######OpenITI#
#META# 000.SortField :: Shia_001401
#META# 000.BookURI :: NOCODE
#META# 010.AuthorAKA :: NODATA
#META# 010.AuthorNAME :: الشهيد الثاني
#META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN
#META# 011.AuthorDIED :: 966
#META# 019.AuthorDIED :: NODATA
#META# 020.BookTITLE :: مسكن الفؤاد
#META# 020.BookTITLESUB :: NODATA
#META# 021.BookSUBJ :: مصادر الحديث الشيعية ـ القسم العام
#META# 022.BookVOLS :: 1
#META# 025.BookLANG :: NODATA
#META# 029.BookTITLEalt :: NODATA
#META# 030.LibURI :: Shia_001401
#META# 030.LibURIextra :: NODATA
#META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/1401_مسكن-الفؤاد-الشهيد-الثاني
#META# 031.LibURL :: NODATA
#META# 031.LibURLFILE :: NODATA
#META# 031.LibURLextra :: NODATA
#META# 040.EdALL :: NODATA
#META# 040.EdEDITOR :: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث
#META# 041.EdNUMBER :: الأولى
#META# 041.EdNumber :: NODATA
#META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA
#META# 044.EdPLACE :: NODATA
#META# 045.EdYEAR :: ذي الحجة 1407
#META# 049.EdISBN :: NODATA
#META# 049.EdPAGES :: NODATA
#META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA
#META# 049.EdVOLUME :: NODATA
#META# 090.RecMISC :: NODATA
#META# 999.MiscINFO :: NODATA
#####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY#
#META#Header#End#
# بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي قضى بالفناء والزوال على جميع
~~عباده، وأنفذ أمره فيهم على وفق حكمته ومراده، ووعد الصابرين على قضائه
~~جميل ثوابه وإسعاده، وأوعد الساخطين جزيل نكاله وشديد وباله في معاده، ولذذ
~~قلوب العارفين بتدبيره، فبهجة نفوسه في تسليمها لقياده، هذا مع عجز كل منهم
~~عن دفاع ما أمضاه وإن تمادى الجاهل في عناده. فإياه - سبحانه - أحمد على كل
~~حال، وأسأله الإمداد بتوفيقه وإرشاده.
# وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أستدفع بها الأهوال في
~~ضيق المحشر ووهاده (1)، وأشهد أن محمد صلى الله عليه وآله عبده ورسوله،
~~أفضل من بشر وحذر، وأعظم من رضي بالقضاء وصبر، وخدم به سلطان معاده، صلى
~~الله عليه وعلى آله الأخيار، أعظم الخلق بلاء، وأشدهم عناء، وأسدهم تسليما
~~ورضاء، صلاة دائمة واصلة إلى كل واحد بانفراده.
# وبعد: فلما كان الموت هو الحادث العظيم، والأمر الذي هو على تفريق الأحبة
~~مقيم، وكان فراق المحبوب يعد من أعظم المصائب، حتى يكاد يزيغ له قلب ذي
~~العقل (2)، والموسوم بالحدس (3) الصائب، خصوصا ومن أعظم الأحباب الولد،
~~الذي هو
# PageV00P017
# مهجة الألباب، ولهذا رتب على فراقه جزيل الثواب، ووعد أبواه شفاعته فيهما
~~يوم المآب.
# فلذلك جمعت في هذه الرسالة جملة من الآثار النبوية، وأحوال أهل الكمالات
~~العلية، ونبذة من التنبيهات الجلية، ما ينجلي به - إن شاء الله تعالى -
~~الصدأ عن قلوب المحزونين، وتنكشف به الغمة عن المكروبين، بل تبهج به نفوس
~~العارفين، ويستيقظ من اعتبره من سنة الغافلين، وسميتها (مسكن الفؤاد عند
~~فقد الأحبة والأولاد) ورتبتها على مقدمة، وأبواب، وخاتمة.
# أما المقدمة: فاعلم أنه ثبت أن العقل هو الآلة التي بها عرف الله (1)
~~سبحانه، وحصل به تصديق الرسل والتزام الشرائع، وأنه المحرض على طلب
~~الفضائل، والمخوف من الاتصاف بالرذائل، فهو مدبر أمر الدارين، وسبب لحصول
~~الرئاستين، ومثله كالنور في الظلمة، فقد يقل عند قوم، فيكون كعين الأعشى
~~(2)، ويزيد عند آخرين، فيكون كالنهار في وقت الضحى.
# فينبغي لمن رزق العقل أن لا يخالفه فيما ms01 يراه، ولا يخلد (3) إلى متابعة
~~غفلته وهواه، بل يجعله حاكما له وعليه، ويراجعه فيما ير شده إليه، فيكشف له
~~حينئذ ما يوجب الرضا بقضاء الله سبحانه وتعالى، سيما فيما نزل به من هذا
~~الفراق، من وجوه كثيرة، نذكر بعضها:
# الأول: إنك إذا نظرت إلى عدل الله وحكمته، وتمام فضله ورحمته، وكمال
~~عنايته ببريته، إذ أخرجهم إلى الوجود من العدم (4)، وأسبغ عليهم جلائل
~~النعم، وأيدهم بالألطاف، وأمدهم بجزيل المعونة والإسعاف، كل ذلك ليأخذوا
~~حظهم من السعادة الأبدية والكرامة السرمدية، لا لحاجة منه إليهم، ولا
~~لاعتماد في شئ من أمره عليهم، لأنه الغني المطلق، والجواد المحقق.
# وكلفهم بالتكاليف الشاقة، والأعمال الثقيلة، ليأخذوا منه حظا وأملا
~~وليبلوهم أيهم أحسن عملا، وما فعل ذلك إلا لغاية منفعتهم، وتمام مصلحتهم،
~~وأرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، وأنزل عليهم الكتب، وأودعها ما فيه بلاغ
~~للعالمين.
# PageV00P018
# وتحقيق هذا المرام مستوفى في باب العدل من علم الكلام.
# وإذا كانت أفعاله - تعالى وتقدس - كلها لمصلحتهم، وما فيه تمام شرفهم،
~~والموت من جملة ذلك كما نطق به الوحي الإلهي في عدة آيات، كقوله تعالى: ﴿وما كان لنفس إن تموت إلا بإذن الله
~~كتابا موجلا﴾ (١) ﴿قل لو كنتم في
~~بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾ (٢)، ﴿أين ما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾
~~(٣)، ﴿الله يتوفى الأنفس حين
~~موتها﴾ (4)، إلى غير ذلك من الآيات.
# فلولا أن في ذلك غاية المصلحة، ونهاية الفائدة للعبد الضعيف الغافل عن
~~مصلحته، التائه في حيرته وغفلته، لما فعله الله تعالى به، لما قد عرفت من
~~أنه أرحم الراحمين، وأجود الأجودين، فإن حدثتك نفسك بخلاف ذلك فاعلم أنه
~~الشرك الخفي، وإن أيقنته ولم تطمئن نفسك وتسكن روعتك فهو الحمق الجلي.
# وإنما نشأ ذلك من الغفلة عن حكمة (الله تعالى) (5) في بريته، وحسن قضائه
~~في خليقته، حتى أن العبد ليبتهل ويدعو الله تعالى ms02 أن يرحمه، ويجيب دعائه في
~~أمثال ذلك، فيقول الله تعالى لملائكته: كيف أرحمه من شئ به أرحمه! فتدبر -
~~رحمك الله تعالى - في هذه الكلمة الإلهية، تكفيك في هذا الباب إن شاء الله
~~تعالى.
# الثاني: أنه إذا نظرت إلى أحوال الرسل عليهم السلام، وصدقتهم فيما أخبروا
~~به من الأمور الدنيوية والأخروية، ووعدوا به من السعادة الأبدية، وعلمت
~~أنهم إنما أتوا بما أتوا به عن الله جل جلاله، (واعتقدت أن قولهم) (6)
~~معصوم عن الخطأ محفوظ من الغلط والهوى، وسمعت (7) ما وعدوا به من الثواب
~~على أي نوع من أنواع المصاب (8) كما ستراه وتسمعه، سهل عليك موقعه، وعلمت
~~أن لك في ذلك غاية الفائدة، وتمام السعادة الدائمة، وأنك قد أعددت لنفسك
~~كنزا من الكنوز مذخورا (9)، بل حرزا ومعقلا وجنة
# PageV00P019
# (من العذاب الأليم والعقاب العظيم) (1)، الذي لا يطيقه بشر، ولا يقوى به
~~أحد، مع أن ولدك مشاركك في هذه السعادة، فقد فزت أنت وهو، فلا ينبغي أن
~~تجزع.
# ومثل لنفسك: أنه لو دهمك أمر عظيم، أو وثب عليك سبع أو حية، أو هجمت عليك
~~نار مضرمة، وكان عندك أعز أولادك، وحبهم إلى نفسك، وبحضرتك نبي من
~~الأنبياء، لا ترتاب في صدقه، وأخبرك: أنك إن افتديت بولدك سلمت أنت وولدك،
~~وإن لم تفعل عطبت، و (الحال أنك) (2) لا تعلم هل يعطب ولدك، أو يسلم؟
# أيشك عاقل أن الافتداء بالولد الذي يتحقق معه سلامة الولد، ويرجى معه -
~~أيضا - سلامة الوالد، هو عين المصلحة، وأن عدم ذلك، والتعرض لعطب الأب
~~والولد هو عين المفسدة! بل ربما قدم كثير من الناس نفسه على ولده، وافتدى
~~به وإن تيقن عطب الولد، كما اتفق ذلك في المفاوز (3) والمخمصة (4).
# هذا كله في نار وعطب ينقضي ألمه في ساعة واحدة، وربما ينتقل بعده إلى
~~الراحة والجنة، فما ظنك بألم يبقى أبد الآباد، ويمكث سنين!؟ وإن يوما عند
~~ربك منها كألف سنة مما تعدون، ولو رآها أحدنا، وأشرف عليها، لود أن يفتدي
~~ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه ومن في الأرض جميعا ثم ms03 ينجيه كلا
~~إنها لظى نزاعة للشوى تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى (5).
# ومن هنا جاء ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال لعثمان بن
~~مظعون رضي الله عنه، وقد مات ولده، فاشتد حزنه عليه: (يا ابن مظعون، إن
~~للجنة ثمانية أبواب، وللنار سبعة أبواب، أفما يسرك أن لا تأتي بابا منها
~~إلا وجدت ابنك إلى جنبه (6)، آخذا بحجزتك يستشفع لك إلى ربك (7)، حتى يشفعه
~~الله تعالى؟).
# وسيأتي له نظائر كثيرة إن شاء الله.
# الثالث: إنك إنما تحب بقاء ولدك لينفعك في دنياك، أو في آخرتك، ولا تريد
# PageV00P020
# في الأغلب بقاءه لنفسه، فإن هذا هو المجبول عليه طبع الخلق، ومنفعته لك
~~على تقدير بقائه غير معلومة، بل كثيرا ما يكون المظنون عدمها، فإن الزمان
~~قد صار في آخره، والشقوة والغفلة قد شملت أكثر الخلائق، وقد عز السعيد، وقل
~~الصالح الحميد، فنفعه لك - بل لنفسه - على تقدير بقائه غير معلوم، وانتفاعه
~~الآن وسلامته من الخطر ونفعه لك قد صار معلوما، فلا ينبغي أن تترك الأمر
~~المعلوم لأجل الأمر المظنون بل الموهوم، وتأمل أكثر الخلف لأكثر السلف، هل
~~تجد منهم نافعا لأبويه إلا أقلهم، أو مستيقظا إلا أوحديهم حتى إذا رأيت
~~واحدا كذلك، فعد ألوفا بخلافه. والحاقك ولدك الواحد بالفرد النادر الفذ (1)
~~دون الأغلب الكثير، عين الغفلة والغباوة، فإن الناس بزمانهم أشبه منهم
~~بآبائهم. كما ذكره سيد الوصيين، وترجمان رب العالمين، صلوات الله وسلامه
~~عليه.
# مع أن ذلك الفرد الذي تريد مثله، إنما هو صالح نافع بحسب الظاهر، وما
~~الذي يدريك بباطنه وفساد نيته وظلمه لنفسه؟! فلعلك لو كشف عن باطنه، ظهر لك
~~أنه منطو على معاصي وفضائح، لا ترضاها لنفسك ولا لولدك، وتتمنى أن ولدك لو
~~كان على مثل حالته يموت فإنه خير له.
# هذا كله إذا كنت تريد أن تجعل ولدك واحدا في العالمين، ووليا من
~~الصالحين، فكيف وأنت لا تريده إلا ليرث بيتك، أو بستانك، أو دوابك، وأمثال
~~ذلك من الأمور الخسيسة الزائلة عما قريب! وتتركه يرث ms04 الفردوس الأعلى في
~~جوار أولاد النبيين والمرسلين، مبعوثا مع الآمنين الفرحين، مربى إن كان
~~صغيرا في حجر سارة أم النبيين، كما وردت به الأخبار عن سيد المرسلين، (2)،
~~ما هذا إلا معدود من السفه لو عقلت!.
# ولو كان مرادك أن تجعله من العلماء الراسخين والصلحاء المتقين، وتورثه
~~علمك وكتبك وغيرها من أسباب الخير، فاذكر أيضا أن ذلك كله لو تم معك، فما
~~وعد الله تعالى من العوض على فقده أعظم من مقصدك، كما ستسمعه إن شاء الله
~~تعالى.
# مثل ما رواه الصدوق، عن الصادق عليه السلام: (ولد واحد يقدمه الرجل،
# PageV00P021
# أفضل من سبعين ولدا يبقون بعده، يدركون القائم عليه السلام) (1).
# واعتبر أنه لو قيل: إن رجلا فقيرا معه ولد عليه خلقان (2) الثياب، قد
~~أسكنه في خربة مقفرة ذات آفات كثيرة، وفيها بيوت حياة وعقارب وسباع ضارية،
~~وهو معه على خطر عظيم، فاطلع عليه رجل حكيم جليل، ذو ثروة وحشمة (3) وخدم
~~وقصور عالية ورتب سامية، فرق لهذا الرجل ولولده، فأرسل إليه بعض غلمانه: إن
~~سيدي يقول لك:
# إني قد رحمتك مما بك في هذه الخربة، وهو خائف عليك وعلى ولدك (من
~~العاهات) (4)، وقد تفضلت عليك بهذا القصر، ينزل به ولدك، ويوكل به جارية
~~عظيمة من كرائم جواريه تقوم بخدمته إلى أن تقضي أنت أغراضك التي في نفسك،
~~ثم إذا قدمت، وأردت الإقامة أنزلتك معه في القصر، بل في قصر أحسن من قصره.
# فقال الرجل الفقير: أنا لا أرضى بذلك، ولا يفارقني ولدي في هذه الخربة،
~~لا لعدم وثوقي بالرجل الباذل، ولا زهدا مني في داره وقصره، ولا لأماني على
~~ولدي في هذه الخربة، بل طبعي اقتضى ذلك، وما أريد أن أخالف طبعي.
# أفما كنت - أيها السامع لو صف هذا الرجل - تعده من أدنياء السفهاء وأخساء
~~الأغبياء؟! فلا تقع (5) في خلق لا ترضاه لغيرك، فإن نفسك أعز عليك من غيرك.
# واعلم أن لسع الأفاعي، وأكل السباع، وغيرهما من آفات الدنيا لا نسبة لها
~~إلى أقل محنة من محن الآخرة المكتسبة في الدنيا، بل ms05 لا نسبة لها إلى إعراض
~~الحق (6) سبحانه، وتوبيخه ساعة واحدة في عرصة القيامة، أو عرضة واحدة على
~~النار مع الخروج منها بسرعة.
# فما ظنك بتوبيخ يكون ألف عام، أو أضعافه، وبنفحة من عذاب جهنم يبقى ألمها
~~ألف عام، ولسعة من حياتها وعقاربها يبقى ألمها أربعين خريفا! وأي نسبة
~~لأعلى قصر في دار الدنيا، إلى أدنى مسكن في الجنة! وأي مناسبة بين خلقان
~~الثياب في الدنيا
# PageV00P022
# إلى فاخرها إلى أعلى ما في الدنيا، بالإضافة إلى سندس الجنة واستبرقها،
~~وهلم جرا إلى ما فيها من النعيم المقيم؟!
# بل لو تأملت بعين بصيرتك في هذا المثل، وأجلت فيه رؤيتك، علمت أن ذلك
~~الكريم الكبير، بل جميع العقلاء لا يرضون من ذلك الفقير بمجرد تسليم ولده
~~ورضاه بأخذه، بل لابد في الحكمة من حمده عليه وشكره، وإظهار الثناء عليه
~~بما هو أهله، لأن ذلك هو مقتضى حق النعمة.
# الرابع: إن في الجزع بذلك والسخط انحطاطا عظيما عن مرتبة الرضى بقضاء
~~الله تعالى، وفي فوات ذلك خطر وخيم، وفوات نيل عظيم، فقد ذم الله تعالى من
~~سخط بقضائه، وقال: (من لم يرض بقضائي، ولم يصبر على بلائي، فليعبد ربا
~~سواي) (١).
# وفي كلامه تعالى لموسى عليه السلام حين قال له: دلني على أمر فيه رضاك،
~~قال: (إن رضاي في رضاك بقضائي) (٢).
# وفي القرآن الكريم: ﴿رضي الله عنهم
~~ورضوا عنه﴾ (٣).
# وأوحى الله تعالى إلى داود: (يا داود، تريد وأريد، وإنما يكون ما أريد،
~~فإن سلمت لما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم ما أريد أتعبتك فيما تريد،
~~ثم لا يكون إلا ما أريد) (٤).
# وقال تعالى: ﴿لكيلا تأسوا على ما
~~فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم﴾ (5).
# واعلم أن الرضى بقضاء الله - تعالى - ثمرة المحبة لله، إذ من أحب شيئا
~~رضي بفعله، ورضى العبد عن الله دليل على رضى الله تعالى عن العبد، رضي الله
~~عنهم ورضوا عنه، وصاحب هذه المرتبة مع رضي الله تعالى عنه - الذي هو ms06 أكمل
~~السعادات، وأجل الكمالات - لا يزال مستريحا، لأنه لم يوجد منه أريد ولا
~~أريد، كلاهما عنده واحد ، ورضوان الله أكبر، إن ذلك لمن عزم الأمور.
# وسيأتي لذلك بحث آخر إن شاء الله تعالى في باب الرضى (6).
# PageV00P023
# واعلم أن البكاء لا ينافي الرضى، ولا يوجب السخط، وإنما مرجع ذلك إلى
~~القلب، كما ستعرفه - إن شاء الله تعالى - ومن ثم بكاء الأنبياء والأئمة
~~عليهم السلام على أبنائهم وأحبائهم، فإن ذلك أمر طبيعي للإنسان، لا حرج فيه
~~إذا لم يقترن بالسخط، وسيأتي.
# الخامس: أن ينظر صاحب المصيبة إلى أنه في دار قد طبعت على الكدر والعناء،
~~وجبلت على المصائب والبلاء، فما يقع فيها من ذلك هو مقتضى جبلتها وموجب
~~طبيعتها، وإن وقع خلاف ذلك فهو على خلاف العادة لأمر آخر، خصوصا على
~~الأكابر والنبلاء من الأنبياء والأوصياء والأولياء، فقد نزل بهم من الشدائد
~~والأهوال ما يعجز عن حمله الجبال، كما هو معلوم في المصنفات، التي لو ذكر
~~بعضها لبلغ مجلدات.
# وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: (أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم
~~الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل) (1).
# وقال النبي صلى الله عليه وآله: (الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر) (2).
# وقد قيل: إن الدنيا ليس فيها لذة على الحقيقة، إنما لذاتها راحة من مؤلم،
~~هذا وأحسن لذاتها، وأبهى بهجاتها مباشرة النساء، المترتب عليه حصول
~~الأبناء، كم يعقبه من قذى (3)، أقلة ضعف القوى وتعب الكسب والعناء. ومتى
~~حصل محبوب كانت آلامه تربو على لذاته، والسرور به لا يبلغ معشار حسراته،
~~وأقل آفاته في الحقيقة الفراق الذي ينكث (4) الفؤاد، ويذيب (5) الأجساد.
# فكلما تظن في الدنيا أنه شراب سراب، وعمارتها - وإن حسنت - إلى
# PageV00P024
# خراب، ومالها - وإن اغتر بها الجاهل - إلى ذهاب، ومن خاض الماء الغمر (١)
~~لا يجزع من بلل، كما أن من دخل بين الصفين لا يخلو من وجل، ومن العجب من
~~أدخل يده في فم الأفاعي كيف ينكر اللسع، وأعجب منه من يطلب من المطبوع على
~~الضر النفع!
# وما أحسن قول بعض الفضلاء (٢) في مرثية ابنه:
# طبعت على ms07 كدر وأنت تريدها * صفوا من الأقذاء والأكدار ومكلف الأيام ضد
~~طباعها * متطلب في الماء جذوة نار وإذا رجوت المستحيل فإنما تبني البناء
~~على شفير هار وقال بعض العارفين: ينبغي لمن نزلت به مصيبة أن يسهلها على
~~نفسه، ولا يغفل عن تذكر ما يعقبه من وجوب الفناء وتقضي المسار، وأن الدنيا
~~دار من لا دار له، ومال من لا مال له، يجمعها من لا عقل له، ويسعى لها من
~~لا ثقة له، وفيها يعادي من لا علم له، وعليها يحسد من الفقه له، من صخ فيها
~~سقم، ومن سقم فيها برم، ومن افتقر فيها حزن، ومن استغنى فيها فتن.
# واعلم أنك قد خلقت في هذه الدار لغرض خاص، لأن الله تعالى منزه عن العبث،
~~وقد قال الله تعالى: ﴿وما خلقت الجن
~~والإنس إلا ليعبدون﴾ (3) وقد جعلها مكتسبا لدار القرار، وجعل بضاعتها
~~الأعمال الصالحة، ووقتها العمر، وهو قصير جدا بالنظر إلى ما يطلب من
~~السعادة الأبدية، التي لا انقضاء لها.
# فإن اشتغلت بها، واستيقظت استيقاظ الرجال، واهتممت بشأنك اهتمام الأبدال،
~~رجوت أن تنال نصيبك منها، فلا تضيع عمرك في الاهتمام بغير ما خلقت له، يضيع
~~وقتك، ويذهب عمرك بلا فائدة، فإن الغائب لا يعود، والميت لا يرجع، وتفوتك
# PageV00P025
# السعادة التي خلقت لها. فيالها حسرة لا تفنى، وغبن لا يزول، إذا عاينت
~~درجات السابقين، وأبصرت منازل المقربين، وأنت مقصر من الأعمال الصالحة، خلي
~~من المتاجر الرابحة! فقس ذلك الألم على هذه الآلام، وادفع أصعبهما عليك
~~وأضرهما لك: مع أنك تقدر على دفع سبب هذا، ولا تقدر على دفع سبب ذاك.
# كما قال علي عليه السلام: (إن صبرت جرى عليك القضاء وأنت مأجور، وإن جزعت
~~(١) جرى عليك القضاء وأنت مأزور (٢)، فاغتنم شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل
~~سقمك، واجعل الموت نصب عينك، واستعد له بصالح العمل، ودع الاشتغال بغيرك،
~~فإن الموت يأتي إليك دونه).
# وتأمل قوله تعالى: ﴿وان ليس للانسان
~~ألا ما سعى ms08 * وان سعيه سوف يرى﴾ (3) فقصر أملك، وأصلح (4) عملك، فإن
~~السبب الأكثري الموجب للاهتمام بالأموال والأولاد طول الأمل.
# وقد قال النبي صلى الله عليه وآله لبعض أصحابه: إذا أصبحت فلا تحدث نفسك
~~بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من حياتك لموتك، ومن صحتك
~~لسقمك، فإنك لا تدري ما اسمك غدا) (5).
# وقال علي عليه السلام: (إن أشد ما أخاف عليكم خصلتان: اتباع الهوى، وطول
~~الأمل، فأما اتباع الهوى فإنه يعدل عن الحق، وأما طول الأمل فإنه يورث الحب
~~للدنيا) (6).
# ثم قال: (ألا إن الله يعطي الدنيا لمن يحب ويبغض، وإذا أحب عبدا أعطاه
~~الإيمان، ألا إن للدين أبناء، وللدنيا أبناء، فكونوا من أبناء الدين، ولا
~~تكونوا من أبناء الدنيا، ألا إن الدنيا قد ارتحلت مولية، ألا إن الآخرة قد
~~ارتحلت مقبلة، إلا وإنكم في
# PageV00P026
# يوم عمل ليس فيه حساب، ألا وإنكم توشكون في يوم حساب ليس فيه عمل) (1).
# واعلم أن محبوبا يفارقك، وتبقى على نفسك حسرته وألمه، وفي حال إيصاله (2)
~~كدك وكدحك وجدك واجتهادك، ومع ذلك لا يخلو زمانك معه من تنغيص (3) به أو
~~عليه، لأجل أن تتسلى عنه، وتطلب لنفسك محبوبا غيره، وتجتهد في أن يكون
~~موصوفا بحسن الصحة، ودوام الملازمة، وزيادة الأنس، وتمام المنفعة.
# فإن ظفرت به فذلك هو الذي ينبغي أن يكون بغيتك التي تحفظها، وتهتم بها،
~~وتنفق وقتك عليها، وهو غاية كل محبة، ومنتهى كل مقصد، وما ذاك إلا الاشتغال
~~بالله، وصرف الهمة إليه، وتفويض ما خرج عن ذلك إليه، فإن ذلك دليل على حب
~~الله تعالى، يحبهم ويحبونه والذين آمنوا أشد حبا لله.
# وقد جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحب لله من شرط الأيمان، فقال:
# (لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) (4).
# ولا يتحقق الحب في قلب (أحدكم لأحد) (5) مع كراهته لفعله وسخطه به، بل مع
~~عدم رضاه على وجه الحقيقة، لا على وجه التكلف والتعنت.
# وفي أخبار داود عليه السلام: (يا داود، أبلغ أهل أرضي: اني حبيب من ms09
~~أحبني، وجليس من جالسني، ومؤنس لمن أنس بذكري، وصاحب لمن صاحبني، ومختار
~~لمن اختارني، ومطيع لمن أطاعني، ما أحبني أحد (6) أعلم ذلك يقينا من قلبه
~~إلا قبلته لنفسي، (وأحببته حبا) (7) لا يتقدمه أحد من خلقي، من طلبني بالحق
~~وجدني، ومن طلب غيري لم يجدني. فارفضوا - يا أهل الأرض - ما أنتم عليه من
~~غرورها، وهلموا إلى كرامتي ومصاحبتي ومجالستي ومؤانستي، وأنسوا بي أؤانسكم،
~~وأسارع إلى محبتكم) (8).
# PageV00P027
# وأوحى الله تعالى إلى بعض الصديقين: (إن لي عبادا من عبادي، يحبوني
~~وأحبهم، ويشتاقون إلي أشتاق إليهم، ويذكروني وأذكرهم، فإن أخذت طريقتهم
~~أحببتك، وإن عدلت عنهم مقتك.
# فقال: يا رب وما علامتهم؟
# قال: يراعون الظلال بالنهار، كما يراعي [الراعي] (1) الشفيق غنمه، ويحنون
~~إلى غروب الشمس، كما تحن الطير إلى أو كارها عند الغروب، فإذا جنهم الليل،
~~واختلط الظلام، وفرشت الفرش، ونصبت الأسرة، وخلا كل حبيب بحبيبه، نصبوا إلي
~~أقدامهم، وافترشوا لي وجوههم، ونا جوني بكلامي، وتملقوني بانعامي، ما بين
~~(2) صارخ وباك، وما بين متأوه وشاك، وبين قائم وقاعد، وبين راكع وساجد،
~~بعيني ما يتحملون من أجلي، وبسمعي ما يشكون من حبي، أقل (3) ما أعطيهم
~~ثلاثا:
# الأول: أقذف من نوري في قلوبهم، فيخبرون عني، كما أخبر عنهم.
# والثاني: لو كانت السماوات الأرضون (4) وما فيهما في موازينهم،
~~لاستقللتها لهم.
# والثالث: أقبل بوجهي عليهم، أفترى من أقبلت بوجهي عليه، يعلم أحد ما أريد
~~أن أعطيه؟) (5).
# وهاهنا نقطع الكلام في المقدمة ونشرع في الأبواب:
# PageV00P028
# الباب الأول في بيان الأعواض الحاصلة من موت الأولاد، وما يقرب من هذا
~~المراد إعلم أن الله - سبحانه - عدل (كريم، وأنه) (1) غني مطلق، لا يليق
~~بكمال ذاته وجميل صفاته، أن ينزل بعبده المؤمن في دار الدنيا شيئا من
~~البلاء وإن قل، ثم لا يعوضه عنه ما يزيد عليه، إذ لو لم يعطه شيئا (بالكلية
~~كان له ظالما) (2)، ولو عوضه بقدره كان عابثا، تعالى الله عنهما علوا
~~كبيرا.
# وقد تظافرت بذلك الأخبار النبوية، ومنها:
# (إن المؤمن لو يعلم (ما أعد الله له) (3) على البلاء، لتمني أنه ms10 في دار
~~الدنيا قرض بالمقاريض) (4).
# ولنقتصر منها على ما يختص بما نحن فيه، فقد رواه عن النبي صلى الله عليه
~~وآله وسلم أزيد من ثلاثين صحابيا.
# وروى الصدوق - رحمه الله - بإسناده إلى عمرو بن عبسة (5) السلمي، قال:
# سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (أيما رجل قدم ثلاثة
~~أولاد، لم يبلغوا الحنث، أو امرأة قدمت ثلاثة أولاد، فهم حجاب يسترونه عن
~~(6) النار) (7).
# وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: ما من مسلمين يقدمان عليهما ثلاثة
~~أولاد، لم يبلغوا الحنث، إلا أدخلها (8) الله الجنة بفضل رحمته (9).
# PageV00P029
# الحنث بكسر الحاء المهملة، وآخره ثاء مثلثة: الإثم، والذنب، والمعنى:
~~أنهم لم يبلغوا السن الذي يكتب عليهم فيه الذنوب والآثام، قال الخليل: بلغ
~~الغلام الحنث، إي: جرى عليه القلم (1).
# وبإسناده إلى جابر، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام، قال:
# (من قدم أولادا يحتسبهم عند الله تعالى، حجبوه من النار بإذن الله عز
~~وجل) (2).
# وبإسناده إلى علي بن ميسرة (3)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (ولد
~~واحد يقدمه الرجل أفضل من سبعين، يخلفونه (4) من بعده، كلهم قد ركب الخيل،
~~وقاتل في سبيل الله) (5).
# وعنه عليه السلام: (ثواب المؤمن من ولده (6) الجنة، صبر أو لم يصبر) (7).
# وعنه عليه السلام: (من أصيب بمصيبة، جزع عليها أو لم يجزع، صبر عليها أو
~~لم يصبر، كان ثوابه من الله الجنة) (8).
# وعنه عليه السلام: (ولد واحد يقدمه الرجل أفضل من سبعين ولدا، يبقون
~~بعده، يدركون القائم عليه السلام) (9) وروي الترمذي بإسناده إلى النبي صلى
~~الله عليه وآله، أنه قال: (ما نزل) (10).
# PageV00P030
# البلاء بالمؤمن والمؤمنة، في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله عز وجل،
~~وما عليه خطيئة) (1).
# وعن محمد بن خالد السلمي، عن أبيه، عن جده - وكانت له صحبة - قال:
# سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إن العبد إذا سبقت له من
~~الله تعالى منزلة ولم يبلغها بعمل، ابتلاه الله في جسده، أو في ماله، أو في
~~ولده، ثم صبره على ذلك، حتى ms11 يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله عز وجل)
~~(2).
# وعن ثوبان - مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - قال: سمعت رسول
~~الله صلى الله عليه وآله يقول: (بخ بخ، خمس ما أثقلهن في الميزان! لا إله
~~إلا الله، وسبحان الله، (والحمد لله، والله أكبر) (3)، والولد الصالح يتوفى
~~للمرء المسلم (4) فيحتسبه) (5). بخ بخ، كلمة تقال عند المدح والرضا بالشئ،
~~وتكرر للمبالغة، وربما شددت ومعناها: تفخيم الأمر وتعظيمه، ومعني يحتسبه،
~~أي: يجعله حسبة وكفاية عند الله عز وجل، أي: يحتسب بصبره على مصيبة بموته،
~~ورضاه بالقضاء.
# وعن عبد الرحمن بن سمرة، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إني
~~رأيت البارحة عجبا - فذكر حديثا طويلا، وفيه رأيت رجلا من أمتي قد خف
~~ميزانه فجاء أفراطه فثقلوا ميزانه) (6).
# الفرط بفتح الفاء والراء: هو الذي لم يدرك من الأولاد - الذكور والإناث -
~~وتتقدم وفاته على أبويه أو أحدهما، يقال: فرط القوم، إذا تقدمهم، وأصله
~~الذي يتقدم الركب إلى الماء، ويهيئ (7) لهم أسبابه.
# PageV00P031
# وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله
~~وسلم: (تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة: حتى أن السقط ليظل
~~محبنطئا على باب الجنة، فيقال له: ادخل، يقول: حتى يدخل أبواي) (1).
# السقط مثلث السين، والكسر أكثر (2): هو الذي يسقط من بطن أمه قبل تمامه ،
~~محبنطئا بالهمز وتركه: هو المتغضب المستبطئ للشئ.
# وعن معاوية بن حيدة القشيري (3)، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال:
# (سوداء ولود خير من حسناء لا تلد، إني مكاثر بكم الأمم: حتى أن السقط
~~ليظل محبنطئا على باب الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أنا وأبواي؟
~~فيقال: أنت وأبواك) (4).
# وعن عبد الملك بن عمير، عمن حدثه، أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله
~~وسلم، فقال: يا رسول الله، أتزوج فلانة؟ فنهاه رسول الله صلى الله عليه
~~وآله عنها، ثم أتاه ثانية فقال: يا رسول الله، أتزوج فلانة؟ فنهاه عنها، ثم
~~أتاه ثالثة، فقال رسول الله صلى الله عليه ms12 وآله: (سوداء ولود (5) أحب إلي
~~من عاقر حسناء)، ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: (أما علمت أني مكاثر بكم
~~الأمم؟ حتى أن السقط ليبقى محبنطئا على باب الجنة، فيقال له: ادخل، فيقول:
~~لا، حتى يدخل أبواي، فيشفع فيهما، فيد خلان الجنة).
# وعن سهل بن الحنظلية - وكان لا يولد له، وهو ممن بايع تحت الشجرة - قال:
# لئن يولد لي في الاسلام (ولد ويموت سقطا (6) فأحتسبه، أحب إلي من أن تكون
~~لي
# PageV00P032
# الدنيا جميعا وما فيها (1).
# وعن عبادة بن الصامت، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:
# النفساء يجرها ولدها يوم القيامة بسرره (2) إلى الجنة) (3).
# النفساء بضم النون وفتح الفاء: المرأة إذا ولدت، والسرر بكسر السين
~~المهملة وفتحها: ما تقطعه القابلة من سرة المولود، التي هي موضع القطع، وما
~~بقي بعد القطع فهو السرة، وكأنه يريد: الولد الذي لم تقطع سرته.
# وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
~~وآله: (من قدم من صلبه ولدا (4) لم يبلغ الحنث، كان أفضل من أن يخلف من أن
~~يخلف من بعده مائة، كلهم يجاهدون في سبيل الله (لا تسكن روعتهم (5) إلى يوم
~~القيامة).
# وعن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لئن اقدم سقطا أحب
~~إلي من أن أخلف مائة فارس، كله يقاتل في سبيل الله) (6).
# وعن أيوب بن موسى، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال للزبير: (يا
~~زبير إنك إن تقدم سقطا، خير من أن تدع بعدك من ولدك مائة، كل منهم على فرس
~~يجاهد في سبيل الله).
# وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: (يقال للولدان يوم القيامة:
# أدخلوا الجنة، فيقولون: يا رب، حتى يدخل آباؤنا وأمهاتنا، قال: فيأبون،
~~فيقول الله عز وجل: ما لي أراهم محبنطئين، أدخلوا الجنة، فيقولون: يا رب،
~~آباؤنا، فيقول تعالى:
# أدخلوا الجنة أنتم وآباؤكم) (7).
# وعن عبيد بن عمير الليثي، قال: (إذا كان يوم القيامة، خرج ولدان المسلمين
~~من الجنة بأيديهم الشراب، قال: ms13 فيقول الناس لهم: أسقونا، أسقونا، فيقولون:
~~أبوينا،
# PageV00P033
# أبوينا، قال: حتى أن (1) السقط محبنطئا بباب الجنة، يقول: لا أدخل حتى
~~يدخل أبواي) (2).
# وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا كان
~~يوم القيامة، نودي في أطفال المؤمنين (3): أن اخرجوا من قبوركم، فيخرجون من
~~قبورهم، ثم ينادي فيهم: أن امضوا إلى الجنة زمرا، فيقولون: ربنا، ووالدينا
~~معنا، ثم ينادى فيهم ثانية: امضوا إلى الجنة زمرا، فيقولون ربنا: ووالدينا،
~~فيقول في الرابعة: ووالديكم معكم، فيثب كل طفل إلى أبويه، فيأخذون بأيديهم،
~~فيدخلون بهم الجنة، فهم أعرف بآبائهم وأمهاتهم - يومئذ - من أولادكم الذين
~~في بيوتكم). (4) الزمر: الأفواج المتفرقة بعضها في أثر بعض، وقيل: في الزمر
~~الذين اتقوا (5) من الطبقات المختلفة، أي الشهداء، والزهاد، والعلماء،
~~والفقراء، والقراء، والمحدثون، وغيرهم.
# وعن أنس بن مالك: ان رجلا كان يجئ بصبي معه إلى رسول الله صلى الله عليه
~~وآله وسلم، وأنه مات، فاحتبس والده عن رسول الله صلى الله عليه وآله، فسأل
~~عنه، فقالوا: مات صبيه الذي رأيته معه، فقال صلى الله عليه وآله: (هلا
~~آذنتموني، فقوموا إلى أخينا نعزيه) فلما دخل عليه إذا الرجل حزين وبه كآبة
~~فغراه، فقال: يا رسول الله، كنت أرجوه لكبر سني وضعفي، فقال رسول الله صلى
~~الله عليه وآله: (أما يسرك أن يكون يوم القيامة بإزائك؟ فيقال له: أدخل
~~الجنة، فيقول: يا رب (6) وأبواي، فلا يزال يشفع حتى يشفعه الله عز وجل
~~فيكم، ويدخلكم الجنة جميعا) (7).
# احتبس، أي تخلف عن المجئ إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وآذنتموني
~~بالمد: أي أخبرتموني، والكآبة بالمد: تغير النفس بالانكسار من شدة الهم
~~والحزن،
# PageV00P034
# والضعف بضم المعجمة وفتحها، وبإزائك، إي بحذائك.
# وعن أنس - أيضا - قال: توفي لعثمان بن مظعون رضي الله عنه ولد، فاشتد
~~حزنه عليه، حتى اتخذ في داره مسجدا يتعبد فيه، فبلغ ذلك (1) النبي صلى الله
~~وآله، فقال: (يا عثمان، إن الله - عز وجل - لم يكتب علينا الرهبانية، إنما
~~رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله، يا عثمان ms14 بن مظعون، إن للجنة ثمانية
~~أبواب، وللنار سبعة أبواب، أفلا يسرك ألا تأتي باب منها إلا وجدت ابنك
~~بجنبه (2)، آخذا بحجزتك، (ليشفع لك إلى ربه) (3) عز وجل؟) قال: فقيل: يا
~~رسول الله ولنا في أفراطنا ما لعثمان؟
# قال: (نعم، لمن صبر منكم واحتسب) (4).
# والحجزة، بضم الحاء المهملة والزاء: موضع شد الإزار، ثم قيل للإزار:
~~حجزة.
# وعن قرة بن اياس: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يختلف إليه رجل
~~من الأنصار مع ابن له فقال له إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم:
~~(يا فلان، تحبه؟) قال: نعم، يا رسول الله، أحبه كحبك، ففقده النبي صلى الله
~~عليه وآله، فسأل عنه، فقالوا: يا رسول الله، مات ابنه، فلما رآه قال عليه
~~الصلاة والسلام: (أما ترضى أن لا تأتي يوم القيامة بابا من أبوب الجنة، إلا
~~جاء يسعى يفتحه لك؟) فقال رجل: يا رسول الله، أله وحده أم لكلنا؟ قال: (بل
~~لكلكم) (5).
# وروى البيهقي: ان النبي صلى الله عليه وآله كان إذا جلس تحلق إليه نفر من
~~أصحابه، (وكان فيهم) (6) رجل له بني صغير يأتيه من خلف ظهره، فيقعده بين
~~يديه، إلى أن هلك ذلك الصبي، فامتنع الرجل من الحلقة أن يحضرها تذكرا له
~~وحزنا، قال:
# ففقده النبي صلى الله عليه وآله، فقال: (مالي لا أرى فلانا؟) قالوا: يا
~~رسول الله بنيه
# PageV00P035
# الذي رأيته هلك، فمنعه الحزن - أسفا عليه وتذكرا (1) له - أن يحضر
~~الحلقة، فلقيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فسأله عن ابنه (2)، فأخبره
~~بهلاكه (3) فعزاه، وقال: (يا فلان، أيما كان أحب إليك: عن تمتع به عمرك،
~~أولا تأتي غدا بابا من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه، يفتحه (4) لك؟)
~~قال: يا نبي الله، لا، بل يسبقني إلى باب الجنة أحب إلي، قال: (فذلك لك)
~~(5) فقام رجل من الأنصار، فقال: يا نبي الله، أهذا لهذا خاصة، أم من هلك له
~~طفل من المسلمين كان له ذلك؟ قال: (بل من هلك له طفل من المسلمين كان له ms15
~~ذلك) (6).
# الحلقة بإسكان الأم بعد فتح الحاء: كل شئ مستدير خالي الوسط، والجمع حلق
~~بفتحتين، وحكى فتحه في (الموجز) وهو نادر.
# وعن زرارة بن أوفى: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عزى رجلا على
~~ابنه فقال: (أجرك على الله، وأعظم لك الأجر) فقال الرجل: يا رسول الله، أنا
~~شيخ كبير، وكان ابني قد أجزأ عني، فقال له النبي صلى الله عليه وآله:
~~(أيسرك أن يشير لك - أو يتلقاك - من أبواب الجنة بالكأس؟) قال: من لي بذلك
~~يا رسول الله؟ فقال:
# (الله لك به، ولكل مسلم (مات ولده) (7) في الاسلام).
# أجزأ بمعنى: كفى، والكأس بالهمز، وقد يترك تخفيفا، هو الإناء فيه شراب،
~~ولا يسمى بذلك إلا بانضمامه إليه، وقيل: هو اسم لهما على الاجتماع
~~والانفراد، والجمع أكؤس، ثم كؤوس.
# وعن عبد الله بن قيس، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا مات
~~ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول:
~~قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك،
~~واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة، وسموه بيت الحمد)
~~(8).
# PageV00P036
# وروي: ان امرأة أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومعها ابن لها مريض،
~~فقالت: يا رسول الله، ادع الله تعالى أن يشفي لي ابني هذا، فقال لها رسول
~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: (هل لك فرط؟) قالت: نعم، يا رسول الله، قال:
~~(في الجاهلية أم في الاسلام؟) قالت: بل في الاسلام، فقال رسول الله صلى
~~الله عليه وآله: (جنة حصينة، جنة حصينة) (1).
# الجنة بضم الجيم: الوقاية، أي: وقاية لك من النار، أو من جميع الأهوال.
# وحصينة فعيل بمعنى فاعل، أي: محصنة لصاحبها، وساترة له من أن يصل إليه شر
~~(2).
# وعن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من دفن
~~ثلاثة أولاد، وصبر عليهم، واحتسب وجبت له الجنة) فقالت أم أيمن: واثنين؟
~~فقال:
# (من دفن اثنين، وصبر عليهما، واحتسبهما وجبت له الجنة) فقالت أم ms16 أيمن:
~~وواحد، فسكت، وأمسك، فقال: (يا أم أيمن، من دفن واحدا، وصبر عليه، واحتسبه
~~وجبت له الجنة) (3).
# وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
~~وآله وسلم: (من قدم ثلاثة لم يبلغوا الحنث كانوا له حصنا حصينا) فقال أبو
~~ذر:
# قدمت اثنين، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (واثنين) ثم قال أبي بن كعب:
# قدمت واحدا، فقال صلى الله عليه وآله: (وواحدا، ولكن إنما ذاك عند الصدمة
~~الأولى) (4).
# وعن أبي سعيد الخدري: إن النساء قلن للنبي صلى الله عليه وآله: اجعل لنا
~~يوما تعظنا فيه، فوعظهن، وقال: (أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد، كانوا
~~لها حجابا من
# PageV00P037
# النار قالت امرأة: واثنان، قال: (واثنان) (1).
# وعن بريدة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يتعاهد الأنصار،
~~ويعودهم، ويسأل عنهم، فبلغه أن امرأة مات ابن لها، فجزعت عليه، فأتاها
~~فأمرها بتقوى الله عز وجل والصبر، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة رقوب لا
~~ألد، ولم يكن لي ولد غيره، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (الرقوب
~~التي يبقى لها ولدها، ثم قال: ما من امرئ مسلم، أو امرأة مسلمة، يموت لهما
~~ثلاثة من الولد، إلا أدخلهما الله الجنة فقيل له:
# واثنان: فقال: (واثنان) (2).
# وفي حديث آخر: أنه صلى الله عليه وآله قال لها: (أما تحبين أن ترينه على
~~باب الجنة، وهو يدعوك إلينا؟) (3) قالت: بلى، قال: (فإنه كذلك) (4).
# الرقوب بفتح الراء: (هي التي لا يولد لها) (5)، أولا يعيش ولدها (6)، هذا
~~بحسب اللغة، وقد خصه النبي صلى الله عليه وآله بما ذكر.
# وعن [أبي] (7) النضر السلمي: ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (لا
~~يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فيحتسبهم، إلا كانوا له حصنا من
~~النار) فقالت امرأة: واثنان، فقال: (واثنان) (8).
# وعنه صلى الله عليه وآله وسلم (من قدم من ولده ثلاثا صابرا محتسبا (كان
~~محجوبا) (9) من النار بإذن الله عز وجل).
# PageV00P038
# وفي لفظ آخر: (من قدم شيئا من ولده صابرا ms17 محتسبا، حجبوه بإذن الله من
~~النار) (1).
# وعن أم مبشر (2) الأنصارية، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنه
~~دخل عليها، وهي تطبخ حبا، فقال: (من مات له ثلاثة لم يبلغوا الحنث، كانوا
~~له حجابا من النار) فقالت: يا رسول الله، واثنان، فقال لها: (واثنان، يا أم
~~مبشر).
# وفي لفظ آخر: فقالت: أو فرطان، قال: (أو فرطان) (3).
# وعن قبيصة بن برمة، قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
~~جالسا، إذ أتته امرأة، فقالت: يا رسول الله، ادع الله لي، فإنه ليس يعيش لي
~~ولد، قال:
# (وكم مات لك؟) قالت: ثلاثة، قال: (لقد احتظرت من النار بحظار شديد) (4).
# الحظار بكسر الحاء المهملة والظاء المشالة: الحظيرة تعمل للإبل من شجر
~~ليقيها البرد والريح، ومنه المحظور للمحرم، أي: الممنوع من الدخول فيه، كأن
~~عليه حظيرة تمنع من دخوله.
# وعن أبي بن كعب: ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لامرأة: (هل لك
~~فرط؟) قالت: ثلاثة، قال صلى الله عليه وآله: (جنة حصينة).
# وعنه صلى الله عليه وآله: (ما من مسلمين يقدمان ثلاثة لم يبلغوا الحنث،
~~إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته) قالوا: يا رسول الله، وذو الاثنين؟
~~قال: (وذو الاثنين، إن من أمتي من يدخل الجنة بشفاعته أكثر من مضر، وإن من
~~أمتي (من يستطعم النار) (5) حتى يكون أحد زواياها) (6).
# رواه جماعة من أهل الحديث وصححوه.
# وعنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (قال الله تعالى: حقت محبتي للذين
# PageV00P039
# يتصادقون من أجلي، وحفت محبي للذين يتناصرون من أجلي) (1).
# ثم قال عليه وآله السلام: (ما من مؤمن ولا مؤمنة يقدم الله تعالى له
~~ثلاثة أولاد من صلبه لم يبلغوا الحنث، إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته
~~إياهم) (2).
# وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: (من دفن ثلاثة من الولد (3) حرم الله عليه
~~النار) (4). وعن صعصعة بن معاوية قال: لقيت أبا ذر الغفاري - رضي الله عنه
~~- بالربذة، وهو يسوق بعيرا له عليه مزادتان، وفي عنق البعير قربة، فقلت: يا
~~أبا ذر، مالك؟ ms18 قال: عملي، قلت: حدثني، رحمك الله، قال: سمعت رسول الله صلى
~~الله عليه وآله يقول: (ما من مسلمين يموت بينهما ثلاثة أولاد لم يبلغوا
~~الحنث، إلا غفر الله لهما بفضل رحمته إياهم).
# قال، قلت: فحدثني، قال: نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:
# (ما من عبد مسلم ينفق من كل ماله زوجين في سبيل الله، إلا استقبلته حجبة
~~الجنة كلهم يدعوه إلى ما عنده) فقلت: كيف ذلك؟ قال: (إن كان رجالا فرجلين،
~~وإن كان إبلا فبعيرين، وإن كان بقرا فبقرتين) حتى عد أصناف المال (5).
# ذكره جماعة.
# وعن أنس بن مالك قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وآله على مجلس من بني
~~سلمة، فقال: (يا بني سلمة، ما الرقوب فيكم؟) قالوا: الذي لا يولد له، قال:
~~(بل هو الذي لا فرط له، قال: ما المعدم فيكم؟) قالوا: الذي لا مال له، قال:
~~(بل هو الذي يقدم وليس له عند الله خير) (6).
# (وعن ابن مسعود قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) (7) على
~~امرأة
# PageV00P040
# يعزيها بابنها، فقال: (بلغني أنك جزعت جزعا شديدا) قالت: وما يمنعني يا
~~رسول الله، وقد تركني عجوزا رقوبا؟! فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله
~~وسلم: (لست بالرقوب، وإنما الرقوب التي تتوفى وليس لها فرط، ولا يستطيع
~~الناس ان يعودوا عليها من أفراطهم، فتلك الرقوب).
# وهذه الأحاديث كلها مستخرجة من أصول مسندة، تركنا إسنادها وأصولها
~~اختصارا، ولأن الله سبحانه بفضله ورحمته قد وعد الثواب لمن عمل بما بلغه،
~~وإن لم يكن الأمر كما بلغه. ورد ذلك أيضا في عدة أحاديث من طرقنا وطرق
~~العامة. PageV00P041
# فصل فيما يتعلق (1) بهذا الباب عن زيد بن أسلم قال: مات لداود عليه
~~السلام ولد، فحزن عليه حزنا كثيرا، فأوحى الله إليه: (يا داود، ما كان يعدل
~~هذا الولد عندك؟ قال: يا رب، كان يعدل هذا عندي ملء الأرض ذهبا، قال: فلك
~~عندي يوم القيامة ملء الأرض ثوابا) (2).
# وعن داود بن أبي هند (3) قال: رأيت في المنام كأن ms19 القيامة قد قامت، وكأن
~~الناس يدعون إلى الحساب، قال: فقربت إلى الميزان، ووضعت حسناتي في كفة
~~وسيئاتي في كفة، فرجحت السيئات على الحسنات، فبينما أنا كذلك مغموم إذ اتيت
~~بمنديل أبيض - أو خرقة بيضاء - فوضعت مع حسناتي فرجحت، فقيل لي: أتدري ما
~~هذا؟ قلت: لا قيل: هذا سقط كان لك، قلت: فإنه كانت لي ابنة، فقيل: بنتك
~~ليست كذلك) (4)، لأنك كنت تتمنى موتها.
# وعن أبي شوذب: ان رجلا كان له ابن لم يبلغ الحلم، فأرسل إلى قومه فقال:
# لي إليكم حاجة، قالوا: ما هي؟ قال: إني أريد أن أدعو على ابني هذا أن
~~يقبضه الله تعالى، وتؤمنون على دعائي، قال: فسألوه عن سبب ذلك: فأخبرهم أنه
~~رأى في نومه (5) كأن الناس قد جمعوا ليوم القيامة، وأصابهم عطش شديد، فإذا
~~الولدان قد خرجوا من الجنة معهم الأباريق، وفيهم ابن أخ له، فالتمس منه أن
~~يسقيه فأبى، وقال: يا عم، إنا لا نسقي إلا الآباء، فأحببت أن يجعل الله
~~ولدي هذا فرطا لي، فدعا فأمنوا، فلم يلبث الصبي حتى مات.
# أخرجه البيهقي في (الشعب).
# وعن محمد بن خلف (6) قال: كان الإبراهيم الحربي ابن له إحدى عشرة سنة قد
# PageV00P042
# حفظ القرآن، ولقنه أبوه من الفقه والحديث شيئا كثيرا، فمات فأتيته
~~لأعزيه، فقال:
# كنت أشتهي موته، فقلت له: يا أبا إسحاق، أنت عالم الدنيا، تقول مثل هذا
~~في صبي قد أنجب، وحفظ القرآن، ولقنته الحديث والفقه؟! قال: نعم، رأيت في
~~النوم كأن القيامة قد قامت، وكأن صبيانا بأيديهم القلال (1) فيها ماء،
~~يستقبلون الناس يسقونهم، وكان اليوم يوما حارا شديد الحر. فقلت لأحدهم:
~~اسقني من هذا الماء. فنظر إلي، وقال:
# لست أنت أبي، قلت: فأي شئ أنتم؟ قالوا: نحن الصبيان الذين متنا في دار
~~الدنيا، وخلفنا آباءنا، فنستقبلهم ونسقيهم (2)، فلهذا تمنيت موته.
# وروى الغزالي في (الإحياء): إن بعض الصالحين كان يعرض عليه التزويج برهة
~~من دهره فيأبى، قال: فانتبه من نومه ذات يوم، وقال: زوجوني، فزوجوه، فسئل
~~عن ذلك، فقال: لعل (الله أن يرزقني) (3) ولدا ms20 ويقبضه، فيكون لي مقدمة في
~~الآخرة، ثم قال: رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت، وكأني في جملة
~~الخلائق في الموقف، وبي من العطش ما كاد أن يقطع قلبي، وكذا الخلائق من شدة
~~العطش والكرب، فبينما نحن كذلك وإذا ولدان يتخللون الجمع، عليهم قناديل من
~~نور، وبأيديهم أباريق من فضة وأكواب من ذهب، يسقون الواحد بعد الواحد،
~~يتخللون الجمع ويتجاوزون أكثر الناس، فمددت يدي إلى أحدهم، فقلت: اسقني،
~~فقد أجهدني العطش، فقال: مالك فينا ولد: إنما نسقي آباءنا، فقلت: ومن أنتم؟
~~قالوا: نحن من مات من أطفال المسلمين (4).
# وحجى الشيخ أبو عبد الله بن النعمان في كتاب (مصباح الظلام) عن بعض
~~الثقات: أن رجلا أوصى بعض أصحابه - ممن أراد أن يحج - أن يقرأ سلامه رسول
~~الله صلى الله عليه وآله، ويدفن رقعة مختومة (أعطاها له - عند رأسه الشريف،
~~ففعل ذلك، فلما رجع من حجه أكرمه الرجل وقال له: جزاك الله خيرا، لقد بلغت
~~الرسالة، فتعجب المبلغ من ذلك وقال: من أين علمت تبليغها قبل أن أحدثك،
~~فأنشأ يحدثه، قال: كان لي أخ مات، وترك ابنا صغيرا، فربيته وأحسنت تربيته،
~~ثم مات
# PageV00P043
# قبل أن يبلغ الحلم، فلما كان ذات ليلة، رأيت في المنام كأن القيامة قد
~~قامت، والحشر قد وقع، والناس قد اشتد بهم العطش من شدة الجهد، وبيد ابن أخي
~~ماء، فالتمست أن يسقيني فأبى، وقال: أبي أحق به منك، فعظم علي ذلك، فانتبهت
~~فزعا، فلما أصبحت تصدقت بجملة دنانير، وسألت الله أن يرزقني ولدا ذكرا،
~~فرزقنيه، واتفق سفرك، فكتبت لك تلك الرقعة، ومضمونها التوسل بالنبي صلى
~~الله عليه وآله وسلم إلى الله عز وجل في قبوله مني، رجاء أن أجده يوم الفزع
~~الأكبر، فلم يلبث أن حم ومات، وكان ذلك يوم وصولك، فعلمت أنك بلغت الرسالة.
# وفي كتاب (النوم والرؤيا لأبي الصقر الموصلي، حدثني علي بن الحسين بن
~~جعفر، حدثني أبي، حدثني بعض أصحابنا ممن أثق بدينه وفهمه، قال: أتيت
~~المدينة ليلا، فنمت في بقيع الغرقد (1) بين أربعة قبور ms21 عندها قبر محفور،
~~فرأيت في منامي أربعة أطفال، قد خرجوا من تلك القبور، وهو يقولون:
# أنعم الله بالحبيبة عينا * وبمسراك يا أميم إلينا عجبا ما عجبت من ظغطة *
~~القبر ومغداك يا أميم إلينا فقلت: إن لهذه الأبيات لشأنا، وأقمت حتى طلعت
~~الشمس، وإذا جنازة قد أقبلت، فقلت: من هذه؟ فقالوا: امرأة من أهل المدينة،
~~فقلت: اسمها أميمة؟ قالوا:
# نعم، قلت: قدمت فرطا؟ قالوا: أربعة أولاد، فأخبرتهم بالخبر، فأخذوا
~~يتعجبون من هذا (2).
# وما أحسنا ما أنشد بعض الأفاضل، يقول شعرا:
# عطيته إذا أعطى سرورا * وإن سلب الذي أعطى أثابا فأي النعمتين أعد فضلا *
~~وأحمد عند عقباها إيابا أنعمته التي كانت سرورا * أم الأخرى التي جلبت
~~ثوابا؟
# PageV00P044
# الباب الثاني في الصبر وما يلحق به الصبر في اللغة: حبس النفس من الفزع
~~من المكروه والجزع عنه، وإنما يكون ذلك بمنع باطنه من الاضطراب، وأعضائه من
~~الحركات غير المعتادة، وهو ثلاثة أنواع:
# الأول: صبر العوام، وهو حبس النفس على وجه التجلد، وإظهار الثبات في
~~النائبات، ليكون حاله عند العقلاء وعامة الناس مرضية يعلمون ظاهرا من
~~الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون (1).
# الثاني: صبر الزهاد، والعباد، وأهل التقوى، وأرباب الحلم، لتوقع ثواب
~~الآخرة، إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (2).
# الثالث: صبر العارفين، فإن لبعضهم التذاذا بالمكروه، لتصورهم أن معبودهم
~~خصهم به من دون الناس، وصاروا ملحوظين (بشرف نظرته) (3) وبشر الصابرين
~~الذين إذا إصابتهم مصيبه، قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم
~~صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (4).
# وهذا النوع يختص باسم الرضا، وسيأتي في باب خاص.
# والأول لا ثواب عليه، لأنه لم يفعله لله، وإنما فعله لأجل الناس، بل هو
~~في الحقيقة رياء محض، فكلما ورد في الرياءات فيه، ولكن الجزع شر منه، لأن
~~النفوس البشرية تميل إلى التخلق بأخلاق النظراء والمعاشرين والخلطاء، فيفشو
~~الجزع فيهم، وإذا رأوا أحوال الصابرين مالت نفوسهم إلى التخلق بأخلاقهم،
~~فربما صار ذلك سببا لكما لهم، فيحصل منه فائدة في نظام النوع، وإن لم يعد
~~على هذا ms22 الصابر.
# والصبر عند الإطلاق يحمل على القسم الثاني.
# واعلم أن الله - سبحانه - قد وصف الصابرين بأوصاف، وذكر الصابرين في
~~القرآن في نيف وسبعين موضعا، وأضاف أكثر الخيرات والدرجات إلى الصبر،
~~وجعلها
# PageV00P045
# ثمرة له، فقال عز من قائل: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا﴾ (١)
~~وقال:
# (وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا (٢) وقال تعالى: ﴿ولنجزين الذين صبروا اجرهم بأحسن ما
~~كانوا يعملون﴾ (٣) وقال: ﴿أولئك يؤتون اجرهم مرتين بما صبروا﴾ (٤) وقال: ﴿إنما يوفى الصابرون اجرهم بغير
~~حساب﴾ (٥).
# فما من قربة إلا وأجرها بتقدير وحساب إلا الصبر ولأجل كون الصوم من
~~الصبر، وأنه نصف الصبر (٦) كان لا يتولى أجره إلا الله تبارك وتعالى - كما
~~ورد في الأثر.
# قال الله تعالى: (الصوم لي، وأنا أجزي به) (٧) فأضافه إلى نفسه من بين
~~سائر العبادات، ووعد الصابرين بأنه معهم، فقال: ﴿واصبروا ان الله مع الصابرين﴾ (8) وعلق النصرة على
~~الصبر، فقال: (بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم
# PageV00P046
# بخمسة آلاف من الملائكة مسومين) (١). وجمع للصابرين بين أمور لم يجمعها
~~لغيرهم، فقال: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم
~~ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ (٢) فالهدى والصلوات والرحمة مجموعة
~~للصابرين، واستقصاء جميع الآيات في مقام الصبر يطول.
# وأما الأخبار فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (الصبر نصف
~~الإيمان) (٣).
# وقال صلى الله عليه وآله: (من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر، ومن
~~أعطي حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار، ولئن تصبروا
~~على مثل ما أنتم عليه، أحب إلي من أن يوافيني كل امرئ منكم بمثل عمل
~~جميعكم، ولكني أخاف أن تفتح عليكم الدنيا بعدي، فينكر بعضكم بعضا، وينكركم
~~أهل السماء عند ذلك، فمن صبر واحتسب ظفر بكمال ثوابه، ثم قرأ: ﴿ما عند كم ينفد وما ms23 عند الله باق
~~ولنجزين الذين صبروا﴾ (4) الآية) (5).
# وروى جابر: أنه صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الإيمان، فقال: (الصبر
~~كنز من كنوز الجنة)، وسئل مرة؟ ما الايمان، فقال: (الصبر) (6) وهذا نظير
~~قوله عليه السلام: (الحج عرفة) (7).
# قال صلى الله عليه وآله: (أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس) (8).
# وقيل: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: (تخلق بأخلاقي، وإن من
~~أخلاقي الصبر) (9).
# PageV00P047
# وعن ابن عباس رضي الله عنه لما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
~~على الأنصار، فقال: (أمؤمنون أنتم؟) فسكتوا، فقال رجل نعم، يا رسول البلاء،
~~ونرضى بالقضاء، فقال:
# (مؤمنون ورب الكعبة) (١).
# وقال صلى الله عليه وآله: (في الصبر على ما يكره خير كثير) (٢).
# وقال المسيح عليه السلام: (إنكم لا تدركون ما تحبون، إلا بصبركم على ما
~~تكرهون).
# وقال صلى الله عليه وآله: (لو كان الصبر رجلا لكان كريما) (٣) وقال علي
~~عليه السلام: (بني الإيمان على أربع دعائم: اليقين، والصبر، والجهاد
~~والعدل) (٤).
# وقال أيضا: (الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا جسد لمن لا رأس
~~له، ولا إيمان لمن لا صبر له) (٥).
# وقال علي عليه السلام: (عليكم بالصبر، فإنه به يأخذ الحازم، وإليه يعود
~~الجازع).
# وقال علي عليه السلام: (إن صبرت جرت عليك المقادير وأنت مأجور، وإن جزعت
~~وجرت عليك المقادير وأنت مأزور) (٦) وعن الحسن بن علي عليهما السلام، عن
~~النبي صلى الله عليه وآله، قال: (إن في الجنة شجرة يقال لها: شجرة البلوى،
~~يؤتى بأهل البلاء يوم القيامة، فلا يرفع لهم ديوان، ولا ينصب لهم ميزان،
~~يصب عليهم الأجر صبا، وقرأ عليه السلام: ﴿إنما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب﴾ (7)) (8).
# PageV00P048
# وعنه عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من جرعة أحب
~~إلى الله تعالى من جرعة غيظ كظما رجل، أو جرعة صبر على مصيبة، وما من قطرة
~~أحب إلى الله تعالى من قطرة دمع من خشية الله، أو قطرة دم أهرقت في سبيل
~~الله) (1).
# وعنه عليه السلام: (المصائب ms24 مفاتيح الأجر).
# وعن زيد العابدين عليه السلام: (إذا جمع الله الأولين والآخرين ينادي
~~مناد:
# أين الصابرون؟ ليدخلوا الجنة بغير حساب، قال: فيقوم عنق من الناس،
~~فتتلقاهم الملائكة، فيقولون: إلى أين، يا بني آدم؟! فيقولون: إلى الجنة،
~~فيقولون: وقبل الحساب؟ فقالوا: نعم قالوا: ومن أنتم؟ قالوا الصابرون. قالوا
~~وما كان صبركم؟
# قالوا: صبرنا على طاعة الله، وصبرنا عن معصية الله، حتى توفانا الله عز
~~وجل، قالوا، أنتم كما قلتم، أدخلوا الجنة، فنعم أجر العاملين) (2).
# وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (قال الله عز وجل:
# إذا وجهت إلى عبد من عبيدي مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده، ثم استقبل ذلك
~~بصبر جميل، استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزانا، أو أنشر له ديوانا)
~~(3).
# وعن ابن مسعود، عنه صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (ثلاث من رزقهن فقد
~~رزق خير الدارين: الرضا بالقضاء، والصبر على البلاء، والدعاء في الرخاء)
~~(4).
# وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله،
~~فقال: (يا غلام - أو يا غليم - ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ فقلت: بلى،
~~فقال:
# إحفظ الله يحفظك، إحفظ الله تجده أمامك، تعرف (إلى الله) (5) في الرخاء
~~يعرف في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن
~~في الصير على ما تكره خيرا كثيرا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب،
~~وأن مع العسر يسرا) (6).
# PageV00P049
# وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: (يؤتى الرجل في قبره بالعذاب، فإذا أتي من
~~قبل رأسه دفعه تلاوة القرآن، وإذا أتي من قبل يديه دفعته الصدقة، وإذا أتي
~~من قبل رجليه دفعه مشيه إلى المسجد (1)، والصبر حجزه، يقول: أما لو رأيت
~~خللا لكنت صاحبه).
# وفي لفظ آخر (إذا دخل الرجل القبر قامت الصلاة عن يمينه، والزكاة عن
~~شماله، والبر يظل عليه، والصبر بناحية (2) يقول دونكم صاحبي، فإني من
~~ورائه، يعني: إن استطعتم أن تدفعوا عنه العذاب، وإلا فأنا أكفيكم ذلك،
~~وأدفع عنه العذاب) ms25 (3). وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: (عجبا لأمر المؤمن،
~~إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان
~~خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له) (4).
# وعنه صلى الله عليه وآله: (ألا أعجبكم إن المؤمن إذا أصاب خيرا حمد الله
~~وشكر، وإذا أصابته مصيبة حمد الله وصبر، فالمؤمن يؤجر في كل شئ حتى اللقمة
~~يرفعها إلى فيه).
# وفي حديث آخر: (حتى اللقمة يرفعها إلى فم امرأته) (5).
# وعنه صلى الله عليه وآله: (الصبر خير مركب، ما رزق الله عبدا خيرا له ولا
~~أوسع من الصبر) (6).
# وسئل صلى الله عليه وآله: هل من رجل يدخل الجنة بغير حساب؟ قال:
# (نعم، كل رحيم صبور).
# وعن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (إن الحر حر على
# PageV00P050
# جميع أحواله، إن نابته نائبة صبر لها، وإن تراكمت على المصائب لم تكسره،
~~وإن أسر وقهر واستبدل باليسر عسرا، كما كان يوسف الصديق الأمين عليه
~~السلام، لم يضرر حريته أن استعبد وأسر وقهر، ولم تضرره ظلمة الجب ووحشته،
~~وما ناله أن من الله عليه، فجعل الجبار العاتي له عبدا بعد أن كان ملكا،
~~فأرسله ورحم به أمة وكذلك الصبر يعقب خيرا، فاصبروا ووطنوا أنفسكم على
~~الصبر تؤجروا) (1).
# وعن الباقر عليه السلام: (الجنة محفوفة بالمكاره والصبر، فمن صبر على
~~المكاره في الدنيا دخل الجنة، وجهنم محفوفة باللذات والشهوات، فمن أعطى
~~نفسه لذاتها وشهوتها دخل النار) (2).
# وعن علي عليه السلام، قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الصبر
~~ثلاثة: صبر عند المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، فمن صبر على
~~المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلاث مائة درجة، ما بين الدرجة
~~إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض، ومن صبر على الطاعة كتب الله له ست
~~مائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش، ومن
~~صبر عن المعصية كتب الله له تسع مائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة ms26 كما
~~بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش) (3) وعن أبي حمزة الثمالي، قال: قال أبو
~~عبد الله عليه السلام: (من ابتلي من المؤمنين ببلاء فصبر عليه، كان له مثل
~~أجر ألف شهيد) (4).
# وعن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (قال رسول الله
~~صلى الله عليه وآله: قال الله عز وجل: إني جعلت الدنيا بين عبادي قرضا، فمن
~~أقرضني منها قرضا أعطيته بكل واحدة عشرا إلى سبع مئة ضعف وما شئت من ذلك،
~~ومن لم يقرضني منها قرضا فأخذت منه شيئا قسرا، أعطيته ثلاث خصال، لو أعطيت
~~واحدة منهن ملائكتي لرضوا بها مني.
# PageV00P051
# ثم تلا أبو عبد الله عليه السلام قول الله عز وجل: (الذين إذا اصابتهم
~~مصيبة قالوا انا لله وانا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم) فهذه (١)
~~واحدة من ثلاث خصال (ورحمة) اثنان ﴿وأولئك هم المهتدون﴾ (2) ثلاث.
# ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: (هذا لمن أخذ منه شيئا قسرا) (3).
# PageV00P052
# فصل وعنه عليه السلام: (الضرب على الفخذ عند المصيبة يحبط الأجر (1)،
~~والصبر عند الصدمة الأولى أعظم وعظم الأجر على قدر المصيبة، ومن استرجع بعد
~~المصيبة جدد الله له أجرها كيوم أصيب بها).
# وسأل رجل النبي صلى الله عليه وآله: ما يحبط الأجر في المصيبة؟ فقال:
# (تصفيق الرجل بيمينه على شماله، والصبر عند الصدمة الأولى، فمن رضي فله
~~الرضا، ومن سخط فعليه السخط.) وعن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله،
~~قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (ما من عبد تصيبه مصيبة
~~فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرا
~~منه، إلا آجره الله تعالى في مصيبته، واخلف له خيرا منها).
# قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله،
~~فأخلف لي خيرا منه: رسول الله صلى الله عليه وآله (2).
# وفي لفظ آخر: أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (ما من مسلم
~~تصيبه ms27 مصيبة فيقول ما أمره الله عز وجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم
~~آجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرا منه) قالت: فلما مات أبو سلمة رضي الله
~~عنه، قلت: أي رجل خير من أبي سلمة؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله
~~عليه وآله ثم إني قلتها فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وآله.
# [قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله] (3) بحاطب ابن أبي بلتعة
~~يخطبني، فقلت له: إن لي بنتا وأنا غيور، فقال: (أما بنتها فأدعو الله أن
~~يغنيها عنها، وأدعو الله أن يذهب بالغيرة) (4).
# وفي حديث آخر: قالت: أتاني أبو سلمة يوما من عند رسول الله صلى الله عليه
# PageV00P053
# وآله فقال: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله قولا سررت به، قال: (لا
~~يصيب أحدا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول: اللهم آجرني في
~~مصيبتي، واخلف لي خيرا منها، إلا فعل ذلك: به). قالت أم سلمة: فحفظت ذلك
~~منه، فلما توفي أبو سلمة استرجعت وقلت: اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي
~~خيرا منه، ثم رجعت إلى نفسي فقلت: من أين لي خير من أبي سلمة: فلما انقضت
~~عدتي استأذن علي رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا أدبغ إهابا (1)، فغسلت
~~يدي من القرظ (2) وأذنت له، فوضعت له وسادة أدم (3) حشوها ليف فقعد عليها،
~~فخطبني إلى نفسي صلى الله عليه وآله.
# فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله، ما بي أن لا يكون بك الرغبة،
~~ولكني امرأة في غيرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئا يعذ بني الله به، وأنا
~~امرأة قد دخلت في السن، وأنا ذات عيال.
# فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (أما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل
~~الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي) قالت: فقد سلمت
~~نفسي لرسول الله، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالت أم سلمة:
~~فقد أبدلني الله عز وجل بأبي سلمة خيرا منه: النبي صلى الله ms28 عليه وآله (4).
# وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن للموت
~~فزعا، فإذا أتى أحدكم وفاة أخيه فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، وإنا إلى
~~ربنا لمنقلبون، اللهم اكتبه عندك من المحسنين، واجعل كتابه في عليين، واخلف
~~على عقبه في الآخرين، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده) (5).
# وعن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام: (إن النبي صلى الله عليه
~~وآله قال: من أصابته مصيبة فقال إذا ذكرها: إنا لله وإنا إليه راجعون، جدد
~~الله
# PageV00P054
# - عز وجل - له أجرها، مثل ما كان له يوم أصابته) (1).
# PageV00P055
# فصل وعن يوسف بن عبد الله بن سلام: ان النبي صلى الله عليه وآله كان إذا
~~نزل بأهله شدة أمرهم بالصلاة، ثم قرأ: ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها﴾ (١) (٢).
# وعن ابن عباس أنه نعي إليه أخوه قثم وهو في سفر فاسترجع، ثم تنحى عن
~~الطريق فأناخ، فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو
~~يقول:
# ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وانها لكبيرة
~~الا على الخاشعين﴾ (٣) (٤).
# وعنه أيضا أنه كان إذا أصيب بمصيبة قام وتوضأ وصلى ركعتين، وقال:
# اللهم قد فعلت ما أمرتنا، فأنجز لنا ما وعدتنا.
# وعن عبادة بن محمد بن عبادة بن الصامت، قال: لما حضرت عبادة - رضي الله
~~عنه - الوفاة قال: أخرجوا فراشي إلى الصحن - يعني: الدار - ففعلوا، ثم قال:
~~إجمعوا لي موالي وخدمي وجيراني ومن كان يدخل علي، فجمعوا.
# فقال: إن يومي هذا لا أراه إلا آخر يوم يأتي علي من الدنيا، وأول ليلة من
~~ليالي الآخرة، وإني لا أدري لعله قد فرط مني إليكم بيدي أو بلساني شئ، وهو
~~- والذي نفس عبادة بيده - القصاص يوم القيامة، فأحرج (٥) على أحد منكم في
~~نفسه مني شئ من ذلك، إلا اقتص مني قبل أن تخرج نفسي.
# قال: فقالوا: بل كنت لنا والدا وكنت مؤدبا، وما قال لخادم سوءا قط، قال:
# أغفرتم لي ما كان من ذلك؟ قالوا: ms29 نعم، قال: اللهم اشهد، ثم قال: أما
~~فاحفظوا وصيتي: أحرج على انسان منكم يبكي، فإذا خرجت نفسي فتوضؤا وأحسنوا
~~الوضوء، ثم ليدخل انسان منكم مسجدا فيصلي، ثم يستغفر لعبادة ولنفسه، فإن
~~الله عز وجل قال: ﴿واستعينوا بالصبر
~~والصلاة﴾ (6) ثم أسرعوا بي إلى حفرتي ولا تتبعوني بنار،
# PageV00P056
# ولا تضعوا تحتي أرجوانا (1) (2).
# وعن جابر، عن الباقر عليه السلام، قال: (أشد الجزع الصراخ بالويل
~~والعويل، ولطم الوجه والصدر، وجز الشعر، ومن أقام النواح (3) فقد ترك
~~الصبر، ومن صبر واسترجع وحمد الله - تعالى - فقد رضي بما صنع الله، ووقع
~~أجره على الله - عز وجل -، ومن لم يفعل ذلك جرى عليه القضاء وهو ذميم،
~~وأحبط الله - عز وجل - أجره) (4).
# وعن ربعي بن عبد الله، عن الصادق، قال: (إن الصبر والبلاء يستبقان إلى
~~المؤمن، يأتيه البلاء وهو صبور، وإن الجزع والبلاء يستبقان إلى الكافر،
~~فيأتيه البلاء وهو جزوع) (5).
# وعنه عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ضرب المسلم
~~يده على فخذه عند المصيبة إحباط لأجره) (6).
# وعن موسى بن بكر، عن الكاظم عليه السلام، قال: (ضرب الرجل على فخذه عند
~~المصيبة، احباط أجره) (7).
# وعن إسحاق بن عمار، عن الصادق عليه السلام: (يا إسحاق، لا تعدن مصيبة
~~أعطيت عليها الصبر، واستوجبت عليها من الله عز وجل الثواب، إنما المصيبة
~~التي يحرم صاحبها أجرها وثوابها، إذا لم يصبر عند نزولها) (8).
# وعن أبي ميسرة قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام، فجاءه رجل وشكا
~~إليه مصيبة، فقال: (أما إنك إن تصبر تؤجر، وإن لم تصبر يمضي عليك قدر الله
~~عز وجل الذي قدر عليك وأنت مذموم) (9).
# PageV00P057
# فصل قال الصادق عليه السلام: (البلاء زين المؤمن، وكرامة لمن عقل، لأن في
~~مباشرته، والصبر عليه والثبات عنده تصحيح نسبة الإيمان) (1).
# قال النبي صلى الله عليه وآله: (نحن - معاشر الأنبياء - أشد بلاء،
~~والمؤمن الأمثل فالأمثل، ومن ذاق طعم البلاء تحت ستر حفظ الله له، تلذذ به
~~أكثر من تلذذه بالنعمة، ويشتاق إليه إذا فقده، لأن ms30 تحت نيران البلاء
~~والمحنة أنوار النعمة، وتحت أنوار النعمة نيران البلاء والمحنة، وقد ينجو
~~منه كثير، ويهلك في النعمة كثير، وما أثنى الله تعالى على عبد من عباده، من
~~لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وآله إلا بعد ابتلائه ووفاء حق العبودية
~~فيه، فكرامات الله - تعالى - في الحقيقة نهايات، بداياتها البلاء، وبدايات
~~نهاياتها البلاء، ومن خرج من شبكة البلوى جعل سراج المؤمنين، ومؤنس
~~المقربين، ودليل القاصدين، ولا خير في عبد شكا من محنة تقدمها ألف نعمة،
~~واتبعها ألف راحة، ومن لا يقضي حق الصبر على البلاء، حرم قضاء [حق] (2)
~~الشكر في النعماء، كذلك من لا يؤدي حق الشكر في النعماء، يحرم عن قضاء [حق]
~~(3) الصبر في البلاء، ومن حرمهما فهو من المطرودين) (4).
# وقال أيوب عليه السلام في دعائه: (اللهم قد أتى علي سبعون في الرخاء،
~~فأمهلني حتى يأتي علي سبعون في البلاء) (5).
# وقال وهب: البلاء للمؤمن، كالشكال للدابة، والعقال للإبل (6).
# وقال أمير المؤمنين عليه السلام: (الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد،
~~ورأس الصبر البلاء وما يعقلها إلا العالمون) (7).
# هذا الفصل كله من كلام الصادق عليه السلام.
# PageV00P058
# فصل وقال الصادق عليه السلام: (الصبر يظهر ما في بواطن العباد من النور
~~والصفاء، والجزع يظهر ما في بواطنهم من الظلمة والوحشة، والصبر يدعيه كل
~~أحد، ولا يبين عنده إلا المخبتون، والجزع ينكره كل أحد، وهو أبين على
~~المنافقين، لأن نزول المحنة والمصيبة، يخبر عن الصادق والكاذب.
# وتفسير الصبر ما يستمر مذاقه، وما كان عن اضطراب لا يسمى صبرا، وتفسير
~~الجزع اضطراب القلب، وتحزن الشخص، وتغير اللون، وتغير الحال، وكل نازلة خلت
~~أوائلها عن الإخبات والإنابة والتضرع إلى الله تعالى، فصاحبها جزوع غير
~~صابر، (والصبر ما أوله مر، وآخره حلو لقوم، ولقوم مر أوله وآخره، فمن دخله
~~من أواخره فقد دخل) (١) ومن دخله من أوائله فقد خرج، ومن عرف قدر الصبر لا
~~يصبر عما منه الصبر (٢).
# قال الله عز وجل في قصة موسى والخضر عليهما السلام: ﴿وكيف تصبر ms31 على ما لم تحبط به خبرا﴾ (٣) فمن صبر
~~كرها ولم يشك إلى الخلق، ولم يجزع بهتك ستره، فهو من العام، ونصيبه ما قال
~~الله عز وجل: ﴿وبشر الصابرين﴾ (٤) أي:
~~بالجنة والمغفرة، ومن استقبل البلاء بالرحب، وصبر على سكينة، ووقار، فهو من
~~الخاص، ونصيبه ما قال الله عز وجل: ﴿ان الله مع الصابرين﴾ (5)) (6).
# PageV00P059
# فصل في نبذ من أحوال السلف عند موت أبنائهم وأحبائهم كانت العرب في
~~الجاهلية - وهم لا يرجون ثوابا، ولا يخشون عقابا - يتحاظون (1) على الصبر،
~~ويعرفون فضله، ويعيرون بالجزع أهله إيثارا للحزم، وتزينا بالحلم، وطلبا
~~للمروة، وفرارا من الاستكانة إلى حسن العزاء، حتى كان الرجل منهم ليفتقد
~~حميمه فلا يعرف ذاك منه، فلما جاء الاسلام وانتشر، وعلم ثواب الصبر واشتهر،
~~تزايدت في ذلك لهم الرغبة، وارتفعت للمبتلين الرتبة.
# قال أبو الأحوص: دخلنا على ابن مسعود وعنده بنون له ثلاثة غلمان كأنهم
~~الدنانير حسنا، فجعلنا نتعجب من حسنهم، فقال: كأنهم تغبطوني بهم؟ قلنا: إي
~~والله، بمثل هؤلاء يغبط المرء المسلم فرفع رأسه إلى سقف بيت قصير، قد عشش
~~فيه الخطاف وباض، فقال: والذي نفسي بيده لئن أكون نفضت يدي من تراب قبورهم،
~~أحب إلي من أن يسقط عش هذا الخطاف، وينكسر بيضه، يعني: حرصا على الثواب.
# وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقرئ الناس القرآن في المسجد جاثيا
~~على ركبتيه، إذا جاءت أم ولده بابن له، يقال له: محمد فقامت على باب
~~المسجد، ثم أشارت له إلى أبيه، فأقبل، فأفرج له القوم حتى جلس في حجره، ثم
~~جعل يقول: مرحبا بسمي من هو خير منه، ويقبله حتى كاد يزدرد ريقه.
# ثم قال: والله لموتك وموت إخوتك أهون علي من عدتكم من هذا الذباب (2)،
~~فقيل: لم تتمنى هذا؟ فقال: اللهم غفرا إنكم تسألوني، ولا أستطيع إلا أن
~~أخبركم، أريد بذلك الخير، أما أنا فاحرز أجورهم، وأتخوف عليهم، سمعت رسول
~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (يأتي عليكم زمان ms32 يغبط الرجل بخفة
~~الحال، كما يغبط اليوم بكثرة المال والولد).
# وكان أبو ذر رضي الله عنه لا يعيش له ولد، فقيل له: إنك امرؤ لا يبقى لك
~~ولد، فقال الحمد لله الذي يأخذ من دار الفناء، ويدخرهم في دار البقاء (3).
# PageV00P060
# ومات لعبد الله بن عامر المازني رضي الله عنه، في الطاعون الجارف، سبعة
~~بنين في يوم واحد، فقال: إني مسلم مسلم.
# وعن عبد الرحمان بن عثمان قال: دخلنا على معاذ وهو قاعد عند رأس ابن له،
~~وهو يجود بنفسه، فما ملكنا أنفسنا أن ذرفت أعيننا، وانتحب بعضنا، فزجره
~~معاذ، وقال: مه، فوالله ليعلم الله برضاي، لهذا أحب إلي من كل غزوة غزوتها
~~مع رسول الله صلى الله عليه وآله، فإني سمعته يقول: (من كان له ابن وكان
~~عليه عزيزا، وبه ضنينا، ومات فصبر على مصيبته واحتسبه، أبدل الله الميت
~~دارا خيرا من داره، وقرارا خيرا من قراره، وأبدل المصاب الصلاة والرحمة
~~والمغفرة والرضوان).
# فما برحنا حتى قضى - والله - الغلام حين أخذ المنادي لصلاة الظهر، فرحنا
~~نريد الصلاة، فما جئنا إلا وقد غسله وحنطه وكفنه.
# وجاء رجل بسريره غير منتظر لشهود الإخوان، ولا لجمع الجيران، فلما بلغنا
~~ذلك تلاحقنا، وقلنا: يغفر الله لك يا أبا عبد الرحمن، هلا انتظرتنا حتى
~~نفرغ من صلاتنا، ونشهد ابن أخينا.
# فقال: أمرنا أن لا ننتظر موتانا ساعة ماتوا بليل أو نهار، قال: فنزل في
~~القبر، ونزل معه آخر، فلما أراد الخروج ناولته يدي لأنتهضه (1) من القبر،
~~فأبى وقال: ما أدع ذلك لفضل قوتي، ولكن أكره أن يرى الجاهل أن ذلك مني جزع،
~~أو استرخاء عند المصيبة، ثم أتى مجلسه، ودعا بدهن فأدهن، وبكحل فاكتحل،
~~وببردة فلبسها، وأكثر في يومه ذلك من التبسم، ينوي به ما ينوي، ثم قال: إنا
~~لله وإنا إليه راجعون، في الله خلف عن كل هالك، وعزاء من كل مصيبة، ودرك
~~لكل ما فات.
# وروي: إن قوما كانوا عند علي بن الحسين عليهما السلام، فاستعجل خادما
~~بشواء في التنور، فأقبل به مسرعا، ms33 فسقط السفود (2) من يده على ولد علي بن
~~الحسين عليه السلام، فأصاب رأسه فقتله، فوثب علي بن الحسين عليهما السلام،
~~فلما رأى ابنه ميتا، قال للغلام: (أنت حر لوجه الله تعالى، أما إنك لم
~~تتعمده) ثم أخذ في جهاز ابنه (3).
# PageV00P061
# وعن الأحنف بن قيس قال: تعلموا الحلم والصبر، فإني تعلمته، فقيل له:
# ممن؟ قال: من قيس بن عاصم، قيل: وما بلغ من حلمه؟ قال: كنا قعودا عنده،
~~إذ أتي بابنه مقتولا، وبقاتله مكبولا، فما حل حبوته (1)، ولا قطع حديثه حتى
~~فرغ.
# ثم التفت إلى قاتل ابنه فقال: يا ابن أخي، ما حملك على ما فعلت؟ قال:
# غضبت، قال: أو كلما غضبت أهنت نفسك، وعصيت ربك، وأقللت عددك؟ اذهب فقد
~~أعتقتك.
# ثم التفت إلى بنيه فقال: يا بني، اعمدوا (2) إلى أخيكم فغسلوه وكفنوه،
~~فإذا فرغتم منه فأتوني به لأصلي عليه، فلما دفنوه قال لهم: إن أمه ليست
~~منكم، وهي من قوم آخرين، فلا أراها ترضى بما صنعتم، فأعطوها ديته من مالي
~~(3).
# وروى الصدوق في (الفقيه) انه لما مات ذر بن أبي ذر - رحمه الله - وقف
~~[أبو ذر] (4) على قبره فمسح القبر بيده، ثم قال: رحمك الله يا ذر، والله
~~انك كنت بي لبر، ولقد قبضت وإني عنك لراض، والله ما بي فقدك وما علي من
~~غضاضة، ومالي إلى أحد سوى الله من حاجة، ولولا هول المطلع لسرني أن أكون
~~مكانك، ولقد شغلني الحزن لك عن الحزن عليك، والله ما بكيت لك، ولكن بكيت
~~عليك، فليت شعري ما قلت، وما قيل لك؟ اللهم إني قد وهبته ما افترضت عليه من
~~حقي، فهب له ما افترضت عليه من حقك، فأنت أحق بالجود والكرم مني (5).
# وأسند الدينوري أن ذر بن عمر بن ذر لما مات وقف أبوه على قبره، وقال:
# رحمك الله يا ذر، ما علينا بعدك من خصاصة، وما بنا إلى أحد مع الله حاجة،
~~وما يسرني أني كنت المقدم قبلك، ولولا هول المطلع لتمنيت أن أكون مكانك،
~~وقد شغلني الحزن لك عن ms34 الحزن عليك، فليت شعري ما ذا قلت، وماذا قيل لك، ثم
~~رفع رأسه إلى السماء فقال: اللهم إني قد وهبت له حقي فيما بيني وبينه،
~~فاغفر له من الذنوب ما بينك وبينه، فأنت أجود الأجودين وأكرم الأكرمين، ثم
~~انصرف وقال: فارقناك، ولو أقمنا
# PageV00P062
# ما نفعناك (1).
# وروي المبرد قال: لما هلك ذر بن عمر وقف عليه أبوه وهو مسجى، وقال: يا
~~بني، ما علينا من موتك غضاضة، وما بنا إلى ما سوي الله من حاجة، فلما دفن
~~قام على قبره، وقال: يا ذر، غفر الله لك، قد شغلنا عن الحزن لك عن الحزن
~~عليك، لأنا لا ندري ما قلت، ولا ما قيل لك. اللهم إني قد وهبت له ما قصر
~~فيه مما افترضت عليه من حقي، فهب له ما قصر فيه من حقك، واجعل ثوابي عليه
~~له، وزدني من فضلك، إني إليك من الراغبين. فسئل عنه، فقيل: كيف كان معك؟
~~فقال: ما مشيت معه بليل قط إلا كان أمامي، ولا بنهار قط إلا كان خلفي، وما
~~علا سطحا قط وأنا تحته (2).
# وقدم على بعض الخلفاء قوم من بني عبس، فيهم رجل ضرير، فسأله عن عينيه،
~~فقال: بت ليلة في بطن واد، ولم أعلم عبسيا يزيد ماله على مالي، فطرقنا سيل،
~~فذهب بما كان لي من أهل ومال وولد، غير بعير وصبي مولود، وكان (بعيرا صعبا
~~فنفر) (3)، فوضعت الصبي واتبعت البعير، فلم أجاوز إلا قليلا حتى سمعت صيحة
~~ابني، فرجعت إليه ورأس الذئب في بطنه وهو يأكله، ولحقت البعير لأحبسه
~~فبعجني (4) برجله على وجهي فحطمه، وذهب بعيني فأصبحت لا مال لي، ولا أهل،
~~ولا ولد، ولا بصر.
# روي: أن عياض بن عقبة الفهري مات له ابن، فلما نزل في قبره قال له رجل:
# والله انه كان لسيد الجيش فاحتسبه، فقال: وما يمنعني، وقد كان بالأمس
~~زينة الحياة الدنيا، وهو اليوم من الباقيات الصالحات!؟
# وقال أبو علي الرازي صحبت الفضيل بن عياض ثلاثين، سنة ما رأيته ضاحكا ولا
~~مبتسما قط إلا يوم مات ms35 ابنه علي، فقلت له في ذلك، فقال: إن الله سبحانه
~~وتعالى أحب أمرا، فأحببت ما أحب الله عز وجل.
# وأصيب عمرو بن (5) كعب الهندي بتستر (6)، فكتموا أباه الخبر، ثم بلغه فلم
~~يجزع، وقال: الحمد لله الذي جعل من صلبي من أصيب شهيدا. ثم استشهد له ابن
~~آخر
# PageV00P063
# بجرجان (١)، فلما بلغه الخبر قال: الحمد لله الذي توفى مني شهيدا آخر.
# وروي البيهقي: أن عبد الله بن مطرف مات، فخرج أبوه مطرف على قومه في ثياب
~~حسنة وقد ادهن، فغضبوا وقالوا: يموت عبد الله وتخرج في ثياب حسنة مدهنا؟!
# قال: أفأستكين لها، وقد وعدني ربي تبارك وتعالى عليها ثلاث خصال، هي أحب
~~إلي من الدنيا وما فيها، قال الله تعالى: ﴿الذين إذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله وانا إليه راجعون
~~أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ (2).
# ودعا رجل من قريش إخوانا له، فجمعهم على طعام، فضربت ابنا له دابة لبعضهم
~~فمات، فأخفى ذلك عن القوم، وقال لأهله: لا أعلمن صاحت منكم صائحة، أو بكت
~~منكم باكية، وأقبل على إخوانه حتى فرغوا من طعامه، ثم أخذ في جهاز الصبي،
~~فلم يفجأهم إلا بسريره، فارتاعوا وسألوه عن أمره فأخبرهم، فعجبوا من صبره
~~وكرمه.
# وذكر: أن رجلا من اليمامة دفن ثلاثة رجال من ولده، ثم احتبى في نادي قومه
~~يتحدث كأن لم يفقد أحدا، فقيل له في ذلك، فقال: ليسوا في الموت ببديع، ولا
~~أنا في المصيبة بأوحد، ولا جدوى للجزع، فعلام تلومونني؟
# وأسند أبو العباس عن مسروق عن الأوزاعي، قال: حدثنا بعض الحكماء، قال:
~~خرجت وأنا أريد الرباط (3) حتى إذا كنت بعريش (4) مصر إذا أنا بمظلة، وفيها
~~رجل قد ذهبت عيناه، واسترسلتا يداه ورجلاه، وهو يقول: لك الحمد سيدي
~~ومولاي، اللهم إني أحمدك حمدا يوافي محامد خلقك، كفضلك على سائر خلقك، إذ
~~فضلتني على كثير ممن خلقت تفضيلا.
# فقلت: والله لأسألنه، أعلمه أو ألهمه إلهاما؟ فدنوت منه، وسلمت عليه، فرد
~~علي السلام، فقلت له: رحمك الله، ms36 إني أسألك عن شئ، أتخبرني به أم لا؟ فقال:
# إن كان عندي منه علم أخبرتك به، فقلت: رحمك الله، على أي فضيلة من فضائله
# PageV00P064
# تشكره؟ فقال: أوليس ترى ما قد صنع بي؟ قلت: بلى، فقال: والله لو أن الله
~~تبارك وتعالى صب علي نارا تحرقني، وأمر الجبال فدمرتني، وأمر البحار
~~فغرقتني، وأمر الأرض فخسفت بي، ما ازددت فيه - سبحانه - إلا حبا، ولا ازددت
~~له إلا شكرا، وإن لي إليك حاجة، أفتقضيها لي؟ قلت: نعم، قل ما تشاء، فقال:
~~بني لي كان يتعاهدني أوقات صلاتي، ويطعمني عند إفطاري، وقد فقدته منذ أمس،
~~فانظر تجده لي؟
# قال: فقلت في نفسي، إن في قضاء حاجته لقربة إلى الله عز وجل، فقمت وخرجت
~~في طلبه، حتى إذا صرت بين كثبان الرمال، إذا أنا بسبع قد افترس الغلام
~~فأكله (1)، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، كيف آتي هذا العبد الصالح بخبر
~~ابنه؟
# قال: فأتيته، وسلمت عليه، فرد علي السلام فقلت: رحمك الله، إن سألتك عن
~~شئ تخبرني؟ فقال: إن كان عندي منه علم أخبرتك به، قال: فقلت: أنت أكرم على
~~الله عز وجل وأقرب منزلة، أو نبي الله أيوب عليه السلام؟ فقال: بل (نبي
~~الله) (2) أكرم على الله تعالى مني، وأعظم عند الله تعالى منزلة مني، قال:
~~فقلت له: إنه ابتلاه الله تعالى فصبر، حتى استوحش منه من كان يأنس به، وكان
~~عرضا لمرار الطريق (3)، واعلم أن ابنك الذي أخبرتني به، وسألتني أن اطلبه
~~لك افترسه السبع، فأعظم الله أجرك فيه.
# فقال: الحمد لله الذي لم يجعل في قلبي حسرة من الدنيا، ثم شهق شهقة وسقط
~~على وجهه، فجلست ساعة ثم حركته فإذا هو ميت، فقلت: إنا لله وإنا إليه
~~راجعون، كيف أعمل في أمره؟ ومن يعينني على تغسيله وكفنه وحفر قبره ودفنه؟
# فبينما أنا كذلك إذ أنا بركب (4) يريدون الرباط، فأشرت إليهم فأقبلوا
~~نحوي حتى وقفوا علي، وقالوا: من أنت؟
# ومن هذا؟ فأخبرتهم بقصتي، فعقلوا رواحلهم، وأعانوني حتى غسلناه بما
~~البحر، وكفناه بأثواب كانت ms37 معهم، وتقدم فصليت عليه مع الجماعة، ودفناه في
~~مظلته.
# PageV00P065
# وجلست عند قبره آنسا به أقرأ القرآن إلى أن مضى من الليل ساعة (1)، فغفوت
~~غفوة فرأيت صاحبي في أحسن صورة وأجمل زي، في روضة خضراء عليه ثياب خضر
~~قائما يتلو القرآن، فقلت له: ألست بصاحبي؟ قال: بلى، قلت: فما الذي صيرك
~~إلى ما أرى؟ فقال: إعلم أني وردت مع الصابرين على الله عز وجل في درجة لم
~~ينالوها إلا بالصبر على البلاء، والشكر عند الرخاء، فانتبهت (2).
# وحكى الشعبي قال: رأيت رجلا وقد دفن ابنه، فلما حثا عليه التراب وقف على
~~قبره، وقال: يا بني، كنت هبة ماجد، وعطية واحد (3)، ووديعة مقتدر، وعارية
~~منتصر، فاسترجعك واهبك، وقبضك مالكك، وأخذك معطيك، فأخلفني الله عليك اصبر،
~~ولا حرمني الله بك الأجر، ثم قال: أنت في حل من قلبي، والله أولى عليك
~~بالتفضل مني.
# ولما مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، وأخوه سهل بن عبد العزيز،
~~ومولاه مزاحم - في أيام متتابعة - دخل عليه بعض أصحابه يعزيه، وقال في جملة
~~كلامه: والله ما رأيت مثل ابنك ابنا، ولا مثل أخيك أخا، ولا مثل مولاك
~~مولى، فطأطأ رأسه، ثم قال: أعد علي ما قلت، فأعاده عليه، فقال: لا والذي
~~قضى عليهم، ما أحب أن شيئا كان من ذلك لم يكن.
# وقيل: بينما عمر بن عبد العزيز ذات يوم جالس إذ أتاه ابنه عبد الملك،
~~فقال:
# الله الله في مظالم بني أبيك فلان وفلان، فوالله لوددت أن القدور قد غلت
~~بي وبك فيما يرضي الله، وانطلق فأتبعه أبوه بصره، وقال: إني لأعرف خير
~~أحواله، قالوا، قالوا: وما خير أحواله؟ قال: أن يموت فأحتسبه.
# ولما دخل عليه أبوه في مرضه فقال له: كيف تجدك؟ قال: أجدني في الموت،
~~فاحتسبني يا أبه، فإن ثواب الله عز وجل خير لك مني، فقال: والله يا بني،
~~لئن تكون ما في ميزاني أحب إلي من أن أكون في ميزانك، فقال ابنه: لئن يكون
~~ما تحب أحب إلي من أن يكون ما ms38 أحب.
# فلما مات وقف على قبره، وقال: رحمك الله يا بني، لقد كنت سارا مولود،
~~وبارا ناشئا، وما أحب أني دعوتك فأجبتني.
# PageV00P066
# ومات له ابن آخر قبل عبد الملك، فجاء فقعد عند رأسه، وكشف الثوب عن وجهه،
~~وجعل ينظر إليه ويستدمع، فجاء ابنه عبد الملك، فقال: يا أبه ليشغلك ما أقبل
~~من الموت عمن هو في شغل عما حل لديك، فكأن قد لحقت بابنك وساويته تحت
~~التراب بوجهك، فبكى عمر، ثم قال: رحمك الله يا بني، فوالله إنك لعظيم
~~البركة ما علمتك، على أنك نافع الموعظة لمن وعظت. PageV00P067
# فصل في ذكر جماعة من النساء نقل العلماء صبرهن روي عن أنس بن مالك، قال:
~~كان ابن لأبي طلحة رضي الله عنه يشتكي، فخرج أبو طلحة فقبض الصبي، فلما رجع
~~أبو طلحة قال: ما فعل ابني؟ فقالت أم سليم، وهي أم الصبي رضي الله عنها: هو
~~أسكن ما كان فقربت له العشاء فتعشى، ثم أصاب منها، فلما فرغ قالت: فارق
~~الصبي، فلما أصبح أبو طلحة أتى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره، فقال:
~~(أعرستم الليلة؟) فقال: نعم، فقال: (اللهم بارك لهما) فولدت غلاما.
# قالت: فقلت لأبي طلحة: أحمله حتى تأتي رسول الله صلى الله عليه وآله،
~~وبعثت معه بتمرات، فقال: (أمعه شئ؟) قال: تمرات، فخذها النبي صلى الله عليه
~~وآله فمضغها، ثم أخذها صلى الله عليه وآله من فيه فجعلها في في الصبي، ثم
~~حنكه، وسماه عبد الله (1).
# قال رجل من الأنصار: فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرؤا القرآن، يعني من
~~أولاد عبد الله المولود (2).
# وفي رواية أخرى: مات ابن لأبي طلحة من أم سليم: فقالت لأهلها: لا تحدثوا
~~أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه، قال: فجاء، فقربت إليه عشاء، فأكل
~~وشرب، ثم تصنعت له أكثر مما كانت تتصنع له من قبل ذلك، فلما رأت أنه قد شبع
~~وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة، أرأيت قوما أعاروا عارية أهل بيت فطلبوا
~~عاريتهم؟ ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فأحتسب ابنك، ms39 قال: فغضب، ثم قال:
~~تركتني حتى إذا تلطخت ثم أخبرتني بابني (3).
# وفي حديث آخر: لما كان آخر الليل قالت: يا أبا طلحة، إن آل فلان استعاروا
~~عارية تمتعوا بها، فلما طلبت منهم شق عليهم ذلك، قال: ما أنصفوا، قالت: يا
~~أبا طلحة، إن آل فلان استعاروا عارية تمتعوا بها، فلما طلبت منهم شق عليهم
~~ذلك: قال: ما أنصفوا، قالت:
# PageV00P068
# فإن فلانا - لابنها - كان عارية من الله عز وجل، وقبضه الله، فاسترجع، ثم
~~غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره بما كان، فقال رسول الله صلى
~~الله عليه وآله (بارك الله لكما في ليلتكما).
# قال: فحملت وذكر الحديث، وفيه، فولدت غلاما، فمسح رسول الله صلى الله
~~عليه وآله وجهه، وسماه عبد الله.
# والحديث في (عيون المجالس) بزيادة غريبة في آخره، ولفظ:
# عن معاوية ابن قرة، قال: كان أبو طلحة يحب ابنه حبا شديدا، فمرض فخافت أم
~~سليم على أبي طلحة الجزع حين قرب موت الولد، فبعثته إلى النبي صلى الله
~~عليه وآله، فلما خرج أبو طلحة من داره توفي الولد، فسجته أم سليم بثوب،
~~وعزلته في ناحية من البيت، ثم تقدمت إلى أهل بيتها، وقالت لهم: لا تخبروا
~~أبا طلحة بشئ.
# ثم إنها صنعت طعاما، ثم مست شيئا من الطيب: فجاء أبو طلحة من عند رسول
~~الله صلى الله عليه وآله فقال: ما فعل ابني؟ فقالت له: هدأت نفسه، ثم قال:
~~هل لنا ما نأكل؟ فقامت فقربت إليه الطعام، ثم تعرضت له فوقع عليها، فلما
~~اطمأن قالت له: يا أبا طلحة أتغضب من وديعة كانت عندنا، فرددناها إلى
~~أهلها؟ فقال:
# سبحان الله، لا، فقالت: ابنك كان عندنا وديعة فقبضه الله تعالى، فقال أبو
~~طلحة: فأنا أحق بالصبر منك.
# ثم قام من مكانه، فاغتسل، وصلى ركعتين، ثم انطلق إلى النبي صلى الله عليه
~~وآله، فأخبره: بصنيعهما، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: (فبارك
~~الله لكما في وقعتكما، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الحمد لله
~~الذي ms40 جعل في أمتي مثل صابرة بني إسرائيل) فقيل: يا رسول الله، ما كان من
~~خبرها؟
# قال: (كانت في بني إسرائيل امرأة، وكان لها زوج، ولها منه غلامان، فأمرها
~~بطعام ليدعو عليه الناس ففعلت، واجتمع الناس في داره، فانطلق الغلامان
~~يلعبان، فوقعا في بئر كان في الدار، فكرهت أن تنغص على زوجها الضيافة،
~~فأدخلتهما البيت، وسجتهما بثوب، فلما فرغوا دخل زوجها، فقال: أين ابناي؟
~~قالت: هما في البيت، وإنها كانت قد تمسحت بشئ من الطيب، وتعرضت للرجل حتى
~~وقع عليها، ثم قال:
# أين ابناي؟ قالت: هما في البيت، فناداهما أبوهما، فخرجا يسعيان، فقالت
~~المرأة: PageV00P069
# سبحان الله! والله لقد كانا ميتين، ولكن الله تعالى أحياهما ثوابا لصبري)
~~(1).
# وقريب من هذا ما رويناه في (دلائل النبوة) عن أنس بن مالك، قال: دخلنا
~~على رجل من الأنصار وهو مريض، فلم نبرح حتى قضى، فبسطنا عليه ثوبا، وأم له
~~عجوز كبيرة عند رأسه، فقلنا لها: يا هذه، احتسبي مصيبتك على الله عز وجل،
~~فقالت:
# مات ابني؟ قلنا: نعم، قالت: حقا تقولون؟ قلنا: نعم، قال: فمدت يدها،
~~وقالت:
# اللهم إنك تعلم أني أسلمت لك، وهاجرت إلى رسولك صلى الله عليه وآله وسلم
~~رجاء أن تعينني عند كل شدة ورخاء، فلا تحمل علي هذه المصيبة اليوم، فكشف
~~الثوب عن وجهه بيده، ثم ما برحنا حتى طعمنا معه (2).
# وهذا الدعاء من المرأة رحمها الله إدلال على الله، واستئناس به يقع منه
~~للمحبين كثيرا، فيقبل دعاءهم، وإن كان في التذكير بنحو ذلك ما يظهر منه قلة
~~الأدب. لو وقع من غيرهم، ولذلك بحث طويل وشواهد من الكتاب والسنة، يخرج
~~ذكره عن مناسبة المقام.
# ومن لطيف ما اتفق فيه مناجاة برخ الأسود الذي أمر الله تعالى كليمه موسى
~~عليه السلام أن يسأله أن يسأله ليستسقي لبني إسرائيل بعد أن قحطوا سبع
~~سنين، وخرج موسى ليستسقي لهم في سبعين ألفا، فأوحى الله إليه: (كيف أستجيب
~~لهم وقد أظلت عليهم ذنوبهم، وسرائرهم خبيثة، يدعونني على غير يقين، ويأمنون
~~مكري! ارجع إلى عبد ms41 من عبادي، يقال له: برخ، يخرج حتى استجيب له).
# فسأل عنه موسى عليه السلام فلم يعرف، فبينا موسى عليه السلام ذات يوم
~~يمشي في طريق، فإذا بعبد أسود بين عينيه تراب من أثر السجود، في شملة قد
~~عقدها على عنقه، فعرفه موسى بنور الله تعالى فسلم عليه، فقال: ما اسمك؟
~~قال: اسمي برخ، فقال: أنت طلبتنا منذ حين، أخرج استسق لنا، فخرج، فقال في
~~كلامه: اللهم ما هذا من فعالك، وما هذا من حلمك، وما الذي بدا لك! أنقصت
~~عليك عيونك، أم عاندت الرياح عن طاعتك، أم نفد ما عندك! أم اشتد غضبك، على
~~المذنبين ألست كنت غفارا قبل خلق الخاطئين؟! خلقت الرحمة، وأمرت بالعطف، أم
~~ترينا أنك ممتنع، أم
# PageV00P070
# تخشى الفوت فتعجل بالعقوبة؟! فما برح برخ حتى (أفاضت وخاضت) (1) بنو
~~إسرائيل بالقطر.
# قال: فلما رجع برخ استقبل موسى عليه السلام، فقال: كيف رأيت حين خاصمت
~~ربي، كيف أنصفني؟ (2) رجعنا إلى أخبار الصابرات:
# وروي: أن أسماء بنت عميس رضي الله عنها لما جاءها خبر ولدها - محمد بن
~~أبي بكر - أنه قتل وأحرق بالنار في جيفة حمار، قامت إلى مسجدها، فجلست فيه،
~~وكظمت الغيظ حتى تشخب ثديها دما (3).
# وروي عن حمنة (4) بنت جحش رضي الله عنها: أنها قيل لها: قتل أخوك، قالت:
~~رحمه الله، وإنا لله وإنا إليه راجعون، قالوا: وقتل زوجك، قالت: واحزناه،
~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إن للزوج من المرأة لشعبة ما هي لشئ)
~~(5).
# وروي: أن صفية بنت عبد المطلب أقبلت لتنظر إلى أخيها لأبويها - حمزة بن
~~عبد المطلب - بأحد، وقد مثل به، فقال النبي صلى الله عليه وآله لابنها
~~الزبير: (إلقها فأرجعها لا ترى ما بأخيها) فقال لها: يا أماه، إن رسول الله
~~صلى الله عليه وآله يأمرك أن ترجعي، قالت: ولم، وقد بلغني أنه قد مثل بأخي؟
~~وذلك في الله عز وجل، فما أرضانا بما كان من ذلك! فلأحتسبن ولأصبرن إن شاء
~~الله.
# فلما جاء الزبير إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبره بقولها، ms42 فقال له:
~~(خل سبيلها) فأتته، ونظرت إليه، وصلت عليه، واسترجعت، واستغفرت له (6).
# وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما قتل حمزة رضي الله عنه يوم أحد،
~~أقبلت صفيه تطلبه، لا تدري ما صنع به، قال: فلقيت عليا والزبير، فقال علي
~~عليه السلام للزبير: (أذكر لامك) فقال الزبير: لا، بل اذكر أنت لعمتك،
~~قالت: ما فعل حمزة؟
# فأرياها أنهما لا يدريان، قال: فجاءت النبي صلى الله عليه وآله فقال:
~~(إني أخاف
# PageV00P071
# على عقلها) قال: فوضع يده عليه صدرها، ودعا لها، فاسترجعت، وبكت، قال: ثم
~~جاء صلى الله عليه وآله فقام عليه، وقد مثل به، فقال: (لولا جزع النساء
~~لتركته حتى يحشر من حواصل الطيور وبطون السباع) (1).
# واستشهد شاب من الأنصار يقال له: خلاد يوم بني قريظة، فجاءت أمه متنقبة
~~فقيل لها: تتنقبين يا أم خلاد وقد رزئت بخلاد! فقالت: لئن كنت رزئت خلادا،
~~فلم أرزأ حيائي (2)، فدعا له النبي صلى الله عليه وآله، وقال: (ان له
~~أجرين، لأن أهل الكتاب قتلوه) (3).
# وعن أنس بن مالك قال: لما كان يوم أحد حاص أهل المدينة حيصة، فقالوا:
# قتل محمد صلى الله عليه وآله، حتى كثرت الصوارخ في نواحي المدينة، فخرجت
~~امرأة من الأنصار متحزنة، فاستقبلت بأبيها وابنها وزوجها وأخيها، لا أدري
~~أيهم استقبلت أولا، فلما مرت على آخرهم قالت: من هذا؟ قالوا: أخوك، وأبوك،
~~وزوجك، وابنك، قالت: ما فعل النبي صلى الله عليه وآله؟ قالوا: أمامك، فمشت
~~حتى جاءت إليه، فأخذت بناحية ثوبه، وجعلت تقول: بأبي أنت وأمي يا رسول
~~الله، لا أبالي إذا سلمت من عطب.
# وروى البيهقي قال: مر رسول الله صلى الله عليه وآله بامرأة من بني دينار
~~(4)، وقد أصيب زوجها وأبوها وأخوها معه صلى الله عليه وآله بأحد فلما نعوا
~~إليها، قالت:
# ما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قالوا: خيرا يا أم فلان، وهو يحمد
~~الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فأشير لها إليه، حتى إذا رأته
~~قالت: كل مصيبة بعدك جلل (5).
# وخرجت السمراء ms43 بنت قيس - أخت أبي حزام -، وقد أصيب ابناها، فغزاها النبي
~~صلى الله عليه وآله بهما، فقالت: كل مصيبة بعدك جلل (6) والله لهذا
# PageV00P072
# النقع (1) الذي أرى على وجهك أشد من مصابهما.
# وروي: أن صلة بن أشيم كان في مغزي له، ومعه ابن له، فقال لابنه: أي بني
~~تقدم فقاتل حتى أحتسبك، فحمل فقاتل فقتل، ثم تقدم أبوه فقاتل فقتل، قال:
# فاجتمع النساء عند أمه معاذة العدوية زوجة صلة، فقالت لهن: مرحبا بكن إن
~~كنتن (جئتن لتهنئتي) (2) وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن.
# وروي: أن عجوزا من بني بكر بن كلاب كان يتحدث قومها عن عقلها وسدادها،
~~فأخبر بعض من حضرها، وقد مات ابن لها، وكان واحدها، وقد طالت علته، وأحسنت
~~تمريضه، فلما مات قعدت بفنائك، وحضرها قومها، فأقبلت على شيخ منهم فقالت:
~~يا فلان، ما حق من أسبغت عليه النعمة، وألبس العافية، واعتدلت به النظرة،
~~أن لا يعجز عن التوثق لنفسه قبل حل عقدته والحلول بعقوته (3)، ينزل الموت
~~بداره، فيحول بينه وبين نفسه؟ ثم أنشأت تقول شعرا:
# هو ابني وأنسي أجره لي وعزني * على نفسه رب إليه ولاؤها فإن أحتسب أوجر
~~وإن أبكه أكن * كباكية لم يغن شيئا بكاؤها فقال لها الشيخ: إننا لم نزل
~~نسمع أن الجزع إنما هو للنساء، فلا يجز عن أحد بعدك، ولقد كرم صبرك، وما
~~أشبهت النساء فقالت له: إنه ما ميز امرؤ بن جزع وصبر، إلا وجد بينهما
~~منهجين بعيدي التفاوت في حالتيهما:
# أما الصبر: فحسن العلانية، محمود العاقبة.
# وأما الجزع: فغير معرض شيئا مع إثمه.
# ولو كان في صورة رجلين، لكان الصبر أولاهما بالغلبة، وبحسن الصورة، وكرم
~~الطبيعة في عاجل الدين وآجله في الثواب، وكفى بما وعد الله عز وجل لمن
~~ألهمه إياه.
# وعن جويرية بن أسماء: أن ثلاثة أخوة شهدوا تستر، واستشهدوا، وبلغ ذلك
~~أمهم، فقالت: مقبلين أم مدبرين؟ فقيل لها: بل مقبلين، فقالت الحمد لله،
~~نالوا والله الفوز، وحاطوا الذمار بنفسي هم وأبي وأمي، وما تأوهت، ولا دمعت
~~لها عين.
# PageV00P073
# وعن أبي ms44 قدامة الشامي قال: كنت أميرا على الجيش في بعض الغزوات، فدخلت
~~بعض البلدان، ودعوت الناس للغزاة، ورغبتهم في الجهاد، وذكرت فضل الشهادة
~~وما لأهلها، ثم تفرق الناس وركبت فرسي، وسرت إلى منزلي، فإذا أنا بامرأة من
~~أحسن الناس وجها تنادي: يا أبا قدامة، فمضيت ولم أجب، فقالت: ما هكذا كان
~~الصالحون، فوقفت، فجاءت ودفعت إلي رقعة وخرقة مشدودة، وانصرفت باكية، فنظرت
~~في الرقعة وإذا فيها مكتوب، أنت دعوتنا إلى الجهاد، ورغبتنا في الثواب، ولا
~~قدرة لي على ذلك، فقطعت أحسن ما في، وهما ضفيرتاي، وأنفذتهما (١) إليك
~~لتجعلهما قيد فرسك لعل الله يرى شعري قيد فرسك في سبيله، فيغفر لي.
# فلما كان صبيحة القتال فإذا بغلام بين يدي الصفوف يقاتل حاسرا، فتقدمت
~~إليه وقلت: يا غلام، أنت فتى غر (٢) راجل، ولا آمن أن تجول الخيل فتطؤك
~~بأرجلها، فارجع عن موضعك هذا، فقال: أتأمرني بالرجوع، وقد قال الله تعالى:
~~﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين
~~كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار﴾ (3)؟ وقرأ الآية إلى آخرها.
# فحملته على هجين كان معي، فقال: يا أبا قدامة، أقرضني ثلاثة أسهم، فقلت:
~~أهذا وقت قرض؟ فما زال يلح علي حتى قلت: بشرط إن من الله عليك بالشهادة
~~أكون في شفاعتك، قال: نعم، فأعطيته ثلاثة أسهم، فوضع سهما في قوسه ورمى به،
~~فقتل روميا، ثم رمى بالآخر فقتل روميا، ثم رمى بالآخر، وقال: السلام عليك
~~يا أبا قدامة سلام مودع، فجاءه فجاء سهم فوقع بين عينيه، فوضع رأسه على
~~قربوس سرجه، فتقدمت إليه، وقلت: لا تنسها، فقال: نعم، ولكن لي إليك حاجة
~~إذا دخلت المدينة فأت والدتي، وسلم خرجي (4) إليها وأخبرها، فهي التي أعطتك
~~شعرها لتقيد به فرسك، فسلم عليها، فهي العام الأول أصيبت بوالدي، وفي هذا
~~العام بي، ثم مات، فحفرت له، ودفنته.
# فلما هممت بالانصراف عن قبره قذفته الأرض، فألقته على ظهرها، فقال
~~أصحابه: غلام غر، ولعله خرج بغير إذن أمه، فقلت: إن الأرض لتقبل من هو شر
~~من
# PageV00P074
# هذا، ms45 فقمت وصليت ركعتين، ودعوت الله، فسمعت صوتا يقول: يا أبا قدامة،
~~أترك ولي الله، فما برحت حتى نزلت عليه طيور فأكلته.
# فلما أتيت المدينة ذهبت إلى دار والدته، فلما قرعت الباب خرجت أخته إلي،
~~فلما رأتني عادت إلى أمها، وقالت: يا أماه هذا أبو قدامة، وليس معه أخي،
~~وقد أصبنا في العام الأول بأبي، وفي هذا العام بأخي، فخرجت أمه، فقالت:
~~أمعزيا أم مهنئا؟ فقلت: ما معني هذا؟ قالت: إن كان ابني مات فعزني، وإن كان
~~استشهد فهنئني، فقلت: لا، بل قد مات شهيدا، فقالت: له علامة، فهل رأيتها؟
~~فقلت: نعم، لم تقبله الأرض، ونزلت الصيور، فأكلت لحمه، وتركت عظامه،
~~فدفنتها، فقالت:
# الحمد لله.
# فسلمت إليها الخرج، ففتحته وأخرجت منه مسحا وغلا من حديد، قالت: إنه كان
~~إذا جنه الليل لبس هذا المسح، وغل نفسه بالغل وناجى مولاه، وقال في
~~مناجاته:
# إلهي احشرني من حواصل الطيور. فاستجاب الله سبحانه دعاءه رحمه الله.
# وروى البيهقي عن أبي العباس السراج، قال: مات لبعضهم ابن، فدخلت على أمه،
~~فقلت لها: اتقي الله واصبري، فقالت: مصيبتي به أعظم من أن أفسدها بالجزع.
# وقال أبان بن تغلب رحمه الله: دخلت على امرأة، وقد نزل بابنها الموت،
~~فقامت إليه فغمضته وسجته، ثم قالت: يا بني، ما الجزع في ما لا يزول؟ وإنما
~~البكاء في ما ينزل بك غدا؟ يا بني تذوق ما ذاق أبوك وستذوقه من بعدك أمك،
~~وإن أعظم الراحة لهذا الجسد النوم، والنوم أخو الموت، فما عليك إن كنت
~~نائما على فراشك، أو على غيره، وإن غدا السؤال والجنة والنار، فإن كنت من
~~أهل الجنة فما ضرك الموت، وإن كنت من أهل النار فما تنفعك الحياة، ولو كنت
~~أطول الناس عمرا، والله يا بني لولا أن الموت أشرف الأشياء لابن آدم، لما
~~أمات الله نبيه صلى الله عليه وآله، وأبقى عدوه إبليس لعنه الله (1).
# وعن المبرد قال: أتيت امرأة أعزيها عن ابنها، فجعلت تثني عليه، فقالت:
~~كان - والله - ماله لغير بطنه، وأمره لغير عرسه، ms46 وكان رحب الذراع بالتي لا
~~تشينه، فإن كانت الفحشاء ضاق بها ذرعا، فقلت لها: وهل لك منه خلف؟ - وأنا
~~أعني الولد -، فقالت: نعم بحمد الله كثير طيب، ثواب الله عز وجل، ونعم
~~العوض في الدنيا والآخرة.
# PageV00P075
# وعنه: أنه خرج إلى اليمن، فنزل على امرأة لها مال كثير ورقيق وولد وحال
~~حسنة، فأقام عندها مدة، فلما أراد الرحيل قال: ألك حاجة؟ قالت: نعم، كلما
~~نزلت هذه البلاد فانزل علي.
# وإنه غاب أعواما، ثم نزل عليها، فوجدها قد ذهب مالها ورقيقها، ومات
~~ولدها، وباعت منزلها، وهي مسرورة ضاحكة فقال لها: أتضحكين مع ما قد نزل بك؟
~~فقالت: يا عبد الله كنت في حال النعمة في أحزان كثيرة، فعلمت أنها من قلة
~~الشكر، فأنا اليوم في هذه الحالة أضحك شكرا لله تعالى على ما أعطاني من
~~الصبر.
# وعن مسلم بن يسار قال: قدمت البحرين فأضافتني امرأة لها بنون ورقيق ومال
~~ويسار، وكنت أراها محزونة، فغبت عنها مدة طويلة، ثم أتيتها فلم أر ببابها
~~إنسا، فاستأذنت عليها، فإذا هي ضاحكة مسرورة، فقلت لها، ما شأنك؟ قالت: إنك
~~لما غبت عنا لم نرسل شيئا في البحر إلا غرق، ولا شيئا في البر إلا عطب،
~~وذهب الرقيق، ومات البنون، فقلت لها: يرحمك الله، رأيتك محزونة في ذلك
~~اليوم، ومسرورة في هذا اليوم، فقالت: نعم، إني لما كنت فيما كنت فيه من سعة
~~الدنيا، خشيت أن يكون الله تعال قد عجل لي حسناتي في الدنيا، فلما ذهب مالي
~~وولدي ورقيقي رجوت أن يكون الله تعالى قد ذخر لي عنده شيئا (1).
# وعن بعضهم قال: خرجت أنا وصديق لي إلى البادية، فضللنا الطريق، فإذا نحن
~~بخيمة عن يمين الطريق فقصدنا نحوها فسلمنا، فإذا بامرأة ترد علينا السلام،
~~وقالت: ما أنتم؟ قلنا: ضالون فأتيناكم فاستأنسنا بكم، فقالت: يا هؤلاء،
~~ولوا وجوهكم عني، حتى أقضي من حقكم ما أنتم له أهل، ففعلنا، فألقت لنا
~~مسحا، وقالت: اجلسوا عليه إلى أن يأتي ابني.
# ثم جعلت ترفع طرف الخيمة وتردها، إلى أن رفعته ms47 مرة فقالت: أسأل الله بركة
~~المقبل، أما البعير فبعير ابني، وأما الراكب فليس هو به، قال: فوقف الراكب
~~عليها، وقال: يا أم عقيل، عظم الله أجرك في عقيل ولدك، فقالت: ويحك مات!؟
~~قال: نعم، قالت: وما سبب موته؟ قال: ازدحمت عليه الإبل فرمت به في البئر
~~فقالت: انزل واقض ذمام القوم، ودفعت إليه كبشا فذبحه وأصلحه، وقرب إلينا
~~الطعام، فجعلنا نأكل، ونتعجب من صبرها 2
# PageV00P076
# فلما فرغنا خرجت إلينا وقالت: يا قوم، هل فيكم من يحسن من كتاب الله
~~شيئا؟ فقلت: نعم، قالت: فاقرأ علي آيات أتعزى بها عن ولدي، فقلت: يقول الله
~~عز وجل: ﴿وبشر الصابرين الذين إذا
~~اصابتهم مصيبة قالوا انا لله وانا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم
~~ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ (1). قالت: بالله إنها في كتاب الله هكذا؟
~~قلت: والله إنها لفي كتاب الله هكذا؟ قلت: والله إنها لفي كتاب الله هكذا،
~~فقالت: السلام عليكم، ثم صفت قدميها وصلت ركعات، ثم قالت: اللهم إني قد
~~فعلت ما أمرتني به، فأنجز لي ما وعدتني به، ولو بقي أحد لأحد - قال: فقلت
~~في نفسي تقول: لبقي ابني لحاجتي إليه، فقالت -: لبقي محمد صلى الله عليه
~~وآله لأمته.
# فخرجت وأنا أقول: ما رأيت أكمل منها ولا أجزل، ذكرت ربها بأكمل خصاله
~~وأجمل خلاله. ثم إنها لما علمت أن الموت لا مدفع له، ولا محيص عنه، وأن
~~الجزع لا يجدي نفعا، والبكاء لا يرد هالكا، رجعت إلى الصبر الجميل، واحتسبت
~~ابنها عند الله تعالى ذخيرة نافعة ليوم الفقر والفاقة (2).
# ونحوه ما أخرجه ابن أبي الدنيا، قال: كان رجل يجلس إلي، فبلغني أنه شاك
~~(3) فأتيته أعوده، فإذا هو قد نزل به الموت، وإذا أم له عجوز كبيرة عنده
~~فجعلت تنظر حتى غمض وعصب وسجي، ثم قالت: رحمك الله، أي بني، فقد كنت بنا
~~بارا، وعلينا شفيقا، فرزقني الله عليك الصبر، فقد كنت تطيل القيام، وتكثر
~~الصيام، لا حرمك الله تعالى ما أملت فيه من ms48 رحمته، وأحسن فيك العزاء، ثم
~~نظرت إلي وقالت:
# أيها العائد قد رأيت واعظا ونحن معك.
# وروي البيهقي عن ذي النون المصري، قال: كنت في الطواف، وإذا أنا بجاريتين
~~قد أقبلتا، وأنشأت إحداهما تقول:
# صبرت وكان الصبر خير (مغبة) (4) * وهل جزء مني ليجدي فأجزع صبرت على ما
~~لو تحمل بعضه * جبال برضوى أصبحت تتصدع ملكت دموع العين ثم رددتها * إلى
~~ناظري فالعين في القلب تدمع
# PageV00P077
# فقلت: مماذا يا جارية؟ فقالت: من مصيبة نالتني، لم تصب أحدا قط، قلت:
# وما هي؟ قالت: كان لي شبلان يلعبان أمامي، وكان أبوهما ضحى بكبشين، فقال:
# أحدهما لأخيه: يا أخي أريك كيف ضحى أبونا بكبشه، فقام وأخذ الآخر شفرة
~~فنحره، وهرب القاتل فدخل أبوهما، فقلت: إن ابنك قتل أخاه وهرب، فخرج في
~~طلبه، فوجده قد افترسه السبع، فرجع الأب فمات في الطريق ظمأ وجوعا.
# وروي بعضهم هذه الرواية، وزاد فيها: قال: رأيت امرأة حسناء، ليس بها شئ
~~من الحزن، وقالت: والله ما أعلم أحدا أصيب بما أصبت به، وأوردت القصة، فقلت
~~لها: كيف أنت والجزع؟ فقالت: لو رأيت فيه دركا ما اخترت عليه شيئا، ولو دام
~~لي لدمت له.
# وحكى بعضهم قال: أصيبت امرأة بابن لها فصبرت، فقيل لها في ذلك، فقالت:
~~آثرت طاعة الله تعالى على طاعة الشيطان. PageV00P078
# الباب الثالث: في الرضا قال الله تعالى: ﴿لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتيكم﴾
~~(١) ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ (٢).
# إعلم أن الرضا ثمرة المحبة لله، من أحب شيئا أحب فعله والمحبة ثمرة
~~المعرفة، فإن من أحب شخصا إنسانيا لاشتماله على بعض صفات الكمال أو نعوت
~~الجمال، يزداد حبه له كلما زاد به معرفة وله تصورا.
# فمن نظر بعين بصيرته إلى جلال الله تعالى وكماله - الذي يطول شرح تفصيل
~~بعضه، ويخرج عن مقصود الرسالة - أحبه، والذين آمنوا أشد حبا لله، ومتى أحبه
~~استحسن كل أثر صادر عنه، وهو يقتضي الرضا.
# فالرضا ثمرة من ثمرات المحبة، ms49 بل كل كمال فهو ثمرتها، فإنها لما كانت فرع
~~المعرفة استلزم تصور رحمته رجاؤه، وتصور هيبته الخشية له، ومع عدم الوصول
~~إلى المطلوب الشوق، ومع الوصول الأنس، ومع إفراط الأنس الانبساط، ومع
~~مطالعة عنايته التوكل، ومع استحسان ما يصدر عنه الرضا، ومع تصور قصور نفسه
~~في جنب كماله وكمال إحاطة محبوبه به وقدرته عليه التسليم إليه، ويتشعب من
~~التسليم مقامات عظيمة، يعرفها من عرفها، وينتهي الأمر به إلى غاية كل كمال.
# واعلم أن الرضا فضيلة عظيمة للإنسان، بل جماع أمر الفضائل يرجع إليها،
~~وقد نبه الله تعالى على فضله، وجعله مقرونا برضا الله تعالى وعلامة له،
~~فقال: ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ (٣) ﴿ورضوان من الله أكبر﴾ (4) وهو نهاية
~~الإحسان، وغاية الامتنان.
# وجعله النبي صلى الله عليه وآله دليلا على الإيمان، حين سأل طائفة من
~~أصحابه، (ما أنتم؟) قالوا مؤمنون، فقال: (ما علامة إيمانكم؟) قالوا: نصبر
~~على البلاء، ونشكر عند الرخاء، ونرضى بمواقع القضاء، فقال: (مؤمنون ورب
~~الكعبة) (5).
# PageV00P079
# وقال صلى الله عليه وآله: (إذا أحب الله عبدا ابتلاه، فإن صبر اجتباه،
~~فإن رضي اصطفاه) (1).
# وقال صلى الله عليه وآله: (إذا كان يوم القيامة أنبت الله تعالى لطائفة
~~من أمتي أجنحة، فيطيرون من قبورهم إلى الجنان، يسرحون فيها، ويتنعمون كيف
~~يشاؤون، فتقول لهم الملائكة: هل رأيتم الحساب؟ فيقولون: ما رأينا حسابا،
~~فيقولون: هل جزتم الصراط؟ فيقولون: ما رأينا صراطا، فيقولون: هل رأيتم
~~جهنم؟ فيقولون: ما رأينا شيئا، فتقول الملائكة: من أمة من أنتم؟ فيقولون:
~~من أمة محمد صلى الله عليه وآله، فيقولون:
# نشدناكم الله، حدثونا ما كانت أعمالكم في الدنيا؟ فيقولون: خصلتان كانتا
~~فينا، فبلغنا الله تعالى هذا المنزلة بفضل رحمته، فيقولون: وما هما؟
~~فيقولون: كنا إذا خلونا نستحي أن نعصيه، ونرضى باليسير مما قسم لنا، فتقول
~~الملائكة: حق لكم هذا) (2).
# وقال صلى الله عليه وآله: (أعطوا الله الرضا من قلوبكم، تظفروا بثواب
~~الله تعالى يوم فقركم والإفلاس) (3).
# وفي أخبار موسى عليه ms50 السلام، أنهم قالوا: سل لنا ربك أمرا إذا نحن فعلناه
~~(يرضى به عنا) (4) فأوحى الله تعالى إليه: (قل لهم: يرضون عني، حتى أرضى
~~عنهم) (5).
# ونظيره ما روي عن نبينا صلى الله عليه وآله: أنه قال: (من أحب أن يعلم ما
~~له عند الله عز وجل، فلينظر ما لله عز وجل عنده، فإن الله تعالى ينزل العبد
~~منه حيث أنزله العبد من نفسه) (6).
# وفي أخبار داود عليه السلام: (ما لأوليائي والهم بالدنيا، إن الهم يذهب
~~حلاوة مناجاتي من قلوبهم، يا داود، إن محبتي من أوليائي أن يكونوا روحانيين
~~لا يغتمون (7).
# PageV00P080
# وروي: أن موسى عليه السلام قال: (يا رب، دلني على أمر فيه رضاك عني
~~أعمله، فأوحى الله تعالى، إليه: أن رضاي في كرهك، وأنت ما تصبر على ما
~~تكره، قال:
# يا رب، دلني عليه، قال: فإن رضاي في رضاك بقضائي) (1).
# وفي مناجاة موسى عليه السلام: (أي رب، أي خلقك أحب إليك؟ قال من إذا أخذت
~~حبيبه سالمني، قال: فأي خلق أنت عليه ساخط؟ قال: من يستخيرني في الأمر،
~~فإذا قضيت له سخط قضائي).
# وروي ما هو أشد منه، وذاك أن الله تعالى قال:
# (أنا الله، لا إله إلا أنا، من لم يصبر على بلائي، ولم يرض بقضائي،
~~فليتخذ ربا سوائي) (2).
# ويروي: أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: (يا داود، تريد وأريد،
~~وإنما يكون ما أريد، فإن سلمت لما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لما
~~أريد أتعبتك فيما تريد، ولا يكون إلا ما أريد) (3).
# وعن ابن عباس: (أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة، الذين يحمدون الله
~~تعالى على كل حال) (4).
# وعن ابن مسعود: لئن الحسن جمرة أحرقت ما أحرقت، وأبقت ما أبقت، أحب إلي
~~من أن أقول لشئ كان: ليته لم يكن، أو لشئ لم يكن: ليته كان.
# وعن أبي الدرداء: (ذروة الإيمان الصبر للحكم، والرضا بالقدر).
# وقال صلى الله عليه وآله: (إن الله تعالى بحكمته وجلاله جعل الروح والفرج
~~في الرضا واليقين، وجعل الغم والحزن في ms51 الشك والسخط) (5).
# وقال علي بن الحسين عليهما السلام: (الزهد عشرة أجزاء: أعلى درجة الزهد
~~أدنى درجة الورع، وعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين، وأعلى درجة اليقين
~~أدنى درجة
# PageV00P081
# الرضا) (1).
# وقال الصادق عليه السلام: (صفة الرضا أن ترضى المحبوب والمكروه، والرضا
~~شعاع نور المعرفة، والراضي فان عن جميع اختياره،، والراضي حقيقة هو المرضي
~~عنه، والرضا اسم يجمع فيه معاني العبودية، وتفسير الرضا سرور القلب.
# سمعت أبي محمد الباقر عليه السلام يقول: تعلق القلب بالموجود شرك،
~~وبالمفقود كفر، وهما خارجان عن سنة الرضا، وأعجب ممن يدعي العبودية لله كيف
~~ينازعه في مقدوراته؟! حاشا الراضين العارفين عن ذلك).
# وروي: أن جابر بن عبد الله الأنصاري - رضي الله عنه - ابتلي في آخر عمره
~~بضعف الهرم والعجز، فزاره محمد بن علي الباقر عليه السلام، فسأله عن حاله،
~~فقال: أنا في حالة أحب فيها الشيخوخة على الشباب، والمرض على الصحة، والموت
~~على الحياة.
# فقال الباقر عليه السلام: (أما أنا يا جابر، فإن جعلني الله شيخا أحب
~~الشيخوخة، وإن جعلني شابا أحب الشيبوبة (2)، وإن أمرضني أحب المرض، وإن
~~شفاني أحب الشفاء والصحة، وإن أماتني أحب الموت، وإن أبقاني أحب البقاء).
# فلما سمع جابر هذا الكلام منه قبل وجهه، وقال صدق رسول الله صلى الله
~~عليه وآله، فإنه قال: (ستدرك لي ولدا اسمه اسمي، يبقر العلم بقرا كما يبقر
~~الثور الأرض) ولذلك سمي باقر علم الأولين والآخرين، أي شاقه.
# وروي الكليني باسناده إلى أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال: (رأس طاعة
~~الله الصبر والرضى عن الله فيما أحب العبد أو كره، ولا يرضى عبد عن الله
~~فيما أحب وكره، إلا كان خيرا له فيما أحب أو كره) (3).
# وبإسناده عنه عليه السلام قال: (أعلم الناس بالله - تعالى - أرضاهم بقضاء
~~الله - عز وجل -) (4).
# وبإسناده عنه عليه السلام قال: (قال الله تعالى: عبدي المؤمن لا أصرفه في
~~شئ إلا جعلته خيرا له، فليرض بقضائي، وليصبر على بلائي، ويشكر نعمائي،
~~أكتبه
# PageV00P082
# - يا محمد - من الصديقين عندي) (1).
# وعنه عليه السلام قال: (في ms52 ما أوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام: يا
~~موسى بن عمران، ما خلقت خلقا أحب إلي من عبدي المؤمن، فإني إنما أبتليه لما
~~هو خير له، وأعافيه لما هو خير له، وأزوي عنه لما هو خير له، وأنا أعلم بما
~~يصلح عليه عبدي، فليصبر على بلائي، وليشكر نعمائي وليرض بقضائي، أكتبه في
~~الصديقين عندي، إذا عمل برضاي، وأطاع أمري) (2).
# وقيل للصادق عليه السلام: بأي شئ يعلم (3) المؤمن بأنه مؤمن؟ قال:
# (بالتسليم لله، والرضا فيما ورد عليه من سرور أو سخط) (4).
# وروي في الإسرائيليات: أن عابدا عبد الله تعالى دهرا طويلا فرأى في
~~المنام:
# فلانة رفيقتك في الجند، فسأل عنها، واستضافها ثالثا لينظر إلى علمها،
~~فكان يبيت قائما، وتبيت نائمة، ويظلل صائما، وتظل مفطرة، فقال لها: أما لك
~~عمل غير ما رأيت؟
# فقالت: ما هو والله غير ما رأيت، ولا أعرف غيره، فلم يزل يقول: تذكري،
~~حتى قالت: خصيلة واحدة، هي إن كنت في شدة لم أتمن أن أكون في رخاء، وإن كنت
~~في مرض لم أتمن أن أكون في صحة، وإن كنت في الشمس لم أتمن أن أكون في الظل،
~~فوضع العابد يديه على رأسه، وقال: أهذه خصيلة؟ هذه - والله - خصلة عظيمة
~~يعجز عنها العباد.
# PageV00P083
# فصل مرتبة الرضا عالية جدا على مرتبة الصبر، بل نسبة الصبر إلى الرضا عند
~~أهل الحقيقة، نسبة المعصية إلى الطاعة، فإن المحبة تقتضي اللذة بالبلاء،
~~لأنه يجد في البلاء نفسه على ذكر من محبوبه، فيزيد قربه وأنسه. والصبر
~~بمقتضى كراهة البلاء واستصعابه حتى يوجب الصبر عليه، والكراهة تنافي الأنس،
~~فتبين بذلك أن الصبر والمحبة متنافيان.
# وأيضا، فإن الصبر إظهار التجلد، وهو في مذهب المحبة من أشد المنكرات
~~نكرا، وأظهر علامات العداوة طرا، كما قيل:
# ويحسن إظهار التجلد للعدي * ويقبح إلا العجز عند الأحبة ومن هنا قال أهل
~~الحقيقة: الصبر من أصعب المنازل على العامة، وأوحشها في طريق المحبة،
~~وأنكرها في طريق التوحيد.
# وإنما كان أصعب عند العامة، لأن العامي لم يتدرب بالرياضة، ولم ms53 يتحنك
~~بالصبر على البلاء، ولم يتعود بقمع النفس، فلم يحتمل البلاء، ولم يكن من
~~أهل المحبة حتى يتلذذ بالبلاء، فإذا امتحنه الحق سبحانه بالبلاء - وهو في
~~مقام النفس - لم يحتمل البلاء وغلبه الجزع، وصعب عليه حبس النفس عن إظهاره
~~لعدم طمأنينتها.
# وإنما كان أوحش المنازل في طريق المحبة، لأن المحبة تقتضي الأنس
~~بالمحبوب، والالتذاذ بالبلاء، لشهود المبتلى فيه وإيثار مراد المحبوب،
~~والصبر يقتضي كراهة البلاء كما مر، فيتنافيان.
# وإنما كان أنكر في مقام التوحيد، لأن الصابر يدعي قوة الثبات، ودعوى
~~الثبات والتجلد من رعونات (1) النفس، والتوحيد يقتضي فناء النفس، فيكون
~~أنكر لأن إثبات النفس في طريق التوحيد من أقبح المنكرات بل الرضا مع عظم
~~قدره وعلو أمره عند أهل التحقيق في التوحيد من أوائل مسالكه، لأن سلوكهم في
~~الفناء في التوحيد بذواتهم، والرضا هو فناء الإرادة الحق تعالى، والوقوف
~~الصادق مع مراد الله تعالى، وفناء الصفة قبل فناء الذات.
# وقد تبين لك بذلك ما بين الصبر والرضا من المراتب البعيدة والمسالك
~~الشديدة.
# PageV00P084
# فصل للرضا ثلاث درجات، مترتبة في القوة ترتبها في اللفظ:
# الدرجة الأولى: أن ينظر إلى موقع البلاء والفعل الذي يقتضي الرضا، ويدرك
~~موقعه، ويحس بألمه، ولكن يكون راضيا به، بل راغبا فيه، مريدا له بعقله، وإن
~~كان كارها له بطبعه، طلبا لثواب الله تعالى عليه، ومزيد لزلفى لديه، والفوز
~~بالجنة التي عرضها السماوات والأرض، وقد أعدت للمتقين.
# وهذا القسم من الرضا هو رضا المتقين.
# ومثاله مثال من يلتمس الفصد والحجامة من الطبيب العالم بتفاصيل أمراضه
~~وما فيه اصلاحه، فإنه يدرك ألم ذلك الفعل، إلا أنه راض به، وراغب فيه،
~~ومتقلد من الفصاد منة عظيمة بفعله.
# ومثله من يسافر في طلب الربح، فإنه يدرك مشقة السفر، ولكن حبه لثمرة سفره
~~طيب عنده مشقة الصبر، وجعله راضيا به، ومهما أصابته بلية من الله تعالى -
~~وكان له يقين بأن ثوابه الذي ادخر له فوق ما فاته - رضي به، ورغب فيه،
~~وأحبه، وشكر الله تعالى عليه.
# الدرجة الثانية: أن يدرك الألم كذلك، ms54 ولكنه أحبه لكونه مراد محبوبه
~~ورضاه، فإن من غلب عليه الحب كان جميع مراده وهواه ما فيه رضا محبوبه، وذلك
~~موجود في الشاهد بالنسبة إلى حب الخلق بعضهم بعضا، قد تواصفه المتواصفون في
~~نظمهم ونثرهم، ولا معنى له إلا ملاحظة حال الصورة الظاهرة بالبصر.
# وما هذا الجمال إلا جلد على لحم ودم مشحون بالأقذار والأخباث، بدايته من
~~نطفة مذرة (1)، ونهايته جيفة قذرة، وهو فيما بين ذلك يحمل العذرة.
# والناظر لهذا الجمال الخسيس هو العين الخسيسة، التي تغلط في ما ترى
~~كثيرا، فترى الصغير كبيرا، والكبير صغيرا، والبعيد قريبا، والقبيح جميلا.
# فإذا تصور الانسان استيلاء هذا الحب، فمن أين يستحيل ذلك في حب الجمال
~~الأزلي الأبدي، الذي لا ينتهي كماله المدرك بعين البصيرة، التي لا يعتريها
~~الغلط، ولا يزيلها الموت، بل يبقى بعد الموت حيا عند الله، فرحا مسرورا
~~برزق الله، مستفيدا
# PageV00P085
# بالموت مزيد واستكشاف، وهذا أمر واضح من حيث الاعتبار، وتشهد له جملة من
~~الآثار، وردت من أحوال المحبين وأقوالهم، يأتي بعضها إن شاء الله تعالى،
~~وهذه مرتبة المقربين.
# الدرجة الثالثة: أن يبطل إحساسه بالألم، حتى يجري عليه المؤلم ولا يحس،
~~وتصيبه جراحة ولا يدرك ألمه.
# ومثاله الرجل المحارب، فإنه في حال غضبه أو حال خوفه قد تصيبه جراحة وهو
~~لا يحس بها، حتى إذا رأى الدم استدل به على الجراحة، بل الذي يعدو في شغل
~~مريب قد تصيبه شوكة في قدمه، ولا يحس بألمه لشغل قلبه، بل الذي يحجم، أو
~~يحلق رأسه بحديدة كآلة يتألم بها، فإن كان قلبه مشغولا بمهم من مهماته،
~~يفرغ الحجام أو الحالق، وهو لا يشعر به.
# وكل ذلك لأن القلب إذا صار مستغرقا بأمر من الأمور لم يدرك ما عداه.
# ونظائر ذلك في هموم أهل الدنيا، واشتغالهم بها، واكبابهم عليها، حتى لا
~~يتألمون، ولا يحسون بالجوع والعطش والتعب - لذلك - كثير مشاهد عيانا، فكذلك
~~العاشق المستغرق الهم بمشاهده محبوبه، قد يصيبه ما كان يتألم به، أو يغتم
~~لولا عشقه، ثم لا يدرك غمه وألمه، لفرط ms55 استيلاء الحب على قلبه، هذا إذا
~~أصابه من غير حبيبه، فكيف إذا أصابه من حبيبه؟!
# وشغل القلب بالحب والعشق من أعظم الشواغل، وإذا تصور هذا في ألم يسير
~~بسبب حب خفيف، تصور في الألم العظيم بالحب العظيم، فإن الحب أيضا يتصور
~~تضاعفه في القوة، كما يتصور تضاعف الألم، وكما يقوى حب الصور الجميلة
~~المدركة بحاسة البصر، فكذا يقوى حب الصور الجميلة الباطنة المدركة بنور
~~البصيرة الربوبية، وجلالها لا يقاس بها جلال، فمن انكشف له شئ منه فقد
~~يبهره، بحيث يدهش ويغشى عليه، فلا يحس بما يجري عليه.
# كما روي عن امرأة أنها عثرت فانقطع ظفرها، فضحكت، فقيل لها: أما تجدين
~~الوجع؟ فقالت: إن لذة ثوابه أزالت عن قلبي مرارة وجعه.
# وكان بضعهم يعالج غيره من علة فنزلت به، فلم يعالج نفسه، فقيل له في ذلك،
~~فقال: ضرب الحبيب لا يوجع. PageV00P086
# فصل:
# في ذكر جماعة من السلف، نقل العلماء رضاهم بالقضاء مضافا إلى ما تقدم
~~إعلم أن أكثر ما أوردناه في باب الصبر عن جماعة الأكابر تضمن الرضا
~~بالقضاء، بخصوص موت الولد ونحوه، ولنذكر هنا أمورا عامة:
# لما اشتد البلاء على أيوب عليه السلام قالت امرأته: ألا تدعو ربك، فيكشف
~~ما بك؟ فقال لها: (يا امرأة إني عشت في الملك والرخاء سبعين سنة، فأنا أريد
~~أن أعيش مثلها في البلاء، لعلي كنت أديت شكر ما أنعم الله علي، وأولى بي
~~الصبر على ما أبلى) (1).
# وروي أن يونس عليه السلام قال لجبرئيل عليه السلام: (دلني على أعبد أهل
~~الأرض)، فدله على رجل قد قطع الجذام يديه ورجليه، وذهب ببصره وسمعه، وهو
~~يقول:
# إلهي! متعتني بهما ما شئت، وسلبتني ما شئت وأبقيت لي فيك الأمل، يا بر يا
~~وصول (2).
# وروي أن عيسى عليه السلام مر برجل أعمى أبرص مقعد مضروب الجنبين بالفالج،
~~وقد تناثر لحمه من الجذام، وهو يقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به
~~كثيرا من خلقه.
# فقال له عيسى عليه السلام: (يا هذا، وأي شئ من البلاء أراه مصروفا عنك؟) ms56
~~فقال: يا روح الله، أنا خير ممن لم يجعل الله في قلبي من معرفته.
# فقال له: (صدقت، هات يدك) فناوله يده، فإذا هو أحسن الناس وجها، وأفضلهم
~~هيئة، قد أذهب الله عنه ما كان به، فصحب عيسى عليه السلام، وتعبد معه (3).
# وقال بعضهم، قصدت عبادان (4) في بدايتي، فإذا أنا برجل أعمى مجذوم مجنون
# PageV00P087
# قد صرع، والنمل يأكل لحمه، فرفعت رأسه، ووضعته في حجري، وأنا أردد
~~الكلام، فلما أفاق قال: من هذا الفضولي الذي يدخل بيني وبين ربي؟ فوحقه لو
~~قطعني إربا إربا، ما ازددت له إلا حبا.
# وقطعت رجل بعضهم من ركبته من إكلة (1) خرجت بها، فقال: الحمد لله الذي
~~أخذ مني واحدة، وترك ثلاثا، وعزتك لئن كنت أخذت لقد أبقيت، ولئن كنت ابتليت
~~لقد عافيت، ثم لم يدع ورده تلك الليلة.
# وقال بعضهم، نلت من كل مقام حالا إلا الرضا بالقضاء، فما لي منه إلا مشام
~~الريح، وعلى ذلك لو أدخل الخلائق كلهم الجنة، وأدخلني النار كنت بذلك
~~راضيا.
# وقيل لبعض العارفين: نلت غاية الرضا عنه، فقال: أما الغاية فلا، ولكن
~~مقام من الرضا قد نلته، لو جعلني الله جسرا على جهنم، تعبر الخلائق علي إلى
~~الجنة، ثم ملأ بي جهنم لأحببت ذلك من حكمه، ورضيت به من قسمه.
# وهذا كلام من علم أن الحب قد استغرق همه، حتى منعه الإحساس بألم النار،
~~واستيلاء هذا الحالة غير محال في نفسه، لكنه بعيد من الأحوال الضعيفة في
~~هذا الزمان، ولا ينبغي أن يستنكر الضعيف المحروم حال الأقوياء، ويظن أن ما
~~هو عاجز عنه يعجز عنه غيره من الأولياء.
# وكان عمران بن حصين (2) - رضي الله عنه - استسقى بطنه، فبقي ملقى على
~~ظهره ثلاثين سنة لا يقوم ولا يقعد، قد ثقب له قي سريره موضع لقضاء الحاجة
~~(3)، فدخل عليه أخوه العلاء فجعل يبكي لما يرى من حاله، فقال: لم تبكي؟
~~قال: لأني أراك على هذه الحالة العظيمة، قال: لا تبك، فإن أحبه لي الله
~~تعالى أحبه، ثم قال: أحدثك شيئا لعل الله ms57 (4) ينفعك به، واكتم علي حتى
~~أموت، إن الملائكة لتزورني (5) فآنس بها، وتسلم علي فأسمع تسليمها، فأعلم
~~بذلك أن هذا البلاء ليس بعقوبة، إذ هو سبب لهذه النعمة
# PageV00P088
# الجسمية، فمن شاهد هذا في بلائه، كيف لا يكون راضيا به (1)؟
# وقال بعضهم: دخلنا على سويد بن شعبة، فرأينا ثوبا ملقى، فما ظننا أن تحته
~~شيئا حتى كشف، فقالت امرأته: أهلك فداؤك، أما نطعمك أما نسقيك؟ فقال:
# طالت الضجعة (2)، ودبرت الحراقيف (3)، وأصبحت نضوا (4)، لا أطعم طعاما،
~~ولا أشرب شرابا منذ كذا - فذكر أياما - وما يسرني أني نقصت من هذا قلامة
~~ظفر.
# وروي عن بعضهم، وكان قاسى المرض ستين سنة فلما اشتد عليه حاله دخل عليه
~~بنوه، فقالوا: أتريد أن تموت، حتى تستريح مما أنت فيه؟ قال: لا، قالوا:
# فما تريد؟ قال: ما لي إرادة، إنما أنا عبد، وللسيد الإرادة في عبده،
~~والحكم في أمره.
# وقيل: اشتد المرض بفتح الموصلي، وأصابه مع مرضه الفقر والجهد، فقال: إلهي
~~وسيدي، ابتليتني بالمرض والفقر، فهذا فعالك بالأنبياء والمرسلين، فكيف لي
~~أن أؤدي شكر ما أنعمت به علي؟
# PageV00P089
# فصل إعلم أن الدعاء يدفع البلاء، وزوال المرض وحفظ الولد لا ينافي الرضاء
~~بالقضاء، فقد تعبدنا الله سبحانه بالدعاء، وندبنا إليه وحثنا عليه، وجعل
~~تركه استكبارا وفعله عبادة ووعد بالإجابة ودعاء الأنبياء والأئمة عليهم
~~السلام، وأمروا به، وما نقل عنهم خارج عن حد الحصر، وقد أثنى الله تعالى
~~على الداعين من عباده، فقال: ﴿ويدعوننا رغبا ورهبا﴾ (1).
# ومن وظائف الداعي أن يكون في دعائه ممتثلا لأمر ربه تبارك وتعالى بالدعاء
~~في طلب ما أمره (2) بطلبه، وأنه لولا أمره به، وإذنه له فيه لما اجترئ على
~~التعرض لمخالفة قضائه، وفي الحقيقة هذا نوع من الرضاء لمن فهم مواضع (3)
~~الرضاء، وأدب نفسه، وقام بوظائف الدعاء.
# ومن علاماته أنه إذا لم يجب إلى مطلوبه لا يتألم من ذلك، من حيث عدم
~~إجابته، لجواز أن يكون المدعو به مشتملا على مفسدة لا يعلمها إلا الله
~~تعالى، كما ورد أن العبد ms58 ليدعو الله تعالى بالشئ حتى ترحمه الملائكة وتقول:
~~إلهي ارحم عبدك المؤمن، وأجب دعوته، فيقول الله تعالى: كيف أرحمه من شئ به
~~أرحمه؟
# نعم، لو استوحش من حيث احتمال أن يكون السبب الذي أوجب رد دعائه بعده عن
~~الله تعالى، واستحقاقه للخيبة والاجباه (4) والطرد والإبعاد، فلا حرج. فإن
~~كمال المؤمن أن يكون ماقتا لنفسه مزريا عليها حتى لو أجيبت دعوته، فلا يظنن
~~أن ذلك من كرامته على الله تعالى وقربه منه، بل يجوز أن يكون ذلك من بغض
~~الله تعالى وكراهته لصوته، وتأذي الملائكة برائحته، فتسأل الله تعالى أن
~~يعجل بإجابته (5) لتستريح منه.
# PageV00P090
# وكذلك قد يكون سبب تأخير الإجابة، من محبة الله تعالى وملائكته لصوته،
~~وتلذذهم بمناجاته، فتسأل الله تعالى تأخير اجابته (1)، كذلك كما ورد في
~~الأخبار، فالمؤمن أبدا بين رجاء وخوف، فإن بهما قوام الأعمال، والانزجار عن
~~المعاصي، والرغبة في الطاعات.
# PageV00P091
# الباب الرابع: في البكاء إعلم أن البكاء بمجرده غير مناف للصبر ولا للرضا
~~بالقضاء، وإنما هو طبيعة بشرية، وجبلة إنسانية، ورحمة رحمية أو حبيبية فلا
~~حرج في إبرازها ولا ضرر في اخراجها، ما لم تشتمل على أحوال تؤذن بالسخط
~~وتنبئ عن الجزع وتذهب بالأجر، من شق الثوب ولطم الوجه وضرب الفخذ وغيرها.
# وقد ورد البكاء في المصائب عن النبي صلى الله عليه وآله، ومن قلبه من لدن
~~آدم عليه السلام، وبعده من آله وأصحابه مع رضاهم وصبرهم وثباتهم.
# فأول من بكى آدم عليه السلام على ولده هابيل، ورثاه بأبيات مشهورة، وحزن
~~عليه حزنا كثيرا، وإن خفي شئ فلا يخفى حال يعقوب عليه السلام، حيث بكى حتى
~~ابيضت عيناه من الحزن (1) على يوسف عليه السلام.
# ومن مشاهير الأخبار ما روي الصادق عليه السلام، أنه قال: (إن زين
~~العابدين عليه السلام بكى على أبيه أربعين سنة صائما نهاره، قائما ليله،
~~فإذا حضر الإفطار جاء غلامه بطعامه وشرابه، فيضعه بين يديه، ويقول: كل يا
~~مولاي، فيقول:
# قتل ابن رسول الله جائعا، قتل ابن رسول الله عطشانا، فلا يزال يكرر ذلك،
~~ويبكي ms59 حتى يبل طعامه من دموعه، فلم يزل كذلك حتى لحق بالله عز وجل) (2).
# وروي عن بعض مواليه أنه قال: برز يوما إلى الصحراء فتبعته، فوجدته قد سجد
~~على حجارة خشنة، فوقفت وأنا أسمع شهيقه وبكائه، فأحصيت عليه ألف مرة، وهو
~~يقول: (لا إله إلا الله حقا حقا، لا إله إلا الله تعبدا ورقا، لا إله إلا
~~الله إيمانا وصدقا) ثم رفع رأسه من سجوده وإن لحيته ووجهه قد غمر بالماء من
~~دموع عينيه، فقلت: يا سيدي، ما آن لحزنك أن ينقضي، ولبكائك أن يقل؟
# فقال لي: ويحك، إن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام كان نبيا ابن
~~نبي ابن نبي، له اثنا عشر ابنا، فغيب الله واحدا منهم، فشاب رأسه من الحزن،
~~واحد ودب ظهره من الغم، وذهب بصره من البكاء، وابنه حي في دار الدنيا، وأنا
~~رأيت أبي وأخي وسبعة عشر من أهل بيتي صرعى مقتولين فكيف ينقضي حزني، ويقل
# PageV00P092
# بكائي؟!) (1).
# وعن أنس بن مالك قال: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وآله على أبي سيف
~~القين، وكان ظئرا (2) لإبراهيم عليه السلام، فأخذ رسول الله صلى الله عليه
~~وآله يقبله، ويشمه (3)، ثم دخل عليه بعد ذلك وإبراهيم عليه السلام يجود
~~بنفسه، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله تذرفان، فقال له عبد
~~الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله (4)؟ فقال: (يا ابن عوف، إنها رحمة - ثم
~~أتبعها بأخرى، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله -: العين تدمع، والقلب
~~يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك - يا إبراهيم - لمحزونون)
~~(5).
# وعن أسماء ابنة زيد قالت: لما توفي ابن رسول الله صلى الله عليه وآله -
~~إبراهيم عليه السلام - بكى رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال له المعزي:
~~أنت أحق من عظم الله عز وجل حقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (تدمع
~~العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب، لولا أنه وعد حق وموعود جامع وأن
~~الآخر تابع للأول، لوجدنا عليك (يا إبراهيم - أفضل ms60 مما وجدناه، وإنا بك
~~لمحزونون) (6).
# وعن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال: أخذ رسول الله صلى الله
~~عليه وآله بيد عبد الرحمن بن عوف فأتى إبراهيم وهو يجود بنفسه فوضعه في
~~حجره، فقال له: (يا بني، إني لا أملك لك من الله تعالى شيئا) وذرفت عيناه،
~~فقال له عبد الرحمن:
# يا رسول الله تبكي، أو لم تنه عن البكاء؟ فقال صلى الله عليه وآله: (إنما
~~نهيت عن النوح، عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لعب ولهو ومزامير
~~شيطان، وصوت عند مصيبة، خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان، إنما هذه رحمة، ومن
~~لا يرحم لا يرحم، ولولا أنه أمر حق ووعد صدق وسبيل نأتيه وأن آخرنا سيلحق
~~أولنا، لحزنا عليك حزنا أشد من هذا، وإنا بك لمحزونون، تبكي العين ويحزن
~~القلب ولا نقول
# PageV00P093
# ما يسخط الرب عز وجل) (1).
# وعن أبي أمامة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله حين توفي ابنه
~~وعيناه تدمعان، فقال: يا نبي الله، تبكي على هذا السخل؟ والذي بعثك بالحق
~~لقد دفنت اثني عشر ولدا في الجاهلية كلهم أشب منه أدسه في التراب، فقال
~~النبي صلى الله عليه وآله: (فماذا، إن كانت الرحمة ذهبت منك، يحزن القلب
~~وتدمع العين ولا نقول ما يسخط الرب وإنا على إبراهيم لمحزونون).
# وعن محمود بن لبيد قال: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم بن رسول الله صلى
~~الله عليه وآله، فقال الناس: انكسفت الشمس لموت إبراهيم، فخرج رسول الله
~~صلى الله عليه وآله حين سمع ذلك فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد -
~~أيها الناس - إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله عز وجل، لا ينكسفان لموت
~~أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى المساجد) ودمعت عيناه، فقالوا:
~~يا رسول الله تبكي، وأنت رسول الله؟ فقال: (إنما أنا بشر، تدمع العين ويفجع
~~القلب ولا نقول ما يسخط الرب، والله - يا إبراهيم - إنا بك لمحزونون) (2).
# وعن خالد بن معدان، قال لما مات إبراهيم بن النبي ms61 صلى الله عليه وآله
~~بكى، فقيل: أتبكي يا رسول الله؟ فقال: (ريحانة وهبها الله لي، وكنت أشمها).
# وقال صلى الله عليه وآله يوم مات إبراهيم: (ما كان من حزن في القلب أو في
~~العين فإنما هو رحمة، وما كان من حزن باللسان وباليد فهو من الشيطان) (3).
# وروى الزبير بن بكار: أن النبي صلى الله عليه وآله لما خرج بإبراهيم خرج
~~يمشي، ثم جلس على قبره، ثم دلي، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله قد
~~وضع في القبر دمعت عيناه، فلما رأى الصحابة ذلك بكوا حتى ارتفعت أصواتهم،
~~فأقبل عليه أبو بكر فقال: يا رسول الله، تبكي وأنت تنهى عن البكاء؟ فقال
~~النبي صلى الله عليه وآله: (تدمع العين ويوجع القلب ولا نقول ما يسخط الرب
~~عز وجل).
# PageV00P094
# وعن السائب بن يزيد، أن النبي صلى الله عليه وآله لما مات ابنه الطاهر
~~ذرفت عيناه، فقيل: يا رسول الله، بكيت؟ فقال صلى الله عليه وآله: (إن العين
~~تذرف وإن الدمع يغلب، وإن القلب يحزن ولا نعصي الله عز وجل) (1).
# وروى مسلم في صحيحه: أن النبي صلى الله عليه وآله زار قبر أمه، فبكى
~~وأبكى من حوله (2).
# وروي: أن النبي صلى الله عليه وآله لما مات عثمان بن مظعون كشف الثوب عن
~~وجهه، ثم قبل ما بين عينيه، ثم بكى طويلا فلما رفع السرير قال:
# (طوباك - يا عثمان - لم تلبسك الدنيا، ولم تلبسها) (3).
# واشتكى سعد بن عبادة شكوى، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وآله يعوده،
~~فلما دخل عليه وجده في غشيته، فقال: (أو قد مات؟) فقالوا: لا يا رسول الله،
~~فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما رأى القوم بكاءه بكوا، فقال: (ألا
~~تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بها -
~~وأشار إلى لسانه - أو يرحم) (4) وروي: أن ابنة لرسول الله صلى الله عليه
~~وآله بعثت إليه: إن ابنتي مغلوبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إن
~~لله ما أخذ، ولله ما أعطى) ms62 وجاءها في ناس من أصحابه، فأخرجت إليه الصبية،
~~ونفسها يتقعقع (5) في صدرها، فرق عليها، وذرفت عيناه، فنظر إليه أصحابه،
~~فقال: (ما لكم تنظرون إلي؟ رحمة يضعها الله حيث يشاء، إنما يرحم الله من
~~عباده الرحماء) (6).
# وعن أسامة بن زيد قال: أتي النبي صلى الله عليه وآله بامامة بنت زينب،
~~ونفسها يتقعقع في صدرها، فقال يا رسول الله صلى الله عليه وآله: (لله ما
~~أخذ، ولله ما أعطى، وكل إلى أجل مسمى) وبكى، فقال له سعد بن عبادة: تبكي،
~~وقد نهيت عن
# PageV00P095
# البكاء! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إنما هي رحمة يجعلها الله
~~في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء) (1).
# ولما أصيب جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه أتى رسول الله صلى الله عليه
~~وآله أسماء رضي الله عنها، فقال لها: (أخرجي إلي ولد جعفر، فخرجوا إليه،
~~فضمهم إليه وشمهم ودمعت عيناه، فقالت: يا رسول الله، أصيب جعفر؟ قال: نعم،
~~أصيب اليوم) (2).
# قال عبد الله بن جعفر: أحفظ حين دخل رسول الله على أمي، فنعى إليها أبي،
~~ونظرت إليه وهو يمسح على رأسي ورأس أخي، وعيناه تهراقان (3) الدموع حتى
~~تقطر لحيته، ثم قال: (اللهم إن جعفرا قد قدم إلى أحسن الثواب، فأخلفه في
~~ذريته بأحسن ما خلفت أحدا من عبادك في ذريته) ثم إنه عليه السلام قال: (يا
~~أسماء، ألا أبشرك؟) قالت: بلى بأبي أنت وأمي، فقال: (إن الله عز وجل جعل
~~لجعفر جناحين، يطير بهما في الجنة).
# وعن أبي عبد الله عليه السلام، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وآله،
~~أنه لما جاءته وفاة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وزيد بن حارثة كان إذا
~~دخل بيته بكى عليهما جدا، وقال: (كانا يحدثاني ويؤنساني، فجاء الموت فذهب
~~بهما) (4).
# وعن خالد بن سلمة قال: لما جاء نعي زيد بن حارثة إلى النبي صلى الله عليه
~~وآله أتى النبي صلى الله عليه وآله منزل زيد، فخرجت إليه بنية لزيد، فلما
~~رأت رسول الله صلى الله ms63 عليه وآله خمشت في وجهها، فبكى رسول الله صلى الله
~~عليه وآله وقال (5): هاه هاه (6)، فقيل: يا رسول الله، ما هذا؟ قال: (شوق
~~الحبيب إلى حبيبه) (7).
# ولما مات سعد بن معاذ رضي الله عنه بكى عليه رسول الله صلى الله عليه
~~وآله
# PageV00P096
# كثيرا. وقال صلى الله عليه وآله لام سعد بن معاذ يوما: (ألا يرقأ (1)
~~دمعك ويذهب حزنك فإن ابنك اهتز له العرش).
# قيل: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله تذرف عيناه، ويمسح وجهه، ولا
~~يسمع صوته (2).
# وعن البراء بن عازم قال: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وآله إذ
~~بصر بجماعة، فقال: (على ما اجتمع هؤلاء؟) فقيل: على قبر يحفرونه، قال: فبدر
~~رسول الله صلى الله عليه وآله بين يدي أصحابه مسرعا حتى انتهى إلى القبر
~~فجثا عليه، قال:
# فاستقبلته من بين يديه لأنظر ما يصنع، فبكى حتى بل الثرى من دموعه، ثم
~~أقبل علينا فقال: (إخواني، لمثل هذا فأعدوا) (3).
# وعنه صلى الله عليه وآله: (العبرة لا يملكها أحد، صبابة المرء على أخيه)
~~(4).
# ولما انصرف النبي صلى الله عليه وآله من أحد راجعا إلى المدينة لقيته
~~حمنة بنت جحش، فنعى لها الناس أخاها عبد الله بن جحش، فاسترجعت واستغفرت
~~له، ثم نعي لها خالها حمزة، فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعي لها زوجها مصعب
~~بن عمير، فصاحت وولولت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إن لزوج
~~المرأة منها لمكان) لما رأى صبرها عن أخيها وخالها، وصياحها على زوجها (5).
# ثم مر رسول الله صلى الله عليه وآله على دار من دور الأنصار من بني عبد
~~الأشهل فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم فذرفت عيناه وبكى، ثم قال: (لكن
~~حمزة لا بواكي له) فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن حضير (6) إلى دار بني عبد
~~الأشهل، أمر نساءهم أن يذهبن فيبكين على عم رسول الله صلى الله عليه وآله،
~~فلما سمع
# PageV00P097
# رسول الله صلى الله عليه وآله بكاءهن على حمزة خرج إليهن وهن على باب
~~مسجده يبكين، فقال لهن ms64 رسول الله صلى الله عليه وآله: (ارجعن - يرحمكن الله
~~- قد واسيتن بأنفسكن).
# وروى الشيخ في (التهذيب) بإسناده إلى الصادق عليه السلام: (إن إبراهيم
~~خليل الرحمن سأل وبه أن يرزقه ابنة تبكيه بعد موته) (1).
# PageV00P098
# فصل عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (ليس منا من
~~ضرب الخدود، وشق الجيوب) (1) وعن أبي أمامة: أن رسول الله صلى الله عليه
~~وآله قال: (لعن الله الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل
~~والثبور) (2).
# وعنه صلى الله عليه وآله، أنه نهى أن تتبع جنازة معها رانة (3).
# وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كبر مقتا عند الله الأكل من غير
~~جوع، والنوم من غير سهر، والضحك من غير عجب، والرنة عند المصيبة، والمزمار
~~عند النعمة (4).
# وعن يحيى بن خالد: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله، فقال: ما يحبط
~~الأجر عند المصيبة؟ قال: (تصفيق الرجل بيمينه على شماله، والصبر عند الصدمة
~~الأولى، من رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط) (5).
# وعن أم سلمة رضي الله عنه قالت: لما مات أبو سلمة رضي الله عنه قلت:
# غريب وفي أرض (غربة، لأبكينه) (6) بكاء يتحدث عنه، فكنت قد تهيأت للبكاء،
~~إذ أقلبت امرأة تريد أن تسعدني، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وآله،
~~فقال لها:
# (أتريدين أن تدخلي الشيطان بيتا أخرجه الله منه) فكففت عن البكاء (7).
# وعن الباقر عليه السلام: (أشد الجزع الصراخ بالويل والعويل، ولطم الوجه
~~والصدر، وجز الشعر، ومن أقام النواح فقد ترك الصبر، ومن صبر واسترجع وحمد
~~الله - جل ذكره - فقد رضي بما صنع الله، ووقع أجره على الله عز وجل، ومن لم
~~يفعل ذلك
# PageV00P099
# جرى عليه القضاء وهو ذميم، وأحبط الله عز وجل أجره (1).
# وعن الصادق عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ضرب
~~الرجل يده على فخذه إحباط لأجره) (2)
# PageV00P100
# فصل ويستحب الاسترجاع عند المصيبة، قال الله تعالى: ﴿الذي إذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله وانا إليه راجعون
~~* أولئك عليهم ms65 صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ (1).
# وقال النبي صلى الله عليه وآله: (أربع من كن فيه كان في (2) نور الله
~~الأعظم:
# من كان عصمة أمره شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ومن إذا
~~أصابته مصيبة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ومن إذا أصاب خيرا قال: الحمد
~~لله (3)، ومن إذا أصاب خطيئة قال: أستغفر الله (4) وأتوب إليه) (5).
# وقال الباقر عليه السلام: (ما من مؤمن يصاب بمصيبة في الدنيا فيسترجع عند
~~المصيبة (6) ويصبر حين تفجأه المصيبة، إلا غفر له ما مضى من ذنوبه، إلا
~~الكبائر التي أوجب الله تعالى عليها النار، وكلما ذكر مصيبة فيما يستقبل من
~~عمره فاسترجع عندها وحمد الله عز وجل إلا غفر الله له كل ذنب اكتسبه فيما
~~بين الاسترجاع الأول إلى الاسترجاع الأخير، إلا الكبائر من الذنوب) (7).
# رواهما الصدوق.
# وأسند الكليني، الثاني إلى معروف بن خربوز، عن الباقر عليه السلام، ولم
~~يستثن منه الكبائر (8).
# وروي الكليني بإسناده إلى داود بن زربي (9) - بكسر الزاي المعجمة، ثم
# PageV00P101
# الراء الساكنة - عن الصادق عليه السلام: (من ذكر مصيبته ولو بعد حين،
~~فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين، اللهم آجرني على
~~مصيبتي، واخلف علي أفضل منها، كان له من الأجر مثل ما كان عند أول صدمة)
~~(1).
# وروى مسلم: عن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه
~~وآله: (ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله به: إنا لله وإنا إليه
~~راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي، واخلف لي خير لي خيرا منها، إلا أخلف الله
~~له خيرا منها) فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة، أول
~~بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم إني قلتها فأخلف الله لي
~~رسول الله صلى الله عليه وآله (2).
# وروى الترمذي بإسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: (إذا مات
~~ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول:
~~قبضتم ثمرة ms66 فؤاد؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك،
~~واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة، وسموه بيت الحمد)
~~(3).
# ونحوه رواه الكليني عن الصادق عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله
~~(4).
# PageV00P102
# فصل يجوز النوح بالكلام الحسن، وتعداد الفضائل مع اعتماد الصدق، لأن
~~فاطمة الزهراء عليها السلام فعلته في قولها: (يا أبتاه من ربه ما (1)
~~أدناه! يا أبتاه، إلى جبرئيل أنعاه، يا أبتاه، أجاب ربا دعاه) (2).
# وروي: أنها أخذت قبضة من تراب قبره صلى الله عليه وآله، فوضعتها على
~~عينيها، وأنشدت تقول:
# (ماذا على (من شم) (3) تربة أحمد * أن لا يشم مدى الزمان غواليا صبت علي
~~مصائب لو أنها * صبت على الأيام صرن (4) لياليا) (5) ولما سبق من أمره صلى
~~الله عليه وآله بالنوح على حمزة.
# وعن أبي حمزة، عن الباقر عليه السلام: (مات ابن المغيرة، فسألت أم سلمة
~~النبي صلى الله عليه وآله أن يأذن لها في المضي إلى مناحته، فأذن لها وكان
~~ابن عمها، فقالت:
# أنعى الوليد بن الوليد * أبا الوليد، فتى العشيرة حامي الحقيقة ماجدا *
~~يسمو إلى طلب الوتيرة قد كان غيثا للسنين * وجعفرا (6) غدقا وميرة - وفي
~~تمام الحديث -، فما (عاب رسول الله) (7) صلى الله عليه وآله ذلك، ولا قال
~~شيئا) (8).
# وروى ابن بابويه: أن الباقر عليه السلام أوصى أن يندب في الموسم (9) عشر
# PageV00P103
# سنين (1).
# وروى يونس بن يعقوب، عن الصادق عليه السلام، قال: (قال لي أبو جعفر عليه
~~السلام: قف من مالي كذا وكذا لنوادب يندبنني - عشر سنين - بمنى أيام منى)
~~(2). قال الأصحاب: والمراد بذلك، تنبيه الناس على فضائله، وإظهارها ليقتدى
~~بها، ويعلم ما كان عليه أهل هذا البيت عليهم السلام لتقتفى آثارهم، لزوال
~~التقية بعد الموت، ويحرم النوع بالباطل: وهو تعداد ما ليس فيه من الخصال،
~~واسماع الأجانب من الرجال، ولطم الخدود والخدش، وجز الشعر ونحوه، وعليه
~~يحمل ما ورد من النهي عن النياحة.
# وقال النبي صلى الله عليه وآله: (أنا برئ ممن حلق وصلق) أي: حلق الشعر،
~~ورفع صوته (3).
# وقال صلى الله عليه ms67 وآله لفاطمة عليها السلام حين قتل جعفر بن أبي طالب:
# (لا تدعين بويل ولا ثكل ولا حرب، وما قلت فيه فقد صدقت) (4).
# وعن أبي مالك الأشعري عن النبي صلى الله عليه وآله: (النائحة إذا لم تتب
~~تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران) (5).
# وعن أبي سعيد الخدري: لعن رسول الله صلى الله عليه وآله النائحة
~~والمستمعة (6).
# وعنه صلى الله عليه وآله: (ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب) (7).
# وهذا النهي محمول على الباطل كما يظهر منها، وبه يجمع بينهما وبين
~~الأخبار
# PageV00P104
# السابقة.
# وأما الخاتمة فتشمل على فوائد مهمة.
# يستحب تعزية أهل الميت استحبابا مؤكدا، وهي (تفعلة) من العزاء - بالمد
~~والقصر - وهو السلو وحسن الصبر على المصائب، يقال عزيته فتعزى، أي صبرته
~~فتصبر.
# والمراد بها: طلب التسلي عن المصائب والتصبر عن الحزن والاكتئاب، بأسناد
~~الأمر إلى الله عز وجل، ونسبته إلى عدله وحكمته، وذكر ما وعد الله تعالى
~~على الصبر مع الدعاء للميت، والمصاب بتسليته عن مصيبته، وقد ورد في
~~استحبابها والحث عليها أحاديث كثيرة.
# وروى عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وآله
~~قال: (أتدرون ما حق الجار؟ إن استغاثك أغثته، وإن استقرضك أقرضته، وإن
~~افتقر عدت عليه، وإن أصابته مصيبة عزيته، وإن أصابه خير هنأته، وإن مرض
~~عدته، وإن مات اتبعت جنازته، ولا تستطل عليه بالبناء، فتحجب عنه الريح إلا
~~بإذنه، وإذا اشتريت فاكهة فأهد له، فإن لم تفعل فأدخلها سرا، ولا تخرج بها
~~ولدك تغيظ بها ولده، ولا تؤذه بريح قدرك إلا أن تغرق له منها) (1).
# وعن بهز بن حكيم بن معاوية بن جيدة القشيري، عن أبيه، عن جده، قال:
# قلت: يا رسول الله: ما حق جاري علي؟ قال: (إن مرض عدته) وذكر نحوه الأول
~~(2).
# وأما الثواب فيها: فعن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: (من
~~عزى مصابا فله مثل أجره) (3).
# وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
~~وآله:
# (من عزى ms68 مصابا كان له مثل أجره، من غير أن ينقصه الله من أجره شيئا (4)،
~~ومن كفن مسلما كساه الله من سندس وإستبرق وحرير، ومن حفر قبرا لمسلم بنى
~~الله عز وجل له بيتا في الجنة، ومن أنظر معسرا أظله الله في ظله يوم لا ظل
~~إلا ظله).
# وعن جابر أيضا رفعه: (من عزى حزينا ألبسه الله عز وجل من لباس التقوى،
# PageV00P105
# وصلى على روحه في الأرواح) (1).
# وسئل النبي صلى الله عليه وآله عن التصافح في التعزية، فقال: (هو سكن
~~للمؤمن، ومن عزى مصابا فله مثل أجره).
# وعن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم، عن أبيه، عن جده، أنه
~~سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول: (من عاد مريضا فلا يزال في
~~الرحمة، حتى إذ قعد عنده استنقع فيها، ثم إذا قام من عنده فلا يزال يخوض
~~فيها، حتى يرجع من حيث خرج، ومن عزى أخاه المؤمن من مصيبة كساه الله - عز
~~وجل - من حلل الكرامة يوم القيامة) (2).
# وعن أبي برزة (3) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من عزى ثكلى
~~كسي بردا في الجنة) (4).
# وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من عزى أخاه المؤمن في
~~(5) مصيبة كساه الله عز وجل حلة خضراء، يحبر بها يوم القيامة). قيل: يا
~~رسول الله، ما يحبر بها قال: (يغبط بها) (6).
# وروي: أن داود عليه السلام قال (إلهي، ما جزاء من يعزي الحزين والمصاب
~~ابتغاء مرضاتك قال: جزاؤه أن أكسوه رداء من أردية الإيمان، أستره به من
~~النار، وأدخله به الجنة، قال: يا إلهي، فما جزاء من شيع الجنائز ابتغاء
~~مرضاتك؟ قال:
# جزاؤه أن تشيعه الملائكة يوم يموت إلى قبره، وأن أصلي على روحه في
~~الأرواح) (7).
# وروي: أن موسى عليه السلام سأل ربه: (ما لعائد المريض من الأجر؟ قال:
# ابعث له عند موته ملائكة يشيعونه إلى قبره ويؤانسونه إلى المحشر، قال: يا
~~رب فما لمعزي الثكلى من الأجر؟ قال: أظله تحت ظلي - أي: ظل ms69 العرش - يوم لا
~~ظل إلا ظلي) (8)
# PageV00P106
# وروي: أن إبراهيم عليه السلام سأل ربه، قال: (أي يا رب ما جزاء من يبل
~~الدمع وجهه من خشيتك؟ قال: صلواتي ورضواني، قال: فما جزاء من يصبر الحزين
~~ابتغاء وجهك؟ قال: أكسوه ثيابا من الإيمان يتبوأ بها في الجنة، ويتقي بها
~~النار، قال: فما جزاء من سدد الأرملة ابتغاء وجهك؟ قال: أقيمه في ظلي،
~~وأدخله جنتي، قال: فما جزاء من يتبع الجنازة ابتغاء وجهك؟ قال: تصلي
~~ملائكتي على جسده، وتشيع روحه). PageV00P107
# فصل وأما كيفيتها فقد تقدم خبر المصافحة فيها.
# وأما ما يقال فيها فما يتفق من الكلمات، ويروى من الأخبار المؤدية إلى
~~السلوة، ولا شئ مثل إيراد بعض ما تضمنته هذه الرسالة، فإن فيها شفاء لما في
~~الصدور، وبلاغا وافيا في تحقيق هذه الأمور.
# وعن علي عليه السلام قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا عزى
~~قال:
# آجركم الله ورحمكم، وإذا هنأ قال: بارك الله لكم، وبارك عليكم).
# وروي: أنه توفي لمعاذ ولد، فاشتد وجده عليه، فبلغ ذلك النبي صلى الله
~~عليه وآله، فكتب إليه:
# (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى معاذ، سلام عليك، فإني
~~أحمد الله الذي لا إله إلا هو.
# أما بعد: أعظم الله لك الأجر، وألهمك الصبر، ورزقنا وإياك الشكر، فإن
~~أنفسنا (وأهلينا وموالينا) (1) وأولادنا من مواهب الله - عز وجل الهنيئة،
~~وعواريه المستودعة، نمتع بها إلى أجل معلوم، وتقبض لوقت معدود، ثم افترض
~~علينا الشكر إذا أعطانا، والصبر إذا ابتلانا، وكان ابنك من مواهب الله
~~الهنيئة، وعواريه المستودعة، متعك الله به في غبطة وسرور، وقبضه منك بأجر
~~كثير، الصلاة والرحمة والهدى إن صبرت واحتسبت، فلا تجمعن عليك مصيبتين،
~~فيحبط لك أجرك، وتندم على ما فاتك، فلو قدمت على ثواب مصيبتك، علمت أن
~~المصيبة قصرت في جنب الله عن الثواب: فتنجز من الله موعوده، وليذهب أسفك
~~على ما هو نازل بك، فكأن قد، والسلام) (2).
# وعن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام، عن أبيه، عن ms70 جده،
~~قال: (لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله جاء جبرئيل عليه السلام،
~~والنبي صلى الله عليه وآله مسجى، وفي البيت علي وفاطمة والحسن والحسين
~~عليهم السلام، فقال:
# PageV00P108
# السلام عليكم يا أهل بيت النبوة (١) ﴿كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم
~~القيامة﴾ (2) الآية. ألا إن في الله عز وجل عزاء من كل مصيبة، وخلفا من
~~كل هالك، ودركا لما فات، فبالله عز وجل فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من
~~حرم الثواب، هذا آخر وطئي (3) من الدنيا) (4).
# وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: لما توفي رسول الله صلى الله
~~عليه وآله عزتهم الملائكة، يسمعون الحسن ولا يرون الشخص، فقالوا: السلام
~~عليكم - أهل البيت - ورحمة الله وبركاته، إن في الله - عز وجل - عزاء من كل
~~مصيبة، وخلفا من كل فائت (5)، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإنما الحروم من
~~حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (6).
# وروى البيهقي في (الدلائل) قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله،
~~أحدق به أصحابه، فبكوا حوله، واجتمعوا، فدخل رجل أشهب اللحية جسيم صبيح،
~~فتخطى رقابهم، فبكى، ثم التفت إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله
~~فقال:
# إن في الله عزاء من كل مصيبة، وعوضا من كل فائت، وخلفا من كل هالك، فإلى
~~الله فأنيبوا، وإليه فارغبوا، ونظره إليكم في البلاء فانظروا، فإن المصاب
~~من لم يؤجر، وانصرف، فقال بعضهم لبعض: تعرفون الرجل؟ فقال علي عليه السلام:
~~(نعم، هذا أخو رسول الله صلى الله عليه وآله، الخضر عليه السلام) (7).
# PageV00P109
# فصل وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
~~(إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصيبته بي، فإنها من أعظم المصائب) (1).
# وعنه صلى الله عليه وآله: (من عظمت مصيبته فليذكر مصيبته بي، فإنها ستهون
~~عليه).
# وعنه صلى الله عليه وآله، إنه قال في مرض موته: (أيها الناس، أيما عبد من
~~أمتي أصيب بمصيبة من بعدي فل يتعز بمصيبته بي عن المصيبة ms71 التي تصيبه بغيري،
~~فإن أحدا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي) (2).
# وعن عبد الله بن الوليد بإسناده، لما أصيب علي عليه السلام بعثني الحسن
~~إلى الحسين عليهما السلام، وهو بالمدائن، فلما قرأ الكتاب قال: (يا لها من
~~مصيبة، ما أعظمها! مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من أصيب منكم
~~بمصيبة فليذكر مصابي، فإنه لن يصاب بمصيبة أعظم منها) (3).
# وروى إسحاق بن عمار، عن الصادق عليه السلام، أنه قال: (يا إسحاق، لا تعدن
~~مصيبة أعطيت عليها الصبر، واستوجبت عليها من الله عز وجل الثواب، إنما
~~المصيبة التي يحرم صاحبها أجرها وثوابها، إذا لم يصبر عند نزولها) (4).
# وعن أبي ميسرة (5) قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام: فجاء رجل وشكا
~~إليه مصيبته، فقال له: (أما إنك إن تصبر تؤجر، وإلا تصبر يمضي عليك قدر
~~الله عز وجل الذي قدر عليك (وأنت مذموم) (6)) (7).
# PageV00P110
# وعن جابر رضي الله عنه قال: رسول الله صلى الله عليه وآله: (قال لي
~~جبرئيل عليه السلام، يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك
~~مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه) (1).
# وروي: أنه كان في بني إسرائيل رجل فقيه عابد عالم مجتهد، وكانت له امرأة،
~~وكان بها معجبا، فماتت فوجد عليها وجدا شديدا، حتى خلافي بيت وأغلق على
~~نفسه واحتجب عن الناس فلم يكن يدخل عليه أحد.
# ثم إن امرأة من بني إسرائيل سمعت به، فجاءته فقالت: لي إليه حاجة استفتيه
~~فيها، ليس يجزيني إلا أن أشافهه بها، فذهب الناس، ولزمت الباب، فأخبر، فأذن
~~لها، فقالت: أستفتيك في أمره، فقال: ما هو؟ قالت: إني استعرت من جارة لي
~~حليا، فكنت ألبسه زمانا، ثم إنهم أرسلوا إلي فيه، أفأرده إليهم؟ قال: نعم،
~~قالت: والله إنه قد مكث عندي زمانا طويلا (2)، قال: ذاك أحق لردك إياه،
~~فقالت له: رحمك الله، أفتأسف على ما أعارك الله عز وجل، ثم أخذه منك، وهو
~~أحق به منك؟ فأبصر ما كان فيه، ونفعه الله بقولها ms72 (3).
# وعن أبي الدرداء قال: كان لسليمان بن داود عليهما السلام ابن يحبه حبا
~~شديدا، فمات فحزن عليه حزنا شديدا، فبعث الله - تعالى - إليه ملكين في هيئة
~~البشر، فقال: (ما أنتما؟ قالا: خصمان، قال: اجلسا بمنزلة الخصوم، فقال:
~~أحدهما: إني زرعت زرعا فأتى هذا فأفسده، فقال سليمان عليه السلام: ما يقول؟
~~قال:
# أصلحك الله إنه زرع في الطريق، وإني مررت به فنظرت يمينا وشمالا فإذا
~~الزرع، فركبت قارعة الطريق، فكان في ذلك فساد زرعه، فقال سليمان عليه
~~السلام، ما حملك على أن تزرع في الطريق، أما علمت أن الطريق سبيل الناس،
~~ولا بد للناس من أن يسلكوا سبيلهم؟ فقال له أحد الملكين: أو ما علمت - يا
~~سليمان - أن الموت سبيل الناس، ولا بد للناس من أن يسلكوا سبيلهم؟) قال:
~~فكأنما كشف عن سليمان عليه السلام الغطاء، ولم يجزع على ولده بعد ذلك.
# رواه ابن أبي الدنيا (4).
# PageV00P111
# وروي أيضا: أن قاضيا كان في بني إسرائيل مات له ابن فجزع عليه وساح،
~~فلقيه رجلان فقالا له: اقض بيننا، فقال: من هذا فررت، فقال أحدهما: إن هذا
~~مر بغنمه على زرعي فأفسده، فقال الآخر: إن هذا زرع بين الجبل والنهر، ولم
~~يكن لي طريق غيره، فقال له القاضي: أنت حين زرعت بين الجبل والنهر، ألم
~~تعلم أنه طريق الناس؟ فقال له الرجل: فأنت حين ولد لك، ألم تعلم أنه يموت؟
~~فارجع إلى قضائك، ثم عرجا، وكانا ملكين (1).
# وروي: أنه كان بمكة مقعدان، كان لهما ابن شاب، فكان إذا أصبح نقلهما فأتى
~~بهما المسجد، فكان يكتسب عليهما يومه، فإذا كان المساء احتملهما وأقبل بهما
~~منزله، فافتقدهما النبي صلى الله عليه وآله، فسأل عنهما، فقيل: مات ابنهما،
~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لو ترك أحد لأحد لترك ابن المقعدين)
~~(2).
# رواه الطبراني.
# وروى ابن أبي الدنيا: (لو ترك شئ لحاجة أو فاقة، لترك الهذيل لأبويه).
# وروي عن بعض العابدات، أنها قالت: ما أصابتني مصيبة فأذكر معها النار،
~~إلا صارت في عيني أصغر من التراب.
# PageV00P112
# فصل ms73 ليذكر من أصيب بمصيبة، أن المصائب والبلايا إنما يخص في الأغلب من
~~لله به مزيد عناية، وله عليه إقبال وإليه توجه، وليتحقق ذلك قبل النظر في
~~الكتاب والسنة فيمن يبتلى في دار الدنيا، فإنه يجد أشد الناس بلاء أهل
~~الخير والصلاح بعد الأنبياء والرسل، والآيات الكريمة منبئة على ذلك، قال
~~الله تعالى:
# ﴿ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا
~~لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون﴾ (١) الآية،
~~وقال تعالى: ﴿ولا يحسبن الذين كفروا
~~إنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا اثما ولهم عذاب
~~مهين﴾ (٢) وقال تعالى:
# ﴿وإذا تتلى عليهم آيتنا بينات قال الذين
~~كفروا للذين آمنوا اي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا * قل من كان في
~~الضلالة فليمدد له الرحمن مدا﴾ (3).
# وروى عبد الرحمن بن الحجاج قال: ذكر عند أبي عبد الله عليه السلام
~~البلاء، وما يختص الله عز وجل به المؤمن، فقال: (سئل رسول الله صلى الله
~~عليه وآله: من أشد الناس بلاء في الدنيا؟ فقال: النبيون، ثم الأمثل
~~فالأمثل، ويبتلي المؤمن بعد على قدر إيمانه وحسن أعماله، فمن صح إيمانه
~~وحسن عمله اشتد بلاؤه، ومن سخف إيمانه، وضعف عمله قل بلاؤه) (4).
# وروى زيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن عظيم الأجر مع
~~عظيم البلاء، وما أحب الله - عز وجل - قوما إلا ابتلاهم) (5).
# وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إن لله عز وجل عبادا في
~~الأرض من خالص عباده، ما ينزل من السماء تحفة إلى الأرض إلا صرفها عنهم إلى
~~غيرهم، ولا بلية إلا صرفها إليهم) (6).
# وعن الحسين بن علوان، عنه عليه السلام، أنه قال: (إن الله تعالى إذا أحب
# PageV00P113
# عبدا غته (1) بالبلاء غتا (2)، وإنا إياكم لنصبح به ونمسي) (3).
# وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: (إن الله تبارك وتعالى إذا أحب
~~عبدا غته بالبلاء غتا (وسجه بالبلاء سجا) (4) فإذا دعاه ms74 قال: لبيك عبدي لئن
~~عجلت لك ما سألت إني علي ذلك لقادر، ولكن ادخرت لك، فما ادخرت خير لك) (5).
# وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
~~إن عظيم البلاء يكافأ به عظيم الجزاء، فإذا أحب الله عبدا ابتلاه بعظيم
~~البلاء، فمن رضي فله عند الله تعالى الرضا، ومن سخط البلاء فله عند الله
~~السخط) (6).
# وعن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: (إن ما يبتلى المؤمن في الدنيا على
~~قدر دينه - أو قال: - على حسب دينه) (7).
# وعن ناجية قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: إن المغيرة يقول: إن الله لا
~~يبتلي المؤمن بالجذام ولا بالبرص ولا بكذا ولا بكذا، فقال: (إن كان لغافلا
~~عن مؤمن آل ياسين، أنه كان مكنعا (8) - ثم رد أصابعه، فقال -: كأني أنظر
~~إلى تكنيعه، أتاهم فأنذرهم، ثم عاد إليهم من الغد فقتلوه - ثم قال -: إن
~~المؤمن يبتلى بكل بلية، ويموت بكل ميته، إلا أنه لا يقتل نفسه) (9).
# وعن عبد الله بن أبي يعفور قال: شكوت إلى أبي عبد الله عليه السلام ما
~~ألقى من الأوجاع - وكان مسقاما - فقال لي: (يا عبد الله لو يعلم المؤمن
~~ماله من الأجر في المصائب، لتمني أن يقرض بالمقاريض (10)) (11).
# PageV00P114
# وعن أبي عبد الله عليه السلام: (إن أهل الحق (1) لم يزالوا في شدة، أما
~~إن ذلك إلى مدة قليلة وعافية طويلة) (2).
# وعن حمدان، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (إن - عز وجل - ليتعاهد المؤمن
~~بالبلاء كما يتعاهد الرجل أهله بالهدية، من الغيبة ويحميه الدنيا كما يحمي
~~الطبيب المريض) (3).
# وعن أبي عبد الله قال: (دعي النبي صلى الله عليه وآله إلى طعام، فلما دخل
~~إلى منزل الرجل نظر إلى دجاجة فوق حائط قد باضت، فتقع البيضة على وتد في
~~حائط فتثبت عليه، ولم تسقط ولم تنكسر، فتعجب النبي صلى الله عليه وآله
~~منها، فقال له الرجل: أعجبت من هذه البيضة؟ فوالذي بعثك بالحق ما رزئت شيئا
~~قط، فنهض رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم يأكل من ms75 طعامه شيئا، وقال: من
~~لم يرزأ فما لله فيه من حاجة) (4).
# وأشباه هذه الأخبار كثيرة، فلنقتصر على هذا القدر.
# PageV00P115
# ونختم الرسالة بكتاب شريف، كتبه سيدنا ومولانا أبو عبد الله جعفر بن محمد
~~الصادق عليه السلام لجماعة من بني عمه، حين أصابتهم شدة من بعض الأعداء على
~~وجه التعزية، رويناها بإسنادنا إلى الشيخ أبي جعفر الطوسي - قدس الله روحه
~~- عن الشيخ المفيد محمد بن النعمان، والحسين بن عبيد الله الغضائري، عن
~~الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن
~~محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن الثقة الجليل
~~محمد بن أبي عمير، عن إسحاق بن عمار، قال: إن أبا عبد الله جعفر بن محمد
~~عليهما السلام كتب إلى عبد الله بن الحسن، حين حمل هو وأهل بيته، يعزيه عما
~~صار إليه:
# (بسم الله الرحمن الرحيم) إلى الخلف الصالح والذرية الطيبة - من ولد أخيه
~~وابن عمه -.
# أما بعد: فلئن كنت قد تفردت - أنه: وأهل بيتك ممن حمل معك - بما أصابكم،
~~فما انفردت بالحزن والغيظ والكآبة وأليم وجع القلب دوني، ولقد نالني من ذلك
~~من الجزع والقلق وحر المصيبة مثل ما نالك، ولكن رجعت إلى ما أمر الله عز
~~وجل به المتقين من الصبر وحسن العزاء، حين يقول لنبيه صلى الله عليه وآله:
~~﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ (١).
# وحين يقول: (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت) (٢).
# وحين يقول لنبيه صلى الله عليه وآله، حين مثل بحمزة: (وان عاقبتم فعاقبوا
~~بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) (٣).
# فلصبر رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يعاقب.
# وحين يقول: ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر
~~عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى﴾ (4).
# PageV00P116
# وحين يقول: ﴿الذين إذا اصابتهم مصيبة
~~قالوا انا لله وانا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك
~~هم المهتدون﴾ (١).
# وحين يقول: (إنما ms76 يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب (٢). وحين يقول عن لقمان
~~لابنه: ﴿واصبر على ما أصابك ان
~~ذلك من عزم الأمور﴾ (٣)، وحين يقول عن موسى عليه السلام: ﴿قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا
~~ان الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين﴾ (٤).
# وحين يقول: ﴿الذين آمنوا وعملوا
~~الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ (٥).
# وحين يقول: ﴿ولنبلونكم بشئ من الخوف
~~والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين﴾ (٦).
# وحين يقول: ﴿والصابرين
~~والصابرات﴾ (٧).
# وحين يقول: ﴿واصبر حتى يحكم الله وهو
~~خير الحاكمين﴾ (8) وأمثال ذلك من القرآن كثير.
# واعلم - أي عم وابن عم - أن الله - عز وجل - لم يبال بضر الدنيا لوليه
~~ساعة قط، ولا شئ أحب إليه من الضر والجهد واللأواء (9) مع الصبر، وأنه -
~~تبارك وتعالى - لم يبال بنعيم الدنيا لعدوه ساعة واحدة قط.
# ولولا ذلك ما كان أعداؤه يقتلون أولياءه ويخيفونهم ويمنعونهم، وأعداؤه
~~آمنون مطمئنون عالون ظاهرون.
# ولولا ذلك لما قتل زكريا ويحيى بن زكريا ظلما وعدونا في بغي من البغايا.
# PageV00P117
# ولولا ذلك لما قتل جدك علي بن أبي طالب عليه السلام - لما قام بأمر الله
~~جل وعز - ظلما، وعمك الحسين بن فاطمة - صلى الله عليهما - اضطهادا وعدوانا.
# ولولا ذلك لما قال الله عز وجل في كتابه: ﴿ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن
~~لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون﴾ (١) ولولا ذلك لما قال في
~~كتابه: ﴿أيحسبون إنما نمدهم به
~~من مال وبنين * نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون﴾ (2).
# ولولا ذلك لما جاء في الحديث: (لولا أن يحزن المؤمن لجعلت للكافر عصابة
~~من حديد: فلا يصدع رأسه أبدا).
# ولولا ذلك لما جاء في الحديث: (أن الدنيا لا تساوي عند الله عز وجل جناح
~~بعوضة).
# ولولا ذلك ما سقى ms77 كافرا منها شربة ماء.
# ولولا ذلك لما جاء في الحديث: (لو إن مؤمنا على قلة جبل لابتعث الله له
~~كافرا أو منافقا يؤذيه).
# ولولا ذلك لما جاء في الحديث أنه: (إذا أحب الله قوما - أو أحب عبدا - صب
~~عليه البلاء صبا، فلا يخرج من غم إلا وقع في غم).
# ولولا ذلك لما جاء في الحديث: (ما من جرعتين أحب إلى الله تعالى أن
~~يجرعهما عبده المؤمن في الدنيا، من جرعة غيظ كظم عليها، وجرعة حزن عند
~~مصيبة صبر عليها بحسن عزاء واحتساب).
# ولولا ذلك لما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يدعون على من
~~ظلمهم بطول العمر، وصحة البدن، وكثرة المال والولد.
# ولولا ذلك ما بلغنا: أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا خص رجلا
~~بالترحم عليه والاستغفار استشهد.
# فعليكم - يا عم وابن عم وبني عمومتي واخوتي - بالصبر والرضا والتسليم
~~والتفويض إلى الله عز وجل والرضا والصبر على قضائه، والتمسك بطاعته،
~~والنزول عند أمره.
# PageV00P118
# أفرغ الله علينا وعليكم الصبر، وختم لنا ولكم بالسعادة، وأنقذنا وإياكم
~~من كل هلكة بحوله وقوته، إنه سميع قريب.
# وصلى الله على صفوته من خلقة، محمد النبي وأخل بيته صلوات الله وسلامه
~~وبركاته ورحماته عليهم أجمعين) (1).
# هذا آخر التعزية بلفظها، نقلتها من كتاب (التتمات والمهمات) وعليها نختم
~~الرسالة حامدين لله تعالى على نواله، مصلين على صاحب الرسالة، وعلى آله أهل
~~العصمة والعدالة.
# ولقد فرغ منها مؤلفها العبد الفقير إلى الله تعالى زين الدين علي بن أحمد
~~الشامي العاملي عامله الله بفضله وعفا عنهم بمنه وسط نهار الجمعة، غرة شهر
~~رجب المرجب الفرد الحرام، عام أربعة وخمسين وتسعمائة حامدا مصليا مسلما
~~مستغفرا والحمد لله وحده، وصلاته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
# PageV00P119 ms78