######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_001401 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الشهيد الثاني #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 966 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مسكن الفؤاد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر الحديث الشيعية ـ القسم العام #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_001401 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/1401_مسكن-الفؤاد-الشهيد-الثاني #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: ذي الحجة 1407 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي قضى بالفناء والزوال على جميع ~~عباده، وأنفذ أمره فيهم على وفق حكمته ومراده، ووعد الصابرين على قضائه ~~جميل ثوابه وإسعاده، وأوعد الساخطين جزيل نكاله وشديد وباله في معاده، ولذذ ~~قلوب العارفين بتدبيره، فبهجة نفوسه في تسليمها لقياده، هذا مع عجز كل منهم ~~عن دفاع ما أمضاه وإن تمادى الجاهل في عناده. فإياه - سبحانه - أحمد على كل ~~حال، وأسأله الإمداد بتوفيقه وإرشاده. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أستدفع بها الأهوال في ~~ضيق المحشر ووهاده (1)، وأشهد أن محمد صلى الله عليه وآله عبده ورسوله، ~~أفضل من بشر وحذر، وأعظم من رضي بالقضاء وصبر، وخدم به سلطان معاده، صلى ~~الله عليه وعلى آله الأخيار، أعظم الخلق بلاء، وأشدهم عناء، وأسدهم تسليما ~~ورضاء، صلاة دائمة واصلة إلى كل واحد بانفراده. # وبعد: فلما كان الموت هو الحادث العظيم، والأمر الذي هو على تفريق الأحبة ~~مقيم، وكان فراق المحبوب يعد من أعظم المصائب، حتى يكاد يزيغ له قلب ذي ~~العقل (2)، والموسوم بالحدس (3) الصائب، خصوصا ومن أعظم الأحباب الولد، ~~الذي هو # PageV00P017 # مهجة الألباب، ولهذا رتب على فراقه جزيل الثواب، ووعد أبواه شفاعته فيهما ~~يوم المآب. # فلذلك جمعت في هذه الرسالة جملة من الآثار النبوية، وأحوال أهل الكمالات ~~العلية، ونبذة من التنبيهات الجلية، ما ينجلي به - إن شاء الله تعالى - ~~الصدأ عن قلوب المحزونين، وتنكشف به الغمة عن المكروبين، بل تبهج به نفوس ~~العارفين، ويستيقظ من اعتبره من سنة الغافلين، وسميتها (مسكن الفؤاد عند ~~فقد الأحبة والأولاد) ورتبتها على مقدمة، وأبواب، وخاتمة. # أما المقدمة: فاعلم أنه ثبت أن العقل هو الآلة التي بها عرف الله (1) ~~سبحانه، وحصل به تصديق الرسل والتزام الشرائع، وأنه المحرض على طلب ~~الفضائل، والمخوف من الاتصاف بالرذائل، فهو مدبر أمر الدارين، وسبب لحصول ~~الرئاستين، ومثله كالنور في الظلمة، فقد يقل عند قوم، فيكون كعين الأعشى ~~(2)، ويزيد عند آخرين، فيكون كالنهار في وقت الضحى. # فينبغي لمن رزق العقل أن لا يخالفه فيما ms01 يراه، ولا يخلد (3) إلى متابعة ~~غفلته وهواه، بل يجعله حاكما له وعليه، ويراجعه فيما ير شده إليه، فيكشف له ~~حينئذ ما يوجب الرضا بقضاء الله سبحانه وتعالى، سيما فيما نزل به من هذا ~~الفراق، من وجوه كثيرة، نذكر بعضها: # الأول: إنك إذا نظرت إلى عدل الله وحكمته، وتمام فضله ورحمته، وكمال ~~عنايته ببريته، إذ أخرجهم إلى الوجود من العدم (4)، وأسبغ عليهم جلائل ~~النعم، وأيدهم بالألطاف، وأمدهم بجزيل المعونة والإسعاف، كل ذلك ليأخذوا ~~حظهم من السعادة الأبدية والكرامة السرمدية، لا لحاجة منه إليهم، ولا ~~لاعتماد في شئ من أمره عليهم، لأنه الغني المطلق، والجواد المحقق. # وكلفهم بالتكاليف الشاقة، والأعمال الثقيلة، ليأخذوا منه حظا وأملا ~~وليبلوهم أيهم أحسن عملا، وما فعل ذلك إلا لغاية منفعتهم، وتمام مصلحتهم، ~~وأرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، وأنزل عليهم الكتب، وأودعها ما فيه بلاغ ~~للعالمين. # PageV00P018 # وتحقيق هذا المرام مستوفى في باب العدل من علم الكلام. # وإذا كانت أفعاله - تعالى وتقدس - كلها لمصلحتهم، وما فيه تمام شرفهم، ~~والموت من جملة ذلك كما نطق به الوحي الإلهي في عدة آيات، كقوله تعالى: ﴿وما كان لنفس إن تموت إلا بإذن الله ~~كتابا موجلا﴾ (١) ﴿قل لو كنتم في ~~بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾ (٢)، ﴿أين ما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ ~~(٣)، ﴿الله يتوفى الأنفس حين ~~موتها﴾ (4)، إلى غير ذلك من الآيات. # فلولا أن في ذلك غاية المصلحة، ونهاية الفائدة للعبد الضعيف الغافل عن ~~مصلحته، التائه في حيرته وغفلته، لما فعله الله تعالى به، لما قد عرفت من ~~أنه أرحم الراحمين، وأجود الأجودين، فإن حدثتك نفسك بخلاف ذلك فاعلم أنه ~~الشرك الخفي، وإن أيقنته ولم تطمئن نفسك وتسكن روعتك فهو الحمق الجلي. # وإنما نشأ ذلك من الغفلة عن حكمة (الله تعالى) (5) في بريته، وحسن قضائه ~~في خليقته، حتى أن العبد ليبتهل ويدعو الله تعالى ms02 أن يرحمه، ويجيب دعائه في ~~أمثال ذلك، فيقول الله تعالى لملائكته: كيف أرحمه من شئ به أرحمه! فتدبر - ~~رحمك الله تعالى - في هذه الكلمة الإلهية، تكفيك في هذا الباب إن شاء الله ~~تعالى. # الثاني: أنه إذا نظرت إلى أحوال الرسل عليهم السلام، وصدقتهم فيما أخبروا ~~به من الأمور الدنيوية والأخروية، ووعدوا به من السعادة الأبدية، وعلمت ~~أنهم إنما أتوا بما أتوا به عن الله جل جلاله، (واعتقدت أن قولهم) (6) ~~معصوم عن الخطأ محفوظ من الغلط والهوى، وسمعت (7) ما وعدوا به من الثواب ~~على أي نوع من أنواع المصاب (8) كما ستراه وتسمعه، سهل عليك موقعه، وعلمت ~~أن لك في ذلك غاية الفائدة، وتمام السعادة الدائمة، وأنك قد أعددت لنفسك ~~كنزا من الكنوز مذخورا (9)، بل حرزا ومعقلا وجنة # PageV00P019 # (من العذاب الأليم والعقاب العظيم) (1)، الذي لا يطيقه بشر، ولا يقوى به ~~أحد، مع أن ولدك مشاركك في هذه السعادة، فقد فزت أنت وهو، فلا ينبغي أن ~~تجزع. # ومثل لنفسك: أنه لو دهمك أمر عظيم، أو وثب عليك سبع أو حية، أو هجمت عليك ~~نار مضرمة، وكان عندك أعز أولادك، وحبهم إلى نفسك، وبحضرتك نبي من ~~الأنبياء، لا ترتاب في صدقه، وأخبرك: أنك إن افتديت بولدك سلمت أنت وولدك، ~~وإن لم تفعل عطبت، و (الحال أنك) (2) لا تعلم هل يعطب ولدك، أو يسلم؟ # أيشك عاقل أن الافتداء بالولد الذي يتحقق معه سلامة الولد، ويرجى معه - ~~أيضا - سلامة الوالد، هو عين المصلحة، وأن عدم ذلك، والتعرض لعطب الأب ~~والولد هو عين المفسدة! بل ربما قدم كثير من الناس نفسه على ولده، وافتدى ~~به وإن تيقن عطب الولد، كما اتفق ذلك في المفاوز (3) والمخمصة (4). # هذا كله في نار وعطب ينقضي ألمه في ساعة واحدة، وربما ينتقل بعده إلى ~~الراحة والجنة، فما ظنك بألم يبقى أبد الآباد، ويمكث سنين!؟ وإن يوما عند ~~ربك منها كألف سنة مما تعدون، ولو رآها أحدنا، وأشرف عليها، لود أن يفتدي ~~ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه ومن في الأرض جميعا ثم ms03 ينجيه كلا ~~إنها لظى نزاعة للشوى تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى (5). # ومن هنا جاء ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال لعثمان بن ~~مظعون رضي الله عنه، وقد مات ولده، فاشتد حزنه عليه: (يا ابن مظعون، إن ~~للجنة ثمانية أبواب، وللنار سبعة أبواب، أفما يسرك أن لا تأتي بابا منها ~~إلا وجدت ابنك إلى جنبه (6)، آخذا بحجزتك يستشفع لك إلى ربك (7)، حتى يشفعه ~~الله تعالى؟). # وسيأتي له نظائر كثيرة إن شاء الله. # الثالث: إنك إنما تحب بقاء ولدك لينفعك في دنياك، أو في آخرتك، ولا تريد # PageV00P020 # في الأغلب بقاءه لنفسه، فإن هذا هو المجبول عليه طبع الخلق، ومنفعته لك ~~على تقدير بقائه غير معلومة، بل كثيرا ما يكون المظنون عدمها، فإن الزمان ~~قد صار في آخره، والشقوة والغفلة قد شملت أكثر الخلائق، وقد عز السعيد، وقل ~~الصالح الحميد، فنفعه لك - بل لنفسه - على تقدير بقائه غير معلوم، وانتفاعه ~~الآن وسلامته من الخطر ونفعه لك قد صار معلوما، فلا ينبغي أن تترك الأمر ~~المعلوم لأجل الأمر المظنون بل الموهوم، وتأمل أكثر الخلف لأكثر السلف، هل ~~تجد منهم نافعا لأبويه إلا أقلهم، أو مستيقظا إلا أوحديهم حتى إذا رأيت ~~واحدا كذلك، فعد ألوفا بخلافه. والحاقك ولدك الواحد بالفرد النادر الفذ (1) ~~دون الأغلب الكثير، عين الغفلة والغباوة، فإن الناس بزمانهم أشبه منهم ~~بآبائهم. كما ذكره سيد الوصيين، وترجمان رب العالمين، صلوات الله وسلامه ~~عليه. # مع أن ذلك الفرد الذي تريد مثله، إنما هو صالح نافع بحسب الظاهر، وما ~~الذي يدريك بباطنه وفساد نيته وظلمه لنفسه؟! فلعلك لو كشف عن باطنه، ظهر لك ~~أنه منطو على معاصي وفضائح، لا ترضاها لنفسك ولا لولدك، وتتمنى أن ولدك لو ~~كان على مثل حالته يموت فإنه خير له. # هذا كله إذا كنت تريد أن تجعل ولدك واحدا في العالمين، ووليا من ~~الصالحين، فكيف وأنت لا تريده إلا ليرث بيتك، أو بستانك، أو دوابك، وأمثال ~~ذلك من الأمور الخسيسة الزائلة عما قريب! وتتركه يرث ms04 الفردوس الأعلى في ~~جوار أولاد النبيين والمرسلين، مبعوثا مع الآمنين الفرحين، مربى إن كان ~~صغيرا في حجر سارة أم النبيين، كما وردت به الأخبار عن سيد المرسلين، (2)، ~~ما هذا إلا معدود من السفه لو عقلت!. # ولو كان مرادك أن تجعله من العلماء الراسخين والصلحاء المتقين، وتورثه ~~علمك وكتبك وغيرها من أسباب الخير، فاذكر أيضا أن ذلك كله لو تم معك، فما ~~وعد الله تعالى من العوض على فقده أعظم من مقصدك، كما ستسمعه إن شاء الله ~~تعالى. # مثل ما رواه الصدوق، عن الصادق عليه السلام: (ولد واحد يقدمه الرجل، # PageV00P021 # أفضل من سبعين ولدا يبقون بعده، يدركون القائم عليه السلام) (1). # واعتبر أنه لو قيل: إن رجلا فقيرا معه ولد عليه خلقان (2) الثياب، قد ~~أسكنه في خربة مقفرة ذات آفات كثيرة، وفيها بيوت حياة وعقارب وسباع ضارية، ~~وهو معه على خطر عظيم، فاطلع عليه رجل حكيم جليل، ذو ثروة وحشمة (3) وخدم ~~وقصور عالية ورتب سامية، فرق لهذا الرجل ولولده، فأرسل إليه بعض غلمانه: إن ~~سيدي يقول لك: # إني قد رحمتك مما بك في هذه الخربة، وهو خائف عليك وعلى ولدك (من ~~العاهات) (4)، وقد تفضلت عليك بهذا القصر، ينزل به ولدك، ويوكل به جارية ~~عظيمة من كرائم جواريه تقوم بخدمته إلى أن تقضي أنت أغراضك التي في نفسك، ~~ثم إذا قدمت، وأردت الإقامة أنزلتك معه في القصر، بل في قصر أحسن من قصره. # فقال الرجل الفقير: أنا لا أرضى بذلك، ولا يفارقني ولدي في هذه الخربة، ~~لا لعدم وثوقي بالرجل الباذل، ولا زهدا مني في داره وقصره، ولا لأماني على ~~ولدي في هذه الخربة، بل طبعي اقتضى ذلك، وما أريد أن أخالف طبعي. # أفما كنت - أيها السامع لو صف هذا الرجل - تعده من أدنياء السفهاء وأخساء ~~الأغبياء؟! فلا تقع (5) في خلق لا ترضاه لغيرك، فإن نفسك أعز عليك من غيرك. # واعلم أن لسع الأفاعي، وأكل السباع، وغيرهما من آفات الدنيا لا نسبة لها ~~إلى أقل محنة من محن الآخرة المكتسبة في الدنيا، بل ms05 لا نسبة لها إلى إعراض ~~الحق (6) سبحانه، وتوبيخه ساعة واحدة في عرصة القيامة، أو عرضة واحدة على ~~النار مع الخروج منها بسرعة. # فما ظنك بتوبيخ يكون ألف عام، أو أضعافه، وبنفحة من عذاب جهنم يبقى ألمها ~~ألف عام، ولسعة من حياتها وعقاربها يبقى ألمها أربعين خريفا! وأي نسبة ~~لأعلى قصر في دار الدنيا، إلى أدنى مسكن في الجنة! وأي مناسبة بين خلقان ~~الثياب في الدنيا # PageV00P022 # إلى فاخرها إلى أعلى ما في الدنيا، بالإضافة إلى سندس الجنة واستبرقها، ~~وهلم جرا إلى ما فيها من النعيم المقيم؟! # بل لو تأملت بعين بصيرتك في هذا المثل، وأجلت فيه رؤيتك، علمت أن ذلك ~~الكريم الكبير، بل جميع العقلاء لا يرضون من ذلك الفقير بمجرد تسليم ولده ~~ورضاه بأخذه، بل لابد في الحكمة من حمده عليه وشكره، وإظهار الثناء عليه ~~بما هو أهله، لأن ذلك هو مقتضى حق النعمة. # الرابع: إن في الجزع بذلك والسخط انحطاطا عظيما عن مرتبة الرضى بقضاء ~~الله تعالى، وفي فوات ذلك خطر وخيم، وفوات نيل عظيم، فقد ذم الله تعالى من ~~سخط بقضائه، وقال: (من لم يرض بقضائي، ولم يصبر على بلائي، فليعبد ربا ~~سواي) (١). # وفي كلامه تعالى لموسى عليه السلام حين قال له: دلني على أمر فيه رضاك، ~~قال: (إن رضاي في رضاك بقضائي) (٢). # وفي القرآن الكريم: ﴿رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه﴾ (٣). # وأوحى الله تعالى إلى داود: (يا داود، تريد وأريد، وإنما يكون ما أريد، ~~فإن سلمت لما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم ما أريد أتعبتك فيما تريد، ~~ثم لا يكون إلا ما أريد) (٤). # وقال تعالى: ﴿لكيلا تأسوا على ما ~~فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم﴾ (5). # واعلم أن الرضى بقضاء الله - تعالى - ثمرة المحبة لله، إذ من أحب شيئا ~~رضي بفعله، ورضى العبد عن الله دليل على رضى الله تعالى عن العبد، رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه، وصاحب هذه المرتبة مع رضي الله تعالى عنه - الذي هو ms06 أكمل ~~السعادات، وأجل الكمالات - لا يزال مستريحا، لأنه لم يوجد منه أريد ولا ~~أريد، كلاهما عنده واحد ، ورضوان الله أكبر، إن ذلك لمن عزم الأمور. # وسيأتي لذلك بحث آخر إن شاء الله تعالى في باب الرضى (6). # PageV00P023 # واعلم أن البكاء لا ينافي الرضى، ولا يوجب السخط، وإنما مرجع ذلك إلى ~~القلب، كما ستعرفه - إن شاء الله تعالى - ومن ثم بكاء الأنبياء والأئمة ~~عليهم السلام على أبنائهم وأحبائهم، فإن ذلك أمر طبيعي للإنسان، لا حرج فيه ~~إذا لم يقترن بالسخط، وسيأتي. # الخامس: أن ينظر صاحب المصيبة إلى أنه في دار قد طبعت على الكدر والعناء، ~~وجبلت على المصائب والبلاء، فما يقع فيها من ذلك هو مقتضى جبلتها وموجب ~~طبيعتها، وإن وقع خلاف ذلك فهو على خلاف العادة لأمر آخر، خصوصا على ~~الأكابر والنبلاء من الأنبياء والأوصياء والأولياء، فقد نزل بهم من الشدائد ~~والأهوال ما يعجز عن حمله الجبال، كما هو معلوم في المصنفات، التي لو ذكر ~~بعضها لبلغ مجلدات. # وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: (أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم ~~الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل) (1). # وقال النبي صلى الله عليه وآله: (الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر) (2). # وقد قيل: إن الدنيا ليس فيها لذة على الحقيقة، إنما لذاتها راحة من مؤلم، ~~هذا وأحسن لذاتها، وأبهى بهجاتها مباشرة النساء، المترتب عليه حصول ~~الأبناء، كم يعقبه من قذى (3)، أقلة ضعف القوى وتعب الكسب والعناء. ومتى ~~حصل محبوب كانت آلامه تربو على لذاته، والسرور به لا يبلغ معشار حسراته، ~~وأقل آفاته في الحقيقة الفراق الذي ينكث (4) الفؤاد، ويذيب (5) الأجساد. # فكلما تظن في الدنيا أنه شراب سراب، وعمارتها - وإن حسنت - إلى # PageV00P024 # خراب، ومالها - وإن اغتر بها الجاهل - إلى ذهاب، ومن خاض الماء الغمر (١) ~~لا يجزع من بلل، كما أن من دخل بين الصفين لا يخلو من وجل، ومن العجب من ~~أدخل يده في فم الأفاعي كيف ينكر اللسع، وأعجب منه من يطلب من المطبوع على ~~الضر النفع! # وما أحسن قول بعض الفضلاء (٢) في مرثية ابنه: # طبعت على ms07 كدر وأنت تريدها * صفوا من الأقذاء والأكدار ومكلف الأيام ضد ~~طباعها * متطلب في الماء جذوة نار وإذا رجوت المستحيل فإنما تبني البناء ~~على شفير هار وقال بعض العارفين: ينبغي لمن نزلت به مصيبة أن يسهلها على ~~نفسه، ولا يغفل عن تذكر ما يعقبه من وجوب الفناء وتقضي المسار، وأن الدنيا ~~دار من لا دار له، ومال من لا مال له، يجمعها من لا عقل له، ويسعى لها من ~~لا ثقة له، وفيها يعادي من لا علم له، وعليها يحسد من الفقه له، من صخ فيها ~~سقم، ومن سقم فيها برم، ومن افتقر فيها حزن، ومن استغنى فيها فتن. # واعلم أنك قد خلقت في هذه الدار لغرض خاص، لأن الله تعالى منزه عن العبث، ~~وقد قال الله تعالى: ﴿وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون﴾ (3) وقد جعلها مكتسبا لدار القرار، وجعل بضاعتها ~~الأعمال الصالحة، ووقتها العمر، وهو قصير جدا بالنظر إلى ما يطلب من ~~السعادة الأبدية، التي لا انقضاء لها. # فإن اشتغلت بها، واستيقظت استيقاظ الرجال، واهتممت بشأنك اهتمام الأبدال، ~~رجوت أن تنال نصيبك منها، فلا تضيع عمرك في الاهتمام بغير ما خلقت له، يضيع ~~وقتك، ويذهب عمرك بلا فائدة، فإن الغائب لا يعود، والميت لا يرجع، وتفوتك # PageV00P025 # السعادة التي خلقت لها. فيالها حسرة لا تفنى، وغبن لا يزول، إذا عاينت ~~درجات السابقين، وأبصرت منازل المقربين، وأنت مقصر من الأعمال الصالحة، خلي ~~من المتاجر الرابحة! فقس ذلك الألم على هذه الآلام، وادفع أصعبهما عليك ~~وأضرهما لك: مع أنك تقدر على دفع سبب هذا، ولا تقدر على دفع سبب ذاك. # كما قال علي عليه السلام: (إن صبرت جرى عليك القضاء وأنت مأجور، وإن جزعت ~~(١) جرى عليك القضاء وأنت مأزور (٢)، فاغتنم شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل ~~سقمك، واجعل الموت نصب عينك، واستعد له بصالح العمل، ودع الاشتغال بغيرك، ~~فإن الموت يأتي إليك دونه). # وتأمل قوله تعالى: ﴿وان ليس للانسان ~~ألا ما سعى ms08 * وان سعيه سوف يرى﴾ (3) فقصر أملك، وأصلح (4) عملك، فإن ~~السبب الأكثري الموجب للاهتمام بالأموال والأولاد طول الأمل. # وقد قال النبي صلى الله عليه وآله لبعض أصحابه: إذا أصبحت فلا تحدث نفسك ~~بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من حياتك لموتك، ومن صحتك ~~لسقمك، فإنك لا تدري ما اسمك غدا) (5). # وقال علي عليه السلام: (إن أشد ما أخاف عليكم خصلتان: اتباع الهوى، وطول ~~الأمل، فأما اتباع الهوى فإنه يعدل عن الحق، وأما طول الأمل فإنه يورث الحب ~~للدنيا) (6). # ثم قال: (ألا إن الله يعطي الدنيا لمن يحب ويبغض، وإذا أحب عبدا أعطاه ~~الإيمان، ألا إن للدين أبناء، وللدنيا أبناء، فكونوا من أبناء الدين، ولا ~~تكونوا من أبناء الدنيا، ألا إن الدنيا قد ارتحلت مولية، ألا إن الآخرة قد ~~ارتحلت مقبلة، إلا وإنكم في # PageV00P026 # يوم عمل ليس فيه حساب، ألا وإنكم توشكون في يوم حساب ليس فيه عمل) (1). # واعلم أن محبوبا يفارقك، وتبقى على نفسك حسرته وألمه، وفي حال إيصاله (2) ~~كدك وكدحك وجدك واجتهادك، ومع ذلك لا يخلو زمانك معه من تنغيص (3) به أو ~~عليه، لأجل أن تتسلى عنه، وتطلب لنفسك محبوبا غيره، وتجتهد في أن يكون ~~موصوفا بحسن الصحة، ودوام الملازمة، وزيادة الأنس، وتمام المنفعة. # فإن ظفرت به فذلك هو الذي ينبغي أن يكون بغيتك التي تحفظها، وتهتم بها، ~~وتنفق وقتك عليها، وهو غاية كل محبة، ومنتهى كل مقصد، وما ذاك إلا الاشتغال ~~بالله، وصرف الهمة إليه، وتفويض ما خرج عن ذلك إليه، فإن ذلك دليل على حب ~~الله تعالى، يحبهم ويحبونه والذين آمنوا أشد حبا لله. # وقد جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحب لله من شرط الأيمان، فقال: # (لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) (4). # ولا يتحقق الحب في قلب (أحدكم لأحد) (5) مع كراهته لفعله وسخطه به، بل مع ~~عدم رضاه على وجه الحقيقة، لا على وجه التكلف والتعنت. # وفي أخبار داود عليه السلام: (يا داود، أبلغ أهل أرضي: اني حبيب من ms09 ~~أحبني، وجليس من جالسني، ومؤنس لمن أنس بذكري، وصاحب لمن صاحبني، ومختار ~~لمن اختارني، ومطيع لمن أطاعني، ما أحبني أحد (6) أعلم ذلك يقينا من قلبه ~~إلا قبلته لنفسي، (وأحببته حبا) (7) لا يتقدمه أحد من خلقي، من طلبني بالحق ~~وجدني، ومن طلب غيري لم يجدني. فارفضوا - يا أهل الأرض - ما أنتم عليه من ~~غرورها، وهلموا إلى كرامتي ومصاحبتي ومجالستي ومؤانستي، وأنسوا بي أؤانسكم، ~~وأسارع إلى محبتكم) (8). # PageV00P027 # وأوحى الله تعالى إلى بعض الصديقين: (إن لي عبادا من عبادي، يحبوني ~~وأحبهم، ويشتاقون إلي أشتاق إليهم، ويذكروني وأذكرهم، فإن أخذت طريقتهم ~~أحببتك، وإن عدلت عنهم مقتك. # فقال: يا رب وما علامتهم؟ # قال: يراعون الظلال بالنهار، كما يراعي [الراعي] (1) الشفيق غنمه، ويحنون ~~إلى غروب الشمس، كما تحن الطير إلى أو كارها عند الغروب، فإذا جنهم الليل، ~~واختلط الظلام، وفرشت الفرش، ونصبت الأسرة، وخلا كل حبيب بحبيبه، نصبوا إلي ~~أقدامهم، وافترشوا لي وجوههم، ونا جوني بكلامي، وتملقوني بانعامي، ما بين ~~(2) صارخ وباك، وما بين متأوه وشاك، وبين قائم وقاعد، وبين راكع وساجد، ~~بعيني ما يتحملون من أجلي، وبسمعي ما يشكون من حبي، أقل (3) ما أعطيهم ~~ثلاثا: # الأول: أقذف من نوري في قلوبهم، فيخبرون عني، كما أخبر عنهم. # والثاني: لو كانت السماوات الأرضون (4) وما فيهما في موازينهم، ~~لاستقللتها لهم. # والثالث: أقبل بوجهي عليهم، أفترى من أقبلت بوجهي عليه، يعلم أحد ما أريد ~~أن أعطيه؟) (5). # وهاهنا نقطع الكلام في المقدمة ونشرع في الأبواب: # PageV00P028 # الباب الأول في بيان الأعواض الحاصلة من موت الأولاد، وما يقرب من هذا ~~المراد إعلم أن الله - سبحانه - عدل (كريم، وأنه) (1) غني مطلق، لا يليق ~~بكمال ذاته وجميل صفاته، أن ينزل بعبده المؤمن في دار الدنيا شيئا من ~~البلاء وإن قل، ثم لا يعوضه عنه ما يزيد عليه، إذ لو لم يعطه شيئا (بالكلية ~~كان له ظالما) (2)، ولو عوضه بقدره كان عابثا، تعالى الله عنهما علوا ~~كبيرا. # وقد تظافرت بذلك الأخبار النبوية، ومنها: # (إن المؤمن لو يعلم (ما أعد الله له) (3) على البلاء، لتمني أنه ms10 في دار ~~الدنيا قرض بالمقاريض) (4). # ولنقتصر منها على ما يختص بما نحن فيه، فقد رواه عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أزيد من ثلاثين صحابيا. # وروى الصدوق - رحمه الله - بإسناده إلى عمرو بن عبسة (5) السلمي، قال: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (أيما رجل قدم ثلاثة ~~أولاد، لم يبلغوا الحنث، أو امرأة قدمت ثلاثة أولاد، فهم حجاب يسترونه عن ~~(6) النار) (7). # وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: ما من مسلمين يقدمان عليهما ثلاثة ~~أولاد، لم يبلغوا الحنث، إلا أدخلها (8) الله الجنة بفضل رحمته (9). # PageV00P029 # الحنث بكسر الحاء المهملة، وآخره ثاء مثلثة: الإثم، والذنب، والمعنى: ~~أنهم لم يبلغوا السن الذي يكتب عليهم فيه الذنوب والآثام، قال الخليل: بلغ ~~الغلام الحنث، إي: جرى عليه القلم (1). # وبإسناده إلى جابر، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام، قال: # (من قدم أولادا يحتسبهم عند الله تعالى، حجبوه من النار بإذن الله عز ~~وجل) (2). # وبإسناده إلى علي بن ميسرة (3)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (ولد ~~واحد يقدمه الرجل أفضل من سبعين، يخلفونه (4) من بعده، كلهم قد ركب الخيل، ~~وقاتل في سبيل الله) (5). # وعنه عليه السلام: (ثواب المؤمن من ولده (6) الجنة، صبر أو لم يصبر) (7). # وعنه عليه السلام: (من أصيب بمصيبة، جزع عليها أو لم يجزع، صبر عليها أو ~~لم يصبر، كان ثوابه من الله الجنة) (8). # وعنه عليه السلام: (ولد واحد يقدمه الرجل أفضل من سبعين ولدا، يبقون ~~بعده، يدركون القائم عليه السلام) (9) وروي الترمذي بإسناده إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله، أنه قال: (ما نزل) (10). # PageV00P030 # البلاء بالمؤمن والمؤمنة، في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله عز وجل، ~~وما عليه خطيئة) (1). # وعن محمد بن خالد السلمي، عن أبيه، عن جده - وكانت له صحبة - قال: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إن العبد إذا سبقت له من ~~الله تعالى منزلة ولم يبلغها بعمل، ابتلاه الله في جسده، أو في ماله، أو في ~~ولده، ثم صبره على ذلك، حتى ms11 يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله عز وجل) ~~(2). # وعن ثوبان - مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله يقول: (بخ بخ، خمس ما أثقلهن في الميزان! لا إله ~~إلا الله، وسبحان الله، (والحمد لله، والله أكبر) (3)، والولد الصالح يتوفى ~~للمرء المسلم (4) فيحتسبه) (5). بخ بخ، كلمة تقال عند المدح والرضا بالشئ، ~~وتكرر للمبالغة، وربما شددت ومعناها: تفخيم الأمر وتعظيمه، ومعني يحتسبه، ~~أي: يجعله حسبة وكفاية عند الله عز وجل، أي: يحتسب بصبره على مصيبة بموته، ~~ورضاه بالقضاء. # وعن عبد الرحمن بن سمرة، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إني ~~رأيت البارحة عجبا - فذكر حديثا طويلا، وفيه رأيت رجلا من أمتي قد خف ~~ميزانه فجاء أفراطه فثقلوا ميزانه) (6). # الفرط بفتح الفاء والراء: هو الذي لم يدرك من الأولاد - الذكور والإناث - ~~وتتقدم وفاته على أبويه أو أحدهما، يقال: فرط القوم، إذا تقدمهم، وأصله ~~الذي يتقدم الركب إلى الماء، ويهيئ (7) لهم أسبابه. # PageV00P031 # وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: (تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة: حتى أن السقط ليظل ~~محبنطئا على باب الجنة، فيقال له: ادخل، يقول: حتى يدخل أبواي) (1). # السقط مثلث السين، والكسر أكثر (2): هو الذي يسقط من بطن أمه قبل تمامه ، ~~محبنطئا بالهمز وتركه: هو المتغضب المستبطئ للشئ. # وعن معاوية بن حيدة القشيري (3)، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: # (سوداء ولود خير من حسناء لا تلد، إني مكاثر بكم الأمم: حتى أن السقط ~~ليظل محبنطئا على باب الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أنا وأبواي؟ ~~فيقال: أنت وأبواك) (4). # وعن عبد الملك بن عمير، عمن حدثه، أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فقال: يا رسول الله، أتزوج فلانة؟ فنهاه رسول الله صلى الله عليه ~~وآله عنها، ثم أتاه ثانية فقال: يا رسول الله، أتزوج فلانة؟ فنهاه عنها، ثم ~~أتاه ثالثة، فقال رسول الله صلى الله عليه ms12 وآله: (سوداء ولود (5) أحب إلي ~~من عاقر حسناء)، ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: (أما علمت أني مكاثر بكم ~~الأمم؟ حتى أن السقط ليبقى محبنطئا على باب الجنة، فيقال له: ادخل، فيقول: ~~لا، حتى يدخل أبواي، فيشفع فيهما، فيد خلان الجنة). # وعن سهل بن الحنظلية - وكان لا يولد له، وهو ممن بايع تحت الشجرة - قال: # لئن يولد لي في الاسلام (ولد ويموت سقطا (6) فأحتسبه، أحب إلي من أن تكون ~~لي # PageV00P032 # الدنيا جميعا وما فيها (1). # وعن عبادة بن الصامت، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: # النفساء يجرها ولدها يوم القيامة بسرره (2) إلى الجنة) (3). # النفساء بضم النون وفتح الفاء: المرأة إذا ولدت، والسرر بكسر السين ~~المهملة وفتحها: ما تقطعه القابلة من سرة المولود، التي هي موضع القطع، وما ~~بقي بعد القطع فهو السرة، وكأنه يريد: الولد الذي لم تقطع سرته. # وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله: (من قدم من صلبه ولدا (4) لم يبلغ الحنث، كان أفضل من أن يخلف من أن ~~يخلف من بعده مائة، كلهم يجاهدون في سبيل الله (لا تسكن روعتهم (5) إلى يوم ~~القيامة). # وعن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لئن اقدم سقطا أحب ~~إلي من أن أخلف مائة فارس، كله يقاتل في سبيل الله) (6). # وعن أيوب بن موسى، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال للزبير: (يا ~~زبير إنك إن تقدم سقطا، خير من أن تدع بعدك من ولدك مائة، كل منهم على فرس ~~يجاهد في سبيل الله). # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: (يقال للولدان يوم القيامة: # أدخلوا الجنة، فيقولون: يا رب، حتى يدخل آباؤنا وأمهاتنا، قال: فيأبون، ~~فيقول الله عز وجل: ما لي أراهم محبنطئين، أدخلوا الجنة، فيقولون: يا رب، ~~آباؤنا، فيقول تعالى: # أدخلوا الجنة أنتم وآباؤكم) (7). # وعن عبيد بن عمير الليثي، قال: (إذا كان يوم القيامة، خرج ولدان المسلمين ~~من الجنة بأيديهم الشراب، قال: ms13 فيقول الناس لهم: أسقونا، أسقونا، فيقولون: ~~أبوينا، # PageV00P033 # أبوينا، قال: حتى أن (1) السقط محبنطئا بباب الجنة، يقول: لا أدخل حتى ~~يدخل أبواي) (2). # وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا كان ~~يوم القيامة، نودي في أطفال المؤمنين (3): أن اخرجوا من قبوركم، فيخرجون من ~~قبورهم، ثم ينادي فيهم: أن امضوا إلى الجنة زمرا، فيقولون: ربنا، ووالدينا ~~معنا، ثم ينادى فيهم ثانية: امضوا إلى الجنة زمرا، فيقولون ربنا: ووالدينا، ~~فيقول في الرابعة: ووالديكم معكم، فيثب كل طفل إلى أبويه، فيأخذون بأيديهم، ~~فيدخلون بهم الجنة، فهم أعرف بآبائهم وأمهاتهم - يومئذ - من أولادكم الذين ~~في بيوتكم). (4) الزمر: الأفواج المتفرقة بعضها في أثر بعض، وقيل: في الزمر ~~الذين اتقوا (5) من الطبقات المختلفة، أي الشهداء، والزهاد، والعلماء، ~~والفقراء، والقراء، والمحدثون، وغيرهم. # وعن أنس بن مالك: ان رجلا كان يجئ بصبي معه إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وأنه مات، فاحتبس والده عن رسول الله صلى الله عليه وآله، فسأل ~~عنه، فقالوا: مات صبيه الذي رأيته معه، فقال صلى الله عليه وآله: (هلا ~~آذنتموني، فقوموا إلى أخينا نعزيه) فلما دخل عليه إذا الرجل حزين وبه كآبة ~~فغراه، فقال: يا رسول الله، كنت أرجوه لكبر سني وضعفي، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله: (أما يسرك أن يكون يوم القيامة بإزائك؟ فيقال له: أدخل ~~الجنة، فيقول: يا رب (6) وأبواي، فلا يزال يشفع حتى يشفعه الله عز وجل ~~فيكم، ويدخلكم الجنة جميعا) (7). # احتبس، أي تخلف عن المجئ إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وآذنتموني ~~بالمد: أي أخبرتموني، والكآبة بالمد: تغير النفس بالانكسار من شدة الهم ~~والحزن، # PageV00P034 # والضعف بضم المعجمة وفتحها، وبإزائك، إي بحذائك. # وعن أنس - أيضا - قال: توفي لعثمان بن مظعون رضي الله عنه ولد، فاشتد ~~حزنه عليه، حتى اتخذ في داره مسجدا يتعبد فيه، فبلغ ذلك (1) النبي صلى الله ~~وآله، فقال: (يا عثمان، إن الله - عز وجل - لم يكتب علينا الرهبانية، إنما ~~رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله، يا عثمان ms14 بن مظعون، إن للجنة ثمانية ~~أبواب، وللنار سبعة أبواب، أفلا يسرك ألا تأتي باب منها إلا وجدت ابنك ~~بجنبه (2)، آخذا بحجزتك، (ليشفع لك إلى ربه) (3) عز وجل؟) قال: فقيل: يا ~~رسول الله ولنا في أفراطنا ما لعثمان؟ # قال: (نعم، لمن صبر منكم واحتسب) (4). # والحجزة، بضم الحاء المهملة والزاء: موضع شد الإزار، ثم قيل للإزار: ~~حجزة. # وعن قرة بن اياس: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يختلف إليه رجل ~~من الأنصار مع ابن له فقال له إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم: ~~(يا فلان، تحبه؟) قال: نعم، يا رسول الله، أحبه كحبك، ففقده النبي صلى الله ~~عليه وآله، فسأل عنه، فقالوا: يا رسول الله، مات ابنه، فلما رآه قال عليه ~~الصلاة والسلام: (أما ترضى أن لا تأتي يوم القيامة بابا من أبوب الجنة، إلا ~~جاء يسعى يفتحه لك؟) فقال رجل: يا رسول الله، أله وحده أم لكلنا؟ قال: (بل ~~لكلكم) (5). # وروى البيهقي: ان النبي صلى الله عليه وآله كان إذا جلس تحلق إليه نفر من ~~أصحابه، (وكان فيهم) (6) رجل له بني صغير يأتيه من خلف ظهره، فيقعده بين ~~يديه، إلى أن هلك ذلك الصبي، فامتنع الرجل من الحلقة أن يحضرها تذكرا له ~~وحزنا، قال: # ففقده النبي صلى الله عليه وآله، فقال: (مالي لا أرى فلانا؟) قالوا: يا ~~رسول الله بنيه # PageV00P035 # الذي رأيته هلك، فمنعه الحزن - أسفا عليه وتذكرا (1) له - أن يحضر ~~الحلقة، فلقيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فسأله عن ابنه (2)، فأخبره ~~بهلاكه (3) فعزاه، وقال: (يا فلان، أيما كان أحب إليك: عن تمتع به عمرك، ~~أولا تأتي غدا بابا من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه، يفتحه (4) لك؟) ~~قال: يا نبي الله، لا، بل يسبقني إلى باب الجنة أحب إلي، قال: (فذلك لك) ~~(5) فقام رجل من الأنصار، فقال: يا نبي الله، أهذا لهذا خاصة، أم من هلك له ~~طفل من المسلمين كان له ذلك؟ قال: (بل من هلك له طفل من المسلمين كان له ms15 ~~ذلك) (6). # الحلقة بإسكان الأم بعد فتح الحاء: كل شئ مستدير خالي الوسط، والجمع حلق ~~بفتحتين، وحكى فتحه في (الموجز) وهو نادر. # وعن زرارة بن أوفى: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عزى رجلا على ~~ابنه فقال: (أجرك على الله، وأعظم لك الأجر) فقال الرجل: يا رسول الله، أنا ~~شيخ كبير، وكان ابني قد أجزأ عني، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: ~~(أيسرك أن يشير لك - أو يتلقاك - من أبواب الجنة بالكأس؟) قال: من لي بذلك ~~يا رسول الله؟ فقال: # (الله لك به، ولكل مسلم (مات ولده) (7) في الاسلام). # أجزأ بمعنى: كفى، والكأس بالهمز، وقد يترك تخفيفا، هو الإناء فيه شراب، ~~ولا يسمى بذلك إلا بانضمامه إليه، وقيل: هو اسم لهما على الاجتماع ~~والانفراد، والجمع أكؤس، ثم كؤوس. # وعن عبد الله بن قيس، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا مات ~~ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: ~~قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك، ~~واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة، وسموه بيت الحمد) ~~(8). # PageV00P036 # وروي: ان امرأة أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومعها ابن لها مريض، ~~فقالت: يا رسول الله، ادع الله تعالى أن يشفي لي ابني هذا، فقال لها رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: (هل لك فرط؟) قالت: نعم، يا رسول الله، قال: ~~(في الجاهلية أم في الاسلام؟) قالت: بل في الاسلام، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله: (جنة حصينة، جنة حصينة) (1). # الجنة بضم الجيم: الوقاية، أي: وقاية لك من النار، أو من جميع الأهوال. # وحصينة فعيل بمعنى فاعل، أي: محصنة لصاحبها، وساترة له من أن يصل إليه شر ~~(2). # وعن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من دفن ~~ثلاثة أولاد، وصبر عليهم، واحتسب وجبت له الجنة) فقالت أم أيمن: واثنين؟ ~~فقال: # (من دفن اثنين، وصبر عليهما، واحتسبهما وجبت له الجنة) فقالت أم ms16 أيمن: ~~وواحد، فسكت، وأمسك، فقال: (يا أم أيمن، من دفن واحدا، وصبر عليه، واحتسبه ~~وجبت له الجنة) (3). # وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: (من قدم ثلاثة لم يبلغوا الحنث كانوا له حصنا حصينا) فقال أبو ~~ذر: # قدمت اثنين، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (واثنين) ثم قال أبي بن كعب: # قدمت واحدا، فقال صلى الله عليه وآله: (وواحدا، ولكن إنما ذاك عند الصدمة ~~الأولى) (4). # وعن أبي سعيد الخدري: إن النساء قلن للنبي صلى الله عليه وآله: اجعل لنا ~~يوما تعظنا فيه، فوعظهن، وقال: (أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد، كانوا ~~لها حجابا من # PageV00P037 # النار قالت امرأة: واثنان، قال: (واثنان) (1). # وعن بريدة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يتعاهد الأنصار، ~~ويعودهم، ويسأل عنهم، فبلغه أن امرأة مات ابن لها، فجزعت عليه، فأتاها ~~فأمرها بتقوى الله عز وجل والصبر، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة رقوب لا ~~ألد، ولم يكن لي ولد غيره، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (الرقوب ~~التي يبقى لها ولدها، ثم قال: ما من امرئ مسلم، أو امرأة مسلمة، يموت لهما ~~ثلاثة من الولد، إلا أدخلهما الله الجنة فقيل له: # واثنان: فقال: (واثنان) (2). # وفي حديث آخر: أنه صلى الله عليه وآله قال لها: (أما تحبين أن ترينه على ~~باب الجنة، وهو يدعوك إلينا؟) (3) قالت: بلى، قال: (فإنه كذلك) (4). # الرقوب بفتح الراء: (هي التي لا يولد لها) (5)، أولا يعيش ولدها (6)، هذا ~~بحسب اللغة، وقد خصه النبي صلى الله عليه وآله بما ذكر. # وعن [أبي] (7) النضر السلمي: ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (لا ~~يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فيحتسبهم، إلا كانوا له حصنا من ~~النار) فقالت امرأة: واثنان، فقال: (واثنان) (8). # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم (من قدم من ولده ثلاثا صابرا محتسبا (كان ~~محجوبا) (9) من النار بإذن الله عز وجل). # PageV00P038 # وفي لفظ آخر: (من قدم شيئا من ولده صابرا ms17 محتسبا، حجبوه بإذن الله من ~~النار) (1). # وعن أم مبشر (2) الأنصارية، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنه ~~دخل عليها، وهي تطبخ حبا، فقال: (من مات له ثلاثة لم يبلغوا الحنث، كانوا ~~له حجابا من النار) فقالت: يا رسول الله، واثنان، فقال لها: (واثنان، يا أم ~~مبشر). # وفي لفظ آخر: فقالت: أو فرطان، قال: (أو فرطان) (3). # وعن قبيصة بن برمة، قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~جالسا، إذ أتته امرأة، فقالت: يا رسول الله، ادع الله لي، فإنه ليس يعيش لي ~~ولد، قال: # (وكم مات لك؟) قالت: ثلاثة، قال: (لقد احتظرت من النار بحظار شديد) (4). # الحظار بكسر الحاء المهملة والظاء المشالة: الحظيرة تعمل للإبل من شجر ~~ليقيها البرد والريح، ومنه المحظور للمحرم، أي: الممنوع من الدخول فيه، كأن ~~عليه حظيرة تمنع من دخوله. # وعن أبي بن كعب: ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لامرأة: (هل لك ~~فرط؟) قالت: ثلاثة، قال صلى الله عليه وآله: (جنة حصينة). # وعنه صلى الله عليه وآله: (ما من مسلمين يقدمان ثلاثة لم يبلغوا الحنث، ~~إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته) قالوا: يا رسول الله، وذو الاثنين؟ ~~قال: (وذو الاثنين، إن من أمتي من يدخل الجنة بشفاعته أكثر من مضر، وإن من ~~أمتي (من يستطعم النار) (5) حتى يكون أحد زواياها) (6). # رواه جماعة من أهل الحديث وصححوه. # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (قال الله تعالى: حقت محبتي للذين # PageV00P039 # يتصادقون من أجلي، وحفت محبي للذين يتناصرون من أجلي) (1). # ثم قال عليه وآله السلام: (ما من مؤمن ولا مؤمنة يقدم الله تعالى له ~~ثلاثة أولاد من صلبه لم يبلغوا الحنث، إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته ~~إياهم) (2). # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: (من دفن ثلاثة من الولد (3) حرم الله عليه ~~النار) (4). وعن صعصعة بن معاوية قال: لقيت أبا ذر الغفاري - رضي الله عنه ~~- بالربذة، وهو يسوق بعيرا له عليه مزادتان، وفي عنق البعير قربة، فقلت: يا ~~أبا ذر، مالك؟ ms18 قال: عملي، قلت: حدثني، رحمك الله، قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله يقول: (ما من مسلمين يموت بينهما ثلاثة أولاد لم يبلغوا ~~الحنث، إلا غفر الله لهما بفضل رحمته إياهم). # قال، قلت: فحدثني، قال: نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: # (ما من عبد مسلم ينفق من كل ماله زوجين في سبيل الله، إلا استقبلته حجبة ~~الجنة كلهم يدعوه إلى ما عنده) فقلت: كيف ذلك؟ قال: (إن كان رجالا فرجلين، ~~وإن كان إبلا فبعيرين، وإن كان بقرا فبقرتين) حتى عد أصناف المال (5). # ذكره جماعة. # وعن أنس بن مالك قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وآله على مجلس من بني ~~سلمة، فقال: (يا بني سلمة، ما الرقوب فيكم؟) قالوا: الذي لا يولد له، قال: ~~(بل هو الذي لا فرط له، قال: ما المعدم فيكم؟) قالوا: الذي لا مال له، قال: ~~(بل هو الذي يقدم وليس له عند الله خير) (6). # (وعن ابن مسعود قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) (7) على ~~امرأة # PageV00P040 # يعزيها بابنها، فقال: (بلغني أنك جزعت جزعا شديدا) قالت: وما يمنعني يا ~~رسول الله، وقد تركني عجوزا رقوبا؟! فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: (لست بالرقوب، وإنما الرقوب التي تتوفى وليس لها فرط، ولا يستطيع ~~الناس ان يعودوا عليها من أفراطهم، فتلك الرقوب). # وهذه الأحاديث كلها مستخرجة من أصول مسندة، تركنا إسنادها وأصولها ~~اختصارا، ولأن الله سبحانه بفضله ورحمته قد وعد الثواب لمن عمل بما بلغه، ~~وإن لم يكن الأمر كما بلغه. ورد ذلك أيضا في عدة أحاديث من طرقنا وطرق ~~العامة. PageV00P041 # فصل فيما يتعلق (1) بهذا الباب عن زيد بن أسلم قال: مات لداود عليه ~~السلام ولد، فحزن عليه حزنا كثيرا، فأوحى الله إليه: (يا داود، ما كان يعدل ~~هذا الولد عندك؟ قال: يا رب، كان يعدل هذا عندي ملء الأرض ذهبا، قال: فلك ~~عندي يوم القيامة ملء الأرض ثوابا) (2). # وعن داود بن أبي هند (3) قال: رأيت في المنام كأن ms19 القيامة قد قامت، وكأن ~~الناس يدعون إلى الحساب، قال: فقربت إلى الميزان، ووضعت حسناتي في كفة ~~وسيئاتي في كفة، فرجحت السيئات على الحسنات، فبينما أنا كذلك مغموم إذ اتيت ~~بمنديل أبيض - أو خرقة بيضاء - فوضعت مع حسناتي فرجحت، فقيل لي: أتدري ما ~~هذا؟ قلت: لا قيل: هذا سقط كان لك، قلت: فإنه كانت لي ابنة، فقيل: بنتك ~~ليست كذلك) (4)، لأنك كنت تتمنى موتها. # وعن أبي شوذب: ان رجلا كان له ابن لم يبلغ الحلم، فأرسل إلى قومه فقال: # لي إليكم حاجة، قالوا: ما هي؟ قال: إني أريد أن أدعو على ابني هذا أن ~~يقبضه الله تعالى، وتؤمنون على دعائي، قال: فسألوه عن سبب ذلك: فأخبرهم أنه ~~رأى في نومه (5) كأن الناس قد جمعوا ليوم القيامة، وأصابهم عطش شديد، فإذا ~~الولدان قد خرجوا من الجنة معهم الأباريق، وفيهم ابن أخ له، فالتمس منه أن ~~يسقيه فأبى، وقال: يا عم، إنا لا نسقي إلا الآباء، فأحببت أن يجعل الله ~~ولدي هذا فرطا لي، فدعا فأمنوا، فلم يلبث الصبي حتى مات. # أخرجه البيهقي في (الشعب). # وعن محمد بن خلف (6) قال: كان الإبراهيم الحربي ابن له إحدى عشرة سنة قد # PageV00P042 # حفظ القرآن، ولقنه أبوه من الفقه والحديث شيئا كثيرا، فمات فأتيته ~~لأعزيه، فقال: # كنت أشتهي موته، فقلت له: يا أبا إسحاق، أنت عالم الدنيا، تقول مثل هذا ~~في صبي قد أنجب، وحفظ القرآن، ولقنته الحديث والفقه؟! قال: نعم، رأيت في ~~النوم كأن القيامة قد قامت، وكأن صبيانا بأيديهم القلال (1) فيها ماء، ~~يستقبلون الناس يسقونهم، وكان اليوم يوما حارا شديد الحر. فقلت لأحدهم: ~~اسقني من هذا الماء. فنظر إلي، وقال: # لست أنت أبي، قلت: فأي شئ أنتم؟ قالوا: نحن الصبيان الذين متنا في دار ~~الدنيا، وخلفنا آباءنا، فنستقبلهم ونسقيهم (2)، فلهذا تمنيت موته. # وروى الغزالي في (الإحياء): إن بعض الصالحين كان يعرض عليه التزويج برهة ~~من دهره فيأبى، قال: فانتبه من نومه ذات يوم، وقال: زوجوني، فزوجوه، فسئل ~~عن ذلك، فقال: لعل (الله أن يرزقني) (3) ولدا ms20 ويقبضه، فيكون لي مقدمة في ~~الآخرة، ثم قال: رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت، وكأني في جملة ~~الخلائق في الموقف، وبي من العطش ما كاد أن يقطع قلبي، وكذا الخلائق من شدة ~~العطش والكرب، فبينما نحن كذلك وإذا ولدان يتخللون الجمع، عليهم قناديل من ~~نور، وبأيديهم أباريق من فضة وأكواب من ذهب، يسقون الواحد بعد الواحد، ~~يتخللون الجمع ويتجاوزون أكثر الناس، فمددت يدي إلى أحدهم، فقلت: اسقني، ~~فقد أجهدني العطش، فقال: مالك فينا ولد: إنما نسقي آباءنا، فقلت: ومن أنتم؟ ~~قالوا: نحن من مات من أطفال المسلمين (4). # وحجى الشيخ أبو عبد الله بن النعمان في كتاب (مصباح الظلام) عن بعض ~~الثقات: أن رجلا أوصى بعض أصحابه - ممن أراد أن يحج - أن يقرأ سلامه رسول ~~الله صلى الله عليه وآله، ويدفن رقعة مختومة (أعطاها له - عند رأسه الشريف، ~~ففعل ذلك، فلما رجع من حجه أكرمه الرجل وقال له: جزاك الله خيرا، لقد بلغت ~~الرسالة، فتعجب المبلغ من ذلك وقال: من أين علمت تبليغها قبل أن أحدثك، ~~فأنشأ يحدثه، قال: كان لي أخ مات، وترك ابنا صغيرا، فربيته وأحسنت تربيته، ~~ثم مات # PageV00P043 # قبل أن يبلغ الحلم، فلما كان ذات ليلة، رأيت في المنام كأن القيامة قد ~~قامت، والحشر قد وقع، والناس قد اشتد بهم العطش من شدة الجهد، وبيد ابن أخي ~~ماء، فالتمست أن يسقيني فأبى، وقال: أبي أحق به منك، فعظم علي ذلك، فانتبهت ~~فزعا، فلما أصبحت تصدقت بجملة دنانير، وسألت الله أن يرزقني ولدا ذكرا، ~~فرزقنيه، واتفق سفرك، فكتبت لك تلك الرقعة، ومضمونها التوسل بالنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم إلى الله عز وجل في قبوله مني، رجاء أن أجده يوم الفزع ~~الأكبر، فلم يلبث أن حم ومات، وكان ذلك يوم وصولك، فعلمت أنك بلغت الرسالة. # وفي كتاب (النوم والرؤيا لأبي الصقر الموصلي، حدثني علي بن الحسين بن ~~جعفر، حدثني أبي، حدثني بعض أصحابنا ممن أثق بدينه وفهمه، قال: أتيت ~~المدينة ليلا، فنمت في بقيع الغرقد (1) بين أربعة قبور ms21 عندها قبر محفور، ~~فرأيت في منامي أربعة أطفال، قد خرجوا من تلك القبور، وهو يقولون: # أنعم الله بالحبيبة عينا * وبمسراك يا أميم إلينا عجبا ما عجبت من ظغطة * ~~القبر ومغداك يا أميم إلينا فقلت: إن لهذه الأبيات لشأنا، وأقمت حتى طلعت ~~الشمس، وإذا جنازة قد أقبلت، فقلت: من هذه؟ فقالوا: امرأة من أهل المدينة، ~~فقلت: اسمها أميمة؟ قالوا: # نعم، قلت: قدمت فرطا؟ قالوا: أربعة أولاد، فأخبرتهم بالخبر، فأخذوا ~~يتعجبون من هذا (2). # وما أحسنا ما أنشد بعض الأفاضل، يقول شعرا: # عطيته إذا أعطى سرورا * وإن سلب الذي أعطى أثابا فأي النعمتين أعد فضلا * ~~وأحمد عند عقباها إيابا أنعمته التي كانت سرورا * أم الأخرى التي جلبت ~~ثوابا؟ # PageV00P044 # الباب الثاني في الصبر وما يلحق به الصبر في اللغة: حبس النفس من الفزع ~~من المكروه والجزع عنه، وإنما يكون ذلك بمنع باطنه من الاضطراب، وأعضائه من ~~الحركات غير المعتادة، وهو ثلاثة أنواع: # الأول: صبر العوام، وهو حبس النفس على وجه التجلد، وإظهار الثبات في ~~النائبات، ليكون حاله عند العقلاء وعامة الناس مرضية يعلمون ظاهرا من ~~الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون (1). # الثاني: صبر الزهاد، والعباد، وأهل التقوى، وأرباب الحلم، لتوقع ثواب ~~الآخرة، إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (2). # الثالث: صبر العارفين، فإن لبعضهم التذاذا بالمكروه، لتصورهم أن معبودهم ~~خصهم به من دون الناس، وصاروا ملحوظين (بشرف نظرته) (3) وبشر الصابرين ~~الذين إذا إصابتهم مصيبه، قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم ~~صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (4). # وهذا النوع يختص باسم الرضا، وسيأتي في باب خاص. # والأول لا ثواب عليه، لأنه لم يفعله لله، وإنما فعله لأجل الناس، بل هو ~~في الحقيقة رياء محض، فكلما ورد في الرياءات فيه، ولكن الجزع شر منه، لأن ~~النفوس البشرية تميل إلى التخلق بأخلاق النظراء والمعاشرين والخلطاء، فيفشو ~~الجزع فيهم، وإذا رأوا أحوال الصابرين مالت نفوسهم إلى التخلق بأخلاقهم، ~~فربما صار ذلك سببا لكما لهم، فيحصل منه فائدة في نظام النوع، وإن لم يعد ~~على هذا ms22 الصابر. # والصبر عند الإطلاق يحمل على القسم الثاني. # واعلم أن الله - سبحانه - قد وصف الصابرين بأوصاف، وذكر الصابرين في ~~القرآن في نيف وسبعين موضعا، وأضاف أكثر الخيرات والدرجات إلى الصبر، ~~وجعلها # PageV00P045 # ثمرة له، فقال عز من قائل: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا﴾ (١) ~~وقال: # (وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا (٢) وقال تعالى: ﴿ولنجزين الذين صبروا اجرهم بأحسن ما ~~كانوا يعملون﴾ (٣) وقال: ﴿أولئك يؤتون اجرهم مرتين بما صبروا﴾ (٤) وقال: ﴿إنما يوفى الصابرون اجرهم بغير ~~حساب﴾ (٥). # فما من قربة إلا وأجرها بتقدير وحساب إلا الصبر ولأجل كون الصوم من ~~الصبر، وأنه نصف الصبر (٦) كان لا يتولى أجره إلا الله تبارك وتعالى - كما ~~ورد في الأثر. # قال الله تعالى: (الصوم لي، وأنا أجزي به) (٧) فأضافه إلى نفسه من بين ~~سائر العبادات، ووعد الصابرين بأنه معهم، فقال: ﴿واصبروا ان الله مع الصابرين﴾ (8) وعلق النصرة على ~~الصبر، فقال: (بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم # PageV00P046 # بخمسة آلاف من الملائكة مسومين) (١). وجمع للصابرين بين أمور لم يجمعها ~~لغيرهم، فقال: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ~~ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ (٢) فالهدى والصلوات والرحمة مجموعة ~~للصابرين، واستقصاء جميع الآيات في مقام الصبر يطول. # وأما الأخبار فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (الصبر نصف ~~الإيمان) (٣). # وقال صلى الله عليه وآله: (من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر، ومن ~~أعطي حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار، ولئن تصبروا ~~على مثل ما أنتم عليه، أحب إلي من أن يوافيني كل امرئ منكم بمثل عمل ~~جميعكم، ولكني أخاف أن تفتح عليكم الدنيا بعدي، فينكر بعضكم بعضا، وينكركم ~~أهل السماء عند ذلك، فمن صبر واحتسب ظفر بكمال ثوابه، ثم قرأ: ﴿ما عند كم ينفد وما ms23 عند الله باق ~~ولنجزين الذين صبروا﴾ (4) الآية) (5). # وروى جابر: أنه صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الإيمان، فقال: (الصبر ~~كنز من كنوز الجنة)، وسئل مرة؟ ما الايمان، فقال: (الصبر) (6) وهذا نظير ~~قوله عليه السلام: (الحج عرفة) (7). # قال صلى الله عليه وآله: (أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس) (8). # وقيل: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: (تخلق بأخلاقي، وإن من ~~أخلاقي الصبر) (9). # PageV00P047 # وعن ابن عباس رضي الله عنه لما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~على الأنصار، فقال: (أمؤمنون أنتم؟) فسكتوا، فقال رجل نعم، يا رسول البلاء، ~~ونرضى بالقضاء، فقال: # (مؤمنون ورب الكعبة) (١). # وقال صلى الله عليه وآله: (في الصبر على ما يكره خير كثير) (٢). # وقال المسيح عليه السلام: (إنكم لا تدركون ما تحبون، إلا بصبركم على ما ~~تكرهون). # وقال صلى الله عليه وآله: (لو كان الصبر رجلا لكان كريما) (٣) وقال علي ~~عليه السلام: (بني الإيمان على أربع دعائم: اليقين، والصبر، والجهاد ~~والعدل) (٤). # وقال أيضا: (الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا جسد لمن لا رأس ~~له، ولا إيمان لمن لا صبر له) (٥). # وقال علي عليه السلام: (عليكم بالصبر، فإنه به يأخذ الحازم، وإليه يعود ~~الجازع). # وقال علي عليه السلام: (إن صبرت جرت عليك المقادير وأنت مأجور، وإن جزعت ~~وجرت عليك المقادير وأنت مأزور) (٦) وعن الحسن بن علي عليهما السلام، عن ~~النبي صلى الله عليه وآله، قال: (إن في الجنة شجرة يقال لها: شجرة البلوى، ~~يؤتى بأهل البلاء يوم القيامة، فلا يرفع لهم ديوان، ولا ينصب لهم ميزان، ~~يصب عليهم الأجر صبا، وقرأ عليه السلام: ﴿إنما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب﴾ (7)) (8). # PageV00P048 # وعنه عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من جرعة أحب ~~إلى الله تعالى من جرعة غيظ كظما رجل، أو جرعة صبر على مصيبة، وما من قطرة ~~أحب إلى الله تعالى من قطرة دمع من خشية الله، أو قطرة دم أهرقت في سبيل ~~الله) (1). # وعنه عليه السلام: (المصائب ms24 مفاتيح الأجر). # وعن زيد العابدين عليه السلام: (إذا جمع الله الأولين والآخرين ينادي ~~مناد: # أين الصابرون؟ ليدخلوا الجنة بغير حساب، قال: فيقوم عنق من الناس، ~~فتتلقاهم الملائكة، فيقولون: إلى أين، يا بني آدم؟! فيقولون: إلى الجنة، ~~فيقولون: وقبل الحساب؟ فقالوا: نعم قالوا: ومن أنتم؟ قالوا الصابرون. قالوا ~~وما كان صبركم؟ # قالوا: صبرنا على طاعة الله، وصبرنا عن معصية الله، حتى توفانا الله عز ~~وجل، قالوا، أنتم كما قلتم، أدخلوا الجنة، فنعم أجر العاملين) (2). # وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (قال الله عز وجل: # إذا وجهت إلى عبد من عبيدي مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده، ثم استقبل ذلك ~~بصبر جميل، استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزانا، أو أنشر له ديوانا) ~~(3). # وعن ابن مسعود، عنه صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (ثلاث من رزقهن فقد ~~رزق خير الدارين: الرضا بالقضاء، والصبر على البلاء، والدعاء في الرخاء) ~~(4). # وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله، ~~فقال: (يا غلام - أو يا غليم - ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ فقلت: بلى، ~~فقال: # إحفظ الله يحفظك، إحفظ الله تجده أمامك، تعرف (إلى الله) (5) في الرخاء ~~يعرف في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن ~~في الصير على ما تكره خيرا كثيرا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، ~~وأن مع العسر يسرا) (6). # PageV00P049 # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: (يؤتى الرجل في قبره بالعذاب، فإذا أتي من ~~قبل رأسه دفعه تلاوة القرآن، وإذا أتي من قبل يديه دفعته الصدقة، وإذا أتي ~~من قبل رجليه دفعه مشيه إلى المسجد (1)، والصبر حجزه، يقول: أما لو رأيت ~~خللا لكنت صاحبه). # وفي لفظ آخر (إذا دخل الرجل القبر قامت الصلاة عن يمينه، والزكاة عن ~~شماله، والبر يظل عليه، والصبر بناحية (2) يقول دونكم صاحبي، فإني من ~~ورائه، يعني: إن استطعتم أن تدفعوا عنه العذاب، وإلا فأنا أكفيكم ذلك، ~~وأدفع عنه العذاب) ms25 (3). وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: (عجبا لأمر المؤمن، ~~إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان ~~خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له) (4). # وعنه صلى الله عليه وآله: (ألا أعجبكم إن المؤمن إذا أصاب خيرا حمد الله ~~وشكر، وإذا أصابته مصيبة حمد الله وصبر، فالمؤمن يؤجر في كل شئ حتى اللقمة ~~يرفعها إلى فيه). # وفي حديث آخر: (حتى اللقمة يرفعها إلى فم امرأته) (5). # وعنه صلى الله عليه وآله: (الصبر خير مركب، ما رزق الله عبدا خيرا له ولا ~~أوسع من الصبر) (6). # وسئل صلى الله عليه وآله: هل من رجل يدخل الجنة بغير حساب؟ قال: # (نعم، كل رحيم صبور). # وعن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (إن الحر حر على # PageV00P050 # جميع أحواله، إن نابته نائبة صبر لها، وإن تراكمت على المصائب لم تكسره، ~~وإن أسر وقهر واستبدل باليسر عسرا، كما كان يوسف الصديق الأمين عليه ~~السلام، لم يضرر حريته أن استعبد وأسر وقهر، ولم تضرره ظلمة الجب ووحشته، ~~وما ناله أن من الله عليه، فجعل الجبار العاتي له عبدا بعد أن كان ملكا، ~~فأرسله ورحم به أمة وكذلك الصبر يعقب خيرا، فاصبروا ووطنوا أنفسكم على ~~الصبر تؤجروا) (1). # وعن الباقر عليه السلام: (الجنة محفوفة بالمكاره والصبر، فمن صبر على ~~المكاره في الدنيا دخل الجنة، وجهنم محفوفة باللذات والشهوات، فمن أعطى ~~نفسه لذاتها وشهوتها دخل النار) (2). # وعن علي عليه السلام، قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الصبر ~~ثلاثة: صبر عند المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، فمن صبر على ~~المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلاث مائة درجة، ما بين الدرجة ~~إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض، ومن صبر على الطاعة كتب الله له ست ~~مائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش، ومن ~~صبر عن المعصية كتب الله له تسع مائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة ms26 كما ~~بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش) (3) وعن أبي حمزة الثمالي، قال: قال أبو ~~عبد الله عليه السلام: (من ابتلي من المؤمنين ببلاء فصبر عليه، كان له مثل ~~أجر ألف شهيد) (4). # وعن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله: قال الله عز وجل: إني جعلت الدنيا بين عبادي قرضا، فمن ~~أقرضني منها قرضا أعطيته بكل واحدة عشرا إلى سبع مئة ضعف وما شئت من ذلك، ~~ومن لم يقرضني منها قرضا فأخذت منه شيئا قسرا، أعطيته ثلاث خصال، لو أعطيت ~~واحدة منهن ملائكتي لرضوا بها مني. # PageV00P051 # ثم تلا أبو عبد الله عليه السلام قول الله عز وجل: (الذين إذا اصابتهم ~~مصيبة قالوا انا لله وانا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم) فهذه (١) ~~واحدة من ثلاث خصال (ورحمة) اثنان ﴿وأولئك هم المهتدون﴾ (2) ثلاث. # ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: (هذا لمن أخذ منه شيئا قسرا) (3). # PageV00P052 # فصل وعنه عليه السلام: (الضرب على الفخذ عند المصيبة يحبط الأجر (1)، ~~والصبر عند الصدمة الأولى أعظم وعظم الأجر على قدر المصيبة، ومن استرجع بعد ~~المصيبة جدد الله له أجرها كيوم أصيب بها). # وسأل رجل النبي صلى الله عليه وآله: ما يحبط الأجر في المصيبة؟ فقال: # (تصفيق الرجل بيمينه على شماله، والصبر عند الصدمة الأولى، فمن رضي فله ~~الرضا، ومن سخط فعليه السخط.) وعن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله، ~~قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (ما من عبد تصيبه مصيبة ~~فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرا ~~منه، إلا آجره الله تعالى في مصيبته، واخلف له خيرا منها). # قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله، ~~فأخلف لي خيرا منه: رسول الله صلى الله عليه وآله (2). # وفي لفظ آخر: أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (ما من مسلم ~~تصيبه ms27 مصيبة فيقول ما أمره الله عز وجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم ~~آجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرا منه) قالت: فلما مات أبو سلمة رضي الله ~~عنه، قلت: أي رجل خير من أبي سلمة؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله ثم إني قلتها فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وآله. # [قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله] (3) بحاطب ابن أبي بلتعة ~~يخطبني، فقلت له: إن لي بنتا وأنا غيور، فقال: (أما بنتها فأدعو الله أن ~~يغنيها عنها، وأدعو الله أن يذهب بالغيرة) (4). # وفي حديث آخر: قالت: أتاني أبو سلمة يوما من عند رسول الله صلى الله عليه # PageV00P053 # وآله فقال: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله قولا سررت به، قال: (لا ~~يصيب أحدا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول: اللهم آجرني في ~~مصيبتي، واخلف لي خيرا منها، إلا فعل ذلك: به). قالت أم سلمة: فحفظت ذلك ~~منه، فلما توفي أبو سلمة استرجعت وقلت: اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي ~~خيرا منه، ثم رجعت إلى نفسي فقلت: من أين لي خير من أبي سلمة: فلما انقضت ~~عدتي استأذن علي رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا أدبغ إهابا (1)، فغسلت ~~يدي من القرظ (2) وأذنت له، فوضعت له وسادة أدم (3) حشوها ليف فقعد عليها، ~~فخطبني إلى نفسي صلى الله عليه وآله. # فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله، ما بي أن لا يكون بك الرغبة، ~~ولكني امرأة في غيرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئا يعذ بني الله به، وأنا ~~امرأة قد دخلت في السن، وأنا ذات عيال. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (أما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل ~~الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي) قالت: فقد سلمت ~~نفسي لرسول الله، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالت أم سلمة: ~~فقد أبدلني الله عز وجل بأبي سلمة خيرا منه: النبي صلى الله ms28 عليه وآله (4). # وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن للموت ~~فزعا، فإذا أتى أحدكم وفاة أخيه فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، وإنا إلى ~~ربنا لمنقلبون، اللهم اكتبه عندك من المحسنين، واجعل كتابه في عليين، واخلف ~~على عقبه في الآخرين، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده) (5). # وعن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام: (إن النبي صلى الله عليه ~~وآله قال: من أصابته مصيبة فقال إذا ذكرها: إنا لله وإنا إليه راجعون، جدد ~~الله # PageV00P054 # - عز وجل - له أجرها، مثل ما كان له يوم أصابته) (1). # PageV00P055 # فصل وعن يوسف بن عبد الله بن سلام: ان النبي صلى الله عليه وآله كان إذا ~~نزل بأهله شدة أمرهم بالصلاة، ثم قرأ: ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها﴾ (١) (٢). # وعن ابن عباس أنه نعي إليه أخوه قثم وهو في سفر فاسترجع، ثم تنحى عن ~~الطريق فأناخ، فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو ~~يقول: # ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وانها لكبيرة ~~الا على الخاشعين﴾ (٣) (٤). # وعنه أيضا أنه كان إذا أصيب بمصيبة قام وتوضأ وصلى ركعتين، وقال: # اللهم قد فعلت ما أمرتنا، فأنجز لنا ما وعدتنا. # وعن عبادة بن محمد بن عبادة بن الصامت، قال: لما حضرت عبادة - رضي الله ~~عنه - الوفاة قال: أخرجوا فراشي إلى الصحن - يعني: الدار - ففعلوا، ثم قال: ~~إجمعوا لي موالي وخدمي وجيراني ومن كان يدخل علي، فجمعوا. # فقال: إن يومي هذا لا أراه إلا آخر يوم يأتي علي من الدنيا، وأول ليلة من ~~ليالي الآخرة، وإني لا أدري لعله قد فرط مني إليكم بيدي أو بلساني شئ، وهو ~~- والذي نفس عبادة بيده - القصاص يوم القيامة، فأحرج (٥) على أحد منكم في ~~نفسه مني شئ من ذلك، إلا اقتص مني قبل أن تخرج نفسي. # قال: فقالوا: بل كنت لنا والدا وكنت مؤدبا، وما قال لخادم سوءا قط، قال: # أغفرتم لي ما كان من ذلك؟ قالوا: ms29 نعم، قال: اللهم اشهد، ثم قال: أما ~~فاحفظوا وصيتي: أحرج على انسان منكم يبكي، فإذا خرجت نفسي فتوضؤا وأحسنوا ~~الوضوء، ثم ليدخل انسان منكم مسجدا فيصلي، ثم يستغفر لعبادة ولنفسه، فإن ~~الله عز وجل قال: ﴿واستعينوا بالصبر ~~والصلاة﴾ (6) ثم أسرعوا بي إلى حفرتي ولا تتبعوني بنار، # PageV00P056 # ولا تضعوا تحتي أرجوانا (1) (2). # وعن جابر، عن الباقر عليه السلام، قال: (أشد الجزع الصراخ بالويل ~~والعويل، ولطم الوجه والصدر، وجز الشعر، ومن أقام النواح (3) فقد ترك ~~الصبر، ومن صبر واسترجع وحمد الله - تعالى - فقد رضي بما صنع الله، ووقع ~~أجره على الله - عز وجل -، ومن لم يفعل ذلك جرى عليه القضاء وهو ذميم، ~~وأحبط الله - عز وجل - أجره) (4). # وعن ربعي بن عبد الله، عن الصادق، قال: (إن الصبر والبلاء يستبقان إلى ~~المؤمن، يأتيه البلاء وهو صبور، وإن الجزع والبلاء يستبقان إلى الكافر، ~~فيأتيه البلاء وهو جزوع) (5). # وعنه عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ضرب المسلم ~~يده على فخذه عند المصيبة إحباط لأجره) (6). # وعن موسى بن بكر، عن الكاظم عليه السلام، قال: (ضرب الرجل على فخذه عند ~~المصيبة، احباط أجره) (7). # وعن إسحاق بن عمار، عن الصادق عليه السلام: (يا إسحاق، لا تعدن مصيبة ~~أعطيت عليها الصبر، واستوجبت عليها من الله عز وجل الثواب، إنما المصيبة ~~التي يحرم صاحبها أجرها وثوابها، إذا لم يصبر عند نزولها) (8). # وعن أبي ميسرة قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام، فجاءه رجل وشكا ~~إليه مصيبة، فقال: (أما إنك إن تصبر تؤجر، وإن لم تصبر يمضي عليك قدر الله ~~عز وجل الذي قدر عليك وأنت مذموم) (9). # PageV00P057 # فصل قال الصادق عليه السلام: (البلاء زين المؤمن، وكرامة لمن عقل، لأن في ~~مباشرته، والصبر عليه والثبات عنده تصحيح نسبة الإيمان) (1). # قال النبي صلى الله عليه وآله: (نحن - معاشر الأنبياء - أشد بلاء، ~~والمؤمن الأمثل فالأمثل، ومن ذاق طعم البلاء تحت ستر حفظ الله له، تلذذ به ~~أكثر من تلذذه بالنعمة، ويشتاق إليه إذا فقده، لأن ms30 تحت نيران البلاء ~~والمحنة أنوار النعمة، وتحت أنوار النعمة نيران البلاء والمحنة، وقد ينجو ~~منه كثير، ويهلك في النعمة كثير، وما أثنى الله تعالى على عبد من عباده، من ~~لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وآله إلا بعد ابتلائه ووفاء حق العبودية ~~فيه، فكرامات الله - تعالى - في الحقيقة نهايات، بداياتها البلاء، وبدايات ~~نهاياتها البلاء، ومن خرج من شبكة البلوى جعل سراج المؤمنين، ومؤنس ~~المقربين، ودليل القاصدين، ولا خير في عبد شكا من محنة تقدمها ألف نعمة، ~~واتبعها ألف راحة، ومن لا يقضي حق الصبر على البلاء، حرم قضاء [حق] (2) ~~الشكر في النعماء، كذلك من لا يؤدي حق الشكر في النعماء، يحرم عن قضاء [حق] ~~(3) الصبر في البلاء، ومن حرمهما فهو من المطرودين) (4). # وقال أيوب عليه السلام في دعائه: (اللهم قد أتى علي سبعون في الرخاء، ~~فأمهلني حتى يأتي علي سبعون في البلاء) (5). # وقال وهب: البلاء للمؤمن، كالشكال للدابة، والعقال للإبل (6). # وقال أمير المؤمنين عليه السلام: (الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد، ~~ورأس الصبر البلاء وما يعقلها إلا العالمون) (7). # هذا الفصل كله من كلام الصادق عليه السلام. # PageV00P058 # فصل وقال الصادق عليه السلام: (الصبر يظهر ما في بواطن العباد من النور ~~والصفاء، والجزع يظهر ما في بواطنهم من الظلمة والوحشة، والصبر يدعيه كل ~~أحد، ولا يبين عنده إلا المخبتون، والجزع ينكره كل أحد، وهو أبين على ~~المنافقين، لأن نزول المحنة والمصيبة، يخبر عن الصادق والكاذب. # وتفسير الصبر ما يستمر مذاقه، وما كان عن اضطراب لا يسمى صبرا، وتفسير ~~الجزع اضطراب القلب، وتحزن الشخص، وتغير اللون، وتغير الحال، وكل نازلة خلت ~~أوائلها عن الإخبات والإنابة والتضرع إلى الله تعالى، فصاحبها جزوع غير ~~صابر، (والصبر ما أوله مر، وآخره حلو لقوم، ولقوم مر أوله وآخره، فمن دخله ~~من أواخره فقد دخل) (١) ومن دخله من أوائله فقد خرج، ومن عرف قدر الصبر لا ~~يصبر عما منه الصبر (٢). # قال الله عز وجل في قصة موسى والخضر عليهما السلام: ﴿وكيف تصبر ms31 على ما لم تحبط به خبرا﴾ (٣) فمن صبر ~~كرها ولم يشك إلى الخلق، ولم يجزع بهتك ستره، فهو من العام، ونصيبه ما قال ~~الله عز وجل: ﴿وبشر الصابرين﴾ (٤) أي: ~~بالجنة والمغفرة، ومن استقبل البلاء بالرحب، وصبر على سكينة، ووقار، فهو من ~~الخاص، ونصيبه ما قال الله عز وجل: ﴿ان الله مع الصابرين﴾ (5)) (6). # PageV00P059 # فصل في نبذ من أحوال السلف عند موت أبنائهم وأحبائهم كانت العرب في ~~الجاهلية - وهم لا يرجون ثوابا، ولا يخشون عقابا - يتحاظون (1) على الصبر، ~~ويعرفون فضله، ويعيرون بالجزع أهله إيثارا للحزم، وتزينا بالحلم، وطلبا ~~للمروة، وفرارا من الاستكانة إلى حسن العزاء، حتى كان الرجل منهم ليفتقد ~~حميمه فلا يعرف ذاك منه، فلما جاء الاسلام وانتشر، وعلم ثواب الصبر واشتهر، ~~تزايدت في ذلك لهم الرغبة، وارتفعت للمبتلين الرتبة. # قال أبو الأحوص: دخلنا على ابن مسعود وعنده بنون له ثلاثة غلمان كأنهم ~~الدنانير حسنا، فجعلنا نتعجب من حسنهم، فقال: كأنهم تغبطوني بهم؟ قلنا: إي ~~والله، بمثل هؤلاء يغبط المرء المسلم فرفع رأسه إلى سقف بيت قصير، قد عشش ~~فيه الخطاف وباض، فقال: والذي نفسي بيده لئن أكون نفضت يدي من تراب قبورهم، ~~أحب إلي من أن يسقط عش هذا الخطاف، وينكسر بيضه، يعني: حرصا على الثواب. # وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقرئ الناس القرآن في المسجد جاثيا ~~على ركبتيه، إذا جاءت أم ولده بابن له، يقال له: محمد فقامت على باب ~~المسجد، ثم أشارت له إلى أبيه، فأقبل، فأفرج له القوم حتى جلس في حجره، ثم ~~جعل يقول: مرحبا بسمي من هو خير منه، ويقبله حتى كاد يزدرد ريقه. # ثم قال: والله لموتك وموت إخوتك أهون علي من عدتكم من هذا الذباب (2)، ~~فقيل: لم تتمنى هذا؟ فقال: اللهم غفرا إنكم تسألوني، ولا أستطيع إلا أن ~~أخبركم، أريد بذلك الخير، أما أنا فاحرز أجورهم، وأتخوف عليهم، سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (يأتي عليكم زمان ms32 يغبط الرجل بخفة ~~الحال، كما يغبط اليوم بكثرة المال والولد). # وكان أبو ذر رضي الله عنه لا يعيش له ولد، فقيل له: إنك امرؤ لا يبقى لك ~~ولد، فقال الحمد لله الذي يأخذ من دار الفناء، ويدخرهم في دار البقاء (3). # PageV00P060 # ومات لعبد الله بن عامر المازني رضي الله عنه، في الطاعون الجارف، سبعة ~~بنين في يوم واحد، فقال: إني مسلم مسلم. # وعن عبد الرحمان بن عثمان قال: دخلنا على معاذ وهو قاعد عند رأس ابن له، ~~وهو يجود بنفسه، فما ملكنا أنفسنا أن ذرفت أعيننا، وانتحب بعضنا، فزجره ~~معاذ، وقال: مه، فوالله ليعلم الله برضاي، لهذا أحب إلي من كل غزوة غزوتها ~~مع رسول الله صلى الله عليه وآله، فإني سمعته يقول: (من كان له ابن وكان ~~عليه عزيزا، وبه ضنينا، ومات فصبر على مصيبته واحتسبه، أبدل الله الميت ~~دارا خيرا من داره، وقرارا خيرا من قراره، وأبدل المصاب الصلاة والرحمة ~~والمغفرة والرضوان). # فما برحنا حتى قضى - والله - الغلام حين أخذ المنادي لصلاة الظهر، فرحنا ~~نريد الصلاة، فما جئنا إلا وقد غسله وحنطه وكفنه. # وجاء رجل بسريره غير منتظر لشهود الإخوان، ولا لجمع الجيران، فلما بلغنا ~~ذلك تلاحقنا، وقلنا: يغفر الله لك يا أبا عبد الرحمن، هلا انتظرتنا حتى ~~نفرغ من صلاتنا، ونشهد ابن أخينا. # فقال: أمرنا أن لا ننتظر موتانا ساعة ماتوا بليل أو نهار، قال: فنزل في ~~القبر، ونزل معه آخر، فلما أراد الخروج ناولته يدي لأنتهضه (1) من القبر، ~~فأبى وقال: ما أدع ذلك لفضل قوتي، ولكن أكره أن يرى الجاهل أن ذلك مني جزع، ~~أو استرخاء عند المصيبة، ثم أتى مجلسه، ودعا بدهن فأدهن، وبكحل فاكتحل، ~~وببردة فلبسها، وأكثر في يومه ذلك من التبسم، ينوي به ما ينوي، ثم قال: إنا ~~لله وإنا إليه راجعون، في الله خلف عن كل هالك، وعزاء من كل مصيبة، ودرك ~~لكل ما فات. # وروي: إن قوما كانوا عند علي بن الحسين عليهما السلام، فاستعجل خادما ~~بشواء في التنور، فأقبل به مسرعا، ms33 فسقط السفود (2) من يده على ولد علي بن ~~الحسين عليه السلام، فأصاب رأسه فقتله، فوثب علي بن الحسين عليهما السلام، ~~فلما رأى ابنه ميتا، قال للغلام: (أنت حر لوجه الله تعالى، أما إنك لم ~~تتعمده) ثم أخذ في جهاز ابنه (3). # PageV00P061 # وعن الأحنف بن قيس قال: تعلموا الحلم والصبر، فإني تعلمته، فقيل له: # ممن؟ قال: من قيس بن عاصم، قيل: وما بلغ من حلمه؟ قال: كنا قعودا عنده، ~~إذ أتي بابنه مقتولا، وبقاتله مكبولا، فما حل حبوته (1)، ولا قطع حديثه حتى ~~فرغ. # ثم التفت إلى قاتل ابنه فقال: يا ابن أخي، ما حملك على ما فعلت؟ قال: # غضبت، قال: أو كلما غضبت أهنت نفسك، وعصيت ربك، وأقللت عددك؟ اذهب فقد ~~أعتقتك. # ثم التفت إلى بنيه فقال: يا بني، اعمدوا (2) إلى أخيكم فغسلوه وكفنوه، ~~فإذا فرغتم منه فأتوني به لأصلي عليه، فلما دفنوه قال لهم: إن أمه ليست ~~منكم، وهي من قوم آخرين، فلا أراها ترضى بما صنعتم، فأعطوها ديته من مالي ~~(3). # وروى الصدوق في (الفقيه) انه لما مات ذر بن أبي ذر - رحمه الله - وقف ~~[أبو ذر] (4) على قبره فمسح القبر بيده، ثم قال: رحمك الله يا ذر، والله ~~انك كنت بي لبر، ولقد قبضت وإني عنك لراض، والله ما بي فقدك وما علي من ~~غضاضة، ومالي إلى أحد سوى الله من حاجة، ولولا هول المطلع لسرني أن أكون ~~مكانك، ولقد شغلني الحزن لك عن الحزن عليك، والله ما بكيت لك، ولكن بكيت ~~عليك، فليت شعري ما قلت، وما قيل لك؟ اللهم إني قد وهبته ما افترضت عليه من ~~حقي، فهب له ما افترضت عليه من حقك، فأنت أحق بالجود والكرم مني (5). # وأسند الدينوري أن ذر بن عمر بن ذر لما مات وقف أبوه على قبره، وقال: # رحمك الله يا ذر، ما علينا بعدك من خصاصة، وما بنا إلى أحد مع الله حاجة، ~~وما يسرني أني كنت المقدم قبلك، ولولا هول المطلع لتمنيت أن أكون مكانك، ~~وقد شغلني الحزن لك عن ms34 الحزن عليك، فليت شعري ما ذا قلت، وماذا قيل لك، ثم ~~رفع رأسه إلى السماء فقال: اللهم إني قد وهبت له حقي فيما بيني وبينه، ~~فاغفر له من الذنوب ما بينك وبينه، فأنت أجود الأجودين وأكرم الأكرمين، ثم ~~انصرف وقال: فارقناك، ولو أقمنا # PageV00P062 # ما نفعناك (1). # وروي المبرد قال: لما هلك ذر بن عمر وقف عليه أبوه وهو مسجى، وقال: يا ~~بني، ما علينا من موتك غضاضة، وما بنا إلى ما سوي الله من حاجة، فلما دفن ~~قام على قبره، وقال: يا ذر، غفر الله لك، قد شغلنا عن الحزن لك عن الحزن ~~عليك، لأنا لا ندري ما قلت، ولا ما قيل لك. اللهم إني قد وهبت له ما قصر ~~فيه مما افترضت عليه من حقي، فهب له ما قصر فيه من حقك، واجعل ثوابي عليه ~~له، وزدني من فضلك، إني إليك من الراغبين. فسئل عنه، فقيل: كيف كان معك؟ ~~فقال: ما مشيت معه بليل قط إلا كان أمامي، ولا بنهار قط إلا كان خلفي، وما ~~علا سطحا قط وأنا تحته (2). # وقدم على بعض الخلفاء قوم من بني عبس، فيهم رجل ضرير، فسأله عن عينيه، ~~فقال: بت ليلة في بطن واد، ولم أعلم عبسيا يزيد ماله على مالي، فطرقنا سيل، ~~فذهب بما كان لي من أهل ومال وولد، غير بعير وصبي مولود، وكان (بعيرا صعبا ~~فنفر) (3)، فوضعت الصبي واتبعت البعير، فلم أجاوز إلا قليلا حتى سمعت صيحة ~~ابني، فرجعت إليه ورأس الذئب في بطنه وهو يأكله، ولحقت البعير لأحبسه ~~فبعجني (4) برجله على وجهي فحطمه، وذهب بعيني فأصبحت لا مال لي، ولا أهل، ~~ولا ولد، ولا بصر. # روي: أن عياض بن عقبة الفهري مات له ابن، فلما نزل في قبره قال له رجل: # والله انه كان لسيد الجيش فاحتسبه، فقال: وما يمنعني، وقد كان بالأمس ~~زينة الحياة الدنيا، وهو اليوم من الباقيات الصالحات!؟ # وقال أبو علي الرازي صحبت الفضيل بن عياض ثلاثين، سنة ما رأيته ضاحكا ولا ~~مبتسما قط إلا يوم مات ms35 ابنه علي، فقلت له في ذلك، فقال: إن الله سبحانه ~~وتعالى أحب أمرا، فأحببت ما أحب الله عز وجل. # وأصيب عمرو بن (5) كعب الهندي بتستر (6)، فكتموا أباه الخبر، ثم بلغه فلم ~~يجزع، وقال: الحمد لله الذي جعل من صلبي من أصيب شهيدا. ثم استشهد له ابن ~~آخر # PageV00P063 # بجرجان (١)، فلما بلغه الخبر قال: الحمد لله الذي توفى مني شهيدا آخر. # وروي البيهقي: أن عبد الله بن مطرف مات، فخرج أبوه مطرف على قومه في ثياب ~~حسنة وقد ادهن، فغضبوا وقالوا: يموت عبد الله وتخرج في ثياب حسنة مدهنا؟! # قال: أفأستكين لها، وقد وعدني ربي تبارك وتعالى عليها ثلاث خصال، هي أحب ~~إلي من الدنيا وما فيها، قال الله تعالى: ﴿الذين إذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله وانا إليه راجعون ~~أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ (2). # ودعا رجل من قريش إخوانا له، فجمعهم على طعام، فضربت ابنا له دابة لبعضهم ~~فمات، فأخفى ذلك عن القوم، وقال لأهله: لا أعلمن صاحت منكم صائحة، أو بكت ~~منكم باكية، وأقبل على إخوانه حتى فرغوا من طعامه، ثم أخذ في جهاز الصبي، ~~فلم يفجأهم إلا بسريره، فارتاعوا وسألوه عن أمره فأخبرهم، فعجبوا من صبره ~~وكرمه. # وذكر: أن رجلا من اليمامة دفن ثلاثة رجال من ولده، ثم احتبى في نادي قومه ~~يتحدث كأن لم يفقد أحدا، فقيل له في ذلك، فقال: ليسوا في الموت ببديع، ولا ~~أنا في المصيبة بأوحد، ولا جدوى للجزع، فعلام تلومونني؟ # وأسند أبو العباس عن مسروق عن الأوزاعي، قال: حدثنا بعض الحكماء، قال: ~~خرجت وأنا أريد الرباط (3) حتى إذا كنت بعريش (4) مصر إذا أنا بمظلة، وفيها ~~رجل قد ذهبت عيناه، واسترسلتا يداه ورجلاه، وهو يقول: لك الحمد سيدي ~~ومولاي، اللهم إني أحمدك حمدا يوافي محامد خلقك، كفضلك على سائر خلقك، إذ ~~فضلتني على كثير ممن خلقت تفضيلا. # فقلت: والله لأسألنه، أعلمه أو ألهمه إلهاما؟ فدنوت منه، وسلمت عليه، فرد ~~علي السلام، فقلت له: رحمك الله، ms36 إني أسألك عن شئ، أتخبرني به أم لا؟ فقال: # إن كان عندي منه علم أخبرتك به، فقلت: رحمك الله، على أي فضيلة من فضائله # PageV00P064 # تشكره؟ فقال: أوليس ترى ما قد صنع بي؟ قلت: بلى، فقال: والله لو أن الله ~~تبارك وتعالى صب علي نارا تحرقني، وأمر الجبال فدمرتني، وأمر البحار ~~فغرقتني، وأمر الأرض فخسفت بي، ما ازددت فيه - سبحانه - إلا حبا، ولا ازددت ~~له إلا شكرا، وإن لي إليك حاجة، أفتقضيها لي؟ قلت: نعم، قل ما تشاء، فقال: ~~بني لي كان يتعاهدني أوقات صلاتي، ويطعمني عند إفطاري، وقد فقدته منذ أمس، ~~فانظر تجده لي؟ # قال: فقلت في نفسي، إن في قضاء حاجته لقربة إلى الله عز وجل، فقمت وخرجت ~~في طلبه، حتى إذا صرت بين كثبان الرمال، إذا أنا بسبع قد افترس الغلام ~~فأكله (1)، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، كيف آتي هذا العبد الصالح بخبر ~~ابنه؟ # قال: فأتيته، وسلمت عليه، فرد علي السلام فقلت: رحمك الله، إن سألتك عن ~~شئ تخبرني؟ فقال: إن كان عندي منه علم أخبرتك به، قال: فقلت: أنت أكرم على ~~الله عز وجل وأقرب منزلة، أو نبي الله أيوب عليه السلام؟ فقال: بل (نبي ~~الله) (2) أكرم على الله تعالى مني، وأعظم عند الله تعالى منزلة مني، قال: ~~فقلت له: إنه ابتلاه الله تعالى فصبر، حتى استوحش منه من كان يأنس به، وكان ~~عرضا لمرار الطريق (3)، واعلم أن ابنك الذي أخبرتني به، وسألتني أن اطلبه ~~لك افترسه السبع، فأعظم الله أجرك فيه. # فقال: الحمد لله الذي لم يجعل في قلبي حسرة من الدنيا، ثم شهق شهقة وسقط ~~على وجهه، فجلست ساعة ثم حركته فإذا هو ميت، فقلت: إنا لله وإنا إليه ~~راجعون، كيف أعمل في أمره؟ ومن يعينني على تغسيله وكفنه وحفر قبره ودفنه؟ # فبينما أنا كذلك إذ أنا بركب (4) يريدون الرباط، فأشرت إليهم فأقبلوا ~~نحوي حتى وقفوا علي، وقالوا: من أنت؟ # ومن هذا؟ فأخبرتهم بقصتي، فعقلوا رواحلهم، وأعانوني حتى غسلناه بما ~~البحر، وكفناه بأثواب كانت ms37 معهم، وتقدم فصليت عليه مع الجماعة، ودفناه في ~~مظلته. # PageV00P065 # وجلست عند قبره آنسا به أقرأ القرآن إلى أن مضى من الليل ساعة (1)، فغفوت ~~غفوة فرأيت صاحبي في أحسن صورة وأجمل زي، في روضة خضراء عليه ثياب خضر ~~قائما يتلو القرآن، فقلت له: ألست بصاحبي؟ قال: بلى، قلت: فما الذي صيرك ~~إلى ما أرى؟ فقال: إعلم أني وردت مع الصابرين على الله عز وجل في درجة لم ~~ينالوها إلا بالصبر على البلاء، والشكر عند الرخاء، فانتبهت (2). # وحكى الشعبي قال: رأيت رجلا وقد دفن ابنه، فلما حثا عليه التراب وقف على ~~قبره، وقال: يا بني، كنت هبة ماجد، وعطية واحد (3)، ووديعة مقتدر، وعارية ~~منتصر، فاسترجعك واهبك، وقبضك مالكك، وأخذك معطيك، فأخلفني الله عليك اصبر، ~~ولا حرمني الله بك الأجر، ثم قال: أنت في حل من قلبي، والله أولى عليك ~~بالتفضل مني. # ولما مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، وأخوه سهل بن عبد العزيز، ~~ومولاه مزاحم - في أيام متتابعة - دخل عليه بعض أصحابه يعزيه، وقال في جملة ~~كلامه: والله ما رأيت مثل ابنك ابنا، ولا مثل أخيك أخا، ولا مثل مولاك ~~مولى، فطأطأ رأسه، ثم قال: أعد علي ما قلت، فأعاده عليه، فقال: لا والذي ~~قضى عليهم، ما أحب أن شيئا كان من ذلك لم يكن. # وقيل: بينما عمر بن عبد العزيز ذات يوم جالس إذ أتاه ابنه عبد الملك، ~~فقال: # الله الله في مظالم بني أبيك فلان وفلان، فوالله لوددت أن القدور قد غلت ~~بي وبك فيما يرضي الله، وانطلق فأتبعه أبوه بصره، وقال: إني لأعرف خير ~~أحواله، قالوا، قالوا: وما خير أحواله؟ قال: أن يموت فأحتسبه. # ولما دخل عليه أبوه في مرضه فقال له: كيف تجدك؟ قال: أجدني في الموت، ~~فاحتسبني يا أبه، فإن ثواب الله عز وجل خير لك مني، فقال: والله يا بني، ~~لئن تكون ما في ميزاني أحب إلي من أن أكون في ميزانك، فقال ابنه: لئن يكون ~~ما تحب أحب إلي من أن يكون ما ms38 أحب. # فلما مات وقف على قبره، وقال: رحمك الله يا بني، لقد كنت سارا مولود، ~~وبارا ناشئا، وما أحب أني دعوتك فأجبتني. # PageV00P066 # ومات له ابن آخر قبل عبد الملك، فجاء فقعد عند رأسه، وكشف الثوب عن وجهه، ~~وجعل ينظر إليه ويستدمع، فجاء ابنه عبد الملك، فقال: يا أبه ليشغلك ما أقبل ~~من الموت عمن هو في شغل عما حل لديك، فكأن قد لحقت بابنك وساويته تحت ~~التراب بوجهك، فبكى عمر، ثم قال: رحمك الله يا بني، فوالله إنك لعظيم ~~البركة ما علمتك، على أنك نافع الموعظة لمن وعظت. PageV00P067 # فصل في ذكر جماعة من النساء نقل العلماء صبرهن روي عن أنس بن مالك، قال: ~~كان ابن لأبي طلحة رضي الله عنه يشتكي، فخرج أبو طلحة فقبض الصبي، فلما رجع ~~أبو طلحة قال: ما فعل ابني؟ فقالت أم سليم، وهي أم الصبي رضي الله عنها: هو ~~أسكن ما كان فقربت له العشاء فتعشى، ثم أصاب منها، فلما فرغ قالت: فارق ~~الصبي، فلما أصبح أبو طلحة أتى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره، فقال: ~~(أعرستم الليلة؟) فقال: نعم، فقال: (اللهم بارك لهما) فولدت غلاما. # قالت: فقلت لأبي طلحة: أحمله حتى تأتي رسول الله صلى الله عليه وآله، ~~وبعثت معه بتمرات، فقال: (أمعه شئ؟) قال: تمرات، فخذها النبي صلى الله عليه ~~وآله فمضغها، ثم أخذها صلى الله عليه وآله من فيه فجعلها في في الصبي، ثم ~~حنكه، وسماه عبد الله (1). # قال رجل من الأنصار: فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرؤا القرآن، يعني من ~~أولاد عبد الله المولود (2). # وفي رواية أخرى: مات ابن لأبي طلحة من أم سليم: فقالت لأهلها: لا تحدثوا ~~أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه، قال: فجاء، فقربت إليه عشاء، فأكل ~~وشرب، ثم تصنعت له أكثر مما كانت تتصنع له من قبل ذلك، فلما رأت أنه قد شبع ~~وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة، أرأيت قوما أعاروا عارية أهل بيت فطلبوا ~~عاريتهم؟ ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فأحتسب ابنك، ms39 قال: فغضب، ثم قال: ~~تركتني حتى إذا تلطخت ثم أخبرتني بابني (3). # وفي حديث آخر: لما كان آخر الليل قالت: يا أبا طلحة، إن آل فلان استعاروا ~~عارية تمتعوا بها، فلما طلبت منهم شق عليهم ذلك، قال: ما أنصفوا، قالت: يا ~~أبا طلحة، إن آل فلان استعاروا عارية تمتعوا بها، فلما طلبت منهم شق عليهم ~~ذلك: قال: ما أنصفوا، قالت: # PageV00P068 # فإن فلانا - لابنها - كان عارية من الله عز وجل، وقبضه الله، فاسترجع، ثم ~~غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره بما كان، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله (بارك الله لكما في ليلتكما). # قال: فحملت وذكر الحديث، وفيه، فولدت غلاما، فمسح رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وجهه، وسماه عبد الله. # والحديث في (عيون المجالس) بزيادة غريبة في آخره، ولفظ: # عن معاوية ابن قرة، قال: كان أبو طلحة يحب ابنه حبا شديدا، فمرض فخافت أم ~~سليم على أبي طلحة الجزع حين قرب موت الولد، فبعثته إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله، فلما خرج أبو طلحة من داره توفي الولد، فسجته أم سليم بثوب، ~~وعزلته في ناحية من البيت، ثم تقدمت إلى أهل بيتها، وقالت لهم: لا تخبروا ~~أبا طلحة بشئ. # ثم إنها صنعت طعاما، ثم مست شيئا من الطيب: فجاء أبو طلحة من عند رسول ~~الله صلى الله عليه وآله فقال: ما فعل ابني؟ فقالت له: هدأت نفسه، ثم قال: ~~هل لنا ما نأكل؟ فقامت فقربت إليه الطعام، ثم تعرضت له فوقع عليها، فلما ~~اطمأن قالت له: يا أبا طلحة أتغضب من وديعة كانت عندنا، فرددناها إلى ~~أهلها؟ فقال: # سبحان الله، لا، فقالت: ابنك كان عندنا وديعة فقبضه الله تعالى، فقال أبو ~~طلحة: فأنا أحق بالصبر منك. # ثم قام من مكانه، فاغتسل، وصلى ركعتين، ثم انطلق إلى النبي صلى الله عليه ~~وآله، فأخبره: بصنيعهما، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: (فبارك ~~الله لكما في وقعتكما، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الحمد لله ~~الذي ms40 جعل في أمتي مثل صابرة بني إسرائيل) فقيل: يا رسول الله، ما كان من ~~خبرها؟ # قال: (كانت في بني إسرائيل امرأة، وكان لها زوج، ولها منه غلامان، فأمرها ~~بطعام ليدعو عليه الناس ففعلت، واجتمع الناس في داره، فانطلق الغلامان ~~يلعبان، فوقعا في بئر كان في الدار، فكرهت أن تنغص على زوجها الضيافة، ~~فأدخلتهما البيت، وسجتهما بثوب، فلما فرغوا دخل زوجها، فقال: أين ابناي؟ ~~قالت: هما في البيت، وإنها كانت قد تمسحت بشئ من الطيب، وتعرضت للرجل حتى ~~وقع عليها، ثم قال: # أين ابناي؟ قالت: هما في البيت، فناداهما أبوهما، فخرجا يسعيان، فقالت ~~المرأة: PageV00P069 # سبحان الله! والله لقد كانا ميتين، ولكن الله تعالى أحياهما ثوابا لصبري) ~~(1). # وقريب من هذا ما رويناه في (دلائل النبوة) عن أنس بن مالك، قال: دخلنا ~~على رجل من الأنصار وهو مريض، فلم نبرح حتى قضى، فبسطنا عليه ثوبا، وأم له ~~عجوز كبيرة عند رأسه، فقلنا لها: يا هذه، احتسبي مصيبتك على الله عز وجل، ~~فقالت: # مات ابني؟ قلنا: نعم، قالت: حقا تقولون؟ قلنا: نعم، قال: فمدت يدها، ~~وقالت: # اللهم إنك تعلم أني أسلمت لك، وهاجرت إلى رسولك صلى الله عليه وآله وسلم ~~رجاء أن تعينني عند كل شدة ورخاء، فلا تحمل علي هذه المصيبة اليوم، فكشف ~~الثوب عن وجهه بيده، ثم ما برحنا حتى طعمنا معه (2). # وهذا الدعاء من المرأة رحمها الله إدلال على الله، واستئناس به يقع منه ~~للمحبين كثيرا، فيقبل دعاءهم، وإن كان في التذكير بنحو ذلك ما يظهر منه قلة ~~الأدب. لو وقع من غيرهم، ولذلك بحث طويل وشواهد من الكتاب والسنة، يخرج ~~ذكره عن مناسبة المقام. # ومن لطيف ما اتفق فيه مناجاة برخ الأسود الذي أمر الله تعالى كليمه موسى ~~عليه السلام أن يسأله أن يسأله ليستسقي لبني إسرائيل بعد أن قحطوا سبع ~~سنين، وخرج موسى ليستسقي لهم في سبعين ألفا، فأوحى الله إليه: (كيف أستجيب ~~لهم وقد أظلت عليهم ذنوبهم، وسرائرهم خبيثة، يدعونني على غير يقين، ويأمنون ~~مكري! ارجع إلى عبد ms41 من عبادي، يقال له: برخ، يخرج حتى استجيب له). # فسأل عنه موسى عليه السلام فلم يعرف، فبينا موسى عليه السلام ذات يوم ~~يمشي في طريق، فإذا بعبد أسود بين عينيه تراب من أثر السجود، في شملة قد ~~عقدها على عنقه، فعرفه موسى بنور الله تعالى فسلم عليه، فقال: ما اسمك؟ ~~قال: اسمي برخ، فقال: أنت طلبتنا منذ حين، أخرج استسق لنا، فخرج، فقال في ~~كلامه: اللهم ما هذا من فعالك، وما هذا من حلمك، وما الذي بدا لك! أنقصت ~~عليك عيونك، أم عاندت الرياح عن طاعتك، أم نفد ما عندك! أم اشتد غضبك، على ~~المذنبين ألست كنت غفارا قبل خلق الخاطئين؟! خلقت الرحمة، وأمرت بالعطف، أم ~~ترينا أنك ممتنع، أم # PageV00P070 # تخشى الفوت فتعجل بالعقوبة؟! فما برح برخ حتى (أفاضت وخاضت) (1) بنو ~~إسرائيل بالقطر. # قال: فلما رجع برخ استقبل موسى عليه السلام، فقال: كيف رأيت حين خاصمت ~~ربي، كيف أنصفني؟ (2) رجعنا إلى أخبار الصابرات: # وروي: أن أسماء بنت عميس رضي الله عنها لما جاءها خبر ولدها - محمد بن ~~أبي بكر - أنه قتل وأحرق بالنار في جيفة حمار، قامت إلى مسجدها، فجلست فيه، ~~وكظمت الغيظ حتى تشخب ثديها دما (3). # وروي عن حمنة (4) بنت جحش رضي الله عنها: أنها قيل لها: قتل أخوك، قالت: ~~رحمه الله، وإنا لله وإنا إليه راجعون، قالوا: وقتل زوجك، قالت: واحزناه، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إن للزوج من المرأة لشعبة ما هي لشئ) ~~(5). # وروي: أن صفية بنت عبد المطلب أقبلت لتنظر إلى أخيها لأبويها - حمزة بن ~~عبد المطلب - بأحد، وقد مثل به، فقال النبي صلى الله عليه وآله لابنها ~~الزبير: (إلقها فأرجعها لا ترى ما بأخيها) فقال لها: يا أماه، إن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله يأمرك أن ترجعي، قالت: ولم، وقد بلغني أنه قد مثل بأخي؟ ~~وذلك في الله عز وجل، فما أرضانا بما كان من ذلك! فلأحتسبن ولأصبرن إن شاء ~~الله. # فلما جاء الزبير إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبره بقولها، ms42 فقال له: ~~(خل سبيلها) فأتته، ونظرت إليه، وصلت عليه، واسترجعت، واستغفرت له (6). # وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما قتل حمزة رضي الله عنه يوم أحد، ~~أقبلت صفيه تطلبه، لا تدري ما صنع به، قال: فلقيت عليا والزبير، فقال علي ~~عليه السلام للزبير: (أذكر لامك) فقال الزبير: لا، بل اذكر أنت لعمتك، ~~قالت: ما فعل حمزة؟ # فأرياها أنهما لا يدريان، قال: فجاءت النبي صلى الله عليه وآله فقال: ~~(إني أخاف # PageV00P071 # على عقلها) قال: فوضع يده عليه صدرها، ودعا لها، فاسترجعت، وبكت، قال: ثم ~~جاء صلى الله عليه وآله فقام عليه، وقد مثل به، فقال: (لولا جزع النساء ~~لتركته حتى يحشر من حواصل الطيور وبطون السباع) (1). # واستشهد شاب من الأنصار يقال له: خلاد يوم بني قريظة، فجاءت أمه متنقبة ~~فقيل لها: تتنقبين يا أم خلاد وقد رزئت بخلاد! فقالت: لئن كنت رزئت خلادا، ~~فلم أرزأ حيائي (2)، فدعا له النبي صلى الله عليه وآله، وقال: (ان له ~~أجرين، لأن أهل الكتاب قتلوه) (3). # وعن أنس بن مالك قال: لما كان يوم أحد حاص أهل المدينة حيصة، فقالوا: # قتل محمد صلى الله عليه وآله، حتى كثرت الصوارخ في نواحي المدينة، فخرجت ~~امرأة من الأنصار متحزنة، فاستقبلت بأبيها وابنها وزوجها وأخيها، لا أدري ~~أيهم استقبلت أولا، فلما مرت على آخرهم قالت: من هذا؟ قالوا: أخوك، وأبوك، ~~وزوجك، وابنك، قالت: ما فعل النبي صلى الله عليه وآله؟ قالوا: أمامك، فمشت ~~حتى جاءت إليه، فأخذت بناحية ثوبه، وجعلت تقول: بأبي أنت وأمي يا رسول ~~الله، لا أبالي إذا سلمت من عطب. # وروى البيهقي قال: مر رسول الله صلى الله عليه وآله بامرأة من بني دينار ~~(4)، وقد أصيب زوجها وأبوها وأخوها معه صلى الله عليه وآله بأحد فلما نعوا ~~إليها، قالت: # ما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قالوا: خيرا يا أم فلان، وهو يحمد ~~الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فأشير لها إليه، حتى إذا رأته ~~قالت: كل مصيبة بعدك جلل (5). # وخرجت السمراء ms43 بنت قيس - أخت أبي حزام -، وقد أصيب ابناها، فغزاها النبي ~~صلى الله عليه وآله بهما، فقالت: كل مصيبة بعدك جلل (6) والله لهذا # PageV00P072 # النقع (1) الذي أرى على وجهك أشد من مصابهما. # وروي: أن صلة بن أشيم كان في مغزي له، ومعه ابن له، فقال لابنه: أي بني ~~تقدم فقاتل حتى أحتسبك، فحمل فقاتل فقتل، ثم تقدم أبوه فقاتل فقتل، قال: # فاجتمع النساء عند أمه معاذة العدوية زوجة صلة، فقالت لهن: مرحبا بكن إن ~~كنتن (جئتن لتهنئتي) (2) وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن. # وروي: أن عجوزا من بني بكر بن كلاب كان يتحدث قومها عن عقلها وسدادها، ~~فأخبر بعض من حضرها، وقد مات ابن لها، وكان واحدها، وقد طالت علته، وأحسنت ~~تمريضه، فلما مات قعدت بفنائك، وحضرها قومها، فأقبلت على شيخ منهم فقالت: ~~يا فلان، ما حق من أسبغت عليه النعمة، وألبس العافية، واعتدلت به النظرة، ~~أن لا يعجز عن التوثق لنفسه قبل حل عقدته والحلول بعقوته (3)، ينزل الموت ~~بداره، فيحول بينه وبين نفسه؟ ثم أنشأت تقول شعرا: # هو ابني وأنسي أجره لي وعزني * على نفسه رب إليه ولاؤها فإن أحتسب أوجر ~~وإن أبكه أكن * كباكية لم يغن شيئا بكاؤها فقال لها الشيخ: إننا لم نزل ~~نسمع أن الجزع إنما هو للنساء، فلا يجز عن أحد بعدك، ولقد كرم صبرك، وما ~~أشبهت النساء فقالت له: إنه ما ميز امرؤ بن جزع وصبر، إلا وجد بينهما ~~منهجين بعيدي التفاوت في حالتيهما: # أما الصبر: فحسن العلانية، محمود العاقبة. # وأما الجزع: فغير معرض شيئا مع إثمه. # ولو كان في صورة رجلين، لكان الصبر أولاهما بالغلبة، وبحسن الصورة، وكرم ~~الطبيعة في عاجل الدين وآجله في الثواب، وكفى بما وعد الله عز وجل لمن ~~ألهمه إياه. # وعن جويرية بن أسماء: أن ثلاثة أخوة شهدوا تستر، واستشهدوا، وبلغ ذلك ~~أمهم، فقالت: مقبلين أم مدبرين؟ فقيل لها: بل مقبلين، فقالت الحمد لله، ~~نالوا والله الفوز، وحاطوا الذمار بنفسي هم وأبي وأمي، وما تأوهت، ولا دمعت ~~لها عين. # PageV00P073 # وعن أبي ms44 قدامة الشامي قال: كنت أميرا على الجيش في بعض الغزوات، فدخلت ~~بعض البلدان، ودعوت الناس للغزاة، ورغبتهم في الجهاد، وذكرت فضل الشهادة ~~وما لأهلها، ثم تفرق الناس وركبت فرسي، وسرت إلى منزلي، فإذا أنا بامرأة من ~~أحسن الناس وجها تنادي: يا أبا قدامة، فمضيت ولم أجب، فقالت: ما هكذا كان ~~الصالحون، فوقفت، فجاءت ودفعت إلي رقعة وخرقة مشدودة، وانصرفت باكية، فنظرت ~~في الرقعة وإذا فيها مكتوب، أنت دعوتنا إلى الجهاد، ورغبتنا في الثواب، ولا ~~قدرة لي على ذلك، فقطعت أحسن ما في، وهما ضفيرتاي، وأنفذتهما (١) إليك ~~لتجعلهما قيد فرسك لعل الله يرى شعري قيد فرسك في سبيله، فيغفر لي. # فلما كان صبيحة القتال فإذا بغلام بين يدي الصفوف يقاتل حاسرا، فتقدمت ~~إليه وقلت: يا غلام، أنت فتى غر (٢) راجل، ولا آمن أن تجول الخيل فتطؤك ~~بأرجلها، فارجع عن موضعك هذا، فقال: أتأمرني بالرجوع، وقد قال الله تعالى: ~~﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين ~~كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار﴾ (3)؟ وقرأ الآية إلى آخرها. # فحملته على هجين كان معي، فقال: يا أبا قدامة، أقرضني ثلاثة أسهم، فقلت: ~~أهذا وقت قرض؟ فما زال يلح علي حتى قلت: بشرط إن من الله عليك بالشهادة ~~أكون في شفاعتك، قال: نعم، فأعطيته ثلاثة أسهم، فوضع سهما في قوسه ورمى به، ~~فقتل روميا، ثم رمى بالآخر فقتل روميا، ثم رمى بالآخر، وقال: السلام عليك ~~يا أبا قدامة سلام مودع، فجاءه فجاء سهم فوقع بين عينيه، فوضع رأسه على ~~قربوس سرجه، فتقدمت إليه، وقلت: لا تنسها، فقال: نعم، ولكن لي إليك حاجة ~~إذا دخلت المدينة فأت والدتي، وسلم خرجي (4) إليها وأخبرها، فهي التي أعطتك ~~شعرها لتقيد به فرسك، فسلم عليها، فهي العام الأول أصيبت بوالدي، وفي هذا ~~العام بي، ثم مات، فحفرت له، ودفنته. # فلما هممت بالانصراف عن قبره قذفته الأرض، فألقته على ظهرها، فقال ~~أصحابه: غلام غر، ولعله خرج بغير إذن أمه، فقلت: إن الأرض لتقبل من هو شر ~~من # PageV00P074 # هذا، ms45 فقمت وصليت ركعتين، ودعوت الله، فسمعت صوتا يقول: يا أبا قدامة، ~~أترك ولي الله، فما برحت حتى نزلت عليه طيور فأكلته. # فلما أتيت المدينة ذهبت إلى دار والدته، فلما قرعت الباب خرجت أخته إلي، ~~فلما رأتني عادت إلى أمها، وقالت: يا أماه هذا أبو قدامة، وليس معه أخي، ~~وقد أصبنا في العام الأول بأبي، وفي هذا العام بأخي، فخرجت أمه، فقالت: ~~أمعزيا أم مهنئا؟ فقلت: ما معني هذا؟ قالت: إن كان ابني مات فعزني، وإن كان ~~استشهد فهنئني، فقلت: لا، بل قد مات شهيدا، فقالت: له علامة، فهل رأيتها؟ ~~فقلت: نعم، لم تقبله الأرض، ونزلت الصيور، فأكلت لحمه، وتركت عظامه، ~~فدفنتها، فقالت: # الحمد لله. # فسلمت إليها الخرج، ففتحته وأخرجت منه مسحا وغلا من حديد، قالت: إنه كان ~~إذا جنه الليل لبس هذا المسح، وغل نفسه بالغل وناجى مولاه، وقال في ~~مناجاته: # إلهي احشرني من حواصل الطيور. فاستجاب الله سبحانه دعاءه رحمه الله. # وروى البيهقي عن أبي العباس السراج، قال: مات لبعضهم ابن، فدخلت على أمه، ~~فقلت لها: اتقي الله واصبري، فقالت: مصيبتي به أعظم من أن أفسدها بالجزع. # وقال أبان بن تغلب رحمه الله: دخلت على امرأة، وقد نزل بابنها الموت، ~~فقامت إليه فغمضته وسجته، ثم قالت: يا بني، ما الجزع في ما لا يزول؟ وإنما ~~البكاء في ما ينزل بك غدا؟ يا بني تذوق ما ذاق أبوك وستذوقه من بعدك أمك، ~~وإن أعظم الراحة لهذا الجسد النوم، والنوم أخو الموت، فما عليك إن كنت ~~نائما على فراشك، أو على غيره، وإن غدا السؤال والجنة والنار، فإن كنت من ~~أهل الجنة فما ضرك الموت، وإن كنت من أهل النار فما تنفعك الحياة، ولو كنت ~~أطول الناس عمرا، والله يا بني لولا أن الموت أشرف الأشياء لابن آدم، لما ~~أمات الله نبيه صلى الله عليه وآله، وأبقى عدوه إبليس لعنه الله (1). # وعن المبرد قال: أتيت امرأة أعزيها عن ابنها، فجعلت تثني عليه، فقالت: ~~كان - والله - ماله لغير بطنه، وأمره لغير عرسه، ms46 وكان رحب الذراع بالتي لا ~~تشينه، فإن كانت الفحشاء ضاق بها ذرعا، فقلت لها: وهل لك منه خلف؟ - وأنا ~~أعني الولد -، فقالت: نعم بحمد الله كثير طيب، ثواب الله عز وجل، ونعم ~~العوض في الدنيا والآخرة. # PageV00P075 # وعنه: أنه خرج إلى اليمن، فنزل على امرأة لها مال كثير ورقيق وولد وحال ~~حسنة، فأقام عندها مدة، فلما أراد الرحيل قال: ألك حاجة؟ قالت: نعم، كلما ~~نزلت هذه البلاد فانزل علي. # وإنه غاب أعواما، ثم نزل عليها، فوجدها قد ذهب مالها ورقيقها، ومات ~~ولدها، وباعت منزلها، وهي مسرورة ضاحكة فقال لها: أتضحكين مع ما قد نزل بك؟ ~~فقالت: يا عبد الله كنت في حال النعمة في أحزان كثيرة، فعلمت أنها من قلة ~~الشكر، فأنا اليوم في هذه الحالة أضحك شكرا لله تعالى على ما أعطاني من ~~الصبر. # وعن مسلم بن يسار قال: قدمت البحرين فأضافتني امرأة لها بنون ورقيق ومال ~~ويسار، وكنت أراها محزونة، فغبت عنها مدة طويلة، ثم أتيتها فلم أر ببابها ~~إنسا، فاستأذنت عليها، فإذا هي ضاحكة مسرورة، فقلت لها، ما شأنك؟ قالت: إنك ~~لما غبت عنا لم نرسل شيئا في البحر إلا غرق، ولا شيئا في البر إلا عطب، ~~وذهب الرقيق، ومات البنون، فقلت لها: يرحمك الله، رأيتك محزونة في ذلك ~~اليوم، ومسرورة في هذا اليوم، فقالت: نعم، إني لما كنت فيما كنت فيه من سعة ~~الدنيا، خشيت أن يكون الله تعال قد عجل لي حسناتي في الدنيا، فلما ذهب مالي ~~وولدي ورقيقي رجوت أن يكون الله تعالى قد ذخر لي عنده شيئا (1). # وعن بعضهم قال: خرجت أنا وصديق لي إلى البادية، فضللنا الطريق، فإذا نحن ~~بخيمة عن يمين الطريق فقصدنا نحوها فسلمنا، فإذا بامرأة ترد علينا السلام، ~~وقالت: ما أنتم؟ قلنا: ضالون فأتيناكم فاستأنسنا بكم، فقالت: يا هؤلاء، ~~ولوا وجوهكم عني، حتى أقضي من حقكم ما أنتم له أهل، ففعلنا، فألقت لنا ~~مسحا، وقالت: اجلسوا عليه إلى أن يأتي ابني. # ثم جعلت ترفع طرف الخيمة وتردها، إلى أن رفعته ms47 مرة فقالت: أسأل الله بركة ~~المقبل، أما البعير فبعير ابني، وأما الراكب فليس هو به، قال: فوقف الراكب ~~عليها، وقال: يا أم عقيل، عظم الله أجرك في عقيل ولدك، فقالت: ويحك مات!؟ ~~قال: نعم، قالت: وما سبب موته؟ قال: ازدحمت عليه الإبل فرمت به في البئر ~~فقالت: انزل واقض ذمام القوم، ودفعت إليه كبشا فذبحه وأصلحه، وقرب إلينا ~~الطعام، فجعلنا نأكل، ونتعجب من صبرها 2 # PageV00P076 # فلما فرغنا خرجت إلينا وقالت: يا قوم، هل فيكم من يحسن من كتاب الله ~~شيئا؟ فقلت: نعم، قالت: فاقرأ علي آيات أتعزى بها عن ولدي، فقلت: يقول الله ~~عز وجل: ﴿وبشر الصابرين الذين إذا ~~اصابتهم مصيبة قالوا انا لله وانا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ~~ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ (1). قالت: بالله إنها في كتاب الله هكذا؟ ~~قلت: والله إنها لفي كتاب الله هكذا؟ قلت: والله إنها لفي كتاب الله هكذا، ~~فقالت: السلام عليكم، ثم صفت قدميها وصلت ركعات، ثم قالت: اللهم إني قد ~~فعلت ما أمرتني به، فأنجز لي ما وعدتني به، ولو بقي أحد لأحد - قال: فقلت ~~في نفسي تقول: لبقي ابني لحاجتي إليه، فقالت -: لبقي محمد صلى الله عليه ~~وآله لأمته. # فخرجت وأنا أقول: ما رأيت أكمل منها ولا أجزل، ذكرت ربها بأكمل خصاله ~~وأجمل خلاله. ثم إنها لما علمت أن الموت لا مدفع له، ولا محيص عنه، وأن ~~الجزع لا يجدي نفعا، والبكاء لا يرد هالكا، رجعت إلى الصبر الجميل، واحتسبت ~~ابنها عند الله تعالى ذخيرة نافعة ليوم الفقر والفاقة (2). # ونحوه ما أخرجه ابن أبي الدنيا، قال: كان رجل يجلس إلي، فبلغني أنه شاك ~~(3) فأتيته أعوده، فإذا هو قد نزل به الموت، وإذا أم له عجوز كبيرة عنده ~~فجعلت تنظر حتى غمض وعصب وسجي، ثم قالت: رحمك الله، أي بني، فقد كنت بنا ~~بارا، وعلينا شفيقا، فرزقني الله عليك الصبر، فقد كنت تطيل القيام، وتكثر ~~الصيام، لا حرمك الله تعالى ما أملت فيه من ms48 رحمته، وأحسن فيك العزاء، ثم ~~نظرت إلي وقالت: # أيها العائد قد رأيت واعظا ونحن معك. # وروي البيهقي عن ذي النون المصري، قال: كنت في الطواف، وإذا أنا بجاريتين ~~قد أقبلتا، وأنشأت إحداهما تقول: # صبرت وكان الصبر خير (مغبة) (4) * وهل جزء مني ليجدي فأجزع صبرت على ما ~~لو تحمل بعضه * جبال برضوى أصبحت تتصدع ملكت دموع العين ثم رددتها * إلى ~~ناظري فالعين في القلب تدمع # PageV00P077 # فقلت: مماذا يا جارية؟ فقالت: من مصيبة نالتني، لم تصب أحدا قط، قلت: # وما هي؟ قالت: كان لي شبلان يلعبان أمامي، وكان أبوهما ضحى بكبشين، فقال: # أحدهما لأخيه: يا أخي أريك كيف ضحى أبونا بكبشه، فقام وأخذ الآخر شفرة ~~فنحره، وهرب القاتل فدخل أبوهما، فقلت: إن ابنك قتل أخاه وهرب، فخرج في ~~طلبه، فوجده قد افترسه السبع، فرجع الأب فمات في الطريق ظمأ وجوعا. # وروي بعضهم هذه الرواية، وزاد فيها: قال: رأيت امرأة حسناء، ليس بها شئ ~~من الحزن، وقالت: والله ما أعلم أحدا أصيب بما أصبت به، وأوردت القصة، فقلت ~~لها: كيف أنت والجزع؟ فقالت: لو رأيت فيه دركا ما اخترت عليه شيئا، ولو دام ~~لي لدمت له. # وحكى بعضهم قال: أصيبت امرأة بابن لها فصبرت، فقيل لها في ذلك، فقالت: ~~آثرت طاعة الله تعالى على طاعة الشيطان. PageV00P078 # الباب الثالث: في الرضا قال الله تعالى: ﴿لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتيكم﴾ ~~(١) ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ (٢). # إعلم أن الرضا ثمرة المحبة لله، من أحب شيئا أحب فعله والمحبة ثمرة ~~المعرفة، فإن من أحب شخصا إنسانيا لاشتماله على بعض صفات الكمال أو نعوت ~~الجمال، يزداد حبه له كلما زاد به معرفة وله تصورا. # فمن نظر بعين بصيرته إلى جلال الله تعالى وكماله - الذي يطول شرح تفصيل ~~بعضه، ويخرج عن مقصود الرسالة - أحبه، والذين آمنوا أشد حبا لله، ومتى أحبه ~~استحسن كل أثر صادر عنه، وهو يقتضي الرضا. # فالرضا ثمرة من ثمرات المحبة، ms49 بل كل كمال فهو ثمرتها، فإنها لما كانت فرع ~~المعرفة استلزم تصور رحمته رجاؤه، وتصور هيبته الخشية له، ومع عدم الوصول ~~إلى المطلوب الشوق، ومع الوصول الأنس، ومع إفراط الأنس الانبساط، ومع ~~مطالعة عنايته التوكل، ومع استحسان ما يصدر عنه الرضا، ومع تصور قصور نفسه ~~في جنب كماله وكمال إحاطة محبوبه به وقدرته عليه التسليم إليه، ويتشعب من ~~التسليم مقامات عظيمة، يعرفها من عرفها، وينتهي الأمر به إلى غاية كل كمال. # واعلم أن الرضا فضيلة عظيمة للإنسان، بل جماع أمر الفضائل يرجع إليها، ~~وقد نبه الله تعالى على فضله، وجعله مقرونا برضا الله تعالى وعلامة له، ~~فقال: ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ (٣) ﴿ورضوان من الله أكبر﴾ (4) وهو نهاية ~~الإحسان، وغاية الامتنان. # وجعله النبي صلى الله عليه وآله دليلا على الإيمان، حين سأل طائفة من ~~أصحابه، (ما أنتم؟) قالوا مؤمنون، فقال: (ما علامة إيمانكم؟) قالوا: نصبر ~~على البلاء، ونشكر عند الرخاء، ونرضى بمواقع القضاء، فقال: (مؤمنون ورب ~~الكعبة) (5). # PageV00P079 # وقال صلى الله عليه وآله: (إذا أحب الله عبدا ابتلاه، فإن صبر اجتباه، ~~فإن رضي اصطفاه) (1). # وقال صلى الله عليه وآله: (إذا كان يوم القيامة أنبت الله تعالى لطائفة ~~من أمتي أجنحة، فيطيرون من قبورهم إلى الجنان، يسرحون فيها، ويتنعمون كيف ~~يشاؤون، فتقول لهم الملائكة: هل رأيتم الحساب؟ فيقولون: ما رأينا حسابا، ~~فيقولون: هل جزتم الصراط؟ فيقولون: ما رأينا صراطا، فيقولون: هل رأيتم ~~جهنم؟ فيقولون: ما رأينا شيئا، فتقول الملائكة: من أمة من أنتم؟ فيقولون: ~~من أمة محمد صلى الله عليه وآله، فيقولون: # نشدناكم الله، حدثونا ما كانت أعمالكم في الدنيا؟ فيقولون: خصلتان كانتا ~~فينا، فبلغنا الله تعالى هذا المنزلة بفضل رحمته، فيقولون: وما هما؟ ~~فيقولون: كنا إذا خلونا نستحي أن نعصيه، ونرضى باليسير مما قسم لنا، فتقول ~~الملائكة: حق لكم هذا) (2). # وقال صلى الله عليه وآله: (أعطوا الله الرضا من قلوبكم، تظفروا بثواب ~~الله تعالى يوم فقركم والإفلاس) (3). # وفي أخبار موسى عليه ms50 السلام، أنهم قالوا: سل لنا ربك أمرا إذا نحن فعلناه ~~(يرضى به عنا) (4) فأوحى الله تعالى إليه: (قل لهم: يرضون عني، حتى أرضى ~~عنهم) (5). # ونظيره ما روي عن نبينا صلى الله عليه وآله: أنه قال: (من أحب أن يعلم ما ~~له عند الله عز وجل، فلينظر ما لله عز وجل عنده، فإن الله تعالى ينزل العبد ~~منه حيث أنزله العبد من نفسه) (6). # وفي أخبار داود عليه السلام: (ما لأوليائي والهم بالدنيا، إن الهم يذهب ~~حلاوة مناجاتي من قلوبهم، يا داود، إن محبتي من أوليائي أن يكونوا روحانيين ~~لا يغتمون (7). # PageV00P080 # وروي: أن موسى عليه السلام قال: (يا رب، دلني على أمر فيه رضاك عني ~~أعمله، فأوحى الله تعالى، إليه: أن رضاي في كرهك، وأنت ما تصبر على ما ~~تكره، قال: # يا رب، دلني عليه، قال: فإن رضاي في رضاك بقضائي) (1). # وفي مناجاة موسى عليه السلام: (أي رب، أي خلقك أحب إليك؟ قال من إذا أخذت ~~حبيبه سالمني، قال: فأي خلق أنت عليه ساخط؟ قال: من يستخيرني في الأمر، ~~فإذا قضيت له سخط قضائي). # وروي ما هو أشد منه، وذاك أن الله تعالى قال: # (أنا الله، لا إله إلا أنا، من لم يصبر على بلائي، ولم يرض بقضائي، ~~فليتخذ ربا سوائي) (2). # ويروي: أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: (يا داود، تريد وأريد، ~~وإنما يكون ما أريد، فإن سلمت لما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لما ~~أريد أتعبتك فيما تريد، ولا يكون إلا ما أريد) (3). # وعن ابن عباس: (أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة، الذين يحمدون الله ~~تعالى على كل حال) (4). # وعن ابن مسعود: لئن الحسن جمرة أحرقت ما أحرقت، وأبقت ما أبقت، أحب إلي ~~من أن أقول لشئ كان: ليته لم يكن، أو لشئ لم يكن: ليته كان. # وعن أبي الدرداء: (ذروة الإيمان الصبر للحكم، والرضا بالقدر). # وقال صلى الله عليه وآله: (إن الله تعالى بحكمته وجلاله جعل الروح والفرج ~~في الرضا واليقين، وجعل الغم والحزن في ms51 الشك والسخط) (5). # وقال علي بن الحسين عليهما السلام: (الزهد عشرة أجزاء: أعلى درجة الزهد ~~أدنى درجة الورع، وعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين، وأعلى درجة اليقين ~~أدنى درجة # PageV00P081 # الرضا) (1). # وقال الصادق عليه السلام: (صفة الرضا أن ترضى المحبوب والمكروه، والرضا ~~شعاع نور المعرفة، والراضي فان عن جميع اختياره،، والراضي حقيقة هو المرضي ~~عنه، والرضا اسم يجمع فيه معاني العبودية، وتفسير الرضا سرور القلب. # سمعت أبي محمد الباقر عليه السلام يقول: تعلق القلب بالموجود شرك، ~~وبالمفقود كفر، وهما خارجان عن سنة الرضا، وأعجب ممن يدعي العبودية لله كيف ~~ينازعه في مقدوراته؟! حاشا الراضين العارفين عن ذلك). # وروي: أن جابر بن عبد الله الأنصاري - رضي الله عنه - ابتلي في آخر عمره ~~بضعف الهرم والعجز، فزاره محمد بن علي الباقر عليه السلام، فسأله عن حاله، ~~فقال: أنا في حالة أحب فيها الشيخوخة على الشباب، والمرض على الصحة، والموت ~~على الحياة. # فقال الباقر عليه السلام: (أما أنا يا جابر، فإن جعلني الله شيخا أحب ~~الشيخوخة، وإن جعلني شابا أحب الشيبوبة (2)، وإن أمرضني أحب المرض، وإن ~~شفاني أحب الشفاء والصحة، وإن أماتني أحب الموت، وإن أبقاني أحب البقاء). # فلما سمع جابر هذا الكلام منه قبل وجهه، وقال صدق رسول الله صلى الله ~~عليه وآله، فإنه قال: (ستدرك لي ولدا اسمه اسمي، يبقر العلم بقرا كما يبقر ~~الثور الأرض) ولذلك سمي باقر علم الأولين والآخرين، أي شاقه. # وروي الكليني باسناده إلى أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال: (رأس طاعة ~~الله الصبر والرضى عن الله فيما أحب العبد أو كره، ولا يرضى عبد عن الله ~~فيما أحب وكره، إلا كان خيرا له فيما أحب أو كره) (3). # وبإسناده عنه عليه السلام قال: (أعلم الناس بالله - تعالى - أرضاهم بقضاء ~~الله - عز وجل -) (4). # وبإسناده عنه عليه السلام قال: (قال الله تعالى: عبدي المؤمن لا أصرفه في ~~شئ إلا جعلته خيرا له، فليرض بقضائي، وليصبر على بلائي، ويشكر نعمائي، ~~أكتبه # PageV00P082 # - يا محمد - من الصديقين عندي) (1). # وعنه عليه السلام قال: (في ms52 ما أوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام: يا ~~موسى بن عمران، ما خلقت خلقا أحب إلي من عبدي المؤمن، فإني إنما أبتليه لما ~~هو خير له، وأعافيه لما هو خير له، وأزوي عنه لما هو خير له، وأنا أعلم بما ~~يصلح عليه عبدي، فليصبر على بلائي، وليشكر نعمائي وليرض بقضائي، أكتبه في ~~الصديقين عندي، إذا عمل برضاي، وأطاع أمري) (2). # وقيل للصادق عليه السلام: بأي شئ يعلم (3) المؤمن بأنه مؤمن؟ قال: # (بالتسليم لله، والرضا فيما ورد عليه من سرور أو سخط) (4). # وروي في الإسرائيليات: أن عابدا عبد الله تعالى دهرا طويلا فرأى في ~~المنام: # فلانة رفيقتك في الجند، فسأل عنها، واستضافها ثالثا لينظر إلى علمها، ~~فكان يبيت قائما، وتبيت نائمة، ويظلل صائما، وتظل مفطرة، فقال لها: أما لك ~~عمل غير ما رأيت؟ # فقالت: ما هو والله غير ما رأيت، ولا أعرف غيره، فلم يزل يقول: تذكري، ~~حتى قالت: خصيلة واحدة، هي إن كنت في شدة لم أتمن أن أكون في رخاء، وإن كنت ~~في مرض لم أتمن أن أكون في صحة، وإن كنت في الشمس لم أتمن أن أكون في الظل، ~~فوضع العابد يديه على رأسه، وقال: أهذه خصيلة؟ هذه - والله - خصلة عظيمة ~~يعجز عنها العباد. # PageV00P083 # فصل مرتبة الرضا عالية جدا على مرتبة الصبر، بل نسبة الصبر إلى الرضا عند ~~أهل الحقيقة، نسبة المعصية إلى الطاعة، فإن المحبة تقتضي اللذة بالبلاء، ~~لأنه يجد في البلاء نفسه على ذكر من محبوبه، فيزيد قربه وأنسه. والصبر ~~بمقتضى كراهة البلاء واستصعابه حتى يوجب الصبر عليه، والكراهة تنافي الأنس، ~~فتبين بذلك أن الصبر والمحبة متنافيان. # وأيضا، فإن الصبر إظهار التجلد، وهو في مذهب المحبة من أشد المنكرات ~~نكرا، وأظهر علامات العداوة طرا، كما قيل: # ويحسن إظهار التجلد للعدي * ويقبح إلا العجز عند الأحبة ومن هنا قال أهل ~~الحقيقة: الصبر من أصعب المنازل على العامة، وأوحشها في طريق المحبة، ~~وأنكرها في طريق التوحيد. # وإنما كان أصعب عند العامة، لأن العامي لم يتدرب بالرياضة، ولم ms53 يتحنك ~~بالصبر على البلاء، ولم يتعود بقمع النفس، فلم يحتمل البلاء، ولم يكن من ~~أهل المحبة حتى يتلذذ بالبلاء، فإذا امتحنه الحق سبحانه بالبلاء - وهو في ~~مقام النفس - لم يحتمل البلاء وغلبه الجزع، وصعب عليه حبس النفس عن إظهاره ~~لعدم طمأنينتها. # وإنما كان أوحش المنازل في طريق المحبة، لأن المحبة تقتضي الأنس ~~بالمحبوب، والالتذاذ بالبلاء، لشهود المبتلى فيه وإيثار مراد المحبوب، ~~والصبر يقتضي كراهة البلاء كما مر، فيتنافيان. # وإنما كان أنكر في مقام التوحيد، لأن الصابر يدعي قوة الثبات، ودعوى ~~الثبات والتجلد من رعونات (1) النفس، والتوحيد يقتضي فناء النفس، فيكون ~~أنكر لأن إثبات النفس في طريق التوحيد من أقبح المنكرات بل الرضا مع عظم ~~قدره وعلو أمره عند أهل التحقيق في التوحيد من أوائل مسالكه، لأن سلوكهم في ~~الفناء في التوحيد بذواتهم، والرضا هو فناء الإرادة الحق تعالى، والوقوف ~~الصادق مع مراد الله تعالى، وفناء الصفة قبل فناء الذات. # وقد تبين لك بذلك ما بين الصبر والرضا من المراتب البعيدة والمسالك ~~الشديدة. # PageV00P084 # فصل للرضا ثلاث درجات، مترتبة في القوة ترتبها في اللفظ: # الدرجة الأولى: أن ينظر إلى موقع البلاء والفعل الذي يقتضي الرضا، ويدرك ~~موقعه، ويحس بألمه، ولكن يكون راضيا به، بل راغبا فيه، مريدا له بعقله، وإن ~~كان كارها له بطبعه، طلبا لثواب الله تعالى عليه، ومزيد لزلفى لديه، والفوز ~~بالجنة التي عرضها السماوات والأرض، وقد أعدت للمتقين. # وهذا القسم من الرضا هو رضا المتقين. # ومثاله مثال من يلتمس الفصد والحجامة من الطبيب العالم بتفاصيل أمراضه ~~وما فيه اصلاحه، فإنه يدرك ألم ذلك الفعل، إلا أنه راض به، وراغب فيه، ~~ومتقلد من الفصاد منة عظيمة بفعله. # ومثله من يسافر في طلب الربح، فإنه يدرك مشقة السفر، ولكن حبه لثمرة سفره ~~طيب عنده مشقة الصبر، وجعله راضيا به، ومهما أصابته بلية من الله تعالى - ~~وكان له يقين بأن ثوابه الذي ادخر له فوق ما فاته - رضي به، ورغب فيه، ~~وأحبه، وشكر الله تعالى عليه. # الدرجة الثانية: أن يدرك الألم كذلك، ms54 ولكنه أحبه لكونه مراد محبوبه ~~ورضاه، فإن من غلب عليه الحب كان جميع مراده وهواه ما فيه رضا محبوبه، وذلك ~~موجود في الشاهد بالنسبة إلى حب الخلق بعضهم بعضا، قد تواصفه المتواصفون في ~~نظمهم ونثرهم، ولا معنى له إلا ملاحظة حال الصورة الظاهرة بالبصر. # وما هذا الجمال إلا جلد على لحم ودم مشحون بالأقذار والأخباث، بدايته من ~~نطفة مذرة (1)، ونهايته جيفة قذرة، وهو فيما بين ذلك يحمل العذرة. # والناظر لهذا الجمال الخسيس هو العين الخسيسة، التي تغلط في ما ترى ~~كثيرا، فترى الصغير كبيرا، والكبير صغيرا، والبعيد قريبا، والقبيح جميلا. # فإذا تصور الانسان استيلاء هذا الحب، فمن أين يستحيل ذلك في حب الجمال ~~الأزلي الأبدي، الذي لا ينتهي كماله المدرك بعين البصيرة، التي لا يعتريها ~~الغلط، ولا يزيلها الموت، بل يبقى بعد الموت حيا عند الله، فرحا مسرورا ~~برزق الله، مستفيدا # PageV00P085 # بالموت مزيد واستكشاف، وهذا أمر واضح من حيث الاعتبار، وتشهد له جملة من ~~الآثار، وردت من أحوال المحبين وأقوالهم، يأتي بعضها إن شاء الله تعالى، ~~وهذه مرتبة المقربين. # الدرجة الثالثة: أن يبطل إحساسه بالألم، حتى يجري عليه المؤلم ولا يحس، ~~وتصيبه جراحة ولا يدرك ألمه. # ومثاله الرجل المحارب، فإنه في حال غضبه أو حال خوفه قد تصيبه جراحة وهو ~~لا يحس بها، حتى إذا رأى الدم استدل به على الجراحة، بل الذي يعدو في شغل ~~مريب قد تصيبه شوكة في قدمه، ولا يحس بألمه لشغل قلبه، بل الذي يحجم، أو ~~يحلق رأسه بحديدة كآلة يتألم بها، فإن كان قلبه مشغولا بمهم من مهماته، ~~يفرغ الحجام أو الحالق، وهو لا يشعر به. # وكل ذلك لأن القلب إذا صار مستغرقا بأمر من الأمور لم يدرك ما عداه. # ونظائر ذلك في هموم أهل الدنيا، واشتغالهم بها، واكبابهم عليها، حتى لا ~~يتألمون، ولا يحسون بالجوع والعطش والتعب - لذلك - كثير مشاهد عيانا، فكذلك ~~العاشق المستغرق الهم بمشاهده محبوبه، قد يصيبه ما كان يتألم به، أو يغتم ~~لولا عشقه، ثم لا يدرك غمه وألمه، لفرط ms55 استيلاء الحب على قلبه، هذا إذا ~~أصابه من غير حبيبه، فكيف إذا أصابه من حبيبه؟! # وشغل القلب بالحب والعشق من أعظم الشواغل، وإذا تصور هذا في ألم يسير ~~بسبب حب خفيف، تصور في الألم العظيم بالحب العظيم، فإن الحب أيضا يتصور ~~تضاعفه في القوة، كما يتصور تضاعف الألم، وكما يقوى حب الصور الجميلة ~~المدركة بحاسة البصر، فكذا يقوى حب الصور الجميلة الباطنة المدركة بنور ~~البصيرة الربوبية، وجلالها لا يقاس بها جلال، فمن انكشف له شئ منه فقد ~~يبهره، بحيث يدهش ويغشى عليه، فلا يحس بما يجري عليه. # كما روي عن امرأة أنها عثرت فانقطع ظفرها، فضحكت، فقيل لها: أما تجدين ~~الوجع؟ فقالت: إن لذة ثوابه أزالت عن قلبي مرارة وجعه. # وكان بضعهم يعالج غيره من علة فنزلت به، فلم يعالج نفسه، فقيل له في ذلك، ~~فقال: ضرب الحبيب لا يوجع. PageV00P086 # فصل: # في ذكر جماعة من السلف، نقل العلماء رضاهم بالقضاء مضافا إلى ما تقدم ~~إعلم أن أكثر ما أوردناه في باب الصبر عن جماعة الأكابر تضمن الرضا ~~بالقضاء، بخصوص موت الولد ونحوه، ولنذكر هنا أمورا عامة: # لما اشتد البلاء على أيوب عليه السلام قالت امرأته: ألا تدعو ربك، فيكشف ~~ما بك؟ فقال لها: (يا امرأة إني عشت في الملك والرخاء سبعين سنة، فأنا أريد ~~أن أعيش مثلها في البلاء، لعلي كنت أديت شكر ما أنعم الله علي، وأولى بي ~~الصبر على ما أبلى) (1). # وروي أن يونس عليه السلام قال لجبرئيل عليه السلام: (دلني على أعبد أهل ~~الأرض)، فدله على رجل قد قطع الجذام يديه ورجليه، وذهب ببصره وسمعه، وهو ~~يقول: # إلهي! متعتني بهما ما شئت، وسلبتني ما شئت وأبقيت لي فيك الأمل، يا بر يا ~~وصول (2). # وروي أن عيسى عليه السلام مر برجل أعمى أبرص مقعد مضروب الجنبين بالفالج، ~~وقد تناثر لحمه من الجذام، وهو يقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به ~~كثيرا من خلقه. # فقال له عيسى عليه السلام: (يا هذا، وأي شئ من البلاء أراه مصروفا عنك؟) ms56 ~~فقال: يا روح الله، أنا خير ممن لم يجعل الله في قلبي من معرفته. # فقال له: (صدقت، هات يدك) فناوله يده، فإذا هو أحسن الناس وجها، وأفضلهم ~~هيئة، قد أذهب الله عنه ما كان به، فصحب عيسى عليه السلام، وتعبد معه (3). # وقال بعضهم، قصدت عبادان (4) في بدايتي، فإذا أنا برجل أعمى مجذوم مجنون # PageV00P087 # قد صرع، والنمل يأكل لحمه، فرفعت رأسه، ووضعته في حجري، وأنا أردد ~~الكلام، فلما أفاق قال: من هذا الفضولي الذي يدخل بيني وبين ربي؟ فوحقه لو ~~قطعني إربا إربا، ما ازددت له إلا حبا. # وقطعت رجل بعضهم من ركبته من إكلة (1) خرجت بها، فقال: الحمد لله الذي ~~أخذ مني واحدة، وترك ثلاثا، وعزتك لئن كنت أخذت لقد أبقيت، ولئن كنت ابتليت ~~لقد عافيت، ثم لم يدع ورده تلك الليلة. # وقال بعضهم، نلت من كل مقام حالا إلا الرضا بالقضاء، فما لي منه إلا مشام ~~الريح، وعلى ذلك لو أدخل الخلائق كلهم الجنة، وأدخلني النار كنت بذلك ~~راضيا. # وقيل لبعض العارفين: نلت غاية الرضا عنه، فقال: أما الغاية فلا، ولكن ~~مقام من الرضا قد نلته، لو جعلني الله جسرا على جهنم، تعبر الخلائق علي إلى ~~الجنة، ثم ملأ بي جهنم لأحببت ذلك من حكمه، ورضيت به من قسمه. # وهذا كلام من علم أن الحب قد استغرق همه، حتى منعه الإحساس بألم النار، ~~واستيلاء هذا الحالة غير محال في نفسه، لكنه بعيد من الأحوال الضعيفة في ~~هذا الزمان، ولا ينبغي أن يستنكر الضعيف المحروم حال الأقوياء، ويظن أن ما ~~هو عاجز عنه يعجز عنه غيره من الأولياء. # وكان عمران بن حصين (2) - رضي الله عنه - استسقى بطنه، فبقي ملقى على ~~ظهره ثلاثين سنة لا يقوم ولا يقعد، قد ثقب له قي سريره موضع لقضاء الحاجة ~~(3)، فدخل عليه أخوه العلاء فجعل يبكي لما يرى من حاله، فقال: لم تبكي؟ ~~قال: لأني أراك على هذه الحالة العظيمة، قال: لا تبك، فإن أحبه لي الله ~~تعالى أحبه، ثم قال: أحدثك شيئا لعل الله ms57 (4) ينفعك به، واكتم علي حتى ~~أموت، إن الملائكة لتزورني (5) فآنس بها، وتسلم علي فأسمع تسليمها، فأعلم ~~بذلك أن هذا البلاء ليس بعقوبة، إذ هو سبب لهذه النعمة # PageV00P088 # الجسمية، فمن شاهد هذا في بلائه، كيف لا يكون راضيا به (1)؟ # وقال بعضهم: دخلنا على سويد بن شعبة، فرأينا ثوبا ملقى، فما ظننا أن تحته ~~شيئا حتى كشف، فقالت امرأته: أهلك فداؤك، أما نطعمك أما نسقيك؟ فقال: # طالت الضجعة (2)، ودبرت الحراقيف (3)، وأصبحت نضوا (4)، لا أطعم طعاما، ~~ولا أشرب شرابا منذ كذا - فذكر أياما - وما يسرني أني نقصت من هذا قلامة ~~ظفر. # وروي عن بعضهم، وكان قاسى المرض ستين سنة فلما اشتد عليه حاله دخل عليه ~~بنوه، فقالوا: أتريد أن تموت، حتى تستريح مما أنت فيه؟ قال: لا، قالوا: # فما تريد؟ قال: ما لي إرادة، إنما أنا عبد، وللسيد الإرادة في عبده، ~~والحكم في أمره. # وقيل: اشتد المرض بفتح الموصلي، وأصابه مع مرضه الفقر والجهد، فقال: إلهي ~~وسيدي، ابتليتني بالمرض والفقر، فهذا فعالك بالأنبياء والمرسلين، فكيف لي ~~أن أؤدي شكر ما أنعمت به علي؟ # PageV00P089 # فصل إعلم أن الدعاء يدفع البلاء، وزوال المرض وحفظ الولد لا ينافي الرضاء ~~بالقضاء، فقد تعبدنا الله سبحانه بالدعاء، وندبنا إليه وحثنا عليه، وجعل ~~تركه استكبارا وفعله عبادة ووعد بالإجابة ودعاء الأنبياء والأئمة عليهم ~~السلام، وأمروا به، وما نقل عنهم خارج عن حد الحصر، وقد أثنى الله تعالى ~~على الداعين من عباده، فقال: ﴿ويدعوننا رغبا ورهبا﴾ (1). # ومن وظائف الداعي أن يكون في دعائه ممتثلا لأمر ربه تبارك وتعالى بالدعاء ~~في طلب ما أمره (2) بطلبه، وأنه لولا أمره به، وإذنه له فيه لما اجترئ على ~~التعرض لمخالفة قضائه، وفي الحقيقة هذا نوع من الرضاء لمن فهم مواضع (3) ~~الرضاء، وأدب نفسه، وقام بوظائف الدعاء. # ومن علاماته أنه إذا لم يجب إلى مطلوبه لا يتألم من ذلك، من حيث عدم ~~إجابته، لجواز أن يكون المدعو به مشتملا على مفسدة لا يعلمها إلا الله ~~تعالى، كما ورد أن العبد ms58 ليدعو الله تعالى بالشئ حتى ترحمه الملائكة وتقول: ~~إلهي ارحم عبدك المؤمن، وأجب دعوته، فيقول الله تعالى: كيف أرحمه من شئ به ~~أرحمه؟ # نعم، لو استوحش من حيث احتمال أن يكون السبب الذي أوجب رد دعائه بعده عن ~~الله تعالى، واستحقاقه للخيبة والاجباه (4) والطرد والإبعاد، فلا حرج. فإن ~~كمال المؤمن أن يكون ماقتا لنفسه مزريا عليها حتى لو أجيبت دعوته، فلا يظنن ~~أن ذلك من كرامته على الله تعالى وقربه منه، بل يجوز أن يكون ذلك من بغض ~~الله تعالى وكراهته لصوته، وتأذي الملائكة برائحته، فتسأل الله تعالى أن ~~يعجل بإجابته (5) لتستريح منه. # PageV00P090 # وكذلك قد يكون سبب تأخير الإجابة، من محبة الله تعالى وملائكته لصوته، ~~وتلذذهم بمناجاته، فتسأل الله تعالى تأخير اجابته (1)، كذلك كما ورد في ~~الأخبار، فالمؤمن أبدا بين رجاء وخوف، فإن بهما قوام الأعمال، والانزجار عن ~~المعاصي، والرغبة في الطاعات. # PageV00P091 # الباب الرابع: في البكاء إعلم أن البكاء بمجرده غير مناف للصبر ولا للرضا ~~بالقضاء، وإنما هو طبيعة بشرية، وجبلة إنسانية، ورحمة رحمية أو حبيبية فلا ~~حرج في إبرازها ولا ضرر في اخراجها، ما لم تشتمل على أحوال تؤذن بالسخط ~~وتنبئ عن الجزع وتذهب بالأجر، من شق الثوب ولطم الوجه وضرب الفخذ وغيرها. # وقد ورد البكاء في المصائب عن النبي صلى الله عليه وآله، ومن قلبه من لدن ~~آدم عليه السلام، وبعده من آله وأصحابه مع رضاهم وصبرهم وثباتهم. # فأول من بكى آدم عليه السلام على ولده هابيل، ورثاه بأبيات مشهورة، وحزن ~~عليه حزنا كثيرا، وإن خفي شئ فلا يخفى حال يعقوب عليه السلام، حيث بكى حتى ~~ابيضت عيناه من الحزن (1) على يوسف عليه السلام. # ومن مشاهير الأخبار ما روي الصادق عليه السلام، أنه قال: (إن زين ~~العابدين عليه السلام بكى على أبيه أربعين سنة صائما نهاره، قائما ليله، ~~فإذا حضر الإفطار جاء غلامه بطعامه وشرابه، فيضعه بين يديه، ويقول: كل يا ~~مولاي، فيقول: # قتل ابن رسول الله جائعا، قتل ابن رسول الله عطشانا، فلا يزال يكرر ذلك، ~~ويبكي ms59 حتى يبل طعامه من دموعه، فلم يزل كذلك حتى لحق بالله عز وجل) (2). # وروي عن بعض مواليه أنه قال: برز يوما إلى الصحراء فتبعته، فوجدته قد سجد ~~على حجارة خشنة، فوقفت وأنا أسمع شهيقه وبكائه، فأحصيت عليه ألف مرة، وهو ~~يقول: (لا إله إلا الله حقا حقا، لا إله إلا الله تعبدا ورقا، لا إله إلا ~~الله إيمانا وصدقا) ثم رفع رأسه من سجوده وإن لحيته ووجهه قد غمر بالماء من ~~دموع عينيه، فقلت: يا سيدي، ما آن لحزنك أن ينقضي، ولبكائك أن يقل؟ # فقال لي: ويحك، إن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام كان نبيا ابن ~~نبي ابن نبي، له اثنا عشر ابنا، فغيب الله واحدا منهم، فشاب رأسه من الحزن، ~~واحد ودب ظهره من الغم، وذهب بصره من البكاء، وابنه حي في دار الدنيا، وأنا ~~رأيت أبي وأخي وسبعة عشر من أهل بيتي صرعى مقتولين فكيف ينقضي حزني، ويقل # PageV00P092 # بكائي؟!) (1). # وعن أنس بن مالك قال: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وآله على أبي سيف ~~القين، وكان ظئرا (2) لإبراهيم عليه السلام، فأخذ رسول الله صلى الله عليه ~~وآله يقبله، ويشمه (3)، ثم دخل عليه بعد ذلك وإبراهيم عليه السلام يجود ~~بنفسه، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله تذرفان، فقال له عبد ~~الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله (4)؟ فقال: (يا ابن عوف، إنها رحمة - ثم ~~أتبعها بأخرى، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله -: العين تدمع، والقلب ~~يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك - يا إبراهيم - لمحزونون) ~~(5). # وعن أسماء ابنة زيد قالت: لما توفي ابن رسول الله صلى الله عليه وآله - ~~إبراهيم عليه السلام - بكى رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال له المعزي: ~~أنت أحق من عظم الله عز وجل حقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (تدمع ~~العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب، لولا أنه وعد حق وموعود جامع وأن ~~الآخر تابع للأول، لوجدنا عليك (يا إبراهيم - أفضل ms60 مما وجدناه، وإنا بك ~~لمحزونون) (6). # وعن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال: أخذ رسول الله صلى الله ~~عليه وآله بيد عبد الرحمن بن عوف فأتى إبراهيم وهو يجود بنفسه فوضعه في ~~حجره، فقال له: (يا بني، إني لا أملك لك من الله تعالى شيئا) وذرفت عيناه، ~~فقال له عبد الرحمن: # يا رسول الله تبكي، أو لم تنه عن البكاء؟ فقال صلى الله عليه وآله: (إنما ~~نهيت عن النوح، عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لعب ولهو ومزامير ~~شيطان، وصوت عند مصيبة، خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان، إنما هذه رحمة، ومن ~~لا يرحم لا يرحم، ولولا أنه أمر حق ووعد صدق وسبيل نأتيه وأن آخرنا سيلحق ~~أولنا، لحزنا عليك حزنا أشد من هذا، وإنا بك لمحزونون، تبكي العين ويحزن ~~القلب ولا نقول # PageV00P093 # ما يسخط الرب عز وجل) (1). # وعن أبي أمامة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله حين توفي ابنه ~~وعيناه تدمعان، فقال: يا نبي الله، تبكي على هذا السخل؟ والذي بعثك بالحق ~~لقد دفنت اثني عشر ولدا في الجاهلية كلهم أشب منه أدسه في التراب، فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله: (فماذا، إن كانت الرحمة ذهبت منك، يحزن القلب ~~وتدمع العين ولا نقول ما يسخط الرب وإنا على إبراهيم لمحزونون). # وعن محمود بن لبيد قال: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم بن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله، فقال الناس: انكسفت الشمس لموت إبراهيم، فخرج رسول الله ~~صلى الله عليه وآله حين سمع ذلك فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد - ~~أيها الناس - إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله عز وجل، لا ينكسفان لموت ~~أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى المساجد) ودمعت عيناه، فقالوا: ~~يا رسول الله تبكي، وأنت رسول الله؟ فقال: (إنما أنا بشر، تدمع العين ويفجع ~~القلب ولا نقول ما يسخط الرب، والله - يا إبراهيم - إنا بك لمحزونون) (2). # وعن خالد بن معدان، قال لما مات إبراهيم بن النبي ms61 صلى الله عليه وآله ~~بكى، فقيل: أتبكي يا رسول الله؟ فقال: (ريحانة وهبها الله لي، وكنت أشمها). # وقال صلى الله عليه وآله يوم مات إبراهيم: (ما كان من حزن في القلب أو في ~~العين فإنما هو رحمة، وما كان من حزن باللسان وباليد فهو من الشيطان) (3). # وروى الزبير بن بكار: أن النبي صلى الله عليه وآله لما خرج بإبراهيم خرج ~~يمشي، ثم جلس على قبره، ثم دلي، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله قد ~~وضع في القبر دمعت عيناه، فلما رأى الصحابة ذلك بكوا حتى ارتفعت أصواتهم، ~~فأقبل عليه أبو بكر فقال: يا رسول الله، تبكي وأنت تنهى عن البكاء؟ فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله: (تدمع العين ويوجع القلب ولا نقول ما يسخط الرب ~~عز وجل). # PageV00P094 # وعن السائب بن يزيد، أن النبي صلى الله عليه وآله لما مات ابنه الطاهر ~~ذرفت عيناه، فقيل: يا رسول الله، بكيت؟ فقال صلى الله عليه وآله: (إن العين ~~تذرف وإن الدمع يغلب، وإن القلب يحزن ولا نعصي الله عز وجل) (1). # وروى مسلم في صحيحه: أن النبي صلى الله عليه وآله زار قبر أمه، فبكى ~~وأبكى من حوله (2). # وروي: أن النبي صلى الله عليه وآله لما مات عثمان بن مظعون كشف الثوب عن ~~وجهه، ثم قبل ما بين عينيه، ثم بكى طويلا فلما رفع السرير قال: # (طوباك - يا عثمان - لم تلبسك الدنيا، ولم تلبسها) (3). # واشتكى سعد بن عبادة شكوى، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وآله يعوده، ~~فلما دخل عليه وجده في غشيته، فقال: (أو قد مات؟) فقالوا: لا يا رسول الله، ~~فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما رأى القوم بكاءه بكوا، فقال: (ألا ~~تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بها - ~~وأشار إلى لسانه - أو يرحم) (4) وروي: أن ابنة لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله بعثت إليه: إن ابنتي مغلوبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إن ~~لله ما أخذ، ولله ما أعطى) ms62 وجاءها في ناس من أصحابه، فأخرجت إليه الصبية، ~~ونفسها يتقعقع (5) في صدرها، فرق عليها، وذرفت عيناه، فنظر إليه أصحابه، ~~فقال: (ما لكم تنظرون إلي؟ رحمة يضعها الله حيث يشاء، إنما يرحم الله من ~~عباده الرحماء) (6). # وعن أسامة بن زيد قال: أتي النبي صلى الله عليه وآله بامامة بنت زينب، ~~ونفسها يتقعقع في صدرها، فقال يا رسول الله صلى الله عليه وآله: (لله ما ~~أخذ، ولله ما أعطى، وكل إلى أجل مسمى) وبكى، فقال له سعد بن عبادة: تبكي، ~~وقد نهيت عن # PageV00P095 # البكاء! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إنما هي رحمة يجعلها الله ~~في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء) (1). # ولما أصيب جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه أتى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله أسماء رضي الله عنها، فقال لها: (أخرجي إلي ولد جعفر، فخرجوا إليه، ~~فضمهم إليه وشمهم ودمعت عيناه، فقالت: يا رسول الله، أصيب جعفر؟ قال: نعم، ~~أصيب اليوم) (2). # قال عبد الله بن جعفر: أحفظ حين دخل رسول الله على أمي، فنعى إليها أبي، ~~ونظرت إليه وهو يمسح على رأسي ورأس أخي، وعيناه تهراقان (3) الدموع حتى ~~تقطر لحيته، ثم قال: (اللهم إن جعفرا قد قدم إلى أحسن الثواب، فأخلفه في ~~ذريته بأحسن ما خلفت أحدا من عبادك في ذريته) ثم إنه عليه السلام قال: (يا ~~أسماء، ألا أبشرك؟) قالت: بلى بأبي أنت وأمي، فقال: (إن الله عز وجل جعل ~~لجعفر جناحين، يطير بهما في الجنة). # وعن أبي عبد الله عليه السلام، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وآله، ~~أنه لما جاءته وفاة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وزيد بن حارثة كان إذا ~~دخل بيته بكى عليهما جدا، وقال: (كانا يحدثاني ويؤنساني، فجاء الموت فذهب ~~بهما) (4). # وعن خالد بن سلمة قال: لما جاء نعي زيد بن حارثة إلى النبي صلى الله عليه ~~وآله أتى النبي صلى الله عليه وآله منزل زيد، فخرجت إليه بنية لزيد، فلما ~~رأت رسول الله صلى الله ms63 عليه وآله خمشت في وجهها، فبكى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وقال (5): هاه هاه (6)، فقيل: يا رسول الله، ما هذا؟ قال: (شوق ~~الحبيب إلى حبيبه) (7). # ولما مات سعد بن معاذ رضي الله عنه بكى عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وآله # PageV00P096 # كثيرا. وقال صلى الله عليه وآله لام سعد بن معاذ يوما: (ألا يرقأ (1) ~~دمعك ويذهب حزنك فإن ابنك اهتز له العرش). # قيل: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله تذرف عيناه، ويمسح وجهه، ولا ~~يسمع صوته (2). # وعن البراء بن عازم قال: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وآله إذ ~~بصر بجماعة، فقال: (على ما اجتمع هؤلاء؟) فقيل: على قبر يحفرونه، قال: فبدر ~~رسول الله صلى الله عليه وآله بين يدي أصحابه مسرعا حتى انتهى إلى القبر ~~فجثا عليه، قال: # فاستقبلته من بين يديه لأنظر ما يصنع، فبكى حتى بل الثرى من دموعه، ثم ~~أقبل علينا فقال: (إخواني، لمثل هذا فأعدوا) (3). # وعنه صلى الله عليه وآله: (العبرة لا يملكها أحد، صبابة المرء على أخيه) ~~(4). # ولما انصرف النبي صلى الله عليه وآله من أحد راجعا إلى المدينة لقيته ~~حمنة بنت جحش، فنعى لها الناس أخاها عبد الله بن جحش، فاسترجعت واستغفرت ~~له، ثم نعي لها خالها حمزة، فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعي لها زوجها مصعب ~~بن عمير، فصاحت وولولت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إن لزوج ~~المرأة منها لمكان) لما رأى صبرها عن أخيها وخالها، وصياحها على زوجها (5). # ثم مر رسول الله صلى الله عليه وآله على دار من دور الأنصار من بني عبد ~~الأشهل فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم فذرفت عيناه وبكى، ثم قال: (لكن ~~حمزة لا بواكي له) فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن حضير (6) إلى دار بني عبد ~~الأشهل، أمر نساءهم أن يذهبن فيبكين على عم رسول الله صلى الله عليه وآله، ~~فلما سمع # PageV00P097 # رسول الله صلى الله عليه وآله بكاءهن على حمزة خرج إليهن وهن على باب ~~مسجده يبكين، فقال لهن ms64 رسول الله صلى الله عليه وآله: (ارجعن - يرحمكن الله ~~- قد واسيتن بأنفسكن). # وروى الشيخ في (التهذيب) بإسناده إلى الصادق عليه السلام: (إن إبراهيم ~~خليل الرحمن سأل وبه أن يرزقه ابنة تبكيه بعد موته) (1). # PageV00P098 # فصل عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (ليس منا من ~~ضرب الخدود، وشق الجيوب) (1) وعن أبي أمامة: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله قال: (لعن الله الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل ~~والثبور) (2). # وعنه صلى الله عليه وآله، أنه نهى أن تتبع جنازة معها رانة (3). # وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كبر مقتا عند الله الأكل من غير ~~جوع، والنوم من غير سهر، والضحك من غير عجب، والرنة عند المصيبة، والمزمار ~~عند النعمة (4). # وعن يحيى بن خالد: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله، فقال: ما يحبط ~~الأجر عند المصيبة؟ قال: (تصفيق الرجل بيمينه على شماله، والصبر عند الصدمة ~~الأولى، من رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط) (5). # وعن أم سلمة رضي الله عنه قالت: لما مات أبو سلمة رضي الله عنه قلت: # غريب وفي أرض (غربة، لأبكينه) (6) بكاء يتحدث عنه، فكنت قد تهيأت للبكاء، ~~إذ أقلبت امرأة تريد أن تسعدني، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وآله، ~~فقال لها: # (أتريدين أن تدخلي الشيطان بيتا أخرجه الله منه) فكففت عن البكاء (7). # وعن الباقر عليه السلام: (أشد الجزع الصراخ بالويل والعويل، ولطم الوجه ~~والصدر، وجز الشعر، ومن أقام النواح فقد ترك الصبر، ومن صبر واسترجع وحمد ~~الله - جل ذكره - فقد رضي بما صنع الله، ووقع أجره على الله عز وجل، ومن لم ~~يفعل ذلك # PageV00P099 # جرى عليه القضاء وهو ذميم، وأحبط الله عز وجل أجره (1). # وعن الصادق عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ضرب ~~الرجل يده على فخذه إحباط لأجره) (2) # PageV00P100 # فصل ويستحب الاسترجاع عند المصيبة، قال الله تعالى: ﴿الذي إذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله وانا إليه راجعون ~~* أولئك عليهم ms65 صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ (1). # وقال النبي صلى الله عليه وآله: (أربع من كن فيه كان في (2) نور الله ~~الأعظم: # من كان عصمة أمره شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ومن إذا ~~أصابته مصيبة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ومن إذا أصاب خيرا قال: الحمد ~~لله (3)، ومن إذا أصاب خطيئة قال: أستغفر الله (4) وأتوب إليه) (5). # وقال الباقر عليه السلام: (ما من مؤمن يصاب بمصيبة في الدنيا فيسترجع عند ~~المصيبة (6) ويصبر حين تفجأه المصيبة، إلا غفر له ما مضى من ذنوبه، إلا ~~الكبائر التي أوجب الله تعالى عليها النار، وكلما ذكر مصيبة فيما يستقبل من ~~عمره فاسترجع عندها وحمد الله عز وجل إلا غفر الله له كل ذنب اكتسبه فيما ~~بين الاسترجاع الأول إلى الاسترجاع الأخير، إلا الكبائر من الذنوب) (7). # رواهما الصدوق. # وأسند الكليني، الثاني إلى معروف بن خربوز، عن الباقر عليه السلام، ولم ~~يستثن منه الكبائر (8). # وروي الكليني بإسناده إلى داود بن زربي (9) - بكسر الزاي المعجمة، ثم # PageV00P101 # الراء الساكنة - عن الصادق عليه السلام: (من ذكر مصيبته ولو بعد حين، ~~فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين، اللهم آجرني على ~~مصيبتي، واخلف علي أفضل منها، كان له من الأجر مثل ما كان عند أول صدمة) ~~(1). # وروى مسلم: عن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله: (ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله به: إنا لله وإنا إليه ~~راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي، واخلف لي خير لي خيرا منها، إلا أخلف الله ~~له خيرا منها) فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة، أول ~~بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم إني قلتها فأخلف الله لي ~~رسول الله صلى الله عليه وآله (2). # وروى الترمذي بإسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: (إذا مات ~~ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: ~~قبضتم ثمرة ms66 فؤاد؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك، ~~واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة، وسموه بيت الحمد) ~~(3). # ونحوه رواه الكليني عن الصادق عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله ~~(4). # PageV00P102 # فصل يجوز النوح بالكلام الحسن، وتعداد الفضائل مع اعتماد الصدق، لأن ~~فاطمة الزهراء عليها السلام فعلته في قولها: (يا أبتاه من ربه ما (1) ~~أدناه! يا أبتاه، إلى جبرئيل أنعاه، يا أبتاه، أجاب ربا دعاه) (2). # وروي: أنها أخذت قبضة من تراب قبره صلى الله عليه وآله، فوضعتها على ~~عينيها، وأنشدت تقول: # (ماذا على (من شم) (3) تربة أحمد * أن لا يشم مدى الزمان غواليا صبت علي ~~مصائب لو أنها * صبت على الأيام صرن (4) لياليا) (5) ولما سبق من أمره صلى ~~الله عليه وآله بالنوح على حمزة. # وعن أبي حمزة، عن الباقر عليه السلام: (مات ابن المغيرة، فسألت أم سلمة ~~النبي صلى الله عليه وآله أن يأذن لها في المضي إلى مناحته، فأذن لها وكان ~~ابن عمها، فقالت: # أنعى الوليد بن الوليد * أبا الوليد، فتى العشيرة حامي الحقيقة ماجدا * ~~يسمو إلى طلب الوتيرة قد كان غيثا للسنين * وجعفرا (6) غدقا وميرة - وفي ~~تمام الحديث -، فما (عاب رسول الله) (7) صلى الله عليه وآله ذلك، ولا قال ~~شيئا) (8). # وروى ابن بابويه: أن الباقر عليه السلام أوصى أن يندب في الموسم (9) عشر # PageV00P103 # سنين (1). # وروى يونس بن يعقوب، عن الصادق عليه السلام، قال: (قال لي أبو جعفر عليه ~~السلام: قف من مالي كذا وكذا لنوادب يندبنني - عشر سنين - بمنى أيام منى) ~~(2). قال الأصحاب: والمراد بذلك، تنبيه الناس على فضائله، وإظهارها ليقتدى ~~بها، ويعلم ما كان عليه أهل هذا البيت عليهم السلام لتقتفى آثارهم، لزوال ~~التقية بعد الموت، ويحرم النوع بالباطل: وهو تعداد ما ليس فيه من الخصال، ~~واسماع الأجانب من الرجال، ولطم الخدود والخدش، وجز الشعر ونحوه، وعليه ~~يحمل ما ورد من النهي عن النياحة. # وقال النبي صلى الله عليه وآله: (أنا برئ ممن حلق وصلق) أي: حلق الشعر، ~~ورفع صوته (3). # وقال صلى الله عليه ms67 وآله لفاطمة عليها السلام حين قتل جعفر بن أبي طالب: # (لا تدعين بويل ولا ثكل ولا حرب، وما قلت فيه فقد صدقت) (4). # وعن أبي مالك الأشعري عن النبي صلى الله عليه وآله: (النائحة إذا لم تتب ~~تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران) (5). # وعن أبي سعيد الخدري: لعن رسول الله صلى الله عليه وآله النائحة ~~والمستمعة (6). # وعنه صلى الله عليه وآله: (ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب) (7). # وهذا النهي محمول على الباطل كما يظهر منها، وبه يجمع بينهما وبين ~~الأخبار # PageV00P104 # السابقة. # وأما الخاتمة فتشمل على فوائد مهمة. # يستحب تعزية أهل الميت استحبابا مؤكدا، وهي (تفعلة) من العزاء - بالمد ~~والقصر - وهو السلو وحسن الصبر على المصائب، يقال عزيته فتعزى، أي صبرته ~~فتصبر. # والمراد بها: طلب التسلي عن المصائب والتصبر عن الحزن والاكتئاب، بأسناد ~~الأمر إلى الله عز وجل، ونسبته إلى عدله وحكمته، وذكر ما وعد الله تعالى ~~على الصبر مع الدعاء للميت، والمصاب بتسليته عن مصيبته، وقد ورد في ~~استحبابها والحث عليها أحاديث كثيرة. # وروى عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~قال: (أتدرون ما حق الجار؟ إن استغاثك أغثته، وإن استقرضك أقرضته، وإن ~~افتقر عدت عليه، وإن أصابته مصيبة عزيته، وإن أصابه خير هنأته، وإن مرض ~~عدته، وإن مات اتبعت جنازته، ولا تستطل عليه بالبناء، فتحجب عنه الريح إلا ~~بإذنه، وإذا اشتريت فاكهة فأهد له، فإن لم تفعل فأدخلها سرا، ولا تخرج بها ~~ولدك تغيظ بها ولده، ولا تؤذه بريح قدرك إلا أن تغرق له منها) (1). # وعن بهز بن حكيم بن معاوية بن جيدة القشيري، عن أبيه، عن جده، قال: # قلت: يا رسول الله: ما حق جاري علي؟ قال: (إن مرض عدته) وذكر نحوه الأول ~~(2). # وأما الثواب فيها: فعن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: (من ~~عزى مصابا فله مثل أجره) (3). # وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله: # (من عزى ms68 مصابا كان له مثل أجره، من غير أن ينقصه الله من أجره شيئا (4)، ~~ومن كفن مسلما كساه الله من سندس وإستبرق وحرير، ومن حفر قبرا لمسلم بنى ~~الله عز وجل له بيتا في الجنة، ومن أنظر معسرا أظله الله في ظله يوم لا ظل ~~إلا ظله). # وعن جابر أيضا رفعه: (من عزى حزينا ألبسه الله عز وجل من لباس التقوى، # PageV00P105 # وصلى على روحه في الأرواح) (1). # وسئل النبي صلى الله عليه وآله عن التصافح في التعزية، فقال: (هو سكن ~~للمؤمن، ومن عزى مصابا فله مثل أجره). # وعن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم، عن أبيه، عن جده، أنه ~~سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول: (من عاد مريضا فلا يزال في ~~الرحمة، حتى إذ قعد عنده استنقع فيها، ثم إذا قام من عنده فلا يزال يخوض ~~فيها، حتى يرجع من حيث خرج، ومن عزى أخاه المؤمن من مصيبة كساه الله - عز ~~وجل - من حلل الكرامة يوم القيامة) (2). # وعن أبي برزة (3) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من عزى ثكلى ~~كسي بردا في الجنة) (4). # وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من عزى أخاه المؤمن في ~~(5) مصيبة كساه الله عز وجل حلة خضراء، يحبر بها يوم القيامة). قيل: يا ~~رسول الله، ما يحبر بها قال: (يغبط بها) (6). # وروي: أن داود عليه السلام قال (إلهي، ما جزاء من يعزي الحزين والمصاب ~~ابتغاء مرضاتك قال: جزاؤه أن أكسوه رداء من أردية الإيمان، أستره به من ~~النار، وأدخله به الجنة، قال: يا إلهي، فما جزاء من شيع الجنائز ابتغاء ~~مرضاتك؟ قال: # جزاؤه أن تشيعه الملائكة يوم يموت إلى قبره، وأن أصلي على روحه في ~~الأرواح) (7). # وروي: أن موسى عليه السلام سأل ربه: (ما لعائد المريض من الأجر؟ قال: # ابعث له عند موته ملائكة يشيعونه إلى قبره ويؤانسونه إلى المحشر، قال: يا ~~رب فما لمعزي الثكلى من الأجر؟ قال: أظله تحت ظلي - أي: ظل ms69 العرش - يوم لا ~~ظل إلا ظلي) (8) # PageV00P106 # وروي: أن إبراهيم عليه السلام سأل ربه، قال: (أي يا رب ما جزاء من يبل ~~الدمع وجهه من خشيتك؟ قال: صلواتي ورضواني، قال: فما جزاء من يصبر الحزين ~~ابتغاء وجهك؟ قال: أكسوه ثيابا من الإيمان يتبوأ بها في الجنة، ويتقي بها ~~النار، قال: فما جزاء من سدد الأرملة ابتغاء وجهك؟ قال: أقيمه في ظلي، ~~وأدخله جنتي، قال: فما جزاء من يتبع الجنازة ابتغاء وجهك؟ قال: تصلي ~~ملائكتي على جسده، وتشيع روحه). PageV00P107 # فصل وأما كيفيتها فقد تقدم خبر المصافحة فيها. # وأما ما يقال فيها فما يتفق من الكلمات، ويروى من الأخبار المؤدية إلى ~~السلوة، ولا شئ مثل إيراد بعض ما تضمنته هذه الرسالة، فإن فيها شفاء لما في ~~الصدور، وبلاغا وافيا في تحقيق هذه الأمور. # وعن علي عليه السلام قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا عزى ~~قال: # آجركم الله ورحمكم، وإذا هنأ قال: بارك الله لكم، وبارك عليكم). # وروي: أنه توفي لمعاذ ولد، فاشتد وجده عليه، فبلغ ذلك النبي صلى الله ~~عليه وآله، فكتب إليه: # (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى معاذ، سلام عليك، فإني ~~أحمد الله الذي لا إله إلا هو. # أما بعد: أعظم الله لك الأجر، وألهمك الصبر، ورزقنا وإياك الشكر، فإن ~~أنفسنا (وأهلينا وموالينا) (1) وأولادنا من مواهب الله - عز وجل الهنيئة، ~~وعواريه المستودعة، نمتع بها إلى أجل معلوم، وتقبض لوقت معدود، ثم افترض ~~علينا الشكر إذا أعطانا، والصبر إذا ابتلانا، وكان ابنك من مواهب الله ~~الهنيئة، وعواريه المستودعة، متعك الله به في غبطة وسرور، وقبضه منك بأجر ~~كثير، الصلاة والرحمة والهدى إن صبرت واحتسبت، فلا تجمعن عليك مصيبتين، ~~فيحبط لك أجرك، وتندم على ما فاتك، فلو قدمت على ثواب مصيبتك، علمت أن ~~المصيبة قصرت في جنب الله عن الثواب: فتنجز من الله موعوده، وليذهب أسفك ~~على ما هو نازل بك، فكأن قد، والسلام) (2). # وعن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام، عن أبيه، عن ms70 جده، ~~قال: (لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله جاء جبرئيل عليه السلام، ~~والنبي صلى الله عليه وآله مسجى، وفي البيت علي وفاطمة والحسن والحسين ~~عليهم السلام، فقال: # PageV00P108 # السلام عليكم يا أهل بيت النبوة (١) ﴿كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم ~~القيامة﴾ (2) الآية. ألا إن في الله عز وجل عزاء من كل مصيبة، وخلفا من ~~كل هالك، ودركا لما فات، فبالله عز وجل فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من ~~حرم الثواب، هذا آخر وطئي (3) من الدنيا) (4). # وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: لما توفي رسول الله صلى الله ~~عليه وآله عزتهم الملائكة، يسمعون الحسن ولا يرون الشخص، فقالوا: السلام ~~عليكم - أهل البيت - ورحمة الله وبركاته، إن في الله - عز وجل - عزاء من كل ~~مصيبة، وخلفا من كل فائت (5)، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإنما الحروم من ~~حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (6). # وروى البيهقي في (الدلائل) قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، ~~أحدق به أصحابه، فبكوا حوله، واجتمعوا، فدخل رجل أشهب اللحية جسيم صبيح، ~~فتخطى رقابهم، فبكى، ثم التفت إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ~~فقال: # إن في الله عزاء من كل مصيبة، وعوضا من كل فائت، وخلفا من كل هالك، فإلى ~~الله فأنيبوا، وإليه فارغبوا، ونظره إليكم في البلاء فانظروا، فإن المصاب ~~من لم يؤجر، وانصرف، فقال بعضهم لبعض: تعرفون الرجل؟ فقال علي عليه السلام: ~~(نعم، هذا أخو رسول الله صلى الله عليه وآله، الخضر عليه السلام) (7). # PageV00P109 # فصل وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ~~(إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصيبته بي، فإنها من أعظم المصائب) (1). # وعنه صلى الله عليه وآله: (من عظمت مصيبته فليذكر مصيبته بي، فإنها ستهون ~~عليه). # وعنه صلى الله عليه وآله، إنه قال في مرض موته: (أيها الناس، أيما عبد من ~~أمتي أصيب بمصيبة من بعدي فل يتعز بمصيبته بي عن المصيبة ms71 التي تصيبه بغيري، ~~فإن أحدا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي) (2). # وعن عبد الله بن الوليد بإسناده، لما أصيب علي عليه السلام بعثني الحسن ~~إلى الحسين عليهما السلام، وهو بالمدائن، فلما قرأ الكتاب قال: (يا لها من ~~مصيبة، ما أعظمها! مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من أصيب منكم ~~بمصيبة فليذكر مصابي، فإنه لن يصاب بمصيبة أعظم منها) (3). # وروى إسحاق بن عمار، عن الصادق عليه السلام، أنه قال: (يا إسحاق، لا تعدن ~~مصيبة أعطيت عليها الصبر، واستوجبت عليها من الله عز وجل الثواب، إنما ~~المصيبة التي يحرم صاحبها أجرها وثوابها، إذا لم يصبر عند نزولها) (4). # وعن أبي ميسرة (5) قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام: فجاء رجل وشكا ~~إليه مصيبته، فقال له: (أما إنك إن تصبر تؤجر، وإلا تصبر يمضي عليك قدر ~~الله عز وجل الذي قدر عليك (وأنت مذموم) (6)) (7). # PageV00P110 # وعن جابر رضي الله عنه قال: رسول الله صلى الله عليه وآله: (قال لي ~~جبرئيل عليه السلام، يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك ~~مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه) (1). # وروي: أنه كان في بني إسرائيل رجل فقيه عابد عالم مجتهد، وكانت له امرأة، ~~وكان بها معجبا، فماتت فوجد عليها وجدا شديدا، حتى خلافي بيت وأغلق على ~~نفسه واحتجب عن الناس فلم يكن يدخل عليه أحد. # ثم إن امرأة من بني إسرائيل سمعت به، فجاءته فقالت: لي إليه حاجة استفتيه ~~فيها، ليس يجزيني إلا أن أشافهه بها، فذهب الناس، ولزمت الباب، فأخبر، فأذن ~~لها، فقالت: أستفتيك في أمره، فقال: ما هو؟ قالت: إني استعرت من جارة لي ~~حليا، فكنت ألبسه زمانا، ثم إنهم أرسلوا إلي فيه، أفأرده إليهم؟ قال: نعم، ~~قالت: والله إنه قد مكث عندي زمانا طويلا (2)، قال: ذاك أحق لردك إياه، ~~فقالت له: رحمك الله، أفتأسف على ما أعارك الله عز وجل، ثم أخذه منك، وهو ~~أحق به منك؟ فأبصر ما كان فيه، ونفعه الله بقولها ms72 (3). # وعن أبي الدرداء قال: كان لسليمان بن داود عليهما السلام ابن يحبه حبا ~~شديدا، فمات فحزن عليه حزنا شديدا، فبعث الله - تعالى - إليه ملكين في هيئة ~~البشر، فقال: (ما أنتما؟ قالا: خصمان، قال: اجلسا بمنزلة الخصوم، فقال: ~~أحدهما: إني زرعت زرعا فأتى هذا فأفسده، فقال سليمان عليه السلام: ما يقول؟ ~~قال: # أصلحك الله إنه زرع في الطريق، وإني مررت به فنظرت يمينا وشمالا فإذا ~~الزرع، فركبت قارعة الطريق، فكان في ذلك فساد زرعه، فقال سليمان عليه ~~السلام، ما حملك على أن تزرع في الطريق، أما علمت أن الطريق سبيل الناس، ~~ولا بد للناس من أن يسلكوا سبيلهم؟ فقال له أحد الملكين: أو ما علمت - يا ~~سليمان - أن الموت سبيل الناس، ولا بد للناس من أن يسلكوا سبيلهم؟) قال: ~~فكأنما كشف عن سليمان عليه السلام الغطاء، ولم يجزع على ولده بعد ذلك. # رواه ابن أبي الدنيا (4). # PageV00P111 # وروي أيضا: أن قاضيا كان في بني إسرائيل مات له ابن فجزع عليه وساح، ~~فلقيه رجلان فقالا له: اقض بيننا، فقال: من هذا فررت، فقال أحدهما: إن هذا ~~مر بغنمه على زرعي فأفسده، فقال الآخر: إن هذا زرع بين الجبل والنهر، ولم ~~يكن لي طريق غيره، فقال له القاضي: أنت حين زرعت بين الجبل والنهر، ألم ~~تعلم أنه طريق الناس؟ فقال له الرجل: فأنت حين ولد لك، ألم تعلم أنه يموت؟ ~~فارجع إلى قضائك، ثم عرجا، وكانا ملكين (1). # وروي: أنه كان بمكة مقعدان، كان لهما ابن شاب، فكان إذا أصبح نقلهما فأتى ~~بهما المسجد، فكان يكتسب عليهما يومه، فإذا كان المساء احتملهما وأقبل بهما ~~منزله، فافتقدهما النبي صلى الله عليه وآله، فسأل عنهما، فقيل: مات ابنهما، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لو ترك أحد لأحد لترك ابن المقعدين) ~~(2). # رواه الطبراني. # وروى ابن أبي الدنيا: (لو ترك شئ لحاجة أو فاقة، لترك الهذيل لأبويه). # وروي عن بعض العابدات، أنها قالت: ما أصابتني مصيبة فأذكر معها النار، ~~إلا صارت في عيني أصغر من التراب. # PageV00P112 # فصل ms73 ليذكر من أصيب بمصيبة، أن المصائب والبلايا إنما يخص في الأغلب من ~~لله به مزيد عناية، وله عليه إقبال وإليه توجه، وليتحقق ذلك قبل النظر في ~~الكتاب والسنة فيمن يبتلى في دار الدنيا، فإنه يجد أشد الناس بلاء أهل ~~الخير والصلاح بعد الأنبياء والرسل، والآيات الكريمة منبئة على ذلك، قال ~~الله تعالى: # ﴿ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا ~~لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون﴾ (١) الآية، ~~وقال تعالى: ﴿ولا يحسبن الذين كفروا ~~إنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا اثما ولهم عذاب ~~مهين﴾ (٢) وقال تعالى: # ﴿وإذا تتلى عليهم آيتنا بينات قال الذين ~~كفروا للذين آمنوا اي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا * قل من كان في ~~الضلالة فليمدد له الرحمن مدا﴾ (3). # وروى عبد الرحمن بن الحجاج قال: ذكر عند أبي عبد الله عليه السلام ~~البلاء، وما يختص الله عز وجل به المؤمن، فقال: (سئل رسول الله صلى الله ~~عليه وآله: من أشد الناس بلاء في الدنيا؟ فقال: النبيون، ثم الأمثل ~~فالأمثل، ويبتلي المؤمن بعد على قدر إيمانه وحسن أعماله، فمن صح إيمانه ~~وحسن عمله اشتد بلاؤه، ومن سخف إيمانه، وضعف عمله قل بلاؤه) (4). # وروى زيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن عظيم الأجر مع ~~عظيم البلاء، وما أحب الله - عز وجل - قوما إلا ابتلاهم) (5). # وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إن لله عز وجل عبادا في ~~الأرض من خالص عباده، ما ينزل من السماء تحفة إلى الأرض إلا صرفها عنهم إلى ~~غيرهم، ولا بلية إلا صرفها إليهم) (6). # وعن الحسين بن علوان، عنه عليه السلام، أنه قال: (إن الله تعالى إذا أحب # PageV00P113 # عبدا غته (1) بالبلاء غتا (2)، وإنا إياكم لنصبح به ونمسي) (3). # وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: (إن الله تبارك وتعالى إذا أحب ~~عبدا غته بالبلاء غتا (وسجه بالبلاء سجا) (4) فإذا دعاه ms74 قال: لبيك عبدي لئن ~~عجلت لك ما سألت إني علي ذلك لقادر، ولكن ادخرت لك، فما ادخرت خير لك) (5). # وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ~~إن عظيم البلاء يكافأ به عظيم الجزاء، فإذا أحب الله عبدا ابتلاه بعظيم ~~البلاء، فمن رضي فله عند الله تعالى الرضا، ومن سخط البلاء فله عند الله ~~السخط) (6). # وعن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: (إن ما يبتلى المؤمن في الدنيا على ~~قدر دينه - أو قال: - على حسب دينه) (7). # وعن ناجية قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: إن المغيرة يقول: إن الله لا ~~يبتلي المؤمن بالجذام ولا بالبرص ولا بكذا ولا بكذا، فقال: (إن كان لغافلا ~~عن مؤمن آل ياسين، أنه كان مكنعا (8) - ثم رد أصابعه، فقال -: كأني أنظر ~~إلى تكنيعه، أتاهم فأنذرهم، ثم عاد إليهم من الغد فقتلوه - ثم قال -: إن ~~المؤمن يبتلى بكل بلية، ويموت بكل ميته، إلا أنه لا يقتل نفسه) (9). # وعن عبد الله بن أبي يعفور قال: شكوت إلى أبي عبد الله عليه السلام ما ~~ألقى من الأوجاع - وكان مسقاما - فقال لي: (يا عبد الله لو يعلم المؤمن ~~ماله من الأجر في المصائب، لتمني أن يقرض بالمقاريض (10)) (11). # PageV00P114 # وعن أبي عبد الله عليه السلام: (إن أهل الحق (1) لم يزالوا في شدة، أما ~~إن ذلك إلى مدة قليلة وعافية طويلة) (2). # وعن حمدان، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (إن - عز وجل - ليتعاهد المؤمن ~~بالبلاء كما يتعاهد الرجل أهله بالهدية، من الغيبة ويحميه الدنيا كما يحمي ~~الطبيب المريض) (3). # وعن أبي عبد الله قال: (دعي النبي صلى الله عليه وآله إلى طعام، فلما دخل ~~إلى منزل الرجل نظر إلى دجاجة فوق حائط قد باضت، فتقع البيضة على وتد في ~~حائط فتثبت عليه، ولم تسقط ولم تنكسر، فتعجب النبي صلى الله عليه وآله ~~منها، فقال له الرجل: أعجبت من هذه البيضة؟ فوالذي بعثك بالحق ما رزئت شيئا ~~قط، فنهض رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم يأكل من ms75 طعامه شيئا، وقال: من ~~لم يرزأ فما لله فيه من حاجة) (4). # وأشباه هذه الأخبار كثيرة، فلنقتصر على هذا القدر. # PageV00P115 # ونختم الرسالة بكتاب شريف، كتبه سيدنا ومولانا أبو عبد الله جعفر بن محمد ~~الصادق عليه السلام لجماعة من بني عمه، حين أصابتهم شدة من بعض الأعداء على ~~وجه التعزية، رويناها بإسنادنا إلى الشيخ أبي جعفر الطوسي - قدس الله روحه ~~- عن الشيخ المفيد محمد بن النعمان، والحسين بن عبيد الله الغضائري، عن ~~الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن ~~محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن الثقة الجليل ~~محمد بن أبي عمير، عن إسحاق بن عمار، قال: إن أبا عبد الله جعفر بن محمد ~~عليهما السلام كتب إلى عبد الله بن الحسن، حين حمل هو وأهل بيته، يعزيه عما ~~صار إليه: # (بسم الله الرحمن الرحيم) إلى الخلف الصالح والذرية الطيبة - من ولد أخيه ~~وابن عمه -. # أما بعد: فلئن كنت قد تفردت - أنه: وأهل بيتك ممن حمل معك - بما أصابكم، ~~فما انفردت بالحزن والغيظ والكآبة وأليم وجع القلب دوني، ولقد نالني من ذلك ~~من الجزع والقلق وحر المصيبة مثل ما نالك، ولكن رجعت إلى ما أمر الله عز ~~وجل به المتقين من الصبر وحسن العزاء، حين يقول لنبيه صلى الله عليه وآله: ~~﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ (١). # وحين يقول: (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت) (٢). # وحين يقول لنبيه صلى الله عليه وآله، حين مثل بحمزة: (وان عاقبتم فعاقبوا ~~بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) (٣). # فلصبر رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يعاقب. # وحين يقول: ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر ~~عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى﴾ (4). # PageV00P116 # وحين يقول: ﴿الذين إذا اصابتهم مصيبة ~~قالوا انا لله وانا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك ~~هم المهتدون﴾ (١). # وحين يقول: (إنما ms76 يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب (٢). وحين يقول عن لقمان ~~لابنه: ﴿واصبر على ما أصابك ان ~~ذلك من عزم الأمور﴾ (٣)، وحين يقول عن موسى عليه السلام: ﴿قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا ~~ان الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين﴾ (٤). # وحين يقول: ﴿الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ (٥). # وحين يقول: ﴿ولنبلونكم بشئ من الخوف ~~والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين﴾ (٦). # وحين يقول: ﴿والصابرين ~~والصابرات﴾ (٧). # وحين يقول: ﴿واصبر حتى يحكم الله وهو ~~خير الحاكمين﴾ (8) وأمثال ذلك من القرآن كثير. # واعلم - أي عم وابن عم - أن الله - عز وجل - لم يبال بضر الدنيا لوليه ~~ساعة قط، ولا شئ أحب إليه من الضر والجهد واللأواء (9) مع الصبر، وأنه - ~~تبارك وتعالى - لم يبال بنعيم الدنيا لعدوه ساعة واحدة قط. # ولولا ذلك ما كان أعداؤه يقتلون أولياءه ويخيفونهم ويمنعونهم، وأعداؤه ~~آمنون مطمئنون عالون ظاهرون. # ولولا ذلك لما قتل زكريا ويحيى بن زكريا ظلما وعدونا في بغي من البغايا. # PageV00P117 # ولولا ذلك لما قتل جدك علي بن أبي طالب عليه السلام - لما قام بأمر الله ~~جل وعز - ظلما، وعمك الحسين بن فاطمة - صلى الله عليهما - اضطهادا وعدوانا. # ولولا ذلك لما قال الله عز وجل في كتابه: ﴿ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن ~~لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون﴾ (١) ولولا ذلك لما قال في ~~كتابه: ﴿أيحسبون إنما نمدهم به ~~من مال وبنين * نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون﴾ (2). # ولولا ذلك لما جاء في الحديث: (لولا أن يحزن المؤمن لجعلت للكافر عصابة ~~من حديد: فلا يصدع رأسه أبدا). # ولولا ذلك لما جاء في الحديث: (أن الدنيا لا تساوي عند الله عز وجل جناح ~~بعوضة). # ولولا ذلك ما سقى ms77 كافرا منها شربة ماء. # ولولا ذلك لما جاء في الحديث: (لو إن مؤمنا على قلة جبل لابتعث الله له ~~كافرا أو منافقا يؤذيه). # ولولا ذلك لما جاء في الحديث أنه: (إذا أحب الله قوما - أو أحب عبدا - صب ~~عليه البلاء صبا، فلا يخرج من غم إلا وقع في غم). # ولولا ذلك لما جاء في الحديث: (ما من جرعتين أحب إلى الله تعالى أن ~~يجرعهما عبده المؤمن في الدنيا، من جرعة غيظ كظم عليها، وجرعة حزن عند ~~مصيبة صبر عليها بحسن عزاء واحتساب). # ولولا ذلك لما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يدعون على من ~~ظلمهم بطول العمر، وصحة البدن، وكثرة المال والولد. # ولولا ذلك ما بلغنا: أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا خص رجلا ~~بالترحم عليه والاستغفار استشهد. # فعليكم - يا عم وابن عم وبني عمومتي واخوتي - بالصبر والرضا والتسليم ~~والتفويض إلى الله عز وجل والرضا والصبر على قضائه، والتمسك بطاعته، ~~والنزول عند أمره. # PageV00P118 # أفرغ الله علينا وعليكم الصبر، وختم لنا ولكم بالسعادة، وأنقذنا وإياكم ~~من كل هلكة بحوله وقوته، إنه سميع قريب. # وصلى الله على صفوته من خلقة، محمد النبي وأخل بيته صلوات الله وسلامه ~~وبركاته ورحماته عليهم أجمعين) (1). # هذا آخر التعزية بلفظها، نقلتها من كتاب (التتمات والمهمات) وعليها نختم ~~الرسالة حامدين لله تعالى على نواله، مصلين على صاحب الرسالة، وعلى آله أهل ~~العصمة والعدالة. # ولقد فرغ منها مؤلفها العبد الفقير إلى الله تعالى زين الدين علي بن أحمد ~~الشامي العاملي عامله الله بفضله وعفا عنهم بمنه وسط نهار الجمعة، غرة شهر ~~رجب المرجب الفرد الحرام، عام أربعة وخمسين وتسعمائة حامدا مصليا مسلما ~~مستغفرا والحمد لله وحده، وصلاته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. # PageV00P119 ms78