######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_001402 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الشهيد الثاني #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 966 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: منية المريد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر الحديث الشيعية ـ القسم العام #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_001402 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/1402_منية-المريد-الشهيد-الثاني #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: رضا المختاري #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1409 - 1368 ش #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الانسان ما لم ~~يعلم، وصلى الله على حبيبه وعبده ونبيه محمد، أفضل من علم وعلم، وعلى آله ~~وأصحابه المتأدبين بآدابه وسلم. # أما بعد، فإن كمال الانسان هو بالعلم، الذي يضاهي به ملائكة السماء، ~~ويستحق به رفيع الدرجات في العقبى مع جميل الثناء في الدنيا، ويتفضل مداده ~~على دماء الشهداء، وتضع الملائكة أجنحتها تحت رجليه إذا مشى، ويستغفر له ~~الطير في الهواء والحيتان في الماء، ويفضل نومة ليلة من لياليه على عبادة ~~العابد سبعين سنة. وناهيك بذلك جلالة وعظما. # لكن ليس جميع العلم يوجب الزلفى، ولا تحصيله كيف اتفق يثمر الرضا، بل ~~لتحصيله شرائط، ولترتيبه ضوابط، وللمتلبس به آداب ووظائف، ولطلبه أوضاع ~~ومعارف، لابد لمن أراد شيئا منه من الوقوف عليها، والرجوع في مطلوبه إليها، ~~لئلا يضيع سعيه ولا يخمد جده، وكم رأينا بغاة هذا العلم الشريف دأبوا في ~~تحصيله، وأجهدوا نفوسهم في طلبة ونيله، ثم بعضهم لم يجد لذلك الطلب ثمرة ~~ولا حصل منه على غاية معتبرة. وبعضهم حصل شيئا منه في مدة مديدة طويلة، كان ~~يمكنه تحصيل أضعافه في برهة يسيرة قليلة، وبعضهم لم يزده العلم إلا بعدا عن ~~الله تعالى وقسوة مظلما، مع قول الله سبحانه وهو أصدق القائلين: " إنما ~~يخشى الله PageV00P091 # من عباده العلماء " وما كان سبب ذلك وغيره من القواطع الصادة لهم عن بلوغ ~~الكمال إلا اخلالهم بمراعاة الأمور المعتبرة من الشرائط والآداب، وغيرها من ~~الأحوال. # وقد وفق الله سبحانه بمنه وكرمه فيما خرج من كتابنا الموسوم ب‍ " منار ~~القاصدين في أسرار معالم الدين " 2 لتفصيل جملة شريفة من هذه الأحكام، ~~مغنية لمن وقف عليه من الأنام، وقد رأينا في هذه الرسالة إفراد نبذة من ~~شرائط العلم وآدابه، وما يتبع ذلك من وظائفه، نافعة إن شاء الله تعالى لمن ~~تدبرها، موصلة له إلا بغيته إذا راعاها ونقشها على صحائف خاطره وكررها، ~~مستنبطة من كلام الله تعالى وكلام رسوله والأئمة عليهم السلام، وكان أساطين ~~الحكمة والدين والعلماء ms001 الراسخين، وسميتها " منية المريد في أدب المفيد ~~والمستفيد ". # وأنا أسأل الله تعالى من فضله العميم، وجوده القديم أن ينفع بها نفسي ~~وخاصتي وأحبائي، ومن يوفق لها من المسلمين، وأن يجزل عليها أجرى وثوابي ~~ويثبت لي بها قدم صدق يوم الدين، إنه جواد كريم. # وهي مرتبة على مقدمة وأبواب وخاتمة: # PageV00P092 # أما المقدمة فتشتمل على جملة من التنبيه على فضله من الكتاب والسنة ~~والأثر ودليل العقل، وفضل حامليه ومتعلميه واهتمام الله سبحانه بشأنهم ~~وتمييزهم عم سواهم [فصل 1] [في فصل العلم من القرآن] إعلم أن الله سبحانه ~~جعل العلم هو السبب الكلي لخلق هذا العالم العلوي والسفلي طرا، وكفى بذلك ~~جلالة وفخرا، قال الله تعالى في محكم الكتاب تذكرة وتبصرة لأولي الألباب: # الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلموا أن ~~الله على كل شئ قدير وأن الله قد أحاط بكل شئ علما 1. # وكفى بهذا الآية دليل على شرف العلم، لا سيما علم التوحيد الذي هو أساس ~~كل علم، ومدار كل معرفة، وجعل سبحانه العلم أعلى شرف، وأول منة امتن بها . # PageV00P093 # على ابن آدم بعد خلقه وإبرازه من ظلمة العدم إلى ضياء الوجود فقال سبحانه ~~في أول سورة أنزلها على نبيه محمد صلى الله عليه وآله: # اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الانسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي ~~علم بالقلم * علم الانسان ما لم يعلم 1. # فتأمل كيف افتتح كتابه الكريم المجيد - الذي لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه، ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد 2. # - بنعمة الايجاد، ثم أردها بنعمة العلم، فلو كان ثم منة أو توجد نعمة بعد ~~نعمة الايجاد هي أعلى من العلم لما خصه الله تعالى بذلك، وصدر به نور ~~الهداية، وطريق الدلالة على الصراط المستقيم الآخذ بحجزة البراعة، ودقائق ~~المعاني وحقائق البلاغة. # وقد قيل 3 وفي وجه التناسب بين الآي المذكورة في صدر هذه السورة - التي ~~قد اشتمل بعضها على خلق الانسان من علق، وفي بعضها تعليمه ما لم يعلم، ~~ليحصل النظم البديع في ms002 ترتيب آياته -: إنه تعالى ذكر أول حال الانسان، وهو ~~كونه علقه، مع أنها أخس الأشياء، وآخر حاله، في تلك الدرجة التي هي غاية ~~الخساسة، فصرت في آخر حالك في هذه الدرجة التي هي الغاية في الشرف ~~والنفاسة، وهذا إنما يتم لو كان العلم أشرف المراتب، إذ لو كان غير أشرف ~~لكان ذكر ذلك الشئ في هذا المقام أولى. # ووجه آخر: أنه تعالى قال: # وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الانسان ما لم يعلم. # . # PageV00P094 # وقد تقرر في أصول الفقه: " أن ترتب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة ~~"، وهذا يدل على أن الله سبحانه اختص بوصف الأكرمية، لأنه علم الانسان ~~العلم، فلو كان شئ أفضل من العلم وأنفس لكان اقترانه بالأكرمية المؤداة ~~بأفعل التفضيل أولى 1. # وبني الله 2 سبحانه ترتب قبول الحق والاخذ به على التذكر، والتذكر على ~~الخشية. وصر الخشية في العلماء، فقال: # سيذكر من يخشى 3 و: إنما يخشى الله من عباده العلماء. # وسمى الله سبحانه العلم بالحكمة، وعظم أمر الحكمة فقال: # ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خير كثيرا. # وحاصل ما فسره في الحكمة مواعظ القرآن والعلم والفهم والنبوة في قوله ~~تعالى: # " ومن يؤت الحكمة " 6 " وآتيناه الحكم صبيا " 7 " فقد آتينا آل إبراهيم ~~الكتاب والحكمة " والكل يرجع إلى العلم،. 9 ورجح العالمين على كل من سواهم، ~~فقال سبحانه: # . # PageV00P095 # هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب. 1 ~~وفرق 2 في كتابه العزيز بين عشرة: بين الخبيث والطيب -: قل لا يستوي الخبيث ~~والطيب 3 - وبين الأعمى والبصير، والظلمة والنور، والجنة والنار، والظل ~~والحرور 4. وإذا تأملت تفسير ذلك وجدت مرجعه جميعا إلى العلم. # وقرن سبحانه أولى العلم بنفسه وملائكته، فقال: # PageV00P096 # شهد الله انه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم 1. # وزاد 2 في إكرامهم على ذلك مع الاقتران المذكور، بقوله تعالى: # وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم 3. # وبقوله تعالى: # قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب 4. # وقال تعالى: # يرفع الله الذين آمنوا ms003 منكم والذين أوتوا العلم درجات 5، وقد ذكر الله ~~سبحانه الدرجات لأربعة أصناف: # للمؤمنين من أهل بدر: # إنما المؤمنون الذين إذ ذكر الله وجلت قلوبهم، إلى قوله: # لهم درجات عند ربهم 6، وللمجاهدين: # وفضل الله المجاهدين 7، ولمن عمل الصالحات: # PageV00P097 # ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى، وللعلماء: # يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات 2. # ففضل أهد بدر على غيرهم من المؤمنين بدرجات، وفضل العلماء على جميع ~~الأصناف بدرجات، فوجب كون العلماء أفضل الناس. 3 وقد خص الله سبحانه في ~~كتابه العلماء بخمس مناقب: # الأولى: الايمان: # والراسخون في العلم يقولون آمنا به 4، الثانية: التوحيد: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم 5، الثالثة: البكاء ~~والحزن: # إن الذين أتوا العلم من قبله إلى قوله: ويخرون للأذقان يبكون 6، الرابعة: ~~الخشوع: # إن الذين أوتوا العلم من قبله 7 الآية، الخامسة: الخشية: # إنما يخشى الله من عباده العلماء 8. # PageV00P098 # وقال تعالى مخاطبا لنبيه آمرا له مع ما آتاه من العلم والحكمة: وقل رب ~~زدني علما وقال تعالى: # بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم 2. # وقال تعالى: # وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون 3. # فهذه نبذة من فضائله التي نبه الله عليها في كتابه الكريم. # فصل NoteV00P099N02 [فيما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وفي فضل ~~العلم] وأما السنة فهي في ذلك كثيرة تنبو عن الحصر. # فمنها قول النبي صلى الله عليه وآله: # من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين 4. # وقوله صلى الله عليه وآله: # طلب العلم فريضة على كل مسلم. 5 وقوله صلى الله عليه وآله: # من طلب علما فأدركه كتب الله له كفلين من الاجر، ومن طلب علما فلم يدركه ~~. # PageV00P099 # كتب الله له كفلا من الاجر. 1 قوله صلى الله عليه وآله: # من أحب أن ينظر إلى عتقاء الله من النار فلينظر إلى المتعلمين، فوا الذين ~~نفسي بيده ما من متعلم يختلف إلى باب العالم إلا كتب الله له بكل قدم عبادة ~~سنة، وبنى الله ms004 له بكل قدم مدينة في الجنة، ويمشي على الأرض وهي تستغفر له، ~~ويمسي ويصبح مغفورا له، وشهدت الملائكة أنهم عتقاء الله من النار 2. # وقوله صلى الله عليه وآله: # من طلب علم، فهو كالصائم نهاره القائم ليله، وإن بابا من العلم يتعلمه ~~الرجل خير له من أن يكون أبو قبيس ذهبا فأنفقه في سبيل الله. 3 وقوله صلى ~~الله عليه وآله: # من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الاسلام كان بينه وبين الأنبياء ~~درجة واحدة في الجنة. 4 وقوله صلى الله عليه وآله: # فضل العالم على العابد سبعون 5 درجة، بين كل درجتين حضر الفرس 6 سبعين ~~عاما، وذلك لان الشيطان يضع البدعة للناس فيبصرها العالم فيزيلها، والعابد ~~يقبل على عبادته. # وقوله صلى الله عليه وآله: # . # PageV00P100 # فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، إن الله وملائكته وأهل السماوات ~~والأرض حتى النملة في حجرها، وحتى الحوت في الماء ليصلون على معلم الناس ~~الخير. 1 وقوله صلى الله عليه وآله: # من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع. 2 وقوله صلى الله عليه ~~وآله. # من خرج يطلب بابا من العلم ليرد به باطلا إلا حق، وضالا إلى هدى كان عمله ~~كعبادة أربعين عاما. 3 لان يهدي الله بك رجلا واحدا خير من أن يكون لك حمر ~~النعم. 4 وقوله صلى الله عليه وآله لمعاذ: # لان يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها. 5 وروي ذلك أنه ~~قاله لعلي عليه السلام أيضا. 6 وقوله صلى الله عليه وآله: # رحم الله خلفائي: فقيل: يا رسول الله! ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يحيون سنتي # PageV00P101 # ويعلمونها عباد الله. 1 وقوله صلى الله عليه وآله: # إن مثل ما بعثتني الله به من الهدى والعلم كثل غيث أصاب أرضا، وكان منها ~~طائفة طيبة، فقبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب 2 ~~أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس وشربوا منها، وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة ~~منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ms005 ماء ولا تنبت كلا، فذلك مثل من فقه في دين ~~الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم ~~يقبل هدى الله الذي أرسلت به. 3 وقوله صلى الله عليه وآله: # لا حسد - يعني لا غبطة 4 - إلا في اثنين: رجل آتاه الله ما لا فسلطه على ~~هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها ويعلمها. 5 وقوله صلى ~~الله عليه وآله: # من دعا إلى هدى كان له من الاجر مثل أجور من تبعه، لا ينقض ذلك من أجورهم ~~شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الاثم مثل آثام من تبعه، # PageV00P102 # لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا. 1 وقوله صلى الله عليه وآله: # إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينقع به، أو ~~ولد صالح يدعو له. 2 وقوله صلى الله عليه وآله: # خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة تجري يبلغه ~~أجرها، وعلم يعمل به من بعده. 3 وقوله صلى الله عليه وآله: # إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع. 4 وقوله صلى الله ~~عليه وآله: # اطلبوا العلم ولو بالصين. 5 وقوله صلى الله عليه وآله: # من غدا في طلب العلم أظلت عليه الملائكة، وبورك له في معيشته، ولم ينقص ~~من رزقه. 6 # PageV00P103 # وقوله صلى الله عليه وآله: # من سلك طريقا يلتمس به علما سهل الله له طريقا إلى الجنة. 1 وقوله صلى ~~الله عليه وآله: # نوم مع علم خير من صلاة على جهل. 2 وقوله صلى الله عليه وآله: # فقيه أشد على الشيطان من ألف عابد. 3 وقوله صلى الله عليه وآله: # إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء. يهتدى بها في ظلمات البر ~~والبحر، فإذا انطمست أو شك أن تضل الهداة. 4 وقوله صلى الله عليه وآله: # أيما ناش نشأ في العلم والعبادة حتى يكبر أعطاه الله تعالى يوم القيامة ~~ثواب اثنين وسبعين ms006 صديقا. 5 وقوله صلى الله عليه وآله: # يقول الله عز وجل للعلماء يوم القيامة: إني لم أجعل علمي وحلمي فيكم إلا ~~وأنا # PageV00P104 # أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي. 1 وقوله صلى الله عليه ~~وآله: # ما جمع شئ إلى شئ أفضل من علم إلى حلم. 2 وقوله صلى الله عليه وآله: # ما تصدق الناس بصدقه مثل علم ينشر. 3 وقوله صلى الله عليه وآله: # وما أهدى المرء المسلم إلى أخيه هدية أفضل من كلمة حكمة يزيده الله بها ~~هدى، ويرده عن ردى. 4 وقوله صلى الله عليه وآله: # أفضل الصدقة أن يعلم المرء علما ثم يعلمه أخاه. 5 وقوله صلى الله عليه ~~وآله: # العالم والمتعلم شريكان في الاجر، ولا خير في سائر الناس. 6 وقوله صلى ~~الله عليه وآله: # قليل العلم خير من كثير العبادة. 7 # PageV00P105 # وقوله صلى الله عليه وآله: # من غدا إلى المسجد لا يريد إلى ليتعلم خيرا أو ليعلمه كان له أجر معتمر ~~تام العمرة، ومن راح إلى المسجد لا يريد إلا ليتعلم خيرا أو ليعلمه فله أجر ~~حاج تام الحجة. 1 وقوله صلى الله عليه وآله: # اغد عالما أو متعلما أو مستمعا أو محبا، ولا تكن الخامسة فتهلك. 2 وقوله ~~صلى الله عليه وآله: # إذا مررتم في رياض الجنة فارتعوا. قالوا: يا رسول الله! وما رياض الجنة؟ ~~قال: # حلق الذكر، فإن لله سيارات من الملائكة يطلبون حلق الذكر، فإذا أتوا ~~عليهم حفوا بهم. 3 قال بعض العلماء 4: حلق الذكر هي مجالس الحلال والحرام، ~~كيف تشتري وتبيع، وتصلي وتصوم، وتنكح وتطلق، وتحج وأشباه ذلك. # وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا في المسجد مجلسان: مجلس يتفقهون، ~~ومجلس يعون الله تعالى ويسألونه، فقال: كلا المجلسين إلى خير، أما هؤلاء ~~فيدعون الله، وأما هؤلاء فيتعلمون ويفقهون الجاهل، هؤلاء أفضل، بالتعليم ~~أرسلت. ثم قعد معهم. 5 وعن صفوان بن عسال رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى ~~الله عليه وآله، # PageV00P106 # وهو في المسجد متكي على برد ms007 على أحمر، فقلت له: يا رسول الله! يا رسول ~~الله! إني جئت أطلب العلم. فقال: # مرحبا بطالب العلم، إن طالب العلم لتحفة الملائكة بأجنحتها، ثم يركب ~~بعضها بعضا حتى يبلغوا سماء الدنيا من محبتهم لما يطلب. 1 وعن كثير بن قيس ~~قال: كنت جالسا مع أبي الدرداء في مسجد دمشق، فأتاه رجل فقال: يا أبا ~~الدرداء! إني أتيتك من المدينة، مدينة الرسول صلى الله عليه وآله ، الحديث ~~بلغني عنك أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وآله. # قال: بما جاء بك تجارة؟ قال: لا. فقال: ولا جاء بك غيره؟ قال: لا، ثم ~~قال: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: # من سلك طريقا يلتمس فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة ~~لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن ~~في الأرض، حتى الحيتان في الماء. وفضل العالم على العابد كفضل القمر على ~~سائر الكواكب. إن العلماء ورثة الأنبياء. إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا ~~درهما، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر. 2 وأسند بعض ~~العلماء إلى أبي يحيى زكريا بن يحيى الساجي 3 أنه قال: كنا نمشي في أزقة ~~البصرة إلى باب بعض المحدثين، فأسرعنا في المشي، وكان معنا رجل ما جى فقال: ~~ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة. كالمستهزئ، فما زال عن مكانه حتى جفت ~~رجلاه. 4 . # PageV00P107 # وأسند أيضا إلى أبي داود السجستاني أنه قال: كان في أصحاب الحديث رجل ~~خليع إلى أن سمع بحديث النبي صلى الله عليه وآله: # إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم، فجعل في رجليه مسمارين من حديد، ~~وقال: أريد أن أطأ أجنحة الملائكة. # فأصابته الآكلة في رجليه. 2 وذكر أبو عبد الله محمد بن إسماعيل التميمي 3 ~~هذه الحكاية في " شرح مسلم 4 " وقال: فشلت رجلاه وسائر أعضائه. # فصل NoteV00P108N03 [فيما روي عن طريق الخاصة في فضل العلم] ومن طريق ~~الخاصة ما رويناه بالاسناد الصحيح إلى أبي الحسن علي بن موسى ms008 الرضا عليهما ~~السلام عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: # طلب العلم فريضة على كل مسلم، فاطلبوا العلم في مظانه واقتبسوه من أهله، ~~فإن تعلمه لله تعالى حسنة، وطلبه عبادة، والمذاكرة به تسبيح، والعلم به ~~جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة إلى الله تعالى، لأنه ~~معالم الحلال # PageV00P108 # والحرام ومنار سبيل الجنة، والمؤنس في الوحشة، والصاحب في الغربة ~~والوحدة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على ~~الأعداء، والزين عند الاخلاء، يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة ~~تقتبس آثارهم ويقتدى بفعالهم، وينتهى إلى آرائهم، ترغب الملائكة في خلتهم ~~وبأجنحتها تمسحهم، وفي صلواتها تبارك عليهم. ويستغفر لهم كل رطب ويابس حتى ~~حيتان البحر وهوامه وسماع البر وأنعامه. إن العلم حياة القلوب من الجهل، ~~وضياء الابصار من الظلمة، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ بالعبد منازل ~~الأخيار، ومجالس الأبرار، والدرجات العلا في الآخرة الأولى. الذكر فيه يعدل ~~بالصيام، ومدارسته بالقيام، به يطاع الرب ويعبد، وبه توصل الأرحام، ويعرف ~~الحلال والحرام. والعلم إمام، والعمل تابعه، يلهمه السعداء، ويحرمه ~~الأشقياء، فطوبى لمن لم يحرمه الله من حظه 1. # وعن أمير المؤمنين عليه السلام: # أيها الناس اعلموا أن كمال الدين طلب العلم والعمل به، ألا وإن طلب العلم ~~أوجب عليكم من طلب المال، إن المال مقسوم مضمون لكم، قد قسمه عادل بينكم، ~~وقد ضمنه وسيفي لكم، والعلم مخزون عند أهله [وقد أمرتم بطلبه من أهله] 2 ~~فاطلبوه 3. # وعنه عليه السلام: # العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد، وإذا مات العالم ثلم في الاسلام ~~ثلمة لا يسدها إلا خلف منه 4. # . # PageV00P109 # وعنه عليه السلام: # كفى بالعلم شرفا أن يدعيه من لا يحسنه ويفرح به إذا نسب إليه، وكف بالجهل ~~ذما أن يبرأ منه من هو فيه 1. # وعنه عليه السلام أنه قال لكميل بن زياد: # يا كميل! العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والعلم حاكم، ~~والمال محكوم عليه، والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو على الانفاق 2. # وعنه عليه السلام أيضا: # العلم ms009 أفضل من المال بسبعة: الأول: أنه ميراث الأنبياء، والمال ميراث ~~الفراعنة، الثاني: العلم لا ينقص بالنفقة، والمال ينقص بها، الثالث: يحتاج ~~المال إلى الحافظ، والعلم يحفظ صاحبه، الرابع: العلم يدخل في الكفن ويبغى ~~المال، الخامس: المال يحصل للمؤمن والكافر، والعلم لا يحصل إلا للمؤمن، ~~السادس: # جميع الناس يحتاجون إلى العالم في أمر دينهم، ولا يحتاجون إلى صاحب ~~المال، السابع: العلم يقوي الرجل على المرور على الصراط والمال يمنعه 3. # وعنه عليه السلام: # قيمة كل امرئ ما يعلمه، وفي لفظ آخر: ما يحسنه 5. # وعن زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام: # PageV00P110 # لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللجج، إن ~~الله تعالى أوحى إلى دانيال: أن أمقت عبادي إلى الجاهل المستخف بحق أهل ~~العلم التارك للاقتداء بهم، وأن أحب عبيدي إلي التقي الطالب للثواب الجزيل، ~~اللازم للعلماء، التابع للحلماء القابل عن الحكماء 1. # وعن الباقر عليه السلام قال: # من علم باب هدى فله مثل أجر من عمل به، ولا ينقص أولئك من أجورهم شيئا، ~~ومن علم باب ضلالة كان عليه مثل أوزار من عمل به، ولا ينقص أولئك من ~~أوزارهم شيئا 2. # وعنه عليه السلام: # عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد 3. # وعنه عليه السلام: # إن الذي يعلم العلم منكم له أجر المتعلم، وله الفضل عليه، فتعلموا العلم ~~من حملة العلم وعلموه إخوانكم كما علمكموه العلماء 4. # وعنه عليه السلام: # لمجلس أجلسه إلى من أثق به أوثق في نفسي من عمل سنة 5. # وعن الصادق عليه السلام: # من علم خيرا فله مثل أجر من عمل به. قلت: فان علمه غيره يجري ذلك له؟ # قال: إن علمه الناس كلهم جرى له. قلت: فإن مات؟ قال: وإن مات 6. # . # PageV00P111 # وعنه عليه السلام قال: # تفقهوا في الدين، فإن من لم يتفقه منكم في الدين فهو أعرابي، وإن الله عز ~~وجل يقول في كتابه: " ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ~~لعلهم يحذرون " 1. # وعنه عليه السلام: # عليكم بالتفقه في دين الله ولا تكونوا أعرابا، ms010 فإنه من لم يتفقه في دين ~~الله لم ينظر الله إليه يوم القيامة، ولم يزك له عملا 2. # وعنه عليه السلام: # لوددت أن أصحابي ضربت رؤوسهم بالسياط حتى يتفقهوا 3. # وعنه عليه السلام: # إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا، ~~وإنما ورثوا أحاديث فمن أخذ بشئ منها فقد أخذ حظا وافرا، فانظروا علمكم هذا ~~عمن تأخذونه، فإن فينا أهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين ~~وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين 4. # وعنه عليه السلام: # إذا أراد الله بعد خيرا فقهه في الدين 5. # وقال معاوية بن عمار للصادق عليه السلام: رجل رواية 6 لحديثكم يبث ذلك في # PageV00P112 # الناس ويشدده في قلوبهم وقلوب شيعتكم، ولعله عابدا من شيعتكم ليست له هذه ~~الرواية أيهما أفضل؟ قال: # الرواية لحديثنا يشد به قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد. 1 وعنه عليه ~~السلام قال: # ما من أحد يموت من المؤمنين أحب إلى إبليس من موت فقيه 2. # وعنه عليه السلام: # إذا مات المؤمن الفقيه ثلم في الاسلام لا يسدها شئ 3. # وعن الكاظم عليه السلام قال: # إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة وبقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها، ~~وأبواب السماء التي كان يصعد منها أعماله، وثلم في الاسلام ثلمة لا يسدها ~~شئ، لان المؤمنين الفقهاء حصون الاسلام كحصن سور المدينة لها 4. # وعنه عليه السلام قال: # دخل رسول الله صلى الله عليه وآله المسجد، فإذا جماعة قد أطافوا برجل، ~~فقال: # ما هذا؟ فقيل: علامة، فقال: وما العلامة؟ فقالوا: أعلم الناس بأنساب ~~العرب ووقائعها، وأيام الجاهلية والاشعار العربية، قال: فقال النبي صلى ~~الله عليه وآله: ذاك علم لا يضر من جهله، ولا ينفع من علمه، ثم قال النبي ~~صلى الله عليه وآله: إنما العلم ثلاثة: آية محكمة، أو فريضة عادله، أو سنة ~~قائمة، وما خلاهن فهو فضل. 5 . # PageV00P113 # فصل NoteV00P114N04 [في ما روي عن التفسير المنسوب إلى العسكري عليه ~~السلام في فضل العلم] من " تفسير العسكري " 1 عليه السلام في قوله تعالى: # وإذ أخذنا ميثاق بني ms011 إسرائيل لا تعبدون إلا الله إلى قوله " واليتامى " ~~2، قال الإمام عليه السلام: وأما قوله عز وجل " واليتامى " فإن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله قال: # حث الله تعالى على بر اليتامى لانقطاعهم عن آبائهم، فمن صانهم صانه الله، ~~ومن أكرمهم أكرمه الله، ومن مسح يده برأس يتيم رفقا به جعل الله تعالى له ~~في الجنة بكل شعرة مرت تحث يده قصرا أوسع من الدنيا بما فيها، وفيها ما ~~تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وهم فيها خالدون. # قال الإمام عليه السلام: # وأشد من يتم هذا اليتيم يتيم انقطع عن إمامه، لا يقدر على الوصول إليه، ~~ولا يدري كيف حكمه فيما يبتلى به من شرائع دينه، ألا فمن كان من شيعتنا ~~عالما بعلومنا، فهذا الجاهل بشريعتنا المنقطع عن مشاهدتنا يتيم في حجره، ~~ألا فمن هداه وأرشده وعلمه شريعتنا، كان معنا في الرفيق الأعلى. حدثني بذلك ~~أبي عن أبيه عن آبائهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله. # وقال علي عليه السلام: # . # PageV00P114 # من كان من شيعتنا عالما بشريعتنا، فأخرج ضعفاء شيعتنا من ظلمة جهلهم إلى ~~نور العلم الذي حبوناه به، جاء يوم القيامة على رأسه تاج من نور يضئ لأهل ~~تلك العرصات، وحلة لا يقوم لأقل سلك منها الدنيا بحذافيرها. ثم ينادي مناد: ~~هذا عالم من بعض تلامذة آل محمد، ألا فمن أخرجه في الدنيا من حيرة جهله، ~~فليتشبث بنوره ليخرجه من حيرة ظلمة هذه العرصات إلى نزه الجنان، فيخرج كل ~~من كان علمه في الدنيا خيرا، أو فتح عن قلبه من الجهل قفلا أو أوضح له عن ~~شبهة. # قال: # وحضرت امرأة عند فاطمة الصديقة عليها السلام، فقالت: إن لي والدة ضعيفة، ~~وقد لبس عليها في أمر صلاتها شئ، وقد بعثتني إليك أسألك، فأجابتها عن ذلك، ~~ثم ثنت فأجابت، ثم ثلثت، إلى أن عشرت فأجابت، ثم خجلت من الكثرة، وقالت: لا ~~أشق عليك يا بنت رسول الله. قالت فاطمة عليها السلام: هاتي سلي عما بدا لك، ~~أرأيت من اكتري 2 يصعد يوما إلى سطح ms012 بحمل ثقيل وكراه مائة ألف دينار أيثقل ~~عليه؟ قالت: لا. فقالت أكريت [خ ل: اكتريت] أنا لكل مسألة بأكثر من ملء ما ~~بين الثرى إلى العرش لؤلؤا، فأحرى أن لا يثقل علي، سمعت أبي صلى الله عليه ~~وآله يقول: إن علماء شيعتنا يحشرون فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر ~~كثرة علومهم، وجدهم في إرشاد عباد الله، حتى يخلع على الواحد منهم ألف ألف ~~خلعة من نور، ثم ينادي منادي ربنا عز وجل: # أيها الكافلون لأيتام آل محمد الناعشون لهم عند انقطاعهم عن آبائهم الذين ~~هم أئمتهم! هؤلاء تلامذتكم، والأيتام الذين كفلتموهم، ونعشتموهم، فاخلعوا ~~عليهم خلع العلوم في الدنيا، فيخلعون على كل واحد من أولئك الأيتام على قدر ~~ما أخذ عنهم من العلوم، حتى أن فيهم - يعني في الأيتام - لمن يخلع عليه ~~مائة ألف حلة، . # PageV00P115 # وكذلك يخلع هؤلاء الأيتام على من تعلم منهم، ثم إن الله تعالى يقول: ~~أعيدوا على هؤلاء العلماء الكافلين للأيتام حتى تتموا لهم خلعهم وتضعفوها، ~~فيتم لهم ما كان لهم قبل أن يخلعوا عليهم، ويضاعف لهم، وكذلك مرتبتهم ممن ~~خلع عليهم على مرتبتهم. قالت فاطمة عليها السلام: يا أمة الله إن سلكا من ~~تلك الخلع لأفضل مما طلعت عليه الشمس ألف ألف مرة، وما فضل ما طلعت عليه ~~الشمس؟ فإنه مشوب بالتنغيص والكدر. # وقال الحسن بن علي عليهما السلام: # فضل كافل يتيم آل محمد [المنقطع] عن مواليه الناشب في [تيه] الجهل، يخرجه ~~من جهله، ويوضح له ما اشتبه عليه [على فضل كافل يتيم] 1 يطعمه ويسقيه، كفضل ~~الشمس على السها. # وقال الحسين بن علي عليهما السلام: # من كفل لنا يتيما، قطعته عنا محنتنا باستتارنا، فواساه من علومنا التي ~~سقطت إليه حتى أرشده بهداه [خ ل: وهداه]، قال له الله عز وجل: يا أيها ~~العبد الكريم المواسي! إني أولى بهذا الكرم، اجعلوا له يا ملائكتي في ~~الجنان بعدد كل حرف علمه ألف ألف قصر، وضموا إليها ما يليق بها من سائر ~~النعم. # وقال علي بن الحسين عليهما ms013 السلام: # أوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام: حببني إلى خلقي، وحبب خلقي إلي. ~~قال: يا رب كيف أفعل؟ قال: ذكرهم آلائي ونعمائي ليحبوني فلان ترد آبقا عن ~~بابي أو ضالا عن فنائي، أفضل لك من عبادة مائة سنة صيام [ظ بصيام] نهارها ~~وقيام ليلها. قال موسى عليه السلام: ومن هذا العبد الآبق منك؟ قال: # PageV00P116 # العاصي المتمرد. قال: فمن الضال عن فنائك؟ قال: الجاهل بإمام زمانه ~~تعرفه، الغائب عنه بعد ما عرفه، الجاهل بشريعة دينه، تعرفه شريعته، وما ~~يعبد به ربه ويتوصل به إلى مرضاته. قال علي [بن الحسين] عليهما السلام: ~~فأبشروا معاشر علماء شيعتنا بالثواب الأعظم والجزاء الأوفر. # وقال محمد بن علي عليهما السلام: # العالم كمن معه شمعة تضئ للناسي، فكل من أبصر بشمعته دعا له بخير، كذلك ~~العالم معه شمعة يزيل بها ظلمة الجهل والحيرة، فكل من أضاءت له فخرج بها من ~~حيرة، أو نجا بها من جهل، فهو من عتقائه من النار، والله تعالى يعوضه عن ~~ذلك بكل شعرة لمن أعتقه ما هو أفضل به من الصدقة بمائة ألف قنطار على غير ~~الوجه الذي أمر الله عز وجل به، بل تلك الصدقة وبال على صاحبها، ولكن يعطيه ~~الله ما هو أفضل من مائة ألف ركعة بين يدي الكعبة. # وقال جعفر بن محمد عليهما السلام: # علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته، ويمنعونهم عن ~~الخروج على ضعفاء شيعتنا، وعن أن يتسلط إبليس وشيعته النواصب، ألا فمن ~~انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف مرة، ~~لأنه يدفع عن أديان محبينا، وذاك يدفع عن أبدانهم. # وقال موسى بن جعفر عليهما السلام: # فقيه واحد ينقذ يتيما من أيتامنا، المنقطعين عن مشاهدتنا، والتعلم من ~~علومنا أشد على إبليس من ألف عابد، لان العابد همه ذات نفسه فقط، وهذا همه ~~مع ذات نفسه ذات عباد الله وإمائه، لينقذهم من يد إبليس ومردته، وكذلك هو ~~أفضل عند الله من ألف [ألف] عابد وألف ألف عابدة. ms014 # وقال علي بن موسى عليهما السلام: # يقال للعابد يوم القيامة: نعم الرجل كنت، همتك ذات نفسك، وكفيت الناس ~~مؤونتك، فادخل الجنة. ألا إن الفقيه من أفاض على الناس خيرة، وأنقذهم من ~~PageV00P117 # أعدائهم وفر عليهم نعم جنان الله، وفصل [ظ: حصل] لهم رضوان الله تعالى. # ويقال للفقيه: أيها الكافل لأيتام آل محمد - الهادي لضعفاء محبيه ~~ومواليه! # قف حتى تشفع لكل من أخذ عنك أو تعلم منك، فيقف، فيدخل الجنة معه فئام ~~وفئام حتى قال عشرا، وهم الذين أخذوا عنه علومه، وأخذوا عمن أخذ عنه إلى ~~يوم القيامة فانظروا كم فرق ما بين المنزلتين؟ # وقال محمد بن علي عليهما السلام: # إن من تكفل بأيتام آل محمد المنقطعين عن إمامهم، المتحيرين في جهلهم، ~~الاسراء في أيدي شياطينهم وفي أيدي النواصب من أعدائنا، فاستنقذهم منهم، ~~وأخرجهم من حيرتهم وقهر الشياطين برد وسواسهم، وقهر الناصبين بحجج ربهم ~~ودليل أئمتهم، ليفضلوا عند الله على العابد بأفضل المواقع، بأكثر من فضل ~~السماء على الأرض والعرش على الكرسي والحجب على السماء، وفضلهم على هذا ~~العابد 1 كفضل القمر ليلة البدر على أخفى كوكب في السماء. # وقال علي بن محمد عليهما السلام: # لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم من العلماء الداعين إليه والدالين عليه، ~~والذابين عن دينه بحجج الله، والمنقذين لضعفاء عباد الله - من شباك إبليس ~~ومردته ومن فخاخ النواصب - الذين يمسكون أزمة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك ~~السفينة سكانها 2، لما بقي أحد إلا ارتد عن دين الله، أولئك هم الأفضلون عن ~~الله عز وجل. # وقال الحسن بن علي عليهما السلام: # . # PageV00P118 # يأتي علماء شيعتنا القوامون بضعفاء محبينا وأهل ولا يتنا يوم القيامة، ~~والأنوار تسطع من تيجانهم، وعلى رأس كل واحد منهم تاج بهاء 1 قد انبثت تلك ~~الأنوار في عرصات القيامة، ودورها مسيرة ثلاث مائة ألف سنة، فشعاع تيجانهم ~~ينبث، فلا يبقى هناك يتيم قد كفلوه من ظلمة الجهل وعلموه، ومن حيرة التيه ~~أخرجوه إلا تعلق بشعبة من أنوارهم فرفعتهم إلى العلو حتى يحاذي بهم فرق ~~الجنان، ثم ينزلونهم ms015 على منازلهم المعدة لهم في جوار أستاذيهم ومعلميهم، ~~وبحضرة أئمتهم الذين كانوا إليهم يدعون، ولا يبقى ناصب من النواصب يصيبه من ~~شعاع تلك التيجان إلا عميت عيناه، وصمت أذناه، وأخرس لسانه، وتحول عليه أشد ~~من لهب النيران، فتحملهم حتى تدفعهم إلى الزبانية، فتدعوهم إلى سواء الجحيم ~~2. # فهذه نبذة مما ورد في فضائل العلم من الحديث، اقتصرنا عليها إيثارا ~~للاختصار ومناسبة للرسالة. # فصل NoteV00P119N05 [في فضل العلم من الكتب السالفة والحكم القديمة] ومن ~~الحكمة القديمة: # قال لقمان لابنه: يا بني اختر المجالس على عينك، فإن رأيت قوما يذكرون ~~الله فاجلس معهم، فإن تكن عالما نفعك علمك وإن تكن جاهلا علموك، ولعل الله ~~أن يظلهم برحمته فتعمك معهم، إذا رأيت قوما لا يذكرون الله فلا تجلس معهم، ~~. # PageV00P119 # فإن تكن عالما لم ينفعك علمك، وإن كنت جاهلا يزيدوك جهلا، ولعل الله أن ~~يظلهم بعقوبة فتعمك معهم 1. # وفي التوراة: قال الله تعالى لموسى عليه السلام: # عظم الحكمة، فإني لا أجعل الحكمة في قلب أحد إلا وأردت أن أغفر له، ~~فتعلمها ثم اعمل بها، ثم أبدلها كي تنال بذلك كرامتي في الدنيا والآخرة 2. # وفي الزبور: # قل لأحبار بني إسرائيل ورهبانهم: حادثوا من الناس الأتقياء فإن لم تجدوا ~~فيهم تقيا، فحادثوا العلماء، فإن لم تجدوا عالما، فحادثوا العقلاء، فإن ~~التقى والعلم والعقل ثلاث مراتب ما جعلت واحدة منهن في خلقي، وأنا أريد ~~هلاكه 3. # قيل 4: وإنما قدم التقى، لان التقى لا يوجد بدون العلم، كما تقدم من أن ~~الخشية لا تحصل إلا بالعلم، ولذلك قدم العلم على العقل، لان العالم لابد ~~وأن يكون عاقلا. # في الإنجيل قال الله تعالى في السورة السابعة عشرة منه: # ويل لمن سمع بالعلم ولم يطلبه، كيف يحشر مع الجهال إلى النار!؟ اطلبوا ~~العلم وتعلموه، فإن العلم إن لم يسعد كم لم يشقكم، وإن لم يرفعكم لم يضعكم، ~~وإن لم يغنكم لم يفقركم، وإن لم ينفعكم لم يضركم، ولا تقولوا: نخاف أن ~~نعلم، فلا نعمل، ولكن قولوا: نرجو أن نعلم ونعمل، والعلم يشفع ms016 لصاحبه، وحق ~~على الله أن لا يخزيه، إن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا معشر العلماء! ~~ما ظنكم بربكم؟ # فيقولون: ظننا أن يرحمنا ويغفر لنا. فيقول تعالى: فإني قد فعلت، إني قد ~~استودعتكم حكمتي لا لشر أردته بكم، بل لخير أردته بكم، فادخلوا في صالح . # PageV00P120 # عبادي إلى جنتي برحمتي 1. # وقال مقاتل بن سليمان 2. وجدت في الإنجيل: أن الله تعالى قال لعيسى عليه ~~السلام: # عظم العلماء واعرف فضلهم. فإني فضلتهم على جميع خلقي إلا النبيين ~~والمرسلين، كفضل الشمس على الكواكب، وكفضل الآخرة على الدنيا، وكفضلي على ~~كل شئ 3. # ومن كلام المسيح عليه السلام: # من علم وعمل فذاك يدعى عظيما في ملكوت السماء 4. # فصل NoteV00P121N06 [في فضل العلم من الآثار وتحقيقات بعض العلماء] ومن ~~الآثار عن أبي ذر رضي الله عنه: باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة ~~تطوعا 5. # وقال: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله، يقول: # . # PageV00P121 # إذا جاء الموت طالب العلم - وهو على هذه الحال - مات شهيدا 1. # وعن وهب بن منبه 2: يتشعب من العلم الشرف وإن كان صاحبه دنيا، والعز وإن ~~كان معينا، والقرب وإن كان قصيا، والغنى وإن كان فقيرا، والنبل وإن كان ~~حقيرا، والمهابة وإن كان وضيعا، والسلامة وإن كان سقيما. 3 وقال بعض ~~العارفين 4: أليس المريض إذا منع عنه الطعام والشراب والدواء يموت؟ كذا ~~القلب إذا منع عنه العلم والفكر والحكمة يموت 5. # وقال آخر 6: من جلس عند العالم، ولم يطق الحفظ من علمه فله سبع كرامات: ~~ينال فضل المتعلمين، وتحبس عنه الذنوب ما دام عنده، وتنزل الرحمة عليه إذا ~~خرج من منزله طالبا للعلم، وإذا جلس في حلقة العالم نزلت الرحمة عليه، فحصل ~~له منها نصيب 7، وما دام في الاستماع يكتب له طاعة، وإذا استمع ولم يفهم . # PageV00P122 # ضاق قلبه بحرمانه عن إدراك العلم، فيصير ذلك الغم وسيلة إلى حضرة الله ~~تعالى، لقوله تعالى: # أنا عند المنكسرة قلوبهم 1. # ويرى إعزاز المسلمين للعالم وإذلالهم للفساق، فيرد قلبه عن الفسق، وتميل ~~طبيعته إلى العلم، ولهذا أمر صلى الله ms017 عليه وآله بمجالسة الصالحين 2. # وقال أيضا: من جلس مع ثمانية أصناف من الناس زاده الله ثمانية أشياء: # NoteV00P123N01 من جلس مع الأغنياء زاده الله حب الدنيا والرغبة فيها، ~~NoteV00P123N02 ومع الفقراء حصل له الشكر والرضا بقسم الله تعالى، ~~NoteV00P123N03 ومع السلطان زاده الله القسوة والكبر، NoteV00P123N04 ومع ~~النساء زاده الله الجهل والشهوة، NoteV00P123N05 ومع الصبيان ازداد [من ~~اللهو والمزاح NoteV00P123N06 ومع الفساق ازداد] 3 من الجرأة على الذنوب ~~وتسويف التوبة، NoteV00P123N07 ومع الصالحين ازداد رغبة في الطاعات، ~~NoteV00P123N08 ومع العلماء ازداد من العلم 4. # علم الله 5 تعالى سبعة نفر سبعة أشياء: آدم الأسماء كلها، والخضر علم ~~الفراسة، ويوسف علم التعبير، وداود صنعة الدروع، وسليمان منطق الطير، وعيسى ~~التوراة والإنجيل: " ويعلمه الكتاب والحكمة والتورية والإنجيل " 6، ومحمدا ~~صلى الله عليه وآله علم الشرع والتوحيد [وعلمك ما لم تكن تعلم] 7 " ويعلمهم ~~الكتاب . # PageV00P123 # والحكمة " 1، [الرحمن علم القرآن] 2 فعلم آدم عليه السلام كان سببا في ~~سجود الملائكة له والرفعة عليهم، وعلم الخضر كان سببا لوجود موسى تلميذا له ~~ويوشع عليهما السلام، وتذلله له كما يستفاد من الآيات الواردة في القصة 3، ~~وعلم يوسف كان سببا لوجدان الأهل والمملكة والاجتباء، وعلم داود كان سببا ~~للرئاسة والدرجة، وعلم سليمان كان سبب وجدان بلقيس والغلبة، وعلم عيسى كان ~~سببا لزوال التهمة عن أمة، وعلم محمد صلى الله عليه وآله كان سببا في ~~الشفاعة 4. # طريق 5 الجنة في أيدي أربعة: العالم، والزاهد، والعابد، والمجاهد، فإذا ~~صدق العالم في دعواه رزق الحكمة، والزاهد يرزق الامن، والعابد الخوف، ~~والمجاهد الثناء. # قال بعض المحققين 6: العلماء ثلاثة: عالم بالله غير عالم بأمر الله، فهو ~~عبد استولت المعرفة الإلهية على قلبه فصار مستغرقا بمشاهدة نور الجلال ~~والكبرياء، فلا يتفرغ لتعلم علم الاحكام إلا ما لابد منه، وعالم بأمر الله ~~غير ما لم بالله، وهو الذي عرف الحلال والحرام ودقائق الاحكام، لكنه لا ~~يعرف أسرار جلال الله، وعالم بالله وبأمر الله، فهو جالس على الحد المشترك ~~بين عالم المعقولات، وعالم المحسوسات، فهو تارة مع ms018 الله بالحب له، وتارة مع ~~الخلق بالشفقة والرحمة، فإذا رجع من ربه إلى الخلق صار معهم كواحد منهم، ~~كأنه لا يعرف الله، وإذا خلا بربه . # PageV00P124 # مشتغلا بذكره وخدمته، فكأنه لا يعرف الخلق، فهذا سبيل المرسلين ~~والصديقين، وهو المراد بقوله صلى الله عليه وآله: # سائل العلماء، وخالط الحكماء، وجالس الكبراء 1. # فالمراد بقوله صلى الله عليه وآله " سائل العلماء " العلماء بأمر الله ~~تعالى غير العالمين بالله، فأمر بمسائلتهم عند الحاجة إلى الاستفتاء، وأما ~~الحكماء فهم العالمون بالله الذين لا يعلمون أوامر الله، فأمر بمخالطتهم، ~~وأما الكبراء، فهم العالمون بهما، فأمر بمجالستهم، لان في مجالستهم خير ~~الدنيا والآخرة، ولكل واحد من الثلاثة ثلاث علامات: فللعالم بأمر الله: ~~الذكر باللسان دون القلب، والخوف من الخلق دون الرب، والاستحياء من الناس ~~في الظاهر ولا يستحيي من الله في السر. والعالم بالله ذاكر خائف مستحي، أما ~~الذكر فذكر القلب لا اللسان، والخوف خوف الرجاء 2 لا خوف المعصية، والحياء ~~حياء ما يخطر على القلب لا حياء الظاهر. والعالم بالله وأمره له ستة أشياء: ~~الثلاثة المذكورة للعالم بالله فقط، مع ثلاثة أخرى: كونه جالسا على الحد ~~المشترك بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وكونه معلما للمسلمين 3، وكونه بحيث ~~يحتاج الفريقان الأولان إليه، وهو مستغن عنهما. فمثل العالم بالله وبأمر ~~الله كمثل الشمس لا تزيد ولا تنقص، ومثل العالم بالله فقط، كمثل القمر يكمل ~~تارة وينقص أخرى، ومثل العالم بأمر الله كمثل السراج يحرق نفسه ويضئ لغيره ~~4. # PageV00P125 # فصل NoteV00P126N07 [في دليل العقل على فضل العلم] وأما دليل العقل فنذكر ~~منه وجهين: # أحدهما: أن المعقولات تنقسم إلى موجودة ومعدومة. والعقول السليمة تشهد ~~بأن الموجود أشرف من المعدوم، بل لا شرف للمعدوم أصلا. ثم الموجود ينقسم ~~إلى جماد ونام، والنامي أشرف من الجماد. ثم النامي ينقسم إلى حساس وغيره، ~~والحساس أشرف من غيره. ثم الحساس ينقسم إلى عاقل وغير عاقل، ولا شك أن ~~العاقل أشرف من غيره. ثم العاقل ينقسم إلى عالم وجاهل، ولا شبهة في أن ~~العالم أشرف من الجاهل. ms019 فتبين بذلك أن العالم أشرف المعقولات والموجودات ~~وهذا أمر يلحق بالواضحات. # والثاني 1: أن الأمور على أربعة أقسام: قسم يرضاه العقل، ولا ترضاه ~~الشهوة وقسم عكسه، وقسم يرضيانه، وقسم لا يرضيانه، فالأول: كالأمراض ~~والمكاره في الدنيا، والثاني: المعاصي أجمع، والثالث: العلم، والرابع: ~~الجهل. # فمنزل العلم من الجهل بمنزلة الجنة من النار، فكما أن العقل والشهوة لا ~~يرضيان بالنار، كذا لا يرضيان بالجهل، وكما أنهما يرضيان بالجنة، كذا ~~يرضيان بالعلم، فمن رضي بالعلم فقد خاص في جنة حاضرة، و [من رضي] بالجهل ~~فقد رضي بنار حاضرة. # ثم من اختار العلم يقال له بعد الموت: تعودت المقام في الجنة فادخلها. # . # PageV00P126 # وللآخر: تعودت النار فادخلها. # والدليل على أن العلم جنة، والجهل نار أن: كمال اللذة في إدراك المحبوب ~~1، وكمال الألم في البعد عن المحبوب، فالجراحة إنما تؤلم، لأنها تبعد جزء ~~من البدن عن جزء، والمحبوب من تلك الأجزاء هو الاجتماع. والاحراق بالنار ~~أشد إيلاما من الجرح، لان الجرح لا يفيد 2 إلا تبعيد جزء معين عن جزء معين، ~~والنار تغوص في جميع الأجزاء، وتقتضي تبعيد بعض الاجزاء عن بعض 3. # وإذا تقرر ذلك، فكلما كان الادراك أغوص وأشد، والمدرك أشرف وأكمل، ~~والمدرك أبقى وأنقى، فاللذة أشرف. ولا شك أن محل اللذة هو الروح، وهو أشرف ~~من البدن، وأن إدراك العقل أغوص وأشرف، وأما المعلوم فلا شك أنه أشرف، لأنه ~~هو الله رب العالمين، وجميع مخلوقاته من الملائكة وغيرهم، وجميع تكليفاته، ~~وأي معلوم أشرف من ذلك 4؟! # فإذا قد تطابق العقل والنقل على شرف العلم، وارتفاع محله، وعظم جوهره، ~~ونفاسة ذاته. ولنقتصر من المقدمة على هذا القدر. # . # PageV00P127 # الباب الأول في آداب المعلم والمتعلم وهي ثلاثة أنواع [النوع الأول: آداب ~~اشتركا فيها] [النوع الثاني: آداب يختص بها المعلم] [النوع الثالث: آداب ~~يختص بها المتعلم] PageV00P129 # النوع الأول آداب اشتركا فيها وهي قسمان: آدابهما في أنفسهما، وآدابهما ~~في مجلس الدرس. # القسم الأول آدابهما في أنفسهما [الأمر الأول] أول ما يجب عليهما إخلاص ~~النية لله تعالى في طلبه وبذله، فإن مدار ms020 الاعمال على النيات، وبسببها يكون ~~العمل تارة خزفة لا قيمة لها، وتارة جوهرة لا يعلم قيمتها لعظم قدرها، ~~وتارة وبال على صاحبه، مكتوب في ديوان السيئات وإن كان بصورة الواجبات. # فيجب على كل منهما أن يقصد بعمله وجه الله تعالى وأمثال أمره، وإصلاح ~~نفسه، وإرشاد عباده إلى معالم دينه، ولا يقصد بذلك غرض الدنيا من تحصيل مال ~~أو جاه أو شهرة أو تميز عن الأشباه أو المفاخرة للاقران أو الترفع على ~~الاخوان، ونحو ذلك من الأغراض الفاسدة التي تثمر الخذلان من الله تعالى ~~وتوجب المقت، PageV00P131 # وتفوت الدار الآخرة والثواب الدائم، فيصير من الأخسرين أعمالا، الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا 1. # والامر الجامع للاخلاص تصفية السر عن ملاحظة ما سوى الله تعالى بالعبادة، ~~قال الله تعالى: # فا عبد الله مخلصا له الدين ألا الله الدين الخالص 2، وقال تعالى: # وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء. # إلى قوله: وذلك دين القيمة 3، وقال تعالى: # فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا 4 ~~قيل: نزلت في من يعمل العمل، ويحب أن يحمد عليه 5. # وقال تعالى: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته ~~منها وماله في الآخرة من نصيب 6. # وقال: # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم ~~يصليها مذموما مدحورا 7. # وقال النبي صلى الله عليه وآله: # . # PageV00P132 # إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ~~ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ~~ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه 1. # وهذا الخبر من أصول الاسلام، وأحد قواعده وأول دعائمه. قيل: وهو ثلث ~~العلم 2. ووجهه بعض الفضلاء 3 بأن كسب العبد يكون بقلبه ولسانه وبنانه، ~~فالنية أحد أقسام كسبه الثلاثة، وهي أرجحها، لأنها تكون عبادة بانفرادها ~~بخلاف القسمين الآخرين. # وكان السلف وجماعة من تابعيهم يستحبون استفتاح المصنفات بهذا الحديث ms021 ~~تنبيها للمطلع على حسن النية وتصحيحها، واهتمامه بذلك واتنائه به 4. # وقال صلى الله عليه وآله: # نية المؤمن خير من عمله. وفي لفظ آخر: أبلغ من عمله 5. # وقال صلى الله عليه وآله: # إنما يبعث الناس على نياتهم 6. # وقال صلى الله عليه وآله - مخبرا عن جبرئيل عن الله عز وجل أنه قال: # الاخلاص سر من أسراري، استودعته قلب من أحببت من عبادي 7. # وقال صلى الله عليه وآله: # . # PageV00P133 # إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به، فعرفه نعمه، ~~فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت. # ولكنك قاتلت ليقال جرئ، فقد قيل ذلك. ثم أمر به، فسحب على وجهه حتى ألقي ~~في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه، فعرفها، ~~قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن. # قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: قارئ القرآن، ~~فقد قيل ذلك. ثم أمر به، فسحب على وجهه حتى ألقي في النار 1. # وقال صلى الله عليه وآله: # من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل، لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضا ~~من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة 2. # وقال صلى الله عليه وآله: # من تعلم علما لغير الله وأراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار 3. # وقال صلى الله عليه وآله: # من طلب العلم ليجاري به العلماء أو ليماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه ~~الناس إليه أدخله الله النار 4. وفي رواية: فليتبوأ مقعده من النار 5. # . # PageV00P134 # قال صلى الله عليه وآله: # لا تعلموا العلم لتماروا به السفهاء، وتجادلوا به العلماء، ولتصرفوا [به] ~~وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولكم ما عند الله فإنه يدوم ويبقى، وينفذ ما ~~سواه. كونوا ينابيع الحكمة، مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سرج الليل، جدد ~~القلوب خلقان الثياب، تعرفون في أهل السماء وتخفون في أهل الأرض 2. # وقال صلى الله عليه وآله: # من طلب العلم لأربع دخل النار: ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، ~~أو ms022 ليصرف به وجوه الناس إليه، أو يأخذ به من الأمراء 3. # وقال صلى الله عليه وآله: # ما ازداد عبد علما، فازداد في الدنيا رغبة إلا ازداد من الله بعدا 4. # وقال صلى الله عليه وآله: # كل علم وبال على صاحبه يوم القيامة إلا من عمل به 5. # وقال صلى الله عليه وآله: # أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه 6. # وقال صلى الله عليه وآله: # مثل الذي يعلم الناس الخير، وينسى نفسه مثل الفتيلة تضئ للناس وتحرق . # PageV00P135 # نفسه 1. وفي راوية: كمثل السراج 2. # وقال صلى الله عليه وآله: # علماء هذه الأمة رجلان: رجل آتاه الله علما فبذله للناس، ولم يأخذ عليه ~~طعما، ولم يشر به ثمنا، فذلك يستغفر له حيتان البحر، ودواب البر، والطير في ~~جو السماء، ويقدم على الله سيدا شريفا حتى يرافق المرسلين، ورجل آتاه الله ~~علما فبخل به عن عباد الله، وأخذ عليه طعما، وشرى به ثمنا فذلك يلجم يوم ~~القيامة بلجام من نار، وينادي مناد: هذا الذي أتاه الله علما، فبخل به عن ~~عباد الله، وأخذ عليه طعما، واشترى به ثمنا، وكذلك حتى يفرغ من الحساب 3. # وقال صلى الله عليه وآله: # من كتم علما ألجمه الله بلجام من نار 4. # وقال صلى الله عليه وآله: # العلم علمان: فعلم في القلب فذاك العلم النافع، وعلم على اللسان فذاك حجة ~~الله على ابن آدم 5. # وقال صلى الله عليه وآله: # إني لا أتخوف على أمتي مؤمنا ولا مشركا. فأما المؤمن، فيحجزه إيمانه، ~~وأما . # PageV00P136 # المشرك، فيقمعه كفره. ولكن أتخوف عليكم منافقا عليم اللسان، يقول ما ~~تعرفون، ويعمل ما تنكرون 1. # وقال صلى الله عليه وآله: # إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم اللسان 2. # وقال صلى الله عليه وآله: # ألا إن شر الشر شرار العلماء، وإن خير الخير خيار العلماء 3. # وقال صلى الله عليه وآله: # من قال أنا عالم فهو جاهل. 4 وقال صلى الله عليه وآله: # يظهر الدين حتى يجاوز البحار، وتخاض البحار في سبيل الله، ثم يأتي من ~~بعدكم أقوام يقرؤون القرآن، ms023 يقولون: قرأنا القرآن من أقرأ منا، ومن أفقه ~~منا، ومن أعلم منا؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: هل في أولئك من خير؟ قالوا: ~~لا. قال: # أولئك منكم من هذه الأمة، وأولئك هم وقود النار 5. # فصل NoteV00P137N01 [ما روي عن طريق الخاصة في لزوم الاخلاص في طلب العلم ~~وبذله] ومن طريق الخاصة روى الكليني بإسناده إلى علي عليه السلام قال: # . # PageV00P137 # قال رسول الله صلى الله عليه وآله: منهومان لا يشبعان: طالب دنيا، وطالب ~~علم، فمن اقتصر من الدنيا على ما أحل الله له سلم، ومن تناولها من غير حلها ~~هلك، إلا أن يتوب ويراجع. ومن أخذ العلم من أهله وعمل به نجا، ومن أراد به ~~الدنيا فهي حظه 1. # وبإسناده إلى الباقر عليه السلام: # من طلب العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه ~~الناس إليه، فليتبوأ مقعده من النار، إن الرئاسة لا تصلح إلا لأهلها 2. # وبإسناده إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: # من أراد الحديث لمنفعة الدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب، ومن أراد به خير ~~الآخرة أعطاه الله خير الدنيا والآخرة 3. # وعنه عليه السلام: # إذا رأيتم العالم محبا للدنيا، فاتهموه على دينكم، فإن كل محب لشئ يحوط ~~ما أحب. وقال: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: لا تجعل بيني وبينك ~~عالما مفتونا بالدنيا، فيصدك عن طريق محبتي، فإن أولئك قطاع طريق عبادي ~~المريدين، إن أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة مناجاتي من قلوبهم 4. # وعنه عليه السلام قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في ~~الدنيا، قيل: يا رسول الله! وما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتباع السلطان، ~~فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم 5. # وعنه عليه السلام قال: # . # PageV00P138 # طلبة العلم ثلاثة، فاعرفوهم بأعيانهم وصفاتهم: صنف يطلبه للجهل والمراء، ~~وصنف يطلبه للاستطالة والختل، وصنف يطلبه للتفقه والعمل: فصاحب الجهل ~~والمراء مؤذ ممار، متعرض للمقال في أندية الرجال، بتذاكر العلم وصفة الحلم، ~~قد تسربل بالخشوع، وتخلى من الورع، ms024 فدق الله من هذا خيشومه وقطع منه ~~حيزومه. وصاحب الاستطالة والختل ذو خب وملق، يستطيل على مثله من أشباهه، ~~ويتواضع للأغنياء من دونه، فهو لحلوانهم هاضم، ولدينه حاطم، فأعمى الله على ~~هذا خبره، وقطع من آثار العلماء أثره، وصاحب الفقه [خ ل: # التفقه] والعمل ذو كآبة وحزن وسهر، قد تحنك في برنسه، وقام الليل في ~~حندسه، يعمل ويخشى وجلا داعيا مشفقا مقبلا على شأنه عارفا بأهل زمانه، ~~مستوحشا من أوثق إخوانه، فشد الله من هذا أركانه وأعطاه يوم القيامة أمانه ~~1. # وروى الصدوق في كتاب " الخصال " بإسناده إلى أبي عبد الله عليه السلام ~~قال: # إن من العلماء من يحب أن يجمع علمه، ولا يحب أن يؤخذ عنه، فذاك في الدرك ~~الأول من النار، ومن العلماء من إذا وعظ أنف، وإذا وعظ عنف، فذاك في الدرك ~~الثاني من النار، ومن العلماء من يرى أن يضع العلم عند ذوي الثروة والشرف ~~ولا يرى له في المساكين وضعا، فذاك في الدرك الثالث من النار، ومن العلماء ~~من يذهب في علمه مذهب الجبابرة والسلاطين، فإن رد عليه و [خ ل: أو] قصر في ~~شئ من أمره غضب، فذاك في الدرك الرابع من النار، ومن العلماء من يطلب ~~أحاديث اليهود والنصارى ليغزر به علمه ويكثر به حديثه، فذاك في الدرك ~~الخامس من النار، ومن العلماء من يضع نفسه للفتيا ويقول: سلوني. ولعله لا ~~يصيب حرفا واحدا، والله لا يحب المتكلفين، فذاك في الدرك السادس من . # PageV00P139 # النار، ومن العلماء من يتخذ العلم مروة وعقلا فذاك في الدرك السابع من ~~النار 1. # فصل NoteV00P140N02 [في لزوم الاخلاص من الآثار وكلام الأنبياء] وعن ~~النبي صلى الله عليه وآله: # أن موسى عليه السلام لقي الخضر 2 عليه السلام فقال: أوصيني. فقال: الخضر: # يا طالب العلم إن القائل أقل ملالة من المستمع، فلا تمل جلساءك إذا ~~حدثتهم، واعلم أن قلبك وعاء، فانظر ماذا تحشو به وعاءك، واعرف الدنيا ~~وانبذها وراءك، فإنها ليست لك بدار، ولا لك فيها محل قرار، وإنها جعلت بلغة ms025 ~~للعباد ليتزودوا منها للمعاد. # يا موسى! وطن نفسك على الصبر تلق الحلم، وأشعر قلبك التقوى تنل العلم، ~~ورض نفسك على الصبر تخلص من الاثم. # يا موسى! تفرغ للعلم إن كنت تريده، فإنما العلم لمن تفرغ له، ولا تكونن ~~مكثارا بالمنطق مهذارا، إن كثرة المنطق تشين العلماء، وتبدئ مساوئ السخفاء، ~~ولكن عليك بذي اقتصاد، فإن ذلك من التوفيق والسداد، وأعرض عن الجهال، واحلم ~~عن السفهاء، فإن ذلك فضل الحلماء وزين العلماء، إذا شتمك الجاهل فاسكت عنه ~~سلما، وجانبه حزما، فإن ما بقي من جهله عليك وشتمه إياك أكثر. # يا ابن عمران! لا تفتحن بابا لا تدري ما غلقه، ولا تغلقن بابا لا تدري ما ~~فتحه. # يا ابن عمران! من لا تنتهي عن الدنيا نهمته، 3 ولا تنقضي فيها رغبته كيف ~~يكون . # PageV00P140 # عابدا؟ من يحقر حاله ويتهم الله بما قضى له كيف يكون زاهدا؟ # يا موسى! تعلم ما تعلم لتعمل به، ولا تعلمه لتحدث به، فيكون عليك بوره، ~~ويكون على غيرك نوره 1. # ومن كلام عيسى عليه السلام: # تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل؟ ولا تعملون للآخرة، وأنتم لا ~~ترزقون فيها إلا بالعمل؟ وإنكم 2 علماء السوء، الاجر تأخذون والعمل تضيعون؟ ~~يوشك رب العمل أن يطلب عمله، وتوشكون أن تخرجوا من الدنيا العريضة إلى ظلمة ~~القبر وضيقه، الله تعالى نهاكم عن الخطايا كما أمركم بالصيام والصلاة. كيف ~~يكون من أهل العلم من سخط رزقه واحتقر منزلته؟ وقد علم أن ذلك من علم الله ~~وقدرته، كيف يكون من أهل العلم من اتهم الله فيما قضى له، فليس يرضى شيئا ~~أصابه؟ كيف يكون من أهل العلم من دنياه عنده آثر من آخرته، وهو مقبل على ~~دنياه، وما يضره أحب إليه مما ينفعه؟ كيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ~~ليخبر به، ولا يطلب ليعمل به؟ 3. # ومن كلامه صلوات الله عليه: # ويل لعلماء السوء تصلى عليهم النار 4. # ثم قال: # . # PageV00P141 # اشتدت مؤونة الدنيا، ومؤونة الآخرة، أما مؤونة الدنيا، فإنك لا تمد يدك ~~إلى شئ منها ms026 إلا وجدت فاجرا قد سبقك إليه، وأما مؤونة الآخرة، فإنك لا تجد ~~أعوانا يعينونك عليها 1. # وأوحى الله تعالى إلى داود: # يا داود لا تجعل بيني وبينك عالما مفتونا بالدنيا فيصدك عن طريق محبتي، ~~فإن أولئك قطاع طريق عبادي المريدين، إن أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع ~~حلاوة مناجاتي من قلوبهم 2. # وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: من تعلم علما من علم الآخرة ليريد به عرضا ~~من عرض الدنيا لم يجد ريح الجنة 3. # فصل NoteV00P142N03 [في مكايد الشيطان وأهمية الاخلاص] هذه الدرجة - وهي ~~درجة الاخلاص - عظيمة المقدار كثيرة الاخطار دقيقة المعنى صعبة المرتقى، ~~يحتاج طالبها إلى نظر دقيق، وفكر صحيح، ومجاهدة تامة. # وكيف لا يكون كذلك، وهو مدار القبول، وعليه يترتب الثواب، وبه تظهر ثمرة ~~عبادة العابد، وتعب العالم، وجد المجاهد. # PageV00P142 # ولو فكر الانسان في نفسه، وفتش عن حقيقة عمله لوجد الاخلاص فيه قليلا، ~~وشوائب الفساد إليه متوجهة، والقواطع عليه متراكمة، سيما المتصف بالعلم ~~وطالبه، فإن الباعث الأكثري سيما في الابتداء لباغي العلم طلب الجاه والمال ~~والشهرة، وانتشار الصيت، ولذة الاستيلاء، والفرح بالاستتباع، واستثارة ~~الحمد والثناء، وربما يلبس عليهم الشيطان مع ذلك، ويقول لهم: غرضكم نشر دين ~~الله، والنضال عن الشرع الذي شرعه رسول الله صلى الله عليه وآله. # والمظهر لهذه المقاصد يتبين عند ظهور أحد من الاقران أكثر علما منه وأحسن ~~حالا، بحيث يصرف الناس عنه، فلينظر حينئذ: فإن كان حاله مع الموقر له، ~~والمعتقد لفضله أحسن، وهو له أكثر احتراما، وبلقائه أشد استبشارا ممن يميل ~~إلى غيره مع كون ذلك الغير مستحقا للموالاة، فهو مغرور وعن دينه مخدوع وهو ~~لا يدري كيف، وربما انتهى الامر بأهل العلم إلى أن يتغايروا تغاير النساء ~~فيشق على أحدهم أن يختلف بعض تلامذته إلى غيره وإن كان يعلم أنه منتفع ~~بغيره ومستفيد منه في دينه. # وهذا رشح الصفات المهلكة المستكنة في سر القلب التي يظن العلم النجاة ~~منها، وهو مغرور في ذلك، وإنما ينكشف بهذه العلامات ونحوها. # ولو كان الباعث له ms027 على العلم هو الدين لكان إذا ظهر غيره شريكا، أو ~~مستبدا أو معينا على التعليم لشكر الله تعالى إذ كفاه وأعانه على هذا المهم ~~بغيره، وكثر أوتاد الأرض، ومرشدي الخلق، ومعلميهم دين الله تعالى ومحيي سنن ~~المرسلين. # وربما لبس الشيطان على بعض العالمين ويقول: إنما غمك لانقطاع الثواب عنك، ~~لا لانصراف وجوه الناس إلى غيرك، إذ لو رجعوا إليك أو اتعظوا بقولك، وأخذوا ~~عنك لكنت أنت المثاب، واغتمامك لفوات الثواب محمود. ولا يدري المسكين أن ~~انقياده للحق وتسليمه الامر الأفضل [خ ل: لأفضل] أجزل ثوابا، وأعود عليه في ~~الآخرة من انفراده. # وليعلم أن أتباع الأنبياء والأئمة لو اغتموا من حيث فوات هذه المرتبة لهم ~~PageV00P143 # واختصاص أهلها بها، لكانوا مذمومين في الغاية، بل انقيادهم إلى الحق ~~وتسليم الامر إلى أهله أفضل الأعمال بالنسبة إليهم، وأعود عليهم في الدين. # وهذا كله من غرور الشيطان وخدعه، بل قد ينخدع بعض أهل العلم بغرور ~~الشيطان، ويحدث نفسه بأنه لو ظهر من هو أولى منه لفرح به، وإخباره بذلك عن ~~نفسه قبل التجربة والامتحان غرور، فإن النفس سهلة القياد في الوعد بأمثال ~~ذلك قبل نزول الامر. ثم إذا دهاه الامر تغير، ورجع، ولم يف بالوعد إلا من ~~عصمه الله تعالى وذلك لا يعرفه إلا من عرف مكايدة النفس، وطال اشتغاله ~~بامتحانها 1. # ومن أحس في نفسه بهذه الصفات المهلكة، فالواجب عليه طلب علاجها من أرباب ~~القلوب، فإن لم يجدهم، فمن كتبهم المصنفة في ذلك. وإن كان كلا الامرين قد ~~امتحى أثره، وذهب مخبره، ولم يبق إلا خبره، ويسأل الله المعونة والتوفيق. ~~فإن عجز عن ذلك، فالواجب عليه الانفراد والعزلة، وطلب الخمول والمدافعة ~~مهما سئل، إلا أن يحصل على شريطة التعلم والعلم. # وربما يأتيه الشيطان هنا من وجه آخر، ويقول: هذا الباب لو فتح لاندرست ~~العلوم، وخرب الدين من بين الخلق، لقلة الملتفت إلى الشرائط والمتلبس ~~بالاخلاص، مع أن عمارة الدين من أعظم الطاعات. فليجبه حينئذ بأن دين ~~الاسلام لا يندرس بسبب ذلك ما دام الشيطان يحبب ms028 إلى الخلق الرئاسة، وهو لا ~~يفتر عن عمله إلى يوم القيامة، بل ينتهض لنشر العلم أقوام لا نصيب لهم في ~~الآخرة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: # إن الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم 2. # وقوله صلى الله عليه وآله: # . # PageV00P144 # إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر 1. # فلا ينبغي أن يغتر بهذه التلبيسات، فيشتغل بمخالطة الخلق حق يتربى في ~~قلبه حب الجاه والثناء والتعظيم، فإن ذلك بذر النفاق، وقال صلى الله عليه ~~وآله: # حب الجاه والمال ينبت النفاق في القلب كما ينبت البقل 2. # وقال صلى الله عليه وآله: # ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم بأكثر فسادا فيها من حب الجاه والمال ~~في دين المرء المسلم. 3 فليكن فكره في التفطن لخفايا هذه الصفات من قلبه، ~~وفي استنباط طريق الخلاص منها، فإن الفتنة والضرر بهذه الصفات من العالم ~~والمتعلم أعظم منها في غيره بمراحل، فإنه مقتدى به فيما يأتي ويذر، فيقول ~~الجاهل: لو كان ذلك مذموما لكان العلماء أولى باجتنابه منا. فيتلبسون بهذه ~~الأخلاق الذميمة. إلا أن بين الذنبين بونا بعيدا، فإن الجاهل يأتي القيامة ~~بذنبه، والعالم يأتي بذنبه الذي فعله وذنب من تأسى به واقتدى بطريقته إلى ~~يوم القيامة، كما ورد في الأخبار الصحيحة 4. # . # PageV00P145 # وبالجملة، فمعرفة حقيقة الاخلاص، والعمل به بحر عميق يغرق فيه الجميع إلا ~~الشاذ النادر المستثنى في قوله تعالى: إلا عبادك منهم المخلصين. 1 فليكن ~~العبد شديد التفقد والمراقبة لهذه الدقائق، وإلا التحق بأتباع الشياطين وهو ~~لا يشعر 2. # والامر الثاني: استعمال ما يعلمه كل منهما شيئا فشيئا، فإن العاقل همه ~~الرعاية، والجاهل همه الرواية، وقد روي عن علي عليه السلام أنه قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله: العلماء رجلان: رجل عالم آخذ بعلمه، ~~فهذا ناج، وعالم تارك لعلمه، فهذا هالك. وإن أهل النار ليتأذون من ريح ~~العالم التارك لعلمه. وإن أشد أهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبدا إلى الله ~~تبارك وتعالى فاستجاب له وقبل منه، فأطاع الله فأدخله الجنة، وأدخل ms029 الداعي ~~النار بتركه علمه، واتباعه الهوى، وطول الامل، أما اتباع الهوى فيصد عن ~~الحق، وطول الامل ينسي الآخرة 3. # وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: # إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل المطر عن ~~الصفا 4. # وجاء رجل إلى علي بن الحسين عليهما السلام فسأله عن مسائل، فأجاب، ثم عاد ~~ليسأل مثلها، فقال علي بن الحسين عليهما السلام: # مكتوب في الإنجيل: لا تطلبوا علم ما لا تعلمون ولما تعملوا بما علمتم، ~~فإن العلم إذا لم يعمل به لم يزد صاحبه إلا كفرا، ولم يزدد من الله إلا ~~بعدا 5. # . # PageV00P146 # وسأل المفضل بن عمر أبا عبد الله عليه السلام فقال: بم يعرف الناجي؟ # قال: # من كان فعله لقوله موافقا فأنت له بالشهادة، ومن لم يكن فعله لقوله ~~موافقا، فإنما ذلك مستودع 1. # وقال أمير المؤمنين عليه السلام في كلام له خطبه على المنبر: # أيها الناس إذا علمتم فاعلموا بما علمتم لعلكم تهتدون، إن العالم العامل ~~بغيره كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق عن جهله، بل قد رأيت أن الحجة عليه ~~أعظم والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه منها على هذا الجاهل ~~المتحير في جهله، وكلاهما حائر بائر، لا ترتابوا فتشكوا، ولا تشكوا ~~فتكفروا، ولا ترخصوا لأنفسكم فتدهنوا، ولا تدهنوا في الحق فتخسروا، وإن من ~~الحق أن تفقهوا، ومن الفقه أن لا تغتروا، وإن من أنصحكم لنفسه أطوعكم لربه، ~~وأغشكم [لنفسه] أعصاكم لربه، ومن يطع الله يأمن ويستبشر، ومن يعص الله يخب ~~ويندم 2. # وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: # جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله ما العلم؟ ~~فقال: # الانصات. قال: ثم مه يا رسول الله؟ قال؟ الاستماع. قال: ثم مه؟ قال: ~~الحفظ. # قال: ثم مه يا رسول الله؟ قال: العمل به. قال: ثم مه يا رسول الله؟ قال: ~~نشره 3. # وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: # كان لموسى بن عمران عليه السلام جليسا [ظ: جليس] من أصحابه قد وعى علما ~~كثيرا، فاستأذن ms030 موسى في زيارة أقارب له، فقال له موسى: إن لصلة القرابة . # PageV00P147 # لحقا، ولكن إياك أن تركن إلى الدنيا، فإن الله قد حملك علما فلا تضيعه، ~~وتركن إلى غيره. فقال الرجل: لا يكون إلا خيرا. ومضى نحو أقاربه، فطالت ~~غيبته، فسأل موسى عليه السلام عنه، فلم يخبره أحد بحاله، فسأل جبرئيل عليه ~~السلام عنه فقال له: أخبرني عن جلسي فلان ألك به علم؟ قال: نعم هو ذا 1 على ~~الباب قد مسخ قردا في عنقه سلسلة. ففزع موسى عليه السلام إلى ربه، وقام إلى ~~مصلاه يدعو الله، ويقول: يا رب صاحبي وجليسي؟ فأوحى الله عز وجل إليه: # يا موسى لو دعوتني حتى تنقطع ترقوتاك ما استجبت لك فيه، إني كنت حملته ~~علما، فضيعه، وركن إلى غيره 2. # وروى أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: # قال أمير المؤمنين عليه السلام: يا طالب العلم إن العلم ذو فضائل كثيرة، ~~فرأسه التواضع، وعينه البراءة من الحسد، وأدنه الفهم، ولسانه الصدق، وحفظه ~~الفحص، وقلبه حسن النية، وعقله معرفة الأسباب والأمور، ويده الرحمة، ورجله ~~زيارة العلماء، وهمته السلامة، وحكمته الورع، ومستقره النجاة، وقائده ~~العافية، ومركبه الوفاء، وسلاحه لين الكلمة، وسيفه الرضا، وقوسه المداراة، ~~وجيشه محاورة، العلماء، وماله الأدب، وذخيرته اجتناب الذنوب، ورداؤه ~~المعروف، ومأواه الموادعة، ودليله الهدى، ورفيقه محبة الأخيار 3. # وفي حديث عنوان البصري 4 الطويل عن الصادق عليه السلام: # . # PageV00P148 # ليس العلم بكثرة التعلم إنما هو نور يقع في قلب من يريد الله أن يهديه، ~~فإذا أردت العلم، فاطلب أولا في نفسك حقيقة العبودية. واطلب العلم ~~باستعماله، واستفهم PageV00P149 # الله يفهمك 1. # فصل NoteV00P150N01 [في أن الغرض من طلب العلم هو العمل] اعلم أن العلم ~~بمنزلة الشجرة، والعمل بمنزلة الثمرة، والغرض من الشجرة المثمرة ليس إلا ~~ثمرتها، أما شجرتها بدون الاستعمال، فلا يتعلق بها غرض أصلا، فإن الانتفاع ~~بها في أي وجه كان ضرب من الثمرة بهذا المعنى. # وإنما كان الغرض الذاتي من العلم مطلقا العمل، لان العلوم كلها ترجع إلى ~~أمرين: علم معاملة، وعلم معرفة. ms031 فعلم المعاملة هو معرفة الحلال والحرام ~~ونظائرهما من الاحكام، ومعرفة أخلاق النفس المذمومة والمحمودة، وكيفية ~~علاجها والفرار منها. وعلم المعرفة كالعلم بالله تعالى وصفاته وأسمائه. وما ~~عداهما من العلوم إما آلات لهذه العلوم أو يراد بها عمل من الاعمال في ~~الجملة، كما لا يخفى على من تتبعها. وظاهر أن علوم المعاملة لا تراد إلا ~~للعمل، بل لولا الحاجة إليه لم يكن لها قيمة. # وحينئذ فنقول 2: المحكم للعلوم الشرعية ونحوها، إذا أهمل تفقد جوارحه ~~وحفظها عن المعاصي، وإلزامها الطاعات، وترقيها من الفرائض إلى النوافل، ومن ~~الواجبات إلى السنن اتكالا على اتصافه بالعلم، وأنه في نفسه هو المقصود، ~~مغرور # PageV00P150 # في نفسه، مخدوع عن دينه، ملبس عليه عاقبة أمره، وإنما مثله مثل مريض به ~~علة لا يزيلها إلا دواء مركب من أخلاط كثيرة، لا يعرفها إلا حذاق الأطباء، ~~فسعى في طلب الطبيب بعد أن هاجر عن وطنه حتى عثر على طبيب حاذق، فعلمه ~~الدواء، وفصل له الاخلاط، وأنواعها ومقاديرها، ومعادنها التي منها تجلب ~~وعلمه كيفية دق كل واحد منها، وكيفية خلطها وعجنها، فتعلم ذلك منه، وكتب ~~منه نسخة حسنة بحسن خط، ورجع إلى بيته، وهو يكررها ويقرأها، ويعلمها ~~المرضى، ولم يشتغل بشربها واستعمالها، أفترى أن ذلك يغني عنه من مرضه ~~شيئا؟! هيهات لو كتب منه ألف نسخة، وعلمه ألف مريض حتى شفى جميعهم، وكرره ~~كل ليلة ألف مرة لم يغنه ذلك من مرضه شيئا إلى أن يزن الذهب، ويشتري الدواء ~~ويخلطه كما تعلم، ويشربه، ويصبر على مرارته، ويكون شربه في وقته، وبعد ~~تقديم الاحتماء، وجميع شروطه، وإذا فعل جميع ذلك كله، فهو على خطر من ~~شفائه، فكيف إذا لم يشربه أصلا؟ هكذا الفقيه إذا أحكم علم الطاعات، ولم ~~يعمل بها، وأحكم علم المعاصي الدقيقة والجليلة، ولم يجتنبها، وأحكم على ~~الأخلاق المذمومة، وما زكى نفسه منها، وأحكم علم الأخلاق المحمودة، ولم ~~يتصف بها، فهو مغرور في نفسه مخدوع عن دينه، إذ قال الله تعالى: قد أفلح من ~~زكيها. 1 ولم يقل: قد أفلح من ms032 تعلم كيفية تزكيتها، وكتب علمها، وعملها ~~الناس. # وعند هذا يقول له الشيطان: لا يغرنك هذا المثال، فإن العلم بالدواء لا ~~يزيل المرض، وأما أنت فمطلبك القرب من الله تعالى وثوابه، والعلم يجلب ~~الثواب، ويتلو عليه الأخبار الواردة في فضائل العلم. فإن كان المسكين ~~معتوها مغرورا وافق ذلك هواه، فاطمأن إليه وأهمل، وإن كان كيسا، فيقول ~~للشيطان: أتذكرني فضائل العلم، وتنسيني ما ورد في العالم الذي لا يعمل ~~بعلمه، كقوله تعالى - في وصفه مشيرا إلى بلعم بن باعورا، الذي كان في حضرته ~~اثنا عشر ألف محبرة يكتبون عنه، # PageV00P151 # العلم، مع ما آتاه الله من الآيات المتعددة التي كان من جملتها أنه كان ~~بحيث إذا نظر يرى العرش 1 كما نقله جماعة من العلماء: # فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث. 2 وقوله تعالى في وصف ~~العالم التارك لعلمه: # مثل الذين حملوا التورية ثم لم يحملوها أي لم يفعلوا الغاية المقصودة من ~~حملها، وهو العمل بها - كمثل الحمار يحمل أسفارا 3. # فأي خزي أعظم من تمثيل حاله بالكلب والحمار؟! وقد قال صلى الله عليه ~~وآله: # من ازداد علما، ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعدا 4. # وقال صلى الله عليه وآله: # يلقى العالم في النار فتندلق أقتابه 5، فيدور به [ظ: بها] كما يدور ~~الحمار في الرحا 6. # وكقوله عليه السلام: # . # PageV00P152 # شر الناس العلماء السوء 1. # وقول أبي الدرداء: ويل للذي لا يعلم مرة، ولو شاء الله لعلمه، وويل للذي ~~يعلم [ولا يعمل] 2 سبع مرات 3. أي إن العلم حجة عليه، إذ يقال له: ما ذا ~~عملت فيما علمت؟ وكيف قضيت شكر الله تعالى؟ # وقال صلى الله عليه وآله: # إن أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه 4. # فهذا وأمثاله مما قد أسلفناه في صدر هذا الباب وغيره أكثر من أن يحصى. # والذي أخبر بفضيلة العلم هو الذي أخبر بذم العلماء المقصرين في العمل ~~بعلمهم وأن حالهم عند الله أشد من حال الجهال، أفتؤمنون ببعض الكتاب ~~وتكفرون ببعض 5. # وأما علم ms033 المعرفة بالله تعالى، وما يتوقف عليه من العلوم العقلية، فمثل ~~العالم به المهمل للعمل المضيع لامر الله تعالى وحدوده في شدة غروره، مثل ~~من أراد خدمة ملك، فعرف الملك، وعرف أخلاقه وأوصافه ولونه وشكله وطوله ~~وعرضه وعادته ومجلسه، ولم يتعرف ما يحبه ويكرهه ويغضب عليه، وما يرضى به، ~~أو عرف ذلك إلا أنه قصد خدمته، وهو ملابس لجميع ما يغضب به، وعاطل عن جميع ~~ما يحبه من زي وهيأة وحركة وسكون، فورد على الملك، وهو يريد التقرب منه ~~والاختصاص به، متلطخا بجميع ما يكرهه الملك، عاطلا من جميع ما يحبه، متوسلا ~~إليه بمعرفته له، ولنسبه واسمه وبلده وشكله وصورته، وعادته في سياسة غلمانه ~~ومعاملة رعيته. # PageV00P153 # بل هذا مثال العالم بالقسمين معا، التارك لما يعرفه، وهو عين الغرور، فلو ~~ترك هذا العالم جميع ما عرفه، واشتغل بأدنى معرفته وبمعرفة ما يحبه ويكرهه، ~~لكان ذلك أقرب إلى نيله المراد من قربته والاختصاص به. بل تقصيره في العمل، ~~واتباعه للشهوات يدل على أنه لم ينكشف له من المعرفة إلا الأسامي دون ~~المعاني، إذ لو عرف الله حق معرفته لخشيه واتقاه، كما نبه الله عليه بقوله: # إنما يخشى الله من عباده العلماء 1. # ولا يتصور أن يعرف الأسد عاقل، ثم لا يتقيه ولا يخافه، وقد أوحى الله ~~تعالى إلى داود عليه السلام: # خفني كما تخاف السبع الضاري 2. # نعم من يعرف من الأسد لونه وشكله واسمه قد لا يخافه، وكأنه ما عرف الأسد. ~~وفي فاتحة الزبور: # رأس الحكمة خشية الله تعالى 3. # فصل NoteV00P154N02 [في الغرور في طلب العلم والمغترين من أهل العلم] ~~وللعالم في تقصيره في العمل بعد أخذه بظواهر الشريعة، واستعمال ما دونه ~~الفقهاء من الصلاة الصيام والدعاء وتلاوة القرآن، وغيرها من العبادات ضروب ~~أخر، فإن الاعمال الواجبة عليه، فضلا عن غير الواجبة، غير منحصرة فيما ذكر، ~~بل من الخارج عن الأبواب التي رتبها الفقهاء ما هو أهم، ومعرفته أوجب ~~والمطالبة به . # PageV00P154 # والمناقشة عليه أعظم، وهو تطهير النفس عن الرذائل الخلقية: من الكبر ~~والرئاء والحسد ms034 والحقد، وغيرها من الرذائل المهلكات، مما هو مقرر في علوم ~~تختص به، وحراسة اللسان عن الغيبة والنميمة، وكلام ذي اللسانين، وذكر عيوب ~~المسلمين وغيرها. وكذا القول في سائر الجوارح، فإن لها أحكاما تخصها وذنوبا ~~مقررة في محالها، لابد لكل أحد من تعلمها وامتثال حكمها، وهي تكليفات لا ~~توجد في كتاب البيوع والإجارات وغيرها من كتب الفقه، بل لا بد من الرجوع ~~فيها إلى علماء الحقيقة العاملين، وكتبهم المدونة في ذلك. # وما أعظم اغترار العالم بالله تعالى في رضاه بالعلوم الرسمية، وإغفاله ~~إصلاح نفسه وإرضاء ربه تبارك وتعالى. # وغرور من هذا شأنه يظهر لك من حيث العلم ومن حيث العمل: 1 أما العمل، فقد ~~ذكرنا وجه الغرور فيه، وأن مثاله مثال المريض إذا تعلم نسخة الدواء، واشتغل ~~بتكراره وتعليمه، لا بل مثاله مثال من به علة البواسير والبرسام، وهو مشرف ~~على الهلاك، محتاج إلى تعلم الدواء واستعماله، فاشتغل بتعلم دواء ~~الاستحاضة، وتكرار ذلك ليلا ونهارا، مع علمه بأنه رجل لا يحيض ولا يستحيض، ~~ولكنه يقول: ربما يقع علة الاستحاضة لامرأة، وتسألني عنه، وذلك غاية ~~الغرور، حيث ترك تعلم الدواء النافع لعلته مع استعماله، ويشتغل بما ذكرناه. ~~كذلك المتفقه المسكين، قد تسلط عليه اتباع الشهوات، والاخلاد إلى الأرض 2، ~~والحسد والرئاء والغضب والبغضاء والعجب بالاعمال التي يظنها من الصالحات، ~~ولو فتش عن باطنها وجدها من المعاصي الواضحات، فليلتفت إلى قوله صلى الله ~~عليه وآله: # . # PageV00P155 # أدنى الرئاء الشرك. 1 وإلى قوله صلى الله عليه وآله: # لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر 2. # وإلى قوله صلى الله عليه وآله: # الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب 3. # وإلى قوله صلى الله عليه وآله: # حب المال والشرف ينبتان النفاق كما ينبت الماء البقل 4. # إلى غير ذلك من الاخبار المدونة في أبواب هذه المهلكات. وكذلك يترك ~~استعمال الدواء لسائر المهلكات الباطنة، وربما يختطفه الموت قبل التوبة ~~والتلافي، فيلقى الله وهو عليه غضبان، فترك ذلك كله، واشتغل بعلم النحو ~~وتصريف الكلمات والمنطق وبحث الدلالات وفقه الحيض ms035 والاستحاضات والسلم ~~والإجارات واللعان والجراحات والدعاوي والبينات والقصاص والديات، ولا يحتاج ~~إلى شئ من ذلك في مدة عمره إلا نادرا، وإن احتاج إليه أو احتاج إليه غيره ~~فهو من فروض الكفايات، وغفل مع ذلك من العلوم التي هي فرض عيني بإجماع ~~المسلمين. # فغاية تلك العلوم إذا قصد بها وجه الله تعالى العظيم، وثوابه الجسيم أنها ~~فرض كفاية، ومرتبة فرض الكفاية بعد تحصيل فرض العين، فلو كان غرض هذا ~~الفقيه العالم بعلمه وجه الله تعالى، لاشتغل في ترتيب العلوم بالأهم ~~فالأهم، والأنفع فالأنفع، فهو إما غافل مغرور، وإما مراء في دينه مخدوع، ~~طالب للرئاسة . # PageV00P156 # والاستعلاء، والجاه والمال، فيجب عليه التنبيه لدواء إحدى العلتين قبل أن ~~تقوى عليه وتهلكه. # وليعلم من ذلك أيضا أن مجرد تعلم هذه المسائل المدونة ليس هو الفقه عند ~~الله تعالى وإنما الفقه عن الله 1 تعالى بإدراك جلاله وعظمته، وهو العلم ~~الذي يورث الخوف والهيبة والخشوع، ويحمل على التقوى، ومعرفة الصفات المخوفة ~~فيجتنبها، والمحمودة فيرتكبها، ويستشعر الخوف ويستثير الحزن، كما نبه الله ~~تعالى عليه في كتابه بقوله: # فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا ~~رجعوا إليهم 2. # والذي يحصل به الانذار غير هذا العلم المدون، فإن مقصود هذا العلم حفظ ~~الأموال بشروط المعاملات، وحفظ الأبدان بالأموال وبدفع القتل والجراحات، ~~والمال في طريق الله آلة، والبدن مركب، وإنما العلم المهم هو معرفة سلوك ~~الطريق إلى الله تعالى، وقطع عقبات القلب التي هي الصفات المدمومة، وهي ~~الحجاب بين العبد وبين الله تعالى، فإذا مات ملوثا بتلك الصفات كان محجوبا ~~عن الله تعالى، ومن ثم كان العلم موجبا للخشية، بل هي منحصرة في العالم كما ~~نبه عليه تعالى بقوله: إنما يخشى الله من عباده العلماء 3. أعم من أن ~~يكونوا فقهاء أو غير فقهاء. # ومثال هذا الفقيه في الاقتصار على علم الفقه المتعارف مثال من اقتصر من ~~سلوك طريق الحج على علم الخرز 4 الرواية والخف، ولا شك أنه لو لم يكن لتعطل ~~. # PageV00P157 # الحج، ولكن المقتصر ms036 عليه ليس من الحاج في شئ. كذلك هذا الرجل لو لم يتعلم ~~هذه العلوم لتعطلت معرفة الاحكام، إلا أنها ليست المنجية بنفسها، كما ~~حررناه بل هي مقدمة للمقصد الذاتي. # وإذا كان هذا مثال حال الفقيه العارف بشرع الله ورسوله وأئمته ومعالم دين ~~الله، فكيف حال من يصرف عمره في معرفة عالم الكون والفساد الذي مآله محض ~~الفساد، والاشتغال بمعرفة الوجود، وهل هو نفس الموجودات أو زائد عليها أو ~~مشترك بينها، أو غير ذلك من المطالب التي لا ثمرة لها، بل لم يحصل لهم ~~حقيقة ما طلبوا معرفته فضلا عن غيره. # وإنما مثالهم في ذلك مثال ملك اتخذ عبيدا، وأمرهم بدخول داره والاشتغال ~~بخدمته وتكميل نفوسهم فيما يوجب الزلفى لدى حضرته واجتناب ما يبعد من جهته، ~~فلما أدخلهم داره ليشتغلوا بما أمرهم به أخذوا ينظرون إلى جدران داره ~~وأرضها وسقفها حتى صرفوا عمرهم في ذلك النظر وماتوا، ولم يعرفوا ما أراد ~~منهم في تلك الدار، فكيف ترى حالهم عند سيدهم المنعم عليهم المسدي جليل ~~إحسانه إليهم مع هذا الاهمال العظيم لطاعته، بل الانهماك الفظيع في ~~معصيته؟! # واعلم 1 أن مثال هؤلاء أجمع مثال بيت مظلم باطنه، وضع السراج على سطحه ~~حتى استنار ظاهره، بل مثال بئر الحش 2، ظاهرها جص، وباطنها نتن، أو كقبور ~~الموتى ظاهرها مزينة وباطنها جيفة، وكمثال رجل قصد ضيافة الملك إلى داره ~~فجصص باب داره، وترك المزابل في صدر داره، وذلك غرور واضح جلي. بل أقرب ~~مثال إليه: رجل زرع زرعا فنبت، ونبت معه حشيش يفسده، فأمر بتنقية الزرع عن ~~الحشيش بقلعه من أصله، فأخذ يجز رأسه ويقطعه، فلا يزال يقوى أصله # PageV00P158 # وينبت، لان مغارس النقائص ومنابت الرذائل هي الأخلاق الذميمة في القلب، ~~فمن لا يطهر القلب منها لم تتم له الطاعات الظاهرة إلى مع الآفات الكثيرة. ~~بل كمريض ظهر به الجرب، وقد أمر بالطلاء وشرب الدواء: أما الطلاء ليزيل ما ~~على ظاهره، والدواء ليقلع مادته من باطنه، فقنع بالطلاء وترك الدواء، وبقي ~~يتناول ما يزيد في المادة، ms037 فلا يزال يطلي الظاهر، والجرب دائما يتزايد في ~~الباطن إلى أن أهلكه. # نسأل الله تعالى أن يصلحنا لأنفسنا، ويبصرنا بعيوبنا، وينفعنا بما علمنا ~~ولا يجعله حجة علينا، فإن ذلك بيده، وهو أرحم الراحمين. # فصل NoteV00P159N03 ولكن واحد منهما شرائط متعددة، ووظائف متبددة بعد ~~هذين 1 إلا أنها بأسرها ترجع إلى الثاني - أعني استعمال العلم - فإن العلم ~~متناول لمكارم الأخلاق وحميد الأفعال، والتنزه عن مساوئها، فإذا استعمله ~~على وجهه أوصله إلى كل خير يمكن طلبه، وأبعده عن كل دنية تشينه. # [في التوكل على الله تعالى والاعتماد عليه] فمما يلزم كل واحد منهما - ~~بعد تطهير نفسه من الرذائل المذكورة وغيرها - توجيه نفسه إلى الله تعالى ~~والاعتماد عليه في أموره وتلقي الفيض الإلهي من عنده فإن العلم - كما تقدم ~~من كلام الصادق عليه السلام 2 - ليس بكثرة التعلم، وإنما هو نور من الله ~~تعالى، ينزله على من يريد أن يهديه. # . # PageV00P159 # وأن يتوكل عليه ويفوض أمره إليه، ولا يعتمد على الأسباب فيوكل إليها ~~وتكون وبالا عليه، ولا على أحد من خلق الله تعالى، بل يلقي مقاليد أمره إلى ~~الله تعالى في أمره ورزقه وغيرهما، يظهر عليه حينئذ من نفحات قدسه، ولحظات ~~أنسه ما يقوم به أوده 1، ويحصل مطلبه، ويصلح به أمره. وقد ورد في الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وآله: # أن الله تعالى قد تكفل لطالب العلم برزقه خاصة عما ضمنه لغيره 2. # بمعنى أن غيره يحتاج إلى السعي على الرزق حتى يحصل غالبا وطالب العلم لا ~~يكلفه بذلك بل بالطلب، وكفاه مؤونة الرزق إن أحسن النية، وأخلص العزيمة. # وعندي في ذلك من الوقائع والدقائق ما لو جمعته بلغ ما يعلمه الله من حسن ~~صنع الله تعالى بي وجميل معونته منذ اشتغلت بالعلم، وهو مبادئ عشر الثلاثين ~~وتسع - مائة إلى يومي هذا، وهو منتصف شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وتسع مائة. # وبالجملة فليس الخبر كالعيان. # وروى شيخنا المتقدم محمد بن يعقوب الكليني قدس الله روحه بإسناده إلى ~~الحسين بن علوان قال: كنا في مجلس ms038 نطلب فيه العلم، وقد نفدت نفقتي في بعض ~~الاسفار، فقال لي بعض أصحابنا: من تؤمل لما قد نزل بك؟ فقلت: فلانا، فقال: # إذن والله لا تسعف حاجتك، ولا يبلغك أملك، ولا تنجح طلبتك. قلت: # وما علمك رحمك الله؟ قال: إن أبا عبد الله عليه السلام حدثني أنه قرأ في ~~بعض الكتب: # أن الله تبارك وتعالى يقول: وعزتي وجلالي ومجدي وارتفاعي على عرشي لأقطعن ~~أمل كل مؤمل غيري باليأس، ولأكسونه ثوب المذلة عند الناس، ولأنحينه من ~~قربي، # PageV00P160 # ولأبعدنه من وصلي، أيؤمل غيري في الشدائد، والشدائد بيدي، ويرجو غيري ~~ويقرع بالفكر باب غيري؟! وبيدي مفاتيح الأبواب وهي مغلقه، وبابي مفتوح لمن ~~دعاني، فمن الذي أملني لنوائبه فقطعته دونها؟! ومن الذي رجاني لعظيمة فقطعت ~~رجاءه مني؟ جعلت آمال عبادي عندي محفوظة، فلم يرضوا بحفظي، وملأت سماواتي ~~ممن لا يمل من تسبيحي، وأمرتهم أن لا يغلقوا الأبواب بيني وبين عبادي، فلم ~~يثقوا بقولي، ألم يعلم من طرقته نائبه من نوائبي أنه لا يملك كشفها أحد ~~غيري، إلا من بعد إذني، فمالي أراه لاهيا عني؟! أعطيته بجودي ما لم يسألني، ~~ثم انتزعته عنه، فلم يسألني رده، وسأل غيري! أفيراني أبدأ بالعطاء قبل ~~المسألة، ثم أسأل فلا أجيب سائلي؟! أبخيل أنا فيبخلني عبدي؟! # أوليس الجود والكرم لي؟ أوليس العفو والرحمة بيدي؟ أوليس أنا محل الآمال؟ # فمن يقطعها دوني؟ أفلا يخشى المؤملون أن يؤملوا غيري؟ فلو أن أهل سماواتي ~~وأهل أرضي أملوا جميعا، ثم أعطيت كل واحد منهم مثل ما أمل الجميع ما انتقص ~~من ملكي مثل عضو ذرة، وكيف ينقص ملك أنا قيمه؟ فيا بؤسا للقانطين من رحمتي، ~~ويا بؤسا لمن عصاني ولم يراقبني 1. # ورواه الشيخ المبرور 2 رحمة الله عليه بسند آخر عن سعيد بن عبد الرحمن، ~~وفي آخره: # فقلت يا ابن رسول الله أمل علي. فأملاه علي، فقلت: لا والله ما أسأله ~~حاجة بعدها 3. # أقول: ناهيك بهذا الكلام الجليل الساطع نوره من مطالع النبوة على أفق ~~الإمامة من الجانب القدسي حاثا على التوكل على ms039 الله تعالى، وتفويض الامر ~~إليه والاعتماد في جميع المهمات عليه، فما عليه مزيد من جوامع الكلام في ~~هذا المقام. # . # PageV00P161 # وهذا هو الأمر الثالث من الآداب. # والرابع: حسن الخلق زيادة على غيرهما 1 من الناس والتواضع وتمام الرفق ~~وبذل الوسع في تكميل النفس. روى معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله عليه ~~السلام يقول: # اطلبوا العلم وتزينوا معه بالحلم والوقار، وتواضعوا لمن تعلمونه العلم، ~~وتواضعوا لمن طلبتم منه العلم، ولا تكونوا علماء جبارين، فيذهب باطلكم ~~بحقكم 2. # وروى الحلبي في الصحيح 3 عن أبي عبد الله عليه السلام قال: # قال أمير المؤمنين عليه السلام: ألا أخبركم بالفقيه حق الفقيه؟ من لم ~~يقنط الناس من رحمه الله، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يرخص لهم في معاصي ~~الله، ولم يترك القرآن رغبة عنه في غيره، ألا لا خير في علم ليس فيه تفهم، ~~ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبر، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفكر. 4 ~~واعلم أن المتلبس بالعلم منظور إليه، ومتأسي بفعله وقوله وهيأته، فإذا حسن ~~سمته، وصلحت أحواله وتواضعت نفسه، وأخلص لله تعالى عمله، وانتقلت أوصافه ~~إلى غيره من الرعية، وفشا الخير فيهم، وانتظمت أحوالهم، ومتى لم يكن كذلك ~~كان الناس دونه في المرتبة التي هو عليها فضلا عن مساواته، فكان مع فساد ~~نفسه منشأ لفساد النوع وخلله. وناهيك بذلك ذنبا وطردا عن الحق وبعدا. ويا ~~ليته إذا هلك انقطع عمله، وبطل وزره، بل هو باق ما بقي من تأسى به واستن ~~بسنته. # وقد قال بعض العارفين: إن عامة الناس أبدا دون المتلبس بالعلم # PageV00P162 # بمرتبة، فإذا كان ورعا تقيا صالحا تلبست العامة بالمباحات، وإذا اشتغل ~~بالمباح تلبست العامة بالشبهات، فإن دخل في الشبهات تعلق العامي بالحرام ~~فإن تناول الحرام كفر العامي 1. وكفى شاهدا على صدق هذه العيان وعدول ~~الوجدان، فضلا عن نقل الأعيان، الخامس: أن يكون عفيف النفس عالي الهمة ~~منقبضا عن الملوك وأهل الدنيا، لا يدخل إليهم طمعا ما وجد إلى الفرار منهم ~~سبيلا، ms040 صيانة للعم عما صانه السلف. # فمن فعل ذلك، فقد عرض نفسه وخان أمانته، وكثيرا ما يثمر عدم الوصول إلى ~~البغية، وإن وصل إلى بعضها لم يكن حاله كحال المتعفف المنقبض، وشاهده مع ~~النقل الوجدان. # قال بعض الفضلاء لبعض الابدال: ما بال كبراء زماننا وملوكها لا يقبلون ~~منا، ولا يجدون للعلم مقدارا، وقد كانوا في سالف الزمان بخلاف ذلك؟ فقال: ~~إن علماء ذلك الزمان كان يأتيهم الملوك والأكابر وأهل الدنيا، فيبذلون لهم ~~دنياهم ويلتمسون منهم علمهم، فيبالغون في دفعهم ورد منتهم عنهم، فصغرت ~~الدنيا في أعين أهلها وعظم قدر العلم عندهم، نظرا منهم إلى أن العلم لولا ~~جلالته ونفاسته ما آثره هؤلاء الفضلاء على الدنيا، ولولا حقارة الدنيا ~~وانحطاطها لما تركوها رغبة عنها. ولما أقبل علماء زماننا على الملوك وأبناء ~~الدنيا وبذلوا لهم علمهم التماسا لدنياهم، عظمت الدنيا في أعينهم، وصغر ~~العلم لديهم لعين ما تقدم 2. # وقد سمعت جملة من الاخبار في ذلك سابقا، كقول النبي صلى الله عليه وآله: # . # PageV00P163 # الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا. قيل: يا رسول الله! وما ~~دخولهم في الدنيا، قال: اتباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم ~~1. # وغيره من الأحاديث. # واعلم أن القدر المذموم من ذلك ليس هو مجرد اتباع السلطان كيف اتفق، بل ~~اتباعه ليكون توطئة له ووسيلة إلى ارتفاع الشأن، والترفع على الاقران وعظم ~~الجاه والمقدار وحب الدنيا والرئاسة ونحو ذلك، أما لو اتبعه ليجعله وصلة ~~إلى إقامة نظام النوع إعلاء كلمة الدين وترويج الحق وقمع أهل البدع والامر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحو ذلك، فهو من أفضل الأعمال فضلا عن كونه ~~مرخصا، وبهذا يجمع بين ما ورد من الذم وما ورد أيضا من الترخيص في ذلك 2، ~~بل من فعل جماعة من الأعيان كعلي بن يقطين وعبد الله النجاشي وأبي القاسم ~~بن روح أحد الأبواب الشريفة ومحمد بن إسماعيل بن بزيع ونوح بن دراج 3، ~~وغيرهم من أصحاب الأئمة، ومن الفقهاء مثل السيدين الأجلين المرتضى والرضي ~~وأبيهما والخواجة نصير الدين الطوسي، والعلامة ms041 بحر العلوم جمال الدين ابن ~~المطهر وغيرهم. # وقد روى محمد بن إسماعيل بن بزيع - وهو الثقة الصدوق - عن الرضا عليه ~~السلام أنه قال: # إن لله تعالى بأبواب الظالمين من نور الله به البرهان ومكن له في البلاد، ~~ليدفع بهم عن أوليائه ويصلح الله به أمور المسلمين، لأنه ملجأ المؤمنين من ~~الضرر، وإليه يفزع ذو الحاجة من شيعتنا، بهم يؤمن الله روعه المؤمن في دار ~~الظلمة، أولئك المؤمنون حقا، أولئك أمناء الله في أرضه، أولئك نور الله ~~تعالى في رعيتهم يوم القيامة، # PageV00P164 # ويزهر نورهم لأهل السماوات، كما تزهر الكواكب الزهرية لأهل الأرض، أولئك ~~من نورهم نور القيامة تضئ منهم القيامة، خلقوا والله للجنة وخلقت الجنة ~~لهم، فهنيئا لهم، ما على أحدكم أن لو شاء لنال هذا كله. قال، قلت: بماذا ~~جعلني الله فداك؟ قال: تكون معهم فتسرنا بإدخال السرور على المؤمنين من ~~شيعتنا، فكن منهم يا محمد 1. # واعلم أن هذا ثواب كريم لكنه موضع الخطر الوخيم والغرور العظيم، فإن زهرة ~~الدنيا وحب الرئاسة والاستعلاء، إذا نبتا في القلب عليه كثيرا من طرق ~~الصواب والمقاصد الصحيحة الموجبة للثواب، فلا بد من التيقظ في هذا الباب 2. # السادس: 3 أن يحافظ على القيام بشعائر الاسلام وظواهر الاحكام، كإقامة ~~الصلوات في مساجد الجماعات محافظا على شريف الأوقات، وإفشاء السلام للخاص ~~والعام مبتدئا ومجيبا، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى ~~بسبب ذلك، صادعا بالحق باذلا نفسه لله لا يخاف لومة لائم مستأسيا في ذلك ~~بالنبي صلى الله عليه وآله وغيره من الأنبياء، متذكرا ما نزل بهم المحن عند ~~القيام بأوامر الله تعالى. # ولا يرضى من أفعاله الظاهرة والباطنة بالجائز، بل يأخذ نفسه بأحسنها ~~وأكملها، فإن العلماء هم القدوة وإليهم المرجع، وهم حجة الله تعالى على ~~العوام. # وقد يراقبهم للاخذ منهم من لا ينظرون إليه، ويقتدي بهم من لا يعلمون به. ~~وإذا لم ينتفع العالم بعلمه فغيره أبعد عن الانتفاع به، ولهذا عظمت زلة ~~العالم لما يترتب # PageV00P165 # عليها من المفاسد. # ويتخلق بالمحاسن التي ورد بها ms042 الشرع وحث عليها، والخلال 1 الحميدة والشيم ~~المرضية: من السخاء والجود، وطلاقة الوجه من غير خروج عن الاعتدال، وكظم ~~الغيظ، وكف الأذى واحتماله، والصبر والمروة، والتنزه عن دني الاكتساب، ~~والايثار وترك الاستيثار، والانصاف وترك الاستنصاف، وشكر المفضل 2، والسعي ~~في قضاء الحاجات وبذل الجاه والشفاعات، والتلطف بالفقراء، والتحبب إلى ~~الجيران والأقرباء، والاحسان إلى ما ملكت الايمان، ومجانبة الاكثار من ~~الضحك والمزاح، والتزام الخوف والحزن والانكسار والاطراق والصمت بحيث يظهر ~~أثر الخشية على هيأته وسيرته وحركته وسكونه ونطقه وسكوته. لا ينظر إليه ~~ناظر إلا وكان نظره مذكرا لله تعالى، وصورته دليلا على علمه. # وملازمة الآداب الشرعية القولية والفعلية الظاهرة والخفية. # كتلاوة القرآن متفكرا في معانيه، ممتثلا لأوامره، منزجرا عند زواجره، ~~واقفا عند وعده ووعيده، قائما بوظائفه وحدوده، وذكر الله تعالى بالقلب ~~واللسان، وكذلك ما ورد من الدعوات، والأذكار في آناء الليل والنهار ونوافل ~~العبادات من الصلاة والصيام وحج البيت الحرام، ولا يقتصر من العبادات على ~~مجرد العلم، فيقسو قلبه ويظلم نوره كما تقدم التنبيه عليه 3. # وزيادة التنظيف بإزالة الأوساخ، وقص الأظفار وإزالة الشعور المطلوب ~~زوالها، واجتناب الروائح الكريهة، وتسريح اللحية، مجتهدا في الاقتداء ~~بالسنة الشريفة، والاخلاق الحميدة المنيفة. # PageV00P166 # ويطهر نفسه من مساوئ الأخلاق وذميم الأوصاف: من الحسد والرئاء والعجب ~~واحتقار الناس، وإن كانوا دونه بدرجات، والغل والبغي والغضب لغير الله، ~~والغش والبخل والخبث والبطر والطمع والفخر والخيلاء والتنافس في الدنيا ~~والمباهاة بها والمداهنة والتزين للناس وحب المدح بما لم يفعل، والعمى عن ~~عيوب النفس والاشتغال عنها بعيوب الناس، والحمية والعصبية لغير الله، ~~والرغبة والرهبة لغيره، والغيبة والنميمة والبهتان والكذب والفحش في القول. # ولهذه الأوصاف تفصيل وأدوية وترغيب وترهيب، محرر في مواضع تخصه، والغرض ~~من ذكرها هنا تنبيه العالم والمتعلم على أصولها، ليتنبه لها ارتكابا ~~واجتنابا على الجملة، وهي وإن اشتركت بين الجميع، إلا أنها بهما أولى، ~~فلذلك جعلناها من وظائفهما، لان العلم كما قال بعض الأكابر 1 عبادة القلب ~~وعمارته وصلاة السر، وكما لا تصح الصلاة - التي هي وظيفة الجوارح - إلا بعد ms043 ~~تطهيرها من الاحداث والأخباث، فكذلك لا تصح عبادة الباطن إلا بعد تطهيره من ~~خبائث الأخلاق. # ونور العلم لا يقذفه الله تعالى في القلب المنجس بالكدورات النفسية ~~والاخلاق الذميمة، كما قال الصادق عليه السلام: # ليس العلم بكثرة التعلم، وإنما هو نور يقذفه الله تعالى في قلب من يريد ~~الله أن يهديه 2. # ونحوه قال ابن مسعود: ليس العلم بكثرة الرواية إنما العلم نور يقذف في ~~القلب 3. # وبهذا يعلم أن العلم ليس هو مجرد استحضار المعلومات الخاصة، وإن كانت هي ~~العلم في العرف العامي، وإنما هو النور المذكور الناشئ من ذلك العلم # PageV00P167 # الموجب للبصيرة والخشية لله تعالى كما تقدم تقريره 1. # فهذه جملة الوظائف المشتركة بينهما، وأكثرها راجع إلى استعمال العلم إلا ~~أنا أفردناها عنه اهتماما بشأنها وتنبيها على أصول الفضائل. # PageV00P168 # القسم الثاني آدابهما في درسهما واشتغالهما وهي أمور: # الأول: أن لا يزال كل منهما مجتهدا في الاشتغال قراءة ومطالعة وتعليقا ~~ومباحثة ومذاكرة وفكرا وحفظا وإقراء 1 وغيرها، وأن تكون ملازمة الاشتغال ~~بالعلم هي مطلوبه ورأس ماله، فلا يشتغل بغيره من الأمور الدنيوية مع ~~الامكان، وبدونه يقتصر منه على قدر الضرورة. وليكن بعد قضاء وظيفته من ~~العلم بحسب أوراده، ومن هنا قيل: أعط العلم كلك يعطك بعضه 2. # وعن أبي عبد الله عليه قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله عز وجل يقول: تذاكر العلم بين ~~عبادي مما تحيا عليه القلوب الميتة إذا هم انتهوا فيه إلى أمري 3. # وعن الباقر عليه السلام: # رحم الله عبدا أحيا العلم. فقيل: وما إحياؤه؟ قال: أن يذاكر به أهل الدين ~~والورع 4. # وعنه عليه السلام: # PageV00P169 # تذاكر العلم دراسة، والدراسة صلاة حسنة 1. # الثاني: أن لا يسأل أحدا تعنتا وتعجيزا، بل سؤال متعلم لله أو معلم له ~~منبه على الخير، قاصد للارشاد أو الاسترشاد، فهناك تظهر زبدة التعليم ~~والتعلم وتثمر شجرته، فأما إذا قصد مجرد المراء والجدل، وأحب ظهور الفلج ~~والغلبة فإن ذلك يثمر في النفس ملكة ردية وسجية خبيثة، ومع ذلك يستوجب ~~المقت من الله تعالى. وفيه مع ms044 ذلك عدة معاصي: كإيذاء المخاطب وتجهيل له ~~وطعن فيه، وثناء على النفس وتزكية لها، وهذه كلها ذنوب مؤكدة، وعيوب منهي ~~عنها في محالها من السنة المطهرة، وهو مع ذلك مشوش للعيش، فإنك لا تماري ~~سفيها إلا ويؤذيك، ولا حليما إلا ويقليك. # وقد أكد الله سبحانه على لسان نبيه وأئمته عليهم السلام تحريم المراء، ~~قال النبي صلى الله عليه وآله: # لا تمار أخاك، ولا تمازحه، ولا تعده موعدا فتخلفه 2. # وقال صلى الله عليه وآله: # ذروا المراء، فإنه لا تفهم حكمته، ولا تؤمن فتنته 3. # وقال صلى الله عليه وآله: # من ترك المراء وهو محق بني له بيت في أعلى الجنة ومن ترك المراء وهو مبطل ~~بني له بيت في ربض الجنة 4. # وعن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: # إن أول ما عهد إلي ربي، ونهاني عنه - بعد عبادة الأوثان وشرب الخمر - ~~ملاحاة الرجال 5. # PageV00P170 # وقال صلى الله عليه وآله: # ما ضل قوم [بعد أن هداهم الله 1] إلا أوتوا الجدل 2. # وقال صلى الله عليه وآله: # لا يستكمل عبد حقيقة الايمان حتى يدع المراء وإن كان محقا 3. # وقال الصادق عليه السلام: # المراء داء دوي، وليس في الانسان خصلة شر منه، وهو خلق إبليس ونسبته، فلا ~~يماري في أي حال كان إلا من كان جاهلا بنفسه وبغيره، محروما من حقائق الدين ~~4. # وروي أن رجلا قال للحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام: اجلس حتى ~~نتناظر في الدين. فقال: # يا هذا أنا بصير بديني مكشوف علي هداي، فإن كنت جاهلا بدينك فاذهب ~~فاطلبه، مالي وللمماراة؟ وإن الشيطان ليوسوس للرجل ويناجيه ويقول: ناظر ~~الناس لئلا يظنوا بك العجز والجهل. ثم المراء لا يخلو من أربعة أوجه: إما ~~أن تتمارى أنت وصاحبك فيما تعلمان، فقد تركتما بذلك النصيحة، وطلبتما ~~الفضيحة، وأضعتما ذلك العلم، أو تجهلانه، فأظهرتما جهلا وخاصمتما جهلا، ~~وإما تعلمه أنت فظلمت صاحبك بطلب عثرته، أو يعلمه صاحبك فتركت حرمته، ولم ~~تنزله منزلته. وهذا كله محال، فمن أنصف وقبل الحق ms045 وترك المماراة، فقد أوثق ~~إيمانه # PageV00P171 # وأحسن صحبة دينه وصان عقله 1. # هذا كله 2 من كلام الصادق عليه السلام. # واعلم 3 أن حقيقة المراء الاعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه لفظا أو ~~معنى أو قصدا، لغير غرض ديني أمر الله به، وترك المراء يحصل بترك الانكار ~~والاعتراض بكل كلام يسمعه، فإن كان حقا وجب التصديق به بالقلب وإظهار صدقه ~~حيث يطلب منه، وإن كان باطلا ولم يكن متعلقا بأمور الدين، فاسكت عنه ما لم ~~يتمحض النهي عن المنكر بشروطه. # والطعن في كلام الغير إما في لفظه بإظهار خلل فيه من جهة النحو أو اللغة ~~أو جهة النظم والترتيب بسبب قصور المعرفة أو طغيان اللسان، وإما في المعنى ~~بأن يقول: ليس كما تقول، وقد أخطأت فيه لكذا وكذا، وإما في قصده مثل أن ~~يقول: # هذا الكلام حق ولكن ليس قصدك منه الحق، وما يجري مجراه، وعلامة فساد مقصد ~~المتكلم تتحقق بكراهة ظهور الحق على غير يده ليتبين فضله ومعرفته للمسألة، ~~والباعث عليه الترفع بإظهار الفضل والتهجم على الغير بإظهار نقصه، وهما ~~شهوتان رديتان للنفس: اما إظهار الفضل فهو تزكية للنفس، وهو من مقتضى ما في ~~العبد من طغيان دعوى العلو والكبرياء، وقد نهى الله تعالى عنه في محكم ~~كتابه، فقال سبحانه: فلا تزكوا أنفسكم: وأما تنقيص الآخر فهو مقتضى طبع ~~السبعية، فإنه يقتضي أن يمزق غيره ويصدمه ويؤذيه، وهي مهلكة. # والمراء والجدال مقويان لهذه الصفات المهلكة، ولا تنفك المماراة عن ~~الايذاء وتهييج الغضب وحمل المعترض على أن يعود فينصر كلامه بما يمكنه من ~~حق أو # PageV00P172 # باطل، ويقدح في قائله بكل ما يتصور، فيثور التشاجر بين المتماريين، كما ~~يثور التهارش بين الكلبين، يقصد كل منهما، أن يعض صاحبه بما هو أعظم نكاية ~~وأقوى في إفحاه وانكائه. # وعلاج ذلك أن يكسر الكبر الباعث له على إظهار فضله والسبعية الباعثة له ~~على تنقيص غيره، بالأدوية النافعة في علاج الكبر والغضب من كتابنا المتقدم ~~ذكره في أسرار معالم الدين 1 أو غيره من الكتب المؤلفة ms046 في ذلك. # ولا ينبغي أن يخدعك الشيطان، ويقول لك: أظهر الحق ولا تداهن فيه. فإنه ~~أبدا يستجر الحمقى إلى الشر في معرض الخير، فلا تكن ضحكه الشيطان يسخر بك. ~~فإظهار الحق حسن مع من يقبل منه، إذا وقع على وجه الاخلاص، وذلك من طريق ~~النصيحة بالتي هي أحسن لا بطريق المماراة. # وللنصيحة صفة وهيأة، ويحتاج فيها إلى التلطف، وإلا صارت فضيحة، فكان ~~فسادها أعظم من صلاحها. # ومن خالط متفقهة هذا الزمان، والمتسمين بالعلم غلب على طبعه المراء ~~والجدال، وعسر عليه الصمت إذا ألقى عليه قرناء السوء أن ذلك هو الفضل. ففر ~~منهم فرارك من الأسد. # الثالث: أن لا يستنكف من التعلم والاستفادة ممن هو دونه في منصب أو سن أو ~~شهرة أو دين أو في علم آخر، بل يستفيد ممن يمكن الاستفادة منه، ولا يمنعه ~~ارتفاع منصبه وشهرته من استفادة ما لا يعرفه، فتخسر صفقته ويقل علمه ويستحق ~~المقت من الله تعالى، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: # الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها 2. # . # PageV00P173 # وقال سعيد بن جبير رحمه الله: لا يزال الرجل عالما ما تعلم، فإذا ترك ~~التعلم وظن أنه قد استغنى واكتفى بما عنده، فهو أجهل ما يكون 1. # وأنشد بعضهم في ذلك: # وليس العمى طول السؤال وإنما * تمام العمى طول السكوت على الجهل 2 ومن ~~هذا الباب أن يترك السؤال استحياء، ومن هنا قيل: من استحيا من المسألة لم ~~يستحي الجهل منه 3. # وقيل أيضا: من رق وجهه رق علمه 4. # PageV00P174 # وقيل أيضا: لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر 1. # وروى زرارة ومحمد بن مسلم وبريد العجلي، قالوا: قال أبو عبد الله عليه ~~السلام: # إنما يهلك الناس، لأنهم لا يسألون 2. # وعنه عليه السلام: # إن هذا العلم عليه قفل، ومفتاحه المسألة 3. # الرابع: - وهو من أهمها - الانقياد للحق بالرجوع عند الهفوة، ولو ظهر على ~~يد من هو أصغر منه 4، فإنه مع وجوبه من بركة العلم، والاصرار على تركه كبر ~~مذموم عند الله تعالى، موجب للطرد والبعد، قال النبي صلى الله ms047 عليه وآله: # لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من كبر. فقال بعض أصحابه: هلكنا يا ~~رسول الله! إن أحدنا يحب أن يكون نعله حسنا وثوبه حسنا. فقال النبي صلى ~~الله عليه وآله: ليس هذا الكبر، إنما الكبر بطر الحق وغمص الناس 5. # PageV00P175 # والمراد ببطر الحق رده على قائله، وعدم الاعتراف به بعد ظهوره، وذلك أعم ~~من ظهوره على يدي الصغير والكبير والجليل والحقير، وكفى بهذا زجرا وردعا. # الخامس: أن يتأمل ويهذب ما يريد أن يورده أو يسأل عنه قبل إبرازه والتفوه ~~به ليأمن من صدور هفوة أو زلة أو وهم أو انعكاس فهم، فيصير له بذلك ملكة ~~صالحة، وخلاف ذلك إذا اعتاد الاسراع في السؤال والجواب فيكثر سقطه ويعظم ~~نقصه ويظهر خطاؤه، فيعرف بذلك، سيما إذا كان هناك من قرناء السوء من يخشى ~~أن يصير ذلك عليه وصمة، ويجعله له عند نظرائه وحسدته وسمة. # السادس: 1 أن لا يحضر مجلس الدرس إلا متطهرا من الحدث والخبث متنظفا ~~متطيبا في بدنه وثوبه، لا بسا أحسن ثيابه، قاصدا بذلك تعظيم العلم وترويح ~~الحاضرين من الجلساء والملائكة، سيما إن كان في مسجد. وجميع ما ورد من ~~الترغيب في ذلك لمطلق الناس، 2 فهو في حق العالم والمتعلم آكد. # PageV00P176 # النوع الثاني آداب يختص بها المعلم اعلم أن التعليم هو الأصل الذي به ~~قوام الدين، وبه يؤمن انمحاق العلم، فهو من أهم العبادات وآكد فروض ~~الكفايات، قال الله تعالى: # وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه 1. # وقال الله تعالى: # إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في ~~الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون 2. # ومن مشاهير الاخبار قوله عليه السلام: # ليبلغ الشاهد منكم الغائب 3. # PageV00P177 # والاخبار بمعناه كثيرة، وقد مر جملة منها 1. # وآدابه تنقسم ثلاثة أقسام: آدابه في نفسه، وآدابه مع طلبته، وآدابه في ~~مجلس درسه. # PageV00P178 # القسم الأول آدابه في نفسه مضافة إلى ما تقدم وهي أمور: # الأول: أن لا ينتصب للتدريس حتى تكمل أهليته، ويظهر ms048 استحقاقه لذلك على ~~صفحات وجهه ونفحات لسانه، وتشهد له به صلحاء مشايخه، ففي الخبر المشهور: # المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور 1. # وقال بعض الفضلاء: من تصدر قبل أوانه فقد تصدى لهوانه 2. # وقال آخر: من طلب الرئاسة في غير حينه لم يزل في ذل ما بقي 3. # وأنشد بعضهم: # لا تطمحن إلى المراتب قبل أن * تتكامل الأدوات والأسباب إن الثمار تمر ~~قبل بلوغها * طعما، وهن إذا بلغن عذاب الثاني 5: أن لا يذل العلم فيبذله ~~لغير أهله ويذهب به إلى مكان ينسب إلى من # PageV00P179 # يتعلمه منه، وإن كان المتعلم كبير القدر، بل يصون العلم عن ذلك كما صانه ~~السلف، وأخبارهم في ذلك كثيرة مشهورة مع الخلفاء وغيرهم 1. قال الزهري: # هوان العلم أن يحمله العالم إلى بيت المتعلم 2. # اللهم إلا أن تدعو إليه ضرورة، وتقتضيه مصلحه دينية راجحة على مفسدة ~~ابتذاله، ويحسن فيه نية صالحة، فلا بأس. وما أحسن ما أنشده القاضي أبو ~~الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني 3. لنفسه: # يقولون لي فيك انقباض وإنما * رأوا رجلا عن موضع الذل أحجما أرى الناس من ~~داناهم هان عندهم * ومن أكرمته عزة النفس أكرما وما كل برق لاح لي يستفزني ~~* ولا كل من لاقيت أرضاه منعما وإني إذا ما فاتني الامر لم أبت * أقلب كفي ~~نحوه متندما ولم أفض حق العلم إن كان كلما * بدا طمع صيرته لي سلما إذا ~~قيل: هذا منهل قلت: قد أرى * ولكن نفس الحر تحتمل الظما ولم ابتذل في خدمة ~~العلم مهجتي * لأخدم من لاقيت لكن لأخدما أأسقى به عزا وأسقيه ذلة 4 * إذا، ~~فاتباع الجهل قد كان أحزما ولو أن أهل العلم صانوه صانهم * ولو عظموه في ~~النفوس لعظما ولكن أذلوه فهان ودنسوا * محياه بالأطماع حتى تجهما 5 # PageV00P180 # الثالث: أن يكون عاملا بعلمه زيادة على ما تقدم في الامر المشترك، قال ~~الله تعالى: # أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم... الآية 1. # وعن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: # إنما يخشى الله من عباده العلماء 2: # من صدق فعله ms049 قوله، ومن لم يصدق قوله فعله فليس بعالم 3. # وعنه عليه السلام: # العلم مقرون إلى العمل، فمن علم عمل، ومن عمل علم، والعلم يهتف بالعمل ~~فإن أجابه وإلا ارتحل 4. # وعنه عليه السلام: # إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته من القلوب كما يزل المطر عن ~~الصفا 5. # وقال علي عليه السلام: # قصم ظهري عالم متهتك وجاهل متنسك، فالجاهل يغش الناس بتنسكه، والعالم ~~ينفرهم بتهتكه 6. # PageV00P181 # وقد أنشد ذلك بعضهم 1 فقال: # فساد كبير عالم متهتك * وأكبر منه جاهل متنسك هما فتنة للعالمين عظيمة * ~~لمن بهما في دينه يتمسك الرابع: زيادة حسن الخلق فيه والتواضع على 2 الامر ~~المشترك، وتمام الرفق، وبذل الوسع في تكميل النفس، فإن العالم الصالح في ~~هذا الزمان بمنزلة نبي من الأنبياء، كما قال النبي صلى الله عليه وآله: # علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل 3. # بل هم في هذا الزمان أعظم، لان أنبياء بني إسرائيل كان يجتمع منهم في ~~العصر الواحد ألوف والآن لا يوجد من العلماء إلا الواحد بعد الواحد، ومتى ~~كان كذلك؟ # فليعلم أنه قد علق في عنقه أمانة عظيمة، وحمل أعباء من الدين ثقيلة، ~~فليجتهد في الدين جهده، وليبذل في التعليم جده، عسى أن يكون من الفائزين. # PageV00P182 # وقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: # كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: إن للعالم ثلاث علامات: العلم، ~~والحلم والصمت، وللمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه بالمعصية، ويظلم من ~~دونه بالغلبة، ويظاهر الظلمة 1. # وعن محمد بن سنان - رفعه - 2 قال: # قال عيسى بن مريم عليهما السلام: يا معشر الحواريين! لي إليكم حاجة، ~~اقضوها لي. قالوا: قضيت حاجتك يا روح الله! فقام فغسل أقدامهم، فقالوا: كنا ~~نحن أحق بهذا يا روح الله! فقال: إن أحق الناس بالخدمة العالم، إنما تواضعت ~~هكذا لكيما تتواضعوا بعدي في الناس كتواضعي لكم. ثم قال عيسى عليه السلام: # بالتواضع تعمر الحكمة لا بالتكبر، وكذلك في السهل ينبت الزرع لا في الجبل ~~3. # الخامس: 4 أن لا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النية، فربما ms050 عسر على ~~كثير من المبتدئين بالاشتغال، تصحيح النية لضعف نفوسهم وانحطاطها عن إدراك ~~السعادة الآجلة، وقلة أنسهم بموجبات تصحيحها، فالامتناع من تعليمهم يؤدي ~~إلى تفويت كثير من العلم، مع أنه يرجى ببركة العلم تصحيحها إذا أنس بالعلم. # وقد قال بعضهم: طلبنا العلم لغير الله فأبي أن يكون إلا الله 5. معناه ~~صارت [ظ: كانت] عاقبته أن صار لله. # وعن الحسن: لقد طلب أقوام العلم ما أرادوا به الله ولا ما عنده، فما زال ~~بهم العلم حتى أرادوا به الله وما عنده 6. # PageV00P183 # لكن يجب على المعلم إذا أشعر من المتعلم فساد النية أن يستدرجه بالموعظة ~~الحسنة، وينبهه على خطر العلم الذي لا يراد به الله، ويتلو عليه من الأخبار ~~الواردة في ذلك حالا فحالا، حتى يقوده إلى القصد الصحيح، فإن لم ينجع ذلك، ~~ويئس منه قيل يتركه حينئذ ويمنعه من التعلم، فإن العلم لا يزيده إلا شرا. ~~وإلى ذلك أشار علي عليه السلام بقوله: # لا تعلقوا الجواهر في أعناق الخنازير 1. # وعن الصادق عليه السلام قال: # قام عيسى بن مريم عليهما السلام خطيبا في بني إسرائيل، فقال: يا بني ~~إسرائيل لا تحدثوا الجهال بالحكمة فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم 2. # ولقد أحسن القائل: # ومن منح الجهال علما أضاعه * ومن منع المستوجبين فقد ظلم 3 وفصل آخرون 4 ~~فقالوا: إن كان فساد نيته من جهة الكبر والمراء ونحوهما، فالامر كذلك، وإن ~~كان من جهة حب الرئاسة الدنيوية، فينبغي مع اليأس من إصلاحه أن لا يمنعه، ~~لعدم ثوران المفسدة وتعديها، ولأنه لا يكاد يخلص من هذه الرذيلة أحد في ~~البداية، فإذا وصل إلى أصل العلم عرف أن العلم إنما يطلب للسعادة الأبدية ~~بالذات، والرئاسة لازمة له قصد أم لم يقصد. # PageV00P184 # السادس: بذل العلم عند وجود المستحق وعدم البخل به، فإن الله سبحانه أخذ ~~على العلماء من العهود والمواثيق ما أخذه على الأنبياء ليبيننه للناس ولا ~~يكتمونه. # وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: # قرأت في كتاب علي عليه السلام: إن الله لم يأخذ على الجهال عهدا ms051 بطلب ~~العلم حتى أخذ على العلماء عهدا ببذل العلم للجهال، لان العلم كان قبل ~~الجهل 1. # وعن أبي عبد الله عليه السلام في هذه الآية: ولا تصغر خدك للناس 2 قال: # ليكن الناس عندك في العلم سواء 3. # وعن جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام: # زكاة العلم أن تعلمه عباد الله 4. # السابع: أن يحترز من مخالفة أفعاله لأقواله وإن كانت على الوجه الشرعي ~~مثل أن يحرم شيئا ويفعله، أو يوجب شيئا ويتركه، أو يندب إلى فعل شئ ولا ~~يفعله، وإن كان فعله ذلك مطابقا للشرع بحسب حاله، فإن الأحكام الشرعية ~~تختلف باختلاف الاشخاص، كما لو أمر بتشييع الجنائز وباقي أحكامهم، وأمر ~~بالصيام وقضاء حوائج المؤمنين وأفعال البر وزيارة قبور الأنبياء والأئمة، ~~ولم يفعل ذلك، لاشتغاله بما هو أهم منه بحيث ينافي اشتغاله بما يأمر به ما ~~هو فيه، والحال أنه أفضل أو متعين، وحينئذ فالواجب عليه مع خوف التباس ~~الامر أن يبين الوجه الموجب للمخالفة دفعا للوسواس الشيطاني من قلب السامع، ~~كما اتفق للنبي صلى الله عليه وآله حين رآه بعض أصحابه ليلا يمشي مع بعض ~~نسائه إلى منزلها، فخاف أن # PageV00P185 # يتوهم أنها ليست من نسائه فقال له: إن هذه زوجتي فلانة 1 ونبهه على ~~العلة، لخوفه عليه من تلبيس إبليس عليه. وإن كان الواجب على السامع من أول ~~الأمر ترك الاعتراض عند اشتباه الحال بل عند احتمال المسوغ، إلى أن يتحقق ~~الفساد كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - في آداب المتعلم 2. # وبالجملة فمثل العالم والمتعلم في انتقاشه بأخلاقه وأفعاله، مثل الفص ~~والشمع، فإنه لا ينقش في الشمع إلا ما هو منقوش في الفص. وقد شاهدنا هذا ~~عيانا في جماعات من طلبة العلم مع مشايخهم على اختلاف أفعالهم وأخلاقهم، ~~ولا ينبئك مثل خبير 3. # الثامن: إظهار الحق بحسب الطاقة من غير مجاملة لاحد من خلق الله تعالى ~~فإذا رأى من أحد ميلا عن الحق أو تقصيرا في الطاعة وعظه باللطف ثم بالعنف، ~~فإن لم يقبل هجره، فإن لم ينجع توصل إلى نهيه ms052 ورده إلى الحق بمراتب الأمر ~~بالمعروف. # وهذا حكم يختص بالعالم زيادة في التكليف عن غيره، وإن شاركه غيره من ~~المكلفين في أصل الوجوب، لان العالم بمنزلة الرئيس الذي إليه الأمر والنهي ~~ولقوله أثر في القلوب، فعليه في ذلك زيادة تكليف، ولذلك قال النبي صلى الله ~~عليه وآله: # PageV00P186 # إذا ظهرت البدع في أمتي، فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنه ~~الله 1. # وما جاءت الغفلة في الغالب واستيلاء الجهالة، والتقصير عن معرفة الفرائض ~~الدينية، والقيام بالوظائف الشرعية والسنن الحنيفية وأداء الصلوات عليه ~~وجهها، إلا من تقصير العلماء من إظهار الحق على وجهه، وإتعاب النفس في ~~إصلاح الخلق وردهم إلى سلوك سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة. # بل لا يكتفي علماء السوء بالتقصير عن ذلك حتى يمالئوهم 2 على الباطل ~~ويؤانسوهم، فتزيد رغبة الجاهل وانهماك الفاسد، ويقل وقار العالم ويذهب ريح ~~العلم. ولقد قال بعض العلماء 3 - ونعم ما قال -: إن كل قاعد في بيته أينما ~~كان فليس خاليا عن المنكر من حيث التقاعد عن إرشاد الناس وتعليمهم معالم ~~الدين وحملهم على المعروف، سيما العلماء فإن أكثر الناس جاهلون بالشرع في ~~الواجبات العينية كالصلاة وشرائطها سيما في القرى والبوادي. # فيجب كفاية أن يكون في كل بلد وقرية واحد يعلم الناس دينهم، باذلا نفسه ~~للارشاد والتعليم باللطف، متوصلا إليه بالرفق وكل ما يكون وسيلة إلى ~~قبولهم، وأهمه قطع طمعه عنهم ومن أموالهم، فإن من علموا منه الرغبة في شئ ~~من ذلك زهدوا فيه وفي علمه، واضمحل أمرهم بسبب ذلك، وأما إذا قصد وجه الله ~~تعالى وامتثال أمره، وقع ذلك في قلوب الخاصة والعامة، وانقادوا لامره ~~واستقاموا على نهج السداد. # وهذا كله إذا لم يكن عليه خطر، ولا على أحد من المسلمين ضرر في ذلك وإلا ~~فالله أحق بالعذر. # روى عبد الله بن سليمان، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول، وعنده رجل # PageV00P187 # من أهل البصرة يقال له عثمان الأعمى، وهو يقول: إن الحسن البصري يزعم أن ~~الذين يكتمون العلم يؤذي ريح بطونهم أهل النار، ms053 فقال أبو جعفر عليه السلام: # فهلك إذا مؤمن آل فرعون، ما زال العلم مكتوما منذ بعث الله نوحا، فليذهب ~~الحسن يمينا وشمالا، فوالله لا يوجد العلم إلا ههنا 1. # PageV00P188 # القسم الثاني آداب المعلم مع طلبته ويجمعها أمور: # الأول: أن يؤدبهم على التدريج بالآداب السنية والشيم المرضية، ورياضة ~~النفس بالآداب الدينية، والدقائق الخفية، ويعودهم الصيانة في جميع أمورهم ~~الكامنة والجلية، سيما إذا آنس منهم رشدا، وأول ذلك أن يحرص الطالب على ~~الاخلاص لله تعالى في عمله وسعيه، ومراقبة الله تعالى في جميع اللحظات، وأن ~~يكون دائما على ذلك حتى الممات، ويعرفه أن بذلك ينفتح عليه أبواب المعارف ~~وينشرح صدره، وينفجر من قلبه ينابيع الحكمة واللطائف، ويبارك له في حاله ~~وعلمه، ويوفق للإصابة في قوله وفعله وحكمه، ويتلو عليه الآثار الواردة في ~~ذلك ويضرب له الأمثال الدالة على ما هنالك ويزهده في الدنيا، ويصرفه عن ~~التعلق بها والركون إليها والاغترار بزخرفها ويذكره أنها فانية وأن الآخرة ~~باقية، والتأهب للباقي والاعراض عن الفاني هو طريق الحازمين ودأب عباد الله ~~الصالحين، وأنها إنما جعلت ظرفا ومزرعة لاقتناء الكمال ووقتا للعلم والعمل ~~فيها، وليحرز ثمرته في دار الاقبال بصالح الاعمال. # الثاني: 2 أن يرغبهم في العلم ويذكرهم بفضائله وفضائل العلماء، وأنهم ~~ورثة الأنبياء صلى الله عليهم، وأنهم على منابر من نور يغبطهم، الأنبياء ~~والشهداء، ونحو ذلك مما ورد في فضائل العلم والعلماء من الآيات والاخبار ~~والاشعار # PageV00P189 # والأمثال، ففي الأدلة الخطابية والامارات الشعرية هز عظيم للنفوس ~~الانسانية. # ويرغبهم مع ذلك بالتدريج على ما يعين عليه من الاقتصار على الميسور، وقدر ~~الكفاية من الدنيا والقناعة بذلك عما يشغل القلب من التعلق بها، وتفريق ~~الهم بسببها. # الثالث: أن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه من الشر، فإن ~~ذلك ما تمام الأمان ومقتضى المواساة، ففي صحيح الاخبار: # لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه 1. # ولا شك أن المتعلم أفضل الاخوان بل الأولاد كما سيأتي 2، فإن العلم قرب ~~روحاني وهو أجل من الجسماني، وعن ابن ms054 عباس: أكرم الناس علي جليسي الذي ~~يتخطى الناس حتى يجلس إلي، لو استطعت أن لا يقع الذباب عليه لفعلت 3. وفي ~~رواية: إن الذباب ليقع عليه فيؤذيني 3. # وعن محمد بن مسلم قال: دخل رجل من أهل الجبل على أبي جعفر عليه السلام ~~فقال له عند الوداع: أوصني. فقال: # عليك بتقوى الله وبر أخاك 4 المؤمن، وأحب له كما تحب لنفسك، وأكره له ما ~~تكره لنفسك، وإن سألك فأعطه، وإن كف عنك فأعرض عليه، ولا تمله خيرا، وإنه ~~لا يمل لك 5، كن له عضدا، وإنه لك عضد، وإن وجد عليك فلا تفارقه حتى تسأل # PageV00P190 # [ظ: تسل] سخيمته، وإن غاب فاحفظه في غيبته، وإن شهد فاكفه، واعضده وآزره ~~وأكرمه وألطفه، فإنه منك وأنت منه 1. # وكل خبر ورد في حقوق الاخوان 2 آت هنا مع زيادة، الرابع: أن يزجره عن سوء ~~الأخلاق، وارتكاب المحرمات والمكروهات، أو ما يؤدي إلى فساد حال أو ترك ~~اشتغال أو إساءة أدب، أو كثرة كلام لغير فائدة، أو معاشرة من لا تليق به ~~عشرته، أو نحو ذلك بطريق التعريض ما أمكن، لا بطريق التصريح مع الغنى عنه، ~~وبطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ، فإن التصريح يهتك حجاب الهيبة، ويورث ~~الجرأة على الهجوم بالخلاف، ويهيج الحرص على الاصرار، وقد ورد: # لو منع الناس عن فت البعر لفتوه، وقالوا ما نهينا عنه إلا وفيه شئ 3. # وفي المعنى أنشد بعضهم: # النفس تهوى من يجور ويعتدي * والنفس مائلة إلى الممنوع ولكل شئ تشتهيه ~~طلاوة * مدفوعة إلا عن الممنوع وانظر إرشاد رسول الله صلى الله عليه وآله، ~~وتلطفه مع الاعرابي الذي بال في # PageV00P191 # المسجد 1، ومع معاوية بن الحكم لما تكلم في الصلاة 2. # فإن انزجر لذكائه بما ذكر من الإشارة فبها ونعمت، وإلا نهاه سرا، فإن لم ~~ينته نهاه جهرا، ويغلظ القول عليه إن اقتضاه الحال، لينزجر هو وغيره، ~~ويتأدب به كل سامع، فإن لم ينته فلا بأس حينئذ بطرده والاعراض عنه إلى أن ~~يرجع، سيما إذا خاف على بعض رفقته من الطلبة موافقته. # وكذلك يتعهد ms055 ما يعامل به بعض الطلبة بعضا من إفشاء السلام وحسن التخاطب ~~في الكلام، والتحابب والتعاون على البر والتقوى، وعلى ما هم بصدده. # وبالجملة فكما يعلمهم مصالح دينهم لمعاملة الله تعالى، يعلمهم مصالح ~~دنياهم لمعاملة الناس، فيكمل لهم فضيلة الحالتين. # الخامس 3: أن لا يتعاظم على المتعلمين، بل يلين لهم ويتواضع، قال تعالى: # PageV00P192 # واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين 1. # وقال صلى الله عليه وآله: # إن الله أوحى إلي أن تواضعوا 2. # وقال صلى الله عليه وآله: # ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله ~~إلا رفعه الله 3. # وهذا في التواضع لمطلق الناس، فكيف بهؤلاء الذين هم معه كالأولاد، مع ما ~~هم عليه من ملازمتهم له، واعتمادهم عليه في طلب العلم النافع، ومع ما هم ~~عليه من حق الصحبة وحرمة التردد وشرف المحبة وصدق التودد. # وفي الخبر عنه صلى الله عليه وآله: # علموا ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف 4. # وعنه صلى الله عليه وآله: # لينوا لمن تعلمون، ولمن تتعلمون منه 5. # وقد تقدم 6، خبر عيسى عليه السلام مع الحواريين وغسله أقدامهم، وغيره من ~~الاخبار. # . # PageV00P193 # فعلى المعلم تحسين خلقه مع المتعلمين زيادة على غيرهم، والتلطف بهم إذا ~~لقيهم، والبشاشة وطلاقة الوجه وإظهار البشر وحسن المودة وإعلام المحبة ~~وإظهار الشفقة، والاحسان إليهم بعلمه وجاهه حسب ما يمكن. # وينبغي أن يخاطب كلا منهم - سيما الفاضل المتميز - بكنيته ونحوها من أحب ~~الأسماء إليه، وما فيه تعظيم له وتوقير، فلقد كان رسول الله صلى الله عليه ~~وآله يكني أصحابه إكراما لهم 1، فإن ذلك ونحوه أشرح لصدورهم، وأبسط ~~لسؤالهم، وأجلب لمحبتهم. # ويزيد في ذلك من يرجو فلاحه ويظهر صلاحه، وليمتثل وصية رسول الله صلى ~~الله عليه وآله في قوله: # إن الناس لكم تبع، وإن رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، ~~فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا 2. # وبالجملة فالعالم بالنسبة إلى المتعلم كالطبيب للمريض، فكل ما يرجو به ~~شفاءه فليفعله، فإن داء الجهالة النفسانية أقوى من الأدواء البدنية. # وقد يتفق كون خلاف ms056 ما ذكرناه هو الصلاح والدواء، كما يختلف ذلك باختلاف ~~الأمزجة والطباع. # السادس 3: وهو من جنس السابق إذا غاب أحد منهم أو من ملازمي الحلقة زائدا ~~على العادة يسأل عنه وعن أحواله وموجب انقطاعه، فإن لم يخبر عنه بشئ أرسل ~~إليه، أو قصد منزله بنفسه، وهو أفضل كما كان يفعل رسول الله صلى الله # PageV00P194 # عليه وآله مع أصحابه 1، فإن كان مريضا عاده أو في غم خفض عنه، أو مسافرا ~~تفقد أهله ومن يتعلق به ويسأل عنهم، وتعرض لحوائجهم ووصلهم بما أمكن، وإن ~~لم يحتاجوا إليه في شئ تودد ودعا. # السابع: أن يستعلم أسماء طلبته وحاضري مجلسه وأنسابهم وكناهم ومواطنهم ~~وأحوالهم، ويكثر الدعاء لهم، وفي الحديث المسلسل 2، بالسؤال عن الاسم ~~والكنية والبلد وأين أنزل غنية في ذلك. # الثامن: أن يكون سمحا ببذل ما حصله من العلم، سهلا بإلقائه إلى مبتغيه # PageV00P195 # متلطفا في إفادة طالبيه مع رفق ونصيحة وإرشاد إلى المهمات، وتحريض على ~~حفظ ما يبدله لهم من الفوائد النفيسات، ولا يدخر عنهم من أنواع العلم شيئا ~~يحتاجون إليه أو يسألون إذا كان الطالب أهلا لذلك. # وليكتم عنهم ما لم يتأهلوا له من المعارف، لان ذلك مما يفرق الهم ويفسد ~~الحال، فإن سأله الطالب شيئا من ذلك نبهه على أن ذلك يضره، وأنه لم يمنعه ~~منه شحا بل شفقة ولطفا، ثم يرغبه بعد ذلك في الاجتهاد والتحصيل، ليتأهل ~~لذلك وغيره. # وقد روي في تفسير " الرباني " أنه الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره ~~1. # التاسع: صد المتعلم أن يشتغل بغير الواجب قبله، وبفرض الكفاية قبل فرض ~~العين، ومن فرض العين إصلاح قلبه وتطهير باطنه بالتقوى، ويقدم على ذلك ~~مؤاخذته هو نفسه بذلك ليقتدي المتعلم أولا بأعماله، ثم يستفيد ثانيا من ~~أقواله، وكذلك يمنعه من علم الأدب قبل السنة وهكذا. # العاشر 2: أن يكون حريصا على تعليمهم، باذلا وسعه في تفهيمهم وتقريب ~~الفائدة إلى أفهامهم وأذهانهم، مهتما بذلك مؤثرا له على حوائجه ومصالحه، ما ~~لم يكن ضرورة إلى ما هو أرجح منه، ولا يدخر من نصحهم ms057 شيئا. ويفهم كل واحد ~~منهم بحسب فهمه وحفظه، ولا يعطيه ما لا يحتمله ذهنه، ولا يبسط الكلام بسطا ~~لا يضبطه حفظه، ولا يقصر به عما يحتمله بلا مشقة، ويخاطب كل واحد منهم على ~~قدر درجته وبحسب فهمه، فيلقي للمتميز الحاذق الذي يفهم المسألة فهما محققا ~~بالإشارة، ويوضح لغيره لا سيما متوقف الذهن، ويكررها لمن لا يفهمها إلا ~~بتكرار، ويبدأ بتصوير المسألة ثم يوضحها بالأمثلة إن احتيج إليه، ويذكر ~~الأدلة والمآخذ # PageV00P196 # لمحتملها، ويبين الدليل المعتمد ليعتمد، والضعيف لئلا يغتر به، فيقول: ~~استدلوا بكذا، وهو ضعيف لكذا، مراعيا في ذلك ما يجب مراعاته مع من يضعف ~~قوله من العلماء، بأن يقصد مجرد بيان الحق حيث يتوقف على ذلك، لا رفع نفسه ~~على غيره ولا هضم غيره. # ويبين أسرار حكم المسألة وعللها، وتوجيه الأقوال والأوجه الضعيفة والجواب ~~عنه [خ ل: عنها] وما يتعلق بتلك المسألة من أصل وفرع، وما يبني عليها وما ~~يشبهها وحكمه حكمها، وما يخالفها ومأخذ الحكمين والفرق بين المسألتين، وما ~~يتعلق بالمسألة من النكت اللطيفة والألغاز الظريفة والأمثال والاشعار ~~واللغات، وما يرد عليها أو على عبارة مثلها وجوابه إن أمكن. # وينبه على غلط من غلط فيها من المصنفين في حكم أو تخريج أو نقل ونحو ذلك، ~~لغرض صحيح، لا لمجرد إظهار الخطأ والصواب، بل [ل‍] النصيحة، لئلا يغتر به، ~~كل ذلك مع أهلية الملقى إليه لذلك. # الحادي عشر: 1 أن يذكر في تضاعيف الكلام ما يناسبه من قواعد الفن الكلية ~~التي لا تنخرم، أو يضبط مستثنياتها إن كانت، كقوله: كل ركن تبطل الصلاة ~~بزيادته ونقصانه مطلقا إلا مواضع مخصوصة، ويبينها، وكلما اجتمع سبب ومباشرة ~~قدمت المباشرة على السبب، وكل من قبض شيئا لغرضه لا يقبل قوله في الرد إلى ~~المالك، وأن الحدود تسقط بالشبهة، وأن الاعتبار في اليمين بالله تعالى بنية ~~الحالف إلا أن يكون المستحلف قاضيا وقد استحلفه لدعوى اقتضته، فالاعتبار ~~بنية القاضي أو نائبه المستحلف، وأن كل يمين على نفي فعل الغير فهي على نفي ~~العلم، إلا من ms058 أدعي عليه أن عبده جنى - على قول - أو بهيمة [ظ: بهيمته] ~~كذلك 2، وأن السيد لا يثبت له في ذمة عبده مال ابتداء، ونحو ذلك. # PageV00P197 # ويبين له جملا مما ينضبط ويحتاج إليه من أصول الفقه، كترتيب الأدلة من ~~الكتاب والسنة والاجماع والقياس على وجه والاستصحاب وأنواع الأقيسة ~~ودرجاتها، وحدود ما ناسب تحديده، وجملة من أسماء المشهورين من الصحابة ~~والتابعين والعلماء وتراجمهم ووفياتهم وضبط المشكل من أسمائهم وأنسابهم. # والمشتبه من ذلك، والمختلف والمؤتلف 1 منه، ونحو ذلك، وجملة من الألفاظ ~~اللغوية والعرفية المتكررة في العلم، ضبطا لمشكلها، فيقول: هي مفتوحة أو ~~مضمونة أو مكسورة مخففه أو مشددة، ونحو ذلك، كل ذلك تدريجا شيئا فشيئا ~~فيجتمع لهم مع طول الزمان خير عظيم. # الثاني عشر: 2 أن يحرصهم على الاشتغال في كل وقت، ويطالبهم في أوقات ~~بإعادة محفوظاتهم، ويسألهم عما ذكره لهم من المهمات والمباحث، فمن وجده ~~حافظا مراعيا أكرمه وأثنى عليه، وأشاع ذلك ما لم يخف فساد حاله بإعجاب ~~ونحوه، ومن وجده مقصرا عنفه في الخلوة، وإن رأى مصلحة في الملا فعل، فإنه ~~طبيب يضع الدواء حيث يحتاج إليه وينفع. # الثالث عشر: أن يطرح على أصحابه ما يراه من مستفاد المسائل الدقيقة ~~والنكت الغريبة، يختبر بذلك أفهامهم ويظهر فضل الفاضل، ليتدربوا بذلك ~~ويعتادوه، ولا يعنف من غلط منهم في ذلك إلا أن يرى في ذلك مصلحة. # وقد روي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: # إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم حدثوني ما هي؟ فوقع ~~الناس في شجر البوادي ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ~~ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة، فقال له أبوه: لو قلتها لكان أحب إلي ~~من كذا وكذا 3. # PageV00P198 # وكذلك إذا فرغ من شرح درس، فلا بأس أن يطرح مسائل تتعلق به على الطلبة، ~~وإعادة ذكر ما أشكل منه ليمتحن بذلك فهمهم وضبطهم، لما شرح لهم، فمن ظهر ~~استحكام فهمه له بتكرار الإصابة في جوابه شكره، ومن لم ms059 يفهمه تلطف في ~~إعادته له. # وينبغي للشيخ أن يأمر الطلبة بالاجتماع في الدرس لما يترتب عليه من ~~الفائدة التي لا تحصل مع الانفراد، وإعادة ما وقع من التقرير بعد فراغه ~~فيما بينهم ليثبت في أذهانهم. # الرابع عشر: أن ينصفهم في البحث، فيعترف بفائدة يقولها بعضهم وإن كان ~~صغيرا، فإن ذلك من بركة العلم. قال بعض السلف 1: من بركة العلم وآدابه ~~الانصاف، ومن لم ينصف لم يفهم ولم يتفهم. فيلازمه في بحثه وخطابه، ويسمع ~~السؤال من مورده على وجهه وإن كان صغيرا، ولا يترفع عن سماعه فيحرم ~~الفائدة. # ولا يحسد أحدا منهم لكثرة تحصيله أو زيادته على خاصته من ولد وغيره، ~~فالحسد حرام فكيف بمن هو بمنزلة الولد، وفضيلته يعود إلى معلمه منها أو فر ~~نصيب، فإنه مربيه وله في تعليمه وتخريجه في الآخرة الثواب الجزيل وفي ~~الدنيا الدعاء المستمر والثناء الجزيل. # وما رأينا ولا سمعنا بأحد من المشايخ اهتم بتفضيل ولده على غيره من ~~الطلبة وأفلح، بل الامر بيد الله والعلم فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو ~~الفضل العظيم. # الخامس عشر: 2 أن لا يظهر للطلبة تفضيل بعضهم على بعض عنده في مودة أو ~~اعتناء مع تساويهم في الصفات من سن أو فضيلة أو ديانة، فإن ذلك ربما يوحش ~~الصدر وينفر القلب. فإن كان بعضهم أكثر تحصيلا وأشد اجتهادا وأحسن أدبا، ~~فأظهر إكرامه وتفضيله وبين أن زيادة إكرامه لتلك الأسباب، فلا بأس بذلك ~~فإنه # PageV00P199 # ينشط، ويبعث على الاتصاف بتلك الصفات المرجحة. # السادس عشر: أن يقدم في تعليمهم إذا ازدحموا الأسبق فالأسبق، ولا يقدمه ~~بأكثر من درس إلا برضا الباقين، ويختار إذا كانت الدروس في كتاب واحد ~~باتفاق منهم وهو المسمى بالتقسيم أن يبدأ في كل يوم بدرس واحد منهم، فإن ~~الدرس المبدأ به ربما حصل فيه من النشاط في التقرير ما لا يحصل في غيره، ~~إلا إذا علم من نفسه عدم الملالة وبقاء النشاط، فيرتب الدروس بترتيب ~~الكتاب، فيقدم درس العبادات على درس المعاملات وهكذا، وإن رأى مع ذلك ms060 تقديم ~~الأسبق ليحض المتأخر على التقدم كان حسنا. # وينبغي أن لا يقدم أحدا في نوبة غيره، ولا يؤخره عن نوبته إلا إذا رأى في ~~ذلك مصلحة كنحو ما ذكرنا، فإن سمح بعضهم لغيره في نوبته فلا بأس، وإن جاؤوا ~~معا وتنازعوا أقرع بينهم بشرطه الآتي - مع بيان المسألة مفصلة - إن شاء ~~الله تعالى في القسم الثالث من النوع الثالث. # السابع عشر 1: إذا سلك الطالب في التحصيل فوق ما يقتضيه حاله أو تحمله ~~طاقته وخاف ضجره، أوصاه بالرفق بنفسه وذكره بقول النبي صلى الله عليه وآله: # إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى 2. # PageV00P200 # ونحو ذلك مما يحمله على الأناة والاقتصاد في الاجتهاد. # وكذلك إذا ظهر له منه نوع سامة أو ضجر أو مبادئ ذلك، أمره بالراحة وتخفيف ~~الاشتغال، وليزجره عن تعلم ما لا يحتمله فهمه أو سنه، من علم أو كتاب يقصر ~~ذهنه عن فهمه، فإن استشاره من لا يعرف حاله في الفهم والحفظ في قراءة فن أو ~~كتاب لم يشر عليه حتى يجرب ذهنه ويعلم حاله، فإن لم يحتمل الحال التأخر ~~أشار عليه بكتاب سهل من الفن المطلوب، فإن رأى فهمه جيدا وذهنه قابلا نقله ~~إلى كتاب يليق بذهنه، وإلا تركه، لان نقل الطالب إلى ما يدل نقله إليه على ~~جودة ذهنه وكماله مما يزيد انبساطه ويوفر نشاطه، وإلى ما يدل على قصوره ~~بخلاف ذلك. # ولا يمكن الطالب من الاشتغال في فنين أو أكثر، إذا لم يضبطهما، بل يقدم ~~الأهم فالأهم، كما سيذكر إن شاء الله تعالى 1. وإذا علم أو غلب على ظنه أنه ~~لا يفلح في فن أشار عليه بتركه والانتقال إلى غيره مما يرجى فلاحه فيه. # الثامن عشر: إذا كان متكفلا ببعض العلوم لا غير، لا ينبغي له أن يقبح في ~~نفس الطالب العلوم التي وراءة، كما يتفق ذلك كثيرا لجهلة المعلمين، فإن ~~المرء عدو ما جهل، كمعلم العربية والمعقول إذ عادته تقبيح الفقه، ومعلم ~~الفقه تقبيح 2 علم الحديث والتفسير، وأشباه ذلك. # PageV00P201 # وهكذا ينبغي أن يوسع ms061 على الطالب طريق التعلم في غيره، وإذا رأى مرتبة ~~العلم الذي بيده متأخرة عما بيد غيره يرشده إلى من بيده السابق، فإن ذلك هو ~~الواجب من نصح المسلمين وحفظ العلم والدين، وأتم الدليل على كمال المعلم، ~~وموجب الملكة الصالحة للمتعلم. # التاسع عشر 1: وهو من المهم أن لا يتأذى ممن يقرأ عليه إذا قرأ على غيره ~~أيضا لمصلحة راجعة إلى المتعلم، فإن هذه مصيبه يبتلى بها جهلة المعلمين ومن ~~لا يريد بعلمه وجه الله تعالى، لغباوتهم وفساد نياتهم. # وهو من أوضح الأدلة على عدم إرادتهم بالتعليم وجه الله الكريم وثوابه ~~الجسيم، فإنه عبد مأمور بأداء رسالة سيده إلى بعض عبيده، فإذا أرسل السيد ~~عبدا آخر لأداء الرسالة لا ينبغي للأول الغضب، فإن ذلك لا ينقصه عند السيد، ~~بل يزيده قدرا ورفعه عنده إذا وجده ممتثلا لا يريده منه أو من غيره. # فالواجب على المعلم إذا وجد من الطالب نشاطا وقوة على تعدد الدرس، ولم ~~يقدر على تحصيل غرضه بنفسه أن يرشده ابتداء إلى من يقرأ عليه درسا آخر، فإن ~~ذلك من تمام النصيحة ورعاية حفظ الأمانة. وهذا أمر اتفق لي مع بعض مشايخي ~~بمصر 2 أحسن الله جزاءه. # هذا كله إذا كان المعلم الآخر الذي انتقل إليه الطالب بنفسه أهلا، أما لو ~~كان جاهلا مع عدم علم الطالب، أو فاسقا أو مبتدعا أو كثير الغلط، ونحو ذلك ~~بحيث يفيد الطالب ملكة ردية لا يرجح عليها ما يحصله من العلم عليه، ~~فالتحذير من الاغترار به حسن مع مراعاة المقصد الصحيح المنجح، والله يعلم ~~المفسد من المصلح 3. # العشرون: إذا تكمل الطالب وتأهل للاستقلال بالتعليم واستغنى عن التعلم، # PageV00P202 # فينبغي أن يقوم المعلم بنظام أمره في ذلك، ويمدحه في المحافل، ويأمر ~~الناس بالاشتغال عليه والاخذ عنه، فإن الجاهل بحاله قد لا يأنس ولا يطمئن ~~به وإن تصدى للتعليم، بدون إرشاد من هو معلوم الحال. ولينبه على حاله مفصلا ~~ومقدار معلوماته وتقواه وعدالته، ونحو ذلك مما له مدخل في إقبال الناس على ~~التعلم منه، فإن ذلك ms062 سبب عظيم لانتظام العلم وصلاح الحال. # كما أنه لو رأى منه ميلا إلى الاستبداد والتدريس ويعلم قصوره عن المرتبة ~~واحتياجه إلى التعلم، ينبغي أن يقع ذلك عنده، ويشدد النكير عليه في الخلاء، ~~فإن لم ينجع فليظهر ذلك على وجه صحيح المقصد حتى يرجع إلى الاشتغال ويتأهل ~~للكمال. # ومرجع الامر كله إلى أن المعلم بالنسبة إلى المتعلم بمنزلة الطبيب، فلا ~~بد له في كل وقت من تأمل العلة المحوجة إلى الاصلاح ومداواته على الوجه ~~الذي تقتضيه العلة، وللذكي في تفصيل الحال مالا يدخل تحت الضبط، فإن لكل ~~مقام مقالا صالحا، ولكل مرض دواء ناجحا. والله الموفق. PageV00P203 # القسم الثالث آدابه في درسه وهي أمور: # الأول: أن لا يخرج إلى الدرس إلى كامل الأهبة، وما يوجب له الوقار ~~والهيبة في اللباس والهيئة والنظافة في الثوب والبدن، ويختار له البياض، ~~فإنه أفضل لباسا 1، ولا يعتني بفاخر الثياب بل بما يوجب الوقار وإقبال ~~القلوب عليه، كما ورد النص 2 به في أئمة المحافل من الأعياد والجمعات ~~وغيرهما. # وقد اشتمل كتاب [الزي و] التجمل [والمروءة] من كتاب " الكافي " 3 على ~~الأخبار الصحيحة في هذا الباب بما لا مزيد عليه، ويخرج التعرض له عن موضوع ~~الرسالة. # وليقصد بذلك تعظيم العلم وتبجيل الشريعة، وليتطيب ويسرح لحيته، ويزيل كل ~~ما يشينه، كان بعض السلف 4 إذا جاءه الناس لطلب الحديث يغتسل # PageV00P204 # ويتطيب ويلبس ثيابا جددا، ويضع رداءه، على رأسه، ثم يجلس على منصة 1 ولا ~~يزال يبخر بالعود حتى يفرغ، ويقول: أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله ~~عليه وآله. # الثاني: 2 أن يدعو عند خروجه مريدا للدرس بالدعاء المروي عن النبي صلى ~~الله عليه وآله: # اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو ~~أجهل أو يجهل علي، عز جارك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك. تم يقول: بسم الله ~~حسبي الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم ~~ثبت جناني أدر الحق على لساني ms063 3. # ويديم ذكر الله تعالى إلى أن يصل إلى المجلس. # الثالث: 4 أن يسلم على من حضر إذا وصل إلى المجلس، ويصلي ركعتين تحية ~~[المسجد] إن كان مسجدا، وإلا نوى بهما الشكر لله تعالى على توفيقه وتأهيله ~~لذلك أو الحاجة إلى تسديده وتأييده وعصمته من الخطأ، أو مطلقتين، فإن " ~~الصلاة خير موضوع " وأما استحبابها لذلك بخصوص فلم يثبت، وإن استحيه # PageV00P205 # بعض العلماء 1. ثم يدعو بعدهما بالتوفيق والإعانة والعصمة. # الرابع: أن يجلس بسكينة ووقار وتواضع وخشوع وإطراق، ثانيا رجليه أو ~~محتبيا، غير متربع ولا مقع، ولا غير ذلك من الجلسات المكروهة 2 مع ~~الاختيار، ولا يمد رجليه ولا إحديهما من غير عذر، ولا يتكئ إلى جنبه ولا ~~وراء ظهره ونحو ذلك، كل ذلك في حال الدرس، أما في غيره فلا بأس لان الطلبة ~~بمنزلة أولاده. # الخامس: قيل 3 يجلس مستقبل القبلة، لأنه أشرف ولقوله صلى الله عليه وآله: # خير المجالس ما استقبل بها 4. # ويمكن أن يقال باستحباب استدباره لها ليخص الطلبة بالاستقبال، لأنهم ~~أكثر، وكذا من يجلس إليهم للاستماع. # ومثله ورد في القاضي 5، إلا أن لذلك مزية زائدة في ذلك، وهو كان الخصوم # PageV00P206 # إلى القبلة تغليظا عليهم في الحذر من كلام الباطل وفي حال الحلف، ولا نص ~~هنا على الخصوص. # السادس: أن ينوي قبل شروعه بل حين خروجه من منزله تعليم العلم ونشره، وبث ~~الفوائد الشرعية، وتبليغ الاحكام الدينية التي أو تمن عليها وأمر ببيانها، ~~والازدياد في العلم بالمذاكرة، وإظهار الصواب والرجوع إلى الحق، والاجتماع ~~على ذكر الله تعالى، والدعاء للعلماء الماضين والسلف الصالحين، وغير ذلك ~~مما يحضره من المقاصد. فإن بإحضارها بالبال وكثرتها يزيد ثواب العمل، فإنما ~~الأعمال بالنيات . وليس المراد بالنية أن يقول: أفعل كذا لأجل كذا، ويرتب ~~لها ألفاظا مخصوصة، بل المراد بها بعث النفس وتصميم العزم على الفعل ~~المخصوص، لغرض التقرب إلى الله تعالى وطلب الزلفى لديه، حتى لو تلفظ وقال: ~~أفعل ذلك الله تعالى - والله مطلع على قلبه يقصد غير ذلك كقصد الظهور في ~~المحافل وارتفاع الصيت ms064 والترجيح على الأمثال والنظراء - فهو مخادع لله ~~تعالى مراء للناس، والله مطلع على فساد نيته وخبث طويته فيستحق العقوبة على ~~هذه الذنوب وإن كانت بمظهر العبادة. أصلح الله تعالى بفصله وكرمه أعمالنا ~~وسددنا في أقوالنا وأخلص سرائرنا ومقاصدنا بمنه وفضله. # السابع: أن يستقر على سمت واحد مع الامكان، فيصون بدنه عن الزحف والتنقل ~~عن مكانه والتقلقل، ويديه عن البعث والتشبيك بهما، وعينيه عن تفريق النظر ~~بلا حاجة. # ويتقي كثرة المزاح والضحك، فإنه يقلل الهيبة ويسقط الحرمة، ويزيل ~~PageV00P207 # الحشمة، ويذهب العزة من القلوب، وأما القليل من المزاح فمحمود، كما كان ~~يفعله النبي صلى الله عليه وآله 1 ومن بعده من الأئمة المهديين 2، تأنيسا ~~للجلساء وتأليفا للقلوب، وقريب منه الضحك، فقد كان النبي صلى الله عليه ~~وآله يضحك حتى تبدو نواجذه 3. ولكن لا يعلو الصوت 4، والعدل التبسم. # الثامن: أن يجلس في موضع يبرز وجهه فيه لجميع الحاضرين، ويلتفت إليهم ~~التفاتا خاصا بحسب الحاجة للخطاب ويفرق النظر عليهم، ويخص من يكلمه أو ~~يسأله أو يبحث معه على الوجه بمزيد التفات إليه وإقبال عليه، وإن كان صغيرا ~~أو وضيعا، فإن تخصيص المترفعين من أفعال المتجبرين والمرائين. والقارئ من ~~الحاضرين في حكم الباحث، فيخصه بما يتعلق بدرسه، ويعطي غيره من الخطاب ~~والنظر بحسب حاله وسؤاله. # PageV00P208 # التاسع: أن يحسن خلقه مع جلسائه زيادة على غيرهم، ويوقر فاضلهم بعلم أو ~~سن أو صلاح أو شرف، ونحو ذلك، ويرفع مجالسهم على حسب تقديمهم في الإمامة 1، ~~ويتلطف بالباقين، ويكرمهم بحسن السلام وطلاقه الوجه والبشاشة والابتسام، ~~وبالقيام لهم على سبيل الاحترام ولا كراهة فيه بوجه، وإن كان في بعض ~~الأخبار ما يوهمه 2، وتحقيقه في غير هذا المحل. # PageV00P209 # العاشر: 1 أن يقدم على الشروع في البحث والتدريس تلاوة ما تيسر من القرآن ~~العظيم تيمنا وتبركا، ويدعو عقيب القراءة لنفسه وللحاضرين ولسائر المسلمين، ~~ثم يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويسمي الله تعالى ويحمده، ويصلي ويسلم ~~على النبي - صلى الله عليه وآله - وعلى آله وأصحابه، ثم يدعو العلماء ~~الماضين والسلف الصالحين، ولمشايخه خاصة ms065 ولوالديه وللحاضرين وإن كان في ~~مدرسة ونحوها دعا لواقف المكان. # وهذا وإن لم يرد به نص على الخصوص، لكن فيه خير عظيم وبركة والمحل موضوع ~~إجابة، وفيه اقتداء بالسلف من العلماء، فقد كانوا يستحبون ذلك 2. # وذكر بعض العلماء 3 أنه يقول من جملة الدعاء: # اللهم إني أعوذ بك أن أصل أو أصل أو أزل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل ~~أو يجهل علي. اللهم أنفعني بما علمتني وعلمني وما ينفعني وزدني علما والحمد ~~لله على كل حال، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن ~~نفس لا تشبع ومن دعاء لا يسمع 4. # وكان بعض العلماء 5 يختار قراءة سورة الأعلى، ويزعم أنه متأس ومتفأل بما ~~فيها من قوله الأعلى وقوله قدر فهدى وقوله سنقرئك فلا تنسى وقوله فذكر ~~وقوله # PageV00P210 # صحف إبراهيم وموسى 1. # وروي أن من اجتمع مع جماعة، ودعا يكون من دعائه: # اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا ~~به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا. اللهم متعنا بأسماعنا ~~وأبصارنا وقوينا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثارنا على من ظلمنا، ~~وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل دنيانا أكبر ~~همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا 2. # الحادي عشر: أن يتحرى تفهيم الدرس بأيسر الطرق وأعذب ما يمكنه من ~~الألفاظ، مترسلا مبينا موضحا مقدما ما ينبغي تقديمه، مؤخرا ما ينبغي ~~تأخيره، مرتبا من المقدمات ما يتوقف عليها تحقيق المحل، واقفا في موضع ~~الوقف، موصلا في موضع الوصل، مكررا ما يشكل من معانيه وألفاظه مع حاجة ~~الحاضرين أو بعضهم إليه، وإذا فرغ من تقرير المسألة سكت قليلا حتى يتكلم من ~~في نفسه كلام عليه. # ولا يذكر 3 في الدرس شبهة في الدين ويؤخر الجواب عنها إلى درس آخر، بل ~~يذكرهما جميعا أو يؤخرهما جميعا، سيما إذا كان الدرس يجمع الخاص والعام، ~~ومن يحتمل أن لا يعود إلى ms066 ذلك المقام، فتقع الشبهة في نفسه ولا يتفق له ~~جوابها، فيصير سببا في فتنته. # الثاني عشر 4: إذا تعددت الدروس، فليقدم منها الأشرف فالأشرف والاهم ~~فالأهم، فيقدم أصول الدين ثم التفسير ثم الحديث ثم أصول الفقه، ثم الفقه ثم # PageV00P211 # النحو ثم المعاني، وعلى هذا قياس باقي العلوم بحسب مرتبتها، والحاجة ~~إليها. # وسيأتي 1 إن شاء الله ما يعين على هذا الترتيب في باب يخصه. # الثالث عشر 2: أن لا يطول مجلسه تطويلا يملهم، أو يمنعهم فهم الدرس أو ~~ضبطه، لان المقصود إفادتهم وضبطهم، فإذا صاروا إلى هذه الحالة فات المقصود. # ولا يقصره تقصيرا يخل ببعض تقريره أو ضبطه أو فهمه، لفوات المقصود، ~~ويراعي في ذلك مصلحة الحاضرين في الفائدة والتطويل، واستيفاء الأقسام في ~~التقسيم إذا كانوا من أهله. # الرابع عشر: أن لا يشتغل بالدرس، وبه ما يزعجه ويشوش فكره، من مرض أو جوع ~~أو عطش أو مدافعه حدث أو شدة فرح أو غم أو غضب أو نعاس أو قلق أو برد أو حر ~~مؤلمين، حذرا من أن يقصر عن استيفاء المطلوب من البحث، أو يفتي بغير ~~الصواب. # الخامس عشر: أن لا يكون في مجلسه ما يؤذي الحاضرين من دخان أو غبار أو ~~صوت مزعج، أو شمس موجبة للحر الشديد، أو نحو ذلك مما يمنع من تأدية ~~المطلوب، بل يكون واسعا مصونا عن كل ما يشغل الفكر ويشوش النفس ليحصل فيه ~~الغرض المطلوب. # السادس عشر 3: مراعاة مصلحة الجماعة في تقديم وقت الحضور وتأخيره في ~~النهار، إذا لم يكن عليه فيه ضرورة ولا مزيد كلفة، ومن الضرورة الاشتغال في ~~الوقت الصالح بالمطالعة والتصنيف حيث يكون الاشتغال به أولى من التدريس. # السابع عشر 4: أن لا يرفع صوته زيادة على الحاجة، ولا يخفضه خفضا يمنع ~~بعضهم من كمال فهمه، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله: # PageV00P212 # إن الله يحب الصوت الخفيض، ويبغض الصوت الرفيع 1. # والأولى أن يا يجاوز صوته مجلسه، ولا يقصر عن سماع الحاضرين، فإن حضر ~~فيهم ثقيل السمع، فلا بأس بعلو صوته بقدر ms067 ما يسمعه، وقد روي في فضيلة ذلك ~~حديث 2. # الثامن عشر 3: أن يصون مجلسه عن اللغط، فإن الغلط تحت اللغط، وعن رفع ~~الأصوات وسوء الأدب في المباحثة، واختلاف جهات البحث، والعدول عن المسألة ~~إلى غيرها قبل إكمالها. فإذا ظهر من أحد الباحثين شئ من مبادئ ذلك تلطف في ~~دفعه قبل انتشاره وثوران النفوس، ويذكر لجملة الحاضرين ما يقتضي قبح ~~الانتقال المذكور، وأن المقصود اجتماع القلوب على إظهار الحق وتحصيل ~~الفائدة والصفاء والرفق، واستفادة البعض من البعض، ويذكرهم ما جاء في ذم ~~المماراة والمنافسة والشحناء، سيما أهل العلم المتسمين به، وأن ذلك سبب ~~العداوة # PageV00P213 # والبغضاء الموجبين [ظ: الموجبتين] لتشويش الفكر وذهاب الدين، وأن الواجب ~~كون الاجتماع خالصا لله تعالى ليثمر الفائدة في الدنيا والسعادة في الأخرى. # التاسع عشر: أن يزجر من تعدى في بحثه أو ظهر منه لدد أو سوء أدب أو ترك ~~إنصاف بعد ظهور الحق، أو أكثر الصياح بغير فائدة، أو أساء أدبه على غيره من ~~الحاضرين أو الغائبين، أو ترفع على من هو أولى منه في المجلس، أو نام أو ~~تحدث مع غيره حالة الدرس بما لا ينبغي، أو ضحك أو استهزأ بأحد أو فعل ما ~~يخل بأدب الطالب في الحلقة، وسيأتي تفصيله 1 إن شاء الله تعالى. # هذا كله إذا لم يترتب على ذلك مفسدة تربو عليه، وهذا النوع مغاير لما مر ~~من زجرهم وكفهم عن مساوئ الأخلاق، لان هذا خاص بالدرس وذاك بما يتعلق بشأن ~~أنفسهم، وإن كان يمكن إدراجه فيه، إلا أن الاهتمام بشأنه حسن ذكره على ~~الخصوص. # العشرون: أن يلازم الارفاق بهم في خطابهم وسماع سؤالهم، وإذا عجز السائل ~~عن تقرير ما أورده أو تحرير العبارة فيه، لحياء أو قصور ووقع على المعنى، ~~عبر عن مراده أولا وبين وجه إيراده، وأجاب بما عنده. # وإن اشتبه عليه مراده سأله عن الأمور التي يحتمل إرادته لها، فيقول له: ~~أتريد بقولك كذا؟ فان قال: نعم. أجابه، وإلا ذكر محتملا آخر. # وإن سأل عن شئ ركيك فلا يستهزئ به ms068 ولا يحتقر السائل، فإن ذلك أمر لا حيلة ~~فيه، ويتذكر أن الجميع كانوا كذلك ثم تعلموا وتفقهوا. # الحادي والعشرون 2: أن يتودد لغريب حضر عنده، وينبسط له لينشرح صدره، فإن ~~للقادم دهشة سيما بين يدي العلماء. ولا يكثر النظر والالتفات إليه استغرابا ~~له، فإن ذلك يخجله ويمنعه من المسألة [خ ل: المسألة] والمشاركة في البحث إن ~~كان من أهله. # PageV00P214 # الثاني والعشرون: إذا أقبل بعض الفضلاء، وقد شرع في مسألة أمسك عنها حتى ~~يجلس، وإن جاء - وهو - يبحث أعادها له أو مقصودها، وإذا أقبل وقد بقي ~~للفراغ وقيام الجماعة بقدر ما يصل إلى المجلس، فليؤخر تلك البقية، ويشتغل ~~عنها ببحث أو غيره إلى أن يجلس ثم يعيدها أو يتمم تلك البقية، كيلا يخجل ~~المقبل بقيامهم عند جلوسه. # الثالث والعشرون: 1 - وهو من أهم الآداب - إذا سئل عن شئ لا يعرفه، أو ~~عرض في الدرس ما لا يعرفه، فليقل: لا أعرفه أو لا أتحققه أولا أدري أو حتى ~~أراجع النظر في ذلك. ولا يستنكف عن ذلك، فمن علم العالم أن يقول فيما لا ~~يعلم: # " لا أعلم والله أعلم ". # قال علي عليه السلام: # إذا سئلتم عما لا تعلمون فاهربوا، قالوا: وكيف الهرب؟ قال: تقولون: الله ~~أعلم 2. # وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: # ما علمتم فقولوا، وما لم تعلموا فقولوا: الله أعلم. إن الرجل ليسرع [خ ل: ~~ليشرع] بالآية من القرآن يخر فيها أبعد ما بين السماء [والأرض] 3. # وعن زرارة بن أعين قال: # سألت أبا جعفر عليه السلام: ما حق الله على العباد؟ قال: أن يقولوا ما ~~يعلمون، ويقفوا عندما لا يعلمون 4. # وعن الصادق عليه السلام: # PageV00P215 # إن الله خص عباده بآيتين من كتابه: أن لا يقولوا حتى يعلموا، ولا يردوا ~~ما لم يعلموا، قال الله عز وجل: " ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا ~~يقولوا على الله إلا الحق " وقال: " بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما ~~يأتهم تأويله " 2. # وعن ابن عباس رضي الله عنه: إذا ترك العالم " لا أدري " أصيبت مقاتله 3. # وعن ابن ms069 مسعود رضي الله عنه: إذا سئل أحدكم عما لا يدري، فليقل: # لا أدري، فإنه ثلث العلم 4. # وقال آخر: لا أدري ثلث العلم 5. # وقال بعض الفضلاء: ينبغي للعالم أن يورث أصحابه " لا أدري " 6. ومعناه أن ~~يكثر منها لتسهل عليهم ويعتادوها، فيستعملوها في وقت الحاجة. # وقال آخر: تعلم " لا أدري "، فإنك إن قلت: لا أدري، علموك حتى تدري، وإن ~~قلت: أدري، سألوك حتى لا تدري 7. # PageV00P216 # واعلم أن قول العالم: " لا أدري " لا يضع منزلته، بل يزيدها رفعة ويزيده ~~في قلوب الناس عظمة، تفضلا من الله تعالى عليه، وتعويضا له بالتزامه الحق، ~~وهو دليل واضح على عظمة محله وتقواه وكمال معرفته. لا يقدح في المعرفة ~~الجهل بمسائل معدودة. # وإنما يستدل بقوله: " لا أدري " على تقواه، وأنه لا يجازف في فتواه، وأن ~~المسألة من مشكلات المسائل. وإنما يمتنع من " لا أدري " من قل علمه وعدمت ~~تقواه وديانته، لأنه يخاف لقصوره أن يسقط من أعين الناس، وهذه جهالة أخرى ~~منه، فإنه بإقدامه على الجواب فيما لا يعلم يبوء بالاثم العظيم، ولا يصرفه ~~عما عرف به من القصور، بل يستدل به على قصوره، ويظهر الله تعالى عليه ذلك ~~بسبب جرأته على التقول في الدين، تصديقا لما ورد في الحديث القدسي: # من أفسد جوانية أفسد الله برانيه 1. # ومن المعلوم أنه إذا رؤي المحققون يقولون في كثير من الأوقات: " لا أدري ~~" وهذا المسكين لا يقولها أبدا، يعلم أنهم يتورعون لدينهم وتقواهم، وأنه ~~يجازف لجهله وقلة دينه، فيقع فيما فر منه، واتصف بما احترز عنه لفساد نيته ~~وسوء طويته. # وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: # المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور 2. # PageV00P217 # وقد أدب الله تعالى العلماء بقصة موسى والخضر عليهما السلام حين لم يرد ~~موسى عليه السلام العلم إلى الله تعالى لما سئل هل أحد أعلم منك؟ 1 بما ~~حكاه الله عنهما من الآيات المؤذنة 2 بغاية الذل من موسى عليه السلام وغاية ~~العظمة من الخضر عليه السلام. وسيأتي 3 إن شاء الله تعالى في هذه الرسالة ms070 ~~جملة من نكت القصة. # الرابع والعشرون: أنه إذا اتفق له تقرير أو جواب توهمه صوابا، يبادر إلى ~~التنبيه على فساده وتبيين خطائه قبل تفرق الحاضرين، ولا يمنعه الحياء أو ~~غيره من المبادرة، وتحمله النفس الامارة بالسوء على التأخير إلى وقت آخر ~~خال، فإنه من خدع النفس وتلبيس إبليس لعنه الله. # وفيه ضرر عظيم من وجوه كثيرة: منها: استقرار الخطأ في قلوب الطلبة، ~~ومنها: # تأخير بيان الحق مع الحاجة إليه، ومنها: خوف عدم حضور بعض أهل المجلس في ~~الوقت الآخر فيستمر الخطأ في فهمه، ومنها: طاعة الشيطان في الاستمرار على ~~الخطأ، وهو موجب لطعمه فيه مرة ثانية وهلم جرا. ومع تأديته للواجب من ذلك ~~يفيد الطالبين ملكة صالحة تعقب خيرا عظيما يكون الراجع سببا فيه، فيشارك في ~~أجره، مضافا إلى ما استحقه من الاجر بفعل ما يجب عليه، فقد غنمت حركته ~~وربحت تجارته برجوعه إلى الحق، ويرفعه الله تعالى بسبب ذلك، خلاف ما يظنه، ~~الجاهل ويتوهمه الأحمق الغافل. # . # PageV00P218 # الخامس والعشرون: 1 التنبيه عند فراغ الدرس أو إرادته بما يدل عليه إن لم ~~يعرفه القارئ، وقد جرت عادة السلف أن يقولوا حينئذ: " والله أعلم " 2. # وقال بعض العلماء: 3 الأولى أن يقال قبل ذلك كلام يشعر بختمه الدرس، ~~كقوله: هذا آخره، أو: ما بعده يأتي إن شاء الله تعالى، ونحو ذلك، ليكون ~~قوله " والله أعلم " خالصا لذكر الله تعالى ولقصد معناه. ولهذا ينبغي أن ~~يستفتح كل درس ببسم الله الرحمن الرحيم، ليكون ذاكرا لله تعالى في بدايته ~~وخاتمته، وإذا جعل الذكر دليلا على الفراغ لم يتمحض له. # السادس والعشرون: أن يختم الدرس بذكر شئ من الرقائق والحكم والمواعظ ~~وتطهير الباطن، ليتفرقوا على الخشوع والخضوع والاخلاص، فإن البحث البحت ~~يورث في القلوب قوة، وربما أعقب قسوة، فليحركه في كل وقت إلى الاقبال، ~~ويلاحظه بالاستكمال، ولا شئ أصلح من تلك الحالة. # هذا كله إذا لم يكن بعد ذلك دروس حاضرة بحيث يكون الاشتغال بها أولى، ~~فيؤخر ذلك إلى الآخر حسب ما يقتضيه الحال. # السابع والعشرون: ms071 أن يختم المجلس بالدعاء كما بدأ به، بل هو الآن أولى ~~وأقرب إلى الإجابة، لما قد غشيهم من الرحمة وخصهم من المثوبة، وليتضمن ~~دعاؤهم الأئمة الراشدين والعلماء السابقين، وتعميم جماعة المسلمين، وأن ~~يجعل أعمالهم خالصة لوجه الله، مقربة إلى مرضاته. # وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وآله كان يختم مجلسه بالدعاء. وفيه حديث ~~مسلسل 4 بختمه به مشهور، ومتنه: # . # PageV00P219 # أنه صلى الله عليه وآله كان إذا فرغ من حديثه، وأراد أن يقوم من مجلسه ~~يقول: اللهم اغفر لنا ما أخطأنا وما تعمدنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أنت ~~أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت 1. # الثامن والعشرون: 2 أن يمكث قليلا بعد قيام الجماعة، فإن فيه فوائد ~~وآدابا له ولهم: منها إن كان في نفس أحد منهم بقايا سؤال تأخر، ومنها إن ~~كان لاحد به حاجة، وقد صبر عليها حتى فرغ يذكرها له، ومنها عدم مزاحمتهم ~~ورفع الكلفة عنهم بخروجه قبلهم، وخفق النعال خلفه، وهو آفة عظيمة خطرة، ~~ومنها عدم ركوبه بينهم إن كان يركب إلى غير ذلك. # التاسع والعشرون: 3 أن ينصب لهم نقيبا فطنا كيسا يرتب الحاضرين، ومن يدخل ~~عليه على قدر منازلهم، ويوقظ النائم وينبه الغافل، ويشير إلى ما ينبغي فعله ~~وتركه، ويأمر بسماع الدروس والانصات إليها لمن لا يعرف، وكذلك ينصب لهم ~~رئيسا آخر يعلم الجاهل، ويعيد درس من أراد، ويرجع إليه في كثير ما يستحيى ~~أن يلقى به العالم من مسألة أو درس، فإن فيه ضبطا لوقت العالم، وصلاحا لحال ~~المتعلم الثلاثون: 4 أن يقول إذا قام من مجلسه: # سبحانك اللهم وبحمدك، أشد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، سبحان ~~ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. # PageV00P220 # رواه جماعة من فعل النبي صلى الله عليه وآله 1. وفي بعض الروايات أن ~~الثلاث آيات كفارة المجلس 2. وكما يستحب ذلك العالم يستحب لكل قائم لكنه في ~~حقه آكد. # PageV00P221 # النوع الثالث في الآداب المختصة بالمتعلم وهي تنقسم ms072 كما مر 1 ثلاثة ~~أقسام: آدابه في نفسه، وآدابه مع شيخه، وآدابه في مجلس درسه. # PageV00P223 # القسم الأول آدابه في نفسه وهي أمور: # الأول: أن يحسن نيته، ويطهر قلبه من الأدناس، ليصلح لقبول العلم وحفظه ~~واستمراره، وقد تقدم ما يدل عليه، 1 ولكن أعيد هنا لينبه على كونه من أسباب ~~التحصيل، وهناك من أسباب الفائدة الأخروية: # قال بعض الكاملين: تطييب القلب للعلم كتطييب الأرض للزراعة، فبدونه لا ~~تنمو ولا تكثر بركته ولا يزكو، كالزرع في أرض بائرة غير مطيبة. 2 وقال ~~النبي صلى الله عليه وآله: # إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا ~~وهي القلب. 3 وقال سهل بن عبد الله: حرام على قلب أن يدخله النور، وفيه شئ ~~مما يكرهه الله عز وجل. 4 وقال علي بن خشرم: شكوت إلى وكيع 5 قلة الحفظ، ~~فقال: استعن على . # PageV00P224 # الحفظ بقلة الذنوب 1 وقد نظم بعضهم ذلك في بيتين فقال: # شكوت إلى وكيع سوء حفظي * فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال اعلم بأن العلم ~~فضل * وفضل الله لا يؤتاه عاصي 2 الثاني: أن يغتنم التحصيل في الفراغ ~~والنشاط وحالة الشباب وقوة البدن ونباهة الخاطر وسلامة والحواس وقلة ~~الشواغل وتراكم العوارض، سيما قبل ارتفاع المنزلة والاتسام بالفضل والعلم، ~~فإنه أعظم صاد عن درك الكمال، بل سبب تام في النقصان والاختلال. # قال بعضهم: تفقهوا قبل أن تسودوا 3. أي تصيروا سادة فتأنفوا من التعلم أو ~~تستحيوا منه بسبب المنزلة فيفوتكم العلم. # وقال آخر: تفقه قبل أن تترأس، فإذا رأست، فلا سبل إلى التفقه. 4 وجاء في ~~الخبر: # مثل الذي يتعلم العلم في صغره كالنقش على الحجر، ومثل الذي يتعلم العلم ~~في # PageV00P225 # كبره كالذي يكتب على الماء 1. # وعن ابن عباس رضي الله عنه: ما أوتي عالم علما إلا وهو شاب 2 وقد نبه ~~الله تعالى على ذلك بقوله: وآتيناه الحكم صبيا. 3 وهذا باعتبار الغالب، ~~وإلا فمن كبر لا ينبغي له أن يحجم عن الطلب، فإن الفضل واسع والكرم ms073 وافر ~~والجود فائض، وأبواب الرحمة والهبات مفتحة، فإذا كان المحل قابلا تمت ~~النعمة وحصل المطلوب، قال الله تعالى " واتقوا الله ويعلمكم الله 4 وقال ~~تعالى: # ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما 5. # وقال تعالى - حكاية عن موسى عليه السلام -: # ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما 6. إلى غير ذلك، وقد اشتغل جماعه ~~من السلف 7 في حال كبرهم فتفقهوا وصاروا أساطين في الدين وعلماء مصنفين في ~~الفقه وغيره، فليغتنم العاقل عمره، وليحرز شبابه عن التضييع، فإن بقية ~~العمر لا ثمن لها كما قيل: # بقية العمر عندي ما لها ثمن * وما مضى غير محمود من الزمن يستدرك المرء ~~فيها ما أفات ويحيا ما أمات ويمحو السوء بالحسن 8 الثالث: 9 أن يقطع ما ~~يقدر عليه من العوائق الشاغلة، والعلائق المانعة عن تمام الطلب وكمال ~~الاجتهاد، وقوة الجد في التحصيل، ويرضى بما تيسر من القوت وإن # PageV00P226 # كان يسيرا، وبما يستر مثله من اللباس وإن كان خلقا، فبالصبر على ضيق ~~العيش تنال سعة العلم، ويجمع شمل القلب عن مفترقات الآمال، ليتفجر عنه ~~ينابيع الحكمة والكمال. # قال بعض السلف 1: لا يطلب أحد هذا العلم بعز النفس فيفلح، ولكن من طلبه ~~بذل النفس وضيق العيش وخدمة العلماء أفلح. # وقال أيضا: لا يصلح طلب العلم إلا لمفلس. فقيل: ولا الغني المكفي. # فقال: ولا الغني المكفي 2. # وقال آخر: 3 لا يبلغ أحد من هذا العلم ما يريد حتى يضربه الفقر، ويؤثره ~~على كل شئ. # وقال بعضهم: 4 لا ينال هذا العلم إلا من عطل دكانه، وخرب بستانه، وهجر ~~إخوانه، ومات أقرب أهله فلم يشهد جنازته. # وهذا كله وإن كان فيه مبالغة، فالمقصود به أنه لا بد فيه من جمع القلب ~~واجتماع الفكر. وبالغ بعض المشايخ فقال لبعض طلبته: اصبغ ثوبك حتى لا يشغلك ~~فكر غسله. 5 ومن هنا قيل: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك. 6 الرابع: أن ~~يترك التزوج حتى يقضي وطره من العلم، فإنه أكبر شاغل # PageV00P227 # وأعظم مانع، بل هو المانع جملة، حتى ms074 قال بعضهم: ذبح العلم في فروج ~~النساء. 1 وعن إبراهيم بن أدهم: من تعود أفخاذ النساء لم يفلح 2. يعني ~~اشتغل بهن عن الكمال. # وهذا أمر وجداني مجرب واضح، لا يحتاج إلى الشواهد، كيف مع ما يترتب عليه ~~على تقدير السلامة فيه من تشويش الفكر بهم الأولاد والأسباب، ومن المثل ~~السائر " لو كلفت بصلة ما فهمت مسألة ". 3 ولا يغتر الطالب بما ورد في ~~النكاح من الترغيب، 4 فإن ذلك حيث لا يعارضه واجب أولى منه، ولا شئ أولى ~~ولا أفضل ولا واجب أضيق من العلم. سيما في # PageV00P228 # زماننا هذا، فإنه وإن وجب على الأعيان والكفاية على تفصيل، فقد وجب في ~~زماننا هذا على الأعيان مطلقا، لان فرض الكفاية إذا لم يقم به من فيه ~~كفاية، يصير كالواجب العيني في مخاطبة الكل به، وتأثيمهم بتركه، كما هو ~~محقق في الأصول. # الخامس: 1 أن يترك العشرة مع من يشغله عن مطلوبه، فإن تركها من أهم ما ~~ينبغي لطالب العلم، ولا سيما لغير الجنس، وخصوصا لمن قلت فكرته، وكثر تعبه ~~وبطالته، فإن الطبع سراق، وأعظم آفات العشرة ضياع العمر بغير فائدة، وذهاب ~~العرض والدين إذا كانت لغير أهل. # والذي ينبغي لطالب العلم، أن لا يخالط إلا لمن يفيده أو يستفيد منه، فإن ~~احتاج إلى صاحب، فليختر الصاحب الصالح الدين التقي الذكي، الذي إن نسي ~~ذكره، وإن ذكر أعانه، وإن احتاج واساه، وإن ضجر صبره، فيستفيد من خلقه ملكة ~~صالحة فإن لم يتفق مثل هذا، فالوحدة ولا قرين السوء، السادس: 2 أن يكون ~~حريصا عن التعلم، مواظبا عليه في جميع أوقاته: ليلا ونهارا، سفرا وحضرا، ~~ولا يذهب شيئا من أوقاته في غير طالب العلم إلا بقدر الضرورة لما لابد منه ~~من أكل ونوم واستراحة يسيرة، لإزالة الملل ومؤانسة زائر وتحصيل قوت، وغيره ~~مما يحتاج إليه، أو لألم وغيره، مما يتعذر معه الاشتغال، فإن بقية العمر لا ~~ثمن لها و من استوى يوماه فهو مغبون. 3 # PageV00P229 # وليس بعاقل من أمكنه الحصول على درجة ورثها الأنبياء ms075 ثم فوتها، ومن هنا ~~قيل: لا يستطاع العلم براحة الجسد. 1 وقيل: الجنة حفت بالمكاره. 2 وقيل: " ~~ولابد دون الشهد من ألم النحل " 3. وقيل: # لا تحسب المجد تمرا أنت آكله * لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا 4 السابع: ~~أن يكون عالي الهمة، فلا يرضى باليسير مع إمكان الكثير، ولا يسوف في ~~اشتغاله، ولا يؤخر تحصيل فائدة وإن قلت تمكن منها، وإن أمن فوات حصولها بعد ~~ساعة، لان للتأخير آفات، ولأنه في الزمن التالي يحصل غيرها، حتى لو عرض له ~~مانع عن الدرس، فليشتغل بالمطالعة والحفظ بجهده، ولا يربط شيئا بشئ. # وليعلم أنه إن أراد التأخير إلى زمن يكمل فيه الفراغ، فهذا زمن لم يخلقه ~~الله تعالى بعد بل لابد في كل وقت من موانع وعوائق وقواطع، فقاطع ما أمكنت ~~منها قبل أن يقطعك كلها، كما ورد في الخبر: الوقت سيف فإن قطعته وإلا قطعك. ~~5 . # PageV00P230 # وإلى هذا المعنى أشار بعض الأولياء الفضلاء 1 مشيرا إلى الحث على مقامات ~~العارفين: # وكن صارما كالوقت فالمقت في " عسى " * وإياك " علي " فهي أخطر علة 2 وسر ~~زمنا وانهض كسيرا فحظك * البطالة ما أخرت عزما لصحة وأقدم وقدم ما قعدت له ~~مع * الخوالف واخرج عن قيود التلفت وجد بسيف العزم " سوف " فإن تجد * تجد ~~نفسا، فالنفس إن جدت جدت 3 . # PageV00P231 # الثامن: أن يأخذ في ترتيب التعلم بما هو الأولى، ويبدأ فيه بالأهم فالأهم ~~فلا يشتغل في النتائج قبل المقدمات، ولا في اختلاف العلماء - في العقليات ~~والسمعيات - قبل إتقان الاعتقاديات، فإن ذلك يحير الذهن ويدهش العقل. # وإذا اشتغل في فن، فلا ينتقل عنه حتى يتقن فيه كتابا، أو كتبا إن أمكن ~~وهكذا القول في كل فن. # وليحذر التنقل من كتاب إلى كتاب، ومن فن إلى غيره من غير موجب، فإن ذلك ~~علامة الضجر وعدم الفلاح، فإذا تحققت أهليته، وتأكدت معرفته، فالأولى له أن ~~لا يدع فنا من العلوم المحمودة، ونوعا من أنواعها إلا وينظر فيه نظرا يطلع ~~به على مقاصده وغايته، ثم إن ساعده العمر وأنهضه ms076 التوفيق، طلب التبحر فيه، ~~وإلا اشتغل بالأهم فالأهم، فإن العلوم متقاربة وبعضها مرتبط ببعض غالبا. # واعلم أن العمر لا يتسع لجميع العلوم، فالحزم أن يأخذ من كل علم أحسنه، ~~PageV00P232 # ويصرف جمام قويه في العلم الذي هو أشرف العلوم، وهو العلم النافع في ~~الآخرة مما يوجب كمال النفس وتزكيتها بالأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة، ~~ومرجعه إلى معرفة الكتاب والسنة، وعلم مكارم الأخلاق وما ناسبه. ~~PageV00P233 # القسم الثاني آدابه مع شيخه وقدوته وما يجب عليه من تعظيم حرمته قال ~~الصادق عليه السلام: # كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: إن من حق العالم أن لا تكثر عليه ~~السؤال، ولا تأخذ بثوبه، وإذا دخلت عليه - وعنده قوم - فسلم عليهم جميعا، ~~وخصه بالتحية دونهم، واجلس بين يديه ولا تجلس خلفه، ولا تغمز بعينك، ولا ~~تشر بيدك، ولا تكثر من القول: قال فلان وقال فلان، خلافا لقوله، ولا تضجر ~~لطول صحبته، وإنما مثل العالم مثل النخلة تنتظرها متى يسقط عليك منها شئ، ~~والعالم أعظم أجرا من الصائم القائم الغازي في سبيل الله. 1 وفي حديث ~~الحقوق الطويل المروي عن سيد العابدين عليه السلام: 2 وحق سائسك بالعلم ~~التعظيم له والتوقير لمجلسه وحسن الاستماع إليه والاقبال عليه، وألا ترفع ~~عليه صوتك، ولا تجيب أحدا يسأله عن شئ حتى يكون هو الذي يجيب، ولا تحدث في ~~مجلسه أحدا، ولا تغتاب عنده أحدا، وأن تدفع عنه إذا ذكر عندك بسوء، وأن ~~تستر عيوبه وتظهر مناقبه، ولا تجالس له عدوا، ولا تعادي له وليا، فإذا فعلت ~~ذلك شهدت لك ملائكة الله عز وجل بأنك قصدته، وتعلمت # PageV00P234 # علمه لله جل اسمه لا للناس. 1 وفيما حكاه الله عز وجل عن موسى عليه ~~السلام حين خاطب الخضر عليه السلام بقوله: # هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا، 2 وفي قوله: # ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا، 3 جملة جليلة من الآداب ~~الواقعة من المتعلم لمعلمه، مع جلالة قدر موسى عليه السلام وعظم شأنه، ~~وكونه من أولي العزم من المرسل، ثم ms077 لم يمنعه ذلك من استعمال الآداب اللائقة ~~بالمعلم، وإن كان المتعلم أكمل منه من جهات أخرى. # ولو أردنا استقصاء ما اشتمل عليه تخاطبهما من الآداب والدقائق، لخرجنا عن ~~وضع الرسالة، لكنا نشير إلى ما يتعلق بالكلمة الأولى، وهي قوله: # هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا. 4 فقد ذلت على اثنتي عشرة فائدة من ~~فوائد الأدب: 5 الأولى: جعل نفسه تبعا له، المقتضي لانحطاط المنزلة في جانب ~~المتبوع. 6 الثانية: الاستيذان ب‍ " هل " أي هل تأذن لي في اتباعك، وهو ~~مبالغة عظيمة في التواضع. # PageV00P235 # الثالثة: تجهيل نفسه والاعتراف لمعلمه بالعلم بقوله " على أن تعلمن ". # الرابعة: الاعتراف له بعظيم النعمة بالتعليم، لأنه طلب منه أن يعامله ~~بمثل ما عامله الله تعالى به، أي يكون إنعامك علي كانعام الله عليك. ولهذا ~~المعنى قيل: # أنا عبد من تعلمت منه 1. و: من علم إنسانا مسألة ملك رقه. 2 الخامسة: أن ~~المتابعة عبارة عن الاتيان بمثل فعل الغير، لكونه فعله لا لوجه آخر، ودل ~~ذلك على أن المتعلم يجب عليه من أول الأمر التسليم، وترك المنازعة. # السادسة: الاتيان بالمتابعة من غير تقييد بشئ بل اتباعا مطلقا، لا يقيد ~~عليه فيه بقيد، 3 وهو غاية التواضع. # السابعة: الابتداء بالاتباع، ثم بالتعليم، ثم بالخدمة، ثم بطلب العلم. # الثامنة: أنه قال: هل أتبعك على أن تعلمن: أي لم أطلب على تلك المتابعة ~~إلى التعليم، كأنه قال: لا أطلب منك على تلك المتابعة مالا ولا جاها. # التاسعة: مما علمت إشارة إلى بعض ما علم، أي لا أطلب منك المساواة بل بعض ~~ما علمت، فأنت أبدا مرتفع علي زائد القدر. # العاشرة: قوله: مما علمت اعتراف بأن الله علمه، وفيه تعظيم للمعلم والعلم ~~وتفخيم لشأنهما. # الحادية عشرة: قوله " رشدا " طلب الارشاد، وهو ما لولا حصوله لغوي وضل، ~~وفيه اعتراف بشدة الحاجة إلى التعلم، وهضم عظيم لنفسه، واحتياج بين لعلمه. # PageV00P236 # الثانية عشرة: ورد 1 أن الخضر عليه السلام علم أولا أنه نبي بني إسرائيل، ~~موسى عليه السلام صاحب التوراة الذي كلمه ms078 الله عز وجل بغير واسطة، وخصه ~~بالمعجزات، وقد أتى - مع هذا المنصب - بهذا التواضع العظيم بأعظم أبواب ~~المبالغة، فدل على أن هذا هو الأليق، لان من كانت إحاطته بالعلوم أكثر، كان ~~علمه بما فيها من البهجة السعادة أكثر، فيشتد طلبه لها، ويكون تعظيمه لأهل ~~العلم أكمل. # ثم مع هذه المعرفة من الخضر عليه السلام وهذه الغاية من الأدب والتواضع ~~من موسى عليه السلام أجابه بجواب رفيع وكلام منيع، مشتمل على العظمة ~~والقوة، وعدم الأدب مع موسى عليه السلام بل وصفه بالعجز وعدم الصبر، بقوله: # إنك لن تستطيع معي صبرا. 2 وقد دلت هذه الكلمة الوجيزة أيضا على فوائد ~~كثيرة من أدب المعلم وإعزازه للعلم وإجلاله لمقامه، على وجه يقتضي التأسي ~~به، ولا دخل له بهذا الباب، لكنا نذكر جملة منه لمناسبة المقام، وله مدخل ~~واضح في أصل الرسالة: # الأولى: وصفه بعدم الصبر على تعلم العلم، المقتضي لانحطاط قدره وسقوط ~~محله، بالإضافة إلى مقام الصابرين الذين وعدهم الله تعالى بالكرامة، وبشرهم ~~بالصلاة والرحمة. 3 الثانية: نفيه عنه الاستطاعة على الصبر، الموجب لقطع ~~طمعه في السعي عليه والاتصاف به وتحصيل أسبابه، وهو في الأغلب أمر مقدور ~~للبشر، وكان غاية ما يقتضي الحال من المعلم توصيته بالصبر لا تعجيزه عنه. # PageV00P237 # الثالثة: نفي الاستطاعة ب‍ " لن " المقتضية للنفي المؤبد على رأي جماعة ~~من المحققين منهم الزمخشري، 1 وهو موجب لليأس منه، لوقوع الاخبار به من ~~معلم متبوع صادق. # الرابعة: توكيد الجملة ب‍ " إن "، وإسمية الجملة، والنفي ب‍ " لن " ~~وغيرها من المؤكدات، وهو غاية عظيمة في التعجيز والتضعيف الخامسة: الإشارة ~~إلى أنك إن تخيل لك أنك صابر على حسب ما تجده من نفسك، فأنت لا تعلم حالك ~~عند صحبتي، لأنك لم تصحبني بعد، والصبر الذي أنفيه عنك هو الصبر معي، وهذا ~~أمر أنا أعلم به، لعلمي بمقدار ما تطلب تعلمه، وجهلك به. # السادسة: التنبيه على عظم قدر العلم وجلالة شأنه وتفخيم أمره، وأنه أمر ~~يحتاج إلى الصبر العظيم، الخارج عن عادات البشر، إذ لا شك ms079 أن موسى كليم ~~الله ونبيه أعظم شأنا وأكبر نفسا وأقوى صبرا وأعظم كمالا من غيره من الناس. # السابعة: التنبيه على أنه لا ينبغي أن يبذل العلم إلا لمن كان ذا صبر ~~قوي، ورأي سوي، ونفس مستقيمة، فإنه نور من الله تعالى، لا ينبغي وضعه كيف ~~اتفق، وبذله لمن أراد، بل لا بد من ممارسته قبل ذلك واختباره، وقابليته له ~~بكل وجه. # الثامنة: التنبيه على أن علم الباطن أقوى مرتبة من علم الظاهر، وأحوج إلى ~~قوة الجنان وعزيمة الصبر، فمن ثم كان موسى عليه السلام محيطا بعلم الظاهر ~~على حسب استعداده، وحاملا له بقوة، وخوفه الخضر عليه السلام مع ذلك من عجزه ~~من الصبر على تحمل العلم الباطني، وحذره من قلة الصبر، وأراد عليه السلام ~~بهذه المبالغة في نفيه أنه مما يشق تحمله عليك، ويعسر تجشمه، على جهة ~~التأكيد في أمثال هذه # PageV00P238 # الخطابيات، لا أنه غير مقدور البتة، وإلا لما قال له موسى عليه السلام ~~بعد ذلك: # ستجدني إن شاء الله صابرا. 1 وقس على ما أشرنا إليه من الآداب والوظائف ~~ما تحتمله بقية الآيات، فهي متقاربة في إفادة المعنى في هذا المقام، وبه ~~يترقى من أراد التوصل إلى باقي المرام. # إذا تقرر ذلك، فلنعد إلى ذكر الآداب المختصة بالمتعلم مع شيخه، حسب ما ~~قرره العلماء، تفريعا على المنصوص منها، وهي أمور: # الأول: 2 وهو أهمها أن يقدم النظر فيمن يأخذ عنه العلم، ويكتسب حسن ~~الأخلاق والآداب منه، فإن تربية الشيخ لتلميذه، ونسبة اخراجه لأخلاقه ~~الذميمة وجعل مكانها خلقا حسنا، كفعل الفلاح الذي يقلع الشوك من الأرض، ~~ويخرج منها النباتات الخبيثة من بين الزرع، ليحسن نباته ويكمل ريعه، وليس ~~كل شيخ يتصف بهذا الوصف، بل ما أقل ذلك، فإنه في الحقيقة نائب عن الرسول ~~الله صلى الله عليه وآله، وليس كل عالم يصلح للنيابة، فليختر من كملت ~~أهليته، وظهرت ديانته، وتحققت معرفته، وعرفت عفته، واشتهرت صيانته وسيادته، ~~وظهرت مروته، وحسن تعليمه، وجاد تفهيمه، وقد تقدم جملة أوصافه. 3 ولا يغتر ~~الطالب ms080 بمن زاد علمه مع نقص في ورعه أو دينه أو خلقه، فإن ضرره في خلق ~~المتعلم ودينه أصعب من الجهل الذي يطلب زواله، وأشد ضررا، وعن جماعة من ~~السلف: هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. 4 ومما يؤنس به أن يكون ~~له مع مشايخ عصره كثرة بحث وطول اجتماع وزيادة # PageV00P239 # ممارسته وثناء منهم على سمته وخلقه وبحثه، وليحترز ممن أخذ علمه من بطون ~~الكتب من غير قراءة على الشيوخ، خوفا من وقوعه في التصحيف والغلط والتحريف. ~~قال بعض السلف: من تفقه من بطون الكتب ضيع الاحكام. 1 وقال آخر: إياكم ~~والصحفيون 2 الذين يأخذون علمهم من الصحف، فإن ما يفسدون أكثر مما يصلحون ~~3. # وليحذر من التقييد بالمشهورين، وترك الاخذ من الخاملين، فإن ذلك من الكبر ~~على العلم، وهو عين الحماقة، لان الحكمة ضالة المؤمن، ويلتقطها حيث وجدها 4 ~~ويغتنمها حيث ظفر به، ويتقلد المنة ممن ساقها إليه، وربما يكون الخامل ممن ~~ترجى بركته فيكون النفع به أعم، والتحصيل من جهته أتم. # وإذا سبرت أحوال السلف والخلف لم تجد النفع غالبا إلا إذا كان للشيخ من ~~التقوى والنصح والشفقة للطلبة نصيب وافر، وكذلك إذا اعتبرت المصنفات، وجدت ~~الانتفاع بتصنيف الأتقى أوفر، والفلاح بالاشتغال به أكثر، وبالعكس حال ~~العالم المجرد. # الثاني: أن يعتقد في شيخه أنه الأب الحقيقي والوالد الروحاني، هو أعظم من ~~الوالد الجسماني، فيبالغ - بعد الأب في حقه كما تقدم - في رعاية حق أبوته ~~ووفاء حق # PageV00P240 # تربيته، وقد سئل الإسكندر عليه السلام: ما بالك توقر معلمك أكثر من ~~والدك؟ # فقال: لان المعلم سبب لحياتي الباقية، ووالدي لحياتي الفانية. 1 وأيضا لم ~~يقصد الوالد في الأغلب في مقاربة والدته وجوده، ولاكمال وجوده وإنما قصد ~~لذة نفسه فوجد هو، وعلى تقدير قصده لذلك، فالقصد المقترن بالفعل أولى من ~~القصد الخالي عنه، وأما المعلم فقصد تكميل وجوده، وسببه وبذل فيه جهده، ولا ~~شرف لأصل الوجود إلا بالإضافة إلى العدم، فإنه حاصل للديدان والخنافس، ~~وإنما الشرف في كماله، وسببه المعلم. # وقد روي أن ms081 السيد الرضي الموسوي قدس الله روحه 2 كان عظيم النفس عالي ~~الهمة أبي الطبع لا يقبل لاحد منة، 3 وله في ذلك قصص غريبة مع الخليفة ~~العباسي حين أراد صلته بسبب مولود ولد له، 4 وغيره، ومنها أن بعض مشايخه 5 ~~قال له يوما: # بلغني أن دارك ضيقة لا تليق بحالك، ولي دار واسعة صالحة لك، قد وهبتها لك ~~فانتقل إليها. فأبى، فأعاد عليه الكلام، فقال: يا شيخ أنا لم أقبل بر أبي ~~قط، فكيف # PageV00P241 # من غيره؟ فقال له الشيخ: إن حقي عليك أعظم من حق أبيك، لأني أبوك ~~الروحاني، وهو أبوك الجسماني. فقال السيد رحمه الله: قد قبلت الدار. 1 ومن ~~هنا قال بعض الفضلاء: # من علم العلم كان خير أب * ذاك أبو الروح لا أبو النطف 2 الثالث: أن ~~يعتقد أنه مريض النفس، لان المرض هو الانحراف عن المجرى الطبيعي. وطبع ~~النفس العلم، وإنما خرجت عن طبعها بسبب غلبة أخلاط القوى البدنية. ويعتقد ~~أن شيخه طبيب مرضه، لأنه يرده إلى المجرى الطبيعي. فلا ينبغي أن يخالفه ~~فيما يشير عليه، كأن يقول له: اقرأ الكتاب الفلاني، أو اكتف بهذا القدر من ~~الدرس، لأنه إن خالفه كان بمنزلة المريض يرد على طبيبه في وجه علاجه. # وقد قيل في الحكم: مراجعة المريض طبيبه توجب تعذيبه. 3 وكما أن الواجب ~~على المريض ترك تناول المؤذيات، والأغذية المفسدة للدواء في حضرة الطبيب ~~وغيبته، كذلك المتعلم، فيجب أن يطهر نفسه من النجاسة المعنوية، التي غاية ~~المعلم النهي عنها: من الحقد والحسد والغضب والشره والكبر والعجب، وغيرها ~~من الرذائل، ويقطع مادة المرض رأسا لينتفع بالطبيب. # الرابع: 4 أن ينظره بعين الاحترام والاجلال والاكرام. ويضرب صفحا عن ~~عيوبه، فإن ذلك أقرب إلى انتفاعه به، ورسوخ ما يسمعه منه في ذهنه. # ولقد كان بعض السلف إذا ذهب إلى شيخه تصدق بشئ، وقال: اللهم استر عيب ~~معلمي عني، ولا تذهب ببركة علمه مني. 5 # PageV00P242 # وقال آخر: كنت أصفح الورقة بين يدي شيخي صفحا رفيقا، هيبة له لئلا يسمع ms082 ~~وقعها، أو قال: رفعها. 1 وقال آخر: والله ما اجترأت أن أشرب الماء وشيخي ~~ينظر إلي، هيبة له. 2 وقال حمدان الأصفهاني: كنت عند شريك، 3 فأتاه بعض ~~أولاد الخليفة المهدي، 4 فاستند إلى الحائط وسأله عن حديث، فلم يلتفت إليه ~~وأقبل علينا، ثم عاد، فعاد شريك لمثل ذلك، فقال: أتستخف بأولاد الخلفاء؟ ~~قال: لا، ولكن العلم أجل عند الله من أن أضيعه. فجثا على ركبتيه، فقال ~~شريك: هكذا يطلب العلم. 5 الخامس: أن يتواضع له زيادة على ما أمر به من ~~التواضع للعلماء وغيرهم، ويتواضع للعلم، فبتواضعه له يناله، وليعلم أن ذله ~~لشيخه عز، وخضوعه له فخر وتواضعه له رفعة، وتعظيم حرمته مثوبة، والتشمر في ~~خدمته شرف. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: # تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والوقار، وتواضعوا لمن تعلمون منه. ~~6 وقال صلى الله عليه وآله: # من علم أحدا مسألة ملك رقه. قيل: أيبيعه ويشتريه؟ قال: بل يأمره وينهاه. ~~7 # PageV00P243 # وأنشد بعض العلماء: # أهين لهم نفسي لكي يكرمونها * ولكن تكرم النفس التي لا تهينها 1 السادس: ~~أن لا ينكر عليه، ولا يتآمر ولا يشير عليه بخلاف برأيه، فيرى أنه أعلم ~~بالصواب منه، بل ينقاد إليه في أموره كلها، ويلقي إليه زمام أمره رأسا، ~~ويذعن لنصحه، ويتحرى رضاه وإن خالف رأي نفسه، ولا يستبق معه رأيا ولا ~~اختيارا، ويشاوره في أموره كلها، ويأتمر بأمره، ولا يخرج عن رأيه وتدبيره ~~باللسان والقلب. قال بعض العلماء: 2 خطأ المرشد أنفع للمسترشد من صوابه في ~~نفسه. وفي قصة موسى والخضر عليهما السلام تنبيه على ذلك. 3. # PageV00P244 # ونقل بعض الأفاضل عن بعض مشايخه، قال: حكيت لشيخي مناما لي فقلت: رأيت ~~أنك قلت في كذا وكذا، فقلت لك لم ذاك؟ قال: فهجرني شهرا ولم يكلمني، وقال: ~~لولا أنه كان في باطنك تجويز المطالبة وإنكار ما أقول لك، لما جرى ذلك على ~~لسانك في المنام. 1 والامر كما قال، إذ قلما يرى الانسان في منامه خلاف ما ~~يغلب في اليقظة على قلبه. # السابع: ms083 أن يبجله في خطابه وجوابه، في غيبته وحضوره، ولا يخاطبه بتاء ~~الخطاب وكافه، ولا يناديه من بعد، بل يقول: " يا سيدي " و " يا أستاذ " وما ~~أشبه ذلك، ويخاطبه بصيغ الجمع تعظيما نحو " ما تقولون في كذا " و " ما ~~رأيكم في كذا " و " قلتم رضي الله عنكم " أو " تقبل الله منكم " أو " رحمكم ~~الله ". # ولا يسميه في غيبته باسمه إلا مقرونا بما يشعر بتعظيمه، كقوله: قال ~~الشيخ، أو الأستاذ، أو شيخنا، أو شيخ الاسلام، ونحو ذلك. # الثامن: 2 تعظيم حرمته في نفسه واقتداؤه به، ومراعاة هديه 3 في غيبته ~~وبعد موته، فلا يغفل عن الدعاء له مدة حياته، ويرد غيبته، ويغضب لها 4 ~~زيادة عما يجب رعايته في غيره، فإن عجز عن ذلك قام وفارق المجلس. # ويرعى ذريته وأقاربه، وأوداءه ومحبيه في حياته وبعد موته، ويتعاهد زيارة ~~قبره والاستغفار له، والترحم عليه والصدقة عنه، ويسلك في السمت والهدي ~~مسلكه، ويراعي في العلم والدين عادته، ويقتدي بحركاته وسكناته في عباداته ~~وعاداته، ويتأدب بآدابه، ومن ثم كان الأهم تحصيل شيخ صالح ليحسن الاقتداء ~~به. # ثم إن قدر على الزيادة عليه بعد الاتصاف بصفته فعل، وإلا اقتصر على # PageV00P245 # التأسي، فبه يظهر أثر الصحبة. # التاسع: 1 أن يشكر الشيخ على توقيفه [خ ل: توفيقه] له على ما فيه فضيلة، ~~وعلى توبيخه له على ما فيه نقيصة، أو كسل يعتريه، أو قصور يعانيه، أو غير ~~ذلك مما في ايقافه عليه، وتوبيخه إرشاد، وصلاحه، 2 ويعد ذلك من الشيخ من ~~جملة النعم عليه باعتناء الشيخ به ونظره إليه، فإن ذلك أميل لقلب الشيخ، ~~وأبعث له على الاعتناء بمصالحه. # وإذا وقفه الشيخ على دقيقة من أدب، أو نقيصة صدرت منه، وكان يعرف ذلك من ~~قبل، فلا يظهر أنه كان عارفا به وغفل عنه، بل يشكر الشيخ على إفادته ذلك ~~واعتنائه بأمره، ليكون بذلك مستدعيا للعود إلى النصيحة في وقت الحاجة، فإن ~~كان له في ذلك عذر، وكان إعلام الشيخ به أصلح، فلا بأس به وإلا فيتركه، إلا ~~أن ms084 يترتب على ترك بيان العذر مفسدة، فيتعين إعلامه به. # العاشر: 3 أن يصبر على جفوة تصدر من شيخه، أو سوء خلق، ولا يصده ذلك عن ~~ملازمته وحسن عقيدته واعتقاد كماله، ويتأول أفعاله - التي ظاهرها مذموم - ~~على أحسن تأويل وأصحه، فما يعجز عن ذلك إلا قليل التوفيق. # ويبدأ هو عند جفوة شيخه بالاعتذار والتوبة مما وقع والاستغفار، وينسب ~~الموجب إليه، ويجعل العتب فيه عليه، فإن ذلك أبقى لمودة شيخه، وأحفظ لقلبه، ~~وأنفع للطالب في آخرته ودنياه. # وعن بعض السلف: من لم يصبر على ذل التعليم بقي عمره في عماية الجهالة. # ومن صبر عليه آل أمره إلى عز الدنيا والآخرة. 4 # PageV00P246 # ومنه الأثر المشهور عن ابن عباس رضي الله عنهما: ذللت طالبا، فعززت ~~مطلوبا. 1 وقال بعضهم: مثل الذي يغضب على العالم مثل الذي يغضب على أساطين ~~الجامع. 2 وقيل لسفيان بن عيينة: إن قوما يأتونك من أقطار الأرض تغضب ~~عليهم، يوشك أن يذهبوا ويتركوك. فقال للقائل: هم حمقى إذا مثلك، إن يتركوا ~~ما ينفعهم لسوء خلقي. 3 ولبعضهم: # اصبر لدائك إن جفوت طبيبه * واصبر لجهلك إن جفوت معلما 4 # PageV00P247 # وللسلف الصالح في صبرهم مع مشايخهم أقاصيص غريبة، 1 لو أتينا عليها لطال ~~الخطب، الحادي عشر: أن يجتهد على أن يسبق بالحضور إلى المجلس قبل حضور ~~الشيخ، ويحمل على ذلك نفسه، وإن انتظره على باب داره ليخرج ويمشي معه إلى ~~المجلس، فهو أولى مع تيسره. # ويحترز عن 2 أن يتأخر في الحضور عن حضور الشيخ، فيدع الشيخ في انتظاره، ~~فإن فاعل ذلك من غير ضرورة أكيدة معرض نفسه للمقت والذم. نسأل الله ~~العافية. # حكى ياقوت 3 في معجمه 4 عن هارون بن موسى القيسي # PageV00P248 # القرطبي، 1 قال: كنا نختلف إلى أبي علي القالي [وقت إملائه " النوادر " ~~بجامع الزهراء] 2، ونحن في فصل الربيع، فبينما أنا يوما في بعض الطريق إذا ~~أخذتني سحابة، فما وصلت إلى مجلسه حتى ابتلت ثيابي كلها، وحول أبي علي ~~أعلام أهل البلد، فأمرني بالدنو منه، وقال لي: مهلا يا ms085 أبا نصر، لا تأسف ~~على ما عرض، فهذا شئ يضمحل ويزول بسرعة بثياب غيرها تبدلها. ثم قال 3: كنت ~~أختلف إلى ابن مجاهد، فأدلجت عليه، لأتقرب منه، فلما انتهيت إلى الدرب الذي ~~كنت أخرج منه إلى منزله ألفيته مغلقا وتعسر علي فتحه، فقلت: سبحان الله! ~~أبكر # PageV00P249 # هذا البكور، وأغلب على القرب منه، فنظرت إلى سرب 1 بجنب الدرب فاقتحمته، ~~فلما توسطت ضاق بي، ولم أقدر على الخروج، ولا على الدخول فاقتحمته أشد ~~اقتحام، حتى تخلصت بعد أن تخرقت ثيابي وأثر السرب في لحمي حتى انكشف العظم، ~~ومن الله بالخروج، فوافيت مجلس الشيخ على تلك الحال. ثم قال 2: فأين أنت ~~مما عرض لي؟ ثم أنشد بيت الحماسة: 3 دببت للمجد والساعون قد بلغوا * جهد ~~النفوس وألقوا دونه الأزرا وكابدوا المجد حتى مل أكثرهم * وفاز بالمجد من ~~وافى ومن صبرا 4 لا تحسب المجد تمرا أنت آكله * لن تبلغ المجد حتى تلعق ~~الصبرا 5 # PageV00P250 # الثاني عشر: 1 أن لا يدخل على الشيخ في غير المجلس العام بغير إذنه، سواء ~~كان الشيخ وحده أم معه غيره، فإن استأذن بحيث يعلم الشيخ ولم يأذن، انصرف ~~ولا يكرر الاستيذان، وإن شك في علم الشيخ به كرره ثلاثا، ولا يزيد في ~~الاستيذان عليها، أو ثلاث طرقات بالباب أو بالحلقة، وليكن طرق الباب خفيا ~~بأظفار الأصابع 2، ثم بالأصابع، ثم بالحلقة قليلا قليلا، فإن كان الموضع ~~بعيدا عن الباب، فلا بأس برفع ذلك ابتداء بقدر ما يسمع لا غير، وإن أذن ~~وكانوا جماعة تقدم أفضلهم فأسنهم بالدخول والسلام عليه، ثم يسلم عليه ~~الأفضل فالأفضل. # الثالث عشر: أن يدخل على الشيخ كامل الهيأة فارغ القلب من الشواغل، نشيطا ~~منشرح الصدر صافي الذهن، لا في حال نعاس أو غضب أو جوع أو عطش، ونحو ذلك، ~~متطهرا متنظفا، بعد استعمال ما يحتاج إليه من سواك وأخذ ظفر وشعر، وإزالة ~~رائحة كريهة، لا بسا أحسن ملبوسه، سيما إذا كان يقصد مجلس العلم، فإنه مجلس ~~ذكر، واجتماع في عبادة، وهذه الأمور من آدابها. # الرابع ms086 عشر: أن لا يقرأ على الشيخ عند شغل قلبه وملله ونعاسه وجوعه وعطشه ~~واستيفازه وألمه وقائلته، ونحو ذلك مما يشق عليه فيه البحث. اللهم إلا أن ~~يبتدئه الشيخ بطلب القراءة فليجبه كيف كان. # PageV00P251 # الخامس عشر: 1 إذا دخل على الشيخ في غير المجلس العام، وعنده من يتحدث ~~معه فسكتوا عن الحديث، أو دخل والشيخ وحده يصلي أو يقرأ أو يذكر أو يطالع ~~أو يكتب، فترك ذلك ولم يبدأ بكلام أو بسط حديث، فليسلم ويخرج سريعا، إلا أن ~~يحثه الشيخ على المكث، فإذا مكث فلا يطيل، إلا أن يأمره بذلك، خشية أن يدخل ~~في عداد من أشغل مشغولا بالله أدركه المقت في الوقت. # السادس عشر: إذا حضر مكان الشيخ فلم يجده انتظره، ولا يفوت على نفسه ~~درسه، فإن كل درس يفوت لا عوض له، ولا يطرق عليه ليخرج إليه. وإن كان نائما ~~صبر حتى يستيقظ، أو ينصرف ثم يعود، والصبر خير له، ولا يوقظه ولا يأمر به. # هكذا كان السلف يفعلون، ونقل عن ابن عباس مثله. 2 السابع عشر: أن لا يطلب ~~من الشيخ إقراء في وقت يشق عليه فيه أو لم تجر عادته بالأقراء فيه، ولا ~~يخترع 3 عليه وقتا خاصا به دون غيره وإن كان رئيسا، لما فيه من الترفع ~~والحمق على الشيخ والطلبة والعلم. وربما استحيا الشيخ منه، فيترك لأجله ما ~~هو أهم عنده في ذلك الوقت، فلا يفلح الطالب. فإن بدأه الشيخ بوقت معين أو ~~خاص لعذر عائق له عن الحضور مع الجماعة، أو لمصلحة رآها فلا بأس. # الثامن عشر: أن يجلس بين يديه جلسه الأدب بسكون وخضوع وإطراق رأس وتواضع ~~وخشوع. والأولى له الافتراش أو التورك. قيل: ويحسن هنا الاقعاء. وهو أن ~~يفرش قدميه، ويجلس على بطونهما، ويتعاهد تغطية أقدامه وإرخاء ثيابه. 4 ~~التاسع عشر: 5 - وهو من جنس ما قبله - أن لا يستند بحضرة الشيخ إلى حائط أو # PageV00P252 # ومخدة أو درابزين، 1 ونحو ذلك، أو يجعل يده عليه، ولا يعطي الشيخ جنبه أو ~~ظهره، ولا ms087 يعتمد على يده إلى ورائه أو جنبه أو ظهره، ولا يضع رجله أو يده ~~أو شيئا من بدنه أو ثيابه على ثياب الشيخ أو وسادته أو سجادته. # قال بعضهم: ومن تعظيم الشيخ أن لا يجلس إلى جانبه ولا على مصلاه أو ~~وسادته. وإن أمره الشيخ بذلك، فلا يفعل إلا إذا جزم به جزما يشق عليه ~~مخالفته، فلا بأس بامتثال أمره في تلك الحال، ثم يعود إلى ما يقتضيه الأدب. ~~انتهى. 2 وقد تكلم الناس في أي الامرين أولى: امتثال الامر، أو سلوك الأدب، ~~فذهب إلى كل من الامرين فريق من الصحابة على ما نقل عنهم، فضلا عمن بعدهم ~~والتفصيل موجه. 3 العشرون: 4 وهو من أهمها أن يصغي إلى الشيخ ناظرا إليه، ~~ويقبل بكليته عليه، متعقلا لقوله: بحيث لا يحوجه إلى إعادة الكلام، ولا ~~يلتفت من غير ضرورة وينظر إلى يمينه أو شماله أو فوقه أو أمامه لغير حاجة، ~~ولا سيما عند بحثه معه أو كلامه له، فلا ينبغي أن ينظر إلا إليه، ولا يضطرب ~~لضجة يسمعها، ولا يلتفت إليها سيما عند بحثه. # ولا ينفض كميه، ولا يحسر عن ذراعيه، ولا يومى بيده إلى وجه الشيخ أو ~~صدره، ولا يمس بها شيئا من بدنه أو ثيابه، ولا يعبث بيديه أو رجليه، أو ~~غيرهما من أعضائه، ولا يضع يده على لحيته أو فمه أو يعبث بها في أنفه، ولا ~~يفتح فاه، # PageV00P253 # ولا يقرع سنه، ولا يضرب الأرض براحته، أو يخط عليها بأصابعه، ولا يشبك ~~بيديه ولا يعبث بأزراره، ولا يفرقع أصابعه، بل يلزم سكون بدنه، ولا يكثر ~~التنحنح من غير حاجة، ولا يبصق ولا يمتخط، ولا يتنخع ما أمكنه، ولا يلفظ ~~النخامة من فيه بل يأخذها منه بمنديل ونحوه، ولا يتجشأ، ولا يتمطى، ولا ~~يكثر التثاؤب، وإذا تثاءب سترفاه بعد رده جهده، وإذا عطس حفظ صوته جهده، ~~وستر وجهه بمنديل ونحوه. # وذلك كله مما يقتضيه النظر المستقيم والذوق السليم. # الحادي والعشرون: 1 - وهو من جنس ما قبله - أن لا يرفع صوته ms088 رفعا بليغا ~~من غير حاجة، ولا يسار في مجلسه، ولا يغمز أحدا، ولا يكثر كلامه بغير ~~ضرورة، ولا يحكي ما يضحك منه، أو ما فيه بذاءة، أو يتضمن سوء مخاطبة أو سوء ~~أدب، بل ولا يتكلم بما لم يسأله، ولا يتكلم ما لم يستأذنه أولا، ولا يضحك ~~لغير عجب، ولا لعجب دون الشيخ، فإن غلبه تبسم تبسما بغير صوت البتة. # وليحذر كل الحذر من أن يغتاب أحدا في مجلسه، أو ينم له عن أحد، أو يوقع ~~بينه وبين أحد بنقل ما يسوؤه عنه، كاستنقاص به أو تكلم فيه ورد ما قاله، أو ~~يقول - كالحاث له على الاعتناء بأمره -: فلان يود أن أقرأ عليه، أو أردت أن ~~أقرأ على فلان وتركت لأجلك، أو نحو ذلك، ففاعل ذلك وأمثاله مع كونه ارتكب ~~مكروها أو حراما أو كبيرة، مستحق للزجر والإهانة والطرد والبعد، لحماقته ~~ورئائه، وقد تقدم في حديث علي عليه السلام 2 ما يدل على ذلك. # الثاني والعشرون: 3 أن يحسن خطابه مع الشيخ بقدر الامكان، ولا يقول له: # لم؟ و: لا نسلم، ولا: من نقل هذا، ولا: أين موضعه؟ ولا يقل: المحفوظ، أو ~~المنقول غير هذا. وشبه ذلك، فإن أراد استفادة أصله أو من نقله، تلطف في # PageV00P254 # الوصول إلى ذلك، ثم هو في مجلس آخر أولى على سبيل الاستفادة. # وكذلك ينبغي أن يقول - في موضع لم؟ ولا أسلم -: فإن قيل لنا كذا؟ أو فإن ~~منعنا كذا؟ أو فإن سئلنا عن كذا؟ أو فإن أورد كذا، وشبهه، ليكون مستفهما ~~للجواب سائلا له بحسن أدب ولطف عبارة. # وإذا أصر الشيخ على قول أو دليل ولم يظهر له، أو على خلاف صواب سهوا، فلا ~~يغير وجهه أو عينيه، ولا يشير إلى غيره كالمنكر لما قال، بل يأخذه ببشر ~~ظاهر، وإن لم يكن الشيخ مصيبا، لغفلة أو سهو أو قصور نظر في تلك الحال، فإن ~~العصمة في البشر للأنبياء والأوصياء عليهم السلام. # وليحذر من مفاجأة الشيخ بصورة رد عليه، فإنه يقع ممن لا يحسن الأدب ms089 من ~~الناس كثيرا، مثل أن يقول له الشيخ: أنت قلت كذا؟ فيقول: ما قلت كذا، أو ~~يقول له الشيخ: مرادك في سؤالك كذا، أو خطر لك كذا؟ فيقول: لا، أو ما هذا ~~مرادي، أو ما خطر لي هذا، وشبه ذلك، بل طريقه أن يتلطف بالمكاشرة على ~~المقصود في الجواب. # وكذلك إذا استفهمه الشيخ استفهام تقرير وجزم كقوله: ألم تقل كذا؟ أو أليس ~~مرادك كذا؟ فلا يبادر بالرد عليه بقوله: لا، ونحو ذلك، بل يسكت أو يوري عن ~~ذلك بكلام لطيف يفهم الشيخ قصده منه، فإن لم يكن بد من تحرير قصده وقوله، ~~فليقل: الآن أقول كذا، أو أعود إلى قصد كذا. ويعيد كلامه، ولا يقول: # الذي قلته، أو الذي قصدته، لتضمنه الرد عليه. # الثالث والعشرون: - وهو من جنس ما قبله - إذا ذكر الشيخ تعليلا وعليه ~~تعقب، ولم يتعقبه، أو بحثا وفيه إشكال، ولم يستشكله، أو إشكالا وعنه جواب، ~~ولم يذكره، فلا يبادر إلى ذكر ذلك، ولا إلى التعقب على الشيخ بسبب إهماله ~~له، بل له أن يشير إلى ذلك بألطف إشارة، كقوله: " ما لمحتم عن الاشكال ~~جوابا " مثلا، ونحو ذلك، فإن تذكر الشيخ فبها ونعمت، وإلا فالأولى السكوت ~~عن ذلك إلا أن يأذن الشيخ، أو يعلم منه أنه يؤثر ذلك منه. PageV00P255 # الرابع والعشرون 1: وهو من جنس ما قبله أيضا أن يتحفظ من مخاطبة الشيخ ~~بما يعتاده بعض الناس في كلامه ولا يليق خطابه به، مثل أيش 2 بك؟ وفهمت؟ # وسمعت؟ وتدري؟ ويا رجل مبارك؟ ونحو ذلك. وكذلك لا يحكي ما خوطب به غيره ~~مما لا يليق خطاب الشيخ به، وإن كان حاكيا، مثل قال فلان لفلان: " أنت قليل ~~الحياء، أنت قليل البر، وما عندك خير، و [أنت] قليل الفهم " ونحو ذلك، بل ~~يقول: إذا أراد الحكاية ما جرت العادة بالكناية به، مثل قال فلان لفلان: ~~الأبعد قليل الخير، وما عند الأبعد خير، ومثل هذه الكناية وردت في بعض ~~الأخبار 3 أيضا، أو يأتي بضمير الغائب مكان ضمير المخاطب، وشبه ذلك. ms090 # الخامس والعشرون: إذا سبق لسان الشيخ إلى تحريف كلمة يكون لها توجيه ~~مستهجن، أو نحو ذلك، أن لا يضحك ولا يستهزئ، ولا يعيدها كأنه يتبادر بها ~~عليه، ولا يغمز غيره ولا يشير إليه، بل ولا يتأمل ما صدر منه، ولا يدخله ~~قلبه ولا يصغي إليه سمعه، ولا يحكيه لاحد، فإن اللسان سباق، والانسان غير ~~معصوم، لا سيما فيما هو فيه معذور، وفاعل شئ مما ذكر مع شيخه معرض نفسه ~~للحرمان والبلاء والخسران، مستحق للزجر والتأديب والهجر والتأنيب، مع ما ~~يستوجبه من مقت الله سبحانه له وملائكته وأنبيائه وخاصته. # السادس والعشرون: 4 أن لا يسبق الشيخ إلى شرح مسألة أو جواب سؤال 5 منه ~~أو من غيره، لا سيما إذا كان من غيره وتوقف، ولا يساوقه فيه، ولا يظهر ~~معرفته به # PageV00P256 # أو إدراكه له قبل الشيخ، إلا أن يعلم من الشيخ إيثار ذلك منه، أو عرض ~~الشيخ عليه ذلك ابتداء والتمسه منه، فلا بأس به حينئذ. # السابع والعشرون: 1 أن لا يقطع على الشيخ كلامه أي كلام كان، ولا يسابقه ~~فيه ولا يساوقه به بل يصبر حتى يفرغ الشيخ من كلامه ثم يتكلم. ولا يتحدث مع ~~غيره والشيخ يتحدث معه أو مع جماعة المجلس، بل لا يجعل همه سوى الاصغاء إلى ~~قول الشيخ وفهمه. # الثامن والعشرون: إذا سمع الشيخ يذكر حكما في مسألة، أو فائدة مستغربة أو ~~يحكي حكاية، أو ينشد شعرا، وهو يحفظ ذلك، أن يصغي إليه إصغاء مستفيد له في ~~الحال، متعطش إليه فرح به، كأنه لم يسمعه قط. قال بعض السلف: 2 إني لأسمع ~~الحديث من الرجل، وأنا أعلم به منه، فأريه من نفسي أني لا أحسن منه شيئا. ~~وقال أيضا: إن الشاب ليتحدث بحديث، فأستمع له كأني لم أسمعه ولقد سمعته قبل ~~أن يولد. 3 فإن سأله الشيخ عند - الشروع في ذلك - عن حفظه له، فلا يجيب ب‍ ~~" نعم " لما فيه من الاستغناء عن الشيخ فيه، ولا يقول: " لا " لما فيه من ~~الكذب، بل يقول: # أحب أن ms091 أستفيده من الشيخ، أو: أسمعه منه، أو: بعد عهدي به، أو: هو من ~~جهتكم أصح، ونحو ذلك. فإن علم من حال الشيخ أنه يؤثر العلم بحفظه له مسرة ~~به، أو أشار إليه بإتمامه امتحانا لضبطه أو حفظه أو لاظهار تحصيله، فلا بأس ~~باتباع غرض الشيخ ابتغاء لمرضاته وازديادا لرغبته فيه. # التاسع والعشرون: أنه لا ينبغي له أن يكرر سؤال ما يعلمه، ولا استفهام ما ~~يفهمه، فإنه يضيع الزمان وربما الشيخ، قال بعض السلف: إعادة الحديث أشد من # PageV00P257 # نقل الصخر. 1 وينبغي أن لا يقصر في الاصغاء والتفهم، أو يشغل ذهنه بفكر ~~أو حديث ثم يستعيد الشيخ ما قاله، لان ذلك إساءة أدب، بل يكون كما مر مصغيا ~~لكلامه حاضر الذهن لما يسمعه من أول مرة. وكان بعض المشايخ لا يعيد لمثل ~~هذا إذا استعاده ويزبره عقوبة له. 2 أما إذا لم يسمع كلام الشيخ لبعده، أو ~~لم يفهمه مع الاصغاء إليه والاقبال عليه، فله أن يسأل الشيخ إعادته أو ~~تفهيمه بعد بيان عذره بسؤال لطيف. # الثلاثون: أن لا يسأل عن شئ لي غير موضعه، ففاعل ذلك لا يستحق جوابا. # إلا أن يعلم من حال الشيخ أنه لا يكره ذلك، ومع ذلك فالأولى أن لا يفعل، ~~ولا يلح عليه في السؤال إلحاحا مضجرا، ولا يسأله في طريقه إلى أن يبلغ ~~مقصده. # وقد حكي عن بعض الاجلاء 3 أنه أوصى بعض طلبته فقال: لا تسألني عن أمر ~~الدين وأنا ماش، ولا وأنا أتحدث مع الناس، ولا وأنا قائم، ولا وأنا متكئ، ~~فإن هذه أماكن لا يجتمع فيها عقل الرجل، لا تسألني إلا وقت اجتماع العقول. # الحادي والثلاثون: أن يغتنم سؤاله عند طيب نفسه وفراغه، ويتلطف في سؤاله، ~~ويحسن في جوابه، قال صلى الله عليه وآله: # الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة، والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن ~~السؤال نصف العلم. 4 . # PageV00P258 # الثاني والثلاثون: أن لا يستحيي من السؤال عما أشكل عليه، بل يستوضحه ~~أكمل استيضاح، فمن رق وجهه رق علمه، ومن رق وجهه ms092 عند السؤال ظهر نقصه عند ~~اجتماع الرجال. 1 قال الصادق عليه السلام: # إن هذا العلم عليه قفل ومفتاحه المسألة. 2 الثالث والثلاثون: 3 إذا قال ~~له الشيخ: أفهمت؟ فلا يقول: نعم، قبل أن يتضح له المقصود اتضاحا [خ ل: ~~إيضاحا] جليا، لئلا يكذب ويفوته الفهم، ولا يستحيي من قوله: لم أفهم، لان ~~استثباته يحصل له مصالح عاجلة وآجلة، فمن الحاجة حفظ المسألة وسلامته من ~~الكذب والنفاق بإظهار فهم ما لم يكن فهمه، واعتقاد الشيخ اعتناؤه ورغبته ~~وكمال عقله وورعه وملكته لنفسه، ومن الآجلة ثبوت الصواب في قلبه دائما، ~~واعتياده هذه الطريقة المرضية والاخلاق الرضية. # قال الخليل بن أحمد العروضي رحمه الله: منزلة الجهل بين الحياء والأنفة. ~~4 الرابع والثلاثون: 5 أن يكون ذهنه حاضرا في جهة الشيخ، بحيث إذا أمره ~~بشئ، أو سأله عن شئ، أو أشار إليه لم يحوجه إلى إعادته ثانيا، بل يبادر ~~إليه مسرعا ولم يعاوده فيه. # PageV00P259 # الخامس والثلاثون: إذا ناوله الشيخ شيئا تناوله باليمنى، وإذا ناوله هو ~~شيئا ناوله إياه باليمنى، فإن كان ورقة يقرأها أو قصة مثلا نشرها، ثم دفعها ~~إليه، ولا يدفعها إليه مطوية إلا إذا علم أو ظن إيثار الشيخ لذلك، وإذا أخذ ~~من الشيخ ورقة بادر إلى أخذها منشورة قبل أن يطويها أو يتربها، ثم يطويها ~~أو يتربها هو. # وإذا ناول الشيخ كتابا ناوله إياه مهيا لفتحه والقراءة فيه، من غير ~~احتياج إلى إدارته، فإن كان للنظر في موضع معين، فليكن مفتوحا كذلك، ويعين ~~له المكان. # ولا يرمي إليه الشئ رميا من كتاب أو ورقة أو غيرهما، ولا يمد يده إليه ~~إذا كان بعيدا، ولا يحوج الشيخ إلى مد يده أيضا لاخذه منه أو إعطائه، بل ~~يقوم إليه قائما، ولا يزحف زحفا، وإذا قام أو جلس بين يديه لشئ من ذلك، فلا ~~يقرب منه كل القرب، ولا يضع رجله أو يده أو شيئا من بدنه أو ثيابه على ثياب ~~الشيخ أو وسادته ونحوهما كما تقدم. 1 السادس والثلاثون: إذا ناوله قلما ~~ليكتب ms093 به، فليعده 2 - قبل إعطائه إياه - للكتابة، ويتفقد أوصافه، ويفرق بين ~~سنيه إن كانتا ملتصقتين. وإن وضع بين يديه دواة، فلتكن مفتوحة الأغطية ~~مهيأة للكتابة منها. وإن ناوله سكينا فلا يصوب إليه شفرتها ولا نصابها ويده ~~قابضة على الشفرة، بل يكون عرضا وحد شفرتها إلى جهته، قابضا على طرف النصاب ~~مما يلي النصل جاعلا نصابها على يمين الآخذ. # السابع والثلاثون: إذا ناوله سجادة ليصلي عليها نشرها أولا، وأولى منه أن ~~يفرشها هو عند قصد ذلك. قال بعض العلماء: 3 وإذا فرشها، وكان فيها صورة ~~محراب تحرى به القبلة إن أمكن، وإن كانت مثنية جعل طرفيها إلى يسار المصلي. ~~انتهى. # PageV00P260 # ولا يجلس بحضرة الشيخ على سجادة، ولا يصلي عليها إذا كان المكان طاهرا ~~إلا إذا اطردت العادة باستصحابها واستعمالها بحيث لا يكون شعارا على ~~الأكابر والمترفعين، كما يتفق ذلك ببعض البلاد. # الثامن والثلاثون: إذا قام الشيخ بادر القوم إلى أخذ السجادة إن كانت مما ~~تنقل له، وإلى الاخذ بيده أو عضده إن احتاج إليه، وإلى تقديم نعله إن لم ~~يشق ذلك على الشيخ، ويقصد بذلك كله التقرب إلى الله تعالى بخدمته والقيام ~~بحاجته، وقد قيل: أربعة لا يأنف الشريف منهن، وإن كان أميرا: قيامه من ~~مجلسه لأبيه، وخدمته للعالم الذي يتعلم منه، والسؤال عما لا يعلم، وخدمته ~~للضيف. 1 التاسع والثلاثون: أن يقوم لقيام الشيخ، ولا يجلس وهو قائم، ولا ~~يضطجع وهو قائم أو قاعد، بل لا يضطجع بحضرته مطلقا، إلا أن يكون في وقت نوم ~~ويأذن له، والأجود حينئذ أن لا ينام حتى ينام الشيخ إلا أن يأمره بالنوم ~~فيطيعه. # الأربعون: 2 إذا مشى مع شيخه، فليكن أمامه بالليل ووراءه بالنهار، إلا أن ~~يقتضي الحال خلاف ذلك لزحمة أو غيرها، أو يأمره الشيخ بحالة فيمتثلها. # ويتعين أن يتقدم عليه في المواطئ المجهولة الحال لوحل أو حوض مثلا، ~~والمواطئ الخطرة، ويحترز من ترشيش ثياب الشيخ، وإذا كان في زحمة صانه عنها ~~بيديه إما من قدامه أو من ورائه. # وإذا مشى أمامه ms094 التفت إليه بعد كل قليل، فإن كان وحده والشيخ يكلمه، حالة ~~المشي، وهما في ظل، فليكن عن يمينه كالمأموم مع الامام، ويخلي له الجانب ~~اليسار، لعله يبصق أو يمتخط، وقيل: عن يساره متقدما عليه قليلا ملتفتا ~~إليه، ويعلم الشيخ بمن قرب منه أو قصده من الأعيان إن لم يعلم الشيخ به. 3 # PageV00P261 # ولا يمشي إلى جانبه إلا لحاجة أو إشارة منه، ويحترز من مزاحمته بكتفه أو ~~بركابه إن كانا راكبين، وملاصقة ثيابه، ويؤثره بجهة الظل في الصيف، وبجهة ~~الشمس في الشتاء، وبجهة الجدار في الرصافات 1 ونحوها، وبالجهة التي لا تقرع ~~الشمس فيها وجهه إذا التفت إليه. # ولا يمشي بينه وبين من يحدثه، ويتأخر عنهما إذا تحدثا، أو يتقدم، ولا ~~يقرب ولا يستمع ولا يلتفت، فإن أدخلاه في الحديث فليأت من جانب آخر ولا يشق ~~بينهما. # وإذا مشى مع الشيخ اثنان، فاكتنفاه فالأولى أن يكون أكبرهما عن يمينه، ~~وإن لم يكتنفاه تقدم أكبرهما وتأخر الأصغر. # وإذا صادف الشيخ في طريقه بدأه بالسلام، ويقصده إن كان بعيدا، ولا ~~يناديه، ولا يسلم عليه من بعيد ولا من ورائه، بل يقرب منه ثم يسلم، ولا ~~يشير، ابتداء بالأخذ في طريق حتى يستشيره، ويبادر 2 فيما يستشيره فيه مطلقا ~~بالرد إلى رأيه إلا أن يلزمه بإظهار ما عنده، أو يكون ما رآه الشيخ خطأ، ~~فيظهر ما عنده بتلطف وحسن أدب، كقوله: يظهر أن المصلحة في كذا، ولا يقول: ~~الرأي عندي كذا، أو الصواب كذا ونحو ذلك. # واعلم أن هذه الآداب مما قد دل النص على جملة منها، بل على أشرفها ~~وأهمها، والباقي مما يستنبط منه بإحدى الطرق التي تبني عليها الاحكام التي ~~أحدها مراعاة العادة المحكمة في مثل ذلك. والله الموفق. # PageV00P262 # القسم الثالث آدابه في درسه وقراءته، وما يعتمده حينئذ مع شيخه ورفقته ~~وهو أمور: # الأول: 1 وهو أهمها أن يبتدئ أولا بحفظ كتاب الله تعالى العزيز حفظا ~~متقنا، فهو أصل العلوم وأهمها، وكان السلف لا يعلمون الحديث والفقه إلا لمن ~~حفظ القرآن. 2 ms095 وإذا حفظه فليحذر من الاشتغال عنه بغيره اشتغالا يؤدي إلى ~~نسيان شئ منه أو تعريضه للنسيان، بل يتعهد دراسته وملازمة ورد منه كل يوم ~~ثم أيام ثم جمعة دائما أبدا. # ويجتهد بعد حفظه على إتقان تفسيره وسائر علوم، ثم يحفظ من كل فن مختصرا ~~يجمع فيه بين طرفيه، ويقدم الأهم فالأهم على ما يأتي تفصيله - إن شاء الله ~~- في الخاتمة. # ثم يشتغل باستشراح محفوظاته على المشايخ، وليعتمد في كل فن أكثرهم تحقيقا ~~فيه وتحصيلا له، وإن أمكن شرح دروس في كل يوم فعل، وإلا اقتصر عليه الممكن ~~من درس فأقل، وقد تقدمت الإشارة إليه. # الثاني: أن يقتصر من المطالعة على ما يحتمله فهمه، وينساق إليه ذهنه، ولا ~~يمجه طبعه، وليحذر من الاشتغال بما يبدد الفكر، ويحير الذهن من الكتب ~~الكثيرة وتفاريق التصانيف، فإنه يضيع زمانه ويفرق ذهنه. # PageV00P263 # وليعط الكتاب الذي يقرؤه والفن الذي يأخذه كليته، حتى يتقنه، حذرا من ~~الخبط والانتقال المؤدي إلى التضييع وعدم الفلاح، ومن هذا الباب الاشتغال ~~بكتب الخلاف في العقليات ونحوها، قبل أن يصح فهمه، ويستقر رأيه على الحق، ~~ويحسن ذهنه في فهم الجواب، وهذا أمر يختلف باختلاف النفوس، والانسان فيه ~~على نفسه بصيرة. # الثالث: 1 أن يعتني بتصحيح درسه الذي يحفظه قبل حفظه تصحيحا متقنا على ~~الشيخ أو على غيره ممن يعينه، ثم يحفظه حفظا محكما، ثم يكرره بعد حفظه ~~تكرارا جيدا، ثم يتعاهده في أوقات يقررها لمواظبته 2، ليرسخ رسوخا متأكدا، ~~ويراعيه بحيث لا يزال محفوظا جيدا، ولا يحفظ ابتداء من الكتب استقلالا من ~~غير تصحيح، لأدائه إلى التصحيف والتحريف، وقد تقدم 3 أن العلم لا يؤخذ من ~~الكتب، فإنه من أضر المفاسد سيما الفقه. # الرابع: أن يحضر معه الدواة والقلم والسكين للتصحيح، ويضبط ما يصححه لغة ~~وإعرابا وإذا رد الشيخ عليه لفظة، فظن أو علم أن رده خلاف الصواب كرر ~~اللفظة مع ما قبلها ليتنبه لها الشيخ، أو يأتي بلفظ الصواب على وجه ~~الاستفهام، فربما وقع ذلك سهوا أو سبق لسان لغفلة، ولا يقل ms096 بل هي كذا، فإن ~~رجع الشيخ إلى الصواب فذاك، وإلا ترك تحقيقها إلى مجلس آخر بتلطف، ولا ~~يبادر إلى إصلاحها على الوجه الذي عرفه، مع اطلاع الشيخ أو أحد الحاضرين ~~على المخالفة، وكذلك إذا تحقق خطأ الشيخ في جواب مسألة، وكان لا يفوت ~~تحقيقه، ولا يعسر تداركه، فإن كان كذلك 4. # PageV00P264 # كالكتابة في رقاع الاستفتاء، وكون السائل غريبا، أو بعيد الدار أو مشنعا ~~تعين تنبيه الشيخ على ذلك - في الحال - بالإشارة ثم بالتصريح، فإن ترك ذلك ~~خيانة للشيخ: # فيجب نصحه بما أمكن من تلطف أو غيره. # وإذا وقف على مكان في التصحيح كتب قبالته " بلغ العرض " أو " [بلغ] ~~التصحيح ". 1 الخامس: بعد أن يرتب الأهم فالأهم في الحفظ التصحيح والمطالعة ~~ويتقنها فليذاكر بمحفوظاته ويديم الفكر فيها، ويعتني بما يحصل فيها من ~~الفوائد، ويذاكر بها بعض حاضري حلقة شيخه كما سيأتي تفصيله. # السادس: 2 أن يقسم أوقات ليله ونهاره على ما يحصله، فإن الأوراد توجب ~~الازدياد، ويغتنم ما بقي من عمره، فإن بقية العمر لا قيمة لها. وأجود ~~الأوقات للحفظ الأسحار، وللبحث الابكار، وللكتابة وسط النهار، وللمطالعة ~~والمذاكرة الليل وبقايا النهار. ومما قالوه - 3 ودلت عليه التجربة - أن حفظ ~~الليل أنفع من حفظ النهار، ووقت الجوع أنفع من وقت الشبع، والمكان البعيد 4 ~~عن الملهيات كالأصوات والخضرة والنبات والأنهار الجاريات، وقوارع الطرق ~~التي تكثر فيها الحركات، لأنها تمنع من خلو القلب، وتقسمه على حسب تلك ~~الحالات. 5 السابع: أن يبكر بدرسه لخبر: # PageV00P265 # بورك لامتي في بكورها. 1 ولخبر: # اغدوا في طلب العلم، فإني سألت ربي أن يبارك لامتي في بكورها. 2 ويجعل ~~ابتداءه الخميس، 3 وفي رواية: يوم السبت أو الخميس، 4 وفي خبر آخر عنه صلى ~~الله عليه وآله: # أطلبوا العلم يوم الاثنين فإنه ييسر [خ له: يتيسر [لطالبه 5. # وروي في يوم الأربعاء خبر: # ما من شئ بدئ يوم الأربعاء إلا وقد تم. 6 # PageV00P266 # وربما اختار بعض العلماء الابتداء يوم الأحد، ولم نقف على مأخذه. # الثامن: 1 أن يبكر بسماع الحديث ms097 ولا يهمل الاشتغال به وبعلومه، والنظر في ~~إسناده ورجاله ومعانيه وأحكامه وفوائده ولغته وتواريخه وصحيحه وحسنه وضعيفه ~~ومسنده ومرسله، وسائر أنواع، ه فإنه أحد جناحي العالم بالشريعة والمبين ~~للاحكام، والجناح الآخر القرآن 2. # ولا يقنع من الحديث بمجرد السماع، بل يعتني بالدراية أكثر من الرواية، ~~فإنه المقصود من نقل الحديث وتبليغه. # التاسع: أن يعتني برواية كتبه التي قرأها أو طالعها سيما محفوظاته، فإن ~~الأسانيد أنساب الكتب. # وأن يحترص على كلمة يسمعها من شيخه أو شعر ينشده أو ينشئه أو مؤلف يؤلفه، ~~ويجتهد على رواية الأمور المهمة، ومعرفة من أخذ شيخه عنه وأسناده، ونحو ~~ذلك. # العاشر: إذا بحث محفوظاته أو غيرها من المختصرات، وضبط ما فيها من ~~الاشكالات والفوائد المهمات، أن ينتقل إلى بحث المبسوطات وما هو أكبر مما ~~بحثه أولا، مع المطالعة المتقنة والعناية الدائمة المحكمة، وتعليق ما مر به ~~في المطالعة أو سمعه من الشيخ من الفوائد النفيسة والمسائل الدقيقة والفروع ~~الغريبة وحل المشكلات، والفرق بين أحكام المتشابهات من جميع أنواع العلوم ~~التي يذاكره فيها، ولا يحتقر فائدة يراها أو يسمعها في أي فن كانت، بل ~~يبادر إلى كتابتها وحفظها. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: # فيدوا العلم. قيل: وما تقييده؟ قال: كتابته. 3 وروي أن رجلا من الأنصار ~~كان يجلس إلى النبي صلى الله عليه وآله، فيسمع منه الحديث، فيعجبه ولا ~~يحفظه، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقال له # PageV00P267 # رسول الله: # استعن بيمينك، وأومأ بيده أي خط. 1 ومن هنا قيل: من لم يكتب علمه لم يعد ~~علمه علما، " وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الكتابة أخبار أخر في ذلك. # الحادي عشر: 2 أن يبالغ في الجد والطلب والتشمير، ولا يقنع من إرث ~~الأنبياء باليسير، ويغتنم وقت الفراغ والنشاط وشرخ الشباب 4 قبل عوارض ~~البطالة وموانع الرئاسة، فإنها أدوى الأدواء وأعضل الأمراض. # وليحذر كل الحذر من نظر نفسه بعين الكمال والاستغناء عن المشايخ، فإن ذلك ~~عين النقص وحقيقة الجهل وعنوان الحماقة ms098 ودليل قلة العلم والمعرفة لو تدبر. # الثاني عشر: أن يلازم حلقة شيخه بل جميع مجالسه إذا أمكن، فإن ذلك لا ~~يزيده إلا خيرا وتحصيلا وأدبا، واطلاعا على فوائد متبددة لا يكاد يجدها في ~~الدفاتر، كما أشار إليه علي عليه السلام في حديثه السابق بقوله: # ولا تمل من طول صحبته، فإنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك منها منفعة. ~~5 ولا يقتصر على سماع درس نفسه فقط، فإن ذلك علامة قصور الهمة، بل يعتني ~~بسائر الدروس، فإنها كنوز مختلفة وجواهر متعددة، فليغتنم ما فتح له منها إن ~~احتمل ذهنه ذلك، فيشارك أصحابها حتى كأن كل درس له، فإن عجز عن ضبط جميعها ~~اعتنى بالأهم فالأهم. # هذا في الدروس المفرقة، وأما درس التقاسيم فشأنها كدرس واحد، فمن لم يطق # PageV00P268 # ضبطها لا يصلح لدخوله فيها، 1 الثالث عشر: 2 إذا حضر مجلس الشيخ، فليسلم ~~على الحاضرين بصوت يسمعهم. # ويخص الشيخ بزيادة تحية وإكرام. # وعد بعضهم حلق العلم حال أخذهم في البحث من المواضع التي لا يسلم فيها. 3 ~~واختاره جماعة من الأفاضل، 4 وهو متجه حيث يشغلهم رد السلام عما هم فيه من ~~البحث وحضور القلب كما هو الغالب، سيما إذا كان في أثناء تقرير مسألة، فإن ~~قطعه عليهم أضر من كثير من الموارد التي ورد أنله لا يسم فيها. 5 لكن متى ~~أريد ذلك، فليجلس الداخل عليهم على بعد من مقابلة الشيخ، بحيث لا يشعر حتى ~~يفرغ إن أمكن، جمعا بين حق الأدب معه وحق البحث في دفع الشواغل عنه. # الرابع عشر: إذا سلم لا يتخطى رقاب الحاضرين إلى قرب الشيخ إن لم يكن ~~منزلته كذلك، بل يجلس حيث ينتهي به المجلس كما ورد في الحديث 6، فإن صرح له ~~الشيخ أو الحاضرون بالتقدم أو كانت منزلته أو كان يعلم أيثار الشيخ ~~والجماعة لذلك، وكان جلوسه بقرب مصلحة كأن يذاكره مذاكرة ينتفع # PageV00P269 # بها الحاضرون أو لكونه كبير السن أو كثير الفضيلة والصلاح فلا بأس. # الخامس عشر: أن يحرص على قربه من الشيخ حيث ms099 يكون منزلته، ليفهم كلامه ~~فهما كاملا بلا مشقة، ولكن لا يقرب منه قربا ينسب فيه إلى سوء الأدب، ولا ~~يضع شيئا من ثيابه أو بدنه على ثياب الشيخ أو وسادته أو سجادته كما مر 1 ~~واعلم أنه متى سبق إلى مكان من مجلس الدرس كان أحق به، فليس لغيره أن يزعجه ~~منه وإن كان أحق به بحسب الأدب، قيل: ويبقى بعد ذلك أحق به كالمحترف إذا ~~ألف مكانا من السوق أو الشارع، فلا يسقط حقه منه لمفارقته، وإن انقطع عن ~~الدرس يوما أو يومين إذا حضر بعد ذلك. 2 وهذا البحث آت في مكان المصلي ~~المشتمل على فائدة في الصلاة كالذكر ونحوه. # السادس عشر: 3 أن يتأدب مع رفقته وحاضري المجلس، فإن تأدبه معهم تأدب مع ~~الشيخ واحترام لمجلسه، وليحترم كبراءه وأقرانه ورفقته. # السابع عشر: أن لا يزاحم أحدا في مجلسه، ولا يؤثر قيام أحد له من محله، ~~فإن آثره غيره بمجلسه لم يقبله، لنهي النبي صلى الله عليه وآله عن أن يقام ~~الرجل من مجلسه، ويجلس فيه آخر، قال صلى الله عليه وآله: # ولكن تفسحوا وتوسعوا. 4 نعم لو كان جلوسه في مجلس من آثره مصلحة ~~للحاضرين، وعلم من خاطر المؤثر حب الايثار بالقرائن، فلا بأس. # PageV00P270 # الثامن عشر: أن لا يجلس في وسط الحلقة، ولا قدام أحد لغير ضرورة، لما روي ~~من: # أن النبي صلى الله عليه وآله، لعن من جلس وسط الحلقة 1. # نعم لو كان لضرورة - كضيق المجلس وكثرة الزحام واستلزام تركه عدم السماع ~~- فلا بأس به. # التاسع عشر: أن لا يجلس بين أخوين أو أب وابن أو قريبين أو متصاحبين إلا ~~برضاهما معا، لما روي: # أن النبي صلى الله عليه وآله نهى أن يجلس الرجل بين الرجلين إلا بإذنهما. ~~2 العشرون: ينبغي للحاضرين إذا جاء القادم أن يرحبوا به، ويوسعوا له ~~ويتفسحوا لأجله، ويكرموه بما يكرم به مثله، وإذا فسح له في المجس وكان حرجا ~~ضم نفسه ولا يتوسع، ولا يعطي أحدا منهم جنبه ولا ظهره، ويتحفظ ms100 من ذلك ~~ويتعهد عند بحث الشيخ له، ولا يجنح على جاره، أو يجعل مرفقه قائما في جنبه، ~~أو يخرج من بنية الحلقة أو تأخر. # الحادي والعشرون: أن لا يتكلم في أثناء درس غيره بما لا يتعلق به أو بما ~~يقطع عليه بحثه، وإذا شرع بعضهم في درس، فلا يتكلم بكلام في درس فرغ ولا ~~بغيره مما لا تفوت فائدته، إلا بإذن من الشيخ وصاحب الدرس. # الثاني والعشرون: أن لا يشارك أحد من الجماعة أحدا في حديثه مع الشيخ، ~~ولا سيما مشاركة الشيخ. قال بعض الحكماء: من الأدب أن لا يشارك الرجل في ~~حديثه. 3 وأنشد بعضهم 4 في ذلك: # PageV00P271 # ولا تشارك في الحديث أهله * وإن عرفت فرعه وأصله فإن علم إيثار المتكلم ~~بذلك فلا بأس. # الثالث والعشرون: إذا أساء بعض الطلبة أدبا على غيره لم ينهه [خ ل: لم ~~ينهره] غير الشيخ إلا بإشارته، أو سرا بينهما على سبيل النصحية. وإن أساء ~~أحد أدبا على الشيخ تعين على الجماعة انتهاره وردعه والانتصار للشيخ بقدر ~~الامكان وإن أظهر الشيخ المسامحة، وفاء لحقه. # الرابع والعشرون: 1 إذا أراد القراءة على الشيخ، فليراع نوبته تقديما ~~وتأخيرا. # فلا يتقدم عليها بغير رضا من هي له. وروي أن أنصاريا جاء إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله يسأله، وجاء رجل من ثقيف، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله: # يا أخا ثقيف إن الأنصاري قد سبقك بالمسألة، فاجلس كيما نبدأ بحاجة ~~الأنصاري قبل حاجتك. 2 قيل: ولا يؤثر بنوبته، فإن الايثار بالقرب نقص، فإن ~~رأى الشيخ المصلحة في ذلك في وقت فأشار به، امتثل أمره معتقدا كمال رأيه ~~وتصويب غرضه في ذلك. 3 قيل: يستحب للسابق أن يقدم على نفسه من كان غريبا ~~لتأكد حرمته ووجوب ذمته. 4 وروي في ذلك حديث عن ابن عباس رضي الله عنه 5 ~~وكذلك # PageV00P272 # إذا كان للمتأخر حاجة ضرورية وعلمها المتقدم. # وتحصل النوبة بتقدم الحضور في مجلس الشيخ، وإن ذهب بعده لضرورة، كقضاء ~~حاجة وتجديد وضوء إذا لم يطل الزمان ms101 عادة، وإذا تساويا أقرع بينهما. هذا ~~إذا كان العلم مما يجب تعليمه وإلا تخير، ويستحب له حينئذ مراعاة الترتيب ~~ثم القرعة. # ولو جمعهم على درس مع تقارب أفهامهم جاز أيضا، ومعيد 1 المدرسة ومدرسها ~~إذا شرط عليه إقراء أهلها في وقت معين، ولا يجوز له تقديم غيرهم عليهم بغير ~~إذنهم وإن سبق، مع عدم وجوب التعليم، أو مع وجوب الجميع، أما لو وجب درس ~~الخارج دون أهل المدرسة، ففي استثنائه أو وجوب إقرائه، وترك ما يخصه من ~~العوض ذلك اليوم، أو تقديم أهل المدرسة أوجه. والأوسط أوسط. # الخامس والعشرون: أن يكون جلوسه بين يدي الشيخ على ما تقدم تفصيله وهيأته # PageV00P273 # في أدبه مع شيخه، ويحضر كتابه الذي يقرأ فيه معه، ويحمله بنفسه، ولا يضعه ~~حال القراءة على الأرض مفتوحا بل يحمله بيديه ويقرأ منه. # السادس والعشرون: أن لا يقرأ حتى يستأذن الشيخ، ذكره جماعة من العلماء، 1 ~~فإذا أذن له استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم سمى الله تعالى وحمده وصلى ~~على النبي وآله صلى الله عليهم، ثم يدعو للشيخ ولوالديه ولمشايخه، وللعلماء ~~ولنفسه ولسائر المسلمين، وإن خص مصنف الكتاب أيضا بدعوة كان حسنا. # وكذلك يفعل كلما شرع في قراءة درس أو تكراره أو مطالعته أو مقابلته في ~~حضور الشيخ أو في غيبته، إلا أنه يخص الشيخ بذكره في الدعاء عند قراءته ~~عليه، ويترحم على مصنف الكتاب كما ذكرناه. # وإذا دعا الطالب للشيخ قال: " ورضي الله عنكم أو عن شيخنا وإمامنا " ونحو ~~ذلك قاصدا به الشيخ. وإذا فرغ من الدرس دعا الشيخ أيضا. # ويدعو الشيخ للطالب كلما دعا له، فإن ترك الطالب الاستفتاح بما ذكرناه ~~جهلا أو نسيانا نبهه عليه وعلمه إياه وذكره به، فإنه من أهم الآداب، وقد ~~ورد الحديث بالأمر في الابتداء بالأمور المهمة بتسمية الله وتحميده، 2 وهذا ~~من أهمها. # السابع والعشرون: 3 ينبغي أن يذاكر من يرافقه من مواظبي مجلس الشيخ بما ~~وقع فيه من الفوائد والضوابط والقواعد وغير ذلك، ويعيدوا كلام الشيخ فيما ~~بينهم، فإن ms102 في المذاكرة نفعا عظيما قدم على نفع الحفظ. # PageV00P274 # وينبغي الاسراع بها بعد القيام من المجلس قبل تفرق أذهانهم، وتشتت ~~خواطرهم، وشذوذ بعض ما سمعوه عن أفهامهم، ثم يتذاكروه في بعض الأوقات فلا ~~شئ يتخرج 1 به الطالب في العلم مثل المذاكرة. # فإن لم يجد الطالب من يذاكره ذاكر نفسه بنفسه، وكرر معنى ما سمعه ولفظه ~~على قلبه، ليعلق ذلك بخاطره، فإن تكرار المعنى على القلب كتكرار اللفظ على ~~اللسان، وقل أن يفلح من اقتصر على الفكر والتعقل بحضرة الشيخ خاصة، ثم ~~يتركه ويقوم ولا يعاوده. # الثامن والعشرون: أن تكون المذاكرة المذكورة في غير مجلس الشيخ، أو فيه ~~بعد انصرافه بحيث لا يسمع لهم صوتا، فإن اشتغالهم بذلك وإسماعهم له قلة أدب ~~وجرأة، سيما إذا كان لهم معيد، فإن تصدره للإعادة في مجلس الشيخ من أقبح ~~الصفات وأبعدها عن الآداب، اللهم إلا أن يأمره الشيخ بذلك لمصلحة يراها. # التاسع والعشرون: على الطلبة مراعاة الأدب المتقدم أو قريبا منه مع ~~كبيرهم ومعيدهم، فلا ينازعوه فيما يقوله لهم إذا وقع منهم فيه شك، بل ~~يترفقوا في تحقيق الحال ويتوصلوا إلى بيان الحق بحسب الامكان، فإذا بقي ~~الحق مشتبها راجعوا الشيخ فيه بلطف من غير بيان من خالف ومن وافق، مقتصرين ~~على إرادة بيان الصواب كيف كان. # الثلاثون: 2 يجب على من علم منهم بنوع من العلم وضرب من الكمال أن يرشد ~~رفقته ويرغبهم في الاجتماع والتذاكر والتحصيل، ويهون عليهم مؤونته، ويذكر ~~لهم ما استفاده من الفوائد والقواعد والغرائب على جهة النصيحة والمذاكرة، ~~فبارشادهم يبارك الله له في علمه ويستنير قلبه، وتتأكد المسائل عنده مع ما ~~فيه من جزيل ثواب الله تعالى وجميل نظره وعطفه. # PageV00P275 # ومن بخل عليهم بشئ من ذلك كان بضد ما ذكر، ولم يثبت علمه وإن ثبت لم ~~يثمر، ولم يبارك الله له فيه. وقد جرب ذلك لجماعة من السلف والخلف. # ولا يحسد أحدا منهم ولا يحتقره، ولا يفتخر عليه ولا يعجب بفهم نفسه وسبقه ~~لهم، فقد كان مثلهم ثم من ms103 الله تعالى عليه، فليحمد الله تعالى على ذلك ~~ويستزيده منه بدوام الشكر، فإذا امتثل ذلك وتكاملت أهليته واشتهرت فضيلته ~~ارتقى إلى ما بعده من المراتب. والله ولي التوفيق. PageV00P276 # الباب الثاني في آداب الفتوى والمفتي والمستفتي [ويشتمل على مقدمة وأربعة ~~أنواع] [المقدمة في أهمية الافتاء] [النوع الأول في الأمور المعتبرة في كل ~~مفت] [النوع الثاني في أحكام المفتي وآدابه] [النوع الثالث في آداب الفتوى] ~~[النوع الرابع في أحكام المستفتي وآدابه وصفته] PageV00P277 # [المقدمة] [في أهمية الافتاء] ولنذكر من ذلك المهم، فإنه باب متسع، ~~ولنقدم على ذلك مقدمة فنقول: 1 اعلم أن الافتاء عظيم الخطر كثير الاجر كبير ~~الفضل جليل الموقع، لان المفتي وارث الأنبياء صلوات الله عليهم، وقائم بفرض ~~الكفاية، لكنه معرض للخطأ والخطر، ولهذا قالوا: المفتي موقع عن الله تعالى. ~~2 فلينظر كيف يقول. # وقد ورد فيه وفي آدابه والتوقف فيه والتحذير منه من الآيات والاخبار ~~والآثار أشياء كثيرة نورد جملة من عيونها: # قال الله تعالى: # يستفتونك قل الله يفتيكم. 3 وقال تعالى: # PageV00P279 # ويستنبؤنك أحق هو قل إي وربي إنه لحق. 1 وقال تعالى: # يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان. 2 وقال تعالى في التحذير: # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله ~~الكذب... 3 الآية. # وقال تعالى: # وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون. 4 وقال تعالى: # قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل الله أذن ~~لكم أم على الله تفترون. 5 فانظر كيف قسم مستند الحكم إلى القسمين، فما لم ~~يتحقق الاذن فأنت مفتر. # وانظر إلى قوله تعالى حكاية عن رسوله صلى الله عليه وآله - أكرم خلقه ~~عليه -: # ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لاخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه ~~الوتين 6 # PageV00P280 # فإذا كان هذا تهديده لأكرم خلقه عليه، فيكف حال غيره إذا تقول عليه عند ~~حضوره بين يديه؟ # وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: # إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض ms104 العلم بقبض ~~العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير ~~علم فضلوا وأضلوا. 1 وقال صلى الله عليه وآله: # من أفتي بفتيا من غير تثبت وفي لفظ: بغير علم فإنما إثمه على من أفتاه. 2 ~~وقال صلى الله عليه وآله: # أجرؤكم على الفتوى أجرؤكم على النار. 3 وقال صلى الله عليه وآله: # أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا أو قتله نبي، أو رجل يضل الناس ~~بغير علم، أو مصور يصور التماثيل. 4 ومن كلام أمير المؤمنين عليه السلام: # إن من أبغض الخلق إلى الله عز وجل لرجلين: رجل وكله الله تعالى إلى نفسه، ~~فهو # PageV00P281 # حائر عن قصد السبيل، مشغوف بكلام بدعة قد لهج بالصوم والصلاة، فهو فتنة ~~لمن افتتن به، ضال عن هدي من كان قبله، مضل لمن اقتدى به في حياته وبعد ~~موته، حمال خطايا غيره، [رهن بخطيته]: 1 ورجل قمش جهلا، في جهال الناس، عان ~~بأغباش الفتنة، قد سماه أشباه الناس عالما ولم يغن فيه يوما سالما، بكر ~~فاستكثر، ما قل منه خير مما كثر، حتى إذا ارتوى من آجن واكتنز من غير طائل، ~~جلس بين الناس قاضيا ضامنا لتخليص ما التبس على غيره، [وإن خالف قاضيا سبقه ~~لم يأمن أن ينقض حكمه من يأتي بعده، كفعله بمن كان قبله و] 2 إن نزلت به ~~إحدى المبهمات المعضلات هيأ لها حشوا من رأيه ثم قطع [به]، 3 فهو من لبس ~~الشبهات في مثل غزل العنكبوت: لا يدري أصاب أم أخطأ، لا يحسب العلم في شئ ~~مما أنكر، ولا يرى أن وراء ما بلغ فيه مذهبا، [إن قاس شيئا شئ لم يكذب ~~نظره، وإن اظلم عليه أمر اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه، لكيلا يقال له: لا ~~يعلم، ثم جسر فقضى،] 4 فهو مفتاح عشوات، ركاب شبهات، خباط جهالات، لا يعتذر ~~مما لا يعلم فيسلم، ولا يعض في العلم بضرس قاطع فيغنم، يذرو الروايات ذرو ~~[الريح] 5 الهشيم، تبكي منه المواريث، ms105 وتصرخ منه الدماء، يستحل بقضائه ~~الفرج الحرام، ويحرم بقضائه الفرج الحلال، لاملئ بإصدار ما عليه ورد، ولا ~~هو أهل لما منه فرط من ادعائه علم الحق. 6 وروى زرارة بن أعين عن الباقر ~~عليه السلام قال: سألته ما حق الله تعالى على العباد؟ قال: # أن يقولوا ما يعلمون ويقفوا عند مالا يعلمون. 7 # PageV00P282 # وعن أبي عبيدة الحذاء قال: سمعت أبا جعفر الباقر عليهما السلام يقول: # من أفتى الناس بغير علم ولا هدى، لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ~~ولحقه وزر من عمل بفتياه. 1 وعن المفضل قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: # أنهاك عن خصلتين فيهما هلك الرجال: أن تدين الله بالباطل، وتفتي الناس ~~بما لا تعلم. 2 وعن ابن شبرمة 3 الفقيه العامي، قال: ما ذكرت حديثا سمعته ~~من جعفر بن محمد عليما السلام إلا كاد أن يتصدع قلبي، قال: # حدثني أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال ابن شبرمة: وأقسم ~~بالله ما كذب أبوه على جده، ولا جده على رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من عمل بالمقابيس فقد هلك وأهلك، ومن ~~أفتى الناس، وهو لا يعلم الناسخ من المنسوخ، والمحكم من المتشابه فقد هلك ~~وأهلك. 4 وعن بعض التابعين 5 قال: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وآله يسأل أحدهم عن مسألة فيردها هذا إلى هذا، ~~وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول. 6 # PageV00P283 # وعنه قال: لقد أدركت في هذا المسجد عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وآله، ما أحد منهم يحدث حديثا إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا ~~يسأل عن فتيا إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا. 1 وقال البراء: لقد رأيت ~~ثلاثمائة من أهل بدر ما فيهم من أحد إلا وهو يحب أن يكفيه صاحبه الفتيا. 2 ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما: من أفتى الناس في كل ما يسألونه فهو مجنون. 3 ms106 ~~وعن بعض السلف: 4 إن العالم بين الله وبين خلقه، فلينظر كيف يدخل بينهم. 5 ~~وقال بعض الأكابر لبعض المفتين: أراك تفتي الناس! فإذا جاءك الرجل يسألك، ~~فلا يكن همك أن تخرجه مما وقع فيه، ولتكن همتك أن تتخلص مما يسألك عنه. 6 # PageV00P284 # وعن عطاء بن السائب التابعي: أدركت أقواما يسأل أحدهم عن الشئ وإنه ~~ليرعد. 1 وعن ثوبان مرفوعا: # سيكون أقوام من أمتي يتعاطى فقهاؤهم عضل المسائل أولئك شرار أمتي. 2 وعن ~~ابن مسعود رضي الله عنه: عسى رجل أن يقول: إن الله أمر بكذا، فيقول الله ~~له: كذبت. 3 وعن يحيى بن سعيد قال: كان ابن المسيب لا يفتي فتيا إلا قال: ~~اللهم سلمني وسلم مني. 4 وعن مالك بن أنس أنه سئل عن ثمان وأربعين مسألة، ~~فقال في اثنتين وثلاثين [منها] لا أدري. 5 وفي رواية أخرى: أنه سئل عن ~~خمسين مسألة، فلم يجب في واحدة منها. 6 وكان يقول: من أجاب في مسألة، ~~فينبغي قبل الجواب أن يعرض # PageV00P285 # نفسه على الجنة والنار، وكيف خلاصه ثم يجيب. 1 وسئل يوما عن مسألة فقال: ~~لا أدري، فقيل: هي مسألة خفيفة سهلة، فغضب وقال: ليس من العلم شئ خفيف، أما ~~سمعت قول الله تعالى: إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا، 2 فالعلم كله ثقيل. 3 وعن ~~القاسم بن محمد بن أبي بكر 4 أحد فقهاء المدينة المتفق على علمه وفقهه بين ~~المسلمين أنه سئل عن شئ فقال: لا أحسنه، فقال السائل: إني جئت إليك لا أعرف ~~غيرك، فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي، والله ما ~~أحسنه. فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي ألزمها فوالله ما رأيتك ~~في مجلس أنبل منك مثل اليوم. فقال القاسم: والله لان يقطع لساني أحب إلي أن ~~أتكلم بما لا علم لي به. 5 وعن الحسن بن محمد بن شرفشاه الاسترآبادي 6 أنه ~~دخلت عليه يوما امرأة فسألته عن أشياء مشكلة في الحيض، فعجز عن الجواب، ~~فقالت له ms107 المرأة: أنت عذبتك واصلته إلى وسطك وتعجز عن جواب امرأة. فقال: يا ~~خالة! لو علمت كل مسألة يسأل عنها لوصلت عذبتي إلى قرن الثور. 7 # PageV00P286 # وأقوالهم في هذا كثيرة فلنقتصر على هذا القدر، ولنشرع في الأنواع التي ~~ينقسم إليها الباب. PageV00P287 # النوع الأول الأمور المعتبرة في كل مفت اعلم أن شرط المفتي كونه مسلما ~~مكلفا عدلا فقيها، وإنما يحصل له الفقه إذا كان قيما بمعرفة الأحكام ~~الشرعية، مستنبطا لها من أدلتها التفصيلية من الكتاب والسنة والاجماع وأدلة ~~العقل، وغيرها مما هو محقق في محله. ولا تتم معرفة ذلك إلا بمعرفة ما يتوقف ~~عليه إثبات الصانع وصفاته التي يتم بها الايمان، والنبوة والإمامة والمعاد، ~~من علم الكلام، ومعرفة ما يكتسب به الأدلة من النحو والتصريف واللغة، من ~~العربية. وشرائط الحد والبرهان من علم المنطق. ومعرفة أصول الفقه. وما ~~يتعلق بالأحكام الشرعية من آيات القرآن، ومعرفة الحديث المتعلق بها، وعلومه ~~متنا وإسنادا، ولو بوجود أصل صحيح يرجع إليه عند الحاجة إلى شئ منه. ومعرفة ~~مواضع الخلاف والوفاق بمعنى أن يعرف في المسألة التي يفتي بها أن قوله فيها ~~لا يخالف الاجماع، بل يعلم أنه وافق بعض المتقدمين أو يغلب على ظنه أن ~~المسألة لم يتكلم فيها الأولون، بل تولدت في عصره أو ما قاربه. وأن يكون له ~~ملكة نفسانية وقوة قدسية يقتدر بها على اقتناص الفروع من أصولها، ورد كل ~~قضية إلى PageV00P289 # ما يناسبها من الأدلة. # وهذه شرائط المفتي المطلق المستقل، أوردناها على طريق الاجمال، وتفصيلها ~~موكول إلى أصول الفقه. # فإذا اجتمعت هذه الأوصاف في شخص، وجب عليه في كل مسألة فقهية فرعية يحتاج ~~إليها، أو يسأل عنها استفراغ الوسع في تحصيل حكمها بالدليل التفصيلي، ولا ~~يجوز له تقليد غيره في إفتاء غيره، ولا لنفسه مع سعة وقت الفعل الذي تدخل ~~فيه المسألة، بحيث يمكنه فيه استنباطها بحيث لا ينافي الفعل، ومع ضيقه جوز ~~له تقليد مجتهد حي. وفي الميت وجهان. ومنهم من منع مطلقا. PageV00P290 # النوع الثاني في أحكام المفتي وآدابه وفيه مسائل: ms108 # الأولى: 1 الافتاء فرض كفاية، وكذا تحصيل مرتبته، فإذا سئل وليس هناك ~~غيره تعين عليه الجواب، وإن كان ثم غيره وحضر، فالجواب في حقهما فرض كفاية، ~~وإن لم يحضر إلى واحد مع عدم المشقة في السعي إلى الآخر، ففي تعيين الجواب ~~على الحاضر وجهان. وإذا لم يكن في الناحية مفت وجب السعي على كل مكلف بها ~~يمكنه تحصيل شرائطها، كفاية، فإن أخلوا جميعا بالسعي، اشتركوا جميعا في ~~الاثم والفسق. ولا يسقط هذا الوجوب عن البعض باشتغال البعض، بل بوصوله إلى ~~المرتبة، لجواز أن لا يصل المشتغل إليها لموت وغيره. ولا يكفي في سقوط ~~الوجوب ظن الوصول وإن قلنا بالاكتفاء به في القيام بفرض الكفاية، مع ~~احتماله. # الثانية: ينبغي ألا يفتي في حال تغير خلقه وشغل قلبه، وحصل ما يمنعه من # PageV00P291 # كمال التأمل كغضب وجوع وعطش وحزن وفرح غالب ونعاس وملالة ومرض مقلق وحر ~~مزعج، وبرد مؤلم ومدافعة الأخبثين، ونحو ذلك، ما لم يتضيق وجوبه، فإن أفتى ~~في بعض هذه الأحوال معتقدا أنه لم يمنعه ذلك من إدراك الصواب، صحت فتواه ~~على كراهة، لما فيه من المخاطرة. # الثالثة: إذا أفتى في واقعة، ثم تغير اجتهاده، وعلم المقلد برجوعه، من ~~مستفت أو غيره عمل بقوله الثاني، فإن لم يكن عمل بالقول الأول لم يجز العمل ~~به، وإن كان قد عمل به قبل علمه بالرجوع لم ينقض. ولو لم يعلم المستفتي ~~برجوع المفتي، فكأنه لم يرجع في حقه، ويلزم المفتي إعلامه برجوعه قبل العمل ~~وبعده، ليرجع عنه في عمل آخر. # الرابعة: إذا أفتى في حادثة ثم حدث مثلها، فإن ذكر الفتوى الأولى ودليلها ~~أفتى بذلك ثانيا بلا نظر. وإن ذكرها ولم يذكر دليلها، ولا طرأ ما يوجب ~~رجوعه، ففي جواز إفتائه بالأولى، أو وجوب إعادة الاجتهاد قولان. 1 ومثله ~~تجديد الطلب في التيمم، والاجتهاد في القبلة، والقاضي إذا حكم بالاجتهاد ثم ~~وقعت المسألة. # الخامسة: لا يجوز أن يفتي بما يتعلق بألفاظ الايمان والأقارير والوصايا، ~~ونحوها إلا من كان من أهل بلد اللافظ، أو ms109 خبيرا بمرادهم في العادة. فتنبه ~~له فإنه مهم. 2 # PageV00P292 # النوع الثالث في آداب الفتوى وفيه مسائل: 1 الأولى: يلزم المفتي أن يبين ~~الجواب بيانا يزيل الاشكال، ثم له الاقتصار على الجواب شفاها، فإن لم يعرف ~~لسان المستفتي 2 كفاه ترجمة عدلين، وقيل يكفي الواحد، لأنه خبر. 3 وله ~~الجواب كتابة، وإن كانت على خطر، وكان بعض السلف 4 كثير الهرب من الفتوى في ~~الرقاع لما يتطرق إليها من الاحتمالات، فإن لكل حرف من لفظ # PageV00P293 # السائل مزية في الجواب، وكثيرا ما شاهدنا سائلا برقعة يكون لفظه مخالفا ~~لما في رقعته، فنرجع إلى لفظه بعد أن نكون كتبنا له الجواب ونخرق الرقعة. # الثانية: أن تكون عبارته واضحة صحيحة، يفهمها العامة، ولا يزدريها ~~الخاصة، وليحترز من الغلاقة والاستهجان فيها، وإعراب غريب أو ضعيف، وذكر ~~غريب لغة، ونحو ذلك. # الثالثة: إذا كان في المسألة تفصيل، لا يطلق الجواب، فإنه خطأ، ثم له أن ~~يستفصل السائل إن حضر، ويعيد السؤال في رقعة أخرى إن كان السؤال في رقعة ثم ~~يجيب. وهذا أولى وأسلم. وله أن يقتصر على جواب أحد الأقسام إذا علم أنه ~~الواقع للسائل، ثم يقول: " هذا إن كان الامر كذا، أو والحال ما ذكر "، ونحو ~~ذلك. وله أن يفصل الأقسام في جوابه، ويذكر حكم كل قسم، لكن هذا كرهه بعضهم، ~~1 وقال: هذا يعلم الناس الفجور بسبب إطلاعهم على حكم ما يضر من الأقسام ~~وينفع. # الرابعة: إذا كان في الرقعة مسائل، فالأحسن ترتيب الجواب على ترتيب ~~السؤال، ولو ترك الترتيب مع التنبيه على متعلق الجواب فلا بأس، ويكون من ~~قبيل قوله تعالى: # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم... الآيتين. 2 ~~الخامسة: قال بعضهم: ليس من الأدب كون السؤال بخط المفتي، فأما بإملائه ~~وتهذيبه فواسع. 3 السادسة: ليس له أن يكتب السؤال على ما علمه من صورة ~~الواقعة إذا لم يكن في الرقعة تعرض له، بل على ما في الرقعة، فإن أراد ~~خلافه، قال: إن كان الامر # PageV00P294 # كذا فجوابه كذا. # واستحبوا ms110 1 أن يزيد على ما في الرقعة تعلق بها مما يحتاج إليه السائل، ~~الحديث: # هو الطهور ماؤه الحل ميتته. 2 السابعة: إذا كان المستفتي بعيد الفهم، ~~فليرفق به ويصبر على تفهم سؤاله وتفهيم جوابه، فإن ثوابه جزيل. # الثامنة: ليتأمل الرقعة كلمة كلمة تأملا شافيا، وليكن اعتناؤه بآخر ~~الكلام أشد، فإن السؤال في آخرها، وقد يتقيد الجميع به ويغفل عنه. 3 قال ~~بعض العلماء: 4 وينبغي أن يكون توقفه في المسألة السهلة كالصعبة ليعتاده. # التاسعة: إذا وجد فيها كلمة مشتبهة سأل المستفتي عنها ونقطها وشكلها. ~~وكذا إن وجد لحنا أو خطأ يحيل المعنى، أصلحه. وإن رأى بياضا في أثناء سطر ~~أو # PageV00P295 # آخره خط عليه أو شغله، لأنه ربما قصد المفتي بالايذاء، فكتب في البياض ~~بعد فتواه ما يفسدها، كما نقل أن ذلك وقع لبعض الأعيان. 1 العاشرة: يستحب ~~أن يقرأها على حاضريه ممن هو أهل لذلك ويستشيرهم ويباحثهم برفق وإنصاف، وإن ~~كانوا دونه وتلامذته، للاقتداء بالسلف، 2 ورجاء ظهور ما قد يخفى عليه، فإن ~~لكل خاطر نصيبا من فيض الله تعالى، إلا أن يكون فيها ما يقبح إبداؤه، أو ~~يؤثر السائل كتمانه، أو في إشاعته مفسدة. # الحادية عشرة: ليكتب الجواب بخط واضح وسط، لا دقيق خاف، ولا غليظ جاف، 3 ~~ويتوسط في سطوره بين توسعتها وتضييقها. واستحب بعضهم أن لا تختلف أقلامه ~~وخطه، خوفا من التزوير ولئلا يشتبه خطه. 4 الثانية عشرة: إذا كتب الجواب ~~أعاد نظره فيه وتأمله، خوفا من اختلال وقع فيه أو إخلال ببعض المسؤول عنه، ~~ويختار أن يكون ذلك قبل كتابة اسمه وختم الجواب. # الثالثة عشرة: إذا كان هو المبتدئ، 5 فالعادة قديما وحديثا أن يكتب في ~~الناحية اليسرى من الرقعة، ولا يكتب فوق البسملة أو نحوه بحال. # الرابعة عشرة: يستحب عند إرادة الافتاء أن يستعيذ بالله من الشيطان ~~الرجيم، ويسمي الله تعالى ويحمده، ويصلي على النبي وآله صلى الله عليه ~~وآله، ويدعو ويقول: رب اشرح لي صدري... الآية 6 [كذا، ظ: الآيات]. # PageV00P296 # وكان بعضهم 1 يقول: ms111 " لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، سبحانك لا ~~علم لنا إلا ما علمتنا 2 ففهمناها سليمان... الآية 3 اللهم صل على محمد ~~وآله، وصحبه وسائر النبيين والصالحين، اللهم وفقني واهدني وسددني واجمع لي ~~بين الصواب والثواب، وأعذني من الخطأ والحرمان " 4. # الخامسة عشرة: أن يكتب في أول فتواه: " الحمد لله " أو " الله الموفق " ~~أو " حسبنا الله " أو " حسبي الله " أو " الجواب وبالله التوفيق " أو نحو ~~ذلك. وأحسنه الابتداء بالتحميد، للحديث. 5 وينبغي أن يقوله بلسانه ويكتبه، ~~ثم يختمه بقوله: # " والله أعلم " أو " وبالله التوفيق "، ويكتب بعده: " قاله أو كتبه فلان ~~بن فلان الفلاني " فينتسب إلى ما يعرف به من قبيلة أو بلد أو صفة، ونحوها. # السادسة عشرة: قال بعضهم: وينبغي أن يكتب المفتي بالمداد دون الحبر، خوفا ~~من الحك، بخلاف كتب العلم فالأولى فيها الحبر، لأنها تراد للبقاء والحبر ~~أبقى. 6 السابعة عشرة: ينبغي أن يختصر جوابه غالبا، ويكون بحيث يفهمه ~~العامة فهما جليا، حتى كان بعضهم 7 يكتب [تحت أيجوز] 8: " يجوز "، و: " لا ~~يجوز " وتحت أم لا؟: " لا " أو: " نعم " ونحوها. # الثامنة عشرة: قال بعضهم: 9 إذا سئل عمن قال: أنا أصدق من محمد بن عبد ~~الله، صلى الله عليه وآله أو: الصلاة لعب، ونحوهما مما ينبغي إراقة دمه، # PageV00P297 # فلا يبادر بقوله: هذا حلال الدم أو عليه القتل، بل يقول: إن ثبت ذا ~~بإقراره أو بينة كان الحكم كذا. وإذا سئل عمن تكلم بشئ يحتمل الكفر وعدمه، ~~قال: # يسأل هذا القائل، فإن قال: أردت كذا، فالجواب كذا وكذا. وإن سئل عمن قتل ~~أو قلع عينا أو غيرهما، احتاط وذكر شروط القصاص. وإن سئل عمن فعل ما يقتضي ~~تعزيرا ذكر ما يعزر به، فيقول: يضرب كذا وكذا، ولا يزاد على كذا. 1 التاسعة ~~عشرة: 2 إذا سئل عن ميراث، فليست العادة أن يشترط في الإرث عدم الرق والكفر ~~وغيرهما من موانع الميراث، بل المطلق محمول على ذلك، بخلاف ما إذا أطلق ~~الاخوة والأخوات والأعمام وبنيهم، فلا بد أن يقول ms112 في الجواب: من أبوين، أو ~~أب، أو أم. # وإن كان في المذكورين في رقعة الاستفتاء من لا يرث، أفصح بسقوطه، فيقول: # وسقط فلان. وإن كان يسقط بحال دون حال، قال: وسقط فلان في هذه الحالة. # أو نحو ذلك، لئلا يتوهم أنه لا يرث بحال، وإذا سئل عن إخوة وأخوات وبنين ~~وبنات، فلا ينبغي أن يقول: للذكر مثل حظ الأنثيين، 3 فإن ذلك قد يشكل على ~~العامي، بل يقول: " يقتسمون التركة على كذا وكذا سهما، لكل ذكر سهمان ولكل ~~أنثى سهم " مثلا. ولو أتى بلفظ القرآن، فلا بأس أيضا لقلة خفاء معناه، وإن ~~كان الأول أوضح. 4 وينبغي أن يقول أولا: تقسم التركة بعد اخراج ما يجب ~~تقديمه من وصية أو دين إن كانا... إلى آخره. # PageV00P298 # العشرون: ينبغي أن يلصق الجواب بآخر الاستفتاء ولا يدع فرجة، لئلا يزيد ~~السائل شيئا يفسدها، وإذا كان موضع الجواب ملصقا كتب على وضع الالصاق. # وإذا ضاق موضع الجواب، فلا يكتبه في ورقة أخرى، بل في ظهرها أو حاشيتها، ~~وإذا كتبه في ظهرها كتبه في أعلاها، إلا أن يبتدئ من أسفلها متصلا ~~بالاستفتاء فيضيق الموضع فيتمم في أسفل ظهرها ليصل جوابه. # الحادية والعشرون: إذا ظهر للمفتي أن الجواب خلاف غرض المستفتي، وأنه لا ~~يرضى بكتابته في ورقته، فليقتصر على مشافهته بالجواب، وليحذر أن يميل في ~~فتواه أن خصمه بحيل شرعية، فإنه من أقبح العيوب وأشنع الخلال. ومن وجوه ~~الميل: أن يكتب في جوابه ما هو له ويترك ما هو عليه. # وليس له أن يبدأ في مسائل الدعوى والبينات بوجوه المخالص منها، ولا أن ~~يعلم أحدهما بما يدفع به حجة صاحبه، كيلا يتوصل بذلك إلى إبطال حق. # وينبغي للمفتي إذا رأى للسائل طريقا ينفعه، ولا يضر غيره ضررا بغير حق، ~~أن يرشده إليه، كمن حلف لا ينفق على زوجته شهرا حيث ينعقد اليمين، فيقول: # أعطها من صداقها أو قرضا أو بيعا، ثم أبرأها منه. 1 وكما حكي أن رجلا قال ~~لبعض العلماء: حلفت أن أطأ امرأتي في ms113 نهار رمضان، ولا أكفر ولا أعصي. فقال: # سافر بها. 2 الثانية والعشرون: إذا رأى المفتي المصلحة أن يفتي العامي ~~بما فيه تغليظ وتشديد - وهو مما لا يعتقد ظاهره، وله فيه تأويل جاز ذلك، ~~زجرا وتهديدا في مواضع الحاجة، حيث لا يترتب عليه مفسدة، كما روي عن ابن ~~عباس رضي الله عنه أنه سأله رجل عن توبة القاتل، فقال: لا توبة له. وسأله ~~آخر فقال: له توبة. ثم قال: # أما الأول فرأيت في عينه إرادة القتل فمنعته، وأما الثاني، فجاء مسكينا ~~قد قتل # PageV00P299 # فلم أقنطه. 1 لكن يجب عليه التورية في ذلك، فيقول: لا توبة له، أي في ~~حالة إصراره على الذنب، أو وهو يريد القتل ونحو ذلك. # الثالثة والعشرون: يجب على المفتي عند اجتماع رقاع بحضرته أن يقدم الأسبق ~~فالأسبق، كما يفعله القاضي في الخصوم، وهذا فيما يجب فيه الافتاء، فإن ~~تساووا أو جهل السابق أقرع. قيل: 2 وتقدم امرأة ومسافر شد رحلة، ويتضرر ~~بتخلفه عن الرفقة ونحوهما، إلا إذا كثروا بحيث يتضرر غيرهم تضررا ظاهرا، ~~فيعود إلى التقديم بالسبق أو القرعة، ثم لا يقدم أحدا إلا في فتيا واحدة. # الرابعة والعشرون: 3 إذا رأى المفتي رقعة الاستفتاء، وفيها خط غيره ممن ~~هو أهل للفتوى وإن كان دونه، ووافق ما عنده، كتب تحت خطه: الجواب صحيح، أو ~~هذا جواب صحيح، أو جوابي كذلك، أو مثل هذا، أو بهذا أقول، ونحو ذلك. وله أن ~~يذكر الحكم بعبارة أخصر وأرشق. # وأما إذا رأى فيها خط من ليس أهلا للفتوى، فلا يفتي معه، لان في ذلك ~~تقريرا منه لمنكر، بل له أن يضرب عليه، وإن لم يأذن له صاحب الرقعة، لكن لا ~~يحبسها عنده إلا بإذنه. وله نهي السائل وزجره وتعريفه فبح ما فعله وأنه كان ~~يجب عليه البحث عن أهل الفتوى. # وإن رأى فيها اسم من لا يعرفه سأل عنه، فإن لم يعرفه فله الامتناع من ~~الفتوى معه، خوفا مما قلناه. والأولى في هذا الموضع أن يشار إلى صاحبها ~~بإبدالها، فإن أبى ms114 ذلك أجابه شفاها. # ولو خاف فتنة من الضرب على فتيا عادم الأهلية، ولم يكن خطأ، عدل إلى ~~الامتناع من الفتيا معه. وأما إذا كانت خطأ، وجب التنبيه عليه وحرم عليه ~~الامتناع من الافتاء تاركا للتنبيه على خطئها، بل يجب عليه الضرب عليها عند # PageV00P300 # تيسره أو الابدال ويقطع الرقعة بإذن صاحبها. وإذا تعذر ذلك وما يقوم ~~مقامه، كتب صواب جوابه عند ذلك الخطأ. ويحسن أن تعاد للمفتي المذكور بإذن ~~صاحبها. # وأما إذا وجد فتيا الأهل، وهي على خلاف ما يراه هو، غير أنه لا يقطع ~~بخطئها، فليقتصر على كتب جواب نفسه، ولا يتعرض لفتيا غيره بتخطئة ولا ~~اعتراض. # الخامسة والعشرون: إذا لم يفهم المفتي السؤال أصلا، ولم يحضر صاحب ~~الواقعة، قيل: 1 يكتب: يزاد في الشرح لنجيب عنه، أو: لم أفهم ما فيها. وعلى ~~تقدير أن يكتب. فلتكن الكتابة في محل لا يضر بحال الرقعة: # وإذا فهم من السؤال صورة، وهو يحتمل غيرها، فلينص عليها في أول جوابه. # فيقول: إن كان قال كذا، أو: فعل كذا، وما أشبه ذلك، فالامر كذا وكذا، أو ~~يزيد: وإلا فكذا وكذا. # السادسة: والعشرون: ليس بمنكر أن يذكر المفتي في فتواه حجة مختصرة، قريبة ~~من آية أو حديث، ومنعه بعضهم، 2 ليفرق بين الفتيا والتصنيف، وفصل بعضهم، 3 ~~فقال: إن أفتى عاميا لم يذكر الحجة، وإن أفتى فقيها ذكرها. وهو حسن. بل قد ~~يحتاج المفتي في بعض الوقائع إلى أن يشدد ويبالغ، فيقول: هذا إجماع ~~المسلمين، أو: لا أعلم في هذا خلافا، أو: من خالف هذا فقد خالف الواجب وعدل ~~عن الصواب، أو الاجماع، أو فقد أثم أو فسق، أو: وعلى ولي الأمر أن يأخذ ~~بهذا، أو لا يهمل الامر، وما أشبه هذه الألفاظ، على حسب ما تقتضيه المصلحة، ~~وتوجبه الحال. # PageV00P301 # النوع الرابع في أحكام المستفتي وآدابه وصفته وفيه مسائل: 1 الأولى: في ~~صفته: كل من لم يبلغ درجة المفتي الجامع للعلوم المتقدمة، فهو فيما يسأل ~~عنه من الاحكام مستفت، ويعبر عنه بالعامي أيضا وإن كان ms115 من أفاضل عصره، بل ~~ربما كان أعلم من المفتي في علوم أخر لا يتوقف عليها الافتاء، فإن العامية ~~الاصطلاحية تقابل الخاصية بأي معنى اعتبرت، فهاهنا يراد بالخاص المجتهدون، ~~وبالعام من دونهم. # ويقال له أيضا: مقلد، والمراد بالتقليد قبول قول من يجوز عليه الخطأ، ~~بغير حجة على عين ما قبل قوله فيه، تفعيل من القلادة، كأنه يجعل ما يعتقده ~~من الاحكام قلادة في عنق من قلده. # ويجب على من ذكر، الاستفتاء إذا نزلت به حادثة يجب عليه علم حكمها، # PageV00P303 # فإن لم يجد ببلده من يستفتيه وجب عليه الرحيل إلى من يفتيه، وإن بعدت ~~داره. # وقد رحل 1 خلائق من السلف في المسألة الواحدة الليالي والأيام، وفي بعضها ~~من العراق إلى الحجاز، وقد تقدم رحلة رجل من الحجاز إلى الشام في حديث أبي ~~الدرداء. 2 الثانية: يلزم المقلد أن لا يستفتي إلا من عرف، أو غلب على ظنه ~~علمه بما يصير به أهلا للافتاء وعدالته فإن جهل علمه لزمه البحث عما يحصل ~~به أحد الامرين. إما بالممارسة المطلعة له على حاله، أو بشهادة عدلين به، ~~أو بشياع حاله بكونه متصفا بذلك، أو بإذعان جماعة من العلماء العالمين ~~بالطريق وإن لم يكونوا عدولا، بحيث يثمر قولهم الظن، وإن جهلت عدالته، رجع ~~فيها إلى العشرة المفيدة لها أو الشياع أو شهادة عدلين. # الثالثة: إذا اجتمع اثنان فأكثر ممن يجوز استفتاؤهم، فإن اتفقوا في ~~الفتوى أخذ بها، وإن اختلفوا وجب عليه الرجوع إلى الأعلم الأتقى، فإن ~~اختلفوا في الوصفين رجع إلى أعلم الورعين وأورع العالمين، فإن تعارض الأعلم ~~والأورع، قلد الأعلم، فإن جهل الحال أو تساووا في الوصف تخير، وإن بعد ~~الفرض. # وربما قيل بالتخيير مطلقا، لاشتراك الجميع في الأهلية، وهو قول أكثر ~~العامة، 3 ولا نعلم به قائلا منا، بل المنصوص 4 عندنا هو الأول. # . # PageV00P304 # الرابعة: في جواز تقليد المجتهد الميت مع وجود الحي أو لا معه، للجمهور ~~أقوال: 1 أصحها عندهم جوازه مطلقا، لان المذاهب لا تموت بموت أصحابها، ~~ولهذا يعتد بها بعدهم ms116 في الاجماع والخلاف، ولان موت الشاهد قبل الحكم لا ~~يمنع الحكم بشهادته بخلاف فسقه. # والثاني: لا يجوز مطلقا، لفوات أهليته بالموت، ولهذا ينعقد الاجماع بعده ~~ولا ينعقد في حياته - على خلافه. وهذا هو المشهور بين أصحابنا، خصوصا ~~المتأخرين منهم، بل لا نعلم قائلا بخلافه صريحا ممن يعتد بقوله. لكن هذا ~~الدليل لا يتم على أصولنا، من أن العبرة في الاجماع إنما هو بدخول المعصوم، ~~كما لا يخفى. # والثالث: المنع منه مع وجود الحي لا مع عدمه، وتحقيق المقام في غير هذه ~~الرسالة. 2 الخامسة: لو تعدد المفتي وتساووا في العلم والدين، أو قلنا ~~بتخييره مطلقا، قلد من شاء فيما نزل به، ثم إذا حضرت واقعة أخرى، فهل يجب ~~عليه الرجوع فيها إلى الأول؟ وجهان، وعدمه أوجه، وكذا القول في تلك الواقعة ~~في وقت آخر. # السادسة: إذا استفتى فأجيب، ثم حدثت تلك الواقعة مرة أخرى، فهل يلزمه ~~تجديد السؤال؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، لاحتمال تغير رأي المفتي، والثاني: ~~لا، وهو الأقوى، لثبوت الحكم، والأصل استمرار المفتي عليه وهذا يأتي في ~~تقليد # PageV00P305 # الحي، أما الميت فلا. # السابعة: له أن يستفتي بنفسه، وأن يبعث ثقة يعتمد خبره أو رقعة، وله ~~الاعتماد على خط المفتي إذا أخبره عدل أنه خطه، أو كان يعرف خطه ولم يشك في ~~كون ذلك الجواب بخطه. # ولو لم يعرف لغة المفتي افتقر إلى المترجم العدل، وهل يكفي الواحد أم ~~يشترط عدلان؟ وجهان: أجودهما الثاني. # الثامنة: ينبغي للمستفتي أن يتأدب مع المفتي ويبجله في خطابه وجوابه ونحو ~~ذلك، ولا يومئ بيده إلى وجهه. ولا يقل له: ما تحفظه في كذا، ولا إذا أجابه: # هكذا فهمت، أو: وقع لي، أو نحو ذلك، ولا: أفتاني فلان، أو: غيرك بهذا، ~~أو: # بخلافه، ولا: إن كان جوابك موافقا لما كتب فاكتب وإلا فلا. ولا يسأله وهو ~~قائم ولا مستوفز، 1 ولا مشغول بما يمنعه من تمام الفكر. ولا يطالبه بدليل، ~~ولا يقل: # لم قلت كذا؟ فإن أحب أن تسكن نفسه بسماع الحجة، طلبها في ms117 مجلس آخر، أو في ~~ذلك المجلس بعد قبول الفتوى مجردة. # التاسعة: إذا أراد جمع خط مفتيين في ورقة واحدة، فالأولى البدأة بالأعلم ~~فالأعلم، ثم بالأورع ثم بالأعدل ثم بالأسن، وهكذا على ترتيب المرجحات في ~~الإمامة. 2 ولو أراد إفراد الأجوبة في رقاع بدأ بمن شاء. # ولتكن رقعة الاستفتاء واسعة، ليتمكن المفتي من استيفاء الجواب واضحا لا ~~مختصرا مضرا بالمستفتي. # العاشرة: 3 ينبغي أن يكون كاتب الرقعة ممن يحسن السؤال، ويضعه على الغرض ~~مع إبانة الخط واللفظ، وصيانتهما عما يتعرض للتصحيف، ويبين مواضع # PageV00P306 # السؤال وينقط مواضع الاشتباه ويضبطها، وإن كان من أهل العلم فهو أجود، ~~وكان بعض العلماء لا يكتب فتواه إلا في رقعة كتبها رجل من أهل العلم. 1 ~~الحادية عشرة: لا يدع الدعاء في الرقعة للمفتي، فإن اقتصر على فتوى واحد، ~~قال: " ما تقول رحمك الله، أو رضي الله عنك، أو وفقك الله، أو أيدك، أو ~~سددك ورضي الله عن والديك؟ " ونحو ذلك، ولا يحسن أن يدخل نفسه في الدعاء. # وإن أراد جواب جماعة قال: " ما تقولون رضي الله عنكم؟ أو ما قولكم أو ما ~~قول الفقهاء، سددهم الله، أو أيدهم؟ " 2 ونحو، وإن أتى بعبارة الجمع لتعظيم ~~الواحد، فهو أولى. # ويدفع الرقعة إلى المفتي منشورة ويأخذها منشورة، ولا يحوجه إلى نشرها ولا ~~إلى طيها. # الثانية عشرة: إذا لم يجد صاحب الواقعة مفتيا في البلد، وجب عليه الرحلة ~~إليه مع وجوب الحكم عليه كما تقدم 3 فإن لم يجده في بلده ولا في غيرها بناء ~~على أن الميت لا قول له، وأن الزمان يجوز خلوه من المجتهد، نعوذ بالله ~~تعالى من ذلك وجب عليه الاخذ بالاحتياط في أمره ما أمكن، فإن لم يتفق ~~الاحتياط، فهل يكون مكلفا بشئ يصنعه في واقعته؟ فيه نظر. # PageV00P307 # الباب الثالث في المناظرة وشروطها وآدابها وآفاتها وفيه فصلان: # [الفصل الأول في شروطها وآدابها] [الفصل الثاني في آفاتها وما يتولد منها ~~من مهلكات الأخلاق] PageV00P309 # [الفصل] الأول في شروطها وآدابها اعلم أن المناظرة في أحكام الدين من ms118 ~~الدين، ولكن لها شروط ومحل ووقت، فمن اشتغل بها على وجهها وقام بشروطها، ~~فقد قام بحدودها واقتدى بالسلف فيها، فإنهم تناظروا في مسائل، وما تناظروا ~~إلا الله، ولطلب ما هو حق عند الله تعالى. # ولمن يناظر الله وفي الله علامات، بها تتبين الشروط والآداب: # الأولى: أن يقصد بها إصابة الحق وطلب ظهوره كيف اتفق، لا ظهور صوابه ~~وغزارة علمه وصحة نظره، فإن ذلك مراء، قد عرفت ما فيه من القبائح والنهي ~~الأكيد. 1 ومن آيات هذا القصد أن لا يوقعها إلا مع رجاء التأثير، فأما إذا ~~علم عدم قبول المناظر للحق، وأنه لا يرجع عن رأيه وإن تبين له خطاؤه، ~~فمناظرته غير جائزة، لترتب الآفات الآتية وعدم حصول الغاية المطلوبة منها. # PageV00P311 # الثانية: أن لا يكون ثم ما هو أهم من المناظرة، فإن المناظرة إذا وقعت ~~على وجهها الشرعي وكانت في واجب، فهي من فروض الكفايات، فإذا كان ثم واجب ~~عيني أو كفائي هو أهم منها، لم يكن الاشتغال بها سائغا. # ومن جملة الفروض التي لا قائم بها - في هذا الزمان - الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، وقد يكون المناظر في مجلس مناظرته مصاحبا لعدة مناكير، 1 ~~كما لا يخفى على من سبر الأحوال المفروضة والمحرمة. # ثم هو يناظر فيما لا يتفق أو يتفق نادرا من الدقائق العلمية والفروع ~~الشرعية، بل يجري منه ومن غيره في مجلس المناظرة من الايحاش والافحاش ~~والايذاء والتقصير فيما يجب رعايته من النصيحة للمسلمين والمحبة والموادة، ~~ما يعصي به القائل والمستمع، ولا يلتفت قلبه إلى شئ من ذلك، ثم يزعم أنه ~~يناظر لله تعالى. # الثالثة: 2 أن يكون المناظر في الدين مجتهدا يفتي برأيه لا بمذهب أحد، ~~حتى إذا بان له الحق على لسان خصمه انتقل إليه، فأما من لا يجتهد، فليس له ~~مخالفة مذهب من يقلده فأي فائدة له في المناظرة، وهو لا يقدر على تركه إن ~~ظهر ضعفه؟ ثم على تقدير أن يباحث مجتهدا ويظهر له ضعف دليله ماذا يضر ~~المجتهد؟ # فإن فرضه الاخذ بما ms119 بترجح عنده، وإن كان في نفسه ضعيفا، كما اتفق ذلك ~~لسائر المجتهدين، فإنهم يتمسكون بأدلة ثم يظهر لهم أو لغيرهم أنها في غاية ~~الضعف. # فتتغير فتواهم لذلك حتى في المصنف الواحد، بل في الورقة الواحدة. 3 # PageV00P312 # الرابعة: أن يناظر في واقعة مهمة أو في مسألة قريبة من الوقوع، وأن يهتم ~~بمثل ذلك. والمهم أن يبين الحق، ولا يطول الكلام زيادة على ما يحتاج إليه ~~في تحقيق الحق. # ولا يغتر بأن المناظرة في تلك المسائل النادرة توجب رياضة الفكر وملكة ~~الاستدلال والتحقيق، كما يتفق ذلك كثيرا لقاصدي حظ النفوس من إظهار ~~المعرفة، فيتناظرون في التعريفات، وما تشتمل عليه من النقوض والتزييفات، ~~وفي المغالطات ونحو، ولو اختبر حالهم حق الاختبار لوجد مقصدهم على غير ذلك ~~الاعتبار. # الخامسة: 1 أن تكون المناظرة في الخلوة أحب إليه منها في المحفل والصدور، ~~فإن الخلوة أجمع للهم وأحرى لصفاء الفكر ودرك الحق، وفي حضور الخلق ما يحرك ~~دواعي الرئاء والحرص على الافحام ولو بالباطل. وقد يتفق لأصحاب المقاصد ~~الفاسدة الكسل عن الجواب عن المسألة في الخلوة، وتنافسهم في المسألة في ~~المحافل، واحتيالهم على الاستيثار بها في المجامع. # السادسة: أن يكون في طلب الحق كمنشد ضالة، يكون شاكرا متى وجدها، ولا ~~يفرق بين أن يظهر على يده، أو يد غيره، فيرى رفيقه معينا لا خصما، ويشكره ~~إذا عرفه الخطأ وأظهر له الحق، كما أو أخذ طريقا في طلب ضالة، فنبهه غيه ~~على ضالته في طريق آخر، والحق ضالة المؤمن يطلبه كذلك، فحقه إذا ظهر الحق ~~على لسان خصمه أن يفرح به ويشكره، لا أنه يخجل ويسود وجهه ويربد 2 لونه، ~~ويجتهد في مجاهدته ومدافعته جهده. # PageV00P313 # السابعة: 1 أن لا يمنع معينه من الانتقال من دليل إلى دليل ومن سؤال إلى ~~سؤال، بل يمكنه من إيراد ما يحضره، ويخرج من كلامه ما يحتاج إليه في إصابة ~~الحق، فإن وجده في جملته أو استلزمه وإن كان غافلا عن اللزوم فليقبله، ~~ويحمد الله تعالى، فإن الغرض إصابة الحق، وإن كان ms120 في كلام متهافت إذا حصل ~~منه المطلوب. # فأما قوله: " هذا لا يلزمني، فقد تركت كلامك الأول وليس لك ذلك " ونحو ~~ذلك من أراجيف المناظرين، فهو محض العناد والخروج عن نهج السداد. # وكثيرا ما ترى المناظرات في المحافل تنقضي بمحض المجادلات حتى يطلب ~~المعترض الدليل عليه، ويمنع المدعى وهو عالم به، وينقضي المجلس على ذلك ~~الانكار والاصرار على العناد، وذلك عين الفساد والخيانة للشرع المطهر، ~~والدخول في ذم من كتم علمه. # الثامنة: 2 أن يناظر مع من هو مستقل بالعلم، ليستفيد منه إن كان يطلب ~~الحق، والغالب أنهم يحترزون من مناظرة الفحول والأكابر، خوفا من ظهور الحق ~~على لسانهم، ويرغبون فيمن دونهم طمعا في ترويج الباطل عليهم. # ووراء هذه الشروط والآداب شروط أخر وآداب دقيقة، لكن فيما ذكر ما يديك ~~إلى معرفة المناظرة لله، ومن يناظر لله 3 أو لعلة. # PageV00P314 # الفصل الثاني في آفات المناظرة وما يتولد منها من مهلكات الأخلاق اعلم أن ~~المناظرة الموضوعة لقصد الغلبة والافحام والمباهاة والتشوق، لاظهار الفضل، ~~هي منبع جميع الأخلاق المذمومة عند الله تعالى، المحمودة عند عدوه إبليس، ~~ونسبتها إلى الفواحش الباطنة من الكبر والعجب والرئاء والحسد والمنافسة ~~وتزكية النفس وحب الجاه وغيره، نسبة الخمر إلى الفواحش الظاهرة من الزنا ~~والقتل والقذف. وكما أن من خير بين الشرب، وبين سائر الفواحش، فاختار الشرب ~~استصغارا له، فدعاه ذلك إلى ارتكاب سائر الفواحش، فكذلك من غلب عليه حب ~~الافحام والغلبة في المناظرة وطلب الجاه والمباهاة، دعاه ذلك إلى إظهار ~~الخبائث كلها. 1 فأولها: 2 الاستكبار عن الحق وكراهته، والحرص على مدافعته ~~بالمماراة فيه، حتى أن أبغض الأشياء إلى المناظر أن يظهر الحق على لسان ~~خصمه، ومهما ظهر # PageV00P315 # يشمر لجحده بما قدر عليه من التلبيس والمخادعة والمكر والحيلة، ثم تصير ~~المماراة له عادة وطبيعة، حتى لا يسمع كلاما إلا وتنبعث داعيته للاعتراض ~~عليه، إظهارا للفضل واستنقاصا بالخصم وإن كان محقا، قاصدا إظهار نفسه لا ~~إظهار الحق. # وقد تلونا عليك بعض ما في المراء من الذم، وما يترتب عليه ms121 من المفاسد، 1 ~~وقد سوى الله تعالى بين من افترى على الله كذبا، وبين من كذب بالحق، فقال ~~تعالى: # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه. 2 وهو كبر ~~أيضا، لما تقدم 3 من أنه عبارة عن رد الحق على قائله، والمراء يستلزم ذلك، ~~وروي عن أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة وأنس قالوا: # خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله يوما، ونحن نتمارى في شئ من أمر ~~الدين، فغضب غضبا شديدا لم يغضب مثله، ثم قال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ~~ذروا المراء، فإن المؤمن لا يماري، ذروا المراء فإن المماري قد تمت خسارته، ~~ذروا المراء فإن المماري لا أشفع له يوم القيامة، ذروا المراء، فأنا زعيم ~~بثلاثة أبيات في الجنة: في رباضها [ظ: ربضها] وأوسطها وأعلاها، لمن ترك ~~المراء وهو صادق، ذروا المراء فإن أول ما نهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثان ~~المراء. 5 وعنه صلى الله عليه وآله: # ثلاث من لقي الله عز وجل بهن دخل الجنة من أي باب شاء: من حسن خلقه. # PageV00P316 # وخشي الله في المغيب والمحضر، وترك المراء وإن كان محقا. 1 وعن أبي عبد ~~الله عليه السلام قال: # قال أمير المؤمنين عليه السلام: إياكم والمراء والخصومة، فإنهما يمرضان ~~القلوب على الاخوان، وينبت عليهما النفاق. 2 وعن أبي عبد الله عليه السلام ~~قال: # قال جبرئيل للنبي صلى الله عليه وآله: إياك وملاحاة الرجال. 3 وثانيها: 4 ~~الرئاء، وملاحظة الخلق والجهد في استمالة قلوبهم، وصرف وجوههم نحو ليصوبوا ~~نظره، وينصروه على خصمه. وهذا هو عين الرئاء بل بعضه، 5 والرئاء هو الداء ~~العضال والمرض المخوف والعلة المهلكة، قال الله تعالى: # والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور 6 قيل: هم أهل ~~الرئاء. 7 وقال تعالى: # فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا. 8 ~~والرئاء هو الشرك الخفي، وقال صلى الله عليه وآله: # إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. قالوا: ms122 وما الشرك الأصغر يا رسول ~~الله؟ # قال: هو الرئاء يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم: ~~اذهبوا إلى # PageV00P317 # الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء؟ 1 وقال صلى ~~الله عليه وآله: # استعيذوا بالله من جب الخزي، قيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: واد في جهنم ~~أعد للمرائين. 2 وقال صلى الله عليه وآله: # إن المرائي ينادى يوم القيامة: يا فاجر يا غادر يا مرائي! ضل عملك وبطل ~~أجرك، اذهب فخذ أجرك ممن كنت تعمل له. 3 وروى جراح المدائني 4 عن أبي عبد ~~الله عليه السلام في قول الله عز وجل: # فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا 5 ~~قال: # الرجل يعمل شيئا من الثواب، لا يطلب به وجه الله إنما يطلب تزكية الناس، ~~يشتهي أن يسمع به الناس، فهذا الذي أشترك بعبادة ربه. 6 وعنه عليه السلام ~~قال: # قال النبي صلى الله عليه وآله: إن الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجا به، ~~فإذا صعد بحسناته يقول الله عز وجل: اجعلوها في سجين إنه ليس إياي أراد به. ~~7 وعن أمير المؤمنين عليه السلام: # PageV00P318 # ثلاث علامات للمرائي: ينشط إذا رأى الناس، ويكسل إذا كان وحده، ويحب أن ~~يحمد في جميع أموره. 1 وثالثها: الغضب، والمناظر لا ينفك منه غالبا، سيما ~~إذا رد عليه كلامه، أو اعترض على قوله وزيف دليله بمشهد من الناس، فإنه ~~يغضب لذلك لا محالة، وغضبه قد يكون بحق، وقد يكون بغير حق، وقد ذم الله ~~تعالى ورسوله الغضب كيف كان، وأكثرا من التوعد عليه: قال الله تعالى: # إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته ~~على رسوله... 2 الآية، فذم الكفار بما تظاهروا به من الحمية الصادرة عن ~~الغضب، ومدح المؤمنين بما أنعم عليهم من السكينة. # وعن عكرمة في قوله تعالى: سيدا وحصورا 3 قال: السيد: الذي لا يغلبه ~~الغضب. 4 وروي: # أن رجلا قال: يا رسول الله مرني بعمل وأقل. ms123 قال: لا تغضب، ثم أعاد عليه ~~فقال: # لا تغضب. 5 وسئل عليه السلام: ما يبعد من غضب الله تعالى؟ قال: لا تغضب. ~~6 وعنه صلى الله عليه وآله: # من كف غضبه ستر الله عورته. 7 # PageV00P319 # وقال أبو الدرداء. # قلت: يا رسول الله! دلني على عمل يدخلني الجنة، قال: لا تغضب. 1 وقال صلى ~~الله عليه وآله: # الغضب يفسد الايمان، كما يفسد الصبر العسل. 2 وقال صلى الله عليه وآله: # ما غضب أحد إلا أشفى على جهنم. 3 وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: # سمعت أبي يقول: أتى رسول الله صلى الله عليه وآله رجل بدوي، فقال: إني ~~أسكن البادية، فعلمني جوامع الكلام. فقال: آمرك أن لا تغضب، فأعاد عليه ~~الاعرابي المسألة ثلاث مرات حتى رجع الرجل إلى نفسه، فقال: لا أسأل عن شئ ~~بعد هذا، ما أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله إلا بالخير. 4 وعن أبي عبد ~~الله عليه السلام قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الغضب يفسد الايمان كما يفسد الخل ~~العسل. 5 وذكر الغضب عند أبي جعفر الباقر عليه السلام فقال: # إن الرجل ليغضب فما يرضى أبدا حتى يدخل النار. 6 وعنه عليه السلام قال: # مكتوب في التوراة فيما ناجى الله عز وجل به موسى عليه السلام: يا موسى! # PageV00P320 # أمسك غضبك عمن ملكتك عليه أكف عنك غضبي. 1 وعن أبي حمزة الثمالي قال: أبو ~~جعفر عليه السلام: # إن هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في قلب ابن آدم، وإن أحدكم إذا غضب ~~احمرت عيناه وانتفخت أوداجه، ودخل الشيطان فيه. 2 والاخبار في ذلك كثيرة، ~~وفي الاخبار القديمة: # قال نبي من الأنبياء لمن معه: من يكفل لي أن لا يغضب يكون معي في درجتي، ~~ويكون بعدي خليفتي. فقال شاب من القوم: أنا. ثم أعاد عليه. فقال الشاب: ~~أنا. # ووفى به، 3 فلما مات كان في منزلته بعده، وهو ذو الكفل لأنه كفل له ~~بالغضب، ووفى به. 4 ورابعها: 5 الحقد، وهو نتيجة الغضب، فإن ms124 الغضب إذا لزم ~~كظمه، لعجزه عن التشفي في الحال رجع إلى الباطن واحتقن فيه فصار حقدا. ~~ومعنى الحقد أن يلزم قلبه استثقاله والبغض له والنفار منه، وقد قال صلى ~~الله عليه وآله: # المؤمن ليس بحقود. 6 فالحقد ثمرة الغضب، والحقد يثمر أمورا فاحشة: كالحسد ~~والشماتة بما يصيبه من البلاء، والهجر والقطيعة والكلام فيه بما لا يحل من ~~كذب وغيبة وإفشاء سر، وهتك ستر وغيره، والحكاية لما يقع منه المؤدي إلى ~~الاستهزاء والسخرية منه، # PageV00P321 # والايذاء بالقول والفعل حيث يمكن، وكل هذه الأمور بعض نتائج الحقد. # وأقل درجات الحقد مع الاحتراز عن هذه الآفات المحرمة أن تستثقله في ~~الباطن، ولا تنهى قلبك عن بغضه حتى تمتنع عما كنت تتطوع به من البشاشة ~~والرفق والعناية، والقيام على بره ومواساته، وهذا كله ينقص درجتك في الدين، ~~ويحول بينك وبين فضل عظيم وثواب جزيل، وإن كان لا يعرضك لعقاب. # واعلم أن للحقود عند القدرة على الجزاء ثلاثة أحوال: أحدها أن يستوفي حقه ~~الذي يستحقه من غير زيادة ولا نقصان، وهو العدل، والثاني أن يحسن إليه ~~بالعفو، وذلك هو الفضل، والثالث أن يظلمه بما لا يستحقه، وذلك هو الجور، ~~وهو اختيار الأرذال، والثاني هو اختيار الصديقين، والأول هو منتهى درجة ~~الصالحين. # فليتسم المؤمن بهذه الخصلة إن لم يمكنه تحصيل فضيلة العفو التي قد أمر ~~الله تعالى بها، وحض عليها رسوله والأئمة عليهم السلام: قال الله تعالى: خذ ~~العفو... 1 الآية. # وقال تعالى: وأن تعفوا أقرب للتقوى. 2 وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله: # ثلاث - والذي نفسي بيده - إن كنت لحالفا 3 عليهن: ما نقصت صدقة من مال ~~فتصدقوا، ولا عفا رجل عن مظلمة يبتغي بها وجه الله تعالى إلا زاده الله ~~تعالى بها عزا يوم القيامة، ولا فتح رجل باب مسألة إلا فتح الله عليه باب ~~فقر. 4 وقال صلى الله عليه وآله: # التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة، فتواضعوا يرفعكم الله، والعفو لا يزيد ~~العبد إلا عزا، فاعفوا يعزكم الله، والصدقة لا تزيد المال ms125 إلا كثرة، فتصدقا ~~يرحمكم الله. 5 # PageV00P322 # وقال صلى الله عليه وآله: # قال موسى عليه السلام: يا رب! أي عبادك أعز عليك؟ قال: الذي إذا قدر عفا. ~~1 وروى ابن أبي عمير عن عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله في خطبته: # ألا أخبركم بخير خلائق الدنيا والآخرة؟: العفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك ~~والاحسان إلى من أساء إليك وإعطاء من حرمك. 2 والاخبار في هذا الباب كثيرة، ~~لا تقتضي الرسالة ذكرها. # وخامسها: 3 الحسد، وهو نتيجة الحقد، والحقد نتيجة الغضب كما مر. # والمناظر لا ينفك منه غالبا، فإنه تارة يغلب، وتارة يغلب، وتارة يحمد في ~~كلامه، وتارة يحمد كلام غيره، ومتى لم يكن الغلب والحمد له تمناه لنفسه دون ~~صاحبه، وهو عين الحسد، فإن العلم من أكبر النعم، فإذا تمنى أحد كون ذلك ~~الغلب ولوازمه له فقد حسد صاحبه. # وهذا أمر واقع بالمتناظرين إلا من عصمه الله تعالى، ولذلك قال ابن عباس ~~رضي الله عنه: خذوا العلم حيث وجدتموه، ولا تقبلوا أقوال الفقهاء بعضهم في ~~بعض، فإنهم يتغايرون كما تتغاير التيوس في الزريبة. 4 وأما ما جاء في ذم ~~الحسد والوعيد عليه فهو خارج عن حد الحصر، وكفاك في ذمه أن جميع ما وقع من ~~الذنوب والفساد في الأرض من أول الدهر إلى آخره، كان من الحسد لما حسد ~~إبليس آدم، فصار أمره إلى أن طرده الله ولعنه، وأعدله عذاب جهنم خالدا ~~فيها، وتسلط بعد ذلك على بني آدم، وجرى فيهم مجرى الدم # PageV00P323 # والروح في أبدانهم، وصار سبب الفساد على الآباء، وهو أول خطيئة وقعت بعد ~~خلق آدم، وهو الذي أوجب قتل ابن آدم أخاه، كما حكاه الله تعالى عنهما في ~~كتابه الكريم. 1 وقد قرن الله تعالى الحاسد بالشيطان والساحر، فقال: # ومن شر غاسق إذا وقت * ومن شر النفاثات في العقد * ومن شر حاسد إذا حسد. ~~2 وقال صلى الله عليه وآله: # الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. 3 ms126 وقال صلى الله عليه وآله: # دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، وهي الحالقة، لا أقول حالقة ~~الشعر، ولكن حالقة الدين، والذي نفس محمد بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ~~ولن تؤمنوا حتى تحابوا. 4 وقال صلى الله عليه وآله: # ستة يدخلون النار قبل الحساب بستة. قيل: يا رسول الله! من هم؟ قال: ~~الأمراء بالجور، والعرب بالعصبية، والدهاقين بالكبر، والتجار بالخيانة، ~~وأهل الرستاق بالجهالة، والعلماء بالحسد. 5 وروى محمد بن مسلم عن الباقر ~~عليه السلام أنه قال: # PageV00P324 # إن الرجل ليأتي [بأي] 1 بادرة فيكفر، وإن الحسد ليأكل الايمان، كما تأكل ~~النار الحطب. 2 وعن أبي عبد الله عليه السلام: # آفة الدين: الحسد، والعجب، والفخر. 3 وعنه عليه السلام قال: # قال الله عز وجل لموسى عليه السلام: يا ابن عمران! لا تحسدن الناس على ما ~~آتيتهم من فضلي، ولا تمدن عينيك إلى ذلك، ولا تتبعه نفسك، فإن الحاسد ساخط ~~لنعمي صاد لقسمي الذي قسمت بين عبادي، ومن يك كذلك فلست منه وليس مني. 4 ~~وعنه عليه السلام قال: # إن المؤمن يغبط ولا يحسد، والمنافق يحسد ولا يغبط. 5 وسادسها: الهجر ~~والقطيعة، وهو أيضا من لوازم الحقد، فإن المتناظرين إذا ثارت بينهما ~~المنافرة وظهر منهما الغضب وادعى كل منهما أنه المصيب، وأن صاحبه المخطئ ~~واعتقد وأظهر أنه مصر على باطله مزمع على خلافه، لزم من حقده عليه وغضبه ~~هجره وقطيعته، وذلك من عظائم الذنوب وكبائر المعاصي، روى داود بن كثير قال: ~~سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: # قال أبي: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أيما مسلمين تهاجرا فمكثا ~~ثلاثا، لا يصطلحان، إلا كانا خارجين من الاسلام، 6 ولم يكن بينهما ولاية، ~~وأيهما سبق إلى # PageV00P325 # كلام أخيه كان السابق إلى الجنة يوم الحساب (1). # وعن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: # لا يفترق رجلان على الهجران إلا استوجب أحدهما البراءة واللعنة، وربما ~~استحق كلاهما. فقال له معتب: (2) جعلني الله فداك هذا الظالم، فما بال ~~المظلوم؟ قال لأنه لا يدعو أخاه ms127 إلى صلته، ولا يتغامس له عن كلامه، سمعت ~~أبي يقول: إذا تنازع اثنان فنازع أحدهما الآخر، فليرجع المظلوم إلى صاحبه ~~حتى يقول لصاحبه: أي أخي أنا الظالم، حتى يقطع الهجران بينه وبين صاحبه، ~~فإن الله تبارك وتعالى حكم عدل يأخذ للمظلوم من الظالم. (3) وروى زرارة عن ~~أبي جعفر عليه السلام قال: # إن الشيطان يغري بين المؤمنين ما لم يرجع أحدهم عن دينه، فإذا فعلوا ذلك ~~استلقى على قفاه وتمدد ثم قال: فزت. فرحم الله امرء ألف بين وليين لنا، يا ~~معشر المؤمنين تألفوا وتعاطفوا. (4) وعن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه ~~السلام قال: # لا يزال إبليس فرحا ما اهتجر المسلمان، فإذا التقيا اصطكت ركبتاه، وتخلعت ~~أوصاله، ونادى يا ويله ما لقي من الثبور. 5 وسابعها: الكلام فيه بما لا يحل ~~من كذب وغيبة وغيرهما، وهو من لوازم الحقد، بل من نتيجة المناظرة، فإن ~~المناظر لا يخلو عن حكاية كلام صاحبه في معرض التهجين، والذم والتوهين ~~فيكون مغتابا، وربما يحرف كلامه، فيكون كاذبا # PageV00P326 # مباهتا ملبسا، وقد يصرح باستجهاله واستحماقه، فيكون متنقصا مسببا. 1 وكل ~~واحد من هذه الأمور ذنب كبير، والوعيد عليه في الكتاب والسنة كثير، يخرج عن ~~أحد الحصر. وكفاك في ذم الغيبة أن الله تعالى شبهها بأكل الميتة، فقال ~~تعالى: # لا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه. 2 وقال ~~النبي صلى الله عليه وآله: # كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه. 3 والغيبة تتناول العرض. # وقال صلى الله عليه وآله: # إياكم والغيبة، فإن الغيبة أشد من الزنا، إن الرجل قد يزني فيتوب، فيتوب ~~الله على، وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه. 4 وقال البراء: ~~خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله أسمع العواتق في بيوتها، فقال: # يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه! لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا ~~عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته ~~يفضحه في جوف بيته. 5 وعن ms128 أبي عبد الله عليه السلام: # ما من مؤمن قال في مؤمن ما رأته عيناه، وسمعته أذناه، فهو من الذين قال ~~الله عز وجل: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب ~~أليم. 6 . # PageV00P327 # وعن النبي صلى الله عليه وآله: # إن الغيبة أشد من ثلاثين زنية، 1 وفي حديث آخر: # من ستة وثلاثين زنية. 2 والكلام في الغيبة يطول، والغرض هنا الإشارة إلى ~~أصول هذه الرذائل. وروى المفضل بن عمر عن أبي عبد الله عليه السلام أنه ~~قال: # من روى على مؤمن رواية يريد بها شينه، وهدم مروءته ليسقط من أعين الناس ~~أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان، فلا يقبله الشيطان. 3 وعنه عليه ~~السلام في حديث: # عورة المؤمن على المؤمن حرام، قال: ما هو أن ينكشف فترى منه شيئا، إنما ~~هو أن تروي عنه أو تعيبه. 4 وروى زرارة عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما ~~السلام قال [ظ: قالا]: # أقرب ما يكون العبد إلى الكفر أن يؤاخي الرجل على الدين، فيحصي عليه ~~عثراته وزلاته. 5 وروى أبو بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وأكل ~~لحمه # PageV00P328 # معصية، وحرمة ماله كحرمة دمه 1 وعن أبي حمزة قال: سمعت أبا عبد الله عليه ~~السلام يقول: # إذا قال المؤمن لأخيه: أف، خرج من ولايته، وإذا قال: أنت عدوي، كفرا ~~أحدهما، ولا يقبل الله تعالى من مؤمن عملا، وهو مضمر على أخيه المؤمن سوء. ~~2 وروى الفضيل عن أبي جعفر عليه السلام قال: # ما من انسان يطعن في عين مؤمن إلا مات بشر ميته، وكان قمنا أن لا يرجع ~~إلى خير. 2 وثامنها: الكبر والترفع، والمناظرة لا تنفك عن التكبر على ~~الاقران والأمثال، والترفع فوق المقدار في الهيئات والمجالس، وعن إنكار ~~كلام خصمهم، وإن لاح كونه حقا، حذرا من ظهور غلبتهم. ولا يصرحون عند ظهور ~~الفلج عليهم بأنا مخطئون وأن الحق قد ظهر في جانب خصمنا. # وهذا ms129 عين الكبر الذي قد أخبر عنه النبي صلى الله عليه وآله بأنه لا يدخل ~~الجنة من في قلبه منه مثقال، وقد فسره صلى الله عليه وآله في الحديث السابق ~~5 بأنه بطر الحق وغمص الناس. والمراد ب‍ " بطر الحق ": رده على قائله وعدم ~~الاعتراف به بعد ظهوره، و " غمص الناس " بالصاد المهملة بعد الميم والغين ~~المعجمة: احتقارهم. # وهذا المناظر قد رد الحق على قائله بعد ظهوره له، وإن خفي على غيره، ~~وربما احتقره حيث يزعم أنه محق، وأن خصمه هو المبطل الذي لم يعرف الحق، ولا ~~له ملكة العلم والقوانين المؤدية إليه. # PageV00P329 # وعن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال حاكيا عن الله تعالى: # العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما قصمته. 1 وعن أبي عبد ~~الله عليه السلام قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أعظم الكبر غمص الخلق، وسفه الحق. # قال: قلت: وما غمص الخلق وسفه الحق؟ قال: يجهل الحق ويطعن على أهله، فمن ~~فعل ذلك، فقد نازع الله عز وجل رداءه. 2 وروى الحسين بن أبي العلاء عن أبي ~~عبد الله عليه السلام قال سمعته يقول: # الكبر قد يكون في شرار الناس من كل جنس، والكبر رداء الله، فمن نازع الله ~~عز وجل رداءه لم يزده الله عز وجل إلا سفالا. 3 وسئل عليه السلام عن أدنى ~~الالحاد. قال: إن الكبر أدناه. 4 وروى زرارة عن أبي جعفر وأبي عبد الله ~~عليهما السلام قالا: # لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر. 5 وعمن عمر بن يزيد، قال: # قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني آكل الطعام الطيب، وأشم الرائحة ~~الطيبة، وأركب الدابة الفارهة، ويتبعني الغلام، فترى في هذا شيئا من ~~التجبر، فلا أفعله. # فأطرق أبو عبد الله عليه السلام ثم قال: إنما الجبار الملعون من غمص ~~الناس، وجهل الحق. قال عمر: فقلت أما الحق فلا أجهله، والغمص لا أدري ما ~~هو؟ # قال: من حقر الناس وتجبر عليهم فذلك الجبار. 6 # PageV00P330 # وعن أبي ms130 حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ~~يوم القيامة ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، وعد منهم الجبار. 1 وتاسعها: 2 ~~التجسس وتتبع العورات، والمناظر لا يكاد يخلو عن طلب عثرات مناظره في كلامه ~~وغيره ليجعله ذخيرة لنفسه، ووسيلة إلى تسديده وبراءته أو دفع منقصته، حتى ~~أن ذلك قد يتمادى بأهل الغفلة ومن يطلب علمه للدنيا، فيتفحص عن أحوال خصمه ~~وعيوبه، ثم إنه قد يعرض به في حضرته، أو يشافهه بها، وربما يتبجح به 3 ~~ويقول: كيف أخملته وأخجلته، إلى غير ذلك مما يفعله الغافلون عن الدين ~~وأتباع الشياطين، وقد قال الله تعالى: ولا تجسسوا. 4 وقال صلى الله عليه ~~وآله: # يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه! لا تتبعوا عورات المسلمين، فمن ~~تتبع عورة مسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه، ولو في جوف ~~بيته. 5 وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام: # أقرب ما يكون العبد إلى الكفر أن يؤاخي الرجل الرجل على الدين فيحصي عليه ~~زلاته ليعيره بها يوما ما. 6 وعن أبي عبد الله عليه السلام: # أبعد ما يكون العبد من الله أن يكون الرجل يؤاخي الرجل وهو يحفظ زلاته ~~ليعيره بها يوما ما. 7 وعنه عليه السلام قال: # PageV00P331 # قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أذاع فاحشة كان كمبتدئها، ومن عير ~~مؤمنا بشئ لم يمت حتى يركبه. 1 وعنه عليه السلام: # من لقي أخاه بما يؤنبه أنبه الله في الدنيا والآخرة. 2 وعنه عليه السلام ~~قال: # قال أمير المؤمنين عليه السلام في كلام له: ضع أمر أخيك على أحسنه حتى ~~يأتيك ما يغلبك منه، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوء وأنت تجد لها في ~~الخير محملا. 3 وعاشرها: 4 الفرح بمساءة الناس والغم بسرورهم، ومن لا يحب ~~لأخيه المسلم ما يحب لنفسه، فهو ناقص الايمان بعيد عن أخلاق أهل الدين. # وهذا غالب بين من غلب على قلبهم محبة ms131 إفحام الاقران وظهور الفضل على ~~الاخوان، وقد ورد في أحاديث كثيرة 5 أن للمسلم على المسلم حقوقا إن ضيع ~~منها واحدا خرج من ولاية الله وطاعته، ومن جملتها ذلك. # روى محمد بن يعقوب الكليني، قدس الله روحه، بإسناده إلى المعلى بن خنيس ~~عن أبي عبد الله عليه السلام قال: # قلت له: ما حق المسلم على المسلم؟ قال: له سبع حقوق واجبات ما منهن حق ~~إلا وهو واجب عليه إن ضيع منها حقا خرج من ولاية الله وطاعته، ولم يكن الله ~~فيه نصيب، قلت له: جعلت فداك وما هي؟ قال: يا معلى! إني عليك شفيق أخاف # PageV00P332 # أن تضيع ولا تحفظ، وتعلم ولا تعمل، قال: قلت له: لا قوة إلا بالله، قال: ~~أيسر حق منها أن تحب له ما تحب لنفسك وتكره له ما تكره لنفسك، والحق ~~الثاني: أن تجتنب سخطه وتتبع مرضاته وتطيع أمره، والحق الثالث: أن تعينه ~~بنفسك ومالك ولسانك ويدك ورجلك، والحق الرابع: أن تكون عينه ودليله ومرآته، ~~والحق الخامس: أن لا تشبع ويجوع، ولا تروى ويظمأ، ولا تلبس ويعرى، والحق ~~السادس: أن يكون لك خادم وليس لأخيك خادم، فواجب أن تبعث خادمك فيغسل ثيابه ~~ويصنع طعامه ويمهد فراشه، والحق السابع: أن تبر قسمه، وتجيب دعوته، وتعود ~~مريضه، وتشهد جنازته، وإذا عملت أن لا حاجة تبادره إلى قضائها، ولا تلجئه ~~أن يسألكها، ولكن تبادره مبادرة، فإذا فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايته ~~وولايته بولايتك. 1 والاخبار في هذا الباب كثيرة. 2 وحادي عشرها: 3 تزكية ~~النفس والثناء عليها، ولا يخلو المناظر من الثناء على نفسه إما تصريحا، أو ~~تلويحا وتعريضا، بتصويب كلامه وتهجين كلام خصمه. # وكثيرا ما يصرح بقوله " لست ممن يخفى عليه أمثال هذا " ونحو، وقد قال ~~الله تعالى: فلا تزكوا أنفسكم: 4 وقيل لبعض العلماء: ما الصدق القبيح؟ قال: ~~ثناء المرء على نفسه 5. # واعلم أن ثناءك على نفسك مع قبحه ونهي الله تعالى عنه، ينقص قدرك عند ~~الناس، ويوجب مقتك عند الله تعالى، وإذا أردت أن تعرف أن ms132 ثناءك على نفسك لا ~~يزيد في قدرك عند غيرك، فانظر إلى أقرانك إذا أثنوا على أنفسهم # PageV00P333 # بالفضل كيف يستنكره قلبك، ويستثقله طبعك، وكيف تذمهم عليه إذا فارقتهم، ~~فاعلم أنهم أيضا في حال تزكيتك نفسك يذمونك بقلوبهم ناجزا، ويظهرونه ~~بألسنتهم إذا فارقتهم. # وثاني عشرها: النفاق، والمتناظرون يضطرون إليه، فإنهم يلقون الخصوم ~~والاقران وأتباعهم بوجه مسالم، وقلب منازع، وربما يظهرون الحب والشوق إلى ~~لقائهم، وفرائصهم مرتعدة في الحال من بغضهم، ويعلم كل واحد من صاحبه أنه ~~كاذب فيما يبديه، مضمر خلاف ما يظهره. # وقد قال صلى الله عليه وآله: # إذا تعلم الناس العلم، وتركوا العمل، وتحابوا بالألسن وتباغضوا بالقلوب، ~~وتقاطعوا في الأرحام، لعنهم الله عند ذلك. فأصمهم وأعمى أبصارهم. 1 نسأل ~~الله العافية. # فهذه اثنتا عشرة خصلة مهلكة، أولها الكبر المحرم للجنة، وآخرها النفاق ~~الموجب للنار، والمتناظرون يتفاوتون فيها على حسب درجاتهم، ولا ينفك أعظمهم ~~دينا، وأكثرهم عقلا من جملة مواد هذه الأخلاق، وإنما غايتهم إخفاؤها ~~ومجاهدة النفس عن ظهورها للناس وعدم اشتغالهم بدوائها، والامر الجامع لها ~~طلب العلم لغير الله. # وبالجملة فالعلم لا يهمل العالم أبدا، بل إما أن يهلكه ويشقيه، أو يسعده ~~ويقربه من الله تعالى ويدنيه. # فإن قلت: في المناظرة فائدتان: إحداهما ترغيب الناس في العلم، إذ لولا حب ~~الرئاسة لاندرست العلوم، وفي سد بابها ما يفتر هذه الرغبة، والثانية: أن ~~فيها تشحيذ الخاطر وتقوية النفس لدرك مآخذ العلم. # قلنا: صدقت، ولم نذكر ما ذكرناه لسد باب المناظرة، بل ذكرنا لها ثمانية # PageV00P334 # شروط واثنتي عشرة آفة ليراعي المناظر شروطها، ويحترز عن آفاتها ثم يستدر ~~فوائدها من الرغبة في العلم وتشحيذ الخاطر، فإن كان غرضك أنه ينبغي أن يرخص ~~في هذه الآفات، وتحتمل بأجمعها لأجل الرغبة في العلم وتشحيذ الخاطر، فبئس ~~ما حكمت، فإن الله تعالى ورسوله وأصفياءه رغبوا الخلق في العلم بما وعدوا ~~من ثواب الآخرة لا بالرئاسة. # نعم الرئاسة باعث طبيعي، والشيطان موكل بتحريكه والترغيب فيه، وهو مستغن ~~عن نيابتك عنه ومعاونتك. # واعلم أن من تحركت رغبته في ms133 العلم بتحريك الشيطان، فهو ممن قال فيهم رسول ~~الله صلى الله عليه وآله: # إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، 1 وبأقوام لا خلاق لهم، 2 ومن ~~تحركت رغبته بتحريك الأنبياء عليهم السلام وترغيبهم في ثواب الله تعالى، ~~فهو من ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل وأمناء الله تعالى على عباده. # وأما تشحيذ الخاطر فقد صدقت، فليشحذ الخاطر وليجتنب هذه الآفات التي ~~ذكرناها، فإن كان لا يقدر على اجتنابها فليتركه، وليلزم المواظبة على الطعم ~~وطول التفكر فيه وتصفية القلب عن كدورات الأخلاق، فإن ذلك أبلغ في التشحيذ، ~~وقد تشحذت خواطر أهل الدين بدون هذه المناظرة. # والشئ إذا كانت له منفعة واحدة وآفات كثيرة، لا يجوز التعرض لآفاته لأجل ~~تلك المنفعة الواحدة، بل حكمه في ذلك حكم الخمر والميسر، قال الله تعالى: # PageV00P335 # يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر ~~من نفعهما. 1 فحرمهما لذلك وأكد تحريمهما. والله الموفق. # PageV00P336 # الباب الرابع في آداب الكتابة والكتب التي هي آلة العلم وما يتعلق ~~بتصحيحها وضبطها ووضعها وحملها وشرائطها وعاريتها وغير ذلك. PageV00P337 # [آداب الكتابة والكتب وما يتعلق بها] وفيه مسائل: # الأولى: الكتابة من أجل المطالب الدينية، وأكبر أسباب الملة الحنيفية من ~~الكتاب والسنة، وما يتبعهما من العلوم الشرعية، و [ما] يتوقفان عليه من ~~المعارف العقلية. وهي منقسمة في الاحكام حسب العلم المكتوب: فإن كان واجبا ~~على الأعيان فهي كذلك، حيث يتوقف حفظه عليها، وإن كان واجبا على الكفاية ~~فهي كذلك، وإن كان مستحبا فكتابته مستحبة. # وهي في زماننا هذا بالنسبة إلى الكتاب والسنة موصوفة بالوجوب مطلقا، إذ ~~لا يوجد من كتب الدين ما يقوم بفرض الكفاية بالنسبة إلى الأقطار، سيما كتب ~~التفسير والحديث، فإن معالمهما قد أشرفت على الاندراس، ورايات أعلامهما قد ~~آذنت بالانتكاس، فيجب على كل مسلم الاهتمام بحالهما كتابة وحفظا وتصحيحا ~~ورواية، كفاية. # ومن القواعد المعلومة أن فرض الكفاية إذا لم يقم به من فيه كفاية يخاطب ~~PageV00P339 # به كل مكلف، ويأثم بالتقصير فيه كل مكلف به، فيكون في ذلك كالواجب ms134 العيني ~~إلى أن يوجد ما فيه كفاية. # وقد ورد مع ذلك في الحث على الكتابة والوعد بالثواب الجزيل على فعلها ~~كثير من الآثار: فمنه عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: # قيدوا العلم، قيل: وما تقييده؟ قال: كتابته. 1 وروي: # أن رجلا من الأنصار كان يجلس إلى النبي صلى الله عليه وآله يستمع منه ~~الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقال له ~~النبي: # استعن بيمينك، وأومأ بيده أي خط. 2 وعن الحسن بن علي عليهما السلام: أنه ~~دعا بنيه وبني أخيه، فقال: # إنكم صغار قوم، ويوشك أن تكونوا كبار قوم آخرين، فتعلموا العلم، فمن لم ~~يستطع منكم أن يحفظه فليكتبه وليضعه في بيته. 3 وعن أبي بصير قال: سمعت أبا ~~عبد الله عليه السلام يقول: # اكتبوا فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا. 4 وعنه عليه السلام قال: # القلب يتكل على الكتابة. 5 وعن عبيد بن زرارة قال: قال أبو عبد الله عليه ~~السلام: # PageV00P340 # احتفظوا بكتبكم، فإنكم سوف تحتاجون إليها. 1 وعن المفضل بن عمر قال: قال ~~لي أبو عبد الله عليه السلام: # اكتب وبث علمك في إخوانك، فإن مت فأورث كتبك بنيك، فإنه يأتي على الناس ~~زمان هرج لا يأنسون فيه إلا بكتبهم. 2 وروى الصدوق في أماليه بإسناده إلى ~~النبي، صلى الله عليه وآله أنه قال: # إن المؤمن إذا مات وترك ورقة واحدة عليها علم كانت الورقة سترا فيما بينه ~~وبين النار، وأعطاه الله تعالى بكل حرف مدينة أوسع من الدنيا وما فيها، ومن ~~جلس عند العالم ساعة ناداه الملك: جلست إلى عبدي، وعزتي وجلالي لأسكننك ~~الجنة معه ولا أبالي. 3 الثانية: يجب على الكاتب إخلاص النية لله تعالى في ~~كتابته، كما يجب إخلاصها في طلبه العلم، لأنها عبادة وضرب من تحصيل العلم ~~وحفظه، والقصد بها لغير الله تعالى من حفوظ النفس والدنيا كالقصد بالعلم، ~~وقد تقدم 4 من ذمه ووعيده ما فيه كفاية. # ويزيد عنه - خيرا أو شرا - أنه موقع بيده ما ms135 يكون يوم القيامة حجة له أو ~~عليه، فلينظر ما يوقعه، ويترتب على خطه ما يترتب من خير أو شر، ومن سنة أو ~~بدعة يعمل بها في حياته وبعد موته دهرا طويلا، فهو شريك في أجر من ينتفع به ~~أو وزره، فلينظر ما يسببه. # ويعلم من ذلك أن ثواب الكتابة ربما زاد على ثواب العلم في بعض الموارد، ~~بسبب كثرة الانتفاع به ودوامه، ومن هنا جاء تفضيل مداد العلماء على دماء # PageV00P341 # الشهداء 1 حيث إن مدادهم ينفع بعد موتهم، ودماء الشهداء لا تنفع بعد ~~موتهم. 2 الثالثة: 3 ينبغي لطالب العلم أن يعتني بتحصيل الكتب المحتاج ~~إليها في العلوم النافعة ما أمكنه بكتابة أو شراء، وإلا فبإجارة أو عارية، ~~لأنها آلة التحصيل، وكثيرا ما تدرب بها الأفاضل في الأزمنة السابقة، وحصل ~~لهم بواسطتها ترق زائد على من لم يتمكن منها، ولهم في ذلك أقاصيص يطول ~~الامر بشرحها. 4 ولا ينبغي للطالب أن يجعل تحصيها وجمعها وكثرتها حظه من ~~العلم، ونصيبه من الفهم، بل يحتاج مع ذلك إلى التعب والجد والجلوس بين يدي ~~المشايخ. ولقد أحسن القائل: 5 إذا لم تكن حافظا واعيا * فجمعك للكتب لا ~~ينفع الرابعة: أن لا يشتغل بنسخها إن أمكنه تحصيلها بشراء ونحوه، لان ~~الاشتغال بتحصيل العلم أهم. نعم لو تعذر الشراء لعدم الثمن أو لعزة الكاتب، ~~فليكتب لنفسه، ولا يرضى بالاستعارة مع إمكان تملكه. # PageV00P342 # ومتى آل الحال إلى النسخ فليشمر له، فإن الله يعينه ولا يضيع به حظه من ~~العلم، ولا يفوت الحظ إلا بالكسل. ومن ضبط وقته حصل مطلبه، وقد تقدم 1 جملة ~~صالحة في ذلك. # الخامسة: 2 يستحب إعارة الكتب لمن لا ضرر عليه فيها ممن لا ضرر منه بها ~~استحباب مؤكدا، لما فيه من الإعانة على العلم والمعاضدة على الخير ~~والمساعدة على البر والتقوى، مع ما في مطلق العارية من الفضل والأجر. وقد ~~قال بعض السلف: # بركة العلم إعارة الكتب. 3 وقال آخر: من بخل بالعلم ابتلي بإحدى ثلاث: أن ~~ينساه، أو يموت فلا ms136 ينتفع به، أو تذهب كتبه، 4 وينبغي للمستعير أن يشكر ~~للمعير ذلك لإحسانه ويجزيه خيرا. # السادس: إذا استعار كتابا وجب عليه حفظه من التلف والتعيب، وأن لا يلط به ~~ولا يطل مقامه عنده، بل يرده إذا قضى حاجته، ولا يحبسه إذا استغنى عنه، ~~لئلا يفوت الانتفاع به على صاحبه، ولئلا يكسل عن تحصيل الفائدة منه، ولئلا ~~يمنع صاحبه من إعارة غيره إياه. 5 وأما إذا طلبه المالك حرم عليه حبسه ~~ويصير ضامنا له، وقد جاء في ذم الابطاء برد الكتب عن السلف أشياء كثيرة ~~نظما ونثرا، 6 وبسبب حبسها والتقصير في حفظها امتنع غير واحد من إعارتها. # PageV00P343 # السابعة: 1 لا يجوز أن يصلح كتاب غيره المستعار أو المستأجر بغير إذن ~~صاحبه، ولا يحشيه، ولا يكتب شيئا في بياض فواتحه وخواتمه، إلا إذا علم رضا ~~مالكه، وهو كما يكتبه المحدث على جزء سمعه، 2 ولا يسوده، ولا يعيره غيره، ~~ولا يودعه لغير ضرورة حيث يجوز شرعا، ولا ينسخ منه بغير إذن صاحبه، فإن ~~النسخ انتفاع زائد على الانتفاع بالمطالعة وأشق. # فإن كان الكتاب وقفا على من ينتفع به غير معين، فلا بأس بالنسخ منه لمن ~~يجوز له إمساكه والانتفاع به مع الاحتياط. ولا بأس بإصلاحه ممن هو أهل لذلك ~~من الناظر فيه أو من يأذن له، بل قد يجب، فإن لم يكن له ناظر خاص فالنظر ~~فيه إلى الحاكم الشرعي. # وإذا نسخ منه بإذن صاحبه أو ناظره، فلا يكتب منه والقرطاس في بطنه، ولا ~~يضع المحبرة عليه، ولا يمر بالقلم الممدود 3 فوق الكتابة. # وبالجملة فيجب حفظه من كل ما يعد عرفا تقصيرا، وهو أمر زائد على حفظ ~~الانسان كتابه، فقد يجوز فيه ما لا يجوز في المستعار. خصوصا المتهاون بحفظ ~~الكتب، فإن كثيرا من الناس يمتهن كتابه في الغاية بسبب الطبع البارد، وهذا ~~الامر لا يسوغ في المستعار بوجه. # الثامنة: 4 إذا نسخ من الكتاب أو طالعه، فلا يضعه على الأرض مفروشا ~~منشورا، بل يجعله بين كتابين مثلا، أو كرسي ms137 على الوجه المعروف، 5 لئلا يسرع ~~تقطيع حبكه وورقه وجلده. # PageV00P344 # التاسعة: 1 إذا وضع الكتب مصفوفة، فلتكن على كرسي، أو تحتها خشب أو رق ~~ونحو ذلك، والأولى أن يكون بينها وبين الأرض خلو، ولا يضعها على الأرض كي ~~لا تتندى أو تبلى. # وإذا وضعها على خشب أو نحوه جعل فوقها وتحتها ما يمنع من تأكل جلودها به، ~~وكذلك يجعل بينها وبين ما يصادمها أو يسندها من حائط أو غيره. # ويراعي الأدب في وضع الكتب باعتبار علومها وشرفها وشرف مصنفها، فيضع ~~الأشرف أعلى الكل، ثم يراعي التدريج، فإن كان فيها المصحف الكريم جعله أعلى ~~الكل والأولى أن يكون في خريطة ذات عروة في مسمار أو وتد في حائط طاهر نظيف ~~في صدر المجلس، ثم كتب الحديث الصرف، ثم تفسير القرآن، ثم تفسير الحديث، ثم ~~أصول الدين، ثن أصول الفقه، ثم الفقه، ثم العربية. # ولا يضع ذات القطع الكبير فوق دوات الصغير، لئلا يكثر تساقطها، ولا يكثر ~~وضع الردة 2 في أثنائه لئلا يسرع تكسرها. # وينبغي أن يكتب اسم الكتاب عليه في جانب آخر الصفحات من أسفل، 3 وفائدته ~~معرفة الكتاب وتيسر اخراجه من بين الكتب. # العاشرة: 4 أن لا يجعل الكتاب خزانة للكراريس أو غيرها، ولا مخدة ولا ~~مروحة ولا مكنسا 5 ولا مسندا [خ ل: ولا مستندا] ولا متكا ولا مقتلة ~~للبراغيث وغيرها، لا سيما في الورق. ولا يطوي حاشية الورقة أو زاويتها، ولا ~~يعلم بعود أو بشئ جاف، بل بورقة لطيفة ونحوها، وإذا ظفر فلا يكبس ظفره ~~قويا. # PageV00P345 # الحادية عشرة: 1 إذا استعار كتابا ينبغي له أن يتفقده عند أخذه ورده، ~~وإذا اشترى كتابا تعهد أوله وآخره ووسطه، وترتيب أبوابه وكراريسه، وتصفح ~~أوراقه واعتبر صحته، ومما يغلب على ظنه صحته إذا ضاق الزمان عن تفتيشه أن ~~يرى إلحاقا أو إصلاحا، فإنه من شواهد الصحة، حتى قال بعضهم: لا يضئ الكتاب ~~حتى يظلم. 2 يريد إصلاحه بالضرب والكشط، والالحاق ونحوها. # الثانية عشرة: 3 إذا نسخ شيئا من كتب العلم الشرعية، ms138 فينبغي أن يكون على ~~طهارة مستقبلا طاهر البدن والثياب والحبر والورق، ويبتدئ الكتاب بكتابة " ~~بسم الله الرحمن الرحيم " و " الحمد الله والصلاة على رسوله وآله " وإن لم ~~يكن المصنف قد كتبها، لكن إن لم تكن من كلام المصنف أشعر بذلك، بأن يقول ~~بعد ذلك: قال المصنف أو الشيخ، ونحو ذلك. # وكذلك يختم الكتاب بالحمدلة والصلاة والسلام، بعدما يكتب: " آخر الجزء ~~الفلاني، ويتلوه كذا وكذا " إن لم يكن كمل الكتاب، ويكتب إذا كمل: " تم ~~الكتاب الفلاني، أو الجزء الفلاني، وبتمامه تم الكتاب " ونحو ذلك، ففيه ~~فوائد كثيرة. # وكلما كتب اسم الله تعالى أتبعه بالتعظيم، مثل: تعالى، أو سبحانه، أو عز ~~وجل، أو تقدس ونحو ذلك، ويتلفظ بذلك أيضا، وكلما كتب اسم النبي صلى الله ~~عليه وآله كتب بعده الصلاة عليه وعلى آله والسلام، ويصلي ويسم هو بلسانه ~~أيضا. # ولا يختصر الصلاة في الكتاب، ولا يسأم من تكريرها ولو وقعت في السطر ~~مرارا كما يفعل بعض المحرومين المتخلفين من كتابة " صلعم " أو " صلم " أو " ~~صم " أو " صلسم " أو " صله " فإن ذلك كله خلاف الأولى والمنصوص، بل قال بعض # PageV00P346 # العلماء: إن أول من كتب " صلعم " قطعت يده. 1 وأقل ما في الاخلال ~~بإكمالها تفويت الثواب العظيم عليها، فقد ورد عنه صلى الله عليه وآله أنه ~~قال: # من صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك ~~الكتاب. 2 وإذا مر بذكر أحد من الصحابة سيما الأكابر كتب " رضي الله عنه " ~~أو " رضوان الله عليه " أو بذكر أحد من السلف الاعلام كتب " رحمه الله " أو ~~" تغمده الله برحمته " ونحو ذلك. وقد جرت العادة باختصاص الصلاة والسلام ~~بالأنبياء، وينبغي أن يجعل لائمة عليهم السلام السلام، وإن جاز خلاف ذلك ~~كله، بل يجوز الصلاة على كل مؤمن، كما دل عليه القرآن والحديث. 3 # PageV00P347 # وكتابة ما ذكر من الثناء ونحوه هو دعاء ينشئه لا كلام يرويه، فلا يتقيد ~~فيه بالرواية ولا بإثبات المصنف. بل يكتبه وإن سقط من الأصل المنقول أو ~~المسموع ms139 منه. # وإذا وجد شيئا من ذلك قد جاءت به الرواية أو مذكورا في التصنيف كانت ~~العناية بإثباته وضبطه أكثر. هذا هو الراجح ومختار الأكثر، وذهب بعض ~~العلماء 1 إلى اسقاط ذلك كله من الكتابة مع النطق بذلك. وينبغي أن يذكر ~~السلام على النبي مع الصلاة عملا بظاهر الآية، 2 ولو اقتصر على الصلاة لم ~~يكن به بأس. # الثالثة عشرة: لا يهتم المشتغل بالعلم بالمبالغة في حسن الخط، وإنما يهتم ~~بصحته وتصحيحه. ويجتنب التعليق جدا، وهو خلط الحروف التي ينبغي تفريقها، ~~والمشق وهو سرعة الكتابة مع بعثرة الحروف. وقال بعضهم: وزن الخط وزن ~~القراءة: أجود القراءة أبينها، وأجود الخط أبينه. 3 وينبغي أن يجتنب ~~الكتابة الدقيقة، لأنه لا ينتفع بها، أو لا يكمل الانتفاع بها لمن ضعف ~~نظره، وربما ضعف نظر الكاتب نفسه بعد ذلك، فلا ينتفع بها. قال بعض السلف 4 ~~لكاتب - وقد رآه يكتب خطا دقيقا -: لا تفعل فإنه يخونك أحوج # PageV00P348 # ما تكون إليه. # وقال بعضهم: اكتب ما ينفعك وقت احتياجك إليه، ولا تكتب ما تنتفع به وقت ~~الحاجة أي وقت الكبر وضعف البصر. 1 وهذا كله في غير مسودات المصنفين. فإن ~~تأنيهم في الكتابة يفوت كثيرا من أغراضهم التي هي أهم من تجويد الكتابة، ~~فمن ثم نراها غالبا عسرة القراءة مشتبكة الحروف والكلمات، لسرعة الكتابة ~~واشتغال الفكر بأمر آخر. # الرابعة عشرة: 2 قالوا: لا ينبغي أن يكون القلم صلبا جدا فيمنع سرعة ~~الجري، أو رخوا فيسرع إليه الحفا. قال بعضهم: 3 إذا أردت أن تجود خطك، فأطل ~~جلفتك وأسمنها، وحرف قطتك وأيمنها. وليكن السكين حادة جدا لبراية الأقلام ~~وكشط الورق، خاصة لا تستعمل في غير ذلك، وليكن ما يقط 4 عليه القلم صلبا، ~~ويحمدون في ذلك القصب الفارسي اليابس جدا، والآبنوس 6 الصلب الصقيل. # الخامسة عشرة: ينبغي أن لا يقرمط الحروف ويأتي بها مشتبهة بغيرها، بل ~~يعطي كل حرف حقه، وكل كلمة حقها، ويراعي من الآداب الواردة في ذلك ما روي ~~عن النبي صلى الله عليه وآله أنه ms140 قال لبعض كتابه: # PageV00P349 # ألق 1 الدواة، وحرف القلم، 2 وانصب الباء، وفرق السين، ولا تعور الميم، ~~وحسن الله، ومد الرحمن، وجود الرحيم، وضع قلمك على أذنك اليسرى، فإنه أذكر ~~لك. 3 وعن زيد بن ثابت أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: # إذا كتبت " بسم الله الرحمن الرحيم " فبين السين فيه. 4 وعن ابن عباس رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: # لا تمد الباء إلى الميم حتى ترفع السين. 5 وعن أنس قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله: # إذا كتب أحدكم " بسم الله الرحمن الرحيم " فليمد الرحمن. 6 وعنه أيضا: # PageV00P350 # من كتب " بسم الله الرحمن الرحيم " فجوده تعظيما لله غفر الله له. 1 وعن ~~علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: # تنوق رجل في " بسم الله الرحمن الرحيم " فغفر له. 2 وعن جابر رضي الله ~~عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: # إذا كتب أحدكم كتابا فليتربه، فإنه أنجح. 3 السادسة عشرة: 4 كرهوا في ~~الكتابة فصل مضاف اسم الله تعالى منه كعبد الله، أو رسول الله صلى اله عليه ~~وآله، فلا يكتب عبدا ورسولا في آخر سطر، والله مع ما بعده أول سطر آخر، ~~لقبح الصورة. وهذا الكراهة للتنزيه. # ويلتحق بذلك أسماء النبي صلى الله عليه وآله وأسماء الصحابة رضي الله ~~عنهم، ونحوها الموهم لخلل، كقوله " ساب النبي صلى الله عليه وآله كافر "، ~~فلا يكتب " ساب " مثلا في آخر سطر، وما بعده في أول آخر. # بل ولا اختصاص للكراهة بالفصل بين المتضايفين، فغيرهما مما يستقبح فيه ~~الفصل كذلك. وكذلك كرهوا جعل بعض الكلمة في آخر سطر، وبعضها في أول آخر. # PageV00P351 # السابعة عشرة: 1 عليه مقابلة كتابه بأصل صحيح موثوق به، وأولاده ما كان ~~مع مصنفه، ثم ما كان مع غيره من أصل بخط المصنف، ثم بأصل قوبل معه إذا كان ~~عليه خطه، ثما قوبل به مع غيره مما هو صحيح مجرب، 2 لان الغرض المطلوب أن ~~يكون ms141 كتابه مطابقا لأصل المصنف. 3 وبالجملة فمقابلة الكتاب الذي يرام النفع ~~منه على أي وجه كان مما يفيد الصحة - متعينة، فينبغي مزيد الاهتمام بها. # وقد قال بعض السلف 4 لابنه: كتبت؟ قال: نعم. قال: عرضت كتابك؟ # قال: لا. قال: لم تكتب، وعن الأخفش 5 قال: إذا نسخ الكتاب ولم يعارض، ثم ~~نسخ ولم يعارض خرج أعجميا. 6 وقد سقه إليه الخليل بن أحمد رحمه الله فقال: ~~إذا نسخ الكتاب ثلاث مرات ولم يعارض تحول بالفارسية. 7 إلا أن الأخفش اقتصر ~~على مرتين. # PageV00P352 # الثامنة عشرة: إذا صحح الكتاب بالمقابلة، فينبغي أن يضبط مواضع الحاجة ~~فيعجم المعجم، ويشكل المشكل، ويضبط المشتبه، ويتفقد مواضع التصحيف. # أما ما يفهم بلا نقط وشكل، فلا ينبغي الاعتناء بنقطه وشكله، لأنه اشتغال ~~بما غيره أولى منه، وتعب بلا فائدة، وربما يحصل للكتاب به إظلام، ولكن ~~ينتفع به المبتدئ وكثير من الناس. 1 وروى جميل بن دراج قال: قال أبو عبد ~~الله عليه السلام: # أعربوا حديثنا فإنا قوم فصحاء. 2 ومن مهمات الضبط ما يقع بسببه اختلاف ~~المعنى كحديث ذكاة الجنين ذكاة أمة. 3 وكذلك ضبط الملتبس من الأسماء، إذ هي ~~سماعية. # وإن احتاج إلى ضبطه في الحاشية قبالته فعل، لأنه أبعد من الالتباس سيما ~~عند # PageV00P353 # دقة الخط وضيق الأسطر. وإذا أوضحه في الحاشية كتب عليه فيها " بيان " أو ~~حرف " ن ". # وقد جرت العادة في ضبط الأحرف بضبط الحروف المعجمة بالنقط، وأما المهملة، ~~فلهم في ضبطها طرق: # منها: أن لا يتعرض لها ويجعل الاهمال علامة عليها، ولم يرتضه جماعة، فقد ~~يغفل المعجم سهوا ونحوه، فيشتبه بالمهمل. # ومنها: 1 أن ينقطها من أسفل بنحو نقط نظيرها المعجم من أعلى، فينقط الراء ~~والدال مثلا من أسفل نقطة، والسين من أسفل ثلاثا وهكذا. واستثني منها ~~الحاء، فلا ينقط من أسفل لئلا يلتبس بالجيم. # ومنها: أن يكتب مثل ذلك الحرف منفردا، والأولى أن يكون تحته، وأن يكون ~~أصغر مما في الأصل. # ومنها: أن يكتب على المهمل شكلة صغيرة كالهلال أو كالقلامة 2 ms142 مضطجعة على ~~قفاها [هكذا: س]. # ومها: أن يخط عليها خطا صغيرا، وهو موجود في كثير من الكتب القديمة، ولا ~~يفظن له كثير لخفائه. ومن الضبط أن يكتب في باطن الكاف المعلقة 3 كاف # PageV00P354 # صغيرة أو همزة، وفي باطن اللام لام صغيرة. 1 التاسعة عشرة: 2 ينبغي أن ~~يكتب على ما صححه وضبطه في الكتاب وهو في محل شك عند مطالعته أو تطرق ~~احتمال: " صحة " [ظ: " صح "] صغيرة. # ويكتب فوق ما وقع في التصنيف أو في النسخ وهو خطأ: " كذا " صغيرة، ويكتب ~~في الحاشية: " صوابه كذا " إن كان يتحققه، أو " لعله كذا " إن غلب على ظنه ~~أنه كذلك، أو يكتب على ما أشكل عليه ولم يظهر له وجهه " ص " وهي صورة رأس ~~صاد مهملة مختصرة من " صح ". - قال بعضهم: 3 ويجوز أن تكون معجمة، مختصرة ~~من " ضبة " - وتكتب فوق الكتابة غير متصلة بها لئلا يظن ضربا أو غيره، فإذا ~~تحققه هو أو غيره بعد ذلك، وكان المنقول صوابا زاد تلك الصاد حاء فيصير " ~~صح ". قيل: 4 وأشاروا إلى أن الضبة نصف " صح " وأن الصحة لم تكمل فيها هي ~~فوقه مع صحة روايته ومقابلته مثلا، وإلى تنبيه الناظر فيه على أنه منقب في ~~. # PageV00P355 # نقله غير غافل، فلا يظن أنه غلط فيصلحه. وقد يتجاسر بعضهم فيغير ما ~~الصواب إبقاؤه. واستعير لتلك الصورة اسم الضبة لشبهها بضبة الاناء التي ~~يصلح بها خلله، بجامع أن كلا منهما جعل على ما فيه خلل، أو بضبة الباب لكون ~~المحل مقفلا بها لا يتجه قراءته، كما أن الضبة يقفل بها 1. # العشرون: 2 إذا وقع في الكتاب زيادة أو كتب فيه شئ على غير وجهه تخير فيه ~~بين ثلاثة أمور: # الأول: الكشط، وهو سلح الورق بسكين ونحوها، ويعبر عنه بالبشر - بالباء ~~الموحدة - وبالحك، وسيأتي 3 أن غيره أولى منه، وهو أولى في إزالة نقطة أو ~~شكلة أو نحو ذلك. # الثاني: المحو، وهو الإزالة بغير سلخ إن أمكن، بأن تكون الكتابة في ورق ~~صقيل جدا في حال طراوة المكتوب وأمن ms143 نفوذ الحبر، وهو أولى من الكشط لأنه ~~أقرب زمنا وأسلم من فساد المحل غالبا. ومن الحيل الجيدة عليه لعقه رطبا ~~بخفة ولطافة. # ومن هنا قال بعض السلف: من المروة أن يرى في ثوب الرجل وشفتيه مداد. 4 ~~والثالث: الضرب عليه، وهو أجود من الكشط والمحو، لا سيما في كتب الحديث، ~~لان كلا منهما يضعف الكتاب، ويحرك تهمة، 5 وربما أفسد الورق. # وعن بعض المشايخ أنه كان يقول: كان الشيوخ يكرهون حضور السكين مجلس ~~السماع حتى لا يبشر شئ، 6 ولأنه ربما يصح في رواية أخرى، وقد يسمع الكتاب ~~مرة أخرى على شيخ آخر يكون ما بشر صحيحا في روايته، فيحتاج إلى # PageV00P356 # إلحاقه بعد بشره. ولو خط عليه في رواية الأول، وصح عند الآخر اكتفي ~~بعلامة الآخر عليه بصحته. وفي كيفية الضرب خمسة أقوال: 1 أحدها: أن يصل ~~بالحروف المضروب عليها ويخط بها خطا ممتدا، ويسمى عند المغاربة بالشق، 2 ~~وأجوده ما كان دقيقا بينا يدل على المقصود، ولا يسود الورق، ولا يطمس ~~الحروف، ولا يمنع قراءة ما تحته. # وثانيها: أن يجعل الخط فوق الحروف منفصلا عنها منعطفا طرفاه على أول ~~المبطل وآخره ومثال هكذا " [......] " وثالثها: أن يكتب لفظة " لا " أو ~~لفظة " من " فوق أوله ولفظة " إلى " فوق آخره، ومعناه: من هنا ساقط إلى ~~هنا، أو: لا يصح مثلا هذا إلى هنا: ومثل هذا يحسن فيما صح في رواية، وسبط ~~في أخرى، ومثاله هكذا: " لا.. إلى " أو هكذا " من.. إلى ". # ورابعها: أن يكتب في أول الكلام المبطل وفي آخره نصف دائرة، ومثاله هكذا: ~~" (..) " فإن ضاق المحل جعله في أعلى كل جانب. # وخامسها: أن يكتب في أول المبطل وفي آخره صفرا، وهو دائرة صغيرة سميت ~~بذلك لخلو ما أشير إليه بها من الصحة كتسمية الحساب لها بذلك، لخلو موضعها ~~من عدد، مثاله هكذا " ه... ه "، فإن ضاق المحل جعل ذلك في أعلى كل جانب. # ومنهم من يصل بين المبطل مكان الخط نقطا متتالية. ولو كان المبطل أكثر من ~~سطر فإن شئت علم ms144 بما ذكر في الثلاثة الأخيرة من الخمسة في أول كل سطر ~~وآخره، وإن شئت علم بها في طرف الزائد فقط. # وإذا تكررت كلمة أو أكثر سهوا ضرب على الثانية لوقوع الأولى صوابا في ~~موضعها، إلا إذا كانت الثانية أجود صورة أو أدل على القراءة. وكذا إذا كانت # PageV00P357 # الأولى آخر سطر، فإن الضرب عليها أولى، صيانة لأول السطر. # وإذا كان في المكرر مضاف ومضاف إليه أو صفة وموصوف أو متعاطفان أو مبتدأ ~~وخبر، فمراعاة عدم التفريق بين ما ذكرنا والضرب على المتطرف من المتكرر لا ~~على المتوسط، لئلا يفصل بالضرب بين شيئين بينهما ارتباط أولى من مراعاة ~~الأول أو الأخير أو الأجود، 1 إذ مراعاة المعاني أحق من تحسين الصورة في ~~الخط. 2 وإذا ضرب على شئ ثم تبين له أنه كان صحيحا، وأراد عود إثباته كتب ~~في أوله وآخره: " صح " صغيره، وله أن يكررها عليه ما لم يؤد إلى تسويد ~~الورق. # ويختار التكرار فيما إذا ضرب بالخط المتصل أو المنفصل أو النقط ~~المتتالية، وعدمه فيما إذا ضرب بغير ذلك من العلامات، ويحسن حينئذ أن يضرب ~~على العلامة من " من " و " لا " و " إلى " ونصف الدائرة، والصفر، ويكتب لفظ ~~" صح ". # الحادية والعشرون: 3 إذا أراد تخريج شئ سقط، ويسمى اللحق بفتح الحاء مشتق ~~من اللحاق بالفتح أي الادراك، فليخرجه في الحاشية وهو أولى من جعله بين ~~السطور لسلامته من تضييقها وتغليس ما يقرأ، سيما إذا كانت السطور ضيقة ~~متلاصقة، قالا: وجهة اليمين من الحواشي أولى إن أمكن بأن اتسعت، لشرفها ~~ولاحتمال سقط آخر فيخرجه إلى جهة اليسار، فلو خرج الأول إلى اليسار، ثم ظهر ~~سقط آخر في السطر، فإن خرج له إلى اليسار أيضا اشتبه محل [أحد] السقطين ~~بمحل الآخر، أو إلى اليمين تقابل طرف 4 التخريجين، وربما التقيا لقرب ~~السقطين، 5 # PageV00P358 # فيظن أن ذلك ضرب على ما بينهما على ما مر في كيفية الضرب، فالابتداء ~~باليمين وجعله ضابطا يزيل الاشتباه إلا أن يكثر السقط في السطر الواحد وهو ~~نادر. # نعم ms145 إن كان الساقط آخر سطر ألحقه بآخره مطلقا للأمن حينئذ [من نقص فيه ~~بعده]، 1 وليكن متصلا بالأصل، ولا يكتبه في أول السطر بعده ولا يلحقه في ~~الحاشية اليمنى، نعم إن ضاق المحل لقرب الكتابة من طرف الورقة أو للتجليد ~~خرج إلى الجهة الأخرى. # وليكن كتب الساقط، من أي جهة كان التخريج، صاعدا لفوق إلى أعلى الورقة، 2 ~~لا نازلا به إلى أسفلها، لاحتمال تخريج آخر بعده، فلا يجد له محلا مقابله. ~~ويجعل رؤوس الحروف إلى جهة اليمين، سواء كان في جهة يمين الكتابة أم ~~يسارها. # وينبغي أن يحسب الساقط، وما يجئ منه من الأسطر قبل أن يكتبها، فإن كان ~~سطرين أو أكثر جعل السطور أعلى الطرة 3 نازلا بها إلى أسفل، بحيث تنتهي ~~السطور إلى جهة الكتابة إن كان التخريج عن يمينها، وإن كان عن يسارها ابتدأ ~~الأسطر من جانب الكتابة بحيث تنتهي سطوره إلى طرف الورقة فإن انتهى الهامش ~~قبل فراغ الساقط كمل في أعلى الورقة أو أسفلها بحسب ما يكون من الجهتين. # ولا يوصل الكتابة والأسطر بحاشية الورقة من أي جهة كانت، بل يدع مقدارا ~~يحتمل الحك عند حاجته مرات. # ثم كيفية التخريجة للساقط أن يجعل في محله من السطر خطا صاعدا إلى تحت ~~السطر الذي فوقه منعطفا قليلا إلى جهة التخريج من الحاشية ليكون إشارة ~~إليه، [هكذا:.. [.. أو...]...]. # PageV00P359 # واختار جماعة من العلماء 1 أن يصل بين الخط وأول الساقط بخط ممتد بينهما ~~[هكذا:.].. أو.. [..] وهو غير مرضي عند الباقي، 2 لاشتماله على تسويد ~~الكتاب، سيما إن كثر التخريج. نعم إن لم يكن ما يقابل محل السقوط خاليا، ~~واضطر إلى كتابته بمحل آخر اختير مد الخط إلى أول الساقط، أو كتب قبالة ~~المحل: " يتلوه كذا في المحل الفلاني " أو نحوه مما يزيل اللبس. # وإذا كتب الساقط في التخريج وانتهى منه كتب في آخره: " صح "، وتصغيرها ~~أولى، وبعضهم يكتب " صح رجع " وبعضهم يقتصر على " رجع " 3. # الثانية والعشرون: إذا صحح الكتاب على الشيخ، أو في المقابلة علم على ~~موضع ms146 وقوفه ب‍ " بلغ " و " بلغت " أو بلغ العرض " أو نحو ذاك مما يفيد ~~معناه، وإن كان ذلك بخط الشيخ فهو أولى، ففيه فوائد جمة من أهمها الوثوق ~~بالنسخة والاعتماد عليها على تطاول الأزمنة إذا كان الشيخ أو المقابل ~~معروفا بالثقة والضبط، فإن ذلك مما يحتاج إليه سيما في هذا الزمان، لضعف ~~الهمة وفتور العزيمة في الأزمنة المتقاربة لزماننا عن مباشرة التصحيح ~~والضبط خصوصا لكتب الحديث، فالاعتماد على تصحيح الثقات السابقين مع ~~الاجتهاد في تحقيق الحق بحسب الامكان. # الثالثة والعشرون: ينبغي أن يفصل بين كل كلامين أو حديثين بدائرة أو ~~ترجمة أو قلم غليظ، ولا يوصل الكتابة كلها على طريقة واحدة، لما فيه من عسر ~~استخراج المقصود وتضييع الزمان فيه. # PageV00P360 # ورجحوا الدائرة على غيرها، وعمل عليها غالب المحدثين، 1 واختار بعضهم 2 ~~إغفال الدائرة حتى يقابل، وكل كلام يفرغ منه ينقط في الدائرة التي تليه ~~نقطة وفي المقابلة الثانية ثانية، وهكذا. # الرابعة والعشرون: 3 لا بأس بكتابة الحواشي والفوائد والتنبيهات المهمة ~~على غلط أو اختلاف رواية أو نسخة، أو نحو ذلك، على حواشي كتاب يملكه، أو لا ~~يملكه بالاذن، ولا يكتب في آخر ذلك " صح ". # ويخرج لها بأعلى وسط كلمة المحل التي كتبت الحاشية لأجلها لا بين ~~الكلمتين، 4 أو يجعل بدل التخريجة إشارة بالهندي، 5 وكل ذلك ليتميز هذا عن ~~تخريج الساقط في الأصل. # وبعضهم يكتب على أول المكتوب من ذلك: " حاشية " أو " فائدة " مثلا أو ~~صورة " حشة " وبعضهم يكتب ذلك في آخره. 6 ولا ينبغي أن يكتب إلا الفوائد ~~المهمة المتعلقة بذلك المحل، ولا يسوده بنقل المباحث والفروع الغريبة، كما ~~اتفق لبعض غفلة أهل هذا العصر الذين لم يقفوا على مصطلح العلماء، فأفسدوا ~~أكثر الكتب. ولا ينبغي الكتابة في الأسطر مطلقا. # الخامسة والعشرون: ينبغي كتابة التراجم والأبواب والفصول، ونحو ذلك # PageV00P361 # بالحمرة ونحوها، فإنه أظهر في البيان وفي فواصل الكلام. ولك في كتابة شرح ~~ممزوج بالمتن أن تميز المتن بكتابته بالحمرة، أو تخط عليه بها خطا منفصلا ~~عنه ممتدا عليه ms147 كالصورة الثانية من صور الضرب المارة، لكن تميزه عن الضرب ~~بترك انعطاف الخط من طرفيه. # وكتابة جميع المتن بالحمرة أجود، لأنه قد يمتزج بحرف واحد، وقد تكون ~~الكلمة الواحدة بعضها متن وبعضها شرح، فلا يوضح ذلك بالخط إيضاحه بالحمرة. ~~والله الموفق. PageV00P362 # وأما الخاتمة فتشتمل على مطالب مهمة: # [المطلب الأول في أقسام العلوم الشرعية وما تتوقف عليه] [المطلب الثاني ~~في مراتب أحكام العلم الشرعي وما ألحق به] [المطلب الثالث في ترتيب العلوم ~~بالنظر إلى المتعلم] PageV00P363 # المطلب الأول في أقسام العلوم الشرعية وما تتوقف عليه من العلوم العقلية ~~والأدبية وفيه فصلان: [الفصل] الأول في أقسام العلوم الشرعية الأصلية وهي ~~أربعة: علم الكلام، وعلم الكتاب العزيز، وعلم الأحاديث وعلم الأحاديث ~~النبوية، وعلم الأحكام الشرعية المعبر عنها بالفقه. # فأما علم الكلام: ويعبر عنه بأصول الدين، هو أساس العلوم الشرعية ~~وقاعدتها، لان به يعرف الله تعالى ورسوله وخليفته، وغيرها [خ ل: غيرهما؟] ~~مما يشتمل عليه، وبه يعرف صحيح الآراء من فاسدها وحقها من باطلها، وقد جاء ~~في الحث على تعلمه وفضله كثير من الكتاب والسنة: قال الله تعالى: ~~PageV00P365 # فاعلم أنه لا إله إلا الله. 1 وقال تعالى: # أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا ~~بالحق. 2 وقال تعالى: # أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شئ. 3 ومرجع ذلك ~~إلى الامر بالنظر والاستدلال بالصنعة المحكمة والآثار المتقنة، على الصانع ~~الواحد القادر العالم الحكيم. # وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: # ما قلت: ولا قال القائلون قبلي مثل " لا إله إلا الله ". 4 وعن أبي عبد ~~الله عليه السلام عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: # من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. 5 وعنه عليه السلام عن آبائه عن ~~علي عليه السلام في قول الله عز وجل: # هل جزاء الاحسان إلا الاحسان. 6 قال علي عليه السلام: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله يقول: # إن ms148 الله عز وجل قال: ما جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة. 7 وعن ~~ابن عباس قال: # جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقال: يا رسول الله علمني من ~~غرائب # PageV00P366 # العلم. قال: ما صنعت في رأس العلم حتى تسأل عن غرائبه؟ قال الرجل: ما رأس ~~العلم يا رسول الله؟ قال: معرفة الله حق معرفته. قال الاعرابي: وما معرفة ~~الله حق معرفته؟ قال: تعرفه بلا مثل ولا شبه ولا ند، وأنه واحد أحد ظاهر ~~باطن أول آخر، لا كقوله ولا نظير، فذلك حق معرفته. 1 والأثر في ذلك عن أهل ~~البيت عليهم السلام كثير جدا، ومن أراده فليقف على كتابي التوحيد للكليني، ~~2 والصدوق ابن بابويه رحمهما الله تعالى. # وأما علم الكتاب: فقد استقر الاصطلاح فيه على ثلاثة فنون قد أفردت ~~بالتصنيف وأطلق عليها اسم العلم: # أحدها: علم التجويد، وفائدته معرفة أوضاع حروفه وكلماته مفردة ومركبة، ~~فيدخل فيه معرفة مخارج الحروف وصفاتها ومدها وإظهارها وإخفائها وادغامها ~~إمالتها وتفخيمها، ونحو ذلك. # وثانيها: علم القراءة، وفائدته معرفة الوجوه الاعرابية والبنائية التي ~~نزل القرآن بها، ونقلت عن الني صلى الله عليه وآله تواترا، ويندرج فيه بعض ~~ما سبق في الفن الأول، وقد يطلق عليهما علم واحد، ويجمعهما تصنيف واحد، ~~وثالثها: علم التفسير، وفائدته معرفة معانيه واستخراج أحكامه وحكمه، ليترتب ~~عليه استعماله في الاحكام والمواعظ والأمر والنهي وغيرها، ويندرج فيه غالبا ~~معرفة ناسخة ومنسوخة ومحكمة ومتشابهه، وغيرها. وقد يفرد الناسخ والمنسوخ، ~~ويخص بعلم آخر إلا أن أكثر التفاسير مشتملة على المقصود منهما. # وقد ورد في فضله وآدابه والحث على تعلمه أخبار كثيرة وآثار، فروي عن ابن ~~عباس رضي الله عنه مرفوعا 3 في قوله تعالى: # PageV00P367 # يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا. 1 قال: الحكمة، ~~القرآن. 2 وروي عنه رضي الله عنه أنه يعني تفسيره، فإنه قد قرأه البر ~~والفاجر. 3 وعنه رضي الله عنه في تفسير الآية أنه قال: الحكمة: المعرفة ~~بالقرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، ms149 وحلاله وحرامه، ~~وأمثاله. 4 وقال صلى الله عليه وآله: # أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه. 5 وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا ~~من كان يقرئنا من الصحابة أنهم كانوا يأخذون من رسول الله صلى الله عليه ~~وآله عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم ~~والعمل. 6 وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: الذي يقرأ القرآن ولا يحسن ~~تفسيره كالأعرابي يهذ الشعر هذا. 7 وعن النبي صلى الله عليه وآله: # من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار. 8 # PageV00P368 # وقال صلى الله عليه وآله: # من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ. 1 وقال صلى الله عليه وآله: # من قال في القرآن بغير ما يعلم جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار. 2 ~~وقال صلى الله عليه وآله: # أكثر ما أخاف على أمتي من بعدي رجل يتأول القرآن يضعه على غير مواضعه. 3 ~~وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أبي: # ما ضرب رجل القرآن بعضه ببعض إلا كفر. 4 يعني تفسيره برأيه من غير علم. # وقد تقدم 5 حديث العلامة الذي قيل للنبي صلى الله عليه وآله أنه أعلم ~~الناس بأنساب العرب ووقائعها وأيام الجاهلية والاشعار العربية، فقال النبي ~~صلى الله عليه وآله: # ذاك علم لا يضر من جهله، ولا ينفع من علمه، ثم قال صلى الله عليه وآله: ~~إنما العلم ثلاثة: آية محكمة، أو فريضة عادلة، أو سنة قائمة، وما سواهن فهو ~~فضل. 6 والكلام في جملة ذلك مما يطول ويخرج من وضع الرسالة، فلنقتصر منه ~~على هذا القدر. # وأما علم الحديث: فهو أجل العلوم قدرا وأعلاها رتبة وأعظمها مثوبة بعد # PageV00P369 # القرآن، وهو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وآله أو إل الأئمة ~~المعصومين عليهم السلام قولا أو فعلا أو تقريرا أو صفة، حتى الحركات ~~والسكنات واليقظة والنوم. # وهو ضربان: رواية، ودراية. # فالأول: العلم بما ذكر. # والثاني: - وهو المراد بعلم الحديث عند الاطلاق - وهو علم يعرف به معاني ms150 ~~ما ذكر، ومتنه وطرقه وصحيحه وسقيمه، وما يحتاج إليه من شروط الرواية. # وأصناف المرويات، ليعرف المقبول منه والمردود، ليعمل به أو يجتنب. # وهو أفضل العلمين، فإن الغرض الذاتي منهما هو العمل، والدراية هي السبب ~~القريب له. وقد روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: # خير تدريه خير من ألف ترويه. 1 وقال عليه السلام: # عليكم بالدرايات لا الروايات. 2 وعن طلحة بن زيد، قال: قال أبو عبد الله ~~عليه السلام: # رواة الكتاب كثير، ورعاته قليل، فكم مستنسخ للحديث مستغش للكتاب، ~~والعلماء تجزيهم الدراية والجهال تجزيهم الرواية. 3 ومما جاء في فضل علم ~~الحديث مطلقا من الاخبار والآثار قول النبي صلى الله عليه وآله: # ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه. 4 # PageV00P370 # وقوله صلى الله عليه وآله: # نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من ~~هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه. 1 وقوله صلى الله عليه وآله: # من أدى إلى أمتي حديثا يقام به سنة أو يثلم به بدعة، فله الجنة. 2 وقوله ~~صلى الله عليه وآله: # رحم الله خلفائي. قيل: ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي فيروون ~~أحاديثي ويعلمونها الناس. 3 وقوله صلى الله عليه وآله: # من حفظ على أمتي أربعين حديثا من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة فقيها، ~~وكنت له شافعا وشهيدا. 4 هذا بعض ما ورد من ألفاظ هذا الحديث. # PageV00P371 # وقوله صلى الله عليه وآله: # من تعلم حديثين اثنين ينفع بهما نفسه، أو يعلمهما غيره، فينتفع بهما كان ~~خيرا له من عبادة ستين سنة. 1 وقوله صلى الله عليه وآله: # من رد حديثا بلغه عني فأنا مخاصمه يوم القيامة، فإذا بلغكم عني حديث لم ~~تعرفوه فقولوا: الله أعلم. 2 وقوله صلى الله عليه وآله: # من كذب علي متعمدا أو رد شيئا أمرت به، فليتبوأ بيتا في جهنم. 3 وقوله ~~صلى الله عليه وآله: # من بلغه عني حديث فكذب به، فقد كذب ms151 ثلاثة: الله ورسوله، والذي حدث به. 4 ~~وقوله صلى الله عليه وآله: # تذاكروا وتلاقوا وتحدثوا، فإن الحديث جلاء القلوب، إن القلوب لترين كما ~~يرين السيف، جلاؤها الحديث. 5 وروى علي بن حنظلة قال سمعت أبا عبد الله ~~عليه السلام يقول: # اعرفوا منازل الناس على قدر روايتهم عنا. 6 وعن أبي عبد الله عليه السلام ~~قال: # إن العلماء ورثة الأنبياء، وذاك أن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا، ~~وإنما ورثوا # PageV00P372 # أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشئ منها فقد أخذ حظا وافرا، فانظروا علمكم ~~هذا عمن تأخذونه، فإن فينا أهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف ~~الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. 1 وعن معاوية بن عمار قال: قلت ~~لأبي عبد الله عليه السلام: # رجل رواية لحديثكم يبث ذلك في الناس ويشدده في قلوبهم وقلوب شيعتكم، ولعل ~~عابدا من شيعتكم ليس له هذه الرواية، أيهما أفضل؟ قال: # الرواية لحديثنا يشد به قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد. 2 وعن أبي بصير ~~قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام: قول الله جل ثناؤه: # الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. 3 قال: # هو الرجل يسمع الحديث. فيحدث به كما سمعه، لا يزيد فيه ولا ينقص منه. 4 ~~وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: # إذا حدثتم بحديث فأسندوه إلى الذي حدثكم، فإن كان حقا فلكم، وإن كان كذبا ~~فعليه. 5 وروى هشام بن سالم وحماد بن عثمان، وغيرهما قالوا: سمعنا أبا عبد ~~الله عليه السلام يقول: # حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، # PageV00P373 # وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير ~~المؤمنين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله: وحديث رسول الله صلى الله ~~عليه وآله قول الله عز وجل. 1 وأما الفقه: فأصله في اللغة: الفهم أو فهم ~~الأشياء الدقيقة، وفي الاصطلاح: # علم بحكم شرعي فرعي مكتسب من دليل تفصيلي، سواء كان من قصه أم استنباطا ~~منه. وفائدته امتثال أوامر الله ms152 تعالى واجتناب نواهيه المحصلان للفوائد ~~الدنيوية والأخروية. # ومما ورد في فضله وآدابه خبر: # من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين. 2 وخبر: # فقيه أشد على الشيطان من ألف عابد. 3 وقوله صلى الله عليه وآله: # خصلتان لا تجتمعان في منافق: حسن سمت وفقه في الدين. 4 وقوله صلى الله ~~عليه وآله: # أفضل العبادة الفقه، وأفضل الدين الورع. 5 وخبر أبي سعيد قال: # PageV00P374 # كان النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه إذا جلسوا كان حديثهم الفقه، إلا ~~أن يقرأ رجل سورة، أو يأمر رجلا بقراءة سورة. 1 وروى حماد بن عثمان عن أبي ~~عبد الله عليه السلام قال: # إذا أراد الله بعيد خيرا فقهه في الدين. 2 وروى بشير الدهان قال: قال أبو ~~عبد الله عليه السلام: # لا خير في من لا يتفقه من أصحابنا، يا بشير! إن الرجل منهم إذا لم يستغن ~~بفقهه احتاج إليهم، فإذا احتاج إليهم أدخلوه في باب ضلالتهم، وهو لا يعلم. ~~3 وعن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: # عليكم بالتفقه في دين الله، ولا تكونوا أعرابا، فإنه من لم يتفقه في دين ~~الله لم ينظر الله إليه يوم القيامة، ولم يزك له عملا 4. # وروى أبان بن تغلب عنه عليه السلام قال: # لوددت أن أصحابي ضربت رؤوسهم بالسياط حتى يتفقهوا. 5 وروي عنه عليه ~~السلام أنه قال له رجل: جعلت فداك، رجل عرف هذا الامر، لزم بيته ولم يتعرف ~~إلى أحد من إخوانه؟ قال: فقال: # كيف يتفقه هذا في دينه؟. 6 وعن علي بن أبي حمزة قال: سمعت أبا عبد الله ~~عليه السلام يقول: # PageV00P375 # تفقهوا في الدين، فإنه من لم يتفقه منكم في الدين، فهو أعرابي، إن الله ~~تعالى يقول في كتابه: # ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون. 1 وعن ~~أبي جعفر عليه السلام قال: # الكمال كل الكمال التفقه في الدين، والصبر على النائبة، وتقدير المعيشة. ~~2 وروى سليمان بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام ms153 أنه قال: # ما من أحد يموت من المؤمنين أحب إلى إبليس من موت فقيه. 3 وعنه عليه ~~السلام، قال: # إذا مات المؤمن الفقيه ثلم في الاسلام ثلمة لا يسدها شئ. 4 وعن علي بن ~~أبي حمزة، قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام يقول: # إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة، وبقاع الأرض التي كان يعبد الله ~~عليها، وأبواب السماء التي كان يصعد فيها بأعماله، وثلم في الاسلام ثلمة لا ~~يسدها شئ، لان المؤمنين الفقهاء حصون الاسلام، كحصن سور المدينة لها. 5 وعن ~~أبي عبد الله عليه السلام قال: # لا يسع الناس حتى يسألوا ويتفقهوا ويعرفوا إمامهم، ويسعهم أن يأخذوا بما ~~يقول وإن كان تقية. 6 فهذه نبذة من الاخبار المختصة بالعلوم الشرعية مضافة ~~إلى ما ورد في مطلق # PageV00P376 # العلم، وقد تقدم جملة منه. 1 الفصل الثاني في العلوم الفرعية وهي التي ~~تتوقف معرفة العلوم الشرعية عليها، أما المعرفة بالله تعالى وما يتبعه فلا ~~يتوقف أصل تحققه على شئ من العلوم، بل يكفي فيه مجرد النظر، وهو أمر عقلي ~~يجب على كل مكلف، وهو أول الواجبات بالذات، وإن كان الخوض في مباحثه وتحقيق ~~مطالبه، ودفع شبه المبطلين فيه يتوقف على بعض العلوم العقلية كالمنطق ~~وغيره. # وأما الكتاب العزيز فإنه بلسان عربي مبين، فيتوقف معرفته على علوم ~~العربية من النحو والتصريف والاشتقاق والمعاني والبيان والبديع ولغة العرب، ~~وأصول الفقه ليعرف به حكم عامه وخاصه، ومطلقه ومقيده، ومحكمه ومتشابهه، ~~وغيرها من ضروبه. فمعرفة ما يتوقف عليه من هذه العلوم واجب كوجوبه: فإن كان ~~عينيا فهي عينية، وإن كان كفائيا فهي كفائية، وسيأتي تفصيله 2 إن شاء الله ~~تعالى. # وأما الحديث النبوي فالكلام فيه كالكلام في الكتاب، وعلومه علومه، ويزيد ~~الحديث عنه بمعرفة أحوال رواته من حيث الجرح والتعديل، ليعرف ما يجب قبوله ~~منها وما يجب رده، وهو علم خاص بالرجال. 3 وأما الفقه فيتوقف معرفته على ~~جميع ما ذكر من العلوم الفرعية والأصلية: # أما الكلام، فلتوقف معرفة الشرع على شارعه وعدله ms154 وحكمته، ومعرفة مبلغه ~~وحافظه. # PageV00P377 # وأما الكتاب ففيه نحو خمس مائة آية تشتمل على أحكام شرعية، 1 فلا بد من ~~معرفتها لمن يريد التفقه بطريق الاستدلال. # وأما الحديث، فلا بد من معرفة ما يشتمل منه على الاحكام ليستنبطها منه ~~ومن الآيات القرآنية، فإن لم يمكن استنباطها منهما رجع إلى بقية الأدلة ~~التي يمكن استفادتها منها من الاجماع، ودليل العقل على الوجه المقرر في ~~أصول الفقه. # والمنطق آلة شريفة لتحقيق الأدلة مطلقا، ومعرفة الموصل منها إلى المطلوب ~~من غيره. # فهذه عشرة علوم 2 يتوقف عليها العلوم الشرعية، وجملة ما يتوقف عليه الفقه ~~اثنا عشر، 3 وهي ترجع بحسب ما استقر عليه تدوين العلماء إلى ثمانية، فإن ~~علم الاشتقاق قد أدرج في أصول الفقه غالبا، وفي بعض العلوم العربية، وعلم ~~المعاني والبيان والبديع قد صار علما واحدا في أكثر الكتب الموضوعة لها، ~~والتصريف داخل مع النحو في أكثر الكتب، وقل من أفرده علما، خصوصا كتب ~~المتقدمين. # فتدبر ذلك موفقا. # PageV00P378 # المطلب الثاني في مراتب أحكام العلم الشرعي وما ألحق به وهي ثلاثة: فرض ~~عين، وفرض كفاية، وسنة. # فالأول 1 ما لا يتأدى الواجب عينا إلا به، وعليه حمل 2 حديث طلب العلم ~~فريضة علم كل مسلم. 3 وهو يرجع إلى اعتقاد وفعل وترك. # فالأول: اعتقاد كلمتي الشهادتين، وما يجب لله ويمتنع عليه والاذعان ~~بالإمامة للامام، والتصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله من أحوال ~~الدنيا والآخرة مما ثبت عنه تواترا. كل ذلك بدليل تسكن النفس إليه ويحصل به ~~الجزم. # PageV00P379 # وما زاد على ذلك من أدلة المتكلمين والخوض في دقائق الكلام، فهو فرض ~~كفاية، لصيانة الدين ودفع شبه المبطلين، وأم الفعل: فتعلم واجب الصلاة عند ~~التكليف بها ودخول وقتها، أو قبله بحيث يتوقف التعلم عليه، ومثلها الزكاة ~~والصوم والحج والجهاد والامر بالمعروف. # وأما باقي أبواب الفقه من العقود والايقاعات فيجب تعلم أحكامها حيث يجب ~~على المكلف بأحد الأسباب المذكورة في كتب الفقه، وإلا فهي واجبة كفاية. # ومنه تعلم ما يحل ويحرم، من المأكول ms155 والمشروب والملبوس، ونحوها مما لا ~~غنى عنه، وكذلك أحكام عشرة النساء لمن له زوجة، وحقوق المماليك لمن له شئ ~~منها. # وأما الترك: فيدخل في بعض ما ذكر، ليجتنب، ومما يلحق به بل هو أهمه، كما ~~أسلفناه في صدر الكتاب 1 تعليم ما يحصل به تطهير القلب من الصفات المهلكة ~~كالرئاء والحسد والعجب والكبر، ونحوها، مما تحقق في علم مفرد، وهو من أجل ~~العلوم قدرا، إلا أنه قد اندرس بحيث لا يكاد ترى له أثرا. # ولو توقف تعلم بعض هذه الواجبات على الاشتغال به قبل البلوغ لضيق وقته ~~بعده ونحوه، وجب على الولي تعليم الولد ذلك قبله من باب الحسبة، بل ورد ~~الامر بتعليم مطلق الأهل ما يحصل به النجاة من النار، قال الله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا. 2 معناه: علموهم ما ينجون ~~به من النار. 3 # PageV00P380 # وقال صلى الله عليه وآله: # كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. 1 وأما فرض الكفاية: فما لا بد للناس منه ~~في إقامة دينهم من العلوم الشرعية: # كحفظ القرآن والأحاديث وعلومهما والفقه والأصول والعربية ومعرفة رواة ~~الحديث وأحوالهم والاجماع، وما يحتاج إليه في قوام أمر المعاش كالطب ~~والحساب، وتعلم الصنائع الضرورية كالخياطة والفلاحة حتى الحجامة، ونحوها. # فرع: # قال بعض العلماء 2: فرض الكفاية أفضل من فرض العين، لأنه يصان بقيام ~~البعض به جميع المكلفين عن إثمهم المترتب على تركهم له، بخلاف فرض العين ~~فإنما يصان به عن الاثم القائم به فقط. # وأما السنة: فكتعلم نفل العبادات، والآداب الدينية، ومكارم الأخلاق وشبه ~~ذلك، وهو كثير ومنه تعلم الهيأة للاطلاع على عظمة، الله تعالى، وما يترتب ~~عليه من الهندسة وغيرها. # وبقي علوم أخر بعضها محرم مطلقا، كالسحر والشعبذة وبعض الفلسفة، وكل ما ~~يترتب عليه إثارة الشكوك. وبعضها محرم على وجه دون آخر كأحكام النجوم ~~والرمل، فإنه يحرم تعلمها مع اعتقاد تأثيرها وتحقيق وقوعها، ومباح مع ~~اعتقاد كون الامر مستندا إلى الله تعالى، وأنه أجرى العادة بكونها سببا في ~~بعض الآثار وعلى # PageV00P381 # سبيل التفاؤل، ms156 وبعضها مكروه كأشعار المولدين 1 المشتملة على الغزل وتزجية ~~3 الوقت بالبطالة، وتضييع العمر بغير فائدة. وبعضها مباح كمعرفة التواريخ ~~والوقائع والاشعار الخالية عما ذكر، مما لا يدخل في الواجب كأشعار العرب ~~العاربة 3 التي تصلح للاحتجاج بها في الكتاب والسنة، فإنها ملحقة باللغة. 4 ~~وباقي العلوم من الطبيعي والرياضي والصناعي أكثره موصوف بالإباحة # PageV00P382 # بالنظر إلى ذاته، وقد يمكن جعله مندوبا لتكميل النفس، وإعدادها لغيره من ~~العلوم الشرعية بتقويتها في القوة النظرية، وقد يكون حراما إذا استلزم ~~التقصير في العلم الواجب عينا أو كفاية، كما يتفق كثيرا في زماننا هذا لبعض ~~المحرومين الغافلين عن حقائق الدين. # ومن هذا الباب الاشتغال في العلوم التي هي آلة العلم الشرعي زيادة عن ~~القدر المعتبر منها في الآلية مع وجوب الاشتغال بالعلم الشرعي، لعدم قيام ~~من فيه الكفاية به، ونحوه. # ولتحرير أقسام العلوم وبيان أحكامها على التفصيل محل آخر، فإن ذكره هنا ~~يخرج عن موضوع الرسالة. # واعلم أن تخصيص العلوم الأربعة 1 بالشرعية مصطلح جماعة من العلماء، وربما ~~خصه بعضهم بالثلاثة الأخيرة، ويمكن رد كل علم واجب أو مندوب إليه. 2 ولا ~~حرج في ذلك. فإنه مجرد اصطلاح لمناسبة، والله أعلم. # PageV00P383 # المطلب الثالث في ترتيب العلوم بالنظر إلى المتعلم اعلم أن لكل علم من ~~هذه العلوم مرتبة من التعلم، لابد لطالبه من مراعاتها لئلا يضيع سعيه أو ~~يعسر عليه طلبه، وليصل إلى بغيته بسرعة، وكم قد رأينا طلابا للعلم سنين ~~كثيرة، لم يحصلوا منه إلا على القليل، وآخرين حصلوا منه كثيرا في مدة قليلة ~~بسبب مراعاة ترتيبه وعدمه. # وليعلم أيضا أن الغرض الذاتي ليس هو مجرد العلم بهذه العلوم، بل الغرض ~~موافقه مراد الله تعالى منها: إما بالآلية، أو بالعلم، أو بالعمل، أو ~~بإقامة نظام الوجود، أو إرشاد عباده إلى ما يراد منهم، أو غير ذلك من ~~المطالب، وبسبب ذلك يختلف ترتيب التعلم. # فمن كان تعلمه في ابتداء أمره وريعان شبيته وهو قابل للترقي إلى مراتب ~~العلوم والتأهل للتفقه في الدين بطريق الاستدلال والبراهين ms157 فينبغي أن يشتغل ~~في أول أمره بحفظ كتاب الله تعالى وتجويده على الوجه المعتبر، ليكون مفتاحا ~~صالحا ومعينا ناجحا، وليستنير القلب به، ويستعد بسببه إلى درك باقي العلوم. ~~PageV00P385 # فإذا فرغ منه اشتغل بتعلم العلوم العربية، فإنها أول آلات الفهم، وأعظم ~~أسباب العلم الشرعي، فيقرأ أولا علم التصريف، ويتدرج في كتبه من الأسهل إلى ~~الأصعب، والأصغر إلى الأكبر حتى يتقنه ويحيط به علما. # ثم ينقل إلى النحو، فيشتغل فيه على هذا النهج ويزيد فيه بالجد والحفظ فإن ~~له أثرا عظيما في فهم المعاني، ومدخلا جليلا في إتقان الكتاب والسنة، ~~لأنهما عربيان. # ثم ينتقل منه إلى بقية العلوم العربية: فإذا فرغ منها أجمع اشتغل ~~بالمنطق. # وحقق مقاصده على النمط الأوسط، ولا يبالغ فيه مبالغته في غيره، لان ~~المقصود منه يحصل بدونه، وفي الزيادة تضييع للوقت غالبا. # ثم ينقل منه إلى علم الكلام، ويتدرج فيه كذلك، ويطلع على طبيعياته ليحصل ~~له بذلك ملكة البحث والاطلاع على مزايا العوالم وخواصها. # ثم ينتقل منه إلى أصول الفقه، متدرجا في كتبه ومباحثه كذلك، وهذا العلم ~~أولى العلوم بالتحرير، وأحقها بالتحقيق بعد علم النحو لمن يريد التفقه في ~~دين الله تعالى، فلا يقتصر منه على القليل، فبقدر ما يحققه تتحقق عنده ~~المباحث الفقهية والأدلة الشرعية. # ثم ينتقل منه إلى علم دراية الحديث، فيطالعه ويحيط بقواعده ومصطلحاته ~~وليس من العلوم الدقيقة، وإنما هو مصطلحات مدونة وفوائد مجموعة. # فإذا وقف على مقاصده انتقل إلى قراءة الحديث بالرواية والتفسير والبحث ~~والتصحيح على حسب ما يقتضيه الحال ويسعه الوقت، ولا أقل من أصل 1 منه يشتمل ~~على أبواب الفقه وأحاديثه. # ثم ينتقل منه إلى البحث عن الآيات القرآنية المتعلقة بالأحكام الشرعية، ~~وقد # PageV00P386 # أفردها العلماء 1 رضوان الله عليهم بالبحث وخصوها بالتصنيف، فليطالع فيها ~~كتابا، وليبحث عن أسرارها، وليمعن النظر في كشف أغوارها، فليس لها حد تقف ~~عليه الافهام، إذ ليست كغيرها من كلام الأنام، وإنما هي كلام الملك العلام، ~~وفهم الناس لها على حسب ما تصل إليه عقولهم وتدركه أفهامهم. # فإذا ms158 فرغ منها انتقل بعدها إلى قراءة الكتب الفقهية، فيقرأ منها أولا ~~كتابا يطلع فيه على مطالبه ورؤوس مسائله، وعلى مصطلحات الفقهاء وقواعدهم، ~~فإنها لا تكاد تستفاد إلا من أفواه المشايخ بخلاف غيره من العلوم، ثم يشرع ~~ثانيا في قراءة كتاب آخر بالبحث والاستدلال، واستنباط الفرع من أصوله، ورده ~~إلى ما يليق به من العلوم، واستفادة الحكم من كتاب أو سنة من جهة النص أو ~~الاستنباط من عموم لفظ أو إطلاقه، ومن حديث صحيح أو حسن أو غيرهما ليتدرب ~~على هذه المطالب على التدريج، فليس من العلوم شئ أشد ارتباطا بغيره، ولا ~~أعم احتياجا إليها منه، فليبذل فيه جهده وليعظم فيه جده، فإنه المقصد ~~الأقصى والمطلب الأسنى ووارثه الأنبياء، ولا يكفي ذلك كله إلا بهبة من الله ~~تعالى إلهية وقوة منه قدسية 2 توصله إلى هذه البغية، وتبلغه هذه الرتبة، ~~وهي العمدة في فقه دين الله تعالى، ولا حيلة للعبد فيها، بل هي منحة إلهية ~~ونفحة ربانية يخص بها من يشاء من عباده، إلا أن للجد والمجاهد والتوجه إلى ~~الله تعالى، والانقطاع إليه أثرا بينا في إفاضتها من الجناب القدسي: # والذين جاهدوا فينا لندينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين. 3 # PageV00P387 # فإذا فرغ من ذلك كله شرع في تفسير الكتاب العزيز بأسره، فكل هذه العلوم ~~له مقدمة، وإذا وفق له، فلا يقتصر على ما استخرجه المفسرون بأنظارهم فيه، ~~بل يكثر من التفكر في معانيه، ويصفي نفسه للتطلع على خوافيه، ويبتهل إلى ~~الله تعالى في أن يمنحه من لدنه فهم كتابه وأسرار خطابه، فحينئذ يظهر عليه ~~من الحقائق ما لم يصل إليه غيره من المفسرين، لان الكتاب العزيز بحر لجي في ~~قعره درر وفي ظاهره خير، والناس في التقاط فرره، والاطلاع على بعض حقائقه ~~على مراتب حسب ما تبلغه قوتهم ويفتح الله به عليهم، ومن ثم نرى التفاسير ~~مختلفة حسب اختلاف أهلها فيما يغلب عليهم من العلم: فمنها ما يغلب عليه ~~العربية كالكشاف للزمخشري، ومنها ما يغلب عليه الحكمة والبرهان الكلامي ~~كمفاتح [أو: ms159 # مفاتيح] الغيب للرازي، ومنها ما يغلب عليه القصص كتفسير الثعلبي، 1 ومنها ~~ما يسلط على تأويل الحقائق دون تفسير الظاهر كتأويل عبد الرزاق القاشي.. 2 ~~إلى غير ذلك من المظاهر. ومن المشهور ما روي من: # أن للقرآن تفسيرا وتأويلا وحقائق ودقائق، وأن له ظهرا وبطنا وحدا ومطلعا. ~~3 ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. 4 # PageV00P388 # فإذا فرغ من ذلك وأراد الترقي وتكميل النفس، فليطالع كتب الحكمة من ~~الطبعي والرياضي والحكمة والعملية والمشتملة على تهذيب الأخلاق في النفس ~~وما خرج عنها من ضرورات دار الفناء، ثم ينتقل بعده إلى العلوم الحقيقية ~~والفنون الحقية، فإنها لباب هذه العلوم ونتيجة كل معلوم، وبها يصل إلى درجة ~~المقربين ويحصل على مقاعد الواصلين، أوصلنا الله وإياكم إلى ذلك الجناب إنه ~~كريم وهاب. # هذا كله بترتيب من هو أهل لهذه العلوم، وله استعداد لتحصيلها، ونفس قابلة ~~لفهمها. فأما القاصرون عن درك هذا المقام، والممنوعون بالعوائق عن الوصول ~~إلى هذا المرام، فليقتصروا منها على ما يمكنهم الوصول إليه متدرجين فيه حيث ~~ما دللنا عليه. فإن لم يكن لهم بد من الاقتصار، فلا أقل من الاكتفاء ~~بالعلوم الشرعية والاحكام الدينية. # فإن ضاق الوقت أو ضعفت النفس عن ذلك، فالفقه أولى من الجميع، فبه قامت ~~النبوات، وانتظم أمر المعاش والمعاد، مضيفا إليه ما يجب مراعاته من تهذيب ~~النفس وإصلاح القلب من علم الطب النفسي، ليترتب عليه العدالة التي بها قامت ~~السماوات والأرض والتقوى التي هي ملاك الامر. # فإذا فرغ عما خلق له من العلوم فليشتغل بالعمل الذي هو زبدة العلم وعلة ~~الخق، قال الله تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. 1 وهذه العلوم بمنزلة الآلات القريبة ~~أو البعيدة للعمل، كما حققناه في الباب الأول. 2 وما أجهل وأخسر وأحمق من ~~يتعلم صنعة لينتفع بها في أمر معاشه، ثم يصرف عمره، ويجعل كده في تحصيل ~~آلاتها من غير أن يشتغل بها اشتغالا يحصل به الغرض منها. فتدبر ذلك موفقا ~~إن شاء الله تعالى. # PageV00P389 # تتمة الكتاب ms160 اعلم وفقك الله تعالى أني قد أو صحت لك السبيل، وعلمتك كيفية ~~المسير، وبينت لك كمال الآداب، وحثثتك على دخول هذا الباب، فعليك بالجد ~~والتشمير، واغتنام أيام عمرك القصير، في اقتناء الفضائل النفسانية، والحصول ~~على الملكات العلمية، فإنها سبب لسعادتك المؤبدة، وموجبه لكمال النعمة ~~المخلدة، فإنها من كمالات نفسك الانسانية، وهي باقية أبدا لا تعدم كما تحقق ~~في العلوم الحكمية، ودلت عليه الآيات القرآنية والاخبار النبوية، فتقصيرك ~~في تحصيل الكمال في أيام هذه المهلة القليلة موجب لدوام حسرتك الطويلة. # واعتبر في نفسك الآن إن كنت ذا بصرة أنك لا ترضى بالقصور عن أبناء نوعك ~~من بلدك أو محلتك، وتتألم بزيادة علمهم على علمك وارتفاع شأنهم على شأنك، ~~مع أنك وهم في دار خسيسة، وعيشة دنية زائلة علما قليل، ولا يكاد يطلع على ~~نقصك من الخارجين عنك إلا القليل، فكيف ترضى لنفسك إن كنت عاقلا بأن تكون ~~غدا في دار البقاء عند اجتماع جميع العوالم من الأنبياء والمرسلين، ~~والشهداء، والصالحين، والعلماء الراسخين، والملائكة المقربين، ومنازلهم في ~~تلك PageV00P391 # الدار على قدر كمالاتهم التي حصولها في هذه الدار الفانية، والمدة ~~الزائلة في موقف صف النعال، 1 وأنت الآن قادر على درك الكمال، ما هذا إلا ~~قصور في العقل أو سبات. نعوذ بالله من سنة الغفلة وسوء الزلة. # وهذا كله على تقدير سلامتك في تلك الدار من عظيم الاخطار وعذاب النار، ~~وأنى لك بالأمان من ذلك؟ وقد عرفت أن أكثر هذه العلوم واجب إما على الأعيان ~~أو الكفاية، وأن الواجب الكفائي إذا لم يقم به من فيه كفاية يأثم الجميع ~~بتركه، ويصير حكمه في ذلك كالواجب العيني. # وأين القائم في هذا الزمان بل في أكثر الأزمان بالواجب من تحصيل هذه ~~العلوم الشرعية، والحاصل على درجتها المرضية؟ سيما التفقه في الدين، فإن ~~أقل مراتبه وجوبه على الكفاية، وأدنى ما يتأدى به هذا الواجب أن يكون في كل ~~قطر منه قائم به ممن فيه كفاية، وهذا لا يحصل إلا مع وجود خلق كثير من ~~الفقهاء في ms161 أقطار الأرض ومتى اتفق ذلك في هذه الأزمنة؟ # هذا مع القيام بما يلزمه من العلوم، والكتب التي يتوقف عليها من الحديث ~~وغيره، وتصحيحها وضبطها، وكل هذا أمر معدوم في هذا الزمان، فالتقاعد عنه ~~والاشتغال بغير العلم، ومقدماته، قد صار من أعلم العصيان، وإن كان بصورة ~~العبادة من دعاء أو قراءة قرآن، فأين السلامة من أهوال القيامة للقاعد عن ~~الاشتغال بالعلوم الشرعية على تقدير رضاه بهمته الخسيسة عن ارتقاء مقام أهل ~~الدرجة العلية؟! # واعتبر ثالثا [ظ: ثانيا] على تقدير السلامة من ذلك كله أن امتيازك عن ~~سائر جنسك من الحيوانات ليس إلا بهذه القوة العاقلة، التي قد خصك الله بها ~~من بينها، [المميزة] بين الخطأ والصواب، الموجبة لتحصيل العلوم النافعة لك ~~في هذه الدار وفي دار المآب، فقعودك عن استعمالها فيما خلقت له، وانهما كل ~~في مهلكك # PageV00P392 # من المأكل والمشرب، وغيرهما من الاعمال التي يشاركك فيها سائر الحيوانات ~~حتى الديدان والخنافس فإنها تأكل وتشرب وتجمع القوت وتتناكح وتتوالد مع أنك ~~قادر على أن تصير من جملة الملائكة المقربين باستعمال قوتك في العلم والعمل ~~بل أعظم من الملائكة، عين الخسران المبين 1 فتنبهوا معشر إخواني وأحبائي ~~أيقظنا الله وإياكم من غفلتكم واغتنموا أيام مهلتكم، وتلافوا تفريطكم، قبل ~~زوال الامكان وفوت الأوان والحصول في حيز ان، فيا لها حسرة لا يتدارك ~~فارطها، وندامة وتخلد محنتها! # نبهنا الله وإياكم من مراقد الطبيعة، وجعل ما بقي من أيام هذه المهلة ~~مصروفا على علوم الشريعة، وأحلنا جميعا في دار كرامته بمنازلها الرفيعة. ~~إنه أكرم الأكرمين وأجود الأجودين. # وعلى هذا القدر نختم الرسالة، حامدين لله تعالى، مصلين على خاتم الرسالة، ~~وعلى آله أهل العصمة والعدالة، مسلمين مستغفرين من ذنوبنا إنه غفور رحيم، ~~وفرغ منه مؤلفها الفقير إلى عفو الله تعالى ورحمته: زين الدين بن علي بن ~~أحمد الشامي العاملي ضحى يوم الخميس يوم العشرين من شهر ربيع الأول سنة ~~أربع وخمسين وتسع مائة. وتقبلها الله برحمته، وتلقاها بيد كره ورأفته إنه ~~جواد كريم والحمد لله رب العالمين. ms162 2 # PageV00P393 ms163