والانابة والصفاء. # صاحب الملة الحنيفية، والشريعة المرضية، والامة المهدية، والعترة الحسنية ~~والحسينية. # صاحب الفضل الجلي، والنور المضي، والكتاب البهي، الرسول النبي الامي. # هذا الذي زينت بمدحه طروسي (1)، ورصفت بوصفه بديعي وتجنيسي، وقابلت بدر ~~كماله تربيعي وتسديسي، وجعلت ذكره في خلواتي أليفي وأنيسي، وحليت المجامع ~~بملاقي (2) مناقبه، وشققت المسامع بمعالي مراتبه. # هو الذي رفع الله به قواعد الصدق بعد اندراسها، وأطلع أنوار الحق بعد ~~انطماسها، وأقام حدود السنة بجواهر لفظه، وحلى أجياد الشريعة بزواجر وعظه، ~~وأطلع شمس الملة الحنيفية في فلك نبوته، وأظهر بدر الشريعة المصطفوية من ~~مطالع رسالته، فتح به وختم، وفرض طاعته وحتم، ونسخ الشرائع بشريعته، ونسخ ~~الملة بملته. # لم يخلق خلقا أقرب منه إليه، ولم ينشىء نشأ أكرم منه عليه، شرفه من فلق ~~الصبح أشهر، ودينه من نور الشمس أظهر، ونسبه من كل نسب أطهر، وحسبه من كل ~~حسب أفخر، لما أخلص لله بوفاء حقه، وسلك إلى الله بقدم صدقه، ورفض الدنيا ~~رفضا، وقرضها قرضا، لعلمه بسوء مواقع فتكها، وحذرا من مصارع هلكها، أطلعه ~~الله على أسرار ملكوته، وشرفه بخطاب حضرة PageV01P030 # جبروته، وأرسله صادعا بحكمه، وجعله خازنا لعلمه، فقام (صلى الله عليه ~~وآله) بأعباء الرسالة جاهدا، وباع من الله روحه مجاهدا، وقطع من قربت ~~قربته، ووصل ms002 من بعدت لحمته، وهجر في الله الأدنين، ووصل الأبعدين، سل عنه ~~احدا وبدرا كم خسف الله به فيهما للشرك بدرا، وهتك للشرك سترا، وقصم للظلم ~~ظهرا، جاهد في الله حق جهاده، وصبر على الأذى في الله من جهاد عباده حتى ~~كسرت في احد رباعيته، وشجت لمناوشته (1) القتال جبهته، وثفنت من دمه لمته ~~(2)، وقتلت عترته واسرته. # كم نصبوا له غوائلهم (3)؟ وكم وجهوا نحوه عواملهم؟ وكم جردوا عليه ~~مناصلهم (4)؟ وكم فوقوا إليه معابلهم (5)؟ وأبى الله إلا تأييده بنصره، ~~وتمجيده بذكره. ### | [كتاب النبي (صلى الله عليه وآله) إلى كسرى] # روي أن النبي (صلى الله عليه وآله) كتب إلى كسرى بن هرمز: # أما بعد: # فأسلم تسلم، وإلا فأذن بحرب من الله ورسوله، والسلام على من اتبع الهدى. # قال: فلما وصل إليه الكتاب مزقه واستخف به، وقال: من هذا الذي يدعوني إلى ~~دينه، ويبدأ باسمه قبل اسمي؟ وبعث إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) PageV01P031 # بتراب، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): مزق الله ملكه كما مزق ~~كتابي، أما إنكم ستمزقون ملكه، وبعث إلي بتراب أما إنكم ستمزقون (1) أرضه، ~~فكان كما قال (صلى الله عليه وآله). # ثم كتب كسرى في الوقت إلى عامله على اليمن، وكان اسمه باذام (2)، ويكنى ~~أبا مهران، أن امض إلى يثرب واحمل هذا الذي يزعم أنه نبي، وبدأ باسمه قبل ~~اسمي، ودعاني إلى غير ديني، فبعث باذام الى النبي (صلى الله عليه وآله) ~~فيروز الديلمي في جمع، وأرسل معه كتابا يذكر فيه ما كتب إليه كسرى، فأتاه ~~فيروز بمن معه، وقال: إن كسرى أمرني أن أحملك إليه، فاستنظره (صلى الله ~~عليه وآله) ليلته إلى الصباح. # فلما كان في (3) الغد حضر فيروز مستحثا لرسول الله (صلى الله عليه ~~وآله)، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أخبرني ربي انه قتل صاحبك ~~البارحة، سلط الله عليه ابنه شيرويه على سبع ساعات من الليل، فأمسك حتى ~~يأتيك الخبر، فراع ذلك فيروز وهاله، ورجع إلى باذام فأخبره. # فقال له باذام: كيف وجدت نفسك حين ms003 دخلت عليه؟ # فقال: والله ما هبت أحدا كهيبة هذا الرجل، فوصل الخبر إليه كما قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) فأسلما، وظهر في زمانهما العنسي (4) المتنبئ PageV01P032 # باليمن وما افتراه من الكذب، فأرسل إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~فيروز الديلمي، وقال: اقتله قتله الله، [فقتله] (1). (2) ### ||| [نزول سورة النجم] # وروت (3) العامة عن جعفر بن محمد (عليه السلام) أنها لما نزلت سورة PageV01P033 # «والنجم إذا هوى» أخبر بذلك عتبة (1) بن أبي لهب، فجاء إلى النبي (صلى ~~الله عليه وآله) وتفل في وجهه وطلق ابنته، وقال: كفرت بالنجم وبرب النجم، ~~فدعا عليه رسول الله وقال: اللهم سلط عليه كلبا من كلابك، فخرج إلى الشام، ~~فنزل في بعض الطريق، وألقى الله عليه الرعب، فقال لأصحابه ليلا: نيموني ~~بينكم، ففعلوا، فجاء أسد فافترسه من بين الناس، ففي ذلك يقول حسان بن ثابت: # سائل بني الأشعر (2)إن جئتهم %~% ما كان أنباء أبي (3) واسع # لا وسع الله له قبره %~% بل ضيق الله على القاطع # رمى رسول الله من بينهم %~% دون قريش رمية القادع # واستوجب الدعوة منه بما %~% بين للناظر والسامع # فسلط الله به كلبه %~% يمشي الهوينا مشية الخادع # حتى أتاه وسط أصحابه %~% وقد علتهم سنة الهاجع (4) # فالتقم الرأس بيافوخه %~% والنحر منه فغرة الجائع # من يرجع العام إلى أهله %~% فما أكيل السبع بالراجع PageV01P034 # قد كان هذا لكم عبرة %~% للسيد المتبوع والتابع (1) # وبعد: # فيقول العبد الفقير، الذليل الحقير، المعترف بذنبه، المنيب إلى ربه، الذي ~~لم يكتب له الكرام الكاتبون عملا صالحا، ولم تشهد له الملائكة المقربون ~~يقينا ناصحا، إلا ما يتقرب به في كل آن من توحيد مالكه وربه، والانابة إليه ~~بقالبه وقلبه، وجعل ذكره أنيس خلوته، وتلاوة كتابه جليس وحدته، بالتوسل ~~إليه بأوليائه الطاهرين من أهل بيت نبيه، المتوكل عليه بمجاورة الأكرمين من ~~ذرية وليه، وتشريف المنابر بذكر مناقبهم، وتزيين المحاضر بنشر مراتبهم، ~~وإيضاح الدليل على سلوك سبيلهم، وشفاء الغليل بتشريفهم وتفضيلهم، وقمع رءوس ~~من عاداهم بمقامع نظمه ونثره، وغيض نفوس من ناواهم بتواضع خطبه وشعره، محمد ms004 ~~بن أبي طالب بن أحمد بن محمد المشهور بن طاهر بن يحيى بن ناصر بن أبي العز ~~الحسيني الموسوي الحائري اما وأبا، الامامي ملة ومذهبا، الحسيني نسبا ~~ومحتدا (2)، الكركي (3) منشأ ومولدا: PageV01P035 ### ||| [في هجرة المؤلف (رحمه الله) من دمشق] # إني لما هجرت مهاجر أبي وامي وعمومتي وبني عمي ومسقط رأسي ومولدي، ومصدري ~~في الامور وموردي، وهي البلدة المشهورة بين أرباب الطريقة بالأرض المقدسة، ~~وهي في الحقيقة على غير تقوى الله مؤسسة، كم سب أمير المؤمنين على منابرها، ~~واظهرت كلمة الكفر في منائرها، وعصي رب العالمين في بواطنها وظواهرها، ~~وحملت رءوس بني النبي إلى يزيدها وفاجرها؟ فهي دار الفاسقين، وقرار ~~المنافقين، ومغرس العصابة الناصبة، ومجمع الطائفة الكاذبة، أعني البلدة ~~المشهورة بدمشق، معدن الفجور والغرور والفسق، ولما من الله بتوفيق الخروج ~~منها، وتسهيل الطريق بالبعد عنها، وفارقتها غير آسف على حضرتها ونصرتها، ~~ولا نادم على مفارقة جهتها وربوتها، أرى كل وارد من موارد يزيدها ثورا، وكل ~~ملازم لباب يزيدها من المعدلين آثما أو كفورا، وكل عاكف بأمواتها من أعلام ~~علمائها عتلا (1) فخورا، وكل زبرج (2) اجري على صفحات عروشها وجدرانها ~~حرفا وغرورا. # علماؤها ذئاب بل ذباب، وامراؤها سباع بل كلاب، ونساؤها أبغى من هند ~~البغية، ومخدراتها أزنى من أم زياد سمية، الابنة في علمائها فاشية، ~~والدياثة من زعمائها ناشية، إن لامهم لائم على سوء فعلهم قالوا: «هذا تقدير ~~ربنا» بكفرهم وجهلهم، أو أنبهم مؤنب بفجور نسائهم قالوا: «هذا ما كتب الله ~~على جباههن» بكفرهم وضلالهم، فجدعا (3) لهم وكبا، وبؤسا وغبا. PageV01P036 # وما عسى أن أقول في وصف قوم حنيت جوانحهم على بغض الوصي وعترته، وبنيت ~~جوارحهم على إنزال الأذى بمواليه وشيعته: يسلقون المؤمنين بألسنة حداد، ~~ويقصدون الصالحين بالبغي في كل ناد، ويتشادقون (1) بغيبتهم في محاضرهم ~~ومجامعهم، ويعلنون بسبهم عقيب جمعهم في جوامعهم، يعدون يوم عاشوراء من أعظم ~~أعيادهم وزينتهم، ويسمونه فجورا رأس سنتهم، ويعتقدون طبخ الحبوب تلك الليلة ~~من أعظم سنتهم، والمصافحة بالأكف المخضوبة في ذلك اليوم من أفضل طريقهم ~~وسنتهم، ويتهادون بالتحف والهدايا في ms005 المنازل، ويتباركون بإذخار الأدوية ~~والأشربة من ذلك اليوم إلى قابل، ويقصدون بالأذى من بكى فيه على آل الرسول، ~~ويتجسسون على من جلس لتعزية الطاهرة البتول. # وليس ذلك بعجيب من نفاقهم، ولا بغريب من شقاقهم، فقد ارتضعوا بغض الامام ~~الوصي من أخلاف (2) اخلافهم، واشربوا هجر آل النبي من آبائهم وأسلافهم، ~~أغصان الشجرة الملعونة في القرآن، وأفنان (3) دوحة البغي والعدوان، الذين ~~أعلنوا بسب الله ورسوله على منابرهم، ودل قبح ظاهرهم على خبث سرائرهم، كم ~~أظهروا الفساد في البلاد، وأشهروا العناد في العباد؟ # وزين الشيطان للناس اتباعهم، وصير علماءهم أشياعهم وأتباعهم، فبذلوا لهم PageV01P037 # الأموال، وولوهم الأعمال، فغرتهم الحياة الدنيا بزينتها، وفتنتهم ~~بزهرتها، فبدلوا كلام الله بآرائهم، وحرفوا كتاب الله بأهوائهم، وسلكوا ~~بقدم الغي إلى الباطل سبيلا، واشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، وأنكروا فضل ~~الوصي وما انزل فيه من الآيات، وجحدوا النص الجلي وما ورد في إمامته من ~~الدلالات، تقربا إلى أئمة ضلالهم، وحرفوا مقال النبي طمعا في نوالهم. ### ||| [في مناقب ومثالب اصطنعتها العامة] # ألا ترى إلى أزكاهم البخاري قد ألغى حديث الخاتم وقصة الغدير وخبر الطائر ~~(1) وآية التطهير؟ # وإن أنصفهم مسلم قد أنكر حديث الكهف والإخاء، وطعن في حديث «أنا مدينة ~~العلم»، وحديث اللوح. # وإن أشهرهم الطبري توقف عن حديث الوصية (2)، وتأويل @QUR@02 (يوفون ~~بالنذر) (3)، ونعم المطية، ومن أعلام مبشريهم وضلال مفتريهم من نور الآيات ~~والأخبار المجمع عليها نحو @QUR@08 (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) ~~(4)، ونحو PageV01P038 # أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وإني تارك فيكم الثقلين، وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا، وجماعة من كبار أنصابهم، وفجار نصابهم، ~~جعلوا مقابل كل حق باطلا، وبإزاء كل قائل قائلا، مثل «الحسن والحسين سيدا ~~شباب أهل الجنة» (1) فوضعوا بإزائه «أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة» ~~(2)، و PageV01P039 # «كان أحب الرجال إلى النبي علي، ومن النساء فاطمة» (1) فوضعوا الحديث في ~~أبي بكر وعائشة (2)، وغروا الجاهل بمقالات الباطل ليدحضوا به الحق، ولو ~~أردت لأوردت من أكاذيبهم وأغاليطهم، وزلفت من أباطيلهم ومخاليطهم، ما يعجز ~~اللسان عن وصفه، ويكل البنان من ms006 رصفه، فأعرضت عن رقم ذلك في الدفاتر، وإن ~~كان حاكي الكفر ليس بكافر. # شعر: # إذا ما روى الراوون ألف فضيلة %~% لأصحاب مولانا النبي محمد # يقولون هذا في الصحيحين مثبت %~% بخط الامامين الحديث يشيد (3) # ومهما روينا في علي فضيلة %~% يقولون هذا من أحاديث ملحد (4) # آخر: # إذا في مجلس ذكروا عليا %~% وسبطيه وفاطمة الزكية # يقول الحاضرون ذروا فهذا %~% سقيم من حديث الرافضية (5) PageV01P040 # فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم، وزلة العالم كانكسار السفينة ~~تغرق ويغرق معها غيرها، بل إذا زل العالم زل العالم، وجماعة من الفساق ~~حملهم النفاق إلى أن قالوا: كان أبو بكر أشجع من علي (1)، وإن مرحبا قتله ~~محمد بن مسلمة (2)، وإن ذا الثدية قتل بمصر (3)، وإن في أداء سورة براءة ~~كان الأمير أبا بكر على علي (4)، وربما قالوا: قرأها أنس بن مالك، وإن PageV01P041 # محسنا ولد في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) سقطا (1)، وإن النبي (صلى ~~الله عليه وآله) قال: إن بني المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم من علي ~~فلا آذن، ثم لا آذن إلا أن يطلق علي ابنتي وينكح ابنتهم (2)، وأسندوا إليه ~~(صلى الله عليه وآله) انه قال: إن آل أبي طالب (3) ليسوا لي بأولياء، إنما ~~وليي الله وصالح المؤمنين (4)، وقالوا: إن صدقة النبي كانت بيد العباس ~~فغلب علي العباس عليها، ومن ركب الباطل زلت قدمه، وكقول الجاحظ (5): ليس ~~إيمان علي إيمانا لأنه آمن وهو صبي (6)، ولا شجاعته بشجاعة لأن النبي صلى الله PageV01P042 # عليه وآله أخبره ان ابن ملجم يقتله، ونسبة جماعة ان حروبه كانت خطأ (1)، ~~وانه قتل المسلمين عمدا، وقول واحد من علمائهم: إن الحسن قتل ابن ملجم، ~~وكان لعلي أولاد صغار ولم يتربص به، وقول القتيبي: أول خارج في الاسلام ~~الحسين (2). # فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله، ولعمري ان هذا الأمر عظيم، وخطب في ~~الاسلام جسيم، بل هو كما قال الله: @QUR@05 (إن هذا لهو البلاء المبين) ~~(3)، فصارت الغوغاء تزعق (4) على المحدثين والذاكرين لأمير المؤمنين. # شعر: # إذا ما ذكرنا من علي فضيلة %~% رمينا بزنديق وبغض أبي ms007 بكر PageV01P043 # وقال آخر: # وإن قلت عينا من علي تغامزوا %~% علي وقالوا قد سببت معاوية (1) # @QUR@022 (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه ~~وقلبه وجعل على بصره غشاوة) (2)، وبقيت علماء الشيعة في امورهم متحيرين، ~~وعلى أنفسهم خائفين، وفي الزوايا متحجرين، بل حالهم كحال الأنبياء ~~والمرسلين، كما حكى سبحانه عن الكافرين: @QUR@08 (لئن لم تنته يا لوط ~~لتكونن من المخرجين) (3)، @QUR@08 (لئن لم تنته يا نوح لتكونن من ~~المرجومين) (4)، @QUR@013 (لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو ~~لتعودن في ملتنا) (5) فقلت: @QUR@013 (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) (6). ### ||| [في أن المؤلف (رحمه الله) استوطن كربلاء] # فحثثت ركابي عن ديارهم، وأبعدت قراري من قرارهم، واستحليت البعد عن ~~مزنهم، واستعذبت البروز (7) عن برزتهم، وحططت رحلي ببلاد سيد الوصيين، ~~وألقيت كلي (8) على إمام المتقين، وجعلت مشهد قرة عينه أبي عبد الله ~~موطني، وحضرته الشريفة في حياتي ومماتي مسكني ومدفني، لا اريد منها PageV01P044 # بدلا، ولا أبغي عنها حولا، ازين منابرها ببديع نظامي، واسر محاضرها ~~بمعاني كلامي، واقلد أجياد مدائحه بدرر لفظي، وازين خرائد محامده بملابس ~~وعظي، ملازما على الدعاء آناء ليلي وأطراف نهاري، وعقيب تهجدي وتلاوتي في ~~أسحاري، بدوام دولة من أعلى كلمة الاسلام بعد رفضها، ورفع درجة الايمان بعد ~~خفضها، وقطع عصب النفاق بقاطع غضبه، وقمع أرباب الشقاق بسطوة حربه، وأقر ~~عين جده المصطفى، وأبيه المرتضى، وأسخن عيون اولي الضلالة والشقاء، وجعل ~~الدين الحنيف يميس (1) في حلل المهابة والبهاء، والحق يرفل في ميادين ~~القوة والعلاء. ### ||| [إشادة المؤلف بالسلطان إسماعيل الصفوي] # فرع النبوة، وشجرة الفتوة، الناطق بالصدق، والداعي إلى الحق، قامع كل ~~ظالم، لا تأخذه في الله لومة لائم، عماد الدين، وعميد المؤمنين، علم ~~الشريعة النبوية، ومؤيد الشيعة الامامية. # شعر: # علوي النجار (2)من آل موسى %~% أبحر العلم والجبال الرواسي # هاشمي لا من بني عبد شمس %~% فاطمي لا من بني العباس # صاحب الأصل الراسخ، والفرع الشامخ، والمجد الأطول، والشرف الأعبل، قاتل ~~الكفرة، وخاذل الفجرة، وطاهر الاسرة، وجمال العترة، السيد ms008 الأفخر، والعنصر ~~الأطهر، والليث الغضنفر، زينة ولد جده أمير المؤمنين حيدر، وعمدة ذرية ~~السيد الشهيد السعيد شاه حيدر، مولانا وسيدنا السلطان الجليل شاه إسماعيل ~~أبو المظفر، الذي أيد الله الاسلام بعزيز نصره، وقطع دابر البهتان PageV01P045 # بغالب أمره، وأظهر بدر الحق بعد خفائه، وأنار نور الصدق بعد انطفائه، ~~وأنطق لساني بمدح سادتي وأئمتي، وأطلق جناني بسب حسدتي وأعداء ملتي. # أقطع بحدي غراسهم، وأقلع بجدي أساسهم، معتقدا ذلك من أفضل أعمالي، وأكمل ~~أفعالي، الذي أتصل به إلى منازل السعادة الباقية، والجنة العالية، جعل الله ~~أركان دولته في صعيد السعادة ثابتة، ودوحة سلطنته في ربوة السيادة نابتة، ~~وأعلام النصر منصوبة على هامة رفعته، وكلل المجد مضروبة على عظمة سدته، ~~وآيات الايمان بدوام أيامه متلوة، ورايات الاسلام بسديد آرائه مجلوة، وشمس ~~شرفه في أفلاك التأييد سائرة، وأنجم عظمته في منازل التأييد دائرة، والعكوس ~~إلى قضايا عدوه موجهة، والنحوس بذكر مساوئ ضده منوهة. # اللهم اجعل أعداءه في قبضة أسره مأسورين، وبصارم سطوته مقهورين، وبعد ~~الامرة مأمورين، وبعد الرفعة مدحورين، واجعل لهم بأنفسهم شغلا شاغلا، ومن ~~أعدائهم بلاء نازلا، واشف صدورنا بغيظهم، وأظللنا بظلك من فيضهم، فإنهم قد ~~ألحدوا في آياتك، ولدنوا (1) ببيناتك، وأهانوا أولياءك، وأعزوا أعداءك، ~~وراموا إطفاء أنوار الايمان، وإخفاء اعلام القرآن، وقتل ذرية نبيك سيد ~~المرسلين، وهضم عترة وليك أفضل الوصيين، ونصبوا نصاب الشرك، وأظهروا كلمة ~~الكفر، وقصدوا المؤمنين في أنفسهم وأموالهم، وأجلبوا عليهم بخيلهم ورجالهم، ~~وغزوهم في عقر ديارهم، وراموا قلع آثارهم، وقطع أدبارهم، واستئصال شأفتهم، ~~واستحلال حرمتهم، وأسر ذراريهم ونسائهم، وقهر علمائهم وأعلامهم، وشنوا ~~عليهم الغارات، وأظهروا فيهم الترات، PageV01P046 # وشردوهم عن بلادهم، وقطعوهم عن موادهم، وجعلوا الجزع شعارهم، والهلع ~~دثارهم، وتركوهم عماله يتكفكفون، وحاملين لا يعرفون، عباديد (1) في ~~الأقطار، ومتفرقين في الأمصار، قد اخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ~~ربنا الله (2)، واوذوا لاعتقادهم العصمة والصدق في أولياء الله لا ذنب لهم ~~إلا حب أهل بيت نبيهم الأطهار، وبغض أعدائهم الظلمة الفجار، الذين خالفوا ~~نبيك، وهضموا وليك، واستحلوا حقه، وأكذبوا ms009 صدقه، وجحدوا نص النبي عليه، ~~ووجهوا وجهة ظلمهم إليه، ومنعوا الزهراء نحلتها، واستصفوا بلغتها، وخالفوا ~~والدها، وكذبوا شاهدها، وقتلوا ذريتها بعدها. # اللهم فطوقهم أطواق لعنتك، واقرعهم بقوارع نقمتك، وصب عليهم سوط عذابك، ~~وصخ (3) أسماعهم بصوت عقابك، وارفع لنا عندك درجة ببغضهم، وهيئ لنا من ~~أمرنا رشدا (4)- بغضهم- ولا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من ~~القوم الكافرين (5). # اللهم الحظ سلطاننا بعين عنايتك، ونور نصره واحففه بملائكتك، وافرغ عليه ~~منك واقية باقية، وثبت له قدم صدق في معارج التوفيق راقية، واجعل له من ~~لدنك سلطانا نصيرا، واقسم له من مغانم ألطافك فضلا كبيرا، ورد أعداءه ~~بغيظهم لن ينالوا خيرا @QUR@09 (ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا ~~كبيرا) (6) PageV01P047 # فإنه والى أولياءك، وعادى أعداءك، وقطع فيك الأقربين، ووصل الأبعدين. ### ||| [قصيدة للمؤلف (رحمه الله) في هجره موطنه دمشق واستقراره في كربلاء] # ولما استقرت لي الدار في حضرة سيد الشهداء، وطاب لي القرار في مقام خامس ~~أصحاب الكساء، أردت أن أسم حبيبي بميسم العبودية لشريف حضرته، وأرقم اسمي ~~في دفاتر أرقاء خدمته، واعطر المجالس بنشر مناقبه، واسر المجالس بذكر ~~مراثيه، فجمعت هذا الكتاب مع قلة بضاعتي، وركود قريحتي، فكنت بإهدائه إلى ~~عزيز جنابه كناقل التمر إلى هجر (1)، ومهدي الحصى إلى الدرر، وقد روى لساني ~~عن قلبي، ورقم بناني عن لبي: # فارقت قوما دينهم %~% نصب وإلحاد وكفر # بذوي الفسوق بأرضهم %~% سوق وللفجار فجر # لقضائهم في هتك دين %~% المصطفى ناب وظفر # إن قلت عينا من علي %~% أظهروا حقدا وهروا (2) # شبه الكلاب إذا عوت %~% فالشر منهم مستمر # علماؤهم علماء سوء %~% طبعهم غدر ومكر # ورجالهم بقر إذا %~% ذكر الوصي عتوا وفروا # ونساؤهم بالغنج كم %~% من زاهد فتنوا وغروا # هذا وكم منزلة %~% بعد الغنى منهن فقر # كم ليلة من هجرهم %~% أمسى فؤادي فيه جمر # فهجرت منصرفي إذ %~% لي لسمع الهجر وقر # وحثثت رحلي نحو من %~% هو للنبي أخ وصهر PageV01P048 # مولى ازيح بقصده %~% عن ساحتي ضر وعسر # وتلوت: @QUR@017 (الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين وقل رب أنزلني ~~منزلا مباركا وأنت خير ms010 المنزلين) (1). ### ||| [في ذكر المؤلف خطبه ومجالسه المختلفة] # ثم إني بعد أن من الله علي بمجاورة سبط نبيه، وأهلني للاقامة في حضرة ~~وليه وابن وليه، أطلق لساني بمدح رسوله المصطفى، ووليه المرتضى، وأهل ~~بيتهما الأئمة النجباء سادة أهل الدنيا والاخرى، الذين جعل الله أجر ~~الرسالة مودتهم، وألزم الكافة طاعتهم، فصرت احلي بذكرهم المنابر، وازين ~~بشكرهم المحاضر، واشنف بمدحهم المسامع، واشرف بوصفهم الجوامع، وأقمع هامات ~~من ناواهم بمقامع نظمي ونثري، وارغم معاطس (2) من عاداهم بأكف خطبي وشعري. # فقل أن يمضي يوم من الأيام التي حباهم الله فيها بتفضيله، ونوه بذكرهم في ~~محكم تنزيله، إلا وقد وضعت خطبة في فضل ذلك اليوم الشريف، وأوردت كلمة في ~~عمل ذلك الوقت المنيف، كخطبة «مولد البشير النذير»، وخطبة «يوم الغدير» ~~وذيلتها بأحاديث رائقة، ونكت شائقة، يطرب لها المؤمن التقي، ويهجرها سمع ~~المنافق الشقي، وخطبة «يوم السادس من شهر ذي الحجة» الذي كان فيه تزويج ~~البتول من صنو الرسول، ويوم نزول سورة «هل أتى»، وما في فضلهم أتى، ~~والمجالس المشهور ب «تحفة الزوار ومنحة الأبرار» وهو مجلس ذكرت فيه ثواب ~~زيارة سيد الشهداء وفضل كربلاء، وكالتعزية الموسومة ب «مجرية العبرة ومحزنة ~~العترة» وهي خطبة يوم التاسع من المحرم، وكالمجلس PageV01P049 # المشهور ب «قاطع أسباب النفاق، وقامع أرباب الشقاق» وهو مجلس قلته بإذن ~~الله في اليوم السادس والعشرين من ذي الحجة، وخطبت به على صهوة (1) المنبر، ~~وأوردت فيه ماثم على عدو الله إبليس الأكبر، وكالرسالة الموسومة ب «السجع ~~النفيس في محاورة الدلام وإبليس». # وغير ذلك من رسالات وخطب وأشعار تحث على اقتناء الفضائل، وتنهى عن اقتراف ~~الرذائل، وتوضح من أدلة التوحيد ما فيه تلال الطالب، وبلاغ الراغب، بأدلة ~~قاطعة، وحجج ساطعة، والتحذير من الدار الفانية، والترغيب في الحياة ~~الباقية، وكان ذلك يشتمل على مائتي ورقة وأكثر، أبهى من عقود اللآلئ وأبهر، ~~قد فاز من البلاغة بالسهم المعلى، وحاز من الفصاحة السهم الأعلى، تمج ~~فقراته مسمع الحاسد البغيض، وتسمر (2) حلاوة ترصعاته فم المعاند المريض، ~~كما وصفت في راتق (3) نظمي من ms011 رام بصعر خده هظمي: ### ||| [قصيدة للمؤلف (رحمه الله) مفتخرا بما ينظم ويقول في مدح المصطفى وآله (عليهم السلام)] # كم شامخ بأنفه تكبرا %~% وباذخ بخده تصعرا # ومضمر لحسن لفظي حسدا %~% ووجهه يظهر ما قد أضمرا # ترجف منه وحشاه حنقا %~% يكاد يزلقني بما يرى # ينأى وينهى عن مقامي جاهدا %~% يريد أن يشنأني بين الورى # كأن لفظي أسهم بقلبه %~% حد يبالي لمعاينها برا # في مدح صنو المصطفى اسنادها %~% بالصدق ما كان حديثا مفترا # يمجها مسمع ذي وقاحة %~% أعسى النفاق سمعه والمبصرا # يعرض عني معرضا بعارض %~% فدا له كم فيه من لوم جرا PageV01P050 # كذا مريض القلب في لهاته %~% يرى الزلال العذب صابا ممقرا # لا زال في أحشائه وقلبه %~% من سقط زند مقولي نار الشرا ### ||| [عثور المؤلف على كتاب روضة الشهداء للكاشفي وتأليفه كتابه هذا على منواله] # ثم إني بعد ذلك عثرت على كتاب لبعض فصحاء اللغة الفارسية (1)، وفرسان ~~البلاغة الأعجمية، أصحاب المجد القديم، والدين القويم، الذين قال الله ~~سبحانه فيهم: @QUR@010 (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم) (2) ~~تزين بتحقيقهم وتدقيقهم المجامع والمجالس، وكيف لا يكون ذلك كذلك وقد قال ~~سيد المرسلين: لو كان العلم معلقا بالثريا لناله رجال من فارس (3)؟ PageV01P051 # ووجدته رضي الله عنه قد رتبه على عشرة مجالس لقيام الماتم، لمصاب الغر ~~الميامين من بني هاشم، شهداء كربلاء وأهل @QUR@09 (قل لا أسئلكم عليه أجرا ~~إلا المودة في القربى) (1) وجعلها خاصة بالعشر الاول من شهر محرم الحرام ~~الذي فيه هتكت حرمة الاسلام، وقتلت ذرية سيد الأنام، وجعل لكل يوم من أيامه ~~مجلسا لقواعد الحزن والتعزية مؤسسا. # أثابه الله ثواب الصديقين، وحشره في زمرة أوليائه الطاهرين. # فاستخرت الله سبحانه أن أنسخ على منواله في التصنيف والترتيب، وأقتدي ~~بأفعاله في التأليف والتهذيب، وازين مجالس أهل الإيمان بمناقب سادتهم ~~ومواليهم، واهيج أحزان قلوب أهل العرفان من شيعتهم ومواليهم، واحلي أجياد ~~اللسان العربي بدرر نظمي ونثري، واجدد معاهد الأشجان بنواضح بدائع فكري، ~~ورتبته كترتيبه، وبوبته كتبويبه، لكن لم أقصد ترجمة كلامه، ولا سلكت مسلكه ~~في نثاره ونظامه، ms012 وجعلته عشرة مجالس، وسميته ب «تسلية المجالس وزينة ~~المجالس»، ولم اورد فيه من الأحاديث إلا ما صححه علماؤنا، ورجحه أعلامنا، ~~ودونوه في كتبهم، ونقلوه عن أئمتهم. # اللهم اجعلنا من السالكين بقدم الصدق إلى ما أوردوا، والمؤيدين من السنة ~~النبوية لما أيدوا، إنك على كل شيء قدير. PageV01P052 ### | [المجالس الأول في ذكر امور تتعلق بظلامة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) وما في معناها، وطرق في ذكر ثواب من أظهر الجزع لمصابه ومصاب أهل بيته، وثواب من بكى لرزيتهم، وجلس لعزيتهم] # الحمد لله الذي زين قلوب أوليائه بملابس عنايته، وحلى نفوس أصفيائه ~~بنفائس كرامته، وشرى منهم أنفسهم وأموالهم بنعيم جنته، وأطلعهم على أسرار ~~ملكوته، فعزفت (1) أنفسهم عن الدنيا الدنية إلى جوار حضرته لما جذب أنفسهم ~~بزمام عنايته إلى جنابه الأقدس، وأجلسهم على بساط انسه في ظل جواره المقدس، ~~وناداهم في سرائرهم في ذلك المقام المشرف، وخاطبهم في ضمائرهم بخطابه ~~الجليل الأشرف، وسقاهم من شراب جنته بالكأس الروية، وأطلعهم على ما أعد ~~للمجاهدين في سبيله من المقامات السنية والدرجات العلية. # بذلوا أنفسهم فنالوا فضلها، وكانوا أحق بها وأهلها، وصلوا بقدوم صدقهم ~~إلى تلك المعاهد والمعالم، واستظلوا بظلال تلك العواطف والمراحم، يجاهدون PageV01P053 # في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، قرعت أسماعهم (1) رنة آيات الذكر ~~الحكيم @QUR@043 (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم ~~الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة ~~والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ~~وذلك هو الفوز العظيم) (2) فهاموا بلذيذ نعمتها طربا، وقضوا بامتثال ~~أوامرها من السعادة الأبدية إربا، لما رءوا ان الجهاد في سبيل ربهم من أفضل ~~الطاعات، وبذل الوسع في إعلاء كلمة خالقهم من أعظم القربات، تلقوا حدود ~~الصفاح بوجوههم الشريفة، وصبروا على ألم الجراح شوقا إلى تلك المنازل ~~المنيفة. # وكان أفضل من فاز بالمعلى من سهامها، وتلقى بشريف طلعته مواقع نصالها ~~وسهامها، سبط سيد المرسلين، وقرة عين إمام المتقين، صفوة المصطفين، أبا عبد ~~الله الحسين، الذي هدم ms013 ركن الايمان بوفاته، وقصم حبل الاسلام بفواته، واهتز ~~العرش لمصيبته، وبكت الأفلاك لرزيته، وأمطرت السماء دما وترابا، وحيرت من ~~اولي العرفان أفكارا وألبابا. # يا لها من مصيبة لا ترقى عبرتها، ولا تخبو (3) زفرتها، ولا تنسى واقعتها، ~~ولا توشى جراحتها، تضرم نيران الأحزان في قلوب خالصي الايمان، وتشيد قواعد ~~الأشجان في نفوس أرباب أهل العرفان، فهي التي كست السماء شفقا من دماء ~~شهدائها، وأذكت في القلوب حرقا بشدة بلائها، لم تحدث في الخلق مصيبة مثلها ~~منذ قامت السماوات والأرض، ولم يغضب الجليل غضبها إلى يوم الحساب والعرض، ~~زفرت جهنم حين حدوثها زفرة PageV01P054 # لو لا أن الحق منعها إلى أجل مسمى لأحرقت الأرض بزفرتها، وشهقت شهقة لو ~~لا الأمر الذي كتب الله لعباده لأهلكت الخلق بفضيع شهقتها، شردت على خزانها ~~فخوطبت: قري فلأجعلنك لقتلته سجنا مؤبدا، ولأكتبن على أغلالهم وأصفادهم ~~دواما مخلدا، ولأجعلن فراعنة الأنبياء وأعداء الدين تستعيذ من عذابهم، ~~ولأصيرن الكفرة والفجرة من أهل سجين يعجبوا من عقابهم، يشرف عليهم إبليس ~~فيلعنهم، ويطلع عليهم عبدة الأوثان فتوبخهم، ولأجعلن وليي وابن أوليائي، ~~وصفيي ونجل أصفيائي، صاحب هذه المصيبة العظمى، والواقعة الكبرى، المجاهد ~~بنفسه وولده، والموفي بعقده وعهده، الذي لم يجاهد جهاده نبي من أنبيائي، ~~ولا صبر صبره مخلص من امنائي، سيد الشهداء في الدنيا والآخرة، ولاقيمن حججي ~~على عبادي من ذريته الطاهرة. # فيا إخواني، أفي غفلة أنتم من هذا الشهر الذي أظلكم؟ أم في رقدة من هذا ~~العشر الذي نزل بكم؟ أتعلمون أي رحم فيه للرسول قطعت؟ وأي مصيبة على بني ~~البتول وقعت؟ وأي سادة منهم على الصعيد صرعت؟ وأي قادة بكؤوس الحمام جرعت؟ ~~وأي كبد لسيد الأنبياء فريت؟ وأي مهجة منه بسهام الأعداء رميت؟ # فيا له من شهر لا يحسن الجزع إلا في أيامه ولياليه، ويا له من عشر لا ~~يليق الهلع إلا في أعجازه وبواديه، سقيت فيه بنو الرسول كئوس الحتوف بعد ~~الظماء، واسلبت أرواحهم بغروب (1) السيوف والظباء، وصارت أجسادهم على ~~الرمضاء بلا وطاء، منعوا فيه من شرب المباح، وصدروا ms014 من دم الجراح، PageV01P055 # فيا ليت نفسي كانت لأنفسهم فداء، ووجهي لأوجههم وقاء، فلو أن عين الرسول ~~عاينت سبطه وقد تحوطت عليه بقية الأحزاب، وأحاطت به كتائب كفرة الكتاب، وهو ~~يذكرهم بآيات الله، ويحذرهم من سخط الله، ويورد عليهم الحجة، ويوضح بهم ~~المحجة، ولا يزدادون من عظته إلا نفورا، ولا من تذكرته إلا غرورا، وراموا ~~منه خطة لا تليق بمثله، وطلبوا منه خصلة لا تحسن بفرعه وأصله. # فأبى أبو الاسد الهاصرة (1)، أو الليوث الحاسرة (2)، وقدم بينه وبين الله ~~أفراطا بين يديه، فصدقوا ما عاهدوا الله عليه، وبذلوا الوسع في طاعة ربهم ~~ووليهم، واستشعروا الصبر في نصرة ابن نبيهم، يرون القتل في العز حياة، ~~والحياة في العز قتل، كشف الله عن بصائرهم، وتجلى لهم في سرائرهم، فرأوا ما ~~أعد لهم من السعادة الباقية @QUR@05 (في جنة عالية قطوفها دانية - وقيل ~~لهم:- @QUR@09 كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية) (3) ~~فتلقوا رماح الأعداء بصدور بنيت على الاخلاص قواعدها، وبقلوب بنيت على ~~الايمان عقائدها، وقابلوا صفاح الأشقياء بوجوه طالما أحيت ليلها بسجودها ~~وركوعها، وأرضت ربها بتهجدها وخشوعها، محامية عن ابن إمامها ورسولها، تابعة ~~أمر هاديها ودليلها، كل منهم قد أرضى بتصمم عزيمته إلهه وربه قائلا: اليوم PageV01P056 # نلقى الأحبة، محمد وحزبه، حتى إذا فازوا من السعادة بالدرجة العلية، ~~وحازوا أعظم سهم من السعادة الأبدية، وأصبحت أجسادهم بسيوف الأعداء مبضعة، ~~وأطرافهم بصفاح الأشقياء مقطعة، ورءوسهم عن الأجساد منتزعة، وعلى الرماح ~~مرفعة، قد سقوا من كئوس الحتوف بالكأس المترعة، وتلقوا حدود السيوف بوجوه ~~كانت إلى ربها مسرعة، وعما نهى عنه ورعة، قد أشرق صعيد كربلاء بدمائهم، ~~وشرف طف نينوى باسلابهم، وصار مختلف أرواح الأنبياء والمرسلين، ومهبط ~~ملائكة الله المقربين، فهم التائبون العابدون الحامدون الراكعون الساجدون ~~(1) يحسبهم الجاهل أمواتا وهم أحياء عند ربهم يرزقون (2) ويظنهم رفاتا وهم ~~في الغرفات آمنون (3)@QUR@012 (لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة ~~هذا يومكم الذي كنتم توعدون) (4)@QUR@021 (فرحين بما آتاهم الله من فضله ~~ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ms015 (5). # ولما شاهد فوزهم بالشهادة العظمى، ونيلهم السعادة الكبرى، وصار وحيدا من ~~أهله واسرته، فقيدا لإخوانه وصحبته، وقد أحدقت به الأعداء من كل جانب، ~~وضاقت به المسالك والمذاهب، وفوقت (6) الأعداء نحوه سهامها ومعابلها، ~~وجردت عليه مناصلها وعواملها، وبنات المصطفى يلذن به صارخات، ويتوسلن PageV01P057 # ضارعات، وهو يدافع عنهن، ويمانع دونهن، ويتلقى السيوف بشريف طلعته، ويفرق ~~الصفوف بشدة عزمته، قد قتلت رجاله، وذبحت أطفاله، وانتهكت حرمة الرسول ~~بانتهاك حرمته، وعظمت مصيبة البتول لعظيم رزيته. # فما ظنكم بسيد المرسلين لو رآه في تلك الحال عديم الأعوان، فقيد الاخوان، ~~ممنوعا من شرب المباح، مخضوبا بدم الجراح، قد أجمعت أئمة السوء على قتله، ~~واجتمعت عصابة البغي لخذله؟ هل كان يتلقى عنه السيوف بيديه وساعديه؟ أم ~~يدفع عنه الحتوف بجنبيه وعينيه؟ # بل لو رآه أمير المؤمنين، وسيد الوصيين، وهو يستغيث ولا يغاث، ويستسقى ~~فلا يسقى، قد أثخنه الجراح، وأثقله السلاح، وجعلته عصبة الضلال طعمة ~~لمناصلها، وموردا لعواملها، وهو يحمل كحملات أبيه في احد وبدر، ويتلقى سيوف ~~أهل البغي والغدر، لا يزيده قلة الأنصار إلا بصيرة من أمره، ولا يكسبه ~~تظافر الأشرار إلا إخلاصا في علانيته وسره، أهل كان يليق الصبر بجلال ~~كماله؟ أم يتلقى عنه السيوف بأعضائه وأوصاله؟ # بل لو رأته سيدة النساء وهو يتلظى ظمأ، ويتلهف عطشا، وعاينت بناتها اسارى ~~على الأقتاب، حيارى بغير نقاب ولا جلباب، يطاف بهن في البلاد، ويتشرفهن ~~الحاضر والباد، وشاهدت تلك الوجوه التي طالما قبلها الرسول المجتبى، ~~وأكرمها الوصي المرتضى، أصحاب سورة هل أتى، وأرباب @QUR@09 (قل لا أسئلكم ~~عليه أجرا إلا المودة في القربى) (1)، يسار بها على رماح الأعداء مخضبا ~~شيبها بالدماء، أكانت تهنأ لها الحياة بعدها أم تتمنى PageV01P058 # الممات عندها؟ (1) ### ||| [مجيء فاطمة (عليها السلام) يوم القيامة قائلة: إلهي احكم بيني وبين من ظلمني ومن قتل ولدي] # روي من طريق أهل البيت (عليهم السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) ~~قال: تقبل فاطمة يوم القيامة على ناقة من نوق الجنة، خطامها من لؤلؤ رطب، ~~وقوائمها من الزمرد الأخضر، وذنبها من المسك ms016 الأذفر (2)، وعيناها ياقوتتان ~~حمراوان، عليها قبة من النور، يرى باطنها من ظاهرها، وظاهرها من باطنها، ~~داخلها عفو الله، وخارجها رحمة الله (3)، وعلى رأسها تاج من نور، للتاج ~~سبعون [ركنا، كل ركن مرصع بالدر والياقوت يضيء كما يضيء الكوكب الدري في ~~افق السماء، وعن يمينها سبعون ألف ملك، وعن شمالها سبعون] (4) ألف ملك ~~وجبرائيل آخذ بخطام الناقة ينادي بأعلى صوته: غضوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة، ~~فتسير حتى تحاذي عرش ربها وتزج بنفسها عن الناقة وتقول: إلهي وسيدي احكم ~~بيني وبين من ظلمني، اللهم احكم بيني وبين من قتل ولدي، فإذا النداء من قبل ~~الله: يا حبيبتي وابنة حبيبي، سلي تعطي، واشفعي تشفعي، فو عزتي وجلالي لا ~~يفوتني في هذا اليوم ظلم ظالم. PageV01P059 # فتقول: إلهي ذريتي وشيعتي وشيعة ذريتي ومحبي [ومحبي] (1) ذريتي، فإذا ~~النداء من قبل الله: أين ذرية فاطمة وشيعتها ومحبوها ومحبوا ذريتها؟ # فيقومون وقد أحاطت بهم ملائكة الرحمة فتقدمهم فاطمة كلهم حتى تدخلهم ~~الجنة. (2) ### ||| [تحشر فاطمة (عليها السلام) وهي آخذة بقميص الحسين ملطخ بالدم] # وفي حديث آخر: قال (صلى الله عليه وآله): تحشر فاطمة وتخلع عليها الحلل ~~وهي آخذة بقميص الحسين ملطخ بالدم وقد تعلقت بقائمة العرش تقول: # يا رب احكم بيني وبين قاتل ولدي، فيؤخذ لها بحقها. (3) PageV01P060 ### ||| [تقبل فاطمة (عليها السلام) يوم القيامة ومعها ألف نبي وألف وصي وألف شهيد، وأبيات شعرية للصاحب بن عباد في ذلك] # وفي حديث آخر: انها تقبل يوم القيامة ومعها ألف نبي وألف صديق وألف شهيد، ~~ومن الكروبيين ألف ألف يسعدونها على البكاء، وانها لتشهق شهقة فلا يبقى في ~~السماء ملك إلا بكى رحمة لها، وما تسكن حتى يأتيها أبوها، فيقول: يا بنية، ~~قد أبكيت أهل السماوات وشغلتيهم عن التسبيح، فكفي حتى يقدسوا، فإن الله ~~بالغ أمره. (1) # سوف تأتي الزهراء تلتمس الحك %~% م إذا حان محشر التعديل # وأبوها وبعلها وبنوها %~% حولها والخصام غير قليل # وتنادي يا رب ذبح أولا %~% دي لما ذا وأنت خير مديل (2) # فينادى بمالك ألهب النا %~% ر وأجج وخذ بأهل الغلول ms017 # ويجازى كل بما كان منه %~% من عقاب التخليد (3)والتنكيل (4) # فيا إخواني، أظهروا في هذا الشهر شعار الأحزان، وأفيضوا الدموع المقرحة ~~للأجفان، فإن البكاء في هذا الشهر لمصاب آل الرسول من أفضل الطاعات، وإظهار ~~الجزع لما نال عترة الوصي من أكمل القربات. # روى الشيخ الجليل الفقيه جعفر بن محمد [بن قولويه بإسناده إلى الإمام PageV01P061 # أبي جعفر محمد] (1) بن علي الباقر (عليه السلام) قال: كان أبي علي بن ~~الحسين (صلوات الله عليه) يقول: أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين (عليه ~~السلام) دمعة حتى تسيل على خده بوأه الله بها في الجنة [غرفا يسكنها] (2) ~~أحقابا، وأيما مؤمن دمعت عيناه حتى تسيل على خده لأذى مسنا من عدونا في ~~الدنيا بوأه [الله بها] (3) في الجنة مبوأ صدق، وأيما مؤمن مسه أذى فينا ~~فدمعت عيناه حتى تسيل على خده من مضاضة ما اوذي فينا صرف الله عن وجهه ~~الأذى وآمنه يوم القيامة من سخطه والنار (4). (5) ### ||| [في ثواب البكاء على الحسين (عليه السلام)] # وروى بإسناد متصل إلى الامام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: # كان يقول: إن الجزع والبكاء مكروه للعبد في كل ما جزع ما خلا البكاء على ~~الحسين (عليه السلام) فإنه فيه مأجور. (6) # وروى رضي الله عنه بإسناد متصل بالامام أبي عبد الله (عليه السلام) قال: # من ذكر عنده الحسين (عليه السلام) فخرج من عينه [من الدموع] (7) مقدار جناح PageV01P062 # ذباب كان ثوابه على الله عز وجل ولم يرض له بدون الجنة. (1) # وروى رضي الله عنه عن مسمع بن عبد الملك البصري قال: قال لي أبو عبد الله ~~الصادق (عليه السلام): يا مسمع، أنت من أهل العراق؟ # قلت: نعم. # قال: أما تأتي قبر الحسين (عليه السلام)؟ # قلت: يا مولاي، أنا رجل مشهور عند أهل البصرة، وعندنا من يتبع هوى هذا ~~الخليفة وأعداؤنا كثير من القبائل (2) من النصاب وغيرهم، ولست آمنهم أن ~~يرفعوا خبري عند ولد سليمان فيمثلون بي. # قال: أما تذكر ما صنع به؟ # قلت: بلى والله. # قال: فتجزع؟ # قلت: نعم والله وأستعبر لذلك ms018 حتى يرى أهلي ذلك (3)، فأمتنع من الطعام ~~الشراب حتى يستبين ذلك في وجهي. # قال: رحم الله دمعتك، أما إنك من الذين يعدون في أهل الجزع لنا، والذين ~~يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، ويخافون لخوفنا، ويأمنون إذا أمنا، أما إنك ~~سترى عند موتك حضور آبائي لك ووصيتهم ملك الموت بك، وما # (2) في الكامل: من أهل القبائل. PageV01P063 # يلقونك به من البشارة أفضل لك (1)، ثم استعبر واستعبرت معه، فقال: الحمد ~~لله الذي فضلنا على خلقه بالرحمة، وخصنا أهل البيت بالرحمة. # يا مسمع، إن السماوات والأرض لتبكي منذ قتل أمير المؤمنين رحمة لنا، ومن ~~يبكي لنا من الملائكة أكثر منكم، وما رقأت دموع الملائكة منذ قتلنا، وما ~~بكى أحد رحمة لنا ولما لقينا إلا (رحمه الله) قبل أن تخرج الدمعة من عينه، ~~فإذا سالت دمعته (2) على خده فلو أن قطرة من دموعه سقطت في جهنم لأطفأت ~~حرها، حتى لا يوجد لها حرارة، وإن الموجع قلبه لنا ليفرح يوم يرانا عند ~~موته فرحة لا تزال تلك الفرحة في قلبه حتى يرد علينا الحوض، وإن الكوثر ~~ليفرح بمحبينا إذا وردوا عليه (3). # يا مسمع، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، ولم يستق بعدها أبدا، وهو ~~في برد الكافور، وريح المسك، وطعم الزنجبيل، أحلى من العسل، وألين من ~~الزبد، وأصفى من الدمع، وأذكى من العنبر، يخرج من تسنيم، ويمر في أنهار ~~الجنان، يجري على رضراض (4) الدر والياقوت، فيه من القدحان أكثر من عدد ~~نجوم السماء، يوجد ريحه من مسيرة ألف عام، قدحانه من الذهب والفضة وألوان ~~الجواهر، وما عين (5) بكت لنا إلا نعمت بالنظر إلى الكوثر وسقيت منه (6)، PageV01P064 # وإن على الكوثر أمير المؤمنين (عليه السلام) وفي يده عصا من عوسج يحطم ~~بها أعداءنا، فيقول الرجل منهم: إني أشهد الشهادتين، فيقول له: انطلق إلى ~~إمامك فلان فاسأله أن يشفع لك إذ كان عندك خير الخلق فإن خير الخلق لا ترد ~~شفاعته، فيقول: يا مولاي، اهلكت من العطش (1)، فيقول: زادك الله ظمأ وزادك عطشا. # قال مسمع: فقلت: يا مولاي، ms019 كيف يقدر على الدنو من الحوض ولم يقدر عليه غيره؟ # قال: إنه ورع عن أشياء قبيحة، وكف عن شتمنا إذا ذكرنا، وترك أشياء اجترى ~~عليها غيره، وليس ذلك لحبنا، ولا لهوى منه لنا، ولكن ذلك لشدة اجتهاده في ~~عبادته، ولما (2) شغل به نفسه عن ذكر الناس، فأما قلبه فمنافق، ودينه ~~النصب (3)، وولاية الماضين، وتقدمه لهم على كل أحد. (4) # وعن عبد الله بن بكير، قال: حججت مع أبي عبد الله (عليه السلام)، فقلت له ~~يوما: يا ابن رسول الله، لو نبش قبر الحسين (عليه السلام) هل كان يصاب في ~~قبره شيء؟ # فقال: يا ابن بكير، ما أعظم مسألتك (5)؟! إن الحسين بن علي (عليه ~~السلام) PageV01P065 # مع أبيه وامه وأخيه في منزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعه يرزقون ~~ويحبرون، وإنه لعن يمين العرش متعلق به يقول: يا رب، انجز لي ما وعدتني، ~~وإنه لينظر إلى زواره لهو أعرف بأسمائهم (1) وأسماء آبائهم وما في رحالهم ~~من أحدهم بولده، وإنه لينظر إلى من يبكيه فيستغفر له، ويسأل أباه الاستغفار ~~له، ويقول: أيها الباكي، لو علمت ما أعد الله لك لفرحت أكثر مما حزنت، وإنه ~~ليستغفر له من كل ذنب وخطيئة. (2) # وعن ابن أبي عمير بإسناد متصل إلى أبي عبد الله، قال: من ذكرنا عنده ففاض ~~من عينيه مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر. (3) # وروى الشيخ الجليل علي بن الحسين بن بابويه القمي رضى الله عنه بإسناد ~~متصل إلى الامام أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: إن أبي كان إذا أهل ~~شهر المحرم لا يرى ضاحكا، وكانت الكابة والحزن غالبين عليه، فإذا كان يوم ~~عاشوراء كان يوم جزعه ومصيبته، ويقول: في مثل هذا اليوم قتل جدي الحسين ~~(صلوات الله عليه). (4) # وروى ابن فضال، عن أبيه، عن الرضا علي بن موسى (عليه السلام) قال: PageV01P066 # من ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدنيا والآخرة، ~~ومن كان يوم عاشوراء يوم جزعه وبكائه جعل الله يوم القيامة يوم ms020 فرحه ~~وسروره، وقرت بنا في الجنان عينه، ومن سمى يوم عاشوراء يوم بركة أو ادخر ~~لمنزله فيه شيئا لم يبارك له فيه، وحشره الله في زمرة يزيد وعبيد الله بن ~~زياد وعمر بن سعد لعنهم الله في أسفل درك من النار. (1) ### ||| [في بكاء زين العابدين على أبيه (عليهما السلام)] # وروى الشيخ الفقيه جعفر بن محمد بن قولويه القمي رضي الله عنه قال: # بكى علي بن الحسين بن علي (عليه السلام) على أبيه (صلوات الله عليه) ~~عشرين سنة أو أربعين سنة، وما وضع بين يديه طعام إلا بكى حتى قال له مولاه، ~~جعلت فداك، يا ابن رسول الله، إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين (2)، ~~فقال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون، إني لم ~~أذكر مصرع بني (3) فاطمة إلا خنقتني العبرة لذلك. (4) # وروى رضي الله عنه قال: أشرف مولى لعلي بن الحسين (عليه السلام) وهو في ~~سقيفة له ساجد يبكي، فقال له: يا مولاي، أما آن لحزنك أن ينقضي؟ # فرفع رأسه إليه، فقال: يا ويلك ثكلتك امك، والله لقد شكى يعقوب إلى ربه PageV01P067 # في أقل مما رأيت (1) حين قال: يا أسفي على يوسف، إنه فقد ابنا واحدا، ~~وأنا رأيت أبي وجماعة أهل بيتي يذبحون حولي. # قال: وكان علي بن الحسين (عليه السلام) يميل إلى ولد عقيل، فقيل له: # لما تميل إلى ابن عمك هؤلاء دون أولاد جعفر (2)؟ # قال: إني أذكر يومهم مع أبي عبد الله (عليه السلام) فأرق لهم. (3) ### ||| [أن الحسين (عليه السلام) قتيل العبرة] # وروى أيضا رضي الله عنه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال الحسين ~~(عليه السلام): أنا قتيل العبرة (4)، قتلت مكروبا، وحقيق علي أن لا يأتيني ~~مكروب إلا رده الله وقلبه إلى أهله مسرورا. (5) # فيا أصحاب القلوب السليمة، والعقول المستقيمة، لا يظن ظان منكم بجهله، أو ~~يلبس الشيطان على عقله، أن ما حل بالسبط الشهيد من البلاء العتيد لهوانه ~~على ربه، أو لنقص في زلفته وقربه، ولكن الحق سبحانه يبتلي ms021 عباده الصالحين ~~بالتكاليف الشاقة في أنفسهم وأجسادهم، ويختبر أولياءه المخلصين بالمحن ~~المتتابعة في أموالهم وأولادهم، ويحثهم على جهاد أعدائه بأقوالهم وأفعالهم، ~~ويوفقهم لامتثال أوامره ونواهيه في جميع أحوالهم، قال سبحانه: # @QUR@015 (ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض والذين ~~قتلوا في PageV01P068 # @QUR@05 (سبيل الله فلن يضل أعمالهم) (1)، وقال سبحانه: @QUR@046 (أني لا ~~أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ~~ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب) (2)، وقال ~~سبحانه: @QUR@012 (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا ~~منكم) (3)@QUR@013 (ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة) (4). ### ||| [أن البلاء موكل بالأنبياء، ثم بالأولياء، ثم بالأمثل] # وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): البلاء (5) موكل بالأنبياء، ثم ~~بالأولياء، ثم بالأمثل فالأمثل (6). (7) PageV01P069 # وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ولو أراد الله سبحانه بأنبيائه حيث ~~بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان، ومعادن العقيان (1)، ومغارس الجنان، وأن ~~يحشر معهم طير السماء ووحوش الأرضين لفعل، ولو فعل ذلك لسقط البلاء (2)، ~~وبطل الجزاء، واضمحل (3) الانباء، ولما وجب للقابلين اجور المبتلين، ولا ~~استحق المؤمنون (4) ثواب المحسنين، ولا لزمت الأسماء معانيها، ولكن الله ~~سبحانه جعل رسله اولي قوة في عزائمهم، وضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم، ~~مع قناعة تملأ القلوب والعيون غنى، وخصاصة (5) تملأ الأبصار والأسماع أذى. # ولو كانت الأنبياء أهل قوة لا ترام، وعزة لا تضام، وملك تمد نحوه أعناق ~~الرجال [وتشد إليه عقد الرحال] (6)، لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار، ~~وأبعد لهم عن الاستكبار، ولآمنوا عن رهبة قاهرة لهم، أو رغبة مائلة بهم، ~~فكانت النيات مشتركة، والحسنات مقتسمة، ولكن الله سبحانه أراد أن يكون ~~الاتباع لرسله، والتصديق بكتبه، والخشوع لوجهه، والاستكانة لأمره، ~~والاستسلام لطاعته، امورا له خاصة، لا تشوبها من غيرها شائبة، فكلما كانت ~~البلوى والاختبار أعظم كانت المثوبة والجزاء أجزل. (7) # روى حنان بن سدير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ms022 [قال: آمن مع نوح من PageV01P070 # من قومه ثمانية نفر. ### ||| [ما عاناه نوح (عليه السلام) من قومه] # وفي حديث وهب بن منبه] (1) أن نوحا (عليه السلام) دعا قومه إلى الله حتى ~~انقرضت ثلاثة قرون منهم، كل قرن ثلاثمائة سنة يدعوهم سرا وجهرا فلا يزدادون ~~إلا طغيانا، ولا يأتي منهم قرن إلا كان أعتى على الله من الذين من قبلهم، ~~وكان الرجل منهم يأتي بابنه وهو صغير فيقيمه على رأس نوح فيقول: يا بني، إن ~~بقيت بعدي فلا تطيعن هذا المجنون. # وكانوا يثورون إلى نوح فيضربونه حتى يسيل مسامعه دما، وحتى لا يعقل شيئا ~~مما يصنع به فيحمل ويرمى [به] (2) في بيت أو على باب داره مغشيا عليه، ~~فأوحى الله تعالى إليه: @QUR@09 (أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) (3)، ~~فعندها أقبل بالدعاء عليهم ولم يكن دعا عليهم قبل ذلك فقال: @QUR@08 (رب لا ~~تذر على الأرض من الكافرين ديارا) (4) إلى آخر السورة. # فأعقم الله تعالى أصلاب الرجال وأرحام النساء فلبثوا أربعين سنة لا يولد ~~لهم [ولد] (5)، وقحطوا في تلك الأربعين سنة حتى هلكت أموالهم وأصابهم ~~الجاهد والبلاء، فقال لهم نوح: @QUR@05 (استغفروا ربكم إنه كان غفارا) (6) ~~فأعذر إليهم وأنذر فلم يزدادوا إلا كفرا، فلما يئس منهم أقصر عن كلامهم ~~ودعا عليهم حتى أغرقهم الله سبحانه. (7) PageV01P071 ### ||| [ما عاناه إبراهيم (عليه السلام) من قومه] # وهذا إبراهيم (عليه السلام) خليل الله وصفيه لما كسر الأصنام وجعلها ~~أجذاذا، وقطعها بشدة عزمه أفلاذا (1)، قال بعضهم لبعض: @QUR@01 (حرقوه - ~~بالنار- @QUR@06 وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين) (2) أي ناصريها، والمعنى: ~~أنكم لا تنصرونها إلا بتحريقه بالنار؛ قيل: وكان الذي أشار بتحريق إبراهيم ~~بالنار رجل من أكراد فارس، فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل (3) فيها إلى ~~يوم القيامة؛ وقيل: إنما قاله نمرود. (4) # قال السدي: فجمعوا له الحطب حتى ان الرجل منهم ليمرض فيوصي بكذا وكذا من ~~ماله فيشترى به حطب، وحتى ان المرأة لتغزل فتشتري به حطبا حتى جمعوا من ذلك ~~ما أرادوا، فلما أرادوا أن يلقوه في النار لم يدروا كيف يلقونه، ms023 لأنهم ~~كانوا قد صنعوا للنار حائطا طوله ثلاثون ذراعا، وعرضه عشرة، وملئوه حطبا، ~~وأججوا فيه النار، ولم يقدروا من الدنو من النار لشدة حرها، فجاء إبليس ~~فصنع لهم المنجنيق (5)، وهي أول منجنيق صنعت فوضعوه فيها، ثم رموه، قال ~~الله سبحانه: @QUR@09 (قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم) . (6) # قال أبو العالية: لو لم يقل سبحانه: @QUR@02 (وسلاما) لكانت تؤذيه من شدة PageV01P072 # بردها، ولكان بردها أشد عليه من حرها فصارت سلاما (1) عليه، ولو لم يقل ~~@QUR@02 (على إبراهيم) لكان بردها باقيا إلى الأبد. # قال الصادق (عليه السلام): لما اجلس إبراهيم في المنجنيق وأرادوا أن ~~يرموا به في النار أتاه جبرئيل (عليه السلام) وقال: السلام عليك يا إبراهيم ~~[ورحمة الله وبركاته] (2)، ألك حاجة؟ # فقال: أما إليك فلا، فلما طرحوه دعا الله سبحانه فقال: يا الله، يا واحد، ~~يا أحد، يا صمد، يا من لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، فحسرت النار ~~عنه، فرأوه وانه لمحتب ومعه جبرئيل (عليه السلام) وهما يتحدثان في روضة خضراء. # وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أن نمرود الجبار لما ألقى إبراهيم ~~(عليه السلام) في النار نزل إليه جبرئيل (عليه السلام) بقميص من الجنة ~~وطنفسة (3) من الجنة فألبسه القميص وأقعده على الطنفسة وقعد معه يحدثه .. ~~تمام الخبر. # قال كعب: لم تحرق منه النار غير وثاقه، قال الله سبحانه: @QUR@06 ~~(وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين) . (4) # قال ابن عباس: هو ان الله سبحانه سلط على نمرود وخيله البعوض حتى أخذت ~~لحومهم، وشربت دماءهم، ووقعت واحدة في دماغه فأهلكته. (5) PageV01P073 # ثم ان الله سبحانه ابتلاه كما ذكر في محكم كتابه بالكلمات التي أتمها، ~~والمحن التي احتملها، ووفى بها حتى أثنى الله سبحانه عليه في كتابه بقوله: # @QUR@04 (وإبراهيم الذي وفى) (1) والابتلاء هو الاختبار، وسمي ذلك ~~اختبارا لأن ما يستعمله الانسان ينافي مثل ذلك (2) يجري على جهة الاختبار ~~والامتحان فأجرى سبحانه على أمره اسم امور العباد على طريق الاتساع، وحقيقة ~~الابتلاء تشديد التكليف. # ووجه آخر هو ان الابتلاء على ضربين؛ أحدهما يستحيل عليه ms024 سبحانه، والآخر ~~جائز، فالمستحيل هو أن يختبره ليعلم ما تكشف الأيام عنه وهذا لا يصح عليه ~~سبحانه، لأنه علام الغيوب، والآخر أن يبتليه حتى يصبر على ما يبتليه فيكون ~~ما يعطيه على سبيل الاستحقاق، ولينظر إليه الناظر فيقتدي به فيعلم من حكمة ~~الله سبحانه انه لم يكل (3) أسباب الامامة إلا إلى الكافي المستقل بها ~~الذي كشفت الأيام عنه، ومما ابتلاه في نفسه ما ذكرناه أولا وفي أهله حين ~~خلص الله حرمته من عبادة القبطي، ثم في ولده حين امر بذبح ولده في قوله: ~~@QUR@06 (إني أرى في المنام أني أذبحك) (4). (5) # روى محمد بن إسحاق بن يسار (6) أن إبراهيم (عليه السلام) كان إذا أراد ~~إسماعيل وهاجر حمل على البراق، فيغدو من الشام ويقيل بمكة، ويروح من PageV01P074 # مكة فيبيت في الشام عند أهله، حتى إذا بلغ إسماعيل السعي أري في المنام ~~أن يذبحه، فقال: يا بني، خذ المدية والحبل وانطلق بنا إلى الشعب لنحتطب، ~~فلما خلا إبراهيم بابنه في شعب ثبير أخبره بما قد ذكره الله عنه، فقال: يا ~~أبت اشدد رباطي حتى لا أضطرب، واكفف عني ثيابك حتى لا تنتضح بدمي فتراه ~~والدتي، واشحذ شفرتك، وأسرع مر السكين على عنقي ليكون أهون علي فإن الموت شديد. # فقال إبراهيم: نعم العون أنت يا بني على أمر الله. # قال: فأقبل شيخ على إبراهيم، فقال: يا إبراهيم، ما تريد من هذا الغلام؟ # قال: اريد أن أذبحه. # فقال: سبحان الله! تريد أن تذبح غلاما لم يعص الله طرفة عين قط. # قال إبراهيم: إن الله أمرني بذلك. # قال: ربك ينهاك عن ذلك، وإنما أمرك بهذا الشيطان. # فقال إبراهيم: لا والله، ثم قال الغلام: يا أبت، حمر وجهي، واشدد وثاقي. # فقال إبراهيم: الوثاق مع الذبح والله لا أجمعهما عليك اليوم، ثم تله ~~لجبينه وأخذ المدية بيمينه، هذا والملائكة تنتحب والأرض تنحب، ثم رفع رأسه ~~إلى السماء وانحنى عليه بالمدية، وقلب جبرئيل المدية على قفاها واجتر إليه ~~الفدية من ثبير، واجتر الغلام من تحته، ووضع الكبش مكان الغلام، ونودي ms025 من ~~ميسرة مسجد الخيف: @QUR@015 (أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي ~~المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين) (1). PageV01P075 # قال: ولحق إبليس بام الغلام حين زارت البيت، فقال لها: ما شيخ رأيته بمنى؟ # قالت: ذاك بعلي. # قال: فوصيف رأيته؟ # قالت: ذاك ابني. # قال: فإني رأيته وقد أضجعه، وأخذ المدية ليذبحه. # قالت: كذبت! إبراهيم أرحم الناس، فكيف يذبح ابنه؟ # قال: فو رب السماء والأرض، ورب هذه الكعبة، قد رأيته كذلك. # قالت: ولم؟ # قال: زعم أن ربه أمره بذلك. # قالت: حق له أن يطيع ربه، فوقع في نفسها أنه قد امر في ابنها بأمر، فلما ~~قضت منسكها (1) أسرعت في الوادي راجعة إلى منى، واضعة يدها (2) على رأسها، ~~فلما جاءت [سارة] (3) واخبرت الخبر، قامت إلى ابنها تنظر مكان السكين من ~~نحره فوجدته خدشا في حلقه، ففزعت واشتكت، وكان بدؤ مرضها الذي هلكت فيه. (4) # وهذا يعقوب إسرائيل الله ابتلاه الله بفراق يوسف، فبكى عليه حتى PageV01P076 # ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم (1). ### ||| [قصة يوسف (عليه السلام)] # روى أبو حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين (عليه السلام) أن يعقوب كان يذبح ~~كل يوم كبشا يتصدق منه ويأكل هو وعياله، وأن سائلا مؤمنا صواما قواما اعترى ~~باب يعقوب عشية جمعة عند أوان إفطاره، وكان مجتازا غريبا فهتف على بابه ~~فاستطعم هو وهم يسمعونه فلم يصدقوا قوله، فلما يئس أن يطعموه وغشيه الليل ~~استعبر وشكا جوعه إلى الله سبحانه، وبات طاويا، وأصبح صائما صابرا حامدا ~~لله تعالى، وبات يعقوب وآل يعقوب بطانا، وأصبحوا وعندهم فضلة من طعامهم، ~~فابتلاه الله سبحانه في يوسف (عليه السلام)، وأوحى إليه أن استعد لبلائي، ~~وارض بقضائي، واصبر للمصائب، فرأى يوسف الرؤيا في تلك الليلة. # وروي أن يعقوب (عليه السلام) كان شديد الحب ليوسف، وكان يوسف من أحسن ~~الناس وجها. # وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله)، قال: اعطي يوسف شطر الحسن، والنصف ~~الآخر لسائر الناس. # وقال كعب الأحبار: كان يوسف حسن الوجه، جعد الشعر، ضخم العين، مستوي ~~الخلقة، أبيض اللون، وكان إذا تبسم ms026 رأيت النور في ضواحكه، وإذا تكلم رأيت ~~شعاع النور يلتهب عن ثناياه، ولا يستطيع أحد وصفه، وكان حسنه كضوء النهار ~~عن (2) الليل، وكان يشبه آدم (عليه السلام) يوم خلقه الله عز وجل PageV01P077 # وصوره ونفخ فيه من روحه. (1) # فحسده إخوته ودبروا في أمره، وذلك ان يعقوب كان شديد الحب ليوسف، وكان ~~يؤثره على سائر أولاده فحسدوه، ثم رأى الرؤيا فصار حسدهم له أشد. # وقيل: إن يعقوب (عليه السلام) كان يرحمه وأخاه لصغرهما فاستثقلوا ذلك، ~~ودبروا في هلاكه كما حكى سبحانه عنهم في قوله: @QUR@09 (اقتلوا يوسف أو ~~اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم) (2) أي اطرحوه في أرض بعيدة عن أبيه فلا ~~يهتدي إليه. (3) # ولما أقبلوا إلى أبيهم وسألوه أن يرسل يوسف معهم وأظهروا النصيحة والمحبة ~~والشفقة على يوسف، ولما هم يعقوب أن يبعثه معهم وحثهم على حفظه، وقال: ~~@QUR@014 (إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه ~~غافلون) (4) وكانت أرضهم مذأبة، وكانت الذئاب ضارية في ذلك الوقت. # وقيل: إن يعقوب رأى في منامه كأن يوسف قد شد عليه عشرة أذؤب ليقتلوه، ~~وإذا ذئب منها يحمي عنه، فكأن الأرض انشقت فدخل فيها يوسف فلم يخرج إلا بعد ~~ثلاثة أيام، فمن ثم قال ذلك فلقنهم العلة وكانوا لا يدرون. # وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: لا تلقنوا الكذب فيكذبوا، فإن ~~بني يعقوب لم يعلموا أن الذئب يأكل الانسان حتى لقنهم أبوهم. PageV01P078 # وهذا يدل على أن الخصم لا ينبغي أن يلقن حجة. # ولما ذهبوا به أخرجوه عن يعقوب مكرما، فلما وصلوا إلى الصحراء أظهروا له ~~العداوة وجعلوا يضربونه وهو يستغيث بواحد واحد منهم فلا يغيثه، وكان يقول: ~~يا أبتاه، فهموا بقتله، فمنعهم يهوذا- وقيل: لاوي- فذهبوا به إلى الجب، ~~فجعلوا يدلونه فيه وهو يتعلق بشفيره، ثم نزعوا عنه قميصه وهو يقول: لا ~~تفعلوا، ردوا علي القميص أتوارى به. # فيقولون: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا يؤنسنك (1)، فدلوه في البئر ~~حتى إذا بلغ نصفها فألقوه إرادة أن يموت وكان في البئر ماء فسقط فيه، ms027 ثم ~~آوى إلى صخرة فيها فقام عليها، وكان يهوذا يأتيه بالطعام. # وقيل: وكل الله به ملكا يحرسه ويطعمه. # وقيل: إن إبراهيم (عليه السلام) لما القي في النار عريانا أتاه جبرئيل ~~(عليه السلام) بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه، فكان ذلك القميص عند ~~إبراهيم (عليه السلام)، فلما مات ورثه إسحاق، فلما مات إسحاق ورثه يعقوب، ~~فلما شب يوسف جعل يعقوب ذلك القميص في تعويذ وعلقه في عنق يوسف، فكان لا ~~يفارقه، فلما القي في البئر عريانا جاءه جبرئيل وكان عليه ذلك التعويذ، ~~فأخرج منه القميص وألبسه إياه. # قيل: وهو القميص الذي وجد يعقوب ريحه لما فصلت العير من مصر، وكان يعقوب ~~بفلسطين فقال: @QUR@04 (إني لأجد ريح يوسف) (2). # وفي كتاب النبوة، عن الحسن بن محبوب، عن الحسن بن عمارة، عن PageV01P079 # مسمع أبي سيار (1)، عن الصادق (عليه السلام) قال: لما ألقى إخوة يوسف ~~يوسف في الجب نزل عليه جبرئيل وقال: يا غلام، من طرحك في الجب؟ # قال: إخوتي لمنزلتي من أبي حسدوني، ولذلك في الجب طرحوني. # فقال: أتحب أن تخرج من هذا الجب؟ # فقال: ذاك إلى إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب. # فقال له جبرئيل: إن إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب يقول لك: قل: اللهم إني ~~أسألك [بأن لك الحمد لا إله إلا أنت بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال ~~والاكرام] (2) أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تجعل لي من أمري فرجا ~~ومخرجا، وترزقني من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب، فجعل الله له من ذلك يومئذ ~~فرجا، ومن كيد المرأة مخرجا، وآتاه ملك مصر من حيث لم يحتسب. # وروي أن يوسف (عليه السلام) قال في الجب: يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ~~ارحم ضعفي وقلة حيلتي وصغري. # قال مجاهد: أوحى الله إليه وهو في الجب ونبأه وأوحى إليه أن اكتم حالك، ~~واصبر على ما أصابك، فإنك ستخبر (3) إخوتك بما فعلوا بك في وقت لا يعرفونك. # ولما فعلوا بيوسف ما فعلوا جاءوا أباهم عشاء يبكون (4) كما ذكر سبحانه PageV01P080 # ليلبسوا على أبيهم، وإنما أظهروا البكاء ليوهموا أنهم ms028 صادقون، وفي هذا ~~دلالة على أن البكاء لا يوجب صدق دعوى الباكي في دعواه. # ولما سمع يعقوب بكاءهم وصياحهم فزع وقال: ما لكم؟ # فقالوا: @QUR@05 يا أبانا إنا ذهبنا نستبق - على الأقدام؛ وقيل: ننتصل ~~(1) ونترامى فننظر أي السهام أسبق- @QUR@012 وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله ~~الذئب وما أنت بمؤمن لنا - أي مصدق- @QUR@04 ولو كنا صادقين (2). وأظهروا ~~ليعقوب قميص يوسف ملطخا بالدم، وقالوا: هذا دم يوسف حين أكله الذئب؛ قيل: ~~إنهم ذبحوا سخلة وجعلوا دمها على القميص ولم يمزقوا الثوب، ولم يخطر ببالهم ~~ان الذئب إذا أكل إنسانا يمزق ثوبه؛ وقيل: إن يعقوب قال: أروني القميص، ~~فأروه إياه، فلما رآه صحيحا قال: يا بني، ما رأيت ذئبا أحلم من هذا الذئب! ~~أكل ابني ولم يخرق قميصه. # وقيل: إنه لما قال لهم يعقوب ذلك، قالوا: بل قتله اللصوص. # فقال (عليه السلام): فكيف قتلوه وتركوا قميصه وهم إليه أحوج من قتله؟ # @QUR@05 (بل سولت لكم أنفسكم أمرا - أي زينت لكم- @QUR@02 فصبر جميل) (3) ~~أي صبري صبر جميل لا أشكو إلى الناس. # وقيل: إنما يكون الصبر جميلا إذا قصد به وجه الله تعالى، وفعل للوجه الذي وجب. # وقيل: إن البلاء نزل على يعقوب في كبره، وعلى يوسف في صغره بلا PageV01P081 # ذنب كان منهما، فأكب يعقوب على حزنه، وانطلق يوسف في رقه، وكان (1) ذلك ~~بعين الله سبحانه يسمع ويرى، وكل ذلك امتحان من الله، ومكث يوسف (عليه ~~السلام) في الجب ثلاثة أيام. (2) # ثم جاءت السيارة من قبل مدين يريدون مصر فأخطئوا الطريق، وانطلقوا يهيمون ~~حتى نزلوا قريبا من الجب، وكان الجب في قفرة بعيدة من العمران، وإنما هو ~~للرعاة والمجتازة، وكان ماؤه ملحا فعذب، فبعثوا رجلا يقال له مالك بن داغر ~~(3) ليطلب الماء @QUR@02 (فأدلى دلوه) فتعلق يوسف (عليه السلام) بالدلو ~~(4)، فلما خرج إذا هو بغلام أحسن ما يكون. # فنادى أصحابه وقال: @QUR@06 (يا بشرى هذا غلام وأسروه) (5) من أصحابهم ~~لئلا يطلبوا منهم الشركة فيه، وكانت إخوته قريب منهم فاتوهم وقالوا: هذا ~~عبد لنا أبق منا واختفى في هذا الجب (6)، وقالوا له بالعبرانية: لئن ms029 قلت ~~أنا أخوهم قتلناك، فتابعهم (7) على ذلك لئلا يقتلوه، وطلبوا من القافلة أن ~~يشروه منهم، فأذعنوا لهم بذلك، فشروه منهم كما قال سبحانه: @QUR@06 (وشروه ~~بثمن بخس دراهم معدودة) (8) أي ناقص لا بركة فيه لأنه حرام، وقوله سبحانه: ~~@QUR@01 (معدودة) أي قليلة، وذكر العدد عبارة عن القلة، وقيل: إنهم كانوا ~~لا يزنون من الدراهم دون PageV01P082 # الاوقية، وكانوا يزنون الاوقية وهي أربعون درهما فما زاد عليها؛ وقيل: ~~كانت الدراهم عشرين، وكانوا إخوته عشرة فاقتسموها درهمين درهمين. # ذكر أبو حمزة الثمالي أن مالك بن داغر وأصحابه لم يزالوا يتعرفون من الله ~~الخير في سفرهم ذلك حتى فارقوا يوسف ففقدوا ذلك، وتحرك قلب مالك ليوسف ~~فأتاه، فقال: اخبرني من أنت؟ # فانتسب له يوسف ولم يكن مالك يعرفه، فقال: أنا يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم، فالتزمه مالك وبكى وكان مالك رجلا عاقرا لا يولد له، فقال ليوسف: ~~لو دعوت ربك أن يهب لي ولدا، فدعا يوسف ربه أن يهب له ولدا ويجعلهم ذكورا، ~~فولد له اثنا عشر بطنا، في كل بطن غلامان @QUR@05 (وكانوا فيه من ~~الزاهدين) (1) أي من الزاهدين في شرائه لأنهم لم يروا عليه آثار العبودية، ~~ووجدوا فيه علامات الأحرار، فلذلك زهدوا فيه. (2) # ولما عرض للبيع في سوق مصر تزايدوا فيه حتى بلغ ثمنه وزنه ورقا ومسكا ~~وحريرا، فاشتراه العزيز بهذا الثمن، وقال لامرأته راعيل- ولقبها زليخا-: ~~@QUR@08 (أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا) (3)، وإنما قال ذلك ~~لما رأى على يوسف من الجمال والعقل والهداية في الامور، والعزيز هو خازن ~~الملك وخليفته وكان اسمه اطفير (4)، والملك هو الريان بن الوليد (5) وكان أصله PageV01P083 # من العماليق؛ وقيل: إنه لم يمت حتى آمن بيوسف واتبعه على دينه، ثم مات ~~ويوسف (عليه السلام) حي فملك بعده قابوس بن مصعب (1)، فدعاه يوسف إلى ~~الاسلام فأبى أن يقبل. (2) # ولما أن استقر في منزل اطفير راودته زوجته زليخا عن نفسه، ورامت منه أن ~~يواقعها، وعلق قلبها بحبه لما رأت من جماله وهيبته؛ قيل: إن يوسف (عليه ~~السلام) كان إذا مشى ms030 في أزقة مصر أشرق نور وجهه على الحيطان كما يشرق نور ~~انعكاس نور الشمس على الحائط إذا قابلت الماء، كما قال سبحانه: @QUR@07 ~~(ولقد همت به وهم بها) معناه همت هي بالفاحشة وهم يوسف بضربها ودفعها عن ~~نفسه كما يقال: هممت بفلان أي بضربه أو إيقاع مكروه به، فيكون معنى رؤية ~~البرهان أن الله سبحانه أراه برهانا على انه إن أقدم على ما هم به أهلكه ~~أهلها أو قتلوه، أو ادعت عليه المراودة على القبيح وقذفته بأنه دعاها إليه ~~وضربها لامتناعها منه فأخبر سبحانه أنه صرف عنه السوء والفحشاء اللذين هما ~~القتل وظن اقتراف الفاحشة به ويكون التقدير: @QUR@06 (لو لا أن رأى برهان ~~ربه) لفعل ذلك. (3) # ويؤيد انه لم يهم بالفاحشة قوله سبحانه: @QUR@06 (كذلك لنصرف عنه السوء ~~والفحشاء) (4) وقوله ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب. (5) # ثم ان يوسف لما رأى شدة إقبالها عليه والتزامها له ولى فارا منها قاصدا PageV01P084 # للخروج من الباب، فسبقته إلى الباب وأرامت منعه من الخروج لتقضي شهوتها ~~منه، ورام هو الفرار منها، فلحقته قبل أن يصل إلى الباب، والتزمته بقميصه ~~من ورائه فقدته- كما حكى سبحانه- وإذا سيدها من وراء الباب، فلما رأته ~~اندهشت ووركت الذنب (1) على يوسف لتبرىء ساحتها عند زوجها وقالت: ~~@QUR@012 (ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم) . (2) # وأراد يوسف براءة ساحته فقال: @QUR@04 (هي راودتني عن نفسي) لما ذكرت ~~المرأة ذلك لم يجد يوسف بدا من تنزيه نفسه، ولو كفت عن الكذب لم يذكر يوسف ~~شيئا من ذلك، @QUR@05 (وشهد شاهد من أهلها) وهو صبي في المهد؛ قيل: إنه كان ~~ابن اخت زليخا وهو ابن ثلاثة أشهر، فقال: @QUR@023 (إن كان قميصه قد من قبل ~~فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين) (3) ~~لأنه لو كان مقبلا عليها لكان قميصه قد من قبل، فلما كان فارا منها كان ~~القد من دبر لأنه هو الهارب منها، وهي الطالبة له، وهذا الأمر ظاهر، فلما ~~رأى زوجها ذلك علم خيانة المرأة، ms031 فقال: @QUR@06 (إنه من كيدكن إن كيدكن ~~عظيم) (4) ثم أقبل على يوسف، فقال: @QUR@04 (يوسف أعرض عن هذا) ولا تذكر ~~هذا الحديث طلبا للبراءة فقد ظهر صدقك وبراءتك، ثم أقبل على زليخا وقال: # @QUR@03 (واستغفري لذنبك) (5)؛ قيل: إنه لم يكن غيورا فسلبه الله الغيرة ~~لطفا منه بيوسف حتى كفي شره، ولهذا قال ليوسف: @QUR@03 (أعرض عن هذا) ، ~~واقتصر على PageV01P085 # هذا القدر، ثم قال لها: @QUR@03 (واستغفري لذنبك) فإن الذنب منك. (1) # ثم قال الله سبحانه: @QUR@08 (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات) (2)، ~~وذلك ان زليخا لم تزل تفتل منه (3) في الذروة، والغارب (4)، وكان مطواعا ~~لها وجملا ذلولا، زمامه بيدها حتى أنساه ذلك ما عاين من الآيات وعمل برأيها ~~في سجنه، وكيد النساء أعظم من كيد الشيطان لأن كيد الشيطان بالوسوسة، وكيد ~~النساء اللطف لأنه بالمشاهدة وقوله سبحانه: @QUR@06 (ومن شر النفاثات في ~~العقد) (5) والمصريات أعظم النساء كيدا لأنه معهن ما ليس مع غيرهن من ~~البوائق والحيل. # وعن بعض العلماء: اني أخاف من النساء أكثر مما أخاف من الشيطان لأن الله ~~سبحانه وتعالى يقول: @QUR@05 (إن كيد الشيطان كان ضعيفا) (6) وفي النساء: # @QUR@03 (إن كيدكن عظيم) وخاصة إذا قارن ذلك عدم الغيرة في الأزواج، وهذا ~~الأمر مركوس في طبيعة أكثر رجال مصر. # قال شيخنا الشهيد شمس الدين محمد بن مكي رضي الله عنه في كتاب الدروس: إن ~~شرب ماء النيل يميت القلب، والأكل في فخارها، وغسل الرأس بطينها يذهب ~~بالغيرة ويورث الدياثة. (7) # ولما كثر اللغط في شأنها وشأن يوسف، وشاع الأمر بذلك، وتكلمت PageV01P086 # النسوة بذلك ان @QUR@06 (امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه) (1)، ~~وأظهروا الانكار لفعلها وأشهروا خطأها دعتهن واستضافتهن وأظهرت حبها إياه ~~واستكتمتهن فأظهرنه، وأعتدت لكل واحدة منهن متكأ- أي وسادة-، وقدمت لهن ~~الفواكه أولا، @QUR@06 (وآتت كل واحدة منهن سكينا) لتقطيع الفواكه، وكانت ~~قد أجلست يوسف غير مجلسهن، وأمرته بالخروج عليهن في هيأته، ولم يكن يتهيأ ~~له أن لا يخرج لأنه بمنزلة العبد لها، @QUR@03 (فلما رأينه أكبرنه) أي ~~أعظمنه وتحيرن في جماله إذ كان كالقمر ليلة البدر @QUR@03 (وقطعن أيديهن) ~~(2) بتلك ms032 السكاكين، فما أحسسن إلا بالدم، ولم يجدن ألم القطع لاشتغال ~~قلوبهن بيوسف (عليه السلام)، والمعنى: # جرحن أيديهن، وليس معناه أبن أيديهن، لأن هذا مستعمل في الكلام، تقول ~~للرجل: قطعت يدي: أي خدشتها. (3) # ثم قال الله سبحانه: @QUR@08 (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات) - ~~الدالة على براءة يوسف [وهي قد القميص من دبره وجز الأيدي] (4)- @QUR@03 ~~(ليسجننه حتى حين) (5)، وذلك ان المرأة قالت لزوجها: إن هذا العبد قد فضحني ~~في الناس، من حيث إنه يخبرهم اني راودته عن نفسه، ولست اطيق أن أعتذر ~~بعذري، فإما أن تأذن لي فأخرج وأعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستني. # فحبسه لذلك بعد علمه ببراءته وليظهر للناس ان الذنب كان له لأنه ما يحبس ~~إلا المجرم؛ وقيل: كان الحبس قريبا منها فأرادت انها تكون إذا أرادت PageV01P087 # أن تراه أشرفت عليه ورأته، وقوله: @QUR@03 (ليسجننه حتى حين) قيل: حتى ~~ينسى حديث الامرأة معه. (1) # ولما ادخل السجن ادخل معه غلامان للملك أحدهما صاحب شرابه، والآخر صاحب ~~طعامه انهي إلى الملك الأعظم أنهما يريدان يسمانه فأدخلهما إلى السجن، وكان ~~يوسف لما دخل السجن عرفهما انه يعبر الرؤيا، فقال أحد العبدين للآخر: هلم ~~حتى نجربه، فقال أحدهما وهو الساقي: رأيت أصل كرمة (2) عليها ثلاثة عناقيد ~~من عنب فجنيتها وعصرتها في كأس الملك وسقيته إياها. # وقال الآخر: إني رأيت كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز وألوان الأطعمة ~~وسباع الطير تنهش منها @QUR@06 (نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين) (3) ~~إنك ذو أفعال جميلة. # قيل: إنما نسباه إلى الاحسان لأنه كان إذا ضاق على رجل مكانه وسع له، وإن ~~احتاج جمع له، وإن مرض قام عليه؛ وقيل: إنه كان يعين المظلوم، وينصر ~~الضعيف، ويعود العليل، وكان يحبو كل رجل بما يؤتى به ذلك اليوم من منزله من ~~الطعام، وهذا مثل قول عيسى: @QUR@09 (وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في ~~بيوتكم) (4)@QUR@04 (ذلكما مما علمني ربي) (5). # وقيل: قالا له: من أين عرفت ذلك ولست بكاهن ولا عراف؟ PageV01P088 # فأخبرهما انه رسول الله، وانه سبحانه علمه ذلك. # وكان يوسف ms033 قبل ذلك في السجن لم يدعهم إلى الله لأنهم كانوا يعبدون ~~الأصنام، فلما رأى إقبالهم عليه وتوجههم إلى قبول قوله وحسن اعتقادهم فيه ~~رجا منهم القبول فأظهر انه نبي ودعاهم إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. # وروي أن أهل السجن قالوا له: قد أحببناك حين رأيناك. # فقال: لا تحبوني، فو الله ما أحبني أحد إلا دخل علي من حبه بلاء، أحبتني ~~عمتي فنسبت إلى السرقة، وأحبني أبي فالقيت في الجب، وأحبتني امرأة العزيز ~~فالقيت في السجن. (1) # ثم أقبل عليهم بالدعاء إلى الله سبحانه، فقال: @QUR@06 (يا صاحبي السجن ~~أأرباب متفرقون) - أي متباينون من حجر وخشب لا تضر ولا تنفع- @QUR@05 (خير ~~أم الله الواحد القهار) (2) الذي إليه الحشر والنشر (3)، وبيده النفع ~~والضر، أهو خير أم هذه الأصنام التي تعبدونها @QUR@01 (ذلك) - الذي بينت من ~~توحيد الله (4) وعبادته وترك عبادة غيره هو- @QUR@02 (الدين القيم) (5) أي ~~المستقيم الذي لا عوج فيه. # ثم عبر (عليه السلام) رؤياهما، فقال: أما العناقيد الثلاثة فهي ثلاثة ~~أيام تبقى في السجن، ثم يخرجك الملك في اليوم الرابع وتعود إلى ما كنت ~~عليه، وأما الآخر فقال له: أنت تصلب وتأكل الطير من رأسك، فقال: ما رأيت شيئا PageV01P089 # وكنت ألعب، فقال يوسف: @QUR@05 (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان) (1)، وما ~~قلته لكما فإنه نازل بكما، @QUR@04 (وقال للذي ظن) - أي تحقق- @QUR@03 (أنه ~~ناج منهما) - وهو الساقي- @QUR@03 (اذكرني عند ربك) (2) أي اذكرني عند ~~الملك اني محبوس ظلما، فأنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف عند ربه حتى لبث ~~في السجن سبع سنين. # وعن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: عجبت من أخي يوسف (عليه السلام) كيف ~~استعان (3) بالمخلوق دون الخالق؟! # ولو لا كلمته ما لبث في السجن طول ما لبث يعني قوله: @QUR@03 (اذكرني عند ربك) . # وروي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: جاء جبرئيل (عليه ~~السلام) إلى يوسف فقال: يا يوسف، من جعلك أحسن الناس؟ # قال: ربي. # قال: فمن حببك إلى أبيك دون إخوتك؟ # قال: ربي. # قال: من ساق إليك السيارة؟ # قال: ربي. # قال: فمن صرف عنك الحجارة؟ # قال: ربي. ms034 PageV01P090 # قال: فمن أنقذك من الجب؟ # قال: ربي. # قال: فمن صرف عنك كيد النسوة؟ # قال: ربي. # قال: فإن ربك يقول: ما دعاك إلى أن تنزل (1) حاجتك بمخلوق دوني؟ # البث في السجن بضع سنين بما قلت. # قال: فبكى يوسف حتى بكى لبكائه الحيطان، فتأذى أهل السجن لبكائه، فصالحهم ~~على أن يبكي يوما ويسكت يوما، فكان في اليوم الذي يسكت أسوأ حالا، والقول ~~في ذلك: [ان] (2) الاستعانة بمخلوق في دفع المضار والتخلص من المكاره جائز ~~غير منكر ولا قبيح، بل ربما يجب ذلك، وكان نبينا (صلى الله عليه وآله) ~~يستعين بالمهاجرين والأنصار وغيرهم فيما ينويه، ولو كان قبيحا لم يفعله ~~(صلى الله عليه وآله)، وإنما عوتب يوسف (عليه السلام) في ترك عادته الجميلة ~~في الصبر والتوكل على الله سبحانه في كل اموره. # وإنما كان يكون قبيحا لو ترك التوكل على الله سبحانه في كل اموره أو ~~اقتصر على غيره، وفي هذا ترغيب في الاعتصام بالله تعالى والاستعانة به دون ~~غيره عند نزول الشدائد، وأكثر المفسرين قالوا: إن مدة إقامة يوسف في السجن ~~كانت سبع سنين، وهذه السبع سوى الخمسة التي كانت قبل تعبير الرؤيا للساقي ~~وصاحب الطعام. # وروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: علم جبرئيل (عليه السلام) يوسف PageV01P091 # (عليه السلام) وهو في السجن، فقال: قل في دبر كل صلاة فريضة: اللهم اجعل ~~لي فرجا ومخرجا، وارزقني من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب. # وروى شعيب (1) العقرقوفي عنه (عليه السلام) قال: لما انقضت المدة وأذن ~~الله ليوسف في دعاء الفرج وضع (عليه السلام) خده على الأرض، ثم قال: اللهم ~~إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك فإني أتوجه إليك بوجوه آبائي الصالحين ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ففرج الله عنه. # قال شعيب: فقلت: جعلت فداك، أندعو نحن بهذا الدعاء؟ # فقال: ادعوا بمثله، اللهم إن كانت ذنوبي قد أخلقت عندك وجهي فإني أتوجه ~~إليك بنبيك (2) نبي الرحمة، وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة (عليهم ~~السلام). (3) # ثم لما أذن الله بالفرج رأى الملك الرؤيا التي هالته ms035 وهي التي ذكرها الله ~~سبحانه في كتابه وهي @QUR@03 (وقال الملك) - يعني الوليد بن الريان- ~~@QUR@04 (إني أرى سبع بقرات) (4) إلى آخر الآيات، فلما قص رؤياه على ~~خواصه @QUR@01 (قالوا -: هذه- @QUR@08 أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام ~~بعالمين) (5) وكان جهلهم (5) وكان جهلهم (6) سبب نجاة يوسف (عليه ~~السلام)، لأن الساقي تذكر حديث يوسف فجثا بين يدي الملك، PageV01P092 # فقال: أيها الملك إني قصصت أنا وصاحب الطعام على رجل في السجن منامين ~~فخبرنا بتأويلهما، وصدق في جميع ما وصف، فإن أذنت مضيت إليه وأتيتك بتفسير ~~رؤياك، فأذن به الملك، فأتى يوسف في السجن، فقال: @QUR@07 (أيها الصديق ~~أفتنا في سبع بقرات سمان) (1) إلى آخره لعلي أرجع إلى الملك والعلماء الذين ~~جمعهم لتعبير الرؤيا فعجزوا عنها، فيعرفون فضلك، ويخرجوك من السجن. # فقال يوسف في جوابه: أما السبع بقرات السمان والسبع العجاف والسبع ~~السنابل الخضر والسبع اليابسات فإنهن سبع سنين مخصبات يتبعهن سبع سنين ~~مجدبات (2)، فادأبوا في الزراعة في تلك السنين المخصبة بجد واجتهاد، وكلما ~~تحصدونه ذروه في سنبله بغير دوس ولا تذرية @QUR@04 (إلا قليلا مما تأكلون) ~~(3) وإنما أمرهم بذلك ليكون أبقى وأبعد من الفساد، لأن السنبل إذا ترك ~~بحاله لا يقع فيه السوس ولا يهلك وإن بقي مدة من الزمان، وإذا صفي أسرع ~~إليه الفساد، @QUR@011 (ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن) ~~(4) وأضاف الأكل إلى السنين لأن الأكل يقع فيها أكثر. # وروي أن يوسف (عليه السلام) كان يقرب زاد اثنين إلى واحد فيأكل نصفه ~~فيشبع ويترك الباقي، فلما كان أول السنين المجدبة قرب طعام اثنين إلى واحد ~~فأكله، فقال: هذا أول السنين الشداد، وكانت السبع سنين المخصبات كثرت فيها ~~الأمطار وفاض ماء النيل، فلما انقضت أمسك الله المطر ولم يوف النيل فوقع PageV01P093 # القحط وكان ما قضاه الله سبحانه. # وهذا التأويل من يوسف إنما كان مما أطلعه الله عليه بالوحي من علم الغيب ~~ليكون من آيات نبوته (عليه السلام). (1) # فلما رجع الرسول إلى الملك وقص عليه ما قال يوسف قال: @QUR@02 (ائتوني ~~به) (2)، فأتاه الرسول، وقال: أجب الملك، ms036 فأبى أن يجيبه، وأن يخرج معه حتى ~~يتبين براءته مما (3) قذف به، وقال للرسول: ارجع إلى الملك واسأله أن يفحص ~~عن النسوة اللاتي قطعن أيديهن ليعلم صحة براءتي ولم يفرد امرأة العزيز حسن ~~عشرة منه ورعاية أدب لكونها زوجة خليفة الملك (4) فخلطها بالنسوة. # ولو خرج يوسف مع الرسول من غير أن يعلم الملك براءته ما زالت في نفس ~~الملك منه حالة (5)، وكان يقول: هذا الذي راود امرأة وزيري وخليفتي فيراه ~~الملك بعين مشكوك فيه فأحب أن يراه بعد إزالة الشك من قلبه. # فأمر الملك بإحضار النسوة، فلما حضرن قال: ما شأنكن إذ راودتن يوسف عن ~~نفسه ودعوتنه إلى أنفسكن؟ # @QUR@08 (قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء) وما فعل شيئا مما نسب إليه، ~~واعترفن ببراءته، وانه حبس مظلوما. فقالت امرأة العزيز من بينهن: @QUR@011 ~~(الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين) (6) في قوله: ~~@QUR@01 (هي) PageV01P094 # @QUR@03 (راودتني عن نفسي) (1)، فلما ظهر أمر يوسف، قال (صلوات الله عليه): # @QUR@04 (وما أبرئ نفسي) (2) كره تزكية نفسه انقطاعا إلى الله سبحانه. (3) # ولما تبين للملك براءته من السوء قال: @QUR@04 (ائتوني به أستخلصه لنفسي) (4) # فلما أتاه رسول الملك قال: قم، إن الملك يدعوك، فالق ثياب السجن عنك ~~والبس ثيابا جددا، فأقبل يوسف، وتنظف من درن السجن، ولبس ثيابه، وأتى الملك ~~وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة. # وروي أن يوسف لما خرج من السجن تعلق به أهل السجن وسألوه أن يدعو لهم، ~~فقال: اللهم اعطف عليهم بقلوب الأخيار، ولا تعم عليهم الأخبار، فلذلك يكون ~~أهل السجن أعرف الناس بالأخبار في كل بلدة، ولما خرج كتب على باب السجن: ~~هذه قبور الأحياء، وبيوت (5) الأحزان، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء. # ولما وقف بباب الملك قال: حسبي ربي من دنياي، وحسبي ربي من خلقه عز جاره ~~وجل ثناؤه ولا إله غيره، ولما دخل على الملك قال: اللهم إني أسألك بخيرك من ~~خيره، وأعوذ بك من شره وشر غيره، ولما نظر إليه الملك سلم عليه يوسف ~~بالعربية، فقال له الملك: ما هذا اللسان؟ ms037 # قال: لسان عمي إسماعيل، ثم دعا له بالعبرانية، فقال له الملك: ما هذا ~~اللسان؟ PageV01P095 # قال: لسان آبائي. # قيل: كان الملك يتكلم بسبعين لسانا، فكلما كلم يوسف بلسان أجابه بذلك ~~اللسان، فتعجب الملك من ذلك، فقال: يا يوسف، إني احب أن أسمع رؤياي منك ~~شفاها من غير أن أتكلم بها. # فقال يوسف: نعم، أيها الملك، رأيت سبع بقرات سمان شهب غر حسان، كشف عنهن ~~النيل، وطلعن عليك من شاطئه تشخب أخلافهن لبنا، فبينا أنت تتعجب من ذلك إذ ~~نضب النيل فغار ماؤه، وبدا يبسه، فخرج من حمئه (1)ووحله سبع بقرات عجاف ~~شعث مقلصات البطون، ليس لهن ضروع، ولهن أنياب وأضراس وأكف كأكف الكلاب، ~~وخراطيم كخراطيم السباع، فاختلطن بالسمان فافترسنهن افتراس السباع، وأكلن ~~لحومهن، ومزقن جلودهن، فبينا أنت تنظر وتتعجب إذا سبع سنابل خضر وسبع أخر ~~سود في منبت واحد عروقهن في الثرى والماء، فبينا أنت تقول في نفسك: أنى هذا ~~وهؤلاء خضر مثمرات وهؤلاء سود يابسات والمنبت واحد واصولهن في الماء؟ إذ ~~هبت ريح فذرت الأرفات (2) من اليابسات السود على (3) المثمرات الخضر ~~فاشتعلت فيهن النار وأحرقتهن وصرن سودا متغيرات، فهذا آخر ما رأيت، ثم ~~انتبهت من نومك مذعورا. # فقال الملك: ما شأن هذه الرؤيا بأعجب مما سمعته منك فما ترى في رؤياي ~~أيها الصديق؟ # فقال يوسف: أرى أن تجمع الطعام وتزرع زرعا كثيرا في هذه السنين PageV01P096 # المخصبة وتبني الأهراء (1) والخزائن، فتجمع الطعام فيها بقصبه (2) ~~وسنبله [ليكون قصبه وسنبله] (3) علفا للدواب، وتأمر الناس فيرفعون من ~~طعامهم الخمس فيكفيك من الطعام الذي جمعته لأهل مصر ومن حولها، ويأتيك ~~الخلق من النواحي فيمتارون منك بحكمك، ويجتمع عندك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد. # فقال الملك: ومن لي بهذا؟ ومن يجمعه ويبيعه ويكفي الشغل فيه؟ # فقال يوسف: @QUR@07 (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) (4) أحفظ ~~الشيء أن يجري فيه خيانة، عليم بمن يستحق منها شيئا أولا يستحق؛ وقيل: # عليم بالألسن، وذلك ان الناس يفدون (5) من كل ناحية، ويتكلمون بلغات ~~مختلفة. # وفي هذا دلالة على ان ms038 الانسان يجوز له أن يظهر فضله عند من لا يعرفه؛ ~~وقيل: إن الملك الأكبر فوض إليه أمر مصر ودخل بيته وأغلق بابه. (6) # وروى [أحمد بن] (7) محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن بنت إلياس قال: ~~سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: وأقبل يوسف على جمع الطعام، فجمع في السبع ~~السنين المخصبة وكبسه في الخزائن، فلما مضت تلك السنون وأقبلت السنون ~~المجدبة أقبل يوسف على بيع الطعام. PageV01P097 # فباعهم في السنة الاولى بالدراهم والدنانير حتى لم يبق بمصر وما حولها ~~دينار ولا درهم إلا صار في ملك (1) يوسف. # وباعهم في السنة الثانية بالحلي والجواهر حتى لم يبق بمصر وما حولها حلي ~~ولا جواهر إلا صار في ملكه (2). # وباعهم في السنة الثالثة بالدواب والمواشي حتى لم يبق بمصر وما حولها ~~دابة ولا ماشية إلا صارت في ملكه. # ثم باعهم في السنة الرابعة بالعبيد والإماء حتى لم يبق بمصر وما حولها ~~عبد ولا أمة (3) إلا صار في ملكه. # وباعهم في السنة الخامسة بالدور والعقار حتى لم يبق بمصر وما حولها دار ~~ولا عقار إلا صار في ملكه. # ثم باعهم في السنة السادسة بالمزارع والأنهار حتى لم يبق بمصر وما حولها ~~نهر ولا مزرعة إلا صار في ملكه. # ثم باعهم في السنة السابعة برقابهم حتى لم يبق بمصر وما حولها عبد ولا حر ~~إلا صار عبدا ليوسف (عليه السلام)، فملك أحرارهم وعبيدهم وأموالهم، وقال ~~الناس: ما سمعنا ولا رأينا بملك أعطاه الله من الملك مثل ما أعطى يوسف. (4) # وقيل: إن الملك لما أراد توليته دعاه فتوجه ورداه وقلده سيفه، وأمر بأن ~~يوضع له سرير من ذهب، مكلل بالدر والياقوت، ويضرب عليه كلة (5) من PageV01P098 # استبرق، وأمره أن يخرج متوجا؛ لونه كالثلج (1)، ووجهه كالقمر، يرى ~~الناظر وجهه في صفاء وجهه (2)، فانطلق فجلس على السرير، ودانت له الملوك، ~~فعدل بين الناس فأحبه الرجال والنساء، وقال الناس: ما سمعنا ولا رأينا بملك ~~أعطاه الله ما أعطى هذا الملك حكما وعلما. (3) # ثم قال يوسف للملك: ما ترى فيما خولني ربي ms039 من ملك مصر وأهلها أشر علي ~~برأيك فإني لم اصلحهم لافسدهم، ولم انجهم من البلاء لأكون بلاء عليهم، ولكن ~~الله تعالى أنجاهم على يدي. # قال له الملك: الرأي رأيك. # قال يوسف: إني اشهد الله واشهدك أيها الملك أني قد أعتقت أهل مصر كلهم، ~~ورددت عليهم أموالهم وعبيدهم، ورددت عليك أيها الملك خاتمك وسريرك وتاجك ~~على أن لا تسير وأن لا تستولي ولا تحكم إلا بحكمي. # قال له الملك: إن ذلك زيني وفخري أن لا أسير إلا بسيرتك، ولا أحكم إلا ~~بحكمك، ولولاك لما قويت عليه، ولقد جعلت سلطاني عزيزا ما يرام، وأنا أشهد ~~أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فأقم على ما وليتك إنك لدينا مكين ~~أمين (4)، وكان يوسف لا يمتلئ شبعا من الطعام في الأيام المجدبة؛ فقيل له: # أتجوع وفي يدك خزائن الأرض؟ PageV01P099 # قال (عليه السلام): أخاف أن أشبع فأنسى الجياع. (1) # وكان قطفير العزيز هلك في تلك الأيام (2)، وافتقرت امرأته زليخا واحتاجت ~~حتى سألت الناس، فقالوا لها: ما يضرك لو قعدت للعزيز- وكان يوسف يسمى ~~بالعزيز، وكل ملك كان لهم سموه بهذا الاسم-؟ # فقالت: أستحي منه، فلم يزالوا بها حتى قعدت له، فأقبل يوسف في موكبه ~~(3)، فقامت إليه زليخا، فقالت: سبحان من جعل الملوك عبيدا بالمعصية، ~~والعبيد ملوكا بالطاعة! # فقال لها يوسف: أأنت تيك (4)؟ # قالت: نعم، فأمر بها فحولت إلى منزله، وكانت هرمة، فقال لها يوسف: # ألست فعلت [بي] (5) كذا وكذا؟ # قالت: يا نبي الله، لا تلمني فإني بليت ببلاء لم يبل به أحد. # قال: وما هو؟ # قالت: بليت بحبك، ولم يخلق الله لك في الدنيا نظيرا، وبليت بأنه لم تكن ~~في مصر امرأة أجمل مني، وبليت بزوج عنين. # قال يوسف: فما حاجتك؟ # قالت: اسأل الله ليرد علي شبابي، فسأل الله فرد عليها شبابها، وتزوجها PageV01P100 # يوسف، ودخل بها فوجدها بكرا، ولما دخل بها قال: أو ليس هذا خيرا من ذاك؟ # وولدت له إفرائيم (1) وميشا. (2) # ثم ان يعقوب وبنيه أصابهم ما أصاب الناس فجمعهم أبوهم، وقال: يا بني، ~~بلغني ms040 ان الطعام يباع بمصر، وان صاحبه رجل صالح فاذهبوا إليه فإنه يحسن ~~إليكم، فتجهزوا وساروا حتى أتوا مصر فدخلوا على يوسف @QUR@05 (فعرفهم وهم ~~له منكرون) (3) وكانوا عشرة، وأمسك يعقوب بنيامين أخا يوسف لامه؛ قيل: كان ~~بين أن قذفوه في الجب وبين أن دخلوا عليه أربعون سنة، فلذلك أنكروه لأنهم ~~رأوه ملكا جالسا على السرير، عليه ثياب الملوك، ولم يخطر ببالهم أنه يصير ~~إلى تلك الحال، وكان يوسف ينتظر قدومهم عليه وكان اثبت له، فلما نظر إليهم ~~وكلمهم بالعبرانية، قال لهم: من أنتم؟ وما أمركم؟ فإني انكر شأنكم. (4) # [فلما جهزهم وأعطاهم وأحسن إليهم في الكيل قال لهم: من أنتم؟] (5) # قالوا: نحن قوم من أرض الشام رعاة أصابنا الجاهد، فجئنا نمتار. # فقال: لعلكم عيون جئتم تنظرون إلى عورة بلادي؟ # فقالوا: لا والله، ما نحن بجواسيس، وإنما نحن إخوة من أب واحد وهو يعقوب ~~بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن، ولو تعلم بأبينا لكرمنا عليك، فإنه نبي ~~الله، وابن أنبيائه، وإنه لمحزون. PageV01P101 # قال: وما الذي أحزنه، فلعل حزنه كان من قبل سفهكم وجهلكم؟ # قالوا: أيها الملك، لسنا بسفهاء، ولا جهال، ولا أتاه الحزن من قبلنا، ~~ولكنه كان له ابن أصغرنا (1) سنا، وإنه خرج يوما معنا إلى الصيد فأكله ~~الذئب، فلم يزل بعده حزينا باكيا. # فقال لهم يوسف: كلكم من أب وأم؟ # قالوا: أبونا واحد، وامهاتنا شتى. # قال: فما حمل أباكم [على] (2) أن سرحكم كلكم؟ ألا حبس واحدا منكم يستأنس به؟ # قالوا: قد فعل، وإنما حبس واحدا منا وهو أصغرنا لأنه أخو الذي هلك من ~~امه، فأبونا يتسلى به. # قال: فمن يعلم أن الذي تقولونه حق؟ # قالوا: أيها الملك، إنا ببلاد لا يعرفنا أحد. # فقال يوسف: فائتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين فأنا أرضى بذلك. # قالوا: إن أبانا يحزن على فراقه وسنراوده عنه. # قال: فدعوا عندي رهينة حتى تأتوني بأخيكم الذي من أبيكم، فاقترعوا بينهم ~~فأصابت القرعة شمعون؛ وقيل: إن يوسف اختار شمعون لأنه كان PageV01P102 # أحسنهم رأيا فيه، فجعلوه (1) عنده. # قيل: وكان ms041 يوسف أمر ترجمانا يعرف العبرانية أن يكلمهم، وكان لا يكلمهم ~~بنفسه ليشبه عليهم، فإنهم لو عرفوه لهاموا في الأرض حياء من أبيهم، فكان في ~~معرفتهم إياه مفسدة، @QUR@07 (وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم) أي ~~قال لعبيده وغلمانه: اجعلوا ثمن طعامهم وما كانوا جاءوا به في أوعيتهم؛ وقيل: # كانت بضاعتهم النعال والادم @QUR@08 (لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى ~~أهلهم لعلهم يرجعون) (2) بعد ذلك لطلب الميرة مرة اخرى، وإنما فعل ذلك ~~ليعلموا أن يوسف ما فعل ذلك إلا إكراما لهم. # وقيل: إنه (عليه السلام) رأى لؤما (3) أن يأخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته ~~مع حاجتهم إليه، فرده عليهم من حيث لا يعلمون تفضلا وكرما. (4) # @QUR@010 (فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل) (5)؛ ~~قيل: إنهم لما رجعوا إلى يعقوب سلموا عليه سلاما ضعيفا، قال لهم: يا بني، ~~مالكم تسلمون سلاما ضعيفا؟ ومالي لا أسمع منكم (6) صوت شمعون؟ # قالوا: يا أبانا، جئناك (7) من عند أعظم الناس ملكا، ولم ير الناس مثله ~~حكما وعلما وخشوعا وسكينة ووقارا ولئن كان له شبيه في الدنيا فإنه يشبهك، PageV01P103 # ولكنا أهل بيت خلقنا للبلاء (1)، انه اتهمنا وزعم أن لا يصدقنا حتى ترسل ~~معنا بنيامين برسالة منك تخبره عن (2) حزنك، وما الذي أحزنك؟ وعن سرعة ~~الشيب إليك، وذهاب بصرك، وقوله: @QUR@03 (منع منا الكيل) في المستقبل وإلا ~~فهم كانوا قد اكتالوا، أي منع منا في المستقبل إن لم نأته بأخينا لقوله: ~~@QUR@07 (فلا كيل لكم عندي ولا تقربون) (3) فأرسل معنا، فإن لم ترسله معنا ~~منعنا الكيل فأرسله معنا @QUR@04 (وإنا له لحافظون) (4) من أن يصيبه سوء أو مكروه. # @QUR@01 (قال - يعقوب:- @QUR@010 هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على ~~أخيه من قبل) ، وإنما قرعهم (عليه السلام) ليحثهم على حفظه وكلاءته وإلا ~~فإنه كان يعلم أنهم في هذه الحال لا يفعلون ما لا يجوز، ثم قال: @QUR@07 ~~(فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين) (5)، يرحم ضعفي، وكبر سني، ويرده علي. # روي في الخبر أن الله سبحانه قال: فبعزتي وجلالي لأردنهما إليك بعد أن ~~توكلت علي، @QUR@04 (ولما فتحوا متاعهم) ms042 يعني أوعية الطعام @QUR@09 (وجدوا ~~بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي) أي أي [شيء] (6) نطلب بعد هذا؟ ~~كال لنا، ورد علينا بضاعتنا، أرادوا أن تطيب نفس يعقوب، ويرسل معهم أخاهم، ~~أي فلا ينبغي أن نخاف على أخينا ممن قد أحسن إلينا هذا الاحسان، فأرسله ~~معنا فإنا نحفظه، ونرده سالما، @QUR@04 (ونزداد كيل بعير) (7) لأن يوسف ~~(عليه السلام) كان لا PageV01P104 # يزيد الرجل يأتي من الآفاق على وقر بعير. # فلما رأى يعقوب (عليه السلام) رده البضاعة، وتحقق عنده إكرام الملك إياهم ~~وعزم على إرسال ابن يامين، @QUR@011 (قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من ~~الله لتأتنني به) أي لتردنه إلي. # قال ابن عباس: حتى تحلفوا بحق محمد خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله) ~~وسيد المرسلين ألا تغدروا بأخيكم، ولتأتنني به @QUR@04 (إلا أن يحاط بكم) ~~أي تغلبوا عليه، والمعنى إلا أن يحال بينكم وبينه بيد عالية؛ فحلفوا له بحق ~~محمد ومنزلته من ربه. # @QUR@01 (قال - يعقوب:- @QUR@05 الله على ما نقول وكيل) (1) أي شاهد ~~حافظ، وإنما أرسل يعقوب ابن يامين معهم لأنه علم أنهم لما كبروا ندموا على ~~ما [كان] (2) فرط منهم في أمر يوسف، ولم يصروا على ذلك، ولهذا وثق بهم، ~~وإنما عيرهم بحديث يوسف حثا لهم على حفظ أخيهم. (3) # ولما تجهزوا للمسير قال يعقوب: @QUR@012 (يا بني لا تدخلوا من باب واحد ~~وادخلوا من أبواب متفرقة) (4) خاف عليهم العين لأنهم كانوا ذوي جمال وهيئة ~~وكمال وهم إخوة أولاد رجل واحد. # وقيل: خاف عليهم حسد الناس لهم، وأن يبلغ الملك قوتهم وبطشهم فيحبسهم أو ~~يقتلهم خوفا على ملكه، والأول أصح، لأنه ورد في الخبر عن رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) أن العين حق، والعين تستنزل الحالق، والحالق: PageV01P105 # المكان المرتفع من الجبل وغيره، فجعل (صلى الله عليه وآله) العين كأنها ~~تحط ذروة الجبل من قوة أخذها، وشدة بطشها. (1) # وروي أنه (صلى الله عليه وآله) كان يعوذ الحسن والحسين (عليهما السلام)، ~~فكان يقول: اعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين ~~لامة. (2) # وروي أن ms043 إبراهيم (عليه السلام) عوذ ابنيه، وأن موسى عوذ بني (3) هارون ~~بهذه العوذة. # وروي أن بني جعفر كانوا غلمانا بيضا فقالت أسماء بنت عميس: يا رسول الله، ~~إن العين إليهم سريعة أفأسترقي لهم من العين؟ # فقال (صلى الله عليه وآله): نعم. (4) # وروي أن جبرئيل رقى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلمه هذه الرقية: # بسم الله أرقيك، من عين كل حاسد، الله يشفيك. (5) PageV01P106 # وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) [أنه قال] (1): لو كان شيء يسبق ~~القدر لسبقته العين. (2) # @QUR@03 (ولما دخلوا - مصر- @QUR@04 من حيث أمرهم أبوهم) (3) أي من أبواب ~~متفرقة؛ قيل: كان لمصر أربعة أبواب فدخلوا من أبوابها الأربعة متفرقين. (4) # ثم دخلوا على يوسف مجتمعين وقالوا: هذا أخونا قد جئنا به كما أمرتنا، ~~فقال: أحسنتم، ثم أنزلهم وأكرمهم، ثم صنع لهم ضيافة وقال: ليجلس كل ابني ~~(5) أم على مائدة، فجلسوا فبقي ابن يامين قائما. فقال له يوسف: مالك لا تجلس؟ # قال: أيها الملك [إنك قلت:] (6) ليجلس كل ابني أم على مائدة وليس لي فيهم ~~ابن أم. # فقال له يوسف: فما كان لك ابن أم. # قال: بلى. # قال: فما فعل؟ # قال: زعم هؤلاء أن الذئب أكله. # قال: فما بلغ من حزنك عليه؟ PageV01P107 # قال: ولد لي أحد عشر ابنا كلهم اشتققت له اسما من اسمه. # قال يوسف: أراك شممت النساء وعانقتهن، وشممت الولد من بعده؟ # قال: إن لي أبا صالحا وقد قال لي: تزوج لعل الله يخرج منك ذرية تثقل ~~الأرض بالتسبيح. # فقال له يوسف: تعال فاجلس معي على مائدتي. # فقال إخوة يوسف: لقد فضل الله يوسف وأخاه حتى أجلسه الملك على مائدته. # فلما نهضوا بعد أن أكلوا قال: دعوا أخاكم يبيت عندي، فبات عند يوسف، فقال ~~له يوسف: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ # فقال: من يجد- أيها الملك- أخا مثلك، لكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى ~~يوسف، وقام إليه واعتنقه، وقال له: أنا أخوك يوسف، فلا تحزن على ما صنعوا ~~بنا فيما مضى، فإن الله قد أحسن إلينا، وجمعنا على خير، ولا ms044 تعلمهم بذلك، ~~وأنا لا افارقك. # فقال: يا أخي، تعلم اغتمام والدي بي. # فقال: لا سبيل إلى ذلك إلا ان السبيل إلى ما لا يحمل. # قال: لا ابالي. # قال: افعل ما بدا لك. # فقال: فإني ادس صاعي في رحلك، ثم انادي عليك بأنك سرقته ليتهيأ لي ردك ~~بعد تسريحك معهم. # قال: افعل. PageV01P108 # قال: وكانت الصاع أول مشربة للملك مصوغة من فضة مموهة بالذهب؛ # وقيل: كانت من ذهب مرصعة بالجواهر، ثم لما وقع القحط جعلت مكيالا يكال ~~بها الطعام، ثم انطلقوا راجعين إلى أبيهم ومعهم أخوهم ابن يامين، فلما ~~فصلوا عن مصر أرسل يوسف في أعقابهم رجاله، فنادوا فيهم: @QUR@04 (أيتها ~~العير إنكم لسارقون) (1)؛ قيل: إن يوسف أمر المنادي أن ينادي إنكم لسارقون ~~ولن ترد سرقة الصاع، وإنما عني به إنكم سرقتم يوسف من أبيه، وألقيتموه في الجب. # وأقبلوا أصحاب العير على أصحاب يوسف قائلين لهم: @QUR@07 (ما ذا تفقدون ~~قالوا نفقد صواع الملك) - أي: صاعه ومشربته (2)- @QUR@06 (ولمن جاء به حمل ~~بعير) (3)، فأجابهم إخوة يوسف: @QUR@012 (تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في ~~الأرض وما كنا سارقين) (4) فإنكم اطلعتم على حسن سيرتنا مرة بعد اخرى، فقد ~~علمتم أن السرقة ليست من شأننا؛ وقيل: إنما قالوا ذلك لأنهم ردوا البضاعة ~~التي وجدوها في رحالهم مخافة أن تكون وضعت بغير إذن الملك لأن من رد ما وجد ~~لا يكون سارقا؛ وقيل: إنهم لما دخلوا مصر في أول مرة رأوهم قد شدوا أفواه ~~دوابهم كي لا تتناول الحرث والزرع. # فردوا العير بأجمعها إلى مصر، فلما حضروا عند يوسف قيل لهم: إنكم ~~لسارقون. # قالوا: معاذ الله أن نكون سارقين. PageV01P109 # فقال لهم الذين ناداهم: فما جزاء السارق عندكم @QUR@03 (إن كنتم كاذبين) ~~(1) في قولكم: إنا لم نسرق؟ # @QUR@08 (قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه) (2) أي يسترق. # وقيل: إن السنة كانت في بني إسرائيل ان السارق يسترق بسرقته، وفي دين ~~الملك الضرب والضمان، فلهذا قال لهم يوسف: ما جزاء السارق عندكم؟ # قالوا: يسترق بسرقته، @QUR@05 (فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه - لإزالة ~~التهمة- @QUR@05 ثم ms045 استخرجها من وعاء أخيه) (3)، وإنما بدأ بأوعيتهم لأنه ~~لو بدأ بوعاء أخيه لعلموا أنه هو الذي وضعها فيه، فأقبلوا على بنيامين، ~~وقالوا له: فضحتنا وسودت وجوهنا، متى أخذت هذا الصاع؟ # فقال: وضع هذا الصاع في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم. (4) # فأقبلوا إخوة يوسف على يوسف قائلين: @QUR@02 (إن يسرق - بنيامين- ~~@QUR@06 فقد سرق أخ له من قبل) فليست سرقته بأمر بديع فإنه اقتدى بأخيه ~~يوسف واختلف في السرقة التي أنبئوا بها يوسف؛ فقيل: كانت منطقة إسحاق (عليه ~~السلام)، وكانت عند عمة يوسف، وكانت أكبر ولد إسحاق، وكانوا يتوارثونها ~~بالكبر، وكانت تحضن يوسف وتربيه بعد وفاة امه، وتحبه حبا شديدا، فلما ترعرع ~~أراد يعقوب أن يسترده منها، فاحتالت وجاءت بالمنطقة وشدتها على وسط يوسف ~~وادعت أنه سرقها، وكان من سنتهم استرقاق السارق، فحبسته بذلك السبب عندها. PageV01P110 # قال: فأخفى يوسف تلك الكلمة التي قالوها @QUR@04 (ولم يبدها لهم) ، بل ~~@QUR@04 (قال أنتم شر مكانا) في السرق لأنكم سرقتم أخاكم من أبيكم @QUR@05 ~~(والله أعلم بما تصفون) (1). # والظاهر أنه أسر هذا المقال في نفسه، ثم جهر بقوله: @QUR@05 (والله أعلم ~~بما تصفون) فأقبلوا بالخضوع على يوسف والاستعطاف قائلين: @QUR@011 (يا أيها ~~العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه) ، إنما قالوا هذا لما علموا ~~أنه استحقه فسألوه أن يأخذ عنه بدلا شفقة على والدهم، ورققوا (2) في القول ~~على سبيل الاسترحام ومعناه كبيرا في السن؛ وقيل: كبيرا في القدر، فلا ينبغي ~~أن يسترق ولده @QUR@04 (إنا نراك من المحسنين) . (3) # فأجابهم يوسف: @QUR@09 (معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده) (4) ~~أي نأخذ البريء بجرم السقيم، ولم يقل: «من سرق» تحرزا من الكذب، فلما ~~استيأسوا من يوسف أن يجيبهم إلى ما سألوه انفردوا عن الناس من غير أن يكون ~~معهم من ليس منهم يتناجون فيما يفعلون في ذهابهم لأبيهم بغير أخيهم وهل ~~يرجعون أو يقيمون. # قال كبيرهم وهو روبيل، وكان أسنهم، وكان ابن خالة يوسف، وهو الذي نهى ~~إخوته عن قتله: @QUR@011 (ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله) ~~فذكرهم ms046 بذلك @QUR@03 (فلن أبرح الأرض) أي لا أزال بهذه الأرض، ولا أزول عنها PageV01P111 # @QUR@04 (حتى يأذن لي أبي) (1) في البراح والرجوع أو الموت فيكون ذلك ~~عذرا إلي عند أبي. (2) # @QUR@015 (ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا ~~بما علمنا) ؛ وقيل: وما شهدنا ان السارق يسترق إلا بما علمنا ان الحكم ذلك، ~~ولم نعلم أن ابنك سرق [أم لا] (3)؟ وإنما قالوا ذلك إلا لما قال لهم يعقوب ~~(عليه السلام): وما يدري الملك ان السارق يؤخذ بسرقته [ويسترق] (4)، وإنما ~~علم ذلك بقولكم. # فقالوا: ما شهدنا إلا بما علمنا @QUR@05 (وما كنا للغيب حافظين) (5)، أي ~~لا نعلم أسرق أم كذبوا عليه؟ وإنما نعلم منه ما كان يحدث في حضورنا معه، ~~فإذا غاب لا نعلم ما يصنع (6)@QUR@03 (وسئل القرية) أي أهل القرية، واسأل ~~أهل العير، معناه: # وسل من شئت من أهل مصر عن هذا الأمر، فإن هذا أمر شائع فيهم يخبرك به من ~~سألته، وكان معهم جماعة من أهل مصر صاروا إلى الناحية التي كان فيها يعقوب، ~~واسأل العير @QUR@03 (التي أقبلنا فيها) (7) أي القافلة التي أقبلنا فيها، ~~وكانت القافلة من أرض كنعان، وكانوا يمتارون في مصر، وإنما قالوا ذلك لأنهم ~~كانوا متهمين عند يعقوب، فقال لهم يعقوب: ما عندي ان الأمر كما تقولونه، ~~@QUR@07 (بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل) أي سأصبر صبرا جميلا @QUR@06 ~~(عسى الله أن يأتيني بهم جميعا) أي بيوسف وابن يامين وروبيل أو شمعون [أو ~~لاوي أو PageV01P112 # يهوذا] (1)@QUR@04 (إنه هو العليم الحكيم) (2)، @QUR@02 (وتولى - يعقوب- ~~@QUR@01 عنهم) لشدة الحزن لما بلغه خبر [حبس] (3) ابن يامين، وهاج ذلك ~~وجده بيوسف لأنه كان يتسلى به، @QUR@06 (وقال يا أسفى على يوسف) أي واطول ~~حزني على يوسف. # عن سعيد بن جبير [أنه قال] (4): لقد اعطيت هذه الامة عند المصيبة ما لم ~~يعط الأنبياء قبلهم @QUR@06 (إنا لله وإنا إليه راجعون) ، ولو اعطيها ~~الأنبياء لاعطيها يعقوب، @QUR@05 (وابيضت عيناه من الحزن) والبكاء. # وسئل الصادق (عليه السلام): ما بلغ من حزن يعقوب (5) على يوسف؟ # قال: حزن سبعين حرى ثكلى؛ وقيل: إنه ms047 عمي ست سنين، @QUR@02 (فهو كظيم) (6) ~~وهو المملوء من الهم والحزن، الممسك للغيض لا يشكوه إلى أهل زمانه، ولا ~~يظهره بلسانه، ولذلك لقب موسى بن جعفر (عليهما السلام) بالكاظم لكثره ما ~~كان يتجرع من الغيظ والغم طول أيام خلافته لأبيه في ذات الله تعالى. # @QUR@01 (قالوا - أي قال إخوة يوسف لأبيهم:- @QUR@07 تالله تفتؤا تذكر ~~يوسف حتى تكون حرضا) (7) أي هالكا دنفا، فاسد العقل، قريبا من الموت؛ وقيل: ~~إنهم قالوا ذلك تبرما ببكائه إذ تنغص عيشهم (8) بذلك @QUR@01 (قال - ~~يعقوب في جوابهم:- @QUR@07 إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله) . # وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أن جبرئيل أتى يعقوب فقال: يا PageV01P113 # يعقوب، إن الله يقرئك السلام ويقول: ابشر وليفرح قلبك، فو عزتي وجلالي لو ~~كانا ميتين (1) لنشرتهما لك اصنع طعاما للمساكين فإن أحب عبادي إلي ~~المساكين، أتدري لم أذهبت بصرك، وقوست ظهرك؟ لأنكم ذبحتم شاة، وأتاكم فلان ~~المسكين وهو صائم فلم تطعموه شيئا، فكان يعقوب بعد ذلك إذا أراد الغذاء أمر ~~مناديا ينادي: ألا من أراد الغذاء من المساكين فليتغذ مع يعقوب، @QUR@07 ~~(وأعلم من الله ما لا تعلمون) (2) أي وأعلم صدق رؤيا يوسف، وأعلم أنه حي، ~~وأنكم ستجدونه. (3) # وفي كتاب النبوة: بالاسناد عن سدير الصيرفي، عن أبي جعفر (عليه السلام)، ~~قال: إن يعقوب دعا الله سبحانه أن يهبط عليه ملك الموت، فأجابه فقال: ما حاجتك؟ # فقال: اخبرني هل مر بك روح يوسف في الأرواح؟ # قال: لا، فعلم أنه حي؛ وقيل: إنهم لما أخبروه بسيرة الملك قال: لعله ~~يوسف، فلذلك قال: @QUR@08 (يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه) أي ~~استخبروا من شأنهما، واطلبوا خبرهما، وانظروا ملك مصر ما اسمه؟ وعلى أي دين هو؟ # فإنه قد القي في روعي أن الذي حبس ابن يامين هو يوسف، وإنه إنما طلبه ~~منكم، وجعل الصاع في رحله احتيالا في حبس أخيه عند نفسه، @QUR@015 (ولا ~~تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) (4). # قال ابن عباس: يريد ان المؤمن من الله على خير يرجوه في الشدائد PageV01P114 # والبلاء، ms048 ويشكره ويحمده في الرخاء، والكافر ليس كذلك. # سؤال: كيف خفي أخبار يوسف على يعقوب في المدة الطويلة مع قرب (1) ~~المسافة؟ وكيف لم يعلمه بخبره لتسكن نفسه ويزول وجده؟ # الجواب: قال السيد المرتضى رضى الله عنه: يجوز أن يكون ذلك ممكنا، ~~و[كان] (2) عليه قادرا، لكن الله سبحانه أوحى إليه أن يعدل عن اطلاعه على ~~خبره تشديدا للمحنة عليه، ولله سبحانه أن يشدد (3) التكلف وأن يسهله. (4) # ولما قال يعقوب لبنيه: @QUR@06 (اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه) ، خرجوا ~~قاصدين مصر. (5) # وروي في كتاب النبوة: بالاسناد عن الحسن بن محبوب، عن أبي إسماعيل ~~الفراء، عن طربال، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في خبر طويل أن يعقوب كتب ~~إلى يوسف: # بسم الله الرحمن الرحيم # إلى عزيز مصر، ومظهر العدل، وموفي الكيل. # من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صاحب نمرود الذي جمع له النار ~~ليحرقه بها فجعلها الله عليه بردا وسلاما وأنجاه منها. # اخبرك أيها العزيز، إنا أهل بيت لم يزل البلاء إلينا سريعا من الله ~~ليبلونا PageV01P115 # عند السراء والضراء، وان مصائبا تتابعت علي منذ عشرين سنة؛ أولها انه كان ~~لي ابن سميته يوسف، وكان سروري من بين ولدي وقرة عيني وثمرة فؤادي، وان ~~إخوته من غير امه سألوني أن أرسله معهم يرتع ويلعب، فبعثته معهم بكرة ~~فجاءوني عشاء يبكون، وجاءوا على قميصه بدم كذب، وزعموا أن الذئب أكله، ~~فاشتد لفقده حزني، وكثر على فراقه بكائي حتى ابيضت عيناي من الحزن، وكان له ~~أخ وكنت به معجبا وكان لي أنيسا، وكنت إذا ذكرت يوسف ضممته إلى صدري فسكن ~~بعض ما بي وما أجد في صدري، وان إخوته ذكروا [لي] (1) أنك سألتهم عنه ~~وأمرتهم أن يأتوك به، فإن لم يأتوك به منعتهم الميرة، فبعثته معهم ليمتاروا ~~[لنا] (2) قمحا فرجعوا إلي وليس هو معهم، وذكروا انه سرق مكيال الملك، ونحن ~~أهل بيت لا نسرق، وقد حبسته عني وفجعتني به، [وقد اشتد لفراقه حزني حتى ~~تقوس لذلك ظهري وعظمت به] (3) مصيبتي مع مصائب تتابعت علي، فمن علي ms049 بتخلية ~~سبيله وإطلاقه من حبسك، وطيب لنا القمح، وعجل سراح آل إبراهيم. # قال: فمضوا بكتابه حتى دخلوا على يوسف في دار الملك وقالوا: # @QUR@07 (يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر) (4) فتصدق علينا بأخينا ابن ~~يامين، وهذا كتاب أبينا يعقوب أتينا به إليك يسألك تخلية سبيله، فمن به ~~علينا، وأخذ يوسف كتاب يعقوب، وقبله ووضعه على عينيه، وبكى وانتحب حتى بل ~~دمعه القميص الذي عليه، ثم أقبل عليهم و@QUR@08 (قال هل علمتم ما فعلتم ~~بيوسف وأخيه) من إذلاله وإبعاده عن أبيه، وإلقائه في الجب، والاجتماع على ~~قتله وبيعه بثمن وكس، وما فعلتم بأخيه من إفراده عن يوسف والتفريق بينهما ~~حتى صار وحيدا PageV01P116 # ذليلا [فيما] (1) بينكم لا يكلمكم إلا كما يكلم الذليل العزيز؟ # وإنما لم يذكر أباه يعقوب تعظيما له، ورفعا من قدره، وان ذلك كان بلاء له ~~ليزداد به علو الدرجة عند الله تعالى، @QUR@03 (إذ أنتم جاهلون) (2) وكان ~~هذا تلقينا لهم بما يعتذرون به، وهذا هو الغاية في الكرم إذ صفح عنهم ~~ولقنهم وجه العذر (3)، @QUR@05 (قالوا أإنك لأنت يوسف) ؟ قيل: إن يوسف لما ~~قال لهم: @QUR@05 (هل علمتم ما فعلتم بيوسف) ، رفع التاج عن رأسه وتبسم ~~إليهم، فلما أبصروا ثناياه كأنها اللؤلؤ المنظوم شبهوه بيوسف و@QUR@05 ~~(قالوا أإنك لأنت يوسف) فقال: @QUR@02 (أنا يوسف) المظلوم المستحل منه ~~المحرم، @QUR@03 (وهذا أخي) المظلوم كظلمي @QUR@04 (قد من الله علينا) (4) ~~بالاجتماع بعد طول الفرقة: @QUR@010 (قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن ~~كنا لخاطئين) (5) أي اختارك بالحلم والعلم والملك (6) والحسن. (7) # قيل: إنه (عليه السلام) لما عرفهم نفسه سألهم عن أبيه، فقال: ما فعل أبي بعدي؟ # قالوا: ذهبت عيناه. # فقال: @QUR@03 (اذهبوا بقميصي هذا) ، واطرحوه على وجه أبي يعد مبصرا (8) PageV01P117 # @QUR@04 (وأتوني بأهلكم أجمعين) . (1) # وروي أن يوسف (عليه السلام) قال: إنما يذهب بقميصي من ذهب به أولا. # فقال يهوذا: أنا ذهبت به وهو متلطخ بالدم، وأخبرته انه أكله الذئب. # قال: فاذهب بهذا أيضا واخبره أنه حي، وافرحه كما أحزنته، فحمل القميص ~~وخرج حافيا حاسرا حتى أتى يعقوب وكان معه سبعة أرغفة، وكانت مسافة ما ms050 ~~بينهما ثمانين فرسخا، فلم يستوف الأرغفة في الطريق وقد ذكرنا [من] (2) قبل ~~شأن القميص، وإنما أرسل القميص بأمر من جبرئيل (عليه السلام) قال له: أرسل ~~إليه قميصك فإن فيه ريح الجنة لا يقع على مبتلى ولا سقيم إلا صح وعوفي. # ثم ان يوسف (عليه السلام) أمر لهم بمائتي راحلة وما يحتاج إليه من آلات ~~السفر، فلما قربوا من يعقوب قال لأولاد أولاده الذين كانوا عنده: @QUR@04 ~~(إني لأجد ريح يوسف) . # روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: وجد يعقوب ريح قميص يوسف ~~(3)(عليه السلام) حين فصلت العير من مصر وهو بفلسطين من مسيرة عشر ليال. # قال ابن عباس: هاجت ريح فحملت ريح قميص يوسف إلى يعقوب. (4) # وروي أن ريح الصبا استأذنت الله ربها في أن تأتي يعقوب بريح يوسف PageV01P118 # قبل أن يأتيه البشير بالقميص، فأذن لها، فأتته بها، ولذلك يستروح كل ~~محزون بريح الصبا، وقد أكثر الشعراء من ذكرها، فمن ذلك قولهم: # فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت %~% على نفس مهموم تجلت همومها # وقول أبي الصخر (1) الهذلي: # إذا قلت هذا حين أسلو يهيجني %~% نسيم الصبا من حيث يطلع الفجر # @QUR@04 (لو لا أن تفندون) (2) أي: تقولون إنه شيخ قد هرم وخرف، وذهب ~~عقله، @QUR@06 (قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم) (3) عن الصواب في حب ~~يوسف (عليه السلام) فإنه كان عندهم أن يوسف قد مات منذ سنين، ولم يريدوا ~~الضلال عن الدين. # @QUR@04 (فلما أن جاء البشير) وهو يهوذا @QUR@05 (ألقاه على وجهه فارتد ~~بصيرا) (4). # قال الضحاك: عاد إليه بصره بعد العمى، وقوته بعد الضعف، وشبابه بعد ~~الهرم، وسروره بعد الحزن. فقال للبشير: ما أدري ما اثيبك [به] (5) هون ~~الله عليك سكرات الموت. # ولما قدموا أولاده عليه @QUR@09 (قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا ~~كنا خاطئين) (6). # فقال لهم: @QUR@08 (سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم) (7)؛ قيل: ~~إنه لم PageV01P119 # يستغفر لهم في الحال، لأنه أخرهم إلى سحر ليلة الجمعة، روي ذلك عن أبي ~~عبد الله (عليه السلام) أنه كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في ms051 نيف وعشرين سنة ~~حتى نزل قبول توبتهم. # وروي أن جبرئيل (عليه السلام) علم يعقوب هذا الدعاء: يا رجاء المؤمنين لا ~~تخيب رجائي، ويا غوث المؤمنين أغثني، ويا عون المؤمنين أعني، ويا حبيب ~~التوابين تب علي، فاستجب لهم (1). (2) # وفي حديث ابن محبوب، عن أبي جعفر (عليه السلام) ان يعقوب قال لولده: ~~تحملوا من ساعتكم إلى يوسف في يومكم هذا بأهليكم (3) أجمعين، فساروا من ~~فورهم ويعقوب معهم وخالة يوسف [أم] (4) يامين فحثوا السير فرحا وسرورا ~~تسعة أيام إلى مصر. # فلما دنا يعقوب من مصر تلقاه يوسف في الجند وأهل مصر. فقال يعقوب: # يا يهوذا، هذا فرعون مصر؟ قال: لا، هذا ابنك يوسف، ثم تلاقيا على يوم من ~~مصر، فلما دنا كل واحد من صاحبه بدأ يعقوب بالسلام، فقال: السلام عليك يا ~~مذهب الأحزان. # ثم ان يوسف اعتنق أباه وبكى، @QUR@02 (وقال) لهم قبل دخول مصر: @QUR@06 ~~(ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين) (5)، وإنما قال: @QUR@01 (آمنين) لأنهم ~~كانوا يخافون ملوك مصر، ولا يدخلونها إلا بجوازهم؛ قيل: دخلوا مصر وهم ~~ثلاثة وسبعون إنسانا، PageV01P120 # وخرجوا مع موسى وهم ستمائة ألف وخمسمائة وبضع وسبعون رجلا، @QUR@05 (ورفع ~~أبويه على العرش) على سرير ملكه إعظاما لهما. # ثم دخل منزله واكتحل وادهن، ولبس ثياب العز والملك، فلما رأوه سجدوا له ~~جميعا إعظاما له، وشكرا لله، ولم يكن يوسف في تلك المدة يدهن، ولا يكتحل، ~~ولا يتطيب، حتى جمع الله بينه وبين أبيه وإخوته. # فلما رأوه @QUR@04 (وخروا له سجدا) وكانت تحية الناس- في ذلك الزمان- ~~بعضهم لبعض يومئذ السجود، والانحناء، والتكفير، ولم يكونوا نهوا عن السجود ~~لغير الله في شريعتهم، وأعطى الله تعالى هذه الامة السلام، وهو تحية أهل الجنة. # @QUR@02 (وقال) يوسف: @QUR@011 (يا أبت هذا تأويل رءياي من قبل قد جعلها ~~ربي حقا) (1) في اليقظة. # وعن سلمان الفارسي رضى الله عنه قال: كان بين الرؤية وتأويلها أربعون سنة. # وولد ليوسف من امرأة العزيز زليخا: أفراثيم (2)، وميشا، ورحمة امرأة ~~أيوب، وكان بين يوسف وموسى (عليهما السلام) أربعمائة سنة. # وفي كتاب النبوة بالاسناد عن أبي عبد ms052 الله (عليه السلام) قال: قال يعقوب ~~ليوسف: حدثني كيف صنع بك إخوتك؟ # قال: يا أبه دعني. # قال: أقسمت عليك إلا ما أخبرتني. PageV01P121 # فقال: أخذوني وأقعدوني على رأس الجب، ثم قالوا: انزع قميصك، فقلت لهم: ~~إني أسألكم بوجه يعقوب ألا تنزعوا قميصي عني، ولا تبدوا عورتي، فرفع فلان ~~السكين علي، فصاح يعقوب وخر مغشيا عليه، ثم أفاق، فقال: يا بني، كيف صنعوا بك؟ # فقال يوسف: إني أسألك بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلا أعفيتني، قال: فتركه. # وروي أن يوسف قال ليعقوب (عليهما السلام): يا أبة، لا تسألني عن صنع ~~إخوتي، واسأل عن صنع الله بي. # قال أبو حمزة الثمالي: بلغنا أن يعقوب عاش مائة وسبعا (1) وأربعين سنة، ~~ودخل على يوسف في مصر وهو ابن مائة سنة وثلاثين سنة، وكان عند يوسف في مصر ~~سبع عشرة سنة، ثم توفي (صلوات الله عليه) فنقل إلى الشام في تابوت من ساج، ~~ووافق ذلك اليوم يوم مات عيصو، وكان يعقوب وعيصو ولدا في بطن واحد ودفنا في ~~قبر واحد. # وكان يوسف (عليه السلام) قد مضى مع تابوت أبيه إلى بيت المقدس، ولما دفنه ~~رجع إلى مصر، وكان دفنه في بيت المقدس عن وصية منه إليه أن يدفن عند قبور ~~آبائه (عليهم السلام)، وعاش (عليه السلام) بعد أبيه ثلاثا وعشرين سنة، ثم ~~مات، وكان أول رسول في بني إسرائيل، وأوصى أن يدفن عند قبور آبائه (عليهم ~~السلام). (2) # وعن أبي خالد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: دخل يوسف السجن PageV01P122 # وهو ابن اثنتي عشرة سنة، ومكث فيه ثمانية عشرة سنة، وبقي بعد خروجه ~~ثمانين سنة، فذلك مائة سنة وعشر سنين. # قالوا: ولما جمع الله سبحانه شمله، وأقر عينه، وأتم له رؤياه، ووسع عليه ~~في ملك الدنيا علم أن ذلك لا يبقى ولا يدوم، فطلب من الله سبحانه نعيما لا ~~يفنى، وتاقت نفسه إلى الجنة، فتمنى الموت ودعا به، ولم يتمن ذلك نبي قبله ~~ولا بعده، فقال: @QUR@025 (رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل ~~الأحاديث فاطر السماوات ms053 والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما ~~وألحقني بالصالحين) (1) فتوفاه الله تعالى بمصر وهو نبي، ودفن في النيل في ~~صندوق من رخام، وذلك أنه لما مات تشاح الناس عليه، كل يحب أن يدفن في ~~محلته، لما كانوا يرجون من بركاته، فرأوا أن يدفنوه في النيل فيمر الماء ~~عليه، ثم يصل (2) إلى جميع مصر، فيكون كلهم شركاء في بركته شرعا، فكان ~~قبره في النيل إلى أن حمله موسى (عليه السلام) لما خرج من مصر، ودفنه عند ~~آبائه الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين). (3) # وإنما أوردت هذه القصة بتمامها ليكون ذلك تسلية للمؤمن التقي، ورد على ~~الجاحد الشقي، فإن الله سبحانه يبتلي عباده الصالحين بأعدائه الطالحين، ~~ليكون الجزاء على قدر البلاء، والثواب على قدر المشقة، لأنه سبحانه هو ~~المدبر الحكيم العليم بمصالح عباده في معاشهم ومعادهم، فتارة يكون البلاء ~~في النفس والولد- كما مر في قصة يعقوب ويوسف-، ### ||| [في ابتلاء موسى وهارون (عليهما السلام)] # وتارة يكون في ضنك العيش والفقر كما ذكر سيدنا أمير المؤمنين عليه PageV01P123 # السلام عن موسى (عليه السلام) في قوله: @QUR@08 (رب إني لما أنزلت إلي من ~~خير فقير) (1) قال: والله ما سأله إلا خبزا يأكله، لأنه (2) كان يأكل بقلة ~~الأرض، ولقد كانت خضرة البقل نرى من شفيف صفاق بطنه (3)، لهزاله، وتشذب ~~لحمه (4). (5) # ولقد دخل هو وأخوه هارون (عليهما السلام) على فرعون، وعليهما مدارع ~~الصوف، وبأيديهما العصي، فشرطا له- إن أسلم- بقاء ملكه، ودوام عزه. # فقال: ألا تعجبون من هذين يشرطان لي دوام العز، وبقاء الملك، وهما على ما ~~ترون من حال الفقر والذل، فهلا القي عليهما أساورة من ذهب؟ إعظاما للذهب ~~وجمعه، واحتقارا للصوف ولبسه! ولو أراد الله سبحانه بأنبيائه حيث [بعثهم] ~~(6) أن يفتح لهم كنوز الذهبان، ومعادن العقيان، ومغارس الجنان، وأن يحشر ~~معهم طير السماء ووحوش الأرضين لفعل، ولو فعل لسقط البلاء وبطل الجزاء. (7) ~~كما ذكرنا أولا. (8) # كما حكي عن بعضهم أنه كان إذا أقبلت عليه الدنيا يقول: هذا ذنب PageV01P124 # عجلت عقوبته، وإذا افتقر أو أصابته خصاصة قال: مرحبا بشعار الصالحين ms054 ~~(1). (2) # فكذلك الأنبياء والأولياء يسرهم ما ينزل بهم من البلاء، ويفرحون بما ~~امتحنوا به من الابتلاء، راحة أرواحهم فيما فيه رضى خالقهم، ولذة أنفسهم ~~فيما يمتحنهم الله به في أموالهم وأجسادهم، وما يختاره من فيض ثمرات قلوبهم ~~وأحفادهم، فلا يغرنكم الشيطان بغروره، ولا يفتننكم مروره فيلقي في روعكم، ~~ويوسوس في صدوركم. # إن ما أصاب من كان قبلكم من الأنبياء والمرسلين، والأولياء والصالحين، في ~~الدار الفانية والحياة البالية، من جاهد البلاء وشدة اللأواء، والامتحان ~~بجهاد الأعداء، هوانا بهم على خالقهم، وهظما لهم لدى بارئهم، بل أنزل بهم ~~البأساء والضراء، ووجه إليهم محن دار الفناء، من سقم الأجساد، وتحمل الأذى ~~من أهل الجحود والعناد، فتحملوا المشاق في ذاته من أداء الفرائض والنوافل، ~~وصبروا على جهاد أعدائه من أهل الزيغ والباطل، يسوقون العباد بسوط وعظهم ~~إلى غفران ربهم، ويجذبون النفوس بصوت لفظهم إلى منازل قربهم، لا توحشهم ~~مخالفة من خالفهم، ولا يرهبهم عناد من عاندهم، بل يصدعون بالحق، ويقرعون ~~بالصدق، ويوضحون الحجة، ويهدون إلى المحجة، لا يزيدهم قلة الأنصار إلا ~~تصميما في عزائمهم، ولا يكسبهم تظافر الأشرار إلا شدة لشكائمهم، ليس في ~~قلوبهم جليل إلا جلاله، ولا في أعينهم جميل إلا PageV01P125 # جماله، لما شربوا من شراب جنته في حضيرة قدسه، أتحفهم بمقام قربه وانسه، ~~يختارون قطع أوصالهم على قطع اتصالهم، وذهاب أنفسهم على بعد مؤنسهم. ### ||| [في صبر أيوب (عليه السلام)] # أما ترى كيف أثنى الله على نبيه أيوب بقول: @QUR@07 (إنا وجدناه صابرا ~~نعم العبد إنه أواب) (1)؟ انظر كيف شرفه الله بإضافته إلى نفسه، وأثنى عليه ~~بالصبر الجميل في محكم التنزيل، وكان (عليه السلام) في زمن يعقوب بن إسحاق ~~(عليه السلام)، وتزوج ليا (2) بنت يعقوب؛ وقيل: رحمة بنت يوسف (3)، وولد ~~له سبعة بنين وثلاث بنات. # وكان له من المال والمواشي ما لا يحصى كثرة. قيل: كان له أربعمائة عبد ما ~~بين زراع وحمال وراع وغير ذلك، وكان في أخفض عيش وأنعم بال مدة أربعين سنة، ~~ولما زاد الله ابتلاءه وامتحانه لا ليعلم صبره وشدة عزيمته، ms055 بل زيادة في ~~درجته، ورفعة لمنزلته، أتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا أيوب، أربعون ~~سنة لك في خفض العيش والنعمة، فاستعد للبلاء، وارض بالقضاء، فإنك ستتبدل ~~بالنعمة محنة، وبالغنى فقرا، وبالصحة سقما. # فأجابه أيوب: ليس علي بأس من ذلك إذا رضى الله به. # عذب بما شئت غير البعد عنك تجد %~% أوفى محب بما يرضيك مبتهجا # فمضى على ذلك مدة فصلى صلاة الصبح، وأسند ظهره إلى المحراب وإذا بالضجة ~~قد علت، وإذا بقائل يقول: يا أيوب، إن مواشيك كانت في الواد الفلاني فأتاها ~~السيل واحتملها جميعا، وألقاها في البحر، فبينما هو كذلك إذ أتته رعاة PageV01P126 # الإبل، فسألهم: ما الخبر؟ # فقال قائلهم: هبت علينا سموم عاصف لو هبت على جبل لأذابته بحرها، فأتت ~~على أرواح الإبل جميعها، ولم تترك منها كبيرا ولا صغيرا إلا أهلكته. # فبينا هو يتعجب من ذلك ويحمد الله ويشكره إذ أتت الأكرة قائلين: قد نزلت ~~بنا صاعقة فلم تترك من الزرع والأشجار والثمار شيئا إلا أحرقته، فلم يزده ~~ذلك ولم يغيره ولم يفتر لسانه عن ذكر الله وعن التسبيح والتقديس. # فبينما هو كذلك يحمد الله ويشكره إذ أتاه آت قد أتى باكيا حزينا يلطم ~~وجهه ويحثو التراب على رأسه، فسأله أيوب: ما الخبر؟ # فقال: إن ابنك الأكبر أضاف باقي إخوته فوضع لهم الطعام وبعضهم قد ابتدأ ~~بالأكل، وبعضهم لم يبتدئ إذ خر السقف عليهم فماتوا جميعهم، فاستعبر أيوب، ~~ثم استشعر لباس الصبر، والتوكل على الله، وتفويض الأمر إليه، وأخذ في ~~السجود قائلا: يا رب إذا كنت لي لا أبالي، ثم بعد ذلك حل به من الأسقام ~~والأمراض في بدنه ما لا يوصف كثرة، ولم يشتك إلى مخلوق، ولم يفوض أمره إلى ~~غير ربه سبحانه، وأما قوله: @QUR@07 (أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) ~~(1) فإنما كان لما روي أن الشيطان أتاه في صورة طبيب فقال: إن أردت أن ~~أشفيك من علتك فاسجد لي، فإني ازيل عنك ما يؤلمك، وأشفيك من علتك، فصاح ~~أيوب عند ذلك، واستغاث بالله قائلا: @QUR@07 (أني مسني ms056 الضر وأنت أرحم ~~الراحمين) ، فولى عنه إبليس، وقد يأس منه فأتى زوجته رحمة بنت يوسف ووسوس إليها. # روي أنه أتاها في صورة طبيب، فدعته إلى مداواة أيوب (عليه السلام)، PageV01P127 # فقال: اداويه على أنه إذا برىء قال: أنت شفيتني، لا اريد جزاء سوى ذلك. # قال: فأشارت إلى أيوب بذلك، فصاح واضطرب واستجار بالله وحلف ليضربنها ~~مائة ضربة. # وقيل: أوحى الله إلى أيوب: يا أيوب، إن سبعين نبيا من أنبيائي سألوني هذا ~~البلاء فلا تجزع، فلما أتاه الله بالعافية في بدنه اشتاق إلى ما كان عليه ~~من البلاء، فلذلك قال سبحانه: @QUR@07 (إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه ~~أواب) (1). # ولما انقضت المحنة وقرب الفرج أتاه جبرئيل بأمر الله بعد أن دامت به ~~الأسقام والأمراض سبع سنين، وقال: يا أيوب، @QUR@02 (اركض برجلك) أي ادفع ~~الأرض برجلك @QUR@05 (هذا مغتسل بارد وشراب) (2)، فركض برجله فنبعت عينان، ~~فاغتسل من أحدهما فبرئ، وشرب من الاخرى. # وروي عن الصادق (عليه السلام) أن الله تعالى أحيا له أهله الذين ماتوا ~~بأعيانهم قبل البلية، وأحيا أهله الذين ماتوا وهو في البلية. # قالوا: ولما رد الله عليه ولده وأهله وماله، وعافاه في بدنه أطعم أهل ~~قريته سبعة أيام، وأمرهم أن يحمدوا الله ويشكروه، ثم أمره جبرئيل أن يأخذ ~~ضغثا وهو ملء الكف من الشماريخ وما أشبه ذلك، فيضربها ضربة واحدة براءة ~~ليمينه لأنه كان قد حلف ليضربنها مائة ضربة. (3) # فانظر إلى شدة إخلاصه، وعظيم اختصاصه، وحسن مراقبته لمعبوده، ومقابلته ~~البلاء بالشكر في ركوعه وسجوده. PageV01P128 ### ||| [في ابتلاء عيسى بن مريم (عليه السلام)] # وكذلك كان روح الله وكلمته المسيح بن مريم، كان (عليه السلام) كما وصفه ~~أمير المؤمنين وسيد الوصيين بقوله: كان يلبس الخشن، ويأكل الجشب (1)، وكان ~~إدامه الجوع (2)، وسراجه بالليل القمر، وظلاله في الشتاء مشارق الأرض ~~ومغاربها، ولم يكن له ولد يحزنه، ولا زوجة تفتنه، دابته (3) رجلاه، وخادمه ~~يداه. (4) # وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: والله ما تبع عيسى شيئا من المساوئ ~~قط، ولا انتهر يتيما (5) قط، ولا قهقه ضاحكا قط، ولا ms057 ذب ذبابا عن وجهه، ولا ~~أخذ على أنفه من شيء نتن قط (6)، ولا عبث قط. (7) # وروي أنه (عليه السلام) مر برهط، فقال بعضهم لبعض: قد جاءكم الساحر ابن ~~الساحرة، والفاعل ابن الفاعلة، فقذفوه بامه، فسمع ذلك عيسى (عليه السلام)، ~~فقال: اللهم أنت ربي خلقتني ولم آتهم من تلقاء نفسي، اللهم العن من سبني، ~~وسب امي، فاستجاب الله له دعوته، فمسخهم خنازير. PageV01P129 # ولما مسخهم الله سبحانه بدعائه بلغ ذلك يهوذا وهو رأس اليهود، فخاف أن ~~يدعو عليه، فجمع اليهود، فاتفقوا على قتله، فبعث الله سبحانه جبرئيل يمنعه ~~منهم، ويعينه عليهم، وذلك معنى قوله: @QUR@04 (وأيدناه بروح القدس) (1) ~~فاجتمع اليهود حول عيسى، فجعلوا يسألونه فيقول لهم: يا معشر يهود، إن الله ~~تعالى يبغضكم، فثاروا (2) إليه ليقتلوه، فأدخله جبرئيل خوخة البيت الداخل، ~~لها روزنة في سقفها، فرفعه جبرئيل إلى السماء، فبعث رأس اليهود رجلا من ~~أصحابه اسمه ططيانوس (3)، ليدخل عليه الخوخة فيقتله، فدخل فلم يره، فأبطأ ~~عليهم، فظنوا أنه يقاتله في الخوخة، فألقى الله عليه شبه عيسى، فلما خرج ~~على أصحابه قتلوه وصلبوه؛ وقيل: ألقى الله عليه شبه وجه عيسى، ولم يلق عليه ~~شبه جسده، فقال بعض القوم: إن الوجه وجه عيسى، والجسد جسد ططيانوس، فقال ~~بعضهم: إن كان هذا ططيانوس فأين عيسى؟ وإن كان هذا عيسى فأين ططيانوس؟ ~~فاشتبه الأمر عليهم. (4) # وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن عيسى لم يمت، وانه راجع إليكم قبل ~~يوم القيامة. # وقد صح عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: كيف أنتم إذا نزل ابن مريم ~~فيكم (5) وإمامكم منكم. رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما. (6) # (5) كذا في غالبية المصادر، وفي الأصل: عليكم. PageV01P130 # وقوله سبحانه: @QUR@03 (ورافعك إلي) (1)؛ قيل: أي بعد نزولك من السماء في ~~آخر الزمان. (2) # وروي أن عيسى لما أخرجه قومه وامه من بين ظهرانيهم عاد إليهم مع ~~الحواريين، وصاح فيهم بالدعوة، فهموا بقتله، فرفعه جبرئيل إلى السماء- كما مر-. # وروي أن الحواريين اتبعوا عيسى، وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح الله، ~~جعنا، فيضرب بيده إلى الأرض، سهلا ms058 كان أو جبلا، فيخرج لكل إنسان رغيفين ~~يأكلهما، وإذا عطشوا قالوا: يا روح الله، عطشنا، فيضرب بيده إلى الأرض، سهلا PageV01P131 # كان أو جبلا، فتنبع عين ماء (1) فيشربون. # فقالوا: يا روح الله، من أفضل منا، إذا جعنا أطعمتننا، وإذا عطشنا سقيتنا ~~(2)، وقد آمنا بك واتبعناك؟ # قال: أفضل منكم من يعمل بيده، ويأكل من كسبه، فصاروا يغسلون الثياب ~~بالكراء. (3) # والحوارى شدة البياض، ومنه الحواري من الخبز لشدة بياضه، فكأنهم هم ~~المبيضون للثياب. (4) # وقيل: إن الذي دلهم على المسيح كان رجلا من الحواريين وكان منافقا، وذلك ~~أن عيسى جمعهم تلك الليلة، وأوصاهم، وقال: ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح ~~الديك، ويبيعني بدارهم يسيرة، وخرجوا وتفرقوا، وكانت اليهود تطلبه، فأتى ~~أحد الحواريين إليهم فقال (5): ما تجعلون لي إن دللتكم عليه؟ فجعلوا له ~~ثلاثين درهما، فأخذها ودلهم عليه، فألقى الله عليه شبه عيسى (عليه السلام) ~~لما دخل البيت، ورفع عيسى فأخذ وقال: أنا الذي دللتكم عليه! فلم يلتفتوا ~~إلى قوله، وقتلوه وهم يظنون أنه عيسى. # فلما رفع عيسى وأتى عليه سبعة أيام قال الله له: اهبط على مريم لتجمع لك ~~الحواريين، وتبثهم في الأرض دعاة، فهبط عليها، واشتعل الجبل نورا، فجمعت له ~~الحواريين، فبثهم في الأرض دعاة، ثم رفعه الله PageV01P132 # تعالى في تلك الليلة، وهذه الليلة هي الليلة التي تسميها النصارى ليلة ~~الدخنة ويدخنوا فيها. # فلما أصبح الحواريون حدث كل واحد منهم بلغة من أرسله إليه (1) عيسى ~~(عليه السلام) (2). # وكانت مريم بنت عمران أم عيسى ليس أبوها عمران أبو موسى بن عمران بن يصهر ~~بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، بل هو عمران بن الهشم (3) بن امون من ولد ~~سليمان بن داود (عليه السلام)، وكان بينه وبين عمران أبي موسى ألف ~~وثمانمائة سنة. # وكانت امرأة عمران اسمها حنة أم مريم، وهي جدة عيسى واختها إيشاع واسم ~~أبيها فاقوذ بن قبيل، وهي امرأة زكريا، فيحيى ومريم ولدا خالة. (4) ### ||| [في معجزة ميلاد يحيى بن زكريا (عليهما السلام)] # وكان يحيى بن زكريا كما وصفه الله سبحانه وأثنى عليه ms059 في كتابه العزيز ~~بقوله: @QUR@033 (وآتيناه الحكم صبيا وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا وبرا ~~بوالديه ولم يكن جبارا عصيا وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا) ~~(5) وكانت ولادته آية من آيات الله سبحانه، لأن زكريا لما رأى من كرامات ~~الله لمريم حين كفلها، وكان يرى عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة ~~الشتاء في PageV01P133 # الصيف، خلاف ما جرت به العادة، فسألها عن ذلك فيقول: «أنى لك هذا»؟ # فتقول: من رزق الله. (1) # فعندها دعا الله سبحانه، كما قال سبحانه: @QUR@05 (إذ نادى ربه نداء ~~خفيا) (2) أي دعا ربه سرا غير جهر يخفيه في نفسه لا يريد به رياء، وفي هذا ~~دلالة على أن المستحب في الدعاء الإخفاء، فإنه أقرب إلى الاجابة. # وفي الحديث: خير الدعاء الخفي، وخير الرزق ما يكفي. # وقيل: إنما أخفاه لئلا يهزأ به الناس فيقولوا: انظروا إلى هذا الشيخ سأل ~~الولد على الكبر. (3) # قال ابن عباس: كان عمر زكريا حين طلب الولد عشرين ومائة سنة، وكانت ~~امرأته ابنة ثمان وتسعين سنة. (4) # فأوحى الله إليه: @QUR@013 (يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل ~~له من قبل سميا) (5) أي لم نسم أحدا قبله بهذا الاسم. # وكذلك الحسين (عليه السلام) لم يسم أحد قبله باسمه. ### ||| [أن قاتل يحيى (عليه السلام) كان ولد زنا، وكذلك قاتل الحسين بن علي (عليهما السلام)] # وكان قاتل يحيى ولد زنا، وكذلك قاتل الحسين (عليه السلام) كان ولد زنا. # وحمل رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل. # وكذلك حمل رأس الحسين إلى نجل بغية من بغايا قريش، ولم تبك PageV01P134 # السماء إلا عليهما بكت أربعين صباحا. # وسئل الصادق (عليه السلام) عن بكائها، قال: كانت الشمس تطلع حمراء، وتغيب ~~حمراء. (1) # وروي عن علي بن زيد، عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: خرجنا مع ~~الحسين (عليه السلام) إلى العراق فما نزل منزلا، ولا ارتحل منه إلا ذكر ~~يحيى بن زكريا. (2)(3) ### ||| [لا يقتل الأنبياء وولد الأنبياء إلا ولد زنا] # وعن أبي جعفر (عليه السلام)، عن ms060 رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: لا ~~يقتل الأنبياء وولد الأنبياء إلا ولد زنا. (4) # وسئل الصادق (عليه السلام) عن قول فرعون: @QUR@03 (ذروني أقتل موسى) (5)، # فقيل: من كان يمنعه منه؟ # قال: إنه كان لرشده، ولم يكن ولد زنا، لأن الأنبياء والحجج لا يقتلها إلا ~~ولد الزنا. (6) PageV01P135 # وكان يحيى أكبر من عيسى بستة أشهر، وكلف التصديق به، وكان أول مصدق به، ~~وشهد أنه كلمة الله وروحه، وكان ذلك أحد معجزات عيسى (عليه السلام)، وأقوى ~~الأسباب لإظهار أمره، فإن الناس كانوا يقبلون قوله لمعرفتهم بصدقه وزهده. (1) # فلهذا اجتمعت اليهود على قتله (2)، فلما أحس بذلك فر منهم واختفى في أصل ~~شجرة، فالتأمت عليه، فدلهم إبليس عليه؛ وقيل: إنه جذب طرف ردائه فلاح (3) ~~لهم في ظاهر الشجرة، فوضعوا عليه منشارا، وقدوا أصل الشجرة ويحيى بنصفين، ~~فأرسل الله سبحانه عليهم بختنصر، وكان دم يحيى يفور من أصل الشجرة، فقتل ~~عليه سبعين ألفا، وكذلك قتل بالحسين سبعون وسبعون ألفا، وما أخذ بثأره إلى الآن. ### ||| [المناجاة] # يا من أغرق أصحاب الأفكار الصائبة في بحار إلهيته، وحير أرباب الأنظار ~~الثاقبة في مبدأ ربوبيته، ويا من تفرد بالبقاء في قديم أزليته، ويا من توحد ~~بالعلى في دوام عظمته، ويا من وسم ما سواه بميسم @QUR@05 (كل شيء هالك ~~إلا وجهه) (4)، ويا من جعل لكل حي إلى سبيل الموت غاية ووجهة، ويا PageV01P136 # من رجوت وجوده منزه عن العدم، ويا من دوام بقائه متصف بالأحدية والقدم، ~~ويا من هدانا السبيل إلى ما يزلفنا برضوانه، وعرفنا الدليل إلى ما يتحفنا ~~بجنانه، ونصب لنا أعلاما يهتدي بها الحائر عن قصد السبيل في معتقده ونحلته، ~~وأثبت لنا في سماء الصباح إيضاح بيانه أنجما ينجو بنورها السائر بغير دليل ~~في ظلمة حيرته، وجعلهم خاصة نفسه من عباده، وولاة أمره في بلاده، لذتهم في ~~امتثال أوامره ونواهيه، وفرحتهم فيما يقربهم من حضرته ويرضيه، وكلفهم ~~بالتكاليف الشاقة من جهاد أعدائه، وألزمهم بكف أكف الملحدين في صفاته ~~وآلائه. # فبذلوا وسعهم في إعلاء كلمته، وأجاهدوا جاهدهم إذعانا لربوبيته، وقابلوا ~~بشرائف ms061 وجوههم صفاح الأعداء، وتلقوا بكرائم صدورهم رماح الأشقياء، حتى قطعت ~~أوصالهم، وذبحت أطفالهم، وسبيت ذراريهم ونساؤهم، وانهبت أثقالهم وأموالهم، ~~واهديت إلى رءوس البغاة رءوسهم، واستلت بسيوف الطغاة نفوسهم، وصارت أجسادهم ~~على الرمضاء منبوذة، وبصوارم الأعداء موقوذة (1)، تسفي (2) عليهم الأعاصير ~~بذيولها، وتطأهم الأشقياء بخيولها، وتبكي عليهم السموات السبع بأفلاكها، ~~والأرضوان السبع بأملاكها، والبحار ببينانها، والأعصار بأزمانها، والجنة ~~بولدانها، والنار بخزانها، والعرش بحملته، والفرش بحملته، أبدانهم منبوذة ~~بالعراء، وأرواحهم منعمة في الرفيق الأعلى. # أسألك بحق ما ضمت كربلاء من أشباحهم، وجنة المأوى من أرواحهم، PageV01P137 # وبحق ألوانهم الشاحبة في عراها، وأوداجهم الشاخبة (1) في ثراها، وبما ضم ~~صعيدها من قبورهم وظرائحهم، وما غيب في عراصها من أعضائهم وجوارحهم، وبحق ~~تلك الوجوه التي طال ما قبلها الرسول، وأكرمتها البتول، وبحق تلك الأبدان ~~التي لم تزل تدأب في عبادتك، وتكدح في طاعتك، طالما سهرت نواظرها بلذيذ ~~مناجاتك، وأظمأت هواجرها طلبا لمرضاتك، شاهدت أنوار تجليات عظمتك بأبصار ~~بصائرها، ولاحظت جلال ربوبيتك بأفكار ضمائرها، فأشرقت أنوار إلهيتك على ~~مرايا قلوبها، فأضاءت الأكوان بانعكاس أشعة ذلك النور الذي هو كمال ~~مطلوبها. # أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تجعل قلوبنا معمورة بحبهم، وأنفسنا ~~مسرورة بقربهم، وألسنتنا بذكر مناقبهم ناطقة، وأبداننا بنشر فضائلهم عانقة، ~~ومدائحنا إلى نحو جهاتهم موجهة، وقرائحنا بمعاني صفاتهم مفوهة، وشكرنا ~~موقوفا على حضرة رفعتهم، وذكرنا مصروفا إلى مدحة عظمتهم، لا نعتقد سواهم ~~سبيلا موصلا إليك، ولا نرى غير حبهم سببا منجيا لديك، نرى كل مجد غير مجدهم ~~حقيرا، وكل غني بغير ولاتهم فقيرا، وكل فخر سوى فخرهم زورا، وكل ناطق بغير ~~لسانهم زخرفا وغرورا، وكل عالم بغير علمهم جاهلا، وكل إمام يدعي من دونهم باطلا. # فلك الحمد على ما اطلعنا عليه من سرك المصون بعرفان فضلهم، وأهلنا له من ~~علمك المخزون بالاستمساك بحبلهم. PageV01P138 # اللهم فثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ونور بمصابيح ~~ولاتهم سبيل سلوكنا إليك في ظلمات الساهرة (1)، وزين بذكرهم مجالس وعظنا، ~~وشرف بشكرهم نفائس لفظنا، واجعلنا وحاضري مجلسنا ممن يناله شفاعتهم يوم ms062 ~~وقوفنا بين يديك، ومن تتلقاهم الملائكة الكرام بالبشرى حين العرض عليك، ~~وأثبنا على تحمل الأذى فيهم من أعداء دينك ثواب الصديقين، وأيدنا بروح ~~قدسك، وانصرنا على القوم الكافرين. # والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. PageV01P139 ### | [المجالس الثاني في ذكر سيد المرسلين، وما ناله من الأذى من أعداء الدين، وذكر وفاته، وذكر امور تتعلق بظلامة أهل بيته الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين)] # الحمد لله الذي وعد على الصبر الجميل بالثواب الجزيل في دار جزائه، وتوعد ~~بالعذاب الأليم على ترك التسليم لقضائه، وابتلى أنبياءه بالمحن السابقة في ~~علمه في دار بلائه، وكلفهم بالتكاليف الشاقة من حكمه في منزل ابتلائه، ~~وأمرهم بكف أكف الملحدين في آياته، ورغم انوف الجاحدين لصفاته، وأطلعهم على ~~أسرار عظمته بصغر ما سواه لديهم، وكشف عن أبصار بصائرهم فوعوا ما ألقاه ~~إليهم، وتجلى لهم في ضمائرهم فطاح وجودهم في شهودهم، وخاطبهم في سرائرهم، ~~فهاموا طربا بلذة خطاب معبودهم، حصن مدينة وجودهم بسور توفيقه من وساوس ~~الشك، وحمى حوزة نفوسهم بتوفيق مشيئته من شبه الشرك، وأطلعهم على عيوب دار ~~الغرور فرفضوها، وحذرهم مصارع بطشها المشهور ففرضوها. # وصلوا بقدم صدقهم إلى عين اليقين، وشربوا من شراب الجنة بكأس من PageV01P141 # معين، وسلكوا مفاوز البرزخ إلى الدار الباقية، فكشفوا حجب غيوبه لأهل ~~الحياة الفانية، وحذرهم ما يلقون في سلوكهم- بعد مماتهم- إلى دار قرارهم، ~~وأراهم عواقب امورهم بعد الاخراج من ديارهم، وأمرهم باتخاذ الزاد البعيد ~~لسفرهم، وحسن الارتياد قبل انقطاع عذرهم، ما وهنوا في سبيل ربهم، وما ضعفوا ~~وما استكانوا بل أيدوا الحق وأهله، ونصروا وأعانوا وجاهدوا في الله بأيديهم ~~وألسنتهم، ونصحوا في سبيل الله في سرهم وعلانيتهم، وكان أفضل سابق في حلبة ~~الاخلاص لربه، وأكمل داع دعا إلى الله بقالبه وقلبه، وخير مبعوث بدأ الله ~~به وختم، وأجمل مبعوث بالمجد الأعبل والشرف الأقدم، كم تلقى صفاح الأعداء ~~بطلعته الشريفة؟! وكم قابل رماح الأشقياء ببهجته المنيفة؟! صاحب بدر الصغرى ~~والكبرى، وسيد أهل الدنيا والاخرى، الذي لم يجاهد أحد في احد جهاده، ولا ms063 ~~جالد جليد في حنين جلاده (1)، أشجع الخلق بالحق، وأصدع الرسل بالصدق. # تاج رسالته: @QUR@03 (سبحان الذي أسرى) (2)، وتوقيع نبوته: @QUR@05 ~~(فأوحى إلى عبده ما أوحى) (3)، ودلالة محبته: @QUR@06 (ما ودعك ربك وما ~~قلى) (4)، وآية بعثه: # @QUR@05 (ما كذب الفؤاد ما رأى) (5)، كل من الأنبياء مقدمة جنده، وكل من ~~الأولياء أخذ الميثاق على من بعده بوفاء عهده، في صحف الخليل ذكره أشهر من ~~أن يشهر، وفي توراة الكليم فضله من فلق الصبح أظهر، والمسيح في إنجيله دعا ~~إليه وبشر، وصاحب الزبور لما دعا باسمه أظهره الله على جالوت ونصره أعني PageV01P142 # صاحب الحوض والكوثر، والتاج والمغفر، والدين الأظهر، والنسب الأطهر، محمد ~~سيد البشر، أشرف مبعوث إلى الكافة، وخير مبعوث بالرحمة والرأفة، تحمل أعباء ~~الرسالة صابرا، وجاهد في الله مصابرا، ما اوذي أذاه نبي، ولا صبر صبره ولي، ~~كم راموا هدم بنيانه، وهد أركانه، وإدحاض حجته، وإذلال صحبته؟ # وأبى الله إلا تأييده ونصره، وإعلاء فوق كل أمر أمره. ### ||| [الرسول (صلى الله عليه وآله) وأبو جهل] # روى سيدنا ومولانا الامام المفترض الطاعة الامام ابن الأئمة، والسيد ابن ~~السادة، نجل النبي، وسلالة الوصي، الامام الزكي، أبو القائم المهدي الحسن ~~بن علي العسكري (صلوات الله وسلامه عليه) وعلى آبائه الطاهرين، وولده الحجة ~~على الخلق أجمعين، أن أبا جهل كتب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)- بعد ~~أن هاجر إلى المدينة-: يا محمد، إن الخيوط (1) التي في رأسك هي التي ضيقت ~~عليك مكة، ورمت بك إلى يثرب، وإنها لا تزال بك إلى أن توردك موارد الهلكة ~~... إلى آخر الكتاب. # فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) للرسول: إن أبا جهل بالمكاره (2) ~~يهددني، ورب العالمين بالنصر والظفر يعدني، وخبر الله أصدق، والقبول من ~~الله أحق، لن يضر محمدا من خذله، أو يغضب عليه بعد أن ينصره الله عز وجل، ~~ويتفضل بكرمه وجوده عليه. # ثم قال للرسول: قل له: يا أبا جهل، إنك راسلتني بما ألقاه الشيطان في ~~خلدك (3)، وأنا اجيبك بما ألقاه في خاطري الرحمن، إن الحرب بيننا وبينك PageV01P143 # كافية (1) إلى تسعة ms064 وعشرين يوما، وإن الله سيقتلك فيها بأضعف أصحابي، ~~وستلقى أنت وشيبة وعتبة والوليد وفلان وفلان- وذكر عددا من قريش- في قليب ~~بدر مقتلين، أقتل منكم سبعين، وآسر منكم سبعين، أحملهم على الفداء (2) ~~الثقيل. ### ||| [إخبار النبي (صلى الله عليه وآله) بمصارع المشركين في بدر] # ثم قال (صلى الله عليه وآله): ألا تحبون أن اريكم مصرع (3) كل واحد من ~~هؤلاء؟ هلموا إلى بدر، فإن هناك الملتقى والمحشر، وهناك البلاء [الأكبر] ~~(4)، فلم يجبه إلا أمير المؤمنين، وقال: نعم، بسم الله، فقال (صلى الله ~~عليه وآله) لليهود: اخطوا خطوة واحدة فإن الله يطوي الأرض لكم، ويوصلكم إلى ~~هناك، فخطا القوم خطوة، ثم الثانية، فإذا هم عند بئر بدر. # فقال (صلى الله عليه وآله): هذا مصرع عتبة، وذاك مصرع شيبة، وذاك مصرع ~~الوليد، إلى أن سمى تمام سبعين، وسيؤسر فلان وفلان، إلى أن ذكر سبعين منهم، ~~فلما انتهى (5) إلى آخرها قال: هذا مصرع أبي جهل، يجرحه (6) فلان ~~الأنصاري، ويجهز عليه عبد الله بن مسعود أضعف أصحابي. # ثم قال: إن ذلك لحق كائن إلى بعد ثمانية وعشرين يوما، فكان كما PageV01P144 # قال (صلى الله عليه وآله). (1) ### | [الهجرة إلى الحبشة] # ولما ائتمرت قريش أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم، فوثبت كل قبيلة على من ~~فيها من المسلمين، يؤذونهم ويعذبونهم، فافتتن من افتتن، وعصم الله سبحانه ~~منهم من شاء، وحمى (2) الله نبيه بعمه أبي طالب رضي الله عنه، فلما رأى ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما بأصحابه، ولم يقدر على منعهم، ولم يؤمر ~~بعد بالجهاد، أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة، وقال: إن بها ملكا صالحا، لا ~~يظلم ولا يظلم عنده أحد، فاخرجوا إليه حتى يجعل الله عز وجل للمسلمين فرجا، ~~وأراد به النجاشي، واسمه أصحمة، وهو بالحبشية عطية، وإنما النجاشي اسم ~~الملك، كقولهم تبع، وكسرى (3)، وقيصر. # فخرج إليها سرا أحد عشر رجلا، وأربع نسوة، وهم: الزبير بن العوام، وعبد ~~الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو حذيفة بن عتبة، وامرأته سهلة بنت ~~سهيل بن عمرو، ومصعب بن عمير، وأبو سلمة ms065 بن عبد الأسد، وامرأته سلمة بنت ~~أبي امية، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وامرأته ليلى بنت أبي خيثمة، ~~وحاطب بن عمرو، وسهيل (4) بن بيضاء، فخرجوا إلى البحر، وأخذوا سفينة إلى ~~بر (5) الحبشة بنصف دينار، وذلك في رجب، في السنة الخامسة من PageV01P145 # مبعث النبي (صلى الله عليه وآله) (1). # ثم خرج بعدهم جعفر بن أبي طالب، وتتابع المسلمون إليها، وكان جميع من ~~هاجر إلى الحبشة من المسلمين على التعاقب، اثنين وثمانين رجلا (2)، سوى ~~النساء والصبيان. # فلما علمت قريش بذلك وجهت عمرو بن العاص وصاحبه عمارة بن الوليد بالهدايا ~~إلى النجاشي وإلى بطارقته ليردوهم، وكان عمارة بن الوليد شابا حسن الوجه، ~~وأخرج عمرو بن العاص أهله معه. # فلما ركبوا السفينة شربوا الخمر. فقال عمارة لعمرو بن العاص: قل لأهلك ~~تقبلني، فلما انتشى (3) عمرو دفعه عمارة في الماء، ونشب (4) عمرو في صدر ~~السفينة، واخرج من الماء، وألقى الله العداوة بينهما في مسيرهما قبل أن ~~يصلا إلى النجاشي. # ثم وردا على النجاشي، فأنزلهم، ثم استدعى بهما وسألهما ما أقدمهما إلى بلاده. # فقال عمرو: أيها الملك، إن قوما خالفونا في ديننا، وسبوا آلهتنا (5)، ~~وصاروا إليك، فردهم إلينا، فبعث النجاشي إلى جعفر، فحضر بين يديه، فقال: # أيها الملك، سلهم أنحن عبيد لهم؟ # فقال: لا، بل أحرار. # قال: سلهم ألهم علينا ديون يطالبونا بها؟ PageV01P146 # قال: عمرو: لا، ما لنا عليكم ديون. # قال: فلكم في أعناقنا دماء تطالبوننا بها؟ # قال عمرو: لا. # قال: فما تريدون منا؟! آذيتمونا، فخرجنا من بلادكم (1). # قال جعفر: أيها الملك، إن الله سبحانه بعث فينا نبيا أمرنا بخلع الأنداد، ~~وبترك الاستقسام بالأزلام، وأمرنا بالصلاة، والزكاة، والعدل، والاحسان، ~~وإيتاء ذي القربى، ونهانا عن الفحشاء، والمنكر، والبغي. # فقال النجاشي: بهذا بعث عيسى، ثم قال النجاشي (2): هل تحفظ مما انزل على ~~نبيك شيئا؟ # قال: نعم. # قال: اقرأ، فقرأ سورة مريم، فلما بلغ @QUR@09 (وهزي إليك بجذع النخلة ~~تساقط عليك رطبا جنيا) (3) قال النجاشي: هذا والله هو الحق. # فقال عمرو: إنه مخالف لنا، فرده علينا. # فرفع الملك يده ولطم ms066 عمرو، وقال: اسكت والله لئن ذكرته بسوء لأفعلن بك، ~~ثم قال: ارجعوا إلى هذا هديته، وقال لجعفر ولأصحابه: امكثوا أنتم سيوم، ~~والسيوم: الآمنون، وأمر لهم بما يصلحهم من الرزق، فانصرف عمرو وأقام ~~المسلمون هناك بخير دار، وأحسن جوار، إلى أن هاجر رسول الله صلى الله PageV01P147 # عليه وآله إلى المدينة، وعلا أمره، وهادن قريشا، وفتح خيبر، فوافى جعفر ~~إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بجميع من كانوا معه، فقال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله): لا أدري بأيهما اسر، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟ # وأتى مع جعفر وأصحابه من الحبشة سبعون راجلا، منهم اثنان وستون من ~~الحبشة، وثمانية من أهل الشام، منهم (1) بحيراء الراهب، فقرأ عليهم رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) سورة يس إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن ~~وآمنوا، وقالوا: ما أشبه هذا بما انزل على عيسى! (2) # ثم لم يزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقاسي منهم الأهوال، ولكن الله ~~سبحانه كان يمنعهم عنه بعمه أبي طالب، وكان أبو طالب رضي الله عنه يظهر لهم ~~أنه موافق لهم في دينهم ليتم له ما يريد من حماية رسول الله، وإلا فهو كان ~~مسلما موحدا. ### ||| [في إيمان أبي طالب رضي الله عنه] # وقد أجمعت العصابة من أهل البيت (عليهم السلام) انه قد مات مسلما، ~~وإجماعهم حجة على ما ذكر في غير موضع (3)، وسبب الشبهة في ذلك أن أمير ~~المؤمنين (صلوات الله عليه) كان يعلن بنفاق أبي سفيان، فشكا معاوية ذلك إلى ~~مروان وعمر وعبد الله بن عامر فقالوا: إن إسلام أبيه أخفى من نفاق أبيك، ~~فأظهر كفره، فجعل يقول: ألا إن أبا طالب مات كافرا، وأمر الناس بذلك فصارت سنة. # وقال الصادق (عليه السلام): مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف، أسروا PageV01P148 # الايمان وأظهروا الشرك، فاتاهم الله أجرهم مرتين. (1) # وقد صنف الشيخ أبو جعفر بن بابويه، وأبو علي الكوفي (2)، وسعد القمي ~~(3)، وعلي بن بلال المهلبي (4)، والشيخ المفيد (5) في فضائله، وقد أجمع ~~أهل البيت على ذلك- كما ذكرنا أولا-. # وروى شعبة، عن ms067 قتادة، عن الحسن في خبر طويل انه لما حضرت أبا طالب الوفاة ~~دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبكى وقال: يا محمد، إني أخرج من ~~الدنيا ومالي غم إلا غمك، وستلقى هزوا وحروبا كثيرة من بني امية وبني ~~المغيرة، فإذا مت فخبر أصحابك لينتقلوا من مكة إلى حيث شاءوا، فلا مقام لهم ~~بمكة بعدي. PageV01P149 # فبكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: يا عم، إنك راحل من الدنيا، ~~وإني راحل بعدك من مكة إلى المدينة، وراحل بعد المدينة إلى الله، وإني ~~وإياك نلتقي بين يدي الله بعد الموت، فيسألك عن الايمان بي، ويسألك عن ~~ولاية ابنك علي. # يا عم، فاشهد بكلمة الاخلاص معي في حياتك قبل موتك، اخاصم بها عند ربي ~~فترضي ربك عن نفسي، وترضيني وترضي ولدك عليا. # يا عم، أما تأسف بنفسك أن يكون علي ولدك إمام أمتي، وأسعد المقربين في ~~الجنان، وتكون الشقي المعذب إن مت على كفرك في النيران؟ # يا عم، إنك تخاف علي أذى أعادي ولا تخاف على نفسك غدا عذاب ربي! # فضحك أبو طالب، وقال: # ودعوتني وزعمت أنك ناصحي %~% ولقد صدقت وكنت قدم أمينا (1) # وعقد على ثلاثة وستين (2): عقد الخنصر والبنصر وعقد الإبهام على إصبعه ~~الوسطى، وأشار بإصبعه المسبحة، يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. # فقام علي (عليه السلام) وقال: الله أكبر، الله أكبر، والذي بعثك بالحق ~~نبيا لقد شفعك الله في عمك وهداه بك. PageV01P150 # فقام جعفر وقال: لقد سدتنا في الجنة يا شيخي كما سدتنا في الدنيا. # فلما مات أبو طالب رضي الله عنه أنزل الله: @QUR@09 (يا عبادي الذين ~~آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون) (1). (2) # تفسير وكيع: قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم (3)، عن أبيه، عن ~~أبي ذر الغفاري قال: والله الذي لا إله إلا هو ما مات أبو طالب حتى آمن ~~بلسان الحبشة، وقال لرسول الله (صلى الله عليه وآله): يا محمد، أتفقه لسان ~~الحبشة؟ # قال: يا عم، إن الله علمني جميع الكلام. # قال: يا محمد، «اسدن ملصافا ms068 فاطالاها» (4) يعني: أشهد مخلصا: لا إله إلا ~~الله، فبكى رسول الله وقال: إن الله أقر عيني بأبي طالب. (5) # الصادق (عليه السلام): لما حضرت أبا طالب الوفاة أوصى بنيه، فكان فيما ~~أوصى قال: إني اوصيكم بمحمد، فإنه الأمين في قريش، والصديق في العرب، فقد ~~حباكم بأمر قبله الجنان (6)، وأنكره اللسان مخافة الشنان (7)، وأيم الله ~~لكأني أنظر قد محضته العرب درها، وصفت له بلادها، وأعطته قيادها، فدونكم يا بني PageV01P151 # عبد المطلب، فقوه بآبائكم وامهاتكم وأولادكم، كونوا له دعاة، وفي حربه ~~حماة، فو الله لا سلك أحد سبيله إلا رشد، ولا أخذ أحد بهداه إلا سعد، ولو ~~كان في نفسي مدة، وفي أجلي تأخير لكفيته الكوافي، ودفعت عنه الدواهي، غير ~~أني أشهد بشهادته، واعظم مقالته. (1) # وقال رجل لأمير المؤمنين: يا أمير المؤمنين، إنك لبالمنزل الذي أنزلك ~~الله، وأبوك يعذب بالنار! # فقال أمير المؤمنين: فض الله فاك، والذي بعث محمدا بالحق نبيا، لو شفع ~~أبي في كل مذنب على وجه الأرض لشفعه الله تعالى فيهم، أبي يعذب بالنار ~~وابنه قسيم الجنة والنار! # ثم قال: والذي بعث محمدا بالحق نبيا، إن نور أبي طالب يوم القيامة ليطفئ ~~أنوار الخلق إلا خمسة أنوار، نور محمد (صلى الله عليه وآله)، ونوري، ونور ~~فاطمة، ونور الحسن، ونور الحسين (صلوات الله عليهم أجمعين)، لأن نوره من ~~نورنا الذي خلقه الله سبحانه من قبل خلق آدم بألفي عام. (2) # وما روي من أشعاره الدالة على إسلامه التي تنفث في عقد السحر، وتغير في ~~وجه شعراء الدهر (3) تزيد على ثلاثة آلاف بيت، مذكورة في كتب المغازي، PageV01P152 # يكاشف فيها من كاشف النبي (صلى الله عليه وآله)، ويصحح نبوته. (1) # في محاسن البرقي (2): يونس بن ظبيان، قال رجل عند الصادق (عليه السلام): ~~إن أبا طالب مات مشركا. # قال أبو عبد الله: أبعد قوله: # ألم تعلموا أن نبينا لا مكذب %~% لدينا ولا يعنى بقول الأباطل (3) # وأبيض يستسقى الغمام بوجهه %~% ثمال اليتامى (4)عصمة للأرامل # فأظهره (5)رب العباد بنصره %~% وأظهر دينا حقه غير باطل (6)؟ # وتظافرت الروايات أن النبي ms069 (صلى الله عليه وآله) قال عند وفاته: يا عم، ~~وصلتك رحم وجزيت خيرا يا عم، كفلتني صغيرا، وأحظيتني كبيرا، فجزيت عني PageV01P153 # خيرا. # وفي رواية: فقد ربيت وكفلت صغيرا، وآزرت ونصرت كبيرا. # ثم أقبل على الناس فقال: أم والله، لأشفعن لعمي شفاعة يعجب بها الثقلان. (1) # فدعا له (صلى الله عليه وآله)، وليس للنبي أن يدعو بعد الموت لكافر لقوله ~~تعالى: @QUR@08 (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا) (2)، والشفاعة لا تكون ~~إلا لمؤمن @QUR@06 (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) (3). # وأجمع أهل النقل من الخاصة والعامة أن النبي (صلى الله عليه وآله) قيل له: # ما ترجو لعمك أبي طالب؟ # قال: أرجو له كل خير من ربي. (4) # ولما مات أبو طالب أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمير المؤمنين من ~~بين أولاده الحاضرين بتغسيله وتكفينه ومواراته دون عقيل وطالب، ولم يكن من ~~أولاده من آمن في تلك الحال إلا أمير المؤمنين (عليه السلام) وجعفر، وكان ~~جعفر ببلاد الحبشة، ولو كان كافرا لما أمر أمير المؤمنين بتغسيله وتولية أمره، PageV01P154 # ولكان الكافر أحق به (1). # وتوفي أبو طالب وخديجة في سنة ست (2) من الوحي، فسماه رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) عام الحزن. (3) # وقالت فاطمة بنت أسد وعلي (صلوات الله عليه): أظهر إسلامك بسر محمد. # فقال لهما: آمنت به منذ أربعين سنة. # فقالا: جدده. # فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فاكتموا ذلك علي. # فقال أمير المؤمنين: لقد أظهرت دين عيسى وملة إبراهيم. # في كتاب دلائل النبوة: قال العباس: لما حضرت أبي طالب الوفاة قال له نبي ~~الله (صلى الله عليه وآله): يا عم، قل كلمة واحدة أشفع لك بها يوم القيامة: ~~«لا إله إلا الله». # وكانت جميلة بنت حرب تقول: يا أبا طالب، مت على دين الأشياخ، فرأيته يحرك ~~شفتيه، وسمعته يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. (4) PageV01P155 # الخطيب في الأربعين: بالاسناد عن محمد بن كعب أن أبا طالب لما رأى النبي ~~(صلى الله عليه وآله) يتفل ms070 في فم علي، فقال: ما هذا، يا محمد؟ # قال: إيمان وحكمة. # فقال أبو طالب لعلي: يا بني، انصر ابن عمك وآزره. (1) # وإذا استقرأت ورمت معرفة من كان أشد متابعة، وأعظم حياطة للنبي (صلى الله ~~عليه وآله)، وأعظم محاماة عنه وعن دينه لم تجد في المهاجرين والأنصار ~~وغيرهم من المسلمين مثل أبي طالب رضي الله عنه وولده، فإن أحدا لم يحام عن ~~رسول الله كأبي طالب، فإنه ذب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مدة حياته ~~بمكة، وكذلك لما حضر في الشعب، حتى ان رسول الله لم يمكنه بعد موته الاقامة ~~بمكة، وهبط عليه جبرائيل وقال: يا محمد، إن الله يقرئك السلام، ويقول لك: ~~اخرج قد مات ناصرك. (2) # وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما نالت قريش مني ما نالت وما أكره ~~حتى مات أبو طالب. (3) # ثم لم يستقر حتى خرج (صلى الله عليه وآله) إلى الطائف. # وكذلك ولده جعفر رضي الله عنه لم يزل يذب في إعلاء كلمة الاسلام ونصر ~~الرسول (صلى الله عليه وآله) حتى قتل في دار غربة مقبلا غير مدبر، وسماه ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) «ذا الجناحين» لأن يديه قطعتا في الحرب، ~~فأبدله PageV01P156 # الله منهما جناحين يطير بهما في الجنة، ووجد فيه بعد أن قتل بضع وتسعون ~~رمية وطعنة، ليس منها شيء في دبره. (1) # وهذا أمير المؤمنين وسيد الوصيين، لم يجاهد أحد جهاده، ولا يواسي الرسول ~~(صلى الله عليه وآله) مواساته، وهو (صلوات الله عليه) صاحب الوقائع ~~المشهورة، والمقامات المذكورة، التي اتفق المخالف والمؤالف على نقلها، ~~وضربت الأمثال بشجاعته فيها، كبدر واحد والأحزاب وخيبر وحنين وأوطاس (2) ~~وغيرها من الغزوات والسرايا، وفدى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمبيته ~~على فراشه حتى أنزل الله فيه: @QUR@09 (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء ~~مرضات الله) (3) وما زال (صلوات الله عليه) يذب عن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) ويكدح في إعلاء كلمته في حياته وبعد موته حتى قتل في محرابه راكعا. # وكذلك ولداه الحسن والحسين صلى ms071 الله عليهما، فإنهما بالغا في النصيحة ~~لجدهما، وثابرا على آثار دينه وقمع الملحدين فيه، لتكون كلمة الله العليا، ~~وكلمة الذين كفروا السفلى، حتى قتلا في سبيل الله وذريتهما وولدهما، وسبيت ~~نساؤهما وذريتهما. # وكذلك زيد بن علي بن الحسين (صلوات الله عليه)، وولده يحيى بن زيد، ومحمد ~~بن زيد، وغيرهما من أولاده وأحفاده. PageV01P157 # وكذلك بنو الحسن كعبد الله ومحمد وإبراهيم وغيرهم كصاحب فخ ومن تابعه، ~~وكانوا أكثر من ثلاثمائة من ولد أبي طالب، حتى قال سيدنا أبو الحسن الثالث ~~علي بن محمد الهادي العسكري صلى الله عليه: ما اصبنا بمصيبة بعد كربلاء ~~كمصيبة صاحب فخ. (1) # ومن حفدته مسلم بن عقيل، وولده الذين شروا أنفسهم من الله بالثمن الأوفر، ~~وقد صنف فيهم كتاب مقاتل الطالبيين (2) وتواريخهم وسيرتهم فلا نطول بذلك، ~~ولو لا حسن اعتقادهم، وصفاء ودادهم، وشدة جهادهم، وقوة اجتهادهم لما جعلهم ~~الله خلفاءه في أرضه، والامناء على سنته وفرضه. # بحار العلم، ومعادن الحلم، وأئمة الهدى، ومصابيح الدجى، أولهم علي، ~~وآخرهم المهدي، كلما خوى لهم نجم بزغ نجم طالع، وكلما اختفى منهم علم بدا ~~علم لامع، وكفى فخرا كون المهدي من ذريته الذي يملأ الله الأرض به قسطا ~~وعدلا كما ملئت جورا وظلما. # وكان أبو طالب رضي الله عنه ربى رسول الله (صلى الله عليه وآله) صغيرا، PageV01P158 # وحصنه كبيرا. ### ||| [في شفقة فاطمة بنت أسد رضي الله عنها على رسول الله (صلى الله عليه وآله)] # وكانت زوجته فاطمة بنت أسد رضي الله عنها شديدة الحنو والشفقة على رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله)، وهي أحد الصالحات القانتات، ولما سمعت قول ~~الله: @QUR@07 (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك) (1) كانت أول ~~امرأة بايعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) هي. # وروي عن جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) أن فاطمة بنت أسد أول امرأة ~~هاجرت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من مكة إلى المدينة على قدمها، ~~وكانت أبر الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله)، وسمعت رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) ms072 يقول: الناس يحشرون يوم القيامة عراة، فقالت: وا سوأتاه. # فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): إني أسأل الله أن يبعثك كاسية. # وسمعته يذكر ضغطة القبر، فقالت: وا ضعفاه. # فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): إني أسأل الله أن يكفيك ذلك. (2) # وفي الخبر أنها أسلمت بعد عشرين يوما من مبعث رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) على يد أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) ولدها، وجاءت إلى رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) باكية واستزادت، فأمرها رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) أن تقتفي آثار ابنها. # وروي أنها لما ماتت دخل عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجلس عند ~~رأسها، وقال: يرحمك الله يا امي، كنت امي بعد امي، تجوعين وتشبعيني، PageV01P159 # وتعرين وتكسيني، وتمنعين نفسك من طيب الطعام وتطعميني، تريدين بذلك وجه ~~الله والدار الآخرة، ثم أمر (صلى الله عليه وآله) أن تغسل ثلاثا، فلما بلغ ~~الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيده، ثم خلع ~~قميصه فألبسها إياه ولفها فوقه، ثم دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~اسامة وأبا أيوب وغلاما أسود يحفرون قبرها، فلما بلغوا اللحد حفره رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) وأخرج ترابه بيده، فلما فرغ دخل فاضطجع فيه، ثم ~~قال: الحمد لله الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت، [اللهم] (1) اغفر لامي ~~فاطمة بنت أسد، ولقنها حجتها، ووسع عليها مدخلها، بحق نبيك والأنبياء الذين ~~من قبلي، فإنك أرحم الراحمين. # ثم قال (صلى الله عليه وآله) بعد وضعها في اللحد: يا فاطمة، أنا محمد سيد ~~ولد آدم ولا فخر، فإذا أتاك منكر ونكير فسألاك: من ربك؟ فقولي: الله ربي، ~~ومحمد نبيي، والاسلام ديني، والقرآن كتابي، وابني علي إمامي ووليي. # ثم قال (صلى الله عليه وآله): اللهم ثبت فاطمة بالقول الثابت، ثم ضرب ~~بيده اليمنى على اليسرى فنفضهما، ثم قال: والذي نفس محمد بيده لقد سمعت ~~فاطمة تصفيق يميني على شمالي. # وروي أنه (صلى الله عليه وآله) كبر عليها ms073 أربعين تكبيرة، فسأله عمار عن ~~ذلك، فقال: يا عمار، التفت عن يميني فنظرت أربعين صفا من الملائكة، فكبرت ~~لكل صف تكبيرة. # وفي خبر آخر: يا عمار، إن الملائكة قد ملأت الفضاء، وفتح لها باب من ~~الجنة، ومهد لها مهاد من مهاد الجنة، وبعث إليها بريحان من ريحان الجنة، فهي PageV01P160 # في روح وريحان وجنة نعيم، وقبرها روضة من رياض الجنة. (1) # وكفاها رضي الله عنها فضلا وفخرا في الدنيا والآخرة ان ولدها ذرية رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) ونسله، وهم أحد الحبلين اللذين لم ينقطعا حتى ~~يردا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) الحوض، ولو لا خوف الإطالة لأوردت ~~من شعر أبي طالب رضي الله عنه الذي يحث فيه بنيه على نصر رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) واتباع هديه جملة مفيدة تنبئ عن حسن عقيدته، وإخلاص ~~سريرته، لكن اقتصرت على هذا القدر والله الموفق، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ~~وإنما قالت الناصبة ما قالت فيه عداوة لولده أمير المؤمنين وحطا من قدره، ~~ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون. (2) ### ||| [فيما لاقاه النبي (صلى الله عليه وآله) من الأذى في الطائف من عتبة وشيبة] # ولما توفي أبو طالب رضي الله عنه اشتد البلاء على رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله)، فعمد لثقيف في الطائف، فوجد ثلاثة، هم سادة، وهم إخوة: # عبد ياليل، ومسعود، وحبيب، بنو عمرو، فعرض (صلى الله عليه وآله) عليهم نفسه. # فقال أحدهم: أنا أسرق باب (3) الكعبة إن كان الله بعثك بشيء قط، وقال ~~الآخر: أعجز الله أن يرسل غيرك؟ وقال الآخر: والله لا اكلمك بعد مجلسك هذا ~~أبدا، فإن كنت نبيا كما تقول لأنت أعظم خطرا من أن يزد عليك الكلام، وإن ~~كنت تكذب على الله فلا ينبغي لي أن اكلمك، وتهزءوا به وأفشوا في قومه ما PageV01P161 # راجعوه (1)، ثم أغروا به سفهاءهم، فقعدوا له صفين على طريقه. # فلما مر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين صفيهم جعلوا لا يرفع قدما ~~ولا يضعها إلا رضخوها بالحجارة ms074 حتى أدموا رجليه، فخلص منهم وهما تسيلان ~~بالدماء، فعمد إلى حائط من حوائطهم، واستظل بظل حبلة- وهي الكرمة- وهو ~~مكروب موجع تسيل رجلاه دما، فإذا في الحائط عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ~~وهما من بني عبد شمس، وهما من أكابر قريش، وكان لهم أموال بالطائف، فلما ~~رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما لله ولرسوله. # وكلاهما قتلا يوم بدر وقتل معهما الوليد بن عتبة، قتل عتبة أبو عبيدة بن ~~الحارث بن عبد المطلب، ضربه على هامته بالسيف فقطعها، وضرب هو عبيدة بن ~~الحارث على ساقه فأطنها (2) فسقطا جميعا، وحمل شيبة- أخوه- على حمزة ~~فتضاربا بالسيفين حتى انثلما، وحمل أمير المؤمنين (عليه السلام) على الوليد ~~فضربه على حبل عاتقه فأخرج السيف من إبطه. # قال علي (صلوات الله عليه): لقد أخذ الوليد يمينه بشماله فضرب بها هامتي، ~~فظننت أن السماء سقطت على الأرض، ثم اعتنق حمزة وشيبة، فقال المسلمون: يا ~~علي، أما ترى الكلب فقد أنهر (3) عمك؟ فحمل عليه علي (عليه السلام)، ثم قال ~~لحمزة: يا عم، طأطئ رأسك- وكان حمزة أطول من شيبة- فأدخل حمزة رأسه في ~~صدره، فضربه علي (صلوات الله عليه) فطرح نصف PageV01P162 # رأسه، ثم أتى إلى عتبة وبه رمق فأجهز عليه. # واحتمل عبيدة رضي الله عنه وبه رمق، وحملاه علي وحمزة وأتيا به رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) ومخ ساقه يسيل، فاستعبر رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله)، فقال عبيدة: ألست أول شهيد من أهل بيتك؟ قال: بلى، أنت أول شهيد من ~~أهل بيتي. (1) # رجعنا إلى تمام القصة: # فلما رأيا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أرسلا غلاما لهما يدعى عداس ~~معه عنب- وهو نصراني من أهل نينوى-، فلما جاء رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) قال له رسول الله: من أي أرض أنت؟ # قال: من أهل نينوى. # قال (صلى الله عليه وآله): من مدينة الرجل الصالح يونس بن متى؟ # فقال عداس: وما أعلمك بيونس؟ # قال (صلى الله عليه وآله): أنا رسول الله، والله تعالى أخبرني بخبره، ~~فلما أخبره بما أخبره الله به ms075 من شأن يونس خر عداس ساجدا لرسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) (2)، وجعل يقبل قدميه وهما تسيلان دما، فلما نظر عتبة ~~وشيبة ما يصنع غلامهما سكتا، فلما أتاهما قالا: ما شأنك سجدت لمحمد، وقبلت ~~قدميه، ولم نرك فعلت بأحد منا ذلك؟ PageV01P163 # قال: هذا رجل صالح أخبرني بشيء عرفته من شأن رسول بعثه الله إلينا يدعى ~~يونس بن متى. # فضحكا وقالا: لا يفتننك عن نصرانيتك فإنه رجل خداع. (1) # وروي أن المشركين لما مضوا إلى بدر لقتال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~كان عداس مع سيديه عتبة وشيبة، فسأل منهما: من هذا الذي عزمتم على حربه ~~والوقيعة به؟ # فقالا له: يا عداس، أرأيت الذي أرسلناك إليه بالعنب في الطائف؟ قد اتبعه ~~قوم من الصباة، وقد قصدنا حربهم، وتفريق كلمتهم، وأن نأتي بهم إلى مكة ~~اسارى، ونعرفهم ضلالهم. # فقال عداس: بالله يا سيدي، ارجعوا من فوركم هذا إلى مكة، والله لئن ~~لقيتموه لا تفرحوا بالحياة بعدها، والله إنه نبي حق، وقوله صدق، فزجراه ولم ~~يعبأ بكلامه. (2) ### ||| [رجوع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الطائف إلى مكة، وعرضه نفسه على قبائل العرب] # ثم إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجع إلى مكة من الطائف واشتد ~~البلاء، وأقبل المشركون يردون المسلمين ويفتنونهم عن دينهم، ثم ان النبي ~~(صلى الله عليه وآله) استجار بالأخنس بن شريق، وسهيل بن عمرو فتعللا، ثم ~~استجار بالمطعم بن عدي حتى دبر في أمر الهجرة. (3) # وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعرض نفسه على قبائل العرب في PageV01P164 # الموسم، فلقي رهطا من الخزرج، فقال: ألا تجلسون احدثكم؟ # قالوا: بلى، فجلسوا إليه، فدعاهم إلى الله، وتلا عليهم القرآن. # فقال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلمون والله انه النبي الذي كانوا يوعدوكم به ~~اليهود (1)، فلا يسبقنكم إليه أحد، فأجابوه، وقالوا له: إنا تركنا قومنا ~~ولا قوم بينهم من العداوة والسوء مثل ما بينهم، وعسى الله أن يجمع بينهم ~~بك، فستقدم عليهم وتدعوهم إلى أمرك، وكانوا ستة نفر. ### ||| [بيعة العقبة] # فلما قدموا ms076 المدينة أخبروا قومهم بالخبر، فما دار حول إلا وفيها حديث ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حتى إذا كان العام المقبل أتى الموسم من ~~الأنصار اثنا عشر رجلا، فلقوا النبي (صلى الله عليه وآله)، فبايعوه على ~~بيعة النساء ألا يشركوا بالله شيئا، ولا يسرقوا، إلى آخرها، ثم انصرفوا ~~وبعث معهم مصعب بن عمير يصلي بهم، وكان يسمى بينهم في المدينة «المقرئ» ~~(2)، فلم تبق دار في المدينة إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا دار امية ~~وحطيمة ووائل وهم من الأوس. # ثم عاد مصعب إلى مكة، وخرج من خرج من الأنصار إلى الموسم، فاجتمعوا في ~~الشعب عند العقبة ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان في أيام التشريق بالليل عند ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال (صلى الله عليه وآله): ابايعكم على ~~الاسلام. # فقال بعضهم: يا رسول الله، نريد أن تعرفنا ما لله علينا، وما لك علينا، ~~وما لنا على الله. PageV01P165 # فقال (صلى الله عليه وآله): أما ما لله عليكم فتعبدوه، ولا تشركوا به ~~شيئا، وأما ما لي عليكم فتنصرونني مثل نسائكم وأبنائكم، وأن تصبروا على عض ~~السيوف، وأن يقتل خياركم. # قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا على الله؟ # قال: أما في الدنيا فالظهور على من عاداكم، وفي الآخرة رضوان الله ~~والجنة، فأخذ البراء بن معرور بيده، وقال: والذي بعثك بالحق نبيا لنمنعنك ~~بما نمنع به ازرنا (1)، فبايعنا يا رسول الله، فنحن أهل الحرب وأهل الحلقة ~~ورثناها كبار عن كبار. # فقال أبو الهيثم: إن بيننا وبين الرجال حبالا، وإنا إن قطعناها أو قطعوها ~~فهل عسيت إن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ # فتبسم رسول الله، ثم قال: بل الدم الدم والهدم الهدم، احارب من حاربتم، ~~واسالم من سالمتم، ثم قال (صلى الله عليه وآله): أخرجوا لكم (2) اثنى عشر ~~نقيبا، فاختاروا، فقال: ابايعكم كبيعة عيسى بن مريم للحواريين كفلاء على ~~قومهم بما فيهم، وعلى أن تمنعوني بما (3) تمنعون منه نساءكم وأبناءكم، ~~فبايعوه على ذلك، فصرخ الشيطان في العقبة: يا أهل الجباجب ms077 (4)، هل لكم في محمد PageV01P166 # والصباة معه؟ اجتمعوا على حربكم، ثم نفر الناس من منى وفشى الخبر، فخرجوا ~~في الطلب، فأدركوا سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو، فأما المنذر فأعجز القوم، ~~وأما سعد فأخذوه، وربطوه بنسع رحله، وأدخلوه مكة يضربونه، فبلغ خبره جبير ~~بن مطعم والحارث بن حرب بن امية فأتياه وخلصاه. ### ||| [في أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أصحابه بالهجرة من مكة إلى المدينة واجتماع دار الندوة] # وكان النبي (صلى الله عليه وآله) في ذلك الوقت لم يؤمر إلا بالدعاء ~~والصبر على الأذى، والصفح عن الجاهل، فطالت قريش على المسلمين، فلما كثر ~~عتوهم أمر (صلى الله عليه وآله) بالهجرة، فقال (صلى الله عليه وآله) ~~لأصحابه المؤمنين: إن الله قد جعل لكم دارا وإخوانا تأمنون بها، فخرجوا ~~أرسالا (1) يتسللون تحت الليل، حتى لم يبق مع النبي إلا علي (عليه السلام)، ~~مع جماعة يسيرة من أصحابه، فحذرت قريش خروجه، وعلموا أنه قد أجمع على ~~حربهم، فاجتمعوا في دار الندوة وهي دار قصي بن كلاب يتشاورون في أمره، ~~فتمثل لهم إبليس في صورة شيخ من أهل نجد، فقال: أنا ذو رأي حضرت لموازرتكم. # فقال عروة بن هشام: نتربص به ريب المنون، وقال أبو البختري: # أخرجوه عنكم تستريحوا من أذاه. # وقال العاص بن وائل وامية وابي ابنا خلف: نبني له علما (2) نستودعه فيه، ~~فلا يخلص إليه (3) من الصباة أحد. PageV01P167 # وقال عتبة وشيبة وأبو سفيان: نرحل بعيرا صعبا ونوثق محمدا عليه كتافا ~~وشدا، ثم نقصع (1) البعير بأطراف الرماح فيوشك أن يقطعه بين الدكادك (2) ~~إربا إربا. # فقال أبو جهل: أرى لكم أن تعمدوا إلى قبائلكم العشرة فتنتدبوا من كل ~~قبيلة رجلا نجدا (3)، وتأتونه بياتا، فيذهب دمه في قبائل قريش جميعها، فلا ~~يستطيع بنو هاشم وبنو المطلب مناهضة قريش فيه فيرضون بالعقل. # فقال أبو مرة: أحسنت يا أبا الحكم، هذا الرأي فلا نعدلن له رأيا، فأنزل ~~الله سبحانه: @QUR@09 (يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك) ~~(4) الآية، ### ||| [مبيت علي (عليه السلام) في فراش رسول الله ms078 (صلى الله عليه وآله)] # فهبط جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: لا تبت هذه الليلة ~~على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فدعا عليا (عليه السلام)، فقال: إن الله ~~سبحانه أوحى إلي أن أهجر دار قومي، وأن أنطلق إلى غار ثور أطحل (5) ليلتي ~~هذه، وأمرني أن آمرك بالمبيت على مضجعي، وأن ألقي عليك شبهي. # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أو تسلم بمبيتي هناك؟ # قال (صلى الله عليه وآله): نعم. # فتبسم أمير المؤمنين ضاحكا، وأهوى إلى الأرض ساجدا، فكان أول من سجد لله ~~شكرا، وأول من وضع وجهه على الأرض بعد سجدته، فلما رفع رأسه PageV01P168 # قال: امض بما امرت به، فداك سمعي وبصري وسويداء قلبي. # قال: فارقد على فراشي، واشتمل بردي الحضرمي، ثم إني اخبرك يا علي ان الله ~~تعالى يمتحن أولياءه على قدر إيمانهم ومنازلهم من دينهم (1)، فأشد الناس ~~بلاء الأنبياء ثم الأمثال فالأمثل (2)، وقد امتحنك الله يا ابن أم بي، ~~وامتحنني فيك بمثل ما امتحن خليله إبراهيم والذبيح إسماعيل، فصبرا صبرا ~~@QUR@06 (إن رحمت الله قريب من المحسنين) (3) ثم ضمه إلى صدره، واستتبع ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبو بكر وهند بن أبي هالة وعبيد الله (4) ~~بن فهيرة، ودليلهم اريقط (5) الليثي فأمرهم رسول الله بمكان ذكره لهم، ~~ولبث (6)(صلى الله عليه وآله) مع علي يوصيه، ثم خرج في فحمة العشاء (7) ~~والرصد من قريش فقد أطافوا به ينتظرون انتصاف الليل ليهجموا عليه، وكان ~~(صلى الله عليه وآله) يقول: @QUR@010 (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم ~~سدا) (8) الآية، وكان بيده قبضة تراب، فرمى بها في رءوسهم، ومضى حتى انتهى ~~إلى أصحابه الذين واعدهم، فنهضوا (9) معه PageV01P169 # حتى وصلوا إلى الغار، وانصرف هند وعبيد الله بن فهيرة راجعين إلى مكة. (1) # وكان قد اجتمع حول دار رسول الله (صلى الله عليه وآله) أربعمائة رجل ~~مكبلين بالسلاح. # قال ابن عباس: فكان من بني عبد شمس عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن هشام وأبو ~~سفيان، ومن بني نوفل طعمة (2) بن عدي وجبير بن مطعم والحارث ms079 بن عامر، ومن ~~بني عبد الدار النضر بن الحارث، ومن بني أسد أبو البختري وزمعة (3) ابن ~~الأسود وحكيم بن حزام (4)، ومن بني مخزوم أبو جهل، ومن بني سهم نبيه ومنبه ~~ابنا الحجاج، ومن بني جمح امية بن خلف، هؤلاء الرؤساء وغيرهم ممن (5) لا ~~يعد من قريش. (6) # وأحاطوا بالدار إلى أن مضى من الليل شطره هجموا على أمير المؤمنين (صلوات ~~الله عليه) شاهرين سيوفهم، ففطن بهم فاخترط سيفه وشد عليهم فانحازوا عنه، ~~وقالوا: أين صاحبك؟ # قال: لا أدري، أو رقيب كنت عليه، ألجأتموه إلى الخروج، فخرج. PageV01P170 # وكان أمير المؤمنين في تلك الحال ابن عشرين سنة، فأقام (صلوات الله عليه) ~~بمكة حتى أدى أمانات رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأدى إلى كل [ذي] ~~(1) حق حقه، ثم عزم (صلوات الله عليه) على الهجرة. # فكان ذلك دلالة على خلافته وإمامته وشجاعته، وحمل نساء النبي (صلى الله ~~عليه وآله) بعد ثلاثة أيام، وفيهن عائشة، فله المنة على أبي بكر بحفظ ولده، ~~ولعلي (عليه السلام) المنة عليه في هجرته، وعلي ذو الهجرتين والشجاع هو ~~الثابت (2) بين أربعمائة سيف، وإنما أباته النبي على فراشه ثقة بنجدته، ~~فكانوا محدقين به إلى طلوع الفجر ليقتلوه ظاهرا، فيذهب دمه بمشاهدة بني ~~هاشم بأن قاتليه من جميع القبائل. (3) # وقد ذكرنا رؤساءهم الذين اجتمعوا لقتله قبل ذلك. ### ||| [في هجرة علي (عليه السلام) من مكة إلى المدينة] # وروي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لما عزم على الهجرة قال له العباس: # إن محمدا ما خرج إلا خفية، وقد طلبته قريش أشد طلب، وأنت تخرج جهارا في ~~أثاث وهوادج ومال ونساء ورجال تقطع بهم السباسب (4) والشعاب من بين قبائل ~~قريش، ما أرى لك أن تمضي إلا في خفارة (5) خزاعة. # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): PageV01P171 # إن المنية شربة مورودة %~% لا تجزعن (1)وشد للترحيل # إن ابن آمنة النبي محمدا %~% رجل صدوق قال عن جبريل # أرخ الزمام ولا تخف من عائق %~% فالله يرديهم عن التنكيل # إني بربي واثق وبأحمد %~% وسبيله متلاحق بسبيل # قالوا: وكمن مهلع غلام حنظلة ms080 بن أبي سفيان في طريقه بالليل، فلما رآه ~~(2) أمير المؤمنين (عليه السلام) اخترط (3) سيفه ونهض إليه، فصاح أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) فيه صيحة خر على وجهه، وجلده (4) بسيفه، ثم مضى ~~(صلوات الله عليه) ليلا. (5) # وكان مبيت أمير المؤمنين (عليه السلام) أول ليلة. # وأقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الغار ثلاثة أيام، ولما ورد ~~المدينة نزل في بني عمرو بن عوف بقباء منتظرا لأمير المؤمنين (عليه ~~السلام)، وكان أمير المؤمنين أمر ضعفاء المسلمين أن يتسللوا ويتخففوا إذا ~~ملأ الليل بطن كل واد، وكان معه من النساء الفواطم (6) وأيمن بن أم أيمن ~~(7) مولى رسول الله صلى الله PageV01P172 # عليه وآله وغيرهم، وخرج (عليه السلام) إلى ذي طوى، وأبو واقد يسوق ~~بالرواحل فأعنف بهم، فقال أمير المؤمنين: أبا واقد، ارفق بالنسوة فإنهن ضعائف. # قال: إني أخاف أن يدركنا الطلب. # قال: اربع عليك (1)، إن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لي: يا علي، ~~إنهم لن يصلوا إليك من الآن بمكروه، ثم جعل أمير المؤمنين يسوق بهن سوقا ~~رفيقا ويرتجز (عليه السلام): # ليس إلا الله فارفع ظنكا %~% يكفيك رب العرش (2)ما أهمكا # فلما شارف ضجنان (3) أدركه الطلب بثمانية فوارس، فأنزل النسوة واستقبلهم ~~منتضيا سيفه، فأقبلوا عليه وقالوا: يا غدر (4)، كيف أنت (5) ناج بالنسوة؟ ~~ارجع لا أبا لك. # قال: فإن لم أفعل أفترجعون؟ ودنوا من النسوة فحال بينهم وبينها وقتل ~~جناحا، وكان يشد عليهم شد الأسد على فريسته، وهو يقول: # خلوا سبيل الجاهد المجاهد %~% آليت لا أعبد غير الواحد # فتقهقروا عنه، فسار ظاهرا حتى وافى ضجنان فتلوم بها يومه وليلته، ولحق به ~~نفر من المستضعفين، فصلى ليلته تلك والفواطم يذكرون الله قياما PageV01P173 # وقعودا وعلى جنوبهم حتى طلع الفجر، فصلى بهم صلاة الفجر، ثم سار بهم حتى ~~وصل المدينة، وقد نزل الوحي بما كان من شأنهم قبل قدومهم، وهو قوله تعالى: # @QUR@09 (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم - إلى قوله- ~~@QUR@010 أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى - فالذكر علي والانثى ~~فاطمة- @QUR@03 بعضكم من بعض - علي ms081 من الفواطم وهن من علي، إلى قوله- ~~@QUR@03 عنده حسن الثواب) (1). # وتلا رسول الله (صلى الله عليه وآله): @QUR@08 (إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم) (2) الآية، ثم قال: يا علي، أنت أول هذه الامة ~~إيمانا بالله وبرسوله، وأولهم هجرة إلى الله ورسوله، وآخرهم عهدا برسول ~~الله (صلى الله عليه وآله)، والذي نفسي بيده لا يحبك إلا مؤمن قد امتحن ~~الله قلبه للايمان، ولا يبغضك إلا منافق أو كافر. # وكان قيام علي بعد النبي بمكة ثلاث ليال، ثم لحق برسول الله (صلى الله ~~عليه وآله). (3) # روى السدي، عن ابن عباس، قال: نزل قوله تعالى: @QUR@09 (ومن الناس من ~~يشري نفسه ابتغاء مرضات الله) (4) في علي بن أبي طالب حين هرب النبي (صلى ~~الله عليه وآله) عن المشركين إلى الغار، ونام علي (عليه السلام) على فراش ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ونزلت الآية بين مكة والمدينة. PageV01P174 # وروي أنه لما نام أمير المؤمنين (عليه السلام) قام جبرئيل عند (1) رأسه، ~~وميكائيل عند رجليه، وجبرئيل ينادي: بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي ~~الله به الملائكة؟ (2) # وروي أن الله عز وجل أوحى إلى جبرئيل وميكائيل أني قد جعلت عمر أحدكما ~~أطول من الآخر، فأيكما يؤثر صاحبه بالزيادة؟ فلم يجيبا. # فأوحى الله إليهما: هذا علي بن أبي طالب قد آثر محمدا بعمره، ووقاه ~~بنفسه، فاهبطا إليه واحفظانه، فهبط جبرئيل وميكائيل، الحديث. (3) # وأما المشركون فركبوا الصعب والذلول في طلب رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله). (4) ### ||| [في دخول رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصاحبه الغار] # قال الزهري: ولما دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأبو بكر الغار ~~أرسل الله زوجا من حمام، حتى باضا في أسفل الثقب، والعنكبوت حتى تنسج بيتا، ~~فلما جاء سراقة بن مالك في طلبهما فرأى بيض الحمام ونسج (5) العنكبوت، ~~قال: لو دخله أحد لانكسر البيض وتفسخ [بيت] (6) العنكبوت، فانصرف. PageV01P175 # وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اللهم أعم أبصارهم عنا، فعميت ~~أبصارهم عن دخوله، وجعلوا ينظرون (1) يمينا وشمالا حول الغار. # وقال أبو ms082 بكر: لو نظروا إلى أقدامهم لرأونا. # وروى علي بن إبراهيم في تفسيره: كان رجل من خزاعة، يقال له أبو كرز، فما ~~زال يقفو أثر رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى وقف بهم على الحجر (2)، ~~فقال: [هذه] (3) قدم محمد، هي والله اخت القدم التي في المقام، وقال: هذه ~~قدم أبي قحافة والله، وقال: ما جاوزا هذا المكان، إما أن يكونا صعدا في ~~السماء أو نزلا في الأرض. # وجاء فارس من الملائكة في صورة الإنس، فوقف على باب الغار، وهو يقول: ~~اطلبوه في هذه الشعاب فليس هاهنا. # ونزل رجل من قريش فاستقبل باب الغار وبال، فقال أبو بكر: قد أبصرونا يا ~~رسول الله. # فقال (صلى الله عليه وآله): لو أبصرونا ما استقبلونا بعوراتهم. (4) # @QUR@04 (فأنزل الله سكينته عليه) (5) أي على رسوله (صلى الله عليه ~~وآله)، أي: # ألقى في قلبه ما سكن به، وعلم أنهم غير واصلين إليه. # وفي تخصيص رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالسكينة، وعدم إدخال أبي PageV01P176 # بكر فيها، أقوى دليل على عدم إيمانه، وقوة يقينه (صلى الله عليه وآله)، ~~ورباط جأشه، وقد أشرك الله المؤمنين مع رسوله في السكينة في هذه السورة ~~وغيرها بقوله: @QUR@03 (فأنزل الله سكينته) على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل ~~جنودا لم تروها، وفي سورة إنا فتحنا: @QUR@012 (فأنزل الله سكينته على ~~رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى) (1) الآية. (2) # وقد رد رسول الله (صلى الله عليه وآله) هند وعبد الله بن فهيرة حين ~~أوصلاه إلى الغار، وحبس أبي بكر لعلمه برباط جأشهما، وشدة يقينهما، وقوة ~~إيمانهما، وانهما لو قتلا ما أخبرا بمكان رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ~~وحبس أبا بكر عنده خوفا على نفسه منه، لأنه كان قد علم أولا بعزم الرسول، ~~وخاف إن أذن له كما أذن لهما أن تعلم قريشا بمكانه فيخبرهم به إما رهبة أو نفاقا. # وقد روى أبو المفضل الشيباني بإسناده عن مجاهد، قال: فخرت عائشة بأبيها ~~ومكانه مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الغار، فقال لها عبد الله بن ~~شداد ms083 بن الهاد: فأين أنت من علي بن أبي طالب حيث نام [في] (3) مكانه وهو ~~يرى أنه يقتل؟ فسكتت ولم تجد جوابا. # وشتان بين قوله تعالى: @QUR@09 (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات ~~الله) (4) وبين قوله: @QUR@05 (لا تحزن إن الله معنا) (5) وكان النبي (صلى ~~الله عليه وآله) يقوي قلبه، ولم يكن مع علي أحد يقوي قلبه، وهو لم يصبه ~~وجع، وعلي كان PageV01P177 # يرمى بالحجارة وهو على فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأبو بكر ~~مختف بالغار، وعلي ظاهر للكفار. # واستخلفه الرسول لرد الودائع لأنه كان أمينا، فلما أداها قام (صلوات الله ~~عليه) على سطح الكعبة، فنادى بأعلى صوته: يا أيها الناس، هل من صاحب أمانة؟ ~~هل من صاحب وصية؟ هل من صاحب عدة له قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ ~~فلما لم يأت أحد لحق بالنبي (صلى الله عليه وآله). (1) ### ||| [أن الرسول (صلى الله عليه وآله) أسس مسجده بقبا] # فنزل معه على كلثوم (2)، وكان أبو بكر في بيت خبيب (3) بن إساف، فأقام ~~النبي (صلى الله عليه وآله) بقبا يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، ~~وأسس مسجده، وصلى يوم الجمعة في المسجد الذي ببطن الوادي- وادي رانوقا (4)- ~~فكانت أول صلاة صلاها بالمدينة، ثم أتاه غسان بن مالك وعباس بن عبادة في ~~رجال من بني سالم، فقالوا: يا رسول الله، أقم عندنا في العدة والعدد ~~والمنعة. # فقال (صلى الله عليه وآله): خلوا سبيلها، فإنها مأمورة- يعني ناقته-، ثم PageV01P178 # تلقاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو في رجال من بني بياضة، فقال كذلك، ثم ~~اعترضاه سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو في رجال من بني ساعدة، ثم اعترضاه ~~سعد بن الربيع وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة في رجال من بني الحارث، ~~فانطلقت حتى إذا وازت دار بني مالك بن النجار بركت على باب مسجد رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله)، وهو يومئذ مربد (1) لغلامين يتيمين من بني النجار، ~~فلما بركت ورسول الله لم ينزل وثبت وسارت غير بعيد ورسول الله (صلى الله ~~عليه ms084 وآله) واضع لها زمامها لا يثنيها به ### ||| [نزول النبي (صلى الله عليه وآله) في بيت أبي أيوب] # ثم التفت إلى خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة فبركت، ثم تجلجلت (2) ~~ورزمت ووضعت جرانها، فنزل (صلى الله عليه وآله) عنها، واحتمل أبو أيوب رحله ~~ووضعه في بيته، ونزل رسول الله في بيت أبي أيوب وسأل عن المربد فاخبر انه ~~لسهل وسهيل يتيمين لمعاذ بن عفراء، فأرضاهما معاذ، وأمر النبي (صلى الله ~~عليه وآله) ببناء المسجد، وعمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنفسه، وعمل ~~فيه المهاجرون والأنصار، وأخذ المسلمون يرتجزون وهم يعملون، فقال بعضهم: # لئن قعدنا والنبي يعمل %~% لذاك منا العمل المضلل PageV01P179 # والنبي (صلى الله عليه وآله) يقول: # لا عيش إلا عيش الآخرة %~% رب (1)ارحم الأنصار والمهاجرة # وعلي أمير المؤمنين يقول: # لا يستوي من يعمل (2)المساجدا %~% يدأب فيها قائما وقاعدا # ومن يرى عن الغبار (3) حائدا # ثم انتقل من بيت أبي أيوب إلى مساكنه التي بنيت له؛ وقيل: كانت مدة مقامه ~~بالمدينة إلى أن بنى المسجد وبيوته من شهر ربيع الأول إلى صفر من السنة ~~القابلة. (4) ### ||| [غزوات رسول الله (صلى الله عليه وآله)] # ولما كان بعد سبعة أشهر من الهجرة نزل جبرئيل عليه (صلى الله عليه وآله) ~~بقول: @QUR@05 (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) (5) الآية، وقلد في عنق ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) سيفا. وفي رواية: لم يكن له غمد، وقال: ~~حارب بهذا قومك حتى يقولوا لا إله إلا الله. # وروى أهل السير أن جميع ما غزا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنفسه ست ~~وعشرون غزاة، على هذا النسق: الأبواء، بواط (6) العشيرة، بدر الاولى، بدر PageV01P180 # الكبرى، السويق، ذي أمر، احد، نجران، بنو سليم، الأسد، بنو النضير، ذات ~~الرقاع، بدر الاخرى، دومة الجندل، الخندق، بنو قريظة، بنو لحيان، بنو قرد، ~~بنو المصطلق، [الحديبية، خيبر، الفتح، حنين، الطائف] (1)، تبوك، بنو ~~قينقاع. قاتل في تسع، وهي: بدر الكبرى، واحد، والخندق، وبني قريظة (2)، ~~وبني لحيان، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف. ### ||| [سرايا رسول الله (صلى الله عليه وآله)] ms085 # وأما سراياه فست وثلاثون، لا نطول بذكرها. (3) # وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) قطب رحاها التي عليه تدور، وفارسها ~~البطل المشهور، إلا تبوك، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خلفه على ~~المدينة لأنه علم أنه لا يكون فيها حرب، ولما لحق برسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) وقال: يا رسول الله، خلفتني مع النساء والصبيان، فرده رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) من اللحوق، وقال: يا علي، أنت مني بمنزلة هارون من ~~موسى إلا انه لا نبي بعدي، ان المدينة لا تصالح إلا بي أو بك (4)، فرجع ~~(صلوات الله عليه). # وكان المنافقون يتخرصون الأخبار، ويرجفون (5) في المدينة، ويزودون PageV01P181 # الأحاديث ليشوشوا على ضعفاء المؤمنين، وكانوا كلما ألقوا إلى المسلمين ما ~~بينوه من الإفك والإرجاف أمرهم أمير المؤمنين بالصبر، وأعلمهم أن ذلك لا ~~حقيقة له، إلى أن رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) مؤيدا منصورا قد خضعت ~~له رقاب المشركين، والتزموا الشرائط شرطها عليهم (صلى الله عليه وآله). # وكفى أمير المؤمنين فخرا ودلالة على فضله وتقديمه ما صدر منه في بدر واحد ~~وخيبر والخندق، فإن القتلى كانت سبعين، قتل (صلوات الله عليه) بيده الشريفة ~~ثمانية وعشرين، وقيل: ستة وثلاثين، وقتلت الملائكة والناس تمام العدد. ### ||| [موعظة جليلة] # فرغ نفسك أيها المؤمن متفكرا بعين بصيرتك، وأيقظ قلبك أيها المخلص ناظرا ~~بعين باصرتك، أما كان الله سبحانه قادرا على صب سوط عذابه (1) على من آذى ~~نبيه؟ أما كان جل جلاله عالما عن نصب حبائل غوائله، وناجر وليه؟ # أما كان في شدة بطشه قوة تزيل جبال تهامة عن مراكزها، وتنسفها نسفا (2)؟ ~~أما كان في عموم سلطانه قدرة أن يخسف الأرض بأهلها، أو يسقط السماء عليهم ~~كسفا (3)، لما ارتكبوا من خلاف نبيهم ما ارتكبوا، واحتقبوا من كبائر الذنوب ~~ما احتقبوا، واتخذوا الأصنام آلهة من دون مبدعهم وخالقهم، واستقسموا ~~بالأزلام عتوا على مالكهم ورازقهم، وجعلوا له البنات ولهم البنين بجائر ~~قسمتهم، PageV01P182 # وبحروا البحيرة، وسيبوا السائبة (1) ببدعة جاهليتهم؟ أما كان سبحانه ~~قادرا حين آذوا الرسول وراموا قتله على ms086 مسخهم قردة خاسئين (2)؟ أكان عاجزا ~~لما أخرجوا نبيهم أن ينزل عليهم آية فتضل أعناقهم لها خاضعين (3)؟ # بلى هو القادر الذي لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء، القاهر فلا ~~يفلت من قبضة سطوته من دنا أو نأى، الذي لا يزيد في ملكه طاعة مطيع من ~~عباده، ولا ينقص من سلطانه معصية متهتك بعباده، لكنه سبحانه أمهلهم بحلمه، ~~وأحصاهم بعلمه، ولم يعاجلهم بنقمته، ولم يخلهم من رحمته، وفتح لهم أبواب ~~الهدى إلى رضوانه، وحذرهم سلوك سبيل الردى إلى عصيانه، وكلفهم بالتكاليف ~~الشاقة من بعثتهم على طاعته، وحذرهم من الأعمال الموبقة بنهيهم عن مخالفته، ~~ونصب لهم أعلاما يستدلون بمنارهها من حيرة الضلالة في مدارج السلوك، ونجوما ~~يهتدون بأنوارها من مداحض الجهالة ومهالك الشكوك. # ولما كان سبحانه منزها عن العرض والجسم، مقدسا عن التركيب والقسم، لا ~~تخطر صفته بفكر، ولا يدرك سبحانه ببصر، ولا تعده الأيام، ولا تحده الأنام، ~~قصرت الأفكار عن تبصرة كماله، وحارت الأنظار عن تحديد جلاله، وحسرت الأبصار ~~عن مشاهدة جماله، وتاهت الأفهام في بيداء معرفته، وكلت الأوهام عن تعيين صفته. # لم يخلق سبحانه خلقه عبثا، ولم يتركهم هملا، بل أمرهم بالطاعة وندبهم ~~إليها، وكلفهم بالعبادة وأثابهم عليها، قال سبحانه: @QUR@07 (وما خلقت الجن ~~والإنس إلا) PageV01P183 # @QUR@011 (ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون) (1)، والعبث ~~لا يليق بحكمته، والإغراء بالقبيح لا يحسن بصفته. # وجب في لطفه إعلامهم بما فيه صلاحهم في دنياهم واخراهم، وفي عدله تعريفهم ~~مبدأهم ومنتهاهم، وجعل لهم قدرة واختيارا، ولم يجبرهم على فعل الطاعة وترك ~~المعصية اضطرارا، بل هداهم النجدين، وأوضح لهم السبيلين. # ولما كانت كدورات الطبيعة غالبة على نفوسهم، وظلمة الجهالة مانعة من ~~تطهيرهم وتقديسهم، والنفس الأمارة تقودهم إلى مداحض البوار، والشهوة ~~الحيوانية تحثهم على ارتكاب موبقات الأوزار، والوسواس الخناس قد استولى ~~بوساوسه على صدورهم، وزين لهم بزخارفه مزالق غرورهم، فوجب في عدله وحكمته ~~إقامة من يسوقهم بسوط لفظه إلى ما يقربهم من حضيرة جلاله، ويزجرهم بصوت ~~وعظه عما يوبق أحدهم في معاشه وماله، ms087 إذ أنفسهم منحطة عن مراتب الكمال، ~~غاوية في مسالك الوبال، منخرطة في سلك أن النفس لأمارة بالسوء إلا من رحم ~~(2)، غارقة في لجة الجهل إلا من عصم، تقصر قواها عن تلقي نفحات رحمته، ~~وتضعف مراياها لعدم جلاها عن مقابلة أشعة معرفته. # فأقام سبحانه لهم حججا من أبناء نوعهم، ظاهرين في عالم الانسانية، باطنين ~~في عالم الروحانية، فظواهرهم أشخاص بشرية، وبواطنهم أملاك علوية، قد توجهم ~~سبحانه بتيجان الحكمة، وأفرغ عليهم حلل العصمة، وطهرهم من الأدناس، ونزههم ~~عن الأرجاس، فشربوا من شراب حبه (3) أشغلهم به عمن سواه، واطلعوا على ~~أسرار ملكوته فما في قلوبهم إلا إياه، لما انتشت نشاءة PageV01P184 # نفوسهم من رحيق خطابه في عالم الذر، وسكنت هيبة عزة جلاله شغاف قلوبهم ~~حين أقر من أقر، وأنكر من أنكر، لم تزل العناية الأزلية تنقلهم من الأصلاب ~~الفاخرة إلى الأرحام الطاهرة، والألطاف الإلهية تمنحهم شرف الدنيا والآخرة. # جعلهم سبحانه السفراء بينه وبين عباده، والامناء على وحيه في سائر أنامه ~~وبلاده، بشرت الأنبياء الماضية بظهورهم، وأشرقت السماوات العالية بساطع ~~نورهم، كتب أسماءهم على سرادقات عرشه المجيد، وأوجب فرض ولايتهم على عباده ~~من قريب وبعيد، كلفهم بحمل أعباء رسالته، وجعلهم أهلا لأداء أمانته، يتلقون ~~بوجه باطنهم أنوار سبحات جمال عزته، ويقابلون بظاهر ضياء محاسن بهجاتهم ~~عباده فيهتدون بنورهم إلى نعيم جنته، @QUR@027 (عباد مكرمون لا يسبقونه ~~بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ~~ارتضى وهم من خشيته مشفقون) (1). # أصلهم نبي تممت به النبوة، وكملت به الفتوة، وانتهت إليه الرئاسة العامة، ~~وخص من الله بالكلمة التامة، وأيده سبحانه بنصره في المواطن المشهورة، ~~وأظهره بقهره على أعدائه في حروبه المذكورة، وشد أزره بوصيه المرتضى، وشيد ~~ملته بصفيه المجتبى، صارم نقمته، وحامي حوزته، الذي لم يخلق الله خلقا أكمل ~~منه من بعده ولا قبله، ولم يدرك مدرك شأوه (2) ولا فضله، ولا أخلص مخلص ~~لله إخلاصه، ولا جاهد مجاهد في الله جهاده من العامة والخاصة. # إن دارت حرب فهو قطب رحاها، أو توجهت ms088 آمال فهو غاية رجاها، أو ذكر علم ~~فهو مطلع شمسه، أو اشتهر فضل فهو قالب نفسه، باب علم مدينة PageV01P185 # المصطفى، وقاضي دينه، ومنجز عداته، وقاضي دينه، طال بقوادم الشرف لما على ~~بقدمه على الكتف. # ناداه البيت الحرام بلسان الحال، وناجاه الركن والمقام بمعاني المقال: يا ~~صاحب النفس القدسية، ويا منبع الأسرار الخفية، ويا مطلع الأنوار الإلهية، ~~ويا دفتر العلوم الربانية، أما ترى ما حل بي من الأرجاس؟ أما تنظر ما ~~اكتنفني من الأدناس؟ الأنصاب حولي منصوبة، والأزلام في عراصي مضروبة، ~~والأصنام مرفوعة على عرشي، والأوثان محدقة بفرشي، تنضح بالدماء جدراني، ~~وتستلم الأشقياء أركاني، ويعبد الشيطان في ساحتي، ويسجد لغير الرحمن حول بنيتي. # فالغوث الغوث يا صاحب الشدة والقوة، والعون العون يا رب النجدة والفتوة، ~~خذ بمجامع الشرف بخلاصي واستنقاذي، وفز بالمعلى من سهامه فيك معاذي وملاذي. # ولما شاهد رب الرسالة العامة تضرعها بوصيه، وعاين صاحب الدعوة التامة ~~تشفعها بوليه، ناداه بلسان الاخلاص في طاعة معبوده، وأنهضه بيد القوة ~~القاهرة لاستيفاء حدوده، وفتح له إلى سبيل طاعة ربه منهاجا، وجعل كتفه ~~الشريفة بأمر ذي المعارج لأخمصه (1) معراجا، وأمره بتسنم (2) ذروة بيت ~~ربه، وتنزيهه عن الرجس من الأوثان بقالبه وقلبه، وتكسير صحيح جمعها بيد ~~سطوته، وإلقاء هبلها عن ظهره بشدة عزمته. ### ||| [فتح مكة] # روي بحذف الاسناد عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: دخلنا مكة PageV01P186 # يوم الفتح مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي البيت وحوله ثلاثمائة ~~وستون صنما، فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فالقيت جميعها على ~~وجوهها، وأمر بإخراجها، وكان على البيت صنم- لقريش- طويل يقال له «هبل»، ~~وكان من نحاس على صورة رجل موتد بأوتاد من حديد إلى الأرض في حائط الكعبة. # قال أمير المؤمنين: فقال لي رسول الله: اجلس، فجلست إلى جانب الكعبة، ثم ~~صعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) على منكبي، ثم قال لي: انهض بي، فنهضت ~~به، فلما رأى ضعفي عنه، قال: اجلس، فجلست وأنزلته عني، فقال: # قم- يا علي- على عاتقي حتى أرفعك، فأعطيته ثوبي، فوضعه ms089 رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) على عاتقه، ثم رفعني حتى وضعني على ظهر الكعبة، وكان طول ~~الكعبة أربعين ذراعا، فو الذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، لو أردت أن أمسك ~~السماء بيدي لمسكتها. # وروي أنه (صلوات الله عليه) لما عالج قلعه اهتزت الكعبة من شدة معالجته، ~~فكسره وألقاه من فوق الكعبة إلى الأرض، ثم نادى رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله): انزل، فوثب من أعلى الكعبة كأن له جناحين. (1) # وقيل: إنه (صلوات الله عليه) تعلق بالميزاب، ثم أرسل نفسه إلى الأرض، ~~فلما سقط (صلوات الله عليه) ضحك، فقال النبي: ما يضحكك يا علي، أضحك الله سنك؟ # قال: ضحكت- يا رسول الله- متعجبا من اني رميت بنفسي من فوق البيت إلى ~~الأرض فما تألمت، ولا أصابني وجع! PageV01P187 # فقال: كيف تتألم يا أبا الحسن أو يصيبك وجع؟! إنما رفعك محمد، وأنزلك ~~جبرئيل. (1) # وروي أن عمر تمنى على رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يكسره، فقال ~~(صلى الله عليه وآله): إن الذي عبده لا يكسره. # ولما صعد أبو بكر المنبر في بدء أمره نزل عن مقام رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) مرقاة، فلما صعد عمر نزل عن مقام أبي بكر مرقاة، فلما صعد عثمان ~~نزل عن مقام عمر مرقاة، فلما تولى أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) صعد إلى ~~مقام رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فسمع من الناس ضوضاء، فقال: ما هذا ~~الذي أسمع؟ # قالوا: لصعودك إلى مقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي لم يصعد ~~إليه من تقدمك. # فقال (عليه السلام): سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: من قام ~~مقامي ولم يعمل بعملي أكبه الله في النار، وأنا والله العامل بعمله، ~~الممتثل قوله، الحاكم بحكمه، فلذلك قمت هنا. # ثم ذكر في خطبته، فقال: معاشر الناس، قمت مقام أخي وابن عمي لأنه أعلمني ~~بسري وما يكون مني، فكأنه (صلوات الله عليه) قال: أنا الذي وضعت قدمي على ~~خاتم النبوة، فما هذه الأعواد؟ أنا من محمد ومحمد مني. # وقال (صلوات الله ms090 عليه) في خطبته (2): أنا كسرت الأصنام، أنا رفعت PageV01P188 # الأعلام، أنا ثبت الاسلام. # [قال ابن نباتة: حتى شد به أطناب الاسلام، وهد به أحزاب الأصنام، فأصبح ~~الايمان فاشيا بأقياله، والبهتان متلاشيا بصياله] (1)، ولمقام إبراهيم شرف ~~على كل حجر لكونه مقاما لقدم إبراهيم، فيجب أن يكون قدم علي أشرف من رءوس ~~أعدائه لأن مقامه كتف النبوة، والغالية والمشبهة من المجبرة يقولون أكثر من ~~هذا. (2) # حتى روت المجبرة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: لما بلغت سدرة ~~المنتهى ليلة المعراج وضع الجليل سبحانه يده على كتفي فأحسست ببردها على ~~كبدي. (3) # وقيل في ذلك شعرا: # قيل لي قل في علي المرتضى %~% مدحا يطفئ (4)نارا موقده # قلت لا يبلغ مدحي (5)رجلا %~% حار ذو الجهل إلى أن عبده # وعلي واضع أقدامه %~% في مقام (6)وضع الله يده (7) # وقيل أيضا: PageV01P189 # قالوا مدحت علي الطهر قلت لهم %~% كل امتداح جميع الأرض معناه # ما ذا أقول بمن حطت له قدم %~% في موضع وضع الرحمن يمناه (1) # فيا من يتصدى سواه للامامة، ويدوك (2) للزعامة، ويضاعف سباله، ويرجل ~~قذله، وينتقص كمال الكامل، وينكر فضل الفاضل، ويكاثر بكثرة الأتباع، ويفاخر ~~بالهمج الرعاع، يحسبه الظمان ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، ويظنه الجاهل ~~إماما وقد ضرب الحمق على هامته من الجهل، ظلا وفيئا، يدير لسانه في لهواته ~~إذا سئل، ويجمد ريقه في بلعومه إذا جودل، يظن أنه الفاضل الأعلم، وهو أجهل ~~من البازل الأعلم، ويعذر انه علم السنة، وهو أضل الحق والسنة. # تنح عن رتبة ولي الحق في الخلق، وميزان القسط والصدق، لفظه جلاء القلوب، ~~ووعظه شفاء الكروب، ومعلمه رب العالمين، ومؤدبه سيد المرسلين، ينصب له كل ~~يوم علما من علمه، ويفتح له بابا من حكمه وحكمه، يتبعه اتباع الفصيل أثر ~~امه، ويلازمه ملازمة شعاره (3) لجسمه. # ويك اربع على ضلعك، وتفكر في أصلك وفرعك، وطالع مراءة عقلك بعين الانصاف، ~~واحذر ارتكاب طريقة الوقاحة والاعتساف، أليست امك صهاك؟ أليس الخطاب أباك؟ ~~ألست جاحد النصوص على أهل الخصوص؟ # ألست منكس الراية يوم القموص؟ أما في ms091 حنين وأوطاس كنت أول المدبرين PageV01P190 # من الناس؟ أأنت قاتل عمرو ومفرق جموعه؟ أأنت المتصدق بخاتمه في ركوعه؟ ~~أرضيك الرسول دون الخلق صهرا؟ أم أوردك في الغدير من غدير الشرف وردا وصدرا؟ # ويحك قف عند حدك، ولا تفاخر بأبيك وجدك، ولا تجار فرسان المجد فتضل في ~~الحلبة طريحا، ولا تساجل (1) أبطال الفخر فتصبح بسيوف الفضيحة طليحا. # يا مغرور غرتك دار الغرور، يا مثبور (2) وفتنتك ببطشها المشهور، وزينت لك ~~سوء عملك فرأيته حسنا، فغادرتك بموبقات سيئاتك مرتهنا، وعن قليل يسفر ~~الصباح، ويرى المبدع في دين الله ما حضر وأباح، ويكشف الجليل لك عن وجه ~~غفلتك حجابا، ويقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن ~~وقال صوابا (3)، ويقف سيد المرسلين، ووصيه سيد الوصيين، وابنته سيدة نساء ~~العالمين، ثم يؤتى بك موثوقا بأغلالك، مرتهنا بأعمالك، يتبرأ منك أتباعك، ~~ويلعنك أشياعك، وملائكة العذاب تدعك إلى النار دعا، والزبانية تسفعك بعذبات ~~العذاب سفعا. # فعندها يجثو سيد المرسلين للخصومة، ويقف وصيه المظلوم وابنته وينادى عليك ~~باسمك، ويظهر للناس بعض حدك ورسمك، وينظر في ديوان حسابك، وتتهيأ ملائكة ~~العذاب لأخذك وعذابك، ويقال لك على رءوس الأشهاد ومجمع العباد: يا قاطعا ~~رحم نبيه، يا جاحدا فضل وليه، يا منكرا نص الغدير، يا ظالما أهل آية ~~التطهير، ألست القائل: إن نبيكم ليهجر، وقد قال الله في PageV01P191 # شأنه: @QUR@05 (وما ينطق عن الهوى) (1)؟ ألست الزاعم أنه غوى في حب ~~وصيه، والله يقول: @QUR@06 (ما ضل صاحبكم وما غوى) (2)؟ ألست المسند إلى ~~رسول «ما تركناه صدقة» (3)؟ # فلعن الله الحديث ومتخرصه ومصدقه، أما كان جزاء من أكلت الدنيا بسلطانه ~~ترك فدك لذريته؟ أما كان في شرع المروة التغافل عن بقعة من الأرض ذات الطول ~~والعرض لعترته؟ هنالك تصحو من خمار خمرتك، وتفيق من غمار غمرتك، ويحق الحق، ~~ويأتي النداء من قبل الحق: @QUR@035 (خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في ~~سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض ~~على طعام المسكين فليس له اليوم هاهنا حميم ولا طعام ms092 إلا من غسلين) (4) ~~فتجر مصفدا، وتسحب مقيدا، وتلقى في الجحيم مركوسا، وتقذف في الحميم منكوسا، ~~في شر سجن قعرها هاوية، وسجنتها زبانية، وما أدراك ما هيه نار حامية. (5) ### ||| [خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) يشكو فيها قريش] # روي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) خطب فقال: ما لنا وقريش، وما تنكر ~~منا قريش غير أنا أهل بيت شيد الله فوق بنيانهم بنياننا، وأعلى فوق رءوسهم ~~رءوسنا، واختارنا الله عليهم، فنقموا عليه أن اختارنا عليهم، PageV01P192 # [وسخطوا ما رضي الله، وأحبوا ما كره الله، فلما اختارنا عليهم] (1) ~~شركناهم في حريمنا، وعرفناهم الكتاب والسنة، وعلمناهم الفرائض والسنن، ~~وحفظناهم الصدق والدين (2)، فوثبوا علينا، وجحدوا فضلنا، ومنعونا حقنا، ~~والتوونا أسباب أعمالنا. # اللهم فإني أستعديك على قريش، فخذ لي بحقي منها، ولا تدع مظلمتي لها، ~~وطالبهم- يا رب- بحقي فإنك الحكيم (3) العدل، فإن قريشا صغرت قدري، ~~واستحلت المحارم مني، واستخفت بعرضي وعشيرتي، وقهرتني على ميراثي من ابن ~~عمي، وأغروا بي أعدائي، ووتروا بيني وبين العرب (4)، وسلبوني ما مهدت ~~لنفسي من لدن صباي بجاهدي وكدي، ومنعوني ما خلفه أخي وحميمي وشقيقي (5)، ~~وقالوا إنك لحريص متهم. # أليس بنا اهتدوا من متاه الكفر، ومن عمى الضلالة، وغي الظلماء؟ أليس ~~أنقذتهم من الفتنة الصماء العمياء (6)؟ ويلهم ألم اخلصهم من نيران الطغاة ~~(7)، وسيوف البغاة، ووطأة الاسد، ومقارعة الطماطمة (8)، ومجادلة القماقمة الذين PageV01P193 # كانوا عجم العرب، وغنم الحرب (1)، وقطب الأقدام، وحبال (2) القتال، ~~وسهام الخطوب، وسل السيوف؟ أليس بي تسنموا (3) الشرف، ونالوا الحق والنصف؟ # ألست آية نبوة محمد (صلى الله عليه وآله)، ودليل رسالته، وعلامة رضاه، ~~وسخطه الذي يقطع بي الدرع الدلاص، ويصطلم (4) الرجال الحراص، وبي كان يبري ~~جماجم البهم (5) وهام الأبطال إلى أن فزعت تيم إلى الفرار، وعدي إلى ~~الانتكاص. (6) # ألا وإني لو أسلمت قريشا للمنايا والحتوف وتركتها لحصدتها سيوف الغواة، ~~ووطأتها الأعاجم، وكرات الأعادي، وحملات الأعالي، وطحنتهم سنابك الصافنات ~~(7)، وحوافر الصاهلات، في مواقف الأزل والهزل (8)، في طلاب الأعنة، وبريق ~~الأسنة، ما بقوا لهضمي، ولا عاشوا لظلمي، ولما قالوا: إنك لحريص [متهم] (9). # ثم قال بعد كلام: PageV01P194 # ألا ms093 وإني فتحت الاسلام، ونصرت الدين، وعززت الرسول، وثبت (1) أعلامه، ~~وأعليت مناره، وأعلنت أسراره، وأظهرت أثره وحاله، وصفيت الدولة، ووطأت ~~الماشي (2) والراكب، ثم قدتها صافية على أني بها مستأثر. # [ثم قال بعد كلام:] (3) # سبقني إليها التيمي والعدوي كسباق الفرس احتيالا واغتيالا وخدعة وغيلة. # ثم قال بعد كلامه: # يا معشر المهاجرين والأنصار، أين كانت سبقة تيم وعدي إلى سقيفة بني ساعدة ~~خوف الفتنة [ألا كانت] (4) يوم الأبواء، إذ تكانفت الصفوف، وتكانفت ~~الحتوف (5)، وتقارعت السيوف؟ أم هلا خشيا فتنة الإسلام يوم ابن عبد ود إذ ~~شمخ بأنفه، وطمح ببصره؟ # ولم [لم] (6) يشفقا على الدين وأهله يوم بواط إذ اسود الافق، واعوج عظم ~~العنق (7)؟ # ولم لم يشفقا يوم رضوى إذ السهام تطير، والمنايا تسير، والاسد تزأر؟ # وهلا بادرا يوم العشيرة إذ الأسنان [تصطك، والآذان] (8) تستك، والدروع تهتك؟ PageV01P195 # وهلا كانت مبادرتهما يوم بدر إذ الأرواح في الصعداء ترتقي، والجياد ~~بالصناديد ترتدي، والأرض من دماء الأبطال ترتوي؟ # ولم لم يشفقا على الدين يوم بدر الثانية، والدعاس ترعب، والأوداج تشخب، ~~والصدور تخضب؟ # وهلا بادرا يوم ذات الليوث (1) وقد أمج التولب (2)، واصطلم الشوقب، ~~وادلهم (3) الكوكب. # [ولم لا كانت شفقتهما على الاسلام يوم الأكدر] (4)، والعين تدمع، والمنية ~~تلمع، والصفائح تنزع. # ثم عدد وقائع النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم قال: فإنهما كانا في ~~النظارة. # ثم قال: فما هذه الدهماء والدهياء التي وردت علينا (5) من قريش؟ أنا صاحب ~~هذه المشاهد، وأبو هذه المواقف، وابن هذه الأفعال الحميدة- إلى آخر ~~الخطبة-. # ومن جملة قصيدة للناشئ (رحمة الله عليه): # فلم لم يثوروا (6)ببدر وقد %~% تبلت من القوم إذ بارزوكا؟ # ولم عردوا إذ شجيت العدى %~% بمهراس احد وقد (7)نازلوكا؟ PageV01P196 # ولم أجمحوا يوم سلع (1)وقد %~% ثبت لعمرو ولم أسلموكا؟ # ولم يوم خيبر لم يثبتوا %~% براية (2)أحمد واستركبوكا؟ # فلاقيت مرحبا والعنكبوت %~% واسدا يحامون إذ واجهوكا # فدكدكت حصنهم قاهرا %~% وطوحت بالباب إذ حاجزوكا # ولم يحضروا بحنين وقد %~% صككت بنفسك جيشا صكوكا # فأنت المقدم في كل ذلك %~% فلله درك لم أخروكا؟ # ومن نهج البلاغة: # اللهم إني أستعديك على ms094 قريش، فإنهم [قد] (3) قطعوا رحمي، وكفروا آياتي ~~(4)، وأجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به من غيري، وقالوا: ألا [إن] (5) ~~في الحق أن تأخذه، وفي الحق [أن] (6) تمنعه، فاصبر مغموما، أو مت متأسفا، ~~فنظرت فإذا ليس لي رافد، ولا ذاب (7) ولا مساعد، إلا أهل بيتي، فضننت (8) ~~بهم عن المنية، فأغضيت على القذى (9)، وجرعت ريقي على الشجا (10)، وصبرت ~~على الأذى، ووطنت (11) نفسي على كظم الغيظ، وما هو أمر PageV01P197 # من العلقم، وآلم من حز الشفار. # وكذلك قوله (صلوات الله عليه) في خطبته الشقشقية: أما والله لقد تقمصها ~~(1) ابن أبي قحافة- إلى آخرها-. (2) # إذا تقرر هذا فاعلم- أيها المؤمن- [أن] (3) الدنيا لم تزل مصائبها مولعة ~~بالأنبياء والمرسلين، ومطالبها عسرة على الأولياء الصالحين، وأبناءها لم ~~تزل ترمي بسهام حسدها من شيد الله بالتقوى بنيانه، وشد بالاخلاص أركانه، ~~وأعلى بالطاعة مجده، وأسعد بالجد جده، يحسد دنيهم شريفهم، ويظلم قويهم ~~ضعيفهم، فتفكروا في رأس أبنائها، وأساس زعمائها، أول كل حاسد، وأصل كل ~~مارد، أعني الشيطان المغوي، والفتان المردي، كيف افتخر بعنصره النوراني، ~~وأصله النيراني، ورمى صفي الله المجتبى عن قوس غروره، وأصمى منه المعابل ~~بنبال فجوره، وأخرجه وروحه من الجنة ينزع عنهما لباسهما، ويبدي لهما ~~سوآتهما، فلعنه الله بما أبدى من حسده، وأبان عن سوء معتقده، وأخرجه من ~~نعيم جنته، وقلدته بشقوته طوق لعنته، فطلب النظرة منه سبحانه إلى يوم ~~الدين، فقال: # @QUR@04 (أنظرني إلى يوم يبعثون) (4) فقال سبحانه: @QUR@03 (إنك من ~~المنظرين) (5) فقال: # @QUR@07 (فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) (6). # ثم ينظره سبحانه كرامة به عليه ولم يمهله لمنفعة واصلة منه إليه، ولكن # (4) سورة الأعراف: 14 و15. وانظر الآيتين: 79 و80 من سورة ص. PageV01P198 # أراد سبحانه ليبلو عباده أيهم أشد مخالفة لأمره، وحذرا من زوره ومكره، ~~وتباعدا من موبقات زخارفه، وفرارا من موديات مواقفه، فصدق اللعين عليهم ~~ظنه، وزين لهم ما فرض عليهم وسنه، فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين، وعبدوه ~~إلا قليلا من المخلصين، واتخذوه ربا دون خالقهم، وابتغوا عنده الرزق دون ~~رازقهم، ونصروا أولياءه، وقهروا أعداءه، وذهبوا بهم كل مذهب، ms095 وسدوا عليهم ~~كل مطلب، واتخذوا الأوثان أربابا، والأصنام أنصابا، وقتلوا النبيين، وفتنوا ~~المؤمنين. # فهم أبناؤه المخلصون في طاعته، والمناصحون في متابعته، زين لهم دينه، ~~فاتبعوا قوله وفعله، وموه لهم سبيله، فاتخذوه وجهة وقبلة، وبحروا له ~~البحيرة، وسيبوا السائبة، ووصلوا الوصيلة بأحلامهم العازبة، فالصبور الشكور ~~نوح، والخليل والكليم والروح، كم نصبت أسلافهم لهم العداوة والبغضاء، وأغرت ~~أخلاقهم بهم السفهاء؟ حتى نادى نوح: رب @QUR@03 (أني مغلوب فانتصر) (1)، ~~والقي الخليل في نار ضرامها يستعر، وفر الكليم من الظالم الأشر، وابن مريم ~~لو لا ان الله تعالى رفعه إلى سمائه لأحلوا به الشيء النكر. # ثم لم يزل الأشرار من أشياعه، والفجار من أتباعه، والأرجاس من ذريته، ~~والأوغاد من حفدته، ترفع بالأنبياء (2) أوصياءهم، وتقصد بالأذى المخلصين من ~~أوليائهم، إلى أن انتهت النوبة إلى سيد المرسلين، وخاتم النبيين، فنصبوا له ~~غوائلهم، وفوقوا نحوه معابلهم، حتى قتلوا في بدر واحد أهله، وراموا بجدهم ~~وجمعهم قتله، وأخرجوه عن عقر داره، وطردوه عن محل قراره، وحزبوا أحزابهم ~~على حربه، وركبوا الصعب والذلول في طلبه، وضربوا بطون PageV01P199 # دواخلهم لمتاجرته، وأغروا سفهاءهم وجهالهم بمحاورته. # ولم يزل الله سبحانه مؤيدا له بنصره، مشيدا بنيانه بأخيه وصهره، قاصما ~~فقرات ظهور اولي النفاق بمشهور فقاره، قامعا هامات ذوي الشقاق بمشحوذ ~~غراره، مظهرا دين الاسلام بشدة عزمته، مدمرا حزب الشيطان بعالي همته، حتى ~~أعلى الله بسيفه كلمة الاسلام وشيدها، وأيد ملة الإيمان وأيدها، وفل جنود ~~الطغيان وفرقها، وأذل جموع العدوان ومزقها، وقتل من قريش أبطالها ~~وطواغيتها، وألقى عن البيت الحرام أنصابها وجوابيتها. # ولما علم الله أنه لا مزيد على تعنيه وإخلاصه، ولا أقرب إلى الرسول من ~~قرباه واختصاصه، توجه بتاج العصمة والزعامة، وجعل الامامة فيه وفي نسله إلى ~~يوم القيامة. # ولما أكمل الله دين الحق وأظهره، ونصب علم العدل ويسره، ودخل الناس في ~~دين الله أفواجا، وسلكوا إلى سبيل رضوان الله منهاجا، أراد الله أن ينقل ~~نبيه من داره الفانية إلى داره الباقية، وأن يتحفه بالحياة الدائمة في جنة ~~عالية، أنزل عليه بعد أن فتح ms096 حصون الشرك ودمرها، وأعلى كلمة الحق وأظهرها، ~~ونسف جبال الشرك وجعلها سرابا، وفتح لأهل الحق إلى عرفان جلاله أبوابا، ~~وصير لهم باتباع نبيه ووليه إلى رضوانه مآبا @QUR@022 (إذا جاء نصر الله ~~والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه ~~كان توابا) (1). ### ||| [في نعي رسول الله (صلى الله عليه وآله) نفسه] # قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية @QUR@05 (إنك ميت وإنهم ميتون) (2) قال PageV01P200 # رسول الله (صلى الله عليه وآله): ليتني أعلم متى يكون ذلك، فأنزل الله ~~سبحانه سورة النصر، فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يسكت بين التكبير ~~والقراءة بعد نزول هذه السورة، فيقول: سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه. # فقيل: يا رسول الله، لم تكن تقوله قبل هذا! [فقال] (1): أما إن نفسي ~~نعيت إلي، ثم بكى بكاء شديدا. فقيل: يا رسول الله، أو تبكي من الموت وقد ~~غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! # قال: فأين هول المطلع؟ وأين ضيق القبر، وظلمة اللحد؟ وأين القيامة ~~والأهوال؟ # فعاش (صلى الله عليه وآله) بعد نزولها عاما تاما. # ثم نزلت @QUR@05 (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) (2) الآية إلى آخر السورة، ~~وهذه السورة آخر سورة كاملة نزلت من القرآن، فعاش (صلى الله عليه وآله) ~~بعدها ستة أشهر، ثم لما مضى (صلى الله عليه وآله) في حجة الوداع نزلت عليه ~~في الطريق @QUR@06 (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) (3) إلى آخرها، ~~فسميت آية الصيف. (4) # ثم لما أتم (صلوات الله عليه وآله) مناسكه نزل عليه @QUR@016 (يا أيها ~~الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) (5). PageV01P201 ### ||| [أن الله تعالى أوحى إلى النبي (صلى الله عليه وآله) أن ينصب عليا للناس ويخبرهم بولايته، وقول النبي (صلى الله عليه وآله): «من كنت مولاه فعلي مولاه»] # روى العياشي (1) بإسناده عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن الكلبي، عن ~~أبي صالح، عن ابن عباس وجابر بن عبد الله قالا: أمر الله محمدا (صلى الله ~~عليه وآله) أن ينصب عليا ms097 (عليه السلام) للناس فيخبرهم بولايته، فتخوف رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) أن يقولوا حابى ابن عمه، وأن يطعنوا في ذلك ~~عليه، فأنزل الله هذه الآية، فقام (صلوات الله عليه وآله) بولايته يوم غدير خم. # وروى هذا الخبر أيضا الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده عن ابن أبي عمير ~~إلى آخره في كتاب شواهد التنزيل لقواعد التفضيل (2)، وفيه أيضا (3) قال: # لما نزلت هذه الآية أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيد علي (عليه ~~السلام) ورفعها، وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد ~~من عاداه. # وقد أورد هذا الخبر أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي في ~~تفسيره. (4) # و[قد] (5) اشتهرت الروايات عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) ان ~~الله أوحى إلى نبيه (صلى الله عليه وآله) أن يستخلف عليا (عليه السلام)، ~~فكان يخاف أن يشق ذلك على جماعة من أصحابه، فأنزل الله تعالى (6) هذه الآية PageV01P202 # تشجيعا له على القيام بما أمره الله (1) بأدائه. (2) # الباقر والصادق (عليهما السلام): لما نزلت هذه الآية وهي @QUR@08 (اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) (3) إلى آخرها قال يهودي لابن عباس ~~(4): لو كان هذا اليوم فينا لاتخذناه عيدا. # فقال ابن عباس: وأي يوم أكمل من هذا اليوم (5)؟ (6) # وسأورد خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أثناء هذا الفصل عند ذكر ~~خطبتي، فإني بنيتها على خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله). # وجاء في تفسير قوله تعالى: @QUR@05 (فأوحى إلى عبده ما أوحى) (7) ليلة ~~المعراج في علي، فلما دخل وقته أوحى الله: بلغ ما انزل إليك من ربك في ليلة ~~المعراج (8): PageV01P203 # لله در اليوم ما أشرفا %~% ودر من كان به أعرفا # ساق إلينا فيه رب العلى %~% ما أمرض الأعداء أو أتلفا # وخص بالأمر عليا وإن %~% بدل من بدل أو حرفا # إن كان قولا كافيا فالذي %~% قال بخم وحده قد كفى # قيل له بلغ فمن لم يكن %~% مبلغا عن ربه ما وفى (1) # عن أبي حاتم الرازي أن جعفر بن محمد الصادق (عليه ms098 السلام) قرأ @QUR@02 ~~(فإذا فرغت) (2) من إكمال الشريعة @QUR@01 (فانصب) لهم عليا إماما. # وروى النطنزي في كتابه الخصائص قال: لما نزل قوله: @QUR@04 (اليوم أكملت ~~لكم دينكم) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الله أكبر على إكمال ~~الدين، وإتمام النعمة، ورضا الرب برسالتي، وولاية علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام) بعدي. ### ||| [في قوله تعالى: @QUR@04 (اليوم أكملت لكم دينكم) ] # وروي: لما نزل قوله: @QUR@05 (إنما وليكم الله ورسوله) (3) أمر الله ~~سبحانه أن ينادي بولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وضاق النبي بذلك ~~ذرعا لمعرفته بفساد قلوبهم، فأنزل سبحانه: @QUR@07 (يا أيها الرسول بلغ ما ~~أنزل إليك) (4) الآية، ثم أنزل @QUR@05 (واذكروا نعمة الله عليكم) (5) ثم ~~أنزل @QUR@04 (اليوم أكملت لكم دينكم) ، وفي PageV01P204 # هذه الآية خمس إشارات (1): إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الرحمن، ~~وإهانة الشيطان، ويأس الجاحدين. # وفي الحديث أن الغدير عيد المؤمنين، وعيد الله الأكبر. # وعن ابن عباس قال: اجتمعت في ذلك اليوم- الذي نصب رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) [فيه] (2) عليا- خمسة أعياد: الجمعة والغدير وعيد اليهود ~~والنصارى والمجوس، ولم يجتمع قبل ذلك قط. # والعلماء مطبقون على قبول هذا الخبر، وإنما وقع الخلاف في تأويله. # ذكره محمد بن إسحاق، وأحمد البلاذري، ومسلم بن الحجاج، وأبو إسحاق ~~الثعلبي، وأحمد بن حنبل من أربعين طريقا. (3) ### ||| [رواة حديث الغدير] # وذكر عن الصاحب كافي الكفاة (رحمه الله) أنه قال: روى لنا قصة غدير خم ~~القاضي أبو بكر الجعابي عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، PageV01P205 # والزبير، والحسن، والحسين، وعبد الله بن جعفر، وعباس بن عبد المطلب، وعبد ~~الله بن عباس، وأبي ذر، وسلمان، وعبد الرحمن، وأبي برزة الأسلمي، وسهل بن ~~حنيف، إلى أن عد قريبا من مائة من أكابر الصحابة. # ومن النساء قد رواه: فاطمة الزهراء، وعائشة، وأم سلمة، وأم هانئ بنت أبي ~~طالب، وفاطمة بنت حمزة. # والغدير بين مكة والمدينة في واد يقال له وادي الأراك، وهو على أربعة ~~أميال من الجحفة عند شجرات خمس دوحات عظام. # الصادق (عليه السلام): تعطى حقوق الناس بشهادة عدلين (1)، وما اعطي علي ~~حقه ms099 بشهادة عشرة آلاف نفس [- يعني الغدير-] (2). (3) # فضائل أحمد بن حنبل وأحاديث أبي بكر بن مالك وإبانة ابن بطة وكشف الثعلبي ~~عن البراء، قال: لما أقبلنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حجة ~~الوداع كنا بغدير خم، فنادى (صلى الله عليه وآله): [ان] (4) الصلاة جامعة، ~~فكسح النبي (صلى الله عليه وآله) بين (5) شجرتين، وأخذ بيد علي، وقال: ~~ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ # قالوا: بلى، يا رسول الله. # ثم قال: ألست أولى من كل مؤمن بنفسه؟ # قالوا: بلى، يا رسول الله. PageV01P206 # فقال: هذا مولى من أنا مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. ### ||| [قول عمر بن الخطاب لعلي (عليه السلام): أصبحت مولاي] # قال: فلقيه عمر بن الخطاب، فقال: هنيئا لك يا ابن أبي طالب، أصبحت مولاي ~~ومولى كل مؤمن ومؤمنة. # وروي هذا الحديث من عدة طرق عن عمر بن الخطاب. # السمعاني في فضائل الصحابة (1): قيل لعمر بن الخطاب: إنا نراك تصنع بعلي ~~شيئا لا تصنعه بأحد من أصحاب النبي؟! # قال: لأنه مولاي. (2) # فقد أجرى الله الحق على لسانه، ولكن كان باطنه بخلاف ظاهره. # روى معاوية بن عمار، عن الصادق (عليه السلام) في خبر قال: لما قال النبي: ~~من كنت مولاه فعلي مولاه، قال العدوي: لا والله ما أمره بهذا، وما هو إلا ~~شيء تقوله، فأنزل الله سبحانه @QUR@06 (ولو تقول علينا بعض الأقاويل - ~~إلى قوله- @QUR@02 على الكافرين) (3) يعني محمدا، وقوله: @QUR@04 (وإنه لحق ~~اليقين) (4) PageV01P207 # يعني عليا. (1) # فهذا الحديث عن الصادق (عليه السلام) يؤيد ما قلناه من فساد باطنه. ### ||| [أقاويل المنافقين في ولاية علي (عليه السلام)] # حسان الجمال، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في خبر أن المنافقين لما ~~رأوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وآله رافعا يد علي، قال بعضهم لبعض: # انظروا عينيه كأنهما عينا مجنون، فنزل جبرئيل بهذه الآية: @QUR@014 (وإن ~~يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون) ~~(2). (3) # عبد العظيم الحسني: عن الصادق (عليه السلام) في خبر: قال رجل (4) من بني ~~عدي: اجتمعت إلي قريش، فأتينا النبي ms100 (صلى الله عليه وآله)، فقالوا: يا رسول ~~الله، إنا تركنا عبادة الأوثان واتبعناك، فأشركنا في ولاية علي (عليه ~~السلام)، فهبط جبرئيل (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: # @QUR@04 (لئن أشركت ليحبطن عملك) (5). # قال الرجل: فضاق صدري، فخرجت هاربا لما أصابني من الجاهد، فإذا أنا بفارس ~~قد تلقاني على فرس أشقر، عليه عمامة صفراء، تفوح منه رائحة المسك، وقال لي: ~~يا رجل، لقد عقد محمد عقدة لا يحلها إلا كافر أو منافق. PageV01P208 # [قال:] (1) فأتيت النبي (صلى الله عليه وآله) فأخبرته، فقال: هل عرفت ~~الفارس؟ ذاك جبرئيل (عليه السلام) عرض عليك (2) الولاية، إن حللتم أو ~~شككتم كنت خصمكم يوم القيامة. (3) # الباقر (عليه السلام) قال: قام ابن هند وتمطى (4) وخرج مغضبا واضعا ~~يمينه على عبد الله بن قيس الأشعري، ويساره على المغيرة بن شعبة، وهو يقول: ~~والله لا نصدق محمدا على مقالته، ولا نقر لعلي بولايته، فنزل @QUR@05 (فلا ~~صدق ولا صلى) (5) الآيات، فهم به رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يرده ~~ويقتله. # فقال جبرئيل: @QUR@06 (لا تحرك به لسانك لتعجل به) (6) فسكت [عنه] (7) ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) (8). # وروى الشيخ الطوسي وأبو علي الطبرسي في تفسيرهما (9) بإسناد متصل بالامام ~~الصادق (عليه السلام) قال: لما نصب رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا ~~علما يوم غدير خم، وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، وطار ذلك في البلاد، PageV01P209 # فقدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) النعمان بن الحارث الفهري (1)، ~~فقال: يا محمد، أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول ~~الله، وأمرتنا بالجهاد والصوم والصلاة والزكاة فقبلنا، ثم لم ترض حتى فضلت ~~هذا الغلام، فقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه، فهذا شيء منك أو أمر من الله؟ # فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): والله الذي لا إله إلا هو ان هذا ~~من الله. # فولى النعمان بن الحارث وهو يقول: @QUR@017 (اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب ms101 أليم) (2) فرماه الله ~~بحجر على رأسه فقتله، وأنزل الله تعالى @QUR@012 (سأل سائل بعذاب واقع ~~للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج) (3). (4) # وروي أنه في الحال قام يريد راحلته فرماه الله بحجر قبل أن يصل إليها. # وروي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما فرغ من غدير خم وتفرق الناس ~~اجتمع نفر من قريش يتأسفون على ما جرى، فمر بهم ضب، فقال بعضهم: # ليت محمدا أمر علينا هذا الضب دون علي. # (2) سورة الأنفال: 32. PageV01P210 # فسمع ذلك أبو ذر، فحكى ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، فبعث إليهم ~~وأحضرهم، وأعرض عليهم مقالهم، فأنكروا وحلفوا، فأنزل سبحانه تعالى: # @QUR@04 (يحلفون بالله ما قالوا) (1) الآية. # فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما أظلت الخضراء، ولا أقلت ~~الغبراء، الخبر. # وفي رواية أبي بصير، عن الصادق (عليه السلام): أن النبي (صلى الله عليه ~~وآله) قال: نزل علي جبرائيل وأخبرني أنه يؤتى يوم القيامة بقوم إمامهم ضب، ~~فانظروا ألا تكونوا اولئك، فأنزل سبحانه: @QUR@05 (يوم ندعوا كل أناس ~~بإمامهم) (2). (3) ### ||| [أن يوم الغدير في السماء أشهر منه في الأرض] # وروى شيخنا أبو جعفر الطوسي رضي الله عنه في أماليه عن أحمد [بن محمد] ~~(4) بن نصر، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنه قال: حدثني أبي، عن أبيه ~~أن يوم الغدير في السماء أشهر منه في الأرض، إن لله سبحانه في الفردوس قصرا ~~لبنة من فضة، ولبنة من ذهب، فيه مائة ألف خيمة من ياقوتة حمراء (5)، ومائة ~~ألف خيمة من ياقوتة خضراء، ترابه المسك والعنبر، فيه أربعة أنهار: نهر من ~~خمر، ونهر من ماء، ونهر من لبن، ونهر من عسل، حواليه أشجار جميع الفواكه، ~~عليها (6) طيور أبدانها من لؤلؤ، وأجنحتها من ياقوت، تصوت بأنواع الأصوات، ~~إذا كان يوم الغدير ورد إلى ذلك القصر أهل السماوات يسبحون الله PageV01P211 # ويقدسونه ويهللونه، فتطاير تلك الطيور فتقع في ذلك الماء، وتتمرغ على ذلك ~~المسك والعنبر، فإذا اجتمعت الملائكة طارت فتنفض ذلك عليهم، وانهم في ذلك ~~[اليوم] (1) ليتهادون نثار فاطمة (عليها السلام)، فإذا ms102 كان آخر اليوم نودوا: # انصرفوا إلى مراتبكم فقد أمنتم من الخطر والزلل إلى قابل في هذا اليوم ~~تكرمة لمحمد وعلي، الخبر. (2) ### ||| [زيارة المؤلف (رحمه الله) لمرقد أمير المؤمنين (عليه السلام)] # وفي سنة أحد وعشرين وتسعمائة زرت مشهده الشريف (صلوات الله عليه) وكان ~~الله سبحانه قد ألقى على لساني خطبة جليلة، وكلمات فصيحة في فضله (صلوات ~~الله عليه) وذم أعدائه، وأوردت في أثنائها خطبة النبي (صلى الله عليه وآله) ~~يوم الغدير (3)، والخطبة التي من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) التي ~~أوردها شيخنا أبو جعفر الطوسي في مصباحه الكبير (4)، وضممتها ألفاظا رائقة، PageV01P212 # واستعارات شائقة، يطرب لها المؤمن التقي، ويصدر عنها المنافق الشقي، ~~فخطبت بها في ذلك اليوم الشريف في مشهده (صلوات الله عليه) تجاه ضريحه في ~~جمع لا يحصى كثرة، وأحببت إيرادها في هذا المجموع لتكون تذكرة لمن كان له ~~قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ### ||| [الخطبة] # الحمد لله الذي ثبت بكلمة التوفيق قواعد عقائدنا، وأثبت في صحائف التصديق ~~دلائل معارفنا، وذلل لقلوبنا سلوك مشارع الايمان في مواردنا ومصادرنا، وسهل ~~لنفوسنا حزونة شرائع العرفان بقدم صدقنا واستقامتنا، وخاطبنا ببيان عنايته: # @QUR@03 (أجيبوا داعي الله) (1) فأجبنا، ونادانا بلسان سيد بريته: ~~@QUR@04 (أن آمنوا بربكم فآمنا) (2)، وأمرنا بالتمسك بعروة خليفته في ~~خليقته فقلنا: ربنا @QUR@03 (سمعنا وأطعنا) (3) لما سلك الناس مسالك ~~المهالك، وارتكبوا متن الضلالة فلم يحصلوا من طائل على ذلك، ورأوا شرار ~~الضلالة وظنوه سرابا، وشاهدوا علم الجهالة فحسبوه صوابا، سلكنا سبيل نبينا ~~وعترته، واستقمنا على طريقة ولينا وذريته، الذي زين الله كتابه بذكر ~~مناقبه، وأوضح في تنزيله عن شرف مراتبه، بدلالة إشارة @QUR@02 (إنما وليكم) ~~(4)، وآية عبارة @QUR@07 (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل) PageV01P213 # @QUR@03 (البيت ويطهركم) (1). # ولما علم الله صدق نبيه، وإخلاص طويته، ليس له ثان في الخلق، ولم يثنه ~~ثان عن التوجه إلى الحق، مصباح الظلام إذا العيون هجعت، المتهجد القوام إذا ~~الجنوب اضطجعت، المستأنس بالحق إذا الليل سجا، المستوحش من الخلق إذا الغسق ~~دجا، له مع الله حالات ومقامات، وتقلبه في صحائف الاخلاص سمات ms103 وعلامات، لا ~~يقصد بتهجده إلا مولاه، ولا يرجو بتعبده إلا إياه، لو لا جده لما قام ~~للاسلام عمود، ولو لا علمه لما عرف العابد من المعبود، اصطفاه سبحانه ~~لنفسه، وأيده بروح قدسه، وأوجب له عرض الولاية على جنه وإنسه، وساوى بينه ~~وبين الرسول في علمه وحلمه، وطمه ورمه، وجده ورسمه، وفضله وحقه. # وجعل له في قلوب المؤمنين ودا، وأمر نبيه أن يورده من غدير الشرف في ~~الغدير صدرا ووردا، وأن يثبت له في الأعناق إلى يوم التلاق عقدا وعهدا، وأن ~~يرفع له بالرئاسة العامة في الآفاق على الاطلاق شرفا ومجدا. # فقام (صلى الله عليه وآله) صادعا بأمر الله، منفذا لحكم الله، خاطبا في ~~الغدير على منبر الكرامة، مخاطبا للجم الغفير بفرض الامامة، مبينا أمر وصيه ~~وولي عهده، مظهرا شرف صفيه وأخص الخلق من بعده، راغبا معاطيا طال ما شمخت ~~تعززا وكبرا، قاهرا أسى كم أظهرت لولي أمرها عقدا وعذرا، قاطعا أسباب اولي ~~النفاق بمبين وعظه، قامعا هامات الشقاق بمتين لفظه. # ما أظهر (صلى الله عليه وآله) شرفه وميثاقه في الخطبة إلا بعد أن أعلى ~~الله في الملكوت الأعلى شأنه وخطبه، وأمر الصافين الحافين بالقيام على قدم PageV01P214 # الخدمة لاستماع النص الجلي على الامام العظيم، الذي زين الله كتابه بذكر ~~أسمائه بقوله: @QUR@07 (إنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم) (1). # صاحب الكرامات السامية، والمقامات العالية، وجه الله الذي يتوجه به إليه، ~~وسبيله الذي بسلوكه يفوز السالكون فيه يوم العرض عليه، ويده الباسطة في ~~بلاده، وعينه الباصرة في عباده، وحبيبه حقا فمن فرط فيه فقد فرط في حبيب ~~الله، ولسانه صدقا فمن رد عليه فقد رد على الله، لما شرب بالكأس الروية من ~~شراب @QUR@03 (يحبهم ويحبونه) (2)، وفاز بالدرجة العلية من مقامات ~~@QUR@03 (لعلمه الذين يستنبطونه) (3)، قابل بوجه باطنه أنوار تجليات قيوم ~~الملكوت، وظهرت بانعكاس مرآة كمال عرفانه أسرار صاحب العزة والجبروت، فصار ~~قلبه مشكاة النور الإلهي من حضيرة جلاله ونفسه، منبع السر الخفي من فيضان كماله. # جل أن يدرك وصفه بيان واصف، أو يوصف قدره ms104 بنان راصف، نقطة دائرة ~~الموجودات فعليه مدارها، وصفوة خلاصة الكائنات فهو قيمها ومختارها، من نحو ~~منطقه يعرف الحق فما زيد وعمر؟ وإلى مصباح علمه يعشق الخلق فما خالد وبكر؟ # من اعتقد أن الحق بميزان غير علومه يعرف فالوبال والنكال له وفيه، ومن ~~زعم أن الرب بمنطق غير بيانه يوصف فالتراب بل الكثكث (4) بفيه، كلي العلم ~~وجزئيه به يعرف، وفضل العدل وجنسه برسمه وحده معرف. PageV01P215 # لا شرف إلا لمن شرف باقتفاء آثاره، ولا سؤدد إلا لمن استضاء بلوامع ~~أنواره، ولا عرف إلا لمن تمسك بأسبابه، ولا عرف إلا لمن تمسك بترابه، فلك ~~النجاة في بحار الضلالة، وعلم الهداة في أقطار الجهالة، من التجأ إلى كنف ~~عصمته نجا، ومن غوى عن طريق طريقته هوى، لا يحبه إلا من علت همته، وغلت ~~قيمته، فطابت أرومته، وارتفعت جرثومته. # فيا أيها العارفون بفضله، المتمسكون بحبله، السالكون سبيله، التابعون ~~دليله، أبشروا بروح وريحان (1)، ومغفرة ورضوان، وجنات لكم فيها نعيم مقيم، ~~خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم (2)، قلتم ربنا ثم استقمتم، ~~وسلكتم سبيل نبيكم ووليكم وتبتم، فأنتم خلاصة الله في خلقه، القائمون ~~بوظائف عزائمه وحقه، فهنأكم الله في هذا اليوم الرحمة، وأتم عليكم النعمة، ~~وجعلكم خير أمة، وسلك بكم سبيل سيد الأئمة، الذي ضربه الله مثلا في محكم ~~تنزيله، وشد به عضد نبيه ورسوله، وهزم بعزمه الأحزاب، وقصم بسيفه الأصلاب، ~~وجعل حبه فارقا بين الكفر والإيمان، واتباعه وسيلة إلى الفوز بنعيم الجنان. # فانشروا في هذا اليوم أعلام الإسلام بنشر فضله، وابشروا إذ سلكتم منهاج ~~سبيله واستمسكتم بحبله، وأظهروا آثار النعمة فهو يوم الزينة للمخلصين من ~~أتباعه، واشكروا حسن صنيع ربكم إذ جعلكم من خاصته وأشياعه، وارعوا أسماعكم ~~إلى ما أورد الرسول من شرفه في خطبته، واستضيئوا بلوامع أنواره واستسنوا بسنته. # فقد روي أنه (صلى الله عليه وآله) لما أتم مناسك حجه، وفرغ من شعائر PageV01P216 # عجه وثجه (1)، ناداه الله بلسان التشريف مبينا فضله من لدنه ومكانته: ~~@QUR@016 (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن ms105 لم تفعل فما بلغت ~~رسالته) . (2) # فأراد (صلى الله عليه وآله) تأخير بلاغها إلى دار هجرته، ومستقر دعوته، ~~ظنا منه أنها فريضة موسعة، وأن الأمر فيه مندوحة وسعة، وفرقا من فرق ~~الضالين المضلين، الزالين المزلين، أن يكذبوا بالكتاب وحججه وبيناته، وأن ~~يتهموا الرسول فيما انزل عليه في وصيه بمحاباته. # فعاتبه سبحانه على ترك الاولى مهددا، ووعده العصمة على من لج في الباطل ~~واعتدى، وشرف الله غدير خم بما أنزل فيه من الرحمة، وأتم من النعمة. # فقام (صلى الله عليه وآله) فيه خاطبا على منبر الكرامة، موضحا فضل درجة ~~الامامة، هذا والجليل سبحانه يسدده، وروح القدس عن يمينه يمجده، وميكائيل ~~عن يساره يعضده، وجبرئيل معظم شأنه وخطبه، وحملة العرش مادة أعناقها ~~لاستماع الخطبة، والروحانيون وقوف على قدم الخدمة، والكروبيون صفوف لتلقي ~~نفحات الرحمة، والحور العين من القصور على الأرائك ينظرون، والولدان ~~المخلدون لنثار السرور منتظرون، آخذا بعضد من كان في المباهلة معاضده ~~ومساعده، وفي المصاولة عضده وساعده. # سيفه القاطع، ونوره الساطع، وصديقه الصادق، ولسانه الناطق، أخوه وابن ~~عمه، والخصيص به كابن امه، ليث الشرى (3)، غيث الورى، أسد الله PageV01P217 # المحراب (1)، حليف المسجد والمحراب، قاصم العداة، وقاسم العدات، في ~~المعركة ليث، وفي المخمصة (2) غيث، طريقه أبلج، ونهجه أوضح منهج، بابه عند ~~سد الأبواب مفتوح، وصدره لتلقي نفحات الرحمن مشروح. # كم عنيد بصارمه شدخ؟ وكم صنديد ببطشه دوخ؟ وكم ريح للشرك أركد؟ وكم نار ~~للظلم أخمد؟ وكم صنم جعله جذاذا؟ وكم وثن تركه أفلاذا؟ # قسيم الجنة والنار، وسيد المهاجرين والأنصار، وحياة المجدبين لدى ~~الاغوار، ونكال الظالمين يوم البوار، جعله الله للمصطفى ختنا ونفسا، وله ~~الزهراء سكنا وعرسا، ورفع له فوق عرش المجد عرشا، وخلقه أشد خلقة قوة ~~وإيمانا وبطشا. # كم أسد بثعلب رمحه قنص؟ وكم صنديد حذرا من حسامه كع وقعص؟ # أعلم من على وجه الأرض، بالكتاب والسنة والفرض، الإيمان بحبه منوط، ~~والكفر ببغضه مسوط (3)، أفصح من لفظ، وأنصح من وعظ، وأتقى من سجد لله وركع، ~~وأخشى من خشي الرحمن بالغيب وخضع، حلل الإمامة ربنا ms106 على هامة مجده أفرغ ~~فرغ، ولبوس الزعامة نبينا على قد قامته فصل وأسبغ، وله بالرئاسة العامة فضل ~~وشرف، ولأسماع أوليائه بذكر مناقبه لذذ وشنف، شهد الله له بالاخلاص وصدق، ~~لما انه بخاتمه في ركوعه تصدق. # الزاهد السالك، العابد الناسك، العالم العامل، الولي الكامل، صراط الله ~~المستقيم، ونهجه القويم، وأمينه المأمون، وخازن سره المخزون، النجم في ~~منزله هوى، والرسول في نصبه علما للمسلمين ما ضل وما غوى ولا ينطق عن PageV01P218 # الهوى (1)، المرجع في علم التوحيد إليه، والمعول في معرفة الكتاب والسنة ~~عليه، أجل العالمين جلالا، وأفصحهم مقالا. # الامام الزكي القدسي الرباني الإلهي، أمير المؤمنين أبو الحسن علي الجليل ~~العلي، حامدا لله حمدا يليق بجلال عظمته، شاكرا لأنعمه شكرا يحسن بتمام ~~نعمته، موضحا دين الحق في خطبته، شارحا قول الصدق في كلمته، قائلا: # معاشر الناس، ألست أولى منكم بأنفسكم؟ # قالوا: بلى، يا رسول الله. # قال: فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، ومن كنت نبيه فعلي إمامه ووليه. # أيها الناس، إن الله آخى بيني وبين علي، وزوجه ابنتي من فوق عرشه، وأشهد ~~على ذلك مقربي ملائكته، فعلي مني وأنا من علي، محبه محبي، ومبغضه مبغضي، ~~وهو ولي الخلق من بعدي. # معاشر الناس، إن هذا اليوم وهو يوم غدير خم من أفضل أعياد أمتي، وهو ~~اليوم الذي أمرني الله فيه بنصب علي أخي علما لامتي، يبين لهم ما اختلفوا ~~فيه من سنتي، وهو أمير المؤمنين، ويعسوب المتقين، وقائد الغر المحجلين. # أيها الناس، من أحب عليا أحببته، ومن أبغض عليا أبغضته، ومن وصل عليا ~~وصلته، ومن قطع عليا قطعته، ومن والى عليا واليته، ومن عادى عليا عاديته. # أيها الناس، أنا مدينة الحكمة وعلي بابها، لا تؤتى المدينة إلا من قبل ~~الباب، وكذب من يزعم أنه يحبني ويبغض عليا. PageV01P219 # أيها الناس، والذي بعثني بالرسالة، وانتجبني للنبوة، ما أقمت عليا علما ~~في الأرض حتى نوه الله بذكره في السماء، وفرض ولايته على سائر ملائكته. ### ||| [ثم قلت عقيبها:] # يا لها من خطبة نشر فيها (صلى الله عليه وآله) ms107 لواء الايمان، وظهر منها ~~رواء الإحسان، وخفق علم الحق في الملكوت الأعلى، وبرق بارق العدل في أقطار ~~الدنيا، فالملائكة المقربون مشغولون بتكرارها لاستظهارها، والولدان ~~المخلدون مأمورون بإظهارها وإشهارها، يحيي موات القلوب مزن سحابها، وينشي ~~نشوات السرور في النفوس رحيق شرابها، وتنعش قلب المؤمن التقي بلذة خطابها، ~~وتتعس جد المنافق الشقي بشدة عتابها. # يا لها من خطبة الحق منبرها، والصدق مخبرها، والنبوة أصلها، والإمامة ~~نسلها، والنبي موردها ومصدرها، والوصي موردها ومصدرها، العهود فيها مؤكدة، ~~والعقود مشددة، والإيمان بامتثال نواهيها وأوامرها منوط، والكفر بمخالفة ~~بواطنها وظواهرها مسوط، بلبل دوح فصاحتها يطرب أسماع القلوب بشهي نغمته، ~~وسربال جمال بلاغتها يروق أبصار البصائر بوشي صنعته. # دقت لها كئوس الحبور في الملكوت الأعلى، واديرت كئوس السرور في جنة ~~المأوى، وتلقت الملائكة المقربون بالبشرى أهل التحقيق على مراكب التوفيق، ~~وطافت الولدان المخلدون على أهل التصديق من الرحيق المختوم بأكواب وأباريق، ~~وفتح رضوان باب الرضوان بأمر المهيمن السلام، وقال لأهل الولاية من ~~المؤمنين: @QUR@02 (ادخلوها بسلام) (1)، ومشى بين أيديهم قائما بشرائط PageV01P220 # الخدمة، وأجلسهم على أرائك التعظيم مجريا عليهم من الاكرام عادته ورسمه، ~~@QUR@026 (يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون ~~عنها ولا ينزفون وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون) (1). # فابشروا- معاشر المؤمنين العارفين- بفضل هذا اليوم الشريف، والعيد ~~المنيف، الذي أقام الله فيه عليا أمير المؤمنين علما للمسلمين، وأمركم ~~باتباع نير دليله في محكم تنزيله، فقال عز من قائل: @QUR@014 (وأن هذا ~~صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) (2). # والله لقد نظرتم حيث نظر الله، وواليتم من والى الله، وعاديتم من عادى ~~الله، أنتم الشعار والدثار، والأبرار الأطهار، طهرت ولادتكم، وخلصت طينتكم، ~~فما المؤمنون إلا أنتم، ولا المخلصون إلا منكم، اختاركم الله لدينه، ~~واصطفاكم على غيبه، فما خلقت الجنة إلا لكم، ولا برزت الجحيم إلا لعدوكم. # أنتم في النار تطلبون فلا توجدون، ومن الكوثر تردون ولا تصدون، فلا ~~يحزنكم إقبال الدنيا على غيركم، واجتماع أهلها على إهانتكم وتأخيركم، فإنما ~~هم ذئاب ضارية، بل كلاب ms108 عاوية، فلا تمدوا أعينكم إلى ما متعوا به من ~~زينتها، وفتنوا فيه من زهرتها، من الثياب الموشاة، والمراكب المغشاة، ~~والخيل المسومة، والنعم المطهمة، والحلل المزررة، والعمائم المقورة، ~~والرقاب الغليظة، والأقفاء العريضة، والعثانين (3) المصففة، واللحى ~~المغلفة، والدور المزخرفة، والقصور المشرفة، والأموال المكنوزة، والأمتعة ~~المحروزة، والمنازل العامرة، PageV01P221 # والجنان الغامرة، فإن ذلك متاع قليل، وجناب وبيل، مرجعه إلى زوال، وتملكه ~~إلى انتقال. # وعن قليل يسفر الصباح، ويحيعل الداعي إلى الفلاح، ويحمد المؤمن التقي غب ~~السرى (1)، وينجلي عن المنافق الشقي غيابات الكرى (2)، ويرى أن ما كان ~~فيه من النعيم الزائد، والزبرج الجائد، إلا (3) كسراب بقيعة (4)، أو حلم ~~يقتضيها سويعة، ويتجلى الجليل لحسابه، وتتهيأ ملائكة العذاب لأخذه وعقابه، ~~ويرى سيده عتيق الأول، وابن صهاك الزنيم الأرذل، في الدرك الأسفل، والعذاب ~~الأطول، مصفدين مقرنين، يستغيثان فلا يغاثان، ويناديان فلا يجابان، كلما ~~سدت عليهما سبل المسالك استغاثا بخازن النار: يا مالك يا مالك، نضجت منا ~~الجلود، يا مالك أثقلتنا القيود. # إذا أراد الله أن يحل بأهل النار أليم عذابه، ووخيم عقابه، أمر ملائكة ~~العذاب بفتح كوة من سجنهما، فيتأذى أهل النار من ريحهما ونتنهما، شرابهما ~~حميم، وعذابهما مقيم، وأشياعهما من حولهما في السلاسل يسحبون، وبالمقامع ~~يضربون، وفي النار يسجرون، وفي العذاب محضرون، يقولون: @QUR@07 (ربنا ~~أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون) (5)، فيجابون: @QUR@032 (اخسؤا فيها ولا ~~تكلمون إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير ~~الراحمين فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون إني جزيتهم) PageV01P222 # @QUR@06 (اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون) (1). # يطلع الله عليهما فيلعن، والملائكة تؤمن، والنبي يعنف، والوصي يؤفف، ~~والزهراء تتظلم، والجحيم تتضرم، والزبانية تقمع، والنار تسفع (2)، هذا ~~جزاء من وسم غير إبله، وخالف الله ورسوله بقوله وعمله، ومنع الزهراء تراثها ~~(3) من والدها سيد المرسلين، وآذى الله ورسوله وآذى إمام المسلمين وسيد ~~الوصيين. # كل ذلك وأنتم على الأرائك تنظرون، ومن الكفار تضحكون، ومن زيارة سادتكم ~~لا تحجبون، @QUR@019 (يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس ~~المتنافسون ومزاجه من تسنيم عينا ms109 يشرب بها المقربون) (4) إذا نظرتم إلى ~~نبيكم ووليكم على الحوض للمؤمن يوردون، وللمنافق يطردون قلتم: # @QUR@014 (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا ~~الله) فيجابون: @QUR@07 (أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون) (5). # فاحمدوا ربكم على هذه النعمة التي أهلكم لها، وجعلكم من أهلها، واقتدوا ~~في هذا اليوم بسنة وليكم ووسيلتكم إلى أمير المؤمنين وسيد الوصيين، فقد روي ~~أنه (صلوات الله عليه) خطب في هذا اليوم الكريم، والعيد العظيم، فقال- بعد ~~أن حمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي وصلى عليه-: أيها الناس، هذا يوم # (3) الورث والإرث والتراث والميراث: ما ورث. «لسان العرب: 2/ 200- ورث-». PageV01P223 # عظيم الشأن، فيه وقع الفرج، وعلت (1) الدرج، ووضحت الحجج، وهو يوم ~~الايضاح، ويوم الافصاح، ويوم الكشف عن المقام الصراح، ويوم كمال الدين، ~~ويوم العهد المعهود، ويوم الشاهد والمشهود، ويوم بيان (2) العقود عن ~~النفاق والجحود، ويوم البيان عن حقائق الايمان، ويوم البرهان، ويوم دحر ~~الشيطان. # هذا يوم الفصل الذي كنتم توعدون (3)، ويوم الملأ الأعلى إذ يختصمون، ~~ويوم النبأ العظيم الذي أنتم عنه معرضون (4)، ويوم الارشاد، ويوم محنة ~~العباد، ويوم الدليل على الرواد (5)، ويوم إبداء خفايا الصدور، ومضمرات ~~الامور، هذا يوم النصوص على أهل الخصوص، هذا يوم شبيث، هذا يوم إدريس، هذا ~~يوم هود، هذا يوم يوشع، هذا يوم شمعون [هذا يوم الأمن المأمون] (6)، هذا ~~يوم إبراز المصون من المكنون، هذا يوم إبلاء السرائر. # فلم يزل (صلوات الله عليه) يقول: هذا يوم، هذا يوم، ثم قال: فراقبوا الله ~~عز وجل واتقوه، واسمعوا له وأطيعوه، واحذروا المكر ولا تخادعوه، وفتشوا ~~ضمائركم ولا تواربوه، وتقربوا إلى الله بتوحيده وطاعة من أمركم أن تطيعوه، ~~ولا تمسكوا بعصم الكوافر، ولا يجنح (7) بكم الغي فتضلوا عن سواء السبيل ~~باتباع اولئك الذين ضلوا وأضلوا، قال الله سبحانه عن طائفة ذكرهم بالذم في ~~كتابه فقال سبحانه: @QUR@010 (وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين ~~استكبروا إنا) PageV01P224 # @QUR@010 كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار . (1) # وقال سبحانه: @QUR@017 (ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ms110 ~~ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا) . (2) # أتدرون ما الاستكبار؟ هو ترك الطاعة لمن امروا بطاعته، والترفع عمن ندبوا ~~إلى متابعته، والقرآن ينطق من هذا عن كثير إن تدبره متدبر وعظه وزجره. # واعلموا- عباد الله- أن الله سبحانه يقول في محكم كتابه: @QUR@011 (إن ~~الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص) (3) أتدرون ما ~~سبيل الله؟ # ومن سبيل الله؟ وما صراط الله؟ ومن صراط الله؟ # أنا صراط الله الذي نصبني (4) للاتباع بعد نبيه (صلى الله عليه وآله)، ~~وأنا سبيل الله الذي من لم يسلكه بطاعة الله [فيه] (5) هوي به إلى النار، ~~وأنا حجة الله على الأبرار والفجار، [ونور الأنوار] (6)، وأنا قسيم الجنة ~~والنار، فتيقضوا من رقدة الغافلين (7)، [وبادروا بالعمل قبل حلول الأجل، ~~وسابقوا إلى مغفرة من ربكم] (8) قبل أن يضرب بالسور بباطن الرحمة وظاهر ~~العذاب، فتدعون فلا يسمع دعاؤكم، وتصيحون فلا يحفل بصيحتكم، وأن (9) ~~تستغيثوا PageV01P225 # فلا (1) تغاثوا، بادروا بالطاعات قبل فوات الأوقات، فكأن قد جاءكم هادم ~~اللذات، ولات حين مناص (2)، ولا محيص تخليص. # عودوا رحمكم الله بعد انقضاء مجمعكم بالتوسعة على عيالكم، والبر ~~بإخوانكم، والشكر لله عز وجل على ما منحكم، واجتمعوا يجمع الله شملكم، ~~وتباروا يصل الله الفتكم، وتهانوا نعمة الله كما هنأكم بالثواب (3) على ~~أضعاف الأعياد قبله وبعده إلا في مثله، والبر فيه يثمر المال، ويزيد في ~~العمر، والتعطف فيه يقتضي رحمة الله وعطفه. # فافرحوا وفرحوا إخوانكم باللباس الحسن، والمأكل الهنيء، والرائحة ~~الطيبة، وهنؤا إخوانكم وعيالاتكم بالفضل من بركم، وما (4) تناله القدرة من ~~استطاعتكم، وأظهروا البشر والحبور فيما بينكم، والسرور في ملاقاتكم، والحمد ~~لله على ما منحكم، وعودوا بالمزيد من الخير على أهل التأميل لكم، وصلوا بكم ~~ضعفاءكم بالفضل من أقواتكم (5)، وما تناله القدرة من استطاعتكم، وعلى حسب ~~طاقتكم، فالدرهم فيه بمائة ألف درهم، والمزيد من الله عز وجل ما لا درك له، ~~وصوم هذا اليوم مما ندب الله تعالى إليه، وجعل الثواب الجزيل كفالة عنه، ~~حتى لو أن عبدا من العبيد تعبد به بالتشبيه من ابتداء الدنيا ms111 إلى انتهائها، ~~صائما نهارها، قائما ليلها، إذا أخلص المخلص في صيامه لتقاصرت إليه أيام ~~الدنيا [عن كفاية، ومن أسعف أخاه مبتدأ وبره راغبا فله كأجر من صام هذا اليوم PageV01P226 # وقام ليلته] (1)، ومن فطر مؤمنا في ليلته كان كمن فطر فئاما وفئاما. # فلم يزل (صلوات الله عليه) يعد بيده الشريفة حتى عد عشرا. # فنهض ناهض وقال: يا أمير المؤمنين، وما الفئام؟ # قال: مائة ألف نبي وصديق وشهيد، فما ظنكم بمن تكفل عددا من المؤمنين؟ ~~فأنا الضامن له على الله تعالى الأمان من الكفر والفقر، وإن مات في يومه أو ~~في ليلته أو فيما بعده إلى مثله [من غير ارتكاب كبيرة] (2) فأجره على الله ~~تعالى، ومن استدان لإخوانه فأسعفهم فأنا الضامن له على الله، إن بقاه أداه، ~~وإن مات قبل تأديته تحمله عنه، وإذا تلاقيتم فتصافحوا بالتسليم، [وتهانوا ~~النعمة في هذا اليوم] (3)، وليعلم بذلك الشاهد الغائب والحاضر البائن، ~~وليعد القوي على الضعيف، والغني على الفقير، بذلك أمرني رسول الله عن الله. (4) # وفي الحديث ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان يخبر عن وفاته بمدة ويقول: ~~قد حان مني خفوق من بين أظهركم، وكان المنافقون يقولون: لئن مات محمد ليخرب ~~دينه، فلما كان موقف الغدير قالوا: بطل كيدنا، فنزلت: @QUR@06 (اليوم يئس ~~الذين كفروا من دينكم) (5). (6) PageV01P227 # وكان الجمع الكبير والجم الغفير في الغدير حين أخذ البشير النذير بيد ~~صنوه نور الله المبين، وسببه المتين، وإمام المتقين، وأمير المؤمنين، ~~أكثرهم ممن الإلحاد دينه، والنفاق قرينه، قد استحوذ الشيطان على قلبه، ~~واستولى على لبه، فأعطى بلسانه ما ليس في فؤاده، وظهر على صفحات وجهه ما ~~أضمر من إلحاده، وأسر غدرا، وأخفى مكرا، ونصب لنبيه الغوائل، وجادل في أمر ~~الغدير بالباطل، وأرصد بابه لتنفر ناقته، وعاقد على إنزال المنون بساحته، ~~واستئصال شأفته. # وأطلع الله نبيه على ما دبروا، ووقاه سيئات ما مكروا، ولما أشرقت دار ~~الهجرة بنور مقدمه، وشرفت أرجاؤها بموطئ قدمه، وقد أكمل (صلى الله عليه ~~وآله) الدين بنصب وصيه علما لامته، وعمم النعمة بجعله حافظا ms112 لشريعته، ونشر ~~أعلام الإيمان بنشر مناقبه، وأعلى كلمة الاسلام بإعلاء مراتبه، وجلا أحكام ~~الشريعة النبوية في مدامس الاشتهار، وحلى جيد الملة الحنيفية بنفائس ~~الافتخار (1)، ودارت رحى العدل على قطبها، وأشرقت الأرض بنور ربها، دعاه PageV01P228 # الله إلى جواره مختارا، وناداه بلسان قضائه جهارا: يا من أطلعته على سري ~~المصون، وغيبي المكنون، @QUR@05 (إنك ميت وإنهم ميتون) (1). # ولما انقضى أجله الجليل، وألمت به الأسقام مؤذنة بوشك الرحيل، انصدعت ~~لتوجعه قلوب المؤمنين، وهمعت لتألمه عيون المسلمين. ### ||| [بدء مرض النبي (صلى الله عليه وآله)] # وكان بدء مرضه (صلى الله عليه وآله) يوم السبت أو يوم الأحد من صفر. # ولما اشتد مرضه قام (صلى الله عليه وآله) آخذا بيد علي (عليه السلام)، ~~وتبعه جماعة من أصحابه، وتوجه إلى البقيع، فقال: السلام عليكم أهل القبور، ~~ليهنئكم ما أصبحتم فيه مما فيه الناس، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع PageV01P229 # آخرها أولها، إن جبرئيل كان يعرض علي القرآن كل سنة مرة، وهذه السنة عرضه ~~علي مرتين، ولا أراه إلا لحضور أجلي. ### ||| [النبي (صلى الله عليه وآله) يوصي قبل وفاته] # فقام إليه عمار بن ياسر وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إذا كان ذلك ~~من يغسلك منا؟ # قال: ذاك علي بن أبي طالب، إنه لا يهم بعضو من أعضائي إلا أعانته ~~الملائكة على ذلك. # قال: فمن يصلي عليك منا إذا كان ذلك؟ # قال: مه رحمك الله، ثم قال لأمير المؤمنين (عليه السلام): يا علي، إذا ~~رأيت روحي قد فارقت جسدي فاغسلني وانق غسلي، وكفني في طمري اللذين اصلي ~~فيهما أو في بياض مصر وبرد يماني، ولا تغال في كفني، واحملوني حتى تضعوني ~~على شفير قبري، فأول من يصلي علي الجليل جل جلاله من فوق عرشه، ثم جبرئيل ~~وميكائيل وإسرافيل في جنود من الملائكة لا يحصي عددهم إلا الله عز وجل، ثم ~~الحافون بالعرش، ثم أهل سماء فسماء، ثم جل أهل بيتي ونسائي الأقربون ~~فالأقربون، يؤمون إيماء، ويسلمون تسليما، لا تؤذوني بصوت نادب ولا برنة. # ثم قال لعمه العباس: يا ms113 عباس، يا عم رسول الله، تقبل وصيتي، وتنجز عدتي، ~~وتقضي ديني. # فقال العباس: يا رسول الله، عمك شيخ كبير، ذو عيال كثير، وأنت تباري ~~الريح سمحا وكرما، وعليك وعد لا ينهض به عمك. # فأقبل على علي (عليه السلام)، فقال: تقبل وصيتي، وتنجز عدتي، وتقضي ديني؟ PageV01P230 # فقال: نعم، يا رسول الله. # فقال: ادن مني، فدنا منه، فضمه إليه ونزع خاتمه من يده، فقال: خذ هذا ~~فضعه في يدك، ودعا بسيفه ودرعه وجميع لامته، فدفع ذلك إليه، والتمس عصابة ~~كان يشدها على بطنه إذا لبس الدرع، وروي أن جبرئيل أتاه بها من السماء، ~~فجيء بها إليه، فدفعها إلى علي وقال: اقبض هذا في حياتي، ودفع إليه بغلته، ~~وقال: امض على اسم الله إلى منزلك. # ثم اغمي على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وحضر وقت الصلاة، وأذن ~~بلال، ونادى: الصلاة يا رسول الله. # ففتح (صلى الله عليه وآله) عينيه وقال: ادعوا لي حبيبي، فجعل يعرض عليه ~~رجل فرجل وهو يعرض عنه، إلى أن حضر أمير المؤمنين فتهلل وجهه، ثم قال: يا ~~بلال، هلم علي بالناس، فأجمع الناس. ### ||| [الصلاة الأخيرة للنبي (صلى الله عليه وآله) بالناس] # فخرج (صلى الله عليه وآله) متوكئا على أمير المؤمنين بيده اليمنى، وعلى ~~الفضل بن العباس باليد الاخرى، متعصبا بعمامته، متوكئا على قوسه، فصلى ~~بالناس جالسا، وقد كانت عائشة قد أرسلت إلى أبيها أن يصلي بالناس، فنحاه ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصلى. # ثم قام وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنه قد ~~حان مني خفوق من بين أظهركم، فأي نبي كنت لكم؟ ألم اجاهد بين أظهركم، ألم ~~تكسر رباعيتي؟ ألم يعفر جبيني؟ ألم تسل الدماء على حر وجهي حتى لثقت (1) ~~لحيتي؟ ألم اكابد الشدة والجاهد مع جهال قومي؟ ألم أربط حجر المجاعة على بطني؟ PageV01P231 # قالوا: بلى، يا رسول الله، لقد كنت صابرا، وعن المنكر ناهيا، فجزاك الله ~~عنا أفضل الجزاء. ### ||| [الرسول (صلى الله عليه وآله) يعطي القصاص من نفسه] # قال: وأنتم جزاكم ms114 الله ربي ثم قال: إن ربي سبحانه أقسم ألا يجوزه ظلم ~~ظالم، فناشدتكم بالله أي رجل منكم كانت له قبل محمد مظلمة فليقم وليقتص، ~~فإن القصاص في دار الدنيا أحب إلي من القصاص في الآخرة على رءوس الملائكة ~~والأنبياء؟ # فقام إليه رجل- من أقصى القوم- يقال له سوادة بن قيس فقال: فداك أبي ~~وامي، إنك- يا رسول الله- لما أقبلت من الطائف استقبلتك وأنت على ناقتك ~~العضباء وبيدك القضيب الممشوق، فرفعت القضيب وأنت تريد الراحلة فأصاب بطني، ~~فلا أدري أعمدا أم خطأ؟ # فقال (صلى الله عليه وآله): معاذ الله أن أكون تعمدت، ثم قال: يا بلال، ~~قم إلى منزل فاطمة فائتني بالقضيب الممشوق، فخرج بلال وهو ينادي في سكك ~~المدينة: معاشر الناس، من الذي يعطي القصاص من نفسه قبل يوم القيامة؟ # فطرق بلال الباب على فاطمة (عليها السلام) وهو يقول: يا فاطمة، قومي ~~فوالدك يريد القضيب الممشوق، فصاحت فاطمة وهي تقول: وما يصنع أبي بالقضيب ~~وليس هذا اليوم يومه؟! # فقال: أما علمت أن أباك قد صعد المنبر وهو يودع الناس ويعطي القصاص من ~~نفسه؟ فصاحت فاطمة وهي تقول: وا غماه لغمك يا أبتاه، من للفقراء والمساكين ~~وابن السبيل بعدك يا رسول الله، يا حبيب الله، وحبيب القلوب؟ ثم ناولت ~~بلالا القضيب، فجاء به وناوله رسول الله (صلى الله عليه وآله). PageV01P232 # فقال رسول الله: أين الشيخ؟ # فقال: ها أنا ذا يا رسول الله، بأبي أنت وامي. # قال: قم فاقتص حتى ترضى. # فقال الشيخ: اكشف لي عن بطنك يا رسول الله، فكشف (صلى الله عليه وآله) عن ~~بطنه، فقال الشيخ: أتأذن لي- يا رسول الله- أن أضع فمي على بطنك؟ # فأذن له، فقال: أعوذ بموضع القصاص من بطن رسول الله من النار. # فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا سوادة، أتعفو أم تقتص؟ # قال: بل أعفو، يا رسول الله. # فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اللهم اعف عن سوادة بن قيس كما عفا ~~عن نبيك. # ثم نزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودخل منزل أم ms115 سلمة وهو يقول: # رب سلم أمة محمد من النار، ويسر عليهم الحساب. # فقالت أم سلمة: يا رسول الله، مالي أراك مغموما متغير اللون؟ # فقال (صلى الله عليه وآله): نعيت إلي نفسي، فسلام لك مني في الدنيا فلا ~~تسمعين صوت محمد بعد هذا أبدا. # فقالت أم سلمة: وا حزناه حزنا لا تدركه الندامة عليك يا محمد. # ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ادع لي حبيبة نفسي وقرة عيني ~~فاطمة، فجاءت فاطمة وهي تقول: نفسي لنفسك الفداء، ووجهي لوجهك الوقاء، يا ~~أبتاه، ألا تكلمني كلمة، فإني أراك مفارق الدنيا، وأرى عساكر الموت تغشاك؟ PageV01P233 # فقال: يا بنية، إني مفارقك، فسلام عليك مني. # قالت: يا أبتاه، فأين الملتقى يوم القيامة؟ # قال: عند الحساب. # قالت: فإن لم ألقك عند الحساب؟ # قال: عند الشفاعة لامتي. # قالت: فإن لم ألقك عند الشفاعة لامتك. # قال: عند الصراط، جبرئيل عن يميني، وميكائيل عن يساري، والملائكة من خلفي ~~وقدامي ينادون: رب سلم أمة محمد من النار، ويسر عليهم الحساب. # قالت فاطمة (عليها السلام): فأين والدتي خديجة؟ # قال: في قصر له أربعة أبواب إلى الجنة. ### ||| [قول النبي (صلى الله عليه وآله): «ائتوني بدواة وكتف ...» وقول عمر: «إن النبي قد اشتد به الوجع وهو يهجر»] # وعن ابن عباس قال: اشتد برسول الله (صلى الله عليه وآله) وجعه يوم ~~الخميس، فقال: ائتوني بدواة وكتف لأكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا. # فقال عمر: إن النبي قد اشتد به الوجع وهو يهجر، عندكم القرآن حسبنا كتاب ~~الله (1)، فاختلف الناس حينئذ بينهم، فمنهم من يقول: القول ما قال عمر، PageV01P234 # فلما كثر اللغط (1) عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: قوموا، فكان ~~ابن عباس يقول: الرزية كل الرزية ما خلا بين رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم. # ثم اغمي على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما أفاق قال: انطلقوا بي ~~إلى فاطمة، فجيء به حتى وضع رأسه في حجرها، فإذا الحسن والحسين (عليهما ms116 ~~السلام) يبكيان ويصيحان ويضطربان، وهما يقولان: أنفسنا لنفسك الفداء، ~~ووجوهنا لوجهك الوقاء. # فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي، من هذان؟ # فقال: ابناك الحسن والحسين، فعانقهما وقبلهما، وكان الحسن أشد بكاء من ~~الحسين. ### ||| [نزول ملك الموت لقبض روح النبي (صلى الله عليه وآله)] # فقال أمير المؤمنين: كف يا حسن، فقد شققت على رسول الله، ونزل ملك الموت، ~~فقال: السلام عليك، يا رسول الله. # فقال: وعليك السلام، يا ملك الموت، لي إليك حاجة، ألا تقبض روحي حتى يأتي ~~جبرئيل أخي. # فخرج ملك الموت وهو يقول: وا محمداه، فاستقبله جبرئيل في الهواء، وقال: ~~يا ملك الموت، قبضت روح محمد (صلى الله عليه وآله)؟ # قال: سألني ألا أقبضه حتى يلقاك فيسلم عليك وتسلم عليه. # فقال جبرئيل: يا ملك الموت، أما ترى أبواب السماء قد فتحت لروح محمد؟ أما ~~ترى الحور العين قد تزينت لمحمد؟ PageV01P235 # ثم نزل جبرئيل (عليه السلام) فقال: السلام عليك، يا أبا القاسم. # فقال: وعليك السلام ادن مني يا جبرئيل، فدنا منه، فنزل ملك الموت، فقال ~~له جبرئيل: يا ملك الموت، احفظ وصية الله في روح محمد (صلى الله عليه ~~وآله)، وكان جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وملك الموت آخذ بروحه ~~(صلى الله عليه وآله)، وجبرئيل يقول: يا محمد @QUR@05 (إنك ميت وإنهم ~~ميتون) (1)@QUR@04 (كل نفس ذائقة الموت) (2). (3) ### ||| [مناجاة الرسول (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام)] # مسند أبي يعلى وفضائل أحمد (4): عن أم سلمة في خبر: والذي تحلف أم سلمة ~~به انه كان آخر عهد برسول الله (صلى الله عليه وآله) علي (عليه السلام)، ~~وكان رسول الله قد بعثه في حاجة غداة قبض، وكان يقول: جاء علي- ثلاث مرات- ~~قالت: فجاء علي قبل طلوع الشمس، فخرجنا من البيت لما علمنا انه له إليه ~~حاجة، فانكب عليه علي، فكان آخر الناس به عهدا، وجعل يساره ويناجيه. (5) # ومن طريق أهل البيت (عليهم السلام) أن عائشة دعت أباها فأعرض عنه رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله)، ودعت حفصة أباها فأعرض عنه، ودعت أم ms117 PageV01P236 # سلمة عليا (عليه السلام) فناجاه طويلا (1). حتى إذا اشتد كربه، وارتفع ~~أنينه، وعرق لهول الموت جبينه نادى لشدة السياق: وا كرباه. # فنادت فاطمة: وا كرباه لكربك يا أبتاه. # فأجابها مسكنا لحرقتها بين القوم: لا كرب على أبيك بعد اليوم. (2) # ثم سالت نفسه الشريفة (صلى الله عليه وآله) مختارا، فسالت لها العيون من ~~شئونها مدرارا، وانقطع بموته الوحي والتنزيل، وامتنع من الأرض جبرئيل، ~~وأظلمت المدينة بعد نورها وضيائها، وارتفع الضجيج من قصورها وأرحابها. (3) # وروي أنه (صلى الله عليه وآله) لما دنا منه الأجل المحتوم جذب عليا إليه، ~~وغشاه بثوبه الذي عليه، ووضع فاه على فيه، وجعل يناجيه. # فلما حضره الموت وقضى (صلى الله عليه وآله) استل أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) من تحت الثوب، وتركه على رسول الله (صلى الله عليه وآله)؛ فقيل ~~لأمير المؤمنين: ما الذي ناجاك به رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ # فقال: علمني ألف باب من العلم، ينتج كل باب إلى ألف باب (4)، وأوصاني ~~بما أنا به قائم إن شاء الله. # ومن طريق أهل البيت (عليهم السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~جذب عليا تحت ثوبه، وجعل يناجيه، فلما حضره الموت قال: يا علي، ضع PageV01P237 # رأسي في حجرك، فقد جاء أمر الله، فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدك، وامسح ~~بها وجهك، ثم وجهني إلى القبلة، وتول أمري، وصل علي أول الناس، ولا تفارقني ~~حتى تواريني في رمسي، واستعن بالله سبحانه. # فأخذ علي برأسه، ووضعه في حجره، فاغمي عليه، فبكت فاطمة، فأومأ إليها ~~بالدنو منه، فأسر إليها شيئا فضحكت وتهلل وجهها. # فسئلت عن ذلك، فقالت: أعلمني أني أول أهل بيته لحوقا به. ### ||| [قبض النبي (صلى الله عليه وآله) ويد أمير المؤمنين (عليه السلام) تحت حنكه، وما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المعنى] # ثم قضى (صلى الله عليه وآله) ويد أمير المؤمنين (عليه السلام) تحت حنكه، ~~ففاضت نفسه (صلى الله عليه وآله)، فرفعها أمير المؤمنين إلى وجهه فمسحه ~~بها، ثم مد عليه إزاره، واستقبل بالنظر في أمره. ms118 (1) # ومما قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) في نهج البلاغة في هذا المعنى: # وقد علم المستحفظون من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) أني لم أرد على ~~الله ولا على رسوله ساعة قط، ولقد واسيته بنفسي في المواطن التي تنكص (2) ~~فيها الأبطال، وتتأخر الأقدام، نجدة (3) أكرمني الله بها. # ولقد قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإن رأسه لعلى صدري، وقد سالت ~~نفسه في كفي، فأمررتها على وجهي، ولقد وليت غسله (صلى الله عليه وآله) ~~والملائكة أعواني، فضجت الدار والأفنية؛ ملأ يهبط، وملأ يعرج، وما فارقت ~~سمعي هينمة (4) منهم، يصلون عليه حتى واريناه في ضريحه، فمن ذا أحق به مني ~~حيا وميتا؟ فانفذوا على بصائركم، ولتصدق نياتكم في جهاد PageV01P238 # عدوكم، فو الذي لا إله إلا هو إني لعلى جادة الحق، وإنهم لعلى مزلة ~~الباطل، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم! (1) # عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) (2) قال: قال الناس: كيف كانت الصلاة # @QUR@018 (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح ~~عن النار وأدخل الجنة فقد PageV01P239 # عليه؟ فقال علي (عليه السلام): [إن] (1) رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~إمام حيا وميتا فدخل عليه عشرة عشرة، فصلوا عليه يوم الاثنين وليلة ~~الثلاثاء حتى الصباح ويوم الثلاثاء، حتى صلى عليه الأقرباء والخواص، ولم ~~يحضر أهل السقيفة، وكان علي (عليه السلام) أنفذ لهم بريدة، وإنما تمت ~~بيعتهم بعد دفنه (صلى الله عليه وآله). # وقال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه): سمعت رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) يقول: إنما انزلت هذه الآية في الصلاة علي بعد قبض الله لي: @QUR@07 ~~(إن الله وملائكته يصلون على النبي) (2) الآية. # وسئل الباقر (عليه السلام): كيف كانت الصلاة على رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله)؟ # فقال: لما غسله أمير المؤمنين (عليه السلام) وكفنه وسجاه أدخل عليه عشرة ~~عشرة فداروا حوله، ثم وقف أمير المؤمنين في وسطهم فقال: @QUR@07 (إن الله ~~وملائكته يصلون على النبي) الآية، فيقول القوم مثل ما يقول حتى صلى عليه ~~أهل المدينة والعوالي، واختلفوا ms119 أين يدفن؟ فقال بعضهم: في البقيع، وقال ~~آخرون: في صحن المسجد. # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): إن الله لم يقبض نبيه إلا في أطهر ~~بقاع الأرض، فينبغي أن يدفن في البقعة التي قبض فيه، فاتفقت الجماعة على ~~قوله، ودفن في حجرته. ### ||| [أن أمير المؤمنين (عليه السلام) نزل قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)] # ونزل في قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) PageV01P240 # والفضل بن العباس وقثم وشقران، ولهذا قال أمير المؤمنين: أنا الأول وأنا ~~الآخر (1). ### ||| [أمير المؤمنين (عليه السلام) يرثي النبي (صلى الله عليه وآله)] # وأنشأ أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) يقول: # نفسي على زفراتها محبوسة %~% يا ليتها خرجت مع الزفرات # لا خير بعدك في الحياة وإنما %~% أخشى (2)مخافة أن تطول حياتي (3) # وله (صلوات الله عليه): # ألا طرق الناعي بليل فراعني %~% وأرقني لما استقل (4)مناديا # فقلت له لما سمعت الذي نعى %~% أغير رسول الله إن كنت (5)ناعيا # فحقق ما أسعفت (6)منه ولم أجد %~% وكان خليلي عزتي (7) وجماليا PageV01P241 # فو الله ما أنساك أحمد ما مشت (1) %~% بي العيس (2) في أرض وجاوزت واديا # وكنت متى أهبط من الأرض تلعة (3) %~% أرى (4) أثرا منه جديدا وباليا # شجاع تشط (5)الخيل عنه كأنما %~% يرين به ليثا عليهن عاديا (6) # [وله (عليه السلام):] (7) # ألا يا رسول الله كنت حمى لنا (8) %~% وكنت بنا برا ولم تك جافيا # وكأن على قلبي لذكر محمد %~% وما جيب (9)من بعد النبي المكاويا PageV01P242 # أفاطم صلى الله رب محمد %~% على جدث أمسى بيثرب ثاويا # فدى لرسول الله امي وخالتي %~% وعمي وزوجي (1)ثم نفسي وخاليا # فلو أن رب العرش أبقاك بيننا %~% سعدنا ولكن أمره كان ماضيا # عليك من الله السلام تحية %~% وادخلت جنات من العدن راضيا (2) # وقالت الزهراء (صلوات الله عليها): # قل للمغيب تحت أطباق الثرى %~% إن كنت تسمع صرختي وندائيا # صبت علي مصائب لو أنها %~% صبت على الأيام عدن (3)لياليا # قد كنت ذات حمى بظل محمد %~% لا أخش من ضيم وكان جماليا # فاليوم أخشع للذليل وأتقي %~% ضيمي وأدفع ظالمي بردائيا PageV01P243 # فإذا ms120 بكت قمرية في ليلها %~% شجنا على غصن بكيت صباحيا # [فلأجعلن الحزن بعدك مؤنسي] (1) %~% ولأجعلن الدمع فيك وشاحيا (2) # ما ذا على من شم تربة أحمد %~% ألا يشم مدى الزمان غواليا (3) # ولها (صلوات الله عليها): # كنت السواد لمقلتي %~% يبكي عليك الناظر # من شاء بعدك فليمت %~% فعليك كنت احاذر (4) # وقالت أم سلمة: # فجعنا (5)بالنبي وكان فينا %~% إمام كرامة نعم الإمام # وكان قوامنا والرأس منا %~% فنحن اليوم ليس لنا قوام # ننوح ونشتكي ما قد لقينا %~% ويشكو فقدك البلد الحرام # فلا تبعد فكل فتى كريم %~% سيدركه وإن كره (6)الحمام (7) PageV01P244 ### ||| [صفية بنت عبد المطلب وحسان بن ثابت يرثيان النبي (صلى الله عليه وآله)] # وقالت صفية بنت عبد المطلب (1): # يا عين جودي بدمع منك منحدر %~% ولا تملي وابكي (2)سيد البشر # ابكي (3)الرسول فقد هدت مصيبته %~% جميع قومي وأهل البدو والحضر # ولا تملي بكاك الدهر معولة %~% عليه ما غرد القمري في السحر (4)(5) # وقال حسان: # إن الرزية لا رزية مثلها %~% ميت بطيبة مثله لم يفقد # ميت بطيبة أشرقت بحياته %~% ظلم البلاد لمتهم أو منجد # والكوكب الدري أصبح آفلا %~% بالنور بعد تبلج وتصعد # لله ما ضمت (6)حفيرة قبره %~% منه وما فقدت سواري المسجد (7) # الكافي: اجتمعت نسوة بني هاشم، وجعلن يذكرن النبي (صلى الله عليه وآله)، ~~فقالت فاطمة (عليها السلام): اتركن التعداد وعليكن بالدعاء. PageV01P245 # وقالت فاطمة: قال النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي: يا علي، من اصيب ~~بمصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها من أعظم المصائب. (1) ### ||| [أن النبي (صلى الله عليه وآله) أوصى عليا (عليه السلام) بأن لا يغسله غيره] # روى يزيد بن بلال، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: أوصى النبي (صلى ~~الله عليه وآله): أن لا يغسله أحد غيري، فإنه لا يرى أحد عورته إلا طمست عيناه. # قال: فما أتناول عضوا إلا كان كأنما نقله ثلاثون رجلا (2) حتى فرغت من ~~غسله. (3) # وروي أنه لما أراد أمير المؤمنين تغسيله استدعى الفضل بن العباس ليعينه، ~~وكان مشدود العينين، وقد أمره أمير المؤمنين (عليه السلام) [بذلك] (4) ~~إشفاقا عليه من العمى (5). ### ||| [المناجاة] # يا ms121 من جمال جلاله منزه عن التغيير والزوال، ويا من دوام كماله مقدس عن ~~الحدوث والانتقال، ويا من جل في ذاته وصفاته عن المعاني والأحوال. # ويا من دل بافتقار مخلوقاته على انه الكبير المتعال. # سبحانك من قاهر تردى بالجبروت والكبرياء، وتعاليت من قادر لا PageV01P246 # يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، لا تشارك في وجوب وجودك، ولا تضاهى ~~في فضلك وجودك، ولا يخرج عن سلطانك قوي ولا ضعيف، ولا يفلت من قبضتك دني ~~ولا شريف، ولا يخرج عن إحصائك وفي ولا طفيف، أنت الظاهر ببديع قدرتك، ~~القاهر بعموم ربوبيتك، حكمت بالموت، وقضيت بالفوت، فلا راد لقضائك، ولا مفر ~~من بلائك. # سبحانك أخرجتنا من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، وقضيت لنا في دار بلائك ~~بالحسنى وزيادة، وجعلت لنا أرضك فراشا، وسخرت لنا من رزقك معاشا، وركبت ~~فينا أدوات معرفتك، وآلات عبادتك، من عقول كاملة، وأركان عاملة، وجوارح ~~مطيعة، وقوى مستطيعة. # وأودعت في أجسادنا من عجائب حكمتك، وغرائب صنعتك، أعدل شاهد على ~~وحدانيتك، وأكبر دال على فردانيتك، من آلات بسط وقبض، ورفع وخفض، وحركة ~~وسكون، وظهور وبطون، وطبائع مصرفة، وقوى مختلفة، من باصرة وسامعة، ومفرقة ~~وجامعة، وماسكة ودافعة، وموصلة ومانعة، وذاكرة وحافظة، وذائقة ولافظة. # ونصبت لنا من خواصك أعلاما جعلت قلوبها مواطن حبك، ومعادن قربك، لما فازت ~~بالدرجة العلية من فيضان عنايتك، وشربت بالكأس الروية من شراب محبتك، ~~أطربها بلبل دوح عرفانك تشتهي نغمته، وأرقها صوت مجيد فرقانك بفصيح كلمته، ~~فطالعت جلال جمالك بأبصار بصائرها، وشاهدت أنوار تجليات عظمتك بأفكار ~~سرائرها، فجرت في مضمار عشقها إلى حضيرة قدسك، وسلكت بقدم صدقها إلى مقام ~~انسك، لم تقصر قواها عن الترقي في مدارج السلوك بتوفيقك وتأييدك، ولم ~~تختلجها عوارض الشكوك بإرشادك PageV01P247 # وتسديدك، حتى إذا وردت من عين اليقين وردا وصدرا، وكشف بها الحق المبين ~~عن غوامض أسراره حجابا وسترا، وصار المحب حبيبا، والطالب مطلوبا. # جعلتهم معادن علمك، ومواضع حكمك، وتراجمة وحيك، وسفرة أمرك، وعصمتهم من ~~كل عيب، ونزهتهم من كل ريب، وتوجتهم بتاج عنايتك، وأفرغت ms122 عليهم خلع كرامتك، ~~وأسريت بهاديهم إلى الصفيح الأعلى، وسموت بساميهم إلى المقام الأدنى، ~~وأطلعته على أسرار ملكوتك، وشرفته بخطاب حضرة جبروتك، ووسمته بخاتم ~~النبيين، وسميته بأحمد ومحمد وطه وياسين، وجعلته أفضل أهل السماوات وأهل ~~الأرضين، وأيدته بوليك سيد الوصيين، وفرضت ولاءها وولاء أهل بيتهما على ~~عبادك أجمعين، فقلت: @QUR@010 (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع ~~الصادقين) (1). # فمن سلك سبيلهم، واقتفى دليلهم، فهو ممن ألحقته جناح رحمتك، وأورثته نعيم ~~جنتك، ورقمت اسمه في جرائد المنتجبين من خواصك، وأثبت وسمه في صحائف ~~الموسومين بإخلاصك. # ومن تولى عن أمرهم، وأنكر عنهم برهم، وتوالى من جرت عليه نعمتهم، وعظمت ~~لديه مننهم، واستطال على الناس برفيع مجدهم، واشتهر بالباس بغرار حسدهم، ~~وتاه في ظلمة ضلالته، وغرق في لجة جهالته، فهو ممن قلت فيه: # @QUR@012 (يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين) PageV01P248 # @QUR@014 (آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له ~~نصيرا) (1)@QUR@035 (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا ~~به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل ~~الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا) (2)@QUR@026 (أولئك ~~الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة ~~وزنا ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا) . (3) # اللهم إنا لا نعلم نبيا من أنبيائك، ولا نعتقد وليا من أوليائك، ولا ملكا ~~من حملة عرشك، ولا هابطا بوحيك وأمرك، ولا أمينا على غيبك وسرك، أفضل لديك ~~من نبيك المصطفى، وأمينك المجتبى، الذي انتجبته لرسالتك، واصطفيته بكلمتك، ~~وختمت به أنبياءك، ووصيه الذي اخترته لخلافتك، وقرنت طاعته بطاعتك، وضربته ~~مثلا في محكم تنزيلك، وشددت به عضد نبيك ورسولك، وأيدته بالفضل والحكم، ~~وآتيته بسطة في العلم والجسم، وهزمت بجده الأحزاب، وقصمت بسيفه الأصلاب، ~~وجعلت حبه فارقا بين الكفر والإيمان، وحبه وسيلة إلى الفوز بنعيم الجنان. # لا نعتقد ذنبا بعد الإلحاد في آياتك، والجحود لصفاتك، وادعاء إلها سواك، ~~والتكبر على جلالك وعلاك، أعظم ولا أكبر، ولا ms123 أوثق ولا أشق، من ذنب من وضع ~~من قدره، واجترى عليه بكفره، وقدم عليه من لا يعادل عند الله شسع نعله، ~~وأخره عمن ليس له فضل كفضله، ولا أصل كأصله، وجحد نص رسولك، PageV01P249 # وحرف آيات تنزيلك، وشهد أن طاعتك مقرونة بطاعته، وولايتك مشروطة بولايته، ~~إذ هو «اولوا الأمر» الذي أمرت باقتفاء أثره، ونوهت في كتابك بذكره، وأمرت ~~نبيك أن يأخذ ميثاق خلافته على كل مقر بوحدانيتك، معتقد لربوبيتك، فمن رد ~~مقال رسولك، وسلك غير سبيلك، فهو ممن قلدته لعنتك، ووعدته نقمتك، وأعددت له ~~أليم عذابك، ووخيم عقابك. # ونشهد أنه سبيلك القويم، وصراطك المستقيم، ونشهد أن من ابتزه سلطانه ~~غاصبا، وتسمى باسمه كاذبا، وأنكر ما أوصيت من فرض ولايته، وأخفى ما أظهرت ~~من حق خلافته، فقد بعد من الصواب، وحقت عليه كلمة العذاب، فلا عذاب أعظم من ~~عذابه، ولا عقاب أنكى من عقابه، إذ الثواب والعقاب على مقدار الفعل المكتسب ~~في دار البلاء، ومحله الابتلاء، ومن جحد الوصي منزلته، ورد على الرسول ~~مقالته، وأول نص الكتاب بالتأويل الواهي، والخيال الساهي، وقدم من يستحق ~~التأخير لنقصه، وأخر من قدم الله ورسوله منصبه، ونصب العداوة لأهل بيت ~~نبيه، وجحد الولاية بضلاله وغيه، وعدل بميراث الرسول عن أهله، ووضعه في غير ~~محله، فهو ممن أنكر اصول الإيمان، وانتظم في مسلك عبدة الأوثان، وأعداء ~~الرحمن، ومقره في الدرك الأسفل، وجزاؤه العذاب الأطول، يتعوذ فرعون وهامان ~~من عذابه، وينفر عبدة الأوثان من أليم عقابه. # كما ذكرت هنا في فقرات نثري، وأوردت قديما في خطبي وشعري، مخاطبا من تجرأ ~~على الله والرسول، وغصب حق الوصي والبتول: # غرتك دنياك فصرت حاكما %~% وللوصي والبتول ظالما # وللنبي المصطفى مخاصما %~% فسوف تصلى بعد ذا سعيرا PageV01P250 # عقوبة الذنب من الله على %~% مقدار ذنب العبد في دار البلا # وظلم من يؤذي النبي المرسلا %~% هل فوقه ظلم فكن بصيرا # اللهم فكما جعلتنا من المستمسكين بحبل نبيك وعترته، والمستظلين بظلال ~~وليك وذريته، المعتصمين بمعاقل محبيهم، الموسومين بخاصة شيعتهم، الواثقين ~~بعروة عصمتهم، السالكين واضح طريقتهم فصل ms124 على محمد وآله، وأمتنا على الحق ~~الذي هديتنا إليه من عرفان حقهم، وا بعثنا على النهج الذي نحن عليه من ~~الاقرار بصدقهم، ومتعنا بالنظر إلى جلال جمالهم في حشرنا، واجعلهم شفعاءنا ~~إليك يوم نشرنا، وارزقنا منازل السعداء، واسقنا من حوضهم شربة لا نظمأ ~~بعدها أبدا، إنك على كل شيء قدير، وبالاجابة جدير، والحمد لله رب ~~العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين. PageV01P251 ### | [المجالس الثالث في ذكر شيء من فضائل أمير المؤمنين، وذكر أدلة شريفة على فرض إمامته، والاستدلال على كفر من أنكر نص خلافته، وذكر طرف من ظلامة سيدة النساء (صلوات الله عليها)، وذكر وفاتها، ووفاة أمير المؤمنين (صلوات الله عليه وعلى أبنائه الطاهرين)] ### ||| [الخطبة] # الحمد لله الذي أسبغ علينا فضله العميم، وأسدى إلينا بره الجسيم، وهدانا ~~صراطه المستقيم، وسلك بنا سبيله القويم، وجعلنا من أمة رسوله الكريم، وشيعة ~~وليه الأواه الحليم، أعني سيد الوصيين، وإمام المتقين، وحبل الله المتين، ~~ونوره المبين، علي أمير المؤمنين، المغصوب أمره، المجهول قدره، المشهور ~~فضله، المنشور عدله، المظلوم حقه المكذوب صدقه، المقتول في محرابه، المهدوم ~~ركن الاسلام بمصابه، أفضل من ارتدى بالخلافة واتزر، وأشرف من تسمى بالإمامة ~~واشتهر، صنو الرسول ومواريه في رمسه، وصارمه المسلول PageV01P253 # ومواسيه بنفسه. # كم ركن للشرك هدم، وكم صلب للكفر قصم، وكم أدحض للجهل حجة، وكم أمعن ~~للبغي مهجة، وكم أخفى للنفاق محجة، وكم أفاء الله على المسلمين بسيفه ~~أموالا وديارا وحدائق ذات بهجة. # كتب الله بيد عظمته منشور ولايته، وختم بطابع عنايته توقيع خلافته، وأوجب ~~فرض ولايته على كافة بريته، وجعل الرئاسة العامة إلى يوم القيامة فيه وفي ~~ذريته، @QUR@02 (إنما وليكم) (1) تاج سلطانه، و@QUR@03 (قل لا أسئلكم) (2) ~~خلعة عظيم شأنه، وآية النجوى في حلية الفخر جواد سباقه، وسورة هل أتى في ~~عرصة المجد ميدان انطلاقه. # قرن الشمس مقعد أصله، وهامة السماك مركب فضله، عدله عميم، وفضله عظيم، ~~ونوره تام، وجوده عام، وعلمه بحر زاخر، وكفه جود هامر، ولفظه لؤلؤ منثور، ~~وعزمه سيف مشهور، وحبه شرف وفخر، وبغضه نفاق وكفر. ms125 # يعشق جماله قلبي، ويعتقد كماله لبي، ويهوى ذكره لساني، ويعتاد شكره ~~جناني، ويحلو تكرر لفظه في لهواتي، ويحلو فصيح وعظه كرباتي، كلامه شفاء ~~غمومي، وخطبه مجلية همومي، ونهج بلاغته سبيل بلاغتي، وغرر درره حلية ~~فصاحتي، ينشي مدحه نشوات السرور في فؤادي، ويستعذب وصفه دقيق فكري في ~~إصداري وإيرادي. # إن نابني من عدوي ناب وظفر، فزعت إلى الدعاء باسمه في الجهر PageV01P254 # والسر، ليجعل الله معاندي بصواعق توسلاتي مقهورا، وبسهام دعواتي محسورا، ~~ويطرق لعيني مذءوما مدحورا، وأن يرد الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا (1). # اللهم اجعل كيده في تضليل، وأرسل عليه حجارة من سجيل (2)، وشهبا ثاقبة ~~يضاعف عن تحمل سعيرها الطوق، وسحائب هلكه برد بارودها بمطر من تحت إلى فوق. # اللهم أرسل عليه شواظا من نار ونحاس (3)، وبنادق من رصاص تتركه كهشيم ~~المحتظر (4)، ولا توفقه للتوبة، ولا ترشده للأوبة، وصم سمعه عن سماع ~~نصيحتي، ولا تنفعه بتبياني وتذكرتي، حتى تخرجه من دار الفناء وأنت عليه ~~غضبان، وتصليه جهنم وقلبه غير مطمئن بالإيمان. # ربنا أفرغ فرغ علينا صبرا على ظلمه، وأعظم لنا من لدنك أجرا على هظمه، ~~واجعل لنا اسوة بنبيك وأهل بيته الأطهار، وارفع لنا عندك درجة في منازل ~~الأبرار، إنك ذو الفضل الجزيل، والصنع الجميل. # روي عن شمس فلك النبوة، وروح جسد الفتوة، ومن أعلى الله على كل علو علوه، ~~وأسمى على كل سمو سموه، بلبل دوح @QUR@04 (اقرأ وربك الأكرم) (5)، قارىء ~~لوح @QUR@06 (وعلمك ما لم تكن تعلم) (6)، صدر مجلس @QUR@04 (ألم نشرح لك) PageV01P255 # @QUR@01 (صدرك) (1)، بدر مشرق @QUR@04 (ورفعنا لك ذكرك) (2)، تاج نبوته ~~@QUR@014 (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) ~~(3)، ومنهاج ملته @QUR@015 (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو ~~في الآخرة من الخاسرين) (4)، وقسم رسالته @QUR@07 (يس والقرآن الحكيم إنك ~~لمن المرسلين) (5)، وصحيفة أدبه @QUR@09 (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين) (6)، ومعراج رفعته @QUR@03 (سبحان الذي أسرى) (7)، وكمال ~~معرفته @QUR@03 (سنقرئك فلا تنسى) (8). # رسخت قدمه في صعيد المجد الأطول، وشمخت شجرته في روضة الشرف الأعبل، طار ~~بقوادم التقديم لما اسري ms126 به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وفاز ~~بدرجة التعظيم لما وطىء بأخمصه بساط العزة والكبرياء، نودي في ذلك المقام: ~~دس البساط بنعليك، وخوطب بلسان الحال: # @QUR@02 (إنا أوحينا) (9) النبيون طلائع جنودك، والكروبيون مقدمة عديدك، ~~و@QUR@02 (إنا فتحنا) (10) علم نصرتك وتأييدك، @QUR@05 (ولسوف يعطيك ربك ~~فترضى) (11) علامة رفعتك وتمجيدك. PageV01P256 # الدنيا والآخرة في قبضة حكمك، وعلوم الأولين والآخرين كالقطرة في بحر ~~علمك، لم أخلق خلقا أكرم منك علي، ولم أنشئ نشأ أدنى منك إلي، السبع الطباق ~~ميدان سباقك، وسدرة المنتهى غاية براقك، شجرتك في دوحة المجد نسقت، ونبعتك ~~في ربوة العز سمقت، قلبك خزانة علمي، وشرعك مناط حكمي، ويمنك موضع سري، ~~وأمرك قرين أمري. # @QUR@06 (من يطع الرسول فقد أطاع الله) (1) عنوان صحيفتك، @QUR@03 ~~(فاتبعوني يحببكم الله) (2) توقيع رسالتك، يا بدر دجى أسريت به ليلا إلى ~~حضرة قدسي، ويا شمس ضحى أبديت سناها من مقام انسي، خذ ما أتيتك بقوة. # فإذا لسان حاله، (صلى الله عليه وآله): يا من شرفني- بلذيذ مناجاته بي ~~(3)- إلى الصفيح الأعلى من سماواته، وأطلعني على أسرار ملكوته، وأسمعني ~~نغمة خطاب جبروته، ربي وحق ما أزلفتني به من قربك، وأتحفتني من خالص حبك، ~~وما ضمت عليه جوانحي وأحشائي من صحة يقيني وولائي، وما سكن من بهجتك في ~~سواد ناظري وسويداء ما في قلبي إلا جلال جمالك، ولا في نفسي إلا بهاء ~~كمالك، صرفت كلي نحو طاعتك، ووجهت وجهي إلى كعبة محبتك، ووقفت سمعي على ~~خطاب حضرتك، حلية لساني شريف ذكرك، وراحة جناني دوام شكرك. # يا معبودي ومقصودي، ومن له خضوعي وسجودي، نور بمصابيح التوفيق سبيل سلوكي ~~إليك، واحملني على مطايا التحقيق موضحا أدلة الحق عليك، إنك الهادي إلى ~~طريق الرشاد، والموضح سبيل السداد، هذا الذي جليت PageV01P257 # رين القلوب بذكر مفاخره، وجلوت على النفوس غروس مآثره، ونقلت دره من طور ~~مراتبه، وصببت قطرة من بحر مناقبه. ### ||| [إخبار النبي (صلى الله عليه وآله) باستشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام)] # روي عنه بالروايات القاطعة، والآثار الساطعة، متصلة إليه (صلى الله عليه ~~وآله) أنه صعد المنبر فخطب بعد ms127 أن اجتمع الناس إليه، فقال: # يا معشر المؤمنين، إن الله سبحانه أوحى إلي أني مقبوض، وان ابن عمي عليا ~~مقتول، وإني- أيها الناس- اخبركم بخبر إن عملتم به سلمتم، وإن تركتموه ~~هلكتم، إن ابن عمي عليا هو أخي ووزيري، وهو خليفتي، وهو المبلغ عني، وهو ~~إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، إن استرشدتموه أرشدكم، وإن تبعتموه ~~نجوتم، وإن خالفتموه ضللتم، وإن أطعتموه فالله أطعتم، وإن عصيتموه فالله ~~عصيتم، وإن بايعتموه فالله بايعتم، وإن نكثتم بيعته فبيعة الله نكثتم، وإن ~~الله سبحانه أنزل علي القرآن، وهو الذي من خالفه ضل، ومن ابتغى علمه عند ~~غير علي هلك. # أيها الناس، اسمعوا قولي، واعرفوا حق نصيحتي، ولا تخلفوني في أهل بيتي ~~إلا بالذي امرتم به من حقهم (1)، فإنهم حامتي وقرابتي وإخوتي وأولادي، ~~وإنكم مجموعون ومساءلون عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، إنهم أهل ~~بيتي، فمن آذاهم آذاني، ومن ظلمهم ظلمني، ومن أذلهم أذلني، ومن أعزهم ~~أعزني، ومن أكرمهم أكرمني [ومن نصرهم نصرني، ومن خذلهم خذلني، ومن طلب ~~الهدى في غيرهم فقد كذبني]. (2). # أيها الناس، اتقوا الله وانظروا ما أنتم قائلون إذا لقيتموه، فإني خصيم لمن PageV01P258 # آذاهم، ومن كنت خصمه خصمه الله (1)، أقول قولي [هذا] (2) وأستغفر الله ~~لي ولكم. (3) # أقول: في موجب هذه الخطبة التي ذكر الرسول (صلى الله عليه وآله) فيها شرف ~~أمير المؤمنين، وأبان عن فضله الذي لا يوازيه فضل أحد من العالمين، إذ ~~اختصه بخلافته وإخوته، وسجل انه الأولى بتدبير امته، وأوضح عن شرف رتبته، ~~وأفصح برفعة منزلته بقوله: هذا أخي ووزيري وخليفتي والمبلغ عني، ثم زاده ~~شرفا بقوله: هو إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، وإنما خص المتقين ~~بالذكر لكونهم هم الفائزون بإخلاص الطاعة له في سرهم وعلانيتهم، وهم ~~المتبعون بأداء أمره ونواهيه في ظواهرهم وبواطنهم، وهم الذين اهتدوا فزادهم ~~الله هدى وآتاهم تقواهم (4)، وهم الذين اعتصموا بحبل الله فعصموا من الردى ~~في دنياهم واخراهم (5)، وان كان (صلوات الله عليه) إماما لجميع الخلق من ~~الثقلين، وسيدا لمن أقر بتوحيد رب المشرقين ورب المغربين. # ثم ms128 عرفنا (صلى الله عليه وآله) إن استرشدناه استرشدنا، وإن تبعناه نجونا، ~~وإن خالفناه ضللنا، وإن أطعناه فالله أطعنا، وإن عصيناه فالله عصينا، وإن PageV01P259 # بايعناه فالله بايعنا، وإن نكثنا بيعته فبيعة الله نكثنا. # ثم قال (صلى الله عليه وآله): إن الله أنزل علي القرآن الذي من خالفه ضل، ~~ومن ابتغى علمه عند غير علي هلك. # وما كان (صلى الله عليه وآله) ليثبت له هذه الخصائص تشهيا، ولا ليوجب له ~~هذه الفضائل اقتراحا، بل بوحي يوحى، لكونه (صلى الله عليه وآله) لا ينطق عن ~~الهوى (1). # ولم يكن سبحانه ليوجب علينا متابعته، ويفرض علينا ولايته، ولا يحثنا على ~~الاستمساك بعروته، ويأمرنا بسلوك طريقته، إلا لأنه سبحانه علم تشدده في ~~حبه، وإخلاصه بقالبه وقلبه. # قد طهره سبحانه بالعصمة، وأيده بالحكمة، لا تأخذه فيه لومة لائم، ولا ~~يثني عزيمته عن التوجه إليه عقائد العزائم، قلبه منبع الأسرار الإلهية، ~~ونفسه معدن العلوم الربانية والفضائل النفسانية، إلى كعبة علومه تشد ~~الرحال، وببيت معارفه يطوف الرجال، وعلى قواعد استنباطه تبنى الأحكام، وهو ~~الذي وضع قوانين العلوم بأسرها، وتفرد دون الخلق بضبطها وحصرها، فالعلوم ~~الإلهية من عين يقينه نبعت، الأحكام الشرعية من تحقيقه وتبيينه تفرعت، ~~وموازين الفصاحة بلسانه استقام لسانها، وقعر البلاغة بنهج بلاغته قامت ~~سوقها واستقامت أوزانها، والقواعد الرياضية بحدة فطنته أوضح غامض إشكالها، ~~وأقام البرهان على وحدة الصانع ووجوب وجوده بترتيب قضاياها وأشكالها. # كل علم لا يعزى إليه فهو باطل، وكل نثر لا يحلى بجواهر كلامه فهو PageV01P260 # عاطل، وكل عالم لا يعتمد عليه فهو جاهل، وكل منطبق لا يقفو أثره فهو ~~باقل (1)، وكل فاضل لا يحذو حذوه فهو خامل. # ما من علم إلا وهو أصله وفرعه، وما من أدب إلا وهو بصره وسمعه، إليه يرجع ~~المتألهون في سلوكهم، وبنور كشفه تكشف ظلمة الحيرة من سلوكهم، أقدم الناس ~~سلما، وأغزرهم علما، وأعرفهم بكتاب الله، وأذبهم عن وجه رسول الله. # سيفه القاطع، ونوره الساطع، وصديقه الصادق، ولسانه الناطق، وأنيس وحشته، ~~وجليس وحدته، وولي عهده، وأبو ولده، وأفضل الخلق من ms129 بعده، لم يسبقه الأولون ~~بعلم وجهاد، ولم يلحقه الآخرون بجد واجتهاد، نصر الرسول إذ خذلوا، وآزره إذ ~~فشلوا، وآثره بنفسه إذ بخلوا، واستقام على طريقته، إذ غيروا وبدلوا. # مجده شامخ، وعلمه راسخ، كم حجة لمارق أدحض، وكم شبهة لزاهق قوض، وكم علم ~~للشرك نكس، وكم جد للظلم أتعس، وكم جمع للنفاق أركس، وكم منطبق من اولي ~~الشقاق أبلس، أول من صام وصلى وتصدق، وأقام الإسلام في بدر وحنين واحد ~~والخندق، كم قصم فقار مشرك بذي الفقار، كالوليد وعمرو وذي الخمار (2)، ردت ~~له الشمس وقد دنت للطفل، حتى أدى فرضه وعن طاعة ربه ما اشتغل. # أول في الدين ذو قدم %~% وله عز إذا انتسبا # خصه ربي فصيره %~% لبني بنت النبي أبا PageV01P261 # فهو سيد الوصيين، وزوج سيدة نساء العالمين، وابناه سيدا شباب أهل الجنة، ~~وعمه حمزة سيد الشهداء، وأخوه جعفر يسمى ملكا، سيد الطيور في الجنة يطير مع ~~الملائكة، وأبوه سيد العرب حامي رسول الله، وجده رئيس مكة، وجد جده عبد ~~مناف سيد العرب، وحماته أم المؤمنين أول امرأة أسلمت وصلت وأنفقت، ومنها ~~نسل النبي (صلى الله عليه وآله)، وامه فاطمة بنت أسد أول هاشمية ولدت من ~~هاشميين. ### ||| [قول النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): «لك أشياء ليس لي مثلها»] # وروى الثقات عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: يا علي، لك ~~أشياء ليس لي مثلها؛ إن لك زوجة مثل فاطمة وليس لي مثلها، ولك ولدين من ~~صلبك وليس لي مثلهما من صلبي، ولك مثل خديجة أم أهلك وليس لي مثلها، ولك ~~حمو (1) مثلي وليس لي حمو مثلي، ولك أخ في النسب مثل جعفر وليس لي مثله في ~~النسب، ولك أم مثل فاطمة بنت أسد الهاشمية المهاجرة وليس لي أم مثلها. # سلمان وأبو ذر والمقداد: ان رجلا فاخر عليا (عليه السلام) فقال [النبي ~~(صلى الله عليه وآله)] (2): إن فاخرت العرب فأنت أكرمهم ابن عم، وأكرمهم ~~نفسا، وأكرمهم زوجة، وأكرمهم ولدا، وأكرمهم أخا، وأكرمهم عما، وأعظمهم ~~حلما، وأكثرهم علما، ms130 وأقدمهم سلما، [وفي خبر:] (3) وأشجعهم قلبا، وأسخاهم كفا. # وفي خبر آخر: أنت أفضل أمتي فضلا. (4) # وروى شيخ السنة القاضي أبو عمرو عثمان بن أحمد في خبر طويل أن PageV01P262 # فاطمة بنت أسد رأت النبي (صلى الله عليه وآله) يأكل تمرا له رائحة تزداد ~~على كل الأطائب من المسك والعنبر، من نخلة لا شماريخ لها، فقالت: ناولني- ~~يا رسول الله- أنل منها. # قال (صلى الله عليه وآله): لا تصالح إلا أن تشهدي معي [أن] (1) لا إله ~~إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فشهدت الشهادتين، فناولها فأكلت، فازدادت ~~رغبتها، وطلبت اخرى لأبي طالب، فأوعز إليها (صلى الله عليه وآله) ألا تعطيه ~~إلا بعد الشهادتين. # فلما جن عليها الليل اشتم أبو طالب نسيما ما اشتم مثله قط فأظهرت ما معها ~~فالتمسه منها، فأبت عليه (2) إلا أن يشهد الشهادتين، فلم يملك نفسه أن شهد ~~الشهادتين غير أنه سألها أن تكتم عليه لئلا تعيره قريش، فعاهدته على ذلك، ~~وأعطته ما معها ودنا إليها، فعلقت بعلي (صلوات الله عليه) في تلك الليلة، ~~ولما علقت بعلي (عليه السلام) ازداد حسنها، وكان يتكلم في بطنها، وكانت ~~يوما في الكعبة فتكلم علي (عليه السلام) مع جعفر فغشي عليه، فالتفتت فإذا ~~الأصنام خرت على وجوهها، فمسحت على بطنها وقالت: يا قرة العين، تخدمك (3) ~~الأصنام في داخلا، فكيف شأنك خارجا؟! وذكرت لأبي طالب ذلك، فقال: هو الذي ~~قال لي عنه أسد في طريق الطائف. (4) ### ||| [ميلاد أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في الكعبة] # وروى الحسن بن محبوب، عن الصادق (عليه السلام) أنه لما أخذ فاطمة PageV01P263 # بنت أسد الطلق أتت الكعبة فانفتح البيت من ظهره ودخلت فاطمة فيه، ثم عادت ~~الفتحة والتصقت وبقيت فيه ثلاثة أيام تأكل من ثمار الجنة وأرزاقها حتى ولدت ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) في جوف الكعبة. # وقيل؛ إنه لما أخذها المخاض أتت الكعبة وقالت: رب إني مؤمنة بك وبما جاء ~~من عندك من كتب ورسل، مصدقة بكلام جدي إبراهيم، فبحق الذي بنى هذا البيت، ~~وبحق المولود الذي في بطني لما يسرت علي ms131 ولادتي. # فانفتح البيت ودخلت فيه وإذا بحواء ومريم وآسية وأم موسى، وصنعن به كما ~~صنعن برسول الله (صلى الله عليه وآله) عند ولادته، فلما ولدته سجد على ~~الأرض يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، [وأشهد أن ~~عليا وصي محمد رسول الله] (1)، بمحمد تختم النبوة، وبي تتم الوصية، وأنا ~~أمير المؤمنين، ثم سلم على النساء، وأشرقت الأرض (2) بضيائها، فخرج أبو ~~طالب وهو يقول: أبشروا، فقد خرج ولي الله. # وفي رواية اخرى: انه لما خرجت به امه من البيت قال لأبي طالب: # السلام عليك يا أبة ورحمة الله وبركاته، ثم تنحنح وقرأ: @QUR@07 (بسم ~~الله الرحمن الرحيم قد أفلح المؤمنون) (3) الآيات، فقال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله): قد أفلحوا بك، أنت والله أميرهم تميرهم من علومك ~~فيمتارون، وأنت والله دليلهم وبك يهتدون. # ووضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) لسانه في فيه فانفجر اثنتا عشرة PageV01P264 # عينا- الحديث- فحنكه رسول الله بريقه، وأذن في اذنه اليمنى، وأقام في ~~اليسرى، فعرف الشهادتين وولد على الفطرة. (1) # وروي أنه لما ولد [علي (عليه السلام)] (2) أخذ أبو طالب بيد فاطمة- وعلي ~~على صدره- وخرج ليلا إلى الأبطح ونادى: # يا رب هذا الغسق الدجي %~% والقمر المبتلج المضي # بين لنا من حكمك المقضي %~% [ما ذا ترى في اسم ذا الصبي؟] (3) # قال: فجاء شيء كالسحاب يدب على وجه الأرض حتى حصل في صدر أبي طالب فضمه ~~مع علي إلى صدره، فلما أصبح إذا هو بلوح أخضر فيه مكتوب: # خصصتما بالولد الزكي %~% والطاهر المنتجب الرضي # فاسمه من شامخ علي %~% علي اشتق من العلي (4) # قال: فعلق (5) اللوح في الكعبة، وما زال هناك حتى أخذه هشام بن عبد ~~الملك لعنه الله، وإجماع أهل البيت أنه ولد في الزاوية اليمنى في الكعبة، ~~فالولد الطاهر من النسل الطاهر، ولد في الموضع الطاهر، فأين توجد هذه PageV01P265 # الكرامة لغيره؟ فأشرف البقاع الحرم، وأشرف الحرم المسجد، وأشرف [بقاع] ~~(1) المسجد الكعبة، ولم يولد فيه مولود سواه، فالمولود فيه يكون في غاية ~~الشرف، وليس المولود في سيد الأيام ms132 يوم الجمعة في الشهر الحرام في البيت ~~الحرام سوى أمير المؤمنين (عليه السلام). (2) # وأجمع أهل البيت بأدلة قاطعة بأنه معصوم، وأجمع الناس انه لم يشرك بالله ~~أبدا، وانه بايع (3) النبي في صغره وترك أبويه. # وروى جابر رضي الله عنه، عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: ثلاثة لم ~~يكفروا بالله (4) طرفة عين: مؤمن آل يس، وعلي بن أبي طالب، وآسية امرأة ~~فرعون. (5) ### ||| [أمير المؤمنين (عليه السلام) يقضي في رجل زنى مرة بعد مرة] # وروي أنه اعترف رجل [محصن] (6) عند أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه زنا ~~مرة بعد مرة وأمير المؤمنين يتغافل عنه حتى اعترف الرابعة، فأمر (صلوات ~~الله عليه) بحبسه، ثم نادى في الناس، ثم أخرجه بالغلس (7)، ثم حفر له ~~حفيرة ووضعه فيها، ثم نادى: أيها الناس، هذه حقوق الله لا يطلبها من كان ~~عليه مثلها، فانصرفوا ما خلا علي بن أبي طالب والحسن والحسين (صلوات الله ~~عليهم). (8) PageV01P266 # وفي التهذيب ان محمد بن الحنفية كان ممن رجع. (1) # وكان أمير المؤمنين ممن وصفه الله تعالى @QUR@07 (واجنبني وبني أن نعبد ~~الأصنام) (2) ثم قال: @QUR@06 (ومن ذريتنا أمة مسلمة لك) (3)، فنظرنا في ~~أمر الظالم فإذا الامة قد فسروه انه عابد الأصنام، وان من عبدها فقد لزمه ~~الذل، وقد نفى الله أن يكون الظالم إماما (4) لقوله: @QUR@04 (لا ينال عهدي ~~الظالمين) (5). # ووجدنا العامة بأسرهم إذا ذكروا عليا قالوا: كرم الله وجهه، وأجروا ذلك ~~على ألسنتهم، يعنون بذلك: عن عبادة الأصنام. (6) ### ||| [ديك الجن (7):] # شرفي محبة معشر %~% شرفوا بسورة هل أتى # وولاي من في فتكه %~% سماه ذو العرش الفتى # لم يعبد الأصنام قط %~% ولا ألام ولا عتا # ثبتا إذا قدما سواه %~% إلى المهاوي زلتا # ثقل الهدى وكتابه %~% بعد النبي تشتتا PageV01P267 # وا حسرتا من ذلهم %~% وخضوعهم وا حسرتا # طالت حياة عدوهم %~% حتى متى وإلى متى؟ ### ||| [أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يشرب الخمر حتى قبل تحريمها] # ثم انه (صلوات الله عليه) لم يشرب الخمر قط، ولم يأكل ما ذبح على النصب، ~~وغير ذلك من الفسوق وقريش ملوثون بها. (1) # روى ms133 قتادة، عن الحسن البصري، قال: اجتمع علي وعثمان بن مظعون وأبو طلحة ~~وأبو عبيدة ومعاذ بن جبل وسهيل بن بيضاء وأبو دجانة في منزل سعد بن أبي ~~وقاص، فأكلوا شيئا، ثم قدم إليهم شيئا من الفضيح، فقام أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) وخرج من بينهم، فقال عثمان في ذلك، فقال علي: # لعن الله الخمر، والله لا أشرب شيئا يذهب بعقلي، ويضحك بي من رآني، وازوج ~~كريمتي من لا اريد، وخرج من بينهم، فأتى المسجد، وهبط جبرئيل بهذه الآية: ~~@QUR@04 (يا أيها الذين آمنوا) - يعني الذين اجتمعوا في منزل سعد- @QUR@012 ~~(إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان) (2) إلى آخرها، ~~فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): تبا لها، [والله- يا رسول الله- لقد كان ~~بصري فيها نافذ منذ كنت صغيرا. # قال الحسن:] (3) والله الذي لا إله إلا هو ما شربها (4) قبل تحريمها ولا ~~ساعة قط. (5) # ثم إنه كان أبو طالب وفاطمة بنت أسد ربيا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، PageV01P268 # وربى النبي (صلى الله عليه وآله) وخديجة لعلي (عليه السلام)، وسمعنا (1) ~~مذاكرة أنه لما ولد أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) لم يفتح عينيه ثلاثة ~~أيام، فجاء النبي (صلى الله عليه وآله) ففتح عينيه، ونظر إلى النبي (صلى ~~الله عليه وآله)، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): خصني بالنظر، وخصصته ~~بالعلم. ### ||| [أن النبي (صلى الله عليه وآله) أخذ عليا (عليه السلام) من أبي طالب ليعينه على أمره] # وروي أن النبي (صلى الله عليه وآله) حين تزوج خديجة قال لعمه أبي طالب: ~~إني احب أن تدفع إلي بعض ولدك يعينني على أمري ويكفيني، وأشكر لك بلاءك عندي. # فقال أبو طالب: خذ أيهم شئت، فأخذ عليا (عليه السلام). (2) # نهج البلاغة: وقد علمتم موضعي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~بالقرابة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد يضمني إلى صدره، ~~ويلفني (3) في فراشه، ويمسني خده (4)، ويشمني عرفه (5)، وكان يمضغ ~~الشيء ويلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة (6) في فعل، ولقد قرن ~~الله به (صلى الله عليه ms134 وآله) من لدن [أن] (7) كان فطيما أعظم ملك من ~~ملائكته يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره، ولقد كنت ~~أتبعه اتباع الفصيل أثر امه، يرفع لي [في] (8) كل يوم علما من أخلاقه، PageV01P269 # ويأمرني بالاقتداء به. (1) # فمن استقت عروقه من منبع النبوة، ورضعت شجرته ثدي الرسالة، وتهدلت ~~أغصانه (2) من نبعة الامامة، ونشأ في دار الوحي، وربي في بيت التنزيل، ولم ~~يفارق النبي (صلى الله عليه وآله) ساعة في حال حياته إلى حال وفاته، لا ~~يقاس به أحد من سائر الخلق، وإذا كان (صلوات الله عليه) نشأ في أكرم ارومة، ~~وأطيب مغرس، والعرق الصالح ينمي، والشهاب الثاقب يسري، وتعليم الرسول نافع ~~(3)، ولم يكن الرسول (صلى الله عليه وآله) ليتولى تأديبه ويتضمن حضانته ~~وحسن تربيته إلا على ضربين (4): إما على التفرس فيه، أو بالوحي من الله ~~سبحانه، فإن كان بالتفرس فلا تخطئ فراسته ولا يخيب [ظنه] (5)، وإن كان ~~بالوحي فلا منزلة أعلى ولا حال أدل على الفضيلة والامامة منه. (6) # ثم إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خصه بسيدة النساء دون غيره بأمر ~~الله سبحانه، وتولى سبحانه عقدة نكاحها، وأنزل في ذلك قرآنا يتلى إلى يوم ~~القيامة. # روى ابن عباس رضي الله عنه وابن مسعود وجابر والبراء وأنس PageV01P270 # وأم سلمة، ورواه السدي وابن سيرين (1) والباقر (عليه السلام) في قوله تعالى: # @QUR@011 (وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا) قالوا: هو محمد ~~وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) @QUR@04 (وكان ربك قديرا) (2) ~~[القائم في آخر الزمان] (3) لأنه لم يجتمع نسب وسبب في الصحابة [والقرابة] ~~(4) إلا له. (5) ### ||| [أن عليا (عليه السلام) كان كفو فاطمة (عليها السلام)] # عوتب (صلى الله عليه وآله) في أمر فاطمة، فقال: لو لم يخلق الله علي بن ~~أبي طالب ما كان لفاطمة كفو على وجه الأرض. (6) # ومثله روي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، وزاد فيه: آدم ومن ~~دونه. (7) ### ||| [الجواب على ما قالته الناصبة: تزوج النبي (صلى الله عليه وآله) من الشيخين، وزوج عثمان بنتين] # قالت الناصبة: تزوج ms135 النبي (صلى الله عليه وآله) من الشيخين، وزوج عثمان بنتين. # قلنا: التزويج لا يدل على الفضل، وإنما هو مبني على إظهار الشهادتين، ثم ~~إنه (صلى الله عليه وآله) تزوج في جماعة، وأما عثمان ففي زواجه خلاف كثير، ~~وأنه (صلى الله عليه وآله) [كان زوجهما من كافرين قبله،] (8) وليس حكم PageV01P271 # فاطمة مثل ذلك، لأنها ولدت في الاسلام، ومن أهل العباء والمباهلة ~~والمهاجرة في أصعب وقت، ووردت فيها آية التطهير، وافتخر جبرائيل بكونه ~~منهم، وشهد الله لهم بالصدق، ولها أمومة الأئمة إلى يوم القيامة، ومنها ~~الحسن والحسين (عليهما السلام)، وعقب الرسول، وهي سيدة نساء العالمين، ~~وزوجها من أصلها وليس بأجنبي. # وأما الشيخان فقد توسلا إلى النبي بذلك. # وأما علي فتوسل النبي إليه بعد ما رد خطبتهما، والعاقد عليها (1) هو الله ~~تعالى، والقابل جبرائيل، والخاطب راحيل، والشهود حملة العرش، وصاحب النثار ~~رضوان، وطبق النثار شجرة طوبى، والنثار الدر والياقوت والمرجان، والرسول هو ~~الماشطة، وأسماء صاحبة الحجلة (2)، ووليد هذا النكاح الأئمة الطاهرين ~~(عليهم السلام). (3) # مع انه قد روي أن زينب ورقية لم يكونا ابنتي رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) على الحقيقة، بل ربيبتيه من جحش- كان زوج خديجة قبل رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله)- روى ذلك صاحب كتاب الكشف واللمع، ورواه البلاذري (4) ~~أيضا، وكانت زينب تحت أبي العاص بن الربيع، وأما رقية فتزوجها عتبة بن أبي ~~لهب ومات على كفره بعد أن طلقها، وتزوج بها عثمان. PageV01P272 # وصار أمير المؤمنين أخا رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ثلاثة أوجه: # [أولها:] (1) لقوله (عليه السلام): ما زال ينقل من الآباء الأخائر، الخبر. # الثاني: أن فاطمة بنت أسد ربت رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى قال: # هذه امي، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند أبي طالب من أعز ~~أولاده، رباه في صغره، وحماه في كبره، ونصره بالمال واللسان والسيف ~~والأولاد [والهجرة] (2)، والأب أبوان: أب ولادة وأب إفادة، ثم ان العم ~~والد، قال سبحانه حكايه عن يعقوب: @QUR@013 (ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد ~~إلهك وإله ms136 آبائك إبراهيم وإسماعيل) (3) الآية، وإسماعيل كان عمه. # وقال سبحانه حكاية عن إبراهيم: @QUR@06 (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر) (4) ~~قال الزجاج: أجمع النسابة أن اسم أبي إبراهيم تارخ. ### ||| [مؤاخاة النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام)] # [والثالث:] (5) آخاه النبي (صلى الله عليه وآله) في عدة مواضع: يوم بيعة ~~العشيرة حين لم يبايعه أحد بايعه علي على أن يكون له أخا في الدارين. وقال ~~في مواضع كثيرة، منها: يوم خيبر: أنت أخي ووصيي. وفي يوم المؤاخاة ما ظهر ~~عند الخاص والعام صحته، وقد رواه ابن بطة من ستة طرق. # وروي أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان بالنخيلة وحوله سبعمائة وأربعون ~~رجلا، فنزل جبرئيل وقال: إن الله تعالى آخى بين الملائكة: بيني وبين ~~ميكائيل، وبين إسرافيل وعزرائيل، وبين دردائيل وراحيل، فآخى النبي صلى PageV01P273 # الله عليه وآله بين أصحابه. # وروى خطيب خوارزم في كتابه (1) بالاسناد عن ابن مسعود، قال النبي (صلى ~~الله عليه وآله): أول من اتخذ علي بن أبي طالب أخا إسرافيل ثم جبرائيل، الخبر. # وعن ابن عباس، قال: لما نزل قوله تعالى: @QUR@03 (إنما المؤمنون إخوة) ~~(2) آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين الأشكال والأمثال؛ فآخى بين ~~أبي بكر وعمر، وبين عثمان وعبد الرحمن، وبين سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد، ~~وبين طلحة والزبير، وبين أبي عبيدة وسعد بن معاذ، وبين مصعب بن عمير وأبي ~~أيوب الأنصاري، وبين أبي ذر وابن مسعود، وبين سلمان وحذيفة، وبين حمزة ~~وزيد، وبين أبي الدرداء وبلال، وبين جعفر الطيار ومعاذ بن جبل، وبين ~~المقداد وعمار، وبين عائشة وحفصة، وبين زينب بنت جحش وميمونة، وبين أم سلمة ~~وصفية، حتى آخى بين أصحابه بأجمعهم على قدر منازلهم، ثم قال: يا علي، أنت ~~أخي وأنا أخوك. # تاريخ البلاذري: قال علي (عليه السلام): يا رسول الله، آخيت بين أصحابك ~~وتركتني! # فقال: أنت أخي، أما ترضى أن تدعى إذا دعيت، وتكسى إذا كسيت، وتدخل الجنة ~~إذا دخلت؟! (3) PageV01P274 # وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا كان يوم القيامة نادى ms137 مناد (1) ~~من بطنان العرش: يا محمد، نعم الأب أبوك إبراهيم، ونعم الأخ أخوك علي بن ~~أبي طالب. (2) # وروى أبو إسحاق العدل، قال أبو يحيى: ما جلس علي (صلوات الله عليه) على ~~المنبر إلا قال: أنا عبد الله، وأخو رسول الله، لا يقولها بعدي إلا كذاب. (3) ### ||| [أبيات لأمير المؤمنين (عليه السلام) بعد مؤاخاة النبي (صلى الله عليه وآله) له] # الصادق (عليه السلام) قال: لما آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين ~~أصحابه وترك عليا، فقال له في ذلك، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): إنما ~~(4) اخترتك لنفسي، أنت أخي وأنا أخوك في الدنيا والآخرة. # فبكى عند ذلك أمير المؤمنين وقال: # أقيك بنفسي أيها المصطفى الذي %~% هدانا به الرحمن من عمة (5)الجهل # بروحي أفديه (6)وما قدر مهجتي؟ %~% لمن أنتمي منه إلى الفرع والأصل # ومن ضمني مذ كنت طفلا ويافعا %~% وأنعشني بالبر والعل والنهل (7) PageV01P275 # ومن جده جدي ومن عمه عمي %~% ومن امه (1)امي ومن بنته أهلي # ومن حين آخى بين من كان حاضرا %~% دعاني وآخاني وبين من فضلي # لك الفضل إني ما حييت لشاكر %~% لإتمام ما أوليت يا خاتم الرسل (2) # قيل لقثم بن العباس: بأي شيء ورث علي النبي (صلى الله عليه وآله) دون ~~العباس؟ # قال: لأنه [كان] (3) أشدنا به لصوقا، وأسرعنا به لحوقا. (4) # وقد علمنا أن أمير المؤمنين لم يكن أخا للرسول في النسب، فلما جعله شكلا ~~له وأخا بين الأشكال والأمثال واستخلصه لنفسه علمنا بذلك أنه الإمام الحق ~~على سائر المسلمين، فلا يجوز لأحد أن يتقدمه، ولا أن يتأمر عليه، لأنه شبه ~~الرسول ومشاكله، والعرب تقول للشيء: إنه أخو الشيء إذا أشبهه وقاربه، ~~فكما لا يجوز التقدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) @QUR@07 (لا ~~تقدموا بين يدي الله ورسوله) (5) كذلك لا يجوز التقدم على أمير المؤمنين ~~(صلوات الله عليه) لأنه PageV01P276 # مشابهه ومماثله، ### ||| [سد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبواب الصحابة وترك باب علي (عليه السلام)] # ولهذا أمر الله نبيه بسد أبواب الصحابة وترك باب علي لكونه مماثله ~~ومشابهه. ms138 (1) # روى أحمد في كتاب الفضائل (2) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال في ~~ذلك- لما تكلم الناس-: والله ما سددت شيئا ولا فتحته، ولكن امرت بشيء ~~فاتبعته. (3) # تاريخ البلاذري ومسند أحمد في خبر قال [عمرو بن ميمون] (4): خلا ابن ~~عباس مع جماعة، فنالوا من علي، فقام ابن عباس، ثم قال: اف اف وقعوا في رجل ~~قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): من كنت مولاه فعلي مولاه، ومن كنت ~~وليه فعلي وليه. # وقال له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، الخبر. # وقال: لأدفعن الراية غدا إلى رجل، الخبر. # وسد أبواب الصحابة إلا بابه. ونام مكان رسول الله ليلة الغار. وبعث ~~ببراءة مع أبي بكر، ثم أرسل عليا فأخذها منه. (5) # وفي فضائل أحمد: قال عبد الله بن عمر: ثلاثة أشياء كن لعلي لو كان لي ~~واحدة منها لكانت أحب إلي من حمر النعم؛ أحدها: إعطاؤه الراية يوم خيبر، ~~وتزويجه فاطمة، وسد الأبواب. PageV01P277 # وقيل: إن العباس خرج يوم سد الأبواب، وهو يبكي ويقول: سددت باب عمك (1) ~~وأسكنت ابن عمك! # فقال (صلى الله عليه وآله): ما أخرجتك ولا أسكنته، ولكن الله أسكنه. (2) # وفي رواية أنه قال: أما علي فابن عم رسول الله وختنه، وهذا بيته- وأشار ~~بيده إلى بيت علي- حيث ترون أمر الله تعالى نبيه أن يا بني مسجده فبنى فيه ~~عشرة أبيات: تسعة لبنيه وأزواجه وأصحابه، وعاشرها وهو متوسطها لعلي وفاطمة، ~~وكان ذلك في أول سنة الهجرة؛ وقيل: كان في آخر عمر النبي (صلى الله عليه ~~وآله)، والأول أصح، وبقى على كونه مفتوح الباب إلى المسجد، ولم يزل علي ~~وولده فيه إلى أيام عبد الملك بن مروان، فعرف الخبر فحسد القوم على ذلك ~~واغتاظ، وأمر بهدم الدار، وأظهر أنه يريد أن يزيد في المسجد، وكان في الدار ~~الحسن بن الحسن فقال: لا أخرج ولا امكن من هدمها، فضرب بالسياط، وتصايح ~~الناس، واخرج عند ذلك، وهدمت الدار، وزيد في المسجد. (3) # وروى عيسى بن عبد الله أن دار فاطمة (عليها السلام) حول تربة النبي ms139 (صلى ~~الله عليه وآله)، وبينهما حوض. (4) # وفي منهاج الكراجكي أنه ما بين البيت الذي فيه رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) وبين الباب المحاذي لزقاق البقيع. فتح له باب وسد على سائر الأصحاب، ~~من قلع الباب كيف يسد عليه الباب؟ قلع باب الكفر من التخوم، PageV01P278 # فتح له أبواب من العلوم. (1) ### ||| [محبة النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام)] # ومن شدة تحنن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما رواه ابن مسعود، قال: # رأيت كف علي في كف رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقبلها فقلت: ما ~~منزلته منك، يا رسول الله؟ # قال: منزلتي من الله. (2) # وسئل النبي (صلى الله عليه وآله) عن بعض أصحابه فذكره بخير (3)، فقال ~~قائل: فعلي؟ # فقال (صلى الله عليه وآله): إنما سألتني عن الناس، ولم تسألني عن نفسي. (4) # من نفسه من نفسه وجنسه من جنسه %~% وغرسه من غرسه (5)فهل له معادل؟ (6) # وروي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان إذا جلس وأراد أن يقوم لا ~~يأخذ بيده غير علي (عليه السلام). (7) # أنساب الأشراف (8): قال رجل لابن عمر: حدثني عن علي بن أبي PageV01P279 # طالب. # قال: تريد أن تعلم ما كانت منزلته من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ~~فانظر إلى بيته من بيوت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، هو ذاك بيته أوسط ~~بيوت النبي (صلى الله عليه وآله). (1) # وكان النبي (2) إذا غضب لم يجترئ عليه أحد [أن] (3) يكلمه إلا علي، ~~وأتاه يوما فوجده نائما فلم يوقظه. # لا شك ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان أكبر سنا وأكثر (4) جاها من ~~علي، فلما كان يحترمه هذا الاحترام إما انه كان من الله تعالى أو من قبل ~~نفسه، وعلى الحالين جميعا أظهر للناس فضله، وعلو درجته عند الله، ومنزلته ~~عند رسول الله (صلى الله عليه وآله). (5) # وروي عن عائشة، قالت: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) التزم عليا ~~وقبله وقال: بأبي الوحيد الشهيد، بأبي الوحيد الشهيد، ذكره أبو يعلى ~~الموصلي في المسند. (6) # وانه لما ms140 جرح أمير المؤمنين في رأسه من ضربة عمرو بن عبد ود يوم الخندق، ~~فجاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فشده ونفث فيه فبرأ، فقال: PageV01P280 # أين أكون إذا خضبت هذه من هذه؟ (1) # وكان النبي (صلى الله عليه وآله) إذا لم ير (2) عليا قال: أين حبيب الله، ~~وحبيب رسوله؟ (3) # وكان أمير المؤمنين من أوثق أصحابه عنده. # روى محمد بن الحنفية أن الذي قذفت به مارية وهو خصي يقال له مابور وكان ~~المقوقس أهداه مع مارية (4) إلى النبي (صلى الله عليه وآله). # وكان (5) سبب القذف أن عائشة قالت لرسول الله (صلى الله عليه وآله): إن ~~إبراهيم ليس منك، وإنه من فلان القبطي. # فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) وأمره بقتله، ~~فلما رأى عليا وما يريد به تكشف حتى يتبين لعلي أنه أجب لا شيء له مما ~~يكون للرجال، فكف (عليه السلام) عنه. (6) # وفي خبر أنه كان ابن عم مارية (7)، فأرسل عليا ليقتله، فقال أمير ~~المؤمنين: يا رسول الله، أكون في أمرك كالسكة المحماة- وفي رواية: أو ~~المسمار المحمى- ولا يثنيني شيء حتى أمضي لما أمرتني به، أو الحاضر يرى ما ~~لا يرى الغائب. PageV01P281 # فقال (صلى الله عليه وآله): الحاضر يرى (1) ما لا يرى الغائب. # قال أمير المؤمنين: فأقبلت متوشحا بالسيف فوجدته عندها، فاخترطت السيف، ~~فلما أقبلت نحوه عرف أني اريده فأتى نخلة فرقى فيها، ثم رمى بنفسه على قفاه ~~وشغر برجليه، وإذا به أجب أمسح ماله مما للرجال قليل ولا كثير، فأغمدت ~~سيفي، وأتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخبرته، فقال: الحمد لله الذي ~~يصرف عنا أهل البيت. (2) ### ||| [دعاء الرسول (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) في عدة مواضع، وإرساله إياه إلى ثلاثة نفر آلوا باللات والعزى ليقتلوا النبي (صلى الله عليه وآله)] # ودعا له رسول الله (صلى الله عليه وآله) في عدة مواضع: في قوله يوم ~~الغدير: اللهم وال من والاه. # ودعا له يوم خيبر: اللهم قه الحر والبرد. # ودعا له يوم المباهلة: اللهم هؤلاء أهل ms141 بيتي وخاصتي، فأذهب عنهم الرجس ~~وطهرهم تطهيرا. # ودعا له لما مرض: اللهم عافه واشفه. وغير ذلك، ودعا له بالنصر والولاية، ~~والولاية لا تجوز إلا لولي الأمر، فبان بذلك إمامته. (3) # وفي أمالي الشيخ أبي جعفر بن بابويه رضي الله عنه في خبر طويل أن النبي ~~(صلى الله عليه وآله) كان يوما جالسا، فقال: يا معاشر أصحابي، أيكم ينهض ~~إلى ثلاثة نفر آلوا (4) باللات والعزى ليقتلوني، وقد كذبوا ورب الكعبة؟ # فأحجم الناس. PageV01P282 # فقال: ما أحسب عليا فيكم. فاخبر أمير المؤمنين (عليه السلام) بذلك، فجاء ~~إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، وقال: أنا وحدي لهم سرية، يا رسول الله، ~~فعممه ودرعه وقلده سيفه وأركبه فرسه. # فخرج أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) فمكث ثلاثة أيام لا يصل إلى رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) منه خبر لا من السماء ولا من الأرض، فأقعدت ~~فاطمة (عليها السلام) الحسن والحسين (عليهما السلام) على وركيها، وهي تقول: # يوشك أن تؤتم هذين الغلامين. # فأسبل النبي (صلى الله عليه وآله) عينيه يبكي، ثم قال: معاشر الناس، من ~~يأتيني بخبر علي فابشره بالجنة. # فافترق الناس في طلبه، وأقبل عامر (1) بن قتادة يبشر بعلي، فأقبل أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) ومعه أسيران، ورأس، وثلاثة أبعرة، وثلاثة أفراس، ~~وقال: لما صرت في الوادي رأيت هؤلاء ركبانا على الأباعر، فنادوني: من أنت؟ # فقلت: أنا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فشد ~~علي هذا المقتول ودارت (2) بيني وبينه ضربات، وهبت ريح حمراء سمعت صوتك ~~فيها- يا رسول الله- وأنت تقول: قطعت لك جربان (3) درعه، فضربته، فلم ~~أحفه (4)، ثم هبت ريح صفراء سمعت صوتك فيها وأنت تقول: قلبت لك PageV01P283 # الدرع عن فخذه، فضربته ووكزته (1)، فقال الرجلان: صاحبنا هذا كان يعد ~~بألف فارس فلا تعجل علينا، وقد بلغنا أن محمدا رفيق شفيق رحيم فاحملنا إليه. # فقال النبي (صلى الله عليه وآله): أما الصوت الأول فصوت جبرئيل، والآخر ~~فصوت ميكائيل، فعرض النبي عليهما الإسلام فأبيا، فأمر رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) بقتلهما، فقتل ms142 أحدهما بعد أن عرض عليه الاسلام وأبى، وقال ~~[الآخر] (2): الحقني بصاحبي، فهم أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) بقتل ~~الآخر، فهبط جبرائيل وقال لرسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تقتله، فإنه ~~حسن الخلق، سخي في قومه. # فقال النبي: يا علي، أمسك، فإن هذا رسول الله جبرئيل يخبرني انه سخي في ~~قومه، حسن الخلق. # فقال الرجل: والله ما ملكت مع أخ لي درهما قط، ولا قطبت (3) وجهي في ~~الحرب (4)، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. (5) # ومن قوته وشدته انه قلع باب خيبر. ### ||| [أن النبي (صلى الله عليه وآله) دفع الراية إلى علي (عليه السلام) يوم خيبر] # روى أحمد بن حنبل، عن مشيخته، عن جابر بن عبد الله أن النبي (صلى الله ~~عليه وآله) دفع الراية إلى علي (صلوات الله عليه) يوم خيبر بعد أن دعا له، PageV01P284 # فجعل يسرع السير وأصحابه يقولون له: ارفق، حتى انتهى إلى الحصن فاجتذب ~~بابه وألقاه على الأرض، ثم اجتمع منا سبعون رجلا وكان جاهدهم أن أعادوا ~~الباب. (1) # أبو عبد الله الحافظ بإسناده إلى أبي رافع: لما دنا علي من القموص أقبلوا ~~يرمونه بالنبل والحجارة، فحمل حتى دنا من الباب فاقتلعه، ثم رمى به خلف ~~ظهره أربعين ذراعا، ولقد تكلف حمله أربعون رجلا فما أطاقوا. (2) # وروى أبو القاسم محفوظ (3) البستي في كتاب الدرجات أن أمير المؤمنين بعد ~~أن قتل مرحب حمل على القوم فانهزموا إلى الحصن، فتقدم إلى باب الحصن وضبط ~~حلقته- وكان وزنها أربعين منا- وهز الباب، فارتعد الحصن بأجمعه حتى ظنوا ~~زلزلة، ثم هزه اخرى فقلعه، ودحا به في الهوى أربعين ذراعا. (4) # أبو سعيد الخدري: [وهز حصن خيبر حتى] (5) قالت صفية: كنت جالسة على طاق ~~كما تجلس العروس، فوقعت على وجهي، فظننت الزلزلة؛ فقيل: هذا علي قد هز ~~الحصن يريد أن يقلع الباب. (6) # وفي كتاب رامشأفزاي (7) قال: كان طول الباب ثمانية عشر ذراعا، وعرض ~~الخندق عشرون، فوضع (صلوات الله عليه) طرف الباب على الخندق PageV01P285 # وضبط بيده الطرف الآخر، حتى عبر الجيش وكانوا ms143 ثمانية آلاف [وسبعمائة رجل، ~~وفيهم من كان يتردد ويخف عليه] (1). (2) # روض الجنان: قال بعض الصحابة: ما عجبنا يا رسول الله من قوته في حمله ~~ورميه، وإنما عجبنا من إجساره وإحدى طرفيه على يده! # فقال النبي (صلى الله عليه وآله) كلاما معناه: يا هذا، نظرت إلى يده ~~فانظر إلى رجليه. # قال: فنظرت إلى رجليه فوجدتهما معلقتين (3) في الهواء، فقلت: هذا أعجب ~~[رجلاه] (4) على الهواء! # فقال النبي (صلى الله عليه وآله): ليستا على الهواء وإنما هما على جناحي ~~(5) جبرائيل. (6) ### ||| [في توجه أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الله وإقباله عليه، وإعراضه عن الدنيا] # وأما توجهه إلى الله وإقباله بقلبه وكليته عليه، وإعراضه عن الدنيا فلا ~~يختلف فيه أحد. # تفسير وكيع وعطاء والسدي: انه قال ابن عباس: اهدي إلى رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) ناقتان سمينتان عظيمتان، فقال لأصحابه: هل فيكم أحد يصلي ~~ركعتين بقيامهما وركوعهما وسجودهما ووضوئهما وخشوعهما لا يهتم فيهما من أمر ~~الدنيا بشيء، ولا يحدث قلبه بفكر الدنيا أهدي إليه إحدى PageV01P286 # الناقتين؟ # فقال لهم مرة بعد مرة، فلم يجبه أحد من الصحابة، فقام أمير المؤمنين ~~(صلوات الله عليه)، فقال: أنا- يا رسول الله- اصلي ركعتين اكبر التكبيرة ~~الاولى وإلى أن اسلم منهما، لا احدث نفسي بشيء من أمر الدنيا. # فقال: يا علي، صل صلى الله عليك، فكبر أمير المؤمنين ودخل في الصلاة، ~~فلما سلم من الركعتين هبط جبرئيل، وقال: يا رسول الله، إن الله يقرئك ~~السلام، ويقول: أعط عليا إحدى الناقتين. # فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إني شارطته أن يصلي ركعتين لا يحدث ~~[فيهما] (1) نفسه بشيء من الدنيا، وإنه جلس في التشهد فتفكر في نفسه أيهما يأخذ. # فقال جبرائيل: إن الله يقرئك السلام، ويقول لك: إنه تفكر أيهما يأخذ، ~~أسمنهما وأعظمهما فينحرها ويتصدق بها لوجه الله، فكان تفكره لله عز وجل لا ~~لنفسه [ولا للدنيا] (2)، فبكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأعطاه ~~كلتيهما، وأنزل الله فيه: @QUR@014 (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ~~ألقى السمع وهو شهيد) ms144 (3) أي يستمع أمير المؤمنين باذنيه إلى ما تلاه ~~بلسانه من كلام الله، لا يتفكر (4) بشيء من أمر الدنيا، بمعنى أنه حاضر ~~القلب في صلاته لله. (5) PageV01P287 # وأما سبقه بالعلم، فروى مقاتل بن سليمان، عن الضحاك، عن ابن عباس في ~~قوله (1) تعالى: @QUR@06 (إنما يخشى الله من عباده العلماء) (2) قال: كان ~~علي يخشى الله ويراقبه، ويعمل بفرائضه، ويجاهد في سبيله. (3) # وروي من طريق الخاصة والعامة أنهم قالوا في قوله تعالى: @QUR@012 (قل ~~كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) (4) هو علي بن أبي طالب ~~(عليه السلام). # وزعم بعض الناصبة أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن سلام فيقال له: إن ~~السورة مكية، وعبد الله بن سلام لم يسلم إلا بعد أن هاجر النبي المدينة. # وروي عن ابن عباس: لا والله ما هو إلا علي بن أبي طالب (عليه السلام). (5) ### ||| [في غزارة علم أمير المؤمنين (عليه السلام)، وثناء الجاحظ على علمه رغم انحرافه عنه] # وقد ظهر علمه على سائر الصحابة بالأدلة الساطعة والحجج القاطعة. # قال الجاحظ: اجتمعت الامة [على] (6) أن الصحابة كانوا يأخذون العلم عن ~~أربعة: علي، وابن عباس، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وقالت طائفة: وعمر بن ~~الخطاب، ثم أجمعوا [على] (7) أن الأربعة كانوا أقرأ من PageV01P288 # عمر لكتاب الله. # وقال النبي (صلى الله عليه وآله): يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فسقط عمر. # ثم أجمعوا على قول النبي (صلى الله عليه وآله): الأئمة من قريش، فسقط ابن ~~مسعود وزيد، وبقي علي وابن عباس إذ كانا عالمين فقيهين قرشيين فأكبرهما سنا ~~وأقدمهما هجرة علي، فسقط ابن عباس وبقي علي أحق بالإمامة بالاجماع. # وكانوا يسألونه ولا يسأل هو أحدا. وقال النبي (صلى الله عليه وآله): إذا ~~اختلفتم في شيء فكونوا مع علي بن أبي طالب (عليه السلام). (1) # قال صاحب كشف الغمة رضي الله عنه كلاما معناه: ان الجاحظ كان عثمانيا ~~شديد الانحراف عن أمير المؤمنين، ولكن الله ألقى على لسانه الحق، والفضل ما ~~شهدت به الأعداء، ولو كان مع هذا الاعتراف معتقدا فضل أمير ms145 المؤمنين باطنا ~~ظاهرا تاركا لطريق التعصب والضلال، مستمسكا بدليل العقل والنقل لكان من ~~أسعد الخلق، وهذا الكلام حجة عليه فقد يهتدي به، ويحتج بصحة استنباطه، ~~ويستضيء بواضح أدلته من ليس له قدرة على استنباط الأدلة من مظانها، فيكون ~~ذلك سببا لتصحيح عقيدته، وإزاحة شكه، فيكون من الفائزين المنتظمين في سلك ~~أصحاب السعادة الدائمة، نعوذ بالله من سلوك طريق الهوى، والتسايب عن سبيل الهدى. # احرم فيكم (2)بما أقول وقد %~% نال به العاشقون من عشقوا PageV01P289 # صرت كأني ذبالة (1)نصبت %~% تضيء للناس وهي تحترق (2) # قال ابن عباس: علي علم علما علمه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ورسول ~~الله علمه الله، فعلم النبي من علم الله (3)، وعلم علي من علم النبي، ~~وعلمي من علم علي، وما علمي وعلم أصحاب محمد في علم علي إلا كقطرة في سبعة ~~أبحر. (4) # قال ابن عباس: اعطي علي (عليه السلام) تسعة أعشار العلم، وإنه لأعلم ~~بالعشر الباقي. (5) # أمالي الطوسي (6): مر أمير المؤمنين بملإ فيهم سلمان، فقال سلمان: # قوموا فخذوا بحجزة هذا، فو الله لا يخبركم بسر نبيكم (صلى الله عليه ~~وآله) أحد غيره. (7) # قال محمد بن المنذر (8): سمعت أبا امامة يقول: كان علي (عليه السلام) إذا ~~قال شيئا لم نشك فيه، وذلك انا سمعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: # خازن سري [بعدي] (9) علي بن أبي طالب (عليه السلام). (10) PageV01P290 # وقد اشتهر عن أبي بكر أنه قال: فإذا استقمت فاتبعوني، وإذا زغت فقوموني، ~~وقوله: أما الفاكهة فأعرفها، وأما الأب فالله أعلم، وقوله في الكلالة: # [أقول فيها برأيي، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان، ~~الكلالة:] (1) ما دون الوالد والولد. (2) # وعن النبي (صلى الله عليه وآله): اعطي علي من الفضل جزءا لو قسم على أهل ~~الأرض لوسعهم. (3) # حلية الأولياء (4): عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه سئل عن علي (عليه ~~السلام)، فقال: قسمت الحكمة عشرة أجزاء، فاعطي علي تسعة أجزاء، والناس جزءا ~~واحدا. (5) # أبان بن تغلب (6)، والحسين بن معاوية، وسليمان الجعفري [وإسماعيل ابن ~~عبد الله بن جعفر] ms146 (7)، كلهم رووا عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: # لما حضرت رسول الله (صلى الله عليه وآله) الوفاة دخل عليه علي (عليه ~~السلام) فأدخل رأسه معه، ثم قال له: يا علي، إذا مت فغسلني وكفني وأقعدني ~~واسألني واكتب. # [تهذيب الأحكام (8): فخذ بمجامع كفني وأجلسني، ثم اسألني عما PageV01P291 # شئت] (1) فو الله لا تسألني عن شيء إلا أجبتك فيه. # قال أمير المؤمنين: ففعلت فأنبأني بما هو كائن إلى يوم القيامة. (2) ### ||| [خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) وقوله: «سلوني قبل أن تفقدوني»] # وروى الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه ~~القمي رضي الله عنه في أماليه بإسناد متصل إلى الأصبغ بن نباتة: # [قال:] (3) لما جلس أمير المؤمنين (عليه السلام) في الخلافة وبايعه الناس ~~ظاهرا خرج إلى مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) متعمما بعمامة رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله)، لابسا بردة رسول الله، متنعلا نعل رسول الله، ~~متقلدا سيف رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فصعد المنبر وجلس عليه متمكنا ~~(4)، ثم شبك بين أصابعه فوضعها أسفل بطنه، ثم قال: يا معشر الناس، سلوني ~~(5) قبل (6) أن تفقدوني، هذا سفط العلم، هذا لعاب رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله)، هذا ما زقني رسول الله زقا زقا. # سلوني فإن عندي علم الأولين والآخرين، أما والله لو ثنيت لي الوسادة ~~فجلست عليها لأفتيت أهل [التوراة بتوراتهم حتى تنطق التوراة فتقول: صدق علي ~~ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل الله في، وأفتيت أهل] (7) الإنجيل بإنجيلهم ~~حتى ينطق الله الإنجيل فيقول: صدق علي وما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل الله ~~في، وأفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتى ينطق الله القرآن فيقول: صدق علي وما ~~كذب، لقد أفتاكم بما انزل في، وأنتم تتلون القرآن ليلا ونهارا فهل فيكم أحد PageV01P292 # يعلم ما نزل فيه؟ ولو لا آية في كتاب الله سبحانه لأخبرتكم بما كان [وبما ~~يكون] (1) وبما هو كائن إلى يوم القيامة، وهي هذه الآية: @QUR@010 (يمحوا ~~الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) (2). # ثم ms147 قال (صلوات الله عليه): سلوني قبل أن تفقدوني، فو الذي فلق الحبة، ~~وبرأ النسمة، لو سألتموني عن آية آية في ليل انزلت أم في نهار، مكيها ~~ومدنيها، سفريها وحضريها، ناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وتأويلها ~~وتنزيلها، لأخبرتكم به. # فقام إليه رجل يقال له ذعلب وكان ذرب اللسان (3)، بليغا في الخطب، شجاع ~~القلب، فقال: لقد ارتقى ابن أبي طالب مرقاة صعبة لأخجلنه اليوم لكم في ~~مسألتي إياه، فقال: يا أمير المؤمنين: هل رأيت ربك؟ # قال: ويلك يا ذعلب لم أكن بالذي أعبد ربا لم أره. # قال: فكيف رأيته؟ صفه لنا. # قال: ويلك يا ذعلب، لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن تراه (4) ~~القلوب بحقائق الإيمان. # ويلك يا ذعلب، إن ربي لا يوصف بالبعد، ولا بالحركة، ولا بالسكون، ولا ~~بقيام قيام انتصاب، ولا بجيئة ولا ذهاب، لطيف اللطافة لا يوصف باللطف، عظيم ~~العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا PageV01P293 # يوصف بالغلظ، رءوف الرحمة لا يوصف بالرقة، مؤمن لا بعبادة، مدرك لا بمجسة ~~(1)، قائل لا بلفظ، هو في الأشياء على غير ممازجة، خارج منها [على] (2) ~~غير مباينة، فوق كل شيء لا يقال: شيء فوقه، أمام كل شيء ولا يقال: له ~~أمام (3)، داخل في الأشياء لا كشيء في شيء داخل، وخارج من الأشياء لا ~~كشيء من شيء خارج. # فخر ذعلب مغشيا عليه، ثم قال: ما سمعت بمثل هذا الجواب، والله لاعدت إلى مثلها. # ثم نادى (صلوات الله عليه): سلوني قبل أن تفقدوني. # فقام إليه الأشعث بن قيس، فقال: يا أمير المؤمنين، كيف تؤخذ الجزية من ~~المجوس، ولم ينزل عليهم كتاب، ولا بعث الله فيهم نبيا؟ # فقال: بلى، يا أشعث، قد أنزل الله عليهم كتابا، وبعث فيهم (4) نبيا، ~~وكان [لهم] (5) ملك سكر ذات ليلة فدعا بابنته إلى فراشه فارتكبها، فلما ~~أصبح تسامع به قومه فاجتمعوا إلى بابه، فقالوا: أيها الملك، دنست علينا ~~ديننا فأهلكته، فاخرج نطهرك ونقيم عليك الحد. # فقال لهم: اجتمعوا واسمعوا كلامي، فإن يكن لي مخرج مما ارتكبت وإلا ~~فشأنكم، ms148 فاجتمعوا. # فقال لهم: هل علمتم أن الله سبحانه لم يخلق خلقا أكرم عليه من أبينا آدم PageV01P294 # وأمنا حواء؟ # قالوا: لا. (1) # قال: أفليس قد زوج بنيه من بناته وبناته من بنيه؟ # قالوا: صدقت، هذا هو الدين، فتعاقدوا على ذلك، فمحا الله ما في صدورهم من ~~العلم، ورفع عنهم الكتاب، فهم الكفرة يدخلون النار بغير حساب، والمنافقون ~~أشد حالا منهم. (2) # فقال الأشعث: والله ما سمعت بمثل هذا الجواب، والله لا عدت إلى مثلها أبدا. # ثم نادى (صلوات الله عليه): سلوني قبل أن تفقدوني. # فقام إليه رجل من أقصى المسجد متوكئا على عكازة، فلم يزل يتخطى الناس حتى ~~دنا منه، فقال: يا أمير المؤمنين، دلني على عمل إذا أنا عملته نجاني الله ~~من النار. # قال: يا هذا، اسمع، ثم افهم، ثم استيقن، قامت الدنيا بثلاثة: بعالم ناطق ~~مستعمل لعلمه، وبغني لا يبخل بماله على أهل دين الله عز وجل، وبفقير صابر، ~~فإذا كتم العالم علمه، وبخل الغني، ولم يصبر الفقير، فعندها الويل والثبور، ~~وعندها يعرف العارفون بالله إن الدار قد رجعت إلى بدئها- أي إلى الكفر بعد ~~الإيمان-. # أيها السائل، لا تغترن بكثرة المساجد، وجماعة أقوام أجسادهم PageV01P295 # مجتمعة وقلوبهم شتى. # أيها الناس، إنما الناس ثلاثة: زاهد، وصابر، وراغب. # فأما الزاهد فلا يفرح بشيء من الدنيا أتاه، ولا يحزن على شيء منها فاته. # وأما الصابر فيتمناها بقلبه، فإذا أدرك منها شيئا صرف [عنها] (1) نفسه ~~لما يعلم من سوء عاقبتها. # وأما الراغب فلا يبالي من حل أصابها أم من حرام. # قال: يا أمير المؤمنين، فما علامة المؤمن في ذلك الزمان؟ # قال: ينظر إلى ما أوجب الله عليه من حق فيتولاه، وينظر إلى ما خالفه ~~فيتبرأ منه، وإن كان المخالف حبيبا قريبا. # قال: صدقت والله، يا أمير المؤمنين، ثم غاب الرجل فلم نره، فطلبه الناس ~~فلم يجدوه، فتبسم (عليه السلام) على المنبر، ثم قال: ما لكم؟ هذا أخي الخضر ~~(عليه السلام). # ثم نادى: سلوني قبل أن تفقدوني، فلم يقم إليه أحد، فحمد الله وأثنى عليه، ~~وصلى على ms149 النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم قال للحسن: قم يا حسن، فاصعد ~~المنبر، وتكلم بكلام لا تجهلك قريش بعدي فيقولون: إن الحسن لا يحسن شيئا. # قال الحسن: كيف أصعد وأتكلم وأنت حاضر في الناس تسمع وترى؟ # قال: بأبي أنت وامي اواري نفسي عنك، وأسمع وأرى ولا تراني. PageV01P296 # فصعد الحسن (عليه السلام) المنبر، فحمد الله وأثنى عليه بمحامد بليغة، ~~وصلى على النبي وآله صلاة موجزة، ثم قال: أيها الناس، سمعت جدي رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) يقول: أنا مدينة العلم وعلي بابها، وهل تدخل المدينة ~~إلا من بابها، ثم نزل. # فوثب إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) فضمه إلى صدره. # ثم قال للحسين (عليه السلام): قم يا بني فاصعد المنبر، وتكلم بكلام لا ~~تجهلك قريش بعدي، فيقولون: إن الحسين لا يحسن (1) شيئا، وليكن كلامك تبعا ~~لكلام أخيك. # فصعد الحسين (عليه السلام) المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ~~[وآله] (2) صلاة موجزة، ثم قال: معاشر الناس، سمعت جدي رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) يقول: إن عليا مدينة هدى من دخلها نجا، ومن تخلف عنها هلك، فنزل. # فوثب إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) فضمه إلى صدره وقبله، ثم قال: # أيها الناس، اشهدوا أنهما فرخا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووديعته ~~التي استودعنيها، وأنا أستودعكموها- معاشر الناس- ورسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) مسائلكم عنها (3). (4) PageV01P297 # ومن عجيب أمره (صلوات الله عليه) في هذا الباب أنه لا شيء من العلوم إلا ~~وأهله يجعلون عليا قدوة فيه، فصار قوله قبلة في الشريعة. (1) ### ||| [أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) جمع القرآن] # أبو نعيم في الحلية (2)، والخطيب في الأربعين: بالإسناد عن السدي، عن عبد ~~خير (3)، عن علي (عليه السلام)، قال: لما قبض رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) أقسمت- أو حلفت- أن لا أضع ردائي عن ظهري حتى أجمع ما بين اللوحين، ~~فما وضعت ردائي حتى جمعت القرآن. (4) # وفي أخبار أهل البيت (عليهم السلام) أنه آلى أن لا يضع رداءه على عاتقه ~~إلا للصلاة حتى يؤلف القرآن ويجمعه، فانقطع ms150 عنهم مدة إلى أن جمعه، فخرج ~~إليهم به في إزار يحمله وهم مجتمعون في المسجد، فأنكروا مصيره بعد انقطاعه ~~(5)، فقالوا: لأمر ما جاء أبو الحسن (6)، فلما توسطهم وضع الكتاب بينهم، ~~ثم قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: إني مخلف فيكم ما إن ~~تمسكتم به لن تضلوا؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وهذا كتاب الله وأنا ~~العترة. # فقام إليه الثاني، فقال: إن يكن عندك قرآن فعندنا مثله، فلا حاجة لنا ~~فيكما، فحمل (صلوات الله عليه) الكتاب وعاد به بعد أن ألزمهم الحجة. (7) # وعن الصادق (عليه السلام) أنه حمله وولى راجعا وهو يقول: @QUR@01 ~~(فنبذوه) PageV01P298 # @QUR@010 (وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون) (1). (2) # فأما ما روي أنه جمعه أبو بكر وعمر وعثمان فإن أبا بكر قال- لما التمسوا ~~منه أن يجمع القرآن-: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) ولا أمرني به؟ (3) # رواه البخاري في صحيحه. (4) ### ||| [أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أعلم الصحابة بالقراءات] # ومنهم العلماء بالقراءات (5)، وكان علي أعلم الصحابة بالقراءات (6) حتى ~~ان القراء السبعة إلى قراءته يرجعون. # فأما حمزة والكسائي فيعولان على قراءة علي (عليه السلام) وابن مسعود، ~~وليس مصحفهما مصحف ابن مسعود، فهما إنما يرجعان إلى علي ويوافقان ابن مسعود ~~فيما يجري مجرى الاعراب، وقد قال ابن مسعود: ما رأيت أحدا أقرأ من علي بن ~~أبي طالب للقرآن. # فأما نافع وابن كثير وأبو عمرو فمعظم قراءتهم ترجع إلى ابن عباس، وقرأ ~~ابن عباس على علي (عليه السلام). # وأما عاصم فقرأ على أبي عبد الرحمن السلمي، وقال أبو عبد الرحمن: # قرأت القرآن كله على علي بن أبي طالب، فقالوا: أفصح القراءات قراءة عاصم، PageV01P299 # لأنه أتى بالأصل، وذلك أنه يظهر ما أدغمه غيره، ويحقق من الهمز ما سهله ~~(1) غيره، ويفتح من الألفات ما أماله غيره. ### ||| [أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أعلم الصحابة بكتاب الله تعالى] # والعدد الكوفي في القرآن منسوب إلى علي (صلوات الله عليه)، وليس في ~~الصحابة من ينسب إليه العدد غيره ms151 (2)، وإنما كتب الناس العدد عن التابعين ~~من أهل الأمصار (3). (4) # ومنهم المفسرون كعبد الله بن العباس، وعبد الله بن مسعود، وابي بن كعب، ~~وزيد بن ثابت، وهم معترفون له بالتقدم. # تفسير النقاش: قال ابن عباس: جل ما تعلمت من التفسير من علي بن أبي طالب ~~(عليه السلام). # وقال ابن مسعود: انزل القرآن (5) على سبعة أحرف، ما منها إلا وله ظهر ~~وبطن، وإن علي بن أبي طالب (عليه السلام) علم الباطن والظاهر. (6) # فضائل العكبري: قال الشعبي: ما أحد أعلم بكتاب الله بعد نبي الله من علي ~~بن أبي طالب (عليه السلام). (7) PageV01P300 # تاريخ البلاذري وحلية الأولياء (1): قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ~~والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت وأين نزلت، أبليل نزلت أم بنهار ~~نزلت، في سهل أو جبل، إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا سئولا. # قوت القلوب: قال علي (عليه السلام): لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا في تفسير ~~الفاتحة. (2) ### ||| [أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أفقه الصحابة] # ومنهم الفقهاء وهو أفقههم، فإنه ما ظهر عن جميعهم ما ظهر عنه، ثم إن جميع ~~فقهاء الأمصار إليه يرجعون، ومن بحره يغترفون. # أما أهل الكوفة ففقهاؤهم: سفيان الثوري، والحسن بن صالح بن حي، وشريك بن ~~عبد الله، وابن أبي ليلى، وهؤلاء يفرعون المسائل ويقولون: هذا قياس قول علي ~~بن أبي طالب، ويترجمون الأبواب بذلك. # وأما أهل البصرة فقهاؤهم: الحسن، وابن سيرين، وكلاهما كانا يأخذان عن ابن ~~عباس، وهو أخذ عن علي بن أبي طالب (3)، وابن سيرين يفصح بأنه أخذ عن أهل ~~الكوفة وعن عبيدة السلماني (4)، وهو أخص الناس بعلي (صلوات الله عليه). # وأما أهل مكة فأخذوا عن ابن عباس، وعن علي (عليه السلام). # وأما أهل المدينة فعنه أخذوا. (5) PageV01P301 # وقد صنف الشافعي كتابا مفردا في الدلالة على اتباع أهل المدينة لعلي ~~(عليه السلام) وعبد الله. # وقال محمد بن الحسن الفقيه: لو لا علي بن أبي طالب (عليه السلام) ما ~~علمنا حكم أهل البغي. # ولمحمد بن الحسن كتاب يشتمل على ثلاثمائة مسألة في قتال ms152 أهل البغي بناء ~~على فعله (عليه السلام). (1) # مسند أبي حنيفة: هشام بن الحكم قال: قال الصادق (عليه السلام) لأبي ~~حنيفة: من أين أخذت القياس؟ # قال: من قول علي بن أبي طالب (عليه السلام) وزيد بن ثابت حين سألهما (2) ~~عمر في الجد مع الإخوة، فقال له علي (عليه السلام): لو أن شجرة انشعب منها ~~غصن، وانشعب (3) من الغصن غصنان أيما أقرب إلى أحد الغصنين، أصاحبه الذي ~~يخرج معه أم الشجرة؟ # فقال زيد: لو أن جدولا انبعث فيه (4) ساقية، وانبعث من الساقية ساقيتان، ~~أيما أقرب، أحد الساقيتين إلى صاحبتهما أم الجدول؟ (5) ### ||| [أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أعلم أهل المدينة بالفرائض] # ومنهم الفرضيون وهو أمهرهم (6). فضائل أحمد (7): قال عبد الله: قال عبد ~~الله: إن أعلم PageV01P302 # أهل المدينة بالفرائض علي بن أبي طالب (عليه السلام). # قال الشعبي: ما رأيت أفرض فرض من علي بن أبي طالب، ولا أحسب منه، وقد ~~سئل- وهو على المنبر يخطب-: رجل مات وترك امرأة وأبوين وابنتين، كم نصيب ~~الامرأة؟ # قال (عليه السلام): صار ثمنها تسعا، فلقبت بالمسألة المنبرية. # شرح ذلك: للأبوين السدسان، وللبنتين الثلثان، وللمرأة الثمن، عالت ~~الفريضة فكان لها ثلاث من أربعة وعشرين ثمنها، فلما صارت إلى سبعة وعشرين ~~صار ثمنها تسعا، فإن ثلاثة من سبعة وعشرين تسعها، ويبقى أربعة وعشرون، ~~للبنتين ستة عشر وللأبوين ثمانية. # وهذا القول صدر منه (صلوات الله عليه) إما على سبيل الاستفهام، أو على ~~قولهم صار ثمنها تسعا (1)، أو بين كيف [يجيء] (2) الحكم على مذهب من يقول ~~بالعول، أو على سبيل الانكار فبين الحساب والجواب، والقسمة والنسبة بأوجز ~~لفظ. (3) # ومنه أنه سئل (عليه السلام) عن عدد تخرج منه الآحاد صحاحا لا كسر فيها، ~~فقال من غير ترو: اضرب أيام سنتك في أيام اسبوعك، والآحاد هي النصف والثلث ~~والربع والخمس، هكذا إلى العشرة. ### ||| [أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أكثر الصحابة رواية] # ومنهم الرواة وهم نيف وعشرون رجلا، منهم: ابن عباس، وابن مسعود، PageV01P303 # [وجابر الأنصاري، وأبو أيوب، وأبو هريرة، وأنس،] (1) وأبو سعيد الخدري، ~~وأبو ms153 رافع، وغيرهم، وهو (صلوات الله عليه) أكثرهم رواية، وأثبتهم (2) حجة، ~~ومأمون الباطن، لقوله (صلى الله عليه وآله): علي مع الحق والحق مع علي. # قال الترمذي (3) والبلاذري (4): قيل لعلي (صلوات الله عليه): ما لك ~~(5) أكثر أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) حديثا؟ # قال: كنت إذا سألته أنبأني، وإذا سكت ابتدأني. (6) ### ||| [المؤمنين علي (عليه السلام) وضع اصول الكلام] # ومنهم المتكلمون وهو الأصل في الكلام. قال النبي (صلى الله عليه وآله): # علي رباني هذه الامة. (7) # قال (صلوات الله عليه): أول معرفة الله توحيده، وأصل توحيده نفي الصفات ~~عنه، إلى آخر الخبر. # وهو الذي وضع اصول الكلام وفرع المتكلمون على ذلك، فالإمامية يرجعون إلى ~~الصادق (عليه السلام)، وهو إلى آبائه، والمعتزلة والزيدية يرجعون إلى رواية ~~القاضي عبد الجبار [بن] (8) أحمد، عن أبي عبد الله الحسين البصري، وأبو ~~إسحاق عباس، عن أبي هاشم الجبائي، عن أبيه أبي علي، عن أبي يعقوب الشحام، ~~عن أبي الهذيل العلاف، عن أبي عثمان الطويل، عن واصل بن PageV01P304 # عطاء، عن أبي هاشم عبد الله بن محمد بن علي، عن أبيه محمد بن الحنفية، عن ~~أبيه (صلوات الله عليه). (1) ### ||| [أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) هو أفصح الخلق] # ومنهم الخطباء والفصحاء، وهو أفصح الخلق، ألا ترى إلى خطبه مثل: # خطبة التوحيد، [والشقشقية] (2)، والهداية، والملاحم، واللؤلؤة، والغراء، ~~والقاصعة، والافتخار، وخطبة الأشباح، والدرة اليتيمة، والأقاليم، والوسيلة ~~(3)، والطالوتية، والقصبية، والنخيلية، والسلمانية، والناطقة، والدامغة، ~~والفاضحة؟ (4) # بل تفكر في نهج البلاغة فإن فيه عجبا لمن كان له حظ من الذوق السليم، ~~والفهم القويم، وأكثر الخطباء والبلغاء من مواعظه أخذوا، ومن شواظه ~~اقتبسوا، وعلى مثاله احتذوا، وإذا تأمل من له قلب سليم ولب مستقيم رأى من ~~كلامه (صلوات الله عليه) ما يدل على أنه (صلوات الله عليه) كان آية من آيات ~~الله، وحجة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) دالة على صحة نبوته، لكون ~~كلامه قد اشتمل من أدلة التوحيد، والتعظيم للملك المجيد، وإبطال كلما يدعى ~~من دونه، وإدحاض حجة من ألحد في آياته، وأبدع في صفاته، ms154 من الملاحدة ~~والمشبهة والمعطلة والمجبرة ما لا مزيد عليه. # وقد يذم مقال القائلين من متألهة الحكماء كارسطوطاليس وجالينوس PageV01P305 # وبطليموس، وغيرهم ممن وضع قوانين العلوم الربانية، وشققوا الشعر في تحصيل ~~القواعد الفلسفية، وغاصوا في بحار المعارف الإلهية، وهو (صلوات الله عليه) ~~لم يتردد إلى عالم غير سيد المرسلين، ولم يكن بمكة وما والاها من البلاد من ~~أرباب العلوم الإلهية وغيرها من يسند عنه ذلك، وإنما كانوا جاهلية أجلافا ~~لا بصيرة لهم بالعلوم، ولا تمييز بين صحيح الفكر وفاسده، ولا استنباط دليل ~~يهداهم إلى سبيل الرشاد، ولو كان لهم أدنى فكر صائب وترتيب مقدمات تهداهم ~~إلى سواء السبيل لم يتخذوا الأصنام آلهة من دون الله، ولا نصبوا الأنصاب، ~~ولا استقسموا بالأزلام، ولا بحروا البحيرة، ولا سيبوا السائبة، ولا وصلوا ~~الوصيلة، ولا وأدوا البنات، ولا عظموا هبل واللات، ولم يعتقدوا من ~~الجاهلية، ولا أبطلوا القول بالدليل القاطع، ولم يقلدوا آباءهم السالفين من ~~لدن خندف إلى عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله). # وإنما سموا جاهلية لفرط جهلهم، وشدة عنادهم، وعدم انقيادهم، فإذا خرج رجل ~~منهم لم يتردد إلى عالم، ولم يطالع ما دونه القدماء من المتألهة في دفاترهم ~~عن المنطقي والطبيعي والإلهي والعلوم الرياضية من الحساب والهندسة وغيرها، ~~ثم أتى بكلام أبطل مقالهم، وأدحض حجتهم، وأبطل شبهتهم، ودل على وحدة الصانع ~~سبحانه وقدمه، وحدوث ما سواه، وعلى قدرته واختياره، وعلمه بالحري الزماني ~~وغيره مما كان قبل أن يكون وما هو كائن، ونزهه عما لا يليق بكماله، علم أن ~~علمه من علم صاحب الشريعة الذي علمه بالوحي الإلهي من حضرة واجب الوجود ~~سبحانه تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. (1) PageV01P306 # قال شيخنا وسيدنا ومفخرنا السيد الجليل محمد الرضي الموسوي رضي الله عنه ~~في خطبة كتاب نهج البلاغة: من كلام أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، ومن ~~عجائبه التي تفرد بها، وأمن المشاركة فيها أن كلامه الوارد في الزهد ~~والمواعظ، والتذكير والزواجر إذا تأمله المتأمل، وفكر فيه المتفكر، وخلع عن ~~قلبه أنه كلام مثله ممن عظم قدره ms155 [ونفذ أمره] (1)، وأحاط بالرقاب ملكه، لم ~~يعترضاه الشك في أنه كلام من لا حظ له في غير الزهادة، ولا شغل له في غير ~~العبادة، قد قبع في كسر بيت (2)، أو انقطع في (3) سفح جبل، لا يسمع إلا ~~حسه، ولا يرى إلا نفسه، ولا يكاد يوقن بأنه كلام من ينغمس في الحرب مصلتا ~~سيفه يقط الرقاب (4)، ويجدل الأبطال، ويعود به ينطف (5) دما، ويقطر مهجا، ~~وهو مع ذلك زاهد الزهاد، وبدل الأبدال (6)، وهذه من فضائله العجيبة، ~~وخصائصه اللطيفة، التي جمع [بها] (7) بين الأضداد، وألف بين الأشتات. (8) # قال الفاضل عبد الحميد بن أبي الحديد عند شرحه الخطبة التي قالها أمير ~~المؤمنين (صلوات الله عليه) عند تلاوته @QUR@02 (ألهاكم التكاثر) (9) وهي: يا له PageV01P307 # مراما ما أبعده! [وزورا ما أغفله!] (1) وخطرا ما أفظعه (2)! إلى آخرها ~~(3)، وقد أتى في هذه الخطبة ما لا مزيد عليه من ذكر الموت، والتحذير من ~~الدنيا، وما يؤول من الانسان إليه حين الموت من السكرات والغمرات، وذكر من ~~اعتز بالدنيا وركن إليها: # هذا موضع المثل ملعا يا ظليم وإلا فالتخوية (4)، من أراد أن يعظ ويخوف ~~الناس، ويعرفهم قدر الدنيا وتقلبها بأهلها فليأت بمثل هذا الكلام الفصيح في ~~مثل هذه الموعظة البالغة وإلا فليسكت، فإن السكوت أصالح، والعي خير من منطق ~~يفضح صاحبه. # ولعمري من وقف على هذه الخطبة علم مصداق قول معاوية: والله ما سن الفصاحة ~~لقريش غيره، وينبغي إذا اجتمع الفصحاء وتليت عليهم هذه الخطبة أن يسجدوا ~~لها كما سجد الشعراء لقول عدي بن الرقاع: # قلم أصاب من الدواة مدادها (5). # فقيل لهم في ذلك، فقالوا: إنا نعلم سجدات الشعر كما تعلمون أنتم سجدات ~~القرآن. # وإني لاطيل التعجب من رجل يخطب في مقام الحرب بكلام يدل على أن طبعه ~~مشابه لطباع الاسود والنمور وغيرهما من السباع الضارية، ثم يخطب PageV01P308 # في ذلك المقام بعينه إذا أراد الموعظة بكلام يدل على أن طبعه مشابه لطباع ~~الرهبان لابسي المسوح الذين لم يأكلوا لحما، ولم يريقوا (1) دما قط، فتارة ~~يكون في صورة سقراط الحبر اليوناني، ويوحنا ms156 السعمدان الإسرائيلي، وعيسى بن ~~مريم الإلهي، وتارة يكون في صورة عتيبة بن الحارث اليربوعي، وعامر بن ~~الطفيل العامري، وبسطام بن قيس الشيباني. # واقسم بالذي تقسم الامم كلها به؛ لقد تلوت هذه الخطبة منذ خمسين سنة وإلى ~~الآن أكثر من ألف مرة، وما تلوتها مرة إلا وأحدثت في قلبي وجيبا، وفي ~~أعضائي رعدة، وخيل لي مصارع من مضى من أسلافي، وتصورت في نفسي أني أنا ذلك ~~الشخص الذي وصف أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) في قوله: # فكم أكلت الأرض من عزيز جسد، وأنيق لون كان في الدنيا غذي ترف، وربيب ~~شرف، إلى آخرها (2)؟ # وكم قال الناس، وكم سمعت، وما دخل كلام ما دخل هذا الكلام من قلبي (3)، ~~فإما أن يكون ذلك لفرط حبي لصاحبه، أو أن نية القائل كانت صادقة، ويقينه ~~ثابت، فصار لكلامه تأثير في النفوس. (4) # وقال أيضا الفاضل ابن أبي الحديد عند شرحه كلامه (صلوات الله عليه) في ~~خطبة الأشباح (5): عالم السر من ضمائر (6) المضمرين، إلى آخر الفصل: لو PageV01P309 # سمع النضر بن كنانة هذا الكلام لقال لقائله ما قاله علي بن العباس بن ~~جريح لإسماعيل بن بلبل: # قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم %~% حاشا وكلا ولكن منه (1)شيبان # وكم أب قد علا بابن ذرا شرف (2) %~% كما علا برسول الله عدنان # إذ كان يفخر به على عدنان وقحطان، بل كان يقر به عين أبيه إبراهيم خليل ~~الرحمن (3) ويقول له: إنه لم يعف ما شيدت من معالم التوحيد، بل أخرج الله ~~تعالى لك من ظهري ولدا ابتدع من علوم التوحيد في جاهلية العرب ما لم تبتدعه ~~أنت في جاهلية النبط (4)، بل لو سمع هذا الكلام أرسطوطاليس القائل بأنه ~~تعالى لا يعلم الجزئيات؛ لخشع قلبه، وقف شعره (5)، وارتعدت فرائصه، واضطرب ~~قلبه، أما ترى ما عليه من الرواء والجزالة والفخامة (6)، مع ما قد اشرب من ~~الحلاوة والطلاوة واللطف والسلاسة؟ لا أرى كلاما قط يشبه هذا الكلام إلا أن ~~يكون كلام الخالق سبحانه، فإنه نبعة من تلك الشجرة، أو جدول PageV01P310 # من ذلك البحر، ms157 أو جذوة من تلك النار. (1) ### ||| [أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) هو أوفر الفصحاء والبلغاء حظا، وخطبته الخالية من الألف، وخطبته الخالية من النقطة] # ومنهم الفصحاء والبلغاء وهو أوفرهم حظا. # قال السيد الرضي الموسوي رضي الله عنه: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~مشرع الفصاحة وموردها، ومنشأ البلاغة ومولدها، ومنه ظهر مكنونها، وعنه أخذت ~~قوانينها. (2) # قال الجاحظ في كتاب الغرة: كتب علي إلى معاوية: غرك عزك، فصار قصار ذلك ~~ذلك، فاخش فاحش فعلك فعلك تهدأ بهذا، والسلام. (3) # وروى أبو جعفر بن بابويه رضي الله عنه بإسناده عن الرضا (عليه السلام)، ~~عن آبائه (عليهم السلام) أن الصحابة اجتمعت فتذاكروا أن الألف أكثر دخولا ~~في الكلام من غيره، فارتجل (صلوات الله عليه) الخطبة المونقة (4) وهي: حمدت ~~من عظمت منته، وسبغت نعمته، وسبقت رحمته (5)، وتمت كلمته، ونفذت مشيئته، ~~وبلغت قضيته (6)، إلى آخرها. # ثم ارتجل (صلوات الله عليه) خطبة اخرى على غير نقطة، أولها (7): الحمد PageV01P311 # لله أهل الحمد ومأواه، وله أوكد الحمد (1) وأحلاه، وأسرع الحمد وأسراه، ~~وأطهر الحمد وأسماه، وأكرم الحمد وأولاه، إلى آخرها. # ومثل قوله: من جهل شيئا عاداه، مثل قوله سبحانه: @QUR@06 (بل كذبوا بما ~~لم يحيطوا بعلمه) (2)، وقوله: المرء مخبوء تحت لسانه، مثله: @QUR@05 ~~(ولتعرفنهم في لحن القول) (3)، وقوله: قيمة كل امرئ ما يحسنه، مثله (4): ~~@QUR@011 (إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم) (5). (6) ### ||| [أن أمير المؤمنين (عليه السلام) هو أشعر الشعراء والبلغاء، وأن من داره خرجت دائرة العروض] # ومنهم الشعراء والبلغاء [وهو أشعرهم] (7). # قال الجاحظ في البيان والتبيين [وفي كتاب فضائل بني هاشم أيضا، والبلاذري ~~في أنساب الأشراف] (8): إن عليا كان أشعر الصحابة. # تاريخ البلاذري (9): كان أبو بكر يقول الشعر، وعمر يقول الشعر، وعثمان ~~يقول الشعر، وعلي أشعر الثلاثة. # ومنهم العروضيون ومن داره خرجت دائرة العروض. # روي أن الخليل بن أحمد أخذ رسم العروض عن رجل من أصحاب محمد بن علي ~~الباقر [أو علي بن الحسين] (10)(عليه السلام)، ووضع لذلك اصولا. PageV01P312 ### ||| [أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) هو أحكم أصحاب اللغة العربية، وأنه ms158 ليس للوعاظ مثل ما له من الأمثال والعبر والمواعظ والزواجر، وأنه أرجح الفلاسفة] # ومنهم أصحاب اللغة العربية وهو أحكمهم. # قال أبو محمد القاسم (1) الحريري في كتابه درة الغواص (2) [وابن فياض ~~في شرح الأخبار] (3): إن الصحابة اختلفوا في الموؤدة، فقال لهم علي (عليه ~~السلام): إنها لا تكون موؤدة حتى تأتي عليها التارات السبع. # فقال له عمر: صدقت أطال الله بقاءك، أراد بذلك [المبينة] (4) بقوله ~~سبحانه: @QUR@08 (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) (5) إلى آخرها، ~~فأشار إلى أنه [إذا] (6) استهل بعد الولادة ثم دفن فقد وئد. (7) # ومنهم الوعاظ وليس لأحد من الأمثال والعبر [والمواعظ] (8) والزواجر ما ~~له، نحو قوله: من زرع العدوان حصد الخسران، من ذكر المنية نسي الامنية، من ~~قعد به العقل قام به الجهل، يا أهل الغرور ما ألهجكم بدار خيرها زهيد، ~~وشرها عتيد، ونعيمها مسلوب، [وعزيزها منكوب،] (9) ومسالمها محروب، ومالكها ~~مملوك، وتراثها متروك، وصنف عبد الواحد الآمدي كتاب غرر الحكم (10) على ~~حروف المعجم من كلامه (عليه السلام). # ومنهم الفلاسفة وهو أرجحهم (عليه السلام). PageV01P313 # قال: أنا النقطة، أنا الخط، [أنا الخط،] (1) أنا النقطة، أنا النقطة والخط. # فقال جماعة: إن النقطة (2) هي الأصل، والجسم حجابه، والصورة حجاب الجسم، ~~لأن النقطة هي الأصل، والخط حجابه [ومقامه] (3)، والحجاب غير الجسد ~~الناسوتي. # وسئل (صلوات الله عليه) عن العالم العلوي، فقال: صور عارية عن المواد، ~~عالية عن القوة والاستعداد، تجلى لها فأشرقت، وطالعها فتلألأت، والقي في ~~هويتها مثاله فأظهر عنها أفعاله، وخلق الإنسان ذا نفس ناطقة، إن زكاها ~~بالعلم فقد شابهت جواهر أوائل عللها، وإذا اعتدل مزاجها وفارقت الأضداد فقد ~~شارك بها السبع الشداد. # قال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا: لم يكن فيلسوفا شجاعا قط إلا علي بن ~~أبي طالب (عليه السلام). (4) ### ||| [أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) هو أكيس المنجمين] # ومنهم المنجمون وهو أكيسهم. # سعيد بن جبير، قال: استقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) دهقان؛ قيل: إن ~~اسمه كان مرخان بن شاسوا (5) استقبله من المدائن إلى جسر توران (6)، فقال: ~~يا أمير المؤمنين، تناحست النجوم ms159 الطالعات، وتمازجت النحوس بالسعود (7)، ~~وإذا كان مثل هذا اليوم وجب على الحكيم الاختفاء، ويومك هذا يوم صعب قد PageV01P314 # اقترن فيه كوكبان، وانكفأ فيه الميزان، وانقدح من برجك النيران، وليس ~~الحرب لك بمكان. # فقال أمير المؤمنين: أيها الدهقان، المنبئ بالآثار، المخوف من الأقدار، ~~ما كان البارحة صاحب الميزان، وفي أي برج كان صاحب السرطان؟ # وكم الطالع من الأسد والساعات في الحركات؟ وكم بين السراري والزراري؟ # قال: سأنظر في الاسطرلاب. # فتبسم أمير المؤمنين وقال: ويلك يا دهقان، أنت مسير الثابتات؟ أم كيف ~~تقضي على الحادثات (1)؟ وأين ساعات الأسد من المطالع؟ وما الزهرة من ~~التوابع والجوامع؟ وما دور السراري المحركات؟ وكم قدر شعاع المنيرات؟ وكم ~~التحصيل بالغدوات؟ # فقال: لا علم لي بذلك، يا أمير المؤمنين. # فقال له: يا دهقان، هل نتج علمك أنه انتقل بيت ملك الصين، واحترقت دور ~~بالزنج، وخمد بيت نار فارس، وانهدمت منارة الهند، وغرقت سرانديب، وانقض حصن ~~الأندلس [ونتج بترك الروم بالرومية] (2). وفي رواية: البارحة وقع بيت ~~بالصين، وانفرج برج ماجين، وسقط سور سرانديب، وانهزم بطريق الروم بأرمينية، ~~وفقد ديان اليهود بايلة، وهاج النمل بوادي النمل، وهلك ملك افريقية، أكنت ~~عالما بهذا؟ # قال: لا، يا أمير المؤمنين. وفي رواية: أظنك حكمت باختلاف المشتري وزحل، ~~إنما أنارا لك في الشفق، ولاح لك شعاع المريخ في السحر، PageV01P315 # واتصل جرمه بجرم القمر. # ثم قال (صلوات الله عليه): البارحة سعد سبعون ألف عالم، وولد في كل عالم ~~سبعون ألفا، والليلة يموت مثلهم، وأومأ بيده إلى سعد بن مسعدة الخارجي (1) ~~وكان جاسوسا للخوارج في عسكره، وقال: هذا منهم، فظن الملعون بأنه يقول: ~~خذوه، فأخذ بنفسه فمات، فخر الدهقان ساجدا، فلما أفاق قال أمير المؤمنين ~~(عليه السلام): ألم أروك من عين اليقين (2)؟ # قال: بلى، يا أمير المؤمنين. # فقال (عليه السلام): أنا وصاحبي لا غربيون ولا شرقيون، نحن ناشئة القطب ~~وأعلام الفلك، أما قولك انقدح من برجك النيران (3)، فكان الواجب أن تحكم ~~به لي لا علي، أما نوره وضياؤه فعندي، وأما حريقه ولهبه فذهب عني، وهذه ms160 ~~مسألة عقيمة احسبها إن كنت حاسبا. # فقال الدهقان: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأنك ولي ~~الله. (4) # قلت: اللهم إنك أطلعته على أسرار عظمتك، وأظهرته على آثار قدرتك، وجعلت ~~قلبه مشكاة مخزون علمك، ونفسه مرآة مكنون حلمك، وكشفت عن بصر بصيرته فشاهد ~~غرائب حكمتك، وعرجت بروحه إلى PageV01P316 # الصفيح الأعلى فعاين عجائب صنعتك، وأريته ملكوت سماواتك فعلم من اختلاف ~~حركاتها ما أشبه على غيره، وأحصى بلطيف روحانيته مقادير كل من أفلاكها ~~وتقديره في مسيره، ولاحظ ما رصعت به أجرامها من درر دراريها وزواهرها، ~~وزينت صفيحها بجواهر نيراتها من ثابتها وسائرها، فالشمس والقمر بحسبان ~~حسابه عرف انتقالهما بتحولهما، وبكشف صور الأشياء لهويته علم مقدار صعودهما ~~وهبوطهما. # آتيته من لدنك علما فخرق بتأييدك صفوف ملائكتك، وكشفت الحجاب عن بصيرته ~~فشاهد صفات أشباحهم بعين عنايتك، فعرفنا هيئاتهم، واختلاف أشخاصهم، وأعلمنا ~~بتقارب درجاتهم وخواصهم، حتى كأنه عمر فيهم عمره، وأقام بينهم دهره، ~~وشاركهم في الإخلاص بعبادة معبودهم، وشابههم بخشوعهم في ركوعهم وسجودهم، ~~وساواهم في الاذعان بالطاعة لربهم، وساماهم في شرف منازلهم وقربهم. # فأصبح يخبرنا عن شدة اجتهادهم في تعظيم مبدعهم، وإخلاص جهادهم في توجههم ~~إلى معبودهم وتضرعهم، ووصف لنا من عظم أجسادهم ما أذهل عقولنا، وأعلمنا من ~~تفاوت أشباحهم ما حيرنا، وأرجف قلوبنا بقوله (صلوات الله عليه): ثم فتق ما ~~بين السماوات العلى فملأهن أطوارا من ملائكته، منهم سجود لا يركعون، وركوع ~~لا ينتصبون، وصافون لا يتزايلون (1)، ومسبحون لا يسأمون- إلى قوله (صلوات ~~الله عليه):- ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم، والمارقة من السماء ~~العليا أعناقهم، والخارجة من الأقطار أركانهم، والمناسبة لقوائم العرش ~~أكتافهم، ناكسة دونه أبصارهم، متلفعون (2) PageV01P317 # تحته بأجنحتهم، مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة وأستار القدرة، لا ~~يتوهمون ربهم بالتصوير، ولا يجرون عليه صفات المصنوعين، ولا يحدونه ~~بالأماكن، ولا يشيرون إليه بالنظائر. (1) # فكان (صلوات الله عليه) في ذلك كما وصف نفسه بقوله: لأنا بطرق السماء ~~أعلم مني بطرق الأرض. (2) # فبهذا أوضح لنا عرفان صفات أفلاكها، وبين هيئات نفوسها وأملاكها، وكشف ms161 عن ~~خواص نيراتها، واختلاف حركاتها، وهبوطها وصعودها، ونحوسها وسعودها، ~~واجتماعها وافتراقها، وما أجرى سبحانه من العادة من حوادث العالم عند ~~غروبها وإشراقها، وتأثيرات أشعة أجرامها في الأجسام الحيوانية والنباتية، ~~وما أودع سبحانه في كرة العناصر من كمونها وظهورها بتقدير الإرادة الواحدية ~~وأرانا أن القادر المختار قد جعل له التصرف في العالم العلوي كما جعل له ~~التصرف في العالم السفلي، وأوجب له فرض الولاية على كل روحاني وجسماني، ~~فلهذا ردت له الشمس وعليه سلمت، وانقادت له أملاكها وله أسلمت، وزوجه ~~الجليل سبحانه بسيدة نساء الدنيا والآخرة في صفوف ملأهم، وزادهم بحضور عقدة ~~نكاحه شرفا إلى شرفهم، وجعل نثار طوبى لشهود عرسه نثرا، وأثبت الإمامة ~~والزعامة فيه وفي غرسه إلى حين حلول القيامة الكبرى. # فيا أصحاب الارصاد والزيجات، ومعتقدي التأثيرات بالاقترانات PageV01P318 # والامتزاجات، دسوا في التراب هامات رءوسكم، وامحوا اسطرلابكم وبطليموسكم، ~~فهذا هو العالم المطلق الذي كشف الله له من حجب غيوبه كل مغلق وسقاه بالكأس ~~الروية من عين اليقين، وجمع فيه ما تفرق في غيره من علوم الأولين والآخرين، ~~فقال سبحانه وهو أصدق القائلين: @QUR@07 (وكل شيء أحصيناه في إمام مبين) . (1) # اللهم فبحق ما أوجبت له من فرض الطاعة على العامة والخاصة، وجعلت له بعد ~~نبيك الرئاسة العامة والخاصة، فصل على محمد وآل محمد وأرقمنا في دفاتر ~~المخلصين من أرقائه وخدمه، وأثبتنا في جرائد المطوقين بطوق العبودية لخدمة ~~شريف حرمه، إنك على كل شيء قدير. ### ||| [أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) هو أعرف الصحابة بعلم الفرائض والحساب] # ومنهم الحساب، وكان (صلوات الله عليه) أعرف الصحابة بعلم الفرائض ~~والحساب. # روى ابن أبي ليلى أن رجلين جلسا يتغديان في سفر ومع أحدهما خمسة أرغفة، ~~ومع الآخر ثلاثة، فمر بهما ثالث فواكلاه، فلما نهض أعطاهما ثمانية دراهم ~~عوضا عما أكل. # فقال صاحب الخمسة: أنا آخذ بعدد أرغفتي وخذ أنت بعدد أرغفتك، فأبى صاحب ~~الثلاثة، واختصما وارتفعا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام). # فقال: هذا أمر فيه دناءة (2)، والخصومة فيه غير جميلة، والصالح أحسن. # فقال صاحب الثلاثة: لا ms162 اريد إلا مر الحق والقضاء. # فقال (عليه السلام): إن كنت لا ترضى إلا بمر القضاء، فإن لك درهم واحد PageV01P319 # من الثمانية، ولصاحبك سبعة، أليس كانت لك ثلاثة أرغفة ولصاحبك خمسة؟ قال: بلى. # [قال:] (1) فهذه أربعة وعشرون ثلثا؛ أكلت منها ثمانية والضيف ثمانية، ~~فلما أعطى كما الثمانية الدراهم كان لصاحبك سبعة ولك واحد. (2) # ومنهم أصحاب الكيمياء، وهو أكثرهم حظا. # سئل (عليه السلام) عن الصنعة، فقال: هي اخت النبوة، وعصمة المروة، والناس ~~يتكلمون فيها بالظاهر، وإني لأعلم ظاهرها وباطنها، ما هي والله إلا ماء ~~جامد، وهواء راكد، ونار جائلة، وأرض سائلة. # وسئل (عليه السلام) في أثناء خطبته عن الكيمياء: هل لها حقيقة؟ # فقال: نعم، كانت وهي كائنة وستكون. # فقيل: من أي [شيء] (3) هي؟ # قال: من الزئبق الرجراج، والأسرب والزاج، والحديد المزعفر، وزنجار النحاس ~~الأخضر [الحبور الا توقف على عابرهن]. (4) # فقيل: فهمنا لا يبلغ إلى ذلك. # فقال: اجعلوا البعض أرضا، واجعلوا البعض ماء، وأفلجوا الأرض بالماء فقد تم. # فقيل: زدنا، يا أمير المؤمنين. PageV01P320 # فقال: لا زيادة عليه، فإن الحكماء القدماء ما زادوا عليه لئلا يتلاعب ~~الناس بها. (1) ### ||| [أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) هو الأصل في علم المكاشفة على طريق الصوفية] # ومنهم الصوفية ومن تكلم في علم المكاشفة (2) على طريق الصوفية، قالت ~~مشايخهم: إنه الأصل في علومهم، ولا يوجد لغيره إلا اليسير، وأكثر مشايخهم ~~يتصل سلسلة بكميل بن زياد، وهو تلميذ أمير المؤمنين (عليه السلام) ومن ~~خواصه. (3) # روى مولانا أبو عبد الله الصادق (عليه السلام)، ورواه أيضا أبو امامة ~~الباهلي، كلاهما عن النبي (صلى الله عليه وآله) في خبر طويل، واللفظ لأبي ~~امامة: أن الناس دخلوا على النبي (صلى الله عليه وآله) يهنئونه بولادة ~~الحسين (عليه السلام)، فقام رجل من وسط الناس، فقال: بأبي أنت وامي يا رسول ~~الله، رأينا من علي عجبا في هذا اليوم! # قال: وما رأيتم؟ # فقال: أتيناك لنسلم عليك، ونهنئك بولدك، فحجبنا عنك، وأعلمنا أنه هبط ~~عليك مائة ألف ملك وأربعة وعشرون ألف ملك، فعجبنا من إحصائه عدد الملائكة. ms163 # فأقبل عليه النبي (صلى الله عليه وآله) متبسما، وقال: ما أعلمك أنه هبط ~~علي مائة وأربعة وعشرون ألف ملك؟ (4) PageV01P321 # فقال: بأبي أنت وامي يا رسول الله، سمعت مائة ألف لغة، وأربعة وعشرين ألف ~~لغة، فعلمت أنهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألف ملك. # فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): زادك الله علما وحلما، يا أبا ~~الحسن؟ (1) # قال الفرغاني شارح قصيدة نظم السلوك في حضائر الملائكة من نظم الشيخ عمر ~~بن الفارض المصري العارف الصوفي (2) عند شرحه لهذا البيت، وهو: # وحز بالولاء ميراث أرفع عارف %~% غدا همه إيثار تأثير همة # «وحز»: أي اجمع، وفي قوله: «بالولاء» مرهم معنى الحب المذكور، ومعنى حب ~~أهل البيت (عليهم السلام) على اصطلاح الشيعة القائلين بالولاء، و«أرفع ~~عارف» المراد به أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، فإنه صاحب المعرفة ~~الحقيقية بالأصالة وغيره بالتبعية، فإن النسبة إلى الولاية التي هي منبع ~~العلوم الحقيقية والمعارف الأصلية لا تصح إلا من جهته وحيثيته، فإنه كان ~~مظهر الولاية الأحمدية حيث انشقت عن نبوته (صلى الله عليه وآله) الذي كان ~~انشقاق القمر صورة ذلك الانشقاق وهو باطنه وسره الظاهر بسبب ظهوره فإن كل ~~معنى لا بد أن يظهر له صورة محسوسة، وكان علي (عليه السلام) هو أرفع عارف ~~في الدنيا من حيث ما حضر أصله بقوله: أنا مدينة العلم وعلي بابها، PageV01P322 # وهو علم الحقيقة ما خلا أصله (صلى الله عليه وآله). # وقوله: «غدا همه إيثار تأثير همة» يعني انه آثر الصبر على تأثير همته. # انظر كيف تظاهر وتظافر خلق في غاية الكثرة وجماعة جمة على إيذائه ووضعه ~~وقمعه ومحاربته ومقابلته حتى قام الشيخ العارف سعيد مدافعتهم ومقاتلتهم في ~~الظاهر بالسيف، ولم يسلط عليهم همته الفعالة وهمه لدفعهم وإهلاكهم عن آخرهم ~~بحيث لم يبق منهم واد ولا ديار مع تحققه بذلك لكن تركهم بمعرفته على ~~الحقيقة لوقوع ذلك كله، وان لا مندوحة عما جرى على نحو ما جرى، فلذلك ترك ~~التأثير بالهمة ووكل الأمر إلى مجزيه تعالى وتقدس. ### ||| [أن أمير المؤمنين علي (عليه ms164 السلام) هو واضع النحو] # ومنهم النحاة، وهو واضع النحو، لأنهم يروونه عن الخليل بن أحمد بن عيسى ~~بن عمرو الثقفي، عن عبد الله بن إسحاق الحضرمي، عن أبي عمرو بن العلاء، عن ~~ميمون الأقرن، [عن عنبسة الفيل،] (1) عن أبي الأسود الدؤلي، عنه (عليه ~~السلام)، والسبب في ذلك أن قريشا كانوا يتزوجون في الأنباط، فرفع فيما ~~بينهم أولادهم فأفسدوا لسانهم، حتى ان بنت حرملة بن خويلد الأسدي (2) كانت ~~متزوجة في الأنباط، فقالت: إن أبوي مات وترك علي مال كثير (3)، فلما رأوا ~~فساد لسانها أخبروا أمير المؤمنين (عليه السلام) فأسس النحو. # وروي أن أعرابيا سمع من سوقي يقرأ: إن الله بريء من المشركين PageV01P323 # ورسوله، فشج رأسه، فخاصمه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال له في ~~ذلك، فقال: إنه كفر بالله في قراءته. # فقال (صلوات الله عليه): إنه لم يتعمد ذلك. # وروي أن أبا الأسود كان في بصره سوء وله بنية تقوده إلى أمير المؤمنين ~~(عليه السلام)، فقالت: يا أبتاه ما أشد حر الرمضاء! تريد التعجب، فنهاها عن ~~مقالتها، وأخبر أمير المؤمنين (عليه السلام) بذلك فأسس النحو. # وروي أن أبا الأسود كان يمشي خلف جنازة، فقال قائل: من المتوفي؟ # فقال أبو الأسود: الله، ثم إنه أخبر عليا (عليه السلام) بذلك فأسس النحو ~~ودفعه (1) إلى أبي الأسود، وقال: ما أحسن هذا النحو، فسمي نحوا. # قال ابن سلام: كانت الرقعة: الكلام ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى. # فالاسم: ما أنبأ عن المسمى. # والفعل: ما أنبأ عن حركة المسمى. # والحرف: ما أوجد معنى في غيره. # وكتب (صلوات الله عليه): وكتبه علي بن أبو طالب، فعجزوا عن ذلك، فقالوا: ~~أبو طالب: اسمه لا كنيته (2)، وقالوا: هذا تركيب مثل [دراحناو] (3) حضرموت ~~وبعل بك. PageV01P324 # وقال الزمخشري في الفائق (1): ترك في حال الجر على لفظه في حال الرفع، ~~لأنه اشتهر بذلك وعرف، فجرى مجرى المثل الذي لا يغير. (2) ### ||| [في إخلاص أمير المؤمنين (عليه السلام) وسبقه بالجهاد وأعماله الصالحة] # وأما إخلاصه وسبقه بالجهاد والأعمال الصالحة التي لم يقصد بها إلا ms165 وجه ~~الله فقد شهد الله له بها في كتابه، وكذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله). # روي أنه لما اسر العباس بن عبد المطلب [يوم بدر] (3) أقبل المسلمون ~~يعيرونه بكفره بالله وقطيعة الرحم، وأغلظ له أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~القول، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوئنا ولا تذكرون محاسننا؟ # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ألكم محاسن؟ # فقال: نعم، إنا لنعمر المسجد الحرام [، ونحجب الكعبة، ونسقي الحاج، ونفك ~~العاني (4)، فأنزل الله تعالى- ردا على العباس ووفاقا لعلي بن أبي طالب ~~(عليه السلام)-] (5): @QUR@07 (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله) (6) ~~الآية، ثم قال: @QUR@010 (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر) ~~(7) الآية، ثم قال: # @QUR@014 (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم ~~الآخر) (8) الآية. (9) # وروى إسماعيل بن خالد، عن عامر. وابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس. ~~ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس. والسدي، عن أبي صالح. وابن PageV01P325 # أبي خالد وزكريا (1) عن الشعبي أن هذه الآية نزلت في علي (عليه السلام). # [الثعلبي والقشيري والجبائي والفلكي في تفاسيرهم، والواحدي في أسباب نزول ~~القرآن (2) عن الحسن البصري وعامر الشعبي ومحمد بن كعب القرظي. وروينا عن ~~عثمان بن أبي شيبة ووكيع بن الجراح وشريك القاضي ومحمد بن سيرين ومقاتل بن ~~سليمان والسدي وأبي مالك] (3) ومرة الهمداني وابن عباس أنه افتخر العباس ~~بن عبد المطلب، فقال: أنا عم محمد، وأنا صاحب سقاية الحجيج، فأنا أفضل من ~~علي بن أبي طالب. # فقال شيبة بن عثمان أو طلحة أو عثمان: وأنا اعمر بيت الله الحرام، وصاحب ~~حجابته، فأنا أفضل. # وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) حاضرا، فقال: أنا أفضل منكما، لقد صليت ~~قبلكما بست سنين، وأنا اجاهد في سبيل الله. # وفي رواية الحاكم أبي القاسم الحسكاني (4) بإسناده عن ابن بريدة، عن ~~أبيه قال: بينا شيبة والعباس يتفاخران إذ مر بهما علي بن أبي طالب، فقال: # بما ذا تتفاخران؟ # فقال العباس: لقد اوتيت من الفضل ما لم يؤت أحد سقاية الحاج. وقال شيبة: ~~اوتيت عمارة المسجد الحرام. # فقال ms166 أمير المؤمنين: لقد استحييت لكما فقد اوتيت على صغري ما لم PageV01P326 # تؤتيا. # فقالا: وما اوتيت يا علي؟ # قال: ضربت خراطيمكما بالسيف حتى آمنتما بالله ورسوله. # فقام العباس مغضبا يجر ذيله حتى دخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~وقال: أما ترى ما استقبلني به علي؟ # فقال (صلى الله عليه وآله): ادعوا لي عليا، فدعي له، فقال: ما حملك على ~~ما استقبلت به عمك؟ # فقال: يا رسول الله صلى الله عليك وآلك، صدمته بالحق، فمن شاء فليغضب، ~~ومن شاء فليرض، فنزل جبرائيل وقال: يا محمد، إن ربك يقرئك السلام ويقول لك: ~~اتل عليهم @QUR@08 (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام) (1) الآيات. # فقال العباس: أنا قد رضيت- ثلاث مرات-. (2) # في كتاب أبي بكر الشيرازي بإسناده عن مقاتل، [عن مجاهد،] (3) عن ابن عباس ~~في قوله تعالى: @QUR@010 (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) - إلى ~~قوله- @QUR@02 (بغير حساب) (4) قال: والله هو أمير المؤمنين. # ثم قال بعد كلام: [وذلك] (5) أن النبي (صلى الله عليه وآله) أعطى عليا PageV01P327 # [يوما] (1) ثلاثمائة دينار اهديت إليه، قال علي: فأخذتها وقلت: والله ~~لأتصدقن في هذه الليلة بصدقة يقبلها الله مني من هذه الدنانير، فلما صليت ~~العشاء الآخرة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخذت منها مائة دينار ~~وخرجت من المسجد، فاستقبلتني امرأة فأعطيتها الدنانير، فأصبح الناس بالغد ~~يقولون تصدق علي في هذه الليلة بمائة دينار على امرأة فاجرة، فاغتممت غما شديدا. # فلما صليت الليلة القابلة صلاة العتمة أخذت مائة دينار وخرجت من المسجد، ~~وقلت: والله لأتصدقن في هذه الليلة بصدقة يقبلها الله مني، فلقيت رجلا ~~فتصدقت عليه بالدنانير، فأصبح الناس (2) يقولون: إن عليا في هذه الليلة ~~تصدق بمائة دينار على رجل سارق، فاغتممت لذلك غما شديدا، وقلت: # والله لأتصدقن في هذه الليلة بصدقة يقبلها الله مني، فصليت العشاء الآخرة ~~مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخرجت من المسجد ومعي المائة دينار ~~الباقية، فلقيت رجلا فأعطيته إياها، فأصبح الناس يقولون: إن عليا تصدق ~~البارحة على رجل غني، فاغتممت لذلك ms167 غما شديدا، وأتيت رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) فأخبرته. # فقال: يا علي، [هذا جبرئيل يقول لك: إن الله عز وجل قد قبل صدقاتك، وزكى ~~عملك،] (3) إن المائة دينار الاولى التي تصدقت بها وقعت في يد امرأة فاسدة ~~فرجعت إلى منزلها وتابت إلى الله تعالى من الفساد، وجعلت تلك الدنانير رأس ~~مال لها (4)، وهي في طلب بعل تتزوج PageV01P328 # [به] (1)، وإن الصدقة الثانية وقعت في يد سارق فرجع إلى منزله وتاب إلى ~~الله من سرقته، وجعل الدنانير رأس ماله يتجر بها، وإن الصدقة الثالثة وقعت ~~في يد غني لم يزك ماله منذ سنين، فرجع إلى منزله ووبخ نفسه وقال: شحا عليك ~~يا نفس، هذا علي بن أبي طالب تصدق علي بمائة دينار ولا مال له، وأنا قد ~~أوجب الله علي في مالي الزكاة أعواما كثيرة لم أزكه، فحسب ماله وزكاه وأخرج ~~زكاة ماله كذا وكذا دينارا، وأنزل الله سبحانه فيك: @QUR@010 (رجال لا ~~تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) (2) الآية. # أبو الطفيل: رأيت عليا (عليه السلام) يدعو اليتامى فيطعمهم العسل حتى قال ~~بعض أصحابه: لوددت اني كنت يتيما. (3) # محمد بن الصمة، عن أبيه، [عن عمه،] (4) قال: رأيت في المدينة رجلا على ~~كتفه (5) قربة وفي يده صحفة يسقي ويطعم الفقراء ويقول: اللهم ولي ~~المؤمنين، وإله المؤمنين، وجار المؤمنين، اقبل قرباتي [الليلة] (6)، فما ~~أمسيت أملك سوى ما في صحفتي وغير ما في قربتي (7)، فإنك تعلم أني منعته ~~نفسي من شدة سغبي لطلب القربة إليك. (8) # اللهم فلا تخلق وجهي، ولا ترد دعوتي. فأتيته وتأملته (9)، فإذا هو أمير PageV01P329 # المؤمنين (عليه السلام) [فأتى رجلا فأطعمه] (1). (2) # روت الخاصة والعامة [منهم: ابن شاهين المروزي، وابن شيرويه الديلمي، عن ~~الخدري وأبي هريرة] (3) أن عليا (عليه السلام) أصبح ساغبا، فسأل فاطمة ~~طعاما، فقالت: ما كان إلا ما أطعمتك منذ يومين، آثرتك به على نفسي وعلى ~~الحسن والحسين. # فقال: ألا أعلمتني فآتيكم بشيء؟ # فقالت: يا أبا الحسن، إني لأستحيي من الله أن اكلفك ما لا تقدر عليه، ~~فخرج واستقرض [من النبي ms168 (صلى الله عليه وآله)] (4) دينارا، وخرج يشتري به ~~شيئا، فلقيه المقداد قائلا: ما شاء الله، فناوله علي (عليه السلام) الديا ~~نار، ثم دخل المسجد ووضع رأسه ونام، فخرج النبي (صلى الله عليه وآله) فإذا ~~هو به، فحركه، وقال: ما صنعت؟ فأخبره، فقام وصلى معه، فلما قضى النبي صلاته ~~قال: يا أبا الحسن، هل عندك شيء نفطر عليه فنميل معك؟ فأطرق لا يجد جوابا ~~حياء منه، وكان الله قد أوحى [إليه] (5) أن يتعشى تلك الليلة عند علي، ~~فانطلقا حتى دخلا على فاطمة وهي في مصلاها وخلفها جفنة تفور دخانا، فأخرجت ~~فاطمة الجفنة فوضعتها بين أيديهما، فسألها علي (عليه السلام): أنى لك هذا؟ # قالت: هو من عند الله (6) إن الله يرزق من يشاء بغير حساب (7). # قال: فوضع النبي (صلى الله عليه وآله) كفه المبارك بين كتفي علي، وقال: PageV01P330 # هذا بدل دينارك، ثم استعبر النبي [باكيا] (1) وقال: الحمد لله الذي لم ~~يمتني حتى رأيت في ابنتي ما رأى زكريا لمريم. (2) ### ||| [في شجاعة أمير المؤمنين (عليه السلام)] # وأما شجاعته فهي أشهر من أن تشهر، حتى ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان ~~يهدد به قريشا. # روي (3) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال لأهل الطائف: والذي ~~نفسي بيده لتقيمن الصلاة، ولتؤتن الزكاة، أو لأرسلن [إليكم] (4) رجلا مني- ~~أو كنفسي- فليضربن أعناق مقاتليكم، وليسبين ذراريكم، ثم أخذ بيد علي فقال: # هذا (5). # وروي عن الرضا (عليه السلام) أنه قال: قوله سبحانه: @QUR@06 (والذين معه ~~أشداء على الكفار) (6) أن عليا منهم. (7) # فوا عجبا لمن يقايس من لم يصب محجمة [من] (8) دم في جاهلية ولا إسلام مع ~~من علم أنه قتل في يوم بدر خمسا وثلاثين رجلا مبارزا دون الجرحى، وكانوا من ~~أماثل قريش وأبطالها وشجعانها والمشهورين بالنجدة والبأس، حتى سمى الله ~~سبحانه واقعة بدر بالبطشة الكبرى، وما ذاك إلا لهلاك من هلك فيها، فإنه حصل ~~بقتلهم هظيمة عظيمة في الشرك وأهله، وكانت PageV01P331 # القتلى سبعين من سادات قريش وأعيانهم، قتل علي منهم خمسا وثلاثين رجلا، ~~وقتلت الملائكة وباقي الناس ms169 تمام العدد. ### ||| [أسماء الذين قتلهم أمير المؤمنين (عليه السلام) في بدر واحد] # وأسماء الذين قتلهم أمير المؤمنين (عليه السلام): الوليد بن عتبة، والعاص ~~بن سعيد بن العاص، وطعمة (1) بن عدي بن نوفل، وحنظلة بن أبي سفيان، ونوفل ~~بن خويلد، وزمعة (2) بن الأسود، والحارث بن زمعة، والنضر بن الحارث بن عبد ~~الدار، وعمير بن عثمان بن كعب عم طلحة، وعثمان ومالك أخوا طلحة (3)، ومسعود ~~بن أبي امية بن المغيرة، وقيس بن الفاكهة بن المغيرة، وأبو القيس بن الوليد ~~بن المغيرة، وعمرو بن مخزوم، والمنذر بن أبي رفاعة، ومنبه بن الحجاج ~~السهمي، والعاص بن منبه، وعلقمة بن كلدة، وأبو العاص بن قيس بن عدي، ~~ومعاوية بن المغيرة بن أبي العاص، ولوذان بن ربيعة، وعبد الله بن المنذر بن ~~أبي رفاعة، ومسعود بن امية بن المغيرة، [والحاجب بن السائب بن عويمر، وأوس ~~بن المغيرة] (4) بن لوذان، وزيد بن مليص، وعاصم بن أبي عوف، وسعيد بن وهب، ~~ومعاوية بن عامر بن عبد القيس، وعبد الله بن جميل بن زهير، والسائب بن سعيد ~~(5) بن مالك، وأبو الحكم بن الأخنس، وهشام بن [أبي] (6) امية؛ وقيل: إنه ~~قتل بضعة وأربعين رجلا. # وقتل (عليه السلام) يوم احد كبش الكتيبة طلحة بن [أبي] (7) طلحة، وابنه PageV01P332 # أبا سعيد، وإخوته خالدا ومخلدا وكلدة والمخالس (1)، وعبد الرحمن بن حميد ~~بن زهرة، والحكم بن الأخنس بن شريق الثقفي، والوليد بن أرطاة، وامية بن أبي ~~حذيفة، وأرطاة بن شرحبيل، وهشام بن امية، ومسافع، وعمرو بن عبد الله ~~الجمحي، بشر بن مالك المغافري، وصؤاب مولى عبد الدار، وأبا حذيفة بن ~~المغيرة، [وقاسط بن شريح العبدي، والمغيرة بن المغيرة] (2) سوى من قتلهم ~~بعد ما هزمهم. ولا إشكال في هزيمة عمر وعثمان، وإنما الإشكال في هزيمة أبي ~~بكر، هل ثبت إلى وقت الفرج أو انهزم؟ (3) # قال الشيخ أبو علي الطبرسي في كتابه مجمع البيان: ذكر أبو القاسم البلخي ~~انه لم يبق مع النبي (صلى الله عليه وآله) [يوم احد] (4) إلا ثلاثة عشر ~~نفسا؛ خمسة من المهاجرين، وثمانية ms170 من الأنصار. # فأما المهاجرون فعلي (عليه السلام) وأبو بكر وطلحة وعبد الرحمن بن عوف ~~وسعد بن أبي وقاص، وقد اختلف في الجميع إلا في علي (عليه السلام) وطلحة. # وقد روي عن عمر بن الخطاب [أنه] (5) قال: رأيتني أصعد في الجبل كأني ~~أروى ولم يرجع عثمان [من] (6) الهزيمة إلا بعد ثلاثة أيام، فقال له النبي ~~(صلى الله عليه وآله): لقد ذهبت فيها عريضة. (7) PageV01P333 ### ||| [كيفية قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) لعمرو بن عبد ود في يوم الأحزاب] # وقتل (عليه السلام) يوم الأحزاب عمرو بن عبد ود. # قال الشيخ أبو علي الطبرسي رضي الله عنه في تفسيره: كان عمرو بن عبد ود ~~فارس قريش، وكان قد قاتل يوم بدر حتى ارتث (1) وأثبته الجراح فلم يشهد ~~احدا، فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مشهده، وكان يعد بألف فارس، وكان ~~يسمى فارس يليل، لأنه أقبل في ركب من قريش حتى إذا هو بيليل- وهو واد قريب ~~من بدر- عرض لهم بنو بكر بن وائل في عدد، فقال لأصحابه: امضوا، [فمضوا،] ~~(2) فقام في وجوه بني بكر حتى منعهم من أن يصلوا إليه، فعرف بذلك، وكان ~~الموضع الذي حفر فيه الخندق يقال له المداد، وكان أول من طفره عمرو ~~وأصحابه، فقيل في ذلك: # عمرو بن عبد كان أول فارس %~% جزع المداد وكان فارس يليل # وذكر ابن إسحاق أن عمرو بن عبد ود كان ينادي: هل من مبارز؟ # فقام علي (عليه السلام) وهو مقنع بالحديد فقال: أنا له يا نبي الله. # فقال: إنه عمرو، اجلس. # ونادى عمرو: ألا رجل- وهو يؤنبهم ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أن من قتل ~~منكم دخلها-؟ # فقام علي (عليه السلام) وقال: أنا له يا رسول الله. # ثم نادى الثالثة وقال: # ولقد بححت من النداء %~% بجمعكم هل من مبارز PageV01P334 # ووقفت إذ جبن المشجع %~% موقف البطل المناجز # إن السماحة والشجا %~% عة في الفتى نعم (1)الغرائز # فقام أمير المؤمنين وقال: أنا له يا رسول الله. # فقال: إنه عمرو. # فقال أمير المؤمنين: وإن كان عمرا، ثم استأذن رسول الله ms171 (صلى الله عليه ~~وآله) فأذن له. # وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني (2) بالإسناد عن عمرو بن ثابت، عن ~~أبيه، عن جده (3)، عن حذيفة، قال فألبسه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~درعه ذات الفضول، وأعطاه سيفه ذا الفقار، وعممه بعمامته السحاب، على رأسه ~~تسعة أكوار، فقال له: تقدم. # فمضى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~لما ولى (4): اللهم احفظه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ~~ومن فوق رأسه، ومن تحت قدميه. # قال ابن إسحاق: فمشى أمير المؤمنين إليه وهو يقول: # لا تعجلن فقد أتا %~% ك مجيب صوتك غير عاجز # ذو نية وبصيرة %~% والصدق منجي كل فائز # إني لأرجو أن اقي %~% م عليك نائحة الجنائز PageV01P335 # من ضربة نجلاء يبقى %~% ذكرها عند الهزاهز # فلما دنا أمير المؤمنين (عليه السلام) منه قال عمرو: من أنت؟ # قال: أنا علي. # قال: ابن عبد مناف. # قال: أنا علي بن أبي طالب. # قال: غيرك يا ابن أخي من أعمامك [من هو] (1) أسن وأكبر منك فإني أكره أن ~~اهريق دمك. # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): لكني والله ما أكره [أن] (2) اهريق ~~دمك، فغضب ونزل عن فرسه وسل سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو علي مغضبا ~~فاستقبله أمير المؤمنين بدرقته، وضربه عمرو في الدرقة فقدها وأثبت فيها ~~السيف، وأصاب رأس أمير المؤمنين فشجه، وضربه أمير المؤمنين على حبل عاتقه فسقط. # وفي رواية حذيفة: فسيف علي رجليه بالسيف من أسفل فوقع على قفاه، وثارت ~~بينهما عجاجة، فسمع علي يكبر. # فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قتله والذي نفسي بيده، فكان أول من ~~ابتدر العجاج عمر بن الخطاب فإذا علي يمسح سيفه بدرع عمرو، فكبر عمر بن ~~الخطاب، وقال: يا رسول الله قتله، فحز أمير المؤمنين رأسه وأقبل به إلى ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووجهه يتهلل. # فقال له عمر: هلا سلبته درعه فإنه ليس في العرب درع خير منها؟ PageV01P336 # فقال: ضربته فاتقاني بسوءته فاستحييت أن أسلب ابن عمي. # وروى الحاكم ms172 أبو القاسم الحسكاني (1) أن عبد الله بن مسعود كان يقرأ: # @QUR@05 (وكفى الله المؤمنين القتال - بعلي-) (2). # وخرج أصحابه منهزمين حتى طفرت خيولهم الخندق، [وتبادر المسلمون] (3) ~~فوجدوا نوفل بن عبد العزى قد سقط، فجعل المسلمون يرمونه بالحجارة، فقال: ~~موتة (4) أجمل من هذه، ينزل إلي بعضكم اقاتله. # قال ابن إسحاق: فنزل إليه علي (عليه السلام) فطعنه في ترقوته حتى أخرجها ~~من مراقه، فمات في الخندق. # قال: وأرسل المشركون إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يشترون جيفة ~~عمرو بعشرة آلاف درهم، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): هو لكم لا نأكل ~~ثمن الموتى. # وذكر أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) أبياتا، [منها] (5): # نصر الحجارة من سفاهة رأيه %~% ونصرت رب محمد بصواب # فضربته وتركته متجدلا %~% كالجذع بين دكادك وروابي (6) # وعففت عن أثوابه ولو أنني %~% كنت المقطر بزني أثوابي (7) PageV01P337 # وروى عمرو بن عبيد، عن الحسن البصري، قال: إن عليا لما قتل عمرو حمل رأسه ~~وألقاه بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقام أبو بكر وعمر فقبلا ~~رأس علي (عليه السلام). # وروي عن أبي بكر بن عياش أنه قال: ضرب علي ضربة ما كان في الاسلام أعز ~~منها- يعني ضربة عمرو- وضرب علي ضربة ما كان في الاسلام أشأم منها- يعني ~~ضربة ابن ملجم عليه لعنة الله-. (1) ### ||| [قصيدة للمؤلف (رحمه الله) بهذا المعنى] # قلت في المعنى: # يا منكرا فضل الوصي %~% وحقه حسدا وغدرا # وعليه أعلن بالتقدم %~% بعد خير الخلق طرا # هلا جسرت بيوم سلع %~% في الوغا وأجبت عمرا # إذ ضل يخطر شبه ليث %~% الغاب يزأر مكفهرا # في كفه ماضي الغرار %~% بحده الأعناق تبرا # أسدي جري بأسه %~% قد فاق في الآفاق ذكرا # لا ينثني عن قرنه %~% إذ لا يرى الاحجام غدرا # نادى فصرت تحيد عنه %~% مخافة وتروم سترا # شبه الكماع إذا جرت %~% من ربها ترجو مفرا # هلا أجبت كما أجاب %~% مجدل الأبطال قسرا # أعني الوصي أخا النبي %~% أجل خلق الله قدرا # من أطلع الرحمن في %~% بدر به للحق بدرا # وكذاك في الأحزاب %~% شد به لخير الخلق أزرا PageV01P338 # نادى ألا ms173 هل من مبارز %~% منكم ويحوز فخرا # فأجابه ها قد أتاك %~% مجيب صوتك لن يفرا # في معرك كلا ولا %~% اولى المبارز منه ظهرا # من كان دون الخلق %~% للهادي النبي أخا وصهرا # كم أسبغت حملاته في %~% الحرب جامعة ويسرا # فتخالسا نفسيهما %~% وترامقا بالظرف شزرا # هذا لدين الحق قام %~% مؤيدا عزا ونصرا # وقرينه في الحرب %~% أضحى ناصرا عزا ونسرا # فعلاه منه بصارم %~% كم هد ركنا مشمخرا # فهوى كجذع في الثرى %~% نحرته أيد الدهر نحرا # وأفاض من فيض الدماء %~% حلل عليه صبغن حمرا # وأبان منه الرأس %~% ثم أتى به المختار جهرا # أعني به مولى الورى %~% وإمامهم برا وبحرا # من بالزعامة والصرامة %~% والامامة كان أحرا # ليث الحروب مجدل %~% أبطالها فتكا وصبرا # رفع الفخار لمجده %~% في هاشم نسبا أغرا # ما خاب متخذ ولايته %~% ليوم الحشر ذخرا # كلا ولا تربت يداه %~% ولا غدا مسعاه خسرا # من فيه سورة هل أتى %~% أبدا مدى الأيام تقرا # ردت عليه الشمس حتى %~% عاد وقت الفرض عصرا # فقضى فريضته وعادت %~% كالشهاب إذا استمرا # هذا الذي قبلت منه %~% الرأس تلبيسا ومكرا PageV01P339 # وفديته بالروح لكن %~% في حشاك حشوت غدرا # حتى إذا خلت الديار %~% من النبي وعدن قفرا # أبديت ما أخفيت من %~% فرط النفاق وجرت كفرا # عن مذهب الحق السوي %~% فجئت يا مغرور نكرا ### ||| [في شجاعة أمير المؤمنين (عليه السلام) في يوم حنين] # وأما قتلاه (عليه السلام) يوم حنين فقتل أربعين رجلا وفارسهم (1) أبو ~~جرول (2)، وإنه (صلوات الله عليه) قده بنصفين بسيفه بضربة واحدة في الخوذة ~~والعمامة والجوشن والبدن إلى القربوس. # ووقوفه (صلوات الله عليه) يوم حنين وسط أربعة وعشرين ألف ضارب سيف إلى أن ~~ظهر المدد من السماء (3)، من أعظم الآيات على صحة إمامته، وان هذه كرامة ~~أكرمه الله بها، وقوة اختصه الله بفضلها، وكذلك جميع خواصه التي اصطفاه ~~الله بها إذا استقرأها من له قلب سليم ولب مستقيم قضى منها عجبا، واستدل ~~بها أن الله سبحانه ما أيده بهذه الفضائل التي تخرج عن طوق البشر إلا لكونه ~~أفضل خلقه، وأقربهم منزلة من جلال ms174 كبريائه، وأحق الخلق بالرئاسة العامة في ~~أمر الدين والدنيا، لكونه أكمل الخلق في علمه وحلمه وزهده، PageV01P340 # وتوجهه إلى معبوده، وإخلاصه بطاعة ربه في سره وعلانيته، وجهاده في سبيل ~~خالقه، وشدة بأسه، ومحاماته عن صاحب الدعوة وبذله نفسه وقاية له من أعدائه، ~~فيظهر له بذلك أعظم دليل على وجوب اتباعه، وهذه مقدمة إجماعية لا يختلف ~~فيها مسلم، بل جميع الامة مجمعة على صحة ذلك، المؤالف والمخالف، إلا ما شذ ~~من أهل الزيغ والتعصب بالباطل، الذين لا يعبأ بشذوذهم، لكونهم قد خرجوا عن ~~ربقة المؤمنين والصغرى ضرورية، فثبت انه (صلوات الله عليه) واجب الطاعة على ~~الأحمر والأبيض. # روي أن عمروا بن العاص قال: والله ما أحد يعير بفراره من علي بن أبي طالب. # ولما نعي بقتل أمير المؤمنين (عليه السلام) بالعراق دخل عمرو بن العاص ~~على معاوية مبشرا فقال: إن الأسد المفترش ذراعيه بالعراق لاقى شعوبه. (1) # صاحب الفائق (2) قال: كانت ضربات علي أبكارا. إذا اعتلى قد، وإذا اعترض ~~قط، وإذا أتى حصنا هد. # وقالوا أيضا: كانت ضربات علي أبكارا لا عونا؛ يقال: ضربه بكر أي [قاطعة] ~~(3) لا يحتاج أن يثنى، والعوان التي يحتاج أن تثنى. زعمت الفرس أن اصول ~~الضرب سبعة (4)، وكلها مأخوذة عنه (صلوات الله عليه)، [وهي:] (5) علوية PageV01P341 # وسفلية وغاله (1) وماله وحاله وجر وهام (2). # ولو لا خوف الإطالة لأوردنا نبذة يسيرة بالنسبة إلى كثرة قتلاه بين يدي ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبعده؛ كمرحب في خيبر، وذي الخمار ~~والعنكبوت، وما لا يحصى كثرة في غزاة السلاسل، وقتاله بعد الرسول الناكثين ~~والقاسطين والمارقين في وقعة الجمل حتى بلغ إلى قطع يد الجمل ثم قطع رجليه ~~حتى سقط، وله ليلة الهرير خمسمائة وست وثلاثين تكبيرة- وفي رواية: سبعمائة (3)-. # وقال (صلوات الله عليه): لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها. # وكانت قريش إذا رأته في الحرب تواصت خوفا منه، وكان رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) يخوف المشركين به. (4) ### ||| [في كرم أمير المؤمنين (عليه السلام)] # وأما كرمه فلا مزيد عليه حتى انه آثر ms175 بقوته وقوت عياله حتى أنزل الله فيه ~~وفي زوجته وابنيه سورة تتلى إلى يوم القيامة. # وروى المخالف أن عليا (عليه السلام) كان يحارب رجلا من المشركين، فقال ~~المشرك: يا ابن أبي طالب، هبني سيفك، فرماه إليه. # فقال المشرك: عجبا يا ابن أبي طالب في مثل هذا الوقت تدفع إلي سيفك! PageV01P342 # فقال: يا هذا، إنك مددت إلي يد المسألة، وليس من الكرم أن يرد السائل، ~~فرمى الكافر بنفسه إلى الأرض وأسلم، وقال: هذه شيمة (1) أهل الدين، وقبل ~~قدم أمير المؤمنين. # وقال جبرائيل في حقه: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي. (2) ### ||| [تصدق أمير المؤمنين (عليه السلام) بخاتمه وهو راكع] # وحسبه (صلوات الله عليه) فضيلة صدقته بخاتمه في ركوعه حتى أنزل الله فيه ~~@QUR@017 (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون ~~الزكاة وهم راكعون) (3) وأجمع المؤالف والمخالف انها نزلت في علي (عليه ~~السلام) لما تصدق بخاتمه في ركوعه، رواه أبو بكر الرازي في كتاب أحكام ~~القرآن (4) على ما حكاه المغربي عنه والطبري والرماني، وهو قول مجاهد ~~والسدي. وأما علماء أهل البيت لا يختلفون في ذلك كأبي جعفر الباقر وابنه ~~أبي عبد الله (عليهما السلام). ورواه أبو صالح، عن ابن عباس. # وأورد الشيخ الجليل أبو علي الطبرسي رضي الله عنه في تفسيره بإسناد متصل، ~~قال: بينا ابن عباس رضي الله عنه جالس على شفير زمزم يقول: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) إذ أقبل رجل معتم (5) بعمامة، فجعل ابن عباس لا ~~يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا قال الرجل: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله). PageV01P343 # فقال ابن عباس: سألتك بالله- يا أيها الرجل- من أنت؟ # فكشف العمامة عن وجهه وقال: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم ~~يعرفني فأنا اعرفه بنفسي، أنا جندب بن جنادة البدري أبو ذر الغفاري سمعت ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهاتين وإلا فصمتا، ورأيته بهاتين وإلا ~~فعميتا، يقول: علي قائد البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من ~~خذله، ms176 أما إني صليت العصر مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فسأل سائل في ~~المسجد، فلم يعطه أحد شيئا، فرفع السائل يده إلى السماء، فقال: اللهم اشهد ~~أني سألت في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم يعطني أحد شيئا، وكان ~~علي راكعا فأوما بخنصره اليمنى إليه- وكان يتختم فيها- فأقبل السائل حتى ~~أخذ الخاتم من خنصره، وذلك حين صلاة النبي (صلى الله عليه وآله) (1)، فلما ~~فرغ النبي من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إن أخي موسى سألك ~~وقال: @QUR@030 (رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا ~~قولي واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري) (2) ~~فأنزلت عليه قرآنا ناطقا: @QUR@010 (سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا ~~يصلون إليكما) (3). # اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك فاشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واجعل لي وزيرا ~~من أهلي، عليا اشدد به أزري. # قال أبو ذر: فو الله ما استتم رسول الله كلامه حتى نزل عليه جبرائيل من ~~عند الله، فقال: يا محمد، اقرأ. PageV01P344 # قال: وما أقرأ؟ # قال: اقرأ @QUR@017 (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (1). # وروى هذا الخبر أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره بهذا الاسناد بعينه، وروى ~~أبو بكر الرازي في كتاب أحكام القرآن، على ما حكاه المغربي عنه والطبري ~~والرماني، وهو قول مجاهد والسدي، وهو المروي عن جميع أهل البيت (عليهم ~~السلام). (2) # وفي رواية اخرى أن النبي (صلى الله عليه وآله) دخل المسجد والناس بين ~~راكع وساجد فبصر بسائل، فقال: هل أعطاك أحد شيئا؟ # فقال: نعم، خاتم من فضة. # فقال النبي (صلى الله عليه وآله): من أعطاكه؟ # قال: ذلك القائم- وأومأ بيده إلى أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)-. # فقال النبي (صلى الله عليه وآله): على أي حال أعطاكه؟ # قال: أعطاني وهو راكع. # فكبر النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم قرأ @QUR@014 (ومن يتول الله ورسوله ~~والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) (3). ### ||| [أبيات لحسان بن ثابت بهذا المعنى] ms177 # فأنشأ حسان بن ثابت (4): PageV01P345 # أبا حسن تفديك روحي (1)ومهجتي %~% وكل بطيء في الهدى ومسارع # أيذهب مدحيك المحبر ضائعا %~% وما المدح في جنب الإله بضائع # فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعا %~% زكاة فدتك النفس يا خير راكع # فأنزل فيك الله خير ولاية %~% وبينها في محكمات الشرائع (2) # فمن أول هذه الآية بالتأويلات الواهية، والآراء الساهية، فقد عدل عن ~~الظاهر، وارتكب الطريق الجائر، وأعمت العصبية قلبه فما له من قوة ولا ناصر، ~~وأصمت الضلالة سمعه فصار من أهل المثل السائر، حبك الشيء يعمي ويصم، وإلا ~~فالظاهر الذي لا يعدل عنه في هذه الآية أن الله سبحانه بين في هذه الآية من ~~له التصرف في الخلق والولاية عليهم فقال: @QUR@05 (إنما وليكم الله ورسوله) ~~[أي] (3) الذي يتولى مصالحكم وتدبيركم هو الله الذي لا إله إلا هو، ثم من ~~بعده رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يفعل فيكم ما يفعل بأمر الله ~~@QUR@012 (والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (4) ~~أي في حال ركوعهم. # وفي هذه الآية أعظم دلالة على صحة إمامة أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) ~~بعد رسول الله بلا فصل، والدلالة فيه ان لفظة إنما تفيد الحصر، فصارت ~~الولاية منحصرة في الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة يؤتون # (4) سورة المائدة: 55. PageV01P346 # الزكاة وهم راكعون، كما تقول: إنما الفصاحة للعرب، فحصرت الفصاحة فيهم ~~ونفيتها عن غيرهم، وكما تقول: إنما أكلت رغيفا، وإنما رأيت زيدا، فنفيت أكل ~~أكثر من رغيف ورؤية غير زيد. # ووجه آخر وهو ان الولاية مختصة بمن ذكرنا هو انه سبحانه قال: @QUR@03 ~~(إنما وليكم الله) فخاطب جميع المؤمنين، ودخل في الخطاب النبي وغيره، ثم قال: # @QUR@02 (ورسوله) فأخرج النبي من جملتهم لكونهم مضافين إلى ولايته، ثم قال: # @QUR@03 (والذين آمنوا) فوجب أن يكون الذي خوطب بالآية غير الذي حصلت له ~~الولاية، ولا أدى أن يكون المضاف هو المضاف إليه بعينه، وإلى أن يكون كل ~~واحد من المؤمنين ولي نفسه، وهذا باطل، فثبت بذلك الولاية العامة لله ~~ولرسوله وللمؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم ms178 راكعون، وليس ~~لأحد أن يقول: إن لفظ @QUR@02 (الذين آمنوا) جمع ولا يجوز أن يتوجه إلى ~~أمير المؤمنين على الانفراد، وذلك ان أهل اللغة يعبرون بلفظ الجمع عن ~~الواحد على سبيل التعظيم والتفخيم، وذلك أشهر في كلامهم من الاستدلال عليه، ~~وليس لهم أن يقولوا: إن المراد بقوله: @QUR@03 (وهم راكعون) ان هذه سمتهم ~~(1) فلا يكون حالا لإيتاء الزكاة وذلك لأن قوله: @QUR@02 (يقيمون الصلاة) ~~قد دخل فيه الركوع، فإذا حملناه على أن من سمتهم (2) الركوع كان ذلك ~~كالتكرار الغير مفيد، وتأويل المفيد أولى من البعيد الذي لا يفيد، فثبتت ~~الولاية العامة لأمير المؤمنين (عليه السلام) كما ثبتت لله ولرسوله. (3) # كلمات ألقاها جناني إلى لساني، وسجعات أملاها إيماني على بياني، PageV01P347 # ومناجاة توسلت بها إلى ربي، وفقرات أسداها صادق عهدي إلى قلبي: # اللهم إنك طهرت قلوبنا من كل ريب، ونزهت نفوسنا من كل عيب، وجعلتها مأوى ~~الإخلاص لولاية وليك، ومثوى الإمحاض (1) لوصي نبيك، لا نعتقد بعد نبيك ~~أقرب منه إليك، ولا نعلم وليا نتوسل به سواه لديك، قرنت طاعته بطاعتك، ~~وأوجبت ولايته كولايتك، ونوهت بذكره في محكم تنزيلك، وشددت به عضد نبيك ~~ورسولك، وأفرغت على أعطاف إمامته خلع الرئاسة الكبرى، وجعلته أفضل خلقك بعد ~~رسولك في الدنيا والاخرى، لا يدخل الجنة إلا مستمسكا بحبله، ولا يذوق النار ~~إلا جاحدا لفضله، حبه فرض على كافة بريتك، وبغضه كفر موجب لنكال عقوبتك. # يطرب ذكره قلبي ويكشف مدحه كربي، وينشي وصفه نشوة السرور في سرائري، ~~وينتج ذكره نشاءة الحبور في ضمائري. # حبه منوط بلحمي ودمي، ولفظه شفاي من أوصابي وسقمي، لا تقبل صلاتي إلا ~~بالصلاة عليه، ولا تخلص طاعتي إلا بتفويض اموري إليه، لما جعلت حبه عنوان ~~الإيمان بك، والتفريط في جنبه تقريط في جنبك، فهو وليك في عبادك حين أخذت ~~عليهم الميثاق، وخليفتك في بلادك على الاطلاق، ولسانك الناطق بالحق، ويدك ~~الباسطة على الخلق، من أطاعه أدخلته جنتك وإن عصاك، ومن عصاه خلدته نارك ~~وإن أطاعك، كنز علمك، ومعدن حكمك، ومشرق أنوارك، ومظهر أسرارك. # @QUR@02 (هل أتى) (2) في ms179 شأنه اتيت، و@QUR@02 (إنما وليكم) (3) في بيانه ~~انزلت، وآية PageV01P348 # المباهلة (1) تشهد بمساواته لنبيك، والإخلاص بحبه أجر بلاغ صفيك، ومائدة ~~شرفه بحديث: «لحمك لحمي» (2) كملت، وملة الاسلام بنصبه علما للامة كملت، ~~وسمت نفسي بميسم العبودية لحضرته، وقدرت اني أقل خدمه وإن كنت من حفدته. # إذا ذكرت صغائر ذنوبي وكبائرها، وموبقات عيوبي وتكاثرها، قرعت باب الرجاء ~~بيد حبه، وتوسلت إلى خالقي بإخلاصه وقربه، فيناجيني بلسان نبيه في سرائري، ~~ويخاطبني ببيان وليه في ضمائري: «حب علي حسنة لا يضر معها سيئة، وبغضه سيئة ~~لا ينفع معها حسنة» (3)، فيحلو مكرر حديثها في لهواتي، ويجلو ترداد خطابها ~~همومي في خلواتي. # لا أعتقد بعد توحيد ربي وتنزيهه عما لا يليق بكماله والاقرار لنبيي بعدم ~~المماثل له في شرفه وجلاله أوجب طاعة، ولا أفوض متابعة، ولا أثبت إيمانا، ~~ولا أعلى تبيانا، ولا أشد ركنا، ولا أبين معنى، ولا أوضح حجة، ولا أهيع PageV01P349 # محجة، ولا أشمخ فخرا، ولا أرفع ذكرا، من الاذعان بالطاعة لنهيه وأمره، ~~ولا يعتاد بالمتابعة لسره وجهره. # فيا من يحسده على ما آتاه الله من فضله، ويدعي رتبته، وهو لا يعادل عند ~~الله شسع نعله، لقد طرت مستكبرا، وتعاظمت صغيرا، وأوثقت نفسك، وأنكرت جنسك، ~~وجهلت قدرك، وشبت درك، وبادرت خالقك بمعصيتك، ولم يحسن يوما تؤخذ فيه ~~بناصيتك، أتريد أن تستر الشمس بكفك، أو تنقص البحر بغرفك، وتجار الجواد ~~بأناتك، أو تنال السماء ببنانك؟ # ويك ارفق بنفسك، ولا تفخر بغرسك، فهذا الذي شرفت بذكره مقالي، ووجهت إلى ~~كعبة جوده آمالي، ورجوته معادي في حشري، ونوري في قبري، وكنزي لفقري، ~~ووجهتي في عسري ويسري، هو البحر الذي لا ينزف، والعارف الذي لا يعرف، ~~والشمس التي لا تخفى، والنور الذي لا يطفأ، المنزه بكماله عن الأنداد، ~~الجامع في خصاله بين الأضداد، يحيي بجوده الآمال، ويميت بفتكه الأبطال، ~~وتصل بكفه الاقصار، وتقطع بسيفه الآجال. # إن ذكر ليل فهو راهب دجاه، أو ذكر حرب فهو قطب رحاه، أسد الله المحراب، ~~حليف المسجد والمحراب، يجز بصارمه الأعناق، ويدر بنائله الأرزاق، نقمة الله ms180 ~~على أعدائه، ورحمته لأوليائه، الشامخ بأنفه في الحرب، والمتواضع من عظمته ~~للرب، الناسك في خطوته، والفاتك بسطوته، قتال الأبطال إذا الحروب وقعت، ~~وبدل الأبدال إذا الجنوب اضطجعت، امتحن الله به خلقه، وأبان بالأدلة ~~الواضحة صدقه، وأكرمه بالشهادة التي فضله بها على من سواه، وأحب سبحانه ~~لقاءه، كما أحب (صلوات الله عليه) لقاءه، لما تفرد عن النظير من أبناء ~~جنسه، وتعالى عن التمثيل في طهارته وقدسه. PageV01P350 # تعصبت عصب الضلالة لقتاله، وتحزبت أحزاب الجهالة لاغتياله، وضربت إلى ~~حربه بطون رواحلها، وأجلبت على هظمه بأبطال كفرها وباطلها. # فتبا لها من أمة الغدر شعارها، والمكر دثارها، والنفاق قرينها، والشقاق ~~حديثها، خسرت صفقتها، وكسدت تجارتها، فما أضمى فيها، وظمي ريها، وأضل ~~سعيها، وأشقى ميتها وحيها، تاهت في بيداء حيرتها، وغرقت في متلاطم شقوتها، ~~وزين الشيطان لها سوء فعلها، ودلاها بغروره فأوقعها في ورطة جهلها. # أفهذا كان جزاء نعمة ربها عليها، ومننه إليها؟! إذ أقام لها وليا من ~~أوليائه يثقف (1) أودها، ويقوم عوجها، ويوضح بها الدليل، ويهديها سواء ~~السبيل، أن تشن عليه غاراتها، وتطلبه بنزاتها (2)، وتقصده في نفسه وعترته، ~~وتغمده في حفدته وشيعته، وتنصب له الغوائل، وتضمي منه المقاتل، وأن تتقدمه ~~أوغادها سامريها وعجلها، وأن تجلب مرافقها عليه بخيلها ورجلها، وأن تجمع ~~فساقها على حربه في صفينها وجملها، وأن تنكر فجارها ما بين الرسول من قربه ~~بتفضيلها وجملها. # وهكذا لم يزل الدني يحسد العلي، والطفيف يحسد الشريف، والباخل يحسد ~~الباذل، واللئيم يحسد الكريم، والأوغاد تتقدم الأمجاد، والناس أميل في ~~أشكالهم، وأشبه بأمثالهم، أتباع كل ناعق، وأشياع كل زاهق، العلم أكسد بضاعة ~~تجبى إليهم، والكتاب أنكد كلمة تتلى عليهم، يبدلونه بأهوائهم، PageV01P351 # ويلحدون في آياته، ويكذبون بيناته، ويتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ~~(1)، ويقصدون من سفه أحلامهم لتبديلهم بكل حجة، ولما روى (صلوات الله عليه) ~~شدة شكيمتهم، وخبث عقيدتهم، يحرفون الكلم عن مواضعه، ويعدلون بالحق عن ~~مواقعه، لا يجيبون صوته، ولا يرهبون سوطه، ولا يستجيبون لدعائه، ولا يجعلون ~~بندائه، فبرم من صحبتهم، وتظلم من معصيتهم، وشكاهم إلى الله ms181 في خطبه ونثره، ~~واستعدى عليهم الله في سره وجهره. # كقوله (صلوات الله عليه): # اللهم إني قد مللتهم وملوني، وسئمتهم وسئموني، فأبدلني بهم خيرا منهم، ~~وأبدلهم بي شرا مني. # اللهم مث قلوبهم (2) كما يماث الملح في الماء. (3) # وكقوله (صلوات الله عليه)- من جملة كلامه-: # أيها القوم الشاهدة أبدانهم (4)، الغائبة عنهم عقولهم، المختلفة ~~أهواؤهم، المبتلى بهم امراؤهم، صاحبكم يطيع الله وأنتم تعصونه، وصاحب أهل ~~الشام يعصي الله وهم يطيعونه، لوددت- والله- أن معاوية صارفني بكم صرف ~~الديا نار بالدرهم، فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني رجلا منهم! # يا أهل الكوفة، منيت منكم بثلاث واثنتين: صم ذوو أسماع، وبكم ذوو كلام، ~~وعمي ذوو أبصار، لا أحرار صدق عند اللقاء، ولا إخوان ثقة PageV01P352 # عند البلاء! تربت أيديكم! يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها! كلما جمعت من ~~جانب تفرقت من آخر، والله لكأني [بكم] (1) فيما إخالكم: [أن] (2) لو حمس ~~الوغى، وحمي الضراب، قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج المرأة عن قبلها. ~~وإني لعلى بينة من ربي، ومنهاج من نبيي، وإني لعلى الطريق الواضح ألقطه ~~لقطا. (3) ### ||| [من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) يخاطب به أصحابه] # ومن كلام له (صلوات الله عليه) يخاطب به أصحابه: # يا أشباه الرجال ولا رجال! حلوم الأطفال، وعقول ربات الحجال (4)، وددت ~~أني لم أركم ولم أعرفكم معرفة- والله- جرت ندما، وأعقيت سدما (5)، قاتلكم ~~الله! لقد ملأتم قلبي قيحا، وشحنتم صدري غيظا، وجرعتموني نغب التهمام ~~أنفاسا، وأفسدتم (6) علي رأيي بالعصيان والخذلان؛ حتى [لقد] (7) قالت ~~قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع، ولكن لا علم له بالحرب. # لله أبوهم! وهل أحد منهم أشد لها مراسا (8)، وأقدم فيها مقاما مني؟! لقد ~~نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنا ذا قدر ذرفت على الستين (9)! ولكن لا PageV01P353 # رأي لمن لا يطاع! (1) ### ||| [من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذم أهل العراق] # ومن كلام له في ذم أهل العراق: # أما بعد [- يا أهل العراق-] (2)، فإنما أنتم كالمرأة الحامل، حملت فلما ~~أتمت أملصت (3)، ومات قيمها، وطال تأيمها (4)، وورثها أبعدها. أما والله ~~ما أتيتكم اختيارا، ms182 ولكن جئت إليكم سوقا. ولقد بلغني أنكم تقولون: [علي] ~~(5) يكذب، قاتلكم الله تعالى! فعلى من أكذب؟ أعلى الله؟ فأنا أول من آمن ~~به! أم على نبيه؟ فأنا أول من صدقه! كلا- والله- ولكنها لهجة غبتم عنها، ~~ولم تكونوا من أهلها. (6) # وغير ذلك من مقاماته المشهورة، ومكاناته المرموزة، فبعدا لها من أمة شرت ~~الضلالة بالهدى، والعذاب بالمغفرة، فما أصبرها على النار، وأولاها بغضب ~~الجبار؟! ثم لم يجترئ أعلامها بغصب حقه وتكذيب صدقه، حتى أعلنوا بسبه على ~~منابرهم، وتشادقوا بثلبه في منائرهم، وأبى الله إلا أن يتم نوره، ويجري في ~~خلقه اموره. # وأخفى الأعداء فضله حنقا، وكتم مدحه الأولياء فرقا، وظهر من بينهما ما ~~طبق الآفاق، وملأ الأوراق، واستمرت به الأزمان، وسادت به الركبان، وثبت على ~~الحق من ثبته الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة (7)، PageV01P354 # واستقام على الصدق من طاب خيمه (1) وصفا معينه، وكانت ينابيع اصوله ~~ظاهرة، لا تحركه الرياح العواصف، كما قال (صلوات الله عليه): لو ضربت ~~خيشوم (2) المؤمن بسيفي على أن يبغضني لما بغضني، ولو صببت الدنيا ~~بحذافيرها على المنافق على أن يحبني لما أحبني، وذلك عهد عهده إلي رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) (3): لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق. (4) ### ||| [معجزة أمير المؤمنين (عليه السلام) في قطع يد السارق الأسود وإرجاعها مكانها] # روى الحاتمي بإسناده إلى ابن عباس، قال: دخل أسود على أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) وأقر أنه سرق، فسأله (عليه السلام) ثلاث مرات، فقال: يا أمير ~~المؤمنين، طهرني فإني سرقت، فأمر (عليه السلام) بقطع يده، فأخذ يمينه ~~بشماله ومضى، فاستقبله بن الكواء فقال: من قطع يدك؟ # فقال: ليث الحجاز، وكبش العراق، ومصادم الأبطال، المنتقم من الجهال، كريم ~~الأصل، شريف الفضل، محل الحرمين، وارث المشعرين، أبو السبطين، أول ~~السابقين، وآخر الوصيين من آل يس، المؤيد بجبرائيل، المنصور بميكائيل، حبل ~~الله المتين، المحفوظ بجنود السماء أجمعين، ذلك والله أمير المؤمنين على ~~رغم الراغمين- في كلام له-. # فقال ابن الكواء: قلع يدك وتثني عليه! # قال: لو قطعني إربا إربا لمل ms183 ازددت له إلا حبا، فدخل ابن الكواء على PageV01P355 # أمير المؤمنين وأخبره بقصة الأسود. # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا ابن الكواء، إن محبينا لو قطعناهم ~~إربا إربا لما ازدادوا لنا إلا حبا، وإن في أعدائنا من لو ألعقناهم السمن ~~والعسل ما ازدادوا لنا إلا بغضا. # وقال أمير المؤمنين للحسن (عليه السلام): عليك بعمك الأسود. # فأحضر الحسن (عليه السلام) الأسود بين يدي أمير المؤمنين (عليه السلام)، ~~فأخذ يده فنصبها في موضعها، وغطاها بردائه، وتكلم بكلمات أخفاها، فاستقرت ~~يده كما كانت، فصار يقاتل بين يدي أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أن ~~استشهد بالنهروان، ويقال: كان اسم الأسود أفلح. (1) # وأما من كان من أعدائه بسبه موسوم، وببغضه موسوم، وأصله دني، وخيمه خني، ~~قد اكتنفه فجور الآباء وعهر الامهات، وأحاطت به رذلة الأقرباء والامور ~~المظلمات، فأعلن بسبه وبغضه، ولم يحسن الله يوم حشره وعرضه، وزين له ~~الشيطان سوء عمله، وقبيح زلله، فاتخذ بغضه وسيلة إلى أئمة الضلال، وتقربا ~~إلى الآثمة الضلال، فأحل الله بهم أليم عقابه ووخيم عذابه، في دار الفناء PageV01P356 # قبل يوم الجزاء، ولعنهم كما لعن أصحاب السبت إذا اعتدوا سبتهم، وأنزل بهم ~~نكاله لما صرفوا عن آيات الله بزورهم وبهتهم، وجعلهم عبرة في بلاده، وتذكرة ~~لعباده، وغير سبحانه صورهم، وقطع بدعائه دابرهم، فقد خرجوا عن حد الإحصاء، ~~وفاتوا العد والاستقصاء، وبلغت أخبارهم من التواتر حدا شافيا، وقدرا كافيا. ### ||| [في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)، وما حدث لمن لعن أو شتم عليا (عليه السلام)] # كما روي عن الأعمش، [عن رواته،] (1) عن حكيم بن جبير؛ وعن عاقبة الهجري، ~~عن عمته؛ وعن أبي يحيى، قال: شهدت عليا (عليه السلام) على منبر الكوفة ~~يقول: أنا عبد الله، وأخو رسول الله، ورثت نبي الرحمة، ونكحت سيدة نساء ~~الامة (2)، وأنا سيد الوصيين، وآخر أوصياء النبيين، لا يدعي ذلك غيري إلا ~~أصابه الله بسوء. # فقال رجل من عبس: من الذي لا يحسن أن يقول: أنا عبد الله، وأخو رسول ~~الله؟ فلم يبرح مكانه حتى تخبطه الشيطان، فجر برجله إلى ms184 باب المسجد. (3) # العياشي (4): بإسناده إلى الصادق (عليه السلام) في خبر قال النبي (صلى ~~الله عليه وآله): يا علي، إني سألت الله سبحانه أن يوالي بيني وبينك ففعل، ~~وسألته أن PageV01P357 # يؤاخي بيني وبينك ففعل، وسألته أن يجعلك وصيي ففعل. # فقال رجل: والله لصاع من تمر في شن (1) بال خير مما سأل محمد ربه، هلا ~~سأل ملكا يعضده على عدوه، أو كنزا يستغني به على فاقته؟ فأنزل سبحانه ~~@QUR@06 (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك) (2) الآية. وفي رواية: انه أصاب ~~قائله علة. (3) # أبو بصير، عن الصادق (عليه السلام)، قال: لما قال النبي (صلى الله عليه ~~وآله): يا علي، لو لا أني أخاف أن يقال فيك كما قالت النصارى في المسيح ~~لقلت اليوم فيك مقالة لا تمر بملإ من المسلمين إلا أخذوا التراب من تحت ~~قدميك (4)، قال الحارث بن عمرو الفهري لقوم من أصحابه: ما وجد محمد لابن ~~عمه مثلا إلا عيسى بن مريم يوشك أن يجعله نبيا من بعده والله إن آلهتنا ~~التي كنا نعبد خير منه، فأنزل الله تعالى: @QUR@010 (ولما ضرب ابن مريم ~~مثلا إذا قومك منه يصدون) - إلى قوله:- @QUR@012 (وإنه لعلم للساعة فلا ~~تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم) (5). # وفي رواية أنه نزل أيضا @QUR@06 (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه) (6)، فقال ~~النبي (صلى الله عليه وآله): يا حارث، اتق الله وارجع عما قلت من العداوة لعلي. # فقال: إذا كنت رسول الله، وعلي وصيك من بعدك، وفاطمة بنتك سيدة PageV01P358 # نساء العالمين، والحسن والحسين ابناك سيدا شباب أهل الجنة، وحمزة عمك سيد ~~الشهداء، وجعفر الطيار ابن عمك يطير مع الملائكة في الجنة، والسقاية للعباس ~~عمك، فما تركت لسائر قريش وهم ولد أبيك؟ # فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ويلك يا حارث، ما فعلت ذلك ببني ~~عبد المطلب، لكن الله سبحانه فعله بهم. # فقال الحارث: @QUR@013 (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء) (1) فأنزل الله سبحانه: @QUR@08 (وما كان الله ليعذبهم ~~وأنت فيهم) (2) فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ms185 الحارث فقال: إما أن ~~تتوب أو ترحل عنا. # فقال: إن قلبي لا يطاوعني للتوبة، لكني أرحل عنك، فركب راحلته، فلما أصحر ~~أرسل (3) الله عليه طيرا من السماء في منقاره حصاة مثل العدسة، فأنزلها ~~على هامته فخرجت من دبره إلى الأرض، ففحص برجله، وأنزل سبحانه @QUR@04 ~~(سأل سائل بعذاب واقع) (4) للكافرين بولاية علي، [قال:] (5) هكذا نزل به ~~جبرائيل (عليه السلام). (6) # قال زياد بن كليب: كنت جالسا في نفر فمر بنا محمد بن صفوان مع عبيد الله ~~بن زياد، فدخلا المسجد، ثم رجعا إلينا وقد ذهبت عينا محمد بن صفوان، PageV01P359 # فقلنا: ما شأنه؟ # فقال: إنه قام في المحراب وقال: إنه من لم يسب عليا بينة (1) فأنا أسبه ~~بينة، فطمس الله بصره. # وقد روى هذا عمرو بن ثابت، عن أبي معشر. # البلاذري (2) والسمعاني والمامطيري (3) والنطنزي والفلكي أن سعد بن ~~مالك مر برجل يشتم عليا (عليه السلام)، فقال: ويحك ما تقول؟ # قال: أقول ما تسمع. # فقال: اللهم إن كان كاذبا فاهلكه، فخبطه جمل بختي فقتله. (4) # ابن المسيب قال: صعد مروان المنبر وذكر عليا (عليه السلام) فشتمه، قال ~~سعيد بن المسيب: فهومت عيناي فرأيت كفا في منامي خرجت من قبر رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله)- يرى الكف ولا يرى الذراع- عاقدة على ثلاث وستين ~~(5)، وسمعت قائلا يقول: يا أموي @QUR@012 (أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من ~~نطفة ثم سواك رجلا) (6)؟ # قال: فما مرت بمروان إلا ثلاث حتى مات. PageV01P360 # مناقب إسحاق [العدل] (1): انه كان في خلافة هشام خطيب يلعن عليا (عليه ~~السلام) على المنبر، فخرجت كف من قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)- يرى ~~الكف ولا يرى الذراع- عاقدة على ثلاث وستين، وإذا كلام من القبر: # ويلك [من أموي] (2)@QUR@09 (أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة) ~~الآية، وألفت ما فيها، فإذا دخان أزرق، قال: فما نزل عن المنبر إلا وهو ~~أعمى يقاد، وما مضت عليه ثلاثة أيام حتى مات. (3) # وروى علماء واسط أنه لما رفع عمر بن عبد العزيز اللعائن جعل خطيب واسط ~~يلعن، فإذا هو بثور عبر ms186 الشط، وشق السور، ودخل المدينة، وأتى الجامع، وصعد ~~المنبر، ونطح الخطيب فقتله، وغاب عن أعين الناس، فسدوا الباب الذي دخل منه ~~(4)، وأثره ظاهر وسموه باب الثور. # وقال هاشمي: رأيت رجلا بالشام قد اسود نصف وجهه- وهو يغطيه- فسألته عن ~~سبب ذلك، فقال: نعم، قد جعلت على نفسي أن لا يسألني أحد عن سبب ذلك إلا ~~أخبرته، كنت شديد الوقيعة في علي، كثير الذكر له بالمكروه، فبينا أنا ذات ~~ليلة نائم إذا بات أتاني في منامي فقال: أنت صاحب الوقيعة في علي؟ فضرب شق ~~وجهي؟ فأصبحت وشق وجهي أسود كما ترى. (5) PageV01P361 # وكان بالمدينة رجل ناصبي، ثم تشيع بعد ذلك، فسئل عن السبب، فقال: # إني رأيت في منامي عليا (عليه السلام) يقول [لي] (1): لو حضرت صفين مع ~~من كنت تقاتل؟ # قال: فأطرقت افكر، فقال (عليه السلام): يا خسيس، هذه مسألة تحتاج إلى ~~[هذا] (2) الفكر العظيم! اصفعوا قفاه، فصفعت (3) حتى انتبهت وقد ورم قفاي، ~~فرجعت عما كنت عليه. (4) # روى شيخنا ووسيلتنا إلى ربنا الشيخ الجليل الفقيه عماد الدين محمد بن علي ~~بن الحسين [بن موسى] (5) بن بابويه القمي في أماليه، قال: حدثني محمد بن ~~إبراهيم بن إسحاق رضي الله عنه قال: حدثني محمد بن جرير الطبري، قال: # حدثني أحمد بن رشيد، قال حدثنا أبو معمر سعيد بن خثيم (6)، قال: حدثني ~~سعد، عن الحسن البصري أنه بلغه أن زاعما يزعم أنه ينتقص عليا (صلوات الله ~~عليه)، فقام في أصحابه يوما فقال: لقد هممت أن أغلق بابي ثم لا أخرج من ~~بيتي حتى يأتيني أجلي، بلغني أن زاعما منكم يزعم أني أنتقص خير الناس بعد ~~نبينا (صلى الله عليه وآله)، وأنيسه وجليسه، والمفرج عنه الكرب عند ~~الزلازل، والقاتل للأقران يوم التنازل، لقد فارقكم رجل قرأ القرآن فوقره، ~~[وأخذ العلم PageV01P362 # فوفره،] (1) وحاز البأس فاستعمله في طاعة ربه، صابرا على مضض الحرب، ~~شاكرا عند اللأواء والكرب، عمل بكتاب الله، ونصح لنبيه وابن عمه وأخيه، ~~آخاه دون أصحابه، وجعل عنده سره، وجاهد عنه صغيرا، وقاتل معه كبيرا، يقتل ~~الأقران، وينازل ms187 الفرسان دون دين الله حتى وضعت الحرب أوزارها، مستمسكا ~~بعهد نبيه (صلى الله عليه وآله)، لا يصده صاد، ولا يمالي عليه مضاد، ثم مضى ~~النبي (صلى الله عليه وآله) وهو عنه راض. # أعلم المسلمين علما، وأفهمهم فهما، وأقدمهم في الإسلام، لا نظير له في ~~مناقبه، ولا شبيه له في ضرائبه، فظلفت (2) نفسه عن الشهوات، وعمل الله في ~~الغفلات، وأسبغ الوضوء (3) في السبرات، وخشع (4) لله في الصلوات، وقطع ~~نفسه عن اللذات، مشمرا عن ساق، طيب الأخلاق، كريم الأعراق، واتبع سنن نبيه، ~~واقتفى آثار وليه، فكيف أقول فيه ما يوبقني؟ وما أحد أعلمه يجد فيه مقالا، ~~فكفوا عنا الأذى، وتجنبوا طريق الردى. (5) # وقال أيضا رضي الله عنه في أماليه: حدثنا أحمد بن الحسن القطان وعلي بن ~~أحمد بن موسى الدقاق ومحمد بن أحمد السناني وعبد الله بن محمد الصائغ، ~~قالوا: حدثنا أبو العباس [أحمد بن يحيى بن] (6) زكريا القطان، قال: # حدثنا أبو محمد بكر بن عبد الله بن حبيب، قال: حدثني علي بن محمد، قال: # حدثنا الفضل بن العباس، قال حدثنا عبد القدوس الوراق، قال: حدثنا PageV01P363 # محمد بن كثير، عن الأعمش. # وحدثنا الحسين بن إبراهيم بن أحمد المكتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى ~~القطان، قال: حدثنا بكر بن عبد الله بن حبيب، قال: حدثني عبيد الله بن محمد ~~بن باطويه (1)، قال: حدثنا محمد بن كثير، عن الأعمش. # وأخبرنا سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي فيما كتب إلينا من أصفهان، قال: ~~حدثنا أحمد بن القاسم بن مساور الجوهري سنة ست وثمانين ومائتين، قال: حدثنا ~~الوليد بن الفضل العنزي، قال: حدثنا مندل بن علي العنزي (2)، عن الأعمش. ### ||| [حديث أبي جعفر الدوانيقي للأعمش في فضل علي (عليه السلام)] # وحدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، قال: حدثنا أبو سعيد الحسن ~~بن علي العدوي، قال: حدثنا علي بن عيسى الكوفي، قال: حدثنا جرير (3) بن عبد ~~الحميد، عن الأعمش، وزاد بعضهم على بعض في اللفظ، وقال بعضهم ما لم يقل ~~بعض، وسياق الحديث لمندل بن علي العنزي، ms188 عن الأعمش، قال: بعث إلي أبو جعفر ~~الدوانيقي في جوف الليل أن أجب، قال: فبقيت (4) متفكرا فيما بيني وبين ~~نفسي وقلت: ما بعث إلي [في] (5) هذه الساعة إلا ليسألني عن فضائل علي ~~(عليه السلام)، ولعلي إن أخبرته قتلني. # قال: فكتبت وصيتي، ولبست كفني، ودخلت عليه، فقال ادن مني، فدنوت وعنده ~~عمرو بن عبيد، فلما رأيته طابت نفسي شيئا ثم قال: ادن مني، PageV01P364 # فدنوت حتى كادت تمس ركبتي ركبته، قال: فوجد مني رائحة الحنوط، فقال: # والله لتصدقنني وإلا لأصلبنك. (1) # فقلت: ما حاجتك، يا أمير المؤمنين؟ # قال: ما شأنك متحنطا؟ # قلت: أتاني رسولك في جوف الليل أن أجب، فقلت: عسى أن يكون أمير المؤمنين ~~بعث إلي [في] (2) هذه الساعة ليسألني عن فضائل علي (عليه السلام). فلعلي ~~إن أخبرته قتلني، فكتبت وصيتي، ولبست كفني. # قال: وكان متكئا فاستوى جالسا وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، سألتك- يا ~~أعمش (3)- كم حديثا ترويه في فضائل علي (عليه السلام)؟ # قال: فقلت: يسيرا، يا أمير المؤمنين. # قال: كم. # قلت: عشرة آلاف وما زاد. # فقال: يا سليمان، لاحدثنك بحديث في فضل علي (عليه السلام) تنسى كل حديث ~~[سمعته] (4). # قال: قلت: حدثني، يا أمير المؤمنين. # قال: إني كنت هاربا من بني امية وكنت أتردد في البلدان (5) وأتقرب إلى ~~الناس بفضائل علي (عليه السلام)، وكانوا يطعموني ويزودوني حتى وردت إلى PageV01P365 # بلاد الشام، وإني لفي كساء خلق ما علي غيره، فسمعت الاقامة وأنا جائع، ~~فدخلت المسجد لاصلي وفي نفسي أن اكلم الناس في عشاء [يعشوني] (1)، فلما ~~سلم الإمام دخل المسجد صبيان، فالتفت الإمام إليهما وقال: مرحبا بكما، ~~ومرحبا بمن اسمكما على اسمهما، وكان إلى جانبي شاب فقلت: يا شاب، ما ~~الصبيان؟ ومن الشيخ؟ # قال: هو جدهما، وليس أحد في هذه المدينة يحب عليا إلا [هذا] (2) الشيخ، ~~فلذلك سمى أحدهما الحسن والآخر الحسين، فقمت فرحا إلى الشيخ، فقلت: أيها ~~الشيخ، هل لك حاجة في حديث اقر به عينك؟ # قال: إن أقررت عيني أقررت عينك. # قال: قلت: حدثني أبي، عن جدي، عن أبيه ms189 قال: كنا قعودا عند رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) إذ جاءت فاطمة (عليها السلام) وهي تبكي، فقال لها النبي ~~(صلى الله عليه وآله): ما يبكيك يا فاطمة؟ # قالت: يا أبة، خرج الحسن والحسين فما أدري أين باتا. # فقال النبي (صلى الله عليه وآله): يا فاطمة، لا تبكي، فإن الله الذي ~~خلقهما هو ألطف بهما منك، ورفع النبي (صلى الله عليه وآله) يديه إلى ~~السماء، وقال: # اللهم إن كانا أخذا برا أو بحرا فاحفظهما وسلمهما، فنزل جبرائيل (عليه ~~السلام) من السماء وقال: يا محمد، إن الله سبحانه يقرئك السلام ويقول: لا ~~تحزن ولا تغتم فإنهما فاضلان في الدنيا وفاضلان في الآخرة، وأبوهما أفضل ~~منهما، هما نائمان في حظيرة بني النجار، وقد وكل الله بهما ملكا. # قال: فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرحا ومعه أصحابه حتى أتى PageV01P366 # حظيرة بني النجار، فإذا الحسن (1) معانقا للحسين (عليه السلام)، وإذا ~~الملك الموكل بهما قد افترش أحد جناحيه تحتهما وغطاهما بالآخر. # قال: فمكث النبي (صلى الله عليه وآله) يقبلهما حتى انتبها، فلما استيقظا ~~حمل النبي (صلى الله عليه وآله) الحسن، وحمل جبرائيل الحسين فخرج من ~~الحظيرة وهو يقول: والله لاشرفنكما كما شرفكم الله عز وجل. # فقال له أبو بكر: ناولني أحد الصبيين اخفف عنك. # فقال: يا أبا بكر، نعم الحاملان، ونعم الراكبان، وأبوهما أفضل منهما فخرج ~~حتى أتى باب المسجد فقال: يا بلال، هلم علي بالناس، فنادى منادي رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) في المدينة، فاجتمع الناس عند رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) في المسجد، فقام على قدميه، فقال: يا معشر الناس، هل أدلكم على ~~أفضل الناس جدا وجدة؟ # قالوا: بلى، يا رسول الله. # قال: الحسن والحسين فإن جدهما محمد (صلى الله عليه وآله)، وجدتهما خديجة ~~بنت خويلد. # يا معشر الناس، هل أدلكم على خير الناس اما وأبا؟ # قالوا: بلى، يا رسول الله. # قال: الحسن والحسين فإن أباهما يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، ~~وامهما فاطمة بنت رسول الله (صلى الله ms190 عليه وآله). # يا معشر الناس، هل أدلكم على خير الناس عما وعمة؟ PageV01P367 # قالوا: بلى، يا رسول الله. # قال: الحسن الحسين فإن عمهما جعفر الطيار في الجنة مع الملائكة، وعمتهما ~~أم هانئ بنت أبي طالب. # يا معشر الناس، هل أدلكم على خير الناس خالا وخالة؟ # قالوا: بلى، يا رسول الله. # قال: الحسن والحسين فإن خالهما القاسم بن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله)، وخالتهما زينب بنت رسول الله، ثم قال بيده هكذا يحشرنا الله (1)، ~~ثم قال: اللهم إنك تعلم أن الحسن في الجنة، والحسين في الجنة، وجدهما في ~~الجنة، وجدتهما في الجنة، [وأباهما في الجنة، وامهما في الجنة] (2)، وعمهما ~~في الجنة، وعمتهما في الجنة، وخالهما في الجنة، وخالتهما في الجنة. # اللهم إنك تعلم من يحبهما في الجنة، ومن يبغضهما في النار. # قال: فلما قلت ذلك للشيخ قال: من أنت يا فتى؟ # قلت: رجل من أهل الكوفة. # قال: أعربي أنت أم مولى؟ # قلت: بل عربي. # قال: فأنت تحدث بهذا الحديث وأنت في هذا الكساء، فكساني خلعته، PageV01P368 # وحملني على بغلته فبعتها بمائة دينار، وقال: يا شاب (1)، أقررت عيني فو ~~الله لأقرن عينك، ولأرشدنك إلى شاب يقر عينك اليوم. # قال: قلت: أرشدني. # قال: إن لي أخوين أحدهما إمام والآخر مؤذن، أما الإمام فإنه يحب عليا منذ ~~خرج من بطن امه، وأما المؤذن فإنه يبغض عليا منذ خرج من بطن امه. # قال: قلت: أرشدني، فأخذ بيدي حتى أتى بي إلى باب الامام، فإذا برجل خرج ~~إلي وقال: أما البغلة والكسوة فأعرفهما، والله ما كان فلان يكسوك ويحملك ~~إلا لأنك تحب الله ورسوله ووصي رسوله، فحدثني بحديث في فضل علي بن أبي طالب ~~(عليه السلام). # قال: قلت: أخبرني أبي، عن أبيه، عن جده، قال: كنا قعودا عند رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) إذ جاءت فاطمة تبكي بكاء شديدا، فقال لها رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله): ما يبكيك، يا فاطمة؟ # قالت: يا أبة، عيرتني نساء قريش وقلن: إن أباك زوجك من معدم لا مال له. ms191 # فقال لها النبي (صلى الله عليه وآله): لا تبكي فو الله ما زوجتك حتى زوجك ~~الله من فوق عرشه، وأشهد بذلك جبرائيل وميكائيل، وإن الله سبحانه اطلع على ~~أهل الأرض (2) فاختار من الخلائق أباك فبعثه نبيا، ثم اطلع الثانية فاختار ~~من الخلائق عليا، فزوجك إياه، واتخذه وصيا، فعلي أشجع الناس قلبا، وأحلم ~~الناس حلما، وأسمح الناس كفا، وأقدم الناس سلما، وأعلم الناس علما، PageV01P369 # والحسن والحسين ابناه وهما سيدا شباب أهل الجنة، واسمهما في التوراة شبير ~~وشبر لكرامتهما على الله سبحانه. # يا فاطمة، لا تبكي فو الله إذا كان يوم القيامة يكسى أبوك حلتين، وعلي ~~حلتين، ولواء الحمد بيدي، فاناوله عليا لكرامته على الله. # يا فاطمة، لا تبكي فإني إذا دعيت إلى رب العالمين يجيء علي معي، وإذا ~~شفعني الله شفع علي معي. # يا فاطمة، لا تبكي فإنه إذا كان يوم القيامة ينادي مناد في أهوال ذلك ~~اليوم: يا محمد، نعم الجد جدك إبراهيم خليل الرحمن، ونعم الأخ أخوك علي بن ~~أبي طالب. # يا فاطمة، علي يعينني على مفاتيح الجنة، وشيعته هم الفائزون غدا يوم ~~القيامة في الجنة، فلما قلت ذلك قال: يا بني ممن أنت؟ # قلت: من أهل الكوفة. # قال: أعربي أنت أم مولى؟ # قلت: عربي. # قال: فكساني ثلاثين ثوبا، وأعطاني عشرة آلاف درهم، ثم قال: يا شاب، أقررت ~~عيني ولي إليك حاجة، قلت: انقضيت إن شاء الله. # قال: فإذا كان غدا فائت مسجد آل فلان كيما ترى أخي المبغض لعلي بن أبي ~~طالب (عليه السلام). # قال: فطالت علي تلك الليلة، فلما أصبحت أتيت المسجد الذي وصف لي وقمت في ~~الصف الأول فإذا إلى جانبي شاب متعمم فذهب ليركع فسقطت PageV01P370 # عمامته، فنظرت في وجهه فإذا رأسه رأس خنزير، ووجهه وجه خنزير، فو الله ما ~~علمت ما تكلمت [به] (1) في صلاتي حتى سلم الامام، فقلت: يا ويحك ما الذي ~~أرى بك؟ # فبكى وقال لي: انظر إلى هذه الدار، فنظرت، فقال لي: ادخل، فدخلت، فقال ~~لي: كنت مؤذنا لآل فلان كلما أذنت ms192 (2) لعنت عليا (صلوات الله عليه) ألف ~~مرة بين الأذان والإقامة، وكلما كان يوم الجمعة لعنته أربعة آلاف مرة، ~~فخرجت من منزلي وأتيت داري واتكأت على هذا الدكان الذي ترى فرأيت في منامي ~~كأني في الجنة وفيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) ~~فرحين، ورأيت كأن النبي (صلى الله عليه وآله) عن يمينه الحسن، وعن يساره ~~الحسين ومعه كأس، فقال: يا حسن، اسقني فسقاه، ثم قال: اسق الجماعة، فسقاهم ~~(3)، ثم رأيته كأنه قال: اسق المتكئ على [هذا] (4) الدكان. # فقال الحسن (عليه السلام): يا جد، أتأمرني أن أسقي هذا وهو يلعن أبي في ~~كل يوم ألف مرة بين الأذان والإقامة، وقد لعنه في هذا اليوم أربعة آلاف مرة ~~بين الأذان والإقامة؟! فأتاني النبي (صلى الله عليه وآله) وقال: مالك عليك ~~لعنة الله تلعن عليا، وعلي مني، [وتشتم عليا وعلي مني] (5)؟ ورأيته كأنه ~~تفل في وجهي وضربني برجله، وقال: قم غير الله ما بك من نعمة، فانتبهت [من ~~نومي] (6) فإذا رأسي رأس خنزير، ووجهي وجه خنزير. # ثم قال لي أبو جعفر المنصور: أهذان الحديثان في يدك؟ PageV01P371 # فقلت: لا. # فقال: يا سليمان، حب علي إيمان، وبغضه نفاق، والله لا يحبه إلا مؤمن، ولا ~~يبغضه إلا منافق. # قال: فقلت: الأمان، يا أمير المؤمنين. # قال: لك الأمان. # فقلت: ما تقول في قاتل الحسين (عليه السلام)؟ # فقال: في النار، وإلى النار. # قلت: وكذلك من يقتل ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله) في النار، وإلى النار. # قال: يا سليمان، الملك عقيم، اخرج فحدث بما سمعت. (1) # قلت: ثم لم تغن عنه الآيات والنذر، ولم يعتبر بما شاهد وحقه أن يعتبر، PageV01P372 # حتى يتبع بالأذى ذريته، وقصد بالأدا (1) عترته، فكم علوي أضحى منه ومن ~~ولده في أضيق سجن وأسر، وأسبغ حكم وقهر، قد أكلت الجوامع لحم سواعده ويديه، ~~ووضعت الأصفاد من قدميه إلى حقويه، وأثرت الأغلال في عنقه وعضديه، ونظرت ~~الحتوف عن كثب إليه، يستعذب الموت من أليم عذابهم، ويستطب الفوت لوخيم ~~عقابهم. # وكم فاطمي فطم عن ms193 ثدي الحياة بقواتل سمومهم، وكم حسيني انتظم في سلك ~~الأموات بسيوف وقائعهم ونقمهم، سل فخا (2) وما حل بآل الرسول في عراها، ~~والزوراء وما غيب من ولد البتول في ثراها، وخراسان ومن شرفت به مرابع ~~طوسها، والعراق وما حل من أمجادهم في ضرائح رموسها. # ترى مشاهدهم في الأقطار تشهد بجلالة قدرهم، وتعاهدهم في الأمصار ينبي عن ~~غزارة فضلهم، وأنوار الايمان تسطع من قباب مزاراتهم، وسحائب الغفران تهمع ~~من اكمال زياراتهم، يغفر الله الذنوب بالهجرة إليها، ويكشف الكروب بالعكوف ~~بحضراتها ومبانيها. # كلما تقادمت الأيام تجدد فجرهم، وكلما تعاقبت الأعوام تعالى ذكرهم، ورثوا ~~المجد بالأصالة، لما تممت بجدهم الرسالة، وعلت كلمتهم في الآفاق، لما اقيم ~~أبوهم وليا على الإطلاق، شد الله بزكيهم أزر ملته، واستشهد بشهيدهم على ~~برهان ربوبيته، وزين بعابدهم أوراد عبادته، وبين بباقرهم وصادقهم أسرار ~~شريعته، وأظهر بعالمهم وكاظمهم أنوار حكمته، وجعل رضاه مقرونا برضاهم، ~~وعلمه مخزونا في جوادهم ومرتضاهم، وهداه في اتباع سبيل PageV01P373 # هاديهم، وولاه منوطا بولاء عسكريهم وزكيهم، وقوام الخلق بقائمهم، وقيام ~~الحق بعالمهم، صاحب الشوكة والقوة، وظاهر الملة والدعوة، حجة الله على ~~بريته، ومحجته في خليقته، والقائم بالقسط في أمة جده، والداعي إلى الحق ~~بجده وجاهده. # ذكره راحة روحي وقلبي، ومدحه مجلي همي وكربي، وخياله نصب سواد مقلتي، ~~وجماله في سويداء قلبي ومهجتي، أحن إلى رؤيته ولو في طيف المنام، وأشتاق ~~الى بهجته وإن بعد المرام، أود لو ثبتني في جرائد الخالصين من عبيده، وأن ~~يرقمني في دفاتر المخلصين من جنوده، وأن يسمني بميسم العبودية في جنبي ~~لعزيز جنابه، وأن يطوقني بطوق الرقية لملازمة ركابه، أسير بين يدي طرفه ولو ~~على رأسي وطرفي، وأستلمح أنوار بهجته من بين يدي ومن خلفي، واسارع إلى أمره ~~بقلبي وقالبي، وأستظل بظل جواده وذلك أقصى مطالبي، رافعا صوتي مدة مسيري ~~بين يديه، متابعا لفظي حين إشارتي بالصلاة عليه، قائلا: معاشر المؤمنين، ~~افرجوا عن سبيل سبيل ربكم، وتنحوا عن طريق ولي أمركم. # هذا علة وجودكم، هذا دليلكم على معبودكم، هذا صاحب زمانكم، هذا ms194 ناصب ~~أعلامكم، هذا وسيلتكم إلى ربكم يوم حشركم، هذا نوركم الذي يسعى بين أيديكم ~~ومن خلفكم حين بشركم، هذا الذي وعدكم به سيد المرسلين ولا خلف لوعده، هذا ~~الذي الروح الأمين من بعض حشمه وجنده، هذا فرع الشجرة المباركة، هذا خليفة ~~الله بلا مشاركة، هذا علم العترة الطاهرة، هذا مصباح الاسرة الفاخرة، هذا ~~شمس الشريعة النبوية، هذا بدر الذرية العلوية، هذا ممصر الأمصار، هذا مدمر ~~الفجار، هذا هادم أركان النفاق، هذا قاطع أسباب الشقاق، هذا الصادع بالحق، ~~هذا الناطق بالصدق، هذا طود الحلم، هذا PageV01P374 # بحر العلم، هذا إمام الامة، هذا صاحب @QUR@012 (ونريد أن نمن على الذين ~~استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة) (1)، هذا الذي لو لا وجوده لصاخت الأرض ~~بكم، ولأخذكم العذاب من فوقكم ومن تحت أرجلكم، هذا خليفة الأنبياء، هذا ~~خاتمة الأوصياء. # غضوا أبصاركم إذا أشرتم بالصلاة عليه، واخفضوا أصواتكم ولا تقدموا بين ~~يديه، واسألوا الله بحقه فهو من أعظم وسائلكم إليه، لا يقبل الله منكم صرفا ~~ولا عدلا إلا باتباع سبيله، ولا يقيم لكم يوم القيامة وزنا إلا باقتفاء دليله. # فلا أزال أهتف بهذه الكلمات مدة مسيري في ظل ركابه، وأبهج بهذه الصفات ~~منذ مصيري غاشيا دار جنابه، حتى إذا التقى الجمعان، واصطدم الفيلقان، ضربت ~~بين يديه بسيفي قدما قدما، وقصمت الأصلاب بشدة بطشي قصما قصما، وقيضت ~~الأجساد بثعلب رمحي شكا شكا، وجندلت الأبطال بقوة عزمي فتكا فتكا، لا اوقر ~~كبير أهل النفاق، ولا أرحم صغيرهم، ولا أغمد حسامي حتى ابيد أميرهم ~~ومأمورهم. # لو نشر لي صديقهم نجل قحافهم في تلك الحال لفلقت قحفته بنصفين، ولو تراءى ~~لعيني زعيمهم فاروقهم عند مقارعة الأبطال لفرقت فرقه شطرين، ولصبغت من ذي ~~نوريهم أثباجه من دم أوداجه، ولأطفأت لابن هندهم من نور الحياة ضوء سراجه، ~~ولآذيت أهل هودجهم بقولي وفعلي، ولوجأت جبينها وخدها بسبت نعلي، وللعنت ~~أباها وجدها بعالي صوتي، ولشفيت عليك صدري منها ومن جندها قبل موتي، حتى ~~أجعلها في عرصة الجمع تذكرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع. PageV01P375 ### ||| [قصيدة ms195 للمؤلف (رحمه الله) في الامام المهدي (عليه السلام)] # يا ابن من أسرى به الله إلى حضرته %~% وبه أظهر دين الحق من بعثته # يا سمي الفاتح الخاتم يا نور الهدى %~% يا منار الحائر التائه في حيرته # يا أمان الملك الجبار في عالمه %~% يا أمين المصطفى المختار في امته # كم غياب عن عليل عظمت علته %~% كم حجاب من مشوق مات من غصته # لو تزره عائدا لو في الكرى أحييته %~% وبثثت الروح بعد الموت في جثته # لم يزل منك جمال في سويداء قلبه %~% وخيال في سواد الطرف من مقلته # مستمر عهده من عالم الذر إلى %~% أن يوافيكم غدا بالصدق في رجعته # نوره مذ تم منكم صار لا يخشى بكم %~% زخرفا من باطل يوديه في ظلمته # مذ خلا عما سواكم قلبه صار له %~% ذكركم دأبا به يأنس في خلوته # نحوكم منطقه كالدر في ترصيعه %~% ببديع يطرب الأسماع من دقته PageV01P376 # ببيان من معان صرفها في مدحكم %~% يزدريه الجاهل الهالك في شبهته # قسما بالله ثم المصطفى أكرم من %~% أرسل الله وبالأطهار من عترته # ان لي صدق يقين بولاكم لا أرى %~% غيره ينقذ للإنسان في لعنته # يا مليكا جعل الله له في ملكه %~% بسطة منها مدار الخلق في قبضته # لو نهيت الشمس عن إشراقها ما أشرقت %~% ومنعت الفلك الدوار عن دورته # كلما فكرت في جرمي وما أسلفته %~% من كبير موبق أسعفت من تبعته # قال لي حسن يقيني لك حصن مانع %~% ذلك المولى الذي بالغت في مدحته # حجة الوقت ولي الله في عالمه %~% ساطع البرهان والظاهر في حجته # بحر علم طود حلم لا يضاهى مجده %~% كنز جود لا يسامى في علا رفعته # غائب عن مقلتي لكن بقلبي حاضر %~% لم يزل فيه خيال من سنا بهجته PageV01P377 # يا مديد العمر صل صبا تقضى عمره %~% في انتظار واشفه بالوصل من علته # يا إلهي إن تقضى أجلي من قبل أن %~% تقض لي بالسعد في دنياي من رؤيته # فامح عني موبقات ليس تحصى كثرة %~% واجعلني يوم حشر الخلق في زمرته # أقول: إن هذه ms196 الجملة المعترضة التي قررتها، والأبيات المسطرة التي ~~ذكرتها، ليست من ملازمات المجالس المذكور، ولا من غصون المقصد المذكور، لكن ~~لما صبت الصبابة شابيبها على قلبي، وأضرمت الكابة لهيبها في لبي، وذلك لما ~~ألقى الله على لسان الحائد عن الحق، ونطق به الجاحد من الصدق، وشهد بما هو ~~حجة عليه في الدنيا والاخرى، فصار ومن انتمى إليه نحري الله أحق وأحرى، ~~أوحى جناني إلى لساني، وألقى بياني على بناني، هذه الكلمات المحلاة بترصيعي ~~وتسجيعي، والأبيات المستمعة بمعاني بياني وبديعي، فصارت كالعقد في صدر ~~الخريدة، أو العهد في صدر الجريدة. ### ||| [ما حدث لمن لعن أو شتم عليا (عليه السلام)] # ولنرجع إلى تمام المجالس الموعود، والله المستعان على كل جبار كنود. # الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام): كان إبراهيم ~~بن هاشم المخزومي واليا على المدينة، وكان يجمعنا كل يوم جمعة قريبا من ~~المنبر ويشتم عليا (عليه السلام)، فلصقت بالمنبر فأغفيت، فرأيت القبر قد ~~انفرج فخرج منه رجل عليه ثياب بيض، فقال لي: يا أبا عبد الله، ألا يحزنك ما ~~يقول هذا؟ # قلت: بلى، والله. PageV01P378 # قال: افتح عينيك انظر ما يصنع الله به، وإذا هو قد ذكر عليا فرمي به من ~~فوق المنبر فمات. (1) # عثمان بن عفان السجستاني: [إن محمد بن عباد] (2) قال: كان في جواري رجل ~~صالح، فرأى النبي (صلى الله عليه وآله) في منامه على شفير الحوض والحسن ~~والحسين يسقيان الامة، فاستسقيت فأبيا علي، فأتيت النبي (صلى الله عليه ~~وآله) أسأله، فقال: لا تسقوه، فإن في جوارك رجل يلعن عليا فلم تنهه، ثم ~~ناولني سكينا، وقال: اذهب فاذبحه. # قال: فخرجت فذبحته ودفعت السكين إليه، فقال: يا حسين، اسقه، فسقاني، ~~فأخذت الكأس بيدي ولا أدري أشربت أم لا، فانتبهت فإذا بولولة ويقولون: فلان ~~ذبح على فراشه، وأخذ الشرطة الجيران، فقمت إلى الأمير، فقلت: أصلحك الله ~~أنا فعلت به هذا والقوم براء، وقصصت عليه الرؤيا، فقال: # اذهب جزاك الله خيرا. (3) # عبد الله بن السائب وكثير بن الصلت، قالا: ms197 جمع زياد بن أبيه أشراف الكوفة ~~في مسجد الرحبة ليحملهم على سب أمير المؤمنين (عليه السلام) والبراءة منه، ~~فأغفيت فإذا أنا بشخص طويل العنق، أهدل أهدب (4)، قد سد ما بين السماء ~~والأرض، فقلت له: من أنت؟ PageV01P379 # قال: أنا النقاد ذو الرقبة طاعون بعثت إلى زياد، فانتبهت فزعا فسمعت ~~الواعية، وأنشأت أقول: # قد جشم الناس أمرا ضاق ذرعهم %~% بحملهم (1)حين أداهم إلى الرحبة # يدعو على ناصر الإسلام حين يرى %~% له على المشركين الطول والغلبة # ما كان منتهيا عما أراد به (2) %~% حتى تناوله النقاد ذو الرقبة # فأسقط الشق منه ضربة عجبا %~% كما تناول ظلما صاحب الرحبة (3)(4) # ولما أتم الله سبحانه به دينه، وأثبت في صحائف الاخلاص يقينه، قاتل على ~~تأويل القرآن كما قاتل على تنزيله، وشد أركان الإيمان بواضح دليله، ومهد ~~سبيل الإسلام براسخ علمه، وبين طريق الأحكام بصائب حكمه، وأبطل شبهة أهل ~~البغي بظاهر حجة أدلته، وأدحض حجة اولي الغي بصائب حكمته، وأحيا سنة أخيه ~~الصادق الأمين في قوله: لتقاتلن بعدي الناكثين والقاسطين PageV01P380 # والمارقين. (1) # روى الحسن وقتادة أن الله أكرم نبيه (صلى الله عليه وآله) بأن لم يره تلك ~~النقمة، ولم ير في امته إلا ما قرت به عينه، وكان بعده (صلى الله عليه ~~وآله) نقمة شديدة. ### ||| [إخبار النبي (صلى الله عليه وآله) بما يلقاه أمير المؤمنين (عليه السلام) من بعده] # وقد روي أنه (صلى الله عليه وآله) أري ما تلقى امته من بعده، فما زال ~~منقبضا ولم ينبسط ضاحكا حتى لقي الله تعالى. # وروى جابر بن عبد الله الأنصاري [قال] (2): إني لأدناهم من رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) في حجة الوداع بمنى حين (3) قال: لألفينكم ترجعون ~~بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، وأيم الله لئن فعلتموها لتعرفنني في ~~الكتيبة التي تقاتلكم (4)، ثم التفت إلى خلفه فقال: أو علي أو علي- ثلاث ~~مرات- فرأينا ان جبرئيل غمزه (5)، فأنزل الله على أثر ذلك @QUR@06 (فإما ~~نذهبن بك فإنا منهم منتقمون) (6) بعلي بن أبي طالب (عليه السلام). (7) PageV01P381 ### ||| [لو لا أمير المؤمنين (عليه السلام) ما ms198 علم حكم أهل البغي] # وقال الشافعي كلاما معناه: إنما علم الناس قتال أهل البغي من علي (عليه ~~السلام). (1) # وقال محمد بن الحسن الفقيه: لو لا علي بن أبي طالب ما علمنا حكم أهل ~~البغي، ولمحمد بن الحسن كتاب يشتمل على ثلاثمائة مسألة في قتال أهل البغي ~~بناها على فعله (صلوات الله عليه)، والأصل في قتال أهل البغي قوله سبحانه: # @QUR@017 (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت ~~إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي ...) (2) فإذا بغت طائفة من أهل ~~الاسلام على اخرى وقلنا بوجوب قتالهم للأمر، فقتال الطائفة الخارجة على ~~إمام الحق أولى، وقد قاتل أمير المؤمنين (عليه السلام) الناكثين والقاسطين ~~والمارقين وهم أهل البصرة وعائشة وطلحة والزبير وعبد الله بن الزبير وغيرهم ~~وهم الناكثون الذين نكثوا بيعته، وقاتل أهل الشام معاوية ومن تابعه وهم ~~القاسطون أي الحائرون؛ وقيل: # أهل النهروان وهم الخوارج، وهؤلاء جميعهم عندنا كفار محكوم بكفرهم، لأن ~~الإمامة عندنا من شرائط الإيمان كما ان التوحيد والعدل والنبوة من أركانه ~~وشروطه ولا يستحق الثواب الدائم إلا به، ولقول النبي (صلى الله عليه وآله): ~~«يا علي، حربك حربي، وسلمك سلمي» (3) وهذا الحديث لم يختلف أحد من أهل ~~الاسلام فيه، وقد رواه أهل الخلاف في صحاحهم. (4) PageV01P382 # وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما سمع واعيتنا أهل البيت أحد فلم ~~يجبنا إلا أكبه الله على منخريه في النار (1). (2) ### ||| [بدء فتنة عائشة ومضيها إلى مكة، واستئذان طلحة والزبير من أمير المؤمنين (عليه السلام) في المضي إلى مكة] # وكانت عائشة لما اجتمع الناس لقتل عثمان من أعظم المحرضين عليه، كانت ~~تقول: اقتلوا نعثلا (3)، قتل الله نعثلا. وكانت تقول: هذا قميص رسول الله ~~لم يبل وقد بليت سنته، وتركته في الفتنة ومضت إلى مكة، وكانت تؤلب عليه ~~وتقول: لا يصالح للخلافة إلا ذو الاصبع- يعني طلحة-. (4) # ولما سمعت بقتله أقبلت من مكة قاصدة المدينة، وفي كل منزل تثني على طلحة ~~وترجو أن يكون الأمر له، فلما وصلت إلى مكان في طريق مكة يقال له ms199 «سرف» ~~وسمعت ببيعة علي (عليه السلام) قالت: ردوني، وانصرفت راجعة إلى مكة تنتظر ~~الأمر، وجعلت تؤلب على علي (عليه السلام)، وكاتبت طلحة والزبير وعبد الله ~~بن عامر بن كريز، فلحقوا بها بعد أن طلبوا من أمير PageV01P383 # المؤمنين (عليه السلام) الاذن في المضي إلى مكة. # فقال لهم: ما تريدون بمضيكم إلى مكة، وليس موسم حج؟ # فقالوا: نريد العمرة. # فقال (عليه السلام): والله ما تريدون إلا الغدرة، ثم أذن لهم بعد أن أخذ ~~عليهم العهود والمواثيق، فأدركوا عائشة بمكة، وعزموا على قتال أمير ~~المؤمنين، ونكثوا بيعته، وأرادوا عبد الله بن عمر على البيعة، فقال: تريدون ~~أن تلقوني في مخالب علي وأنيابه، لا حاجة لي بذلك. ### ||| [خروج عائشة إلى البصرة] # ثم أدركهم يعلى بن منية من اليمن (1) وأقرضهم ستين ألف دينار، وأرسلت ~~عائشة إلى أم سلمة تلتمس منها الخروج معها فأبت، وأما حفصة فأجابت، وصوبت ~~رأيها، ثم خرجت عائشة في النفر الأول عامدة إلى البصرة لكثرة ما بها من أهل ~~النفاق وشيعة بني امية، حتى إذا كانت بالحوأب وهو ماء على طريق البصرة من ~~مكة، صاحت كلابه عليها، فقالت: ما هذا الماء؟ # فقيل: اسمه الحوأب. # فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، وكانت قد سمعت من رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) يقول لنسائه: أيتكن صاحبة الجمل الأدب (2) تنبحها كلاب الحوأب؟ (3) PageV01P384 # وروى الأعثم في الفتوح (1)، وشيرويه في الفردوس، وابن مردويه في فضائل ~~علي، والموفق في الأربعين، وشعبة والشعبي أن عائشة لما سمعت نباح الكلاب ~~قالت: أي ماء هذا؟ # فقالوا: الحوأب. # قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، إني نهيت، قد سمعت رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) وعنده نساؤه [يقول] (2): ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأدب ~~[تخرج] (3) وتنبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها ويسارها قتلى كثيرة، ~~وتنجو بعد ما كادت تقتل؟ # ثم لم تعتبر بما رأت وسمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لشدة حنقها ~~وعداوتها لأمير المؤمنين (عليه السلام) حتى قصدت البصرة بخيلها ورجلها. # فلما نزلت الخريبة خارج البصرة قصدهم عثمان بن حنيف ms200 رضي الله عنه- وكان ~~واليا على البصرة من قبل أمير المؤمنين- فحاربهم حربا شديدا، وسمي ذلك ~~اليوم «يوم الجمل الأول» وأصدعهم المصاع، ومنعهم من دخولها أشد المنع، ~~وعلموا أنه لا طاقة لهم به، ثم كتب إلى أمير المؤمنين يخبره الخبر، ثم بعد ~~ذلك دعوا عثمانا إلى الصالح على أن يكون على حاله في يده بيت المال والإمرة ~~والجمعة والجماعة والمسجد الجامع، ويقيموا على حالهم في الخريبة حتى يجمع ~~الناس على أمر فيه صلاح المسلمين، وإلى أن يصل إليهم أمير PageV01P385 # المؤمنين (عليه السلام). # فقال طلحة لأصحابه في السر: والله لئن قدم علي البصرة لنؤخذن بأعناقنا، ~~وحثهم على بيات عثمان ونقض عهده، فأجابوه وقصدوا عثمان في ليلة مظلمة وهو ~~يصلي بالناس العشاء الآخرة، وقتلوا من شرطه خمسين رجلا، واستأسروه، ونتفوا ~~شعر لحيته، وحلقوا رأسه، وحبسوه. # وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) قد ولى على المدينة أخاه سهل بن حنيف، ~~فلما بلغه الخبر كتب إلى عائشة: أعطي الله عهدا لئن لم تخلوا سبيله لأبلغن ~~من أقرب الناس إليكم، فأطلقوه. وبعثت عائشة إلى الأحنف بن قيس تدعوه، فأبى ~~واعتزل في الجلحاء على فرسخين من البصرة في ستة آلاف رجل، ثم بعث طلحة ~~والزبير عبد الله بن الزبير في جماعة إلى بيت المال فقتل أبا سالمة الزطي ~~وكان على بيت المال؛ وقيل: معه خمسين رجلا من أصحابه. ### ||| [خروج أمير المؤمنين (عليه السلام) من المدينة إلى الربذة، ومنها إلى ذي قار، وكتابه إلى أهل الكوفة] # وخرج أمير المؤمنين (عليه السلام) في ستة آلاف رجل من المدينة ونزل ~~بالربذة، ومنها إلى ذي قار بالقرب من الكوفة، وأرسل الحسن وعمار إلى الكوفة ~~وكتب معهم: # من عبد الله ووليه علي أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة حمية (1) الأنصار ~~وسنام العرب، ثم ذكر ما تم على عثمان وفعل طلحة والزبير [وعائشة] (2)، ثم ~~قال: ألا إن دار الهجرة قد قلعت بأهلها وقلعوا بها، وجاشت جيش المرجل، ~~وقامت الفتنة على القطب، فأسرعوا إلى أميركم، وبادروا عدوكم. # فلما بلغا الكوفة قال أبو موسى الأشعري: يا أهل الكوفة، ms201 اتقوا الله ولا PageV01P386 # تقتلوا أنفسكم، إن الله كان بكم رحيما @QUR@05 (ومن يقتل مؤمنا متعمدا) ~~(1) الآية، وجعل يثبط الناس، وكان رأسا من رؤساء المنافقين لأمير المؤمنين ~~(عليه السلام)، وكانت عائشة قد أرسلته أن يثبط الناس عن علي (عليه السلام)، ~~فسكته عمار. # فقال أبو موسى: هذا كتاب عائشة تأمرني أن اثبط الناس من أهل الكوفة، وأن ~~لا يكونن لنا ولا علينا ليصل إليهم صلاحهم. # فقال عمار: إن الله تعالى أمرها بالجلوس فقامت، وأمرنا بالقيام لندفع ~~الفتنة فنجلس!! فقام زيد بن صوحان ومالك الأشتر في أصحابهما وتهددوه، فلما ~~أصبحوا قام زيد بن صوحان وقرأ: @QUR@013 (الم أحسب الناس أن يتركوا أن ~~يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) (2) الآيات. # ثم قال: أيها الناس، سيروا إلى أمير المؤمنين، وانفروا إليه أجمعين، ~~تصيبوا الحق راشدين. # ثم قال عمار: هذا ابن عم رسول الله يستنفركم فأطيعوه- في كلام له-. # وقال الحسن بن علي (عليهما السلام): أجيبوا دعوتنا، وأعينونا على ما ~~بلينا به- في كلام له-، فخرج قعقاع بن عمرو، وهند بن عمرو، وهيثم بن شهاب، ~~وزيد بن صوحان، والمسيب بن نجبة، ويزيد بن قيس، وحجر بن عدي، وابن مخدوج، ~~والأشتر، يوم الثالث في تسعة آلاف، فاستقبلهم أمير المؤمنين على فرسخ، ~~وقال: مرحبا بكم أهل الكوفة سنام العرب، وفئة الإسلام، ومركز الدين- في ~~كلام له- وخرج إلى أمير المؤمنين من شيعته من أهل البصرة من PageV01P387 # ربيعة ثلاثة آلاف رجل، وبعث الأحنف إلى أمير المؤمنين: إن شئت جئتك في ~~مائتي فارس فكنت معك، وإن شئت اعتزلت ببني سعد وكففت عنك ستة آلاف سيف، ~~فاختار أمير المؤمنين اعتزاله. ### | [كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى طلحة والزبير، وكتابه إلى عائشة] # ثم كتب أمير المؤمنين إلى طلحة والزبير: # أما بعد: # فإني لم ارد الناس حتى أرادوني، ولم ابايعهم حتى أكرهوني، وأنتما ممن ~~أراد بيعتي، ثم قال (عليه السلام) بعد كلام: ودفعكما هذا الأمر قبل أن ~~تدخلا فيه كان أوسع لكما من خروجكما منه بعد إقراركما. # البلاذري: قال: لما بلغ أمير المؤمنين قولهما: ما بايعناه إلا مكرهين تحت ~~السيف، ms202 قال: أبعدهما الله إلى أقصى دار وأحر نار. # وكتب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى عائشة: # أما بعد: # فإنك خرجت من بيتك عاصية لله تعالى ولرسوله محمد (صلى الله عليه وآله) ~~تطلبين أمرا كان عنك موضوعا، ثم تزعمين أنك تريدين الاصلاح بين المسلمين، ~~فخبريني ما للنساء وقود العساكر والاصلاح بين الناس؟ وطلبت كما زعمت بدم ~~عثمان، وعثمان رجل من بني امية، وأنت امرأة من بني تيم بن مرة، ولعمري إن ~~الذي عرضك للبلاء، وحملك على العصبية، لأعظم إليك ذنبا من قتلة عثمان، وما ~~غضبت حتى أغضبت، ولا هجت حتى هيجت، فاتقي الله- يا عائشة- وارجعي إلى ~~منزلك، واسبلي عليك سترك. # فقال طلحة والزبير: احكم كما تريد، فلن ندخل في طاعتك. PageV01P388 ### ||| [أبيات لحبيب بن يساف الأنصاري، وإرسال أمير المؤمنين (عليه السلام) زيد بن صوحان وابن عباس إلى عائشة فوعظاها وخوفاها] # وقالت عائشة: لقد جل الأمر عن الخطاب، وأنشأ حبيب بن يساف الأنصاري: # أبا حسن أيقظت من كان نائما %~% وما كل من يدعو (1)إلى الحق يتبع # وإن رجالا بايعوك وخالفوا %~% هواك وأجروا في الضلال وضيعوا (2) # وطلحة فيها والزبير قرينة %~% وليس لما لا يدفع الله مدفع # وذكرهم قتل ابن عفان خدعة %~% هم قتلوه والمخادع يخدع # تاريخ الطبري والبلاذري: أنه ذكر مجيء طلحة والزبير عند الحسن البصري، ~~فقال: يا سبحان الله! ما كان للقوم عقول أن يقولوا، والله ما قتله غيركم. # تاريخ الطبري: قال يونس النحوي: فكرت في أمر علي وطلحة والزبير إن كانا ~~صادقين أن عليا (عليه السلام) قتل عثمان، فعثمان هالك، وإن كذبا عليه فهما ~~هالكان. # ثم أنفذ أمير المؤمنين (عليه السلام) زيد بن صوحان وابن عباس فوعظاها ~~وخوفاها. # فأجابتهم: لا طاقة لي بحجج علي. PageV01P389 # فقال ابن عباس: لا طاقة لك بحجج المخلوق، فكيف طاقتك بحجج الخالق؟ (1) # ولما رأى أمير المؤمنين ان الشيطان قد استحوذ، وان الآيات والنذر لا تغني ~~عنهم، زحف (عليه السلام) بالناس غداة يوم الجمعة لعشر ليال خلون من جمادى ~~الآخرة سنة ست وثلاثين، وعلى ميمنته الأشتر وسعيد بن قيس، وعلى ميسرته ms203 عمار ~~بن ياسر وشريح بن هانئ، وعلى القلب محمد بن أبي بكر وعدي بن حاتم، وعلى ~~الجناح زياد بن كعب وحجر بن عدي، وعلى الكمين عمرو بن الحمق وجندب بن زهير، ~~وعلى الرجالة أبو قتادة الأنصاري، وأعطى رايته محمد بن الحنفية، ثم أوقفهم ~~من صلاة الغداة إلى صلاة الظهر يدعوهم ويناشدهم، ويقول لعائشة: إن الله ~~أمرك أن تقري في بيتك، فاتقي الله وارجعي، ويقول لطلحة والزبير: خبأتما ~~نساءكما وأبرزتما زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله) واستغررتماها! (2) # فيقولان: إنما جئنا للطلب بدم عثمان، وأن نرد الأمر شورى. # والبست عائشة درعا، وضربت على هودجها صفائح الحديد، والبس الهودج أيضا ~~درعا، وكان الهودج يومئذ عند لواء أهل البصرة (3) وهو على جمل يدعى عسكرا. (4) # ابن مردويه في كتاب الفضائل: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال للزبير: # أما تذكر يوما كنت مقبلا بالمدينة تحدثني إذ خرج رسول الله صلى الله عليه PageV01P390 # وآله فرآك معي وأنت تتبسم إلي، فقال: يا زبير، أتحب عليا؟ # فقلت: وكيف لا احبه وبيني وبينه من النسب والمودة في الله ما ليس لغيره؟! # فقال: إنك ستقاتله وأنت ظالم له. # فقلت: أعوذ بالله من ذلك. # فقال: اللهم نعم. # فقال: أجئت تقاتلني؟ # فقال: أعوذ بالله من ذلك. # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): دع هذا، بايعتني طائعا، ثم جئت ~~محاربا، فما عدا مما بدا؟! # فقال: لا جرم والله لاقاتلتك. # قال: فلقيه عبد الله ابنه، فقال: جبنا جبنا. # فقال: يا بني، قد علم الناس أني لست بجبان، ولكن ذكرني علي شيئا سمعته من ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) فحلفت [أن] (1) لا اقاتله. # فقال: دونك غلامك فلان فأعتقه كفارة عن يمينك. # فقالت عائشة: لا والله، [بل] (2) خفت سيوف ابن أبي طالب، فإنها طوال ~~حداد، تحملها سواعد أنجاد (3)، ولئن خفتها فقد خافها الرجال من قبلك، فرجع PageV01P391 # إلى القتال. # فقيل لأمير المؤمنين: إنه قد رجع. # فقال: دعوه، فإن الشيخ محمول عليه. # ثم قال أمير المؤمنين (عليه السلام): أيها الناس، غضوا أبصاركم، وعضوا ~~على نواجذكم، وأكثروا من ذكر ms204 ربكم، وإياكم وكثرة الكلام فإنه فشل. # ونظرت إليه عائشة وهو يجول بين الصفين، [فقالت:] (1) انظروا إليه فإنه ~~يفعل كفعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم بدر. # فقال أمير المؤمنين: يا عائشة، عما قليل لتصبحن نادمين. # فجد الناس في القتال، فنهاهم أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: اللهم ~~أعذرت وأنذرت، فكن لي عليهم من الشاهدين، ثم أخذ المصحف وطلب من يقرأ ~~عليهم @QUR@06 (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) (2) الآية. # فقال مسلم المجاشعي: ها أنا ذا يا أمير المؤمنين، فخوفه أمير المؤمنين ~~بقطع يمينه وشماله وقتله. # فقال: لا عليك يا أمير المؤمنين، فهذا قليل في ذات الله، فأخذوه وهو ~~يدعوهم إلى الله فقطعوا (3) يده اليمنى، فأخذ المصحف بيده اليسرى فقطعت، ~~فأخذه بأسنانه فقتل رضي الله عنه، فقالت امه: PageV01P392 # يا رب إن مسلما أتاهم %~% بمحكم التنزيل إذ دعاهم # يتلو كتاب الله لا يخشاهم %~% فرملوه رملت لحاهم ### ||| [بروز محمد بن الحنفية للقتال] # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): الآن طاب الضراب، ثم قال لابنه محمد ~~بن الحنفية والراية في يده: يا بني، تزول الجبال ولا تزول، عض على ناجذك، ~~أعر الله جمجمتك، تد في الأرض قدميك، ارم ببصرك أقصى القوم وغض بصرك، واعلم ~~أن النصر من عند الله (1)، ثم صبر سويعة، فصاح الناس من كل جانب من وقع ~~النبال. # فقال أمير المؤمنين: تقدم يا بني، وقال: # اطعن بها طعن أبيك تحمد %~% لا خير في حرب إذا لم توقد # بالمشرفي والقنا [المسدد %~% والضرب بالخطي] (2)والمهند (3) # وروي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لما دفع الراية إلى ابنه محمد يوم ~~الجمل وقال: تزول الجبال ولا تزول- الكلام المتقدم-، ثم قال: احمل، فتوقف ~~محمد قليلا، فقال أمير المؤمنين: احمل. # فقال: يا أمير المؤمنين، أما ترى السهام كأنها شابيب المطر؟ # فدفع أمير المؤمنين في صدره وقال: أدركك عرق من امك، ثم أخذ (عليه ~~السلام) الراية منه وهزها وأنشد الأبيات المتقدمة، ثم حمل (عليه السلام)، ~~وحمل الناس خلفه، ففرق عسكر البصرة كما تتفرق الغنم من سطوة الذئب، ثم رجع PageV01P393 # (عليه السلام) ودفع الراية ms205 إلى محمد، وقال له: امح الاولى بالاخرى وهؤلاء ~~الأنصار معك، وضم إليه خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين في جمع من البدريين، ~~فحمل حملات منكرة، وأبلى بلاء حسنا، وقتل خلقا كثيرا، وصير عسكر الجمل ~~كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، ورجع إلى أمير المؤمنين. # فقال خزيمة بن ثابت: أما إنه لو كان غير محمد لافتضح. # وقال الأنصار: لو لا ما نعلم من جعل الإمامة للحسن والحسين لما قدمنا على ~~محمد أحدا. # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أين النجم من الشمس والقمر؟ أين نفع ~~ابني من ابني رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ ### ||| [أبيات لخزيمة بن ثابت] # وأنشأ خزيمة بن ثابت رضي الله عنه يقول: # محمد ما في عودك اليوم وضمة %~% ولا كنت في الحرب الضروس معردا (1) # أبوك الذي لم يركب الخيل مثله %~% علي وسماك النبي محمدا # وأنت بحمد الله أطول هاشم %~% لسانا وأنداها بما ملكت يدا # سوى أخويك السيدين كلاهما %~% إمام الورى والداعيان إلى الهدى PageV01P394 # قيل لمحمد بن الحنفية: لم كان أبوك يغرر بك في الحرب ولم يغرر بالحسن ~~والحسين؟ # قال: لأنهما عيناه وأنا يمينه، فهو يدفع عن عينيه بيمينه. (1) # وروي أن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) أمر الأشتر أن يحمل، فحمل وقتل ~~هلال بن وكيع صاحب ميمنة الجمل، وكان زيد بن صوحان يحمل ويقول: # ديني ديني وبيعتي بيعتي. (2) # وجعل مخنف بن سليم (3) يقول: # قد عشت يا نفس وقد غنيت %~% دهرا وقبل اليوم ما عييت # وبعد ذا لا شك قد فنيت %~% أما مللت طول ما حييت # فخرج عبد الله بن اليثربي يقول: # يا رب إني طالب أبا الحسن %~% ذاك الذي يعرف حقا بالفتن # فبرز إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) قائلا: PageV01P395 # إن كنت تبغي أن ترى أبا الحسن %~% فاليوم تلقاه مليا فاعلمن # وضربه ضربة فقتله. # فخرج بنو ضبة وجعل بعضهم يقول: # نحن بنو ضبة أعداء علي %~% ذاك الذي يعرف فيهم بالوصي # وقال آخر منهم: # نحن بنو ضبة أصحاب الجمل %~% والموت أحلى عندنا من العسل # ردوا علينا شيخنا بمرتحل %~% إن عليا بعد ms206 من شر النذل # وقيل: إن ابن اليثربي عمرو- أخوه عبد الله المذكور- يقول: # إن تنكروني فأنا ابن اليثربي %~% قاتل علباء ثم (1)هند الجملي # ثم ابن صوحان على دين علي # فبرز إليه عمار رضي الله عنه قائلا: # لا تبرح العرصة يا ابن اليثربي %~% اثبت اقاتلك على دين علي # فأرداه عمار عن فرسه وجر برجله إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقتله بيده. # فخرج أخوه أيضا قائلا: # أضربكم ولو أرى عليا %~% عممته أبيض مشرفيا # وأسمرا عنطنطا خطيا (2) %~% ابكي عليه الولد والوليا PageV01P396 # فخرج إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) متنكرا وهو يقول: # يا طالبا في حربه عليا %~% يمنحه (1)أبيض مشرفيا # اثبت لتلقاه (2)بها مليا %~% مهذبا سميدعا (3) كميا # فضربه فرمى بنصف رأسه، فنادى عبد الله بن خلف الخزاعي صاحب منزل عائشة ~~بالبصرة لعلي: أتبارزني؟ # فقال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه): ما أكره ذلك، ولكن ويحك يا ابن ~~خلف ما راحتك في القتل وقد علمت من أنا؟ # فقال: ذرني من بذخك يا ابن أبي طالب، ثم قال: # إن تدن مني يا علي فترا %~% فإنني دان إليك شبرا # بصارم يسقيك كأسا مرا %~% إن في صدري عليك وترا # فبرز إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) قائلا: # يا ذا الذي تطلب مني الوترا %~% إن كنت تبغي أن تزور القبرا # حقا وتصلى بعد ذاك جمرا %~% فادن تجدني أسدا هزبرا # اذيقك (4)اليوم ذعافا صبرا # فضربه أمير المؤمنين (عليه السلام) فطير جمجمته. PageV01P397 # فخرج مازن الضبي قائلا: # لا تطمعوا في جمعنا المكلل %~% الموت دون الجمل المجلل # فبرز إليه عبد الله بن نهشل قائلا: # إن تنكروني فأنا ابن نهشل %~% فارس هيجاء وخطب فيصل # فقتله. ### ||| [مصرع طلحة، وأبيات للسيد الحميري] # وكان طلحة يحث الناس ويقول: عباد الله، الصبر الصبر- في كلام له-. (1) # قال (2): وكان مروان بالقرب منه، فقال: والله لا أطلب أثرا بعد عين، ما ~~أطلب ثاري بعثمان بعد اليوم أبدا، فرمى طلحة بسهم فأصاب ركبته، والتفت إلى ~~أبان بن عثمان، وقال: لقد كفيتك أحد قتلة أبيك. # وفي ذلك يقول السيد الحميري من جملة قصيدته: # واغتر طلحة عند مختلف القنا ms207 %~% عبل الذراع شديد عظم (3)المنكب # فاختل حبة قلبه بمدلق %~% ريان من دم جوفه المتصبب # في مارقين من الجماعة فارقوا %~% دين الهدى وحيا (4)الربيع المخصب PageV01P398 # وكانت بنو ضبة مكتنفي الجمل، فحمل أمير المؤمنين (عليه السلام) عليهم ~~فكانوا كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، وكان كل من استقبل قبض على زمام ~~الجمل، وانصرف الزبير فتبعه عمرو بن جرموز فقتله، وأتى برأسه إلى أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) ... القصة. # فقالوا العامة: قتل طلحة والزبير وخرج عبد الله بن عامر، وقال: يا عائشة، ~~صافحي عليا على يدي. (1) # فقالت: كبر (2) عمرو عن الطوق، وجل أمر عن العتاب، ثم تقدمت. # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): إنا لله وإنا إليه راجعون، وجعل يخرج ~~واحد بعد واحد ويأخذ الزمام حتى قطع أيدي ثمانية وتسعين رجلا، ثم تقدمهم ~~كعب بن سور الأزدي- وكان قاضيا على البصرة- وهو يقول: # يا معشر الناس عليكم امكم %~% فإنها صلاتكم وصومكم # والحرمة العظمى التي تعمكم %~% لا تفضحوا اليوم فداكم قومكم # فقتله الأشتر. # فخرج وائل بن كثير باكيا مرتجزا: # يا رب فارحم سيد القبائل %~% كعب بن سور غرة الأوائل PageV01P399 # فقتله الأشتر أيضا. # فخرج ابن جبير الأسدي (1) يقول: # قد وقع الأمر بما لا يحذر %~% والنبل يأخذن وراء العسكر # وأمنا في خدرها المشهر # فبرز إليه الأشتر قائلا: # اسمع ولا تعجل جواب الأشتر %~% واقرب تلاقي كأس موت أحمر # ينسيك ذكر الهودج (2)المشهر # فقتله، ثم قتل عمير الغنوي وعبد الله بن عتاب بن اسيد، ثم جال في الميدان ~~جولا وهو يقول: # نحن بنو الموت به غذينا # فخرج إليه عبد الله بن الزبير فطعنه الأشتر فأرداه، وجلس على صدره ~~ليقتله، فصاح عبد الله: اقتلوني ومالكا، واقتلوا مالكا معي، وقصدوه (3) من ~~كل جانب فخلاه وركب فرسه، فلما رأوه راكبا تفرقوا عنه؛ وقيل: إنه فر من تحت ~~الأشتر وفي ذلك يقول: # أعائش لو لا أنني كنت طاويا %~% ثلاثا (4)لألفيت ابن اختك هالكا PageV01P400 # غداة ينادي والرماح تنوشه %~% وسمر العوالي اقتلوني ومالكا # فنجاه مني سبعة وشبابه %~% وإني شيخ لم أكن متماسكا # وشد رجل من الأزد على ms208 محمد بن الحنفية وقال: يا معشر الأزد، كروا. # فضربه محمد بن الحنفية، فقطع يده، وقال: يا معشر الأزد، فروا. # فخرج الأسود بن البختري السلمي قائلا: # ارحم إلهي الكهل (1)من سليم %~% وانظر إليه نظرة الرحيم (2) # فقتله عمرو بن الحمق. # فخرج جابر الأزدي قائلا: # يا ليت أهلي من عمار حاضري %~% من سادة الأزد وكانوا ناصري (3) # فقتله محمد بن أبي بكر. # وكانت عائشة تنادي بأعلى صوتها: أيها الناس عليكم بالصبر، فإنما يصبر ~~الأحرار. # فأجابها كوفي: # قلنا (4)لها وهي على مهوات %~% ان لنا سواك امهات # في مسجد الرسول ثاويات # والتحم القتال وشكت السهام الهودج حتى كأنه جناح نسر أو شوك قنفذ، PageV01P401 # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ما أراه يقاتلكم إلا هذا الهودج، ~~اعقروا الجمل. # وفي رواية: عرقبوه فإنه شيطان. ### ||| [أن أمير المؤمنين (عليه السلام) أوصى محمد بن أبي بكر بأن يدرك اخته عائشة] # وقال أمير المؤمنين لمحمد بن أبي بكر: إذا عرقب الجمل فادرك اختك فوارها، ~~فعرقب رجل منه فدخل تحته رجل ضبي، ثم عرقب اخرى [عبد الرحمن] (1) فوقع على ~~جنبه، فقطع عمار نسعه، فأتاه أمير المؤمنين (عليه السلام) ودق رمحه على ~~الهودج، وقال: يا عائشة، أهكذا أمرك رسول الله أن تفعلي؟ # فقالت: يا أبا الحسن، ظفرت فأحسن، وملكت فأسجح (2). # فقال لمحمد بن أبي بكر: شأنك واختك فلا يدنو أحد منها سواك. # قال محمد بن أبي بكر: فقلت لها: ما فعلت بنفسك؟ عصيت ربك، # وهتكت سترك، ثم أبحت حرمتك، وتعرضت للقتل، فذهب بها إلى دار عبد الله بن ~~خلف الخزاعي، فقالت: أقسمت عليك أن تطلب عبد الله بن الزبير جريحا كان أو ~~قتيلا، فقلت: إنه كان هدفا للأشتر، فانصرف محمد إلى المعركة (3) فوجده بين ~~القتلى، فقال: اجلس يا ميشوم أهل بيته، فأتاها به، فصاحت وبكت، ثم قالت: يا ~~أخي استأمن له من علي، فأتى أمير المؤمنين (عليه السلام): # فاستأمن له منه. # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أمنته وأمنت جميع الناس. # وكانت وقعة الجمل بالخريبة، وقع القتال بعد الظهر، وانقضى عند المساء، PageV01P402 # وكان مع أمير ms209 المؤمنين (صلوات الله عليه) عشرون ألفا، منهم البدريون ~~ثمانون رجلا، وممن بايع تحت الشجرة مائتان وخمسون، ومن الصحابة غير هؤلاء ~~ألف وخمسمائة رجل، وكانت عائشة في ثلاثين ألفا أو يزيدون، منها المكيون ~~ستمائة رجل. ### ||| [عدد القتلى يوم الجمل] # قال قتادة: قتل يوم الجمل عشرون ألفا. وقال الكلبي: قتل من عسكر (1) علي ~~ألف راجل وسبعون فارسا؛ منهم زيد بن صوحان، وهند الجملي، وأبو عبد الله ~~العبدي، وعبد الله بن رقية. # وقال أبو مخنف والكلبي: قتل من أصحاب الجمل من الأزد خاصة أربعة آلاف ~~رجل، ومن بني عدي ومواليهم تسعون رجلا، ومن بني بكر بن وائل ثمانمائة رجل، ~~ومن بني حنظلة تسعمائة رجل، ومن بني ناجية أربعمائة رجل، والباقي من أخلاط ~~الناس إلى تمام تسعة آلاف إلا تسعين رجلا، والقرشيون منهم طلحة، والزبير، ~~وعبد الله بن عتاب بن أسيد، وعبد الله بن حكيم بن حزام، وعبد الله بن شافع ~~بن طلحة، ومحمد بن طلحة، وعبد الله ابن أبي خلف (2) الجمحي، وعبد الرحمن ~~بن معد، [وعبد الله بن معد] (3). # وعرقب الجمل أولا أمير المؤمنين (عليه السلام)، ويقال: مسلم بن عدنان، ~~ويقال: رجل من الأنصار، ويقال: رجل من ذهل. (4) # قلت: ولما صارت أحاديث هذه الفتنة الصماء، والمحنة العظمى PageV01P403 # ضرورية لا يختلف في صحتها، ومتواترة لا يشك في واقعتها، ونقلها المخالف، ~~ودونها المؤالف، وصارت في وضوحها كالشمس، منزهة عن الشك واللبس. # أما المؤمن التقي فلا يرتاب في كفر من أضرم نارها، وشب اوارها (1)، ~~وارتكب عارها، واحتقب أوزارها، وركب جملها، وسلك سبلها. # وأما المناقب الشقي فيعدل عن ظواهر حقائقها، ويصوب فعل قائدها وسائقها، ~~ويرتكب التعسف في تأويلها، والتعصب في تنزيلها، ويعتذر لمن سلب وقودها، ~~ونصبت عمودها، وخالفت بعلها ونبيها، وحاربت سيدها ووليها. # ولما رأيت شدة عضتها، وحدة كلتها، لا يرتدع بوعظ واعظ، ولا ينتفع بلفظ ~~لافظ، قد طبع الشيطان على قلبها، واستحوذ على فيها، فغرقت في لجة نفاقها، ~~وتاهت في بيداء شقاقها، قد أحدقت الطغاة بجملها، وحفت البغاة بمحملها، ~~تمثلتها في فكري، وعنفتها بزجري، وخاطبتها بلسان ms210 الحال، وعنفتها ببيان ~~المقال، وقلت مشيرا إليها، وزاريا عليها: # أيها المائحة في غرب غيها وجهلها، المخالفة أمر ربها وبعلها، المنافقة ~~بإسلامها، والخارجة على إمامها، الباغية بخروجها وحربها، الكافرة بقالبها ~~وقلبها، ما للنساء وعقد البنود؟ وما لذوات وقود الجنود؟ ألم تؤمرين بالقرار ~~في منزلك؟ أما كان لك شغل شاغل بمغزلك؟ نهيت أن تتبرجي (2)، وعن بيتك PageV01P404 # أن لا تخرجي، فهتكت حجابك، وأسفرت نقابك، وقدت الفتنة بخطامها، وأرخيت ~~لها فاضل زمامها، فحبطت بأرجلها، وقنصت بأحبلها، وكشرت عن نابها، ومرقت ~~عجلا بها، لما أقبلت يحث بك جملك، عصيت ربك بتفصيلك وجملك، خرجت من ديارك ~~بطرا ورئاء الناس، وفصلت عن قرارك تكتفك الأوغاد الأرجاس، لما علمك سيد ~~المرسلين بخروجك، جريت في تيه الضلال بل فروحك. # يا صاحبة العطفة، كفرت بالذي خلقك من نطفة، يا ربة الهودج، خالفت ربك في ~~المولج والمخرج، أظهرت غلا كامنا بحربك، وحسدا قاطنا في قلبك، لما انتقلت ~~الزهراء إلى جوار ربها، امتنعت من حضور عزيتها وقربها، وتعللت باستيلاء علة ~~على هامتك وفسادك، وذلك أعظم دليل على كفرك وإلحادك، فهلا تعللت يوم مسيرك ~~على بعيرك، قاصدة حرب حليلها بعيرك وبغيرك؟ ولم لا عصبت رأسك يوم موت ~~ولدها؟ بل أظهرت الشماتة بهلاك فلذة كبدها، وأقبلت على بغلك، ولم تراع حرمة ~~بعلك، ولم ترعوي عن جهلك، بل أجلبت على هضم آل الرسول بخيلك ورجلك. # فلعنة الله على فرعك وأصلك، وقومك وأهلك، امثلك في يوم البصرة في محملك، ~~تحرضين الأوغاد بقولك وعملك، كالحية النافثة بسمها، أو الذئبة الضارية ~~بكلمها، حتى إذا خاب أملك، وعقر جملك، وقتلت رجالك، وخذلت أبطالك، وصار ~~طلحتك طليحا، وزبيرك طريحا، ومعلاك سفيحا، ونافسك منيحا. # ألحفك ساتر العورات جناح رحمته، وأسبل عليك مقيل العثرات ستر مغفرته، ~~وأرجعك إلى قرارك الذي أخرجك الشيطان منه، وأعادك إلى منزلك الذي فصلك ~~العدوان عنه، وسد عنك باب الانتقام، وستر منك ما فضحته PageV01P405 # الآثام، كل ذلك وجدك يغلي بنار حقدك، وحودك يشب بضرام حسدك، ثم أتبعت ~~بالطلقاء وأبناء الطلقاء على حربه، وأغريت الأشقياء اللصقاء بسبه، وفعلت ~~إلى ms211 ابن هند محرضة له عليه، وأغريت بني حرب بإرسال شواظ حربهم إليه، ونبذت ~~كل عهد عهده الرسول إليك فيه، ثائرة بدم عثمان وكنت من أعظم خاذليه، لما ~~وضعت قميصه على رأسك، وحفت به الأوغاد من أرجاسك. # حقت عليك كلمة العذاب، واستوجبت اللعنة من رب الأرباب، واقسم لو شاهدتك ~~يوم بصرتك، وقد انفردت من أهلك واسرتك، وعقر بعيرك، وقل نصيرك، وقتل جندك، ~~وفل حدك، لم اولك مني صفحا، ولم أطو عنك كشحا، ولقرعت سمعك بقوارع عذلي، ~~ولوجأت (1) خدك بسبت نعلي، ولسفعت ناصيتك بسوطي، ولرفعت بلعنتك صوتي، لا ~~لأني مخالف سيدي في فعله، ولا زار على صفحه بفضله، إذ ستر بحلمه ما فضح ~~منك، وعفا بمنه ما صدر عنك، بل غضبا لله، وتعصبا لأولياء الله. ### ||| [قصيدة للمؤلف (رحمه الله) في ذم عائشة] # يا من عصت بخروجها %~% قصدا لحرب وليها # كفرت بأنعم ربها %~% وخلاف أمر نبيها # وأتت من البلد الحرام %~% بفتنة من غيها # تذكي سعير ضرامها %~% بسفيهها زهريها # وبذي السلا أحببت (2) %~% غادر تيميها # وكذا بنجل طريدها %~% وعتلها أمويها # تنحب عليها عاويات %~% الحوب عند مجيها # ومضت لشدة حقدها %~% لم تعتبر بعويها PageV01P406 # حتى إذا نشرت صحائف %~% بغيها من طيها # في عصبة سلكت سبيل %~% عنيدها وعصيها # صارت حماة بعيرها %~% قد فل حل نديها # بسيوف أقوام علت %~% أعلامهم بعليها # صنو الرسول %~% وخير امته وربانيها # وأب الحروب وربها %~% ومدار قطب رحيها # بدريها احديها %~% سلعيها جمليها # علويها قدسيها %~% نوريها مهديها # أعني قصي رتبته %~% من ذاتها وقصيها # أبدت خضوعا ظاهرا %~% والغدر حشو طويها # فلذاك موت السبط %~% أبد الغل من مخفيها # وأتت على بغل تحث %~% بكفرها وفديها # فالله يلعن حشدها %~% من تيمها وعديها # والسائقين بعيرها %~% ومن استظل بفيها # لما فرغ أمير المؤمنين (عليه السلام) من هذه الفتنة التي طار شررها، وشاع ~~خبرها، واشتهرت أوغادها، وأظهرت أحقادها، وعمت بليتها، وغمت ظلمتها، وأحرق ~~لهبها، واشتد كلبها، وأبرزت أعداء الرحمن فيها رءوسها، وبذلت في طاعة ~~الشيطان نفوسها، وسلكت طريق البغي بقتالها مولاها، وارتكبت سبيل الغي فما ~~أحقها بخزي الله وأولاها، لم تشكر ربها على ms212 ما أولاها، ولم تحفظ نبيها فيما ~~أوصاها، الذي أضرمت المخدرة المصونة مقباسها، ووصلت البرة الميمونة ~~أمراسها، وأقامت السجاعة المطرقة سوقها، وأظهرت الأصيلة المعرقة فسوقها، ~~حتى قتلت رجالها، وجدلت أبطالها، وعقر مركبها، PageV01P407 # وخاب مطلبها. # فيا لها فتنة كفر قتامها لراكبها، وغمر غمامها كتائبها، وبرقت بوارق ~~صفاحها في سحائب غبرتها، ولمعت أسنة رماحها في ظلمة فترتها، فكم اقتطفت ~~فيها رءوس، واختطفت نفوس، واريق دم، وبري قدم، وابين عضد وساعد، وابيد ~~معاضد ومساعد، أشنع فتنة في الاسلام حدثت، وأفضع واقعة بها القصاص تحدثت، ~~قطعت آجال رجالها بمصاعها، وصبغت أثباج أبطالها بجريانها. # يا لها فتنة كانت رأسا لكل فتنة، وبدعة وضعت أساسا لأقبح سنة، وهل قتال ~~القاسطين إلا فرع شجرتها؟ وهل جهاد المارقين إلا شزرة من جمرتها؟ # وهل اقتدى ابن حرب إلا بحربها؟ وهل اغترف نجل هند إلا من شربها؟ وهل نسج ~~الطاغي إلا على منوالها؟ وهل احتذى الباغي إلا بمثالها؟ # وكان أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) أثر جلاها، وطلاع ثناياها، وفحل ~~شولها، وصاحب قولها، وخائض هولها، والمخصوص بقوتها وحولها، كبش الكتيبة، ~~مشهور الضريبة، جبر صدع الاسلام، لما كسر الأصنام، ونصب من الحق الأعلام، ~~لما خفض الأنصاب والأزلام، كم كسر بعامله منصوبا؟ وكم وفر من نائله نصيبا؟ ~~كاسر هبل الكفرة، وعاقر جمل الغدرة، الفائز من قداح النجدة بمعلاها، ~~والحائز من خلال الشجاعة بأعلاها، قاطع أمراس (1) البغاة، وقالع أساس ~~الطغاة، منه تعلم الناس الشجاعة في قتالهم، ومن علومه فرعوا ماخذ أقوالهم. # بنصرته جماعة الحق نصرت، وبطريقه طريقة العلم ظهرت، لما صبغ PageV01P408 # الحمرة نجيع (1) الأبطال صعيد البصرة، صار بياض وجه الاسلام لا يرهقه ~~قترة، لكن بقي خد الخارجة من عتبة بيتها لقتاله صار حالكا، وداخل فيضها من ~~يدها منتزعا هالكا. # دراية فرحها نكيسا، وتدبير فكرها معكوسا، وصارت كرتها خاسرة، وهمتها ~~قاصرة، وسلعتها بائرة، وخسرت الدنيا والآخرة، وقرعت بقوارع الملام، وكملت ~~بمعابل الكلام. # فيا من يصوب آراءها، ويداوي أدواءها، ويستخف وزرها، ويستقل شرها، ويسدد ~~اجتهادها، ويصوب مرادها، لقد أبعدت مرماك، واتبعت هواك، ومهدت قاعدة نفاقك، ~~وغرست في ms213 ظلمة محاقك، وأوردت تصحيح المعتل من فعل وترجيح المرجوع من نقلك، ~~لقد اجتثت اصولك، وفسد معقولك، وعتم قياسك، وقلع أساسك، واهملت قضيتك، ~~وانقبضت بسطتك، وفلت غرستك، وقلت بطشتك. # يا من عصت ربها بخروجها وحربها، وتعصبت على مولاها بقالبها وقلبها، أنى ~~لك هذه الشجاعة والقوة، والشدة والنخوة؟ أمن أبيك يوم خيبر؟ أم من جدك ~~المبجل الموقر، صاحب خوان بن جذعان، وناصب أنصاب الأوثان، أقتم قريش أصلا، ~~وألأمهم فعلا، وأرذلهم بيتا، وأنذلهم حيا وميتا ..... (2) # من آل قصي، ولا في السراة من بني لؤي، فأنتم يا ابنة الكاذب المصدق، كما ~~قال فيكم الشاعر وصدق: # ويقضي الأمر حين تغيب تيم %~% ولا يستأذنون وهم شهود # فإنك لو رأيت عبيد تيم %~% وتيما قلت إنهم العبيد PageV01P409 # فلعن الله ابن صهاك المغتلمة، ونجل البغية حنتمة، فهو الذي أعلى قدركم، ~~وأسمى ذكركم، ورفع بعضكم، وصحح المكسر من جمعكم، وجعلكم أعلاما تفضلون على ~~أولياء الله، تفخرون على أهل بيت نبيكم وبهم فخركم، وتتأمرون على عترة ~~وليكم وبهم علا أمركم، وزين الشيطان للامة الضالة اتباعكم، وصيرهم أشياعكم ~~وأتباعكم، فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين، وأطاعوه إلا قيلا من المخلصين، ~~ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، وحرفوا كلام الله بزخرفهم وغرورهم، وقطعوا ~~ما أمر الله به أن يوصل، ونصروا من أوجب العقل له أن يخذل، ونصبوا الغوائل ~~لأهل بيت نبيهم، وأراقوا القواتل لذرية وليهم، وجعلوا أحفادهم إلى يوم ~~الناس هذا عالة يتكفكفون، وخاملين لا يعرفون. # قد أبكم الفقر فصيحهم، وقبح العسر صبيحهم، يرهن أحدهم إزاره لسد فورته، ~~ويبذل مقداره لفرط عسرته، منعتموهم ما فرض الله لهم في محكم تنزيله، ~~وحرمتموهم ما أوجب لهم من الحق على لسان رسوله، حتى نكحت به الفروج ~~المحرمة، واستبيحت من دين الله كل حرمة، واشتريت منه البغايا والقيان، وصار ~~زمام الاسلام بأيدي عبدة الصلبان، فأنتم أصل البلاء، وفرع الشقاء، وحمة ~~الشيطان، وجمة البهتان، هذه الشجرة الملعونة في القرآن، والطائفة المارقة ~~عن الايمان، أعداء الرحمن، وأولياء الشيطان، قربتموها وكان أحق أن تبعد، ~~ونشأتموها وكان أولى أن تعضد، وغرستم أصلها على ms214 رقاب المؤمنين، وسقيتم ~~فرعها بدماء المهاجرين الأولين، رآهم الرسول ينزون على منبره نزو القردة ~~فما رئي بعد ضاحكا حتى بلغ من الحياة أمده. # روي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) أن رسول الله صلى الله PageV01P410 # عليه وآله رأى في منامه أن قرودا تنزو على منبره وتنزل وتصعد، فساءه ذلك ~~واغتم، ولم ير بعدها ضاحكا حتى مات. # @QUR@05 (والشجرة الملعونة في القرآن) (1) هم بنو امية أخبره سبحانه ~~بتغلبهم (2) على مقامه وقتلهم ذريته. (3) # روي عن منهال بن عمرو، قال: دخلت على علي بن الحسين (عليه السلام)، فقلت: ~~كيف أصبحت، يا ابن رسول الله؟ # قال: أصبحنا والله كبني إسرائيل في أيدي القبط، يذبحون أبناءهم، ويستحيون ~~نساءهم، وأصبح خير البرية بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) يلعن على ~~المنابر، وأصبح من يحبنا منقوصا حقه بحبه إيانا. (4) # وقيل للحسن البصري: يا أبا سعيد، قتل الحسين بن علي (عليه السلام)، PageV01P411 # فبكى حتى اختلج جنباه، ثم قال: واذلاه لامة قتل ابن دعيها ابن بنت نبيها. (1) # فهل تجروا على أولياء الله إلا بكم؟ وهل ألحدوا في دين الله إلا بسببكم؟ # ما أقام أبوك ابن صهاك واليا من بعده ولا قلده ولاية عهده إلا لعلمه بقوة ~~شقاقه، وشدة نفاقه، وعظيم إلحاده، وعميم فساده، فقام عدو الله ناسجا على ~~منواله، مقتديا بأقواله وأفعاله، فرفع بضبع المنافق الشقي، وأعلا كعب ~~المارق الغوي، أعني ابن هند البغية، رأس العصابة الأموية، فولاه رقاب ~~المسلمين، وأذل بتوليته أعلام المؤمنين، ومهد له قواعد ظلم الأطهار، وأوضح ~~له مقاصد هضم الأخيار، وقرن دولته بدولته، وولايته بولايته، ثم جعل الأمر ~~شورى بعد انقضاء أجله، وانتهاء اكله، بيد ابن عوفه قرين الشيطان وأليفه، ~~رأس الغدرة الكذبة، أصحاب ليلة العقبة، الذين نصبوا الغوائل لنبيهم، ~~وأضمروا له القواتل بغيهم، وراموا تنفير ناقته، واستئصال شأفته، وأطلع الله ~~نبيه على ما أضمروا، وحاق بهم سيئات ما مكروا. # ما أدخله الزنيم في مشورته، ولا جعله اللعين قياس نتيجته، إلا لعلمه بخبث ~~سريرته، وسوء عقيدته، وبغضه للحق وأهله، وتعصبه للباطل بقوله وفعله، ms215 فجعلها ~~في البيت الذي رسخت في الشرك قوائمه، وشمخت بالظلم دعائمه، وشقيت بالنفاق ~~شجرته، وشاعت في الآفاق بدعته. # أول الاثمة، وثالث الظلمة، وفرع الشجرة الملعونة ورأس الامة المفتونة، ~~حتى إذا قام منه زرع الباطل على سوقه، وعم المسلمين بظلمه وفسوقه، أجمعت ~~الامة على خلعه وخذله، واجتمعت لحربه وقتله، وسقته من كئوس PageV01P412 # المنون صبرا، واخترمته بسيوف الحتوف صبرا، وأعادته طريحا مهينا، وطليحا ~~ظمينا، وأخرجه الله من دار الفناء ملوما محسورا، وأعد له جهنم وساءت مصيرا، ~~حتى إذا عاد الحق إلى أهله، والتف الفرع على أصله، وقام بأمر الله وليه ~~الكامل، وجاء الحق وزهق الباطل، ظهر كامن غلك وحسدك، واشتعلت نار البغي في ~~فؤادك وجسدك، وشيدت ما شيد أبوك وعمك، وأظهرت الطلب بدم المخذول بزعمك، ~~ونصر الله الحق على رغمك، وخاب من سهام الخير وعد سهمك. # ثم لم يزل غلك يغلي عليك، وحقدك يلقى إليك، والخناس يوسوس في صدرك، وينفث ~~في سرك، حتى أغريت الجبار العنيد بعداوته، وحملت الشيطان المريد على ~~مناجزته، فكفر الطليق بأنعم ربه، وأجاهد اللصيق جاهده في حربه، ورابطه ~~ثمانية عشر شهرا، مجدا في عداوته سرا وجهرا، فلولا خليفة أبيك، ونتيجة ~~ذويك، لما حصل ما حصل، ولا اتصل من اتصل، فأنتم أصل البغي وفرعه، وموقف ~~الظلم وجمعه، ووتر العدوان وشفعه، وبصر الشيطان وسمعه، فلعنة الله على ~~اصولك الماضية، وقرونك الخالية، وجموعك الباغية، وجنودك الطاغية، لعنا لا ~~انقطاع لعدده، ولا نفاد لأمده، آمين رب العالمين. ### ||| [نزول أمير المؤمنين (عليه السلام)- بعد انقضاء حرب الجمل في الرحبة] # ولنرجع إلى تمام المجالس: # نزل (صلوات الله عليه) بعد انقضاء الحرب في الرحبة السادس من رجب وخطب ~~فقال: الحمد لله الذي نصر وليه، وخذل عدوه، وأعز الصادق المحق، وأذل الناكث ~~المبطل. # ثم إنه (عليه السلام) دعا الأشعث بن قيس من ثغر آذربايجان، والأحنف PageV01P413 # بن قيس من البصرة، وجرير بن عبد الله البجلي من همذان فأتوه إلى (1) ~~الكوفة، ووجه جرير إلى معاوية يدعوه إلى طاعته. (2) # وأما عائشة فإن أمير المؤمنين ردها إلى المدينة وأرسل معها قريبا ms216 من ~~مائتي امرأة (3)، فلم تلبث إلا قليلا حتى لحقت بمعاوية بالشام ووضعت قميص ~~عثمان ملطخا بالدم على رأسها. # فقال عمرو لمعاوية: حرك لها جوارها نحن (4)، فأخذه معاوية وصعد المنبر، ~~فكان من أمر صفين ما أنا ذاكره: # لما قدم جرير على معاوية يدعوه إلى طاعة أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~توقف معاوية وماطل جرير وطاوله حتى قدم عليه شرحبيل، فصعد معاوية المنبر ~~وخطب، وقال: أيها الناس، قد علمتم أني خليفة عمر وعثمان، وقد قتل عثمان ~~مظلوما، وأنا وليه وابن عمه وأولى الناس بالطلب بدمه، فما رأيكم؟ # فقالوا: نحن طالبون بدمه. # فدعا عمرو بن العاص ووعده أن يطعمه مصر- وكان واليا عليها من قبل عثمان- ~~فسار إليه، وكان يتثاقل في مسيره. # فقال له غلام له يقال له وردان: تفكر في أمرك ان الآخرة مع علي والدنيا ~~مع معاوية. PageV01P414 # فقال عمرو: # يا قاتل الله وردانا وفطنته %~% لقد أصاب الذي في القلب وردان (1) # فقال له ابن عمرو: # ألا يا عمرو ما أحرزت نصرا %~% ولا أنت الغداة إلى رشاد # أبعت الدين بالدنيا خسارا %~% فأنت لذاك من شر العباد ### ||| [كتاب معاوية إلى أهل المدينة، وجواب أهل المدينة له] # [فانصرف جرير،] (2) وكتب معاوية إلى أهل المدينة: إن عثمان قتل مظلوما، ~~وعلي آوى قتلته، فإن دفعهم إلينا كففنا عنه، وجعلنا الأمر شورى بين ~~المسلمين كما جعله عمر عند وفاته، فانهضوا معنا- رحمكم الله- إلى حربه. # فأجابوه بكتاب: # معاوي إن الحق أبلج واضح %~% وليس كما ربصت (3)أنت ولا عمرو # نصبت لك (4)اليوم ابن عفان خدعة %~% كما نصب الشيخان إذ زخرف الأمر PageV01P415 # رميتم عليا بالذي لم يضره %~% وليس له في ذاك نهي (1)ولا أمر # فما ذنبه إن نال عثمان معشر %~% أتوه من الأحياء يجمعهم مصر (2) # وكان علي لازما قعر بيته %~% وهمته التسبيح والحمد والذكر # فما أنتما لا در در أبيكما %~% وذكركم الشورى وقد وضح الأمر # فما أنتما والنصر منا وأنتما %~% طليقا اسارى ما تبوح به الخمر (3) ### ||| [كتاب معاوية إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)] # وأرسل معاوية أبا مسلم الخولاني بكتاب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، ~~من ms217 جملته: # وكان أنصحهم لله خليفته الأول، ثم خليفة خليفته، ثم الخليفة الثالث ~~المقتول ظلما، فكلهم حسدت، وعلى كلهم بغيت، عرفنا ذلك من (4) نظرك الشزر، ~~وقولك الهجر، وتنفسك الصعداء، وإبطاؤك عن الخلفاء، وفي كل ذلك تقاد كما ~~يقاد الجمل المغشوش، ولم تكن لأحد [منهم] (5) أشد حسدا منك لابن PageV01P416 # عمك، وكان أحقهم ألا تفعل [ذلك] (1) لقرابته وفضله، فقطعت رحمه، وقبحت ~~حسنه، وأظهرت له العداوة، وبطنت له بالغش، وألبت الناس عليه، فقتل معك في ~~المحلة، وأنت تسمع الواعية (2)، لا تدرأ عنه بقول ولا فعل. # فلما وصل أبو مسلم وقرأ الكتاب على الناس قالوا: كلنا قاتلون، ولأفعاله ~~منكرون. ### ||| [جواب أمير المؤمنين (عليه السلام) لمعاوية] # فكان جواب أمير المؤمنين (عليه السلام): # وبعد، فإني رأيتك قد أكثرت في قتلة عثمان، فادخل فيما دخل فيه المسلمون ~~من بيعتي، ثم حاكم القوم إلي أحملكم على كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله ~~عليه وآله)، وأما الذي تريده في خدعة (3) الصبي عن اللبن، ولعمري لئن نظرت ~~بعقلك [دون هواك] (4) لعلمت أني من أبرأ الناس من دم عثمان، وقد علمت أنك ~~من أبناء الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة. # قال: ثم صعد (عليه السلام) المنبر وحضهم على ذلك. # قال ابن مردويه: قال قيس بن أبي حازم التميمي وأبو وائل: قال أمير ~~المؤمنين (عليه السلام): انفروا إلى بقية الأحزاب وأولياء الشيطان، انفروا ~~إلى من يقول كذب الله ورسوله. # وجاء رجل من عبس إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فسئل: ما الخبر؟ # فقال: إن في الشام يلعنون قتلة عثمان، ويبكون على قميصه. PageV01P417 # فقال (عليه السلام): ما قميص عثمان بقميص يوسف، ولا بكاؤهم عليه إلا ~~كبكاء أولاد يعقوب، فاما فتح الكتاب وجده بياضا فحولق. # وكتب معاوية إلى أمير المؤمنين (عليه السلام): ليت القيامة قد قامت فترى ~~المحق من المبطل. # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): @QUR@011 (يستعجل بها الذين لا يؤمنون ~~بها والذين آمنوا مشفقون منها) (1). ### ||| [مكاتبات بين أمير المؤمنين (عليه السلام) ومعاوية] # وكتب معاوية أيضا إلى أمير المؤمنين- بعد كلام طويل-: # يا علي، اتق الله، ولا تفسدن ms218 سابقة قدمك، وذر الحسد فلطالما لم ينتفع به ~~أهله، فإن الأعمال بخواتيمها، ولا تعمدن بباطل في حق من لا حق له، فإن تفعل ~~ذلك فلن تضر إلا نفسك، ولا تمحق إلا عملك. # فأجابه أمير المؤمنين (عليه السلام)- بعد كلام طويل-: # عظتي لا تنفع من حقت عليه كلمة العذاب، ولم يخف العقاب، ولا يرجو الله ~~وقارا، ولم يخف إلا حذارا (2)، فشأنك وما أنت عليه من الضلالة والحيرة ~~والجهالة تجد الله عز وجل في ذلك بالمرصاد. # ثم قال في آخر كلامه: # فأنا أبو الحسن قاتل جدك عتبة، وعمك شيبة، وخالك الوليد بن عتبة، وأخيك ~~حنظلة الذين سفك الله دماءهم على يدي في يوم بدر، وذلك السيف معي، وبذلك ~~القلب ألقى عدوي. PageV01P418 # [ومن كلامه:] (1) ومتى ألفيت بني عبد المطلب عن الأعداء ناكلين، وبالسيوف ~~مخوفين، فالبث قليلا تلحق الهيجاء جمل، فسيطلبك من تطلب، ويقرب منك من ~~تستبعد، وأنا مرقل نحوك في جحفل (2) من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم ~~بإحسان، شديد زحامهم، ساطع قتامهم، متسربلين سرابيل الموت، أحب اللقاء ~~إليهم لقاء ربهم، قد صحبتهم ذرية بدرية، وسيوف هاشمية، قد عرفت مواقع ~~نصالها في أخيك وخالك وجدك، وما هي من الظالمين ببعيد. # فنهاه عمرو عن مكاتبته ولم يكتب بعدها إلا بيتا واحدا: # ليس بيني وبين قيس عتاب %~% غير طعن الكلا وضرب الرقاب # قال أمير المؤمنين (عليه السلام): قاتلت الناكثين وهؤلاء القاسطين ~~وسأقاتل المارقين، ثم سار أمير المؤمنين راكبا فرس رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) وقصده في تسعين ألفا. # قال سعيد بن جبير: منها تسعمائة رجل من الأنصار وثمانمائة من المهاجرين. # وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: وسبعون رجلا من أهل بدر؛ وقيل: مائة ~~وثلاثون رجلا. ### ||| [خروج معاوية ونزوله صفين] # وخرج معاوية في مائة ألف وعشرين ألف، يتقدمهم مروان وقد تقلد بسيف عثمان، ~~فنزل [صفين] (3) في المحرم على شريعة الفرات. PageV01P419 # ومنعوا عسكر أمير المؤمنين (عليه السلام) من الماء، فأنفذ أمير المؤمنين ~~صعصعة (1) بن صوحان العبدي فقال في ذلك عنفا. # فقال معاوية: أنتم قتلتم عثمان عطشا. # فقال أمير المؤمنين ms219 (عليه السلام): رووا السيوف من الدماء ترووا من الماء ~~والموت في حياتكم قاهرين خير من الحياة في دنياكم مقهورين (2). # وقال الأشتر رضي الله عنه: # ميعادنا الآن بياض الصبح %~% لا يصالح الزاد بغير ملح ### ||| [نزول أمير المؤمنين (عليه السلام) بصفين] # وحملوا في سبعة عشر ألف رجل حملة واحدة فغرق بعضهم وانهزم الباقون من ~~عسكر معاوية، فملك الشريعة أصحاب علي (عليه السلام)، فأمر أمير المؤمنين أن ~~لا يمنعونهم من الماء، وكان نزوله (عليه السلام) بصفين لليال بقين من ذي ~~الحجة سنة ست وثلاثين، فأمر معاوية النقابين أن ينقبوا تحت عسكر علي أمير ~~المؤمنين (عليه السلام). # فقال أمير المؤمنين: # فلو أني أطعت عصيت قومي %~% إلى ركن اليمامة أو شئام # ولكني إذا أبرمت أمرا %~% تخالفني أقاويل الطغام # فتقدم الأشتر وقتل صالح بن فيروز العكي (3) ومالك بن الأدهم وزيد (4) بن عبيد PageV01P420 # الكناني وزامل بن عبيد الخزاعي ومالك بن روضة الجمحي مبارزة. وطعن الأشعث ~~لشرحبيل بن السمط ولأبي الأعور السلمي، فخرج حوشب ذو الظليم وذو الكلاع في ~~نفر فقالوا: أمهلونا هذه الليلة: # فقالوا: لا نبيت إلا في معسكرنا، فانكشفوا. ### ||| [تعبئة الجيشين للقتال] # ثم إن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنفذ سعيد بن قيس الهمداني وبشر (1) ~~بن عمرو الأنصاري إلى معاوية ليدعواه إلى الحق فانصرفا بعد ما احتجا عليه. # ثم أنفذ أمير المؤمنين (عليه السلام) [شبث بن ربعي و] (2) عدي بن حاتم ~~ويزيد بن قيس الأرحبي وزياد بن خصفة (3) بمثل ذلك، فكان معاوية يقول: # سلموا إلينا قتلة عثمان لنقتلهم به، ثم نعتزل الأمر حتى يكون شورى، ~~فتقاتلوا في ذي الحجة وأمسكوا في المحرم، فلما استهل صفر سنة سبع وثلاثين ~~أمر أمير المؤمنين (عليه السلام) فنودي في عسكر الشام بالاعذار والانذار، ~~ثم عبى عسكره فجعل على ميمنة الجيش الحسنين وعبد الله بن جعفر ومسلم بن ~~عقيل، وعلى ميسرته محمد بن الحنفية ومحمد بن أبي بكر وهاشم بن عتبة ~~المرقال، وعلى القلب عبد الله بن العباس والعباس بن ربيعة بن الحارث ~~والأشتر والأشعث، وعلى الجناح سعد (4) بن قيس الهمداني وعبد ms220 الله بن بديل ~~بن ورقاء الخزاعي ورفاعة بن شداد البجلي وعدي بن حاتم، وعلى الكمين عمار بن ~~ياسر وعمرو بن الحمق وعامر بن واثلة الكناني وقبيصة بن PageV01P421 # جابر الأسدي. # وجعل معاوية على ميمنته ذا الكلاع الحميري وحوشب ذا الظليم، وعلى الميسرة ~~عمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة، وعلى القلب الضحاك بن قيس الفهري وعبد ~~الرحمن بن خالد بن الوليد، وعلى الساقة بسر بن أرطاة الفهري، وعلى الجناح ~~عبد الله بن مسعدة الفزاري وهمام بن قبيصة النمري، وعلى الكمين أبا الأعور ~~السلمي وحابس بن سعد الطائي. # فبعث أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى معاوية أن اخرج إلي ابارزك، فلم ~~يفعل، وقد جرى بين العسكرين أربعون وقعة تغلب فيها أهل العراق: أولها يوم ~~الأربعاء بين الأشتر وحبيب بن مسلمة، والثانية بين المرقال و[أبي] (1) ~~الأعور السلمي، والثالثة بين عمار وعمرو بن العاص، والرابعة بين محمد بن ~~الحنفية وعبيد الله بن عمر، والخامسة بين عبد الله بن عباس والوليد بن ~~عاقبة، والسادسة بين سعد بن قيس وذي الكلاع، إلى تمام الأربعين، وكان آخرها ~~ليلة الهرير. (2) # ولأبطال أهل العراق مع أبطال أهل الشام وقعات وحروب وأشعار لا نطول ~~بذكرها خوف الملل، ففي بعض أيامها جال أمير المؤمنين (عليه السلام) في ~~الميدان قائلا: # أنا علي فاسألوني تخبروا %~% ثم ابرزوا لي في الوغى وابتدروا # سيفي حسام وسناني يزهر %~% منا النبي الطاهر المطهر # وحمزة الخير ومنا جعفر %~% وفاطم عرسي وفيها مفخر PageV01P422 # هذا لهذا وابن هند محجر %~% مذبذب مطرد مؤخر # فاستلحقه (1) عمرو بن الحصين السكوني على أن يطعنه فرآه سعيد بن قيس فطعنه. ### ||| [بدء المبارزات بين الطرفين] # وأنفذ معاوية ذا الكلاع إلى بني همدان فاشتبكت الحرب بينهم إلى الليل، ثم ~~انهزم أهل الشام، وأنشد أمير المؤمنين (عليه السلام): # فوارس من همدان ليسوا بعزل %~% غداة الوغى من شاكر وشبام # يقودهم حامي الحقيقة ماجد %~% سعيد بن قيس والكريم محام # جزى الله همدان الجنان فإنهم %~% سهام العدى في يوم كل حمام (2) # ونادى خالد السدوسي من أصحاب علي (عليه السلام): من يبايعني على الموت؟ ms221 ~~فأجابه تسعة آلاف، فقاتلوا حتى بلغوا فسطاط معاوية، فهرب معاوية فنهبوا ~~فسطاطه، وأنفذ معاوية إليه: يا خالد، لك عندي إمرة خراسان [متى] (3) ظفرت ~~فاقصر ويحك عن فعالك هذا، فنكل عنه، فتفل أصحابه في وجهه وحاربوا إلى الليل. # وخرج حمزة بن مالك الهمداني من أصحاب معاوية قائلا لهاشم المرقال: # يا أعور العين وما فينا عور %~% نبغي ابن عفان ونلحى من غدر (4) PageV01P423 # فقتله المرقال ### ||| [استشهاد هاشم المرقال وعبد الله بن بديل الخزاعي] # فهجموا على المرقال فقتلوه (رحمة الله عليه)، فأخذ سفيان بن الثور رايته ~~(1) فقاتل حتى قتل، فأخذها عتبة بن المرقال فقاتل حتى قتل، فأخذها أبو ~~الطفيل الكناني مرتجزا: # يا هاشم الخير دخلت الجنة %~% قتلت في الله عدو السنه (2) # فقاتل حتى جرح فرجع القهقرى، وأخذها عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي ~~مرتجزا: # أضربكم ولا أرى معاويه %~% أبرج العين العظيم الحاويه (3) # هوت به في النار أم هاويه %~% جاوره (4)فيها كلاب عاويه (5) # فهجموا عليه فقتلوه، فأخذها عمرو بن الحمق وقاتل أشد قتال، وخرج من أصحاب ~~معاوية ذو الظليم، وبرز من عسكر علي (عليه السلام) سليمان بن صرد الخزاعي، ~~وحملت الأنصار معه حملة رجل واحد، فقتل ذو الظليم وذو PageV01P424 # الكلاع وساروا (1) إليهم وكاد معاوية يؤخذ. # وخرج عبيد الله بن عمر ودعا محمد بن الحنفية إلى البراز، فنهض محمد فنهاه ~~أبوه، وكان لعنة الله عليه وعلى أبيه يقول: # أنا عبيد الله ينميني عمر %~% خير قريش من مضى ومن غبر # فقتله عبد الله بن سوار؛ ويقال: حريث بن خالد (2)؛ ويقال: هانئ بن ~~الخطاب؛ ويقال: محمد بن الصبيح، فأمر معاوية بتقديم سبعين راية، وبرز عمار ~~في رايات، فقتل من أصحاب معاوية سبعمائة رجل، ومن أصحاب علي مائتا رجل. # وخرج العراد بن الأدهم ودعا العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ~~فقتله العباس، فنهاه علي (عليه السلام) عن المبارزة، فقال معاوية: من قتل ~~العباس فله عندي كذا ما يشاء، فخرج رجلان لخميان (3)، فدعاه أحدهما إلى ~~البراز. # فقال: إن أذن لي سيدي ابارزك، وأتى عليا (عليه السلام)، فلبس ms222 علي سلاح ~~العباس، وركب فرسه متنكرا. # فقال الرجل: أذن لك سيدك؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): @QUR@05 ~~(أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) (4) فقتله، ثم برز الآخر، فقتله. PageV01P425 # وخرج حجل بن عامر (1) العبسي فطلب البراز، فبرز إليه ابنه (2) اثال، ~~فلما رآه أبوه قال: انصرف إلى أهل الشام فإن فيها أموالا جمة فقال ابنه: يا ~~أبة انصرف إلينا فجنة الخلد مع علي. # وعبى معاوية أربعة صفوف فتقدم أبو الأعور السلمي يحرض أهل الشام، ويقول: ~~يا أهل الشام، إياكم والفرار فإنه سبة وعار، فدقوا [على] (3) أهل العراق، ~~فإنهم أهل فتنة ونفاق، فبرز سعيد بن قيس وعدي بن حاتم والأشتر والأشعث، ~~فقتلوا منهم ثلاثة آلاف ونيفا، وانهزم الباقون. ### ||| [استشهاد اويس القرني] # وبرز عبد الله بن جعفر فقتل خلقا كثيرا حتى استغاث عمرو بن العاص، وأتى ~~اويس القرني وهو متقلد بسيفين؛ وقيل: كان معه مرماة ومخلاة من الحصى، فسلم ~~على أمير المؤمنين (عليه السلام) وودعه وبرز مع (4) رجالة ربيعة، فقتل من ~~يومه، فصلى عليه أمير المؤمنين ودفنه. # ثم إن عمار كان يقاتل ويقول: # نحن قتلناكم (5)على تنزيله %~% ثم قتلناكم على تأويله # ضربا يزيل الهام عن مقيله %~% ويذهل الخليل عن خليله (6) PageV01P426 # ثم قال: والله لو قتلونا حتى بلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق ~~وهم على الباطل. (1) # وبرز أمير المؤمنين (عليه السلام) ودعا معاوية وقال: أسألك أن تحقن دماء ~~المسلمين وتبرز إلي وأبرز إليك، فيكون الأمر لمن غلب، فبهت معاوية ولم ينطق ~~بحرف، فحمل أمير المؤمنين (عليه السلام) على الميمنة فأزالها، ثم حمل على ~~الميسرة فطحنها، ثم حمل على القلب وقتل منهم جماعة، ثم أنشد: # فهل لك في (2)أبي حسن علي %~% لعل الله يمكن من قفاكا # دعاك إلى البراز فكعت عنه %~% ولو بارزته تربت (3)يداكا ### ||| [بروز أمير المؤمنين (عليه السلام) لعمرو بن العاص متنكرا] # وانصرف أمير المؤمنين (عليه السلام) وخرج متنكرا، فخرج عمرو بن العاص ~~مرتجزا: # يا قادة الكوفة من أهل الفتن %~% يا قاتلي عثمان ذاك المؤتمن # كفى بهذا حزنا من (4)الحزن %~% أضربكم ولا أرى أبا ms223 الحسن (5) PageV01P427 # فتناكل (1) عنه علي (عليه السلام) رجاء أن يتبعه عمرو، فتبعه، فرجع أمير ~~المؤمنين إليه مرتجزا: # أنا الغلام القرشي المؤتمن %~% الماجد الأبلج ليث كالشطن (2) # يرضى به السادة من أهل اليمن %~% [من ساكني نجد ومن أهل عدن] (3) # أبو الحسين فاعلمن وأبو الحسن %~% جاك يقتاد العنان والرسن # فولى عمرو هاربا، فطعنه أمير المؤمنين فوقعت في ذيل درعه، فاستلقى على ~~قفاه وأبدى عورته، فصفح عنه أمير المؤمنين استحياء وتكرما. # فقال له معاوية: أحمد الله الذي عافاك، وأحمد استك الذي وقاك. # ففي ذلك يقول أبو نؤاس: # فلا خير في دفع الأذى (4)بمذلة %~% كما ردها يوما بسوءته عمرو # ثم دعا أمير المؤمنين معاوية إلى البراز، فنكل عنه، فخرج بسر بن أرطاة ~~طامعا في علي، فصرعه أمير المؤمنين (عليه السلام)، فاستلقى على قفاه وكشف ~~عورته، فانصرف علي (عليه السلام). # فقال أهل العراق (5): ويلكم يا أهل الشام، أما تستحيون من معاملة ~~المخانيث؟! لقد علمكم رأس المخانيث عمرو في الحرب كشف الاساءة. ### ||| [مكاتبات بين معاوية وعمرو بن العاص وابن عباس] # ولما رأى معاوية كثرة براز علي أخذ في الخديعة، فأنفذ عمرو إلى ربيعة PageV01P428 # فوقعوا فيه، فقال: اكتب إلى ابن عباس وغره، فكتب: # طال البلاء فما يدرى له آس %~% بعد الإله سوى رفق ابن عباس # فكان جواب ابن عباس: # يا عمرو حسبك من خدع ووسواس %~% فاذهب فمالك في ترك الهدى (1)آس # إلا بوادر (2)طعن في نحوركم %~% تشجى النفوس له في النقع إفلاس # إن عادت الحرب عدنا فالتمس هربا %~% في الأرض أو سلما في الافق يا قاسي # ثم كتب إليه معاوية أيضا: # إنما بقي من قريش ستة نفر: أنا وعمرو بالشام، وسعد وابن عمر في الحجاز، ~~وعلي وأنت في العراق، على خطب عظيم، ولو بويع لك بعد عثمان لأسرعنا فيه. # فأجابه ابن عباس: # دعوت ابن عباس إلى السلم خدعة (3) %~% وليس لها حتى تموت بقابل (4) PageV01P429 ### ||| [كتاب معاوية إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، وجواب أمير المؤمنين له] # وكتب إلى علي (عليه السلام): # أما بعد، فإنا لو علمنا أن الحرب تبلغ بنا وبك ms224 ما بلغت لم تجهمنا بعضنا ~~على بعض؟ وإن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقي لنا ما نرم (1) به ما مضى، ~~ونصالح به ما بقي، وقد كنت سألتك الشام على ألا تلزمني لك طاعة ولا بيعة، ~~فأبيت، وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس، فإنك لا ترجو من البقاء ~~إلا ما أرجو، ولا تخاف من الفناء إلا ما أخاف، وقد والله رقت الأجساد، ~~وذهبت الرجال، ونحن بنو عبد مناف ليس لبعضنا فضل على بعض يستذل به عزيز، ~~ويسترق به حر. # فأجابه أمير المؤمنين (عليه السلام): # أما قولك إن الحرب قد أكلت العرب إلا حشاشات أنفس بقيت، ألا ومن أكله ~~الحق فإلى النار، وأما طلبك إلي الشام فإني لم أكن لاعطيك [اليوم] (2) ما ~~منعتك أمس، وما استواؤنا في الخوف والرجاء (3)، فلست أمضي على الشك مني على ~~اليقين، وليس أهل الشام على الدنيا بأحرص من أهل العراق على الآخرة. # وأما قولك إنا بنو عبد مناف فكذلك نحن، وليس امية كهاشم، ولا حرب كعبد ~~المطلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب، ولا الطليق كالمهاجر، ولا الصريح ~~كاللصيق، ولا المحق كالمبطل، ولا المؤمن كالمدغل، وفي أيدينا فضل النبوة ~~الذي أذللنا به العزيز، وأنعشنا به الذليل، وبعنا بها الحر. PageV01P430 # وأمر معاوية ابن خديج الكندي أن يكاتب الأشعث، والنعمان بن بشير أن يكاتب ~~قيس بن سعد في الصالح، ثم أنفذ عمرا وحبيب بن مسلمة والضحاك بن قيس إلى ~~أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلما كلموه قال: أدعوكم إلى كتاب الله وسنة ~~رسوله، فإن تجيبوا إلى ذلك فللرشد أصبتم، وللخير وفقتم، وإن تأبوا لم ~~تزدادوا من الله إلا بعدا. # فقالوا: قد رأينا أن تنصرف عنا فنخلي بينكم وبين عراقكم، وتخلون بيننا ~~وبين شامنا، فتحقن (1) دماء المسلمين. # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): لم أجد إلا القتال أو الكفر بما انزل ~~على محمد (صلى الله عليه وآله). # ثم برز الأشتر وقال: سووا صفوفكم. # وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أيها الناس، من يبع يربح في هذا ~~اليوم- في كلام له- ألا إن خضاب ms225 النساء الحناء، وخضاب الرجال الدماء، ~~والصبر خير في عواقب الامور، ألا إنها إحن بدرية، وضغائن احدية، وأحقاد ~~جاهلية، ثم قرأ (عليه السلام): @QUR@09 (فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان ~~لهم لعلهم ينتهون) (2). # ثم تقدم (عليه السلام) وهو يرتجز: # دبوا دبيب النمل لا تفوتوا %~% وأصبحوا في حربكم وبيتوا # كيما تنالوا الدين أو تموتوا %~% أو لا فإني طالما عصيت PageV01P431 # قد قلتم لو جئتنا فجيت (1) # ثم حمل (عليه السلام) في سبعة آلاف (2) رجل فكسروا الصفوف. # فقال معاوية لعمرو: اليوم صبر وغدا فخر. # فقال عمرو: صدقت، ولكن الموت حق، والحياة باطل، ولو حمل علي في أصحابه ~~حملة اخرى فهو البوار. # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): فما انتظاركم إن كنتم تريدون الجنة؟ ### ||| [استشهاد أبي الهيثم بن التيهان وعمار بن ياسر] # فبرز أبو الهيثم بن التيهان قائلا: # أحمد ربي فهو الحميد %~% ذاك الذي يفعل ما يريد # دين قويم وهو الرشيد # فقاتل حتى قتل. # وبرز عمار بن ياسر، وكان له من العمر ثمانون سنة، فجعل يقول: # اليوم نلقى الأحبه %~% محمدا وحزبه # والله والله لو قتلونا حتى بلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وهم ~~على الباطل، وهو الذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حقه: # «عمار جلدة بين عيني، تقتله الفئة الباغية لا نالهم شفاعتي» (3)، فقاتل PageV01P432 # حتى قتل. (1) ### ||| [استشهاد خزيمة بن ثابت الأنصاري] # وبرز خزيمة بن ثابت الأنصاري قائلا: # كم ذا يرجي أن يعيش الماكث %~% والناس موروث ومنهم وارث # هذا علي من عصاه ناكث (2) # فقاتل حتى قتل. # وبرز عدي بن حاتم قائلا: # أبعد عمار وبعد هاشم %~% وابن بديل صاحب الملاحم # ترجو البقاء من بعد يا ابن حاتم (3) # فما زال يقاتل حتى فقئت عينه. # وبرز الأشتر قائلا: # سيروا إلى الله ولا تعرجوا %~% دين قويم وسبيل منهج (4) # وقتل جندب بن زهير، فلم يزالوا يقاتلوا حتى دخلت وقعة الخميس وهي ليلة ~~الهرير، وكان أصحاب علي (عليه السلام) يضربون الطبول من أربع جوانب عسكر ~~معاوية، ويقولون: علي المنصور، وهو (عليه السلام) يرفع رأسه إلى السماء ~~ساعة بعد ساعة ويقول: ms226 اللهم إليك نقلت الأقدام، وإليك أفضت القلوب، ورفعت ~~الأيدي، ومدت الأعناق، وطلبت الحوائج، وشخصت الأبصار. اللهم افتح بيننا ~~وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين. PageV01P433 # وكان (عليه السلام) يحمل عليهم مرة بعد مرة ويدخل في غمارهم ويقول: # الله الله في البقية، الله الله في الحرم والذرية، فكانوا يقاتلون ~~أصحابهم بالجهل، فلما أصبح (صلوات الله عليه) كان القتلى من عسكره أربعة ~~آلاف رجل، وقتل من عسكر معاوية اثنين وثلاثين ألفا، فصاحوا: يا معاوية، ~~هلكت العرب، فاستغاث بعمرو، فأمره برفع المصاحف. # قال قتادة: كانت القتلى يوم صفين ستون ألفا. وقال ابن سيرين: سبعون ألفا، ~~وهو المذكور في أنساب الأشراف، ووضعوا على كل قتيل قصبة، ثم عدوا القصب. (1) # قلت: أعظم بها فتنة يمل من رصفها البنان، ويكل عن وصفها اللسان، ويخفق ~~لذكرها الجنان، ويرجف لهولها الانسان، طار شررها فعم الآفاق، وسطح لهبها ~~فعم بالاحراق، وارتفع رهج سنابكها فبلغ أسباب السماء، وضاقت سبيل مسالكها ~~فانسد باب الرجاء. # يا لها فتنة اطيرت رءوس رءوسها عن أبدانها، وابترت نفوس قرومها بخرصانها، ~~وبرقت بوارق صفاحها في غمائم عبرتها، وضعفت رواعد هزبر أبطالها في سحائب ~~مزنها، قد كفر النقع شمسها، وأخرس الهول نفسها، وأبطلت مواقع صفاحها حركات ~~أبطالها، وصبغت أسنة رماحها أثباج رجالها بحرباتها، لا يسمع فيها إلا زئير ~~اسد غابها سمر القنا، ولا ترى منها إلا وميض بريق مواضي الأسنة والضبا، كم ~~افترست ثعالب عواملها ليثا عبوسا؟ وكم اخترمت بحدود مضاربها أرواحا ونفوسا؟ ~~وكم أرخصت في سوق قيامها على ساقها نفيسا؟ وكم أذلت بتواصل صولات حملات PageV01P434 # قرومها رئيسا؟ # أبدان الشجعان ضرام وقودها، وأجساد الأمجاد طعام حديدها، ما صيحة عاد ~~وثمود بأهول من وقعة صفعتها، ولا ظلة أصحاب الأيكة بأصحى من ظلمة ظلتها، ~~طفى نحرها فأعرق، واضطرم جرها فأحرق، وعم قطرها فاجتاح فرعها وأصلها، ودارت ~~رحى منونها فطحنت خيلها ورجلها، صبح عادياتها يذهل السامع، وقارعة قوارعها ~~تصخ المسامع، تزل الأقدام لتكاثر زلزالها، ويحجم الأبطال لخطر نزالها، ~~اختلط خاثرها بزبادها، واشبهت أمجادها بأوغادها، وموافقها بمنافقها، ~~ومخالفها بموالفها، ودنيها بشريفها، وصريحها ms227 بحليفها، وبرها بفاجرها، ~~ومؤمنها بكافرها، فئة تقاتل في سبيل الله واخرى كافرة، وفرقة تبتغي عرض ~~الحياة الدنيا وفرقة ترجو ثواب الآخرة. # قد فتحت أبواب الجنان لأرواح بذلت وسعها في طاعة ربها ووليها، وشجرة ~~دركات النيران لأنفس أخلفت عهد إمامها ونبيها، طالت ليلة هريرها فكم حلايلا ~~تمت؟ واضطربت حطمة سعيرها فكم أطفالا أيتمت؟ امتدت ظلمتها، واشتدت سدفتها، ~~وثلمت صفاحها، وحطمت رماحها، وعلا ضجيجها، وارتفع عجيجها، وتكادمت فحولها، ~~وتصادمت خيولها، وتزأرت آسادها، وتقطرت أمجادها. # وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) نجمها الثاقب، وسهمها الصائب، وليثها ~~الخادر، وعينها الهامر، وبحرها الزاخر، وبدرها الزاهر، كم أغرق في لجة بطشه ~~منافقا؟ وكم أخرق بشهاب سيفه متنافقا؟ # جبريل في حروبه مكتب كتابته، وميكائيل في وقائعه يعجب من PageV01P435 # ضرائبه، وملك الموت طوع أمر حسامه، وروح القدس يفخر بثبات جأشه وإقدامه. # كم فل بحد غضبه حدا؟ وكم قد بعزم ضربه قدا؟ وكم عفر في الثرى بصارمه ~~جبينا وخدا؟ وكم بني للاسلام بجهاده فخرا ومجدا؟ # امثله في فكرتي، واصوره في سريرتي، في حالتي مسيره بكتائبه إلى خصمه، ~~وجلوسه على وسادته لنشر غرائب علمه، طودا يقله طرف، وبحرا يظله سقف، إن ~~تكلم بين وأوضح، وإن كلم هشم وأوضح، يقط الأصلاب بضربه، ويقص الرقاب في ~~حربه، آية الله في خلقه، ومعجز النبي على صدقه، ومساويه في وجوب حقه، ~~ومضاهيه في خلقه وخلقه، أفضل خلق من بعده، وأشرف مشارك له في مجده، كل من ~~الرسل الاولى عاتبه ربه على ترك الأولى؛ قال سبحانه في آدم: @QUR@05 (وعصى ~~آدم ربه فغوى) (1)، وفي نوح: @QUR@06 (إني أعظك أن تكون من الجاهلين) (2)، ~~وفي الخليل: @QUR@05 (قال أولم تؤمن) (3)، وفي الكليم: # @QUR@06 (فعلتها إذا وأنا من الضالين) (4)، وفي داود: @QUR@05 (وظن داود ~~أنما فتناه) (5)، وفي سليمان: @QUR@07 (إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي) ~~(6)، وفي يونس: @QUR@011 (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه) (7). # وأمير المؤمنين باع نفسه من ربه، وحبس قلبه على حبه، ووقف PageV01P436 # جسده على طاعته، وفرغ روحه لمراقبته، أطلعه سبحانه على جلال عظمته، وكمال ~~معرفته، وسقاه من شراب ms228 حبه، واختصه بشرف قربه، فما في فؤاده إلا إياه، وما ~~في لسانه إلا ذكراه، يفني وجوده في شهوده إذا هو ناجاه، ويصفو أبحر نده في ~~سجوده عما سواه، قد استشعر لباس المراقبة، وحاسب نفسه قبل المحاسبة. # يأنس بالظلام إذا الليل سجى، ويستضيء بأنوار الكشف إذا الغسق دجا، ~~ويستوحش من الخلق في حال خلوته مع حبيبه، ويستنشف نفحات الحق إذ هو كمال ~~مطلوبه، رقي لقدم صدقه صفوف الكروبيين بروحانيته، وطار بقوادم عشقه ففات ~~أشباح الصافين الحافين بإخلاص محبته، جذبته يد المحبة بزمام العناية إلى ~~حضرة معشوقه، وأزاحت كدورات الطبيعة عن مسالك طريقه، حتى إذا آيس من جانب ~~طور قيوم الملكوت أنوار عظمته، واستأنس بمناجاة صاحب العزة والجبروت واطلع ~~على أسرار إلهيته، وقرع بيد إخلاصه شريف بابه، وأصغى بصماخ @QUR@04 ~~(وتعيها أذن واعية) (1) إلى لذيذ خطابه، وأشعر قلبه لباس الخضوع بين يديه، ~~وأحضر لبه جلال من وجه مطايا عزمه إليه، وشاهد بعين يقينه عزة هيبة سلطانه، ~~وقطع العلائق عما سوى القيام بشروط الخدمة لكبرياء عظم شأنه. # كشف فياض العناية به الحجاب عن جلال كمال عزته، ورفع النقاب عن ذلك ~~الجناب فأدرك بكمال عرفانه بهجة حضرته، أجلسه على بساط المنادمة في غسق ~~الدجا، وناجاه بلسان المحبة وقد برح الخفا، وسقاه بالكأس الروية من شراب ~~@QUR@03 (يحبهم ويحبونه) (2)، ويثب في مدارج السلوك إلى عين اليقين PageV01P437 # يقينه، وتوجه بتاج @QUR@02 (إنما وليكم) (1)، ونفعه نحلة @QUR@012 (وأن ~~هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم) (2)، وجعل له ~~الرئاسة العامة في خلقه، وقرن طاعته بطاعته، وحقه بحقه، وأثبت في ديوان ~~الصفيح الأعلى منشور عموم ولايته، ووقع بيد القدرة العليا توقيع شمول ~~خلافته، يطالع رهبان صوامع العالم الأشرف في اللوح المحفوظ أحرف صفاته، ~~ويصغي بصماخ توجهاتها إلى لذيذ مناجاته، فتحتقر شدة كدحها في طاعة ربها في ~~حب طاعته، وترى عبادتها لمبدعها كالقطرة في اليم في جانب عبادته. # باهى الله به ليلة الفراش (3) أمينيه جبرئيل وميكائيل، وناداهما بلسان ~~الابتلاء وهو العالم من أفعال عباده بكل دقيق وجليل: إني قد جعلت عمر ~~أحدكما ms229 أطول من عمر الآخر، فأيكما يؤثر أخاه بالزيادة؟ فكل منهما بخل ببذل ~~الزيادة لأخيه، وتلكأ عن جواب صانعه ومنشيه، فأوحى إليهما: هلا كنتما كابن ~~أبي طالب؟! فإنه آثر أخاه بالبقية من أجله، وبات مستاقا (4) بسيوف الأعداء ~~من أجله، اهبطا إلى الأرض فاحسنا كلاءته وحفظه، وامنعاه من كيد عدوه في ~~حالتي المنام واليقظة. # وكذلك يوم احد وقد ولوا الأدبار، واعتصموا بالفرار، وأسلموا الرسول إلى ~~الجبن، ولم يعد بعضهم إلا بعد يومين، هذا وولي الله يتلقى عنه السيوف PageV01P438 # بشريف طلعته، ويمنع عوامل الحتوف بشدة عزمته، حتى باهى الله يومئذ ~~ملائكته ببطشه القوي، ونادى مناد من السماء: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى ~~إلا علي. # وفي بدر إذا التقى الجمعان، واصطدم الفيلقان، وشخصت الأعين، وخرست ~~الألسن، وجبت الجيوب، ووجبت القلوب، كان (صلوات الله عليه وآله) قاصم ~~أبطالها، وميتم أشبالها، وليث ناديها، وصل داريها، صب الله بشدة بطشه على ~~أعدائه سوط عذابه، وأنزل بالملحدين في آياته من صولة سطوته وخيم عقابه. # صاحب بطشتها الكبرى، وناصب رايتها العظمى، جعل الله الملائكة المسومين ~~فيها من جملة حشمه وجنده، ولواء الفتح المبين خافقا على هامة رفعته ومجده، ~~وشمس الشرك ببدر وجهه مكورة، وجموع البغي بتصحيح عزمه مكسرة، وهل أتاك نبأ ~~الخصم الألد؟ أعني مقدام الأحزاب عمرو بن ود، البطل الأعبل، وفارس يليل، إذ ~~أقبل برز كالليث القرم، ويهدر كالفحل المغتلم، ويصول مدلا بنجدته، ويجول ~~مفتخرا بشدته، ويشمخ بأنفه كبرا، ويبذخ بخده صعرا، قد تحامته الفرسان خوفا ~~من سطوته، وأحجمت عنه الشجعان حذرا من صولته، وانهلعت قلوب الأبطال لما طبق ~~الخندق بطرفه، وذهلت عقول الرجال لما شزرهم بطرفه، كالأسد الكاسر في غابه، ~~أو النمر الكاشر عن نابه، فزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وأحجمت ~~الأنصار لما سمعت زئير الأسد المبادر، وامتدت نحوه الأعناق، وشخصت إليه ~~الأحداق، وخشعت الأصوات، وسكنت الحركات، وهو يؤنب بتعنيفه، ويجبر بتأفيفه. # فعندها أشرق بدر الحق من شفق الفتوة، وطلعت شمس المجد من برج PageV01P439 # النبوة، وأقبل علم الاسلام يرفل في ملابس الجلال، وتبدى نور الايمان ms230 يخطر ~~في حلل الكمال، كالطود الشامخ في مجده، أو البحر الزاخر عند مده، قد أيده ~~الله بروح قدسه، وأوجب من ولائه ما أوجب من ولاء نفسه، وأيده بالعصمة ~~التامة، وشرفه بالرئاسة العامة، كالقمر المنير في كفه شهاب ساطع، أو الموت ~~المبير إذا علا بسيفه القاطع، حتى إذا قارنه وقاربه وشزره بطرفه عند ~~المصاولة علاه بمشحوذ العذاب لو علا به رضوى لغادر كثيبا مهيلا، ولو أهوى ~~به على أكبر طود في الدنيا لصيره منفطرا مقلولا، فخر كالجذع المنقعر، أو ~~البعير إذا نحر، يخور بدمه، ويضطرب لشدة ألمه، قد سلبته ملابس الحياة أيدي ~~المنية، وكسته من نجاح دمه حلة عدمية، وكفى الله المؤمنين القتال بوليه ~~المطلق، وصديق نبيه المصدق، الذي أعز الله الاسلام وأهله بعزمه، وأذل الشرك ~~وجنده بقدمه. # فيا من كفر بأنعم ربه، وأجلب بخيله ورجله على حربه، ورابطه مصابرا، ~~وعانده مجاهرا، وأظهر نفاقه الكامن، وغله الباطن، ألم يكن أبوك في تلك ~~المواطن رأسا للمشركين؟ ألم يكن في حرب نبيه ظهيرا للكافرين؟ # ألست ابن آكلة الأكباد البغية؟ ألست زعيم العصابة الأموية؟ ألست فرع ~~الشجرة الملعونة؟ ألست رأس الامة المفتونة؟ أليس قائد أحزاب المشركين أباك؟ ~~أليس أول المبارزين في بدر جدك وخالك وأخاك، اديرت كئوس المنون بيد ولي ~~الله عليهم، وبطرت الحتوف من كثب إليهم، وأنزل سبحانه @QUR@08 (فاضربوا ~~فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان) (1) منهم ذلك بما قدمت أيديهم، قلبت ~~أشلاءهم بعد الموت في القلب، @QUR@07 (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت) PageV01P440 # @QUR@05 (وأخذوا من مكان قريب) (1)، لرأيت أعناقهم تقطع صبرا، وأشلاءهم ~~تبضع هبرا، وامراءهم قد ولوا الأدبار، ثم لا ينصرون، واسراءهم كأنما يساقون ~~إلى الموت وهم ينظرون. # هؤلاء أسلافك الماضية، وآباؤك الغاوية، الذين قص الله قصصهم في محكم ~~تنزيله، ولعنهم على لسان نبيه ورسوله، وسماهم الشجرة الملعونة في القرآن ~~(2)، والعصابة الخارجة عن الايمان، الذين اتخذوا الأصنام آلهة من دون الله، ~~واستقسموا بالأزلام خلافا لأمر الله، وكان سيدنا وولي أمرنا ومعتقدنا ~~ووسيلتنا إلى ربنا حينئذ أول من أسلم لرب العالمين، قائما يومئذ بنصر سيد ms231 ~~المرسلين. ### ||| [قصيدة في أمير المؤمنين (عليه السلام)] # مقالكم في احد اعل هبل %~% وقوله الله أعلى وأجل # أول من آمن بالله ومن %~% صلى وصام تابعا خير الرسل # وخير من واسى النبي في الوغا %~% وخير من في الله نفسه بذل # يا من تلمني في هواه لا تلم %~% فحبه وجدته خير العمل # من كفه رجوت اسقى شربة %~% ختامها مسك وفي ذلك فل # أنا الذي من عهده مستمسك %~% بعروة عقد ولاها لا تحل # خير ولي ليس يحصى فضله %~% ومجده عز عن الوصف وجل # بعد إلهي ونبيي لا أرى %~% سواه ينجيني إذا الخطب نزل # في القلب مني منزل لحبه %~% متحكم بصدق عهدي لم يزل # أهتف باسمه إذا خطب عرا %~% وأسأل الله به وأبتهل # فإنني ومن أجل كيده %~% بساحتي العكس جابني الأمل (3) PageV01P441 # رفضت رجسين تسميا بما %~% سماه ذو العرش قديما في الأول # ودنت دينا قيما إنهما %~% في الكفر شر من يغوث وهبل # وهكذا ثالثهم أظلم من %~% حل على وجه الثرى أو ارتحل # ومن أتت لحربه وخالفت %~% إلهها وبعلها يوم الجمل # وسائقي بعيرها وقائدي نفيرها %~% ومن رضي ومن دخل # ومن بصفين عليه جردوا %~% بيض الضبا واعتقلوا سمر الأسل # وأقبلوا يقدمهم زعيمهم %~% رأس النفاق والغرور والحيل # نجل الطغاة الطلقاء والذي %~% لعنهم في محكم الذكر نزل # ومن عن الحق السوي مرقوا %~% وخالفوا جميع أرباب الملل # كلهم قد فارقوا دين الهدى %~% وقارفوا الكفر بقول وعمل # عليهم من ذي الجلال لعنة %~% دوامها حتى القيام متصل # ما سيرت أفلاكها بشمسها %~% وابتلج الصبح وأظلم الطفل (1) # اللهم يا من أفرغ فرغ على أعطاف عقولنا ألطاف كرامته، وحلى أجياد نفوسنا ~~بجلي عنايته، ورفع قواعد ملتنا، وجمع على التقوى كلمتنا، وأثبت في دوحة ~~الايمان أصولنا، وسقى بزلال الاخلاص فروعنا، وتمم باتباع سبيل نبيه ووليه ~~حدودنا ورسومنا، فصرنا لا نعتقد سواه قديما أزليا، ولا نزى وجودا غير وجوده ~~أبديا ديموميا، ننزهه عن الشريك والعديل، ونقدسه عن الشبيه والمثيل، خلقنا ~~لننزهه ونمجده، وأوجدنا لنعبده ونوحده، وجعل نفع ذلك واصلا إلينا، ومضاعفا ~~علينا، لا لحاجة منه إلى عبادتنا، ولا ms232 لفائدة عائدة إليه من طاعتنا. PageV01P442 # ظهر لأفكارنا بآثار صنعته، واحتجب عن أبصارنا بكبريائه وعظمته، وفرض ~~علينا بعد الاقرار بأنه الواحد الأحد المبتدع المخترع، وعرفان ما يصح على ~~ذاته الشريفة ويمتنع، وتعاليه عما لا يليق بجلاله من تعارض خلقه، والاذعان ~~بالتسليم لأمره وقضاء حقه، سلوك سبيل من أقامهم هداة إليه، وإدلاء في مفاوز ~~الضلالة عليه، والتسليم لأمرهم، والتنويه بذكرهم، والاخلاص بشكرهم، ~~والاتضاع لقدرهم، والاغتراف من بحر علمهم، والاعتراف بصواب حكمهم، وأن لا ~~يقدم عليهم من سجد لصنم، أو استقسم بزلم، أو بحر بحيرة، أو عتر عتيرة، قد ~~نمته الخبيثون والخبيثات، وحاق به دناءة الآباء وعهر الامهات. # ونعتقده انه سبحانه قرن حبهم بحبه، وجعل حربهم كحربه، وسلمهم كسلمه، ~~وعلمهم من علمه، فهم اولوا الأمر الذين قرن طاعتهم بطاعته، وهداة الخلق إلى ~~ما اختلفوا فيه من فرض دينهم وسن حسدهم من لعنه الله وغضب عليه، وأعد له ~~خزيه يوم يقوم الناس لديه. # أغرى الشيطان بهم سفهاءه، وأعلى عليهم أولياءه، وزين للناس اتباعهم، ~~وجعلهم أشياعهم وأتباعهم، وسمى رأس الكذبة صديقهم، وأساس الظلمة فاروقهم، ~~وخائن الامة ولي أمرهم، وأجهل الامة كاتب وحيهم، وولوا الناس بغرورهم، ~~وحرفوا كتاب الله بزورهم، وأخلفوا عهد الرسول ونبذوا ميثاقه المأخوذ عليهم، ~~وجردوا عليهم سيوفهم وعواملهم، وفوقوا نحوهم سهامهم ومعابلهم. # ثم تفكر في حال الرجس اللئيم، والدنس الأثيم، ابن آكلة الأكباد، ونتيجة ~~الآثمة الأوغاد، وما أظهر من الكفر والالحاد، والبغي والعناد، وليس ذلك ~~ببدع من قبيح فعله، وزنيم أصله، فهو من قوم طوقهم الله بطوق لعنته في PageV01P443 # الدار الفانية، وأعد لهم أليم عقوبته في جحيمه الهاوية. ### ||| [قصيدة للمؤلف (رحمه الله) في مثالب أعداء أمير المؤمنين (عليه السلام)] # اللهم إنا نتقرب إليك بلعنته وسبه، وتكفير مصوبي اجتهاده في حربه، ولما ~~تصورت شدة شكيمته في غيه، وخبث سريرته ببغيه، وأذاه للنبي وأهله، وعداوته ~~للوصي ونجله، كنت اخاطبه بكلمات أوحاها جناني، وأقصده بلعنتي في سري ~~وإعلاني، وأذبحه بذكر مساويه ببليغ نثري، واورد نبذة من مخازيه بفصيح شعري، ~~فمن جملة ذلك أبيات ألقاها خالص الايمان ms233 على بنان نطقي، وأهداها الملك ~~الديان إلى لسان صدقي، تحلي الطروس بذكرها، وتسر النفوس بنشرها، وهي هذه: # يا ابن البغية يا رأس البغاة ويا %~% نجل الطغاة وأهل الزيغ والزلل # وأهل بدر واحد والذين سروا %~% لحرب خير الورى بالبيض والأسل # ومن بلعنتهم جاء الكتاب وفي %~% الأحزاب ذكرهم حتى القيام جلي # ويا ابن من كان رأس المشركين ويا %~% رأس النفاق وأهل الشرك والخطل # رمتم بأن تطفئوا نور الهدى بعدت %~% أحزابكم مثل سهل الأرض والجبل # فأرسل الله جندا لم تروه على %~% جموعكم فانثنيتم خائبي الأمل PageV01P444 # حتى إذا قام دين الحق منتصبا %~% يزهو فخارا إذ المحفوظ منه غلي # وذل ما عز من عزاكم وغدا %~% مكسرا جمعها للكسر من هبل # وعمرو ودكم أمسى كودكم %~% مقسما بحسام الضيغم البطل # هادي الخليقة محمود الطريقة %~% معصوم الحقيقة نور الله في الأزل # ليث الكتيبة مشهور الضريبة %~% ذي القربى القريبة ثاني خاتم الرسل # نفس الرسول وواقيه بمهجته %~% وناصر دينه بالقول والعمل # رب الفراش إذا المختار اخرج من %~% مقامه في الدجا يسري على وجل # بدت لأهل العلى أنوار طلعته %~% فوق الفراش كبدر تم في الطفل # من جدك الرجس في بدر وخالك مع %~% أخيك عما لقوه منه قف وسل # ينبيك صارمه عنهم بأنهم %~% ما بين منعفر منه ومنجدل PageV01P445 # يا أكفر الخلق من بدو ومن حضر %~% وأظلم الناس في حل ومرتحل # لم تؤمنوا رغبا في الدين بل رهبا %~% وخشيته من حسام قاطع الأجل # في كف أبلج يوم الروع طلعته %~% كالشمس مشرقة في دارة الحمل # غدا وليدكم من ثدي صارمه %~% لبان صرف الردى بالغل والنهل # كهف الأنام وهاديهم ومنقذهم %~% ومن بهم سالك في أوضح السبل # وغيث ما حلتم إن أزمة قرعت %~% وغيث صارخهم في الحادث الجلل # سل عن فضائله جما فإن له %~% في الذكر ذكر جليل سار كالمثل # يوم القموص على شأنا بسطوته %~% إذ رد شانئه بالخذل والفشل # كانت حصونا حصانا في شوا %~% هقها إلى ذراها سحاب المزن لم تصل # فافتض بالذكر الصمصام عذرتها %~% فأصبحت من دماء القوم في حلل PageV01P446 # وظيخها (1)طاح قد صارت ms234 سلالمه %~% منكسا منه أعلاها إلى السفل # يا قالع الباب يا باب النجاح ومن %~% أوقفت دون الورى في بابه أملي # أرجو بك الله يوم الحشر ينقذني %~% وأن يضاعف ما قد قل من عملي # ولا يجبهني حيث الفضيحة بي %~% أولى ويستر ما أخفيت من زللي # ولا تكلني إلى نفسي وتجعلني %~% في كل حال على علياه متكلي ### ||| [في عدد القتلى من العسكرين، ورفع المصاحف] # ولما جرى ما جرى في ليلة الهرير وكان القتل فاشيا في عسكر معاوية كما ~~بينا أولا أن القتلى كانت من عسكر علي (عليه السلام) أربعة آلاف رجل، ومن ~~عسكر معاوية اثنين وثلاثين ألفا؛ وقيل: أكثر كما ذكر فأصبح معاوية وقد أسقط ~~في يده، وأشرف على الهلكة، فقال لعمرو: نفر أو نستأمن؟ # قال: نرفع المصاحف على الرماح ونقرأ: @QUR@015 (ألم تر إلى الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم) (2) فإن قبلوا حكم ~~القرآن رفعنا الحرب وواقفناهم (3) إلى أجل مسمى، وإن أبى بعضهم إلا القتال ~~فللنا شوكته (4)، ووقعت الفرقة بينهم. PageV01P447 # فرفعوا المصاحف على الرماح، وبان من جملتها مصحف يقال إنه مصحف الإمام ~~وحملوه على أربعة رماح، وأتبعوه بأربعمائة مصحف اخرى، ونادوا من كل جانب: ~~فلسنا ولستم من المشركين، ولا المجمعين على الردة، فإن تقبلوها ففيها ~~البقاء للفرقتين وللبلدة، وإن تدفعوها ففيها الفناء وكل بلاء إلى مدة. (1) # وكان جل عسكر أمير المؤمنين منافقين عليهم لعائن الله كمسعر بن فدكي، ~~وزيد بن حصين الطائي، والأشعث بن قيس الكندي، وغيرهم، ممن كان أشد الناس ~~عداوة لأمير المؤمنين في الباطن، وإنما خرجوا معه تعصبا لأنهم كان لهم ~~أضراب وأنداد عند معاوية، فخرجوا حمية لذلك وللدنيا، ولهذا كان أكثرهم ممن ~~حضر حرب الحسين (عليه السلام)، واستحلوا منه كل حرمة، وأظهروا له كامن ~~عداوتهم، فلعنة الله عليهم، وكذلك خذلوا مسلم بن عقيل وزيد ابن علي بن ~~الحسين حتى قتل بين ظهرانيهم، لم يراعوا فيه حرمة جده رسول الله، فلهذا رمى ~~الله بلدتهم بالذل الشامل والسيف القاطع، واستجاب دعاء سيد الوصيين (صلوات ~~الله عليه) بقوله: ms235 اللهم سلط عليهم غلام ثقيف الذيال الميال (2)، يبيد ~~خضراءهم، ويستأصل شأفتهم (3). # قيل: إن رجلا من ذوي العقول من أهل الكوفة لما رأى سبايا الحسين (عليه ~~السلام) وحرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبناته يطاف بهن في شوارع ~~الكوفة على أقتاب الجمال كاسارى الخزر والترك عمد إلى جميع ما يملك من # 4/ 587، البحار: 34/ 91 ح 941، وج 41/ 332 ح 54، وج 66/ 327. PageV01P448 # عقار وغيره فباعه وارتحل عنها، وقال: بلد يطاف فيه بعيال رسول الله ~~ونسائه، وترفع رءوس رجالهم على رءوس الرماح لا يفلح أبدا، فما عسى أن يقال ~~في بلدة خذل أهلها الوصي المرتضى، ونافقوا سبط خاتم الأنبياء، وراموا قتله، ~~وانتهبوا ثقله، ونكثوا بيعته، ثم كانت واقعة سيد الشهداء، وقرة عين سيدة ~~النساء، وخامس أصحاب الكساء، كاتبوه ووعدوه النصر على عدوه، فجردوا عليه ~~سيوفهم وعواملهم، وقتلوه عطشانا، وسبوا ذراريه ونساءه، ليس منهم رجل رشيد ~~ينكر فعلهم، بل ضربت عليهم الذلة وشملهم خزي الدنيا @QUR@08 (ولعذاب الآخرة ~~أخزى وهم لا ينصرون) (1)؟ # فلهذا منعهم الله لطفه، وأحل بهم غضبه، وسلط عليهم غلام ثقيف الذي توعدهم ~~به أمير المؤمنين، وزياد بن امية، وغيرهم، من الخارجين في الاسلام حتى صارت ~~براحا كأن لم تغن بالأمس (2). ### ||| [في كثرة من مات في سجن الحجاج، وسيرته مع أهل العراق] # روي أنه مات في سجن الحجاج مائة وعشرون ألف من غير قتل (3)، وكان سجنه ~~ليس له سقف يضل من حر أو قر، وكان عليه لعنة الله لا يرفع عنهم سيفه ولا ~~سوطه، وكان لا يخاطبهم إلا بالتهديد والوعيد ويقول: يا أهل العراق، يا أهل ~~الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق، إنه قد ضاع سوطي فأقمت مقامه السيف، والله ~~لألحونكم لحو العصا (4)، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، ولما تجهز عليه اللعنة ~~إلى حرب الأزارقة قال: والله لا أرى أحدا منكم بعد ثلاث إلا PageV01P449 # ضربت عنقه، ثم بعد ثلاث سار في أزقة الكوفة فلم ير أحدا، وكان الرجل منهم ~~يرسل أمته من منزل العسكر لتلحقه بزاده ولا يجسر على الدخول لذلك. ### ||| [كلام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) مع ms236 أهل الكوفة] # وهذا معنى قول أمير المؤمنين (صلوات الله عليه): إني والله- يا أهل ~~الكوفة- أعلم ما يصلحكم، ولكني لا افسد نفسي بصلاحكم. (1) # معنى كلامه (عليه السلام): انه لا يقيم أودهم إلا الظلم والعسف والقتل ~~كما فعل الحجاج وغيره بهم، ولو كان الايمان قد أثلج في قلوبهم، والاخلاص قد ~~باشر نياتهم، لابتغوا الدليل المرشد، والهادي الناصح، والمعلم المشفق، الذي ~~جعله الله لسانه في خلقه، وعينه في عباده، وأيده بالعصمة، وقلده أحكامه، لا ~~يوازى في العلم، ولا يضاهى في المجد، فنافقوه وخذلوه وغدروا به بعد أن لاحت ~~علامات النصر، وسطعت أنوار الفتح، وطلع فجر الحق، وأشرف (صلوات الله عليه) ~~بثبات جأشه، وقوة نصيحته، وحياطته للاسلام وأهله، على إدحاض الباطل وجذ ~~أصله، واستئصال شأفته، فتقاعسوا عن نصره، وأظهروا مكنون نفاقهم، وأبدوا ~~مستور شقاقهم، وقالوا ما قالوا، وواجهوه بما واجهوا، فعليهم لعائن الله ما ~~أخبث نياتهم، وأدغل قلوبهم، وأعظم فتنتهم، فلهذا أنزل الله بهم ما أنزل، ~~وأحل بهم، فلا تراهم إلى يوم الناس إلا مقهورين مضطهدين تسومهم الاعتام سوء ~~العذاب، ويفتح عليهم من الأذى كل باب، لا يخلصون من فتنة إلا PageV01P450 # وقعوا فيما هو أعظم منها، ولا ينجون من ظالم إلا أتاهم ظالم ينسيهم ذكر ~~الظالم الأول. ### ||| [انخداع أصحاب أمير المؤمنين علي (عليه السلام) حين رفع المصاحف] # روي أن مسعر بن فدكي وزيد بن حصين الطائي والأشعث بن قيس وكانوا من جلة ~~عسكر أهل العراق قالوا لأمير المؤمنين لما رفعت المصاحف: # أجب القوم إلى كتاب الله. # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ويحكم والله ما رفعوا المصاحف إلا ~~خديعة ومكيدة حين علوتموهم. # وقال خالد بن معمر السدوسي: يا أمير المؤمنين، أحب الامور إلينا ما كفينا ~~مئونته. # فلما سمع عسكر أهل العراق كلامهم أقبل إلى أمير المؤمنين منهم عشرون ألفا ~~يقولون: يا علي، أجب القوم إلى كتاب الله إذ دعيت وإلا دفعناك برمتك إلى ~~القوم، أو نفعل بك كما فعلنا بعثمان. # فأجابهم (صلوات الله عليه)، فقال: احافظوا عني مقالتي فإني آمركم ~~بالقتال، فإن تعصوني فافعلوا ما بدا ms237 لكم. # قالوا: فابعث إلى الأشتر ليأتيك، فبعث يزيد بن هانئ السبيعي يدعوه. # فقال الأشتر رضي الله عنه: قد رجوت أن يفتح الله لا تعجلني، وشدد في ~~القتال، فقالوا حرضته على الحرب، ابعث إليه بعزيمتك فليأتيك وإلا والله ~~اعتزلناك (1). # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا يزيد، عد إليه فقل له: أقبل إلينا فإن PageV01P451 # الفتنة قد وقعت. ### ||| [رجوع الأشتر، واختيار المخدوعين لأبى موسى] # فأقبل الأشتر يقول: يا أهل العراق، يا أهل الذل والوهن، أحين علوتم القوم ~~وعلموا أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف خديعة ومكرا؟ # فقالوا: قاتلناهم في الله ونصالحهم في الله. # فقال: امهلوني ساعة، أحسست بالفتح، وأيقنت بالظفر. # قالوا: لا. # قال: أمهلوني عدوة فرسي. # فقالوا: إنا لسنا نطيعك ولا لصاحبك، ونحن نرى المصاحف على رءوس الرماح ~~ندعى إليها. # فقال: خدعتم والله فانخدعتم، ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم. # فقام جماعة من بني بكر بن وائل، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن أجبت القوم ~~أجبنا، وإن حاربت حاربنا، وإن أبيت أبينا. # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): نحن أحق من أجاب إلى كتاب الله، وإن ~~معاوية وعمروا وابن أبي معيط وحبيب بن مسلمة وابن أبي سرح والضحاك بن قيس ~~ليسوا بأصحاب دين وقرآن، أنا أعرف منكم بهم، قد صحبتهم أطفالا ورجالا- في ~~كلام له-، ثم اتفقوا على أن يقيموا حكمين، فقال أهل الشام: قد اخترنا عمروا. # فقال الأشعث وابن الكواء ومسعر بن فدكي وزيد الطائي: نحن اخترنا أبا موسى. # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): إنكم عصيتموني في أول الأمر فلا PageV01P452 # تعصوني الآن. # فقالوا: إن أبا موسى كان يحذرنا مما وقعنا فيه. # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): إنه ليس بثقة، إنه فارقني وخذل الناس ~~عني، ثم هرب مني حتى أمنته بعد شهر، ولكن هذا ابن عباس اوليه ذلك. # فقالوا: ما نبالي أنت كنت أو ابن عباس. # قال: فالأشتر. # فقال الأشعث: رجل مسعر حرب وهل نحن (1) إلا في حكم الأشتر؟ # قال الأعمش: حدثني من رأى عليا (عليه السلام) يوم صفين وهو يصفق إحدى ~~يديه على الاخرى ويقول: يا عجبا ms238 اعصى ويطاع معاوية! ثم قال: قد أبيتم (2) ~~إلا أبا موسى؟ # قالوا: نعم. # قال: فاصنعوا ما بدا لكم، اللهم إني أبرأ إليك من صنيعهم. # فقال خريم (3) بن فاتك الأسدي: # لو كان للقوم رأي يرشدون به %~% أهل العراق رموكم بابن عباس # لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن %~% لم يدر ما ضرب أخماس بأسداس # فلما اجتمعوا كان كاتب أمير المؤمنين (عليه السلام) عبيد الله بن أبي ~~رافع، وكاتب معاوية عمير بن عباد الكلبي، فكتب عبيد الله بن أبي رافع: هذا ما PageV01P453 # تقاضى عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان. # فقال عمرو: اكتبوا اسمه واسم أبيه هو أميركم أما أميرنا فلا. # فقال الأحنف: لا تمح اسم إمارة المؤمنين، فلم يقبلوا منه. # فقال أمير المؤمنين: امح نزحه الله، ثم قال أمير المؤمنين (عليه السلام) (1): # الله أكبر، واحدة بواحدة، وسنة بسنة، ومثل بمثل، إني لكاتب رسول الله يوم ~~الحديبية. ### ||| [في صالح الحديبية، وإخبار النبي (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام) بأن له مثلها يعطيها وهو مضطهد] # روى أحمد في المسند (2) أن النبي (صلى الله عليه وآله) أمر أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) أن يكتب يوم الحديبية: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل بن ~~عمرو: هذا كتاب بيننا وبينك فافتحه بما نعرفه، واكتب: باسمك اللهم، هذا ما ~~اصطلح عليه محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسهيل بن عمرو وأهل مكة. # فقال سهيل: لو أجبتك إلى هذا لأقررت لك بالنبوة. # فقال: امحها يا علي، فجعل أمير المؤمنين يتلكأ ويأبى فمحاها النبي (صلى ~~الله عليه وآله)، وكتب: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ~~وأهل مكة. # روى محمد بن إسحاق، عن بريدة بن سفيان، عن محمد بن كعب أن النبي (صلى ~~الله عليه وآله) قال لعلي: فإن لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد (3). PageV01P454 # الماوردي في أعلام النبوة أنه قال (صلى الله عليه وآله): ستسأم مثلها يوم ~~الحاكمين. # وفي رواية: ستدعى إلى مثل هذا فتجيب وأنت على مضض. # وفي رواية: إن ms239 لك يوما- يا علي- مثل هذا اليوم، أنا أكتبها للآباء، وأنت ~~تكتبها للأبناء. # فقال عمرو: يا سبحان الله! نشبه بالكفار ونحن مسلمون مؤمنون. # فقال (عليه السلام): يا ابن الباغية (1)، أو لم تكن للمشركين وليا ~~وللمؤمنين عدوا؟ أو لم تكن في الضلالة رأسا وفي الاسلام ذنبا؟- في كلام له- ~~فكتبوا أن يحكموا بما في كتاب الله وينصرفوا والمدة بينهم سنة واحدة كاملة ~~ويكون مجتمع الحاكمين بدومة الجندل. ### ||| [اتفاق الحكمين: عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري] # فلما اجتمعا قال عمرو لأبي موسى: نخلع هذين الرجلين ونختار لهذه الامة، ~~فأجابه أبو موسى إلى ذلك وقال: سم لي رجلا يليق لهذا الأمر. # قال عمرو: يا أبا موسى، أنت أولى أن تسمي رجلا يلي أمر هذه الامة، فإني ~~أقدر على أن ابايعك منك على أن تبايعني. # قال أبو موسى: اسمي لك عبد الله بن عمر. PageV01P455 # فقال عمرو: فإني اسمي لك معاوية بن أبي سفيان. # وفي رواية: ان عمرو قال: إنهما ظالمان فإن عليا آوى قتلة عثمان، وأما ~~معاوية فخذله، فنخلعهما ونبايع عبد الله بن عمر لزهادته واعتزاله عن الحرب. # فقال أبو موسى: نعم ما رأيت. # قال: فإني قد خلعت معاوية فاخلع أنت عليا، وإن شئت فاخلعه غدا، فإنه يوم ~~الاثنين، وكان ذلك بينهما، فلما أصبحا خرجا إلى الناس، فقالا: قد اتفقنا، ~~فقال أبو موسى: تقدم فاخلع صاحبك بحضرة الناس. # فقال عمرو: سبحان الله! أتقدم عليك وأنت في موضعك وسنك وفضلك مقدم في ~~الاسلام والهجرة، ووافد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى اليمن، وصاحب ~~مقاسم أبي بكر، وعامل عمر، وحكم أهل العراق، فتقدم أنت، فقدمه. # فقال أبو موسى لعنه الله: إنا والله- أيها الناس- قد اجتهدنا رأينا ولم ~~نر أصالح للامة من خلع هذين الرجلين، وقد خلعت عليا ومعاوية كخلع خاتمي هذا. # فقال عمرو: لكني خلعت صاحبه كما خلع واثبت معاوية كخاتمي [هذا] (1)، ~~وجعله في شماله. (2) # فلعنة الله على عمرو وصاحبه. فو الله لقد علما الحق وأنه مع أمير ~~المؤمنين PageV01P456 # يدور حيث ما دار، وأنه كتاب الله الناطق الذي لا يأتيه ms240 الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه، ولكن الحقد القديم، والنفاق الكامن، والميل مع الدنيا ~~وأهلها كيف مالت، والشيطان المغوي. # فلعنة الله عليهم كأنهم لم يسمعوا قول الله سبحانه: @QUR@010 (يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) (1) وقوله سبحانه: @QUR@018 ~~(أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف ~~تحكمون) (2) وقوله سبحانه: # @QUR@016 (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا ~~فسادا والعاقبة للمتقين) (3) بلى والله سمعوها ووعوها- كما قال أمير ~~المؤمنين- ولكن حلت الدنيا في أعينهم، وراقهم زبرجها (4)، وعدلوا بالحق عن ~~أهله، ووضعوه في غير محله، واتبعوا كل ناعق، واقتدوا بكل ناهق. # وتبا لدنيا يقدم فيها الأشرار على الأخيار، والأوغاد على الأبرار، وسحقا ~~لامة عدلت سيد الخلق وأعلمهم وأفضلهم، وأكملهم علما وحلما، وطاعة لله، ~~وحياطة لرسول الله، ونصرا للاسلام وأهله، وجهادا في الله، وقربا من رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله)، أول الناس إسلاما، وأقربهم من الله مقاما، لم ~~يشرك بالله طرفة عين، ولاه الله أمر خلقه في كتابه، وأقامه إماما لبريته في ~~تنزيله وعلى لسان رسوله، فقام بأمر الله صادعا، وبالحق ناطقا. # كم غرر نفسه في المهالك لإقامة دين الحق؟ وكم قذف بذاته في أضيق PageV01P457 # المسالك في الحروب لإعلاء كلمة الصدق؟ حتى قتل أبطال المشركين، وكسر ~~أصنام الملحدين، وأدخل الناس في دين الله أفواجا، بمن لا يعادل عند الله ~~جناح بعوضة، أجهل الخلق أبا واما، وألأمهم أصلا وفرعا، ربي في حجر الشرك، ~~ونشي في مهد الكفر، وارتضع ثدي النفاق، فرع الشجرة، وأصل الفجرة، ورأس ~~المنافقين، وأساس القاسطين، الذي لعنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولعن ~~أباه وابنه في قوله: اللهم العن الراكب والقائد والسائق (1). # فتبا لها أمة ضالة، وسحقا لها طائفة عن الحق عادلة، ما أشد جهلها، وأسفه ~~حلمها، وأضعف عقولها، وأخسر صفقتها، وأكسد تجارتها؟ إذ عدلت عن مهابط ~~التنزيل إلى مواطن الأباطيل، وعن أعلام الإيمان إلى أحزاب الشيطان، ~~واستبدلوا بالدر الثمين السرجين، واتبعوا ما يتلو الشيطان (2). # روي في معنى ms241 قوله سبحانه: @QUR@08 (ومن الناس من يعبد الله على حرف) (3) ~~أنه كان أبو موسى وعمرو. # وروى ابن مردويه بأسانيده عن سويد بن غفلة، قال: كنت مع أبي موسى على ~~شاطئ الفرات، فقال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إن بني ~~إسرائيل اختلفوا فلم يزل الاختلاف بينهم حتى بعثوا حكمين ضالين ضال من ~~اتبعهما، ولا تنفك اموركم تختلف حتى تبعثوا حكمين يضلان ويضل من تبعهما. PageV01P458 # فقلت: اعيذك بالله أن تكون أحدهما. # قال: فخلع قميصه وقال: برأني الله من ذلك كما برأني من قميصي (1). # اللهم العن عمروا وأبا موسى، ومن أشار بتحكمهما، ورضي بحكمهما، وصوب ~~اجتهادهما، وحسن رأيهما، وشك في نفاقهما، وحصر لعنهما، إنك أشد بأسا وأشد ~~تنكيلا. ### ||| [رجوع أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد التحكم إلى الكوفة] # ولما رجع أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد التحكم إلى الكوفة اجتمعت ~~الفرقة المارقة عن الايمان، أهل الزيغ والبهتان، وقالوا: إن عليا قد حكم في ~~دين الله، وكل من حكم في دين فقد كفر، لقوله سبحانه: @QUR@010 (ومن لم يحكم ~~بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (2) ودخلت عليهم الشبهة في ذلك، فهم ~~الضالون المضلون الذين قال الله فيهم: @QUR@05 (قل هل ننبئكم بالأخسرين ~~أعمالا) - قال أمير المؤمنين لما سئل عن معناها: هم أهل حروراء، ثم قال:- ~~@QUR@012 (الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) - ~~في قتال أمير المؤمنين (عليه السلام)- @QUR@020 (أولئك الذين كفروا بآيات ~~ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ذلك جزاؤهم جهنم ~~بما كفروا) - بولاية علي بن أبي طالب- @QUR@03 (واتخذوا آياتي - القرآن- ~~ورسلي- يعني محمدا@QUR@02 - هزوا) (3) واستهزءوا (4) بقوله (صلى الله عليه ~~وآله): من كنت مولاه فعلي مولاه. PageV01P459 # تفسير الفلكي: قال النبي (صلى الله عليه وآله) في قوله سبحانه: @QUR@010 ~~(يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم) (1) فهم الخوارج. (2) # وقال (صلى الله عليه وآله) فيهم: يأتي قوم من بعدي يحتقر أحدكم صلاته في ~~جنب صلاتهم وعبادتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، طوبى لمن ~~قتلهم وقتلوه. (3) ### ||| [قول رئيس الخوارج حرقوص بن زهير لرسول ms242 الله (صلى الله عليه وآله): أعدل بالسوية] # وروى البخاري ومسلم والطبري والثعلبي في كتبهم أن ذا الخويصرة التميمي ~~(4) أتى النبي (صلى الله عليه وآله) وقال: أعدل بالسوية. # فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ويحك، إن لم أعدل أنا فمن يعدل؟ # فقال عمر: ائذن لي حتى أضرب عنقه. # فقال: دعه فإن له أصحابا، فذكر وصفه (5) فنزل @QUR@06 (ومنهم من يلمزك ~~في الصدقات) (6). # وروي من طرق شتى أنه ذكروه بين يدي (7) رسول الله (صلى الله عليه وآله) PageV01P460 # بكثرة العبادة، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): لا أعرفه، فإذا هو قد طلع. # فقالوا: هو هذا. # فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إني لأرى بين عينيه سفعة (1) من ~~الشيطان، فلما رآه قال: هل حدثتك نفسك إذ طلعت علينا إنه ليس في القوم مثلك؟ # قال: نعم، ثم دخل المسجد فوقف يصلي، فقال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله): ألا رجل يقتله؟ فجرد (2) أبو بكر عن ذراعيه وصمد نحوه فرآه راكعا، ~~فقال: أقتل رجلا يركع ويقول: لا إلا الله! # فقال (صلى الله عليه وآله): لست بصاحبه. # ثم قال: ألا رجل يقتله؟ فقام عمر فرآه ساجدا، فقال: أقتل رجلا يسجد ~~ويقول: لا إله إلا الله! # فقال النبي (صلى الله عليه وآله): اجلس فلست بصاحبه، قم يا علي، فإنك أنت ~~قاتله، فمضى وانصرف، فقال: ما رأيته. # فقال النبي (صلى الله عليه وآله): أما إنه لو قتل لكان أول فتنة وآخرها. # وفي رواية: هذا أول قرن يطلع في أمتي لو قتلتموه ما اختلف بعدي اثنان. # وقال ابن عباس: أنزل الله فيه @QUR@08 (ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في) PageV01P461 # @QUR@02 (الدنيا خزي - القتل- @QUR@06 ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق) ~~(1) بقتاله أمير المؤمنين (عليه السلام). ### ||| [قول الخوارج لأمير المؤمنين (عليه السلام): لا حكم إلا لله] # ثم إنهم أتوا أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) ورؤساؤهم زرعة بن البرج ~~الطائي وحرقوص بن زهير التميمي- الذي تقدم ذكره وهو ذو الثدية- وقالوا: # لا حكم إلا لله. # فقال (عليه السلام): كلمة حق يراد بها باطل. # قال حرقوص: ms243 فتب من خطيئتك، وارجع عن فعلتك (2)، واخرج بنا إلى عدونا ~~نقاتلهم حتى نلقى ربنا. # فقال (عليه السلام): قد أردتكم على ذلك فعصيتموني، وقد كتبنا بيننا وبين ~~القوم كتابا وشروطا، وأعطيناهم عليها عهودا ومواثيقا، وقد قال الله سبحانه: # @QUR@06 (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم) (3). # فقال حرقوص: فذلك ذنب ينبغي أن تتوب عنه. # فقال أمير المؤمنين: ما هو ذنب، ولكنه عجز من الرأي، وضعف في العقل، وقد ~~تقدمت ونهيتكم عنه. # فقال ابن الكواء: الآن صح عندنا أنك لست بإمام، ولو كنت إماما لما رجعت. # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا ويلكم، قد رجع رسول الله صلى الله PageV01P462 # عليه وآله عام الحديبية عن قتال أهل مكة، ففارقوا أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) وقالوا: لا حكم إلا لله، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وكانوا ~~اثني عشر ألف رجل من أهل الكوفة والبصرة وغيرهما، ونادى مناديهم أن أمير ~~القتال شبث بن ربعي، وأمير الصلاة عبد الله بن الكواء، والأمر شورى بعد ~~الفتح، والبيعة لله على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخرجوا من الكوفة ~~إلى المدائن، ثم إلى النهروان، واستعرضوا الناس، وقتلوا عبد الله بن خباب ~~بن الارت، وكان عامل أمير المؤمنين (عليه السلام) على النهروان. # فقصدهم أمير المؤمنين (عليه السلام) وأرسل إليهم ابن عباس، وقال: # امض إلى هؤلاء القوم فانظر ما هم عليه، ولما ذا اجتمعوا؟ فلما وصل إليهم ~~قالوا: ويلك يا ابن عباس أكفرت كما كفر صاحبك علي بن أبي طالب؟! # وخرج خطيبهم عتاب بن الأعور الثعلبي، فقال ابن عباس: من بنى الاسلام؟ ~~قال: الله ورسوله. # قال: فالنبي أحكم اموره وبين حدوده أم لا؟ # قال: بلى. # قال: فالنبي بقي في دار الاسلام أم ارتحل؟ # قال: بل ارتحل. # قال: فامور الشرع ارتحلت معه أم بقيت بعده؟ # قال: بل بقيت. # قال: فهل أحد قام بعمارة ما بناه؟ # قال: نعم. PageV01P463 # قال: من هو؟ # قال: الذرية والصحابة. # قال: فعمروها أم خربوها؟ # قال: بل عمروها. # قال: فالآن هي معمورة أم خراب؟ # قال: بل خراب. # قال: خربها ذريته أم امته؟ # قال: ms244 بل امته. # قال: أنت من الذرية أم من الامة؟ # قال: من الامة. # قال: أنت من الامة وخربت دار الاسلام، فكيف ترجو الجنة؟- وجرى بينهما ~~كلام كثير- ثم حضر أمير المؤمنين (عليه السلام) بمائة رجل، فلما قابلهم خرج ~~إليه ابن الكواء في مائة رجل، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أنشدكم ~~بالله هل تعلمون حيث رفعوا المصاحف فقلتم: نجيبهم إلى كتاب الله، فقلت لكم: # إني أعلم بالقوم منكم- وذكر مقاله إلى أن قال- فلما أبيتم إلى الكتاب ~~اشترطت على الحاكمين أن يحييها ما أحيا القرآن، وأن يميتا ما أمات القرآن، ~~فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حكمه، وإن أبيا فنحن منه (1) براء. PageV01P464 # قالوا: أخبرنا أتراه عدلا تحكيم الرجال في الدماء (1)؟ # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): نحن ليس الرجال حكمنا، وإنما حكمنا ~~القرآن، والقرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق، وإنما يتكلم به ~~الرجال. # قالوا: فأخبرنا عن الأجل لم جعلته فيما بينك وبينهم؟ # قال: ليعلم الجاهل، ويثبت العالم، ولعل الله يصالح في هذه المدة هذه ~~الامة، وجرت بينهم مخاطبات وجعل بعضهم يرجع، فأعطى أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) راية أمان مع أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه. فنادى أبو أيوب: # من جاء إلى هذه الراية، وفارق الجماعة فهو آمن، فرجع منهم ثمانية آلاف ~~رجل فأمرهم أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يتميزوا منهم، وأقام الباقون ~~على الخلاف. ### ||| [توجه أمير المؤمنين (عليه السلام) لقتال الخوارج] # وروي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) استنفر الناس فلم يجيبوه، فقال: # أمرتكم أمري بمنعرج اللوى %~% فلم تستبينوا النصح إلا ضحى الغد # ثم استنفرهم فنفر معه ألفا رجل يقدمهم عدي بن حاتم وهو يقول: # إلى شر خلق من شراة تحزبوا %~% وعادوا إله الناس رب المشارق # ثم توجه أمير المؤمنين نحوهم، وكتب إليهم على يد (2) عبد الله بن أبي ~~عقب، وفيها: والسعيد من سعدت به رعيته، والشقي من شقيت به رعيته، وخير PageV01P465 # الناس خيرهم لنفسه، وشر الناس شرهم لنفسه، وليس بين الله وبين أحد قرابة، ~~و@QUR@05 (كل نفس بما كسبت رهينة) (1). # فلما وصل إليهم ms245 أمير المؤمنين (عليه السلام) استعطفهم فأبوا إلا قتاله، ~~وتنادوا أن دعوا مخاطبة علي وأصحابه وبادروا إلى الجنة، وصاحوا: الرواح ~~الرواح إلى الجنة، وأمير المؤمنين يعبئ أصحابه ونهاهم أن يتقدم إليهم أحد. # فكان أول من تقدم من الخوارج أخنس بن العيزر (2) الطائي، وجعل يقول: # ثمانون من حيي جديلة قتلوا %~% على النهر كانوا يخضبون العواليا # ينادون لا لا حكم إلا لربنا %~% حنانيك فاغفر حوبنا والمساويا # هم فارقوا من جار في الله حكمه %~% فكل إلى (3)الرحمن أصبح ثاويا # فقتله أمير المؤمنين (عليه السلام). # وخرج عبد الله بن وهب الراسبي، وقال: # أنا ابن وهب الراسبي الشاري %~% أضرب في القوم لأخذ الثار # حتى تزول دولة الأشرار %~% ويرجع الحق إلى الأخيار # فقتل. # وخرج مالك بن الوضاح قائلا: # إني لبائع ما يفنى بباقية %~% ولا اريد لدى الهيجاء تربيضا PageV01P466 # وخرج إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) الوضاح بن الوضاح من جانب، وابن ~~عمه حرقوص من جانب، فقتل الوضاح، وضرب ضربة على رأس حرقوص فقطعه، ووقع ~~[رأس] (1) سيفه على الفرس فشرد وأرجله في الركاب حتى أوقعه في دولاب خراب ~~فصارت الحرورية كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف. ### ||| [في القتلى من العسكرين] # وكان المقتولون من عسكر أمير المؤمنين (عليه السلام): رؤبة بن وبر ~~البجلي، ورفاعة بن وائل الأرحبي، والفياض بن خليل الأزدي، وكيسوم بن سلمة ~~الجهني، وحبيب بن عاصم الأزدي، إلى تمام تسعة، وانفلت من الخوارج تسعة، كما ~~أخبر أمير المؤمنين (عليه السلام) في بدء الأمر، فقال: إنهم لا يقتلون منا ~~عشرة، ولا يسلم منهم عشرة. (2) # أبو نعيم الأصفهاني: عن سفيان الثوري أن أمير المؤمنين (عليه السلام) أمر ~~أن نفتش على المخدج بين القتلى فلم نجده. # فقال رجل: والله ما هو فيهم. PageV01P467 # فقال (صلوات الله عليه): والله ما كذبت ولا كذبت. ### ||| [العثور على المخدج بين القتلى] # وروي (1) أن أمير المؤمنين قال: اطلبوا المخدج. # فقالوا: لم نجده. # فقال: والله ما كذبت ولا كذبت، يا عجلان، ائتني ببغلة رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله)، فأتاه بالبغلة، فركبها وجال في القتلى، [ثم] (2) قال: ms246 ~~اطلبوه هاهنا. # قال: فاستخرجوه من تحت القتلى في نهر وطين، فسجد أمير المؤمنين شكرا لله. # تاريخ القمي: إنه رجل أسود، عليه قريطق، مخدج اليد (3)، أحد ثدييه كثدي ~~المرأة، عليه شعيرات مثل شعيرات تكون على ذنب اليربوع (4). # وفي مسند الموصلي: حبشي [مثل البعير] (5) في منكبه مثل ثدي المرأة، فقال ~~أمير المؤمنين (عليه السلام): صدق الله ورسوله. # وروي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: من يعرف هذا؟ فلم يعرفه أحد. PageV01P468 # فقال رجل: أنا رأيت هذا بالحيرة فقلت: إلى أين تريد؟ # فقال: هذه، وأشار إلى الكوفة، ومالي بهذا (1) معرفة. # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): صدق، هو من الجان. # وفي رواية: هو من الجن. # وفي مسند الموصلي: من زعم من الناس أنه رآه قبل مصرعه فهو كاذب. # وفي مسند أحمد: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: أما إنه أخبرني ~~خليلي بثلاثة إخوة من الجن هذا أكفرهم (2)، والثاني له جمع كثير، والثالث ~~فيه ضعف. # وفي رواية عن سعد بن أبي وقاص: هو شيطان الردهة (3). ### ||| [خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) القاصعة] # وإلى هذا أشار أمير المؤمنين في خطبته القاصعة (4): ألا وقد أمرني الله ~~سبحانه بقتال أهل البغي والنكث والفساد في الأرض، فأما الناكثون فقد قاتلت، ~~وأما القاسطون فقد جاهدت، وأما المارقة فقد دوخت، وأما شيطان الردهة فقد ~~كفيته بصعقة سمعت لها وجبة قلبه ورجة صدره (5). PageV01P469 ### ||| [أبيات للحميري] # [للحميري:] (1) # إني أدين بما دان الوصي به %~% يوم الخريبة (2)من قتل المحلينا # وما به دان يوم النهر دنت به %~% وبايعت كفه كفي بصفينا # في سفك ما سفكت فيها إذا حضروا %~% وأبرز الله للقسط الموازينا # تلك الدماء معا يا رب في عنقي %~% ثم اسقني مثلها آمين آمينا (3) # الحميري: # ومارقة في دينهم فارقوا الهدى %~% ولم يأتلوا بغيا عليه وحكموا # سطوا بابن خباب وألقى بنفسه %~% وقتل ابن خباب عليهم محرم # فلما أبوا في الغي إلا تماديا %~% سما لهم عبل الذراعين ضيغم # فأضحوا كعاد أو ثمود كأنما %~% تساقوا عقارا أسكرتهم فنوموا (4) # ثم لما انقضى أمر الخوارج عليهم اللعنة خاض الناس في أمر الحاكمين، ms247 فقال ~~بعض الناس: ما يمنع أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يأمر بعض أهل بيته ~~فيتكلم؟ # فقال للحسن (عليه السلام): قم فتكلم في هذين الرجلين: عبد الله بن قيس، ~~وعمرو بن العاص. PageV01P470 ### ||| [خطبة الامام الحسن (عليه السلام) وابن عباس في أمر عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص] # فقال الحسن (عليه السلام)، فقال: أيها الناس، إنكم قد أكثرتم في أمر عبد ~~الله بن قيس وعمرو بن العاص، وإنما بعثناهما (1) ليحكما بكتاب الله فحكما ~~بالهوى على الكتاب، ومن كان هكذا لم يسم حكما ولكنه محكوم عليه، وقد أخطأ ~~عبد الله بن قيس إن أفضى (2) بها إلى عبد الله بن عمر، فأخطأ في ذلك في ~~ثلاث خصال: في أن أباه لم يرضه لها، وفي أنه لم يستأمره، وفي أنه لم يجتمع ~~عليه الأنصار والمهاجرون الذين نفذوها لمن بعده، وإنما الحكومة فرض من ~~الله، وقد حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) سعدا في بني قريظة فحكم فيهم ~~بحكم الله لا شك فيه، فأنفذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) حكمه ولو خالف ~~ذلك لم يجزه، ثم جلس. # ثم قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لابن عباس: قم فتكلم. # فقام، وقال: أيها الناس، إن للحق أهلا أصابوه بالتوفيق والناس بين راض به ~~وراغب عنه، وإنما بعث عبد الله بن قيس لهدى من ضلالة، وبعث عمرو لضلالة من ~~هدى (3)، فلما التقيا رجع عبد الله عن هداه وثبت عمرو على ضلالته، والله ~~لئن حكما بالكتاب لقد حكما عليه، وإن حكما بما اجتمعا عليه معا ما اجتمعا ~~على شيء، وإن كانا قد حكما بما سارا إليه لقد سار عبد الله وإمامه علي، ~~وسار عمرو وإمامه معاوية، فما بعد هذا من غيب ينتظر، ولكنهم سئموا الحرب ~~وأحبوا البقاء، ودفعوا البلاء، ورجا كل قوم صاحبهم. PageV01P471 ### ||| [خطبة عبد الله بن جعفر في أمر عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص، وكلام أمير المؤمنين (عليه السلام)] # ثم قال (عليه السلام) لعبد الله بن جعفر: قم فتكلم. # فقام عبد الله، وقال: أيها الناس، ms248 إن هذا الأمر كان النظر فيه إلى علي ~~(عليه السلام) والرضى فيه لغيره فجئتم بعبد الله بن قيس فقلتم: لا نرضى إلا ~~بهذا فارض به فإنه رضانا، وأيم الله ما استفدناه علما، ولا انتظرنا منه ~~غائبا، ولا أملنا ضعفه، ولا رجونا به صاحبه، ولا أفسدا بما عملا العراق، ~~ولا أصالحا الشام، ولا أماتا حق علي، ولا أحييا باطل معاوية، ولا يذهب الحق ~~رقية راق ولا نفحة شيطان، وإنا اليوم على ما كنا عليه أمس، وجلس. # ومن كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) (1): ألا ومن دعا إلى هذا الشعار ~~(2) فاقتلوه، ولو كان تحت عمامتي هذه، فإنما حكم الحكمان ليحييا ما أحيى ~~القرآن، ويميتا ما أمات القرآن، وإحياؤه الاجتماع عليه، وإماتته الافتراق ~~عنه، فإن جرنا القرآن إليهم اتبعناهم، وإن جرهم إلينا اتبعونا، فلم آت- لا ~~أبا لكم- بجرا، ولا ختلتكم عن أمركم، ولا لبسته(3) عليكم، إنما اجتمع رأي ~~ملئكم على اختيار رجلين، أخذنا (4) عليهما ألا يتعديا القرآن، فتاها عنه، ~~وتركا الحق وهما يبصرانه، فكان الجور هواهما فمضيا عليه، وقد سبق استثناؤنا PageV01P472 # عليهما- في الحكومة بالعدل والصمد (1) للحق- سوء رأيهما، وجور حكمهما. ### ||| [خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام)] # ثم إن أمير المؤمنين (عليه السلام) خطب الخطبة المذكورة في نهج البلاغة ~~(2) من كلامه (عليه السلام) الذي رواه نوف البكالي أن أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) خطب بها قائما على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي وهو ابن ~~اخت أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهي التي أولها: الحمد لله الذي إليه ~~مصائر الخلق، وعواقب الأمر، إلى آخرها، فلما فرغ من خطبته (عليه السلام) ~~نادى بأعلا صوته: الجهاد الجهاد عباد الله، ألا وإني معسكر في يومي هذا، ~~فمن أراد الرواح إلى الله تعالى فليخرج. # قال نوف: وعقد للحسين (عليه السلام) في عشرة آلاف، وللحسن في عشرة آلاف، ~~ولقيس بن سعد في عشرة آلاف، ولأبي أيوب الأنصاري في عشرة آلاف، ولغيرهم على ~~أعداد أخر وهو يريد الرجعة إلى صفين، فما دارت الجمعة حتى ضربه ابن ملجم ~~لعنة الله عليه، فتراجعت العساكر، فكنا كأغنام فقدت ms249 راعيها تتخطفها الذئاب ~~من كل مكان. (3) # قلت: ولما تفكرت في هذه العصابة المارقة عن الدين، الخارجة عن الحق ~~المبين، التي كفى الله المؤمنين فتنتها، وأدحض حجتها، واستأصل شأفتها، ~~وأوضح فسادها، وبين إلحادها، على لسان لسانه الناطق، وأمينه الصادق، خير ~~الخلق بعد نبي الله، وأعلمهم بصفات الله، وأقومهم بحدود الله، نظمت هذه PageV01P473 # الأبيات تقربا إلى الله بلعنتهم وسبهم، ووشحت نظامي بذمهم وثلبهم، وأوضحت ~~من مساوئهم، وكشفت عن مخازيهم، وخاطبتهم خطاب المجاهد المناجز، وقاتلتهم ~~مقاتلة المصاول المبارز، وجردت عضب لساني من عمد مقولي، وطعنت بعامل نظامي ~~في أعداء معاذي وموئلي، قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، أعلى من فاز ~~بالمعلى من قول رب العالمين: @QUR@025 (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ~~فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب ~~الصابرين) (1). ### ||| [قصيدة للمؤلف (رحمه الله) في الخوارج] # يا أمة فارقت منهاج هاديها %~% وأوضعت بوجيف في مغاويها # وأصبحت عن طريق الحق خارجة %~% كالنبل تمرق من محني راميها # سوق العسوف بها قامت فأنفسها %~% بالسيف ارخص منها سعر غاليها # ما ان شرى الله منها أنفسا زهقت %~% في النهروان بل الشيطان شاريها # عن نور شمس الهدى أبصارها برقت %~% إذ البصائر فرط الجهل معشيها # زلت مطالبها ضلت مذاهبها %~% عمت مصائبها خابت مساعيها # ترى حرورا بها معنى لأعظمها %~% لما غدا البغي نحو الحتف داعيها # رامت على الحق أن تعلو بشبهتها %~% فانهد بنيانها وانحط عاليها # تنكبت عن طريق الرشد وارتكبت %~% سبل الضلال فأضحى حتفها فيها # بسيف أعلا الورى جدا وأشرفها %~% جدا وأعظمها مجدا وواليها # وخير من فرض الله الولاء له %~% على الخلائق دانيها وقاصيها # وأعظم الناس قدرا بل وأسمحهم %~% كفا وأجملهم وصفا وبنويها # أخ الرسول وفاديه بمهجته %~% وخير امته طرا وقاضيها PageV01P474 # ومن إذا أشكلت في الدين معضلة %~% فهو الذي بقضاياه يجليها # في محكم الذكر كم في مدحه نطقت %~% آياته وجلت عنه معانيها # عن حاز بالبضعة الزهراء مكرمة %~% دون العباد فلا خلق يدانيها # الله زوجها والروح شاهدها %~% أكرم بشاهدها أعظم بواليها # نثار طوبى لحسد العرس يومئذ %~% كان النثار ms250 فيا طوبى مواليها # في سورة الدهر حاز الفخر من مدح %~% في شأنه انزلت سبحان منشيها # حتى القيامة تتلى في خصائصه %~% يسر قلب اولي الايمان تاليها # يا من يروم بلا علم مراتبه %~% أقدام رومك زلت عن مراقيها # أبالأصول التي شاعت فضائحها %~% أم بالفروع التي جمت مخازيها # ترجو بجهلك يا مغرور منزلة %~% من المهيمن لا ترقى معاليها # منتك نفسك سلطانا مناصبه %~% لا يستطيع خبيث الأصل يأتيها # هي الخلافة بالنص الجلي من الله %~% الجليل فما أعلى مبانيها PageV01P475 ### | فصل في مقتله (صلوات الله وسلامه عليه)، وما ورد فيه من الأحاديث الصحيحة عن أئمة الهدى وغيرهم من أهل العلم. ### ||| [خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في آخر جمعة من شهر شعبان] # روى الشيخ محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي رضي الله عنه ~~بإسناد صحيح متصل إلى علي بن الحسن بن فضال، عن أبيه، عن أبي الحسن الرضا ~~علي بن موسى، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن ~~علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه أمير المؤمنين ~~(صلوات الله عليهم أجمعين)، قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات ~~يوم- قلت: وربما كانت هذه الخطبة آخر جمعة من شهر شعبان- فقال: أيها الناس، ~~قد أظلكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور، ~~وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات. # شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجعلتم من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه ~~تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب، فاسألوا ~~الله ربكم بنيات صادقة وقلوب طاهرة أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتاب الله فيه، ~~فإن الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم- إلى تمام الخطبة، ذكرها ~~الشيخ المذكور رضي الله عنه في أماليه، إلى أن قال:- أيها الناس، إن PageV01P476 # أبواب الجنان مفتحة في هذا الشهر الشريف فاسألوا ربكم أن لا يغلقها ~~عليكم، وأبواب النيران مغلقة في هذا الشهر الشريف فاسألوا ربكم ms251 أن لا ~~يفتحها عليكم، والشياطين مغلولة فاسألوا ربكم ألا يسلطها عليكم. ### ||| [إخبار النبي (صلى الله عليه وآله) بمقتله (عليه السلام)] # قال أمير المؤمنين (عليه السلام): فقمت وقلت: يا رسول الله، ما أفضل ~~الأعمال في هذا الشهر الشريف؟ # فقال: يا أبا الحسن، أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله عز ~~وجل، ثم بكى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقلت: يا رسول الله، ما يبكيك؟ # قال: أبكي لما يستحل منك في هذا الشهر، كأني بك وأنت تصلي لربك، وقد ~~انبعث أشقى الأولين وأشقى الآخرين، شقيق (1) عاقر ناقة ثمود، فضربك على ~~قرنك ضربة خضب منها لحيتك. # قال أمير المؤمنين (عليه السلام): فقلت: يا رسول الله، أفي سلامة من ديني؟ # فقال: في سلامة من دينك. # ثم قال (صلى الله عليه وآله): يا علي، من قتلك فقد قتلني، ومن أبغضك فقد ~~أبغضني، ومن سبك فقد سبني، لأنك مني كنفسي، روحك من روحي، وطينتك من طينتي، ~~إن الله سبحانه خلقني وإياك، واصطفاني وإياك، واختارني للنبوة، واختارك ~~للامامة، فمن أنكر إمامتك فقد أنكر نبوتي. # يا علي، أنت وصيي، وأبو ولدي، وزوج ابنتي، وخليفتي على أمتي في PageV01P477 # حياتي وبعد موتي، أمرك أمري، ونهيك نهيي، اقسم بالذي بعثني بالنبوة ~~وجعلني خير البرية إنك لحجة الله على خلقه، وأمينه على سره (1)، وخليفته ~~على عباده (2). # تفسير وكيع والسدي وسفيان وأبي صالح: أن عبد الله بن عمر قرأ قوله تعالى: ~~@QUR@010 (أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) (3) قال: هو يوم ~~قتل فيه أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثم قال: يا أمير المؤمنين، لقد كنت ~~الطرف الأكبر في العلم، اليوم نقص علم الاسلام، ومضى ركن الايمان. # وروى الزعفراني، عن المزني، عن الشافعي (4)، عن مالك، [عن سمي،] (5) عن ~~أبي صالح، قال: لما قتل علي بن أبي طالب قال ابن عباس: هذا اليوم نقص العلم ~~والفقه من أرض المدينة، ثم قال: إن نقصان الأرض نقصان علمائها وخيار أهلها، ~~إن الله لا يقبض هذا العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال، لكن يقبض العلم ms252 ~~بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس دوننا (6) جهالا، فيسألوا ~~فيفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا. # سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله سبحانه: @QUR@010 (رب اغفر لي ولوالدي ~~ولمن دخل بيتي مؤمنا) وقد كان قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) مع نوح في PageV01P478 # السفينة، فلما خرج من السفينة ترك قبره خارج الكوفة، فسأل نوح ربه ~~المغفرة لعلي وفاطمة قوله: @QUR@04 (وللمؤمنين والمؤمنات) ، ثم قال: ~~@QUR@04 (ولا تزد الظالمين - لآل محمد- @QUR@02 إلا تبارا) (1). # وروي أنه نزل فيه- أي في قاتل علي-: @QUR@07 (وسيعلم الذين ظلموا أي ~~منقلب ينقلبون) (2). # وروى أبو بكر بن مردويه في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأبو بكر ~~الشيرازي في نزول القرآن، أنه قال سعيد بن المسيب: كان أمير المؤمنين يقرأ: ~~@QUR@03 (إذ انبعث أشقاها) (3) قال: والذي نفسي بيده لتخضبن هذه من هذا- ~~وأشار بيده إلى رأسه ولحيته- (4). # وروى الثعلبي والواحدي بإسنادهما عن عمار وعن عثمان بن صهيب وعن الضحاك. ~~وروى ابن مردويه بإسناده عن جابر بن سمرة وعن صهيب وعن عمار وعن ابن عدي ~~وعن الضحاك. والخطيب في التاريخ عن جابر بن سمرة. وروى الطبري والموصلي عن ~~عمار. وروى أحمد بن حنبل عن الضحاك أنه قال (5) النبي (صلى الله عليه ~~وآله): يا علي، أشقى الأولين عاقر ناقة ثمود، وأشقى الآخرين قاتلك. PageV01P479 # وفي رواية: من يخضب هذه من هذا. ### ||| [أن أمير المؤمنين (عليه السلام) سهر في ليلة مقتله] # وروى الحسن البصري أنه (عليه السلام) سهر في تلك الليلة التي ضرب فيها ~~ولم يخرج لصلاة الليل على عادته، فقالت أم كلثوم: ما هذا السهر؟ # قال: إني مقتول لو قد أصبحت. # فقالت: مر جعدة فليصل بالناس. # [قال: نعم، مروا جعدة ليصل] (1)، ثم مر وقال: لا مفر من الأجل، وخرج قائلا: # خلوا سبيل الجاهد المجاهد %~% في الله ذي الكتاب وذي المشاهد # في الله لا يعبد غير الواحد %~% ويوقظ الناس إلى المساجد # وروي أنه (عليه السلام) سهر في تلك الليلة فأكثر الخروج والنظر إلى ~~السماء، وهو يقول: والله ما كذبت ولا كذبت، وإنها الليلة التي وعدت بها، ثم ~~يعاود ms253 مضجعه، فلما طلع الفجر نادى ابن النباح (2): الصلاة، فقام فاستقبلته ~~الإوز، فصحن في وجهه، فقال: دعوهن، فإنهن صوائح تتبعها نوائح، وتعلقت حديدة ~~غلق (3) الباب بمئزره، فشد إزاره وهو يقول: # اشدد حيازيمك للموت %~% فإن الموت لاقيك # ولا تجزع من الموت %~% إذا حل بناديك PageV01P480 # فقد أعرف أقواما %~% وإن كانوا صعاليك (1) # مساريع إلى الخير %~% وللشر متاريك (2) # أبو صالح الحنفي: قال: سمعت عليا (عليه السلام) يقول: رأيت رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) في منامي، فشكوت إليه ما لقيت من امته من الأود ~~واللدد (3)، وبكيت، فقال: لا تبك يا علي، والتفت والتفت، فإذا رجلان ~~مصفدان، وإذا جلاميد ترضخ بها رءوسهما. ### ||| [أمير المؤمنين (عليه السلام) ينعى نفسه] # وروي أنه (عليه السلام) قال لابنته أم كلثوم: يا بنية، إني أراني قل ما ~~أصحبكم. # قالت: وكيف ذاك يا أبتاه؟ # قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المنام وهو يمسح الغبار عن ~~وجهي، ويقول: يا علي، لا عليك قضيت ما عليك. # قالت: فما مكثنا حتى ضرب في تلك الليلة. # وروي أنه قال: يا بنية، إني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يشير ~~إلي بكفه، ويقول: يا علي، إلينا، فإن ما عندنا خير لك. ### ||| [اجتماع جماعة من الخوارج وفيهم عبد الرحمن بن ملجم واتفاقهم على قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) ومعاوية وعمرو بن العاص، وشغف ابن ملجم بقطام التميمية] # أبو مخنف الأزدي، وابن راشد، والرفاعي، والثقفي جميعا، قالوا: لما رجع ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) من حرب الخوارج وقتلهم الله على يده، وأنجز ما ~~وعده، اجتمع في مكة جماعة من الخوارج فقالوا: إنا شرينا أنفسنا لله فلو PageV01P481 # أتينا أئمة الضلال، وطلبنا غرتهم أرحنا العباد والبلاد منهم. # فقال عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله: أنا أكفيكم عليا، وقال الحجاج بن عبد ~~الله السعدي الملقب بالبرك: أنا أكفيكم معاوية، وقال عمرو بن بكر التميمي: # أنا أكفيكم عمرو بن العاص، واتعدوا ليلة التاسع عشر من شهر رمضان، ثم ~~تفرقوا، فدخل ابن ملجم الكوفة فرأى رجلا من تيم الرباب عند قطام ms254 التميمية، ~~وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) قتل أباها الأخضر وأخاها الأصبغ ~~بالنهروان فشغف بها، وخطبها فأجابته بمهر ذكره العبدي في كلمته: # فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة %~% كمهر قطام من فصيح وأعجم # ثلاثة آلاف وعبد وقينة %~% وقتل (1)علي بالحسام المسمم # فلا مهر أغلى من علي وإن غلا %~% ولا فتك إلا دون فتك (2)ابن ملجم # فقبل ابن ملجم ذلك، ثم قال: يا ويلك، ومن يقدر على قتل علي، وهو فارس ~~الفرسان، ومغالب الأقران، والسباق إلى الطعان؟ وأما المال فلا بأس علي منه. # قالت: اقبل، فقبل، وقال لها: إني ما أتيت هذه البلدة إلا لذلك، ولم اظهر ~~ذلك لأحد إلا لك. # قالت: فإني أرسل إلى جماعة رأيهم رأيك في ذلك، فبعثت إلى ابن عم لها يقال ~~له وردان (3) بن مجالد التميمي وسألته معونة ابن ملجم، واستعان ابن ملجم ~~بشبيب بن بجرة، وأعانه رجل من وكلاء عمرو بن العاص فأطعمتهم PageV01P482 # اللوزينج والجوزينق وسقتهم الخمر العكبري، فنام شبيب وتمتع ابن ملجم ~~معها، ثم قامت فأيقظتهم وعصبت صدورهم بحرير، وتقلدوا أسيافهم. ### ||| [ضرب ابن ملجم لأمير المؤمنين (عليه السلام)] # وقيل: إن ابن ملجم قال لها: أترضين مني بضربة واحدة؟ # قالت: نعم، ولكن اعطني سيفك، فأعطاها فأمست ملطخة بالسم، ثم مضوا وكمنوا ~~له مقابل السدة، وحضر الأشعث بن قيس لمعونتهم، وقال لابن ملجم: النجا النجا ~~لحاجتك، فقد فضحك الصبح، فأحس حجر بن عدي بما أراد الأشعث، فقال: قتلته يا ~~أشعث، وخرج مبادرا ليمضي إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فدخل المسجد ~~فسبقه ابن ملجم فضربه بالسيف. # وعن عبد الله بن محمد (1) الأزدي، قال: أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~ينادي: الصلاة الصلاة، فإذا هو مضروب، وسمعت قائلا يقول: الحكم لله يا علي ~~لا لك ولا لأصحابك، وسمعت عليا يقول: فزت ورب الكعبة، ثم قال: لا يفوتنكم الرجل. # وكان قد ضربه شبيب فأخطأه ووقعت ضربته في الطاق، ومضى هاربا حتى دخل ~~منزله ودخل عليه ابن عم له فرآه يحل الحرير عن صدره، فقال: # لعلك قتلت أمير المؤمنين؟ فأراد أن يقول: ms255 لا، فقال: نعم، فقتله الأزدي. # وأما ابن ملجم فإن رجلا من همدان لحقه وطرح عليه قطيفة وصرعه. # وانسل الثالث بين الناس وأتوا بابن ملجم إلى أمير المؤمنين (عليه ~~السلام)، فقال: النفس بالنفس، إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني، وإن سلمت رأيت ~~فيه رأيي. # وفي رواية: إن عشت رأيت فيه رأيي، وإن هلكت فاصنعوا به ما يفعل PageV01P483 # بقاتل النبي (صلى الله عليه وآله). # فسئل: ما معناه؟ # فقال: اقتلوه، ثم حرقوه بالنار. # فقال ابن ملجم: لقد ابتعته بألف وسممته بألف، فإن خانني فأبعده الله، ~~ولقد ضربته ضربة لو قسمت بين أهل الأرض لأهلكتهم. # وفي محاسن الجوابات عن الدينوري: أن ابن ملجم قال: لقد سألت الله أن يقتل ~~به شر خلقه. # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): لقد أجاب الله دعوتك، يا حسن، إذا مت ~~فاقتله بسيفه. # روي أنه (عليه السلام) قال: أطعموه واسقوه وأحسنوا إساره، فإن أصح فأنا ~~ولي دمي، إن شئت عفوت، وإن شئت استنفذت، وإن هلكت فاقتلوه. # وروي أنه لما ضرب أمير المؤمنين (عليه السلام) وسمعوا قوله: فزت ورب ~~الكعبة، وارتفع الصياح في المسجد: قتل أمير المؤمنين، أقبل أهل الكوفة ~~رجالا ونساء بالمصابيح، فوجدوا أمير المؤمنين (عليه السلام) مطروحا في ~~محرابه، فارتفعت أصوات الناس بالبكاء والنحيب. # وأقبل الحسن والحسين، فلما رأيا أمير المؤمنين وقعا على قدميه وأعلنا ~~بالبكاء والنحيب، وأقبلت بنات أمير المؤمنين مشققات الجيوب، وجعل أمير ~~المؤمنين يأخذ الدم من رأسه ويلطخ وجهه ومحاسنه، ويقول: هكذا ألقى الله، ~~هكذا ألقى رسول الله، هكذا ألقى فاطمة، هكذا ألقى جعفر الطيار، وسمع أمير ~~المؤمنين بكاء بناته، فقال: احملوني إلى المنزل لاودع بناتي وأهلي، PageV01P484 # فوضع إحدى يديه على كتف الحسن، والاخرى على كتف الحسين، ومضيا به إلى ~~حجرته ورجلاه تخطان الأرض، وقد علا لونه الاصفرار، ولما وصل إلى الحجرة ~~تنفس الصبح، فقال: يا صبح، اشهد لي عند ربك أنني منذ كفلني رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) طفلا إلى يومي هذا ما طلعت علي وأنا نائم أبدا، ثم قال: # اللهم اشهد وكفى بك ms256 شهيدا أني لم أعص لك أمرا، ولا تركت فرضا، ولا خطر في ~~بالي ما يخالف أمرك. # وروى ابن نباتة في خبر أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: لقد ضربت في ~~الليلة التي قبض فيها يوشع بن نون، ولاقبضن في الليلة التي رفع (1) فيها ~~عيسى (عليه السلام). # عن الحسن (عليه السلام) في خبر: ولقد صعد بروحه في الليلة التي صعد فيها ~~بروح يحيى بن زكريا (عليهما السلام). # وكان عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله في عداد مراد. قال ابن عباس: من نسل ~~قدار عاقر ناقة صالح، وقصتهما واحدة، لأن قدار عشق امرأة يقال لها رباب كما ~~عشق ابن ملجم قطاما. # وسمع ابن ملجم يقول: لأضربن عليا بسيفي هذا، فذهبوا به إليه (عليه ~~السلام)، فقال: ما اسمك؟ # قال: عبد الرحمن بن ملجم. # قال: نشدتك بالله عن شيء تخبرني به؟ # قال: نعم. PageV01P485 # قال: هل مر بك رجل متوكئا على عصا وأنت في الباب فمشقك بعصاه، ثم قال: ~~بؤسا لك يا أشقى من عاقر ناقة ثمود؟ # قال: نعم. # قال: هل كان الصبيان يسمونك ابن راعية الكلاب؟ # قال: نعم. # وروي أنه أتى ابن ملجم أمير المؤمنين (عليه السلام) يبايعه فرده مرتين أو ~~ثلاثا، ثم بايعه وتوثق منه ألا يغدر ولا ينكث، فقال: والله ما رأيتك تفعل ~~هذا بغيري. # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): امض يا ابن ملجم، فو الله لتخضبن هذه ~~من هذا- وأشار إلى لحيته ورأسه-. # وروي أن ابن ملجم أتى أمير المؤمنين (عليه السلام) يستحمله، فقال: يا ~~غزوان احمله على الأشقر، ثم قال (عليه السلام): # اريد حياته ويريد قتلي %~% عذيري من خليلي (1)من مراد (2) # وروي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان كثيرا ما يقول: ما يمنع أشقاها؟ # أو ما ينتظر أشقاها أن يخضب هذه من دم هذا؟ وكان يقول: والله ليخضبن هذه ~~من دم هذا، ثم يشير إلى لحيته ورأسه خضاب دم لا خضاب عطر ولا عبير (3). PageV01P486 # وقيل لأمير المؤمنين (عليه السلام): إن ابن ملجم يسم بسيفه ويقول: إنه ~~سيقتلك به فتكة يتحدث بها ms257 العرب، فبعث إليه، فقال له: لم تسم سيفك؟ # قال: لعدوي وعدوك، فخلا عنه، وقال: ما قتلني بعد. # وقال ابن عبد الرحمن السلمي: أخبرني الحسن بن علي (عليه السلام) أنه سمع ~~أباه في ذلك السحر يقول: يا بني، إني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~الليلة في المنام، فقلت: يا رسول الله، ما ذا لقيت من أمتك من الأود ~~واللدد؟ # فقال: ادع عليهم. # فقلت: اللهم أبدلني بهم خيرا منهم، وأبدلهم بي شرا مني (1). ثم انتبه ~~وجاء مؤذنه يؤذنه بالصلاة، فخرج فاعتوره الرجلان، فأما أحدهما فوقعت ضربته ~~في الطاق، وأما الآخر فضربه في رأسه وذلك في صبيحة يوم الجمعة لتسع عشرة من ~~رمضان صبيحة بدر. ### ||| [اجتماع الأطباء لأمير المؤمنين (عليه السلام)] # وروي أنه جمع الأطباء لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وكان أبصارهم بالطب ~~أثير (2) بن عمرو السكوني، وكان صاحب كسرى يتطبب له، وهو الذي تنسب إليه ~~صحراء أثير فأخذ رئة شاة حارة فتتبع عرقا منها فأخرجه وأدخله في جراحة أمير ~~المؤمنين (عليه السلام)، ثم نفخ العرق واستخرجه فإذا عليه بياض دماغ وإذا ~~الضربة قد وصلت إلى أم رأسه. PageV01P487 # فقال: يا أمير المؤمنين، اعهد فإنك ميت (1). # فعندها أوصى أمير المؤمنين (عليه السلام) للحسن والحسين (صلوات الله ~~عليهما) بالوصية التي رواها سيدنا ومفخرنا السيد محمد الرضي الموسوي في ~~كتاب نهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين، وهي قوله (عليه السلام): ### ||| [وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) للحسن والحسين (عليهما السلام)] # ومن وصية له (عليه السلام) للحسن والحسين (عليهما السلام) لما ضربه ابن ~~ملجم عليه اللعنة: # اوصيكما بتقوى الله، وألا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شيء ~~منها زوي عنكما، وقولا بالحق، واعملا للآخرة (2)، وكونا للظالم خصما ~~وللمظلوم عونا. # اوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله، ونظم أمركم، وصلاح ~~ذات بينكم، فإني سمعت جدكما رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: # صلاح ذات البيت أفضل من عامة الصلاة والصوم. # الله الله في الأيتام فلا تغبوا أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم. # الله الله في جيرانكم، فإنهم ms258 وصية نبيكم، وما زال (عليه السلام) يوصي بهم ~~حتى ظننا (3) أنه سيورثهم. # والله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم. # والله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم. PageV01P488 # والله الله في بيت ربكم، لا تخلوه ما بقيتم، فإنه إن ترك لم تناظروا. # والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله. # وعليكم بالتواصل والتباذل، وإياكم والتدابر والتقاطع، ولا تتركوا الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم أشراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم. # [ثم] (1) قال: يا بني عبد المطلب، لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضا ~~تقولون: قتل أمير المؤمنين (2)، ألا لا يقتل في (3) إلا قاتلي. # انظروا إذا أنا مت من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة، ولا تمثلوا بالرجل، ~~فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب ~~العقور. (4) # أبو بكر الشيرازي في كتابه عن الحسن البصري، قال: أوصى علي (صلوات الله ~~عليه) عند موته للحسن والحسين (عليهما السلام) وقال لهما: إذا أنا مت ~~فإنكما ستجدان عند رأسي حنوطا من الجنة وثلاثة أكفان من استبرق الجنة ~~فغسلوني وحنطوني بالحنوط وكفنوني. # قال الحسن (عليه السلام): فلما قبض (عليه السلام) وجدنا عند رأسه طبقا PageV01P489 # من الذهب عليه خمس شمامات من كافور الجنة، وسدرا من سدر الجنة. # ومن طريق أهل البيت (عليهم السلام) ما جاء في تهذيب الأحكام (1) عن سعد ~~الاسكافي قال: حدثني أبو عبد الله (عليه السلام) [قال] (2): لما اصيب أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) قال للحسن والحسين (عليهما السلام): غسلاني وكفناني ~~وحنطاني، واحملاني على سريري، واحملا مؤخره تكفيان مقدمه، فإنكما تنتهيان ~~إلى قبر محفور، ولحد ملحود، ولبن موضوع، فالحداني واشرجا اللبن علي، وارفعا ~~لبنة من عند (3) رأسي فانظرا ما تسمعان. # وعن منصور بن محمد بن عيسى، عن أبيه، عن جده [زيد بن علي، عن أبيه، عن ~~جده] (4) الحسين بن علي (عليهم السلام) في خبر طويل يذكر فيه: # اوصيكما وصية فلا تظهرا على أمري أحدا، فأمرهما أن يستخرجا من الزاوية ~~اليمنى لوحا وأن يكفناه فيما يجدان، فإذا غسلاه وكفناه وضعاه ms259 على اللوح، ~~وإذا وجد السرير يشال مقدمه فيشيلان مؤخره، وأن يصلي الحسن مرة والحسين مرة ~~صلاة إمام، ففعلا بما رسم (عليه السلام)، فوجدا اللوح وعليه مكتوب: # بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما ادخره نوح النبي لعلي بن أبي طالب، # (4) من المناقب. PageV01P490 # وأصابا الكفن في دهليز الدار موضوعا فيه حنوط قد أضاء نوره على نور ~~النهار. # وروي أن الحسين (عليه السلام) قال وقت الغسل: أما ترى خفة أمير المؤمنين؟ # فقال الحسن: يا أبا عبد الله، إن معنا قوما يعينونا، فلما قضينا صلاة ~~العشاء الآخرة إذا قد شيل مقدم السرير، ولم نزل نتبعه إلى أن وردنا الغري، ~~فأتينا إلى قبر كما وصف (عليه السلام) ونحن نسمع خفق أجنحة كثيرة وضجة ~~وجلبة (1)، فوضعنا السرير وصلينا على أمير المؤمنين (عليه السلام) كما وصف ~~لنا، ونزلنا قبره فأضجعناه في لحده، ونضدنا عليه اللبن. # وفي الخبر عن الصادق (عليه السلام): فأخذنا اللبنة من عند رأسه بعد ما ~~أشرجنا عليه اللبن، وإذا ليس في القبر شيء، وإذا هاتف يهتف: أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) كان عبدا صالحا، فألحقه الله بنبيه (صلى الله عليه وآله)، ~~وكذلك يفعل بالأوصياء بعد الأنبياء، حتى لو أن نبيا مات بالمشرق و[مات] ~~(2) وصيه بالمغرب لألحق الله الوصي بالنبي. # وفي خبر عن أم كلثوم بنت علي (عليه السلام): فانشق القبر عن ضريح فإذا هم ~~بساجة (3) مكتوب عليها بالسريانية: # بسم الله الرحمن الرحيم، هذا قبر حفره نوح لعلي بن أبي طالب وصي PageV01P491 # محمد (صلى الله عليه وآله) قبل الطوفان بسبعمائة سنة. # وعنها رضي الله عنها أنه لما دفن أمير المؤمنين (عليه السلام) سمع ناطق ~~يقول: أحسن الله لكم العزاء في سيدكم وحجة الله على خلقه. ### ||| [سعي إسماعيل بن عيسى العباسي عام 293 في تخريب قبر أمير المؤمنين (عليه السلام)] # التهذيب (1) في خبر أنه نفذ إسماعيل بن عيسى العباسي غلاما أسود شديد ~~البأس يعرف بالجمل في ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين ومائتين في جماعة وقال: ~~امضوا إلى هذا القبر الذي قد افتتن به الناس ويقولون انه قبر ms260 علي حتى ~~تنبشوه (2) إلى قعره، فحفروا حتى نزلوا خمسة أذرع فبلغوا إلى موضع صلب ~~عجزوا عنه، فنزل الحبشي وضرب ضربة سمع طنينها في البر (3)، ثم ضرب ثانية ~~وثالثة، ثم صاح صيحة وجعل يستغيث فأخرجوه بالحبل فإذا على يده من أطراف ~~أصابعه إلى ترقوته (4) دم فحملوه على بغل، ولم يزل ينتثر من عضده وسائر ~~شقه الأيمن فرجعوا إلى العباسي، فلما رآه التفت إلى القبلة وتاب من فعله ~~وتولى وتبرأ، ومات الغلام من وقته، وركب في الليل إلى علي بن مصعب ابن جابر ~~وسأله أن يجعل (5) على القبر صندوقا. # قال الشيخ أبو جعفر الطوسي رضي الله عنه: حدثني أبو الحسن محمد بن تمام ~~الكوفي، قال: حدثني أبو الحسن بن الحجاج، قال: رأينا هذا الصندوق PageV01P492 # وذلك قبل أن يا بني الحسن بن زيد الحائط. (1) ### ||| [العلة في إخفاء قبر أمير المؤمنين (عليه السلام)] # أقول: وإنما أمر أمير المؤمنين (عليه السلام) بإخفاء قبره عن غير أهله ~~وولده لأمر لا نعلم نحن سره، ولتكن المحنة أشد، والبلاء أعظم، أو لكثرة ~~أعدائه، وقصدهم إطفاء نوره، أو غيرهما؛ كخوف شدة عداوة أعدائه له في حياته، ~~كالناكثين والقاسطين والمارقين الذين غرروا بأنفسهم في حربه، ورابطوه ~~قاصدين إطفاء نوره واستئصال شأفته، حتى قتلوه في محرابه راكعا، وأعلنوا ~~بسبه على منابرهم، وقتلوا ولده وشيعته، وسبوا نساءه وبناته وولده، ثم ~~تتبعوا أبرار شيعته بالأذى والقتل، كما فعل زياد بن أبيه والحجاج، وغيرهما، ~~وكانوا يقتلون على التهمة والظنة، حتى روي أنهم سمعوا برجل يحدث الناس ~~بفضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) ببلاد ما وراء النهر فاجتهدوا في قتله ~~وقتلوه غيلة (2)، فما ظنك لو علموا بموضع قبره؟ وهو (عليه السلام) أعلم بما ~~قال وأوصى. # ولم يكن قبره (عليه السلام) مخفيا عند ولده وأهله وأحفاده الأئمة ~~الطاهرين (صلوات الله عليهم)، حتى ان الإمام المعصوم علي بن الحسين سيد ~~العابدين أتى من المدينة لزيارته وأخفى نفسه في الحياة وزاره ليلا ورجع من ~~فوره إلى المدينة، وكذلك الباقر (عليه السلام). # روى جابر بن عبد الله الأنصاري، عن أبي ms261 جعفر الباقر (عليه السلام)، قال: # أتى علي بن الحسين (عليه السلام) زائرا أمير المؤمنين فوضع خده على القبر، PageV01P493 # وقال: السلام عليك يا ولي (1) الله في أرضه، وحجته على عباده، إلى آخر ~~الزيارة، ثم قال: اللهم إن قلوب المخبتين إليك والهة (2)، وسبل الراغبين ~~إليك شارعة، إلى آخره، كما ذكر الشيخ أبو جعفر الطوسي في مصباحه (3). # ولم يزل قبره (عليه السلام) مخفيا عند العامة معلوما عند الخاصة إلى أن ~~انقرضت دولة الشجرة الملعونة في القرآن- أعني بني امية عليهم لعائن الله- ~~فأظهره الصادق (عليه السلام) لخاصته وأصحابه (4). # وكان يأتي إليه من المدينة جماعة من شيعته، وكان معلوما لأكثر الناس في ~~تلك الناحية، حتى ان بعض خلفاء بني العباس خرج يتصيد في ناحية الغريين ~~والثوية وأرسل الكلاب فلجأت [الظباء] (5) إلى أكمة ورجعت الكلاب، ثم إن ~~الضباء هبطت منها وصنعت الكلاب مثل الأول، فسئل شيخا من بني أسد فقال: إن ~~فيها قبر علي بن أبي طالب (عليه السلام) جعله الله حرما لا يأوي إليه شيء ~~إلا أمن. (6) PageV01P494 ### ||| [قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) نحبه ليلة الحادي والعشرين، ونعي الخضر (عليه السلام) له] # ولنرجع إلى تمام الحديث: # ولما فرغ أمير المؤمنين من وصيته وكانت ليلة الحادي والعشرين وذهب شطر من ~~الليل فتحت أبواب السماء، وزينت الجنان، وتهيأت أرواح الأنبياء والأولياء ~~لاستقبال روحه الشريفة (صلوات الله عليه). قال (عليه السلام) للحسن ~~والحسين: احملوني إلى هذا البيت، ودعوني وحدي، واغلقوا علي الباب، واجلسوا ~~خارج الباب إلى أن أمضي إلى جوار الله تعالى، فوضعوه (عليه السلام) وفعلوا ~~ما أمرهم، فلم يلبثوا إلا قليلا حتى سمعوا أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~يقول: لا إله إلا الله، فلما سمع الحسن والحسين تهليله (صلوات الله عليه) ~~لم يتمالكا إلى أن دخلا عليه، فوجدوه قد قضى (صلوات الله عليه) نحبه، ~~فأخذوا في تجهيزه كما ذكرنا أولا صلوات الله ورحمته وبركاته عليه وعلى روحه ~~وبدنه، ولعنة الله على ظالمه وقاتله ومانعه حقه. # وروى الكليني في الكافي (1) أنه لما توفي أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~جاء شيخ يبكي وهو ms262 يقول: اليوم انقطعت علاقة النبوة، حتى وقف بباب البيت ~~الذي فيه أمير المؤمنين (عليه السلام)- وذلك حين موته قبل أن يخرجوه ~~ويأخذوا في جهازه- فأخذ بعضادتي الباب، ثم قال: رحمك الله، فلقد كنت أول ~~الناس إسلاما، وأفضلهم فضلهم إيمانا، وأشدهم يقينا، وأخوفهم من الله، ~~وأطوعهم لنبي الله، وأفضلهم مناقبا، وأكثرهم سوابقا، وأشبههم به خلقا ~~وخلقا، وسيماء وفضلا، وكنت أخفضهم صوتا، وأعلاهم طودا، وأقلهم كلاما، ~~وأصوبهم منطقا، # وأخرجه في مدينة المعاجز: 3/ 65 ح 730 عن الكافي. PageV01P495 # وأشجعهم قلبا، وأحسنهم عملا (1)، وأقواهم يقينا، حفظت ما ضيعوا، ورعيت ما ~~أهملوا، وشمرت إذا اجتمعوا، وعلوت إذا هلعوا، ووقفت إذا أسرعوا، وأدركت ~~أوتار ما ظلموا. # كنت على الكافرين عذابا واصبا، وللمؤمنين كهفا وحصنا، كنت كالجبل الراسخ ~~لا تحركه العواصف، ولا تزيله القواصف، كنت للأطفال كالأب الشفيق، وللأرامل ~~كالبعل العطوف، قسمت بالسوية، وعدلت بالرعية، وأطفأت النيران، وكسرت ~~الأصنام، وذللت الأوثان، وعبدت الرحمن- في كلام كثير- فالتفتوا فلم يروا ~~أحدا، فسئل الحسن (عليه السلام) عنه، فقال: كان الخضر، فارتجت الدار ~~بالبكاء والنحيب، فإنا لله وإنا إليه راجعون. (2) ### ||| [مقتل ابن ملجم عليه اللعنة] # ولما رجع الحسن والحسين (عليهما السلام) من دفن أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) أمر الحسن (عليه السلام) بإخراج ابن ملجم والاتيان به، فأمر (عليه ~~السلام) فضربت عنقه، واستوهبت أم الهيثم بنت الأسود النخعية جيفته لتتولى ~~إحراقها، فوهبها لها فأحرقتها بالنار، وأما الرجلان اللذان كانا مع ابن ~~ملجم في العقد على معاوية وعمرو بن العاص، فإن أحدهما ضرب معاوية على أليته ~~وهو راكع، وأما الآخر فإنه قتل خارجة بن أبي حنيفة العامري وهو يظن أنه ~~عمرو، وكان قد استخلفه لعلة وجدها. (3) ### ||| [في رثاء أمير المؤمنين (عليه السلام)] # ومما رثي به (عليه السلام) قول سيدنا ومولانا الحسن السبط التابع لمرضاة PageV01P496 # الله (صلوات الله عليه): # أين من كان لعلم %~% المصطفى في الناس بابا # أين من كان إذا %~% ما أقحط الناس سحابا # أين من كان إذا نو %~% دي في الحرب أجابا # أين من كان دعا %~% ه مستجابا ومجابا (1) # وسمع هاتف من الجن يقول: # يا ms263 من يؤم إلى المدينة قاصدا %~% أد الرسالة غير ما متوان # قتلت شرار بني امية سيدا %~% خير البرية ماجدا ذا شان # رب الفضائل في السماء وأرضها %~% سيف النبي وهادم الأوثان # بكت المشاعر والمساجد بعد ما %~% بكت الأنام له بكل مكان # صعصعة بن صوحان: # إلى من لي بانسك يا اخيا %~% ومن لي أن أبثك ما لديا # طوتك خطوب دهر قد تولى %~% كذاك خطوبه نشرا وطيا # فلو نشرت قواك إلى المنايا %~% شكوت إليك ما صنعت إليا # بكيتك يا علي بدمع (2)عيني %~% فلم يغن البكاء عليك شيا # كفى حزنا بدفنك ثم إني %~% نفضت تراب قبرك من يديا # وكانت في حياتك لي عظات %~% وأنت اليوم أوعظ منك حيا # فيا أسفي عليك وطول شوقي %~% إليك لو أن ذلك رد شيا PageV01P497 # وله أيضا: # هل خبر القبر سائليه %~% أم قر عينا بزائريه؟ # أم هل تراه أحاط علما %~% بالجسد المستكن فيه؟ # لو علم القبر من يواري %~% تاه على كل من يليه # يا موت ما ذا أردت مني %~% حققت ما كنت أتقيه # يا موت لو تقبل افتداء %~% لكنت بالروح أفتديه # دهر رماني بفقد الفي %~% أذم دهري وأشتكيه (1) ### ||| [العلامات التي ظهرت عند مقتل أمير المؤمنين (عليه السلام)] # عن ابن عباس رضي الله عنه: لقد قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) على أرض ~~الكوفة فأمطرت السماء ثلاثة أيام دما. # أبو حمزة، عن الصادق (عليه السلام) أنه لما قبض أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) لم يرفع من وجه الأرض حجر إلا وجد تحته دم عبيط. # وفي أخبار الطالبيين أن الروم أسروا قوما من المسلمين فاتي بهم الملك ~~فعرض عليهم الكفر، فأبوا، فأمر بإلقائهم في الزيت المغلي، وأطلق منهم رجلا ~~يخبر بحالهم، فبينا هو يسير إذ سمع وقع حوافر الخيل، فوقف فنظر إلى أصحابه ~~الذين القوا في الزيت، فقال لهم في ذلك، فقالوا: قد كان ذلك، فنادى مناد من ~~السماء في شهداء البر والبحر ان علي بن أبي طالب قد استشهد في هذه الليلة، ~~فصلوا عليه، فصلينا عليه ونحن راجعون إلى مصارعنا. # أبو ذرعة الرازي، عن ms264 منصور بن عمار أنه سئل عن أعجب ما رآه، قال: # ترى هذه الصخرة في وسط البحر، يخرج من هذا البحر طائر في كل يوم مثل PageV01P498 # النعامة فيقع عليها، فإذا استوى واقفا تقيأ رأسا، ثم تقيأ يدا، وهكذا ~~عضوا عضوا، ثم تلتئم الأعضاء بعضها إلى بعض حتى يستوي إنسانا قاعدا، ثم يهم ~~بالقيام، فإذا هم للقيام نقره نقرة فيأخذ رأسه، ثم يأخذ عضوا عضوا كما ~~قاءه، فلما طال علي ذلك ناديته يوما: ويلك من أنت؟ # فالتفت إلي ذليلا وقال: أنا ابن ملجم قاتل أمير المؤمنين (عليه السلام)، ~~وكل الله بي هذا الطائر فهو يعذبني إلى يوم القيامة. (1) # وسأل أبو مسكان الصادق (عليه السلام) عن القائم المائل في طريق الغري. ~~فقال: نعم، إنهم لما جاءوا بسرير أمير المؤمنين (عليه السلام) انحنى أسفا ~~وحزنا على أمير المؤمنين (صلوات الله عليه). (2) ### ||| [أبيات لأبي الأسود الدؤلي في رثاء أمير المؤمنين (عليه السلام)] # ومما رثاه به أبو الأسود الدؤلي رضي الله عنه: # ألا يا عين ويحك فاسعدينا %~% ألا فابكي أمير المؤمنينا # رزئنا خير من ركب المطايا %~% وأفضلها (3)ومن ركب السفينا # ومن لبس النعال ومن حذاها %~% ومن قرأ المثاني والمبينا (4) # إذا استقبلت وجه أبي حسين %~% رأيت البدر راق الناظرينا # يقيم الحد لا يرتاب فيه %~% ويقضي بالسرائر (5)مستبينا # ألا أبلغ معاوية بن حرب %~% فلا قرت عيون الشامتينا PageV01P499 # أفي شهر الصيام فجعتمونا %~% بخير الناس طرا أجمعينا # ومن بعد النبي فخير نفس %~% أبو حسن وخير الصالحينا # كأن الناس إذ فقدوا عليا %~% نعام جال في بلد سنينا # وكنا قبل مهلكة بخير %~% نرى فينا وصي المسلمينا # فلا والله لا أنسى عليا %~% وحسن صلاته في الراكعينا # لقد علمت قريش حيث كانت %~% بأنكخيرها نسبا (1)ودينا # فلا تشمت معاوية بن حرب %~% فإن بقية الخلفاء فينا (2) ### ||| [ما قاله عمران بن حطان الخارجي في ابن ملجم، وجواب بكر بن حماد التاهرتي له] # ولما قال عمران بن حطان الخارجي لعنة الله عليه في ابن ملجم: # يا ضربة من تقي ما أراد بها %~% إلا ليدرك من ذي العرش رضوانا ms265 # إني لأذكره حينا فأحسبه %~% أوفى البرية عند الله ميزانا (3) # أجابه بكر (4) بن حماد التاهرتي معارضا له: # قل لابن ملجم والأقدار غالبة %~% هدمت ويلك للإسلام أركانا # قتلت أفضل من يمشي على قدم %~% وأول الناس إسلاما وإيمانا # وأعلم الناس بالقرآن ثم بما %~% سن الرسول لنا شرعا وتبيانا PageV01P500 # صهر الرسول ومولاه (1)وناصره %~% أضحت مناقبه نورا وبرهانا # وكان منه على رغم الحسود له %~% مكان هارون من موسى بن عمرانا # وكان في الحرب سيفا صارما ذكرا %~% ليثا إذا ما لقى الأقران أقرانا # ذكرت قاتله والدمع منحدر %~% فقلت سبحان رب الناس سبحانا # إني لأحسبه ما كان من بشر %~% يخشى المعاد ولكن كان شيطانا # أشقى مراد إذا عدت قبائلها %~% وأخسر الناس عند الله ميزانا # كعاقر الناقة الاولى التي جلبت %~% على ثمود بأرض الحجر خسرانا # قد كان يخبرهم أن سوف يخضبها %~% قبل المنية أزمانا فأزمانا # فلا عفا الله عنه ما تحمله %~% ولا سقى قبر عمران بن حطانا # لقوله في شقي ظل مجترما %~% ونال ما ناله ظلما وعدوانا # يا ضربة من تقي ما أراد بها %~% إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا # بل ضربة من غوي أورثته لظى %~% وسوف يلقى بها الرحمن غضبانا # كأنه لم يرد قصدا بضربته %~% إلا ليصلى عذاب الخلد نيرانا (2) ### ||| [كلام للمؤلف (رحمه الله)] # قلت: يا من حبه أعظم وسائلي إلى ربي في حشري، ويا من ذكره أطيب ما يخطر ~~بقلبي ويمر بفكري، ويا من ولاه رأس إيماني واعتقادي، ويا من مدحه راحة روحي ~~وأقصى مرادي، مصابك جدد أحزاني، وهيج أشجاني، وقرح مقلتي، وأجرى عبرتي، ~~وأسهر ناظري، وأظهر سرائري، كلما أردت أن اكفكف دموعي ذكت نيران الأسى في ~~ضلوعي، وكيف لا اذيب فؤادي بنار حسراتي، واصاعده دما من شئوني بتصاعد ~~زفراتي، وأشق لمصابك فؤادي لا PageV01P501 # قميص حزني، واحرم رقادي لوفاتك على قريح جفني، وحبك جنتي وجنتي في دنياي ~~وآخرتي، وولاؤك معاذي وملاذي يوم حشري وفاقتي؟ # كتبت أحرف خالص اعتقادي في حبك على صفحات سرائري، وظهرت آثار محض ودادي ~~لمجدك على وجهات بواطني وظواهري، عمر الله لحبك في ms266 قلبي منزلا شامخا، وثبت ~~بي في طريق شكوكي إلى عرفانك قدما راسخا، لما شرفني ربي باتباعك، وأكرمني ~~بولائك، ونزهني عن دنس الشك في أمرك، وأطلعني على جلال مجدك وفخرك، وأعلمني ~~أن أفضل الأعمال حبك، وأقرب القربى إلى الرسول قربك. # وقفت خالص ودي على باب جلالك، ووجهت شكري إلى كعبة إفضالك، لا اريد بعد ~~الله ورسوله منك بدلا، ولا أبغي عن اتباع سبيلك حولا، بل طوقت بطوق ~~العبودية عنقي، ووسمت بميسم الرقية لجنابك حسي ومفرقي، راجيا أن يثبتني في ~~جرائد أرقائك عبدا حبشيا، وإن كنت علويا قرشيا. # نزهك الله عن الدنيا الفانية، واختار لك الدار الباقية، وابتلى عباده ~~بولائك، وأخبرهم باتباعك، فمن اتبع سبيلك فقد اتبع سبيل المؤمنين، وانتظم ~~في سلك المخلصين، وأسلم لرب العالمين، واستمسك بحبله المتين، ومن تولى عن ~~أمرك، وخفض المرفوع من قدرك، ولم يفق واضح أمرك، وكذب بعلانيتك وسرك، وغشى ~~بصره عن نور عدلك، وقدم عليك من لا يعادل عند الله شسع نعلك، وسمى الكاذب ~~صديقا، والجاهل فاروقا، فقد ألحد في دين الله، وكذب ببينات الله، وصار اسمه ~~في صحائف التحقيق مذءوما مدحورا، وغضب الله عليه ولعنه وأعد له جهنم وساءت ~~مصيرا، وخرج من عبادة الله إلى عبادة PageV01P502 # الشيطان، واتبع ما تتلو الشياطين على ملك سليمان (1). # أنت نور الحق، ومحنة الخلق، والسبب المتصل بين الله وعباده، والنهج ~~الموصل لسالكه إلى سبيل رشاده، لما أعلى الله على كل شأن شأنك، ورفع على كل ~~بنيان بنيانك، وتوجك بتاج العلم، وحلاك بحلية الحلم، فصارت نفسك أشرف ~~النفوس الإنسية، وروحك أطهر الأرواح القدسية، وقلبك مشكاة الأنوار الإلهية، ~~وذاتك مظهر الأسرار الربانية، وقرن طاعتك بطاعته، ومعصيتك بمعصيته، يدخل ~~الجنة من أطاعك وإن عصاه، ويدخل النار من أبغضك وإن والاه. # وأمر رسوله أن يوردك في الغدير من زلال الاختصاص كأسا رويا، وأن يرفع لك ~~بآية التطهير في سماء الاخلاص مكانا عليا، وأن يكمل الاسلام بعد نقصه ~~بولايتك، وأن يتم الايمان بصريح نصه على خلافتك، فقام (صلى الله عليه وآله) ~~آخذا ميثاقك على الأسود ms267 والأحمر، موجبا ولاءك على كل من أخلص بالوحدانية ~~لربه وأقر، وأخلصك بالاصطفاء، وخصك بسيدة النساء، وأعلمنا أن الله سبحانه ~~تولى عقدة نكاحها بشريف إرادته، وأشهد على ذلك مقربي ملائكته، وقرن حبه ~~بحبك، وجعل ذريته من صلبك. # فشمخت لذلك معاطس أقوام حسدا وكفرا، وأضمروا في حياة نبيهم لجلال رفعتك ~~حقدا وغدرا، حتى إذا نقل الله نبيه إلى جواره، واختصه بدار قراره، أظهروا ~~ما كمن من نفاقهم، وأشهروا ما بطن من شقاقهم، واتخذوا عجلا كقوم موسى، ~~وفارقوا الحق كامة عيسى، وبالغوا في إخفاء دين الله بآرائهم، PageV01P503 # وراموا إطفاء نور الله بأفواههم، وخالفوا الرسول بما أكد عليهم بوصيته، ~~وقطعوا الموصول مما أمر الله بصلته من عترته، واتخذوا الولائج من دون الله ~~ورسوله، وأجاهدوا جاهدهم في تحريف كتاب ربهم وتبديله، وعبدوا الطاغوت وقد ~~امروا أن يكفروا به، وصدقوا من اتفق النقل والعقل على تكذيبه، وأقاموا مقام ~~الرسول (صلى الله عليه وآله) شيطانا مريدا، وجبارا عنيدا، وجهولا ظلوما، ~~وعتلا زنيما، وأكفئوا الاسلام، وعبروا الأحكام، وحرفوا الكتاب بأهوائهم، ~~وأولوا القرآن بآرائهم، فلم يبق من الملة الحنيفية إلا رسمها، ولا من ~~الشريعة النبوية إلا اسمها. # ثم لم يقنعوا باغتصاب تراثك، وانتهاب ميراثك، حتى نصبوا لك غوائلهم، ~~ودفنوا لاخترامك حبائلهم، وجردوا عليك مناصلهم وعواملهم، وفوقوا نحوك ~~سهامهم ومعابلهم، ولم يتركوا عهدا فيك إلا نكثوه، ولا وعدا إلا أخلفوه، ~~وعدلوا بك من لا يمت بنسبك، ولا يتصل بسببك. # ثم أظهروا ما أخفوا من النفاق في عهد نبيهم، وأبدوا ما أضمروا من العناد ~~بحقدهم وبغيهم، وجعلوا خلافة الله ملكا عضوضا، وما عاهدوا الرسول عليه عهدا ~~منقوضا، وتواصوا بظلمك وهضمك، وتعاهدوا على إخفاء فضلك وعلمك، وموهوا على ~~الامة المفتونة بزورهم، وشبهوا عليها بغرورهم، وأغروا سفهاءها بسبك، وحملوا ~~طلقاءها على حربك، حتى اغتالوك في حال توجهك إلى معبودك، وقتلوك حين ركوعك ~~وسجودك، وهدموا دين الاسلام بهدم بنيتك، وفرقوا كلمة الايمان بفرق هامتك، ~~وغاوروك في محرابك طريحا، وبين أصحابك طليحا. # قد صدقت ما عاهدت الله عليه، ووفيت بما ندبك سبحانه إليه، ففزت PageV01P504 # بالشهادة ms268 التي فضلك بها، واصطفاك بفضلها، فكنت لوقتها منتظرا، وبوصفها ~~مشتهرا، بما أعلمك به الصادق الأمين، ومن هو على الغيب ليس بضنين (1)، ~~بقوله (صلى الله عليه وآله): لتخضبن هذه من هذا (2)، وبقوله (صلى الله عليه وآله): # كأني وأنت قائم تصلي لربك وقد انبعث أشقى الأولين والآخرين فضربك على ~~هامتك ضربة خضب منها لحيتك (3)، وقال سبحانه في شأنك، ومن أصدق من الله ~~قيلا: @QUR@018 (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم ~~من ينتظر وما بدلوا تبديلا) (4). # فلأنفذن لمصابك ماء شئوني، ولأحرمن لذيذ الكرى على عيوني، ولأستنفذن ~~العمر في مدائحك ومراثيك، ولأبكين الدهر على ما حل بك وبنيك، ولاذيبن بنار ~~حزني فؤادي، ولأصعدنه دما من مقلتي بطول سهادي، ولأندبنك آناء ليلي ونهاري، ~~ولأجعلن الحزن بمهجتي ألفا، والبكاء على مقلتي وقفا، ولاوجهن إلى غاصبي حقك ~~مطايا لعني وهضمي، ولأقرعن هامات مكذبي صدقك بمقامع نثري ونظمي، ولابينن ما ~~دلسوا بغرورهم، ولاظهرن ما أخفوا من باطلهم وزورهم، معتقدا ذلك من أعظم ~~الوسائل إلى ربي في حشري، وأكمل الفضائل يوم بعثتي من قبري. ### ||| [قصيدة للمؤلف (رحمه الله) في حق أمير المؤمنين (عليه السلام)] # فمن جملة ذلك قصيدة تحلي الطروس بجواهر مصارعها، وتسر النفوس بتواصل ~~مقاطعها، نظمتها قبل ابتدائي بتأليف الكتاب، والله الموفق للصواب: PageV01P505 # صرف الردى بفني الزمان موكل %~% ولهم بأسياف المنية تقتل # وهم لأسهم فتكه غرض فليس %~% لهم سبيل عنه أن يتحولوا # في حكمة بقضائه في أخذهم %~% بالموت جمعا لا يجور ويعدل # كم غادرت غدراته من قاهر %~% في الترب مقهورا تطأه الأرجل # عفت العواصف قبره بهبوبها %~% وعلى ثراه السائمات تهرول # أين الملوك بنو الملوك ومن هم %~% كانوا إذا ركبوا يذوب الجندل # لعب الزمان بهم فعما قد جرى %~% في حقهم من صرفه لا تسألوا # بليت محاسنهم وشتت شملهم %~% وخلت مجالسهم وأفنى المنزل # واستبدلوا بطن الثرى من ظهرها %~% واروعتا بحشاي مما استبدلوا # يا من حديث مدامعي من أجلهم %~% في صحن خدي مطلق ومسلسل # عني خذوا خبر الصبابة انني %~% ما بين أرباب الغرام معدل # سقمي لدعواي المحبة ms269 معجز %~% إذ دمع عيني مذ نأيتم مرسل # يا من حقيقة محنتي في حبهم %~% منها سقامي مجمل ومفصل # ما ان ضممت إلى زلال لقاكم %~% إلا ولي من فيض دمعي منهل # كلا ولا عني تأخر وصلكم %~% إلا وهيجني غرام مقبل # فلأندبن بحرقة من لوعتي %~% رضوى يذوب لها ويذبل # بالخيف خفت منيتي إذ لم أنل %~% بمنى المنى منكم فخطبي مشكل # وبجمع أجمعتم قطيعة صبكم %~% فغدا جمالكم يخد ويزمل # ورميتم قلبي بجمرة لوعة %~% بشواظها مني اصيب المقتل # فلأصرفن مودتي عنكم إلى %~% قوم لهم في المجد باع أطول # قوم هم اما وليك عادل %~% أو عالم أو حاكم أو مرسل PageV01P506 # أو عابد أو حامد أو زاهد %~% أو ماجد أو عاضد أو مفضل # أو فائز يوم الغدير برتبة %~% بعلوها خضع السماك الأعزل # مولى إليه في الحساب حسابنا %~% وعليه في ذاك المقام نعول # وإذا بنو الدنيا توالت مثلها %~% فإليه من دون الخلائق نعدل # فرض الإله على الأنام ولاءه %~% فرضا به نزل الكتاب المنزل # إن كنت مرتابا فسل عن إنما (1) %~% فهي الدليل لمن يصح ويعقل # كتف النبي لأخمصيك مواطئ %~% فلذاك خد سواك حقا أسفل # يا أول الأقوام إيمانا بما %~% أوحى الإله لابن عمك من عل # يا آخرا عهدا به لما قضى %~% حزت العلى أنت الأخير الأول # ما رمت نظما فيك إلا زانه %~% سحرا يزين مقولي ويجمل # وإذا مديح سواك رامت فكرتي %~% سمح القريض له وكل المقول # وإذا طغى ريب الزمان بعسره %~% فدعائي باسمك للعسير يسهل # أعمالنا منقوصة مقصورة %~% إن لم يصححها ولاك ويكمل # مديحك ألبسني ملابس رفعة %~% لعلوها فوق المجرة أرفل # كم منبر شرفته بمدائح %~% في وصف مجدك فضلها لا يجهل # وخطابة رصعتها بجواهر %~% هام الثناء بها عليك يكلل # تعنوا وجوه اولي التقى لجلالها %~% وذوو الشقاء حسدا بها يتضاءلوا # ما طال مجد بالمكارم والتقى %~% إلا ومجد علاك منه أطول # رقمت حروف علاك في الصحف الاولى %~% مفروضة إذ ما سواها مهمل PageV01P507 # سل عنه بدرا والوليد وعتبة %~% تنبيك عن ندب يقول ويفعل # قد ابن ميشا فانثنى وحسامه %~% بدمائه متوشح متسربل # وقموص ms270 خيبر مذ ابيد غدت لها %~% قمص المذلة والإهانة تشمل # وبنو قريظة لم يزل رب العلى %~% بيديك يا مولى الأنام يزلزل # أعمالنا في حشرنا وصلاتنا %~% بسوى ولائك ربنا لا يقبل # علقت يدي منه بأوثق عروة %~% يفنى الزمان وحبلها لا يفصل # يا من يقيس به سواه سفاهة %~% ما أنت إلا أعفك (1)لا يعقل # تربت يداك فضل سعيك في الورى %~% أيقاس بالدر الثمين الجندل # من تيم من أعلامها ما فضلها %~% ما مجدها من حبتر من نعثل # بل ما الأكاسرة العظام وما %~% القياصرة الكرام ومن يجور ويعدل # فيه بنوح والخليل وبالكليم %~% وبابن مريم وهو منهم أفضل # يا زائرا جدث الوصي معظما %~% وله على البيت الحرام يفضل # ويرى الخضوع لديه خير وسيلة %~% بثوابها يتوسل المتوسل # قف خاشعا والثم ثراه ففضله %~% وكماله من كل فضل أكمل # واعدد قيامك في صعيد مقامه %~% سببا إلى رضوان ربك يوصل # وجميع ما تأتي به من طاعة %~% جزما بغير ولائه لا يقبل # وأبلغه عني بالسلام تحية %~% هي خير ما يهدى إليه ويرسل # ومدائحا في غير وصف كماله %~% ترصيعها وبديعها لا يجمل # وإليه أبدي بالخطاب ألوكه %~% عن صدق إخلاصي رواها المقول # من بعد ما نأتي به من طاعة %~% بأدائها يتنفل المتنفل PageV01P508 # وإذا فرض أو إقامة سنة %~% أو زورة منها النجاة تؤمل # قف ثم قل يا خير من لولائه %~% في مهجتي دون الخلائق منزل # ومعارج الدعوات حول ضريحه %~% وعليه أملاك السماء تنزل # تركوك يا طود العلوم وقدموا %~% رجسا بحبة خردل لا يعدل # وبنوا قواعد دينهم سفها على جرف %~% فتاهوا في الضلال وضللوا # وتراث أحمد منك حازوه وما %~% استحيوا وللقرآن جهلا أولوا # وعلى عبادة عجلهم عكفوا وأض %~% حى السامري بهم إليه يعدلوا # ولزوجك الزهراء عن ميراثها %~% حجبوا وحكم الله فيها بدلوا # وعليك من بعد النبي تحزبت %~% أحزابهم وأتوا لحربك يرفلوا # وغدا براكبة البعير بعيرها %~% للكفر والإلحاد منها يحمل # وأتت من البلد الحرام بفتنة %~% لب اللبيب لها يحير ويذهل # لم أنسها وجموعها من حولها %~% لضبا العوامل والمناصل مأكل # حتى إذا شرفت بعصبة بغيها %~% ورأت بنيها ms271 حولها قد قتلوا # أبدت خضوعا واستقالت عثرة %~% ما أن يقالو مثلها لا يحمل # ثم انثنت نحو ابن هند والحشا %~% منها به للحقد نار تشعل # جعلت دم المقتول حقا شبهة %~% منها بدار أخ الرسول تؤمل # ما تيم مرة من امية فانكصي %~% فالبغي يصرع طالبيه ويخذل # أغراك غل في فؤادك كامن %~% يغلي مراجله وحقد أول # لم تجر بعد المصطفى من فتنة %~% إلا وبغيك وردها والمنهل # فلذاك رأس القاسطين ورهطه %~% بك في الضلال تتابعوا وتوغلوا # والمارقون عن الهدى والسابقون %~% إلى الردى وبنهروان جدلوا # منك احتدوا وبك اقتدوا في ضيمهم %~% وعلى اجتهادك في خروجك عولوا PageV01P509 # أغواهم الشيطان حتى أكفروا %~% بحر العلوم وخطئوه وجهلوا # وعدوا عليه مصليا متهجدا %~% بتخشع وتضرع يتبتل # كفروا بأنعم ربهم ونبيهم %~% ووليهم إذ ضيعوا ما حملوا # بكت السماوات العلى لمصابه %~% بدم عبيط لا بدمع يهمل # أذكت رزيته بقلبي لوعة %~% حتى الممات رسيسها يتجلجل # وعلى عيوني حرمت طيب الكرى %~% فلذا بفيض نجيعها لا تبخل # صلى عليك الله يا من ديننا %~% حقا بغير ولائه لا يقبل # وعلى الذين تقدموك وفا %~% ر قوادين الهدى ووكيد عهدك أهملوا # لعنا وبيلا ليس يحصى عده %~% حتى القيامة وصله لا يفصل # ما ارتاح ذو شجن ينشر صارما %~% عصفت جنوب واستمرت شمائل PageV01P510 ### | فصل في ذكر سيدة النساء (صلوات الله وسلامه عليها) ### ||| [خطبة للمؤلف (رحمه الله)] # نبدأ من ذلك بخطبة في ذكر شيء من مناقبها وتزويجها بأمير المؤمنين ~~(صلوات الله وسلامه عليه)، قلتها بإذن الله وخطبت في مشهد ولدها السبط ~~التابع لمرضاة الله أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) يوم السادس من ذي ~~الحجة الحرام، وهي هذه: # الحمد لله الذي أعلا بعلي أمره كلمة رسوله ونبيه وانمى له في سماء المجد ~~قدرا، وأوضح أحكام شريعته بوصيه في امته وشد به منه عضدا وأزرا، ونصب أعلام ~~ملته بشدة عزمته وجعله نسبا وصهرا. # وأمر نبيه أن يورده من غدير الشرف في الغدير وردا وصدرا، وأن يخاطب الجم ~~الغفير بفرض ولايته علانية وسرا، وأن يرفع له بالرئاسة العامة إلى حين حلول ~~الطامة الكبرى ms272 قدرا، لما زوجه الجليل سبحانه بالبتولة الزهراء والإنسية ~~الحوراء جعل سبحانه نثار طوبى لشهود العرس نثرا، وتولى سبحانه عقدة نكاحها ~~بلسان العناية الإلهية، وخاطب نبيه ببيان الإرادة الأزلية: إني قد زوجت ~~نوري من نوري فأعظم بذلك فخرا. # يا له نكاحا وليه الملك الجليل، وعقد شاهداه جبرائيل وميكائيل، وجمعا (1) ~~خطبته على منبر الكرامة راجيل، قد جعل الله نثار قاصرات الطرف فيه PageV01P511 # ياقوتا ودرا، يتفاخرن به في قصور دار المقامة، ويتهادينه في منازل السرور ~~إلى يوم القيامة، تلك أرواح سالكي طريق الحق من أهل الامامة، قد جعل الله ~~لهن حسن إخلاص المخلصين بالايمان ... (1) مهر الولاء وجود عين الوجود في ~~الكربين، أعني صاحب بدر واحد وحنين، لم يكن للزهراء كفو ما بين المشرقين ~~والمغربين، فلهذا أحدث الله لهما في صحائف التطهير والتقديس أمرا. # بحران التقيا بتدبير العلي العظيم، وبدران اقترنا بتقدير العزيز العليم، ~~ونوران اجتمعا بمشيئة المدبر الحكيم، قد كفر الله بولائهما سيئات أوليائهما ~~وأعظم لهم أجرا، يخرج من صدف بحريهما اللؤلؤ والمرجان، ويشرق بزاهر نوريهما ~~الملوان (2) والخافقان، ويهتدي بعلم علمهما الثقلان من الإنس والجان، ~~ويجعل الله بذريتهما لدين الحق بعد الطي نشرا، امناء الحق من نجلهما، وهداة ~~الخلق من نسلهما، ودعاة الصدق من الهماهم غيوث وليوث في قرى، وقراع فهم اسد ~~الشرى، سادة الخلق وأعلام الورى، فعليهم أهل بيت ومقام وصفا، ومناجاة بصدق ~~وصفا، من لهم بالمجد حقا وصفا، نال من ذي العرش صلوات الله تترا، توقيرا وبرا. # نحمد ربنا على ما اختصنا به من عرفان حقهم، ونشكره إذ جعلنا من الموقنين ~~بفضلهم وصدقهم، ووفقنا في حلبة الفخر للاقرار بتقديمهم وسبقهم، وخلص ابريز ~~خالص معتقدنا لحبهم سرا وجهرا. # ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تدحض عن قائلها ذنبا ~~ووزرا، وترمض من منكرها سحرا وبحرا. PageV01P512 # ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أطلعه الله على أسرار ملكوته ليلة ~~الاسراء، وشرفه حضرة جبروته على الخلق طرا. # صلى الله عليه صلاة عرفها كالمسك عطرا، ونشرها كالروض نشرا، وعلى آله ~~الذين من ms273 استمسك بحبل ولائهم فاز من الله بالبشرى، وحاز السعادة الكبرى في ~~الدنيا والاخرى، ما أظهر النهار بنور صباه من الليل فجرا، وهزم بمسلول صارم ~~حسامه صباحه جنود الحنادس فلم يبق منها عينا ولا أثرا. # يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم (1) وسعادة ~~باقية ببقاء الرب الرحيم، وجنات لكم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا إن ~~الله عنده أجر عظيم (2)، أن تسلكوا سبيل ولي الله في بره وبحره، والداعي ~~إلى الله على بصيرة من أمره، والمخلص بطاعته لربه في سره وجهره، وعيبة ~~علمه، وموضع سره، ووجهه الواضح في خلقه، ولسانه الناطق بحقه، ويده الباسطة ~~في بلاده، وعينه الباصرة في عباده. # صاحب الخندق وبدر، وقاتل الوليد وعمرو، الذي دك الله بيده حصن القموص، ~~واختصه بأشرف النصوص على الخصوص. # بحر العلم، طود الحلم، وينبوع الكرم، ومعدن الحكم. # أفصح الخلق لسانا، وأوضحهم بيانا، وأكرمهم بنانا، وأعلاهم في الشرف ~~تبيانا. # السائق الصادق، والصادع الناطق، والفاتح الخاتم، والمتصدق في PageV01P513 # ركوعه بالخاتم. # نفسه نفس الرسول، وعرسه الطاهرة البتول، سيدة نساء الامة، وأم السادة ~~الأئمة، وابنة شفيع المحشر، وحليلة ساقي الكوثر، الخاشعة الزاهدة، الراكعة ~~الساجدة، الصائمة القائمة، العالمة العالمة، السالكة الناسكة، العفيفة ~~الشريفة، المتهجدة المتعبدة، البتولة الطاهرة، سيدة نساء الدنيا والآخرة، ~~أم الحسنين، وابنة شفيع الكونين، وحليلة إمام الثقلين. # تخجل الشمس حياء منها إن أسفرت، وتبتهج الأرض سرورا إن عليها خطرت، شجرة ~~دوحة النبوة، ودرة صدفة الفتوة، نور من نور خلقت، وشمس من شمس أشرقت، فضلها ~~لا يخفى، ونورها لا يطفى، لما كان والدها لقلادة النبوة واسطة، كلمه الجليل ~~سبحانه ليلة الاسراء بلا واسطة، وجعل بعلها له وصيا ووليا، وبأعباء رسالته ~~حفيا مليا، وتولى سبحانه عقدة نكاحها في حضيرة القدس، وجعل جبرائيل ~~وميكائيل من جملة خدمها ليلة العرس: ### ||| [قصيدة في حق الزهراء (عليها السلام)] # بنت خير الخلق طرا %~% وأجل الخلق قدرا # من بها الله بصنو المص %~% طفى أصفى وبرا # عالم الامة والهادي لها %~% برا وبحرا # ولا سما الخلق مجدا %~% نسبا كان وصهرا # وباحد ms274 شد منه ا %~% لله للمختار أزرا # وببدر أطلع الحق %~% به للحق بدرا # هازم الأحزاب والقاتل %~% ذاك اليوم عمرا # سل به خيبركم %~% هد بها ركنا وقصرا # ناصب الراية لما كع %~% من كع وفرا PageV01P514 # في حنين نصر الله %~% به الاسلام نصرا # رفع الله له في الدوح %~% بالإمرة أمرا # كان بالزهراء من كل %~% عباد الله أحرى # لم يكن كفوا لها لولاه %~% بين الناس يدرى # جعل الله لها خمس %~% جميع الأرض مهرا # طهرت مع نجلها من %~% سائر الأرجاس طهرا # ذكرها يوم الكساء في %~% الذكر يتلى مستمرا # بعلها قامع هامات %~% جنود الشرك قهرا # قاصم الأصلاب والقاسم %~% للأسلاب قسرا # وامرح فكري مدحا في %~% وصفه نظما ونثرا # فرأيت الله قد أعلى له %~% في الذكر ذكرا # هل أتى (1)فيه وفي %~% زوجته وابنيه تقرا # آثروا بالقوت لما %~% أن وفوا عهدا ونذرا # عبد الخالق لما عبد %~% الأقوام جهرا # هبلا ثم يغوث %~% وسواعا ثم نسرا # مذ بني بالبضعة الزهراء %~% أهدى الله عطرا # شرفا منه لها قد %~% فاق في الآفاق ذكرا # عرفه من يثرب في مكة %~% ينفح نشرا ### ||| [جملة من مناقبها (عليها السلام)] # روي عن الأصبغ بن نباتة بإسناد متصل قال: لما زوج رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) فاطمة من علي (عليه السلام) وأراد أن يدخلها به أتاه جبرائيل، PageV01P515 # فقال: يا محمد، ما تصنع؟ # قال: ادخل فاطمة بعلي. # قال: إن ربك يقرؤك السلام، ويقول لك: لا تحدث شيئا حتى آتيك، ثم عرج ~~جبرائيل وهبط على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعه قدح من الياقوت فيه ~~من مسك الجنة، وزعفران من زعفران الجنة، مضروب بماء الحياة، وقال لرسول ~~الله (صلى الله عليه وآله): ربك يقرؤك السلام، ويقول لك: مر فاطمة فلتضع ~~هذا في مفرقها ونحرها، ففعلت ذلك، فكانت (صلوات الله عليها) بعد ذلك إذا ~~حكت رأسها بالمدينة تفوح رائحته من مكة، فيقول الناس: ما هذه الرائحة؟ # فيقال: إن فاطمة قد حكت رأسها بالمدينة اليوم، فهذه رائحة الطيب الذي ~~أهداه الله إليها. # وروى الشيخ الجليل محمد بن علي بن الحسين بن موسى ms275 بن بابويه القمي رضي ~~الله عنه في أماليه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: لقد هممت بتزويج ~~فاطمة (عليها السلام) وما يمنعني من ذلك إلا اني لم أتجرأ على رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله)، وإن ذلك ليختلج في صدري ليلا ونهارا حتى دخلت على ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم فقال: يا علي. # فقلت: لبيك، يا رسول الله. # قال: هل لك في التزويج؟ # قلت: رسول الله (صلى الله عليه وآله) أعلم، وإذا به يريد أن يزوجني بعض ~~نساء قريش (1) وإني لخائف على فوات فاطمة، فانصرفت فلم أشعر بشيء حتى PageV01P516 # أتاني رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال لي: أجب النبي وأسرع، فما ~~رأيت أشد فرحا منه اليوم، قال: فأتيته مسرعا، فإذا هو في حجرة أم سلمة رضي ~~الله عنها، فلما نظر إلي تهلل وجهه فرحا، وتبسم حتى نظرت إلى بياض أسنانه يبرق. # فقال: يا علي، أبشر، فإن الله سبحانه قد كفاني ما كان أهمني من أمر ~~تزويجك. # فقلت: وكيف ذلك، يا رسول الله؟ # فقال: أتاني جبرائيل ومعه من سنبل الجنة وقرنفلها وناولنيهما فأخذتهما ~~وشممتهما، وقلت: ما سبب هذا السنبل والقرنفل؟ # فقال: إن الله سبحانه أمر سكان الجنة (1) من الملائكة ومن فيها أن يزينوا ~~الجنان كلها بمغارسها وأشجارها وأثمارها وقصورها، وأمر ريحها فهبت بأنواع ~~الطيب والعطر، وأمر حور عينها بقراءة سورة طه وطواسين ويس وحمعسق، ثم نادى ~~مناد من تحت العرش: # ألا إن اليوم يوم وليمة علي بن أبي طالب، ألا إني اشهدكم أني قد زوجت ~~فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) من علي بن أبي طالب رضى مني بعضهما لبعض. # ثم بعث الله سبحانه سحابة بيضاء فمطرت عليهم من لؤلؤها وزبرجدها ~~ويواقيتها، وقامت الملائكة فنثرت من سنبل الجنة وقرنفلها، وهذا مما نثرته ~~الملائكة. PageV01P517 # ثم أمر الله سبحانه ملكا من ملائكة الجنة يقال له راحيل (1)، وليس في ~~الملائكة أبلغ منه، فقال: اخطب يا راحيل، فخطب بخطبة لم يسمع بمثلها أهل ~~السماوات ولا أهل الأرض، ثم نادى مناد: ms276 ألا يا ملائكتي وسكان جنتي، باركوا ~~على علي حبيب محمد (صلى الله عليه وآله) وفاطمة بنت محمد فقد باركت عليهما، ~~ألا إني قد زوجت أحب النساء إلي من أحب الرجال إلي بعد النبيين والمرسلين (2). # فقال راحيل الملك: يا رب وما بركتك عليهما بأكثر مما رأينا [لهما] (3) في ~~جنتك ودار رضوانك؟ # فقال عز وجل: يا راحيل، إن من بركتي عليهما أن أجمعهما على محبتي، ~~وأجعلهما حجة على خلقي، وعزتي وجلالي لأخلقن منهما خلقا، ولأنشئن منهما ~~ذرية أجعلهم خزاني في أرضي، ومعادن لعلمي، ودعاة إلى ديني، بهم أحتج على ~~خلقي بعد النبيين والمرسلين. # فأبشر يا علي، فإن الله عز وجل أكرمك بكرامة لم يكرم بمثلها أحدا، وقد ~~زوجتك ابنتي على ما زوجك الرحمن، ورضيت بما رضي الله لها، فدونك أهلك، فإنك ~~أحق بها مني ومن كل أحد، وقد أخبرني جبرائيل أن الجنة مشتاقة PageV01P518 # إليكما، ولو لا أن الله سبحانه قدر أن يخرج منكما ما يتخده على الخلق حجة ~~لأجاب فيكما الجنة وأهلها، فنعم الأخ أنت، ونعم الختن أنت، ونعم الصاحب ~~أنت، وكفاك برضى الله رضى. # قال علي (عليه السلام): فقلت: يا رسول الله، أبلغ بقدري حتى ذكرت في ~~السماء (1) وزوجني ربي في ملائكته؟! # فقال (صلى الله عليه وآله): إن الله سبحانه إذا أكرم وليه أكرمه بما لا ~~عين رأت ولا اذن سمعت، فأحباها الله لك. # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد أن سجد شكرا لله: @QUR@08 (رب ~~أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي) (2). # فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): آمين (3). # الخرگوشي في كتابيه شرف المصطفى واللوامع، بإسناده عن سلمان. وأبو بكر ~~الشيرازي أيضا روى في كتابه. وأبو إسحاق الثعلبي، وعلي بن أحمد الطائي، ~~وغيرهم من علماء السنة في تفاسيرهم عن سعيد بن جبير. وروى أيضا سفيان ~~الثوري وأبو نعيم الأصفهاني أيضا فيما نزل من القرآن في أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس. وعن [أبي مالك، عن] (4) ~~ابن عباس والقاضي النطنزي عن سفيان بن عيينة، عن ms277 الصادق (عليه السلام). PageV01P519 # وروى مشايخنا رضي الله عنهم عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: # @QUR@03 (مرج البحرين يلتقيان) (1) قال: علي وفاطمة بحران من العلم ~~عميقان لا يبغي أحدهما على صاحبه، وفي رواية: @QUR@02 (بينهما برزخ) (2) ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) @QUR@05 (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) (3) ~~الحسن الحسين (عليهما السلام). (4) # أبو معاوية الضرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن ابن عباس أن فاطمة (عليها ~~السلام) بكت للجوع والعري، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): اقنعي ~~يا فاطمة بزوجك، فو الله إنه سيد في الدنيا، سيد في الآخرة، وأصالح بينهما، ~~فأنزل سبحانه: @QUR@03 (مرج البحرين يلتقيان) يقول: أنا الله أرسلت ~~البحرين: عليا بحر العلم، وفاطمة بحر النبوة، يلتقيان: يتصلان، أنا الله ~~أوقعت الوصلة بينهما، ثم قال: @QUR@02 (بينهما برزخ) أي مانع رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) يمنع عليا أن يحزن لأجل الدنيا، ويمنع فاطمة أن تخاصم ~~بعلها لأجل الدنيا @QUR@03 (فبأي آلاء ربكما) يا معشر الجن والإنس @QUR@01 ~~(تكذبان) بولاية أمير المؤمنين وحب فاطمة الزهراء، فاللؤلؤ الحسن، والمرجان ~~الحسين، لأن اللؤلؤ الكبار والمرجان الصغار، ولا غرو أن يكونا بحرين لسعة ~~فضلهما وكثرة خيرهما، فإن البحر ما سمي بحرا إلا لسعته، وأجرى النبي (صلى ~~الله عليه وآله) فرسا فقال: # وجدته بحرا. (5) # القاضي أبو محمد الكرخي في كتابه عن الصادق (عليه السلام)، عن فاطمة PageV01P520 # (عليها السلام) قالت: لما نزلت @QUR@08 (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم ~~كدعاء بعضكم بعضا) (1) هبت رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن أقول له يا ~~أبة، فكنت أقول: يا رسول الله، فأعرض عني مرتين أو ثلاثا، ثم أقبل علي، ~~وقال: يا فاطمة، إنها لم تنزل فيك ولا في أهلك ولا في نسلك، أنت مني وأنا ~~منك، إنما انزلت في أهل الجفاء والغلظة من قريش أصحاب البذخ والكبر، قولي: ~~يا أبة، فإنها أحيى للقلب، وأرضى للرب. (2) # سفيان الثوري، عن الأعمش، عن أبي صالح في قوله سبحانه: @QUR@04 (وإذا ~~النفوس زوجت) (3) قال: ما من مؤمن يوم القيامة إلا إذا قطع الصراط زوجه ~~الله على باب الجنة ms278 بأربع نسوة من نساء الدنيا، وسبعين [ألف] (4) حوراء من ~~حور الجنة إلا علي بن أبي طالب، فإنه زوج البتول فاطمة في الدنيا، وهو ~~زوجها في الجنة، ليست له في الجنة زوجة غيرها من نساء الدنيا، لكن له في ~~الجنة سبعون ألف حوراء، لكل حوراء سبعون ألف خادم (5). # عن الصادق (عليه السلام) قال: حرم الله النساء على علي ما دامت فاطمة حية ~~لأنها طاهرة لا تحيض. # وقال أبو عبيد الهروي في الغريبين (6): سميت مريم بتولا لأنها بتلت عن # (5) مناقب ابن شهرآشوب: 3/ 324- 325، عنه البحار: 43/ 154. PageV01P521 # الرجال، وسميت فاطمة بتولا لأنها بتلت عن النظير. # أو هاشم العسكري قال: سألت صاحب العسكر (عليه السلام): لم سميت فاطمة ~~الزهراء؟ # قال: كان وجهها يزهر لأمير المؤمنين من أول النهار كالشمس الضاحية، وعند ~~الزوال كالقمر المنير، وعند غروب الشمس كالكوكب. (1) # وروي عن الباقر والصادق (عليهما السلام)، ورواه أيضا عامر الشعبي والحسن ~~البصري [وسفيان الثوري ومجاهد وابن جبير وجابر الأنصاري] (2)، عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله) أنه قال: فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد أغضبني. ~~أخرجه البخاري عن المسور بن مخرمة. # وفي رواية جابر: فمن آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله. (3) # ابن عبد ربه الأندلسي في العقد، عن عبد الله بن الزبير- في خبر- عن ~~معاوية بن أبي سفيان، قال: دخل الحسن بن علي على جده رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) وهو يتعثر بذيله، فأسر إلى النبي (صلى الله عليه وآله) سرا ~~فرأيته قد تغير لونه، ثم قام (صلى الله عليه وآله) حتى أتى منزل فاطمة، ~~فأخذ بيدها فهزها هزا، وقال لها: يا فاطمة، إياك وغضب علي، فإن الله يغضب ~~لغضبه، ويرضى لرضاه، ثم جاء إلى علي (عليه السلام) فأخذه بيده، ثم هزها هزا ~~خفيفا، ثم قال: PageV01P522 # يا أبا الحسن، إياك وغضب فاطمة، فإن الملائكة تغضب لغضبها، وترضى لرضاها. # فقلت (1): يا رسول الله، مضيت مذعورا ورجعت مسرورا! # فقال: يا معاوية، كيف لا اسر وقد أصلحت بين اثنين هما أكرم أهل الأرض على ~~الله؟ (2) # قلت: في روايته لهذا الحديث ms279 ثم خلافه له وارتكاب ما حذر الرسول (صلى الله ~~عليه وآله) من أن الله يغضب لغضب علي، ويرضى لرضاه أكبر دليل على نفاقه ~~واستهزائه بقول النبي (صلى الله عليه وآله)، وقلة مبالاة بأمره ونهيه، ~~وخروج عن الدين بقالبه وقلبه، وأنه لا يعتقد الاسلام دينا، ولا الله ربا، ~~ولا محمدا رسولا، ولا كان متمسكا بالكتاب، ولا أنه منزل من عند الله، ولا ~~مقرا بما انزل فيه، ولا معتقدا ما وعد الله من الحشر والنشر والحساب، ~~والجنة والنار وما أعد الله فيهما من الثواب والعقاب، فلهذا أظهر ما أبطن ~~من بغض النبي وأهله، وأجلب عليهم بخيله ورجله، وأفضى بوصيه إلى فتنته، ~~واسرته وذروته وشيعته، بالانتقام منهم، وإظهار الأحقاد البدرية فيهم، فالله ~~حسبه وطلبته، وهو بالمرصاد لكل ظالم. # قال الشيخ محمد بن بابويه القمي رضي الله عنه: وهذا الحديث ليس بمعتمد ~~لأنهما منزهان [عن] (3) أن يحتاجا أن يصالح بينهما رسول الله صلى الله PageV01P523 # عليه وآله. (1) # الباقر والصادق (عليهما السلام): أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان لا ~~ينام حتى يقبل عرض وجه فاطمة، ويضع وجهه بين ثدييها. (2) # اتي برجل إلى الفضل بن الربيع زعموا أنه سب فاطمة فقال لابن غانم: # انظر في أمره ما تقول؟ # قال: يجب عليه الحد. # فقال له الفضل: إذا كامك إن حددته، فأمر به أن يضرب بألف سوط، وأن يصلب ~~في الطريق. (3) # أبو علي الصولي في أخبار فاطمة، وأبو السعادات في فضائل العشرة، بالاسناد ~~عن أبي ذر الغفاري، قال: بعثني النبي (صلى الله عليه وآله) أدعوا عليا، ~~فأتيت بيته وناديته، فلم يجبني، فأخبرت النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال: ~~عد إليه فإنه في البيت فأتيت ودخلت عليه، فرأيت الرحى تطحن ولا أحد عندها، ~~فقلت لعلي: إن النبي يدعوك، فخرج متوشحا حتى أتى النبي (صلى الله عليه ~~وآله)، فأخبرت النبي بما رأيت، فقال: يا أبا ذر، لا تعجب فإن لله ملائكة ~~سياحون في الأرض، موكلون بمعونة آل محمد. # الحسن البصري وابن إسحاق، عن عمار وميمونة أن كليهما قالا: وجدت فاطمة ms280 ~~نائمة والرحى تدور، فأخبرت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك، PageV01P524 # فقال: إن الله علم ضعف أمته فأوحى إلى الرحى أن تدور فدارت. # وقد أورد هذا الحديث أبو القاسم البستي في فضائل أمير المؤمنين (صلوات ~~الله عليه). وروي أنها (عليها السلام) ربما اشتغلت بصلاتها وعبادتها فربما ~~بكى ولدها فرؤي المهد يتحرك وكان ملك يحركه. # وروي عن الباقر (عليه السلام)، قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~سلمان إلى منزل فاطمة (عليها السلام) بحاجة. # قال سلمان: فوقفت بالباب وقفة حتى سلمت، فسمعت فاطمة تقرأ القرآن من داخل ~~البيت والرحى تدور من خارج ما عندها أنيس، فأخبرت رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) بذلك، فتبسم، وقال: يا سلمان، إن ابنتي فاطمة ملأ الله قلبها ~~وجوارحها إيمانا إلى مشاشها (1)، تفرغت لطاعة الله فبعث الله ملكا يقال له ~~زوقابيل؛ وقيل: جبريل، فأدار لها الرحى، وكفاها الله مئونة الدنيا مع مئونة ~~الآخرة. (2) ### ||| [كلام فضة القرآني] # أبو القاسم القشيري في كتابه: قال بعضهم: انقطعت في البادية عن قافلة ~~الحج، فوجدت امرأة، فقلت لها: من أنت؟ # فقالت: @QUR@05 (وقل سلام فسوف يعلمون) (3). # فسلمت عليها، فقلت: ما تصنعين هاهنا؟ PageV01P525 # قالت: @QUR@06 (من يضلل الله فلا هادي له) (1). # فقلت: أمن الجن أنت أم من الإنس؟ # قالت: @QUR@08 (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) (2). # فقلت: من أين أقبلت؟ # قالت: @QUR@05 (أولئك ينادون من مكان بعيد) (3). # فقلت: أين تقصدين؟ # فقالت: @QUR@010 (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) (4). # فقلت: متى انقطعت؟ # فقالت: @QUR@012 (ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام) (5). # فقلت: أتشتهين طعاما؟ # فقالت: @QUR@07 (وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام) (6) فأطعمتها. # ثم قلت: هرولي وتعجلي. # فقالت: @QUR@06 (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) (7). # فقلت: أردفك. PageV01P526 # فقالت: @QUR@07 (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) (1). # فنزلت وأركبتها، فقالت: @QUR@010 (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له ~~مقرنين) (2). # فلما أدركنا القافلة قلت: هل لك أحد فيها؟ # قالت: @QUR@07 (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض) (3)@QUR@010 (وما ~~محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) (4)@QUR@05 (يا ms281 يحيى خذ الكتاب بقوة) ~~(5)@QUR@02 (يا موسى .. @QUR@03 إنني أنا الله) (6). # فصحت بهذه الأسماء، فإذا أنا بأربعة شباب متوجهين نحوها (7)، فقلت: # من هؤلاء منك؟ # قالت: @QUR@06 (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) (8)، فلما أتوها قالت: ~~@QUR@09 (يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين) (9) فكافوني ~~بأشياء فقالت: # @QUR@05 (والله يضاعف لمن يشاء) (10) فزادوا علي فسألتهم عنها، فقالوا: ~~هذه أمنا فضة PageV01P527 # جارية الزهراء صلى الله عليها، ما تكلمت منذ عشرين سنة إلا بالقرآن. (1) ### ||| [كلام للمؤلف (رحمه الله)] # قلت: يا أصحاب الفكر الصائب، والنظر الثاقب، والقلب السليم، واللب ~~المستقيم، تفكروا في هذه النفس التي قدسها الله وطهرها وأطلعها على أسرار ~~كلامه، وطهرها وشرفها بخدمة اولي نهيه وأمره، وأطلعها ببركات فضلهم على ~~مكنون سره، وجعل قلبها مشكاة نور حكمته، وباطنها مرآة كمال معرفته، وأسكن ~~حبه سويداء فؤادها، وجعل ذكره أقصى مرادها، فصارت لا تنطق إلا بكلامه ~~المجيد، الذي @QUR@014 (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من ~~حكيم حميد) (2). # وأذهب عنها كلفة المشقة في استنباط غرائبه، وإعمال الفكرة في إظهار ~~عجائبه، وجعل جبلتها مطبوعة عليه، وفكرتها مصبوبة لديه، ينبي عن مقاصدها ~~بوجيز كلماته، ويخبر عن مطالبها بعزيز آياته، فهو في لوح نفسها مسطور، وفي ~~رق علمها منشور، فكأنه روضة أنيقة بين يديها، أو جنة يانعة تهدلت أغصانها ~~عليها، تلتقط ما شاءت من أزاهير هذه وأنوارها، وتقتطف ما أرادت من فواكه ~~تلك وثمارها، لما أخلصت لله بطاعتها، وعظمت ما عظم الله من جلالة سيدتها، ~~وعلمت أن الله سبحانه عصمها وصفاها، وعلى نساء العالمين اصطفاها، وجعل ~~والدها كلمته التامة في خلقه، وبعلها لسانه الناطق بحقه، وذريتها أولياءه ~~على عباده، وعترتها امناءه في بلاده، لا يقبل الله عمل عامل إلا بولايتهم، ~~ولا يدخل الجنة إلا مستمسكا بعروة محبتهم، تشاركهم في إخلاص الطاعة ~~لمعبودهم، وساوتهم في وفاء نذورهم وعهودهم، فأدخلها سبحانه في PageV01P528 # زمرتهم، وأشركها في مدحتهم، وجعل ذكرها في جملة ذكره مذكورا، في قوله ~~سبحانه: @QUR@08 (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا) (1)، وأثبت ~~في صحائف الايمان شرفها ورفعتها، وأصالح ms282 بصلاحها ولدها وحفدتها. ### ||| [كرامة شهرة بنت مسكة بنت فضة جارية الزهراء (عليها السلام)] # مالك بن دينار قال: رأيت في مودع الحج امرأة ضعيفة على دابة نحيفة والناس ~~ينصحونها لتنكص وهي تمتنع، فلما توسطنا البادية كلت دابتها فعذلتها في ~~إتيانها وعنفتها فرفعت طرفها (2) إلى السماء، وقالت: لا في بيتي تركتني، ~~ولا إلى بيتك حملتني، فو عزتك وجلالك لو فعل هذا بي غيرك لما شكوته إلا ~~إليك، فإذا شخص أتاها من الفيفاء (3) وفي يده زمام ناقة وقال لها: اركبي، ~~فركبت وسارت الناقة كالبرق الخاطف، فلما بلغت المطاف رأيتها تطوف فحلفتها: # من أنت؟ # فقالت: أنا شهرة بنت مسكة بنت فضة جارية (4) الزهراء (عليها السلام). # وروي أن فاطمة (عليها السلام) سألت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~خاتما، فقال لها: إذا صليت صلاة الليل فاطلبي من الله عز وجل خاتما، فإنك ~~تنالين حاجتك. # قال: فدعت ربها سبحانه فإذا بهاتف يهتف: يا فاطمة، الذي طلبت مني تحت ~~المصلى، فرفعت المصلى فإذا الخاتم ياقوت لا قيمة له، فجعلته في إصبعها ~~وفرحت، فلما نامت من ليلتها رأت في منامها كأنها في الجنة فرأت PageV01P529 # ثلاث قصور لم تر في الجنة مثلها، قالت: لمن هذه القصور؟ # قالوا: لفاطمة بنت محمد. # قال: فكأنها دخلت قصرا من تلك ودارت [فيه] (1) فرأت سريرا قد مال على ~~ثلاث قوائم، فقالت: ما لهذا السرير قد مال على ثلاث قوائم؟ فلما أصبحت دخلت ~~على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقصت القصة. # فقال النبي (صلى الله عليه وآله): معاشر آل عبد المطلب، ليس لكم الدنيا، ~~إنما لكم الآخرة، وميعادكم الجنة، ما تصنعون بالدنيا فإنها زائلة غرارة، ~~فأمرها النبي (صلى الله عليه وآله) أن ترد الخاتم تحت المصلى، فردته، ثم ~~نامت على المصلى فرأت في المنام أنها دخلت الجنة، ودخلت ذلك القصر، ورأت ~~السرير على أربع قوائم، فسألت عن حاله، فقالوا: رددت الخاتم فرجع السرير ~~إلى هيئته. # أبو جعفر الطوسي: عن الصادق (عليه السلام)؛ وعن سلمان الفارسي رضي الله ~~عنه أنه لما استخرج أمير المؤمنين ms283 (عليه السلام) للبيعة من منزله خرجت ~~فاطمة حتى انتهت إلى القبر وقالت: خلوا عن ابن عمي، فو الذي بعث محمدا ~~بالحق لأن لم تخلوا عنه لأنشرن شعري، ولأضعن قميص رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) على رأسي، ولأصرخن إلى الله (2)، فما ناقة صالح بأكرم على الله مني، ~~ولا الفصيل على الله بأكرم من ولدي (3). # قال سلمان: فو الله لقد رأيت أساس حيطان المسجد قد تقلعت من أسفلها PageV01P530 # حتى لو أراد رجل أن ينفذ من تحتها نفذ، فدنوت منها وقلت: يا سيدتي ~~ومولاتي، إن الله سبحانه بعث أباك رحمة فلا تكوني نقمة، فرجعت الحيطان حتى ~~سطعت الغبرة من أسفلها فدخلت في خياشيمنا. (1) # في الصحيحين (2): أن عليا (عليه السلام) قال لفاطمة: إني أشتكي مما أندأ ~~بالقرب. # فقالت: والله وأنا أشتكي يدي مما أطحن بالرحى، وكان قد اتي النبي (صلى ~~الله عليه وآله) بسبي، فأمرها أمير المؤمنين (عليه السلام) أن تمضي إلى ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتطلب منه جارية، فدخلت على النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)ت ورجعت، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): مالك؟ # فقالت: والله ما استطعت أن اكلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ~~هيبته، فانطلق علي معها، فقال لهما رسول الله (صلى الله عليه وآله): لقد ~~جاءت بكما إلي حاجة. # فقال أمير المؤمنين لرسول الله (صلى الله عليه وآله): إن فاطمة قد طحنت ~~بالرحى حتى مجلت كفاها، وقمت البيت حتى دكنت ثيابها، وخبره بمرادهما. # فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اريد أن أبيعهم وأنفق أثمانهم على ~~أهل الصفة، وعلمها تسبيح الزهراء. # وعن أبي بكر الشيرازي (3): أنها لما ذكرت حالها للرسول بكى صلى الله PageV01P531 # عليه وآله وقال: يا فاطمة، والذي بعثني بالحق إن في المسجد أربعمائة رجل ~~مالهم طعام ولا ثياب، ولو لا خشيتي خصلة لأعطيتك ما سألت. # يا فاطمة، إني لا اريد أن ينفك عنك أجرك إلى الجارية، وإني أخاف أن يخصمك ~~علي يوم القيامة بين يدي الله عز وجل (1) إذا طلب حقه منك، ثم علمها ms284 صلاة ~~التسبيح. # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): مضيت تريدين من رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) الدنيا فأعطانا الله ثواب الآخرة. # قال أبو هريرة: فلما خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) من عند فاطمة ~~أنزل الله سبحانه عليه: @QUR@013 (وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ~~ترجوها فقل لهم قولا ميسورا) (2) يعني قولا حسنا. فلما نزلت هذه الآية أنفذ ~~إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) جارية للخدمة وسماها فضة. # تفسير القشيري: عن جابر الأنصاري، قال: رأى رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) فاطمة صلى الله عليها وعليها كساء من أجلة الإبل وهي تطحن بيديها ~~وترضع ولدها، فدمعت عينا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقال: يا بنتاه، ~~تعجلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة. # فقالت: يا رسول الله، الحمد لله على نعمائه، والشكر لله على آلائه، فأنزل ~~سبحانه @QUR@05 (ولسوف يعطيك ربك فترضى) (3). # أبو صالح المؤذن في كتابه بالاسناد عن علي (عليه السلام) أن النبي صلى PageV01P532 # الله عليه وآله دخل على فاطمة وإذا في عنقها قلادة، فأعرض عنها، فقطعتها ~~ورمت بها [فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنت مني يا فاطمة] (1)، ثم ~~جاءها سائل فناولته إياها. (2) # وفي مسند الرضا (عليه السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: يا ~~فاطمة، لا يغرنك الناس أن يقولوا بنت محمد وعليك لبس الجبابرة، فقطعتها ~~وباعتها واشترت بثمنها رقبة فأعتقتها، فسر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~بذلك. (3) ### ||| [الأمر الإلهي بتزويج أمير المؤمنين من فاطمة (عليهما السلام)] # تاريخ بغداد (4): بالاسناد عن بلال بن حمامة: طلع علينا النبي (صلى الله ~~عليه وآله) ووجهه مشرق كالبدر، فسأله ابن عوف عن ذلك، فقال: بشارة من ربي ~~أتتني لأخي علي بن أبي طالب وابنتي فاطمة، وأن الله زوج عليا بفاطمة وأمر ~~رضوان خازن الجنان فهز شجرة طوبى فحملت رقاعا بعدد محبي أهل بيتي، وأنشأ من ~~تحتها ملائكة من نور، ودفع إلى كل ملك صكا، فإذا استوت القيامة بأهلها نادت ~~الملائكة في الخلائق: أين محبو علي وفاطمة (عليهما السلام)؟ ms285 فلا يبقى محبا ~~لنا إلا دفعت إليه صكا براءة من النار، بأخي وابن عمي وابنتي فكاك رقاب ~~رجال ونساء من أمتي. PageV01P533 # وفي رواية: أن في الصكوك: براءة من العلي الجبار، لشيعة علي وفاطمة من ~~النار. (1) # ابن بطة والسمعاني في كتبهم بالاسناد عن ابن عباس وأنس بن مالك، قالا: ~~بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) جالس إذ جاء علي، فقال: يا علي، ما ~~جاء بك؟ # قال: جئت اسلم عليك. # قال: هذا جبرئيل يخبرني أن الله سبحانه زوجك فاطمة، وأشهد على تزويجها ~~أربعين ألف ملك، وأمر سبحانه شجرة طوبى أن انثري عليهم الدر والياقوت، وهن ~~يتهادينه إلى يوم القيامة، وكانوا يتهادونه ويقلن: هذا تحفة خير النساء. # وفي رواية ابن بطة عن عبد الله: فمن أخذ منه شيئا أكثر مما أخذ منه صاحبه ~~أو أحسن افتخر به على صاحبه إلى يوم القيامة. # وفي رواية خباب بن الأرت، أن الله تعالى أوحى إلى جبرئيل أن زوج النور من ~~النور، وكان الولي الله، والخطيب جبرئيل، والمنادي ميكائيل، والداعي ~~إسرافيل، والناثر عزرائيل، والشهود ملائكة السماء والأرض، ثم أوحى سبحانه ~~إلى شجرة طوبى أن انثري ما عليك، فنثرت الدر الأبيض، والياقوت الأحمر، ~~والزبرجد الأخضر، واللؤلؤ الرطب، فبادرن الحور العين يلتقطن ويهدين بعضهن ~~إلى بعض. PageV01P534 # وفي خبر أن الخطيب كان ملكا يقال له راحيل (1)، وقد جاء في بعض الكتاب ~~أنه خطب راحيل في البيت المعمور في جمع من أهل السماوات السبع، فقال: # الحمد لله الأول قبل أولية الأولين، والباقي بعد فناء العالمين، نحمده إذ ~~جعلنا ملائكة روحانيين، ولربوبيته مذعنين، وله على ما أنعم علينا شاكرين، ~~حجبنا من الذنوب، وسترنا من العيوب، أسكننا في السماوات، وقريبا من ~~السرادقات، وحبس (2) عنا النهم من الشهوات، وجعل شهوتنا ونهمتنا في تسبيحه ~~وتقديسه، الباسط رحمته، الواهب نعمته، جل عن إلحاد أهل الأرض من المشركين، ~~وتعالى بعظمته عن إفك الملحدين. # ثم قال بعد كلام (3): اختار الملك الجبار صفوة كرمه، وعبد عظمته لأمته ~~سيدة النساء بنت خير النبيين، وسيد المرسلين، وإمام المتقين، فوصل حبله ms286 ~~بحبل رجل من أهله وصاحبه، المصدق دعوته، المبادر إلى كلمته، علي الوصول ~~بفاطمة البتول، ابنة الرسول. # وروي أن جبرئيل روى عن الله سبحانه أنه قال عقيبها: الحمد ردائي، والعظمة ~~كبريائي، والخلق كلهم عبيدي وإمائي، زوجت فاطمة أمتي، من علي صفوتي، اشهدوا ~~يا ملائكتي. # وكان بين تزويج فاطمة بعلي صلى الله عليهما في السماء وتزويجهما في الأرض ~~أربعين يوما، زوجها رسول الله (صلى الله عليه وآله) من علي (عليه السلام) PageV01P535 # أول يوم من ذي الحجة؛ وقيل: يوم السادس منه. (1) # علي (2) بن جعفر، عن موسى بن جعفر (عليه السلام)، قال: بينا رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) جالس إذ دخل عليه ملك له أربعة وعشرون وجها، فقال له: # حبيبي جبرئيل، لم أرك في هذه الصورة؟! # قال الملك: لست بجبرئيل، أنا محمود، بعثني الله أن ازوج النور من النور. # قال: من بمن؟ # قال: فاطمة من علي. # قال: فلما ولى الملك إذا بين كتفيه: محمد رسول الله، علي وصيه. # فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): منذ كم كتب هذا (3) بين كتفيك؟ # فقال: من قبل أن يخلق الله آدم باثنين وعشرين ألف عام. # وفي رواية: أربع وعشرين ألف عام. # وروي أنه كان للملك عشرون رأسا، في كل رأس ألف لسان، وكان اسم الملك ~~صرصائيل. # وبالاسناد عن أبي أيوب، قال: دخل النبي (صلى الله عليه وآله) على PageV01P536 # فاطمة وقال: يا فاطمة، إني امرت بتزويجك من علي من البيضاء (1). وفي ~~رواية: من السماء. # وعن الضحاك، قال: دخل النبي (صلى الله عليه وآله) على فاطمة، وقال: # يا فاطمة، إن علي بن أبي طالب ممن عرفت قرابته مني، وفضله في الاسلام، ~~وإني سألت الله أن يزوجك خير خلقه، وأحبهم إليه، وقد ذكر من أمرك شيئا فما ترين؟ # فسكتت، فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو يقول: الله أكبر، ~~سكوتها إقرارها. ### ||| [خطبة النبي (صلى الله عليه وآله) في تزويج فاطمة (عليها السلام)] # وخطب رسول الله (2)(صلى الله عليه وآله) في تزويج فاطمة أمام العقد على ~~المنبر، رواها يحيى ms287 بن معين في أماليه، وابن بطة في الإبانة، بإسناده عن ~~أنس ابن مالك مرفوعا، ورويناها نحن عن الرضا علي بن موسى (عليه السلام)، فقال: # الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع في سلطانه، المرغوب ~~إليه فيما عنده، المرهوب من عذابه، النافذ أمره في سمائه وأرضه، الذي خلق ~~الخلق بقدرته، وميزهم بأحكامه، وأعزهم بدينه، وأكرمهم بنبيه محمد (صلى الله ~~عليه وآله)، إن الله تعالى جعل المصاهرة نسبا لا حقا، وأمرا مفترضا، وشج ~~بها الأرحام، وألزمها الأنام، فقال سبحانه: @QUR@011 (وهو الذي خلق من ~~الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا) (3) ثم إن الله سبحانه أمرني أن ازوج فاطمة ~~من علي، وقد PageV01P537 # زوجتها إياه على أربعمائة مثقال فضة، أرضيت يا علي؟ # فقال (صلوات الله عليه): رضيت، يا رسول الله. ### ||| [خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) في زواجه] # وروى ابن مردويه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لعلي: تكلم يا ~~علي خطيبا لنفسك. # فقال: الحمد لله الذي قرب من حامديه، ودنا من سائليه، ووعد الجنة من ~~يتقيه، وأنذر بالنار من يعصيه، نحمده على قديم إحسانه وأياديه، حمد من يعلم ~~أنه خالقه وباريه، ومميته ومحييه، وسائله عن مساويه، ونستعينه ونستهديه، ~~ونؤمن به ونستكفيه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تبلغه ~~وترضيه، وأن محمدا عبده ورسوله (صلى الله عليه وآله) صلاة تزلفه وتحظيه، ~~وترفعه وتصطفيه، والنكاح مما أمر الله [به] (1) ويرضيه، واجتماعنا مما ~~قدره الله وأذن فيه، وهذا رسول الله (صلى الله عليه وآله) زوجني ابنته ~~فاطمة على خمسمائة درهم، وقد رضيت، فاسألوه واشهدوا. # [وفي خبر: زوجتك ابنتي فاطمة على ما زوجك الرحمن، وقد رضيت بما رضي الله ~~لها، فدونك أهلك فإنك أحق بها مني] (2). # وفي خبر: فنعم الأخ أنت، ونعم الصهر، ونعم الختن أنت، فخر أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) ساجدا، فلما رفع أمير المؤمنين (عليه السلام) رأسه قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله): بارك الله عليكما، وبارك فيكما، وأسعد جدكما، ~~وجمع شملكما (3)، وأخرج منكما الكثير الطيب، ثم أمر رسول الله ms288 (صلى الله ~~عليه وآله) بطبق بسر وأمر بنهبه، ودخل حجرة النساء وأمرهن بضرب الدف. PageV01P538 ### ||| [في مهر الزهراء (عليها السلام)] # وقيل للنبي (صلى الله عليه وآله): قد علمنا مهر فاطمة في الأرض، فما ~~مهرها في السماء؟ # فقال (صلى الله عليه وآله): سل عما يعنيك، ودع ما لا يعنيك. # فقيل: هذا مما يعنينا، يا رسول الله. # قال: مهرها في السماء خمس الأرض، فمن مشى عليها مبغضا لها ولولدها مشى ~~عليها حراما إلى أن تقوم الساعة. # وفي الجلاء والشفاء عن الباقر (عليه السلام)- في خبر طويل-: جعلت نحلتها ~~من علي خمس الدنيا وثلثي الجنة، وجعلت لها في الأرض أربعة أنهار: # الفرات، ونيل مصر، ونهروان، ونهر بلخ. # ثم (1) إن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لأمير المؤمنين (عليه ~~السلام): قم فبع الدرع، فباعه بخمسمائة درهم من أعرابي، وأتى النبي (صلى ~~الله عليه وآله) بها. # فقال: أعرفت الأعرابي؟ # قال: لا. # قال: كان ذاك جبرئيل، وأتاني بدرعك. # قال الصادق (عليه السلام) (2): وسكب الدراهم في حجره، فأعطى منها قبضة ~~كانت ثلاثة وستين أو ستة وستين إلى أم أيمن لمتاع البيت، وقبضة إلى أسماء ~~بنت عميس للطيب، وقبضة إلى أم سلمة للطعام، وأنفذ عمارا وأبا بكر PageV01P539 # وبلالا لابتياع ما يصلحها، فكان مما اشتروه: قميص بسبعة دراهم، وخمار ~~بأربعة دراهم، وقطيفة سوداء خيبرية، وسرير مزمل بشريط، وفراشان من خيش مصر ~~(1)، حشو أحدهما ليف، والآخر من جز الغنم، وأربع مرافق من أدم الطائف حشوها ~~إذخر (2)، وستر من صوف، وحصير هجري، ورحى اليد، وسقاء من آدم، ومخضب (3) ~~من نحاس، وقفة (4) للبن، ومطهرة للماء مزفتة (5)، وجرة خضراء وكيزان خزف. # وفي رواية: ونطع من أدم، وعباء قطراني، وقربة ماء. # وكان من تجهيز علي داره انتشار رمل لبن، وخشبة من حائط إلى حائط للثياب، ~~وبسط إهاب كبش، ومخدة ليف. ### ||| [مراسم زواج أمير المؤمنين وفاطمة (عليهما السلام)] # أبو بكر بن مردويه قال: لبث أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد عقده تسعة ~~وعشرين يوما، فقال له جعفر وعقيل: سل رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن ~~يدخل عليك ms289 أهلك، فعرفت أم أيمن ذلك، وقالت: هذا من أمر النساء، وخلت به ~~أيضا أم سلمة وطالبته بذلك، فدعاه النبي (صلى الله عليه وآله)، وقال: حبا ~~وكرامة، فأتى الصحابة بالهدايا والتحف، فأمر رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) بطحن البر وخبزه، وأمر عليا بذبح البقر والغنم، فكان النبي (صلى الله ~~عليه وآله) PageV01P540 # يفصل اللحم ولم ير على يده أثر الدم. # فلما فرغوا من الطبخ أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا أن ينادي ~~على رأس داره: أجيبوا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأجابوه من النخلات ~~والزروع، فبسط النطوع في المسجد، وصدر الناس وهم أكثر من أربعة آلاف رجل، ~~وسائر نساء المدينة، ورفعوا منها ما أرادوا ولم ينقص من الطعام شيء، ثم ~~عادوا في اليوم الثاني فأكلوا، وفي الثالث أكلوا مبعوثة أبي أيوب الأنصاري ~~رضي الله عنه، ثم دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالصحاف فملئت، ووجه ~~إلى منازل أزواجه، ثم أخذ صحفة، وقال: هذه لفاطمة وبعلها، ثم دعا فاطمة ~~فأخذ يدها ووضعها في يد علي، وقال: بارك الله لك في ابنة رسول الله؛ يا ~~علي، نعم الزوج فاطمة، ويا فاطمة، نعم البعل علي. # وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر نساءه أن تزينها ويصلحن من ~~شأنها في حجرة أم سلمة فاستدعين من فاطمة (عليها السلام) طيبا فأتت ~~بقارورة، فسئلت عنها، فقالت: كان دحية الكلبي يدخل على رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) فيقول: يا فاطمة، هاتي الوسادة فاطرحيها لعمك، فكان إذا نهض سقط ~~من بين ثيابه شيء، فيأمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) بجمعه، فسألت ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن ذلك، فقال: عنبر يسقط من زغب أجنحة ~~جبرئيل، وأتت بماء ورد فسألتها عنه أم سلمة، فقالت: هذا عرق رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) كنت آخذه عند قيلولته عندي. # وروي أن جبرئيل أتى بحلة قيمتها الدنيا، فلما لبستها تحيرت نسوة قريش ~~منها، وقلن: أنى لك هذا؟ PageV01P541 # قالت: هو من عند الله سبحانه (1). # تاريخ الخطيب: ms290 بإسناده إلى ابن عباس وجابر (2) أنه لما كانت الليلة التي ~~زفت فيها فاطمة إلى علي (عليهما السلام) كان النبي (صلى الله عليه وآله) ~~أمامها، وجبرئيل عن يمينها، وميكائيل عن يسارها، وسبعون ألف ملك يشيعونها ~~من خلفها، يسبحون الله ويقدسونه حتى طلع الفجر. ### ||| [ما أنشأن نساء النبي (صلى الله عليه وآله) في زفاف الزهراء (عليها السلام)] # كتاب مولد فاطمة (عليها السلام) عن ابن بابويه رضي الله عنه- في خبر- أن ~~النبي (صلى الله عليه وآله) أمر بنات عبد المطلب ونساء المهاجرين والأنصار ~~أن يمضين في صحبة فاطمة (عليها السلام)، وأن يفرحن ويرجزن ويكبرن ويحمدن، ~~ولا يقلن ما لا يرضي الله. # قال جابر: فأركبها رسول الله (صلى الله عليه وآله) [على] (3) ناقته. وفي ~~رواية: على بغلته الشهباء، وأخذ سلمان بزمامها، وحولها سبعون حوراء والنبي ~~(صلى الله عليه وآله) وحمزة وعقيل وجعفر وأهل البيت يمشون خلفها مشهرين ~~سيوفهم، ونساء النبي قدامهم يرجزن، فأنشأت أم سلمة رضي الله عنها: # سرن (4)بعون الله جاراتي %~% واشكرنه في كل حالات # واذكرن ما أنعم رب العلى %~% من كشف مكروه وآفات PageV01P542 # فقد هدانا بعد كفر وقد %~% أنعشنا رب السموات # فسرن مع خير نساء الورى %~% تفدى بعمات وخالات # يا بنت من فضله ذو العلى %~% بالوحي منه والرسالات # ثم قالت عائشة: # يا نسوة استرن بالمعاجر %~% واذكرن ما يحسن في المحاضر # واذكرن رب الناس إذ يخصنا %~% بدينه مع كل عبد شاكر # فالحمد لله على إفضاله %~% والشكر لله العزيز القادر # سرن بها فالله أعلى قدرها (1) %~% وخصها منه بطهر طاهر # ثم قالت حفصة: # فاطمة خير نساء البشر %~% ومن لها وجه كوجه القمر # فضلك الله على كل الورى %~% بفضل من خص باي السور (2) # زوجك الله فتى مفضلا (3) %~% أعني عليا خير من في الحضر # فسرن جاراتي بها فيا لها (4) %~% كريمة بنت عظيم الخطر # ثم قالت معاذة أم سعد بن معاذ: # أقول قولا فيه ما فيه %~% وأذكر الخير وابديه # محمد خير بني آدم %~% ما فيه من كبر ولا تيه # بفضله عرفنا رشدنا (5) %~% فالله بالخير يجازيه PageV01P543 # ونحن مع بنت نبي ms291 الهدى %~% ذي شرف قد مكنت فيه # في ذروة شامخة أصلها %~% فما أرى شيئا يدانيه # وكانت النسوة يرجعن أول بيت من كل رجز، ثم يكبرن حتى دخلن الدار، ثم أنفذ ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى علي ودعاه إلى المسجد، ثم دعا فاطمة ~~فأخذ يدها ووضعها في يد علي، وقال: بارك الله لك في ابنة رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله). # كتاب ابن مردويه: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعا بماء، فأخذ منه ~~جرعة فتمضمض بها، ثم مجها في القعب، ثم صب منها على رأسها، ثم قال: # أقبلي، فلما أقبلت نضح بين ثدييها، ثم قال: أدبري، فلما أدبرت نضح بين ~~كتفيها، ثم دعا لهما. # أبو عبيد في غريب الحديث أنه قال: اللهم اونسهما أي ثبت الود بينهما. # وروي أنه (صلى الله عليه وآله) قال: اللهم إنهما أحب خلقك إلي فأحبهما ~~وبارك في ذريتهما، واجعل عليهما منك حافظا، وإني اعيذهما وذريتهما بك من ~~الشيطان الرجيم. # [وروي أنه دعا لها فقال:] (1) أذهب الله عنك الرجس وطهرك (2) تطهيرا. # وروي أنه قال: مرحبا ببحرين يلتقيان ونجمين يقترنان، ثم خرج إلى الباب ~~وهو يقول: طهركما الله وطهر نسلكما، أنا حرب لمن حاربكما، وسلم لمن ~~سالمكما، أستودعكما الله وأستخلفه عليكما، وباتت عندها أسماء بنت PageV01P544 # عميس اسبوعا بوصية خديجة إليها، فدعا لها النبي (صلى الله عليه وآله) في ~~دنياها وآخرتها. # ثم أتاهما في صبيحتهما، وقال: السلام عليكم، أدخل رحمكما الله، ففتحت له ~~أسماء الباب، وكانا نائمين تحت كساء، فقال: على حالكما، فأدخل رجليه بين ~~أرجلهما، فأخبر الله عن أورادهما @QUR@04 (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) (1) ~~الآية، فسأل عليا: كيف وجدت أهلك؟ # قال: نعم العون على طاعة الله. # وسأل فاطمة، فقال: كيف وجدت بعلك؟ # فقالت: خير بعل. ### ||| [دعاء النبي (صلى الله عليه وآله) لهما (عليهما السلام) في زواجهما] # فقال: اللهم اجمع شملهما، وألف بين قلوبهما، واجعلهما وذريتهما من ورثة ~~جنة النعيم، وارزقهما ذرية طيبة طاهرة مباركة، واجعل في ذريتهما البركة، ~~واجعلهم أئمة يهدون بأمرك إلى طاعتك، ويأمرون بما ms292 يرضيك، ثم أمر بخروج ~~أسماء، وقال: جزاك الله خيرا، ثم خلا بها بعد ذلك بإشارة الرسول (صلى الله ~~عليه وآله). # وروي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما كانت صبيحة عرس فاطمة جاء ~~النبي بعس (2) فيه لبن، فقال لفاطمة: اشربي فداك أبوك، وقال لعلي: # اشرب فداك ابن عمك. (3) PageV01P545 ### | فصل في مولدها وأحوالها وأسمائها وكناها (عليها السلام) # ولدت فاطمة بمكة بعد النبوة بخمس سنين، وبعد الاسراء بثلاث سنين، في ~~العشرين من جمادى الاخرى، وإقامتها مع أبيها بمكة ثماني سنين، ثم هاجرت إلى ~~المدينة فزوجها من علي بعد مقدمه (1) المدينة بسنتين؛ أول يوم من ذي ~~الحجة؛ وقيل: اليوم السادس منه، ودخل بها يوم الثلاثاء لست خلون منه بعد ~~بدر. (2) # وقبض (صلى الله عليه وآله) وكان لها ثماني عشرة سنة وسبعة أشهر، وعاشت ~~بعده اثنين وسبعين يوما؛ ويقال: خمسة وسبعين؛ وقيل: أربعة أشهر، وقال ~~القرباني: أربعين يوما وهو أصح. # وولدت الحسن والحسين ولها اثنتا عشرة سنة (3). # وتوفيت ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة ~~من الهجرة، ومشهدها بالبقيع، وقالوا: إنها دفنت في بيتها، PageV01P546 # وقالوا: قبرها بين قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين منبره. (1) # وكناها: أم الحسن، وأم الحسين، وأم محسن، وأم الأئمة، وأم أبيها. # وأسماؤها- على ما ذكره أبو جعفر القمي-: فاطمة، البتول، الحصان، الحرة، ~~السيدة، العذراء، الزهراء، الحوراء، المباركة، الطاهرة، الزكية، الراضية، ~~المرضية، المحدثة، مريم الكبرى، الصديقة؛ ويقال لها في السماء: # النورية، السماوية، الحانية (2)، الزاهدة، الصفية، المتهجدة الشريفة، ~~القانتة العفيفة، سيدة النسوان، وحبيبة حبيب الرحمن، ابنة خير المرسلين، ~~وقرة عين سيد الخلائق أجمعين، وواسطة العقد بين سيدات نساء العالمين، ~~والمتظلمة بين يدي العرش يوم الدين، ثمرة النبوة، وأم الأئمة، وزهرة فؤاد ~~شفيع الامة، الزهراء المحترمة، والغراء المحتشمة، المكرمة. (3) ### ||| [كلام للمؤلف (رحمه الله)] # فيا من يروم حصر مناقبها، ويطلب ضبط مراتبها، ويسأل عن معاليها ومحامدها، ~~ويبحث عن خصائصها ومحامدها، لقد رمت حصر كواكب السماء الدنيا، وأردت عد رمل ~~عالج والدهناء، هذه ابنة من اخذ عهده ms293 على أهل الأرض والسماء، وعرج بروحه ~~وبدنه كقاب قوسين أو أدنى، ورقمت أحرف أسمائه على العرش المجيد، وجعل شفيع ~~من استمسك بعروة عصمته يوم الوعيد. # القرآن منشور نبوته، والروح الأمين سفير رسالته، «أرسله بالهدى ودين ~~الحق» (4) بشير بعثته، @QUR@03 (فاتبعوني يحببكم الله) (5) دليل محبته، ~~@QUR@01 (كتب PageV01P547 # @QUR@05 الله لأغلبن أنا ورسلي) (1) علم بصيرته، ختم سجل ولايته ~~@QUR@014 (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) ~~(2)، وتوقيع علة رسالته @QUR@06 (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (3)، نشأ ~~في حجر الفتوة، وربي في دار النبوة، واضجع في مهد العصمة، وارضع ثدي ~~الحكمة، ثم ادخل مكتب @QUR@03 (سنقرئك فلا تنسى) (4)، وادب بأدب @QUR@09 ~~(خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) (5)، فبلغ من القيام بشروطها ~~الغاية القصوى. # مدت يد العصمة بقلم القدرة على لوح نفسه @QUR@06 (وعلمك ما لم تكن تعلم) ~~(6)، وخوطب بلسان العزة والرفعة: @QUR@016 (اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق ~~الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم) (7). # لما استندت عناية المعلم سبحانه بتهذيبه وتأديبه، وشرفه باختصاصه بتعليمه ~~وتقريبه، تفجرت ينابيع الحكمة من صفا سريرته، وظهرت أسرار العناية من ضفا ~~روحانيته، وزفت يد الإرادة الأزلية عروس الرسالة النبوية إليه، وحلتها ~~ماشطة المحبة الإلهية في ملابس الألطاف الخفية عليه، وأفرغت على أعطاف ~~نبوته من ملابس الرئاسة العامة تعظيما وتوقيرا، وضربت على PageV01P548 # هامة رفعته حجلة @QUR@07 (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا) (1)، @QUR@08 ~~(وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) (2). # لما انشرح صدره بخطاب @QUR@05 (ألم نشرح لك صدرك) (3)، وعلا أمره بمقال ~~@QUR@04 (ورفعنا لك ذكرك) (4)، وصار قلبه مشكاة النور الإلهي، وفضله حتى ~~القيامة غير متناهي، اجلس في صدر صفة مشارق فيضان الأنوار الإلهية على ~~جنانه، فأضاءت الأكوان بانعكاس أشعة مرآة كمال عرفانه، فأظهر بدروس علومه ~~من الايمان ما كان دارسا، وأنار بوضع قواعد شرعه من الاسلام ما كان طامسا. # وهذه النبذة التي أوردتها، واللمعة التي ذكرتها قطرة من بحر صفته، وذرة ~~من طود مدحته، اللهم اجعلنا من المهتدين بواضح دليله، السالكين في منجم ~~سبيله، المهتدين بأبرار عترته، المستضيئين بأنوار ذريته. # وأما بعلها فحسبك ما ms294 نطق به القرآن من خصائصه وفضائله، ووضح بالبرهان ~~الساطع فيه من مناقبه ودلائله، @QUR@02 (إنما وليكم) (5) عنوان منشور ~~ولايته، و@QUR@03 (قل لا أسئلكم) (6) توقيع مسطور نسبته، وسورة هل أتى نزلت ~~في رفعة عظيم إخلاصه، وآية النجوى (7) وردت في صفاته وخواصه، خسف الله PageV01P549 # بشمس وجهه بدر الشرك في بدر واحد، وأخمد بنور طلعته نار الكفر يوم عمرو ~~بن ود، وهزم أحزابه بجد عزائمه، وقطع أسبابه بحد صارمه، وشد أزر الايمان ~~ببطشه شدا، وألبس دين الاسلام بفتكه شرفا ومجدا. # لما آثر بالقرص في صيام نذره، رد الله له القرص بعد مغيبه وستره، وأثبت ~~في الذكر العزيز ذكره، وأعلى في الكتاب المجيد قدره، تتلى آيات مدحه ومدح ~~ذريته إلى يوم القيامة، وتنشر رايات شكره بإعجازه ومناديه إلى حين حلول ~~الطامة، سماه الله وزوجته وابنيه في محكم تنزيله أبرارا (1)، وزادهم في ~~ديوان شكره بمدحه إياهم فخارا. # فالحمد لله الذي أوضح لقلوبنا سلوك سبيلهم، وزادها لهم هدى ونورا. # وشرح صدورنا لاتباع دليلهم، وألبسها من ملابس ولائهم تزكية وتوقيرا. # وقربنا زلفى من رضوانه بعرفان حقهم، وجعلنا من الموقنين بفضلهم وصدقهم، ~~وسقانا من زلال خالص حبهم شرابا طهورا. ثم أنزل لذة زلاله في مذاق أفئدتنا ~~منذ عالم الذر حين قال ربنا: @QUR@03 (ألست بربكم) (2) فأقر من أقر، وأنكر ~~من أنكر، ولم تزل عين عنايتهم تحرسنا من ظلم الضلال الأكبر إلى أن جعل الله ~~لنا في عالم الشهادة برورا وطهورا. لو لا استمساكنا بعروة عصمتهم، ~~والتزامنا بحبل مودتهم، واتباعنا سبيل شرعتهم لم نكن شيئا مذكورا. # طهرنا ربنا بفاضل طهورهم من دنس الشرك، ونزهنا باتباع زاهر نورهم من دين ~~الشك، وخلص إبريز خالص معتقدنا بنار حبهم عند السبك، ورفع لنا في مقام ~~المجد منبرا وسريرا. PageV01P550 # ووسم قلوبنا بميسم مودتهم وطهرها من الزلل، ورقم على إبريز خالص معتقدنا ~~أحرف حبهم في دار ضرب الأزل، وأذاقنا من رحيق عنايتهم ما لذته في مذاق ~~أفئدتنا لم تزل كأسا كان مزاجها كافورا. # نشهد أنهم أبواب وسائلنا إلى ربنا، وأسباب اتصالنا بمنازل قربنا، فلهذا ~~وجهنا إلى كعبة ms295 شرفهم مطايا حبنا، واعتقدنا ما سوى جلال جنابهم من الخلق ~~هباء منثورا. # هل أتى نص هل أتى إلا في مدحة فضلهم؟ وهل انزلت آية النجوى إلا تزكية ~~لفعلهم؟ وهل دنا بقدم الصدق إلى الملكوت الأعلى غير جدهم صاحب آيات ~~@QUR@07 (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا) (1)@QUR@08 (وداعيا إلى الله ~~بإذنه وسراجا منيرا) (2)؟ # رد الله له القرص حين آثر في صيامه بالقرص، وعليه الرسول بالرئاسة العامة ~~يوم الغدير نص، وله الله بالبضعة الزهراء دون الخلق خص، وجعله نسبا وصهرا ~~وكان ربك قديرا (3). # لما لم يثنهم عن الوفاء بعهد ربهم ثاني، ولم يكن لهم بالاخلاص في الطاعة ~~من الخلق ثاني، أثنى عليهم بآيات المثاني، فقال: @QUR@08 (يوفون بالنذر ~~ويخافون يوما كان شره مستطيرا) (4). # مصابيح ظلام إذا العيون هجعت، ومجارع اكرام إذا الغيوث منعت، PageV01P551 # يؤثرون في صومهم بقوت يومهم ولا يخشون أزمة قرعت، @QUR@010 (ويطعمون ~~الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) (1). # لم يتبعوا صدقاتهم منا ولا أذى لما تصدقوا، وما فاهوا بما يكدر الصنعة ~~وما نطقوا، بل قالوا في سرائر ضمائرهم لما تصدقوا وصدقوا: @QUR@011 (إنما ~~نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا) (2). # إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا يوم الدين، إنا نرغب أن يخلصنا ببذل ~~معروفنا بالصالحين، إنا نطلب إليه أن يرقم أسماءنا في دفاتر المخصلين، ~~@QUR@07 (إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا) (3). # تحققوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، وفرقوا من مقام التوبيخ حين العرض ~~عليه، وأشفقوا يوما يعض الظالم على يديه (4)@QUR@010 (فوقاهم الله شر ذلك ~~اليوم ولقاهم نضرة وسرورا) (5). # أجلسهم على بساط انسه في ظل جنابه، وسقاهم من شراب قدسه أصفى شرابه، ~~وجعلهم خاصة نفسه في دار ثوابه @QUR@07 (وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا) (6). # متقابلين فيها على مضاعفات الأسرة والفرش، في جنة صعيدها رضوان الله ~~وسقفها العرش، قد نزع الله ما في صدورهم من غل وغش، @QUR@02 (متكئين فيها) PageV01P552 ### ||| [قصيدة في معنى «سورة الانسان»] # @QUR@09 (على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا) (1). # ظلالها ممدودة عليهم %~% قطوفها دانية إليهم # ولدانها قائمة لديهم %~% كلؤلؤ يحسبه ms296 منثورا # يطوف بالأكواب والكؤوس %~% في مجلس التطهير والتقديس # صار بأمر بارئ النفوس %~% لهم شرابا سائغا طهورا # جوهرها من فضة نقية %~% من كوثر مترعة روية # موضوعة في الغرف المبنية %~% قدرها مدبرها تقديرا # من دارهم منبع عين تسنيم %~% ارق باللطف من النسيم # مقسم في جنة النعيم %~% يكسهم بشربه سرورا # عن سلسبيل سل سبيل تخبر %~% بأن بدء جزئه من كوثر PageV01P553 # خصوا به من ذي الجلال الأكبر %~% يزيدهم بصفوه حبورا # طووا ثلاثا لم يذوقوا مطعما %~% بل آثروا بقوتهم تكرما # فقال فيهم ذو العلى ونعما %~% قال مديحا فيهم مشهورا # إن شئت فاتل سورة الانسان %~% ترى لهم شأنا عظيم الشأن # به أقر خالص الإيمان %~% لما غدا الرجس به كفورا # وإنما وليكم (1)في المائدة %~% عليهم بكل فضل عائدة # يمجها مسمع ذي المعاندة %~% فينثني بغيظه مقهورا # إن عصبة النصاب أضحت عازلة %~% لنا وفي فضلهم مجادلة # إذا تلونا آية المباهلة (2) %~% ولوا على أدبارهم نفورا PageV01P554 # أبحر علم وسواهم آل %~% وهم لخير المرسلين آل # إليهم المرجع والمال %~% يوما عبوسا كالحا عسيرا # آل العبا خصوا باي الذكر %~% والنصف من شفيع يوم الحشر # ونزهوا من كل عيب يجري %~% في غيرهم وطهروا تطهيرا # يا من يروم رتبة الامامة %~% سواهم والأمر والزعامة # بغير علم متقنا أحكامه %~% لقد رقوت موبقا خطيرا # أتحسب الإمرة والخلافة %~% بالكبر والغلظة والخلافة # أم بأب مثل أبي قحافة %~% بؤ خاسئا مذمما مدحورا # سل امك البغية الشقية %~% صهاك عن اصولك العلية # فإنها أخبر بالقضية %~% فلا تكن بغيرها فخورا # غرتك دنياك فصرت حاكما %~% وللوصي والبتول ظالما PageV01P555 # وللنبي مؤذيا مخاصما %~% فسوف تصلى بعد ذا سعيرا # عقوبة الذنب من الله على %~% مقدار ذنب العبد في دار البلا # وظلم من يؤذي النبي المرسلا %~% هل فوقه ظلم فكن بصيرا # دع رتبة الوصي خير من برى %~% إلهنا وخير من فوق الثرى # بعد النبي المصطفى هادي الورى %~% عنه اسأل التوراة والزبورا # والصحف الاولى ومن أتى بها %~% من لدن ذي العرش ومن صحابها # سل برة المزمور في كتابها %~% معينا مبينا مسطورا # صاحب بدر وحنين واحد %~% وخيبر وخندق يوم ابن ود # إذ ms297 ضلت القلوب منه ترتعد %~% فصار من سطوته مثبورا # جلله عضبا بائنا ذكر %~% فخر كالجذع الغريم المنعقر # له من المنون وردا وصدر %~% معفرا بدمه تعفيرا PageV01P556 # سل كل باغ غادر مشافق %~% من ناكث وقاسط ومارق # ما ذا لقوا من الإمام الصادق %~% في حربهم فاسأل به خبيرا # لنا قلوب ملئت من حبه %~% وحب أهل بيته وصحبه # لما علمنا قربه من ربه %~% بارئنا زدنا هدى ونورا # اللهم فكما جعلت له في فؤادي ودا، لا اعادي له وليا، ولا اوالي له ضدا، ~~فصل على محمد وآله واجعل لي بصدق ودادي عندك عهدا يوم ألقاك في معادي ~~منشورا. # وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة اعدها لهول القيامة وظلماته نورا ~~مستنيرا، وعلى الملحدين في آياته سيفا مشهورا. # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل من أتى على الطاعة بالنعيم بشيرا، ~~وبالجحيم على المعصية نذيرا. # صلى الله عليه وعلى آله سادة الخلق أولا وآخرا، الذين أذهب الله عنهم ~~الرجس وطهرهم تطهيرا (1). # روى الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه ~~القمي في أماليه: قال: حدثنا الحسن بن مهران، قال: حدثنا مسلمة بن PageV01P557 # خالد، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام). # وروى هذا الحديث بعينه شعيب بن واقد، عن القاسم بن بهرام، عن ليث، عن ~~مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنه. (1) ### ||| [في قصة نزول آيات @QUR@08 (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا ... @QUR@01 مشكورا) في علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وجاريتهم فضة] # وروى الشيخ الجليل أبو علي الطبرسي في تفسيره مجمع البيان لعلوم القرآن ~~(2) أن هذه الآيات وهي: @QUR@08 (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها ~~كافورا) - إلى قوله- @QUR@04 (وكان سعيكم مشكورا) (3) نزلت في علي وفاطمة ~~والحسن والحسين (عليهم السلام) وجارية لهم تسمى فضة. # ومضمون القصة بالاسناد المتقدم عن الصادق (عليه السلام) وابن عباس، ~~قالوا: مرض الحسن والحسين (عليهما السلام) وهما صبيان صغيران فعادهما رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) ومعه رجلان، فقال أحدهما لأمير المؤمنين (عليه ~~السلام): يا أبا الحسن، لو نذرت في ms298 ابنيك نذرا إن الله (4) عافاهما. # فقال (صلوات الله عليه): أصوم ثلاثة أيام شكرا لله سبحانه، وكذلك قالت ~~فاطمة (عليها السلام)، وقال الصبيان: ونحن أيضا نصوم ثلاثة أيام، وكذلك ~~قالت جاريتهم فضة، فألبسهما الله عافيته، فأصبحوا صياما وليس عندهم شيئا من ~~الطعام، فانطلق أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى جار له يهودي يعالج الصوف PageV01P558 # اسمه شمعون، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): هل لك أن تعطيني جزازا ~~(1) من صوف تغزلها لك ابنة محمد بثلاثة أصواع من شعير؟ # قال اليهودي: نعم. فأعطاه، فجاء بالصوف والشعير، وأخبر فاطمة (عليها ~~السلام) بذلك، فقبلت وأطاعت، ثم عمدت فغزلت ثلث الصوف، ثم أخذت صاعا من ~~الشعير، فطحنته وعجنته وخبزت منه خمسة أقراص لكل واحد قرصا (2)، وصلى أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) صلاة المغرب مع رسول الله PageV01P559 # (صلى الله عليه وآله)، ثم أتى منزله فوضع الخوان وجلسوا يتعشون خمستهم، ~~فأول لقمة كسرها أمير المؤمنين (عليه السلام) وإذا مسكين قد وقف بالباب، ~~فقال: السلام عليكم يا أهل بيت النبوة، أنا مسكين من مساكين المسلمين ~~أطعموني مما تأكلون أطعمكم الله على موائد الجنة، فوضع أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) اللقمة من يده، ثم قال: # فاطم ذات المجد واليقين %~% يا بنت خير الناس أجمعين # أما ترين البائس المسكين %~% قد قام بالباب (1)له حنين # يشكو إلى الله ويستكين %~% يشكو إلينا جائعا حزين # كل امرئ بكسبه رهين %~% من يفعل الخير يقف سمين # موعده في جنة دهين %~% حرمها الله على الضنين # وصاحب البخل يقف حزين %~% تهوي به النار إلى سجين # شرابه الحميم والغسلين PageV01P560 # فأقبلت فاطمة (عليها السلام) تقول: # أمرك سمع يا ابن غم وطاعة %~% ما بي من لوم ولا ضراعة # غذيت باللب وبالبراعة %~% أرجو إذا أشبعت من مجاعة # أن ألحق الأخيار والجماعة %~% وأدخل الجنة في شفاعة # وعمدت إلى ما كان على الخوان جميعه فدفعته إلى المسكين، وباتوا جياعا، ~~وأصبحوا صائمين لم يذوقوا إلا الماء القراح، ثم عمدت إلى الثلث الثاني من ~~الصوف فغزلته، ثم أخذت صاعا من الشعير، فطحنته وعجنته وخبزت منه خمسة أقراص ~~لكل واحد ms299 قرصا، وصلى أمير المؤمنين (عليه السلام) مع رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) المغرب، ثم أتى المنزل، فلما وضع الخوان بين يديه وجلسوا ~~خمستهم، فأول لقمة كسرها أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا يتيم ينادي ~~بالباب: السلام عليكم أهل بيت النبوة، أنا يتيم من يتامى المسلمين، أطعموني ~~مما تأكلون أطعمكم الله على موائد الجنة، فرمى (1) أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) اللقمة من يده، ثم قال: # فاطم بنت السيد الكريم %~% بنت نبي ليس بالزنيم # قد جاءنا الله بذا اليتيم %~% من يرحم اليوم هو الرحيم # موعده في جنة النعيم %~% حرمها الله على اللئيم # وصاحب البخل يقف ذميم %~% تهوي به النار إلى الجحيم # شرابه الصديد والحميم # فأقبلت فاطمة (عليها السلام) وهي تقول: # فسوف اعطيه ولا أبالي %~% واؤثر الله على عيالي PageV01P561 # أمسوا جياعا وهم أشبالي %~% أصغرهما يقتل في القتال # بكربلاء يقتل باغتيال %~% لقاتليه الويل مع الوبال # تهوي به النار إلى سفال %~% كبولة زادت على الاكبال # ثم عمدت إلى جميع ما على الخوان من الخبز فأعطته اليتيم وباتوا جياعا لم ~~يذوقوا إلا الماء، وأصبحوا صياما، فعمدت فاطمة إلى الثلث الباقي من الصوف ~~فغزلته، وطحنت الباقي من الشعير وعجنته وخبزت منه خمسة أقراص لكل واحد ~~قرصا، وصلى أمير المؤمنين (عليه السلام) مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~صلاة المغرب، وأتى المنزل فوضع الخوان وجلسوا خمستهم، فأول لقمة كسرها أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) وأراد وضعها في فيه إذا أسير من اسارى المشركين ~~ينادي بالباب: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، تأسروننا وتشدونا ولا ~~تطعمونا، فرمى أمير المؤمنين (عليه السلام) باللقمة من يده، ثم قال: # فاطم يا بنت النبي أحمد %~% بنت نبي سيد مسدد (1) # قد جاءنا (2)الأسير ليس يهتدي %~% مكبلا في غله مقيد # يشكو إلينا الجوع قد تقدد %~% من يطعم اليوم يجده في غد # عند العلي الواحد الموحد %~% ما يزرع الزارع سوف يحصد # [فأعطيه ولا تجعليه ينكد] (3) PageV01P562 # فأقبلت فاطمة (عليها السلام) تقول: # لم يبق مما كان غير صاع %~% قد دبرت كفي مع الذراع # شبلاي والله هما جياع %~% يا رب ms300 لا تتركهما ضياع # أبوهما للخير ذو اصطناع %~% عبل الذراعين (1)طويل الباع # وما على رأسي من قناع %~% إلا عبا نسجتها بصاع # وعمدت إلى ما كان على الخوان جميعه فدفعته إلى الأسير، وباتوا ليلتهم ~~جياعا، وأصبحوا مفطرين وليس عندهم شيء. # قال شعيب في حديثه: وأقبل علي بالحسن والحسين (عليهم السلام) نحو رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) وهما يرتعشان كالفراخ من شدة الجوع، فلما بصر ~~بهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: يا أبا الحسن شد ما يسوؤني ما ~~أرى بكم. # فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) وانطلق مع علي (عليه السلام) إلى ~~منزل فاطمة (عليها السلام)، فإذا هي في محرابها قد لصق بطنها بظهرها من شدة ~~الجوع، وغارت عيناها في وجهها، فلما رآها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~ضمها إليه، وقال: وا غوثاه أنتم منذ ثلاث فيما أرى، فهبط جبرئيل (عليه ~~السلام)، وقال: خذ يا محمد ما هيأ الله لك في أهل بيتك. # قال: وما آخذ يا جبرئيل؟ [قال:] (2)@QUR@07 (هل أتى على الإنسان حين من ~~الدهر) - حتى بلغ- @QUR@09 (إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا) (3). PageV01P563 # وقال الحسن بن مهران في حديثه: فوثب النبي (صلى الله عليه وآله) حتى دخل ~~منزل فاطمة (عليها السلام) فرأى ما بهم فجمعهم، ثم انكب عليهم يبكي ويقول: ~~أنتم منذ ثلاث فيما أرى وأنا غافل عنكم! فهبط عليه جبريل بهذه الآيات: ~~@QUR@015 (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد ~~الله يفجرونها تفجيرا) (1). # قال: هي عين في دار النبي (صلى الله عليه وآله) تفجر إلى دور الأنبياء ~~والمرسلين (2). # وفي الحديث (3) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سئل عن هذه، فقال: # هي عين في داري في الجنة، ثم سئل مرة اخرى، فقال: هي عين في دار علي. # فقيل: يا رسول الله، ألم تقل عين في داري؟ # فقال: إن داري ودار علي في الجنة واحدة. # @QUR@02 (يوفون بالنذر - يعني عليا وفاطمة والحسن والحسين وجاريتهم فضة- ~~@QUR@06 ويخافون يوما كان شره مستطيرا - أي عابسا كلوحا- @QUR@05 ويطعمون ~~الطعام ms301 على حبه - أي على شهوتهم للطعام وإيثارهم له- @QUR@01 مسكينا - من ~~مساكين المسلمين- @QUR@02 ويتيما - من يتامى المسلمين- @QUR@02 وأسيرا - من ~~اسارى المشركين، ويقولون إذا أطعموهم:- @QUR@07 إنما نطعمكم لوجه الله لا ~~نريد منكم) PageV01P564 # @QUR@04 (جزاء ولا شكورا) (1) أي جزاء يجازوننا به من نفع عاجل، ولا نريد ~~أن تشكرونا عليه عن الخلق بل فعلناه لله، قال: والله ما قالوا هذا لهم ~~ولكنهم أظهروه في أنفسهم، فأخبر الله بإضمارهم وأثنى عليهم ليرغب في ذلك ~~الراغب. # عن سعيد بن جبير ومجاهد: قال الله سبحانه: @QUR@08 (فوقاهم الله شر ذلك ~~اليوم ولقاهم نضرة - في الوجوه- @QUR@02 وسرورا - في القلوب- @QUR@05 ~~وجزاهم بما صبروا جنة - يسكنونها- @QUR@02 وحريرا - يلبسونه ويفترشونه- ~~@QUR@04 متكئين فيها على الأرائك - والأريكة: السرير عليه الحجلة- @QUR@04 ~~لا يرون فيها شمسا) (2) يتأذون بحرها. # قال ابن عباس: بينا أهل الجنة في الجنة إذ يرون نورا مثل الشمس قد أشرقت ~~له الجنان، فيقول أهل الجنة: يا رب، إنك قلت- وقولك الحق- في كتابك: ~~@QUR@07 (لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا) ، فيرسل الله جل اسمه جبرئيل ~~فيقول: ليس هذا بشمس ولكن عليا وفاطمة ضحكا من شيء أعجبهما فأشرقت الجنان ~~من نور ضحكهما. (3) PageV01P565 ### | فصل في وفاتها (1)(عليها السلام) # عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي ~~(عليه السلام) قبل موته: السلام عليك أبا الريحانتين، اوصيك بريحانتي من ~~الدنيا، فعن قليل ينهد ركناك عليك، فلما قضى رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) قال أمير المؤمنين (عليه السلام): هذا (2) الركن الأول، فلما ماتت ~~فاطمة قال: هذا الركن الثاني. # وروت عائشة أن النبي (صلى الله عليه وآله) دعا فاطمة فسارها فبكت، ثم ~~دعاها فسارها فضحكت، فسئلت عن ذلك، فقالت: أعلمني أنه مقبوض فبكيت، ثم ~~أخبرني أني أول أهله لحوقا به فضحكت. # وعن أم سلمة رضي الله عنها وعائشة أيضا أنها لما سئلت عن بكائها وضحكها ~~قالت: أخبرني النبي أنه مقبوض، ثم أخبرني أن بني سيصيبهم بعدي شدة فبكيت، ~~ثم أخبرني أني أول أهله لحوقا به، فضحكت. # (2) كذا في المناقب، وفي الأصل يحتمل القراءتين: «هذا»، «هد». PageV01P566 # وأيضا عن عائشة قالت: أقبلت فاطمة لا تخطي مشيتها مشية ms302 رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله)، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): مرحبا بابنتي، ~~فأجلسها عن يمينه، وأسر إليها حديثا فبكت، ثم أسر إليها حديثا فضحكت، ~~فسألتها عن ذلك، فقالت: ما أفشي سر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حتى ~~إذا قبض (صلى الله عليه وآله) سألتها، فقالت: إنه أسر إلي، فقال: إن جبرئيل ~~كان يعارضني بالقرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني [به] (1) العام مرتين، ولا ~~أراني إلا وقد حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحوقا بي، ونعم السلف أنا لك، ~~فبكيت لذلك، ثم قال: ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين (2)؟ # فضحكت لذلك. # روي أنها صلى الله عليها ما زالت بعد أبيها معصبة الرأس، ناحلة الجسم، ~~منهدة الركن، باكية العين، محترقة القلب، يغشى عليها ساعة بعد ساعة، وتقول ~~لولديها: أين أبوكما الذي كان أشد الناس شفقة عليكما فلا يدعكما تمشيان على ~~الأرض، ولا أراه يفتح هذا الباب أبدا، ولا يحملكما على عاتقه كما لم يزل ~~يفعل بكما، ثم مرضت ومكثت أربعين ليلة، ثم دعت أم أيمن وأسماء بنت عميس ~~(3) وعليا (صلوات الله عليه)، وأوصت إلى علي بثلاث: أن يتزوج بابنة [اختها] ~~(4) امامة لحبها أولادها، وأن يتخذ نعشا لأنها كانت رأت الملائكة بصورة ~~فصورته ووصفته لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وألا يشهد أحد جنازتها PageV01P567 # ممن ظلمها، وألا يترك أحد منهم يصلي عليها. ### ||| [علة دفنها (عليها السلام) ليلا] # وذكر مسلم، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة- في ~~خبر طويل- يذكر فيه أن فاطمة أرسلت إلى أبي بكر تسأل ميراثها من رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله)، فمنعها- والقصة مشهورة-، فهجرته ولم تكلمه حتى توفيت ~~ولم يؤذن بها أبو بكر، ولم يصل عليها. # الواقدي: أن فاطمة (عليها السلام) أوصت إلى علي إذا حضرتها الوفاة ألا ~~يصلي عليها أبو بكر ولا عمر، فعمل بوصيتها. # وعن ابن عباس، قال: أوصت فاطمة إلى علي (عليهما السلام) ألا يعلم- إذا ~~ماتت- أبا بكر ولا عمر، ولا يصليا عليها. # قال: فدفنها علي (عليه السلام) ليلا ولم يعلمهما ms303 بذلك، وغيب قبرها. # وعن عائشة: عاشت فاطمة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ستة أشهر، ~~فلما توفيت دفنها علي ليلا، وصلى علي عليها. # وعن الزهري أن فاطمة دفنت ليلا، دفنها أمير المؤمنين والحسن والحسين ~~(عليهم السلام)، وغيبوا قبرها. # وفي روايتنا أنه صلى عليها أمير المؤمنين والحسن والحسين (عليهم السلام) ~~وعقيل وسلمان وأبو ذر والمقداد وعمار وبريدة. # وفي رواية اخرى: والعباس وابنه الفضل. # وفي رواية اخرى: وحذيفة وابن مسعود. # الأصبغ بن نباتة أنه سئل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن دفنها ليلا، ~~فقال: إنها كانت ساخطة على قوم كرهت حضورهم جنازتها، وحرام على من PageV01P568 # يتولاهم أن يصلي على أحد من ولدها. # وروي أنه (صلوات الله عليه) سوى قبرها مع الأرض مستويا وقالوا: إنه سوى ~~حواليها قبورا مزورة مقدار سبعة حتى لا يعرف قبرها. # وروي أنه (صلوات الله عليه) رش أربعين قبرا حتى لا يتبين قبرها من القبور ~~فيصلوا عليها (1). ### ||| [في تغسيلها (عليها السلام)] # روى أبو عبد الله حمويه (2) بن علي البصري، وأحمد بن حنبل (3)، وأبو ~~عبد الله بن بطة (4) بأسانيدهم قالت سلمى (5) امرأة أبي رافع: اشتكت فاطمة ~~شكواها التي قبضت فيها وكنت امرضها فأصبحت يوما أسكن ما كانت، فخرج علي ~~(عليه السلام) إلى بعض حوائجه وقالت: اسكبي لي غسلا. فسكبت، وقامت واغتسلت ~~أحسن ما يكون من الغسل، ثم لبست أثوابها الجدد، ثم قالت: افرشي فراشي وسط ~~البيت، ثم استقبلت القبلة ونامت، وقالت: أنا مقبوضة، وقد اغتسلت فلا ~~يكشفني (6) أحد، ثم وضعت خدها على يدها (7)، ثم ماتت. # وعن أسماء بنت عميس، قالت: أوصت فاطمة إلي ألا يغسلها إذا ماتت إلا أنا ~~وعلي، فأعنت عليا على غسلها. PageV01P569 # وعن أبي الحسن الخزاز القمي في الأحكام الشرعية: سئل أبو عبد الله (عليه ~~السلام) عن فاطمة من غسلها؟ # فقال: غسلها أمير المؤمنين (عليه السلام) لأنها كانت صديقة لم يغسلها إلا صديق. # تهذيب الأحكام (1): روى سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، ~~قال: سألته عن أول من جعل له النعش. ### ||| [كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) ms304 عند دفنها (عليها السلام)] # قال: فاطمة بنت محمد صلى الله عليها. # وفي رواية عبد الرحمن أنها قالت لأسماء: استريني سترك الله من النار- ~~يعني بالنعش-. # وروي (2) أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال عند دفنها: # السلام عليك يا رسول الله، عني وعن ابنتك النازلة في جوارك، والسريعة ~~اللحاق بك، قل عن صفيتك صبري، ورق فيها تجلدي، إلا أن في التأسي بعظيم ~~فرقتك وفادح مصيبتك موضع تعز، ولقد وسدتك في ملحود قبرك، وفاضت بين صدري ~~ونحري نفسك، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فلقد استرجعت الوديعة، واخذت ~~الرهينة، أما حزني فسرمد، وأما ليلي فمسهد، إلى أن يختار الله لي دارك التي ~~أنت بها مقيم، وستنبئك ابنتك، فأحفها السؤال، واستخبرها الحال، هذا ولم يطل ~~العهد، ولم يخلق الذكر، والسلام عليكما سلام مودع لا سئم ولا قال: فإن ~~أنصرف فلا عن ملالة، وإن أقم فلا عن سوء PageV01P570 # ظن بما وعد الله الصابرين. ### ||| [ما قاله أمير المؤمنين والهاتف عند رجوعه (عليه السلام) من دفن الزهراء، وفي موضع قبرها (عليها السلام)] # وروي أنه لما سار بها إلى القبر المبارك خرجت يد فتناولتها، وانصرف. # وأنشأ أمير المؤمنين (عليه السلام): # ذكرت أبا ودي (1)فبت كأنني %~% برد الهموم الماضيات وكيل # لكل اجتماع من خليلين فرقة %~% وكل الذي دون الفراق قليل # وإن افتقادي فاطما بعد أحمد %~% دليل على أن لا يدوم خليل # فأجابه هاتف: # يريد الفتى ألا يموت خليله %~% وليس له إلا الممات سبيل # فلا بد من موت (2)ولا بد من بلى %~% وإن بقائي بعدكم لقليل # إذا انقطعت يوما من العيش مدتي %~% فإن بكاء الباكيات قليل # ستعرض عن ذكري وتنسى مودتي %~% ويحدث من بعد الخليل خليل (3)(4) # قال شيخنا أبو جعفر الطوسي رضي الله عنه: الأصوب أنها مدفونة في دارها، ~~أو في الروضة، ويؤيد ذلك قول النبي (صلى الله عليه وآله): ما بين قبري ~~ومنبري روضة من رياض الجنة. # وفي البخاري وصحيح مسلم: ما بين بيتي ومنبري. # وقال (صلى الله عليه وآله): منبري على ترعة من ترع الجنة. PageV01P571 # وقالوا: حد الروضة ما ms305 بين القبر إلى المنبر إلى الأساطين التي تلي صحن ~~المسجد. # أحمد بن محمد بن أبي نصر، قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن قبر فاطمة ~~(عليها السلام)، فقال: دفنت في بيتها، فلما زادت بنو امية في المسجد صارت ~~في المسجد. # عن يزيد بن عبد الملك، عن أبيه، عن جده، قال: دخلت على فاطمة (عليها ~~السلام) فبدأتني بالسلام، ثم قالت: ما غدا بك؟ # قلت: طلب البركة. # قالت: أخبرني أبي وهو ذا: من سلم عليه وعلي ثلاثة أيام أوجب الله له الجنة. # قلت لها: في حياته وحياتك؟ # قالت: نعم، وبعد موتنا. (1) # يا قبر فاطمة الذي ما مثله %~% قبر بطيبة طاب فيه مبيتا # إذ فيه (2)حلت زهرة الدنيا التي %~% بحلي محاسن وجهها حليتا # فسقى ثراك الغيث ما بقيت به %~% نور القبور بطيبة وبقيتا # فلقد برياها ظللت مطيبا %~% وغداك مسكا في الانوف قتيتا ### ||| [كلام للمؤلف (رحمه الله)] # قلت: أيها الكريمة الممجدة، المظلومة المضطهدة، القانتة العفيفة، السيدة ~~الشريفة، المغصوبة ميراثها، المسلوبة تراثها، المحرومة نحلتها، PageV01P572 # المنهوبة بلغتها، المشهور في الذكر ذكرها، المخفي من دون القبور قبرها، ~~التي امتحن الله فيها أمة أبيها، فلم ترع حرمته فيها، وفوقت نحوها سهام ~~ظلمها، وانزلت بساحتها مطايا هضمها، حتى ماتت بغصتها عليها ساخطة، ومن ~~خيرها قانطة. # أول مظلوم بعد الرسول من الرجال بعلها، وأضيع حق بعد النبي حقها. # فيا لها من أمة غادرة، وصحبة كافرة، وعصبة مارقة، وثلة منافقة، أجلبت على ~~هدم الاسلام بجنودها وأحزابها، ومنعت مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وسعت ~~في خرابها، أعاد عتيقها الأول دين الجاهلية بعد الضعف شديدا، وصير الثاني ~~الأرذل بناء الكفر بعد الاندراس مشيدا، أطاع الشيطان وعصى الرحمن في يوم ~~السقيفة، وولي المسلمين بغرور وشهادة زور بشبهته السخيفة، ومنع الزهراء ~~نحلتها من والدها سيد المرسلين، وآذى الله ورسوله إذ آذى إمام المسلمين ~~وسيد الوصيين. # فلعن الله السقيفة ومن حوت، والعصابة الناصبة وما روت، حملوا الناس على ~~أكتاف آل الرسول فيها، وجحدوا النص الجلي على الامام العلي فأبعد بها ~~وبذويها، فاجتماع الأرجاس في ساحتها سبب ms306 لاغتيال سيد الأوصياء، وتعصب عصب ~~الضلال في عرصتها وسيلة لاغتصاب تراث سيدة النساء، وسم سبط المصطفى وغلبة ~~ظلمة الظلمة في باحتها طريق إلى قتل سيد الشهداء وخامس أصحاب الكساء. # فأبعد بزمن صار فيه عتيق تيم للمسلمين إماما، ولعنت أمة رضيت بالدلام نجل ~~صهاك بامور الدين قواما، أليس هو الذي حمل بني امية على رقاب المسلمين؟ ~~أليس هو الذي منع الزهراء نحلتها ورد شهادة PageV01P573 # أمير المؤمنين؟ أما جعل أمر خلافة الله شورى؟ أما لفق من باطل القول ~~زخرفا وغرورا؟ أما أسند إلى النبي الامي: «ما تركناه صدقة» بزوره وكذبه؟ ~~فلعن الله الكاذب في جده ولعبه، فهو زعيم الفتنة ورأسها، وأصل المحنة ~~وأساسها، والمصلي والسابق في الجمل وصفين، والقائد والسائق في قتل ذرية سيد ~~المرسلين. # فما قام ثالث القوم إلا لمشورته وإشارته، ولا تجرى ابن حرب على حرب أمير ~~المؤمنين إلا بوصيته وإرادته، ولا سفك دم السبط الشهيد إلا وهو مثبت في ~~صفحات صحيفته، وطامته في الظلم عالية، وبدعته في الغي غالية، والشيطان يسوق ~~الناس إلى اتباعه، وهو في الحقيقة من بعض جنده وأتباعه، وتجرأت عصبته على ~~المؤمنين بكل ناد، ورمتهم عن قوس واحدة دون العباد، حتى لقد برح الخفاء، ~~وانقطع الرجاء. # اللهم العنه وأشياعه وأتباعه ومحبيه والمائلين إليه، والمتفقين عليه، ~~والمعتقدين لإمامته، والناهضين بأجنحته، والمستنين بسنته، والمتسمين بسمته، ~~الذين اسس على الباطل دينهم، وفصل من ينبوع الشرع معينهم، وبنيت على غير ~~تقوى الله مساجدهم، وشيدت بعداوة أهل بيت رسول الله مشاهدهم، كل منهم في ~~ثوبه ضل عابس، وفي بدنه قلب حامس، إذا عاينتهم يروقك عيانهم، وإذا رأيتهم ~~تعجبك أجسامهم، كأنهم خشب مسندة، أو صور على الجدران مجسدة، إذا تليت عليهم ~~سورة هل أتى تلت وجوههم عبس وتولى، وإذا قرأت عليهم آية النجوى حقت عليهم ~~كلمة العذاب والبلوى. # مساجدهم بواطن الفجار، ومدارسهم معادن الأشرار، فهم الوجوه الخاشعة ~~العاملة الناصبة، والطائفة المارقة الزاهقة الكاذبة، يسندون كل منكر PageV01P574 # في العالم إلى ربهم، وينسبون كبائر بني آدم إلى خالقهم بزورهم وكذبهم، ~~ويعتقدون ربهم جمادات حدود ms307 وأقطار، مدرك في الدنيا والآخرة بحاسة العيان ~~والابصار، يشبهون على الهمج الرعاع بأقاويلهم المزخرفة، ويتسترون عند ~~النزاع بحجة التكلفة، ملتهم محرفة، وقلوبهم مغلفة، وعمائمهم كقباب بيض على ~~كنف، وقلوبهم من عمص الحق سود وغلف. # يسبون النبي والوصي بتكفير أبويهما، ويسندون العيوب الموصمة بكفرهم ~~إليهما، وأي سب أعظم من أن يقال للرجل: يا ابن الكافر؟ وأي خطب أفضع من ~~نسبة سيد الأولين والآخرين إلى أنه يهجر في المحاضر، تعاهدوا على خلاف ~~نبيهم، وتعاقدوا على إخراج الحق عن سيدهم ووليهم، وجحدوا نص الغدير، وضللوا ~~الهادي البشير. ونصبوا أنصاب الشرك بنصب شقيهم وعتيقهم، وسودوا وجه الاسلام ~~إذ وسموه بزكيهم وصديقهم، وهو أكذب من أبي تمامة، وأحقر من قلامة في قمامة، ~~انتهت إليه الزعامة، أم حبرت له الامامة، من أبيه أبي قحافة، ذي الرذلة ~~والخلافة؟ الذي كان اسمه في المجد كالنون في حال الاضافة، تقلد عارها في ~~الدارين، وباء بإثمها في الخافقين. # ثم لم يجتزئ بكفرها في حياته حتى احتقب وزرها بعد وفاته، وأوصى بها إلى ~~ابن صهاك لعلمه بشدة عناده، وعظيم إلحاده، فقام عدو الله ناسجا على منواله، ~~متقربا في عداوة آل الرسول بأقواله وأفعاله، وهد الجمل وصفين، ومن قتل ~~فيهما من المسلمين إلا جدول من بحره، وشعبة من كفره. # اللهم إنا نتقرب إليك بلعنته في دار الفناء، راجين بذلك الفوز في دار ~~البقاء، أبغضناه حبا لك، وعصيناه طاعة لأمرك، وخالفناه موافقة لكتابك، ~~وشنأناه رجاء لثوابك، لما قرعت أسماعنا رنة آيات @QUR@04 (والذين ينقضون عهد PageV01P575 # @QUR@023 الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في ~~الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار) (1)، ونعقت في أفكارنا نعمة بينات ~~@QUR@017 (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد ~~لهم عذابا مهينا) (2)، ورسخت في أفهامنا كلمة سيد أنبيائك ومبلغ أنبائك: ~~فاطمة بضعة مني، من آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله ~~أكبه الله على منخريه في النار. (3) # وتجلت لألبابنا رواية السيد ابن السادة، الفائز بدرجتي السعادة والشهادة، ~~فرع ms308 نبيك، وسلالة وليك، المجاهد في سبيلك، والداعي إلى الرضا من آل رسولك، ~~زيد بن إمام المتقين، علي بن الحسين زين العابدين، زاد الله شرفا إلى شرفه، ~~وأحله من جوار جده في أعلى غرفه، وهو ما روى عنه الشيخ العالم العامل، ~~الولي الكامل، المخصوص بكشف أسرار الكلام المجيد القدسي، شيخنا ووسيلتنا ~~إلى ربنا أبو علي الطبرسي، أفاض الله عليه تيجان رحمته، وحشره في زمرة نبيه ~~وأئمته. PageV01P576 # قال: حدثني الحاكم أبو القاسم الحسكاني القاي (1)، قال: حدثنا أبو عبد ~~الله الحافظ، قال: حدثني أحمد بن [محمد بن أبي] (2) دارم الحافظ، [قال: ~~حدثنا علي بن أحمد العجلي،] (3) قال: حدثني عباد بن يعقوب. قال: # حدثني أرطاة بن حبيب، قال: حدثني أبو خالد الواسطي- وهو آخذ بشعره-، قال: ~~حدثني زيد بن علي- وهو آخذ بشعره-، قال: حدثني أبي سيد العابدين- وهو آخذ ~~بشعره-، قال: حدثني أبي السيد الشهيد أبو عبد الله الحسين- وهو آخذ بشعره-، ~~قال: حدثني أبي أمير المؤمنين وسيد الوصيين- وهو آخذ بشعره-، قال: قال لي ~~سيد الأولين والآخرين محمد بن عبد الله الصادق الأمين- وهو آخذ بشعره-: يا ~~علي، من آذى منك شعرة فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله ~~فعليه لعنة لله. (4) # وقد علمنا يا إلهنا ما اسدي إلى سليلة نبيك، وحليلة وليك، من اغتصاب ~~تراثها، وانتهاب ميراثها، واغتصاب نحلتها من أبيها، واستصفاء بلغتها وبلغة ~~بنيها، قائلا: آتوني بنار وحطب لأحرق منزلها على من حوى (5)، ناويا إطفاء ~~نور الله بناره ولكل امرئ ما نوى، مخالفا بقوله وفعله سيد المرسلين، سالا ~~سيف بغيه على أمير المؤمنين وإمام المتقين، فظهر لأفكارنا، ونعق في ~~أسرارنا، PageV01P577 # بالأدلة الساطعة، والحجج القاطعة، ان الجمل وصفين، وقتل ذرية خاتم ~~النبيين، نتيجة قياسه، وثمرة غراسه، إذ هو الذي أعلى الطلقاء القاسطين، ~~ورفع كعبهم على رقاب المسلمين، مع علمه بأنهم الشجرة الملعونة في القرآن، ~~والطائفة المارقة عن الايمان، أعني بني امية الضالين المضلين، الزالين ~~المزلين، كفرة الكتاب، وبقية الأحزاب. (1) PageV01P578 # اللهم العنه بما أعلى من قدرهم، ورفع من ذكرهم، وسد من خلتهم، وكر من قلبهم. ms309 # اللهم العنه بعدد كل نفاق أخفاه، وشقاق أبداه، وحق اغتصبه، وظلم نصبه، ~~وعهد نقضه، وإمام رفضه. # اللهم العنه بعدد كل رطب ويابس، ولين وجامس، وبر وفاجر، وعاجز وقادر. # اللهم العنه بعدد كل مكيل وموزون، ومتروك ومخزون، ومعدود ومحسوب، ومرقوم ~~ومكتوب. # اللهم العنه بعدد ما أنبتت الأرض منذ خلقت، وأحيت السماء منذ فتقت، والعن ~~أبويه وعترته، وابنيه وابنته، وأنصاره وشيعته. # اللهم أذقه أليم عذابك، ووخيم عقابك، واجعله في أسفل درك من الدرك ~~الأسفل، وأخفض منزل في العذاب الأطول، يشرف عليه إبليس فيلعنه، وتطلع عليه ~~عبدة الأوثان فتوبخه، شرابه حميم، وعذابه مقيم، وطعامه زقوم، وكتابه في ~~سجين مرقوم، ومقره في تابوت من حديد، وعذابه في كل آن جديد، قد وضعت سلسلة ~~ذرعها سبعون ذراعا في فيه، واخرجت من دبره، ووضعت أغلال من قدميه إلى حقويه ~~زيادة في ضلاله وسعره، يتأذى أهل PageV01P579 # النيران من رائحة قصبه، وينفر عبدة الأوثان من مشامته وقربه. # اللهم اجعله في سفال الفيلوق مديدا غمه، طويلا همه، وافرا حزنه، والعن من ~~لا يلعنه. # اللهم العنه لعنا وبيلا، وعذبه عذابا جزيلا، فإنك أشد بأسا وأشد تنكيلا، ~~والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. (1) ### ||| [تم المجلد الأول ولله الحمد، ويليه المجلد الثاني بإذنه تعالى.] PageV01P580 ### ||| [فهرس الموضوعات] # الموضوع الصفحة كلمة الناشر 6 # الاهداء 9 # ترجمة المؤلف 11 # اسمه ونسبه الشريف 13 # محل ولادته وهجرته إلى الحائر 14 # ما قيل في الاطراء عليه 15 # ولده 16 # فترة عمره الشريف 16 # حول الكتاب 18 # نسخة الكتاب 19 # تسمية الكتاب 20 # اشتباهان حول الكتاب 21 # منهجية التحقيق 23 # تقدير وعرفان 24 # مقدمة المؤلف 27 # كتاب النبي (صلى الله عليه وآله) إلى كسرى 31 # نزول سورة النجم 33 # في هجرة المؤلف (رحمه الله) من دمشق 36 # في مناقب ومثالب اصطنعتها العامة 38 # في أن المؤلف (رحمه الله) استوطن كربلاء 44 # إشادة المؤلف بالسلطان إسماعيل الصفوي 45 # قصيدة للمؤلف (رحمه الله) في هجره موطنه دمشق واستقراره في PageV01P581 # كربلاء 48 # في ذكر المؤلف خطبه ومجالسه ms310 المختلفة 49 # قصيدة للمؤلف (رحمه الله) مفتخرا بما ينظم ويقول في مدح المصطفى # وآله (عليهم السلام) 50 # عثور المؤلف على كتاب روضة الشهداء للكاشفي وتأليفه كتابه هذا # على منواله 51 # المجالس الأول: في ذكر امور تتعلق بظلامة أبي عبد الله الحسين (عليه ~~السلام) وما في معناها، وطرق في ذكر ثواب من أظهر الجزع لمصابه ومصاب أهل ~~بيته، وثواب من بكى لرزيتهم، وجلس لعزيتهم 53 # مجيء فاطمة (عليها السلام) يوم القيامة قائلة: إلهي احكم بيني وبين # من ظلمني ومن قتل ولدي 59 # تحشر فاطمة (عليها السلام) وهي آخذة بقميص الحسين ملطخ بالدم 60 # تقبل فاطمة (عليها السلام) يوم القيامة ومعها ألف نبي وألف وصي # وألف شهيد، وأبيات شعرية للصاحب بن عباد في ذلك 61 # في ثواب البكاء على الحسين (عليه السلام) 62 # في بكاء زين العابدين على أبيه (عليهما السلام) 67 # أن الحسين (عليه السلام) قتيل العبرة 68 # أن البلاء موكل بالأنبياء، ثم بالأولياء، ثم بالأمثل 69 # ما عاناه نوح (عليه السلام) من قومه 71 # ما عاناه إبراهيم (عليه السلام) من قومه 72 # قصة يوسف (عليه السلام) 77 # في ابتلاء موسى وهارون (عليهما السلام) 124 # في صبر أيوب (عليه السلام) 126 # في ابتلاء عيسى بن مريم (عليه السلام) 129 PageV01P582 # في معجزة ميلاد يحيى بن زكريا (عليهما السلام) 133 # أن قاتل يحيى (عليه السلام) كان ولد زنا، وكذلك قاتل الحسين بن # علي (عليهما السلام) 134 # لا يقتل الأنبياء وولد الأنبياء إلا ولد زنا 135 # مناجاة للمؤلف (رحمه الله) 136 # المجالس الثاني: في ذكر سيد المرسلين، وما ناله من الأذى من أعداء الدين، ~~وذكر وفاته، وذكر امور تتعلق بظلامة أهل بيته الطاهرين (صلوات الله عليهم ~~أجمعين) 141 # الرسول (صلى الله عليه وآله) وأبو جهل 143 # إخبار النبي (صلى الله عليه وآله) بمصارع المشركين في بدر 144 # الهجرة إلى الحبشة 145 # في إيمان أبي طالب رضي الله عنه 148 # في شفقة فاطمة بنت أسد رضي الله عنها على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ms311 159 # فيما لاقاه النبي (صلى الله عليه وآله) من الأذى في الطائف من عتبة وشيبة 161 # رجوع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الطائف إلى مكة، وعرضه نفسه على ~~قبائل العرب 164 # بيعة العقبة 165 # في أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أصحابه بالهجرة من مكة إلى ~~المدينة واجتماع دار الندوة 167 # مبيت علي (عليه السلام) في فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله) 168 # في هجرة علي (عليه السلام) من مكة إلى المدينة 171 # في دخول رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصاحبه الغار 175 # أن الرسول (صلى الله عليه وآله) أسس مسجده بقبا 178 PageV01P583 # نزول النبي (صلى الله عليه وآله) في بيت أبي أيوب 179 # غزوات رسول الله (صلى الله عليه وآله) 180 # سرايا رسول الله (صلى الله عليه وآله) 181 # موعظة جليلة للمؤلف (رحمه الله) 182 # فتح مكة 187 # خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) يشكو فيها قريش 192 # في نعي رسول الله (صلى الله عليه وآله) نفسه 201 # أن الله تعالى أوحى إلى النبي (صلى الله عليه وآله) أن ينصب عليا للناس ~~ويخبرهم بولايته، وقول النبي (صلى الله عليه وآله): # «من كنت مولاه فعلي مولاه» 202 # في قوله تعالى: @QUR@04 (اليوم أكملت لكم دينكم) 204 # رواة حديث الغدير 205 # قول عمر بن الخطاب لعلي (عليه السلام): أصبحت مولاي 207 # أقاويل المنافقين في ولاية علي (عليه السلام) 208 # أن يوم الغدير في السماء أشهر منه في الأرض 211 # زيارة المؤلف (رحمه الله) لمرقد أمير المؤمنين (عليه السلام) 212 # خطبة يوم الغدير للمؤلف (رحمه الله)، متضمنة خطبة النبي (صلى الله عليه ~~وآله) يوم الغدير، وخطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) التي رواها الشيخ ~~الطوسي في مصباحه 213 # بدء مرض النبي (صلى الله عليه وآله) 229 # النبي (صلى الله عليه وآله) يوصي قبل وفاته 230 # الصلاة الأخيرة للنبي (صلى الله عليه وآله) بالناس 231 # الرسول (صلى الله عليه وآله) يعطي القصاص من نفسه 232 # قول النبي (صلى الله عليه وآله): ms312 «ائتوني بدواة وكتف ...» وقول عمر: # «إن النبي قد اشتد به الوجع وهو يهجر» 234 # نزول ملك الموت لقبض روح النبي (صلى الله عليه وآله) 235 PageV01P584 # مناجاة الرسول (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) 236 # قبض النبي (صلى الله عليه وآله) ويد أمير المؤمنين (عليه السلام) # تحت حنكه، وما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا # المعنى 238 # أن أمير المؤمنين (عليه السلام) نزل قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) 240 # أمير المؤمنين (عليه السلام) يرثي النبي (صلى الله عليه وآله) 241 # صفية بنت عبد المطلب وحسان بن ثابت يرثيان النبي (صلى الله عليه وآله) 245 # أن النبي (صلى الله عليه وآله) أوصى عليا (عليه السلام) بأن لا # يغسله غيره 246 # مناجاة للمؤلف (رحمه الله) 246 # المجالس الثالث: في ذكر شيء من فضائل أمير المؤمنين، وذكر أدلة شريفة ~~على فرض إمامته، والاستدلال على كفر من أنكر نص خلافته، وذكر طرف من ظلامة ~~سيدة النساء (صلوات الله عليها)، وذكر وفاتها، ووفاة أمير المؤمنين (صلوات ~~الله عليه وعلى أبنائه الطاهرين) 253 # خطبة للمؤلف (رحمه الله) 253 # إخبار النبي (صلى الله عليه وآله) باستشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام) 258 # قول النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): «لك أشياء ليس لي ~~مثلها» 262 # ميلاد أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في الكعبة 264 # أمير المؤمنين (عليه السلام) يقضي في رجل زنى مرة بعد مرة 266 # أبيات لديك الجن 267 # أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يشرب الخمر حتى قبل تحريمها 268 # أن النبي (صلى الله عليه وآله) أخذ عليا (عليه السلام) من أبي طالب PageV01P585 # ليعينه على أمره 269 # أن عليا (عليه السلام) كان كفو فاطمة (عليها السلام) 271 # الجواب على ما قالته الناصبة: تزوج النبي (صلى الله عليه وآله) من ~~الشيخين، وزوج عثمان بنتين 271 # مؤاخاة النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) 273 # أبيات لأمير المؤمنين (عليه السلام) بعد مؤاخاة النبي (صلى الله عليه ~~وآله) له 275 # سد رسول الله ms313 (صلى الله عليه وآله) أبواب الصحابة وترك باب علي (عليه ~~السلام) 277 # محبة النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) 279 # دعاء الرسول (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) في عدة مواضع، ~~وإرساله إياه إلى ثلاثة نفر آلوا باللات والعزى ليقتلوا النبي (صلى الله ~~عليه وآله) 282 # أن النبي (صلى الله عليه وآله) دفع الراية إلى علي (عليه السلام) يوم ~~خيبر 284 # في توجه أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الله وإقباله عليه، وإعراضه عن ~~الدنيا 286 # في غزارة علم أمير المؤمنين (عليه السلام)، وثناء الجاحظ على علمه رغم ~~انحرافه عنه 288 # خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) وقوله: «سلوني قبل أن تفقدوني» 292 # أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) جمع القرآن 298 # أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أعلم الصحابة بالقراءات 299 # أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أعلم الصحابة بكتاب الله تعالى 300 # أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أفقه الصحابة 301 # أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أعلم أهل المدينة بالفرائض 302 # أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أكثر الصحابة رواية 303 PageV01P586 # أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وضع اصول الكلام 304 # أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) هو أفصح الخلق 305 # أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) هو أوفر الفصحاء والبلغاء حظا، ~~وخطبته الخالية من الألف، وخطبته الخالية من النقطة 311 # أن أمير المؤمنين (عليه السلام) هو أشعر الشعراء والبلغاء، وأن من داره ~~خرجت دائرة العروض 312 # أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) هو أحكم أصحاب اللغة العربية، وأنه ~~ليس للوعاظ مثل ما له من الأمثال والعبر والمواعظ والزواجر، وأنه أرجح ~~الفلاسفة 313 # أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) هو أكيس المنجمين 314 # أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) هو أعرف الصحابة بعلم الفرائض ~~والحساب 319 # أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) هو أكثر أصحاب الكيمياء حظا 320 # أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) هو الأصل في علم المكاشفة على طريق ~~الصوفية 321 # أن أمير المؤمنين ms314 علي (عليه السلام) هو واضع النحو 323 # في إخلاص أمير المؤمنين (عليه السلام) وسبقه بالجهاد وأعماله الصالحة 325 # في شجاعة أمير المؤمنين (عليه السلام) 331 # أسماء الذين قتلهم أمير المؤمنين (عليه السلام) في بدر واحد 332 # كيفية قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) لعمرو بن عبد ود في يوم الأحزاب 334 # قصيدة للمؤلف (رحمه الله) بهذا المعنى 338 # في شجاعة أمير المؤمنين (عليه السلام) في يوم حنين 340 # في كرم أمير المؤمنين (عليه السلام) 342 # تصدق أمير المؤمنين (عليه السلام) بخاتمه وهو راكع 343 # أبيات لحسان بن ثابت بهذا المعنى 346 PageV01P587 # من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) يخاطب به أصحابه 353 # من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذم أهل العراق 354 # معجزة أمير المؤمنين (عليه السلام) في قطع يد السارق الأسود وإرجاعها ~~مكانها 355 # في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)، وما حدث لمن لعن أو شتم عليا ~~(عليه السلام) 357 # حديث أبي جعفر الدوانيقي للأعمش في فضل علي (عليه السلام) 364 # قصيدة للمؤلف (رحمه الله) في الامام المهدي (عليه السلام) 376 # ما حدث لمن لعن أو شتم عليا (عليه السلام) 378 # إخبار النبي (صلى الله عليه وآله) بما يلقاه أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~من بعده 380 # لو لا أمير المؤمنين (عليه السلام) ما علم حكم أهل البغي 382 # بدء فتنة عائشة ومضيها إلى مكة، واستئذان طلحة والزبير من أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) في المضي إلى مكة 383 # خروج عائشة إلى البصرة 384 # خروج أمير المؤمنين (عليه السلام) من المدينة إلى الربذة، ومنها إلى ذي ~~قار، وكتابه إلى أهل الكوفة 385 # كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى طلحة والزبير، وكتابه إلى عائشة 388 # أبيات لحبيب بن يساف الأنصاري، وإرسال أمير المؤمنين (عليه السلام) زيد ~~بن صوحان وابن عباس إلى عائشة فوعظاها وخوفاها 389 # بروز محمد بن الحنفية للقتال 393 # أبيات لخزيمة بن ثابت 394 # مصرع طلحة، وأبيات للسيد الحميري 398 # أن أمير المؤمنين (عليه السلام) أوصى محمد بن أبي بكر بأن ms315 يدرك اخته ~~عائشة 402 # عدد القتلى يوم الجمل 403 PageV01P588 # قصيدة للمؤلف (رحمه الله) في ذم عائشة 406 # نزول أمير المؤمنين (عليه السلام)- بعد انقضاء حرب الجمل- في الرحبة 413 # كتاب معاوية إلى أهل المدينة، وجواب أهل المدينة له 415 # كتاب معاوية إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) 416 # جواب أمير المؤمنين (عليه السلام) لمعاوية 417 # مكاتبات بين أمير المؤمنين (عليه السلام) ومعاوية 418 # خروج معاوية ونزل صفين 419 # نزول أمير المؤمنين (عليه السلام) بصفين 420 # تعبئة الجيشين للقتال 421 # بدء المبارزات بين الطرفين 423 # استشهاد هاشم المرقال وعبد الله بن بديل الخزاعي 424 # استشهاد اويس القرني 426 # بروز أمير المؤمنين (عليه السلام) لعمرو بن العاص متنكرا 427 # مكاتبات بين معاوية وعمرو بن العاص وابن عباس 429 # كتاب معاوية إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، وجواب أمير المؤمنين له 430 # استشهاد أبي الهيثم بن التيهان وعمار بن ياسر 432 # استشهاد خزيمة بن ثابت الأنصاري 433 # قصيدة في أمير المؤمنين (عليه السلام) 441 # قصيدة للمؤلف (رحمه الله) في مثالب أعداء أمير المؤمنين (عليه السلام) 444 # في عدد القتلى من العسكرين، ورفع المصاحف 447 # في كثرة من مات في سجن الحجاج، وسيرته مع أهل العراق 449 # كلام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) مع أهل الكوفة 450 # انخداع أصحاب أمير المؤمنين علي (عليه السلام) حين رفع المصاحف 451 # رجوع الأشتر، واختيار المخدوعين لأبى موسى 452 PageV01P589 # في صالح الحديبية، وإخبار النبي (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين ~~(عليه السلام) بأن له مثلها يعطيها وهو مضطهد 454 # اتفاق الحاكمين: عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري 455 # رجوع أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد التحكم إلى الكوفة 459 # قول رئيس الخوارج حرقوص بن زهير لرسول الله (صلى الله عليه وآله): أعدل ~~بالسوية! 461 # قول الخوارج لأمير المؤمنين (عليه السلام): لا حكم إلا لله 462 # توجه أمير المؤمنين (عليه السلام) لقتال الخوارج 465 # في القتلى من العسكرين 467 # العثور على المخدج بين القتلى 468 # خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) القاصعة 469 # أبيات للحميري ms316 470 # خطبة الامام الحسن (عليه السلام) وابن عباس في أمر عبد الله بن قيس وعمرو ~~بن العاص 471 # خطبة عبد الله بن جعفر في أمر عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص، وكلام ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) 472 # خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) 473 # قصيدة للمؤلف (رحمه الله) في الخوارج 474 # فصل في مقتله (صلوات الله وسلامه عليه)، وما ورد فيه من الأحاديث الصحيحة ~~عن ائمة الهدى وغيرهم من أهل العلم 476 # خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في آخر جمعة من شهر شعبان 476 # إخبار النبي (صلى الله عليه وآله) بمقتله (عليه السلام) 477 # أن أمير المؤمنين (عليه السلام) سهر في ليلة مقتله 480 # أمير المؤمنين (عليه السلام) ينعى نفسه 481 # اجتماع جماعة من الخوارج وفيهم عبد الرحمن بن ملجم واتفاقهم على قتل أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) ومعاوية وعمرو بن PageV01P590 # العاص، وشغف ابن ملجم بقطام التميمية 482 # ضرب ابن ملجم لأمير المؤمنين (عليه السلام) 483 # اجتماع الأطباء لأمير المؤمنين (عليه السلام) 487 # وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) للحسن والحسين (عليهما السلام) 488 # سعي إسماعيل بن عيسى العباسي عام 293 في تخريب قبر أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) 492 # العلة في إخفاء قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) 493 # قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) نحبه ليلة الحادي والعشرين، ونعي الخضر ~~(عليه السلام) له 495 # مقتل ابن ملجم عليه اللعنة 496 # في رثاء أمير المؤمنين (عليه السلام) 497 # العلامات التي ظهرت عند مقتل أمير المؤمنين (عليه السلام) 498 # أبيات لأبي الأسود الدؤلي في رثاء أمير المؤمنين (عليه السلام) 499 # ما قاله عمران بن حطان الخارجي في ابن ملجم، وجواب بكر بن حماد التاهرتي له 500 # كلام للمؤلف (رحمه الله) 501 # قصيدة للمؤلف (رحمه الله) في حق أمير المؤمنين (عليه السلام) 506 # فصل في ذكر سيدة النساء (صلوات الله وسلامه عليها) 511 # خطبة للمؤلف (رحمه الله) 511 # قصيدة في حق الزهراء (عليها السلام) 514 # جملة من مناقبها (عليها السلام) 516 # كلام فضة القرآني ms317 525 # كلام للمؤلف (رحمه الله) 528 # كرامة شهرة بنت مسكة بنت فضة جارية الزهراء (عليها السلام) 529 # الأمر الإلهي بتزويج أمير المؤمنين من فاطمة (عليهما السلام) 533 # خطبة النبي (صلى الله عليه وآله) في تزويج فاطمة (عليها السلام) 537 PageV01P591 # خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) في زواجه 538 # في مهر الزهراء (عليها السلام) 539 # مراسم زواج أمير المؤمنين وفاطمة (عليهما السلام) 540 # ما أنشأن نساء النبي (صلى الله عليه وآله) في زفاف الزهراء (عليها ~~السلام) 542 # دعاء النبي (صلى الله عليه وآله) لهما (عليهما السلام) في زواجهما 544 # فصل في مولدها وأحوالها وأسمائها (عليها السلام) 546 # كلام للمؤلف (رحمه الله) 547 # قصيدة في معنى «سورة الانسان» 553 # في قصة نزول آيات @QUR@08 (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا ~~... @QUR@01 مشكورا) في علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وجاريتهم ~~فضة 558 # فصل في وفاتها (عليها السلام) 566 # علة دفنها (عليها السلام) ليلا 568 # في تغسيلها (عليها السلام) 569 # كلام أمير المؤمنين عليه اسلام عند دفنها (عليها السلام) 570 # ما قاله أمير المؤمنين والهاتف عند رجوعه (عليه السلام) من دفن الزهراء، ~~وفي موضع قبرها (عليها السلام) 571 # كلام للمؤلف (رحمه الله) 572 # تسلية المجالس وزينة المجالس( مقتل الحسين عليه السلام) # الجزء الأول # تأليف # السيد محمد الكركي الحائري # جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة # [![](../Images/logo4.png)](http://www.masaha.org) # # ![](../Images/2105-logo.jpg) # PageV01P592 # ### | المجلس الرابع في خصائص الامام الثاني سبط المصطفى، ورابع أصحاب الكساء، ذي المآثر والمنن، مولانا وسيدنا أبي محمد الحسن، # وذكر شيء من فضائله المختصة به والمشتركة مع جده وأبيه وامه وأخيه ~~(صلوات الله عليهم أجمعين) ### ||| الخطبة: # الحمد لله الذي جعل حمده سبيلا موصلا إلى نعيم جنته، وسببا متصلا بعميم ~~رحمته، وشكره وسيلة لشاكره إلى المزيد من نعمته، وذكره شرفا لذاكره في سره ~~وعلانيته، وبنى قواعد دينه على توحيده ومعرفته، وأخذ عباده بتقديسه وتنزيهه ~~عما لا يليق بربوبيته، ونصب لهم أعلاما يهتدي بها المتردد في تيه حيرته، ~~وأطلع في سماء العرفان أنجما ينجو بزواهرها ضالهم في ظلمة شبهته، وجعل ms318 تلك ~~الأعلام الواضحة، والأنجم اللائحة، عبادا مكرمين من خواصه، وأولياء معصومين ~~قد صفاهم واصطفاهم بإخلاصه. # أولهم نبي تممت به الرسالة والنبوة، وإمام انتهت إليه الرئاسة والفتوة، ~~لما جعله سبحانه أشد خلقه بسطة في العلم والجسم والقوة، واختصه الرسول ~~بالوصية والخلافة والاخوة، ثبت في العقل والنقل عموم رئاسته، وقبح في PageV02P007 # الحقيقة والطريقة تقديم من قصر عن رتبته. # نحمد ربنا على ما أطلعنا عليه من سره المكنون، وعلمه المخزون، ونزهنا عن ~~اتباع كل ناعق بالباطل، وزاهق بغير الحق قائل، وبنى على حب آله قواعد ~~عقائدنا، وركز في جبلتنا معرفة سادتنا وأئمتنا، وانهم اولوا الأمر الذين ~~ألزم عباده بطاعتهم، وحث أنامه على متابعتهم، فمن سلك غير سبيلهم، واهتدى ~~بغير دليلهم، قاده سوء اختياره إلى الشقاوة السرمدية، وأوقعه ضلال سعيه في ~~الهلكة الأبدية. # لا نشك في كفر من تقدمهم غاصبا، وتسمى بغير اسمه كاذبا، واستوجب اللعنة ~~بإلحاده في دين الله، واستحق العقوبة بجحده ولاية الله، وتوالى في الله ~~أولياءهم، وتعادى في الله أعداءهم، ويلعن الحانث صديقهم، والناكث فاروقهم، ~~والثالث زهوقهم، والرابع زنديقهم، الذي كان إسلامه نفاقا، ودينه شقاقا، ~~وطبعه غدرا، ومعتقده كفرا، الباغي بحربه، والكافر بربه، والخارج على إمام ~~الحق بجنده، والباغي على ولي الخلق بحسده، والمدبر في قتل السيد الزكي، قرة ~~عين النبي، وثمرة قلب الوصي، والمديف له قواتل سمومه بغدره، والمفسد رؤساء ~~جنوده بمكره. # اللهم العنه والعن كل منقاد طوعا لأمره، وكل شاك في ضلاله وكفره. PageV02P008 ### | فصل فيما ورد في فضل السيد الشكور، والامام الصبور، سبط خير المرسلين، ورهط إمام المتقين، ونجل سيد الوصيين، ونتيجة سيدة نساء العالمين، رابع الخمسة الميامين، وثالث الأولياء المنتجبين، الذي جعله الله وأخاه أشرف خلقه أجمعين. # الجد النبي، والأب الوصي، والام الزهراء، والدار البطحاء، فضله معروف، ~~وكرمه موصوف، يخل الغيث بفيض كفه، ويخجل البحر بسبب عرفه، اصوله كريمة، ~~وأياديه عميقة، وحبه فرض واجب، ووده حكم لازب، وطاعته تمام الايمان، ~~ومعصيته سبيل الخسران، الناطق بالحكمة، والمؤيد بالعصمة، إمام الامة، وثاني ~~الأئمة، من حبه من النيران جنة، واتباعه سبيل ms319 موصل إلى نعيم الجنة، وولاؤه ~~على أهل الأرض فرض لا سنة، ذو النسب الطاهر، والحسب الفاخر، والمجد الأعبل، ~~والشرف الأطول، والعلم المأثور، والحلم المشهور، الذي تردى بالمجد واتزر، ~~وتصدى للبذل واشتهر، وظهر عنه العلم وانتشر، وبخدمته الأمين جبرئيل افتخر. # آل عمران تشهد للرسول بنبوته يوم المباهلة، وسورة الانسان تنبئ عن كمال ~~فضيلته حين المفاضلة، وأحزاب المجد بحجة آية تطهيرها لعصمته PageV02P009 # ناصرة، وأبصار الفخر إلى نضرة بهجته يوم الكساء ناظرة، شاطر الله ماله ~~مرارا، وآثر المسكين واليتيم والأسير بقوته إيثارا، وكان للمسلمين نورا ~~ومنارا، وللعارفين غيثا مدرارا، تشمخ المنابر فخرا إن علاها بقدمه، وتشرق ~~المحاضر سرورا إذا غمرها بكرمه، موات الآمال يحيى بوابل جوده، وأموات ~~الافضال تنشر بهاطل جوده، والرئاسة العامة تتجلى على رفعة إمامته، والمناقب ~~التامة تخطر بين يدي زعامته. # من اتخذه بضاعة ربحت تجارته في الدنيا والآخرة، ومن تولى عن أمره إلى ~~غيره معاندة أضحت كرته خاسرة، رضيت به وبأهل بيته سادة عمن سواهم، ووسمت ~~جبهتي بميسم العبودية لجلال علاهم، فإن رقموني في دفاتر عبيدهم، وأثبتوني ~~في جرائد عديدهم، فذلك غاية مرادي وأقصى مناي. وإن طردوني عن أبواب كرمهم، ~~ومحوني من جرائد خدمهم، فيا شقوتي وخيبة مسعاي. # اللهم نور قلبي بحبهم، واشرح صدري بقربهم، ولا تخلني من حياطتهم، ولا ~~تصرف وجهي عن وجههم، والحظني بعين عنايتهم، ولا تنزع مني بركة رأفتهم، إنك ~~على كل شيء قدير. # محمد بن إسحاق، بالاسناد: جاء أبو سفيان إلى علي (عليه السلام)، فقال: # يا أبا الحسن، جئتك في حاجة. # قال: وفيما جئتني؟ # قال: تمشي معي إلى ابن عمك محمد فتسأله أن يعقد لنا عقدا، ويكتب لنا كتابا. # فقال أمير المؤمنين: لقد عقد لك رسول الله (صلى الله عليه وآله) عقدا لا ~~يرجع عنه أبدا، وكانت فاطمة من وراء الستر، والحسن يدرج بين يديها وهو PageV02P010 # طفل من أبناء أربعة عشر شهرا (1)، فقال: يا بنت محمد، قولي لهذا الطفل ~~يكلم لي جده فيسود بكلامه العرب والعجم. # فأقبل الحسن (عليه السلام) على أبي سفيان وضرب بإحدى يديه ms320 على أنفه ~~والاخرى على لحيته، ثم أنطقه الله سبحانه بأن قال: يا أبا سفيان، قل: لا ~~إله إلا الله، محمد رسول الله، حتى أكون لك شفيعا. # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): الحمد لله الذي جعل من ذرية محمد ~~المصطفى نظير يحيى بن زكريا، آتاه (2) الحكم صبيا. ### ||| [في استجابة دعائه وهيبته (عليه السلام)] # واستغاث الناس إليه (عليه السلام) من زياد بن أبيه، فرفع يده وقال: اللهم ~~خذ لنا ولشيعتنا من زياد بن أبيه، وأرنا فيه نكالا عاجلا، إنك على كل شيء قدير. # قال: فخرج خراج في إبهام يمينه؛ ويقال: السلعة (3)، وورم إلى عنقه، فمات ~~لا (رحمه الله). (4) # قال محمد بن إسحاق: ما بلغ أحد من الشرف بعد رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) ما بلغ الحسن بن علي، كان يبسط له بساط على باب داره فإذا خرج وجلس ~~انقطع الطريق، فما يراه أحد من خلق الله إلا قام إجلالا له، فإذا علم قام PageV02P011 # فدخل داره فيمر الناس، ولقد رأيته في طريق مكة ماشيا فما أحد من خلق الله ~~رآه إلا نزل ومشى. ### ||| [أنه كان (عليه السلام) يسمع الوحي فيحفظه، وإخباره (عليه السلام) بمقتله على يد زوجته] # أبو السعادات في الفضائل: إن الشيخ أبو الفتوح أملى في المدرسة الناجية ~~أن الحسن بن علي (عليه السلام) كان يحضر مجلس رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) وهو ابن سبع سنين فيسمع الوحي فيحفظه، فيأتي إلى امه فيلقي إليها ما ~~حفظه، فلما دخل عليها أمير المؤمنين (عليه السلام) وجد عندها علما ~~بالتنزيل، فسألها عن ذلك، فقالت: من ولدك الحسن، فتخفى يوما في الدار وقد ~~دخل الحسن فأراد أن يلقيه إليها فارتج (1) عليه، فعجبت (2)، فخرج أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) وضمه إليه وقبله. # وفي رواية: يا اماه، قل بياني، وكل لساني، لعل سيدا يرعاني. (3) # الحسين بن أبي العلاء، عن جعفر بن محمد (عليه السلام): قال الحسن بن علي ~~(عليه السلام) لأهل بيته: يا قوم، إني أموت بالسم كما مات رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله). # فقال له ms321 أهل بيته: ومن الذي يسمك؟ # قال: جاريتي أو امرأتي. # فقالوا له: أخرجها من ملكك عليها لعنة الله. PageV02P012 # فقال: هيهات من إخراجها ومنيتي على يدها، مالي منها محيص، ولو أخرجتها لم ~~يقتلني غيرها، كان قضاء مقضيا وأمرا واجبا من الله؛ فما ذهبت الأيام حتى ~~بعث معاوية إلى زوجته بالسم. # فقال الحسن لها: هل عندك شربة لبن؟ # فقالت: نعم، فأتت باللبن وفيه السم الذي بعث به معاوية، فلما شربه وجد مس ~~[السم] (1) في بدنه، فقال: يا عدوة الله، قتلتيني قاتلك الله، أما والله ~~لا تصيرين مني خلفا، ولا تصيبين (2) من الفاسق اللعين عدو الله خيرا أبدا. (3) # محمد الفتال النيشابوري في كتاب مونس الحزين: بالاسناد عن عيسى ابن ~~الحسن، عن الصادق (عليه السلام): قال بعضهم للحسن بن علي في احتمال الشدائد ~~من معاوية، فقال (صلوات الله عليه) كلاما معناه: لو دعوت الله سبحانه لجعل ~~العراق شاما والشام عراقا، ولجعل الرجل امرأة والمرأة رجلا. # فقال السائل (4): ومن يقدر على ذلك؟ # فقال (عليه السلام): انهضي، ألا تخجلين وتستحين أن تقعدي بين الرجال؟ ~~فوجد الرجل نفسه امرأة بينة كالنساء، ثم قال: قد صارت عيالك رجلا ويقاربك ~~وتحملين منها وتلدين (5) ولدا خنثى، فكان كما قال (عليه السلام)، ثم إنهما ~~تابا وجاءا إليه، فدعا لهما، فأعادهما الله تعالى إلى الحالة الاولى. (6) PageV02P013 # قال أحدهما (عليهما السلام) في قوله: @QUR@08 هل يستوي الذين يعلمون ~~والذين لا يعلمون (1): نحن الذين نعلم، وعدونا لا يعلم، وشيعتنا اولوا ~~الألباب. (2) ### ||| [قيل للحسن (عليه السلام): إن فيك عظمة، قال: لا، العظمة لله] # وقيل للحسن (عليه السلام): إن فيك عظمة. # قال: لا، العظمة لله، بل في عزة، قال الله تعالى: @QUR@07 ولله العزة ~~ولرسوله وللمؤمنين (3). # وقال واصل بن عطاء: كان الحسن (عليه السلام) عليه سيماء الأنبياء، وبهاء ~~الملوك. (4) # محمد بن أبي عمير (5): عن رجاله، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، عن ~~الحسن بن علي (عليه السلام) قال: إن لله سبحانه مدينتين: إحداهما في المشرق ~~والاخرى في المغرب، عليهما سور من حديد، وعلى كل مدينة ألف [ألف] (6) باب، ~~لكل ms322 باب مصراعان (7) من ذهب، وفيهما سبعون ألف لغة، يتكلم كل واحد بخلاف ~~لغة صاحبه، وأنا أعرف جميع اللغات وما فيهما وما بينهما وما عليهما حجة لله ~~غيري وغير أخي الحسين (عليه السلام). (8) PageV02P014 ### ||| [في قضائه (عليه السلام)، وخطبة له (عليه السلام)] # الكليني في كتابه الكافي (1): انه جاء في حديث عمرو بن عثمان، عن أبي ~~عبد الله (عليه السلام) أنه سئل الحسن عن امرأة جامعها زوجها، فقامت بحرارة ~~جماعه فساحقت جارية بكرا، وألقت النطفة إليها، فحملت. # فقال (عليه السلام): أما في العاجل فتؤخذ المرأة بصداق هذه البكر، لأن ~~الولد لا يخرج منها حتى تذهب عذرتها، ثم ينتظر بها حتى تلد فيقام عليها ~~الحد ويؤخذ الولد فيرد إلى صاحب النطفة، وتؤخذ المرأة ذات الزوج فترجم. # قال: فاطلع أمير المؤمنين (عليه السلام) فرآهم يضحكون، فقصوا عليه القصة، ~~فقال: ما أحكم إلا بما حكم به الحسن. # وفي رواية: لو أن أبا الحسن لقيهم ما كان عنده إلا ما قال الحسن. (2) # محمد بن سيرين: أن عليا (عليه السلام) قال لابنه الحسن: أجمع الناس، فلما ~~اجتمعوا قام (صلوات الله عليه) فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وتشهد، ~~ثم قال: أيها الناس، إن الله اختارنا [لنفسه] (3)، وارتضانا لدينه، ~~واصطفانا على خلقه، وأنزل علينا كتابه ووحيه، وأيم الله لا ينقصنا أحد من ~~حقنا شيئا إلا انتقصه الله من حقه، في عاجل دنياه وآجل آخرته، ولا يكون ~~علينا دولة إلا كانت لنا العاقبة @QUR@05 ولتعلمن نبأه بعد حين (4)، ثم ~~نزل وجمع بالناس، وبلغ أباه، فقبل بين عينيه، وقال: بأبي أنت وامي @QUR@03 ~~ذرية بعضها من PageV02P015 # @QUR@05 بعض والله سميع عليم (1). # في كتاب العقد لابن عبد ربه الأندلسي وكتاب المدائني أيضا: قال عمرو بن ~~العاص لمعاوية: لو أمرت الحسن بن علي أن يخطب على المنبر، فلعله يحصر فيكون ~~ذلك وضعا من قدره عند الناس، فأمر الحسن بذلك. # فلما صعد المنبر تكلم فأحسن، ثم قال: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ~~ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن أبي طالب، أنا ابن أول المسلمين ms323 ~~إسلاما، وامي فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أنا ابن البشير ~~النذير، أنا ابن السراج المنير، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين. # وعن ابن عبد ربه أيضا: أنه قال: لو طلبتم ابنا لنبيكم ما بين لابتيها (2) ~~لم تجدوا غيري وغير أخي. # فناداه معاوية: يا أبا محمد، حدثنا بنعت الرطب- وأراد بذلك أن يخجله ~~ويقطع عليه كلامه-، فقال: نعم تلقحه الشمال، وتخرجه الجنوب، وتنضجه الشمس، ~~ويطيبه (3) القمر. # وفي رواية المدائني: الريح تنضجه (4)، والليل يبرده ويطيبه. # وفي رواية المدائني قال: فقال عمرو: انعت لنا الخرأة. # قال: نعم، تبعد الممشى في الأرض الصحصح (5) حتى تتوارى من القوم، PageV02P016 # ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها، ولا تمسح باللقمة والرمة- يريد العظم ~~والروث- ولا تبل في الماء الراكد. (1) ### ||| [في خشيته من ربه، وحجه وصدقته (عليه السلام)] # وفي روضة الواعظين: ان الحسن (عليه السلام) كان إذا توضأ ارتعدت مفاصله، ~~واصفر لونه، فقيل له في ذلك. فقال: حق على كل من وقف بين يدي رب العرش أن ~~يصفر لونه، وترتعد مفاصله. # وكان (صلوات الله عليه) إذا بلغ باب المسجد رفع رأسه ويقول: اللهم ضيفك ~~(2) ببابك، يا محسن، قد أتاك المسيء، فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما ~~عندك، يا كريم. # وعن الصادق (عليه السلام): أن الحسن (عليه السلام) حج خمسا وعشرين حجة ~~على قدميه. # وبالاسناد (3) عن القاسم بن عبد الرحمن، عن محمد بن علي (عليه السلام): ~~قال الحسن (عليه السلام): إني لأستحيي من ربي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته، ~~فمشى عشرين مرة من المدينة على رجليه. # وفي كتابه (4) بالاسناد: ان الحسن (عليه السلام) قاسم ربه ماله نصفين. # وعن شهاب بن عامر أن الحسن قاسم ربه ماله مرتين حتى تصدق بفرد نعله. PageV02P017 # وفي رواية: أنه تصدق ثلاث مرات يقاسم ربه ماله حتى إنه كان ليعطي نعلا ~~ويمسك نعلا، ويعطي خفا ويمسك خفا. # وكان يمشي في طريق مكة، وإن النجائب لتقاد معه. (1) # روي أنه دخلت على الحسن (عليه السلام) امرأة جميلة وهو في صلاته فأوجز في ~~صلاته، ثم قال لها: ألك ms324 حاجة؟ # قالت: نعم. # قال: وما هي؟ # قالت: قم فأصب مني فإني وفدت ولا بعل لي. # قال: إليك عني لا تحرقيني بالنار ونفسك، فجعلت تراوده عن نفسه وهو يبكي ~~ويقول: ويحك إليك عني، واشتد بكاؤه، فلما رأت ذلك بكت لبكائه، فدخل الحسين ~~(عليه السلام) ورآهما يبكيان، فجلس يبكي، وجعل أصحابه يأتون ويجلسون ويبكون ~~حتى كثر البكاء وعلت الأصوات، فخرجت الأعرابية، وقام القوم، ولبث الحسين ~~(عليه السلام) بعد ذلك وهو لا يسأل الحسن عن ذلك إجلالا له، فبينا الحسن ~~(عليه السلام) ذات يوم (2) نائما إذ استيقظ وهو يبكي، فقال الحسين (عليه ~~السلام): ما شأنك، يا أخي؟ # قال: رؤيا رأيتها. # قال: وما هي؟ # قال: لا تخبر أحدا ما دمت حيا. PageV02P018 # قال: نعم. # قال: رأيت يوسف (عليه السلام) في المنام فجئت أنظر إليه فيمن نظر، فلما ~~رأيت حسنه بكيت، فنظر إلي في الناس، فقال: ما يبكيك، يا أخي، بأبي وامي؟ # فقلت: ذكرتك وامرأة العزيز، وما ابتليت به من أمرها، وما لقيت في السجن، ~~وحرقة الشيخ يعقوب، فبكيت من ذلك، وكنت أتعجب منه. # فقال (عليه السلام): فهلا تعجبت مما كان من المرأة البدوية بالأبواء؟ ### ||| [في شعره وسخائه (عليه السلام)] # وللحسن (عليه السلام): # ذري كدر الأيام إن صفاءها %~% تولى بأيام السرور الذواهب # وكيف يغر الدهر من كان بينه %~% وبين الليالي محكمات التجارب # وله (عليه السلام): # قل للمقيم بغير (1)دار إقامة %~% حان الرحيل فودع الأحبابا # إن الذين لقيتهم وصحبتهم %~% صاروا جميعا في القبور ترابا # ومن سخائه (عليه السلام) أنه سأله رجل فأعطاه خمسين ألف درهم وخمسمائة ~~دينار وقال: ائت بحمال يحمل لك، فأعطى الحمال طيلسانه، وقال: # هذا الكرى للحمال. # وجاءه بعض الأعراب فقال: أعطوه ما في الخزانة، فوجدوا فيها عشرون ألف ~~درهم، فدفعها إلى الأعرابي. # فقال الأعرابي: هلا تركتني أبوح بحاجتي واظهر مدحتي؟! PageV02P019 # فأنشأ (صلوات الله عليه): # نحن اناس عطاؤنا خضل (1) %~% يرتع فيه الرجاء والأمل # تجود قبل السؤال أنفسنا %~% خوفا على ماء وجه من يسل # لو علم البحر فضل (2)نائلنا %~% لغاض من بعد فيضه خجل (3) # أبو جعفر ms325 المدائني- في حديث طويل-: قال: خرج الحسن والحسين وعبد الله بن ~~جعفر حجاجا ففاتهم أثقالهم، فجاعوا وعطشوا، فرأوا في بعض الشعاب خباء رثا ~~وعجوزا فاستسقوها. # فقالت: اطلبوا هذه الشويهة، ففعلوا واستطعموها فقالت: ليس إلا هي فليقم ~~أحدكم فليذبحها حتى أصنع لكم طعاما، فذبحها أحدهم، ثم شوت لهم من لحمها، ~~وأكلوا وقيلوا عندها، فلما نهضوا قالوا لها: نحن نفر من قريش نريد هذا ~~الوجه، فإذا نحن انصرفنا وعدنا فالممي بنا فإنا صانعون بك خيرا، ثم رجلوا. # فلما جاء زوجها وعرف الحال أوجعها ضربا، ثم مضت الأيام وأضرت بها الحال ~~فرحلت حتى اجتازت بالمدينة، فبصر بها الحسن (عليه السلام) فأمر لها بألف ~~شاة وأعطاها ألف دينار، وبعث معها رسولا إلى الحسين (عليه السلام) فأعطاها ~~مثل ذلك، ثم بعثها إلى عبد الله بن جعفر فأعطاها مثل ذلك. # ودخل عليه رجل (4) فقال: يا ابن رسول الله، إني عصيت رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله). PageV02P020 # فقال (عليه السلام): بئس ما فعلت، كيف فعلت؟ # فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لا يفلح قوم ملكت عليهم ~~امرأة، وقد ملكت علي امرأتي فأمرتني أن أشتري غلاما (1)، فاشتريته وقد أبق مني. # فقال (صلوات الله عليه): اختر أحد ثلاثة: إن شئت قيمة عبد. فقال: هاهنا ~~لا تتجاوز! قد اخترت، فأعطاه ذلك. # وقال أنس: حيت (2) جارية للحسن (عليه السلام) بطاقة ريحان، فقال لها: # أنت حرة لوجه الله، فقلت له في ذلك، فقال: أدبنا الله سبحانه وقال: ~~@QUR@07 وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها (3) وكان أحسن منها إعتاقها. (4) ### ||| [في عفوه (عليه السلام)] # وروى المبرد قال: رآه شامي راكبا فجعل يلعنه والحسن (عليه السلام) لا ~~يرد، فلما فرغ أقبل عليه الحسن وضحك وقال: أيها الشيخ، أظنك غريبا ولعلك ~~شبهتني، فلو استعنتنا أعناك (5)، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا ~~أرشدناك، ولو استحملتنا حملناك، وإن كنت جائعا أشبعناك، وإن كنت عريانا ~~كسوناك، وإن كنت محتاجا أغنيناك، وإن كنت طريدا أويناك، وإن كنت ذا حاجة ~~قضيناها لك، فلو كنت حركت رحلك إلينا، وكنت ضيفا لنا إلى ms326 وقت ارتحالك كان ~~أعود عليك، لأن لنا موضعا رحبا، وجاها عريضا، ومالا كثيرا. PageV02P021 # فلما سمع الرجل كلامه بكى، ثم قال: أشهد أنك خليفة الله في أرضه، الله ~~أعلم حيث يجعل رسالته، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إلي، فالآن أنت أحب ~~الخلق إلي، وحول رحله إليه، وكان ضيفه إلى أن ارتحل، وصار معتقدا محبتهم. (1) ### ||| [في شبهه (عليه السلام) برسول الله (صلى الله عليه وآله)] # وروى البخاري والموصلي: قال إسماعيل بن خالد لأبي جحيفة: رأيت رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله)؟ # قال: نعم، وكان الحسن (عليه السلام) يشبهه. # أبو هريرة [قال] (2): دخل الحسن يوما وهو معتم فظننت أن (3) النبي (صلى ~~الله عليه وآله) قد بعث. # وروى الغزالي: ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال للحسن: أشبهت خلقي ~~وخلقي. (4) # دعا أمير المؤمنين (عليه السلام) محمد بن الحنفية يوم الجمل فأعطاه رمحه ~~وقال له: اقصد بهذا الرمح قصد الجمل، فذهب فمنعوه بنو ضبة، فلما رجع انتزع ~~الحسن الرمح من يده، وقصد قصد الجمل، وطعنه برمحه، ورجع إلى والده، وعلى ~~الرمح أثر الدم، فتمغر وجه محمد من ذلك، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ~~لا تأنف فإنه ابن النبي وأنت ابن علي. (5) PageV02P022 # وطاف الحسن (عليه السلام) بالبيت يوما فسمع رجلا يقول: هذا ابن فاطمة ~~الزهراء، فالتفت إليه فقال: قل: هذا ابن علي بن أبي طالب، فأبي خير من امي. (1) ### ||| [مفاخرة الحسن (عليه السلام) مع معاوية] # وتفاخرت قريش والحسن (عليه السلام) ساكت لا ينطق، فقال له معاوية: # [يا] (2) أبا محمد مالك لا تنطق؟ فو الله ما أنت بمشوب الحسب، ولا بكليل ~~اللسان. # فقال الحسن (عليه السلام): ما ذكروا فضيلة إلا ولي محضها ولبابها. (3) # أخبار أبي حاتم (4): إن معاوية فخر يوما، فقال: أنا ابن بطحاء مكة، أنا ~~ابن أغزرها (5) جودا، وأكرمها جدودا، وأنا ابن من ساد قريشا فضلا ناشئا وكهلا. # فقال الحسن (عليه السلام): يا معاوية، أعلي تفتخر؟! أنا ابن عروق الثرى، ~~أنا ابن مأوى التقى، أنا ابن من جاء بالهدى، أنا ابن من ساد أهل الدنيا، ms327 ~~بالفضل السابق، والحسب الفائق، أنا ابن من طاعته طاعة الله، ومعصيته معصية ~~الله، فهل لك أب كأبي تباهيني به، وقديم كقديمي تساميني به؟ قل: نعم، أو لا. # فقال معاوية: بل أقول: لا، وهي لك تصديق. (6) PageV02P023 # وقال معاوية يوما للحسن (عليه السلام): أنا خير منك. # قال: وكيف ذاك، يا ابن هند؟ # قال: لأن الناس قد اجتمعوا علي ولم يجمعوا عليك. # قال الحسن: هيهات هيهات لشر ما علوت، يا ابن آكلة الأكباد، المجتمعون ~~عليك رجلان؛ بين مطيع ومكره، فالطائع لك عاص لله، والمكره معذور بكتاب ~~الله، وحاشى لله أن أقول أنا خير منك فلا خير فيك، ولكن الله برأني من ~~الرذائل كما برأك من الفضائل. # كتاب الشيرازي: روى سفيان الثوري، عن واصل، عن الحسن، عن ابن عباس في ~~قوله سبحانه: @QUR@06 وشاركهم في الأموال والأولاد (1) أنه جلس الحسن بن ~~علي (عليه السلام) ويزيد بن معاوية يأكلان الرطب، فقال يزيد: يا حسن، إني ~~مذ كنت ابغضك. # فقال الحسن: يا يزيد، اعلم أن إبليس شارك أباك في جماعه فاختلط الماء ان ~~فأورثك ذلك عداوتي، لأن الله سبحانه يقول: @QUR@06 وشاركهم في الأموال ~~والأولاد وشارك الشيطان حربا عند جماعه فولد له صخر، فلذلك كان يبغض جدي ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله). # هرب سعيد بن سرح (2) من زياد إلى الحسن (عليه السلام)، فكتب الحسن إليه ~~يشفع فيه. ### ||| [كتاب زياد بن أبي سفيان إلى الحسن (عليه السلام)] # فكتب زياد إلى الحسن: PageV02P024 # من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن بن فاطمة. # أما بعد: # فقد أتاني كتابك تبدأ فيه باسمك قبل اسمي وأنت طالب حاجة، وأنا سلطان ~~وأنت سوقة (1)، وذكر نحوا من ذلك. # فلما قرأ الحسن الكتاب تبسم وأنفذ بالكتاب إلى معاوية، فكتب معاوية إلى ~~زياد لعنه الله يؤنبه ويأمره أن يخلي عن أخي سعيد وولده وامرأته ورد ماله ~~وبناء ما قد هدمه من داره، ثم قال: # وأما كتابك إلى الحسن باسمه واسم امه لا تنسبه إلى أبيه، وامه بنت رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله)، وذلك أفخر له إن ms328 كنت تعقل. (2) ### ||| [في تواضعه (عليه السلام)] # كتاب الفنون (3) عن أحمد المؤدب ونزهة الأبصار: أنه مر الحسن (عليه ~~السلام) بقوم فقراء وقد وضعوا كسيرات لهم على الأرض وهم يلتقطونها ~~ويأكلونها، فقالوا له: هلم يا ابن رسول الله إلى الغذاء، فنزل وقال: إن ~~الله لا يحب المستكبرين (4)، وجعل يأكل معهم حتى اكتفوا والزاد على حاله ~~ببركته، ثم دعاهم إلى منزله (5) وأطعمهم وكساهم. (6) # وفي العقد: أن مروان بن الحكم قال للحسن بن علي (عليه السلام) بين PageV02P025 # يدي معاوية: أسرع الشيب إلى شاربك يا حسن. ويقال: إن ذلك من الخرق. # فقال (عليه السلام): ليس كما بلغك ولكنا معشر بني هاشم أفواهنا عذبة ~~وشفاهنا طيبة (1)، فنساؤنا يقبلن علينا بأنفاسهن، وأنتم معشر بني امية فيكم ~~بخر شديد، فنساؤكم يصرفن أفواههن وأنفاسهن إلى أصداغكم، فإنما يشيب منكم ~~موضع العذار من أجل ذلك. ### ||| [أبيات للحسن (عليه السلام)] # فقال مروان: أما إن يا بني هاشم فيكم خصلة سوء. # قال: وما هي؟ # قال: الغلمة (2). # قال: أجل، نزعت من نسائنا ووضعت في رجالنا، ونزعت الغلمة من رجالكم ووضعت ~~في نسائكم، فما قام لاموية إلا هاشمي، ثم خرج، وأنشد (صلوات الله عليه): # ومارست هذا الدهر خمسين حجة %~% وخمسا ارجي قابلا بعد قابل # فما أنا في الدنيا بلغت جسيمها %~% ولا في الذي أهوى كدحت بطائل # وقد أشرعتني في المنايا أكفها (3) %~% وأيقنت أني رهن موت معاجل # (4) PageV02P026 # قيل لمجنون: الحسن كان أفضل أم الحسين؟ # قال: الحسن، لقوله سبحانه: @QUR@09 ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة ~~حسنة (1) ولم يقل: حسينة. (2) ### ||| [صعوده (عليه السلام) على كتف رسول الله (صلى الله عليه وآله) في صلاته] # روى أبو يعلى الموصلي في المسند: عن ثابت البناني، عن أنس وعبد الله ابن ~~شيبة (3)، عن أبيه أن النبي (صلى الله عليه وآله) قام إلى صلاة والحسن ~~متعلق به، فوضعه النبي (صلى الله عليه وآله) إلى جانبه وصلى، فلما سجد أطال ~~السجود فرفعت رأسي من بين القوم فإذا الحسن على كتف النبي (صلى الله عليه ~~وآله)، فلما سلم قال له القوم: يا رسول ms329 الله، لقد سجدت في صلاتك سجدة ما ~~كنت تسجدها، كأنما يوحى إليك. # فقال (صلى الله عليه وآله): لم يوح إلي، ولكن ابني كان على كتفي فكرهت أن ~~اعجله حتى نزل. # وفي رواية اخرى أنه قال: إن ابني ارتحلني فكرهت أن اعجله حتى يقضي حاجته. # وفي رواية اخرى: قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله) يصلي بنا وهو ساجد ~~فيجيء الحسن وهو صبي صغير حتى يصير على ظهره أو رقبته فيرفعه رفعا رفيقا، ~~فلما صلى صلاته قالوا: يا رسول الله، إنك لتصنع بهذا الصبي شيئا لم تصنعه بأحد! # فقال: هذا ريحانتي. PageV02P027 ### ||| [في محبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) للحسن (عليه السلام)] # وعن أبي هريرة: قال: ما رأيت الحسن قط إلا فاضت عيناي بدموعها، وذلك انه ~~أتى يوما يشتد حتى قعد في حجر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجعل يقول في ~~لحية رسول الله (صلى الله عليه وآله) هكذا وهكذا ورسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) يفتح فمه، ثم يدخل فمه في فمه، ويقول: اللهم إني احبه فأحبه وأحب من ~~يحبه، يقولها ثلاث مرات. # عبد الرحمن بن أبي ليلى: كنا عند النبي (صلى الله عليه وآله) فجاء الحسن ~~وأقبل يتمرغ عليه فرفع قميصه وقبل زبيبته. (1) # الخدري: إن الحسن (عليه السلام) جاء والنبي (صلى الله عليه وآله) يصلي ~~فأخذ بعنقه وهو جالس، فقام النبي (صلى الله عليه وآله) وإن الحسن ليمسك ~~بيديه حتى ركع. # وعن أبي هريرة: كان النبي (صلى الله عليه وآله) يقبل الحسن، فقال الأقرع ~~بن حابس: إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحدا منهم. # فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من لا يرحم لا يرحم. (2) ### ||| [في ميلاده وتسميته (عليه السلام)] # وروي من طرق العامة، ورواه أصحابنا رضي الله عنهم في كتبهم: عن أمير ~~المؤمنين (عليه السلام)، وعن علي بن الحسين، وعن أسماء بنت عميس، قالت: لما ~~ولدت فاطمة الحسن (عليهما السلام) جاءني النبي (صلى الله عليه وآله) وقال: ~~يا أسماء، هاتي ابني، فدفعته إليه في خرقة ms330 صفراء، فرمى بها، وقال: يا PageV02P028 # أسماء، ألم أعهد إليكم ألا تلفوا المولود في خرقة صفراء؟ فلففته في خرقة ~~بيضاء ودفعته إليه، فأذن في اذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، وقال لعلي: أي ~~شيء سميت ابني هذا؟ # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ما كنت لأسبقك باسمه، وقد كنت احب أن ~~اسميه حربا. # فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): وأنا لا احب أن أسبق ربي باسمه، ثم ~~هبط جبرئيل، فقال: السلام عليك يا محمد، العلي الأعلى يقرؤك السلام، ويقول: ~~علي منك بمنزلة هارون من موسى ولا نبي بعدك، سم ابنك هذا باسم ابن هارون. # قال: وما اسم ابن هارون، يا جبرئيل؟ # قال: شبر. # قال: لساني عربي. # قال: سمه الحسن. # قال: فلما كان يوم سابعه عق عنه بكبشين أملحين، وأعطى القابلة فخذا، وحلق ~~رأسه، وتصدق بوزن الشعر ورقا، وطلى رأسه بالخلوق (1)، ثم قال: # يا أسماء، الدم فعل الجاهلية. # قالت: فلما ولد الحسين فعل مثل ذلك. (2) PageV02P029 # قال الباقر (عليه السلام)- في خبر-: فوزنوا الشعر فكان وزنه درهما ونصفا. (1) # الصادق (عليه السلام) وابن عباس وأبو هريرة أيضا: إن فاطمة عادت رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) في مرضه الذي عوفي منه ومعها الحسن (عليه ~~السلام) والحسين (عليه السلام)، فأقبلا يغمزان مما يليهما من يد رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) حتى اضطجعا على عضديه وناما، فلما انتبها خرجا في ~~ليلة ظلماء مدلهمة ذات رعد وبرق وقد أرخت السماء عزاليها، فسطع لهما نور، ~~فلم يزالا يمشيان في ذلك النور ويتحدثان حتى أتيا حديقة بني النجار فاضطجعا ~~وناما، إلى تمام الحديث (2)، وهذا الحديث أوردته مستوفى من أمالي الشيخ ~~الجليل أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي رضي الله عنه عند ذكر ما تم ~~للأعمش مع أبي جعفر المنصور الدوانيقي قبل هذا المجلس، فلا حاجة لإعادته. # وكان مولده (صلى الله عليه وآله) بالمدينة ليلة النصف من شهر رمضان عام ~~احد سنة ثلاث من الهجرة؛ وقيل: سنة اثنتين، وجاءت به فاطمة (عليها السلام) ~~يوم السابع من مولده في خرقة ms331 من حرير الجنة، وكان جبرئيل أتى بها رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) فسماه حسنا، وعق عنه كبشا، فعاش مع جده سبع سنين ~~وأشهرا؛ وقيل: ثمان، ومع أبيه (صلوات الله عليه) ثلاثين سنة، وبعده تسع ~~سنين، وفي رواية: عشر سنين. # وكان (صلوات الله عليه) ربع القامة، وله محاسن كثة (3). PageV02P030 # وأصحابه (1) أصحاب أبيه. # وبابه: قيس بن ورقاء (2) المعروف بسفينة ورشيد الهجري؛ ويقال: وميثم ~~التمار. # وبويع بعد أبيه يوم الجمعة الحادي والعشرين [من] (3) شهر رمضان في سنة ~~أربعين. # وكان أمير جيشه عبيد الله بن العباس، ثم قيس بن سعد بن عبادة. # وكان عمره لما بويع سبعا وثلاثين سنة، فبقي في خلافته أربعة أشهر وثلاثة ~~أيام، ووقع الصلح بينه وبين معاوية لعنه الله في سنة إحدى وأربعين، ثم خرج ~~(عليه السلام) إلى المدينة فأقام بها عشر سنين. # وسماه الله تعالى الحسن، وسماه في التوراة شبرا. # وكنيته: أبو محمد وأبو القاسم. # وألقابه: السيد، والسبط، والأمين، والحجة، والبر، والتقي، والزكي، ~~والمجتبى، والسبط الأول، والزاهد. # وامه فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وظل مظلوما، ومات ~~مسموما. ### ||| [في وفاته (عليه السلام)] # وقبض بالمدينة بعد مضي عشر سنين من ملك معاوية، فكان في سني إمامته أول ~~ملك معاوية، ومرض (صلوات الله عليه) أربعين يوما ومضى لليلتين PageV02P031 # بقيتا من صفر سنة خمسين من الهجرة؛ وقيل: سنة تسع وأربعين وعمره سبعة ~~وأربعون سنة وأشهر؛ وقيل: ثمان وأربعون؛ وقيل: في تمام سنة خمسين من ~~الهجرة. # وكان معاوية بذل لجعدة بنت محمد بن الأشعث الكندي وهي ابنة أم فروة اخت ~~(1) أبي بكر بن أبي قحافة عشرة آلاف دينار، وإقطاع عشرة ضياع من سقي سورا ~~(2) وسواد الكوفة على أن تسم الحسن (عليه السلام) وتولى الحسين (عليه ~~السلام) غسله وتكفينه ودفنه، وقبره بالبقيع عند جدته فاطمة بنت أسد. (3) ### ||| [في ذكر أولاده وزوجاته (عليه السلام)] # وأولاده خمسة (4) عشر ذكرا وبنت واحدة، عبد الله وعمر والقاسم امهم أم ~~ولد، والحسين الأثرم والحسن امهما خولة بنت منظور بن رباب الفزارية، وعقيل ~~والحسن امهما أم بشير ms332 بنت أبي مسعود الخزرجية، وزيد وعمر من الثقفية، وعبد ~~الرحمن من أم ولد، وطلحة وأبو بكر امهما أم إسحاق بنت طلحة التيمي، وأحمد ~~وإسماعيل والحسن الأصغر، ابنته أم الحسن فقط؛ ويقال: وأم الحسين وكانتا من ~~أم بشير الخزاعية، وفاطمة من أم إسحاق بنت طلحة، وأم عبد الله وأم سلمة ~~ورقية لامهات أولاد. # وقتل مع الحسين (عليه السلام) من أولاده: عبد الله والقاسم وأبو بكر. # والمعقبون من أولاده اثنان: زيد بن الحسن، والحسن بن الحسن. # في كتاب قوت القلوب: ان الحسن (عليه السلام) تزوج مائتين وخمسين PageV02P032 # امرأة؛ وقيل: ثلاثمائة (1)، وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) ينضجر من ~~ذلك. (2) # أبو عبد الله المحدث في رامشأفزاي: إن هذه النساء كلهن خرجن في جنازته ~~حافيات. (3) PageV02P033 ### | فصل في أمره (عليه السلام) مع معاوية عليه لعنة الله ### ||| [خطبة للحسن (عليه السلام) صبيحة وفاة أمير المؤمنين (عليه السلام)] # لما مات أمير المؤمنين (عليه السلام) خطب الحسن (عليه السلام) بالكوفة، ~~فقال: أيها الناس، إن الدنيا دار بلاء وفتنة، وكل ما فيها فإلى زوال ~~واضمحلال- إلى أن قال-: وإني ابايعكم على أن تحاربوا من حاربت، وتسالموا من سالمت. # فقال الناس: سمعنا وأطعنا فمرنا بأمرك يا إمام المؤمنين، فأقام بالكوفة ~~شهرين. (1) # وروى صاحب مقاتل الطالبيين: ان الحسن خطب صبيحة الليلة التي قتل فيها ~~أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال: لقد قبض الله في هذه الليلة رجلا لم ~~يسبقه الأولون، ولا يدركه الآخرون [بعمل] (2)، ولقد كان يجاهد بين يدي ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقيه بنفسه، ولقد كان يوجهه برايته فيكتنفه ~~جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتى يفتح الله عليه، ولقد ~~توفي في الليلة التي عرج فيها بعيسى بن مريم، والتي توفي فيها يوشع بن نون، ~~ولا خلف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم بقيت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما PageV02P034 # لأهله، ثم خنقته العبرة، فبكا [وبكى] (1) الناس معه. # ثم قال: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن ابن ~~محمد المصطفى (صلى الله عليه وآله)، ms333 أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ~~ابن الداعي إلى الله عز وجل بإذنه، وأنا ابن السراج المنير، وأنا من أهل ~~البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، والذين افترض الله ~~مودتهم، فقال: # @QUR@017 قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة ~~نزد له فيها حسنا (2) فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت. # قال: فقام ابن عباس رضي الله عنه فدعا الناس إلى بيعته فاستجابوا، ~~وقالوا: ما أحبه إلينا وأحقه بالخلافة، فبايعوه، ثم نزل عن المنبر. # قال: ودس معاوية رجلا من [بني] (3) حمير إلى الكوفة، ورجلا من بني القين ~~إلى البصرة يكتبان إليه بالأخبار، فدل على الحميري عند لحام جرير (4)، ودل ~~على القيني بالبصرة في بني سليم فأخذا وقتلا. ### ||| [كتاب الحسن (عليه السلام) إلى معاوية يخبره بعلمه أن معاوية دس إليه الرجال] # وكتب الحسن (عليه السلام) إلى معاوية: # أما بعد: فإنك دسست إلي الرجال كأنك تحب اللقاء، وما أشك في ذلك فتوقعه ~~إن شاء الله، وقد بلغني أنك شمت بما لا يشمت (5) به أهل الحجى، وإنما مثلك ~~في ذلك كما قال الأول: PageV02P035 # وقل للذي يبغي خلاف الذي مضى %~% تأخر (1)لاخرى مثلها فكأن قد # وإنا ومن قد مات منا فكالذي %~% يروح فيمسي في المبيت ويغتدي ### ||| [جواب معاوية له (عليه السلام)] # فأجابه معاوية: # أما بعد: فقد وصل إلي كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وقد علمت بما حدث فلم ~~أفرح قط ولم أشمت ولم آس، وإن علي بن أبي طالب لكما قال أعشى بني قيس بن ~~ثعلبة (2): # فأنت الجواد وأنت الذي %~% إذا ما القلوب ملأن الصدورا # جدير بطعنة يوم اللقا %~% أتضرب فيها النساء النحورا # وما مزيد من خليج البحا %~% ر يعلو الآكام ويعلو الجسورا (3) # بأجود منه بما عنده %~% فيعطي الالوف (4)ويعطي البدورا ### ||| [كتاب عبد الله بن عباس من البصرة إلى معاوية] # قال: وكتب عبد الله بن عباس من البصرة إلى معاوية: # فأما بعد: فإنك ودسك أخا بني قين إلى البصرة تلتمس من غفلات (5) قريش ~~مثل الذي ظفرت به من يمانيتك لكما ms334 قال امية بن الصلت (6): # لعمرك إني والخزاعي طاويا (7) %~% كنعجة عاد حتفها تتحفر # أثارت عليها شفرة بكراعها %~% فضلت بها من آخر الليل تنحر PageV02P036 # شمت بقوم من صديقك أهلكوا %~% أصابهم يوما من الموت أصفر (1) ### ||| [جواب معاوية لابن عباس] # فكتب إليه معاوية: # أما بعد: فإن الحسن كتب إلي بنحو مما كتبت، وأنبأني بما لم أحسن ظنا وسوء ~~رأي، وإنك لم تصب مثلك ومثلي ولكن مثليا كما قال طارق الخزاعي: # فو الله ما أدري وإني لصادق %~% إلى أي من يظنني أتعذر (2) # اعنف إن كانت زبينة أهلكت %~% ونال بني لحيان شر فأنفروا ### ||| [كتاب الحسن (عليه السلام) إلى معاوية] # وكتب الحسن (عليه السلام) إلى معاوية: # من عبد الله الحسن بن أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان. # سلام عليك، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو. # أما بعد: # فإن الله تعالى بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) رحمة للعالمين، ومنة على ~~المؤمنين، وكافة إلى الناس أجمعين، لينذر من كان حيا، ويحق القول على ~~الكافرين، فبلغ رسالات الله وأقام على أمر الله حتى توفاه الله وهو غير ~~مقصر ولا وان حتى (3) أظهر الله به الحق، ومحق به الشرك، ونصر به ~~المؤمنين، وأعز به العرب، وشرف به قريشا خاصة، فقال سبحانه: @QUR@06 وإنه ~~لذكر لك ولقومك (4) فلما توفي (صلى الله عليه وآله) تنازعت سلطانه العرب، ~~فقالت قريش: نحن قبيلته واسرته وأولياؤه فلا يحل لكم أن تنازعونا سلطان ~~محمد في الناس PageV02P037 # وحقه، فرأت العرب أن القول ما قالت قريش وان الحجة لهم في ذلك على من ~~ينازعهم أمر محمد (صلى الله عليه وآله)، فأذعنت (1) لهم العرب وسلمت ذلك، ~~ثم حاججنا نحن قريشا بمثل ما حاجت به العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب ~~لها إنهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالانتصاف والاحتجاج، فلما صرنا أهل ~~بيت محمد وأولناه (2) إلى محاجتهم وطلب النصف بينهم (3) باعدونا واستولوا ~~بالاجتماع على ظلمنا ومراغمتنا والعنت منهم لنا ظالمين عند الله وهو الولي ~~والنصير. # وقد تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا وسلطان نبينا (صلى الله عليه ms335 ~~وآله) وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الاسلام فأمسكنا عن منازعتهم مخافة ~~على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب بذلك مغمزا يثلمونه به، أو يكون لهم ~~بذلك سبب لما أرادوا من فساده، واليوم فليعجب المتعجب من توثبك- يا معاوية- ~~على أمر لست من أهله لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الاسلام محمود، ~~وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، ~~ولكن الله خيبك، وسترد فتعلم لمن عقبى الدار، تالله لتلقين عن قليل ربك، ثم ~~ليجزينك (4) بما قدمت يداك وما الله بظلام للعبيد. # إن عليا لما مضى لسبيله (رحمة الله عليه) يوم قبض ويوم يبعث حيا ولاني ~~المسلمون الأمر من بعده، فأسأل الله ألا يزيدنا في الدنيا الفانية شيئا ~~ينقصنا به غدا في الآخرة مما عنده من كرامته، وإنما حملني على الكتاب إليك ~~الاعذار PageV02P038 # فيما بيني وبين الله سبحانه في أمرك، ولك في ذلك إن فعلت الحظ الجسيم، ~~وللمسلمين فيه صلاح، فدع التمادي في الباطل وادخل فيما دخل فيه الناس من ~~بيعتي فإنك تعلم أني أحق بهذا الأمر منك عند الله وعند كل أواب حفيظ ومن له ~~قلب منيب، واتق الله ودع البغي واحقن دماء المسلمين فو الله مالك من خير في ~~أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه، وادخل في السلم والطاعة ولا ~~تنازع الأمر ممن هو أحق به منك ليطفئ الله (1) النائرة بذلك، وتجتمع ~~الكلمة، ويصلح ذات البين، وإن أنت أبيت إلا التمادي في غيك نهدت إليك ~~بالمسلمين فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين. ### ||| [جواب معاوية له (عليه السلام)] # وأجابه (2) معاوية على يدي جندب الأزدي موصل كتاب الحسن (عليه السلام): # فهمت ما ذكرت به محمدا (صلى الله عليه وآله) وهو أحق الأولين والآخرين ~~بالفضل كله، وذكرت تنازع المسلمين الأمر بعده فصرحت بنميمة فلان وفلان وأبي ~~عبيدة وغيره، فكرهت ذلك لك لأن الامة قد علمت أن قريشا أحق بها، وقد علمت ~~ما جرى من أمر الحكمين، فكيف تدعوني إلى أمر إنما ms336 تطلبه بحق أبيك وقد خرج ~~أبوك منه؟ # ثم كتب: # أما بعد: # فإن الله يفعل في عباده ما يشاء (3)، لا معقب لحكمه وهو سريع PageV02P039 # الحساب (1)، فاحذر أن تكون منيتك على يدي رعاع الناس وآيس أن تجد فينا ~~غميزة، وإن أنت أعرضت عما أنت فيه وبايعتني وفيت لك بما وعدت، وأنجزت لك ما ~~شرطت، وأكون في ذلك كما قال أعشى قيس (2): # وإن أحد أسدى إليك كرامة %~% فأوف بما يدعى إذا مت وافيا # فلا تحسد المولى إذا كان ذا غنى %~% ولا تجفه إن كان للمال نائيا # ثم الخلافة لك من بعدي وأنت أولى الناس بها. # وفي رواية: لو كنت أعلم أنك أقوى للأمر، وأضبط للناس، وأكبت للعدو، وأقوى ~~على جمع الأموال مني لبايعتك لأنني أراك لكل خير أهلا. ثم قال: إن أمري ~~وأمرك شبيه بأمر أبي بكر [وأبيك] (3) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله). # ثم كتب: # فادخل في طاعتي [ولك الأمر من بعدي] (4) ولك ما في بيت مال العراق بالغا ~~ما بلغ تحمله إلى حيث أحببت، ولك خراج كور العراق يثبته معاوية لك إعانة ~~على نفقتك (5) يجيبها أمينك ويحملها إليك كل سنة، ولك ألا يستولى عليك PageV02P040 # بالاساءة، ولا تقضى دونك الامور، فلا تعصى في أمر أردت به طاعة الله عز ~~وجل أعاننا الله وإياك على طاعته إنه سميع مجيب. # قال جندب: فلما أتيت الحسن (عليه السلام) بكتاب معاوية قلت له: إن الرجل ~~سائر إليك فابدأه بالمسير حتى تقاتله في أرضه وبلاده وعمله، فإما إنك تقدر ~~انه ينقاد لك فلا والله حتى ترى أعظم (1) من يوم صفين. # فقال: أفعل. ### ||| [كتاب معاوية إلى عماله على النواحي بعد مقتل أمير المؤمنين علي (عليه السلام)] # ثم كتب معاوية إلى عماله على النواحي نسخة واحدة: # بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى فلان وفلان ~~ومن قبله من المسلمين. # سلام عليكم، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو إليكم. # أما بعد: # فالحمد لله الذي كفاكم مئونة عدوكم وقتلة خليفتكم إن الله بلطفه نتج ms337 (2) ~~لعلي بن أبي طالب رجلا من عباده فاغتاله فقتله، وترك أصحابه متفرقين ~~مختلفين، وقد جاءتنا كتب أشرافهم وقادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم وعشائرهم ~~فأقبلوا إلي حين يأتيكم كتابي بجدكم (3) وجندكم وحسن عدتكم، فقد أصبتم ~~بحمد الله الثأر، وبلغتم الأمل، وأهلك الله أهل البغي والعدوان، والسلام ~~عليكم ورحمة الله وبركاته. PageV02P041 # قال: فاجتمعت العساكر إلى معاوية وسار قاصدا إلى العراق، ### ||| [خطبة للحسن (عليه السلام) بعد سماعه بتوجه معاوية إلى العراق] # وبلغ الحسن خبر مسيره وانه قد بلغ جسر منبج، فتحرك عند ذلك وبعث حجر بن ~~عدي يأمر الناس بالتهيؤ للمسير، ونادى المنادي: الصلاة جامعة، فأقبل الناس ~~يثوبون ويجتمعون، فصعد (عليه السلام) المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: # أما بعد: # فإن الله كتب الجهاد على خلقه وسماه كرها، ثم قال لأهل الجهاد من ~~المؤمنين: @QUR@06 واصبروا إن الله مع الصابرين (1) فلستم- أيها الناس- ~~بنائلين ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون، إنه بلغني ان معاوية بلغه انا ~~كنا أزمعنا [على] (2) المسير إليه فتحرك لذلك، اخرجوا رحمكم الله إلى ~~معسكركم بالنخيلة حتى ننظر وينظرون، ونرى ويرون (3). # قال: وإنه في كلامه يتخوف خذلان الناس إياه، فسكتوا فما تكلم منهم أحد ~~ولا أجابه بحرف، فلما رأى ذلك عدي بن حاتم قال: أنا ابن حاتم (4)، سبحان ~~الله! ما أقبح هذا المقام؟ ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيكم؟ أين خطباء ~~مضر؟ أين المتبلغون الخواصون (5) من أهل مصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في ~~الدعة، فإذا جاء (6) الجد فرواغون كالثعالب؟ أما يخافون مقت PageV02P042 # الله ولا عيبها وعارها؟ # ثم استقبل الحسن بوجهه وقال: أصاب الله بك المراشد، وجنبك المكاره، ووفقك ~~لما يحمد ورده وصدره، وقد سمعنا مقالتك، وانتهينا (1) إلى أمرك، واسمعنا ~~وأطعنا (2) فيما قلت ورأيت، وهذا وجهي إلى معسكري فمن أحب أن يوافي فليواف، ~~ثم مضى لوجهه، فخرج من المسجد ودابته بالباب فركب ومضى إلى النخيلة، وأمر ~~غلامه أن يلحقه بما يصلحه، وكان عدي أول الناس عسكرا. # ثم قام قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنه ومعقل الرياحي وزياد بن صعصعة ~~(3) التميمي فأنبوا الناس ms338 ولا موهم وحرضوهم، وكلموا الحسن بمثل كلام عدي بن ~~حاتم في الاجابة والقبول. # فقال لهم الحسن (عليه السلام): صدقتم ما زلت أعرفكم بصدق النية والوفاء ~~بالقول والمودة الصحيحة، فجزاكم الله خيرا، ثم نزل. # وخرج الناس فعسكروا ونشطوا للخروج، وخرج الحسن إلى المعسكر واستخلف على ~~الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وأمره باستحثاث الناس ~~وإشخاصهم إليه، فجعل يحثهم حتى التأم العسكر. # ثم إن الحسن (عليه السلام) سار في عسكر عظيم وعدة حسنة حتى أتى دير عبد ~~الرحمن فأقام به ثلاثا حتى اجتمع الناس، ثم دعا عبيد الله بن العباس، فقال: ~~يا ابن عم، إني باعث معك اثني عشر ألفا من فرسان العرب وقراء المصر، PageV02P043 # الرجل منهم يزيد على الكتيبة (1)، فسر بهم، وألن لهم جانبك، وابسط وجهك، ~~وادنهم من مجلسك، فإنهم بقية ثقة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وسر بهم على ~~شط الفرات حتى تقطع بهم الفرات (2)، ثم سر إلى مسكن، ثم امض حتى تستقبل ~~معاوية، فإن أنت لقيته فاحبسه حتى آتيك فإني في أثرك، وليكن خبرك عندي في ~~كل يوم، وشاور هذين- يعني قيس بن سعد وسعيد بن قيس-، وإذا لقيت معاوية فلا ~~تقاتله حتى يقاتلك، فإن اصبت [فقيس بن سعد على الناس، وإن اصيب قيس] (3) ~~فسعيد بن قيس، فسار حتى نزل الفلوجة، ثم أتى مسكن. ### ||| [خطبة للحسن (عليه السلام) في عسكره في ساباط] # وكان أكثر عسكر مولانا الحسن (عليه السلام) أخلاط من شيعة ومحكمة وشكاك ~~وأصحاب عصبية وفتن ونفاق، فسار (صلوات الله عليه) حتى أتى حمام عمر، ثم أخذ ~~على دير كعب [ثم بكر] (4) فنزل ساباط، فلما أصبح نادى بالصلاة جامعة، ~~فاجتمعوا، فصعد المنبر فخطب وقال تجربة لهم ليظهر لهم بواطنهم: # أما بعد: # فإني أرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنه وأنا أنصح خلق الله لخلقه، ~~وما أصبحت محتملا علم مسلم ضغينة، ولا مريدا له بسوء ولا غائلة، ألا وإن ~~لكم ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خيرا ~~من نظركم لأنفسكم، ms339 فلا تخالفوا أمري، ولا تردوا علي رأيي غفر الله لي ولكم، ~~وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة والرضا. PageV02P044 ### ||| [هجوم عسكر الحسن (عليه السلام) على الامام وجرحه] # فقالوا: والله يريد أن يصالح معاوية ويسلم الأمر إليه، كفر والله الرجل ~~كما كفر أبوه، فثاروا عليه وأنهبوا فسطاطه حتى أخذوا مصلاه من تحته، ونزع ~~مطرفه عبد الرحمن بن جعال الأسدي، وطعنه جراح بن سنان الأسدي في فخذه فشقه ~~حتى خالط اربيته، وسقط الحسن (عليه السلام) بعد أن ضرب الذي طعنه واعتنقه ~~فخرا جميعا إلى الأرض، فوثب عبد الله بن الخطل الطائي فنزع المعول من يده ~~فخضخضه به وأكب ظبيان بن عمارة عليه فقطع أنفه، ثم أخذوا الآجر فشدخوا وجهه ~~ورأسه حتى قتلوه. # وحمل الحسن (عليه السلام) على سرير إلى المدائن وبها سعد بن مسعود ووال ~~عليها من قبله، وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) قد ولاه عليها فأقره ~~الحسن (عليه السلام). ### ||| [التحاق عبيد الله بن العباس بمعاوية، وخطبة قيس بن سعد في الناس] # ثم إن جماعة من رؤساء القبائل كتبوا إلى معاوية بالطاعة في السر واستحثوه ~~على المسير نحوهم وضمنوا له تسليم الحسن (عليه السلام) إليه عند دنوه من ~~عسكره، وورد عليه كتاب قيس بن سعد وكان قد أنفذه الحسن مع عبيد الله بن ~~العباس عند مسيره من الكوفة ليلقى معاوية وجعله أميرا وبعده قيس يعلمه بما ~~فعل عبيد الله بن العباس عند مسيره. # وقصته إن معاوية نزل قرية يقال لها الجنوبية (1)، فأقبل عبيد الله حتى ~~نزل بازائه، فلما كان الغد وجه معاوية بخيل إليه، فخرج إليهم عبيد الله ~~فيمن معه فضربهم حتى ردهم إلى معسكرهم، فلما كان الليل أرسل معاوية إلى ~~عبيد الله بن العباس أن الحسن قد راسلني في الصلح وهو مسلم الأمر إلي، فإن ~~دخلت في PageV02P045 # طاعتي الآن كنت متبوعا وإلا دخلت وأنت تابع، ولك إن جئتني الآن أن اعطيك ~~ألف ألف درهم، اعجل في هذا الوقت نصفها، وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر، ~~فأقبل عبيد الله ليلا فدخل عسكر معاوية فوفى له ms340 بما وعده، وأصبح الناس ~~ينتظرون أن يخرج فيصلي بهم، فلم يخرج حتى أصبحوا فطلبوه فلم يجدوه فصلى بهم ~~قيس بن سعد، ثم خطبهم فقال: # أيها الناس، لا يهولنكم ولا يعظمن عليكم ما صنع هذا الرجل الوله الوزع، ~~إن هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بخير قط، إن أباه عم رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) خرج عليه يقاتله في بدر فأسره أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري وأتى ~~به رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخذ فداءه فقسمه بين المسلمين، وإن ~~أخاه ولاه أمير المؤمنين (عليه السلام) على البصرة فسرق مال الله ومال ~~المسلمين فاشترى به الجواري، وزعم أن ذلك له حلال، وإن هذا ولاه أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) على اليمن فهرب من بسر بن أرطاة وترك ولده حتى ~~قتلوا وصنع الآن ما صنع. # قال: فتنادى الناس: الحمد لله الذي أخرجه من بيننا، انهض بنا إلى عدونا، ~~فنهض وخرج إليه بسر بن أرطاة في عشرين ألفا فصاحوا بهم: هذا أميركم قد ~~بايع، وهذا الحسن قد صالح، فعلام تقتلون أنفسكم؟ # فقال لهم قيس بن سعد: اختاروا أحد شيئين (1): إما القتال مع غير إمام، ~~أو تبايعون بيعة ضلال؟ # فقالوا: بل نقاتل بلا إمام، فخرجوا وضربوا أهل الشام حتى ردوهم إلى PageV02P046 # مضاربهم (1). ### ||| [المكاتبات بين معاوية وقيس بن سعد] # فكتب معاوية إلى قيس يدعوه ويمنيه. # فكتب إليه قيس: # لا والله لا تلقاني أبدا إلا وبيني وبينك الرمح. # فكتب إليه معاوية: # إنما أنت يهودي بن يهودي، تشقى نفسك وتقتلها فيما ليس لك، فإن ظهر أحب ~~الفريقين إليك فبدلك وعزلك، وإن ظهر أبغضهما إليك نكل بك، وقد كان أبوك ~~أوتر غير قوسه، ورمى غير غرضه، فأكثر الحز وأخطأ المفصل (2)، فخذله قومه ~~وأدركه يومه، فمات بحوران طريدا غريبا، والسلام. # فكتب إليه قيس: # أما بعد: # فإنما أنت وثن من هذه الأوثان، دخلت في الاسلام كرها، وأقمت عليه فرقا، ~~وخرجت منه طوعا، ولم يجعل الله لك فيه نصيبا، لم تقدم إسلامك، ولم تحدث ~~نفاقك، ولم تزل حربا لله ولرسوله، وحزبا ms341 من أحزاب المشركين، فأنت عدو الله ~~وعدو رسوله والمؤمنين من عباده، وذكرت أبي، ولعمري ما أوتر إلا قوسه، ولا ~~رمى إلا غرضه، فشغب عليه من لا يشق غباره، ولا يبلغ كعبه، وكان أمرا مرغوبا ~~عنه، مزهودا فيه، وزعمت أني يهودي [بن يهودي] (3) وقد علمت PageV02P047 # وعلمنا أن أبي من أنصار (1) الدين الذي خرجت عنه، وأعداء الدين الذي دخلت ~~فيه وصرت إليه، والسلام. # فلما قرأ معاوية كتابه أغاظه فأراد إجابته، فقال له عمرو: مهلا، إن ~~كاتبته أجابك بأشأم (2) من هذا، وإن تركته دخل فيما دخل فيه الناس، فأمسك عنه. ### ||| [إبرام الصلح بين الامام الحسن (عليه السلام) ومعاوية] # قال: وجعل أهل العراق يستأمنون إلى معاوية ويدخلون عليه قبيلة بعد قبيلة، ~~فازدادت بصيرة الحسن (عليه السلام) بنياتهم، فكتب معاوية بالصلح إليه وأنفذ ~~بكتب أصحابه على يد عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة فدعواه إلى ~~الصلح، وزهداه في الأمر، وأعطياه ما شرط له معاوية، وألا يتبع أحد بما مضى، ~~ولا ينال أحد من شيعة علي بمكروه، ولا يذكر علي إلا بخير، وأشياء اشترطها، ~~فأجابهما الحسن (عليه السلام) إلى ذلك وانصرف قيس بمن معه إلى الكوفة، ~~وانصرف الحسن إليها أيضا، وأقبل معاوية قاصدا الكوفة، وأقبل إلى الحسن وجوه ~~الشيعة وأكابر أصحاب أمير المؤمنين يلومونه ويتباكون عليه جزعا مما فعل. (3) # وإنما أجاب (عليه السلام) إلى ذلك لأنه علم أن أكثر عسكره منافقون PageV02P048 # ومحيلة لا يسد بهم ثغر، ولا ينقضي بهم أمر، وأكثرهم كانوا يكاتبون معاوية ~~من قبل أن يخرج من الشام، وعلم الحسن (عليه السلام) ذلك منهم وتحققه، وربما ~~كانوا ينصرفون إلى معاوية إذا التقى الجمعان ويقاتلونه إلا قليلا منهم لا ~~يقاومه الجمهور العظيم والجم الغفير، فأجاب (عليه السلام) من بعد ما علم ~~وتحقق احتيال معاوية واغتياله غير انه لم يجد بدا من إجابته. # فقال الحسين: اعيذك من هذا بالله، فأبى. # وأنفذ إلى معاوية عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ~~فتوثق منه لتأكيد الحجة بأن يعمل في الناس بكتاب الله ms342 وسنة رسوله، والأمر ~~من بعده شورى، وأن [يترك سب علي، وأن يؤمن شيعته ولا يتعرض لأحد منهم و] ~~(1) يوصل إلى كل ذي حق حقه، ويوفر عليه حق كل سنة خمسون ألف درهم، فعاهده ~~معاوية على ذلك وحلف على الوفاء [به] (2)، وشهد بذلك عبد الله ابن الحارث ~~وعمرو بن أبي سلمة وعبد الله بن عامر بن كريز وعبد الرحمن ابن أبي سمرة ~~وغيرهم. # وروي أن الحسن (عليه السلام) قال في صلح معاوية: أيها الناس، لو طلبتم ما ~~بين جابلقا وجابرسا رجلا جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما وجدتموه ~~غيري وغير أخي، وإن معاوية نازعني حقا هولي فتركته لصلاح الامة وحقن ~~دمائها، وقد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، وقد رأيت أن اسالمه، وأن ~~يكون ما صنعت حجة على من كان يتمنى هذا الأمر، @QUR@010 وإن أدري لعله فتنة ~~لكم ومتاع إلى حين (3). PageV02P049 # وفي رواية: إنما هادنت حقنا للدماء وصيانتها، وإشفاقا على نفسي وأهلي ~~والمخلصين من أصحابي. # وروي أنه (عليه السلام) قال: يا أهل العراق، إنما سمحت (1) بنفسي عليكم ~~لثلاث: قتلكم أبي، وطعنكم إياي في فخذي، وانتهابكم متاعي. (2) # وروى الشعبي، عن سفيان بن الليل (3) قال: أتيت الحسن (عليه السلام) حين ~~بايع معاوية فوجدته بفناء داره وعنده رهط، فقلت: السلام عليك يا مذل ~~المؤمنين. # فقال: وعليك السلام، يا سفيان، انزل، فنزلت فعقلت راحلتي، ثم أتيت فجلست ~~إليه، فقال: كيف قلت يا سفيان؟ # قلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين. # فقال: ما جر هذا منك إلينا. # فقلت: إي والله بأبي أنت وامي أذللت رقابنا حتى أعطيت هذا الطاغية ~~البيعة، وسلمت الأمر إليه، اللعين بن اللعين، بن آكلة الأكباد، ومعك مائة ~~ألف كلهم يموتون دونك. # قال: يا سفيان، إنا أهل بيت إذا علمنا الحق تمسكنا به، وإني سمعت عليا ~~(عليه السلام) يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لا تذهب ~~الليالي PageV02P050 # والأيام حتى يجتمع أمر هذه الامة على رجل واسع السرم، ضخم البلعوم، يأكل ~~ولا يشبع، لا ينظر الله إليه، ولا يموت حتى ms343 لا يكون له في السماء عاذر، ولا ~~في الأرض ناصر، وإنه لمعاوية (1)، وإني عرفت ان الله بالغ أمره (2)، ثم ~~قام إلى المسجد وقال: يا سفيان، إني سمعت عليا (عليه السلام) يقول: سمعت ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: يرد علي الحوض من أهل بيتي ومن أحبني ~~من أمتي كهاتين- يعني السبابتين-. # يا سفيان، إن الدنيا تسع البر والفاجر حتى يبعث الله إمام الحق من آل ~~محمد (صلى الله عليه وآله). # قال: وسار معاوية حتى نزل النخيلة وجمع الناس فخطبهم خطبة طويلة قبل أن ~~يدخل الكوفة، من جملتها انه قال: ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر [أهل] ~~(3) باطلها على أهل حقها، ثم انتبه فندم، فقال: إلا هذه الامة، ثم قال: ألا ~~إن كل شيء أعطيته الحسن تحت قدمي هذه، وكان والله غدارا لعنة الله عليه. ### ||| [خطبة معاوية في النخيلة قبل دخوله الكوفة] # وقيل: إن معاوية صلى بالناس الجمعة بالنخيلة، ثم خطب وقال: إني والله ما ~~قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا، إنكم لتفعلون ذلك، ولكن ~~إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم، فأعطاني الله ذلك وأنتم كارهون. فأي تهتك أعظم PageV02P051 # من هذا عليه لعنة الله ولعنة اللاعنين؟ # وقيل: إن الحسين (عليه السلام) دخل على أخيه باكيا ثم خرج ضاحكا، فقال له ~~مواليه: ما هذا؟ # قال: العجب من دخولي على إمام اريد أن اعلمه فقلت: ما دعاك إلى تسليم ~~الخلافة؟ # قال: الذي دعا أباك فيما تقدم. # ولما انقضى أمر الصلح طلب معاوية البيعة من الحسين (عليه السلام). # فقال الحسن (عليه السلام): يا معاوية، لا تكرهه فإنه لن يبايع أبدا أو ~~يقتل، ولن يقتل حتى يقتل أهل بيته، ولن يقتل أهل بيته حتى يقتل أهل الشام. (1) # قال: فلما تم لمعاوية ما أراد وخطب وذكر عليا فنال منه ومن الحسن ~~والحسين. # فقال الحسن: أيها الذاكر عليا، أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية وأبوك ~~صخر، وامي فاطمة وامك هند، وجدي رسول الله وجدك حرب، وجدتي خديجة وجدتك ~~قتيلة، ولعن الله أخملنا ذكرا، وألأمنا حسبا، وشرنا ms344 قوما (2)، وأقدمنا كفرا ~~ونفاقا. # فقال الناس: آمين، ونحن نقول أيضا: آمين. PageV02P052 # قال: ثم إن معاوية دخل الكوفة بعد فراغه من خطبته بالنخيلة وبين يديه ~~خالد بن عرفطة ومعه رجل يقال له حبيب بن حمار يحمل رايته، حتى دخل الكوفة ~~وصار إلى المسجد فدخل من باب الفيل، واجتمع الناس إليه. ### ||| [إخبار أمير المؤمنين (عليه السلام) بأن خالد بن عرفطة لم يمت حتى يقدم الكوفة على مقدمة معاوية] # روى عطاء بن السائب، عن أبيه، قال: بينا علي (عليه السلام) على المنبر ~~يخطب إذ دخل رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، مات خالد بن عرفطة. # فقال أمير المؤمنين: والله ما مات، إذ دخل رجل آخر، فقال: # يا أمير المؤمنين، مات خالد بن عرفطة. # فقال (صلوات الله عليه): والله ما مات ولا يموت حتى يدخل من باب هذا ~~المسجد- يعني باب الفيل- براية ضلالة يحملها له حبيب بن حمار (1)، فوثب ~~رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا حبيب بن حمار. # قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إنه ما أقول، فقدم خالد بن عرفطة على ~~مقدمة معاوية يحمل رايته حبيب بن حمار. (2) # قيل: ولما تم الصلح بين معاوية والحسن أرسل إلى قيس بن سعد بن عبادة ~~يدعوه إلى البيعة فأبى، وكان رجلا طويلا إذا ركب الفرس المسرف PageV02P053 # خطت رجلاه الأرض، فلما أرادوا أن يدخلوه إليه قال: إني حلفت أن لا ألقاه ~~إلا بيني وبينه الرمح أو السيف، فأمر معاوية برمح أو سيف فوضعه بينه وبينه ~~ليوفي في يمينه (1). # وكان قد انعزل في أربعة آلاف وأبى أن يبايع، فلما أتم الأمر لمعاوية لم ~~يجد بدا من ذلك وأقبل على الحسن وقال: أنا في حل من بيعتك. # قال: نعم، فوضع يده على فخذه ولم يمدها إلى معاوية، فجثا معاوية على ~~سريره، وأكب على قيس حتى مسح على يده فما رفع إليه قيس يده. ### ||| [خطبة للحسن (عليه السلام) بأمر معاوية] # وقيل: إن معاوية أمر الحسن بعد الصلح أن يخطب وظن أنه سيحصر. # فقال (عليه السلام): إنما الخليفة من سار بكتاب الله وسنة رسوله ms345 (صلى ~~الله عليه وآله) وليس الخليفة من سار بالجور ذاك ملك ملك ملكا يتمتع فيه ~~قليلا، ثم تنقطع لذته وتبقى تبعته، @QUR@010 وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع ~~إلى حين (2). # ثم انصرف الحسن (عليه السلام) بعد ذلك إلى المدينة، ورجع معاوية إلى ~~الشام، وأراد البيعة لابنه يزيد، فلم يكن عليه أثقل من أمر الحسن (عليه ~~السلام)، فجعل يحتال على قتله، وسيأتي تمام القصة عند ذكر وفاته (صلوات ~~الله عليه). (3) # قلت: وكان سيدنا ومولانا سبط الرسول، ومهجة البتول، ثابت الجأش، حمي ~~الأنف، لا تأخذه في قول الحق لومة لائم، ولا يثني عزيمته عن الأمر بالمعروف ~~مخافة شاغب ولا غاشم، خذلته الغدرة الفجرة، وخانته الاثمة الكفرة، وأسلموه ~~إلى الحتف، وساقوه إلى الموت، وأظهروا له الطاعة ودينهم PageV02P054 # النفاق، وبذلوا النصيحة وطبعهم الشقاق. # وكان (عليه السلام) عالما بذلك من لئيم طبعهم، متحققا لغدرهم وخذلهم، ~~متيقنا ممالاتهم عدوه عليه، عالما بإنفاذ رسائلهم إليه، قد مال بهم الهوى، ~~وأغواهم حب الدنيا، فباعوا الآخرة الباقية، بلذتها الزائلة الفانية. # هل أغوى ابن حرب بحربه واستحثه على طلبه إلا حب زينتها، والافتتان ~~بزهرتها، وطلب متاعها، والتلذذ باستماعها، والميل مع بنيها، إيثارا من ~~حطامها، ويتمتع بزائل أيامها، وكانت جماعة أكابرهم ورؤسائهم وأعيانهم ~~وزعمائهم في كل حين لهم عيون ورسل ومكاتبات إلى اللعين بن اللعين، فعليه ~~وعليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين، وإنما سار بهم (عليه السلام) إلى خصمه مع ~~شدة يقينه بغدرهم، وعلمه (1) بقبيح نكثهم ومكرهم، قياما للحجة عليهم، ~~وتوجيها لقطع المعذرة منهم، لئلا يقولوا يوم القيامة: @QUR@05 إنا كنا عن ~~هذا غافلين (2) أو يقولوا: لو سرت بنا إلى عدوك لوجدتنا لك من الناصحين، ~~فأقام عليهم الحجة بمسيره، وأظهر خفي نفاقهم بتدبيره، وكان ذلك فرض الله ~~عليه، وما فوض من الرئاسة العامة إليه، مع علمه بخذلهم لأبيه وغدرهم به، ~~فأذعن للهدنة، وأطفأ بصلحه الفتنة، ودرك عليهم الحجة فباءوا بغضب من الله ~~بشملهم، وخزي في الدارين ببغيهم، وسيجازى كل بفعله، ولا يحيق المكر السيئ ~~إلا بأهله، كل ذلك وهو (عليه السلام) كما وصف الله ms346 إباءه في محكم ذكره، ~~ونوه فيه بمدحه وشكره، فقال سبحانه في كتابه المبين وذكره الحكيم: @QUR@016 ~~أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة ~~لائم ذلك PageV02P055 # @QUR@09 فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (1). # وكذلك كان (صلوات الله عليه) سالكا طريق شيخه ووالده، بانيا في مكارم ~~الأخلاق على قواعده، ساعيا فيما فيه الصلاح لامة جده، ناصرا مظلومهم بجهده ~~وجده، كالطود الشامخ على المتكبرين، وكالماء الرائق للمؤمنين، لا يخضع إذا ~~قل ناصره، ولا يضرع إذا غلب قاهره، كما قال الأول: # لا يخرج القرمني غير ما بيه %~% ولا ألين لمن لا يبتغي ليني # وكذلك كان أخوه سيد الشهداء، وخامس أصحاب الكساء، لا يقذع صفاته، ولا ~~يكدر صفاءه، ذا أنف حمي وطبع أبي، لما كان مجده أرفع من السماك الأعزل ~~وأعلى، رأى القتل في العز حياة والحياة في الذل قتلا، صلى الله عليهما وعلى ~~جدهما وأبيهما وامهما. ### ||| [أن يزيد بن معاوية رأى زوجة عبد الله بن عامر بن كريز فهام بها وأراد الزواج بها، غير انها أرادت الزواج من الحسن (عليه السلام)] # روي أن يزيد بن معاوية عليه وعلى أبيه وعلى المعتقد إسلامهما والشاك في ~~كفرهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين رأى زوجة عبد الله بن عامر بن ~~كريز، وهي أم خالد بنت أبي جندل بن سهيل بن عمرو، وكانت من الجمال والحسن ~~في الغاية القصوى، فهام بها حتى امتنع من الطعام والشراب، وآلى أمره إلى ~~ملازمة الفراش من شدة السقم والشغف بها، فعاده أبوه لعنه الله، فشكا ذلك ~~إليه وأعلمه بسبب علته، وكان الرجل منزله المدينة، فأرسل معاوية إلى عامله ~~عليها أن أرسل إلي بعبد الله بن عامر موقرا معظما له، قائما بجميع ما يحتاج ~~إليه في سفره، وفيما فيه صلاح أهله. # فلما وصل عبد الله إلى معاوية أراه من التعظيم والتبجيل ما لا مزيد عليه، PageV02P056 # ثم قال: إني ما دعوتك إلا لأني تفكرت في رجل أعتمد عليه في اموري وأجعله ~~عيبة سري، فما رأيت أصلح لذلك إلا ms347 أنت، وقد أردت أن اوليك البصرة، وازوجك ~~ابنتي رملة اخت يزيد لأني ما وجدت لها كفوا غيرك، فاغتر الأحمق بقوله، ~~فأتاه في اليوم الثاني وقال: إني عرفتها ذلك فرضيت، وقالت: # كفو كريم، ولكن له زوجة ولا يليق بمثلي أن أكون عند رجل له زوجة غيري، ~~فإن طلق زوجته كنت له أهلا، وكان لي بعلا، فرضي عبد الله بذلك وطلق زوجته ~~أم خالد، فلما انقضت عدتها طلب من معاوية ما وعده. # فقال: إن أمرها إليها، وإنها قالت: إذا كان الرجل لم يوف لابنة عمه وهي ~~من الجمال والحسن على ما ليس عندي فكيف يوفي لي؟ وامتنعت. # ثم إن معاوية أرسل بأبي الدرداء صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن ~~يخطبها- أي أم خالد- على ابنه يزيد، وكانت الصحابة إذا ورد أحد منهم ~~المدينة أول ما يبدأ بالسلام على النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم يأتي إلى ~~سيدنا الحسن بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) تبركا به وتيمنا بطلعته ~~الشريفة (صلوات الله عليه)، فدخل أبو الدرداء على الحسن (عليه السلام)، ~~فقال: ما أقدمك- يا عم- المدينة؟ فأعلمه بالقصة. # فقال: يا أبا الدرداء، هل لك أن تذكرني لها؟ فمضى أبو الدرداء وأعلمها ما ~~كان من أمر بعلها، وأنه طلقها، وأن معاوية أرسله ليخطبها على ابنه يزيد، ~~وأعلمها بمقالة الحسن (عليه السلام)، فقالت: يا عم، اختر لي أي الرجلين أصلح. # فقال أبو الدرداء: اعلمك أني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقبل ~~الحسن ويضع شفته على شفته، وإني مشير عليك أن تضعي شفتك موضعا وضع PageV02P057 # رسول الله (صلى الله عليه وآله) شفته. # فقالت: رضيت بالحسن، وزوجته نفسها، فوصل الخبر بذلك إلى معاوية، فأقامه ~~ذلك وأقعده، ولعن أبا الدرداء. # ثم إن عبد الله بن عامر أتى المدينة حقيرا خائبا مما امل، وأتى الحسن ~~وقال: يا ابن رسول الله، إن لي عند أهلك- ابنة عمي- أمانات وودائع لي ~~وللناس، فإن تفضلت بإعلامها بذلك فافعل. # فمضى به الحسن إليها وضرب بينهما حجاب، فأتته بالأمانات التي كانت عندها، ~~فبكى الرجل واشتد ms348 حزنه، وبكت المرأة من وراء الستر. # فقال الحسن (عليه السلام): ألك هوى في ابنة عمك؟ # فقال: نعم، يا ابن رسول الله. # وفي رواية: انه (صلوات الله عليه) قال: أولا ترضى أن أكون محللكما؟ # فطلقها الحسن (صلوات الله عليه) وردها إلى بعلها كرما منه وتفضلا ورأفة ~~بامة جده (صلوات الله وسلامه عليه). (1) ### ||| [أن الحسن (عليه السلام) خطب عائشة بنت عثمان] # عن عبد الملك بن عمير والحاكم [والعباس] (2) قالوا: خطب الحسن (عليه ~~السلام) عائشة بنت عثمان، فقال مروان: ازوجها من عبد الله بن الزبير. # ثم إن معاوية كتب إلى مروان وهو عامله على الحجاز يأمره أن يخطب أم كلثوم ~~بنت عبد الله بن جعفر لابنه يزيد، فأتى مروان عبد الله بن جعفر فأخبره بذلك. PageV02P058 # فقال عبد الله: إن أمرها ليس إلي، إنما أمرها إلى سيدنا أبي عبد الله ~~الحسين وهو خالها، فأخبر الحسين بذلك. # فقال: أستخير الله تعالى، اللهم وفق لهذه الجارية رضاك من آل محمد، فلما ~~اجتمع الناس في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أقبل مروان حتى جلس ~~إلى الحسين (عليه السلام) وعنده جماعة من الجلة (1)، وقال: [إن] (2) أمير ~~المؤمنين معاوية أمرني بذلك وأن أجعل مهرها حكم أبيها بالغا ما بلغ مع صلح ~~ما بين هذين الحيين مع قضاء دينه، واعلم أن من يغبطكم بيزيد أكثر ممن يغبطه ~~بكم، والعجب كيف يستمهر يزيد وبوجهه يستسقى الغمام، وهو كفو من لا كفو له؟ ~~فرد خيرا يا أبا عبد الله. # فقال الحسين (عليه السلام): الحمد لله الذي اختارنا لنفسه، وارتضانا ~~لدينه، واصطفانا على خلقه- إلى آخر كلامه-، ثم قال: يا مروان، قد قلت ~~فسمعنا، أما قولك: مهرها حكم أبيها بالغا ما بلغ، فلعمري لو أردنا ذلك ما ~~عدونا سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بناته ونسائه وأهل بيته [وهو] ~~(3) اثنتا عشرة اوقية يكون أربعمائة وثمانون درهما. # وأما قولك: مع قضاء دين أبيها، فمتى كن نساؤنا يقضين عنا ديوننا؟ # وأما صلح ما بين هذين الحيين، فإنا قوم عاديناكم في الله فلم ms349 نكن نصالحكم ~~للدنيا، فقد أعيا النسب فكيف السبب؟ # وأما قولك: العجب من يزيد كيف يستمهر؟! فقد استمهر من هو خير من يزيد، ~~ومن أبي يزيد، ومن جد يزيد. PageV02P059 # وأما قولك: إن يزيد كفو من لا كفو له، فمن كان كفوه قبل اليوم فهو كفوه ~~اليوم، ما زادته امارته في الكفاءة شيئا. # وأما قولك: بوجهه يستسقى الغمام، فإنما كان ذلك بوجه رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله). # وأما قولك: من يغبط منا له أكثر ممن يغبطه بنا، فإنما يغبطنا به أهل ~~الجهل ويغبطه بنا أهل العقل. # ثم قال الحسين- بعد كلام-: فاشهدوا جميعا أني قد زوجت أم كلثوم بنت عبد ~~الله بن جعفر من ابن عمها القاسم بن محمد بن جعفر على أربعمائة وثمانين ~~درهما، وقد نحلتها ضيعتي بالمدينة، أو قال: أرضي بالعقيق، وإن غلتها في ~~السنة ثمانية آلاف دينار ففيها لهما غنى إن شاء الله. # قال: فتغير وجه مروان، وقال: ما أتيتم إلا غدرا يا بني هاشم، تأبون إلا ~~العداوة، فذكره (1) الحسين (عليه السلام) خطبة الحسن عائشة بنت عثمان ~~وفعله، ثم قال: فأين موضع الغدر يا مروان (2)؟ # وقال الحسن (عليه السلام): إن لله مدينتين: إحداهما بالمشرق والاخرى ~~بالمغرب فيهما خلق لم يهموا بمعصية الله قط، والله ما فيهما وما بينهما حجة ~~لله على خلقه غيري وغير أخي الحسين (عليه السلام). (3) PageV02P060 ### ||| [قول الحسن (عليه السلام) لأبي بكر: انزل عن مجلس أبي، وقول الحسين (عليه السلام) يوما لعمر: انزل عن منبر أبي] # فضائل السمعاني: قال اسامة بن زيد: جاء الحسن (عليه السلام) إلى أبي بكر ~~وهو يخطب على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: انزل عن مجلس أبي. # قال: صدقت هذا مجلس أبيك، ثم أجلسه في حجره وبكى. # فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): والله ما هذا من أمري. # قال: صدقت والله صدقتك وما اتهمتك. (1) # وفي رواية الخطيب (2): ان الحسين (عليه السلام) قال يوما لعمر: انزل عن ~~منبر أبي وامضى إلى منبر أبيك. # فقال عمر: لم يكن لأبي منبر، وأخذني وأجلسني معه، ms350 ثم سألني: من علمك هذا؟ # فقلت: والله ما علمني أحد. (3) PageV02P061 ### | فصل في ذكر وفاته (عليه السلام) # لما تمت من إمرة معاوية عشر سنين عزم على البيعة لابنه يزيد لعنه الله، ~~ولم يكن أثقل عليه من الحسن (عليه السلام) وسعد بن أبي وقاص، فأرسل بما دسه ~~لسعد بن أبي وقاص فقتله به، ثم أرسل إلى ابنة الأشعث: اني ازوجك من ابني ~~يزيد على أن تسمي الحسن، وبعث إليها بمائة ألف درهم، ففعلت وسمته، فسوغها ~~المال ولم يزوجها من يزيد، فتزوجها رجل من بني طلحة فأولدها، فكان إذا جرى ~~كلام عيروهم وقالوا: يا بني مسممة الأزواج. (1) # كتاب الأنوار: قال: إنه (عليه السلام) قال: لقد سقيت السم مرتين وهذه ~~الثالثة. ### ||| [إخباره (عليه السلام) بوفاته مسموما] # كتاب روضة الواعظين: إن الحسن (عليه السلام) قال: لقد سقيت السم مرارا ما ~~سقيت مثل هذه المرة، لقد تقطعت كبدي قطعة قطعة فجعلت اقلبها بعود معي، ثم ~~قال للحسين (عليه السلام): يا أخي إني مفارقك ولا حق بربي، وقد سقيت السم، ~~ورميت بكبدي في الطشت، وإني لعارف بمن سقاني، ومن أين دهيت، وأنا اخاصمه ~~إلى الله سبحانه. PageV02P062 # فقال له الحسين (عليه السلام): فمن سقاكه؟ # قال: ما تريد منه؟ أتريد أن تقتله؟ إن يكن هو هو فالله أشد نقمة منك، وإن ~~لم يكن هو فما احب أن يؤخذ [بي] (1) بريء، فبحقي عليك إن تكلمت بكلمة ~~واحدة، وانتظر ما يحدث الله في. # وفي خبر: بالله اقسم عليك إن تهريق في أمري محجمة دم. (2) # وحكي أن الحسن (عليه السلام) لما أشرف على الموت قال له الحسين (عليه ~~السلام): اريد أن أعلم حالك يا أخي. # فقاله له الحسن: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لا يفارق ~~العقل منا أهل البيت ما دامت الروح فينا، فضع يدك في يدي حتى إذا عاينت ملك ~~الموت أغمز يدك، فوضع يده في يده، فلما كان بعد ساعة غمز يده غمزا خفيفا، ~~فقرب الحسين اذنه من فمه، فقال: قال لي ملك الموت: أبشر فإن الله ms351 عنك راض ~~وجدك شافع. (3) ### ||| [أنه (عليه السلام) أوصى بأن يجدد عهده عند جده (صلى الله عليه وآله)] # وكان الحسن (عليه السلام) أوصى بأن يجدد عهده عند جده، فلما مضى لسبيله ~~غسله الحسين وكفنه وحمله على سريره، فلما توجه بالحسن إلى قبر جده (صلى ~~الله عليه وآله) أقبلوا إليه بجمعهم وجعل مروان يقول: يا رب هيجا هي خير من ~~دعة، أيدفن عثمان في أقصى المدينة ويدفن الحسن مع النبي؟ أما لا يكون ذلك ~~أبدا وأنا أحمل السيف. # فبادر ابن عباس وكثر المقال بينهما حتى قال ابن عباس: ارجع من حيث PageV02P063 # جئت فإنا لا نريد دفنه هاهنا، لكنا نريد [أن] (1) نجدد عهدا بزيارته، ثم ~~نرده إلى جدته فاطمة فندفنه عندها بوصيته، فلو كان أوصى بدفنه عند النبي ~~لعلمت أنك أقصر باعا من ردنا عن ذلك، لكنه كان أعلم بحرمة قبر جده من أن ~~يطرق إليه (2) هدما، ورموا بالنبال جنازته (صلوات الله عليه) حتى سل منها ~~سبعون سهما. ### ||| [أبيات للصقر الصفدي] # قال ابن عباس: وأقبلت امرأة (3) على بغل برحل في أربعين راكبا تقول: # مالي ولكم تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أهوى ولا احب؟ # فقال ابن عباس- بعد كلام-: عائشة يوما على جمل ويوما على بغل. (4) # فنظمه الصقر البصري رضي الله عنه: # ويوم الحسن السبط (5) %~% على بغلك أقبلت (6) # ومايست ومانعت %~% وخاصمت وقاتلت # وفي بيت رسول الله %~% في الكل (7)تحكمت # هل الزوجة أولى با %~% لمواريث من البنت # لك التسع من الثمن %~% وللكل تملكت (8) PageV02P064 # تجملت تبغلت %~% وإن عشت تفيلت # (1) ### ||| [أبيات للحسين (عليه السلام) في رثاء أخيه الحسن (عليه السلام)] # ولما وضع الحسن (عليه السلام) في قبره أنشأ سيدنا ومولانا أبو عبد الله ~~الحسين (عليه السلام): # أأدهن رأسي أم اطيب مجالسي %~% ورأسك معفور وأنت سليب # أو استمتع الدنيا بشيء احبه %~% ألا كل ما أدنى إليك حبيب # فلا زلت أبكي ما تغنت حمامة %~% عليك وما هبت صبا وجنوب # وما هملت عيني من الدمع قطرة %~% وما اخضر في دوح الحجاز قضيب # بكائي طويل والدموع غزيرة %~% وأنت بعيد والمزار قريب ms352 # غريب وأطراف البيوت تنوشه (2) %~% ألا كل من تحت التراب غريب # فلا يفرح لاباقي خلاف الذي مضى %~% فكل فتى للموت فيه نصيب # وليس حريب من اصيب بماله %~% ولكن من وارى أخاه حريب PageV02P065 # نسيبك من أمسى يناجيك طرفه %~% وليس لمن تحت التراب نسيب # (1) ### ||| [أبيات لسليمان بن قتة، وأخرى لدعبل بن علي الخزاعي] # وقال سليمان بن قتة يرثي الحسين (عليه السلام): # يا كذب الله من نعى حسنا %~% ليس لتكذيب نعيه ثمن # (2) # كنت حليفي (3)وكنت خالصتي %~% لكل حي من أهله سكن # أجول في الدار لا أراك وفي %~% الدار اناس جوارهم غبن # بدلتهم منك ليت إنهم %~% أضحوا وبيني وبينهم عدن # (4) وقال دعبل بن علي الخزاعي رضي الله عنه: # تعز بمن قد مضى اسوة %~% فإن العزاء يسلي الحزن # بموت النبي وقتل الوصي %~% وذبح الحسين وسم الحسن # (5) عن عمر بن بشير الهمداني، قال: قلت لأبي إسحاق: متى ذل الناس؟ # قال: حين مات الحسن (عليه السلام)، وادعى زياد، وقتل حجر. (6) # عن هشام بن سالم وجميل بن دراج، عن الصادق (عليه السلام) أن الحسن (عليه ~~السلام) توفي وهو ابن ثمان وأربعين سنة. PageV02P066 # وروي أيضا أنه توفي وهو ابن ست وأربعين. (1) ### ||| [تكبير معاوية بعد سماعه بوفاة الحسن (عليه السلام)] # روى الزمخشري في كتابه ربيع الأبرار، وروى ابن عبد ربه في كتابه العقد ~~(2) أنه لما بلغ إلى معاوية بموت الحسن سجد وسجد من حوله، وكبر وكبروا معه، ~~فدخل [عليه] (3) ابن عباس بعد ذلك، فقال معاوية: يا ابن عباس، أمات أبو محمد؟ # قال: نعم، و(رحمة الله عليه)، وبلغني تكبيرك وسجودك، أما والله لا يسد ~~جثمانه حفرتك، ولا يزيد انقضاء أجله في عمرك. # [قال:] (4) أحسبه ترك صبية صغارا ولم يترك عليهم كثير معاش. # فقال ابن عباس: إن الذي وكلهم إليه غيرك، وكلنا كنا صغارا فكبرنا. # قال: فأنت تكون سيد القوم بعده. # قال: أما وأبو عبد الله الحسين (عليه السلام) حي فلا. (5) # قال شيخنا السعيد الشهيد محمد بن مكي الفقيه رضي الله عنه في دروسه: # ولد الحسن ليلة (6) الثلاثاء بالمدينة منتصف شهر رمضان سنة ms353 اثنتين من ~~الهجرة (7). # وقال المفيد: سنة ثلاث، وقبض بها مسموما يوم الخميس سابع صفر سنة PageV02P067 # تسع وأربعين أو سنة خمسين من الهجرة، عن سبع أو ثمان وأربعين سنة. ### ||| [ثواب زيارة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو أحد الأئمة (عليهم السلام)] # قال الحسن للنبي (صلى الله عليه وآله): يا رسول الله، ما لمن زارنا؟ # فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من زارني حيا أو ميتا، أو زار أخاك ~~حيا أو ميتا كان حقا علي أن أستنقذه يوم القيامة. (1) # وقيل للصادق (عليه السلام): ما لمن زار واحدا منكم؟ # قال: كان كمن زار رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إن لكل إمام عهدا في ~~عنق أوليائهم وشيعتهم، وإن من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة ~~قبورهم، فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقا لما رغبوا فيه كان أئمته شفعاؤه ~~يوم القيامة. (2) PageV02P068 ### ||| الندبة # يا من نسبه من كل نسب أعلى، وسببه من كل سبب أقوى، ومجده بكل فضل أولى، ~~وحبه شرف الآخرة والاولى، جدك فارس البراق ليلة الاسراء، وأبوك أول السباق ~~إلى دين الهدى، وامك سيدة نساء الدنيا والاخرى، قد اكتنفتك الاصول الطاهرة، ~~واحتوشتك المحامد الفاخرة، طوت بقوادم الشرف وخوافيه (1)، وتسمت ذروة ~~الشرف وأعاليه، فلا شرف إلا وإليك منتهاه، ولا سؤدد إلا وأنت بدؤه وقصاراه. # همتك أعلى من هامة السماك الأعزل، ورفعتك أسمى من رفعة السماء وأطول، ~~عالية مبانيك، هامية أياديك، صادقة أقوالك، زاكية أفعالك، غامر إفضالك، ~~وافر نوالك، طاهرة آباؤك وامهاتك، ظاهرة في صحائف المجد سماتك. # نزهت عن كل عيب، وقدست من كل ريب، لا جرم من كان جده خاتم النبيين، جاز ~~أن يقول: أنا أشرف خلق الله أجمعين، ومن كان أبوه سيد الوصيين، كان مجده في ~~الشرف أعلى من عليين، ومن كانت امه سيدة النساء كان أفخر من أشرقت عليه ذكاء. # رزؤك يا ابن المصطفى أجرى عبرتي، وسمك يا نجل المرتضى أسهر PageV02P069 # مقلتي، وهضمك أطال حزني، وظلمك أذوى عصبي، أما ليلي فزفرة وعبرة، وأما ~~نهاري فحيرة وفكرة، أتفكر في فوادح مصائبكم، ms354 وأتذكر عظيم نوائبكم، وأتصور ~~علم الاسلام والدكم، وإمام الأنام قائدكم، خير الامة بعد نبيها، وخير الملة ~~وحفيها، الذي أخذ الله ميثاق ولاته على خلقه، وأحيى بمعين علمه موات حقه، ~~وجعله الهادي إليه، والدليل عليه. # كل علم لا يؤخذ عنه فهو ضلال، وكل دين لا يتلقى منه فهو محال، لو لا ~~جهاده لما قام عمود الاسلام، ولو لا بيانه لما عرف الحلال من الحرام، قلبه ~~مخزن علم الله، ونفسه مشرق نور الله، بحر لا يدرك قراره، وسائق لا يشق ~~غباره، لا يعرف الله إلا من سلك سبيله، ولا ينجو في تيه الضلالة إلا من ~~اتبع دليله، كيف اجتمعت أمة السوء على قتاله، وانبعث أشقاها لاغتياله، ~~وصيره ضمنا في حال ركوعه، ملقى في خلال خشوعه؟ بعد أن سلبوه تراث ابن عمه، ~~وغصبوه ميراث شقيق دمه ولحمه، وجعلوا ولي أمرهم أرذلهم نسبا، وإمام عصرهم ~~أخملهم حسبا، أخفض بيت في تيم بن مرة، وأكذب منعوت بالصدق والامرة، لما ~~شادوا بالباطل سقيفتهم، وسموه بخلاف تسمية ربهم خليفتهم، هدموا من الحق ما ~~شيد ولي الله بجده وجهده، وطمسوا من الصدق ما بين في صدره وورده، وفرقوا ~~كلمة الاسلام بجبتهم وفاروقهم، وعطلوا أحكام القرآن بثالثهم طاغوتهم. # فتبا لها من أمة سوء شرت الضلالة بالهدى، وباعت الآخرة بالاولى، وعدلت ~~بصفوة الله من لا يمت بفضله، بل ولا يعدل عند الله شرك نعله، وأهانت خلافة ~~الله حتى تلاعبت بها اولوا الأخلاق الذميمة، والأعراق الموصومة، وصيروها ~~ملكا عضوضا، وعهدا منقوضا، فعاد المؤمن فيها يحذر من فيئه وظله، PageV02P070 # ويخفي شخصه عن صحبه وأهله، ويبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء، ~~وينحجر في الزوايا خشية الرقباء، يرى حتفه بعينيه، ويسمع لعنه باذنيه، وكيف ~~لا يخشى بادرتهم، ويحذر فاقرتهم، وهو يرى صنيعهم لسيدهم ووليهم، وخذلهم ~~هاديهم وخليفة نبيهم، وأذاهم له بقولهم وفعلهم، وإجلابهم عليه بخيلهم ~~ورجلهم، وحربهم له في صفينهم وجملهم، وقتلهم له في قبلة مسجده، وفتكهم به ~~في حال تهجده، وتصييرهم ولديه سبطي نبي الرحمة، وفرعي شفيع الامة، وسيدي ~~شباب أهل ms355 الجنة، ومن جعل الله وجودهما في الخلق أعظم منة، ما بين مسموم ~~ومقتول، ومهضوم ومخذول؟ # فأبعدها الله من أمة خبل سعيها، ودام غيها، وطال شقاها، وخاب رجاها، تقتل ~~ذرية نبيها بين ظهرانيها، وتسبي بنات رسولها وهي تنظر إليها، ليس فيها رشيد ~~يردعها، ولا سديد يدفعها، فما أبعدها من رحمة الله وأشقاها، وأحقها بخزي ~~الله وأولاها؟ قد أوثقها الله بذنوبها، وختم على قلوبها وغرها سرابها، ~~وتقطعت أسبابها، فارتدت على أعقابها، وضلت في ذهابها وإيابها، قد طوقها ~~الله طوق لعنته، وحرم عليها نعيم جنته، فالمؤمن فيها حامل حتفه على كتفه، ~~وناظر هلكه بطرفه، يسلقونه بحداد ألسنتهم، ويعنفونه بفضيع مقالتهم، فهو ~~بينهم كالشاة بين الذئاب، أو الغريب تحتوشه الكلاب، وعلماؤهم يتجسسون على ~~عورات المؤمنين، ويبتغون زلات الصالحين، ويحرمون ما أحل الله بأهوائهم، ~~ويحلون ما حرم الله بآرائهم، ويسفهون أحلام من التزم بحبل أهل بيت نبيه، ~~ويستهزءون بمن استمسك بولاء عترة وليه، وهم مع ذلك يتولى بعضهم بعضا، ويعظم ~~بعضهم بعضا، وما ذاك إلا لاختصاص قول المؤمنين بآل محمد (صلى الله عليه ~~وآله) فلعداوتهم لهم رموهم عن قوس واحدة. PageV02P071 ### ||| [بعض الفتاوى الغريبة لأبي حنيفة والشافعي ومالك وداود بن علي] # هذا أبو حنيفة النعمان بن ثابت يقول: لو أن رجلا عقد على امه عقد نكاح ~~وهو يعلم أنها امه ثم وطئها لسقط عنه الحد ولحق به الولد. # وكذلك قوله في الاخت والبنت وسائر المحرمات ويزعم أن هذا نكاح شبهة أوجب ~~سقوط الحد عنه. (1) # ويقول: لو أن رجلا استأجر غسالة، أو خياطة، أو خبازة، أو غير ذلك من ~~أصحاب الصناعات ثم وثب عليها ووطئها وحملت منه لأسقطت عنه الحد وألحقت به الولد. # ويقول: إذا لف الرجل على إحليله حريرة ثم أولجه في فرج امرأة ليست له ~~بمحرم لم يكن زانيا، ولا يجب عليه الحد. # ويقول: إن الرجل إذا تلوط بغلام فأوقب لم يجب عليه الحد، ولكن يردع ~~بالكلام الغليظ والأدب والخفقة والخفقتين بالنعل، وما أشبه ذلك. # ويقول: إن شرب النبيذ الصلب المسكر حلال طلق إذا طبخ ms356 وبقي على الثلث وهو ~~سنة وتحريمه بدعة. # وقال الشافعي: إن الرجل إذا فجر بامرأة فحملت وولدت بنتا فإنه يحل للفاجر ~~أن يتزوج بها ويطأها ويستولدها لا حرج عليه في ذلك، فأحل نكاح البنات. (2) # وقال: لو أن رجلا اشترى اخته من الرضاعة ثم وطئها لما وجب عليه الحد، ~~وكان يجوز سماع الغناء بالقصب وما أشبهه. PageV02P072 # وكان مالك بن أنس يرى سماع الغناء بالدف وأشباهه من الملاهي، ويزعم أن ~~ذلك سنة، وكان يجيز وطىء الغلمان المماليك بملك اليمين. # وقال داود بن علي الأصفهاني (1): إن الجمع بين الاختين بملك اليمين ~~حلالا طلق، والجمع بين الام والبنت غير محظور. # فاقيم هؤلاء الفجور وكل منكر فيما بينهم واستحلوه، ولم ينكر بعضهم على ~~بعض، مع أن الكتاب والسنة والاجماع تشهد بضلالهم في ذلك، وعظموا أمر المتعة ~~واستنكروها وضللوا فاعلها، مع أن القرآن والسنة يشهدان بصحتها، وأن النبي ~~(صلى الله عليه وآله) أباحها، وفعلت على زمانه، ومات (صلى الله عليه وآله) ~~وهي جارية في الصحابة وغيرهم حتى حرمها الثاني بجهله وكفره وتعصبه بالباطل، ~~فصوبوا آراءه، وسددوا اجتهاده في تحريمها، فيعلم أنهم ليسوا من أهل الدين، ~~ولكنهم من أهل العصبية والعداوة لآل محمد (صلوات الله وسلامه عليهم ~~أجمعين). ### ||| [قصيدة للمؤلف (رحمه الله)] # ولنختم المجلس بقصيدة أملاها خالص إيماني على جناني، وألقاها محض اعتقادي ~~إلى فؤادي، وكتبتها يد محبتي على لوح فكرتي، واستخرجتها صناعة بلاغتي من ~~خزانة فصاحتي، أسأل الله أن يجعلها صدر جريدة عملي، وبيت قصيدة أملي، وهو ~~حسبنا ونعم الوكيل: # عصر الشباب تولى وانقضى زمني %~% كطيف حلم مضى في غمضة الوسن PageV02P073 # وخانني جلدي لما دنا أجلي %~% وأقبل الشيب بالترحال يؤذنني # سبعون عاما مضت ما كان أجمعها %~% إلا كومض بريق لاح في مزن # لم أستفد صالحا فيها ولا عملا %~% إلى رضا الله في الاخرى يقربني # فكرت في عصب من اسرتي سلفوا %~% وأهل ودي وفيمن كان يصحبني # فما وجدت لهم عينا ولا أثرا %~% وليس حي سواي من بني زمني # أيقنت اني بهم لا شك ملتحق %~% وان دهري بسهم الموت ms357 يرشقني # فعادني منهم عيد فسال دما %~% دمعي لذكرهم كالعارض الهتن # علمت من عادة الدهر الخئون بأن %~% الشيب والموت مقرونان في قرني # وابيض فودي ولكن سودت صحفي %~% كبائر ذكرها ما عشت يحزنني # أيام عمري في دنياي مذ قصرت %~% طالت خوادع آمالي فيا غبني PageV02P074 # وكلما ضعفت مني القوى قويت %~% عزيمتي في الذي في الحشر يوبقني # لم أستفد في حياتي غير صدق ولا %~% صفو اعتقادي وإيماني عليه بني # بحب أحمد والأطهار عترته %~% اولي النهى وذوي الآلاء والمنن # قوم هم العروة الوثقى فمن علقت %~% بها يداه رآها أحصن الجنن # لا يقبل الله من أعمالنا عملا %~% إلا بحبهم في السر والعلن # ما ذا أقول لقوم كان والدهم %~% للمصطفى خير منصوب ومؤتمن # رب الغدير وقسام السعير %~% وذي العلم الغزير مبين الفرض والسنن # وصاحب النص في آي العقود %~% فإنما وليكم إن تتل تستبن # كل إلى علمه ذو حاجة وإذا %~% أخبرته فهو عنهم بالكمال غني # به استقامت طريق الحق واتضحت %~% وثبت الله ما بالدين من وهن PageV02P075 # توراة موسى وإنجيل المسيح له %~% في طيها نشر ذكر واضح السنن # أهل السماء وأهل الأرض لو طلبوا %~% أن يحصروا عد ما فيه من الحسن # ضاقت مذاهبهم عجزا وما بلغوا %~% معشار ما جاء في المولى أبي حسن # سل عنه بدرا وأحزاب الطغاة بني %~% حرب وعمرو بن ود عابدي الوثن # لما علاه بمشحوذ الغرار هوى %~% يصافح الأرض بالكفين والذقن # علي على كتف المختار معتمدا %~% طهارة البيت من رجس ومن درن # ما قلته قطرة من بحر مدحته %~% يكل عنه بيان الماهر اللسن # في هل أتى هل أتى إلا له شرف %~% آيات مدحته تتلى مدى الزمن # الله مادحه والذكر شاهده %~% هذي المكارم لا قعبان من لبن # به قواعد إيماني علت شرفا %~% فصرف ودي له أرجوه يزلفني PageV02P076 # بآله وبه أرجو النجاة غدا %~% إذا عرا بي داعي الموت يطلبني # وصرت في اللحد منبوذا وفارقني %~% رهطي وأنكرني من كان يعرفني # وطال في الترب مكثي وانمحى أثري %~% كأنني أرى الدنيا ولم ترني # وقمت بين يدي ربي وطائر أع %~% مالي بما ms358 كان من فعلي يذكرني # هناك أرجو إذا نوديت منفردا %~% بثابت القول ربي أن يثبتني # من عالم الذر حتى الآن حبهم %~% في مهجتي مستقر لا يفارقني # وهكذا بغض من ناواهم حسدا %~% به ادين إذا ما الله يسألني # يا من هموا في حياتي عدتي وهموا %~% عقدي وعهدي إذا لففت في كفني # وجدي لما نالكم لا ينقضي فإذا %~% ذكرته هاج بي من لوعتي حزني # وما لقى بعد خير الخلق والدكم %~% صنو النبي من الأرجاس يقلقني PageV02P077 # من الذي نفقت سوق الفسوق وقا %~% م البغي منهم على ساق من الفتن # لو لا عتيق وثانيه لما ظهرت %~% من آل حرب خفايا الحقد والضغن # ولا غدا الصنو في المحراب منجدلا %~% قد قد مفرقه في ظلمة الدجن # من بعد ما كفروا بالله إذ نصبوا %~% له الحروب وثنوا بابنه الحسن # هروا بسمهم منه الحشا فثوى %~% خلف المنون من الأوغاد ذي الاجن # وجدي وصبري موصول ومنقطع %~% لرزئه وفؤادي بالغموم مني # يا ابن النبي ويا نجل الوصي ويا %~% أعلى الورى نسبا يا خير ممتحن # لذكر صدك عن بيت الرسول ودف %~% ن الأولين به حزني يسهدني # وفعل من اقدموا للمنع تقدمهم %~% أم الشرور على بغل يحيرني # وإن تفكرت في يوم الطفوف وما %~% عليكم ثم هاج الوجد في بدني PageV02P078 # وذكر صنوك مقتولا على ظمأ %~% من الصبابة تطويني وتنشرني # لهفي على ماجد بالطف يهتف بال %~% طغاة هل ناصر في الله ينصرني # هل من رحيم له في الله معتقد %~% يرى أوامي وما ألقى فيسعفني # هل عالم أن جدي المصطفى وأبي %~% وصيه المرتضى حقا فيسعدني # أليست البضعة الزهراء امي وال %~% طيار عمي فلا خلق يساجلني # لم آتكم رغبة فيكم ولا طمعا %~% في ملككم بل خشيت الله يمقتني # بترك فرض جهاد القاسطين فكا %~% نت حجة الله إذ خالفت تلزمني # وكنت أعلم أن الغدر طبعكم %~% لكن رجاء ثواب الله يسترني # وددت لو كان بعد المشرقين غدا %~% منكم مقامي وعنكم نازح وطني # يا ناكصين على أعقابكم تربت %~% يداكم فانثنيتم راكدي السفن PageV02P079 # أليس بالطهر جدي والوصي أبي %~% عليكم الله أعلاني ms359 وشرفني # بما استبحتم دمي والله أوجب في ال %~% تنزيل ودي وصفاني وطهرني # من كل رجس وفي يوم الكساء رسو %~% ل الله خامسهم بالنص صيرني # وهذه النسوة اللاتي ترون بنا %~% ت المصطفى فانتهوا يا عادمي الفطن # منعتموهن من شرب المباح فعد %~% ن يشتكين الظماء بالمدمع الهتن # يا أمة سفهت بالبغي أنفسها %~% فرأيها فالذي اختارت إلى أفن # أجبت أن لنا علم بأنك أو %~% لى الناس بالناس من باد ومقتطن # وان جدك هاديهم وشيخك وا %~% ليهم وأنتم معاذ الخلق في المحن # لكنما زينة الدنيا وزهرتها %~% نقد ومن ذا يبيع النقد بالظنن # لم يقس ما تم في بدر فليس لنا %~% قلب لما صار فيها غير مضطعن PageV02P080 # جزرتم عتبة بعد الوليد بها %~% جزر كجزركم كوما من البدن # فمذ تحقق أن القوم طبعهم %~% غدر وجمعهم بالله لم يهن # رأى جهادهم فرضا فناجزهم %~% على سواء فلم ينكل ولم يهن # وباع نفسا علت فوق السها شرفا %~% من ذي المعارج بالغالي من الثمن # بجنة طاب مثواها فساكنها %~% قد فاز منها بعيش في الخلود هني # وناجز القوم في أبرار عترته %~% فما استكانوا إلى الأعداء من وهن # حتى إذا استلبوا أرواحهم وغدوا %~% طعم المناصل والخطية اللدن # أضحى فتى المصطفى فردا فوا أسفي %~% على الفريد ويا وجدي ويا شجن # ضرام وجدي إذا أجريت مصرعه %~% بفكري شب في قلبي فيحرقني # فيرسل الطرف مدرارا فيطفي نا %~% ر الحزن لكن بفيض الدمع يغرقني PageV02P081 # لهفي على نسوة ضلت مهتكة %~% يسترن تلك الوجوه الغر بالردن # تساق عنفا على الأقتاب ليس ترى %~% إلا زنيما من الأرجاس ذا ظغن # كنسوة من اسارى الشرك طيف بها %~% وبرزت جهرة في سائر المدن # يا أشرف الخلق جدا في الورى وأبا %~% وأسمح الناس بالآلاء والمنن # ومن به عذت من ريب الزمان ومن %~% حططت رحلي به عند انتهاء زمني # حزني لما نالكم لا ينقضي ولو أن ال %~% لحد أصبح بعد الموت يسترني # لو كنت حاضركم في كربلا لرأي %~% ت القتل فرضا به الجبار ألزمني # وكنت أجعل وجهي جنة لك من %~% سهام قوم بغاة فيك ms360 تقصدني # حتى أضل وأوصالي مقطعة %~% أذب عنك وعين الله تلحظني # وصرت في عصبة جادت بأنفسها %~% فذكر ما صنعت في الفخر غير دني PageV02P082 # باعت من الله أرواحا مطهرة %~% ما في الذي بذلت في الله من غبن # مولاي إذ لم أنل فضل الشهادة بال %~% جهاد فيك ولا التوفيق أسعدني # فقد وقفت لساني في جهاد اولي ال %~% ضلال من فيكم بغيا يؤنبني # عتيق يغلي أراه قيمة لعتي %~% قهم وانظره أدنى من الثمن # وهكذا الظالم الثاني وثالثهم %~% ذو الغي أخبث مغرور ومفتتن # وعصبة صرعت حول البعير على %~% أكفار رتبهم الله أطلعني # وتابعوا الرجس في صفين لعنهم %~% فرض علي له الرحمن وفقني # وهكذا أنا نحو المارقين بغا %~% ة النهر في كل آن مرسل لعني # هذا اعتقادي به أرجو النجاة إذا %~% اوقفت بين يدي ربي ليسألني # ثم الصلاة عليكم كلما سجعت %~% حمائم الأيك في دوح على فنن PageV02P083 ### | المجلس الخامس في خصائص الامام السبط التابع لمرضاة الله أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، # وما تم عليه من أعدائه، وذكر شيء من فضائله، وما قال الرسول (صلى الله ~~عليه وآله) في حقه، وما جرى عليه من الامور التي امتحنه الله بها واختصه ~~بفضائلها حتى صار سيد الشهداء وسيلة لأهل البلاء، وتعزية لأهل العزاء، ~~(صلوات الله عليه) وعلى جده وأبيه، وامه وأخيه، والأئمة من بنيه، ولعن الله ~~من ظلمهم، واغتصبهم حقهم، آمين رب العالمين ### ||| [خطبة للمؤلف (رحمه الله)] # الحمد لله الذي طهر بزلال الاخلاص قلوب أوليائه، وألزم نفوس الخواص بحمده ~~وثنائه، وأطلع أحباءه على جلال عظمته وكبريائه، ورفع خلصاءه من حضيض ~~النقصان إلى أوج الكمال باحتضانه، وسرح عقولهم في دوح معرفته فرتعوا في تلك ~~الرياض المونقة، وشرح صدورهم بافاضة أنوار عنايته على قوابل أنفسهم ~~المشرقة، فاقتطفوا بأنامل إخلاصهم ثمار العرفان من تلك الحدائق المغدقة، ~~واستنشقوا بمشام هممهم عاطر أنوارها وأزهارها المحدقة، واساموا ابصار ~~بصائرهم في خمائل جمالها، فشاهدوا ما تكل عن PageV02P085 # وصفه الألسن، واجتنوا من ثمرات شجرات دوحها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. # ولما عاينوا أنهار العناية قد فجرت ms361 خلالها تفجيرا. وأدارت ولدان المحبة ~~على خالص المودة كأسا كان مزاجها كافورا، ارتاحت أرواحهم إلى أسير ... (1) ~~زلال تلك الكؤوس المترعة، وسارت منهم النفوس إلى موارد مشارع معرفة الملك ~~القدوس مسرعة، حتى إذا شربوا بالكأس الروية من شراب إخلاص المحبة، انبسطت ~~أرواحهم من لذة حلاوة الشربة، وكشف لهم الغطاء عن السر المحجوب، واطلعوا من ~~أحوال البرزخ على خفيات الغيوب. # ولما اطلع سبحانه على حقيقة إخلاصهم تفرد بإحبائهم واختصاصهم، وثبت في ~~مداحض الأقدام أقدامهم، وأثبت في دفاتر الاعظام مقامهم، وصيرهم الوسائط ~~بينه وبين عباده، والرسائل لأنامه في بلاده، واصطفاهم بالعصمة التامة، ~~واجتباهم بالرئاسة العامة، فأنقذوا الجهال بإفاضة علومهم، ووازنوا الجبال ~~برزانة حلومهم، ونفعوا العليل بفصيح وعظهم، وشفوا الغليل بمبين لفظهم، ~~وساقوا الناس بسوط حكمهم إلى شريعة ربهم، ونادوا الخلق بصوت عزمهم إلى ~~منازل قربهم، وعادوا في الله أعداءه، ووالوا في الحق أولياءه، حتى أشرقت ~~بنور هداهم الأقطار، وازينت بذكر علاهم الأمصار، ورفل الحق في سرابيل العزة ~~والافتخار، وخطر الصدق في ميادين القوة والاشتهار، ويسرت معالم الايمان ~~بمعالم علمهم، وظهرت أحكام القرآن بواضح حكمهم، ورسخت اصول الدين في صعيد ~~القوة بجدهم، وبسقت فروع الشرع في سماء العزة بجهدهم، فعلوم التوحيد منهم ~~ينابيعها تفجرت، وأسرار التنزيل بقوانين معارفهم ظهرت، والعدل والحكمة صحة ~~استنباطهم طرائقها قررت. PageV02P086 # لم يخلق الله خلقا أكرم عليه منهم، ولم يصدر عنه من العلوم ما صدر عنهم. # ولما تمت كلمتهم، وكملت صفتهم، وشملت رئاستهم، وعمت خلافتهم، وعمر برهم، ~~وعلا أمرهم، وخلصت قلوبهم، وصعبت نفوسهم، وأفاض الجليل سبحانه على أفئدتهم ~~أنوار جلال عظمته، ورقى أرواحهم إلى سماء العرفان فاطلعوا على أسرار ~~إلهيته، أراد سبحانه أن لا يترك خصلة من خصال المجد، ولا مزية من مزايا ~~الفخر إلا ويجعلهم عيبتها ومجمعها ومنبعها ومشرعها وموئلها ومرجعها ~~ومربعها، ففازوا من خلال الكرم بالعلى من سهامها، والأعلى من مقامها، حتى ~~وصفهم سبحانه بأشرف خصال الكرامة، وأنزل قرآنا تتلى آيات مدحتهم فيه إلى ~~يوم القيامة، وحازوا من المعارف الربانية والأحكام الشرعية ما ينفع العليل، ~~ويبل الغليل. # عنهم ms362 اصول العلوم اخذت، وبنهم اولوا المعارف احتذت، وعلى قواعدهم بنوا، ~~وعن أعلامهم رووا، وجعلهم الله لسانه الناطق بحقه، ومناره الساطع في خلقه. # ولما انتهت في الكمال رتبتهم، وعلت في الجلال غايتهم، وعرفوا المبدع حق ~~معرفته، ونزهوه عما لا يليق بصفته، صفوا في مقام الخدمة أقدامهم، ونصبوا في ~~حضرة العزة أبدانهم، ولحظوا بعين التعظيم جلال مبدعهم، وشاهدوا بعين اليقين ~~كمال مخترعهم، اشتاقت أنفسهم إلى المقام الأسنى، وتاقت أرواحهم إلى الجناب ~~الأعلى، من جهاد أعداء ربهم، والمموهين بزورهم وكذبهم، الذين باض الشرك في ~~رءوسهم، وفرخ وثبت الكفر في نفوسهم، ورسخ ونعق ناعق النفاق في قلوبهم ~~فاتبعوه، ودعاهم داع الشقاق في صدورهم فأطاعوه، PageV02P087 # فأجلبوا على حرب الفتى، وثنوا بقتال الوصي، وتلبثوا بسم الزكي، وكفروا ~~بأنعم ربهم العلي. # وكان أفضل من جاهدهم في الله حق جهاده، وبذل نفسه لله بجده واجتهاده، ~~وتلقى حر الحديد بذاته وولده، وقاتل بجد مجيد بعد أبيه وجده. # ثاني السبطين، وثالث أئمة الثقلين، وخامس الخمسة، أشرف من بذل في الله ~~نفسه، منبع الأئمة، ومعدن العصمة، السيد الممجد، والمظلوم المضطهد، سيد ~~شباب أهل الجنة، ومن جعل الله حبه فرضا لا سنة، وولاءه من النار أعظم جنة، ~~سبط الأسباط، وطالب الثأر يوم الصراط، أشرف من مشى على وجه الأرض، وأقوم من ~~قام بالسنة والفرض، وأفضل من بكت السماء لقتله، وأمجد من اجتمعت أمة السوء ~~على خذله. # الإمام الشهيد، والولي الرشيد، قرة عين سيدة النساء، وثمرة قلب سيد ~~الأوصياء، ومن شرفت بمصرعه كربلاء، وصارت مختلف أملاك السماء، السيد ~~الماجد، والولي المجاهد، قتيل العبرة، وسليل العترة، وفرع السادة البررة، ~~الإمام المظلوم، والسيد المحروم، الذي مصيبته لا تنسى، وحرها لا يطفى، ~~المنهتك الحرمة، والمخفور الذمة، الذي لا يحق الجزع إلا على مصيبته، ولا ~~يليق الهلع إلا من واقعته، الصبور عند البلاء، والشكور عند الرخاء. # كان للسائل كنزا، وللعائذ عزا، وللمجدب غيثا، وللمستصرخ مغيثا، عبرة كل ~~مؤمن، واسوة كل ممتحن، صفوة المصطفين، وأحد السيدين، وابن صاحب بدر واحد ~~وحنين، سيدنا ومولانا أبا عبد الله الحسين، الذي ms363 هضمت مصيبته الاسلام هضما، ~~وهدمت محنته الايمان هدما، وألبست قلوب المؤمنين كربا وغما. PageV02P088 # يا لها مصيبة شق لها المؤمنون قلوبهم لا جيوبهم، وتجافت لعظمها عن ~~المضاجع جنوبهم، وأمطرت السماء دما وترابا، وخبرت من أخي العرفان أفكارا ~~وألبابا، واضطربت لهو لها السبع العلى، واهتز لها عرش المليك الأعلى. # النبي والوصي فيها أهل العزاء، وسيدة النساء تود لو تكون له النداء، أنسى ~~كل مصيبة مصابها، وأمر كل طعم صابها، وأدارت كئوس الأحزان على قلوب ~~المؤمنين، وجددت معاهد الأشجان في نفوس المخلصين، كسيت السماء بحمرة نجيع ~~شهدائها سقفا، وأذكت في قلوب المؤمنين بفادح زنادها حرقا، وأنفذت بتراكم ~~أحزانها ماء الشؤون، وأذابت بتفاقم أشجانها القلوب فأسالتها دما من العيون، ~~فإنا لله وإنا إليه راجعون. أي مصيبة طمت وعمت وأشجت قلوب المؤمنين وأعمت. # فيا إخواني عزوا نبيكم المصطفى في هذا اليوم بسبطه، اسعدوا وليكم المرتضى ~~في مصابه برهطه، فإن البكاء في هذا العشر لمصاب آل الرسول من أفضل الطاعات، ~~وإظهار الجزع لما نال ولد الطاهرة البتول من أكمل القربات، ولما كانت هذه ~~المصيبة لم تقع منذ خلق الله السماوات والأرض كواقعتها، ولا انهتكت حرمة ~~نبي ولا ولي كانهتاك حرمتها، ولا غضب الله غضبها على من شب ضرامها، ونصب ~~أعلامها، وقاد جنودها، وعقد بنودها، أردت أن أنفت حزازة (1) صدري، وأبوح ~~بما في سري، واخاطب المؤمنين من إخواني بما خطر في جناني، ونطق به لساني، ~~فقلت من شدة أسفي، وفرط لهفي، ودمعي PageV02P089 # يملي ولا يمل، ووجدي يقلي ولا يقل: # يا إخواني، تفكروا في هذا الخطب الجسيم، والرزء العظيم، أيقتل ابن رسول ~~الله في مفازة من الأرض من غير ذنب ارتكبه، ولا وزر احتقبه، ولا فريضة ~~بدلها، ولا سنة أبطلها؟ فتجتمع عصابة تزعم أنها من أمة جده، وسالكة منهاجه ~~من بعده، فتحرم عليه الماء المباح، وتجعل ورده من دم الجراح، لا تأخذها به ~~رأفة، ولا تخشى أن ينزل بها من غضب الله آفة، وهو يستغيث بأوغادها فلم ~~يغيثوه، ويستعين بهم ولم يعينوه، بل قست قلوبهم فهي كالحجارة أو ms364 أشد قسوة، ~~ونقضوا عهدهم كالتي نقضت غزلها من بعد قوة، لم يوقروا شيبته، ولم يذكروا ~~قربته، ولا رحموا صبيته، ولا احترموا نسوته، ولا راعوا غربته، ولا استهابوا ~~حرمة جده، ولا تألموا من خلف وعده، بل ذبحوا أطفاله، وهتكوا عياله، وقتلوا ~~ذريته، واستأصلوا اسرته، وانتهبوا ثقله، واستباحوا قتله، وأضرموا النار في ~~مضاربه، وسدوا عليه أبواب مطالبه، وأظهروا ما كان كامنا من نفاقهم، وأبدوا ~~ما أخفوا من سقامهم. # فأي مسلم يعتقد إسلامهم؟ وأي عاقل يؤول مرامهم؟ فلا يشك في كفرهم إلا من ~~بلغ في الغي غايتهم، وسلك في البغي جادتهم، فأحوال الملاحدة منكري الصانع ~~أحسن من أحوالهم، وأفعال جاحدي الشرائع أضرب من فعالهم وأقوالهم، إذ هم ~~يعتقدون ما حسن العقل حسنا صريحا، وما قبح العقل شنيعا قبيحا، وأهل الملل ~~المنسوخة والشرائع المفسوخة من أهل الكتاب وغيرهم يعظمون ذراري أنبيائهم، ~~ويثابرون على محبة أبنائهم، ويتبركون بآثارهم ومزاراتهم، ويسجدون لصورهم ~~المصورة في بيعهم ودياراتهم، وهذه الطائفة المارقة، والعصابة المنافقة، من ~~بقايا الأحزاب، وسفهاء الأعراب، كانوا أهل PageV02P090 # ضر ومتربة، وعسر ومسغبة، يخافون أن يتخطفوا من دارهم، وينفوا عن قرارهم، ~~قد ضربت عليهم الذلة، وشملتهم البلية، وألجأتهم الأعداء إلى المفاوز ~~المقفرة والبوادي المنقطعة، وأجلتهم خصماؤهم عن القرى المحتفة بالجنان ~~الملتفة، والعيشة الرضية، والأقوات الشهية، كما قال سيدنا ومولانا أمير ~~المؤمنين (عليه السلام): واعتبروا بحال ولد إسماعيل وبني إسحاق وبني ~~إسرائيل (عليهم السلام)، فما أشد اعتدال الأحوال، وأقرب اشتباه (1) ~~الأمثال! # تأملوا امورهم (2) في حال تشتتهم وتفرقهم، ليالي كانت الأكاسرة ~~والقياصرة أربابا لهم يحتازونهم (3) عن ريف الآفاق، وبحر العراق، وخضرة ~~الدنيا، إلى منابت الشيح، ومهافي الريح، ونكد (4) المعاش، فتركوهم عالة ~~مساكين إخوان دبر ووبر (5)، أذل الامم دارا، وأجدبهم قرارا، لا يأوون إلى ~~جناح دعوة يعتصمون بها (6)، ولا إلى ظل الفة (7) يعتمدون على عزها، ~~فالأحوال مضطربة، والأيدي مختلفة، والكثرة متفرقة، في بلاء أزل (8)، ~~وأطباق جهل! من بنات موؤودة، وأصنام معبودة، وأرحام مقطوعة، وغارات مشنونة. # فانظروا إلى مواقع نعم الله عليهم حين بعث إليهم رسولا، فعقد بملته ~~طاعتهم، وجمع على ms365 دعوته الفتهم، كيف نشرت عليهم النعمة جناح كرامتها، PageV02P091 # وأسالت لهم جداول نعمتها (1)، والتفت الملة بهم في عوائد بركتها، فأصبحوا ~~في نعيمها (2) عرقين، وفي (3) خضرة عيشها فكهين، قد تراحت لهم الامور (4)، ~~في ظل سلطان قاهر، وآوتهم الحال إلى كنف عز غالب، وتعطفت الامور عليهم في ~~ذرى ملك ثابت، فهم حكام على العالمين، وملوك في أطراف الأرضين، يملكون ~~الامور على من كان يملكها عليهم، ويمضون الأحكام فيمن (5) كان يمضيها ~~فيهم! لا تغمز لهم قناة، ولا تقرع لهم صفاة (6)(7). انتهى كلامه. # قلت: فما كان جزاء من أسدى هذه المنة إليهم، وأسدل النعمة عليهم، إلا أن ~~تركوه ميتا لم يكفن، ومحبورا لم يدفن، وأظهروا ما كان من حقدهم مخفيا، ~~ونشروا من غيهم ما كان منطويا، وأنكروا وصيته، وأهانوا ذريته، وجحدوا نصه ~~وعهده، وأخلفوا وعده وعقده، وجعلوا زمام امورهم بأيدي أدناهم نسبا، وألأمهم ~~حسبا، وأقلهم علما، وأسفههم حلما، لا في السراة القصوى من قصتهم، ولا في ~~المرتبة العليا من لومهم، ثم لم يقنعوا بما فعلوا، فلم يعترفوا إذ جهلوا، ~~ولم يتحولوا إذ غيروا وبدلوا، ولم يستجيبوا إذ ضلوا، وضلوا حتى دبروا في ~~قطع دابرهم، وإخفاء مآثرهم، يجرعونهم الغصص، ويوردونهم الربق (8)، ~~ويأكلون PageV02P092 # تراثهم، ويحوزون ميراثهم. # ثم لم تزل الأوغاد تنسخ على منوالهم، وتقتدي بأفعالهم وأقوالهم، إلى أن ~~شنوا عليهم الغارات، وعقدوا لحربهم الرايات، واصطفوا لقتالهم بصفينهم ~~وبصرتهم، وابتدروا لبوارهم وبوار شيعتهم، ثم اغتالوا وصيه في محرابه ساجدا ~~راكعا، وخذلوه متهجدا خاشعا، وجرعوا سبط نبيهم ذعاف سمومهم، وصرعوا رهطه في ~~كربلاء بشدة عزمهم وتصميمهم. # ثم جعلوا سب ذريته على منابرهم في جوامعهم، وهمز عترته في محاضرهم ~~ومجامعهم، شرطا من شروط صلواتهم، وشطرا من أوراد عباداتهم، وجعلوا شيعتهم ~~إلى يوم الناس هذا أذلاء مقهورين، وضعفاء مستورين، قد كعمتهم (1) التقية، ~~وشملتهم البلية، يقصدونهم في أنفسهم وأموالهم، ويغرون السفهاء من جهالهم، ~~ويعيرونهم بزيارة قبور أوليائهم وساداتهم، ويبدعونهم في قصد مشاهد أئمتهم، ~~بغض آل الرسول مركوز في جبلتهم، وهظم الطاهرة البتول مرموز في خطابهم ~~ومحاورتهم. ### ||| [مشاهدة المؤلف (رحمه الله) قبرا ms366 كتب عليه: هذا قبر السيدة ملكة بنت الحسين (عليه السلام)] # ولقد شاهدت في القرية الظالم أهلها، النائي عن الحق محلها، المغضوب ~~عليها، المنصوب علم الكفر لديها، أعني بلدة دمشق الشام محل الفجرة الطغاة، ~~شرقي مسجدها الأعظم، وبيت أصنامها الأقدم، الذي لا طهر ولا قدس، بل على شفا ~~جرف هار اسس، معدن العقوق، ومركز الفسوق، وبيت النار، ومجمع الفجار، ومنبع ~~الأشرار، وشر من مسجد ضرار، خربة- كانت فيما تقدم مسجدا- مكتوب على صخرة ~~عتبة بابها أسماء النبي وآله والأئمة الاثني عشر عليهم PageV02P093 # السلام، وبعدهم: هذا قبر السيدة ملكة بنت الحسين (عليه السلام) بن أمير ~~المؤمنين ولفرط بغضهم لأهل بيت نبيهم، تركوا القيام بعمارة ذلك المقام إلى ~~أن استهدم، ثم جعلوه مطرحا لقماماتهم، ومرمى لنجاساتهم وقاذوراتهم، فهزت ~~أريحية الايمان رجلا ممن تمسك بولائهم أن يميط الأذى والقاذورات عن تلك ~~الخربة، لأنها وإن لم تكن مدفنا لأحد من ذريتهم فقد شرفت بنسبتها إليهم، ~~فجدد بناءه واتخذه مسجدا مهيئا للصلاة. # فلما أتمه وأماط الأرجاس عنه وألقى القمامة علم بذلك شيخ إسلامهم وبلغام ~~(1) زمانهم وأحد أعلامهم وأكثر أصنامهم، عدو الله ورسوله، الكافر بفعله ~~وقوله، المانع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، التام في النفاق حده ورسمه، ~~فأقبل الشقي في جمع من المنافقين، والعصب المارقين وأمر بهدم ذلك المسجد، ~~وأن يعاد مطرحا للقمامات والقاذورات كما كان أولا، وأحضر معه رجلا نصرانيا ~~ممن يعالج قطع الأحجار وأمره أن يمحو أسماء النبي والأئمة الطاهرين عن تلك ~~الصخرة قائلا: ترك هذه الأسماء على هذه الصخرة من أعظم بدعة في الاسلام، ~~أفمن كان هذا دينهم ومعتقدهم هل يشك عاقل في كفرهم وارتدادهم، أو يرتاب في ~~إلحادهم؟ وليس ذلك ببدع من نفاقهم، فهم فرع الشجرة الملعونة في القرآن، ~~وأتباع جند الشيطان، وأعداء الرحمن، شر من قوم لوط وثمود، وأخبث من عاد قوم ~~هود، فهم الكافرون الجاحدون المنافقون المارقون، @QUR@013 يريدون ليطفؤا ~~نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون (2). اللهم العنهم ~~وأشياعهم وأتباعهم لعنا وبيلا، وعذبهم عذابا أليما. PageV02P094 ### | فصل في مناقب مولانا إمام ms367 الثقلين، وثاني السبطين، وأحد السيدين، أبي عبد الله الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) # فمنها ما اختص به في حياته، ومنها ما ظهر بعد وفاته، فلنبدأ بما حصل في ~~حياته وقبل مولده. ### ||| [أن الله سبحانه هنأ النبي (صلى الله عليه وآله) بحمل الحسين (عليه السلام) وولادته، وفي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يلقم الحسين (عليه السلام) إبهامه] # في كتاب الأنوار: إن الله سبحانه هنأ النبي (صلى الله عليه وآله) بحمل ~~الحسين (عليه السلام) وولادته، وعزاه بقتله، فعرفت فاطمة ذلك فكرهته، فنزل ~~قوله تعالى: @QUR@012 حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ~~(1) فحمل النساء تسعة أشهر، ولم يولد مولود لستة أشهر فعاش غير الحسين ~~وعيسى (عليهما السلام). # غرر أبي الفضل بن خيرانة (2) أن فاطمة (عليها السلام) اعتلت لما ولدت ~~الحسين (عليه السلام) وجف لبنها، فطلب له رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~مرضعا فلم يجد، فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يأتيه فيلقمه إبهامه ~~فيمصها، فيجعل الله له في إبهام رسول الله (صلى الله عليه وآله) رزقا يغذوه. PageV02P095 # وقيل: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يدخل لسانه في فيه فيغره ~~(1) كما يغر الطير فرخه، فيجعل الله له في ذلك رزقا يغذوه، ففعل ذلك أربعين ~~يوما وليلة، فنبت اللحم واشتد العظم منه من لحم رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله). (2) # عن برة ابنة امية الخزاعي قالت: لما حملت فاطمة بالحسن (عليه السلام) خرج ~~النبي (صلى الله عليه وآله) في بعض حوائجه (3) فقال لها: إنك ستلدين غلاما ~~قد هنأني به جبرئيل فلا ترضعيه حتى أصير إليك. # قالت: فدخلت على فاطمة حين وضعت (4) الحسن (عليه السلام) ولها (5) ثلاث ~~ما أرضعته، فقلت لها: أعطينيه حتى ارضعه. # قالت: كلا، ثم أدركتها رقة الامهات فأرضعته، فلما جاء النبي (صلى الله ~~عليه وآله) قال لها: ما ذا صنعت؟ # قالت: أدركتني عليه رقة الامهات فأرضعته. # فقال (صلى الله عليه وآله): أبى الله سبحانه إلا ما أراد، فلما حملت ~~بالحسين (عليه السلام) قال لها: ms368 يا فاطمة، إنك ستلدين غلاما قد هنأني به ~~جبرئيل فلا ترضعيه حتى أجيء إليك ولو أقمت شهرا. # قالت: أفعل، وخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بعض حوائجه (6)، PageV02P096 # فولدت فاطمة الحسين (عليهما السلام)، فما أرضعته حتى جاء رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) فقال لها: ما ذا صنعت؟ # قالت: ما أرضعته. فأخذه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فوضع (1) لسانه ~~في فمه، فجعل الحسين (عليه السلام) يمص حتى قال النبي (صلى الله عليه وآله): # إيها حسين، إيها حسين، ثم قال: أبى الله إلا ما يريد هي فيك وفي ولدك- ~~يعني الامامة-. (2) ### ||| [أن الحسين (عليه السلام) لما منع من الماء كان يحفر الموضع فينبع ماء طيب] # ولما منع الحسين (عليه السلام) من الماء أخذ سهما وعد فوق خيام النساء ~~تسع خطوات، فحفر الموضع، فنبع ماء طيب فشربوا وملأوا قربهم. (3) # وروى الكلبي: أن مروان قال للحسين (عليه السلام): لو لا فخركم بفاطمة بما ~~كنتم تفخرون علينا؟ # فوثب الحسين (عليه السلام) فقبض على حلقه وعصره، ولوى عمامته في عنقه حتى ~~غشي عليه، ثم تركه، ثم تكلم وقال آخر كلامه: والله ما بين جابلقا (4) ~~وجابرسا رجل ممن ينتحل الاسلام أعدى لله ولرسوله ولأهل بيته منك ومن أبيك ~~إذ كان، وعلامة ذلك أنك إذا غضبت سقط رداؤك عن منكبك. # قال: فو الله ما قام مروان [من مجلسه] (5) حتى غضب فانتفض فسقط PageV02P097 # رداؤه عن عاتقه. (1) ### ||| [في إطاعة الحمى للحسين (عليه السلام)] # زرارة بن أعين: قال: سمعت الصادق (عليه السلام) يحدث عن آبائه (عليهم ~~السلام) أن مريضا شديد الحمى عاده الحسين (عليه السلام)، فلما دخل من باب ~~الدار طارت الحمى عن الرجل، فقال الرجل: رضيت بما اوتيتم [به] (2) حقا، ~~والحمى تهرب منكم. # فقال الحسين (عليه السلام): والله ما خلق الله شيئا إلا وقد أمره بالطاعة لنا. # قال: فإذا نحن نسمع الصوت ولا نرى الشخص يقول: لبيك. # قال: أليس أمير المؤمنين أمرك ألا تقربي إلا عدوا لنا أو مذنبا لكي تكوني ~~كفارة لذنوبه، [فما بال هذا] (3)؟ وكان المريض ms369 عبد الله بن شداد الليثي. (4) # تهذيب الأحكام (5): [قال أبو عبد الله (عليه السلام):] (6) إن امرأة كانت PageV02P098 # تطوف وخلفها رجل فأخرجت ذراعها، فمال بيده حتى وضعها على ذراعها فبقيت ~~(1) يده في ذراعها حتى قطع الطواف، فأرسل إلى الأمير واجتمع الناس، وارسل ~~إلى الفقهاء فجعلوا يقولون: اقطع يده فهو الذي جنى الجناية. # فقال: هاهنا أحد (2) من ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ # فقالوا: نعم، الحسين بن علي (عليه السلام) قدم الليلة، فأرسل إليه فدعاه، ~~فقال: انظر ما لقي هذان، فاستقبل الكعبة ورفع يديه ومكث طويلا يدعو، ثم جاء ~~إليهما حتى تخلصت يده من يدها، فقال الأمير: ألا نعاقبه بما صنع؟ # قال: لا. (3) ### ||| [في إنطاق الحسين (عليه السلام) الطفل الرضيع] # صفوان بن مهران: قال: سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: رجلان اختصما في ~~زمن الحسين (عليه السلام) في امرأة وولدها، فقال واحد: هذا لي، وقال الآخر: ~~هو لي، فمر بهما الحسين (عليه السلام) فقال لهما: فيما تمرجان؟ # قال أحدهما: إن هذه الامرأة لي. # وقال الآخر: بل الولد والامرأة لي. # فقال للمدعي الأول: اقعد، فقعد، وكان الغلام رضيعا، فقال الحسين (عليه ~~السلام): يا هذه، اصدقي من قبل أن يهتك الله سترك. # فقالت: هذا زوجي، والولد له، ولا أعرف هذا. # فقال (عليه السلام) للغلام: انطق بإذن الله. PageV02P099 # فقال الغلام: ما أنا لهذا، ولا لهذا، وما أبي إلا راعي لآل فلان. فأمر ~~(عليه السلام) برجمها. # قال جعفر (عليه السلام) (1): فلم يسمع أحد ان غلاما نطق بعدها (2). ### ||| [أن الحسين (عليه السلام) أرى الأصبغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام)] # الأصبغ بن نباتة: قال: سألت الحسين (عليه السلام)، فقلت: يا سيدي، أسألك ~~عن شيء أنا به موقن، وإنه من سر الله وأنت المسرور إليه ذلك السر. # فقال: يا أصبغ، أتريد أن ترى مخاطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأبي ~~دون (3) يوم مسجد قبا؟ # قلت: هو الذي أردت. # قال: قم، فإذا أنا وهو بالكوفة، فنظرت فإذا أنا بالمسجد من قبل أن يرتد ~~إلي بصري، ms370 فتبسم في وجهي، ثم قال: يا أصبغ، إن سليمان (عليه السلام) اعطي ~~الريح غدوها شهر ورواحها شهر، وأنا قد اعطيت أكثر مما اعطي. # فقلت: صدقت والله يا ابن رسول الله. # فقال: نحن الذين عندنا علم الكتاب وبيان ما فيه، وليس عند أحد من خلقه ما ~~عندنا لأننا أهل سر الله، ثم تبسم في وجهي، ثم قال: نحن آل الله، وورثة ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله). # فقلت: الحمد لله على ذلك، ثم قال: ادخل، فدخلت فإذا أنا برسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) مختبئ في المحراب بردائه، فنظرت فإذا أنا بأمير المؤمنين PageV02P100 # (عليه السلام) قابض على تلابيب الأعسر (1)، فرأيت رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) يعض على الأنامل وهو يقول: بئس الخلف خلفتني أنت وأصحابك، عليكم ~~لعنة الله ولعنتي، الخبر. (2) # كتاب الإبانة: قال بشر بن عاصم: سمعت ابن الزبير يقول: قلت للحسين (عليه ~~السلام): إنك تذهب إلى قوم قتلوا أباك، وخذلوا أخاك! فقال (عليه السلام): ~~لإن اقتل في موضع كذا وكذا أحب إلي من أن يستحل بي مكة، عرض به (عليه ~~السلام). ### ||| [أن جبرئيل (عليه السلام) كان يدعو لبيعة الحسين (عليه السلام)، وأن أصحابه لم ينقصوا ولم يزيدوا رجلا] # كتاب التخريج: عن العامري بالإسناد عن هبيرة بن مريم (3)، عن ابن عباس، ~~قال: رأيت الحسين (عليه السلام) قبل أن يتوجه إلى العراق على باب الكعبة ~~وكف جبرئيل في كفه، وجبرئيل ينادي: هلموا إلى بيعة الله سبحانه. # وعنف ابن عباس على تركه الحسين (عليه السلام)، فقال: إن أصحاب الحسين لم ~~ينقصوا رجلا ولم يزيدوا رجلا، نعرفهم بأسمائهم من قبل شهودهم. # وقال محمد بن الحنفية: وإن أصحابه عندنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء ~~آبائهم. (4) # (4) مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 52- 53، عنه البحار: 44/ 185 ح 12، ومدينة ~~المعاجز: PageV02P101 ### | فصل في مكارم أخلاقه (عليه السلام) # سأل رجل الحسين (1)(عليه السلام) حاجة، فقال (صلوات الله عليه): يا هذا، ~~سؤالك إياي يعظم لدي، ومعرفتي بما يجب لك يكبر علي، ويدي تعجز عن نيلك مما ~~أنت أهله، والكثير في ذات الله قليل، وما ms371 في ملكي وفاء لشكرك، فإن قبلت ~~الميسور دفعت عني مئونة (2) الاحتيال لك، والاهتمام لما أتكلف من واجب حقك. # فقال الرجل: يا ابن رسول الله، أقبل [اليسير] (3)، وأشكر العطية، وأعذر ~~على المنع، فدعا الحسين (عليه السلام) بوكيله وجعل يحاسبه على نفقاته حتى ~~استقصاها، ثم قال: هات الفاضل من الثلاثمائة ألف، فأحضر خمسين ألفا من ~~الدراهم. فقال: ما فعلت الخمسمائة دينار؟ # قال: هي عندي. # قال: احضرها، فدفع الدراهم والدنانير إلى الرجل، فقال: هات من PageV02P102 # يحمل معك هذا المال، فأتاه بالحمالين، فدفع الحسين إليهم رداءه لكراء ~~حملهم حتى حملوه معه، فقال مولى له: والله لم يبق عندنا درهم واحد. # قال: لكني أرجو أن يكون لي بفعلي هذا عند الله أجر عظيم. (1) # قيل: خرج الحسن (عليه السلام) في سفر فأضل طريقه ليلا، فمر براعي غنم ~~فنزل عنده وألطفه وبات عنده، فلما أصبح دله على الطريق، فقال له الحسن ~~(عليه السلام): إني ماض إلى ضيعتي (2)، ثم أعود إلى المدينة، ووقت له وقتا قال: # تأتيني فيه، فلما جاء الوقت شغل الحسن بشيء من اموره عن قدوم المدينة، ~~فجاء الراعي وكان عبدا لرجل من أهل المدينة فصار إلى أبي عبد الله الحسين ~~(عليه السلام) وهو يظنه الحسن، فقال: يا مولاي، أنا العبد الذي بت عندي ~~ليلة كذا وأمرتني (3) أن أصير إليك في هذا الوقت، وأراه علامات عرف الحسين ~~(عليه السلام) انه كان الحسن (عليه السلام). # فقال الحسين (عليه السلام): لمن أنت؟ # فقال: لفلان. # قال: كم غنمك؟ # قال: ثلاثمائة. PageV02P103 # فأرسل (عليه السلام) إلى الرجل فرغبه حتى باعه الغنم والعبد فأعتقه ووهب ~~له الغنم مكافأة عما صنع بأخيه، وقال: إن الذي بات عندك أخي وقد كافيتك ~~بفعلك به. (1) # وروى الحسن البصري: قال: كان الحسين سيدا، زاهدا، ورعا، صالحا، ناصحا، ~~حسن الخلق، فذهب ذات يوم مع أصحابه إلى بستان له وكان في ذلك البستان غلام ~~له يقال له صافي، فلما قرب من البستان رأى الغلام قاعدا يأكل خبزا، فنظر ~~الحسين إليه وجلس مستترا ببعض النخل، فكان الغلام يرفع الرغيف فيرمي ms372 بنصفه ~~إلى الكلب ويأكل نصفه، فتعجب الحسين (عليه السلام) من فعل الغلام، فلما فرغ ~~من الأكل قال: الحمد لله رب العالمين. اللهم اغفر لي ولسيدي وبارك له كما ~~باركت على أبويه برحمتك يا أرحم الراحمين. # فقام الحسين (عليه السلام) وقال: يا صافي، فقام الغلام فزعا، فقال: # يا سيدي وسيد المؤمنين إلى يوم القيامة، إني ما رأيتك فاعف عني. # فقال الحسين (عليه السلام): اجعلني في حل يا صافي لأني دخلت بستانك بغير إذنك. # فقال صافي: يا سيدي، بفضلك وكرمك وسؤددك تقول هذا. # فقال الحسين (عليه السلام): إني رأيتك ترمي بنصف الرغيف إلى الكلب وتأكل ~~نصفه، فما معنى ذلك؟ # فقال الغلام: إن [هذا] (2) الكلب ينظر إلي حين أكلي، فإني أستحي منه يا PageV02P104 # سيدي لنظره إلي، وهذا كلبك يحرس بستانك من الأعداء، وأنا عبدك وهذا كلبك ~~نأكل من رزقك معا. # فبكى الحسين (عليه السلام) وقال: إن كان كذلك فأنت عتيق لله ووهبت لك ~~ألفي دينار بطيبة من قلبي. # فقال الغلام: إن أعتقتني لله فإني اريد القيام ببستانك. # فقال الحسين: إن الكريم (1) إذا تكلم بالكلام ينبغي له أن يصدقه بالفعل، ~~وأنا قلت حين دخلت البستان: اجعلني في حل فإني دخلت بستانك بغير إذنك، ~~فصدقت قولي، ووهبت البستان لك بما فيه، غير أن أصحابي هؤلاء جاءوا لأكل ~~الثمار والرطب فاجعلهم أضيافا لك، وأكرمهم لأجلي أكرمك الله يوم القيامة ~~وبارك لك في حسن خلقك وأدبك. # فقال الغلام: إن كنت أوهبت لي بستانك فإني قد سبلته لأصحابك وشيعتك. # قال الحسن البصري: فينبغي للمؤمن أن يكون في الفعال كنافلة (2) رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله). (3) # وروي: أن الحسين (عليه السلام) كان جالسا في المسجد، مسجد النبي (صلى ~~الله عليه وآله) في الموضع الذي كان يجلس فيه أخوه الحسن (عليه السلام)، ~~بعد وفاة أخيه (عليه السلام)، فأتاه أعرابي فسلم عليه، فرد (عليه السلام) ~~وقال: ما حاجتك؟ PageV02P105 # قال: إني قتلت ابن عم لي وقد طولبت بالدية، وقد قصدتك في دية مسلمة إلى أهلها. # قال: أقصدت أحدا قبلي؟ # قال: نعم، قال: ms373 قصدت عتبة بن أبي سفيان فناولني خمسين دينارا، فرددتها ~~عليه، وقلت: لأقصدن خيرا منك وأكرم. # فقال عتبة: ومن خير مني وأكرم لا أم لك؟ فقلت: الحسين وعبد الله بن جعفر ~~(1)، وقد أتيتك بدءا لتقيم بها عمود ظهري وتردني إلى أهلي. # فقال الحسين (عليه السلام): يا أعرابي، إنا قوم نعطي المعروف على قدر ~~المعرفة. # فقال: سل، يا ابن رسول الله. # فقال الحسين: ما النجاة من الهلكة؟ # قال: التوكل على الله. # فقال: ما أوفى للهمة؟ # فقال: الثقة بالله. # فقال: ما أحصن ما يتحصن به العبد؟ # قال: بحبكم أهل البيت. # قال: ما أزين ما يتزين به العبد؟ # قال: علم يزينه حلم. PageV02P106 # قال: فإن أخطأه ذلك. # قال: عقل يزينه تقى. # قال: فإن أخطأه ذلك. # قال: سخاء يزينه خلق حسن. # قال: فإن أخطأه ذلك. # قال: شجاعة يزينها ترك العجب. # قال: فإن أخطأه ذلك. # قال: والله يا ابن رسول الله إن أخطأ المرء هذه الخصال فالموت أنسب به من ~~الحياة. # وفي رواية أنه قال: فصاعقة تنزل عليه من السماء فتحرقه. # فضحك الحسين (عليه السلام) وأمر بعشرة آلاف درهم له وقال: هذا قضاء ديتك ~~التي وجبت عليك، وعشرة آلاف اخرى ترم (1) بها معيشتك، فأخذ الجميع ~~الأعرابي وأنشأ يقول: # طربت وما هاج بي (2)مقلق %~% وما بي سقام ولا معشق # (3) # ولكن طربت لآل الرسول %~% فهاج بي (4)الشعر والمنطق # هم الأكرمون هم الأنجبون %~% نجوم السماء بهم تشرق PageV02P107 # فأنت الامام (1)وبدر الظلام %~% ومعطي الأنام إذا أملقوا # سبقت الأنام إلى المكرمات %~% فأنت الجواد فلا تلحق (2) # أبوك الذي فاز بالمكرمات %~% فقصر عن سبقه السبق # بكم فتح الله باب الرشاد (3) %~% وباب الضلال بكم مغلق # (4) PageV02P108 ### | فصل فيما جاء في فضله (عليه السلام) من الأحاديث المسندة ### ||| [إخبار النبي (صلى الله عليه وآله) باستشهاد الحسين (عليه السلام)] # روي بحذف الإسناد: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال يوما لأم سلمة: ~~اجلسي على الباب فلا يلجن علي أحد. # قال: فجاء الحسين (عليه السلام) وهو وحف (1)، قالت: فذهبت أتناوله ~~فسبقني، فلما طال علي خفت أن يكون قد وجد ms374 رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~علي شيئا، فتطلعت من الباب فوجدته يقلب بكفيه شيئا والصبي نائم على بطنه ~~ودموعه تسيل، فأمرني أن أدخل، فدخلت وقلت: يا رسول الله صلى الله عليك، إن ~~ابنك جاء فذهبت أتناوله فسبقني، فلما طال علي خفت أن تكون وجدت في نفسك علي ~~شيئا، فتطلعت من الباب فوجدتك تقلب بكفيك شيئا ودموعك تسيل والصبي نائم على بطنك. # فقال (صلى الله عليه وآله): إن جبرئيل أتاني بهذه التربة التي يقتل عليها ~~ابني، وأخبرني إن أمتي تقتله. (2) PageV02P109 # وفي رواية اخرى: عن أم الفضل بنت الحارث أنها دخلت على رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله)، فقالت: يا رسول الله، إني رأيت حلما منكرا الليلة. # قال: وما هو؟ # قالت: رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري. # فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): رأيت خيرا، تلد فاطمة إن شاء الله ~~غلاما فيكون في حجرك. # فولدت فاطمة الحسين (عليه السلام) فكان في حجري كما قال (صلى الله عليه ~~وآله)، فدخلت يوما على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فوضعته في حجره، ثم ~~حانت مني التفاتة فإذا عينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) تهرقان ~~بالدموع، فقلت: يا نبي الله، بأبي أنت وامي مالك. # فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أتاني جبرئيل وأخبرني إن أمتي ستقتل ~~ابني هذا. # فقلت: هذا؟ # فقال: نعم، وأتاني بتربة من تربته حمراء. (1) # وفي رواية أم سلمة: أخبرني جبرائيل إن أمتي ستقتله بأرض العراق. # فقلت: يا جبرائيل، أرني تربة الأرض التي يقتل بها، فأراني (2)، فهذه PageV02P110 # تربتها. (1) # وعن ابن عباس: قال: ما كنا نشك وأهل البيت متوافدون على أن الحسين (عليه ~~السلام) يقتل بالطف. (2) # روي بالاسناد: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: هبط علي جبرائيل ~~(عليه السلام) في قبيل من الملائكة قد نشروا أجنحتهم يبكون حزنا على ~~الحسين، وجبرائيل معه قبضة من تربة الحسين (عليه السلام) تفوح مسكا أذفر، ~~فدفعها إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، وقال: يا حبيب الله، هذه تربة ولدك ~~الحسين ms375 (عليه السلام) وسيقتله اللعناء بأرض يقال لها كربلاء. # قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حبيبي جبرائيل، وهل تفلح أمة ~~تقتل فرخي وفرخ ابنتي؟ # فقال: لا، بل يضربهم الله بالاختلاف، فتختلف قلوبهم وألسنتهم آخر الدهر. # وقال شرحبيل بن أبي عون: إن الملك الذي جاء إلى النبي إنما كان ملك ~~البحار، وذلك ان ملكا من ملائكة الفردوس (3) نزل إلى البحر الأعظم، ثم نشر ~~أجنحته وصاح صيحة، وقال في صيحته: يا أهل البحار، البسوا أثواب الحزن فإن ~~فرخ محمد مقتول مذبوح، ثم جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال: يا ~~حبيب الله، تقتتل على هذه الأرض [فرقتان؛] (4) فرقة من أمتك ظالمة معتدية PageV02P111 # فاسقة يقتلون فرخك الحسين بن بنتك بأرض كرب وبلاء، وهذه تربته. # قال: ثم ناوله قبضة من أرض كربلاء وقال: تكون هذه التربة عندك حتى ترى ~~علامة ذلك، ثم حمل ذلك الملك من تربة [الحسين في بعض أجنحته فلم يبق ملك في ~~سماء الدنيا إلا شم تلك التربة] (1) وصار لها عنده أثر وخبر. # قال: ثم أخذ النبي تلك القبضة التي جاء بها الملك فشمها وهو يبكي ويقول ~~في بكائه: اللهم لا تبارك في قاتل الحسين ولدي، وأصله نار جهنم، ثم دفع ~~القبضة إلى أم سلمة وأخبرها بمقتل الحسين (عليه السلام) على شاطئ الفرات ~~وقال: يا أم سلمة، خذي هذه التربة إليك فإنها إذا تغيرت وتحولت دما عبيطا ~~فعند ذلك يقتل ولدي الحسين، فلما أتى على الحسين سنة كاملة من مولده هبط ~~على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اثنا عشر ملكا أحدهم على صورة ~~الأسد، والثاني على صورة الثور، والثالث على صورة التنين، والرابع على صورة ~~بني (2) آدم، والثمانية الباقية (3) على صور شتى محمرة وجوههم قد نشروا ~~أجنحتهم، يقولون: يا محمد، إنه سينزل بولدك الحسين بن فاطمة ما نزل بهابيل ~~من قابيل (4). # قال: ولم يبق في السماء ملك إلا نزل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~كل يعزيه بالحسين (عليه السلام) ويخبره بثواب ما يعطى، ويعرض عليه ms376 تربته، PageV02P112 # والنبي (صلى الله عليه وآله) يقول: اللهم اخذل من خذله، واقتل من قتله، ~~ولا تمتعه بما طلبه. # قال المسور بن مخرمة: ولقد أتى النبي (صلى الله عليه وآله) ملك من ملائكة ~~الصفيح الأعلى لم ينزل إلى الأرض منذ خلق الله الدنيا، وإنما استأذن ذلك ~~الملك ربه ونزل شوقا منه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما نزل إلى ~~الأرض أوحى الله سبحانه إليه أن اخبر محمدا بأن رجلا من امته يقال له يزيد ~~لعنه الله تعالى يقتل فرخه الطاهر ابن الطاهرة نظيرة البتول مريم. # قال: فقال الملك: إلهي وسيدي، لقد نزلت من السماء وأنا مسرور بنزولي إلى ~~نبيك محمد، فكيف أخبره بهذا الخبر؟! ليتني لم أنزل عليه، فنودي الملك من ~~فوق رأسه: أن امض لما امرت، فجاء وقد نشر أجنحته [حتى وقف] (1) بين يدي ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: السلام عليك يا حبيب الله، إني ~~استأذنت ربي في النزول إليك فأذن لي، فليت ربي دق جناحي ولم آتك بهذا ~~الخبر، ولكني مأمور، يا نبي الله، اعلم أن رجلا من أمتك يقال له يزيد زاده ~~الله عذابا، يقتل فرخك الطاهر ابن فرختك الطاهرة نظيرة البتول مريم، ولم ~~يتمتع بعد ولدك، وسيأخذه الله معاوضة على أسوأ عمله، فيكون من أصحاب النار. # قال: فلما أتى على الحسين سنتان كاملتان خرج النبي (صلى الله عليه وآله) ~~في سفر، فلما كان (2) ببعض الطريق وقف واسترجع ودمعت عيناه، فسئل عن ذلك، ~~فقال: هذا جبرائيل يخبرني عن أرض بشاطئ الفرات يقال لها PageV02P113 # كربلاء يقتل فيها ولدي الحسين بن فاطمة. # فقيل: من يقتله، يا رسول الله؟ # قال: رجل يقال له يزيد، لا بارك الله له في نفسه، وكأني أنظر إلى مصرعه ~~ومدفنه بها وقد اهدي رأسه، ما ينظر أحد إلى رأس الحسين ولدي فيفرح إلا خالف ~~الله بين قلبه ولسانه، يعني ليس في قلبه ما يقول (1) بلسانه من الشهادة. # قال: ثم رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من سفره ذلك مغموما، ثم صعد ms377 ~~المنبر فخطب ووعظ الناس، والحسن والحسين بين يديه، فلما فرغ من خطبته وضع ~~يده اليمنى على رأس الحسن، واليسرى على رأس الحسين (عليهما السلام)، ثم رفع ~~رأسه إلى السماء، فقال: اللهم إني محمد عبدك ونبيك، وهذان أطائب عترتي، ~~وخيار ذريتي وأرومتي ومن اخلفهما (2) في أمتي. # اللهم وقد أخبرني جبرائيل بأن ولدي هذا مخذول مقتول. # اللهم بارك لي في قتله، واجعله من سادات الشهداء، إنك على كل شيء قدير. # اللهم ولا تبارك في قاتله وخاذله. # قال: فضج الناس بالبكاء في المسجد، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): # أتبكون ولا تنصرونه؟ اللهم فكن أنت له وليا وناصرا. # قال ابن عباس: خرج (3) النبي (صلى الله عليه وآله) في سفر قبل موته بأيام PageV02P114 # يسيرة، ثم رجع وهو متغير اللون محمر الوجه، فخطب خطبة بليغة موجزة وعيناه ~~تهملان دموعا، ثم قال: أيها الناس، إني قد خلفت فيكم الثقلين؛ كتاب الله ~~وعترتي وأرومتي ومراح قلبي وثمرتي، لم (1) يفترقا حتى يردا علي الحوض، ألا ~~وإني أنتظرهما، ألا وإني لا أسألكم في ذلك إلا ما أمرني ربي، إني أسألكم ~~المودة في القربى، فانظروا لا تلقوني غدا على الحوض وقد أبغضتم عترتي ~~وظلمتموهم، ألا وإنه سترد علي في القيامة ثلاث رايات من هذه الامة: راية ~~سوداء مظلمة فتقف علي فأقول: من أنتم؟ فينسون ذكري ويقولون: نحن أهل ~~التوحيد من العرب، فأقول: أنا أحمد نبي العرب والعجم، فيقولون: نحن من ~~أمتك، فأقول: كيف خلفتموني في أهلي وعترتي من بعدي وكتاب ربي؟ فيقولون: أما ~~الكتاب فضيعنا ومزقنا، وأما عترتك فحرصنا على أن نبيدهم (2) عن جديد ~~الأرض، فأولي وجهي، فيصدرون ظماء عطاشا مسودة وجوههم. # ثم ترد علي راية اخرى أشد سوادا من الاولى [فأقول لهم: من أنتم؟] (3) ~~فيقولون كالقول الأول بأنهم من أهل التوحيد، فإذا ذكرت لهم اسمي عرفوني، ~~وقالوا: نحن أمتك، فأقول: كيف خلفتموني في الثقلين الأكبر والأصغر؟ # فيقولون: أما الأكبر فخالفنا، وأما الأصغر فخذلنا، @QUR@04 ومزقناهم كل ~~ممزق (4)، فأقول لهم: إليكم عني، فيصدرون ظماء عطاشا مسودة وجوههم. # ثم ترد علي راية ms378 اخرى تلمع نورا، فأقول: من أنتم؟ فيقولون: نحن أهل PageV02P115 # كلمة التوحيد والتقوى، نحن أمة محمد، ونحن بقية أهل الحق الذين حملنا ~~كتاب الله ربنا فحللنا حلاله، وحرمنا حرامه، وأحببنا ذرية محمد فنصرناهم من ~~كل ما نصرنا [به] (1) أنفسنا، وقاتلنا معهم، وقتلنا من ناواهم، فأقول لهم: # أبشروا، فأنا نبيكم محمد، ولقد كنتم في دار الدنيا كما وصفتم، ثم أسقيهم ~~من حوضي فيصدرون رواء. # ألا وإن جبرئيل قد أخبرني بأن أمتي تقتل ولدي الحسين بأرض كربلاء، ألا ~~فلعنة الله على قاتله وخاذله آخر الدهر. # قال: ثم نزل عن المنبر ولم يبق أحد من المهاجرين والأنصار إلا وتيقن بأن ~~الحسين (عليه السلام) مقتول. ### ||| [إخبار الحسن (عليه السلام) وكعب الأحبار باستشهاد الحسين (عليه السلام)] # ولما لسلم كعب الأحبار وقدم المدينة جعل أهل المدينة يسألونه عن الملاحم ~~التي تكون في آخر الزمان وكعب يخبرهم بأنواع الملاحم والفتن ثم قال كعب: ~~نعم، وأعظمها فتنة وملحمة هي الملحمة التي لا تنسى أبدا، وهو الفساد الذي ~~ذكره الله سبحانه في الكتب، وقد ذكره في كتابكم بقوله: @QUR@06 ظهر الفساد ~~في البر والبحر (2) وإنما فتح بقتل هابيل، ويختم بقتل الحسين (عليه ~~السلام). (3) # روى عبد الله [بن عبد الله] (4) بن الأصم، عن عمه يزيد بن الأصم قال: # خرجت مع الحسن من الحمام، فبينا هو جالس إذ أتته إضبارة من الكتب، فما PageV02P116 # نظر في شيء منها حتى دعا الخادم بإحضار مخضب فيه ماء، ثم دلكها (1)، ~~فقلت: يا أبا محمد، من أين هذه الكتب؟ # فقال: من العراق، من عند قوم لا يقصرون عن باطل، ولا يرجعون إلى حق، ثم ~~قال: إني لست أخشاهم على نفسي ولكن أخشاهم على ذاك- وأشار إلى الحسين (عليه ~~السلام)-. ### ||| [إخبار أمير المؤمنين والنبي (صلى الله عليه وآله) باستشهاد الحسين (عليهما السلام)] # وعن ابن عباس رضي الله عنه: قال: أخذ بيدي علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام)، فقال: يا عبد الله بن عباس، كيف بك إذا قتلنا، وولغت الفتنة في ~~أولادنا، وسبيت ذرارينا ونساؤنا كما تسبى الأعاجم؟ # قلت: اعيذك بالله ms379 يا أبا الحسن، يا ابن عم، لقد كلمتني بشيء ساءني، وما ~~ظننت أنه يكون، أما ترى الايمان ما أحسنه، والاسلام ما أزينه؟ أتراهم ~~فاعلين ذلك؟ لعلها غير هذه الامة. # قال: لا والله، بل هذه الامة، فأمرض قلبي وساءني وصرت إلى رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) فخبرته على استحياء وخوف، وشاركتني في ذلك ميمونة وكأني ~~اريدها بالحديث. # فقال النبي (صلى الله عليه وآله): الله أكبر، من أخبرك بذلك؟ # قلت: أخبرني به علي. # فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ائت عليا فادعه، فإذا هو بالباب ~~فدخل فأمره بالجلوس، فقال: حبيبي ما لي أراك متغير اللون؟ # قال: خيرا يا رسول الله. PageV02P117 # قال: لعلك ذكرت أمرا فأحزنك؟ # قال: قد كان ذلك. # قال: إن عبد الله قد حدث عنك بما حدث، فمن أين قلت؟ لقد أمرضت قلبي ~~وأحزنتني. # قال: إن ابنتك فاطمة أخبرتني انها رأت رؤيا أقلقتني عند ما قصتها علي. # فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما هيأته؟ قال: أخبرتني ان قائلا ~~يقول لها: ستكون بعدك فتنة، وانه يؤخذ منك ولدك وولد ولدك فلو لا أن الله ~~يريد ألا يهلك العباد كلهم لرجمهم كما رجم قوم لوط بالحجارة. # فقام النبي (صلى الله عليه وآله) وسمع المنام من فاطمة (عليها السلام) ~~وقال لها: إن ولدك يقتل، وزوجك يقتل (1)، وتحمل نسائي وبناتي إلى الشام، ~~والملائكة بذلك تخبرني، وجاءني جبرئيل وهو يقرأ عليك السلام ويقرأ عليا ~~السلام ويعزيني فيكما وفي ولديكما ولا تسكن الفتنة إلا بكما، وإن الله جل ~~جلاله وعدكما (2) الأجر والثواب، ولك عند الله فضيلة ليست لغيرك بصبرك ~~واحتسابك على ما أبلاك، وعلى ولدك من بعدك، وإنه ليعطيك- يا علي- علما (3) ~~من نور فتجلس على حوضي وبين يديك ولدان من نور، فكل من أراد الشرب من الناس ~~والصديقين غير النبيين والمرسلين والشهداء البريين والبحريين يكتب في رق ~~فيعرض عليك فيأخذ الولدان أواني من نور فيسقون PageV02P118 # أولياءك (1) بإذنك، وإذا أذن لأحد منهم إلى الجنة كتبت له رقعة إلى ~~رضوان فهي جوازه حتى يدخل الجنة. # عليك ms380 السلام بعدي، وأنت الخليفة على كلامي (2) وكتاب ربي وسنتي فلا تكن ~~من القاعدين، والعن الكسلين، إن الله سبحانه قد منعك من حرام الدنيا ولم ~~يجعل لها عليك سبيلا ولا على ولدك، وجعل قوتهم قدرا منها ليقل حسابهم (3)، ~~ووهب لمن تمسك بسيرتك واعتقد محبتك ونصرة ولدك، شفاعتك والنظر إليك جزاء ~~بما كانوا يكسبون لا يطردون (4) عنها ولهم فيها ما تشتهي أنفسهم، فإن كانت ~~لهم حاجة عند ربهم في آبائهم وأزواجهم وأولادهم وإخوانهم قضاها، فبشر عني ~~أمتي وعرفها ذلك، فإن السعيد يقبل، والشقي يحرم. (5) ### ||| [كلام للمؤلف (رحمه الله)] # قلت: سعير وجدي بتأسفي لا تخمد، وغزير دمعي بتلهفي لا يجمد، وزفراتي من ~~التراقي تصاعد، وحسراتي بتجدد ساعاتي تتجدد، حزنا على دين الحق كيف قوضت ~~أركانه، ونقضت ايمانه، وبدلت أحكامه، ونكست أعلامه، وانمحت آثاره، وخمدت ~~أنواره، وارتفعت أوغاد المنافقين على أمجاده، وعلت كلمة المارقين في بلاده، ~~وارتدت أهل ملته على الأعقاب، وعلت على الرءوس فيه الأذناب، لما مات صاحب ~~الشريعة الغراء، والملة الزهراء، والدين الظاهر، والنسب الطاهر، والحسب ~~الفاخر، محمد سيد PageV02P119 # الأوائل والأواخر. # ظهر الفساد في البر والبحر (1)، واشتهر العناد في البدو والحضر، واظهرت ~~الأحقاد القديمة، وغيرت الطرائق القويمة، وعلت الأسافل على الأعالي، وانحط ~~من سعر الاسلام كل غالي، وصار زمامه في أيدي أرذاله، وقوامه في قبضة جهاله، ~~وسلطانه إلى أعداء صاحب دعوته مفوضا، وبنيانه بأكف الملحدين في آياته ~~مقوضا، فأجهدوا جهدهم في إدحاض حجته، وبذلوا وسعهم في إبطال أدلته، ولما ~~رأوا دعوته قد حكمت، وفروضه قد استحكمت، وقدمه في صعيد القوة راسخة، وفروعه ~~في سماء العزة شامخة، واصوله في القلوب ثابتة، ومسله (2) في النفوس ثابتة، ~~وأنواره في الآفاق ساطعة، وحدوده لأسباب الشرك قاطعة. # لم يتمكنوا من إطفاء نوره، ولم يتحكموا في إخفاء منشوره، ولم يجدوا إلى ~~هدم بنيانه سببا، وما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا، أظهروا ~~النصيحة للأنام والغدر حشو صدورهم، وأضمروا هدم الاسلام بزخرفهم وغرورهم. # فكان أول تدبيرهم في تغيير قواعده، وأعظم تزويرهم في إبطال مقاصده، صرف ~~الأمر عن ذرية ms381 نبيهم، والعدول بالحق عن عترة وليهم، فنقضوا عهد الرسول ~~إليهم فيهم، وخالفوا نصه في الغدير وغيره عليهم، وراموا بوارهم عن جديد ~~الغبراء، وإعدامهم من أقطار الدنيا، ولو يجدوا موافقا على جاهليتهم، مدافعا ~~عن معتقدهم ونحلتهم، لعبدوا الأصنام، ولاقتسموا بالأزلام، ولعظموا الرجس من ~~الأوثان، ولاشتغلوا بعبادة الشيطان عن عبادة PageV02P120 # الرحمن، وهم وإن لم ينصبوا الأنصاب جهرة ولم يتخذوا الأصنام آلهة فقد ~~أحدثوا من الفساد في البلاد، والعدوان على العباد، والظلم لآل الرسول، ~~والهضم لذرية البتول، ما نقضوا عبادة الأوثان عن عشر عشيره، ويختفر بعظيم ~~الأنداد في جنب حقيره، من ظلم سادتهم وامرائهم، ومن قرن الله ذكره بذكرهم، ~~فقتلوهم في محاريب صلواتهم، وخذلوهم في حروبهم وغزواتهم، وأرهفوهم برحى ~~سمومهم، ولم يراقبوا الله في هديهم وفديتهم، وشنوا عليهم غاراتهم، ونصبوا ~~العداوة لأحفادهم وذرياتهم. # فانظر إلى صاحب المحنة العظيمة، والواقعة الجسيمة، والمصيبة التي أنفدت ~~بتراكمها ماء الشؤون، وقرحت بتفاقمها الآماق والجفون، مصيبة أشرف الثقلين، ~~وسبط سيد الكونين، وابن صاحب بدر واحد وحنين، أبي عبد الله الحسين، كاتبوه ~~وراسلوه، ووعدوه وعاهدوه، حتى إذا انقطعت معذرته بظنة وجود الناصر، ولزمه ~~القيام بأمر الله في الظاهر، خذلوه وأسلموه، وجحدوه وقتلوه، وسقوه من غروب ~~سيوفهم كئوس الحمام، وسودوا بقتله وقتل ولده وجه الاسلام. # فيا عيوني لمصيبته بعبرتي لا تبخلي، ويا كربتي لرزيته عن حشاشتي لا ~~تتجلى، ويا حرقتي لما ناله لا تخمدي، ويا زفرتي لمصرعه من التراقي تصاعدي، ~~ألغيره أذخر حزني وبكائي؟ أم على سواه أصف وجدي وبلوائي؟ # أم على هالك بعده أنثر جواهر نثري؟ أم على قانت غيره أسمط بالمراثي شعري؟ # يهيج في وجدي إذا ذكرت غربته، وتضطرب أحشائي وقلبي إذا تصورت محبته، ~~وتذكو آثار الأسى في جوانحي بفضيع مصرعه، وينحل قلبي PageV02P121 # بصبري ويجود طرفي بمدمعه، إذا مثلت شيبه بدمائه مخضوبا، وكريمه على ~~القناة منصوبا، ونساءه على الأقتاب حيارى، وأبناءه في الأصفاد اسارى، وشلوه ~~على الرمضاء طريحا، وطفله بسهام الأعداء ذبيحا، وثقله نهيبا، ورداءه سليبا، ~~وجبينه تريبا، ويومه عصيبا، وجسده بسهام البغاة صريعا، وثغره بقضيب الطغاة ~~قريعا، ms382 ذكت بثوران الأسى في أضلعي، وأغرقتني بفيضها أدمعي، ونفى ذكره عن ~~عيني رقادي، وأطال حزني ليلي بسهادي. # فها أنا ذا لواقعته حليف الأحزان، أليف الأشجان، قريح الأجفان، جريح ~~الجنان، أقطع ليلي بالتأسف والأنين، ونهاري بالتأوه والحنين، وأوقاتي ~~بإهداء تحياتي وصلواتي إليه، وساعاتي بلعن من اجترى بكفره عليه، ويروي ~~لساني عن جناني، وبناني عن إيماني، غررا من بدائع نثري ونظمي، ودررا من ~~تواضع حكمي وفهمي، اشنف بها المسامع، واشرف المجامع، واسيل بتردادها ~~المدامع، وأشجي بإنشادها الطبائع، وأقمع بها هامة الكفور الجاحد، وأقطع ~~دابر الكنود الحاسد، وأبوح بسري في شعري، وأنوح ودمعي من طرفي يجري، ### ||| [قصيدة للمؤلف (رحمه الله)] # وأقول وفؤادي بنار حزني يتأجج، ولساني من شدة نحيبي يتلجلج: # حزن قلبي وهيامي %~% ونحولي وسقامي # لا على عيش تقضى %~% لم أنل منه مرامي # لا ولا من فقد آلا %~% ف تناءوا عن مقامي # بل لقوم من بني المخ %~% تار سادات كرام # من أبوهم صاحب الكو %~% ثر في يوم القيام # والذين امهم ذو %~% شرف في المجد سامي # أصبحوا في كربلا ما %~% بين مقتول وظامي # في صعيد الطف قد جر %~% رع كاسات الحمام PageV02P122 # من نجيع النحر يسقى %~% صدرا بعد الاوام # ونساء حاسرات %~% غاب عنهن المحامي # عترة المختار خير ال %~% ناس من خاص وعامي # لهف قلبي لشهيد %~% ضل مخفور الذمام # حر صدري لإمام %~% طاهر وابن إمام # جسمه غودر ضمنا %~% بسيوف وسهام # طول حزني لتريب ال %~% خد منه النحردامي # رأسه من فوق رمح %~% مخجل بدر التمام # وبنات المصطفى شب %~% ه اسارى نجل حامي # فكذا قلبي وطرفي %~% في احتراق وانسحام # وكذا عن مقلتي حز %~% ني نفى طيب منامي # فاصطباري في انتقاض %~% وجوابي في تمامي # وإذا فكرت فيما %~% قد جرى زاد هيامي # حاسرات يتستر %~% ن بأطراف الكمام # ويساقون بلا رف %~% ق إلى شر الأنام # يا بني المختار ما حل %~% ل بكم يذكي ضرامي # وبعاشور يزيد ال %~% حزن لي في كل عام # وأسح الدمع من طر %~% ف لفرط الحزن دامي # ثمرات نثرها كال %~% در في سلك النظام # يزدريها الناصب الها %~% ثم ms383 في تيه الظلام # وإليها المؤمن المخ %~% لص يصغي باحتشام # واحتراق وزفير %~% من فؤاد مستهام PageV02P123 # يا بني طه من صفا %~% كم من كل دامي # حبكم غذى به قل %~% بي ومخي وعظامي # قد اضيعت حرمة المخ %~% تار في الشهر الحرام # حين أصبحتم لقا بي %~% ن الروابي والآكام # بكت السبع عليكم %~% بدماء كالغمام # إن يكن فاتكم نص %~% ري برمحي وحسامي # فلكم أنصر بالحج %~% جة في كل مقام # ولمن ناواكم ارد %~% ي بكلم من كلامي # اهشم الهامات من آ %~% ل وليد وهشام # وزياد وابن سعد %~% وبني حرب اللئام # وكذا افلق قحف اب %~% ن قحاف بملامي # وابن خطاب ومن يت %~% لوه من بخل اللئام # وكذا من قادت %~% الفتنة تعبأ بالزمام # وأتت في جحفل ته %~% وي من البيت الحرام # وعلى أشياعهم لعن %~% ي اوالي بدوام # من حجازي وبصري %~% ي وكوفي وشامي # وبهذا أرتجي من %~% خالقي يوم قيامي # محشرا في ضمن قوم %~% هم معاذي واعتصامي # أهل أركان وبيت %~% وحطيم ومقام # بولاهم يقبل الل %~% ه صلاتي وصيامي # وعليهم صلوات %~% ناميات بسلامي # ما شدت في الايك ورق %~% ساجعات بغرام PageV02P124 ### | المجلس السادس في ذكر مقامات أذكر فيها ما تم على الحسين (عليه السلام) بعد موت معاوية عليه اللعنة والعذاب، وذكر ولاية يزيد # عليه من الله ما يستحق من العذاب المهين أبد الآبدين إلى يوم الدين، وغير ~~ذلك من رسائل صدرت إليه (عليه السلام) من مواليه ومخالفيه، وما أجاب عنها، ~~(صلوات الله وسلامه عليه)، وعلى آبائه الطاهرين، وأبنائه المنتجبين ### ||| الخطبة # الحمد لله الذي جعل البلاء موكلا بأنبيائه وأوليائه، والابتلاء وسيلة لهم ~~إلى اجتبائه واصطفائه، وكلفهم ببذل الأرواح في جهاد أعدائه، وشرى منهم ~~الأنفس والأموال بنعيمه الباقي ببقائه، وربحت تجارتهم لما أوقعوا عقد بيعة ~~ربهم، وفازت صفقتهم لما حازوا من الزلفى بقربهم، وشمروا عن ساق في سوق ~~عباده إلى طاعته، وكشفوا عن ساعد الاستنقاذ أنامه من ورطة معصيته، وتلقوا ~~حر الصفاح بوجوههم وأجسادهم، وصبروا على مض الجراح لاستخلاص الهلكى ~~وإرشادهم، فأغرى الشيطان سفهاءهم، وحمل أولياءه على حربهم، PageV02P125 # فركبوا الصعب والذلول في قتالهم، ms384 وخالفوا نص الرسول بكفرهم وضلالهم، ~~وقصدوهم في أنفسهم وأموالهم، وحاربوهم بخيلهم ورجالهم، فاستشعروا لباس ~~الصبر الجميل طلبا للثواب الجزيل، وباعوا النزر القليل بالباقي الجليل، ~~وجاهدوا الفجرة بجدهم وجهدهم، وحاربوا الكفرة بذاتهم وولدهم، وتبرموا ~~بالحياة في دولة الظالمين، واستطابوا الممات لغلبة الضالين، وامتثلوا أمر ~~الله بعزائم أبية، وانوف حمية، واصول نبوية، وفروع علوية، وأرواح روحانية، ~~وأنفس قدسية، وقلوب على تقوى الله جبلت، وبالحق قضت وعدلت. # عرجت أرواحها إلى المحل الأسنى، ورقت نفوسها إلى الملكوت الأعلى، فشاهدت ~~بأبصار بصائرها منازل الشهداء في جنة المأوى، ولاحظت بأفكار ضمائرها ما اعد ~~للمجاهدين في سبيله في دار الجزاء، فآثرت الآخرة على الاولى، وما يبقى على ~~ما يفنى. # فيا من يخطئ صوابهم، ويستحب عتابهم، ويستعذب ملامهم، ويسفه أحلامهم، ~~ويتلو بنية فاسدة مشتركة: @QUR@06 ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة (1)، جهلا ~~منه بمواقع التنزيل، وغيا عن مواضع التأويل، تبت يدك، وفل جدك، لقد نافقت ~~بإسلامك، وأخطأت عن مرامك، وعشى عن ضوء شمس الحق إنسان عينك، واستولى الشك ~~على مشوب يقينك، أتعلم من أنزل في بيوتهم، وورد الذكر في صفاتهم ونعوتهم، ~~وفخر جبريل يوم العبا بصحبتهم، وانزلت سورة «هل أتى» في مدحتهم؟ # يا ويلك أتورد حجتك، وتورك شبهتك، على قوم الدنيا في أعينهم أقل من كل ~~قليل، وعزيزها لديهم أذل من كل ذليل؟ علمهم لدني، وكشفهم PageV02P126 # رحماني، أطلعهم سبحانه على مصون سره، وقلدهم ولاية أمره في بره وبحره، ~~وسهله ووعره، فهم الوسائل إليه، والأدلاء عليه، قصرت الأفهام عن إدراك ~~جلالهم، وحصرت الأوهام عن تصور كمالهم، فاقوا الخضر في علم الباطن والظاهر، ~~وفاتوا الحصر بالدليل القاطع والمعجز الباهر، فالخليل يفخر بابوتهم، ~~والكليم يقصر عن رتبتهم، والمسيح بأسمائهم يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي ~~الموتى بإذن الله، والروح الأمين يتنزل عليهم في منازلهم بأمر الله. # لما علموا أن الحياة الفانية مبالغة لهم عن حصول مطلوبهم، قاطعة عن ~~الوصول إلى محبوبهم، حاجبة عن منازل قربهم، حاجزة عن جوار ربهم، قطعوا ~~العلائق للاتصال بالمحل الأسنى، وخلعوا لباس العيش الدني الاولى، وتلقوا ~~بوجههم الصفاح والرماح، وصبروا بشدة ms385 عزمهم على مض الجراح، تشوفا إلى ~~الاتصال بمنازل القبول والرضوان، وتشوقا إلى الاستظلال بأظلة تلك العواطف ~~والامتنان، وبذلوا أنفسهم فنالوا فضلها، وكانوا أحق بها وأهلها، وكان أعظم ~~من أطاع الله منهم بجده وجهده، وأخلص لله ببذل نفسه وولده، وأراد أن تكون ~~كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وسبب الله الأقوى، ودينه ~~الأعلى، إمام الامة، وأب الأئمة، ومنبع الحكمة، ومجمع العصمة، صاحب الأصل ~~السامي، والفرع النامي، والمجاهد المحامي، معاذي وملاذي يوم حشري وقيامي، ~~وحياتي ومماتي وارتحالي ومقامي، والأواه الحليم، الجواد الكريم، صاحب ~~المصيبة العامة، والرزية الطامة، والواقعة الكبرى، والمحنة العظمى، قتيل ~~العبرة، وصريح الفجرة، وسليل البررة، وسراج العترة، وطاهر الاسرة. # النبوة أصله، والامامة نسله، خاتم أصحاب الكساء، ابن خير الرجال وخير ~~النساء، جده النبي، وأبوه الوصي، وامه الزهراء، ومغرسه البطحاء، طار PageV02P127 # بقوادم الشرف وخوافيه، وتعالى في سماء الكرم بمعاليه، أشرف خلق الله، ~~وأفضل شهيد في الله، الباذل ذاته في الله، البائع نفسه من الله، القائم ~~بأمر الله، الصادع بحكم الله، المخلص بجهاده في الله، الموفي بما عاهد عليه الله. # كتف الرسول مركبه، وثدي البتول مشربه، كل شرف لشرفه يخضع، وكل مجد لمجده ~~يصرع، وكل مؤمن له ولأبيه وجده يتبع، وكل منافق عن سبيله وسبيل آله يتكعكع، ~~لا يقبل الله إيمان امرئ إلا بولائه، ولا يزكي عمل عامل إلا باتباعه، ولا ~~يدخل الجنة إلا مستمسكا بحبله، ولا يصلى النار إلا منكرا لفضله، أطول خلق ~~في المجد باعا وذراعا، وأشرف رهط في الفخر ذرية وأشياعا، جده علي، وجده ~~نبي، وأبوه ولي، وولده أطهار، ونجله أبرار. # المجاهد الصبور، الحامد الشكور، منبع الأئمة، وسراج الامة، أطهر الأنام ~~أصلا، وأظهرهم فضلا، وأزكاهم فعلا، وأتقاهم نجلا، وأنداهم كفا، وأعلاهم ~~وصفا، وأشرفهم رهطا، وأقومهم قسطا، سؤدده فاخر، ومعدنه طاهر، لا يقذع ~~صفاته، ولا تغمز قناته، ولا يدرك ثناؤه، ولا يحصى نعماؤه، كم أغنى ببره ~~عائلا؟ وكم آثر بقوته سائلا؟ أفخر أسباط الأنبياء، وأفضل أولاد الأولياء، ~~محيي الليل بركوعه وسجوده، ومجاري السيل بنائله وجوده، وأقوى من بذل في ms386 ~~الله غاية مجهوده، وأسمى من استأثر من العلى بطارفه وتليده. # إمام المشرقين والمغربين، ونتيجة القمرين، بل الشمسين، وابن مجلي ~~الكربين، عن وجه سيد الكونين، في بدر وحنين، ومصلي القبلتين، وصاحب ~~الهجرتين، سيدنا ومولانا أبا عبد الله الحسين، عليه تحياتي بتوالي صلواتي ~~تتلى، وفي فضله تروى قصائدي، وبذكره تنجح مقاصدي، وبسببه تتصل أسبابي، وفي ~~حضرته محط ركابي، ولرزيته تتصاعد زفراتي، ولمصيبته تتقاطر PageV02P128 # عبراتي، ولواقعته تستهل شئوني، ولقتله لا تبخل بدمعها عيوني. ### ||| [قصيدة للمؤلف (رحمه الله)] # فها أنا ذا أنشد من قلب جريح، وأروي عن طرف قريح: # ولى الشباب فقلبي فيه حسرات %~% وفي حشاي لفرط الحزن حرقات # وحين ولى شبابي وانقضى عمري %~% حلت بجسمي لفرط الضعف آفات # في كل يوم يزيد الوهن في جسدي %~% وتعتريني من الأسقام فترات # وابيض فودي ولكن سودت صحفي %~% كبائر صدرت عني وزلات # إذا تذكرتها أذكت رسيس جوى %~% في مهجتي وجرت في الخد عبرات # كم ليلة بت أحسبها بموبقة %~% تذكو لتذكارها في القلب جمرات # كأن ما كان من شرح الشباب ومن %~% لذات عيش مضت إلا منامات # أعملت فكري في قوم صحبتهم %~% لم يبق من أثرهم إلا الروايات # سألت ربعهم عني فجاوبني %~% من الصدى كل من ناديتهم ماتوا PageV02P129 # يذيب تذكارهم قلبي ويجعله %~% دمعا يصاعده وجد وزفرات # سبعون عاما تقضت صرت أحصرها %~% في عدها لفناء عمري علامات # لم أستفد صالحا فيها ولا علقت %~% يدي بما فيه لي في الحشر منجات # سوى اعتصامي بمن في مدحهم نزلت %~% من المهيمن في التنزيل آيات # في سورة الدهر والأحزاب فضلهم %~% مقامهم قصرت عنه المقامات # وفي العقود من المجد الرفيع لهم %~% عقود مدح لها فيهم إشارات # ليوث حرب إذا نيرانها اضطرمت %~% غيوث جدب إذا ما عم أزمات # مطهرون من الأرجاس إن وصفوا %~% منزهون عن الأدناس سادات # هم المصابيح في جنح الدجا فلهم %~% فيه من الله بالاخلاص حالات # هم البحار إذا وازنت فضلهم %~% بها فعلمهم فيه زيادات # باعوا من الله أرواحا مطهرة %~% أثمانها من جوار الله جنات PageV02P130 # يطاف منها عليهم في منازلهم %~% من الرحيق بأيدي الحور ms387 كاسات # ناداهم الله بالتعظيم إذ لهم %~% أرواح صدق سميعات مطيعات # أن ابذلوا أنفسا في طاعتي فلكم %~% ببذلها في جنان الخلد روضات # أجاب منهم لسان الحال ان لنا %~% رضاك روح وريحان وراحات # الخلد والجنة العليا ولذتها %~% في جنب حبك إيانا حقيرات # أنت المراد وأنت السؤل قد صدقت %~% منا لأمرك في الدنيا العزيمات # هذا الحسين الذي وفى ببيعته %~% لله صدقا فوافته السعادات # نال المعالي ببذل النفس مجتهدا %~% لم تثنه من بني الدنيا خيالات # إن قيل في الناس من أعلى الورى نسبا %~% أومت إليه اصول هاشميات # أعلى الورى حسبا أقواهم سببا %~% أزكاهم نسبا ما فيه شبهات # الجد أكرم مبعوث ووالده %~% في الله كم كشفت منه ملمات PageV02P131 # حزني لما ناله لا ينقضي فإذا %~% ذكرته هاج بي للوجد حسرات # وينثني الطرف مني والحشا لهما %~% في الخد والقلب عبرات وحرقات # لم أنسه في صعيد الطف منعفرا %~% قد أثخنته من القوم الجراحات # يشكو الاوام ويستسقي وليس لعص %~% بة به أحدقت في الله رغبات # لهفي عليه تريب الخد قد قطعت %~% أوصاله من أكف القوم شفرات # أردوه في الترب تعفوه الرياح له %~% من الدماء سرابيل وخلعات # وصيروا رأسه من فوق ذابلهم %~% كبدر تم به تجلى الدجنات # وسيدات نساء العالمين لها %~% فوق الرحال لفرط الحزن أنات # تساق والصدر فيه من تألمها %~% عقود دمع لها في الخد حبات # يسترن منهن بالأيدي الوجوه وفي %~% قلوبهن من التبريح جمرات # يندبن من كان كهف العائذين ومن %~% في كفه لذوي الحاجات نعمات PageV02P132 # أو في الأنام فتى وفى ببيعته %~% وخير من ربحت منه التجارات # من عرقت فيه أصلاب مطهرة %~% من كل رجس وأرحام زكيات # وامهات وآباء علت شرفا %~% على السماك وأجداد وجدات # إن عد علم وحكم كان فيه لهم %~% بالخطب والحرب آراء ورايات # في حبهم قدمي ما ان لثابتها %~% حتى اضطجاعي في لحدي مزلات # أبكي لخطبهم بدل الدموع دما %~% كأنني لعظيم الحزن مقلاة # إذا ذكرت ابن بنت المصطفى وبه %~% قد أحدقت من جنود البغي ثلات # وصار فيهم وحيدا لا نصير له %~% منهم ولا من له في ms388 الخير عادات # قوم بغاة شروا دين الضلالة بال %~% هدى فخابت لهم للخسر صفقات # فيا عيوني أذر في حزنا عليه لكي %~% تطفي سعيرا لها في القلب لدغات # إذا خبت زادها مني رسيس جوى %~% يذيب ناحل جسمي منه نفحات PageV02P133 # يا للرجال أما للحق من عصب %~% لها وفاء وآناف حميات # تذب عن أهل بيت للأنام هم %~% نور به تنجلي عنهم مغمات # قوم لهم نسب كالشمس في شرف %~% تزينه أوجه منهم نقيات # البذل شيمتهم والمجد همتهم %~% والذكر فيه لهم فضل ومدحات # البيت يزهو إذا طافوا به ولهم %~% مجد به شرفت منهم بيوتات # أخنى الزمان عليهم فانثنى وهم %~% في كربلا لسيوف البغي طعمات # اولي رءوس وأطراف مقطعة %~% تقرأ عليها من الله التحيات # نفسي الفدا لهم صرعى جسومهم %~% تسفي عليها من الأعصاب قترات # أرواحها فارقت أجسادها فلها %~% بذاك في دار عفو الله غرفات # حزني لنسوته حسرى مهتكة %~% إلى يزيد بها تسري الحمولات # اولي وجوه لحر الشمس ضاحية %~% ما آن لها من هجير القيظ سترات PageV02P134 # حتى إذا دخلوا شر البلاد على %~% شر العباد بدت منه المسرات # وعاده عيد أفراح بمقدمهم %~% عليه أسرى ووافته البشارات # فأظهر الكفر والإلحاد حينئذ %~% بقوله ليت أشياخي الاولى فاتوا # في يوم بدر رأوا فعلي وما كسبت %~% يدي لطابت لهم بالصفو أوقات # ولا استهلوا وقالوا يا يزيد لقد %~% بك انجلت من غموم الحزن كربات # (1) ### ||| [إصابة معاوية باللقوة في وجهه] # وذكر الامام أحمد بن أعثم الكوفي ان معاوية لما حج حجته الأخيرة ارتحل من ~~مكة، فلما صار بالأبواء ونزلها قام في جوف الليل لقضاء حاجته، فاطلع في بئر ~~الأبواء، فلما اطلع فيها اقشعر جلده وأصابته اللقوة في وجهه، فأصبح وهو لما ~~به مغموم، فدخل عليه الناس يعودونه، فدعوا له وخرجوا من عنده، وجعل معاوية ~~يبكي لما قد نزل به. # فقال له مروان بن الحكم: أجزعت يا أمير المؤمنين؟ # فقال: لا يا مروان، ولكني ذكرت ما كنت عنه عزوفا، ثم إني بكيت في إحني، ~~وما يظهر للناس مني، فأخاف أن يكون عقوبة عجلت لي لما كان ms389 من دفعي حق علي ~~بن أبي طالب (عليه السلام)، وما فعلت بحجر بن عدي وأصحابه، ولو لا هواي من ~~يزيد لأبصرت رشدي، وعرفت قصدي. PageV02P135 ### ||| [أن معاوية يأخذ البيعة لابنه يزيد ويوصيه] # قال: ولما أخذ البيعة ليزيد أقبل عليه فقال: يا بني، اخبرني الآن ما أنت ~~صانع في هذه الامة، أتسير فيهم بسيرة أبي بكر الصديق الذي قاتل أهل الردة، ~~وقاتل في سبيل الله حتى مضى والناس عنه راضون؟ # فقال: يا أمير المؤمنين، إني لا اطيق أن أسير بسيرة أبي بكر، ولكن آخذهم ~~بكتاب الله وسنة رسوله. # فقال: يا بني، أتسير فيهم بسيرة عمر بن الخطاب الذي مصر الأمصار، وفتح ~~الديار، وجند الأجناد، وفرض الفروض، ودون الدواوين، وجبا الفيء، وجاهد في ~~سبيل الله حتى مضى والناس عنه راضون؟ # فقال يزيد: لا أدري ما صنع عمر، ولكن آخذ الناس بكتاب الله والسنة. # فقال معاوية: يا بني، أفتسير فيهم بسيرة ابن عمك عثمان بن عفان الذي ~~أكلها في حياته، وورثها بعد مماته، واستعمل أقاربه؟ # فقال يزيد: قد أخبرتك يا أمير المؤمنين، إن الكتاب بيني وبين هذه الامة ~~به آخذهم وعليه أقتلهم. # قال: فتنفس معاوية الصعداء وقال: إني من أجلك آثرت الدنيا على الآخرة، ~~ودفعت حق علي بن أبي طالب، وحملت الوزر على ظهري، وإني لخائف انك لا تقبل ~~وصيتي فتقتل خيار قومك، ثم تغزو حرم ربك فتقتلهم بغير حق، ثم يأتي الموت ~~بغتة، فلا دنيا أصبت، ولا آخرة أدركت. # يا بني، إني جعلت هذا الملك مطعما لك ولولدك من بعدك، وإني موصيك بوصية ~~فاقبلها فإنك تحمد عاقبتها، وإنك بحمد الله صارم حازم؛ انظر ان تثب PageV02P136 # على أعدائك كوثوب الهزبر البطل، ولا تجبن كجبن الضعيف النكل، فإني قد ~~كفيتك الحل والترحال، وجوامع الكلم والمنطق، ونهاية البلاغة، ورفع المؤنة، ~~وسهولة الحفظ، ولقد وطأت لك يا بني البلاد، وذللت لك رقاب العرب الصعاب، ~~وأقمت لك المنار، وسهلت لك السبل، وجمعت لك اللجين والعقيان، فعليك يا بني ~~من الامور بما قرب مأخذه، وسهل مطلبه، وذر عنك ما ms390 اعتاص عليك. # واعلم- يا بني- أن سياسة الخلافة لا تتم إلا بثلاث: بقلب واسع، وكف بسيط، ~~وخلق رحيب، وثلاث أخر: علم ظاهر، وخلق طاهر، ووجه طلق، ثم تردف ذلك بعشر ~~آخر: بالصبر، والأناة والتودد، والوقار، والسكينة، والرزانة، والمروءة ~~الظاهرة، والشجاعة، والسخاء، والاحتمال للرعية بما تحب وتكره. # ولقد علمت- يا بني- أني قد كنت في أمر الخلافة جائعا شبعان، بشما شهوان، ~~اصبح عليها جزعا، وامسي هلعا، حتى أعطاني الناس ثمرة قلوبهم، وبادروا إلى ~~طاعتي، فادخل- يا بني- من هذه الدنيا في حلالها، واخرج من حرامها، وانصف ~~الرعية، واقسم فيهم بالسوية. # واعلم- يا بني- أني أخاف عليك من هذه الامة أربعة نفر من قريش: # عبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وشبيه ~~أبيه الحسين بن علي. # فأما عبد الرحمن بن أبي بكر فإنه إذا صنع أصحابه صنع مثلهم وهو رجل همته ~~النساء ولذة الدنيا فذره- يا بني- وما يريد، ولا تأخذ عليه شيئا من أمره ~~فقد علمت ما لأبيه من الفضل على هذه الامة، وقد يحفظ الولد في أبيه. # وأما عبد الله بن عمر فإنه رجل صدق وحش من الناس، قد أنس بالعبادة، وخلا ~~بالوحدة فترك الدنيا وتخلى منها، فهو لا يأخذ منها شيئا، وإنما PageV02P137 # تجارته من الدنيا كتجارة أبيه عمر بن الخطاب، فاقرأ عليه- يا بني- منك ~~السلام وابعث إليه بعطاياه موفرة مهنأة. # وأما عبد الله بن الزبير فما أخوفني منه عنتا فإنه صاحب خلل في القول، ~~وزلل في الرأي، وضعف في النظر، مفرط في الامور، مقصر عن الحق، وإنه ليجثو ~~لك كما يجثو الأسد في عرينه، ويراوغك روغان الثعلب، فإذا أمكنته منك فرصة ~~لعب بك كيف شاء، فكن له- يا بني- كذلك، واحذه كحذو النعل بالنعل، إلا أن ~~يدخل لك في الصلح والبيعة فأمسك عنه واحقن دمه، وأقمه على ما يريد. # وأما الحسين بن علي، فأوه أوه يا يزيد، ما ذا أقول لك فيه؟ فاحذر أن ~~تتعرض له إلا بسبيل خير، وامدد له حبلا طويلا، وذره يذهب في الأرض كيف ~~يشاء، ولا تؤذه ولكن أرعد له وأبرق، وإياك ms391 والمكاشفة له في محاربة بسيف أو ~~منازعة بطعن رمح، بل أعطه وقربه وبجله، فإن جاء إليك أحد من أهل بيته فوسع ~~عليهم وأرضهم، فإنهم أهل بيت لا يسعهم إلا الرضا والمنزلة الرفيعة. # وإياك- يا بني- أن تلقى الله بدمه فتكون من الهالكين، فقد حدثني ابن ~~عباس، فقال: حضرت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند وفاته وهو يجود بنفسه ~~وقد ضم الحسين إلى صدره وهو يقول: هذا من أطائب أرومتي، وأبرار عترتي، ~~وخيار ذريتي، لا بارك الله فيمن لم يحفظه من بعدي. # قال ابن عباس: ثم اغمي على رسول الله ساعة ثم أفاق فقال: يا حسين، إن لي ~~ولقاتلك يوم القيامة مقاما بين يدي ربي وخصومة، وقد طابت نفسي إذ جعلني ~~الله خصما لمن قاتلك يوم القيامة. # يا بني، فهذا حديث ابن عباس وأنا احدثك عن رسول الله صلى الله عليه PageV02P138 # وآله انه قال: أتاني يوما حبيبي جبرئيل فقال: يا محمد، إن أمتك تقتل ابنك ~~حسينا، وقاتله لعين هذه الامة، ولقد لعن النبي (صلى الله عليه وآله) قاتل ~~حسين مرارا. # فانظر- يا بني-، ثم انظر أن تتعرض له بأذى، فإنه مزاج ماء رسول الله، ~~وحقه والله- يا بني- عظيم، وقد رأيتني كيف كنت أحتمله في (1) حياتي، واضع ~~له رقبتي وهو يجبهني بالكلام القبيح الذي يوجع قلبي فلا اجيبه، ولا أقدر له ~~على حيلة، لأنه بقية أهل الأرض في يومه هذا. (2) ### ||| [كلام للمؤلف (رحمه الله)] # قلت: لعن الله معاوية ما أشد نفاقه، وأعظم شقاقه؟ فإنه كان يعرف الحق لكن ~~الشقاق وحب الدنيا غلب على قلبه، حتى كفر بأنعم ربه، وارتد عن الدين الذي ~~كان قد تدين به ظاهرا، وأبوه من قبله لا باطنا، وهب إنه كان في الظاهر ~~والباطن مسلما وليس كذلك، أليس قد كفر بحرب أمير المؤمنين، وقتل جماعة من ~~المهاجرين الأولين، كخزيمة بن ثابت وعمار وغيرهما من أكابر الصحابة ~~والتابعين لهم بإحسان؟ فهو إما كافر أصلي أو مرتد عن الاسلام، فعلى كلا ~~الأمرين لا تقبل توبته لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا ms392 علي، حربك ~~حربي (3). # وقوله (صلى الله عليه وآله): محاربوا علي كفرة (4). # وقوله (صلى الله عليه وآله): يا علي، من آذى شعرة منك فقد آذاني، ومن PageV02P139 # آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فعليه لعنة الله (1). # ومما يدل على كفره وإلحاده فعله بالامام السبط التابع لمرضاة الله أبي ~~محمد الحسن (عليه السلام) من شن الغارات عليه، وإفساد قلوب الناس له، وبذل ~~الأموال في حربه، وإفساد جموعه وجنوده، ثم دس السم له حتى ألقى كبده وحشاه، ~~ومضى شهيدا مظلوما مسموما، فهل في فعله هذه الأفعال الشنيعة من حرب أمير ~~المؤمنين وموارطته ثمانية عشر شهرا، ثم قتل سبعة من أكابر الصحابة بعد كحجر ~~بن عدي وأصحابه، ثم بسبه أمير المؤمنين (عليه السلام) على المنابر إلا كما ~~قال الله سبحانه: @QUR@020 فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا ~~بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا (2) وكقول فرعون ~~لما أدركه الغرق: @QUR@015 قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا ~~إسرائيل وأنا من المسلمين (3) فرد الله سبحانه عليه بقوله: @QUR@09 آلآن ~~وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين (4). # فكان حال معاوية لما رأى علامات الموت كحال فرعون والكفار الذين ذكرهم ~~سبحانه بقوله: @QUR@03 فلما رأوا بأسنا ، فعليه وعلى من يعتذر له، ويصوب ~~آراءه واجتهاده فيما علم بطلانه من الدين ضرورة لعنة الله ولعنة اللاعنين، ~~لأن إنكار ولاية أمير المؤمنين وحربه، واستحلال وسفك دمه ودم ذريته وشيعته، ~~كحال منكري الشرائع من الصلاة والزكاة والحج والنبوة، فهل يحل لمؤمن يؤمن ~~بالله واليوم الآخر أن يصوب اجتهاده، ويؤول مراده، ويمهد له العذر على فعله؟ PageV02P140 # وإذا قبحنا باب تصويب اجتهاده وإنكار ما علم من الدين ضرورة بطلانه من ~~استحلال حرب أمير المؤمنين، وقتل ذريته وشيعته، فاليهود والنصارى والمجوس ~~وعبدة الأصنام أن يعتذروا ويحتجوا علينا باجتهاده ويقولوا: نحن ساقنا ~~اجتهادنا إلى القول بصحة ما اعتقدناه من خلافكم ففعله عليه اللعنة والعذر ~~له من أعظم حجة لهم علينا فلا نمنع من سبه، ولا نقول بإيمانه إلا من حاله ~~كحاله ms393 في الكفر والبغي، وعداوة الحق وأهله. # وأقول: إن معاوية عليه اللعنة مع كفره ونفاقه كان يري أهل الشام والهمج ~~الرعاع الصلاح واللين والتحلم والصفح عن المسيء منهم حتى استمال قلوب ~~الناس، وصاروا يعدونه من أكابر الصحابة، ويسمونه «خال المؤمنين»، و«كاتب ~~الوحي»، ويرون القتال معه جهادا، وكان الحسن والحسين (صلوات الله عليهما) ~~إذا دخلا عليه أراهم من التعظيم والاجلال ما لا مزيد عليه مع كفره وبغضه ~~لهما في الباطن. # وأما يزيد عليه اللعنة فإن حاله كانت في الظاهر بخلاف حاله، لأنه كان ~~متهتكا متظاهرا بالفجور وشرب الخمر والتماجن والتشبيب بالنساء واقتناء ~~الكلاب والفهود وآلات اللهو، وكان قد اتخذ قردا وكلف به وأخدمه رجالا، ~~وسماه قيسا، كان إذا ركب أركبه معه في موكبه والخدم مكتنفة به وعليه ثياب ~~الديباج، وكان إذا جلس للشرب أحضره معه في مجلسه ويسقي الحاضرين الخمر. # فمن كانت هذه حاله كيف يليق بأهل الصلاح والدين أن يقروا ببيعته، أو ~~يدخلوا تحت طاعة أولاد الأنبياء وشيعتهم؟ فلو لا جهاد سيدنا أبي عبد الله ~~(عليه السلام)، وبذله نفسه وولده في إظهار كفره، وعدم الرضا بفعله، وأمره ~~بالمعروف، PageV02P141 # ونهيه عن المنكر في متاجرته، لفسد نظام الاسلام، وارتد أكثر الناس على ~~الأعقاب، ولحصل فتق في الاسلام ليس له راتق، فجزاه الله عن الاسلام وأهله ~~أفضل الجزاء. ### ||| [تتمة وصية معاوية لابنه يزيد عليهما اللعنة] # ولنرجع إلى ما كنا فيه: # ثم قال معاوية: وانظر- يا بني- أهل الحجاز فإنهم أصلك وفرعك، فأكرم من ~~قدم عليك، ومن غاب عنك فلا تجفه ولا تعنفه. # وانظر أهل العراق فإنهم لا يحبونك أبدا، ولا ينصحونك، ولكن دارهم ما ~~أمكنك، وإن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملا فافعل، فإن عزل عامل واحد أهون ~~من سل مائة ألف سيف. # وانظر أهل الشام فإنهم بطانتك وظهارتك، وقد بلوت بهم وعرفت ثباتهم (1)، ~~وهم صبر عند اللقاء، حماة في الوغى، فإن رابك (2) أمر من عدو يخرج عليك ~~فانتصر بهم، فإذا أصبت حاجتك فارددهم إلى بلادهم يكونوا [بها] (3) لوقت ~~حاجتك، ثم اغمي على معاوية، فلم ms394 يفق بقية يومه من غشيته، فلما أفاق قال: ~~اوه اوه جاء الحق وزهق الباطل، ثم قال: إني كنت بين يدي رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) ذات يوم وهو يقلم أظفاره، فأخذت القلامة، وأخذت بشقص من ~~شعره على الصفا، فجعلتها في قارورة فهي عندي، فاجعلوا الشعر والأظفار في ~~فمي واذني، ثم صلوا علي وواروني في حفرتي (4). PageV02P142 ### ||| [كلام للمؤلف (رحمه الله)] # فليت يا شعري كيف لم يستحي من الله ورسوله وقد بارز أهل بيته بالعداوة ~~ونصب الغوائل لهم والوقيعة في أسفارهم وانسارهم (1) أجسادهم؟! ثم عقد ~~الأمر عند موته وولاية عهده لابنه يزيد الذي لا يوازيه كافر، ولا يلحقه ~~فاجر، أكفر الخلق بالله، وأبغضهم للحق وأهله، وأشد الخلق تهتكا مع خلعه ~~جلباب الحياء، وتظاهره بشرب الخمور، وتعاطي الزنا والفجور، وسفك الدماء ~~المحرمة، وغصب الأموال المحترمة، فعليه وعلى أبيه أشد العذاب وأعظم النكال، ~~والله لو واروه في حفرة النبي (صلى الله عليه وآله) لم يغن عنه ذلك من الله ~~شيئا، كما لم يغن عن الأولين الذين دفنا إلى جانبه (صلى الله عليه وآله) ~~ونزهه الله عنهما ونقلهما عنه، @QUR@02 وقيل لهما @QUR@04 ادخلا النار مع ~~الداخلين (2) وهو يرجو مع قبيح فعله الشفاعة من النبي، ويتبرك بشعره ~~وظفره، والله يقول: # @QUR@06 ولا يشفعون إلا لمن ارتضى (3). ### ||| [موت معاوية] # ثم انقطع كلام معاوية ولم ينطق بشيء، وخرج يزيد على عادته في التهتك ~~واللهو والصيد في يومه ذلك إلى نواحي حوران للنزهة والصيد وترك أباه بحاله، ~~وقال للضحاك بن قيس: انظر لا تخف علي شيئا من أمره، وتوفي معاوية من غد ~~وليس يزيد حاضر، فكان ملكه عليه اللعنة تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر، ومات ~~بدمشق يوم الأحد لأيام خلت من شهر رجب سنة ستين، وهو ابن ثمان وسبعين سنة. ### ||| [كتاب الضحاك بن قيس ليزيد يخبره بموت معاوية، وقدوم يزيد لدمشق] # قال: فخرج الضحاك من دار معاوية لا يكلم أحدا والأكفان معه حتى دخل ~~المسجد الأعظم ونودي له في الناس، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، PageV02P143 # ثم قال: إن أمير ms395 المؤمنين معاوية قد ذاق الموت، وشرب بكأس الحتف، وهذه ~~أكفانه، ونحن مدرجوه فيها، ومدخلوه قبره، ومخلون بينه وبين عمله، فمن كان ~~منكم يريد أن يشهد فليحضر بين الصلاتين ولا تقعدوا عن الصلاة عليه، ثم نزل ~~عن المنبر وكتب إلى يزيد: # [بسم الله الرحمن الرحيم] (1) الحمد لله الذي لبس [رداء] (2) البقاء، ~~وكتب على عباده الفناء، فقال سبحانه: @QUR@012 كل من عليها فان ويبقى وجه ~~ربك ذو الجلال والإكرام (3). # لعبد الله أمير المؤمنين يزيد من الضحاك بن قيس. # أما بعد: # فكتابي (4) إلى أمير المؤمنين كتاب تهنئة ومصيبة، فأما التهنئة ~~فبالخلافة التي جاءتك عفوا، وأما المصيبة فبموت أمير المؤمنين معاوية، فإنا ~~لله وإنا إليه راجعون، فإذا قرأت كتابي هذا فالعجل العجل لتأخذ الناس ~~بالبيعة، بيعة اخرى مجددة. # قال: فلما ورد الكتاب على يزيد وقرأه وثب من ساعته صائحا باكيا، وأمر ~~بإسراج دوابه، وسار يريد دمشق، فصار إليها بعد ثلاث من موت معاوية، وخرج ~~[الناس] (5) إلى استقباله، فلم يبق أحد يطيق حمل السلاح إلا ركب PageV02P144 # [وخرج] (1)، حتى إذا وافى اللعين قريبا من دمشق وجعل الناس يتلقونه ~~فيبكون ويبكي معهم. ### ||| [تهنئة الناس ليزيد بالخلافة وتعزيتهم له بموت أبيه] # ثم نزل في قبة خضراء لابنه وهو معتم بعمامة خز سوداء متقلدا سيف أبيه، ~~فلما دخلها نظر فإذا قد فرش له فرش كثيرة بعضها على بعض، ما يمكن لأحد أن ~~يرقى عليها إلا بالكراسي، فصعد حتى جلس والناس يدخلون عليه يهنئونه ~~بالخلافة ويعزونه بأبيه، ويزيد يقول: نحن أهل الحق وأنصار الدين، فأبشروا ~~يا أهل الشام فإن الخير لم يزل فيكم وسيكون بيني (2) وبين أهل العراق ~~ملحمة، وذلك اني رأيت في المنام منذ ثلاث ليال كأن بيني وبين أهل العراق ~~نهرا يطرد بالدم العبيط [ويجري] (3) جريا شديدا، وجعلت أجتهد في منامي أن ~~أجوزه فلم أقدر حتى جاء عبيد الله بن زياد فجازه بين يدي وأنا أنظر إليه. # قال: فأجابه أهل الشام وقالوا: يا أمير المؤمنين، امض بنا حيث شئت فنحن ~~بين يديك، وسيوفنا هي التي عرفها أهل العراق في ms396 صفين. # فقال يزيد: أنتم لعمري كذلك، ثم قال: أيها الناس، إن معاوية كان عبدا من ~~عباد الله أنعم الله عليه، ثم قبضه إليه، وهو خير ممن بعده، ودون من كان ~~قبله، ولا ازكيه على الله، فهو أعلم به مني، فإن عفا عنه فبرحمته، وإن ~~عاقبه فبذنوبه، ولقد وليت هذا الأمر من بعده ولست اقصر عن طلب حق، ولا ~~أعتذر من تفريط في باطل، وإذا أراد الله شيئا كان، فصاح الناس من كل جانب: ~~سمعنا وأطعنا، يا أمير المؤمنين. # قال: فبايع الناس بأجمعهم يزيد وابنه معاوية بن يزيد من بعده، وفتح PageV02P145 # بيوت الأموال وأخرج أموالا جليلة (1) ففرقها عليهم، ثم عزم على إنفاذ ~~الكتب إلى [جميع] (2) البلاد بأخذ البيعة له، ### ||| [كتاب يزيد بن معاوية إلى الوليد بن عتبة يوليه على المدينة] # وكان مروان بن الحكم واليا على المدينة فعزله وولى مكانه ابن عمه الوليد ~~بن عتبة بن أبي سفيان، وكتب إليه يقول: # بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة. # أما بعد: # فإن معاوية كان عبدا من عباد الله أكرمه فاستخلفه ومكن له، ثم قبضه إلى ~~روحه وريحانه أو عقابه (3)، عاش بقدر، ومات بأجل، وقد كان عهد إلي وأوصاني ~~أن أحذر آل أبي تراب وجرأتهم على سفك الدماء، وقد آن- يا وليد- أن ينتقم ~~الله للمظلوم (4) عثمان من آل أبي تراب بآل أبي سفيان، فإذا ورد عليك ~~كتابي هذا فخذ البيعة [لي] (5) على جميع الخلق في المدينة. # قال: ثم كتب في رقعة صغيرة: # أما بعد: # فخذ الحسين وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير ~~بالبيعة أخذا عنيفا ليست فيه رخصة، فمن أبى عليك فاضرب عنقه، وابعث إلي ~~برأسه، والسلام. (6) PageV02P146 ### ||| [إخبار النبي (صلى الله عليه وآله) بخلافة يزيد، واستشارة الوليد بن عتبة لمروان بن الحكم] # وروي عن مكحول، عن أبي عبيدة الجراح، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله): لا يزال أمر أمتي قائما بالقسط حتى يكون أول من يثلمه رجل من ms397 بني ~~امية [يقال له يزيد] (1). # وبإسناد متصل بأبي ذر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) يقول: أول من يبدل ديني رجل من بني امية. # قال ابن أعثم: فلما ورد الكتاب على الوليد بن عتبة قرأه واسترجع، ثم قال: ~~يا ويح الوليد بن عتبة من دخوله في هذه الامارة، مالي وللحسين؟ ثم بعث إلى ~~مروان فدعاه وقرأ الكتاب عليه، فاسترجع مروان، ثم قال: رحم الله معاوية. # فقال الوليد: أشر علي برأيك. # فقال مروان: أرى أن ترسل إليهم في هذه الساعة فتدعوهم إلى الطاعة والدخول ~~في بيعة يزيد، فإن فعلوا قبلت ذلك منهم، وإن أبوا قدمتهم وضربت أعناقهم قبل ~~أن يعلموا بموت معاوية، فإنهم إن علموا بموته وثب كل واحد منهم وأظهر ~~الخلاف ودعا إلى نفسه، فعند ذلك أخاف أن يأتيك منهم ما لا قبل لك به، إلا ~~عبد الله بن عمر فإني لا أراه ينازع، فذره عنك، وابعث إلى الحسين وعبد ~~الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير فادعهم إلى البيعة، مع أني أعلم أن ~~الحسين خاصة لا يجيبك إلى بيعة يزيد أبدا، ولا يرى له عليه طاعة، والله إني ~~لو كنت موضعك لم اراجع الحسين في كلمة واحدة حتى أضرب عنقه، فأطرق الوليد ~~بن عتبة، ثم رفع رأسه وقال: ليت الوليد بن عتبة لم يولد. PageV02P147 # قال: ثم دمعت عيناه، فقال له عدو الله مروان: أيها الأمير، لا تجزع بما ~~ذكرت لك، فإن آل أبي تراب هم الأعداء في قديم الدهر ولم يزالوا، وهم الذين ~~قتلوا عثمان، ثم ساروا إلى معاوية فحاربوه، فإني لست آمن- أيها الأمير- إن ~~أنت لم تعاجل الحسين خاصة أن تسقط منزلتك عند أمير المؤمنين يزيد. # فقال الوليد: مهلا- يا مروان- اقصر من كلامك وأحسن القول في ابن فاطمة، ~~فإنه بقية ولد النبيين. ### ||| [دعوة الوليد بن عتبة للحسين (عليه السلام) وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير لمبايعة يزيد] # قال: ثم بعث الوليد بن عتبة إلى الحسين وعبد الرحمن ms398 بن أبي بكر وعبد الله ~~بن عمر وعبد الله بن الزبير فدعاهم، وأقبل الرسول وهو عمرو بن عثمان، فلم ~~يصب القوم في منازلهم، فمضى نحو المسجد فإذا القوم عند قبر النبي (صلى الله ~~عليه وآله)، فسلم، ثم قال: إن الأمير يدعوكم، فصيروا إليه. # فقال الحسين: نفعل إن شاء الله إذا نحن فرغنا من مجلسنا، فانصرف الرسول ~~وأخبر الوليد بذلك، وأقبل عبد الله بن الزبير على الحسين، فقال: يا أبا عبد ~~الله، إن هذه ساعة لم يكن الوليد بن عتبة يجلس فيها للناس، وإني قد أنكرت ~~بعثته إلينا في مثل هذا الوقت، فترى لما بعث إلينا (1)؟ # فقال الحسين (عليه السلام): اخبرك إني أظن أن معاوية هلك، وذلك اني رأيت ~~البارحة في منامي كأن منبر معاوية منكوس، ورأيت النار تشتعل في داره، ~~فتأولت ذلك في نفسي بأنه قد مات. # قال ابن الزبير: فاعمل على ذلك بأنه كذلك، فما ترى أن تصنع إذا دعيت إلى ~~بيعة يزيد؟ PageV02P148 # فقال الحسين (عليه السلام): لا ابايع أبدا، لأن الأمر إنما كان لي بعد ~~أخي الحسن فصنع معاوية ما صنع، وحلف لأخي الحسن انه لا يجعل الخلافة لأحد ~~من بعده من ولده، وأن يردها علي إن كنت حيا، فإن كان معاوية قد خرج من ~~دنياه ولم يف لي ولا لأخي فو الله لقد جاءنا مالا قوام (1) لنا به، أتظن ~~أني ابايع يزيد، ويزيد رجل فاسق معلن بالفسق، وشرب الخمر، واللعب بالكلاب ~~والفهود، ونحن بقية آل رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ والله لا يكون ذلك ~~أبدا، فبينما هما في المحاورة إذ رجع الرسول وقال للحسين: أبا عبد الله، إن ~~الأمير قاعد لكما خاصة فقوما إليه، فزبره الحسين وقال: انطلق إلى أميرك لا ~~أم لك أنا صائر إليه الساعة إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. # قال: فرجع الرسول إلى الوليد فأخبره بذلك، وقال: إن الحسين قد أجاب وهو ~~صائر إليك هذه الساعة في أثري. # فقال مروان: غدر والله الحسين. # فقال الوليد: مهلا ليس مثل الحسين يغدر، ولا ms399 يقول ما لا يفعل، ثم أقبل ~~الحسين على الجماعة وقال: قوموا (2) إلى منازلكم فإني صائر إليه فأنظر ما عنده. # فقال له ابن الزبير: إني أخشى (3) عليك أن يحبسوك عندهم ولا يفارقونك ~~أبدا حتى تبايع أو تقتل. # فقال: لست أدخل عليه وحدي، ولكن أجمع أصحابي وخدمي PageV02P149 # وأنصاري وأهل الحق من شيعتي، وآمر كل واحد منهم أن يأخذ سيفه مسلولا تحت ~~ثيابه، ثم يصيروا بإزائي، فإذا أنا أومأت إليهم وقلت: «يا آل الرسول، ~~ادخلوا» دخلوا وفعلوا ما أمرتهم به، ولا اعطي القياد من نفسي، فقد علمت ~~والله أنه قد أتى من الأمر ما لا قوام له، ولكن قدر الله ماض، وهو الذي ~~يفعل في أهل البيت ما يشاء ويرضى. # ثم وثب الحسين فصار إلى منزله، ثم دعا بماء فاغتسل، ولبس ثيابه، وصلى ~~ركعتين، فلما انفتل من صلاته أرسل إلى فتيانه ومواليه وأهل بيته فأعلمهم ~~شأنه، ثم قال: كونوا بباب هذا الرجل، فإذا سمعتم صوتي وكلامي وصحت: «يا آل ~~الرسول» فاقتحموا بغير إذن، ثم أشهروا السيف (1) ولا تعجلوا، فإن رأيتم ما ~~لا تحبون فضعوا سيوفكم فيهم واقتلوا من يريد قتلي. ### ||| [مجيء الحسين (عليه السلام) إلى الوليد بن عتبة] # قال: ثم خرج الحسين من منزله، وفي يده قضيب رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله)، وهو في ثلاثين رجلا من مواليه وشيعته حتى أوقفهم على باب الوليد، ثم ~~قال: انظروا ما اوصيكم (2) به فلا تعدوه وأنا أرجو أن أخرج إليكم سالما، ~~ثم دخل الحسين (عليه السلام) على الوليد وسلم، وقال: كيف أصبح الأمير؟ # قال: فرد عليه الوليد ردا حسنا، ثم أدناه وقربه، وكان مروان حاضرا في ~~مجلس الوليد، وكان بين الوليد ومروان قبل ذلك منازعة، فلما نظر الحسين إلى ~~مروان جالسا في مجلس الوليد، قال: أصلح الله الأمير الصلح (3) خير من PageV02P150 # الفساد، وقد آن لكما أن تجتمعا، الحمد لله الذي أصلح ذات بينكم. # قال: فلم يجيباه بشيء في هذا، فقال الحسين (عليه السلام): هل ورد عليكم ~~خبر من معاوية؟ فإنه قد كان عليلا وقد طالت ms400 علته، فكيف هو الآن؟ # قال: فتأوه الوليد، ثم قال: يا أبا عبد الله، آجرك الله (1) في معاوية، ~~فقد كان لك عم صدق، ووالي عدل، فقد ذاق الموت، وهذا كتاب أمير المؤمنين يزيد. # فقال الحسين (عليه السلام): إنا لله وإنا إليه راجعون، وعظم الله لكما ~~الأجر، ولكن لما ذا دعوتني؟ # فقال: دعوتك للبيعة التي قد اجتمع عليها الناس. # قال: فقال الحسين (عليه السلام): إن مثلي لا يعطي بيعته سرا، وإنما يجب ~~أن تكون البيعة علانية بحضرة الجماعة، ولكن غدا إذا دعوت الناس إلى البيعة ~~دعوتنا معهم، فيكون أمرا واحدا. # فقال له الوليد: لقد قلت فأحسنت القول وكذا كان ظني فيك، فانصرف راشدا ~~حتى تأتينا غدا مع الناس. # قال: فقام مروان، وقال: إنه إن فارقك الساعة ولم يبايع فإنك لا تقدر عليه ~~بعدها أبدا حتى تكثر القتلى بينك وبينه، فاحتبسه عندك ولا تدعه يخرج أو ~~يبايع وإلا فاضرب عنقه. # قال: فالتفت الحسين إليه، وقال: ويلي عليك يا ابن الزرقاء، أتأمره بضرب ~~عنقي؟ كذبت والله ولؤمت، والله لو رام ذلك أحد من الناس لسقيت PageV02P151 # الأرض من دمه، فإن شئت ذلك فقم أنت فاضرب (1) عنقي إن كنت صادقا. # قال: ثم أقبل الحسين على الوليد وقال: أيها الأمير، إنا أهل بيت النبوة، ~~ومعدن الرسالة، وبنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق، شارب خمر، قاتل ~~النفس، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر ~~وتنظرون أينا أحق بالخلافة والبيعة. # قال: فسمع من بالباب صوت الحسين فهموا أن يقتحموا الدار بالسيوف، وخرج ~~إليهم الحسين (عليه السلام) فأمرهم بالانصراف، وأقبل الحسين إلى منزله، ~~فقال مروان للوليد: عصيتني حتى أفلت الحسين من يدك، أما والله لا تقدر منه ~~على مثلها، والله ليخرجن عليك وعلى يزيد. # فقال الوليد: ويحك يا مروان، أشرت علي بقتل الحسين، وفي قتله ذهاب ديني ~~ودنياي، والله ما احب (2) أن أملك الدنيا بأسرها واني قتلت الحسين، ما أظن ~~أحدا يلقى الله يوم القيامة بدم الحسين إلا وهو خفيف الميزان عند الله، لا ~~ينظر ms401 إليه، ولا يزكيه، وله عذاب أليم. ### ||| [أن الحسين (عليه السلام) عارضه في طريقه مروان بن الحكم وجرت بينهما محادثة] # قال: وخرج الحسين (عليه السلام) من منزله يسمع الأخبار فإذا هو بمروان بن ~~الحكم قد عارضه في طريقه، فقال: يا أبا عبد الله، إني لك ناصح فأطعني ترشد وتسدد. # فقال الحسين (عليه السلام): وما ذاك؟ # قال: إني آمرك ببيعة يزيد فإنه خير لك في دينك ودنياك. PageV02P152 # قال: فاسترجع الحسين (عليه السلام) وقال: على الاسلام العفا إذ قد بليت ~~الامة براع مثل يزيد، ثم أقبل الحسين على مروان، وقال: ويحك تأمرني ببيعة ~~يزيد، ويزيد رجل فاسق، لقد قلت شططا، لا ألومك على قولك لأنك اللعين الذي ~~لعنك رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنت في صلب أبيك الحكم بن أبي العاص، ~~ومن لعنه رسول الله فإنه لا ينكر منه أن يدعو إلى بيعة يزيد، ثم قال: # إليك عني يا عدو الله فإنا أهل بيت رسول الله على الحق والحق فينا، وقد ~~سمعت جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: الخلافة محرمة على آل أبي ~~سفيان الطلقاء وأبناء الطلقاء، فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه ~~(1)، فو الله لقد رآه أهل المدينة على منبر جدي رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) فلم يفعلوا ما أمرهم به فابتلاهم الله بابنه يزيد. # قال: فغضب مروان، ثم قال: والله لا تفارقني أو تبايع ليزيد صاغرا، فإنكم ~~آل أبي تراب قد ملئتم كلاما واشربتم بغض آل أبي سفيان، وحقيق عليهم أن ~~يبغضوكم. # فقال الحسين (عليه السلام): ويلك إليك عني، فإنك رجس وإنا أهل بيت PageV02P153 # الطهارة الذي أنزل الله فينا: @QUR@011 إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت ويطهركم تطهيرا (1) فنكس مروان رأسه، فقال له الحسين: أبشر يا ~~ابن الزرقاء بكل ما تكره من الرسول (صلى الله عليه وآله) يوم تقدم على جدي ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيسألك عن حقي وحق يزيد. # قال: فمضى مروان مغضبا حتى دخل على الوليد فخبره بما كان من مقالة ms402 الحسين ~~(عليه السلام)، وكان ابن الزبير قد خرج ليلا قاصدا مكة حين اشتغلوا ~~بالحسين، فبعث الوليد بن عتبة في طلبه فلم يقدروا عليه وفاتهم، فكتب الوليد ~~إلى يزيد يخبره الخبر بما كان من ابن الزبير، ثم ذكر له بعد ذلك أمر ~~الحسين، فلما ورد الكتاب على يزيد وقرأه غضب غضبا شديدا، وكان إذا غضب ~~انقلبت عيناه فصار أحول، ### ||| [كتاب يزيد إلى الوليد بن عتبة يأمره بأخذ البيعة ثانية على أهل المدينة وبقتل الحسين (عليه السلام)] # فكتب إلى الوليد بن عتبة: # من عبد الله أمير المؤمنين يزيد إلى الوليد بن عتبة. # أما بعد: # فإذا ورد عليك كتابي هذا فخذ البيعة ثانيا على أهل المدينة وذر عبد الله ~~ابن الزبير فإنه لا يفوتنا، وليكن مع جواب كتابي رأس الحسين، فإن فعلت ذلك ~~فقد جعلت لك أعنة الخيل، ولك عندي الجائزة العظمى والحظ الأوفر، والسلام. # فلما ورد الكتاب على الوليد وقرأه عظم ذلك عليه، ثم قال: لا والله لا ~~يراني الله بقتل ابن نبيه (2) ولو جعل يزيد لي الدنيا بما فيها. ### ||| [مجيء الحسين (عليه السلام) عند قبر النبي (صلى الله عليه وآله)] # قال: وخرج الحسين (عليه السلام) من منزله ذات ليلة وأقبل إلى قبر جده ~~(صلى الله عليه وآله)، فقال: السلام عليك يا رسول الله، أنا الحسين بن فاطمة، PageV02P154 # فرخك وابن فرختك، وسبطك الذي خلفتني في أمتك، فاشهد عليهم يا نبي الله ~~أنهم قد خذلوني، وضيعوني، ولم يحفظوني، وهذه شكواي إليك حتى ألقاك. # قال: ثم قام فصف قدميه فلم يزل راكعا ساجدا. # قال: وأرسل الوليد إلى منزل الحسين (عليه السلام) لينظر أخرج من المدينة ~~أم لا، فلم يصبه في منزله، فقال: الحمد لله الذي (1) خرج ولم يبتلني الله ~~(2) بدمه. # قال: ورجح الحسين إلى منزله عند الصبح. # قال: فلما كانت الليلة الثانية (3) خرج إلى القبر أيضا وصلى ركعات، فلما ~~فرغ من صلاته جعل يقول: اللهم هذا قبر نبيك محمد، وأنا ابن بنت نبيك، وقد ~~حضرني من الأمر ما قد علمت. # اللهم إني احب المعروف، ms403 وانكر المنكر، وأنا أسألك يا ذا الجلال والاكرام ~~بحق [هذا] (4) القبر ومن فيه إلا اخترت لي ما هو لك رضى، ولرسولك رضى. # قال: ثم جعل يبكي عند القبر حتى إذا كان قريبا من الصبح وضع رأسه على ~~القبر فأغفى، فإذا هو برسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أقبل في كتيبة من ~~الملائكة عن يمينه وعن شماله وبين يديه حتى ضم الحسين إلى صدره وقبل بين ~~عينيه وقال: حبيبي يا حسين كأني أراك عن قريب مرملا بدمائك، مذبوحا PageV02P155 # بأرض كربلاء، بين (1) عصابة من أمتي، وأنت مع ذلك عطشان لا تسقى، وظمآن ~~لا تروى، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة. # حبيبي يا حسين، إن أباك وامك وأخاك قدموا علي وهم مشتاقون إليك، وإن لك ~~في الجنان لدرجات لن تنالها إلا بالشهادة. # قال: فجعل الحسين (عليه السلام) في منامه ينظر إلى جده ويقول: يا جداه، ~~لا حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا، فخذني إليك وأدخلني معك في قبرك. # فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا بد لك من الرجوع إلى الدنيا ~~حتى ترزق الشهادة، وما قد كتب الله لك فيها من الثواب العظيم، فإنك وأباك ~~وأخاك وعمك وعم أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة حتى تدخلوا الجنة. # قال: فانتبه الحسين (عليه السلام) من نومه فزعا مرعوبا فقص رؤياه على أهل ~~بيته وبني عبد المطلب، فلم يكن في ذلك اليوم في مشرق ولا مغرب قوم أشد غما ~~من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا أكثر باك ولا باكية منهم. ### ||| [مجيء الحسين (عليه السلام) عند قبر امه فاطمة وأخيه الحسن (عليهما السلام)] # قال: وتهيأ الحسين (صلوات الله عليه) للخروج من المدينة ومضى في جوف ~~الليل إلى قبر امه (عليها السلام) فودعها، ثم مضى إلى قبر أخيه الحسن (عليه ~~السلام) ففعل كذلك، ثم رجع إلى منزله وقت الصبح، ### ||| [مجيء محمد بن الحنفية عند الحسين (عليه السلام) للنصيحة] # فأقبل إليه أخوه محمد ابن الحنفية وقال: ms404 يا أخي أنت أحب الخلق إلي وأعزهم ~~علي، ولست والله أدخر النصيحة لأحد من الخلق، وليس أحد أحق بها منك لأنك ~~مزاج مائي PageV02P156 # ونفسي وروحي وبصري، وكبير أهل بيتي، ومن وجبت طاعته في عنقي، لأن الله ~~تبارك وتعالى قد شرفك علي وجعلك من سادات أهل الجنة، واريد أن اشير عليك ~~فاقبل مني. # فقال الحسين (عليه السلام): يا أخي، قل ما بدا لك. # فقال: اشير عليك أن تتنحى عن يزيد وعن الأمصار ما استطعت، وتبعث رسلك إلى ~~الناس تدعوهم إلى بيعتك، فإن بايعك الناس حمدت الله على ذلك وقمت فيهم بما ~~كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقوم به فيهم حتى يتوفاك الله (1) وهو ~~عنك راض، والمؤمنون عنك راضون كما رضوا عن أبيك وأخيك، وإن اجتمع الناس على ~~غيرك حمدت الله على ذلك وسكت ولزمت منزلك (2) فإني خائف عليك أن تدخل مصرا ~~من الأمصار، أو تأتي جماعة من الناس فيقتتلون فتكون طائفة منهم معك وطائفة ~~عليك فتقتل بينهم. # فقال الحسين (عليه السلام): فإلى أين أذهب؟ # قال: تخرج إلى مكة، فإن اطمأنت بك الدار بها فذاك، وإن تكن الاخرى خرجت ~~إلى بلاد اليمن، فإنهم أنصار جدك وأبيك، وهم أرأف الناس وأرقهم قلوبا (3)، ~~وأوسع الناس بلادا، فإن اطمأنت بك الدار [فذاك] (4) وإلا لحقت بالرمال، ~~وشعوب الجبال، وجزت (5) من بلد إلى بلد، حتى تنظر ما يئول إليه أمر الناس ~~ويحكم الله بيننا وبين القوم الفاسقين. PageV02P157 # قال: فقال الحسين (عليه السلام): يا أخي، والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ~~ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية، فقد قال جدي (صلى الله عليه وآله): ~~اللهم لا تبارك في يزيد. # قال سيدنا ومولانا علم العترة الطاهرة، ومصباح الاسرة الفاخرة، السيد علي ~~بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاوس رضي الله عنه وأرضاه في كتابه الذي ذكر ~~فيه ما تم على الامام السعيد أبي عبد الله الحسين (عليه السلام): ولعل ~~[بعض] (1) من لا يعرف حقائق شرف السعادة بالشهادة معتقدا (2) أن الله ~~سبحانه لا يتعبد بمثل ms405 هذا الحال (3)، أما سمع في القرآن الصادق المقال أنه ~~سبحانه تعبد قوما بقتل أنفسهم، فقال تعالى: @QUR@010 فتوبوا إلى بارئكم ~~فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم (4)؟ # ولعله يعتقد [أن معنى] (5) قوله سبحانه: @QUR@06 ولا تلقوا بأيديكم إلى ~~التهلكة (6) أنه هو القتل، وليس الأمر كذلك، وإنما التعبد به من أعظم (7) ~~درجات السعادة والفضل. # وقد ذكر صاحب المقتل المروي عن الصادق (عليه السلام) في تفسير هذه الآية ~~ما يليق بالعقل: # فروى عن أسلم قال: غزونا نهاوند- أو قال غيرها- فاصطففنا والعدو PageV02P158 # صفين لم أر أطول منهما ولا أعرض، والروم قد ألصقوا ظهورهم بحائط مدينتهم، ~~فحمل رجل منا على العدو، فقال الناس: لا إله إلا الله ألقى هذا بنفسه إلى ~~التهلكة. # فقال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه: إنما تؤولون (1) هذه الآية على ~~أنه حمل هذا الرجل يلتمس الشهادة، وليس كذلك، إنما انزلت فينا، لأنا كنا ~~(2) قد اشتغلنا بنصرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتركنا أهالينا ~~وأموالنا لأن نقيم فيها ونصلح ما فسد منها، فقد ضاعت بتشاغلنا عنها، فأنزل ~~الله سبحانه إنكارا علينا لما وقع (3) في نفوسنا من التخلف عن [نصرة] (4) ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) لإصلاح أموالنا @QUR@06 ولا تلقوا بأيديكم ~~إلى التهلكة ، معناه: إن تخلفتم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأقمتم ~~في بيوتكم ألقيتم بأيديكم إلى التهلكة، وسخط الله عليكم فهلكتم، وذلك رد ~~علينا فيما قلنا وعزمنا عليه من الاقامة، وتحريض لنا على الغزو، وما نزلت ~~هذه الآية في رجل حمل على العدو يحرض أصحابه على أن يفعلوا كفعله ويطلب ~~الشهادة بالجهاد في سبيل الله رجاء ثواب الآخرة. (5) # قلت: وهذا معنى قول النبي (صلى الله عليه وآله): كل بر فوقه بر حتى يخرج ~~الرجل شاهرا سيفه في سبيل الله فيقتل فليس فوقه بر. (6) PageV02P159 # ثم نرجع إلى تمام الحديث: # قال: قطع محمد بن الحنفية الكلام وبكى، فبكى [معه] (1) الحسين (عليه ~~السلام) ساعة، ثم قال: يا أخي، جزاك الله خيرا فقد نصحت وأشرت بالصواب، ~~وأنا عازم على الخروج إلى مكة، وقد تهيأت لذلك ms406 أنا وإخوتي وبنو أخي وشيعتي ~~ممن أمرهم (2) أمري ورأيهم رأيي، وأما أنت يا أخي فما عليك أن تقيم ~~بالمدينة، فتكون لي عينا عليهم لا تخف عني شيئا من امورهم. ### ||| [وصية الحسين (عليه السلام) لأخيه محمد بن الحنفية] # ثم دعا الحسين (عليه السلام) بدواة وبياض وكتب هذه الوصية لأخيه محمد رضي ~~الله عنه: # بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب إلى ~~أخيه محمد المعروف بابن الحنفية، أن الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، جاء بالحق من عند الحق، وأن الجنة ~~والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأني ~~لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما، وإنما خرجت لطلب الاصلاح في ~~أمة جدي (صلى الله عليه وآله)، اريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، ~~وأسير بسيرة جدي محمد (صلى الله عليه وآله) وأبي علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام)، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر (3) ~~حتى يقضي الله بيني وبين القوم PageV02P160 # بالحق [ويحكم بيني وبينهم] (1) وهو خير الحاكمين، وهذه وصيتي يا أخي ~~إليك، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه انيب. # قلت: وهذه الوصية معنى قول أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) الذي رواه ~~سيدنا ومفخرنا السيد محمد الرضي بن الحسين الموسوي رضي الله عنه في كتابه ~~الذي جمعه من كلام جده أمير المؤمنين (عليه السلام) وسماه ب «نهج البلاغة» ~~في باب الكلام القصير في قوله (صلوات الله عليه): # روى ابن جرير الطبري في تاريخه (2) عن عبد الرحمن (3) بن أبي ليلى ~~الفقيه- وكان ممن خرج لقتال الحجاج مع ابن الأشعث- أنه قال فيما كان يحض به ~~الناس على القتال (4): إني سمعت عليا رفع الله روحه (5) في الصالحين، ~~وأثابه ثواب الشهداء والصديقين، يقول- لما (6) لقينا أهل الشام-: أيها ~~المؤمنون، إنه من رأى عدوانا يعمل به ومنكرا يدعى إليه، فأنكره بقلبه فقد ~~سلم وبرىء (7)، ومن أنكره بلسانه ms407 فقد اجر، وهو أفضل من صاحبه، ومن أنكره ~~بالسيف لتكون كلمة الله العليا وكلمة الظالمين السفلى (8) فذلك الذي أصاب ~~سبيل الهدى، وأقام على الطريقة المثلى (9)، ونور في قلبه اليقين. (10) PageV02P161 # وقوله (عليه السلام): فمنهم المنكر للمنكر بيده ولسانه وقلبه، فذلك ~~المستكمل لخصال الخير. # ثم قال بعد كلام يجري مجرى ذلك: وما أعمال البر كلها والجهاد في سبيل ~~الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كنفثة (1) في بحر لجي، وإن ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقربان من أجل، ولا ينقصان من رزق، ~~وأفضل من ذلك كله كلمة عدل عند سلطان (2) جائر. (3) # وعن أبي جحيفة، قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: إن أول ما ~~تغلبون عليه (4) من الجهاد [الجهاد] (5) بأيديكم، ثم بألسنتكم، ثم ~~بقلوبكم، فمن لم يعرف بقلبه معروفا، ولم ينكر منكرا، قلب (6) فجعل أعلاه ~~أسفله. (7) ### ||| [خروج الحسين (عليه السلام) إلى مكة] # قال: ثم طوى الحسين (عليه السلام) الكتاب وختمه بخاتمه ودفعه إلى أخيه ~~محمد، ثم ودعه وخرج في جوف الليل (8) يريد مكة في جميع أهل بيته، وذلك ~~لثلاث ليال مضين من شهر شعبان سنة ستين، فلزم الطريق الأعظم، PageV02P162 # وجعل [يسير و] (1) يتلو هذه الآية: @QUR@010 فخرج منها خائفا يترقب قال ~~رب نجني من القوم الظالمين (2) فقال له ابن عمه [مسلم بن عقيل بن أبي ~~طالب] (3): يا ابن رسول الله، لو عدلنا عن الطريق وسلكنا غير الجادة كما ~~فعل ابن الزبير كان عندي [خير] (4) الرأي، فإنا نخاف من الطلب. # فقال: لا يا ابن العم، لا فارقت هذا الطريق أو أنظر أبيات مكة أو يقضي ~~الله في ذلك ما يحب، فبينا الحسين بين مكة والمدينة إذ استقبله عبد الله بن ~~مطيع العدوي، فقال: أين تريد يا أبا عبد الله، جعلني الله فداك؟ # فقال: أما في وقتي هذا فإني اريد مكة، فإذا صرت إليها استخرت الله. # فقال عبد الله بن مطيع: خار الله لك في ذلك، وإني اشير عليك بمشورة ~~فاقبلها مني. # فقال الحسين (عليه السلام): ما هي؟ # قال: إذا أتيت مكة فاحذر ms408 أن يغرك أهل الكوفة فإن فيها قتل أبوك، وطعن ~~أخوك طعنة كادت [أن] (5) تأتي على نفسه فيها، فالزم فيها الحرم فأنت سيد ~~العرب في دهرك، فو الله لئن هلكت ليهلكن أهل بيتك بهلاكك، والسلام. # قال: فودعه الحسين ودعا له بالخير، وسار حتى وافى مكة، فلما نظر إلى ~~جبالها جعل يتلو: @QUR@012 ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني ~~سواء السبيل (6). (7) PageV02P163 ### | فصل فيما جرى للحسين (عليه السلام) بعد وصوله إلى مكة # قال (1): ولما دخل الحسين مكة جعل أهلها يختلفون إليه، وكان قد نزل ~~بأعلى مكة، ونزل عبد الله بن الزبير داره، ثم تحول الحسين إلى دار العباس، ~~وكان أمير مكة من قبل يزيد عمر بن سعد، وهاب ابن سعد أن يميل الحجاج مع ~~الحسين لما (2) يرى من كثرة اختلاف الناس إليه من الآفاق، فانحدر إلى ~~المدينة وكتب بذلك إلى يزيد لعنه الله، وكان الحسين أثقل الخلق على ابن ~~الزبير لأنه كان يطمع أن يبايعه أهل مكة، فلما قدم الحسين صاروا يختلفون ~~إليه وتركوا ابن الزبير، وكان ابن الزبير يختلف بكرة وعشية إلى الحسين ~~ويصلي معه. # وبلغ أهل الكوفة أن الحسين قد صار في (3) مكة، وأقام الحسين (عليه ~~السلام) في مكة باقي شهر شعبان ورمضان وشوال وذي القعدة، وكان عبد الله بن ~~عباس وعبد الله بن عمر بمكة فأقبلا جميعا وقد عزما أن ينصرفا إلى المدينة، ~~فقال ابن عمر: يا أبا عبد الله اتق الله، فقد عرفت عداوة أهل هذا البيت ~~لكم، وظلمهم إياكم، وقد ولي الناس هذا الرجل يزيد، ولست آمن أن تميل الناس ~~إليه لمكان الصفراء والبيضاء فيقتلوك فيهلك بقتلك بشر كثير، فإني سمعت PageV02P164 # رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: حسين مقتول، فلئن خذلوه ولم (1) ~~ينصروه ليخذلنهم الله إلى يوم القيامة، وأنا اشير عليك بالصلح وتدخل فيما ~~دخل فيه الناس، واصبر كما صبرت لمعاوية حتى يحكم الله بينك وبين القوم ~~الظالمين. # فقال الحسين (عليه السلام): يا با عبد الرحمن، أنا أدخل في صلحه وقد قال ~~النبي فيه وفي ms409 أبيه ما قال؟! # فقال ابن عباس: صدقت، قد قال النبي (صلى الله عليه وآله): مالي وليزيد؟ ~~لا بارك الله في يزيد، فإنه يقتل ولدي وولد ابنتي الحسين (عليه السلام)، ~~والذي نفسي بيده لا يقتل ولدي بين ظهراني قوم فلا يمنعونه إلا خالف الله ~~بين قلوبهم وألسنتهم (2)، ثم بكى ابن عباس وبكى الحسين معه، وقال: يا ابن ~~عباس، أتعلم أني ابن بنت رسول الله؟ # قال ابن عباس: اللهم نعم، ما نعرف أحدا على وجه الأرض ابن بنت رسول الله ~~غيرك، وان نصرك لفرض على هذه الامة كفريضة الصيام والزكاة، لا يقبل الله ~~أحدهما دون الآخر. # فقال الحسين: فما تقول في قوم أخرجوا ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) من وطنه وداره، و[موضع] (3) وقراره ومولده، وحرم رسوله، ومجاورة قبر ~~جده ومسجده، وموضع مهاجره فتركوه خائفا مرعوبا لا يستقر في قرار، ولا يأوي ~~إلى وطن، يريدون بذلك قتله، وسفك دمه، وهو لم يشرك PageV02P165 # بالله شيئا ولم يغير ما كان (1) عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ # فقال ابن عباس: فما ذا أقول فيهم؟ أقول فيهم إنهم كفروا بالله ورسوله ولا ~~يأتون الصلاة إلا وهم كسالى @QUR@08 يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا ~~قليلا (2). # وأما أنت يا ابن رسول الله فإنك رأس الفخار، ابن رسول الله [وابن وصيه] ~~(3)، وابن بنته، فلا تظن- يا ابن رسول الله- أن الله غافلا عما يعمل ~~الظالمون (4)، وأنا أشهد أن من رغب عنك فماله من خلاق (5). # فقال الحسين (عليه السلام): اللهم فاشهد. # قال ابن عباس: يا ابن رسول الله، كأنك تنعى إلي نفسك وتريد مني أن أنصرك، ~~والله لو ضربت بسيفي بين يديك حتى تنخلع يداي لما كنت بالذي أبلغ من حقك ~~عشر العشير. # فقال ابن عمر: يا ابن عباس، ذرنا من هذا. # ثم أقبل ابن عمر على الحسين فقال: مهلا- يا أبا عبد الله- عما قد أزمعت ~~عليه، وارجع معنا إلى المدينة وادخل في صلح القوم، ولا تجعل لهؤلاء الذين ~~لا خلاق لهم عليك حجة، وإن أحببت ألا تبايع فأنت متروك، ms410 فعسى يزيد لا يعيش ~~إلا قليلا فيكفيك الله أمره. # فقال الحسين (عليه السلام): اف لهذا الكلام. PageV02P166 # فقال ابن عمر: إني أعلم أن الله تبارك وتعالى لم يكن ليجعل ابن بنت نبيه ~~على خطأ، ولكن أخشى أن يضرب وجهك هذا الحسن بالسيوف ونرى من هذا الأمر ما ~~لا نحب (1) فارجع معنا إلى المدينة ولا تبايع أبدا، واقعد في منزلك. # فقال الحسين (عليه السلام): هيهات، إن القوم لا يتركوني إن أصابوني، فإن ~~لم يصيبوني فإنهم يطلبونني أبدا حتى ابايع أو يقتلونني، أما تعلم أن من ~~هوان الدنيا على الله انه اتي برأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني ~~إسرائيل والرأس ينطق بالحجة عليهم فلم يضر ذلك يحيى بل ساد الشهداء؟ أو لا ~~تعلم أن بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين ~~نبيا ثم يجلسون في أسواقهم كأنهم لم يصنعوا شيئا فلم يعجل الله (2) عليهم، ~~ثم أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز ذي انتقام؟ اتق الله- يا با عبد الرحمن- ولا ~~تدعن نصرتي. # يا ابن عمر، إن كان الخروج يثقل عليك فأنت في أوسع عذر واجلس عن القوم ~~ولا تعجل بالبيعة لهم حتى تعلم ما يؤول الأمر إليه. # قال: ثم أقبل الحسين (عليه السلام) على ابن عباس، فقال: يا ابن عباس، إنك ~~ابن عم والدي، ولم تزل تأمر بالخير مذ عرفتك، وكان أبي يستشيرك، فامض إلى ~~المدينة في حفظ الله (3)، ولا تخف علي شيئا من أخبارك، فإني مستوطن هذا ~~الحرم ومقيم فيه أبدا ما رأيت أهله يحبوني (4) وينصرونني فإذا هم خذلوني ~~استبدلت بهم غيرهم. # قال: فبكى ابن عباس وابن عمر، ثم ودعهما فسارا إلى المدينة، وأقام PageV02P167 # الحسين بمكة قد لزم الصوم والصلاة. ### ||| [اجتماع الشيعة بالكوفة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي، وخطبة سليمان فيهم، وكتابهم إلى الحسين (عليه السلام) يدعونه بالمسير إليهم] # قال: واجتمعت الشيعة بالكوفة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي، فلما ~~تكاملوا في منزله قام فيهم خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ~~وآله، ثم ذكر ms411 علي بن أبي طالب (عليه السلام) فترحم عليه وذكر مناقبه ~~الشريفة، ثم قال: # يا معشر الشيعة، إنكم قد علمتم بأن معاوية قد هلك وصار إلى ربه، وقدم على ~~عمله، وسيجزيه الله بما قدم، وقد قعد في موضعه ابنه يزيد اللعين، وهذا ~~الحسين بن علي قد خالفه وصار إلى مكة هاربا من طواغيت آل أبي سفيان، وأنتم ~~شيعته وشيعة أبيه، وقد احتاج إلى نصرتكم، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ~~ومجاهد وعدوه فاكتبوا إليه، وإن خفتم الوهن والفشل فلا تغروا الرجل من نفسه. # فقال القوم: بل نؤويه وننصره ونقاتل عدوه ونقتل أنفسنا بين يديه، فأخذ ~~سليمان بذلك عليهم عهدا وميثاقا انهم لا يغدرون ولا ينكثون، ثم قال: اكتبوا ~~إليه الآن كتابا من جماعتكم انكم له كما ذكرتم، وسلوه القدوم عليكم. # فقالوا: أفلا تكفينا أنت الكتاب إليه؟ # فقال سليمان: لا، بل تكتب إليه جماعتكم. # قال: فكتب القوم إليه: # بسم الله الرحمن الرحيم للحسين بن علي أمير المؤمنين من سليمان بن صرد ~~والمسيب بن نجبة وحبيب بن مظاهر ورفاعة بن شداد وعبد الله بن وأل وجماعة ~~شيعته من PageV02P168 # المؤمنين. # سلام عليك. # أما بعد: # فالحمد لله الذي قصم عدوك وعدو أبيك من قبل الجبار العنيد، الغشوم ~~الظلوم، الذي ابتز (1) هذه الامة أمرها، وغصبها فيئها، وتأمر عليها بغير ~~رضا منها، ثم قتل خيارها، واستبقى شرارها، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها ~~وعتاتها، فبعدا لهم كما بعدت ثمود، ثم إنه قد بلغنا ان ولده اللعين قد تأمر ~~على هذه الامة بلا مشورة ولا إجماع، وبعد، فإنا مقاتلون معك وباذلون أنفسنا ~~من دونك، فأقبل إلينا فرحا مسرورا، أميرا مطاعا، إماما، خليفة مهديا، فإنه ~~ليس علينا إمام ولا أمير إلا النعمان بن بشير، وهو في قصر الامارة وحيد ~~طريد، لا نجتمع معه في جمعة ولا جماعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولا نؤدي ~~إليه الخراج، يدعو فلا يجاب، ويأمر فلا يطاع، ولو بلغنا أنك أقبلت إلينا ~~لأخرجناه عنا حتى يلحق بالشام، فأقبل إلينا فلعل الله تعالى يجمعنا بك على ms412 ~~الحق، والسلام عليك يا ابن رسول الله ورحمة الله وبركاته. # ثم طووا الكتاب وختموه ودفعوه إلى عبد الله بن سبيع الهمداني وعبد الله ~~ابن مسمع بن بكري (2). # قال: فقرأ الحسين (عليه السلام) الكتاب وسكت، ولم يحبهم بشيء، ثم قدم ~~عليه قيس بن مسهر الصيداوي وعبد الله بن عبد الرحمن الأرحبي وعامر PageV02P169 # ابن عبيد السكوني (1) وعبد الله بن وال التيمي ومعهم نحو من مائة وخمسين ~~كتابا من الرجل والثلاثة والأربعة يسألونه القدوم عليهم والحسين (عليه ~~السلام) يتأنى فلا يجيبهم بشيء. ### ||| [كتاب آخر من شيعة الكوفة يدعونه (عليه السلام) بالمسير إليهم] # ثم قدم عليه بعد ذلك هانئ بن هانئ السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي بهذا ~~الكتاب، وهو آخر كتاب ورد عليه من الكوفة: # بسم الله الرحمن الرحيم إلى الحسين بن أمير المؤمنين، من شيعته وشيعة ~~أبيه علي أمير المؤمنين (عليه السلام). # أما بعد: # فإن الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك فالعجل العجل يا ابن رسول الله، فقد ~~اخضرت الحبات (2)، وأينعت الثمار، وأعشبت الأرض، وأو رقت الأشجار، فاقدم ~~إذا شئت، فإنما تقدم على جند مجندة لك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. # فقال الحسين لهانئ بن هانئ السبيعي وسعيد بن عبد الله، خبراني، من اجتمع ~~على هذا الكتاب الذي كتب معكما إلي؟ # فقالا: يا بن رسول الله، اجتمع عليه شبث بن ربعي وحجار بن أبجر ويزيد بن ~~الحارث، وذكروا له جماعة. PageV02P170 ### ||| [جواب الحسين (عليه السلام) لأهل الكوفة] # فقام الحسين (عليه السلام) وتطهر (1) وصلى ركعتين بين الركن والمقام، ثم ~~انفتل من صلاته وسأل ربه الخيرة، ثم كتب إلى أهل الكوفة: # من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين. # سلام عليكم. # أما بعد: # فإن هانئ بن هانئ وسعيد بن عبد الله قد ما علي من رسلكم، وقد فهمت ما ~~اقتصصتم، ولست اقصر عما أحببتم، وقد أرسلت إليكم أخي وابن عمي مسلم بن عقيل ~~بن أبي طالب، وقد أمرت أن يكتب إلي بحالكم ورأيكم، وهو متوجه إلى ما قبلكم ~~إن شاء الله، فإن كنتم على ما ms413 قدمت به رسلكم فقوموا مع ابن عمي وبايعوه ولا ~~تخذلوه، فلعمري ما الامام العامل بالكتاب والعادل (2) بالقسط كالذي يحكم ~~بغير الحق، جمعنا الله وإياكم على الهدى، وألزمنا وإياكم كلمة التقوى، ~~والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (3) PageV02P171 ### | فصل في إرسال مسلم بن عقيل إلى الكوفة ### ||| [خروج مسلم بن عقيل من مكة قاصدا المدينة ومنها إلى الكوفة] # ثم دعا الحسين (عليه السلام) بمسلم بن عقيل رضي الله عنه ودفع إليه ~~الكتاب وقال: إني موجهك إلى أهل الكوفة، وهذه كتبهم إلي، وسيقضي الله من ~~أمرك ما يحب ويرضى، وأنا أرجو أن أكون أنا وأنت في درجة الشهداء، فامض على ~~بركة الله وعونه حتى تدخل الكوفة، فإذا دخلتها فانزل عند أوثق أهلها وادع ~~الناس إلى طاعتي، فإن رأيت الناس مجتمعين على بيعتي فعجل علي بالخبر حتى ~~أعمل على حسب ذلك إن شاء الله تعالى. # قال: ثم عانقه الحسين وبكيا جميعا، وكان الحسين (عليه السلام) ينظر إلى ~~مصرعه، فخرج مسلم من مكة قاصدا المدينة مستخفيا لئلا يعلم به بنو امية، ~~فلما دخل المدينة بدأ بمسجد النبي (صلى الله عليه وآله) فصلى عنده، ثم ~~أقبل (1) في جوف الليل، فودع أهل بيته، ثم استأجر دليلين من قيس عيلان ~~يدلانه على الطريق، ويمضيان به إلى الكوفة على غير الجادة، فخرج الدليلان ~~به من المدينة ليلا وسارا فأضلا الطريق، واشتد بهما العطش فماتا عطشا، وسار ~~(2) مسلم ومن معه إلى الماء وقد كادوا أن يهلكوا عطشا، ### ||| [كتاب مسلم إلى الحسين (عليه السلام) وجوابه] # فكتب مسلم إلى الحسين (عليه السلام): PageV02P172 # [بسم الله الرحمن الرحيم] (1) أما بعد: # فإني خرجت من المدينة ليلا مع دليلين استأجرتهما فضلا عن الطريق واشتد ~~بهما العطش فماتا، ثم صرنا إلى الماء بعد ذلك- وقد كدنا نهلك- وأصبنا الماء ~~بموضع يقال له «المضيق» وقد تطيرت من وجهي، فرأيك في إعفائي. # فعلم الحسين (عليه السلام) أنه قد تشأم وتطير، فكتب إليه: # [بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى مسلم بن عقيل] (2) أما بعد: # فقد خشيت أن لا يكون حملك على ms414 الكتاب إلي والاستعفاء من وجهك إلا الجبن ~~والفشل، فامض لما امرت به. # فلما وصل الكتاب إليه وجد هما وحزنا في نفسه، ثم قال: لقد نسبني أبو عبد ~~الله إلى الجبن، ثم سار مسلم حتى دخل الكوفة. (3) ### ||| [كتاب الحسين (عليه السلام) إلى أشراف البصرة] # وكتب الحسين (عليه السلام) كتابا إلى أشراف البصرة مع مولى له يقال له ~~سليمان ويكنى أبا رزين يدعوهم فيه إلى نصرته ولزوم طاعته؛ منهم: يزيد بن ~~مسعود النهشلي، والمنذر بن الجارود العبدي، فجمع يزيد بن مسعود بني تميم ~~وبني حنظلة وبني سعد، فلما حضروا قال: يا بني تميم، كيف ترون موضعي فيكم، ~~وحسبي منكم؟ PageV02P173 # قالوا: بخ بخ، أنت والله فقرة الظهر، ورأس الفخر، حللت في الشرف وسطا، ~~وتقدمت فيه فرطا. # قال: فإني قد جمعتكم لأمر اريد أن اشاوركم فيه وأستعين بكم عليه. # فقالوا: والله إنا نمنحك النصيحة، ونجهد لك الرأي، فقل نسمع. # فقال: إن معاوية مات فأهون به هالكا مفقودا، وإنه قد انكسر باب (1) ~~الجور، وتضعضعت أركان الظلم، وقد كان أحدث بيعة عقد بها أمرا ظن أنه قد ~~أحكمه، وهيهات بالذي أراد، اجتهد إليه ففشل، وشاور فخذل، وقد قام يزيد- ~~شارب الخمر ورأس الفجور- يدعي الخلافة على المسلمين، ويتأمر عليهم، مع قصر ~~حلم، وقلة علم، لا يعرف من الحق موطئ قدمه، فاقسم بالله قسما مبرورا ان ~~الجهاد في الدين أفضل من جهاد المشركين. # وهذا الحسين بن علي ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ذو الشرف ~~الأصيل والرأي الأثيل، [له] (2) فضل لا يوصف، وعلم لا ينزف، وهو أولى بهذا ~~الأمر لسابقته وسنه وقدمه وقرابته، يعطف على الصغير، ويحنو على الكبير، ~~فأكرم به راعي رعية، وإمام قوم وجبت لله به الحجة، وبلغت به الموعظة، فلا ~~تعشوا عن نور الحق، ولا تسكعوا (3) في وهدة الباطل، فقد كان صخر بن قيس قد ~~انخذل (4) بكم يوم الجمل، فاغسلوها بخروجكم إلى ابن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) ونصرته، والله لا يقصر أحد عن نصرته إلا أورثه الله الذل في ولده، PageV02P174 # والقلة في ms415 عشيرته، وها أنا ذا قد لبست للحرب لامتها، وأدرعت لها بدرعها، ~~من لم يقتل يمت، ومن يهرب لم يفت، فأحسنوا رحمكم الله في رد الجواب. # فتكلمت بنو حنظلة، فقالوا: يا أبا خالد، نحن نبل كنانتك، وفرسان عشيرتك، ~~إن رميت بنا أصبت، وإن غزوت بنا فتحت، لا تخوض والله غمرة إلا خضناها، ولا ~~تلقى والله شدة إلا لقيناها، نصول (1) بأسيافنا، ونقيك بأبداننا. # وتكلمت بنو سعد بن زيد، فقالوا: يا أبا خالد، إن أبغض الأشياء إلينا ~~مخالفتك والخروج من رأيك (2)، وقد كان صخر بن قيس أمرنا بترك القتال ~~فحمدنا أمرنا وبقي عزنا فينا، فأمهلنا نراجع المشورة ويأتيك رأينا. # وتكلمت بنو عامر بن تميم، فقالوا: يا أبا خالد، نحن بنو أبيك وخلفاؤك ~~(3)، ولا نرضى إن غضبت، ولا نقطن إن ضعنت، والأمر إليك، فادعنا نجبك، ~~وأمرنا نطعك، والأمر لك إذا شئت. ### ||| [جواب يزيد بن مسعود النهشلي للحسين (عليه السلام)] # فقال: والله يا بني سعد، لئن فعلتموها لا رفع الله السيف عنكم أبدا، ولا ~~زال سيفكم فيكم. ثم كتب إلى الحسين (عليه السلام): # بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: # فقد وصل إلي كتابك، وفهمت ما ندبتني إليه ودعوتني له بالأخذ بحظي من ~~طاعتك، والفوز بنصيبي من نصرتك، وأن الله لم يخل الأرض قط من عامل PageV02P175 # عليها بخير، أو دليل على سبيل نجاة، وأنتم حجة الله على الخلق ووديعته في ~~أرضه، تفرعتم من زيتونة أحمدية، هو أصلها، وأنتم فرعها، فأقدم سعدت بأسعد ~~طائر، فقد ذللت لك أعناق بني تميم وتركتهم أشد تتابعا في طاعتك من الإبل ~~الظماء لورود الماء يوم خمسها، وقد ذللت لك بني سعد وغسلت درك صدورها بماء ~~سحابة مزن حين استهل برقها يلمع (1). # فلما قرأ الحسين (عليه السلام) الكتاب، قال: مالك آمنك الله يوم الخوف، ~~وأعزك وأرواك يوم العطش، فلما تجهز المشار إليه للخروج إلى الحسين (عليه ~~السلام) بلغه قتله قبل أن يسير، فجزع (2) من انقطاعه عنه. # وأما المنذر بن الجارود خاف أن يكون الكتاب دسيسا من عبيد الله بن زياد، ~~وكانت بحرية ms416 ابنة المنذر بن الجارود تحت عبيد الله بن زياد فأخذ المنذر ~~الرسول والكتاب وأتى به إلى عبيد الله بن زياد فقتله، ثم صعد المنبر فخطب ~~وتوعد الناس من أهل البصرة على الخلاف وإثارة الإرجاف. ### ||| [دخول مسلم الكوفة واختلاف الناس إليه] # ثم بات تلك الليلة، فلما أصبح استناب أخاه عثمان بن زياد على البصرة، ~~وأسرع هو إلى الكوفة. (3) ولما دخل مسلم الكوفة- وكان قبل وصول ابن زياد ~~إليها- نزل في دار مسلم (4) بن المسيب، وهي دار المختار بن أبي عبيدة ~~الثقفي. # قال: وجعلت الشيعة تختلف إليه وهو يقرأ عليهم كتاب الحسين عليه PageV02P176 # السلام، والقوم يبكون شوقا منهم إلى مقدم الحسين (عليه السلام)، ثم تقدم ~~إلى مسلم رجل من همذان يقال له عابس الشاكري، فقال: # أما بعد، فإني لا اخبرك عن الناس بشيء، فإني لا أعلم ما في أنفسهم، ~~ولكني اخبرك عما أنا موطن عليه نفسي، والله لأجيبنكم إذا دعوتم، ولاقاتلن ~~معكم عدوكم، ولأضربن بسيفي دونكم حتى ألقى الله، لا اريد بذلك إلا ما عنده. # ثم قام حبيب بن مظاهر الأسدي الفقعسي، فقال: أنا والله الذي لا إله إلا ~~هو على مثل ما أنت عليه. # قال: وتتابعت الشيعة على كلام هذين الرجلين، ثم بذلوا لمسلم الأموال، فلم ~~يقبل منها (1) شيئا. ### ||| [خطبة النعمان بن بشير في الناس بعد سماعه بقدوم مسلم] # قال: وبلغ النعمان بن بشير قدوم مسلم واجتماع الشيعة إليه وهو يومئذ أمير ~~الكوفة، فخرج من قصر الامارة مغضبا حتى دخل المسجد الأعظم، فنادى في الناس ~~وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: # أما بعد، يا أهل الكوفة، اتقوا الله ربكم ولا تسارعوا إلى الفتنة ~~والفرقة، فإن فيها سفك الدماء، وقتل الرجال، وذهاب الأموال، واعلموا أني ~~لست اقاتل إلا من قاتلني، ولا أثب إلا من وثب علي، ولا انبه نائمكم، فإن ~~أنتم انتهيتم عن ذلك ورجعتم وإلا فو الله الذي لا إله إلا هو لأضربنكم ~~بسيفي ما بقي قائمه في يدي (2)، ولو لم يكن منكم ناصر، إني أرجو أن يكون ~~من يعرف الحق ms417 منكم أكثر ممن يريد الباطل. PageV02P177 ### ||| [كتاب عبد الله بن مسلم إلى يزيد يخبره بقدوم مسلم إلى الكوفة وحثه على استبدال عامله على الكوفة] # فقام إليه عبد الله بن مسلم (1) بن سعيد الحضرمي فقال: أيها الأمير، إن ~~هذا الذي (2) أنت عليه من رأيك إنما هو رأي المستضعفين. # فقال له النعمان بن بشير: يا هذا، والله لأن أكون مستضعفا (3) في طاعة ~~الله تعالى أحب إلي من أن أكون من الغاوين في معصية الله، ثم نزل عن ~~المنبر، ودخل القصر، فكتب عبد الله بن مسلم (4) إلى يزيد لعنه الله: # [بسم الله الرحمن الرحيم] (5) لعبد الله يزيد أمير المؤمنين من شيعته من ~~أهل الكوفة. # أما بعد: # إن مسلم بن عقيل قدم الكوفة، وقد بايعته الشيعة للحسين (عليه السلام) وهم ~~خلق كثير، فإن كانت لك بالكوفة حاجة فابعث إليها رجلا قويا ينفذ فيها أمرك، ~~ويعمل فيها كعملك في عدوك، فإن النعمان بن بشير ضعيف أو هو مستضعف (6)، ~~والسلام. ### ||| [كتاب يزيد إلى عبيد الله بن زياد يوليه فيه على الكوفة] # وكتب إليه عمارة بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط وعمر بن سعد بن أبي وقاص ~~بمثل ذلك، فلما اجتمعت الكتب عند يزيد لعنه الله دعا بغلام كان لأبيه يقال ~~له سرجون فأعلمه بما ورد عليه، فقال له: اشير عليك بما تكره. PageV02P178 # قال: وإن كرهت. # قال: استعمل عبيد الله بن زياد على الكوفة. # قال: إنه لا خير فيه- وكان يزيد يبغضه- فأشر بغيره، فقال: لو كان معاوية ~~حاضرا أكنت تقبل منه؟ # قال: نعم. # قال: فهذا عهد عبيد الله على الكوفة، أمرني معاوية أن أكتبه فكتبته ~~وخاتمه عليه، فمات وبقي العهد عندي. # قال: ويحك قد أمضيته (1)، ثم كتب: # من عبد الله يزيد إلى عبيد الله بن زياد. # سلام عليك. # أما بعد: # فإن الممدوح مسبوب يوما، والمسبوب ممدوح يوما، ولك مالك، وعليك ما عليك، ~~وقد انتميت ونميت إلى كل منصب، كما قال الأول: # رفعت فجاوزت السحاب برفعة %~% فمالك إلا مقعد الشمس مقعد # وقد ابتلي زمانك بالحسين من بين الأزمان، وابتلي ms418 [به] (2) بلدك من دون ~~البلدان، وابتليت به من بين العمال، وفي هذه تعتق أو تكون عبدا تعبد كما ~~تعبد العبيد، وقد أخبرتني شيعتي من أهل الكوفة ان مسلم بن عقيل في الكوفة ~~يجمع الجموع، ويشق عصا المسلمين، وقد اجتمع إليه خلق كثير من شيعة أبي PageV02P179 # تراب، فإذا أتاك كتابي هذا فسرحين تقرأه حتى تقدم الكوفة فتكفيني أمرها ~~فقد ضممتها إليك، وجعلتها زيادة في عملك، فاطلب مسلم بن عقيل طلب الخرز، ~~فإذا ظفرت به فخذ بيعته أو اقتله إن لم يبايع، واعلم أنه لا عذر لك عندي ~~دون ما أمرتك، فالعجل العجل، الوحاء (1) الوحاء، والسلام. ### ||| [مسير ابن زياد إلى الكوفة] # ثم دفع الكتاب إلى مسلم بن عمرو الباهلي وأمره أن يسرع [السير إلى عبيد ~~الله] (2)، فلما ورد الكتاب على ابن زياد وقرأه أمر بالجهاز وتهيأ للمسير ~~وقد كان الحسين قد كتب إلى أهل البصرة كما أشرنا أولا. # فسار وفي صحبته مسلم بن عمرو الباهلي، والمنذر بن جارود، وشريك ابن عبد ~~الله الهمداني، فلما وصل قريب الكوفة نزل، فلما أمسى دعا بعمامة سوداء ~~فاعتم بها متلثما، ثم تقلد سيفه، وتوشح قوسه، وأخذ في يده قضيبا، واستوى ~~على بغل له، وركب معه أصحابه، وأقبل حتى دخل من طريق البادية، وذلك في ليلة ~~مقمرة والناس متوقعون قدوم الحسين (عليه السلام)، وهم لا يشكون انه الحسين ~~فهم يمشون بين يديه ويقولون: مرحبا بك يا ابن رسول الله، قدمت خير مقدم. # فرأى عبيد الله بن زياد من إرادة (3) الناس بالحسين ما ساءه، فسكت ولم ~~يكلمهم، فتكلم مسلم بن عمرو الباهلي، وقال: إليكم عن الأمير يا ترابية، ~~فليس هذا من تظنون، هذا عبيد الله بن زياد. # فتفرق الناس عنه، وتحصن النعمان بن بشير وهو يظنه الحسين، فجعل PageV02P180 # يناشده الله والفتنة، وهو ساكت من وراء الحائط، ثم قال له: افتح الباب ~~عليك لعنة الله، وسمعها جماعة، فصاحوا: ابن مرجانة والله، وفتح الباب، ~~وتفرق الناس، ونودي بالصلاة جامعة، فاجتمع الناس فخرج ابن زياد وقام خطيبا، ~~وقال: إن أمير المؤمنين ms419 يزيد ولاني مصركم وثغركم، وأمرني بإنصاف المظلوم ~~منكم، وإعطاء محرومكم، والاحسان إلى سامعكم، والشدة على مريبكم، وأنا متبع ~~أمره، ومنفذ فيكم عهده، فأنا لمحبكم ومطيعكم كالوالد البار، وسيفي وسوطي ~~على من ترك أمري. # وسمع مسلم بن عقيل بمجيء ابن زياد ومقالته، فانتقل عن موضعه حتى أتى دار ~~هانئ بن عروة المذحجي (1)، فدخل، ثم أرسل إليه: إني أتيتك لتجيرني وتؤويني ~~لأن ابن زياد قدم الكوفة، فاتقيته على نفسي، فخرج إليه هانئ وقال: لقد ~~كلفتني شططا، ولو لا دخولك [داري] (2) لأحببت أن تنصرف عني، غير أني أجد ~~ذلك عارا علي أن يكون رجلا أتاني مستجيرا فلا اجيره، انزل على بركة الله. # وجعل عبيد الله يسأل عن مسلم ولا يجد أحدا يرشده إليه، وجعلت الشيعة ~~تختلف إلى مسلم في دار هانئ ويبايعونه للحسين سرا، ومسلم بن عقيل يكتب ~~أسماءهم عنده ويأخذ عليهم العهود ألا ينكثوا ولا يغدروا حتى بايعه أكثر من ~~عشرين ألفا، وهم مسلم أن يثب بعبيد الله بن زياد فمنعه هانئ، وقال: جعلت ~~فداك، لا تعجل فإن العجلة لا خير فيها. PageV02P181 # ودعا عبيد الله مولى له يقال له معقل، وقال له: هذه ثلاثة آلاف (1) درهم ~~خذها إليك والتمس مسلم بن عقيل حيث ما كان من الكوفة، فإذا علمت (2) موضعه ~~فادخل عليه وأعلمه أنك من الشيعة وعلى مذهبه، وادفع إليه هذه الدراهم، وقل: ~~استعن بها على عدوك، فإنك إذا دفعت إليه الدراهم وثق ولم يكتمك من أمره ~~شيئا، ثم اغد علي بالأخبار. # فأقبل معقل حتى دخل المسجد الأعظم، فنظر إلى رجل من الشيعة يقال له مسلم ~~بن عوسجة، فجلس إليه، ثم قال: يا عبد الله، أنا رجل من أهل الشام غير أني ~~احب أهل هذا البيت، ومعي ثلاثة آلاف درهم أحببت أن أدفعها إلى رجل بلغني ~~انه قدم إلى بلدكم هذا ليأخذ البيعة لابن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ~~فإن رأيت أن تدلني عليه حتى أدفع إليه المال الذي معي وابايعه، وإن شئت فخذ ~~بيعتي قبل أن تدخلني (3) عليه. # قال: فظن ms420 مسلم أن القول على ما يقوله: فأخذ عليه الأيمان المغلظة والعهود ~~انه ناصح ويكون عونا لابن عقيل على ابن زياد، وأعطاه معقل من العهود ما وثق ~~به مسلم بن عوسجة. # وكان شريك بن عبد الله الأعور الهمداني قد نزل في دار هانئ (4)، وكان ~~يرى رأي علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وحكى معجزاته (عليه السلام)، ثم ~~مرض شريك في دار هانئ وعزم ابن زياد أن يصير إليه، ودعا شريك مسلما PageV02P182 # بن عقيل، وقال له: غدا يأتيني هذا الفاسق عائدا، وإني اشاغله بالكلام ~~فاخرج عليه واقتله، واجلس في قصر الامارة، وإن أنا عشت فسأكفيك أمر البصرة، ~~ثم جاء ابن زياد حين أصبح عائدا شريك فجعل يسأله، فهم مسلم بن عقيل أن يخرج ~~عليه فيقتله، فمنعه هانئ عن الخروج، وقال: في داري نسوة وصبية، وإني لا آمن ~~الحدثان، وجعل شريك يقول: # ما الانتظار بسلمى أن تحييها %~% حي سليمى وحي من يحييها # هل شربة عندها اسقى على ظمأ %~% وإن تلفت وكانت منيتي فيها # (1) فقال ابن زياد: ما يقول الشيخ؟ # فقيل: إنه مبرسم (2)، فوقع في قلب ابن زياد أمر، فركب من فوره ورجع إلى ~~القصر، وخرج مسلم بن عقيل إلى شريك من داخل البيت، فقال: ما منعك من الخروج ~~إلى الفاسق وقد أمرتك بقتله؟ فقال: [منعني من ذلك] (3) حديث سمعته من عمي ~~علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: لا إيمان لمن قتل بالغدر مسلما (4)، ~~فلم احب أن أقتله به في منزل هذا الرجل. # فقال شريك: أما لو قتلته قتلت فاسقا فاجرا منافقا كافرا. PageV02P183 # قال: فلم يلبث (1) شريك بعدها إلا ثلاثا حتى مات (رحمه الله)، وكان من ~~خيار الشيعة وعبادها، وكان يكتم الايمان تقية. # وخرج ابن زياد فصلى على شريك ورجع إلى القصر، فلما كان من الغد أقبل معقل ~~على مسلم بن عوسجة وقال: إنك كنت وعدتني أن تدخلني على هذا الرجل لأدفع ~~إليه هذا المال فما الذي بدا لك؟ # فقال: إنا اشتغلنا بموت هذا الرجل وكان من خيار الشيعة. # فقال معقل: أو مسلم ms421 بن عقيل في دار هانئ؟ # قال: نعم. # قال: قم بنا إليه حتى أدفع إليه هذا المال، فأخذ بيده وأدخله على مسلم، ~~فرحب به وأدناه، وأخذ بيعته وأمر بقبض ما معه من المال، وأقام معقل في دار ~~هانئ بقية يومه حتى أمسى، ثم أتى ابن زياد فخبره الخبر، فبقي ابن زياد ~~متعجبا لذلك، ثم قال لمعقل: اختلف كل يوم إلى مسلم ولا تنقطع عنه فإنك إن ~~قطعته استراب وخرج من منزل هانئ فالقى في طلبه عناء. # ثم دعا ابن زياد محمد بن الأشعث لعنه الله وأسماء بن خارجة الفزاري وعمرو ~~بن الحجاج، وكانت رويحة بنت عمرو تحت هانئ، فقال ابن زياد: # خبروني ما الذي يمنع هانئ من المصير إلينا؟ # فقالوا: أصلح الله الأمير، إنه مريض. # فقال ابن زياد: إنه كان مريضا غير أنه برأ، وجلس على باب داره، فلا عليكم ~~أن تصيروا إليه وتأمروه أن لا يدع ما يجب عليه من حقنا. PageV02P184 # فقالوا: نفعل ذلك، فبينا عبيد الله بن زياد مع هؤلاء القوم في المحاورة ~~إذ دخل عليه رجل من أصحابه يقال له مالك بن يربوع التميمي، فقال: أصلح الله ~~الأمير، إني كنت خارج الكوفة أجول على فرسي إذ نظرت إلى رجل خرج من الكوفة ~~مسرعا يريد البادية فأنكرته، ثم إني لحقته وسألته عن حاله، فذكر انه من أهل ~~المدينة، ثم نزلت عن فرسي ففتشته، فأصبت معه هذا الكتاب، فأخذه ابن زياد ~~ففضه فإذا فيه: # بسم الله الرحمن الرحيم إلى الحسين بن علي. # أما بعد: # فإني اخبرك انه بايعك من أهل الكوفة نيفا على عشرين ألف رجل، فإذا أتاك ~~كتابي فالعجل العجل، فإن الناس كلهم معك، وليس لهم في يزيد هوى. # فقال ابن زياد: أين هذا الرجل الذي أصبت (1) معه الكتاب؟ # قال: هو بالباب. # فقال: ائتوني به، فلما وقف بين يديه، قال: ما اسمك؟ # قال: عبد الله بن يقطين (2). # قال: من دفع إليك هذا الكتاب؟ # قال: دفعته إلي امرأة لا أعرفها، فضحك ابن زياد، وقال: اختر أحد اثنتين: ~~إما أن تخبرني ms422 من دفع إليك الكتاب، أو القتل؟ PageV02P185 # فقال: أما الكتاب فإني لا اخبرك، وأما القتل فإني لا أكرهه لأني لا أعلم ~~قتيلا عند الله أعظم أجرا ممن يقتله مثلك. # قال: فأمر به، فضربت عنقه رضي الله عنه. ### ||| [إحضار هانئ عند ابن زياد] # ثم أقبل على محمد بن الأشعث وعمرو بن الحجاج وأسماء بن خارجة، وقال: ~~صيروا إلى هانئ فاسألوه أن يصير إلينا فإنا نريد مناظرته، فأتوا هانئ وهو ~~جالس على باب داره، فسلموا عليه، وقالوا: ما يمنعك من إتيان الأمير وقد ذكر ~~غير مرة؟ # فقال: ما منعني من المصير إليه إلا العلة. # فقالوا: صدقت، ولكنه بلغه انك تقعد على باب دارك في كل عشية، وقد استبطأك ~~والابطاء والجفاء لا يحتمله السلطان، ونحن نقسم عليك إلا ما ركبت معنا، ~~فدعا هانئ بثيابه فلبسها، ثم ركب وسار مع القوم حتى إذا صار بباب القصر كأن ~~نفسه أحست بالشر فالتفت إلى حسان بن أسماء، فقال: يا ابن أخي، إن نفسي ~~تحدثني بالشر. # فقال حسان: سبحان الله يا عم! ما أتخوف عليك فلا تحدثن نفسك بشيء، ثم ~~دخل القوم على ابن زياد، فلما نظر إليهم من بعيد التفت إلى شريح القاضي ~~وكان في مجلسه، فقال: «أتتك بخائن رجلاه» (1)، وأنشد: # اريد حياته ويريد قتلي %~% خليلي من عذيري (2)من مراد # فقال هانئ: وما ذاك، أيها الأمير؟ PageV02P186 # فقال: يا هانئ، جئت بمسلم بن عقيل وجمعت له الرجال والسلاح في الدور ~~حولك، وظننت أن ذلك يخفى علي؟ # قال هانئ: ما فعلت. # فقال ابن زياد: بل فعلت، ثم استدعى بمعقل حتى وقف بين يديه، فقال ابن ~~زياد: أتعرف هذا؟ # فنظر هانئ إلى معقل فعلم أنه كان عينا عليهم، فقال هانئ: أصلح الله ~~الأمير، والله ما بعثت إلى مسلم ولا دعوته، ولكنه جاءني مستجيرا فاستحييت ~~من رده وأخذني من ذلك ذمام، فأما إذ علمت فخل سبيلي حتى أرجع إليه وآمره أن ~~يخرج من داري، واعطيك من العهود والمواثيق ما تثق به اني أرجع إليك واضع ~~يدي في يدك. # فقال ابن زياد: ms423 والله لا تفارقني أو تأتيني بمسلم. # فقال: إذا والله لا آتيك به، أنا آتيك بضيفي تقتله أيكون هذا في العرب؟! ~~فقال ابن زياد: والله لتأتيني به. # فقال هانئ: والله لا آتيك به. # قال: فتقدم مسلم بن عمرو الباهلي، فقال: أصلح الله الأمير، ائذن لي في كلامه. # فقال: كلمه بما أحببت ولا تخرجه من القصر، فأخذ مسلم بن عمرو بيد هانئ ~~فنحاه ناحية، فقال: ويحك يا هانئ انشدك الله (1) ان تقتل نفسك PageV02P187 # وتدخل البلاء على عشيرتك بسبب مسلم، يا هانئ سلمه إليه فإنه لا يقدم عليه ~~بالقتل، واخرى انه ليس عليك من ذلك ملامة فإنه سلطان. # فقال هانئ: بلى والله علي من ذلك أعظم عار وأكبر (1) خزي إن اسلم جاري ~~وضيفي، ورسول ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنا حي صحيح الساعدين ~~(2)، كثير الأعوان، والله لو لم أكن إلا وحدي لا ناصر لي لما سلمت أبدا ~~ضيفي حتى أموت دونه، فرده مسلم بن عمرو إلى ابن زياد وقال: أيها الأمير، ~~إنه أبى أن يسلم مسلما أو يقتل، فغضب ابن زياد، وقال: ائتيني به وإلا ضربت عنقك. # فقال: والله إذا تكثر البارقة حول دارك. # فقال ابن زياد: أبا لبارقة تخوفني؟ ثم أخذ قضيبا كان بين يديه فضرب به ~~وجه هانئ حتى كسر أنفه وشج حاجبه. # قال: وضرب هانئ بيده إلى قائم سيف من سيوف أصحاب عبيد الله فجاذبه الرجل ~~ومنعه من السيف، وصاح ابن زياد: خذوه، فأخذوه وألقوه في بيت من بيوت القصر ~~وأغلقوا عليه بابه. # قال: فوثب أسماء بن خارجة، فقال: أيها الأمير أمرتنا بالرجل أن نأتيك به، ~~فلما جئناك به هشمت وجهه وسيلت دمه. # قال: وأنت هاهنا أيضا، فأمر به فضرب حتى وقع لجنبه، فجلس أسماء ابن خارجة ~~ناحية من القصر وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، إلى نفسي PageV02P188 # أنعاك يا هانئ. # قال: وبلغ ذلك الخبر إلى مذحج فركبوا بأجمعهم وعليهم عمرو بن الحجاج ~~فوقفوا بباب القصر، ونادى عمرو: يا ابن زياد، هذه فرسان مذحج لم نخلع طاعة ms424 ~~ولا فارقنا جماعة، فلم تقتل صاحبنا؟ # فقال ابن زياد لشريح: ادخل على صاحبهم، فانظر إليه، ثم اخرج إليهم ~~وأعلمهم أنه لم يقتل. # قال شريح: فدخلت عليه، فقال: ويحكم هلكت عشيرتي، أين أهل الدين فينقذوني ~~من يد عدوهم وابن عدوهم؟ [ثم قال] (1) والدماء تسيل على لحيته: يا شريح، ~~هذه أصوات عشيرتي أدخل منهم عشرة ليروني وينقذوني، فلما خرجت تبعني حمير بن ~~بكير وقد بعثه ابن زياد علي عينا، فلو لا مكانه لأخبرت القوم بخبره. # قال: فخرج شريح، فقال: يا هؤلاء، لا تعجلوا بالفتنة، فإن صاحبكم لم يقتل، ~~فانصرف القوم. # ثم خرج ابن زياد حتى دخل المسجد الأعظم، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى ~~عليه، ثم التفت فنظر إلى أصحابه عن يمين المنبر وشماله في أيديهم الأعمدة ~~والسيوف، فقال: أما بعد، يا أهل الكوفة، اعتصموا بطاعة الله ورسوله وطاعة ~~أئمتكم، ولا تختلفوا فتهلكوا وتندموا وتذلوا وتقهروا، ولا يجعلن أحد على ~~نفسه سبيلا، وقد أعذر من أنذر، فما أتم الخطبة حسنا حتى سمع الصيحة، فقال: ~~ما هذا؟ PageV02P189 ### ||| [هجوم مسلم على قصر ابن زياد] # فقيل: أيها الأمير، الحذر الحذر، فهذا مسلم بن عقيل قد أقبل في جميع من ~~(1) بايعه، فنزل عن المنبر مسرعا وبادر حتى دخل القصر وأغلق عليه الأبواب، ~~فأقبل مسلم بن عقيل ومعه ثمانية عشر ألفا أو يزيدون، وبين يديه الأعلام ~~والسلاح وهم مع ذلك يلعنون ابن زياد ويزيد وزياد، وكان شعارهم: # «يا منصور أمت». # وكان مسلم قد عقد لعبد الله الكندي على كندة وقدمه أمام الخيل، وعقد ~~لمسلم بن عوسجة على مذحج [وأسد] (2)، وعقد لأبي تمامة بن عمر الصائدي على ~~تميم وهمدان، وعقد لعباس بن جعدة الجدلي على أهل المدينة، وأقبل مسلم يسير ~~حتى أحاط بالقصر وليس في القصر إلا نحوا من ثلاثين رجلا من الشرط، ومقدار ~~عشرين من الأشراف، وركب أصحاب ابن زياد واختلط القوم واقتتلوا قتالا شديدا، ~~وابن زياد في جماعة من الأشراف قد وقفوا على جدار القصر ينظرون إلى محاربة الناس. # قال: وجعل رجل من أصحاب ابن زياد يقال ms425 له كثير بن شهاب ومحمد ابن الأشعث ~~والقعقاع بن شور (3) وشبث بن ربعي ينادون بأعلى أصواتهم من فوق القصر: ألا ~~يا شيعة الحسين، الله الله في أنفسكم وأهاليكم وأولادكم، فإن جنود الشام قد ~~أقبلت، وإن الأمير عبيد الله قد عاهد الله لئن أقمتم على حربكم ولم تنصرفوا ~~من يومكم ليحرمنكم العطاء، وليفرقن مقاتليكم في مغازي أهل الشام، وليأخذن ~~البريء بالسقيم، والشاهد بالغائب حتى لا يبقي منكم بقية من PageV02P190 # أهل المعصية إلا أذاقها وبال أمرها. ### ||| [وصول مسلم إلى دار طوعة بعد أن خذله من معه] # فلما سمع الناس ذلك جعلوا يتسللون ويتخاذلون عن مسلم، ويقول بعضهم لبعض: ~~ما نصنع بتعجيل الفتنة وغدا تأتينا جموع أهل الشام؟ ينبغي لنا أن نقعد في ~~منازلنا وندع هؤلاء القوم حتى يصلح الله ذات بينهم. # قال: وكانت المرأة تأتي أخاها وابنها وزوجها وأباها فتشرده من بين القوم ~~وتقول: ما لنا وللدخول بين السلاطين، فجعل القوم يتسللون والنهار يمضي، فما ~~غابت الشمس حتى بقي مع مسلم عشرة من أصحابه، واختلط الظلام فدخل مسلم ~~المسجد الأعظم ليصلي المغرب فتفرقت عنه العشرة، فلما رأى ذلك استوى على ~~فرسه ومضى في بعض الأزقة وقد اثخن بالجراح لا يدري أين يذهب، حتى صار إلى ~~امرأة يقال لها طوعة، وقد كانت قبل ذلك أم ولد للأشعث بن قيس فتزوجها رجل ~~يقال له اسيد الخضرمي، فولدت له بلال بن اسيد، وكانت المرأة واقفة بباب ~~دارها تنتظر ابنها، فسلم عليها مسلم، فردت عليه. # فقال: يا أمة الله، اسقيني، فسقته، فجلس على بابها. # فقالت: يا عبد الله، ما شأنك، ألست قد شربت؟ # فقال: بلى، ولكني ما لي في الكوفة من منزل، وإني لغريب قد خذلني من كنت ~~أثق به، فهل لك في معروف تصطنعيه إلي؟ فإني من أهل بيت شرف وكرم، ومثلي من ~~يكافئ بالاحسان. # فقالت: ومن أنت؟ # فقال: يا هذه، ذري عنك التفتيش وأدخليني منزلك فعسى الله أن PageV02P191 # يكافيك عنا بالحسنى. # فقالت: يا عبد الله، خبرني باسمك، فإني أكره أن تدخل منزلي من قبل ms426 معرفة ~~خبرك، وهذه الفتنة قائمة، وهذا اللعين ابن زياد بالكوفة. # فقال لها: أنا مسلم بن عقيل. # فقالت المرأة: قم فادخل، فأدخلته منزلها فجاءته بالمصباح، وأتته بالطعام ~~فأبى أن يأكل، فلم يكن بأسرع من أن جاء ولدها، فلما دخل رأى من امه أمرا ~~منكرا من دخولها ذلك البيت وخروجها وهي تبكي. # فقال لها: يا اماه، ما قضيتك (1)؟ # فقالت: يا بني، اقبل على شأنك، فلما ألح عليها قالت: يا بني، إني اخبرك ~~بأمر فلا تفشيه، هذا مسلم بن عقيل في ذلك البيت، وكان من قضيته (2) كذا ~~وكذا، فسكت الغلام ولم يقل شيئا، ثم أخذ مضجعه. # فلما أصبح ابن زياد نادى في الناس أن يجتمعوا، ثم خرج من القصر فدخل ~~المسجد وصعد المنبر، وقال: أيها الناس، إن مسلم بن عقيل السفيه أتى هذه ~~البلدة، فأظهر الخلاف وشق العصا، وقد برئت الذمة من رجل أصبناه في داره، ~~ومن جاء به فله ديته، والمنزلة الرفيعة من أمير المؤمنين يزيد، وله في كل ~~يوم حاجة مقضية، ثم نزل عن المنبر ودعا بالحصين بن نمير، فقال: ثكلتك امك ~~إن فاتتك سكة من سكك الكوفة ان لم تضيق على أهلها أو يهدوك إلى مسلم، فو ~~الله لئن خرج من الكوفة سالما لتزهقن أنفسنا في طلبه، فانطلق الآن PageV02P192 # فقد سلطتك على دور الكوفة وسككها، فانصب المراصد، وجد (1) في الطلب حتى ~~تأتيني بهذا الرجل. ### ||| [إرسال الجيش لمحاصرة مسلم في دار طوعة] # وأقبل محمد بن الأشعث حتى دخل على ابن زياد، فلما رآه رحب به، وأقبل ابن ~~تلك المرأة التي مسلم في دارها إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فخبره ~~بمكان مسلم في دار طوعة، ثم تنحى. # فقال ابن زياد: ما الذي سارك يا عبد الرحمن؟ # فقال: أصلح الله الأمير، البشارة الكبرى. # فقال: وما ذاك؟ فأخبره الخبر، فسر عدو الله، وقال: قم فائتني به ولك ما ~~بذلت من الجائزة والحظ الأوفر (2)، ثم أمر ابن زياد خليفته عمرو بن حريث ~~لعنه الله أن يرسل مع محمد بن الأشعث ثلاثمائة رجل من ms427 صناديد أصحابه، فركب ~~محمد بن الأشعث حتى وافى الدار. # وسمع مسلم وقع حوافر الخيل وأصوات الرجال فعلم أنه قد اتي، فبادر مسرعا ~~إلى فرسه فأسرجه وألجمه، وأفرغ عليه لامة حربه، وتقلد بسيفه، والقوم يرمون ~~الدار بالحجارة، ويلهبون النار في أطراف (3) القصب، فتبسم مسلم، ثم قال: ~~يا نفس، اخرجي إلى الموت الذي ليس منه محيص، ثم قال للمرأة: رحمك الله ~~وجزاك خيرا، اعلمي أني ما اتيت إلا من قبل (4) ابنك، ولكن افتحي الباب، ~~ففتحت الباب، وخرج مسلم في وجوه القوم كالأسد المغضب PageV02P193 # فجعل يضاربهم بسيفه حتى قتل منهم جماعة كثيرة، وبلغ ذلك ابن زياد فأرسل ~~إلى محمد بن الأشعث يقول: بعثناك إلى رجل واحد لتأتينا به فثلم في أصحابك ~~ثلمة عظيمة، فكيف إذا أرسلناك إلى غيره؟ # فأرسل [إليه] (1) ابن الأشعث: أيها الأمير، أتظن (2) أنك بعثتني إلى ~~بقال من بقالي (3) الكوفة، أو جرمقاني من جرامقة الحيرة؟ أو لا تعلم أيها ~~الأمير أنك بعثتني إلى أسد ضرغام، وسيف حسام، في كف بطل همام، من آل خير ~~الأنام؟ # فأرسل إليه ابن زياد أن أعطه الأمان فإنك لا تقدر عليه إلا به. (4) # فجعل محمد بن الأشعث يناديه: ويحك يا مسلم لا تقتل نفسك لك الأمان، ومسلم ~~يقول: لا حاجة لي في أمان الغدرة الفجرة، ثم جعل يقاتلهم وهو يقول: # أقسمت لا اقتل إلا حرا %~% وإن رأيت الموت شيئا نكرا # أكره أن اخدع أو اغرا %~% أو يخلط البارد سخنا حرا # كل امرئ يوما سيلقى شرا %~% أضربكم ولا أخاف ضرا # (5) PageV02P194 # فناداه ابن الأشعث: ويحك يا ابن عقيل، انك لا تكد ولا تغر، والقوم ليسوا ~~بقاتليك، فلا تقتل نفسك. # فلم يلتفت إليه وجعل يقاتل حتى اثخن بالجراح وضعف عن القتال، فتكاثروا ~~عليه من كل جانب، وجعلوا يرمونه بالنبل والحجارة، فقال مسلم: # ويلكم ما لكم ترموني بالحجارة كما يرمى الكفار وأنا من أهل بيت النبوة ~~الأبرار؟ ويلكم أما ترعون حق رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا حق ذريته، ~~ثم حمل عليهم مع ضعفه فهزمهم وكسرهم في الدروب والسكك، ms428 ثم رجع وأسند ظهره ~~إلى باب دار من تلك الدور، ورجع القوم إليه، فصاح بهم محمد بن الأشعث: ذروه ~~حتى اكلمه، فدنا منه وقال: ويحك يا مسلم لا تقتل نفسك أنت آمن ودمك في ~~عنقي، وأنت في ذمتي. # فقال مسلم: يا ابن الأشعث، أتظن أني اعطي بيدي يدا وأنا أقدر على القتال؟ ~~لا والله لا كان ذلك، ثم حمل عليه حتى ألحقه بأصحابه، ثم رجع إلى موقعه ~~فوقف وهو يقول: اللهم إن العطش قد بلغ مني فلم يجترئ أحد أن يسقيه ويدنو منه. # فأقبل ابن الأشعث على أصحابه، وقال: والله إن هذا لهو العار والشنار أن ~~تجزعوا (1) من رجل واحد، فحملوا عليه، وحمل عليهم. ### ||| [إسارة مسلم بن عقيل] # وقال ابن الأشعث: احملوا عليه بأجمعكم حملة رجل واحد، فقصده رجل من أهل ~~الكوفة يقال له بكير بن حمران، فاختلفا بضربتين ضرب بكير ضربة على شفة مسلم ~~العليا وضرب ضربة مسلم بن عقيل فبلغت الضربة إلى PageV02P195 # جوفه فسقط قتيلا فطعن من ورائه، فسقط إلى الأرض، فاخذ أسيرا، ثم اخذ فرسه ~~وسلاحه، وتقدم رجل من بني سليم يقال له عبد الله بن العباس فأخذ عمامته، ~~فجعل يقول: اسقوني شربة. # فقال مسلم بن عمرو الباهلي: لا والله لا تذوق الماء أو تذوق الموت. # فقال له مسلم: ويلك ما أجفاك وأقسى قلبك، أشهد عليك إن كنت من قريش فإنك ~~(1) ملصق، وإن كنت من غير قريش فأنت دعي، من أنت يا عدو الله؟ # قال: أنا من عرف الحق إذ أنكرته، ونصح الامام إذ غششته، وسمع وأطاع إذ ~~خالفته، أنا مسلم بن عمرو الباهلي. # فقال له مسلم: لامك الهبل يا ابن باهلة، أنت أولى بالحميم والخلود في نار ~~جهنم، إذ آثرت طاعة آل أبي سفيان على آل الرسول (صلى الله عليه وآله). # ثم قال: ويحكم يا أهل الكوفة، اسقوني شربة من ماء، فأتاه غلام لعمرو ابن ~~حريث المخزومي بقلة من ماء وقدح قوارير فصب القلة في القدح وناوله، فأخذ ~~مسلم القدح، فلما أراد أن يشرب امتلأ القدح ms429 دما، فلم يقدر أن يشرب من كثرة ~~الدم، وسقطت ثناياه في القدح، فامتنع من شرب الماء فأخذوه وحملوه على بغل، ~~فدمعت عيناه، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. # فقال له عبيد الله بن العباس: من يطلب مثل الذي طلبت لا يبكي. # فقال: والله إني لا أبكي على نفسي، ولكن أبكي على أهلي المقبلين- أعني ~~الحسين (عليه السلام)-، ولما اركب البغل ونزع عنه السيف قال لمحمد PageV02P196 # ابن الأشعث: أتستطيع أن تبعث رجلا عن لساني يبلغ حسينا فإني لا أراه إلا ~~قد خرج إلى ما قبلكم هو وأهل بيته فيقول له: إن مسلم بن عقيل بعثني إليك ~~وهو أسير في أيدي العدو يسار (1) به إلى القتل فارجع بأهلك ولا تغتر بأهل ~~الكوفة فإنهم أصحاب أبيك الذين (2) كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل، إن ~~أهل الكوفة قد كذبوني فكذبتك (3). # فقال ابن الأشعث: لأفعلن، ومعنى قول مسلم: «كذبتك»: أن مسلم كان قد كتب ~~إليه (عليه السلام) كتابا ذكر فيه كثرة من بايعه، فهو معنى قوله «كذبوني ~~فكذبتك»، ثم اتي به وادخل على ابن زياد، فلم يسلم، فقيل له: سلم على ~~الأمير. # فقال مسلم للقائل: اسكت لا أم لك، ما هو لي بأمير فاسلم عليه، واخرى انه ~~ما ينفعني السلام عليه وهو يريد قتلي، فإن استبقاني فسيكثر سلامي عليه. # فقال ابن زياد: لا عليك سلمت أم لا تسلم، إنك مقتول. # فقال مسلم: إن قتلتني فقد قتل من هو شر منك من هو خير مني. # ثم قال ابن زياد: يا شاق، يا عاق، خرجت على إمامك، وشققت عصا المسلمين، ~~وألقحت الفتنة. # فقال مسلم: كذبت يا ابن زياد، وإنما شق عصا المسلمين معاوية وابنه يزيد، ~~وأما الفتنة فإنما ألقحها أنت وأبوك زياد علج من علوج ثقيف (4)، وأنا PageV02P197 # أرجو أن يرزقني الله الشهادة على يدي شر خلقه (1)، فو الله ما خلعت ولا ~~غيرت، وإنما أنا في طاعة إمامي الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله)، ونحن (2) أولى بالخلافة من معاوية وابنه وآل زياد. # فقال ms430 له ابن زياد: يا فاسق، ألم تكن تشرب الخمر في المدينة؟ # فقال مسلم: أحق بشرب الخمر مني من يقتل النفس الحرام، ويقتل على العداوة ~~والغضب والظن وهو في ذلك يلهو ويلعب كأنه لم يصنع شيئا. # فقال له ابن زياد: يا فاسق، منتك نفسك أمرا حال الله دونه وجعله لأهله. # فقال مسلم: ومن أهله، يا ابن مرجانة؟ # فقال: أهله يزيد. # فقال مسلم: الحمد لله، رضينا بالله حكما بيننا وبينكم؟ # فقال ابن زياد: أتظن أن لك من الأمر شيء؟ # فقال: لا والله ما هو الظن، ولكنه اليقين. # فقال ابن زياد: قتلني الله إن لم أقتلك [شر قتلة] (3). ### ||| [وصية مسلم بن عقيل قبل استشهاده] # فقال مسلم: أما إنك لا تدع سوء القتلة، وقبيح المثلة، وخبث السريرة، ولؤم ~~الغلبة (4)، والله لو كان معي عشرة ممن أثق بهم وقدرت على شربة من ماء PageV02P198 # لطال عليك أن تراني في هذا القصر الملعون والملعون من بناه، ولكن إن كنت ~~عزمت على قتلي فأقم رجلا من قريش اوصي إليه بما اريد، ثم نظر مسلم إلى عمر ~~بن سعد، وقال: إن بيني وبينك قرابة فاستمع مني، فامتنع عمر بن سعد. # فقال ابن زياد: ما يمنعك من الاستماع إلى ابن عمك؟ # فقام عمر إليه، فقال: اوصيك ونفسي بتقوى الله فإن تقوى الله منها درك كل ~~خير، ولي إليك حاجة. # فقال عمر: قل ما أحببت. # فقال مسلم: حاجتي أن تسترد فرسي وسلاحي من هؤلاء القوم فتبيعه وتقضي عني ~~ديني وقدره سبعمائة درهم استدنتها في مصركم، وأن تستوهب جثتي فتواريها إذا ~~قتلني هذا الفاسق، وأن تكتب إلى الحسين بن علي أن لا يقدم فينزل به ما نزل بي. # فقال عمر: أيها الأمير، إنه يقول كذا وكذا. # فقال ابن زياد: أما [ما] (1) ذكرت من دينك فإنما هو مالك تقضي به دينك، ~~ولسنا نمنعك أن تصنع فيه ما أحببت، وأما جسدك فإذا نحن قتلناك- والخيار في ~~ذلك إلينا- فلسنا نبالي ما صنع الله بجثتك، وأما الحسين فإنه إن لم يردنا ~~لم نرده، وإن أرادنا لم نكف ms431 عنه. # وفي رواية اخرى: انه قال: وأما الحسين فلا ولا كرامة، ولكن اريد- يا ابن ~~عقيل- أن تخبرني لما ذا (2) جئت هذا البلد وأمرهم جميع وكلمتهم واحدة PageV02P199 # فأردت أن تفرق عليهم أمرهم وتحمل بعضهم على بعض؟ # فقال مسلم: ليس لهذا أتيت، ولكن أهل هذا المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم، ~~وسفك دماءهم، وأن معاوية حمل فيهم غنيهم (1) بغير رضا منهم، وغلبهم على ~~ثغورهم التي أفاء الله عليهم، وأن عاملهم يتجبر ويعمل أعمال كسرى وقيصر، ~~فأتينا لنأمر بالعدل وندعوا إلى حكم الكتاب، وكنا أهل ذلك ولم تزل الخلافة ~~لنا وإن قهرنا عليها، رضيتم بذلك أم كرهتم، لأنكم أول من خرج على إمام ~~الهدى وشق عصا المسلمين، ولا نعلم لنا ولكم [مثلا] (2) إلا قول الله: ~~@QUR@07 وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (3). # قال: فجعل ابن زياد يشتمه ويشتم عليا والحسن والحسين. # فقال مسلم: أنت وأبوك أحق بالشتيمة، فاقض ما أنت قاض يا عدو الله، فنحن ~~أهل بيت البلاء موكل بنا. # فقال ابن زياد: اصعدوا به إلى أعلى القصر واضربوا عنقه، وأتبعوا رأسه جسده. # فقال مسلم: أما والله يا ابن زياد، لو كنت من قريش وكانت (4) بيني وبينك ~~رحم لما قتلتني ولكنك ابن أبيك، فازداد ابن زياد غيضا (5)، ثم دعا برجل من ~~أهل الشام كان مسلم قد ضربه على رأسه ضربة منكرة، فقال له: خذ مسلم بن PageV02P200 # عقيل، واصعد به إلى أعلى القصر، واضرب عنقه ليكون ذلك أشفى لصدرك. # قال: فأصعد مسلم إلى أعلى القصر وهو يسبح الله ويستغفره ويقول: # اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وخذلونا، حتى اتي به إلى أعلى القصر، ~~وتقدم ذلك الشامي إليه فضرب عنقه صلوات الله ورحمته وبركاته عليه، ثم نزل ~~الشامي إلى ابن زياد وهو مذعور. # فقال ابن زياد: ما الذي ذعرك؟ # قال: رأيت ساعة قتلته رجلا بحذائي أسود شديد السواد كريه المنظر وهو عاض ~~على اصبعه- أو قال على شفته- ففزعت منه فزعا لم أفزع مثله، فتبسم ابن زياد، ~~وقال: لعلك دهشت وهذه عادة لم تعتدها. ### ||| [استشهاد مسلم بن عقيل (رضوان ms432 الله عليه)، وإخراج هانئ بن عروة إلى السوق] # قال: ثم دعا ابن زياد بهانىء بن عروة أن يخرج فيلحق بمسلم. # فقال محمد بن الأشعث: أصلح الله الأمير، إنك قد عرفت منزلته [في المصر] ~~(1) وشرفه في عشيرته، وقد علم قومه أني وأسماء (2) بن خارجة جئناك به، ~~فانشدك الله أيها الأمير إلا وهبته لي، فإني أخاف عداوة قومه لي فإنهم سادة ~~أهل الكوفة، فزبره ابن زياد وأمر بهانىء بن عروة فاخرج إلى السوق إلى مكان ~~يباع فيه الغنم، وهو مكتوف، وعلم هانئ أنه مقتول، فجعل يقول: وا مذحجاه ~~وأين بني (3) مذحج؟ وا عشيرتاه وأين بني عشيرتي؟ ثم أخرج يده من الكتاف، ~~فقال: أما من عصا أو سكين أو حجر يدرأ (4) به الرجل عن نفسه؟ فوثبوا إليه PageV02P201 # فشدوه، ثم قالوا له: امدد عنقك. # فقال: ما أنا بمعينكم على نفسي، فضربه غلام لابن زياد بالسيف ضربة فلم ~~تعمل فيه شيئا. # فقال هانئ: إلى الله المعاد والمنقلب، اللهم إلى رحمتك ورضوانك، اللهم ~~اجعل هذا اليوم كفارة لذنوبي، فإني ما غضبت إلا لابن نبيك محمد (صلى الله ~~عليه وآله)، فتقدم الغلام ثانية فقتله رحمة الله وبركاته عليه. # ثم أمر ابن زياد بمسلم وهانئ فصلبا منكسين. # روي أن مسلما كان من أشجع الناس قلبا وأشدهم بطشا. ولقد كان من قوته انه ~~كان يأخذ الرجل بيده فيرمي به فوق البيت، فلعنة الله على قاتله وخاذله. ### ||| [أبيات لعبد الله بن الزبير الأسدي في مسلم وهانئ] # ولما صلبا منكسين رضي الله عنهما قال فيهما عبد الله بن الزبير الأسدي: # فإن كنت ما (1)تدرين ما الموت فانظري %~% إلى هاني بالسوق وابن عقيل # إلى بطل قد هشم السيف وجهه %~% وآخر يهوي من جدار (2)قتيل # أصابهما ريب المنون (3)فأصبحا %~% أحاديث من يسري بكل سبيل PageV02P202 # ترى جسدا قد غير الموت لونه %~% ونضح دم قد سال كل مسيل # فتى كان أحيا من فتاة حيية %~% وأقطع من ذي شفرتين صقيل (1) # أيركب أسماء الهماليج (2)آمنا %~% وقد طلبته مذحج بقبيل # (3) # فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم %~% فكونوا أيامى (4)ارضيت ms433 بقليل ### ||| [كتاب عبيد الله بن زياد إلى يزيد يخبره بمقتل مسلم وهانئ] # قال: ثم كتب عبيد الله بن زياد إلى عدو الله يزيد لعنه الله: # بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله يزيد أمير المؤمنين من عبيد الله بن زياد. # الحمد لله الذي أخذ لأمير المؤمنين بحقه وكفاه مؤونة عدوه، ثم ذكر فيه ~~قصة مسلم وذكر هانئ بن عروة، وكيف أخذهما وقتلهما، ثم قال: وقد بعثت ~~برأسهما مع هانئ بن حية (5) الوادعي والزبير بن الأروح التميمي، وهما من ~~أهل الطاعة والسنة والجماعة، فليسألهما أمير المؤمنين عما أحب فإن عندهما PageV02P203 # علما وفهما وصدقا وورعا. ### ||| [جواب يزيد على كتاب عبيد الله بن زياد] # قال: فلما ورد الكتاب والرأسان على يزيد لعنه الله أمر بالرأسين فنصبا ~~على باب دمشق، ثم كتب إلى ابن زياد: # أما بعد: # فإنك عملت عمل الحازم، وصلت صولة الشجاع الرابط الجأش، فقد كفيت ووفيت، ~~وقد سألت رسوليك فوجدتهما كما زعمت، وقد أمرت لكل واحد منهما بعشرة آلاف ~~درهم وسرحتهما إليك، فاستوص بهما خيرا، وقد بلغني ان الحسين قد عزم على ~~المصير إلى العراق، فضع المراصد والمناظر والمسالح واحترس، واحبس على الظن، ~~واقتل على التهمة، واكتب إلي بذلك كل يوم بما يحدث من خبر. (1) ### ||| [كلام للمؤلف (رحمه الله)] # قلت: يا من بذل نفسه في طاعة ربه وولي أمره، وأجهد جهده في جهاد أعداء ~~الله في علانيته وسره، وكشف عن ساق في طلب السعادة الباقية، وشمر عن ساعد ~~لتحصيل الدرجة العالية، حزني عليك أقلقني، وما اسدي إليك أرقني، ودمعي لما ~~أصابك أغرقني، ووجدي لمصابك أحرقني، أديت الأمانة جاهدا، وبذلت النفس ~~مجاهدا، صابرا على ما أصابك في جنب الله، مصابرا بقلبك وقالبك أعداء الله، ~~لم تضرع ولم تفشل، ولم تهن ولم تنكل، بل قابلت الأعداء بشريف طلعتك، وقاتلت ~~الأشقياء بشدة عزمتك. # عاهدوك وغدروا، وأخلفوك وكفروا، واستحبوا العمى على الهدى، واختاروا ~~الدنيا على الاخرى، فطوقهم الله بذلك أطواق العار، وأعدلهم بقتالك PageV02P204 # أطباق النار، وجعلهم ضرام وقودها، وطعام حديدها، وأفراط جنودها، فلقد حقت ~~عليهم كلمة ms434 العذاب بخذلانهم إياك، ونكصوا على الأعقاب إذ استبدلوا بك سواك. # فأبعد بالكوفة وساكنيها، وأهاليها وقاطنيها، فليست واقعتك بأعظم من واقعة ~~عمك وقتله في محرابه، ولا خذلك بأعظم من خذل الزكي وغدر أصحابه، ولا نقض ~~عهدك بأقبح من نقض عهد المقتول بين خاصتهم وعامتهم، ولا خفر ذمتك بأشنع من ~~خفر ذمة المصلوب بكناستهم. # فلقد غدروا بعد مواثيقهم وأيمانهم، وكفروا بعد تظاهرهم بإيمانهم، فحرمهم ~~الله ريح الجنة، وطوقهم أطواق اللعنة، ورمى مصرهم بالذل الشامل، والخزي ~~الكامل، والسيف القاطع، والعذاب الواقع، ليس له من الله من دافع (1)، حتى ~~صارت حصيدا كأن لم تغن بالأمس (2)، وبراحا خالية من الإنس، للبوم في ~~أرجائها تغريد، وللوحش في عراصها تطريد، وأهلها عباديد (3) في الأقطار، ~~ومتفرقون في الأمصار، قد أذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولهم في ~~الآخرة عذاب النار. # لما خذلوا الحق وأهله، واسترهبوا الجهاد وفضله، وآثروا الدعة والراحة، ~~واستشعروا السفاهة والوقاحة، سلط الله عليهم شر خليقته، وأدنى بريته، نجل ~~سمية الزانية، وزعيم العصابة الباغية، ثم قفاه بالخصيم الألد، والكفور ~~الأشد، الغي يظله عن التعريف، ألأم نغل من ثقيف، الذيال الميال، PageV02P205 # المغتال القتال، السفاك الفتاك، الهتاك الأفاك، فداسهم دوس السنبل وذراهم ~~ذرى الحب كما قال فيه بعض عارفيه: جاءنا أعمش اختفش ارحميمة برجلها وأخرج ~~إلينا ثيابا قصارا، والله ما عرق فيها عنان في سبيل الله، فقال: بايعوني ~~فبايعناه، وفي هذه الأعواد ينظر إلينا بالتصغير، وننظر إليه بالتعظيم، ~~يأمرنا بالمعروف ونجيبه، وينهانا عن المنكر ونرتكبه، فاستعبد أحرارهم، ~~وأباد خيارهم، وأذل بالتسخير رجالهم، وأيتم بفتكه أطفالهم، فتفرقوا أيادي ~~سبأ، واتخذوا سبيلهم في الأرض سربا. # فانظر إلى فروع اصولها في زمانك، ونتائج مقدماتها في أوانك، هل ترهم إلا ~~بين شرطي ذميم، أو عتل زنيم، أو ممسك لئيم، أو معتد أثيم؟ # بغض ذرية الرسول في جبلتهم مركوز، والتغامز عليهم بالحواجب في طبيعتهم ~~مرموز، يقصدونهم في أنفسهم وأموالهم، ويهضمونهم بأقوالهم وأفعالهم، ~~ويتجسسون على عوراتهم، ويتبعون عثراتهم، وبالأعين عليهم يتلامزون، وإذا ~~مروا بهم يتغامزون، إن رأوا فضيلة من فضائلهم كتموها، وإن بدرت منهم ms435 صغيرة ~~أكبروها، يغرون بهم سفاءهم، وينصرون عليهم أعداءهم، أتباع كل ناعق، وأشياع ~~كل مارق، لا يستضيؤون بنور العلم، ولا يترتبون برتبة الحلم، يدعون حب ذرية ~~نبيهم، وصفحات وجوههم تنطق بتكذيبهم، ويظهرون النصيحة لعترة وليهم، ويقولون ~~بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، يؤذون الجار، ويهضمون الأخيار، ويعظمون ~~الأشرار، ويحسدون على ربع دينار. # ولقد أقمت فيهم مدة، وصحبت منهم عدة، وعمرت المساكن المونقة، وغرست ~~الحدائق المغدقة، أكثر ... (1) سوادهم، ولا آكل زادهم، اكافي على الحسنة ~~بعشر أمثالها، واجازي بالهدية أضعاف أثقالها، وأتعفف عن ولائمهم، PageV02P206 # وأتصلف عن مطاعمهم، حذرا من مننهم، وتقصيا عن نعمتهم، كما قال الأول: # فلا ذا يراني واقفا في طريقه %~% ولا ذا يراني جالسا عند بابه # فنصبوا حبائل حسدهم قصدا لوقوعي، وأوفوا قواتل سمومهم ليجتاحوا أصلي ~~وفروعي، وأطلعني ربي على فساد ضمائرهم، وخبث سرائرهم، فاتخذت الليل سترا، ~~وفصلت عن قراري سرا، قد أذهل الخوف لبي، وأرجف الوجل قلبي، ملتفتا إلى ما ~~خلفي، قد أحال الفرق لوني وغير وضعي، قائلا: # @QUR@05 رب نجني من القوم الظالمين (1)، ولا تجعلني فتنة للقوم ~~الكافرين (2)، عامدا أفضل مشهد، وأكرم مرقد، وخير صعيد، وأفخر شهيد، سيد ~~الشهداء، وأشرف أولاد الأنبياء، صاحب كربلاء، حتى إذا استقرت في الدار، ~~وأمنت البوار، خمدت مسراي عند الصباح، وجعلت مثواي حضرة خامس الأشباح، ~~واتخذت بلدته موطنا ومستقرا، ونزلا مستمرا، وهلم جرا، وتلوت: @QUR@03 سبحان ~~الذي أسرى (3). ### ||| [قصيدة للمؤلف (رحمه الله) في الحسين (عليه السلام)] # ولما سئمت صحبتهم، وقلوت جبلتهم، جعلت أشرح ما صدر لي عنهم، واوضح ما تم ~~علي منهم، بسحر حلال من شعري، وراتق زلال من نثري. # فمن جملة ذلك أبيات من جملة قصيدة مطولة قلتها حين فررت، ونظمت فيها ما ~~ذكرت، وأوردت ما تم على السيد المجيد، والسبط الشهيد، عليه أفضل الصلوات، ~~وأكمل التحيات: # كربلا كم فيك من شيب خضي %~% بدم النحر وكم هام نقيف PageV02P207 # وسعيد بصعيد الطف ثاو %~% رأسه يعلى على رمح ثقيف # لبني الزهراء أرباب المساعي %~% والمعالي والعوالي والسيوف # زلفت نحوهم عصبة سوء %~% ليس فيهم غير زنديق وكوفي # لعن الله بني ms436 الكوفة لم %~% يك فيهم من بعهد الله يوفي # سل يزيدا قائما بالقسط من %~% حاز المعالي من تليد وطريف # صلبوه بعد خذل ثم قتل %~% آه مما حل بالبدن الشريف # فلذا صارت براحا وخلت %~% أرجاؤها من قاطن فيها وريف # وغدت أبناؤها في كل فج %~% بين شرطي زنيم وعريف # ولئيم وذميم ورجيم %~% وشقي وغوي وطفيف # وجبان يوم زحف وقراع %~% وعلى الجارات بالليل زحوف # هم فروع لاصول لم يرقوا %~% لبني الزهراء في يوم الطفوف PageV02P208 # أسفوا إن لم يكونوا ذا اجتها %~% د مثل آبائهم بين الصفوف # فاستحلوا من بينهم كل سوء %~% وأحلوا بهم كل مخوف # فلذا نحوهم وجهت دمي %~% وعليهم أنا داع بالحتوف # ولما أسدوه من بغي وظل %~% - م تسره بالسوء داني وأليف # ومن الله عليهم لعنات %~% دائما تترى بلا كم وكيف # ما شكا ذو حرفة ما ناله %~% من فاجر بالبغي والظلم عسوف ### ||| [كلام للمؤلف (رحمه الله)] # فيا من يعنفني بسبهم، ويؤففني بثلبهم، ويعيبني بعيبتهم، ويخطئني ~~بتخطئتهم، ويعيرني ويتجسس على عوراتي، ويسلك مسلكهم في التفحص عن زلاتي، لا ~~تلمني على ما صدر مني، ولا تفندني وتصدعني، فلا بد للملآن أن يطفح، وللصوفي ~~عند غلبة الحال أن يشطح، فمهد لقاعدة نظمي ونثري عذرا، ولا ترهقني من أمري عسرا. # أما سمعت أخبار آبائهم الأولين؟ أما رأيت آثار أسلافهم الأقدمين؟ # جدل الوصي في جامعهم، وطعن الزكي بين مجامعهم، وقتل ابن عقيل لدى ~~منازلهم، والاجلاب على السبط الشهيد بقبائلهم وقنابلهم، وسبي ذراريه على ~~أقتاب رواحلهم، هو الذي أطلق لساني بما وصفت، وأجرى بناني بما صغت PageV02P209 # ورصفت، فلا تعذلني على نحيبي وعويلي، ولا تصدني لبكائي عن سبيلي، إلا من ~~اتخذ في الأرض لنفاقه نفقا، وجرى في تيه ضلاله حيفا وعنفا، ### ||| [قصيدة للمؤلف (رحمه الله) في مسلم بن عقيل] # وسأختم هذا المجلس الجليل، بمرثية السيد النبيل، مسلم بن عقيل: # لهف قلبي وحرقتي وعويلي %~% وبكائي حزنا لخير قتيل # نجل عم النبي خير وفي %~% عاهد الله مسلم بن عقيل # خذلوه وأسلموه إلى الحي %~% ن فوفى بعهد آل الرسول # وتلقى السيوف منه بوجه %~% لم ms437 تهن في رضا المليك الجليل # نصر الحق باللسان وبالقل %~% ب وحاز الثنا بباع طويل # ومن الله باع نفسا رقت في %~% المجد أعلا العلى بصبر جميل # بذل النفس في رضا ابن %~% ولي الله صنو الرسول زوج البتول # لست أنسى الأوغاد إذ خذلوه %~% والعدا يطلبونه بذحول # وهو يسطو كليث غاب فكم جدل %~% رجسا بالصارم المصقول PageV02P210 # ثم صبت عليه منهم شآبيب %~% سهام كصوب مزن هطول # وهو لا يخشى السهام ولا يضرع %~% للقاسطين أهل الغلول # ويصد الكماة عنه بغضب %~% كم جريح منه وكم من قتيل # كم هزيم من بأسه وقتيل %~% فر منه يقفو سبيل قبيل # ثم لما أبلى بلاء عظيما %~% صار يشكو الضما بقلب غليل # غادرته السهام من وقعها %~% ذا جسد من ضنى الجراح كليل # وغدا في يد البغاة أسيرا %~% لهف قلبي على الأسير الذليل # ثم من بعد أسره جرعوه %~% كأس حتف بأمر شر سليل # من أبوه إلى سمية يسمو %~% فرعه لا يسمو بأصل أصيل # يا بني المصطفى لما نالكم صبري %~% فيصبر لكن طويل عويل # وإذا رمت أن اكفكف دمعي %~% قال قلبي للطرف جد بهمول PageV02P211 # فعلى من سواهم آثر الدمع %~% وأرثي بالنظم من حسن قيل # وهم قادتي وأسباب إيماني %~% وقربي من خالقي ووصول # كشف الله لي بهم كل منشور %~% من الحق عن كفور جهول # فغدا حبهم وبغض أعاديهم %~% بقلبي ما آن له من مزيل # وبإكفار من تقدمهم اوضح %~% عن حجتي بصدق دليل # من كتاب وسنة وقياس %~% ركبته ذوي الحجى والعقول # نص خير الأنام يوم غدير %~% ليس في الذكر فيه من تبديل # وكذا إنما وليكم فاتل إن %~% شئت إذا ما تلوت بالترتيل # تجد الله بالزعامة اصطفاهم %~% ففي الخلق ما لهم من مثيل # فلهم أرتجي لبرد اوامي %~% من رحيق من حوضهم سلسبيل # ومديحي في فضلهم ليس يحصى %~% بنظام كالذر في التعديل PageV02P212 # وإليهم اهدي عقود بناء %~% من قواد بالشكر غير ملول # ما دجى الليل ثم وأسفر صب %~% ح وزقا طائر بدوح ظليل PageV02P213 ### | المجلس السابع في مسير الحسين (عليه السلام) إلى العراق ومن تبعه من أهله وإخوانه وبني ms438 أخيه وبني عمه (صلوات الله عليهم أجمعين) ### ||| الخطبة # الحمد لله الوفي وعده، العلي مجده، الغالب جنده، العام رفده، لا راد ~~لحكمه، ولا مغير لعلمه، المبدع المصور، والمخترع المقدر، الظاهر لخلقه ~~بخلقه، والشامل لهم بلطفه ورزقه، حجب أفكارهم عن تصور كماله، وردع أبصارهم ~~عن إدراك جلاله، وتجلى لأوليائه بشواهد حكمته، وظهر لقلوبهم ببدائع صنعته، ~~فانقادت قلوبهم بأزمة التوفيق إلى مقام عرفانه، ووردوا مناهل التحقيق من ~~فيض لطفه وإحسانه، وشربوا بالكأس الروية من شراب عنايته، ووقفوا على قدم ~~الصدق في مقام طاعته. # فأشرق نور الحق على مرايا قلوبهم فطاح وجودهم في شهودهم، لما عاينوا من ~~بهجة محبوبهم، فأصبحت قلوبهم بأنوار عرفان جلال مبدعهم مشرقة، ونفوسهم ~~بالملكوت الأعلى من حصون صانعهم متعلقة، فأطلعهم سبحانه على أسرار الصفيح ~~الأعلى، وأراهم لما أعد للمجاهدين في سبيله في ذلك المقام الأسنى، من منازل ~~مونقة، وحدائق مغدقة، وأنهار متدفقة، وحسان PageV02P215 # معشقة، وولدان ضياء جمالها قد أشرق، وثياب من سندس بطائنها من استبرق، ~~اكلها دائم، وساكنها سالم، لا يذوق الموت، ولا يخشى الفوت، ظلها ظليل، ~~دورها سلسبيل، وسقفها عرش الرحمن، وخدمها الحور الحسان، @QUR@036 يطوف ~~عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون ~~وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون ~~جزاء بما كانوا يعملون (1). # فاختاروا الاقامة في دار المقامة، والاستظلال بتلك الأطلال، وكرهوا ~~الرجوع من دار البقاء إلى دار الفناء، والعود من المحل الأعلى إلى المقام ~~الأدنى، ومن الصفيح الأرفع إلى الخراب البلقع، فطلبوا إلى ربهم ألا يهبطهم ~~من درجتهم، ولا يزحزحهم عن لذتهم، ولا يخرجهم من جنتهم، ولا يحطهم عن ~~رتبتهم. # فتجلى لأفكارهم، وخاطبهم في أسرارهم: إني قد جعلت الدنيا طريقا يسلك به ~~إلى نعيمي المقيم، وسبيلا يتوصل به إلى ثوابي الجسيم، فلو لا امتثال عبادي ~~أوامري، وانزجارهم عن زواجري، والاخلاص بطاعتي، والامحاص في محبتي، وتحمل ~~المشاق في عبادتي، والاستظلال بأروقة طاعتي، لم أخلق خلقي، ولم أبسط رزقي، ~~لكن أبدعتهم ليعرفوني ويوحدوني وينزهوني، @QUR@08 وما خلقت الجن والإنس إلا ms439 ~~ليعبدون (2). # فاتبعوا دليلي، وجاهدوا في سبيلي، وصابروا أعدائي، وانصروا أوليائي، ~~أجعلكم خزان علمي في عبادي، وامناء وحيي في بلادي، وشهدائي PageV02P216 # على بريتي، وأوليائي في خليقتي، ولأقرنن طاعتكم بطاعتي، ومودتكم بمودتي، ~~وولاءكم بولائي، ورضاكم برضائي، إن تنصروني أنصركم واثبت أقدامكم، وإن ~~تقرضوني اجازكم واضاعف أعمالكم. # فرجعت أجسادهم إلى الحضيض السفلي، واستقرت أرواحهم العالم العلوي، تطالع ~~جمال حضرة معبودها في جميع حالاتها، وتستضيء بأنوار جلال مبدعها بأبصار ~~كمالاتها حين توجهاتها، ترى كل ما سواه مضمحلا باطلا، وكل ما عداه للعدم ~~قابلا، فوصلوا أسبابهم بأسبابه، وقطعوا العلائق عما سوى الاتصال بعزيز ~~جنابه، ووقفوا على قدم الخدمة في جنح الظلام، ونادوا محبوبهم بلسان الاجلال ~~والابتهال. # فاستخلصهم لنفسه لما أخلصوا بطاعته، واصطفاهم على خلقه لما صدقوا في ~~محبته، وتوجهم بتيجان كرامته، وأفرغ عليهم حلل عصمته، وأطلعهم على مكنون ~~سره، وقلدهم ولاية أمره، فساقوا الخلق إلى طاعة ربهم، ونصروا الحق بقالبهم ~~وقلبهم، قد صدقت منهم العقائد والعزائم، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون ~~لومة لائم، حتى إذا أدوا النصيحة حقها في جنب الله، وبذلوا أرواحا وأجسادا ~~قد أخلصت صدقها في طاعة الله، ورقوا في معارج السعادة إلى منازل الشهادة، ~~وسلكوا سبيل المجد بقدم الجد، واتبعوا دليل النجاة إلى عين الحياة، وركبوا ~~سفينة الهدى، وتنكبوا سبيل الردى، وجاهدوا في الله بأنفسهم وأموالهم، ~~وأنكروا المنكر بأفعالهم وأقوالهم. # اوذوا فصبروا، وابتلوا فشكروا، يعدون البأساء نعمة، والضراء رحمة، ~~والجهاد في الله منحة، والقتل في سبيل الله حياة باقية، والبلاء في الله ~~عيشة راضية، فحسدوا على ما اختصهم الله به من قربه، وبذلوا الأجساد ~~والأولاد في PageV02P217 # حبه، ونفوا عن عقر دارهم، واخرجوا من منازلهم وقرارهم. # ضاقت بهم الأرض بعد رحبها، وقصدتهم الأعداء بفتكها وحربها، وكانت واقعة ~~السبط الشهيد أبي عبد الله أفضع محنة، وأشنع فتنة، لم يحدث منذ وجود العالم ~~مثلها، ولم يقع في الزمن المتقادم عديلها، اخرج ابن الرسول من حرم جده ~~خائفا، وللحياة في دولة الظالمين عائفا، وللدنيا وأهلها قاليا، وللشهادة في ~~الله راجيا، قد تبرم بالبقاء في دولة ms440 الأشرار، وسئم الحياة في سلطان ~~الفجار. # فنصبوا له المهالك، وسدوا عليه المسالك، لم يأمن في حرم يأمن فيه الطير ~~الطائر، والوحش الجائر، ولم يطمئن في بلد يسكنه البر والفاجر، فوعده النصر ~~على أعدائه قوم ذووا أحلام عازبة، وأيمان كاذبة، لم يثلج في قلوبهم برد ~~الايمان، ولم يزالوا بنكثهم أحزاب الشيطان، حتى إذا لزمته الحجة بوجود ~~الناصر، والقيام بجهاد الظالمين في الظاهر، وأم مصرهم ببنيه وبناته، وسار ~~نحوهم بإخوانه وأخواته، وبلغ ضعفهم، وتوسط جمعهم، خانوا عهده، وأخلفوا ~~وعده، فليتهم إذ نكثوا أيمانهم، ونقضوا أمانهم، تركوه يذهب حيث شاء، أو ~~يرجع من حيث أتى، بل سدوا عليه الموارد، وقعدوا له المراصد، وجندوا لمنعه ~~جموعهم وجنودهم، وأرهفوا لقتله حدهم وحديدهم، وحرموا عليه ورد الماء ~~المباح، ورفعوا عليه حدود الصفاح، فصار في أيديهم رهينا، وبسيوفهم ضمينا، ~~ثم ساقوا بناته وحلائله اسارى، تحسبهم من هول ما أصابهم سكارى وما هم ~~بسكارى، يسار بهم بين الأعداء على الأقتاب، ويساقون عنفا بغير نقاب ولا ~~جلباب، قد قشر حر الشمس وجوههم، وغير هجير القيض جسومهم. # فوا أسفا على تلك الأبدان المصرعة، والأجساد المبضعة، والأطراف المقطعة، ~~والرءوس المرفعة. PageV02P218 # وا لهفاه لتلك الوجوه التي هتكت بعد صونها وحجابها، وبرزت بين طواغيتها ~~وكذابها، فدمعي عليهم مهتون، وقلبي لمصابهم محزون. # فيا لله وللاسلام أيقتل نجل الرسول بين ظهرانيكم، وتسبى نساؤه وذراريه ~~بين أيديكم، ويراق دمه وأنتم تنظرون، وللحق تخذلون، وللباطل تنصرون؟ لا ~~منكر ينكر بقلبه ولسانه، ولا دافع يدفع بحسامه وسنانه، ولا ذو أنف حمي يغضب ~~لله، ولا صاحب دين قويم يجاهد في سبيل الله، فأنتم أكفر أمة كفرت بعد ~~إيمانها، وأفجر فرقة تظاهرت ببغيها وبهتانها، لم ترض بقائد النجاة دليلا، ~~اولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلا (1)، بأنعم عدل بها هاديها عن الحق السوي، ~~واسامها راعيها في المرعى الوبي. # فيا سبط نبيي، ورهط وليي، ويا سبيل نجاتي، ويا سليل هداتي، مصيبتك أرخصت ~~في سوق أحزاني عبراتي، وأسعرت بلهيبها في جناني حسراتي، وحرمت على جفوني ~~طيب منامي، وأفرغت على جسدي أثواب سقامي، ضاقت ms441 بك الدنيا يا ابن الرسول ومن ~~أجلك خلقت، وشدوا عليك القضايا نجل البتول وأبوابه دونك غلقت، أخرجوك من ~~حرم جدك خائفا تترقب، ونفوك عن مسقط رأسك وذهبوا بك كل مذهب، حتى إذا وجهت ~~وجهة آمالك، وظعنت بعيالك وأطفالك، نحو اناس لم ينصروا الحق مذ كانوا، ولم ~~يؤثروا الصدق مذ خانوا، ولم يغضبوا لله، ولا انقادوا لأولياء الله، بل ~~الغدر شيمتهم، والكذب سجيتهم، إن خلفوا خبثوا، وإن عاهدوا نكثوا، اضر من ~~ضافر إذا جردت السيوف، وألأم من مادر إذا طرقت الصنوف، أنباط أسقاط، أنذال ~~أرذال، أنكاد أوغاد، للوصي وابنه خذلوا، وللسبط الشهيد وولده قتلوا، تساق ~~بنات نبيهم PageV02P219 # على الأقتاب في أسواقهم وشوارعهم، وتشهر رءوس أبناء وليهم على الرماح في ~~رحابهم ومجامعهم. # فيا دموعي لمصابهم حدي بالدموع خدي، ويا زفراتي تصاعدي بسعير حسراتي ~~ووجدي، ويا كبدي لرزئهم تقطعي، ويا أحشائي حزنا عليهم تضعضعي، وعمى لطرفي ~~إن لم يسح دما بقرينهم، وسحقا لقلبي إن لم ينقطع أسفا لمحنتهم، لما كست ~~السماء حمرة نجيع شهدائهم شفقا، أروت في فؤادي بانعكاس أشعة لهيبها حرقا، ~~فقلبي حريق بسعير حزني، وطرفي غريق بمعين جفني، امثل ثفنات وجوههم من أثر ~~السجود على الرماح، كالكواكب الدرية بضيائها أو كشمكاة فيها مصباح. ### ||| [قصيدة للمؤلف] # فلهذا وقفت بكائي وجزعي عليهم، وصرفت المراثي من نظمي ونثري إليهم، أنثر ~~في ثرى ضرائحهم عبراتي، واصاعد في صعيد مراقدهم زفراتي، وأهدي إلى أرواحهم ~~سلامي وتحياتي، واصلي على أشباحهم عقيب صلواتي، وفي جميع آناتي، وانشد ~~لعظيم مصيبتي في خلواتي، ولجسيم رزيتي نحيبي وأناتي: # يا مصاب السبط أورثت البكا %~% أعينا والقلب وجدا وعنا # وعلى عيني حرمت الكرى %~% ومزجت الدمع مني بالدما # لا تلمني أيها العاذل إن %~% نحت بالترجيع من فرط الجوا PageV02P220 # وجرى دمعي دما مما على %~% سبط خير الرسل في الطف جرى # وعلى الأبرار من اسرته %~% أهل بيت ومقام وصفا # صرعوا فيه ظماة قد سقوا %~% بكؤوس الموت من بعد الظما # صاعدت نيران أحشائي الحشا %~% مدمعا قان على خدي جرى # خير أهل الأرض أضحوا صرعا %~% بشبا البيض وأطراف ms442 القنا # سادة الخلق اولي الأمر الذي %~% مدحهم حقا أتى في هل أتى # بكت الأرض دما مذ صرعوا %~% فرقها حزنا وأطباق العلا # كربلا منك فؤادي ملؤه %~% من عظيم الوجد كرب وبلا # كم شموس غربت فيك وكم %~% من بدور أفلت بعد الضياء؟ # ووجوه لبنات المصطفى %~% هتكت من بعد صون وحيا PageV02P221 # وجسوم غيرت أوصافها %~% منهم البوغاء (1)من بعد السنا # وقلوب ظاميات لم تر %~% غير ورد الموت من كف الردى # كم علت فوق العوالي منهم %~% طلعت أنوارها تجلو الدجى # وأبينت عضد مع ساعد %~% وأكف كبحور في الندى # ويرى الناظر من أوجههم %~% ثفنات كنجوم في السرا # يا عيوني إن تضني بالبكا %~% لهم لا نلت في الدنيا المنى # وكذا يا حرقتي إن سكنت %~% منك أحشائي أو طرفي غفا # أيها الراكب وجناء لها %~% أثر في الخد من جذب البرا # تقطع الآل كرال نافل (2) %~% ليس يثنيها كلال ووجا # لا تهاب السير في جنح الدجى %~% وكذا لا تخشي حر الضحى PageV02P222 # عج بأرض حل فيها سيد %~% مجده أرفع قدرا من ذكا # خير من جاهد في الله ومن %~% في سبيل الله بالنفس سخا # تركوه في العرا منجدلا %~% ذا فؤاد يشتكي حر الصدا # بدر تم صار من بعد الثرا %~% وعلو المجد ضمنا في الثرى # كربلا مذ أشرقت من دمه %~% أظلمت في الخلق أعلام الهدى # يا شريك الذكر من ذكرك في %~% مهجتي من حر أشجاني لظى # وبخدي لحمة من أدمعي %~% فيضها أربى على بحر ظما # ما دروا كم فريت من بغيهم %~% كبد للمصطفى والمرتضى # يا مصابا أهله فاطمة %~% وأبوها وعلي ذو العلا # أيها القاصد بيت الله بال %~% عج والثج إذا نلت المنى # من تمام الحج والعمرة عج %~% بضريح ضم خير الأنبياء PageV02P223 # أبلغته من سلامي ما زكا %~% من فؤاد ضمنه صدق الولا # ثم قل يا خير مبعوث به %~% كشف الله عن الخلق العمى # لو ترى سبطك فردا ماله %~% ناصر يفديه من جهد البلا # وبنات لك قد أثخنتها %~% من مديد السير افراط العنا # وأكفا بريت من ساعد %~% كان في راحاتها بحر الندى # ووجوها كالمصابيح لها ms443 %~% في ظلام الليل نور يستضا # كم تجافت عن وثير الفرش أج %~% سادها تخلص لله الدعا # أصبحت في كربلا مخضبا %~% شيبها بالدم من حد الظبا # يا بني الزهراء مما نالكم %~% مدمعي من فرط حزني ما رقى # وكذا نار الأسى في كبدي %~% حرها يذكي رسيسا في الحشا # وبقلبي لوعة ما آن لها %~% فيكم حتى مماتي منتهى PageV02P224 # أنتم سفن نجاتي لا أرى %~% غيركم ينقذ إن خطب عرا # وبكم أرجو إذا ما نشرت %~% صحف الأعمال في يوم القضا # ان يراني الله رقا خالصا %~% لعلا مجدكم العالي البنا # آه من نسوتكم يسرا بها %~% حسرا يمشون في ذل السبا # بين أرجاس لهم أفئدة %~% ملئت حقدا كجلمود قسا # فوق أقتاب بها يسرى إلى ال %~% رجس نجل ابن زياد ذي الشقاء # قد مزجت الدمع فيكم بدم %~% وعلى عيني إذ نفث البكا # وبقلبي حرقة من هظمكم %~% حرها منذ وجودي ما خبا # كم مراث فيكم أرسلتها %~% نظمها ينبىء عن صدق الولا # يزدريها حاسدي من غيظه %~% حين يطويها ولبي بالثنا # ويرى للبغض منه وجهة %~% ذا امتناع لاح ما فيه خفى PageV02P225 # يظهر النصح وفي أحشائه %~% من نظامي حر نار تصطلى # ويراني ضاحكا مبتسما %~% بمديح وثناء ودعا # وإذا ما غبت عنه سل من %~% بغيه غضبا به عرضي برا # يختل الأغمار بالزهد وفي %~% قلبه الفاسد مكر ودها # وترى في فرض عرضي جاهدا %~% معلنا كالنار في جزل الغضى # فإذا فكرت فيما نالكم %~% هان ما ألقاه من فرط الأسى # وأرى الصبر جميلا غبه %~% فاسلي القلب مني بالأسى # يا عياذي وملاذي إن عرت %~% غصة تعرض في الحلق شجا # كل عام ينقضي أقضي من %~% حقكم مأتم حزن وعزا # واسيل الدمع من نظم بكم %~% راق يستفديه رب النهى # وتراه شابني في فمه %~% علقما لا يزدريه ذي الشقاء PageV02P226 # وابكي شيعة في حبكم %~% طاب منها فرعها والمحتدى # وبكم أرجو نجاتي من لظى %~% حرها ينزع باللفح الشوى # وعليكم صلوات ما بدا %~% كوكب أظهره ليل بدا # وعلى من منعوكم حقكم %~% لعنات ما لها من منتهى PageV02P227 ### | فصل في خروج الحسين (صلوات الله عليه) إلى ms444 العراق، وما جرى عليه في طريقه، ونزوله في الطف # (1) ### ||| [خروج الحسين (عليه السلام) من مكة ووصوله التنعيم] # قيل: جمع الحسين (عليه السلام) أصحابه بعد أن وصل إليه كتاب مسلم بطاعة ~~أهل العراق وحسن نياتهم وانقيادهم فعزم (عليه السلام) على الخروج وأعطى كل ~~واحد منهم عشرة دنانير وجملا يحمل عليه رحله وزاده، ثم إنه طاف بالبيت ~~وتهيأ للخروج وحمل بناته وأخواته على المحامل، فقصد (2) من مكة يوم ~~الثلاثاء يوم التروية لثمان مضين من ذي الحجة ومعه اثنان وثمانون رجلا من ~~شيعته ومواليه وأهل بيته، فلما خرج اعترضه أصحاب الأمير عمرو بن سعيد بن ~~العاص فجالدهم بالسياط ولم يزد على ذلك فتركوه وصاحوا على أثره: ألا تتقي ~~الله تعالى تخرج من الجماعة، وتفرق بين هذه الامة؟ # فقال الحسين (عليه السلام): @QUR@05 لي عملي ولكم عملكم (3) الآية. # وسار (صلوات الله عليه) حتى صار بالتنعيم، ولقي هناك عيرا تحمل الورس ~~والحلل إلى يزيد بن معاوية لعنه الله من عامله باليمن، فأخذ الحسين PageV02P228 # ذلك كله وقال لأصحاب الإبل: لا اكرهكم، من أحب أن يمضي معي إلى العراق ~~أوفيناه كراه حسنا، وأحسنا صحبته، ومن أراد فرقتنا من مكاننا هذا وفيناه ~~كراه بقدر ما قطع من الطريق، فمن فارقه حاسبه ووفاه حقه (1)، ومن مضى معه ~~أعطاه كراه وكساه. (2) # وإنما أخذ (عليه السلام) العير لأنها كانت من أموال المسلمين، وكان حكم ~~المسلمين إليه (صلوات الله عليه)، وكان خروجه قبل أن يعلم بقتل مسلم؛ وقيل: # كان خروجه من مكة يوم قتل مسلم بعد أن كتب إليه مسلم بأخذ البيعة واجتماع ~~الناس عليه وانتظارهم إياه. # وروى ابن جرير- بحذف الاسناد- عن الأعمش قال: قال لي أبو محمد الواقدي ~~وزرارة بن صالح (3): لقينا الحسين (عليه السلام) قبل أن يخرج إلى العراق ~~بثلاثة، فأخبرناه بضعف الناس بالكوفة، وأن قلوبهم معه وأسيافهم عليه. # فأومأ بيده نحو السماء، ففتحت أبواب السماء، ونزلت الملائكة عددا لا ~~يحصيه إلا الله عز وجل. # فقال (عليه السلام): لو لا تقارب الأشياء، وسقوط الأجر (4) لقاتلتهم ~~بهؤلاء، ولكني أعلم علما (5) أن هناك مصرعي، ms445 وهناك مصارع أصحابي، لا PageV02P229 # ينجو منهم إلا ولدي علي (1). (2) ### ||| [خطبة الحسين (عليه السلام) حين عزمه على الخروج إلى العراق] # وروى سيدنا ومولانا، السيد الجليل علي بن موسى بن جعفر بن محمد ابن طاوس ~~الحسيني رضي الله عنه أن مولانا الحسين (عليه السلام) لما عزم على الخروج ~~إلى العراق قام خطيبا، فقال: # الحمد لله، وما شاء الله، ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على رسوله، خط ~~الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي ~~اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي تتقاطعها ~~عسلان (3) الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن مني أكراشا جوفا، وأجوفة ~~(4) سغبا، لا محيص عن يوم خط بالقلم، رضاء الله رضانا أهل البيت، نصبر على ~~بلائه ويوفينا اجور الصابرين، لن تشذ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~لحمته، هي مجموعة عليه (5) في حضيرة القدس، تقر بهم عينه، وينجز بهم وعده، ~~من كان باذلا فينا مهجته، وموطنا على لقاء الله نفسه، فليرحل [معنا] (6)، ~~فإني راحل إن شاء الله (7). (8) ### ||| [كتاب الحسين (عليه السلام) إلى بني هاشم] # وذكر محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الرسائل عن محمد بن يحيى، # (3) في الملهوف: تقطعها ذئاب. PageV02P230 # عن محمد بن الحسين، عن أيوب بن نوح، عن صفوان، عن مروان بن إسماعيل، عن ~~حمزة بن حمران، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: ذكرنا خروج الحسين ~~(عليه السلام) وتخلف ابن الحنفية عنه، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): يا ~~حمزة، إني سأحدثك (1) بحديث لا تسأل عنه بعد مجلسك (2) هذا، إن الحسين ~~(عليه السلام) لما فصل متوجها دعا (3) بقرطاس وكتب فيه: # بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى بني هاشم # أما بعد: # فإنه من لحق بي منكم استشهد، ومن تخلف [عني] (4) لم يبلغ مبلغ الفتح، ~~والسلام. (5) ### ||| [أن الله تعالى أمد الحسين (عليه السلام) بأفواج من الملائكة ومن مسلمي الجن] # وذكر شيخنا المفيد محمد بن [محمد بن] (6) النعمان رضي الله عنه [في كتاب ~~مولد النبي ms446 (صلى الله عليه وآله) ومولد الأوصياء (صلوات الله عليهم)] (7) ~~بإسناده إلى أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: لما سار أبو عبد الله (عليه ~~السلام) من PageV02P231 # [مكة ليدخل] (1) المدينة لقيه أفواج من الملائكة المسومة والمردفة (2) ~~في أيديهم الحراب، على نجب من نجب الجنة، فسلموا عليه وقالوا: يا حجة الله ~~على خلقه بعد جده وأبيه وأخيه، إن الله سبحانه أمد جدك (صلى الله عليه ~~وآله) بنا في مواطن كثيرة، وإن الله أمدك بنا. # فقال لهم: الموعد حفرتي وبقعتي التي أستشهد فيها، وهي كربلاء، فإذا ~~وردتها فأتوني. # فقالوا: يا حجة الله، مرنا نسمع ونطع، فهل تخشى من عدو يلقاك فنكون معك؟ # فقال: لا سبيل لهم علي، ولا يلقوني بكريهة أو أصل إلى بقعتي. # وأتته أفواج مسلمي (3) الجن، فقالوا: يا سيدنا، نحن شيعتك وأنصارك، ~~فمرنا بأمرك وما تشاء، فلو أمرتنا بقتل كل عدو لك وأنت بمكانك لكفيناك ذلك. # فجزاهم الحسين خيرا، وقال لهم: أما قرأتم كتاب الله المنزل على جدي رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله): @QUR@010 أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم ~~في بروج مشيدة (4) وقال سبحانه: @QUR@07 لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى ~~مضاجعهم (5)؟ وإذا أقمت بمكاني فبما ذا يبتلى (6) هذا الخلق المتعوس؟ ~~وبما ذا PageV02P232 # يختبرون؟ ومن ذا يكون ساكن حفرتي بكربلاء وقد اختارها الله تعالى [لي] ~~(1) يوم دحا الأرض، وجعلها معقلا لشيعتنا، وتكون لهم أمانا في الدنيا ~~والآخرة؟ # ولكن تحضرون يوم السبت، وهو يوم عاشوراء الذي في آخره اقتل، ولا يبقى ~~بعدي مطلوب من أهلي ونسبي وإخوتي وأهل بيتي، ويسار برأسي إلى يزيد لعنه الله. # فقالت الجن: نحن والله يا حبيب الله وابن حبيبه، لو لا أن أمرك طاعة وأنه ~~لا يجوز لنا مخالفتك (2) قتلنا جميع أعدائك قبل أن يصلوا إليك. # فقال لهم (عليه السلام): نحن والله أقدر عليهم منكم، ولكن @QUR@011 ~~ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة (3). (4) ### ||| [وصول الحسين (عليه السلام) إلى ذات عرق] # ثم سار الحسين (صلوات الله عليه) حتى بلغ ذات عرق (5) فلقيه رجل من بني ~~أسد ms447 يقال له بشر بن غالب، فقال الحسين: من أين أقبلت؟ # قال: من العراق. # قال: كيف خلفت أهل العراق؟ PageV02P233 # فقال: يا ابن رسول الله، خلفت القلوب معك والسيوف مع بني امية. # فقال: صدقت إن الله يفعل ما يشاء. # فقال الرجل: يا ابن رسول الله، خبرني عن قول الله سبحانه: @QUR@05 يوم ~~ندعوا كل أناس بإمامهم (1). # فقال الحسين: نعم، يا أخا بني أسد، هما إمامان، إمام هدى دعا إلى هدى، ~~وإمام ضلالة دعا إلى ضلالة، فهذا ومن أجابه إلى الهدى في الجنة، وهذا ومن ~~أجابه إلى الضلالة في النار. ### ||| [كتاب الوليد بن عتبة إلى ابن زياد يعلمه بتوجه الحسين (عليه السلام) إلى العراق] # قال: واتصل الخبر بالوليد بن عتبة أمير المدينة بأن الحسين (عليه السلام) ~~توجه إلى العراق، فكتب إلى ابن زياد: # أما بعد: # فإن الحسين قد توجه إلى العراق وهو ابن فاطمة، وفاطمة بنت رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله)، فاحذر- يا ابن زياد- أن تأتي إليه بسوء فتهيج على نفسك ~~[وقومك] (2) أمرا في مدة (3) الدنيا لا يسده (4) شيء، ولا تنساه الخاصة ~~والعامة أبدا ما دامت الدنيا. # قال: فلم يلتفت ابن زياد إلى كتاب الوليد. (5) PageV02P234 ### ||| [وصول الحسين (عليه السلام) إلى الثعلبية] # قال: ثم سار (صلوات الله عليه) حتى نزل الثعلبية (1) وقت الظهيرة فوضع ~~رأسه فرقد، ثم استيقظ، فقال: رأيت هاتفا (2) يقول: أنتم تسرعون (3) ~~والمنايا تسرع بكم إلى الجنة. # فقال له ابنه علي: يا أباه، ألسنا على الحق؟ # فقال: بلى، يا بني، والذي إليه مرجع العباد. # فقال: يا أباه، إذن لا نبالي بالموت. # فقال الحسين (عليه السلام): جزاك الله خير ما جزى ولدا عن والده. # ثم بات (صلوات الله عليه)، فلما أصبح إذا برجل من أهل الكوفة يكنى أبا ~~هرة الأزدي قد أتاه فسلم عليه، ثم قال: يا ابن رسول الله، ما الذي أخرجك من ~~حرم الله وحرم جدك (صلى الله عليه وآله)؟ # فقال الحسين (عليه السلام): ويحك يا أبا هرة، إن بني امية أخذوا مالي ~~فصبرت، وشتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت، وأيم الله ms448 لتقتلني الفئة ~~الباغية وليلبسنهم الله ذلا شاملا وسيفا قاطعا، وليسلطن عليهم من يذلهم حتى ~~يكونوا أذل من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة [منهم] (4) فحكمت في أموالهم ~~ودمائهم PageV02P235 # [حتى أذلتهم] (1). (2) # وفي كتاب تاريخ غر الرياشي بإسناده عن راوي حديثه قال: حججت فتركت أصحابي ~~وانطلقت أتعسف الطريق وحدي، فبينا أنا أسير إذ رفعت طرفي إلى أخبية ~~وفساطيط، فانطلقت نحوها حيث أتيت أدناها، فقلت: لمن هذه الأبنية؟ # فقالوا: للحسين (عليه السلام). # قلت: ابن علي وابن فاطمة (عليهما السلام)؟ # قالوا: نعم. # قلت: أين هو؟ # قالوا: في ذلك الفسطاط، فانطلقت نحوه، فإذا الحسين (عليه السلام) متك على ~~باب الفسطاط يقرأ كتبا بين يديه، فسلمت فرد علي، فقلت: يا ابن رسول الله، ~~بأبي أنت وامي ما أنزلك في هذه الأرض القفراء التي ليس فيها ريف ولا منعة؟ # قال: إن هؤلاء أخافوني، وهذه كتب أهل الكوفة وهم قاتلي، فإذا فعلوا ذلك ~~لم يدعوا والله محرما إلا انتهكوه، بعث الله إليهم من يقتلهم حتى يكونوا ~~أذل من فرم (3) الأمة. # قال: ثم سار (صلوات الله عليه) وحدث جماعة من فزارة وبجيلة قالوا: كنا PageV02P236 # مع زهير بن القين لما أقبلنا من مكة، فكنا نساير الحسين (عليه السلام) ~~حتى لحقناه، وكان إذا أراد النزول اعتزلناه فنزلنا ناحية (1). # فلما كان في بعض الأيام نزل في مكان لم نجد بدا من أن ننازله فيه، فبينا ~~نحن نتغدى من زاد (2) لنا إذ أقبل رسول الحسين (عليه السلام) حتى سلم. # ثم قال: يا زهير بن القين، إن أبا عبد الله (عليه السلام) بعثني إليك ~~لتأتيه، فطرح كل منا ما في يده حتى كأنما على رءوسنا الطير. # فقالت له امرأته (3)- وهي ديلم بنت عمرو-: سبحان الله، أيبعث إليك ابن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم لا تأتيه؟! فلو أتيته فسمعت من كلامه. # فمضى إليه زهير، فما لبث أن جاء مستبشرا قد أشرق وجهه، فأمر بفسطاطه فقوض ~~وبثقله (4) ومتاعه فحول إلى الحسين (عليه السلام). # وقال لامرأته: أنت طالق، فإني لا احب أن يصيبك بسببي إلا خير، ms449 وقد عزمت ~~على صحبة الحسين (عليه السلام) لأفديه بروحي، وأقيه بنفسي، ثم أعطاها حقها ~~(5) وسلمها إلى بعض بني عمها ليوصلها إلى أهلها. # فقامت إليه [وودعته] (6) وبكت، وقالت: كان (7) الله لك، أسألك أن PageV02P237 # تذكرني في القيامة عند جد الحسين (عليه السلام). # ثم قال لأصحابه: من أراد (1) أن يصحبني، وإلا فهو آخر العهد [مني] (2) به. # وهذا الحديث نقلته من كتاب إغاثة الملهوف لسيدنا علي بن موسى بن جعفر بن ~~طاوس. (3) # ورأيت حديثا أن زهير رضي الله عنه قال لأصحابه لما ودعهم: إني كنت غزوت ~~بلنجر (4) مع سلمان الفارسي رضي الله عنه، فلما فتح الله علينا اشتد ~~سرورنا، فقال سلمان: أفرحتم بما أفاء الله عليكم؟ # قلنا: نعم. # فقال: إذا أدركتم شبان آل محمد فكونوا أشد فرحا لقتالكم معهم (5) منكم ~~بما أصبتم اليوم، وأنا أستودعكم الله تعالى، ثم ما زال مع الحسين (عليه ~~السلام) حتى قتل (رحمه الله) (6). ### ||| [وصول الحسين (عليه السلام) إلى زرود] # وقيل: إن الحسين (عليه السلام) لما وصل إلى زرود لقي رجلا على راحلة، ~~فلما رآه الرجل عدل عن الطريق، وكان الحسين (عليه السلام) قد وقف PageV02P238 # ينتظره، فلما عدل مضى وتركه. # قال عبد الله بن سليم (1) والمنذر بن المشمعل (2) الأسديان: فعدلنا إلى ~~الراكب، فسلمنا عليه، فرد علينا، فقلنا: مم الرجل؟ # فقال: أسدي. # قلنا: ونحن أسديان، فما الخبر؟ # قال: الخبر إن مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة قتلا، ورأيتهما يجران في ~~الأسواق. # فأتينا الحسين (عليه السلام): فقلنا: إن عندنا خبرا، فنظر إلى أصحابه، ~~فقال: ما دون هؤلاء سرا. # قلنا: أرأيت الراكب الذي عدل عن الطريق؟ إنه أخبر بكذا وكذا. # فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. # قلنا: ننشدك الله في نفسك وهؤلاء الصبية فإنه ليس لك في الكوفة ناصر قريب ~~[ولا شيعة، فنظر الحسين إلى بني عقيل فقال لهم: ما ترون فقد قتل مسلم؟ ~~فبادر] (3) بنو عقيل فقالوا: قتل صاحبنا، وننصرف! إنك والله لست كمثل مسلم، ~~ولو قد نظر الناس إليك ما عدلوا بك أحد، وإنا والله لا نرجع حتى ندرك ثأرنا ~~أو ms450 نذوق الموت كما ذاق أخونا، فنظر الحسين إلينا، وقال: لا خير في PageV02P239 # الحياة بعد هؤلاء، فعلمنا أنه يسير لا محالة، فقلنا: خار الله لك. (1) ### ||| [وصول خبر استشهاد مسلم وهانئ إلى الحسين (عليه السلام)، وقيل وصله الخبر وهو في منطقة زبالة] # وقيل: إن الخبر أتى الحسين بقتل مسلم في زبالة (2)، فعرف بذلك جماعة ممن ~~تبعه، فتفرق عنه أهل الأطماع والارتياب، وبقي معه أهله وخيار أصحابه. # قال: وارتج الموضع لقتل مسلم وسالت الدموع كل مسيل. (3) # ثم سار الحسين (عليه السلام) قاصدا لما دعاه الله إليه، فلقيه الفرزدق، ~~فسلم عليه ودنا منه وقبل يده، فقال له الحسين: من أين أقبلت؟ # قال: من الكوفة. # قال: كيف خلفت الناس (4)؟ # فقال الفرزدق: يا أبا عبد الله، كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ~~ابن عمك مسلم وشيعته؟ ### ||| [أبيات للحسين (عليه السلام)] # فاستعبر الحسين (عليه السلام) باكيا، ثم قال: رحم الله مسلما، فقد صار ~~إلى روح الله وريحانه، وجنته (5) ورضوانه، قد قضى ما عليه وبقي ما علينا، ~~ثم أنشأ يقول: # فإن تكن الدنيا تعد نفيسة %~% فإن ثواب الله أعلى وأنبل PageV02P240 # وإن تكن الأرزاق قسما مقدرا %~% فقلة سعي (1)المرء في الكسب (2)أجمل # وإن تكن الأموال للترك جمعها %~% فما بال متروك به المرء يبخل # وإن تكن الأجساد (3)للموت انشئت %~% فقتل امرئ بالسيف في الله أفضل ### ||| [كتاب الحسين (عليه السلام) إلى سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة ورفاعة بن شداد] # قال: وكتب الحسين (عليه السلام) إلى سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة ~~ورفاعة بن شداد وجماعة من الشيعة بالكوفة، وبعث به مع قيس بن مسهر ~~الصيداوي. # فلما قارب دخول الكوفة اعترضه الحصين بن نمير صاحب عبيد الله بن زياد ~~لعنه الله ليفتشه، فأخرج الكتاب ومزقه، فحمله الحصين إلى ابن زياد لعنه الله. # فلما مثل بين يديه، قال: من أنت؟ # قال: أنا رجل من شيعة علي بن أبي طالب وابنه الحسين (عليه السلام). # قال: فلما ذا مزقت الكتاب؟ # قال: لئلا تعلم ما فيه؟ # قال: وممن الكتاب؟ وإلى من؟ PageV02P241 # قال: من ms451 الحسين (عليه السلام) إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم، ~~فغضب ابن زياد وقال: والله لا تفارقني حتى تخبرني بأسماء هؤلاء القوم، أو ~~تصعد المنبر فتعلن الحسين وأباه وأخاه، أو لاقطعنك (1) إربا إربا. # فقال: أما القوم فلا اخبرك بأسمائهم، وأما لعن الحسين وأبيه وأخيه فأفعل. # فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي (صلى الله عليه ~~وآله)، وأكثر من الترحم على علي وولده (عليهم السلام)، ثم لعن عبيد الله بن ~~زياد وأباه، ولعن عتاة بني امية عن أولهم وآخرهم. # ثم قال: [أيها الناس] (2) أنا رسول الحسين بن علي (عليه السلام) إليكم، ~~وقد خلفته بموضع كذا فأجيبوه. # فأخبروا ابن زياد بذلك، فأمر بإلقائه من أعلى القصر، فالقي من هناك، فمات ~~(رحمه الله). # وبلغ الحسين (عليه السلام) موته فاستعبر باكيا، وقال: اللهم اجعل لنا ~~ولشيعتنا منزلا كريما، واجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك (3)، إنك على ~~كل شيء قدير. # وروي أن هذا الكتاب كتب من الحاجز، وقيل غير ذلك. (4) PageV02P242 ### ||| [ارتحال الحسين (عليه السلام) عن زبالة وخطبته في الناس يخبرهم باستشهاد مسلم وهانئ وقيس بن مسهر] # وورد الخبر بقتل قيس على الحسين (عليه السلام) وهو بزبالة، وكان قد تبعه ~~خلق كثير من المنازل التي كان يمر بها لأنهم كانوا يظنون استقامة الأمر له ~~(صلوات الله عليه). # فلما سار من زبالة قام في الناس خطيبا، فقال: إن أهل الكوفة وثبوا على ~~مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة فقتلوهما وقتلوا قيس بن مسهر (1)، فمن أحب منكم ~~أن ينصرف فلينصرف من غير حرج، ليس عليه منا ذمام، فتفرق الناس عنه وأخذوا ~~يمينا وشمالا حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من المدينة (2)، وإنما ~~أراد أن يصحبه إنسان إلا على بصيرة. # ثم سار (عليه السلام) حتى بقي على مرحلتين من الكوفة، فقال رجل من القوم: ~~الله أكبر. # فقال الحسين: مما كبرت؟ # قال: رأيت نخيل الكوفة. # قال الأسديان: هذا مكان ما رأينا فيه نخلا قط. # قال الحسين (عليه السلام): فما تريانه؟ # قالا: والله نرى أسنة (3) الرماح، ms452 وآذان الخيل. ### ||| [وصول الحسين (عليه السلام) إلى ذي حسم، والتقاء الحر بن يزيد الرياحي معه (عليه السلام)] # قال الحسين (عليه السلام): وأنا أرى ذلك، فهل لنا ملجأ؟ PageV02P243 # قالا: بلى، ذو حسم (1) إلى جنبك فمل إليه عن يسارك، فإن سبقت القوم إليه ~~فهو كما تريد، فأخذ ذات اليسار، وطلعت الخيل، فعدلوا إليه وسبق الخيل إلى ~~ذي حسم، فنزل (صلوات الله عليه) فيه، فجاء الحر بن يزيد الرياحي في ألف رجل ~~فوقفوا. # فقال الحسين (عليه السلام) لأصحابه: اسقوا القوم ومدوهم، فسقوهم حتى ~~ارتووا وكانوا شاكين في السلاح. # فقال الحسين (عليه السلام): من قائدكم؟ # فقالوا: الحر بن يزيد الرياحي، فناداه الحسين، وقال: يا حر، لنا أم علينا؟ # فقال الحر: بل عليك. # فقال الحسين (عليه السلام): لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم. # قال: ودنت صلاة الظهر، فقال الحسين للحجاج بن مسروق: أذن يرحمك الله وأقم ~~الصلاة حتى نصلي. # قال: فأذن، فلما فرغ من أذانه صاح الحسين بالحر، فقال: أتريد أن تصلي ~~بأصحابك واصلي بأصحابي؟ # فقال الحر: بل أنت صل ونصلي بصلاتك، فتقدم الحسين (عليه السلام) وصلى ~~بالعسكرين جميعا، فلما فرغ من صلاته وثب قائما واتكى على قائم PageV02P244 # سيفه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس معذرة إلي وإلى (1) من ~~حضر من المسلمين، إني لم أقدم إلى هذا البلد حتى أتتني كتبكم، وقدمت علي ~~رسلكم أن أقدم إلينا فإنه ليس علينا إمام، فلعل الله يجمعنا بك على الهدى، ~~فإن كنتم على عهدكم فقد جئتكم، فإن تعطوني ما أطمئن إليه وأثق به من عهودكم ~~ومواثيقكم أدخل مصركم معكم، وإن لم تفعلوا وكنتم كارهين لقدومي انصرفت إلى ~~المكان الذي جئت منه، والسلام. # فقال له الحر: أما والله ما ندري بهذه الكتب التي تقول. # فقال: يا عقبة (2) بن سمعان، أخرج الخرجين وأخرجها، فنشر الكتب بين يديه. # فقال الحر: لسنا من هؤلاء. ### ||| [كتاب عبيد الله بن زياد إلى الحر بن يزيد يأمره بالتضييق على الحسين (عليه السلام)] # وإذا بكتاب قد ورد من الكوفة من عبيد الله بن ms453 زياد إلى الحر: # أما بعد: # يا حر، فإذا أتاك كتابي فجعجع بالحسين ولا تفارقه حتى تأتيني به، فإني قد ~~أمرت رسولي أن يلازمك فلا يفارقك حتى تأتيني بإنفاذ أمري إليك، والسلام. # فلما قرأ الكتاب بعث إلى بقاية من أصحابه (3) فدعاهم، ثم قال: ويحكم قد ~~ورد علي كتاب هذا اللعين ابن زياد يأمرني أن أقدم على الحسين بما يسوؤه PageV02P245 # ولا والله لا تطاوعني نفسي بذلك ولا تجيبني. # قال: فالتفت إليه رجل من أصحاب الحر يقال له أبو الشعثاء الكندي إلى رسول ~~ابن زياد فقال له: فيما جئت ثكلتك امك؟ # فقال: أطعت إمامي، ووفيت ببيعتي، وجئت برسالة أميري. # فقال له أبو الشعثاء: لعمري لقد عصيت ربك، وأطعت إمامك، وأهلكت نفسك، ~~والتبست (1) عارا، فبئس الإمام إمامك، قال الله سبحانه: @QUR@011 وجعلناهم ~~أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون (2). # وقام الحسين (عليه السلام) على قدميه عند ذلك، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ~~قال: أيها الناس، إنا أهل بيت نبيكم (صلى الله عليه وآله)، ونحن أولى ~~بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم، السائرين فيكم بالظلم ~~والعدوان، فإن تتقوا وتعرفوا الحق لأهله فيكون ذلك رضى، وإن كرهتمونا ~~وجهلتم حقنا، وكان رأيكم على خلاف ما جاءت به كتبكم انصرفت عنكم. # فأجابه الحر بما أجابه، وقال: امرنا إن لقيناك لا نفارقك حتى نقدم بك على ~~الأمير. # قال: فتبسم الحسين (صلوات الله عليه)، ثم قال: يا ابن يزيد، أو لا تعلم ~~أن الموت أولى من ذلك؟ ثم التفت الحسين إلى أصحابه وقال: احملوا النساء ~~واركبوا حتى ننظر ما (3) الذي يقدر أن يصنع هذا وأصحابه. PageV02P246 # قال: فركب أصحاب الحسين وساقوا النساء بين أيديهم لينصرفوا إلى مكة، ~~فتقدمت خيل أهل الكوفة حتى حالت بينهم وبين المسير، وضرب الحسين بيده إلى ~~سيفه، وقال: يا ابن يزيد، ثكلتك امك، ما الذي تريد أن تصنع؟ # فقال الحر: أما والله يا حسين، لو قالها أحد من العرب غيرك لرددتها عليه ~~كائنا من كان، ولكن والله ما لي إلى ذكر امك من ms454 سبيل، غير اني لا بد أن ~~أنطلق بك إلى ابن زياد. # فقال الحسين (عليه السلام): أما والله لا أتبعك أو تذهب نفسي. # فقال الحر: إذا والله لا أفارقك أو تذهب نفسي ونفس أصحابي. # قال الحسين (عليه السلام): فذر أصحابك وأصحابي وابرز إلي، فإن قتلتني ~~حملت رأسي إلى ابن زياد، وإن قتلتك أرحت الخلق منك. # فقال الحر: إني لم أومر بقتالك، وإنما امرت أن لا أفارقك أو أقدم بك على ~~ابن زياد، وأنا كاره والله أن أبتلي بشيء من أمرك، غير أني أخذت بيعة ~~القوم وخرجت إليك، وأنا أعلم أنه ما يوافي أحد من هذه الامة يوم القيامة ~~إلا وهو يرجو شفاعة جدك، وأنا خائف إن قاتلتك أن أخسر الدنيا والآخرة، لكن ~~يا أبا عبد الله، لا أقدر على الرجوع إلى الكوفة في وقتي هذا، فخذ في غير ~~الطريق وامض حيث شئت حتى أكتب إلى ابن زياد ان الحسين خالفني الطريق فلم ~~أقدر عليه، وأنا انشدك الله في نفسك. # فقال: يا حر، كأنك تخبرني أني مقتول. # قال الحر: نعم يا أبا عبد الله، ما أشك في ذلك إلا أن ترجع من حيث PageV02P247 # جئت. # فقال الحسين (عليه السلام): لا أدري ما أقول لك، ولكن أقول كما قال أخو ~~الأوس لابن عم له لقيه وهو يريد نصر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: # أين تذهب إنك مقتول؟ # فقال: # سأمضي وما بالموت عار على الفتى %~% إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما # وواسى الرجال الصالحين بنفسه %~% وفارق مذموما وخالف مجرما # اقدم نفسي لا اريد بقاءها %~% لتلقى خميسا في الوغى (1)وعرمرما # فإن عشت لم اذمم وإن مت لم الم %~% كفى بك ذلا أن تعيش فترغما # ثم أقبل الحسين (عليه السلام) على أصحابه، وقال: هل فيكم أحد يعرف (2) ~~الطريق على غير الجادة؟ # فقال الطرماح (3): نعم، يا ابن رسول الله، أنا أخبر الطريق. ### ||| [أرجاز للطرماح] # فقال الحسين (عليه السلام): سر بين أيدينا، فسار الطرماح واتبعه الحسين PageV02P248 # (صلوات الله عليه) وأصحابه، وجعل الطرماح يرتجز [ويقول] (1): # يا ناقتي لا ms455 تجزعي (2)من زجر %~% وامضي بنا قبل طلوع الفجر # بخير فتيان وخير سفر %~% آل رسول الله آل (3)الفخر # السادة البيض الوجوه الزهر (4) %~% الطاعنين بالرماح السمر # الضاربين بالسيوف (5)البتر %~% حتى تحلى بكريم النجر (6) # الماجد الجد (7)الرحيب الصدر %~% أتى به (8) الله لخير أمر (9) # عمره الله بقاء الدهر %~% يا مالك النفع معا والضر # أيد حسينا سيدي بالنصر %~% على الطغاة من بقايا الكفر # على اللعينين سليلي صخر %~% يزيد لا زال حليف الخمر # وابن زياد العهر وابن العهر (10) PageV02P249 ### ||| [نزول الحسين (عليه السلام) عذيب الهجانات] # قال: وأصبح الحسين (عليه السلام) من وراء عذيب الهجانات (1) وإذا بالحر ~~قد ظهر له (2) أيضا في جيشه، فقصد الحسين، فقال: ما وراءك، يا ابن يزيد؟ ~~أليس أمرتنا أن نأخذ على غير الطريق فأخذنا وقبلنا مشورتك؟ # فقال: صدقت، ولكن هذا كتاب ابن زياد ورد علي يؤنبني ويضعفني في أمرك. # قال الحسين: فذرنا ننزل بقرية نينوى أو الغاضرية؟ # فقال الحر: والله ما أستطيع ذلك، هذا رسول ابن زياد معي، وإنما بعثه عينا علي. # فاقبل زهير بن القين على الحسين، فقال: يا ابن رسول الله، ذرنا نقاتل ~~هؤلاء القوم فإن قتالنا إياهم الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا بعدهم. # فقال الحسين (عليه السلام): صدقت يا زهير، ولكن ما كنت بالذي أبدأهم ~~بالقتال حتى يبدءوني. # فقال زهير: سربنا حتى ننزل كربلاء فإنها [على] (3) شاطئ الفرات فنكون ~~هناك، فإن قاتلونا قاتلناهم واستعنا عليهم بالله. # قال: فدمعت عينا الحسين (عليه السلام)، وقال: اللهم إني أعوذ بك من PageV02P250 # الكرب والبلاء، ونزل الحسين في موضعه ونزل الحر حذاءه. (1) # وقام إلى الحسين رجل من شيعته يقال له هلال بن نافع الجملي (2)، فقال: # يا ابن رسول الله، ألست تعلم أن جدك رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم ~~يقدر أن يشرب الناس محبته، ولا أن يرجعوا من أمره إلى ما يحب (3)، وقد كان ~~[منهم] (4) منافقون يعدونه النصر ويضمرون له الغدر، ويلقونه بأحلى من ~~العسل، ويخلفونه بأمر من الحنظل حتى قبضه الله تعالى إليه، وأن أباك أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) كان في ms456 مثل ذلك، فقوم اجتمعوا على نصره وقاتلوا معه ~~الناكثين والقاسطين والمارقين [وقوم قعدوا عنه وخذلوه] (5) حتى آتاه الله ~~أجله فمضى إلى رحمة الله ورضوانه، وأنت اليوم عندنا في مثل تلك الحالة، فمن ~~نكث عهده وخلع بيعته فلن يضر إلا نفسه، والله تعالى مغن عنه، فسر بنا معافى ~~راشدا إن شئت مشرقا أو مغربا، فو الله ما أشفقنا من قدر الله، ولا كرهنا ~~لقاء ربنا، وإنا على نياتنا وبصائرنا، نوالي من والاك، ونعادي من عاداك. # ثم وثب إليه رجل من شيعته يقال له برير بن خضير الهمداني، فقال: والله يا ~~ابن رسول الله، لقد من الله تعالى بك علينا أن نقاتل بين يديك، وتقطع ~~[فيك] (6) أعضاؤنا، ثم يكون جدك (صلى الله عليه وآله) شفيعا لنا يوم ~~القيامة، لا أفلح قوم ضيعوا ابن [بنت] (7) نبيهم، اف لهم غدا ما يلاقون، ~~ينادون بالويل والثبور في نار جهنم. PageV02P251 # قال: فجمع الحسين (عليه السلام) ولده وإخوته وأهل بيته بين يديه، ثم نظر ~~إليهم، فبكى ساعة، ثم قال: اللهم إنا عترة نبيك (صلى الله عليه وآله) وقد ~~اخرجنا وطردنا وازعجنا عن حرم جدنا، وتعدت بنو امية علينا، فخذلنا بحقنا، ~~وانصرنا على القوم الظالمين. ### ||| [نزول الحسين (عليه السلام) كربلاء] # ثم نادى (عليه السلام) بأصحابه ورحل من موضعه (1) حتى نزل كربلاء في يوم ~~الأربعاء أو الخميس، وذلك في اليوم الثاني من المحرم سنة إحدى وستين، ثم ~~أقبل على أصحابه، فقال: الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ~~ما درت (2) معايشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون. # ثم قال: أهذه كربلاء (3)؟ # فقالوا: نعم. # فقال: هذا موضع كرب وبلا، هاهنا مناخ ركابنا، ومحط رحالنا، ومقتل رجالنا، ~~ومسفك دمائنا (4). # فنزل القوم وحطوا أثقالهم ناحية من الفرات، وضربت خيمة الحسين لأهله ~~وبنيه وبناته، وضرب إخوته وبنو عمه خيامهم حول خيمته، ### ||| [أبيات للحسين (عليه السلام)] # وجلس PageV02P252 # الحسين (عليه السلام) يصلح سيفه ومعه جون مولى أبي ذر الغفاري، فأنشأ ~~الحسين يقول: # يا دهر اف لك من خليل %~% كم لك بالإشراق والأصيل # من طالب بحقه ms457 قتيل (1) %~% والدهر لا يقنع بالبديل # وكل حي سالك سبيل %~% ما أقرب الوعد من الرحيل # وإنما الأمر إلى الجليل %~% [سبحانه جل عن المثيل] (2) # فسمعت بذلك اخت الحسين زينب وأم كلثوم، فقالت: يا أخي، هذا كلام من أيقن ~~بالموت. # فقال: نعم، يا اختاه، لو ترك القطا لغفا ونام. # فقالت زينب: وا ثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة، مات جدي رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله)، ومات أبي علي، وماتت امي فاطمة، ومات أخي الحسن، والآن ~~ينعى إلي أخي الحسين نفسه. # قال: وبكت النسوة، ولطمن الخدود، وشققن الجيوب، وجعلت أم كلثوم تنادي ~~(3): وا محمداه، وا علياه، وا اماه، وا حسناه، وا حسيناه، وا ضيعتاه، يا ~~أبا عبد الله. # فعزاها الحسين وصبرها، وقال: يا اختاه، تعزي بعزاء الله، وارضي بقضاء ~~الله، فإن سكان السماء يفنون (4)، وأهل الأرض يموتون، @QUR@02 كل شيء PageV02P253 # @QUR@03 هالك إلا وجهه (1). # يا اختاه، كان أبي وجدي وأخي وامي أفضل مني وقد ذاقوا الموت، وصاروا تحت ~~الثرى، وان لي ولهم ولكل مؤمن اسوة برسول الله. # وعزاها الحسين: يا اختاه يا أم كلثوم ويا زينب ويا فاطمة، انظرن إذا قتلت ~~فلا تشققن علي جيبا، ولا تخمشن وجها، ولا تقلن هجرا. # وقال الطرماح بن عدي: الوجه عندي في ذلك يا ابن رسول الله أن تركب معي ~~جمازة فإني [أبلغ] (2) بك الليلة قبل الصباح أحياء طي، واسوي لك امورك، ~~واقيم بين يديك خمسة آلاف مقاتل يقاتلون عنك. # فقال الحسين (عليه السلام): ليس من مروة الرجل أن ينجو بنفسه ويهلك أهله ~~وعياله. # فقال له أصحابه: إن هؤلاء إذا لم يجدوك لم يفعلوا بالعيال مكروها، فلم ~~يلتفت إلى قولهم، وجزى الطرماح خيرا. # وأقبل الحر حتى نزل بإزاء الحسين بكربلاء. ### ||| [كتاب ابن زياد إلى الحسين (عليه السلام)] # وكتب ابن زياد إلى الحسين (عليه السلام): # أما بعد: # يا حسين، فقد بلغني نزولك بكربلاء، وقد كتب إلي أمير المؤمنين يزيد أن لا ~~أتوسد الوثير، ولا أشبع من الخمير، أو الحقك باللطيف الخبير، أو ترجع إلى ~~حكمي وحكم يزيد. PageV02P254 # فلما ورد كتابه على ms458 الحسين (عليه السلام) وقرأه رماه من يده، وقال: لا ~~أفلح قوم شروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق. # فقال له الرسول: الجواب يا أبا عبد الله. # فقال له: ماله عندي جواب، لأنه قد حقت عليه كلمة العذاب، فرجع الرسول إلى ~~ابن زياد، فخبره بذلك، فغضب عدو الله أشد الغضب، ثم جمع أصحابه وقال: من ~~منكم يتولى قتال الحسين أتولى به (1) أي بلد شاء؟ فلم يجبه أحد، ### ||| [ابن زياد يأمر عمر بن سعد بتولي قتال الحسين (عليه السلام)] # والتفت إلى عمر بن سعد بن أبي وقاص وقد كان قبل ذلك بأيام قد عقد له عهدا ~~وولاه الري وتستر، وأمره بحرب الديلم فأراد أن يخرج إليها، فلما كان ذلك ~~أقبل عليه ابن زياد، فقال: اريد أن تمضي إلى حرب الحسين فإذا نحن فرغنا من ~~أمره سرت إلى عملك. # فقال عمر بن سعد: أيها الأمير، إن رأيت أن تعفيني عن قتال الحسين منعما علي. # فقال ابن زياد: فإنا قد أعفيناك، فاردد علينا عهدنا الذي كتبناه لك واجلس ~~في منزلك حتى نبعث غيرك. # فقال عمر: فأمهلني اليوم حتى أنظر في أمري. # قال: قد أمهلتك. # قال: فانصرف عمر بن سعد إلى منزله ليستشير إخوانه ومن يثق به، فلا يشير ~~عليه أحد بذلك غير أنهم يقولون: آثر الله واتق ربك ولا تفعل، وأقبل إليه ~~حمزة بن المغيرة بن شعبة وهو ابن اخته، فقال: انشدك الله يا خال ان تسير إلى PageV02P255 # [قتال] (1) الحسين فإنك تأثم بذلك وتقطع رحمك، فو الله لئن خرجت من ~~سلطان الأرض كلها هو خير لك من أن تلقى الله بدم الحسين. # قال: فسكت عمر وفي قلبه من الري ما فيه (2)، فلما أصبح أقبل على ابن ~~زياد، فقال له: ما عندك يا عمر؟ # فقال: أيها الأمير، إنك وليتني هذا بعمل، وقد تسامع الناس به، فإن رأيت ~~أن تفسده لي وتولي غيري فافعل، فإن في الكوفة أسماء بن خارجة، وكثير بن ~~شهاب، ومحمد بن الأشعث، وغيرهم. # فقال له ابن زياد: لا تعلمني بأشراف الكوفة، فإني لا أستأمرك ms459 فيمن اريد ~~أن أبعث، فإن سرت أنت فرجت عنا هذه الغمة، وأنت الحبيب القريب، وإلا فاردد ~~علينا عملنا (3)، والزم منزلك فإنا لا نكرهك. # قال: فسكت عمر، وغضب ابن زياد، وقال: يا ابن سعد، والله لئن لم تمض إلى ~~حرب الحسين (4) وتتولاه لأضربن عنقك، ولأهدمن دارك، ولأنهبن مالك [ولا ~~ابقي عليك] (5) كائنا ما كان. # فقال: إذا فأنا سائر إليه غدا، فجزاه ابن زياد خيرا، ووصله وأعطاه، وضم ~~إليه أربعة آلاف فارس، وقال له: خذ بكظم الحسين، وحل بينه وبين ماء الفرات ~~أن يشرب منه، ### ||| [مسير عمر بن سعد نحو الحسين (عليه السلام)] # ثم سار عمر بن سعد في أربعة آلاف نحو الحسين، وكان PageV02P256 # [الحر] (1) عنده ألف فذلك خمسة آلاف، ### ||| [مجيء رسول ابن سعد إلى الحسين (عليه السلام)] # ثم دعا عمر بن سعد برجل من أصحابه يقال له عروة بن قيس، فقال له: امض إلى ~~الحسين فاسأله ما الذي جاء به إلى هذا الموضع؟ وما الذي أخرجه من مكة؟ # فقال عروة: أيها الأمير، إني كنت قبل اليوم اكاتب الحسين ويكاتبني، وأنا ~~أستحي أن أصير إليه، فإن رأيت أن تبعث غيري، فبعث ابن سعد برجل يقال له ~~كثير بن عبد الله الشعبي (2)، وكان ملعونا ناصبيا شديد العداوة لأهل البيت ~~(عليهم السلام) فسل سيفه، فلما رأى أبو ثمامة الصائدي (3) قال للحسين: يا ~~ابن رسول الله، قد جاءك شر الناس وأجرأهم على سفك الدماء. # قال: فقام الحسين وقال له: ضع سيفك حتى نكلمك فقال: لا ولا كرامة، إنما ~~أنا رسول فإن سمعت مني بلغت ما ارسلت به، وإن أبيت انصرفت. # فقال له أبو ثمامة: تكلم بما تريد ولا تدن من الحسين فإنك رجل فاسق، فغضب ~~ورجع إلى ابن سعد، وقال: إنهم لم يتركوني أن أدنو من الحسين فابلغه رسالتك ~~فابعث غيري، فأرسل إليه برجل يقال له قرة بن قيس الحنظلي، فلما أشرف على ~~عسكر الحسين قال الحسين لأصحابه: هل تعرفون الرجل؟ # فقال حبيب بن مظاهر: نعم، يا ابن رسول الله، هذا رجل من بني تميم ms460 ثم من ~~بني حنظلة، وقد (4) كنت أعرفه حسن الرأي، وما ظننت أنه يشهد هذا المشهد، ثم ~~تقدم الحنظلي حتى وقف بين يدي الحسين (عليه السلام) وأبلغه PageV02P257 # رسالة عمر بن سعد. # فقال الحسين (عليه السلام): يا هذا، أبلغ صاحبك اني لم أرد هذا البلد، ~~ولكن كتب إلي أهله أن آتيهم يبايعوني ويمنعوني وينصروني، فإن كرهتموني ~~انصرفت عنكم من حيث جئت. # ثم وثب إليه حبيب بن مظاهر، وقال: ويحك يا قرة، عهدي بك وأنت حسن الرأي ~~في أهل البيت، فما الذي غيرك حتى جئتنا بهذه الرسالة، فأقم عندنا وانصر هذا ~~الرجل الذي قد أتانا الله به؟ # فقال الحنظلي: سمعت مقالتك، وهو أحق بالنصر من غيره، ولكني أرجع إلى ~~صاحبي بالرسالة وأنظر في ذلك، ثم انصرف وأخبر ابن سعد بمقالة الحسين. ### ||| [كتاب ابن سعد إلى ابن زياد] # فقال ابن سعد: الحمد لله، والله إني لا أرجو أن يعافيني الله من حربه، ثم ~~كتب إلى ابن زياد: # إلى الأمير عبيد الله بن زياد من عمر بن سعد. # أما بعد: # فإني نزلت بالحسين، ثم بعثت إليه رسولا وسألته عما أقدمه، فذكر ان أهل ~~الكوفة أرسلوا يسألونه القدوم عليهم ليبايعوه وينصروه، فإذا قد بدا لهم في ~~نصرته فإنه ينصرف من حيث أتى ويلحق بيزيد بن معاوية، أو يلحق بأي بلد أردت ~~فيكون كواحد من المسلمين، فأحببت أن اعلم الأمير بذلك. ### ||| [كتاب ابن زياد إلى ابن سعد، وخطبته في جامع الكوفة] # فلما قرأ ابن زياد كتاب عمر فكر ساعة، ثم قال: الآن وقد علقت مخاليبنا ~~يرجو ابن أبي تراب النجاة منها، هيهات لا نجى الله ابن زياد إن نجا منها PageV02P258 # الحسين، ثم كتب إلى ابن سعد: # أما بعد: # فقد بلغني كتابك وما ذكرت من أمر الحسين، فإذا ورد عليك كتابي هذا فأعرض ~~عليه البيعة ليزيد، فإن فعل وأجاب إلى البيعة وإلا فائتني به، والسلام. # فلما ورد الكتاب على ابن سعد قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أخاف أن ابن ~~زياد لا يقبل العافية، والله المستعان، فلم يعرض ms461 ابن سعد على الحسين ما ~~أرسل به ابن زياد لأنه علم أن الحسين لا يبايع يزيد أبدا (1). # قال: ثم جمع ابن زياد الناس في جامع الكوفة، ثم خرج فصعد المنبر، ثم قال: ~~أيها الناس، إنكم بلوتم آل أبي سفيان فوجدتموهم كما تحبون، وهذا أمير ~~المؤمنين يزيد قد عرفتموه حسن السيرة، محمود الطريقة، محسنا إلى الرعية، ~~يعطي العطاء في حقه، قد أمنت السبل على عهده، وكذلك كان أبوه معاوية في ~~عصره، وهذا ابنه يزيد من بعده يكرم العباد، ويغنيهم بالأموال ويكرمهم، وقد ~~زادكم في أرزاقكم مائة مائة، وأمرني أن اوفرها عليكم واخرجكم إلى حرب عدوه ~~الحسين، فاسمعوا له وأطيعوا. # ثم نزل عن المنبر ووفر للناس العطاء، وأمرهم أن يخرجوا إلى حرب الحسين ~~(عليه السلام)، ويكونوا عونا لابن سعد على حربه، فأول من خرج شمر بن ذي ~~الجوشن في أربعة آلاف، فصار ابن سعد في تسعة آلاف، ثم أتبعه بيزيد بن ركاب ~~الكلبي في ألفين، والحصين بن نمير السكوني في أربعة آلاف، وفلان المازني في ~~ثلاثة آلاف، ونصر بن فلان في ألفين، فذلك عشرون ألفا. PageV02P259 ### ||| [كتاب ابن زياد إلى شبث بن ربعي] # ثم أرسل إلى شبث بن ربعي أن أقبل إلينا فإنا نريد أن نوجه بك إلى حرب ~~الحسين، فتمارض شبث وأراد أن يعفيه ابن زياد، فأرسل إليه: # أما بعد: # فإن رسولي خبرني بتمارضك، وأخاف أن تكون من الذين إذا لقوا الذين آمنوا ~~قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون (1)، ~~إن كنت في طاعتنا فأقبل إلينا مسرعا، فأقبل إليه شبث بعد العشاء لئلا ينظر ~~الملعون إلى وجهه فلا يرى عليه أثر العلة، فلما دخل رحب به وقرب مجلسه، ~~وقال: احب أن تشخص إلى قتال هذا الرجل عونا لابن سعد عليه. # فقال: أفعل أيها الأمير (2). # فما زال يرسل إليه بالعساكر حتى تكامل عنده ثلاثون ألفا ما بين فارس ~~وراجل، ثم كتب إليه ابن زياد: إني لم أجعل لك علة في كثرة الخيل والرجال، ~~فانظر لا اصبح ولا امسي ms462 إلا وخبرك عندي غدوة وعشية، وكان ابن زياد يستحث ~~عمر بن سعد على قتال الحسين (عليه السلام)، وعمر بن سعد يكره ذلك (3). # قال: والتأمت العساكر عند عمر بن سعد لستة أيام مضين من المحرم (4)، ~~وأقبل حبيب بن مظاهر إلى الحسين (عليه السلام)، فقال: يا ابن رسول الله، هاهنا PageV02P260 # حي من بني أسد بالقرب منا أفتأذن لي بالمصير إليهم [الليلة] (1) فأدعوهم ~~إلى نصرتك، فعسى الله أن يدفع بهم الأذى عنك؟ ### ||| [توجه حبيب بن مظاهر إلى بني أسد يحثهم على نصرة الحسين (عليه السلام)] # قال: قد أذنت لك، فخرج حبيب إليهم في جوف الليل مستنكرا مستعجلا حتى أتى ~~إليهم فعرفوه أنه من بني أسد، فقالوا: ما حاجتك، يا ابن عمنا؟ # فقال: إني قد أتيتكم بخير ما أتى به وافد إلى قوم، أتيتكم أدعوكم إلى ~~نصرة ابن بنت نبيكم فإنه في عصابة من المؤمنين، الرجل منهم خير من ألف رجل، ~~لن يخذلوه، ولن يسلموه بيد أعدائه (2)، وهذا عمر بن سعد قد أحاط به، وأنتم ~~قومي وعشيرتي، وقد أتيتكم بهذه النصيحة، فأطيعوني اليوم في نصرته تنالوا ~~بها شرف الدنيا والآخرة (3)، فإني اقسم بالله لا يقتل أحد منكم في سبيل ~~الله مع ابن بنت رسول الله صابرا محتسبا إلا كان رفيقا لمحمد (صلى الله ~~عليه وآله) في عليين. # قال: فوثب إليه رجل من بني أسد يقال له عبد الله بن بشر، فقال: أنا أول ~~من يجيب إلى هذه الدعوة، ثم جعل يرتجز [ويقول] (4): # قد علم القوم إذا تواكلوا (5) %~% وأحجم الفرسان أو تثاقلوا (6) # أني شجاع بطل مقاتل (7) %~% كأنني ليث عرين باسل PageV02P261 # ثم تنادى (1) رجال الحي حتى التأم (2) منهم تسعون رجلا فأقبلوا يريدون ~~الحسين (عليه السلام)، وخرج رجل في ذلك الوقت من الحي يقال له [فلان] (3) ~~ابن عمرو حتى صار إلى عمر بن سعد فأخبره بالحال، فدعا ابن سعد برجل من ~~أصحابه يقال له الأزرق الشامي- وهو الذي قتله وبنيه قاسم بن الحسن (عليه ~~السلام) واحدا بعد واحد-، فضم إليه أربعمائة فارس ووجه [به] (4) نحو حي ~~بني أسد، ms463 فبينا اولئك القوم قد أقبلوا يريدون عسكر الحسين (عليه السلام) في ~~جوف الليل إذ استقبلتهم خيل ابن سعد على شاطئ الفرات، وبينهم وبين عسكر ~~الحسين النهر (5)، فناوش القوم بعضهم بعضا واقتتلوا قتالا شديدا، وصاح حبيب ~~بن مظاهر بالأزرق: ويلك مالك ومالنا؟ انصرف عنا ودعنا يشقى بنا غيرك (6)، ~~فأبى الأزرق أن يرجع، وعلمت بنو أسد أنه لا طاقة لهم بالقوم فانهزموا ~~راجعين إلى حيهم، ثم إنهم ارتحلوا في جوف الليل خوفا من ابن سعد أن يبيتهم، ~~ورجع حبيب بن مظاهر إلى الحسين (عليه السلام) فخبره بذلك. # فقال (عليه السلام): لا حول ولا قوة إلا بالله. ### ||| [معجزة للحسين (عليه السلام) باستخراج الماء العذب بعد أن أضر به وبأصحابه العطش] # قال: ورجعت خيل ابن سعد حتى نزلوا على شاطئ الفرات، فحالوا بين الحسين ~~وأصحابه وبين الماء، وأضر العطش بالحسين وأصحابه، فأخذ الحسين PageV02P262 # (عليه السلام) فأسا وجاء إلى وراء خيمة النساء فخطا في (1) الأرض تسع ~~عشرة خطوة نحو القبلة، ثم حفر هناك، فنبعت له عين من الماء العذب، فشرب ~~الحسين (عليه السلام) وشرب الناس بأجمعهم وملئوا أسقيتهم، ثم غارت العين، ~~فلم ير لها أثر. (2) # وبلغ ذلك ابن زياد، فأرسل إلى عمر بن سعد: بلغني أن الحسين يحفر الآبار، ~~ويصيب الماء، فيشرب هو وأصحابه، فانظر إذا ورد عليك كتابي فامنعهم من حفر ~~الآبار ما استطعت، وضيق عليهم، ولا تدعهم يذوقوا الماء، وافعل بهم كما ~~فعلوا بالزكي عثمان. # فعندها ضيق عليهم عمر بن سعد غاية التضييق. # ثم دعا بعمرو بن الحجاج الزبيدي فضم إليه خيلا عظيمة، وأمره أن ينزل على ~~الشريعة التي [هي] (3) حذاء عسكر الحسين. # قال: فنزلوا على الشريعة، فلما اشتد العطش بالحسين دعا بأخيه العباس بن ~~علي فضم إليه ثلاثين فارسا وعشرين راجلا وبعث معه عشرين قربة، فأقبلوا في ~~جوف الليل حتى دنوا من الفرات. # فقال عمرو بن الحجاج: من أنتم؟ # فقال رجل من أصحاب الحسين (عليه السلام) يقال له هلال بن نافع الجملي ~~(4): أنا ابن عم لك من أصحاب الحسين، جئت أشرب من ms464 هذا الماء الذي PageV02P263 # منعتمونا إياه (1). # فقال عمرو: اشرب هنيئا. # فقال هلال: ويحك كيف تأمرني أن أشرب والحسين بن علي ومن معه يموتون عطشا؟! # فقال عمرو: صدقت، ولكن امرنا بأمر لا بد أن ننتهي إليه، فصاح هلال ~~بأصحابه، فدخلوا الفرات، وصاح عمرو بالناس، فاقتتلوا على الماء قتالا ~~شديدا، فكان قوم يقاتلون وقوم يملئون [القرب] (2) حتى ملؤها، [قتل من ~~أصحاب عمرو بن الحجاج جماعة] (3) ولم يقتل من أصحاب الحسين أحد، ثم رجع ~~القوم إلى معسكرهم، فشرب الحسين ومن كان معه، ولهذا (4) سمي العباس (عليه ~~السلام) السقاء. ### ||| [التقاء الامام الحسين (عليه السلام) بعمر بن سعد] # ثم أرسل الحسين (عليه السلام) إلى عمر بن سعد لعنه الله: إني اريد أن ~~اكلمك فالقني الليلة بين عسكري وعسكرك، فخرج إليه ابن سعد في عشرين وخرج ~~إليه الحسين في مثل ذلك، فلما التقيا أمر الحسين (عليه السلام) أصحابه ~~فتنحوا عنه، فبقي معه أخوه العباس وابنه علي الأكبر، وأمر عمر بن سعد ~~أصحابه فتنحوا عنه، وبقي معه ابنه حفص وغلام له. # فقال له الحسين (عليه السلام): ويلك يا ابن سعد، أما تتقي الله الذي إليه ~~معادك؟ أتقاتلني وأنا ابن من علمت؟ ذر هؤلاء القوم وكن معي فإنه أقرب لك ~~إلى الله تعالى. PageV02P264 # فقال عمر بن سعد: أخاف أن تهدم داري. # فقال الحسين (عليه السلام): أنا أبنيها لك. # فقال: أخاف أن تؤخذ ضيعتي. # فقال الحسين (عليه السلام): أنا أخلف عليك خيرا منها من مالي بالحجاز. # فقال: لي عيالي (1) وأخاف عليهم. # [فقال: أنا أضمن سلامتهم. # قال:] (2) ثم سكت ولم يجبه إلى شيء، فانصرف عنه الحسين (عليه السلام) ~~وهو يقول: ما لك ذبحك الله على فراشك عاجلا، ولا غفر لك يوم حشرك؟ فو الله ~~إني لا أرجو أن تأكل من بر العراق إلا يسيرا. ### ||| [كتاب ابن زياد إلى ابن سعد يأمره بقتل الحسين (عليه السلام)] # فقال ابن النحس سعد: في الشعير كفاية عن البر- مستهزئا بذلك القول (3)-، ~~ثم رجع ابن سعد إلى معسكره، وإذا كتاب ابن زياد قد ورد عليه يؤنبه ويضعفه ms465 ~~ويقول: ما هذه المطاولة؟ انظر إن بايع الحسين وأصحابه فابعث بهم إلي ~~سالمين، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم فإنهم لذلك مستحقون، ~~فإذا قتلت الحسين فأوطئ الخيل ظهره وبطنه، فإنه عاق شاق، فإذا فعلت ذلك ~~جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أبيت ذلك فاعتزل خيلنا وجندنا وسلم الجند ~~والعسكر إلى شمر بن ذي الجوشن فإنه أحزم منك أمرا، وأمضى عزيمة. PageV02P265 # وروي أن ابن زياد بعث رجلا يقال له جويرية بن زياد (1) [وقال] (2): إذا ~~أوصلت كتابي هذا إلى عمر بن سعد فإن قام من ساعته لحرب الحسين فذاك، وإن لم ~~يقم فخذه وقيده، وابعث به إلي، ويكون شمر بن ذي الجوشن الأمير على الناس. # فوصل الكتاب [وكان في الكتاب] (3): إني لم أبعثك يا ابن سعد لمنادمة ~~الحسين، فإذا أتاك كتابي هذا فخيره بين أن تأتيني به أو تقاتله، فوثب ابن ~~سعد من ساعته وأخبر الحسين بذلك، فقال الحسين (عليه السلام): أخرنا إلى غد. (4) # وأقبل العباس إلى القوم الذين مع عمر بن سعد، فقال: يا هؤلاء، إن أبا عبد ~~الله يسألكم الانصراف عنه باقي يومكم حتى ننظر (5) في هذا الأمر، ثم نلقاكم ~~به غدا (6). # قال: فخبر القوم بذلك أميرهم، فقال عمر بن سعد لشمر: ما ذا ترى؟ # قال: أنا أرى رأيك أيها الأمير، فقل (7) ما تشاء. # فقال عمر بن سعد: إني أحببت ألا أكون أميرا فلم اترك وأكرهت، ثم أقبل عمر ~~بن سعد على أصحابه، فقال: الرأي عندكم. # فقال رجل من أصحابه وهو عمرو بن الحجاج: سبحان الله! والله لو كانوا PageV02P266 # من أهل الترك والديلم ويسألوا هذه الخصلة (1) لكان ينبغي أن نجيبهم إلى ~~ذلك، فكيف وهم آل الرسول؟ # فقال عمر بن سعد: خبروهم أنا قد أجلناهم باقي يومنا. # فنادى رجل من أصحاب ابن سعد: يا شيعة حسين، إنا قد أجلناكم يومنا إلى غد، ~~فإن استسلمتم ونزلتم على الحكم وجهنا بكم إلى الأمير، وإن أبيتم ناجزناكم، ~~فانصرف الفريقان، وجاء الليل فبات الحسين (عليه السلام) ليلته تلك راكعا ~~وساجدا وباكيا ومستغفرا ومتضرعا، وكذلك ms466 كانت صبيحته (عليه السلام)، وكان ~~يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة. # وقيل (2) لعلي بن الحسين ما أقل ولد أبيك؟! # فقال (عليه السلام): العجب كيف ولدت أنا له، إنه كان يصلي في اليوم ~~والليلة ألف ركعة، فمتى كان يتفرغ للنساء؟ # وكذلك أصحابه باتوا كذلك لهم دوي كدوي النحل، وأقبل شمر في نصف الليل ~~[يتجسس] (3) ومعه جماعة من أصحابه حتى قرب من عسكر الحسين (عليه السلام)، ~~والحسين رافع صوته يتلو هذه الآية، @QUR@015 ولا يحسبن الذين كفروا أنما ~~نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما (4) الآية: ثم تلا: ~~@QUR@014 ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من ~~الطيب (5) PageV02P267 # فصاح رجل من أصحاب شمر وقال: نحن ورب الكعبة الطيبون وأنتم الخبيثون، وقد ~~ميزنا منكم، فقطع برير بن خضير صلاته، ثم ناداه: يا فاسق، يا فاجر، يا عدو ~~الله، يا ابن البوال على عقبيه، أمثلك يكون من الطيبين والحسين من ~~الخبيثين؟! والله ما أنت إلا بهيمة لا تعقل، فأبشر بالخزي يوم القيامة، ~~فصاح به شمر وقال: أيها المتكلم، إن الله قاتلك وقاتل صاحبك عن قريب. # فقال برير: يا عدو الله، أبا لموت تخوفني، والله إن الموت مع ابن رسول ~~الله أحب إلي من الحياة معكم، والله لا نال شفاعة محمد قوما أراقوا دماء ~~ذرياته (1) وأهل بيته. # وأقبل رجل من أصحاب الحسين، فقال: يا برير، إن أبا عبد الله يقول: # ارجع إلى مكانك (2)، ولا تخاطب القوم، فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح ~~لقومه وأبلغ في الدعاء فلقد نصحت وأبلغت. ### ||| [أن الحسين (عليه السلام) رأى في منامه كأن كلابا قد شدت عليه لتنهشه وفيها كلب أبقع] # فلما (3) كان وقت السحر خفق الحسين (عليه السلام) برأسه، ثم استيقظ، ~~فقال: أتعلمون ما رأيت في منامي الساعة؟ رأيت كأن كلابا قد شدت علي ~~[لتنهشني] (4) وفيها كلب أبقع رأيته أشدها، وأظن الذي يتولى قتلي رجل أبرص ~~من بين هؤلاء، ثم إني رأيت جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعه جماعة ~~من أصحابه وهو ms467 يقول لي: يا بني، أنت شهيد آل محمد، وقد استبشرت بك ملائكة ~~السماوات (5) وأهل الصفيح الأعلى فليكن إفطارك عندي الليلة، فعجل PageV02P268 # ولا تتأخر، فهذا ملك من السماء قد نزل ليأخذ دمك في قارورة خضراء، فهذا ~~ما رأيت، وقد أزف الأمر واقترب الرحيل من هذه الدنيا، لا شك في ذلك. (1) # قال: فلطمت زينب وجهها وصاحت. # فقال الحسين (عليه السلام): مهلا، يا اختاه، لا يشمت (2) القوم بنا. ### ||| [خطبة الامام الحسين (عليه السلام) في أصحابه ليلة عاشوراء] # ثم جمع الحسين (عليه السلام) أصحابه بالليلة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ~~أقبل عليهم، فقال: # أما بعد، فإني لا أعلم أصحابا أصلح (3) منكم، ولا أهل بيت آثر (4) ولا ~~أفضل من أهل بيتي، فجزاكم الله [عني] (5) جميعا خيرا، وهذا الليل قد غشيكم ~~فاتخذوه جملا، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، وتفرقوا في سواد ~~[هذا] (6) الليل وذروني وهؤلاء، فإنهم لا يريدون غيري. # فقال له إخوته وبنو عمه وأولاد عبد الله بن جعفر: ولم نفعل ذلك؟ لنبقى ~~بعدك! لا أرانا الله ذلك أبدا، وكان الذي بدأ بهذا القول العباس بن أمير ~~المؤمنين، ثم تابعوه الباقون. # ثم نظر الحسين (عليه السلام) إلى بني عقيل فقال: حسبكم من القتل بصاحبكم ~~مسلم، اذهبوا فقد أذنت لكم. # وروي من طريق آخر: فتكلم إخوته وجميع أهل بيته، وقالوا: يا ابن PageV02P269 # رسول الله، ما تقول الناس لنا؟ وما ذا نقول لهم؟ إنا (1) تركنا شيخنا ~~وكبيرنا وابن [بنت] (2) نبينا ولم نرم معه بسهم، ولم نطعن برمح، ولم نضرب ~~بسيف، لا والله يا ابن رسول الله لا نفارقك أبدا ولكنا نفديك (3) بأنفسنا ~~حتى نقتل بين يديك ونرد موردك، فقبح الله العيش بعدك. # ثم قام مسلم بن عوسجة، وقال: نحن نخلفك (4) هكذا وننصرف عنك وقد أحاط بك ~~هذا العدو! والله لا يراني الله أبدا أفعل ذلك حتى أكسر في صدورهم رمحي، ~~واضاربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي، ولو لم يكن لي سلاح اقاتلهم به لقذفتهم ~~بالحجارة، ولم افارقك أو أموت. # قال: وقام سعيد بن عبد ms468 الله الحنفي فقال: لا والله يا ابن رسول الله لا ~~نخليك أبدا حتى نعلم أنا قد حفظنا فيك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~(5)، ولو علمت أني اقتل [فيك] (6)، ثم أحيا، ثم احرق، ثم اذرى، يفعل ذلك ~~بي سبعين مرة، ما فارقتك حتى ألقى حمامي من دونك، فكيف وإنما هي قتلة ~~واحدة، ثم أنال الكرامة التي لا انقضاء لها؟! # ثم قام زهير بن القين، وقال: والله يا ابن رسول الله وددت أني قتلت، ثم ~~نشرت ألف مرة وأن الله تعالى قد دفع هذه الفتنة عنك (7) وعن هؤلاء الفتية ~~من إخوتك وولدك وأهل بيتك. PageV02P270 # وتكلم جماعة أصحابه بنحو من ذلك، وقالوا: أنفسنا لك الفداء نقيك بأيدينا ~~ووجوهنا، فإذا نحن قتلنا بين يديك نكون قد وفينا لربنا [وقضينا] (1) ما علينا. # وقيل لمحمد بن بشير الحضرمي في تلك الحال: قد اسر ابنك بثغر الري. # فقال: عند الله أحتسبه ونفسي، ما كنت احب أن يؤسر وأبقى بعده. # فسمع الحسين (عليه السلام) قوله، فقال: رحمك الله، أنت في حل من بيعتي، ~~فاعمل في فكاك ابنك. # فقال: أكلتني السباع حيا إن فارقتك. # قال: فأعط ابنك هذه الأثواب البرود (2) يستعين بها على (3) فكاك أخيه. # فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار. # قال: فلما كان الغداة أمر الحسين بفسطاطه فضرب، وأمر بجفنة فيها مسك كثير ~~وجعل عندها نورة، ثم دخل ليطلي. ### ||| [نصيحة برير للقوم بعدم التعرض للحسين (عليه السلام)] # فروي أن برير بن خضير (4) وعبد الرحمن بن عبد ربه الأنصاري وقفا على باب ~~الفسطاط فتطليا بعد الحسين (عليه السلام)، فجعل برير يضاحك عبد الرحمن. # فقال له عبد الرحمن: يا برير، أتضحك؟! ما هذه ساعة ضحك ولا باطل (5). PageV02P271 # فقال برير: لقد علم قومي أني ما أحببت الباطل كهلا ولا شابا، وإنما أفعل ~~ذلك استبشارا بما نصير إليه فو الله ما هو إلا أن نلقى (1) هؤلاء القوم ~~بأسيافنا نعالجهم بها ساعة، ثم نعانق الحور العين. (2) # قال: وركب أصحاب عمر بن سعد، فقرب إلى الحسين (عليه السلام) فرسه فاستوى ~~عليه، وتقدم نحو ms469 القوم في نفر من أصحابه، وبين يديه برير بن خضير فقال له ~~الحسين (عليه السلام): كلم القوم، فتقدم برير حتى وقف قريبا من القوم وقد ~~زحفوا نحو الحسين بأجمعهم، فقال لهم برير: يا قوم (3)، اتقوا الله فإن ثقل ~~محمد (صلى الله عليه وآله) قد أصبح بين أظهركم، هؤلاء ذريته وعترته وبناته ~~وحرمه، فهاتوا ما عندكم وما الذي تريدون أن تصنعوه بهم؟ # فقالوا: نريد أن نمكن منهم الأمير ابن زياد فيرى رأيه فيهم. # فقال لهم برير: أفلا تقبلون (4) منهم إن يرجعوا إلى المكان الذي جاءوا ~~منه؟ ويلكم- يا أهل الكوفة- أنسيتم كتبكم وعهودكم التي أعطيتموها وأشهدتم ~~الله عليها؟ يا ويلكم أدعوتم أهل بيت نبيكم وزعمتم أنكم تقتلون أنفسكم ~~دونهم، حتى إذا أتوكم أسلمتموهم إلى ابن زياد، وحرمتموهم (5) عن ماء ~~الفرات؟ بئسما خلفتم نبيكم في ذريته، ما لكم لا سقاكم الله (6) يوم ~~القيامة، فبئس القوم أنتم. PageV02P272 # فقال له نفر منهم: يا هذا، ما ندري ما تقول؟ # فقال برير: الحمد لله الذي زادني فيكم بصيرة، اللهم إني أبرأ إليك من ~~فعال هؤلاء القوم، اللهم ألق بأسهم بينهم حتى يلقوك وأنت عليهم غضبان، فجعل ~~القوم يرمونه بالسهام، فرجع (1) برير إلى ورائه. ### ||| [خطبة اخرى للحسين (عليه السلام) حين رأى صفوف القوم كأنها السيل] # وتقدم الحسين (عليه السلام) حتى وقف بإزاء (2) القوم، فجعل ينظر إلى ~~صفوفهم كأنهم (3) السيل، ونظر إلى عمر بن سعد واقفا في صناديد الكوفة، فقال: # الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال، ومتصرفة بأهلها حالا ~~بعد حال، فالمغرور من غرته، والشقي من فتنته، فلا تغرنكم هذه الدنيا، فإنها ~~تقطع رجاء من ركن إليها، وتخيب طمع من طمع فيها، وأراكم قد اجتمعتم على أمر ~~قد أسخطتم الله فيه عليكم، وأعرض بوجهه الكريم عنكم، وأحل بكم نقمته، ~~وجنبكم رحمته، فنعم الرب ربنا هو، وبئس العبيد أنتم، أقررتم بالطاعة وآمنتم ~~بالرسول (صلى الله عليه وآله)، ثم أنتم قد رجعتم (4) إلى ذريته وعترته ~~تريدون قتلهم، لقد استحوذ عليكم الشيطان وأنساكم ذكر الله، فتبا لكم ولما ~~تريدون، إنا ms470 لله وإنا إليه راجعون، هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم، فبعدا ~~للقوم الظالمين. # فقال عمر بن سعد: ويلكم كلموه فإنه ابن أبيه، والله لو وقف فيكم هكذا ~~يوما جديدا لما انقطع ولا حصر، فكلموه، فتقدم إليه شمر، فقال: يا حسين، ~~[ما] (5) هذا الذي تقول؟ أفهمنا حتى نفهم. PageV02P273 # قال (عليه السلام): أقول: اتقوا الله ولا تقتلون، فإنه لا يحل لكم قتلي، ~~[ولا انتهاك حرمتي] (1) فإني ابن بنت نبيكم، وجدتي خديجة زوجة نبيكم، ~~ولعلكم قد بلغكم قول نبيكم (صلى الله عليه وآله): الحسن والحسين سيدا ~~[شباب] (2) أهل الجنة (3)، فإن كذبتموني فإن فيكم من الصحابة مثل جابر بن ~~عبد الله [وسهل بن سعد] (4) وزيد بن أرقم وأنس بن مالك فاسألوهم عن هذا ~~الحديث فإنهم يخبرونكم انهم سمعوه من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإن ~~كنتم في شك من أمري أفلست ابن بنت نبيكم؟ أتشكون في ذلك؟ فو الله ما (5) ~~بين المشرقين والمغربين ابن بنت نبي غيري، أتطلبوني بدم أحد قتلته منكم، أو ~~بمال استملكته (6)، أو بقصاص من جراحات [استهلكته] (7)؟ فسكتوا لا ~~يجيبونه. # ثم قال (عليه السلام): والله لا اعطي (8) بيدي إعطاء الذليل، ولا أفر ~~فرار العبيد، عباد الله، إني عذت بربي وربكم [أن ترجمون وأعوذ بربي وربكم] ~~(9) من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب. # فقال شمر: يا حسين، الشمر يعبد الله على حرف إن كان يدري ما تقول. PageV02P274 # قال: فسكت الحسين (عليه السلام)، وناداه حبيب بن مظاهر: إني أظنك تعبد ~~الله على سبعين حرفا يا فاسق، وأنا أشهد أنك ما تدري ما تقول، وأن الله ~~تعالى قد طبع على قلبك. # فقال له الحسين (عليه السلام) (1): حسبك يا أخا بني أسد، فقد قضى ~~القضاء، وجف القلم، والله بالغ أمره، وإني لأشوق إلى جدي وأبي وامي وأخي ~~وأسلافي من يعقوب إلى يوسف (عليه السلام) وأخيه، ولي مصرع أنا ملاقيه. (2) ### ||| [تعبئة الحسين (عليه السلام) وعمر بن سعد أصحابهما يوم عاشوراء] # ثم إن الحسين (عليه السلام) عبأ أصحابه وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء، وكان ~~معه اثنان وثلاثون ms471 فارسا وأربعون راجلا، وفي رواية اخرى: اثنان وثمانون ~~راجلا، فجعل على ميمنته زهير بن القين، وعلى ميسرته حبيب بن مظاهر، ودفع ~~اللواء إلى أخيه العباس، وثبت الحسين (عليه السلام) مع أهل بيته في القلب. # وعبأ عمر بن سعد أصحابه، فجعل على ميمنته عمرو بن الحجاج، وعلى ميسرته ~~شمر، وثبت هو في القلب، وكان جنده (3) اثنين وعشرين ألفا. # وفي رواية عن الصادق (عليه السلام): ثلاثين ألفا لما رواه ابن بابويه رضي ~~الله عنه في أماليه في قول الحسن للحسين (عليهما السلام): يزدلف إليك ~~ثلاثون ألفا. (4) # وروي أن الحسين (عليه السلام) لما أحاط به القوم وامراؤهم [وأيقن PageV02P275 # أنهم] (1) قاتلوه قام خطيبا في أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ~~قد نزل من الأمر ما ترون، إن الدنيا قد أدبرت (2) وتنكرت، وأدبر معروفها، ~~حتى لم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، أو (3) خسيس عيش كالمرعى الوبيل، ~~أما ترون الحق لا يعمل به، والباطل لا يتناهى عنه؟ ليرغب المؤمن في لقاء ~~الله، وإني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة (4) مع الظالمين إلا برما. ### ||| [خطبة للحسين (عليه السلام) في أصحابه يوم عاشوراء] # وروي عن زيد بن علي، عن أبيه- بحذف الأسانيد-، قال: خطب الحسين (عليه ~~السلام) أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، خط الموت على ~~بني آدم خط (5) القلادة على جيد الفتاة، ما أو لعني بالشوق إلى أسلافي، وإن ~~لي مصرعا أنا لاقيه، كأني أنظر إلى أوصالي تقطعها وحوش الفلوات قد ملأت مني ~~أكرشها، رضى الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ليوفينا اجور الصابرين، ~~لن تشذ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لحمته (6) وعترته، ولن تفارقه ~~أعضاؤه، وهي مجموعة له في حضيرة القدس، تقربهم (7) عينه. # وروي أنه لما عبأ عمر بن سعد أصحابه لمحاربة الحسين (عليه السلام)، ~~ورتبهم [في] (8) مراتبهم، وأقام الرايات في مواضعها، وعبأ [الحسين أصحابه PageV02P276 # في] (1) الميمنة والميسرة، وأحاطوا بالحسين من كل جانب حتى جعلوه في مثل ~~الحلقة، فخرج حتى أتى الناس فاستنصتهم، فأبوا أن ينصتوا، حتى قال لهم: ms472 ~~ويلكم ما عليكم ان تنصتوا إلي، فتسمعوا قولي، وإنما أدعوكم إلى سبيل ~~الرشاد. # ثم قال- بعد كلام طويل-: الا إن الدعي بن الدعي، قد ركز بين اثنتين، بين ~~السلة (2) والذلة، وهيهات منا آخذ الدنية، أبى الله [ذلك] (3) ورسوله، ~~جدود طابت، وحجور طهرت، وانوف حمية، ونفوس أبية، ألا وقد أعذرت وأنذرت، ألا ~~إني زاحف بهذه الاسرة على قلة العتاد، وخذلة الأصحاب، ثم أنشأ: # فإن نهزم فهزامون قدما %~% وإن نهزم فغير مهزمينا # وما ان طبنا جبن ولكن %~% منايانا ودولة آخرينا # ألا ثم لا تلبثون بعدها إلا كريث ما يركب الفرس، حتى تدور بكم [دور] (4) ~~الرحى، عهد عهده إلي أبي [عن جدي] (5) فاجمعوا أمركم وشركاءكم، ثم كيدوني ~~فلا تنظرون، اللهم احبس عنهم قطر السماء، وابعث عليهم سنينا كسنين يوسف، ~~وسلط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأسا مصبرة، ولا يدع منهم (6) أحدا إلا قتله ~~[قتلة] (7) بقتلة، وضربة بضربة، ينتقم لي ولأوليائي ولأهل بيتي منهم، فإنهم ~~غرونا وخذلونا، وأنت ربنا، عليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك PageV02P277 # المصير (1). ### ||| [أن الحسين (عليه السلام) دعا عمر بن سعد وأخبره بأنه لا يفرح بعد الحسين بدنيا ولا آخرة] # ثم قال (صلوات الله عليه): ادعوا لي عمر بن سعد، فدعي له- وكان كارها لا ~~يحب أن يأتيه-، فقال: يا عمر، أنت تقتلني وتزعم أن الدعي بن الدعي يوليك ~~الري وجرجان، والله لا تتهنأ بذلك أبدا، عهد معهود، فاصنع ما أنت صانع، ~~فإنك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة، ولكأني برأسك على قصبة قد نصبت بالكوفة، ~~يتراماه الصبيان بالحجارة ويتخذونه غرضا بينهم. (2) # فاغتاض (3) عمر بن سعد من كلامه، ثم صرف وجهه عنه ونادى بأصحابه: ما ~~تنتظرون؟ احملوا عليه بأجمعكم. # قال: فدعا الحسين (عليه السلام) بفرس رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~المرتجز، فركبه وعبأ أصحابه، وزحف إليه عمر بن سعد ونادى غلامه دريدا: # قدم رايتك، ثم وضع عمر سهمه في قوسه، ثم رمى، وقال: اشهدوا لي عند الأمير ~~عبيد الله أني أول من رمى الحسين، فرمى أصحابه كلهم بأجمعهم، فما بقي أحد ~~من أصحاب الحسين ms473 (عليه السلام) إلا أصابه من سهامهم (4). ### ||| [قتل في الحملة الاولى من أصحاب الحسين (عليه السلام) خمسون رجلا] # قيل: فلما رموهم هذه الرمية قل أصحاب الحسين (عليه السلام)، وبقي القوم ~~الذين يذكرون، وقتل في هذه الحملة الاولى من أصحاب الحسين خمسون رجلا (رحمة ~~الله عليهم) (5)، فعندها ضرب الحسين (عليه السلام) بيده إلى PageV02P278 # لحيته، وقال: اشتد غضب الله على اليهود والنصارى إذ جعلوا له ولدا، واشتد ~~غضب الله على المجوس إذ عبدت [الشمس والقمر و] (1) النار، واشتد غضب الله ~~على قوم اتفقت آراؤهم على قتل ابن بنت نبيهم، والله لا اجيبهم إلى شيء مما ~~يريدونه أبدا حتى ألقى الله وأنا مخضب بدمي. ### ||| [التحاق الحر الرياحي بالحسين (عليه السلام)] # ثم صاح (عليه السلام): أما من مغيث يغيثنا لوجه الله تعالى؟ أما من ذاب ~~يذب عن حرم رسول الله؟ # وكان الحر حين أمره عبيد الله بن زياد بالمسير الى حرب الحسين وخرج من ~~منزله نودي ثلاث مرات: يا حر، أبشر بالجنة، فالتفت فلم ير أحد. # فقال: ثكلت الحر امه، يمضي إلى حرب ابن رسول الله ويدخل الجنة! فنم ذلك ~~الكلام في فؤاده، فلما سمع الحسين (عليه السلام) يستغيث اضطرب قلبه، ودمعت ~~عيناه، فخرج باكيا متضرعا مع غلام له تركي، وأتى إلى عمر بن سعد، وقال: ~~أمقاتل أنت هذا الرجل؟ # فقال: إي والله قتالا أيسره [أن] (2) تسقط الرءوس وتطيح الأيدي. # فقال: أما لكم في الخصال التي عرض عليكم رضى؟ # قال: والله لو كان الأمر إلي لفعلت، ولكن أميرك قد أبى ذلك. # فأقبل الحر حتى وقف موقفا من أصحابه وأخذه مثل الأفكل (3)، فقال له ~~المهاجر بن أوس: والله إن أمرك لمريب، ولو قيل: من أشجع أهل الكوفة؟ لما PageV02P279 # عدوتك، فما هذا الذي أرى منك؟ # فقال: والله إني اخير نفسي بين الجنة والنار، فو الله لا أختار على الجنة ~~شيئا ولو قطعت وحرقت. # ثم ضرب فرسه قاصدا الحسين (عليه السلام) ويده على رأسه، وهو يقول: # اللهم إني تبت فتب علي، فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيك. # وقال ms474 للحسين (عليه السلام): جعلت فداك، أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع، ~~وسايرتك في الطريق، والله الذي لا إله إلا هو، ما ظننت أن القوم يردون عليك ~~ما عرضت عليهم، والله لو حدثتني (1) نفسي أنهم يقتلوك لما ركبتها منك (2) ~~أبدا، وإني قد جئتك تائبا إلى ربي، ومواسيك بنفسي حتى أموت بين يديك، فهل ~~ترى لي من توبة؟ # قال: نعم، يتوب الله عليك ويغفر لك، ما اسمك؟ # قال: أنا الحر. # قال: أنت الحر كما سمتك امك إن شاء الله في الدنيا والآخرة، انزل. # قال: أنا لك فارسا خير مني لك راجلا، اقاتلهم على فرسي ساعة، وإلى النزول ~~مصيري، ثم قال (3): يا ابن رسول الله، كنت أول خارج عليك، فائذن لي لأكون ~~أول قتيل بين يديك، وأول من يصافح جدك غدا- وإنما قال الحر: # لأكون أول قتيل من المبارزين، وإلا فإن جماعة كانوا قد قتلوا في الحملة PageV02P280 # الاولى كما ذكر-، فكان أول من تقدم إلى براز القوم، ### ||| [أرجاز للحر الرياحي، واستشهاده (رحمة الله عليه)] # وجعل ينشد ويقول: # إني أنا الحر ومأوى الضيف %~% أضرب في أعناقكم بالسيف # عن خير من حل بأرض (1)الخيف %~% أضربكم ولا أرى من حيف # وروي أن الحر لما لحق بالحسين (عليه السلام) قال رجل من تميم يقال له ~~يزيد بن سفيان: أما والله لو لحقته لأتبعته السنان، فبينا هو يقاتل، وان ~~فرسه لمضروب على اذنيه وحاجبيه، وان الدماء لتسيل، إذ قال الحصين: يا يزيد، ~~هذا الحر الذي كنت تتمناه [فهل لك به] (2)؟ # قال: نعم. # قال: فخرج إليه، فما لبث الحر أن قتله وقتل أربعين فارسا وراجلا، فلم يزل ~~يقاتل حتى عرقب (3) فرسه، وبقي راجلا [فجعل يقاتل] (4) وهو يقول: # إني أنا الحر ونجل الحر %~% أشجع من ذي لبد هزبر # ولست بالجبان عند الكر %~% لكنني الوقاف عند الفر (5) # ثم لم يزل يقاتل حتى قتل (رحمة الله عليه)، فاحتمله أصحاب الحسين PageV02P281 # (عليه السلام) حتى وضعوه بين يدي الحسين (عليه السلام) وبه رمق، فجعل ~~الحسين يمسح وجهه ويقول: أنت الحر كما سمتك امك، وأنت الحر ms475 في الدنيا، وأنت ~~الحر في الآخرة. # ورثاه رجل من أصحاب الحسين (عليه السلام)، وقيل: بل رثاه علي بن الحسين ~~(عليه السلام): # لنعم الحر حر بني رباح %~% صبور عند مختلف (1)الرماح # ونعم الحر إذ نادى حسين %~% فجاد بنفسه عند الصياح (2) # وروي أن الحر كان يقول: # آليت لا اقتل حتى اقتلا %~% أضربهم بالسيف ضربا معضلا # لا ناكل عنهم ولا معللا %~% لا عاجز عنهم ولا مبدلا # أحمي الحسين الماجد المؤملا # (3) وكان من أراد الخروج ودع الحسين (صلوات الله عليه)، وقال: السلام ~~عليك يا ابن رسول الله، فيجيبه: وعليك السلام، ونحن خلفك، ويقرأ (عليه ~~السلام): @QUR@012 فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (4). ### ||| [أرجاز لبرير بن خضير، واستشهاده (رحمة الله عليه)] # ثم برز برير بن خضير الهمداني رضي الله عنه بعد الحر، وكان من عباد الله ~~الصالحين، فبرز وهو يقول: PageV02P282 # أنا برير وأبي خضير %~% يروغ الاسد عن الزبير # يعرف فينا الحبر بن الحبر %~% أضربكم ولا أرى من ضير # كذاك فعل الخير من برير # (1) وجعل يحمل على القوم وهو يقول: اقتربوا مني يا قتلة المؤمنين، ~~اقتربوا مني يا قتلة أولاد البدريين، اقتربوا مني يا قتلة أولاد رسول رب ~~العالمين وذريته الباقين، وكان برير أقرأ أهل زمانه، فلم يزل يقاتل حتى قتل ~~ثلاثين رجلا، فبرز إليه رجل يقال له يزيد بن معقل، فقال لبرير: أشهد أنك من ~~المضلين. # فقال له برير: هلم فلندع الله أن يلعن الكاذب منا، وأن يقتل المحق منا ~~المبطل، فتصاولا فضرب يزيد لبرير ضربة خفيفة لم تعمل شيئا، وضربه برير ضربة ~~قدت المغفر ووصلت إلى دماغه فسقط قتيلا. ### ||| [أبيات لبجير بن أوس الضبي قاتل برير بن خضير] # قال: فحمل رجل من أصحاب ابن زياد فقتل بريرا (رحمة الله عليه)، وكان يقال ~~لقاتله بجير بن أوس الضبي، فجال في ميدان الحرب وجعل يقول: # سلي تخبرني عني وأنت ذميمة %~% غداة حسين والرماح شوارع # ألم آت أقصى ما كرهت ولم تحل %~% غداة الوغى والروع ما أنا صانع PageV02P283 # معي يزني لم تخنه كعوبه %~% وأبيض ms476 مشحوذ الغرارين قاطع # فجردته في عصبة ليس دينهم %~% كديني وإني بعد ذاك لقانع # وقد صيروا (1)للطعن والضرب حسرا %~% وقد جالدوا لو أن ذلك نافع # فأبلغ عبيد الله إذ ما لقيته %~% بأني مطيع للخليفة سامع # قتلت بريرا ثم جلت بهمة %~% غداة الوغى لما دعا من يقارع # قال: ثم ذكر له بعد ذلك أن بريرا كان من عباد الله الصالحين فجاءه ابن عم ~~له وقال: ويحك يا بجير، قتلت برير بن خضير فبأي وجه تلقى ربك؟ # قال: فندم الشقي، وأنشأ يقول: # فلو شاء ربي ما شهدت قتالهم %~% ولا جعل النعماء عند ابن جائر # فقد كان ذا عار علي وشبهة (2) %~% يعير بها الأبناء عند المعاشر PageV02P284 # فيا ليت إني كنت في الرحم حيضة %~% ويوم حسين كنت ضمن المقابر (1) # فيا سوأتى ما ذا أقول لخالقي؟ %~% وما حجتي يوم الحساب القماطر؟ ### ||| [أرجاز لوهب بن عبد الله بن حباب الكلبي] # ثم برز من بعده وهب بن عبد الله بن حباب الكلبي، وقد كانت معه امه يومئذ، ~~فقالت: قم يا بني، فانصر ابن بنت رسول الله. # فقال: أفعل يا اماه ولا اقصر، فبرز وهو يقول: # إن تنكروني فأنا ابن الكلبي %~% سوف تروني وترون ضربي # وحملتي وضربتي (2)في الحرب %~% أدرك ثأري بعد ثأر صحبي # وأدفع الكرب أمام (3)الكرب %~% ليس جهادي (4) في الوغى باللعب # ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم جماعة، فرجع إلى امه وامرأته فوقف ~~عليهما، فقال: يا اماه أرضيت؟ # فقالت: ما رضيت إلا أن تقتل بين يدي الحسين. # فقالت امرأته: بالله لا تفجعني في نفسك. PageV02P285 # فقالت امه: يا بني، لا تقبل (1) قولها، وارجع فقاتل بين يدي ابن رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) فيكون غدا في القيامة شفيعا لك بين يدي الله، ~~فرجع قائلا: # إني زعيم لك أم وهب %~% بالطعن فيهم تارة والضرب # ضرب (2)غلام مؤمن بالرب %~% حتى يذيق القوم مر الحرب # إني امرؤ ذو مرة وعصب %~% حسبي إلهي من عليم حسبي (3) ### ||| [استشهاد وهب بن عبد الله الكلبي وامرأته (رحمة الله عليهما)] # فلم يزل يقاتل حتى ms477 قتل تسعة عشر فارسا واثني عشر راجلا، ثم قطعت يداه، ~~فأخذت امرأته عمودا وأقبلت نحوه، وهي تقول: فداك أبي وامي، قاتل دون ~~الطيبين حرم رسول الله، فأقبل كي يردها إلى النساء، فأخذت بجانب ثوبه ~~وقالت: لن أعود أو أموت معك. # فقال الحسين (عليه السلام): جزيتم من أهل بيت خيرا، ارجعي إلى النساء ~~رحمك الله، فانصرفت. # وجعل يقاتل حتى قتل (رضوان الله عليه). # قال: فذهبت امرأته تمسح الدم عن وجهه فبصر بها شمر فأمر غلاما له فضربها ~~بعمود كان معه فشدخها وقتلها، وهي أول امرأة قتلت في عسكر (4) الحسين (عليه ~~السلام). PageV02P286 # ورأيت حديثا أن وهب هذا كان نصرانيا، فأسلم [هو وامه] (1) على يد الحسين ~~(عليه السلام)، فقتل في المبارزة أربعة وعشرين رجلا واثني عشر فارسا، ثم ~~اخذ أسيرا، فاتي به عمر بن سعد، فقال: ما أشد صولتك؟ ثم أمر فضربت عنقه، ~~ورمى برأسه إلى عسكر الحسين (عليه السلام)، فأخذت امه الرأس فقبلته، ثم رمت ~~بالرأس إلى عسكر ابن سعد فأصابت به رجلا فقتلته، ثم شدت بعمود الفسطاط ~~فقتلت [به] (2) رجلين. # فقال لها الحسين: ارجعي يا أم وهب، أنت وابنك مع رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) في الجنة، فإن الجهاد مرفوع عن النساء، فرجعت وهي تقول: إلهي لا ~~تقطع رجائي. # فقال لها الحسين (عليه السلام): لا يقطع الله رجاءك أم وهب. ### ||| [أرجاز لعمرو بن خالد الأزدي، واستشهاده (رحمة الله عليه)] # ثم برز من بعده عمرو بن خالد الأزدي، وهو يقول: # اليوم يا نفس إلى الرحمن %~% تمضين بالروح وبالريحان # اليوم تجزين على الاحسان %~% قد كان منك غابر الزمان # ما خط في اللوح لك الديان %~% لا تجزعي فكل حي فان # والصبر أحظى لك بالأمان (3) # ثم قاتل حتى قتل رضي الله عنه. PageV02P287 ### ||| [أرجاز لخالد بن عمرو الأزدي، واخرى لسعد بن حنظلة التميمي،] # ثم تقدم ابنه خالد بن عمرو، وهو يرتجز: # صبرا على الموت بني قحطان %~% كيما تكونوا (1)في رضى الرحمن # ذي المجد والعزة والبرهان %~% وذي العلا والطول والاحسان # يا ليتني قد صرت بالجنان %~% في ms478 قصر در حسن البنيان (2) # فلم يزل يقاتل حتى قتل (رضوان الله عليه). # ثم برز من بعده سعد بن حنظلة التميمي، وهو يقول: # صبرا على الأسياف والأسنة %~% صبرا عليها لدخول الجنة # وحور عين ناعمات هنه %~% لمن يريد الفوز لا بالظنه # يا نفس للراحة فاجهدنه (3) %~% وفي طلاب الخير فارغبنه # ثم حمل فقاتل قتالا شديدا، ثم قتل (رضوان الله عليه). ### ||| [واخرى لعمير بن عبد الله المذحجي، واستشهادهم (رحمة الله عليهم)] # وخرج من بعده عمير بن عبد الله المذحجي، وهو يرتجز: # قد علمت سعد وحي مذحج %~% أني لدى الهيجاء ليث محرج (4) # أعلو بسيفي هامة المدجج %~% وأترك القرن لدى التعرج # فريسة الضبع الأزل الأعرج %~% [فمن تراه واقفا بمنهج] # (5) ولم يزل يقاتل حتى قتله مسلم الضبابي وعبد الله البجلي. ### ||| [أرجاز لمسلم بن عوسجة، واستشهاده (رحمة الله عليه)] # ثم برز من بعده مسلم بن عوسجة رضي الله عنه، وهو يرتجز. PageV02P288 # إن تسألوا عني فإني ذو لبد %~% من فرع قوم من ذرى بني أسد # فمن بغانا (1)حائد عن الرشد %~% وكافر بدين جبار صمد # ثم قاتل قتالا شديدا فسقط إلى الأرض وبه رمق، فمشى إليه الحسين (عليه ~~السلام) ومعه حبيب بن مظاهر، فقال له الحسين (عليه السلام): رحمك الله يا ~~مسلم، @QUR@012 فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (2) ثم ~~دنا منه حبيب، فقال: يعز علي مصرعك، يا مسلم، أبشر بالجنة. # فقال له قولا ضعيفا: بشرك الله بخير. # فقال له حبيب: لو لا أعلم أني في الأثر لأحببت أن توصي إلي بكل ما أهمك. # فقال مسلم: فإني اوصيك بهذا- وأشار إلى الحسين (عليه السلام)- فقاتل دونه ~~حتى تموت. # فقال حبيب: لأنعمنك عينا. # ثم مات (رضوان الله عليه). # قال: فصاحت جارية له: يا سيداه، يا ابن عوسجتاه. # فنادى أصحاب ابن سعد مستبشرين: قتلنا مسلم بن عوسجة. # فقال شبث بن ربعي لبعض من حوله: ثكلتكم امهاتكم، أما إنكم تقتلون أنفسكم ~~بأيديكم، وتذلون عزكم، أتفرحون بقتل مسلم بن عوسجة؟ أما والذي PageV02P289 # أسلمت له، لرب موقف له في المسلمين كريم، لقد رأيته يوم ms479 آذربيجان قتل ستة ~~من المشركين قبل أن تلتئم خيول المسلمين. # ثم حمل شمر بن ذي الجوشن في الميسرة، فثبتوا له وقاتلهم أصحاب الحسين ~~(عليه السلام) قتالا شديدا وإنما هم اثنان وثلاثون فارسا، فلا يحملون على ~~جانب من أهل الكوفة إلا كشفوهم (1)، فدعا عمر بن سعد بالحصين بن نمير في ~~خمسمائة من الرماة، فأقبلوا (2) حتى دنوا من الحسين وأصحابه، فرشقوهم ~~بالنبل، فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم، وقاتلوهم حتى انتصف النهار، واشتد ~~القتال، ولم يقدروا أن يأتوهم إلا من جانب واحد، لاجتماع أبنيتهم، وتقارب ~~بعضها من بعض، فأرسل عمر بن سعد الرجال ليقوضوها عن أيمانهم وشمائلهم، ~~ليحيطوا بهم (3)، وأخذ الثلاثة والأربعة من أصحاب الحسين يتخللون [بينها] ~~(4) فيشدون على الرجل وهو يقوض وينهب فيرمونه عن قريب فيصرعونه ويقتلونه. ### ||| [إضرام النار في مخيم الحسين (عليه السلام)] # فقال ابن سعد: احرقوها بالنار وأضرموا فيها. # فقال الحسين (عليه السلام): دعوهم يحرقوها فإنهم إذا فعلوا ذلك لم يجوزوا ~~إليكم، فكان كما قال (صلوات الله عليه). # وقيل: أتاه شبث بن ربعي، وقال: أفزعنا النساء فاستحيا، وأخذوا لا ~~يقاتلونهم إلا من وجه واحد، وشد أصحاب زهير بن القين فقتلوا أبا عذرة PageV02P290 # الضبابي من أصحاب شمر. # فلم يزل يقتل من أصحاب الحسين الواحد والاثنان فيبين ذلك فيهم لقلتهم، ~~ويقتل من أصحاب عمر العشرة [والعشرون] (1) فلا يبين فيهم ذلك لكثرتهم. # فلما رأى ذلك أبو ثمامة الصيداوي قال للحسين (عليه السلام): يا أبا عبد ~~الله، نفسي لنفسك الفداء، هؤلاء اقتربوا منك، ولا والله لا تقتل حتى اقتل ~~دونك، واحب أن ألقى الله ربي وقد صليت هذه الصلاة، فرفع الحسين رأسه إلى ~~السماء وقال: ذكرت الصلاة جعلك الله (2) من المصلين، نعم هذا أول وقتها. # ثم قال: سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي، فكفوا عنهم، فصلى الحسين (عليه ~~السلام) وأصحابه. # فقال الحصين بن نمير: إنها لا تقبل. # فقال حبيب بن مظاهر: لا تقبل الصلاة زعمت من ابن رسول الله، وتقبل منك يا ~~ختار، فحمل عليه الحصين بن نمير، وحمل عليه حبيب فضرب وجه فرسه ms480 بالسيف فشب ~~[به] (3) الفرس ووقع عنه الحصين فاحتوشه أصحابه فاستنقذوه. ### ||| [صلاة الحسين (عليه السلام) بأصحابه يوم عاشوراء] # فقال الحسين (عليه السلام) لزهير بن القين وسعيد بن عبد الله: تقدما ~~أمامي حتى اصلي الظهر، فتقدما أمامه في نحو من نصف أصحابه حتى صلى بهم صلاة الخوف. PageV02P291 ### ||| [استشهاد سعيد بن عبد الله الحنفي (رحمة الله عليه)] # وروي أن سعيد بن عبد الله الحنفي تقدم أمام الحسين (عليه السلام)، ~~فاستهدف لهم يرمونه بالنبل، كلما أخذ الحسين (عليه السلام) يمينا وشمالا ~~قام بين يديه، فما زال يرمى حتى سقط إلى الأرض، وهو يقول: اللهم العنهم لعن ~~عاد وثمود، اللهم أبلغ نبيك السلام عني، وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح، ~~فإني أردت ثوابك في نصرة (1) ذرية نبيك، ثم مات رضي الله عنه، فوجد به ~~ثلاثة عشر سهما سوى ما به من ضرب السيوف وطعن الرماح. (2) ### ||| [أرجاز لعبد الرحمن بن عبد الله اليزني، واستشهاده (رحمة الله عليه)] # ثم خرج عبد الرحمن بن عبد الله اليزني، وهو يقول: # أنا ابن عبد الله من آل يزن %~% ديني على دين حسين وحسن # أضربكم ضرب فتى من اليمن %~% أرجو بذاك الفوز عند المؤتمن # ثم حمل فقاتل حتى قتل. ### ||| [أرجاز لجون مولى أبي ذر الغفاري، واستشهاده (رحمة الله عليه)] # ثم تقدم جون مولى أبي ذر الغفاري وكان عبدا أسود، فقال له الحسين (عليه ~~السلام): أنت في إذن مني، فإنما تبعتنا طلبا للعافية، فلا تبتل بطريقنا. # فقال: يا ابن رسول الله، أنا في الرخاء ألحس قصاعكم (3)، وفي الشدة ~~أخذلكم؟! والله إن ريحي لمنتن، وإن حسبي للئيم، ولوني لأسود، فتنفس علي ~~بالجنة، فيطيب ريحي، ويشرف حسبي، ويبيض وجهي، لا والله لا افارقكم حتى ~~يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم. PageV02P292 # ثم برز للقتال، وهو [ينشد و] (1) يقول: # كيف يرى الكفار ضرب الأسود %~% بالسيف ضربا عن بني محمد # أذب عنهم باللسان واليد %~% أرجو به الجنة يوم المورد (2) # ثم قاتل حتى قتل، فوقف عليه الحسين (عليه السلام)، وقال: اللهم بيض وجهه، ~~وطيب ريحه، واحشره مع الأبرار، ms481 وعرف بينه وبين محمد وآل محمد. # وروي عن الباقر، عن علي بن الحسين (عليهم السلام): أن الناس كانوا يحضرون ~~المعركة، ويدفنون القتلى، فوجدوا جونا بعد عشرة أيام تفوح منه رائحة المسك ~~(رضوان الله عليه). (3) ### ||| [استشهاد عمرو بن خالد الصيداوي (رحمة الله عليه)] # قال: ثم برز عمرو بن خالد الصيداوي فقال للحسين (عليه السلام): يا أبا ~~عبد الله، قد هممت أن ألحق بأصحابي، وكرهت أن أتخلف وأراك وحيدا من (4) ~~أهلك قتيلا. # فقال له الحسين (عليه السلام): تقدم فإنا لاحقون بك عن ساعة، فتقدم فقاتل ~~حتى قتل (رضوان الله عليه). PageV02P293 ### ||| [استشهاد حنظلة بن سعد الشبامي وسويد بن عمر بن أبي المطاع (رحمة الله عليهما)] # قال: وجاء حنظلة بن سعد الشبامي فوقف بين يدي الحسين (عليه السلام) يقيه ~~السهام والرماح والسيوف بوجهه ونحره، وأخذ ينادي: @QUR@043 يا قوم إني أخاف ~~عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما ~~الله يريد ظلما للعباد ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين ~~ما لكم من الله من عاصم (1). # يا قوم، لا تقتلوا حسينا فيسحتكم الله بعذاب وقد خاب من افترى (2). # ثم التفت إلى الحسين (عليه السلام) وقال: أفلا نروح إلى ربنا ونلحق ~~بإخواننا؟ # فقال له الحسين (عليه السلام): بلى (3)، رح إلى ما هو خير لك من الدنيا ~~وما فيها، وإلى ملك لا يبلى. # وقاتل حتى قتل أبطالا، وصبر صبرا جميلا على احتمال الأهوال (4)، حتى قتل ~~رضي الله عنه. # قال: وتقدم [سويد] (5) بن عمر بن أبي المطاع، وكان شريفا كثير الصلاة، ~~فقاتل قتال الأسد الباسل، وبالغ في الصبر على الخطب النازل، حتى سقط بين ~~القتلى وقد اثخن بالجراح، فلم يزل كذلك وليس به حراك حتى سمعهم يقولون: # قتل الحسين، فتحامل وأخرج سكينا من خفه، وجعل يقاتل حتى قتل رضوان PageV02P294 # الله عليه. ### ||| [أرجاز للحجاج بن مسروق وزهير بن القين البجلي وسعيد بن عبد الله الحنفي، واستشهادهم (رحمة الله عليهم)] # ثم خرج الحجاج بن مسروق وهو مؤذن الحسين (عليه السلام)، وهو ms482 يقول: # أقدم حسين هاديا مهديا %~% اليوم تلقى جدك النبيا # ثم أباك ذا الندى (1)عليا %~% [والحسن الخير الرضا الوليا # وذا الجناحين الفتى الكميا %~% وأسد الله الشهيد الحيا] (2) # ثم حمل، فقاتل حتى قتل. # ثم خرج من بعده زهير بن القين [البجلي] (3) رضي الله عنه، وهو يرتجز: # أنا زهير وأنا ابن القين %~% أذودكم بالسيف عن حسين # إن حسينا أحد السبطين %~% من عترة البر التقي الزين # ذاك رسول الله غير المين %~% أضربكم ولا أرى من شين # يا ليت نفسي قسمت قسمين # فقاتل حتى قتل مائة وعشرين رجلا، فشد عليه كثير بن عبد الله الشعبي ~~ومهاجر بن أوس التميمي فقتلاه. # فقال الحسين (عليه السلام) حين صرع زهير: لا يبعدك الله [يا زهير] (4)، ~~ولعن قاتلك لعن الذين مسخوا قردة وخنازير. # ثم خرج سعيد بن عبد الله الحنفي، وهو يرتجز: # أقدم حسين اليوم تلقى أحمدا %~% وشيخك الحبر عليا ذا الندى PageV02P295 # وحسنا كالبدر وافى الأسعدا %~% وعمك القرم الهمام الأرشدا (1) # حمزة ليث الله يدعى أسدا %~% وذا الجناحين تبوأ مقعدا # في جنة الفردوس يعلوصعدا (2) # فلم يزل يقاتل حتى قتل. ### ||| [أرجاز لحبيب بن مظاهر الأسدي، واستشهاده (رحمة الله عليه)] # ثم برز حبيب بن مظاهر الأسدي، وهو يقول: # أنا حبيب وأبي مظهر %~% فارس هيجاء وحرب تسعر # وأنتم عند العديد أكثر %~% ونحن أعلى حجة وأقهر (3) # [وأنتم عند الهياج غدر %~% ونحن أوفى منكم وأصبر] (4) # فقتل اثنين وستين رجلا، فقتله الحصين بن نمير وعلق رأسه في عنق فرسه. ### ||| [أرجاز لهلال بن نافع الجملي واستشهاده (رحمة الله عليه)] # ثم برز هلال بن نافع البجلي (5)، وهو يقول: # أرمي بها معلمة أفواقها %~% والنفس لا ينفعها إشفاقها # مسمومة تجري بها أخفاقها %~% ليملأن أرضها رشاقها # فلم يزل يرميهم حتى فنيت سهامه، ثم ضرب بيده إلى سيفه فاستله، PageV02P296 # وجعل يقول: # أنا الغلام اليمني البجلي (1) %~% ديني على دين حسين وعلي # إن اقتل اليوم فهذا أملي %~% فذاك رأيي والاقي عملي # فقتل ثلاثة عشر رجلا فكسروا عضديه، واخذ أسيرا، فقام إليه شمر فضرب عنقه. ### ||| [أبيات لشاب قتل أبوه في المعركة وأبيات لامه، واستشهاده (رحمة ms483 الله عليه)] # قال: ثم خرج شاب قتل أبوه في المعركة، وكانت امه معه، فقالت له امه: # اخرج يا بني وقاتل بين يدي ابن رسول الله، فخرج، فقال الحسين (عليه ~~السلام): # هذا شاب قتل أبوه، ولعل امه تكره خروجه. # فقال الشاب: امي أمرتني بذلك، فبرز وهو يقول: # أميري حسين ونعم الأمير %~% سرور فؤاد البشير النذير # علي وفاطمة والداه %~% فهل تعلمون له من نظير؟ # له طلعة مثل شمس الضحى %~% له غرة مثل بدر منير # وقاتل حتى قتل، وحز رأسه ورمي به إلى عسكر الحسين (عليه السلام)، فحملت ~~امه رأسه وقالت: أحسنت يا بني، يا سرور قلبي، ويا قرة عيني، ثم رمت برأس ~~ابنها رجلا فقتلته، وأخذت عمود خيمة وحملت عليهم، وهي تقول: # أنا عجوز سيدي ضعيفة (2) %~% خاوية بالية نحيفة # أضربكم بضربة عنيفة %~% دون بني فاطمة الشريفة PageV02P297 # وضربت رجلين فقتلهما، فأمر الحسين (عليه السلام) بصرفها ودعا لها. ### ||| [استشهاد عابس بن أبي شبيب الشاكري (رحمة الله عليه)] # وجاء عابس بن أبي شبيب (1) الشاكري ومعه شوذب مولى شاكر، فقال: # يا شوذب، ما في نفسك أن تصنع؟ # قال: ما أصنع؟! اقاتل حتى اقتل. # قال: ذاك الظن بك، تقدم بين يدي أبي عبد الله حتى يحتسبك (2) كما احتسب ~~غيرك، فإن هذا يوم ينبغي لنا أن نطلب فيه الأجر بكل ما نقدر عليه، فإنه لا ~~عمل بعد اليوم وإنما هو الحساب. # فتقدم فسلم على الحسين (عليه السلام)، وقال: يا أبا عبد الله، [أما] (3) ~~والله ما أمسى على وجه (4) الأرض قريب ولا بعيد أعز [علي] (5) ولا أحب ~~إلي منك، ولو قدرت على أن أدفع عنك الضيم أو القتل بشيء أعز علي من نفسي ~~ودمي لفعلت، السلام عليك يا أبا عبد الله، أشهد أني على هداك وهدى أبيك، ثم ~~مشى (6) بالسيف نحوهم. # قال ربيع بن تميم: فلما رأيته مقبلا عرفته- وقد كنت شاهدته في المغازي- ~~وكان أشجع الناس، فقلت: أيها الناس، هذا أسد الاسود، هذا ابن أبي شبيب، لا ~~يخرجن إليه أحد منكم، فأخذ ينادي: ألا رجل؟ ألا رجل؟ # فقال عمر بن ms484 سعد: أرضخوه بالحجارة، فرمي بالحجارة من كل جانب، PageV02P298 # فلما رأى ذلك ألقى درعه ومغفره، ثم شد على الناس، فو الله لقد رأيته يطرد ~~أكثر من مائتين من الناس، ثم إنه (1) تعطفوا عليه من كل جانب، فقتل، فرأيت ~~رأسه في أيدي رجال ذوي عدة، هذا يقول: أنا قتلته، والآخر يقول كذلك. # فقال عمر بن سعد: لا تختصموا هذا لم يقتله إنسان واحد، حتى فرق بينهم ~~بهذا القول. ### ||| [استشهاد عبد الله وعبد الرحمن الغفاريان (رحمة الله عليهما)] # ثم جاءه عبد الله وعبد الرحمن الغفاريان، فقال: يا أبا عبد الله، السلام ~~عليك، أحببنا أن نقتل بين يديك وندفع عنك. # فقال: مرحبا بكما، ادنوا مني، فدنوا منه (2)، وهما يبكيان، فقال: يا ~~ابني أخي ما يبكيكما؟ فو الله إني لأرجو أن تكونا بعد ساعة قريري العين. # فقالا: جعلنا الله فداك، والله ما على أنفسنا نبكي ولكن نبكي عليك نراك ~~قد احيط بك ولا نقدر على أن نمنعك (3). # فقال: جزاكما الله يا ابني أخي بوجدكما من ذلك ومواساتكما إياي بأنفسكما ~~أحسن جزاء المتقين، ثم استقدما وقالا: # السلام عليك يا ابن رسول الله. # فقال: وعليكما السلام ورحمة الله وبركاته. # فقاتلا حتى قتلا رضي الله عنهما. PageV02P299 ### ||| [أرجاز لغلام تركي كان للحسين (عليه السلام)، واستشهاده (رحمة الله عليه)] # قال: ثم خرج غلام تركي كان للحسين (عليه السلام)، وكان قارئا للقرآن، ~~فجعل يقاتل [ويرتجز] (1) ويقول: # البحر من طعني وضربي يصطلي %~% والجو من سهمي ونبلي يمتلي # إذا حسامي بيميني ينجلي %~% ينشق قلب الحاسد المبجل # فقتل جماعة، ثم سقط صريعا، فجاءه الحسين (عليه السلام) فبكى ووضع خده على ~~خده، ففتح عينيه فرأى الحسين (عليه السلام) فتبسم، ثم صار إلى ربه رضي الله عنه. ### ||| [استشهاد يزيد بن زياد بن الشعثاء (رحمة الله عليه)] # [قال: ثم رماهم يزيد بن زياد بن الشعثاء بثمانية أسهم ما أخطأ منها بخمسة ~~أسهم، وكان كلما رمى قال الحسين (عليه السلام): اللهم سدد رميته، واجعل ~~ثوابه الجنة، فحملوا عليه فقتلوه.] (2) # وكان يأتي الحسين (عليه السلام) الرجل بعد الرجل، فيقول: ms485 السلام عليك يا ~~ابن رسول الله، فيجيبه الحسين، ويقول: وعليك السلام ونحن خلفك، ثم يقرأ: ~~@QUR@08 فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر (3) حتى قتلوا عن آخرهم (رضوان ~~الله عليهم)، ولم يبق مع الحسين إلا أهل بيته. # وهكذا (4) يكون المؤمن يؤثر دينه على دنياه، وموته على حياته في سبيل ~~الله، وينصر الحق وإن قتل، قال سبحانه: @QUR@08 ولا تحسبن الذين قتلوا في ~~سبيل الله ، وينصر الحق وإن قتل، قال سبحانه: @QUR@014 ولا تحسبن الذين ~~قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون (5) وقال النبي صلى ~~الله عليه PageV02P300 # وآله: كل قتيل في جنب الله شهيد، ولما وقف رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) على شهداء احد وفيهم حمزة رضي الله عنه قال: أنا شهيد على هؤلاء ~~القوم زملوهم بدمائهم فإنهم يحشرون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دما، فاللون ~~لوم الدم، والريح ريح المسك (1)، [فهم] (2) كما قيل: # كسته القنا حلة من دم %~% فأضحت لدى الله من أرجوان # جزته معانقة الدار عين %~% معانقة القاصرات الحسان (3) # ولقد أحسنت في وصفهم، وبالغت نعيهم بالتعزية، وسميتها ب «مجرية العبرة ~~ومحزنة العترة» وهي التي وضعتها لتعزية المؤمنين يوم التاسع من المحرم، ~~وستأتي في المجلس التاسع يوم التاسع إن شاء الله، وهي مشتملة على نكت ~~لطيفة، واستعارات ظريفة، وأشعار رائقة، وعبارات شائقة، أنشأتها بإذن الله، ~~وأوردتها على المنبر بحضور جمع من المؤمنين، قبالة ضريح سيد الشهداء، وثالث ~~الأوصياء، وخامس أصحاب الكساء في حضرته الشريفة، أبكيت بها عيون المؤمنين، ~~وأحزنت قلوب المخلصين، راجيا أن يكون جزائي عنها وثوابي منها ثواب ~~المستشهدين بين يدي حضرته، الباذلين أنفسهم دونه ودون اسرته. # ولما قتل أصحاب الحسين (عليه السلام) ولم يبق إلا أهل بيته، وهم: ولد ~~علي، وولد جعفر، وولد عقيل، وولد الحسن، وولده (صلوات الله عليه) اجتمعوا PageV02P301 # وودع (1) بعضهم بعضا، وعزموا على الحرب، ### ||| [أرجاز عبد الله بن مسلم بن عقيل، واستشهاده (رحمة الله عليه)] # فأول من برز من أهل بيته عبد الله ابن مسلم بن عقيل بن أبي طالب (عليه ~~السلام)، وهو يرتجز ويقول: ms486 # اليوم ألقى مسلما وهو أبي %~% وفتية بادوا على دين النبي # ليسوا بقوم (2)عرفوا بالكذب %~% لكن خيار وكرام النسب # [من هاشم السادات أهل الحسب] (3). # فقاتل حتى قتل ثمانية وتسعين رجلا في ثلاث حملات، ثم قتله عمرو ابن صبيح ~~الصيداوي وأسد بن مالك. ### ||| [أرجاز جعفر وعبد الرحمن ابنا عقيل، واستشهادهما (رحمة الله عليهما)] # ثم خرج من بعده جعفر بن عقيل، وهو [يرتجز و] (4) يقول: # أنا الغلام الأبطحي الطالبي %~% من معشر في هاشم وغالب # ونحن حقا سادة الذوائب %~% هذا (5)حسين أطيب الأطائب # من عترة البر التقي العاقب # فقتل خمسة عشر فارسا، ثم قتله بشر بن سوط الهمداني (6). # ثم خرج من بعده أخوه عبد الرحمن بن عقيل، وهو يقول: # أبي عقيل فاعرفوا مكاني %~% من هاشم وهاشم إخواني PageV02P302 # كهول صدق سادة الأقران %~% هذا حسين شامخ البنيان # وسيد الشيب مع الشبان # (1) فقتل سبعة عشر فارسا، ثم قتله عثمان بن خالد (2) الجهني. ### ||| [أرجاز محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، واستشهاده (رحمة الله عليه)] # وخرج من بعده محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وهو يقول: # نشكو إلى الله من العدوان %~% قتال (3)قوم في الردى عميان # قد تركوا معالم القرآن %~% ومحكم التنزيل والبيان (4) # وأظهروا الكفر مع الطغيان # ثم قاتل حتى قتل عشرة أنفس، ثم قتله عامر بن نهشل التميمي. ### ||| [أرجاز عون بن عبد الله بن جعفر، واستشهاده (رحمة الله عليه)] # ثم خرج من بعده عون بن عبد الله بن جعفر، وهو يقول: # إن تنكروني فأنا ابن جعفر %~% شهيد صدق في الجنان أزهر # يطير فيها بجناح أخضر %~% كفى بهذا شرفا في المحشر # ثم قاتل حتى قتل من القوم ثلاثة فوارس وثمانية عشر رجلا، ثم قتله عبد ~~الله بن قطبة الطائي. PageV02P303 # ثم خرج من بعده عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام). ### ||| [أرجاز القاسم بن الحسن (عليه السلام)، واستشهاده (رحمة الله عليه)] # وفي أكثر الروايات أنه القاسم بن الحسن (عليه السلام) وهو غلام صغير لم ~~يبلغ الحلم، فلما نظر الحسين (عليه ms487 السلام) إليه قد برز اعتنقه وجعلا ~~يبكيان حتى غشي عليهما، ثم استأذن الحسين (عليه السلام) في المبارزة، فأبى ~~الحسين أن يأذن له، فلم يزل الغلام يقبل يديه ورجليه حتى أذن له، فخرج ~~ودموعه تسيل على خديه، وهو يقول: # إن تنكروني فأنا فرع الحسن %~% سبط النبي المصطفى والمؤتمن # هذا حسين كالأسير المرتهن %~% بين اناس لاسقوا صوب المزن # وكان وجهه كفلقة القمر، فقاتل قتالا شديدا حتى قتل- على صغره- خمسة ~~وثلاثين رجلا. # قال حميد: كنت في عسكر ابن سعد، فكنت أنظر إلى هذا الغلام عليه قميص ~~وإزار ونعلان قد انقطع شسع أحدهما. # فقال عمرو بن سعد الأزدي: والله لأشدن عليه. # فقلت: سبحان الله! وما تريد بذلك؟ والله لو ضربني ما بسطت إليه يدي، ~~يكفيك هؤلاء الذين تراهم قد احتوشوه. # قال: والله لأفعلن، فشد، فما ولى حتى ضرب رأسه بالسيف ووقع الغلام لوجهه، ~~ونادى: يا عماه. # قال: فجاءه الحسين كالصقر المنقض فتخلل الصفوف، وشد شدة الليث الحرب فضرب ~~عمرا قاتله بالسيف، فاتقاه بيده فأطنها من المرفق، فصاح PageV02P304 # فتنحى عنه، وحملت [خيل] (1) أهل الكوفة فاستنقذوه من يد الحسين، فوقف ~~الحسين على رأس الغلام وهو يفحص [برجليه] (2)، فقال الحسين: يعز على عمك ~~أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك ولا ينفعك (3)، بعدا لقوم قتلوك. # ثم احتمله، فكأني أنظر إلى رجلي الغلام يخطان في الأرض، وقد وضع صدره على ~~صدره، فقلت في نفسي: ما يصنع؟ فجاء حتى ألقاه بين (4) القتلى من أهل بيته. # ثم قال: اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا، ولا تغفر ~~لهم أبدا، صبرا يا بني عمومتي، صبرا يا أهل بيتي، لا رأيتم هوانا بعد هذا ~~اليوم أبدا. ### ||| [أرجاز عبد الله بن الحسن (عليه السلام)، واستشهاده (رحمة الله عليه)] # ثم خرج عبد الله بن الحسن الذي ذكرناه أولا وهو الأصح أنه برز بعد ~~القاسم، وهو يقول: # إن تنكروني فأنا ابن حيدره %~% ضرغام آجام وليث قسوره # على الأعادي مثل ريح صرصره %~% [أكيلكم بالسيف كيل السندرة] (5) # فقتل أربعة عشر رجلا، ثم قتله هانئ بن ثبيت الحضرمي ms488 لعنه الله فاسود وجهه. PageV02P305 ### ||| [أرجاز أبو بكر وعمر ابنا علي (عليه السلام)، واستشهادهما (رحمة الله عليهما)] # ثم تقدم إخوة الحسين (عليه السلام) عازمين على أن يموتوا دونه، فأول من ~~خرج منهم أبو بكر بن علي، واسمه عبيد الله (1)، وامه ليلى بنت مسعود بن ~~خالد بن ربعي التميمية، فتقدم، وهو يرتجز ويقول: # شيخي علي ذو الفخار الأطول %~% من هاشم الصدق الكريم المفضل # هذا حسين بن النبي المرسل %~% عنه نحامي (2)بالحسام المصقل # تفديه نفسي من أخ مبجل %~% [يا رب فامنحني ثواب المجزل] # (3) فلم يزل يقاتل حتى قتله زحر بن بدر (4) النخعي؛ وقيل: عبد الله بن ~~عتبة الغنوي. # ثم برز من بعده أخوه عمر بن علي، وهو يقول: # أضربكم ولا أرى فيكم زحر %~% ذاك الشقي بالنبي قد كفر # يا زحر يا زحر تدان من عمر %~% لعلك اليوم تبوء من سقر # شر مكان في حريق وسعر %~% لأنك الجاحد يا شر البشر # ثم حمل على زحر قاتل أخيه فقتله، واستقبل القوم وجعل يضرب بسيفه ضربا ~~منكرا وهو يقول: # خلوا عداة الله خلوا عن عمر %~% خلوا عن الليث العبوس المكفهر # يضربكم بسيفه ولا يفر %~% وليس فيها (5)كالجبان المنحجر PageV02P306 # فلم يزل يقاتل حتى قتل. ### ||| [أرجاز عثمان وجعفر ابنا علي (عليه السلام) من أم البنين، واستشهادهما (رحمة الله عليهما)] # ثم خرج من بعده أخوه عثمان بن علي، وامه أم البنين بنت حزام بن خالد من ~~بني كلاب، وهو يقول: # إني أنا عثمان ذو المفاخر %~% شيخي علي ذو الفعال الظاهر # وابن عم للنبي الطاهر %~% أخي حسين خيرة الأخائر # وسيد الكبار والأصاغر %~% بعد الرسول فالوصي الناصر (1) # فرماه خولي بن يزيد الأصبحي على جنبه (2) فسقط عن فرسه، وحز (3) رأسه ~~رجل من بني أبان بن حازم فقتله. # ثم برز من بعده أخوه جعفر بن علي، وامه أم البنين أيضا، وهو يقول: # إني أنا جعفر ذو المعالي %~% ابن (4)علي الخير ذو النوال # حسبي بعمي شرفا وخالي %~% أحمي حسينا ذي الندى المفضال (5) # ثم قاتل فرماه خولي الأصبحي (6) فأصاب شفتيه أو عينه (7). PageV02P307 ### ||| [أرجاز عبد الله ms489 بن علي (عليه السلام)، واستشهاده (رحمة الله عليه)] # ثم برز أخوه عبد الله بن علي [وامه أم البنين أيضا] (1) وهو يقول:. # أنا ابن ذي النجدة والإفضال %~% ذاك علي الخير ذو (2)الفعال # سيف رسول الله ذو النكال %~% في كل قوم ظاهر الأهوال (3) # فقتله هانئ بن ثبيت الحضرمي (4). ### ||| [أرجاز العباس بن علي (عليه السلام)، واستشهاده (رضوان الله عليه)] # وكان العباس (5) السقاء قمر بني هاشم صاحب لواء الحسين عليه PageV02P308 # السلام، وهو أكبر الاخوان، مضى يطلب الماء فحملوا عليه وحمل عليهم، وجعل يقول: # لا أرهب الموت إذا الموت رقى %~% حتى اواري في المصاليت (1)لقى # نفسي لنفس المصطفى الطهر وقا %~% إني أنا العباس أغدو بالسقا # ولا أخاف الشر يوم الملتقى # ففرقهم، فكمن له زيد بن ورقاء (2) من وراء نخلة، وعاونه حكيم بن الطفيل ~~السنبسي فضربه على يمينه، فأخذ السيف بشماله وحمل، وهو يرتجز: # والله إن قطعتم يميني %~% إني احامي أبدا عن ديني # وعن إمام صادق اليقين %~% نجل النبي الطاهر الأمين # فقاتل حتى ضعف، فكمن له الحكيم (3) بن الطفيل الطائي من وراء نخلة فضربه ~~على شماله، فقال: # يا نفس لا تخشي من الكفار %~% وأبشري برحمة الجبار # مع النبي السيد المختار %~% قد قطعوا ببغيهم يساري # فأصلهم يا رب حر النار PageV02P309 ### ||| [أبيات للحسين (عليه السلام) بعد مصرع العباس، وخروج علي الأكبر (عليه السلام) للقتال] # فضربه ملعون بعمود من حديد فقتله، فلما رآه الحسين (عليه السلام) صريعا ~~على شاطئ الفرات بكى، وأنشأ: # تعديتم يا شر قوم ببغيكم %~% وخالفتموا (1)قول (2)النبي محمد # أما كان خير الرسل أوصاكم بنا؟ %~% أما نحن من نجل (3)النبي المسدد؟ # [أما كانت الزهراء امي دونكم؟ %~% أما كان من خير البرية أحمد؟] (4) # لعنتم واخزيتم بما قد جنيتم %~% فسوف تلاقوا حر نار توقد # ولما قتل العباس قال الحسين (عليه السلام): الآن انكسر ظهري، وقلت حيلتي. # قال: تقدم علي بن الحسين (عليه السلام)، وامه ليلى بنت أبي مرة بن عروة ~~بن مسعود الثقفي، وهو يومئذ ابن ثماني عشرة سنة، ورفع الحسين سبابته (5) ~~نحو السماء وقال: اللهم اشهد على هؤلاء ms490 القوم فقد برز إليهم غلام أشبه ~~الناس خلقا وخلقا ومنطقا برسولك (صلى الله عليه وآله)، كنا إذا اشتقنا إلى ~~نبيك (صلى الله عليه وآله) نظرنا إلى وجهه، اللهم امنعهم بركات الأرض، ~~وفرقهم PageV02P310 # تفريقا، ومزقهم تمزيقا، واجعلهم طرائق قددا، ولا ترض الولاة عنهم أبدا، ~~فإنهم دعونا لينصرونا، ثم عدوا علينا يقاتلوننا. # ثم صاح الحسين بعمر بن سعد: مالك؟ قطع الله رحمك، ولا بارك لك في أمرك، ~~وسلط عليك من يذبحك بعدي على فراشك، كما قطعت رحمي، ولم تحفظ قرابتي من ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم رفع الحسين (عليه السلام) صوته وتلا: ~~@QUR@022 إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ~~ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم (1). ### ||| [أرجاز لعلي الأكبر، واستشهاده (عليه السلام)] # ثم حمل علي بن الحسين على القوم، وهو يقول: # أنا علي بن الحسين بن علي %~% من عصبة جد أبيهم النبي # (2) # والله لا يحكم فينا ابن الدعي %~% أطعنكم بالرمح حتى ينثني # أضربكم بالسيف أحمي عن أبي (3) %~% ضرب غلام غلام هاشمي علوي # فلم يزل يقاتل حتى ضج الناس من كثرة من قتل منهم، وروي أنه قتل على عطشه ~~مائة وعشرين رجلا، ثم رجع إلى أبيه وقد أصابته جراحات كثيرة، فقال: يا أبة، ~~العطش قد قتلني، وثقل الحديد أجهدني، فهل إلى شربة من ماء سبيل أتقوى بها ~~على الأعداء؟ PageV02P311 # فبكى الحسين (عليه السلام)، وقال: يا بني، يعز على محمد (صلى الله عليه ~~وآله)، وعلى علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وعلي (1) أن تدعوهم فلا ~~يجيبوك، وتستغيث بهم فلا يغيثوك. # يا بني، هات لسانك، فأخذ بلسانه فمصه ودفع إليه خاتمه، وقال: # أمسكه في فيك وارجع إلى قتال عدوك فإني أرجو أنك لا تمسي حتى يسقيك جدك ~~بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبدا، فرجع (عليه السلام) إلى القتال، وهو يقول: # الحرب قد قامت (2)لها الحقائق %~% وظهرت من بعدها مصادق # والله رب العرش لا نفارق %~% جموعكم أو تغمد البوارق # فلم يزل يقاتل حتى قتل تمام المائتين، ثم ضربه مرة ms491 بن منقذ (3) العبدي ~~لعنه الله على مفرق رأسه ضربة صرعته، وضربه الناس بأسيافهم، ثم اعتنق (عليه ~~السلام) فرسه، فاحتمله الفرس إلى عسكر الأعداء فقطعوه بسيوفهم إربا إربا. # فلما بلغت الروح (4) التراقي قال رافعا صوته: يا أبتاه، هذا جدي رسول PageV02P312 # الله (صلى الله عليه وآله) قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها ~~أبدا، وهو يقول [لك] (1): العجل العجل، فإن لك كأسا مذخورة حتى تشربها ~~الساعة. # فصاح الحسين (عليه السلام) وقال: قتل الله قوما قتلوك، ما أجرأهم على ~~الله (2) وعلى رسوله، وعلى انتهاك حرمة الرسول؟! على الدنيا بعدك العفا. # قال حميد بن مسلم: فكأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة ~~تنادي بالويل والثبور، وتقول: يا حبيباه، يا ثمرة فؤاداه، ويا نور عيناه، ~~فسألت عنها، فقيل: هي زينب بنت علي (عليه السلام)، وجاءت وانكبت عليه، فجاء ~~[إليها] (3) الحسين فأخذ بيدها فردها إلى الفسطاط، وأقبل (عليه السلام) ~~بفتيانه وقال: احملوا أخاكم، فحملوه من مصرعه، فجاءوا به حتى وضعوه عند ~~الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه. (4) # قال: وخرج غلام من تلك الأبنية وفي اذنيه درتان (5)، وهو مذعور فجعل ~~يلتفت يمينا وشمالا، فحمل عليه هانئ بن ثبيت لعنه الله، فقتله، فصارت ~~شهربانو تنظر إليه ولا تتكلم كالمدهوشة. # ثم التفت الحسين عن يمينه فلم ير أحدا من الرجال، والتفت [عن] (6) PageV02P313 # يساره فلم ير أحدا، فخرج علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)، وكان ~~مريضا لا يقدر أن يقل سيفه، وأم كلثوم تنادي خلفه: يا بني، ارجع. # فقال: يا عمتاه، ذريني اقاتل بين يدي ابن رسول الله. # وقال الحسين (عليه السلام): يا أم كلثوم، خذيه لئلا تبقى الأرض خالية من ~~نسل آل محمد (صلى الله عليه وآله). ### ||| [خروج الإمام الحسين (عليه السلام) للقتال] # ولما فجع الحسين (عليه السلام) بأهل بيته وولده، ولم يبق غيره وغير ~~النساء والذراري نادى: هل من ذاب يذب عن حرم رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله)؟ هل من موحد يخاف الله فينا؟ هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا؟ [هل ~~من معين ms492 يرجو ما عند الله في إعانتنا] (1)؟ وارتفعت أصوات النساء بالعويل، ~~فتقدم (صلوات الله عليه) إلى باب الخيمة، فقال: ناولوني عليا ابني الطفل ~~حتى اودعه، فناولوه الصبي، فجعل يقبله وهو يقول: ويل لهؤلاء القوم إذا كان ~~جدك محمد (صلى الله عليه وآله) خصمهم، والصبي في حجره، إذ رماه حرملة بن ~~كاهل الأسدي لعنه الله بسهم فذبحه في حجر الحسين، فتلقى الحسين دمه حتى ~~امتلأت كفه، ثم رمى به إلى السماء فما رجع منه شيء، ثم قال: لا يكون أهون ~~عليك من فصيل، اللهم إن كنت حبست عنا النصر فاجعل ذلك لما هو خير لنا (2). PageV02P314 ### ||| [أبيات للإمام الحسين (عليه السلام)] # ثم قام الحسين (عليه السلام) وركب فرسه وتقدم إلى القتال، وهو يقول: # كفر القوم وقدما رغبوا %~% عن ثواب الله رب الثقلين # قتل (1)القوم عليا وابنه %~% حسن الخير كريم الأبوين # حنقا منهم وقالوا أجمعوا %~% واحشروا الناس إلى حرب الحسين # [يا لقوم من اناس رذل %~% جمع الجمع لأهل الحرمين] (2) # ثم ساروا وتواصوا كلهم %~% باجتياحي لرضاء الملحدين # لم يخافوا الله في سفك دمي %~% لعبيد الله نسل الكافرين # وابن سعد قد رماني عنوة %~% بجنود كوكوف الهاطلين (3) # لا لشيء كان مني قبل ذا %~% غير فخري بضياء النيرين # بعلي الخير من بعد النبي %~% والنبي القرشي الوالدين # خيرة الله من الخلق أبي %~% ثم امي فأنا ابن الخيرين # فضة قد خلصت من ذهب %~% فأنا الفضة وابن الذهبين # من له جد كجدي في الورى %~% أو كشيخي فأنا ابن العلمين PageV02P315 # فاطم الزهراء امي وأبي %~% قاصم الكفر ببدر وحنين # عبد الله غلاما يافعا %~% وقريش يعبدون الوثنين # يعبدون اللات والعزى معا %~% وعلي كان صلى القبلتين # وأبي شمس وامي قمر %~% فأنا الكوكب وابن القمرين # وله في يوم احد وقعة %~% شفت الغل بفض العسكرين # ثم في الأحزاب والفتح معا %~% كان فيها حتف أهل الفيلقين # في سبيل الله ما ذا صنعت %~% أمة السوء معا بالعترتين # عترة البر النبي المصطفى %~% وعلي القرم (1)يوم الجحفلين (2) # ثم وقف (صلوات الله عليه) قبالة القوم وسيفه مصلت في يده آيسا من الحياة، ms493 ~~عازما على الموت، وهو يقول: # أنا ابن علي الطهر (3)من آل هاشم %~% كفاني بهذا مفخرا حين أفخر # وجدي رسول الله أكرم من مضى %~% ونحن سراج الله في الأرض (4)نزهر # وفاطم امي من سلالة أحمد (5) %~% وعمي يدعى ذو الجناحين جعفر PageV02P316 # وفينا كتاب الله انزل صادقا (1) %~% وفينا الهدى والوحي بالخير يذكر # ونحن أمان الله للناس (2)كلهم %~% نسر بهذا في الأنام ونجهر # ونحن ولاة الحوض نسقي ولاتنا %~% بكأس رسول الله ما ليس ينكر (3) # وشيعتنا في الناس أكرم شيعة (4) %~% ومبغضنا يوم القيامة يخسر # وذكر أبو علي السلامي في تاريخه أن هذه الأبيات للحسين (عليه السلام) من ~~إنشائه، وقال: وليس لأحد مثلها: # وإن تكن الدنيا تعد نفيسة %~% فإن ثواب الله أعلى وأنبل # وإن تكن الأبدان للموت انشئت %~% فقتل امرئ بالسيف في الله أفضل # وإن تكن الأرزاق قسما مقدرا %~% فقلة سعي المرء في الكسب أجمل # وإن تكن الأموال للترك جمعها %~% فما بال متروك به المرؤ يبخل؟ PageV02P317 # [سأمضي وما بالقتل عار على الفتى %~% إذا في سبيل الله يمضي ويقتل] (1) # ثم إنه (عليه السلام) دعا الناس إلى البراز، فلم يزل يقتل كل من دنا منه ~~من عيون الرجال، حتى قتل منهم مقتلة عظيمة. # ثم (2) حمل (عليه السلام) على الميمنة وقال: # الموت خير من ركوب العار %~% [والعار أولى من دخول النار] (3) # ثم على الميسرة، وهو يقول: # أنا الحسين بن علي %~% آليت ألا أنثني # أحمي عيالات أبي %~% أمضي على دين النبي # ولم يزل يقاتل حتى قتل ألف رجل وتسعمائة رجل وخمسين رجلا سوى المجروحين. # فقال عمر بن سعد لقومه: الويل لكم أتدرون لمن تقاتلون؟ هذا ابن الأنزع ~~البطين، هذا ابن قتال العرب، فاحملوا عليه من كل جانب، وكانت الرماة أربعة ~~آلاف ترميه بالسهام فحالوا بينه وبين رحله. # فصاح بهم: ويحكم يا شيعة آل أبي سفيان، إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا ~~تخافون المعاد، فكونوا أحرارا في دنياكم، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم ~~أعرابا. PageV02P318 # فناداه شمر، فقال: ما تقول، يا ابن فاطمة؟ # قال: أقول: أنا الذي اقاتلكم وتقاتلوني، والنساء ليس ms494 عليهن جناح، فامنعوا ~~عتاتكم عن التعرض لحرمي ما دمت حيا. # فقال شمر: لك هذا، ثم صاح شمر: إليكم عن حرم الرجل، فاقصدوه في نفسه، ~~فلعمري لهو كفو كريم. # قال: فقصدوه القوم وهو في ضمن ذلك يطلب شربة ماء، فكلما حمل بفرسه على ~~الفرات حملوا عليه بأجمعهم حتى أحالوه (1) عنه، ثم رماه رجل من القوم يكنى ~~أبا الحتوف الجعفي لعنه الله بسهم، فوقع السهم في جبهته، فنزعه من جبهته، ~~فسالت الدماء على وجهه ولحيته، فقال (صلوات الله عليه): # اللهم إنك ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلاء العصاة، اللهم أحصهم عددا، ~~واقتلهم بددا، ولا تذر على وجه الأرض منهم أحدا، ولا تغفر لهم أبدا. # ثم حمل عليهم كالليث المغضب، فجعل لا يلحق منهم أحدا إلا بعجه بسيفه ~~فقتله، والسهام آخذة له من كل ناحية وهو يتقيها بنحره وصدره، ويقول: # يا أمة السوء، بئسما خلفتم محمدا في عترته، أما إنكم لن تقتلوا بعدي عبدا ~~من عباد الله فتهابوا قتله، بل يهون عليكم عند قتلكم إياي، وأيم الله إني ~~لأرجو أن يكرمني ربي بالشهادة بهوانكم، ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون. # قال: فصاح به الحصين بن مالك السكوني، فقال: وبما ذا ينتقم لك منا؟ # قال: يلقي بأسكم بينكم، ويسفك دماءكم، ثم يصب عليكم العذاب PageV02P319 # الأليم. # ثم لم يزل يقاتل حتى أصابته جراحات عظيمة. ### ||| [كثرة الجراحات التي أصابته (عليه السلام)] # وروي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: وجد بالحسين (عليه ~~السلام) ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة. # وقال الباقر (عليه السلام): اصيب الحسين (عليه السلام) ووجد به ثلاثمائة ~~وبضعة وعشرون طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم. # وفي رواية: ألف وتسعمائة جراحة، وكانت السهام في درعه كالشوك في جلد ~~القنفذ، وروي أنها كانت كلها في مقدمته. # وهذه الروايات رواها الشيخ الثقة رشيد الدين بن شهر اشوب المازندراني رضي ~~الله عنه في كتابه المناقب (1). # فوقف (صلوات الله عليه) يستريح ساعة وقد ضعف عن القتال، فبينا هو واقف إذ ~~أتاه حجر فوقع على ms495 جبهته، فأخذ الثوب (2) ليمسح الدم عن وجهه فأتاه سهم ~~محدد مسموم، له ثلاث شعب، فوقع السهم في صدره (3)، فقال الحسين (عليه ~~السلام): بسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله، ورفع رأسه إلى السماء ~~وقال: إلهي إنك تعلم أنهم يقتلون رجلا ليس على وجه الأرض ابن نبي غيره، ثم ~~أخذ السهم فأخرجه من قفاه فانبعث الدم كالميزاب، فوضع يده على PageV02P320 # الجرح، فلما امتلأت [دما] (1) رمى به إلى السماء، فما رجع من ذلك الدم ~~قطرة، وما عرفت الحمرة في السماء حتى رمى الحسين (عليه السلام) بدمه إلى ~~السماء، ثم وضع يده ثانيا، فلما امتلأت لطخ بها رأسه ولحيته، وقال: هكذا ~~أكون حتى ألقى جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنا مخضوب بدمي، وأقول: ~~يا رسول الله، قتلني فلان وفلان. # ثم ضعف (عليه السلام) عن القتال فوقف، فكلما أتاه رجل من الناس وانتهى ~~إليه انصرف عنه [وكره أن يلقى الله بدمه] (2)، حتى جاء رجل من كندة يقال ~~له مالك بن النسير (3) لعنه الله فضربه بالسيف على رأسه، وعليه برنس (4) ~~فقطع البرنس فامتلأ دما. # فقال له الحسين (عليه السلام): لا أكلت بها ولا شربت (5)، وحشرك الله مع ~~الظالمين، ثم ألقى البرنس ولبس قلنسوة واعتم عليها وقد أعيى، وجاء الكندي ~~وأخذ البرنس، وكان من خز، فلما قدم [به] (6) بعد الوقعة على امرأته فجعل ~~يغسل الدم عنه، فقالت له امرأته: أتدخل بيتي سلب ابن رسول الله؟ # اخرج عني حشى الله قبرك نارا، فلم يزل بعد ذلك فقيرا بأسوإ حال ويبست ~~يداه، وكانتا في الشتاء ينضحان دما، وفي الصيف يصيران يا بستين كأنهما PageV02P321 # عودان. # ولما ضعف (عليه السلام) نادى شمر لعنه الله: ما وقوفكم؟ وما تنتظرون ~~بالرجل؟ قد أثخنته الجراح والسهام، احملوا عليه ثكلتكم امهاتكم، فحملوا ~~عليه من كل جانب، فرماه الحصين بن تميم في فيه، وأبو أيوب الغنوي بسهم في ~~حلقه، وضربه زرعة بن شريك التميمي على كتفه اليسرى، وعمر بن خليفة الجعفي ~~على حبل عاتقه، وطعنه صالح بن وهب المزني في جنبه، وكان قد ms496 طعنه سنان (1) ~~بن أنس النخعي في صدره، فوقع (صلوات الله عليه) على الأرض على خده الأيمن، ~~ثم استوى جالسا ونزع السهم من حلقه (2). # ثم دنا عمر بن سعد من الحسين (عليه السلام). ### ||| [استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)] # قال حميد: وخرجت زينب بنت علي (عليه السلام) وقرطاها يجولان بين اذنيها، ~~وهي تقول: ليت السماء انطبقت على الأرض، يا عمر بن سعد: أيقتل أبو عبد الله ~~وأنت تنظر إليه؟ ودموع عمر تسيل على خديه ولحيته، وهو يصرف وجهه عنها، ~~والحسين (عليه السلام) جالس وعليه جبة خز، وقد تحاماه الناس، فنادى شمر: ~~ويلكم ما تنتظرون به؟ اقتلوه ثكلتكم امهاتكم، فضربه زرعة بن شريك فأبان كفه ~~اليسرى، ثم ضربه على عاتقه، ثم انصرفوا عنه، وهو يكبو مرة ويقوم اخرى. # فحمل عليه سنان في تلك الحال فطعنه بالرمح فصرعه، وقال لخولي بن يزيد: ~~اجتز رأسه، فضعف وارتعدت يده، فقال له سنان: جب (3) الله عضدك، PageV02P322 # وأبان يدك، فنزل إليه شمر (1) لعنه الله، وكان اللعين أبرص، فضربه برجله ~~فألقاه على قفاه، ثم أخذ بلحيته، فقال الحسين (عليه السلام): أنت [الكلب] ~~(2) الأبقع الذي رأيتك في منامي. # فقال: أتشبهني بالكلاب؟ ثم جعل يضرب بسيفه مذبح الحسين (عليه السلام). (3) # وقيل: لما جاء شمر والحسين (عليه السلام) بآخر رمق يلوك لسانه من العطش، ~~فطلب الماء فرفسه شمر لعنه الله برجليه، وقال: يا ابن أبي تراب، ألست تزعم ~~أن أباك على حوض النبي يسقي من أحبه؟ فاصبر حتى تأخذ الماء من يده، ثم جلس ~~على صدره. # فقال له الحسين (عليه السلام): أتقتلني ولا تعلم من أنا؟ # فقال: أعرفك حق المعرفة؛ امك فاطمة الزهراء، وأبوك علي المرتضى، وجدك ~~محمد المصطفى، وخصمك العلي الأعلى، أقتلك ولا ابالي، فضربه بسيفه اثنتا ~~عشرة ضربة، ثم جز رأسه (صلوات الله وسلامه عليه)، ولعن الله قاتله ومقاتله ~~والسائرين إليه بجموعهم. ### ||| [ما سلب منه (عليه السلام)] # ثم سلبوه (4)(عليه السلام) لباسه وجميع ما كان عليه؛ فأخذ عمامته جابر ~~ابن يزيد الأزدي، وقميصه إسحاق بن حيوة (5)، وثوبه جعونة بن حوبة ms497 PageV02P323 # الحضرمي، وقطيفته من خز قيس بن الأشعث الكندي، وسراويله بحير بن عمرو ~~الجرمي (1). # وكان (عليه السلام) قد قال لأهله: ائتوني بثوب لا يرغب فيه لئلا اسلبه، ~~فأتوه بتبان، فقال: هذا من لباس أهل الذمة، فأتوه بسراويل أوسع منه فسلبوه ~~إياها، سلبها [بحير بن] (2) عمرو المذكور؛ وقيل: أخذها بحر بن كعب ~~التميمي، وأخذ القوس والحلل الرحيل بن خيثمة الجعفي وهانئ بن ثبيت الحضرمي ~~وجرير بن مسعود الحضرمي، ونعليه الأسود الأوسي، وسيفه رجل من بني نهشل بن ~~دارم (3)؛ وقيل: الأسود بن حنظلة، فأحرقهم المختار رضي الله عنه بالنار، ~~ثم مال الناس على الورس والأمتعة والإبل فانتهبوها، ثم تسابقوا على نهب ~~بيوت آل الرسول حتى كانوا ينزعون ملحفة المرأة عن رأسها وظهرها. # وعن فاطمة بنت الحسين قالت: لما دخلت العامة علينا بالنهب دخل رجل وأنا ~~صغيرة وفي رجلي خلخالان فنزعهما من رجلي وهو يبكي، فقلت: # ما يبكيك؟ # فقال: وكيف لا أبكي وأنا أسلب ابنة رسول الله؟! # فقلت: لا تسلبني. # فقال: أخاف أن يأخذه غيري. PageV02P324 # وقال حميد بن مسلم: انتهيت إلى علي بن الحسين (عليه السلام) وهو مضطجع ~~على فراش له وهو مريض، وإذا شمر معه رجل يقول: ألا نقتل هذا الصبي؟ # سبحان الله! ما معنى قتل الصبيان؟ فما زال دأبي كذلك أدفع عنه حتى جاء ~~عمر بن سعد، فقال: لا يدخلن أحد بيوت هذه النسوة، ولا يتعرض لهذا الغلام ~~أحد، ومن أخذ من متاعهم شيئا فليرده، فو الله ما رد أحد شيئا غير انهم كفوا. # فقال لي علي بن الحسين (عليه السلام): جزيت خيرا فقد دفع الله عنا- ~~بمقالتك- أشرار الناس (1). # ولما دخل الناس بعد قتل الحسين الفسطاط- فسطاط النساء- للنهب أقبلت امرأة ~~من عسكر ابن سعد كانت مع زوجها، فلما اقتحم الناس الفسطاط وأقبلوا يسلبون ~~النساء أخذت سيفا وأقبلت نحو الفسطاط، ونادت: يا آل بكر ابن وائل، أتسلب ~~بنات رسول الله؟ يا لثارات رسول الله، فأخذها زوجها فردها إلى رحله. ### ||| [حرق الخيام] # ثم أمر ابن سعد بإخراج النساء من الخيمة وأضرموا فيها النار، فخرجن حواسر ~~مسلبات ms498 حافيات باكيات، يمشين سبايا في أسر الذلة. # قال بعض من شهد الوقعة: ما رأيت مكثورا (2) قط قتل ولده وإخوته وبنو عمه ~~وأهل بيته وأنصاره أربط جأشا، ولا أمضى جنانا ما رأيت قبله ولا بعده PageV02P325 # مثله- أعني الحسين (عليه السلام)- لقد رأيت الرجال تنكشف عنه انكشاف ~~المعزى إذا عاث (1) فيها الذئب. ### ||| [أن الخيل وطأت الحسين (عليه السلام)] # ثم إن عمر بن سعد لعنه الله نادى: من ينتدب للحسين فيطؤه بفرسه (2)؟ # فانتدب له عشرة نفر، منهم: أخنس بن مرثد الحضرمي، وهو القائل (3): # نحن رضضنا الظهر بعد الصدر %~% بكل يعبوب شديد الأسر # [حتى عصينا الله رب الأمر %~% بصنعنا مع الحسين الطهر] (4) # وقال عمر بن سعد لعنه الله: بهذا أمر الأمير عبيد الله. # قال الراوي (5): فنظرنا في هؤلاء العشرة فوجدناهم أولاد زنا، وهؤلاء ~~أخذهم المختار رضي الله عنه وشد أيديهم وأرجلهم بسكك من حديد، ثم أوطأهم ~~الخيل حتى ماتوا. # وأقام عمر بن سعد يومه ذاك بعد الواقعة إلى الغد، فجمع قتلاه فصلى عليهم ~~ودفنهم، وترك الحسين وأصحابه منبوذين بالعراء، فلما ارتحلوا إلى الكوفة ~~وتركوهم على تلك الحال عمد أهل الغاضرية من بني أسد فصلوا عليهم ودفنوهم. (6) PageV02P326 ### ||| [بلاء الله تعالى النازل فيمن سلب الحسين (عليه السلام)] # وابتلى الله سبحانه الذين أخذوا سلب الحسين (عليه السلام) كل واحد منهم ~~ببلاء، فالذي أخذ سراويله بحير بن عمرو الجرمي فلبسها فصار زمنا مقعدا، ~~والذي أخذ عمامته وهو جابر بن يزيد فصار مجذوما، والذي أخذ درعه مالك بن ~~نسير صار معتوها، والذي أخذ خاتمه وهو بجدل بن سليم الكلبي وقطع اصبعه ~~(عليه السلام) مع الخاتم أخذه المختار وقطع يديه ورجليه وتركه يتشحط بدمه ~~حتى مات. (1) # وارتفعت في السماء- في تلك الساعة التي قتل فيها (صلوات الله عليه)- غبرة ~~شديدة سوداء مظلمة، فيها ريح حمراء، لا يرى فيها عين ولا أثر، حتى ظن القوم ~~أن العذاب قد جاءهم. # وقتل (صلوات الله عليه) (2) يوم عاشوراء عاشر المحرم الحرام سنة إحدى ~~وستين من الهجرة، وهو ابن أربع وخمسين سنة وستة أشهر ونصف. # قال: وأقبل فرس الحسين ms499 (عليه السلام) وقد عدا من بين أيديهم أن لا يؤخذ، ~~فوضع ناصيته في دم الحسين (عليه السلام)، ثم أقبل يركض نحو خيمة النساء، ~~وهو يصهل ويضرب الأرض برأسه عند الخيمة حتى مات. (3) # والسيف الذي كان مع الحسين (صلوات الله عليه) حين قتل ليس هو بذي الفقار، ~~وإنما هو غيره، لأن ذا الفقار [كان مذخورا ومصونا مع أمثاله] (4) من PageV02P327 # ذخائر النبوة والامامة لا يطلع عليه أحد. ### ||| [في عدة المقتولين من أصحاب وأهل بيت الحسين (عليه السلام)] # وكان عدة القتلى من أصحاب الحسين (عليه السلام) الذين قتلوا معه اثنين ~~وسبعين رجلا (رضوان الله عليهم ورحمته وسلامه) هؤلاء الذين قتلوا قبل أهل بيته. # وأما عدة المقتولين من أهل بيته فالأكثرون على أنهم كانوا سبعة وعشرين: # سبعة من بني مسلم ومن بني عقيل (1): مسلم المقتول بالكوفة، وجعفر، وعبد ~~الرحمن [ابنا عقيل] (2)، ومحمد بن مسلم، وعبد الله بن مسلم، وجعفر بن محمد ~~بن عقيل، ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل. # وثلاثة من ولد جعفر: محمد بن عبد الله بن جعفر، وعون الأكبر بن عبد الله، ~~وعبيد الله بن عبد الله. # وتسعة (3) من ولد أمير المؤمنين (عليه السلام): الحسين (عليه السلام)، ~~والعباس؛ ويقال: وابنه محمد بن العباس. (4) # ذكر صاحب مقاتل الطالبيين ان العباس بن علي بن أبي طالب، وعثمان ابن علي ~~بن أبي طالب، وجعفر بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن علي بن أبي طالب ~~هؤلاء الأربعة صلوا مع الحسين (عليه السلام) وكانت امهم أم البنين بنت PageV02P328 # حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيل (1)، وهو عامر بن كلاب بن ربيعة بن ~~عامر بن صعصعة، وكان العباس أكبرهم، وهو آخر من قتل من إخوته لامه وأبيه. ### ||| [مراثي في العباس (عليه السلام)] # وفي العباس (عليه السلام) يقول الشاعر: # أحق الناس أن يبكى عليه %~% فتى أبكى الحسين بكربلاء # أخوه وابن والده علي %~% أبو الفضل المضرج بالدماء # ومن واساه لا يثنيه شيء %~% فجادله على عطش بماء # وفيه يقول الكميت بن زيد: # وأبو الفضل إن ذكرهم الحلو %~% شفاء النفوس ms500 من أسقام # قتل الأدعياء إذا قتلوه %~% أكرم الشاربين صوب الغمام # وكان العباس رجلا جسيما وسيما جميلا، وكان يركب الفرس المطهم (2) ورجلاه ~~تخطان الأرض، وكان يقال له قمر بني هاشم، وكان لواء الحسين (عليه السلام) ~~معه يوم قتل. # وكانت أم البنين أم هؤلاء الإخوة الأربعة تخرج إلى البقيع فتندب بنيها ~~أشجى ندبة وأحرقها، فيجتمع الناس إليها يسمعون منها، وكان مروان يجيء فيمن ~~يجيء فيسمع ندبتها ويبكي. # وعبد الله الأصغر، ومحمد الأصغر، وأبو بكر، يشك في قتله. # وأربعة من بني الحسن (عليه السلام): أبو بكر، وعبد الله، والقاسم؛ وقيل: PageV02P329 # وبشر؛ وقيل: عمر وكان صغيرا. # وستة من أولاد الحسين (عليه السلام) مع اختلاف فيهم: علي الأكبر، ~~[وإبراهيم] (1)، وعبد الله، وعلي الأصغر، وجعفر، ومحمد، وذبح (2) عبد ~~الله في حجره. # وأسروا الحسن بن الحسن مقطوعة يده؛ وقيل: لم يقتل محمد الأصغر ابن ~~الحسين (3) لمرضه؛ ويقال: رماه رجل من بني دارم فقتله. ### ||| [المقتولون في الحملة الاولى من أصحاب الحسين (عليه السلام)] # والمقتولون في الحملة الاولى من أصحاب الحسين: نعيم بن عجلان، وعمران بن ~~كعب، وأنس بن حارث (4) الأشجعي، وحنظلة بن عمرو الشيباني (5)، وقاسط بن ~~زهير، وكنانة بن عتيق، وعمرو بن مشيعة (6)، وضرغامة ابن مالك، وعامر بن ~~مسلم، وسيف بن مالك النميري، وعبد الرحمن الأرحبي، ومجمع العائذي، وحباب بن ~~الحارث، وعمرو الجندعي، والحلاس ابن عمرو الراسبي، وسوار بن حمير (7) ~~الفهمي، وعمار بن سلامة (8) الدالاني، PageV02P330 # والنعمان ابن عمرو الراسبي، وزاهر بن عمرو مولى ابن الحمق، وجبلة بن علي، ~~ومسعود بن الحجاج، وعبد الله بن عروة الغفاري، وزهير بن بشر الخثعمي، وعمار ~~بن حسان، وعبد الله بن عمير، ومسلم بن كثير، وزهير بن سليم (1)، وعبد الله ~~وعبيد الله ابنا زيد البصري، وعشرة من موالي الحسين (عليه السلام)، وموليان ~~من موالي أمير المؤمنين (عليه السلام). # هؤلاء المقتولون في الحملة الاولى إلى تمام الخمسين، والباقون قتلوا بعد ~~هؤلاء، وهم: الحر، وبرير، وعمرو بن خالد الأسدي، وحبيب بن مظاهر، وزهير بن ~~القين، وغيرهم ممن ذكرنا أولا رضي الله عنهم أجمعين، ولعن الله ms501 قاتلهم إلى ~~يوم الدين. ### ||| [إرسال رأس الحسين (عليه السلام) إلى ابن زياد لعنه الله] # قال: ثم إن عمر بن سعد لعنه الله سرح (2) برأس الحسين (عليه السلام) يوم ~~عاشوراء- يوم قتل فيه (عليه السلام)- مع خولي بن يزيد الأصبحي وحميد بن ~~مسلم الأسدي إلى ابن زياد لعنه الله، ثم أمر برءوس الباقين من أهل بيته ~~وأصحابه فقطعت وسرح بها مع شمر بن ذي الجوشن [وقيس بن الأشعث وعمرو بن ~~الحجاج] (3) إلى الكوفة، وأقام ابن سعد يومه ذلك وغده إلى الزوال- كما ~~أشرنا أولا-. ### ||| [اقتسام القبائل رءوس أصحاب وأهل بيت الحسين (عليه السلام)، وإرسال السبايا إلى الكوفة، وندبة زينب أخاها الحسين (عليه السلام)] # وروي أن رءوس أصحاب الحسين (عليه السلام) وأهل بيته كانت ثمانية وسبعين ~~رأسا، واقتسمتها القبائل لتتقرب بذلك إلى عبيد الله وإلى يزيد: # فجاءت كندة بثلاثة عشر رأسا، وصاحبهم قيس بن الأشعث. PageV02P331 # وجاءت هوازن باثني عشر رأسا، وصاحبهم شمر. # وجاءت تميم بسبعة عشر رأسا. # وجاءت بنو أسد بستة عشر رأسا. # وجاءت مذحج بسبعة رءوس. # وجاء سائر الناس بثلاثة عشر رأسا. (1) # ثم أذن ابن سعد بالرحيل إلى الكوفة، وحمل بنات الحسين وأخواته وعلي بن ~~الحسين وذراريهم، فاخرجوا حافيات حاسرات مسلبات باكيات يمشين سبايا في أسر ~~الذلة، فقلن: بحق الله ما نروح معكم ولو قتلتمونا إلا ما مررتم بنا على ~~مصرع الحسين، فأمر ابن سعد لعنه الله ليمروا بهم من المقتل حتى رأين ~~إخوانهن، وأبناءهن، وودعنهم، فذهبوا بهن إلى المعركة، فلما نظر النسوة إلى ~~القتلى صحن وضربن وجوههن. # قال: فو الله ما أنسى زينب بنت علي وهي تندب الحسين وتنادي بصوت حزين: يا ~~محمداه، صلى عليك مليك السماء، هذا حسين مرمل بالدماء، مقطع الأعضاء، ~~وبناتك سبايا، إلى الله المشتكى، وإلى محمد المصطفى، وإلى علي المرتضى، ~~وإلى حمزة سيد الشهداء. # وا محمداه هذا حسين بالعراء، تسفي عليه الصبا، قتيل أولاد البغايا، يا ~~حزناه وا كرباه، اليوم مات جدي رسول الله، يا أصحاب محمد، هؤلاء ذرية PageV02P332 # المصطفى يساقون سوق السبايا. # وفي بعض الروايات: يا محمداه، بناتك ms502 سبايا، وذريتك قتلى، تسفي عليهم ~~الصبا، هذا ابنك مجزوز (1) الرأس من القفا، لا هو غائب فيرجى، ولا جريح ~~فيداوى، فما زالت [تقول هذا القول] (2) حتى أبكت والله كل صديق وعدو، حتى ~~رأينا دموع الخيل تنحدر على حوافرها، ثم إن سكينة اعتنقت جسد الحسين فاجتمع ~~عدة من الناس حتى جروها (3). (4) ### ||| [كلام للمؤلف (رحمه الله)] # قلت: ولما قرعت هذه الأخبار الشنيعة بقوارعها سمعي، وأحرقت هذه الآثار ~~الفضيعة فؤادي، وأجرت دمعي بصورته (عليه السلام) صريعا بين يدي الأعادي ~~بعين بصيرتي، ومثلته طريحا في سري وفكرتي، ونقشت صورة ذاته الشريفة في لوح ~~حياتي، وأجريت ذكره قتيلا في خاطري وبالي، وأوقفت في عالم الخيال نحيل بدني ~~بين يديه، ومزقت بيد فكري جيب صبري جزعا عليه، وناديت صارخا بأنه ينبىء عن ~~عظيم مصيبتي، وندبت جازعا بزفرة PageV02P333 # تجبر في جنبه رزيتي، قائلا: يا حزني، موضع انقضاك مماتي، ويا وجدي خذ ~~منتهاك وفاتي، ويا عبرتي موضع جمودك حفرتي، ويا زفرتي وقت جمودك منيتي، ويا ~~مهجتي تصاعدي دما بنار أحزاني من مقتلي، ويا كبدي ذوبي بضرام أشجاني ونفسي، ~~فلأي فقيد أدخر دمعي بعد مصابي بأحبائي؟ وعلى أي شهيد أبذل جهدي بنحيبي ~~وبكائي. # فيا من خدت واقعته أخاديد في خدودي من ماء جفوني، وأذابت رزيته أحشائي ~~فأسالتها دما من شئون عيوني، أعلى أي قانت سواك أشق ثوب صبري؟ أم على أي ~~هالك غيرك أهتك مصون ستري؟ وحبك ديني ومعتقدي، وولاؤك روحي في جسدي، وذكرك ~~أنيس وحدتي، ومدحك جليس خلوتي، وخيالك في سواد مقلتي، وجمالك في سويداء ~~مهجتي، أيليق البكاء إلا على مصيبتك؟ أم يحسن العزاء إلا لرزيتك؟ هل لنبيي ~~سبط غيرك شهيدا فأبكيه؟ أم لوليي قرة عين سواك فأرثيه؟ أم للزهراء ثمرة قلب ~~إلا جمال بهجتك؟ وهل لأئمة الهدى شرف إلا من شريف حضرتك؟ # واقعتك أرخصت في سوق الأحزان عقيق عبرتي، ومصيبتك هدت بمعاول الأشجان ~~قواعد تثبتي، وأحرقت بقوادح الأسقام مهجتي، وأغرقت أسفا بتناثر العبرات ~~وجنتي، وبدلت برقادي سهادي، وصيرت الأوصاب دثاري ومهادي، فجسمي سقيم، وصبري ~~عديم، وقلبي حريق، وطرفي ms503 غريق، لشيبك الخضيب، وخدك التريب، ونسوتك الاسارى، ~~وذريتك الحيارى، وأطفالك الذين سقوا من ثدي الحمام قبل الفطام، وجرعوا كئوس ~~الممات بمقابل الطعام، ذكر ظعنك يطيف الأحزان بقلبي، وتفور حتفك يهيج نيران ~~الأسى غمومي وكربي، ومصرع شبانك يذهل عقلي ولبي، ومقتل فتيانك PageV02P334 # يجعل من دموعي شربي، لغمتك شجرة الغموم بقلبي نبتت، ولكربتك قواعد الهموم ~~بلبي ثبتت، سحقا لأيامي إن استمسكت بغير عروتكم يدي، وبعدا لمقامي إن جعلت ~~سواكم معتقدي، وخرسا للهاتي إن فاهت بغير مدحتكم، وعمى لطرفي إن نظر جميلا ~~سوى بهجتكم، لا قرت عيني إن نثرت على غير عروس مجدكم فائق نثري، ولا راف ~~معيني إن أطافت بسوى كعبة جودكم رائق شعري. # أنتم وسيلتي إلى خالقي، وبكم وضحت في الحق طرائقي، وإلى نحوكم منطق شكري ~~صرفته، وعلى مدحكم بديع نظامي وقفته، إن رضيتم خدي موطئا لأقدامكم، ووجهي ~~موضعا لنعالكم، وأثبتم اسمي في جرائد عبيدكم، ووفرتم قسمي من عنايتكم ~~وجودكم، فيا زلفتي من ربي، ويا وصولي وقربي، وإن طردتموني عن أبواب كرمكم، ~~ومحوتموني من دفاتر خدمتكم، فيا خسارة صفقتي ويا سوء عاقبتي، فيا سعادة ~~أنفسا بذلت في طاعتكم أرواحا وأبدانا، ويا فرحة طائفة بلغت في نصرتكم ~~بوجوهها وصدورها حساما وسنانا. # فلعمري لقد حازوا بجميل صبرهم ثوابا جسيما، فيا ليتني كنت معهم فأفوز ~~فوزا عظيما، جلت رياض الجنة عرائس أزهارها على زهيرهم، وأعلت على منازل ~~أبرارها درجة حرهم وبريرهم، وجعلت حبيبهم حبيب حور عينها، وصيرت لمنثور ~~لؤلؤها لون جونها، ووهبت وهبتها من غرفاتها أعلاها، ويسرت لمسلمها من قداح ~~لذاتها معلاها، كانت دار النعيم أشد شوقا إليهم، وأشد ابتهاجا بمقدمهم منهم ~~عليها، وفوا لله سعيهم فوفى لهم بما عاهدهم، وصدقوا ما عاهدوه عليه فأنالهم ~~الحسنى وزيادة على ما وعدهم. PageV02P335 # فوا أسفاه إذ لم أكن معهم شهيدا، ووا حزناه إذ لم أكن في زمرتهم عديدا، ~~أتلقى عن سيدي رماح الأعداء كما تلقوا بقلوبهم وصدورهم، واقابل صفاح ~~الأشقياء كما قابلوا بوجوههم ونحورهم، وأجعل خدي جنة لجنتي في حشري، ووجهي ~~وقاية لمعادي يوم نشري، ويراني سيدي ms504 لأمره سميعا مطيعا، وبين يديه شهيدا ~~صريعا، قد قطعت في نصره أعضائي، واريقت في جنبه دمائي، مجاهدا عنه بقولي ~~وفعلي، مجالدا بسيفي ونبلي، قائلا: # يا أمة كفرت بأنعم ربها، واستوجبت سوء العذاب بحربها، وقطعت رحم رسولها، ~~وانتهكت حرمة بتولها، وهدمت بنية إسلامها، ونكثت بيعة إمامها، تبا لك من ~~أمة شرت ضلالها بهداها، ودنياها باخراها، ونكصت على أعقابها، بلا مع ~~سرابها. # ويلكم أتدرون على من جردتم سيوفكم، ورتبتم صفوفكم؟ هذا سبط خاتم الرسل، ~~وريحانة موضح السبل، أشرف من مشى على وجه الغبراء، وأفضل من تأزر بالمجد ~~وارتدى، وأفخر من قامت سيدة النساء، وأجمل من كفلته البضعة الزهراء، حجرها ~~مهده، وفرعها ولده، وثديها مشربه، وكتف والدها مركبه، عنه سماء صلب نبيكم ~~انفطرت، ومنه ينابيع ذرية وليكم تفجرت، خادم مهده جبرائيل، وبشير مولده ~~ميكائيل، وولي عقد نكاح امه الملك الجليل، وخطيب عرس والده راجيل. # سفهت أحلامكم، ونكست أعلامكم، وأحاطت أطواق العار بأعناقكم، واستوجبت ~~أطباق النار بنفاقكم، يا عباد الجبت والطاغوت، ويا كفارا بصاحب العزة ~~والجبروت، يا جند الشيطان، ويا أعداء الرحمن، أليس PageV02P336 # هذا ابن نبيكم وهاديكم؟ أليس أبوه بنص الغدير وإليكم؟ نقضتم حبل إسلامكم، ~~وعكفتم على أصنامكم، أهذا كان جزاء من ارسل إليكم رحمة، وعليكم نعمة، أن ~~تقتلوا ذريته، وتهتكوا اسرته، وتذبحوا أطفاله، وتقتلوا رجاله، تبا لكم يا ~~قتلة أولاد النبيين، وبعدا لكم يا خذلة أوصياء المرسلين. # ثم أزدلف لقتالهم بقالبي وقلبي، مشتاقا بجهدي إلى لقاء ربي، طالبا درجة ~~الشهادة بين يدي وليي وابن وليي، راغبا في منازل السعادة بمرافقة رسولي ~~ونبيي، اورد حسامي من نحورهم، واصدر عاملي من صدورهم، أتلقى سيوفهم بسواعدي ~~ومناكبي، وأرد سهامهم بوجهي وترائبي، لا ضارع ولا ناكل، ولا خاضع ولا ~~متواكل، بل عزمي أمضى من ذي شفرتين، وحدي أقطع من ذي حدين، أقذف بعزيز نسبي ~~في جموعهم، وابالغ بعروفي عصبي في تقطيعهم، مبالغا في النصيحة لولي أمري، ~~سمحا في جهاد أعدائه بالبقية من عمري، متلقيا من سهام القوم ما يصل إليه، ~~مقطعة أوصالي بسيوفهم بين يديه. # فيا لها ms505 حسرة في قلبي مدتها لا تنقضي، وغصة في نفسي جمرتها لا تنطفي، إذ ~~لم أرق بقدم الشهادة إلى منازل الأبرار، ولم اطر بقوادم السعادة إلى مواطن ~~الأخيار، بل قعد بي جسدي، وكل عن ذلك جدي، وتأخر زمن وجودي، وغابت أنجم ~~سعودي، قبل بلوغ مجهودي، ونيل مقصودي. ### ||| [قصيدة للمؤلف (رحمه الله)] # فها أنا ذا أنشد من قلب بسهام المصائب مصاب، وأروي عن فؤاد بضرام النوائب ~~مذاب، مرتديا ببردة حزني على ولد البتول، ومعارضا برائق نظمي ببرداة أشرف ~~نبي ورسول: # الصبر والحزن مقطوع وموصول %~% والنوم والدمع ممنوع ومبذول PageV02P337 # والجسم منسقم والطرف منسجم %~% والوجد محتكم والقلب متبول # وفي فؤادي من فرط الأسى حرق %~% منها الحشا بضرام الحزن مشعول # من ما جرى بعد خير الرسل من عصب %~% في الدين من سعيها نقص وتبديل # خانت عهودا وأيمانا مؤكدة %~% فالحق من جهلها في الناس مجهول # مما جنت سفها يوم السقيف دم %~% الوصي صنو رسول الله مطلول # وسبطه بوجي السم مخترم %~% وشلوه في صعيد الطف مقتول # خانوه إذ وعدوه حفظ اسرته %~% فالعقد منهم بكف الغدر محلول # وفي الغدير أقروا باللسان وفي ال %~% فؤاد عهدهم بالنقض مفلول # يا أمة كفرت بالله إذ مكرت %~% بعقد خم وغرتها الأباطيل # وضيعوا ما به أوصى النبي وما %~% يوم القيامة عنه المرء مسئول PageV02P338 # من صدق ود اولي قربى النبي ومن %~% فيهم أتانا من الرحمن تنزيل # قوم ولاؤهم فرض وحبهم %~% حبل بحبل إله العرش موصول # سل عنهم «هل أتى» تلقى بها شرفا %~% في ذكره لهم مدح وتفضيل # وفي العقود وفي النجوى مديحهم %~% يزينه من سليم القلب ترتيل # وإن تلاه زنيم الأصل حل به %~% من خبث باطنه بالجهل تأويل # فكل فخر على أبواب مجدهم %~% له سجود وإذعان وتقبيل # البحر علمهم والطود حلمهم %~% بفضلهم كامل الإفضال مفضول # أخنى الزمان عليهم فانثنوا ولهم %~% بأس لمجمله بالصبر تفصيل # في كربلاء أصبحوا يروي مناقبهم %~% حتى القيامة جيل بعده جيل # طافت عليهم بكأس الموت طائفة %~% فكلهم لعقاب الحتف مغلول PageV02P339 # فاستشعروا حبنا من حسن صبرهم %~% بها رضا الله مطلوب ومأمول # مضوا ms506 كراما بأرض الطف يشملهم %~% من ذي المعارج توقير وتبجيل # نالوا بقتلهم في الله ما قصرت %~% عن وصفه من بني الدنيا الأقاويل # حازوا السعادة من بذل النفوس ففي %~% دار الخلود لهم فضل وتفضيل # لم ينسخ الظل منها ضوء مشرقه %~% فيا لهم بجميل الصبر تنويل # راقت مشاربها فاقت عجائبها %~% فسعى طالبها ما فيه تضليل # أشباحهم في الثرى منبوذة ولهم %~% أرواح صدق لها بالصفو تكميل # قوم لأوجههم يوم القراع وفي %~% بذل المكارم تقطيب وتهليل # قوم تراهم وسوق الحرب قائمة %~% والرمح والسيف منصوب ومسلول # أسد الشرى في ظلام النقع ترفل في %~% سرد الحديد لها سمر القناغيل PageV02P340 # أجسادهم بعروض الموت قطعها %~% من الصوارم في الهيجاء تفاعيل # لها ثرى كربلاء مغنى وللملإ ال %~% أعلى لدى تربها حمدا وتهليل # في الله مذ بذلوا الأرواح قيل لهم %~% في جنة طاب مثواها لكم قيل # معارج العالم العلوي منزلهم %~% له عليه بأمر الله تنزيل # يا من مصابهم أوهى قواي فما %~% للحزن عن قلبي المكروب تحويل # قضية الصبر في أحشائي مهملة %~% والكرب والغم موضوع ومحمول # لهفي لنسوتكم عنفا تساق على %~% كور المطي لها بالسير تعجيل # وفي الرماح بدور من وجوهكم %~% لها بشمس الضحى بالحسن تمثيل # يا أمة قتلت آل الرسول وفي %~% عفو الإله لها بالظن تأميل # ضلت مساعيكم خابت ظنونكم %~% فما لكم غير خزي الله محصول PageV02P341 # قد هيئت لكم في الحشر أربعة %~% نار وعار وأغلال وتنكيل # يعوذ أهل لظى منكم ويلعنكم %~% أهل الضلال وفرعون وقابيل # قتلتم عترة خير الأنام لهم %~% جد وسادسهم في العد جبريل # ومن بفضلهم في الذكر قد شهدت %~% من غافر الذنب في القرآن تنزيل # ومن لهم بفؤادي منزل رحب %~% بخالص الود معمور ومأهول # يا عاذلي لا تلمني إن بكيت دما %~% لما عراهم فما ذو الحزن معذول # من سفح عيني في سفح الطفوف جرى %~% عقيق دمع بكف الوجد معمول # ويا معاشر لوامي على جزعي %~% لما أصابهم ما شئتم قولوا # اسناد وجدي صحيح لا خلاف به %~% لكن أحاديث سلواني مراسيل # دعواي صدق ولاءهم لا يدنسه %~% شك بوسوسة الشيطان مغلول PageV02P342 # لمرسل ms507 الدمع من عيني معجزة %~% فيها دليل على صدق ومدلول # صرفت نحوهم من منطقي دررا %~% بيانها من معاني الحب منقول # إذا تلاها ولي طاب مولده %~% له فؤاد على الاخلاص مجبول # بهذه طربا موصول نعمتها %~% ومن بلاغتها وصل وتذييل # يا سادتي يا بني طه الهداة ومن %~% بحبهم عملي في الحشر مقبول # ومن إذا خابت الآمال كان بهم %~% لي في المعاد إذا حوسبت مأمول # كم شانئ صده الله العلي بكم %~% عني فرد بغيض وهو مخذول # يصد عني بوجه كالح وله %~% طرف بمرود ما يجفيه مكحول # رام انتقاصي برأي قائل فلذا %~% ك الحد منه بعون الله مغلول # إذا تصورت ما أبداه من حمق %~% فيه لقلبي تخويف وتهويل PageV02P343 # جعلتكم جنتي من ينل فتنته %~% فتنثني وهو بالتوبيخ مرذول # يا من هم عصمتي في النائبات ومن %~% أمري إليهم مدى الأيام موكول # لا تطردوني عن أبواب جودكم %~% فأنتم غايتي والقصد والسؤل # حساد رائق شعري في مديحكم %~% إلي ترمق منهم أعين حول # مددت كف سؤالي نحو سيبكم %~% إذ ليس لي غيركم في الناس مسئول # سجل دعواي في صدق الولاء له %~% من حاكم العقل أبيات وتسجيل # ولي شهود على إثبات معتقدي %~% لها من الله بالتصديق تعذيل # لدر فائق نظمي في محبتكم %~% بالدر من ناقد الألفاظ تعديل # مني عليكم سلام ليس يحصره %~% من طالب عده جد ولا قيل # ما لاح صبح به للناظرين هدى %~% أو فاح روض بماء المزن مبلول PageV02P344 ### | المجلس الثامن في الأحوال التي جرت بعد قتل الحسين (عليه السلام) من سبي ذراريه ونسائه، وحملهم إلى اللعين ابن مرجانة لعنه الله، ثم منه إلى يزيد بن معاوية عليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ### ||| الخطبة: # الحمد لله الذي أشرقت بنور عنايته قلوب العارفين، وتعلقت بأذيال رحمته ~~أرواح السالكين، وغرقت في بحار ربوبيته عقول العالمين، واحترقت بشعاع سحاب ~~بهجته أفئدة العالمين، وأطلعت على أسرار حكمته نفوس المخلصين، وتاهت في ~~بيداء إلهيته أفكار الطالبين، فانقلبت أبصار بصائرهم حيرة عن إدراك كمال ~~عظمته، ورجعت أنفسهم خاسئة عن تصور جلال عزته، وقعد بهم جدهم عن ms508 الوصول إلى ~~كعبة عرفانه، وطال عهدهم في طلب المحجوب من أسرار عظيم شأنه، فعلموا أن ~~جلاله جل عن الاحاطة بفكر وضمير، ومجده عز عن الشبيه والنظير، فعزفت أنفسهم ~~عن مشاركة اولي الأنفس الناقصة لكمالها وتمامها، وعرجت إلى الرفيق الأعلى ~~بأقدام عزمها وإقدامها، وشربت من عين الحياة الباقية التي لا انقطاع ~~لمعينها، وطلبت درجة السعادة العالية التي لا انقضاء لنعيمها، فأطلعها ~~مبدعها على أسرار ملكوته، PageV02P345 # ونفعها صانعها بحلل عرفان صفات جبروته، فأشرقت أنوار توفيقه على مرايا ~~أفئدتها، فانطبع مثال العالم العلوي والسفلي في ألواح معرفتها. # ولما أفرغ سبحانه حلل العناية على أعطافها، ومنحها من كنوز العصمة ذخائر ~~ألطافها، أنزلها إلى عالم الفناء لاستنقاذ عباده من ورطة جهالتهم، وتخليص ~~أنامه من لجة حيرتهم، وأن يسلكوا بهم سبيل النجاة إلى نعيم جنته، ولورودهم ~~معين الحياة من زلال رحمته، ويحكوا لهم ما شاهدوا من عجائب حكمته، ويصفوا ~~ما عاينوا من غرائب صنعته، وما أطلعهم عليه سبحانه من خواص قدرته، وما أعد ~~للمتقين من نعيم لا تفنى أيامه، ولا تنقضي أعوامه، ولا تبلى ثيابه، ولا ~~يتسن طعامه وشرابه. # فهدوهم النجدين، وأوضحوا لهم السبيلين، وأروهم ما توعد به من أرخى ~~لامارته عنان شهوتها، وأجرى جواد معصيته في ميدان لذتها، من نار فضيع ~~عقابها، وجيع عذابها، ساطع لهبها، شديد كلبها، حامية قدورها، فضيعة شرورها، ~~سلاسلها طوال، ومقامعها ثقال، وأهلها في بلاء شامل، وعناء متواصل، لا ينظر ~~إليهم، ولا يعطف عليهم، قد أغلقت أبواب الرحمة عنهم وانقطعت الآمال منهم، ~~حتى إذا أوضحوا لهم الدليل، وهدوهم السبيل، ونقعوا غليلهم من عين صافية، ~~بكأس وافية، فلبى دعوتهم، واتبع شرعتهم، واقتفى أثرهم، وأطاع أمرهم. # رجال صدقت عهودهم، ووفت وعودهم، وخلص يقينهم، وصفى معينهم، لم يلبسوا ~~الظلم إيمانهم، ولم يشوبوا بشك إنفاقهم، بذلوا الأجساد في طاعتهم، وجادوا ~~بالأرواح في نصرتهم، فأثبتهم سبحانه في ديوان خواصه، وشرفهم بتشريفه ~~واختصاصه، وألحقهم بدرجة سادتهم، ورقى بهم إلى منزل PageV02P346 # قادتهم، لما بذلوا الأرواح والأجساد في جهاد الأعداء طاعة لربهم، وتلقوا ~~الصفاح والصعاد (1) من أكف الأشقياء في ms509 حربهم، وقويت بامتثال عزائم الله ~~منهم العزائم، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، جعلهم أشرف أهل ~~الجنة بعد الأنبياء والمرسلين، وسادة الشهداء من الأولين والآخرين. # وكان أعظم من اختص بهذه الصفات السنية، والمقامات العلية، وجعل نفسه جنة ~~لولي أمره، ووقاية لإمام عصره، لما كفر من كفر، وأنكر من أنكر، أصحاب ~~كربلاء الذين أشرقت أنوار العناية على سرائرهم، وبرقت بوارق الكرامة من ~~ضمائرهم، فشاهدوا ما القي إليهم من غيوب البرزخ بأبصار بصائرهم، ولا حظوا ~~قيام الخلق شتاتا حين مصادرهم، ورأوا سبط نبيهم، ورهط وليهم، قد حفت بساحته ~~كتائب الطغيان، وأحدقت بعرصته مواكب البهتان، قد خلعوا أربقة الايمان من ~~أعناقهم، وقادهم الشيطان بزمام نفاقهم، فاعتقدوه ربا وخالقا ومدبرا ورازقا ~~فآثروا طاعته على طاعة ربهم، وامتثلوا أوامره بقالبهم وقلبهم، وارتدوا على ~~أدبارهم خاسرين، وأصبحوا بأنعم ربهم كافرين، قد حقت عليهم كلمة العذاب، ~~واستوجبوا سوء العقاب، يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويهدموا منار ~~الاسلام باعتامهم وسفهائهم، وخذلوا الأطهار من ذرية رسولهم، ونصروا الأشرار ~~بفعلهم وقولهم، فاستحبوا العمى على الهدى، وباعوا الآخرة بالاولى، وكحلوا ~~بمرود الوقاحة أحداقهم، ولووا عن سماع الموعظة أعناقهم، وكفروا بعد ~~إسلامهم، وجعلوا سيد شباب أهل الجنة غرضا لسهامهم، وأشركوا وألحدوا، ~~وأخلفوا ما أوعدوا، وصبوا شآبيب نبالهم PageV02P347 # على شريف خده، وأوردوا معابل انتقامهم من وريد ولده، وجعلوا عياله يندبن ~~صارخات، ويتوسلن متصرخات. # فعندها بعث روح القدس في عقولهم، وهزتهم أريحية الايمان لما شاهدوا من ~~بنات رسولهم، وجعلوا نحورهم موارد الصفاح، وصدورهم مصادر الرماح، ووجوههم ~~وقاية لولي أمرهم، وجباههم جنة لوسيلتهم إلى ربهم في حشرهم. # ولما صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وأصبحوا صرعى بين يديه، قد تحملوا الأذى ~~واللأواء، وسبقتهم أعضاؤهم إلى جنة المأوى، واطلع سبحانه على أسرارهم ~~وإعلانهم، فوجدهم لا يزيد على إخلاصهم وإيمانهم، نقلهم إلى جوار حضرته، ~~ونعيم جنته، في قصور عالية، وقطوف دانية، وأنهار جارية، ورياض زاهية، قد ~~تفجرت عيونها، وراق معينها، وابتسمت أزهارها، وأينعت ثمارها، نعيمها لا ~~يبرح، وساكنها لا ينزح، وظلها مديد، وعيشها رغيد، وأزواجها ms510 أطهار، وحورها ~~أبكار، لا يذوقون الموت، ولا يخشون الفوت، سقفها عرش الرحمن، وصعيدها رضا ~~المنان. # ولما فارقت الأرواح منهم الأشباح، وتكاملت بالسعادة الأبدية لهم الأفراح، ~~وسيقوا إلى الجنة زمرا، واستنشقوا رياح الرحمة نشرا، اقيموا على أعتابها، ~~واوقفوا بأبوابها، منتظرين قائدهم، وورود رائدهم، حتى إذا شرب (صلوات الله ~~عليه) من كأس المنية ما شربوا، ورغب من جوار الله بما فيه رغبوا، أقبلت ~~صفوف الملائكة بين يدي حضرته قائمين، بشرائط خدمته قائلين: أبشر بلقاء جدك ~~وأبيك، وجوار امك وأخيك، فهم إلى رؤيتك مشوقون، ولمقدمك متشوقون. PageV02P348 # ولما شاهد (صلوات الله عليه) شهداءه قد سبقوا، وبفناء الجنة أحدقوا، قد ~~حمدوا مشاربهم، وبلغوا مناهم، وشكروا مسعاهم، قد أزلفهم مولاهم، وأتحفهم ~~وحياهم، وقربهم وأدناهم، واطمأنت بهم الدار، وطاب لهم القرار، وزالت ~~المتاعب، وأمنت المصائب، وجمع شملهم بحبيب قلوبهم، وانيلوا من النعيم ~~المقيم زيادة على مطلوبهم، وفتحت لهم أبواب الجنة بأمر رب العالمين، وقيل ~~لهم: @QUR@03 ادخلوها بسلام آمنين (1). فاستوطنوا من غرفها أعلاها، ~~واستشعروا من حللها أضفاها، وسقوا من كئوسها أصفاها، وعانقوا من حورها ~~أسناها، تجري من تحت أبنيتهم الأنهار، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ~~@QUR@07 سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (2). # ولما أحلهم سبحانه دار المقامة، وأنزلهم منازل الكرامة، وأزارهم ملائكته ~~المقربين، ورافق بهم أنبياءه المرسلين @QUR@018 وقالوا الحمد لله الذي ~~صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين (3) ~~فأقاموا في نعمة لا حصر لعدها، وداموا في سعادة لا انتهاء لحدها، @QUR@036 ~~يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ~~ينزفون وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين كأمثال اللؤلؤ ~~المكنون جزاء بما كانوا يعملون (4). # فيا حسرتي إذ لم أكن من السابقين في حلبتهم، أو المصلين في سبقتهم، ~~المحسوبين في زمرتهم، المعدودين من جملتهم، أتمتع برؤية أوليائي كما PageV02P349 # تمتعوا، وأنقع غليلة أشواقي بمشاهدة ساداتي كما نقعوا، إذا بارك الجليل ~~عليهم من فوق عرشه عمتني بركته، وإذا أرسل جوده إليهم غمرتني رحمته، وإذا ~~علم سبحانه ذلك من خالص ms511 نيتي، وصادق طويتي، فالمرجو من فيضه العميم، وفضله ~~الجسيم، أن يلحقني بدرجتهم، ويرقى بي إلى منزلتهم، وأن يبلغ فؤادي بهذه ~~النية الخالصة غاية أمله، فإن نية المرء خير من عمله. ### ||| المناجاة # يا حليما لا يعجل في حكمه، ويا عليما لا يخرج شيء عن علمه، ويا قاهرا لا ~~يعجزه شيء من مخلوقاته، ويا قادرا على كل من عداه من مصنوعاته، ويا مبدع ~~كل صورة لا من مادة وصورة، ويا من كل نفس في قبضة قهره مأسورة، ويا من أحيى ~~قلوب أوليائه بزلال محبته، ويا من فطر نفوس أحبائه على مراقبته وطاعته، ~~واستخلصهم لنفسه واصطفاهم، وأيدهم بروح قدسه واجتباهم، وتجلى لهم في ذكره ~~الصادر عن حضرة عزته، فظهر لبصائرهم في بدائع ما اخترع من لطيف صنعته، ~~فشاهدوا كل ما سواه حقيرا في جنب عظمته، أسيرا في قبضة مننه، معدوما ~~بالنسبة إلى وجوب وجوده، موسوما بسمة الافتقار إلى فيضان جوده. # ولما ارتوت أنفسهم القدسية من معين عرفانه، واطلعت أرواحهم العلوية على ~~جلال عظيم سلطانه، بذلوا تلك النفوس الطاهرة في حبه، وطلبوا بهممهم العالية ~~منازل قربه، ووالوا أولياءه بقلوب لا يشوبها شك، وجاهدوا أعداءه بأبدان لا ~~يشيبها شرك، يرون القتل في حبه عز الآخرة والاولى، والموت في طاعته وسيلة ~~إلى السعادة الكبرى، كشف لهم الحجاب فشاهدوا ما ستر عن PageV02P350 # غيرهم، وحثوا الركاب فنالوا المنى بسيرهم. # ولما علموا أنهم لا يمنعهم من حصول المطلوب بوصال المحبوب، ولا يحجبهم عن ~~السر المحجوب في سترات الغيوب، إلا خلع ملابس الحياة الفانية، والتجرد عن ~~خيالات النفس الواهية، والاتصال بالمبدع الأكمل، والترقي إلى المقام ~~الأفضل. # بذلوا الأجساد والأموال لتخليص أنفسهم من كدورات ظلمات أبدانها، وبالغوا ~~في إخراجها عن محل متاعها وحوادث أزمانها، وباعوها من ربها بالثمن الأوفى، ~~وبذلوها لمالكها بالعوض الأعلى، وجاهدوا أعداءه إعلاء لكلمته، ونصروا ~~أولياءه إخلاصا بطاعته حتى خلصت أنفسهم من سجون أحسادها، وبلغت أرواحهم من ~~السعادة الأبدية أقصى مرادها، فأصبحوا في عرصة كربلاء بين مخذول قد فقدت ~~منه الأنصار، ومقتول تسفي عليه عواصف الأعصار، وظمآن سقى ms512 نهلته بكؤوس ~~الحتوف، ولهفان لم تنقع غلته إلا غروب السيوف. # أسألك بحق تلك الأرواح المبذولة في محبتك، والأشباح المنبوذة في نصرتك، ~~والأوداج المقطعة في إعلاء كلمتك، والأشباح المبضعة لتأييد حجتك، وبحق تلك ~~النفوس التي قواعد إيمانها على التقوى مؤسسة، وبحق تلك الأبدان التي اصول ~~مجاريها بطهور العصمة مقدسة، وبحق تلك الضرائح التي هي مهابط متقربي ~~ملائكتك، وبحق تلك المشاهد التي شرفت ثراها بأجساد أوليائك وخاصتك أن تصلي ~~على محمد وآل محمد، وأن تجعلنا ممن جل مصابه لمصيبتهم، وعظم بلاؤه لبليتهم، ~~وأضرمت نيران الأحزان شواظها في فؤاده، وأوردته موارد الأشجان في إصداره ~~وإيراده، وأغرقت في لجة العبرات إنسان PageV02P351 # مقلته، وأحرقت بتصاعد الزفرات لهفان مهجته، وأن يكشف كربنا بقيام قائمهم ~~الداعي إليك، وأن تدفع غمنا بظهور عالمهم الدليل عليك، وأن تجعلهم شفعاءنا ~~إليك في حشرنا، ووسائلنا لديك يوم نشرنا، إنك سميع قريب، رحيم مجيب. PageV02P352 ### ||| فصل ### ||| [سوق السبايا إلى الكوفة، وخطبة زينب (عليها السلام) في أهل الكوفة] # ثم إن عمر بن سعد لعنة الله عليه ارتحل في اليوم الثاني عشر من مقتل ~~الحسين (عليه السلام) وساق حرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما يساق ~~الاسارى، حافيات حاسرات مسلبات باكيات يمشين في أسر الذل، حتى إذا وصل ~~الكوفة خرج الناس لاستقباله، فجعلوا يبكون ويتوجعون، وعلي بن الحسين (عليه ~~السلام) مريض قد نهكته العلة، فجعل يقول: إن هؤلاء يبكون ويتوجعون من ~~أجلنا، فمن قتلنا؟! # قال بشير بن خزيم (1) الأسدي: نظرت إلى زينب بنت علي (عليه السلام) فلم ~~أر خفرة قط أنطق منها كأنما تفرغ من (2) لسان أمير المؤمنين (عليه ~~السلام)، فأومت إلى الناس أن اسكتوا، فسكتت الأصوات، فقالت: # الحمد لله، والصلاة على محمد (3) رسول الله وعلى آله الطيبين الأخيار. # يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والخذل، أتبكون؟ فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت ~~الرنة، فإنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، تتخذون ~~أيمانكم دخلا بينكم. PageV02P353 # ألا وهل فيكم إلا الصلف النطف، والصدر الشنف، وملق (1) الاماء، وغمز ~~الأعداء؟ أو كمرعى على دمنة، أو ms513 كقصة (2) [على] (3) ملحودة. # ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون. # أتبكون وتنتحبون؟ إي والله فابكوا كثيرا، واضحكوا قليلا، [فلقد] (4) ~~ذهبتم بعارها وشنارها، ولم ترحضوها بغسل بعدها أبدا، وأنى ترحضون قتل سليل ~~[خاتم] (5) الأنبياء، وسيد شباب أهل الجنة غدا، وملاذ خيرتكم، ومفزع ~~نازلتكم، ومنار حجتكم، ومدرة ألسنتكم. # ألا ساء ما تزرون، فبعدا لكم وسحقا، فلقد خاب السعي، وتبت الأيدي، وخسرت ~~الصفقة، وبوئتم بغضب من الله، وضربت عليكم الذلة والمسكنة. # ويلكم يا أهل الكوفة، أتدرون أي كبد لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~فريتم؟! وأي دم له سفكتم؟ [وأي كريمة له أبرزتم؟!] (6) وأي حريم له أصبتم؟! ~~وأي حرمة له انتهكتم؟! @QUR@015 لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن ~~منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (7) إن [ما] (8) جئتم بها [لصلعاء عنقاء ~~سوداء فقماء] (9) خرقاء شوهاء كطلاع الأرض أو ملء السماء. # 3 و4 و5 و6 و8 و9 من المقتل. PageV02P354 # أعجبتم أن مطرت (1) السماء دما؟ ولعذاب الآخرة [أشد و] (2) أخزى وأنتم ~~لا تنصرون، فلا يستخفنكم المهل، فإنه لا يحفزه البدار، ولا يخاف فوت الثار، ~~كلا وإن ربكم لبالمرصاد، فترقبوا أول النحل وآخر صاد (3). # قال بشير: فو الله (4) لقد رأيت الناس حيارى يومئذ يبكون وقد وضعوا ~~أيديهم (5) في أفواههم، ورأيت شيخا من قدماء أهل الكوفة وقد بكى حتى اخضلت ~~لحيته بدموعه وهو يقول: صدقت المرأة، كهولهم خير كهول، وشبانهم خير شبان، ~~ونساؤهم إذا نطقن أنطق النسوان [ونسلكم خير نسل لا يخزى ولا يبزى]. (6) ### ||| [خطبة فاطمة الصغرى] # وروى زيد بن موسى (7)، قال: حدثني أبي، عن جدي (عليه السلام)، قال: # خطبت فاطمة الصغرى بعد أن ردت (8) من كربلاء، فقالت: # الحمد لله عدد الرمل والحصى، وزنة العرش إلى الثرى، أحمده وأومن به PageV02P355 # وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ~~ورسوله (صلى الله عليه وآله)، وأن ذبحوا آله بشط (1) الفرات بغير ذحل (2) ~~ولا ترات. # اللهم إني أعوذ بك أن أفتري عليك الكذب، وأن أقول عليك خلاف ms514 ما أنزلت ~~عليه من أخذ العهود لوصيه علي بن أبي طالب (عليه السلام)، المسلوب حقه، ~~المقتول من غير ذنب كما قتل والده بالأمس في بيت من بيوت الله، فيه معشر ~~مسلمة ألسنتهم، تعسا لرؤوسهم، ما دفعت عنه ضيما في حياته ولا عند مماته، ~~حتى قبضته إليك محمود النقيبة، طيب العريكة، معروف المناقب، مشهور المذاهب، ~~لم تأخذه [اللهم] (3) فيك لومة لائم، ولا عذل عاذل، هديته يا رب بالاسلام ~~صغيرا، وحمدت مناقبه كبيرا، لم يزل ناصحا لك ولرسولك (صلى الله عليه وآله) ~~حتى قبضته إليك، زاهدا في الدنيا، غير حريص عليها، راغبا في الآخرة، مجاهدا ~~[لك] (4) في سبيلك، رضيته فهديته (5) إلى صراط مستقيم. # أما بعد: يا أهل الكوفة، يا أهل المكر والغدر والخيلاء، إنا أهل بيت ~~ابتلانا الله بكم، وابتلاكم بنا، فجعل بلاءنا حسنا، وجعل علمه عندنا، وفهمه ~~لدينا، فنحن عيبة علمه، ووعاء فهمه وحكمته، وحجته على الأرض في بلاده ~~لعباده، أكرمنا الله بكرامته، وفضلنا بنبيه محمد (صلى الله عليه وآله) على ~~كثير ممن خلق تفضيلا بينا. PageV02P356 # فكذبتمونا وكفرتمونا، ورأيتم قتالنا حلالا وأموالنا نهبا، كأنا أولاد ترك ~~وكابل، كما قتلتم جدنا بالأمس، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت لحقد ~~متقدم، قرت بذلك عيونكم، وفرحت قلوبكم، افتراء على الله ومكرا مكرتم، والله ~~خير الماكرين. # فلا تدعونكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا، ونالت أيديكم من ~~أموالنا، فإن ما أصابنا من المصائب الجليلة والرزء العظيم في كتاب من قبل ~~أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير، لكيلا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا ~~بما أتاكم والله لا يحب كل مختال فخور، أمثالكم (1)، فانتظروا اللعنة ~~والعذاب، فكأن قد حل بكم، وتواترت من السماء نقمات فيسحتكم بما كسبتم، ~~ويذيق (2) بعضكم بأس بعض، ثم تخلدون في العذاب الأليم يوم القيامة بما ~~ظلمتمونا، ألا لعنة الله على الظالمين. # ويلكم، أتدرون أي أيد طاعنتنا منكم؟ وأي (3) نفس نزعت إلى قتالنا؟ أم ~~بأية رجل مشيتم إلينا تبغون محاربتنا؟ قست والله (4) قلوبكم، وغلظت ~~أكبادكم، وطبع على أفئدتكم، وختم على سمعكم ms515 وبصركم (5)، وسول لكم الشيطان ~~وأملى لكم، وجعل على بصركم غشاوة فأنتم لا تهتدون. # تبا لكم يا أهل الكوفة، [أي] (6) ترات لرسول الله (صلى الله عليه وآله) PageV02P357 # قبلكم، وذحول له لديكم بما عنتم (1) بأخيه علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام) جدي وبنيه عترة النبي الطاهرين الأخيار. # وافتخر بذلك مفتخركم (2)، فقال: # نحن قتلنا عليا وبني علي (3) %~% بسيوف هندية ورماح # وسبينا نساءهم سبي ترك %~% ونطحناهم فأي نطاح # بفيك أيها القائل الأثلب والكثكث (4)، افتخرت بقتل قوم زكاهم الله ~~وطهرهم تطهيرا، وأذهب عنهم الرجس، فاكظم واقع كما أقعى أبوك، وإنما لكل ~~امرئ ما اكتسب وما قدمت أوائله (5)، حسدتمونا- ويلا لكم- على ما فضلنا ~~الله به. # فما ذنبنا إن جاش دهرا بحورنا %~% وبحرك ساج ما يواري الدعامصا # (6)@QUR@011 ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم* ~~(7)@QUR@011 ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور (8). # قال: فارتفعت الأصوات بالبكاء، وقالوا: حسبك يا ابنة الطيبين، فقد PageV02P358 # أحرقت قلوبنا، وأنضجت (1) نحورنا، وأضرمت أجوافنا، فسكتت. ### ||| [خطبة أم كلثوم بنت علي (عليه السلام)] # قال: وخطبت أم كلثوم بنت علي (عليه السلام) في ذلك اليوم من وراء كلتها، ~~رافعة صوتها بالبكاء، وقالت: # يا أهل الكوفة، شوه (2) لكم، ما لكم خذلتم حسينا [وقتلتموه، وانتهبتم ~~أمواله وورثتموه، وسبيتم نساءه] (3) ونكثتموه؟ فتبا لكم وسحقا. # ويلكم أتدرون أي دواه دهتكم؟ وأي وزر على ظهوركم حملتم؟ وأي دماء ~~سفكتموها؟ [وأي كريمة اهتضمتموها؟ وأي صبية سلبتموها؟ وأي أموال نهبتموها؟] ~~(4) قتلتم خير رجالات بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، ونزعت الرحمة من ~~قلوبكم، ألا إن حزب الله هم الغالبون وحزب الشيطان هم الخاسرون. # ثم قالت: # قتلتم أخي صبرا فويل لامكم %~% ستجزون نارا حرها يتوقد # (5) # سفكتم دماء حرم الله سفكها %~% وحرمها القرآن ثم محمد # ألا فابشروا بالنار إنكم غدا %~% لفي سقر حقا يقينا تخلدوا PageV02P359 # وإني لأبكي في حياتي على أخي %~% على خير من بعد النبي سيوجد (1) # بدمع غزير مستهل مكفكف %~% على الخد مني دائما (2)ليس يحمد # قال: فضج الناس بالبكاء والحنين (3) والنوح، ونشرت النساء شعورها، ووضعن ~~التراب على رءوسها، ms516 وخمشن الوجوه، وضربن الخدود (4)، ودعون بالويل والثبور، ~~وبكى الرجال [ونتفوا لحاهم] (5)، فلم ير باكيا ولا باكية أكثر من ذلك اليوم. ### ||| [خطبة زين العابدين (عليه السلام)] # ثم إن زين العابدين (عليه السلام) أومأ إلى الناس أن اسكتوا [فسكتوا] ~~(6)، فقام قائما، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي [بما هو أهله] (7) ~~فصلى عليه، ثم قال: # أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا [اعرفه بنفسي: # أنا] (8) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أنا ابن المذبوح بشط الفرات ~~من غير ذحل ولا ترات، أنا ابن من انتهك حريمه، واستلب نعيمه، وانتهب ماله، ~~وسبي عياله، أنا ابن من قتل صبرا، وكفى بذلك فخرا. # أيها الناس، ناشدتكم بالله هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه PageV02P360 # وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه وخذلتموه؟! فتبا ~~لما قدمتم لأنفسكم، وشوها (1) لرأيكم، بأية عين تنظرون إلى رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) غدا إذ يقول لكم: قتلتم عترتي، وانتهكتم حرمتي، فلستم من ~~أمتي؟! قال [الراوي] (2): فارتفعت أصوات الناس بالنحيب من كل ناحية، ويقول ~~بعضهم لبعض: هلكتم وما تعلمون. # فقال (صلوات الله عليه): رحم الله امرأ قبل نصيحتي، وحفظ وصيتي في الله ~~وفي رسوله وأهل بيته، فإن لنا في رسول الله (صلى الله عليه وآله) اسوة حسنة. # فقال الناس كلهم بأجمعهم: نحن كلنا يا ابن رسول الله سامعون مطيعون، ~~حافظون لذمامكم (3)، غير زاهدين فيك، ولا راغبين عنك، فمرنا بأمرك يرحمك ~~الله، فإنا حرب لحربك، وسلم لسلمك، لنأخذن يزيد ونبرأ ممن ظلمك وظلمنا. # فقال (عليه السلام): هيهات هيهات، أيها الغدرة المكرة، حيل بينكم وبين ما ~~تشتهي أنفسكم (4)، أتريدون أن تأتوا إلي كما أتيتم إلى آبائي (5) من ~~قبل؟! كلا ورب الراقصات، فإن الجرح لما يندمل، قتل أبي (صلوات الله عليه) ~~بالأمس وأهل بيته معه، ولم ينسني ثكل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وثكل ~~أبي وبني PageV02P361 # أبي، ووجده بين لهواتي (1)، ومرارته بين حناجري وحلقي، وغصصه تجري في ~~فراش صدري، ومسألتي ألا تكونوا لنا ولا علينا. # ثم قال (صلوات ms517 الله عليه): # لا غرو إن قتل الحسين فشيخه %~% قد كان خيرا من حسين وأكرما # فإن تفرحوا يا أهل كوفان بالذي %~% أصاب حسينا كان ذلك أعظما # قتيل بشط النهر روحي فداؤه %~% وان الذي أرداه يجزى جهنما # (2) ثم قال (عليه السلام): رضينا منكم رأسا برأس، فلا يوم لنا ولا يوم ~~علينا (3). ### ||| [إحضار السبايا في مجلس ابن زياد، وما دار بينه لعنه الله وبين زينب بنت علي (عليهما السلام)] # قال [الراوي] (4): ثم إن ابن زياد جلس في القصر للناس، وأذن للناس إذنا ~~عاما، وجيء برأس الحسين (عليه السلام) فوضع بين يديه، وأدخل نساء الحسين ~~وبناته وأخواته وصبيانه [إليه] (5). # فجلست زينب بنت علي (سلام الله عليها) متنكرة، فسأل عنها؛ فقيل: هذه زينب ~~بنت علي. # فأقبل عليها، فقال لعنة الله عليه: الحمد لله الذي فضحكم وأكذب PageV02P362 # احدوثتكم!! فقالت: إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر، وهو غيرنا. # فقال ابن زياد: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟ # فقالت: ما رأيت إلا جميلا، وهؤلاء قوم كتب (1) عليهم القتل، فبرزوا إلى ~~مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم- يا ابن زياد- فيحاجون ويخاصمون (2)، ~~فانظر لمن الفلج يومئذ (3)، هبلتك امك يا ابن مرجانة. # [قال الراوي:] (4) فغضب ابن زياد فكأنه هم بها، فقال عمرو بن حريث: # إنها امرأة (5)، والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها. # فقال ابن زياد: يا زينب، شفيت نفسي من طاغيتك (6) الحسين والعصاة المردة ~~من أهل بيتك. # فقالت زينب: لعمري لقد قتلت كهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي، فإن كان هذا ~~شفاك فقد اشتفيت. # فقال ابن زياد لعنه الله: هذه سجاعة، ولقد كان أبوها شاعرا سجاعا. PageV02P363 # فقالت: يا ابن زياد، ما للمرأة والسجاعة؟ إن لي عن السجاعة لشغلا. ### ||| [ما دار بين ابن زياد لعنه الله وبين زين العابدين (عليه السلام)] # فالتفت ابن زياد إلى علي بن الحسين، فقال: من أنت؟ # فقال: أنا علي بن الحسين. # فقال: ألم يقتل الله (1) علي بن الحسين؟ فسكت. # فقال: مالك لا تتكلم؟ # فقال: كان لي أخ يقال له علي (2)، قتله الناس- أو قال: قتلتموه- وان له ~~منكم مطلبا يوم القيامة. # فقال ms518 الملعون: بل الله قتله. # فقال علي بن الحسين (عليه السلام): @QUR@05 الله يتوفى الأنفس حين موتها ~~(3)، @QUR@011 وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا (4). # فقال الملعون: أنت والله منهم، وبك جرأة على جوابي، اذهبوا به، فاضربوا عنقه. # فسمعت عمته زينب، فقالت: يا ابن زياد، إنك لم تبق منا أحدا، فإن كنت قد ~~عزمت على قتله فاقتلني معه. # فقال علي بن الحسين: اسكتي يا عمة حتى اكلمه. PageV02P364 # ثم أقبل عليه (1)، فقال: أبا لقتل تهددني يا ابن زياد؟ أما علمت أن ~~القتل لنا عادة وكرامتنا الشهادة؟ # فقال ابن زياد: دعوه ينطلق مع نسائه، اخرجوهم عني، فأخرجوهم إلى دار في ~~جنب المسجد الأعظم، فقالت زينب: لا يدخلن علينا عربية إلا أم ولد أو ~~مملوكة، فإنهن سبين وقد (2) سبينا. (3) # ثم أمر ابن زياد برأس الحسين (عليه السلام) فوضع في طشت بين يديه فجعل ~~ينكت بقضيب في وجهه وقال: ما رأيت مثل حسن هذا الوجه قط، وكان يشبه (4) ~~وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله). ### ||| [ما دار بين ابن زياد لعنه الله وبين أبي برزة صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله)] # وقيل: إن ابن زياد أرسل إلى أبي برزة صاحب رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله)، فقال: كيف شأني وشأن الحسين؟ # قال أبو برزة: الله أعلم، فما علمي بذلك؟ # فقال: إنما أسألك عن علمك. # قال: أما إذا سألتني فإن الحسين يشفع فيه رسول الله جده (صلى الله عليه ~~وآله) ويشفع لك زياد. # فقال: اخرج، لو لا ما جعلت لك لضربت عنقك. # وروى [محمد بن] (5) خالد الضبي، عن إبراهيم؛ قال: لو أني كنت ممن PageV02P365 # قاتل الحسين ثم أتيت بالمغفرة من ربي فادخلت الجنة لاستحييت من محمد (صلى ~~الله عليه وآله) ان أمر عليه فيراني. ### ||| [ما دار بين ابن زياد لعنه الله وبين زيد بن أرقم] # وعن زيد بن أرقم: قال: كنت جالسا عند عبيد الله بن زياد إذ اتي برأس ~~الحسين (صلوات الله عليه) فوضع بين يديه فأخذ قضيبه فوضعه بين شفتيه، فقلت: ~~إنك ms519 تضع قضيبك في موضع طالما لثمه رسول الله (صلى الله عليه وآله)! فقال: ~~قم إنك شيخ قد ذهب عقلك. # ثم رفع زيد صوته يبكي وخرج وهو يقول: ملك عبد حرا، أنتم- يا معشر العرب- ~~العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة، وأمرتم ابن مرجانة حتى يقتل خياركم، ~~ويستعبد شراركم، رضيتم بالذل فبعدا لمن رضي. (1) # وعن شهر بن حوشب: قال: لما جاء نعي الحسين (عليه السلام) لعنت أم سلمة ~~رضي الله عنها أهل العراق، وقالت: قتلوه قتلهم الله تعالى، غروه وأذلوه ~~لعنهم الله. # قيل: إن أول ذل دخل على العرب قتل الحسين وادعاء زياد. (2) # ذكر سيدنا السيد الجليل فخر آل الرسول علي بن موسى بن محمد الطاوس الحسني ~~رضي الله عنه ان ابن زياد لعنه الله أمر برأس الحسين (عليه السلام) فطيف به ~~في سكك الكوفة. ### ||| [أبيات في رثاء الحسين (عليه السلام)، وخطبة ابن زياد في المسجد، وما دار بينه وبين عبد الله بن عفيف الأزدي] # ثم قال رضي الله عنه: ويحق أن أتمثل بأبيات لبعض ذوي العقول يرثي PageV02P366 # بها قتيل آل الرسول: # رأس ابن بنت محمد ووصيه %~% للناظرين على قناة يرفع # والمسلمون بمنظر وبمسمع %~% لا منكر منهم ولا متفجع # كحلت بمنظرك العيون عماية %~% وأصم رزؤك كل اذن تسمع # أيقظت أجفانا وكنت لها كرى %~% وأنمت عينا لم تكن بك تهجع # ما روضة إلا تمنت أنها %~% لك حفرة ولخط قبرك موضع (1) # قال: ثم خرج ابن زياد لعنه الله ودخل المسجد، فصعد المنبر فحمد الله ~~وأثنى عليه، ثم قال: الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله، ونصر أمير المؤمنين ~~يزيد وأشياعه، وقتل الكذاب ابن الكذاب!! # قال: فما زاد على هذا الكلام شيئا حتى وثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدي، ~~وكان من رؤساء الشيعة وخيارهم، وكانت عينه اليسرى قد ذهبت يوم الجمل، ~~والاخرى يوم صفين، وكان لا يكاد أن يفارق المسجد (2) الأعظم يصلي فيه إلى ~~الليل، ثم ينصرف إلى منزله، فلما سمع مقالة اللعين وثب إليه قائما وقال: يا ~~ابن مرجانة، إن الكذاب وابن الكذاب أنت وأبوك، ms520 ومن استعملك وأبوه، يا عدو ~~الله، أتقتلون أبناء خير النبيين (3) وتتكلمون بهذا الكلام على منابر ~~المسلمين؟ # فغضب ابن زياد، ثم قال: من المتكلم؟ # فقال: أنا المتكلم، يا عدو الله، أتقتل الذرية الطاهرة التي أذهب الله عنها PageV02P367 # الرجس في كتابه وتزعم أنك على دين الاسلام؟ وا غوثاه، أين أبناء ~~المهاجرين والأنصار، [ينتقمون منك و] (1) من طاغيتك اللعين بن اللعين على ~~لسان محمد نبي رب العالمين؟ # قال: فازداد غضب عدو الله، ثم قال: علي به، فوثب إليه الجلاوزة فأخذوه ~~فنادى بشعار الأزد وعبد الرحمن بن مخنف الأزدي في المسجد، فقال: ويحك أهلكت ~~نفسك وقومك، وكان في الكوفة يومئذ سبعمائة [مقاتل] (2) من الأزد، فوثبوا ~~إليه وانتزعوه منهم، وانطلقوا به إلى منزله، ونزل ابن زياد عن المنبر ودخل ~~القصر، ودخل عليه أشراف الناس، فقال: أرأيتم ما صنع هؤلاء القوم؟ # فقالوا: قد رأينا أصلح الله الأمير، وإنما الأزد فعلت ذلك فشد يدك على ~~ساداتهم فهم الذين استنقذوه من يدك، فأرسل ابن زياد إلى عبد الرحمن بن مخنف ~~الأزدي فأخذه، وأخذ معه جماعة من [أشراف] (3) الأزد فحبسهم، وقال: لاخرجتم ~~من يدي أو تأتوني بعبد الله بن عفيف، ثم دعا بعمرو بن الحجاج الزبيدي ومحمد ~~بن الأشعث وشبث بن ربعي وجماعة من أصحابه، وقال لهم: اذهبوا إلى هذا الأعمى ~~الذي أعمى الله قلبه كما أعمى بصره فائتوني به. # وانطلقت رسل اللعين يريدون ابن عفيف، وبلغ ذلك الأزد فاجتمعوا، واجتمع ~~معهم قبائل اليمن ليمنعوا صاحبهم عبد الله بن عفيف. # وبلغ ذلك ابن زياد فجمع قبائل مضر وضمهم إلى محمد بن الأشعث PageV02P368 # وأمره (1) بقتال القوم. # قال: فأقبلت قبائل مضر نحو قبائل اليمن فاقتتلوا قتالا شديدا، وبلغ ذلك ~~ابن زياد فأرسل إلى أصحابه يوثبهم ويضعفهم، فأرسل إليه عمرو بن الحجاج ~~يخبره باجتماع اليمن عليهم، وبعث إليه شبث بن ربعي: أيها الأمير، إنك ~~أرسلتنا إلى اسود (2) الآجام فلا تعجل. # قال: واشتد قتال القوم حتى قتل بينهم جماعة من العرب. ### ||| [أرجاز لعبد الله بن عفيف الأزدي (رحمه الله)] # ووصل القوم إلى دار ms521 عبد الله بن عفيف، فكسروا الباب واقتحموا عليه، وصاحت ~~ابنته: يا أباه، أتاك القوم من حيث تحذر. # فقال: لا عليك يا ابنتي ناوليني سيفي، فناولته السيف، فأخذه وجعل يذب عن ~~يمينه وشماله بسيفه (3) ويقول: # أنا ابن ذي الفضل عفيف الطاهر %~% عفيف شيخي وابن أم عامر # كم دارع من جمعكم وحاسر %~% وبطل جندلته مغاور؟ # وجعلت ابنته تقول: القوم عن يمينك، القوم عن يسارك، يا ليتني كنت رجلا ~~فاقاتل بين يديك هؤلاء الفجرة، قاتلي العترة البررة. # وجعل القوم يدورون حوله عن يمينه وشماله ومن ورائه وهو يذب عن PageV02P369 # نفسه بسيفه وليس أحد يقدم عليه، ثم تكاثروا عليه من كل ناحية حتى أخذوه. ### ||| [إحضار جندب بن عبد الله وعبد الله بن عفيف الأزديان عند ابن زياد لعنه الله] # فقال جندب بن عبد الله الأزدي صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله): # إنا لله وإنا إليه راجعون، أخذ والله عبد الله بن عفيف، فقبح العيش (1) ~~من بعده، وقام ثم قاتل من دونه فاخذ أيضا، وانطلق بهما إلى ابن زياد لعنه ~~الله وعبد الله يقول: # اقسم لو يكشف (2)لي عن بصري %~% ضاق عليكم موردي ومصدري # فلما ادخلا على ابن زياد قال لعبد الله: الحمد لله الذي أخزاك. # قال عبد الله: وبما أخزاني، يا عدو الله؟ # والله لو يكشف لي عن بصري %~% ضاق عليكم موردي ومصدري # فقال له ابن زياد: يا عدو نفسه، ما تقول في عثمان؟ # فقال: يا ابن مرجانة، ويا ابن سمية الزانية (3)، ما أنت وعثمان أساء أم ~~أحسن، أصلح أم أفسد؟ والله تعالى ولي خلقه، يقضي بينهم وبين عثمان بالعدل، ~~ولكن سلني عنك، وعن أبيك، وعن يزيد وأبيه. # فقال ابن زياد: لا أسألك عن شيء إلا أن تذوق الموت. # فقال ابن عفيف: الحمد لله رب العالمين، أما إني كنت أسأل ربي أن يرزقني ~~الشهادة قبل أن تلدك مرجانة، وسألته أن يجعل ذلك على يد ألعن خلق PageV02P370 # الله وأبغضه إليه، فلما ذهب بصري أيست من الشهادة، والآن الحمد لله الذي ~~رزقنيها بعد اليأس منها، ms522 وعرفني الإجابة منه لي في قديم دعائي. ### ||| [استشهاد عبد الله بن عفيف الأزدي، وما دار بين جندب بن عبد الله وعبد الرحمن بن مخنف الأزديان وبين ابن زياد لعنه الله] # فقال ابن زياد لعنه الله: اضربوا عنقه، فضربت وصلب (رحمه الله) (1). # ثم دعا ابن زياد بجندب بن عبد الله رضي الله عنه، فقال: يا عدو الله، ~~ألست صاحب علي بن أبي طالب يوم صفين؟ # قال: نعم، وما زلت له وليا، ولكم عدوا، ولا أبرأ من ذلك إليك ولا أعتذر ~~ولا أتنصل. # فقال ابن زياد: أما إني أتقرب إلى الله بدمك. # فقال جندب: والله ما يقربك دمي إلى الله تعالى، ولكن يباعدك منه، وبعد ~~فلم (2) يبق من عمري إلا أقله، وما أكره أن يكرمني الله بهوانك. # فقال لعنه الله: أخرجوه عني فإنه شيخ قد خرف وذهب عقله، فاخرج وخلي سبيله. # ثم دعا بعبد الرحمن بن مخنف الأزدي، فقال: ما هذه الجماعة على بابك؟ # فقال: ليس على بابي جماعة وقد قتلت صاحبنا، وأنا لك سامع مطيع وإخوتي ~~جميعا، فسكت ابن زياد، وخلى سبيله وسبيل أصحابه. (3) PageV02P371 # وكان ابن زياد حين قتل الحسين (عليه السلام) أرسل يخبر يزيد بذلك، وكتب ~~أيضا إلى عمرو بن سعيد بن العاص ابن أخ عمرو بن العاص أمير المدينة بمثل ذلك. # فأما عمرو بن سعيد فحيث (1) وصله الخبر صعد المنبر وخطب الناس وأعلمهم ~~ذلك، فعظمت واعية بني هاشم، وأقاموا سنن المصائب والمآتم، ### ||| [ندبة زينب أخاها الحسين (عليه السلام)] # وكانت زينب بنت عقيل تندب الحسين (عليه السلام) وتقول: # ما ذا تقولون إذ قال النبي لكم %~% ما ذا فعلتم وأنتم آخر الامم # بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي %~% منهم اسارى ومنهم ضرجوا بدم # ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم %~% أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي # قال: فلما جاء الليل سمع أهل المدينة هاتفا يقول: # أيها القاتلون جهلا (2)حسينا %~% أبشروا بالعذاب والتنكيل # كل من في السماء يدعو عليكم %~% من نبي ومرسل وقبيل # (3) PageV02P372 # قد لعنتم على لسان ابن داود %~% وموسى (1)وصاحب الإنجيل ### ||| [إرسال السبايا ms523 ورءوس الشهداء إلى الشام بأمر يزيد لعنه الله] # وأما يزيد فلما قرأ كتاب ابن زياد أرسل إليه يأمره بحمل رأس الحسين (عليه ~~السلام) ورءوس أصحابه ومن قتل معه، وأمره بحمل أثقاله ونسائه وعياله ~~وأطفاله، فاستدعى ابن زياد بمحفر بن ثعلبة العائذي (2) وسلم إليه الرءوس ~~والاسارى والنساء ومعهم علي بن الحسين وأخواته وعماته وجميع نسائه إلى ~~يزيد، فسار بهم محفر حتى دخل الشام كما يسار بسبايا الكفار، ويتصفح وجوههم ~~أهل الأقطار. (3) ### ||| [نزول آدم ونوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ونبينا وجبريل (عليهم السلام) وتقبيلهم الرأس الشريف والبكاء عليه في مسير السبايا إلى الشام] # وروى سيدنا فخر العترة وجمال الاسرة علي بن موسى بن جعفر بن طاوس الحسني ~~رضي الله عنه عن ابن لهيعة وغيره حديثا أخذنا منه موضع الحاجة، قال: كنت ~~أطوف بالبيت وإذا أنا برجل يقول: اللهم اغفر لي وما أراك فاعلا. # فقلت: يا عبد الله، اتق الله ولا تقل مثل هذا، فلو أن ذنوبك مثل قطر ~~الأمطار (4) وورق الأشجار واستغفرت الله لغفر لك، فإنه غفور رحيم. PageV02P373 # فقال: تعال حتى اخبرك بقصتي فأتيته، فقال: اعلم أنا كنا خمسين نفرا ممن ~~سار برأس الحسين إلى الشام، وكنا إذا أمسينا وضعنا الرأس في تابوت وشربنا ~~الخمر حوله، فشرب أصحابي ليلة حتى إذا سكروا ولم أشرب معهم وجن علينا الليل ~~سمعت رعدا أو رأيت برقا وإذا بأبواب السماء قد فتحت، ونزل آدم ونوح ~~وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ونبينا محمد (صلى الله عليه وآله) ومعهم جبريل ~~وخلق كثير من الملائكة، فدنا جبرئيل من التابوت، فأخرج الرأس فضمه إلى نفسه ~~وبكى وقبله، ثم فعل الأنبياء كذلك والملائكة كلهم، وبكى النبي (صلى الله ~~عليه وآله) على رأس الحسين (عليه السلام) وعزاه الأنبياء. # وقال جبرئيل للنبي (صلى الله عليه وآله): يا محمد، إن الله تعالى أمرني ~~أن اطيعك في أمتك، فإن أمرتني زلزلت بهم الأرض، وجعلت عاليها سافلها كما ~~فعلت بقوم لوط. # فقال النبي (صلى الله عليه وآله): لا يا جبرئيل، فإن لي معهم (1) موقفا ~~بين يدي الله يوم القيامة، ms524 ثم جاء الملائكة نحونا ليقتلونا، فقلت: الأمان ~~يا رسول الله. # فقال: اذهب لا غفر الله (2) لك. (3) PageV02P374 ### | فصل في ذكر حمل سبايا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبناته وأحفاده إلى الشام ### ||| [كلام للمؤلف (رحمه الله)] # قلت: ولما مر بفكري، وخطر في سري، وتصور قلبي، وانتعش في لبي، مسير بنات ~~المصطفى والمرتضى، وحمل ولد الزهراء على الأقتاب قسرا، قد غاب الشفيق عنهن، ~~وبعد الشقيق منهن، صرخت بصوت ينبي عن عظيم أحزاني، وصرخت بلساني عما حوى ~~جناني، ونثرت دمعي لديهن، وأشرت بنثري إليهن، قائلا: # يا خفرات المصطفى، ويا بنات المرتضى، ويا مخدرات الزهراء، ويا سيدات نساء ~~أهل الدنيا والاخرى، عجبا للسماء لما أصابكن لا تنفطر، وللكواكب لمصابكن لم ~~تنتثر، وللشمس لم تكور، وللبحار لم تفجر، وللجبال لم تسير، وللأرض لم تفطر! ~~ذكر أسركن أسر قلبي، وأطلق عبرتي، وذبح طفلكن هيج وجدي، وأحرق مهجتي، وذكر ~~مسيركن على الأقتاب قرح جفني، وخبر ورودكن على اللعين بغير نقاب ولا جلباب ~~أثار حزني، ورءوس رجالكن المعرفة على الرماح هيج بلبالي، ونفوس فتياتكن ~~المنتزعة بحدود الصفاح أشغل بالي. # فيا عيوني لغربتهن أذرفي، ويا نار حزني لكربتهن لا تنطفي، ويا سعير PageV02P375 # وجدي عليهن لا تخمدي، ويا زفراتي لما نالهن لا تبردي، فلو أني نظرت بعيني ~~مسير رواحلهن، وشاهدت عديد سبائهن لوضعت أكفي لأكف مطاياهن موطئا، بل خدي، ~~ولبذلت في خلاصهن غاية جهدي وجدي، ولجاهدت القائد والسائق، وللعنت الناظر ~~والرامق، ولاستغثت بصوت يفصح عما ضمت عليه جوانحي من غصتي، ولناديت بأنه ~~ينبىء عن عظيم رزيتي ومصيبتي، ولحثوت التراب على ترائبي ورأسي، ولأضرمت ~~الخافقين بتصاعد زفراتي وأنفاسي، ولشققت قلبي بعويلي إلى جيبي، ولصدعت الصم ~~الرواسخ بنديبي وتحريبي، منشدا بلسان حالي، موضحا عما في بالي: ### ||| [قصيدة للمؤلف (رحمه الله)] # يا طول حزني ويا نحيبي %~% حزنا على النازح الغريب # على أجل الورى نجارا %~% دمعي كالعارض السكوب # تضرم نار الأسى بقلبي %~% مأتم في يومه العصيب # فيا أحشائي بنار حزني %~% ووجد قلبي عليه ذوبي # ويا عيوني سحي بدمع من %~% ك بفيض الدماء مشوب # وابنته ms525 بين العدى تنادي %~% هل من مغيث هل من مجيب؟ PageV02P376 # وأسرة من ذويه أمسوا %~% قوتا لذي مخلب وذيب # أكرم بهم عصبة كراما %~% واسوة من فتية وشيب # باعت من الله أنفسا %~% لم تهن لدى الروع في الحروب # مذ أصبحوا في الطفوف صرعى %~% في الخلد أمسوا قبل المغيب # يا أمة فارقت هداها %~% واحتقبت أشنع الذنوب # ليس لكم بالذي فعلتم %~% في عفو ذي العرش من نصيب # قتلتم سبط من إليكم %~% ارسل من عالم الغيوب # لهفي على شلوه صريعا %~% لهفي على خده التريب # لهفي على رأسه المعلى %~% لهفي على شيبه الخضيب # لهفي على رهطه اسارى %~% يعلن بالويل والنحيب # يسقن عنفا بين الأعا %~% دي بلا كفيل ولا حسيب PageV02P377 # إذا تذكرتهم حيارى %~% يخفق قلبي من الوجيب # واغرق الصدر من دموعي %~% واحرق القلب باللهيب # لهفي على صحبه صراعا %~% لهفي على ثقله النهيب # لهفي على ثغره المفدى %~% ينكته الرجس بالقضيب # يا خير مولى من خير قوم %~% بهم نجاتي من الخطوب # ومن هم في العباد أولى %~% بالجود والصنيع من سحوب (1) # أنتم معاذي أنتم ملاذي %~% أنتم عياذي من الكروب # إلى فنا جودكم مديحي %~% وجهت باللطف من نسيبي # تميس حسنا في برد نظم %~% ينسخ أوصافكم فشيب # بكل معنى في اللطف أضحى %~% يدق عن فكره اللبيب PageV02P378 # يمجه سمع ذي نفاق %~% قد ضل في شكه المريب # يبادل الصفو في حضوري %~% ويأكل العرض في مغيب # إذا تذكرت ما عراني %~% من حمقة قلت يا مجيبي # خذلي بحقي ولا تدعني %~% فريسة الغادر الكذوب # فأنت حسبي من كل سوء %~% وساتر في الملا عيوبي # قال: ولم يزل القوم سائرين بحرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ~~الكوفة إلى الشام على محامل بغير وطاء من بلد إلى بلد، ومن منزل إلى منزل ~~كما تساق اسارى الترك والديلم. (1) ### ||| [دخول سهل بن سعد الساعدي دمشق] # روي عن سهل بن سعد الساعدي، قال: خرجت إلى بيت المقدس حتى أتيت دمشق ~~فرأيت أهلها قد علقوا الستور والحجب والديباج، وهم فرحون مستبشرون، وعندهم ~~نساء يلعبن بالدفوف، فقلت في نفسي: الأهل الشام عيد لا نعرفه؟ ms526 فرأيت قوما ~~يتحدثون، فقلت: يا قوم، ألكم في الشام عيد لا نعرفه؟ # قالوا: يا شيخ، نراك غريبا؟ # قلت: أنا سهل بن سعد، رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) PageV02P379 # [وحملت حديثه] (1). # قالوا: يا سهل، ما أعجب (2) السماء لا تمطر دما، والأرض لم تنخسف ~~بأهلها؟ # قلت: ولم ذاك؟ # قالوا: هذا رأس الحسين عترة محمد (صلى الله عليه وآله) يهدى من العراق. # فقلت: وا عجبا! يهدى رأس الحسين والناس يفرحون! قلت: من أي باب يدخل؟ ~~فأشاروا الى باب يقال له باب الساعات. # قال سهل: فبينا أنا كذلك إذ أقبلت الرايات يتلو بعضها بعضا، وإذا بفارس ~~بيده رمح منزوع السنان، عليه رأس من أشبه الناس وجها برسول الله، وإذا من ~~ورائه نسوة على جمال بغير وطاء، فدنوت من أولادهن فقلت لجارية منهن (3): # يا جارية، من أنت؟ # قالت: أنا سكينة بنت الحسين (عليه السلام). # فقلت: ألك حاجة، فأنا سهل بن سعد الساعدي، وقد رأيت جدك وسمعت حديثه؟ # قالت: يا سهل، قل لصاحب الرأس أن يقدم الرأس أمامنا حتى يشتغل الناس ~~بالنظر إليه ولا ينظروا إلى حرم رسول الله (صلى الله عليه وآله). PageV02P380 ### ||| [أرجاز حامل رأس الحسين (عليه السلام)، وأمر يزيد بقتله] # قال سهل: فدنوت من صاحب الرأس، فقلت: هل لك أن تقضي لي حاجة وتأخذ مني ~~أربعمائة درهم؟ # قال: ما هي؟ # قلت: تقدم الرأس أمام الحرم، ففعل ذلك، فسلمت إليه الدراهم، ووضع الرأس ~~في طشت وادخل على يزيد، فدخلت مع الناس، وكان يزيد جالسا على السرير، وعلى ~~رأسه تاج مكلل، وحوله كثير من مشايخ قريش، فلما دخل صاحب الرأس جعل يقول: # أوقر ركابي فضة وذهبا %~% أنا قتلت السيد المهذبا (1) # قتلت خير الناس اما وأبا %~% وخيرهم إذ ينسبون (2)النسبا # فقال يزيد: إذا علمت أنه خير الناس فلم قتلته؟ # قال: رجوت الجائزة. # فقيل: إن يزيد أمر بقتله. (3) # وروى سيدنا السند علي بن طاوس رضي الله عنه، قال: لما قرب القوم بالرؤوس ~~والاسارى من دمشق دنت أم كلثوم من شمر لعنه الله، وكان في جملتهم، فقالت: ~~لي ms527 إليك حاجة. # قال: وما حاجتك؟ # قالت: إذا دخلت البلد فأدخلنا في درب قليل النظارة، وتقدم إلى PageV02P381 # أصحابك أن يخرجوا الرءوس من بين المحامل وينحونا عنها فقد خزينا من كثرة ~~النظر إلينا ونحن في هذا الحال، فأمر في جواب سؤالها أن يجعلوا الرءوس على ~~الرماح في أوساط المحامل بغيا منه وكفرا، وسلك بهم على تلك الحال بين ~~النظارة حتى أتى بهم باب دمشق فاقيموا على درج باب المسجد الجامع حيث يقام السبي، ### ||| [أبيات في رثاء الحسين (عليه السلام)، وما دار بين زين العابدين (عليه السلام) وشيخ من أهل الشام] # فروي أن بعض الفضلاء التابعين لما شاهد رأس الحسين (عليه السلام) أخفى ~~نفسه شهرا من جميع أصحابه، فلما وجدوه بعد أن فقدوه سألوه عن سبب ذلك، ~~فقال: أما ترون ما نزل بنا؟ ثم أنشأ يقول: # جاءوا برأسك يا ابن بنت محمد %~% مترملا بدمائه ترميلا # فكأنما بك يا ابن بنت محمد %~% قتلوا جهارا عامدين رسولا # قتلوك عطشانا ولما يرقبوا %~% في قتلك التأويل والتنزيلا # ويكبرون بأن قتلت وإنما %~% قتلوا بك التكبير والتهليلا # يا من إذا حسن العزاء عن امرئ %~% كان البكاء حسنا عليه جميلا # فبكتك أرواح السحائب غدوة %~% وبكتك أرواح الرياح أصيلا (1) # وروي أنهم لما دخلوا دمشق واقيموا على درج المسجد منتظرين الإذن من يزيد ~~حيث يقام السبي أقبل شيخ من أهل الشام حتى دنا منهم، فقال: الحمد لله الذي ~~قتلكم وأهلكم، وأراح العباد من رجالكم، وأمكن أمير المؤمنين منكم. # فقال له علي بن الحسين (عليه السلام): يا شيخ، هل قرأت القرآن؟ PageV02P382 # قال: نعم. # قال: قرأت هذه الآية @QUR@09 قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى (1)؟ # قال الشيخ: قرأت ذلك. # فقال علي بن الحسين (عليه السلام): فنحن القربى، يا شيخ، هل قرأت ~~@QUR@014 واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى (2)؟ # قال: نعم. # قال: فنحن القربى، يا شيخ، هل قرأت @QUR@011 إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (3)؟ # قال: نعم. # قال: فنحن أهل البيت الذي خصصنا به. # قال: فبقي ms528 الشيخ مبهوتا ساعة ساكتا نادما على ما تكلم به، ثم رفع رأسه ~~إلى السماء، فقال: اللهم إني أتوب إليك من بغض هؤلاء القوم، ثم التفت إلى ~~علي بن الحسين، فقال: بالله أنتم هم؟ # فقال علي بن الحسين (عليه السلام): تالله إنا لنحن هم من غير شك، وحق ~~جدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله). # قال: فبكى الشيخ ورمى عمامته، ثم رفع رأسه إلى السماء، فقال: اللهم PageV02P383 # إني أبرأ إليك من عدو آل محمد من جن أو إنس، ثم قال: هل من توبة، يا ابن ~~رسول الله؟ # قال: نعم، إن تبت تاب الله عليك، وأنت معنا. # فقال: وأنا تائب، فبلغ يزيد مقالته، فأمر بقتله. ### ||| [دخول السبايا على يزيد، وما دار بينهم وبينه لعنه الله] # قال: ثم ادخلوا على يزيد وهم مقرنون بالحبال، وكان أول من دخل شمر بن ذي ~~الجوشن على يزيد بعلي بن الحسين (عليه السلام) مغلولة يده إلى عنقه، فلما ~~وقفوا بين يديه على تلك الحال قال له علي بن الحسين (عليه السلام): # انشدك (1) بالله يا يزيد، ما ظنك برسول الله (صلى الله عليه وآله) لو ~~رآنا على هذا الحال ما كان يصنع؟ فأمر يزيد بالحبال فقطعت (2)، ثم وضع رأس ~~الحسين في طشت بين يديه، وأجلس النساء خلفه كيلا ينظرن إليه، وأما زينب ~~فإنها لما رأته أهوت إلى جيبها فشقته (3)، ثم نادت بصوت حزين يقرح (4) ~~القلوب: يا حسيناه، يا حبيب رسول الله، يا ابن مكة ومنى، ويا ابن فاطمة ~~الزهراء سيدة النساء، يا ابن بنت المصطفى. # قال: فو الله لقد أبكت كل من في المجلس ويزيد ساكت. # ثم جعلت امرأة من بني هاشم كانت في دار يزيد تندب الحسين (عليه السلام) ~~وتنادي: وا حسيناه، وا سيداه، يا ابن محمداه، يا ربيع الأرامل واليتامى، يا ~~قتيل أولاد الأدعياء. PageV02P384 # قال: فأبكت كل من سمعها. (1) # قال (2): وقام رجل من أهل الشام أحمر، فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي ~~هذه الجارية تعنيني. # قالت: وكنت (3) جارية وضيئة، فار تعدت وفرقت وظننت أنه يفعل ذلك، ms529 فأخذت ~~بثياب اختي زينب فقالت: كذبت والله ولؤمت ما ذلك لك ولا له. # فغضب يزيد، فقال: بل أنت كذبت إن ذلك لي، ولو شئت فعلته. # فقالت: كلا والله ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا. # فقال يزيد: إياي تستقبلين بهذا؟ إنما خرج من الدين أبوك وأخوك. # فقالت: بدين الله ودين أبي وجدي اهتديت. # قال: كذبت يا عدوة الله. # قالت زينب: أمير متسلط يشتم ظلما، ويقهر بسلطانه، اللهم إليك أشكو دون ~~غيرك، فاستحيا يزيد وندم وسكت مطرقا. PageV02P385 # وأعاد الشامي فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي هذه الجارية. # فقال يزيد: اعزب لعنك الله، ووهب لك حتفا قاضيا، ويلك لا تقل ذلك، فهذه ~~بنت علي وفاطمة، وهم أهل بيت لم يزالوا مبغضين لنا منذ كانوا. (1) # قال الشامي: الحسين بن فاطمة وابن علي بن أبي طالب!! # قال: نعم. # فقال الشامي: لعنك الله يا يزيد، تقتل عترة نبيك وتسبي ذريته، والله ما ~~توهمت إلا أنهم سبي الروم. # فقال يزيد: والله لألحقنك بهم، ثم أمر به فضربت عنقه. (2) # قال: ثم تقدم علي بن الحسين بين يدي يزيد وقال: # لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم %~% وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا # الله يعلم أنا لا نحبكم %~% ولا نلومكم إذ (3)لم تحبونا # فقال يزيد: صدقت ولكن أراد أبوك وجدك أن يكونا أميرين، فالحمد لله الذي ~~قتلهما، وسفك دمهما، ثم قال: يا علي، إن أباك قطع رحمي، وجهل حقي، ونازعني ~~سلطاني، فصنع الله به ما قد رأيت. # فقال علي بن الحسين (عليه السلام): @QUR@022 ما أصاب من مصيبة في الأرض ~~ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير (4). PageV02P386 # فقال يزيد لابنه [خالد] (1): اردد عليه، فلم يدر ما يقول، فقال يزيد: # @QUR@012 وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير (2). # ثم قال علي بن الحسين (عليه السلام): يا ابن معاوية وهند وصخر، إن النبوة ~~والإمرة لم تزل لآبائي وأجدادي من قبل أن تولد، ولقد كان جدي علي بن أبي ms530 ~~طالب يوم بدر واحد والأحزاب في يده راية رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ~~وأبوك وجدك في أيديهما رايات الكفار. # ثم جعل (صلوات الله عليه) يقول: # ما ذا تقولون إذ قال النبي لكم %~% ما ذا فعلتم وأنتم آخر الامم # ثم قال علي بن الحسين (عليه السلام): ويلك يا يزيد لو تدري ما صنعت، وما ~~الذي ارتكبت من أبي وأهل بيتي وأخي وعمومتي إذا لهربت في الجبال، وافترشت ~~الرماد، ودعوت بالويل والثبور ان يكون رأس الحسين بن فاطمة وعلي ولده ~~منصوبان (3) على باب مدينتكم، وهو وديعة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ~~[فيكم] (4) فابشر بالخزي والندامة غدا إذا جمع الناس ليوم القيامة. (5) # ووجدت رواية أحببت إيرادها هنا بحذف الأسانيد، قال: لما ادخل رأس الحسين ~~(عليه السلام) وحرمه على يزيد وكان رأس الحسين بين يديه في طشت جعل ينكت ~~ثناياه بمخصرة في يده ويقول: PageV02P387 # ليت أشياخي ببدر شهدوا %~% جزع الخزرج من وقع الأسل # لأهلوا واستهلوا فرحا %~% ثم قالوا يا يزيد لا تشل # لست من خندف إن لم أنتقم %~% من بني أحمد ما كان فعل ### ||| [خطبة زينب (عليها السلام)] # فقامت زينب بنت علي فقالت: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد ~~المرسلين صدق الله كذلك يقول: @QUR@014 ثم كان عاقبة الذين أساؤا السواى ~~أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن (1) أظننت يا يزيد حين أخذت علينا ~~أقطار الأرض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الأسرى أن بنا هوانا على ~~الله، وبك عليه كرامة؟ وان ذلك لعظيم خطرك عنده، وشمخت بأنفك، ونظرت إلى ~~عطفك جذلان سرورا حين رأيت الدنيا مستوسقة، والامور متسقة، وحين صفا لك ~~ملكنا وسلطاننا، فمهلا مهلا أنسيت قول الله سبحانه: @QUR@019 ولا يحسبن ~~الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم ~~عذاب مهين (2) أمن العدل- يا ابن الطلقاء- تخديرك حرائرك وإمائك، وسوقك ~~بنات المصطفى رسول الله كسبايا قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن من بلد إلى ~~بلد يستشرفهن أهل المناهل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والدني والشريف، ~~وليس معهن من رجالهن ms531 ولي، ولا من حماتهن حمي، وكيف [ترتجى] (3) مراقبة من ~~لفظ فوه أكباد السعداء (4)، ونبت لحمه بدماء الشهداء؟! # وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنآن والإحن PageV02P388 # والأضغان، ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم. # لأهلوا واستهلوا فرحا %~% ثم قالوا يا يزيد لا تشل # منحنيا على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك. # وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأفة، بإراقتك دماء آل ~~محمد، وتهتف بأشياخك زعمت تناديهم؟ ولتردن وشيكا موردهم، ولتودن أنك شللت ~~وبكمت ولم تكن قلت ما قلت. # وقالت: اللهم خذ بحقنا، وانتقم ممن ظلمنا، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا ~~وقتل حماتنا، فو الله ما فريت إلا جلدك، ولا حززت إلا لحمك، وسترد على رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) بما تحملت من سفك دماء ذريته، وانتهكت من عترته ~~وحرمته ولحمته، وليخاصمنك حيث يجمع الله تعالى شملهم، ويلم شعثهم ويأخذ لهم ~~بحقهم، @QUR@014 ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ~~ربهم يرزقون (1). # وحسبك بالله حاكما، وبمحمد (صلى الله عليه وآله) خصيما، وبجبرئيل ظهيرا، ~~وسيعلم من سول لك هذا ومكنك من رقاب المسلمين أن بئس للظالمين بدلا، وأيكم ~~شر مكانا وأضعف جندا. # ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك، أني لأستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، ~~وأستكثر توبيخك، لكن العيون عبرى، والصدور حرى. # ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء، PageV02P389 # فهذه الأيدي تنطف (1) من دمائنا، والأفواه تتحلب من لحومنا، وتلك الجثث ~~الطواهر الزواكي تنتابها (2) العواسل، وتعفوها امهات الفراعل، ولئن اتخذتنا ~~مغنما لتجدنا وشيكا مغرما، حين لا تجد إلا ما قدمت [يداك] (3)@QUR@05 وما ~~ربك بظلام للعبيد (4) فإلى الله المشتكى وعليه المعول. # فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فو الله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت ~~وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند، وأيامك إلا ~~عدد، وجمعك إلا بدد؟ ويوم ينادي المناد: ألا لعنة الله على الظالمين. # والحمد لله الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة، ولآخرنا بالشهادة ~~والرحمة، ونسأل ms532 الله (5) أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد، ويحسن ~~علينا الخلف (6)، إنه رحيم ودود، وحسبنا الله ونعم الوكيل. # فقال يزيد لعنه الله: # يا صيحة تعلن من صوائح %~% ما أهون الحزن (7)على النوائح (8) # قال: ودعا يزيد الخاطب وأمره أن يصعد المنبر ويذم الحسين وأباه PageV02P390 # (عليهما السلام)، فصعد وبالغ في سب أمير المؤمنين والحسين (عليهما ~~السلام)، والمدح لمعاوية ويزيد. # فصاح به علي بن الحسين (عليه السلام): ويلك أيها الخاطب، اشتريت مرضاة ~~المخلوق بسخط الخالق، فتبوأ مقعدك من النار. # ولقد أحسن من قال: # أعلى المنابر تعلنون بسبه %~% وبسيفه نصبت لكم أعوادها؟ (1) ### ||| [خطبة زين العابدين (عليه السلام)] # وروي: أن علي بن الحسين (عليه السلام) لما سمع ما سمع من الخاطب لعنه ~~الله قال ليزيد: اريد أن تأذن لي أن أصعد المنبر فأتكلم بكلمات فيهن لله ~~رضا ولهؤلاء الجلساء أجر، فأبى يزيد. # فقال الناس: يا أمير المؤمنين ائذن فليصعد، فلعلنا نسمع منه شيئا. # فقال: إنه إن صعد لم ينزل إلا بفضيحتي وبفضيحة آل أبي سفيان. # فقيل له: وما قدر ما يحسن هذا؟ # فقال: إنه من أهل بيت قد زقوا العلم زقا. # قال: فلم يزالوا به حتى أذن له، فصعد المنبر (2)، فحمد الله وأثنى عليه، ثم PageV02P391 PageV02P392 # خطب خطبة أبكى بها العيون، وأوجل منها القلوب، ثم قال: أيها الناس، ~~اعطينا ستا، وفضلنا، بسبع اعطينا: العلم، والحلم، والسماحة، والفصاحة، ~~والشجاعة، والمحبة في قلوب المؤمنين، وفضلنا بأن منا النبي المختار محمد ~~(صلى الله عليه وآله)، ومنا الصديق، ومنا الطيار، ومنا أسد الله وأسد ~~رسوله، ومنا خيرة (1) نساء العالمين، ومنا سبطا هذه الامة [وسيدا شباب أهل ~~الجنة] (2)، من عرفني فقد PageV02P393 # عرفني، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي. # أيها الناس، أنا ابن مكة ومنى، أنا زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الركن ~~بأطراف الرداء، أنا ابن خير من اتزر وارتدى، أنا ابن خير من انتعل واحتفى، ~~أنا ابن خير من طاف وسعى، أنا ابن خير من حج ولبى، أنا ابن من حمل على ~~البراق في الهواء، أنا ابن من اسري به ms533 من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ~~أنا ابن من بلغ به جبرئيل إلى سدرة المنتهى، أنا ابن من دنا فتدلى فكان من ~~ربه كقاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلى بملائكة السماء، أنا ابن من أوحى ~~إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن محمد المصطفى، أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن ~~من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا: لا إله إلا الله، أنا ابن من ضرب بين يدي ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) بسيفين، وطعن برمحين، وهاجر الهجرتين، ~~وبايع البيعتين، وقاتل ببدر وحنين، ولم يكفر بالله طرفة عين. # أنا ابن صالح المؤمنين، ووارث النبيين، وقامع الملحدين، ويعسوب المسلمين، ~~ونور المجاهدين، وزين العابدين، وتاج البكائين، وأصبر الصابرين، وأفضل ~~العالمين، وأفضل القائمين، من آل طه وياسين، أنا ابن المؤيد بجبرئيل، ~~المنصور بميكائيل، أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين، وقاتل الناكثين ~~والقاسطين والمارقين، والمجاهد أعداءه الناصبين، وأفضل من مشى من قريش ~~أجمعين، وأول من استجاب لله ولرسوله من المؤمنين، وأول السابقين، وقاصم ~~المعتدين، ومبيد المشركين، وسهم مرامي الله على المنافقين، ولسان حكمة ~~العابدين، وناصر دين الله، وولي أمر الله، وبستان حكمة الله، وعيبة علمه. # سمح سخي، بهلول زكي، مقدم همام، صبار صوام، مهذب قوام، قاطع PageV02P394 # الأصلاب، ومفرق الأحزاب، أربطهم عنانا، وأثبتهم جنانا، وأمضاهم عزيمة، ~~وأشدهم شكيمة، أسد باسل يطحنهم في الحروب إذا ازدلفت الأسنة، وقويت الأعنة ~~طحن الرحا، ويذروهم فيها ذري الريح الهشيم. # ليث الحجاز، وكبش العراق، مكي مدني، [أبطحي تهامي،] (1) خيفي عقبي، بدري ~~احدي، شجري مهاجري، من العرب سيدها، وفي الوغا ليثها، وارث المشعرين، وأبو ~~السبطين، الحسن والحسين [مظهر العجائب، ومفرق الكتائب، والشهاب الثاقب، ~~والنور العاقب، أسد الله الغالب، مطلوب كل طالب] (2)، ذاك جدي علي بن أبي طالب. # ثم قال: أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن سيدة النساء. # فلم يزل يقول أنا أنا حتى ضج الناس بالبكاء والنحيب والأنين، وخشي يزيد ~~اللعين أن تكون فتنة فأمر المؤذن، فقال: اقطع عليه الكلام. # فلما قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، قال (عليه السلام): الله ms534 أكبر من ~~كل شيء. # فلما قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال علي بن الحسين (عليه السلام): ~~شهد بها شعري وبشري ولحمي ودمي. # فلما قال المؤذن: أشهد أن محمدا رسول الله، التفت علي (عليه السلام) من ~~فوق المنبر إلى يزيد، فقال: محمد هذا جدي أم جدك، يا يزيد؟ فإن زعمت أنه ~~جدك فقد كذبت وكفرت، وإن زعمت أنه جدي فلم قتلت عترته؟ PageV02P395 # قال: وفرغ المؤذن من الأذان والاقامة، وتقدم يزيد وصلى صلاة الظهر. ### ||| [ما دار بين يزيد لعنه الله وبين حبر من أحبار اليهود] # قال: وروي أنه كان في مجلس يزيد حبر من أحبار اليهود، فقال: من هذا ~~الغلام، يا أمير المؤمنين؟ # قال: هو علي بن الحسين. # قال: فمن الحسين؟ # قال: ابن علي بن أبي طالب. # قال: فمن امه؟ # قال: فاطمة بنت محمد. # فقال الحبر: يا سبحان الله! فهذا ابن بنت نبيكم قتلتموه في هذه السرعة، ~~بئسما خلفتموه في ذريته، لو ترك فينا موسى بن عمران سبطا من صلبه لظننا أنا ~~كنا نعبده من دون ربنا، وأنتم فارقتم نبيكم بالأمس فوثبتم على ابنه ~~فقتلتموه، سوءة لكم من أمة. # قال: فأمر به يزيد فوجئ في حلقه ثلاثا، فقام وهو يقول: إن شئتم فاقتلوني، ~~وإن شئتم فذروني (1)، فإني أجد في التوراة ان من قتل ذرية نبي لا يزال ~~ملعونا أبدا ما بقي، فإذا مات أصلاه الله جهنم وساءت مصيرا. (2) # قال: ثم أمر يزيد بهم فانزلوا منزلا لا يكتمهم (3) من حر ولا من برد، ~~فأقاموا فيه حتى تقشرت وجوههم، وكانوا مدة مقامهم في البلد المشار إليه PageV02P396 # ينوحون على الحسين (عليه السلام). (1) ### ||| [ما دار بين يزيد لعنه الله وبين رسول ملك الروم] # وروي عن زيد بن علي، [و] (2) عن محمد بن الحنفية رضي الله عنه، عن علي بن ~~الحسين (عليه السلام) أنه لما اتي برأس الحسين إلى يزيد لعنه الله كان يتخذ ~~مجالس الشرب ويأتي برأس الحسين ويضعه بين يديه ويشرب عليه، فحضر ذات يوم في ~~مجلس يزيد رسول ملك الروم وكان من ms535 عظمائهم، فقال: يا ملك العرب، هذا رأس من؟ # فقال يزيد: مالك ولهذا الرأس؟ # فقال: إني إذا رجعت إلى ملكنا يسألني عن كل شيء رأيته فأحببت أن اخبره ~~بقصة هذا الرأس وصاحبه حتى نشاركك في السرور والفرح. # قال يزيد لعنه الله: هذا رأس الحسين بن علي بن أبي طالب. # فقال: ومن كانت امه؟ # قال: فاطمة الزهراء. # قال: بنت من؟ # قال: بنت رسول الله. # فقال النصراني: اف لك ولدينك، ما من دين أخس من دينك، [اعلم] (3) إني من ~~أحفاد (4) داود، وبيني وبينه آباء كثيرة والنصارى يعظمونني ويأخذون PageV02P397 # التراب من تحت قدمي تبركا به لأني من أحفاد داود، وأنتم تقتلون ابن بنت ~~نبيكم وما بينه وبين نبيكم إلا أم واحدة، فأي دين دينكم؟ ثم قال: هل سمعت ~~بحديث كنيسة الحافر؟ # فقال يزيد: قل حتى أسمع. # قال: إن بين عمان والصين بحر مسيرة سنة، ليس فيه عامر (1) إلا بلدة واحدة ~~في وسط الماء، طولها ثمانون فرسخا في ثمانين، ما على [وجه] (2) الأرض بلدة ~~أكبر منها، ومنها يحمل الكافور والياقوت، أشجارهم العود ومنهم يحمل العنبر، ~~وهي في أيدي النصارى، لا ملك لأحد فيها من الملوك، وفي تلك البلدة كنائس ~~كثيرة أعظمها كنيسة الحافر، في محرابها حقة من ذهب معلقة فيها حافر يقولون ~~إنه حافر حمار كان يركبه عيسى (عليه السلام)، وقد زينوا حول الحقة من الذهب ~~والديباج ما لا يوصف، في كل عام يقصدونها العلماء من النصارى، يطوفون بتلك ~~الحقة ويقبلونها، ويرفعون حوائجهم إلى الله سبحانه، هذا شأنهم ودأبهم بحافر ~~حمار يزعمون أنه حافر حمار عيسى، وأنتم تقتلون ابن بنت نبيكم، فلا بارك ~~الله فيكم، ولا في دينكم. # فقال يزيد [لأصحابه] (3): اقتلوا هذا النصراني، فإنه يفضحني إن رجع إلى ~~بلاده فيشنع علي، فلما أحس النصراني بالقتل قال: يا يزيد، تريد أن تقتلني؟ # قال: نعم. # قال: اعلم أني رأيت البارحة نبيكم في المنام [وهو] (4) يقول لي: # يا نصراني، أنت من أهل الجنة، فتعجبت من كلامه، وها أنا أشهد أن لا إله إلا PageV02P398 # الله، وأن محمدا رسول ms536 الله، ثم وثب إلى رأس الحسين (عليه السلام) وضمه ~~إلى صدره، وجعل يقبله ويبكي حتى قتل (رحمه الله). # وفي رواية أن النصراني اخترط سيفه وحمل على يزيد، فحال الخدم بينهما، ثم ~~قتل على المكان وهو يقول: الشهادة الشهادة. ### ||| [أن يزيد لعنه الله أمر بأن يصلب رأس الحسين (عليه السلام) على باب داره، وأمر بالنسوة أن يدخلوا داره] # وذكر أبو مخنف ان يزيد أمر بأن يصلب رأس الحسين (عليه السلام) على باب ~~داره، وأمر بالنسوة أن يدخلوا داره، فلما دخلت النسوة دار يزيد لم تبق ~~امرأة من آل أبي سفيان ومعاوية (1) إلا استقبلتهن بالبكاء والصراخ والنياحة ~~على الحسين (عليه السلام)، وألقين ما عليهن من الثياب والحلل والحلي، وأقمن ~~المآتم ثلاثة أيام، وخرجت هند بنت عبد الله بن [عامر بن] (2) كريز امرأة ~~يزيد مكشوفة الرأس، وكانت قبل ذلك تحت الحسين (عليه السلام) حتى شقت الستر ~~وهي حاسرة، فوثبت إلى يزيد وهو في مجلس عام فغطاها، ثم قال: نعم، فاعولي ~~عليه- يا هند- وابكي على ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصريخة ~~قريش، عجل عليه ابن زياد فقتله قتله الله. # ثم إن يزيد أنزلهم في داره الخاصة، فما كان يتغدى ولا يتعشى حتى يحضر علي ~~بن الحسين (عليه السلام) معه. # وروي أنه عرض عليهم المقام بدمشق، فأبوا ذلك، فقالوا: بل ردنا إلى ~~المدينة لأنها مهاجر جدنا. # فقال للنعمان بن بشير: جهز لهؤلاء بما يصلحهم، وابعث معهم رجلا أمينا ~~صالحا، وابعث معهم خيلا وأعوانا، ثم كساهم وحباهم وفرض لهم الأرزاق PageV02P399 # والأنزال، ثم دعا بعلي بن الحسين فقال له: لعن الله ابن مرجانة، أما ~~والله لو كنت صاحبه ما سألني خطة إلا أعطيته إياها، ولدفعت عنه الحتف بكل ~~ما قدرت ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن قضى الله ما رأيت، فكاتبني بكل حاجة تكون ~~لك (1)، ثم أوصى بهم الرسول، فخرج بهم الرسول يسايرهم فيكونون أمامه حيث ~~لا يفوتوا بطرفه، فإذا نزلوا تنحى عنهم وتفرق هو وأصحابه كهيئة الحرس، ثم ~~ينزل بهم حيث أراد واحدهم الوضوء، ويعرض ms537 عليهم حوائجهم ويتلطف بهم حتى ~~دخلوا المدينة. # قال الحارث بن كعب: قالت [لي] (2) فاطمة بنت علي: قلت لاختي زينب: قد ~~وجب علينا حق هذا لحسن صحبته لنا، فهل لك أن نصله؟ # قالت: والله ما لنا ما نصل به إلا أن نعطيه حلينا، فأخذت سواري ودملجي ~~وسوار اختي ودملجها فبعثنا بها إلى الرسول واعتذرنا من قلته، وقلنا: # هذا بعض جزائك لحسن صحبتك إيانا. # فقال: لو كان الذي فعلته للدنيا لكان في بعض هذا رضاي، ولكن والله ما ~~فعلته إلا لله ولقرابتكم من رسول الله (صلى الله عليه وآله). (3) ### ||| [خروج السبايا من الشام، وكلام للمؤلف (رحمه الله)] # وأقول: لعن الله يزيد وأباه، وجديه وأخاه، ومن تابعه وولاه، بينا هو ينكت ~~ثنايا الحسين بالقضيب ويتمثل بشعر ابن الزبعرى: يا غراب البين ما شئت فقل، ~~إلى آخره، وإغلاظه لزينب بنت علي بالكلام السيئ لما سأله الشامي، وقال: هب ~~لي هذه الجارية- يعني فاطمة بنت الحسين (عليه السلام)-، PageV02P400 # وقوله لعلي بن الحسين (عليه السلام): أراد أبوك وجدك أن يكونا أميرين، ~~فالحمد لله الذي قتلهما وسفك دماءهما، وإن أباك قطع رحمي، وجهل حقي، ~~ونازعني سلطاني، إلى آخر كلامه كما أشرنا إليه من قبل، ونصب رأس الحسين ~~(عليه السلام) على باب القرية الظالم أهلها- أعني بلدة دمشق- وإيقافه ذرية ~~الرسول على درج المسجد كسبايا الترك والخزرج، ثم إنزاله إياهم في دار لا ~~يكنهم (1) من حر ولا قر حتى تقشرت وجوههم، وتغيرت ألوانهم، وأمر خطيبه أن ~~يرقى المنبر ويخبر الناس بمساوئ أمير المؤمنين ومساوئ الحسين (عليهما ~~السلام) وأمثال ذلك، ثم هو يلعن ابن زياد ويتبرأ من فعله وينتصل من صنعه، ~~وهل فعل اللعين ما فعل إلا بأمره وتحذيره من مخالفته؟ وهل سفك اللعين دماء ~~أهل البيت إلا بإرغابه وإرهابه له بقوله، ومراسلته بالكتاب الذي ولاه فيه ~~الكوفة وجمع له بينها وبين البصرة الذي ذكرنا لما وصل إليه الخبر بتوجه ~~مسلم بن عقيل إلى الكوفة وحثه فيه على قتله، وأمره له بإقامة الارصاد وحفظ ~~المسالك على الحسين، وقوله لابن زياد في كتابه: ms538 إنه قد ابتلى زمانك بالحسين ~~من بين الأزمان، وفي هذه الكرة يعتق أو يكون رقا عبدا كما تعبد العبيد ~~فاحبس على التهمة واقتل على الظنة، الوحا الوحا، العجل العجل- كما ذكرنا أولا-. # وإنما أظهر اللعين التبري من فعل ابن زياد لعنه لله خوفا من الفتنة ~~وتمويها على العامة لأن أكثر الناس في جميع الآفاق والأصقاع أنكروا فعله ~~الشنيع وصنعه الفضيع، ولم يكونوا راضين بفعله وما صدر عنه خصوصا من كان حيا ~~من الصحابة والتابعين في زمنه كسهل بن سعد الساعدي والمنهال بن عمرو PageV02P401 # والنعمان بن بشير وأبي برزة الأسلمي ممن سمع ورأى إكرام الرسول (صلى الله ~~عليه وآله) له ولأخيه، وكذلك جميع أرباب الملل المختلفة من اليهود ~~والنصارى، وناهيك مقال حبر اليهود ورسول ملك الروم لما شاهداه وهو ينكت ~~ثنايا الحسين (عليه السلام) بالقضيب- كما ذكر- ولم يكن أحد من المسلمين في ~~جميع البلاد راض بفعله إلا من استحكم النفاق في قلبه من شيعة آل أبي سفيان، ~~بل كان أكثر أهل بيته ونسائه وبني عمه غير راضين بذلك. ### ||| [أبيات لعبد الرحمن بن الحكم في هجاء ابن زياد، وما دار بين يزيد لعنه الله وبين أبي برزة صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله)] # روي أن عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان بن الحكم كان حاضرا عند يزيد لما ~~وضع رأس الحسين (عليه السلام) بين يديه وعرضت عليه سبايا رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) فجعل عبد الرحمن يقول: # لهام بجنب الطف أدنى قرابة %~% من ابن زياد العبد ذي النسب (1)الوغل # سمية أمسى نسلها عدد الحصى %~% وبنت رسول الله ليست بذي نسل (2) # فقال له يزيد: سبحان الله! أفي مثل هذا الموضع تتكلم بهذا؟ أما يسعك ~~السكوت؟ (3) # وروي أنه لما وضع رأس الحسين بين يدي يزيد فجعل ينكت ثنايا الحسين ~~بالقضيب ويقول: لقد كان أبو عبد الله حسن المضحك، فأقبل إليه أبو برزة صاحب ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان حاضرا في مجلسه، وقال: PageV02P402 # ويحك يا يزيد، أتنكت بقضيبك ثغر الحسين؟ لقد أخذ قضيبك ms539 هذا من ثغره ~~مأخذا، أشهد لقد رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يرشف ثناياه وثنايا ~~أخيه الحسن، ويقول: إنهما سيدا شباب أهل الجنة، قتل الله قاتلكما ولعنه ~~وأعد له جهنم وساءت مصيرا، أما أنت يا يزيد لتجيء يوم القيامة وعبيد الله ~~بن زياد شفيقك، ويجيء هذا وشفيقه محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ~~فغضب يزيد وأمر بإخراجه، فاخرج سحبا. ### ||| [ما دار بين يزيد لعنه الله وبين سمرة بن جندب صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله)] # وقيل: إن سمرة بن جندب صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما رأى يزيد ~~يقلب ثنايا الحسين (عليه السلام) قال: يا يزيد، قطع الله يدك ارفع قضيبك، ~~فطال ما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يلثم هاتين الشفتين، ولم يكن ~~أحد من أكثر الناس في جميع الآفاق راضيا بفعله فلذلك أبدى الاعتذار، وركن ~~إلى الانكار، خوفا أن يفتق عليه فتق لا يرتق، وأن ينفتح عليه باب من الشر ~~لا يغلق، فاعتذر وأنى له الاعتذار، ولم يكن له موافقا على فعله وكفره إلا ~~أهل القرية الظالم أهلها- أعني شبيهة سدوم المؤتفكة، والطائفة الجاهلة ~~المشركة أهل بلدة دمشق الشام فإنهم ارتضعوا ثدي النفاق (1) من أخلاف ~~أسلافهم، PageV02P403 # وجبلت على بغض أهل البيت طينتهم. ### ||| [كلام للمؤلف (رحمه الله)] # ولقد القي على لساني من فيض فكري وجناني كلمات قصدتهم فيها بلعني وزجري، ~~ووجهت إليهم مطايا ذمي في نثري، وأشرت إليهم بتعنيفي، وخاطبتهم بتأفيفي، ~~أبعدهم الله من رحمته، وأحل بهم أليم عقوبته. # أيها الامة المغرورة برتبة دنياها، الكفورة بنعمة مولاها، المنكرة معادها ~~ومبدأها، المنهمكة بطغواها في غيها، المارقة بسعيها وبغيها، الجاحدة نص ~~نبيها، المنكرة فضل وليها، السالكة نهج شركها، الحائرة في ظلمة شكها. # يا أتباع أحزاب الشيطان، ويا نصاب أنصاب الأوثان، ويا شيعة آل أبي سفيان، ~~ويا صحبة الشجرة الملعونة في القرآن، يا من لم يؤمنوا منذ كفروا، ولم ~~يؤتمنوا منذ غدروا، ألمع لهم شراب الباطل فوردوه، وظنوه شرابا فلم يجدوه، ~~ونعق بهم ناعق الظلم فأطاعوه، وبرق ms540 لهم بارق البغي فاتبعوه، ولمع لهم علم ~~الضلالة فأموه، وبدا لهم طريق الجهالة فسلكوه، لما كذبهم رائدهم، وأضلهم ~~قائدهم، أردتهم آراؤهم، وقادتهم أهواؤهم، إلى النار المؤصدة، والعمد ~~الممددة، لا جرم من كان ابن الباغية دليله، ونجل النابغة قبيله، كان جزاؤه ~~من عذاب الله جزاء موفورا، وأعد له جهنم وساءت مصيرا. # ويلكم ألم يأتكم نبأ الذين راموا محق شمس الاسلام في احدهم وبدرهم، ~~وإطفاء مصابيح الايمان بأحزابهم وقهرهم؟ ألم يكونوا لقائدكم آباء ولنبيكم ~~أعداء؟ أليست امه آكلة أكباد الصديقين؟ أليس أبوه قائد أحزاب المشركين؟ ~~الذي لعنه وأباه وابنه الرسول الصادق في قوله (صلى الله عليه وآله): # اللهم العن الراكب والقائد والسائق؟ أليست عمته حمالة الحطب التي تب الله ~~يدها ويد بعلها أبي لهب؟ يا ويلكم أضلكم الشيطان فأزلكم، وزين لكم بغروره PageV02P404 # سوء عملكم، توادون من حاد الله ورسوله، وتتبعون من كان الشيطان قائده ~~ودليله، لا يشك في كفركم إلا كافر، ولا يرتاب في فجوركم إلا فاجر، أيصلب ~~رأس ابن نبيكم على باب جامعكم، ويسب صنو رسولكم في مجامعكم، وتساق نساؤه ~~وبناته إلى يزيدكم، ويقمن مقام الخزرج والترك على باب يزيدكم؟ # لا منكر منكم ينكر بلسانه وقلبه، ولا متقرب يتقرب بسترهم إلى ربه، فأنتم ~~قبل الفتح خير منكم بعده، وآباؤكم الهالكون على الكفر أفضل منكم يا أهل ~~الردة، أزنى من قوم لوط أمتكم، وأشأم من سدوم قريتكم، زنوة الفسوق، وجبهة ~~العقوق، ومنزل الشيطان، ومعدن البهتان، تأتون الذكران من رجالكم، وتذرون ما ~~خلق لكم ربكم من أزواجكم، الابنة فاشية في أبنائكم، والغلمة ناشئة في ~~نسائكم، أورثكم ذلك بغض وصي نبيكم، وسبكم له على منابركم بكفركم وغيكم، آه ~~لو أن لي بكم قوة يا بني الزواني، أو آوي إلى ركن شديد من أشباهي وإخواني، ~~لاصلينكم في الدنيا قبل الآخرة نارا، ولغادرتكم رمادا مستطارا، ولمحوت ~~آثاركم، ولقطعت أخباركم، ولعجلت بواركم، ولهتكت أستاركم، ولقضيت بصلب ~~قضاتكم، وحرب عتاتكم، وسبي نسائكم، وذبح أبنائكم، وقطع غراسكم، وقلع ~~أساسكم. # يا أهل المؤتفكة، يا أتباع الطائفة المشركة، والله ما نظرتم ms541 حيث نظر ~~الله، ولا اخترتم من اختار الله، ولا واليتم من والى الله، ولم تزالوا ~~أتباع العصابة المفتونة، والشجرة الملعونة، تدحضون الحق بأيديكم وألسنتكم، ~~وتنصرون الباطل في سركم وعلانيتكم، كم زينتم صفوفكم بصفين؟ وكم قتلتم أعلام ~~المهاجرين الأولين؟ لما جبيت على بغض الوصي جوانح أضلاعكم، وأعلنتم PageV02P405 # بسبه في جوامعكم ومجامعكم، قامت سوق النفاق في الآفاق، وعلت كلمة الشقاق ~~على الاطلاق، وصار ولي أمركم وسبيل كفركم يزيد القرود، ويزيد اليهود، ويزيد ~~الخمور، ويزيد الفجور. # يا ويلكم أيقرع ثغر ابن النبي بمرأى منكم؟ أيطاف ببناته ونسائه في ~~شوارعكم؟ فأبعد بكم وبما صدر عنكم، رماكم الله بذل شامل، وعدو قاتل، وسيف ~~قاطع، وعذاب واقع، ليس له من الله من دافع. # ويحكم أتتخذون يوم مصاب نبيكم بولده عيدا، وان بوار رهطه موسما جديدا، ~~وتظهرون فيه تمام زينتكم، وتعدونه رأس سنتكم؟ فاقسم بالله الذي جعل لكم ~~الأرض قرارا، والسماء بناء، لأنتم أشر من اليهود والنصارى، أسأل الله أن ~~يرمي دمشق شامكم، ومحل طغاتكم، وبيت أصنامكم، ومقر أنصابكم وأزلامكم، ~~بالموت الذريع، والأخذ السريع، والقحط الفضيع، والظلم الشنيع، حتى تصيروا ~~حصيدا خامدين، ومواتا جامدين، وعباديد في الأقطار، ومتفرقين في الأمصار، أن ~~يطمس على أموالكم، ويشدد على قلوبكم، فلا تؤمنوا حتى تروا العذاب الأليم ~~تريدون أن تخرجوا من النار وما أنتم بخارجين ولكم عذاب مقيم. # وسأختم هذا المجلس بقصيدة تنبئ عن خالص ودادي، ومصاص اعتقادي، وطويل ~~أحزاني، ومديد أشجاني، ومحتث منامي، ووافر كربي وهيامي، في مدح من هدت ~~مصيبته أركان أفراحي ومسراتي، وشيدت واقعته قواعد أحزاني وكرباتي، وقلدت ~~جند خدي عقيقا من عبراتي، وأضرمت في أحشائي حريقا من زفراتي، أعني من جعل ~~الله قلبي لحبه وحب أهل بيته مسكنا، ولولائه وولاء آبائه وأبنائه موطنا، ~~ولساني على مدحهم موقوفا، PageV02P406 # وشكري إلى كعبة جودهم مصروفا. ### ||| [قصيدة للمؤلف (رحمه الله)] # سيدي وابن سادتي، وقائدي وابن قادتي، أشرف من ارتدى بالمجد وأنور، وأفضل ~~من عرف بالفخر واشتهر، سبط نبيي، ورهط وليي، ونجل سيدتي، ووالد سادتي، ~~وغناي يوم فقري وحاجتي، وغياثي إذا انقطعت ms542 من الدنيا وصلتي، سيد الكونين ~~وابن سادة الكونين، وإمام الثقلين وأب أئمة الثقلين، المنزه عن كل رجس ~~ودين، مولاي وسيدي أبي عبد الله الحسين، عليه من صلواتي ما نما وزكا، ومن ~~تحياتي ما صفا وضفا، جعلها الله حجابا من أليم عذابه، وسترا من وخيم عقابه، ~~وهي هذه: # الفت فؤادي بعدكم أحزاني %~% لما جفا طيب الكرى أجفاني # يا من لهم مني بقلبي منزل %~% ضمت عليه جوانحي وجناني # أنا واحد في حبكم لم يثنن %~% حتى مماتي عن هواكم ثاني # أوقفت مدحي خالصا لجلالكم %~% وعلى مراثيكم وقفت لساني # هدت مصيبتكم وما فيكم جرا %~% ممن جرا في كفره أركاني # فلأبكينكم بدمع فيضه %~% بزري بصور العارض الهتان # ولأضربن بمهجتي لمصابكم %~% نارا تذيب الطود من أشجاني # أألام إن أرسلت نحو جمالكم %~% من منطقي نظما جناه بياني # أو أرسلت عيني لفرط صبابتي %~% دمع يمازجه نجيع قاني # وبكم معادي إن عرتني أزمة %~% بقوارع من طارق الحدثان # وبكم ارجي فرحة يوما به %~% أميت أو الف في أكفاني # وكذاك في قبري إذا اجلست في %~% ظلماته وسئلت عن إيماني # وبيوم حشري لا أرى لي منقذا %~% إلا ولاءكم لدى الرحمن PageV02P407 # وصفاء ود لا يشاب بشبهة %~% مقرونة بوساوس الشيطان # وأراكم من بعد أفضل مرسل %~% خير الورى من نازح أو دان # وأباكم ذا المجد أشرف من مشى %~% فوق الثرى من إنسها والجان # قصام أبطال الحروب وكاسر ال %~% أصنام يوم الفتح والأوثان # وأخ الرسول وصنوه ووصيه %~% ونديده في الفضل والإحسان # ما من نبي مرسل كلا ولا %~% ملك رقى بالقرب خير مكان # ألا وفضل أبيكم من فضلهم %~% ما آن له يوم التفاضل ثاني # يا خير من في الله وفى مخلصا %~% بجهاده في السر والاعلان # يا من عناه المصطفى والمرتضى %~% والطهر فاطم خيرة النسوان # يا ابن الأباطح والمشاعر والصفا %~% والبيت ذي الأستار والأركان # يا خامسا لذوي الكساء فصبغ ما %~% لاقيته ثوب السقام كساني # ومشير رأسك بالدما مخضبا %~% منه المشيب على سنان سنان # وأذاب قلبي ثم صعده دما %~% من مقلتي كالسيل في الجريان # لنسائك اللاتي يسقن حواسرا %~% يسترن ms543 أوجههن بالأردان # ولقتل اسرتك التي جادت بأن %~% فسها عليك كمسلم مع هاني # وكذاك من جعلوا وجوههم وقى %~% لك من سهام عصابة البهتان # أضحوا بعرصة كربلاء صرعى وأم %~% سوا في نعيم دائم وأمان # في جنة يسقون من بعد الظما %~% فيها كئوسا من يد الولدان # من سلسبيل في منازل جنة %~% محفوفة بالروح والريحان # يا راكبا يطوي الفلاة بجسرة %~% كالدال في بيد بغير توان # عج بالطفوف مقبلا أزكى ترى %~% من حبه فرض على الأعيان # سبط النبي وخامس الأشباح وال %~% مخصوص بالتطهير في الفرقان PageV02P408 # هدموا بمقتله الطغاة قواعد ال %~% اسلام والأحكام والإيمان # أبلغه عني من سلامي ما زكا %~% واخبره عما ساءني ودهاني # من فرط أحزاني لما لاقاه من %~% عصب الضلالة من بني سفيان # قوم بأنعم ربهم كفروا فكم %~% قصدوا نبي الله بالشنئان؟ # في حرب خير المرسلين ورهطه %~% بذلوا عنادا غاية الامكان # وعليه في بدر واحد اجلبوا %~% بمضمر ومهند وسنان # وجرت صفوفهم بصفين على %~% نهج الالى سلفوا اولي الطغيان # حتى إذا أكلتهم الحرب التي %~% يروى مواقعها مدى الأزمان # وعليهم زأرت اسود هريرها %~% لما التقى في جنحها الجمعان # داموا فرارا حين صاروا طعمة %~% فيها لكل مهند ويمان # ورأوا دماء حماتهم مذ أصبحوا %~% فوق الصعيد كمفعم الغدران # رفعوا المصاحف حيلة وخديعة %~% مذ آل أمرهم إلى الخسران # كفروا بأنعم ربهم فغدوا لما %~% فعلوه بغيا حمة النيران # وعلى ابن هند عجلهم عكفوه ك %~% قوم السامري الغادر الخوان # تركوا أخص العالمين برتبة ال %~% هادي البشير بشاهد القرآن # وبنص أفضل مرسل ومبلغ %~% وبحجة من ساطع البرهان # وبنوا معالم دينهم جهلا على %~% ابن قحافهم ثم العتل الثاني # فأضل أمة أحمد بريائه %~% واسامها في مرتع البهتان # وأشار بالشورى فعاد الجور من %~% ه مكملا والعدل في نقصان # حتى إذا ما قام ثالثهم وحا %~% نثهم وناكثهم فتى عفان # جعل العتل زمامه بيد العتي %~% د ابن الطريد حميمه مروان # وغدا لمال الله يفرس جاهدا %~% كالذئب عاث بثلة من ضأن PageV02P409 # حتى إذا غمر الأنام بظلمه %~% وتبرمت من حكمه الثقلان # أردته بطنته فأصبح جارعا %~% كأس المنية واهي الأركان ms544 # حتى إذا قام الوصي بعهده %~% لله لا نكس ولا متوان # قصدته راكبة البعير بفتنة %~% يذكي ضرام سعيرها رجسان # حتى إذا الحرب العوان تحكمت %~% بوقودها من أنفس الشجعان # صارا طعام عوامل ومناصل %~% للعكس قد نأيا عن الأوطان # جاءا لنصر عصابة الشيطان فاخ %~% ترما ببطش عصابة الرحمن # يا فرقة نكثت عهود نبيها %~% وأتت بكل منافق فتان # يا جند راكبة البعير ومن عصت %~% بالبغي أمر الحاكم الديان # وأتت من البلد الحرام وقلبها %~% يغلي بنار الحقد والأضغان # حتى إذا صارت حماة بعيرها %~% قوتا لزائرها من السيدان # أبدت خضوعا واستقالت عثرة %~% واستسلمت بالذل والإذعان # صفح الكريم بحلمه عنها وأف %~% رشها مهاد تحنن وأمان # وأعادها كرما فعادت وهي ذو %~% عقل لفادح هولها ولهان # لما اطمأنت دارها قفلت إلى %~% نحو ابن هند ذا حشا ملآن # واستنفرته فسار بالجيش الذي %~% راياته نصبت على البهتان # فهي التي جعلت ضرام وقودها %~% أجساد قادتها من الفرسان # لما أتت بقميص عثمان علي %~% ه نجيعه كالارجوان القاني # دارت رحاء الحرب واشتبك القنا %~% من سعيها واستقتل الجيشان # والله ما خذل الوصي وقتله %~% متبتلا في طاعة المنان # إلا لها فيه نصيب وافر %~% ولسان باغ غادر ويدان # وكذاك قتل ابن الرسول ورهطه %~% دوح الفخار وأشرف الأفنان PageV02P410 # لم أنسها يوم الزكي وقد غدت %~% بالقول تنفث نفثة الثعبان # آليت ألا تدفنوا في منزلي %~% من لست أهواه ولا يهواني # يا بنت أرذل تيم مرة خادم ال %~% تيمي نجل زعيمهم جدعان # هذي الشجاعة من أبيك بخيبر %~% جاءتك ترقل رقلة الفحلان # يا آل أحمد إن جزعت لثابت %~% في الناس غيركم فما أشقاني # حزني عليكم سرمدا لا ينقضي %~% ما شبه في القلب بالسلوان # كم ناصب علم الأذية لي بكم %~% أمسى للعن عدوكم يلحاني # ويلسمني وقرا إذا ما ضل عن %~% لعن الطواغيت الالى ينهاني # عن جاحدي نص الغدير وغاصبي %~% فدكا من الزهراء ذات الشأن # ست النساء وبنت أكرم مرسل %~% شرفت برفعته بنو عدنان # يا من مصابهم جميع مصائب ال %~% دنيا وفادح خطبها أنساني # أنتم عياذي والذي أرجوهم %~% حصنا إذا الخطب الجسيم دهاني # وبكم ms545 ارجي يوم حشري زلفة %~% من خالقي بالعفو والغفران # وإليه أفزع من عدو كاشح %~% بالبغي يقصدني وبالعدوان # إن يعدني عدوا عليه يرى لها %~% متسربلا بالخزي ثوب هوان # ويصده عني بذل شامل %~% ليكون معتبرا لمن ناواني # أو أن تصبرني على ما حل بي %~% من حمقه وأضر بي ودهاني # ثم الصلاة عليكم ما غردت %~% ورقاء في دوح على الأغصان # أو حركت ريح الصباء صاعدا %~% ناء عن الأوطان والخلان PageV02P411 ### | المجلس التاسع مفتتحا بالتعزية التي وسمتها ب «مجرية العبرة ومحزنة العترة» # قلتها بإذن الله، وتلوتها يوم التاسع في شهر المحرم الحرام على المنبر في ~~جمع لا يحصى كثرة أجريت بها عيون المؤمنين، وأحزنت قلوب المتقين، وأخزيت من ~~رام هظمي من الشانئين تجاه ضريحه الشريف، ومقامه المنيف، متقربا بذلك إلى ~~الله رب العالمين، ونبيه الأمين، ووليه سيد الوصيين، وآلهم الأئمة ~~الطاهرين. ### ||| الخطبة # الحمد لله الذي نور قلوب أوليائه بأنوار معرفته، وأظهر نفوس أصفيائه على ~~أسرار حكمته، واختبرهم بالتكاليف الشاقة من حكمه لينالوا الزلفى من رحمته، ~~وامتحنهم بالمحن السابقة في علمه، ليصلوا بها إلى جوار حضرته، وابتلى عباده ~~بفرض مودتهم وجعلها ثمن جنته، وألزمهم بالتزام عروة عصمتهم وقرن طاعتهم ~~بطاعته، فمن امتثل أمر الله بإخلاص وده لهم في سره وعلانيته، واستمسك بحبل ~~ولائهم واعتقده سببا منجيا في دنياه وآخرته، فقد استمسك بالعروة الوثقى من ~~عفو ربه ومغفرته، وفاز بالسعادة العظمى يوم فقره وفاقته، ومن أخذ ذات ~~اليمين وذات الشمال في معتقده ونحلته، واتبع غير سبيل PageV02P413 # المؤمنين فيما ينظر من خبث سريرته، ولاه الله ما تولى وأحل به نكال ~~عقوبته. # نحمده على ما وفقنا له من عرفان حقهم، والإقرار بفضلهم وصدقهم، ~~والاستمساك بعروة عصمتهم، والالتزام بحبل مودتهم، وتضليل من خالفهم بقوله ~~وفعله، وتكفير من أجلب عليهم بخيله ورجله، والبراءة ممن تقدمهم غاصبا، ~~وتحلى بغير اسمه كاذبا، ولعن من نصب لهم العداوة والبغضاء علانية وسرا، ~~وتخطئة من رد مقالهم خفية وجهرا. # ونشكره إذ جعلنا من فضل طينتهم، وغذانا بلبان مودتهم، وجعلنا من ورق ~~شجرتهم، وأسكن قلوبنا لذة معرفتهم، حبنا ms546 إياهم دليل على طهارة مولدنا، ~~وبغضنا أعداءهم سبيل إلى إخلاص وئدنا في معتقدنا. # نحمده على هذه النعمة الجسيمة، والمنة الوسيمة، اللاتي جهل الأشقياء ~~عرفان قدرها، وقصر البلغاء عن تأدية شكرها، ونشهد أن لا إله إلا الله شهادة ~~توافق بها قلوبنا ألسنتنا، ويوافق بها سرنا علانيتنا، ونشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله الأمين، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، ونهجه القويم، صدع بالحق ~~ناطقا، وخبر عن الله صادقا، تمم الله به الرسالة، وأيد بالمعجز مقاله، ~~واختاره حاكما بأمره، وموضعا لسره، وشرفه بالاسراء إلى حضيرة قدسه، وجعل ~~خطابه إياه ليلة المعراج انسا وشرفا لنفسه، فهو أصل الشرف وفرعه، وبصر ~~المجد وسمعه. # سرة البطحاء مغرس أصله، ومنكب الجوزاء مركب فضله، أروقة المفاخر على هامة ~~عظمته مضروبة، وألوية المآثر على رفعة حضرته منصوبة، وظلال الشرف تتفيؤ على ~~جلال نبوته، وحلال الكرم وقف على رتبته. # سلالة طود العلم فمنه تفجرت عيونه، ودوح المجد فعليه تهدلت PageV02P414 # غصونه، أعرض عن الدنيا صفحا، وطوى عنها كشحا، وشمر عنها ذيلا، ولم يرزأ ~~منها كثيرا ولا قليلا، تحببت إليه فأبغض، وتشوقت نحوه فرفض، وتعرضت به ~~فأعرض، وعلى نفسه وخاصته تركها أوجب وفرض، ولأدلتها نقض، ولحججها أدحض، ولم ~~يزل (صلوات الله عليه) يحذر غرورها، ويخوف زورها، حتى نصبت له الغوائل، ~~وأصمت منه المقاتل، وآذته في أهله واسرته، وأغرت سفهاءها بنيه وعترته، ~~وغادرتهم بين قتيل ومطلول، وأسير مخذول، وطريد مشرد، ومسجون مصفد، تساق ~~نساؤهم اسارى، على الأقتاب حيارى، بغير نقاب ولا جلباب، يطاف بهن في ~~البلاد، ويتشرفهن الحاضر والباد، فلو أن عينا بعدها كفت لعظيم ما وكفت، ~~ونفسا تلفت لفرط ما تلهفت، وقلب انقطع بسيوف الحزن غما، وروحا فارقت جسدها ~~كربا وهما، لم يكونوا في شرح الحقيقة ملومين، ولا بين أرباب الطريقة ~~مذمومين؟ # فتفكروا في نبيكم ووليكم، وانهما الذين هم الوسيلة لكم إلى ربكم، كيف ~~تجرأت لقتالهم بقايا الأحزاب، وتكالبت على استئصالهم أبناء الكلاب، وجردت ~~عليهم من مناصلها وعواملها، وفوقت نحوهم سهامها ومعابلها، هذا خاتم النبيين ~~وسيد المرسلين إمام الدين، وقائد الخير ونبي الرحمة، وشفيع ms547 الامة، صاحب ~~الحوض والكوثر، والتاج والمغفر، والخطبة والمنبر، والركن والمشعر، والوجه ~~الأنور، والجبين الأزهر، والدين الأظهر، والنسب الأطهر، محمد سيد البشر، ~~الذي لا يسامى في الفضل، ولا يساوى في المجد، ولا يجارى في حلبة الفخر، ولا ~~يضاهى في رفعة القدر. # السبع الطباق ميدان سباقه، وسدرة المنتهى غاية براقه، و@QUR@01 سبحان PageV02P415 # @QUR@02 الذي أسرى (1) حظو الرهان، @QUR@05 فأوحى إلى عبده ما أوحى ~~(2) خلعة المليك السلطان، ووضع له كرسي الكرامة في عالم الملكوت الأعلى، ~~ونصب لأخمصه منبر الزعامة فوق طرائق السبع العلى، حتى رقى بقدم الصدق إلى ~~أعلى مراقي الشرف، ونطق بلسان الحق في ذلك المقام المشرف، فخوطب في سرائره، ~~ونودي في ضمائره: يا من أطلعته على سري المصون، وأيدته بكلامي المخزون ~~@QUR@037 قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات ~~والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي ~~يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون (3) فصدع بها ناطقا، وأعلن بها ~~صادقا، فعندها جرى قلم القدرة على لوح المشيئة بيد المشيئة لرقم منشور ~~نبوته، وأثبت أرباب ديوان الصفيح الأعلى على قرطاس الشرف مسطور عموم ~~ولايته. # الابتداء: @QUR@010 كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز (4) ~~الانتهاء: # @QUR@08 ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة (5) باللفظ الوجيز. # لما علم قيوم الملكوت تسدده في ذاته وإخلاصه ختم بيد العظمة والقدرة ~~مرقوم ولايته بمهر الخاصة، وأشهد على ذلك رهبان صوامع العالم الأقدس، ~~وأمرهم بالتمسك في مقام الخدمة في ذلك المقام المقدس، جبرئيل عن يمينه ~~يعضده، وميكائيل عن يساره يمجده. PageV02P416 # ولما وضع تاج الكرامة على همته، وافرغت خلع العصمة على أعطاف نبوته، أثبت ~~الكرام الكاتبون نسخة الميسور في رق منشور، متصل الثبوت إلى يوم النشور، ~~يفخر اللوح المحفوظ بتقريره، ويزهر الكتاب المسطور بمسطوره، وتشرق السموات ~~السبع بنوره، ويخضع كل أمير لشرف أميره، اعيد إلى قراره من البلد الحرام، ~~بعد أخذ ميثاق ولايته على الخاص والعام، الروحانيون يتألمون لفراقه، ~~والكروبيون مكتنفوا براقه، وجبرائيل آخذ بركابه، وميكائيل غاشيه دار جنابه، ~~قد نشرت أعلام الفخر ms548 عليه، وسلمت مقاليد الجنة والنار إليه، وجعل مدار أمر ~~الدنيا والآخرة في قبضة حكمه، وعلوم الأولين والآخرين كالقطرة في بحر علمه. # فما عسى أن أقول في وصف من «لولاك لما خلقت الأفلاك» حلة نبوته، والسفرة ~~الكرام البررة من الأملاك ملازموا حضرته، وسموه بعزل السماك الأعزل سمو عن ~~مقام رفعته، وعلوه يتبدل انباك المجرة علو بعالي همته، به قوام العالم، وله ~~مقام السلطنة على بنى آدم، ناقل كل مجد رفيع مجده، ويخضع كل شريف لشرف جده، ~~ويفخر الخليل ببنوته، وتشمخ جبريل بنبوته، وتفضل إسماعيل على إسرائيل ~~بوصلته، ويمن اللطيف الخبير على الجم الغفير من خلقه ببعثته. # البائع نفسه من خالقه، الواضع سيفه على عاتقه، تلوذ الأبطال بجانبه إذا ~~حمي الوطيس، وتعوذ الرجال بشجاعته إذا التقى الخميس بالخميس، سل عنه بدرا ~~واحدا إذ انزلت الملائكة المتوجون له جندا. # لما قام داعيا إلى الله على بصيرة من أمره، مخلصا في جهاد أعداء الله في ~~علانيته وسره، قاطعا في الله الأقربين من اولي أرحامه، واصلا للأبعدين ~~بآلائه PageV02P417 # وإنعامه، تألبت على قتاله أحزاب الشيطان، وتكتبت لاستئصاله كتائب ~~البهتان، وخلعت العرب أعنة الطاعة لأمره، ورامت خفض ما رفع إليه من قدره، ~~وهد ما شد من أركانه، وهدم ما اسس من بنيانه، وإدحاض ما أوضح من حجته، ~~وإخفاء ما بين من أدلته، وأبى الله إلا أن ينصر دينه، ويؤيد نبيه وأمينه. # ولم يزل (صلى الله عليه وآله) مجاهدا صابرا يتلقى حدود الصفاح بشريف ~~طلعته، ويقابل رءوس الرماح بزاهر بهجته، ويذل بشدة بأسه كل متكبر جبار، ~~ويفل بشباء سيفه كل متغلب ختار، يباشر بنفسه الحتوف، ويتلقى بوجهه السيوف، ~~حتى كسرت في احد رباعيته، وشجت لمناوشته القتال جبهته، وقتل في بدر واحد ~~وحنين أهله واسرته، لم يثنه ثان عن نصرة دين الله، ولم يكن له في الخلق ثان ~~في جهاد أعداء الله. # قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه): كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول ~~الله (صلى الله عليه وآله)، فلم يكن أحد منا أقرب إلى العدو منه. (1) # ولم يزل ms549 (صلى الله عليه وآله) يقاسي الأهوال في حروبه وغزواته، ويقطع ~~الآجال بتواصل صولاته وعزماته، حتى قبضه الله إليه سعيدا، ودعاه إلى جواره ~~شهيدا، موفيا ببيعته، موضحا سبيل الحق بدعوته، ولما نقله الله إلى جواره ~~وقبضه إليه واختاره اشتد البلاء على ذريته، وضاق الفضاء بعترته، ورمتهم عصب ~~الباطل بسهام نفاقها، وأصمت منهم المقاتل بمعابل شقاقها، وجحدت نص الغدير ~~ولم يطل العهد، وضللت الهادي البشير ولم تخلف المعتمدة (2)، PageV02P418 # ووضعت الحق في غير محله، ونكثت ما عاهدت عليه الرسول في أهله، وأظهرت ~~فيهم الأجناد، ورمتهم عن قوس واحدة دون العباد، ومنعت الزهراء نحلتها من ~~والدها، وردت شهادة شاهدها، ولطموا خدها وخلوا جدها، حتى ماتت بغصتها من ~~قولهم وفعلهم، وأوصت أن تدفن ليلا من أجلهم. # يا ويلهم مما ارتكبوا من ظلم آل نبيهم، واحتقبوا من غصب حق وليهم، جعلوا ~~الضرير يقود مبصرهم، والضليل الشرير حبرهم وخيرهم، والكذوب على الله ورسوله ~~زعيمهم وصديقهم، الظلوم لآل وليهم وفاروقهم، فضلوا وأضلوا، وزلوا وأزلوا، ~~وسلكوا منهاج الشرك، وأظهروا كلمة الكبر، وارتدوا عن الدين الحنيف، وباعوا ~~الآخرة بالنزر الطفيف. # فأبعدهم الله كما بعدت ثمود، وأوردهم النار وبئس الورد المورود، ذلك ~~بأنهم اتخذوا آيات الله هزوا ولعبا، وافتروا على الله كذبا، فأبوا شر مآب، ~~ونكصوا على الأعقاب، حتى إذا اكملت العدة، وانقضت المدة، وأرهقتهم سعور ~~وقدموا على ما قدموا من موبقات الذنوب وتكدر من دار غرورهم ما راق وصفا، ~~ورأوا المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا. # قد تهيأت ملائكة العذاب لعذابهم، وسجرت دركات النيران لعقاقهم، وحاق بهم ~~ما كانوا بهم يستهزءون، وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون، وشاهدوا كتاب عملهم قد أحصى ما اقترفوه حسابا وعدوا قالوا: يا ~~ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها؟! ووجدوا ما ~~عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا هنالك تشتمل أعناقهم الأغلال بجوامعها، ~~وتنتابهم الزبانية بمقامعها، ويلقون في شر سجن يشرف عليهم إبليس فيلعنهم، ~~وتطلع إليهم عبدة الأوثان فتوبخهم، لا فترة من ريحة عقابها، ms550 ولا يقضى عليهم PageV02P419 # فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها. # لم يرض وليهم وفاروقهم، بل جبتهم وطاغوتهم بتقلد عارها في دار الفناء، ~~حتى احتقبه وزرها إلى دار البقاء، وأفضى بوصيته إلى من ضارعه من أهل ~~النفاق، وتابعه من اولي الشقاق، بقتل ذرية نبيهم، والانتقام من عترة وليهم، ~~وألا يقتلوا عترتهم، ولا يرحموا عبرتهم، فنسجوا على منواله، واقتدوا ~~بأفعاله وأقواله، وقتلوهم تحت كل كوكب، وذهبوا بهم كل مذهب. # فلا أنس وإن نسيت، ولا يعزب عن علمي ما حييت، قائدة الفتنة، وقاعدة ~~المحنة، ابنة رأس الظلمة، وأساس الآثمة، أول باغ بغى في هذه الامة، وأخبث ~~طاغ طغى وأحل بآل الرسول ظلمه، يخب بها جملها من البلد الحرام، قد أجلبت ~~بخيلها ورجلها على علمة الإسلام، وإمام الأنام، أفضل من صلى وصام، وأجمل من ~~نام وقام، وأكمل من دق ودرج، وأتقى من ولج وخرج، قصام الأصلاب إذ تضرم ~~الوقائع نارها، وقسام الأسلاب حين تضع الحرب أوزارها. # شقيق النبي في المجانسة، ورفيقه في المجالسة، ومساويه في الحقيقة، ~~ومواليه في الطريقة، ونفسه في المباهلة، وسيفه في المصاولة، وعليه الأعلى، ~~ووليه الأدنى. # أعبد العباد، وأزهد الزهاد، وبدل الأبدال، ومنكس الأبطال، يقط الأصلاب إن ~~بارز، ويجز الرقاب إن ناجز، يمشي إلى الحتوف مشيا سجحا، ويبدي للضرب وجها ~~سمحا، يخطر في الحرب والمنايا أليفة سيوفه، ويشمر للضرب والبلايا طلائع صفوفه. # كم قصم قفارا يدي قفاره؟ وكم جندل مغوارا بشباء غراره؟ وكم افترس PageV02P420 # أسدا بثعلب رمحه؟ وكم فل عددا بمبين فتحه؟ وكم أغنى عائلا بعد سوء حاله؟ ~~وكم آثر سائلا بقوته وقوت عياله؟ # كالبدر المنير وجهه عند السؤال، وكالبحر الغزير كفه عند النوال، وكالشمس ~~الطالعة عند حل المشكلات، وكالهضبة المانعة عند حلول المعضلات، وحلة ~~إمامته @QUR@02 إنما وليكم (1)، وحلية زعامته @QUR@03 قل لا أسئلكم* ~~(2)، وجبريل في وقائعه مكتب كتائبه، وميكائيل في حروبه يعجب من ضرائبه. # فهو علم الإسلام، وعالم الأنام، وحبر الزمان، وحبوة المنان، من تسمى ~~بإمرة المؤمنين سواه فالتراب بل الكثكث بفيه، ومن انتمى في الشرف إلى غير ~~علاه فالوبال والنكال له ms551 وفيه، فما عسى أن أقول في وصف سيد نفسه نفس سيد ~~الأنبياء، وعرسه سيدة النساء، وغرسه أئمة الهدى، وشجرته من دوحة الأصفياء، ~~راهب الليل، ومجاري السيل، ومدوخ كل عنيد، ومشدخ كل صنديد، صاحب بدر واحد ~~وقاتل عمرو بن ود، ضربته يوم الأحزاب تعادل عمل الامة إلى يوم الحساب. ### ||| [أبيات للمؤلف (رحمه الله)] # هو الامام الذي ما شانه نجل %~% ولا نبي قلبه عن قرنه فشل # من وجهه قمر في لحظه قدر %~% في سخه أجل من عفوه أمل # إذا مشى الحين والسيف في يده %~% حسبت بدر الدجى في كفه زحل PageV02P421 # ما زال في الأرض أبطال فمنذ نشأ ال %~% وصي أبطلها يوم الوغى بطل # ينبي ببدر فقال المبصرون له %~% جلاله ملك ذا الشخص أو رجل # سل سلة البيض من سل النفو %~% س بها من تخطت به الخطية الذبل # تراه يقطع آجال الكماة إذا %~% ما واصل السيف ضرب منه متصل # حسامه ينثني من عند هزته %~% كأنه من طلى أعداءه ثمل # للسيف في يده ضحك وليس فم %~% وللرؤوس بكاء منه ولا مقل # سائل به في الوغى والموت يقذفه %~% والرعب مقتبل والضرب مختبل # والبيض إن واصلت بيض الرءوس ترى %~% لها الرءوس عن الأجساد تنتقل # والمشرفية عند الضرب مشرفة %~% والسمهرية عند الطعن تشتعل # والخيل راكعة في النقع ساجدة %~% لها من الدم ثوب مسبل خظل # والليل نقع وهاتيك الأسنة قد %~% يلمعن فيه نجوم ثم او شعل PageV02P422 # هناك تلقى به سيفابمضربه %~% جهل على معشر للحق قد جهلوا ### ||| خطبة مشتملة على السور القرآنية: # ذاك صديق النبي الأكبر، ووصيه الأطهر، أبي شبير وشبر، المسمى بحيدر، وما ~~أدراك ما حيدر؟ هو الكوكب الأزهر، بل القمر الأنور، الذي فضائله في فاتحة ~~الذكر مذكورة، ومناقبه في أم الكتاب مسطورة. # @QUR@09 ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله (1) في سورة البقرة ~~بفضله قاطعة، وفي آل عمران رجالا ونساء لشرف رجاله ونسائه خاضعة، ووجوه ~~المحامد مصروفة إلى مائدة إنعامه، وأعراف أنفاله، والبراءة من النار لا ~~تكتب إلا للمخلص بولائه وولاء آله، ويونس في الظلمات دعى ربه ms552 بجاهه وحقه، ~~وهود يوم الطاغية توسل بإخلاصه وصدقه، ونجى به يوسف من كيد إخوته لما ~~أرعدوا وأبرقوا، @QUR@05 وألقوه في غيابت الجب (2) وبينه وبين أبيه فرقوا، ~~وصارت النار بردا وسلاما على إبراهيم لكونه في صلبه، ولا جلس من حجر إلا من ~~حرها، و@QUR@03 أتى أمر الله (3) إليه بوجوب حبه. # وكشف الجليل سبحانه ليلة الاسراء لنبيه الحجب من الملكوت الأعلى حتى شاهد ~~من وراء الحجب جلال بهجته، وأنزل عليه الكتاب @QUR@06 ولم يجعل له عوجا ~~قيما (4) بفرض إمامته، وضربه مثلا كابن مريم فأذعن من أذعن، وصد PageV02P423 # من صد، وفضله نبينا طه على سائر الأنبياء، فقبل من قبل، ورد من رد، ~~وائتمنه (صلى الله عليه وآله) على تأدية براءة يوم الحج الأكبر وأن يفيد ~~إلى المشركين عهدهم، فأقر الله عيون المؤمنين في ذلك اليوم بنور فرقانه، ~~وأعلى مجده وأثنى عليه في محكم تنزيله. # فما عسى أن يقول البلغاء والشعراء في وصفه، وآتاه ملكا يفوق ملك صاحب ~~النمل وأيده بلطفه، قصص الذكر في بدر واحد بذكر شجاعته ناطقة، وأحاديث مصير ~~دين الشرك كالعنكبوت يوم كسره الأصنام صادقة، وللذكر موافقة، بطلت أبطال ~~فارس والروم عند ذكر شدته وقوته، وغدت حكمة لقمان كالقطرة في اليم في جنب ~~حكمته، وامرت أحكام البلاغة بالسجدة لكعبة بلاغته. # كم سبا بفاطر حسامه في حروبه من المشركين ذرية ونساء؟ وكم أباح الله ~~للفقراء والمساكين من فيض أكفه ثراء وغناء، @QUR@07 وكل شيء أحصيناه في ~~إمام مبين (1) راية مجده، @QUR@04 وقفوهم إنهم مسؤلون (2) في سورة ~~الصافات آية عهده. # كم صاد بثعلب رمحه في حروبه أسدا، وفرق زمرا؟ وكم أغنى بطوله عائلا، وآثر ~~فيه من صنائعه أثرا؟ في الذكر الحكيم آيات مناقبه فصلت، وفي سورة الشورى ~~تفاصيل مراتبه اجملت، زخرف حج أعدائه كالدخان يعلو ثم يذهب جفاء، وأعلام ~~شريعته تسمو إذ غيرها تصير هباء. # لما جعله سبحانه صاحب أحقاف الأعراف في الاخرى، وأيده في قتاله PageV02P424 # بالفتح، وأسكنه حجرات الرئاسة الكبرى، صار ملكه شاملا بسيط بساط الأرض من ~~قاف إلى قاف، وسلطان أعدائه كرماد اشتدت به الذاريات بشدة ms553 الاعصاف، فضل ~~صاحب طور سيناء في جنب فضله كفضل النجم بالنسبة إلى القمر، وواقعة سيفه إلى ~~الايمان بالرحمن أشهر من أن تشهر، كالحديد قلبه في مجادلة عصب الضلال، ~~وكالبحر كفه لكن فيضه بالعذب الزلال. # شفيعنا إلى ربنا في حشرنا، ومعاذنا يوم معادنا ونشرنا، قلوبنا ممتحنة ~~بحبه إذ اوقفنا كصف الجمعة بين يدي إلهنا، وصار المنافقون في تغابن إذ نرى ~~مقام إخلاصنا، لما التزم (صلوات الله عليه) بطلاق الدنيا وتجرعها على نفسه، ~~آتاه الله ملكا عظيما وأيده بروح قدسه، وأجرى قلم القدرة على لوح المشية ~~بدوامه إلى حين حلول الحاقة الكبرى، وزاده ذو المعارج بسطة في العلم والجسم ~~فما أحقه بالمجد وأحرى، سأل نوح ربه بحقه فنجا من الطوفان والغرق، وإليه ~~يفزع الجن والإنس إذا حسرت الأنام والجم الخلق العرق، جعل المزمل المدثر ~~بأمر الله الرئاسة العامة فيه وفي نجله إلى حين حلول القيامة الطامة، يوم ~~ينظر الانسان ما قدمت يداه (1) من ولائه وحبه، وترى مرسلات العذاب آخذة ~~أعداءه إلى النار بإذن ربه، فهو النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون (2)، ~~والعهد المأخوذ في عالم الذر فهم عنه مسئولون. # فيا حاسد صيرت مدائحي له روحه في النازعات وقلبه أعمى، وكورت إنسان بصره ~~فصار عن ضوء شمس الحق أعشى، بلت كبدك إذا السماء انفطرت من رائق شعري، ~~وعيناك إذا النجوم انكدرت من فائق نثري، رمت تطفيف PageV02P425 # مكيال فصلي فانشقت هامة فؤادك، وتبرجت في بروج تيهك فهوى طارق مرادك، رمت ~~أن تكون الأعلى على جواد فصاحتي فصرت حامل الغاشية، وأردت إخفاء فجر بلاغتي ~~فصارت حمقتك في البلد فاشية. # لما أشرقت شمس فضلي كاشفة ليل الضلال بضحاها، انشرحت صدور المؤمنين فما ~~أحلاها في قلوبهم وأجلاها، وما عسى أن أقول في وصف من التين والزيتون بفضله ~~نطقت، والدنيا والآخرة لذريته خلقت؟ ناداني ربي في سرائري: @QUR@05 اقرأ ~~باسم ربك الذي خلق (1)، وانطق بمدح وليك فما أعلى قدر من يمدحه نطق، بينة ~~دعواك جنة لذي معدلة، وأقدام أعدائك عن طريق الحق مزلزلة، لا تخف عاديات ~~قارعتهم فهم الذين ms554 ألهاهم التكاثر وحب الرئاسة، وفتنتهم عصر الدنيا وطلب ~~النفاسة، حتى صار كل منهم همزة لمزة قد جمع مالا وعدده، يحسب أن ماله ~~أخلده (2)، @QUR@08 ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (3). # لما على ربهم تكبروا؟ أما سمعوا ما حل بقريش لما على نبيهم تجبروا؟ # صار ماعون شركهم مكفو في بدر بكف صاحب الكوثر، وناداهم الحق سبحانه: سحقا ~~لمن أصر على الجحد بصاحب الفتح في الأحزاب وخيبر، وتبا لمن نازع من فضله من ~~أهل التوحيد وفضله من فلق الصبح أشهر، وأضحى مقدما عليه في الناس من لا ~~يعادل شسع نعل عبده قنبر. # هذه الذي أوردت ذرة من طود دلائله، وصببت قطرة من بحر فضائله، PageV02P426 # وذكرت قليلا من كثير من حلائل مناقبه، وأسمعت نزرا من غزير من فواضل ~~مراتبه، هو الذي أجلبت المدعوة بامكم على حربه، وكشفت عن ساق عداوته وثلبه، ~~ونكثت بيعته، وقتلت شيعته، وخالفت أمر ربها وبعلها، وأجلبت على هدم الإسلام ~~بخيلها ورجلها، فلعنة الله على فرعها وأصلها وقومها وأهلها، أجلبت على حرب ~~أشرف العالمين قبيلا وأقومهم قيلا، الذي من استمسك بحبل ولائه فقد ابتغى ~~إلى ذي العرش سبيلا (1)، الذي أنزل الله فيه وفي أهل بيته @QUR@018 رجال ~~صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا ~~تبديلا (2). ### ||| [إخبار النبي (صلى الله عليه وآله) باستشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام)] # عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي، ما ينتظر أشقى هذه الامة ~~فيضربك على هامتك ضربة يخضب منها لحيتك؟ # وروي أيضا عنه (صلى الله عليه وآله): يا علي، كأني بك وأنت قائم تصلي ~~لربك وقد انبعث أشقى الأولين وأشقى الآخرين، شقيق عاقر ناقة ثمود، فضربك ~~على هامتك ضربة خضب منها لحيتك. # قال أمير المؤمنين: فقلت: يا رسول الله، أفي سلامة من ديني؟ # قال: نعم، في سلامة من دينك. # يا علي، من قتلك فقد قتلني، ومن أبغضك فقد أبغضني، ومن سبك فقد سبني، ~~لأنك مني وأنا منك، طينتك طينتي، أنت أبو ولدي، وخليفتي على أمتي في حياتي ms555 ~~وبعد موتي، اقسم بالله إنك أمير المؤمنين وحجة الله على PageV02P427 # الخلق أجمعين (1). # روي أن أمير المؤمنين قال لابنته أم كلثوم ليلة ضرب: يا بنية، إني أراني ~~قل ما أصحبكم. # قالت: وكيف يا أبتاه؟ # قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يمسح الغبار عن وجهي ~~ويقول: يا علي، لا عليك لا عليك، قضيت ما عليك. # قالت: فما مكثنا حتى ضرب تلك الليلة. # وفي رواية أنه قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يشير إلي بكفه: # يا علي إلينا إلينا، فما عندنا خير لك (2). ### ||| [أبيات للحسن بن علي (عليه السلام) في رثاء أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام)] # ولما فاز (صلوات الله عليه) بدرجة الشهادة، وحاز دوحة السعادة، قال ~~مولانا وسيدنا السبط التابع لمرضاة الله: # أين من كان لعلم ال %~% مصطفى في الناس بابا؟ # أين من كان إذا ما %~% أقحط الناس سحابا؟ # أين من كان إذا نو %~% دي في الحرب أجابا؟ # أين من كان دعاه %~% مستجابا ومجابا (3) # غيره: # قام في المحراب لله يناجي %~% فانبرى أشقى الورى نجل الزيوف PageV02P428 # فلق الهامة من خير وصي %~% فاز بالزلفة في الشهر الشريف # وأذاقوا الفتى السم عمدا %~% لعنة الله على الرجس المديف ### ||| [أبيات للزاهي، واخرى لابن حماد العبدي] # يا آل أحمد ما ذا كان جرمكم %~% فكل أرواحكم بالسيف تنتزع # تلقى جموعكم صرعى مشتتة %~% دون الأنام (1)وشمل الناس مجتمع # وتستباحون أقمارا منكسة %~% تهوى وأنفسها (2)بالسمر تنتزع # ما للحوادث لا تعنو بظالمكم؟ %~% ما للمصائب عنكم ليس ترتدع؟ # منكم طريد ومقتول على ظمأ %~% ومنكم دنف بالسم منصرع # ومن محرق جسم لا يزار له %~% قبر ولا مشهد يأتيه مرتدع (3) # يا آل بيت محمد وجدي بكم %~% قد قل عنه تصبري وتجلدي # ما للمصائب أنشبت أظفارها %~% فيكم فبين مطرد ومشرد؟ # من كل ناحية عليكم نائح %~% ينعاكم في مأتم متجدد # من ذا أنوح له ومن أبكي ترى %~% تبعا لكم يا آل بيت محمد PageV02P429 # أعلى قتيل الملجمي وقد ثوى %~% متخضبا بدمائه في المسجد # أم للذي للسم اسقي عامدا %~% أم للغريب النازح المتفرد؟ # أم ms556 للعطاش مجندلين على الثرى %~% من كل كهل سيد ومسود؟ # أم للرؤوس السائرات على القنا %~% مثل البدور إذا سرت في الأسعد؟ # أم للسبايا من بنات محمد %~% تسبى مهتكة كسبي الأعبد (1) # وثن بابنة آكلة الأكباد الزنيم الطاغي، وابن هند الأثيم الباغي، رأس ~~العصابة الأموية، وابن الفاجرة البغية، كيف أجلب على حرب أمير المؤمنين، ~~وقتل أعلام المهاجرين الأولين، ووسم غير إبله، وخالف الله ورسوله بقوله ~~وعمله، ثم دبر في قتل سبط المصطفى، وقرة عين سيدة النسا، وأداف له قواتل ~~سمومه، ولم يحسن الله في حديثه وقديمه، بعد أن فرق جموعه بتدبيره ومكره، ~~وأفسد جنوده بذهابه وغدره؟ # وأعانه على ذلك قوم ظاهرهم الوفاق، وباطنهم النفاق، غرتهم الدنيا ~~بزينتها، واستهوتهم بزهرتها، فباعوا الآجلة بالعاجلة، والعالية بالسافلة، ~~ونكثوا عهده، وأخلفوا وعده، ولم يحفظوا النبي في عترته، ولم يراعوا الوصي ~~في اسرته، وانتهبوا ثقله، وراموا قتله، وأظهروا ما كان من غدرهم مصونا، PageV02P430 # ومن حقدهم مكنونا، وأطلع الله وليه على ما دبروا، وحاق بهم سيئات ما ~~مكروا، فمال (صلوات الله عليه) إلى إظهار الهدنة، وإطفاء الفتنة، لعدم ~~الناصح، وقلة المناصح، وحقنا لدماء ذريته وذويه، وظنا بالمخلصين من شيعته ~~وشيعة أبيه، وعاد إلى حرم جده وقد حصل ما حصل، وعاد بدار الهجرة وهو أعلم ~~بما فعل، كل ذلك وابن هند يدبر في إهلاكه، وينصب له أشراك كفره وإشراكه، ~~حتى قضى (صلوات الله عليه) شهيدا سعيدا، مظلوما مسموما، قد انتهكت حرمة ~~الرسول بانتهاك حرمته، وعظمت مصيبة البتول لعظم مصيبته. ### ||| [أبيات للصقر البصري] # يا خير مبعوث وأكرم مرسل %~% أضحى لدين الحق فينا شارعا # لو أن عينك عاينت بعض الذي %~% ببنيك حل لقد رأيت فظائعا # أما ابنك الحسن الزكي فإنه %~% لما مضيت سقوه سما ناقعا # ففروا به كبدا لديك كريمة %~% منه وأحشاء له وأضالعا # وسقوا حسينا في الطفوف على الظما %~% كأس المنية فاحتساها جارعا # قتلوه عطشانا بعرصة كربلا %~% وسبوا حلائله وخلف ضائعا PageV02P431 # جسدا بلا رأس تمد على الثرى %~% رجلا به وتكف اخرى نازعا (1) # قيل: لما بلغ معاوية موت الحسن (عليه السلام) سجد ms557 وسجد من حوله، وكبر ~~وكبروا معه، فدخل عليه ابن عباس بعدها، فقال معاوية: يا ابن عباس، أمات ~~الحسن أبو محمد؟ # قال: نعم، رحمة الله وبركاته عليه وعلى روحه وبدنه، وبلغني تكبيرك ~~وسجودك، أما والله لا يسد جثمانه حفرتك، ولا يزيد انقضاء أجله في عمرك. # قال: أحسبه ترك صبية صغارا ولم يترك عليهم كثير معاش. # فقال: إن الذي وكلهم إليه غيرك، وكلنا كنا صغارا فكبرنا. # قال معاوية: فأنت تكون سيد القوم بعده؟ # فقال: أما وأبو عبد الله الحسين حي، فلا. (2) # يا ابن بنت المصطفى %~% وابن الوصي المرتضى # بك حزني ماله %~% حتى مماتي انقضا # كان ودي لو أكن %~% منك بروحي عوضا # فيمن الله على %~% رمسك برد ورضا ### ||| [كلام للمؤلف (رحمه الله)] # وإذا ما مر ذكر الواقعة العظمى، والمصيبة الكبرى، وما مر بعرصة كربلاء ~~بذرية المصطفى، ففرغ نفسك- أيها المؤمن- لقيام المآتم، واستفرغ غرب PageV02P432 # عيونك بالدموع السواجم، وطلق النوم إلا غرارا (1)، واذرف الدموع من ~~العيون مدرارا، بمصيبة من هدمت مصيبته الايمان هدما، وتهضمت واقعته الإسلام ~~هضما، وأكسبت قلوب المؤمنين حزنا وغما، وألبست ألباب العارفين حيرة وهما. # يا لها مصيبة شقت لها من المؤمنين قلوبهم لا جيوبهم، وتجافت لعظيمها عن ~~المضاجع جنوبهم، وأبكت السماء دما وترابا، وحيرت من اولي العرفان أفكارا ~~وألبابا، واضطربت لهولها السبع العلى، واهتز لها عرش المليك الأعلى، النبي ~~والوصي فيها أهل العزاء، وسيدة النساء تود لو تكون له الفداء! أنسى كل ~~مصيبة مصابها، وأمر كل طعم صابها، وأدارت بكؤوس الأحزان على قلوب المؤمنين، ~~وجددت معاهد الأشجان في نفوس المخلصين، سعرها لا ينسى وإن تقادمت الأيام، ~~وذكرها لا يستقصى وإن تعاقبت الأعوام، كست السماء بحمرة نجيع شهدائها شفقا، ~~وأذكت في قلوب المؤمنين بقادح زنادها حرقا، وأنفدت بتراكم أحزانها ماء ~~الشؤوب، وأذابت بتفاقم أشجانها القلوب، فأسالتها دما من العيون، فإنا لله ~~وإنا إليه راجعون، أي مصيبة طمت وعمت، وأشجت قلوب المؤمنين وأغمت؟ # فيا إخواني الذين نور الله قلوبهم بأنوار الايمان، وأظهر نفوسهم على ~~أسرار العرفان، وسلك بهم سبيل نبيه وعترته، وألزمهم التمسك بحبل وليه ms558 ~~وذريته، وجعل حب آل محمد شعارهم ودثارهم، وقربهم زلفى من رضوانه باتباعهم ~~آثارهم، جددوا في هذا اليوم معاهد الأحزان، وأفيضوا الدموع المقرحة ~~للأجفان، واستشعروا شعار الأسف فهذا زمانه، وأظهروا شعار الجزع PageV02P433 # فهذا أوانه، وعزوا نبيكم المصطفى في هذا اليوم بسبطه، وأسعدوا وليكم ~~المرتضى على مصابه برهطه، فإن البكاء في هذا اليوم لمصاب آل الرسول من أفضل ~~الطاعات، وإظهار الجزع لما نال ولد الطاهرة البتول من أكمل القربات. # روى مسمع بن عبد الملك كردين البصري (1)، عن سيدنا أبي عبد الله الصادق ~~(عليه السلام) قال: يا مسمع، إن السماوات والأرض لم تزل تبكي مذ قتل أمير ~~المؤمنين (صلوات الله عليه)، ومن يبكي لمصابنا من الملائكة أكثر من ذلك، ~~وما من عبد بكى رحمة لنا إلا (رحمه الله) قبل أن تخرج الدمعة من عينه، فإذا ~~سالت على خده فلو أن قطرة منها سقطت في جهنم لأطفأت حرها حتى لا يوجد لها حرارة. # وما من ذي قلب يتوجع لمصيبتنا إلا أعطاه الله فرحة عند موته لا تزال معه ~~حتى يرد علينا الحوض، وإن الكوثر ليفرح بالمؤمن يقدم عليه فيسقى منه شربة ~~لا يظمأ بعدها أبدا، ولا سقي بعدها أبدا، وإنه لفي طعم الزنجبيل، ورائحة ~~المسك، أحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وأصفى من الدمع، وأذكى من العنبر، ~~يخرج من معين تسنيم، فيمر في أنهار الجنة على رضراض (2) الدر والياقوت، ~~وإن رائحته لتشم من مسيرة ألف عام وعليه قدحان من الدر والياقوت أكثر عددا ~~من نجوم السماء، وعلى حافته أمير المؤمنين (عليه السلام) قائم وبيده عصا من ~~عوسج يذود بها أعداءنا، وإن الرجل منهم ليأتي فيقول: يا أمير المؤمنين، ~~اسقني شربة فإني كنت في دار الدنيا مقرا بالشهادتين. # فيقول له أمير المؤمنين: ارجع إلى إمامك الذي كنت تتولاه في دار الدنيا PageV02P434 # وتقدمه على إمام الحق فاسأله فليشفع لك. # فيقول: يا مولاي، إن إمامي الذي ذكرت شر مني. # فيقول له أمير المؤمنين: ارجع وراءك لا سقاك الله أبدا. (1) ### ||| [أبيات للمؤلف (رحمه الله)] # رزء سبط النبي خير ms559 شهيد %~% بفؤادي أحل نار الوقود # وأذاب الفؤاد مني فأجراه د %~% ما في محاجري في خدودي # حزن قلبي وإن تقادم عهدي %~% بي جديد في كل يوم جديد # ليس لي مونس إذا جن ليلي %~% غير وجدي وحرقتي وسهودي # سقم جسمي على عظيم مصابي %~% واصفراري أدلتي وشهودي # وإذا رمت أن اكفكف دمعي %~% قال حزني في القلب هل من مزيد؟ # ما تذكرت ما جرى يوم عاشورا %~% ء على سبط أحمد المحمود # من بني العاهرات آل زياد %~% وأعق الورى وشر العبيد PageV02P435 # وابن سعد إلا ونضد وجدي %~% من دموعي قلائد في جيدي # ويزيد الغرام في مهجتي إن %~% مر تذكار ما جرى من يزيد # إذ بنو المصطفى تساق إلي %~% ه في وثاق وذلة وقيود # وكريم على سنان سنان %~% يخجل البدر في ليالي السعود # لهف قلبي وحر صدري على %~% أشرف مولى نمته خير جدود # في صعيد الطفوف ثاو به ش %~% رف أكرم بتربة من صعيد # منعوه شرب المباح ولكن %~% جعلوا ورده نجيع الوريد # يا بني المصطفى وحق الذي أن %~% زل فيكم من المليك المجيد # وبما في جوانحي وفؤادي %~% من وفاء لكم وصدق عهود # إن في مهجتي لعظم مصابي %~% بكم ما يذيب صلد الحديد ### ||| [كلام للمؤلف (رحمه الله)] # يا إخواني الذين ارتضاهم الله لدينه، وسقاهم من زلال الاخلاص أصفى PageV02P436 # معينه، وألزمهم كلمة التقوى، وأمرهم بالتمسك بالسبب الأقوى، اعلموا أن ~~هذا اليوم يوم كسف فيه بدر الايمان بل شمسه، وذوي غصن الايمان بل غرسه، ~~وفتحت أبواب الجنان لأرواح بذلت وسعها في طاعة ربها ووليها، وسجرت دركات ~~النيران لأنفس قادها الشقاء إلى متابعة شيطانها وغويها. # هذه تتلقاها الملائكة الكرام بالبشرى بالنعيم المقيم، وهذه يتولاها ~~الزبانية الغلاظ الشداد بالعذاب الأليم، هيئ لهذه نزل من غفور رحيم، ولهذه ~~نزل من حميم وتصلية جحيم، هذه تعانق الحور العين، وهذه تقرن مع الشياطين في ~~سجين، هذه ربحت تجارتها، وهذه خسرت صفقتها، كم بين من تجاوز النبي والوصي ~~في درجته، وبين من يقرن مع الشيطان الغوي في جامعته؟ كم بين من اريق دمه في ~~نصرة وليه ms560 وابن رسوله، وبين من باع دينه بدنيا شيطانه وضليله؟ # فيا إخواني أذيبوا القلوب في هذا اليوم بشدة حزنكم، وصعدوها دما من شئون ~~جفونكم بنار جزعكم، وأطفئوا غضب ربكم بمعين دمعكم، ووجهوا إلى قتلة أولاد ~~النبيين مطايا لعنكم وسبكم، واذكروا سيدكم، وقرة عين نبيكم وإمامكم، وثمرة ~~قلب وليكم، وقد ضاقت به المسالك والمذاهب، وأحدقت به الأعداء من كل جانب، ~~ومنعوه من شرب المباح، وجعلوا ورده نجيع الجراح. # ترى الأطهار من ذريته، والأبرار من شيعته، قد سقوا كئوس الحتوف بعد ~~الظما، وبلغوا من حدود السيوف حد الردى، ذوي أطراف مقطعة، وأشلاء مبضعة، ~~تسفي عليهم الأعاصير بذيولها، وتطأهم الأعداء بخيولها. # والنسوة اللاتي يعدون النبي والوصي جدا وأبا، أصحاب @QUR@02 قل لا PageV02P437 # @QUR@07 أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى (1)، يلذن به صارخات، ~~ويتوسلن به ضارعات، قد قتلت رجالهن، وذبحت أطفالهن، وهو يدافع عنهن صابرا، ~~ويمانع دونهن ثائرا، كالأسد الهاصر، أو النمر الجاسر، يبري بسيفه المعاصم، ~~ويجز الغلاصم، ويقط الأصلاب، ويقص الرقاب، ويندر الأكف مع الأعضاد، ويفرق ~~بين الرءوس والأجساد، إن قصد قصد البطل ألقمه حصيصا، وإن صمد صمد مبادر ~~غادره بغصنه حريصا، باع من الله روحه وجسده، وبذل في الله ماله وولده، لا ~~يزيده قلة الأنصار إلا بصيرة من أمره، ولا يكسبه تظافر الأشرار إلا إخلاصا ~~في علانيته وسره. # وأعانه على امتثال أمر الله عصابة من ذويه واسرته، ومتابعيه من شيعته، ~~باعوا أنفسهم من الله بنعيم جنته، فربحوا الزلفى من عظيم رحمته، فلو تراهم ~~وقد أظلم ليل نقع الحرب، وبلغت القلوب الحناجر لوقع الطعن والضرب، والأعداء ~~محدقة بهم من كل جانب، والأسنة في الدروع كالنجوم في ظلم الغياهب، والسيوف ~~لاختلاف المضارب كالبروق في كهول من ثقال السحائب، والخيل راكعة ساجدة من ~~دفع القنا في صدورها، والرجال متلقية حدود الصفاح ورءوس الرماح بقلوبها ~~ونحورها، والولدان المخلدون قد أترعت الأكواب والأباريق للعطاش من ذرية ~~المصطفى، والحور العين قد هيأت فرشا من سندس بطائنها من استبرق لأجسادهم ~~المرملة بالدماء، والملائكة الكرام تعجب من صولة سطوتهم بتصميم عزيمتهم ~~وشدة ms561 جردهم مع قلة عددهم لرأيت وجوها كالبدور في ظلم النقع مشرقة، واسدا في ~~غاب الرماح مطرقة، يرون الموت في طاعة ربهم أحلى من العسل المشار، PageV02P438 # وارتكاب الأخطار أولى من ركوب العار. # أصبحوا في عرصة كربلاء مصرعين بين الروابي والدكادك، وأمسوا في جنة ~~المأوى متكئين على الأرائك، لقوا الله فوفى لهم بما عاهدهم، وأنالهم الحسنى ~~وزيادة على ما وعدهم، أجلسهم على بساط انسه في ظل جنابه، وسقاهم من رحيق ~~قدسه أصفى شرابه، وناداهم في سرائرهم، وخاطبهم في ضمائرهم: يا من بذلوا ~~أنفسهم في طاعة وليي وابن أوليائي، واريقت دماؤهم ذابين عن صفيي ونجل ~~أصفيائي، تبوءوا من النعيم المقيم ما لا عين رأت، ولا اذن سمعت، ولا خطر ~~على قلب بشر، وهذا سيدكم أبو عبد الله الحسين على الأثر. # ولما صارت أشباحهم منبوذة بالعرا، وأرواحهم منعمة في الرفيق الأعلى، ~~ورءوسهم منتزعة عن أبدانها بحد الظبا، ونفوسهم تتلقاها الملائكة الكرام ~~بالبشرى، صاروا فرطا لسبط المصطفى وقرة عين الزهراء، ومقدمة بسيد الشهداء ~~إلى جنة المأوى، ناداهم: على الدنيا بعدكم العفا، ثم ازدلف لقتال الظلمة ~~بقالبه وقلبه، وبرز لجهاد الأئمة طاعة لربه، كم جدل جليدا، وأباد صنديدا، ~~وأزهق منافقا، وأوبق مسابقا، وافترس أسدا، وفل عددا، وأرغم وأزهق أنفسا؟ قائلا: # أنا الحسين بن علي %~% آليت ألا أنثني # أحمي عيالات أبي %~% أذب عن دين النبي # حتى قتل (صلوات الله عليه) مبارزة ومطاردة ألفا وتسعمائة وخمسين راجلا ~~وفارسا، كذا ذكره الشيخ الثقة رشيد الدين بن شهر اشوب المازندراني PageV02P439 # في كتابه مطالب السئول في مناقب آل الرسول. (1) # ولما رأى ابن سعد تواصل صولاته، وتتابع حملاته، نادى في بقية الأحزاب من ~~أحزابه، وكفرة الكتاب من كتائبه وصحابه: ويلكم أتدرون لمن تقاتلون؟ هذا ابن ~~الأنزع البطين، هذا ابن قتال العرب، فضيقوا عليه المسالك والمذاهب، وأحدقوا ~~به من كل جانب، ضربا بالصفاح، وشجرا بالرماح. ### ||| [كثرة الجراحات التي وجدت بالحسين (عليه السلام)] # عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، قال: وجد بالحسين (عليه السلام) ~~ثلاثمائة وبضعة وعشرون جراحة ما بين ضربة بسيف، أو طعنة ms562 برمح، وكانت أكثرها ~~في مقدمته. # وعن ابن جرير الطبري، قال: وجد بالحسين ألف وتسعمائة جراحة ما بين ضربة ~~بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، وكانت السهام في درعه كالشوك في جلد ~~القنفذ. (2) # فيا إخواني، ما للعيون لهذا الرزء العظيم لا تدمع؟ وما للقلوب لهذا الخطب ~~الجسيم لا تنجع؟ وما للأكباد بسيوف الأحزان لا تتقطع؟ فعمى بطرف لا يسح دما ~~لغربتهم، وسحقا لقلب لا يتضعضع أسفا لمحنتهم، أفلا تبكون على من بكت السماء ~~دما عليهم؟ أفلا تأسفون على من سجدت جباه الفجر لديهم؟ # أفلا تجزعون لمصاب المصطفى والمرتضى والزهراء؟ أفلا تحزنون لأجسادهم ~~مرملة بالدماء؟ أفلا تقرحون الأجفان لبدور غيبت في كربلاء؟ أفلا تجددون ~~الأحزان لمصاب أشرف أهل الأرض والسماء؟ # كم سيد لي بكربلاء %~% خضب من نحره المشيب؟ PageV02P440 # كم سيد لي بكربلاء %~% عسكره بالعراء نهيب؟ # كم سيد لي بكربلاء %~% ليس لما يشتكي طبيب؟ # كم سيد لي بكربلاء %~% خاتمه والرداء سليب؟ # كم سيد لي بكربلاء %~% يسمع صوتي ولا يجيب؟ # كم سيد لي بكربلاء %~% ينكت (1)في ثغره القضيب؟ (2) # عن ابن عباس رضي الله عنه قال: رؤي رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ~~المنام بعد واقعة الحسين (عليه السلام) وهو مغبر الوجه، حافي القدمين، وقد ~~ضم ذيل (3) قميصه إلى نفسه وهو يتلو هذه الآية: @QUR@08 ولا تحسبن الله ~~غافلا عما يعمل الظالمون (4)، ويقول: إني مضيت إلى كربلاء فالتقطت دم ~~الحسين من الأرض، وها هو في حجري، وأنا غدا (5) اخاصمهم بين يدي ربي (6). ### ||| [أبيات في رثاء الحسين (عليه السلام)، واخرى للعوني] # يا قمرا غاب حين لاحا %~% أكسبني فقدك النياحا # يا نوب الدهر لم تدع لي %~% صرفك من حادث صلاحا # أبعد يوم الحسين ويحيى %~% أستعذب اللهو والمزاحا # بآبائي سادة ظماة %~% ماتوا ولم يشربوا المباحا # بآبائي سادة كراما %~% غادرهم حتفهم صباحا # يا سادتي يا بني علي %~% بكى الهدى فقدكم وناحا PageV02P441 # يا سادتي يا بني إمامي %~% أقولها عنوة صراحا # أوحشتم الحجر والمساعي %~% أنستم القفر والبطاحا # أوحشتم الذكر والمثاني %~% والسور النزل الفصاحا (1) ### ||| [إخبار الحسن باستشهاد أخيه الحسين (عليهما السلام)، ms563 وأبيات للمؤلف (رحمه الله)] # عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: دخل الحسين على أخيه الحسن ~~(عليهما السلام)، فلما بصر به بكى، فقال: ما يبكيك، يا أبا عبد الله؟ # قال: أبكي لما يفعل بك. # قال: وما يفعل بي هل هو إلا سم يلقى إلي فاقتل؟ ولكن لا يوم كيومك، يا ~~أبا عبد الله، يزدلف إليك ثلاثون ألفا، ينتحلون دين الإسلام، ويزعمون أنهم ~~من أمة جدك فيجتمعون على قتلك، وسفك دمك، وانتهاك حرمتك، وسبي ذراريك ~~ونسائك، فعندها تحل اللعنة ببني امية، وتمطر السماء دما وترابا أحمر، ويبكي ~~عليك كل شيء حتى الوحوش في الفلوات، والحيتان في البحار، والطير في جو ~~السماء. (2) # كربلاء كم فيك من شيب خضيب %~% بدم النحر وكم هام نقيف؟ # وسعيد بصعيد الطف ثاو %~% رأسه يعلى على رمح ثقيف PageV02P442 # لبني الزهراء أرباب المساعي %~% والمعالي والعوالي والسيوف # زلفت نحوهم عصبة سوء %~% ليس فيهم غير زنديق وكوفي # لعن الله بني الكوفة لم %~% يك فيهم من بعهد الله يوفي # سل يزيدا قائما بالقسط %~% من حاز المعالي من تليد وطريف # صلبوا من بعد خذل ثم قتل %~% آه مما حل بالبدن الشريف (1) ### ||| [حديث يوم عاشوراء] # عن سيدنا ومولانا أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، قال: إن شهر المحرم كان ~~أهل الجاهلية (2) يحرمون فيه القتال فاستحلت فيه دماؤنا، وهتكت فيه حرمنا، ~~وسبي فيه ذرارينا ونساؤنا، واضرمت النيران في مضاربنا، ولم يترك لرسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) حرمة فينا، إن يوم عاشوراء (3) أقرح جفوننا، وأسبل ~~دموعنا، وأذل عزيزنا، أرض كربلاء أورثتنا الكرب والبلاء، إلى يوم الانقضاء، ~~فعلى مثل الحسين فليبك الباكون، فإن البكاء فيه محط الذنوب. # ثم قال (صلوات الله عليه): إن أبي (عليه السلام) كان إذا هل المحرم لم ير PageV02P443 # ضاحكا، وكانت الكآبة والحزن غالبين عليه، فإذا كان يوم عاشوراء كان يوم ~~جزعه وبكائه، ويقول: في هذا اليوم قتل جدي الحسين (عليه السلام). (1) # وعن ابن فضال، عن أبيه، عن الرضا علي بن موسى (عليه السلام)، قال: # من ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى ms564 الله له حوائج الدنيا والآخرة، ~~[ومن كان يوم عاشوراء يوم مصيبته وحزنه وبكائه جعل الله عز وجل يوم القيامة ~~يوم فرحه وسروره وقرت بنا في الجنان عينه] (2) ومن سمى يوم عاشوراء يوم ~~بركة أو ادخر بمنزله فيه شيئا لم يبارك له فيه، وحشره الله يوم القيامة في ~~زمرة يزيد وعبيد الله وعمر بن سعد في أسفل درك من النار. (3) # وعن جبلة المكية قالت: سمعت ميثم التمار رضي الله عنه يقول: لتقتلن هذه ~~الامة ابن نبيها في اليوم العاشر من المحرم، ويتخذون أعداء الله ذلك اليوم ~~يوم سرور وبركة، أعلم ذلك بعهد عهده إلي أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، ~~وأعلمني أنه يبكي عليه كل شيء حتى الوحوش في الفلوات، والحيتان في البحار، ~~والطير في جو السماء، وتبكي عليه الشمس والقمر والنجوم والعرش والكرسي ~~وحملة العرش. # قالت جبلة: فقلت: يا ميثم، كيف يتخذ الناس اليوم الذي يقتل فيه ابن رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) يوم سرور وعيد وبركة؟ # قال: بحديث يضعونه، ويزعمون أنه اليوم الذي تاب الله فيه على آدم PageV02P444 # (عليه السلام)، وإنما كان ذلك في ذي الحجة. # ويزعمون أنه اليوم الذي قبل الله فيه توبة داود، وإنما كان ذلك في ذي ~~الحجة أيضا. # ويزعمون أنه اليوم الذي أخرج الله فيه يونس من بطن الحوت، وإنما كان ذلك ~~في ذي القعدة. # ويزعمون أنه اليوم الذي استقرت فيه سفينة نوح على الجودي، وإنما كان ذلك ~~يوم الثامن عشر من ذي الحجة. # ويزعمون أنه اليوم الذي فرق الله فيه البحر لموسى (1)، وإنما كان ذلك في ~~ربيع الأول. # ثم قال: يا جبلة، إن الحسين سيد الشهداء عند الله ولأصحابه درجة عند الله. # يا جبلة، إذا رأيت الشمس قد طلعت حمراء كالدم العبيط فاعلمي أن سيدك ~~الحسين قد قتل. # قالت جبلة: فلما مضى (صلوات الله عليه) إلى العراق خرجت ذات يوم فرأيت ~~الشمس على الحيطان كالملاحف المعصفرة، فصحت وبكيت، وقلت: # قتل والله سيدي ومولاي أبو عبد الله. (2) # وعن الريان بن شبيب قال: قال لي مولاي ms565 الرضا (عليه السلام): يا ابن شبيب، ~~اعلم أن الجاهلية فيما مضى كانت تعظم هذا الشهر وتحرم الظلم PageV02P445 # والقتال فيه، فما عرفت هذه الامة حرمة شهرها ولا حرمة نبيها (صلى الله ~~عليه وآله)، لقد قتلوا والله في هذا الشهر ذريته، وسبوا نساءه، وانتهبوا ~~ثقله، فلا غفر الله لهم. # يا ابن شبيب، إن كنت باكيا من شيء فابك للحسين (عليه السلام)، فإنه ذبح ~~في هذا الشهر كما يذبح الكبش، وقتل معه ثمانية عشر رجلا من أهل بيته ليس ~~لهم شبيه في الخلق. # ولقد حدثني أبي، عن جدي أنه لما قتل جدي الحسين (عليه السلام) أمطرت ~~السماء دما وترابا أحمر، وهبط إلى الأرض أربعة آلاف ملك لينصروه فوجدوه قد ~~قتل، فهم عند قبره مقيمون يبكونه شعثا غبرا إلى أن يقوم القائم من آل محمد ~~فيكونون معه، وشعارهم: «يا لثارات الحسين». # يا ابن شبيب، إن بكيت على الحسين (عليه السلام) حتى تسيل دموعك على خديك ~~غفر الله لك كل ذنب أذنبته، صغيرا كان أو كبيرا، دقيقا أو جليلا. # يا ابن شبيب، إن يسرك أن تلقى الله عز وجل ولا ذنب عليك فزر الحسين (عليه ~~السلام). # يا ابن شبيب، إن سرك أن تكون معنا في الغرف المبنية فالعن قتلة الحسين. # يا ابن شبيب، إن سرك أن يكون لك من الأجر مثل ما لمن قتل مع الحسين (عليه ~~السلام) فقل متى ما ذكرتهم: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما. # يا ابن شبيب، إن سرك أن تكون معنا في الرفيق الأعلى فافرح لفرحنا، PageV02P446 # واحزن لحزننا، وعليك بولايتنا، فلو أن أحدا أحب حجرا لحشر معه يوم ~~القيامة. (1) ### ||| [كلام للمؤلف (رحمه الله)] # فيا إخواني، أفي غفلة أنتم من هذا اليوم المعكوس الذي ابتلى به العالم ~~المركوس بذرية نبيهم الأطهار، وعترته الأبرار، الذين أوجب الله مودتهم، ~~وألزم محبتهم؟ كيف اقتطفوا ببيض الظبا رءوسهم، واختطفوا بسمر القنا نفوسهم، ~~وتركوا تلك الوجوه التي طال ما قبلها الرسول، وأكرمتها البتول، وناغاها ~~جبريل، وأوجب حقها الجليل، يسار بها على أطراف الرماح، مخضبا شيبها ms566 بدم ~~الجراح، والنسوة اللاتي يعدون الوصي والزهراء أبا واما، والنبي والطيار جدا ~~وعما، على أقتاب الجمال اسارى، وبين الأعداء حيارى، لا شفيق يجيب دعوتهن، ~~ولا رفيق يسكن روعتهن. # فهذا كان جزاء فضل نبيهم عليهم، ورأفته لديهم أن يبدلوا نعمة الله كفرا، ~~وأن يحلوا بنبيه حسدا وغدرا. # فاستشعروا وتنبهوا رحمكم الله في هذا اليوم شعار الأحزان، وأفيضوا الدموع ~~المقرحة للأجفان، فإنه يوم المصيبة الكبرى، والواقعة العظمى، وعزوا نبيكم ~~المصطفى، وإمامكم المرتضى، وسيدتكم الزهراء، بهذا الرزء الذي أبكى ملائكة ~~السماء، واهتز له عرش المليك الأعلى، قائلين: يا سيد الأنبياء، ويا خاتم ~~الأصفياء، هذا سبطك منبوذ بالعراء، هذا سبطك محزوز الرأس من القفا، هؤلاء ~~بناتك اسارى يسار بها إلى الأعداء. ### ||| [أبيات للصنوبري] # يا خير من لبس النبو %~% وة من جميع الأنبياء PageV02P447 # وجدي على سبطيك وج %~% د ليس يؤذن بانقضاء # هذا قتيل الأدعيا %~% ء وذا قتيل الأشقياء # يوم الحسين ارقت دم %~% ع الأرض بل دمع السماء # يوم الحسين تركت با %~% ب الصبر مهجور الفناء # يا كربلاء خلقت من %~% كرب علا ومن بلاء # كم فيك من وجه تشر %~% رب ماؤه ماء البهاء # نفسي الفداء لمصطلي %~% نار الوغا أي اصطلاء # حيث الأسنة في الجوا %~% شن كالكواكب في السماء # فاختار درع الصبر ان %~% ن الصبر من لبس الثناء (1) # وأبى إباء الاسد إن %~% ن الاسد صادقة الإباء # منعوه طعم الماء لا %~% ذاقوا لماء طعم ماء # وقضى كريما إذ قضى %~% ظمآن في نفر ظماء # من ذا لمعفور الجوا %~% دممال أعواد الخباء # من للطريح الشلو عر %~% يانا مخلى بالعراء؟ # من للمحنط بالترا %~% ب وللمغسل بالدماء؟ # من لابن فاطمة المغي %~% يب عن عيون الأولياء؟ (2) # إخواني لو لا أن الجزع عند تجدد المصائب العظام دفعه غير مقدور، والأسف ~~على من سلف من السادة الكرام صرفه غير منشور، وإنا مندوبون إلى تجديد هذه ~~العزية في كل عام، وإظهار الجزع لهذه الرزية على ممر الأيام، وإن PageV02P448 # لنا في ذلك قرة العين، فكأنا لعظيم مصابها ممن استشهد بين يدي الحسين، ~~لكان اللائق إظهار شعار السرور، ms567 وإبداء تمام الحبور، إذ سادتنا حضوا من ~~السعادة الأبدية بأعظم السعادات، وحضوا من الشهادة العلية بأرفع الدرجات، ~~إذ لم يسمع بأحد جاهد في الله جهادهم، ولم يجتهد لإقامة دين الحق اجتهادهم، ~~باعوا أنفسهم من الله بالثمن الأوفر، فربحوا أحسن الثناء في الدنيا والفوز ~~في الاخرى لعظيم هذا المتجر، أحلهم الله بذلك على منازل رضوانه، ومنحهم ~~حياة باقية ببقائه في جنانه، وغرفا صاروا إليها في كتابه المكنون بقوله ~~سبحانه: @QUR@014 ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ~~ربهم يرزقون (1). ### ||| [في فضيلة الشهادة وثوابها وأجرها] # عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): كل بر فوقه بر حتى يخرج الرجل شاهرا ~~سيفه في سبيل الله فيقتل فليس فوقه بر. (2) # وروي عن إمام الهدى علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم ~~السلام)، عن أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، قال: بينا أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) يخطب الناس ويحضهم على الجهاد إذ قام إليه شاب فقال: يا أمير ~~المؤمنين، اخبرني عن فضل الجهاد والغزو في سبيل الله. # فقال (صلوات الله عليه): كنت رديف رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ~~ناقته العضباء ونحن منقلبون (3) من غزاة ذات السلاسل، فسألته عما سألتني PageV02P449 # عنه، فقال: إن الغزاة إذا هموا بالغزو باهى الله بهم الملائكة، فإذا ~~ودعهم أهلوهم بكت عليهم الحيطان والبيوت، ويخرجون من الذنوب كما تخرج الحية ~~من سلخها، ويوكل الله بكل واحد أربعين ملكا يحفظونه من بين يديه، ومن خلفه، ~~وعن يمينه، وعن شماله، ولا يعمل حسنة إلا ضوعفت له، ويكتب له بكل يوم عبادة ~~ألف رجل يعبدون الله ألف سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوما، اليوم مثل عمر ~~الدنيا، فإذا صاروا بحضرة عدوهم انقطع علم الخلائق عن ثواب الله إياهم، ~~وإذا برزوا لعدوهم وأشرعت الأسنة وفوقت السهام وتقدم الرجل إلى الرجل حفتهم ~~الملائكة بأجنحتها يدعون الله تعالى بالنصر والتثبت، وينادي مناد: الجنة ~~تحت ضلال السيوف، فتكون الضربة على الشهيد أهون من شرب الماء البارد في ~~اليوم الصائف. # وإذا زال الشهيد ms568 عن فرسه بضربة أو طعنة لم يصل إلى الأرض حتى يبعث الله ~~إليه زوجة من الحور العين، فتبشره بما أعد الله له من الكرامة، وتقول له ~~الأرض: مرحبا بالروح الطيبة التي اخرجت من البدن الطيب، أبشر فإن لك ما لا ~~عين رأت، ولا اذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ويقول الله سبحانه: # أنا خليفته في أهله، من أرضاهم فقد أرضاني، ومن أسخطهم فقد أسخطني، ويجعل ~~الله روحه في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث تشاء، تأكل من ثمارها، ~~وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة بالعرش، ويعطي الرجل منهم سبعين غرفة من غرف ~~الفردوس، سلوك كل غرفة ما بين صنعاء والشام، علا نورها ما بين الخافقين، في ~~كل غرفة سبعون بابا، على كل باب سبعون مصراعا من ذهب، على كل باب ستور ~~مثله، في كل غرفة سبعون خيمة، في كل خيمة PageV02P450 # سبعون سريرا من ذهب، قوائمها الدر والزبرجد، موصولة (1) بقضبان الزمرد، ~~على كل سرير أربعون فراشا غلظ، كل فراش أربعون ذراعا، على كل فراش زوجة من ~~الحور العين عربا أترابا. # فقال الرجل: أخبرني يا أمير المؤمنين، عن العروبة؟ # قال: هي (2) الغنجة الوضية الشهية لها سبعون ألف وصيفة وسبعون ألف وصيف، ~~صفر الحلي، بيض الوجوه، عليهن تيجان اللؤلؤ، على رقابهن المناديل، بأيديهم ~~الأكوبة والأباريق. # فإذا كان يوم القيامة فو الذي نفسي بيده لو كان الأنبياء على طريقهم ~~لترجلوا لهم لما يرون من بهائهم حتى يأتوا إلى موائد من الجواهر فيقعدون ~~عليها، ويشفع الرجل منهم في سبعين ألفا من أهل بيته وجيرانه، حتى ان ~~الجارين يتخاصمان أيهما أقرب جوار فيقعدون معي ومع إبراهيم (عليه السلام) ~~على مائدة الخلد، فينظرون إلى الله عز وجل في كل يوم بكرة وعشيا. (3) # وهذا الحديث رواه شيخنا الشيخ أبو علي الطبرسي رضي الله عنه في كتاب مجمع ~~البيان لعلوم القرآن (4) عند تفسيره @QUR@014 ولا تحسبن الذين قتلوا في ~~سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون (5). # لهفي على السبط وما ناله %~% قد مات عطشانا بكرب الظما PageV02P451 # لهفي ms569 لمن نكس عن سرجه %~% ليس من الناس له من حما # لهفي على ذاك القوام الذي %~% حبته بالطف سرو العدا # لهفي على ذاك العذار الذي %~% عراه بالطف تراب العرا # لهفي على بدر العلى إذ على %~% في رمحه يخجل بدر الدجا # لهفي على النسوة إذ برزت %~% تساق سوقا بالعنا والجفا # لهفي على تلك الوجوه التي %~% أبرزن بعد الصون بين الملا (1) ### ||| ومما نسب إلى زينب بنت علي (عليهما السلام): # يا حر صدري يا لهيب الحشا %~% انهد ركني يا أخي والقوى # كنت أخي ركني فلم يبق لي %~% ركن ولا ذخر ولا ملتجا # وكنت أرجوك فقد فاتني (2) %~% ما كنت أرجوه فخاب الرجا # يا ابن امي لو تأملتني %~% رأيت مني ما يسر العدا # حل بأعدائك ما حل بي %~% من ألم السير وذل السبا # وددت لو بالروح أفديك من %~% يومك هذا وأكون الفدا (3) # يا ابن خير الناس اما وأبا %~% وأجل الخلق طرا نسبا # نار حزني بك يا ابن المصطفى %~% حرها منذ وجودي ما خبا # وإذا ما مر ذكر الطف في %~% مهجتي اذكى بقلبي لهبا PageV02P452 ### ||| الندبة # يا من طمست أنوار الاسلام بمصيبته، ودرست آثار الايمان بواقعته، وخفرت ~~ذمة الرسول لخفر ذمته، وانتهكت حرمة البتول لانتهاك حرمته، ها نحن عبيدك ~~وأبناء عبيدك، العارفون من مقامات الشرف بطارفك وتليدك، المستمسكون من ~~دلائل بعروة عصمة لا انفصام لحبلها، المخلصون في ودادك بصدق نية لا مزيد ~~على فرعها وأصلها. # قد اجتمعنا في حضرتك الشريفة، وبقعتك المنيفة، لنوفي التعزية بمصابك ~~حقها، ونفضي إليك بقلوب قد أخلصت لولائك صدقها، وتذرف عبرات من عيون قريحة، ~~وتصاعد زفرات من قلوب جريحة، جزعا لواقعتك التي هدت أركان الدين هدا، وأحلت ~~في قلوب المؤمنين كربا ووجدا، ونبدي أسفا إذ لم نكن من المبارزين أعداءك في ~~عرصة القتال، ونتأوه لها خيبة أنا لم نكن من المناجزين أضدادك عند مقارعة ~~الأبطال، ويرانا الله قد اريقت في نصرتك دماؤنا، وقطعت أوصالنا، نتلقى عنك ~~حدود الصفاح بوجوهنا، ونقابل رءوس الرماح بصدورنا، مخلصين في طاعتك، ~~مناصحين في متابعتك، نرى طعم الموت في جهاد ms570 أعدائك أحلى من العسل المشار، ~~وارتكاب الأخطار في إظهار أمرك أولى من ركوب العار. # قد امتزجت دماؤنا بدمك، وحصلنا في عداد جندك وخدمك، قد سبقتنا أطرافنا ~~إلى جنة المأوى، وعرجت أرواحنا إلى الرفيق الأعلى، وسمينا بشهداء كربلاء، ~~ووسمنا بسادة الشهداء، تبارك علينا الملائكة الكرام في صلواتها، وتهدي ~~إلينا سلامها وتحياتها. # فيا لها غصة في نفوسنا، وحسرة في قلوبنا، لا تنقضي إلا بنصرة القائم PageV02P453 # من ذريتك، والخلف الصالح من عترتك، ولعمري لئن غابت أبداننا عن نصرتك، ~~وتباعدت أشخاصنا عن مشاهدتك فلقد أدركنا واقعتك ونحن في الأصلاب نطف، ~~وامرنا بتجديد التعزية لمصابك بنقلها منا خلف عن سلف، وأن نجدد البيعة في ~~حضرتك بوفاء عهدك، وعهد أبيك وجدك والأئمة الطاهرين من ولدك، وأن نعرض عليك ~~قواعد عقائدنا، ونفضي إليك بأسرارنا في مصادرنا ومواردنا، ونتخذ يوم رزئك ~~يوم مصيبة لا ترقى عبرته، ولا تخبو حرقته، بديت تصاعد زفراتنا فيه زبر ~~الحديد، ونشيت قطرات عبراتنا ضرب الغمام بل نزيد، ويربو حزننا على حزن نبي ~~الله يعقوب، وتعلو رنتنا على رنة الثكلى الرقوب (1). # لما اتخذته العصابة الناصبة المشركة، يوم سرور وعيد وبركة، وأظهروا فيه ~~تمام زينتهم، ووسموه برأس سنتهم، وليس ذلك ببدع من نفاقهم المكنون، وشقاقهم ~~المصون، فهي فرع الشجرة الملعونة في القرآن، والطائفة المارقة عن الايمان، ~~الذين أعلنوا بالسب على منابرهم، ودل خبث ظاهرهم على قبح سرائرهم، وحيث إنا ~~لم نحض بالشهادة الكبرى بين يديك، ولم يقض لنا بالحسنى حين توجه الفجرة ~~إليك، وفاتنا نصرك بمناصلنا وعواملنا، ولم نتلق عنك السيوف بجباهنا ~~وسواعدنا. # فها نحن نجاهد أعداءك بقولنا وفعلنا، ونقمع هاماتهم بمقامع نظمنا ونثرنا، ~~ونعلن بسب أئمة ضلالهم على أعواد منابرنا، ونشرح قبح خصالهم في شوامخ ~~منائرنا، ونعتقد ذلك من أعظم الوسائل إلى ربنا، وأكمل الفضائل يوم حشرنا ~~ونشرنا. PageV02P454 # أحسين والمبعوث جدك بالهدى %~% قسما يكون الحق عنه مسائلي # لو كنت حاضر كربلاء لبذلت في %~% إعلاء أمرك جهد بذل الباذل # وسقيت حد السيف من أعدائكم %~% سقيا وحد السمهري الذابل # لكنني اخرت عنه لشقوتي %~% قتلا يلى تا ms571 بين الغري وما يلي # (1) # إذ لم أفز بالنصر من أعدائكم %~% فأقل من حزن ودمع سائل ### ||| التعزية للمؤمنين # جعلنا الله وإياكم في هذا اليوم ممن جلت مصيبته، وعظمت رزيته، وتصاعدت ~~زفرته، وتقاطرت عبرته، جزعا لواقعة سيده وابن سيده، ومعتقده وابن معتقده، ~~وممن اطلع الله على حقيقة أمره، وباطنه وسره، فوجده لا مزيد على إخلاصه، ~~فألحقه بدرجة أوليائه وخواصه، الذين نوه بذكرهم في كتابه المكنون، بقوله: ~~@QUR@014 ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون (2). # اللهم أحسن في هذا اليوم عزاءنا، وضاعف جزاء خلتنا، وارحم استكانتنا، ~~فإنا عائذون بقبر أمينك وابن أمينك، أفضل من اريق دمه في نصرة دينك، ~~مستمسكين بالهدى الذي جاءنا به من عندك، مقرين بالحق الذي خبرنا به عنك. # اللهم وإذ حرمنا لشقوتنا، ولم تختم لنا بالسعادة العظمى في دنيانا ~~وآخرتنا، إذ لم نكن ممن اريق دمه في نصرته، محامين عنه وعن عترته، PageV02P455 # نباهي به الكرام من ملائكتك، وأرواح أنبيائك وخاصتك، تعجب ملائكتك من ~~تصميم عزيمته في حربه، وتضرب الأمثال بشدة طعنه وضربه، فصل على محمد وآل ~~محمد واختم لنا بذلك بين يدي الخلف الصالح من ولده، الداعي إلى دينك بجده ~~وجهده، أمينك في بلادك، وعينك على عبادك، صاحب الرجعة البيضاء، والدولة ~~الزهراء. # اللهم اجعلنا من خاصته وبطانته، ومن الداعين إلى نصره وملته. # اللهم وإن أحللت بنا قضاءك قبل مشاهدة بهجته، ولم تكحل عيوننا بمعاينة ~~طلعته، فصل على محمد وآل محمد، وأمتنا على ولايته وولاية آبائه، واجعلنا في ~~عداد جنده وأوليائه، إنك على كل شيء قدير. PageV02P456 ### ||| فصل ### ||| [أن يزيد أخذ بإظهار التنكر لفعل ابن زياد خشية شق العصا وحصول الفتنة، وأمره برد حرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة] # ولما أخزى الله تعالى يزيد الفاجر بما فعل، وطالت عليه الألسن لما حصل ما ~~حصل، ولامه من حضر من أماثل الصحابة وأرباب الملك، وشاع في الآفاق فضيع ~~ظلمه وفتكه، وخشي الفتنة على نفسه وملكه، ركن إلى الاعتذار، ولجأ إلى ~~الانكار، وأنى له ذلك وقد ms572 زلت القدم، وحلم الادم، وجلت الرزية، وعظمت ~~البلية، وثلم في الإسلام ثلمة لا تسد، ووقعت فتنة لا ترد، أشير إليه بتعظيم ~~آل محمد وردهم، وإشخاصهم إلى مدينة جدهم، فأظهر لسيد العابدين تكرمة ~~وتبجيلا، وسرحه سراحا جميلا. # روي أن اللعين لما خشي شق العصا، وحصول الفتنة، أخذ في الاعتذار، ~~والانكار لفعل ابن زياد، وإبداء التعظيم والتكريم لعلي بن الحسين (عليه ~~السلام)، ونقل نساء رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى داره الخاصة، وكان ~~لا يتغدى ولا يتعشى إلا مع سيدنا سيد العابدين (عليه السلام)، وكل من كان ~~حاضرا من الصحابة والتابعين والأجلة وبني امية أشاروا عليه لعنه الله برد ~~(1) حرم رسول الله والاحسان إليهم، والقيام بما يصلحهم، فأحضر سيدنا علي بن ~~الحسين، وقال: إني كنت قد وعدتك بقضاء ثلاث حاجات فاذكرها لي لأقضيها. PageV02P457 # فقال: الاولى: أن تريني وجه أبي عبد الله (عليه السلام) فأتزود منه، ~~وأنظر إليه، واودعه. # والثانية: أن ترد علينا ما اخذ منا. # والثالثة: إن كنت عزمت على قتلي أن توجه مع هذه النسوة من يردهن إلى حرم ~~جدهن (صلى الله عليه وآله). # فقال: أما وجه أبيك فلن تراه أبدا، وأما قتلك فقد عفوت عنك، وأما النساء ~~فما يردهن إلى المدينة غيرك، وأما ما اخذ منكم فأنا اعوضكم عليه (1) أضعاف قيمته. # فقال (عليه السلام): أما مالك فلا نريده، هو موفر عليك، وإنما طلبت ما ~~اخذ منا، لأنه فيه مغزل فاطمة بنت محمد ومقنعتها وقلادتها وقميصها. # فأمر بذلك، فرد، وزيد عليه مائتي دينار، فأخذها علي بن الحسين (عليه ~~السلام) وفرقها في الفقراء والمساكين. # ثم أمر برد الاسارى والسبايا- كما أشرنا أولا- إلى مدينة الرسول (صلى ~~الله عليه وآله). (2) ### ||| [وصول آل الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى كربلاء] # فسألوا أن يسار بهم على العراق ليجددوا عهدا بزيارة أبي عبد الله (عليه ~~السلام)، فلما بلغوا كربلاء ونزلوا موضع مصرعه (عليه السلام) وجدوا جابر بن ~~عبد الله الأنصاري، وجماعة من بني هاشم، ورجالا من آل الرسول قد وردوا ~~لزيارة قبر الحسين (عليه السلام) لما كانوا ms573 يعلمون من فضل زيارته، فوافوا في PageV02P458 # وقت واحد وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم، وأقاموا المآتم المقرحة ~~للأكباد، واجتمع إليهم نساء أهل السواد، وأقاموا على ذلك أياما. ### ||| [نوح الجن على الحسين (عليه السلام)، ووصول آل الرسول (صلى الله عليه وآله) بالقرب من المدينة] # وروى سيدنا فخر العترة علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاوس: # روي عن أبي جناب الكلبي، قال: حدثنا الجصاصون قالوا: كنا نخرج في الليل ~~إلى الجبانة عند مقتل الحسين (عليه السلام) فنسمع الجن ينوحون عليه، ~~ويقولون: # مسح الرسول جبينه %~% فله بريق في الخدود # أبواه من عليا قريش %~% وجده خير الجدود # قتلوه ظلما ويلهم %~% سكنوا به نار الخلود (1) # وأما رأس الحسين (عليه السلام) فروي أنه اعيد إلى كربلاء ودفن مع جسده ~~الشريف، وكان العمل من الطائفة على هذا. (2) # قال: ثم فصلوا عن كربلاء يريدون المدينة. # قال: ولما وصلوا بالقرب من المدينة عجت نساء بني هاشم، وصاحت المدينة ~~صيحة واحدة، فضحك عمرو بن سعيد بن العاص لعنة الله عليه، وكان أمير المدينة ~~من قبل يزيد لعنه الله، وتمثل بقول عمرو بن معدي كرب: # عجت نساء بني زياد عجة %~% كعجيج نسوتنا غداة الأرنب (3) # ثم صعد لعنه الله المنبر، وقال: إنها لدمة بلدمة، وصدمة بصدمة، كم PageV02P459 # خطبة بعد خطبة، وموعظة بعد موعظة @QUR@05 حكمة بالغة فما تغن النذر (1) ~~وددت أن رأسه في بدنه، وروحه في جسده، أحيانا كان يسبنا ونمدحه، ويقطعنا ~~ونصله، كعادتنا وعادته، ولم يكن من أمره ما كان، ولكن كيف نصنع بمن سل سيفه ~~يريد قتلنا إلا أن ندفعه عن أنفسنا؟! # فقام عبد الله بن السائب، فقال: لو كانت فاطمة حية ورأت الحسين لبكت ~~عليه، فجبهه عمرو بن سعيد لعنه الله، وقال: نحن أحق بفاطمة منك؛ أبوها ~~عمنا، وزوجها أخونا، وابنتها ابنتنا (2)، لو كانت فاطمة حية لبكت عينها، ~~وحزن كبدها، وما لامت من قتله ومنعه عن نفسه. (3) # فلعنة الله عليه وعلى من والاه، ما أجرأه على الله وعلى رسوله؟! ### ||| [دخول بشير بن حذلم المدينة ناعيا الحسين (عليه السلام)] # وروى سيدنا ms574 السيد علي بن موسى بن طاوس في كتابه، قال: لما قرب علي بن ~~الحسين (عليه السلام) من المدينة حط رحله، وضرب فسطاطه خارج البلد، وأنزل ~~نساءه، وقال لبشير (4) بن حذلم: يا بشير، رحم الله أباك لقد كان شاعرا، فهل ~~تقدر على شيء؟ # قلت:: بلى، يا ابن رسول الله، إني لشاعر. # قال: فادخل المدينة وانع أبا عبد الله (عليه السلام). # قال بشير: فركبت فرسي وركضت حتى دخلت المدينة، فلما بلغت مسجد رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) رفعت صوتي بالبكاء، وأنشأت أقول: PageV02P460 # يا أهل يثرب لا مقام لكم بها %~% قتل الحسين فأدمعي مدرار # الجسم منه بكربلاء مضرج %~% والرأس منه على القناة يدار # قال: ثم قلت: هذا علي بن الحسين في عماته وأخواته قد حلوا بساحتكم، ~~ونزلوا بفنائكم، وأنا رسوله إليكم، اعرفكم مكانه. # فما بقيت في المدينة مخدرة ولا مخبية (1) إلا برزن من خدورهن، يدعون ~~بالويل والثبور، فلم أر باكيا أكثر من ذلك اليوم، ولا [يوما] (2) أمر على ~~المسلمين منه. ### ||| [نوح جارية على الحسين (عليه السلام)] # وسمعت جارية تنوح على الحسين (عليه السلام) وتقول: # نعى سيدي ناع نعاه فأوجعا %~% وأمرضني ناع نعاه فأفجعا # فعيناي جودا بالدموع فأبكيا (3) %~% وجودا بدمع بعد دمعكما معا # على من دهى عرش الجليل فزعزعا %~% وأصبح هذا (4)الدين والمجد أجدعا # على ابن نبي الله وابن وصيه %~% وإن كان عنا شاحط الدار أشسعا # (5) ثم قالت: أيها الناعي، جددت حزننا بأبي عبد الله (عليه السلام)، # (5) في «ح»: أي أبعدا. PageV02P461 # وخدشت منا قروحا لم تندمل، فمن أنت رحمك الله؟ # فقلت: أنا بشير بن حذلم، وجهني مولاي علي بن الحسين (عليه السلام)، وهو ~~نازل بمكان كذا مع عيال أبي عبد الله (عليه السلام) وبناته (1). # قال: فتركوني بمكاني وبادروني، فضربت فرسي حتى رجعت إليه (عليه السلام)، ~~فوجدت الناس قد أخذوا الطرق والمواضع، فنزلت عن فرسي وتخطيت رقاب الناس، ~~حتى قربت من باب الفسطاط، وكان علي بن الحسين (عليه السلام) داخل الفسطاط، ~~فخرج ومعه خرقة يمسح بها دموعه، وخلفه خادم معه كرسي، فوضعه له فجلس ms575 عليه ~~وهو لا يتمالك من العبرة والبكاء، وارتفعت الأصوات بالنحيب، وحنين الجواري ~~والنساء، والناس يعزونه من كل ناحية، فضجت تلك البقعة ضجة شديدة. ### ||| [خطبة زين العابدين (عليه السلام) بالناس] # وأومأ بيده إلى الناس أن اسكتوا، فسكتوا، فقال (عليه السلام): الحمد لله ~~رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، بارئ الخلائق أجمعين، الذي ~~بعد فارتفع في السماوات العلى، وقرب فشهد النجوى، نحمده على عظائم الامور، ~~وفجائع الدهور، وألم الفجائع، ومضاضة اللواذع (2)، وجليل الرزء، وعظيم ~~المصائب، الفاظعة الكاظة، الفادحة الحامة (3). # أيها الناس، [إن] (4) الله ولي الحمد ابتلانا بمصائب جليلة، وثلمة في ~~الاسلام عظيمة، قتل أبو عبد الله (عليه السلام) وعترته، وسبيت نساؤه ~~وصبيته، PageV02P462 # وداروا برأسه في البلدان من فوق عامل (1) السنان، وهذه الرزية التي لا ~~مثلها رزية. # أيها الناس، فأي رجالات منكم تسرون بعد قتله؟ أم أية عين منكم تحتبس ~~دمعها، وتضن بانهمالها؟ فلقد بكت السبع الشداد لقتله، وبكت البحار ~~بأمواجها، والسماوات بأركانها، والأرض بأرجائها، والأشجار بأغصانها، ~~والحيتان في لجج البحار، والملائكة المقربون، وأهل السماوات أجمعون. # أيها الناس، أي قلب لا ينصدع لقتله؟ أم أي فؤاد لا يحن إليه؟ أم أي سمع ~~يسمع بهذه الثلمة التي ثلمت في الاسلام [ولا يصم] (2)؟ # أيها الناس، أصبحنا مطرودين مذودين شاسعين (3) عن الأمصار، كأننا أولاد ~~ترك وكابل، من غير جرم اجترمناه، ولا مكروه ارتكبناه، ولا ثلمة في الاسلام ~~ثلمناها، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، @QUR@04 إن هذا إلا اختلاق ~~(4)، والله لو أن النبي (صلى الله عليه وآله) تقدم إليهم في قتالنا كما ~~تقدم إليهم بالوصاية بنا لما زادوا على ما فعلوا بنا، فإنا لله وإنا إليه ~~راجعون من مصيبة ما أعظمها، وأوجعها، وأفجعها، وأكظها، وأمضها، وأفظعها، ~~وأمرها، وأفدحها، فعند الله نحتسب فيما أصابنا وبلغ بنا، إنه عزيز ذو ~~انتقام. # فقام صوحان (5) بن صعصعة بن صوحان- وكان زمنا- فاعتذر إليه (عليه ~~السلام) بما عنده من زمانة رجليه، فأجابه (عليه السلام) بقبول معذرته، وحسن PageV02P463 # الطوية (1)، وشكر له وترحم على أبيه. # قال (2): ثم إنه (صلوات الله عليه) رحل إلى المدينة بأهله ms576 وعياله (3). ### ||| [كلام وأبيات للمؤلف (رحمه الله)] # قلت: ولما شاهد (عليه السلام) منازل أحبائه التي كانت مشارق أنوار ~~الايمان، ومظاهر أسرار القرآن، ومواطن مصابيح العرفان، ومعادن مجاويع ~~الاحسان، تندب بلسان حالها، وتنحب لفقد رجالها، وتذرف عبراتها من مآقيها، ~~وتصاعد زفراتها من تراقيها، وتنادي بصوت ينبىء عن شدة لوعتها، ويخبر بحدة ~~كربتها، ويستخبر كل راكب وراجل، وينشد كل ظاعن ونازل: # أين من كانوا شموسي وبدوري؟ %~% أين من كانوا جمالي وسروري؟ # أين من كانوا حماتي ورعاتي %~% وهداتي حين تعييني اموري؟ # والذي كنت بهم أسمو %~% على كل جليل ونبيل وخطير # والذي كانوا إذا ما جن خطب %~% فجنتي من فادح الحطب العسير # كم أفاضوا من أياد بفنائي %~% لست احصيها وأغنوا من فقير PageV02P464 # ذو حلوم وعلوم راسخات %~% كجبال شامخات وبحور # كم كباد قطعوها نعراي %~% بحنين وأنين وزفير؟ # وقلوب خالصات ورقاب %~% خاضعات لعلا الرب الغفور # مهبط الرحمة منهم كان ربعي %~% كل آن في مساء وبكور # مذ نأوا بالبعد عن إنسان عيني %~% كثر الشامت إذ قل نصيري # يا عيوني إن تكن عزت دموعي %~% فاذرفي بالدم من قلب كسير # فنادى مجالس كراماتهم، ومدارس تلاواتهم، ومقامات عباداتهم، ومحاريب ~~صلواتهم: أين من كتب رياض الكرم بجودهم، وحماة الامم بوجودهم؟ أين عمارك ~~بركوعهم وسجودهم، وقوامك في طاعة معبودهم؟ # أين من كانت حدائق أنعمهم في فنائك مغدقة، وجداول كرمهم في خلالك متدفقة، ~~وأعلام علومهم منصوبة، وأروقة شرفهم مضروبة؟ كم أضاءوا بمصابيح نفقاتهم ~~ظلمتك؟ وكم آنسوا بنغمات تلاوتهم وحشتك؟ وكم أحيوا بصلاتهم ليلك ونهارك؟ ~~وكم أناروا بنور تهجدهم حنادس أسحارك؟ # فأجابه صداها بلسان حالها، وأخبره فناؤها بتنكر أحوالها: رحلوا عن تقنعي ~~فسكنوا في بيت الأحزان قلبي، ونأوا عن ربوعي فأطالوا لطول نواهم PageV02P465 # كربي، فآه فيا شوقاه لمواطئ أقدامهم على صعيدي، آه وا أسفاه لانتقال ~~أقمار وجوههم عن منازل سعودي، خابني زماني بإبعادهم عني فأصبح باب سروري ~~مرتجى، وعاندني دهري إذ أسلبهم مني فليس لي بعدهم في الخلق مرتجى، فيا كلم ~~قلبي ذب أسفا فمالك مأوى في رميم عظامي، ويا سقيم جسمي مت كمدا قبل ms577 تقضي ~~مدتي وأيامي. # فيا شقوتي، إذ لم أكن شخصا حربا، وبشرا سويا، أتلقى عنهم حر الصفاح بحر ~~وجهي، وأمنع صدور الرماح بعرض صدري، وأبذل النفس في طاعتهم، وأستعذب القتل ~~في متابعتهم، قد جعلتني الأعداء غرضا لمعابلها، وحرضا بمناصلها. # فيا لها حسرة لا تنقضي، وحرقة لا تنطفي، وكبت إذ لم يثبتني سعدي في جرائد ~~أنصارهم، ولم يرقمني جدي في دفاتر أبرارهم، كنت محطا لرحالهم، ومحبا ~~لرجالهم، ومخطا لقبورهم، ومغربا لبدورهم، أفخر بمشاهدهم على البيت الحرام، ~~وأسموا بمراقدهم على الركن والمقام، قد أشرق صعيدي بدمائهم، وشرفت تربتي ~~بأبدانهم، تتنزل الملائكة والروح بالسلام علي، وتهدي تحياتها في صلواتها ~~إلي، وينظر الجليل سبحانه بعواطف رحمته إلى زواري، وينشر لطائف نعمته على عماري. # فآه وا حزناه لفوت هذه النعمة مني، آه وا حزناه لبعد أحبتي عني، آه وا ~~ثكلاه لخفاء شموسي وأقماري، آه وا كرباه لانطفاء ضيائي وأنواري. # كنت لهم والبين عني غافل %~% في خفض عيش آمنا ريب الزمن PageV02P466 # أرفل في برود عزي شامخا %~% أسموا بمجدهم على كل وطن # اصافح العرش بعرشي وأرى %~% لأرتقي فضلا على كل سكن # كم غرسوا من نعم في طللي؟ %~% وكم أفادوا مننا بعد منن؟ # وكم هدوا في الخلق من غاو عن %~% الحق وساقوه إلى أهدى سنن؟ # كانوا بحارا للعلوم يجتنى %~% منها جواهر الفروض والسنن # فأصبحت غورا وقاعا صفصفا %~% كأنها مما عراها لم تكن # فحركت ساكنه بندبتها، وأجرت عبرته بأنتها، وشاهد (صلوات الله عليه) منازل ~~أحبائه مظلمة لوحشتها، مقفرة لخلوتها، فكأني بلسان حاله قد ناجاها، وببيان ~~مقاله ناداها: # يا أيها المنازل التي غابت عنها حماتها، وغيرت صفاتها، وحلت مرابعها، ~~وأقوت مجامعها، حزني لفقد عمارك سرمد، ووجدي لبعد سمائك لا ينفد، وأنباء ~~مصيبتهم ترسل عبراتي، وأحاديث محنتهم تهيج حسراتي، وديارهم الخالية تحرق ~~قلبي، وربوعهم الخاوية تذهل لبي، وكيف لا يقدح زند الفراق نار الاشتياق في ~~جوانحي وأحشائي، ويفرغ فرط الغرام ثوب السقام على جوارحي وأعضائي؟ PageV02P467 # والذي بعدهم أورث جفني أرقا، وصدهم أضرم قلبي حرقا، كانوا سروري إن غمة ~~فرعت، وحبوري إن أزمة ms578 وقعت، وجنتي إن عراني خطب، وسلوتي إن شجاني كرب، كشفت ~~أنوارهم حنادس ظلمي، وشيدت مكارمهم قواعد بنيتي، كم أجروا من جودهم بربوعي ~~بحورا؟ وكم أغنوا عائلا فانقلب إلى أهله مسرورا؟ وكم أسمت مطايا شكري في ~~رياض كرمهم؟ وكم أجريت جواد شعري في ميادين نعيمهم؟ وكم سيرت سفينة ذكري في ~~نثار فضائلهم؟ # وكم نثرت جواهر نثري على هامات فواضلهم؟ # فأضحى ربعي بجودهم أهلا، ونوري بوجودهم كاملا، وجنابي بجلالهم محروسا، ~~ومقامي بكمالهم مأنوسا، حتى إذا انخسفت بدور سروري لبعدهم، وانكسفت شموس ~~حوري لفقدهم، وأظلم ضيائي، وخلت أرجائي، وحارت مقاصدي، وشمت حاسدي، وعز ~~لقائي، وجل عزائي، صرت غرضا لسهام المصائب، وغرضا في سوق النوائب، يطويني ~~ثكلي وينشرني، ويبلغني وجدي ويحرقني. # فها أنا ذا قد شققت جيب صدري بكف وحشتي، وحرمت لذيذ رقادي على إنسان ~~مقلتي، ولبست أثواب الأحزان مدة حياتي، وخلعت جلباب السلوان إلى حين وفاتي، ~~ونثرت من طرف قريح، ونظمت من قلب جريح: # ربعكم أحباب قلبي مذ خلا %~% ونأيتم عنه عيشي ما حلا # ومديد الشوق بي وافره %~% ببسيط السقم جسمي أنحلا # كنتم شمسي فلما أفلت %~% من سماء السعد بدري أفلا # وأقام الوجد في قلبي مذ %~% حسنكم عني غدا مرتحلا # مذ بعدتم صير الحزن لكم %~% في صميم القلب عندي منزلا PageV02P468 # والحشا مني أنا لهب به %~% ثالث السورة يتلو من تلا # قاتل الله غرابا منذرا %~% بالنوى صير طرفي مرسلا # مذ أتيت الأربع اللاتي خلت %~% منكم أقبل ينعى مقبلا # فأهاج الوجد علمي أنه %~% لا يرى إلا بربع قد خلا # لو على جمر سليتم كبدي %~% وفؤادي عن هواكم ماسلا # سادتي كنتم لقلبي فرحة %~% ولعيني ضياء وجلا # فغدت فرحة قلبي قرحة %~% ونهاري صار ليلا أليلا # وإذا ما مر معناكم على %~% فكرتي هاج الحشا واشتعلا # قاتل الله المطايا إذ سرت %~% بكم تقطع أجواز الفلا # حين غبتم وخلا مغناكم %~% معكم طيب رقادي رحلا # إن تكن عيني بنومي بخلت %~% فبدمعي بعدكم لن تبخلا # سادتي هل عودة لوفي الكرى %~% علها تنعش صبا مبتلا # ليراكم وإليكم يشتكي %~% قرحة في القلب لن تندملا ms579 ### ||| [أبيات لفاطمة بنت الحسين بن علي (عليه السلام)] # عن المفضل بن عمر الجعفي، قال: سمعت جعفر بن محمد (عليه السلام) يقول: ~~حدثني أبي محمد بن علي، قال: حدثني أبي علي بن الحسين (عليه السلام)، قال: ~~لما قتل الحسين (عليه السلام) جاء غراب فوقع في دمه، ثم تمرغ، ثم طار فوقع ~~في المدينة على جدار (1) فاطمة بنت الحسين بن علي- وكانت في المدينة-، ~~فرفعت رأسها فنظرت إليه ملطخ بالدم، فبكت بكاء شديدا، وأنشأت تقول: # نعب الغراب فقلت من %~% تنعاه ويحك يا غراب؟ PageV02P469 # قال الامام فقلت من؟ %~% قال الموفق للصواب # إن الحسين بكربلاء %~% بين الأسنة والضراب (1) # فابك الحسين بعبرة %~% ترضي الإله من (2)الثواب # قلت الحسين فقال لي %~% حقا لقد سكن التراب (3) # ثم استقل به الجنا %~% ح فلم يطق رد الجواب # فبكيت مما حل بي %~% بعد الرضا بالمستراب # قال: فأخبرت به أهل المدينة، فما كان بأسرع مما جاء الخبر بقتل الحسين ~~(عليه السلام). (4) # بحذف الاسناد: عن عبد الله بن عمر الخزاعي، عن هند بنت الجون، قالت: نزل ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) بخيمة خالتي أم سعيد ومعه أصحابه، فكان من ~~أمره في الشاة ما عرفه الناس، فقال (صلى الله عليه وآله) في الخيمة هو ~~وأصحابه حتى أبردوا وكان يوما قائضا شديد الحر، فقام رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) من رقدته فدعا بماء، فغسل يديه وأنقاهما، ثم تمضمض، ثم مج الماء ~~من فيه على عوسجة كانت إلى جنب خيمة خالتي ثلاث مرات، واستنشق ثلاثا، وقال: ~~سيكون لهذه العوسجة شأن، ثم فعل من كان معه من أصحابه كذلك، ثم قام فصلى ~~ركعتين، فعجب أهل الحي من ذلك، وما كان عهدنا بالصلاة وما رأينا مصليا قبل ذلك. PageV02P470 # فلما كان من الغد أصبحنا فرأينا العوسجة قد عظمت، حتى كانت كأعظم ما ~~يكون، وأبهى، وخضد الله شوكها، وساخت عروقها، وكثرت أغصانها، واخضر ساقها ~~وورقها، وأثمرت بعد ذلك وأينعت بثمر كأعظم ما يكون من الكمأة في لون الورس ~~المسحوق، ورائحته كرائحة العنبر في طعم الشهد، والله ما أكل ms580 منه جائع إلا ~~شبع، ولا ظمآن إلا روى، ولا سقيم إلا برىء، ولا ذو حاجة ولا فاقة إلا ~~استغنى، ولا أكل من ورقها بعير ولا ناقة ولا شاة إلا سمنت ودر لبنها، ~~ورأينا النماء والبركة في أموالنا منذ يوم نزل (صلى الله عليه وآله) بنا، ~~وأخصبت بلادنا وأمرعت وكنا نسميها المباركة، وكان ينتابها من حولنا من أهل ~~البوادي يستظلون بها، ويتزودون من ورقها في الأسفار، ويحملونه معهم في ~~الأرض القفر، فيقوم لهم مقام الطعام والشراب. # فلم تزل كذلك حتى أصبحنا ذات يوم وقد تساقطت ثمارها، واصفر ورقها، ~~فأحزننا ذلك وأفزعنا، فما كان إلا قليل حتى جاء نعي رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) انه قد قبض، وكانت بعد ذلك تثمر ثمرا دون الأول في العظم والطعم ~~والرائحة، وأتت على ذلك ثلاثون سنة. # فلما كان ذات يوم أصبحنا وإذا بها قد شاكت من أولها إلى آخرها، وذهبت ~~نضارة عيدانها، وتساقط جميع ثمرها، فما كان إلا يسيرا حتى أتى الخبر بقتل ~~أمير المؤمنين (عليه السلام)، فما أثمرت بعد ذلك قليلا ولا كثيرا، وانقطع ~~ثمرها، ولم نزل ومن حولنا نأخذ من ورقها، ونداوي [به] (1) مرضانا، ونستشفي ~~به من أسقامنا، فأقامت على ذلك برهة طويلة. PageV02P471 # ثم أصبحنا ذات يوم وإذا بها قد انبعث من ساقها دم عبيط، وورقها ذابل يقطر ~~دما كماء اللحم، فقلنا: قد حدث أمر عظيم، فبينا نحن كذلك فزعين مهمومين ~~نتوقع الداهية، فلما أظلم الليل سمعنا بكاء وعويلا من تحتها، وغلبة شديدة ~~ورجة، وسمعنا صوت باكية تقول: # يا ابن النبي ويا ابن الوصي %~% بقية ساداتنا الأكرمينا # ثم كثرت الرنات والأصوات، فلم يفهم كثيرا مما كانوا يقولون، فأتانا بعد ~~ذلك نعي الحسين (عليه السلام)، ويبست الشجرة وجفت، وكسرتها الريح والأمطار ~~بعد ذلك، فذهبت واندرس أثرها. ### ||| [أبيات لدعبل الخزاعي] # قال عبد الله بن محمد الأنصاري: لقيت دعبل بن علي الخزاعي بمدينة الرسول ~~(صلى الله عليه وآله) فحدثته بهذا الحديث فلم ينكره، وقال: حدثني أبي، عن ~~جدي، عن امه سعدى (1) بنت مالك الخزاعية أنها ms581 أدركت تلك الشجرة، وأكلت من ~~ثمرها على عهد علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وأنها سمعت تلك الليلة الجن ~~فحفظت من جنية منهن: # يا ابن الشهيد ويا شهيد عمه %~% خير العمومة جعفر الطيار # عجبا لمصقول أصابك حده %~% في الوجه منك وقد علاه غبار (2) # قال دعبل: فقلت في قصيدتي: # زر خير قبر بالعراق يزار %~% واعص الحمار فمن نهاك حمار # لم لا أزورك يا حسين لك الفدا %~% قومي ومن عطفت عليه نزار؟ # ولك المودة في قلوب اولي النهى %~% وعلى عدوك مقتة ودثار (3) PageV02P472 ### ||| فصل ### ||| [كلام للمؤلف (رحمه الله)] # فأما قبر الحسين (عليه السلام) فإنه لم يزل مشهورا معلما يقصده الخلائق ~~من الآفاق، وكبار الصحابة قصدوا زيارته والاستشفاء بتربته لما سمعوا في ~~فضله من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) ~~وآلهما، كجابر بن عبد الله، وغيره، ولقد جهدت بنو امية على إخفائه، وصد ~~الناس عنه، وأقاموا مسالح على الطرقات يقتلوا كل من ظفروا به من زواره ~~(عليه السلام)، كما رواه الشيخ جعفر بن قولويه، والشيخ الطوسي رضي الله ~~عنه، وسأذكر فيما بعد منه نبذة، وظهر من الكرامات له ما لا مزيد عليه من ~~شفاء المرضى، والاستشفاء بتربته، وإجابة الدعاء لديه (صلوات الله عليه). ### ||| [جور الخلفاء على قبر الحسين (عليه السلام)] # ولم يتيسر لبني امية ما أرادوا وكان قد بني عليه مسجد، ولم يزل كذلك بعد ~~بني امية، وفي زمن بني العباس، إلا على زمن الرشيد لعنه الله فإنه خربه ~~وقطع السدرة التي كانت نابتة عنده، وكرب موضع القبر، ثم اعيد على زمن ~~المأمون وغيره إلى أن حكم اللعين المتوكل من بني العباس، وكان سيئ الاعتقاد ~~في آل أبي طالب، شديد الوطأة عليهم، قبيح المعاملة معهم، ووافقه على ذلك ~~وزيره عبد الله بن يحيى لعنه الله، فبلغ من سوء معاملتهم ما لم يبلغه أحد ~~ممن تقدم من بني امية وبني العباس، فأمر بتخريب قبر الحسين (عليه السلام) ~~وقبور أصحابه، وكرب مواضعها، وأجرى الماء عليها، ومنع الزوار عن زيارتها، ~~وأقام الرصد، وشدد ms582 في ذلك حتى كان يقتل من يوجد زائرا، وولى PageV02P473 # ذلك رجلا كان أصله يهوديا، ثم أسلم يقال له: الديزج، وسلط اللعين قوما من ~~اليهود على ذلك حتى تولوه، وسأذكر نبذة من فعله عليه اللعنة إلى أن قتل ~~المتوكل. # وقام بالأمر بعده ابنه المنتصر، فعطف على آل أبي طالب، وأحسن إليهم، وفرق ~~فيهم الأموال، وأعاد القبور في أيامه إلى أن خرج الداعيان الحسن ومحمد ابنا ~~زيد بن الحسن، فأمر محمد بعمارة المشهدين؛ مشهد أمير المؤمنين، ومشهد أبي ~~عبد الله (عليهما السلام)، وأمر بالبناء عليهما، وبعد ذلك زيد فيهما، وبلغ ~~عضد الدولة بن بويه (رحمه الله) الغاية في تعظيمهما وعمارتهما، والأوقاف ~~عليهما، وكان رضي الله عنه يزورهما كل سنة. # وروى شيخنا الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي رضي الله ~~عنه في أماليه، قال: أخبرنا ابن خشيش، عن محمد بن عبد الله، قال: # حدثنا محمد بن علي بن هاشم الابلي (1)، قال: حدثنا الحسن بن أحمد بن ~~النعمان الوجيهي الجوزجاني نزيل قومس وكان قاضيها، قال: حدثني يحيى بن ~~المغيرة الرازي، قال: كنت عند جرير بن عبد الحميد إذ جاءه رجل من أهل ~~العراق، فسأله جرير عن خبر الناس، قال: تركت الرشيد وقد كرب قبر الحسين ~~(عليه السلام)، وأمر أن تقطع السدرة التي فيه، فرفع جرير يده، وقال: # الله أكبر جاءنا فيه حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ~~لعن الله قاطع السدرة- ثلاثا- فلم نقف على معناه حتى الآن، وكان قصده ~~بقطعها تغيير مصرعه (عليه السلام) حتى لا يقف الناس على قبره. (2) PageV02P474 # وعنه: قال: أخبرنا ابن خشيش، [قال: حدثنا محمد بن عبد الله،] (1) قال: ~~حدثني محمد بن جعفر بن محمد بن الفرج الرخجي، قال: حدثني أبي، عن عمه [عمر] ~~(2) بن فرج، قال: أنفذني المتوكل في تخريب قبر الحسين (عليه السلام)، فصرت ~~إلى الناحية فأمرنا بالبقر بمن بها على القبور فمرت عليها كلها، فلما بلغت ~~قبر الحسين (عليه السلام) لم تمر عليه. # قال عمي عمر بن فرج: فأخذت العصا بيدي، ms583 فما زلت أضربها حتى انكسرت العصا ~~بيدي، والله ما جازت على قبره، وكان هذا الرجل شديد الانحراف عن آل محمد ~~(صلى الله عليه وآله). (3) # وعنه رضي الله عنه، قال: أخبرنا ابن خشيش بإسناد متصل إلى [أبي علي ~~الحسين بن] (4) محمد بن مسلمة بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: ~~حدثني إبراهيم الديزج، قال: بعثني المتوكل إلى كربلاء لنبش قبر الحسين ~~(عليه السلام)، وكتب كتابة معي إلى جعفر بن محمد بن عمار القاضي: # اعلمك أني بعثت إبراهيم الديزج إلى كربلاء لنبش قبر الحسين، فإذا قرأت ~~كتابي فقف على الأمر حتى تعرف فعل أو لم يفعل. # قال الديزج: فعرفني جعفر بن محمد بن عمار ما كتب به إليه، وفعلت ما أمرني ~~به جعفر بن محمد بن عمار، ثم أتيته، فقال لي: ما صنعت؟ # فقلت: قد فعلت ما امرت [به] (5)، فلم أر شيئا، فقال: فهلا عمقته؟ # قلت: قد فعلت فما رأيت شيئا، فكتب إلى السلطان: إن إبراهيم الديزج قد نبش ~~فلم ير شيئا، فأمرته فمخره بالماء وكربه بالبقر. PageV02P475 # قال أبو علي العماري: فحدثني إبراهيم الديزج، وقد سألته عن صورة الأمر، ~~فقال لي: أتيت في خاصة غلماني فقط، وإني نبشت، فوجدت بارية جديدة وعليها ~~بدن الحسين (عليه السلام)، ووجدت منه رائحة المسك، فتركت البارية على حالها ~~وبدن الحسين على حاله على البارية، وأمرت بطرح التراب عليه، وأطلقت عليه ~~الماء، وأمرت بالبقر لتمخره وتحرثه، فلم تطأه، وكانت إذا جاءت إلى الموضع ~~رجعت عنه، فحلفت لغلماني بالله وبالأيمان المغلظة لئن ذكر أحد هذا الحديث ~~لأقتلنه (1). (2) # وعنه رضي الله عنه، قال: أخبرنا ابن خشيش، عن محمد بن عبد الله، قال: ~~حدثني محمد بن إبراهيم بن أبي السلاسل الأنباري الكاتب، قال: # حدثني أبو عبد الله الباقطاني قال: ضمني عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى ~~هارون المعري، وكان قائدا من قواد السلطان أكتب له، وكان بدنه أبيض شديد ~~البياض حتى يديه ورجليه، وكان وجهه أسود شديد السواد كأنه القير، وكان ~~يتفقأ مع ذلك مدة (3) منتنة. ms584 # فلما آنس بي سألته عن سواد وجهه، فأبى أن يخبرني، ثم إنه مرض مرضه الذي ~~مات فيه، فعدته، وسألته عن ذلك، فرأيته يحب أن يكتم عليه، فضمنت له ~~الكتمان، فحدثني، قال: وجهني المتوكل أنا والديزج لنبش قبر الحسين (عليه ~~السلام)، وإجراء الماء عليه، فلما عزمت على الخروج والمسير إليه رأيت رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) في المنام، فقال: لا تخرج مع الديزج، PageV02P476 # ولا تفعل ما امرتم به في قبر الحسين. # فلما أصبحنا جاءوا يستحثوني في المسير، فسرت معهم حتى وافينا كربلاء، ~~وفعلنا ما أمرنا به المتوكل، فرأيت النبي (صلى الله عليه وآله) في المنام، ~~فقال: ألم آمرك ألا تخرج، ولا تفعل فعلهم فلم تقبل حتى فعلت ما فعلوا؟! ثم ~~لطمني، وتفل في وجهي، فصار وجهي مسودا، وجسمي كما ترى على حالته الاولى. (1) # وعنه رضي الله عنه، قال: أخبرنا ابن خشيش، قال: حدثنا محمد بن عبد الله، ~~قال: حدثني سعيد بن أحمد العراد أبو القاسم الفقيه، قال: حدثني أبو برزة ~~الفضل بن محمد بن عبد الحميد، قال: دخلت على إبراهيم الديزج- وكنت جاره- ~~أعوده في مرضه الذي مات فيه، فوجدته بحال سوء، وإذا هو كالمدهوش وعنده ~~الطبيب، فسألته عن حاله، وكانت بيني وبينه خلطة وانس يوجب الثقة بي، ~~والانبساط إلي، فكاتمني حاله، وأشار إلى الطبيب، فشعر الطبيب بإشارته ولم ~~يعرف عن حاله ما يصف له من الدواء، وما يستعمله، فقام وخرج، وخلا الموضع، ~~فسألته عن حاله. فقال: اخبرك والله، وأستغفر الله، إن المتوكل أمرني ~~بالخروج إلى نينوى إلى قبر الحسين (عليه السلام)، وأمرنا أن نكربه ونطمس ~~أثر القبر، فوافيت الناحية مساء ومعنا الفعلة والروزكاريون معهم المساحي ~~والمرور (2)، فتقدمت إلى غلماني وأصحابي أن يأخذوا الفعلة بخراب القبر، ~~وخراب (3) أرضه، وطرحت نفسي لما نالني من أمر السفر PageV02P477 # ونمت، وذهب في النوم فإذا ضوضاء شديدة، وأصوات عالية، وجعل الغلمان ~~ينبهوني، فقمت وأنا ذعر، وقلت للغلمان: ما شأنكم؟ # قالوا: عجيب شأن. # قلت: وما ذاك؟ # قالوا: إن بموضع القبر قوما قد حالوا بيننا وبين القبر، وهم يرموننا ms585 مع ~~ذلك بالنشاب، فقمت معهم لأتبين الأمر، فوجدته كما وصفوا، وكان ذلك في أول ~~الليل من الليالي البيض، فقلت: ارموهم، فرموا فعادت سهامنا إلينا، فما سقط ~~منها سهم إلا في صاحبه الذي رمى، فقتله، فاستوحشت لذلك، وجزعت وأخذتني ~~الحمى والقشعريرة، ورحلت عن (1) القبر لوقتي، ووطنت نفسي على أن يقتلني ~~[المتوكل] (2) لما لم أبلغ في القبر [جميع] (3) ما تقدم إلي به. # فقيل: كفيت ما تحذر من المتوكل، قد قتل البارحة، وأعان في قتله ابنه ~~المنتصر، فقال: قد سمعت بذلك، وقد نالني في جسمي ما لا أرجو معه البقاء. # قال أبو برزة: كان هذا أول النهار، فما أمسى الديزج حتى مات. # قال ابن خشيش: قال أبو الفضل: إن المنتصر سمع أباه المتوكل يسب فاطمة ~~(عليها السلام)، فسأل رجلا من الناس عن ذلك، فقال له: قد وجب عليه القتل، ~~إلا انه من قتل أباه لم يطل له عمر. # قال: ما ابالي إذا أطعت الله بقتله ألا يطول عمري، فقتله وعاش بعده سبعة ~~أشهر. (4) PageV02P478 # وعنه، قال: أخبرنا ابن خشيش، عن محمد بن عبد الله، قال: حدثني علي بن عبد ~~المنعم بن هارون الخديجي الكبير من شاطئ النيل، قال: # حدثني (1) القاسم بن أحمد بن معمر الأسدي الكوفي- وكان له علم بالسير ~~وأيام الناس-، قال: بلغ المتوكل أن أهل السواد يجتمعون بأرض نينوى لزيارة ~~قبر الحسين (عليه السلام)، فيصير إلى قبره منهم جماعة كثيرة وخلق عظيم، ~~فأنفذ قائدا من قواده، وضم إليه كنفا (2) من الجند كثيرا ليشعث (3) من ~~قبره (عليه السلام)، ويمنع الناس من زيارته والاجتماع عنده. # فخرج القائد إلى الطف، وعمل ما امر به، وذلك في سنة سبع وثلاثين ومائتين، ~~فثار أهل السواد، واجتمعوا عليه، وقالوا: لو قتلنا عن آخرنا لما أمسك ما ~~بقي منا عن زيارته، والاجتماع عنده، ورأوا من الدلائل ما حملهم على ما ~~صنعوا، فكتب بالأمر إلى الحضرة، فورد كتاب المتوكل إلى القائد بالكف عنهم، ~~والسير إلى الكوفة مظهرا أن مسيره إليها في مصالح أهلها، والانكفاء إلى المصر. # فمضى الأمر على ذلك حتى ms586 كانت سنة سبع وأربعين، فبلغ المتوكل أيضا مصير ~~الناس من أهل السواد والكوفة إلى كربلاء لزيارة قبر الحسين (عليه السلام)، ~~وأنه قد كثر جمعهم لذلك، وصار لهم سوق عظيم، فأنفذ قائدا في جمع عظيم من ~~الجند، وأمر مناديا ينادي ببراءة الذمة ممن زار قبره (عليه السلام)، ونبش ~~القبر وحرثه، وانقطع الناس عن الزيارة، وعمل على تتبع آل أبي طالب PageV02P479 # والشيعة، فقتل لعنه الله، ولم يتم ما قدر (1). (2) # وعنه رضي الله عنه، قال: أخبرنا ابن خشيش، قال: حدثني أبو الفضل (3)، ~~قال: حدثني عبد الرزاق بن سليمان بن غالب الأزدي، قال: # حدثني عبد الله بن دانية الطوري، قال: حججت سنة سبع وأربعين ومائتين، ~~فلما صدرت عن الحج صرت إلى العراق، فزرت أمير المؤمنين (عليه السلام) على ~~حال خيفة من السلطان وتقية، ثم توجهت إلى زيارة الحسين (عليه السلام)، فإذا ~~هو قد حرثت أرضه ومخر فيها الماء، وارسلت الثيران والعوامل في الأرض، ~~فبعيني وبصري كنت أرى الثيران تأتي في الأرض فتنساق لهم فيها حتى إذا حاذت ~~مكان القبر حادت يمينا وشمالا، فتضرب بالعصي الضرب الشديد فلا ينفع ذلك ~~فيها ولا تطأ القبر بوجه من الوجوه ولا سبب، فما أمكنني الزيارة، فتوجهت ~~إلى بغداد وأنا أقول: # تالله إن كانت امية قد أتت %~% قتل ابن بنت نبيها مظلوما # فلقد أتاك بنو أبيه بمثلها %~% هذا لعمرك قبره مهدوما # أسفوا على أن لا يكونوا شايعوا %~% في قتله فتتبعوه رميما # فلما قدمت بغداد سمعت الهائعة (4)، فقلت: ما الخبر؟ # قالوا: وقع الطير بقتل جعفر المتوكل، فعجبت لذلك وقلت: إلهي ليلة بليلة. (5) PageV02P480 # وعنه رضي الله عنه، قال: حدثنا ابن خشيش، عن محمد بن عبد الله، قال: ~~حدثنا أبو الطيب علي بن محمد (1) الجعفي الدهان بالكوفة، قال: حدثنا أحمد ~~بن ميثم بن [أبي] (2) نعيم، قال حدثنا: يحيى بن عبد الحميد الحماني أملاه ~~علي في منزله، قال: خرجت أيام ولاية موسى بن عيسى الهاشمي [في] (3) الكوفة ~~من منزلي فلقيني أبو بكر بن عياش، فقال: امض بنا يا يحيى إلى هذا، فلم أدر ms587 ~~من يعني، وكنت اجل أبا بكر عن مراجعته، وكان راكبا حمارا، فجعل يسير عليه، ~~وأنا أمشي في (4) ركابه، فلما صرنا عند الدار التي تعرف بدار عبد الله بن ~~حازم التفت إلي فقال: يا ابن الحماني، إنما جررتك معي وجشمتك أن تمشي خلفي ~~لاسمعك ما أقول لهذا الطاغية. # قال: فقلت: من هو، يا أبا بكر؟ # قال: هذا الكافر الفاجر موسى بن عيسى، فسكت عنه، فمضى وأنا أتبعه حتى إذا ~~صرنا إلى باب موسى بن عيسى، وبصر به الحاجب وتبينه، وكان الناس ينزلون عند ~~الرحبة، فلم ينزل أبو بكر هناك، وكان عليه قميص وإزار، وهو محلول الأزرار. # قال: فدخل على حماره وناداني، وقال: [تعال] (5) يا ابن الحماني، فمنعني ~~الحاجب، فزجره أبو بكر، وقال له: أتمنعه يا فاعل- وهو معي-؟ # فتركني، فما زال يسير على حماره حتى دخل الايوان، فبصر بنا موسى وهو قاعد ~~في صدر الايوان على سريره وبجنبي السرير رجال مسلحون، فلما رآه PageV02P481 # موسى رحب به وقربه، وأقعده على سريره، ومنعت أنا حين وصلت إلى الايوان، ~~فلما استقر أبو بكر على السرير التفت إلي [فرآني] (1) حيث أنا واقف، ~~فناداني: تعال ويحك، فصرت إليه، ونعلي في رجلي، وعلي قميص وإزار، فأجلسني ~~بين يديه، فالتفت إليه موسى فقال: هذا رجل تكلمنا فيه. # قال: لا، ولكني جئت به شاهدا عليك. # قال: فبما ذا؟ # قال: إني رأيتك وما صنعت بهذا القبر. # قال: أي قبر؟ # قال: قبر الحسين بن علي (عليهما السلام)، وابن فاطمة بنت رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله). # وكان موسى قد وجه إليه من كربه، وكرب جميع أرض الحائر وحرثها (2) وزرعها، ~~فانتفخ موسى حتى كاد أن ينقد. ثم قال: ما أنت وذاك؟ # قال: اسمع حتى اخبرك. # قال: نعم، إني رأيت في منامي كأني خرجت إلى قومي من بني غاضرة، فلما صرت ~~إلى قنطرة الكوفة اعترضتني خنازير عشرة تريدني، فأغاثني الله برجل كنت ~~أعرفه من بني أسد فدفعها عني، ومضيت لوجهي، فلما صرت إلى شاهي (3) ضللت ~~الطريق ورأيت هناك عجوزا، فقالت: إلى أين تريد، أيها ms588 الشيخ؟ PageV02P482 # قلت: اريد الغاضرية. # فقالت: استبطن هذا الوادي، فإنك إذا أتيت إلى آخره اتضح لك الطريق. # فمضيت، وفعلت ما قالت، فلما صرت إلى نينوى إذا أنا بشيخ كبير جالس هناك، ~~فقلت: من أين أنت، أيها الشيخ؟ # فقال لي: أنا من أهل هذه القرية. # فقلت: كم تعد من السنين؟ # فقال: ما أحفظ ما مضى من سني عمري، ولكن أبعد ذكري أني رأيت الحسين (عليه ~~السلام)، ومن كان معه من أهله، ومن تبعه يمنعون الماء الذي نراه، ولا تمنع ~~الكلاب والوحش من شربه، فاستفظعت (1) ذلك، وقلت: أنت ويحك رأيت هذا؟ # فقال: إي والذي سمك السماء، قد رأيت هذا أيها الشيخ، وإنك وأصحابك لهم ~~الذين يعينون على ما رأينا مما أقرح عيون المسلمين، إن كان في الدنيا مسلم. # قلت: ويحك ما هو؟ # قال: حيث لم تنكروا ما أجرى سلطانكم إليه. # فقلت: ويحك ما أجرى إليه؟ # قال: أيكرب قبر ابن النبي (صلى الله عليه وآله)، وتحرث أرضه؟ # قلت: فأين القبر؟ PageV02P483 # قال: هو هذا أنت واقف في أرضه، فأما القبر فإنه قد عمي عن أن يعرف موضعه. # قال أبو بكر بن عياش: وما كنت رأيت القبر قبل ذلك الوقت قط، ولا أتيته ~~طول عمري، فقلت: من لي بمعرفته؟ فمضى معي الشيخ حتى أوقفني على باب حائر له ~~باب وآذن، وإذا جماعة كثيرة على الباب فقلت للآذن: اريد الدخول على ابن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله). # فقال: لا تقدر على الوصول في هذا الوقت. # فقلت: ولم؟ # فقال: هذا وقت زيارة إبراهيم خليل الله، ومحمد رسول الله، ومعهما جبريل ~~وميكائيل في رعيل من الملائكة كثير. # قال أبو بكر بن عياش: فانتهبت، وقد دخلني روع شديد وحزن وكآبة، ومضت بي ~~الأيام حتى كدت أن أنسى المنام، ثم اضطررت إلى الخروج إلى بني غاضرة لدين ~~كان لي على رجل منهم، فخرجت وأنا لا أذكر الحديث حتى إذا صرت إلى قنطرة ~~الكوفة لقوني عشرة من اللصوص، فحيث رأيتهم ذكرت الحديث، ورعبت من خشيتي، ~~فقالوا: الق ما معك وانج بنفسك، ms589 وكانت معي نفيقة. # فقلت: ويحكم أنا أبو بكر بن عياش، وإنما خرجت لطلب دين لي، فالله الله لا ~~تقطعوني عن طلب ديني، وتضروني في نفقتي، فإني شديد الإضافة (1)، فنادى رجل ~~منهم: مولاي ورب الكعبة لا نتعرض له، ثم قال لبعض غلمانه: PageV02P484 # كن معه حتى يصير إلى الطريق الأيمن. # قال أبو بكر: فجعلت أتفكر فيما رأيت في المنام، وأتعجب من تأويل ~~الخنازير، فمضيت حتى صرت إلى شاهي ضللت الطريق ورأيت هناك عجوزا، فقالت: ~~أين تريد، أيها الشيخ؟ # قلت: اريد الغاضرية. # فقالت: استبطن هذا الوادي، فإنك إذا أتيت إلى آخره اتضح لك الطريق، ~~فمضيت، وفعلت ما قالت، فلما صرت إلى نينوى رأيت والله الذي لا إله إلا هو ~~[الشيخ] (1) الذي رأيته في المنام، فحين رأيته ذكرت الأمر والرؤيا، وقلت: ~~لا إله إلا الله ما كانت هذه الرؤيا إلا وحيا، ورأيت الشيخ، ثم سألته ~~كمسألتي [إياه] (2) في المنام، فأجابني كما كان أجابني، ثم قال: امض بنا، ~~فمضيت، فوقفت على الموضع المكروب، فلم يفتني شيء من المنام إلا الآذن ~~والحائر فإني لم أر حائرا ولا آذنا، فاتق الله أيها الرجل، فإني آليت على ~~نفسي ألا أدع إذاعة هذا الحديث، ولا زيارة ذلك الموضع وقصده وإعظامه، فإن ~~موضعا يأتيه إبراهيم ومحمد وجبريل وميكائيل لحقيق أن يرغب في إتيانه ~~وزيارته، فإن أبا حصين حدثني أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من ~~رآني في المنام فإياي رأى، فإن الشيطان لا يتشبه بي. # فقال له موسى: إنما سكت عن إجابة كلامك لأستوفي هذه الحمقة التي ظهرت ~~منك، وتالله لئن بلغني بعد هذا الوقت أنك تحدث بهذا لأضربن عنقك، وعنق الذي ~~جئت به شاهدا علي. PageV02P485 # فقال: إذا يمنعني الله وإياه منك، فإني ما أردت إلا الله سبحانه بما ~~كلمتك به. # فقال: أتراجعني يا ماص، وشتمه. # فقال أبو بكر: اسكت أخزاك الله، وقطع لسانك، فأرعد موسى على سريره، ثم ~~قال: خذوه، فاخذ الشيخ عن السرير، واخذت أنا، فو الله لقد مر بنا من السحب ~~والضرب ما ظننت أنا ms590 لا نلبث حيين، وكان أشد ما مر بي من ذلك أن رأسي كان ~~يجر على الصخر، فكان بعض مواليه يأتيني فينتف لحيتي، وموسى يقول: اقتلوهما ~~ابني كذا وكذا- بالزاني لا يكنى (1)-، وأبو بكر يقول: # امسك قطع الله لسانك، وانتقم منك، اللهم إياك أردنا، ولولد نبيك غضبنا، ~~وعليك توكلنا. # فصرنا (2) جميعا إلى الحبس، فما لبثنا في الحبس إلا قليلا، فالتفت إلي ~~أبو بكر فرأى ثيابي ممزقة، وقد سالت دمائي على خدي، فقال: يا حماني، قد ~~قضينا لله حقا، واكتسبنا في يومنا هذا أجرا، ولن يضيع ذلك عند الله، ولا ~~عند رسوله، فما لبثنا في السجن إلا مقدار غدائه ونومه حتى جاءنا رسوله ~~فأخرجنا إليه، فطلب حمار أبو بكر فلم يوجد، فدخلنا عليه فإذا هو في سرداب ~~يشبه الدور سعة وكبرا، فتعبنا في المشي إليه تعبا شديدا، وكان أبو بكر إذا ~~تعب [في المشي] (3) جلس يسيرا، ثم يقول: اللهم هذا فيك فلا تنسه، فلما ~~ادخلنا على موسى إذا هو على سرير له، فحين بصر بنا قال: لا حيا الله، ولا PageV02P486 # قرب يا جاهل يا أحمق تتعرض لما تكره (1)، ويلك يا دعي ما دخولك فيما ~~بيننا معشر بني هاشم؟ # قال أبو بكر: قد سمعت كلامك، والله حسبك. # فقال: اخرج قبحك الله، والله لئن بلغني أن هذا الحديث شاع أو ذكر عنك ~~لأضربن عنقك. # ثم التفت إلي وقال: يا كلب- وشتمني- وقال: إياك أن تظهر هذا، فإنما خيل ~~لهذا الشيخ الأحمق شيطان يلعب به في منامه، اخرجا عليكما لعنة الله وغضبه، ~~فخرجنا وقد يئسنا من الحياة، فلما صرنا إلى منزل الشيخ أبي بكر وهو يمشي ~~وقد ذهب حماره، فلما أراد أن يدخل منزله التفت إلي، وقال: # احفظ هذا الحديث وأثبته عندك، ولا تحدثن به هؤلاء الرعاع ولكن حدث به أهل ~~العقول والدين. (2) ### ||| [كلام للمؤلف (رحمه الله)] # قلت: فانظر إلى ما أصفى الله به هذه الاسرة الزكية، والعترة النبوية، من ~~إظهار فضائلهم، وإيضاح دلائلهم، كلما تقادمت الأيام أظهر رفعتهم، وأشهر ~~دينهم، رام الأعداء استئصال شأفتهم، وإدحاض حجتهم، من ms591 حين موت الرسول ~~المصطفى، وفوت النبي المجتبى، وجحدوا شايع فضلهم، وأجلبوا عليهم بخيلهم ~~ورجلهم، من قتل الوصي، وسم الزكي، وهظم السبط المعصوم، والشهيد المظلوم. # وألجئوا سيد الخلق بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن أوصى بإخفاء ~~تربته الشريفة، وبقعته المنيفة، حذرا من فتنتهم، وخوفا من سفاهتهم، لعلمه PageV02P487 # بشدة حقدهم وغدرهم، وعداوتهم ومكرهم، وأبى الله إلا أن ينصر الحق، ويعلي ~~كلمة الصدق، فأظهره بعد خفائه، وأوضح فضله لشيعته وأوليائه، وجعله حرما ~~آمنا تجبى إليه ثمرات كل شيء، يقصده أهل الآفاق من الفج العميق، وتثنى ~~إليه الأعناق من كل مرمى سحيق، وتشد نحوه الرحال من مفاوز مقفرة، ويستطاب ~~إليه الترحال في المهالك الخطرة، وتهوى إليه القلوب من جزائر منقطعة، ~~وترتاح إليه النفوس من بلاد شسعة، يرجون من بركاته أرباح تجارتهم، ومن ~~وفادتهم عليه إدرار معيشتهم، ثم جعله سبحانه لملائكته مهبطا، ولبركاته ~~مسقطا، ولأوليائه معاذا، ولأصفيائه ملاذا، أطلعهم سبحانه على عرفان قدره، ~~وعلو أمره، وانه معدن البركات، وموطن الدعوات، يجيب سبحانه فيه دعاء المضطر ~~من خلقه، ويثري ببركته طالب رزقه، ويكفر كبائر ذنوب المسيئين بقصده، ويرحم ~~دعاء المتوسلين إليه بمجده. # ثم انظر إلى قبر الصديق الشهيد، والامام الرشيد، قتيل العبرة، ومصباح ~~العترة، صاحب المصيبة التامة، والبلية الطامة، الذي شرف الله به كربلاء ~~وطفوفها، وأوضح في الملكوت الأعلى بفضلها وتشريفها، وجعل قلوب المؤمنين ~~ترتاح إلى وفادتها، وتحن إلى زيارتها، وجعل فضلها يربو على البيت الحرام، ~~ويعلو شرفا على الركن والمقام، يضاعف الحسنات في حضرتها، ويكفر السيئات ~~بوفادتها، إن قصدها مكروب فرج الله كربته، وإن أمها مغموم كشف الله غمته. # كم راموا إخفاء منارها، وإطفاء أنوارها، وإعفاء آثارها، وإهلاك زوارها، ~~وتخريب عامرها، وإدحاض مآثرها، وتتبعوا زمائمها، وأخفوا معالمها، ودرسوا ~~قبورها، وطمسوا مشهورها؟ وجعلوها لسوامهم مرتعا، PageV02P488 # ولحرثهم مزرعا، ولم يتركوا لها علما مشهورا، ولا جدارا معمورا. # وأظهر الله ما أخفوا، وأنار ما أطفوا، طار ذكر أهل بيت نبيه في المغارب ~~والمشارق، وألقى فضلهم على لسان كل ناطق، حتى طبق الآفاق ذكرهم، وعلى السبع ~~الطباق فخرهم، ms592 وسطرت في الدفاتر مناقبهم، وشرفت على كل شرف مراتبهم، همتهم ~~تستخرج العذراء من خدرها، وزمام محبتهم تجذب القلوب من برها وبحرها، يقاسي ~~وليهم في هجرته إلى مشاهدهم من أعداء الله ما الموت أيسر بعضه، ويتحمل ~~الأذى في الله ممن خف ميزانه يوم حسابه وعرضه، ويستعذب التعذيب في مسيره ~~إلى زيارتهم، ويستطيب فراق الحميم والحبيب لمشاهدة أنوار بهجتهم. # ملقى رجال شرائف مراقدهم، وغاية مشقة الآمال مشاهدة مشاهدهم، السيئات في ~~عراصها تغفر، والموبقات لدى مزاراتها تكفر، تخضع رقاب الجبارين حين معاينة ~~قبابهم، وتسجد جباه المتكبرين على أعتاب أبوابهم، ويضرعون بالاستكانة بين ~~أيديهم، ويخشعون بالانابة حين توجههم إليهم، ويطلبون إلى الله بقاء ملكهم ~~ببركاتهم، ويسألون منه سبحانه دوام عزهم في حضراتهم، ويستفتحون على أعدائهم ~~بحقهم، ويستنجحون مقاصدهم بفضلهم وصدقهم، وينفقون الذخائر لتشييد مغانيهم، ~~ويبذلون النفائس في تعظيم مبانيهم، ويتفاخرون بإجراء ابرهم على جدرانها ~~وعروشها، ويثابرون على التفنن في أصناف زينتها ونقوشها، ويجددون قناديل ~~مصابيحها من عسجدهم (1)، ويرصعون حلية ضرائحها بيواقيتهم وزبرجدهم، ~~ويسترون أبوابها بستور من سندس بطائنها من استبرق، قد اعمل ناسجها ذكرته في PageV02P489 # نسجها بقضبان الذهب ودفق، يشرح صدور المؤمن الموافق، ويسخن عين الرجس ~~المنافق. # يتجدد فخرهم بتجدد الأيام، ويتعالى ذكرهم بتعدد الأعوام، وما هذه إلا ~~كرامة ظاهرة، وفضيلة باهرة، يستدل بها ان الجليل سبحانه لحظهم بعين عنايته، ~~واختصهم بعظيم كرامته، وجعلهم أشرف كل موجود سواه، وأكمل كل مخلوق خلقه ~~وسواه، وشحن كتابه بمدحهم، وشرف تنزيله بوصفهم. # تهوى إليهم القلوب من جزائر منقطعة، وترتاح إليهم النفوس من أقطار شسعة، ~~وزين سبحانه اللغات على اختلاف ألسنتهم بمدائحهم ومراتبهم، وحبب إلى الأنام ~~ذكر مناقبهم ومساعيهم، حتى زينت الشعراء مدائحها بذكرهم، وأعملت البلغاء ~~قرائحها في شكرهم، فكل شعر لا يحلى بجواهر فضائلهم فهو يهرج، وكل نثر لا ~~يسمط بوصف مناقبهم فهو يسمج، تفخر فصحاء العرب بترصيع سجعها بتلألؤ وصفهم، ~~وتشمخ شعراء العجم بتجنيس رديفها بتعداد كرمهم ولطفهم، أجهدت الأعداء جهدها ~~في محو صورهم من جرائد الأحياء، وأجلبت الأشقياء بخيلها ورجلها على إخفاء ~~أوجههم عن وجه ms593 الدنيا، حتى قتلوا رجالهم، وذبحوا أطفالهم، وانتهبوا ~~أثقالهم، وتتبعوا حيهم، واستصفوا فيئهم، ولم يتركوا لهم وليا إلا أرهقوه، ~~ولا ناصرا إلا اغتالوه، ولا رحما إلا قطعوها، ولا وصية إلا ضيعوها. # حتى إذا ظنوا أن الدنيا قد أصفتهم لذتها، ومنحتهم درتها، وسلمت إليهم ~~مقاليد سلطانها، وفتحت عليهم كنوز ذهبانها، وأوطأت أقدامهم أعناق ملوكها، ~~وأجرت أحكامهم على غنيها وصعلوكها (1)، وعمت فتنتهم، وتمت مدتهم، PageV02P490 # فمضت بأرجلها، وقنصت بأحبلها، فألقتهم على حسكها، وجعلت على عكسهم دورة ~~فلكها، وأباح لهم من شيعة الحق من لم يكن في حسابهم مشهورا، ولا في جرائد ~~أعدائهم مزبورا، فجعلهم حصيدا خامدين (1)، ومواتا جامدين، وصيرهم كرماد ~~اشتدت به الريح في يوم عاصف (2)، أو هشيما تذروه (3) الزعازع العواصف. # فلم تكن أيامهم إلا كأضغاث أحلام، أو طيف منام، قد سلبهم سبحانه بقهره ~~ملكا وعزا، فهل تحس منهم من أحد أو تسمع له ركزا (4)، لا ذرية لهم مذكورة، ~~ولا تربة مشهورة، ولا قبر مزور، ولا مشهد معمور، بل أخذهم سبحانه أخذه ~~رابية، فهل ترى لهم من باقية (5)؟ # ولو لم يكن سبحانه أوضح من فضل آل محمد ما أوضح، ونص على وجوب طاعتهم ~~وصرح، وفرض على الكافة مودتهم، وقرن بطاعته طاعتهم، وجعلهم اولي الأمر في ~~خلقه، وأوجب من حقهم ما أوجب من حقه، لكان فيما ذكرت أقوم دليل، وأوضح ~~سبيل، على أن أمرهم لدني، وسلطانهم رباني، وخلافتهم من أمر الله، وإمامتهم ~~من نص الله، وأنهم السبب المتصل بينه وبين عباده، والسبيل الموصل إلى ~~مشيئته ومراده، فهم وذكره المجيد حبلاه المتصلان، وسبباه الأطولان، لا ~~انقطاع لاتصالهما، ولا نقصان لكمالهما. # اللهم زدنا بحبهم شرفا إلى شرفنا، وهب لنا بهم من لدنك رحمة تخصنا PageV02P491 # بها وتزلفنا، إنك على كل شيء قدير. # روي أنه لما هلك يزيد عليه اللعنة، وولده معاوية، ومات مروان أيضا، وكان ~~عبيد الله بن زياد لعنه الله قد لحق بالشام لما مات يزيد- وقصته مشهورة- ~~خوفا من أهل الكوفة، فأرسله عبد الملك بن مروان في جيش كثيف إلى العراق، ~~وتشايع بتوجهه أهل الكوفة والعراق، وكان منهم ms594 جماعة من أبرار الشيعة قد ~~حبسهم عبيد الله بن زياد، فلما مضى إلى الشام كسروا الحبس، وتعاهدوا على ~~قتال ابن زياد لعنه الله. ### ||| [ظهور المختار بالكوفة ومطالبته بثأر الحسين (عليه السلام)] # روى شيخنا أبو جعفر الطوسي رضي الله عنه في أماليه، قال: ظهر المختار بن ~~عبيد الله الثقفي (رحمه الله) بالكوفة ليلة الأربعاء لأربع عشرة ليلة مضت ~~(1) من ربيع الآخر سنة ست وستين من الهجرة، فبايعه الناس على كتاب الله ~~وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله) والأخذ بثأر الحسين (عليه السلام)، والطلب ~~بدمه ودماء أهل بيته (عليهم السلام)، والدفع عن الضعفاء، فقال الشاعر في ذلك: # ولما أتى المختار جئنا لنصره %~% على الخيل تردى من كميت (2)وأشقرا # دعا يا لثارات الحسين فأقبلت %~% تعادى بفرسان الصباح لتثأرا # وكان ابن الزبير قد تولى على مكة، وبايعه الناس، فأرسل إلى الكوفة بعبد ~~الله بن مطيع، فلما نهض المختار رضي الله عنه خرج عبد الله وأصحابه ~~منهزمين، وأقام المختار بالكوفة إلى المحرم سنة سبع وستين، ثم عمل (3) على ~~إنفاذ الجيوش إلى ابن زياد، وكان اللعين بأرض الجزيرة، فصير على شرطه PageV02P492 # أبا عبد الله الجدلي وأبا عمارة كيسان مولى عرينة، وأمر إبراهيم بن مالك ~~الأشتر بالتأهب للمسير إلى ابن زياد، وجعله أميرا على الجند. ### ||| [خروج إبراهيم بن مالك الأشتر لقتال ابن زياد] # فخرج إبراهيم رضي الله عنه يوم السبت لسبع خلون من المحرم سنة سبع وستين ~~في ألفين من مذحج وأسد، وألفين من تميم وهمدان، وألف وخمسمائة من قبائل ~~المدينة، وألف وخمسمائة من قبائل كندة وربيعة، وألفين من الحمراء (1). # وشيع المختار إبراهيم بن مالك الأشتر ماشيا، فقال إبراهيم: اركب رحمك الله. # فقال المختار: إني لأحتسب الأجر في خطاي معك، واحب أن تغبر قدماي في نصر ~~آل محمد (عليهم السلام)، ثم ودعه وانصرف. # فسار ابن الأشتر حتى أتى المدائن، ثم سار يريد ابن زياد، فارتحل المختار ~~من الكوفة، ونزل المدائن لما بلغه ان إبراهيم ارتحل عنها، ومر ابن الأشتر ~~حتى نزل نهر الخازر بالقرب من الموصل، وأقبل ms595 ابن زياد لعنه الله في الجموع، ~~فنزل على أربعة فراسخ من عسكر ابن الأشتر، ثم التقوا فحرض إبراهيم أصحابه، ~~فقال: يا أهل الحق وأنصار الدين، هذا ابن زياد قاتل الحسين وأهل بيته ~~(عليهم السلام) قد أتاكم الله به وبحزبه حزب الشيطان، فقاتلوهم بنية وصبر، ~~لعل الله سبحانه يقتله بأيديكم ويشفي صدوركم. # وتزاحفوا، وتنادى أهل العراق: يا لثارات الحسين، فجال أصحاب PageV02P493 # [ابن] (1) الأشتر جولة، فناداهم: يا أصحاب شرط الله، الصبر الصبر، ~~فتراجعوا. فقال لهم عبد الله بن يسار بن أبي عقب الدؤلي: حدثني خليلي علي ~~ابن الحسين (عليه السلام) أنا نلقى أهل الشام على نهر يقال له الخازر، ~~فيكشفونا حتى نقول: هي هي، ثم نكر عليهم فنقتل أميرهم، فأبشروا واصبروا ~~فإنكم لهم قاهرون. # ثم حمل ابن الأشتر عشيا فخالط القلب، فكشفوهم (2) أهل العراق وركبوهم ~~يقتلونهم، فانجلت الغمة وقد قتل عبيد الله بن زياد وحصين بن نمير وشرحبيل ~~ابن ذي الكلاع وابن حوشب وغالب الباهلي وعبد الله بن إياس السلمي، وأبو ~~الأشرس الذي كان واليا على خراسان وأعيان أصحابه. # فقال ابن الأشتر لأصحابه: إني رأيت بعد ما انكشف الناس طائفة منهم قد ~~صبرت تقاتل، فأقدمت عليهم، وأقبل رجل في كبكبة كأنه بغل أقمر (3)، يفري ~~الناس، لا يدنو منه أحد إلا صرعه، فدنا مني فضربت يده فأبنتها، وسقط على ~~شاطئ النهر، فشرقت يداه، وغربت رجلاه، فقتلته، ووجدت منه رائحة المسك، ~~وأظنه ابن زياد فاطلبوه، فجاء رجل ونزع خفيه وتأمله، فإذا هو عبيد الله بن ~~زياد على ما وصف ابن الأشتر، فاحتز رأسه، واستوقدوا عامة الليل بجسده، فنظر ~~إليه مهران مولى زياد وكان يحبه حبا شديدا فحلف ألا يأكل شحما أبدا، فأصبح ~~الناس وحووا [ما في] (4) العسكر، وهرب غلام لعبيد الله إلى الشام، فقال له ~~عبد الملك: متى عهدك بابن زياد؟ PageV02P494 # فقال: جال الناس وتقدم وقاتل، وقال: ائتني بجرة فيها ماء، فأتيته ~~فاحتملها وشرب منها وصب الباقي بين درعه وجسده وعلى ناصية فرسه فصهل، ثم ~~أقحمه، فهذا آخر عهدي به. # قال: وبعث ابن الاشتر ms596 برأس ابن زياد إلى المختار ورءوس أعيان من كان معه، ~~فقدم بالرؤوس والمختار يتغدى، فالقيت بين يديه، فقال: الحمد لله رب ~~العالمين، وضع رأس الحسين (عليه السلام) بين يدي ابن زياد وهو يتغدى، واتيت ~~برأس ابن زياد وأنا أتغدى. # قال: وانسابت حية بيضاء تتخلل الرءوس حتى دخلت في نفس (1) ابن زياد ~~وخرجت من اذنيه، ودخلت في اذنه وخرجت من أنفه، فلما فرغ المختار من الغداء ~~قام فوطئ وجه ابن زياد بنعله، ثم رمى بها إلى مولى له وقال: # اغسلها فإني وطئت بها وجه نجس كافر. ### ||| [إرسال رأس ابن زياد ومن كان معه إلى المختار، وأرسلها المختار إلى محمد بن الحنفية وعلي بن الحسين بمكة] # وخرج المختار إلى الكوفة وبعث برأس ابن زياد ورأس حصين بن نمير وشرحبيل ~~بن ذي الكلاع مع عبد الرحمن بن أبي عمير الثقفي وعبد الله بن شداد الجشمي ~~والسائب بن مالك الأشعري إلى محمد بن الحنفية بمكة، وعلي بن الحسين (عليه ~~السلام) يومئذ بمكة، وكتب إليه معهم: # فأما بعد: # فإني بعثت أنصارك وشيعتك إلى عدوك يطلبونه بدم أخيك الشهيد، فخرجوا ~~محتسبين محنقين أسفين، فلقوهم دون نصيبين (2)، فقتلهم رب العباد، PageV02P495 # والحمد لله الذي طلب لكم بالثأر، وأدرك لكم رءوس أعدائكم [فقتلهم] (1) ~~في كل فج، وغرقهم في كل بحر، وشفى بذلك صدور قوم مؤمنين، وأذهب غيظ قلوبهم. # فقدموا بالرؤوس والكتاب عليه، فبعث برأس ابن زياد لعنه الله إلى علي ابن ~~الحسين (عليه السلام)، فادخل عليه وهو يتغدى، فقال علي بن الحسين (عليه ~~السلام): ادخلت على ابن زياد وهو يتغدى ورأس أبي بين يديه، فقلت: # اللهم لا تمتني حتى تريني رأس ابن زياد وأنا أتغدى، فالحمد لله الذي أجاب دعوتي. # ثم أمر فرمي به، فحمل إلى ابن الزبير فوضعه على قصبة، فحركته الريح فسقط، ~~فخرجت حية من تحت اللسان (2) فأخذت بأنفه، ففعل ذلك ثلاث مرات، فأمر ابن ~~الزبير فالقي في بعض شعاب مكة. ### ||| [انتقام المختار من قتلة الحسين وأهل بيته (عليهم السلام)] # قال: وكان المختار (رحمه الله) قد سئل ms597 في أمان عمر بن سعد لعنه الله، ~~فآمنه على أن لا يخرج من الكوفة فإن خرج منها فدمه هدر. # قال: فخرج عمر حتى أتى الحمام؛ فقيل له: أترى هذا يخفى على المختار؟ فرجع ~~ليلا ودخل داره، فأتى عمر رجل فقال له: إني سمعت المختار يحلف ليقتلن رجلا، ~~والله ما أحسبه غيرك، فلما كان الغد غدوت فدخلت على المختار، وجاء الهيثم ~~بن الأسود فقعد، فجاء حفص بن عمر بن سعد، فقال للمختار: يقول لك أبو حفص: ~~إني على العهد الذي كان (3) بيننا وبينك. # قال: اجلس، فدعا المختار أبا عمرة، فجاء رجل قصير يتخشخش في PageV02P496 # الحديد فساره، ودخل رجلان، فقال: اذهبا معه، والله ما أحسبه بلغ دار عمر ~~ابن سعد حتى جاء برأسه. # فقال المختار لحفص: أتعرف هذا الرأس؟ # فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، نعم. # فقال المختار: يا أبا عمرة ألحقه بأبيه، فقتله. # فقال المختار: عمر بن سعد بالحسين، وحفص بعلي بن الحسين، ولا سواء. # قال: واشتد أمر المختار بعد قتل ابن زياد وأخاف الوجوه وقال: لا يسوغ لي ~~طعام ولا شراب حتى أقتل قتلة الحسين (عليه السلام) وأهل بيته، وما من ~~[ديني] (1) ترك أحد منهم حيا، وقال: أعلموني من شرك في دم الحسين وأهل ~~بيته، فلم يكن يأتونه برجل فيقولون: هذا من قتلة الحسين أو ممن أعان عليه ~~إلا قتله، وبلغه أن شمر بن ذي الجوشن لعنه الله أصاب مع الحسين (2) إبلا ~~له قد أخذها، فلما قدم الكوفة نحرها وقسم لحمها. # فقال المختار: احصوا لي كل دار دخلها شيء من ذلك اللحم، فأحصوها، فأرسل ~~إلى كل من أخذ منه شيئا فقتلهم وهدم دورا بالكوفة (3). # واتي المختار بعبد الله بن أسيد الجهني، ومالك بن هيثم البدائي من كندة ~~وحمل بن مالك المحاربي، فقال: يا أعداء الله، أين الحسين بن علي؟ PageV02P497 # قالوا: اكرهنا على الخروج إليه. # فقال: أفلا مننتم عليه وسقيتموه من الماء؟! # وقال للبدائي: أنت صاحب برنسه لعنك الله؟ # قال: لا. # قال: بلى. # ثم قال: اقطعوا يديه أو رجليه ودعوه يضطرب ms598 حتى يموت، فقطعوه (1)، وأمر ~~بالآخرين فضربت أعناقهم، واتي بقراد بن مالك وعمرو بن خالد وعبد الرحمن ~~البجلي وعبد الله بن قيس الخولاني، وقال لهم: يا قتلة الصالحين، ألا ترون ~~الله بريئا منكم؟ لقد جاءكم الورس بيوم نحس، فأخرجهم إلى السوق فقتلهم ~~هناك (2). # وبعث المختار معاذ بن هانئ الكندي، وأبا عمرة كيسان رضي الله عنهما إلى ~~دار خولي بن يزيد الأصبحي- وهو الذي حمل رأس الحسين (عليه السلام) إلى ابن ~~زياد-، فأتوا داره فاستخفى في المخرج، فدخلوا عليه فوجدوه قد ترك (3) على ~~نفسه قوصرة (4)، فأخذوه وخرجوا يريدون المختار، فتلقاهم في ركب، ورده إلى ~~داره، وقتله عندها وأحرقه (5). PageV02P498 # وطلب [المختار] (1) شمر بن ذي الجوشن فهرب إلى البادية، فسعي به إلى أبي ~~عمرة، فخرج إليه مع نفر من أصحابه فقاتلهم قتالا شديدا فأثخنته الجراح، ~~فأخذه أبو عمرة أسيرا، وبعث به إلى المختار فأغلى له دهنا في قدر وقذفه ~~فيها فتفسخ ووطىء مولى لآل حارثة بن مضرب وجهه ورأسه. # ولم يزل المختار يتتبع قتلة الحسين (عليه السلام) حتى قتل منهم خلقا ~~كثير، وهرب الباقون فهدم دورهم، وقتلت العبيد مواليهم الذين قاتلوا الحسين ~~(عليه السلام)، وأتوا المختار فأعتقهم. (2) # وروى الشيخ أبو جعفر الطوسي رضي الله عنه قال: أخبرنا محمد بن محمد، قال: ~~أخبرني المظفر بن محمد البلخي، قال: حدثنا أبو علي محمد بن همام الاسكافي، ~~قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري، قال: حدثنا داود بن عمر النهدي، عن ~~الحسن بن محبوب، عن عبد الله بن يونس، عن المنهال بن عمرو، قال: دخلت على ~~علي بن الحسين (عليه السلام) في مكة، فقال لي: يا منهال، ما فعل حرملة بن ~~كاهلة الأسدي؟ # فقلت: تركته حيا بالكوفة. # قال: فرفع يديه جميعا، ثم قال: اللهم أذقه حر الحديد، اللهم أذقه حر ~~الحديد، اللهم أذقه حر النار، اللهم أذقه حر النار. # قال المنهال: فقدمت الكوفة وقد ظهر المختار بن أبي عبيد، وكان لي صديقا، ~~قال: فكنت في منزلي أياما حتى انقطع الناس عني، ثم ركبت إليه فلقيته خارجا ~~من داره ms599 فقال: يا منهال، لم تأتنا في ولايتنا هذه، ولم تهننا بها، PageV02P499 # ولم تشركنا فيها؟ فأعلمته أني كنت بمكة، وأني قد جئتك الآن، وسايرته ونحن ~~نتحدث حتى أتى الكناس، فوقف وقوفا كأنه منتظر لشيء، وقد كان اخبر بمكان ~~حرملة بن كاهلة لعنه الله، فوجه في طلبه، فلم نلبث أن جاء قوم يركضون وقوم ~~يشدون حتى قالوا: أيها الأمير، البشارة، قد اخذ حرملة بن كاهلة، فما لبثنا ~~أن جيء به، فلما نظر إليه المختار قال لحرملة: الحمد لله الذي مكنني منك، ~~[ثم] (1) قال: الجزار الجزار، فاتي بجزار، فقال له: اقطع يديه، فقطعتا، ثم ~~قال: اقطع رجليه، فقطعتا، ثم قال: النار النار، فاتي بنار وقصب فالقي عليه ~~فاشتعلت فيه النار. # فقلت: سبحان الله! سبحان الله! # فقال: يا منهال، إن التسبيح لحسن، ففيم سبحت؟ # فقلت: أيها الأمير، دخلت في سفرتي هذه منصرفي من مكة على علي ابن الحسين ~~(عليه السلام)، فقال: يا منهال، ما فعل حرملة بن كاهلة؟ قلت: # تركته حيا بالكوفة، فرفع يديه جميعا وقال: اللهم أذقه حر الحديد، اللهم ~~أذقه حر الحديد، اللهم أذقه حر النار، اللهم أذقه حر النار. # فقال المختار: أسمعت علي بن الحسين (عليه السلام) يقول هذا؟ # فقلت: والله لقد سمعته يقول هذا، فنزل عن دابته وصلى ركعتين وأطال ~~السجود، ثم قام وركب، وقد احترق حرملة، وركبت معه وسرنا، فحاذيت داري، ~~فقلت: أيها الأمير، إن رأيت أن تشرفني وتكرمني وتنزل عندي وتحرم بطعامي. PageV02P500 # فقال: يا منهال، تعلمني أن علي بن الحسين (عليه السلام) دعا بأربع دعوات ~~فأجابه الله على يدي، ثم تأمرني أن آكل! هذا يوم صوم شكرا لله على ما فعلته ~~بتوفيقه، وحرملة هو الذي حمل رأس الحسين (عليه السلام) إلى يزيد، وهو الذي ~~رمى علي بن الحسين الرضيع بسهم فذبحه. (1) ### ||| الندبة # يا شهيدا شهد الله له بوفاء حقه، ويا صديقا أخذ الله ميثاقه على خلقه، ~~ويا من جاهد في الله حق جهاده، ويا من أخلص لله في إصداره وإيراده، ويا ~~دليل الخلق على معبودهم، ويا سبيل الرشد ms600 إلى مقصودهم، ويا من أيده الله ~~بالعصمة التي شرفه بها على بني نوعه، وجعل أعلام الهدى ومصابيح الدجى من ~~فروعه، ويا حجة الله البالغة من الله على عباده، ويا ربيع اليتامى والأيامى ~~ببره وإرفاده، ويا صاحب الفرع المرجب الذي شاع وبان في الآفاق فضله، واتصل ~~بحبل القرآن حبله، وعم الخافقين نحله، وأرمض قلوب القاسطين عدله، وجعل برد ~~الأمن على الظالمين محرما، وأجسادهم بصارمه جمادا، قد أفاض عليها ملابس من ~~فيض الدماء. # حزني عليك جل عن وصف الواصفين عظيمه، وجزعي لديك فات حصر الحاصرين جسيمه، ~~أذرف المدامع في حضرتك، واشنف المسامع بمراثيك ومدحتك، إذا تصور فكري ~~مصابك، وخطر بسري ما أصابك، سئمت PageV02P501 # الحياة ولذتها، وقلوت الدنيا وزهرتها، فلا ضحكت سني إن ضحكت وقد ابتليتم ~~بصروف الردى، ولا قرت عيني إن سررت ونساؤكم أسرى يسار بها إلى العدى. # أيقر طرفي ورءوسكم يسار بها إلى الطغاة؟ أم يسكن وجدي وعيالاتكم يساق بها ~~إلى البغاة؟ أم ترقد مقلتي ومنازلكم نافدة لحمالكم (1)؟ أم تبرد غلتي ~~ومحاريبكم خالية من صلواتكم؟ ### ||| [قصيدة للمؤلف (رحمه الله)] # فها أنا ذا أستنبط بأكف لوعتي ينابيع أدمعي، وأستخرج بأيدي حسرتي زفراتي ~~من أضلعي، وانظم نثرا من سليم طبعي، وانثر درا من قويم صنعي، ويروي لساني ~~عن جريح جناني، وبياني عن صحيح إيماني: # مصابكم في بحار الحزن ألقاني %~% وهد ركني وأجرى دمعي القاني # وصرت من دهري الجاني حليف جوى %~% إلى البكاء بدم الأجفان ألجاني # غريق إنسان عيني بالدموع سوى %~% جليل رزئكم في الخلق انساني # مررت بالأربع اللاتي بكم شرفت %~% فعادني عيد أشجان فأبكاني # ناديتها أين من كانوا بحار ندى %~% ما ان لهم بالسخا والجود من ثان PageV02P502 # كانوا مصابيح ظلما الضلالة ما %~% أثناهم عن مقال الحق من ثان # كم فيك قد قطعوا طيب المنام %~% وواصلوا الظلام بتسبيح وقرآن؟ # وفي عراصك كم أحيوا بجودهم %~% آمال قوم بإفضال وإحسان؟ # كانوا بدور دجى لا بل شموس ضحى %~% يهدى بنور هداهم كل حيران # أعلام حق رقوا بالصدق منزلة %~% ما نالها غيرهم قاص ولا داني # بحار علم ولا ms601 حد لساحلها %~% بحار حلم وإخلاص بإيمان # كانت منازلهم كنز الفقير وأم %~% ن المستجير وكهف الخائف العاني # فأصبحت بعدهم قفراء موحشة %~% يروى لسان الصدى عنها بتحناني # إن البدور التي كانت مطالعها %~% منازلي هدمتها البعد أركاني # وصرت خالية خالية من بعد انسهم %~% يجاوب البوم مني نعب غربان # أضحت مدارس ذكر الله دارسة %~% في أربعي فلهذا الحزن أوهاني PageV02P503 # إلى الحسين شهيد الطف أندب أم %~% لمسلم حين أذري الدمع أوهاني؟ # أوقفت فكري على الربع الذي ظعنوا %~% عنه وأخلوه من أهل وسكان # والوجد يقلقني والشوق يحرقني %~% والدمع يغرقني من فيض أجفاني # وقلت والحزن يطويني وينشرني %~% والكرب يظهر في سري وإعلاني # يا ربع أين الاولى كانوا حماتك من %~% ريب الزمان ومن هضم وعدوان # ومن ألفتهم كانت غيوث سخا %~% بعارض من سماء الجود هتان # ومن هم في الندى كالشمس تحيي ما %~% على البسيطة من نبت وحيوان # غنا الفقير وأمن المستجير ومن %~% سموا بمجد وإخلاص وعرفان # أعلام علم علت ما أمها بشر %~% إلا تنزه عن جهل ونقصان # أجابني الربع أو داني الزمان بهم %~% وكل شيء سوى رب العلى فان # أخنت عليهم صروف الدهر فانقلبوا %~% بالبعد نائين عن أهل وأوطان PageV02P504 # في الله اوذوا وباعوا أنفسا طهرت %~% من ذي الجلال بجنات ورضوان # واستشعروا حبنا من حسن صبرهم %~% في الله لم يصرعوا من فقد معواني # قلوبهم جعلوها للدروع وقا %~% من وقع حرب بني حرب وسفيان # كانت مجالس غاداني مكارمهم %~% وهم محال ساداتي وأعياني # فشتت البين شملا كان مجتمعا %~% وهدني وبسهم الحزن أصماني # مأواهم في سويدا القلب ما برحوا %~% وفي سواد عيوني كل أحياني # يهزني ذكرهم في خلوتي حزنا %~% كما يهز الصبا غصنا من الباني # فأرسل الطرف لي أطفي ضرام جوى %~% إطفاؤه بغزير الدمع أعياني # وددت لو كنت تربا ضم أعظمهم %~% قد عظم الله من مثواهم شاني # وصرت أسمو على البيت الحرام بما %~% اوتيت إذ خير أهل الأرض سكان # فيا لها غصة لا تنقضي وجوى %~% لا ينطفي وقضاء جر حرماني PageV02P505 # كانوا شموسا وأرجائي مشارقها %~% وحسن معناهم روحي وريحاني # حتى إذا غربت عني ms602 محاسنهم %~% هد البعاد بكف البين بنياني # يا لائمي لا تلمني إن بكيت دما %~% عليهم بعويل طول أزماني # أو حرمت مقلتي طيب المنام أو ال %~% فؤاد مني لم يسمح بسلواني # فإن من عمروا ربعي بجودهم %~% وشادني مجدهم فخرا وأعلاني # آل الرسول وأولاد البتول وأب %~% واب الوصول إلى حور وولدان # نجل الكرام مصابيح الظلام مجا %~% ديح الأنام وأعلا نجل عدنان # بفضلهم صحف الله الاولى نطقت %~% كما أتى مدحهم في آي فرقان # أخنى الزمان عليهم فانثنوا وهم %~% ما بين مخترم بالقتل ظمآني # وبين معتقل بالأسر يرسف في %~% قيوده بين غدار وخوان # ما ان له مستجيب ان شكا برحا %~% من مستشيط بتقريع وعدوان PageV02P506 # كم من وليد لهم قبل الفطام سقي %~% من كأس حتف بكف الموت ملآن؟ # ونسوة منهم عنفا تساق بها %~% إلى زنيم لفرط البغي جذلان # فكم رءوس لهم فوق الرماح غدت %~% تهدى إلى شر موصوف بطغيان؟ # من عصبة نشئوا في الكفر كم نصبوا %~% الوجوه منهم لأنصاب وأوثان؟ # أصحاب بدر واحد والذي نصروا %~% ودا ونسرا بإشراك وبهتان # كم أزمعوا حرب خير المرسلين %~% وأعلى العالمين بفرسان وركبان # أولاد آكلة الأكباد أخبث من %~% نشأ على الكفر من شيب وشبان # وعترة الطلقاء القاسطين ومن %~% لم يخلصوا دينهم يوما بإيمان # كلا ولا اعتقدوا الاسلام مذ كفروا %~% حقا ولا اتخذوه دين ديان # كلا ولا أسلموا طوعا بلى قهروا %~% فاستسلموا حذرا من فتك سلطان # حتى إذا وجدوا عونا يمد لهم %~% حبل الضلالة من رجس وشيطان PageV02P507 # أبدوا نفاقا به ضاقت صدورهم %~% وأظهروا الغدر مقرونا بشتان # وأقبلت نحو صفين صفوفهم %~% بصافنات عليها شر فرسان # ليكتموا نعمة الله التي ظهرت %~% ويبدلوا شكرها بغيا بكفران # بحرب أولى الورى منهم بأنفسهم %~% بنص ذكر وتصديق ببرهان # ونص أكرم مبعوث وأشرف من %~% عوت بصدق وتبليغ وتبيان # وأظهروا شبهة منهم مدلسة %~% في حربه باخترام الرجس عثمان # وهكذا بوحي من سمومهم %~% أردوا فتاه فأمسى رهن أكفان # وسادة من ذويه في الطفوف ثووا %~% أكرم بهم خير سادات وفتيان # تجملوا بلباس الصبر لم يهنوا %~% في الله ما شأنهم في جدهم شان ms603 # صلى عليهم إله العرش ما طلعت %~% شمس وما أودعت روح بجثمان # ومثلها لعنات للذين بغوا %~% عليهم ما شدت ورق بأغصان PageV02P508 ### | المجلس العاشر في فضل زيارته (صلوات الله عليه)، وما صدر في فضله من الأحاديث النبوية، وإجابة الدعاء لدى تربته الشريفة ### ||| [خطبة للمؤلف (رحمه الله) وسمها ب «تحفة الزوار ومنحة الأبرار»] # واصدر المجلس بالخطبة الموسومة ب «تحفة الزوار ومنحة الأبرار» قلتها بإذن ~~الله في المشهد الشريف. # الحمد لله الذي أظهر دين الاسلام ونشر أعلامه، وأشهر شرع الايمان وبين ~~أحكامه، وجعل أسباب حججه وبيناته متصلة إلى يوم القيامة، وأسس بنيانه على ~~عرفان درجتي النبوة والإمامة، وأوضح برهانه بمقال سيد الخلق وكلمة الله ~~التامة، محمد سيد المرسلين وشفيع المذنبين يوم الطامة. # شيد الله به الرسالة، وأيد بالمعجز مقاله، وأعلى على كل جلال جلاله ~~ومقامه، فهو (صلى الله عليه وآله) أكرم وارث وموروث، وأفضل مرسل ومبعوث، ~~إلى الخاصة والعامة. # أيده الله بوصيه سيد الأوصياء، وصفيه قدوة الأصفياء، وبعاضده في الشدة ~~والرخاء، رب الرئاسة العامة. أمير المؤمنين، ومبير الظالمين، ونصير ~~المظلومين، ذي الامامة والزعامة. صاحب الغدير، وصائم الهجير، وبدر الحق PageV02P509 # المنير، إذا أبدى الباطل ظلامه. # جعل الله سبطي نبي الرحمة ولديه، وسيدي شباب أهل الجنة، وفرعي جميع الامة ~~فرعيه، وحبه بداء الايمان وختامه، الأئمة الأطهار من ولده، والعترة الأخيار ~~من عده، والملائكة الأبرار من جنده، حين أظهر الحق ببدر وحنين وأقامه. # نحمد ربنا إذ جعلنا من المستمسكين بعروة عصمته، السالكين واضح طريقته، لا ~~نقدم عليه من لا يعادل عند الله شسع نعله، ولا نؤخره عمن ليس له فضل كفضله ~~ولا أصل كأصله، بل نعتقده بعد سيد المرسلين، أفضل أهل السماوات وأهل ~~الأرضين، ونقدمه بعد خاتم النبيين، على جميع الأنبياء والأولياء الصديقين، ~~بل وعلى الصافين الحافين، وحملة العرش من الملائكة المقربين. # حبه مفاتيح أبواب الجنان، وبغضه مقاليد دركات النيران، لا إيمان إلا حبه، ~~ولا قربى إلا قربه، ولا عترة إلا عترته، ولا ذرية إلا ذريته، جل أن يدرك ~~وصف الواصفين سيدا البتولة الزهراء عرسه، والأئمة النجباء ms604 غرسه، ونفس سيد ~~الأنبياء نفسه، وسرة البطحاء فضله وجنسه. # حد شجاعته تام وما سواه ناقص، ورسم شهامته في أعلى مقام إذ غيره ناكص، ~~فروا ولم يفر، وغيروا ولم يغير، وبدلوا ولم يبدل، وخذلوا ولم يخذل، قياس من ~~ساماه في الفخر عقم، وأساس من جاراه في المجد سقم، يقتطف رءوس الأبطال ~~اقتطافا، ويختطف نفوس الشجعان اختطافا، بدر الدجى في كفه زحل إذا مشى بين ~~الصفين، وشمس الضحى في دارة الحمل إذا قضى بين الخصمين. PageV02P510 # علم يهتدي المهتدون بواضح مبادئه، وعالم يقتدي المقتدون بساطع أنواره، ~~فارس النهار والليل، ومنكس الأبطال عن صهوات الخيل، راهب العرب إذا جن ~~الظلام، وكاشف الكرب عن وجه سيد الأنام، طاهر النسب، ظاهر الحسب، ضراب ~~القلل، بطل السهل والجبل، حليف الكتاب، أليف المحراب، خواض الغمرات، شديد ~~العزمات. # خلفاء الله على عباده ورتبه، وامناؤه في بلاده عترته، مشاهدهم معارج ~~الدعوات، وضرائحهم مصاعد الحسنات، تحن قلوب المؤمنين إلى زيارتها حنين ~~الطير إلى أوكارها، وتتشوق نفوس المخلصين إلى وفادتها واعتمادها، جعلها ~~الله أشرف بقاع الأرض، وسبب النجاة في الحساب والعرض، والهجرة إليها أفضل ~~أعمال الثقلين، لا سيما مرقد أبي عبد الله الحسين، الذي هدم ركن الايمان ~~بوفاته، وقصم حبل الاسلام بفواته، فهو مهبط ملائكة الله المقربين، ومختلف ~~أرواح الأنبياء والمرسلين. # مسجده أفضل مسجد اسس على التقوى من أول يوم، ومشهده أشرف مشهد بنيانه من ~~أولياء الله أشرف قوم، إن يكن البيت الحرام قبلة للأنام ومعدنا للبركات، ~~فلكربلاء بحلول سبط المصطفى في تربتها مرجحات، شمخت الكعبة فخرا إذ منحت ~~رفعة تعلو على هامة السماك الأعزل والمشتري، فخوطبت بلسان التأديب: قري ~~كعبة فلو لا أرض يقال لها كربلا لما خلقتك، فأطيلي وأقصري. # شرف الكعبة بمولد سيد الوصيين كان مقدار ساعة، وشرف كربلاء بضريح سبط ~~خاتم النبيين إلى قيام الساعة، إن يكن الطواف بالكعبة به تمام الحج ~~والعمرة، فالطواف بضريحه يعدل ثوابه ثواب ذلك ألف ألف مرة، إن تكن PageV02P511 # الكعبة قبلة جباه المسلمين، فكربلاء وجهة قلوب المؤمنين، إن تكن الصلاة ~~في المقام عزيمة وفريضة، ms605 فبغير ولايته وولاية آبائه وأبنائه لا تعادل عند ~~الله جناح بعوضة، إن يكن البيت العتيق عتيق من الطوفان والغرق، فمقامه ~~(صلوات الله عليه) لما اجري عليه الماء جار وما انطلق، إن تكن أفئدة من ~~الناس تهوي الى البيت الحرام، فقلوب المؤمنين تحن إلى زيارته على الدوام. # جعل الله التوفيق زمام عصابة من أوليائه تقودها به إليه، ومغناطيس نفوس ~~خلاصة من أصفيائه يتهافتون شوقا عليه، لا تأخذهم في وفادته لومة لائم، ولا ~~تثني عزائمهم عن زيارته مخافة ناصب ولا غاشم، بذلوا أنفسهم وأموالهم ~~ليستظلوا بظلال تلك العواطف والمراحم، وهجروا أبناءهم وديارهم هجرة إلى ~~الله ورسوله لينالوا الزلفى من تلك الجوائز والمكارم، زجوا القلوص من كل فج ~~عميق، وحثحثوا الركاب من كل مرمى سحيق، تركوا الأطفال كاليتامى، والحلائل ~~كالأيامى، تلفح وجوههم الهواجر بسمومها ورياحها، وتهزل أجسامهم المغاور ~~بغدوها ورواحها، تبسط الملائكة أجنحتها لمواطئ أقدامهم، وتبارك عليهم في ~~صلواتها في مسيرهم ومقامهم، لهم معقبات من بين أيديهم ومن خلفهم يحفظونهم ~~من أمر الله بالغدو والآصال، ولو لا ذلك لاصطلمتهم أكف الناصبة اولي الجحود ~~والضلال، حتى إذا لاحت لهم من جانب طور كربلاء أنوار ذلك الجناب، وأشرقت ~~عليهم شموس العرفان من تلك القباب، اديرت كئوس السرور على نفوسهم وقلوبهم، ~~إذ فازوا بنيل المنى من وليهم ومطلوبهم ومحبوبهم. # لما شربوا من شراب حبه بالكأس الروية صرفا، زادتهم العناية الإلهية ~~توفيقا وعرفانا ولطفا، نادى فيهم المنادي لما دنا من النادي، وغنى لهم ~~الحادي PageV02P512 # لما ترنم الشادي، وأنشد بشأن حالهم مفصحا، وغرد ببيان مقالهم موضحا: # طور جمال حسنكم لما بدا %~% لاح لقلب صبكم نور الهدى # بدا كبرق من سجاف مزنه %~% فجدد العهد بكم وأكدا # وحقكم لاحلت عن عهدي وإن %~% اتهم فيكم لائمي وأنجدا # يروم مني سلوة ولا أرى %~% ان يسلوني عن هواكم رشدا # كيف سلوي وهواكم مفزعي %~% إذا عرى خطب رماني واعتدى # حبكم لي جنة وجنة %~% في هذه الدنيا وفي الاخرى غدا # سعت إليكم قدمي ولو على %~% رأسي سعيت كأن حظي أسعدا # إن تطردوني فإلى من ألتجي؟ ms606 %~% أو تبعدوني فبمن أرمي العدا؟ # يا كربلاء سقا ثراك مسبل %~% يكسو الربا زبر جدا وعسجدا # فيك ثوى أشرف من مشى على %~% وجه الثرى سبط النبي أحمدا # خير الورى جدا واما وأبا %~% ومنصبا ومنسبا ومحتدا # وتربة ومهجعا ومصرعا %~% ومعبدا ومسجدا ومشهدا # أملاك عرش الله حقا علموا %~% بفضله فاتخذوه مسجدا # قد جعل الله لهم من عرشه %~% إلى ثراه مهبطا ومصعدا # تهوي إليه عصبة ما وجدت %~% من دون آل أحمد ملتحدا # يلومهم في قصدهم قوم شروا %~% ببغيهم دين الضلال بالهدى # حتى إذا ما شاهدوا مشهده %~% ولاح نور الله منه وبدا # وأقبلوا تحفهم ملائك %~% بإذن ذي العرش يفون العددا # قاموا على الباب فنودوا طبتم %~% بما صبرتم فادخلوه سجدا # وعفروا الخد على أعتابه %~% شكرا تنالوا رفعة وسؤددا # يا زائري سبط النبي دينكم %~% دين الهدى وغير دينكم سدى PageV02P513 # قد هيأ الله لكم من أمركم %~% بزورة المقتول ظلما رشدا # تصافحون الرسل الكرام %~% والأملاك في حضرته والشهداء # صاروا لكم خوان صدق عنده %~% وهم لكم يوم القيامة شهدا # أسماؤكم في صحف المجد غدت %~% معرفة وخبرا ومبتدا # اوبوا بخير ما يؤوب وافد %~% به من الخلق على من وفدا # وجاهدوا وصابروا ورابطوا %~% من خالق الحق عنادا واغندا # فطربوا لنغمة الحادي شكرا، وأظهروا لله حمدا وشكرا، ولما أطربهم بلبل ذلك ~~الدوح بشهي نغمته، وحركهم محرك الحي بفصيح كلمته، أقبلت الملائكة الكرام ~~تزفهم بأنواع التوقير والتعظيم، وتبشرهم بمغفرة من ربهم ورضوان وجنات لهم ~~فيها نعيم مقيم، خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم (1). # حتى إذا وقفوا بتلك الأعتاب، وقرعوا ببذل الاخلاص ذلك الباب، وكشف لهم عن ~~وجه الحبيب النقاب، وارتفع الحجاب عن ذلك الجناب، ناداهم رب الأرباب، ومعتق ~~الرقاب: @QUR@046 أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض ~~فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن ~~عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله ~~والله عنده حسن الثواب (2) وقيل لهم نيابة عن رب العالمين: @QUR@03 ~~ادخلوها بسلام آمنين (3). PageV02P514 # فأقبلوا يسافهون مسامع زعام ms607 ذلك المقام بشفاههم، وينفثون ثرى مواطئ ~~الأقدام بجفونهم وجباههم، طالبين نظرة من محجوب جماله، سائلين قطرة من زلال ~~إفضاله، قد أخضبوا النجاد بواكف عبراتهم، وأشرفوا البلاد بتصاعد زفراتهم، ~~يعجون إلى الله من ذنوبهم عجيج الثكلى، ويضجون ضجيج شدة البلوى. # ولما أحرزوا الأرباح في متجر عبادتهم، وفازوا بالنجاح من قبول زيارتهم، ~~وضعت تيجان العرفان على هامات هممهم، وافرغت خلع الأعطاف على أعطاف كرمهم، ~~واحبروا من جوائز الغفران بما لا عين رأت ولا اذن سمعت، ولا خطر على قلب ~~بشر، ولا حصر بحد ولا قدر، وقيل لهم: ارجعوا فقد حمد الله سعيكم وشكر، وغفر ~~لكم ما تقدم من ذنبكم وما تأخر. # فأبوا مغفورة ذنوبهم، مستورة عيوبهم، قد أظلهم الله بظل رحمته، ونظر ~~إليهم بعين عنايته، يباهي بهم ملائكة أرضه وسمائه، وأرواح أنبيائه ~~وأوليائه، قد أثبت أسماءهم في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة، بأيدي سفرة كرام ~~بررة، @QUR@059 ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ~~ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل ~~صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا ~~يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون (1). ### ||| الدعاء للزائرين من المؤمنين # اللهم إن هذه العصابة الزائرة من أوليائك المؤمنين، والجماعة الحاضرة PageV02P515 # من أصفيائك المخلصين، قد هجروا أوطانهم هجرة إليك، وفارقوا بلدانهم ~~اعتمادا عليك، وأنفقوا أموالهم ثقة بما في يديك، وناديتهم إلى زيارة سبط ~~نبيك فأجابوا بلبيك اللهم لبيك، قد نصبوا أنفسهم لاحتمال الأذى من العصابة ~~الناصبة، ووطنوا أسماعهم لاستماع الهجر من الطائفة المارقة الكاذبة، يقاسون ~~في مسيرهم من أعداء الله ما الموت أيسر من (1) بعضه، ويتحملون الأذى في ~~ذات الله ممن خف ميزانه يوم حسابه وعرضه، يعيرهم بنو الزناة بوفادتهم على ~~وليك وابن أوليائك، ويوبخهم نجل البغاة بتوجههم إلى صفيك وابن أصفيائك، ~~ويستحلون أنفسهم وأموالهم، ويغرون بهم سفهاءهم وجهالهم، قد اعتقدوا أذى ~~المؤمنين من أفضل الطاعات، والوقيعة في أعراض الصالحين من أكمل ms608 القربات، ~~وتكرار غيبتهم في لهواتهم أحلى من مكرر القند والضرب، والتجسس على عوراتهم ~~أفخر ما يقتنى ويكتسب. # اللهم إن علماءهم وأعلامهم وامراءهم وحكامهم ووعاظهم وخطباءهم قد طغوا في ~~البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم من قهرك سوط عذاب، وكن لهم يا رب ~~بالمرصاد. # اللهم العن جبتهم وطاغوتهم، وودهم وسواعهم، ولاتهم وعزاهم، وذكرهم ~~وانثاهم، ومبدأهم ومنتهاهم، وارم بلادهم بالخميس يتلوه الخميس، والعساكر ~~يحقرها العساكر، وسلط عليهم من لا يرحم صراخهم بتضرعهم، ولا تقبل عشارهم ~~بتوجههم، فيسومهم الخسف، ويذيقهم الحتف، ويفل غربهم، ويذل صحبهم، ويثقل ~~أغلالهم، ويسلب مالهم، ويذبح أطفالهم، ويستبيح نساءهم، ويستعبد أبناءهم، ~~فإنهم قد أهانوا أولياءك، وأغروا أعداءك، PageV02P516 # وألحدوا في آياتك، وكذبوا ببيناتك. # عالمهم منافق، وواعظهم مارق، وسراجهم غاسق، وتقيهم فاسق، عشاهم من رشاهم، ~~وملبوسهم من تلبيسهم، وحللهم من حليهم، ومزراتهم من مزواريهم (1)، ~~وسرابيلهم من أكاريبهم. # ذئاب بل ذباب، وسباع بل كلاب، يتهافتون على جمع الحطام، ويتهالكون على ~~أكل الحرام. # @QUR@030 ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ~~ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى ~~يروا العذاب الأليم (2)، @QUR@019 رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ~~إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا (3). # اللهم وأفرغ على زوار سبط سيد الأنبياء، وقرة عين سيدة النساء، صبرا ~~جميلا، وامنحهم فرجا قريبا، واخلفهم فيمن خلفوا، واخلف عليهم ما أنفقوا، ~~واجعل البر والتقوى شعارهم، والسلامة من كل الأسواء دثارهم، واجعل لهم ~~معقبات من بين أيديهم ومن خلفهم يحفظونهم من أمرك، واكبت أعداءهم بشدة بطشك وقهرك. # اللهم إنك آتيت لهم بكل درهم أنفقوه في زيارتهم عشرة آلاف مدينة في جنتك، ~~وأعددت لهم ما لا عين رأت ولا اذن سمعت في جوار رحمتك، فصل على محمد وآل ~~محمد، وزدهم من فضلك يا واسع الرحمة، وأتمم عليهم من PageV02P517 # جودك هذه النعمة، وأبلغهم مأمنهم، وأوصلهم موطنهم، مغفورة ذنوبهم، مستورة ~~عيوبهم، معصومين في حلهم وارتحالهم، محفوظين في عيالهم وأطفالهم. # اللهم ومن أحللت به قضاءك منهم قبل وصول ms609 وطنه، وجرعته كئوس المنون قبل ~~ورود عطنه، فصل على محمد وآل محمد، وارحم غربته، وصل وحدته، وآنس وحشته، ~~بجوار نبيك سيد المرسلين، وأخيه علي أمير المؤمنين، وآلهما الأئمة ~~الطاهرين، برحمتك يا أرحم الراحمين. # اللهم وأنا عبدك المسكين، الضارع المستكين، حططت رحلي بفنائك، وألقيت كلي ~~على وليك وابن أوليائك، متخذا حضرته الشريفة موطنا ومنزلا، لا اريد منها ~~بدلا، ولا ألقى عنها حولا، حين ذرفت السن على السبعين، وخلفت الاخوان ~~والأهلين. # اللهم فكما ختمت عمري بمجاورته، وأهلتني للكون في حضرته، وجعلت لي عندك ~~قدم صدق بملازمته، وأثبت اسمي في جرائد الموسومين بخدمته، والمخلصين في ~~محبته، ازين المنابر بذكر مناقبه ومناقب آبائه، واسر المحاضر بنشر مراتبه ~~ومراتب أبنائه، فصل على محمد وآل محمد، واجعل حضرته الشريفة موطن حياتي ~~ومماتي، وكفر بملازمتها سيئاتي، وضاعف بمجاورتها حسناتي، واجعل ثراها موضعا ~~لقبري بعد وفاتي، وأحيني فيها سعيدا، وأمتني شهيدا، لا مغيرا ولا مبدلا، ~~ولا ضالا ولا مضلا، بل مستمسكا بعروتك الوثقى، سالكا طريقة نبيك المصطفى، ~~وأخيه وليك المرتضى، وآلهما الأئمة النجباء، إنك على كل شيء قدير، ~~وبالإجابة جدير. PageV02P518 ### | فصل [في فضل زيارته، والهجرة إلى بقعته، والاستشفاء بتربته، وإجابة الدعاء تحت قبته (عليه السلام)] # وأما فضل زيارته (عليه السلام)، والهجرة إلى بقعته، والاستشفاء بتربته، ~~وإجابة الدعاء تحت قبته، فلا يحصرها حد، ولا يستوفيها عد، وقد صنف الشيخ ~~الجليل أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه (1) القمي رضي الله عنه في ذلك ~~خاصة كتابا سماه ب «كامل الزيارات»، مشتملا على فضل زيارته (عليه السلام)، ~~وفضل الصلاة عنده. # وروى رضي الله عنه في ذلك روايات وأخبارا وكرامات كثيرة، وكذلك غيره من ~~فقهاء الشيعة وأبرارهم، كالشيخ الفقيه أبي جعفر الطوسي رضي الله عنه، ~~والشيخ عماد الدين أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي رضي ~~الله عنهم أجمعين. (2) # وسأورد نبذة مما رووه رضي الله عنهم وأوردوه في فضل زيارته، من PageV02P519 # الأحاديث الصحيحة، والروايات الصريحة، التقطتها من كتبهم. # ذلك ما رواه الشيخ أبو جعفر بن بابويه (1) رضي الله عنه: ms610 [أبي (رحمه ~~الله)] (2) قال: حدثنا سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، ~~عن محمد بن إسماعيل، عن الخيبري (3)، عن الحسين بن محمد القمي، عن أبي ~~الحسن الرضا (عليه السلام)، قال: من زار قبر الحسين أبي عبد الله (عليه ~~السلام) بشاطئ الفرات كان كمن زار الله فوق عرشه (4). (5) # قال شيخنا الشيخ الشهيد محمد بن مكي رضي الله عنه في دروسه- عند ذكر هذا ~~الحديث-: هو كناية عن كثرة الثواب والإجلال، بمثابة من رفعه الله إلى ~~سمائه، وأدناه من عرشه، وأراه من خاصة ملكه ما يكون به توكيد كرامته. (6) # وروى أيضا رضي الله عنه في دروسه أن زيارته فرض على كل مؤمن، وأن تركها ~~ترك حق لله ولرسوله، وأن تركها عقوق رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ~~وإنقاص في الإيمان والدين، وأنه حق على الغني زيارته في السنة مرتين، ~~والفقير في السنة مرة، وأنه من أتى عليه حول ولم يأت قبره نقص من عمره حول، ~~وأنها تطيل العمر، وأن أيام زيارته لا تعد من الأجل، وتفرج الغم، PageV02P520 # وتمحص الذنوب، وبكل خطوة حجة مبرورة، وله بزيارته عتق ألف نسمة، وحمل على ~~ألف فرس في سبيل الله، وله بكل درهم أنفقه عشرة آلاف درهم، وأن من أتى قبره ~~عارفا بحقه غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. # وأن زيارته يوم عرفة مع المعرفة بحقه بألف ألف حجة وألف ألف عمرة ~~متقبلات، وألف غزوة مع نبي أو إمام. # وزيارته أول رجب مغفرة للذنب البتة، ونصف شعبان يصافحه مائة (1) ألف نبي ~~وعشرون ألف نبي، وليلة القدر مغفرة للذنب، وأن الجمع بين زيارته في سنة ~~واحدة ليلة عرفة والفطر وليلة النصف من شعبان بثواب ألف حجة مبرورة، وألف ~~عمرة متقبلة، وقضاء ألف حاجة للدنيا والآخرة. # وزيارته في العشرين من صفر من علامات المؤمن، وزيارته في كل شهر ثوابها ~~ثواب مائة ألف شهيد من شهداء بدر. (2) # وقال رضي الله عنه أيضا في دروسه: روى المفضل بن عمر، عن الصادق (عليه ~~السلام) في الصلاة ms611 عنده كل ركعة بألف حجة، وألف عمرة، وعتق ألف رقبة، وألف ~~وقفة في سبيل الله مع نبي مرسل. (3) # وعن مولانا موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام): أدنى ما يثاب به زائر أبي ~~عبد الله (عليه السلام) بشط الفرات إذا عرف حقه وحرمته وولايته أن يغفر ~~الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. (4) PageV02P521 # روى الشيخ جعفر بن محمد بن قولويه (1) بحذف الأسانيد قال: سأل رجل أبا ~~عبد الله (عليه السلام): ما لمن زار قبر الحسين (عليه السلام)؟ # فقال: إن الحسين (عليه السلام) (2) وكل الله به أربعة آلاف ملك شعثا ~~غبرا يبكونه إلى يوم القيامة، رئيسهم ملك يقال له منصور، فلا يزوره زائر ~~إلا استقبلوه، ولا يودعه مودع إلا شيعوه، ولا يمرض إلا عادوه، ولا يموت إلا ~~صلوا على جنازته واستغفروا له بعد موته. (3) # وبحذف الاسناد، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: وكل الله ~~بقبر الحسين (عليه السلام) سبعين ألف ملك يصلون عليه، ويدعون لمن زاره، ~~ويقولون: يا ربنا، هؤلاء زوار الحسين افعل بهم وافعل. (4) # وبالاسناد عن صالح، عن الحارث بن المغيرة، عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام)، قال: إن لله تبارك وتعالى ملائكة موكلين بقبر الحسين (عليه ~~السلام)، فإذا هم الرجل بزيارته أعطاهم الله ذنوبه، فإذا خطا محوها، ثم إذا ~~خطا ضاعفوا له حسناته، فما تزال حسناته تضاعف حتى يوجب له الجنة، ثم ~~اكتنفوه وقدسوه، وينادون ملائكة السماوات: قدسوا زوار حبيب حبيب الله، فإذا ~~اغتسلوا ناداهم [محمد (صلى الله عليه وآله): يا وفد الله، أبشروا بمرافقتي ~~في الجنة، ثم ناداهم] (5) أمير المؤمنين (عليه السلام): أنا ضامن PageV02P522 # لحوائجكم (1)، ودفع البلاء عنكم في الدنيا والآخرة، ثم اكتنفوهم (2) عن ~~أيمانهم وعن شمائلهم حتى ينصرفوا إلى أهاليهم. (3) # وبالاسناد عن الأعمش، قال: كنت نازلا بالكوفة وكان لي جار كثيرا ما كنت ~~أقعد إليه، وكان ليلة جمعة فقلت له: ما تقول في زيارة الحسين (عليه ~~السلام)؟ # فقال لي: بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. # فقمت من بين يديه وأنا أمتلئ غيظا وقلت: ms612 إذا كان في السحر أتيته فحدثته ~~من فضائل أمير المؤمنين ما يسخن الله به عينه. # قال: فأتيته وقرعت عليه الباب، فإذا أنا بصوت من وراء الباب: إنه قد قصد ~~الزيارة في أول الليل، فخرجت مسرعا، فأتيت الحائر، فإذا أنا بالشيخ ساجد لا ~~يمل من السجود والركوع، فقلت له: بالأمس تقول لي بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ~~ضلالة في النار، واليوم تزوره؟! # فقال لي: يا سليمان، لا تلمني فإني ما كنت اثبت لأهل هذا البيت إمامة حتى ~~كانت ليلتي هذه فرأيت رؤيا أرعبتني. # فقلت: ما رأيت أيها الشيخ؟ # قال: رأيت رجلا لا بالطويل الشاهق، ولا بالقصير اللاصق، لا احسن أصفه من ~~حسنه وبهائه، معه أقوام يحفون به حفيفا، ويزفونه زفا، بين يديه PageV02P523 # فارس على فرس له ذنوب، على رأسه تاج، للتاج أربعة أركان، في كل ركن جوهرة ~~تضيء مسيرة ثلاثة أيام، فقلت: من هذا؟ # فقالوا: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب (صلى الله عليه وآله). # فقلت: والآخر؟ # فقالوا: وصيه علي بن أبي طالب (عليه السلام). # ثم مددت عيني فإذا أنا بناقة من نور، عليها هودج من نور، تطير بين السماء ~~والأرض. # فقلت: لمن الناقة؟ # قالوا: لخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد (عليها السلام). # فقلت: والغلام؟ # قالوا: الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام). # قلت: فأين يريدون؟ # قالوا: يمضون بأجمعهم إلى زيارة المقتول ظلما الشهيد بكربلاء الحسين بن ~~علي، ثم قصدت الهودج فإذا أنا برقاع تساقط من السماء أمانا من الله عز وجل ~~لزوار الحسين بن علي ليلة الجمعة، ثم هتف بنا هاتف: ألا إننا وشيعتنا في ~~الدرجة العليا من الجنة. # والله يا سليمان، لا افارق هذا المكان حتى تفارق روحي جسدي. (1) # وبالاسناد قال: حدثني محمد بن الحسن، قال: حدثني أحمد بن PageV02P524 # إدريس، عن محمد بن أحمد، [عن محمد] (1) بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، ~~[عن الخيبري،] (2) عن موسى بن القاسم الحضرمي، قال: ورد أبو عبد الله ~~الصادق (عليه السلام) في أول ولاية أبي جعفر فنزل النجف، ثم قال: # يا ms613 موسى، اذهب إلى الطريق الأعظم فقف على الطريق وانظر فإنه سيجيئك رجل ~~من ناحية القادسية، فإذا دنا منك فقل: هنا رجل من ولد رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) يدعوك، فإنه سيجيء معك. # قال: فذهبت حتى قمت على الطريق والحر شديد، فلم أزل قائما حتى كدت أعصي ~~وأنصرف وأدعه، إذ نظرت إلى شيء مقبل شبه رجل على بعير. # قال: فلم أزل أنظر إليه حتى دنا مني، فقلت: يا هذا، هنا رجل من ولد رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) يدعوك، وقد وصفك لي. # فقال: اذهب بنا إليه. # قال: فجاء حتى أناخ بعيره ناحية قريبا من الخيمة، قال: فدعا به، فدخل ~~الأعرابي إليه، ودنوت أنا فصرت على باب الخيمة أسمع الكلام ولا أراهما، ~~فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): من أين أقبلت؟ # قال: من أقصى اليمن. # قال: أنت من موضع كذا وكذا؟ # قال: نعم. # قال: فيم جئت إلى هاهنا؟ # قال: جئت زائرا للحسين (عليه السلام). PageV02P525 # فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فجئت من غير حاجة ليس إلا للزيارة؟ # قال: نعم، جئت من غير حاجة إلا أن اصلي عنده وأزوره واسلم عليه وأرجع إلى أهلي. # قال له أبو عبد الله (عليه السلام): وما ترون من زيارته؟ # قال: إنا نرى في زيارته البركة في أنفسنا وأهالينا وأولادنا وأموالنا ~~ومعايشنا وقضاء حوائجنا. # قال: فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): أفلا أزيدك من فضله [فضلا] ~~(1)، يا أخا اليمن؟ # قال: زدني، يا ابن رسول الله. # قال: إن زيارة أبي عبد الله (عليه السلام) تعدل حجة مبرورة مقبولة زاكية ~~مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فتعجب الرجل من ذلك، فقال: إي والله ~~وحجتين مبرورتين مقبولتين زاكيتين مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ~~فتعجب، فلم يزل أبو عبد الله (عليه السلام) يزيده حتى قال: ثلاثين حجة ~~مبرورة متقبلة زاكية مع رسول الله (صلى الله عليه وآله). (2) # وبالاسناد قال: [أبي (رحمه الله)، قال:] (3) حدثنا سعد بن عبد الله، عن ~~محمد بن الحسين، عن محمد بن ms614 إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن يزيد بن عبد ~~الملك، قال: كنت مع أبي عبد الله (عليه السلام) فمر بنا قوم على حمير، PageV02P526 # فقال: أين يريدون هؤلاء؟ # فقلت: قبور الشهداء. # قال: فما يمنعهم من زيارة قبر الغريب؟ # فقال له رجل من أهل العراق: زيارته واجبة؟ # قال: نعم، زيارته واجبة، ثم قال: زيارته خير من حجة وعمرة، وعمرة وحجة، ~~حتى عد عشرين حجة وعمرة، ثم قال: مبرورات متقبلات. # قال: فو الله ما قمت حتى أتاه رجل فقال: إني قد حججت تسع عشرة حجة فادع ~~الله أن يرزقني تمام العشرين. # قال: فهل زرت قبر الحسين (عليه السلام)؟ # قال: لا. # قال: لزيارته خير من عشرين حجة. (1) # وبالاسناد عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن أبي عمير، ~~عن معاوية بن وهب، قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) وهو في مصلاه، ~~فجلست حتى قضى صلاته فسمعته وهو يناجي ربه فيقول: يا من خصنا بالكرامة، ~~ووعدنا الشفاعة، وحملنا الرسالة، وجعلنا ورثة الأنبياء، وختم بنا الامم ~~السالفة، وخصنا بالوصية، وأعطانا علم ما مضى وما بقي، وجعل أفئدة من الناس ~~تهوي إلينا، اغفر لي ولإخواني وزوار قبر أبي عبد الله (عليه السلام) الذين ~~أنفقوا أموالهم وأشخصوا أبدانهم رغبة في برنا، ورجاء لما PageV02P527 # عندك في صلتنا، وسرورا أدخلوه على نبيك محمد (صلى الله عليه وآله)، ~~وإجابة منهم لأمرنا، وغيظا أدخلوه على عدونا، أرادوا بذلك رضوانك، فكافهم ~~عنا بالرضوان، واكلأهم بالليل والنهار، واخلف على أهاليهم وأولادهم الذين ~~خلفوا بأحسن الخلف، وأصحبهم واكفهم شر كل جبار عنيد، وكل ضعيف من خلقك ~~وشديد، وشر شياطين الجن والإنس، وأعطهم أفضل ما أملوا منك من (1) غربتهم ~~عن أوطانهم، وما آثرونا على أبنائهم وأهاليهم وقراباتهم. # اللهم إن أعداءنا عابوا عليهم خروجهم فلم ينههم ذلك عن النهوض والشخوص ~~إلينا خلافا منهم على من خالفنا. # اللهم فارحم تلك الوجوه التي غيرتها الشمس، وارحم تلك الخدود التي تقلبت ~~على قبر أبي عبد الله (عليه السلام)، وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها ms615 ~~رحمة لنا، وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا، وارحم تلك الصرخة التي ~~كانت لنا. # اللهم إني أستودعك تلك الأنفس وتلك الأبدان حتى ترويهم من الحوض يوم العطش. # قال: فما زال (صلوات الله عليه) يدعو بهذا الدعاء وهو ساجد، فلما انصرف ~~قلت: جعلت فداك لو أن الدعاء الذي سمعته منك كان لمن لا يعرف الله لظننت أن ~~النار لا تطعم منه شيئا أبدا، والله لقد تمنيت أني كنت زرته ولم أحج، فقال: ~~ما أقربك من ذلك؟! فما الذي يمنعك من زيارته يا معاوية؟ ولم PageV02P528 # تدع ذلك؟ # قلت: جعلت فداك، لم أدر أن الأمر يبلغ هذا كله. # فقال: يا معاوية، من يدعو لزواره في السماء أكثر ممن يدعو لهم في الأرض، ~~لا تدعه لخوف من أحد، فمن تركه لخوف رأى من الحسرة ما يتمنى أن قبره كان ~~عنده (1)، أما تحب أن ترى (2) شخصك وسوادك ممن يدعو له رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله)؟ أما تحب أن تكون غدا فيمن رؤي (3) وليس عليه ذنب فيتبع ~~به؟ أما تحب أن تكون غدا فيمن تصافحه الملائكة؟ أما تحب أن تكون غدا فيمن ~~يصافح رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ (4) # وبالاسناد عن الحسن بن محبوب، عن داود الرقي، قال: سمعنا (5) أبا عبد ~~الله (عليه السلام) يقول: ما خلق الله خلقا أكثر من الملائكة، وإنه لينزل ~~من السماء في كل مساء سبعون ألف ملك يطوفون بالبيت ليلتهم حتى إذا طلع ~~الفجر انصرفوا إلى قبر النبي (صلى الله عليه وآله) فسلموا عليه، ثم يأتون ~~قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) فيسلمون عليه، ثم يأتون قبر الحسين (عليه ~~السلام) فيسلمون عليه، ثم يعرجون (6) إلى السماء قبل أن تطلع الشمس، ثم تنزل PageV02P529 # ملائكة النهار سبعون ألف ملك فيطوفون بالبيت الحرام نهارهم حتى إذا غابت ~~الشمس (1) انصرفوا إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيسلمون عليه، ~~ثم يأتون قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) فيسلمون عليه، ثم يأتون قبر ~~الحسين (عليه السلام) فيسلمون [عليه] (2)، ثم يعرجون إلى السماء قبل أن ~~تغيب ms616 الشمس. (3) # وبالاسناد: [أبي (رحمه الله)] (4)، قال: حدثنا سعد بن عبد الله، عن محمد ~~ابن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن حنان بن سدير، قال: قال أبو عبد الله ~~(عليه السلام): زوروه- يعني [قبر] (5) الحسين (عليه السلام)- ولا تجفوه، ~~فإنه سيد [الشهداء وسيد] (6) شباب أهل الجنة. (7) PageV02P530 ### | فصل في ذكر فضل كربلاء # بالاسناد عن محمد بن جعفر القرشي (1) الرزار، عن محمد بن الحسين ابن أبي ~~الخطاب [عن أبي سعيد، عن بعض رجاله، عن أبي الجارود] (2)، قال: # قال علي بن الحسين (عليه السلام): اتخذ الله كربلاء (3) حرما آمنا مباركا ~~قبل أن يخلق أرض الكعبة ويتخذها حرما بأربعة وعشرين ألف عام، وانه إذا زلزل ~~الله تبارك وتعالى الأرض وسيرها رفعت كما هي بتربتها صافية (4) فجعلت في ~~أفضل (5) مسكن في الجنة لا يسكنها إلا النبيون والمرسلون- أو قال: واولوا ~~العزم من الرسل- وانها لتزهر (6)بين رياض الجنة كما يزهر الكوكب الدري بين ~~الكواكب لأهل الأرض يغشي نورها أصحاب الجنة (7)، وهي تنادي: أنا أرض الله ~~المقدسة الطيبة المباركة التي تضمنت سيد الشهداء وسيد شباب أهل PageV02P531 # الجنة. (1) # وبالاسناد قال: حدثنا محمد بن جعفر الرزاز، عن محمد بن الحسين بن أبي ~~الخطاب، عن الحسن بن محبوب، عن إسحاق بن عمار، قال: سمعت أبا عبد الله ~~(عليه السلام) يقول: إن لموضع قبر الحسين (عليه السلام) حرمة معروفة، من ~~عرفها واستجار بها اجير. # قلت: فصف [لي] (2) موضعها، جعلت فداك. # فقال: امسح من موضع قبره اليوم خمسا وعشرين ذراعا من ناحية رجليه، [وخمسا ~~وعشرين ذراعا مما يلي وجهه،] (3) وخمسا وعشرين ذراعا من خلفه، وخمسا وعشرين ~~ذراعا من ناحية رأسه، وموضع قبره منذ [يوم] (4) دفن روضة من رياض الجنة، ~~ومنه معراج يعرج فيه بأعمال زواره إلى السماء، فليس ملك [ولا نبي] (5) في ~~السماوات ولا في الأرض إلا وهم يسألون الله عز وجل [أن يأذن لهم] (6) في ~~زيارة قبر الحسين (عليه السلام)، ففوج ينزل وفوج يعرج. (7) # وقال الصادق (عليه السلام): حريم قبر الحسين (عليه السلام) خمس فراسخ من ~~أربعة جوانب القبر. (8) # 2 و3 و4 و5 و6 من ms617 الكامل. PageV02P532 # وروى الحسن بن محبوب، عن الحسين بن بنت أبي حمزة الثمالي قال (1): خرجت ~~من الكوفة قاصدا زيارة الحسين (عليه السلام) في آخر زمان بني مروان وقد ~~أقاموا مشايخ من أهل الشام على الطرقات يقتلون من ظفروا به من زواره، فأتيت ~~إلى القرية التي عند حائره (عليه السلام) فأخفيت نفسي إلى الليل، ثم أتيت ~~إلى الحائر الشريف، فخرج منه علي رجل فقال: يا هذا، ارجع من حيث أتيت، ~~عافاك الله، فإنك لا تقدر على الزيارة في هذه الساعة، فرجعت إلى مكاني، ~~فلما ذهب من الليل شطره أقبلت لزيارته (عليه السلام)، فخرج علي ذلك الرجل ~~وقال: يا هذا، ألم أقل لك إنك لا تقدر على زيارة الحسين هذه الليلة؟ # فقلت: وما يمنعني من ذلك وأنا قد أقبلت من الكوفة على خوف من أهل الشام ~~أن يقتلوني. # فقال: يا هذا، اعلم أن إبراهيم خليل الله وموسى كليم الله ومحمد حبيب ~~الله (عليهم السلام) استأذنوا الله في هذه الليلة أن يزوروا قبر الحسين ~~(عليه السلام) فأذن لهم، فهم عنده من أول الليل في جمع من الملائكة لا يحصى ~~عددهم يسبحون الله ويقدسونه إلى الصباح. # فقلت له: وأنت من تكون، عافاك الله؟ # قال: أنا من الملائكة الموكلين بقبره (صلوات الله عليه)، فكاد يطير عقلي ~~مما دخلني من الرعب، ورجعت إلى مكاني متفكرا في ذلك حتى انفجر عمود الصبح ~~فأتيت فلم أر أحدا، فصليت وزرت وانصرفت على خوف من أهل PageV02P533 # الشام. (1) # وبالاسناد المتقدم عن الحسين بن عبيد الله، عن الحسن بن علي [بن أبي ~~عثمان، عن عبد الجبار النهاوندي، عن أبي سعيد، عن الحسين] (2) بن ثوير بن ~~أبي فاختة، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا حسين، من خرج من منزله ~~يريد زيارة الحسين (عليه السلام) إن كان ماشيا كتبت له بكل خطوة حسنة، وحط ~~بها عنه سيئة، حتى إذا صار في الحائر كتبه الله من المفلحين المنجحين حتى ~~إذا قضى مناسكه كتبه الله من الفائزين، حتى إذا أراد الانصراف ناداه (3) ~~ملك فقال: إن ms618 رسول الله (صلى الله عليه وآله) [يقرئك السلام و] (4) يقول لك: # استأنف العمل فقد غفر الله لك ما مضى. (5) # وبالاسناد عن الحسن بن علي الكوفي، عن علي بن حسان الهاشمي، عن عبد ~~الرحمن بن كثير مولى أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قال أبو عبد الله (عليه ~~السلام): لو أن أحدكم حج دهره ثم لم يزر الحسين (عليه السلام) لكان تاركا ~~حقا من حقوق رسول الله (صلى الله عليه وآله) [لأن حق الحسين (عليه السلام) ~~فريضة من الله واجبة على كل مسلم] (6). (7) # وبالاسناد عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن بشير الدهان، عن أبى ~~عبد الله (عليه السلام) قال: إن الرجل ليخرج إلى قبر الحسين PageV02P534 # (عليه السلام) فله إذا خرج من أهله بأول خطوة مغفرة ذنوبه، ثم لم يزل ~~يقدس [بكل خطوة] (1) حتى يأتيه، فإذا أتاه ناجاه الله فقال: عبدي سلني ~~اعطك، ادعني اجيبك، اطلب مني اعطك، سلني حاجة اقضيها لك. # قال أبو عبد الله (عليه السلام): وحق على الله أن يعطي ما بذل. (2) # وبالاسناد عن سيف بن عميرة ومنصور بن حازم قالا: سمعناه (صلوات الله ~~عليه) يقول: من أتى عليه حول ولم يزر قبر الحسين (عليه السلام) نقص من عمره ~~حول، ولو قلت: إن أحدكم ليموت قبل أجله بثلاثين سنة لكنت صادقا، وذلك لأنكم ~~تتركون زيارته (عليه السلام)، فلا تتركوها يمد الله في أعماركم وأرزاقكم، ~~فتنافسوا في زيارته ولا تدعوا ذلك، فإن الحسين بن علي شاهد لكم عند الله ~~وعند رسوله وعند أمير المؤمنين وفاطمة (عليهم السلام). (3) # وبالاسناد عن سلمة بن الخطاب، عن إبراهيم بن محمد، عن علي بن المعلى، عن ~~إسحاق بن زياد (4)، قال: أتى رجل أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: # إني قد ضربت على كل شيء لي ذهبا وفضة، وبعت ضياعي، فقلت أنزل مكة. # فقال: لا تفعل، فإن أهل مكة يكفرون بالله جهرة. PageV02P535 # قال (1): ففي حرم رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ # قال: هم شر منهم. # قال (2): فأين أنزل؟ # قال: عليك بالعراق الكوفة، فإن البركة ms619 منها على اثني عشر ميلا هكذا وهكذا ~~(3)، وإلى جانبها قبر ما أتاه مكروب قط ولا ملهوف إلا فرج الله عنه. (4) ### ||| [من كرامات الامام الحسين (عليه السلام)] # وبالاسناد عن هشام بن الحكم، عن الفضيل بن يسار، قال: قال أبو عبد الله ~~(عليه السلام): إلى جانبكم لقبرا ما أتاه مكروب إلا نفس الله كربته، وقضى ~~حاجته (5)- يعني قبر الحسين (عليه السلام)-. (6) # ولو أردنا الاستقصاء في فضل زيارته لضاق الوقت وعزت الطوامير. # وأما كرامته (صلوات الله عليه) وما يظهر على تعاقب الزمان من العجائب ~~والغرائب لدى ضريحه الشريف إلى يوم الناس هذا ما هو مشهور بتجدد الأعوام ~~والأيام، ويظهر للخاص والعام، من إجابة الدعاء، وشفاء المرضى والزمنى قد ~~بلغ حد التواتر وطار في الآفاق ذكره، وشاع على الاطلاق أمره. PageV02P536 # وسأذكر من ذلك نازلة نزلت بي وعظم لواقعتها خطبي، وتزلزل لقارعتها قلبي، ~~وذلك ان الله سبحانه كان قد من علي في سنة تسعمائة من الهجرة بكتاب «تذكرة ~~الفقهاء» في فقه الخاصة، من مصنفات الشيخ الكامل العالم العامل أبي منصور ~~الحسن جمال الدين بن يوسف بن المطهر الحلي أفاض الله على ضريحه شآبيب ~~رحمته، وحشره في زمرة نبيه وعترته، وكنت كلفا به، ملازما له، مثابرا على ~~حصر فوائده، أستأنس به في خلوتي، وأستكشف بمطالعته غمتي، إلى أن تقلبت ~~الامور، وتغيرت الدهور، واستبدل الله بقوم قوما، وبرجال رجالا، وقضى الله ~~لي وأحسن القضاء بجوار سيد الشهداء، إمام الثقلين، وسبط سيد الكونين، أبي ~~عبد الله الحسين، وملازمة حضرته الشريفة ليلا ونهارا، إلى أن دخلت سنة ~~ثماني عشرة وتسعمائة حضر في المشهد الشريف رجل من بلدة شيراز يدعى بالسيد ~~شريف، وكان له قرب من السلطان، ثم نقم عليه وعزله. # وكان المذكور يظهر التشيع ويدعي الاحاطة بأكثر العلوم، وفي الباطن زنديقا ~~يتدين بمذهب الحكيم، وإنما أظهر التشيع تقربا إلى السلطان رياء وسمعة، فلما ~~حضر في المشهد الشريف وكان قد أنهى إليه أمر الكتاب فطلب من الفقير شراءه ~~منه وبذل له عنه ثمنا، فأبى الفقير عليه، فأغلظ للفقير في الكلام ms620 لأنه كان ~~من السفاهة والوقاحة والكبر والغلظة على جانب عظيم، فأجابه الفقير بأعظم من ~~جوابه وأعان الله عليه. # فمضى المذكور ثانيا إلى باب السلطان، فوثب صدر الدولة وفوض إليه أمر ~~الحضرات والأوقاف والامور الشرعية في سائر البلاد، فأظهر من الظلم والعسف ~~والعدوان ما لا مزيد عليه، وولى على الحضرات الشريفة في بلاد PageV02P537 # العراق نائبا من قبله مشابها له في الكبر والغلظة والظلم، وفوض إليه أمر ~~بلدة الحلة وغيرها من البلاد المتعلقة بالحضرات الشريفة- حضرات الأئمة ~~(عليهم السلام)-، وأمره أن لا يجعل له بعد وصوله دأبا ولا همة إلا أخذ ~~الكتاب قهرا، وكتب على يده رسالة تتضمن التهديد والاغلاض في الكلام. # فحين وصل إلى المشهد الشريف أوصل الرسالة إلى العبد وأمره بإحضار الكتاب ~~بسرعة من غير تعلل، فرأى الفقير ان الامتناع لا يجدي نفعا، فسلم الكتاب ~~جميعه وعدته سبع مجلدات إلى النائب المذكور، وفوض الأمر إلى الله سبحانه، ~~ورأى أن ليس لكربته وغمته وظلامته كاشفا إلا الله والتوسل إليه بوليه أبي ~~عبد الله الحسين (عليه السلام) وآبائه الطاهرين وذريته الأكرمين. # وألقى الله على لسان الفقير كلمات- نثرا وشعرا- سماها ب «استغاثة المظلوم ~~اللهيف على الظلوم المسمى بشريف» فكتبها الفقير وحفظها، ثم صلى صلاة الحاجة ~~عند رأس الضريح المقدس، ثم دعا بالاستغاثة المذكورة بعد أن تلا ما تيسر من ~~كتاب الله، ووضع الاستغاثة المذكورة على الضريح وتوسل إلى الله بأبي عبد ~~الله الحسين- بعد تلاوتها- وبأبيه وجده وأخيه وبالأئمة التسعة من بنيه. # فرأى تلك الليلة في المنام إبراهيم بن سليمان الخطي القطيفي (1) المجاور ~~بمشهد سيدنا ومولانا أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) كأن الفقير قد ~~حظر تحت القبة الشريفة ووضع أوراقه على الضريح المقدس، وألح في المسألة ~~والتضرع إلى الله وإلى أبي عبد لله (عليه السلام)، فبينا هو يتوسل إذا PageV02P538 # بيد قد خرجت من الضريح الشريف مشيرة إلى الفقير بثلاث أصابع، وإذا بقائل ~~يقول: لا تجزع قد بقي من عمر ظالمك ثلاثة. # فأخبر الشيخ المذكور حفدته صبيحة ذلك اليوم بذلك. # فبعد مدة اجتمعت بالمذكور، فسألته عن ذلك، ms621 فأخبرني بصحته، فقلت: يمكن أن ~~الثلاثة ثلاثة أعوام، أو ثلاثة أشهر، وفوضت الأمر إلى الله، واستشعرت لباس ~~الصبر، وتأسيت بالنبي ووصيه وأهل بيتهما. # فما مضت مدة يسيرة إلا أقبلت عساكر الروم كالجراد المنتشر، فكان المذكور ~~زعيم الراية العظمى، فحين التقى الجمعان وولى المذكور دبره لا متحرفا لقتال ~~ولا متحيزا إلى فئة، بل فرارا وجبنا، واقتدى بالتيمي وابن صهاك في الهزيمة ~~يوم خيبر، فلم يغن عنه الفرار من الله شيئا، وأتاه الموت من كل مكان، فصار ~~قتيلا بدار غربة، طريحا في منزل وحشة، مخضبا بدم الوريد قوتا لكل خامعة ~~وسيد (1)، وكان بين الدعاء وقتله ثلاثة أشهر لا ينقص ولا يزيد. # وكان النائب المذكور قد تأخر في إرسال الكتاب إليه رجاء أن يمضي هو بنفسه ~~مستصحبا للكتاب لينال الزلفى عنده بذلك، وكان مقيما ببلدة بغداد منتظرا ~~للأخبار، فأتاه خبر سيده فصار بعد العز ذليلا، وبعد الامارة مأمورا، فمضى ~~ولدي طاهر إلى الغاصب المذكور وأخذ الكتاب منه قهرا، وأتى به. # فالحمد لله الذي جبر كسري، واستجاب دعائي، ولم يشمت بي أعدائي، وإنما ~~أوردت هذه الاستغاثة في كتابي هذا تيمنا وتبركا بها، وإظهار الفضيلة للإمام ~~الشهيد أبي عبد الله الحسين، مضافة إلى مناقبه السالفة في حياته PageV02P539 # وبعد موته (صلوات الله وسلامه عليه) وعلى آبائه الطاهرين، وأبنائه ~~المعصومين، صلاة زاكية نامية إلى يوم الدين. ### ||| [الاستغاثة] # وهذه الاستغاثة التي توسلت واستعنت إلى الله بها. # اللهم يا من عرشه مجيد، وبطشه شديد، وأخذه مبيد، وعدله مديد، ويا قاصم كل ~~جبار عنيد، وهاضم كل ختار مريد، ويا ناصرا من استنصر بعزيز سلطانه، ويا ~~قاهرا من تجبر ... (1) وعدوانه، ويا جابرا قلوبا كسرتها عوامل المسرفين من ~~أعدائه، ويا رافعا نفوسا خفضتها مواضع المتجبرين على أوليائه، ويا من فتح ~~باب الدعاء لمن وجه مطايا حوائجه إليه، ويا من تكفل بإجابة من توكل في كشف ~~حوائجه عليه، أو يضام أولياؤك ولك الخلق والأمر؟ # أم يهظم أصفياؤك وبيدك الحكم والقهر؟ أم تتجرى كفرة كتابك على المنقطعين ~~إليك؟ أم تتجرى فجرة عبادك أذى من ms622 ألقى كله عليك؟ # حاشا مجدك الذي لا يضام، وجدك الذي لا يرام، وبطشك الذي لا يطاق، وملكك ~~الذي لا يحاق، أن تغلق أبواب فضلك عمن أم ذراك، أو تقطع أسباب عدلك ممن لم ~~يجد له سواك، أو أن تفكك أنامل رجاء من استمسك بمتين حبلك، أو أن تخيب دعاء ~~من التزم بوثيق عدلك، وأن تجبه بالود من بذل ماء وجهه لمسألتك، وأن تقنط ~~بالمنع من وصف ظلامته لعالي حضرتك. # سبحانك خلقت طاغوتا من عبادك (2)، ومددت له مدا، وآتيته من كل PageV02P540 # شيء، وعددت له عدا، لم تؤته ما أتيته ليكفر نعماك، ولم تعطه ما أعطيته ~~ليغبط آلاءك، بل ليقيم شعائر شريعة دينك القويم، ويحيي معالم سنة رسولك ~~الكريم، وأن يحفظ نبيك في ذريته، ويخفض جناحه لامته. # فغرته الحياة الدنيا بزينتها، وفتنته الدار الفانية بزهرتها، فنسي ميثاقك ~~المأخوذ عليه، ونبذ كتابك المنزل إليه، وتقوى برزقك على ظلم عبادك، واستعان ~~ببرك على الافساد في بلادك، واتخذ أموالك دولا، وعبادك خولا، وأباح الأموال ~~المحرمة، وأراق الدماء المحترمة، ولم يترك لنبيك رحما إلا قطعها، ولا وصية ~~إلا ضيعها، ولا مؤمنا إلا آذاه، ولا مجرما إلا آواه. # يتنمس بالاسلام والالحاد دينه، ويندلس بالايمان والنفاق قرينه، ... (1) # الأسفار بين يديه رياء وسمعة، قد أعمى الله بصره ... (2)، يزعم أنه علامة ~~زمانه بالكتاب والسنة، وهو عند التحقيق أضل من الحقة والمسنة، إذ لو عض على ~~العلم بضرس قاطع، واستضاء من الحق بشهاب ساطع، لم يتخذ ظلم المؤمنين شعارا، ~~ولا أذى المتقين دثارا، ولا الكبر جلبابا، ولا العجب نقابا، ولا الفجرة ~~أصحابا، ولا الغدرة أبوابا، بل كانت الدنيا في عينه أهون من قمامة، وأحقر ~~من قلامة. PageV02P541 # لكن نفخ الشيطان في أنفه فصعر خده، ونفث على لسانه من قبل أن يبلغ أشده، ~~وتلاعبت به دنياه كتلاعب الوليد بكرته، والسنور بفويسقته، لفرط جهله لا ~~يخشى إله السماء، @QUR@06 إنما يخشى الله من عباده العلماء (1). # فهو علوي لكن جده غير هاشمي، وفاطمي لكن امه ليست سيدة الفواطم، سفيه ~~حلمه، قليل علمه، شديد مكره، عتيد غدره، ms623 كثير طيشه، خبيث عيشه، قلبه بين ~~فكيه، وعجبه رداء عطفيه، يزهو ببزته، ويتهادى في مشيته، ويصول على آل ~~الرسول بظلمه، ويجور عليهم بحكمه، فهم منه بين خائف يترقب، وعازم بعد ~~الهجرة أن يتعرب، خوفا من فتنته، وفرقا من بادرته، إذ هو إلى الشر أسرع من ~~النجم الثاقب، أو السهم الصائب، ينسلخ من آيات الله كانسلاخ الحية من ~~قشرها، ويخرج عن دين الله كخروج الفويسقة من حجرها، فهو بلعم زمانه، وطاغوت ~~أوانه، قد أتبعه الشيطان فكان من الغاوين، @QUR@020 فمثله كمثل الكلب إن ~~تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص ~~القصص لعلهم يتفكرون (2). # اللهم إنه قد جعلنا هدفا لانتقامه، ونصبنا غرضا لسهامه، واستحل ما حرمت ~~من أموالنا، واستباح ما حظرت من أعراضنا، فنحن على وجل من بطشه، وخوف من ~~طيشه، إذا هون سعيه في البغي الوجيف، وأطيب لفظه أنتن من الكنيف. # اللهم فكما آتيته زينة وأموالا في الحياة الدنيا ليضل عن سبيلك، ومهدت PageV02P542 # له تمهيدا فصدف عن طريق رسولك، وفتحت عليه أبواب كل شيء بما اوتي، وتقوى ~~على ضعفنا ثقة بما اعطي، فجعله الشيطان عبدا له من دونك، وزين له سوء عمله ~~فعدل عن دينك، وأرخى له عنان فجوره فجرى في ميدان كفره، وحمله على مطايا ~~غروره فتاه في بيداء كبره، فهو عجز البغي وصدره، ويد الغي ونحره، فصل على ~~محمد وآل محمد، واقطع دابره، واقمع سائره، واخسف بدره، واخفض قدره، واهدم ~~بنيانه، وهد أركانه، واجعله عبرة لمن اعتبر، وتذكرة لمن يتذكر. # اللهم إنا قد ألجأتنا ظلمة إلى الاستضاءة بعدلك، وساقنا سوط بغيه إلى ~~الاعتصام بحبلك، وأجاءنا طوفان عدوانه إلى هضبة إنصافك، وفررنا من صولة ~~سطوته إلى عزة أكنافك، فلا تغلق دوننا أبواب رجائك، ولا تمد منا الأيدي إلى سواك. # اللهم إنا قد استظللنا من هواجر ظلمه بأروقة منعك، واعتصمنا من عواصف ~~هضمه بمعاقد دفعك، فصل على محمد وآل محمد، وأر كل رياحه، وأطف مصباحه، ~~واشغله بنفسه، وغيبه في رمسه، واجعل دائرة السوء عليه دائرة، وكواكب ms624 النحوس ~~في افق مطالعه سائرة، وشمس دولته بأيدي الطوارق مكورة، وقضية وجوده بأداة ~~المهالك مسورة، والعكوس إلى قضايا حكمه موجهة، والنحوس بذكر معايبه مفوهة، ~~وخبث عقيدته لقبح سريرته بين الناس مشهورة، وصحائف ذنوبه برذائل عيوبه على ~~مر الزمان منشورة، حتى تكون لعنة اللاعنين كالقلادة في جيده، وذم الذامين ~~كالعلاوة من فوق حبل وريده. # اللهم أيم عياله، وأيتم أطفاله، وكدر زلاله، وخيب آماله، واقمع هامته، PageV02P543 # واستأصل شأفته (1). # اللهم إنك حمدت نفسك على هلاك الظالمين، ووعدت نصرك من انتصر بك من ~~المظلومين، ولم تكن سبحانك لتحمد نفسك على ذلك إلا لأنه نعمة لا يحصى ~~شكرها، ولا يستقصى ذكرها، فصل على محمد وآل محمد، واقض نعمتك على عبادك ~~بإنزال عقابك بساحته، واكشف غمة أنامك وبلادك بصب سوط عذابك على هامته. # اللهم اشف صدورنا بمماته، وأذهب غيظ قلوبنا بوفاته، ولا تخرجنا من دار ~~الفناء إلا بأفئدة مسرورة بهلكه، وأنفس مطمئنة من فتكه. # اللهم إنه قد اقتدى في غصبنا وتكذيب صدقنا بعدوك الزنيم الأكبر، نجل صهاك ~~الدلام الأفجر، إذ اغتصب ابنة نبيك تراثها، وحاز دونها ميراثها، ورفع عليها ~~صوته، وقنعها سوطه. # اللهم فكما استجبت دعاءها عليه وخيبت ظنه، وأتحت له من بقر بمديته بطنه، ~~ونقلته إلى دار نكالك، وقرى وبالك، وأصليته نارك الحامية، وعجلت بروحه إلى ~~جحيمك الهاوية، وصببت على هامته مقامع الزبانية، ولعنته وشيعته الناصبة ~~الغاوية، فصل على محمد وآل محمد، وأذقه ما أذقته PageV02P544 # من عذاب الدنيا والآخرة، بحق محمد وآل محمد العترة الطاهرة. ### ||| [قصيدة للمؤلف (رحمه الله)] # عبد لعز جلال مجدك يخضع %~% بيد التذلل باب جودك يقرع # لو لا زفير سعير لوعة وجده %~% مما عراه لأغرقته المدمع # ضاقت به الدنيا فلا تهمله يا %~% من جوده من كل شيء أوسع # إن تطرد العافي فمن ذا يرتجى؟ %~% أو تمنح الراجي فمن ذا يمنع؟ # أشكو إليك ظلامة من ظالم %~% للبغي منه لدى الخلائق منبع # أضمى الحشا مني بأسهم ظلمه %~% وأحل بي ما لم أكن أتوقع # فمن الذي أرجوه بعدك ناصرا؟ %~% ومن الذي منه إليه أفزع؟ # ومن ms625 الذي أدعوه في غسق الدجى %~% فيرى مقامي في الظلام ويسمع؟ # وبمن ألوذ من الردى وبمن أعوذ %~% من العدى وبمجد من أتشفع؟ # وبمن أرجي ناصرا ولكسر قلبي %~% جابرا وبحق من أتضرع؟ PageV02P545 # يا من على العرش استوى يا من %~% على الملك احتوى يا من يذل ويرفع # يا غافرا يا ساترا يا جابرا يا %~% كاسرا يا فاطرا يا مبدع # يا عالما يا دائما يا قائما %~% يا حاكما يا قاهرا لا يدفع # يا من عليه توكلي وبه عليه %~% توسلي وبلطفه لي مطمع # خذ لي بحقي من ظلوم لم يزل %~% قلبي بسهم عناده يتقطع # كم ليلة من بغيه أمسيت ذا %~% كبد على حمر الغضا يتلوع؟ # والفكر مني حائر والطرف ساه %~% ساهر وحشاي وجدا ينجع # من يحر وافر ظلمه ومد يده %~% ليلي طويل فجره لا يطلع # فظ غليظ أحمق متجبر %~% متكبر نذل دعي ألكع # لانت أسافله فقل حياؤه %~% وغدت وقاحته عليه تشنع PageV02P546 # يا أيها المهدار والمنقار %~% والختار والرجس اللئيم المبدع # بؤ خاسئا من كل فضل %~% عاريا وعليك من نسج الملامة أدرع # وعلى جبينك إن قبلت نضيحتي %~% بدل العمامة للأمة برقع # وعليك ألفا ألف ألفي لعنة %~% من ذي المعارج وصلها لا يقطع # ما فاه مظلوم بلعنة ظالم %~% متهجد في ليله متضرع (1) ### ||| المناجاة # اللهم لك الحمد إذ جعلت قلوبنا مجالس عرفانك، ومنحت نفوسنا نفائس رضوانك، ~~وألهمتنا شكر فضلك وامتنانك، ووفقتنا له من عرفان عظيم شأنك، وأطلقت ~~ألسنتنا بحسن الثناء على مجدك، وجبلت أفئدتنا بزلال صدق الوفاء لعهدك، ~~وأفضت من شآبيب الايمان على قلوبنا ما ينقع غليلها، وأرسلت من سحائب ~~الايقان على نفوسنا ما شفا غليلها، وفضلتنا على كثير ممن خلقت بالبيان ~~الموضح، وشرفتنا على الجم الغفير باللسان المفصح، PageV02P547 # مروق المجالس فيصح لفظنا، ويشوق المجالس صحيح وعظنا، ويشنف الأسماع بلآلئ ~~نثرنا، ويضرب الأمثال (1) ... # وقد تم الفراغ من تحقيق هذا السفر الثمين في الحادي عشر من شهر ذي القعدة ~~سنة 1417 ه. ق، سائليه تعالى أن يوفقنا لمرضاته، ويتقبل عملنا هذا بأحسن ~~قبوله، إنه نعم المولى ونعم النصير. # فارس حسون ms626 كريم قم المقدسة PageV02P548 ms627