######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009286 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن النجار #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي الحنبلي المعروف بابن النجار #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 972 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: شرح الكوكب المنير المسمى بمختصر التحرير أو المختبر المبتكر شرح المختصر في أصول الفقه #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الكتب الجامعة لأصول الفقه :: كتب أصول الفقه الإسلامي #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: شرح الكوكب المنير #META# 030.LibURI :: JK_009286 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. محمد الزحيلي ، د. نزيه حماد #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: جامعة أم القرى - معهد البحوث العلمية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1413 هـ #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علما ، ~~وأعطى من شاء من عباده عطاء جما ، القديم الحكيم ، الذي شرع الأحكام ، وجعل ~~لها قواعد ، وهدى من شاء لحفظها ، وفتح لمن شاء من عباده ما أغلق من الأدلة ~~، ووفقه لفهمها . والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، المبين لأمته طرق ~~الاستدلال ، المقتدى به فيما كان عليه وفيما أمر به أو نهى عنه من أفعال ~~وأقوال ، وعلى آله وأصحابه نقلة الشرع ، وتفصيل أحكامه من حرام وحلال . أما ~~بعد : فهذه تعليقة على ما اختصرته من كتاب ' التحرير ' في أصول الفقه على ~~مذهب الإمام الرباني ، والصديق الثاني : أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ~~الشيباني رضي الله تعالى عنه ، تصنيف الإمام العلامة علاء الدين علي بن ~~سليمان المرداوي الحنبلي ، عفا الله تعالى PageV01P021 عني وعنه آمين . ~~أرجو أن يكون حجمها بين القصير والطويل ، وأستعين الله على إتمامها . وهو ~~حسبنا ونعم الوكيل . وسميتها ' بالمختصر المبتكر ، شرح المختصر ' وعلى الله ~~أعتمد ، ومنه المعونة أستمد . ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ابتدأ المصنفون ~~كتبهم بالبسملة تبركا بها ، وتأسيا بكتاب الله جل ثناؤه ، واتباعا لسنة ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، حيث ابتدأ بها في كتبه إلى الملوك وغيرهم ~~، وعملا بقوله صلى الله عليه وسلم في بعض الروايات { كل أمر ذي بال لا يبدأ ~~فيه ببسم الله الرحمن الرحيم ، فهو أبتر } ( الحمد ) المستغرق لجميع أفراد ~~المحامد مستحق ( لله ) جل ثناؤه . وثنوا بالحمد : لحديث أبي هريرة فيما ~~رواه ابن حبان في صحيحه وغيره { كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله ، ~~فهو PageV01P022 أقطع } ومعنى ' أقطع ' ناقص البركة ، أو قليلها . وفي ذكر ~~الحمد عقب البسملة اقتداء بكتاب الله تعالى أيضا . ولهم في حد الحمد لغة ~~عبارتان . إحداهما : أنه الثناء على الله تعالى بجميل صفاته ، على قصد ~~التعظيم . والأخرى : أنه الوصف بالجميل الاختياري ، على وجه التعظيم . سواء ~~تعلق بالفضائل أو بالفواضل . و ' الشكر ' لغة : فعل ينبئ عن تعظيم المنعم ~~لكونه منعما على الشاكر ، يعني : بسبب إنعامه . ويتعلق بالقلب واللسان ~~والجوارح ms001 . PageV01P023 فالقلب للمعرفة والمحبة . واللسان للثناء ؛ لأنه ~~محله . والجوارح : لاستعمالها في طاعة المشكور ، وكفها عن معاصيه . وقيل : ~~إن الحمد والشكر في اللغة بمعنى واحد . ثم إن معنى الحمد في الاصطلاح : هو ~~معنى الشكر في اللغة ومعنى الشكر في الاصطلاح : هو صرف العبد جميع ما أنعم ~~الله عليه به إلى ما خلق لأجله ، من جميع الحواس والآلات والقوى . وعلم مما ~~تقدم أن بين الحمد والشكر اللغويين عموما وخصوصا من وجه . فالحمد أعم من ~~جهة المتعلق ؛ لأنه لا يعتبر في مقابلة نعمة . وأخص من جهة المورد . الذي ~~هو اللسان ، والشكر أعم من جهة المورد . وأخص من جهة المتعلق . وهو النعمة ~~على الشاكر . وفي قرن الحمد بالجلالة الكريمة - دون سائر أسمائه تعالى - ~~فائدتان . PageV01P024 الأولى : أن اسم ' الله ' علم للذات ، ومختص به ، ~~فيعم جميع أسمائه الحسنى . الثانية : أنه اسم الله الأعظم عند أكثر أهل ~~العلم الذي هو متصف بجميع المحامد ( كما أثنى على نفسه ) تبارك اسمه وتعالى ~~جده . ولما كانت صحة الوصف متوقفة على إحاطة العلم بالموصوف ، وقد قال جل ~~ذكره ( { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما } ) صح قولنا ( ~~فالعبد لا يحصي ثناء على ربه ) لأن وصف الواصف بحسب ما يمكنه إدراكه من ~~الموصوف . والله سبحانه أكبر من أن تدرك حقائق صفاته كما هي ، جل ربنا وعز ~~( { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } ) . و ( الصلاة ) التي هي من الله ~~الرحمة والمغفرة ، والثناء على نبيه عند الملائكة ومن الملائكة الاستغفار ~~والدعاء ، ومن الآدمي والجني التضرع والدعاء ، ( والسلام ) الذي هو تسليم ~~الله سبحانه ، وأمرنا به في قوله تعالى PageV01P025 ( { صلوا عليه وسلموا ~~تسليما } ) ( على أفضل خلقه ) بلا تردد ؛ لأحاديث دالة على ذلك ، فمما يدل ~~على أفضليته : قوله صلى الله عليه وسلم { أنا سيد ولد آدم ولا فخر } وما ~~خصه الله تعالى به في الدنيا والآخرة ، ففي الدنيا : كونه بعث إلى الناس ~~كافة ، بخلاف غيره من الأنبياء ، وقوله صلى الله عليه وسلم { فضلت على من ~~قبلي بست ولا فخر } وفي الآخرة : اختصاصه بالشفاعة ، والأنبياء تحت ms002 لوائه ، ~~- سيدنا ومولانا وخاتم رسله ( محمد ) صلى الله عليه وسلم ، ألهم الله تعالى ~~أهله أن يسموه بذلك ، لما علم سبحانه بما فيه من كثرة الخصال المحمودة ، ~~وهو علم مشتق من الحمد ، منقول من التحميد ، الذي هو فوق الحمد . ~~PageV01P026 الذي هو فوق الحمد ( و ) على ( آله ) والصحيح : أنهم أتباعه ~~على دينه ، وأنه تجوز إضافته للضمير . والآل : اسم جمع لا واحد له من لفظه ~~( و ) على ( صحبه ) وهم الذين لقوا النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنين وماتوا ~~مؤمنين . وعطف الصحب على الآل من باب عطف الخاص على العام . وفي الجمع بين ~~الآل والصحب مخالفة للمبتدعة ، لأنهم يوالون الآل دون الصحب ( أما ) أي ~~مهما يكن من شيء ( بعد ) هو من الظروف المبنية المنقطعة عن الإضافة . أي ~~بعد الحمد والصلاة والسلام . والعامل في ' بعد ' : PageV01P027 ' أما ' ~~لنيابتها عن الفعل . والمشهور ضم دال بعد . وأجاز الفراء نصبها ورفعها ~~بالتنوين فيهما . وحين تضمنت ' أما ' معنى الابتداء لزمها لصوق الاسم ~~ولتضمنها معنى الشرط لزمتها الفاء ، فلأجل ذلك قلت : ( فهذا ) المشروح ( ~~مختصر ) أي كتاب مختصر اللفظ ، تام المعنى ( محتو ) أي مشتمل ومحيط ( على ~~مسائل ) الكتاب المسمى ( تحرير المنقول ، وتهذيب علم الأصول في أصول الفقه ~~. جمع الشيخ العلامة علاء الدين المرداوي الحنبلي تغمده الله تعالى برحمته ~~، وأسكنه فسيح جنته ) منتقى ( مما قدمه ) من الأقوال التي في المسألة ( أو ~~كان ) القول ( عليه الأكثر من أصحابنا ، PageV01P028 دون ) ذكر بقية ( ~~الأقوال ، خال ) هذا المختصر ( من قول ثان ) أذكره فيه ( إلا ) من قول ~~أذكره ( لفائدة تزيد ) أي زائدة ( على معرفة الخلاف ) لا ليعلم أن في ~~المسألة خلافا فقط ( و ) خال هذا المختصر أيضا ( من عزو مقال ) أي قول ~~منسوب ( إلى من ) أي شخص ( إياه ) أي إيا المقال ( قال ) أي قاله ( ومتى ~~قلت ) في هذا المختصر بعد ذكر حكم مسألة أو قبله هو كذا ( في وجه ، فالمقدم ~~) أي فالمعتمد ( غيره ) أي غير ما قلت إنه كذا في وجه ( و ) متى قلت : هو ~~كذا وليس بكذا ( في ) قول ( أو على قول ، فإذا قوي الخلاف ) في المسألة ms003 ( ~~أو اختلف الترجيح ، أو ) يكون ذلك ( مع إطلاق القولين ، أو الأقوال ، إذ لم ~~أطلع على مصرح بالتصحيح ) لأحد القولين ، أو الأقوال . وإنما وقع اختياري ~~على اختصار هذا الكتاب دون بقية كتب هذا الفن ، لأنه جامع لأكثر أحكامه ، ~~حاو لقواعده وضوابطه وأقسامه . قد اجتهد مؤلفه في تحرير نقوله ، وتهذيب ~~أصوله . PageV01P029 ثم القواعد : جمع قاعدة ، وهي أمر كلي ينطبق على ~~جزئيات كثيرة تفهم أحكامها منها . فمنها : ما لا يختص بباب . كقولنا : ~~اليقين لا يرفع بالشك . ومنها : ما يختص ، كقولنا : كل كفارة سببها معصية ~~فهي على الفور . والغالب فيما يختص بباب ، وقصد به نظم صور متشابهة يسمى ~~ضابطا ، وإن شئت قلت : ما عم صورا . فإن كان المقصود من ذكره : القدر ~~المشترك الذي به اشتركت الصور في الحكم ، فهو المدرك ، وإلا فإن كان القصد ~~ضبط تلك الصور بنوع من أنواع الضبط من غير نظر في مأخذها : فهو الضابط ، ~~وإلا فهو القاعدة . ومن القواعد الأصولية قولهم : الأمر للوجوب والفور . ~~ودليل الخطاب حجة ، وقياس الشبه دليل صحيح . والحديث المرسل يحتج به ونحو ~~ذلك ( و ) أنا ( أرجو ) من فضل الله سبحانه وتعالى ( أن يكون ) هذا المختصر ~~( مغنيا لحفاظه عن غيره ) من كتب هذا الفن ( على ) ما اتصف به من ( وجازة ~~ألفاظه ) أي تقليلها . PageV01P030 وإيجاز اللفظ : اختصاره مع استيفاء ~~المعنى . ومنه قوله صلى الله عليه وسلم { أوتيت جوامع الكلم . واختصر لي ~~الكلام اختصارا } وإنما اختصرته لمعان . منها : أن لا يحصل الملل بإطالته . ~~ومنها : أن يسهل على من أراد حفظه . ومنها : أن يكثر علمه من قلة حجمه . ( ~~وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يعصمني ) ويعصم ( من قرأه من الزلل ) أي من ~~السقطة في المنطق والخطيئة ( وأن يوفقنا ) أي يوفقني ومن قرأه ( والمسلمين ~~لما يرضيه ) أي يرضي الله عنا ( من القول والعمل ) إنه قريب مجيب ، ~~وبالإجابة جدير . ورتبته - كأصله - على مقدمة ، وثمانية عشر بابا ، لا فيما ~~سوى ذلك من عدد الفصول ، ونحو ذلك . كالتنابيه والتذانيب . PageV01P031 أما ~~المقدمة : فتشتمل على تعريف هذا العلم وفائدته ، واستمداده وما يتصل بذلك ~~من مقدمات ولواحق ، كالدليل ms004 ، والنظر ، والإدراك . والعلم ، والعقل ، والحد ~~، واللغة ومسائلها وأحكامها ، وأحكام خطاب الشرع ، وخطاب الوضع ، وما يتعلق ~~بهما ، وغير ذلك فأقول ومن الله أستمد المعونة : # | ( مقدمة ) # المقدمة في الأصل : صفة ، ثم استعملوها اسما لكل ما وجد فيه التقديم ، ~~كمقدمة الجيش والكتاب ، ومقدمة الدليل والقياس ، وهي القضية التي تنتج ذلك ~~مع قضية أخرى ، نحو كل مسكر خمر ، وكل خمر حرام . ونحو ذلك . والعالم مؤلف ~~وكل مؤلف محدث ، ونحو ذلك . ثم إن مقدمة العلم هي اسم لما تقدم أمامه ، ~~ولما تتوقف عليه مسائله كمعرفة حدوده وغايته وموضوعه ، ومقدمة الكتاب ~~لطائفة من كلامه تقدم أمام المقصود ، لارتباط له بها ، وانتفاع بها فيه . ~~سواء توقف عليها العلم أو لا . وهي بكسر الدال من قدم بمعنى تقدم . قال ~~الله سبحانه وتعالى PageV01P032 ( { لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } ) أي ~~: لا تتقدموا . وبفتحها ، لأن صاحب الكتاب أو أمير الجيش قدمها ، ومنع بعض ~~العلماء الكسر . وبعضهم اقتصر عليه . ولما كان كل علم لا يتميز في نفسه عن ~~بقية العلوم إلا بتميز موضوعه . وكان موضوع أصول الفقه : أخص من مطلق ~~الموضوع . وكان العلم بالخاص مسبوقا بالعلم العام : بدأ بتعريف مطلق ~~الموضوع بقوله ( موضوع كل علم ) شرعيا كان أو عقليا ( ما ) أي الشيء الذي ( ~~يبحث فيه ) أي في ذلك العلم ( عن عوارضه ) أي عوارض موضوعه ( الذاتية ) أي ~~الأحوال العارضة للذات ، دون العوارض اللاحقة لأمر خارج عن الذات . ومسائل ~~كل علم : معرفة الأحوال العارضة لذات موضوع ذلك العلم . فموضوع علم الطب ~~مثلا : هو بدن الإنسان ، لأنه يبحث فيه عن الأمراض الاحقة له ، ومسائله : ~~هي معرفة تلك الأمراض . PageV01P033 وموضوع علم النحو : الكلمات ، فإنه ~~يبحث فيه عن أحوالها من حيث الإعراب والبناء . ومسائله : هي معرفة الإعراب ~~والبناء ، وموضوع علم الفرائض : التركات ، فإنه يبحث فيه من حيث قسمتها ، ~~ومسائله : هي معرفة حكم قسمتها ، والعلم بموضوع علم ليس بداخل في حقيقة ذلك ~~العلم كما قلنا في بدن الإنسان والكلمات والتركات . إذا علمت ذلك : ~~فالعوارض الذاتية هي التي تلحق الشيء لما هو هو ، أي لذاته ، كالتعجب ~~اللاحق لذات ms005 الإنسان ، أو تلحق الشيء لجزئه ، كالحركة بالإرادة اللاحقة ~~للإنسان بواسطة أنه حيوان ، أو تلحقه بواسطة أمر خارج عن المعروض مساو ~~للمعروض ، كالضحك العارض للإنسان بواسطة التعجب . وتفصيل ذلك : أن العارض ~~إما أن يكون لذات الشيء ، أو لجزئه ، أو لأمر خارج عنه . والأمر الخارج : ~~إما مساو للمعروض ، أو أعم منه ، أو أخص ، أو مباين . أما الثلاثة الأول - ~~وهي العارض لذات المعروض ، والعارض لجزئه ، PageV01P034 والعارض المساوي - ~~: فتسمى أعراضا ذاتية ، لاستنادها إلى ذات المعروض . أما العارض للذات : ~~فظاهر . وأما العارض للجزء : فلأن الجزء داخل في الذات ، والمستند إلى ما ~~في الذات مستند إلى الذات في الجملة . وأما العارض للأمر المساوي : فلأن ~~المساوي يكون مستندا إلى ذات المعروض ، والعارض مستند إلى المساوي والمستند ~~إلى المستند إلى الشيء مستند إلى ذلك الشيء ، فيكون العارض أيضا مستندا إلى ~~الذات . والثلاثة الأخيرة العارضة لأمر خارج غير مساو للمعروض : تسمى ~~أعراضا غريبة ؛ لما فيها من الغرابة بالقياس إلى ذات المعروض . ثم تارة ~~يكون الأمر الخارج أعم من المعروض كالحركة اللاحقة للأبيض بواسطة أنه جسم ، ~~وهو أعم من الأبيض وغيره . وتارة يكون أخص كالضحك العارض للحيوان بواسطة ~~أنه إنسان ، وهو أخص من PageV01P035 الحيوان . وتارة يكون مباينا للمعروض ~~كالحرارة العارضة للماء بواسطة النار . إذا علمت ذلك ( فموضوع ذا ) أي هذا ~~العلم الذي هو أصول الفقه ( الأدلة الموصلة إلى الفقه ) من الكتاب والسنة ، ~~والإجماع والقياس ، ونحوها ؛ لأنه يبحث فيه عن العوارض اللاحقة لها من ~~كونها عامة أو خاصة ، أو مطلقة أو مقيدة ، أو مجملة ، أو مبينة ، أو ظاهرة ~~أو نصا ، أو منطوقة ، أو مفهومة ، وكون اللفظ أمرا أو نهيا ، ونحو ذلك من ~~اختلاف مراتبها ، وكيفية الاستدلال بها ، ومعرفة هذه الأشياء : هي مسائل ~~أصول الفقه . وموضوع علم الفقه : أفعال العباد من حيث تعلق الأحكام الشرعية ~~بها . ومسائله : معرفة أحكامها من واجب وحرام ، ومستحب ومكروه ومباح . ( ~~ولا بد ) أي لا فراق ( لمن طلب علما ) أي حاول أن يعرفه من ثلاثة أمور ~~PageV01P036 أحدها ( أن يتصوره بوجه ما ) أي بوجه من الإجمال ؛ لأن طلب ~~الإنسان ms006 ما لا يتصوره محال ببديهة العقل ، وطلب ما يعرفه من جهة تفصيله ~~محال أيضا ؛ لأنه تحصيل الحاصل . ( و ) الأمر الثاني : أن ( يعرف غايته ) ~~لئلا يكون سعيه في طلبه عابثا . ( و ) الأمر الثالث : أن يعرف ( مادته ) أي ~~ما يستمد ذلك العلم منه ؛ ليرجع في جزئياته إلى محلها . وأصل هذه القاعدة : ~~أن كل معدوم يتوقف وجوده على أربع علل : ' صورية ' وهي التي تقوم بها صورته ~~. فتصور المركب متوقف على تصور أركانه . وانتظامها على الوجه المقصود ' ~~وغائية ' وهي الباعثة على إيجاده . وهي الأولى في الفكر ، وإن كانت آخرا في ~~الوجود الخارجي . ولهذا يقال : مبدأ العلم منتهى العمل . ' ومادية ' وهي ~~التي تستمد منها المركبات ، أو ما في حكمها ' PageV01P037 وفاعلية ' وهي ~~المؤثرة في إيجاد ذلك . ثم اعلم أن لفظ ' أصول الفقه ' مركب من مضاف ومضاف ~~إليه ، ثم صار لكثرة الاستعمال في عرف الأصوليين والفقهاء له معنى آخر ، ~~وهو العلمية . فينبغي تعريفه من حيث معناه الإضافي ، وتعريفه من حيث كونه ~~علما . فبعض المصنفين بدأ بتعريف كونه مركبا ، وبعضهم بدأ بتعريف كونه ~~مضافا ، كما في المتن . إذا علمت ذلك ( فأصول : جمع أصل ، وهو ) أي الأصل ( ~~لغة ) أي في اللغة ( ما يبنى عليه ) أي على الأصل ( غيره ) قاله الأكثر . ~~وقيل : أصل الشيء ما منه الشيء . وقيل : ما يتفرع عليه غيره . وقيل : منشأ ~~الشيء . وقيل : ما يستند تحقق الشيء إليه ( و ) الأصل ( اصطلاحا ) أي في ~~اصطلاح العلماء ( ما له فرع ) لأن الفرع لا ينشأ إلا عن أصل PageV01P038 ( ~~ويطلق ) الأصل على أربعة أشياء الأول ( على الدليل غالبا ) أي في الغالب ، ~~كقولهم أصل هذه المسألة : الكتاب والسنة . أي دليلها ( و ) هذا الإطلاق ( ~~هو المراد هنا ) أي في علم الأصول ( و ) الإطلاق الثاني ( على الرجحان ) أي ~~على الراجح من الأمرين . كقولهم : الأصل في الكلام الحقيقة دون المجاز . ~~والأصل براءة الذمة ، والأصل بقاء ما كان على ما كان ( و ) الإطلاق الثالث ~~على ( القاعدة المستمرة ) كقولهم أكل الميتة على خلاف الأصل ، أي على خلاف ~~الحالة المستمرة PageV01P039 ( و ) الإطلاق الرابع على ( المقيس عليه ) ، ~~وهو ما ms007 يقابل الفرع في باب القياس ( والفقه لغة ) أي في اللغة : ( الفهم ) ~~عند الأكثر ؛ لأن العلم يكون عنه . قال الله تعالى ( { فمال هؤلاء القوم لا ~~يكادون يفقهون حديثا } ) ( وهو ) أي الفهم ( إدراك معنى الكلام ) لجودة ~~الذهن من جهة تهيئه لاقتباس ما يرد عليه من المطالب ، والذهن : قوة النفس ~~المستعدة لاكتساب العلوم والآراء . PageV01P040 وقيل : إن الفقه هو العلم . ~~وقيل : معرفة قصد المتكلم . وقيل : فهم ما يدق . وقيل : استخراج الغوامض ~~والاطلاع عليها . ( و ) الفقه ( شرعا ) أي في اصطلاح فقهاء الشرع ( معرفة ~~الأحكام الشرعية ) دون العقلية ( الفرعية ) لا الأصولية ، ومعرفتها إما ( ~~بالفعل ) أي بالاستدلال ( أو ) ب ( القوة القريبة ) من الفعل ، أي بالتهيؤ ~~لمعرفتها بالاستدلال . وهذا الحد لأكثر أصحابنا المتقدمين . وقيل : هو ~~العلم بأفعال المكلفين الشرعية دون العقلية ، من تحليل وتحريم وحظر وإباحة ~~. وقيل : هو العلم بالأحكام الشرعية . وقيل : معرفة الأحكام الشرعية . وقيل ~~: معرفة كثير من الأحكام عرفا . وقيل : معرفة أحكام جمل كثيرة عرفا من ~~مسائل الفروع العلمية من أدلتها الحاصلة بها . وقيل : العلم بها عن أدلتها ~~التفصيلية بالاستدلال . وكل هذه الحدود لا تخلو عن مؤاخذات وأجوبة ، يطول ~~الكتاب بذكرها من غير طائل . PageV01P041 ثم الحكم الشرعي الفرعي : هو الذي ~~لا يتعلق بالخطإ في اعتقاد مقتضاه ، ولا في العمل به قدح في الدين ، ولا ~~وعيد في الآخرة ، كالنية في الوضوء والنكاح بلا ولي ونحوهما . ( والفقيه ) ~~في اصطلاح أهل الشرع ( من عرف جملة غالبة ) أي كثيرة ( منها ) أي من ~~الأحكام الشرعية الفرعية ( كذلك ) أي بالفعل أو بالقوة القريبة من الفعل ، ~~وهي التهيؤ لمعرفتها عن أدلتها التفصيلية . فلا يطلق الفقيه على من عرفها ~~على غير هذه الصفة ، كما لا يطلق الفقيه على محدث ولا مفسر ، ولا متكلم ولا ~~نحوي ونحوهم . وقيل : الفقيه من له أهلية تامة يعرف الحكم بها إذا شاء مع ~~معرفته جملا كثيرة من الأحكام الفرعية ، وحضورها عنده بأدلتها الخاصة ~~والعامة فخرج بقيد ' الأحكام ' الذوات والصفات والأفعال ، PageV01P042 ~~والحكم هو النسبة بين الأفعال والذوات ؛ إذ كل معلوم إما ألا يكون محتاجا ~~إلى محل يقوم به ، فهو الجوهر ms008 ، كجميع الأجسام . وإما أن يكون محتاجا . فإن ~~كان سببا للتأثير في غيره ، فهو الفعل ، كالضرب مثلا ، وإن لم يكن سببا . ~~فإن كان لنسبة بين الأفعال والذوات ، فهو الحكم ، وإلا فهو الصفة ، كالحمرة ~~والسواد . وخرج بقيد ' الفعل ' الذي هو الاستدلال : علم الله سبحانه وتعالى ~~ورسله فيما ليس عن اجتهادهم صلى الله عليهم وسلم ؛ لجواز اجتهادهم ، على ما ~~يأتي في باب الاجتهاد . وخرج بقيد ' الفرعية ' الأدلة الأصولية الإجمالية ، ~~المستعملة في فن الخلاف ، نحو : ثبت الحكم بالمقتضى ، وانتفى بوجود النافي ~~. فإن هذه قواعد كلية إجمالية تستعمل في غالب الأحكام ؛ إذ يقال مثلا : ~~وجوب النية في الطهارة حكم ثبت بالمقتضى ، وهو تمييز العبادة عن العادة ، ~~ويقول الحنفي : عدم وجوبها ، والاقتصار على مسنونيتها : حكم ثبت بالمقتضي . ~~وهو أن الوضوء مفتاح الصلاة . وذلك متحقق بدون النية . ونحو ذلك . واعلم أن ~~المطلوب في فن الخلاف : إما إثبات الحكم ، فهو بالدليل المثبت ، أو نفيه ~~فهو بالدليل النافي . أو بانتفاء الدليل المثبت ، أو بوجود المانع ، أو ~~بانتفاء الشرط . فهذه أربع قواعد ضابطة لمجاري الكلام على تعدد جريانها ~~وكثرة مسائلها . PageV01P043 وخرج بقيد ' الأدلة التفصيلية ' علم المقلد ؛ ~~لأن معرفته ببعض الأحكام ليست عن دليل أصلا ، لا إجمالي ولا تفصيلي . ولما ~~فرغ من الكلام على تعريف أصول الفقه من حيث معناه . الإضافي : شرع في ~~تعريفه من حيث كونه علما ، فقال : ( وأصول الفقه علما ) أي : من حيث كونها ~~صارت لقبا لهذا العلم ( القواعد التي يتوصل ) أي يقصد الوصول ( بها إلى ~~استنباط الأحكام الشرعية الفرعية ) وقيل : مجموع طرق الفقه إجمالا ، وكيفية ~~الاستفادة منها ، وحال المستفيد . وقيل : معرفة دلائل الفقه إجمالا ، ~~وكيفية الاستفادة منها ، وحال المستفيد . وقيل : ما تبنى عليه مسائل الفقه ~~، وتعلم أحكامها به . وقيل : هي أدلته الكلية التي تفيده بالنظر على وجه ~~كلي . إذا علمت ذلك . فالقواعد : جمع قاعدة . وهي هنا عبارة عن صور كلية ~~تنطبق PageV01P044 كل واحدة منها على جزئياتها التي تحتها . ولذلك لم يحتج ~~إلى تقييدها بالكلية ؛ لأنها لا تكون إلا كذلك . وذلك كقولنا : حقوق العقد ~~تتعلق بالموكل دون الوكيل . وكقولنا ms009 : الحيل في الشرع باطلة . فكل واحدة من ~~هاتين القضيتين يتعرف بالنظر فيها قضايا متعددة . فمما يتعرف بالنظر في ~~القضية الأولى : أن عهدة المشتري على الموكل دون الوكيل ، وأن من حلف لا ~~يفعل شيئا ، فوكل من فعله : حنث . وأنه لو وكل مسلم ذميا في شراء خمر أو ~~خنزير : لم يصح . ومما يتعرف بالنظر في القضية الثانية : عدم صحة نكاح ~~المحلل ، وبيع العينة ، وعدم سقوط الشفعة بالحيلة على إبطالها ، وعدم حل ~~الخمر بتخليلها علاجا . وكذا قولنا - وهو المراد هنا - الأمر للوجوب والفور ~~ونحو ذلك . واحترز بقوله ' إلى استنباط الأحكام ' عن القواعد التي يتوصل ~~بها إلى استنباط غير الأحكام ، من الصنائع والعلم بالهيئات والصفات . ~~PageV01P045 وبالشرعية عن الاصطلاحية والعقلية . كقواعد علم الحساب ~~والهندسة ، وبالفرعية عن الأحكام التي تكون من جنس الأصول ، كمعرفة وجوب ~~التوحيد من أمره تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى ( { فاعلم ~~أنه لا إله إلا الله } ) . ( والأصولي ) في عرف أهل هذا الفن : ( من عرفها ~~) أي عرف القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية . ~~لأنه منسوب إلى الأصول كنسبة الأنصاري إلى الأنصار ونحوه ، ولا تصح النسبة ~~إلا مع قيام معرفته بها وإتقانه لها ، كما أن من أتقن الفقه يسمى فقيها ، ~~ومن أتقن الطب يسمى طبيبا ونحو ذلك . ( وغايتها ) أي غاية معرفة أصول الفقه ~~، إذا صار المشتغل بها قادرا على استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من ~~أدلتها : ( معرفة أحكام الله تعالى ، والعمل بها ) أي بالأحكام الشرعية ؛ ~~لأن ذلك موصل إلى العلم ، وبالعلم يتمكن المتصف به من العمل الموصل إلى ~~خيري الدنيا والآخرة PageV01P046 ( ومعرفتها ) أي : معرفة أصول الفقه ( فرض ~~كفاية ، كالفقه ) قال في شرح التحرير : وهذا الصحيح وعليه أكثر الأصحاب . ~~قال في آداب المفتي : والمذهب أنه فرض كفاية كالفقه ا ه . وقيل : فرض عين . ~~قال ابن مفلح في أصوله - لما حكى هذا القول - والمراد للاجتهاد . فعلى هذا ~~المراد يكون الخلاف لفظيا ( والأولى ) وقيل يجب ( تقديمها ) أي تقديم تعلم ~~أصول الفقه PageV01P047 ( عليه ) أي على تعلم الفقه ، ليتمكن بمعرفة الأصول ~~إلى استفادة معرفة ms010 الفروع . قال أبو البقاء العكبري : أبلغ ما يتوصل به إلى ~~إحكام الأحكام : إتقان أصول الفقه ، وطرف من أصول الدين . ( ويستمد ) علم ~~أصول الفقه من ثلاثة أشياء ( من أصول الدين ، و ) من ( العربية ، و ) من ( ~~تصور الأحكام ) ووجه الحصر : الاستقراء . وأيضا : فالتوقف إما أن يكون من ~~جهة ثبوت حجية الأدلة . فهو أصول الدين وإما أن يكون التوقف من جهة دلالة ~~الألفاظ على الأحكام ، فهو العربية بأنواعها وإما أن يكون التوقف من جهة ~~تصور ما يدل PageV01P048 به عليه ، فهو تصور الأحكام . أما توقفه من جهة ~~ثبوت حجية الأدلة : فلتوقف معرفة كون الأدلة الكلية حجة شرعا على معرفة ~~الله تعالى بصفاته وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به عنه ويتوقف ~~صدقه على دلالة المعجزة . أما توقفه من جهة دلالة الألفاظ على الأحكام : ~~فلتوقف فهم ما يتعلق بها من الكتاب والسنة وغيرهما على العربية . فإن كان ~~من حيث المدلول : فهو علم اللغة ، أو من أحكام تركيبها : فعلم النحو ، أو ~~من أحكام أفرادها : فعلم التصريف ، أو من جهة مطابقته لمقتضى الحال ، ~~PageV01P049 وسلامته من التعقيد ، ووجوه الحسن : فعلم البيان بأنواعه ~~الثلاثة . وأما توقفه من جهة تصور ما يدل به عليه ، من تصور أحكام التكليف ~~: فإنه إن لم يتصورها لم يتمكن من إثباتها ، ولا من نفيها . لأن الحكم على ~~الشيء فرع عن تصوره . واعلم أنه لما كان لا بد لكل من طلب علما أن يتصوره ~~بوجه ما ، ويعرف غايته ومادته : ذكر في أول هذه المقدمة حد أصول الفقه ، من ~~حيث إضافته ، ومن حيث كونه علما . وحد المتصف بمعرفته . ليتصوره طالبه ، من ~~جهة تعريفه بحده ، ليكون على بصيرة في طلبه . ثم ذكر غايته ؛ لئلا يكون ~~سعيه في طلبه عبثا . ثم ذكر ما يستمد منه ؛ ليرجع في جزئياته إلى محلها وبه ~~ختم هذا الفصل . PageV01P050 # | ( فصل ) # الفصل لغة : الحجز بين شيئين . ومنه فصل الربيع ؛ لأنه يحجز بين الشتاء ~~والصيف . وهو في كتب العلم كذلك ؛ لأنه يحجز بين أجناس المسائل وأنواعها . ~~ولما كان موضوع علم أصول الفقه : الأدلة الموصلة ms011 إلى الفقه ، ولم يتقدم ما ~~يدل على معنى الدليل ، ولا على ناصبه : أخذ في تعريف ذلك بقوله ( الدال : ~~الناصب للدليل ) وهو الله سبحانه . قاله الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه . ~~وأن الدليل القرآن . وقيل : إن الدال والدليل بمعنى واحد . وعلى هذا القول ~~أكثر المتأخرين . وإن ' دليل ' فعيل بمعنى فاعل ، كعليم وسميع ، بمعنى عالم ~~وسامع . ( وهو ) أي والدليل ( لغة ) أي في اللغة ( المرشد ) يعني أنه يطلق ~~على المرشد حقيقة ( و ) على ( ما ) يحصل ( به الإرشاد ) مجازا . فالمرشد هو ~~الناصب للعلامة أو الذاكر لها . والذي يحصل به الإرشاد هو العلامة التي ~~نصبت للتعريف PageV01P051 ( و ) الدليل ( شرعا ) أي في اصطلاح علماء ~~الشريعة ( ما ) أي الشيء الذي ( يمكن التوصل بصحيح النظر ) متعلق بالتوصل ، ~~أي بالنظر الصحيح ، من باب إضافة الصفة إلى الموصوف ( فيه ) أي في ذلك ~~الشيء ( إلى مطلوب خبري ) متعلق بالتوصل . وقوله ' خبري ' أي تصديقي ، ~~وإنما قالوا ' ما يمكن ' ولم يقولوا ما يتوصل ، للإشارة إلى أن المعتبر ~~التوصل بالقوة ، لأنه يكون دليلا ، ولو لم ينظر فيه . وخرج بقوله : ' ما ~~يمكن ' ما لا يمكن التوصل به إلى المطلوب كالمطلوب نفسه ، فإنه لا يمكن ~~التوصل به إليه ، أو يمكن التوصل [ به ] إلى المطلوب لكن لا بالنظر كسلوك ~~طريق يمكن التوصل بها إلى مطلوبه . وخرج PageV01P052 بقوله ' بصحيح النظر ' ~~فاسده ككاذب المادة في اعتقاد الناظر . وخرج بوصف ' المطلوب الخبري ' ~~المطلوب التصوري ، كالحد والرسم . ويدخل في المطلوب الخبري ما يفيد القطع ~~والظن . وهو مذهب أصحابنا ، وأكثر الفقهاء والأصوليين . والقول الثاني : أن ~~ما أفاد القطع يسمى دليلا ، وما أفاد الظن يسمى أمارة . PageV01P053 ويحصل ~~المطلوب المكتسب بالنظر الصحيح في الدليل ( عقبه ) أي عقب النظر ( عادة ) ~~أي في العادة . وعلى هذا القول أكثر العلماء ؛ لأنه قد جرت العادة بأن يفيض ~~على نفس المستدل بعد النظر الصحيح مادة مطلوبه ، وصورة مطلوبه الذي توجه ~~بنظره إلى تحصيله . والقول الثاني : أن المطلوب يحصل عقب النظر ضرورة . ~~لأنه لا يمكن تركه . ( والمستدل ) هو ( الطالب له ) أي للدليل ( من سائل ~~ومسئول ) قاله القاضي في العدة ، وأبو ms012 الخطاب في التمهيد ، وابن ~~PageV01P054 عقيل في الواضح ، وذلك لأن السائل يطلب الدليل من المسئول ، ~~والمسئول يطلب الدليل من الأصول . إذا علمت ذلك ( فالدال : الله تعالى ، ~~والدليل : القرآن ، والمبين : الرسول ، والمستدل : أولو العلم ، هذه قواعد ~~الإسلام ) قال ذلك الإمام أحمد رضي الله عنه PageV01P055 وإنما أخر ذلك بعض ~~المصنفين ، ليستدل به على صحة ما تقدم ذكره ، وتبركا بنص الإمام . وقوله ' ~~هذه قواعد الإسلام ' قال في شرح التحرير : الذي يظهر أن معناه : أن قواعد ~~الإسلام ترجع إلى الله تعالى ، وإلى قوله وهو القرآن ، وإلى رسوله صلى الله ~~عليه وسلم ، وإلى علماء الأمة ، لم يخرج شيء من أحكام المسلمين والإسلام ~~عنها . انتهى . ( والمستدل عليه ) أي على الشيء بكونه حلالا أو حراما ، أو ~~واجبا ، أو مستحبا ( الحكم ) بذلك . ( و ) المستدل ( به ما يوجبه ) أي ~~العلة التي توجب الحكم . ( والمستدل له ) أي لخلافه وقطع جداله ( الخصم ) ~~وقيل : PageV01P056 الحكم ( والنظر هنا ) أي في اصطلاح أهل الشرع ( فكر ~~يطلب به ) أي بالفكر ( علم أو ظن ) وإنما قلت ' هنا ' لأن النظر له مسميات ~~غير ذلك ( والفكر هنا حركة النفس من المطالب إلى المبادئ ورجوعها ) أي حركة ~~النفس ( منها إليها ) أي من المبادئ إلى المطالب ، ويرسم الفكر بهذا المعنى ~~بترتيب أصول حاصلة في الذهن ليتوصل بها إلى تحصيل غير الحاصل ، وقد يطلق ~~على حركة النفس التي يليها البطن الأوسط من الدماغ المسمى بالدودة ، وتسمى ~~في المعقولات فكرا ، وفي المحسوسات تخييلا PageV01P057 ( والإدراك ) أي ~~إدراك ماهية الشيء ( بلا حكم ) عليها بنفي أو إثبات ، ( تصور ) لأنه لم ~~يحصل سوى صورة الشيء في الذهن ( وبه ) أي وبالحكم ، يعني ، أن تصور ماهية ~~الشيء مع الحكم عليها بإيجاب أو سلب ( تصديق ) أي يسمى تصديقا . وقد ظهر من ~~هذا أن التصور . إدراك الحقائق مجردة عن الأحكام ، وأن التصديق [ إدراك ] ~~نسبة حكمية بين الحقائق بالإيجاب أو السلب وإنما سمي التصور تصورا لأخذه من ~~الصورة ؛ لأن حصول صورة الشيء في الذهن وسمي التصديق تصديقا لأن فيه حكما ~~يصدق فيه أو يكذب سمي بأشرف لازمي الحكم في النسبة فكل تصديق ms013 متضمن من مطلق ~~التصور ثلاث تصورات : تصور المحكوم عليه ، والمحكوم به من حيث هما ، ثم ~~تصور نسبة أحدهما للآخر ، فالحكم يكون تصورا رابعا ، لأنه تصور تلك النسبة ~~موجبة ، أو تصورها منفية ، PageV01P058 وكل من التصور والتصديق ضروري ونظري ~~. والله أعلم . PageV01P059 # | ( فصل ) # ( العلم لا يحد في وجه ) قال بعضهم : لعسره ويميز بتمثيل وتقسيم . وقال ~~بعضهم : لأنه ضروري . وقد علمت PageV01P060 من خطبة الكتاب أني متى قلت عن ~~شيء في وجه فالمقدم والمعتمد غيره . إذا تقرر هذا : فالصحيح عند أصحابنا ، ~~والأكثر أنه يحد ، ولهم في حده عبارات . ( و ) المختار منها أن يقال : ( هو ~~صفة يميز المتصف بها ) بين الجواهر والأجسام والأعراض ، والواجب والممكن ~~والممتنع ( تمييزا جازما مطابقا ) أي لا يحتمل النقيض ( فلا يدخل إدراك ~~الحواس ) لجواز غلط الحس ؛ لأنه قد يدرك الشيء لا على ما هو عليه كالمستدير ~~مستويا ، والمتحرك ساكنا ونحوهما . ( ويتفاوت ) العلم على الأصح من ~~الروايتين عن إمامنا أحمد رضي الله تعالى عنه . قال في شرح التحرير : وهو ~~الصحيح . وعليه الأكثر . قال ابن قاضي الجبل في أصوله : الأصح التفاوت ؛ ~~فإنا نجد PageV01P061 بالضرورة الفرق بين كون الواحد نصف الاثنين ، وبين ما ~~علمناه من جهة التواتر ، مع كون اليقين حاصلا فيهما ( كالمعلوم ) أي كما ~~تتفاوت المعلومات ( و ) كما يتفاوت ( الإيمان ) قال في شرح التحرير : وقال ~~ابن مفلح في أصوله - في الكلام على الواجب - قال بعض أصحابنا - يعني به : ~~الشيخ تقي الدين - والصواب : أن جميع الصفات المشروطة بالحياة تقبل التزايد ~~. PageV01P062 وعن أحمد رضي الله تعالى عنه في المعرفة الحاصلة في القلب في ~~الإيمان : على تقبل التزايد والنقص ؟ روايتان . والصحيح من مذهبنا ومذهب ~~جمهور أهل السنة : إمكان الزيادة في جميع ذلك . انتهى ثم اعلم أن العلم ~~يطلق لغة وعرفا على أربعة أمور . أحدها : إطلاقه حقيقة على ما لا يحتمل ~~النقيض ، وتقدم . الأمر الثاني : أنه يطلق ( ويراد به مجرد الإدراك ) يعني ~~سواء كان الإدراك ( جازما ، أو مع احتمال راجح ، أو مرجوح ، أو مساو ) على ~~PageV01P063 سبيل المجاز . فشمل الأربعة قوله تعالى ( { ما علمنا عليه من ~~سوء } ) إذ المراد ms014 : نفي كل إدراك . الأمر الثالث : أنه يطلق ( و ) يراد به ~~( التصديق ، قطعيا ) كان التصديق ( أو ظنيا ) أما التصديق القطعي : فإطلاقه ~~عليه حقيقة . وأمثلته كثيرة . وأما التصديق الظني : فإطلاقه عليه على سبيل ~~المجاز . ومن أمثلته قوله تعالى ( { فإن علمتموهن مؤمنات } ) الأمر الرابع ~~: أنه يطلق ( و ) يراد به ( معنى المعرفة ) ومن أمثلة ذلك قوله تعالى ( { ~~لا تعلمهم نحن نعلمهم } ) وتطلق المعرفة ( ويراد بها ) العلم . ومنه قوله ~~تعالى ( { مما عرفوا من الحق } ) أي علموا . ( و ) يراد العلم أيضا ( بظن ) ~~يعني أن الظن يطلق ويراد به العلم . ومنه قوله تعالى ( { الذين يظنون أنهم ~~ملاقو ربهم } ) أي يعلمون PageV01P064 ( وهي ) أي المعرفة ( من حيث إنها ~~علم مستحدث ، أو انكشاف بعد لبس أخص منه ) أي من العلم . لأنه يشمل غير ~~المستحدث . وهو علم الله تعالى . ويشمل المستحدث ، وهو علم العباد ( ومن ~~حيث إنها يقين وظن أعم ) من العلم لاختصاصه حقيقة باليقيني . وقال جمع : إن ~~المعرفة مرادفة للعلم . قال في شرح التحرير : فإما أن يكون مرادهم غير علم ~~الله تعالى ، وإما أن يكون مرادهم بالمعرفة أنها تطلق على القديم ، ولا ~~تطلق على المستحدث . والأول أولى . انتهى . ( وتطلق ) المعرفة ( على مجرد ~~التصور ) الذي لا حكم معه ( فتقابله ) أي تقابل العلم . وقد تقدم أن العلم ~~يطلق على مجرد التصديق الشامل لليقيني والظني . وإذا أطلقت المعرفة على ~~التصور المجرد عن التصديق : كانت قسيما للعلم ، أي مقابلة له . ( وعلم الله ~~) سبحانه وتعالى ( قديم ) لأنه صفة من صفاته ، وصفاته قديمة ( ليس ضروريا ~~ولا نظريا ) بلا نزاع بين الأئمة ، أحاط بكل موجود ومعدوم على ما هو عليه ( ~~ولا يوصف ) سبحانه وتعالى ( بأنه عارف ) قال ابن PageV01P065 حمدان في ~~نهاية المبتدئين : علم الله تعالى لا يسمى معرفة . حكاه القاضي إجماعا . ~~انتهى ( وعلم المخلوق محدث وهو ) قسمان : قسم ( ضروري ) وهو ما ( يعلم من ~~غير نظر ) كتصورنا معنى النار ، وأنها حارة . ( و ) قسم ( نظري ) وهو ما لا ~~يعلم إلا بنظر ، وهو ( عكسه ) أي عكس الضروري . PageV01P066 وقال الأكثر : ~~الضروري ما لا يتقدمه تصديق يتوقف عليه ، والنظري بخلافه . ثم اعلم ms015 أن حد ~~العلم الضروري في اللغة : الحمل على الشيء ، والإلجاء إليه . وحده في الشرع ~~: ما لزم نفس المكلف لزوما لا يمكنه الخروج عنه . PageV01P067 # | ( فصل ) # لما كان العلم لا بد أن يتعلق بمعلوم ناسب أن نذكر في هذا الفصل طرفا من ~~أحوال المعلوم . ولم يذكر ذلك في الأصل إلا في باب الأمر . ووجه المناسبة ~~في ذكره هناك : أن القائل بأن الأمر عين النهي قال : لو لم يكن عينا لكان ~~ضدا ، أو مثلا أو خلافا . إذا علمت ذلك : ف ( المعلومان : إما نقيضان لا ~~يجتمعان ولا يرتفعان ) كالوجود والعدم المضافين إلى معين واحد ( أو خلافان ~~، يجتمعان ويرتفعان ) كالحركة والبياض في الجسم الواحد ( أو ضدان لا ~~يجتمعان ، ويرتفعان لاختلاف الحقيقة ) كالسواد والبياض لا يمكن اجتماعهما ، ~~لأن الشيء لا يكون أسود أبيض في زمن واحد ، ويمكن ارتفاعهما مع بقاء المحل ~~لا أسود ولا أبيض لاختلاف حقيقتهما . PageV01P068 ( أو مثلان لا يجتمعان ~~ويرتفعان لتساوي الحقيقة ) كبياض وبياض ، ولا يخرج فرض وجود معلومين عن هذه ~~الأربع صور . ودليل الحصر : أن المعلومين : إما أن يمكن اجتماعهما أو لا ، ~~فإن أمكن اجتماعهما فهما الخلافان كالحركة والبياض ، وإن لم يمكن اجتماعهما ~~فإما أن يمكن ارتفاعهما أو لا . [ ف ] الثاني : النقيضان ، كوجود زيد وعدمه ~~. ووجود الحركة مع السكون ، والأول لا يخلو ، إما أن يختلفا في الحقيقة أو ~~لا . [ ف ] الأول : الضدان ، كالسواد والبياض لاختلاف الحقيقة ، والثاني : ~~المثلان كبياض وبياض ، لكن الخلافان قد يتعذر ارتفاعهما ، لخصوص حقيقة غير ~~كونهما خلافين ، كذات واجب الوجود سبحانه مع صفاته ، وقد يتعذر افتراقهما ، ~~كالعشرة مع الزوجية خلافان ويستحيل افتراقهما ، والخمسة مع الفردية ، ~~والجوهر مع الألوان ، وهو كثير ، PageV01P069 ولا تنافي بين إمكان الافتراق ~~والارتفاع بالنسبة إلى الذات ، وتعذر الارتفاع [ والافتراق ] بالنسبة إلى ~~أمر خارجي عنهما ، وهذا الذي ذكر كله في ممكن الوجود . أما الله سبحانه ~~وتعالى وصفاته : فإنه لا يقال بإمكان رفع شيء منها ، لتعذر رفعه بسبب وجوب ~~وجوده ( وكل شيئين حقيقتاهما إما متساويتان يلزم من وجود كل ) واحدة ( وجود ~~الأخرى وعكسه ) يعني ويلزم من عدم كل واحدة ms016 منهما عدم الأخرى كالإنسان ~~والضاحك بالقوة ، فإنه يلزم من وجود كل واحد منهما وجود الآخر ، ومن عدمه ~~عدمه ، فلا إنسان إلا وهو ضاحك بالقوة ، ولا ضاحك بالقوة إلا وهو إنسان ، ~~ونعني بالقوة كونه قابلا ولو لم يقع ، ويقابله الضاحك بالفعل ، وهو المباشر ~~للضحك . ( أو ) إما ( متباينتان ، لا تجتمعان في محل واحد ) كالإنسان ~~والفرس ، فما هو إنسان ليس بفرس ، وما هو فرس فليس بإنسان ، فيلزم من صدق ~~أحدهما على محل عدم صدق الآخر . PageV01P070 ( أو ) إما ( إحداهما أعم ~~مطلقا ، والأخرى أخص مطلقا ، توجد إحداهما مع وجود كل أفراد الأخرى ) ~~كالحيوان والإنسان ، فالحيوان أعم مطلقا لصدقه على جميع أفراد الإنسان ، ~~فلا يوجد إنسان بدون حيوانية ألبتة . فيلزم من وجود الإنسان - الذي هو أخص ~~- وجود الحيوان ، الذي هو أعم ، ( بلا عكس ) يعني : فلا يلزم من عدم ~~الإنسان الذي هو أخص عدم الحيوان الذي هو أعم ؛ لأن الحيوان قد يبقى موجودا ~~في الفرس وغيره ( أو ) إما ( كل واحدة منهما ) أي من الحقيقتين ( أعم من ~~وجه وأخص من ) وجه ( آخر توجد كل ) واحدة من الحقيقتين ( مع الأخرى وبدونها ~~) أي وبدون الأخرى ، ومعنى ذلك : أنهما يجتمعان في صورة ، وتنفرد كل واحدة ~~منهما عن الأخرى بصورة ، كالحيوان والأبيض فإن الحيوان يوجد بدون ~~PageV01P071 الأبيض في السودان ، ويوجد الأبيض بدون الحيوان في الثلج ~~والقطن وغيرهما ، مما ليس بحيوان . ويجتمعان في الحيوان الأبيض . فلا يلزم ~~من وجود الأبيض وجود الحيوان ، ولا من وجود الحيوان وجود الأبيض ، ولا من ~~عدم أحدهما عدم الآخر . ففائدة هذه القواعد : الاستدلال ببعض الحقائق على ~~بعض . والله أعلم PageV01P072 # | ( فصل ) # ( ما عنه الذكر الحكمي ) أي المعنى الذي يعبر عنه بالكلام الخبري ، من ~~إثبات أو نفي تخيله ، أو لفظ به ، فما عنه الذكر الحكمي : هو مفهوم الكلام ~~الخبري . قال القاضي عضد الدين : الذكر الحكمي ينبئ عن أمر في نفسك من ~~إثبات أو نفي ، وهو ما عنه الذكر الحكمي ، وإنما لم يجعل الحكم مورد القسمة ~~لئلا يلزم خروج الوهم والشك عن مورد القسمة ، عند من منع مقارنتهما للحكم . ~~وقال أيضا ms017 : إنما جعل المورد ما عنه الذكر الحكمي ، دون الاعتقاد أو الحكم ~~، ليتناول الشك والوهم مما لا اعتقاد ولا حكم للذهن فيه ( إما أن يحتمل ~~متعلقه ) أي متعلق ما عنه الذكر الحكمي ، وهو النسبة الواقعة بين طرفي ~~الخبر في الذهن ( النقيض بوجه ) من الوجوه ، سواء كان في الخارج ، أو عند ~~الذاكر ، إما بتقديره بنفسه ، أو بتشكيك مشكك إياه ( أو لا ) يحتمل النقيض ~~بوجه من الوجوه أصلا . PageV01P073 ( والثاني ) وهو الذي لا يحتمل ' النقيض ~~بوجه هو ( العلم ، والأول ) وهو الذي يحتمل متعلقه النقيض ( إما أن يحتمله ~~) أي يحتمل النقيض ( عند الذاكر لو قدره ) أي : بتقدير الذاكر النقيض في ~~نفسه ( أو لا ) يحتمل النقيض عند الذاكر لو قدره ( والثاني ) وهو الذي لا ~~يحتمل متعلقه النقيض عند الذاكر لو قدره في نفسه هو ( لاعتقاد ) . ( فإن ~~طابق ) هذا الاعتقاد لما في نفس الأمر ( ف ) هو اعتقاد ( صحيح ، وإلا ) أي ~~وإن لم يكن الاعتقاد مطابقا لما في نفس الأمر ( ف ) هو اعتقاد ( فاسد ) ( ~~والأول ) وهو الذي يحتمل النقيض عند الذاكر لو قدره ( الراجح منه ) وهو ~~الذي يكون متعلقه راجحا عند الذاكر على احتمال النقيض ( ظن ) ويتفاوت الظن ~~، حتى يقال : غلبة الظن ( والمرجوح ) وهو المقابل للظن ( وهم ) ( والمساوي ~~) وهو الذي يتساوى متعلقه واحتمال نقيضه عند الذاكر ( شك ) . إذا علم ذلك ~~فالعلم قسيمه : الاعتقاد الصحيح والفاسد ، والظن قسيمه : الشك والوهم ، ~~PageV01P074 وأشار بقوله ( وقد علمت حدودها ) إلى أن ما عنه الذكر الحكمي ، ~~الذي هو مورد القسمة ، لما قيد كل قسم منه بما يميزه عن غيره من الأقسام : ~~كان ذلك حدا لكل واحد من الأقسام ؛ لأن الحد عند الأصوليين كل لفظ مركب ~~يميز الماهية عن أغيارها ، سواء كان بالذاتيات أو بالعرضيات ، أو بالمركب ~~منهما . فيتفرع على ذلك أن يكون حد العلم ما عنه ذكر حكمي لا يحتمل متعلقه ~~النقيض بوجه ، لا في الواقع ، ولا عند الذاكر ، ولا بالتشكيك ويكون حد ~~الاعتقاد الصحيح : ما عنه ذكر حكمي لا يحتمل متعلقه النقيض عند الذاكر ~~بتشكيك مشكك إياه ، ولا يحتمله عند الذاكر لو قدره ms018 : PageV01P075 ويكون حد ~~الاعتقاد الفاسد ما عنه ذكر حكمي لا يحتمل متعلقه النقيض عند الذاكر بتشكيك ~~مشكك لا بتقدير الذاكر إياه ، مع كونه غير مطابق لما في نفس الأمر . والظن ~~: ما عنه ذكر حكمي يحتمل متعلقه النقيض بتقديره مع كونه راجحا . والوهم : ~~ما عنه ذكر حكمي يحتمل متعلقه النقيض بتقديره مع كونه مرجوحا . والشك : ما ~~عنه ذكر حكمي يحتمل متعلقه النقيض مع تساوي طرفيه عند الذاكر . PageV01P076 ~~. ولما انتهى الكلام على العلم ، وكان الجهل ضدا له استطرد الكلام إلى ذكره ~~، وذكر ما يتنوع إليه ، فقال ( والاعتقاد الفاسد ) من حيث حقيقته ( تصور ~~الشيء على غير هيئته ، و ) من حيث تسميته ( هو الجهل المركب ) لأنه مركب من ~~عدم العلم بالشيء ، ومن الاعتقاد الذي هو غير مطابق لما في الخارج . والجهل ~~نوعان : مركب ، وهو ما تقدم ( و ) الثاني من نوعي الجهل هو ( البسيط ) وهو ~~( عدم العلم ) وهو انتفاء إدراك الشيء بالكلية . فمن سئل : هل تجوز الصلاة ~~بالتيمم عند عدم الماء ؟ فقال : لا ، كان ذلك جهلا مركبا من عدم العلم ~~بالحكم ، ومن الفتيا بالحكم الباطل ، وإن قال : لا أعلم ، كان ذلك جهلا ~~بسيطا ( ومنه ) أي ومن الجهل البسيط ( سهو ، وغفلة ، ونسيان ) والجميع ( ~~بمعنى ) واحد عند كثير من العلماء ( و ) ذلك المعنى ( هو ذهول القلب عن ~~معلوم ) PageV01P077 قال الجوهري : السهو الغفلة ، وقال في القاموس : سها ~~في الأمر : نسيه وغفل عنه ، وذهب قلبه إلى غيره ، فهو ساه وسهوان ، وقال : ~~غفل عنه غفولا : تركه وسها عنه ، اه . PageV01P078 # | ( فصل ) # لما كانت العلوم الضرورية والنظرية لا تدرك بدون العقل ، أخذ في الكلام ~~عليه ، فقال ( العقل : ما يحصل به الميز ) أي بين المعلومات ، قال في شرح ~~التحرير : قاله صاحب روضة الفقه من أصحابنا . وهو شامل لأكثر الأقوال ~~الآتية . PageV01P079 وعن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه ، أنه قال : ~~آلة التمييز والإدراك ( وهو غريزة ) ، نصا . قال في شرح التحرير : قال ~~الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه العقل غريزة ، وقاله الحارث المحاسبي ، ~~فقال : العقل غريزة ليس مكتسبا ، بل خلقه الله تعالى يفارق به الإنسان ~~البهيمة ms019 ، ويستعد به لقبول العلم ، وتدبير الصنائع الفكرية ، فكأنه نور ~~يقذف PageV01P080 في القلب كالعلم الضروري ، والصبا ونحوه حجاب له . قال ~~القاضي أبو يعلى : إنه غير مكتسب ، كالضروري ، وقال الحسن بن علي البربهاري ~~، من أئمة أصحابنا : ليس بجوهر ولا عرض ولا اكتساب ، وإنما هو فضل من الله ~~تعالى ، قال الشيخ تقي الدين : هذا يقتضي أنه القوة المدركة كما دل عليه ~~كلام أحمد ، لا الإدراك ( و ) هو أيضا ( بعض العلوم الضرورية ) عند أصحابنا ~~، والأكثر . قال في : شرح التحرير : وقد ذهب بعض أصحابنا والأكثر إلى أنه ~~بعض العلوم الضرورية . يستعد بها لفهم دقيق العلوم ، وتدبير الصنائع ~~الفكرية ، PageV01P081 وممن قال بذلك من غير أصحابنا : القاضي أبو بكر ~~الباقلاني ، وابن الصباغ ، وسليم الرازي . فخرجت العلوم الكسبية ؛ لأن ~~العاقل يتصف بكونه عاقلا ، مع انتفاء العلوم النظرية ، وإنما قالوا : بعض ~~العلوم الضرورية . لأنه لو كان جميعها لوجب أن يكون الفاقد للعلم بالمدركات ~~، لعدم الإدراك المعلق عليها : غير PageV01P082 عاقل . ( ومحله ) أي محل ~~العقل ( القلب ) عند أصحابنا والشافعية والأطباء . واستدلوا لذلك بقوله ~~تعالى ( { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب } ) أي عقل . فعبر بالقلب عن ~~العقل ، لأنه محله ، وبقوله تعالى ( { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب ~~يعقلون بها } ) وبقوله تعالى ( { لهم قلوب لا يفقهون بها } ) فجعل العقل في ~~القلب . وقد تقدم أنه PageV01P083 بعض العلوم الضرورية ، والعلوم الضرورية ~~: لا تكون إلا في القلب ( و ) مع هذا ( له اتصال بالدماغ ) قاله التميمي ~~وغيره من أصحابنا وغيرهم . قال في شرح التحرير : والمشهور عن أحمد : أنه في ~~الدماغ . وقاله الطوفي والحنفية . PageV01P084 وقيل : إن قلنا : جوهر ، ~~وإلا في القلب . ( ويختلف ) العقل ( كالمدرك به ) أي بالعقل ، لأنا نشاهد ~~قطعا آثار العقول في الآراء ، والحكم والحيل وغيرها متفاوتة ، وذلك يدل على ~~تفاوت العقول في نفسها . وأجمع العقلاء على صحة قول القائل : فلان أعقل من ~~فلان أو أكمل عقلا وذلك يدل على اختلاف ما يدرك به PageV01P085 ولحديث أبي ~~سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للنساء { أليس شهادة إحداكن مثل ~~شهادة نصف شهادة الرجل ؟ قلن ms020 : بلى . قال : فذلك من نقصان عقلها } وقال ابن ~~عقيل والأشاعرة والمعتزلة : العقل لا يختلف ، لأنه حجة عامة يرجع إليها ~~الناس عند اختلافهم ولو تفاوتت العقول ، لما كان كذلك . وقال الماوردي من ~~أصحاب الشافعي : إن العقل الغريزي PageV01P086 لا يختلف ، وإن التجربي ~~يختلف . وحمل الطوفي الخلاف على ذلك . و ( لا ) يختلف ما يدرك ( بالحواس . ~~PageV01P087 ولا ) يختلف أيضا ( الإحساس ) قال القاضي أبو يعلى : الإحساس ~~وما يدرك بالحواس لا يختلف بخلاف ما يدرك بالعقل . فإنه يختلف ما يدرك به . ~~وهو التمييز والفكر . [ فيقل في حق بعضهم ويكثر في حق بعض ] فلهذا يختلف ~~انتهى . قال الشيخ تقي الدين : [ وهذا ] يلزم منه أن العلم الحسي ليس من ~~العقل . قال : ولنا في المعرفة الإيمانية في القلب : هل تزيد وتنقص ؟ ~~روايتان . فإذا قيل : إن النظري لا يختلف . فالضروري أولى . وهذه المسألة ~~من جنس مسألة الإيمان ، وإن الأصوب : أن القوى التي هي الإحساس وسائر ~~العلوم والقوى تختلف اه . PageV01P088 # | ( فصل ) # ( الحد لغة ) أي في اللغة ( المنع ) ومنه سمي البواب حدادا ، لأنه يمنع ~~من يدخل الدار ، والحدود حدودا ، لأنها تمنع من العود إلى المعصية ، وإحداد ~~المرأة في عدتها ، لأنها تمنع من الطيب والزينة ، وسمي التعريف حدا لمنعه ~~الداخل من الخروج ، والخارج من الدخول . ( و ) الحد ( اصطلاحا ) أي في ~~الاصطلاح ( الوصف المحيط بموصوفه ) وفي التحرير : المحيط بمعناه ، أي بمعنى ~~المحدود ، فكأنه قال : حد الشيء الوصف المحيط بمعناه ( المميز له ) أي ~~للمحدود ( عن غيره ) وكلا اللفظين ، بمعنى واحد . لكن ما قلناه أوضح . وما ~~في التحرير حكاه عن العسقلاني شارح الطوفي . PageV01P089 وقال الغزالي . ~~قيل : حد الشيء نفسه وذاته . وقيل : هو اللفظ المفسر لمعناه على وجه يجمع ~~ويمنع انتهى . وقيل : هو شرح ما دل عليه اللفظ بطريق الإجمال . وقدم في ~~نهاية المبتدئين : أنه قول يكشف حقيقة المحدود وذكر فيه ثمانية أقوال ( وهو ~~) أي الحد ( أصل كل علم ) قال الفخر إسماعيل أبو محمد البغدادي من أصحابنا ~~: الحد على الحقيقة أصل كل علم فمن لا PageV01P090 يحيط به علما لا نفع له ~~بما عنده وقاله أيضا غيره . وهو ms021 صحيح . ( وشرطه ) أي شرط الحد الصحيح ( أن ~~يكون مطردا وهو ) أي والمطرد هو ( المانع ) والمانع هو الذي ( كلما وجد ) ~~الحد ( وجد المحدود ) وأن يكون أيضا ( منعكسا وهو ) أي المنعكس هو ( الجامع ~~) الذي ( كلما وجد المحدود وجد ) الحد فإنه عكس الاطراد الذي هو كلما وجد ~~الحد وجد المحدود ( ويلزم ) من ذلك ( أنه كلما انتفى الحد انتفى المحدود ) ~~قال في شرح التحرير : وفسره ابن الحاجب وغيره بلازمه . فقال : المنعكس كلما ~~انتفى الحد انتفى المحدود . والتحقيق الأول ، وكون المانع تفسيرا للمطرد ، ~~والجامع تفسيرا للمنعكس : هو الصحيح الذي عليه الأكثر . وعكس القرافي وأبو ~~علي التميمي في التذكرة في أصول PageV01P091 الدين ، والطوفي في شرحه . ~~فقالوا : كونه مطردا هو الجامع . وكونه منعكسا هو المانع . ويجب مساواة ~~الحد للمحدود ، لأنه إن كان أعم فلا دلالة له على الأخص ولا يفيد التمييز . ~~وإن كان أخص فلأنه أخفى . لأنه أقل وجودا منه ، ويجب أيضا أن لا يكون في ~~لفظه مجاز ولا مشترك ، لأن الحد مميز للمحدود ، ولا يحصل الميز مع واحد ~~منهما . ( وهو ) أي : الحد خمسة أقسام . الأول ( حقيقي تام ) وهو الأصل . ~~وإنما يكون حقيقا تاما ( إن PageV01P092 أنبأ عن ذاتيات المحدود الكلية ~~المركبة ) كقولك ما الإنسان ؟ فيقال : حيوان ناطق ( ولذا ) أي ولهذا القسم ~~( حد واحد ) لأن ذات الشيء لا يكون لها حدان . فإن قيل : جميع ذاتيات الشيء ~~عين الشيء ، والشيء لا يفسر نفسه ؟ فالجواب : إن دلالة المحدود : من حيث ~~الإجمال ، ودلالة الحد : من حيث PageV01P093 التفصيل . فليس عينه من كل وجه ~~. فصح تعريفه به ؛ ولذلك لم يجعل اللفظان مترادفين إلا إذا كان الحد لفظيا ~~على ما يأتي : ( و ) القسم الثاني : حقيقي ( ناقص ) وله صورتان ، أشير إلى ~~الأولى منهما بقوله ( إن كان بفصل قريب فقط ) كقولنا : ما الإنسان ؟ فيقال ~~: الناطق وأشير إلى الصورة الثانية بقوله ( أو مع جنس بعيد ) أي إن كان ~~الحد بفصل قريب مع جنس بعيد ، كقولنا : ما الإنسان ؟ فيقال : جسم ناطق . ~~فالجنس البعيد : هو الجسم . والفصل القريب هو الناطق . PageV01P094 ( و ) ~~القسم الثالث ( رسمي ) أي ليس بحقيقي ، وهو ( تام ms022 إن كان بخاصة مع جنس قريب ~~) كقولنا : ما الإنسان ؟ فيقال : حيوان ضاحك . فالجنس القريب : هو الحيوان ~~، والخاصة : هو الضاحك . ( و ) القسم الرابع : رسمي ( ناقص ) وله صورتان ، ~~أشير إلى الأولى منهما بقوله ( إن كان بها ) أي بالخاصة ( فقط ) كالإنسان ~~ضاحك . وأشير إلى الصورة الثانية من الرسمي الناقص بقوله ( أو مع جنس بعيد ~~) : أي إن كان الحد بالخاصة مع جنس بعيد . كالإنسان جسم ضاحك . ( و ) القسم ~~الخامس من أقسام الحد ( لفظي ، إن كان ) الحد ( ب ) لفظ ( مرادف أظهر ) أي ~~هو أشهر عند السائل من المسئول عنه . كما لو قال قائل : ما الخندريس ؟ ~~فيقال له : هو الخمر ، ونحو ذلك . ( ويرد عليه ) : أي على الحد في فن الجدل ~~( النقض والمعارضة ) قال في شرح التحرير : عند الأكثر . قال القرافي في شرح ~~التنقيح ، فإن قلت : إذا لم يطالب على صحة الحد بالدليل ونحن نعتقد بطلانه ~~فكيف الحيلة في ذلك ؟ قلت : الطريق في ذلك أمران : PageV01P095 أحدهما : ~~النقض كما لو قال : الإنسان عبارة عن الحيوان . فيقال : [ له ] ينتقض عليك ~~بالفرس . فإنه حيوان مع أنه ليس بإنسان وثانيهما : المعارضة : كما لو قال : ~~الغاصب من الغاصب يضمن ، لأنه غاصب ، أو ولد المغصوب مضمون ، لأنه مغصوب ، ~~لأن حد الغاصب : من وضع يده بغير حق . وهذا وضع يده بغير حق ، فيكون غاصبا ~~. فيقول الخصم : أعارض هذا الحد بحد آخر ، وهو أن حد الغاصب : من رفع اليد ~~المحقة ووضع اليد المبطلة . وهذا لم يرفع اليد المحقة ، فلا يكون غاصبا ( ~~لا المنع ) يعني أنه لا يرد المنع على الحد . قال في التحرير : في الأصح . ~~ثم قال في الشرح : وما قيل بالجواز فخطأ ، لعدم الفائدة غالبا . ولهذا لا ~~يجوز منع النقل لتكذيب الناقل ، ولأنه لا يمكن إثباته إلا بالبرهان ، وهما ~~مقدمتان . فطالب الحد يطلب تصور كل مفرد . فإذا أتى المسئول بحده ومنع ، ~~احتاج في إثباته إلى مثل الأول ، وتسلسل ، ثم للجدل اصطلاح يجب الرجوع إلى ~~أربابه . PageV01P096 # | ( فصل ) في اللغة # ، وأصلها : لغوة على وزن فعلة . من لغوت إذا تكلمت . وهي توقيف ووحي ، لا ~~اصطلاح وتواطؤ على ms023 الأشهر . وذلك لما روى وكيع في تفسيره بسنده إلى ابن ~~عباس في قوله سبحانه وتعالى ( { وعلم آدم الأسماء كلها } ) قال ' علمه اسم ~~كل شيء . حتى علمه القصعة والقصيعة ، والفسوة والفسية ' ولما روى ابن جرير ~~في تفسيره من PageV01P097 طريق الضحاك إلى ابن عباس في قوله تعالى ( { وعلم ~~آدم الأسماء كلها } ) قال ' هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس الآن نحو ~~: إنسان ، دابة ، أرض ، سهل ، بحر ، جبل ، حمار . وأشباه ذلك من الأسماء ~~وغيرها ' . ثم إن ألفاظ اللغة تنقسم إلى متواردة ، وإلى مترادفة . ~~فالمتواردة : كما تسمى الخمر عقارا . تسمى صهباء وقهوة ، والسبع : ليثا ، ~~وأسدا وضرغاما . والمترادفة : هي التي يقام لفظ مقام لفظ ، لمعان متقاربة ، ~~يجمعها معنى واحد ، كما يقال : أصلح الفاسد . ولم الشعث ، ورتق الفتق ، ~~وشعب الصدع . وهذا يحتاج إليه البليغ في بلاغته . فبحسن الألفاظ واختلافها ~~PageV01P098 على المعنى الواحد ترصع المعاني في القلوب ، وتلتصق بالصدور ، ~~وتزيد حسنه وحلاوته بضرب الأمثلة والتشبيهات المجازية . ثم تنقسم الألفاظ ~~أيضا إلى مشتركة ، وإلى عامة مطلقة ، وتسمى مستغرقة وإلى ما هو مفرد بإزاء ~~مفرد . وسيأتي بيان ذلك . والداعي إلى ذكر اللغة هاهنا : لكونها من الأمور ~~المستمد منها هذا العلم ، وذلك أنه لما كان الاستدلال من الكتاب والسنة ، ~~اللذين هما أصل الإجماع والقياس ، وكانا أفصح الكلام العربي : احتيج إلى ~~معرفة لغة العرب ، لتوقف الاستدلال منهما عليها . فإن قيل : من سبق نبينا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم من الأنبياء والمرسلين ، إنما كان مبعوثا لقومه ~~خاصة فهو مبعوث بلسانهم ، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم مبعوث لجميع ~~الخلق . فلم لم يبعث بجميع الألسنة ، ولم يبعث إلا بلسان بعضهم ، وهم العرب ~~؟ فالجواب : أنه لو بعث بلسان جميعهم ، لكان كلامه خارجا عن المعهود ، ~~ويبعد بل يستحيل - أن ترد كل كلمة من القرآن مكررة بكل الألسنة . فيتعين ~~البعض . وكان لسان العرب أحق ، لأنه أوسع وأفصح ، ولأنه لسان المخاطبين ، ~~وإن كان الحكم عليهم وعلى غيرهم . PageV01P099 ولما خلق الله تعالى النوع ~~الإنساني ، وجعله محتاجا لأمور لا يستقل بها ، بل يحتاج فيها إلى المعاونة ~~: كان لا بد ms024 للمعاون من الاطلاع على ما في نفس المحتاج بشيء يدل عليه : من ~~لفظ ، أو إشارة ، أو كتابة أو مثال أو نحوه . إذا تقرر هذا ف ( اللغة ) في ~~الدلالة على ذلك ( أفيد ) أي أكثر فائدة ( من غيرها ) لأن اللفظ يقع على ~~المعدوم والموجود ، والحاضر الحسي والمعنوي ( وأيسر لخفتها ) لأن الحروف ~~كيفيات تعرض للنفس الضروري ، فلا يتكلف لها ما يتكلف لغيرها ( وسببها ) أي ~~سبب وضعها ( حاجة الناس ) إليها . قال إلكيا الهراسي : إن الإنسان لما لم ~~يكن مكتفيا بنفسه في مهماته ومقيمات معاشه : لم يكن له بد من أن يسترفد ~~المعاونة من غيره ولهذا المعنى اتخذ الناس المدن ليجتمعوا ويتعاونوا ' اه . ~~PageV01P100 قال : بعضهم : ولهذا المعنى توزعت الصنائع وانقسمت الحرف على ~~الخلق . فكل واحد قصر وقته على حرفة يستقل بها ، لأن كل واحد من الخلق لا ~~يمكنه أن يقوم بجملة مقاصده . فحينئذ لا يخلو من أن يكون محل حاجته حاضرة ~~عنده أو غائبة بعيدة عنه فإن كانت حاضرة أشار إليها ، وإن كانت غائبة ، فلا ~~بد له من أن يدل بشيء على محل حاجته . فوضعوا الكلام دلالة ، ووجدوا اللسان ~~أسرع الأعضاء حركة وقبولا للترداد ، وكان الكلام إنما يدل بالصوت . وكان ~~الصوت إن ترك سدى ، امتد وطال ، وإن قطع تقطع ، قطعوه وجزءوه على حركات ~~أعضاء الإنسان التي يخرج منها الصوت ، وهي من أقصى الرئة إلى منتهى الفم . ~~فوجدوه تسعة وعشرين حرفا ، قسموها على الحلق والصدر ، والشفة واللثة ، ثم ~~لما رأوا أن الكفاية لا تقع بهذه الحروف ركبوا منها ثنائيا وثلاثيا ورباعيا ~~وخماسيا واستثقلوا ما زاد على ذلك . PageV01P101 وقال الماوردي : وإنما كان ~~نوع الإنسان أكثر حاجة من جميع الحيوانات لأن غيره قد يستقل بنفسه عن جنسه ~~أما الإنسان : فمطبوع على الافتقار إلى جنسه في الاستعانة ، فهو صفة لازمة ~~لطبعه وخلقه ، قائمة في جوهره . وقال ابن مفلح وغيره : سبب وجودها . حاجة ~~الناس ليعرف بعضهم مراد بعض للتساعد والتعاضد بما لا مؤنة فيه لخفتها ، ~~وكثرة فائدتها ، ولا محذور . وهذا من نعم الله تعالى على عباده . فمن تمام ~~نعمه علينا ms025 : أن جعل ذلك بالنطق دون غيره ( وهي ) أي وحقيقة اللغة ( ألفاظ ~~وضعت لمعان ) يعبر بها كل قوم عن أغراضهم ، فلا يدخل المهمل ؛ لأنه لم يوضع ~~لمعنى ( فما الحاجة إليه ) أي فالمعنى الذي يحتاج الإنسان إلى الاطلاع عليه ~~من نفسه دائما ، كطلب ما يدفع به عن نفسه من ألم جوع ، أو عطش ، أو حر ، أو ~~برد ( والظاهر : أو كثرت ) حاجته إليه . كالمعاملات ( لم تخل من ) وضع ( ~~لفظ له ، ويجوز خلوها من لفظ لعكسهما ) وهما ما لا يحتاج إليه ألبتة ، أو ~~تقل الحاجة إليه . PageV01P102 قال ابن حمدان في مقنعه : ما احتاج الناس ~~إليه لم تخل اللغة من لفظ يفيده ، وما لم يحتاجوا إليه يجوز خلوها عما يدل ~~عليه ، وما دعت الحاجة إليه غالبا . فالظاهر عدم خلوها عنه ، وعكسه بعكسه ~~انتهى . قال في شرح التحرير : وحاصله : أن معنا أربعة أقسام . أحدها : ما ~~احتاجه الناس واضطروا إليه . فلا بد لهم من وضعه . الثاني : عكسه ، ما لا ~~يحتاج إليه ألبتة ، يجوز خلوها عنه ، وخلوها - والله أعلم - أكثر . الثالث ~~: ما كثرت الحاجة إليه ، الظاهر عدم خلوها ، بل هو كالمقطوع به . الرابع : ~~عكسه ، ما قلت الحاجة إليه ، يجوز خلوها عنه ، وليس بممتنع . ( والصوت ) ~~الحاصل عند اصطكاك الأجرام ( عرض مسموع ) وسببه انضغاط الهواء بين الجرمين ~~، فيتموج تموجا شديدا ، فيخرج فيقرع صماخ الأذن فتدركه قوة السمع ، ~~PageV01P103 فصوت المتكلم : عرض حاصل عن اصطكاك أجرام الفم ، وهي مخارج ~~الحروف ودفع النفس للهواء ، متكيفا بصورة كلام المتكلم إلى أذن السامع ~~وقولهم ' الصوت ' عرض ، يتناول جميع الأعراض ، وقولهم ' مسموع ' خرج جميعها ~~، إلا ما يدرك بالسمع . ( قلت : بل ) الأخلص في العبارة أن يقال : الصوت ( ~~صفة مسموعة . والله أعلم ) . قال في شرح التحرير : وإنما بدأنا بالصوت ؛ ~~لأنه الجنس الأعلى للكلام الذي نحن بصدد الكلام عليه . ( واللفظ ) في اللغة ~~: الرمي ، وفي الاصطلاح ( صوت معتمد على بعض مخارج الحروف ) لأن الصوت ~~لخروجه من الفم صار كالجوهر المرمي منه . فهو ملفوظ . فأطلق اللفظ عليه من ~~باب تسمية المفعول باسم المصدر ، كقولهم : نسج اليمين : أي منسوجه . ~~PageV01P104 إذا تقرر هذا ms026 ، فاللفظ الاصطلاحي : نوع للصوت ، لأنه صوت مخصوص ~~. ولهذا أخذ الصوت في حد اللفظ ، وإنما يؤخذ في حد الشيء جنس ذلك الشيء . ( ~~والقول ) في اللغة مجرد النطق ، وفي الاصطلاح ( لفظ وضع لمعنى ذهني ) لما ~~كان اللفظ أعم من القول لشموله المهمل ، والمستعمل أخرج المهمل بقوله ' وضع ~~لمعنى ' واختلف العلماء في قوله ' وضع لمعنى ' على ثلاثة أقوال . أحدها : ~~ما في المتن ، وهو المعنى الذهني ، وهو ما يتصوره العقل ، سواء طابق ما في ~~الخارج أو لا ، لدوران الألفاظ مع المعاني الذهنية وجودا وعدما . وهذا ~~القول اختاره الرازي وأتباعه ، وابن حمدان ، وابن قاضي الجبل من أصحابنا . ~~PageV01P105 والقول الثاني : أنه وضع للمعنى الخارجي ، أي الموجود في ~~الخارج . وبه قطع أبو إسحاق الشيرازي . والقول الثالث : أنه وضع للمعنى من ~~حيث هو من غير ملاحظة كونه في الذهن ، أو في الخارج . واختاره السبكي ~~الكبير ، ومحل الخلاف في الاسم النكرة . PageV01P106 ( والوضع ) نوعان . ~~وضع ( خاص ، وهو جعل اللفظ دليلا على المعنى ) الموضوع له ، أي جعل اللفظ ~~متهيئا لأن يفيد ذلك المعنى عند استعمال المتكلم له على وجه مخصوص . وقولنا ~~( ولو مجازا ) ليشمل المنقول من شرعي وعرفي . قال في شرح التحرير : وهذا هو ~~الصحيح . ( و ) نوع ( عام ، وهو تخصيص شيء بشيء يدل عليه . كالمقادير ) أي ~~كجعل المقادير دالة على مقدراتها من مكيل وموزون ومعدود ومزروع وغيرها . ~~وفي كلا النوعين الوضع : أمر متعلق بالواضع ( والاستعمال إطلاق اللفظ ~~وإرادة المعنى ) أي إرادة مسمى اللفظ بالحكم ، وهو الحقيقة ، أو غير مسماه ~~لعلاقة بينهما ، وهو المجاز ، وهو من صفات المتكلم PageV01P107 ( والحمل : ~~اعتقاد السامع مراد المتكلم من لفظه ) أو ما اشتمل على مراده . فالمراد : ~~كاعتقاد الحنبلي والحنفي : أن الله تعالى أراد بلفظ القرء : الحيض ، ~~والمالكي والشافعي : أن الله تعالى أراد به : الطهر . وهذا من صفات السامع ~~. فالوضع سابق ، والحمل لاحق ، والاستعمال متوسط . ( وهي ) أي اللغة نوعان ~~( مفرد ، كزيد ، ومركب ، كعبد الله ) أما المفرد فلا نزاع في وضع العرب له ~~، وأما المركب ، فالصحيح : أنه من اللغة . وعليه الأكثر ، وأن المركب مرادف ~~للمؤلف ، لترادف التركيب والتأليف . ثم ms027 اعلم أن المفرد في اصطلاح النحاة : ~~هو الكلمة الواحدة ، كما مثلنا في المتن ، وعند المناطقة والأصوليين : لفظ ~~وضع لمعنى ، ولا جزء لذلك اللفظ يدل على جزء المعنى الموضوع له . فشمل ذلك ~~أربعة أقسام . الأول : ما لا جزء له ألبتة ، كباء الجر PageV01P108 . ~~الثاني : ما له جزء ، ولكن لا يدل مطلقا ، كالزاي من زيد . الثالث : ما له ~~جزء يدل ، لكن لا على جزء المعنى . كإن من حروف إنسان . فإنها لا تدل على ~~بعض الإنسان ، وإن كانت بانفرادها تدل على الشرط أو النفي . الرابع : ما له ~~جزء يدل على جزء المعنى ، لكن في غير ذلك الوضع كقولنا : حيوان ناطق ، علما ~~على شخص . واعلم أيضا : أن المركب عند النحاة : ما كان أكثر من كلمة ، فشمل ~~التركيب المزجي ، كبعلبك ، وسيبويه ، وخمسة عشر ، ونحوها ، والمضاف ، ولو ~~علما ، كما مثلنا في المتن . وعند المناطقة والأصوليين : ما دل جزؤه على ~~جزء معناه الذي وضع له ، فشمل الإسنادي ، كقام زيد ، والإضافي : كغلام زيد ~~، والتقييدي ، كزيد العالم . وأما نحو ' يضرب ' فمفرد على مذهب النحاة ، ~~ومركب على مذهب المناطقة والأصوليين ؛ لأن الياء منه تدل على جزء معناه ، ~~وهو المضارعة . ( والمفرد ) من حيث هو قسمان PageV01P109 قسم ( مهمل ) ~~كأسماء حروف الهجاء ؛ لأن مدلولاتها هي عينها . فإن مدلول الألف : ' أ ' ~~ومدلول الباء ' ب ' . وهكذا إلى آخرها . وهذه المدلولات لم توضع بإزاء شيء ~~. قال ابن العراقي وغيره : ألا ترى أن الصاد موضوع لهذا الحرف ، وهو مهمل ، ~~لا معنى له ، وإنما يتعلمه الصغار في الابتداء للتوصل به إلى معرفة غيره ( ~~و ) قسم ( مستعمل ) . إذا تقرر هذا ( ف ) المفرد المستعمل ( إن استقل ~~بمعناه . فإن دل بهيئته على زمن ) من الأزمنة ( الثلاثة ) وهي الماضي ~~والحال والاستقبال ( ف ) هو ( الفعل ) PageV01P110 ( هو ) أي الفعل ثلاثة ~~أنواع . أحدها ( ماض ) كقام ونحوه ( ويعرض له الاستقبال بالشرط ) نحو إن ~~قام زيد قمت . فأصل وضعه للماضي . وقد يخرج عن أصله لما يعرض له ( و ) ~~النوع الثاني ( مضارع ) كيقوم ونحوه ( ويعرض له المضي بلم ) نحو لم يقم زيد ~~. فأصل وضعه للحال والاستقبال . وقد يخرج عن ms028 أصله لما يعرض له ، وللعلماء ~~فيما وضع له المضارع مذاهب خمسة . المشهور منها : أنه مشترك بين الحال ~~والاستقبال . قال ابن مالك : إلا أن الحال يترجح عند التجرد . الثاني : أنه ~~حقيقة في الحال ، مجاز في الاستقبال . الثالث : أنه حقيقة في الاستقبال ، ~~مجاز في الحال . الرابع : أنه حقيقة في الحال ، ولا يستعمل في الاستقبال ~~أصلا ، لا حقيقة ولا مجازا . PageV01P111 الخامس : أنه حقيقة في الاستقبال ~~، ولا يستعمل في الحال أصلا ، لا حقيقة . ولا مجازا . وأما استعماله فيما ~~يعرض له ، فمجاز وفاقا ( وأمر ) أي والنوع الثالث من الأفعال : فعل الأمر ~~كقم . ( وتجرده ) أي تجرد الفعل ( عن الزمان ) أي عن أحد الأزمنة الثلاثة ( ~~للإنشاء ) كزوجت وقبلت ( عارض ) بوضع العرف ( وقد يلزمه ) أي يلزم الفعل ~~التجرد عن الزمان ( كعسى ) فإنه وضع أولا للماضي ، ولم يستعمل فيه قط ، بل ~~في الإنشاء . قال القاضي عضد الدين : وكذا ' حبذا ' فإنه لا معنى لها في ~~الأزمنة ( وقد ) يتجرد الفعل عن الزمان و ( لا ) يلزمه التجرد ( كنعم ) ~~وبئس ، فإنهما تارة يستعملان على أصلهما ، كنعم زيد أمس ، وبئس زيد أمس . ~~وتارة يستعملان لا بنظر إلى زمان ، بل لقصد المدح أو الذم مطلقا كنعم زيد ، ~~وبئس زيد . ( وإلا ) أي وإن لم يدل المفرد المستعمل بمعناه بهيئته على أحد ~~الأزمنة ( ف ) هو ( الاسم ) PageV01P112 فصبوح ، وغبوق . وأمس ، وغد : ~~وضارب أمس ، وضارب اليوم ، ونحو ذلك : يدل بنفسه على الزمان ، لكن لم يدل ~~وضعا ، بل لعارض . كاللفظ بالاسم ومدلوله . فإنه لازم كالمكان ، ونحو : صه ~~، دل على ' اسكت ' وبواسطته على سكوت مقترن بالاستقبال ، والمضارع إن قيل : ~~مشترك بين الحال والاستقبال فوضعه لأحدهما ، واللبس عند السامع . ( وإن لم ~~يستقل ) اللفظ المفرد بمعناه ، كعن ولن ( ف ) هو ( الحرف ) . والصحيح أنه ~~يحد ( وهو ما دل على معنى في غيره ) ليخرج الاسم والفعل . وقيل : لا يحتاج ~~إلى حد ، لأن ترك العلامة له علامة ورد بأن الحد لتعريف حقيقة المحدود ، ~~ولا تعرف حقيقة بترك تعريفها . ( و ) أما ( المركب ) من حيث هو أيضا : ~~فقسمان ، PageV01P113 قسم ( مهمل ) وهو ( موجود ) في اختيار البيضاوي ~~والتاج السبكي . ومثلاه ms029 بالهذيان . فإنه لفظ مدلوله لفظ مركب مهمل . وقال ~~الرازي : والأشبه أنه غير موجود ، لأن الغرض من التركيب الإفادة . وهذا ~~إنما يدل على أن المهمل غير موضوع ، لا على PageV01P114 أنه لم يوضع له اسم ~~، واتفقوا على أن المهمل ( لم تضعه العرب ) قطعا . ( و ) القسم الثاني ( ~~مستعمل وضعته ) العرب خلافا للرازي ، وابن مالك وجمع ، ويدل على صحة وضعه : ~~أن له قوانين في العربية لا يجوز تغييرها ، ومتى غيرت حكم عليها بأنها ليست ~~عربية ، كتقديم المضاف إليه على المضاف ، وإن كان مقدما في غير لغة العرب . ~~وكتقديم الصلة أو معمولها على الموصول ، وغير ذلك مما لا ينحصر فحجروا في ~~التركيب . كما في المفردات . قال القرافي : وهو الصحيح ، وعزاه غيره إلى ~~الجمهور . والقول الثاني : أن العرب لم تضع المركب ، بدليل أن من يعرف ~~لفظين لا يفتقر عند سماعهما مع إسناد إلى معرف لمعنى الإسناد ، بل يدركه ~~ضرورة [ و ] لأنه لو كان المركب موضوعا لافتقر كل مركب إلى سماع من العرب . ~~كالمفردات . PageV01P115 قال البرماوي : والتحقيق أن يقال : إن أريد أنواع ~~المركبات فالحق أنها موضوعة أو جزئيات النوع فالحق المنع ، وينبغي أن ينزل ~~المذهبان على ذلك . قال في شرح التحرير : ومما يتفرع على الخلاف ما سيأتي ~~أن المجاز هل يكون في التركيب ؟ وأن العلاقة هل تشترط في آحاده ؟ ونحو ذلك ~~( وهو ) أي المركب الذي وضعته العرب نوعان . أحدهما ( غير جملة ، كمثنى ) ~~لأنه مركب من مفرده ومن علامة التثنية ( وجمع ) لتركبه من المفرد وعلامة ~~الجمع . PageV01P116 ( و ) النوع الثاني ( جملة ، وتنقسم ) الجملة ( إلى ما ~~) أي إلى لفظ ( وضع لإفادة نسبة . وهو ) أي واللفظ الذي وضع لإفادة نسبة هو ~~( الكلام ) لا غيره ( ولا يتألف ) الكلام ( إلا من اسمين ) نحو زيد قائم ( ~~أو ) من ( اسم وفعل ) نحو قام زيد ؛ لأن الكلام يتضمن الإسناد ، وهو يقتضي ~~مسندا ومسندا إليه . ولما كان الاسم يصح أن يسند وأن يسند إليه صح تأليف ~~الكلام من جنس الاسم فقط . ولما كان الفعل يصلح أن يسند ، ولا يصلح أن يسند ~~إليه : صح تأليف الكلام منه ، إذا ms030 كان مع اسم لا بدونه ، بشرط أن يكون ~~المسند والمسند إليه ( من ) متكلم ( واحد ) قاله الباقلاني والغزالي وابن ~~مفلح وغيرهم . وقال جمع : يجوز أن يكون من متكلمين فأكثر ، بأن يتفقا على ~~أن يذكر أحدهما الفعل والآخر الفاعل ، أو أحدهما المبتدأ ، والآخر الخبر ، ~~PageV01P117 ورد بأن الكلام لا بد له من إسناد ، وهو لا يكون إلا من واحد . ~~فإن وجد من كل واحد منهما إسناد بالإرادة ، فكل واحد منهما متكلم بكلام ~~مركب ، ولكن حذف بعضه لدلالة الآخر عليه . فلم يوجد كلام من متكلمين ، بل ~~كلامان من اثنين . انتهى . قال في شرح التحرير : وهو التحقيق ، ثم قال : ~~وذكر أصحابنا فرعا مترتبا على ذلك . وهو ما إذا قال رجل : امرأة فلان طالق ~~. فقال الزوج : ثلاثا . قال الشيخ تقي الدين : هي تشبه ما لو قال : لي عليك ~~ألف ، فقال : صحاح . وفيها وجهان . قال : وهذا أصل في الكلام من اثنين ، إن ~~أتى الثاني بالصفة ونحوها : هل يكون متمما للأول ، أم لا ؟ انتهى . ( ~~وحيوان PageV01P118 ناطق ، وكاتب ، في زيد كاتب ، لم يفد نسبة ) قال في شرح ~~التحرير : هذا جواب عن سؤال مقدر ، تقديره : أن الحد المذكور للجملة غير ~~مطرد ضرورة صدقه على المركب التقييدي ، وعلى نحو ' كاتب ' في قولك : زيد ~~كاتب ، والمراد بالمركب التقييدي : المركب من اسمين ، أو من اسم وفعل ، ~~بحيث يكون الثاني قيدا في الأول ، ويقوم مقامهما لفظ مفرد ، مثل حيوان ناطق ~~، والذي يكتب . فإنه يقوم مقام الأول : الإنسان ، ومقام الثاني : الكاتب ، ~~وإنما قلنا : الحد يصدق عليهما ؛ لأن الأول لفظ وضع لإفادة نسبة تقييدية ، ~~والثاني : وضع لإفادة نسبة اسم الفاعل إلى الضمير الذي هو فاعله . والجواب ~~عن السؤال المقدر أن يقال : لا نسلم أن الحد يصدق عليهما ، لأن المراد ~~بإفادة النسبة : إفادة نسبة يحسن السكوت عليها ، وهما لم يوضعا لإفادة نسبة ~~كذلك ، انتهى . ولما تقدم أن الجملة تنقسم إلى ما وضع لإفادة نسبة ، وإلى ~~غير ما وضع لإفادة نسبة ، وانتهى الكلام على الأول . شرع في الكلام على ~~الثاني ، فقال : PageV01P119 ( وإلى غير ) أي غير ما وضع لإفادة ms031 نسبة . ~~وذكر مثاله بقوله ( كجملة الشرط ) بدون جزاء ( أو ) جملة ( الجزاء ) بدون ~~شرط ( ونحوهما ) أي ونحو ذلك فيندرج فيه المركبات التقييدية وكاتب في ' زيد ~~كاتب ' و ' غلام زيد ' ونحو ذلك ( ويراد بمفرد ) في بعض إطلاقاته ( مقابلها ~~و ) يراد به في بعض ( مقابل مثنى وجمع ، و ) يراد به في بعض ( مقابل مركب ) ~~فيقال : مفرد وجملة ، ومفرد ومثنى ومجموع ، ومفرد ومركب ، ويكون إطلاقه في ~~الصور الثلاث إطلاقا متعارفا ( و ) يراد ( بكلمة : الكلام ) في الكتاب ~~والسنة ، وكلام العرب . قال سبحانه وتعالى ( { قال رب ارجعون لعلي أعمل ~~صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها } ) فسمى ذلك كله كلمة ، ~~PageV01P120 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أصدق كلمة قالها الشاعر ~~: كلمة لبيد ألا كل شيء ما خلا الله باطل } فسمى ذلك كله كلمة ، وهو مجاز ~~مهمل في عرف النحاة ، فقيل : هو من تسمية الشيء باسم بعضه ، وقيل : لما ~~ارتبطت أجزاء الكلام بعضها ببعض ، حصل له بذلك وحده ، فشابه به الكلمة . ~~فأطلق عليه كلمة ( و ) يراد به ، أي بالكلام ( الكلمة ) عكس ما قبله ، ~~فيقال : تكلم بكلام ، ومرادهم ' بكلمة ' قال سيبويه في قولهم : من أنت زيد ~~، معناه : من أنت كلامك زيد PageV01P121 ( و ) يراد بالكلام أيضا ( الكلم ~~الذي لم يفد ) ومنه حديث البراء رضي الله تعالى عنه { أمرنا بالسكوت ، ~~ونهينا عن الكلام } فيشمل الكلمة الواحدة ، والكلم الذي لم يفد ، والحالف ~~أن لا يتكلم يحنث بمطلق اللفظ ( وتناول الكلام والقول عند الإطلاق للفظ ~~والمعنى جميعا ، كالإنسان ) أي كتناول لفظ الإنسان ( للروح والبدن ) . قال ~~الشيخ تقي الدين : عند السلف والفقهاء ، والأكثر . وقال كثير من أهل الكلام ~~: مسمى الكلام هو اللفظ ، وأما المعنى : فليس جزأه ، بل مدلوله ، وقاله ~~النحاة : لتعلق صناعتهم باللفظ فقط . PageV01P122 وعكس عبد الله بن كلاب ~~وأتباعه ذلك ، فقالوا : مسمى الكلام المعنى فقط ، وقال بعض أصحاب ابن كلاب ~~: الكلام مشترك بين اللفظ والمعنى ، فيسمى اللفظ كلاما حقيقة ، ويسمى ~~المعنى كلاما حقيقة ، وروي عن الأشعري وبعض الكلابية : أن الكلام حقيقة في ~~لفظ الآدميين ، لأن حروف الآدميين تقوم بهم ، مجاز ms032 في كلام الله سبحانه ~~وتعالى ، لأن الكلام العربي عندهم لا يقوم به تعالى . وقال الشيخ تقي الدين ~~: اتفق المسلمون على أن القرآن كلام الله تعالى ، فإن كان كلامه هو المعنى ~~فقط . والنظم العربي الذي يدل PageV01P123 على المعنى ليس كلام الله تعالى ~~كان مخلوقا ، خلقه الله تعالى في غيره ، فيكون كلاما لذلك الغير ، لأن ~~الكلام إذا خلق في محل كان كلاما لذلك المحل ، فيكون الكلام العربي ليس ~~كلام الله تعالى ، بل كلام غيره . ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام : ~~أن الكلام العربي الذي بلغه محمد صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى أعلم ~~أمته أنه كلام الله تعالى ، لا كلام غيره . اه . PageV01P124 # | ( فصل ) # ( الدلالة ) بفتح الدال - على الأفصح - مصدر دل يدل دلالة ( وهي ) أي ~~الدلالة المرادة هنا ( ما ) يعني التي ( يلزم من فهم شيء ) أي شيء كان ( ~~فهم ) شيء ( آخر ) يعني كون الشيء يلزم من فهمه فهم شيء آخر . فالشيء الأول ~~: هو الدال ، والشيء الثاني : هو المدلول . ( وهي ) أي الدلالة المطلقة ~~ثلاثة أنواع . الأول : ما دلالته ( وضعية ) كدلالة الأقدار على مقدوراتها ، ~~ومنه دلالة السبب على المسبب ، كالدلوك على وجوب الصلاة ، وكدلالة المشروط ~~على وجود الشرط ، كالصلاة على الطهارة ، وإلا لما صحت ( و ) النوع الثاني : ~~ما دلالته ( عقلية ) كدلالة الأثر على المؤثر ، ومنه دلالة العالم على ~~موجده ، وهو الله سبحانه وتعالى PageV01P125 ( و ) النوع الثالث : ما ~~دلالته ( لفظية ) أي مستندة إلى وجود اللفظ . ( و ) هذه ( اللفظية ) ثلاثة ~~أقسام : ( طبيعية ) كدلالة : أح ، أح على وجع الصدر ( و ) القسم الثاني ( ~~عقلية ) كدلالة الصوت على حياة صاحبه . ( و ) القسم الثالث ( وضعية ، وهذه ~~) الدلالة الوضعية التي هي أحد أقسام اللفظية ( كون اللفظ إذا أطلق فهم ) ~~من إطلاقه ( ما وضع له ، وهي ) أي ودلالة اللفظ الوضعية ( على مسماه ) أي ~~مسمى ذلك اللفظ ( مطابقة ) أي : دلالة مطابقة ، كدلالة الإنسان على الحيوان ~~الناطق ، وإنما سميت هذه الدلالة مطابقة . لأن اللفظ موافق لتمام ما وضع له ~~من قولهم : طابق النعل النعل إذا توافقتا . فاللفظ . موافق للمعنى ، لكونه ~~موضوعا بإزائه ( وجزئه ) أي ms033 ودلالة اللفظ الوضعية على جزء مسماه ( تضمن ) ~~أي دلالة تضمن ، كدلالة الإنسان على حيوان فقط ، أو على ناطق فقط ، سميت ~~بذلك : لأن اللفظ دل على ما في ضمن المسمى PageV01P126 ( ولازمه ) أي ~~ودلالة اللفظ على لازم مسماه ( الخارج ) كدلالة الإنسان على كونه ضاحكا ، ~~أو قابلا صنعة الكتابة ( التزام ) أي دلالة التزام ( وهي عليه ) أي ودلالة ~~اللفظ على لازم مسماه الخارج عنه دلالة ( عقلية ) وكون دلالة المطابقة ~~والتضمن لفظيتين ، ودلالة الالتزام عقلية ، هو الذي قدمه في التحرير ، ~~واختاره الآمدي وابن الحاجب وابن مفلح وابن قاضي الجبل ، PageV01P127 وقيل ~~: الثلاث لفظية . وحكاه في شرح التحرير عن الأكثر ، وقيل : المطابقة لفظية ~~، والتضمن والالتزام : عقليتان ( والمطابقة ) أي ودلالة المطابقة ( أعم ) ~~من دلالة التضمن والالتزام ، لجواز كون المطابقة بسيطة ، لا تضمن فيها ، ~~ولا لها لازم خارجي ( و ) قد ( يوجد معها تضمن بلا التزام ) بأن يكون اللفظ ~~موضوعا لمعنى مركب ، ولا يكون له لازم خارجي ، فيوجد مع المطابقة دلالة ~~تضمن بدون دلالة التزام ( وعكسه ) بأن يكون اللفظ موضوعا لمعنى بسيط وله ~~لازم خارجي فيوجد مع المطابقة دلالة التزام بدون دلالة التضمن ( والتضمن ) ~~أي ودلالة التضمن ( أخص ) من دلالة المطابقة ودلالة الالتزام . قال ابن ~~مفلح : دلالة الالتزام مساوية لدلالة المطابقة ، وهما أعم PageV01P128 من ~~التضمن ، لجواز كون المدلول واللازم بسيطا لا جزء له ، انتهى . وإذ قد ~~فرغنا من الكلام على دلالة اللفظ ، فلنشرع الآن في الكلام على الدلالة ~~باللفظ ( والدلالة باللفظ : استعماله ) أي استعمال اللفظ في موضوعه الأول . ~~وهو المراد بقوله ( في الحقيقة ) أو استعماله في غير موضوعه الأول لعلاقة ~~بين الغير وبين موضوعه الأول ، وهو المراد بقوله ( والمجاز ) والباء في ~~قوله ' باللفظ ' للاستعانة والسببية ؛ لأن الإنسان يدلنا على PageV01P129 ~~ما في نفسه بإطلاق لفظه ، فإطلاق اللفظ ' آلة ' للدلالة ، كالقلم للكتابة . ~~إذا علم ذلك ، فالفرق بين دلالة اللفظ والدلالة باللفظ من وجوه . أولها : ~~من جهة المحل . فإن محل دلالة اللفظ القلب ، ومحل الدلالة باللفظ اللسان . ~~الثاني : من جهة الوصف ، فدلالة اللفظ ، صفة للسامع ، والدلالة باللفظ صفة ~~للمتكلم . الثالث : من جهة السبب ms034 ، فالدلالة باللفظ سبب ، ودلالة اللفظ ~~مسبب عنها . الرابع : من جهة الوجود ، فكلما وجدت دلالة اللفظ وجدت الدلالة ~~باللفظ ، بخلاف العكس . الخامس : من جهة الأنواع ، فدلالة اللفظ ثلاثة ~~أنواع : مطابقة ، وتضمن ، والتزام . والدلالة باللفظ نوعان : حقيقة ، ومجاز ~~( والملازمة ) التي تكون بين مدلول اللفظ ولازمه الخارج أنواع : ( عقلية ) ~~كالزوجية اللازمة للاثنين ( وشرعية ) كالوجوب والتحريم اللازمين للمكلف ، ~~وعادية كالارتفاع اللازم للسرير PageV01P130 ( و ) قد ( تكون ) الملازمة ( ~~قطعية ) كالوجود اللازم للموجود ( و ) قد تكون الملازمة ( ضعيفة جدا ) ~~كالعادة اللازمة لزيد ، من كونه إذا أتى لمحل كذا يحجبه عمرو ( و ) قد تكون ~~الملازمة ( كلية ) كالزوجية اللازمة لكل عدد له نصف صحيح ( و ) قد تكون ~~الملازمة ( جزئية ) كملازمة المؤثر للأثر حال حدوثه . PageV01P131 # | ( فصل ) # ( إذا ) ( اتحد اللفظ ومعناه ) الذي هو مدلول اللفظ ( واشترك في مفهومه ) ~~أي مفهوم لفظه ( كثير ) يحمل اللفظ عليهم إيجابا ؛ لأنه المعتبر ( ولو ) ~~كان الاشتراك ( بالقوة ) دون الحقيقة ، بأن لم يمنع تصوره من وقوع الشركة ~~فيه . ولم تتفاوت أفراده باستغناء وافتقار ، أو شدة وضعف ، أو نحو ذلك ( ف ~~) هو ( كلي ) كالحيوان الصادق على جميع أنواع الحيوانات . ( وهو ) أي الكلي ~~قسمان : قسم ( ذاتي ) وهو الذي لم يخرج عن حقيقة ذات الشيء ، مثل الحيوان ~~بالنسبة إلى الإنسان ( و ) قسم ( عرضي ) منسوب إلى العرض ، مثل الضاحك ~~PageV01P132 بالنسبة إلى الإنسان ، لأن الضحك خارج عن حقيقة الإنسان . إذا ~~تقرر هذا ( فإن تفاوت ) أي تفاوتت أفراد الكلي بقلة وكثرة ، كنور السراج ~~والشمس ، أو بإمكان التغير واستحالته ، كالوجود بالنسبة إلى الواجب والممكن ~~، أو الاستغناء والافتقار ، كالوجود بالنسبة إلى الجوهر والعرض ، أو بشدة ~~وضعف ، كبياض الثلج وبياض العاج ، أو تقدم وتأخر ، كالوجود للخالق والمخلوق ~~( فمشكك ) لأنه يتشكك الناظر فيه : هل هو متواطئ لوجود الكلي في أفراده ، ~~أو مشترك لتغاير أفراده ؟ فهو اسم فاعل من ' شكك ' PageV01P133 المضاعف من ~~شك إذا تردد . وقال في شرح التحرير : وتمثيلنا بالوجود للخالق والمخلوق ~~للمشكك : ذكره بعض أصحابنا وغيرهم ، تبعا للآمدي ، وابن الحاجب ، لكونه ~~حقيقة فيهما عند أصحابنا وغيرهم . وذكره الآمدي إجماعا ( وإلا ) أي وإن لم ~~تتفاوت أفراد الكلي ms035 ( ف ) هو ( متواطئ ) لأنه الذي تتساوى أفراده باعتبار ~~ذلك الكلي الذي تشاركت فيه ، كالإنسان بالنسبة إلى أفراده . فإن الكلي فيها ~~- وهو الحيوانية والناطقية - لا يتفاوت فيها بزيادة ولا نقص . وسمي بذلك من ~~التواطؤ ، وهو التوافق . [ و ] لا يقال : إنه لا حقيقة للمشكك ؛ لأن ما حصل ~~به الاختلاف : إن دخل في التسمية كان اللفظ مشتركا ، وإلا كان متواطئا . ~~لأنا نقول : إنه داخل في التسمية ، ولا يلزم أن يكون مشتركا ؛ لأن المشترك ~~ما ليس بين معنييه قدر مشترك ، كلفظ العين الصادق بالباصرة والذهب ، ~~PageV01P134 سمي بذلك الاسم ، ولا يكون خارجا من المتواطئ ؛ لأن المتواطئ ~~أعم مما تساوت أفراده أو تفاوتت ، إلا أنه إذا كان فيه تفاوت : فهو مشكك ( ~~وإن لم يشترك ) في مفهوم اللفظ كثير ( كمضمر ) في الأصح عند الأكثر لوجهين ~~: الأول : إن الصحيح أنه أعرف المعارف . فلو كان مسماه كليا لكان نكرة . ~~الثاني : أن مسمى المضمر لو كان كليا كان دالا على ما هو أعم من الشخص ~~المعين . والقاعدة العقلية : أن الدال على الأعم غير دال على PageV01P135 ~~الأخص ، فيلزم أن لا يدل المضمر على شخص خاص ألبتة . وليس كذلك . ومثل زيد ~~وعمرو . وهذا الإنسان ( فجزئي ) لاندراجه تحت الكلي ( ويسمى النوع ) ~~المندرج تحت الجنس مثل نوع الإنسان المندرج تحت جنس الحيوان ( جزئيا إضافيا ~~) فكل جنس ونوع عال أو وسط أو سافل : كلي لما تحته ، جزئي لما فوقه ، لكن ~~لا بد في الجزئي من ملاحظة قيد الشخص والتعيين في التصور ، وإلا لصدق أنه ~~لم يمنع تصوره من وقوع الشركة ، إذ لا بد من اشتراك ، ولو في أخص صفات ~~النفس ( و ) المعنى الذي هو ( متعدد اللفظ فقط ) أي دون أن يتعدد معناه ~~كالبر والقمح المسمى به الحب المعروف . وكالليث والأسد ( مترادف ) لترادف ~~اللفظين بتواردهما على محل واحد . PageV01P136 ( و ) متعدد ( المعنى فقط ) ~~أي دون اللفظ ( مشترك ) كالذهب والباصرة . فإنهما يشتركان في لفظ ' العين ' ~~لصدقه عليهما ، ولا يسمى مشتركا إلا ( إن كان ) اللفظ وضع ( حقيقة للمتعدد ~~) كما مثلنا ( وإلا ) أي وإن لم يكن وضع حقيقة للمتعدد ، بل ms036 كان موضوعا ~~لأحدهما ، ثم نقل إلى الثاني لمناسبة ( ف ) هو ( حقيقة ) بالنسبة إلى ~~الموضوع له ( ومجاز ) بالنسبة إلى المنقول إليه ، كلفظ ' السماء ' فإنه ~~حقيقة في السماء المعهودة ، ومجاز في المطر . قال الشاعر : إذا نزل السماء ~~بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا وكالأسد ، فإنه بالنسبة إلى الحيوان ~~المفترس حقيقة ، وبالنسبة إلى الرجل الشجاع مجاز ( وهما ) أي ومتعدد اللفظ ~~والمعنى : ألفاظ ( متباينة ) لمعان متباينة ، PageV01P137 سواء ( تفاصلت ) ~~تلك المعاني ، كمسمى إنسان ، ومسمى فرس ( أو تواصلت ) بأن كان بعض المعاني ~~صفة للبعض الآخر . كالسيف والصارم . فإن ' السيف ' اسم للحديدة المعروفة ~~ولو مع كونها كآلة ' والصارم ' اسم للقاطعة ، وكالناطق والفصيح والبليغ . ~~والمراد بتواصلهما : أنه يمكن اجتماعهما في شيء واحد ونحو ذلك ، ولو كان ~~أحدهما جزءا من الآخر ، كالإنسان والحيوان ( وكلها ) أي : وكل الألفاظ من ~~حيثية الاشتقاق وعدمه قسمان . قسم ( مشتق ) وهو ما دل على ذي صفة معينة ، ~~كضارب وعالم ونحوهما ( و ) قسم ( غيره ) أي غير مشتق : وهو ما لم يدل على ~~ذي صفة معينة كالجسم والإنسان والفرس ( و ) من حيث إنه وصف أو غير وصف ~~قسمان أيضا : PageV01P138 قسم ( صفة ) : إن دل على معنى قائم بذات كالحياة ~~والعلم وقال العضد : ' هنا الصفة ما تدل على ذات غير معينة باعتبار معنى ~~معين كضارب ' . ( و ) قسم ( غيرها ) أي غير صفة : إن لم يكن كذلك كالإنسان ~~وزيد ونحوهما ( ويكون اللفظ الواحد متواطئا مشتركا ) باعتبارين ، كإطلاق ~~لفظ ' الخمر ' على التمر والعنب . فيكون لفظ ' الخمر ' باعتبار نسبة التمر ~~والعنب إليه متواطئا ، وباعتبار عدم النسبة مشتركا ( و ) يكون ( اللفظان ~~متباينين مترادفين باعتبارين ) كلفظي ' صارم ' و ' مهند ' فإنهما متباينان ~~بالنسبة إلى الصفة مترادفان بالنسبة إلى صدقهما على الحديدة المسماة بالسيف ~~. وكذا ' ناطق ، وفصيح ' فإنهما متباينان بالنسبة إلى الاختلاف في المعنى ، ~~مترادفان لصدقهما على موصوفهما من إنسان أو لسان . ( و ) اللفظ ( المشترك ) ~~فيه ( واقع لغة ) أي في اللغة عند أصحابنا والشافعية والحنفية والأكثر من ~~طوائف العلماء في الأسماء . كالقرء في الحيض والطهر ، والعين في الباصرة ~~والجارية والذهب وعين الشمس وعين الميزان . وغير ذلك . وفي ms037 الأفعال كعسعس : ~~لأقبل وأدبر ، وعسى : للترجي والإشفاق ، والمضارع للحال والاستقبال . ووقوع ~~الماضي خبرا ودعاء . كغفر الله لنا ، وفي الحروف كالباء للتبعيض وبيان ~~الجنس PageV01P139 والاستعانة والسببية ونحوها ( جوازا ) لأنه لا يمتنع وضع ~~لفظ واحد لمعنيين مختلفين على البدل من واضع واحد أو أكثر ويشتهر الوضع ، ~~ومنع جمع وقوع المشترك في اللغة . وردوا ما قال الأكثر أنه مشترك إلى ~~التواطؤ أو الحقيقة والمجاز ، وعلى الصحيح وهو كون المشترك واقعا في اللغة ~~: لا فرق بين كون مفهوميه ( تباينا ) وهو أن لا يصدق أحدهما على الآخر . ~~فإن لم يصح اجتماعهما فهما متضادان ، كالقرء الموضوع للطهر والحيض . وإن صح ~~اجتماعهما فهما متخالفان . قال في شرح التحرير عن الإسنوي : إنه لم يظفر ~~لهما بمثال ( أو ) بين كون مفهوميه ( تواصلا ) بصدق أحدهما على الآخر ~~PageV01P140 ( بكونه ) أي بكون أحد المفهومين ( جزء ) المفهوم ( الآخر ) ~~كلفظ ' الممكن ' فإنه موضوع للممكن بالإمكان العام والممكن بالإمكان الخاص ~~( أو ) بكونه ( لازمه ) أي لازم الآخر . كقولهم : طلعت الشمس . وجلسنا في ~~الشمس فإن المراد بقولهم : جلسنا في الشمس : ضوء الشمس اللازم لها ( وكذا ~~مترادف وقوعا ) يعني وكذا الخلاف في وقوع المترادف في اللغة . والصحيح الذي ~~عليه أصحابنا والحنفية ، والشافعية : أنه واقع في اللغة في الأسماء ، ~~والأفعال والحروف فمن أمثلته في الأسماء : الأسد والسبع والليث والغضنفر . ~~فإنها كلها للحيوان المفترس المعروف ، وفي الأفعال : قعد وجلس وكذا مضى ~~وذهب وفي الحروف : إلى ، وحتى . لانتهاء الغاية . قال ابن القيم ، في روضة ~~المحبين الأسماء الدالة على مسمى واحد نوعان . PageV01P141 أحدهما : أن تدل ~~عليه باعتبار الذات فقط . فهذا هو المترادف ترادفا محضا . كالحنطة والبر ~~والقمح ، [ والاسم والكنية ] واللقب إذا لم يكن فيه مدح ولا ذم ، وإنما أتى ~~لمجرد التعريف . والنوع الثاني : أن يدل على ذات واحدة باعتبار تباين ~~صفاتها . كأسماء الرب ، وأسماء كلامه و [ أسماء ] نبيه ، وأسماء اليوم ~~الآخر فهذا النوع مترادف بالنسبة إلى الذات ، متباين بالنسبة إلى الصفات . ~~فالرب والرحمن والعزيز والقدير ونحوها تدل على ذات واحدة باعتبار صفات ~~متعددة . وكذلك : البشير والنذير ، والحاشر والعاقب ونحوها وكذلك يوم ~~القيامة ms038 ويوم البعث ويوم الجمع ويوم التغابن ويوم الآزفة ونحوها . وكذلك ~~القرآن والفرقان والكتاب والهدى ونحوها ، وكذلك أسماء السيف . فإن تعددها ~~بحسب أوصافها ، وأوصافها مختلفة ، كالمهند والعضب والصارم ونحوها . قال : ~~وقد أنكر كثير من الناس الترادف في اللغة ، وكأنهم أرادوا هذا المعنى ، ~~وأنه ما من اسمين لمسمى واحد إلا وبينهما فرق في صفة أو نسبة أو إضافة . ~~سواء علمت لنا أو لم تعلم ، PageV01P142 وهذا الذي قالوه صحيح باعتبار ~~الواضع الواحد ، ولكن قد يقع الترادف باعتبار واضعين مختلفين ، يسمى أحدهما ~~المسمى باسم ، ويسميه الواضع الآخر باسم غيره ، ويشتهر الوضعان عن القبيلة ~~الواحدة ، وهذا كثير ومن هذا يقع الاشتراك أيضا فالأصل في اللغة : هو ~~التباين ، وهو أكثر اللغة انتهى . ( ولا ترادف في حد غير لفظي ومحدود ) أما ~~الحد اللفظي : كالحنطة والقمح فقد تقدم الكلام أنه من المترادف . وأما غير ~~اللفظي : كالإنسان والحيوان الناطق : فالصحيح أنه غير مترادف ، لأن الترادف ~~من عوارض المفردات ؛ لأنها الموضوعة . والحد مركب ، ولأن دلالة الحد ~~والمحدود على المعنى غير متحدة . فإن الحد يدل على أجزاء المحدود بالمطابقة ~~، والمحدود يدل عليها بالتضمن ، ولأن المحدود يدل عليها من حيث الجملة ~~والوحدة المجتمعة ، والحد يدل عليها من حيث التفصيل بذكر المادة ، والصورة ~~من غير وحدة . ( ولا ) ترادف أيضا في نحو ( شذر مذر ) على الصحيح ، ونحو ~~شذر مذر : حسن بسن ، وعطشان نطشان ، وشغر بغر ، وشيطان PageV01P143 ليطان ، ~~وحار يار ، وجائع نائع ، وثقف لقف ، وحياك الله وبياك ، وأسوان أتوان : أي ~~حزين . وتافه نافه ، وحل بل ، وحقير نقير ، وعين حدرة بدرة : أي عظيمة ، ~~وغض بض ، وخراب يباب ، وسمج لمج ، وسبع لبع ، وشكس لكس ، ويوم عك أك : إذا ~~كان حلوا ، وعفريت نفريت ، وكثير بثير ، وفسيح لقيح ، وثقة لقة ، وهو أشق ~~أمق خنق للطويل ، وفعلت ذلك على رغمه ودغمه ؛ لأن الذي بعد الأول تابع لا ~~يفيد شيئا غير التقوية ، وشرط الترادف أن يفيد أحد المترادفين لو انفرد ، ~~لأنه مثل مرادفه في الرتبة PageV01P144 ( ولا ) ترادف أيضا في ( تأكيد ) ~~لأن اللفظ المؤكد به تابع للمؤكد ، فلا يرادفه لعدم استقلاله . ( وأفاد ms039 ~~التابع التقوية ) لأنه لم يوضع عبثا ( وهو ) أي التابع ( على زنة متبوعه ) ~~حتى لو وجد ما ليس على زنته لم يحكم بأنه من هذا الباب ( و ) اللفظ ( ~~المؤكد ) لمتبوعه ( يقوي ) متبوعه ، لأن التأكيد هو التقوية باللفظ ( و ) ~~يزيد على التقوية بكونه ( ينفي احتمال المجاز ) وأنكرت الملاحدة كون القرآن ~~كلام الله تعالى بسبب وقوع التوكيد فيه ، لزعمهم القصور عن تأدية ما في ~~النفس ، والله تعالى منزه عن ذلك ، وجهلوا كون الله تعالى وتقدس خاطب عباده ~~على نهج لغة العرب ( ويقوم كل مترادف ) من مترادفين ( مقام الآخر في ~~التركيب ) لأن المقصود من التركيب إنما هو المعنى دون اللفظ . فإذا صح ~~المعنى مع أحد اللفظين وجب أن يصح مع الآخر ؛ لاتحاد معناهما . ولا يرد على ~~ذلك ما تعبد بلفظه ، كالتكبير ونحوه ؛ لأن المنع هناك لعارض شرعي . والبحث ~~هنا من حيث اللغة . PageV01P145 # | ( فائدة ) # الفائدة في الأصل : الزيادة تحصل للإنسان ، اسم فاعل من قولك فادت له ~~فائدة من باب باع ، وأفدته إفادة أعطيته ، وأفدت منه مالا أخذته . وفائدة ~~العلم والأدب من هذا ( العلم ) من أقسام الجزئي لا الكلي ، وهو ( اسم يعين ~~مسماه ) فقولنا ' اسم ' جنس مخرج لما سواه من الأفعال والحروف . وقولنا ' ~~يعين مسماه ' فصل مخرج للنكرات . وقولنا ( مطلقا ) مخرج لما سوى العلم من ~~المعارف . فإنه لا يعينه إلا بقرينة : إما لفظية ، مثل ' أل ' أو معنوية ، ~~كالحضور والغيبة ، في أنت وهو . وهذا الحد لابن مالك . وهو قسمان : قسم ~~شخصي . وهو الموضوع للحقيقة بقيد الشخص الخارجي ، وهو المراد بقوله ( فإن ~~كان التعيين خارجيا فعلم شخص ) كجعفر ، علم رجل ، وخرنق علم امرأة ، وأشير ~~إلى القسم الثاني بقوله ( وإلا ) أي وإن لم يكن التعيين خارجيا ، بأن لم ~~يوضع على شخص موجود في الخارج ، وإنما وضع PageV01P146 للماهية بقيد الشخص ~~الذهني ( ف ) علم ( جنس ) كأسامة ، فإنه علم على الأسد بقيد تشخص ماهيته في ~~ذهن الواضع . وكذا ثعالة على الثعلب ، فإن كلا منهما لم يوضع على واحد من ~~جنسه بعينه . فتشمل الماهية كل أفراد الجنس ، ولا يختص ذلك بما لا يؤلف ms040 من ~~الوحوش ، بل يكون أيضا لبعض المألوفات . كأبي المضاء لجنس الفرس ( و ) ~~الاسم ( الموضوع للماهية من حيث هي ) أي لا بقيد تشخصها في الذهن ، ولا عدم ~~تشخصها . كأسد فهو ( اسم جنس ) إذا تقرر هذا : فعلم الجنس يساوي علم الشخص ~~في أحكامه اللفظية : من كونه لا يضاف ، ولا يدخل عليه حرف التعريف ، ولا ~~ينعت بنكرة ، ولا يقبح مجيئه مبتدأ ، ولا انتصاب النكرة بعده على الحال ، ~~ولا يصرف منه ما فيه سبب زائد على العلمية . ويفارقه من جهة المعنى لعمومه ~~، إذ هو خاص شائع في حالة واحدة . فخصوصه باعتبار تعيينه الحقيقة في الذهن ~~، وشياعه باعتبار أن لكل شخص من أشخاص نوعه قسطا من تلك الحقيقة في الخارج ~~. وأما PageV01P147 الفرق بين علم الجنس واسم الجنس : فقال بعضهم : إن اسم ~~الجنس الذي هو أسد : موضوع لفرد من أفراد النوع بعينه ، فالتعدد فيه من أصل ~~الوضع ، وإن علم الجنس الذي هو أسامة موضوع للحقيقة المتحدة في الذهن . ~~فإذا أطلقت أسدا على واحد أطلقته على أصل وضعه ، وإذا أطلقت أسامة على ~~الواحد فإنما أردت الحقيقة ، ويلزم من ذلك التعدد في الخارج . فالتعدد فيه ~~ضمنا لا قصدا بالوضع ، ويتساويان في صدقهما على صورة الأسد ، إلا أن علم ~~الجنس وضع لها من حيث خصوصها باستحضارها في الذهن ، واسم الجنس وضع لها من ~~حيث عمومها . PageV01P148 # | ( فصل ) # ( الحقيقة ) فعيلة من الحق ، ثم إن كان بمعنى الثابت ، فهي اسم فاعل ، ~~وإن كان بمعنى المثبت ، فهي اسم مفعول . وهي أقسام : ( لغوية ) أي منسوبة ~~إلى اللغة ( وهي ) من حيث نسبتها إلى اللغة ( قول ) أي لفظ غير مهمل ( ~~مستعمل ) لأنه قبل الاستعمال لا حقيقة ولا مجاز ( في وضع أول ) مخرج للمجاز ~~؛ لأنه بوضع ثان ، ودخل فيه أسماء الأجناس ( وهي ) أقسام . الأول : ( لغوية ~~) أي منسوبة إلى اللغة ( وهي ) من حيث نسبتها إليها بالنسبة إلى العرفية ~~والشرعية ( الأصل ) أي الأسبق ( كأسد ) وأعلامها كأسامة . PageV01P149 ( و ~~) القسم الثاني : حقيقة ( عرفية ) وهي ( ما ) أي قول ( خص عرفا ) أي في ~~العرف ( ببعض مسمياته ) وإن كان وضعها للجميع حقيقة . ثم اعلم ms041 أن الحقيقة ~~العرفية إما أن تكون عامة ، وهي أن لا يختص تخصيصها بطائفة دون أخرى ( ~~كدابة ) فإن وضعها بأصل اللغة لكل ما يدب على الأرض من ذي حافر وغيره ، ثم ~~هجر الوضع الأول ، وصارت في العرف حقيقة ( للفرس ) ولكل ذات حافر . وكذا ما ~~شاع استعماله في غير موضوعه اللغوي ، كالغائط والعذرة والراوية ، فإن حقيقة ~~الغائط : المطمئن من الأرض ، والعذرة : فناء الدار ، والراوية : الجمل الذي ~~يستقى عليه الماء ( أو ) تكون ( خاصة ) وهي ما خصته كل طائفة من الأسماء ~~بشيء من مصطلحاتهم ، كمبتدإ وخبر ، وفاعل ومفعول . ونعت وتوكيد في اصطلاح ~~النحاة ، ونقض وكسر وقلب في اصطلاح الأصوليين ، وغير ذلك مما اصطلح عليه ~~أرباب كل فن . ( و ) القسم الثالث : حقيقة ( شرعية واقعة منقولة ) وهي ( ما ~~استعمله الشرع كصلاة ، للأقوال والأفعال ، و ) استعمال ( إيمان لعقد ~~بالجنان ، ونطق باللسان وعمل بالأركان ، فدخل كل الطاعات . وهما ) أي ~~الصلاة والإيمان ( لغة ) أي في اللغة ( الدعاء والتصديق بما غاب ) يعني أن ~~الصلاة في اللغة : الدعاء ، والإيمان في اللغة : التصديق بما غاب . ~~PageV01P150 ويجوز الاستثناء فيه ، أي في الإيمان بأن تقول : أنا مؤمن إن ~~شاء الله . نص على ذلك الإمام أحمد والإمام الشافعي رحمهما الله . وحكي عن ~~ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وقال ابن عقيل : يستحب ولا يقطع لنفسه . ومنع ~~ذلك الإمام أبو حنيفة وأصحابه والأكثر ؛ لأن التصديق معلوم لا يتردد فيه ~~عند تحققه ، ومن تردد في تحققه لم يكن مؤمنا . وإن لم يكن للشك والتردد ~~فالأولى أن يقول : أنا مؤمن حقا ، دفعا للإيهام . واستدل للقول الأول بوجوه ~~: PageV01P151 أحدها : أن الاستثناء للتبرك بذكر الله تعالى ، والتأدب ~~بإحالة الأمور إلى مشيئة الله تعالى ، والتبري من تزكية النفس والإعجاب ~~بحالها . الثاني : أن التصديق الإيماني المنوط به النجاة : أمر قلبي خفي ، ~~له معارضات خفية كثيرة من الهوى والشيطان والخذلان . فالمرء - وإن كان ~~جازما بحصوله - لكنه لا يأمن أن يشوبه شيء من منافيات النجاة ، ولا سيما ~~عند تفاصيل الأوامر والنواهي الصعبة المخالفة للهوى والمستلذات من غير علم ~~له بذلك . فلذلك يفوض حصوله إلى ms042 مشيئة الله تعالى . الثالث : أن الإيمان ~~ثابت في الحال قطعا من غير شك فيه ، لكن الإيمان الذي هو علم الفوز وآية ~~النجاة : إيمان الموافاة . فاعتنى السلف به وقرنوه بالمشيئة ، ولم يقصدوا ~~الشك في الإيمان الناجز . وأما الإسلام : فلا يجوز الاستثناء فيه بأن يقول ~~: أنا مسلم إن شاء الله بل يجزم به . قاله ابن حمدان في نهاية المبتدئين ~~وقيل : يجوز إن شرطنا فيه العمل PageV01P152 ( وقد تصير الحقيقة ) اللغوية ~~وهي وضع الدابة لكل ما دب ( مجازا ) في العرف . يعني أنا إذا أطلقنا ' ~~الدابة ' في العرف لكل ما دب كان ذلك مجازا فيه ( وبالعكس ) أي وقد يصير ~~المجاز ، وهو إطلاق ' الدابة ' على ذوات الأربع في اللغة حقيقة في العرف ( ~~والمجاز ) وزنه مفعل من الجواز ، وهو العبور والانتقال . فأصله ' مجوز ' ~~بفتح الميم والواو ، نقلت حركة الواو إلى الجيم ، فسكنت الواو ، وانفتح ما ~~قبلها ، وهو الجيم . فانقلبت الواو ألفا على القاعدة . فصار مجازا ، ~~والمفعل يكون مصدرا واسم مكان واسم زمان . فالمجاز بالمعنى الاصطلاحي : إما ~~مأخوذ من المصدر ، أو من اسم المكان ، لا من اسم الزمان ، لعدم العلاقة فيه ~~بخلافهما . فإنه إن كان من المصدر فهو متجوز به إلى الفاعل للملابسة ، كعدل ~~بمعنى عادل ، أو من المكان له ، فهو من إطلاق المحل على الحال . ومع ذلك ~~ففيه تجوز آخر ، لأن ' الجواز ' حقيقة للجسم لا للفظ ، لأنه عرض لا يقبل ~~الانتقال . فهو مجاز باعتبارين ؛ لأنه مجاز منقول من مجاز آخر ، فيكون ~~بمرتبتين . فالمجاز هو اللفظ الجائز من شيء إلى آخر ، PageV01P153 تشبيها ~~بالجسم المنتقل من موضع إلى آخر . وحده في الاصطلاح ( قول مستعمل ) احترز ~~به عن المهمل ، وعن اللفظ قبل الاستعمال ، فإنه لا حقيقة ولا مجاز ، وقولنا ~~( بوضع ثان ) احتراز من الحقيقة . فإن استعماله فيها بوضع أول ، وقولنا ( ~~لعلاقة ) احتراز من الأعلام المنقولة ؛ لأن نقلها ليس لعلاقة ، والعلاقة ~~هنا : المشابهة الحاصلة بين المعنى الأول والمعنى الثاني ، بحيث ينتقل ~~الذهن بواسطتها عن محل المجاز إلى الحقيقة ؛ PageV01P154 لأنه لو لم تكن ~~علاقة من المعنيين لكان الوضع بالنسبة إلى المعنى الثاني ms043 أول . فيكون حقيقة ~~فيهما ، وتعتبر في اصطلاح التخاطب بحسب النوع . وهي بفتح العين على الأصل ~~في المعاني ، وبكسرها على التشبيه بالأجسام من علاقة السوط . ( ولا يعتبر ~~لازم ذهني بين المعنيين ) فإن أكثر المجازات المعتبرة عارية عن اللزوم ~~الذهني ( وصير إليه ) أي إلى المجاز ( لبلاغته ) أي بلاغة المجاز . ~~كصلاحيته للسجع والتجنيس ونحوهما أو ( ثقلها ) على اللسان ، كالعدول عن لفظ ~~الخنفقيق - بفتح الخاء المعجمة ، وسكون النون وفتح الفاء ، وكسر ~~PageV01P155 القاف وإسكان المثناة من تحت وآخره قاف - اسم للداهية إلى لفظ ~~النائبة أو الحادثة ( ونحوهما ) أي نحو بلاغة المجاز وثقل الحقيقة من بشاعة ~~اللفظ ، كالتعبير بالغائط عن الخارج . ومن ذلك جهل المخاطب الحقيقة ، أو ~~كون المجاز أشهر منها ، أو كونه معلوما عند المتخاطبين ، ويقصدان إخفاءه عن ~~غيرهما ، أو عظم معناه ، كسلام الله على المجلس العالي . فهو أرفع في ~~المعنى من قوله ' سلام الله عليك ' أو كون المجاز أدخل في التحقير لمن ~~يريده . ( ويتجوز ) أي ويصار إلى المجاز في خمسة وعشرين نوعا من أنواع ~~العلاقة . PageV01P156 # | [ النوع ] الأول : إطلاق السبب على المسبب # ، وهو أربعة أقسام . القسم الأول : القابلي ، وهو المشار إليه بقوله ( ~~بسبب قابلي ) أي عن مسبب ، وهو تسمية الشيء باسم قابله ، كقولهم : سال ~~الوادي ، والأصل : سال الماء في الوادي ، لكن لما كان الوادي سببا قابلا ~~لسيلان الماء فيه ، صار الماء من حيث القابلية كالمسبب له . فوضع لفظ ~~الوادي موضعه . القسم الثاني : السبب الصوري ، وهو المشار إليه بقوله ( ~~وصوري ) أي وبسبب صوري كقولهم : هذه صورة الأمر والحال ، أي حقيقته . ~~PageV01P157 القسم الثالث : السبب الفاعلي ، وهو المشار إليه بقوله : ( ~~وفاعلي ) أي وبسبب فاعلي ، كقولهم : نزل السحاب ، أي المطر ، لكن فاعليته ~~باعتبار العادة كما تقول : أحرقت النار ، وكقولهم للمطر : سماء ، لأن ~~السماء فاعل مجازي للمطر ، بدليل قولهم : أمطرت السماء ، وقال الشاعر : إذا ~~نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا أي المطر . القسم الرابع : ~~الغائي ، وهو المشار إليه بقوله ( وغائي ) أي : ويتجوز بسبب غائي ( عن مسبب ~~) كتسمية العصير خمرا ، والحديد خاتما ، والعقد نكاحا لأنه غايته . ~~PageV01P158 # | النوع الثاني : إطلاق ms044 العلة على المعلول # ، وهو المراد بقوله ( وبعلة ) أي عن معلول كما يأتي في المتن ، كقولهم : ~~رأيت الله في كل شيء ؛ لأنه سبحانه وتعالى موجد كل شيء وعلته ، فأطلق لفظه ~~عليه . ومعناه : رأيت كل شيء . فاستدللت به على الله تعالى . # | النوع الثالث : إطلاق اللازم على الملزوم # ، وهو المراد بقوله ( ولازم ) أي ويتجوز بلازم عن ملزوم ، كتسمية السقف ~~جدارا ، ومنه قول الشاعر : قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم دون النساء ولو باتت ~~بأطهار يريد بشد الإزار : الاعتزال عن النساء . ومنه إطلاق المس على الجماع ~~غالبا لأنه قد يكون الجماع بحائل . PageV01P159 # | النوع الرابع : إطلاق الأثر على المؤثر # ، وهو المراد بقوله ( وأثر ) أي عن مؤثر ، كتسمية ملك الموت موتا ، وكقول ~~الشاعر يصف ظبية : فإنما هي إقبال وإدبار # | النوع الخامس : إطلاق المحل على الحال # . وهو المراد بقوله ( ومحل ) أي عن حال ، كقوله صلى الله عليه وسلم ~~للعباس { لا يفضض الله فاك } أي : أسنانك إذ الفم محل الأسنان . وكتسمية ~~المال PageV01P160 كيسا ، كقولهم : هات الكيس ، والمراد : المال الذي فيه . # | النوع السادس : إطلاق الكل على البعض # . وهو المراد بقوله ( وكل ) أي عن بعض . ومنه قوله تعالى ( { يجعلون ~~أصابعهم في آذانهم } ) أي أناملهم . PageV01P161 # | النوع السابع : إطلاق المتعلق - بكسر اللام - على المتعلق - بفتحها - # والمراد التعلق الحاصل بين المصدر واسم الفاعل واسم المفعول . فشمل ستة ~~أقسام وهو المراد بقوله ( ومتعلق ) بكسر اللام ، أي عن متعلق ، بفتحها . ~~القسم الأول من الستة : إطلاق المصدر على اسم المفعول ، ومن ذلك قوله تعالى ~~( { هذا خلق الله } ) أي مخلوقه . الثاني : عكسه ، وهو إطلاق اسم المفعول ~~على المصدر . ومنه قوله تعالى ( { بأيكم المفتون } ) أي الفتنة . القسم ~~الثالث : إطلاق المصدر على اسم الفاعل . كقولهم : رجل عدل أي عادل . الرابع ~~: عكسه . وهو إطلاق اسم الفاعل على المصدر . كقولهم : قم قائما و كقولهم : ~~يخشى اللائمة يعني اللوم . PageV01P162 القسم الخامس : إطلاق اسم الفاعل ~~على [ اسم ] المفعول . ومنه قوله تعالى ( { من ماء دافق } ) أي مدفوق ، ~~وعيشة راضية . أي مرضية . السادس : عكسه ، إطلاق اسم المفعول على اسم ~~الفاعل . ومنه قوله تعالى ( { حجابا مستورا } ) أي ms045 ساترا . إذا تقرر هذا : ~~فقوله ( عن معلول ) متمم لقوله ' بعلة ' وراجع إليه . فإذا قدر كل من ذلك ~~بإزاء ما هو راجع إليه كان الكلام : ويتجوز بعلة عن معلول ( و ) لازم عن ( ~~ملزوم ، و ) أثر عن ( مؤثر ، و ) محل عن ( حال ، و ) كل عن ( بعض ، و ) ~~متعلق - بكسر اللام - عن ( متعلق ) بفتحها . # | النوع الثامن : إطلاق ما بالقوة على ما بالفعل # . وهو المراد بقوله ( وبما بالقوة عن ما بالفعل ) كتسمية الخمر في الدن ~~PageV01P163 مسكرا . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { كل مسكر خمر } ~~لأن فيه قوة الإسكار ، ويدخل في قوله ( وبالعكس في الكل ) # | النوع التاسع ، وهو إطلاق المسبب على السبب # ، كإطلاق الموت على المرض الشديد . # | والنوع العاشر . وهو إطلاق المعلول على العلة # . ومنه قوله تعالى ( { إذا قضى أمرا } ) أي إذا أراد أن يقضي أمرا ، ~~فالقضاء معلول الإرادة . ومنه أيضا قوله تعالى ( { وإن حكمت فاحكم } ) أي ~~إذا أردت أن تحكم . PageV01P164 # | والنوع الحادي عشر : وهو إطلاق الملزوم على اللازم # كتسمية العلم حياة . ومنه قوله تعالى ( { أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو ~~يتكلم } ) أي برهانا فهو يدلهم . سميت الدلالة كلاما ، لأنها من لوازمه ~~ومنه قول الحكماء : كل صامت ناطق بموجده . أي الصنعة فيه تدل على محدثه . ~~فكأنه ينطق . # | والنوع الثاني عشر : وهو إطلاق المؤثر على الأثر # ، كقول القائل : رأيت الله ، وما أرى في الوجود إلا الله تعالى ، يريد ~~آثاره . والدلالة عليه في العالم ، وكقولهم في الأمور المهمة : هذه إرادة ~~الله تعالى ، أي مراده الناشئ عن إرادته . # | والنوع الثالث عشر : وهو إطلاق الحال على المحل # ، كتسمية الكيس مالا والكأس خمرا . ومنه ( { وأما الذين ابيضت وجوههم ففي ~~رحمة الله هم فيها خالدون } ) أي في الجنة ؛ لأنها محل الرحمة . ~~PageV01P165 # | والنوع الرابع عشر : وهو إطلاق البعض على الكل # . ومنه قوله تعالى ( فتحرير رقبة ) والعتق إنما هو للكل . ومنه قوله صلى ~~الله عليه وسلم { على اليد ما أخذت حتى تؤديه } فالمراد صاحب اليد بكماله ، ~~ومنه قوله تعالى ( { كل شيء هالك إلا وجهه } ) # | والنوع الخامس عشر : وهو إطلاق المتعلق - بفتح اللام ms046 - على المتعلق - ~~بكسرها - # كقوله صلى الله عليه وسلم { تحيضي في علم الله ستا أو سبعا } فإن التقدير ~~: تحيضي ستا أو سبعا . وهو معلوم الله تعالى . PageV01P166 # | والنوع السادس عشر : وهو إطلاق ما بالفعل على ما بالقوة # ، كتسمية الإنسان الحقيقي نطفة . وهذا آخر ما دخل تحت قوله ' وبالعكس في ~~الكل ' # | ( و ) النوع السابع عشر : أن يتجوز ( باعتبار وصف زائل ) # كإطلاق العبد على العتيق . ومنه ( { وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم } ) ~~عند الأكثر ، ومثله قوله تعالى ( { ولكم نصف ما ترك أزواجكم } ) وقوله صلى ~~الله عليه وسلم { أيما رجل وجد ماله عند رجل قد أفلس فصاحب المتاع أحق ~~بمتاعه } . قال القاضي وغيره : الذي كان صاحب المتاع ، والتي كانت ~~PageV01P167 أرضهم : واللاتي كن أزواجا ، وهو مجاز مستعمل يجري مجرى ~~الحقيقة . ومنه قولهم : درب فلان ، وقطيعة فلان ، ونهر فلان . ومحل صحة ~~الإطلاق باعتبار وصف زائل إذا ( لم يلتبس حال الإطلاق بضده ) أي بضد الوصف ~~الزائل . فلا يقال للشيخ طفل ، باعتبار ما كان ، ولا للثوب المصبوغ أبيض ~~باعتبار ما كان . # | النوع الثامن عشر : أن يتجوز بوصف يئول قطعا ، أو ظنا # . وهو المراد بقوله ( أو آيل ) أي الوصف ( قطعا ) كإطلاق الميت على الحي ~~ومنه قوله تعالى ( { إنك ميت وإنهم ميتون } ) ( أو ) آيل ( ظنا ) كإطلاق ~~الخمر على العصير ( بفعل ) متعلق بآيل ، أي بوصف آيل بفعل ، كإطلاق الخمر ~~على العنب باعتبار أيلولته بعصر العصار ( أو قوة ) يعني : أو وصف آيل ~~بالقوة دون PageV01P168 الفعل ، كإطلاق المسكر على الخمر ، باعتبار أيلولة ~~الخمر إلى الإسكار . وعلم مما تقدم : أنه لا يتجوز بوصف آيل شكا ، كالعبد ، ~~فإنه لا يطلق عليه حر مع احتمال عتقه وعدمه ( و ) # | النوع التاسع عشر : أن يكون الكلام مجازا باعتبار ( زيادة ) # وذكروا أن منه قوله تعالى ( { ليس كمثله شيء } ) PageV01P169 قالوا : إن ~~الكاف زائدة ، وأن المعنى ليس مثله . وقيل : الزائد ' مثل ' أي : ليس كهو ~~شيء قالوا : وإنما حكم بزيادة أحدهما لئلا يلزم أن يكون لله سبحانه وتعالى ~~مثل ، وهو منزه عن ذلك ، لأن نفي مثل المثل يقتضي ثبوت مثل ، وهو محال ، أو ~~يلزم نفي ms047 الذات ؛ لأن مثل مثل الشيء هو ذلك الشيء ، وثبوته واجب فتعين أن ~~لا يراد نفي ذلك إما بزيادة الكاف ، أو بزيادة مثل . قال ابن جني : كل حرف ~~زيد في الكلام العربي ، فهو قائم مقام إعادة الجملة مرة أخرى . فيكون معنى ~~الآية : ليس مثله شيء مرتين ، للتأكيد ، وقد ادعى كثير من العلماء عدم ~~الزيادة والتخلص من المحذور بغير ذلك ، ولا سيما على القول بأنه لا يطلق في ~~القرآن ولا في السنة زائد . وذلك من وجوه أحدها : أن سلب المعنى عن المعدوم ~~جائز كسلب الكتابة عن ابن PageV01P170 فلان الذي هو معدوم ، ولا يلزم من ~~نفي المثل عن المثل ثبوت المثل . الثاني : أن المراد هنا بلفظ ' المثل ' ~~الصفة كالمثل - بفتحتين - كما في قوله تعالى { { مثل الجنة التي وعد ~~المتقون } } فالتقدير : ليس كصفته شيء . قال الراغب : المثل هنا بمعنى ~~الصفة ومعناه : ليس كصفته صفة . قال في البدر المنير ' مثل ' يوصف به ~~المذكر والمؤنث والجمع وخرج بعضهم على هذا قوله تعالى ( { ليس كمثله شيء } ~~) أي ليس كوصفه PageV01P171 شيء ، وقال : هو أولى من القول بزيادتها ؛ ~~لأنها على خلاف الأصل . الثالث : أن المراد بمثله : ذاته ، كقولك : مثلك لا ~~يبخل ، أي : أنت لا تبخل . قال الشاعر : ولم أقل مثلك أعني به غيرك يا فرد ~~بلا مشبه وقوله : أيها العاذل دع من عذلكا مثلي لا يصغي إلى مثلكا ~~PageV01P172 وقد قال تعالى ( { فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا } ) ~~أي بالذي آمنتم به ؛ لأن إيمانهم لا مثل له . وهذا اختيار ابن عبد السلام ~~فالتقدير في الآية : ليس كذاته شيء ، بل هذا النوع من الكناية أبلغ من ~~التصريح ، لتضمنه إثبات الشيء بدليله قال في البدر المنير : وقيل المعنى : ~~ليس كذاته شيء . كما يقال : مثلك من يعرف الجميل ، ومثلك لا يفعل كذا ، أي ~~أنت تكون كذا . وعليه قوله تعالى ( { كمن مثله في الظلمات } ) [ أي كمن هو ~~] الرابع : أنه لو فرض لشيء مثل ، ولذلك المثل مثل ، كان كلاهما مثلا للأصل ~~، فيلزم من نفي مثل المثل : نفيهما معا ، ويبقى المسكوت عنه ؛ لأنه الموضوع ms048 ~~، وكل منهما مقدر مثليته . وقد نفيا عنه . PageV01P173 قال شرف الدين بن ~~أبي الفضل : اجعل الكاف أصلية ، ولا يلزم محذور . قال : لأن نفي المثل له ~~طريقان : إما بنفي الشيء ، أو بنفي لازمه ، ويلزم من نفي اللازم نفي ~~الملزوم ، ومن لوازم المثل : أن له مثلا فإذا نفينا مثل المثل ، انتفى لازم ~~المثل ، فينتفي المثل لنفي لازمه . الخامس : قال يحيى بن إبراهيم السلاميسي ~~في كتابه العدل في منازل الأئمة الأربعة : إن الكاف لتشبيه الصفات ، و ' ~~مثل ' لتشبيه الذوات . فنفى الشبيهين كلاهما عن نفسه تعالى . فقال تعالى ( ~~{ ليس كمثله شيء } ) أي : ليس له مثل ولا كهو شيء . انتهى وقال ابن هبيرة - ~~من أصحابنا : آلتا التشبيه في كلام العرب : PageV01P174 الكاف ، ومثل ، ~~تقول هذا مثل هذا ، وهذا كهذا ، فجمع الله سبحانه وتعالى آلتي التشبيه ونفى ~~عنه بهما الشبيه . # | ( و ) النوع العشرون : أن يكون الكلام مجازا باعتبار ( نقص ) لفظ من ~~الكلام المركب # ، ويكون ما نقص كالموجود للافتقار إليه . سواء كان الناقص مفردا أو مركبا ~~، جملة أو غيرها ومن أمثلة ذلك قوله تعالى ( { إنما جزاء الذين يحاربون ~~الله } ) أي يحاربون عباد الله وأهل دينه . ومثله ( { فقبضت قبضة من أثر ~~الرسول } ) أي : من أثر حافر فرس الرسول وبه قرئ شاذا ، ومثله ( { فمن كان ~~منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } ) أي فأفطر . ومثله . ( { واسأل ~~القرية } ) واسأل العير أي أهل القرية ، وأهل العير ( { وأشربوا في قلوبهم ~~العجل } ) أي حب العجل PageV01P175 # | ( و ) النوع الحادي والعشرون # أن يكون الكلام مجازا باعتبار مشابهة ( شكل ) كإطلاق لفظ الأسد على ما هو ~~كشكله ، من مجسد أو منقوش ، وربما توجد العلاقتان ومنه قوله تعالى ( { ~~فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار } ) . # | ( و ) النوع الثاني والعشرون # : أن يكون الكلام مجازا باعتبار مشابهة في المعنى في ( صفة ظاهرة ) ~~كإطلاق الأسد على الرجل الشجاع . وخرج بقولنا ' ظاهرة ' الصفة الخفية ، ~~كالبخر ، فلا يطلق أسد على الأبخر ، لأن البخر في الأسد خفي . # | ( و ) النوع الثالث والعشرون # : أن يكون الكلام مجازا باعتبار إطلاق ( اسم ) البدل على المبدل ، كتسمية ~~الدية دما ، لقوله ms049 صلى الله عليه وسلم { أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم } ~~PageV01P176 # | ( و ) النوع الرابع والعشرون # : أن يكون الكلام مجازا باعتبار إطلاق اسم مقيد على مطلق كقول القاضي ~~شريح ' أصبحت ونصف الناس علي غضبان ' المراد : مطلق البعض لا خصوص النصف ، ~~أو باعتبار إطلاق اسم ( ضد ) على ضده ، وتسمى العلاقة هنا علاقة المضادة ~~كإطلاق البصير على الأعمى ، والسليم على اللديغ ، والمفازة على المهلكة . ~~PageV01P177 # | ( و ) النوع الخامس والعشرون # : أن يكون الكلام مجازا باعتبار نقل اسم لعلاقة ( مجاورة ) كإطلاق لفظ ' ~~الراوية ' على ظرف الماء ، وإنما هي في الأصل البعير الذي يستقى عليه ( ~~ونحوه ) أي نحو ما تقدم ، مثل أن يكون الكلام مجازا باعتبار التقدم والتأخر ~~، وذكروا منه قوله تعالى ( { والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى } ) ~~والغثاء : ما احتمله السيل من الحشيش ، والأحوى : الشديد الخضرة . وذلك ~~سابق في الوجود . وكذا الاستثناء من غير الجنس ، وهو المنقطع وقد يقال : ~~إنه بتأويله بدخوله تحت الجنس يكون من مجاز المشابهة ومنها : ورود الأمر ~~بصورة الخبر وعكسه ، نحو ( { والوالدات يرضعن أولادهن } ) وقوله تعالى ( { ~~أسمع بهم وأبصر } ) وقد يقال : PageV01P178 إن ذلك من المبالغة أو المضادة ~~، بتنزيله منزلة الذي استعمل فيه حقيقة بسبب اعتقاده ( وشرط ) لصحة استعمال ~~المجاز ( نقل ) عن العرب ( في ) كل ( نوع ) من أنواع المجاز ( لا ) في كل ~~صورة من ( آحاد ) المجاز ، بل يكفي في استعمال اللفظ في كل صورة ظهور نوع ~~من العلاقة المعتبرة . وقال ابن قاضي الجبل : إطلاق اسم على مسماه المجازي ~~لا يفتقر في الآحاد إلى النقل عن العرب بل المعتبر ظهور العلاقة على الأصح ~~، وأما في الأنواع : فمعتبر وفاقا انتهى . ( وهو ) أي المجاز ، ثلاثة أقسام ~~، قسم ( لغوي ، كأسد لشجاع ) لعلاقة الوصف الذي هو الجرأة ، فكأن أهل اللغة ~~باعتبارهم النقل لهذه المناسبة وضعوا الاسم ثانيا للمجاز ( و ) القسم ~~الثاني : مجاز ( عرفي ) وهو نوعان ، نوع ( عام ، كدابة لما دب ) فإطلاقها ~~على ذلك حقيقة في اللغة مجاز في العرف ، فإن حقيقة الدابة في العرف لذات ~~الحافر ، فإطلاقها على كل ما دب مجاز فيه . PageV01P179 ( و ) النوع الثاني ~~من المجاز العرفي : مجاز خاص ms050 كإطلاق لفظ ( جوهر ) في العرف ( ل ) كل ( نفيس ~~) انتقالا في العرف من ذات الحافر ، ومن النفاسة للمعنى المتضمن لذات ~~الحافر من الدب في الأرض ، وللشيء النفيس من غلو القيمة التي في الجوهر ~~الحقيقي ( و ) القسم الثالث مجاز ( شرعي ك ) إطلاق ( صلاة ) في الشرع ( ل ) ~~مطلق ( دعاء ) انتقالا من ذات الأركان للمعنى المتضمن لها من الخضوع ~~والسؤال بالفعل أو القوة ، فكأن الشارع بهذا الاعتبار وضع الاسم ثانيا لما ~~كان بينه وبين اللغوي من هذه المناسبة ، فكل معنى حقيقي في وضع هو مجاز ~~بالنسبة إلى وضع آخر ، فيكون حقيقة ومجازا باعتباره ( ويعرف ) المجاز ( ~~بصحة نفيه ) كقولك الشجاع ليس بأسد ، والجد ليس بأب ، والبليد ليس بحمار ؛ ~~لأن الحقيقة لا تنفى . فلا يصح أن يقال : إن الحمار ليس بحمار ، وإن الأب ~~ليس بأب ، وإن البليد ليس بإنسان PageV01P180 ( و ) يعرف أيضا ( بتبادر ~~غيره ) . أي تبادر غير المجاز إلى ذهن السامع ( لولا القرينة ) الحاضرة ( و ~~) يعرف أيضا ب ( عدم وجوب اطراده ) أي اطراد علاقته ، فالعلاقة التي في ~~قوله تعالى ( { واسأل القرية } ) لا تطرد ، فلا يقال : اسأل البساط ولا ~~الحصير ( و ) يعرف أيضا ب ( التزام تقييده ) كجناح الذل ، ونار الحرب ، فإن ~~' الجناح والنار ' يستعملان في مدلوله الحقيقي من غير قيد ، وإنما قيل ~~بالتزام تقييده ولم يقل بتقييده ، لأن المشترك قد قيد في بعض الصور ، كقولك ~~: عين جارية ، لكنه لم يلزم التقييد فيه PageV01P181 ( و ) يعرف أيضا ب ( ~~توقفه ) أي توقف استعماله ( على مقابله ) أي على المسمى الآخر الحقيقي ، ~~سواء كان ملفوظا به . كقوله تعالى ( { ومكروا ومكر الله } ) أي جازاهم على ~~مكرهم ، حيث تواطئوا على قتل عيسى صلى الله عليه وسلم بأن ألقى ، شبهه على ~~من وكلوا به قتله ، ورفعه إلى السماء فقتلوا الملقى عليه الشبه . ظنا أنه ~~عيسى . ولم يرجعوا لقوله ' أنا صاحبكم ' ثم شكوا فيه لما لم يروا الآخر ، ~~فلا يقال : مكر الله ابتداء ، أو كان مقدرا ، كقوله تعالى ( { قل الله أسرع ~~مكرا } ) ولم يتقدم لمكرهم ذكر في اللفظ ، لكن تضمنه المعنى ، والعلاقة ~~المصاحبة في الذكر ( و ms051 ) يعرف أيضا ب ( إضافته إلى غير قابل ) كاسأل القرية ~~واسأل العير وبعضهم يعبر عنه بالإطلاق على المستحيل فإن الاستحالة تقتضي ~~أنه غير موضوع له فيكون مجازا PageV01P182 ( و ) يعرف أيضا ب ( كونه لا ~~يؤكد ) أي بالمصدر ؛ لأن التأكيد ينفي احتمال المجاز ( وفي قول ، و ) وهو ~~قول الباقلاني والغزالي ، والموفق ، والطوفي ، وابن مفلح ، وابن قاضي الجبل ~~: إن المجاز ( لا يشتق منه ) قال الغزالي في قوله تعالى ( { وما أمر فرعون ~~برشيد } ) بمعنى الشأن مجاز ، فلا يشتق منه آمر ولا مأمور ، ولا غيرها . ~~والقول الثاني : قول الأكثر ويدل له إجماع البيانيين على صحة الاستعارة ~~بالتبعية ، وهي مشتقة من المجاز ، لأن الاستعارة تكون في المصدر ثم يشتق ~~منه ، PageV01P183 واستدل على صحة الاشتقاق من المجاز أيضا بقولهم : نطقت ~~الحال بكذا ، أي دلت ؛ لأن النطق مستعمل في الدلالة أولا ، ثم اشتق منه اسم ~~الفاعل على ما هو القاعدة في الاستعارة والتبعية في المشتقات ( ويثنى ) ~~المجاز ( ويجمع ) ومنعهما بعضهم وأبطله الآمدي . بأن لفظ الحمار للبليد ~~يثنى ويجمع إجماعا . ( ويكون ) المجاز ( في مفرد ) كإطلاق لفظ الأسد على ~~الشجاع ، والحمار على البليد ، والبحر على العالم ( و ) يكون أيضا في ( ~~إسناد ) على الصحيح وعليه المعظم . فيجري فيه ، وإن لم يكن في لفظي المسند ~~والمسند إليه تجوز ، وذلك بأن يسند الشيء إلى غير من هو له بضرب من التأويل ~~بلا واسطة وضع . كقول الشاعر : أشاب الصغير وأفنى الكب ير كر الغداة ومر ~~العشي فلفظ ' الإشابة ' حقيقة في مدلوله ، وهو تبييض الشعر ، والزمان الذي ~~هو مرور الليل والنهار حقيقة في مدلوله أيضا ، لكن إسناد الإشابة إلى ~~الزمان PageV01P184 مجاز ، إذ المشيب للناس في الحقيقة هو الله تعالى . ~~فهذا مجاز في الإسناد ، لا في نفس مدلولات الألفاظ . ومنه قوله تعالى ( { ~~وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا } ) ( { إنهن أضللن كثيرا من الناس } ~~) فكل من طرفي الإسناد حقيقة ، وإنما المجاز في إسناد الزيادة إلى الآيات ، ~~والإضلال إلى الأصنام وكذا ( { ينزع عنهما لباسهما } ) والفاعل لذلك في ~~الكل هو الله سبحانه وتعالى ( و ) يكون المجاز ( فيهما ) أي في المفرد ms052 وفي ~~الإسناد ( معا ) أي في حالة واحدة . كقول بعضهم : ' أحياني اكتحالي بطلعتك ~~' إذ حقيقته : سرتني رؤيتك ، لكن أطلق لفظ ' الإحياء ' على ' السرور ' ~~مجازا إفراديا . لأن الحياة شرط صحة السرور وهو من آثارها وكذا لفظ ' ~~الاكتحال ' على الرؤية مجاز إفرادي ؛ لأن الاكتحال : جعل العين مشتملة على ~~الكحل ، كما أن الرؤية : جعل العين مشتملة على صورة المرئي . PageV01P185 ~~فلفظ ' الإحياء والاكتحال ' حقيقة في مدلولهما ، وهو سلوك الروح في الجسد ، ~~ووضع الكحل في العين ، واستعمال لفظ ' الإحياء والاكتحال ' في السرور ~~والرؤية مجاز إفرادي ، وإسناد الإحياء إلى الاكتحال مجاز تركيبي . لأن لفظ ~~' الإحياء ' لم يوضع ليسند إلى الاكتحال ، بل إلى الله تعالى ؛ لأن الإحياء ~~والإماتة الحقيقيتين من خواص قدرته سبحانه وتعالى . ( و ) يكون المجاز في ( ~~فعل ) تارة بالتبعية . كصلى بمعنى دعا ، تبعا لإطلاق الصلاة مجازا على ~~الدعاء ، وتارة بدون التبعية ، كإطلاق الفعل الماضي بمعنى الاستقبال نحو ( ~~{ ونفخ في الصور } ) و ( { أتى أمر الله } ) و ( { ونادى أصحاب الجنة } ) ~~أي : وينفخ ، ويأتي ، وينادي وإطلاق المضارع بمعنى الماضي ، نحو ( { ~~واتبعوا ما تتلوا الشياطين } ) ، و ( { فلم تقتلون أنبياء الله } ) أي ما ~~تلته ، ولم قتلتموهم ؟ PageV01P186 والتعبير بالخبر عن الأمر نحو ( { ~~والوالدات يرضعن } ) وعكسه [ نحو ] ( { فليمدد له الرحمن مدا } ) [ وقوله ~~صلى الله عليه وسلم ] { فليتبوأ مقعده من النار } . والتعبير بالخبر عن ~~النهي نحو ( { لا يمسه إلا المطهرون } ) قال علماء البيان : هو أبلغ من ~~صريح الأمر والنهي ؛ لأن المتكلم لشدة تأكد طلبه نزل المطلوب منزلة الواقع ~~لا محالة ( و ) يكون المجاز في ( مشتق ) كاسم الفاعل واسم المفعول ، والصفة ~~المشبهة ونحوها مما يشتق من المصدر ، كإطلاق ' مصل ' في الشرع على الداعي ~~PageV01P187 ( و ) يكون المجاز أيضا في ( حرف ) فإنه قد تجوز ب ' هل ' عن ~~الأمر في قوله سبحانه وتعالى ( { فهل أنتم مسلمون } ) { { فهل أنتم منتهون ~~} } أي فأسلموا وانتهوا ، وعن النفي ، كقوله تعالى ( { فهل ترى لهم من ~~باقية } ) أي ما ترى لهم من باقية ، وعن التقرير كقوله تعالى ( { هل لكم ~~مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم } ) . وقيل : لا يجري المجاز في ~~الحروف إلا بالتبعية ms053 ، كوقوع المجاز في متعلقه ( ويحتج به ) أي بالمجاز ، ~~حكاه بعضهم إجماعا . لأنه يفيد المعنى من طريق الوضع ، كالحقيقة ، ألا ترى ~~إلى قوله تعالى ( { أو جاء أحد منكم من الغائط } ) فإنه يفيد المعنى وإن ~~كان مجازا ، وكذا قوله تعالى ( { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } ) ومن ~~المعلوم أن المراد : الأعين التي في الوجوه وقد احتج الإمام أحمد رضي الله ~~تعالى عنه بهذه الآية على وجوب النظر يوم القيامة . PageV01P188 وأيضا : ~~فإن المجاز قد يكون أسبق إلى القلب ، كقول الإنسان : لزيد علي درهم ، فإنه ~~مجاز وهو أسبق إلى الفهم من قوله : يلزمني لزيد درهم ( ولا يقاس عليه ) أي ~~على المجاز . لأن علاقته ليست مطردة ( ويستلزم ) المجاز ( الحقيقة ) لأنه ~~فرع والحقيقة أصل ، ومتى وجد الفرع وجد الأصل . وأيضا : فإنه لو لم ~~يستلزمها لعري الوضع عن الفائدة ( ولا تستلزمه ) أي ولا تستلزم الحقيقة ~~المجاز ، لأن اللغة طافحة بحقائق لا مجازات لها ( ولفظاهما ) أي لفظ حقيقة ~~، ولفظ مجاز ( حقيقتان عرفا ) أي في اصطلاح أهل العرف ؛ لأن واضع اللغة لم ~~يستعملهما فيما استعملهما فيه أهل PageV01P189 العرف و ( مجازان لغة ) أي ~~في اللغة ، لأنهما منقولان منها . وقد تقدم كيفية نقلهما ( وهما ) أي وكون ~~اللفظ حقيقة أو مجازا ( من عوارض الألفاظ ) . قال الشيخ تقي الدين : وهذا ~~التقسيم حادث بعد القرون الثلاثة ، يعني تقسيم اللفظ إلى حقيقة ومجاز . ( ~~وليس منهما ) أي من الحقيقة ، ولا من المجاز ( لفظ قبل استعماله ) لعدم ركن ~~تصريفهما ، وهو الاستعمال ؛ لأن الاستعمال جزء من مفهوم كل منهما ( ولا ) ~~من الحقيقة والمجاز ( علم متجدد ) قال في شرح التحرير : اختاره الأكثر ، ~~لأن الأعلام وضعت للفرق بين ذات وذات . فلو تجوز فيها ، لبطل هذا الغرض . ~~وأيضا ، فنقلها إلى مسمى آخر إنما هو بوضع مستقل لا لعلاقة . PageV01P190 # | ( فصل ) # ( المجاز واقع ) في اللغة عند الجمهور . واحتج على ذلك بالأسد للشجاع ، ~~والحمار للبليد ، وقامت الحرب على ساق ، وشابت لمة الليل وغير ذلك مما لا ~~يحصر ( وليس ) المجاز ( بأغلب ) من الحقيقة ، خلافا لابن جني ومن تبعه ( ~~وهو ) أي المجاز ( في الحديث ) أي حديث ms054 النبي صلى الله عليه وسلم ( و ) في ~~( القرآن ) لقوله تعالى ( { تجري من تحتها الأنهار } ) و ( { الحج أشهر ~~معلومات } ) ، ( { واخفض لهما جناح الذل } ) ، ( { واشتعل الرأس شيبا } ) ( ~~{ وجزاء سيئة سيئة مثلها } ) ، ( { الله يستهزئ بهم } ) وغير ذلك كثير . ~~وهذا الصحيح عند الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه . وأكثر أصحابه . ~~PageV01P191 قال القاضي : نص الإمام أحمد على أن المجاز في القرآن . فقال ~~في قوله تعالى ( { إنا نحن نحيي ونميت } ) و { نعلم } و { منتقمون } هذا من ~~مجاز اللغة يقول الرجل : إنا سنجري عليك رزقك . وعنه رواية أخرى : ليس في ~~القرآن منه شيء . حكاه الفخر إسماعيل . واختاره ابن حامد ( وليس فيه ) أي ~~في القرآن لفظ ( غير علم إلا عربي ) اختاره من أصحابنا أبو بكر عبد العزيز ~~، والقاضي ، وأبو الخطاب ، وابن عقيل ، PageV01P192 والمجد وأكثر العلماء ، ~~منهم الإمام الشافعي ، وأبو عبيد ، وابن جرير ، والباقلاني ، وابن فارس ~~وغيرهم ، لما يدل على ذلك من الآيات الكثيرة الواردة في القرآن . ~~PageV01P193 وذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وعكرمة ومجاهد ، وسعيد ~~بن جبير ، وعطاء ، وغيرهم : إلى أن فيه ألفاظا بغير العربية ، ونقل عن أبي ~~عبيد أنه قال : الصواب عندي مذهب فيه PageV01P194 تصديق القولين جميعا . ~~وذلك : أن هذه [ الأحرف ] أصولها أعجمية كما قال الفقهاء ، لكنها وقعت ~~للعرب . فعربت بألسنتها ، وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها فصارت عربية ~~، ثم نزل القرآن - وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب - فمن قال : إنها ~~عربية فهو صادق [ ومن قال أعجمية فصادق ] ( ومجاز راجح ) أي والعمل بمجاز ~~راجح ( أولى ) بالحكم ( من حقيقة مرجوحة ) وقيل : هي ما لم تهجر . وتنقسم ~~مسألة تعارض الحقيقة والمجاز إلى أربعة أقسام : الأول : أن يكون المجاز ~~مرجوحا لا يفهم إلا بقرينة . كالأسد للشجاع فيقدم في هذا القسم الحقيقة ~~لرجحانها PageV01P195 القسم الثاني : أن يغلب استعماله ، حتى يساوي الحقيقة ~~. فتقدم الحقيقة أيضا لعدم رجحان المجاز . القسم الثالث : أن يكون المجاز ~~راجحا ، والحقيقة مماتة ، لا تراد في العرف فيقدم المجاز ؛ لأنه إما حقيقة ~~شرعية كالصلاة ، أو عرفية كالدابة . فلا خلاف في تقديمه على الحقيقة ~~اللغوية . مثاله : لو حلف لا ms055 يأكل من هذه النخلة . فأكل من ثمرها حنث ، وإن ~~أكل من خشبها لم يحنث ، وإن كان الخشب هو الحقيقة القسم الرابع : أن يكون ~~المجاز راجحا ، والحقيقة تتعاهد في بعض الأوقات . فهذه محل الخلاف عند ~~الأكثر . كما لو حلف ليشربن من هذا النهر . فهو حقيقة في الكرع منه بفيه ، ~~ولو اغترف بكوز وشرب فهو مجاز ؛ لأنه شرب من الكوز ، لا من النهر ، لكنه ~~مجاز راجح يتبادر إلى الفهم . فيكون أولى من الحقيقة ، وإن كانت قد تراد ؛ ~~لأن كثيرا من الرعاء وغيرهم يكرع بفيه . ( ولو لم ينتظم كلام ) أي لو لم ~~يصح الكلام ( إلا بارتكاب مجاز زيادة أو ) بارتكاب مجاز ( نقص ) ( فنقص ) ~~أي فارتكاب مجاز نقص ( أولى ) لأن الحذف في كلام العرب أكثر من الزيادة . ~~قاله كثير من العلماء . PageV01P196 ويتفرع على ذلك مسألة فقهية . وهي ما ~~إذا قال لزوجتيه : إن حضتما حيضة فأنتما طالقتان ، إذ لا شك في استحالة ~~اشتراكهما في حيضة ، وتصحيح الكلام هنا : إما بدعوى زيادة لفظ ' حيضة ' ~~فكأنه اقتصر على إن حضتما ، وإما بدعوى الإضمار . وتقديره : إن حاضت كل ~~واحدة منكما حيضة ، وفي المسألة لأصحابنا أربعة أوجه . أحدها : سلوك ~~الزيادة ، ويصير التقدير : إن حضتما فأنتما طالقتان ، فإذا طعنتا في الحيض ~~طلقتا . وهو قول القاضي أبي يعلى وغيره ، وهو المشهور في المذهب والوجه ~~الثاني : سلوك النقص ، وهو الإضمار ، فلا تطلق واحدة منهما حتى تحيض كل ~~واحدة حيضة ، ويكون التقدير كما تقدم : إن حاضت كل واحدة منكما حيضة فأنتما ~~طالقتان . نظيره قوله تعالى ( { فاجلدوهم ثمانين جلدة } ) أي اجلدوا كل ~~واحد منهما ثمانين جلدة وهو قول الموفق ، والمجد والشارح وابن حمدان وغيرهم ~~، وهو موافق للقاعدة . والوجه الثالث : يطلقان بحيضة من إحداهما ، لأنه لما ~~تعذر وجود الفعل منهما وجب إضافته إلى إحداهما ، كقوله تعالى ( { يخرج ~~منهما اللؤلؤ PageV01P197 والمرجان } ) وإنما يخرج من أحدهما . والوجه ~~الرابع : لا يطلقان بحال ، بناء على أنه لا يقع الطلاق المعلق على المحال . ~~PageV01P198 # | فصل في الكناية والتعريض # والبحث فيهما من وظيفة علماء المعاني والبيان ، لكن لما اختلف في الكناية ~~، هل ms056 هي حقيقة أو مجاز ؟ . أو منها حقيقة ومنها مجاز : ذكرت ليعرف ذلك ، ~~وذكر معها التعريض استطرادا . ثم ( الكناية حقيقة إن استعمل اللفظ في معناه ~~) الموضوع له أو لا ( وأريد لازم المعنى ) الموضوع له ، كقولهم ' كثير ~~الرماد ' يكنون به عن كرمه . فكثرة الرماد مستعمل في معناه الحقيقي ، ولكن ~~أريد به لازمه ، وهو الكرم ، وإن كان بواسطة لازم آخر ، لأن لازم كثرة ~~الرماد كثرة الطبخ ، ولازم كثرة الطبخ كثرة الضيفان ، ولازم كثرة الضيفان ~~الكرم ، وكل ذلك عادة . فالدلالة على المعنى الأصلي بالوضع ، وعلى اللازم ~~بانتقال الذهن من الملزوم إلى اللازم ، ومثله قولهم : ' طويل النجاد ' ~~كناية عن طول القامة ، لأن نجاد PageV01P199 الطويل يكون طويلا بحسب العادة ~~، وعلى هذا فهو حقيقة ، لأنه استعمل في معناه ، وإن أريد به اللازم فلا ~~تنافي بينهما . ( ومجاز ) يعني وتكون الكناية مجازا ( إن لم يرد المعنى ) ~~الحقيقي وعبر بالملزوم ( عن اللازم ) بأن يطلق المتكلم كثرة الرماد على ~~اللازم ، وهو الكرم وطول النجاد على اللازم ، وهو طول القامة ، من غير ~~ملاحظة الحقيقة أصلا فهذا يكون مجازا ، لأنه استعمل في غير معناه . ~~والعلاقة فيه : إطلاق الملزوم على اللازم ، وما ذكرناه : هو أحد الأقوال في ~~الكناية ، وهو الذي قدمه في التحرير والقول الثاني : أن لفظ الكناية حقيقة ~~مطلقا . قال بعضهم : وهو الأصح . قال الكوراني : الجمهور أنها من الحقيقة ، ~~وتبعهم ابن عبد السلام في كتاب المجاز . فقال : والظاهر أن الكناية ليست من ~~المجاز ؛ لأنها وإن استعملت [ اللفظ ] فيما وضع له ، لكن أريد به الدلالة ~~على PageV01P200 غيره . كدليل الخطاب في قوله تعالى ( { فلا تقل لهما أف } ~~) وكذا نهيه صلى الله عليه وسلم عن التضحية بالعوراء والعرجاء . والقول ~~الثالث : أنه مجاز مطلقا ، نظرا إلى المراد منه ، وهو مقتضى قول صاحب ~~الكشاف عند قوله تعالى ( { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو ~~أكننتم في أنفسكم } ) حيث فسر الكناية بأن يذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له ~~. والقول الرابع : أنها ليست بحقيقة ولا مجاز . وهو قول PageV01P201 ~~السكاكي وتبعه في التخليص ( والتعريض حقيقة ، وهو لفظ مستعمل ms057 في معناه مع ~~التلويح بغيره ) أي بغير ذلك المعنى المستعمل فيه ، مأخوذ من العرض - بالضم ~~- وهو الجانب . فكأن اللفظ واقع في جانب عن المعنى الذي لوح به ، ومن ذلك ~~قول سيدنا إبراهيم صلى الله عليه وسلم وعلى سيدنا محمد ( { بل فعله كبيرهم ~~هذا } ) [ أي ] غضب أن عبدت هذه الأصنام معه فكسرها ، وإنما قصده التلويح ~~أن الله سبحانه وتعالى يغضب أن يعبد غيره ممن ليس بإله من طريق الأولى . ~~وبذلك يعلم أن اللفظ - وإن لم يطابق معناه الحقيقي في الخارج - لا يكون ~~كذبا إذا كان المراد به التوصل إلى غيره بكناية كما سبق ، وتعريض ~~PageV01P202 كما هنا ، وإن سمي كذبا فمجاز باعتبار الصورة ، كما جاء [ في ~~الحديث الشريف ] { لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات } المراد : صورة ذلك ، ~~وهو في نفسه حق وصدق . PageV01P203 # | ( فصل ) # الاشتقاق : من أشرف علوم العربية وأدقها وأنفعها ، وأكثرها ردا إلى ~~أبوابها ، ألا ترى أن مدار علم التصريف في معرفة الزائد من الأصلي عليه ، ~~حتى قال بعضهم : لو حذفت المصادر ، وارتفع الاشتقاق من كل كلام : لم توجد ~~صفة لموصوف ، ولا فعل لفاعل . وجميع النحاة إذا أرادوا أن يعلموا الزائد من ~~الأصلي في الكلام ، نظروا في الاشتقاق ، وهو افتعال من قولك ' اشتققت ' كذا ~~من كذا ، أي اقتطعته منه . ومنه قول الفرزدق مشتقة من رسول الله نبعته ~~PageV01P204 وحكي في الاشتقاق في اللغة ثلاثة أقوال . أحدها - وهو الصحيح - ~~أن اللفظ ينقسم إلى مشتق وجامد ، وهو قول الخليل وسيبويه ، والأصمعي وأبي ~~عبيد ، وقطرب ، وعليه العمل . والقول الثاني : أن الألفاظ كلها جامدة ~~موضوعة ، وبه قال نفطويه من الظاهرية . واسمه محمد بن إبراهيم . ~~PageV01P205 والقول الثالث : أن الألفاظ كلها مشتقة ، وهو قول الزجاج ، ~~وابن درستويه . وغيرهما ، حتى قال ابن جني : الاشتقاق يقع في الحروف فإن ' ~~نعم ' حرف جواب ، والنعم والنعيم والنعماء ونحوها مشتقة منه . وسيأتي في ~~المتن انقسامه إلى أصغر وأكبر وأوسط . إذا علمت ذلك : فحد الأصغر ( رد لفظ ~~إلى آخر ) فدخل الاسم والفعل ( لموافقته ) أي المردود ( له ) أي للمردود ~~إليه ( في الحروف الأصلية ) سواء كانت موجودة ms058 أو مقدرة ، ليدخل الأمر من ~~نحو : الأكل والخوف والوقاية ( و ) لوجود ( مناسبته ) أي مناسبة المشتق ~~للمشتق منه ( في المعنى ) احترازا من مثل اللحم والملح والحلم ، فإن كلا ~~منها يوافق الآخرين في حروفه الأصلية . ومع ذلك فلا اشتقاق بينها ، لانتفاء ~~المناسبة في المعنى PageV01P206 لاختلاف مدلولاتها ثم اعلم أن للاشتقاق ~~أربعة أركان . الأول : المشتق . والثاني : المشتق منه . والثالث : الموافقة ~~في الحروف الأصلية . والرابع : المناسبة في المعنى مع التغيير ، لأنه لو لم ~~يحصل تغيير لم يصدق كون المشتق غير المشتق منه . وهذا هو المراد بقوله ( ~~ولا بد من تغيير ) وهو خمسة عشر نوعا ؛ لأنه إما بزيادة حرف ، أو حركة . أو ~~هما معا ، أو نقصان حرف ، أو حركة ، أو هما معا ، أو زيادة حرف ونقصانه ، ~~أو زيادة حركة ونقصانها ، أو زيادة حرف ونقصان حركة . أو زيادة حركة ونقصان ~~حرف ، عكس الذي قبله ، أو زيادة حرف مع زيادة حركة ونقصانها ، أو زيادة ~~حركة مع زيادة حرف ونقصانه ، عكس الذي قبله ، أو نقصان حرف مع زيادة حركة ~~ونقصانها ، أو نقصان حركة مع زيادة حرف ونقصانه ، [ أو زيادة حرف وحركة معا ~~مع نقصان حرف وحركة معا ] ، وذلك : لأن التغيير إما تغيير واحد ، أو ~~تغييران ، أو ثلاثة ، أو أربعة . PageV01P207 فالتغيير الواحد : في أربعة ~~أماكن . الأول : زيادة حرف نحو : كاذب من الكذب ، زيدت الألف بعد الكاف ، ~~والثاني : زيادة حركة نحو : نصر ماض . مأخذه من النصر ، والثالث : نقصان ~~حرف ، كصهل من الصهيل . نقصت الياء والرابع : نقصان الحركة ، كسفر - بسكون ~~الفاء - جمع مسافر ، من سفر . وأما التغييران : فستة أنواع الأول : زيادة ~~حرف ونقصانه كصاهل من الصهيل ، زيدت الألف ونقص الياء ، الثاني : زيادة ~~الحركة والحرف ، كضارب من الضرب . زيدت الألف وحركت الراء ، الثالث : نقصان ~~الحركة والحرف ، كغلي من الغليان . نقص الألف والنون ونقصت فتحة الياء . ~~الرابع : زيادة الحركة ونقصانها ، نحو : حذر ، اسم فاعل من الحذر - بفتح ~~الذال المعجمة - حذفت فتحة الذال وزيدت كسرتها PageV01P208 الخامس : زيادة ~~الحرف ونقصان الحركة ، كعاد - بتشديد الدال - اسم فاعل من العدد ، زيدت ~~الألف ونقصت حركة الدال . السادس : زيادة ms059 حركة ونقصان حرف ، كرجع من الرجعى ~~. وأما التغييرات الثلاثة : ففي أربعة أنواع : الأول : زيادة الحرف مع ~~زيادة الحركة ونقصانها . كموعد من الوعد . زيدت الميم وكسرت العين ونقص منه ~~فتح الواو . الثاني : زيادة الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه ، كمكمل اسم ~~فاعل أو مفعول من الكمال ، زيدت فيه الميم وضمتها ، ونقصت الألف ، الثالث : ~~نقصان حرف مع زيادة حركة ونقصانها ، كقنط . اسم فاعل من القنوط . الرابع : ~~نقصان الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه ككال - بتشديد اللام - اسم فاعل من ~~الكلال ، نقصت حركة اللام الأولى للإدغام . ونقصت الألف التي بين اللامين ~~وزيدت الألف قبل اللامين . وأما التغييرات الأربعة : ففي موضع واحد ، وهو ~~زيادة الحرف والحركة معا ونقصانهما معا ، ككامل من الكمال ، ومثلوه أيضا ب ~~' ارم ' - أمر - من الرمي ، والله أعلم . PageV01P209 ثم التغيير تارة يكون ~~ظاهرا - كما تقدم - وتارة يكون مقدرا ، وهو المشار إليه بقوله ( ولو ) أي ~~ولو كان التغيير ( تقديرا ) وذلك : كفلك وجنب ، مفردا وجمعا ، فإذا أريد ~~الجمع في الفلك يؤنث ، وإذا أريد الواحد يذكر فالواحد منه ، كقوله تعالى ( ~~{ إذ أبق إلى الفلك المشحون } ) والجمع كقوله تعالى ( { حتى إذا كنتم في ~~الفلك وجرين بهم } ) وطلب طلبا ، وهرب هربا وجلب جلبا ونحوها . فالتغيير ~~حاصل ، ولكنه مقدر فإن سيبويه قدر زوال النون التي في ' جنب ' حال إطلاقه ~~على المفرد في قولك : رجل جنب ، وقدر الإتيان بغيرها حال إطلاقه على الجمع ~~في قوله تعالى ( { وإن كنتم جنبا فاطهروا } ) وأن ضمة النون في المفرد غير ~~ضمة النون التي في الجمع . تقديرا ( و ) اللفظ ( المشتق فرع وافق أصلا ) ~~والأصل هنا هو اللفظ المشتق منه الفرع ، وكانت الموافقة ( بحروفه الأصول ~~ومعناه ) فقولنا ' بحروفه الأصول ' لتخرج الكلمات التي توافق أصلا بمعناه ، ~~دون حروفه كالحبس والمنع . وقولنا ' ومعناه ' ليحترز به عن مثل PageV01P210 ~~الذهب ، فإنه يوافق أصلا . وهو الذهاب في حروفه الأصول ، ولكن غير موافق له ~~في معناه . إذا علمت ذلك ( ففي ) الاشتقاق ( الأصغر ، وهو المحدود ) يشترط ~~كون المشتق والمشتق منه ( يتفقان في الحروف والترتيب ) . ( كنصر من النصر ) ~~وهذا الذي ينصرف إليه إطلاق الاشتقاق ms060 ، من غير قيد ( و ) يشترط ( في ) ~~الاشتقاق ( الأوسط ) كون المشتق والمشتق منه يتفقان ( في الحروف ) دون ~~الترتيب ، كجبذ من الجذب ، فإن الباء مقدمة على الذال في جبذ ، مؤخرة عن ~~الذال في الجذب . ( و ) يكفي ( في ) الاشتقاق ( الأكبر ) أن يتفق المشتق ~~والمشتق منه ( في مخرج حروف الحلق ) ( أو الشفة ، كنعق وثلم من النهيق ~~والثلب ) فصورة اتفاقهما في مخرج حروف الحلق . نعق من النهيق . فإن الهاء ~~والعين من حروف الحلق ، وصورة اتفاقهما في مخرج حروف الشفة ثلم من الثلب ، ~~فإن الميم والباء من حروف الشفة ، والأكثر لم يثبتوا الاشتقاق الأكبر . قال ~~أبو حيان : ولم يقل PageV01P211 به من النحاة إلا أبو الفتح . والصحيح : ~~أنه غير معول عليه لعدم اطراده ( ويطرد ) الاشتقاق فيما هو ( كاسم الفاعل ) ~~كضارب ( ونحوه ) كاسم المفعول كمضروب . والصفة المشبهة ، كالحسن الوجه ، ~~وأفعل التفضيل : كأكبر ، واسم المكان : كملعب ، واسم الزمان : كالموسم ، ~~واسم الآلة : كالميزان ( وقد يختص ) فلا يطرد ( كالقارورة ) فإنها مختصة ~~بالزجاجة ، وإن كانت مأخوذة من القر في الشيء ، ولم يطردوا ذلك إلى كل ما ~~يقر فيه الشيء من خشب أو خزف أو غير ذلك . وكالدبران منزلة للقمر ، وإن كان ~~من الدبور ، فلا يطلق على كل ما هو موصوف بالدبور ، بل يختص بمجموع خمسة ~~كواكب من الثور ، وهو المنزل الرابع من منازل القمر المعاقب للثريا . ~~PageV01P212 وكذلك العيوق والسماك قاله العضد . وكأن عدم الاطراد ، لكون ~~التسمية لا لهذا المعنى فقط ، بل لمصاحبته له ، وفرق بين تسمية العين لوجود ~~المشتق منه فيه ، وهو الاطرادي ، أو لوجوده فيه . وهو ما لا يطرد . ( ~~وإطلاقه ) أي : إطلاق الوصف المشتق على شيء ( قبل وجود الصفة ) أي قبل قيام ~~الوصف ( المشتق منها ) بذلك الشيء ( مجاز ) وحكي إجماعا ( إن أريد الفعل - ~~) كقولنا مثلا : زيد بائع ، قبل وجود البيع منه ، وهو ( حقيقة إن أريدت ~~الصفة ) المشبهة باسم الفاعل ( كسيف قطوع PageV01P213 ونحوه ) ، كخبز مشبع ~~، وخمر مسكر وماء مرو ( فأما صفات الله تعالى فقديمة وحقيقة ) عند أحمد ~~وأصحابه . وأكثر أهل السنة . قال الحافظ أبو الفضل بن حجر في شرح البخاري : ~~اختلفوا هل ms061 صفة الفعل قديمة أو حادثة ؟ فقال جماعة من السلف ، منهم أبو ~~حنيفة : هي قديمة . وقال آخرون ، منهم ابن كلاب والأشعري : هي حادثة ، لئلا ~~[ يلزم أن ] يكون المخلوق قديما وأجاب الأولون بأنه يوجد في الأزل صفة ~~الخلق ، ولا مخلوق . فأجاب الأشعري بأنه لا يكون خلق ولا مخلوق ، كما لا ~~يكون ضارب ولا مضروب . فألزموه بحدوث صفاته ، فيلزم حلول الحوادث بالله ~~تعالى . فأجاب بأن هذه الصفات لا تحدث في الذات شيئا جديدا . فتعقب بأنه ~~يلزم أن لا يسمى في الأزل خالقا ولا رازقا . وكلام الله سبحانه وتعالى قديم ~~وقد ثبت فيه أنه الخالق الرازق . PageV01P214 فانفصل بعض الأشعرية بأن ~~إطلاق ذلك إنما هو بطريق المجاز ، وليس المراد بعدم التسمية عدمها بطريق ~~الحقيقة . ولم يرتضه بعضهم ، بل قال - وهو المنقول عن الأشعري نفسه - : إن ~~الأسامي جارية مجرى الأعلام ، والعلم ليس بحقيقة ولا مجاز في اللغة ، وأما ~~في الشرع : فلفظ الخالق والرازق صادق عليه تعالى بالحقيقة الشرعية ، والبحث ~~إنما هو فيها ، لا في الحقيقة اللغوية . فألزموه : بتجويز إطلاق اسم الفاعل ~~على من لم يقم به الفعل فأجاب بأن الإطلاق هنا شرعي لا لغوي . انتهى كلام ~~الحافظ وقال : تصرف البخاري في هذا الموضع يقتضي موافقة القول الأول . ~~والصائر إليه يسلم من الوقوع في مسألة حوادث لا أول لها . PageV01P215 ونفت ~~المعتزلة جميع الصفات وقالوا : إما أن تكون حادثة . فيلزم قيام الحوادث ~~بذاته تعالى ، وإما أن تكون قديمة فيلزم تعدد القدماء . وهو كفر . وأجيب عن ~~ذلك بأنا لا نسلم تغاير الذات مع الصفات ولا الصفات بعضها مع البعض ، ليثبت ~~التعدد . فإن الغيرين هما اللذان يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر بمكان أو ~~زمان ، أو بوجود وعدم ، أوهما ذاتان ليست إحداهما الأخرى وتفسيرهما ~~بالشيئين ، أو الموجودين ، أو الاثنين فاسد ، لأن ' الغير ' من الأسماء ~~الإضافية ، ولا إشعار في هذا التفسير بذلك . قاله في شرح المقاصد . ( و ) ~~اللفظ ( المشتق حال وجود الصفة ) أي قيامها بالموصوف . كقولنا لمن يضرب حال ~~وجود الضرب منه : ضارب ( حقيقة ) إجماعا ( وبعد انقضائها ) أي انقضاء وجود ~~الصفة ، وهو ms062 الفراغ من الضرب ( مجاز ) عند القاضي ، وابن عقيل ، والحنفية ، ~~والرازي وأتباعه ، باعتبار ما كان ، وعند ابن حمدان وغيره وحكي عن أكثر ~~الحنفية - واختاره أبو الطيب - أنه حقيقة عقب الفعل ، PageV01P216 وقال ~~القاضي أيضا وأبو الخطاب ، وجمع : إن لم يمكن بقاء المعنى ، كالمصادر ~~السيالة ، كالكلام والتحرك ونحوهما ، فحقيقة ، وإلا فمجاز ، كالقيام ونحوه ~~، واحتج لما في المتن ، بأنه يصح نفيه فيصدق بعد انقضائها : أنه ليس بضارب ~~في الحال ، والسلب المطلق جزء المقيد ، وأما إطلاق المؤمن على الميت فحقيقة ~~؛ لأن الإيمان لا يفارقه بالموت . قال الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى : ~~وهذه هي مسألة النبوة ، ولا تزول بالموت . وبسببها جرت المحنة على الأشعرية ~~في زمن ملك خراسان محمود بن سبكتكين [ والقاضي وسائر أهل السنة أنكروا ~~عليهم PageV01P217 هذا ] ، حتى صنف البيهقي ' حياة الأنبياء في قبورهم ' ~~ويستثنى من محل الخلاف ثلاث مسائل : الأولى : لو طرأ على المحل وصف وجودي ~~يناقض الأول ، كتسمية اليقظان نائما باعتبار نوم سابق ، فمجاز إجماعا ، ~~الثانية : لو منع مانع من خارج من إطلاقه ، فلا حقيقة ولا مجاز ، كإطلاق ~~الكافر على من أسلم باعتبار كفر سابق ، والمنع من ذلك ، لما فيه من إهانة ~~المسلم والإخلال بتعظيمه . الثالثة : قال القرافي محل الخلاف : إذا كان ~~المشتق محكوما به كزيد مشرك أو سارق ، أما إذا كان تعلق الحكم ، وهو ~~المحكوم عليه ، ك ( { الزانية والزاني فاجلدوا } ) ( { والسارق والسارقة ~~PageV01P218 فاقطعوا } ) فهو حقيقة مطلقة فيمن اتصف به في الماضي والحال ~~والاستقبال ، إذا لو كان مجازا : لكان من زنى ، أو سرق بعد زمان نزول الآية ~~زانيا مجازا ، والخطاب لا يكون مجازا فلا يدخل فيها ؛ لأن الأصل عدم المجاز ~~، ولا قائل بذلك ( وشرطه ) أي : شرط المشتق ، سواء كان اسما أو فعلا ( صدق ~~أصله ) وهو المشتق منه [ عليه ] خلافا للجبائية ، لإطلاقهم العالم على الله ~~تعالى ، وإنكار حصول العلم له . وهذه المسألة ذكرها الأصوليون ليردوا على ~~المعتزلة ، فإنهم ذهبوا إلى مسألة خالفت هذه القاعدة . فإن أبا علي الجبائي ~~وابنه أبا هاشم ذهبوا إلى نفي العلم عنه تعالى . وكذلك الصفات التي أثبتها ~~أئمة الإسلام ms063 ، PageV01P219 لكن قال البرماوي : تحرير النقل عن أبي علي ~~وابنه - كما صرحا به في كتبهما الأصولية - أنهما يقولان : إن العالمية بعلم ~~، لكن علم الله تعالى عين ذاته ، لا أنه عالم بدون علم ، كما اشتهر في ~~النقل عنهما وكذا القول في بقية الصفات . وأما أهل السنة فيعللون العالم ~~بوجود علم قديم قائم بذاته ، وكذا في الباقي . ( وكل اسم معنى قائم بمحل ~~يجب أن يشتق لمحله منه ) أي من ذلك المعنى ( اسم فاعل ) وهذه المسألة من ~~أصول حجج السلف والأئمة . فإنه من المعلوم في فطر الخلق : أن الصفة إذا ~~قامت بمحل اتصف بها ذلك المحل لا غيره فإذا قام العلم بمحل كان هو العالم ~~به لا غيره ، وكذلك إذا قامت القدرة أو الحياة أو غير ذلك من الصفات ، ولا ~~خلاف في ذلك بين أهل السنة وخالف في ذلك المعتزلة ، فسموا الله تعالى ~~متكلما بكلام خلقه في جسم . ولم يسموا ذلك الجسم متكلما ، دليل أهل السنة : ~~الاستقراء ، فإن لغة العرب استقرئت فلم يوجد فيها اسم فاعل مطلق على شيء ~~إلا والمعنى المشتق منه قائم به ، وهو يفيد القطع بذلك ( و ) المشتق مثل ( ~~أبيض ونحوه ) كأسود وضارب ومضروب ( يدل على PageV01P220 ذات متصفة ببياض ) ~~أو سواد أو وجود ضرب ( لا ) على ( خصوصيتها به ) أي لا على أنها مختصة بذلك ~~الوصف ، ثم إن علم منه شيء فهو على طريق الالتزام ، لا باعتبار كونه جزءا ~~من مسماه . والذي يدل على ذلك : أن قولنا إن الأبيض جسم مستقيم ، ولو دل ~~الأسود على خصوص الاسم ، لكان غير مستقيم ؛ لأنه حينئذ يكون معناه : الجسم ~~ذو السواد جسم ، وهو غير مستقيم ، للزوم التكرار بلا فائدة ، وما أحسن ما ~~قرره بعضهم بقوله : المشتق لا إشعار له بخصوصية الذات . فالأسود - مثلا - ~~ذات لها سواد ، ولا يدل على حيوان ، ولا غيره . والحيوان : ذات لها حياة ، ~~لا خصوص إنسان ولا غيره ( والخلق غير المخلوق ، وهو ) أي الخلق ( فعل الرب ~~تعالى قائم به ، مغاير لصفة القدرة ) وهذا الصحيح عند أكثر أصحابنا والقاضي ~~أخيرا ، وأئمة الشافعية وأهل الأثر ms064 . قال الشيخ تقي الدين : الخلق فعل الله ~~تعالى القائم به ، والمخلوقات المنفصلة عنه ، وحكاه البغوي عن أهل السنة ، ~~ونقله البخاري عن العلماء مطلقا ، فقال : قال علماء السلف : إن خلق الرب ~~تعالى للعالم ليس هو PageV01P221 المخلوق ، بل فعله القائم به غير مخلوق . ~~انتهى . ذكره في كتاب خلق أفعال العباد ، وهو قول الكرامية ، وكثير من ~~المعتزلة وعند القاضي أولا وابن عقيل ، وابن الزاغوني ، والأشعرية ، وأكثر ~~المعتزلة : أن الخلق المخلوق . قال الشيخ تقي الدين : ذهب هؤلاء إلى أن ~~الله تعالى ليس له صفة ذاتية من أفعاله وإنما الخلق هو المخلوق ، أو مجرد ~~نسبة ، أو إضافة ، وعند هؤلاء : حال الذات التي تخلق وترزق ولا تخلق ولا ~~ترزق سواء . انتهى . والرب لا يوصف بما هو مخلوق له ، وإنما يوصف بما هو ~~قائم به . PageV01P222 # | ( فائدة : ) # ( تثبت اللغة قياسا فيما ) أي في لفظ ( وضع لمعنى دار معه ) أي مع اللفظ ~~( وجودا وعدما ) ، ( كخمر لنبيذ ) لتخمير العقل ( ونحوه ) كسارق لنباش ، ~~لأخذ خفية ، وزان للائط ، للوطء المحرم ، وعلى هذا أكثر أصحابنا ، وابن ~~سريج ، وأبو إسحاق الشيرازي والفخر الرازي ، وغيرهم . ونقله الأستاذ أبو ~~منصور عن نص الشافعي فإنه قال في الشفعة : إن الشريك جار قياسا على تسمية ~~امرأة الرجل جاره . وكذا قال ابن فورك : إنه الظاهر من مذهب الشافعي ، أنه ~~قال : الشريك جار . PageV01P223 وقيل : لا تثبت قياسا مطلقا . اختاره أبو ~~الخطاب ، والصيرفي ، وأبو بكر الباقلاني في التقريب . وفائدة الخلاف : أن ~~المثبت للقياس في اللغة يستغني عن القياس الشرعي . فيكون إيجاب الحد على ~~شارب النبيذ ، والقطع على النباش بالنص ، ومن أنكر القياس في اللغة جعل ~~ثبوت ذلك بالشرع ( والإجماع على منعه ) أي : منع القياس ( في علم ولقب وصفة ~~. وكذا مثل إنسان ورجل ، ورفع فاعل ) قال ابن مفلح في أصوله : الإجماع على ~~منعه في الأعلام والألقاب ، وذكره جماعة ، منهم : ابن عقيل لوضعهما لغير ~~معنى جامع والقياس فرعه PageV01P224 . ومثله : هذا سيبويه زمانه ، مجاز عن ~~حافظ كتابه ، والإجماع على منعه في الصفات ، لأن العالم من قام به العلم ~~فيجب طرده ، فإطلاقه بوضع اللغة ، وكذا ms065 مثل : إنسان ورجل ورفع الفاعل ، فلا ~~وجه لجعله دليلا . اه . PageV01P225 # | ( الحروف ) # أي هذا فصل بيان معنى الحروف . قال القاضي عضد الدين قد قال النحاة : إن ~~الحرف لا يستقل بالمعنى . وعليه إشكال . فتقرر المراد أولا ، والإشارة إلى ~~الإشكال ثانيا ، وحله ثالثا . أما تقريره : فهو أن نحو ' من ' و ' إلى ' ~~مشروط في وضعها دالة على معناها الإفرادي ، وهو الابتداء والانتهاء . وذكر ~~متعلقها من دار أو سوق أو غيرهما ، مما يدخل عليه الحرف ، ومنه الابتداء ، ~~وإليه الانتهاء . والاسم نحو الابتداء والانتهاء ، والفعل نحو ' ابتدأ ~~وانتهى ' غير مشروط فيه ذلك . وأما الإشكال : فهو أن نحو : ذو ، وأولو ، ~~أولات ، وقيد ، وقيس ، وقاب ، وأي ، وبعض ، وكل ، وفوق ، وتحت ، وأمام ، ~~وقدام ، وخلف ، ووراء : مما لا يحصى كذلك ، إذ لم يجوز الواضع استعمالها ~~إلا بمتعلقاتها . فكان يجب كونها حروفا . وإنها أسماء . وأما الحل : فهو ~~أنها - وإن لم يتفق استعمالها إلا كذلك ، لأمر ما عرض . فغير مشروط في ~~وضعها [ دالة ] ذلك لما علم أن ' ذو ' بمعنى PageV01P226 صاحب ويفهم منه ~~عند الإفراد ذلك ، ولكن وضعه له لغرض ما ، وهو التوصل به إلى الوصف بأسماء ~~الأجناس ، في نحو : زيد ذو مال : وذو فرس ، فوضعه ليتوصل به إلى ذلك هو ~~الذي اقتضى ذكر المضاف إليه . لا أنه لو ذكر دونه لم يدل على معناه نعم لم ~~يحصل الغرض من وضعه ، والفرق بين عدم فهم المعنى ، وبين عدم فائدة الوضع مع ~~فهم المعنى ظاهر وكذلك ' فوق ' وضع لمكان له علو . ويفهم منه عند الانفراد ~~ذلك ، ولكن وضعه له ليتوصل [ به ] إلى علو خاص ، اقتضى ذكر المضاف إليه ~~وكذلك باقي الألفاظ . وإذ قد تحقق ذلك فنقول : الحرف : ما وضع باعتبار معنى ~~عام ، وهو نوع من النسبة كالابتداء والانتهاء ، لكل ابتداء أو انتهاء معين ~~بخصوصه والنسبة لا تتعين إلا بالمنسوب إليه . فالابتداء الذي للبصرة يتعين ~~بالبصرة . والانتهاء الذي للكوفة يتعين بالكوفة فما لم يذكر PageV01P227 ~~متعلقه ، لا يتحصل فرد من ذلك النوع الذي هو مدلول الحرف ، لا في العقل ولا ~~في الخارج ، وإنما يتحصل بالمنسوب إليه ms066 ، فيتعقل بتعقله ، بخلاف ما وضع ~~للنوع بعينه . كالابتداء والانتهاء ، [ و ] بخلاف ما وضع لذات ما باعتبار ~~نسبة . نحو ' ذو وفوق وعلى ، وعن ، والكاف ' إذا أريد بها علو وتجاوز وشبه ~~مطلقا . فهو كالابتداء [ والانتهاء ] ا ه . والمراد بالحروف هنا : ما يحتاج ~~الفقيه إلى معرفته من معاني الألفاظ المفردة ، لا الحرف الذي هو قسيم الاسم ~~والفعل لأنه قد ذكر معها أسماء . كإذا وإذ . وأطلق عليها لفظ الحروف تغليبا ~~. باعتبار الأكثر . PageV01P228 # | الواو # ( الواو العاطفة ) تكون ( لمطلق الجمع ) أي : القدر المشترك بين الترتيب ~~والمعية . عند الأئمة الأربعة وأكثر النحاة ، وهي تارة تعطف الشيء على ~~صاحبه ، كقوله تعالى ( { فأنجيناه وأصحاب السفينة } ) وعلى سابقه كقوله ~~تعالى ( { ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم } ) وعلى لاحقه كقوله تعالى ( { كذلك ~~يوحي إليك وإلى الذين من قبلك } ) فعلى هذا إذا قيل ' قام زيد وعمرو ' ~~احتمل ثلاث معان : PageV01P229 المعية عند الأئمة الأربعة وأكثر النحاة ~~والترتيب ، وعدمه . قال ابن مالك : وكونها للمعية راجح ، وللترتيب كثير ، ~~ولعكسه قليل ، ويجوز أن يكون بين متعاطفيها تفاوت أو تراخ نحو ( { إنا ~~رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين } ) والتعبير بكونها لمطلق الجمع ، كما في ~~المتن : هو الصحيح . وأما من عبر بكونها للجمع المطلق ، فليس بواف بالمراد ~~؛ لأن المطلق هو الذي لم يقيد بشيء ، فيدخل فيه صورة واحدة ، وهو قولنا ~~مثلا : قام زيد وعمرو فلا يدخل فيه القيد بالمعية ، ولا بالتقديم ، ولا ~~بالتأخير لخروجها بالتقييد عن الإطلاق . وأما مطلق الجمع : فمعناه : أي جمع ~~كان . فحينئذ تدخل فيه الصور كلها ، ومما يشبه ذلك : مطلق الأمر ، والأمر ~~المطلق ، فإذا قلت ' الأمر المطلق ' فقد أدخلت اللام على الأمر ، وهي تفيد ~~العموم والشمول ، ثم وصفته بعد ذلك بالإطلاق ، بمعنى أنه لم يقيد بقيد يوجب ~~تخصيصه من شرط أو صفة أو غيرهما . فهو عام في كل فرد من الأفراد التي هذا ~~شأنها . وأما مطلق الأمر : فالإضافة فيه ليست للعموم ، بل للتمييز . فهو ~~قدر مشترك بين مطلق لا عام ، فيصدق بفرد من أفراده . PageV01P230 وعلى هذا ~~: فمطلق البيع ينقسم إلى جائز وغيره . والبيع المطلق للجائز فقط ، والأمر ~~المطلق ms067 للوجوب ، ومطلق الأمر ينقسم إلى واجب ومندوب ، والماء المطلق طهور ، ~~ومطلق الماء ينقسم إلى طهور وغيره . والملك المطلق هو الذي يثبت للحر ، ~~ومطلق الملك يثبت للحر والعبد فإذا قيل : العبد هل يملك أو لا ؟ كان الصواب ~~إثبات مطلق الملك له دون الملك المطلق . وإذا قيل . الفاسق مؤمن أو غير ~~مؤمن ؟ ، فهو على هذا التفصيل . وبهذا التحقيق يزول الإشكال في مسألة ~~المندوب . هل هو مأمور به أم لا ؟ وفي مسألة الفاسق : المسلم هل هو مؤمن أم ~~لا ؟ . ( وتأتي ) الواو ( بمعنى مع ) كقولهم : جاء البرد والطيالسة ، ونحوه ~~من المفعول معه ( و ) تأتي بمعنى ( أو ) كقوله تعالى ( { فانكحوا ما طاب ~~لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع } ) وقوله ( { أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع ~~} ) . ( و ) تأتي بمعنى ( رب ) كقوله : وبلدة ليس بها أنيس PageV01P231 ~~وقول الآخر : ونار لو نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد ( و ) تأتي ~~الواو ( لقسم ) كقوله تعالى ( { والفجر وليال عشر والشفع والوتر والليل إذا ~~يسر } ) ( و ) تأتي ( لاستئناف ) وهو كثير ( و ) تأتي ل ( حال ) أي : بمعنى ~~الحال . نحو جاء زيد والشمس طالعة ، جاء زيد وهو يضحك PageV01P232 # | ( الفاء ) # ( الفاء العاطفة ) تكون ( لترتيب ) وهو قسمان ، معنوي كقام زيد فعمرو . ~~وذكري ، وهو عطف مفصل على مجمل هو هو في المعنى كقوله تعالى ( { فأزلهما ~~الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه } ) ( { فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا ~~أنفسكم } ) ( { فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم } ) ( { فقد سألوا موسى ~~أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة } ) ( { ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني ~~من أهلي } ) وتقول : توضأ فغسل وجهه . وتقول : قال فأحسن ، وخطب فأوجز ، ~~وأعطى فأجزل ( و ) تأتي الفاء أيضا ل ( تعقيب ) وهو كون الثاني بعد الأول ~~بغير مهلة . فكأن الثاني أخذ بعقب الأول في الجملة ( كل بحسبه عرفا ) يعني ~~أن التعقيب يكون في كل شيء بحسبه . تقول : تزوج فلان فولد له ، PageV01P233 ~~إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل وإن طالت . وقطع به ابن هشام في مغني ~~اللبيب . ونقل الرازي وأتباعه . الإجماع : أنها للترتيب والتعقيب ، لكن قال ~~الفراء : إنها لا تدل ms068 على الترتيب ، بل تستعمل في انتفائه . كقوله تعالى ( ~~{ وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا } ) مع أن مجيء البأس مقدم على ~~الإهلاك . وأجيب بأنها للترتيب الذكري ، أو فيه حذف تقديره : أردنا إهلاكها ~~فجاءها بأسنا . ومثله ( { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله } ) ( وتأتي ) ~~الفاء أيضا ( سببية ) وهو كثير في عطف الجمل ، كقوله تعالى ( { فوكزه موسى ~~فقضى عليه } ) ( { فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه } ) وكذا في عطف ~~الصفات . كقوله تعالى ( { لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون ~~فشاربون عليه من الحميم } ) PageV01P234 ( و ) تأتي أيضا ( رابطة ) للجواب ~~. وذلك في ست مسائل : الأولى أن يكون الجواب جملة اسمية . كقوله تعالى ( { ~~وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير } ) وقوله ( { إن تعذبهم فإنهم عبادك ~~وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } ) الثانية : أن تكون فعلية ، وهي ~~التي فعلها جامد نحو ( { إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا فعسى ربي أن يؤتين ~~} ) ( { إن تبدوا الصدقات فنعما هي } ) ( { ومن يكن الشيطان له قرينا فساء ~~قرينا } ) ( { ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء } ) الثالثة : أن يكون ~~فعلها إنشاء نحو ( { إن كنتم تحبون الله فاتبعوني } ) ( { فإن شهدوا فلا ~~تشهد معهم } ) ( { قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين } ) ~~فيه أمران : الاسمية ، والإنشاء . الرابعة : أن يكون فعلها ماضيا لفظا ~~ومعنى . إما حقيقة نحو ( { إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل } ) ، ( { إن كان ~~قميصه قد من قبل فصدقت PageV01P235 وهو من الكاذبين } ) وإما مجازا نحو ( { ~~ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار } ) نزل هذا الفعل لتحقق وقوعه منزلة ~~ما قد وقع الخامسة : أن تقترن بحرف استقبال نحو ( { من يرتد منكم عن دينه ~~فسوف يأتي الله بقوم } ) ( { وما يفعلوا من خير فلن يكفروه } ) السادسة : ~~أن تقترن بحرف له الصدر كقوله : فإن أهلك فذي لهب لظاه علي يكاد يلتهب ~~التهابا لما عرف من أن ' رب ' مقدرة وأن لها الصدر . وأما إتيانها زائدة ~~فاختلفوا فيه فذهب سيبويه ومن تبعه أنها لا تكون زائدة . وأجازه الأخفش في ~~الخبر مطلقا . وحكي : أخوك ms069 فوجد PageV01P236 # | ( ثم ) # ( ثم ) حرف عطف تكون ( لتشريك ) في الأصح بين ما قبلها وما بعدها في ~~الحكم ( و ) تكون أيضا ( لترتيب بمهلة ) أي بتراخ عند الأربعة وغيرهم ، ~~لكنه في المفردات معنوي وفي الجمل ' ذكري ' نحو : إن من ساد ثم ساد أبوه ثم ~~ساد قبل ذلك جده فهو ترتيب في الإخبار لا في الوجود . PageV01P237 # | ( حتى ) # ( حتى ، العاطفة للغاية ) نحو قوله تعالى ( { حتى مطلع الفجر } ) فلا ~~يكون المعطوف بها إلا غاية لما قبلها من زيادة أو نقص نحو : مات الناس حتى ~~الأنبياء ، وقدم الحجاج حتى المشاة ( ولا ترتيب فيها ) فهي كالواو ، فإنك ~~تقول : حفظت القرآن حتى سورة البقرة ، وإن كانت أول ما حفظت أو متوسطا وقيل ~~: هي كالفاء . وقيل : كثم ( ويشترط كون معطوفها ) ( جزءا من متبوعه ) نحو ~~قدم الحجاج حتى المشاة ( أو كجزئه ) نحو أعجبتني الجارية حتى حديثها . فإن ~~حديثها ليس بعضا منها ، ولكنه كالبعض ، لأنه معنى ، من معانيها PageV01P238 ~~وقد يكون المعطوف بحتى مباينا لمتبوعه في الجنس موافقا له في المعنى فتقدر ~~بعضيته كقوله : ألقى الصحيفة كي يخفف رحله والزاد حتى نعله ألقاها لأن ~~المعنى : ألقى ما يثقله حتى نعله ( وتأتي ) حتى ( لتعليل ) كقوله : كلمته ~~حتى يأمر لي بشيء ، وعلامتها : أن يصلح موضعها كي ومنه : أسلم حتى تدخل ~~الجنة . ( وقل ) أن تأتي ( لاستثناء منقطع ) كقوله : ليس العطاء من الفضول ~~سماحة حتى تجود وما لديك قليل قال ابن هشام في المغني ' حتى ' تأتي لأحد ~~ثلاثة معان : انتهاء الغاية ، وهو الغالب ، والتعليل ، وبمعنى ' إلا ' في ~~الاستثناء ، وهو أقلها ، PageV01P239 وتستعمل على ثلاثة أوجه : أحدها : أن ~~تكون حرف جر بمنزله ' إلى ' في المعنى [ والعمل ] . الثاني : أن تكون عاطفة ~~بمنزلة الواو ، إلا أن بينهما فرقا من ثلاثة أوجه . وذكرها الثالث : أن ~~تكون حرف ابتداء ، أي حرفا تبتدأ بعده الجمل ، أي تستأنف . PageV01P240 # | ( من ) # ( من ) الجارة ( لابتداء الغاية ) في المكان اتفاقا . نحو قوله تعالى ( { ~~سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام } ) وفي الزمان عند الكوفيين ~~والمبرد ، وابن درستويه . نحو قوله تعالى ( { لمسجد أسس على التقوى من أول ~~يوم } ) ( { ومن ms070 الليل فتهجد } ) ( { لله الأمر من قبل ومن بعد } ) وصححه ~~ابن مالك ، وأبو حيان . لكثرة شواهده فتكون في ابتداء الغاية حقيقة . وتكون ~~في غيره من المعاني مجازا ، هذا PageV01P241 قول الأكثر . وقيل : حقيقة في ~~التبعيض مجاز في غيره وقيل : حقيقة في التبين مجاز في غيره ( ولها ) أي ~~ولمن ( معان ) غير ذلك منها : التعليل نحو ( { يجعلون أصابعهم في آذانهم من ~~الصواعق } ) أي لأجل الصواعق ومنها : البدل [ نحو ] ( { أرضيتم بالحياة ~~الدنيا من الآخرة } ) ( { ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون } ) ~~أي بدلكم . ومنها : انتهاء الغاية ، مثل ' إلى ' فتكون لابتداء الغاية من ~~الفاعل ، ولانتهاء غاية الفعل من المفعول ، نحو رأيت الهلال من داري من خلل ~~السحاب أي من مكاني إلى خلل السحاب . فابتداء الرؤية وقع من الدار ، ~~وانتهاؤها في خلل السحاب ، PageV01P242 ذكر ابن مالك : أن سيبويه أشار إلى ~~هذا المعنى . وأنكره جماعة وقالوا : هي لابتداء الغاية ، لكن في حق المفعول ~~ومنهم من جعلها في هذا المثال لابتداء الغاية في حق الفاعل ، بتقدير : رأيت ~~الهلال من داري ظاهرا من خلل السحاب . ومنها تنصيص العموم ، وهي الداخلة ~~على نكرة لا تختص بالنفي ، نحو ما جاءني من رجل فإنه كان قبل دخولها محتملا ~~لنفي الجنس ولنفي الوحدة . ولهذا يصح أن ، يقول : بل رجلان . [ ويمتنع ذلك ~~بعد دخول ' من ' ] ومنها : الفصل نحو قوله تعالى ( { والله يعلم المفسد من ~~المصلح } ) وتعرف بدخولها على ثاني المتضادين . ومنها : مجيئها بمعنى ' ~~الباء ' . نحو قوله تعالى ( { ينظرون من طرف خفي } ) قال يونس : أي بطرف . ~~ومنها مجيئها بمعنى ' في ' نحو قوله تعالى ( { أروني ماذا خلقوا من ~~PageV01P243 الأرض } ) أي في الأرض . وقوله تعالى ( { فإن كان من قوم عدو ~~لكم } ) بدليل قوله تعالى { وهو مؤمن } ومنها مجيئها بمعنى ' عند ' نحو ~~قوله تعالى ( { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا } ) ومثله [ ~~قوله صلى الله عليه وسلم ] ' ولا ينفع ذا الجد منك الجد ' ومنها : مجيئها ~~بمعنى ' على ' نحو قوله تعالى ( { ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا } ~~) أي على القوم . ومنها : مجيئها بمعنى ' عن ' نحو قوله تعالى ms071 ( { فويل ~~للقاسية قلوبهم من ذكر الله } ) . PageV01P244 # | ( إلى ) # ( إلى : لانتهائها ) أي انتهاء الغاية عند الجمهور ( و ) تأتي ( بمعنى ' ~~مع ' ) نحو قوله تعالى ( { من أنصاري إلى الله } ) أي مع الله ، ونحو قوله ~~تعالى ( { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } ) أي مع أموالكم . وقول العرب ~~' الذود إلى الذود إبل ' أي مع الذود . PageV01P245 وقال الحسن وأبو عبيدة ~~: ' إلى ' في قوله تعالى ( { من أنصاري إلى الله } ) بمعنى ' في ' أي من ~~أعواني في ذات الله وسبيله ( وابتداؤها ) أي ابتداء الغاية ( داخل ) في ~~المغيا ( لا انتهاؤها ) وهو ما بعد ' إلى ' فلو قال : له من درهم إلى عشرة ~~. لزمه تسعة على الصحيح ، لدخول الأول وعدم دخول العاشر . وقيل : لا يدخلان ~~فيلزمه ثمانية . وقيل : إن كانت الغاية من جنس المحدود ، كالمرافق دخلت ، ~~وإلا فلا تدخل ( ك { أتموا الصيام إلى الليل } ) PageV01P246 # | ( على ) # ( على ) أشهر معانيها أن تكون ( لاستعلاء ) سواء كان ذاتيا . نحو ( { ~~واستوت على الجودي } ) أو معنويا نحو ( { وكتبنا عليهم } فيها ) ( و ) تكون ~~أيضا ( هي للإيجاب ) عند أصحابنا وغيرهم . قال ابن مفلح في فروعه - في باب ~~إخراج الزكاة - : وعلى ظاهرة في الوجوب ( ولها معان ) غير ذلك أحدها : ~~التفويض . قال أبو حيان في النهر في قوله تعالى ( { فإذا عزمت فتوكل على ~~الله } ) إذا عقدت قلبك على أمر بعد الاستشارة فاجعل تفويضك فيه إلى الله ~~الثاني : المصاحبة نحو قوله تعالى ( { وآتى المال على حبه } ) PageV01P247 ~~الثالث : المجاوزة نحو قول الشاعر : إذا رضيت علي بنو قشير لعمر الله ~~أعجبني رضاها أي : إذا رضيت عني . الرابع : التعليل ، نحو قوله تعالى ( { ~~ولتكبروا الله على ما هداكم } ) أي : لهدايتكم . الخامس : الظرفية ، نحو ~~قوله تعالى ( { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } ) أي في ملك ~~سليمان السادس : الاستدراك ، كقولك : فلان لا يدخل الجنة لسوء صنعه ، على ~~أنه لا ييأس من رحمة الله ، أي لكن لا ييأس . السابع : الزيادة ، نحو قوله ~~صلى الله عليه وسلم { من حلف على يمين } PageV01P248 أي يمينا . إذا علمت ~~ذلك ففي ' على ' أربعة مذاهب . أحدها - وهو المشهور عند البصريين - أنها ~~حرف ، إلا إذا دخل عليها حرف ms072 جر . فتكون اسما كقول الشاعر : غدت من عليه ~~بعد ما تم ظمؤها الثاني - وبه قال الأخفش - أن تكون اسما في موضع آخر . وهو ~~أن يكون مجرورها وفاعل متعلقها ضميرين لمسمى واحد . نحو قوله تعالى ( { ~~أمسك عليك زوجك } ) الثالث : أنها اسم دائما عند ابن طاهر وابن خروف وابن ~~PageV01P249 الطراوة والشلوبين والآمدي وحكي عن سيبويه . والرابع : أنها ~~حرف دائما . وبه قال السيرافي : وتقدر بحرف جر يدخل عليها مجرور محذوف ~~PageV01P250 # | ( في ) # ( في ) تكون ( لظرف ) زمانا ومكانا مثالهما قوله تعالى ( { الم غلبت ~~الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين } ) فالأولى ~~للمكان ، والثانية للزمان . وقد يكون الظرف ومظروفه جسمين ، كقولك زيد في ~~الدار . وقد يكونان معنيين ، كقولك : البركة في القناعة . وقد يكون الظرف ~~جسما ، والمظروف معنى كقولك : الإيمان في القلب ، وعكسه نحو قوله تعالى ( { ~~بل الذين كفروا في تكذيب } ) ( وهي بمعناه ) أي وهي للظرفية ( على قول ) ~~أبي البقاء . وأكثر البصريين ( في ) قوله تعالى ( { ولأصلبنكم في جذوع ~~النخل } ) PageV01P251 وجعلها الزمخشري والبيضاوي : للظرف مجازا . كأن ~~الجذع صار ظرفا للمصلوب . لما تمكن عليه تمكن المظروف من الظرف . وقال أكثر ~~الأصحاب : هي بمعنى على ، كقول الكوفيين وابن مالك ؛ كقوله تعالى ( { أم ~~لهم سلم يستمعون فيه } ) أي عليه ، وكقوله تعالى ( { قل سيروا في الأرض } ) ~~أي : عليها . وكقوله تعالى ( { أأمنتم من في السماء } ) أي على السماء ( و ~~) تأتي في ( لاستعلاء ) وتقدم تمثيله ( وتعليل ) نحو قوله تعالى ( { فذلكن ~~الذي لمتنني فيه } ) أي لأجله . PageV01P252 ومنه ( { لمسكم فيما أفضتم فيه ~~عذاب عظيم } ) وأنكره الرازي والبيضاوي ( و ) تأتي ' في ' أيضا ( سببية ) ~~كقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : في النفس المؤمنة مائة ، ودخلت امرأة النار ~~في هرة . أي بسبب هرة ( و ) تأتي أيضا ل ( مصاحبة ) نحو قوله تعالى ( { ~~فخرج على قومه في زينته } ) ( { ادخلوا في أمم قد خلت } ) أي معهم مصاحبين ~~( و ) تأتي أيضا ل ( توكيد ) نحو قوله تعالى ( { وقال اركبوا فيها } ) إذ ~~الركوب يستعمل بدون ' في ' فهي مزيدة توكيدا PageV01P253 ( و ) تأتي أيضا ل ~~( تعويض ) وهي الزائدة عوضا عن أخرى محذوفة . كقوله ms073 : رغبت فيمن رغبت ، أي ~~فيه ( و ) تأتي في ( بمعنى الباء ) نحو قوله تعالى ( { يذرؤكم فيه } ) أي ~~يلزمكم به ( و ) تأتي أيضا بمعنى ( إلى ) نحو قوله تعالى ( { فردوا أيديهم ~~في أفواههم } ) أي إليها غيظا ( و ) بمعنى ( من ) الجارة ، كقول امرئ القيس ~~: وهل يعمن من كان أحدث عهده ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال أي من ثلاثة أحوال ~~PageV01P254 # | ( اللام ) # ( و ) تأتي ( اللام ) الجارة ( للملك حقيقة ) ، ( لا يعدل عنه ) أي عن ~~الملك إلا بدليل . قاله أبو الخطاب من أصحابنا في التمهيد ( ولها معان ~~كثيرة ) أحدها : التعليل . نحو زرتك لشرفك ومنه قوله تعالى ( { لتحكم بين ~~الناس } ) وقوله : أنت طالق لرضى زيد ، فتطلق في الحال ، رضي زيد أو لم يرض ~~، لأنه تعليل لا تعليق الثاني : الاستحقاق نحو : النار للكافرين . الثالث : ~~الاختصاص ، نحو الجنة للمؤمنين . وفرق القرافي بين الاستحقاق والاختصاص ، ~~بأن الاستحقاق أخص . فإن PageV01P255 ضابطه ما شهدت به العادة ، كما شهدت ~~للفرس بالسرج ، وبالباب للدار . وقد يختص الشيء بالشيء من غير شهادة عادة ، ~~نحو هذا ابن لزيد . فإنه ليس من لوازم الإنسان أن يكون له ولد . الرابع : ~~لام العاقبة ، ويعبر عنها فاللام الصيرورة ، وبلام المآل نحو ( { فالتقطه ~~آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } ) الخامس : التمليك . نحو وهبت لزيد ~~دينارا . ومنه ( { إنما الصدقات للفقراء } ) السادس : شبه الملك . نحو ( { ~~والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا } ) السابع : توكيد النفي ، أي نفي كان نحو ~~( { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } ) ويعبر عنها فاللام الجحود لمجيئها ~~بعد نفي ؛ لأن الجحد هو نفي ما سبق ذكره . الثامن : لمطلق التوكيد . وهي ~~الداخلة لتقوية عامل ضعيف بالتأخير . نحو ( { إن كنتم للرؤيا تعبرون } ) ~~الأصل : تعبرون الرؤيا ، أو لكونه فرعا في العمل نحو ( { فعال لما يريد } ) ~~وهذان مقيسان ، PageV01P256 وربما أكد بها بدخولها على المفعول نحو { ردف ~~لكم } . ولم يذكر سيبويه زيادة اللام ، وتابعه الفارسي . التاسع : أن تكون ~~بمعنى ' إلى ' نحو ( { سقناه لبلد ميت } ) ( { بأن ربك أوحى لها } ) العاشر ~~: التعدية ، نحو ما أضرب زيدا لعمرو . وجعل منه ابن مالك ( { فهب لي من ~~لدنك وليا } ) وقيل : إنها تشبه الملك ms074 . الحادي عشر : بمعنى على ' نحو ( { ~~يخرون للأذقان } ) وحكى البيهقي عن حرملة عن الشافعي في قوله صلى الله عليه ~~وسلم { واشترطي لهم الولاء } أن المراد : عليهم PageV01P257 الثاني عشر : ~~بمعنى ' في ' نحو قوله سبحانه وتعالى ( { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ~~} ) الثالث عشر : بمعنى ' عند ' أي الوقتية ، وما يجري مجراها ، كقوله صلى ~~الله عليه وسلم { صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته } ومنه قوله : كتبته لخمس ~~ليال من كذا . أي عند انقضائها . قال الزمخشري : ومنه قوله تعالى ( { أقم ~~الصلاة لدلوك الشمس } ) ، ( { يا ليتني قدمت لحياتي } ) . الرابع عشر : ~~بمعنى ' من ' نحو سمعت له صراخا أي منه . PageV01P258 الخامس عشر : بمعنى ' ~~عن ' كقوله تعالى ( { وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا ~~إليه } ) أي قالوا عنهم ذلك . وضابطها : أن تجر اسم من غاب حقيقة أو حكما ~~عن قول قائل يتعلق به ، ولم يخصه بعضهم بما بعد القول . ثم اعلم أن دلالة ~~حرف على معنى حرف : هو طريق الكوفيين . وأما البصريون : فهو عندهم على ~~تضمين الفعل المتعلق به ذلك الحرف ما يصلح معه معنى ذلك الحرف على الحقيقة ~~، ويرون التجوز في الفعل أسهل من التجوز في الحرف . PageV01P259 # | ( بل ) # ( بل ) تأتي ( لعطف وإضراب ، إن وليها مفرد في إثبات ) نحو جاء زيد بل ~~عمرو ، وأكرم زيدا بل عمرا ( فتعطى حكم ما قبلها ) وهي مجيء زيد في المثال ~~الأول ، وإكرام زيد في المثال الثاني ( لما بعدها ) أي بعد ' بل ' في ~~المثالين ، وهو عمرو ( و ) إن وليها مفرد ( في نفي ) نحو ما قام زيد بل ~~عمرو ، ولا تضرب زيدا بل عمرا ( ف ) إنها ( تقرر ) حكم ( ما قبلها ) وهو ~~نفي قيام زيد في المثال الأول ، والنهي عن ضرب زيد في المثال الثاني ( و ) ~~تقرر ( ضده ) أي ضد حكم ما قبلها ( لما بعدها ) هذا قول الجمهور . وأجاز ~~المبرد [ وابن ] عبد الوارث ، وتلميذه PageV01P260 الجرجاني - مع ذلك - أن ~~تكون ناقلة الحكم الأول لما بعدها كما في الإثبات وما في حكمه . فيحتمل ~~عندهم في نحو : ما قام عمرو بل زيد ، وفي : لا تضرب زيدا بل عمرا - أن ms075 يكون ~~التقدير لا تضرب عمرا أيضا ( و ) لا تكون ' بل ' عاطفة إن وقعت ( قبل جملة ~~) وإنما تكون ( لابتداء وإضراب ) وهو ضربان : ضرب ( لإبطال ) الحكم السابق ~~في نحو قوله تعالى ( { أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق } ) . ونحو قوله ~~تعالى ( { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون } ) والضرب ~~الثاني : وهو المشار إليه بقوله ( أو انتقال ) أي إضراب لانتقال من حكم إلى ~~حكم من غير إبطال الأول ، نحو قوله تعالى ( { ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم ~~لا يظلمون بل قلوبهم في غمرة } ) وقوله تعالى ( { بل ادارك علمهم في الآخرة ~~بل هم في شك منها بل هم منها PageV01P261 عمون } ) ففي هذه الأمثلة لم تبطل ~~شيئا مما سبق ، وإنما فيه انتقال من خبر عنهم إلى خبر آخر . والحاصل : أن ~~الإضراب الانتقالي قطع للخبر لا للمخبر عنه . وظاهر كلام ابن مالك : أن هذه ~~عاطفة أيضا ، لكن جملة على جملة وصرح به ولده في شرح الألفية PageV01P262 # | ( أو ) # ( أو ) حرف عطف وتأتي ( لشك ) نحو قوله تعالى ( { لبثنا يوما أو بعض يوم ~~} ) والفرق بينها وبين ' إما ' التي للشك : أن الكلام مع ' إما ' لا يكون ~~إلا مبنيا على الشك بخلاف ' أو ' فقد يبني المتكلم كلامه على اليقين ، ثم ~~يدركه الشك ( و ) تأتي ل ( إبهام ) ويعبر عنه أيضا بالتشكيك ، نحو قام زيد ~~أو عمرو . إذا علمت القائم منهما . ولكن قصدت الإيهام على المخاطب . فهذا ~~تشكيك من جهة المتكلم ، وإبهام من جهة السامع ( و ) تأتي ' أو ' أيضا ل ( ~~إباحة ) نحو جالس الحسن ، أو ابن سيرين ( و ) تأتي أيضا ل ( تخيير ) نحو خذ ~~دينارا أو درهما . ومنه تزوج هندا أو أختها . ومنه قوله تعالى ( { فكفارته ~~إطعام عشرة مساكين PageV01P263 من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو ~~تحرير رقبة } ) وحديث الجبران { في الماشية شاتان أو عشرون درهما } والفرق ~~بينهما : امتناع الجمع في التخيير ، وجوازه في الإباحة ( و ) تأتي ' أو ' ~~أيضا ل ( مطلق جمع ) كالواو نحو قوله تعالى ( { وأرسلناه إلى مائة ألف أو ~~يزيدون } ) على رأي الكوفيين ( و ) تأتي أيضا ل ( تقسيم ) نحو الكلمة ms076 اسم ~~أو فعل أو حرف . وعبر عنه ابن مالك بالتفريق . وقال : إنه أولى من لفظ ~~التقسيم ( و ) تأتي ' أو ' أيضا ( بمعنى إلى ) نحو لألزمنك أو تقضيني حقي ( ~~و ) تأتي أيضا بمعنى ( إلا ) نحو لأقتلن الكافر أو يسلم ، أي إلا ~~PageV01P264 أن يسلم . ومنه قول الشاعر : وكنت إذا غمزت قناة قوم كسرت ~~كعوبها أو تستقيما أي إلا أن تستقيم ( و ) تأتي أيضا ' أو ' بمعنى ( إضراب ~~) ، ( كبل ) ومثلوه أيضا بقوله تعالى ( { أو يزيدون } ) على رأي من لم ~~يجعلها في الآية لمطلق الجمع PageV01P265 # | ( لكن ) # ( لكن ) تكون ( لعطف واستدراك ) ومعنى الاستدراك : أن تنسب لما بعدها ~~حكما مخالفا لحكم ما قبلها ، ولذلك لا بد أن يتقدمها كلام مناقض لما بعدها ~~. إذا علمت ذلك ، فإنما تكون حرف عطف واستدراك بشرطين . أحدهما : أن ~~يتقدمها نفي أو نهي . والثاني : أن لا تقترن بالواو عند أكثر النحاة ~~والتالي لها مفرد ، وإلى ذلك أشير بقوله ( إن وليها مفرد في نفي أو نهي ) ~~نحو ما قام زيد لكن عمرو ولا يقم زيد لكن عمرو ( و ) تكون لكن ( قبل جملة ~~لابتداء ) لا حرف عطف وتقع هنا بعد إيجاب ونفي ونهي وأمر لا استفهام . ~~PageV01P266 # | ( الباء ) # ( الباء ) تكون ( لإلصاق حقيقة ) نحو أمسكت الحبل بيدي ( ومجازا ) نحو ~~مررت بزيد فإن المرور لم يلصق به ، وإنما ألصق بمكان يقرب من زيد ، ومعنى ~~الإلصاق : أن يضاف الفعل إلى الاسم ، فيلصق به بعد ما كان لا يضاف إليه ~~لولا دخولها ، نحو خضت الماء برجلي ، ومسحت برأسي ، والباء لا تنفك عن ~~الإلصاق ، إلا أنها قد تتجرد له ، وقد يدخلها مع ذلك معنى آخر ، ولهذا لم ~~يذكر لها سيبويه معنى غيره ( ولها معان ) أخر أحدها : التعدية ، وتسمى باء ~~النقل وهي القائمة مقام الهمزة في تصيير الفاعل مفعولا نحو قوله تعالى ( { ~~ذهب الله PageV01P267 بنورهم } ) وأصله : أذهب نورهم . الثاني : الاستعانة ~~: وهي الداخلة على آلة الفعل ونحوها ، نحو : كتبت بالقلم ، وقطعت بالسكين ، ~~ومنه ( { واستعينوا بالصبر والصلاة } ) الثالث : السببية نحو قوله تعالى ( ~~{ فكلا أخذنا بذنبه } ) وأدرج في التسهيل باء الاستعانة في باء السببية . ~~الرابع : التعليلية ms077 ، نحو قوله تعالى ( { فبظلم من الذين هادوا } ) والفرق ~~بينهما : أن العلة موجبة لمعلولها ، بخلاف السبب لمسببه ، فهو كالأمارة ~~الخامس : المصاحبة ، وهي التي يصلح في موضعها ' مع ' أو يغني عنها وعن ~~مصحوبها الحال نحو قوله تعالى ( { قد جاءكم الرسول بالحق } ) أي مع الحق ، ~~أو محقا السادس : الظرفية بمعنى في للزمان ، نحو قوله تعالى PageV01P268 ( ~~{ وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل } ) وللمكان نحو قوله تعالى ( { ولقد ~~نصركم الله ببدر } ) وربما كانت الظرفية مجازية ، نحو بكلامك بهجة . السابع ~~: البدلية بأن يجيء موضعها بدل ، نحو قوله [ صلى الله عليه وسلم ] في ~~الحديث { ما يسرني بها حمر النعم } أي بدلها الثامن : المقابلة ، وهي ~~الداخلة على الأثمان والأعواض . نحو اشتريت الفرس بألف ، ودخولها غالبا على ~~الثمن . وربما دخلت على المثمن . قال تعالى ( { ولا تشتروا بآياتي ثمنا ~~قليلا } ) ولم يقل : ولا تشتروا آياتي بثمن قليل التاسع : المجاوزة بمعنى ' ~~عن ' وتكثر بعد السؤال نحو ( { فاسأل به خبيرا } ) وتقل بعد غيره نحو ( { ~~ويوم تشقق السماء بالغمام } ) وهو مذهب كوفي ، وتأوله الشلوبين على أنها ~~باء السببية . PageV01P269 العاشر : الاستعلاء ، نحو قوله تعالى ( { ومنهم ~~من إن تأمنه بدينار } ) أي على دينار . وحكاه أبو المعالي في البرهان عن ~~الشافعي رضي الله تعالى عنه الحادي عشر : القسم ، وهو أصل حروفه ، نحو ~~بالله لأفعلن . الثاني عشر : الغاية . نحو { وقد أحسن بي } أي إلي . الثالث ~~عشر : التوكيد وهي الزائدة إما مع الفاعل ، نحو أحسن بزيد ، على قول ~~البصريين أنه فاعل ، أو مع المفعول ، نحو ( { وهزي إليك بجذع النخلة } ) أو ~~مع المبتدأ . نحو بحسبك درهم ، أو الخبر نحو ( { أليس الله بكاف عبده } ) ~~PageV01P270 الرابع عشر : التبعيض . قال به الكوفيون والأصمعي والفارسي ~~وابن مالك نحو ( { عينا يشرب بها عباد الله } ) أي منها . وخرج بعضهم على ~~ذلك قوله تعالى ( { وامسحوا برءوسكم } ) وأنكره ابن جني وغيره . وقال ابن ~~العربي : إنها هنا تفيد فائدة غير التبعيض ، وهو الدلالة على ممسوح به . ~~قال : والأصل فيه : امسحوا برءوسكم الماء . فتكون من باب القلب . والأصل : ~~رءوسكم بالماء PageV01P271 # | ( إذا ) # ( إذا ) تأتي ( لمفاجأة حرفا ) وهي التي يقع بعدها المبتدأ ms078 ، فرقا بينها ~~وبين الشرطية . فإن الواقع بعدها الفعل . وقد اجتمعا في قوله تعالى ( { ثم ~~إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون } ) ومن أمثلة المفاجأة ( { ~~فألقاها فإذا هي حية تسعى } ) ولا تحتاج إذا المفاجأة إلى جواب . ومعناها ~~الحال . قال ابن الحاجب : ومعنى المفاجأة : حضور الشيء معك في وصف من ~~أوصافك الفعلية ، وتصويره في قولك : خرجت فإذا الأسد [ فمعناه ] ، حضور ~~الأسد معك في زمن وصفك بالخروج ، أو في مكان خروجك ، وحضوره معك في مكان ~~خروجك ألصق بك من PageV01P272 حضوره في زمن خروجك ؛ لأن ذلك المكان يحصل ~~دون من أشبهك . وذلك الزمان لا يخصك دون من أشبهك . وكلما كان ألصق كانت ~~المفاجأة فيه أقوى ( و ) تأتي ' إذا ' ( ظرفا ل ) زمن ( مستقبل لا ماض وحال ~~) ( متضمنة معنى الشرط غالبا ) ولذلك تجاب هي بما تجاب به أدوات الشرط نحو ~~إذا جاء زيد فقم إليه ، فهي باقية على ظرفيتها ، إلا أنها ضمنت معنى الشرط ~~. ولذلك لم يثبت لها سائر أحكام الشرط : فلم يجزم بها المضارع ، ولا تكون ~~إلا في المحقق . ومنه ( { وإذا مسكم الضر في البحر } ) لأن مس الضر في ~~البحر محقق ولما لم يقيد بالبحر أتى ' بإن ' التي تستعمل في المشكوك فيه ~~نحو ( { وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض } ) وتختص بالدخول على الجملة الفعلية ~~المعنى . وما قلناه في المتن من كون ' إذا ' لا تجيء لماض ولا لحال هو الذي ~~عليه الجمهور . وتأولوا ما أوهم خلاف ذلك . PageV01P273 ومما أوهم مجيئها ~~للماضي نحو قوله تعالى : ^ ( ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ) ^ ^ ( ~~وإذا رأوا تجارة أو لهوا ) ^ . ومما أوهم مجيئها للحال نحو قوله تعالى : ^ ~~( والليل إذا يغشى ) ^ ^ ( والنجم إذا هوى ) ^ . وقالوا ، إنها لما جردت ~~هنا عن الشرط جردت عن الظرف . فتكون هنا لمجرد الوقت من غير أن تكون ظرفا ~~مختصة بأحد الأزمنة الثلاثة . PageV01P274 . # | ( إذ ) # ( إذ ) بإسكان الذال المعجمة ( اسم ) لإضافتها في نحو ( { بعد إذ هديتنا ~~} ) ولتنوينها في نحو يومئذ ( ل ) زمن ( ماض ) فقط ( وفي قول ) لزمن ( ~~مستقبل ) مثل ' إذا ' وصححه ابن مالك وطائفة في نحو قوله ms079 تعالى ( { فسوف ~~يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم } ) وأجاب الأكثر عن الآية ونحوها بأن ذلك ~~نزل منزلة الماضي لتحقق وقوعه . مثل ( { أتى أمر الله } ) إذا تقرر ذلك ~~فتأتي ( ظرفا ) لزمن ماض نحو قوله تعالى ( { فقد نصره الله إذ أخرجه الذين ~~كفروا } ) ( و ) تأتي ( مفعولا به ) نحو ( { واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم ~~} ) PageV01P275 ( و ) تأتي ( بدلا منه ) أي من المفعول . نحو ( { واذكر في ~~الكتاب مريم إذ انتبذت } ) فإذ بدل اشتمال من مريم ( و ) تأتي ( لتعليل ) ~~نحو قوله تعالى ( { ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم } ) . وقوله ( { وإذ لم ~~يهتدوا به فسيقولون } ) ( و ) تأتي ل ( مفاجأة ) وهي الواقعة بعد ' بينا ' ~~و ' بينما ' نحو قولك : بينا أنا كذا إذ جاء زيد وفبينما العسر إذ دارت ~~مياسير نص عليه سيبويه وتكون ( حرفا ) في مجيئها للتعليل والمفاجأة . ~~PageV01P276 # | ( لو ) # ( ' لو ' حرف امتناع لامتناع ) في قول أكثر العلماء ، أي يدل على امتناع ~~الثاني لامتناع الأول ، فقولك : لو جئتني لأكرمتك . دال على انتفاء الإكرام ~~، لانتفاء المجيء . واعترض عليه بأن جوابها قد لا يكون ممتنعا بما رواه أبو ~~نعيم في الحلية : { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سالم مولى أبي ~~حذيفة - إنه شديد الحب لله لو كان لا يخاف الله ما عصاه } PageV01P277 ~~وأجيب عنه : بأن لانتفاء المعصية سببين ، المحبة والخوف فلو انتفى الخوف لم ~~توجد المعصية لوجود الآخر ، وهو المحبة . وقال سيبويه : إنها حرف لما كان ~~سيقع لوقوع غيره ، يعني أنها تقتضي فعلا ماضيا كان يتوقع ثبوته لثبوت غيره ~~. والمتوقع غير واقع . فكأنه قال : حرف يقتضي فعلا امتنع لامتناع ما كان ~~ثبت لثبوته . وقيل : إنها لمجرد الربط ، أي إنما تدل على التعليق في الماضي ~~كما تدل ' إن ' على التعليق في المستقبل ، ولا تدل على امتناع شرط ولا جواب ~~. وقيل : إنها حرف يقتضي في الماضي امتناع ما يليه ، واستلزامه لتاليه ، أي ~~تقتضي أمرين أحدهما : امتناع ما يليه ، وهو شرطه . والأمر الثاني : كون ما ~~يليه مستلزما لتاليه ، وهو جوابه ، ولا يدل على امتناع الجواب في نفس الأمر ~~ولا ثبوته . فإذا قلت : لو قام ms080 زيد لقام عمرو . فقيام زيد محكوم بانتفائه ~~فيما مضى ، ويكون ثبوته مستلزما لثبوت قيام عمرو ، وهل لعمرو قيام أو لا ؟ ~~ليس في الكلام تعرض له . وصحح هذه العبارة السبكي وولده التاج . وهي في بعض ~~نسخ التسهيل . PageV01P278 قال المرادي في شرح الألفية : قال في شرح ~~الكافية : العبارة الجيدة في ' لو ' أن يقال : حرف يدل على امتناع تال : ~~يلزم لثبوته ثبوت تاليه . فقيام زيد من قولك : لو قام زيد لقام عمرو ، ~~محكوم بانتفائه فيما مضى . وكونه مستلزما ثبوته لثبوت قيام عمرو . وهل ~~لعمرو قيام آخر غير اللازم عن قيام زيد ، أو ليس له ؟ لا تعرض لذلك ، بل ~~الأكثر كون الأول . والثاني غير واقعين ( و ) تأتي ' لو ' ( شرطا ل ) فعل ( ~~ماض ، فيصرف المضارع إليه ) أي إلى المضي ، عكس ' إن ' الشرطية . فإنها ~~تصرف الماضي إلى الاستقبال PageV01P279 وأنكر قوم كونها حرف شرط ؛ لأن ~~الشرط في الاستقبال . و ' لو ' للتعليق في الماضي وذكر بعضهم أن النزاع ~~لفظي فإن أريد بالشرط الربط المعنوي الحكمي فهو شرط وإن أريد به ما يعمل في ~~الجزأين فلا ( و ) تأتي شرطا ( لمستقبل قليلا ، فيصرف الماضي إليه ) أي إلى ~~الاستقبال . نحو قوله تعالى ( { وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين } ) قال ~~جماعة وخطأهم ابن الحاج بأنك لا تقول : لو يقوم زيد فعمرو منطلق كما تقول : ~~إن لا يقم زيد فعمرو منطلق . وكذا قال بدر الدين بن مالك : عندي أنها لا ~~تكون لغير الشرط في الماضي ولا حجة فيما تمسكوا به لصحة حمله على المضي ( و ~~) تأتي أيضا لو ( لتمن ) نحو ( { فلو أن لنا كرة } ) أي فليت لنا كرة . ~~ولهذا نصب ' فنكون ' PageV01P280 وهل هي امتناعية أشربت معنى التمني ، أو ~~قسم برأسه ، أو هي المصدرية أغنت عن التمني ؟ فيه ثلاثة أقوال ( و ) تأتي ~~لو أيضا ل ( عرض ) نحو : لو تنزل عندنا فتصيب خيرا ( و ) تأتي أيضا ل ( ~~تحضيض ) نحو لو فعلت كذا ، أي افعل كذا . والفرق بينهما : أن العرض طلب ~~بلين ورفق ، والتحضيض : طلب بحث ( و ) تأتي أيضا ل ( تقليل ) نحو قوله صلى ~~الله ms081 عليه وسلم { ردوا السائل ، ولو بظلف محرق } و { التمس ولو خاتما من ~~حديد } و { اتقوا النار ولو بشق تمرة } PageV01P281 أثبته ابن هشام ~~الخضراوي وابن السمعاني في القواطع قال الزركشي ، شارح جمع الجوامع : والحق ~~أنه مستفاد مما بعدها . لا من الصيغة ( و ) تأتي أيضا ' لو ' لمعنى ( مصدري ~~) أثبته الفراء والفارسي والتبريزي وأبو البقاء وابن مالك وغيرهم . ~~وعلامتها : أن يصلح في موضعها PageV01P282 ' أن ' وأكثر وقوعها بعد ما يدل ~~على تمن ، نحو قوله تعالى ( { يود أحدهم لو يعمر ألف سنة } ) وأنكر ذلك ~~الأكثر . وقالوا : الآية ونحوها على حذف مفعول ' يود ' . وجواب ' لو ' أي ~~يود أحدهم طول العمر لو يعمر ألف سنة لسر بذلك . PageV01P283 # | ( لولا ) # ( ' لولا ' حرف يقتضي في جملة اسمية امتناع جوابه لوجود شرط ) نحو : لولا ~~زيد لأكرمتك ، أي لولا زيد موجود . فامتناع الإكرام لوجود زيد ( و ) تقتضي ~~( في ) جملة ( مضارعة ) أي مصدرة بفعل مضارع ( تحضيضا ) نحو لولا تستغفرون ~~الله . فهو للتحضيض وهو طلب بحث ( و ) وتقتضي في جملة ( ماضية ) أي مصدرة ~~بفعل ماض ( توبيخا ) نحو ( { لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء } ) ( و ) تقتضي ~~أيضا في الجملة الماضية ( عرضا ) نحو قوله تعالى ( { لولا أخرتني إلى أجل ~~قريب فأصدق } ) . PageV01P284 # | ( فصل ) # ( مبدأ اللغات توقيف من الله تعالى بإلهام ، أو وحي أو كلام ) عند أبي ~~الفرج والموفق والطوفي ، وابن قاضي الجبل والظاهرية ، والأشعرية . قال في ~~المقنع : وهو الظاهر عندنا لقوله تعالى ( { وعلم آدم الأسماء كلها } ) أي ~~أن الله سبحانه وتعالى وضعها . فعبروا عن وضعه بالتوقيف لإدراك الوضع وقيل ~~: أو علمه بعضها ، أو اصطلاحا سابقا أو علمه حقيقة الشيء وصفته . لقوله ~~تعالى ( { ثم عرضهم على الملائكة } ) ورد قول من قال علمه بعضها ، أو ~~اصطلاحا سابقا ، أو علمه حقيقة الشيء وصفته بأن الأصل اتحاد العلم وعدم ~~اصطلاح سابق . وأنه علمه PageV01P285 حقيقة اللفظ ، وقد أكده بكلها . وفي ~~الصحيحين في حديث الشفاعة { وعلمك أسماء كل شيء } وبأنه يلزم إضافة الشيء ~~إلى نفسه في قوله : ( { بأسماء هؤلاء } ) فالتعليم للأسماء . وضمير عرضهم ~~للمسميات ، ولظاهر قوله ( { ما فرطنا في الكتاب من شيء } ) ولقوله تعالى ms082 ( ~~{ علم الإنسان ما لم يعلم } ) وقوله تعالى ( { واختلاف ألسنتكم } ) وحمله ~~على اللغة أبلغ من الجارحة وحمله على اختلاف اللغات أولى من حمله على ~~الإقدار عليها لعلة الإضمار . وقال جمع : إن اللغة اصطلاحية وضعها واحد أو ~~جماعة ، وعرف الباقون بإشارة وتكرار وقيل : ما يحتاج إليه توقيف ، وغيره ~~محتمل أو اصطلاح . وقيل : عكسه . وقال قوم : الكل ممكن . ووقف جمع عن القطع ~~بواحد من هذه الاحتمالات ، ثم اختلفوا : هل لهذا الخلاف فائدة ، أو لا ؟ ~~PageV01P286 فذهب جمع إلى أنه لا فائدة له . وقال بعضهم : إنما ذكرت هذه ~~المسألة لتكميل العلم بهذه الصناعة ، أو جواز قلب ما لا يطلق له بالشرع ، ~~كتسمية الفرس ثورا وعكسه . وقال بعضهم : إنها جرت في الأصول مجرى الرياضيات ~~، كمسائل الجبر والمقابلة . وقال الماوردي : فائدة الخلاف أن من قال ~~بالتوقيف جعل التكليف مقارنا لكمال العقل ومن جعله اصطلاحا جعله متأخرا مدة ~~الاصطلاح . وزعم بعض الحنفية : أنهم يقولون بالتوقيف ، وعزى الاصطلاح ~~للشافعية ، ثم قال : وفائدة الخلاف : أنه يجوز التعليق باللغة عند الحنفية ~~لإثبات حكم الشرع من غير رجوع إلى الشرع . ( ويجوز تسمية الشيء بغير توقيف ~~ما لم يحرمه الله تعالى ، فيبقى له اسمان ) اسم توقيفي ، واسم اصطلاحي . ~~ذكره القاضي أبو يعلى ، والشيخ تقي الدين تبعا لابن الباقلاني وجمع ، وخالف ~~في ذلك الظاهرية . ( وأسماؤه تعالى ) سبحانه ( توقيفية ) ( لا تثبت بقياس ) ~~نقل المروذي عن الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه أنه قال : لا يوصف الله ~~تعالى PageV01P287 بأكثر مما وصف به نفسه ، أو سماه رسوله . وعنه وقاله ~~القاضي وغيره والمعتزلة والكرامية ، بل والباقلاني والغزالي والرازي في ~~الصفات لا الأسماء قال الحافظ شهاب الدين بن حجر في شرح البخاري : اختلف ~~الناس في الأسماء الحسنى : هل هي توقيفية ، بمعنى أنه لا يجوز لأحد أن يشتق ~~من الأفعال الثابتة لله تعالى اسما إلا إذا ورد نص في الكتاب والسنة ؟ فقال ~~الفخر الرازي : المشهور عن أصحابنا أنها توقيفية . وقالت المعتزلة ~~والكرامية : إذا دل العقل على أن معنى اللفظ ثابت في حق الله تعالى جاز ~~إطلاقه على الله تعالى وقال ms083 القاضي [ أبو بكر ] والغزالي : الأسماء توقيفية ~~دون الصفات . قال : وهذا [ هو ] المختار واحتج الغزالي بالاتفاق على أنه لا ~~يجوز أن يسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم لم يسمه به أبوه ، ولا سمى ~~به نفسه وكذا كل كبير من PageV01P288 الخلق قال : فإذا امتنع [ ذلك ] في حق ~~المخلوقين فامتناعه في حق الله تعالى أولى . واتفقوا على أنه لا يجوز أن ~~يطلق عليه تعالى اسم ولا صفة توهم نقصا . ولو ورد ذلك نصا ، فلا يقال : ~~ماهد ولا زارع ولا فالق ، ولا نحو ذلك . وإن ثبت في قوله تعالى ( { فنعم ~~الماهدون } ) ( { أم نحن الزارعون } ) ( { فالق الحب والنوى } ) ونحوها ولا ~~يقال له : ماكر ، ولا بناء . وإن ورد ( { ومكر الله } ) ( { والسماء ~~بنيناها } ) وقال أبو القاسم القشيري الأسماء : تؤخذ توقيفا من الكتاب ~~والسنة والإجماع فكل اسم ورد فيها وجب إطلاقه في وصفه ، وما لم يرد لا يجوز ~~. ولو صح معناه . PageV01P289 وقال أبو إسحاق الزجاج : لا يجوز لأحد أن ~~يدعو الله تعالى بما لم يصف به نفسه . والضابط : أن كل ما أذن الشارع أن ~~يدعى به ، سواء كان مشتقا أو غير مشتق ، فهو من أسمائه . وكل ما جاز أن ~~ينسب إليه ، سواء كان مما يدخله التأويل أو لا ، فهو من صفاته . ويطلق عليه ~~اسم أيضا . انتهى . ( وطريق معرفة اللغة ) قسمان ، أحدهما : ( النقل ) فقط ~~( تواترا فيما لا يقبل تشكيكا ) كالسماء والأرض والجبال . ونحوها ولغات ~~القرآن ( وآحادا في غيره ) أي غير ما لا يقبل تشكيكا . وهو أكثر اللغة . ~~فيتمسك به في المسائل الظنية دون القطعية ( و ) القسم الثاني : ( المركب ~~منه ) أي : من النقل ( ومن العقل ) وهو استنباط العقل من النقل . مثاله : ~~كون الجمع المعرف بأل للعموم ، فإنه مستفاد من مقدمتين PageV01P290 نقليتين ~~حكم العقل بواسطتهما . إحداهما : أن يدخله الاستثناء . والثانية : أن ~~الاستثناء إخراج بعض ما تناوله اللفظ . فحكم العقل عند وجود هاتين ~~المقدمتين بأنه للعموم ، ولا اعتبار بما يخالف ذلك ممن يقول : إذا كانت ~~المقدمتان نقليتين كانت النتيجة أيضا نقلية . وإنما العقل تفطن لنتيجتها ؛ ~~لأنا نقول : ليس هذا الدليل ms084 مركبا من نقليتين ، لعدم تكرر الحد الأوسط ~~فيهما . وإنما هو مركب من مقدمة نقلية . وهي الاستثناء ، وهو إخراج بعض ما ~~تناوله اللفظ ، ومقدمة عقلية لازمة لمقدمة أخرى نقلية . وهي أن كل ما دخله ~~الاستثناء عام ؛ لأنه لو لم يكن عاما لم يدخل الاستثناء فيه ، ثم جعلت هذه ~~القضية كبرى للمقدمة الأخرى النقلية فصار صورة الدليل هكذا : الجمع المحلى ~~بأل يدخله الاستثناء ، وكل ما يدخله الاستثناء عام ينتج : أن المحلى بأل ~~علم ( وزيد ) طريق ثالث لمعرفة اللغة ( و ) هو ( القرائن ) قال ابن جني في ~~الخصائص : من قال : إن اللغة لا تعرف إلا نقلا . فقد أخطأ ، فإنها تعرف ~~بالقرائن أيضا . فإن الرجل إذا سمع قول الشاعر : قوم إذا الشر أبدى ناجذيه ~~لهم طاروا إليه زرافات ووحدانا PageV01P291 علم أن ' زرافات ' بمعنى جماعات ~~. انتهى . ( والأدلة النقلية قد تفيد اليقين ) فتفيد القطع بالمراد قال في ~~شرح التحرير : وهذا الصحيح الذي عليه أئمة السلف وغيرهم . وقد حكى العلماء ~~في هذه المسألة ثلاثة أقوال أحدها : أنها تفيده مطلقا . والثاني : لا تفيده ~~مطلقا قالوا : لتوقف اليقين على أمور لا طريق إلى القطع بها . والثالث : ~~أنها قد تفيد إذا انضم إليها تواتر أو غيره من القرائن الحالية ، ولا عبرة ~~بالاحتمال . فإنه إذا لم ينشأ عن دليل لم يعتبر ، وإلا لم يوثق بمحسوس . ~~قاله الشيخ تقي الدين ( و ) عند السلف ( لا يعارض القرآن غيره بحال ) . ( ~~وحدث ما قيل أمور قطعية عقلية تخالف القرآن ) فائدة . قال ابن قاضي الجبل ، ~~يقال : ما المعنى بالدليل اللفظي : هل هو الظواهر مع النصوص ، أو الظواهر ~~بمفردها ؟ PageV01P292 ويقال أيضا : الرسول صلى الله عليه وسلم بين مراده ~~فيما جاء به ، ولنا ألفاظ نقطع بمدلولها بمفردها . وتارة بانضمام قرائن أو ~~شهادة العادات ثم نمنع معارضة الدليل العقلي القطعي للدليل الشرعي . وقولهم ~~: الموقوف على المظنون مظنون باطل ، لأن الموقوف على المقدمات الظنية قد ~~يكون قطعيا ، بل الموقوف على الشك قد يكون قطعيا ، فضلا عن الظن . ويعرف ~~بوجوه أحدها : الأحكام الشرعية قطعية . الثاني : أن الشك في الركعات يوجب ~~الإتيان بركعة ms085 أخرى . فيقطع بالوجوب عند الشك ، وكذا لو شككنا في عين ~~الحلال ، كاشتباه ميتة بمذكاة ، وأجنبية بأخته . الثالث : إقامة البينة عند ~~الحاكم وانتفاء الريب يقطع بوجوب الحكم ، حتى لو جحد وجوبه كفر ففي هذه ~~الصورة : القطع متوقف على غير قطعي . انتهى . ( ولا مناسبة ) أي لا يلتفت ~~اعتبار وجود مناسبة ( ذاتية ) أي طبيعية ( بين لفظ ومدلوله ) أي مدلول ذلك ~~اللفظ ، لما تقدم من المشترك PageV01P293 الموضوع للشيء وضده ، كالقرء ~~والجون ونحوهما ولاختلاف الاسم مع اتحاد المسمى ، وإنما اختص كل اسم بمعنى ~~بإرادة الفاعل المختار وخالف في ذلك عباد بن سليمان المعتزلي الصيمري بفتح ~~الصاد والميم . ( ويجب حمل ) ( اللفظ ) إذا دار بين كونه حقيقة أو مجازا ، ~~مع الاحتمال ( على حقيقته ) كالأسد مثلا فإنه للحيوان المفترس حقيقة وللرجل ~~الشجاع مجازا فإذا أطلق ولا قرينة كان للحيوان المفترس ؛ لأن الأصل الحقيقة ~~، والمجاز خلاف الأصل PageV01P294 ( و ) كذلك إذا دار الأمر في اللفظ بين ~~جريانه على عمومه أو تخصيصه ، فإنه يحمل على ( عمومه ) ؛ لأن الأصل بقاء ~~العموم نحو قوله تعالى ( { وأن تجمعوا بين الأختين } ) يدخل في عمومه ~~الحرتين والأمتين . وإذا كانت إحداهما أمة والأخرى حرة ، ولا يخصص بالحرتين ~~( و ) كذا إذا دار اللفظ بين أن يكون مشتركا أو مفردا . فإنه يحمل على ( ~~إفراده ) كالنكاح . فإنه مشترك بين الوطء وسببه الذي هو العقد ، فيحمل على ~~الوطء دون العقد ، أو على العقد دون الوطء ، لا على الاشتراك ( و ) كذا إذا ~~دار اللفظ بين أن يكون مضمرا أو مستقلا . فإنه يحمل على ( استقلاله ) وهو ~~عدم التقدير . نحو قوله تعالى ( { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ~~ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ~~أو ينفوا من الأرض } ) فبعض العلماء يقدر ليقتلوا : إن قتلوا ؛ أو تقطع ~~أيديهم إن سرقوا وبعضهم يقول : الأصل الاستقلال . وهو عدم التقدير ~~PageV01P295 ( و ) كذا إذا دار اللفظ بين أن يكون مقيدا أو مطلقا . فإنه ~~يحمل على ( إطلاقه ) نحو قوله تعالى ( { لئن أشركت ليحبطن عملك } ) فبعض ~~العلماء يقيده بالموت على الشرك ، وبعضهم يحمله ms086 على إطلاقه ؛ لأنه الأصل . ~~فيكون مجرد الشرك محبطا لما سبقه من الأعمال ( و ) كذا إذا دار اللفظ بين ~~أن يكون زائدا أو متأصلا فإنه يحمل على ( تأصيله ) نحو قوله تعالى ( { لا ~~أقسم بهذا البلد } ) قيل ' لا ' زائدة وأصل الكلام : أقسم بهذا البلد . ~~وقيل : ليست بزائدة ؛ لأن الأصل في الكلام التأصيل ، ويكون المعنى : لا ~~أقسم بهذا البلد وأنت لست فيه ، بل لا يعظم ولا يصلح للقسم إلا إذا كنت فيه ~~. ( و ) كذا إذا دار الأمر بين أن يكون اللفظ مؤخرا أو مقدما . فإنه يحمل ~~على ( تقديمه ) نحو قوله تعالى ( { والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما ~~قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا } ) فبعض العلماء يقول : إن في الآية ~~تقديما وتأخيرا تقديره : والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة ، ثم يعودون ~~لما كانوا قبل الظهار سالمين من الإثم بسبب الكفارة . وعلى هذا : فلا يكون ~~العود شرطا في وجوب الكفارة . وبعضهم PageV01P296 يحملها على الأصل ، وهو ~~الترتيب . وعلى هذا : فلا تجب الكفارة إلا بالظهار والعود . ( و ) كذا إذا ~~دار اللفظ بين أن يكون مؤكدا أو مؤسسا . فإنه يحمل على ( تأسيسه ) نحو قوله ~~تعالى ( { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ) من أول سورة الرحمن إلى آخرها فإن ~~جعل تأكيدا لزم تكرار التأكيد أكثر من ثلاث مرات . والعرب لا تزيد في ~~التأكيد على ثلاث ، فيحمل في كل محل على ما تقدم ذلك التكذيب . وكذلك القول ~~في ( { ويل يومئذ للمكذبين } ) في سورة المرسلات . فيكون الجمع تأسيسا لا ~~تأكيدا ( و ) كذا إذا دار اللفظ بين أن يكون مترادفا أو متباينا . نحو قوله ~~صلى الله عليه وسلم { ليلني منكم أولو الأحلام والنهى } . فالنهى : جمع ~~نهية - بالضم - وهي العقل ، فبعض العلماء فسر ' أولو الأحلام ' بالعقلاء . ~~فيكون اللفظان مترادفين . وبعضهم فسر ' أولو الأحلام ' بالبالغين . فيكون ~~اللفظان متباينين . فإنه يحمل على ( تباينه ) PageV01P297 فيحمل اللفظ مع ~~احتمال حقيقته عليها ( دون مجازه ، و ) على عمومه دون ( تخصيصه ، و ) على ~~إفراده دون ( اشتراكه ، و ) على استقلاله دون ( إضماره ، و ) على إطلاقه ~~دون ( تقييده ، و ) على تأصيله دون ms087 ( زيادته ، و ) على تقديمه دون ( تأخيره ~~، و ) كذا إذا دار الأمر بين كون اللفظ مؤكدا أو مؤسسا . فإنه يحمل على ~~تأسيسه دون ( توكيده . و ) على تباينه دون ( ترادفه . و ) كذا إذا دار ~~الأمر بين نسخ الحكم وبقائه . نحو قوله تعالى ( { قل لا أجد فيما أوحي إلي ~~محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه ~~رجس أو فسقا أهل لغير الله به } ) فحصر المحرم في هذه الأربعة يقتضي إباحة ~~ما عداها ومن جملته السباع . وقد ورد نهيه صلى الله عليه وسلم ' عن أكل كل ~~ذي ناب من السباع ، وعن كل ذي مخلب من الطير ' فبعض العلماء يقول : إن ذلك ~~ناسخ للإباحة ، وبعضهم يقول : ليس بناسخ ، والأكل مصدر مضاف إلى الفاعل ، ~~وهو الأصل في PageV01P298 إضافة المصدر بنص النحاة . فيكون مثل قوله تعالى ~~( { وما أكل السبع إلا ما ذكيتم } ) فيكون حكمهما واحدا وإذا كان الأمر ~~كذلك فيحمل ( على بقائه دون نسخه ، إلا لدليل راجح ) يدل على خلاف ما قلنا ~~، أن اللفظ يحمل عليه ، فيعمل به ويترك ما ذكرناه ( ويحمل ) اللفظ الصادر ~~من متكلم له عرف ( على عرف متكلم ) كالفقيه مثلا . فإنه يرجع إلى عرفه في ~~كلامه ومصطلحاته وكذا الأصولي والمحدث والمفسر واللغوي ، ونحوهم من أرباب ~~العلوم وكذلك إذا سمع من الشارع شيء له مدلول شرعي ومدلول لغوي . فإنه يحمل ~~على مدلوله الشرعي . كقوله صلى الله عليه وسلم { لا يقبل الله صلاة بغير ~~طهور } فإنه لو حمل على المعنى اللغوي ، وهو الدعاء ، لزم أن لا يقبل الله ~~تعالى دعاء بغير طهور ، ولم يقل به أحد . فيجب حمله على الصلاة المعهودة في ~~الشرع . وهي العبادة المخصوصة ، والله تعالى أعلم . PageV01P299 # | ( الأحكام ) # أي : هذا فصل نذكر فيه هنا نبذة من معاني الأحكام . وحيث انتهى الكلام ~~على ما يستمد منه هذا العلم من اللغة شرعنا في ذكر ما يستمد منه من الأحكام ~~إذ لا بد من حكم ، وحاكم ، ومحكوم فيه ، ومحكوم عليه . والكلام الآن في ~~الحكم فنقول ( الحسن والقبح ) يطلق بثلاثة ms088 اعتبارات أحدها : ( بمعنى ملاءمة ~~الطبع ومنافرته ) كقولنا : إنقاذ الغريق حسن ، واتهام البريء قبيح الثاني : ~~ما أشير إليه بقوله : ( أو ) بمعنى ( صفة كمال ونقص ) كقولنا : العلم حسن ، ~~والجهل قبيح . PageV01P300 وكل منهما ( عقلي ) أي إن العقل يستقل بإدراكهما ~~من غير توقف على الشرع . ( و ) الثالث : إطلاق الحسن والقبح ( بمعنى المدح ~~والثواب ، و ) بمعنى ( الذم والعقاب : شرعي ، فلا حاكم إلا الله تعالى ، ~~والعقل لا يحسن ولا يقبح ولا يوجب ولا يحرم ) عند الإمام أحمد رضي الله ~~تعالى عنه وأكثر أصحابه والأشعرية . قاله ابن عقيل وأهل السنة والفقهاء ، ~~قال الإمام أحمد : ليس في السنة قياس ، ولا يضرب لها الأمثال ، ولا تدرك ~~بالعقل ، وإنما هو الاتباع . PageV01P301 وقال أبو الحسن التميمي ، من ~~أصحابنا ، والشيخ تقي الدين ، وابن القيم ، وأبو الخطاب ، والمعتزلة ، ~~والكرامية : العقل يحسن ويقبح ، ويوجب ويحرم . ونقل عن الحنفية والمالكية ~~والشافعية قولان . قال ابن قاضي الجبل : قال شيخنا - يعني الشيخ تقي الدين ~~- وغيره : الحسن والقبح ثابتان ، والإيجاب والتحريم بالخطاب والتعذيب متوقف ~~على الإرسال ورد الحسن والقبح الشرعيين إلى الملاءمة والمنافرة ؛ لأن الحسن ~~الشرعي : يتضمن المدح والثواب الملائمين . والقبح الشرعي : يتضمن الذم ~~والعقاب المنافرين . واختار ابن الخطيب في آخر كتبه : أن الحسن والقبح ~~العقليين ثابتان في أفعال العباد . اه . PageV01P302 وقال ابن قاضي الجبل ~~أيضا : ليس مراد المعتزلة بأن الأحكام عقلية : أن الأوصاف مستقلة بالأحكام ~~، ولا أن العقل هو الموجب ، أو المحرم ، بل معناه عندهم : أن العقل أدرك أن ~~الله تعالى بحكمته البالغة كلف بترك المفاسد وتحصيل المصالح . فالعقل أدرك ~~الإيجاب والتحريم ، لا أنه أوجب وحرم فالنزاع معهم : في أن العقل أدرك ذلك ~~أم لا . فخصومهم يقولون : ذلك جائز على الله تعالى ، ولا يلزم من الجواز ~~الوقوع ، وهم يقولون : بل هذا عند العقل من قبل الواجبات . فكما يوجب العقل ~~أنه يجب أن يكون الله عليما قديرا متصفا بصفات الكمال كذلك أدرك وجوب ~~مراعاة الله تعالى للمصالح وللمفاسد . فهذا محل النزاع . اه . PageV01P303 ~~ومن قواعد القائلين بأنه ' لا حاكم إلا الله تعالى ' : أن حسن الفعل وقبحه ~~ليسا لذات الفعل ms089 ولا لأمر داخل في ذاته ولا خارج لازم لذاته ، حتى يحكم ~~العقل بحسن الفعل ، أو قبحه بناء على تحقق ما به من الحسن والقبح . ~~والحنفية وإن لم يجعلوا العقل حاكما صريحا فقد قالوا : حسن بعض الأشياء ~~وقبحها لا يتوقف على الشرع ، بمعنى أن العقل يحكم في بعض الأشياء بأنها ~~مناط للثواب والعقاب وإن لم يأت نبي ولا كتاب . وبعض تلك الأحكام بديهي ، ~~وبعضها كسبي ( ولا يرد الشرع PageV01P304 بما يخالف ما يعرف ببداهة العقول ~~وضرورياتها ) قال القاضي والحلواني وغيرهما : ما يعرف ببداهة العقول ~~وضرورياتها - كالتوحيد وشكر المنعم وقبح الظلم - لا يجوز أن يرد الشرع ~~بخلافه . وما يعرف بتوليد العقل استنباطا أو استدلالا ، فلا يمتنع أن يرد ~~بخلافه . ومعناه لأبي الخطاب . فإنه قال : ما ثبت بالعقل ينقسم قسمين . فما ~~كان منه واجبا لعينه - كشكر المنعم والإنصاف وقبح الظلم - فلا يصح أن يرد ~~الشرع بخلاف ذلك . وما كان واجبا لعلة أو دليل مثل : الأعيان المنتفع بها ~~التي فيها الخلاف . فيصح أن يرتفع الدليل والعلة ، فيرتفع ذلك الحكم . وهذا ~~غير PageV01P305 ممتنع . كفروع الدين كلها . تثبت بأدلة ثم تنسخ الأدلة ~~فيرتفع الحكم ، وقال : وقد قيل : إن الشرع يرد بما لا يقتضيه العقل إذا كان ~~العقل لا يحيله كتكليف ما لا يطاق ، وإن الله سبحانه وتعالى يريد جميع ~~أفعال العباد حسنها وقبيحها ويعاقبهم على القبيح وغير ذلك ( والحسن ) شرعا ~~( والقبح شرعا : ما أمر به ) الله سبحانه وتعالى ، وهذا راجع للحسن ( وما ~~نهى عنه ) الله سبحانه وتعالى ، وهذا راجع للقبيح قال ابن قاضي الجبل : إذا ~~أمر الله سبحانه وتعالى بفعل ، فهو حسن بالاتفاق . وإذا نهى عن فعل فهو ~~قبيح بالاتفاق ، ولكن حسنه وقبحه إما أن ينشأ عن نفس الفعل والأمر والنهي ، ~~كما يقال ، أو ينشأ PageV01P306 عن تعلق الأمر والنهي ، أو من المجموع . ~~فالأول قول المعتزلة ، ولهذا لا يجوز نسخ العبادة قبل دخول وقتها . والثاني ~~: قول الأشعري ومن وافقه من الطوائف . والثالث : أن ذلك قد ينشأ عن الأمرين ~~. فتارة يأمر بالفعل لحكمة تنشأ من نفس الأمر ، دون المأمور ms090 به . وهو الذي ~~يجوز نسخه قبل التمكن من الفعل كنسخ الصلاة ليلة المعراج إلى خمس . وكما ~~نسخ أمر إبراهيم صلى الله عليه وسلم بذبح ولده ، وتارة لحكمة تنشأ من الفعل ~~. نفسه ، وتارة لحكمة من الفعل حصلت بالأمر . ( و ) الحسن ( عرفا ) أي في ~~عرف الشرع ( ما لفاعله فعله ) أي أن يفعله ( وعكسه ) أي ، والقبيح في عرف ~~الشرع ما ليس لفاعل أن يفعله PageV01P307 ( ولا يوصف فعل غير مكلف ) من ~~صغير ومجنون ( بحسن ولا قبح ) ؛ لأنه ليس بواجب ولا محظور ( وشكر المنعم ) ~~سبحانه وتعالى ، وهو عبارة عن استعمال جميع ما أنعم الله تعالى به على ~~العبد من القوى والأعضاء الظاهرة والباطنة المدركة والمحركة فيما خلقه الله ~~تعالى لأجله كاستعمال النظر في مشاهدة مصنوعاته وآثار رحمته ، ليستدل على ~~صانعها ، وكذا السمع وغيره ( ومعرفته تعالى ) وهي عبارة عن معرفة وجود ذاته ~~بصفات الكمال فيما يزل ولا يزال دون معرفة حقيقة ذاته وصفاته ، لاستحالة ~~ذلك عقلا عند الأكثرين . ( وهي ) أي معرفته جل وعلا ( أول واجب لنفسه ) على ~~المكلف بالنظر في الوجود والموجود PageV01P308 ( واجبان ) أي شكر المنعم ~~ومعرفته ( شرعا ) أي : بالشرع دون العقل ، لما تقدم من أن العقل لا يوجب ~~ولا يحرم . وهذا مذهب أهل السنة . وقالت المعتزلة بالعقل دون الشرع ، ~~PageV01P309 وعن الأشعرية أن وجوب معرفة الله تعالى بالعقل والشرع . نقله ~~الشيرازي في كتاب ' جامع الألغاز ، لتوحيد الملك الجبار ' وعلم مما تقدم أن ~~النظر والمعرفة لا يقعان ضرورة . قال في شرح التحرير : وهذا هو الصحيح . ~~وقدمه ابن مفلح في ' باب المرتد ' وابن حمدان في ' نهاية المبتدئين ' ~~وغيرهما . وقال القاضي وغيره : بل هما كسبيان . انتهى . وقال جمع من ~~أصحابنا وغيرهم : إنهما يقعان ضرورة ، فلا يتوصل إليهما بأدلة العقل . وحمل ~~ذلك الشيخ تقي الدين على المعرفة الفطرية . كمعرفة إبليس . لا المعرفة ~~الإيمانية . قال ابن عقيل : قال أهل الحق : لا يتأتى أنه مطيع في نظره ، ~~لأنه PageV01P310 لا تصح طاعة من لا يعرف ، ولا معرفة من لم ينظر ( و ) ~~اختلف : هل بين شكر المنعم ومعرفته تعالى فرق من جهة العقل ، أم ms091 لا ؟ ف ( ~~في قول : لا فرق بينهما عقلا ) قال الرازي : لا فرق بين الشكر ومعرفة الله ~~تعالى عقلا . فمن أوجب الشكر عقلا أوجب المعرفة ، ومن لا فلا قال الجويني : ~~هو عندهم من النظريات ، لا من الضروريات . قال الأرموي في الحاصل : هما ~~متلازمان . والقول الثاني : أن الشكر فرع المعرفة ، وهو قول المعتزلة ومن ~~وافقهم ؛ لأن الشكر عندهم إتعاب النفس بفعل المستحبات العقليات ، كالنظر ~~إلى مصنوعاته والسمع إلى الآيات ، والذهن إلى فهم معانيها . فعندهم مدرك ~~وجوب الشكر عقلي للبرهان الكلي العقلي ، ومخالفوهم PageV01P311 يقولون : ~~مدركه السمع لا العقل ( وفعله تعالى ) وتقدس ( وأمره لا لعلة ولا لحكمة ) ( ~~في قول ) اختاره الكثير من أصحابنا وبعض المالكية والشافعية . وقاله ~~الظاهرية والأشعرية والجهمية . والقول الثاني : أنهما لعلة وحكمة . اختاره ~~الطوفي ، والشيخ تقي الدين ، وابن القيم ، وابن قاضي الجبل . وحكاه عن ~~إجماع السلف ، وهو مذهب الشيعة والمعتزلة ، لكن المعتزلة تقول بوجوب الصلاح ~~. ولهم في PageV01P312 الأصلح قولان . والمخالفون لهم يقولون بالتعليل ، لا ~~على منهج المعتزلة . وجوزت طائفة الأمرين . قال الشيخ تقي الدين : لأهل ~~السنة في تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه قولان ، والأكثرون على التعليل ~~والحكمة : هل هي منفصلة عن الرب تعالى لا تقوم به ، أو قائمة [ به ] مع ~~ثبوت الحكم المنفصل أيضا ؟ لهم فيه قولان . وهل تتسلسل الحكم أو لا تتسلسل ~~؟ أو تتسلسل في المستقبل دون الماضي ؟ فيه أقوال . احتج المثبتون للحكمة ~~والعلة بقوله تعالى ( { من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل } ) وقوله تعالى ~~( { كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم } ) وقوله تعالى ( { وما جعلنا ~~القبلة التي كنت عليها إلا PageV01P313 لنعلم } ) ونظائرها ، ولأنه سبحانه ~~وتعالى حكيم ، شرع الأحكام لحكمة ومصلحة لقوله تعالى ( { وما أرسلناك إلا ~~رحمة للعالمين } ) والإجماع واقع على اشتمال الأفعال على الحكم والمصالح ~~إما وجوبا كقول المعتزلة ، وإما جوازا كقول أهل السنة فيفعل ما يريد بحكمته ~~. واحتج النافون بوجوه ، PageV01P314 أحدها : ما قال الرازي : إن العلة إن ~~كانت قديمة لزم من قدمها قدم الفعل ، وهو محال ، وإن كانت محدثة افتقرت إلى ~~علة أخرى ولزم التسلسل . وهو مراد المشايخ ms092 بقولهم : كل شيء صنعه ، ولا علة ~~لصنعه . وأجيب بأن قوله : لو كانت قديمة لزم قدم الفعل : غير مسلم ، إذ لا ~~يلزم من قدمها قدم المعلول . كالإرادة قديمة ومتعلقها حادث . ولو كانت ~~حادثة لم تفتقر إلى علة أخرى وإنما يلزم لو قيل : كل حادث مفتقر إلى علة . ~~وهم لم يقولوا ذلك . بل قالوا : يفعل لحكمة فإنه لا يلزم من كون الأول ~~مرادا لغيره كون الثاني كذلك وإن كان الثاني [ محدثا ] لم يجب أن يكون ~~الأول كذلك فلا يتسلسل . الوجه الثاني من أوجه النفات : أن كل من فعل فعلا ~~لأجل تحصيل مصلحة ، أو دفع مفسدة . فإن كان تحصيل تلك المصلحة أولى له من ~~عدم PageV01P315 تحصيلها كان ذلك الفاعل قد استفاد بذلك الفعل تحصيل تلك ~~الأولوية . وكل من كان كذلك ، كان ناقصا بذاته ، مستكملا بغيره ، وهو في حق ~~الله سبحانه وتعالى محال ، وإن كان تحصيلها وعدمه سواء بالنسبة إليه ، فمع ~~الاستواء لا يحصل الرجحان . فامتنع الترجيح . وأجيب بمنع الحصر ، وبالنقص ~~بالأفعال المتعدية . كإيجاد العلم . فإن قالوا بخلوه عن النقص . قيل : كذا ~~في التعليل نمنع كونه ناقصا في ذاته ، ومستكملا بغيره في ذاته أو صفات ذاته ~~، بل اللازم حصول كمالات ناشئة من ، جهة الفعل ، ولا امتناع فيه . فإن كونه ~~محسنا إلى الممكنات من جملة صفات الكمال . وكذا الكمال في كونه خالقا ~~ورازقا على مذهب الأشعري . الوجه الثالث من أوجه النفات : أنه لو فعل فعلا ~~لغرض . فإن كان قادرا على تحصيله بدون ذلك الفعل . كان توسطه عبثا . وإلا ~~لزم العجز ، وهو ممتنع ، PageV01P316 ولأن ذلك الغرض مشروط بتلك الوسيلة ، ~~لكنه باطل ، لأن أكثر الأغراض إنما تحصل بعد انقضاء تلك الوسائل ، فيمتنع ~~اشتراطه . وأجيب بأن إطلاق الغرض لا يجوز ، لما يوهمه عرفا وليعدل عنه إلى ~~لفظ العلة فيقال : لا نسلم لزوم العبث ، لأن العبث الخالي عن الفائدة ~~والقدرة على الفعل بدون توسط السبب لا يقتضي عبث الفعل وإلا لزم أن تكون ~~الشرعيات عبثا ؛ لأن الله تعالى قادر على إيصال ما حصلت لأجله من إيصال ~~الثواب بدون توسطها ms093 . وقولهم : ' إن لم يقدر على تحصيله لزم العجز ' ممنوع ~~؛ لأنه إنما يلزم لو أمكن تحصيل ما شرع لأجله بدون الفعل ، وبأن إمكان ~~تحصيله بدون العجز دور ( وعليه ) : أي على القول بنفي العلة ( مجرد مشيئته ~~) تعالى ( مرجح ) PageV01P317 لإيجاد فعل ما شاءه . فإذا شاء سبحانه وتعالى ~~شيئا من الأشياء ترجح بمجرد تلك الإشاءة . ويقولون : علل الشرع أمارات محضة ~~، وبعضهم يقول بالمناسبة ، ثبت الحكم عندها لا بها . وقال أبو الخطاب وابن ~~المنى والشيخ الموفق والغزالي ، بقول الشارع : جعل الوصف المناسب موجبا ~~لحسن الفعل وقبحه ، لا أنه كان حسنا وقبيحا قبله ، كما يقول المثبتون . ( ~~وهي ) أي مشيئة الله سبحانه وتعالى ( وإرادته ليستا بمعنى محبته ، ~~PageV01P318 ورضاه وسخطه وبغضه ) ( فيحب ويرضى ما أمر به فقط ، وخلق كل شيء ~~بمشيئته تعالى ) فيكون ما يشاء لمشيئته ، وإن كان قد لا يحبه ، وهذا مذهب ~~أئمة السلف من الفقهاء والمحدثين والصوفية والنظار وابن كلاب . وذهبت ~~المعتزلة والقدرية والأشعري وأكثر أصحابه ومن وافقهم من المالكية والشافعية ~~ومن أصحابنا - كابن حمدان في نهاية المبتدئين - إلى أن الكل بمعنى واحد ، ~~ثم قالت المعتزلة : هو لا يحب الكفر والفسوق والعصيان فلا يشاؤه ، وإنه ~~يكون بلا مشيئته وقالت الجهمية : بل هو يشاء ذلك . فهو يحبه ويرضاه ، ~~PageV01P319 وأبو الحسن وأكثر أصحابه وافقوا هؤلاء . وذكر أبو المعالي ~~الجويني : أن أبا الحسن أول من خالف السلف في هذه المسألة . وأما سلف الأمة ~~وأئمتها ، وأكابر الفقه والحديث والتصوف ، وكثير من طوائف النظار كالكلابية ~~والكرامية وغيرهم : فيفرقون بين هذا وهذا ، ويقولون : إن الله تعالى يحب ~~الإيمان والعمل الصالح ويرضى به ، كما يأمر به . ولا يرضى بالكفر والفسوق ~~والعصيان ولا يحبه ، كما لا يأمر به ، وإن كان قد يشاؤه . ولهذا كان حملة ~~الشرع من السلف والخلف متفقين على أنه لو حلف ليفعلن واجبا أو مستحبا . ~~كقضاء دين تضيق وقته أو عبادة تضيق وقتها . وقال : إن شاء الله ثم لم يفعله ~~لم يحنث . وهذا يبطل قول القدرية . ولو قال : إن كان الله يحب ذلك ويرضاه ~~فإنه يحنث . كما لو قال : إن كان ms094 يندب إلى ذلك ويرغب فيه ، أو يأمر به أمر ~~إيجاب أو استحباب قال البغوي في تفسيره عند قوله تعالى ( سيقول السفهاء ) ( ~~{ سيقول الذين PageV01P320 أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من شيء } ) والرد عليهم في ذلك أن أمر الله تعالى بمعزل عن مشيئته ~~وإرادته . فإنه مريد لجميع الكائنات ، غير آمر بجميع ما يريد ، وعلى العبد ~~أن يتبع أمره وليس له أن يتعلق بمشيئة . فإن مشيئته لا تكون عذرا لأحد . ~~وقال في سورة التغابن عند قوله تعالى ( { هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم ~~مؤمن } ) وجملة القول فيه : أن الله سبحانه خلق الكافر ، وكفره فعل له وكسب ~~، وخلق المؤمن وإيمانه فعل له وكسب . فلكل واحد من الفريقين كسب واختيار . ~~وكسبه واختياره بتقدير الله تعالى ومشيئته انتهى . ثم اعلم أن إرادة الله ~~سبحانه وتعالى في كتابه نوعان : نوع بمعنى المشيئة لما خلق . نحو قوله ~~تعالى ( { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل ~~صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء } ) ونوع بمعنى محبته ورضاه لما أمر ~~به ، وإن لم يخلقه . نحو قوله تعالى ( { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر } ) وقوله تعالى PageV01P321 ( { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ~~ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون } ) في آي كثيرة . وبهذا ~~يفصل النزاع في مسألة الأمر : هل هو مستلزم للإرادة أم لا ؟ فإن القدرية ~~تزعم أنه مستلزم للمشيئة . فيكون قد شاء المأمور به و [ لو ] لم يكن ، ~~والجهمية قالوا : إنه غير مستلزم لشيء من الإرادة . ولا محبته له ولا رضاه ~~به إلا إذا وقع . فإنه ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن . ( فائدة : ) ( ~~الأعيان والمعاملات ) المنتفع بها ( والعقود المنتفع بها قبل ) ورود ( ~~الشرع ) PageV01P322 بحكمها ( إن ) فرض أنه ( خلا وقت عنه ) أي عن الشرع مع ~~أن الصحيح : أنه لم يخل وقت من شرع . قاله القاضي وهو ظاهر كلام أحمد ، ~~لأنه أول ما خلق آدم قال له ( { اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث ms095 ~~شئتما ولا تقربا هذه الشجرة } ) أمرهما ونهاهما عقب خلقهما . فكذلك كل زمان ~~. قال الجزري : لم تخل الأمم من حجة ، واحتج بقوله تعالى ( { أيحسب الإنسان ~~أن يترك سدى } ) والسدى : الذي لا يؤمر ولا PageV01P323 ينهى ، وبقوله ~~تعالى ( { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا } ) وبقوله تعالى ( { وإن من أمة إلا ~~خلا فيها نذير } ) قال القاضي : هذا ظاهر رواية عبد الله فيما خرجه في ~~مجلسه : الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم . ~~فأخبر أن كل زمان فيه قوم من أهل العلم PageV01P324 ( أو بعده ) أي بعد ~~ورود الشرع ( وخلا عن حكمها ) . قال أبو الخطاب : لو قدرنا خلو شرع عن حكم ~~ما حكمها ( أو لا ) : أي أو لم يخل الشرع عن حكمها ( وجهل ) قال القاضي : ~~ويتصور فائدة المسألة فيمن نشأ ببرية ولم يعرف شرعا . وعنده فواكه وأطعمة . ~~وكذا قال أبو الخطاب ( مباحة ) خبر لقوله ' الأعيان ' وبالإباحة قال أبو ~~الحسن التميمي والقاضي أبو يعلى في مقدمة المجرد ، وأبو الفرج الشيرازي ، ~~وأبو الخطاب والحنفية والظاهرية وابن سريج . وأبو حامد المروزي وغيرهم ، ~~لأن خلقها لا PageV01P325 لحكمة عبث ، ولا حكمة إلا انتفاعنا بها ، إذ هو ~~خال عن المفسدة . كالشاهد . وقد قال الله تعالى ( { هو الذي خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا } ) قال القاضي : وأومأ إليه أحمد ، حيث سئل عن قطع النخل ؟ ~~قال : لا بأس ، لم نسمع في قطعه شيئا . وفي الروضة ما يقتضي : أنه عرف ~~بالسمع إباحتها قبله . وقاله بعضهم : كما في الآيات والأخبار . قال ابن ~~قاضي الجبل وغيره : الأدلة الشرعية دلت على الإباحة لقوله تعالى ( { خلق ~~لكم ما في الأرض جميعا } ) وقوله تعالى ( { قل من حرم زينة الله التي أخرج ~~لعباده والطيبات من الرزق } ) PageV01P326 وقوله صلى الله عليه وسلم { من ~~أعظم المسلمين جرما : من سأل عن شيء لم يحرم ، فحرم لأجل مسألته } وقوله ~~صلى الله عليه وسلم { ما سكت عنه : فهو عفو } . وعند ابن حامد ، والقاضي في ~~العدة ، والحلواني ، وبعض الشافعية ، والأبهري من المالكية : محرمة . لأنه ~~تصرف في ملك الغير بغير إذنه ms096 فحرم كالشاهد . PageV01P327 ثم على القول ~~بالتحريم : يخرج من محل الخلاف على الصحيح عند العلماء - وحكى إجماعا - ما ~~يحتاج إليه كتنفس وسد رمق ونحوه . وقول من قال بحرمة ذلك ساقط لا يعتد به . ~~إذا تقرر هذا : فقد نقل عن بعض العلماء أنه قال : من لم يوافق المعتزلة في ~~التحسين والتقبيح العقليين ، وقال بالإباحة أو الحظر : فقد ناقض . فاحتاج ~~من قال بأحد القولين إلى استناد إلى سبب غير ما استندت إليه PageV01P328 ~~المعتزلة ، وهو ما أشير إليه بقوله ( بإلهام ) قال الحلواني وغيره : عرفنا ~~الحظر والإباحة بالإلهام ، كما ألهم أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما ~~أشياء ورد الشرع بموافقتهما ( وهو ما يحرك القلب بعلم يطمئن ) القلب ( به ) ~~أي بذلك العلم PageV01P329 حتى ( يدعو إلى العمل به ) أي بالعلم الذي اطمأن ~~به ( وهو ) أي الإلهام ( في قول : طريق شرعي ) حكى القاضي أبو يعلى في ~~الإلهام : هل هو طريق شرعي ؟ على قولين . وحكي في جمع الجوامع : أن بعض ~~الصوفية قال به . وقال ابن السمعاني نقلا عن أبي زيد الدبوسي وحده أبو زيد ~~بأنه ما حرك القلب بعلم يدعوك إلى العمل به من غير استدلال ولا نظر في حجة ~~. وقال بعض الحنفية : هو حجة بمنزلة الوحي المسموع من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم . واحتج له بقوله تعالى ( { ونفس وما سواها فألهمها فجورها ~~PageV01P330 وتقواها } ) أي عرفها بالإيقاع في القلب ، وبقوله تعالى ( { ~~فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام } ) وبقوله صلى الله عليه وسلم { ~~الإثم ما حاك في الصدر ، وإن أفتاك الناس وأفتوك } فقد جعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم شهادة قلبه بلا حجة أولى من الفتوى . والقول الثاني : أنه خيال ~~لا يجوز العمل به إلا عند فقد الحجج كلها ، ولا حجة في شيء مما تقدم ؛ لأنه ~~ليس المراد الإيقاع في القلب بلا دليل ، بل الهداية إلى الحق بالدليل ، كما ~~قال علي رضي الله تعالى عنه : PageV01P331 إلا أن يؤتي الله عبدا فهما في ~~كتابه . PageV01P332 # | ( فصل ) # ( الحكم الشرعي ) في اصطلاح الفقهاء ( مدلول خطاب الشرع ) قال الإمام ~~أحمد رضي ms097 الله عنه : الحكم الشرعي خطاب الشرع وقوله . قال في شرح التحرير : ~~والظاهر أن الإمام أحمد أراد بزيادة وقوله ' على ' خطاب الشرع ' التأكيد ، ~~من باب عطف العام على الخاص ؛ لأن كل خطاب قول ، وليس كل قول خطابا . انتهى ~~. وشمل مدلول الخطاب الأحكام الخمسة ، والمعدوم حين الخطاب . ودل على أن ~~الحكم صفة الحاكم ، فنحو قوله تعالى ( { أقم الصلاة } ) يسمى باعتبار النظر ~~إلى نفسه التي هي صفة لله تعالى إيجابا ، ويسمى بالنظر إلى ما تعلق به ، ~~وهو فعل مكلف : وجوبا . فهما متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار . فترى ~~العلماء تارة يعرفون الإيجاب ، وتارة PageV01P333 يعرفون الوجوب نظرا إلى ~~الاعتبارين . وقال كثير من العلماء : إن الحكم الشرعي خطابه المتعلق بفعل ~~المكلف ، وهو قريب من الأول ، إلا أن هذا أصرح وأخص ، فخطاب جنس ، وهو مصدر ~~خاطب ، لكن المراد هنا المخاطب به ، لا معنى المصدر الذي هو توجيه الكلام ~~لمخاطب . فهو من إطلاق المصدر على اسم المفعول . PageV01P334 وخرج خطاب غير ~~الشارع ؛ إذ لا حكم إلا للشارع . وخرج بقوله ' المتعلق بفعل المكلف ' خمسة ~~أشياء : الخطاب المتعلق بذات الله وصفته وفعله . وبذات المكلفين والجماد . ~~فالأول : ما تعلق بذاته ، نحو قوله تعالى ( { شهد الله أنه لا إله إلا هو } ~~) والثاني : ما تعلق بصفته ، نحو قوله تعالى ( { الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم } ) الثالث : ما تعلق بفعله ، نحو قوله تعالى ( { الله خالق كل شيء ~~} ) الرابع : ما تعلق بذات المكلفين ، نحو قوله تعالى ( { ولقد خلقناكم ثم ~~صورناكم } ) وقوله تعالى ( { خلقكم من نفس واحدة } ) الخامس : ما تعلق ~~بالجماد . نحو قوله تعالى ( { ويوم نسير PageV01P335 الجبال } ) ونحوها . ~~والمراد بالتعلق الذي من شأنه أن يتعلق من باب تسمية الشيء بما يئول إليه ، ~~وإلا فيلزم أنه قبل التعلق لا يكون حكما ؛ إذ التعلق حادث عند الرازي ~~وأتباعه . فيكون مجازا . ولا يضر وقوعه في التعريف إذا دلت عليه القرائن ~~عند الغزالي ، والقرافي . وإن قيل : إن التعلق قديم ، واختاره الرازي في ~~القياس والسبكي ، أو قلنا : له اعتباران قبل وجوب التكليف وبعده . كما قاله ~~جمع منهم ، فلا مجاز في التعريف ، PageV01P336 والمراد ms098 بفعل المكلف الأعم ~~من القول والاعتقاد ، لتدخل عقائد الدين والنيات في العبادات ، والمقصود ~~عند اعتبارها ونحو ذلك . وقلنا ' المكلف بالإفراد ' ليشمل ما يتعلق بفعل ~~الواحد ، كخصائص النبي صلى الله عليه وسلم ، وكالحكم بشهادة خزيمة ، وإجزاء ~~العناق في الأضحية لأبي بردة وقد ثبت ذلك لزيد بن خالد الجهني ، وعقبة بن ~~PageV01P337 عامر الجهني . ذكره في حياة الحيوان ، والبرماوي . والمراد ~~بالمكلف : البالغ العاقل الذكر ، غير الملجأ ، لا من تعلق به التكليف ، ~~وإلا لزم الدور . إذ لا يكون مكلفا حتى يتعلق به التكليف ، ولا يتعلق ~~التكليف إلا بمكلف . PageV01P338 | ( والخطاب قول يفهم منه من سمعه شيئا ~~مفيدا مطلقا ) فالقول : احترز به عن الإشارات والحركات المفهمة . وخرج بقيد ~~' الفهم ' من لا يفهم ، كالصغير والمجنون ؛ إذ لا يتوجه إليه خطاب . وقوله ~~' من سمعه ' ليعم المواجهة بالخطاب وغيره ، وليخرج النائم والمغمى عليه ~~ونحوهما . وخرج بقوله ' مفيدا ' المهمل ، وقوله ' مطلقا ' ليعم حالة قصد ~~إفهام السامع وعدمها . وقيل : لا بد من قصد إفهامه . فعليه حيث لم يقصد ~~إفهامه لا يسمى خطابا ( ويسمى به ) أي الخطاب ( الكلام في الأزل ) ( في قول ~~) ذهب إليه الأشعري والقشيري . والذي ذهب إليه القاضي أبو بكر الباقلاني ~~والآمدي : أنه لا يسمى خطابا ، لعدم المخاطب حينئذ ، بخلاف تسميته في الأزل ~~أمرا ونهيا ونحوهما ؛ PageV01P339 لأن مثله يقوم بذات المتكلم بدون من ~~يتعلق به ، كما يقال في الموصي : أمر في وصيته ونهى ( ثم إن ) ( ورد ) خطاب ~~الشرع ( بطلب فعل مع جزم ) أي قطع مقتض للوعيد على الترك ( فإيجاب ) على ~~المكلف . نحو : قوله تعالى { أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } ( أو ) ورد بطلب ~~فعل ( لا معه ) أي ليس معه جزم ( فندب ) نحو قوله تعالى ( { وأشهدوا إذا ~~تبايعتم } ) وقوله تعالى ( { فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } ~~{ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم } ) وقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم { استاكوا } PageV01P340 ( أو ) ورد خطاب بالشرع ( بطلب ترك معه ) أي ~~مع جزم ، أي قطع مقتض للوعيد على الفعل ( فتحريم ) نحو قوله تعالى ( { لا ~~تأكلوا الربا } ) وقوله تعالى ( { ولا تقربوا الزنا } ) . ( أو ) ورد بطلب ~~ترك ( لا ms099 معه ) أي ليس معه جزم ( فكراهة ) كقوله صلى الله عليه وسلم { إذا ~~توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ، ثم خرج عامدا إلى المسجد : فلا يشبك بين أصابعه ؛ ~~فإنه في صلاة } رواه الترمذي وابن ماجه . PageV01P341 ( أو ) ورد خطاب ~~الشرع ( بتخيير ) بين الفعل والترك - ( فإباحة ) { كقوله صلى الله عليه ~~وسلم حين سئل عن الوضوء من لحوم الغنم إن شئت فتوضأ ، وإن شئت فلا تتوضأ } ~~( وإلا ) أي وإن لم يرد خطاب الشرع بشيء من هذه الصيغ الخمسة المتقدمة ، ~~وورد بنحو صحة ، أو فساد ، أو نصب الشيء سببا ، أو مانعا أو شرطا ، أو كون ~~الفعل أداء أو قضاء ، أو رخصة أو عزيمة ( فوضعي ) أي فيسمى خطاب الوضع ، ~~ويسمى الأول خطاب التكليف ، PageV01P342 ولا تتقيد استفادة الأحكام من صريح ~~الأمر والنهي ، بل تكون بنص أو إجماع أو قياس . والنص إما أن يكون أمرا ، ~~أو نهيا ، أو إذنا ، أو خبرا بمعناها ، أو إخبارا بالحكم ، نحو قوله تعالى ~~( { كتب عليكم الصيام } ) وقوله تعالى ( { إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها } ) ، [ وقوله صلى الله عليه وسلم ] { إن الله ينهاكم ~~أن تحلفوا بآبائكم } وقوله تعالى ( { أحل لكم صيد البحر } ) أو بذكر خاصة ~~لأحد الأحكام ، كوعيد على فعل شيء أو تركه أو وعد على فعل شيء أو تركه أو ~~نحو ذلك . وقد يجتمع خطاب التكليف وخطاب الوضع في شيء واحد ، كالزنا ، ~~PageV01P343 فإنه حرام ، وسبب للحد . وقد ينفرد خطاب الوضع ، كأوقات ~~العبادات وكون الحيض مانعا من الصلاة والصوم ونحوهما . وكون البلوغ شرطا ~~للتكليف ، وحولان الحول شرطا لوجوب الزكاة . وأما انفراد خطاب التكليف : ~~فقال في شرح التنقيح : لا يتصور ، إذ لا تكليف إلا له سبب ، أو شرط أو مانع ~~قال الطوفي في شرحه : هو أشبه بالصواب . قال في شرح التحرير : وهو كما قال ~~. ( و ) الشيء ( المشكوك ليس بحكم ) وهو الصحيح . قاله ابن عقيل . والشاك ~~لا مذهب له والواقف له مذهب ؛ لأنه يفتي به ويدعو إليه . قال في شرح ~~التحرير : وهذا المعمول به عند العلماء . وقيل : لا . PageV01P344 # | ( فصل ) # لما أنهى الكلام في تعريف الحكم وتقسيمه ms100 إلى خمسة ، أخذ يبين تعريف كل ~~واحد منها ، وما يتعلق به من المسائل والأحكام ، فقال ( الواجب لغة ) أي في ~~اللغة ( الساقط والثابت ) قال في القاموس : وجب يجب وجبة : سقط . والشمس ~~وجبا ووجوبا : غابت . والوجبة : السقطة مع الهدة ، أو صوت الساقط . وقال في ~~المصباح : وجب الحق ، والبيع يجب وجوبا ووجبة : لزم وثبت . ومن أمثلة ~~الثبوت : [ قوله صلى الله عليه وسلم ] ' أسألك موجبات رحمتك ' ( و ) . أما ~~الواجب ( شرعا ) أي : في عرف الشرع فلهم فيه حدود كثيرة اقتصر منها في ~~الأصل على ستة أوجه . أحدها : وهو ما قال في شرح التحرير : أنه أولاها ( ما ~~ذم شرعا PageV01P345 تاركه قصدا مطلقا ) وهو للبيضاوي . ونقله في المحصول ~~عن ابن الباقلاني . وقال في المنتخب : إنه الصحيح من الرسوم ، لكن فيه نقص ~~وتغيير . وتبعه الطوفي في مختصره ، ولم يقل ' قصدا ' . فالتعبير بلفظ ' ما ~~ذم ' خير من التعبير بلفظ ' ما يعاقب ' لجواز العفو عن تاركه . وقولنا ' ~~شرعا ' أي ما ورد ذمه في كتاب الله سبحانه وتعالى أو سنة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم ، أو في إجماع الأمة ، ولأن الذم لا يثبت إلا بالشرع خلافا لما ~~قالته المعتزلة ، واحترز به عن المندوب والمكروه والمباح ، لأنه لا ذم فيها ~~. وقوله ' تاركه ' احترز به عن الحرام . فإنه لا يذم إلا فاعله . ~~PageV01P346 وقوله : ' قصدا ' فيه تقديران موقوفان على مقدمة ، وهو أن ~~التعريف إنما هو بالحيثية ، أي الذي بحيث لو ترك لذم تاركه ؛ إذ لو لم يكن ~~بالحيثية لاقتضى أن كل واجب لا بد من حصول الذم على تركه ، وهو باطل . إذا ~~علم ذلك فأحد التقديرين : أنه إنما أتى بالقصد ؛ لأنه شرط لصحة هذه الحيثية ~~؛ إذ التارك لا على سبيل القصد لا يذم . الثاني : أنه احترز به عما إذا مضى ~~من الوقت قدر فعل الصلاة ثم تركها بنوم أو نسيان ، وقد تمكن . ومع ذلك لم ~~يذم شرعا تاركها ، لأنه ما تركها قصدا . فأتى بهذا القيد لإدخال هذا الواجب ~~في الحد ، ويصير به جامعا ، وقوله ' مطلقا ' فيه تقديران أيضا موقوفان على ~~مقدمة ، وهي أن الإيجاب ms101 باعتبار الفاعل قد يكون على الكفاية وعلى العين ، ~~وباعتبار المفعول قد يكون مخيرا كخصال الكفارة ، [ وقد يكون محتما ، ~~كالصلاة أيضا وباعتبار الوقت المفعول فيه قد يكون موسعا كالصلاة ] وقد ~~PageV01P347 يكون مضيقا كالصوم . فإذا ترك الصلاة في أول وقتها صدق أنه ترك ~~واجبا إذ الصلاة تجب بأول الوقت . ومع ذلك لا يذم عليها إذا أتى بها في ~~أثناء الوقت . ويذم إذا أخرجها عن جميعه ، وإذا ترك إحدى خصال الكفارة ، ~~فقد ترك ما يصدق عليه أنه لازم فيه إذا أتى بغيره . وإذا ترك صلاة جنازة ~~فقد ترك ما صدق عليه أنه واجب عليه ، ولا يذم عليه إذا فعله غيره . إذا علم ~~ذلك فأحد التقديرين أن قوله مطلقا ' عائد إلى الذم . وذلك أنه قد تلخص أن ~~الذم على الواجب الموسع على المخير وعلى الكفاية من وجه دون وجه . والذم ~~على الواجب المضيق والمحتم والواجب على العين من كل وجه . فلذلك قال ' ~~مطلقا ' ليشمل ذلك كله بشرطه ، ولو لم يذكر ذلك لورد عليه من ترك شيئا من ~~ذلك . والتقدير الثاني : أن ' مطلقا ' عائد إلى الترك ، والتقدير تركا ~~مطلقا ليدخل المخير والموسع وفرض الكفاية . فإنه إذا ترك فرض الكفاية لا ~~يأثم ، وإن صدق أنه ترك واجبا وكذلك الآتي به آت بالواجب ، مع أنه لو تركه ~~لم يأثم . وإنما يأثم إذا حصل الترك المطلق منه ومن غيره . وهكذا في الواجب ~~المخير والموسع . ودخل فيه أيضا الواجب المحتم والمضيق وفرض PageV01P348 ~~العين ، لأن كل ما ذم الشخص عليه إذا تركه وحده ذم عليه أيضا إذا تركه هو ~~وغيره . وأما بقية الحدود الستة ، فالحد الثاني : أن الواجب ما يعاقب تاركه ~~. الثالث : أن الواجب ما توعد على تركه بالعقاب . الرابع : ما يذم تاركه ~~شرعا . الخامس : ما يخاف العقاب بتركه . السادس : لابن عقيل ، فإنه حده ~~بأنه إلزام الشرع . وقال : الثواب والعقاب أحكامه ومتعلقاته . قال في شرح ~~التحرير : فحده به يأباه المحققون وهو حسن . ( ومنه ) أي من الواجب : ( ما ~~لا يثاب على فعله ) ( ، كنفقة واجبة ، ورد وديعة وغصب ونحوه ) كعارية ، ~~ودين ( إن ms102 فعل ) ذلك ( مع غفلة ) لعدم النية المترتب عليها الثواب ~~PageV01P349 ( ومن المحرم ما لا يثاب على تركه ) أي كأن يترك المكلف المحرم ~~( غافلا ) عن كون تركه طاعة بامتثال الأمر بالترك . لأن شرط ترتيب الثواب ~~على تركه ، نية التقرب به ، فترتب الثواب وعدمه في فعل الواجب وترك المحرم ~~راجع إلى وجود شرط الثواب وعدمه ، وهو النية . ( والفرض لغة ) أي في اللغة ~~( التقدير ) ومنه قوله سبحانه وتعالى ( { فنصف ما فرضتم } ) أي قدرتم . ~~ومنه قوله ( { لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا } ) أي معلوما . PageV01P350 ( ~~والتأثير ) قال الجوهري : الفرض : الحز في الشيء ، وفرض القوس : الحز الذي ~~يقع به الوتر . ( والإلزام ) ومنه قوله سبحانه وتعالى ( { سورة أنزلناها ~~وفرضناها } ) أي أوجبنا العمل بها ( والعطية ) يقال ، فرضت له كذا وافترضته ~~أي أعطيته ، وفرضت له في الديوان . قاله في الصحاح ( والإنزال ) ومنه قوله ~~سبحانه وتعالى ( { إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد } ) أي أنزل ~~عليك القرآن . قال البغوي : هو قول أكثر المفسرين ( والإباحة ) ومنه قوله ~~تعالى ( { ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له } ) أي : أباح الله له ~~. ( ويرادف ) الفرض ( الواجب شرعا ) أي في عرف الشرع على PageV01P351 ~~الصحيح عند أصحابنا والشافعية والأكثر لقوله تعالى ( { فمن فرض فيهن الحج } ~~) أي أوجبه . والأصل تناوله حقيقة وعدم غيره ، نفيا للمجاز والاشتراك . وفي ~~الصحيح : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { يقول الله تعالى : ما تقرب إلي ~~عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه } ولأن كلا منهما يذم تاركه شرعا ، ~~والاستدعاء لا يقبل التزايد . كجائز ولازم ، وصادق وكاذب . فلا يقال : أجوز ~~ولا ألزم ؛ لأنه انتظمه حد واحد ، وهو حقيقة واحدة . وعن أحمد رحمه الله ~~تعالى رواية أخرى : أن الفرض آكد . واختارها PageV01P352 من أصحابنا : ابن ~~شاقلا والحلواني ، وحكاه ابن عقيل عن أصحابنا . وهو مذهب الحنفية وابن ~~الباقلاني . وللقاضي من أصحابنا القولان . قال الطوفي : والنزاع لفظي ، إذ ~~لا نزاع في انقسام الواجب إلى قطعي وظني . فليسموا هم القطعي ما شاءوا ، ثم ~~على القول أن الخلاف ليس بلفظي ، يصح أن يقال على القول الثاني : بعض ~~الواجب ms103 آكد من بعض . ذكره القاضي والحلواني وغيرهما وأن فائدته أنه يثاب ~~على أحدهما أكثر PageV01P353 ( و ) على القول الأول ( ثوابهما سواء ) وليس ~~بعضها آكد من بعض . وقال ابن عقيل : ويصح أن يقال أيضا على الأول أن يكون ~~بعضها آكد من بعض . وأن فائدته أنه يثاب على أحدهما أكثر من الآخر ، وأن ~~طريق أحدهما مقطوع به وطريق الآخر مظنون . كما قلنا . على القول الثاني : ~~أنهما متباينان . قال في شرح التحرير : قلت : والنفس تميل إلى هذا . سواء ~~قلنا بالتباين أو الترادف : إنه لا يمتنع أن يكون أحدهما آكد من الآخر ، ~~وأنه يثاب عليه أكثر من الآخر انتهى ( وصيغتهما ) أي صيغة الوجوب والفرض . ~~كوجب وفرض . وكذا واجب وفرض PageV01P354 ( وحتم ) ومنه قوله سبحانه وتعالى ~~( { كان على ربك حتما مقضيا } ) أي واجب الوقوع بوعده الصادق ، وإلا فهو ~~سبحانه وتعالى لا يجب عليه شيء . فيقال في الواجب : حتم ومحتوم ومحتم ، ~~ونحو ذلك . قال في المصباح : حتم عليه الأمر حتما - من باب ضرب - أوجبه ~~جزما ، وتحتم : وجب وجوبا لا يمكن سقوطه . انتهى . ( و ) كذا ( لازم ) قال ~~في الحاوي وغيره : حتم ولازم كواجب قال في شرح التحرير : ولا يقبل التأويل ~~عند الأكثر ، وهو من اللزوم وهو لغة : عدم الانفكاك عن الشيء . فيقال ~~للواجب لازم وملزوم به ، ' ونحو ذلك كما في حديث الصدقة { ومن لزمته بنت ~~مخاض وليست عنده أخذ منه ابن لبون } PageV01P355 ( و ) كذا ( إطلاق الوعيد ~~) لأن خاصة الواجب ما توعد بالعقاب على تركه . ويمتنع وجود خاصة الشيء بدون ~~ثبوته إلا في كلام مجاز ( و ) وكذا ( كتب عليكم ) مأخوذ من كتب الشيء إذا ~~حتمه وألزم به ، وتسمى الصلوات المكتوبات لذلك . ومنه حديث { خمس صلوات ~~كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة } ومنه قوله تعالى ( { كتب عليكم ~~الصيام } ) وقوله تعالى { كتب عليكم القتال } كل ذلك ( نص في الوجوب ) وأما ~~قوله تعالى ( { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية } - ~~الآية ) فقيل : المراد وجب . وكانت الوصية فرضا ونسخت . وقيل : المراد ~~بالوصية ما عليه من الدين الوديعة ونحوهما . وقيل : المراد ms104 في اللوح ~~المحفوظ . فلا يكون مما نحن فيه ( وإن كنى الشارع عن عبادة ببعض ما فيها ) ~~نحو تسمية الصلاة قرآنا PageV01P356 في قوله تعالى ( { وقرآن الفجر } ) ~~ونحو التعبير عن الإحرام بالنسك بأخذ الشعر في قوله تعالى ( { محلقين ~~رءوسكم ومقصرين } ) ( دل على فرضيته ) أي فرض المكنى به عن تلك العبادة . ~~فيدل قوله تعالى { وقرآن الفجر } على فرضية القراءة في الصلاة ويدل قوله ~~تعالى { محلقين رءوسكم } على فرضية الحلق في الحج ، لأن العرب لا تكني عن ~~الشيء إلا بالأخص به . وكذا قوله تعالى ( { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ~~وقبل الغروب } ) يدل على وجوب التسبيح في الصلاة . ذكره القاضي وابن عقيل ( ~~وما لا يتم الوجوب إلا به ) سواء قدر عليه المكلف . كاكتساب المال للحج ~~والكفارات ونحوهما ، أو لم يقدر عليه المكلف ، كحضور الإمام PageV01P357 ~~الجمعة وحضور العدد المشترط فيها ، لأنه من صنع غيره ، فإنه ( ليس بواجب ~~مطلقا ) وحكي إجماعا ( وما لا يتم الواجب المطلق ) إيجابه ( إلا به وهو ) ~~أي والذي لا يتم الواجب المطلق إلا به ( مقدور لمكلف فواجب ، يعاقب ) ~~المكلف ( بتركه ، ويثاب بفعله ) كالواجب الأصلي . PageV01P358 إذا علمت ذلك ~~، فلا يخلو إما أن يكون ما لا يتم الواجب إلا به جزءا من الواجب المطلق ، ~~كالسجود في الصلاة . فهذا لا خلاف فيه ، لأن الأمر بالماهية المركبة أمر ~~بكل جزء من أجزائها ، وإما أن يكون خارجا عنه . كالسبب الشرعي ، والسبب ~~العقلي ، والسبب العادي . وكالشرط الشرعي ، والشرط العقلي والشرط العادي . ~~فهذه الستة محل الخلاف والصحيح عندنا وعند الأكثر وجوبها . فمثال السبب ~~الشرعي : صيغة العتق من الواجب من كفارة ونحوها . ومثال الشرط الشرعي : ~~الطهارة للصلاة ونحوها . ومثال السبب العقلي : الصعود إلى موضع عال . فيما ~~إذا وجب إلقاء الشيء منه . PageV01P359 ومثال الشرط العقلي : ترك أضداد ~~المأمور به . ومثال السبب العادي : وجود النار فيما إذا وجب إحراق شخص . ~~ومثال الشرط العادي : غسل الزائد على حد الوجه في غسل الوجه ليتحقق غسل ~~جميعه . فالشرط الشرعي : ما جعله الشارع شرطا ، وإن أمكن وجود الفعل بدونه ~~والشرط العقلي : ما لا يمكن وجود الفعل ms105 بدونه عقلا ، والشرط العادي ما لا ~~يمكن وجود الفعل بدونه عادة إذا تقرر هذا ، فتارة يعبر عن هذه المسألة بما ~~لا يتم الواجب إلا به فهو PageV01P360 واجب ، وتارة بما لا يتم الأمر إلا ~~به يكون مأمورا به ، لكن العبارة الأولى أشهر . والثانية أشمل من حيث إن ~~الأمر قد يكون للندب . فتكون مقدمته مندوبة ، وربما كانت واجبة . كالشرط في ~~صلاة التطوع ، إلا أنه لما وجب الكف عن فاسد الصلاة عند إرادة التلبس ~~بالصلاة مثلا وجب ما لا يتم الكف مع التلبس إلا به ، فلم يخرج عما لا يتم ~~الواجب إلا به فهو واجب . وقد علم من المتن : أنه لا يجب إلا إذا كان ~~مقدورا للمكلف ، لحديث { إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم } لكن لو ~~سقط وجوب البعض المعجوز عنه ، هل يبقى وجوب الباقي المقدور عليه . أم لا ؟ ~~قاعدة المذهب تقتضي بقاء الوجوب للحديث الموافق ؟ لقوله تعالى ( { فاتقوا ~~الله ما استطعتم } ) وقد ذكر أصحابنا أن من سقط عنه النطق في الصلاة لعذر ، ~~لم يلزمه تحريك لسانه . خلافا للقاضي من أصحابنا . وأكثر الشافعية ، لوجوبه ~~ضرورة كجزء من الليل في الصوم ، وشروط الصلاة . قال ابن مفلح : ويتوجه ~~الخلاف . وقال بعض أصحابنا : يستحب في قول من استحب غسل موضع القطع في ~~الطهارة . وكذا إمرار الموسى فيمن PageV01P361 لا شعر له ورد . قال ابن ~~عقيل في عمدة الأدلة : يمر الموسى . ولا يجب ذكره أصحابنا وشيخنا . وأما ~~كلام أحمد : فخارج مخرج الأمر ، لكنه حمله شيخنا على الندب . انتهى كلام ~~ابن مفلح . ولنا فروع كثيرة شبيهة بذلك . كوجوب القيام على من عجز عن ~~الركوع والسجود لعلة في ظهره وواجد بعض ما يكفيه لطهارته من الماء ، وبعض ~~صاع في الفطرة وربما خرج عن القاعدة فروع الراجح فيها خلاف ذلك ، لمدارك ~~فقهية محلها الفقه . PageV01P362 # | ( فصل ) # ( العبادة إن لم يعين وقتها ) أي إن لم يكن لها وقت معين من قبل الشارع ( ~~لم توصف بأداء ولا قضاء ولا إعادة ) كالنوافل المطلقة ، من صلاة وصوم وصدقة ~~ونحوها ، ولا فرق في ذلك بين ما ms106 لها سبب ، كتحية المسجد وسجود التلاوة ، أو ~~لا سبب لها . وقال البرماوي : قد توصف ما لها سبب بالإعادة . كمن أتى بذات ~~السبب مثلا مختلة ، فتداركها حيث يمكن التدارك . ( وإن ) ( عين ) وقتها ( ~~ولم يحد ) ، ( كحج وكفارة ) وزكاة مال لا فطرة ( توصف بأداء فقط ) أي دون ~~قضاء ، لأن وقت ذلك غير محدود الطرفين . و ' القضاء ' فعل الواجب خارج ~~الوقت المقدر له شرعا . ولأن كل PageV01P363 وقت من الأوقات التي يؤخر ~~فعلها إليه هو مخاطب بالفعل فيه . وذلك واجب عليه . فلو قلنا : إن أداءها ~~في الوقت الثاني بعد تأخيرها قضاء ، لزم مثل ذلك في الثالث والرابع وما ~~بعدهما ( وإطلاق القضاء في حج فاسد لشبهه بمقضي ) في استدراكه . وذلك أنه ~~لما شرع فيه وتلبس بأفعاله تضيق الوقت عليه . وذلك كما لو تلبس بأفعال ~~الصلاة مع أن الصلاة واجب موسع . وهذا جواب عن سؤال مقدر تقديره : أنتم ~~قلتم : إن الحج لا يوصف بالقضاء ، وقد وصفتموه هنا ؟ ( وفعل صلاة بعد تأخير ~~قضائها لا يسمى قضاء القضاء ) لتسلسله وهو ممتنع PageV01P364 ( وإن حد ) ~~وقت العبادة من الطرفين كصلاة الظهر ( وصفت بالثلاثة ) التي هي الأداء ، ~~والقضاء ، والإعادة ؛ لأنها إن فعلت في وقتها كانت أداء ، وإن فعلت بعده ~~كانت قضاء وإن تكرر فعلها كانت معادة ( سوى جمعة ) فإنها توصف بالأداء ~~والإعادة إذا حصل فيها خلل وأمكن تداركها في وقتها ، ولا توصف بالقضاء ، ~~لأنها إذا فاتت صليت ظهرا . إذا تقرر هذا . ( فالأداء ما فعل في وقته ~~المقدر له أولا شرعا ) فقولنا ' ما فعل ' جنس للأداء وغيره . وقولنا ' في ~~وقته المقدر ' يخرج القضاء وما لم يقدر له وقت كإنكار المنكر إذا ظهر . ~~وإنقاذ الغريق إذا وجد . والجهاد إذا تحرك العدو والنوافل المطلقة ، وتحية ~~المسجد وسجود التلاوة . PageV01P365 وقولنا ' أولا ' ليخرج ما فعل في وقته ~~المقدر له شرعا ، لكنه في غير الوقت الذي قدر له أولا شرعا ، كالصلاة إذا ~~ذكرها بعد خروج وقتها ، أو استيقظ بعد خروج الوقت ، لقوله صلى الله عليه ~~وسلم { من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها . فإن ذلك وقتها ms107 } فإذا ~~فعلها في ذلك الوقت فهو وقت ثان لا أول . فلم يكن أداء ، ويخرج به أيضا : ~~قضاء الصوم ، فإن الشارع جعل له وقتا مقدرا ، لا يجوز تأخيره عنه . وهو من ~~حين الفوات إلى رمضان السنة الآتية ، فإذا فعله كان قضاء ، لأنه فعله في ~~وقته المقدر له ثانيا ، لا أولا ، وقولنا ' شرعا ' ليخرج ما قدر له وقت لا ~~بأصل الشرع ، كمن ضيق عليه الموت لعارض [ الوقت ] الموسع إن لم يبادر ~~PageV01P366 ( والقضاء : ما فعل بعد وقت الأداء ) على قول الجمهور ( ولو ) ~~كان التأخير ( لعذر ) سواء ( تمكن منه ) أي من فعله في وقته ( كمسافر ) ~~يفطر ( أو لا ) أي أو لم يتمكن من الفعل في وقته ( لمانع شرعي كحيض ) ونفاس ~~لعدم صحة الفعل شرعا مع وجود شيء من ذلك ( أو ) لمانع ( عقلي ، كنوم لوجوبه ~~) أي وجوب فعل العبادة ( عليهم ) وهو الصوم حالة وجود العذر ، وهو السفر ~~والحيض والنفاس عند الإمام أحمد وأصحابه وغيرهم ، وحيث كان واجبا عليهم مع ~~وجود العذر ، كان فعله بعد زواله قضاء لخروج وقت الأداء ، وكونه قضاء مبني ~~على وجوبه عليهم حال العذر ، PageV01P367 وإطلاق المصدر الذي هو الأداء ~~والقضاء على المؤدى والمقضي ، من إطلاق المصدر على اسم المفعول . وقد اشتهر ~~ذلك في استعمالهم ، حتى صار حقيقة عرفية ( وعبادة صغير ) لم يبلغ الحلم ( ~~لا تسمى قضاء ) إجماعا ( ولا أداء ) على الصحيح ، لأن الصغير لم تجب عليه ~~عبادة ، حتى تقضى . قال ابن مفلح في فروعه : تصح الصلاة من مميز نفلا ، ~~ويقال : لما فعله . صلاة كذا . وفي التعليق مجازا ا ه . ( والإعادة : ما ~~فعل ) أي فعل ما فعل من العبادة ( في وقته المقدر ) أي المحدود الطرفين ( ~~ثانيا ) أي بعد فعله أولا ( مطلقا ) أي سواء كانت الإعادة لخلل في الفعل ~~الأول أو غير ذلك فيدخل في ذلك لو صلى الصلاة في وقتها صحيحة ، ثم أقيمت ~~الصلاة وهو في المسجد وصلى . فإن هذه الصلاة تسمى معادة عند الأصحاب من غير ~~حصول خلل ولا عذر ( والوقت ) المقدر PageV01P368 ( إما ) أن يكون ( بقدر ~~الفعل كصوم ) رمضان ( ف ) هو الوقت ms108 ( المضيق ، أو ) أن يكون ( أقل ، ف ) هو ~~( محال ) أي فالتكليف به من المحال ، نحو إيجاب صلاة أربع ركعات في طرفة ~~عين ، ونحوه ( أو ) أن يكون المقدر للعبادة ( أكثر ) من وقت فعلها ( ف ) هو ~~( الموسع ) كالصلوات المؤقتة ( فيتعلق ) الوجوب ( بجميعه ) أي جميع الوقت ( ~~موسعا أداء ) عند أصحابنا والمالكية والشافعية وأكثر المتكلمين . ( ويجب ~~العزم ) على بدل الفعل أول الوقت ( إذا أخر ، ويتعين ) الفعل ( آخره ) أي ~~آخر الوقت PageV01P369 ( ويستقر وجوب ) فعل العبادة ( بأوله ) أي أول وقتها ~~المقدر ، لأن دخول الوقت سبب للوجوب ، فترتب عليه حكمه عند وجوده ، ولو لم ~~يتمكن من أدائها فيه ، فلو طرأ مانع على المكلف بعد دخول الوقت بقدر تكبيرة ~~لزم القضاء عند زوال المانع . وقال قوم : يتعلق الوجوب بأول الوقت . فإن ~~أخرت عنه : صارت قضاء . وقال أكثر الحنفية : يتعلق الوجوب بآخر الوقت . زاد ~~الكرخي : أو PageV01P370 بالدخول فيها . قال ابن مفلح بعد نقله عن الحنفية ~~- : إنه يتعلق بآخره . وزيادة الكرخي : بالدخول . فإن قدمه فنفل يسقط الفرض ~~، وأكثرهم قال : إن بقي مكلفا ، فما قدمه واجب . وعندهم إن طرأ ما يمنع ~~الوجوب فلا وجوب . انتهى . ولنا على الأول قوله تعالى ( { أقم الصلاة } - ~~الآية ) قيد : بجميع وقتها . لأن { جبريل أم النبي صلى الله عليه وسلم أول ~~الوقت وآخره . وقال له PageV01P371 الوقت ما بينهما } . ولأنه لو تعين ~~للفعل جزء من الوقت لم يصح الفعل قبله ، ويكون الفعل بعده قضاء . فيعصي ~~بتأخيره عنه ، وهو خلاف الإجماع ( ومن ) ( أخر ) الفعل في الوقت الموسع ( ~~مع ظن مانع ) منه ( كعدم البقاء ) بأن ظن أنه يموت قبل أن يبقى من الوقت ~~زمن يتسع للفعل فيه ( أثم ) إجماعا ، لتضييقه عليه بظنه ( ثم إن بقي ) من ~~ظن عدم البقاء ( ففعلها ) أي فعل العبادة ( في وقتها PageV01P372 ف ) هي ( ~~أداء ) عند جماهير العلماء لبقاء الوقت . ولا يلتفت إلى ظنه الذي بان خطؤه ~~( ومن له تأخير ) فمات قبل أن يفعلها فإنها ( تسقط بموته ) عند الأئمة ~~الأربعة ، لأنها لا تدخلها النيابة فلا فائدة في بقائها في الذمة ، بخلاف ~~الزكاة والحج ( ولم يعص ) بالتأخير عند الجمهور ms109 . وحكاه بعضهم إجماعا ، ~~لأنه فعل ما له فعله . واعتبار سلامة العاقبة ممنوع لأنه غيب ( ومتى طلب ) ~~أي طلب فعل العبادة ( من كل واحد بالذات ، أو من معين ) ( ، كالخصائص ) ~~النبوية . قال الإمام أحمد : رضي الله عنه خص PageV01P373 النبي صلى الله ~~عليه وسلم بموجبات ومحظورات ومباحات وكرامات ( ف ) إن كان الطلب ( مع جزم ) ~~كالصلوات الخمس وصيام رمضان . فالمطلوب ( فرض عين . و ) إن كان الطلب ( ~~بدونه ) أي بدون جزم ، كالسنن الرواتب ، وصوم يوم وإفطار يوم ، فالمطلوب ( ~~سنة عين ، وإن طلب الفعل ) أي حصوله ( فقط ف ) طلبه ( مع جزم ) كالجهاد ~~ونحوه ( فرض كفاية ، و ) طلب حصوله ( بدونه ) أي بدون جزم . كابتداء السلام ~~من جمع فهو ( سنة كفاية ) والفرق بين فرض العين وفرض الكفاية : أن فرض ~~العين ما تكررت مصلحته بتكرره ، كالصلوات الخمس وغيرها . فإن مصلحتها ~~الخضوع لله وتعظيمه ومناجاته والتذلل والمثول بين يديه . وهذه الآداب تكرر ~~كلما كررت الصلاة . PageV01P374 وفرض الكفاية : ما لا تتكرر مصلحته بتكرره ~~. كإنجاء الغريق وغسل الميت ودفنه ونحوها ، فهما متباينان تباين النوعين ( ~~وهما ) أي فرض الكفاية ، وسنة الكفاية ( مهم ) أي . أمر يهتم به ( يقصد ) ~~من قبل الشرع ( حصوله من غير نظر بالذات إلى فاعله ) فدخل في ذلك نحو الحرف ~~والصناعات ، وقوله ' من غير نظر - إلخ ' مخرج لفرض العين وسنة العين ، لأن ~~ما من فعل يتعلق به الحكم إلا وينظر فيه الفاعل ، حتى يثاب على واجبه ~~ومندوبه ، ويعاقب على ترك الواجب إن لم يعف عنه . وإنما يفترقان في كون ~~المطلوب عينا يختبر به الفاعل ويمتحن ، ليثاب أو يعاقب . والمطلوب على ~~الكفاية يقصد حصوله قصدا ذاتيا ، وقصد الفاعل فيه تبع لا ذاتي ( وفرض ~~الكفاية ) واجب ( على الجميع ) عند الجمهور . قال الإمام PageV01P375 أحمد ~~رضي الله عنه : الغزو واجب على الناس كلهم ، فإذا غزا بعضهم أجزأ عنهم . ~~وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه في الأم : حق على الناس غسل الميت ، ~~والصلاة عليه ودفنه ، لا يسع عامتهم تركه . وإذا قام به من فيه كفاية أجزأ ~~عنهم إن شاء الله تعالى ( ويسقط الطلب الجازم والإثم ) في ms110 فرض الكفاية ( ~~بفعل من يكفي ) رخصة وتخفيفا ، لحصول المقصود ( ويجب ) عينا ( على من ظن أن ~~غيره لا يقوم به ) أي بفرض الكفاية ، لأن الظن مناط التعبد PageV01P376 ( ~~وإن فعله ) أي فعل المطلوب حصوله ( الجميع معا ) أي غير مرتب ( كان فرضا ) ~~في حق الجميع لعدم ما يقتضي تمييز بعضهم ( وفرض العين أفضل ) من فرض ~~الكفاية ، لأن فرض العين أهم ، ولأجل ذلك وجب على الأعيان . وهذا قول ~~الأكثر . وقيل عكسه . ( ولا فرق بينهما ) أي بين فرض العين وفرض الكفاية ( ~~ابتداء ) قاله الموفق وغيره . وإنما يفترقان في ثاني الحال ، وهو فرق حكمي ~~PageV01P377 ( ويلزمان ) أي فرض العين وفرض الكفاية ( بشروع مطلقا ) أي ~~سواء كان فرض الكفاية جهادا ، أو صلاة على جنازة ، أو غيرهما . قال في شرح ~~التحرير : في الأظهر . ويؤخذ لزومه بالشروع من مسألة حفظ القرآن . فإنه فرض ~~كفاية إجماعا ، فإذا حفظه إنسان وأخر تلاوته من غير عذر حتى نسيه ، فإنه ~~يحرم على الصحيح من المذهب . قال الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه : ما أشد ~~ما جاء فيمن حفظه ثم نسيه . وفيه وجه يكره . PageV01P378 ( وإن ) ( طلب ) ~~شيء ( واحد من أشياء كخصال كفارة ) يمين ( ونحوها ) كجزاء الصيد في قوله ~~تعالى ( { فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ ~~الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره } ) وكفدية ~~الأذى في قوله تعالى { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام ~~أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ~~فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك ~~لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد ~~العقاب } . وكالجبران في الزكاة في قوله صلى الله عليه وسلم { شاتان أو ~~عشرون درهما } . ومثله الواجب في المائتين من الإبل أربع حقاق ، أو خمس ~~بنات لبون . وكالتخيير بين غسل الرجلين في الوضوء للابس PageV01P379 الخف ~~أو المسح عليه ، ونحو ذلك ( فالواجب واحد ms111 لا بعينه ) عند أكثر العلماء ، ~~قال الباقلاني : إنه إجماع السلف وأئمة الفقه ( ويتعين ) ذلك الواحد ( ~~بالفعل ) ذكره ابن عقيل عن الفقهاء والأشعرية ، لأنه يجوز التكليف بذلك ~~عقلا ، كتكليف السيد عبده بفعل هذا الشيء أو ذاك ، على أن يثيبه على أيهما ~~فعل . ويعاقبه بترك الجميع . ولو أطلق لم يفهم وجوبهما . والنص دل عليه ، ~~لأنه لم يرد الجميع ولا واحدا بعينه ؛ لأنه خيره . ولو أوجب التخيير للجميع ~~لوجب عتق الجميع ، إذا وكله في إعتاق أحد عبديه ، وتزويج موليته بالخاطبين ~~، إذا وكلته في التزويج بأحدهما . ومتعلق الوجوب : هو القدر المشترك بين ~~الخصال ، ولا تخيير فيه ، لأنه واحد ، ولا يجوز تركه . ومتعلق التخيير ~~خصوصيات الخصال التي فيها التعدد ، ولا وجوب فيها . قاله ابن الحاجب . ~~PageV01P380 وقال السبكي الكبير : وعندي زيادة أخرى في التخيير ، وهي أن ~~القدر المشترك يقال على المتواطئ ، كالرجل ، ولا إبهام فيه . فإن حقيقته ~~معلومة متميزة عن غيرها من الحقائق ، ويقال على المبهم من شيئين أو أشياء . ~~كأحد الرجلين . والفرق بينهما : أن الأول لم تقصد فيه إلا الحقيقة . ~~والثاني : قصد فيه ذلك مع أحد الشخصين بعينه ، أي لا باعتبار معنى مشترك ~~بينهما ، وإن لم يعين . ولذلك سمي مبهما ؛ لأنه أبهم علينا أمره . فلا يقال ~~في الأول الذي نحو أعتق رقبة ، إنه واجب مخير ، لأنه لم يقل أحد فيه بتعلق ~~الحكم بخصوصياته ، بخلاف الثاني . فإنهم أجمعوا على تسميته مخيرا . ومن ~~الأول : أكثر أوامر الشريعة ، فيتعين أنه القدر المشترك في الأول ، وإليه ~~يرشد قولهم ' من أمور معينة ' والمعنى : أن النظر إليها من حيث تعينها ~~وتميزها مع الإبهام احترازا عن القسم الأول . اه . PageV01P381 وقيل : يجب ~~جميع الخصال ، ويسقط بفعل واحد منها . وقيل : الواجب معين عند الله تعالى ، ~~وإن فعل غيره منها سقط . وقيل : الواجب ما يختاره المكلف . ومحل الخلاف في ~~صيغة وردت يراد بها التخيير أو ما في معناه . وأما نحو تخيير المستنجي بين ~~الماء والحجر ، ومريد الحج بين الإفراد والتمتع والقران ونحو ذلك . فليس ~~مما نحن فيه ، لأنه لم يرد تخيير فيه بلفظ ولا بمعناه ms112 PageV01P382 ( و ) ~~إذا علمت أنه لم يجب أكثر من واحد من الأشياء المخير المكلف فيها و ( إن ~~كفر بها ) كلها أو بأكثر من واحد ( مترتبة ) أي شيئا بعد شيء ( فالواجب ~~الأول ) أي المخرج أولا إجماعا ، لأنه الذي أسقط الفرض . والذي بعده لم ~~يصادف وجوبا في الذمة ( و ) إن أخرج الكل ( معا ) أي في وقت واحد . قال في ~~شرح التحرير . وصورها أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع : بأن يكون قد بقي ~~عليه من الصوم يوم ووكل في الإطعام والعتق . ثم قال قلت : وأولى منها في ~~كفارة اليمين بأن يوكل شخصا يطعم ، وشخصا يكسو ويعتق ، هو في آن واحد ، أو ~~أن يوكل في الكل ، وتفعل في وقت واحد ( أثيب ثواب واجب على أعلاها فقط ) ~~لأنه لا ينقصه ما انضم إليه وترجيح الأعلى ، لكون الزيادة فيه لا يليق بكرم ~~الله تعالى تضييعها على PageV01P383 الفاعل مع الإمكان وقصدها بالوجوب . ~~وإن اقترن به آخر ( كما ) أنه ( لا يأثم لو تركها ) كلها ( سوى بقدر ) عقاب ~~أدناها ( لا نفس عقاب أدناها في قول ) القاضي أبي يعلى ، والقاضي أبي الطيب ~~. وقال بعضهم : يعاقب على نفس الأدنى ، لأن الوجوب يسقط به . وقال أبو ~~الخطاب وابن عقيل : يثاب على واحد ويأثم به وقيل : يأثم على واحد لا بعينه ~~. كما هو واجب عليه . ( تنبيه ، العبادة ) هي ( الطاعة ) . قال الشيخ تقي ~~الدين في آخر المسودة : كل ما كان طاعة ومأمورا به ، فهو عبادة عند أصحابنا ~~والمالكية والشافعية . وعند الحنفية : العبادة PageV01P384 ما كان من شرطها ~~النية ، فدخل في كلام أصحابنا ومن وافقهم : الأفعال والتروك ، كترك المعاصي ~~والنجاسة والزنا والربا وكل محرم ، والأفعال كالوضوء والغسل والزكاة مع ~~النية وقضاء الدين ، ورد المغصوب والعواري والودائع والنفقة الواجبة ولو ~~بلا نية . ( و ) أما ( الطاعة ) فهي ( موافقة الأمر ) أي فعل المأمور به ~~على وفاق الأمر به . وقالت المعتزلة : الطاعة موافقة الإرادة ( والمعصية ~~مخالفته ) أي مخالفة الأمر بارتكاب ضد ما كلف به . وقالت المعتزلة : ~~المعصية مخالفة الإرادة ( وكل قربة ) وهي ما قصد به التقرب إلى الله تعالى ~~على وفق ms113 أمره أو نهيه ( طاعة ، ولا عكس ) أي وليس كل طاعة قربة ، لاشتراط ~~القصد في القربة دون الطاعة ، فتكون القربة أخص من الطاعة . والله أعلم . ~~PageV01P385 # | ( فصل ) # ( الحرام ضد الواجب ) ، وإنما كان ضده باعتبار تقسيم أحكام التكليف ، ~~وإلا فالحرام في الحقيقة : ضد الحلال ، إذ يقال : هذا حلال وهذا حرام كما ~~في قوله تعالى في سورة النحل : لقوله تعالى ( { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم ~~الكذب هذا حلال وهذا حرام } ) ( وهو ) أي وحده ( ما ذم فاعله ، ولو قولا ، ~~و ) لو ( عمل قلب شرعا ) فخرج بالذم المكروه والمندوب والمباح ، وبقوله ' ~~فاعله ' الواجب . فإنه يذم تاركه . والمراد : ما من شأنه أن يذم على فعله . ~~ودخل بقوله ' ولو قولا ' الغيبة والنميمة ونحوهما مما يحرم التلفظ به ، ~~ودخل بقوله ' ولو عمل قلب ' النفاق والحقد ونحوهما . ولفظة ' شرعا ' متعلقة ~~بذم . وفيه إشارة إلى أن الذم لا يكون إلا من الشرع ( ويسمى ) الحرام ( ~~محظورا وممنوعا ومزجورا ومعصية وذنبا وقبيحا PageV01P386 وسيئة وفاحشة ~~وإثما وحرجا وتحريجا وعقوبة ) فتسميته محظورا من الحظر . وهو المنع . فيسمى ~~الفعل بالحكم المتعلق به ، وتسميته معصية للنهي عنه ، وذنبا لتوقع المؤاخذة ~~عليه ، وباقي ذلك لترتبها على فعله . ( ويجوز النهي عن واحد لا بعينه ، ~~كملكه أختين ووطئهما ) فإنه يكون ممنوعا من إحداهما لا بعينها . وكما لو ~~أسلم على أكثر من أربع نسوة ، فأسلمن معه ، أو كن كتابيات ، فإنه يكون ~~ممنوعا من الزائد على الأربعة لا بعينه . إذا علم ذلك ، فقد قال أهل السنة ~~: يجوز تحريم واحد لا بعينه ، ويكون النهي عن واحد على التخيير ( وله فعل ~~أحدهما ) على التخيير . قال ابن برهان : وهو قول الفقهاء والمتكلمين ، لأن ~~هذه المسألة PageV01P387 كمسألة الواجب المخير ، إلا أن التخيير هنا في ~~الترك ، وهناك في الفعل . فكما أن المكلف مخير بين أن يأتي بالجميع وأن ~~يأتي بالبعض ، ويترك البعض الباقي في الواجب المخير ، له أن يترك الجميع ، ~~وأن يترك البعض دون البعض هنا ، عند أصحابنا والأكثر . فأهل السنة جوزوا ~~النهي عن واحد لا بعينه ، وجوزوا فعل أحدهما على التخيير . وما دام لا يعين ~~: لا ms114 يجوز له الإقدام على شيء منها . ويأتي الخلاف في كون المحرم واحدا لا ~~بعينه ، أو الكل أو معينا عند الله تعالى ، أو غير ذلك . وقالت المعتزلة : ~~لا يمكن ذلك في النهي ، بل يجب اجتناب كل واحد ، وبنوه على أصلهم : أن ~~النهي عن قبيح . فإذا نهى عن أحدهما لا PageV01P388 بعينه ، ثبت القبح لكل ~~منهما ، فيمتنعان جميعا . ولو ورد ذلك بصيغة التخيير . كما قال سبحانه ~~وتعالى ( { ولا تطع منهم آثما أو كفورا } ) . ( ولو اشتبه محرم بمباح ) ~~كميتة بمذكاة ( وجب الكف . ولا يحرم المباح ) عند الإمام أحمد وأصحابه ؛ ~~لأن المباح لم يحرم . وأكثر ما فيه : أنه اشتبه . فمنعنا لأجل الاشتباه ، ~~لا أنه محرم . فإذا تبين المحرم زال ذلك . فوجوب الكف ظاهرا لا يدل على ~~شمول التحريم . ولهذا لو أكلهما لم يعاقب إلا على أكل ميتة واحدة ( وفي ~~الشخص الواحد ثواب وعقاب ) كنوع الآدمي . وهو مذهب أهل السنة قاطبة ، لأنه ~~يعمل الحسنات والسيئات ، فتكتب له الحسنات . وأما السيئات : فإن تاب منها ~~غفرت . وكذا إن اجتنب الكبائر على الصحيح ، وإلا فهو تحت المشيئة وخالف ~~المعتزلة ، فقالوا بخلود أهل الكبائر في النار ، ولو عملوا حسنات كثيرة . ~~وهذا يصادم القرآن والأحاديث الصحيحة الصريحة الواردة عن PageV01P389 ~~المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى في الشفاعة في أهل الكبائر وخروجهم من النار ~~ودخولهم الجنة ( والفعل الواحد بالنوع ) كالسجود مثلا ( منه واجب و ) منه ( ~~حرام ) ( كسجود لله ) سبحانه وتعالى ( و ) سجود ( لغيره ) كالصنم ، ~~لتغايرهما بالشخصية ، فلا استلزام بينهما . وهو مذهب الأئمة من أرباب ~~المذاهب وغيرهم . فإن السجود نوع من الأفعال ذو أشخاص كثيرة . فيجوز أن ~~ينقسم إلى واجب وحرام . فيكون بعض أفراده واجبا ، كالسجود لله تعالى ، ~~وبعضها حرام ، كالسجود للصنم . ولا امتناع من ذلك . قال المجد في المسودة : ~~السجود بين يدي الصنم مع قصد التقرب PageV01P390 إلى الله تعالى محرم على ~~مذاهب علماء الشريعة . وقال أبو هاشم من المعتزلة : إن السجود لا تختلف ~~صفته ، وإنما المحظور القصد . ( و ) الفعل الواحد ( بالشخص ) فيه تفصيل ( ~~فمن جهة واحدة : يستحيل كونه واجبا وحراما ) لتنافيهما إلا ms115 عند من يجوز ~~تكليف المحال عقلا وشرعا . وأما القائلون بامتناعه شرعا لا عقلا فلا ~~يجوزونه ، تمسكا بقوله تعالى ( { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ) . ( و ) ~~الفعل الواحد بالشخص ( من جهتين ، كصلاة في مغصوب ) ( ، لا ) يستحيل كونه ~~واجبا وحراما ( ولا تصح ولا يسقط الطلب بها ) أي بالصلاة في المغصوبة من ~~بقعة أو سترة . وإلى هذا ذهب الإمام أحمد رضي الله عنه وأكثر أصحابه ~~والظاهرية والزيدية والجبائية . وقاله أبو شمر PageV01P391 الحنفي . وحكاه ~~الماوردي عن أصبغ المالكي . وهو رواية عن مالك . ووجه لأصحاب الشافعي ( و ) ~~كذا ( لا ) يسقط الطلب ( عندها ) أي عند فعلها . PageV01P392 وقال القاضي ~~أبو بكر الباقلاني ، والفخر الرازي : يسقط الطلب عندها لا بها . قال في ~~المحصول : لأن السلف أجمعوا على أن الظلمة لا يؤمرون بقضاء الصلاة المؤداة ~~في الدار المغصوبة ، ولا طريق إلى التوفيق بينهما إلا بما ذكرنا . قال : ~~وهو مذهب القاضي أبي بكر . قال الصفي الهندي : الصحيح أن القاضي إنما يقول ~~بذلك لو ثبت القول بصحة الإجماع على سقوط القضاء . فإذا لم يثبت ذلك فلا ~~نقول بسقوط الطلب بها ولا عندها . انتهى . وقد منع الإجماع أبو المعالي ~~وابن السمعاني وغيرهما . PageV01P393 وقد رد الطوفي ما قاله الباقلاني ، ~~فقال : لأنه لما قام الدليل عند الباقلاني على عدم الصحة ، ثم ألزمه الخصم ~~بإجماع السلف على أنهم لم يأمروا الظلمة بإعادة الصلوات ، مع كثرة وقوعها ~~منهم في أماكن الغصب ، فأشكل عليه ، فحاول الخلاص بهذا التوسط ، فقال : ~~يسقط الفرض عند هذه الصلاة للإجماع المذكور لا بها . لقيام الدليل على عدم ~~صحتها ، ثم قال : وأحسب أن هؤلاء الذين ادعوا الإجماع بنوه على مقدمتين . ~~إحداهما : أن مع كثرة الظلمة في تلك الأعصار عادة لا تخلو عن إيقاع الصلاة ~~في مكان غصب من بعضهم . الثانية : أن السلف يمتنع عادة تواطؤهم على ترك ~~الإنكار ، والأمر بالإعادة من بناء هؤلاء على ما ظنوه من دليل البطلان ، ~~وإلا فلا إجماع في ذلك منقول ، تواترا ولا آحادا . والمقدمتان المذكورتان ~~في غاية الضعف والوهن . انتهى . قال ابن قاضي الجبل : قال الباقلاني : لو ~~لم ms116 تصح لما سقط التكليف . وقد سقط بالإجماع ، لأنهم لم يؤمروا بقضاء ~~الصلوات ، قيل : لا إجماع في ذلك لعدم ذكره ونقله . كيف ؟ وقد خالف الإمام ~~أحمد ومن PageV01P394 معه ، وهو إمام النقل ، وأعلم بأحوال السلف ؟ ولأنه ~~ينقض الإجماع بدونه وقال أيضا : قول الباقلاني ' يسقط الفرض عندها لا بها ' ~~باطل لأن مسقطات الفرض محصورة ، من نسخ أو عجز أو فعل غيره . كالكفاية ، ~~وليس هذا منها . انتهى . وعند أحمد رواية أخرى : أن فعل الصلاة يحرم ، وتصح ~~، وهو قول مالك والشافعي رضي الله عنهما واختاره من أصحابنا الخلال وابن ~~PageV01P395 عقيل والطوفي ، نظرا إلى جنسها لا إلى عين محل النزاع فتكون ~~هذه الصلاة واجبة حراما باعتبارين ، فتكون صحيحة ، لأن متعلق الطلب ومتعلق ~~النهي في ذلك متغايران ، فكانا كاختلاف المحلين ، لأن كل واحدة من الجهتين ~~مستقلة عن الأخرى ، واجتماعهما إنما هو باختيار المكلف . فليسا متلازمين ~~فلا تناقض . وعلى القول بالصحة لا ثواب فيها . نقل ابن القاسم عن أحمد : لا ~~أجر لمن غزا على فرس غصب . وصرح بعدم الثواب في الصلاة القاضي أبو يعلى ~~وأبو الخطاب في التمهيد وجمع . ذكره في الفروع في باب ستر العورة ، وقاله ~~الشيخ تقي الدين وغيره : في حج ، وقدمه التاج السبكي . PageV01P396 وعن ~~الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه رواية ثالثة : أن المصلي إن علم التحريم لم ~~تصح ، وإلا صحت . ووجه المذهب - وهو عدم الصحة مطلقا - أنه متى أخل مرتكب ~~النهي بشرط العبادة أفسدها ، ونية التقرب بالصلاة شرط ، والتقرب بالمعصية ~~محال . وأيضا من شرط الصلاة : الطاعة ونيته بها أداء الواجب ، وحركته معصية ~~، ونية أداء الواجب بما يعلمه غير واجب محال . وأيضا من شرط الصلاة : إباحة ~~الموضع ، وهو محرم . فهو كالنجس . ولأن الأمر بالصلاة لم يتناول هذه المنهي ~~عنها ، فلا يجوز كونها واجبة من جهة أخرى . ( وتصح توبة خارج منه ) أي توبة ~~غاصب لمكان من غصبه حال PageV01P397 خروجه منه ، وهو ( فيه ) قبل إتمام ~~خروجه ( ولم يعص بخروجه ) عند ابن عقيل وغيره من أصحابنا والمعظم . وقاله ~~الشافعية والأشعرية . قال ابن عقيل : لم يختلفوا أنه لا يعد ms117 واطئا بنزعه في ~~الإثم . بل في التكفير . وكإزالة محرم طيبا بيده ، أو غصب عينا ثم ندم وشرع ~~في حملها على رأسه إلى صاحبها ، أو أرسل صيدا صاده محرم أو في حرم من شرك ، ~~والرامي بالسهم إذا خرج السهم عن محل قدرته فندم . وإذا جرح ثم تاب والجرح ~~ما زال إلى السراية . قال البرماوي : وقد نقل أبو محمد في الفروق في كتاب ~~الصوم : أن الشافعي رضي الله عنه نص على تأثيم من دخل أرضا غاصبا . قال : ~~فإذا قصد الخروج منها لم يكن عاصيا بخروجه ، لأنه تارك للغصب . PageV01P398 ~~وما نقله موجود في الأم في كتاب الحج في المحرم إذا تطيب ، فقال : ولو دخل ~~دار رجل بغير إذنه لم يكن جائزا له . وكان عليه الخروج منها ، ولم أزعم أنه ~~يخرج بالخروج منها ، وإن كان يمشي بما لم يؤذن له فيه ، لأن مشيه للخروج من ~~الذنب ، لا لزيادة منه ، فهكذا هذا الباب . وخالف ذلك أبو هاشم من المعتزلة ~~، وأبو شمر المرجئ ، وأبو الخطاب من أصحابنا ، وقال الشيخ تقي الدين : حق ~~الله تعالى يزول بالتوبة ، وحق الآدمي يزول بزوال أثر الظلم . واستصحب أبو ~~المعالي حكم المعصية مع الخروج ، مع أنه غير منهي PageV01P399 عنه . قال ~~ابن مفلح : كذا قيل عنه . وقيل عنه : إنه طاعة ، لأخذه في ترك المعصية ، ~~لأنه في ملك غيره ، ومستند إلى فعل يتعدى فيه كالصلاة ( والساقط على جريح ) ~~والحال أنه ( إن بقي ) على الجريح ( قتله ) بسبب عدم انتقاله ( و ) يقتل ( ~~مثله ) أي كفء الذي سقط عليه ( إن انتقل ) عمن سقط عليه ( يضمن ) ما تلف ~~بسبب عدم انتقاله ( وتصح توبته إذا ) أي في حالة بقائه على الجريح ، لأنه ~~إذا بقي متندما متمنيا أن يكون له جناحان يطير بهما عنه ، أو يدلي إليه ~~بحبل يتعلق به . فإذا علم الله تعالى ذلك منه كان ذلك غاية جهده . وصار ~~كحجر ألقاه الله سبحانه وتعالى على ذلك الجريح ( ويحرم انتقاله ) عنه ، ما ~~دام أنه إذا انتقل قتل كفء من كان PageV01P400 عليه . قال ابن عقيل : لا ~~يجوز أن ينتقل ms118 إلى آخر ، قولا واحدا . ووجهه : حصول الضرر على الثاني ~~بانتقال الساقط إليه . والضرر لا يزال بالضرر . وقيل : يتخير بين البقاء ~~على من سقط عليه ، والانتقال إلى كفئه ، لتساويهما في الضرر . ( و ) أما لو ~~كان الذي سقط عليه ، أدنى من الذي لو انتقل إليه قتله ، كما لو سقط على ~~كافر معصوم . ومتى انتقل عنه قتل مسلما معصوما فإنه ( يلزم الأدنى قطعا ) ~~أي بلا خلاف ويدخل في قوله ' ويلزم الأدنى ' أنه لو كان من سقط عليه مسلما ~~ومن يقتله لو لم يستمر كافرا ، لزمه الانتقال إليه ، لكون ذلك أخف مفسدة في ~~الصورتين . والله أعلم . PageV01P401 # | ( فصل : ) # ( المندوب لغة ) أي في اللغة ( المدعو لمهم ) أي لأمر مهم ( من الندب ، ~~وهو الدعاء ) لأمر مهم . قال الشاعر : لا يسألون أخاهم حين يندبهم في ~~النائبات على ما قال برهانا ومنه الحديث : { انتدب الله لمن يخرج في سبيله ~~} أي أجاب له طلب مغفرة ذنوبه . والاسم الندبة - مثل غرفة - وندبت المرأة ~~الميت ، فهي نادبة ، والجمع نوادب ؛ لأنه كالدعاء ، فإنها تقبل على تعديد ~~محاسنه ، كأنه يسمعها . ( و ) المندوب ( شرعا ) أي في عرف أهل الشرع ( ما ~~أثيب فاعله ) كالسنن الرواتب ( ولو ) كان ( قولا ) كأذكار الحج ( و ) لو ~~كان ( عمل قلب ) كالخشوع في الصلاة . PageV01P402 ويخرج بقوله ( ولم يعاقب ~~تاركه ) الواجب المعين ، كالصلوات الخمس وصوم رمضان وبقوله ( مطلقا ) ~~الواجب المخير ، كخصال كفارة اليمين . وفرض الكفاية كصلاة الجنازة ( ويسمى ~~) المندوب ( سنة ومستحبا وتطوعا وطاعة ونفلا وقربة ومرغبا فيه وإحسانا ) ~~قال ابن حمدان في مقنعه : ويسمى الندب تطوعا وطاعة ونفلا وقربة إجماعا ، ~~لكن قال ابن العربي : أخبرنا الشيخ أبو تمام بمكة أنه سأل الشيخ أبا إسحاق ~~ببغداد عن قول الفقهاء : سنة وفضيلة ونفلا ورغيبة ، فقال : هذا عامة في ~~الفقهاء ، ولا يقال : إلا فرض وسنة لا غير . قال : وأما أنا فسألت أبا ~~العباس الجرجاني بالبصرة ، فقال : هذه PageV01P403 ألقاب لا أصل لها ولا ~~نعرفها في الشرع . والله أعلم . ( وأعلاه ) أي أعلا المندوب ( سنة ، ثم ~~فضيلة ، ثم نافلة ) قال الشيخ أبو طالب مدرس المستنصرية من أئمة أصحابنا في ms119 ~~حاويه الكبير : إن المندوب ينقسم ثلاثة أقسام . أحدها : ما يعظم أجره ، ~~فيسمى سنة . PageV01P404 والثاني : ما يقل أجره ، فيسمى نافلة . والثالث : ~~ما يتوسط في الأجر بين هذين ، فيسمى فضيلة ورغيبة . ( وهو ) أي المندوب ( ~~تكليف ) قاله الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني ، والقاضي أبو بكر بن ~~الباقلاني ، وابن عقيل والموفق ، والطوفي ، وابن قاضي الجبل وغيرهم : إذ ~~معناه طلب ما فيه كلفة . وقد يكون أشق من الواجب . وليست المشقة منحصرة في ~~الممنوع عن نقيضه ، حتى يلزم أن يكون منه . ومنعه ابن حمدان من أصحابنا ~~وأكثر العلماء . قاله ابن مفلح في أصوله . ( و ) هو ( مأمور به حقيقة ) عند ~~أحمد والشافعي وأكثر أصحابهما . PageV01P405 وحكاه ابن عقيل عن علماء ~~الأصول والفقهاء ، لدخوله في حد الأمر ، لانقسام الأمر إليهما ، وهو مستدعى ~~ومطلوب . قال الله تعالى ( { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } ) وإطلاق ~~الأمر عليه في الكتاب والسنة . والأصل : الحقيقة ، ولأنه طاعة لامتثال ~~الأمر . وعند أبي الخطاب والحلواني والحنفية وبعض الشافعية - منهم أبو ~~PageV01P406 حامد وغيره - أنه مجاز ( ف ) على الأول ( يكون للفور ) قال ~~القاضي وأبو الخطاب : قياسا على الواجب ، لكن لو لم يفعله على الفور ماذا ~~يكون ؟ يحتمل ما أتى به على وجهه . وقال ابن عقيل : تكراره كالواجب ، يعني ~~كالأمر المراد للوجوب . فعند ابن عقيل : أن أمر الندب هل يتكرر ؟ قال : ~~حكمه حكم الأمر الذي أريد به الوجوب على ما يأتي في مسائل الأمر . ( ولا ~~يلزم ) المندوب ( بشروع ) بل هو مخير فيه بين إتمامه وقطعه . وذلك : لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ' { كان ينوي صوم التطوع ، ثم يفطر } رواه ~~PageV01P407 مسلم وغيره . وأما قوله سبحانه وتعالى ( { ولا تبطلوا أعمالكم ~~} ) فيحمل على التنزيه ، جمعا بين الدليلين . هذا إن لم يفسر بطلانها ~~بالردة ، بدليل الآية التي قبلها ، أو أن PageV01P408 المراد : ولا تبطلوها ~~بالرياء نقله ابن عبد البر عن أهل السنة . ونقل عن المعتزلة تفسيرها بمعنى ~~لا تبطلوها بالكبائر ، لكن الظاهر تفسيرها بما تقدم . وقال مالك وأبو حنيفة ~~رضي الله تعالى عنهما : يلزم بالشروع ، واحتجا بحديث الأعرابي { هل علي ~~غيرها ؟ قال : لا ، إلا أن تطوع ms120 } أي فيلزمك التطوع إن تطوعت ، وإن كان ~~تطوعا في أصله . PageV01P409 وعندنا أن الاستثناء منقطع ، بدليل أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد أبطل تطوعه بفطره بعد نية الصوم ، ومحل الخلاف ( غير ~~حج وعمرة ، لوجوب مضي في فاسدهما ) فإتمام صحيح تطوعهما أولى بوجوب المضي ~~فيه ( و ) ل ( مساواة نفلهما ) ل ( فرضهما نية ) أي في النية ( وكفارة ) أي ~~: وفي الكفارة ( وغيرهما ) كانعقاد الإحرام لازما في حق من لزمه الحج وغيره ~~. وعن الإمام أحمد رحمه الله : رواية أخرى بوجوب إتمام صوم التطوع ولزوم ~~القضاء إن أفطر . وعنه ثالثة : يلزم إتمام الصلاة دون الصوم ؛ لأنها ذات ~~إحرام وإحلال . كالحج . PageV01P410 وأما ما عدا ذلك ؛ كالصدقة المتطوع بها ~~، والقراءة والأذكار : فلا يلزم إتمامها بالشروع فيها ، وفاقا للأئمة ~~الأربعة . ( فرع : الزائد على قدر واجب في ركوع ونحوه ) كسجود وقيام وجلوس ~~في الصلاة ( نفل ) عند الأئمة الأربعة ، وعند أكثر أصحابنا ، لجواز تركه ~~مطلقا . وهذا شأن النفل ، وأوجبه الكرخي وبعض الشافعية . قال القاضي أبو ~~يعلى : وهو ظاهر كلام أحمد . وأخذه من نص أحمد على أن الإمام إذا أطال ~~الركوع ، فأدركه فيه مسبوق أدرك الركعة ، ولو لم يكن الكل واجبا لما صح ذلك ~~، لعدم صحة اقتداء مفترض بمتنفل PageV01P411 ( ومن أدرك ركوع إمام ) ولو ~~بعد طمأنينته ( أدرك الركعة ) قالوا : لأن الاتباع يسقط الواجب ، كمسبوق ~~وصلاة امرأة الجمعة . ويوجب الاتباع ما كان غير واجب ، كمسافر ائتم بمقيم ، ~~فيلزمه الإتمام ولو نوى القصر ولا يشترط في إدراك الركعة إدراك الطمأنينة ~~مع الإمام ، خلافا لمالك رحمه الله . PageV01P412 # | ( فصل : ) # ( المكروه ضد المندوب ) ( وهو ) لغة ضد المحبوب ، أخذا من الكراهة . وقيل ~~: من الكريهة ، وهي الشدة في الحرب . وفي اصطلاح أهل الشرع ( ما مدح تاركه ~~، ولم يذم فاعله ) فخرج ' بما مدح ' المباح ، فإنه لا مدح فيه ولا ذم . ~~وخرج بقوله ' تاركه ' الواجب والمندوب ، فإن فاعلهما يمدح لا تاركهما . ~~وخرج بقوله ' ولم يذم فاعله ' الحرام ، فإنه يذم فاعله ، لأنه - وإن شارك ~~المكروه في المدح بالترك - فإنه يفارقه في ذم فاعله ( ولا ثواب في فعله ) ~~قال ابن مفلح في ms121 فروعه : قالوا في الأصول : المكروه لا ثواب في فعله . قال ~~: وقد يكون المراد منهم : ما كره بالذات لا بالعرض . قال وقد يحمل قولهم ~~على ظاهره . ولهذا لما احتج من كره صلاة الجنازة في المسجد PageV01P413 ~~بالخبر الضعيف الذي رواه أحمد وغيره { من صلى على جنازة في المسجد فليس له ~~من الأجر شيء } لم يقل أحد بالأجر مع الكراهة ، لا اعتقادا ولا بحثا ( وهو ~~) أي المكروه ( تكليف ومنهي عن حقيقة ) لأن العلماء PageV01P414 ذكروا أنه ~~على وزان المندوب . وقد تقدم أن المندوب تكليف ومأمور به حقيقة على الأصح . ~~( ومطلق الأمر لا يتناوله ) أي لا يتناول المكروه . وقيل : بلى . ونقله ابن ~~السمعاني عن الحنفية . وقال أبو محمد التميمي من أصحابنا : هو قول بعض ~~أصحابنا . واستدل للأول بأن المكروه مطلوب الترك والمأمور مطلوب الفعل ، ~~فيتنافيان ، ولا يصح الاستدلال لصحة طواف المحدث بقوله تعالى PageV01P415 ( ~~{ وليطوفوا بالبيت العتيق } ) ولا لعدم الترتيب والمولاة بقوله تعالى في ~~آية الوضوء ( { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ~~وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } ) قال ابن عقيل : وكذا وطء الزوج ~~الثاني في حيض لا يحلها للأول . قال ابن السمعاني : تظهر فائدة الخلاف في ~~قوله تعالى ( { وليطوفوا بالبيت العتيق } ) فعندنا لا يتناول الطواف بغير ~~طهارة ولا منكوسا . وعندهم يتناوله ، فإنهم - وإن اعتقدوا كراهته - قالوا ~~فيه : يجزئ ، لدخوله تحت الأمر . وعندنا لا يدخل ، لأنه لا يجوز أصلا ، فلا ~~طواف بدون شرطه ، وهو الطهارة ووقوعه على الهيئة المخصوصة . وعبارة جمع ~~الجوامع كما في المتن . وزاد : خلافا للحنفية ، واعترضها شارحه الكوراني ~~بأن عدم التناول يشعر بصلاح المحل ، ولكن لم يقع في الخارج . وليس كذلك . ~~بل عدم التناول لعدم قابلية PageV01P416 المحل بعد تعلق الكراهة . وقوله ' ~~خلافا للحنفية ' صريح في أن الحنفية قائلون بأن الأمر يتناول المكروه ، ~~وهذا أمر لا يعقل ؛ لأن المباح عندهم غير مأمور به ، مع كون طرفيه على حد ~~الجواز . فكيف يتصور أن يكون المكروه من جزئيات المأمور به في شيء من الصور ~~؟ وكتبهم - أصولا وفروعا - مصرحة بأن الصلاة في الأوقات المكروهة فاسدة ms122 ، ~~حتى التي لها سبب مطلقا اه . PageV01P417 ( وهو ) أي المكروه ( في عرف ~~المتأخرين : للتنزيه ) يعني أن المتأخرين اصطلحوا على أنهم إذا أطلقوا ~~الكراهة ، فمرادهم التنزيه ، لا التحريم ، وإن كان عندهم لا يمتنع أن يطلق ~~على الحرام ، لكن قد جرت PageV01P418 عادتهم وعرفهم : أنهم إذا أطلقوه ~~أرادوا التنزيه لا التحريم . وهذا مصطلح لا مشاحة فيه . ( ويطلق ) المكروه ~~( على الحرام ) وهو كثير في كلام الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه وغيره من ~~المتقدمين . ومن كلامه ' أكره المتعة ، والصلاة في المقابر ' وهما محرمان ، ~~لكن لو ورد عن الإمام أحمد الكراهة في شيء من غير أن يدل دليل من خارج على ~~التحريم ولا على التنزيه : فللأصحاب فيها وجهان . أحدهما - واختاره الخلال ~~وصاحبه عبد العزيز وابن حامد وغيرهم - أن المراد التحريم . PageV01P419 ~~والثاني - واختاره جماعة من الأصحاب - أن المراد التنزيه . ومن كلام أحمد ' ~~أكره النفخ في الطعام ، وإدمان اللحم والخبز الكبار ' وكراهة ذلك للتنزيه . ~~وقد ورد المكروه بمعنى الحرام في قوله تعالى ( { كل ذلك كان سيئه عند ربك ~~مكروها } ) ( وترك الأولى ، وهو ) أي ترك الأولى ( ترك ما فعله راجح ) على ~~تركه ( أو عكسه ) وهو فعل ما تركه راجح على فعله ( ولو لم ينه عنه ) أي عن ~~الترك ( كترك مندوب ) قال ابن قاضي الجبل : وتطلق الكراهة في الشرع ~~بالاشتراك على الحرام ، وعلى ترك الأولى ، وعلى كراهة التنزيه . وقد يزاد : ~~ما فيه شبهة وتردد ( ويقال لفاعله ) أي فاعل المكروه ( مخالف ، ومسيء ، ~~وغير ممتثل ) مع أنه لا يذم فاعله ، ولا يأثم على الأصح . قال الإمام أحمد ~~رضي الله تعالى عنه - فيمن زاد على التشهد الأول : أساء . PageV01P420 وقال ~~ابن عقيل - فيمن أمر بحجة أو عمرة في شهر ، ففعله في غيره - : أساء ~~لمخالفته . وذكر غيره - في مأموم وافق إماما في أفعاله - : أساء . وظاهر ~~كلام بعضهم : تختص الإساءة بالحرام . فلا يقال : أساء إلا لفعل محرم . وذكر ~~القاضي وابن عقيل : يأثم بترك السنن أكثر عمره ، لقوله عليه الصلاة والسلام ~~{ من رغب عن سنتي فليس مني } متفق عليه . ولأنه متهم أن يعتقده غير سنة ، ~~واحتجا بقول ms123 أحمد رضي الله عنه - فيمن ترك الوتر - : رجل سوء ، مع أنه سنة ~~. قال في شرح التحرير : والذي يظهر : أن إطلاق الإمام أحمد : أنه رجل سوء ، ~~إنما مراده من اعتقد أنه غير سنة ، وتركه لذلك . فيبقى كأنه اعتقد السنة ~~التي سنها الرسول صلى الله عليه وسلم غير سنة ، فهو مخالف للرسول صلى الله ~~عليه وسلم ومعاند لما سنه ، أو أنه تركه بالكلية ، وتركه له كذلك يدل على ~~أن في قلبه ما لا يريده الرسول صلى الله عليه وسلم PageV01P421 # | ( فصل : ) # ( المباح لغة المعلن والمأذون ) قال في البدر المنير : باح الشيء بوحا - ~~من باب قال - ظهر . ويتعدى بالحرف ، فيقال : باح به صاحبه ، وبالهمزة أيضا ~~، فيقال : أباحه ، وأباح الرجل ماله : أذن في الأخذ والترك ، وجعله مطلق ~~الطرفين ، واستباحه الناس : أقدموا عليه ( وشرعا ) أي وفي اصطلاح أهل الشرع ~~( ما ) أي فعل مأذون فيه من الشارع ( خلا من مدح وذم ) فخرج الواجب ~~والمندوب والحرام والمكروه ، لأن كلا من الأربعة لا يخلو من مدح أو ذم ، ~~إما في الفعل ، وإما في الترك . وقوله ( لذاته ) مخرج لما ترك به حراما . ~~فإنه يثاب عليه من جهة ترك الحرام ، ومخرج أيضا لما ترك به واجبا ، فإنه ~~يذم من تلك الجهة ، فلا يكون المدح والذم لذاته في الصورتين . PageV01P422 ~~( وهو ) أي والمباح ( وواجب نوعان ) مندرجان تحت جنس ، وهو فعل المكلف الذي ~~تعلق به الحكم الشرعي المعبر عنه بقوله ( للحكم ) مجازا . وقيل : إن المباح ~~جنس للواجب . واحتج من قال به بأن المباح والواجب مأذون فيهما . واختص ~~الواجب بفصل المنع من الترك ، والمأذون الذي هو حقيقة المباح مشترك بين ~~الواجب وغيره . فيكون جنسا له . وأجيب : بأنكم تركتم فصل المباح ، لأن ~~المباح ليس هو المأذون فقط ، بل المأذون مع عدم المنع من الترك ، والمأذون ~~بهذا القيد : لا يكون مشتركا بين الواجب وغيره ، بل يكون مباينا للواجب . ~~قال الأصفهاني في شرح المختصر : والحق أن النزاع لفظي . وذلك PageV01P423 ~~لأنه إن أريد بالمباح المأذون فقط ، فلا شك أنه مشترك بين الواجب وغيره ، ~~فيكون جنسا . وإن أريد بالمباح المأذون ms124 ، مع عدم المنع من الترك ، فلا شك ~~أنه يكون نوعا مباينا للواجب ، ولا يكون جنسا ( وليس ) المباح ( مأمورا به ~~) عند الأربعة . وخالف الكعبي ومن تبعه ، وجه قول الأربعة : أن الأمر ~~يستلزم ترجيح الفعل ، ولا ترجيح في المباح PageV01P424 قال ابن العراقي : ~~ومن العجب ما حكي عن الكعبي وإمام الحرمين وابن برهان والآمدي : من إنكار ~~المباح في الشريعة ، وأنه لا وجود له أصلا ، وهو خلاف الإجماع ( ولا منه ) ~~أي من المباح ( فعل غير مكلف ) قاله القاضي وغيره ، PageV01P425 فإنه قال : ~~المباح هو كل فعل مأذون فيه لفاعله ، لا ثواب له على فعله ولا عقاب في تركه ~~. قال الشيخ تقي الدين : فيه احتراز من فعل الصبيان والمجانين والبهائم ( ~~ويسمى ) المباح ( طلقا وحلالا ) قال في القاموس : الطلق : الحلال . وقال في ~~البدر المنير : وشيء طلق - وزان حمل - أي حلال . وافعل هذا طلقا لك : أي ~~حلالا ويقال : الطلق المطلق ، الذي يتمكن PageV01P426 صاحبه فيه من جميع ~~التصرفات ، فيكون : فعل بمعنى مفعول ، مثل : الذبح بمعنى المذبوح . وأعطيته ~~من طلق مالي : أي من حله ، أو من مطلقه . انتهى . ( ويطلق ) مباح ( وحلال ~~على غير الحرام ) فيعم الواجب والمندوب والمكروه والمباح ، لكن المباح يطلق ~~على الثلاثة ، والحلال على الأربعة . فيقال للواجب والمندوب والمكروه : ~~مباح . ويقال لهذه الثلاثة ، وللمباح حلال ، لكن إطلاق المباح على ما استوى ~~طرفاه هو الأصل . وقد قال الله تعالى ( { فجعلتم منه حراما وحلالا } ) قال ~~البرماوي : وسلك بعض العلماء ذلك في تقسيم الحكم ، فقال : الحكم قسمان ، ~~تحريم وإباحة ، وفي تعليقة الشيخ أبي حامد في كتاب النكاح : إنها ثلاثة : ~~إيجاب ، وحظر ، وإباحة ( والإباحة : إن أريد بها خطاب ) الشرع ( ف ) هي ( ~~شرعية ، وإلا ) PageV01P427 أي وإن لم يرد بها ذلك لتحققها قبل الشرع ( ~~فعقلية ) وهذا الصحيح الذي عليه أكثر العلماء ، وخالف بعض المعتزلة . ~~فقالوا : المباح ما اقتضى نفي الحرج في فعله وتركه ، وذلك ثابت قبل الشرع ~~وبعده . قال الأصفهاني : والحق أن النزاع فيه لفظي . فإن أريد بالإباحة عدم ~~الحرج عن الفعل : فليس حكما شرعيا ، لأنه قبل الشرع متحقق ولا حكم قبله ، ~~وإن أريد ms125 بها الخطاب الوارد من الشرع بانتفاء الحرج من الطرفين ، فهي من ~~الأحكام الشرعية . ( وتسمى ) الإباحة ( شرعية بمعنى التقرير ، أو ) بمعنى ( ~~الإذن ) قاله ابن مفلح . وقال الموفق في الروضة لما قسم الأفعال : وقسم لم ~~يتعرض له بدليل من أدلة السمع . فيحتمل أن يقال : قد دل السمع على أن ما لم ~~يرد فيه طلب فعل ولا ترك . فالمكلف به مخير ، ويحتمل أن يقال : لا حكم له ( ~~والجائز لغة : العابر ) PageV01P428 قال في البدر المنير : جاز المكان ~~يجوزه جوزا وجوازا . سار فيه ، وأجازه بالألف : قطعه ، وأجازه أنفذه ، وجاز ~~العقد وغيره : نفذ ومضى على الصحة . وأجزت العقد أمضيته . وجعلته جائزا ~~نافذا ( و ) الجائز ( اصطلاحا ) أي في اصطلاح الفقهاء ( يطلق على ما لا ~~يمتنع شرعا ، فيعم غير الحرام ) مباحا كان أو واجبا ، أو مندوبا أو مكروها ~~( و ) يطلق الجائز في عرف المنطقيين على ما لا يمتنع ( عقلا ) وهو المسمى ~~بالممكن العام ( فيعم كل ممكن . وهو ) أي والممكن ( ما جاز وقوعه حسا ) أي ~~ما جاز أن يقع وقوعا يدرك بإحدى الحواس ( أو وهما ) يعني أو ما جاز أن يقع ~~في الوهم ( أو شرعا ) يعني أو ما جاز أن يقع في الشرع . ( و ) يطلق الجائز ~~أيضا ( على ما استوى فيه الأمران شرعا كمباح ، و ) على ما استوى فيه ~~الأمران ( عقلا ، كفعل صغير ) . PageV01P429 ( و ) يطلق الجائز أيضا ( على ~~مشكوك فيه فيهما ) أي في الشرع والعقل ( بالاعتبارين ) والأحكام الشرعية ~~الخمسة لها نظائر من الأحكام العقلية ، نظير الواجب الشرعي : ضروري الوجود ~~، وهو الواجب عقلا ، ونظير المحرم : الممتنع ، ونظير المندوب : الممكن ~~الأكثري ، ونظير المكروه : الممكن الأقلي ، ونظير المباح : الممكن المتساوي ~~الطرفين . ( ولو ) ( نسخ وجوب ) فعل ( بقي الجواز ) فيه ( مشتركا بين ندب ~~وإباحة ) فيبقى الفعل إما مباحا ، أو مندوبا . لأن الماهية الحاصلة بعد ~~النسخ مركبة من قيدين . أحدهما : زوال الحرج عن الفعل ، وهو المستفاد من ~~الأمر ، والثاني : زوال الحرج عن الترك ، وهو المستفاد من الناسخ . وهذه ~~الماهية صادقة على المندوب والمباح ، فلا يتعين أحدهما بخصوصه . وهذا ~~اختيار المجد وغيره من أصحابنا . ورجحه الرازي ms126 وأتباعه والمتأخرون . وحكي ~~عن الأكثر . PageV01P430 وقال القاضي في العدة ، وأبو الخطاب في التمهيد ~~وابن عقيل في الواضح ، وابن حمدان في المقنع . يبقى الندب ، لأن المرتفع : ~~التحتم بالطلب ، فإذا زال التحتم ، بقي أصل الطلب ، وهو الندب ، فيبقى ~~الفعل مندوبا . إذا علمت ذلك ، فذهبت طائفة : إلى أن الخلاف لفظي ، منهم : ~~ابن التلمساني ، والهندي ، لأنا إن فسرنا الجواز بنفي الحرج ، فلا شك أنه ~~PageV01P431 جنس للواجب ، فإذا رفع الوجوب وحده ، فلا يلزم ارتفاعه . وإن ~~فسرناه بالأعم ، أو بالإباحة ، أو بالندب : فخاصتها في خاصة الوجوب . فليس ~~شيء منها جنسا للوجوب . فإذا رفع الوجوب لا يوجد إلا بدليل يخصها فلا نزاع ~~، لأن الأقوال لم تتوارد على محل واحد يخصها . وأجيب عن ذلك : بأن الذي ~~يعيد الحال إلى ما كان قبل الإيجاب : من إباحة ، أو تحريم ، أو كراهة ، غير ~~الذي يؤخذ من حدوث الإيجاب بعد ذلك : أن تبقى إباحة شرعية ، أو ندب كما قرر ~~، حتى يستدل أنه مباح أو مندوب بذلك الأمر الذي نسخت خاصة التحتم به ، ~~وبقية ما تضمنته باقية ، فلا يكون الخلاف لفظيا ، بل معنويا ، لأنه إذا كان ~~قبل مجيء أمر الإيجاب حراما ، وأعيد الحال إلى ذلك كان حراما . ومن يقول ~~يبقى الجواز ، لا يكون حراما PageV01P432 ( ولو ) ( صرف نهي عن تحريم ) شيء ~~( بقيت الكراهة ) فيه ( حقيقة ) عند ابن عقيل وغيره . قال الشيخ تقي الدين ~~في المسودة : إذا قام دليل على أن النهي ليس للفساد ، لم يكن مجازا ، لأنه ~~لم ينتقل عن جميع موجبه ، وإنما انتقل عن بعض موجبه ، كالعموم الذي خرج ~~بعضه ، بقي حقيقة فيما بقي ، قاله ابن عقيل . قال : وكذا إذا قامت الدلالة ~~على نقله عن التحريم ، فإنه يبقى نهيا حقيقة على التنزيه ، كما إذا قامت ~~دلالة الأمر على أن الأمر ليس للوجوب . PageV01P433 # | ( فصل ) : # ( خطاب الوضع ) ( في اصطلاح الأصوليين ) ( خبر ) أي ليس بإنشاء ، بخلاف ~~خطاب التكليف ( استفيد من نصب الشارع علما معرفا لحكمه ) وإنما قيل ذلك ~~لتعذر معرفة خطابه في كل حال وفي كل واقعة ، بعد انقطاع الوحي ، حذرا من ~~تعطيل أكثر الوقائع عن ms127 الأحكام الشرعية . وسمي بذلك لأنه شيء وضعه الله في ~~شرائعه . أي جعله دليلا وسببا وشرطا ، لا أنه أمر به عباده ، ولا أناطه ~~بأفعالهم ، من حيث هو خطاب وضع ، ولذلك لا يشترط العلم والقدرة في أكثر ~~خطاب الوضع ، كالتوريث ونحوه . PageV01P434 قال الطوفي في شرحه : ويسمى هذا ~~النوع خطاب الوضع والإخبار . أما معنى الوضع : فهو أن الشرع وضع - أي شرع - ~~أمورا ، سميت أسبابا وشروطا وموانع ، يعرف عند وجودها أحكام الشرع من إثبات ~~أو نفي . فالأحكام توجد بوجود الأسباب والشروط ، وتنتفي بوجود المانع ~~وانتفاء الأسباب والشروط . وأما معنى الإخبار : فهو أن الشرع بوضع هذه ~~الأمور : أخبرنا بوجود أحكامه وانتفائها ، عند وجود تلك الأمور وانتفائها . ~~كأنه قال مثلا : إذا وجد النصاب الذي هو سبب وجوب الزكاة ، والحول الذي هو ~~شرطه ، فاعلموا أني قد أوجبت عليكم أداء الزكاة ، وإن وجد الدين الذي هو ~~مانع من وجوبها ، أو انتفى السوم الذي هو شرط لوجوبها في السائمة . فاعلموا ~~أني لم أوجب عليكم الزكاة . وكذا الكلام في القصاص والسرقة والزنا وغيرها ، ~~بالنظر إلى وجود أسبابها وشروطها ، وانتفاء موانعها وعكسه . انتهى . والفرق ~~بين خطاب الوضع وخطاب التكليف من حيث الحقيقة : أن الحكم في خطاب الوضع هو ~~قضاء الشرع على الوصف بكونه سببا أو شرطا أو مانعا ، وخطاب التكليف : لطلب ~~أداء ما تقرر بالأسباب والشروط PageV01P435 والموانع . وأما الفرق بينهما ~~من حيث الحكم : أن خطاب التكليف يشترط فيه علم المكلف وقدرته على الفعل ~~وكونه من كسبه ، كالصلاة والصوم والحج ونحوها ، على ما سبق في شروط التكليف ~~. وأما خطاب الوضع : فلا يشترط فيه شيء من ذلك إلا ما استثني . أما عدم ~~اشتراط العلم : فكالنائم يتلف شيئا حال نومه ، والرامي إلى صيد في ظلمة أو ~~من وراء حائل ، فيقتل إنسانا ، فإنهما يضمنان وإن لم يعلما ، وكالمرأة تحل ~~بعقد وليها عليها ، وتحرم بطلاق زوجها ، وإن كانت غائبة لا تعلم ذلك . وأما ~~عدم اشتراط القدرة والكسب : فكالدابة تتلف شيئا ، والصبي أو البالغ يقتل ~~خطأ ، فيضمن صاحب الدابة والعاقلة ، وإن لم يكن القتل والإتلاف مقدورا ولا ms128 ~~مكتسبا لهم ، وطلاق المكره عند من يوقعه ، وهو غير مقدور له بمطلق الإكراه ~~أو مع الإلجاء . PageV01P436 وإلى ذلك أشير بقوله ( ولا يشترط له تكليف ، ~~ولا كسب ، ولا علم ، ولا قدرة ) ويستثنى من عدم اشتراط العلم والقدرة : ~~قاعدتان ، أشير إلى الأولى منهما بقوله ( إلا سبب عقوبة ) كالقصاص . فإنه ~~لا يجب على مخطئ في القتل ، لعدم العلم ، وحد الزنا ، فإنه لا يجب على من ~~وطئ أجنبية يظنها زوجته ، لعدم العلم أيضا ، ولا على من أكرهت على الزنا ، ~~لعدم القدرة على الامتناع ؛ إذ العقوبات تستدعي وجود الجنايات التي تنتهك ~~بها حرمة الشرع ، زجرا عنها وردعا ، والانتهاك إنما يتحقق مع العلم والقدرة ~~والاختيار . والمختار للفعل : هو الذي إن شاء فعل ، وإن شاء ترك . والجاهل ~~والمكره قد انتفى ذلك فيهما ، وهو شرط تحقق الانتهاك لانتفاء شرطه ، فتنتفي ~~العقوبة لانتفاء سببها . وأما القاعدة الثانية : فأشير إليها بقوله ( أو ) ~~إلا ( نقل ملك ) كالبيع والهبة والوصية ونحوها ، فإنه يشترط فيها العلم ~~والقدرة . فلو تلفظ بلفظ PageV01P437 ناقل للملك ، وهو لا يعلم مقتضاه ، ~~لكونه أعجميا بين العرب ، أو عربيا بين العجم ، أو أكره على ذلك : لم يلزمه ~~مقتضاه . والحكمة في استثناء هاتين القاعدتين : عدم تعدي الشرع قانون العدل ~~في الخلق ، والرفق بهم ، وإعفائهم عن تكليف المشاق ، أو التكليف بما لا ~~يطاق ، وهو حليم . ( وأقسامه ) أي أقسام خطاب الوضع أربعة ( علة ، وسبب ، ~~وشرط ، ومانع ) قال في شرح التحرير : وقد اختلف في العلة : هل هي من خطاب ~~الوضع أم لا ؟ قال : فنحن تابعنا بذكرها هنا الشيخ - يعني الموفق - في ~~الروضة ، والطوفي وابن قاضي الجبل PageV01P438 ( والعلة أصلا ) أي في الأصل ~~( عرض موجب لخروج البدن الحيواني عن الاعتدال الطبيعي ) وذلك لأن العلة في ~~اللغة هي المرض ، والمرض هو هذا العرض المذكور . والعرض في اللغة : ما ظهر ~~بعد أن لم يكن ، وفي اصطلاح المتكلمين : ما لا يقوم بنفسه ، كالألوان ~~والطعوم والحركات والأصوات . وهو كذلك عند الأطباء ، لأنه عندهم عبارة عن ~~حادث ما ، إذا قام بالبدن أخرجه عن الاعتدال . وقولنا ' موجب لخروج البدن ' ~~هو إيجاب حسي ms129 كإيجاب الكسر للانكسار ، والتسويد للاسوداد . فكذلك الأمراض ~~البدنية موجبة لاضطراب البدن إيجابا محسوسا . وقولنا ' البدن الحيواني ' ~~احتراز عن النباتي والجمادي ، فإن الأعراض المخرجة لها عن حال الاعتدال ما ~~من شأنه الاعتدال منها : PageV01P439 لا يسمى في الاصطلاح عليلا . وقولنا ' ~~عن الاعتدال الطبيعي ' هو إشارة إلى حقيقة المزاج ، وهو الحال المتوسطة ~~الحاصلة عن تفاعل كيفيات العناصر بعضها في بعض . فتلك الحال هي الاعتدال ~~الطبيعي . فإذا انحرفت عن التوسط لغلبة الحرارة أو غيرها : كان ذلك هو ~~انحراف المزاج ، وانحراف المزاج هو العلة والمرض والسقم ( ثم استعيرت ) ~~العلة ( عقلا ) أي من جهة العقل ( لما أوجب حكما عقليا ) كالكسر للانكسار ، ~~والتسويد الموجب ، أي المؤثر للسواد . ( لذاته ككسر لانكسار ) أي لكونه ~~كسرا أو تسويدا ، لا لأمر خارج من وضعي أو اصطلاحي . وهكذا العلل العقلية . ~~هي مؤثرة لذواتها بهذا المعنى . كالتحريك الموجب للحركة ، والتسكين الموجب ~~للسكون ( ثم ) استعيرت العلة ( شرعا ) أي من التصرف العقلي إلى التصرف ~~الشرعي ، فجعلت فيه ( ل ) معان ثلاثة . PageV01P440 أحدها ( ما أوجب حكما ~~شرعيا ) أي ما وجد عنده الحكم ( لا محالة ) أي قطعا ( وهو ) المجموع ( ~~المركب من مقتضيه ) أي مقتضي الحكم . ( وشرطه ، ومحله ، وأهله ) تشبيها ~~بأجزاء العلة العقلية . وذلك لأن المتكلمين وغيرهم . قالوا : كل حادث لا بد ~~له من علة ، لكن العلة : إما مادية ، كالفضة للخاتم ، والخشب للسرير ، أو ~~صورية : كاستدارة الخاتم ، وتربيع السرير ، أو فاعلية : كالصانع والنجار ، ~~أو غائية : كالتحلي بالخاتم ، والنوم على السرير . فهذه أجزاء العلة ~~العقلية . ولما كان المجموع المركب من أجزاء العلة هو العلة التامة استعمل ~~الفقهاء لفظة ' العلة ' بإزاء الموجب للحكم الشرعي ، والموجب لا محالة : هو ~~مقتضيه وشرطه ومحله وأهله ، مثاله : وجوب الصلاة ، حكم شرعي ، ومقتضيه : ~~أمر الشارع بالصلاة ، وشرطه : أهلية المصلي لتوجه الخطاب إليه ، بأن يكون ~~عاقلا بالغا ، ومحله الصلاة [ وأهله : المصلي ] PageV01P441 وكذلك حصول ~~الملك في البيع والنكاح : حكم شرعي ومقتضيه : كون الحاجة داعية إليهما . ~~وصورته : الإيجاب والقبول فيهما . وشرطه : ما ذكر من شروط صحة البيع ~~والنكاح في كتب الفقه . ومحله : هو العين المبيعة والمرأة المعقود عليها ، ~~وأهليته ms130 : كون العاقد صحيح العبارة والتصرف . وقال الشيخ الموفق : لا فرق ~~بين المقتضي والشرط والمحل والأهل ، بل العلة المجموع ، والأهل والمحل : ~~وصفان من أوصافها . وقال الطوفي في شرحه : قلت : الأولى أن يقال : هما ~~ركنان من أركانها ، لأنه قد ثبت أنهما جزءان من أجزائها . وركن الشيء هو ~~جزؤه الداخل في حقيقته . وبالجملة : فهذه الأشياء الأربعة مجموعها يسمى علة ~~( و ) المعنى الثاني مما استعيرت له العلة من التصرف العقلي إلى التصرف ~~الشرعي : استعارتها ( لمقتضيه ) أي مقتضي الحكم الشرعي ، وهو المعنى الطالب ~~للحكم ( وإن تخلف ) الحكم عن مقتضيه ( لمانع ) من الحكم ( أو فوات شرط ) ~~الحكم . مثاله : اليمين . هي المقتضية لوجوب الكفارة ، فتسمى علة للحكم . ~~وإن كان وجوب الكفارة إنما يتحقق بوجود أمرين : الحلف الذي هو اليمين ، ~~والحنث فيها ، لكن الحنث شرط في الوجوب ، والحلف هو السبب المقتضي ~~PageV01P442 له ، فقالوا : إنه علة . فإذا حلف الإنسان على فعل شيء أو تركه ~~، قيل : قد وجدت منه علة وجوب الكفارة ، وإن كان الوجوب لا يوجد حتى يحنث ، ~~وإنما هو بمجرد الحلف انعقد سببه . وكذلك الكلام في مجرد ملك النصاب ونحوه ~~. ولهذا لما انعقدت أسباب الوجود بمجرد هذه المقتضيات جاز فعل الواجب بعد ~~وجودها ، وقبل وجود شرطها عندنا ، كالتكفير قبل الحنث ، وإخراج الزكاة قبل ~~الحول . وقوله ' وإن تخلف لمانع ' مثل أن يكون القاتل أبا للمقتول ، فإن ~~الإيلاد مانع من وجوب القصاص . وكذا النصاب يسمى علة لوجوب PageV01P443 ~~الزكاة ، وإن تخلف وجوبها لوجود مانع كالدين . وقوله ' أو فوات شرط ' مثل ~~القتل العمد العدوان . فإنه يسمى علة لوجوب القصاص ، وإن تخلف وجوبه لفوات ~~شرطه ، وهو المكافأة ، بأن كان المقتول عبدا أو كافرا ، والقاتل حرا أو ~~مسلما . وكذا ملك النصاب ، فإن وجوب الزكاة قد يتخلف عنه لفوات شرط ، وهو ~~خروجه عن ملكه قبل تمام الحول . ( و ) المعنى الثالث مما استعيرت له العلة ~~من التصرف العقلي إلى التصرف الشرعي : استعارتها ( للحكمة ) أي حكمة الحكم ~~( وهي المعنى المناسب الذي ينشأ عنه الحكم ، كمشقة سفر لقصر وفطر ) وبيان ~~المناسبة : أن حصول المشقة على المسافر معنى مناسب ms131 لتخفيف الصلاة عنه ~~بالقصر ، وتخفيف مشقة الصوم بإباحة الفطر ( و ك ) وجود ( دين وأبوة لمنع ) ~~وجوب ( زكاة وقصاص ) وبيان المناسبة : أن انقهار مالك النصاب بالدين الذي ~~عليه معنى مناسب لإسقاط وجوب الزكاة عنه ، وكون الأب سببا لوجود الابن معنى ~~مناسب لسقوط القصاص عنه ؛ لأنه لما كان سببا لإيجاده لم تقتض الحكمة أن ~~يكون الولد سببا لإعدام أبيه وهلاكه لمحض حق الابن . PageV01P444 واحترز ~~بهذا القيد عن أنه لا يمتنع رجمه إذا زنى بابنته ، لكون ذلك حقا لله تعالى ~~دونها ( و ) القسم الثاني من أقسام خطاب الوضع ( السبب ) وهو ( لغة ) أي في ~~استعمال أهل اللغة ( ما توصل به إلى غيره ) قال الجوهري : السبب الحبل ، ~~وكل شيء يتوصل به إلى أمر من الأمور . فقيل : هذا سبب ، وهذا مسبب عن هذا ( ~~وشرعا ) أي : والسبب في عرف أهل الشرع ( ما يلزم من وجوده الوجود و ) يلزم ~~( من عدمه العدم لذاته ) فالأول : احتراز من الشرط . فإنه لا يلزم من وجوده ~~الوجود . والثاني : احتراز من المانع ؛ لأنه لا يلزم من عدمه وجود ولا عدم ~~. PageV01P445 | والثالث : احتراز مما لو قارن السبب فقدان الشرط ، أو وجود ~~المانع . كالنصاب قبل تمام الحول ، أو مع وجود الدين . فإنه لا يلزم من ~~وجوده الوجود ، لكن لا لذاته ، بل لأمر خارج عنه ، وهو انتفاء الشرط ووجود ~~المانع . فالتقييد بكون ذلك لذاته للاستظهار على ما لو تخلف وجود المسبب مع ~~وجدان السبب لفقد شرط أو [ وجود ] مانع ، كمن به سبب الإرث ، ولكنه قاتل ، ~~أو رقيق أو نحوهما ، وعلى ما لو وجد المسبب مع فقدان السبب ، لكن لوجود سبب ~~آخر . كالردة المقتضية للقتل إذا فقدت ووجد قتل يوجب القصاص ، أو زنا محصن ~~. فتخلف هذا الترتيب عن السبب لا لذاته ، بل لمعنى خارج . إذا تقرر هذا ( ف ~~) اعلم أن السبب ( يوجد الحكم عنده ، لا به ) وهو PageV01P446 الذي يضاف ~~إليه الحكم نحو قوله تعالى ( { أقم الصلاة لدلوك الشمس } ) . و ( { الزانية ~~والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } ) ؛ إذ لله سبحانه وتعالى في ~~دلوك الشمس حكمان . أحدهما : كون ms132 الدلوك سببا ، والآخر : وجوب الصلاة عنده ~~. وكذلك لله تعالى في الزاني حكمان . أحدهما : وجوب الرجم . والثاني : كون ~~الزنى الذي نيط به سببا . ولا شك أن الأسباب معرفات ، إذ الممكنات مستندة ~~إلى الله تعالى PageV01P447 ابتداء عند أهل الحق . وبين المعرف الذي هو ~~السبب ، وبين الحكم الذي نيط به : ارتباط ظاهر . فالإضافة إليه واضحة ( ~~ويراد به ) أي بالسبب في عرف الفقهاء أشياء . أحدها ( ما يقابل المباشرة . ~~كحفر بئر مع تردية . فأول سبب . وثان علة ) فإذا حفر إنسان بئرا ، ودفع آخر ~~إنسانا فتردى فيها فهلك . فالأول - وهو الحافر - متسبب إلى هلاكه . والثاني ~~- وهو الدافع - مباشر . فأطلق الفقهاء السبب على ما يقابل المباشرة . ~~فقالوا : إذا اجتمع المتسبب والمباشر : غلبت المباشرة ووجب الضمان على ~~المباشر ، وانقطع حكم التسبب . ومن أمثلته أيضا : لو ألقاه من شاهق فتلقاه ~~آخر بسيف فقده . فالضمان على المتلقي بالسيف . ولو ألقاه في ماء مغرق ~~فتلقاه حوت فابتلعه . فالضمان على الملقي ، لعدم قبول الحوت الضمان . وكذا ~~لو ألقاه في زبية PageV01P448 أسد . فقتله ( و ) الشيء الثاني مما يراد ~~بلفظ السبب ( علة العلة كرمي هو سبب لقتل ، وعلة للإصابة التي هي علة ~~للزهوق ) أي زهوق النفس الذي هو القتل . فالرمي هو علة علة القتل . وقد ~~سموه سببا ( و ) الشيء الثالث مما يراد بلفظ السبب ( العلة الشرعية بدون ~~شرطها ك ) ملك ( نصاب بدون ) حولان ( الحول . و ) الشيء الرابع مما يراد ~~بلفظ السبب العلة الشرعية ( كاملة ) وهي المجموع المركب من مقتضى الحكم ~~وشرطه ، وانتفاء المانع ووجود الأهل والمحل ، سمي ذلك سببا استعارة ؛ لأن ~~الحكم لم يتخلف عن ذلك في حال من الأحوال . كالكسر للانكسار ، وأيضا فإنما ~~سميت العلة الشرعية الكاملة سببا ؛ لأن عليتها ليست PageV01P449 لذاتها ، ~~بل بنصب الشارع لها أمارة على الحكم ، بدليل وجودها دونه ، كالإسكار قبل ~~التحريم ، ولو كان الإسكار علة للتحريم لذاته لم يتخلف عنه في حال ، كالكسر ~~للانكسار في العقلية . والحال أن التحريم ووجوب الحد موجودان بدون ما لا ~~يسكر . فأشبهت بذلك السبب ، وهو ما يحصل الحكم عنده لا به . فهو معرف للحكم ms133 ~~لا موجب له لذاته ، وإلا لوجب قبل الشرع ( وهو ) أي السبب قسمان . أحدهما ( ~~وقتي ) وهو ما لا يستلزم في تعريفه للحكم حكمة باعثة ( كزوال ) الشمس ( ل ) ~~وجوب ال ( ظهر ) فإنه يعرف به وقت الوجوب من غير أن يستلزم حكمة باعثة على ~~الفعل ( و ) القسم الثاني ( معنوي ) وهو ما ( يستلزم حكمة باعثة ) في ~~تعريفه للحكم الشرعي ( كإسكار ) فإنه أمر معنوي جهل علة ( لتحريم ) كل مسكر ~~، وكوجود الملك . فإنه جعل سببا لإباحة الانتفاع . PageV01P450 وكالضمان ، ~~فإنه جعل سببا لمطالبة الضامن بالدين ، وكالجنايات . فإنها جعلت سببا لوجوب ~~القصاص ، أو الدية . قال الآمدي : السبب عبارة عن وصف ظاهر منضبط دل الدليل ~~الشرعي على كونه معرفا لثبوت حكم شرعي طرديا ، كجعل زوال الشمس سببا للصلاة ~~، أو غير طردي كالشدة المطربة ، سواء اطرد الحكم معه أو لم يطرد ، لأن ~~السبب الشرعي يجوز تخصيصه ، وهو المسمى تخصيص العلة ، إذ لا معنى لتخصيص ~~العلة إلا وجود حكمها في بعض صور وجودها دون بعض ، وهو عدم الاطراد . ( و ) ~~القسم الثالث من أقسام خطاب الوضع ( الشرط ) وهو ( لغة ) أي في استعمال أهل ~~اللغة ( العلامة ) لأنها علامة للمشروط . ومنه قوله تعالى ( { فهل ينظرون ~~إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها } ) أي علاماتها . قاله الموفق ~~وغيره . PageV01P451 قال : في المصباح : الشرط - مخفف - من الشرط - بفتح ~~الراء - وهو العلامة . وجمعه : أشراط . وجمع الشرط - بالسكون - شروط ، ~~ويقال له : شريطة . وجمعه شرائط . ( و ) الشرط ( شرعا ) أي في عرف أهل ~~الشرع ( ما يلزم من عدمه العدم ) و ( لا ) يلزم ( من وجوده وجود ولا عدم ~~لذاته ) فالأول : احتراز من المانع ، لأنه لا يلزم من عدمه وجود ولا عدم . ~~والثاني : احتراز من السبب ومن المانع أيضا . أما من السبب : فلأنه يلزم من ~~وجوده الوجود لذاته . كما سبق ، وأما من المانع : فلأنه يلزم من وجوده ~~العدم . والثالث : وهو قوله ' لذاته ' احتراز من مقارنة الشرط وجود السبب . ~~فيلزم الوجود ، أو مقارنة الشرط قيام المانع . فيلزم العدم ، لكن لا لذاته ~~- وهو كونه شرطا ، بل لأمر خارج ، وهو مقارنة السبب ، أو قيام المانع ms134 . ~~PageV01P452 إذا علم ذلك : فللشرط ثلاث إطلاقات . فالأول : ما يذكر في ~~الأصول هنا مقابلا للسبب والمانع ، وما يذكر في قول المتكلمين : شرط العلم ~~الحياة . وقول الفقهاء : شرط الصلاة الطهارة . شرط صحة البيع التراضي ، ~~ونحو ذلك . الإطلاق الثاني : اللغوي . والمراد به : صيغ التعليق ' بإن ' ~~ونحوها ، وهو ما يذكر في أصول الفقه من المخصصات للعموم نحو قوله تعالى ( { ~~وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن } ) وما يذكر في الفقه من قولهم : لا يصح ~~تعليق البيع على شرط . ونحو إن دخلت الدار فأنت طالق . فإن دخول الدار ليس ~~شرطا لوقوع الطلاق شرعا ولا عقلا ، بل من الشروط التي وضعها أهل اللغة . ~~وهذا كما قال القرافي وغيره : يرجع إلى كونه سببا وضع للتعليق حتى يلزم من ~~وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته . ووهم من فسره هناك بتفسير الشرط ~~المقابل للسبب والمانع . كما وقع لكثير من الأصوليين . الإطلاق الثالث : ~~جعل الشيء قيدا في شيء . كشراء الدابة PageV01P453 بشرط كونها حاملا ونحو ~~ذلك . وهذا يحتمل أن يعاد إلى الأول بسبب مواضعة المتعاقدين . كأنهما قالا ~~: جعلناه معتبرا في عقدنا يعدم بعدمه ، وإن ألغاه الشرع . فهل يلغو العقد ~~أو يثبت الخيار ؟ محل تفصيل ذلك كتب الفقه ، ويحتمل أن يعاد إلى الثاني ، ~~كأنهما قالا : إن كان كذا فالعقد صحيح ، وإلا فلا . إذا عرفت ذلك ، ~~فالمقصود هنا : هو القسم الأول ( فإن أخل عدمه ) أي عدم الشرط ( بحكمة ~~السبب ف ) هو ( شرط السبب ) وذلك ( كقدرة على تسليم مبيع ) فإن القدرة على ~~تسليم المبيع شرط لصحة البيع ، الذي هو سبب ثبوت الملك المشتمل على مصلحة ، ~~وهو حاجة الابتياع لعلة الانتفاع بالمبيع . وهي متوقفة على القدرة على ~~التسليم . فكان عدمه مخلا بحكمة المصلحة التي شرع لها البيع ( وإن استلزم ~~عدمه ) أي عدم الشرط ( حكمة تقتضي نقيض الحكم ) كالطهارة للصلاة ( ف ) ذلك ~~( شرط الحكم ) فإن عدم الطهارة حال القدرة PageV01P454 عليها مع الإتيان ~~بالصلاة : يقتضي نقيض حكمة الصلاة ، وهو العقاب ، فإنه نقيض وصول الثواب ( ~~وهو ) أي الشرط منحصر في أربعة أنواع . الأول : شرط ( عقلي كحياة لعلم ) ~~لأنها إذا ms135 انتفت الحياة انتفى العلم ، ولا يلزم من وجودها وجوده ( و ) ~~الثاني ( شرعي ، كطهارة لصلاة . و ) الثالث ( لغوي ، كأنت طالق إن قمت ، ~~وهذا ) النوع ( كالسبب ) فإنه يلزم من وجود القيام وجود الطلاق . ومن عدم ~~القيام عدم الطلاق المعلق عليه ( و ) الرابع ( عادي ، كغذاء الحيوان ) إذ ~~العادة الغالبة : أنه يلزم من انتفاء الغذاء انتفاء الحياة . ومن وجوده ~~وجودها ؛ إذ لا يتغذى إلا الحي . فعلى هذا : يكون الشرط العادي كالشرط ~~اللغوي في كونه مطردا PageV01P455 منعكسا ( وما جعل قيدا في شيء لمعنى ) في ~~ذلك الشيء ( كشرط في عقد ف ) حكمه ( ك ) شرط ( شرعي . و ) الشرط ( اللغوي : ~~أغلب استعماله في ) أمور ( سببية عقلية ) نحو إذا طلعت الشمس فالعالم مضيء ~~( و ) سببية ( شرعية ) نحو قوله تعالى ( { وإن كنتم جنبا فاطهروا } ) فإن ~~طلوع الشمس سبب ضوء العالم عقلا . والجنابة سبب لوجوب التطهير شرعا ( ~~واستعمل ) الشرط اللغوي ( لغة ) أي في عرف أهل اللغة ( في شرط لم يبق لمسبب ~~شرط سواه ) نحو إن تأتني أكرمك . فإن الإتيان شرط لم يبق للإكرام سواه ، ~~لأنه إذا دخل الشرط اللغوي عليه علم أن أسباب الإكرام حاصلة ، لكن متوقفة ~~على حصول الإتيان . ( و ) القسم الرابع من أقسام خطاب الوضع ( المانع ) وهو ~~اسم فاعل من المنع . وهو ( ما يلزم من وجوده العدم ، ولا يلزم من عدمه وجود ~~ولا عدم ) PageV01P456 فالأول : احتراز من السبب ؛ لأنه يلزم من وجوده ~~الوجود . والثاني : احتراز من الشرط ؛ لأنه يلزم من عدمه العدم . والثالث : ~~وهو قولنا ( لذاته ) احتراز من مقارنة المانع لوجود سبب آخر . فإنه يلزم ~~الوجود لا لعدم المانع ، بل لوجود السبب الآخر ، كالمرتد القاتل لولده ، ~~فإنه يقتل بالردة ، وإن لم يقتل قصاصا ، لأن المانع لأحد السببين فقط ( وهو ~~) أي المانع ( إما لحكم ) وتعريفه بأنه وصف وجودي ظاهر منضبط مستلزم لحكمة ~~تقتضي نقيض حكم السبب مع بقاء حكم المسبب ( كأبوة في قصاص ) مع القتل العمد ~~العدوان . وهو كون الأب سببا لوجود الولد ، فلا يحسن كونه سببا لعدمه . ~~فينتفي الحكم وهو القصاص مع وجود مقتضيه ، وهو القتل PageV01P457 ( أو ) ~~يكون المانع ms136 ( لسببه ) أي سبب الحكم ، والمانع هنا : وصف يخل وجوده بحكمة ~~السبب ( كدين مع ملك نصاب ) ووجه ذلك : أن حكمة وجوب الزكاة في النصاب - ~~الذي هو السبب - كثرة تحمل المواساة منه شكرا على نعمة ذلك ، لكن لما كان ~~المدين مطالبا بصرف الذي يملكه في الدين صار كالعدم . وسمي الأول : مانع ~~الحكم ؛ لأن سببه مع بقاء حكمته لا يؤثر . والثاني : مانع السبب ، لأن ~~حكمته فقدت مع وجود صورته فقط ، فالمانع : ينتفي الحكم لوجوده . والشرط : ~~ينتفي الحكم لانتفائه ( ونصب هذه ) الأشياء ، وهي العلة والسبب والشرط ~~والمانع ( مفيدة ) أي حال إفادتها ( مقتضياتها ) والمعنى : أن نصبها لتفيد ~~ما اقتضته من الأحكام ( حكم شرعي ) أي قضاء من الشارع بذلك . فجعل الزنا ~~سببا لوجوب الحد حكم شرعي ، ووجوب الحد حكم آخر . وكذا وجوب حد القذف مع ~~جعل القذف سببا له . ووجوب القطع مع نصب السرقة سببا له ، ووجوب القتل ~~بالردة أو القصاص مع نصب الردة أو القتل سببا . ونظائره كثيرة . ~~PageV01P458 فوائد الأولى : قد يلتبس السبب بالشرط من حيث إن الحكم يتوقف ~~وجوده على وجودهما . وينتفي بانتفائهما كالحدث ، وإن كان السبب يلزم من ~~وجوده وجوده ، بخلاف الشرط . فإذا شك في وصف : هل هو سبب أو شرط ؟ نظرت فإن ~~كانت كلها مناسبة للحكم ، كالقتل العمد المحض العدوان ، فالكل سبب . وإن ~~كان كل واحد منها مناسبا ، كأسباب الحدث فلكل واحد سبب . وإن ناسب البعض في ~~ذاته والبعض في غيره ، فالأول : سبب . والثاني : شرط . كالنصاب والحول . ~~فإن النصاب يشتمل على الغنى ونعمة الملك في نفسه . فهو السبب ، والحول مكمل ~~لنعمة الملك بالتمكن من التنمية في مدته . فهو شرط . قاله القرافي . قال ~~البرماوي : ولكن هذا لا يكون إلا في السبب المعنوي الذي يكون علة ، لا في ~~السبب الزماني ونحوه . فالصواب أن يقال : إن كان الوصف هو المتوقف عليه ~~الشيء في تعريفه أو تأثيره على الخلاف . فالسبب ، وإلا فالشرط اه . ~~PageV01P459 الثانية : الشرط وعدم المانع كلاهما يعتبر في ترتب الحكم . فقد ~~يلتبسان ، حتى إن بعض الفقهاء جعله إياه . كما عد الفوراني والغزالي من ~~شرائط ms137 الصلاة : ترك المناهي من الأفعال والكلام والأكل ونحوه . وتبعهما ~~الرافعي في شرح الوجيز وغيره . والنووي في الروضة . لكن قال في شرح المهذب ~~: الصواب أنها ليست شروطا . وإن سميت بذلك PageV01P460 فمجاز ، وإنما هي ~~مبطلات . وقال في التحقيق : غلط من عدها شروطا . انتهى . والفرق بينهما - ~~على تقدير التغاير - أن الشرط لا بد أن يكون وصفا وجوديا . وأما عدم المانع ~~فعدمي ، ويظهر أثر ذلك في التغاير : إن عدم المانع يكتفى فيه بالأصل . ~~والشرط لا بد من تحققه . فإذا شك في شيء يرجع لهذا الأصل . ولذلك عدت ~~الطهارة شرطا ، لأن الشك فيها مع تيقن ضدها المستصحب يمنع انعقاد الصلاة . ~~قالوا : ويلزم من ادعى اتحادهما اجتماع النقيضين فيما إذا شككنا في طريان ~~المانع ، لأنا حينئذ نشك في عدمه . والفرض أن عدمه شرط . فمن حيث إنه شرط ~~لا يوجد المشروط . ومن حيث إن الشك في طريان المانع لا أثر له ، فيوجد ~~المشروط . وهو تناقض . الثالثة : سبب السبب ينزل منزلة السبب ، لأن ما توقف ~~على المتوقف عليه متوقف عليه . كالإعتاق في الكفارة ، سبب السقوط عن الذمة ~~، والإعتاق يتوقف على اللفظ المحصل له . PageV01P461 وقال الطوفي في شرحه : ~~الشرط وجزؤه وجزء العلة كل منها يلزم من عدمه العدم ، ولا يلزم من وجوده ~~وجود ولا عدم . فهي تلتبس والفرق : أن مناسبة الشرط وجزئه : في غيره . ~~ومناسبة جزء العلة : في نفسه . مثاله : الحول ، مناسبته : في السبب الذي هو ~~النصاب لتكملته الغنى الحاصل به التنمية . وجزء العلة الذي هو النصاب ~~مناسبته في نفسه ، من حيث إنه مشتمل على بعض الغنى . فالعلة وجزؤها مؤثران ~~. والشرط مكمل لتأثير العلة . ومن ثم عرف بعضهم الشرط بما يتوقف عليه تأثير ~~المؤثر . قال : ومنها الحكم . كما يتوقف على وجود سببه يتوقف على وجود شرطه ~~. فما الفرق ؟ الجواب بما سبق من كون السبب مؤثرا مناسبا في نفسه . والشرط ~~مكمل مناسب في غيره . قال ومنها : أجزاء العلة . يترتب عليها الحكم ، ~~والعلل المتعددة إذا وجدت ترتب الحكم ، فما الفرق ؟ والجواب : أن جزء العلة ~~إذا انفرد لا يترتب الحكم ، بل لا ms138 بد من PageV01P462 وجود بقية أجزائها . ~~كأوصاف القتل العمد العدوان ، إذا اجتمعت وجب القود ، ولو انفرد بعضها ، ~~كالقتل خطأ أو عمدا في حد أو قصاص ، أو قتل العادل الباغي : لم يجب القود ، ~~بخلاف العلل المتعددة . فإن بعضها إذا انفرد استقل بالحكم . كمن لمس ونام ~~وبال ، وجب الوضوء بجميعها . ولكل واحد منها . نعم إذا اجتمعت كان حكما ~~ثابتا بعلل . كما يأتي . انتهى . الرابعة : الموانع الشرعية ، منها : ما ~~يمنع ابتداء الحكم واستمراره ، كالرضاع يمنع ابتداء النكاح واستمراره إذا ~~طرأ عليه . ومنها : ما يمنع ابتداءه فقط . كالعدة تمنع ابتداء النكاح ، ولا ~~تبطل استمراره . ومنها : ما اختلف فيه ، كالإحرام يمنع ابتداء الصيد . فإن ~~طرأ عليه ، فهل تجب إزالة اليد عنه ؟ والصحيح : أنها تجب ، وكالطول يمنع ~~PageV01P463 PageV01P464 ابتداء نكاح الأمة . فإن طرأ عليه ، فهل يبطله ؟ ~~والصحيح : أنه لا يبطله . وكوجود الماء يمنع ابتداء التيمم . فلو طرأ وجود ~~الماء عليه في الصلاة فهل يبطل ؟ والصحيح : أنه يبطله . ( ومنه ) أي ومن ~~خطاب الوضع ( فساد وصحة ) لأنهما من الأحكام ، وليسا داخلين في الاقتضاء ~~والتخيير ، لأن الحكم بصحة العبادة وبطلانها ، وبصحة المعاملة وبطلانها : ~~لا يفهم منه اقتضاء ولا تخيير ، فكانا من خطاب الوضع . وهذا قول الأكثر من ~~أصحابنا وغيرهم . وقال جماعة : معنى الصحة : الإباحة ، ومعنى البطلان : ~~الحرمة . وذهب ابن الحاجب وجمع إلى أن الصحة والبطلان أمر عقلي غير مستفاد ~~من الشرع . فلا يكون داخلا في الحكم الشرعي ( وهي ) أي الصحة ( في عبادة : ~~سقوط القضاء ) أي قضاء العبادة ( بالفعل ) أي : بفعلها . بمعنى أن لا يحتاج ~~إلى فعلها ثانيا . وهذا عند الفقهاء ، وعند المتكلمين : موافقة الأمر وإن ~~لم يسقط القضاء . فصلاة من ظن الطهارة صحيحة على قول المتكلمين ، فاسدة على ~~قول الفقهاء . فالمتكلمون نظروا لظن المكلف . والفقهاء لما في نفس الأمر . ~~PageV01P465 لكن قال البرماوي : اللائق بقواعد الفريقين العكس . وقال ابن ~~دقيق العيد : هذا البناء فيه نظر ؛ لأن من قال : موافقة الأمر إن أراد ~~الأمر الأصلي : فلم تسقط ، أو الأمر بالعمل بالظن : فقد تبين فساد الظن . ~~فيلزم أن لا تكون صحيحة من حيث عدم ms139 موافقة الأمر الأصلي ولا الأمر بالعمل ~~بالظن . قال في شرح التحرير : وما قاله ظاهر . قال : والقضاء واجب على قول ~~الفقهاء وقول المتكلمين عند الأكثر ، وقطعوا به ، وهو الصحيح ، PageV01P466 ~~ويكون الخلاف بين الفريقين لفظيا . انتهى . ( و ) الصحة ( في معاملة : ترتب ~~أحكامها ) أي أحكام المعاملة ( المقصودة بها ) أي بالمعاملة ( عليها ) وذلك ~~لأن العقد لم يوضع إلا لإفادة مقصود كمال النفع في البيع . وملك البضع في ~~النكاح . فإذا أفاد مقصوده فهو صحيح . وحصول مقصوده : هو ترتب حكمه عليه ، ~~لأن العقد مؤثر لحكمه وموجب له . قال الآمدي : ولا بأس بتفسير الصحة في ~~العبادات بهذا . قال الطوفي : لأن مقصود العبادة رسم التعبد وبراءة ذمة ~~العبد منها . فإذا أفادت ذلك كان هو معنى قولنا : إنها كافية في سقوط ~~القضاء ، فتكون صحيحة PageV01P467 ( ويجمعهما ) أي ويجمع العبادة والمعاملة ~~في حد صحتهما قوله ( ترتب أثر مطلوب من فعل عليه ) أي على ذلك الفعل . ~~فالفقهاء فسروا الأثر المطلوب بإسقاط القضاء . والمتكلمون بموافقة الشرع ( ~~فبصحة عقد يترتب أثره ) من التمكن من التصرف فيما هو له ، كالبيع إذا صح ~~العقد ترتب أثره من ملك ، وجواز التصرف فيه من هبة ووقف وأكل ولبس وانتفاع ~~وغير ذلك . وكذا إذا صح عقد النكاح والإجارة والوقف وغيرها من العقود ، ~~ترتب عليها أثرها مما أباحه الشرع له به . فينشأ ذلك عن العقد . وترتب ~~العتق على الكتابة الفاسدة لوجود الصفة ، وترتب صحة التصرف في الوكالة ~~والمضاربة الفاسدة ، لوجود الإذن في التصرف ، لا من جهة العقد في الثلاث ( ~~و ) بصحة ( عبادة ) يترتب ( إجزاؤها ، وهو ) أي إجزاؤها ( كفايتها في إسقاط ~~التعبد ويختص ) الإجزاء ( بها ) أي بالعبادة ، سواء كانت واجبة أو مستحبة . ~~وتفسير PageV01P468 إجزائها بكفايتها في إسقاط التعبد ينقل عن المتكلمين . ~~قال في شرح التحرير : وهو أظهر . وقيل : الإجزاء هو الكفاية في إسقاط ~~القضاء . وينقل عن الفقهاء . فعلى القول الأول : فعل المأمور به بشروطه ~~يستلزم الإجزاء بلا خلاف . وعلى الثاني : يستلزمه عند الأكثر . قال ابن ~~مفلح : وإلا لكان الأمر بعد الامتثال مقتضيا إما لما فعل ، وهو تحصيل ~~الحاصل ، وإما لغيره ، فالمجموع ms140 مأمور به ، فلم يفعل إلا بعضه . والفرض ~~خلافه ( وكصحة قبول ونفيه ، كنفي إجزاء ) يعني أن القبول مثل الصحة ، فلا ~~يفارقها في إثبات ولا نفي . فإذا وجد أحدهما وجد الآخر ، وإذا انتفى أحدهما ~~انتفى الآخر . وهذا المقدم في التحرير . والذي رجحه ابن عقيل PageV01P469 ~~في الواضح . وقيل : إن القبول أخص من الصحة ، إذ كل مقبول صحيح ولا عكس . ~~واستدل لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم { من أتى عرافا لم تقبل له صلاة ~~أربعين صباحا } و { إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة حتى يرجع إلى مواليه } و ~~{ من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا } ونحو ذلك . فيكون القبول هو ~~الذي يحصل به الثواب . والصحة قد توجد في الفعل ولا ثواب فيه ، لكن قد أتى ~~نفي القبول في الشرع تارة بمعنى نفي الصحة ، كما في PageV01P470 حديث { لا ~~يقبل الله صلاة بغير طهور ، ولا صدقة من غلول } . و { لا تقبل صلاة حائض ~~إلا بخمار } و { لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ } ونحو قوله تعالى ~~( { فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به } ) وتارة بمعنى نفي ~~القبول مع وجود الصحة ، كما في الأحاديث السابقة في الآبق ، وشارب الخمر ، ~~ومن أتى عرافا . وقد حكى القولين في الواضح . ورجح أن الصحيح لا يكون إلا ~~PageV01P471 مقبولا ، ولا يكون مردودا ، إلا وهو باطل . قال ابن العراقي : ~~ظهر لي في الأحاديث التي نفي فيها القبول ولم تنتف معه الصحة - كصلاة شارب ~~الخمر ونحوه - أنا ننظر فيما نفي ، فإن قارنت ذلك الفعل معصية ، كحديث شارب ~~الخمر ونحوه ؛ انتفى ، القبول . أي الثواب ، لأن إثم المعصية أحبطه ، وإن ~~لم تقارنه معصية . كحديث { لا صلاة إلا بطهور } ونحوه ، فانتفاء القبول ~~سببه انتفاء الشرط ، وهو الطهارة ونحوها ، ويلزم من عدم الشرط عدم المشروط ~~. انتهى . ( و ) الصحة باعتبار إطلاقاتها ثلاثة ( شرعية ، كما هنا ) وترسم ~~بما أذن الشارع في جواز الإقدام على الفعل المتصف بها ، وهو يشمل الأحكام ~~الشرعية إلا التحريم فإنه لا إذن فيه ، والأربعة الباقية : فيها الإذن ~~اتفاقا ms141 في جواز الإقدام على الفعل المتصف بها . ( و ) الثانية ( عقلية ، ~~كإمكان الشيء وجودا وعدما ) يعني بأن يتعلق وجود الممكن وعدم الممتنع ( و ) ~~الثالثة ( عادية ، كمشي ونحوه ) كجلوس واضطجاع . وقد اتفق الناس على أنه ~~ليس في الشريعة منهي عنه ، ولا مأمور به ، ولا مشروع PageV01P472 على ~~الإطلاق إلا وفيه الصحة العادية . ولذلك حصل الاتفاق على أن اللغة لم يقع ~~فيها طلب وجود ولا عدم ، إلا فيما يصح عادة . وإن جوزنا تكليف ما لا يطاق ( ~~وبطلان وفساد مترادفان ، يقابلان الصحة الشرعية ) سواء كان ذلك في العبادات ~~، أو في المعاملات فهما في العبادات : عبارة عن عدم ترتب الأثر عليها ، أو ~~عدم سقوط القضاء ، أو عدم موافقة الأمر ، وفي المعاملات : عبارة عن عدم ~~ترتب الأثر عليها . وفرق الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه بين البطلان ~~والفساد . PageV01P473 وفرق أصحابنا وأصحاب الشافعي بين الباطل والفاسد في ~~الفقه في مسائل كثيرة . قال في شرح التحرير : قلت غالب المسائل التي حكموا ~~عليها بالفساد إذا كانت مختلفا فيها بين العلماء . والتي حكموا عليها ~~بالبطلان إذا كانت مجمعا عليها ، أو الخلاف فيها شاذ ، ثم وجدت بعض أصحابنا ~~قال : الفاسد من النكاح ما يسوغ فيه الاجتهاد ، والباطل ما كان مجمعا على ~~بطلانه . ( فوائد : النفوذ تصرف لا يقدر فاعله على رفعه ) كالعقود اللازمة ~~من البيع والإجارة والوقف والنكاح ونحوها إذا اجتمعت شروطها وانتفت موانعها ~~، وكذلك العتق والطلاق والفسخ ونحوها . وقيل : إنه مرادف للصحة . ~~PageV01P474 قال ابن الفركاح : نفوذ العقد أصله : من نفوذ السهم ، وهو بلوغ ~~المقصود من الرمي ، وكذلك العقد إذا أفاد المقصود المطلوب منه ، سمي بذلك ~~نفوذا ، فإذا ترتب على العقد ما يقصد منه ، مثل : البيع إذا أفاد الملك ~~ونحوه قيل له صحيح ، ويعتد به . فالاعتداد بالعقد هو المراد بوصفه ، بكونه ~~نافذا ، وقال في متن الورقات : والصحيح ما يتعلق به النفوذ . ( والعزيمة ~~لغة : القصد المؤكد ) قال في القاموس : عزم على الأمر يعزم عزما - ويضم - ~~ومعزما وعزمانا - بالضم - وعزيما وعزيمة وعزمه واعتزمه ، وعليه ، وتعزم ~~أراد فعله ، وقطع عليه أو جد في الأمر ، وعزم الأمر ms142 نفسه عزم عليه ، وعلى ~~PageV01P475 الرجل : أقسم ، والراقي قرأ العزائم ، أي الرقى . وهي آيات من ~~القرآن تقرأ على ذوي الآفات رجاء البرء ، وأولو العزم من الرسل : الذين ~~عزموا على أمر الله فيما عهد إليهم . وهم : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ~~صلى الله وسلم عليهم أجمعين ( و ) العزيمة ( شرعا ) أي في عرف أهل الشرع ( ~~حكم ثابت بدليل شرعي خال عن معارض راجح . فشمل ) الأحكام ( الخمسة ) لأن كل ~~واحد منها حكم ثابت بدليل شرعي . فيكون في الحرام والمكروه على معنى الترك ~~. فيعود المعنى في ترك الحرام إلى الوجوب ، وقوله : بدليل شرعي ، احتراز عن ~~الثابت بدليل عقلي ، فإن ذلك لا يستعمل فيه العزيمة والرخصة . PageV01P476 ~~وقوله : خال عن معارض . احتراز عما يثبت بدليل لكن لذلك الدليل معارض ، ~~مساو أو راجح ؛ لأنه إن كان المعارض مساويا لزم الوقف وانتفت العزيمة . ~~ووجب طلب المرجح الخارجي ، وإن كان راجحا ، لزم العمل بمقتضاه وانتفت ~~العزيمة ، وثبتت الرخصة كتحريم الميتة عند عدم المخمصة فالتحريم فيها عزيمة ~~، لأنه حكم ثابت بدليل شرعي خال عن معارض . فإذا وجدت المخمصة حصل المعارض ~~لدليل التحريم ، وهو راجح عليه ، حفظا للنفس ، فجاز الأكل وحصلت الرخصة ( ~~والرخصة لغة : السهولة ) قال في المصباح : يقال : رخص الشارع لنا في كذا ~~ترخيصا . وأرخص إرخاصا : إذا يسره وسهله ، وفلان يترخص في الأمر إذا لم ~~يستقص ، وقضيب رخص أي طري لين ، ورخص البدن - بالضم - رخاصة PageV01P477 ~~ورخوصة : إذا نعم ولان ملمسه ، فهو رخيص ( و ) الرخصة ( شرعا : ما ثبت على ~~خلاف دليل شرعي لمعارض راجح ) فقوله : ما ثبت على خلاف دليل شرعي . احتراز ~~عما ثبت على وفق الدليل . فإنه لا يكون رخصة ، بل عزيمة . كالصوم في الحضر ~~. وقوله : لمعارض راجح . احتراز عما كان لمعارض غير راجح ، بل إما مساو ، ~~فيلزم الوقف على حصول المرجح ، أو قاصر عن مساواة الدليل الشرعي ، فلا يؤثر ~~، وتبقى العزيمة بحالها . وهذا الذي في المتن ذكره الطوفي في مختصره . ~~PageV01P478 وقال الطوفي في شرح مختصره : فلو قبل استباحة المحظور شرعا مع ~~قيام السبب الحاظر . صح وساوى الأول وقال العسقلاني في ms143 شرح مختصر الطوفي : ~~أجود ما يقال في الرخصة : ثبوت حكم لحالة تقتضيه مخالفة مقتضي دليل يعمها . ~~وهذا الحد لابن حمدان في المقنع ( ومنها ) أي من الرخصة ( واجب ) كأكل ~~الميتة للمضطر . فإنه واجب على الصحيح الذي عليه الأكثر ؛ لأنه سبب لإحياء ~~النفس ، وما كان كذلك فهو واجب ، وذلك : لأن النفوس حق لله تعالى ، وهي ~~أمانة عند المكلفين ، فيجب حفظها ليستوفي الله سبحانه وتعالى حقه منها ~~بالعبادات والتكاليف . وقد قال الله سبحانه وتعالى { ولا تلقوا بأيديكم إلى ~~التهلكة } وقال تعالى ' { ولا تقتلوا أنفسكم } ( و ) منها ( مندوب ) كقصر ~~المسافر الصلاة إذا اجتمعت الشروط ، PageV01P479 وانتفت الموانع ( و ) منها ~~( مباح ) كالجمع بين الصلاتين في غير عرفة ومزدلفة . وكذا من أكره على كلمة ~~الكفر . وكذا بيع العرايا للحديث في ذلك . وفهم مما تقدم : أن الرخصة لا ~~تكون محرمة ولا مكروهة ، وهو PageV01P480 ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم { ~~إن الله يحب أن تؤتى رخصه } وعلم مما تقدم أن ما خفف عنا من التغليظ الذي ~~على الأمم قبلنا ليس برخصة شرعية ، لكن قد يسمى رخصة مجازا ، بمعنى أنه سهل ~~علينا ما شدد عليهم ، رفقا من الله تعالى ورحمة بنا مع جواز إيجابه علينا ، ~~كما أوجبه عليهم ، لا على معنى أنا استبحنا شيئا من المحرم عليهم مع قيام ~~المحرم في حقنا ، لأنه إنما حرم عليهم لا علينا . فهذا وجه التجوز ، وعدم ~~كون الأول ليس برخصة ، لأنه لم يقم على المنع من ذلك دليل ( والاثنتان ) أي ~~العزيمة والرخصة ( وصفان للحكم ) لا للفعل فتكون العزيمة بمعنى التأكيد في ~~طلب الشيء ، وتكون الرخصة بمعنى الترخيص . ومنه قوله صلى الله عليه وسلم { ~~فاقبلوا رخصة الله } ومنه قول أم PageV01P481 عطية { نهينا عن اتباع ~~الجنائز . ولم يعزم علينا } وقيل : هما وصفان للفعل . ثم اختلف القائلون ~~بأنهما وصف للحكم . فقال جمع : هما وصفان للحكم ( الوضعي ) أي فيكونان من ~~خطاب الوضع لا من خطاب التكليف منهم . الآمدي . وقطع به ابن حمدان في مقنعه ~~. وقال جمع : للحكم التكليفي لما فيهما من معنى الاقتضاء . PageV01P482 # | ( فصل ) # ( التكليف لغة : إلزام ما ms144 فيه مشقة ) فإلزام الشيء ، والإلزام به : هو ~~تصييره لازما لغيره ، لا ينفك عنه مطلقا ، أو وقتا ما . قال في القاموس : ~~والتكليف : الأمر بما يشق ، وتكلفه تجشمه . وقال أيضا : ألزمه إياه فالتزمه ~~، إذا لزم شيئا لا يفارقه ( و ) التكليف ( شرعا ) أي : في اصطلاح علماء ~~الشريعة ( إلزام مقتضى خطاب الشرع ) فيتناول الأحكام الخمسة : الوجوب ~~والندب ، الحاصلين عن الأمر ، والحظر والكراهة ، الحاصلين عن النهي . ~~والإباحة الحاصلة عن التخيير ، إذا قلنا إنها من خطاب الشرع ، ويكون معناه ~~في المباح وجوب اعتقاد كونه مباحا ، أو اختصاص اتصاف فعل المكلف بما دون ~~فعل الصبي والمجنون PageV01P483 ( والمحكوم به ) على المكلف ( فعل بشرط ~~إمكانه ) الحكم الشرعي في أصول الفقه يتعلق بالبحث فيه النظر في أشياء . ~~الأول : النظر في الحاكم ، وهو الله سبحانه وتعالى . الثاني : النظر في ~~المحكوم عليه ، وهو العبد المكلف . الثالث : النظر في المحكوم به ، وهو ~~الفعل ، وشرطه أن يكون ممكنا ، ويستدعي ذلك : أن الفعل غير المقدور عليه هل ~~يصح التكليف به أو لا ؟ ويسمى التكليف به : التكليف بالمحال ، وهو أقسام . ~~أحدها : أن يكون ممتنعا لذاته ، كجمع الضدين ، وإيجاد القديم وإعدامه ونحوه ~~مما يمتنع تصوره . فإنه لا يتعلق به قدرة مطلقا . ثانيها : ما يكون مقدورا ~~لله تعالى كالتكليف بخلق الأجسام وبعض الأعراض . ثالثها : ما لم تجر عادة ~~بخلق القدرة على مثله للعبد مع جوازه PageV01P484 كالمشي على الماء ، ~~والطيران في الهواء . رابعها : ما لا قدرة للعبد عليه حال توجه الأمر وله ~~القدرة عليه عند الامتثال . كبعض الحركات . خامسها : ما في امتثاله مشقة ~~عظيمة كالتوبة بقتل النفس . إذا تقرر هذا ( فيصح ) من ذلك التكليف ( بمحال ~~لغيره ) إجماعا ، كتكليف من علم الله سبحانه وتعالى أنه لا يؤمن بالإيمان ~~وذلك لأن الله تعالى أنزل الكتاب ، وبعث الرسل بطلب الإيمان والإسلام من كل ~~واحد ، وعلم أن بعضهم لا يؤمن . و ( لا ) يصح التكليف من ذلك بمحال ( لذاته ~~) وهو المستحيل العقلي ، كالجمع بين الضدين ( و ) لا بمحال ( عادة ) ~~كالطيران في الهواء والمشي على الماء ونحوهما عند الأكثر . واختاره ابن ~~الحاجب PageV01P485 والأصفهاني ، وأكثر المعتزلة ms145 . وحكي عن نص الشافعي ، ~~وأبي حامد وأبي المعالي ، وابن حمدان في نهاية المبتدئين وقال أكثر ~~الأشعرية والطوفي من أصحابنا : بصحة التكليف بالمحال مطلقا قال الآمدي : ~~وهو لازم أصل الأشعرية في وجوب مقارنة القدرة للمقدور بها وأنه مخلوق لله ~~تعالى وقال الآمدي وجمع من العلماء : يجوز التكليف بالمحال عادة ولم ~~يستثنوا ( إلا ) المحال ( عقلا ) وإلى هذا القول أشير في المتن بقوله ( في ~~وجه ) وجه المذهب الأول - وهو المنع في المحال لذاته وعادة - قوله تعالى { ~~لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } وروى مسلم من حديث أبي هريرة رضي ~~PageV01P486 الله تعالى عنه أنه لما نزل { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ~~يحاسبكم به الله } اشتد ذلك على الصحابة . وقالوا لا نطيقها وفيه أن الله ~~تعالى نسخها فأنزل الله سبحانه وتعالى { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ~~ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا ~~تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة ~~لنا به ، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم ~~الكافرين } وفيه عقب كل دعوة قال : نعم ' وفي رواية : قال ' قد قلت ' قال ~~بعض أصحابنا . قيل : المراد به ما يثقل ويشق ، كقوله صلى الله عليه وسلم في ~~PageV01P487 المملوك { لا يكلف من العمل ما لا يطيق } رواه مسلم ، وكقوله { ~~لا تكلفوهم ما يغلبهم . فإن كلفتموهم فأعينوهم } متفق عليه . واحتجت ~~الأشعرية بسؤال رفع التكليف على جواز التكليف بالمستحيل لغيره . واحتج بعض ~~أصحابنا والآمدي وغيرهما بأنه لو صح التكليف بالمستحيل لكان مطلوب الحصول ، ~~لأنه معناه . وهو محال لعدم تصور وقوعه ، لأنه يلزم تصور الشيء على خلاف ~~ماهيته ، واستدعاء حصوله فرع تصور وقوعه . PageV01P488 فإن قيل : لو لم ~~يتصور لم يحكم بكونه محالا . لأن الحكم بصفة الشيء فرع تصوره ؟ . قيل : ~~الجمع المتصور المحكوم بنفيه على الضدين : هو جمع المختلفات التي ليست ~~بمتضادة ، ولا يلزم من تصوره منفيا عن الضدين تصوره ثابتا لهما ، لاستلزامه ~~التصور على خلاف الماهية . وحيث قيل ms146 بجواز التكليف بالمحال لذاته ، فعند ~~الأكثر أنه لم يقع . قال ابن الزاغوني والمجد : المحال لذاته ممتنع سمعا ~~إجماعا ، وإنما الخلاف في الجواز العقلي والاسم اللغوي . والقول الثاني : ~~أنه واقع قال أبو بكر عبد العزيز من أصحابنا : الله تعالى يتعبد خلقه بما ~~يطيقون وما لا يطيقون . وكذا قال أبو إسحاق بن شاقلا ، واحتج بقوله تعالى { ~~ويدعون إلى السجود فلا PageV01P489 يستطيعون } وعلى القول بجواز التكليف ~~بالممتنع عادة قيل : إنه واقع . وقيل : لم يقع ( ولا ) يصح التكليف ( بغير ~~فعل وشرط ) لصحة التكليف بالفعل ( علم مكلف حقيقته ) أي حقيقة الفعل الذي ~~كلف به ، وإلا لم يتوجه قصده إليه ، لعدم تصور قصد ما لا يعلم حقيقته ، ~~وإذا لم يتوجه قصده إليه لم يصح وجوده منه ، لأن توجه القصد إلى الفعل من ~~لوازم إيجاده . فإذا انتفى اللازم - وهو القصد - انتفى الملزوم ، وهو ~~الإيجاد PageV01P490 ( و ) من شرطه أيضا : أن يعلم المكلف ( أنه ) أي الفعل ~~( مأمور به ، و ) أنه ( من الله تعالى ) وإلا لم يتصور منه قصد الطاعة ~~والامتثال بفعله ، وإذا لم يتصور منه قصد الطاعة ( فلا يكفي مجرده ) أي ~~مجرد حصول الفعل منه من غير قصد الامتثال بفعله . لقوله صلى الله عليه وسلم ~~{ إنما الأعمال بالنيات } ( ومتعلقه ) أي : متعلق المأمور به ( في نهي ) ~~نحو قوله تعالى { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } ( كف النفس ) ~~عند الأكثر ، PageV01P491 وهو الأصح عند الفقهاء من أصحابنا وغيرهم . وقيل ~~: معناه فعل ضد المنهي عنه ، ونسب إلى الجمهور . قال الكوراني : هذا عين ~~الأول ، إذ كف النفس من جزئيات فعل الضد . قال في شرح التحرير : وهو كذلك . ~~قال في الروضة : وقيل لا يقتضي الكف إلا أن يتلبس بضده فيثاب عليه ، لا على ~~الترك . قال ابن مفلح : وذكره بعض أصحابنا قول الأشعري والقدرية ، وابن أبي ~~الفرج المقدسي وغيرهم . قالوا في مسألة الإيمان الترك في الحقيقة فعل ، ~~لأنه ضد الحال التي هو عليها . PageV01P492 إذا تقرر هذا : فوجه القول ~~الأول الذي في المتن : أنه لو كلف بنفي الفعل لكان مستدعى حصوله منه ، ولا ~~يتصور ، لأنه ms147 غير مقدور له ، لأنه نفي محض ، ورده أبو هاشم فقال : بل هو ~~مقدور ولهذا يمدح بترك الزنا ، وردوه بأن عدم الفعل مستمر فلم تؤثر القدرة ~~فيه ( ويصح ) التكليف ( به ) أي بالفعل ( حقيقة ) أي على الحقيقة لا المجاز ~~( قبل حدوثه ) أي الفعل . قال الآمدي : اتفق الناس على جواز التكليف بالفعل ~~قبل حدوثه ، سوى شذوذ من أصحابنا . قال ابن عقيل : إذا تقدم الأمر على ~~الفعل كان أمرا عندنا على الحقيقة . قال القاضي عبد الوهاب المالكي : نقل ~~الأكثرون أنه حقيقة . نقله PageV01P493 ابن قاضي الجبل . وقيل : أمر إعلام ~~وإيذان لا حقيقة ، وضعفه إمام الحرمين في البرهان بعد أن نقله عن أصحاب ~~الأشعري بما معناه : أنه يلزم تحصيل الحاصل ، وأنه لا يرتضيه لنفسه عاقل . ~~وقال قوم ، منهم الإمام الرازي : لا يتوجه الأمر بأن يتعلق بالفعل إلزاما ~~إلا عند المباشرة له . وذكر بعضهم : أن هذا القول هو التحقيق ، إذ لا قدرة ~~عليه إلا حينئذ . وما قيل : من أنه يلزم عدم العصيان بتركه ؟ . فجوابه : أن ~~الملام قبل المباشرة على التلبس بالكف عن الفعل المنهي ذلك الكف عنه . وهذا ~~جواب عن سؤال مقدر على هذا القول الأخير . تقديره : أن القول به يؤدي إلى ~~سلب التكاليف . فإنه يقول : لا أفعل حتى أكلف . والفرض أنه لا يكلف حتى ~~يفعل . وجوابه : أنه قبل المباشرة متلبس بالترك ، وهو فعل فإن كف النفس عن ~~الفعل فقد باشر الترك . فتوجه إليه التكليف بترك الترك حالة PageV01P494 ~~مباشرته للترك . وذلك بالفعل وصار الملام على ذلك . وهذا جواب نفيس أشار ~~إليه أبو المعالي في مسألة تكليف ما لا يطاق ( ولا ينقطع ) التكليف ( به ) ~~أي بحدوث الفعل عند الأشعري والأكثر ؛ لأن الفعل في هذه الحالة مقدور ~~للمكلف ، وكل مقدور يجوز التكليف به ، والتكليف هنا تعلق بمجموع الفعل من ~~حيث هو مجموع ، لا بأول جزء منه . فلا ينقطع التكليف إلا بتمام الفعل ، ~~ويكون التكليف بإيجاد ما لم يوجد منه لا بإيجاد ما قد وجد ، فلا تكليف ~~بإيجاد موجود فلا محال . واختلف العلماء في صحة الأمر بالفعل الموجود ، ~~والأصح عدمها ms148 . قال المجد في المسودة ، وتبعه ابن مفلح : لا يصح الأمر ~~بالموجود عند أصحابنا والجمهور . انتهى . لكن لا ينقطع التكليف إلا بتمام ~~الفعل كما تقدم PageV01P495 ( و ) يصح التكليف ( بغير ما علم آمر ومأمور ~~انتفاء شرط وقوعه ) فيصح بما علم آمر وحده انتفاء شرط وقوعه في وقته عند ~~الأكثر . قال ابن مفلح في أصوله : يجوز التكليف بما يعلم الله سبحانه ~~وتعالى أن المكلف لا يمكن منه مع بلوغه حال التمكن عند القاضي وابن عقيل ~~وأبي الخطاب . وقال : إنه يقتضيه مذهب أصحابنا . فلهذا يعلم المكلف ~~بالتكليف قبل وقت الفعل . وفاقا للأشعرية وغيرهم . وذكره بعض أصحابنا إجماع ~~الفقهاء . انتهى . وقال الموفق وغيره : يبنى على النسخ قبل التمكن . قال ~~بعضهم : تشبهها ؛ لأن ذلك رفع الحكم بخطاب . وهذا بتعجيز . ونبه ابن عقيل ~~عليه . ونفى ذلك أبو المعالي والمعتزلة ، وزعم غلاة القدرية منهم ومن غيرهم ~~- كمعبد الجهني ، وعمرو بن PageV01P496 عبيد : أنه لم يعلم أفعال العباد ~~حتى فعلوها . وهذا كفر لعنة الله على قائله إن لم يتب . ومن فوائد الخلاف : ~~الابتلاء ووجوب الكفارة في تركة من جامع في نهار رمضان ، ثم مات في أثناء ~~ذلك النهار ، وكذا من علق طلاق زوجته بشروعه في صوم أو صلاة واجبين ومات في ~~أثناء ذلك ، فإنها تطلق إجماعا ، وجه الصحة : أنه لو لم يجز التكليف لم يعص ~~أحد ، لأن شرط الفعل إرادة الله سبحانه وتعالى إياه ، لاستحالة تخلف المراد ~~عن إرادته تعالى ، فإذا تركه علم أن الله لا يريده ، وأن العاصي لا يريده . ~~قال المخالف : لو جاز التكليف مع علم الآمر انتفاء شرط وقوعه لجاز ~~PageV01P497 مع علم المأمور بذلك ، اعتبارا بالأمر ، والجامع : العلم بعدم ~~الحصول ، رد بأن هذا يمتنع امتثاله ، فلا يعزم ولا يطيع ولا يعصي ولا ~~ابتلاء ، بخلاف مسألتنا . وقد قطع الأصوليون بعدم صحة تكليف ما علم آمر ~~ومأمور انتفاء شرط وقوعه ( ويصح تعليق أمر باختيار مكلف في وجوب وعدمه ) ~~ذكره القاضي وابن عقيل وابن حمدان وغيرهم . وقيل : لا . لفظ ابن عقيل : ~~يجوز أن يرد الأمر من الله تعالى معلقا على ms149 اختيار المكلف بفعل أو بترك ~~مفوضا إلى اختياره ، بناء على أن المندوب مأمور به ، مع كونه مخيرا بين ~~فعله وتركه ( لا أمر بموجود ) فإنه تحصيل الحاصل ( وشرط ) بالبناء للمفعول ~~( في محكوم عليه ) وهو المكلف بالفعل ( عقل وفهم خطاب ) PageV01P498 لما ~~فرغ من أحكام المحكوم به وأحكام المحكوم فيه ، شرع في أحكام المحكوم عليه ، ~~وهو الآدمي ، فيشترط فيه العقل وفهم الخطاب ، لأن التكليف خطاب ، وخطاب من ~~لا عقل له ولا فهم محال ، ولأن المكلف به مطلوب حصوله من المكلف طاعة ~~وامتثالا . لأنه مأمور ، والمأمور يجب أن يقصد إيقاع المأمور به على سبيل ~~الطاعة والامتثال ، والقصد إلى ذلك إنما يتصور بعد الفهم ، لأن من لا يفهم ~~لا يقال له : افهم ، ولا يقال لمن لم يسمع : اسمع ، ولا لمن لا يبصر : أبصر ~~. فلا يكلف مراهق على الصحيح من المذهب ، لأنه لم يكمل فهمه فيما يتعلق ~~بالمقصود . فجعل الشارع البلوغ علامة لظهور العقل بقوله صلى الله عليه وسلم ~~{ رفع القلم عن ثلاث : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يكبر } - وفي ~~رواية : حتى { يحتلم } ، وفي رواية : { حتى يبلغ - وعن المجنون حتى يعقل } ~~ولأن غير البالغ ضعيف العقل والبنية ، ولا بد من PageV01P499 ضابط يضبط ~~الحد الذي تتكامل فيه بنيته وعقله ، فإنه يتزايد تزايدا خفي التدريج فلا ~~يعلم بنفسه . والبلوغ ضابط لذلك . ولهذا تتعلق به أكثر الأحكام . وعن ~~الإمام أحمد رضي الله عنه رواية ثانية : أن المراهق مكلف بالصلاة . وثالثة ~~: أن ابن عشر مكلف بها . ورابعة : أن المميز مكلف بالصوم و ( لا ) يشترط في ~~محكوم عليه ( حصول شرط شرعي ) لصحة الفعل . كاشتراط الإسلام لصحة العبادات ~~، والطهارة : لصحة الصلاة ( والكفار مخاطبون بالفروع ) أي بفروع الإسلام . ~~كالصلاة والزكاة PageV01P500 والصوم ونحوها عند الإمام أحمد والشافعي ~~والأشعرية وأبي بكر الرازي والكرخي وظاهر مذهب مالك فيما حكاه القاضي عبد ~~الوهاب وأبو الوليد الباجي . PageV01P501 وذلك لورود الآيات الشاملة لهم ، ~~مثل قوله تعالى { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } { يا عباد فاتقون } { ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } { كتب عليكم الصيام } { ولله على الناس حج ~~البيت } { يا ms150 بني آدم } { يا أولي الأبصار } ( ك ) ما أنهم مخاطبون ( ~~بالإيمان ) والإسلام إجماعا لإمكان تحصيل الشرط ، وهو الإيمان وأيضا فقد ~~ورد الوعيد على ذلك ومنه قوله تعالى { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ~~زدناهم عذابا فوق العذاب } أي : فوق عذاب الكفر . وذلك إنما هو على بقية ~~عبادات الشرع . واحتج في العدة والتمهيد بأن الكافر مخاطب بالإيمان ، وهو : ~~شرط العبادة ومن خوطب بالشرط كالطهارة كان مخاطبا بالصلاة ، وكذا احتج ابن ~~عقيل بخطابه بصدق الرسل ، وهي مشروطة بمعرفة الله PageV01P502 تعالى ، وهي ~~على النظر ، وأن هذا لقوته مفسد لكل شبهة للخصم ( والفائدة ) أي فائدة ~~القول بأنهم مخاطبون بفروع الإسلام ( كثرة عقابهم في الآخرة ) لا المطالبة ~~بفعل الفروع في الدنيا ، ولا قضاء ما فات منها . قال النووي في شرح المهذب ~~: اتفق أصحابنا على أن الكافر الأصلي لا تجب عليه الصلاة والصوم والحج ~~وغيرها من فروع الإسلام ، والصحيح في كتب الأصول : أنه مخاطب بالفروع ، كما ~~هو مخاطب بأصل الإيمان . قال : وليس هو مخالفا لما تقدم ، لأن المراد هناك ~~غير المراد هنا ، فالمراد هناك : أنهم لا يطالبون بها في الدنيا مع كفرهم ، ~~وإذا أسلم أحدهم لم يلزمه قضاء الماضي ، ولم يتعرضوا لعقاب الآخرة . ~~ومرادهم في كتب الأصول : أنهم يعذبون عليها في الآخرة زيادة على عذاب الكفر ~~. فيعذبون عليها وعلى الكفر جميعا ، لا على الكفر وحده ، ولم يتعرضوا ~~للمطالبة في الدنيا . فذكروا في الأصول حكم طرف ، وفي الفروع حكم الطرف ~~الآخر . انتهى . وعن الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه : أنهم ليسوا بمخاطبين ~~. وعنه PageV01P503 رواية ثالثة : أنهم مخاطبون بالنواهي دون الأوامر . ~~وقيل : إنهم مخاطبون بما سوى الجهاد . وذكر بعضهم أيضا : أن من فوائد القول ~~بأنهم مخاطبون بالفروع : تيسير الإسلام على الكافر ، والترغيب فيه ، والحكم ~~بتخفيف العذاب عنه بفعل الخير وترك الشر إذا علم أنه مخاطب بها أو بفعلها ( ~~وملتزمهم ) أي والملتزم من الكفار أحكام المسلمين ، وهو غير الحربي حكمه ( ~~في إتلاف ) لمال غيره ( وجناية ) على آدمي وبهيمة ( وترتب أثر عقد ) معاوضة ~~وغيره ( كمسلم ) لكن هذه الأحكام من خطاب الوضع ms151 لا من خطاب التكليف ، بل هم ~~أولى من الصبي والمجنون في الضمان PageV01P504 بالإتلاف والجناية ، ولا بد ~~من وجود الشروط في معاملاتهم ، وانتفاء الموانع ، والحكم بصحتها أو فسادها ~~وترتب آثار كل عليه ، من بيع ونكاح وطلاق وغيرها . ويشهد لذلك أن أبا حنيفة ~~رضي الله عنه قال : بصحة أنكحتهم مع قوله بعدم تكليفهم بالفروع ( ويكلف ) ~~العاقل ( مع سكر لم يعذر به ) وهو ما إذا استعمل ما يسكره مختارا عالما ~~بأنه يسكر . قال الإمام أحمد رضي الله عنه في رواية ابنه عبد الله : ~~السكران ليس PageV01P505 بمرفوع عنه القلم . وفي رواية أبي بكر بن هانئ : ~~أن السكران ليس بمرفوع عنه القلم فلا يسقط عنه ما صنع وفي رواية حنبل : ليس ~~السكران بمنزلة المرفوع عنه القلم هذا جنايته من نفسه وحكى الإمام أحمد عن ~~الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنهما أنه كان يقول : وجدت السكران ليس ~~بمرفوع عنه القلم . ونص عليه في الأم أيضا . فيكون حكمه حكم الصاحي في ~~أقواله وأفعاله . وهذا الصحيح من مذهب أحمد ، وعنه رواية ثانية : أنه ~~كالمجنون ، PageV01P506 وعنه ثالثة : أنه كالمجنون في أقواله . وكالصاحي في ~~أفعاله . وعنه رابعة : أنه في الحدود كالصاحي ، وفي غيرها : كالمجنون . ~~وعنه خامسة : أنه فيما يستقل به . كقتله وعتقه ونحوهما كالصاحي ، وفيما لا ~~يستقل به كبيعه وشرائه ومعاوضاته كالمجنون . وعنه سادسة : لا أقول في طلاق ~~السكران وعتقه شيئا ، ولكن بيعه وشراؤه جائز . وعنه سابعة : لا تصح ردته ~~فقط . وأما قضاء ما فاته من العبادات زمن سكره فلم يقل بعدم وجوبه إلا أبو ~~ثور ، والشيخ تقي الدين . وحد السكران الذي فيه الخلاف : هو الذي يخلط في ~~كلامه ويسقط PageV01P507 تمييزه بين الأعيان . ولو كان يميز بين السماء ~~والأرض ، وبين الذكر والأنثى ( ويكلف ) العاقل أيضا مع ( إكراه ويبيح ) ~~الإكراه ( ما فتح ابتداء ) أي ما قبح ابتداء فعله من غير إكراه . كالتلفظ ~~بكلمة الكفر وشرب المسكر ، ومحل الخلاف في تكليف المكره : إذا كان الإكراه ~~( بضرب أو تهديد بحق أو غيره ) وكون المكره على هذه الصفة مكلفا عند أكثر ~~العلماء ، خلافا للمعتزلة ms152 والطوفي لصحة الفعل منه ، وصحة الترك ونسبة الفعل ~~إليه حقيقة ، ولهذا يأثم المكره بالقتل بلا خلاف . قاله الموفق في المغني ، ~~مع أنه على أحد القولين لنا وللشافعية فيما إذا علق طلاقا PageV01P508 ~~بقدوم زيد ، فقدم مكرها : لا يحنث ، لزوال اختياره بالإكراه ومسألة أفعال ~~المكره مختلفة الحكم في الفروع . قال في شرح التحرير : والأشهر عندنا نفيه ~~في حق الله تعالى وثبوته في حق العبد . وضابط المذهب أن الإكراه لا يبيح ~~الأفعال ، وإنما يبيح الأقوال ، وإن اختلف في بعض الأفعال ، واختلف الترجيح ~~و ( لا ) يكلف ( من ) انتهى الإكراه إلى سلب قدرته حتى صار ( كآلة تحمل ) ~~قال ابن قاضي الجبل : إذا انتهى الإكراه إلى سلب القدرة والاختيار ، فهذا ~~غير مكلف . وقال البرماوي : المكره كالآلة يمتنع تكليفه قيل : باتفاق ، لكن ~~الآمدي أشار إلى أنه يطرقه الخلاف من التكليف بالمحال لتصور الابتلاء منه ، ~~بخلاف الغافل ، وحينئذ فلا تكليف بفعل الملجأ إليه . لأنه واجب الوقوع ، ~~ولا بترك الملجأ إلى تركه ، لأنه ممتنع الوقوع ، PageV01P509 وقد علم مما : ~~تقدم : أنه يصح التكليف مع سكر لم يعذر به ، وأما من عذر بالسكر ، كمن أكره ~~على شرب المسكر . فإنه غير مكلف في حال سكره المعذور به . وإلى ذلك أشير ~~بقوله ( أو عذر بسكر . و ) كذا لا يكلف ( آكل بنجا ومغمى عليه ونائم وناس ~~ومخطئ ومجنون وغير بالغ ) من ذكر وأنثى . قال في شرح التحرير : ذكرنا في ~~هذه الجملة مسائل لا يكلف صاحبها على الأصح من المذهب أحدها : المعذور ~~بالسكر كالمكره ، هل يكلف أم لا ؟ فيه خلاف ، والصحيح من المذهب : أن حكمه ~~حكم المغمى عليه والمجنون في تكليفه وعدمه ، ثم قال : الثانية : المغمى ~~عليه . والصحيح من المذهب : أنه غير مكلف حال PageV01P510 إغمائه ، بل هو ~~أولى من السكران المكره في عدم التكليف . ونص عليه الإمام أحمد ، ثم قال : ~~الثالثة : آكل البنج . والصحيح من المذهب : أن أكله لغير حاجة إذا أزال ~~العقل كالمجنون . ولا يقع طلاق من تناوله . ونص عليه الإمام أحمد ، لأنه لا ~~لذة فيه ، ثم قال : والرابعة والخامسة : النائم والناسي والصحيح من ms153 المذهب ~~: أنهما غير مكلفين حال النوم والنسيان ، لأن الإتيان بالفعل المعين على ~~وجه الامتثال يتوقف على العلم بالفعل المأمور به ، لأن الامتثال عبارة عن ~~إيقاع المأمور به على وجه الطاعة ، ويلزم من ذلك علم المأمور بتوجه الأمر ~~نحوه وبالفعل . فهو مستحيل عقلا لعدم الفهم . كما تقدم في السكران ، بدليل ~~عدم تحرزهم من المضار وقصد الفعل بلطف ومداراة ، بخلاف الطفل والمجنون ~~فإنهما يفهمان ويقصدان الفعل عند التلطف بهما ، ويحترزان من المضار ، بل ~~والبهيمة كذلك ، ويخص النائم والناسي بقول النبي صلى الله عليه وسلم { رفع ~~القلم عن النائم PageV01P511 حتى يستيقظ } و { رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ~~} وألحق ابن حمدان في مقنعه المخطئ بهما ، وهو كما قال انتهى ( ووجوب زكاة ~~و ) وجوب ( نفقة و ) وجوب ضمان متلف ( من ربط الحكم بالسبب ) لتعلق الوجوب ~~بماله أو ذمته الإنسانية التي بها يستعد لقوة الفهم بعد الحالة التي امتنع ~~تكليفه من أجلها ، بخلاف البهيمة PageV01P512 ( ولا ) يكلف ( معدوم حال ~~عدمه ) إجماعا ( ويعمه الخطاب إذا كلف كغيره ) أي كغير المعدوم من صغير ~~ومجنون ، ولا يحتاج إلى خطاب آخر عند أصحابنا . وحكي عن الأشعرية وبعض ~~الشافعية . وحكاه الآمدي عن طائفة من السلف والفقهاء . وفي المسألة قول ثان ~~. ونسب للمعتزلة وجمع من الحنفية : أن المعدوم لا يعمه الخطاب مطلقا . ~~واستدل للقول الأول ، وهو الصحيح ، بقوله سبحانه وتعالى { وأوحي إلي هذا ~~القرآن لأنذركم به ومن بلغ } قال السلف : من بلغه القرآن فقد أنذر بإنذار ~~النبي صلى الله عليه وسلم . وقول من قال : إذا امتنع خطاب الصبي والمجنون ، ~~فالمعدوم أجدر : ضعيف ، لأنه فهم عن الحنابلة تنجيز التكليف ولم يعلم ~~التعليق . وأن حكم الصبي والمجنون كحكم المعدوم ، PageV01P513 ومن الأدلة ~~أيضا : قوله سبحانه وتعالى { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه } وكالأمر ~~بالوصية لمعدوم متأهل ، وخوف الموصى الفوت لا أثر له ، ويحسن لوم المأمور ~~في الجملة بإجماع العقلاء على تأخره عن الفعل مع قدرته وتقدم أمره ، ولأنه ~~أزلي ، وتعلقه بغيره جزء من حقيقته . والكل ينتفي بانتفاء الجزء ، وكلام ~~القديم صفته ، وإنما تطلب الفائدة في سماع المخاطبين ms154 به إذا وجد ، ولأن ~~التابعين والأئمة لم يزالوا يحتجون بالأدلة ، وهو دليل التعميم والأصل عدم ~~اعتبار غيره ، ولو كان لنقل . قال المخالفون : تكليف ولا مكلف محال ~~PageV01P514 رد بأن هذا مبني على التقبيح العقلي ، ثم بالمنع في المستقبل ~~كالكاتب يخاطب من يكاتبه بشرط وصوله ويناديه ، وأمر الموصي والواقف حقيقة ، ~~لأنه لا يحسن نفيه ، قالوا : لا يقال للمعدوم ناس ، رد بأن يقال : بشرط ~~وجوده . قالوا : العاجز غير مكلف ، فهذا أولى ، رد بالمنع عند كل قائل ~~بقولنا ، بل مكلف بشرط قدرته وبلوغه وعقله . وإنما رفع عنه القلم في الحال ~~، أو قلم الإثم ، بدليل النائم ( ولا يجب على الله ) سبحانه وتعالى ( شيء ) ~~لا ( عقلا ولا شرعا ) عند أكثر أهل السنة : منهم الإمام أحمد رضي الله ~~تعالى عنه ، بل يثيب المطيع بفضله ورحمته وكرمه . قال ابن مفلح ومعنى كلام ~~جماعة من أصحابنا : أنه يجب عليه شرعا بفضله وكرمه . ولهذا أوجبوا إخراج ~~الموحدين من النار بوعده . وقال ابن الجوزي في قوله تعالى : { وكان حقا ~~علينا نصر PageV01P515 المؤمنين } أي واجبا أوجبه هو . وذكره بعض الشافعية ~~عن أهل السنة . وقال الشيخ تقي الدين : أكثر الناس يثبت استحقاقا زائدا على ~~مجرد الوعد لهذه الآية . ولحديث معاذ رضي الله عنه { أتدري ما حق الله على ~~العباد ، وما حق العباد على الله ؟ } PageV01P516 وعند المعتزلة : يجب عليه ~~رعاية الأصلح . وهي قاعدة من قواعدهم . | [ انتهى المجلد الأول من شرح ~~الكوكب المنير . ويليه الجزء الثاني وأوله : الأدلة الشرعية . ] | والحمد ~~لله رب العالمين . | PageV01P517 بسم الله الرحمن الرحيم # | ( تنبيه : الأدلة ) # أي أدلة الفقه المتفق عليها على ما في بعضها من خلاف ضعيف جدا أربعة . ~~الأول ( الكتاب ) وهو القرآن ( وهو الأصل . و ) الثاني ( السنة ) وسيأتي ~~تعريفها في بابها ( وهي مخبرة عن حكم الله تعالى ) سبحانه ( و ) الثالث ( ~~الإجماع ) وسيأتي تعريفه في بابه ( وهو ) أي الإجماع ( مستند إليهما ) أي ~~إلى الكتاب والسنة . ( و ) الرابع ( القياس ) على الصحيح ، وعليه جماهير ~~العلماء وقال أبو المعالي وجمع : ليس القياس من الأصول . وتعلقوا بأنه لا ~~يفيد إلا الظن قال في شرح التحرير ms155 : والحق هو الأول . والثاني ضعيف جدا . ~~PageV02P005 فإن القياس قد يفيد القطع كما سيأتي . وإن قلنا : لا يفيد إلا ~~الظن فخبر الواحد ونحوه لا يفيد إلا الظن . انتهى ( وهو ) أي القياس ( ~~مستنبط من الثلاثة ) التي هي الكتاب والسنة والإجماع . وأما الأدلة التي ~~اشتهر الخلاف فيها فخمسة : الاستصحاب ، وشرع من قبلنا . والاستقراء ، ومذهب ~~الصحابي ، والاستحسان ، وقد آن الكلام على هذه الأدلة . ولما كان القرآن هو ~~الأصل لجميعها بدأت به مستعينا بالله تعالى فقلت : PageV02P006 # | باب # | ( الكتاب القرآن ) عند العلماء الأعيان . بدليل قول من نزل الفرقان ( { ~~وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن } - إلى قوله - { إنا سمعنا ~~كتابا أنزل من بعد موسى } ) والمسموع واحد ، وبدليل قوله تعالى في آية أخرى ~~{ إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد } والإجماع منعقد على اتحاد اللفظين ~~، والكتاب في الأصل جنس ، ثم غلب على القرآن من بين الكتب في عرف أهل الشرع ~~. ( وهو ) أي القرآن ( كلام منزل ) أي نزله السيد جبريل صلوات الله وسلامه ~~عليه ( على ) قلب سيدنا ( محمد ) رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كما قال ~~سبحانه وتعالى قل { من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله } ( ~~معجز بنفسه ) أي مقصود به الإعجاز ، كما أنه مقصود به بيان الأحكام ~~والمواعظ ، وقص أخبار من قص في القرآن من الأمم PageV02P007 ، دليل التحدي ~~به ، لقوله سبحانه وتعالى { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل ~~هذا القرآن لا يأتون بمثله } أي فأتوا بمثله ، إن ادعيتم القدرة فلما عجزوا ~~تحداهم بعشر سور لقوله تعالى { قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات } فلما ~~عجزوا تحداهم بقوله تعالى { قل فأتوا بسورة مثله } أي من مثل القرآن ، أو ~~من مثل النبي صلى الله عليه وسلم فلما عجزوا تحداهم بدون ذلك لقوله تعالى { ~~أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين } أي ~~فليأتوا بمثله ( متعبد بتلاوته ) لتخرج الآيات المنسوخة اللفظ سواء بقي ~~حكمها أم لا . لأنها صارت بعد النسخ غير قرآن لسقوط التعبد بتلاوتها . ~~ولذلك لا تعطى حكم القرآن ms156 PageV02P008 ثم اعلم أنه لما ذكر أن القرآن كلام ~~منزل احتاج إلى تبيين موضوع لفظ الكلام وما يتناوله لفظ الكلام حقيقة أو ~~مجازا . وتسمى هذه المسألة مسألة الكلام ، وهي أعظم مسائل أصول الدين ، وهي ~~مسألة طويلة الذيل ، حتى قيل : إنه لم يسم علم الكلام إلا لأجلها ولذلك ~~اختلف فيها أئمة الإسلام المعتبرين ، المقتدى بهم اختلافا كثيرا متباينا . ~~فالقول الأول : هو قول الإمام أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب وأتباعه ~~منهم الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري وأتباعه : أن الكلام مشترك ~~بين الألفاظ المسموعة ، وبين الكلام النفسي . PageV02P009 وذلك : لأنه قد ~~استعمل لغة وعرفا فيهما . والأصل في الإطلاق الحقيقة ، فيكون مشتركا . أما ~~استعماله في العبارة فكثير نحو قوله تعالى { حتى يسمع كلام الله } { يسمعون ~~كلام الله ثم يحرفونه } ويقال : سمعت كلام فلان وفصاحته ، يعني ألفاظه ~~الفصيحة ، وأما استعماله في المعنى النفسي وهو مدلول العبارة . فكقوله ~~تعالى { ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول } { وأسروا قولكم أو ~~اجهروا به } وقول عمر رضي الله عنه في يوم السقيفة ' زورت في نفسي كلاما ' ~~وقول الشاعر : إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا ~~PageV02P010 والأصل في الإطلاق : الحقيقة . قال الأشعري : لما كان يسمعه ~~بلا انخراق وجب أن يكون كلامه بلا حرف ولا صوت . وذكر الغزالي : أن قوما ~~جعلوا الكلام حقيقة في المعنى مجازا في العبارة وقوما عكسوا ، وقوما قالوا ~~: بالاشتراك . فهي ثلاثة أقوال ونقلت عن الأشعري . والمعنى النفسي نسبة بين ~~مفردين قائمة بالمتكلم ، ونعني بالنسبة بين المفردين : أي بين المعنيين ~~المفردين ، تعلق أحدهما بالآخر ، وإضافته إليه على جهة الإسناد الإفادي ، ~~بحيث إذا عبر عن تلك النسبة بلفظ يطابقها ويؤدي معناها : كان ذلك اللفظ ~~إسنادا إفاديا ، ومعنى قيام النسبة بالمتكلم : ما قاله الفخر الرازي ، وهو ~~أن الشخص إذا قال لغيره : اسقني ماء فقبل أن يتلفظ بهذه الصيغة قام بنفسه ~~تصور حقيقة السقي وحقيقة الماء والنسبة الطلبية بينهما . فهذا هو الكلام ~~النفسي . والمعنى القائم بالنفس ، وصيغة قوله : اسقني ماء ، عبارة عنه ~~ودليل عنه ms157 . PageV02P011 وقال : القرافي كل عاقل يجد في نفسه الأمر والنهي ~~، والخبر عن كون الواحد نصف الاثنين ، وعن حدوث العالم ونحو ذلك ، وهو غير ~~مختلف فيه ، ثم يعبر عنه بعبارات ولغات مختلفة . فالمختلف هو الكلام ~~اللساني ، وغير المختلف هو الكلام النفسي القائم بذات الله تعالى . ويسمى ~~ذلك : العلم الخاص سمعا ؛ لأن إدراك الحواس إنما هي علوم خاصة أخص من مطلق ~~العلم فكل إحساس علم وليس كل علم إحساسا . فإذا وجد هذا العلم الخاص في نفس ~~موسى المتعلق بالكلام النفسي القائم بذات الله تعالى يسمى باسمه الموضوع له ~~في اللغة ، وهو السماع . انتهى . هذا حقيقة مذهبهم . لكن الأشعري وأتباعه ~~قالوا : القرآن الموجود عندنا حكاية كلام الله تعالى . وابن كلاب وأتباعه . ~~قالوا : القرآن الموجود بين الناس عبارة عن كلام الله تعالى لا عينه . قال ~~ابن حجر : ورأيت الشيخ تقي الدين عكس عنهما . فجعل العبارة عن الأشعري ، ~~والحكاية عن ابن كلاب . وقال الأشعري : كلام الله تعالى القائم بذاته يسمع ~~عند تلاوة كل تال وقراءة كل قارئ . PageV02P012 وقال الباقلاني : إنما نسمع ~~التلاوة دون المتلو ، والقراءة دون المقروء . وذهب الإمام أحمد إمام أهل ~~السنة من غير مدافعة رضي الله تعالى عنه وأصحابه ، وإمام أهل الحديث بلا شك ~~محمد بن إسماعيل البخاري رضي الله عنه ، وجمهور العلماء - قاله ابن مفلح في ~~أصوله في الأمر ، وابن قاضي الجبل - إلى أن الكلام ليس مشتركا بين العبارة ~~ومدلولها ، بل الكلام حقيقة هو الحروف المسموعة من الصوت ، وإلى ذلك ~~الإشارة بقوله ( والكلام حقيقة ) أي المتبادر إلى الذهن عند إطلاقه أنه ( ~~الأصوات والحروف ) قال الشيخ تقي الدين : المعروف عن أهل السنة والحديث : ~~أن الله تعالى يتكلم بصوت ، وهو قول جماهير فرق الأمة . فإن جماهير الطوائف ~~يقولون : إن الله تعالى يتكلم بصوت ، مع تنازعهم في أن كلامه هل هو مخلوق ~~أو قائم بنفسه قديم أو حادث ، أو ما زال يتكلم PageV02P013 ( وإن سمي به ) ~~أي يسمى بالكلام ( المعنى النفسي وهو ) أي المعنى النفسي ( نسبة بين مفردين ~~قائمة ) أي تلك النسبة ( بالمتكلم ) وتقدم الكلام على المعنى ms158 النفسي ، يعني ~~أنه متى أطلق الكلام على المعنى النفسي ( ف ) إطلاقه عليه ( مجاز ) وهذا ~~عند الإمام أحمد رضي الله عنه وغيره من أهل السنة . قال الطوفي : إنما كان ~~حقيقة في العبارة ، مجازا في مدلولها لوجهين : أحدهما : أن المتبادر إلى ~~فهم أهل اللغة من إطلاق الكلام : إنما هو العبارات ، والمبادرة دليل ~~الحقيقة . الثاني : أن الكلام مشتق من الكلم ، لتأثيره في نفس السامع ، ~~والمؤثر في نفس السامع إنما هو العبارات ، لا المعاني النفسية بالفعل ، نعم ~~هي مؤثرة للفائدة بالقوة ، والعبارة مؤثرة بالفعل . فكانت أولى أن تكون ~~حقيقة ، وما يكون مؤثرا بالقوة مجاز . قال المخالفون : استعمل لغة وعرفا ~~فيهما . قلنا : نعم ، لكن بالاشتراك أو بالحقيقة فيما ذكرناه ، وبالمجاز ~~فيما ذكرتموه ؟ والأول ممنوع . PageV02P014 قالوا : الأصل في الإطلاق ~~الحقيقة . قلنا : والأصل عدم الاشتراك ، ثم إذا تعارض المجاز والاشتراك ~~المجرد ، فالمجاز أولى ، ثم إن لفظ الكلام أكثر ما يستعمل في العبارات ، ~~وكثرة موارد الاستعمال تدل على الحقيقة . وأما قوله تعالى { ويقولون في ~~أنفسهم } فمجاز ؛ لأنه إنما دل على المعنى النفسي بالقرينة . وهي قوله في ~~أنفسهم ، ولو أطلق لما فهم إلا العبارة . وكذلك كل ما جاء من هذا الباب ~~إنما يفيد مع القرينة . ومنه قول عمر رضي الله عنه ' زورت في نفسي كلاما ' ~~إنما أفاد ذلك بقرينة قوله ' في نفسي ' وأما قوله تعالى ' { وأسروا قولكم ~~أو اجهروا به } فلا حجة فيه ، لأن الإسرار نقيض الجهر . وكلاهما عبارة عن ~~أن إحداهما أرفع صوتا من الأخرى ، وأما الشعر : فهو للأخطل . ويقال : إن ~~المشهور فيه : إن البيان لفي PageV02P015 الفؤاد ، وبتقدير أن يكون كما ~~ذكرتم فهو مجاز عن مادة الكلام ، وهو التصورات المصححة له ؛ إذ من لا يتصور ~~منه معنى ما يقول لا يوجد منه كلام ، ثم هو مبالغة من هذا الشاعر في ترجيح ~~الفؤاد على اللسان . انتهى كلام الطوفي . ونقل ابن القيم في النونية : أن ~~الشيخ تقي الدين : رد كلام النفس من تسعين وجها . وقال الغزالي : من أحال ~~سماع موسى كلاما ليس بحرف ولا صوت فليحلل يوم القيامة رؤية ذات ms159 ليست بجسم ~~ولا عرض . انتهى . قال الطوفي : كل هذا تكلف وخروج عن الظاهر ، بل عن ~~القاطع من غير ضرورة إلا خيالات لاغية . وأوهام متلاشية . وما ذكروه معارض ~~بأن المعاني لا تقوم شاهدا إلا بالأجسام . فإن أجازوا معنى قام بالذات ~~القديمة وليست جسما ، فليجيزوا خروج صوت من الذات القديمة وليست جسما ، ~~PageV02P016 إذ كلا الأمرين خلاف الشاهد ، ومن أحال كلاما لفظيا من غير جسم ~~فليحلل ذاتا مرئية من غير جسم ، ولا فرق . ثم قال الطوفي : والعجب من هؤلاء ~~القوم - مع أنهم عقلاء فضلاء - يجيزون أن الله تعالى يخلق لمن يشاء من ~~عباده علما ضروريا ، وسمعا لكلامه النفسي من غير توسط حرف ولا صوت . وأن ~~ذلك من خاصة موسى عليه السلام ، مع أن ذلك قلب لحقيقة السمع في الشاهد ، إذ ~~حقيقة السمع في الشاهد إيصال الأصوات بحاسة ، ثم ينكرون علينا القول بأن ~~الله تعالى يتكلم بحرف وصوت قديمين من فوق السماء ، لكون ذلك مخالفا للشاهد ~~فإن جاز قلب حقيقة السمع شاهدا بالنسبة إلى كلامه ، فلم لا يجوز مخالفته ~~للشاهد بالنسبة إلى استوائه وكلامه على ما قلناه ؟ فإن قالوا : لأنه يستحيل ~~وجود حرف وصوت إلا من جسد ووجود في جهة ليس بجسم . PageV02P017 قلنا : إن ~~عنيتم استحالته بالإضافة إلى الشاهد . فسماع كلام بدون توسط صوت وحرف كذلك ~~أيضا ، وإن عنيتم استحالته مطلقا فلا نسلم ، إذ الباري جل جلاله على خلاف ~~المشاهد والمعقول في ذاته وصفاته . وقد وردت النصوص بما قلناه ، فوجب القول ~~به . انتهى . وقال الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد بن حاتم السجستاني عن ~~قول الأشعري ' لما كان سمعه بلا انخراق . وجب أن يكون كلامه بلا حرف ولا ~~صوت ' هذا غير مسلم ، ولا يقتضي ما قاله ، وإنما يقتضي أن سمعه لما كان بلا ~~انخراق وجب أن يكون كلامه بلا لسان وشفتين وحنك . وأيضا : لو كان الكلام من ~~غير حرف ، وكانت الحروف عبارة عنه ، لم يكن بد من أن يحكم لتلك العبارة ~~بحكم ، إما أن يكون أحدثها في صدر أو لوح ، أو أنطق بها ms160 بعض عبيده فتكون ~~منسوبة إليه . فيلزم من يقول ذلك : أن يفصح بما عنده في السور والآي ~~والحروف : أهي عبارة جبريل أو محمد عليهما الصلاة والسلام ؟ PageV02P018 ~~وأيضا قوله تعالى ' { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } ~~وكن حرفان ، ولا يخلو الأمر من أحد وجهين : إما أن يكون المراد بقوله { كن ~~} ' التكوين كالمعتزلة ، أو يكون المراد به ظاهره ، وأن الله تعالى إذا ~~أراد إيجاد شيء قال له { كن } على الحقيقة فيكون . وقد قال الأشعري : إنه ~~على ظاهره لا بمعنى التكوين . فيكون على ظاهره ، وهو حرفان ، وهو مخالف ~~لمذهبه وإن قال : ليس بحرف صار بمعنى التكوين كالمعتزلة . انتهى . وقال ~~الحافظ شهاب الدين ابن حجر ، في شرح البخاري في باب كلام قوله ' أنزله ~~بعلمه والملائكة يشهدون ' والمنقول عن السلف اتفاقهم على أن القرآن كلام ~~الله غير مخلوق ، تلقاه جبريل عن الله عز وجل وبلغه جبريل إلى محمد صلى ~~الله عليه وسلم ، وبلغه محمد صلى الله عليه وسلم إلى أمته ، اه . ~~PageV02P019 وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من السلف أنهم قالوا : ~~عن القرآن ' منه بدأ وإليه يعود ' ( والكتابة كلام حقيقة ) لقول عائشة رضي ~~الله عنها ' ما بين دفتي المصحف كلام الله ' واختلف كلام القاضي وغيره من ~~أئمة أصحابنا في تسمية الكتابة كلاما حقيقة . قال المجد في المسودة عن ~~القاضي أنه قال : إن الكتابة عندنا كلام حقيقة ، أظنه في مسألة الطلاق ~~بالكتابة انتهى قال في شرح التحرير : قلت قد ذكر الأصحاب : أنه لو كتب صريح ~~الطلاق ، ونوى به الطلاق : يقع الطلاق بذلك على الصحيح من المذهب ، ثم قال ~~: وإن لم ينو شيئا بل كتب صريح الطلاق من غير نية الطلاق به ، فللأصحاب في ~~وقوع الطلاق بذلك وجهان . PageV02P020 أحدهما : هو أيضا صريح فيقع من غير ~~نية . وهذا هو الصحيح من المذهب ، وعليه أكثر الأصحاب . قال ناظم المفردات ~~: أدخله أكثر الأصحاب في الصريح ، ونصره القاضي من أئمة أصحابنا وتبعه ~~أصحابه . وذكره الحلواني عن الأصحاب . انتهى . وقال في الإنصاف وفي تعليق ~~القاضي ما يقولون ms161 في العقود والحدود والشهادات هل تثبت بالكتابة ؟ قيل : ~~المنصوص عنه في الوصية تثبت ، وهي عقد يفتقر إلى إيجاب وقبول . فيحتمل أن ~~تثبت جميعها ؛ لأنه في حكم الصريح ، ويحتمل أن لا تثبت ، لأنه لا كناية لها ~~فقويت ، وللطلاق والعتق كناية فضعفا . PageV02P021 قال المجد : لا أدري ~~أراد صحتها بالكتابة . أو بنيتها بالظاهر . قال في الفروع : ويتوجه أنه ~~أرادهما ، انتهى . وقال في التحرير - بعد أن ذكر أن الكتابة ، كلام حقيقة - ~~وقيل : لا كالإشارة ، وهو أظهر وأصح . انتهى ( ولم يزل الله تعالى متكلما ~~كيف شاء وإذا شاء بلا كيف ، يأمر بما شاء ويحكم ) قال الشيخ تقي الدين : ~~تنازع العلماء في أن الرب تعالى هل يتكلم بمشيئته وقدرته أم لا ؟ على قولين ~~. فابن كلاب ومن وافقه قالوا : لا يتكلم بمشيئته وقدرته ، بل كلامه لازم ~~لذاته كحياته ، ثم من هؤلاء من عرف أن الحروف والأصوات لا تكون إلا متعاقبة ~~، والصوت لا يبقى زمانين ، فضلا عن أن يكون قديما . فقال : القديم معنى ~~واحد ، لامتناع معان لا نهاية لها ، وامتناع التخصيص بعدد دون عدد . فقالوا ~~: هو معنى واحد ، وقالوا : إن الله PageV02P022 تعالى لا يتكلم بالكلام ~~العربي والعبري ، وقالوا : إن معنى التوراة والإنجيل والقرآن وسائر كتب ~~الله تعالى معنى واحد ، وقالوا معنى آية الكرسي وآية الدين معنى واحد ، إلى ~~غير ذلك من اللوازم التي يقول جمهور العقلاء إنها معلومة الفساد بضرورة ~~العقل ، PageV02P023 ومن هؤلاء من عرف أن الله سبحانه وتعالى تكلم بالقرآن ~~العربي ، والتوراة العبرية ، وأنه نادى موسى بصوت ، وينادي عباده بصوت ، ~~وأن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى حروفه ومعانيه ، لكن اعتقدوا - مع ذلك ~~- أنه قديم العين . وأن الله سبحانه وتعالى لم يتكلم بمشيئته وقدرته . ~~فالتزموا أنه حروف وأصوات قديمة الأعيان لم تزل ولا تزال ، وقالوا : إن ~~الباء لم تسبق السين ، وأن السين لم تسبق الميم ، وأن جميع الحروف مقترنة ~~ببعضها اقترانا قديما أزليا ، لم يزل ولا يزال ، وقالوا : هي مترتبة في ~~حقيقتها وماهيتها ، غير مترتبة في وجودها . وقال كثير منهم : إنها مع ذلك ~~شيء واحد ، إلى غير ذلك ms162 من اللوازم التي يقول جمهور العقلاء : إنها معلومة ~~الفساد بضرورة العقل ومن هؤلاء من يقول : هو قديم ، ولا يفهم معنى القديم . ~~والقول الثاني : أن الله سبحانه وتعالى يتكلم بقدرته ومشيئته ، مع أنه غير ~~مخلوق . وهذا قول جماهير أهل السنة والنظر وأئمة أهل السنة والحديث ، لكن ~~من هؤلاء من اعتقد أن الله تعالى لم يكن يمكنه أن يتكلم في الأزل بمشيئته . ~~كما لم يكن يمكنه عندهم أن يفعل في الأزل شيئا ، فالتزموا أنه تكلم بمشيئته ~~بعد أن لم يكن متكلما ، كما أنه فعل بعد أن لم يكن فاعلا ، وهذا قول كثير ~~من أهل الكلام والحديث والسنة . وأما السلف والأئمة فقالوا : إن الله ~~سبحانه وتعالى يتكلم بمشيئته وقدرته . وإن كان مع ذلك قديم النوع ، بمعنى ~~أنه لم يزل متكلما إذا شاء . فإن الكلام صفة كمال ، ومن يتكلم أكمل ممن لا ~~يتكلم ، ومن يتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن يكون الكلام ممكنا له بعد أن ~~يكون ممتنعا منه ، أو قدر أن ذلك ممكن . فكيف إذا كان ممتنعا ؟ لامتناع أن ~~يصير الرب قادرا بعد أن لم يكن ، وأن يكون التكلم والفعل ممكنا بعد أن كان ~~غير ممكن ؟ انتهى . وقال ابن قاضي الجبل في أصوله في الأمر : الأمر قسم من ~~أقسام PageV02P024 الكلام ، والكلام الألفاظ المتضمنة لمعانيها . والإنسان ~~قبل تلفظه يقوم بقلبه طلب فيفزع إلى اللفظ ، كما إذا قال : اسقني ماء ، ~~كأنه يجد طلبا قائما بقلبه . فيقصد اللفظ . واختلف الناس في حقيقة ذلك ~~الطلب . فقالت طائفة : هو قسم من أقسام العلم . وقالت أخرى : إرادة الفعل . ~~وقالت الأشعرية : هو كلام النفس ، وهو مغاير للعلم والإرادة . وأنكرت ~~الجماهير والمعتزلة قيام معنى بالنفس غير العلم والإرادة . وقالوا : القائم ~~بالقلب هو صورة ما تريد النطق به . قال أبو الحسين البصري : الذي يجده ~~الإنسان في نفسه قبل أن يتكلم : هو استحضار صور الكلام والعلم بما يقوله ~~شيئا فشيئا ، والعزم على إيراده PageV02P025 باللسان ، كما يستحضر صورة ~~الكتابة قبل أن يكتب ، ولا مقتضى لإثبات أمر غير ما ذكرناه قال : ولو ثبت ~~لم يكن كلاما ms163 في اللغة ، ولا يسمى الإنسان لأجله متكلما ولذلك يقول أهل ~~اللغة للساكت : إنه غير متكلم ، وإن جاز أن يقوم به ذلك المعنى . لا يقولون ~~للساكت : إنه غير مريد ، ولا عالم . قال : وقول أهل اللغة : في نفسي كلام ~~مجاز . والمراد بذلك عزم على الكلام ، كقولهم : في نفسي السفر . قال : ولو ~~ثبت في النفس معنى هو الكلام عن الاعتقادات والعزم ، لكان محدثا ؛ لأن الذي ~~يشيرون إليه مرتب يتجدد في النفس بعضه بعد بعض ، ومرتب حسب ترتيب الكلام ~~المسموع . فإن كان كلام الله تعالى معنى ما في النفس من الكلام في الشاهد : ~~استحال قدمه ، وإن لم يكن معناه ، بطل قولهم : إن ما أثبتناه معقول في ~~الشاهد وقالت الأشاعرة : ذلك المعنى القائم بالنفس هو الكلام . والحروف ~~والأصوات دلالات عليه ومعرفات ، وأنه حقيقة واحدة . هي الأمر والنهي والخبر ~~والاستخبار ، وأنها صفات له ، لا أنواع . فإن عبر عنه بالعربية PageV02P026 ~~كان عربيا ، أو السريانية كان سريانيا . وكذلك في سائر اللغات ، وأنه لا ~~يتبعض ولا يتجزأ ، ثم اختلفوا . فقال إمام الحرمين وغيره : الكلام المطلق ~~حقيقة : هو ما في النفس ، شاهدا أو غائبا ، وإطلاق الكلام على الحروف ~~والأصوات مجاز . وقال جمهورهم : يطلق على كل منهما بالاشتراك اللفظي . وقال ~~بعضهم : هو حقيقة في اللسان مجاز في النفسي . وليس الخلاف جاريا في نفس ~~الكلام ، بل ما يتعلق به من الأمر والنهي والخبر والتصديق والتكذيب ، ونحو ~~ذلك من عوارض الكلام . قال الرازي في الأربعين : ماهية ذلك الطلب مغايرة ~~لذلك اللفظ ، ويدل عليه وجوه . أحدها : أن ماهية هذا المعنى لا تتبدل ~~باختلاف الأمكنة والأزمنة ، والألفاظ الدالة على هذا المعنى تختلف باختلاف ~~الأزمنة والأمكنة . PageV02P027 قال ابن قاضي الجبل : قيل عليه وجهان . ~~أحدهما : إن أردت اختلاف أجناسها ، فهذا مسلم ولا ينفعك ، وإن أردت اختلاف ~~قدرها وصفتها فممنوع ، لأنا لا نسلم أن الطلب الحاصل باللفظ العربي الفصيح ~~مع الصوت الجهوري مماثل للطلب باللفظ الأعجمي مع الصوت الضعيف . وهذا لأن ~~القائم بالنفس قد يتفاوت ، فيكون طلب أقوى من غيره وأكمل . الثاني : هب أن ~~المدلول متحد والدال مختلف ms164 . لكن لم لا يجوز وجود المدلول مشروطا بالدليل ؟ ~~فهو وإن غايره لكن لا يوجد إلا بوجوده . ألا ترى أن كون الإنسان مخبرا ~~لغيره لا بد فيه من أمر ظاهر يدل على ما في باطنه من المعنى . وذلك الأمر ~~الظاهر وإن اختلف ، لكن لا يكون مخبرا إلا به . وإذا لاح لك ذلك لم يكن ~~مجرد كون المعنى مغايرا كافيا في مطلوبه . وهذا كما أن المعنى قائم بالروح ~~، واللفظ قائم بالبدن ، ثم إن وجود الروح في هذا العالم لا يمكن إلا مع ~~البدن . وأيضا فكون كل من المتلازمين دليلا على الآخر لا يقتضي ذلك وجود ~~المدلول بدون الدليل ، كالأمور المتضايفة ، كالأبوة والبنوة . قال الرازي : ~~الوجه الثاني : أن جميع العقلاء يعلمون بالضرورة أن قول القائل : ~~PageV02P028 افعل ، دليل على ذلك الطلب بالقلب . والدليل مغاير للمدلول . ~~قال ابن قاضي الجبل : هب أن الأمر كذلك ، لكن لم يجمعوا على أنه يوجد ~~المدلول بدون دليله . قال الرازي ، الوجه الثالث : أن جميع العقلاء يعلمون ~~بالضرورة : أن قول القائل : افعل ، لا يكون طلبا وأمرا إلا عند اصطلاح ~~الناس على هذا الوضع . فأما كون ذلك المعنى القائم بالقلب طلبا فإنه أمر ~~ذاتي حقيقي ، لا يحتاج فيه إلى الوضع والاصطلاح . قال ابن قاضي الجبل : قيل ~~: ما ذكرت ممنوع . فإن أكثر الناس لا يجعلون اللغات اصطلاحية ، بل إما ~~توقيفية بإلهام أو بغير إلهام . والنزاع في ذلك مشهور . ولو سلم ، فلم قلت ~~بإمكان وجوده بدون اللفظ ؟ قال الرازي : الوجه الرابع : هو أنهم قالوا : إن ~~قولنا : ضرب ، ويضرب PageV02P029 إخبار ، وقولنا : اضرب ولا تضرب ، أمر ~~ونهي ، ولو أن الواضعين قلبوا الأمر وقالوا بالعكس لكان جائزا . أما لو ~~قالوا : إن حقيقة الطلب يمكن أن تقلب خبرا أو حقيقة الخبر يمكن أن تقلب ~~طلبا ، لكان ذلك محالا . قال ابن قاضي الجبل : قيل : لو سلم لم يلزم أن لا ~~يكون وجود أحدهما مشروطا بالآخر . وأيضا أنتم ادعيتم أن حقيقة الطلب وحقيقة ~~الخبر شيء واحد ، بل ادعى الرازي أن حقيقة الطلب داخلة في حقيقة الخبر . ~~فقال في كون كلام ms165 الله تعالى واحدا أمر ونهي وخبر : إنه يرجع إلى حرف واحد ~~، وهو الكلام كله خبر ؛ لأن الأمر عبارة عن تعريف فعله أنه لو فعله لصار ~~مستحقا للذم . وكذا القول في النهي وإذا كان مرجع الكل إلى شيء واحد - وهو ~~الخبر - صح أن كلام الله واحد . قال ابن قاضي الجبل : احتج الجمهور بالكتاب ~~والسنة واللغة والعرف . أما الكتاب فقوله تعالى { آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ~~ليال سويا فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا } فلم ~~PageV02P030 يسم الإشارة كلاما ، وقال لمريم { فقولي إني نذرت للرحمن صوما ~~فلن أكلم اليوم إنسيا } وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إن ~~الله تعالى عفا لأمتي عن الخطأ والنسيان وما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو ~~تعمل به } وقسم أهل اللسان الكلام إلى اسم وفعل وحرف . واتفق الفقهاء كافة ~~على أنه من حلف لا يتكلم لم يحنث بدون النطق ، وإن حدثته نفسه . فإن قيل : ~~الأيمان مبناها على العرف . قيل : الأصل عدم التغيير . وأهل العرف يسمون ~~الناطق متكلما ومن عداه ساكتا أو أخرس . PageV02P031 فإن قالوا : قوله ~~تعالى ' { إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك ~~لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } أكذبهم الله تعالى في شهادتهم . ~~ومعلوم صدقهم في النطق اللساني . فلا بد من إثبات كلام في النفس ليكون ~~الكلام عائدا إليه . فقوله تعالى { ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما ~~نقول } وقوله تعالى ' { استكبروا في أنفسهم } وقوله تعالى ' { وأسروا قولكم ~~أو اجهروا به } وقوله تعالى ' { ونعلم ما توسوس به نفسه } قال ابن قاضي ~~الجبل : أما الأول : فلأن الشهادة هي الإخبار عن الشيء مع اعتقاده . فلما ~~لم يكونوا معتقدين ذلك أكذبهم الله تعالى . وعن الثاني وجهان . الأول : أنه ~~قوله بحروف وأصوات خفية ، ولهذا فسره بما بعده . الثاني : أنه قول مفيد ، ~~فهو مجاز وهو الجواب عن الإسرار والجهر . PageV02P032 وعن الثالث : أن ~~الاستكبار رؤية النفس وهو خارج عن ذلك . قالوا : قول عمر ' زورت في نفسي ~~كلاما ' قلنا ' زور ' صور ms166 ما يريد النطق به ، أو كقول القائل : زورت في ~~نفسي بناء أو سفرا . قالوا : قول الأخطل : إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل ~~اللسان على الفؤاد دليلا قلنا : البيت موضوع على الأخطل . فليس هو في نسخ ~~ديوانه ، وإنما هو لابن ضمضم . ولفظه : إن البيان . وسيأتي : وقال الآمدي ، ~~فإن قيل : إذا جعلتم الحقائق - التي هي الأمر والنهي والخبر والاستخبار - ~~شيئا واحدا ، لزمكم أن تردوا الصفات إلى معنى واحد . PageV02P033 قلنا : هو ~~سؤال وارد . ولعل عند غيرنا حله . وقال أبو نصر السجزي : قولهم ' لا تتبعض ~~' يرد عليه أن موسى صلى الله عليه وسلم سمع بعض كلام الله ، ولا يمكن أن ~~يقال : سمع الكل . وقال ابن درباس الشافعي : وكذلك قوله تعالى ' { ففهمناها ~~سليمان } مع التصريح باختصاص موسى بالكلام . انتهى كلام ابن قاضي الجبل . ~~وقال الشيخ تقي الدين : في فتيا له تسمى بالأزهرية . ومن قال : إن القرآن ~~عبارة عن كلام الله تعالى وقع في محذورات . أحدها ' قولهم : إن هذا ليس هو ~~كلام الله ' فإن نفي هذا الإطلاق خلاف ما علم بالاضطرار من دين الإسلام ، ~~وخلاف ما دل عليه الشرع والعقل . PageV02P034 والثاني : قولهم ' عبارة ' إن ~~أرادوا أن هذا الثاني هو الذي عبر عن كلام الله تعالى القائم بنفسه ، لزم ~~أن يكون كل تال معبرا عما في نفس الله تعالى والمعبر عن غيره هو المنشئ ~~للعبارة فيكون كل قارئ هو المنشئ لعبارة القرآن وهذا معلوم الفساد بالضرورة ~~. وإن أرادوا أن القرآن العربي عبارة عن معانيه ، فهذا حق ؛ إذ كل كلام ~~فلفظه عبارة عن معناه ، لكن هذا لا يمنع أن يكون الكلام متناولا للفظ . ~~والمعنى الثالث : أن الكلام قد قيل إنه حقيقة في اللفظ مجاز في المعنى . ~~وقيل : حقيقة في المعنى مجاز في اللفظ ، وقيل : بل حقيقة في كل منهما . ~~والصواب الذي عليه السلف والأئمة : أنه حقيقة في مجموعهما ، كما أن الإنسان ~~قيل : هو حقيقة في البدن فقط . وقيل : بل في الروح فقط . والصواب : أنه ~~حقيقة في المجموع . فالنزاع في الناطق كالنزاع في منطقه . وإذا كان كذلك . ~~فالمتكلم إذا ms167 تكلم بكلام له لفظ ومعنى ، وبلغ عنه بلفظه ومعناه . فإذا قيل ~~: ما بلغه المبلغ من اللفظ : إن هذا عبارة عن القرآن ، وأراد به المعنى ~~الذي للمبلغ عنه نفى عنه اللفظ الذي للمبلغ عنه . والمعنى الذي قام بالمبلغ ~~. فمن لم يثبت إلا القرآن المسموع ، الذي هو عبارة عن المعنى PageV02P035 ~~القائم بالذات . قيل له : فهذا الكلام المنظوم الذي كان موجودا قبل قراءة ~~القراء هو موجود قطعا وثابت ، فهل هو داخل في العبارة والمعبر عنه غيره أو ~~غيرهما ؟ فإن جعلته غيرهما : بطل اقتصارك على العبارة والمعبر عنه ، وإن ~~جعلته أحدهما : لزمك إن لم تثبت إلا هذه العبارة ، والمعنى القائم بالذات ~~أن تجعله نفس ما سمع من القراء ، فيجعل عين ما بلغه المبلغون هو عين ما ~~سمعوه . وهذا الذي فررت منه . وأيضا فيقال له : القارئ المبلغ إذا قرأ ، ~~فلا بد له فيما يقوم به من لفظ ومعنى ، وإلا كان اللفظ الذي قام به عبارة ~~عن القرآن . فيجب أن يكون عبارة عن المعنى الذي قام به ، لا عن معنى قام ~~بغيره فقولهم ' هذا هو العبارة عن المعنى القائم بالذات ' أخطئوا من وجهين ~~أخطئوا في بيان مذهبهم . فإن حقيقة قولهم : إن اللفظ المسموع من القارئ ~~حكاية اللفظ الذي عبر به عن معنى القرآن مطلقا . وذلك أن اللفظ عبارة عن ~~المعنى القائم بالذات ، ولفظه ومعناه : حكاية عن ذلك اللفظ والمعنى . ثم ~~إذا عرف مذهبهم بقي خطؤهم في أصول . PageV02P036 منها : زعمهم أن معاني ~~القرآن معنى واحد ، هو الأمر والنهي والخبر ، وأن معنى التوراة والإنجيل ~~والقرآن معنى واحد ، ومعنى آية الكرسي معنى آية الدين . وفساد هذا معلوم ~~بالضرورة . ومنها : زعمهم أن القرآن العربي لم يتكلم الله به - وأطال في ~~ذلك وبرهن عليه بما يطول هنا ذكره وقال بعد ذلك : وأول من قال هذا في ~~الإسلام : عبد الله بن سعيد بن كلاب وجعل القرآن المنزل حكاية عن ذلك ~~المعنى . فلما جاء الأشعري واتبع ابن كلاب في أكثر مقالته ناقشه على قوله ' ~~إن هذا حكاية عن ذلك ' وقال : الحكاية تماثل المحكي ms168 . فهذا اللفظ يصح من ~~المعتزلة ، لأن ذلك المخلوق حروف وأصوات عندهم . وحكاية مثله . وأما على ~~أصل ابن كلاب فلا يصح أن يكون حكاية ، بل نقول : إنه عبارة عن المعنى . ~~فأول من قال بالعبارة الأشعري . وكان الباقلاني فيما ذكر عنه : إذا درس ~~مسألة القرآن يقول : هذا PageV02P037 قول الأشعري . ولم يبين صحته - أو ~~كلاما هذا معناه - وكان الشيخ أبو حامد الإسفراييني يقول : مذهب الشافعي ~~وسائر الأئمة في القرآن خلاف قول الأشعري . وقولهم : هو قول الإمام أحمد . ~~وكذلك أبو محمد الجويني ، ذكر أن الأشعري خالف في مسألة الكلام قول الشافعي ~~وغيره وأنه أخطأ في ذلك . PageV02P038 وكذلك سائر أئمة أصحاب مالك والشافعي ~~وغيرهما يذكرون قولهم في حد الكلام وأنواعه من الأمر والنهي والخبر العام ~~والخاص وغير ذلك . ويجعلون الخلاف في ذلك مع الأشعري ، كما هو مبين في أصول ~~الفقه التي صنفها أئمة أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم ثم قال بعد ~~ذلك : ومن قال من المعتزلة والكلابية : إن القرآن المنزل حكاية ذلك ، وظنوا ~~أن المبلغ حاك لذلك الكلام . ولفظ الحكاية قد يراد به محاكاة الناس فيما ~~يقولونه ويفعلونه اقتداء بهم وموافقة لهم ، فمن قال : إن القرآن حكاية كلام ~~الله تعالى بهذا المعنى ، فقد غلط وضل ضلالا مبينا . فإن القرآن لا يقدر ~~الناس على أن يأتوا بمثله ، ولا يقدر أحد أن يأتي بما يحكيه . وقد يراد ~~بلفظ الحكاية النقل والتبليغ . كما يقال : فلان حكى عن فلان أنه قال كذا ، ~~كما يقال عنه نقل عنه فهنا بمعنى التبليغ للمعنى . وقد يقال : حكى عنه أنه ~~قال كذا وكذا ، لما قاله بلفظه ومعناه ، فالحكاية هنا بمعنى التبليغ للفظ ~~والمعنى ، لكن يفرق بين أن يقول : حكيت كلامه على وجه المماثلة له ، وبين ~~أن يقول : حكيت عنه كلامه ، وبلغت عنه أنه قال مثل قوله من غير تبليغ عنه . ~~وقد يراد به المعنى الآخر ، وهو أنه بلغ عنه ما قاله . فإن أريد المعنى ~~الأول ، جاز أن يقال : هذا حكاية كلام فلان ، وهذا مثل كلام فلان ، وليس ~~PageV02P039 هو مبلغا عنه كلامه ، وإن ms169 أريد به المعنى الثاني - وهو ما إذا ~~حكى الإنسان عن غيره ما يقوله وبلغه عنه - فهنا يقال : هذا كلام فلان ، ولا ~~يقال : هذا حكاية كلام فلان ، كما لا يقال هذا مثل كلام فلان . بل قد يقال ~~: هذا كلام فلان بعينه ، بمعنى أنه لم يغيره ولم يحرف ولم يزد ولم ينقص . ~~انتهى . قال الإمام أحمد رضي الله عنه القرآن كيف تصرف فهو غير مخلوق ، ولا ~~نرى القول بالحكاية والعبارة . وغلط من قال بهما وجهله . فقال : من قال إن ~~القرآن عبارة عن كلام الله فقد غلط وجهل . وقال : الناسخ والمنسوخ في كتاب ~~الله ، دون العبارة والحكاية . وقال : هذه بدعة لم يقلها السلف . وقوله ~~تعالى { تكليما } يبطل الحكاية . منه بدأ وإليه يعود . نقل ذلك ابن حمدان ~~في نهاية المبتدئين . وقال شيخ الإسلام موفق الدين ابن قدامة في مصنف له : ~~واعترض القائل بالكلام النفسي بوجوه : PageV02P040 أحدها : قول الأخطل : إن ~~الكلام لفي الفؤاد الثاني : سلمنا أن كلام الآدمي حرف وصوت ولكن كلام الله ~~تعالى يخالفه ؛ لأنه صفته ، فلا تشبه صفته صفات الآدميين ، ولا كلامه ~~كلامهم . الثالث : أن مذهبكم في الصفات أن لا تفسر . فكيف فسرتم كلام الله ~~تعالى بما ذكرتم ؟ الرابع : أن الحروف لا تخرج إلا من مخارج وأدوات والصوت ~~لا يكون إلا من جسم . والله تعالى يتعالى عن ذلك . الخامس : أن الحروف ~~يدخلها التعاقب ، فالباء تسبق السين ، والسين تسبق الميم وكل مسبوق مخلوق . ~~السادس : أن هذا يدخله التجزي والتعداد ، والقديم لا يتجزأ ولا يتعدد . قال ~~شيخ الإسلام الموفق : الجواب عن الأول من وجوه . الأول : أن هذا كلام شاعر ~~نصراني عدو الله ورسوله ودينه . فهل يجب إطراح كلام الله ورسوله وسائر ~~الخلق تصحيحا لكلامه ، وحمل كلامهم على المجاز صيانة لكلمته هذه عن المجاز ~~؟ PageV02P041 وأيضا : فتحتاجون إلى إثبات هذا الشعر ببيان إسناده ونقل ~~الثقات له ، ولا نقنع بدعوى شهرته ، وقد يشتهر الفاسد . وقد سمعت شيخنا أبا ~~محمد بن الخشاب إمام أهل العربية في زمانه يقول : قد فتشت دواوين الأخطل ~~العتيقة فلم أجد هذا البيت فيها . الثاني ms170 : لا نسلم أن لفظه هكذا ، وإنما ~~قال : إن البيان لفي الفؤاد فحرفوه وقالوا : الكلام . الثالث : أن هذا مجاز ~~أراد به أن الكلام من عقلاء الناس في الغالب إنما يكون بعد التروي فيه ، ~~واستحضار معانيه في القلب ، كما قيل : لسان PageV02P042 الحكيم من وراء ~~قلبه . [ فإذا أراد الكلام رجع إلى قلبه ] فإن كان له قال ، وإن لم يكن له ~~سكت ، وكلام الجاهل على طرف لسانه . والدليل على أن هذا مجاز من وجوه كثيرة ~~. أحدها : ما ذكرنا ، وما تركناه أكثر مما ذكرنا مما يدل على أن الكلام هو ~~النطق ، وحمله على حقيقته ، وحمل كلام الأخطل على مجازها أولى من العكس . ~~الثاني : أن الحقيقة يستدل عليها بسبقها إلى الذهن وتبادر الأفهام إليها ، ~~وإنما يفهم من إطلاق الكلام ما ذكرناه . الثالث : ترتيب الأحكام على ما ~~ذكرناه دون ما ذكروه . الرابع : قول أهل العربية الذين هم أهل اللسان ، وهم ~~أعرف بهذا الشأن . الخامس : من الاشتقاق الذي ذكرناه . السادس : لا تصح ~~إضافة ما ذكروه إلى الله تعالى . فإنه جعل الكلام في الفؤاد . والله سبحانه ~~وتعالى لا يوصف بذلك . وجعل اللسان دليلا عليه ، ولأن الذي عبر عنه الأخطل ~~بالكلام هو التروي والفكر ، واستحضار المعاني ، وحديث النفس ووسوستها . ولا ~~يجوز إضافة شيء من ذلك إلى الله تعالى بلا خلاف بين المسلمين PageV02P043 . ~~قال : ومن أعجب الأمور أن خصومنا ردوا على الله وعلى رسوله ، وخالفوا جميع ~~الخلق من المسلمين وغيرهم فرارا من التشبيه على زعمهم ، ثم صاروا إلى تشبيه ~~أقبح وأفحش من كل تشبيه . وهذا نوع من التغفيل . ومن أدل الأشياء على فساد ~~قولهم : تركهم قول الله تعالى وقول رسوله صلى الله عليه وسلم وما لا يحصى ~~من الأدلة ، وتمسكوا بكلمة قالها هذا الشاعر النصراني جعلوها أساس مذهبهم ~~وقاعدة عقدهم ، ولو أنها انفردت عن مبطل وخلت عن معارض لما جاز أن يبنى ~~عليها هذا الأصل العظيم ، فكيف وقد عارضها ما لا يمكن رده ؟ فمثلهم كمثل من ~~بنى قصرا من أعواد الكبريت في مجرى السيل . وأما قولهم : إن كلام الله يجب ~~أن ms171 لا يكون حروفا يشبه كلام الآدميين . قلنا : جوابه من وجوه . أحدها : أن ~~الاتفاق في أصل الحقيقة ليس بتشبيه ، كما أن اتفاق البصر في أنه إدراك ~~المبصرات ، والسمع في أنه إدراك المسموعات ، والعلم في أنه إدراك المعلومات ~~ليس بتشبيه ، كذلك هذا . PageV02P044 الثاني : أنه لو كان ذلك تشبيها لكان ~~تشبيههم أقبح وأفحش على ما ذكرنا . الثالث : أنهم إن نفوا هذه الصفة لكون ~~هذا تشبيها ، ينبغي أن ينفوا سائر الصفات ، من الوجود والحياة والسمع ~~والبصر وغيرها . الرابع : أننا نحن لم نفسر هذا ؛ إنما فسره الكتاب والسنة ~~. وأما قولهم : أنتم فسرتم هذه الصفة ؟ فنقول : إنما لا يجوز تفسير ~~المتشابه الذي سكت السلف عن تفسيره ، وليس كذلك الكلام فإنه من المعلوم بين ~~الخلق أن لا تشبيه فيه ، وقد فسره الكتاب والسنة . الثاني : أننا نحن ~~فسرناه بحمله على حقيقته تفسيرا جاء به الكتاب والسنة ، وهم فسروه بما لم ~~يرد به كتاب ولا سنة ولا يوافق الحقيقة ، ولا يجوز نسبته إلى الله تعالى . ~~وأما قولهم : إن الحروف تحتاج إلى مخارج وأدوات ؟ فنقول : احتياجها إلى ذلك ~~في حقنا لا يوجب ذلك في كلام الله PageV02P045 تعالى ، تعالى الله عن ذلك ~~فإن قالوا : بل يحتاج الله تعالى كحاجتنا ، قياسا له علينا أخطئوا من وجوه ~~. أحدها : أنه يلزمهم في سائر الصفات التي سلموها كالسمع والبصر والعلم ~~والحياة . فإنها لا تكون في حقنا إلا في جسم ، ولا يكون البصر إلا في حدقة ~~، ولا السمع إلا من انخراق . والله تعالى بخلاف ذلك . الثاني : أن هذا ~~تشبيه لله تعالى بنا وقياس له علينا وهذا كفر . الثالث : أن بعض المخلوقات ~~لم تحتج إلى مخارج في كلامها . كالأيدي والأرجل ، والجلود التي تتكلم يوم ~~القيامة ، والحجر الذي سلم على PageV02P046 النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~والحصا الذي سبح في كفيه ، والذراع المسمومة التي كلمته . PageV02P047 وقال ~~ابن مسعود ' كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل ' ولا خلاف في أن الله تعالى ~~قادر على إنطاق الحجر الأصم بلا أدوات . قلت أنا : الذي يقطع به عنهم أنهم ~~لا يقولون : إن الله تعالى ms172 يحتاج كحاجتنا قياسا له علينا ، فإنه عين ~~التشبيه ، وهم لا يقولون ذلك بل يفرون منه . والظاهر : أن الشيخ قال ذلك ~~على تقدير قولهم له . ثم قال : وقولهم إن التعاقب يدخل في الحروف ؟ قلنا : ~~إنما كان ذلك في حق من ينطق بالمخارج والأدوات ، ولا يوصف الله تعالى بذلك ~~. قال الحافظ أبو نصر : إنما يتعين التعاقب فيمن يتكلم بأداة يعجز عن أداء ~~شيء إلا بعد الفراغ من غيره ، وأما المتكلم بلا جارحة فلا يتعين في كلامه ~~التعاقب ، وقد اتفق العلماء على أنه سبحانه وتعالى يتولى الحساب بين خلقه ~~يوم القيامة في حالة واحدة . وعند كل واحد منهم : أن المخاطب في الحال هو ~~وحده . وهذا خلاف التعاقب . انتهى كلام أبي نصر . PageV02P048 ثم قال الشيخ ~~الموفق : وقولهم إن القديم لا يتجزأ ولا يتعدد غير صحيح . فإن أسماء الله ~~سبحانه وتعالى متعددة . قال الله تعالى { ولله الأسماء الحسنى } وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم { إن لله تعالى تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة } ~~وهي قديمة ، وقد نص الشافعي على أن أسماء الله تعالى غير مخلوقة . وقال ~~أحمد : من قال : إن أسماء الله تعالى مخلوقة فقد كفر . وكذلك كتب الله ~~تعالى . فإن التوراة والإنجيل والزبور والفرقان متعددة . وهي كلام الله ~~تعالى غير مخلوقة ، وإنما هذا أخذوه من علم الكلام ، وهو مطرح عند جميع ~~الأئمة . PageV02P049 قال أبو يوسف : من طلب العلم بالكلام تزندق . وقال ~~الشافعي رضي الله عنه : ما ارتدى بالكلام أحد فأفلح ، وقال أحمد رضي الله ~~عنه : ما أحب الكلام أحد فكان عاقبته إلى خير ، وقال ابن خويز منداد ~~المالكي : البدع عند مالك وسائر أصحابه هي كتب الكلام والتنجيم وشبه ذلك . ~~لا تصح إجارتها ، ولا تقبل شهادة أهلها . قال الحافظ أبو نصر ، فإن قيل : ~~الصوت والحرف إذا ثبتا في الكلام اقتضيا عددا ، والله تعالى واحد من كل جهة ~~. قيل لهم : قد بينا مرارا أن اعتماد أهل الحق في هذه الأبواب على السمع . ~~وقد ورد السمع بأن القرآن ذو عدد . وأقر المسلمون بأنه كلام الله تعالى ms173 ~~حقيقة لا مجازا ، وهو صفة قديمة ، وقد عد الأشعري صفات الله تعالى ~~PageV02P050 سبع عشرة صفة ، وبين أن منها ما لا يعلم إلا بالسمع ، وإذا جاز ~~أن يوصف بصفات معدودة لم يلزمنا بدخول العدد في الحروف شيء . انتهى كلام ~~أبي نصر . قال الشيخ الموفق : الوجه الثاني : أن الله تعالى كلم موسى صلى ~~الله عليه وسلم ، ويكلم المؤمنين يوم القيامة ، قال الله تعالى { وكلم الله ~~موسى تكليما } وقال تعالى { وكلمه ربه } وقال تعالى { يا موسى إني اصطفيتك ~~على الناس برسالاتي وبكلامي } وقال تعالى { وناديناه من جانب الطور الأيمن ~~} وقال تعالى { إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى } وأجمعنا على أن موسى عليه ~~الصلاة والسلام سمع كلام الله تعالى من الله ، لا من شجر ولا من حجر ولا من ~~غيره ؛ لأنه لو سمع من غير الله تعالى كان بنو إسرائيل أفضل منه في ذلك ؛ ~~لأنهم سمعوا من أفضل ممن سمع منه موسى ، لكونهم PageV02P051 سمعوا من موسى ~~. فلم سمي إذن كليم الرحمن ؟ وإذا ثبت هذا : لم يجز أن يكون الكلام الذي ~~سمعه موسى إلا صوتا وحرفا ، فإنه لو كان معنى في النفس وفكرة وروية : لم ~~يكن ذلك تكليما لموسى ، ولا هو بشيء يسمع ، ولا يتعدى الفكر والمرئي ، ولا ~~يسمى مناداة . فإن قالوا : نحن لا نسميه صوتا مع كونه مسموعا قلنا : الجواب ~~من وجوه . أحدها : أن هذا مخالفة في اللفظ مع الموافقة في المعنى ، فإننا ~~لا نعني بالصوت إلا ما كان مسموعا . الثاني : أن لفظ الصوت قد جاءت به ~~الأخبار والآثار ، وسأذكرها إن شاء الله تعالى على حدة . وقال الشيخ الموفق ~~بعد ذلك : النزاع في أن الله تعالى تكلم بحرف وصوت أم لا ؟ ومذهب أهل السنة ~~: اتباع ما ورد في الكتاب والسنة ، انتهى كلام الشيخ موفق الدين . وقال ~~الحافظ شهاب الدين ابن حجر في شرح البخاري : PageV02P052 قال البيهقي : ~~الكلام ما ينطق به المتكلم ، وهو مستقر في نفسه ، كما جاء في حديث عمر - ~~يعني في قصة السقيفة - وفيه ' وكنت زورت في نفسي مقالة ' وفي رواية ' كلاما ~~' قال ms174 : فسماه كلاما قبل التكلم به . قال : فإن كان المتكلم ذا مخارج سمع ~~كلامه ذا حروف وأصوات ، وإن كان غير ذي مخارج ، فهو بخلاف ذلك ، والباري عز ~~وجل ليس بذي مخارج ، فلا يكون كلامه بحروف وأصوات ، ثم ذكر حديث جابر عن ~~عبد الله بن أنيس . وقال : اختلف الحفاظ في PageV02P053 الاحتجاج برواياته ~~ولم يثبت لفظ الصوت في حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم غير حديثه . ~~فإن كان ثابتا فإنه يرجع إلى غيره ، كما في حديث ابن مسعود - يعني الذي ~~يليه - وفي حديث أبي هريرة - يعني الذي بعده - { أن الملائكة يسمعون عند ~~حضور الوحي صوتا } فيحتمل أن يكون الصوت للسماء ، أو للملك الآتي بالوحي ، ~~أو لأجنحة الملائكة . وإذا احتمل ذلك لم يكن نصا في المسألة . وأشار في ~~موضع آخر إلى أن الراوي أراد : فينادي نداء ، فعبر عنه بالصوت . قال الحافظ ~~ابن حجر : وهذا حاصل كلام من نفى الصوت من الأئمة ، ويلزم منه : أن الله ~~تعالى لم يسمع أحدا من ملائكته ولا رسله كلامه ، بل ألهمهم إياه . وحاصل ~~الاحتجاج للنفي : الرجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين ، لأنها التي عهد ~~أنها ذات مخارج ، ولا يخفى ما فيه ، إذ الصوت قد يكون من PageV02P054 غير ~~مخارج . كما أن الرؤية قد تكون من غير اتصال الأشعة ، كما سبق . سلمنا ، ~~لكن نمنع القياس المذكور . وصفة الخالق لا تقاس على صفة المخلوق ، وإذا ثبت ~~ذكر الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة وجب الإيمان به ، ثم قال : إما التفويض ~~وإما التأويل . وبالله التوفيق . انتهى . وقال ابن حجر في موضع آخر من شرح ~~البخاري قوله صلى الله عليه وسلم { ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد ، كما ~~يسمعه من قرب } حمله بعض الأئمة على مجاز الحذف ، أي يأمر من ينادي . ~~واستبعده بعض من أثبت الصوت بأن في قوله { يسمعه من بعد } إشارة إلى أنه ~~ليس من المخلوقات ؛ لأنه لم يعهد مثل هذا فيهم ، وبأن الملائكة إذا سمعوه ~~صعقوا ، وإذا سمع بعضهم بعضا لم يصعقوا . PageV02P055 قال : فعلى هذا فصوته ~~صفة من صفات ذاته لا ms175 يشبه صوت غيره ؛ إذ ليس يوجد شيء من صفاته في صفات ~~المخلوقين . قال : وهكذا قرره المصنف - يعني به البخاري - في كتاب خلق ~~أفعال العباد انتهى . وحد الصوت : ما يتحقق سماعه . فكل متحقق سماعه صوت ، ~~وكل ما لا يتأتى سماعه ألبتة ليس بصوت . وصحة الحد كونه مطردا منعكسا . ~~وقول من قال : إن الصوت هو الخارج من هواء بين جرمين . فغير صحيح ؛ لأنه ~~يوجد سماع الصوت من غير ذلك . كتسليم الأحجار ، وتسبيح الطعام والجبال ، ~~وشهادة الأيدي والأرجل وحنين الجذع . وقد قال الله PageV02P056 تعالى ( { ~~وإن من شيء إلا يسبح بحمده } ) وقال تعالى ( { يوم نقول لجهنم هل امتلأت ~~وتقول هل من مزيد } ) وما لشيء من ذلك منخرق بين جرمين . وقد أقر الأشعري ~~أن السموات والأرض قالتا أتينا طائعين ، حقيقة لا مجازا . وقال ابن قتيبة ، ~~منا : لسنا نشك أن القرآن في المصحف على PageV02P057 الحقيقة لا على المجاز ~~لا كما يقوله بعض أصحاب الكلام : ' إن الذي في المصحف دليل على القرآن . ~~انتهى . وقال الشهاب السهروردي : أخبر الله في كتابه وثبت عن رسوله : ~~الاستواء والنزول والنفس واليد والعين والقدم والرجل والوجه ، فلا يتصرف ~~فيها بتشبيه ولا تعطيل ؛ إذ لولا إخبار الله ورسوله لما تمالأ عقل أن يحوم ~~حول ذلك الحمى ، ولولا أن الصادق المعصوم قال ذلك لما قلنا ، ولا حمنا حوله ~~. فإن صفات الله لا تعرف إلا بالدليل المحض من الكتاب والسنة . PageV02P058 ~~قال المؤلف : أجمعنا على أن القرآن كلام الله ، كما أخبر به ، نحو قوله ~~تعالى { حتى يسمع كلام الله } { يسمعون كلام الله } وقال صلى الله عليه ~~وسلم { فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي } وقال الصديق ' ما هذا كلامي ، ~~ولا كلام صاحبي ، ولكنه كلام الله ' والكلام الحروف المنظومة ، والكلمات ~~المفهومة ، والأصوات الملهومة بدليل قوله تعالى ( { آيتك ألا تكلم الناس ~~ثلاث ليال سويا فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا } ) ( { ~~فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا } { فأشارت إليه قالوا ~~كيف نكلم من كان في المهد صبيا } ) ( { لا PageV02P059 يتكلمون إلا من أذن ~~له ms176 الرحمن } ) ( { هذا يوم لا ينطقون } ) ومعناهما واحد وقوله تعالى ( { ~~وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم } ) يعني به النطق ، بدليل قوله تعالى ( { ~~وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } ) ( { ~~ويكلم الناس في المهد } ) أي : ينطق . وحديث { رفع عن أمتي } وحديث { إن ~~صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس } وحديث { لم يتكلم في المهد ~~إلا PageV02P060 ثلاثة } وحديث { كل عمل ابن آدم عليه لا له } وحديث { من ~~كثر كلامه كثر سقطه } وإجماع الناس في الشعر والنظم في كلامهم وعرفهم ~~وأحكامهم أن الكلام يكون حقيقة . وأجمعوا أنه إذا حلف لا يتكلم لا يحنث إلا ~~بالنطق . انتهى . وقد بينا بالأدلة القاطعة : أن هذا القرآن الذي عندنا هو ~~كلام الله تعالى . فإنه مسموع مقروء متلو محفوظ . وكيفما قرئ وتلي وسمع ~~وحفظ وكتب فهو القرآن الكريم . انتهى . وثبت عن الغير : ذكر الصوت المضاف ~~إلى الله تعالى . وعن الحفاظ PageV02P061 والمحدثين المقتدى بهم ، وصححوه ~~في تسعة عشر حديثا ، بل أكثر . فلا يتصرف فيها بتشبيه ، ولا تعطيل . وقد ~~خرج الفاضل الناقد أبو بكر المصري أربعة عشر حديثا منها . وذكر أنها ثابتة ~~عند أئمة الحديث . نقله الطوفي في شرحه . وكذلك جمع الحافظ عبد الغني ~~المقدسي . وصححه ابن حجر وغيره . ومنها ما رواه البخاري في صحيحه وفي خلق ~~أفعال العباد . والحافظ عبد الغني المقدسي في جزء مفرد له أيضا الحديث ~~الأول : ما روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : خرجت إلى الشام إلى ~~عبد الله بن أنيس الأنصاري . فقال عبد الله بن أنيس : سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول { يحشر الله العباد - أو قال : PageV02P062 يحشر الله ~~الناس - وأومأ بيده إلى الشام حفاة عراة غرلا بهما . قال : قلت : ما بهما ؟ ~~قال : ليس معهم شيء ، فينادي بصوت يسمعه من بعد ، كما يسمعه من قرب : أنا ~~الملك ، أنا الديان ، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ، وأحد من ~~أهل النار يطالبه بمظلمة . ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار ، ~~وأحد من أهل ms177 الجنة يطالبه بمظلمة . قالوا : كيف ؟ وإنا نأتي الله غرلا بهما ~~؟ قال : بالحسنات والسيئات } أخرج البخاري أصله في صحيحه تعليقا مستشهدا به ~~إلى قوله ' الديان ' وأخرجه شهاب الدين في الأدب المفرد ، وأخرجه ~~PageV02P063 أحمد وأبو يعلى والطبراني ، وفي طريق أخرى ذكرها الحافظ الضياء ~~بسنده إلى جابر . PageV02P064 قال جابر ' بلغني عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم حديث في القصاص . وكان صاحب الحديث بمصر ، فاشتريت بعيرا فشددت عليه ~~رحلا ، وسرت حتى وردت مصر ، فمضيت إلى باب الرجل الذي بلغني عنه الحديث . ~~فقرعت بابه ، فخرج إلي مملوكه . فنظر في وجهي ولم يكلمني ، فدخل إلى سيده . ~~فقال : أعرابي على الباب ، فقال : سله من أنت ؟ فقال : جابر بن عبد الله ~~الأنصاري . فخرج إلي مولاه . فلما تراءينا اعتنق أحدنا صاحبه . فقال : يا ~~جابر ، ما جئت تعرف . قال فقلت : حديث بلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في القصاص ، ولا أظن أن أحدا ممن مضى أو ممن بقي أحفظ له منك . قال : نعم ~~يا جابر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { إن الله تبارك ~~وتعالى يبعثكم يوم القيامة من قبوركم حفاة عراة غرلا بهما ، ثم ينادي بصوت ~~رفيع ، غير فظيع ، يسمعه من بعد ، كمن قرب : أنا الديان ، لا تظالم اليوم . ~~أما وعزتي لا يجاورني اليوم ظالم ولو لطمة بكف ، أو يد على يد . ألا وإن ~~أشد ما أتخوف على أمتي من بعدي : عمل قوم لوط . فلترتقب أمتي العذاب إذا ~~تكافأ النساء بالنساء ، والرجال بالرجال } الحديث الثاني : ما روى أبو ~~هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إذا قضى الله الأمر ~~في السماء ضربت الملائكة PageV02P065 بأجنحتها خضعانا لقوله . كأنه سلسلة ~~على صفوان . فإذا فزع عن قلوبهم . قالوا : ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الحق ، ~~وهو العلي الكبير - إلى آخره } رواه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه ~~. الثالث : ما روى ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم { إن الله تعالى إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة ~~كجر السلسلة على ms178 الصفا فيصعقون ، فلا يزالون كذلك ، حتى يأتيهم جبريل عليه ~~السلام ، فإذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم . فيقولون : يا جبريل ، ماذا قال ~~ربك ؟ قال : يقول : الحق . قال : فينادون الحق الحق } أخرجه أبو داود . ~~ورجاله ثقات PageV02P066 الرابع : ما رواه ابن مسعود رضي الله عنه أيضا قال ~~: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن الله تعالى إذا تكلم بالوحي سمع ~~أهل السموات السبع صلصلة كصلصلة السلسة على الصفا . قال : فيفزعون حتى ~~يأتيهم جبريل . فإذا فزع عن قلوبهم يقولون : يا جبريل ، ماذا قال ربك ؟ قال ~~فيقول : الحق . قالوا : الحق الحق } رواه أحمد بن الصباح بن أبي سريج عن ~~أبي معاوية PageV02P067 الخامس : بمعنى الذي قبله . قال الموفق في تصنيفه : ~~رواه عبد الله بن أحمد . قال : سألت أبي ، فقلت : يا أبت ، الجهمية يزعمون ~~أن الله تعالى لا يتكلم بصوت . فقال : كذبوا ، إنما يدورون على التعطيل ، ~~ثم قال أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي . قال : حدثني الأعمش عن ~~أبي PageV02P068 الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال { إذا تكلم الله ~~بالوحي سمع صوته أهل السماء } قال السجزي : وما في رواة هذا الخبر إلا إمام ~~مقبول . انتهى . وتتمة الحديث { فيخرون سجدا ، حتى إذا فزع عن قلوبهم - قال ~~: سكن عن قلوبهم - نادى أهل السماء : ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الحق . قال : ~~كذا وكذا } وقال القاضي أبو الحسين وغيره : ومثل هذا لا يقوله ابن مسعود ~~إلا توقيفا ؛ لأنه إثبات صفة للذات . اه . وهو كما قال . PageV02P069 ~~السادس : ما روى بهز بن حكيم بن معاوية عن أبيه عن جده : أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال { إذا نزل جبريل بالوحي على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فزع أهل السموات لانحطاطه ، وسمعوا صوت الوحي كأشد ما يكون من صوت ~~الحديد على الصفا . فكلما مر بأهل سماء فزع عن قلوبهم . فيقولون : يا جبريل ~~، بم أمرت ؟ فيقول : نور العزة العظيم . كلام الله بلسان عربي } السابع : ~~ما روي عن ابن عباس في قوله تعالى ( { حتى إذا فزع عن PageV02P070 قلوبهم } ~~- الآية ) قال ' لما ms179 أوحى الله الجبار عز وجل إلى محمد صلى الله عليه وسلم ~~دعا الرسول من الملائكة ليبعثه بالوحي . فسمعت الملائكة صوت الجبار يتكلم ~~بالوحي . فلما كشف عن قلوبهم سألوه عما قال ؟ قالوا : الحق ، وعلموا أن ~~الله لا يقول إلا حقا ، وأنه منجز وعده - قال ابن عباس : وصوت الرحمن كصوت ~~الحديد على الصفا - كلما سمعوه خروا سجدا ، فلما رفعوا رءوسهم قالوا : ما ~~قال ربكم ؟ قال : الحق ، وهو العلي الكبير ' الثامن : ما رواه أبو سعيد قال ~~: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { يقول الله : يا آدم . فيقول : لبيك ~~وسعديك فينادي بصوت : إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار } ~~رواه البخاري وغيره التاسع : ما رواه النواس بن سمعان . قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم PageV02P071 { إذا أراد الله أن يوحي بأمر أخذت ~~السماوات منه رجفة شديدة من خوف الله تعالى . فإذا سمع بذلك أهل السماوات ~~صعقوا وخروا له سجدا ، فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل عليه السلام ، فيكلمه ~~الله من وحيه بما أراد ، فينتهي به جبريل عليه السلام إلى الملائكة ، كلما ~~مر به في سماء سأله أهلها : ماذا قال ربنا يا جبريل ؟ قال : الحق ، وهو ~~العلي الكبير . فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل فينتهي به جبريل عليه السلام ~~حيث أمر من السماء والأرض } رواه الحافظ ضياء الدين بسنده إلى عبد الله بن ~~محمد بن جعفر بن حيان متصلا إلى النواس بن سمعان PageV02P072 العاشر : ما ~~رواه جابر بن عبد الله . قال { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه ~~على الناس بالموقف . ويقول : ألا رجل يحملني إلى قومه . فإن قريشا قد ~~منعوني أن أبلغ كلام ربي } رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ~~الحادي عشر : ما رواه جابر . قال { لما قتل أبي يوم أحد . قال لي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : يا جابر ، ألا أخبرك بما قال الله تعالى لأبيك ؟ قال ~~: بلى . قال : وما كلم الله أحدا إلا من وراء حجاب ، إلا أباك . فكلم الله ~~أباك PageV02P073 كفاحا . فقال : يا ms180 عبد الله تمن علي أعطك . قال : يا رب ~~تردني فأقتل فيك ثانية . فقال : سبق مني القول : أنهم إليها لا يرجعون . ~~فقال : يا رب أخبر من ورائي . فأنزل الله تعالى { ولا تحسبن الذين قتلوا في ~~سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون } } رواه الترمذي وابن ماجه ~~الثاني عشر : ما رواه أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~إن الله تعالى قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم بألف عام ، فلما سمعت الملائكة ، ~~قالت : طوبى لأمة ينزل هذا عليهم ، وطوبى لأجواف تحمل هذا ، وطوبى لألسن ~~تتكلم به } رواه ابن خزيمة PageV02P074 الثالث عشر : ما رواه أبو أمامة ~~الباهلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ما أذن الله تعالى لعبد ~~في شيء أفضل من ركعتين يصليهما ، وإن البر ليذر على رأس العبد ما دام في ~~صلاته ، وما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه } قال أبو نضر : يعني ~~القرآن ، PageV02P075 رواه الترمذي أيضا بلفظ { ما أذن الله لعبد } وساقه ~~أيضا من غير طريقه الرابع عشر : ما رواه عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~. قال { فضل القرآن على سائر الكلام ، كفضل الله على خلقه . وذلك أنه منه } ~~PageV02P076 رواه الحافظ أيضا بسنده . وروى أيضا بسنده عن عكرمة قال : صليت ~~مع ابن عباس على جنازة فسمع رجلا يقول : يا رب القرآن اغفر له . فقال ابن ~~عباس ' اسكت . فإن القرآن كلام الله تعالى ، ليس بمربوب ، منه خرج وإليه ~~يعود ' الخامس عشر : ما رواه أبو شريح . قال { خرج علينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال : أبشروا ، أبشروا ، ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله ~~، وأني PageV02P077 رسول الله ؟ فقالوا : بلى . فقال : فإن هذا القرآن سبب ~~، طرفه بيد الله ، وطرفه بأيديكم . فتمسكوا به . فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا ~~بعده أبدا } رواه ابن أبي شيبة . وروى معناه أبو داود الطيالسي في الصحيح { ~~ما منكم من أحد إلا PageV02P078 سيكلمه ربه يوم القيامة ليس بينه وبينه ~~ترجمان } وفي أحاديث أخر تبلغ نحو الثلاثين واردة في الحرف ms181 والصوت ، بعضها ~~صحاح وبعضها حسان ، ويحتج بها أخرجها الضياء المقدسي وغيره . وأخرج أحمد ~~غالبها ، واحتج به ، وأخرج غالبها أيضا ابن حجر في شرح البخاري ، واحتج بها ~~البخاري أيضا وغيره من أئمة الحديث على أن الله يتكلم بحرف وصوت . وقد ~~صححوا هذه الأحاديث واعتقدوها مع ما فيها ، واعتمدوا عليها ، منزهين الله ~~عما لا يليق بجلاله من شبهات الحدوث وغيرها ، كما قالوا في سائر الصفات . ~~فإذا رأينا أحدا من الناس ما يقدر عشر معشار هؤلاء يقول لم يصح PageV02P079 ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث واحد أنه تكلم بصوت . ورأينا هؤلاء ~~الأئمة أئمة الإسلام الذين اعتمد أهل الإسلام على أقوالهم وعملوا بها ~~ودونوها ودانوا الله بها صرحوا بأن الله تكلم بحرف وصوت لا يشبهان صوت ~~مخلوق ولا حرفه بوجه ألبتة . معتمدين على ما صح عندهم عن صاحب الشريعة ~~المعصوم في أقواله وأفعاله ، الذي لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، ~~مع اعتقادهم الجازمين به ، الذي لا يعتريه شك ولا وهم ولا خيال : نفي ~~التشبيه والتمثيل والتعطيل والتكييف ، وأنهم قائلون في صفة الكلام كما ~~يقولون في سائر الصفات لله تعالى ، من النزول والاستواء والمجيء والسمع ~~والبصر واليد والقدم والوجه والعين وغيرها ، كما قاله سلف الأمة ، مع ~~إثباتهم لها . فماذا بعد الحق إلا الضلال ، ومن لم يجعل الله له نورا فما ~~له من نور . وذكر أبو نصر السجستاني - رادا على منكري الحرف والصوت - عن ~~PageV02P080 الزهري عن أبي بكر [ بن ] عبد الرحمن بن الحارث عن جرير عن كعب ~~أنه قال { لما كلم الله موسى بالألسنة كلها قبل لسانه ، PageV02P081 فطفق ~~موسى يقول : والله يا رب ما أفقه هذا ، حتى كلمه بلسانه آخر الألسنة بمثل ~~صوته } قال : وهو محفوظ عن الزهري . رواه عنه ابن أبي عتيق والزبيدي ومعمر ~~ويونس بن يزيد PageV02P082 وشعيب بن أبي حمزة ، وهم أئمة ، ولم ينكره واحد ~~منهم . وقوله ' بمثل صوته ' معناه : أن موسى حسبه مثل صوته في تمكنه من ~~سماعه وبيانه عنده ، ويوضحه قوله تعالى ' لو كلمتك بكلامي لم تك شيئا ms182 ولم ~~تستقم له . ' . وذكر القاضي أبو الحسين : أن أباه أبا يعلى : ذكر في ~~المرتضى من PageV02P083 الدلائل : أن القادر بالله جمع العلماء من سائر ~~الفرق . وكتب رسالة في الاعتقاد ، وقرئت على العلماء كلهم وأقروا بها . ~~وكتبوا خطوطهم عليها . وأنه ليس له اعتقاد إلا هذا ، وقرئت مرارا في أماكن ~~كثيرة ، وفيها : أن القرآن كلام الله غير مخلوق تكلم به تكلما . ، وأنزله ~~على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم على لسان جبريل بعد ما سمعه جبريل من ~~الله . فتلاه جبريل على محمد ، وتلاه محمد على أصحابه ، وتلاه أصحابه على ~~الأمة ، ولم يصر بتلاوة المخلوقين له مخلوقا ؛ لأن ذلك الكلام بعينه الذي ~~تكلم الله به . وأطال في ذلك وحكى ابن حجر الإجماع من السلف على أن القرآن ~~كلام الله غير مخلوق تلقاه جبريل عن الله ، وبلغه جبريل إلى محمد ، وبلغه ~~محمد إلى أمته . PageV02P084 وقال ابن الجوزي في صيد الخاطر : نهى الشرع عن ~~الخوض فيما يثير غبار شبهة ، ولا يقوى على قطع طريقه إقدام الفهم . وإذا ~~كان قد نهى عن الخوض في القدر . فكيف يجيز الخوض في صفات المقدر ؟ وما ذاك ~~إلا لأحد أمرين : إما لخوف إثارة شبهة تزلزل العقائد ، أو لأن قوى البشر ~~تعجز عن إدراك الحقائق . واستدل لأحمد والبخاري وابن المبارك عبد الله ~~وعثمان بن سعيد الدارمي وأئمة السلف والحديث بالكتاب والسنة والآثار ~~والفطرة والعقل ، PageV02P085 وتولده تنوعه إلى ماض وأمر ومضارع ومشتق ~~وغيره ، ومصدر وقول وأداة تأكيد وغير ذلك عن تكليما . والمناداة والمناجاة ~~من وراء حجاب لا ترجمان بينهما ، وإسماع البشر حقيقة لا يقع إلا للأصوات . ~~ومن زعم أن غير الصوت يجوز في العقل أن يسمعه من كان على هذه البنية التي ~~نحن عليها احتاج إلى دليل . وقد قال تعالى : ( { فلما أتاها نودي يا موسى } ~~) والنداء عند العرب ، لا يكون إلا بصوت ، ولم يرد عن الله ولا رسله ، ولا ~~عن غيرهم من السلف أنه من الله غير صوت . وكلم موسى بلا واسطة إجماعا . قال ~~البغوي في تفسير طه ، قال وهب : ونودي من الشجرة ms183 فقيل : PageV02P086 يا ~~موسى . فأجاب سريعا ما يدري من دعاه . فقال : إني أسمع صوتك ولا أرى مكانك ~~. فأين أنت ؟ قال : أنا فوقك ومعك وأمامك وخلفك ، وأقرب إليك من نفسك . ~~فعلم أن ذلك لا ينبغي إلا لله . فأيقن به . قال الموفق في قصة موسى : إنه ~~لما رأى النار هالته وفزع منها . فناداه ربه يا موسى . فأجاب سريعا ~~استئناسا بالصوت . فقال : لبيك لبيك ، أسمع صوتك ولا أرى مكانك . فأين أنت ~~؟ قال : فوقك وأمامك ووراءك ، وعن يمينك وعن شمالك . فعلم أن هذه الصفة لا ~~تنبغي إلا لله . قال : فكذلك أنت يا إلهي ، كلامك أسمع أم كلام رسولك ؟ قال ~~: بل كلامي يا موسى . وقالت بنو إسرائيل لموسى : بم شبهت صوت ربك ؟ قال : ~~إنه لا شبه له . وروي : أن موسى لما سمع كلام الآدميين مقتهم ، لما وقر في ~~مسامعه من كلام الله تعالى ، ولأن حقيقة التكلم والمناداة والمناجاة شيء ~~تواردت الأخبار والآثار به . فما إنكاره إلا عناد واتباع للهوى ، وصدوف عن ~~الحق ، وترك للصراط المستقيم . قال الشيخ تقي الدين : ولا نزاع بين العلماء ~~أن كلام الله تعالى لا يفارق ذات الله ، ولا يباينه كلامه ، ولا شيء من ~~صفاته ، بل ليس صفة شيء من PageV02P087 موصوف تباين موصوفها وتنتقل عنه إلى ~~غيره . فكيف يتوهم عاقل أن كلام الله يباينه ، وينتقل إلى غيره ؟ ولهذا قال ~~أحمد : كلام الله من الله ليس ببائن منه . وقد جاء في الأحاديث والآثار { ~~أنه منه بدأ ، ومنه خرج ، وإليه يعود } نصا منه ، ومن غيره عليه ، ومعنى ~~ذلك : أنه هو المتكلم به ، أو الذي يخرج منه ، ولا يقتضي ذلك أنه يباينه ~~وانتقل عنه . وقال : ومعلوم أن كلام المخلوق لا يباين محله . قال أحمد : ~~منه بدأ وإليه يعود . وقال : منه بدأ علمه ، وإليه يعود حكمه . وقال تارة : ~~منه خرج ، وهو المتكلم به ، وإليه يعود ، وهو القرآن . وقال تارة : القرآن ~~من علم الله . قال ابن جلبة ، منا . يعني : على حد حقيقة العلوم ، وهي ~~راجعة إلى PageV02P088 الله ، وارتفاع القرآن دفعة واحدة عن الناس ، وترتفع ~~تلاوته وأحكامه . فيعود إلى ms184 الله حقيقة بهما . وقال الحافظ عبد الغني : قال ~~علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود ، وابن عباس رضي الله عنهم ' القرآن ~~كلام الله ، منه بدأ وإليه يعود ' وقال سفيان بن عيينة سمعت عمرو بن دينار ~~يقول : ' أدركت PageV02P089 مشايخنا والناس منذ سبعين سنة يقولون : القرآن ~~كلام الله ، منه بدأ وإليه يعود ' وروى الترمذي عن خباب بن الأرت أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال { إنكم لن تتقربوا إلى الله بأفضل مما خرج منه - ~~يعني القرآن } PageV02P090 وذهب أحمد وأكثر أصحابه إلى أن القرآن هو ~~المقروء ، والتلاوة هو المتلو ، قال البيهقي : وأما ما نقل عن الإمام أحمد ~~: أنه سوى بينهما . فإنما أراد حسم المادة ، لئلا يتدرج أحد إلى القول بخلق ~~القرآن . كما نقل عنه أنه أنكر على من قال : لفظي بالقرآن مخلوق أو غير ~~مخلوق . حسما للمادة انتهى . وإلا فلا يخفى الفرق بينهما . وهو ظاهر . وقال ~~مالك الصغير ابن أبي زيد القيرواني : إن الله مستو على عرشه بذاته . وأنه ~~كلم موسى بذاته ، وأسمعه كلامه ، لا كلاما قام في غيره اه . PageV02P091 ~~وقال الطحاوي : إن القرآن كلام الله ، منه بدأ بلا كيفية قولا . وأنزله على ~~رسوله وحيا وصدقه المؤمنون على ذلك حقا ، وأيقنوا أنه كلام الله بالحقيقة ، ~~وهو صريح . وقال أبو بكر بن خزيمة - منا - لم يزل الله متكلما ، ولا مثل ~~لكلامه ، واستصوباه . ومن المستبعد جدا أن يكون هذا الكلام من الكتاب ~~والسنة كله مجاز لا حقيقة فيه ، ولو في موضع واحد منه ، وبموضع واحد ~~PageV02P092 منه يحصل المطلوب . قال الطوفي : فإن قيل : هو حقيقة ، ولكن ~~كما قررناه في الكلام النفسي بالاشتراك ، كما قلتم : إن الصفات الواردة في ~~الشرع لله سبحانه وتعالى حقيقة ، لكن مخالفة للصفات المشاهدة ، وهي مقولة ~~بالاشتراك . قلنا : نحن اضطررنا إلى القول بالاشتراك ، في الصفات لورود ~~نصوص الشرع الثابتة بها . فأنتم ما الذي اضطركم إلى إثبات الكلام النفسي ؟ ~~فإن قيل : دليل العقل الدال على أنه لا صوت ولا حرف إلا من جسم ، قلنا : ~~فما أفادكم إثباته شيئا ؛ لأن الكلام النفسي الذي أثبتموه ms185 لا يخرج في ~~الحقيقة عن أن يكون علما أو تصورا ، على ما سبق تقريره عن أئمتكم . فإن كان ~~علما فقد رجعتم معتزلة ، ونفيتم الكلام بالكلية ، وموهتم على الناس ~~بتسميتكم العلم كلاما . وإن كان تصورا ، فالتصور في الشاهد حصول صورة الشيء ~~في العقل . وإنما يعقل في الأجسام . وإن عنيتم تصورا مخالفا للتصور في ~~الشاهد ، لائقا بجلال الله تعالى ، فأثبتوا كلاما عبارة عن خلاف الشاهد ، ~~لائقة بجلاله تعالى ، وهذا كلام متين لا محيد للمنصف عنه . PageV02P093 قال ~~ابن حزم : أجمع المسلمون على أن الله تعالى كلم موسى ، وعلى أن القرآن كلام ~~الله ، وكذا غيره من الكتب المنزلة والصحف . ثم اختلفوا ، فقالت المعتزلة : ~~إن كلام الله صفة فعل مخلوق ، وأنه كلم موسى بكلام أحدثه في الشجرة . وقال ~~أحمد وأتباعه : كلام الله هو علمه لم يزل ، وليس بمخلوق ، وقالت الأشاعرة : ~~كلام الله صفة ذات لم تزل ، وليس بمخلوق ، وهو غير علم الله ، وليس لله ~~تعالى إلا كلام واحد . واحتج لأحمد بأن الدلائل القاطعة قامت على أن الله ~~تعالى لا يشبهه PageV02P094 شيء من خلقه بوجه من الوجوه ، فلما كان كلامنا ~~غيرنا وكان مخلوقا ، وجب أن يكون كلام الله ليس غيره ، وليس مخلوقا ، وأطال ~~في الرد على المخالفين لذلك . وقال أيضا : اختلفوا . فقالت الجهمية ~~والمعتزلة ، وبعض الزيدية ، والإمامية ، وبعض الخوارج : كلام الله مخلوق ، ~~خلقه بمشيئته وقدرته في بعض الأجسام ، كالشجرة حين كلم موسى . وحقيقة قولهم ~~: أن الله تعالى لا يتكلم ، وإن نسب إليه ذلك فبطريق المجاز . وقالت ~~المعتزلة : يتكلم حقيقة ، لكن يخلق ذلك الكلام في غيره ، وقالت الكرامية : ~~الكلام صفة واحدة قديمة العين ، لازمة لذات الله . كالحياة ، وأنه لا يتكلم ~~بمشيئته وقدرته وتكليمه من كلمه : إنما هو خلق إدراك له يسمع به الكلام ، ~~ونداؤه لموسى لم يزل ، لكنه أسمعه ذلك حين ناداه . PageV02P095 ويحكى عن ~~الماتريدي الحنفي أبي منصور نحوه ، لكن قال : خلق صوتا حين ناداه فأسمعه ~~كلامه . وزعم بعضهم : أن هذا مراد السلف القائلين : إن القرآن ليس بمخلوق . ~~[ وقالوا إذا كان الكلام قديما لعينه ، لازما لذات الرب ms186 ، وثبت أنه ليس ~~بمخلوق ] فالحروف ليست قديمة ؛ لأنها متعاقبة ، وما كان مسبوقا بغيره ~~ومفقودا حين التلفظ بغيره لم يكن قديما ، والكلام القديم معنى قائم بالذات ~~لا يتعدد ولا يتجزأ ، بل هو معنى واحد إن عبر عنه بالعربية : PageV02P096 ~~فقرآن ، أو بالعبرانية : فتوراة مثلا . وذهب بعض الحنابلة وغيرهم إلى أن ~~القرآن العربي كلام الله ، وكذلك التوراة ، وأن الله لم يزل متكلما إذا شاء ~~، وأنه تكلم بحروف القرآن ، وأسمع من شاء من الملائكة والأنبياء صوته ، ~~وقالوا : إن هذه الحروف والأصوات قديمة العين ، لازمة للذات ، ليست متعاقبة ~~، بل لم تزل قائمة بذات مقترنة لا تسبق ، والتعاقب إنما يكون في حق المخلوق ~~، بخلاف الخالق . وذهب أكثر هؤلاء إلى أن الأصوات والحروف هي المسموعة من ~~القارئين ، وأبى ذلك كثير منهم ، فقالوا : ليست هي المسموعة من القارئين . ~~وذهب بعضهم إلى أنه متكلم بالقرآن العربي بمشيئته وقدرته بالحروف والأصوات ~~القائمة بالذات ، وهو غير مخلوق ، لكنه في الأزل لم يتكلم ، لامتناع وجود ~~الحادثات في الأزل ، فكلامه حادث في ذاته ، لا محدث . PageV02P097 وذهب ~~الكرامية : إلى أنه حادث في ذاته ومحدث . وذكر الفخر الرازي : أن قول من ~~قال : إنه تعالى يتكلم بكلام يقوم بذاته ومشيئته واختياره : هو أصح الأقوال ~~نقلا وعقلا ، وأطال . والمحفوظ عن جمهور السلف ترك الخوض في ذلك والتعمق ~~فيه ، والاقتصار على القول بأن القرآن كلام الله تعالى ، وأنه غير مخلوق ، ~~ثم السكوت عما وراء ذلك . قاله ابن حجر . وقال ابن حجر أيضا : اختلف أهل ~~الكلام في أن كلام الله هل هو بحرف وصوت أم لا ؟ فقالت المعتزلة : لا يكون ~~الكلام إلا بحرف وصوت . والكلام المنسوب إلى الله تعالى قائم بالشجرة . ~~وقالت الأشاعرة : كلامه ليس بحرف ولا صوت ، وأثبتت الكلام PageV02P098 ~~النفسي ، وحقيقته : معنى قائم بالنفس وإن اختلفت عنه العبارة ، كالعربية ~~والعجمية ، واختلافها لا يدل على اختلاف المعبر عنه ، والكلام النفسي هو ~~ذلك المعبر عنه . وأثبت الحنابلة أن الله تكلم بحرف وصوت . أما الحروف : ~~فللتصريح بها في ظاهر القرآن ، وأما الصوت : فمن منع منه قال : إن الصوت هو ~~الهواء المتقطع ms187 المسموع من الحنجرة ، وأجاب من أثبته بأن الصوت الموصوف ~~بذلك هو المعهود من الآدميين كالسمع والبصر ، وصفات الرب بخلاف ذلك . فلا ~~يلزم المحذور المذكور ، مع اعتقاد التنزيه وعدم التشبيه . ويجوز أن يكون من ~~غير الحنجرة ، فلا يلزم التشبيه ، وقد قال عبد الله بن أحمد : سألت أبي عن ~~قوم يقولون : لما كلم PageV02P099 الله موسى لم يتكلم بصوت ؟ فقال لي أبي : ~~بل يتكلم بصوت ، وهذه الأحاديث تروى كما جاءت . وذكر حديث ابن مسعود وغيره ~~، قال أبو العباس بن تيمية في الرد على الرافضي : اضطرب الناس في مسألة ~~الكلام ، ولم يعرف أكثرهم قول السلف فيها ، بل يذكرون قولين وثلاثة وأقل ~~وأكثر ، مع أنها بلغت أقوالهم فيها إلى تسعة . أحدها : أن كلام الله هو ما ~~يفيض على النفوس من المعاني ، إما من PageV02P100 العقل الفاعل عند بعضهم ، ~~أو من غيره عند بعض آخر ، وهو قول الصابئة والمتفلسفة ، كابن سينا وأمثاله ~~. الثاني : قول المعتزلة : أنه مخلوق خلقه الله منفصلا عنه . الثالث : ~~للكلابية والأشعرية ونحوها : أنه معنى واحد قائم بذات الله ، ليس بحرف ولا ~~صوت ، والكلام الذي بين الناس عبارة عنه ، وهو الأمر والنهي والخبر ~~والاستخبار ، فإن عبر عنه بالعربية : كان قرآنا ، PageV02P101 وإن عبر عنه ~~بالعبرية : كان توراة . الرابع : للسالمية وطائفة من المتكلمين والمحدثين ، ~~أنه حروف وأصوات مجتمعة في الأزل وذكره الأشعري عن طائفة نحو السالمية ، ~~فهو محدث مخلوق عندهم . الخامس : للكرامية ونحوهم : أنه حروف وأصوات ؛ لكن ~~تكلم الله تعالى بها بعد أن لم يكن متكلما . السادس : للرازي في إشكاله ~~مثلا ، وصاحب المعتبر : أن PageV02P102 كلامه يرجع إلى ما يحدثه من علمه ~~وإرادته القائم بذاته . السابع : لأبي منصور الماتريدي : أن كلامه يتضمن ~~معنى قائما بذاته هو ما خلقه في غيره . الثامن : لأبي المعالي ومن تبعه : ~~أنه مشترك بين المعنى القديم القائم بالذات ، وبين ما يخلقه في غيره من ~~الأصوات . التاسع : أنه يقال : لم يزل الله متكلما إذا شاء ومتى شاء وكيف ~~شاء بكلام يقوم به ، وهو يتكلم بصوت يسمع ، وأن نوع الكلام قديم ، وإن لم ~~يكن الصوت المعين ms188 قديما . وهذا القول : هو المأثور عن أئمة الحديث والسنة . ~~ومن أعظم القائلين به : إمامنا أحمد والبخاري وابن المبارك وعثمان بن سعيد ~~الدارمي ونحوهم . PageV02P103 وقال الحافظ ابن حجر : نص الإمام أحمد في ~~كتاب الرد على الجهمية : أن كلام الله غير مخلوق ، وأنه لم يزل متكلما إذا ~~شاء كيف شاء ومتى شاء بلا كيف . قال القاضي : قوله : إذا شاء ، أي أن ~~يسمعنا . قال أحمد : لم يزل الله يأمر بما شاء ويحكم . ثم قال ابن حجر : ~~وافترق أصحاب أحمد فرقتين . فمنهم من قال : كلامه لازم لذاته . والحروف ~~والأصوات مقترنة لا متعاقبة . ويسمع كلامه من شاء ، وأكثرهم أنه يتكلم بما ~~شاء إذا شاء . وأنه نادى موسى حين كلمه ، ولم يكن ناداه من قبل . والذي ~~استقر عليه قول الأشعرية : أن القرآن كلام الله غير مخلوق مكتوب في المصاحف ~~، محفوظ في الصدور ، مقروء بالألسنة . قال تعالى ( { فأجره حتى يسمع كلام ~~الله } ) ( { بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم } ) وفي الحديث { ~~لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو PageV02P104 كراهة أن يناله العدو } وليس ~~المراد ما في الصدور ، بل ما في المصحف . وأجمع السلف على أن الذي بين ~~الدفتين كلام الله تعالى . وقال بعضهم : القرآن يطلق ويراد به المقروء ، ~~وهو الصفة القديمة ، ويطلق ويراد به القراءة . وهي الألفاظ الدالة على ذلك ~~. وبسبب ذلك وقع الاختلاف . وأما قولهم عن الحروف والأصوات : فمرادهم ~~الكلام النفسي القائم بالذات المقدسة ، وهو من الصفات الموجودة القديمة . ~~وأما الحروف : فإن كانت بحركات أو أدوات ، كاللسان والشفتين ، فهي أعراض ؛ ~~وإن كانت كتابة فهي أجسام ، وقيام الأجسام والأعراض بذات الله محال ، ويلزم ~~من أثبت ذلك أن يقول بخلق القرآن ، وهو يأبى ذلك ويفر منه . فألجأ ذلك ~~بعضهم PageV02P105 إلى أن ادعى قدم الحروف ، كما التزمته السالمية . ومنهم ~~من التزم قيام ذلك بذاته . ومن شدة اللبس في هذه المسألة كثر نهي السلف عن ~~الخوض فيها . واكتفوا باعتقاد أن القرآن غير مخلوق ، ولم يزيدوا على ذلك ~~شيئا ، وهو أسلم الأقوال إن شاء الله تعالى وهو المستعان . وقال أبو ms189 العباس ~~أيضا : لم يكن في كلام الإمام أحمد ولا الأئمة أن الصوت الذي تكلم به قديم ~~، بل يقولون : لم يزل الله متكلما إذا شاء بما شاء وكيف شاء ، كقول أحمد ~~والبخاري وابن المبارك . وقال ، رادا على الرافضي : من العلماء من يقول : ~~لم يزل الله متكلما إذا شاء وكيف شاء . كقول أئمة الحديث والسنة ، كعبد ~~الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما من أئمة السلف . وقال : قد تنازع ~~الناس في معنى كون القرآن غير مخلوق . هل المراد به أن نفس الكلام قديم ~~أزلي كالعلم ، أو أن الله تعالى لم يزل موصوفا بأنه متكلم PageV02P106 ~~يتكلم إذا شاء ؟ على قولين . ذكرهما الحارث المحاسبي عن أهل السنة ، وأبو ~~بكر عبد العزيز في كتاب الشافي عن أصحاب أحمد . وذكرهما أبو عبد الله بن ~~حامد في أصوله ا ه . وقال الحافظ زين الدين بن رجب في المناقب : ومن البدع ~~التي أنكرها أحمد في القرآن : قول من قال : إن الله تكلم بغير صوت . فأنكر ~~هذا القول وبدع قائله . وقد قيل : إن الحارث المحاسبي إنما هجره أحمد لأجل ~~ذلك . انتهى . قال أبو العباس : وهذا سبب تحذير أحمد من الحارث المحاسبي ~~ونحوه من الكلابية . كما أمر بهجر القائل بأن الله لما خلق الحروف انتصبت ~~الألف وسجدت الباء ، وشدد في التنفير عنه . ولما أظهروا ذلك أمر ~~PageV02P107 بهجرهم كما أمر السري السقطي الجنيد أن يتقي بعض كلام الحارث ~~المحاسبي . فذكروا أن الحارث رحمه الله تاب من ذلك ، واشتهر علما وفضلا ~~وحقائق وزهدا . ونقل عنه أبو بكر الكلاباذي . وقالت طائفة من الصوفية : ~~كلام PageV02P108 الله حروف وأصوات ، وأنه لا يعرف كلام إلا كذلك ، مع ~~إقرارهم أنه صفة الله تعالى في ذاته ، وأنه غير محدث . قال : وهو الحارث ~~المحاسبي ، ومن المتأخرين ابن سالم . قال ابن رجب : قال عبد الله بن أحمد : ~~سألت أبي عن إنكار الجهمية كلام الله لموسى ، وعن قوم أنكروا صوت الله ~~تعالى ؟ فقال لي : بل تكلم الله بصوت . هذه الأحاديث يمرونها كما جاءت . ~~وقال أبي : حدثنا ابن مسعود ' إذا تكلم الله ms190 سمع له صوت كمر السلسلة على ~~الصفوان ' PageV02P109 وروى الخلال عن محمد بن علي عن يعقوب بن بختان قال : ~~سئل أحمد عمن زعم أن الله لم يتكلم بصوت ؟ فقال : بل تكلم بصوت . هاتان ~~الروايتان صحتا عن الإمام أحمد بلا شك . وقال البخاري في كتابه خلق أفعال ~~العباد : ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه { كان يحب أن يكون الرجل ~~خفيض الصوت } و { أن الله تعالى ينادي بصوت يسمعه من بعد ، كما يسمعه من ~~قرب ، فليس هذا لغير الله تعالى PageV02P110 وفي هذا دليل على أن صوت الله ~~تعالى لا يشبه صوت المخلوقين لأن [ صوت ] الله تعالى يسمعه من بعد ، كما ~~يسمعه من قرب ، وإن الملائكة يصعقون من صوته . فإذا نادى الملائكة لم ~~يصعقوا } وقال تعالى ( { فلا تجعلوا لله أندادا } ) فليس لصفة الله ند ولا ~~مثل ، ولا يوجد شيء من صفاته بالمخلوقين . هذا لفظه بعينه . وذكر حديثي ابن ~~أنيس وابن مسعود ، وتقدما . قال العلامة المرداوي . فإن قيل : أي المذاهب ~~أقرب إلى الحق والتحقيق من الأقوال التسعة ؟ قلت : إن صحت الأحاديث بذكر ~~الصوت فلا كلام ؛ في أنه أولى وأحرى وأصح من غيره ، مع الاعتقاد فيه بما ~~يليق بجلال الله تعالى وعظمته وكبريائه من غير تشبيه بوجه ما ألبتة . ثم ~~قال : وقد صحت الأحاديث بحمد الله تعالى ، وصححها الأئمة الكبار ~~PageV02P111 المعتمد عليهم ، كأحمد والبخاري ، وابن المبارك والرازي وغيرهم ~~، حتى الحافظ ابن حجر في زمننا . قال : وقد صحت هذه الأحاديث كلها في ذلك . ~~وكذلك صححها غيرهم من المحدثين وغيرهم . وفيه كفاية وهداية ، ولولا أن ~~الصادق المصدوق المعصوم قال ذلك ، لما قلناه ولا حمنا حوله . كما قال ~~السهروردي ذلك في عقيدته . فإن صفات الله سبحانه وتعالى لا تعرف إلا بالنقل ~~المحض من الكتاب العزيز ، أو من صاحب PageV02P112 الشريعة صلوات الله ~~وسلامه عليه . فتصحيح هؤلاء وإثباتهم للأحاديث بذكر الصوت أولى من نفي من ~~نفى أنه لم يأت في حديث واحد ذكر الصوت من وجوه . منها : أن المثبت مقدم ~~على النافي . ومنها عظم المصحح وجلالة قدره وكثرة اطلاعه ms191 ، لا سيما في ~~إثبات صفة الله تعالى مع الزهد العظيم والقدم المتين . أفيليق بأحمد ~~والبخاري ونحوهما من السلف الصالح إثبات صفة لله من غير دليل ويدينون الله ~~بها . ويعتقدونها ويهجرون من يخالفها من غير دليل صح عندهم ؟ فما الحامل ~~لنا أو لهم على ذلك ؟ وهل يعتقد هذا مسلم في مسلم فضلا عن أحمد والبخاري . ~~ثم الأسلم - بعد هذا المذهب من المذاهب التسعة - ما قاله ابن حجر : ~~الاكتفاء باعتقاد أن القرآن كلام الله غير مخلوق ، ولم يزيدوا على ذلك شيئا ~~. وقال : وهذا أسلم الأقوال ، لشدة اللبس ونهي السلف عن الخوض فيها . انتهى ~~. والظاهر - والله أعلم - أن السلف إنما اكتفى بذلك حسما لمادة الكلام فيه ~~، وما يترتب عليه من وقوع الناس فيما وقعوا فيه من الشبه الموجبة ~~PageV02P113 لخبط العقائد وسدا للذريعة ، لقول أحمد : من قال لفظي بالقرآن ~~مخلوق فهو جهمي . ومن قال : لفظي بالقرآن غير مخلوق : مبتدع . وإنما أطلنا ~~لأن غالب الناس في زمننا يزعمون أن القائل بأن الله يتكلم بصوت وحرف قديمين ~~غير متعاقبين من فوق السماء بقدرته ومشيئته إذا شاء وكيف شاء ، كما قرر ، ~~يكون كافرا . فهذا أحمد والبخاري وغيرهما ممن ذكرنا صرحوا بذلك . وقد سموا ~~مخالفه مبتدعا . واستدلوا بحديث أم سلمة وغيره . وقد أجمع على ذلك أصحاب ~~أحمد من زمنه إلى زمننا ، ولم يغادر منهم أحد ، كما قال إمامهم . وصنفوا في ~~ذلك كثيرا جدا . PageV02P114 وإذا نظر المنصف في كلام العلماء المقتدى بهم ~~. واطلع على ما قالوه في هذه المسألة علم الحق وعذر القائل ، وأحجم عن ~~المقالات التي لا تليق بمسلم أن يعتقدها في مسلم ، وعلم أن هذه من جملة ~~مسائل الصفات . ولهذا قال الحافظ العلامة ابن حجر : قد صحت الأحاديث بذلك . ~~فما بقي إلا التسليم أو التأويل ، فليس لأحد أن يدفع حديث النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويقول : بعقله هذه الأحاديث مشكلة ، ويلزم منها المحذور العظيم . ~~فيتبع قول هذا ، أو قول من اتبع الأحاديث على حكم صفات الله تعالى اللائقة ~~بجلاله وعظمته ؟ بل قد صرح أحمد في غير رواية ms192 منصوصة بجميع ذلك . وقال أحمد ~~: القرآن معجز بنفسه . فمن قال : القرآن مقدور على مثله ، ولكن منع الله ~~قدرتهم كفر ، بل هو معجز بنفسه ، والعجز شمل الخلق . PageV02P115 قال جماعة ~~من أصحابنا : كلام أحمد يقتضي أنه معجز في لفظه ومعناه ونظمه . كالحنفية ~~وغيرهم . وخالف القاضي في المعنى . واحتج لذلك بأن الله تعالى تحدى بمثله ~~في اللفظ والنظم . قيل للقاضي : لا نسلم أن الإعجاز في غير المعنى فقط ، بل ~~هو فيه أيضا . فقال : الدلالة على أن الإعجاز نظما ولفظا لا معنى : أشياء ، ~~منها : أن المعنى يقدر على مثله كل أحد يبين صحة هذا القول قوله تعالى ( { ~~قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات } ) وهذا يقتضي أن التحدي بألفاظها ، ولأنه ~~قال { مثله مفتريات } والكذب لا يكون مثل الصدق فدل على أن المراد به : ~~مثله في اللفظ والنظم . انتهى . وقال ابن حامد : هل يسقط الإعجاز في الحروف ~~المقطعة . أم هو باق ؟ الأظهر من جواب أحمد : أن الإعجاز فيها باق ، خلافا ~~للأشعرية . والله أعلم PageV02P116 ( وفي بعض آية ) من القرآن ( إعجاز ) ~~ذكره القاضي وغيره لقوله تعالى ' { فليأتوا بحديث مثله } قال في شرح ~~التحرير : والظاهر أنه أراد ما فيه الإعجاز ، وإلا فلا نقول في مثل قوله ~~تعالى { ثم نظر } ونحوها : إن في بعضها إعجازا وفيها أيضا . وهو واضح . ~~وقال أبو الخطاب والحنفية : لا إعجاز في بعض آية ، بل في آية . وهذا أيضا ~~ليس على إطلاقه . فإن بعض الآيات الطوال فيها إعجاز . وقال أبو المعالي في ~~الشامل وغيره : إنما يتحدى بالآية إذا كانت مشتملة على ما به التعجيز ، لا ~~في نحو قوله تعالى ' ثم نظر ' فيكون المعنى في قوله تعالى { فليأتوا بحديث ~~مثله } أي مثله في الاشتمال على ما به يقع الإعجاز لا مطلقا . وقال بعض ~~المحققين : القرآن كله معجز ، لكن منه ما لو انفرد لكان معجزا PageV02P117 ~~بذاته . ومنه ما إعجازه مع الانضمام إليه . وظاهر قوله سبحانه وتعالى { ~~فأتوا بسورة من مثله } أن الإعجاز يحصل بأقصر سورة منه ( ويتفاضل ) القرآن ~~، ويتفاضل أيضا ( ثوابه ) لظواهر الأحاديث . وبهذا قال إسحاق بن راهويه ms193 ~~وأبو بكر بن العربي والغزالي . وقال القرطبي : إنه الحق . ونقله عن جماعة ~~من العلماء والمتكلمين . PageV02P118 قال الغزالي في جواهر القرآن : لعلك ~~أن تقول : قد أشرت إلى تفضيل بعض آيات القرآن على بعض ، والكلام كلام الله ~~. فكيف يفارق بعضها بعضا ؟ وكيف يكون بعضها أشرف من بعض ؟ فاعلم أن نور ~~البصيرة إن كان لا يرشدك إلى الفرق بين آية الكرسي وآية المداينات ، وبين ~~سورة الإخلاص وسورة تبت . وترتاع على اعتقاد الفرق نفسك الخوارة المستغرقة ~~بالتقليد . فقلد صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم فهو الذي أنزل عليه ~~القرآن . وقال { يس : قلب القرآن ، وفاتحة الكتاب أفضل سور القرآن ، وآية ~~الكرسي سيدة آي القرآن ، وقل هو الله أحد : PageV02P119 تعدل ثلث القرآن } ~~والأخبار الواردة في فضائل القرآن ، وتخصيص بعض السور والآيات بالفضل ، ~~وكثرة الثواب في تلاوتها لا تحصى . انتهى . وذهب أبو الحسن الأشعري والقاضي ~~أبو بكر الباقلاني وابن حبان : إلى المنع . وروي هذا القول عن الإمام مالك ~~رضي الله عنه ، ولذلك : كره أن تردد سورة دون أخرى . قال ابن الحصار : ~~والعجب ممن ينكر الاختلاف في ذلك مع النصوص الواردة بالتفضيل . PageV02P120 ~~وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام : كلام الله في الله أفضل من كلامه في ~~غيره . فقل هو الله أحد : أفضل من تبت يدا أبي لهب . وقال في الإتقان في ~~علوم القرآن : اختلف القائلون بالتفضيل . فقال بعضهم : الفضل راجع إلى عظم ~~الأجر ومضاعفة الثواب بحسب انتقالات النفس وخشيتها ، وتدبرها وتفكرها عند ~~ورود أوصاف العلي . وقيل : بل يرجع لذات اللفظ ، وأن ما تضمنه قوله تعالى ( ~~{ وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم } ) وآية الكرسي ، وآخر ~~سورة الحشر ، وسورة الإخلاص من الدلالات على وحدانيته وصفاته ، ليس موجودا ~~مثلا في { تبت يدا أبي لهب } وما كان مثلها . فالتفضيل إنما هو بالمعاني ~~العجيبة وكثرتها . انتهى ( ويتفاوت إعجازه ) قال القاضي ، وابن عقيل ~~وغيرهما : في بعضه إعجاز أكثر من بعض . PageV02P121 قال في شرح التحرير ، ~~قلت : وهو صحيح ، وقد صرح به أئمة علماء البلاغة ( والبسملة منه ) أي من ~~القرآن عند أكثر ms194 العلماء . منهم عطاء والشعبي والزهري والثوري وابن المبارك ~~والشافعي وأحمد وإسحاق ، وأبو عبيد وداود ، PageV02P122 ومحمد بن الحسن ، ~~والصحيح عند أبي حنيفة ، وهو أيضا قول أكثر القراء السبعة وغيرهم ، ~~PageV02P123 وذهب مالك وأصحابه والأوزاعي وابن جرير الطبري وغيرهم إلى أنها ~~ليست بقرآن بالكلية ، وقاله بعض الحنفية . وروي عن أحمد ، لكن قال ابن رجب ~~في تفسير الفاتحة : في ثبوت هذه الرواية عن أحمد نظر . وعلى هذا القول : ~~تكون البسملة كالاستعاذة ، وعلى الأول ( لا ) تكون ( من الفاتحة ) على أصح ~~الروايتين عن الإمام أحمد ، وعليها معظم أصحابه ، والرواية الثانية : أنها ~~من الفاتحة ، اختارها ابن بطة وأبو PageV02P124 حفص العكبريان من أصحابنا ، ~~وهو منصوص الشافعي ( ولا تكفير باختلاف فيها ) أي ولا يكفر من قال إنها ~~ليست من القرآن ، ولا يكفر من قال إنها ليست من الفاتحة ، ولا من خالف في ~~ذلك . ولأنها ليست من القرآن القطعي ، بل من الحكمي ، وهو الأصح للشافعية ، ~~بناء على أنها هل هي قرآن على سبيل القطع ، كسائر القرآن ، أو على سبيل ~~الحكم ، لاختلاف العلماء فيها ؟ وقد حكى النووي : أنه لا يكفر النافي بأنها ~~قرآن إجماعا . PageV02P125 قال ابن الحاجب : وقوة الشبهة في بسم الله ~~الرحمن الرحيم منعت من التكفير من الجانبين . قال بعضهم : لكن هذا إنما هو ~~إذا أثبتناها قرآنا قطعيا . أما إذا أثبتناها حكميا . فليس هنا مقتض ~~للتكفير ، حتى يدفع بالشبهة ( وهي ) أي البسملة ( آية فاصلة بين كل سورتين ~~) قال في شرح التحرير : وهذا منصوص الإمام أحمد رضي الله عنه وعليه أصحابه ~~. قال ابن رجب في تفسير سورة الفاتحة : وهو الصحيح عند أبي حنيفة ( سوى ~~براءة ) يعني إلا براءة . فإنها لم تكن البسملة في أولها إجماعا . إما ~~لكونها أمانا . وهذه السورة نزلت بالسيف ، كما قال ابن PageV02P126 عباس . ~~وقد كشفت أسرار المنافقين . ولذلك تسمى الفاضحة ، وإما لأنها متصلة ~~بالأنفال سورة واحدة ، وإما لغير ذلك ، على أقوال ( و ) البسملة أيضا ( ~~بعضها ) أي بعض آية ( من ) سورة ( النمل ) إجماعا . فهي قرآن فيها قطعا ( و ~~) القراءات ( السبع متواترة ) عند الأئمة الأربعة وغيرهم من الأئمة من ~~علماء ms195 السنة . نقله السرخسي من أصحاب الشافعي في كتاب الصوم من الغاية . ~~وقال : قالت المعتزلة : آحاد انتهى . واستدل من قال : إنها آحاد كالطوفي في ~~شرحه . قال : والتحقيق PageV02P127 أنها تواترت عنهم لا إليهم - بأن أسانيد ~~الأئمة السبعة بهذه القراءات السبع إلى النبي صلى الله عليه وسلم موجودة في ~~كتب القراءات . وهي نقل الواحد عن الواحد ، لم تستكمل شروط التواتر . ورد ~~بأن انحصار الأسانيد في طائفة لا يمنع مجيء القراءات عن غيرهم . فقد كان ~~يتلقى القراءة من كل بلد بقراءة إمامهم الذي من الصحابة أو من غيرهم : الجم ~~الغفير عن مثلهم . وكذلك دائما ، فالتواتر حاصل لهم ، ولكن الأئمة الذين ~~قصدوا ضبط الحروف وحفظوا شيوخهم فيها جاء السند من قبلهم . وهذا كالأخبار ~~الواردة في حجة الوداع هي آحاد ، ولم تزل حجة الوداع منقولة عمن يحصل بهم ~~التواتر عن مثلهم في كل عصر . فينبغي أن يتفطن لذلك ، ولا يغتر بقول من قال ~~: إن أسانيد القراء تشهد بأنها آحاد . وإذا تقرر هذا ، فاستثنى ابن الحاجب ~~ومن تبعه من المتواتر ما كان من PageV02P128 قبيل صفة الأداء ، كالمد ~~والإمالة وتخفيف الهمزة ونحوه . ومراده : مقادير المد وكيفية الإمالة لا ~~أصل المد والإمالة . فإن ذلك متواتر قطعا . فالمقادير ، كمد حمزة وورش . ~~فإنه قدر ست ألفات . وقيل : خمس . وقيل : أربع . ورجحوه . ومد عاصم : قدر ~~ثلاث ألفات ، PageV02P129 والكسائي : قدر ألفين ونصف وقالون : قدر ألفين ، ~~والسوسي : قدر ألف ونصف ونحو ذلك . وكذلك الإمالة تنقسم إلى محضة . وهي أن ~~ينحني بالألف إلى الياء ، PageV02P130 وبالفتحة إلى الكسرة ، وإلى بين بين ~~. وهي كذلك ، إلا أنها تكون إلى الألف والفتحة أقرب ، وهي المختارة عند ~~الأئمة . أما أصل التخفيف في الهمزة والتشديد فمتواتر ، وأما كون أن من ~~القراء من يسهله . ومنهم من يبدله ونحو ذلك . فهذه الكيفية هي التي ليست ~~متواترة . ولهذا كره الإمام أحمد رضي الله عنه وجماعة من السلف قراءة حمزة ~~لما فيها من طول المد والكسر والإدغام ونحو ذلك ؛ لأن الأمة إذا أجمعت على ~~فعل شيء لم يكره فعله . وهل يظن عاقل أن الصفة التي ms196 فعلها النبي صلى الله ~~عليه وسلم وتواترت إلينا يكرهها أحد من المسلمين ؟ فعلمنا بهذا أن هذه ~~الصفات ليست متواترة ، وهو واضح . وهو ظاهر كلام أحمد وجمع ، وكذلك قراءة ~~الكسائي ؛ لأنها كقراءة حمزة في الإمالة والإدغام . كما نقله السرخسي في ~~الغاية . PageV02P131 فلو كان ذلك متواترا لما كرهه أحد من الأئمة . وزاد ~~أبو شامة الألفاظ المختلف فيها بين القراء أي اختلفوا في صفة تأديتها . ~~كالحرف المشدد ، يبالغ بعضهم فيه حتى كأنه يزيد حرفا ، وبعضهم لا يرى ذلك ، ~~وبعضهم يرى التوسط بين الأمرين ، وهو ظاهر ، ويمكن دخوله تحت قول ابن ~~الحاجب في الاحتراز عنه في استثنائه ما ليس من قبيل الأداء ، لكن قال ابن ~~الجزري : لا نعلم أحدا تقدم ابن الحاجب إلى ذلك ؛ لأنه PageV02P132 إذا ثبت ~~تواتر اللفظ ثبت تواتر هيئته ؛ إذ اللفظ لا يقوم إلا به ، ولا يصح إلا ~~بوجوده ( ومصحف عثمان ) بن عفان ( رضي الله عنه ) الذي كتبه وأرسل منه إلى ~~الآفاق مصاحف عديدة ( أحد الحروف السبعة ) قال الشيخ تقي الدين قال أئمة ~~السلف : مصحف عثمان رضي الله عنه أحد الحروف السبعة . وقال العلامة أبو ~~شامة الفقيه المحدث الإمام في القراءات في كتابه المرشد : إن القراءات التي ~~بأيدي الناس من السبعة والعشرة وغيرها PageV02P133 هي حرف من قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم { أنزل القرآن على سبعة أحرف } انتهى ا ه . ( فتصح الصلاة ) ~~بقراءة ( ما وافقه وصح ) سنده ( وإن لم يكن ) ما قرأ به المصلي ( من ) ~~القراءات ( العشرة ) نص على ذلك الإمام أحمد . قال ابن مفلح في فروعه : ~~وتصح بما وافق مصحف عثمان وفاقا للأئمة الأربعة . وقال ابن الجزري في كتاب ~~النشر في القراءات العشر : كل قراءة وافقت إحدى المصاحف العثمانية ولو ~~احتمالا . ووافقت العربية ولو بوجه واحد . وصح سندها . فهي القراءة الصحيحة ~~التي لا يحل لمسلم أن PageV02P134 ينكرها ، سواء كانت عن السبعة ، أو عن ~~العشرة ، أو عن غيرهم من الأئمة المقبولين . ومتى اختل ركن من هذه الأركان ~~الثلاثة : أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة ، كانت عن السبعة ، أو عمن هو ms197 ~~أكبر منهم . هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف . صرح به ~~الداني ، ومكي ، PageV02P135 والمهدوي ، وأبو شامة . وهو مذهب السلف الذي ~~لا يعرف عن أحد منهم خلافه . انتهى ( و ) ما كان مما ورد ( غير متواتر ، ~~وهو ما خالفه ) أي خالف مصحف عثمان ( ليس بقرآن ، فلا تصح ) الصلاة ( به ) ~~لأن القرآن لا يكون إلا متواترا ، وهذا غير متواتر . فلا يكون قرآنا فلا ~~تصح الصلاة به على الأصح . وعنه تصح . رواه ابن وهب عن مالك . واختاره ابن ~~الجوزي . والشيخ PageV02P136 تقي الدين ، وبعض الشافعية ، لصلاة الصحابة به ~~بعضهم خلف بعض . وكان المسلمون يصلون خلف أصحاب هذه القراءات ، كالحسن ~~البصري ، وطلحة بن مصرف والأعمش وغيرهم من أضرابهم . ولم PageV02P137 ينكر ~~ذلك أحد عليهم . واختار المجد : أنها لا تجزئ عن ركن القراءة ( وما صح منه ~~) أي مما لم يتواتر ( حجة ) عند أحمد وأبي حنيفة والشافعي فيما حكاه عنه ~~البويطي في باب الرضاع ، وفي تحريم الجمع ، وعليه أكثر أصحابه . ~~PageV02P138 واحتج العلماء على قطع يمنى السارق بقراءة ابن مسعود ' ~~والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم ' واحتجوا أيضا بما نقل عن مصحف ابن ~~مسعود ' فصيام ثلاثة أيام متتابعات ' وقالوا : لأنه إما قرآن أو خبر ، ~~وكلاهما موجب للعمل . وقول المخالف ' يحتمل أنه مذهب له ، ثم نقله قرآنا ' ~~خطأ لوجوب تبليغ الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم إلى من يحصل بخبره ~~العلم مردود ، إذ نسبة الصحابي رأيه إلى الرسول كذب وافتراء لا يليق به . ~~فالظاهر صدق النسبة ، والخطأ المذكور إن سلم لا يضر ؛ إذ المضر حينئذ كونه ~~قرآنا لا خبرا ، كما ذكرناه ، وهو كاف . قال ابن مفلح . قال : الخصم لم ~~يصرح بكونه قرآنا ، ثم لو صرح فعدم PageV02P139 شرط القراءة لا يمنع صحة ~~سماعه . فيقول : هو مسموع من الشارع . وكل قول حجة . وهذا واضح . انتهى . ~~وعن أحمد والشافعي ومالك رواية : ليس بحجة ( وتكره قراءته ) أي قراءة ما صح ~~من غير المتواتر . نص عليه الإمام أحمد رضي الله عنه وقدمه ابن مفلح في ~~فروعه وغيره نحو قوله تعالى { والليل إذا يغشى والنهار إذا ms198 تجلى وما خلق ~~الذكر والأنثى } ( وما اتضح معناه ) من القرآن فهو ( محكم ) مفعل من أحكمت ~~الشيء أحكمه إحكاما . فهو محكم إذا أتقنته . فكان في غاية ما ينبغي من ~~PageV02P140 الحكمة . ومنه : بناء محكم ، أي ثابت يبعد انهدامه . وذلك ~~كالنصوص والظواهر ؛ لأنه من البيان في غاية الإحكام والإتقان ( وعكسه ) أي ~~عكس المحكم ( متشابه ) وهو ما لم يتضح معناه . إما ( لاشتراك ) كالعين ~~والقرء ونحوهما من المشتركات أو ( إجمال ) وهو إطلاق اللفظ بدون بيان ~~المراد منه . كالمتواطئ في قوله تعالى ( { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } ~~) وعدم تقدير الحق في قوله تعالى ( { وآتوا حقه يوم حصاده } ) ( أو ظهور ~~تشبيه . كصفات الله تعالى ) أي كآيات الصفات وأخبارها . فاشتبه المراد منها ~~على الناس . فلذلك قال قوم بظاهره فشبهوا وجسموا ، وتأول قوم : فحرفوا ~~وعطلوا . وتوسط قوم : فسلموا ، وهم أهل السنة وأئمة السلف الصالح . ~~PageV02P141 وقيل : المحكم ما عرف المراد به ، إما بالظهور ، وإما بالتأويل ~~. والمتشابه : ما استأثر الله سبحانه وتعالى بعلمه ، كقيام الساعة ، وخروج ~~الدجال ، والدابة ، والحروف المقطعة في أوائل السور . وقيل : المحكم ما لا ~~يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا . والمتشابه : ما احتمل أوجها . وقيل : ~~المحكم ما كان معقول المعنى ، والمتشابه بخلافه ، كأعداد الصلوات واختصاص ~~الصيام برمضان دون شعبان . قاله الماوردي . وقيل : المحكم ما استقل بنفسه . ~~والمتشابه : ما لا يستقل بنفسه إلا برده إلى غيره . وقيل : المحكم ما ~~تأويله تنزيله . والمتشابه : ما لا يدرى إلا بالتأويل . وقيل : المحكم ما ~~لا تتكرر ألفاظه ، ومقابله المتشابه . PageV02P142 وقيل : المحكم الفرائض ~~والوعد والوعيد ، والمتشابه القصص والأمثال . وعن عكرمة وقتادة وغيرهما : ~~أن المحكم الذي يعمل به ، والمتشابه الذي يؤمن به ولا يعمل به ( وليس فيه ) ~~أي في القرآن ( ما لا معنى له ) في الصحيح على القول بأن المسألة ذات خلاف ~~. | قال القرافي في شرح جمع الجوامع : والظاهر أن خلافهم فيما له معنى ولا ~~نفهمه ، أما ما لا معنى له أصلا فمنعه محل وفاق . اه . PageV02P143 وما ~~قاله ظاهر ؛ لأنه لا يخالف فيه إلا جاهل أو معاند لأن ما لا معنى له هذيان ~~لا ms199 يليق أن يتكلم به عاقل . فكيف بالباري سبحانه وتعالى ؟ لكن حكي عن ~~الحشوية وقوعه في الحروف المقطعة في أوائل السور . وفي قوله تعالى ( { كأنه ~~رءوس الشياطين } ) وقوله تعالى ( { تلك عشرة كاملة } ) وقوله تعالى ( { ~~نفخة واحدة } ) وقوله تعالى ( { لا تتخذوا إلهين اثنين } ) ونحوه . وأجاب ~~الجمهور : بأن الحروف المقطعة : إما أسماء السور ، أو أسماء الله تبارك ~~وتعالى ، أو سر الله تعالى في كتابه مما استأثر بعلمه أو غيرها مما هو ~~مذكور في التفاسير ، وبأن رءوس الشياطين مثل في الاستقباح ، PageV02P144 ~~على عادة العرب في ضرب الأمثال مما يتخيلونه قبيحا . قال ابن قاضي الجبل : ~~ورءوس الشياطين : استقر قبحها في الأنفس فشبه بها . كقول امرئ القيس : ~~أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال فشبهها بأنياب الأغوال ~~لقبحها المستقر وإن لم يكن لها حقيقة . كذلك ذكره المازري . PageV02P145 ~~وقوله { عشرة كاملة } فيه شيئان : الجمع والتأكيد بالكمال . وجواب الجمع : ~~رفع المجاز المتوهم في الواو العاطفة ؛ إذ يجوز استعمالها بمعنى أو مجازا . ~~كقوله تعالى ( { أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع } ) والتأكيد أفاد عدم النقص ~~في الذات ، كما قال تعالى ( { حولين كاملين } ) أو عدم النقص في الأجر ، ~~دفعا لتوهم النقص بسبب التأخير ، ووصف النفخة بالواحدة إبعاد للمجاز وتقرير ~~لوحدتها بسبب المفرد ؛ لأن الواحد قد يكون بالجنس . وقوله { إلهين اثنين } ~~قال صاحب المثل السائر : التكرير في المعنى يدل على معنيين مختلفين . ~~كدلالته على الجنس والعدد ، وهو باب من التكرير مشكل ؛ لأنه يسبق إلى الذهن ~~أنه تكرير محض يدل على معنى واحد . وليس كذلك . فالفائدة إذا في قوله ' { ~~إلهين اثنين } وإله واحد : هي أن الاسم الحامل لمعنى الإفراد والتثنية دال ~~على الجنسية والعدد المخصوص . فإذا أريدت الدلالة على أن المعنى به واحد ~~منهما ، وكان الذي يساق إليه هو العدد شفع بما يؤكده . وهذا دقيق المسلك . ~~PageV02P146 وألحق الرازي في المحصول كلام الرسول صلى الله عليه وسلم بكلام ~~الله تعالى . فقال : لا يجوز أن يتكلم الله ورسوله بشيء ولا يعني به شيئا ، ~~خلافا للحشوية . وسموا حشوية ؛ لأنهم كانوا يجلسون في حلقة الحسن البصري ~~أمامه . فلما ms200 أنكر كلامهم قال : ردوهم إلى حشو الحلقة ، أي جانبها . وقال ~~ابن الصلاح : بفتح الشين غلط ، وإنما هو بالإسكان . وكذا قال البرماوي : ~~بالسكون . لأنه إما من الحشو ، لأنهم يقولون بوجود الحشو الذي لا معنى له ~~في كلام المعصوم ، أو لقولهم بالتجسيم ونحو ذلك ( و ) ليس في القرآن ما ( ~~لا ) أي شيء ( معني به غير ظاهره ) وهذا قول أئمة المذاهب وأتباعهم ؛ لأنه ~~يرجع في ذلك إلى مدلول اللغة فيما اقتضاه نظام الكلام ، ولأن اللفظ بالنسبة ~~إلى غير الظاهر كالمهمل ( إلا بدليل ) للاحتراز من ورود العام وتأخر المخصص ~~له ونحوه . وقالت المرجئة : يجوز ذلك ، ونفوا ضرر العصيان مع مجامعة ~~الإيمان . فقالوا : لا تضر مع الإيمان معصية ، كما لا ينفع مع الكفر طاعة ، ~~زاعمين أن آيات الوعيد لتخويف الفساق ، وليست على ظاهرها ، بل المراد بها ~~خلاف PageV02P147 الظاهر ، وإن لم يبين الشرع ذلك . واحتجوا بقوله تعالى ( ~~{ وما نرسل بالآيات إلا تخويفا } ) وجوابه من وجوه . أحدها : إنما كان ذلك ~~تخويفا لنزول العذاب ووقوعه . الثاني : أنه باطل بأحكام الدنيا من القصاص ~~وقطع يد السارق ونحوها . الثالث : أنه إذا فهم أنه للتخويف ، لم يبق ~~للتخويف فائدة . قال البرماوي : محل الخلاف في آيات الوعيد وأحاديثه . لا ~~في الأوامر والنواهي ( وفيه ) أي في القرآن ( ما لا يعلم تأويله إلا الله ~~تعالى ) عند جمهور العلماء . قال ابن عقيل في الواضح : ليس ببدع أن يكون ~~فيه ما يتشابه لنؤمن بمتشابهه ونقف عنده . فيكون التكليف به هو الإيمان به ~~جملة ، PageV02P148 وترك البحث عن تفصيله . كما كتم الروح والساعة والآجال ~~وغيرها من الغيوب ، وكلفنا التصديق بها دون أن يطلعنا على علمه . انتهى . ~~وهذا مذهب سلف هذه الأمة . واختاره صاحب المحصول ، بناء على تكليف ما لا ~~يطاق . قال البرماوي : حكى ابن برهان وجهين في أن كلام الله تعالى : هل ~~يشتمل على ما لا يفهم معناه ؟ ثم قال : والحق التفصيل بين الخطاب الذي ~~يتعلق به تكليف ، فلا يجوز أن يكون غير مفهوم المعنى ، وما لا يتعلق به ~~تكليف فيجوز ( ويمتنع دوام ) ( إجمال ما فيه تكليف ) قال ms201 أبو المعالي ، ~~والقشيري : ما فيه تكليف يمتنع دوام إجماله ، وإلا فلا . واختاره التاج ~~السبكي والبرماوي ، وقال المجد في المسودة : ثم بحث أصحابنا يقتضي فهمه ~~إجمالا PageV02P149 لا تفصيلا . وعن ابن عقيل : لا ، وأنه يتعين لا أدري ، ~~كقول أكثر الصحابة والتابعين ، أو تأويله . قال ابن مفلح : كذا قال ، مع ~~قوله : إن المحققين قالوا : في ' سميع بصير ' يسكت عما به يسمع ويبصر ، أو ~~تأويله بإدراكه ، وأما تأويله بما يوجب تناقضا أو تشبيها فزيغ . وقوله - ~~يعني ابن عقيل - في قوله تعالى ( { وما يعلم تأويله إلا الله } ) أي كنه ~~ذلك ( ويوقف ) في الأصح المختار ( على { إلا الله } لفظا ومعنى لا ) على { ~~والراسخون في العلم } PageV02P150 قال ابن قاضي الجبل : هذا قول عامة السلف ~~والأعلام . قال الخطابي : هو مذهب أكثر العلماء ، وروي معناه عن ابن مسعود ~~وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة . قال البغوي في تفسيره : هو قول الأكثرين ~~منهم : أبي بن كعب PageV02P151 وعائشة وعروة بن الزبير ، ورواية طاوس عن ~~ابن عباس ، وبه قال الحسن وأكثر التابعين . واختاره الكسائي والفراء ~~والأخفش ، وقالوا : لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله ، وخالف الآمدي وجمع ، ~~منهم من أصحابنا : أبو البقاء في إعرابه . قال النووي في شرح مسلم : ~~الراسخون يعلمون تأويله . PageV02P152 قال ابن قاضي الجبل : هو قول عامة ~~المتكلمين . قال الطوفي في شرحه ، قال المؤولة - وهم المعتزلة والأشعرية ~~ومن وافقهم - الوقف التام على قوله تعالى ( { والراسخون في العلم } ) وقيل ~~: الخلاف في ذلك لفظي . فإن من قال : إن الراسخ في العلم يعلم تأويله ، ~~أراد به أنه يعلم ظاهره لا حقيقته ، ومن قال : لا يعلم : أراد به لا يعلم ~~حقيقته ، وإنما ذلك إلى الله تعالى . والحكمة في إنزال المتشابه : ابتلاء ~~العقلاء . وقال أبو إسحاق الشيرازي الشافعي والسهيلي : الوقف على { إلا ~~الله } PageV02P153 ويعلمه الراسخون ، وإنما امتنع العطف لمخالفة علم الله ~~تعالى لعلم الراسخين ؛ لأن علمهم ضروري ونظري ، بخلاف علم الله تعالى . ~~وقيل : بالوقف مطلقا ، فلا يجزم بواحد من هذه الأقوال لتعارض الأدلة . قاله ~~القفال الشاشي ، واستدل من قال بالأول بسياق الآية في ذم مبتغي التأويل ms202 ~~وقوله تعالى ( { آمنا به كل من عند ربنا } ) ولأن واو { والراسخون } ~~للابتداء ، و ' يقولون ' خبره ؛ لأنها لو كانت عاطفة عاد ضمير ' يقولون ' ~~إلى PageV02P154 المجموع ، ويستحيل على الله ، وكان موضع ' يقولون ' : نصبا ~~حالا ، ففيه اختصاص المعطوف بالحال ، قالوا : خص ضمير ' يقولون ' بالراسخين ~~للدليل العقلي ، والمعطوف قد يختص بالحال مع عدم اللبس ، نظيره قوله تعالى ~~( { والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون } ) فيها قولان وقوله ~~تعالى ( { ويعقوب نافلة } ) قيل : حالا من يعقوب ؛ لأنها الزيادة . وقيل : ~~منهما ؛ لأنها العطية . وقيل : هي مصدر كالعاقبة معا ، وعامله معنى وهبنا . ~~ولنا أن الأصل عدم ذلك ، والأشهر خلافه . ولهذا في قراءة ابن مسعود ' إن ~~تأويله إلا عند الله ' وفي قراءة أبي ' ويقول الراسخون في العلم آمنا به ' ~~ومثله عن ابن عباس : لأنه كان يقرأ ' وما يعلم تأويله إلا الله ، ويقول ~~الراسخون في العلم آمنا به ' فهذا يدل على أن الواو للاستئناف ؛ لأن هذه ~~الرواية - وإن لم تثبت بها القراءة - فأقل درجاتها أن تكون خبرا ~~PageV02P155 بإسناد صحيح إلى ترجمان القرآن ، فيقدم كلامه في ذلك على من ~~دونه . قال الأسيوطي : قال الموفق في الآية قرائن تدل على أن الله تعالى ~~منفرد بعلم تأويل المتشابه . قال الفراء وأبو عبيد : الله هو المنفرد ، قال ~~في الروضة ، فإن قيل : كيف يخاطب الله تعالى الخلق بما لا يعقلونه ، أم كيف ~~ينزل على رسوله ما لا يطلع على تأويله ؟ قلنا : يجوز أن يكلفهم الإيمان بما ~~لا يطلعون على تأويله ، ليختبر طاعتهم كما قال تعالى ( { ولنبلونكم حتى ~~نعلم المجاهدين منكم والصابرين } ) ( { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها ~~إلا لنعلم من يتبع PageV02P156 الرسول } ) - الآية ( { وما جعلنا الرؤيا ~~التي أريناك إلا فتنة للناس } ) وكما اختبرهم بالإيمان بالحروف المقطعة ، ~~مع أنه لا يعلم معناها . والله أعلم ( ويحرم تفسيره ) أي تفسير القرآن ( ~~برأي واجتهاد بلا أصل ) للآثار الواردة في ذلك . وذكره القاضي محتجا بقوله ~~تعالى ( { أم تقولون على الله ما لا تعلمون } ) وبقوله تعالى ( { لتبين ~~للناس ما نزل إليهم } ) فأضاف التبيين إليه ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~عن ms203 النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { من قال في القرآن برأيه وبما لا ~~يعلم فليتبوأ مقعده من النار } رواه أبو داود والترمذي والنسائي وعن جندب ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ ~~} PageV02P157 رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ( ولا يحرم ) ~~تفسير القرآن ( بمقتضى اللغة ) عند الإمام أحمد رضي الله عنه وأكثر أصحابه ~~. | قال ابن قاضي الجبل : المنقول عن ابن عباس الاحتجاج في التفسير بمقتضى ~~اللغة كثير . ولأن القرآن عربي . فيجوز تفسيره بمقتضى لغة العرب . وعنه لا ~~يجوز تفسيره بمقتضى اللغة من غير دليل . اختاره القاضي أبو الحسين بن ~~القاضي أبي يعلى . وحمله المجد على الكراهة ، أو على صرفه عن ظاهره بقليل ~~من اللغة . ( فائدة ) قال الإمام أحمد رضي الله عنه : ثلاث كتب ليس فيها ~~أصول : المغازي ، والملاحم والتفسير . ليس غالبها الصحة . والله أعلم . ~~PageV02P158 # | ( باب ) # ( السنة لغة الطريقة ) ومنه قوله صلى الله عليه وسلم { من سن سنة حسنة ~~فله أجرها وأجر من عمل بها } - إلى آخره ' وتسمى بها أيضا : العادة والسيرة ~~. قال في البدر المنير : السنة السيرة . حميدة كانت أو ذميمة . وقال في ~~القاموس : السنة السيرة . ومن الله تعالى حكمه وأمره ونهيه . انتهى ( و ) ~~السنة شرعا و ( اصطلاحا ) أي في اصطلاح أهل الشرع ، تطلق تارة على ما يقابل ~~القرآن . ومنه حديث مسلم { يؤم القوم PageV02P159 أقرؤهم لكتاب الله تعالى ~~. فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة } وتطلق تارة على ما يقابل ~~الفرض وغيره من الأحكام الخمسة . وربما لا يراد بها إلا ما يقابل الفرض . ~~كفروض الوضوء والصلاة والصوم وسننها . فإنه لا يقابل بها الحرام ، ولا ~~المكروه فيها ، وإن كانت المقابلة لازمة للإطلاق ، لكنها لم تقصد . وتطلق ~~تارة على ما يقابل البدعة . فيقال : أهل السنة وأهل البدعة . واحترز بقوله ~~' اصطلاحا ' من السنة في العرف الشرعي العام . فإنها تطلق على ما هو أعم من ~~المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين ؛ لأنها في ~~اصطلاح علماء الأصول ( قول النبي صلى الله عليه ms204 وسلم غير الوحي ) أي غير ~~القرآن ( ولو ) كان أمرا منه ( بكتابة ) { كأمره صلى الله عليه وسلم عليا ~~رضي الله عنه بالكتابة يوم PageV02P160 الحديبية } . وقوله صلى الله عليه ~~وسلم { اكتبوا لأبي شاه } يعني الخطبة التي خطبها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأمره بالكتابة إلى الملوك ونحو ذلك ( وفعله ) صلى الله عليه وسلم . ~~واعلم أن القول وإن كان فعلا فهو عمل بجارحة اللسان . والغالب استعماله ~~فيما يقابل الفعل كما هنا ، حتى ( ولو ) كان الفعل PageV02P161 ( بإشارة ) ~~على الصحيح ؛ لأنه كالأمر به ، كما في حديث كعب بن مالك : { لما تقاضى ابن ~~أبي حدرد دينا له عليه في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وارتفعت أصواتهما ~~، حتى سمعها النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو في بيته . فخرج إليهما ، حتى ~~كشف حجرته فنادى فقال يا كعب . قال : لبيك يا رسول الله - فأشار إليه بيده ~~- أن ضع الشطر من دينك . فقال كعب : قد فعلت يا رسول الله . فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : قم فاقضه } رواه البخاري ومسلم . PageV02P162 واسم ~~ابن أبي حدرد : عبد الله ، واسم أبيه سلامة بن عمير ، ومنه { إشارة النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأبي بكر أن يتقدم في الصلاة } . متفق عليه . { وطاف ~~النبي صلى الله عليه وسلم [ بالبيت ] على بعير ، كلما أتى على ركن أشار ~~إليه } . ومن الفعل أيضا : عمل القلب والترك . فإنه كف النفس . وقد سبق أنه ~~لا تكليف إلا بفعل . فإذا نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أراد فعل ~~شيء كان من السنة الفعلية ، كما في حديث عائشة رضي الله عنها { أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أراد أن ينحي مخاط أسامة . قالت عائشة : دعني يا رسول ~~PageV02P163 الله حتى أكون أنا الذي أفعل . قال : يا عائشة ، أحبيه فإني ~~أحبه } رواه الترمذي في المناقب . وحديث أنس { أراد النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يكتب إلى رهط - أو أناس - من العجم . فقيل : إنهم لا يقبلون كتابا ~~إلا بخاتم . فاتخذ خاتما من فضة } رواه البخاري ومسلم . ومثله حديث جابر { ~~أراد النبي ms205 صلى الله عليه وسلم أن ينهى أن يسمى بيعلى ، أو ببركة ، أو أفلح ~~، أو يسار أو نافع ونحو ذلك ، ثم رأيته سكت بعد PageV02P164 عنه ، فلم يقل ~~شيئا ، ثم قبض ولم ينه عن ذلك } رواه مسلم . وإذا نقل عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه ترك كذا . كان أيضا من السنة الفعلية ، كما ورد { أنه صلى ~~الله عليه وسلم لما قدم إليه الضب فأمسك عنه وترك أكله : أمسك الصحابة رضي ~~الله عنهم وتركوه ، حتى بين لهم أنه حلال ، ولكنه يعافه } ، ولكن هذا النوع ~~مقيد بتصريح الراوي بأنه ترك ، أو قيام القرائن عند الراوي الذي يروي عنه ~~أنه ترك . والمراد من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله : ما لم يكن ~~على وجه الإعجاز . PageV02P165 ( وإقراره ) يعني أن السنة شرعا واصطلاحا : ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله وإقراره على الشيء يقال أو يفعل ، فإذا ~~سمع النبي صلى الله عليه وسلم إنسانا يقول شيئا ، أو رآه يفعل شيئا . فأقره ~~عليه ، فهو من السنة قطعا . وسيأتي تفصيل ذلك ( وزيد الهم ) أي وزاد ~~الشافعية على ما ذكر من أقسام السنة : ما هم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بفعله ولم يفعله ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يهم إلا بحق محبوب مطلوب ~~شرعا ؛ لأنه مبعوث لبيان الشرعيات . ومنه : همه صلى الله عليه وسلم بمعاقبة ~~المتخلفين عن الجماعة PageV02P166 ( وهي ) أي وأقسام السنة كلها ( حجة ) أي ~~تصلح أن يحتج بها على ثبوت الأحكام الشرعية ( للعصمة ) أي لثبوت العصمة ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ولسائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ~~( التي هي ) أي العصمة ( سلب القدرة ) أي سلب قدرة المعصوم ( على المعصية ) ~~فلا يمكنه فعلها ؛ لأن الله سبحانه وتعالى سلب قدرته عليها . وقيل : إن ~~العصمة صرف دواعي المعصية عن المعصية بما يلهم الله المعصوم من ترغيب ~~وترهيب . وقال التلمساني عن الأشعرية : إن العصمة تهيؤ العبد للموافقة ~~مطلقا . وذلك راجع إلى خلق القدرة على كل طاعة . فإذا العصمة توفيق عام . ~~PageV02P167 وقالت المعتزلة : العصمة خلق ألطاف تقرب إلى الطاعة . ولم ms206 ~~يردوها إلى القدرة لأن القدرة عندهم على الشيء صالحة لضده . قال القاضي أبو ~~بكر الباقلاني : لا تطلق العصمة في غير الأنبياء والملائكة إلا بقرينة ~~إرادة معناها اللغوي ، وهو السلامة من الشيء . ولهذا قال الشافعي رضي الله ~~تعالى عنه في الرسالة ' وأسأله العصمة ' وجرى على ذلك كثير من العلماء . ~~والحاصل : أن السلامة أعم من وجوب السلامة . فقد توجد السلامة في غير النبي ~~والملك اتفاقا لا وجوبا . قاله البرماوي ، وقال أبو محمد الجوزي في كتابه ~~الإيضاح في الجدل : العصمة حفظ المحل بالتأثيم والتضمين PageV02P168 ( ولا ~~يمتنع عقلا ) أي في تصور العقل ( معصية ) أي صدور معصية من النبيين ( قبل ~~البعثة ) فامتناعها عقلا قبل البعثة مبني على التقبيح العقلي . فمن أثبته - ~~كالروافض - منعها للتنفير فتنافي الحكمة . وقالته المعتزلة : في الكبائر . ~~ومن نفى التقبيح العقلي لم يمنعها ( و ) كل نبي مرسل فهو ( معصوم بعدها ) ~~أي بعد البعثة ( من تعمد ما يخل بصدقه فيما دلت المعجزة على صدقه ) فيه ( ~~من رسالة وتبليغ ) إجماعا . حكاه الآمدي وغيره . فالإجماع منعقد على عصمتهم ~~من تعمد الكذب في الأحكام وما يتعلق بها ؛ لأن المعجزة قد دلت على صدقهم ~~فيها . فلو جاز كذبهم فيها لبطلت دلالة المعجزة PageV02P169 ( ولا يقع ) ما ~~يخل بصدقه لا ( غلطا و ) لا ( سهوا ) عند الأكثر . قال القاضي عضد الدين : ~~وأما الكذب غلطا . فجوزه القاضي - يعني الباقلاني - ومنعه الباقون ، لما مر ~~من دلالة المعجزة على الصدق . وقال ابن مفلح في أصوله : وللعلماء في جوازه ~~غلطا ونسيانا قولان . بناء على أن المعجزة هل دلت على صدقه فيها ؟ واختلف ~~فيه كلام ابن عقيل انتهى . وحاصله : أن دلالة المعجزة : هل دلت على صدقهم ~~مطلقا في العمد والسهو ، أو ما دلت إلا على ما صدر عنهم عمدا ؟ وتأول من ~~منع الوقوع الأحاديث الواردة في سهو النبي صلى الله عليه وسلم بأنه قصد ~~بذلك التشريع . كما في حديث { ولكن أنسى } بالبناء للمفعول . PageV02P170 ~~ومنهم من تأول هذا بأنه تعمد ذلك ليقع النسيان فيه بالفعل ، وهو خطأ ، ~~لتصريحه صلى الله عليه وسلم بالنسيان في قوله { إنما ms207 أنا بشر ، أنسى كما ~~تنسون . فإذا نسيت فذكروني } ولأن الأفعال العمدية تبطل الصلاة . والبيان ~~كاف بالقول . فلا ضرورة إلى الفعل . وذكر القاضي عياض وغيره الخلاف في ~~الأفعال ، وأنه لا يجوز في الأقوال البلاغية إجماعا . ومعناه لابن عقيل ، ~~في الإرشاد . فإنه قال : الأنبياء لم يعصموا من الأفعال في نفس الأداء . ~~فلا يجوز عليهم الكذب في PageV02P171 الأقوال فيما يؤدونه عن الله تعالى ، ~~ولا فيما شرعه من الأحكام عمدا ولا سهوا ولا نسيانا . ومن قال بالوقوع فإنه ~~يقول : لا يقر عليه إجماعا ( و ) أما ( ما لا يخل ) بصدقه فيما دلت عليه ~~المعجزة ( ف ) هو معصوم فيه ( من ) وقوع ( كبيرة ) إجماعا ، ولا عبرة بخلاف ~~الحشوية وبعض الخوارج ( و ) كذا هو معصوم من فعل ( ما يوجب خسة أو إسقاط ~~مروءة عمدا ) قال في شرح التحرير : وقد قطع بعض أصحابنا بأن ما يسقط ~~العدالة لا يجوز عليه . قال ابن مفلح : ولعله مراد غيره . قلت : بل يتعين ~~أنه مراد غيره . اه . PageV02P172 وأما جواز وقوع ذلك سهوا ففيه قولان : ~~أحدهما : وهو قول القاضي من أصحابنا والأكثر أنه يجوز ذلك واختلف كلام ابن ~~عقيل في ذلك والقول الثاني : وهو المشار إليه بقوله ( وفي وجه سهوا ) أنه ~~لا يجوز ذلك عليه سهوا ، وهو قول ابن أبي موسى ، وأما جواز وقوع الصغيرة ~~التي لا توجب خسة ولا إسقاط مروءة عمدا أو سهوا . ففيه قولان : أحدهما : ~~جواز وقوع ذلك ، وهو قول القاضي وابن عقيل والأشعرية ، والمعتزلة وغيرهم . ~~والقول PageV02P173 الثاني : وهو المشار إليه بقوله ( ومن صغيرة مطلقا ) ~~عدم الجواز ، وهو قول ابن أبي موسى من أصحابنا . وقال : يجوز الهم لا الفعل ~~. ومنع الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني وجمع من أصحابنا وغيرهم من الذنب ~~مطلقا ، كبيرا أو صغيرا ، عمدا أو سهوا ، أخل بصدقه أو لا ، وهو اختيار أبي ~~المعالي في الإرشاد والقاضي عياض وأبي بكر [ و ] PageV02P174 ابن مجاهد ~~وابن فورك . نقله عنه ابن حزم في الملل والنحل ، وابن حزم وابن برهان في ~~الأوسط . ونقله في الوجيز عن اتفاق المحققين . وحكاه في زوائد الروضة عن ~~المحققين ms208 . وقال القاضي حسين : هو الصحيح من مذهب أصحابنا ، وهو قول أبي ~~الفتح PageV02P175 الشهرستاني ، وابن عطية المفسر ، وشيخ الإسلام البلقيني ~~، والسبكي وولده التاج . PageV02P176 فالعصمة ثابتة له صلى الله عليه وسلم ~~ولسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من كل ذنب كبير أو صغير . عمدا كان ~~أو سهوا في الأحكام وغيرها لأنا أمرنا باتباعهم في أفعالهم وآثارهم وسيرهم ~~على الإطلاق من غير التزام قرينة . وسواء في ذلك قبل النبوة وبعدها ، ~~تعاضدت الأخبار بتنزيههم عن النقائص منذ ولدوا ، ونشأتهم على كمال أوصافهم ~~في توحيدهم وإيمانهم عقلا أو شرعا ، على الخلاف في ذلك ، ولا سيما فيما بعد ~~البعثة فيما ينافي المعجزة . قال ابن عطية : وقوله صلى الله عليه وسلم { ~~إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة } إنما هو رجوعه من حالة ~~إلى أرفع منها ، لتزايد علومه واطلاعه على أمر الله تعالى . فهو يتوب من ~~المنزلة الأولى إلى الأخرى . والتوبة هنا لغوية . اه . PageV02P177 # | ( فصل ) # ( ما اختص من أفعاله ) أي من أفعال النبي محمد ( صلى الله عليه وسلم به ف ~~) كونه من خصائصه صلى الله عليه وسلم ( واضح ) لأن لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خصائص كثيرة أفردت بالتصانيف . قال الإمام أحمد رضي الله عنه : ~~خص النبي صلى الله عليه وسلم بواجبات ومحظورات ومباحات وكرامات ( وما كان ) ~~من أفعاله صلى الله عليه وسلم ( جبليا . كنوم ) واستيقاظ وقيام وقعود وذهاب ~~ورجوع وأكل وشرب ونحو ذلك فمباح . قطع به الأكثر ، ولم يحكوا فيه خلافا ؛ ~~لأن ذلك لم يقصد به التشريع . ولم نتعبد به ، PageV02P178 ولذلك نسب إلى ~~الجبلة . وهي الخلقة ، لكن لو تأسى به متأس فلا بأس ، كما فعل ابن عمر رضي ~~الله عنهما . فإنه كان إذا حج يجر بخطام ناقته حتى يبركها حيث بركت ناقته ~~صلى الله عليه وسلم تبركا بآثاره ، وإن تركه لا رغبة عنه ، ولا استكبارا ~~فلا بأس . ونقل ابن الباقلاني والغزالي قولا : أنه يندب التأسي به . ونقل ~~أبو إسحاق الإسفراييني وجهين . أحدهما : هذا وعزاه لأكثر المحدثين . ~~والثاني : لا يتبع فيه أصلا . فتصير الأقوال ثلاثة : مندوب ms209 ومباح وممتنع . ~~PageV02P179 وما كان من أفعاله صلى الله عليه وسلم يحتمل الجبلي وغيره ، ~~وهو المشار إليه بقوله : ( أو يحتمله كجلسة الاستراحة ) وركوبه في الحج ~~ودخوله مكة من ثنية كداء ، وخروجه من ثنية كدى ، وذهابه ورجوعه في العيد ~~ونحوه PageV02P180 ( ولبسه ) النعل ( السبتي ) والخاتم ( فمباح ) عند ~~الأكثر . وقيل : مندوب . قال في شرح التحرير : وهو أظهر وأوضح ، وهو ظاهر ~~فعل الإمام أحمد رضي الله عنه ، فإنه تسرى ، واختفى ثلاثة أيام ثم انتقل ~~إلى موضع PageV02P181 آخر اقتداء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في التسري ~~، واختفائه في الغار ثلاثا . وقال : ما بلغني حديث إلا عملت به ، حتى أعطي ~~الحجام دينارا . وورد أيضا عن الإمام الشافعي فإنه جاء عنه أنه قال لبعض ~~أصحابه : اسقني . فشرب قائما . فإنه صلى الله عليه وسلم شرب قائما ، ~~PageV02P182 ومنشأ الخلاف في ذلك تعارض الأصل والظاهر . فإن الأصل عدم ~~التشريع ، والظاهر في أفعاله التشريع ؛ لأنه مبعوث لبيان الشرعيات ، ثم قال ~~: وحاصل ذلك : أن من رجح فعل ذلك والاقتداء به والتأسي قال : ليس من الجبلي ~~، بل من الشرع الذي يتأسى به فيه . ومن رأى أن ذلك يحتمل الجبلي وغيره : ~~فيحمله على الجبلي ( وبيانه ) أي وما بينه صلى الله عليه وسلم من حكم ( ~~بقول ك ) قوله ( { صلوا كما رأيتموني أصلي } ، أو ) بينه ب ( فعل عند حاجة ~~) إلى ذلك الفعل ( كقطع ) يد السارق ( من كوع و ) إدخال ( غسل مرفق ) ~~وكعبين في وضوء PageV02P183 ( ف ) ذلك البيان ( واجب عليه ) صلى الله عليه ~~وسلم لوجوب التبليغ عليه ( و ) أما غير ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم ، ~~وهو ما ليس مختصا به ، ولا جبليا ، ولا مترددا بين الجبلي وغيره ، ولا ~~بيانا . فقسمان . أحدهما : ما علم حكمه ، وهو المشار إليه بقوله ( إن علمت ~~صفته ) أي صفة حكمه ( من وجوب أو ندب أو إباحة ) وعلم صفة . حكم ذلك الفعل ~~، إما ( بنصه ) صلى الله عليه وسلم على ذلك الحكم ، بأن يقول : هذا الفعل ~~واجب علي أو مستحب أو مباح ، أو يذكر خاصة من خواص أحد هذه الأحكام ، أو ~~نحو ذلك ms210 ( أو تسويته ) صلى الله عليه وسلم الفعل الذي ما علمنا صفة حكمه ~~PageV02P184 ( بمعلومها ) أي بفعل معلوم صفة حكمه ، بأن يقول : هذا مثل كذا ~~، أو هذا مساو لفعل كذا ونحو ذلك ( أو ) تعلم صفة حكم الفعل ( بقرينة تبين ~~) صفة ( أحدها ) أي أحد الأحكام الثلاثة المتقدمة . فمن القرائن الدالة على ~~الوجوب : فعل الأذان والإقامة للصلاة ، فإنه قد تقرر في الشرع أن الأذان ~~والإقامة من أمارات الوجوب ، ولهذا لا يطلبان في صلاة عيد ولا كسوف ، ولا ~~استسقاء . فيدلان على وجوب الصلاة التي يؤذن لها ويقام . ومنها : قطع اليد ~~في السرقة ، والختان فإن الجرح والإبانة ممنوع منهما ، فجوازهما يدل على ~~وجوبهما . ومن قرائن الوجوب أيضا : أن يكون الفعل قضاء لما علم وجوبه . ~~PageV02P185 وأما الندب : فكقصد القربة مجردا عن دليل وجوب وقرينة . وأما ~~الإباحة : فكالفعل الذي ظهر بالقرينة أنه لم يقصد به القربة ( أو ) تعلم ~~صفة حكم الفعل ( بوقوعه بيانا لمجمل ) كقطع يد السارق من الكوع ( أو ) تعلم ~~صفة حكم الفعل بوقوعه ( امتثالا لنص يدل على حكم ) من إيجاب أو ندب ، فيكون ~~هذا الفعل تابعا لأصله الذي هو مدلول النص من ذلك ، فكل فعل من ذلك علمت ~~صفة حكمه في حقه صلى الله عليه وسلم ( فأمته مثله ) PageV02P186 لكن إن أتى ~~بالفعل بيانا لندب أو إباحة ، فقد أتى بواجب من جهة التشريع ، أي تبيين ~~الحكم لوجوبه عليه . فيكون للفعل حينئذ جهتان : جهة وجوب من حيث وجوب ~~التشريع ، وجهة ندب أو إباحة من حيث تعلقه بفعل الأمة . والقسم الثاني من ~~فعله صلى الله عليه وسلم الذي ليس بمختص به ، ولا بجبلي ، ولا متردد بين ~~الجبلي وغيره ، ولا ببيان : هو ما أشير إليه بقوله ( وإلا ) أي وإن لم تعلم ~~صفة حكم فعله صلى الله عليه وسلم الذي ليس بواحد مما ذكر . فهو نوعان . ~~أحدهما : ما أشير إليه بقوله ( فإن تقرب به ) أي قصد به النبي صلى الله ~~عليه وسلم القربة ( ف ) هو واجب علينا وعليه عند الإمام أحمد رضي الله عنه ~~وأكثر أصحابه ، وهو الصحيح عن الإمام مالك ms211 رضي الله عنه ، واختاره ابن ~~السمعاني . وقال : هو أشبه بمذهب الشافعي . PageV02P187 وعن الإمام أحمد ~~رواية ثانية أنه مندوب . قال المجد : نقلها إسحاق بن إبراهيم والأثرم ~~وجماعة بألفاظ صريحة ، وحكي عن الشافعي والظاهرية والمعتزلة ، وعنه رواية ~~ثالثة بالوقف ، حتى يقوم دليل على حكمه . اختاره أبو الخطاب وأكثر ~~المتكلمين والأشعرية . وصححه القاضي أبو الطيب . PageV02P188 وحكي عن جمهور ~~المحققين . والنوع الثاني : هو ما أشير إليه بقوله ( وإلا ) أي وإن لم ~~يتقرب بالفعل الذي لم تعلم صفة حكمه ( ف ) هو ( مباح ) عند الأكثر . قال ~~المجد في المسودة : فعل النبي صلى الله عليه وسلم يفيد الإباحة إن لم يكن ~~فيه معنى القربة في قول الجمهور . وقيل : واجب ، واختاره جماعة . وقيل : ~~مندوب ، واختاره جماعة أيضا . PageV02P189 واستدل للقول بالوجوب فيما إذا ~~قصد به القربة بقوله تعالى { واتبعوه } وبقوله تعالى ( { فليحذر الذين ~~يخالفون عن أمره } ) والفعل أمر . وبقوله تعالى ( { وما آتاكم الرسول فخذوه ~~} ) وبقوله تعالى ( { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } ) أي تأسوا به ~~. وبقوله تعالى ( { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني } ) ومحبته واجبة . ~~فيجب لازمها ، وهو اتباعه ، وبقوله تعالى ( { فلما قضى زيد منها وطرا ~~زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج } ) فلولا الوجوب لما رفع تزويجه ~~الحرج عن المؤمنين في أزواج أدعيائهم . PageV02P190 { ولما خلع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نعله في الصلاة خلعوا نعالهم } . رواه أحمد وأبو داود ~~من حديث أبي سعيد وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم . وروي مرسلا ، { ولما ~~أمرهم بالتحلل في صلح الحديبية : تمسكوا } . رواه البخاري ، { وسأله صلى ~~الله عليه وسلم رجل عن الغسل بلا إنزال . فأجاب بفعله } . رواه مسلم ، ~~PageV02P191 ولأن فعله كقوله في بيان مجمل وتخصيص وتقييد ، ولأن في مخالفته ~~تنفيرا وتركا للحق ، لأن فعله حق ( ولم يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ) ~~الفعل ( المكروه ليبين به الجواز ) لأنه يحصل فيه التأسي ( بل فعله ينفي ~~الكراهة ) قاله القاضي وغيره من أصحابنا وغيرهم ، ومرادهم ( حيث لا معارض ~~له ) وإلا فقد يفعل غالبا شيئا ، ثم يفعل خلافه لبيان PageV02P192 الجواز . ~~وهو كثير عندنا ms212 ، وعند أرباب المذاهب ، كقولهم في ترك الوضوء مع الجنابة ~~لنوم أو أكل أو معاودة وطء ، تركه لبيان الجواز ، وفعله غالبا للفضيلة ( ~~وتشبيكه ) بين أصابعه ( بعد سهوه ) في حديث ذي اليدين في المسجد ( لا ~~ينفيها ) أي لا ينفي الكراهة ( لأنه نادر ) PageV02P193 وقال النووي في ~~وضوء النبي صلى الله عليه وسلم مرة ومرتين ، قال العلماء : إن ذلك كان أفضل ~~في حقه من التثليث لبيان التشريع ( وإذا سكت ) النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~عن إنكار ) فعل أو قول ، فعل أو قيل ( بحضرته أو ) في ( زمنه من غير كافر ) ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم ( عالما به دل على جوازه ) حتى لغير الفاعل ~~أو القائل في الأصح ( وإن ) كان ذلك الفعل أو القول الواقع بحضرته أو زمنه ~~من غير كافر قد ( سبق تحريمه ف ) سكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن إنكاره ~~( نسخ ) لذلك التحريم السابق ، لئلا يكون سكوته محرما ، ولأن فيه تأخير ~~البيان عن وقت PageV02P194 الحاجة لإيهام الجواز والنسخ ، ولا سيما إن ~~استبشر به . ولذلك احتج الإمام أحمد والإمام الشافعي رضي الله تعالى عنهما ~~في إثبات النسب بالقافة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها { أن مجززا ~~المدلجي ، رأى أقدام زيد بن حارثة وابنه أسامة ، وهما متدثران . فقال : إن ~~هذه PageV02P195 الأقدام بعضها من بعض ، فسر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ~~وأعجبه } متفق عليه . وقيد ابن الحاجب المسألة بكونه قادرا عليه ، ولا حاجة ~~إلى ذلك ؛ لأن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أن وجوب إنكاره المنكر لا يسقط ~~عنه بالخوف على نفسه . ( فائدة : التأسي ) برسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~فعلك ) أي أن تفعل ( كما فعل لأجل أنه فعل ) وأما التأسي في الترك : فهو أن ~~تترك ما تركه ، لأجل أنه تركه ( و ) أما التأسي ( في القول ف ) هو ( ~~امتثاله على الوجه الذي اقتضاه ) ، PageV02P196 ( وإلا ) أي وإن لم يكن ~~كذلك في الكل ( ف ) هو ( موافقة لا متابعة ) لأن الموافقة المشاركة في ~~الأمر ، وإن لم يكن لأجله . فالموافقة أعم من التأسي ؛ لأن الموافقة قد ~~تكون من ms213 غير تأس ، ثم التأسي والوجوب بالسمع لا بالعقل . خلافا لبعض ~~الأصوليين . PageV02P197 # | ( فصل ) # ( لا تعارض بين فعليه ) أي : فعلي رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~تماثلا ، كما لو فعل صلاة ، ثم فعلها مرة أخرى في وقت آخر ( و ) كذا ( لو ~~اختلفا ) وأمكن اجتماعهما . كفعل صوم وفعل صلاة ( أو لم يمكن اجتماعهما ، ~~لكن لا يتناقض حكماهما ) لإمكان الجمع . وحيث أمكن الجمع امتنع التعارض ( ~~وكذا إن تناقض ) الحكم ( كصوم ) رسول الله صلى الله عليه وسلم في ( وقت ) ~~بعينه ( وفطر ) ه في ( مثله ) فإنهما لا يتعارضان أيضا ، لإمكان كونه واجبا ~~أو مندوبا أو مباحا في أحد الوقتين وفي الوقت الآخر بخلافه ( لكن إن دل ~~دليل على وجوب تكرر ) فعله ( الأول له ) أي على وجوب PageV02P198 تكرر ~~الصوم عليه صلى الله عليه وسلم في مثل ذلك الوقت ( أو ) دل دليل ( لأمته ) ~~على وجوب التأسي به في ذلك الفعل في مثل ذلك الوقت ( فتلبس بضده ) أي في ~~مثل ذلك الوقت ، وهو الفطر مع قدرته على الصوم ، دل أكله على نسخ دليل ~~تكرار الصوم في حقه ، لا نسخ حكم الصوم السابق ، لعدم اقتضائه التكرار . ~~ورفع حكم وجد محال ( أو أقر آكلا في مثله ) أي في مثل ذلك الوقت : ( فنسخ ) ~~، لدليل تعميم الصوم على الأمة في حق ذلك الشخص ، أو تخصيصه . وقد يطلق ~~النسخ والتخصيص على المعنى ، بمعنى زوال التعبد مجازا . وقيل في فعلي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المختلفين : إنه إن علم التاريخ . فالثاني ناسخ ، ~~ولا تعارض وإلا تعارضا ، وعدل إلى القياس وغيره من الترجيحات . وحيث انتهى ~~القول فيما إذا تعارض فعلاه صلى الله عليه وسلم ، فلنشرع الآن فيما إذا ~~تعارض فعله وقوله ، بأن كان كل منهما يقتضي خلاف ما يقتضيه الآخر . ~~PageV02P199 وتنحصر مسائل ذلك في اثنتين وسبعين مسألة . ووجه الحصر في ذلك ~~: أنه لا يخلو إما أن لا يدل دليل على التكرار والتأسي ، أو يدل الدليل على ~~كل منهما ، أو يدل على الأول ، وهو التكرار ، دون الثاني وهو التأسي ، أو ~~يدل على الثاني وحده ، وهو ms214 التأسي دون الأول ، وهو التكرار . فهذه أربعة ~~أقسام ، كل من الأربعة يتنوع إلى ثمانية عشر نوعا ، فيصير المجموع اثنتين ~~وسبعين مسألة ؛ لأن كل واحد من الأقسام الأربعة لا يخلو إما أن يكون القول ~~خاصا به ، أو خاصا بنا ، أو عاما له ولنا ، وعلى كل تقدير من ذلك لا يخلو ~~إما أن يكون القول متقدما على الفعل ، ومتأخرا عنه ، أو مجهول التاريخ . ~~فهذه تسعة أنواع حصلت من ضرب ثلاثة في ثلاثة ، وعلى كل تقدير منها لا يخلو ~~إما أن يظهر أثره في حقه ، أو في حقنا . فهذه ثمانية عشر نوعا مضروبة في ~~الأربعة الأقسام المذكورة . فتصير اثنتين وسبعين مسألة تؤخذ من منطوق المتن ~~والشرح ومفهومهما ( وحيث ) علمت ذلك . فإنه ( لا ) تعارض ( في فعله وقوله ، ~~حيث لا دليل على تكرر ) في حقه صلى الله عليه وسلم ( ولا تأس ) به . وهذا ~~هو القسم الأول ( والقول خاص به ) أي والحال أن القول خاص به صلى الله عليه ~~وسلم ( و ) الحال أيضا PageV02P200 أن القول ( تأخر ) عن الفعل . مثال ذلك ~~: أن يفعل شيئا في وقت ، ثم يقول بعد ذلك : لا يجوز لي مثل هذا الفعل في ~~مثل هذا الوقت ونحو ذلك . ووجه عدم التعارض في حقه وحق أمته جميعا : كون ~~الجمع ممكنا لعدم الدليل على التكرار ، ولم يكن رافعا لحكم في الماضي ولا ~~في المستقبل . أما عدم التعارض في حقه : فلأن القول لم يتناول الزمان الذي ~~وقع فيه الفعل ، والفعل أيضا : لم يتناول الزمان الذي تعلق به القول . فلا ~~يكون أحدهما رافعا لحكم الآخر . وأما عدم التعارض في حق الأمة : فظاهر ؛ ~~لأنه ليس لواحد من القول والفعل تعلق بالأمة ( لكن إن تقدم ) القول على ~~الفعل . كما لو قال النبي صلى الله عليه وسلم : يجب علي كذا في وقت كذا . ~~وتلبس بضده في ذلك الوقت ( فالفعل ) الذي تلبس به ( ناسخ ) لحكم قوله ~~السابق لجواز النسخ قبل التمكن على الصحيح . PageV02P201 وذكر الأصفهاني في ~~شرح المختصر : أنه إن كان الفعل بعد التمكن من مقتضى القول لم يكن ناسخا ~~للقول ms215 ، إلا أن يدل دليل على وجوب تكرار مقتضى القول . فإنه حينئذ يكون ~~الفعل ناسخا لتكرر مقتضى القول . ولم يذكر ذلك ابن الحاجب ، ولا ابن مفلح . ~~قال في شرح التحرير : وتابعتهما ( وإن جهل ) هل تقدم الفعل على القول ، أو ~~تأخر عنه ( وجب العمل بالقول ) دون الفعل ؛ لأن القول أقوى دلالة من الفعل ~~لوضعه لها ، ولعدم الاختلاف في كونه دالا ، ولدلالته على الوجوب وغيره بلا ~~واسطة ، ولأن القول يدل على المعقول والمحسوس . فيكون أعم فائدة ( ولا ) ~~تعارض في فعله وقوله ، حيث لا دليل على تكرار وتأس ( إن اختص القول بنا ~~مطلقا ) أي سواء تقدم القول على الفعل ، أو تقدم الفعل على القول ، أو جهل ~~السابق لعدم تناول القول له PageV02P202 ( أو عم ) القول فلم يختص به ولا ~~بنا ( و ) الحال أنه قد ( تقدم الفعل ) أما كونه لا معارضة في حقه صلى الله ~~عليه وسلم : فلعدم وجوب تكرر الفعل ، وأما كونه لا معارضة في حق الأمة : ~~فلأن القول المتأخر ناسخ للفعل قبل وقوع التأسي به ، وبعد وقوع التأسي يكون ~~ناسخا للتكرار في حقهم إن دل دليل على وجوب التكرار في حقهم . قاله ~~الأصفهاني ( ولا ) تعارض ( في حقنا إن تقدم القول ) ويكون الفعل ناسخا في ~~حقه للقول السابق قبل التمكن من الإتيان بمقتضى القول ( وهو ) أي وحكم ذلك ~~( ك ) قول ( خاص به ، لكن إن كان العام ) أي العموم ( ظاهرا فيه ) أي في ~~القول أي بأن يكون العموم يتناوله القول ظاهرا ( فالفعل ) المتأخر ( تخصيص ~~) لعموم القول المتقدم في حقه صلى الله عليه وسلم . وأما في حق الأمة : فإن ~~كان الدليل على وجوبه مخصوصا بذلك الفعل فنسخ ، وإلا فتخصيص PageV02P203 ( ~~ولا ) تعارض ( فينا ) أي في حقنا ( مطلقا ) أي سواء تقدم القول الفعل ، أو ~~تأخر عنه ( مع دليل دل عليهما ) أي على التكرار والتأسي ، لعدم تناول الفعل ~~لنا ( والقول خاص به ) أي والحال أن القول خاص به ( وفيه ) أي وفي حقه صلى ~~الله عليه وسلم ( المتأخر ) من القول أو الفعل ( ناسخ ) للمتقدم منهما إن ~~علم التاريخ ( ومع جهل ) بالتاريخ ms216 ( يعمل بالقول ) وقيل بالفعل ، وقيل ~~بالوقف ( ولا ) تعارض ( في حقه ) صلى الله عليه وسلم ( معه ) أي مع الدليل ~~( عليهما ) أي على التكرار والتأسي ( والقول ) أي والحال أن القول مختص ( ~~بنا ) تقدم القول أو تأخر ، لعدم توارد القول والفعل على محل واحد ، ~~PageV02P204 وأما ( فينا ) أي في حق الأمة ف ( المتأخر ) من القول والفعل ( ~~ناسخ ) للمتقدم منهما إن علم التاريخ ( ومع جهل ) بالتاريخ ( يعمل بالقول ) ~~على المختار ( ولا ) تعارض ( فينا ) أي في حقنا ( مع ) دلالة ( دليل على ~~تكرر ) في حقه صلى الله عليه وسلم ( لا ) على ( تأس ) في حق الأمة ( إن ~~اختص القول به ) صلى الله عليه وسلم ( أو عم ) ه القول وعم الأمة ، لعدم ~~توارد القول والفعل على محل واحد ( وفيه ) أي وفي حقه صلى الله عليه وسلم ( ~~المتأخر ) من القول والفعل ( ناسخ ) للمتقدم منهما ( فإن جهل ) المتقدم من ~~القول والفعل ( عمل بالقول ) على المختار PageV02P205 ( وإن ) دل الدليل ~~على التكرار في حقه صلى الله عليه وسلم دون التأسي في حق الأمة . والحال أن ~~القول ( اختص بنا فلا ) تعارض ( مطلقا ) يعني لا في حقه صلى الله عليه وسلم ~~ولا في حقنا لعدم توارد القول والفعل على محل واحد ( ولا ) تعارض ( معه ) ~~أي مع الدليل ( على تأس ) بالنبي صلى الله عليه وسلم ( فقط ) أي دون ~~التكرار في حقه ( والقول خاص ) أي والحال أن القول خاص ( به ) أي بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم ( وتأخر ) عن الفعل ( مطلقا ) يعني لا في حقه صلى الله ~~عليه وسلم ولا في حقنا . أما عدم التعارض في حقه : فلعدم وجوب تكرر الفعل . ~~وأما في حق الأمة : فلعدم توارد القول والفعل على محل واحد ( وإن تقدم ) ~~القول على الفعل والحال أن الدليل دل على التأسي دون التكرار ( فالفعل ) ~~المتأخر ( ناسخ في حقه ) صلى الله عليه وسلم . قاله ابن مفلح وابن الحاجب . ~~PageV02P206 قال الأصفهاني : وإن تقدم القول على الفعل ، فالفعل ناسخ للقول ~~قبل التمكن من الإتيان بمقتضى القول ( فإن جهل ) المتقدم من القول والفعل ( ~~عمل بالقول ) على المختار ( وإن اختص ) القول ms217 ( بنا ) والحال أن الدليل دل ~~على تأس دون التكرار في حقه صلى الله عليه وسلم ( ففيه لا ) تعارض . تقدم ~~القول أو تأخر ( وفينا ) يعني وفي حقنا ( المتأخر ) من القول والفعل ( ناسخ ~~) للمتقدم منهما ( وإن عم ) القول النبي صلى الله عليه وسلم والأمة والحال ~~أن الدليل دل على التأسي دون التكرار ( فإن تأخر ) القول عن الفعل ( ففيه ) ~~أي ففي حقه صلى الله عليه وسلم ( لا ) تعارض لعدم تواردهما على محل واحد ( ~~وفينا ) أي وفي حق الأمة ( القول ناسخ ) للفعل PageV02P207 ( وإن تقدم ) ~~القول على الفعل ( فالفعل ناسخ ) لتأخره إن كان الدليل على وجوب التأسي ~~مخصوصا بذلك الفعل ، وإن لم يكن الدليل على وجوب التأسي مخصوصا بذلك الفعل ~~، فالفعل تخصيص للدليل إن كان ذلك قبل التمكن من العمل بمقتضى القول ( و ) ~~إن كان ذلك ( بعد التمكن من العمل ) بمقتضى القول ( لا ) تعارض في حقه صلى ~~الله عليه وسلم ولا في حق أمته ( إلا أن يقتضي القول التكرار ) في حقه ( ~~فالفعل ) إن تأخر ( ناسخ له ) أي للقول . وهذا إن علم أن الفعل متأخر عن ~~القول ( فإن جهل ) المتأخر من القول والفعل ( عمل بالقول فيهن ) أي في هذه ~~المسائل . ( فائدة : فعل الصحابي ) وسيأتي تعريف الصحابي ( مذهب له ) أي ~~للصحابي الذي فعله في الأصح من الوجهين . والوجه الثاني : أن فعل الصحابي ~~إذا خرج مخرج القربة يقتضي الوجوب قياسا على فعله صلى الله عليه وسلم . ~~PageV02P208 واحتج القاضي أبو يعلى في الجامع الكبير في قضاء المغمى عليه ~~للصلاة بفعل عمار وغيره من الصحابة . وقد قال قوم : لو تصور اتفاق أهل ~~الإجماع على عمل لا قول منهم فيه : كان كفعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~لثبوت العصمة . واختاره أبو المعالي ، خلافا لابن الباقلاني . قال بعض ~~أصحابنا : الأول قول الجمهور ، حتى أحالوا الخطأ منهم فيه إذ لم يشترطوا ~~انقراض العصر والله أعلم . PageV02P209 # | ( باب ) # ( الإجماع لغة : العزم والاتفاق ) . قال تعالى ^ ( فأجمعوا أمركم ) ^ أي ~~اعزموه . ويصح إطلاقه على الواحد . يقال : أجمع فلان على كذا ، أي عزم عليه ~~، ويقال : أجمع القوم على كذا ms218 : أي اتفقوا عليه . فكل أمر من الأمور اتفقت ~~عليه طائفة فهو إجماع في إطلاق أهل اللغة . | وأجمعت السير والأمر ، وأجمعت ~~عليه ، يتعدى بنفسه وبالحرف [ عزمت عليه ] . وفي حديث : ' من لم يجمع ~~الصيام قبل الفجر فلا صيام له ' . أي من لم يعزم عليه فينويه . PageV02P210 ~~( و ) الإجماع ( اصطلاحا ) أي في اصطلاح علماء الشريعة ( اتفاق مجتهدي ~~الأمة في عصر على أمر . ولو ) كان الأمر ( فعلا ) . كائنا ( بعد النبي صلى ~~الله عليه وسلم ) . | والمراد باتفاقهم ، اتحاد اعتقادهم ، واحترز بالاتفاق ~~عن الاختلاف . | وبقيد ' الاجتهاد ' عن غير المجتهد . فلا يكون اتفاق غير ~~المجتهد من أصولي وفروعي ونحوي . ولا من لم يكمل فيه شروط الاجتهاد إجماعا ~~، ولا تقدح مخالفته في انعقاد الإجماع . | وبقيد ' الأمة ' المنصرف إطلاق ~~لفظها إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم عن اتفاق مجتهدي بقية الأمم . | ~~ودخل في قوله : ' على أمر ' جميع الأمور من الأقوال والأفعال الدينية ~~والدنيوية والاعتقادات والسكوت والتقرير وغير ذلك . | وإنما أبرز قوله : ' ~~ولو فعلا ' مع دخوله في مسمى الأمر للبيان والتأكيد . PageV02P211 وقد ~~اختلف العلماء فيما إذا اتفق مجتهدو العصر على فعل فعلوه . أو فعله بعضهم . ~~وسكت الباقون مع علمهم . هل يكون إجماعا أم لا ؟ والأرجح : أنه ينعقد به ~~الإجماع لعصمة الأمة . فيكون كالقول المجمع عليه . وكفعل الرسول صلى الله ~~عليه وسلم . اختاره أبو الخطاب من أصحابنا . وقطع به أبو اسحاق الشيرازي ، ~~واختاره الغزالي في ' المنخول ' . وصرح به أبو الحسين البصري في ' المعتمد ~~' وتبعه في ' المحصول ' . | قال بعض أصحابنا : هو قول الجمهور ، حتى أحالوا ~~الخطأ منهم إذا لم يشترط انقراض العصر . | وقيل : لا ينعقد الإجماع بذلك . ~~| ويتفرع على المسألة : إذا فعلوا فعلا قربة . ولكن لا يعلم هل فعلوه واجبا ~~أو متحبا ؟ فمقتضى القياس أنه كفعل الرسول صلى الله عليه وسلم . لأنا أمرنا ~~PageV02P212 باتباعهم . كما أمرنا باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم . | ~~وللعلماء في تعريف الإجماع حدود غير ذلك يطول الكلام بذكرها . | وأنكر ~~النظام وبعض الرافضة ثبوت الإجماع . وروي عن الإمام أحمد رضي الله عنه . ~~وحمل على الورع . أو على غير عالم ms219 بالخلاف . أو على تعذر معرفة الكل . أو ~~على العام النطقي . أو على بعده . أو على غير الصحابة . PageV02P213 لحصرهم ~~. وانتشار غيرهم . | ( وهو ) أي الإجماع ( حجة قاطعة بالشرع ) أي بدليل ~~الشرع كونه حجة قاطعة . وهذا مذهب الأئمة الأعلام ، منهم الأربعة وأبتاعهم ~~وغيرهم من المتكلمين . | وقال الآمدي والرازي : هو حجة ظنية لا قطعية . ~~PageV02P214 وقيل : ظنية في السكوتي ونحوه ، دون النطقي . | واستدل للقول ~~الأول : بقوله تعالى : ^ ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ، ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ) ^ . احتج ~~بها الإمام الشافعي وغيره ، لأنه توعد على متابعة غير سبيل المؤمنين ، ~~وإنما يجوز لمفسدة متعلقة به ، وليست من جهة المشاقة ، وإلا كانت كافية . ~~والسبيل : الطريق فلو خص بكفر أو غيره كان اللفظ مبهما ، وهو خلاف الأصل ، ~~ومن المؤمن ' : حقيقة في الحي المتصف بالإيمان ، ثم عمومه إلي يوم القيامة ~~يبطل المراد ، وهو الحث على متابعة سبيلهم ، والجاهل غير مراد ، ثم المخصوص ~~حجة ، والسبيل عام . والتأويل بمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم . أو ~~بمتابعتهم في الإيمان أو الاجتهاد ، لا ضرورة إليه . فلا يقبل ، وليس تبيين ~~الهدى أولا ، ولأن تبيين الأحكام الفروعية ليست شرطا في المشاقة ، فإن من ~~تبين له صدق الرسول ، وتركه فقد شاقه ، ولو جهلها . PageV02P215 وما قيل . ~~من أن الآية ظاهرة . ولا دليل على أن الظاهر حجة إلا الإجماع . فيلزم الدور ~~، ممنوع لجواز نص قاطع على أنه حجة . أو استدلال قطعي : لأن الظاهر مظنون . ~~وهو حجة لئلا يلزم رفع النقضين . أو اجتماعهما . أو العمل بالمرجوح . وهو ~~خلاف العقل . | وبقوله تعالى : ^ ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول ) ^ والمشروط عدم عند عدم شرطه . فاتفاقهم كاف . | واعترض عدم الرد ~~إلى الكتاب والسنة عند الإجماع : أنه إن بني الإجماع على أحدهما فهو كاف . ~~وإلا ففيه تجويز الإجماع بلا دليل . | ثم لا نسلم عدم الشرط . فإن الكلام ~~مفروض في نزاع مجتهدين متأخرين لإجماع سابق . PageV02P216 رد الأول بأن ~~الإجماع إن احتاج إلى مستند فقد يكون قياسا ، والثاني مشكل جدا . قاله ~~الآمدي . | واختارا ms220 أبو الخطاب أن مراد الآية فيما لا نعلم أنه خطأ ، وإن ~~ظنناه رددناه إلى الله والرسول . | وبقوله تعالى : ^ ( ولا تقربوا ) ^ ~~وخلاف الإجماع تفرق والنهي عن التفرق ليس في الاعتصام للتأكيد ومخالفة ~~الظاهر . وتخصيصه بها قبل الإجماع لا يمنع الاحتجاج به ، ولا يختص الخطاب ~~بالموجود زمنه صلى الله عليه وسلم ، لأن التكليف لكل من وجد مكلفا ، كما ~~سبق . | وبقوله تعالى : ^ ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) ^ ، فلو اجتمعوا ~~على باطل كانوا قد اجتمعوا على منكر لم ينهوا عنه . ومعروف لم يؤمروا به . ~~وهو خلاف ما وصفهم الله تعالى به . ولأنه جعلهم أمة وسطا أي عدولا ، ورضي ~~بشاهدتهم مطلقا . PageV02P217 وعلى ذلك اعتراضات وأجوبة يطول الكتاب بذكرها ~~. | وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه مرفوعا : ' أن الله تعالى أجاركم من ~~ثلاث خلال : أن لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعا ، وأن لا يظهر أهل ~~الباطل على أهل الحق ، وأن لا تجتمعوا على ضلالة ' . رواه أبو داود . | وعن ~~ابن عمر مرفوعا : ' لا تجتمع هذه الأمة على ضلالة أبدا ' رواه الترمذي . ~~PageV02P218 | وعن أنس مرفوعا ، ' لا تخشع هذه الأمة على ضلالة فإن رأيتم ~~الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم . الحق وأهله ' رواه ابن ماجه . وابن أبي ~~عاصم . | وعن أبي ذر مرفوعا : PageV02P219 ' عليكم بالجماعة ، إن الله ~~تعالى لا يجمع أمتي إلى على هدى ' رواه أحمد . | وعن أبي ذر مرفوعا : ' من ~~فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ' . رواه أحمد وأبو داود . ~~| ولهما عن معاوية مرفوعا : PageV02P220 ' ألا إن هذه الأمة ستفترق على ~~ثلاث وسبعين . يعني فرقة : ثنتان وسبعون في النار . وواحدة في الجنة . وهي ~~الجماعة ' . | وعن ابن عمر مرفوعا : ' إن الله لا يجمع أمتي - أو قال أمة ~~محمد - على ضلالة ، ويد الله على الجماعة . ومن شذ شذ في النار ' رواه ~~الترمذي . | وعن ثوبان مرفوعا : ' لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ~~لا يضرهم من خذلهم . حتى يأتي أمر الله . وهم كذلك ' وفي حديث PageV02P221 ~~جابر ' إلى يوم القيامة ' . وفي حديث جابر بن سمرة : ' حتى تقوم الساعة ' . ~~رواه مسلم . | وعن ابن ms221 عمر مرفوعا : ' عليكم بالجماعة ، وإياكم والفرقة ، ~~فإن الشيطان مع الواحد . وهو من الإثنين أبعد . من أراد بحبوحة الجنة ~~فليلزم الجماعة ' . رواه الشافعي وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وغيرهم . ~~PageV02P222 وعن ابن مسعود : ' ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ، ~~وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيئ ' رواه أبو داود الطيالسي . | قال ~~الآمدي وغيره : ' السنة أقرب الطرق إلى كون الإجماع حجة قاطعة بأن العادة ~~تحيل إجماع مجتهدي PageV02P223 العصر على قطع بحكم شرعي من غير إطلاع على ~~دليل قاطع في ذلك الحكم . فوجب في ذلك الحكم تقدير نص قاطع فيه . ولأن ~~الإجماع مقدم على الدليل القاطع . فكان قاطعا . وإلا تعارض الإجماعان . ~~لتقديم القاطع على غيره إجماعا . ( ويثبت ) الإجماع . وهو كون هذا الحكم ~~مجمعا عليه ( بخبر الواحد ) لأن هذه المسألة شرعية طريقها طريق بقية مسائل ~~الفروع التي يكفي في ثبوتها الظن ( ولا يعتبر فيه ) أي في انعقاد الإجماع ( ~~وفاق العامة ) للمجتهدين ، PageV02P224 سواء كانت مسائله مشهورة أو خفية . ~~واعتبره قوم مطلقا ، وقوم في المسائل المشهورة ( ولا ) يعتبر أيضا في ~~انعقاده وفاق ( من عرف الحديث ) من غير المجتهدين ( أو ) عرف ( اللغة ، أو ~~) علم ( الكلام ونحوه ) كالعربية والمعاني والبيان والتصريف ( أو ) من عرف ~~( الفقه ) فقط في مسألة في أصوله ( أو ) من عرف ( أصوله ) فقط في مسألة في ~~الفقه ؛ لأن هؤلاء من جملة PageV02P225 المقلدين ، فلا تعتبر مخالفتهم . ~~وهذا الصحيح عند الإمام أحمد رضي الله عنه . وعند أكثر العلماء . وقيل : ~~باعتبار وفاق كل من الفقهاء والأصوليين لما في كل من الطائفتين من الأهلية ~~المناسبة للفئتين لتلازم العلمين . وقيل : يعتبر قول الأصولي في الفقه دون ~~الفروعي في الأصول ؛ لأنه أقرب إلى مقصود الاجتهاد دون عكسه ، اختاره ~~الباقلاني . قال أبو المعالي : وهو الحق ، وقيل عكسه . والله أعلم . وكذا ~~لا يعتبر أيضا لانعقاد الإجماع وفاق من فاته بعض شروط الاجتهاد ، وهو ~~المشار إليه بقوله ( أو فاته بعض شروطه ) لأنه ليس من المجتهدين . ومعناه ~~لابن عقيل وغيره . PageV02P226 قال المجد : من أحكم أكثر أدوات الاجتهاد ، ~~ولم يبق له إلا خصلة أو خصلتان ms222 ، اتفق الفقهاء ، والمتكلمون على أنه لا ~~يعتد بخلافه ، خلافا للباقلاني ( ولا ) يعتبر أيضا في انعقاد الإجماع وفاق ~~مجتهد ( كافر ) مطلقا . أما الكافر الأصلي والمرتد فبلا خلاف ، وأما المكفر ~~بارتكاب ( بدعة ) فلا يعتبر وفاقه ( عند مكفره ) بارتكاب تلك البدعة . وأما ~~من لا يكفره فهو عنده من المبتدعة المحكوم بفسقهم . قال الأستاذ أبو منصور ~~، قال أهل السنة : لا يعتبر في الإجماع وفاق القدرية والخوارج والرافضة ~~PageV02P227 ( ولا ) يعتبر أيضا في الإجماع وفاق مجتهد ( فاسق مطلقا ) أي ~~سواء كان فسقه من جهة الاعتقاد أو الأفعال . فالاعتقاد كالرفض والاعتزال ~~ونحوهما . والأفعال كالزنا والسرقة وشرب الخمر ونحو ذلك . وهذا هو الصحيح . ~~اختاره القاضي وابن عقيل والأكثر . قال أبو بكر الرازي من الحنفية : هذا ~~الصحيح عندنا . قال ابن برهان : هو قول كافة الفقهاء ، والمتكلمين ؛ لأنه ~~لا يقبل قوله ، ولا يقلد في فتوى ، كالكافر والصغير . | وقيل : إن ذكر ~~مستندا صالحا اعتد بقوله وإلا فلا . فإذا بين مأخذه وكان صالحا للأخذ به ~~اعتبرناه . PageV02P228 قال ابن السمعاني : ولا بأس بهذا القول . وهذا كله ~~في الفاسق بلا تأويل . أما الفاسق بتأويل فمعتبر في الإجماع كالعدل . انتهى ~~( ولا ينعقد ) الإجماع ( مع مخالفة ) مجتهد ( واحد ) يعتد بقوله عند الإمام ~~أحمد رضي الله عنه وأصحابه . والأكثر لأنه لا يسمى إجماعا مع المخالفة ؛ ~~لأن الدليل لم ينهض إلا في كل الأمة ؛ لأن ' المؤمن ' لفظ عام ، والأمة ~~موضوعة للكل ؛ ولأن من الجائز إصابة الأقل وخطأ الأكثر ، كما كشف الوحي عن ~~إصابة عمر في أسرى بدر ، وكما انكشف الحال عن PageV02P229 إصابة أبي بكر في ~~أمر الردة . وقيل : ينعقد حتى مع مخالفة اثنين . اختاره ابن جرير الطبري ~~وأبو بكر الرازي الحنفي وابن حمدان من أصحابنا في المقنع ، وبعض المالكية ~~وبعض المعتزلة . وإليه ميل أبي محمد الجويني في المحيط . وقيل : إن هذا في ~~غير أصول الدين . أما فيها فلا ينعقد مع مخالفة أحد . PageV02P230 وقيل : ~~هو مع المخالفة حجة ، لا إجماع . اختاره ابن الحاجب وغيره ( وتعتبر مخالفة ~~من صار أهلا قبل انقراض العصر ) أي : عصر المجمعين ؛ لأن انقراض العصر ~~معتبر ms223 لصحة الإجماع . وهذا مبني على ذلك . قال في شرح التحرير : والصحيح ، ~~وعليه الأكثر : أنه مبني على انقراض العصر ، فمن اشترط لصحة الإجماع انقراض ~~العصر قبل الاختلاف - وهو الأصح ، كما يأتي الجزم بذلك في المتن - قال : ~~هذا ليس بإجماع إن خالف . ومن قال : لا يشترط انقراض العصر قال : الإجماع ~~انعقد ، ولا اعتبار بمخالفة من صار من أهل الإجماع بعد ذلك ، وعلى اعتبار ~~انقراض العصر ( ولو ) كان الذي صار أهلا ( تابعيا مع ) إجماع ( الصحابة ) ~~قبل أن يصير التابعي أهلا للاجتهاد ، ثم صار أهلا قبل انقراض عصر الصحابة ~~المجمعين وخالفهم ؛ لأنه لا إجماع للصحابة مع PageV02P231 مخالفة تابعي ~~مجتهد عند الإمام أحمد رضي الله عنه والقاضي أبي يعلى ، وأبي الخطاب ، وابن ~~عقيل والموفق ، وأكثر الفقهاء والمتكلمين منهم ، أكثر الحنفية والشافعية ~~والمالكية . لأنه مجتهد من الأمة . فلا ينهض الدليل بدونه ، ولأن الصحابة ~~سوغوا اجتهاد التابعين وفتواهم معهم في الوقائع الحادثة في زمانهم ، فكان ~~سعيد بن المسيب يفتي في المدينة وفيها خلق من الصحابة ، وشريح بالكوفة ~~وفيها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وحكم عليه في خصومة ~~عرضت له عنده ، على PageV02P232 خلاف رأي علي ، ولم ينكر عليه ، وكذا الحسن ~~البصري وغيرهم كانوا يفتون بآرائهم زمن الصحابة من غير نظر أنهم أجمعوا أو ~~لا ، ولو لم يعتبر قولهم في الإجماع معهم لسألوا قبل إقدامهم على الفتوى : ~~هل أجمعوا أم لا ؟ لكنهم لم يسألوا ، فدل على اعتبار قولهم معهم مطلقا ، ~~وسئل أنس رضي الله عنه عن مسألة ، فقال ' سلوا مولانا الحسن . فإنه غاب ~~وحضرنا ، وحفظ ونسينا ' فقد سوغوا اجتهادهم ، ولولا صحته واعتباره لما ~~سوغوه ، وإذا اعتبر قولهم في الاجتهاد فليعتبر في الإجماع ؛ إذ لا يجوز مع ~~تسويغ الاجتهاد ترك الاعتداد بقولهم وفاقا . والأدلة السابقة تتناولهم . ~~واختصاص الصحابة بالأوصاف الشريفة لا يمنع من الاعتداد بذلك . وعند أحمد ~~رواية أخرى : أن اتفاق الصحابة مع مخالفة التابعين يكون إجماعا . واختاره ~~الخلال والحلواني والقاضي أيضا في بعض كتبه ، فيكون له اختياران . ~~PageV02P233 ووجه ذلك : أن الصحابة شاهدوا التنزيل . فهم أعلم ms224 بالتأويل . ~~فالتابعون معهم كالعامة مع العلماء . ولذلك قدم تفسيرهم . وأنكرت عائشة على ~~أبي سلمة لما خالف ابن عباس في عدة المتوفى عنها . وزجرته بقولها ' أراك ~~كالفروج يصيح بين الديكة ' ولو كان قوله معتبرا لما أنكرته . PageV02P234 ~~ورد ذلك بأن كونهم أعلم لا ينفي اعتبار اجتهاد المجتهد ، وكونهم معهم ~~كالعامة مع العلماء تهجم ممنوع . والصحبة لا توجب الاختصاص ، وإنكار عائشة ~~إما لأنها لم تره مجتهدا ، أو لتركه التأدب مع ابن عباس حال المناظرة من ~~رفع صوت ونحوه . وقولها ' يصيح ' يشعر به . والله أعلم . وكونه لا إجماع ~~للصحابة مع مخالفة مجتهد تابعي كذلك لا إجماع للتابعين مع مخالفة مجتهد من ~~تابع التابعين . وإلى ذلك أشير بقوله ( أو تابعه ) أي تابع التابعي ( مع ~~التابعين ) لأنه إذا لم ينعقد إجماع الصحابة مع مخالفة مجتهد تابعي ، فلأن ~~لا ينعقد إجماع التابعين مع مخالفة مجتهد من تابعي التابعين من باب أولى ، ~~لكن ( لا ) يشترط لصحة الإجماع أن من لم يكن أهلا عند انعقاده ( موافقته ) ~~على ما أجمعوا عليه إذا صار أهلا قبل انقراض عصر المجمعين . قال الشيخ تقي ~~الدين : والضابط أن اللاحق إما أن يتأهل قبل PageV02P235 الانقراض أو بعده ~~، وعلى الأول : فإما أن يوافق أو يخالف أو يسكت . قلت : سر المسألة أن ~~المدرك لا يعتبر وفاقه ، بل يعتبر عدم خلافه إذا قلنا به انتهى ( وليس ~~إجماع الأمم الخالية ) حجة عند المجد من أصحابنا وأكثر العلماء . قال أبو ~~إسحاق الشيرازي : هذا قول الأكثر . وصرح به الآمدي وغيره . وقال أبو إسحاق ~~الإسفراييني وبعض الشافعية : إنه كان حجة قبل النسخ . وقال إمام الحرمين : ~~إن كان سندهم قطعيا فحجة ، أو ظنيا فالوقف . وقال أبو المعالي : إن قطع أهل ~~الإجماع من كل أمة بقولهم : فهو PageV02P236 حجة ، لاستناده إلى قاطع في ~~العادة ، والعادة لا تختلف باختلاف الأمم . وإلا لكان مستنده مظنونا . ~~والوجه الوقف ( و ) كذا ( لا ) يكون إجماع ( أهل المدينة حجة ) مع مخالفة ~~مجتهد عند جماهير العلماء ؛ لأنهم بعض الأمة ، لا كلها ؛ لأن العصمة من ~~الخطإ إنما تنسب للأمة كلها ، ولا مدخل للمكان ms225 في الإجماع ؛ إذ لا أثر ~~لفضيلته في عصمة أهله ، بدليل مكة المشرفة . وخالف في ذلك الإمام مالك رضي ~~الله عنه . واحتج بأن القول PageV02P237 الباطل خبث ، والخبث منفي عن ~~المدينة بقول الصادق . { وإذا انتفى الباطل بقي الحق } . فوجب اتباعه . ~~فقال بعض أصحابه بظاهره . وكذلك أطلق كثير من العلماء القول به عن مالك ، ~~لكن قال بعضهم : ذلك في زمن الصحابة والتابعين . وعليه جرى ابن الحاجب ~~وغيره . وقال بعضهم : في زمن الصحابة والتابعين ومن يليهم . ذكره المجد ~~PageV02P238 ( ولا قول الخلفاء الأربعة ) وهم أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، ~~وعلي رضي الله عنهم أجمعين يكون إجماعا ، ولا حجة مع مخالفة مجتهد . وهذا ~~المعتمد عند الأئمة ؛ لأنهم ليسوا كل الأمة الذين جعلت الحجة في قولهم . ~~وعن الإمام أحمد رضي الله عنه : رواية أخرى : أن قولهم إجماع وحجة . اختاره ~~ابن البنا من أصحابنا ، PageV02P239 وأبو خازم - بالمعجمتين - وكان قاضيا ~~حنفيا . وحكم بذلك زمن المعتضد في توريث ذوي الأرحام . فأنفذ حكمه . وكتب ~~به إلى الآفاق . ولم يعتبر خلاف زيد في ذلك ، PageV02P240 بناء على أن ~~الخلفاء الأربعة يورثونهم . واستدل للأول بأن ابن عباس خالف جميع الصحابة ~~في خمس مسائل في الفرائض ، وابن مسعود في أربع مسائل . وغيرهما في غير ذلك ~~. ولم يحتج عليهم أحد بإجماع الخلفاء الأربعة ( ولا ) قول ( أهل البيت ، و ~~) أهل البيت ( هم : علي وفاطمة ) بنت PageV02P241 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( ونجلاهما ) هما حسن وحسين ( رضي الله تعالى عنهم ) لما في الترمذي { ~~أنه لما نزل قوله تعالى { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } ~~أدار النبي صلى الله عليه وسلم الكساء . وقال : هؤلاء أهل PageV02P242 بيتي ~~وخاصتي . اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا } ( بإجماع ، ولا حجة مع ~~مخالفة مجتهد ) عند الأئمة الأربعة وغيرهم ، للأدلة العامة في ذلك وغيره . ~~وقال القاضي في المعتمد وبعض العلماء والشيعة : إن قول أهل البيت إجماع . ~~والمراد بالشيعة من ينسب إلى حب علي رضي الله عنه ، ويزعم أنه من شيعته . ~~وقد كان في الأصل لقبا للذين ألفوه في حياته . كسلمان ، وأبي ذر ، ~~PageV02P243 والمقداد ، وعمار ms226 . وغيرهم رضي الله عنهم ، ثم صار لقبا بعد ~~ذلك على من يرى تفضيله على كل الصحابة ، ويرى أمورا أخرى لا يرضاها علي رضي ~~الله عنه ، ولا أحد من ذريته ولا غيرهم ممن يقتدى به ، ثم تفرقوا فرقا ~~كثيرة . وهؤلاء هم المراد بإطلاق الأصوليين وغيرهم ' الشيعة ' ( وما عقده ~~أحد ) الخلفاء ( الأربعة من صلح ) كصلح بني تغلب ( و ) من ( خراج ) كعقد ~~خراج السواد ( و ) من ( جزية ) وما جرى مجرى ذلك لا يجوز نقضه عند الأكثر . ~~ونقله ابن عقيل عن الأصحاب ، وقال أيضا : ويجوز ذلك إذا رأى PageV02P244 ~~ذلك الإمام . فيكون حكمه حكم رأيه في جميع المسائل ؛ لأن المصالح تختلف ~~باختلاف الأزمنة . قلت : وهذا الصحيح عند أصحابنا المتأخرين . والله أعلم . ~~PageV02P245 # | ( فصل ) # ( يعتبر ) لصحة انعقاد الإجماع ( انقراض العصر ، وهو موت من اعتبر فيه ) ~~من غير رجوع واحد منهم عما أجمعوا عليه عند الإمام أحمد رضي الله عنه وأكثر ~~أصحابه . واختاره ابن فورك ، وسليم الرازي . ونقله الأستاذ عن الأشعري ، ~~وابن برهان عن المعتزلة ( فيسوغ لهم ) أي لجميع مجتهدي العصر ( ولبعضهم ~~الرجوع ) عما أجمعوا عليه ( لدليل ) يقتضي الرجوع ( ولو عقبه ) أي عقب ~~إجماعهم على الحكم ؛ لأن الإجماع إنما يستقر بموت من اعتبر فيه . والمعتبر ~~فيه هم المجتهدون فيسوغ لهم ولبعضهم الرجوع قبل استقرار الإجماع . ~~PageV02P246 وفي المسألة أقوال غير ذلك . أحدها : وهو قول الأئمة الثلاثة ~~وأكثر الفقهاء والمتكلمين : أنه لا يعتبر انقراض العصر مطلقا . والقول ~~الثاني : أنه يعتبر انقراض العصر للإجماع السكوتي لضعفه دون غيره . اختاره ~~الآمدي وغيره . ونقل عن الأستاذ أبي منصور البغدادي . وقال : إنه قول ~~الحذاق من أصحاب الشافعي . وقال القاضي أبو الطيب : هو قول أكثر الأصحاب ، ~~ونقله أبو المعالي عن الأستاذ أبي إسحاق واختاره البندنيجي . وجعل سليم ~~الرازي محل الخلاف في غير السكوتي . PageV02P247 والقول الثالث : أنه يعتبر ~~انقراض العصر للإجماع القياسي دون غيره . والقول الرابع : أنه يعتبر انقراض ~~العصر إن بقي عدد التواتر . وإن بقي أقل من ذلك لم يكترث بالباقي . وحاصله ~~: أنه إذا مات منهم جمع وبقي منهم عدد التواتر ، ورجعوا أو بعضهم لم ms227 ينعقد ~~الإجماع ، وإن بقي منهم دون عدد التواتر ، ورجعوا أو بعضهم لم يؤثر في ~~الإجماع . والقول الخامس : أنه يعتبر انقراض العصر في إجماع الصحابة دون ~~إجماع غيرهم . وحيث لا يعتبر انقراض العصر لا يعتبر تمادي الزمن مطلقا ، بل ~~يكون اتفاقهم حجة بمجرده ، حتى لو رجع بعضهم لا يعتد به ، ويكون خارقا ~~للإجماع . PageV02P248 ولو نشأ مخالف لم يعتد بقوله ، بل يكون الإجماع حجة ~~عليه ، ولو ظهر لجميعهم ما يوجب الرجوع فرجعوا كلهم حرم . وكان إجماعهم حجة ~~عليهم وعلى غيرهم ، حتى لو جاء غيرهم مجمعين على خلاف ذلك لم يجز أيضا . ~~وإلا لتصادم الإجماعان . واستدل لاعتبار انقراض العصر : بأن عليا خالف عمر ~~رضي الله عنهما بعد موته في بيع أم الولد . وأن حد الخمر ثمانون ، وعمر ~~خالف أبا بكر رضي الله عنهما في قسمة الفيء . فإن أبا بكر سوى . وعمر فضل . ~~وأجيب عن الأول بأنه لا يدل على سبق الإجماع . وقول عبيدة PageV02P249 لعلي ~~' رأيك في الجماعة ' أي زمن الاجتماع والألفة ' أحب إلينا من رأيك وحدك ' ~~كيف وقد قال جابر ' بعناهن على زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، ~~وشطر من خلافة عمر ' وهو قول ابن عباس . وعن الثاني : أنه خالف السكوتي ، ~~ثم هو فعل . وعن الثالث : بأنه خالف في زمانه . واستدل له أيضا : بأنه ~~اجتهاد . فساغ الرجوع ، وإلا منع الاجتهاد الاجتهاد . PageV02P250 أجيب : ~~لا يجوز ؛ إذ صار الأول قطعيا . واستدل أيضا : بأن المنع من الرجوع يلزم ~~منه إلغاء الخبر الصحيح بتقدير الاطلاع عليه إذا خالف إجماعهم . أجيب لزوم ~~الإلغاء ممنوع ، لتوقفه على تقديره ، وهو بعيد أو ممتنع ، لأن الباري ~~سبحانه وتعالى عصمهم عن الاتفاق على خلاف الخبر الصحيح ، ولو سلم فالإجماع ~~قطعي ، يقدم على الخبر الظني . قال ابن مفلح : رد لأنه بعيد . وقيل : محال ~~للعصمة ، ثم يلزم لو انقرضوا فلا أثر له ، لأن الإجماع قاطع ، ولأنه إن كان ~~عن نص لم يتغير ، وإلا لم يجز نقض اجتهاد بمثله ، لا سيما لقيام الإجماع ~~هنا . واستدل أيضا بأن موت النبي صلى الله عليه وسلم ms228 شرط دوام الحكم . فكذا ~~هنا . أجيب : لإمكان نسخه . فيرفع قطعي بمثله . واستدل لقول الأكثر - الذي ~~هو عدم اعتبار انقراض العصر - بأدلة PageV02P251 الإجماع . وبأنه لو اعتبر ~~امتنع الإجماع للتلاحق . ورد بندرة إدراكه مجتهدا . واستدل أيضا : بأنه لما ~~كان قولهم حجة لم تبطل بموتهم كالرسول صلى الله عليه وسلم . رد بأنه محل ~~النزاع ، وبأن قول الرسول وحي فلم يقس بغيره . وقولهم : عن اجتهاد ( لا عدد ~~تواتر ) يعني : أنه لا يشترط لصحة انعقاد الإجماع أن يبلغ المجمعون عدد ~~التواتر . كما لا يشترط ذلك . في الدليل السمعي ، ونقله ابن برهان عن معظم ~~العلماء ؛ لأن المقصود اتفاق مجتهدي العصر . وقد حصل PageV02P252 ( فلو لم ~~يكن ) في ذلك العصر ( إلا ) مجتهد ( واحد ) ولم يصر مخالف أهلا حتى مات ذلك ~~الواحد ( ف ) قوله ( إجماع ) في ظاهر كلام أصحابنا . قاله ابن مفلح . وعزاه ~~الهندي للأكثرين . قال ابن عقيل في الواضح : لو قل عدد الاجتهاد فلم يبق ~~إلا الواحد والاثنان لفتنة أو غيرها استوعبتهم والعياذ بالله تعالى ، كما ~~قل القراء في قتال أهل الردة بكثرة من قتل من المسلمين كان من بقي من ~~المجتهدين مستقلا بالإجماع ولم ينخرم لعدم الكثرة ، وإذا كان هذا العدد ~~القليل يصلح لإثبات أصل الإجماع المقطوع به . فأولى أن يصلح لفك الإجماع ~~واختلاله بمخالفته ( وقول مجتهد ) واحد ( في ) مسألة ( اجتهادية تكليفية ) ~~ليخرج ما لا تكليف فيه . كقول القائل مثلا : عمار أفضل من حذيفة ( إن انتشر ~~) PageV02P253 قوله ( ومضت مدة ينظر فيها ) ذلك القول ( وتجرد ) قوله ( عن ~~قرينة رضى وسخط ، ولم ينكر ) وكان ذلك ( قبل استقرار المذاهب ) ليخرج ما ~~احتمل أنه قاله تقليدا لغيره ( إجماع ظني ) عند الإمام أحمد رضي الله عنه ~~وأصحابه وأكثر الحنفية والمالكية . وحكي عن الشافعي وأكثر أصحابه . ~~PageV02P254 وذلك : لأن الظاهر الموافقة لبعد سكوتهم عادة . ولذلك يأتي في ~~قول الصحابي والتابعي في معرض الحجة : كانوا يقولون أو يرون ونحوه ، ومعلوم ~~أن كل أحد لم يصرح به ، وسكوتهم يشعر بالموافقة ، وإلا لأنكر ذلك ، وهو ~~مستمد من سكوته صلى الله عليه وسلم . على فعل أحد بلا داع ms229 ؟ وفي شرح الوسيط ~~للنووي : الصواب من مذهب الشافعي : أنه حجة وإجماع ، وهو موجود في كتب ~~العراقيين . انتهى . وقال ابن عقيل في الفنون ، والقاضي أبو بكر ابن ~~الباقلاني ، وأبو المعالي ، وحكي عن الشافعي أيضا : لا يكون إجماعا ولا حجة ~~، لاحتمال توقف الساكت ، أو ذهابه إلى تصويب كل مجتهد . PageV02P255 حكاه ~~الباقلاني عن الشافعي . قال الغزالي في المنخول : نص عليه في الجديد . ~~واستدل له بأنه يحتمل أنه لم يجتهد ، أو اجتهد ووقف ، أو خالف وكتم للتروي ~~والنظر ، أو لأن كل مجتهد مصيب ، أو وقر القائل أو هابه . ورده أصحاب القول ~~الأول بأنه خلاف الظاهر ، لا سيما في حق الصحابة مع طول بقائهم . واعتقاد ~~الإصابة لا يمنع النظر لتعرف الحق . كالمعروف من أحوالهم PageV02P256 و ( ~~لا ) يكون ( الأخذ بأقل ما قيل ، كدية الكتابي الثلث ) إجماعا للخلاف في ~~الزائد ، خلافا لمن ظنه إجماعا وهذا ليس بصحيح ؛ لأن قوله يشتمل على وجوب ~~الثلث ونفي الزائد . والإجماع لم يدل على نفي الزائد ، بل على وجوب الثلث ~~فقط وهو بعض المدعى . فالثلث وإن كان مجمعا عليه ، لكن نفي الزيادة لم يكن ~~مجمعا عليه . فالمجموع لا يكون مجمعا عليه ، والقائل بالثلث مطلوبه مركب من ~~أمرين من الثلث ونفي الزيادة ، فلا يكون مذهبه متفقا عليه . فالأخذ بمثل ~~ذلك مركب من الإجماع والبراءة الأصلية . فإن إيجاب الثلث مجمع عليه ، ووجوب ~~الزيادة عليه مدفوع بالبراءة الأصلية PageV02P257 ( ولا ) إجماع ( يضاد ) ~~إجماعا ( آخر ) عند الجمهور ؛ لأنه إذا انعقد الإجماع في مسألة على حكم من ~~الأحكام لا يجوز أن ينعقد بعده إجماع يضاده ، لاستلزام ذلك تعارض دليلين ~~قطعيين ، وهو ممتنع . وجوزه أبو عبد الله البصري PageV02P258 ( ولا ) إجماع ~~( عن غير دليل ) عند الأئمة الأربعة وغيرهم لأن الإجماع لا يكون إلا من ~~المجتهدين ، والمجتهد لا يقول في الدين بغير دليل . فإن القول بغير دليل ~~خطأ . وأيضا فكان يقتضي إثبات شرع مستأنف بعد النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~باطل ؛ ولأنه محال عادة ، فكالواحد من الأمة . والدليل : إما الكتاب ، ~~كإجماعهم على حد الزنا والسرقة وغيرهما ، وإما السنة . فكإجماعهم على ms230 توريث ~~كل من الجدات السدس ونحوه . ويأتي القياس . وخالف بعض المتكلمين في ذلك ~~فقال : يجوز أن يحصل بالبحث والمصادفة . والمعنى : أن الإجماع قد يكون عن ~~توفيق من الله تعالى من غير مستند . PageV02P259 وأجابوا عما سبق بأن الخطأ ~~إنما هو في الواحد من الأمة . أما في جميع الأمة فلا . ورد ذلك بأن الخطأ ~~إذا اجتمع لا ينقلب صوابا ؛ لأن الصواب في قول الكل إنما هو مراعاة عدم ~~الخطإ من كل فرد . قال المخالف : لو كان الإجماع عن دليل كان الدليل هو ~~الحجة فلا فائدة فيه . ورد بأن قول النبي صلى الله عليه وسلم حجة في نفسه . ~~وهو عن دليل هو الوحي ، ثم فائدته : سقوط البحث عنا عن دليله . وحرمة ~~الخلاف الجائز قبله . وبأنه يوجب عدم انعقاده عن دليل PageV02P260 ( ويجوز ~~) كون الإجماع ( عن اجتهاد وقياس ، ووقع ) عن اجتهاد وقياس ( وتحرم مخالفته ~~) أي مخالفة الإجماع الواقع عن اجتهاد أو قياس عند الأئمة الأربعة وغيرهم . ~~وخالف ابن حزم ، والظاهرية والشيعة في الجواز ، وقوم في القياس الخفي ، ~~وقوم في الوقوع . أما وقوع الإجماع بالقياس : فإنهم قالوا في نحو الشيرج ~~تقع فيه الفأرة PageV02P261 فتموت : يراق قياسا على السمن . وقالوا : ~~بتحريم شحم الخنزير قياسا على لحمه المنصوص عليه ، وأجمعت الصحابة على ~~خلافة أبي بكر رضي الله عنه ، وقتال مانعي الزكاة . والأصل عدم النص ثم لو ~~كان نص لظهر واحتج به ( وفي قول ) ابن حامد وجمع ( يكفر منكر حكم ) إجماع ( ~~قطعي ) PageV02P262 وفي قول القاضي وأبي الخطاب وجمع : لا ، ويفسق ، ~~والطوفي والآمدي ومن تبعهما : يكفر بنحو العبادات الخمس . قال ابن مفلح : ~~واختاره بعض أصحابنا ، مع أنه حكي الأول عن أكثر العلماء ، ولا أظن أحدا لا ~~يكفر من جحد هذا . انتهى . والحق أن منكر المجمع عليه الضروري والمشهور ~~والمنصوص عليه كافر قطعا . وكذا المشهور فقط لا الخفي . قال في شرح التحرير ~~: في الأصح فيهما . ومثال الخفي : إنكار استحقاق بنت الابن السدس مع البنت ~~، وتحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها ، وإفساد الحج بالوطء قبل الوقوف ~~بعرفة ونحو ذلك . فهذا لا ms231 يكفر منكره لعذر الخفاء ، خلافا لبعض الفقهاء في ~~قوله : PageV02P263 إنه يكفر ، لتكذيبه الأمة . ورد بأنه لم يكذبهم صريحا ~~إذا فرض أنه مما يخفى على مثله . ( وإذا ) كان مجتهدو عصر ( اختلفوا ) في ~~مسألة ( على قولين حرم إحداث ) قول ( ثالث ) مطلقا عند الإمام أحمد رضي ~~الله عنه وأصحابه وعامة الفقهاء . قال ابن مفلح : كما لو أجمعوا على قول ~~واحد . فإنه يحرم إحداث قول ثان . ونص عليه الإمام الشافعي رضي الله عنه في ~~الرسالة . PageV02P264 وقال الآمدي والطوفي وجمع : إن رفع القول الثالث ~~حكما مجمعا عليه حرم إحداثه وإلا فلا . فمثال ما يرفع المجمع عليه : إذا رد ~~بكرا بعيب بعد وطئها مجانا . فهذا القول يحرم إحداثه . فإنهم اختلفوا في ~~البكر إذا وطئها المشتري ثم وجد بها عيبا قيل : ترد مع الأرش . وقيل : لا ~~ترد بوجه . فالقول بأنها ترد مجانا رافع لإجماع القولين على منع الرد قهرا ~~مجانا . واحترز بقوله ' قهرا ' عما إذا تراضيا على الرد مع الأرش ، أو على ~~الإمساك وأخذ أرش العيب القديم جاز ، وعلى الصحيح من مذهبنا : أن المشتري ~~مخير بين الإمساك وأخذ الأرش وبين الرد وإعطاء الأرش إن لم يكن البائع دلس ~~. فإن دلس لم يلزم المشتري أرش . PageV02P265 ومثال ما لا يرفع مجمعا : ~~الفسخ في النكاح بالعيوب الخمسة : الجنون ، والجذام ، والبرص ، والجب ~~والعنة ونحوها إن كان في الزوج ، والرتق والفتق ونحوهما إن كان في الزوجة . ~~فقيل : لكل منهما أن يفسخ بها . وقيل : لا . كما نقل عن أبي حنيفة أنه يفسخ ~~ببعض دون بعض . وعن الحسن البصري : أن المرأة تفسخ دون الرجل لتمكنه من ~~الخلاص بالطلاق قول ثالث ، لكنه لم يرفع مجمعا عليه ، بل وافق في كل مسألة ~~قولا ، وإن خالفه في أخرى . وصحح هذا القول كثير من العلماء . واعترضه بعض ~~الحنفية بكون هذا التفصيل لا معنى له ؛ إذ لا نزاع في أن القول الثالث إن ~~استلزم إبطال مجمع عليه يكون مردودا ، لكن الخصم يقول : إنه مستلزم ذلك في ~~جميع الصور ، وإن كان في بعض لا يستلزم فالكلام في الكل . وقال أبو ms232 الخطاب ~~وبعض الحنفية وغيرهم ، وذكره في التمهيد : PageV02P266 إن ظاهر كلام أحمد ~~أنه لا يحرم إحداث قول ثالث مطلقا ؛ لأن بعض الصحابة قال : لا يقرأ الجنب ~~حرفا . وقال بعضهم : يقرأ ما شاء . فقال الإمام أحمد رضي الله عنه : يقرأ ~~بعض آية . وفي تعليق القاضي في قراءة الجنب . قلنا بهذا موافقة لكل قول . ~~ولم نخرج عنهم . انتهى . ولأنه لم يخرق إجماعا سابقا . فإنه قد لا يرفع ~~شيئا مما أجمعوا عليه . قاله البرماوي . ( ولا ) يحرم إحداث ( تفصيل ) أي ~~قول مفصل ( إذا اختلفوا في مسألتين على قولين ) حال كون أحد القولين ( ~~إثباتا ) والآخر ( نفيا ) عند القاضي . وحكاه بعض أصحابنا عن أكثر العلماء ~~. PageV02P267 ومنع ذلك قوم مطلقا . ونقله الآمدي عن أكثر العلماء . وقال ~~أبو الخطاب في التمهيد وغيره : إن صرحوا بالتسوية لم يجز لاشتراكهما في ~~المقتضي للحكم ظاهرا ، وإن لم يصرحوا . فإن اختلف طريق الحكم فيها ، كالنية ~~في الوضوء والصوم في الاعتكاف جاز ، وإلا لزم من وافق إماما في مسألة ~~موافقته في جميع مذهبه ، وإجماع الأمة على خلافه . وإن اتفق الطريق كزوج ~~وأبوين وامرأة وأبوين . وكإيجاب نية في وضوء وتيمم وعكسه لم يجز ، وهو ظاهر ~~كلام أحمد . PageV02P268 وهذا التفصيل قاله القاضي عبد الوهاب المالكي وقال ~~الحلواني والشيخ موفق الدين : إن صرحوا بالتسوية لم يجز ، وإلا جاز ~~لموافقته لكل طائفة ، قال أبو الطيب الشافعي : هو قول أكثرهم ، قال ~~البرماوي : وإن لم ينصوا على ذلك ، ولكن علم اتحاد الجامع بينهما ، فهو جار ~~مجرى النص على عدم الفرق كالعمة والخالة . من ورث إحداهما ورث الأخرى ، ومن ~~منع منع ؛ لأن المأخذ واحد ، وهو القرابة الرحمية ، انتهى ( ولا ) يحرم ~~إحداث ( دليل ) زائد على ما عرف من دليل سابق للحكم . زاد القاضي : من غير ~~أن يقصد بيان الحكم به بعد ثبوته ؛ لأنه قول عن اجتهاد غير مخالف إجماعا ؛ ~~لأنهم لم ينصوا على فساد غير ما ذكروه ، وأيضا وقع كثيرا ولم ينكر ، ولأن ~~الشيء قد يكون عليه أدلة كثيرة . PageV02P269 وقيل : لا يجوز ؛ لأنه اتباع ~~غير سبيل المؤمنين . رد ، لا يخفى فساد ذلك ms233 ؛ لأن المطلوب من الأدلة ~~أحكامها لا أعيانها . فعين الحكم باق . وأيضا : المراد ما اتفقوا عليه ، ~~وإلا لزم المنع فيما حدث بعدهم ( أو علة ) يعني أنه لا يحرم إحداث علة ، ~~كما لا يحرم إحداث دليل ( آخرين ) صفة للدليل والعلة . وعلى جواز إحداث ~~العلة أكثر العلماء ، منهم أبو الخطاب ، والموفق والطوفي وغيرهم ، بناء على ~~جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين ، وهو الصحيح في باب القياس ، وقيل : لا ~~يجوز بناء على منع تعليل الحكم بعلتين ، لأن علتهم مقطوع بصحتها ، ففيه ~~دليل على فساد غيرها ( أو تأويل لا يبطل الأول ) يعني أنه لا يحرم إحداث ~~تأويل ثان PageV02P270 لا يبطل التأويل الأول ، بل يجوز ذلك ، ذكره الآمدي ~~عن الجمهور ، وتبعه بعض أصحابنا ، قال ابن مفلح : كذا قال . وقيل : لا يجوز ~~إحداث PageV02P271 تأويل ، واختاره القاضي عبد الوهاب المالكي . قال : لأن ~~الآية مثلا إذا احتملت معاني ، وأجمعوا على تأويلها بأحدها صار كالإفتاء في ~~حادثة تحتمل أحكاما بحكم ، فلا يجوز أن يؤول بغيره . كما لا يفتي بغير ما ~~أفتوا به ، قال ابن مفلح : ومنعه بعضهم ، قال الشيخ تقي الدين : لا يحتمل ~~مذهبنا غير هذا وعليه الجمهور ، قال ابن مفلح : ومراده دفع تأويل أهل البدع ~~المنكرة عند السلف . انتهى . وذلك كما أنه لا يجوز إحداث مذهب ثالث كذلك لا ~~يجوز إحداث تأويل ، ولأنه لو كان فيها تأويل آخر لتكلفوا طلبه كالأول . ~~قاله أبو الخطاب في التمهيد ، واقتصر على ذكر القولين وتعليلهما من غير نصر ~~أحدهما ( واتفاق ) مجتهدي ( عصر ثان على أحد قولي ) مجتهدي العصر ( الأول ، ~~وقد استقر الخلاف ) في العصر الأول ( لا يرفعه ) أي لا يرفع الخلاف ، ولا ~~يكون اتفاق العصر الثاني إجماعا ؛ لأن موت المخالف في العصر الأول لا يكون ~~مسقطا لقوله فيبقى ، قال أبو إسحاق : هو قول عامة أصحابنا . قال سليم ~~الرازي : هو قول أكثرهم وأكثر الأشعرية . قال أبو المعالي : وإليه ميل ~~الشافعي . ومن عباراته الرشيقة : المذاهب لا تموت بموت أربابها . ونقله ابن ~~الباقلاني عن جمهور المتكلمين ، واختاره . PageV02P272 وقيل : يجوز أن يكون ~~حجة وإجماعا ، ويرفع الخلاف ، قاله أبو ms234 الخطاب وأكثر الحنفية وأبو الطيب ~~والرازي وأتباعه وغيرهم . منهم الحارث المحاسبي والإصطخري وابن خيران ~~والقفال الكبير وابن الصباغ . ونقل عن أبي حنيفة والمعتزلة ، واختاره ~~المتأخرون PageV02P273 ( وإلا ) أي وإن لم يكن استقر الخلاف في العصر الأول ~~( ف ) اتفاق مجتهدي العصر الثاني ( إجماع ) قطعا . وذلك كخلاف الصحابة لأبي ~~بكر رضي الله عنهم في قتال مانعي الزكاة وإجماعهم بعد ذلك على قتالهم ، ~~وكخلافهم في دفنه صلى الله عليه وسلم في أي مكان ، ثم أجمعوا على دفنه في ~~بيت عائشة رضي الله عنها ؛ إذ الخلاف لم يكن استقر ( ولو مات أو ارتد أرباب ~~أحد القولين لم يصر قول الباقي إجماعا ) ذكره القاضي أبو يعلى محل وفاق ، ~~وصححه الباقلاني في التقريب ؛ لأن حكم الميت في حكم الباقي الموجود وجزم به ~~الأستاذ أبو منصور البغدادي ، وقال الغزالي في ' المستصفى ' : إنه الراجح . ~~قال في شرح التحرير : وهذا قول الأكثرين ، وقيل : يصير إجماعا وحجة ؛ لأنهم ~~صاروا كل الأمة ، اختاره PageV02P274 الرازي والهندي وغيرهما ، وبنى ~~السهيلي الخلاف على الخلاف في إجماع التابعين بعد اختلاف الصحابة . قال في ~~شرح التحرير : وهو بناء ظاهر . ولو مات بعض أرباب أحد القولين ، ورجع من ~~بقي منهم إلى قول الآخرين . فقال ابن كج : فيها وجهان . أحدهما : أنه إجماع ~~؛ لأنهم أهل العصر . والثاني : المنع ؛ لأن الصديق جلد في حد الخمر أربعين ~~، وقد أجمع الصحابة على ثمانين في زمن عمر ، ولم يجعلوا المسألة إجماعا ؛ ~~لأن الخلاف كان قد تقدم . وقد مات ممن قال بذلك بعض ، ورجع بعض إلى قول عمر ~~PageV02P275 ( واتفاق مجتهدي عصر بعد اختلافهم وقد استقر ) اختلافهم ( ~~إجماع ) وحجة عندنا وعند الأكثر . وذكر القاضي من أصحابنا : أنه محل وفاق . ~~وقيل : إن كان المستند قطعيا كان إجماعا وحجة ، وإن كان المستند ظنيا فلا ، ~~وخالف الباقلاني والآمدي وجمع ، وقالوا بامتناع ذلك لتناقض الإجماعين . ~~وهما الاختلاف أولا ثم الاتفاق ثانيا ، كما إذا كانوا على قول فرجعوا عنه ~~إلى آخر . ونقله ابن برهان في الوجيز عن الشافعي ، PageV02P276 والمانع ~~لذلك محجوج بالوقوع . كمسألة الخلافة لأبي بكر وغيرها . قال ابن العراقي : ~~ولا ms235 يخفى أن محل الخلاف إذا لم يشترط انقراض العصر فأما إن شرطناه ، فإنه ~~يجوز قطعا ، وقاله غيره . قال ابن الحاجب : وكل من اشترط انقراض العصر قال ~~: إجماع ( ولا يصح تمسك بإجماع فيما تتوقف صحته ) أي صحة الإجماع ( عليه ~~كوجوده ) سبحانه و ( تعالى وصحة الرسالة ) ودلالة المعجزة ، لاستلزامه عليه ~~لزوم الدور ( ويصح ) التمسك بالإجماع ( في غيره ) أي غير ما تتوقف صحة ~~الإجماع عليه من أمر ( ديني ) كالرؤية و ( كنفي الشريك ) ووجوب العبادات ~~ونحوها ؛ لأن الإجماع لا يتوقف على ذلك ، لإمكان تأخر معرفتها عن ~~PageV02P277 الإجماع بخلاف الأول ، وسواء كان الديني عقليا ، كرؤية الباري ~~، ونفي الشريك ، أو شرعيا كوجوب الصلاة والصيام والزكاة وغيرها . قال ابن ~~العراقي : لا خلاف فيه . قال ابن قاضي الجبل : صح اتفاقا ، وقطع به في ~~المقنع وغيره ( أو ) من أمر ( عقلي ، كحدوث العالم ) وهذا الصحيح الذي عليه ~~الأكثر . قال في المحصول : وأما حدوث العالم فيمكن إثباته : لأنه يمكننا ~~إثبات الصانع بحدوث الأعراض ، ثم نعرف صحة النبوة ، ثم نعرف الإجماع به ؛ ~~ثم نعرف حدوث الأجسام به . انتهى . وخالف في هذه إمام الحرمين مطلقا ، وأبو ~~إسحاق الشيرازي في : كليات أصول الدين : كحدوث العالم وإثبات النبوة ، دون ~~جزئياته ، كجواز الرؤية . اه . PageV02P278 قال الكوراني : لا معنى للإجماع ~~فيه ؛ لأنه إن كان قطعيا بالاستدلال ، فما فائدة الإجماع فيه إلا تعاضد ~~الأدلة لا إثبات الحكم ابتداء . وقال الإمام في البرهان : أي فائدة في ~~الإجماع في العقليات ، مع أنه لا يجوز التقليد فيها ، ولو كان الإجماع حجة ~~فيها كسائر الأحكام لم يجز إلا التقليد فيها وعدم المخالفة ( أو ) من أمر ( ~~دنيوي . كرأي في حرب ) وتدبير أمر الجيوش وأمر الرعية . قال البرماوي : فيه ~~مذهبان مشهوران ، المرجح منهما وجوب العمل فيه بالإجماع . وهذا ظاهر كلام ~~القاضي وأبي الخطاب وابن عقيل وغيرهم في حد الإجماع . واختاره ابن حمدان ~~والآمدي وأتباعه ؛ لأن الدليل السمعي دال على التمسك به مطلقا من غير تقييد ~~. فوجب المصير إليه . قال ابن قاضي الجبل : هذا قول الجمهور . PageV02P279 ~~وللقاضي عبد الجبار المعتزلي فيه قولان . أحدهما : المنع ، ووجهه ms236 : اختلاف ~~المصالح بحسب الأحوال . فلو كان حجة لزم ترك المصلحة وإثبات المفسدة ، وقطع ~~به الغزالي وصححه السمعاني ، وهو ظاهر كلام جمع من أصحابنا . قال الكوراني ~~: لا معنى للإجماع في ذلك . لأنه ليس أقوى من قوله صلى الله عليه وسلم ، ~~وهو ليس دليلا لا يخالف فيه . يدل عليه قصة التلقيح حيث قال { أنتم أعلم ~~بأمور دنياكم } والمجمع عليه لا يجوز خلافه ، وما ذكروه من أمر الحروب ~~ونحوها إن أثم مخالف ذلك فلكونه شرعيا ، وإلا فلا معنى لوجوب اتباعه . ~~انتهى . وقيل : هو حجة بعد استقرار الرأي لا قبله ، ذكره ابن قاضي الجبل ~~PageV02P280 ( أو ) من أمر ( لغوي ) قال البرماوي : لا خلاف في ذلك ، ككون ~~الفاء للتعقيب ، فقطع به . وقيل : يعتد بالإجماع فيه إن تعلق بالدين وإلا ~~فلا . ذكره القرطبي . PageV02P281 # | ( فصل ) # ( ارتداد الأمة جائز عقلا ) قطعا . لأنه ليس بمحال ، ولا يلزم منه محال . ~~قال الآمدي : لا خلاف في تصور ارتداد الأمة الإسلامية في بعض الأعصار عقلا ~~، و ( لا ) يجوز ذلك ( سمعا ) في الأصح . وهو ظاهر كلام أصحابنا . قال ابن ~~مفلح وغيره : وصرح به الطوفي وغيره . واختاره الآمدي وابن الحاجب ، وصححه ~~التاج السبكي وغيره . وذلك لأدلة الإجماع . وقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~{ أمتي لا تجتمع على ضلالة } وانعقاد الإجماع . وخالف ابن عقيل وغيره ؛ ~~وقالوا : الردة تخرجهم عن كونهم أمته ؛ لأنهم إذا ارتدوا لم يكونوا مؤمنين ~~، فلم تتناولهم الأدلة . PageV02P282 وأجيب : بأنه يصدق بعد ارتدادهم أن ~~أمة محمد ارتدت . وهو أعظم الخطإ فتمتنع الأدلة السمعية ( ويجوز اتفاقها ) ~~أي اتفاق الأمة ( على جهل ما ) أي جهل شيء ( لم نكلف به ) في الأصح لعدم ~~الخطإ بعدم التكليف . كتفضيل عمار على حذيفة أو عكسه ، أو نحو ذلك ؛ لأن ~~ذلك لا يقدح في أصل من الأصول . وقيل : لا يجوز اتفاقها على ذلك ، وإلا كان ~~الجهل سبيلا لها يجب اتباعه وهو باطل . وأجيب : بمنع كونه سبيلا لها ؛ لأن ~~سبيل الشخص ما يختاره من قول أو فعل ، وعدم العلم بالشيء ليس من ذلك . ~~PageV02P283 وأما ما كلفوا به فيمتنع جهل جميعهم به ، ككون ms237 الوتر واجبا أم ~~لا ونحوه . و ( لا ) يجوز ( انقسامها ) أي انقسام الأمة ( فرقتين كل فرقة ~~مخطئة في مسألة مخالفة للأخرى ) عند الأكثر . قال القرافي : اختلفوا هل يصح ~~أن يجمعوا على خطإ في مسألتين . كقول بعضهم بمذهب الخوارج ، والبقية بمذهب ~~المعتزلة . وفي الفروع ، مثل أن يقول البعض - أي إحدى الفرقتين - بأن العبد ~~يرث . والباقي بأن القاتل عمدا يرث . فقيل : لا يجوز ؛ لأنه إجماع على ~~الخطإ . وقيل : يجوز ؛ لأن كل خطإ من هذين الخطأين لم يساعد عليه الفريق ~~الآخر ، ولم يوجد فيه إجماع . ثم قال : ( تنبيه ) الأحوال ثلاثة . الأولى : ~~اتفاقهم على الخطإ في مسألة واحدة ، كإجماعهم على أن العبد يرث فلا يجوز ~~ذلك عليهم . PageV02P284 الثانية : أن يخطئ كل فريق في مسألة أجنبية عن ~~المسألة الأخرى . فيجوز . فإنا نقطع أن كل مجتهد يجوز أن يخطئ . وما من ~~مذهب من المذاهب إلا وقد وقع فيه ما ينكر وإن قل . فهذا لا بد للبشر منه . ~~الثالثة : أن يخطئوا في مسألتين في حكم المسألة الواحدة ، مثل هذه المسألة ~~. فإن العبد والقتل كلاهما يرجع إلى فرع واحد ، وهو مانع الميراث . فوقع ~~الخطأ فيه كله ، فمن نظر إلى اتحاد الأصل منع ، ومن نظر إلى تعدد الفرع ~~أجاز . انتهى ( ولا ) يجوز أيضا على الأمة ( عدم علمها بدليل اقتضى حكما ) ~~في مسألة تكليفية ( لا دليل له ) أي لذلك الحكم ( غيره ) أي غير ذلك الدليل ~~؛ لأنه إن علم بذلك الحكم كان العمل به عن غير دليل ، بل عن تشه ، والعمل ~~بالحكم عن التشهي لا يجوز ، وإن لم يعلم به كان تركا للحكم المتوجه على ~~المكلف . قال الأصفهاني في شرح المختصر : أما إذا كان في الواقع دليل أو ~~خبر راجح ، أي بلا معارض ، وقد عمل على وفق ذلك الدليل أو الخبر بدليل ~~PageV02P285 آخر . فهل يجوز عدم علم الأمة به أم لا ؟ فمنهم من جوزه ، ~~ومنهم من نفاه . واحتج المجوز بأن اشتراك جميعهم في عدم العلم بذلك الخبر ، ~~أو الدليل الراجح ، لم يوجب محذورا ؛ إذ ليس اشتراك جميعهم في عدم العلم ~~إجماعا ، حتى ms238 تجب متابعتهم فيه ، بل عدم علمهم بذلك الدليل أو الخبر كعدم ~~حكمهم في واقعة لم يحكموا فيها بشيء فجاز لغيرهم أن يسعى في طلب ذلك الدليل ~~أو الخبر ليعلمه . واحتج النافي : بأنه لو جاز عدم علم جميعهم بذلك الدليل ~~أو الخبر لحرم تحصيل العلم به . والتالي : ظاهر الفساد . بيان الملازمة : ~~أنه حينئذ يكون عدم علمهم سبيل المؤمنين . فلو طلبوا العلم به لاتبعوا غير ~~سبيل المؤمنين . ويمكن أن يجاب عنه بأن عدم علمهم لا يكون سبيلا لهم ؛ لأن ~~السبيل : ما اختاره الإنسان من قول أو عمل . PageV02P286 # | ( فصل ) # ( يشترك الكتاب والسنة والإجماع في سند ، ويسمى إسنادا ) لما فرغ من ~~الأبحاث المختصة بكل واحد من الكتاب والسنة والإجماع . شرع في الأبحاث ~~المشتركة بين هذه الثلاثة . واعلم أن الكلام في الشيء إنما يكون بعد ثبوته ~~، ثم يتلوه ما يتوقف عليه من حيث دلالة الألفاظ . لأنه بعد الصحة يتوجه ~~النظر إلى ما دل عليه ذلك الثابت ، ثم يتلوه ما يتوقف عليه من حيث استمرار ~~الحكم وبقاؤه بأنه لم ينسخ ، ثم يتلوه ما يتوقف عليه الدليل ، وهو القياس ، ~~من بيان أركانه وشروطه وأحكامه ؛ لأنه مفرع على الثلاثة الأول . وقوله ' ~~يشترك كذا . . . في سند ' إشارة إلى أن المراد صحة وصولها إلينا لا ثبوتها ~~في نفسها ، ولا كونها حقا ( وهو ) أي السند ( إخبار عن طريق المتن ) قولا ~~أو فعلا تواترا أو PageV02P287 آحادا . ولو كان الإخبار بواسطة مخبر واحد ~~فأكثر عمن ينسب المتن إليه ( و ) يشترك الكتاب والسنة والإجماع أيضا ( في ~~متن وهو المخبر به ) وأصل السند في اللغة : ما يستند إليه ، أو ما ارتفع من ~~الأرض ، وأخذ المعنى الاصطلاحي من الثاني أكثر مناسبة . فلذلك يقال : أسندت ~~الحديث ، أي رفعته إلى المحدث . فيحتمل أنه اسم مصدر من أسند يسند ، أطلق ~~على المسند إليه ، وأن يكون موضوعا لما يسند إليه . والمسند - بكسر النون - ~~من يروي الحديث بإسناده ، سواء كان عنده علم به أو ليس له إلا مجرد روايته ~~. وأما مادة المتن : فإنها في الأصل راجعة إلى معنى الصلابة . ويقال ~~PageV02P288 لما ms239 صلب من الأرض : متن ، والجمع متان . ويسمى أسفل الظهر من ~~الإنسان والبهيمة متنا ، والجمع متون . فالمتن هنا : ما تضمنه الثلاثة ، ~~التي هي الكتاب والسنة والإجماع من أمر ونهي ، وعام وخاص ، ومجمل ومبين ، ~~ومنطوق ومفهوم ونحوها ( والخبر ) يحد عند الأكثر . ولهم فيه حدود كثيرة قل ~~أن يسلم واحد منها من خدش . وأسلمها قولهم ( ما يدخله صدق وكذب ) وهو لأبي ~~الخطاب في التمهيد ، وابن البنا وابن عقيل . وأكثر المعتزلة . ونقض بمثل ~~محمد ومسيلمة صادقان . وبقول من يكذب دائما : كل أخباري كذب . فخبره هذا لا ~~يدخله صدق ، وإلا كذبت أخباره وهو منها . ولا كذب وإلا كذبت أخباره مع هذا ~~، وصدق في قوله : كل أخباري كذب فتناقض . PageV02P289 ويلزم الدور لتوقف ~~معرفتها على معرفة الخبر ؛ ولأن الصدق : الخبر المطابق ، والكذب : ضده . ~~وباباهما متقابلان فلا يجتمعان في خبر واحد . فيلزم امتناع الخبر أو وجوده ~~مع عدم صدق الحد ، وبخبر الباري . وأجيب عن الأول : بأنه في معنى خبرين ~~لإفادته حكما لشخصين . ولا يوصفان بهما . بل يوصف بهما الخبر الواحد من حيث ~~هو خبر . PageV02P290 ورد لا يمنع ذلك من وصفه بهما بدليل الكذب في قول ~~القائل : كل موجود حادث . وإن أفاد حكما لأشخاص . وأجيب : بأنه كذب ؛ لأنه ~~أضاف الكذب إليهما معا . وهو لأحدهما . وسلمه بعضهم . ولكن لم يدخله الصدق ~~. وأجيب : بأن معنى الحد بأن اللغة لا تمنع القول للمتكلم به ، صدقت أم ~~كذبت . ورد برجوعه إلى التصديق والتكذيب . وهو غير الصدق والكذب في الخبر . ~~وقوله : كل أخباري كذب . إن طابق فصدق ، وإلا فكذب . ولا يخلو عنهما . وقال ~~بعض أصحابنا : يتناول قوله ما سوى هذا الخبر . إذ الخبر لا يكون بعض المخبر ~~. قال : ونص أحمد على مثله . PageV02P291 ولا جواب عن الدور . وقد قيل : لا ~~تتوقف معرفة الصدق والكذب على الخبر لعلمهما ضرورة . وأجيب عن الأخير وما ~~قبله بأن المحدود جنس الخبر ، وهو قابل لهما كالسواد والبياض في جنس اللون ~~. ورد ، لا بد من وجود الحد في كل خبر وإلا لزم وجود الخبر دون حده ، وأجيب ~~: بأن الواو وإن كانت ms240 للجمع ، لكن المراد الترديد بين القسمين تجوزا ، لكن ~~يصان الحد عن مثله . والحد الثاني للقاضي في العدة وغيره : أنه كل ما دخله ~~الصدق والكذب . PageV02P292 والثالث : للموفق في الروضة وغيره : ما يدخله ~~التصديق أو التكذيب . فيرد عليهما الدور المتقدم . وما قبل الدور أيضا ، ~~وبمنافاة ' أو ' للتعريف ؛ لأنها للترديد . فلهذا أتى الطوفي في مختصره ~~وغيره بالواو ، وهو الحد الرابع . والحد الخامس لأبي الحسين المعتزلي : أن ~~الخبر كلام يفيد بنفسه نسبة ، والكلمة عنده كلام ؛ لأنه حده بما انتظم من ~~حروف مسموعة متميزة . السادس : لابن الحاجب في مختصره وغيره : هو الكلام ~~المحكوم PageV02P293 فيه بنسبة خارجية . قال : ونعني الخارج عن كلام النفس ~~. فنحو : طلبت القيام حكم بنسبة لها خارجي ، بخلاف قم . قال الأصفهاني : ~~ونعني بالكلام ما تضمن كلمتين بالإسناد . والمراد بالنسبة الخارجية : الأمر ~~الخارج عن كلام النفس الذي تعلق به كلام النفس بالمطابقة واللا مطابقة . ~~ويسمى ذلك الأمر : النسبة الخارجية . فيدخل في هذا التعريف : نحو طلبت ~~القيام . فإنه قد حكم بنسبة لها خارجي ، وهو نسبة طلب القيام إلى المتكلم ~~في الزمان الماضي ، وهذه النسبة الخارجية عن الحكم النفسي تعلق بها الحكم ~~النفسي بالمطابقة واللا مطابقة بخلاف قم . فإنه متعلق بالحكم النفسي ، وليس ~~له تعلق خارجي . الحد السابع للبرماوي : أن الخبر ما له من الكلام خارج . ~~أي لنسبته وجود خارجي في زمن غير زمن الحكم بالنسبة . الحد الثامن لابن ~~حمدان في المقنع : أنه قول يدل على نسبة PageV02P294 معلوم إلى معلوم أو ~~سلبها عنه ، ويحسن السكوت عليه . والقول الثاني - وهو أن الخبر لا يحد ~~كالوجود والعدم للقائلين به - مأخذان : أحدهما : عسره . كما قيل في العلم . ~~المأخذ الثاني : أن تصوره ضروري ؛ لأن كل أحد يعلم بالضرورة أنه موجود ، أي ~~يعلم معنى قوله : أنا موجود ، من حيث وقوع النسبة فيه على وجه محتمل للصدق ~~والكذب ، وهو خبر خاص . فمطلق الخبر الذي هو جزء هذا الخبر الخاص أولى أن ~~يكون ضروريا ( ويطلق ) الخبر ( مجازا ) أي من جهة اللغة ( على دلالة معنوية ~~وإشارة PageV02P295 حالية ) كقولهم : عيناك تخبرني بكذا ، والغراب يخبر ~~بكذا ms241 . قال أبو الطيب المتنبي : وكم لظلام الليل عندك من يد تخبر أن ~~المانوية تكذب ( و ) يطلق الخبر ( حقيقة على الصيغة ) قال ابن قاضي الجبل : ~~ويطلق حقيقة على قول مخصوص . وذلك لتبادر الفهم عند الإطلاق إلى ذلك ( وتدل ~~) الصيغة ( بمجردها ) أي من غير قرينة ( عليه ) أي على كونه خبرا عند ~~القاضي أبي يعلى وغيره . PageV02P296 وناقشه ابن عقيل . وقال : الصيغة . هي ~~الخبر . فلا يقال له صيغة ، ولا هي دالة عليه . واختار كثير من أصحابنا ما ~~قاله القاضي . وقالوا : لأن الخبر هو اللفظ والمعنى ، لا اللفظ فقط . ~~فتقديره لهذا المركب جزء ، ويدل بنفسه على المركب . وإذا قيل : الخبر ~~الصيغة فقط ، بقي الدليل هو المدلول عليه . وقالت المعتزلة : لا صيغة له ، ~~ويدل اللفظ عليه بقرينة هي قصد المخبر إلى الإخبار . كالأمر عندهم . وقالت ~~الأشعرية : هو المعنى النفسي . وقال الآمدي : يطلق على الصيغة وعلى المعنى ~~، والأشبه لغة : حقيقة في PageV02P297 الصيغة لتبادرها عند الإطلاق ( ولا ~~يشترط فيه ) أي في الخبر ( إرادة ) الإخبار ، بل هو مفيد بذاته إفادة أولية ~~. واحترز بذلك عما يفيد باللازم أو بالقرينة . نحو أنا أطلب منك أن تخبرني ~~بكذا ، أو أن تسقيني ماء ، أو أن تترك الأذى ونحوه . فإن هذا وإن كان دالا ~~على الطلب ، لكنه لا بذاته بل هذه إخبارات لازمها الطلب ، ولا يسمى الأول ~~استفهاما ، ولا الثاني أمرا ، ولا الثالث نهيا . وكذا قوله : أنا عطشان . ~~كأنه قال : اسقني . فإن هذا طلب بالقرينة لا بذاته . إذا علمت ذلك ( ~~فإتيانه ) أي مجيئه ( دعاء ) نحو غفر الله له ورحمه ( أو تهديدا ) نحو قوله ~~تعالى سنفرغ لكم أيه الثقلان ونحو قول السيد لعبده : قد علمت أنك لا تنتهي ~~عن سوء فعلك بدون المعاقبة ( أو أمرا ) نحو قوله سبحانه وتعالى { والمطلقات ~~PageV02P298 يتربصن } { والوالدات يرضعن } وأمرتك أن تفعل كذا ، وأنت مأمور ~~بكذا ( مجاز ) لأن ذلك لا يدخله صدق ولا كذب . إذا تقرر هذا : فالخبر يشتمل ~~على محكوم عليه ومحكوم به . ويعبر عنه البيانيون بمسند إليه ومسند ، ~~ويعدونه إلى مطلق الكلام . والمناطقة يسمون الخبر قضية ، لما فيها من ms242 ~~القضاء بشيء على شيء ، ويسمون المقضي عليه موضوعا ، والمقضي به محمولا ؛ ~~لأنك تضع الشيء وتحمل عليه حكما ، ويقسمون القضية إلى : طبيعية ، وهي ما ~~حكم فيها بأحد أمرين من حيث هو على الآخر من حيث هو ، لا بالنظر إلى أفراده ~~نحو : الرجل خير من المرأة ، ونحو : الماء مرو . وغير الطبيعية ، وهي التي ~~قصد الحكم فيها على شخص في الخارج لا على الحقيقة من حيث هي ، ثم ينظر . ~~فإن حكم فيها على جزء معين سميت شخصية . نحو زيد قائم ، أو لا على معين . ~~فإن ذكر فيها سور الكل أو البعض في نفي أو إثبات . سميت محصورة . نحو كل ~~إنسان كاتب بالقوة ، وبعض الإنسان كاتب بالفعل ، PageV02P299 ونحو لا شيء ، ~~أو لا واحد من الإنسان بجماد ، وليس بعض الإنسان بكاتب بالفعل ، أو بعض ~~الإنسان ليس كذلك ، وإن لم يكن للقضية سور ، والمراد الحكم فيها على ~~الأفراد لا على الحقيقة من حيث هي : سميت مهملة ، نحو الإنسان في خسر . ~~والحكم فيها على بعض ضروري ، فهو المتحقق . ولا يصدق عليها كلية ، لكن إذا ~~كان فيها ' أل ' كما في : الإنسان كاتب ، يطلق عليها ابن الحاجب وغيره ~~كثيرا أنها كلية ، نظرا إلى إفادة ' أل ' للعموم . فهي مثل : كل ، وإن لم ~~يكن ذلك من اصطلاح المناطقة ( وغيره ) أي وغير الخبر من الكلام ( إنشاء ~~وتنبيه ) وهما لفظان مترادفان على مسمى واحد ، سمي إنشاء لأنك ابتكرته من ~~غير أن يكون موجودا قبل ذلك في الخارج ، وسمي تنبيها لأنك تنبه به على ~~مقصودك PageV02P300 ( ومنه ) أي من غير الخبر ( الأمر ) نحو قم ( ونهي ) ~~نحو لا تقعد ( واستفهام ) نحو هل عندك أحد ؟ ( وتمن ) نحو ليت الشباب يعود ~~( وترج ) نحو قوله تعالى { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا ~~شيئا وهو شر لكم } والفرق بين التمني والترجي : أن التمني يكون في المستحيل ~~والممكن ، والترجي لا يكون إلا في الممكن ( وقسم ) نحو قوله تعالى : { ~~تالله لأكيدن أصنامكم } ( ونداء ) نحو : قوله تعالى { يا أيها الناس اتقوا ~~ربكم } ( وصيغة عقد ) نحو وهبت ونحو قبلت ( و ms243 ) صيغة ( فسخ ) نحو أقلت . ~~وقيل : إن صيغ العقود والفسوخ ليست بإنشاء ، وأنها باقية على أصلها من ~~الإخبار . فإن معنى قولك : الإخبار عما في قلبك . فإن أصل البيع : هو ~~PageV02P301 التراضي . فصار ' بعت ' ونحوها : لفظا دالا على الرضى بما في ~~ضميرك . فيقدر وجودها قبل اللفظ للضرورة . وغاية ذلك أن يكون مجازا . وهو ~~أولى من النقل ودليل الصحيح من مذهبنا ومذهب أكثر العلماء : أن صيغة العقد ~~والفسخ ونحوهما ، مما اقترن معناه بوجود لفظه ، نحو بعت واشتريت وأعتقت ~~وطلقت وفسخت ونحوها مما يشابه ذلك ، مما تستحدث بها الأحكام إنشاء ؛ لأن ~~ذلك لو كان خبرا لكان إما عن ماض أو حال أو مستقبل ، والأولان باطلان ، ~~لئلا يلزم أن لا يقبل الطلاق ونحوه التعليق . لأنه يقتضي توقف شيء لم يوجد ~~على ما لم يوجد ، والماضي والحال قد وجدا ، لكن PageV02P302 قبوله التعليق ~~إجماع ، والمستقبل يلزم منه أن لا يقع به شيء ؛ لأنه بمنزلة سأطلق ، والفرض ~~خلافه ، إلى غير ذلك من أدلته . وأيضا لا خارج لها ، ولا تقبل صدقا ولا ~~كذبا . ولو كانت خبرا لما قبلت تعليقا ، لكونه ماضيا ؛ ولأن العلم الضروري ~~قاطع بالفرق بين طلقت إذا قصد به الوقوع وطلقت إذا قصد به الإخبار ( ولو ~~قال لرجعية : طلقتك ، طلقت ) على الصحيح الذي عليه الأكثر لأنه إنشاء ~~للطلاق . فعلى هذا : لا يقبل قوله : أنه أراد الإخبار ، وهو المراد بقوله ( ~~وفي وجه وإن ادعى ماضيا ) وقد تقدم في خطبة الكتاب ' أني متى قلت في وجه : ~~كان المقدم خلافه ' فعلم منها : أن الصحيح أنها تطلق ، ولو قال : أردت ~~الإخبار . PageV02P303 وذهب بعضهم إلى أنها لا تطلق ، وكأنه يعني أنه قصد ~~الإخبار عن الطلاق الماضي ( و ) قول الشاهد ( أشهد : إنشاء تضمن إخبارا ) ~~عما في نفسه ، وهذا هو المختار . وقيل : إن ذلك إخبار محض ؛ وهو ظاهر كلام ~~أهل اللغة ، قال ابن فارس في المجمل : الشهادة خبر عن علم . وقال الرازي : ~~قوله أشهد إخبار عن الشهادة . وهي الحكم الذهني المسمى بكلام النفس . وقيل ~~: إن ذلك إنشاء محض ؛ لأنه لا يدخله تكذيب شرعا . وإليه ميل ms244 القرافي . وأما ~~قوله تعالى { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } فراجع إلى تسميتهم ذلك ~~شهادة ؛ لا أنها ما واطأ فيها القلب اللسان . وإنما اختير القول الأول ~~لاضطراب الناس في ذلك . فقائل بأنها إخبار . كما في كتب اللغة ، وقائل ~~بأنها إنشاء ؛ لأنه لا يدخل تكذيب شرعا . فالقائل PageV02P304 بالثالث - ~~رأى أن كلا من القولين - له وجه . فجمع بينهما . وقال الكوراني : إذا أردت ~~تحقيق المسألة ، فاعلم أنا قدمنا أن دلالة الألفاظ إنما هي على الصور ~~الذهنية القائمة بالنفس . فإن أريد بالكلام الإشارة إلى أن النسبة القائمة ~~بالنفس مطابقة لأخرى خارجية في أحد الأزمنة الثلاثة . فالكلام خبر ، سواء ~~كانت تلك الخارجية قائمة بالنفس أيضا ، كعلمت وظننت . أو بغيره كخرجت ودخلت ~~، وإن لم يرد مطابقة تلك النسبة الذهنية لأخرى خارجية . فالكلام إنشاء . ~~فإذا قال القائل : أشهد بكذا . لا يشك أحد في أنه لم يقصد أن تلك النسبة ~~القائمة بنفسه تطابق نسبة أخرى في أحد الأزمنة ، بل مراده الدلالة على ما ~~في نفسه من ثبوت هذه النسبة . مثل : اضرب ، ولا تضرب . فهو إنشاء محض ، ولا ~~يرجع الصدق ولا الكذب إليه ، وكون المشهود به خبرا لا يخرجه عن كونه إنشاء ~~محضا ؛ لأن تلك النسبة مستقلة بحكم ، ولو كان كون الشيء متضمنا لآخر يخرجه ~~عن كونه محض ذلك الشيء لم يبق إنشاء محض قط إذ قولك : PageV02P305 اضرب . ~~متضمن لقولك : الضرب منك مطلوب ، أو أطلب الضرب منك . وهذا مما لا يقول به ~~عاقل . انتهى . فائدة : ذكر القرافي فروقا بين الخبر والإنشاء . أحدها : ~~قبول الخبر الصدق والكذب ، بخلاف الإنشاء . الثاني : أن الخبر تابع للمخبر ~~عنه في أي زمان كان ماضيا كان أو حالا أو مستقبلا ، والإنشاء متبوع لمتعلقه ~~. فيترتب عليه بعده . الثالث : أن الإنشاء سبب لوجود متعلقه . فيعقب آخر ~~حرف منه أو يوجد مع آخر حرف منه على الخلاف في ذلك إلا أن يمنع مانع . وليس ~~الخبر سببا ولا معلقا عليه ، بل مظهر له فقط انتهى . وهذه الفروق راجعة إلى ~~أن الخبر له خارج يصدق أو يكذب . ومما ينبني على ذلك ms245 أن الظهار هل هو خبر ~~أو إنشاء ؟ PageV02P306 قال القرافي : قد يتوهم أنه إنشاء وليس كذلك لأن ~~الله تعالى أشار إلى كذب المظاهر ثلاث مرات بقوله تعالى { ما هن أمهاتهم إن ~~أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله ~~لعفو غفور } قال : ولأنه حرام ولا سبب لتحريمه إلا كونه كذبا . وأجاب عمن ~~قال : سبب التحريم : أنه قائم مقام الطلاق الثلاث . وذلك حرام على رأي ~~وأطال في ذلك ، لكن قال البرماوي : الظاهر أنه إنشاء خلافا له ؛ لأن مقصود ~~الناطق به تحقيق معناه الخبري بإنشاء التحريم . فالتكذيب ورد على معناه ~~الخبري لا على ما قصد من إنشاء التحريم . فلذلك وجبت الكفارة ، حيث لم يقصد ~~به طلاقا ولا ظهارا إلا من حيث الإخبار . فالإنشاء ضربان : ضرب أذن الشارع ~~فيه كما أراده المنشئ . كالطلاق . وضرب لم يأذن فيه الشرع ، ولكن رتب عليه ~~حكما . وهو الظهار ، رتب عليه تحريم المرأة إذا عاد حتى يكفر . وقوله : ~~إنها حرام لا يقصد طلاقا أو ظهارا رتب فيه التحريم حتى يكفر . اه . ~~PageV02P307 ( ويتعلق ) من قسم الإنشاء ( بمعدوم مستقبل ) اثنا عشر حقيقة ( ~~أمر ونهي ودعاء وترج وتمن ) لدلالة هذه الخمسة على الطلب . وطلب الماضي ~~متعذر ، والحال موجود ، وطلب تحصيل الحاصل محال . فتعين المستقبل ( وشرط ~~وجزاء ) لأن معنى هاتين الحقيقتين ربط أمر وتوقيف دخوله في الوجود على وجود ~~أمر آخر . والتوقف في الوجود إنما يكون على المستقبل ( ووعد ووعيد ) لأن ~~الوعد حث على مستقبل فيما تتوقعه النفس من خير . والوعيد زجر عن مستقبل بما ~~تتوقعه النفس من شر . والتوقع لا يكون إلا في المستقبل ( وإباحة ) وذلك لأن ~~الإباحة تخيير بين الفعل أو الترك . والتخيير إنما يكون في معدوم مستقبل ( ~~وعرض ) نحو ألا تنزل عندنا فنكرمك ( وتحضيض ) نحو : هلا تنزل عندنا فنكرمك ~~؛ لأن كلا منهما مختص بالمستقبل ، لكن التحضيض أشد وأبلغ من العرض . ~~PageV02P308 # | ( فصل ) # ( الخبر إن طابق ) ما في الخارج ( ف ) هو ( صدق وإلا ) أي وإن لم يطابق ~~الواقع في الخارج ( ف ) هو ( كذب ) ولا فرق في ذلك بين ms246 اعتقاد المطابقة مع ~~الصدق ، أو عدمها مع الكذب . وبين أن لا يعتقد شيئا أو يعتقد عدم المطابقة ~~مع وجودها ، أو يعتقد وجودها مع عدمها . وإذن فلا واسطة بين الصدق والكذب . ~~وهذا مذهب أهل الحق . وقال الجاحظ : المطابق مع اعتقاد المطابقة صدق ، وغير ~~المطابق مع اعتقاد عدم المطابقة كذب . وغيرهما واسطة ، PageV02P309 لا صدق ~~، ولا كذب . فيدخل في الواسطة أربعة أقسام فتصير الأقسام عنده ستة : صدق ~~وكذب وواسطة ؛ لأن الخبر إما مطابق أو غير مطابق . فإن كان مطابقا فإما أن ~~يكون معه اعتقاد المطابقة أو لا . والثاني : إما أن يكون معه اعتقاد أن لا ~~مطابقة أو لا . وإن كان غير مطابق فإما أن يكون معه اعتقاد أن لا مطابقة أو ~~لا . والثاني إما أن يكون معه اعتقاد المطابقة أو لا . واستدل لقول الجاحظ ~~بقوله تعالى { أفترى على الله كذبا أم به جنة } والمراد الحصر في الافتراء ~~والجنون ، ضرورة عدم اعترافهم بصدقه . PageV02P310 فعلى تقدير أنه كلام ~~مجنون لا يكون صدقا ؛ لأنهم لا يعتقدون صدقه ولا كذبه ؛ لأنه قسيم الكذب ~~على ما زعموه . فثبتت الواسطة بين الصدق والكذب . وأجيب بأن المعنى : أفترى ~~على الله كذبا أم لم يفتر . فيكون مجنونا ؛ لأن المجنون لا افتراء له لعدم ~~قصده . واستدلوا أيضا بنحو قول عائشة رضي الله عنها عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما في حديث { إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه } : ما كذب ، ولكن وهم ' ~~PageV02P311 وأجيب : بأن المراد ما كذب عمدا ، بل وهم . قال ابن مفلح في ~~أصوله : المراد من الآية عند الجمهور الحصر في كونه خبرا كذبا ، أو ليس ~~بخبر لجنونه . فلا عبرة بكلامه . وأما المدح والذم فيتبعان القصد ويرجعان ~~إلى المخبر ، لا إلى الخبر . ومعلوم عند الأمة صدق المكذب برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في قوله ' محمد رسول الله ' مع عدم اعتقاده ، وكذبه في نفي ~~الرسالة مع اعتقاده . وكثر في السنة تكذيب من أخبر - يعتقد المطابقة - فلم ~~يكن ، كقوله صلى الله عليه وسلم { كذب أبو السنابل } اه . PageV02P312 وقيل ~~: إن اعتقد المخبر المطابقة وكان ms247 الأمر كما اعتقد ، فصدق وإلا فكذب ، سواء ~~كان مطابقا أو لم يكن . كقوله تعالى { إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك ~~لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } كذبهم ~~الله تعالى لعدم اعتقادهم ، مع أن قولهم مطابق للخارج . PageV02P313 ورد ~~ذلك بأنه أكذبهم في شهادتهم ؛ لأن الشهادة الصادقة أن يشهد بالمطابقة ~~معتقدا . وقال الفراء : الكاذبون في ضمائرهم . وقيل في تمنيهم . فالخبر على ~~هذا القول وإن كان منحصرا في الصدق والكذب ، لكن لا على الوجه الذي عليه ~~الجمهور ( ويكونان ) أي الصدق والكذب ( في ) زمن ( مستقبل ك ) ما يكونان في ~~زمن ( ماض ) قال الإمام أحمد رضي الله عنه فيمن قال : لا آكل ثم أكل : هذا ~~كذب ، لا ينبغي أن يفعل . وقيل له أيضا : بم تعرف الكذاب ؟ قال بخلف الوعد ~~. وتبعه على ذلك ابن عقيل وابن الجوزي ، والشيخ موفق PageV02P314 الدين ~~وغيرهم . لقوله تعالى { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت } ~~وقوله تعالى ( { ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من ~~أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم } - إلى آخر الآية ) وقوله تعالى { ~~والله يشهد إنهم لكاذبون } وقوله تعالى { وقال الذين كفروا للذين آمنوا ~~اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم ~~لكاذبون } فأكذبهم الله تعالى . وفي صحيح البخاري في { قول سعد بن عبادة ~~يوم فتح مكة اليوم تستحل الكعبة فقال صلى الله عليه وسلم كذب سعد } ~~PageV02P315 وفي صحيح مسلم في { قول عبد حاطب لما جاء يشكو حاطبا ليدخلن ~~حاطب النار فقال صلى الله عليه وسلم كذبت ، لا يدخلها } ورد أبو جعفر ~~النحاس على من أنكر ذلك بقوله تعالى { يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا } ~~PageV02P316 وقيل : لا يكون الكذب إلا في ماض . قال البرماوي : وهو قول ~~مشهور ، بل هو المفهوم عن الشافعي . ثم قال : والحق أن الخبر عن المستقبل ~~يقبل التصديق والتكذيب . فإن تعلق بالمستقبل ولم يقبل ذلك كالوعد . كان ~~إنشاء . وليس مما نحن فيه . انتهى ( وموردهما ) أي الصدق والكذب ( النسبة ~~التي تضمنها ) الخبر ms248 بإيقاع المخبر ( ومنه ) أي ومن الخبر ما هو ( معلوم ~~صدقه ) وهو أنواع . أحدها : ما يكون علم صدقه ضروريا بنفس الخبر بتكرر ~~الخبر من غير نظر . كالخبر الذي بلغت روايته حد التواتر ، لفظيا كان أو ~~معنويا . النوع الثاني : ما يكون ضروريا بغير نفس الخبر ، لكونه موافقا ~~للضروري ، وهو ما يكون متعلقه معلوما لكل أحد من غير كسب وتكرر . ~~PageV02P317 نحو : الواحد نصف الاثنين . النوع الثالث : ما يكون [ نظريا ] ~~. كخبر الله تعالى وخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم . وخبر كل الأمة ؛ ~~لأن الإجماع حجة . فكل واحد من هذه الثلاثة علم بالنظر والاستدلال . النوع ~~الرابع : ما يكون غير ضروري وغير نظري ، ولكنه موافق للنظري ، وهو الخبر ~~الذي علم متعلقه بالنظر . كقولنا : العالم حادث ( و ) من الخبر أيضا ما هو ~~معلوم ( كذبه ) وهو أنواع أيضا . أحدها : ما علم خلافه بالضرورة . كقول ~~القائل : النار باردة . النوع PageV02P318 الثاني : ما علم خلافه ~~بالاستدلال . كقول الفيلسوف : العالم قديم . النوع الثالث : أن يوهم أمرا ~~باطلا من غير أن يقبل التأويل لمعارضته للدليل العقلي . كما لو اختلق بعض ~~الزنادقة حديثا كذبا على الله سبحانه وتعالى ، أو على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ويتحقق أنه كذب . النوع الرابع : أن يدعي شخص الرسالة عن الله ~~سبحانه وتعالى بغير معجزة ( و ) من الخبر أيضا : ما هو محتمل للصدق والكذب ~~PageV02P319 ( فالأول ) وهو ما علم صدقه . قد تقدمت أنواعه التي منها ما هو ~~( ضروري بنفسه كمتواتر . وبغيره كموافق لضروري ونظري ، كخبر الله تعالى ~~ورسوله والإجماع وخبر من وافق أحدها أو ثبت فيه صدقه . ) ( و ) القسم ( ~~الثاني ) من الخبر وهو المعلوم كذبه . قد تقدمت أنواعه أيضا . ومنها ( ما ~~خالف ما علم صدقه ) . ( و ) أما القسم ( الثالث ) من الخبر ، وهو المحتمل ~~للصدق والكذب فثلاثة أنواع . أحدها ( ما ظن صدقه كعدل ) أي كخبر العدل ، ~~لرجحان صدقه على كذبه ، ويتفاوت في الظن ( و ) النوع الثاني : ما ظن ( كذبه ~~ك ) خبر ( كذاب ) لرجحان PageV02P320 كذبه على صدقه . وهو متفاوت أيضا ( و ~~) النوع الثالث : ما ( شك فيه ك ) خبر ( مجهول ) الحال ms249 . فإنه يستوي فيه ~~الاحتمالان لعدم المرجح ( وليس كل خبر لم يعلم صدقه ) يكون ( كذبا ) قال ~~القاضي عضد الدين : وقول قوم : كل خبر لم يعلم صدقه كذب باطل . واستدلوا ~~لقولهم بأنه لو كان صدقا لنصب عليه دليل ، كخبر مدعي الرسالة . فإنه إذا ~~كان صدقا دل عليه بالمعجزة . وهذا الاستدلال فاسد ، لجريان مثله في نقيض ما ~~أخبر به إذا أخبر به آخر . فيلزم اجتماع النقيضين ، ويعلم بالضرورة وقوع ~~الخبر بهما ، أي بالإخبار بشيء وبنقيضه . وأيضا فإنه يلزم العلم بكذب كل ~~شاهد ؛ إذ لا يعلم صدقه إلا PageV02P321 بدليل ، والعلم بكذب كل مسلم في ~~دعوى إسلامه ؛ إذ لا دليل على ما في باطنه . وذلك باطل بالإجماع ( ومدلوله ~~) أي الخبر هو ( الحكم بالنسبة لا ثبوتها ) أي الحكم بثبوت النسبة لا نفس ~~الثبوت . فإذا قلت : زيد قائم . فمدلوله الحكم بثبوت قيامه لا نفس ثبوت ~~قيامه ؛ إذ لو كان الحكم بالنسبة ثبوت قيام زيد ، لزم منه أن لا يكون شيء ~~من الخبر كذبا ، بل يكون كله صدقا . قاله الرازي وجمع كثير . وخالف القرافي ~~فقال : إن العرب لم تضع الخبر إلا للصدق ، لاتفاق اللغويين والنحويين على ~~أن معنى قام زيد : حصول القيام منه في الزمن الماضي . واحتماله الكذب ليس ~~من الوضع ، بل من جهة المتكلم اه . PageV02P322 قال الكوراني : والتحقيق في ~~هذا المقام هو أن الخبر في مثل زيد قائم إذا صدر عن المتكلم بالقصد ، يدل ~~على الإيقاع ، وهو الحكم الذي صدر عن المتكلم . ويدل أيضا على الوقوع . فكل ~~منهما يسمى حكما ، فاحتمال الصدق والكذب وصدق الخبر وكذبه في نفس الأمر ، ~~إنما هو باعتبار الإيقاع ؛ لأنه المتصف بذلك الوقوع ، وأما باعتبار إفادة ~~المخاطب فالحكم هو الوقوع ؛ لأنك إذا قلت زيد قائم إنما يفيد المخاطب وقوع ~~القيام ، لا أنك أوقعت القيام على زيد . فإنه لا يعد فائدة ( ومنه ) أي ومن ~~الخبر ( تواتر ) يعني أن الخبر ينقسم قسمين ، تواترا وآحادا ( وهو ) أي ~~التواتر ( لغة تتابع ) شيئين فأكثر ( بمهلة ) أي واحد بعد واحد من الوتر . ~~ومنه قوله سبحانه وتعالى { ثم أرسلنا رسلنا ms250 تترى } أصلها وترا أبدلت التاء ~~من الواو . قاله ابن قاضي الجبل . ثم قال : قلت قال الجواليقي : من ~~PageV02P323 غلط العامة قولهم : تواترت كتبك إلي . أي اتصلت من غير انقطاع ~~. وإنما التواتر الشيء بعد الشيء بينهما انقطاع . وهو تفاعل من الوتر ، وهو ~~العود انتهى ( و ) التواتر ( اصطلاحا ) أي في اصطلاح العلماء ( خبر عدد ~~يمتنع معه ) أي مع هذا العدد ( لكثرته ) أي من أجل كثرته ( تواطؤ ) فاعل ~~يمتنع ( على كذب ) متعلق بتواطؤ ( عن محسوس ) متعلق بخبر ، أي بخبر عدد عن ~~محسوس ( أو خبر ) عدد ( عن عدد كذلك ) أي يمتنع معه لكثرته تواطؤ على كذب ( ~~إلى أن ينتهي إلى محسوس ) أي معلوم بإحدى الحواس الخمس . كمشاهدة أو سماع . ~~فقوله : ' خبر ' جنس يشمل المتواتر وغيره . وبإضافته إلى ' عدد ' يخرج خبر ~~الواحد . وبقوله ' يمتنع معه . . . ' إلى آخره : يخرج به خبر عدد لم يتصف ~~ذلك العدد بالوصف المذكور . PageV02P324 وخرج بقيد ' المحسوس ' ما كان عن ~~معلوم بدليل عقلي كإخبار أهل السنة دهريا بحدوث العالم لتجويزه غلطهم في ~~الاعتقاد ( مفيد ) صفة لتواتر ، أي ومن الخبر تواتر مفيد ( للعلم بنفسه ) . ~~فخرج بذلك الخبر الذي صدق المخبرين فيه بسبب القرائن الزائدة على ما لا ~~ينفك عن المتواتر عادة وغيرها ؛ لأن هذا الخبر مفيد للعلم لا بنفسه ، بل ~~بسبب ما احتف به من القرائن . ثم القرائن المفيدة للعلم قد تكون عادية ~~كالقرائن التي تكون على من يخبر بموت ولده من شق الجيوب والتفجع . وقد تكون ~~عقلية ، كخبر جماعة PageV02P325 تقتضي البديهة أو الاستدلال صدقه . وقد ~~تكون حسية كالقرائن التي تكون على من يخبر بعطشه . وكون خبر التواتر مفيدا ~~للعلم هو قول أئمة المسلمين ( و ) العلم ( الحاصل ) بخبر التواتر ( ضروري ) ~~عند أصحابنا والأكثر ، إذ لو كان نظريا لافتقر إلى توسط المقدمتين ، ولما ~~حصل لمن ليس من أهل النظر كالنساء والصبيان ، ولساغ الخلاف فيه عقلا ، ~~كسائر النظريات ، ولأن الضروري ما اضطر العقل إلى التصديق به . وهذا كذلك . ~~وقال PageV02P326 أبو الخطاب وجمع : إنه نظري ؛ إذ لو كان ضروريا لما افتقر ~~إلى النظر في المقدمتين . وهما اتفاقهم ms251 على الإخبار وامتناع تواطئهم على ~~الكذب . فصورة الترتيب ممكنة . رد ذلك بأنه مطرد في كل ضروري . وقال الطوفي ~~في مختصره : والخلاف لفظي ؛ إذ مراد الأول بالضروري : ما اضطر العقل إلى ~~تصديقه . والثاني : البديهي الكافي في حصول الجزم به تصور طرفيه . والضروري ~~ينقسم إليهما . فدعوى كل غير دعوى الآخر ، والجزم حاصل على القولين . ~~PageV02P327 ثم اعلم أن خبر التواتر لا يولد العلم ، بل ( يقع ) العلم ( ~~عنده ) أي عند خبر التواتر ( بفعل الله تعالى ) عند الفقهاء وغيرهم ، وخالف ~~قوم . لنا على الأول : ما ثبت من الأصول أنه لا موجد إلا الله . وهو بمنزلة ~~إجراء العادة بخلق الولد من المني ، وهو قادر على خلقه بدون ذلك خلافا لمن ~~قال بالتولد . قال المخالف : يمكن أن يخلقه الله ويمكن ضده . قلنا : هو ~~ممكن عقلا وواجب عادة ، واستدل بأنه لو ولد العلم فإما من الأخير وحده ، ~~وهو محال إذ كان يكفي منفردا . أو منه ومن الجملة قبله ، وهو محال أيضا ، ~~لعدم صدور PageV02P328 المسبب عن شيئين فصاعدا ، أو لأنها تعدم شيئا فشيئا ~~. والمعدوم لا يؤثر . فقيل : يجوز تأثير الأخير مشروطا بوجود ما قبله ~~وانعدامه أيضا . فهو وارد في إفادته التولد ( وهو ) أي التواتر قسمان قسم ( ~~لفظي ) وهو ما اشترك عدده في لفظ بعينه . وذلك ( كحديث : { من كذب علي ) ~~متعمدا . فليتبوأ مقعده من النار } فإنه قد PageV02P329 نقله من الصحابة ~~الجم الغفير . قال ابن الصلاح : يصلح أن يكون هذا مثالا للمتواتر من السنة ~~. انتهى . واعلم أن التواتر يكون في القرآن . وقد تقدم أن القراءات السبع ~~متواترة . وتقدم الخلاف في العشر . وأما الإجماع : فالمتواتر فيه كثير . ~~وأما السنة : فالمتواتر فيها قليل ، حتى إن بعضهم نفاه إذا كان لفظيا ، لكن ~~الأكثر على أن الحديث المتقدم من المتواتر اللفظي من السنة . وزاد بعضهم ~~PageV02P330 حديث ذكر حوض النبي صلى الله عليه وسلم . فإن البيهقي في كتاب ~~البعث والنشور : أورد روايته عن أزيد من ثلاثين صحابيا . وأفرده المقدسي ~~بالجمع . قال القاضي عياض : وحديثه متواتر بالنقل . وحديث الشفاعة . قال ~~القاضي عياض : بلغ التواتر ، PageV02P331 وحديث المسح على ms252 الخفين . قال ابن ~~عبد البر : رواه نحو أربعين صحابيا واستفاض وتواتر . وأما التواتر المعنوي ~~من السنة ، وهو بأن يتواتر معنى في ضمن ألفاظ مختلفة ، ولو كان المعنى ~~المشترك فيه بطريق اللزوم فكثير ( و ) قسم ( معنوي ، وهو تغاير الألفاظ مع ~~الاشتراك في معنى كلي ) ولو بطريق اللزوم كما تقدم . وذلك ( كحديث الحوض ، ~~وسخاء PageV02P332 حاتم ) وشجاعة علي رضي الله عنه وغيرها . وذلك إذا كثرت ~~الأخبار في الوقائع واختلف فيها ، لكن كل واحد منها يشتمل على معنى مشترك ~~بينها بجهة التضمن أو الالتزام ، حصل العلم بالقدر المشترك ، وهو مثلا ~~الشجاعة أو الكرم ونحو ذلك ، ويسمى المتواتر من جهة المعنى وذلك كوقائع ~~حاتم فيما يحكى من عطاياه من فرس وإبل وعين وثوب ونحوها . فإنها تتضمن جوده ~~فيعلم ، وإن لم يعلم شيء من تلك القضايا بعينه ، وكقضايا علي رضي الله عنه ~~في حروبه من أنه هزم في خيبر كذا وفعل في أحد كذا ، إلى غير ذلك . فإنه يدل ~~بالالتزام على شجاعته . وقد تواتر ذلك منه ، وإن كان شيء من تلك الجزئيات ~~لم يبلغ درجة القطع ( ولا ينحصر ) التواتر ( في عدد ) عند أصحابنا ~~والمحققين ( ويعلم ) حصول العدد ( إذا حصل العلم ) عنده ( ولا دور ) إذ ~~حصول العلم معلول PageV02P333 الأخبار ودليله . كالشبع والري معلول المشبع ~~والمروي ودليلهما ، وإن لم يعلم ابتداء القدر الكافي منهما . وما ذكر من ~~التقديرات تحكم لا دليل عليه . نعم لو أمكن الوقوف على حقيقة اللحظة التي ~~يحصل لنا العلم بالمخبر عنه فيها أمكن معرفة أقل عدد يحصل العلم بخبره ، ~~لكن ذلك متعذر ؛ إذ الظن يتزايد بتزايد المخبرين تزايدا خفيا تدريجيا . ~~كتزايد النبات وعقل الصبي ونمو بدنه ، ونور الصبح وحركة الفيء فلا يدرك . ~~PageV02P334 قال ابن قاضي الجبل ، فإن قيل : كيف نعلم العلم بالتواتر مع ~~الجهل بأقل عدده ؟ قلنا : كما يعلم أن الخبز مشبع ، والماء مرو ، وإن جهلنا ~~عدده . اه . ( ويختلف ) العلم الحاصل بالتواتر ( باختلاف القرائن ) أي ~~قرائن التعريف . مثل الهيئات المقارنة للخبر الموجبة لتعريف متعلقه ، ~~ولاختلاف أحوال المخبرين في اطلاعهم على قرائن التعريف ، ولاختلاف إدراك ms253 ~~المستمعين لتفاوت الأذهان والقرائح ولاختلاف الوقائع على عظمها وحقارتها . ~~وفي المسألة ثلاثة أقوال . قال في جمع الجوامع : والصحيح ثالثها : أن علمه ~~لكثرة العدد متفق ، وللقرائن قد يختلف . فيحصل لزيد دون عمرو . وقال ابن ~~العراقي : هل يجب اطراد حصول العلم بالتواتر لكل من بلغ ، أو يمكن حصول ~~العلم لبعضهم دون بعض ؟ فيه ثلاثة أقوال . ثالثها - وهو الراجح عند المصنف ~~- أن علمه متفق ، أي يتفق الناس كلهم في العلم به ، PageV02P335 ولا ~~يختلفون وإن كان لاختلاف قرائن به اضطربت . فقد يحصل لبعضهم دون بعض وفيه ~~نظر . فإن الخبر الذي لم يحصل العلم فيه إلا بانضمام قرينة إلى الخبر ليس ~~من التواتر ، بل لا بد أن يكون حصول العلم بمجرد روايتهم . انتهى ( ويتفاوت ~~المعلوم ) عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى والمحققين ، منهم الشيخ تقي ~~الدين والأرموي والخونجي وابن مفلح وغيرهم . وعنه لا . قال ابن قاضي الجبل ~~: الأصح التفاوت . فإنا نجد بالضرورة الفرق بين كون الواحد نصف الاثنين ~~وبين ما علمناه من جهة التواتر مع كون اليقين حاصلا فيهما . PageV02P336 ~~قال : ووقعت هذه المسألة بين الشيخ عز الدين بن عبد السلام وبين الخونجي . ~~فنفى ابن عبد السلام التفاوت وأثبته الخونجي . قال ابن قاضي الجبل قلت : ~~كيف ينفي التفاوت مع قوله صلى الله عليه وسلم { ليس المخبر كالمعاين } وكما ~~يفرق بين علم اليقين وعين اليقين ؟ ثم هنا أمر آخر . وهو أن من فسر الرؤية ~~في الآخرة بزيادة العلم . وكذلك الكلام كيف يمكنه نفي التفاوت ؟ انتهى ( ~~ويمتنع استدلال به ) أي بالتواتر ( على من لم يحصل له به علم ) يعني أنه لو ~~حصل التواتر عند جماعة ولم يحصل عند آخرين ، امتنع الاستدلال بالتواتر عند ~~من حصل له على من لم يحصل له العلم به ؛ لأنه يقول : ما تدعيه من التواتر ~~غير مسلم فلا أسمعه ؛ لأنه ليس بمتواتر عندي ( و ) يمتنع ( كتمان أهله ) أي ~~أهل التواتر ( ما ) أي شيئا ( يحتاج إلى PageV02P337 نقله ك ) امتناع ( كذب ~~على عددهم ) أي عدد الحاصل العلم بهم في التواتر ( عادة ) أي في العادة . ~~وهاهنا مسألتان ms254 ، الأولى : امتناع كتمان أهل التواتر ما يحتاج إلى نقله ، ~~خلافا للرافضة ، حيث قالوا : لا يمتنع ذلك ، لاعتقادهم كتمان النص على ~~إمامة علي رضي الله عنه . وهذا لا يعتقده مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر ، ~~أن يكون خير القرون الذين رضي الله عنهم وشهد لهم نبيهم صلى الله عليه وسلم ~~بالجنة ، وقد أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه عنهم بأنه رضي عنهم ، ~~يعلمون أن الإمامة يستحقها علي رضي الله عنه ، ويكتمون ذلك فيما بينهم ~~ويولون غيره . وهذا من أمحل المحال الذي لا يرتاب فيه مسلم . ولكن هذا من ~~بهت PageV02P338 الرافضة عليهم من الله تعالى ما يستحقون ، ولأن هذا في ~~القبح كتواطئهم على الكذب ، وهو محال . المسألة الثانية : امتناع الكذب على ~~عدد التواتر عادة ، وهو ممنوع في العادة ، وإن كان لا يحيله العقل . وهذا ~~مأخذ المسألة المتقدمة في جواز ما يحتاج إلى نقله ؛ لأنه إذا جاز الكذب ~~فالكتمان أولى . والأصح عدم جوازه عادة لا لذاته ، ولا يلزم من فرض وقوعه ~~محال ( ولا يشترط إسلامهم ) أي إسلام العدد المشروط في التواتر . واشترط ~~ابن عبدان من الشافعية الإسلام والعدالة أيضا . لأن الكفر والفسوق عرضة ~~للكذب والتحريف . وأيضا لو لم يشترط ذلك ، لأفاد إخبار النصارى بقتل المسيح ~~، وهو PageV02P339 باطل بقوله تعالى وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ' ~~وبالإجماع . وأجيب : بمنع حصول شرط التواتر للاختلال في الطبقة الأولى ، ~~لكونهم لم يبلغوا عدد التواتر ، ولأنهم رأوه من بعيد أو بعد صلبه ، فشبه ~~لهم . وللاختلال في الوسط بقصور الناقلين عن عدد التواتر أو في شيء مما ~~بينهم وبين الناقلين إلينا من عدد التواتر ؛ لأن بخت نصر قد قتل النصارى ~~حتى لم يبق منهم إلا دون عدد التواتر . وكذا الجواب عن إخبار الإمامية ~~بالنص على إمامة علي رضي الله عنه ( ولو طال الزمن ) بين وقوع المخبر به ~~وبين الإخبار PageV02P340 ( ولا ) يشترط أيضا ( أن لا يحويهم بلد ولا ~~يحصيهم عدد ) قال ابن مفلح : وشرط طوائف من الفقهاء أن لا يحويهم بلد ولا ~~يحصيهم عدد ، وهو باطل . لأن أهل الجامع لو ms255 أخبروا عن سقوط المؤذن من ~~المنارة ، أو الخطيب عن المنبر ، لكان إخبارهم مفيدا للعلم فضلا عن أهل بلد ~~( ولا ) يشترط أيضا فيهم ( اختلاف نسب و ) لا اختلاف ( دين و ) لا اختلاف ( ~~وطن ) قال ابن مفلح : وشرط قوم اختلاف النسب والدين والوطن PageV02P341 ~~لتندفع التهمة ، وهو أيضا باطل ؛ لأن التهمة لو حصلت لم يحصل العلم ، سواء ~~كانوا على دين واحد ، ومن نسب واحد وفي وطن واحد ، أو لم يكونوا كذلك . وإن ~~ارتفعت حصل العلم كيف كانوا ( ولا ) يشترط أيضا ( إخبارهم طوعا ) قال ابن ~~مفلح : وشرط قوم إخبارهم طوعا ، وهو باطل . فإن الصدق لا يمتنع حصول العلم ~~به ، وإلا فات الشرط ( ولا ) يشترط أيضا ( أن لا يعتقد ) المخبر ( خلافه ) ~~أي نقيض المخبر به . قال ابن مفلح : وشرط المرتضى من الشيعة - وهو أبو ~~القاسم الموسوي - عدم اعتقاد نقيض المخبر . قال : لأن اعتقاد النقيض محال ~~PageV02P342 والطارئ أضعف من المستقر ، فلا يرفعه . وهو باطل أيضا ، بل ~~يحصل العلم سواء كان السامع يعتقد نقيض المخبر به أو لا . فلا يتوقف العلم ~~على ذلك ( ومن حصل بخبره علم بواقعة لشخص حصل ) العلم ( بمثله ) أي بمثل ~~ذلك الخبر ( بغيرها ) أي بغير تلك الواقعة ( لآخر ) أي لشخص آخر . قال في ~~شرح التحرير : وقول أبي الحسين والباقلاني : من حصل بخبره علم بواقعة لشخص ~~حصل بمثله بغيرها لشخص آخر صحيح ، PageV02P343 ثم قال : إن تساويا من كل ~~وجه . فلأجل هذا قلنا ( مع تساو من كل وجه ) قال : وهو بعيد عادة . وسبقه ~~باشتراط التساوي ابن قاضي الجبل PageV02P344 # | فصل # ( ومن الخبر آحاد ) ومن الخبر آحاد جمع أحد . كأبطال جمع بطل ، وهمزة أحد ~~: مبدلة من الواو ، وأصل آحاد أأحاد بهمزتين ، أبدلت الثانية ألفا كآدم ( ~~وهو ) أي خبر الآحاد في الاصطلاح ( ما عدا المتواتر ) عند ابن البناء ، ~~والموفق والطوفي وجمع كثير ، فلا واسطة بين التواتر والآحاد ( فدخل ) في ~~الآحاد من الأحاديث ما عرف بأنه ( مستفيض مشهور ، PageV02P345 وهو ما زاد ~~نقلته على ثلاثة ) عدول . فلا بد أن يكونوا أربعة فصاعدا في الأصح ، وهو ~~اختيار الآمدي وابن الحاجب ، وجمع ms256 من أصحابنا وغيرهم وقطع به ابن حمدان في ~~المقنع . وقيل : ما زاد نقلته على الاثنين ، وقيل : ما زاد نقلته على واحد ~~. فلا بد أن يكونوا اثنين فصاعدا . اختاره الشيخ أبو حامد وأبو إسحاق وأبو ~~حاتم القزويني . PageV02P346 وقيل : هو الشائع عن أصل . قاله في جمع ~~الجوامع وغيره وقال الشيخ أبو محمد يوسف بن الجوزي : هو ما ارتفع عن ضعف ~~الآحاد ، ولم يلتحق بقوة التواتر ( ويفيد ) الحديث المستفيض المشهور ( علما ~~نظريا ) نقل ذلك ابن مفلح وغيره عن الأستاذ أبي إسحاق وابن فورك . وقيل : ~~يفيد القطع PageV02P347 ( وغيره ) أي وغير المستفيض من الأحاديث ( يفيد ~~الظن فقط ولو مع قرينة ) عند الأكثر لاحتمال السهو والغلط ونحوهما على ما ~~دون عدد رواة المستفيض لقرب احتمال السهو والخطإ على عددهم القليل . وقال ~~الموفق وابن حمدان والطوفي وجمع : إنه يفيد العلم بالقرائن . قال في شرح ~~التحرير : وهذا أظهر وأصح ، PageV02P348 لكن قال الماوردي : القرائن لا ~~يمكن أن تضبط بعادة . وقال غيره : يمكن أن تضبط بما تسكن إليه النفس ، ~~كسكونها إلى المتواتر أو قريب منه بحيث لا يبقى فيها احتمال عنده ( إلا إذا ~~نقله ) أي نقل غير المستفيض ( آحاد الأئمة المتفق عليهم ) أي على إمامتهم ( ~~من طرق متساوية وتلقي ) المنقول ( بالقبول فالعلم ) أي فإنه يفيد العلم ( ~~في قول ) قال القاضي أبو يعلى : هذا المذهب . قال أبو الخطاب : هذا ظاهر ~~كلام أصحابنا . واختاره ابن الزاغوني والشيخ تقي الدين . وقال : الذي عليه ~~الأصوليون من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد أن خبر الواحد إذا تلقته ~~الأمة بالقبول تصديقا له وعملا به PageV02P349 يوجب العلم إلا فرقة قليلة ~~اتبعوا طائفة من أهل الكلام أنكروا ذلك . والأول : ذكره أبو إسحاق وأبو ~~الطيب وذكره عبد الوهاب وأمثاله من المالكية والسرخسي وأمثاله من الحنفية ، ~~وهو الذي عليه أكثر الفقهاء ، وأهل الحديث والسلف وأكثر الأشعرية وغيرهم . ~~انتهى قال ابن الصلاح : ما أسنده البخاري ومسلم : العلم اليقيني النظري ~~واقع به ، خلافا لقول من نفى ذلك محتجا بأنه لا يفيد في PageV02P350 أصله ~~إلا الظن . وإنما تلقته الأمة بالقبول لأنه يجب عليهم ms257 العمل بالظن ، والظن ~~قد يخطئ ، قال : وقد كنت أميل إلى هذا ، وأحسبه قويا ، ثم بان لي أن المذهب ~~الذي اخترناه أولا هو الصحيح ؛ لأن ظن من هو معصوم من الخطإ لا يخطئ ، ~~والأمة في إجماعها معصومة من الخطإ وقال النووي : خالف ابن الصلاح المحققون ~~والأكثرون ، وقالوا : يفيد الظن ما لم يتواتر ، انتهى . قال ابن عقيل وابن ~~الجوزي والقاضي أبو بكر بن الباقلاني وأبو حامد وابن برهان والفخر الرازي ~~والآمدي وغيرهم : لا يفيد العلم ما نقله آحاد الأمة المتفق عليهم إذا تلقي ~~بالقبول ، PageV02P351 وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني : يفيده عملا لا ~~قولا ( ويعمل بآحاد الأحاديث في أصول ) الديانات . وحكى ذلك ابن عبد البر ~~إجماعا ، قال الإمام أحمد رضي الله عنه : لا نتعدى القرآن والحديث . وقال ~~القاضي أبو يعلى : يعمل به فيها فيما تلقته الأمة بالقبول ، ولهذا قال ~~الإمام أحمد رضي الله عنه : قد تلقتها العلماء بالقبول . وقال ابن قاضي ~~الجبل : مذهب الحنابلة : أن أخبار الآحاد المتلقاة بالقبول تصلح لإثبات ~~أصول الديانات . ذكره القاضي أبو يعلى في مقدمة المجرد . والشيخ تقي الدين ~~في عقيدته ، انتهى . وقال أبو الخطاب وابن عقيل وغيرهما : لا يعمل به فيها ~~( ولا يكفر منكره ) أي منكر خبر الآحاد في الأصح . حكى ابن حامد الوجهين عن ~~الأصحاب . PageV02P352 ونقل تكفيره عن إسحاق بن راهويه . والخلاف مبني على ~~القولين بأنه يفيد العلم أو لا فإن قلنا : يفيد العلم ، كفر منكره وإلا فلا ~~ذكره البرماوي وغيره ، لكن التكفير بمخالفة المجمع عليه لا بد أن يكون ~~معلوما من الدين بالضرورة ، كما سبق آخر الإجماع . إذ لا يلزم من القطع أن ~~يكفر منكره ( ومن أخبر ) عن شيء ( بحضرته ) أي حضرة النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ولم ينكر ) ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أو ) أخبر عن شيء ~~بحضرة ( جمع عظيم ولم يكذبوه ) فيما أخبر به ( دل على صدقه ظنا ) هاهنا ~~مسألتان . الأولى : إذا أخبر مخبر بشيء بحضرته صلى الله عليه وسلم ولم ~~ينكره . فإنه يدل على صدقه ظنا لا قطعا في ظاهر كلام ms258 أصحابنا وغيرهم . ~~لتطرق الاحتمال بعدم سماعه أو إلقاء باله ، أو أنه ما فهمه أو أخره لأمر ~~يعلمه ، أو بينه قبل ذلك بوقت ونحوه . PageV02P353 وقيل : بل قطعا ؛ لأنه ~~صلى الله عليه وسلم لا يقر على الباطل . وقيل : إن كان الأمر دينيا دل على ~~صدقه ؛ لأنه بعث شارعا للأحكام ، فلا يسكت عما يخالف الشرع ، بخلاف الدنيوي ~~. فإنه صلى الله عليه وسلم لم يبعث لبيان الدنيويات المسألة الثانية : إذا ~~أخبر مخبر بشيء بحضرة جمع عظيم ، وسكتوا عن تكذيبه فيما أخبر به . فإن ذلك ~~يدل على صدقه ظنا لا قطعا . اختاره الآمدي والرازي ؛ إذ ربما خفي عليهم حال ~~ذلك المخبر . والقول بأنه يبعد خفاؤه لا يفيد القطع ، وقدم ذلك ابن مفلح ~~ونصره . وقيل : إن علم أنه لو كان كاذبا لكذبوه ولا داعي إلى السكوت علم ~~صدقه ، قطع به ابن الحاجب في مختصره وتبعه جماعة ، PageV02P354 ورد ذلك ~~بأنه يحتمل أنه لم يعلمه إلا واحد أو اثنان . والعادة لا تحيل سكوتهما ، ثم ~~يحتمل مانع ( وكذا ما ) أي : وكالمسألتين المتقدمتين في الدلالة على صدق ~~الخبر ظنا خبر ( تلقاه ) النبي صلى الله عليه وسلم بالقبول ، كإخباره صلى ~~الله عليه وسلم ( عن تميم الداري ) قال الشيخ تقي الدين : ' ومنه ما تلقاه ~~صلى الله عليه وسلم بالقبول كإخباره عن تميم الداري في قصة الجساسة ' ، وهي ~~في صحيح مسلم ، فإنه صدقه ووافق ما كان يخبر به صلى الله عليه وسلم عن ~~الدجال PageV02P355 ( و ) كذا ( إخبار شخصين عن قضية يتعذر عادة تواطؤهما ~~عليها ، أو على كذب وخطإ ) قاله ابن مفلح في أصوله مقتصرا عليه من غير خلاف ~~. قال في شرح التحرير : والظاهر أنه من تتمة كلام الشيخ تقي الدين ، فإنه ~~عقبه كلامه ، ولم نر هذه المسألة في غير هذا الكتاب . اه . ( ولو انفرد ~~مخبر فيما تتوفر الدواعي على نقله ، وقد شاركه خلق كثير ، فكاذب قطعا ) ~~خلافا للشيعة ، ومن أمثلة ذلك : لو انفرد مخبر بأن ملك المدينة قتل عند ~~اجتماع الناس للجمعة وسط الجامع ، أو أن خطيبها قتل على المنبر ، أو نحو ~~ذلك ms259 ، فإنه يقطع PageV02P356 بكذبه عند الجميع من أئمة الدين المعتبرين . ~~لنا على الشيعة : القطع عادة بكذب مثل هذا ، فإنها تحيل السكوت عنه . ولو ~~جاز كتمانه لجاز الإخبار عنه بالكذب ، ولجاز كتمان مثل مكة وبغداد ، وبمثله ~~يقطع بكذب مدعي معارضة القرآن . والنص على إمامة علي رضي الله عنه ، كما ~~تدعيه الشيعة ، ولم تنقل شرائع الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ~~لعدم الحاجة إليها ، ونقلت شريعة موسى وعيسى لتمسك قوم بهما ، ولم ينقل ~~كلام المسيح في المهد ، لأنه قبل ظهوره واتباعه . وأما معجزات نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم فما كان منها بحضرة خلق كثير PageV02P357 تواتر . ولم ~~يستمر استغناء بالقرآن ، وإلا فلا يلزم ؛ لأنه نقله من رآه ( ويعمل بخبر ~~الواحد ) ( في فتوى و ) في ( حكم و ) في ( شهادة ) إجماعا ( و ) في ( أمور ~~دينية ، و ) في ( أمور دنيوية ) على الصحيح . قال البرماوي : يعمل به ~~بالإجماع في ثلاثة أماكن : في الفتوى ، وفي الحكم ؛ لأنه في المعنى فتوى ~~وزيادة التنفيذ بشروطه المعروفة . وفي الشهادة سواء شرط العدد أو لا ، لأنه ~~لم يخرج عن الآحاد ، وفي الرواية في الأمور الدنيوية كالمعاملات ونحوها ~~انتهى . لكن قال أبو الخطاب في التمهيد : مذهب كثير ممن قال لا يقبل خبر ~~الواحد لا يلزمه قبول قول مفت واحد . قال البرماوي : وممن صرح بأن الثلاثة ~~الأول محل وفاق القفال الشاشي في كتابه ، والماوردي والروياني وابن ~~السمعاني PageV02P358 ( والعمل به ) أي بخبر الواحد ( جائز عقلا ) عند ~~جماهير العلماء . وخالف فيه قوم منهم الجبائي ، وأكثر القدرية ، وبعض ~~الظاهرية . ولنا أنه لا يلزم منه محال ، وليس احتمال الكذب والخطإ بمانع ، ~~وإلا لمنع في الشاهد والمفتي ، ولا يلزم الوصول لما سبق في إفادته العلم ~~PageV02P359 وإلا نقل ، لقضاء العادة فيه بالتواتر ، ولا التعبد في الإخبار ~~عن الله بلا معجزة ؛ لأن العادة تحيل صدقه بدونها ، ولا التناقض بالتعارض ؛ ~~لأنه يندفع بالترجيح أو التخيير أو الوقف ؛ ولأن العمل بخبر الواحد دفع ضرر ~~مظنون فوجب أخذا بالاحتياط ، وقواطع الشرع نادرة فاعتبارها يعطل أكثر ~~الأحكام ، والرسول صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الكافة ms260 . ومشافهتهم ~~وإبلاغهم بالتواتر متعذر ، فتعينت الآحاد . والمعتمد في ذلك : أن نصب ~~الشارع علما ظنيا على وجوب فعل تكليفي جائز بالضرورة ، ثم إن المنكر لذلك ~~إن أقر بالشرع وعرف قواعده ومبانيه وافق والله أعلم . PageV02P360 والعمل ~~بخبر الواحد من جهة الشرع ( واجب سمعا ) في الأمور الدينية عندنا وعند أكثر ~~العلماء . قال القاضي أبو يعلى : يجب عندنا سمعا . وقاله عامة الفقهاء ~~والمتكلمين ، وهو الصحيح المعتمد عند جماهير العلماء من السلف والخلف ، قال ~~ابن القاص : لا خلاف بين أهل الفقه في قبول خبر الآحاد . PageV02P361 ~~فأصحاب هذا القول اتفقوا على أن الدليل السمعي : دل عليه ، من الكتاب ~~والسنة وعمل الصحابة ورجوعهم ، كما ثبت ذلك بالتواتر ، لكن الجبائي اعتبر ~~لقبوله شرعا أن يرويه اثنان في جميع طبقاته ، أو يعضد بدليل آخر . كظهوره ~~وانتشاره في الصحابة ، أو عمل بعضهم به . كحديث أبي بكر في توريث الجدة ~~لأنه رد خبر المغيرة فيه : حتى شهد معه محمد بن مسلمة ، وكذلك عمر رد قول ~~PageV02P362 أبي موسى في الاستئذان ، حتى وافقه أبو سعيد الخدري . ~~PageV02P363 والجواب : أنهما فعلا ذلك تثبتا في قضية خاصة . ولذلك حكما في ~~وقائع كثيرة بأخبار الآحاد . واختار عبد الجبار المعتزلي ، وحكي عن الجبائي ~~: أنه لا يحد بخبر دال على حد الزنا إلا أن يرويه أربعة ، قياسا على ~~الشهادة به . والجواب : أن هذا قياس مع الفارق ، إذ باب الشهادة أحوط . ~~ولذلك أجمعوا على اشتراط العدد فيه . PageV02P364 ومنع قوم من قبول أخبار ~~الآحاد مطلقا ، منهم ابن أبي داود وبعض المعتزلة وبعض القدرية والظاهرية . ~~وكذلك الرافضة ، وناقضوا فأثبتوا تصدق علي بخاتمه في الصلاة ونكاح المتعة ~~PageV02P365 والنقض بأكل لحم الإبل . وكلها إنما ثبتت بالآحاد . قال ابن ~~القاص : وإنما دفع بعض أهل الكلام خبر الآحاد لعجزه عن السنن رغم أنه لا ~~يقبل منها إلا ما تواتر بخبر من يجوز عليه الغلط والنسيان . وهذا ذريعة إلى ~~إبطال السنن . فإن ما شرطه لا يكاد يوجد إليه سبيل اه . PageV02P366 ومنعه ~~المالكية إذا خالفه عمل أهل المدينة . ومنعه أكثر الحنفية فيما تعم به ~~البلوى ، أو خالفه راويه ms261 ، أو عارض القياس ؛ لأن ما تعم به البلوى - كحديث ~~مس الذكر - تقتضي العادة تواتره ، ولأن ما خالفه راويه يدل على أنه إنما ~~خالفه لدليل أقوى . ولذلك لم يوجبوا التسبيع في ولوغ PageV02P367 الكلب ~~لمخالفة أبي هريرة لروايته ، ولأن مخالفة القياس تدل على رجحان كذبه . ~~ولهذا ردوا خبر المصراة لمخالفته لقياس ضمان المتلفات . PageV02P368 | ~~واستدل للجمهور على قبوله بأنه قد كثر جدا قبوله والعمل به في الصحابة ~~والتابعين عملا شائعا من غير نكير يحصل به إجماعهم عليه عادة قطعا . فمنه { ~~قول أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ، لما جاءته الجدة تطلب ميراثها ما ~~لك في كتاب الله شيء . وما علمت لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~شيئا . فارجعي حتى أسأل الناس . فسأل الناس ، فقال المغيرة : حضرت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس . فقال : هل معك غيرك ؟ فقال محمد بن ~~مسلمة مثله . فأنفذه لها أبو بكر } رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه ~~والترمذي . وقال : حسن صحيح . { واستشار عمر الناس في الجنين . فقال ~~المغيرة قضى فيه رسول PageV02P369 الله صلى الله عليه وسلم بغرة عبد أو أمة ~~. فقال : لتأتين بمن يشهد معك . فشهد له محمد بن مسلمة } متفق عليه . ولأبي ~~داود من حديث طاوس عن عمر رضي الله عنه ' لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره ' ~~ورواه الشافعي وسعيد من حديث طاوس أنه سأل عن ذلك . فقال حمل بن مالك { إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيه بغرة } وقول عمر ذلك PageV02P370 وطاوس ~~لم يدركه . وأخذ عمر بقول عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوس . ~~رواه البخاري { وكان عمر رضي الله عنه لا يورث المرأة من دية زوجها حتى ~~أخبره الضحاك أن رسول الله كتب إليه أن يورث امرأة PageV02P371 أشيم من دية ~~زوجها } رواه مالك وأحمد وأبو داود والترمذي وصححه . وروى هؤلاء ' أن عثمان ~~أخذ . بخبر فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد : أن عدة الوفاة في منزل الزوج ' ~~وفي البخاري عن ابن عمر أن سعدا حدثه { أن النبي ms262 صلى الله عليه وسلم مسح ~~على الخفين } . فسأل ابن عمر أباه عنه . فقال : نعم . إذا حدثك سعد عن ~~PageV02P372 النبي صلى الله عليه وسلم فلا تسأل عنه غيره ' ورجع ابن عباس ~~إلى خبر أبي سعيد في تحريم ربا الفضل . رواه الأثرم وغيره . وروى سعيد من ~~طرق عدم رجوعه ، وتحول أهل قباء إلى القبلة وهم في الصلاة بخبر الواحد . ~~رواه أحمد ومسلم وأبو داود من حديث أبي هريرة . ومعناه في الصحيحين من حديث ~~ابن عمر . PageV02P373 { وقال ابن عمر ما كنا نرى بالمزارعة بأسا ، حتى ~~سمعت رافع بن خديج يقول : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فتركتها ~~من أجله } وللشافعي ومسلم { عن ابن عمر كنا نخابر فلا نرى بذلك بأسا فزعم ~~رافع : أن نبي الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه ، فتركناه من أجله } ~~PageV02P374 { وكان زيد بن ثابت يرى أن لا تصدر الحائض حتى تطوف بالبيت . ~~فقال له ابن عباس سل فلانة الأنصارية ، هل أمرها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بذلك ؟ فأخبرته . فرجع زيد ، وهو يضحك . فقال لابن عباس : ما أراك إلا ~~صدقت } رواه مسلم وغير ذلك مما يطول . لا يقال : إنها أخبار آحاد فيلزم ~~الدور ؛ لأنا نقول : بل هي متواترة كما سبق في أخبار الإجماع . وأيضا : ~~تواتر { أنه عليه أفضل الصلاة والسلام كان يبعث الآحاد إلى النواحي لتبليغ ~~الأحكام ، مع العلم بتكليف المبعوث إليهم العمل بذلك } . PageV02P375 لا ~~يقال : هذا من الفتيا للعامي ؛ لأن الاعتماد على كتبه مع الآحاد إلى ~~الأطراف ، وما يأمر به من قبض زكاة وغير ذلك ، وعمل الصحابة ومن بعدهم ~~وتأسوا به ، وذلك مقطوع به . إذا تقرر هذا ، فهل يعمل به مطلقا ، أو حيث لا ~~طريق إلى العلم غيره ؟ في ذلك وجهان للأصحاب . قال الشيخ تقي الدين في ~~المسودة قال أبو الخطاب : الحكم بخبر الواحد عن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~لمن يمكنه سؤاله ، مثل الحكم باجتهاده واختياره . يعني : أنه لا يجوز . ~~والذي ذكره بقية أصحابنا القاضي وابن عقيل : جواز العمل بخبر الواحد لمن ~~يمكنه سؤاله ، أو ms263 أمكنه الرجوع إلى التواتر ، محتجين به في المسألة بمقتضى ~~أنه إجماع . وهذا مثل قول بعض أصحابنا : إنه لا يعمل بقول المؤذن مع إمكان ~~PageV02P376 العلم بالوقت . وهذا القول خلاف مذهب أحمد وسائر العلماء ~~المعتبرين . وخلاف ما شهدت به النصوص . وذكر في مسألة منع التقليد : أن ~~المتمكن من العلم لا يجوز له العدول إلى الظن ، وجعله محل وفاق واحتج به في ~~المسألة ا ه . PageV02P377 # | ( فصل ) # ( الرواية ) الرواية في اصطلاح العلماء ( إخبار ) يحترز به عن الإنشاء ( ~~عن ) أمر ( عام ) من قول أو فعل ( لا يختص ) واحد منهما ( ب ) شخص ( معين ) ~~من الأمة ( و ) من صفة هذا الإخبار : أنه ( لا ترافع فيه ممكن عند الحكام ) ~~. ( وعكسه ) أي وعكس هذا المذكور ( الشهادة ) فإنها إخبار بلفظ خاص عن خاص ~~علمه مختص بمعين يمكن الترافع فيه عند الحكام PageV02P378 ( ومن شروط راو : ~~عقل ) إجماعا ؛ إذ لا وازع لغير عاقل يمنعه من الكذب ، ولا عبارة أيضا . ~~كالطفل ( و ) منها ( إسلام ) إجماعا لتهمة عداوة الكافر للرسول صلى الله ~~عليه وسلم ولشرعه ( و ) منها ( بلوغ ) عند الأئمة الأربعة وغيرهم من الأئمة ~~، PageV02P379 لاحتمال كذب من لم يبلغ ، كالفاسق بل أولى ؛ لأنه غير مكلف ، ~~فلا يخاف العقاب . وقال بعض أصحابنا : يتخرج في روايته روايتان . كشهادته . ~~وروي عن الإمام أحمد رضي الله عنه : أن شهادة المميز تقبل . وعنه ابن عشر . ~~واختلف الصحابة والتابعون في قبول شهادته ( و ) منها ( ضبط ) لئلا يغير ~~اللفظ والمعنى فلا يوثق به . PageV02P380 قال الإمام أحمد رضي الله عنه : ~~لا ينبغي لمن لا يعرف الحديث أن يحدث به . والشرط غلبة ضبطه وذكره على سهوه ~~لحصول الظن إذا . ذكره الآمدي وجماعة . قال ابن مفلح : وهو محتمل . وفي ~~الواضح لابن عقيل قول أحمد ، وقيل له : متى تترك حديث الرجل . ؟ قال : إذا ~~غلب عليه الخطأ ، ولأن أئمة الحديث تركوا رواية كثير ممن ضعف ضبطه ممن سمع ~~كثيرا ضابطا . فإن جهل حاله . فذكر الموفق في الروضة وغيره : أنها لا تقبل ~~؛ لأنه لا غالب لحال الرواة . قال ابن مفلح : وفيه نظر ، وأنه يحتمل ما قال ~~الآمدي ms264 : من أنه يحمل على غالب حال الرواة . فإن جهل حالهم : اعتبر حاله . ~~فإن قيل : PageV02P381 ظاهر حال العدل ألا يروي إلا ما يضبطه . وقد أنكر ~~على أبي هريرة الإكثار . وأجيب : بأنه لم ينكر عليه لعدم الضبط ، بل خيف ~~ذلك لإكثاره . فإن قيل : الخبر دليل . والأصل صحته فلا يترك باحتمال ، ~~كاحتمال حدث بعد طهارة . رد إنما هو دليل مع الظن ، ولا ظن مع تساوي ~~المعارض واحتمال الحدث ورد على يقين الطهر ، فلم يؤثر ( و ) منها ( عدالة ) ~~إجماعا لما سبق من الأدلة ( ظاهرا وباطنا ) عند أحمد والشافعي وغيرهما . ~~وذكره الآمدي عن الأكثر . PageV02P382 وعند القاضي وابن البناء ، وغيرهما : ~~تكفي العدالة ظاهرا للمشقة . كما قلنا في الشهادة على رواية عن أحمد . ~~اختارها أبو بكر عبد العزيز . وصاحب روضة الفقه من أصحابنا ( ومن روى ) حال ~~كونه ( بالغا مسلما عدلا وقد تحمل ) حال كونه ( صغيرا ضابطا ، أو ) حال ~~كونه ( كافرا ) ضابطا ( أو ) حال كونه ( فاسقا ) ضابطا ( قبل ) ما رواه ، ~~لاجتماع الشروط فيه حال روايته ( وهي ) أي العدالة في اللغة : التوسط في ~~الأمر من غير زيادة ولا نقصان ، PageV02P383 وهي في اصطلاح أهل الشرع ( صفة ~~) أي كيفية نفسانية ، وتسمى قبل رسوخها حالا ( راسخة في النفس ) أي نفس ~~المتصف بها ( تحمله ) على ملازمة التقوى والمروءة ، وتحمله أيضا على ( ترك ~~الكبائر ) . ( ومنها ) أي من الكبائر : غيبة ونميمة . قال في شرح التحرير : ~~اختلف في الغيبة والنميمة . هل هما من الصغائر أو من الكبائر ؟ والصحيح من ~~المذهب أنهما من الكبائر . وقدمه ابن مفلح في أصوله ، وهو ظاهر ما قدمه في ~~فروعه . قال القرطبي : لا خلاف أن الغيبة من الكبائر . انتهى . وقيل : ~~إنهما من الصغائر اختاره جماعة ، منهم صاحب الفصول والغنية والمستوعب ~~PageV02P384 ( و ) تحمله أيضا على ترك ( الرذائل ) المباحة . كالأكل في ~~السوق ونحو ذلك . فلا يأتي بكبيرة للآية الكريمة في القاذف . وقيس عليه ~~الباقي من الكبائر . ويشترط مع ذلك أن يكون ( بلا بدعة مغلظة ) وسيأتي ~~الكلام عليها ( وتقبل رواية ) من اتصف بذلك ، ولو أنه ( قاذف بلفظ الشهادة ~~) قال أصحابنا وغيرهم : إن قذف بلفظ الشهادة ms265 قبلت روايته ؛ لأن نقص العدد ~~ليس من جهته . PageV02P385 زاد القاضي في العدة : وليس بصريح في القذف . ~~وقد اختلفوا في الحد ، ويسوغ فيه الاجتهاد ، ولا ترد الشهادة بما يسوغ فيه ~~الاجتهاد . وكذا زاد ابن عقيل . قال الشيرازي في اللمع : وأبو بكرة ومن شهد ~~معه تقبل روايتهم ؛ لأنهم أخرجوا ألفاظهم مخرج الإخبار ، لا مخرج القذف . ~~وجلدهم عمر باجتهاده PageV02P386 ( ويحد ) القاذف بلفظ الشهادة مع قبول ~~روايته . قال في شرح التحرير : واتفق الناس على الرواية عن أبي بكرة . ~~والمذهب عندهم يحد . وروي عن أحمد والشافعي : أنه لا يحد . قال ابن مفلح : ~~فيتوجه من هذه الرواية بقاء عدالته . وقاله الشافعية ، وهو معنى ما جزم به ~~الآمدي ومن وافقه ، وأنه ليس من الجرح ؛ لأنه لم يصرح بالقذف . وقال الشيخ ~~تقي الدين : صرح القاضي في قياس الشبه من العدالة بعدالة من أتى بكبيرة أي ~~واحدة لقوله تعالى { فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون } وروي عن أحمد ~~فيمن أكل الربا : إن أكثر لم يصل خلفه . قال القاضي وابن عقيل : فاعتبر ~~الكثرة . وقال الموفق في المغني : إن أخذ صدقة محرمة وتكرر ذلك منه ، ردت ~~روايته PageV02P387 ( والصغائر ) وهي كل قول أو فعل محرم لا حد فيه في ~~الدنيا ولا وعيد في الآخرة ( وهن ) مع كثرة صورهن ( سواء حكما ) أي في ~~الحكم . قال في التحرير : ولم يفرق أصحابنا وغيرهم في الصغائر ، بل أطلقوا ~~. فظاهره أنه لا فرق ( إن لم تتكرر تكررا يخل بالثقة بصدقه ) أي صدق الراوي ~~( لم تقدح ) في صحة روايته ( لتكفيرها ) أي تكفير الصغائر ( باجتناب ~~الكبائر ومصائب الدنيا ) على الأصح في كون الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر ، ~~وهو مذهب الجمهور . وقال الأستاذ والقاضي أبو بكر بن الباقلاني وابن فورك ~~والقشيري والسبكي . وحكي عن الأشعرية : إن جميع الذنوب كبائر . PageV02P388 ~~قال القرافي : كأنهم كرهوا تسمية معصية الله تعالى صغيرة إجلالا له ، مع ~~موافقتهم في الجرح أنه ليس بمطلق المعصية ، بل منه ما يقدح ، ومنه ما لا ~~يقدح . وإنما الخلاف في التسمية . انتهى . استدل الجمهور بقوله تعالى { إن ~~تجتنبوا كبائر ما تنهون ms266 عنه } - الآية وبقوله صلى الله عليه وسلم ، في ~~تكفير الصلوات الخمس والجمعة ما بينهما إذا اجتنبت الكبائر ؛ إذ لو كان ~~الكل كبائر لم يبق بعد ذلك ما يكفر بما ذكر . وفي الحديث { الكبائر سبع } ~~وفي رواية { تسع - PageV02P389 وعدها } فلو كانت الذنوب كلها كبائر لما ساغ ~~ذلك . وما أحسن ما قال الكوراني في شرح جمع الجوامع : إن أرادوا إسقاط ~~العدالة فقد خالفوا الإجماع . وإن أرادوا قبح المعصية نظرا إلى كبريائه ~~تعالى ، وأن مخالفته لا تعد أمرا صغيرا . فنعم القول . انتهى . وعلى الأصح ~~في كون الصغائر سواء حكما . وقال الآمدي ، ومن وافقه : إن مثل سرقة لقمة ~~والتطفيف بحبة ، واشتراط أخذ الأجرة على إسماع الحديث يعتبر تركه كالكبائر ~~. وقد قال الإمام أحمد رضي PageV02P390 الله عنه في اشتراط أخذ الأجرة : لا ~~يكتب عنه الحديث ولا كرامة . وقاله إسحاق بن راهويه وأبو حاتم . قال ابن ~~مفلح : ويعتبر ترك ما فيه دناءة وترك مروءة كأكله في السوق بين الناس ~~الكثير . ومد رجليه وكشف رأسه بينهم والبول في الشوارع واللعب بالحمام ~~وصحبة الأراذل والإفراط في المزح ، لحديث أبي مسعود البدري { إذا لم تستح ~~فاصنع ما شئت } رواه PageV02P391 البخاري ، يعني : إذا صنع ما شاء فلا يوثق ~~به . انتهى . وعلى الأصح في كون الصغائر إن لم تتكرر منه تكررا يخل الثقة ~~بصدق الراوي لم يقدح في روايته . قال ابن قاضي الجبل في أصوله : حد الإصرار ~~المانع في الصغائر : أن تتكرر منه تكررا يخل الثقة بصدقه . انتهى . وقيل : ~~يقدح تكرارها في الجملة . وقيل : ثلاثا . قاله ابن حمدان في المقنع وآداب ~~المفتي . PageV02P392 وقال في الترغيب وغيره : تقدح كثرة الصغائر وإدمان ~~واحدة . وقال الموفق في المقنع : لا يدمن على صغيرة ، وهو مراد الأول . ~~وعليه أكثر الأصحاب فالإدمان هنا كما قال ابن قاضي الجبل في أصوله كما تقدم ~~. وعلى الأصح في كون الصغائر تكفر باجتناب الكبائر وبمصائب الدنيا لظاهر ~~قوله تعالى { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } ولما دلت ~~عليه السنة من تكفير الصغائر بمصائب الدنيا . واختار ذلك الشيخ تقي ms267 الدين ~~في الرد على الرافضي . وحكاه عن الجمهور ( ويرد كاذب ولو تدين ) أي تحرز عن ~~الكذب ( في الحديث ) عند أكثر العلماء ، منهم الإمامان مالك وأحمد وغيرهما ~~؛ لأنه لا يؤمن عليه أن يكذب فيه . وعنه ولو بكذبة واحدة . واختاره ابن ~~عقيل في الواضح وغيره . PageV02P393 واحتج الإمام أحمد رضي الله عنه بأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم { رد شهادة رجل في كذبة } وإسناده جيد ، لكنه ~~مرسل . رواه إبراهيم الحربي والخلال وجعله في التمهيد إن صح للزجر . وفيه ~~وعيد في منامه صلى الله عليه وسلم في الصحيح . وفي الصحيحين : الزجر عن ~~شهادة الزور ، وأنها من الكبائر . PageV02P394 وذكر في الفصول في الشهادة : ~~أن بعضهم اختار هذه الرواية . وقاس عليها بقية الصغائر . والصحيح من المذهب ~~: أن الكذبة الواحدة لا تقدح للمشقة وعدم دليله . وذكر ابن عقيل في الشهادة ~~من الفصول : أنه ظاهر مذهب أحمد . وعليه جمهور أصحابه . وقياس بقية الصغائر ~~عليها بعيد ، لأن الكذب معصية فيما تحصل به الشهادة ، وهو الخبر العام . ~~انتهى ( وتقدح كذبة ) واحدة ( فيه ) أي في الحديث ( ولو تاب ) منها . نص ~~على ذلك الإمام أحمد رضي الله عنه . وقال : لا تقبل توبته مطلقا . وقاله ~~القاضي أبو يعلى وغيره من أصحابنا وغيرهم ، قال : لأنه زنديق . فتخرج توبته ~~على توبته وفارق الشهادة ؛ لأنه قد يكذب فيها لرشوة إلى أرباب الدنيا . ~~PageV02P395 وقال ابن عقيل : هذا فرق بعيد ؛ لأن الرغبة إليهم بأخبار ~~الرجاء ، أو الوعيد غاية الفسق ، وظاهر كلام جماعة من أصحابنا : أن توبته ~~تقبل . وقاله كثير من العلماء ، لكن في غير ما كذب فيه . كتوبته فيما أقر ~~بتزويره . وقبلها الدامغاني الحنفي فيه أيضا . قال : لأن ردها ليس بحكم ، ~~ورد الشهادة حكم . PageV02P396 قال القاضي أبو يعلى : سألت أبا بكر الشاشي ~~عنه . فقال : لا يقبل خبره فيما رد ، ويقبل في غيره اعتبارا بالشهادة . قال ~~: وسألت قاضي القضاة الدامغاني . فقال : يقبل حديثه المردود وغيره ، بخلاف ~~شهادته إذا ردت ثم تاب لم تقبل تلك خاصة . قال : لأن هناك حكما من الحاكم ~~بردها . فلا ينقض ، ورد الخبر ممن روي له ms268 ليس بحكم . انتهى . قال الشيخ تقي ~~الدين : وهذا يتوجه لو رددنا الحديث لفسقه ، بل ينبغي أن يكون هو المذهب . ~~فأما إذا علمنا كذبه فيه فأين هذا من الشهادة ؟ فنظيره أن يتوب من شهادة ~~زور ويقر فيها بالتزوير ( والكبيرة ) عند الإمام أحمد رضي الله عنه ، ونقل ~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ( ما فيه حد في الدنيا أو ) فيه ( وعيد ) ~~خاص ( في الآخرة . وزيد ) أي وزاد الشيخ تقي الدين وأتباعه ( أو ) ما فيه ( ~~لعنة أو غضب أو نفي إيمان ) PageV02P397 اختلف الناس في الكبيرة ، هل لها ~~ضابط تعرف به أو لا ؟ فذهب بعض العلماء إلى أنها لا يعرف ضابطها قال القاضي ~~في المعتمد : معنى الكبيرة أن عقابها أعظم والصغيرة أقل ، ولا يعلمان إلا ~~بتوقيف . قال الواحدي : الصحيح أن الكبائر ليس لها حد تعرف به ، وإلا ~~لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها ، ولكن الله تعالى أخفى ذلك عن العباد ~~ليجتهدوا في اجتناب المنهي عنه ، رجاء أن تجتنب الكبائر . نظيره إخفاء ~~الصلاة الوسطى وليلة القدر وساعة الإجابة في يوم الجمعة وقيام الساعة ونحو ~~ذلك . PageV02P398 وذهب الأكثرون إلى أن لها ضابطا معروفا ، ثم اختلفوا في ~~ذلك الضابط على أقوال . الأول - وهو المعتمد - أن الكبيرة ما فيه حد في ~~الدنيا أو وعيد في الآخرة ، لوعد الله مجتنبها بتكفير الصغائر . قال ابن ~~مفلح : ولأنه معنى قول ابن عباس . ذكره أحمد وأبو عبيد . وألحق بذلك ما فيه ~~لعنة أو غضب أو نفي إيمان ؛ لأنه لا يجوز أن يقع نفي الإيمان لأمر مستحب ، ~~بل لكمال واجب . قال الشيخ تقي الدين : وليس لأحد أن يحمل كلام أحمد إلا ~~على معنى يبين من كلامه ما يدل على أنه مراده ، لا على ما يحتمله اللفظ من ~~كلام كل أحد . القول الثاني - وهو لسفيان الثوري - أن ما تعلق بحق الله ~~تعالى صغيرة ، وما تعلق بحق الآدمي كبيرة . PageV02P399 والقول الثالث - ~~ونسب إلى الأكثر - أن الكبيرة ما فيه وعيد شديد بنص كتاب أو سنة . الرابع : ~~ما أوجب حدا فهو كبيرة وغيره صغيرة ، وهو لجماعة . الخامس - وهو ms269 للهروي - ~~أن الكبيرة كل معصية يجب في جنسها حد من قتل وغيره . وترك كل فريضة مأمور ~~بها على الفور ، والكذب في الشهادة والرواية وفي اليمين . PageV02P400 ~~القول السادس - وهو لإمام الحرمين - أن الكبيرة كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث ~~مرتكبها بالدين ورقة الديانة . ورجحه كثير من العلماء . ومجموعة ما جاء ~~منصوصا عليه في الأحاديث من الكبائر خمس وعشرون : الشرك بالله تعالى ، وقتل ~~النفس بغير حق ، والزنا ، وأفحشه بحليلة الجار ، والفرار من الزحف ، والسحر ~~، وأكل الربا ، وأكل PageV02P401 مال اليتيم ، وقذف المحصنات ، والاستطالة ~~في عرض المسلم بغير حق ، وشهادة الزور ، واليمين الغموس ، والنميمة ، ~~والسرقة ، وشرب الخمر ، واستحلال بيت الله الحرام ، ونكث الصفقة ، وترك ~~السنة ، والتعرب بعد الهجرة ، واليأس من روح الله ، والأمن من مكر الله ، ~~ومنع ابن السبيل من فضل الماء ، وعدم التنزه من البول ، وعقوق الوالدين ، ~~والتسبب إلى شتمهما ، والإضرار في الوصية ( ويرد مبتدع داعية ) أي رواية ~~مبتدع يدعو الناس إلى بدعته . والمبتدع واحد المبتدعة ، وهم أهل الأهواء من ~~الجهمية والقدرية ، والمعتزلة والخوارج والروافض ومن نحا نحوهم ، والمراد ~~إذا كانت بدعته غير مكفرة . كالقول بتفضيل علي على سائر الصحابة ، بدليل ~~قوله ( أو مع بدعة مكفرة ) كالقول بإلاهيته أو غيره . PageV02P402 وعلل رد ~~غير المكفرة بخوف الكذب لموافقة هواه . ونقض ذلك بالداعية في الفروع . ولم ~~يفرق جماعة بين الداعية وغيره . وقبله بعض أصحابنا وغيرهم . وحكي عن ~~الشافعي . وقال ابن عقيل في الكفاءة من الفصول : إن دعا كفر . وقال أيضا : ~~والصحيح لا كفر ؛ لأن أحمد أجاز الرواية عن الحرورية والخوارج انتهى . وعلم ~~مما في المتن : أن المبتدع غير الداعية وغير المكفر ببدعته تقبل روايته . ~~وهذا الصحيح من الروايات عن الإمام أحمد رضي الله عنه لعدم علة المنع ، ~~ولما في الصحيحين وغيرهما من الرواية عن المبتدعة . كالقدرية والخوارج ~~والمرجئة . ورواية السلف والأئمة عنهم . PageV02P403 لا يقال : قد تكلم في ~~بعضهم ؛ لأنه أريد معرفة حالهم ، أو للترجيح عند التعارض ، ثم يحصل المقصود ~~بمن لم يتكلم فيه ، ولا يلزم من رده رد الجميع أو الأكثر ، لكثرة تفسيق ~~الطوائف وتكفير بعضهم ms270 بعضا ، ولأنها حاجة عامة . فهي أولى من تصديقه في ~~استئذانه وإرساله بهدية . وذلك إجماع . ذكره القرطبي . قال بعض أصحابنا : ~~ونهي أحمد عن الأخذ عنهم إنما هو لهجرهم ، وهو يختلف بالأحوال والأشخاص . ~~ولهذا لم يرو الخلال عن قوم لنهي المروذي ، ثم روى عنهم بعد موته . ولهذا ~~جعل القاضي الداعي إلى البدعة قسما غير داخل في مطلق العدالة . PageV02P404 ~~والرواية الثانية : عدم القبول مطلقا ، وهو قول مالك والقاضي من أصحابنا ~~والباقلاني والآمدي والجبائية وجماعة . كما لو تدين بالكذب كالخطابية من ~~الرافضة - نسبة إلى أبي الخطاب - من مشايخ الرافضة ، كان يقول : بألوهية ~~جعفر الصادق ، ثم ادعى الألوهية لنفسه ، عليه PageV02P405 لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين ، وهو وأتباعه يستحلون الكذب في نصرة مذهبهم . ~~فيرون الشهادة بالزور لموافقهم على مخالفهم . قال الإمام الشافعي رضي الله ~~عنه : ما في أهل الأهواء قوم أشهد بالزور من الرافضة . والرواية الثالثة : ~~القبول مع بدعة مفسقة مطلقا لا مع مكفرة . وهذا قول الشافعي رضي الله عنه ~~وأكثر الفقهاء لعظم الكفر ، فيضعف العذر ويقوى عدم الوثوق . قال النووي في ~~شرح مقدمة مسلم : إن العلماء من المحدثين والفقهاء والأصوليين قالوا : لا ~~تقبل رواية من كفر ببدعته اتفاقا اه . PageV02P406 وقال القاضي علاء الدين ~~البعلي من متأخري أصحابنا : إن كانت بدعة أحدهم مغلظة كالتجهم ردت روايته ، ~~وإن كانت متوسطة كالقدرية . ردت إن كان داعية . وإن كانت خفيفة كالإرجاء ، ~~فهل تقبل معها مطلقا . أم يرد غير الداعية ؟ روايتان . هذا تحقيق مذهبنا . ~~انتهى ( وليس الفقهاء ) المختلفون في الفروع ( منهم ) أي من المبتدعة على ~~الصحيح عند الأكثر . قال ابن مفلح في أصوله : قاله ابن عقيل وغيره . وهو ~~المعروف عند العلماء ، وهو أولى ، وخالف القاضي أبو يعلى وابن البناء وجمع ~~فأدخلوهم في أهل الأهواء . PageV02P407 ( ف ) على الأول ( من شرب نبيذا ~~مختلفا فيه : حد ) عندنا ( ويفسق غير مجتهد ) أداه اجتهاده إلى إباحته ( أو ~~مقلد ) لذلك المجتهد ؛ لأن محل الخلاف فيهما . وعن أحمد رواية ثانية بالفسق ~~مطلقا . واختارها ابن أبي موسى في الإرشاد ، وأبو الفرج الشيرازي في المبهج ~~، وفاقا للإمام مالك رضي ms271 الله عنه للسنة المستفيضة في ذلك . وعنه رواية ~~ثالثة : لا حد ولا فسق مطلقا . اختاره أبو ثور والشيخ تقي الدين ، وهو قوي ~~للخلاف فيه كغيره ، ولئلا يفسق بواجب ، لفعله معتقدا وجوبه في موضع ، ولا ~~أثر لاعتقاد الإباحة PageV02P408 ( وحرم إجماعا إقدام ) مكلف ( على ما ) أي ~~قول أو فعل ( لم يعلم جوازه ) لأن إقدامه على شيء لم يعلم هل يجوز فعله أو ~~لا يجوز : جرأة على الله تعالى وعلى رسوله وعلى العلماء ، لكونه لم يسأل ، ~~ولأنه ضم جهلا إلى فسق . قال الحلواني من أصحابنا : ولا يحكم بفسق مخالف في ~~أصول الفقه . وبه قال جماعة الفقهاء ، وأكثر المتكلمين ، خلافا لبعض ~~المتكلمين . قال ابن مفلح : كذا أطلقه ( ويرد ) ما رواه ( متساهل في روايته ~~) سماعا أو إسماعا كالنوم وقت السماع ، وقبول التلقين ، أو يحدث لا من أصل ~~مصحح ونحوه . وقد نص عليه المحدثون ، وهو قادح في قياس قول أصحابنا وغيرهم ~~: يحرم التساهل في الفتيا واستفتاء معروف به . وقبول الحديث ممن هو على هذه ~~الصفة أولى بالتحريم . وقد جزم به في المحصول وغيره PageV02P409 ( و ) ما ~~رواه ( مجهول عين ) على الصحيح وقطع به جمع ، منهم التاج السبكي وحكى ~~البرماوي وغيره فيه خمسة أقوال . أحدها : لا يقبل مطلقا . وعليه الأكثر من ~~المحدثين وغيرهم . والثاني : يقبل مطلقا . وهو رأي من لم يشترط في الراوي ~~غير الإسلام . والثالث : إن كان المنفرد بالرواية عنه لا يروي إلا عن عدل ، ~~كابن مهدي ويحيى بن سعيد ، PageV02P410 واكتفينا بالتعديل بواحد قبل وإلا ~~فلا . والرابع : إن كان مشهورا في غير العلم بالزهد والقوة في الدين ، قبل ~~وإلا فلا ، وهو لابن عبد البر . والخامس : إن زكاه أحد من أئمة الجرح ~~والتعديل مع رواية واحد عنه ، قبل وإلا فلا . وهو لأبي الحسين بن القطان ( ~~أو عدالة ) عطف على قوله ' مجهول عين ' يعني أنه لا تقبل رواية مجهول ~~العدالة عند الأكثر منهم الإمام أحمد رضي الله PageV02P411 عنه وأصحابه ~~والمالكية والشافعية . وعند أحمد رواية ثانية : تقبل وفاقا لأبي حنيفة رضي ~~الله عنه وأكثر أصحابه ، وابن فورك وسليم الرازي والمحب ms272 الطبري . ومن ~~أصحابنا : الطوفي . كقبوله عقب إسلامه ، وإطلاق القبول عن أبي حنيفة ~~وأصحابه نقله كثير من العلماء . PageV02P412 وقال ابن مفلح في أصوله : ~~وقالت الحنفية : إن رده جميعهم لم يقبل . وإن اختلفوا فيه قبل ، وإن لم يرد ~~ولم يقبل جاز قبوله لظاهر عدالة المسلم ولم يجب . وجوز الحنفية القضاء ~~بظاهر العدالة . أما اليوم فتعتبر التزكية لغلبة الفسق . اه . ونقل ~~البرماوي عن صاحب البديع وغيره من الحنفية : أن أبا حنيفة إنما قبل ذلك في ~~صدر الإسلام حيث الغالب على الناس العدالة . فأما اليوم فلا بد من التزكية ~~لغلبة الفسق . اه . PageV02P413 وقال أبو المعالي : يوقف ويجب الكف في ~~التحريم إلى الظهور احتياطا . فلو كنا على اعتقاد في حل شيء فروى لنا مستور ~~تحريمه ، فالذي أراه : وجوب الانكفاف عما كنا نستحله إلى تمام البحث عن حال ~~الراوي . قال : وليس ذلك حكما بالحظر للترتيب على الرواية ، وإنما هو توقف ~~في الأمر . والتوقف في الإباحة يتضمن الإحجام ، وهو معنى الحظر . فهو إذا ~~حظر مأخوذ من قاعدة ممهدة . وهي التوقف عند عدم بدو ظواهر الأمور إلى ~~استبانتها . فإذا ثبتت العدالة فالحكم بالرواية إذ ذاك . انتهى ( أو ضبط ) ~~معطوف على ' عدالة ' يعني أنه ترد رواية مجهول الضبط كما ترد رواية مجهول ~~العدالة ؛ لأن غير الضابط لا يؤمن من أن يدلس عليه . فاشترط ثبوت ضبطه ( لا ~~رقيق ) يعني أنه لا ترد رواية الرقيق من أجل رقه لظاهر الأدلة . فإنها ~~تشمله PageV02P414 ( و ) لا ( أنثى ) لقبولهم خبر عائشة وأسماء وأم سلمة ~~وأم سليم وغيرهن ، ولا فرق بين كون الأنثى حرة أو رقيقة ( و ) كذا لا ترد ~~رواية ( قريب ) لكونه قريبا للراوي عنه ( و ) لا رواية ( ضرير ) لكونه ~~ضريرا PageV02P415 ( و ) لا ( عدو ) لكونه عدوا للراوي عنه ؛ لأن حكم ~~الرواية عام للمخبر والمخبر ولا يختص بشخص فلا تهمة في ذلك ، بخلاف الشهادة ~~( و ) لا ترد أيضا رواية ( قليل سماع الحديث ) بل متى سمع ، ولو حديثا ~~واحدا ، صحت روايته له ( و ) لا ترد أيضا رواية ( جاهل بمعناه ) أي معنى ~~الحديث الذي يرويه ، ولا جاهل ms273 ب ( فقه وعربية ) عند الجمهور ، واعتبر ~~الإمام مالك رضي الله عنه معرفة الفقه . ونقل عن أبي PageV02P416 حنيفة ~~مثله ، ونقل عنه أيضا : إنما تعتبر معرفته إن خالف ما رواه القياس . واحتجا ~~بأن غير الفقيه مظنة سوء الفهم ووضع النصوص على غير المراد منها ، ~~فالاحتياط للأحكام أن لا يروى عنه . واستدل للجمهور بحديث زيد بن ثابت رضي ~~الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { نضر الله امرأ سمع منا حديثا ~~فحفظه حتى يبلغه غيره ، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه . ورب حامل فقه ~~وليس بفقيه } إسناده جيد . رواه أبو داود والنسائي والترمذي ، وحسنه . ~~ورواه الشافعي وأحمد بإسناد جيد . وقوله صلى الله عليه وسلم { نضر الله } ~~رواه الأصمعي : بتشديد الضاد المعجمة . وأبو PageV02P417 عبيد بتخفيفها ، ~~أي نعمه الله . وكانت الصحابة تقبل رواية الأعرابي لحديث واحد . وعلى ذلك ~~عمل المحدثين . وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه { فرب مبلغ أوعى من سامع } ~~رواه ابن ماجه والترمذي وصححه . والجواب عما قالوا : أنا إنما نقبل روايته ~~إذا روى باللفظ والمعنى المطابق وكان يعرف مقتضيات الألفاظ . والعدالة ~~تمنعه من تحريف لا يجوز PageV02P418 ( و ) لا ترد رواية ( عديم نسب ) كولد ~~الزنا والمنفي باللعان ( و ) لا رواية ( مجهوله ) أي مجهول النسب ؛ لأن ~~هؤلاء كلهم داخلون في عموم الأدلة . فصحت روايتهم كغيرهم حيث لا مانع . ~~والله أعلم . PageV02P419 # | ( فصل ) # ( شرط ) بالبناء للمفعول عند الإمام أحمد رضي الله عنه والأكثر من ~~الشافعية وغيرهم ( ذكر سبب جرح ) لاختلاف الناس في سببه واعتقاد بعضهم ما ~~لا يصلح أن يكون سببا للجرح جارحا ، كشرب النبيذ متأولا . فإنه يقدح في ~~العدالة عند مالك دون غيره . وكمن رأى إنسانا يبول قائما فيبادر بجرحه لذلك ~~، ولم ينظر في أنه متأول مخطئ أو معذور . كما روي PageV02P420 عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم { أنه بال قائما } لعذر كان به . فلهذا وشبهه ينبغي بيان ~~سبب الجرح ليكون على ثقة واحتراز من الخطإ والغلو فيه ( و ) شرط أيضا ذكر ~~سبب ( تضعيف ) كما يشترط ذكر سبب جرح . فلا يمنع قبول ms274 الخبر قول محدث ' هذا ~~الحديث ضعيف ' من غير أن يعزوه إلى مستند يرجع إليه فيه ؛ لأنه قد يضعفه ~~بشيء لو ذكره لم يكن قادحا . هذا عندنا وعند الشافعية . ويؤثر ذلك عند ~~الحنفية ، ويكون الخبر ضعيفا PageV02P421 عندهم بذلك قالوا : لأن المحدث ~~ثقة وقد ضعفه ( و ) إذا لم يقبل الجرح المطلق ، ولا التضعيف المطلق ووجد ( ~~لا يلزم توقف ) عن العمل بذلك الخبر ( إلى ) حين ( تبيين ) الجرح ، أو ~~التضعيف ، بخلاف الشهادة ؛ لأن الخبر يلزم العمل به ما لم يثبت القدح ، ~~والشهادة آكد . ذكره القاضي وأبو الخطاب في مسألة ما ليس له نفس سائلة . ~~وقيل : بلى فيتوقف حتى يتبين السبب الذي أطلقه ؛ لأنه أوجب رتبة ، وإلا ~~لانسد باب الجرح غالبا . وإلى هذا القول ميل ابن مفلح ، وهو الأحوط ~~PageV02P422 ( لا تعديل ) أي أنه لا يشترط ذكر سبب التعديل ، استصحابا لحال ~~العدالة . وقيل : بلى ، لالتباس العدالة لكثرة التصنع . قال في شرح التحرير ~~: وهو قوي ، واشترطه ابن حمدان من أصحابنا وغيره ، كاشتراط ذكر سبب الجرح ~~للمسارعة إلى التعديل ، بناء على الظاهر . وعند الإمام أحمد رضي الله عنه : ~~أنه لا يشترط ذكر سبب واحد منهما . اختاره جمع من العلماء . منهم ابن ~~الباقلاني . وحكي عن الحنفية . فيكفي مجرد قوله ' هو فاسق أو عدل ' اعتمادا ~~على الجارح والمعدل PageV02P423 ( و ) لا يشترط أيضا ذكر سبب ( تصحيح ) ~~للخبر . فيكفي قول من يعتد بقوله ' هذا الخبر صحيح ' فإن إطلاق تصحيحه ~~يستلزم تعديل رواته . وقد علمت أنه لا يشترط ذكر سبب التعديل ( ويكفي فيهن ~~) في مسائل الجرح والتضعيف والتعديل والتصحيح إذا وجدت بشروطها ( و ) في ( ~~تعريف ) عدل ( واحد ليس من عادته ) أي : ليس من عادة ذلك الواحد ( تساهل ) ~~في التعديل ( أو مبالغة ) في الجرح عند الأئمة الأربعة وأكثر العلماء . ~~PageV02P424 قال ابن مفلح وغيره والجمهور : يكفي جرح واحد وتعديله ؛ لأن ~~الشرط لا يزيد على مشروطه . ويكفي في الرواية واحد لا الشهادة . فتعديل ~~الراوي تبع للرواية وفرع لها ؛ لأنه إنما يراد لأجلها ، والرواية لا يعتبر ~~فيها العدد ، بل يكفي فيها راو واحد . فكذا ما هو تبع ms275 وفرع لها . فلو قلنا ~~: تقبل رواية الواحد ، ولا يكفي في تعديله إلا اثنان ، لزاد الفرع على أصله ~~. وزيادة الفروع على أصولها غير معهودة عقلا ولا شرعا . انتهى . وكما أن ~~الجرح والتعديل من فروع الرواية : كذلك التعريف . واعتبر قوم العدد في ~~الجرح والتعديل . منهم ابن حمدان في مقنعه . كالشهادة عندنا وعند الشافعية ~~والمالكية ؛ لأنها شهادة ، فاعتبر لها العدد . رد بأنه خبر لا شهادة . ~~واعتبر قوم العدد في الجرح فقط في الرواية والشهادة PageV02P425 ( ومن ~~اشتبه اسمه ) من العدول ( بمجروح وقف خبره ) أي الخبر الذي وقع فيه ~~الاشتباه ، حتى يتحقق أمره . وذلك لاحتمال أن يكون الراوي ذلك المجروح . ~~فلا تقبل روايته ، بل يتوقف حتى يعلم هل هو المجروح أو غيره ؟ وكثيرا ما ~~يفعل المدلسون مثل هذا يذكرون الراوي الضعيف باسم يشاركه فيه راو ثقة ، ~~ليظن أنه ذلك الثقة ترويجا لروايتهم ( ولا شيء لجرح باستقراء ) يعني أنه لا ~~يلتفت إلى ذكر الجرح بطريق الاستقراء . ومعنى الاستقراء : التتبع ، بأن ~~يقال : تتبعنا كذا فوجدناه كذا مرارا كثيرة لم ينخرم في مرة منها ، فلو قيل ~~: من وجدناه يعمل كذا فهو مجروح . واستقرينا ذلك في أشخاص كثيرة فوجدناه ~~كذلك . فهذا ليس بجرح ، وليس من طرق الجرح حتى يحكم به . قال في شرح ~~التحرير : وهذه المسألة أخذتها من كلام ابن مفلح في أصوله PageV02P426 ( ~~وله جرح ) أي وللجارح الجرح في الراوي ( ب ) سبب ( استفاضة ) أي إشاعة عن ~~محدث أن فيه صفة توجب رد الحديث . فيجوز الجرح بذلك . كما تجوز الشهادة ~~بالاستفاضة في مسائل مخصوصة ذكرها الفقهاء في كتبهم ، ومنع الجرح بذلك بعض ~~أصحابنا . فقال : ليس له الجرح بالاستفاضة ولا تقبل ، كما أنه لا يجوز له ~~أن يزكيه بالاستفاضة ( لا تزكية ) يعني أنه لا يجوز له أن يزكي بالاستفاضة ~~من شاعت عدالته عند الأكثر ( وقيل : بلى إذا شاعت عدالته . كأحد الأئمة . ~~وجعله ) أي : وجعل صاحب التحرير الذي هو أصل كتابنا ( المذهب في أصله ) أي ~~أصل كتابنا ، وهو التحرير . واحتج لذلك كثير من العلماء بمن شاعت إمامته ~~وعدالته من الأئمة . فإنه يزكى ms276 بالاستفاضة . قال صاحب الأصل ، قلت : وهذا ~~المذهب ، وهو معنى قول الإمام أحمد رضي الله عنه وجماعة من العلماء . فإنه ~~كان يسأله الواحد منهم عن PageV02P427 مثله . فيقول : ثقة : لا يسأل عن ~~مثله . كما لا يسأل مثلا عن الإمام مالك والأوزاعي والثوري ونحوهم . قال ~~ابن الصلاح : هذا صحيح مذهب الشافعي . وعليه الاعتماد في أصول الفقه . وممن ~~ذكره من أهل الحديث الخطيب ، ومثل ذلك بمالك وشعبة PageV02P428 والسفيانين ~~والأوزاعي والليث وابن المبارك ووكيع وأحمد وابن معين وابن المديني ، ومن ~~جرى PageV02P429 مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر فلا يسأل عن عدالة ~~هؤلاء وأمثالهم ، وإنما يسأل عمن خفي أمره عن الطالبين ( ويقدم جرح ) يعني ~~: إذا جرح راويا واحد فأكثر ، وعدله واحد فأكثر ، قدم العمل بجرحه على ~~العمل بتعديله ؛ لأن الجارح معه زيادة علم لم يطلع عليها المعدل . وهذا ~~الصحيح مطلقا . وعليه الأكثر . وقال ابن حمدان من أصحابنا : إن كثر عدد ~~المجرحين على عدد المعدلين قدم الجرح وإلا فلا ، PageV02P430 وللتعديل ~~مراتب أشير إليها بقوله ( وأقوى تعديل ) أي أعلى مراتبه ( حكم مشترط ~~العدالة بها ) أي بالعدالة . وهذا بلا خلاف . قال ابن مفلح وغيره : وحكم ~~الحاكم تعديل اتفاقا . أطلقه في الروضة . ومراده : ما صرح به غيره حاكم ~~يشترط العدالة ، وهو تعديل متفق عليه ، وإلا كان الحاكم فاسقا لقبول شهادة ~~من ليس عدلا عنده ( فقول ) أي : فيلي هذه المرتبة التعديل بالقول ( وأعلاه ~~) أي من أعلى التعديل بالقول قول المعدل هو ( عدل رضي ، مع ذكر سببه ) أي ~~سبب التعديل بأن يثني عليه بذكر محاسن عمله PageV02P431 مما يعلم منه مما ~~ينبغي شرعا من أداء الواجبات واجتناب المحرمات واستعمال وظائف المروءة ( ~~فبدونه ) أي فيلي هذه المرتبة قوله : هو عدل رضي بدون ذكر سبب التعديل ، ~~ويتفاوت هذا أيضا . فأعلاه تكرير اللفظ ، بأن يقول : ثقة ثقة ، أو عدل عدل ~~، أو ثقة عدل ، أو ثقة متقن ، أو ثقة ثبت ، أو ثقة حجة أو ثقة حافظ ، أو ~~ثقة ضابط . ويليه : ذكر ذلك من غير تكرار ، وهو أن يأتي بواحدة من هذه ~~الكلمات . ويليه قول المعدل : هو صدوق ms277 ، أو مأمون ، أو خيار ، أو لا بأس ~~ونحوه . ويليه قول المعدل : محله الصدق ، أو رووا عنه ، أو صالح الحديث أو ~~مقارب الحديث ، أو حسن الحديث ، أو صويلح ، أو صدوق إن شاء الله ، أو ~~PageV02P432 أرجو أن ليس به بأس ، ونحوه ( فعمل بروايته إن علم أنه لا ~~مستند له غيرها ) أي فيلي هذه المرتبة - وهي التعديل بالقول - عمل من يعتد ~~بتعديله برواية المعدل ، بشرط أن يعلم أن العامل بروايته لا مستند له في ~~عمله غير هذه الرواية ، وإن لم يعلم ذلك منه لم يكن تعديلا ، لاحتمال أن ~~يكون عمل بدليل آخر وافق روايته . وقال الموفق وأبو المعالي . إلا فيما ~~العمل به احتياطا . قاله المجد في المسودة قال الجويني والمقدسي : يكون ~~تعديلا إلا فيما العمل به من مسالك الاحتياط . قال : وعندي أنه يفصل بين أن ~~يكون الراوي ممن يرى قبول مستور الحال ، أو يجهل مذهبه فيه ( وليس ترك عمل ~~بها ) أي برواية أحد ( و ) لا ترك عمل ( بشهادة ) PageV02P433 أحد ( جرحا ) ~~له ، لاحتمال سبب لترك العمل غير الفسق . كعداوة أو تهمة قرابة ، أو غير ~~ذلك . ولأن عمله قد يكون متوقفا على أمر آخر زائد عن العدالة . فيكون الترك ~~لعدم ذلك ، لا لانتفاء العدالة ، فلا يحكم عليه بالجرح بذلك مع الاحتمال ( ~~ثم ) يلي ما تقدم في الرتبة ( رواية عدل عادته أن لا يروي إلا عن عدل ) هذا ~~آخر مراتب التعديل . وصورة ذلك : أنه متى روى الثقة عن شخص مجهول الحال ، ~~وكانت عادة الثقة أنه لا يروي إلا عن عدل ، فتكون روايته عن ذلك الشخص ~~تعديلا لذلك الشخص ، وإن لم يعرف ذلك من عادته . فليس بتعديل . PageV02P434 ~~قال ابن رجب في آخر شرح الترمذي : اختلف الفقهاء وأهل الحديث في رواية ~~الثقة عن رجل غير معروف : هل هو تعديل أم لا ؟ حكى أصحابنا عن أحمد في ذلك ~~روايتين وحكوا عن الحنفية أنه تعديل ، وعن الشافعية خلاف ذلك . قال : ~~والمنصوص عن أحمد : أنه إن عرف أنه لا يروي إلا عن ثقة ، فروايته عن إنسان ~~تعديل له . ومن لم يعرف ms278 منه ذلك فليس بتعديل . وصرح به طائفة من محققي ~~أصحابنا ، وأصحاب الشافعي . قال أحمد في رواية الأثرم : إذا روى الحديث عبد ~~الرحمن بن مهدي عن رجل : فهو حجة ، قال PageV02P435 وقال أحمد في رواية أبي ~~زرعة : مالك بن أنس إذا روى عن رجل لا يعرف . فهو حجة . وقال في رواية ابن ~~هانئ : ما روى مالك عن أحد إلا وهو ثقة . وذكر نصوصا أخر في ذلك عنه . وعن ~~ابن معين : إذا علم ذلك فيعرف كونه لا يروي إلا عن عدل ، إما بتصريحه وهو ~~الغاية ، أو باعتبارنا لحاله ، أو استقرائنا لمن يروي عنه وهو دون الأول . ~~قاله ابن دقيق العيد وغيره . والرواية الثانية : أن رواية الثقة عن شخص لا ~~تكون تعديلا له مطلقا . قال ابن مفلح في أصوله : ورواية العدل ليست تعديلا ~~عند أكثر PageV02P436 العلماء من الطوائف ، وفاقا للمالكية والشافعية انتهى ~~. وقيل : إنها تعديل له مطلقا . اختاره القاضي وأبو الخطاب والحنفية وبعض ~~الشافعية ، عملا بظاهر الحال ( ولا يقبل تعديل مبهم كحدثني ثقة أو عدل أو ~~من لا أتهمه ) عند بعض أصحابنا وأكثر الشافعية ، لاحتمال كونه مجروحا عند ~~غيره . وذكره القاضي وأبو الخطاب وابن عقيل من صور المرسل على الخلاف فيه . ~~قال الروياني من الشافعية : هو كالمرسل ، وصححه ابن الصباغ . قال ابن مفلح ~~: وكذا أبو المعالي ، واختار قبوله ؛ وأن الشافعي أشار إليه ، وقبله المجد ~~من أصحابنا ، وإن لم يقبل المرسل والمجهول . فقال : إذا قال العدل : حدثني ~~الثقة ، أو من لا أتهمه ، أو رجل عدل ، ونحو ذلك . PageV02P437 فإنه يقبل ، ~~وإن رددنا المرسل والمجهول ؛ لأن ذلك تعديل صريح عندنا انتهى . وكذا قال ~~ابن قاضي الجبل . ونقل ابن الصلاح عن أبي حنيفة : أنه يقبل . وقيل : ونقله ~~ابن الصلاح عن اختيار بعض المحققين ؛ إنه إن كان القائل لذلك من أئمة الشأن ~~العارفين بما يشترطه هو وخصومه في العدل ، وقد ذكره في مقام الاحتجاج فيقبل ~~؛ لأن مثل هؤلاء لا يطلق في مقام الاحتجاج إلا في موضع يأمن أن يخالف فيه ~~من أطلق أنه ثقة ، وكان الشافعي رضي الله عنه ms279 إذا قال : حدثني الثقة ، ~~فتارة يريد به أحمد ، وتارة يريد به يحيى بن حسان ، وتارة يريد به ابن ~~PageV02P438 أبي فديك ، وتارة سعيد بن سالم القداح ، وتارة إسماعيل بن ~~إبراهيم . PageV02P439 واشتهر عنه ذلك فيه ، وتارة يريد مالكا ( والجرح ) ~~هو ( أن ينسب ) بالبناء للمفعول ( إلى قائل ما ) أي شيء ( يرد لأجله ) أي ~~لأجل ذلك الشيء ( قوله ) أي قول ذلك القائل من خبر ، أو شهادة من فعل معصية ~~، أو ارتكاب ذنب ، أو ما يخل بالعدالة ( والتعديل ضده ) وهو أن ينسب إلى ~~قائل ما يقبل لأجله قوله ، من فعل PageV02P440 الخير والعفة والمروءة ، ~~والتدين بفعل الواجبات وترك المحرمات . ونحو ذلك ( وتدليس المتن ) ويأتي ~~بيانه في حال كونه ( عمدا : محرم وجرح ) لمتعمده . وللتدليس معنيان من حيث ~~اللغة والاصطلاح ، فمعناه في اللغة : كتمان العيب في مبيع أو غيره . ويقال ~~: دالسه ، خادعه ، كأنه من الدلس وهو الظلمة ؛ لأنه إذا غطى عليه الأمر ~~أظلمه عليه . وأما في الاصطلاح ، فقسمان : قسم مضر يمنع القبول . وقسم لا ~~يضر ، فالمضر : هو تدليس المتن . وسماه المحدثون المدرج - بكسر الراء - اسم ~~فاعل . فالراوي للحديث إذا أدخل فيه شيئا من كلامه أولا أو آخرا أو وسطا ~~على وجه يوهم أنه من جملة الحديث الذي رواه ، وفاعله عمدا مرتكب محرما ~~مجروح عند العلماء لما فيه من الغش . أما لو اتفق ذلك من غير قصد من صحابي ~~أو غيره ، فلا يكون ذلك محرما . PageV02P441 ومن أمثلة ذلك : حديث ابن ~~مسعود رضي الله عنه في التشهد . قال في آخره { فإذا قلت هذا ، فإن شئت أن ~~تقوم فقم ، وإن شئت أن تقعد فاقعد } وهو من كلامه ، لا من الحديث المرفوع . ~~قال البيهقي والخطيب والنووي وغيرهم : وهذا من المدرج أخيرا ، ومثال : ~~المدرج أولا ، ما رواه الخطيب بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه { أسبغوا ~~PageV02P442 الوضوء ، ويل للأعقاب من النار } فإن ' أسبغوا الوضوء ' من ~~كلام أبي هريرة ، ومثال الوسط : ما رواه الدارقطني عن بسرة بنت صفوان رضي ~~PageV02P443 الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { من ~~مس ذكره ، أو ms280 أنثييه أو رفغه ، فليتوضأ } قال : فذكر الأنثيين ، والرفغ ~~مدرج ، إنما هو من قول عروة الراوي عن بسرة ، ومرجع ذلك إلى المحدثين ، ~~ويعرف ذلك بأن يرد من طريق أخرى التصريح بأن ذلك من كلام الراوي ، وهو طريق ~~ظني ، قد يقوى وقد يضعف ، وعلى كل حال حيث فعل ذلك المحدث عمدا ، بأن قصد ~~إدراج كلامه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم من غير تبيين ، بل دلس ذلك : ~~كان فعله حراما ، ويصير مجروحا مردود الحديث ( و ) القسم الثاني ( غيره ) ~~أي غير المضر الذي هو تدليس المتن ( مكروه مطلقا ) وله صور . إحداها : أن ~~يسمي شيخه في روايته باسم له غير مشهور من كنية PageV02P444 أو لقب أو اسم ~~ونحوه ، كقول أبي بكر بن مجاهد المقرئ الإمام : حدثنا عبد الله بن أبي أوفى ~~. يريد به عبد الله بن أبي داود السجستاني . وقوله أيضا : حدثنا محمد بن ~~أسيد ، ويريد به النقاش المفسر - نسبة إلى جده - وهو كثير جدا ، ويسمى هذا ~~تدليس الشيوخ . PageV02P445 وأما تدليس الإسناد : فهو أن يروي عمن لقيه أو ~~عاصره حديثا لم يسمعه منه ، موهما سماعه منه ، قائلا : قال فلان أو عن فلان ~~ونحوه . وربما لم يسقط شيخه وأسقط غيره . قاله ابن الصلاح . ومثله غيره . ~~كما في الترمذي عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا { ~~لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين } ثم قال : هذا حديث لا يصح ؛ لأن ~~الزهري لم يسمعه من أبي سلمة ، ثم ذكر أن بينهما سليمان بن أرقم ~~PageV02P446 عن يحيى بن أبي كثير ، وأن هذا وجه الحديث ، قال ابن الصلاح : ~~هذا القسم مكروه جدا ذمه العلماء . وكان شعبة من أشدهم ذما له ، وقال مرة : ~~التدليس أخو الكذب ، ولأن أزني أحب إلي من أن أدلس . وهذا منه إفراط محمول ~~على المبالغة في الزجر عنه . PageV02P447 الصورة الثانية : أن يسمي شيخه ~~باسم شيخ آخر لا يمكن أن يكون رواه عنه ، كما يقوله تلامذة الحافظ أبي عبد ~~الله الذهبي : حدثنا أبو عبد الله الحافظ ، تشبيها بقول البيهقي فيما يرويه ms281 ~~عن شيخه أبي عبد الله الحاكم : حدثنا أبو عبد الله الحافظ ، وهذا لا يقدح ~~لظهور المقصود منه . الصورة الثالثة : أن يأتي في التحديث بلفظ يوهم أمرا ~~لا قدح في إيهامه ، وذلك كقوله : حدثنا وراء النهر ، موهما أنه نهر جيحون ، ~~PageV02P448 وهو نهر عيسى ببغداد أو الحيرة ونحوها بمصر ، فلا قدح في ذلك ؛ ~~لأنه من باب الإغراب ، وإن كان فيه إيهام الرحلة إلا أنه صدق في نفسه . إذا ~~تقرر ذلك فأكثر العلماء على أن ذلك كله مكروه ، قال أحمد في رواية حرب ~~والمروذي : لا يعجبني ، هو من أهل الريبة . ولا يغير اسم رجل ؛ لأنه لا ~~يعرف . وسأله مهنا عن PageV02P449 هشيم ؟ قال : ثقة إذا لم يدلس . قلت : في ~~التدليس عيب ؟ قال : نعم ، قال الشيخ تقي الدين : والأشبه تحريمه ، لأنه ~~أبلغ من تدليس المبيع ( ومن عرف به عن الضعفاء لم تقبل روايته حتى يبين ~~السماع ) يعني أن من عرف بالتدليس في روايته عن الضعفاء موهما أن سماعه عن ~~غيرهم : لم تقبل روايته حتى يبين ، بأن يفصح بتعيين الذي سمع منه ، عند ~~المحدثين وغيرهم ، وقاله بعض أصحابنا وأبو الطيب وغيره من الشافعية ، وهو ~~ظاهر المعنى ( ومن كثر منه ) التدليس ( لم تقبل عنعنته ) قاله المجد ، قال ~~ابن مفلح : ويتوجه أن يحمل تشبيه ذلك بما سبق في الضبط من PageV02P450 كثرة ~~السهو وغلبته ، وما في البخاري ومسلم من ذلك محمول على أن السماع من طريق ~~آخر ، ومن دلس متأولا قبل عند أحمد وأصحابه ، والأكثر من الفقهاء والمحدثين ~~ولم يفسق ؛ لأنه قد صدر من الأعيان المقتدى بهم . وقل من سلم منه . وقد رد ~~الإمام أحمد رضي الله عنه قول شعبة : التدليس كذب . قيل للإمام أحمد : كان ~~شعبة يقول : إن التدليس كذب . فقال : لا ، قد دلس قوم . ونحن نروي عنهم ( ~~والمعنعن بلا تدليس بأي لفظ كان متصل ) يعني : أن الإسناد المعنعن الذي لا ~~يعلم فيه تدليس بأي لفظ كان متصل عند الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه ~~والأكثر من المحدثين وغيرهم ، عملا بالظاهر . والأصل عدم التدليس ، لكن شرط ~~ابن عبد ms282 البر ثلاثة شروط : العدالة ، واللقاء ، PageV02P451 وعدم التدليس . ~~قال الإمام أحمد رضي الله عنه : ما رواه الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد ~~الله عن PageV02P452 النبي صلى الله عليه وسلم . أو رواه الزهري عن سالم عن ~~أبيه ، وداود عن الشعبي عن علقمة عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~: كل ذلك ثابت . وذكر جماعة : أن الإسناد المعنعن ليس بمتصل . قال ابن ~~الصلاح : عده بعض الناس من قبيل المرسل والمنقطع ، حتى يتبين اتصاله بغيره ~~. فيجعل مرسلا ، إن كان من قبيل الصحابي ، ومنقطعا إن كان من قبيل غيره . ~~وقولنا ' بأي لفظ كان ' يشمل ' عن وإن وقال ' ونحوه على الصحيح . ونقل أبو ~~داود عن أحمد : أن ' إن فلانا ' ليست للاتصال ، PageV02P453 ولم يفرق ~~القاضي وغيره من أصحابنا بين المدلس وغيره ، علم إمكان اللقاء أو لا . قال ~~ابن مفلح : ولعله غير مراد ( ويكفي إمكان لقي ) دون العلم به ( في قول ) ~~اختاره مسلم . وحكاه عن أهل العلم بالأخبار . قال ابن مفلح : وهو معنى ما ~~ذكره أصحابنا فيما يرد به الخبر وما لا يرد . قال ابن رجب في آخر شرح ~~الترمذي . وهو قول كثير من العلماء المتأخرين . وهو ظاهر كلام ابن حبان ~~وغيره واشترط علي بن المديني والبخاري وغيرهما : العلم باللقي . قال ابن ~~رجب في شرح الترمذي : هو قول جمهور المتقدمين ، وهو مقتضى كلام الإمام أحمد ~~وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم من أعيان الحفاظ ، بل كلامهم يدل على اشتراط ~~ثبوت السماع ، فإنهم قالوا في جماعة من الأعيان ثبتت لهم الرؤية لبعض ~~الصحابة . وقالوا مع ذلك : لم يثبت PageV02P454 لهم السماع منهم . ~~فرواياتهم عنهم مرسلة . منهم الأعمش ، ويحيى بن أبي كثير وأيوب وابن عون . ~~وقرة بن خالد : رأوا أنسا ولم يسمعوا منه ، فرواياتهم عنه مرسلة . كذا قال ~~أبو حاتم . وقاله أبو زرعة أيضا في يحيى بن أبي كثير . PageV02P455 وقال ~~الإمام أحمد في يحيى بن أبي كثير : قد رأى أنسا فلا أدري أسمع منه أم لا ؟ ~~ولم يجعلوا روايته عنه متصلة بمجرد الرؤية ، والرؤية أبلغ من إمكان اللقي . ~~وكذلك ms283 كثير من صبيان الصحابة رأوا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصح لهم ~~سماع منه . فرواياتهم عنه مرسلة . كطارق بن شهاب وغيره . وكذلك من علم منه ~~أنه مع اللقاء لم يسمع ممن لقيه إلا شيئا يسيرا . فروايته زيادة على ذلك ~~مرسلة . كروايات ابن المسيب عن عمر . فإن الأكثرين نفوا سماعه منه . وأثبت ~~أحمد أنه رآه وسمع منه ، وقال مع ذلك : رواياته عنه مرسلة . إنما سمع منه ~~شيئا يسيرا ، مثل PageV02P456 نعيه النعمان بن مقرن على المنبر ونحو ذلك . ~~وكذلك سماع الحسن من عثمان وهو على المنبر يأمر بقتل الكلاب وذبح الحمام ، ~~ورواياته عنه غير ذلك مرسلة . وقال أحمد : ابن جريج لم يسمع من طاوس ولا ~~حرفا . ويقول : رأيت طاوسا . PageV02P457 وقال أبو حاتم الرازي أيضا : ~~الزهري لا يصح سماعه من ابن عمر ، رآه ولم يسمع منه ورأى عبد الله بن جعفر ~~ولم يسمع منه . وأثبت أيضا دخول مكحول على واثلة بن الأسقع ورؤيته له ~~ومشافهته ، وأنكر PageV02P458 سماعه منه . وقال : لم يصح له منه سماع ، ~~وجعل رواياته عنه مرسلة . وقال أحمد : أبان بن عثمان لم يسمع من أبيه ، من ~~أين سمع منه ؟ ومراده : من أين صحت روايته بسماعه منه ، وإلا فإمكان ذلك ~~واحتماله غير مستبعد . وقال أبو زرعة في أبي أمامة بن سهل بن حنيف : لم ~~يسمع من عمر ، PageV02P459 هذا مع أن أبا أمامة رأى النبي صلى الله عليه ~~وسلم . فدل كلام الإمام أحمد رضي الله عنه وأبي زرعة وأبي حاتم على أن ~~الاتصال لا يثبت إلا بثبوت التصريح بالسماع . وهذا أضيق من قول ابن المديني ~~والبخاري ، فإن المحكي عنهما : أنه يعتبر أحد أمرين : إما السماع ، وإما ~~اللقاء . والإمام أحمد ومن تبعه عندهم : لا بد من ثبوت السماع ، ويدل على ~~أن هذا مرادهم : أن أحمد قال : ابن سيرين لم يجئ عنه سماع من ابن عباس . ~~وقال أبو حاتم : الزهري أدرك أبان بن عياش ومن هو أكبر منه ، ولكن لا يثبت ~~له السماع ، كما أن حبيب بن أبي PageV02P460 ثابت لا يثبت له السماع من ms284 ~~عروة ، وقد سمع ممن هو أكبر منه ، غير أن أهل الحديث قد اتفقوا على ذلك ~~واتفاقهم على شيء يكون حجة ، واعتبار السماع لاتصال الحديث هو الذي ذكره ~~ابن عبد البر ، وحكاه عن العلماء ، وقوة كلامه تشعر بأنه إجماع منهم ( ~~وظاهره ) أي وظاهر قول من قال : إنه يكفي إمكان اللقاء ( لو روى ) ثقة ( ~~عمن ) أي عن إنسان ( لم يعرف بصحبته ، و ) ولا ب ( روايته عنه يقبل مطلقا ) ~~سواء أقر به أصحاب الشيخ الذي روى عنه أو أنكروه ؛ لأنه ثقة . وقاله ~~الحنفية وابن برهان ، ولم يقبله الشافعية . وكلام الإمام أحمد رضي الله عنه ~~في ذلك مختلف . قال المجد في المسودة : إذا روى رجل خبرا عن شيخ مشهور لم ~~يعرف بصحبته ولم يشتهر بالرواية عنه ، وأجمع أصحاب الشيخ PageV02P461 ~~المعروفون على جهالته بينهم ، وأنه ليس منهم : هل يمنع ذلك قبول خبره ؟ ~~قالت الشافعية : يمنع ، وقالت الحنفية : لا يمنع ، ونصره ابن برهان . ~~والأول : ظاهر كلام الإمام أحمد في مواضع ، وأكثر المحدثين . والثاني : يدل ~~على كلام الإمام أحمد في اعتذاره لجابر الجعفي في قصة هشام بن عروة مع ~~زوجته . وقد قال ابن عقيل : المحققون من العلماء يمنعون رد الخبر ~~PageV02P462 بالاستدلال ، كرد خبر القهقهة استدلالا بفضل الصحابة رضي الله ~~عنهم المانع من الضحك . وردت عائشة رضي الله عنها قول ابن عباس في الرؤية ، ~~وقول بعضهم إن قوله { لأزيدن على السبعين } بعيد الصحة ؛ لأن السنة تأتي ~~بالعجائب . ولو شهدت بينة على معروف بالخبر بإتلاف أو غضب لم ترد ~~بالاستبعاد . هذا معنى كلام أصحابنا وغيرهم في رده بما يحيله العقل ~~PageV02P463 ( ولا يشترط في قبول خبر أن لا ينكر ) يعني أنه لو روى ثقة ~~خبرا فأنكره غيره لم يمنع ذلك من قبوله عندنا . وأومأ إليه الإمام أحمد ~~خلافا للحنفية ، ذكره القاضي في الخلاف في خبر فاطمة بنت قيس ورد عمر له . ~~وكذا قال ابن عقيل : جواب من قال رده السلف : أن الثقة لا يرد حديثه لإنكار ~~غيره ؛ لأن معه زيادة . PageV02P464 # | ( فصل ) # ( الصحابي : من لقيه ) الصحابي : من لقيه أي لقي النبي ms285 صلى الله عليه ~~وسلم ، من صغير أو كبير ، ذكر أو أنثى أو خنثى ( أو رآه يقظة ) في حال كونه ~~صلى الله عليه وسلم ( حيا ) وفي حال كون الرائي ( مسلما . ولو ارتد ) بعد ~~ذلك ( ثم أسلم ولم يره ) بعد إسلامه ( ومات مسلما ) وهذا هو المختار في ~~تفسير الصحابي ؛ وهو ما ذهب إليه الإمام أحمد رضي الله عنه وأصحابه ~~والبخاري وغيرهم . قال بعض الشافعية : وهي طريقة أهل الحديث . PageV02P465 ~~فقولنا ' من لقيه ' أحسن من قول بعضهم ' من رآه ' ليعم اللقاء البصير ~~والأعمى ، وقولنا ' يقظة ' احتراز ممن رآه مناما ، فإنه لا يسمى صحابيا ~~إجماعا . وقولنا ' حيا ' احتراز ممن رآه بعد موته كأبي ذؤيب الشاعر خالد بن ~~خويلد الهذلي ، لأنه لما أسلم وأخبر بمرض النبي صلى الله عليه وسلم : سافر ~~ليراه ، فوجده ميتا مسجى فحضر الصلاة عليه والدفن . فلم يعد صحابيا . وعده ~~ابن منده في الصحابة ، وقال : مات على الحنيفية . PageV02P466 وفي شرح ~~التدريب ، ومن عده من الصحابة فمراده الصحبة الحكمية ، دون الاصطلاحية ، ~~وقولنا ' مسلما ' ليخرج من رآه واجتمع به قبل النبوة ولم يره بعد ذلك ، كما ~~في زيد بن عمرو بن نفيل . فإنه مات قبل المبعث . وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم { إنه يبعث أمة وحده } كما رواه النسائي ، وليخرج أيضا من رآه وهو ~~كافر ، ثم أسلم بعد موته ، وقولنا ' ولو ارتد ' . ثم أسلم ولم يره ومات ~~مسلما ' له مفهوم ومنطوق ، فمفهومه : أنه إذا ارتد في زمن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أو بعد موته وقتل على الردة ، كابن خطل وغيره ، فإنه لا يعد من ~~الصحابة قطعا . فإنه بالردة PageV02P467 تبين أنه لم يجتمع به مؤمنا تفريعا ~~على قول الأشعري : إن الكفر والإيمان لا يتبدلان . خلافا للحنفية . ~~والاعتبار فيهما بالخاتمة . ومنطوقه : لو ارتد ثم رجع إلى الإسلام ، ~~كالأشعث بن قيس ، فقد تبين أنه لم يزل مؤمنا . فإن كان قد رآه مؤمنا ثم ~~ارتد ثم رآه ثانيا مؤمنا . فأولى وأوضح أن يكون صحابيا . فإن الصحبة قد صحت ~~PageV02P468 بالاجتماع الثاني قطعا . وخرج من اجتمع به قبل النبوة ثم ms286 أسلم ~~بعد المبعث ولم يلقه . فإن الظاهر أنه لا يكون صحابيا بذلك الاجتماع ؛ لأنه ~~لم يكن حينئذ مؤمنا ، كما روى أبو داود { عن عبد الله بن أبي الحمساء . قال ~~بايعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث فوعدته أن آتيه في مكانه ونسيت ~~ثم ذكرت ذلك بعد ثلاث فجئت . فإذا هو في مكانه . فقال : يا فتى ، لقد شققت ~~علي . أنا في انتظارك منذ ثلاث } ثم لم ينقل أنه اجتمع به بعد المبعث ، ~~PageV02P469 ودخل في قولنا ' من لقي { من جيء به إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو غير مميز فحنكه النبي صلى الله عليه وسلم . كعبد الله بن الحارث ~~بن نوفل ، أو تفل في فيه كمحمود بن الربيع ، بل مجه بالماء } كما في ~~البخاري ، { وهو ابن خمس سنين أو أربع } . { أو مسح وجهه } ، كعبد الله بن ~~ثعلبة بن PageV02P470 صعير - بالصاد وفتح العين المهملتين - ونحو ذلك . ~~فهؤلاء صحابة ، وإن اختار جماعة خلاف ذلك كما هو ظاهر كلام ابن معين وأبي ~~زرعة الرازي وأبي حاتم وأبي داود وابن عبد البر ، وكأنهم نفوا الصحبة ~~المؤكدة ( قال في الأصل ) أي قال صاحب التحرير في التحرير PageV02P471 ( ~~ولو جنيا في الأظهر ) أي ولو كان من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مسلما ~~جنيا في الأظهر من قولي العلماء ليدخل الجن الذين قدموا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم من نصيبين وأسلموا ، وهم تسعة أو سبعة من اليهود بدليل قوله ~~تعالى { إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى } وذكر في أسمائهم : شاص ، وماص ~~، وناشى ، ومنشى ، والأحقب ، وزوبعة ، وسرق ، وعمر ، وجابر . وقد استشكل ~~ابن الأثير في كتابه ' أسد الغابة ' قول من ذكرهم من الصحابة . فإن بعضهم ~~لم يذكرهم في الصحابة ، وبعضهم ذكرهم قال في شرح التحرير قلت : الأولى أنهم ~~من الصحابة . فإنهم لقوا النبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا به وأسلموا ، ~~وذهبوا إلى قومهم منذرين PageV02P472 ( والصحابة عدول ) قال الشيخ تقي ~~الدين وغيره : الذي عليه سلف الأمة وجمهور الخلف : أن الصحابة رضي الله ~~عنهم أجمعين عدول بتعديل الله ms287 تعالى لهم . وقال ابن الصلاح وغيره : الأمة ~~مجمعة على تعديل جميع الصحابة ، ولا يعتد بخلاف من خالفهم ا ه . وحكاه ابن ~~عبد البر في مقدمة الاستيعاب إجماع أهل السنة والجماعة ، وحكى فيه إمام ~~الحرمين الإجماع ، PageV02P473 وتعديل الله تعالى لهم بما أنزل على رسوله ~~صلى الله عليه وسلم من قوله تعالى { والسابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه } وقوله تعالى { ~~لقد رضي الله عن المؤمنين } وقوله تعالى { محمد رسول الله والذين معه أشداء ~~على الكفار رحماء بينهم } وقوله تعالى { كنتم خير أمة أخرجت للناس } وقوله ~~تعالى { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا } وقال النبي صلى الله عليه وسلم { لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ~~ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه } وهذا وإن ورد على سبب خاص ، فالعبرة بعموم ~~اللفظ ، ولا يضرنا كون الخطاب بذلك للصحابة ؛ لأن المعنى : لا يسب غير ~~أصحابي أصحابي PageV02P474 ' ولا يسب أصحابي بعضهم بعضا ، وقال صلى الله ~~عليه وسلم { خير القرون قرني } متفق عليهما ، وقد تواتر امتثالهم الأوامر ~~والنواهي ، فإن قيل : هذه الأدلة دلت على فضلهم ، فأين التصريح بعدالتهم ؟ ~~فالجواب : أن من أثنى الله سبحانه وتعالى عليه بهذا الثناء كيف لا يكون ~~عدلا ؟ فإذا كان التعديل يثبت بقول اثنين من الناس . فكيف لا تثبت العدالة ~~بهذا الثناء العظيم من الله سبحانه وتعالى ومن رسوله صلى الله عليه وسلم ؟ ~~( والمراد من لم يعرف بقدح ) قال ابن مفلح في أصوله : ومرادهم من جهل حاله ~~. فلم يعرف بقدح . PageV02P475 قال الماوردي : والحكم بالعدالة إنما هو لمن ~~اشتهرت عدالته . نقله البرماوي قال في شرح التحرير : والظاهر أن هنا في ~~النسخة غلطا . انتهى . وقيل : هم عدول إلى زمن الفتنة بقتل عثمان رضي الله ~~عنه . وبعده كغيرهم . وقالت المعتزلة : إلا من قاتل عليا لخروجه على الإمام ~~بغير حق . وقيل : هم كغيرهم مطلقا . قال ابن قاضي الجبل : وهذه الأقوال ~~باطلة بعضها منسوب إلى PageV02P476 عمرو بن عبيد وأضرابه ، وما وقع بينهم ~~محمول على الاجتهاد ، ولا ms288 قدح على مجتهد عند المصوبة وغيرهم . انتهى . وليس ~~المراد بكونهم عدولا : العصمة واستحالة المعصية عليهم ، إنما المراد أن لا ~~نتكلف البحث عن عدالتهم ، ولا طلب التزكية فيهم . فلو قال ثقة : حدثني رجل ~~من الصحابة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا : كان ذلك كتعيينه باسمه ~~لاستواء الكل في العدالة . فائدة : قال الحافظ المزي : من الفوائد أنه لم ~~يوجد قط رواية عمن لمز بالنفاق ، يعني ممن يعد من الصحابة PageV02P477 ( ~~وتابعي مع صحابي . كهو ) أي كالصحابي ( معه ) أي مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال ابن الصلاح والنووي وغيرهما في التابعي مع الصحابي : الخلاف في ~~الصحابة قياسا عليهم . واشترط الخطيب البغدادي وجماعة في التابعي الصحبة ، ~~فلا يكتفى بمجرد الرؤية ولا اللقاء ، بخلاف الصحابة . فإن لهم مزية على ~~سائر الناس وشرفا برؤيته صلى الله عليه وسلم . واشترط ابن حبان في التابعي ~~: كونه في سن يحفظ عنه ، بخلاف الصحابي . فإن الصحابة قد اختصوا بشيء لم ~~يوجد في غيرهم ( ولا يعتبر علم بثبوت الصحبة ) في حق من لم تعلم صحبته ~~بتواتر أو اشتهار عند الأئمة الأربعة ، خلافا لبعض الحنفية PageV02P478 ( ~~فلو قال معاصر عدل : أنا صحابي قبل ) عند أصحابنا والجمهور : لأنه ثقة ~~مقبول القول . فقبل في ذلك كروايته . وقيل : لا يقبل . وإليه ميل الطوفي في ~~مختصره ، وهو ظاهر كلام ابن القطان المحدث . وبه قال أبو عبد الله الصيمري ~~من الحنفية PageV02P479 ( لا ) إن قال ( تابعي عدل : فلان صحابي ) فإنه لا ~~يقبل في الأصح ، لكونهم خصوا ذلك بالصحابي على ما في الصحابي من الخلاف . ~~قال بعض شراح اللمع : لا أعرف فيه نقلا . والذي يقتضيه القياس : أنه لا ~~يقبل ؛ لأن ذلك مرسل ؛ لأنها قضية لم يحضرها ( و ) إن قال العدل ( أنا ~~تابعي . قال في الأصل ) الذي هو التحرير ( فالظاهر كصحابي ) يعني أن العدل ~~المعاصر لبعض الصحابة ، لو قال : أنا تابعي لكوني لقيت بعض الصحابة ، فإنه ~~يقبل قوله . كما لو قال المعاصر للنبي صلى الله عليه وسلم أنا صحابي ، لأنه ~~ثقة مقبول القول . فقبل قوله كروايته . PageV02P480 # | ( فصل ) # مستند الصحابي ms289 نوعان . أحدهما لا خلاف فيه ، لكونه لا يحتمل غير ما يدل ~~عليه اللفظ لصراحته ، وهو المشار إليه بقوله ( أعلى مستند صحابي : حدثني ) ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بكذا أو أخبرني ، أو شافهني وسمعته يقول ~~كذا ( ورأيته يفعل ) كذا ( ونحوهما ) كحضرت أو شاهدت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول كذا ، أو يفعل كذا ، وإنما كان هذا أعلى النوعين ، لكونه ~~يدل على عدم الواسطة بينهما قطعا . النوع الثاني : ما فيه خلاف لكونه يحتمل ~~وجود الواسطة بينهما لعدم صراحته . وإلى ذلك أشير بقوله ( ويحمل ) أي قول ~~الصحابي ( قال ) النبي صلى الله عليه وسلم كذا ( و ) قول الصحابي ( فعل ) ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا ( ونحوهما ) PageV02P481 كأقر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على كذا ( وعنه ) كقول الصحابي : أقول ذلك عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ( و ) كقوله ( إنه ) أي إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فعل كذا ، أو قال كذا ( على الاتصال ) أي يحمل على أنه لا واسطة بينه ~~وبين النبي صلى الله عليه وسلم على الصحيح الذي عليه أصحابنا وأكثر العلماء ~~. ويكون ذلك حكما شرعيا يجب العمل به ؛ لأنه الظاهر من حال الصحابي القائل ~~ذلك . وخالف في ذلك أبو الخطاب من أصحابنا وجمع من العلماء . فقالوا : لا ~~يحمل على السماع لاحتماله وتردده بين سماعه منه ومن غيره PageV02P482 ( و ) ~~قول الصحابي ( أمر ) النبي صلى الله عليه وسلم بكذا ( ونهى ) النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن كذا ( وأمرنا ) رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا ( ~~ونهانا ) رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كذا ( وأمرنا ) بالبناء للمفعول ~~بكذا ( ونهينا ) بالبناء للمفعول عن كذا ( ورخص لنا ) في كذا ، وأبيح لنا ~~كذا ( وحرم علينا ) كذا ( ومن السنة ) كذا وكذا . وقوله : جرت السنة أو مضت ~~السنة بكذا . كقول علي رضي الله عنه { من السنة : وضع الكف على الكف في ~~الصلاة تحت السرة } رواه أبو داود . وقول أنس { من السنة إذا تزوج البكر ~~على الثيب أقام عندها سبعا } - الحديث متفق عليه PageV02P483 ( وكنا نفعل ms290 ) ~~كذا أو نقول كذا ، أو نرى كذا على عهده صلى الله عليه وسلم ( وكانوا يفعلون ~~كذا على عهده صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك ) كقوله : كان الأمر على ذلك في ~~زمن النبي صلى الله عليه وسلم ( حجة ) يعني أن حكم ذلك حكم قول الصحابي ' ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم ' لكنه في الدلالة دون ذلك ، لاحتمال الواسطة ~~أو اعتقاد ما ليس بأمر ولا نهي : أمرا أو نهيا ، لكن الظاهر أنه لم يصرح ~~بنقل الأمر إلا بعد جزمه بوجود حقيقته ، ومعرفة الأمر مستفادة من اللغة وهم ~~أهلها ، فلا تخفى عليهم . PageV02P484 ثم إنهم لم يكن بينهم في صيغة الأمر ~~ونحوها خلاف ، وخلافنا فيه لا يستلزمه . فعلى هذا يكون حجة ، ورجعت إليه ~~الصحابة وهو الصحيح . وعليه جماهير العلماء . وخالف بعض المتكلمين في ذلك ، ~~وخالف الصيرفي والباقلاني وأبو بكر الرازي والكرخي الحنفيان ، والإسماعيلي ~~وإمام الحرمين ، ونقله ابن القطان عن نص الشافعي في الجديد في نحو قوله ' ~~أمرنا ونهينا ' لاحتمال أن الآمر غير النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك ~~الناهي . PageV02P485 وأجيب عن ذلك : بأن قول الصحابي ذلك : يدل على أنه في ~~معرض الاحتجاج ، فيحمل على صدوره ممن يحتج بقوله ، وهو الرسول صلى الله ~~عليه وسلم . فإنه هو الذي يصدر عنه الأمر والنهي والتحريم والترخيص تبليغا ~~عن الله سبحانه وتعالى ، وإن كان يحتمل أنه من بعض الخلفاء ، لكنه بعيد . ~~فإن المشرع لذلك هو صاحب الشرع ( وقول غير الصحابي عنه ) أي عن الصحابي إذا ~~روى عنه حديثا ( يرفعه ) أي الصحابي ( أو ينميه ) إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( أو يبلغ به ) النبي صلى الله عليه وسلم ( أو يرويه ) عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( كمرفوع صريحا ) عند العلماء . قال ابن الصلاح : حكم ذلك ~~عند أهل العلم حكم المرفوع صريحا . PageV02P486 وذلك كقول سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس { الشفاء في ثلاث : شربة عسل ، وشرطة محجم ، وكية نار } ثم قال ' ~~رفع الحديث ' رواه البخاري . وكحديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه يبلغ به . قال : { الناس ms291 تبع لقريش } وغيره كثير . PageV02P487 ~~وفي الصحيحين عن أبي هريرة رواية { تقاتلون قوما } - الحديث ' وروى مالك عن ~~أبي حازم عن سهل بن سعد { كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ~~ذراعه اليسرى في الصلاة } . | قال أبو PageV02P488 حازم : لا أعلم إلا أنه ~~ينمي ذلك ' قال مالك : هذا لفظ رواية عبد الله بن يوسف . ورواه البخاري من ~~طريق القعنبي عن مالك . فقال ' ينمى ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فصرح ~~برفعه PageV02P489 ( و ) قول ( تابعي : أمرنا ونهينا ، ومن السنة ، وكانوا ~~يفعلون ) كذا ( ك ) قول ( صحابي ) ذلك ( حجة ) أي في الاحتجاج به عند ~~أصحابنا . وأومأ إليه الإمام أحمد رضي الله عنه ، لكنه كالمرسل . وخالف ~~الشيخ تقي الدين في قوله ' كانوا يفعلون كذا ' وقال : ليس بحجة ، لأنه قد ~~يعني من أدركه . كقول إبراهيم النخعي ' كانوا يفعلون ' يريد أصحاب عبد الله ~~بن مسعود ( وأعلى مستند غير صحابي : قراءة الشيخ ) على الراوي عنه وهو يسمع ~~، سواء كانت قراءته إملاء أو تحديثا من حفظه أو من كتابه . PageV02P490 إذا ~~علمت ذلك ( فإن قصد ) الشيخ ( إسماعه وحده ، أو ) أن يسمعه ( و ) يسمع غيره ~~( قال ) أي ساغ للراوي أن يقول ( أسمعنا ، و ) أن يقول ( حدثنا وأخبرنا ) ~~فلان ( وقل ) قول الراوي في مثل هذا ( أنبأنا ونبأنا ) فلان ( وهي ) أي هذه ~~الألفاظ ( مرتبة ) أي في الرتبة ( كما ذكرت ) أي كما رتبت في الذكر . ~~PageV02P491 قال الخطيب : أرفع الدرجات : سمعت ، ثم حدثنا . وحدثني ، ثم ~~أخبرنا . وهو كثير في الاستعمال ، ثم أنبأنا ونبأنا ، وهو قليل في ~~الاستعمال انتهى . وإنما كانت أسمعنا وحدثنا أرفع لما فيهما من الاحتراز من ~~الإجازة . قال الإمام أحمد رضي الله عنه ' أخبرنا ' أسهل من ' حدثنا ' فإن ~~حدثنا شديد . انتهى ( وله ) أي للراوي ( إفراد الضمير ) بأن يقول : سمعت أو ~~حدثني ( و ) لو كان ( معه غيره ، و ) له ( جمعه ) أي جمع الضمير بأن يقول : ~~سمعنا أو حدثنا ، ولو كان الراوي ( منفردا ) بالسماع . وهذا هو الصحيح عند ~~الإمام أحمد رضي الله عنه وغيره من العلماء ( وإلا ) أي وإن لم يقصد الشيخ ~~الإسماع ( قال ms292 ) الراوي ( سمعت وحدث ، وأخبر وأنبأ ونبأ ) قطع به ابن مفلح ~~وغيره . PageV02P492 والرتبة الثانية من مستند غير الصحابي : ما أشير إليه ~~بقوله ( ثم قراءته ) أي قراءة الراوي على الشيخ . والرتبة الثالثة : سماع ~~الراوي قراءة غيره على الشيخ وهو يسمع ، وإلى ذلك أشير بقوله ( أو غيره ) ~~أي غير الراوي ( على الشيخ ) ، PageV02P493 ( ويقول فيهما ) أي قراءته ، ~~وفي قراءة غيره ( حدثنا وأخبرنا قراءة عليه ) . ( ويجوز الإطلاق ) وهو أن ~~لا يقول : قراءة عليه عند مالك وأبي حنيفة وأحمد والخلال وأبي بكر عبد ~~العزيز والقاضي أبي يعلى وغيرهم . وعنه رواية ثانية لا يطلق . وقال جمع ؛ ~~لأنه كذب . PageV02P494 وفي الرواية بسماع قراءة غيره على الشيخ خلاف . ~~والذي عليه أكثر أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم : الصحة . قال الحافظ ~~ابن حجر : ووقع الإجماع عليه في هذه الأزمنة وقبلها . وحكي المنع عن أبي ~~عاصم النبيل ووكيع ومحمد بن سلام وعبد PageV02P495 الرحمن بن سلام الجمحي ( ~~وسكوت الشيخ عند قراءة عليه بلا موجب ) لسكوته عن غفلة أو غيرها ( كإقراره ~~) قال ابن مفلح : عليه جمهور الفقهاء والمحدثين . قال : والأحوط أن يستنطقه ~~بالإقرار به . وشرط بعض الظاهرية إقرار الشيخ بصحة ما قرئ عليه نطقا . ~~PageV02P496 والصحيح : أن عدم إنكاره ، ولا حامل له على ذلك ، من إكراه أو ~~نوم أو غفلة أو نحو ذلك : كاف . لأن العرف قاض بأن السكوت تقرير في مثل هذا ~~، وإلا لكان سكوته لو كان غير صحيح قادحا ( ويحرم ) على الراوي ( إبدال قول ~~الشيخ حدثنا ب ) قول الراوي ( أخبرنا وعكسه ) وهو إبدال قول الشيخ ' أخبرنا ~~' بقول ' الراوي ' حدثنا ، لاحتمال أن يكون الشيخ لا يرى التسوية بين ~~اللفظين فيكون ذلك كذبا عليه . وعنه : لا يحرم . قال الشيخ تقي الدين : ~~أخذها القاضي من قوله في رواية أحمد بن عبد الجبار : حدثنا وأخبرنا واحد . ~~ونقله عنه سلمة بن PageV02P497 شبيب أيضا ( و ) يحرم أيضا على الراوي ( ~~رواية ما شك في سماعه ) ما دام شاكا . ذكره الآمدي إجماعا ؛ لأن الأصل عدم ~~السماع ؛ ولأن ذلك شهادة على شيخه ( و ) كذا يحرم عليه رواية مروي ( بمشتبه ~~بغيره ) أي ms293 بغير مروي . لأن كل واحد منهما يحتمل أنه غير الذي رواه ما دام ~~لم يترجح عنده أحد المشتبهين أنه مسموعه ( و ) يحرم أيضا عليه : رواية ( ~~مستفهم من غير الشيخ ) PageV02P498 قال ابن مفلح بعد كلام تقدم : وظاهر ما ~~سبق أنه ليس له أن يروي إلا ما سمعه من الشيخ فلا يستفهمه ممن معه ، ثم ~~يرويه . وقاله جماعة خلافا لآخرين . انتهى . قال خلف بن تميم : سمعت من ~~الثوري عشرة آلاف حديث أو نحوها . فكنت أستفهم جليسي . فقلت لزائدة . فقال ~~: لا تحدث بها إلا ما تحفظ بقلبك وتسمع أذنك . قال : فألقيتها ( لا ) أن ~~يروي ( ما ظنه مسموعه ) من غير اشتباه ( أو ) ظنه ( من مشتبه بعينه ) عند ~~الإمام أحمد رضي الله عنه والأكثر عملا بالظن PageV02P499 ( ولا يؤثر ) في ~~صحة الرواية ( منع الشيخ ) الراوي ( من روايته عنه بلا قادح ) قال ابن مفلح ~~بعد كلام تقدم . وظاهر ما سبق ، أن منع الشيخ للراوي من روايته - ولم يسند ~~ذلك إلى خطإ أو شك - لا يؤثر . وقاله بعضهم . انتهى ( ثم ) الرتبة الرابعة ~~من مستند غير الصحابي : الرواية بالإجازة وتتفاوت ، وبجوازها قال الشافعي ~~وأحمد رضي الله عنهما والأكثر من أصحابهما وبقية العلماء . وحكى الاتفاق ~~على جوازها الباقلاني والباجي وغيرهما . PageV02P500 واحتج ابن الصلاح عليه ~~بأنه إذا جاز أن يروي عنه مروياته ، وقد أخبره بها جملة . فهو كما لو أخبره ~~بها تفصيلا ، وإخباره بها غير متوقف على التصريح نطقا ، كما في القراءة على ~~الشيخ . وعلى هذا : يجب العمل بها كالحديث المرسل . قاله ابن مفلح وغيره : ~~ومنعها شعبة وأبو زرعة الرازي وإبراهيم الحربي من أصحاب الإمام أحمد وجمع ~~كثير من الحنفية وبعض الشافعية والظاهرية . ونقله الربيع عن الشافعي . قال ~~PageV02P501 شعبة : لو صحت الإجازة لبطلت الرحلة . قال أبو زرعة : لو صحت ~~لبطل العلم . ونقل ابن وهب عن مالك أنه قال : لا أرى هذا يجوز ولا يعجبني . ~~وقال أبو طاهر الدباس الحنفي : من قال لغيره : أجزت لك أن PageV02P502 تروي ~~عني ، فكأنه قال : أجزت لك أن تكذب علي ، وعند أبي حنيفة ومحمد إن علم ~~المجيز ms294 ما في الكتاب ، والمجاز له ضابط : جاز ، وإلا فلا ، لما فيه من ~~صيانة السنة وحفظها . إذا علمت ذلك فأعلاها ( مناولة ) كتاب ( مع إجازة أو ~~إذن ) في روايته عنه . ويسمى هذا ' عرض المناولة ' كما أن سماع الشيخ يسمى ~~' عرض القراءة ' وهي نوعان أحدهما ما ذكرناه . وهي المناولة مع الإجازة أو ~~الإذن . والرواية بهذا النوع جائزة . PageV02P503 قال القاضي عياض في ~~الإلماع : جائزة بالإجماع . وكذا قال المازري : لا شك في وجوب العمل به ~~انتهى . لكن الصيرفي حكى الخلاف في المسألة . وأن المانع خرجه على الشهادة ~~، في الصك ولم يقرأ على المشهود عليه ، بل قال : اشهد علي بما فيه ، فإن ~~القول بمنعه مشهور . كما ذكروه في كتاب القاضي إلى القاضي . ومما استدل به ~~للمناولة بدون القراءة ما قاله البخاري : إن بعض أهل الحجاز احتجوا عليها ~~بحديث { النبي صلى الله عليه وسلم حيث كتب لأمير السرية كتابا . وقال ولا ~~تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا . فلما بلغ PageV02P504 ذلك المكان قرأه على ~~الناس ، وأخبرهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم } لكن أشار البيهقي إلى أنه ~~لا حجة فيه ، وهو ظاهر لاحتمال أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأه عليه . ~~فتكون واقعة عين يسقط فيها الاستدلال للاحتمال ، وأمير السرية : هو عبد ~~الله بن جحش المجدع في الله تعالى . وذلك في رجب في السنة الثانية . ~~والحديث رواه الطبري مرفوعا . وصفة هذا النوع : أن يدفع الشيخ إلى الطالب ~~أصل مرويه ، أو فرعا مقابلا به . ويقول : هذا سماعي ، أو مرويي بطريق كذا ~~فاروه عني ، أو PageV02P505 أجزت لك أن ترويه عني ، ثم يملكه إياه بطريق أو ~~يعيره له ينقله ويقابله به . وفي معناه : أن يجيء الطالب بذلك إلى الشيخ ~~ويعرضه عليه ، فيتأمله الشيخ العارف اليقظ . ويقول : نعم هذا مسموعي ، أو ~~روايتي بطريق كذا ، فاروه عني . وقد تقدم أنها جائزة ، وأنها منحطة عن رتبة ~~السماع . وهذا هو الصحيح الذي عليه الجمهور . وذهب ربيعة PageV02P506 ومالك ~~والزهري وابن عيينة وجمع إلى أنها كالسماع ( ولا تجوز ) الرواية ( بمجردها ~~) أي بمجرد المناولة من غير إجازة ولا ms295 إذن عند جماهير العلماء . وحكى ~~الخطيب عن قوم أنهم صححوها . وبذلك قال ابن الصباغ . PageV02P507 وعابها ~~غير واحد من الفقهاء ، والأصوليين على المحدثين . ولم ير أبو حنيفة ~~والشافعي وأحمد رضي الله تعالى عنهم ، وأكثر الفقهاء : إطلاق ' حدثنا ~~وأخبرنا ' في المناولة مع الإجازة أو الإذن . وأجازه مالك والزهري وجمع ، ~~لأنها عندهم كالسماع ( ويكفي اللفظ ) يعني أنه لو كان الكتاب بيد المجاز له ~~أو على الأرض ونحوه ، وأجازه به : جاز ، ولا يشترط فيها فعل المناولة لأنه ~~لا PageV02P508 تأثير لها ( ومثلها ) أي ومثل المناولة ( مكاتبة مع إجازة ، ~~أو ) مع ( إذن ) بشرط أن يعلم المكتوب إليه أنه خط الكاتب ، أو يظنه بإخبار ~~ثقة أو غير ذلك . قال العراقي في شرح منظومته : المكاتبة أن يكتب الشيخ ~~شيئا من PageV02P509 حديثه بخطه ، أو يأمر غيره فيكتب عنه بإذنه إلى غائب ~~عنه ، أو حاضر عنده . فهذان نوعان . أحدهما : أن يجيزه مع ذلك . فتجوز ~~الرواية به على الصحيح كالمناولة وعليه أكثر العلماء ، حتى قال بعضهم : إنه ~~كالسماع ؛ لأن الكتابة أحد اللسانين . وقد : { كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يبلغ الغائب بالكتابة إليه } . PageV02P510 وكان صلى الله عليه وسلم ~~يكتب إلى عماله تارة ، ويرسل أخرى . ومنع قوم من الرواية بالكتابة ، ~~وأجابوا عن كتب النبي صلى الله عليه وسلم بأن الاعتماد على الأخبار المرسلة ~~على يديه ( ثم ) يلي المناولة والمكاتبة في الرتبة ( إجازة خاص لخاص ) ~~كقوله : PageV02P511 أجزت لفلان أن يروي PageV02P512 عني كتاب كذا مع غيبة ~~الكتاب . وإلا فهي المناولة ، فإجازة عام لخاص كقوله : أجزت لفلان أن يروي ~~عني جميع مروياتي ( فعكسه ) وهي إجازة خاص لعام . كقوله : أجزت للمسلمين أو ~~لمن أدرك حياتي أو لكل أحد : أن يروي عني كتابي الفلاني ( ف ) إجازة ( عام ~~لعام ) كقوله : أجزت لكل أحد أن يروي عني جميع مروياتي . ذكر هذين القسمين ~~- وهما إجازة الخاص للعام والعام للعام - القاضي أبو يعلى وغيره ، وقاله ~~أبو بكر عبد العزيز في إجازة العام للعام ، ومنع هذا الأخير جماعة . وجوزه ~~الخطيب وغيره . وفعله ابن منده وغيره . فقال : أجزت لمن قال لا إله إلا ms296 ~~الله . وجوز أبو الطيب الإجازة لجميع المسلمين من كان منهم موجودا عند ~~الإجازة . PageV02P513 وقال ابن الصلاح : لم نر ولم نسمع عن أحد ممن يقتدى ~~به استعمل هذه الإجازة ولا من الشرذمة المجوزة ، والإجازة في أصلها ضعف ، ~~وتزداد بهذا التوسع ضعفا كبيرا لا ينبغي احتماله . وقال العراقي في شرح ~~منظومته : ممن أجازها أبو الفضل ابن خيرون البغدادي وابن رشد المالكي ~~والسلفي وغيرهم . ورجحه PageV02P514 ابن الحاجب ، وصححه النووي في زيادة ~~الروضة ( ثم مكاتبة بدونها ) أي بدون إجازة ، بل كتب إليه يخبره بقراءته ~~الكتاب الفلاني على الشيخ الفلاني فقط . وظاهر كلام الإمام أحمد رضي الله ~~عنه والخلال : الجواز . فإن أبا مسهر وأبا توبة كتبا إليه PageV02P515 ~~بأحاديث وحدث بها ، وهو الأشهر للمحدثين . واختاره كثير من المتقدمين . حتى ~~قال ابن السمعاني : إنها أقوى من الإجازة . وجزم به الرازي في المحصول ، ~~وفي البخاري في كتاب الأيمان والنذور ' وكتب إلي محمد بن بشار ' وفي مسلم ~~عن عامر بن سعيد بن أبي موسى ' كتب إلي جابر بن سمرة ' PageV02P516 ~~وللشافعية خلاف . وقد تقدم ما فيها من الخلاف مع الإجازة ، فمع عدمها أقوى ~~( ويكفي ) في جواز الرواية بالمكاتبة ( معرفة خطه ) أي أن يعرف المكتوب ~~إليه خط الكاتب عندنا وعند الأكثر ، ويكفي الظن في ذلك المعتمد على إخبار ~~عدل على الصحيح . وحكى أبو الحسين بن القطان عن بعضهم : أنه لا يكفي في ذلك ~~إلا عدلان يشهدان على الكاتب بأنه كتبه على حد شرط كتاب القاضي إلى القاضي ~~( وتجوز إجازة بمجاز به ) في الأصح . كأجزت لك مجازاتي ، أو PageV02P517 ~~أجزت لك ما أجيز لي روايته . وهذا هو الصحيح . وعليه العمل ، خلافا لبعض ~~المتأخرين . وقد كان الفقيه نصر المقدسي يروي بالإجازة عن الإجازة ( و ) ~~تجوز الإجازة ( لطفل ، ومجنون وغائب وكافر ) ليروي الطفل ما أجيز به إذا ~~بلغ ، والمجنون إذا عقل ، والكافر إذا أسلم . وقد وقعت مسألة الكافر في زمن ~~الحافظ أبي الحجاج المزي بدمشق . وكان طبيبا سمي بعد إسلامه محمدا . وكان ~~أبوه يسمى عبد السيد - PageV02P518 يسمع الحديث وهو يهودي على أبي عبد الله ~~محمد ms297 بن عبد الله الصوري . وكتب اسمه في طبقات السماع مع الناس ، وأجاز ابن ~~عبد المؤمن لمن سمعه ، وهو من جملتهم ، وكان السماع والإجازة بحضرة المزي ~~الحافظ ، وبعض السماع بقراءته ولم ينكره . ثم هدى الله اليهودي إلى الإسلام ~~. وحدث بما أجيز له . وتحمل الطلاب عنه . قال الحافظ عبد الرحيم العراقي ~~ورأيته ولم أسمع منه ( لا ) ل ( معدوم ) فلا تصح الإجازة له ( مطلقا ) لا ~~بالأصالة كأجزت لمن يولد لك ، ولا بالتبعية ، كأجزت لك ولمن يولد لك في ~~ظاهر كلام جماعة من أصحابنا . وقاله غيرهم . لأنها محادثة أو إذن في ~~الرواية ، بخلاف الوقف على من سيولد تبعا لمن ولد . وأجازها أبو بكر بن أبي ~~داود من أصحابنا . فإنه لما سأله إنسان الإجازة . قال : قد أجزت لك ~~ولأولادك ، ولحبل الحبلة ، يعني لمن يولد بعد PageV02P519 ( ولا تصح ) أيضا ~~إجازة ( لمجهول ) كأجزت لرجل من الناس ( ولا بمجهول ) كأجزت لك أن تروي عني ~~بعضا من مروياتي ، وجوز القاضي أبو يعلى وابن عمروس المالكي : أجزت لمن شاء ~~فلان . والصحيح : خلاف ذلك ، وهو عدم الصحة في ذلك لما فيه من الجهالة ~~والتعليق . أما لو استجيز لمن سمي ونسب له . فلا يقدح في صحة الإجازة ~~PageV02P520 جهله بشخصه ، كما لا يقدح عدم معرفته بمن هو حاضر يسمعه بشخصه ~~( ولا ) تصح إجازة ب ( ما لم يتحمله ) المجيز ( ليرويه عنه ) المجاز ( إذا ~~تحمله ) المجيز . قال القاضي عياض : لم أرهم تكلموا عليه . ورأيت بعض ~~العصريين يفعله . لكن قال عبد الملك الطبني : كنت عند القاضي أبي الوليد ~~يونس بقرطبة فسأله إنسان الإجازة بما رواه وما يرويه بعد ، فلم يجبه فغضب . ~~فقلت : يا هذا يعطيك ما لم يأخذ ؟ فقال أبو الوليد : PageV02P521 هذا جوابي ~~. قال القاضي عياض : وهو الصحيح . وصححه صاحب التحرير تبعا له ، وهو ظاهر ~~لما فيه من التعليق ( ويقول ) مجاز له حيث صحت الإجازة ( أجاز لي ) فلان ، ~~أو أجاز لنا باتفاق على جواز ذلك ؛ لأنه إخبار بالحال على وجهه ( ويجوز ) ~~أن يقول ( حدثني وأخبرني إجازة ) وحدثنا وأخبرنا إجازة عند أصحابنا وأكثر ~~العلماء ، ومنع قوم ' حدثنا ms298 ' دون ' أخبرنا ' قال البرماوي : وجوز أبو نعيم ~~وأبو عبد الله المرزباني أن يقول : أخبرنا دون حدثنا PageV02P522 ( لا ~~إطلاقهما ) أي لا يجوز أن يطلق حدثني وأخبرني من غير أن يقول إجازة ( فيهن ~~) أي في جميع صور الرواية بالإجازة اللاتي تقدم ذكرهن ، لما في ذلك من ~~إيهام كون الرواية بالتحديث على الحقيقة ؛ لأنها الأصل المتبادر الفهم إليه ~~( ولا تجوز رواية بوصية بكتبه ) وقيل : بلى . قال أيوب لمحمد بن سيرين : إن ~~فلانا أوصى إلي بكتبه ، أفأحدث بها عنه ؟ قال : نعم ، ثم قال لي بعد ذلك : ~~لا آمرك ولا أنهاك . PageV02P523 قال حماد : وكان أبو قلابة قال : ادفعوا ~~كتبي إلى أيوب إن كان حيا وإلا فأحرقوها ، وعلل ذلك القاضي عياض بأنه نوع ~~من الإذن . قال ابن الصلاح : وهذا بعيد جدا ، وهو إما زلة عالم ، أو مؤول ~~على أنه أراد أن يكون ذلك على سبيل الوجادة ، PageV02P524 وأنكر عليه ابن ~~أبي الدم ذلك . وقال : الوصية أرفع رتبة من الوجادة بلا خلاف ، وهي معمول ~~بها عند الشافعي وغيره . انتهى ( ولا ) تجوز الرواية أيضا ( بوجادة ) بكسر ~~الواو ، مصدر مولد لوجد . فإن مادة وجد متحدة الماضي والمضارع مختلفة ~~المصادر بحسب اختلاف المعاني . فيقال في الغضب : موجدة ، وفي المطلوب وجودا ~~، وفي الضالة وجدانا - بكسر الواو - وفي الحب وجدا - بالفتح وفي المال ~~وجدانا - بالضم - وفي الغنى جدة - بالكسر وتخفيف الدال المفتوحة ، وإجدانا ~~- بكسر الهمزة PageV02P525 ( وهي ) أي الوجادة في اصطلاح المحدثين ( وجدانه ~~) أي الراوي ( شيئا ) من الأحاديث مكتوبا ( بخط الشيخ ) الذي يعرفه ويثق ~~بأنه خطه ، حيا كان الكاتب أو ميتا على الصحيح ( ويقول ) إذا أراد الإخبار ~~بذلك ( وجدت بخط فلان ) كذا ، وإن لم يثق بأنه خطه فيقول : وجدت ما ذكر لي ~~أنه خط فلان كذا ، ولا يقول : حدثنا ولا أخبرنا ، خلافا لمن جازف في إطلاق ~~ذلك ( ولا ) تجوز الرواية أيضا ( بمجرد قول الشيخ : سمعت كذا ، أو هذا ~~سماعي ) ، ( أو ) هذا روايتي ، أو هذا خطي . أما إذا قال عن فلان ، فقال ~~ابن الصلاح : إنه تدليس قبيح إذا كان PageV02P526 يوهم سماعه منه ( ويعمل ) ~~وجوبا ( بما ms299 ظن صحته من ذلك ) أي : مما قلنا : إنه لا تجوز له روايته عند ~~أصحابنا والشافعية ، يعني أنه لا يتوقف وجوب العمل على جواز الرواية . وذلك ~~لعمل الصحابة بكتبه صلى الله عليه وسلم . قال ابن العراقي في شرح جمع ~~الجوامع : قاله الشافعي ونظار أصحابه ونصره الجويني . واختاره جمع من ~~المحققين . قال ابن الصلاح وهو الذي لا يتجه غيره في الأعصار المتأخرة . ~~قال النووي : وهو الصحيح . وهذا قول أصحابنا . وقيل : لا يجب العمل به . ~~قال القاضي عياض : أكثر المحدثين ، والفقهاء من المالكية وغيرهم : ~~PageV02P527 لا يرون العمل به . انتهى . ومحل الخلاف إذا لم تخالفه صحيحة . ~~فإن الاعتماد يكون عليها دون غيرها ( ومن رأى سماعه ولم يذكره فله روايته ~~والعمل به إذا ظنه خطه ) فيكتفي بالظن على الصحيح عند أكثر أصحابنا . وقال ~~المجد ، وفاقا للشافعي وأبي يوسف ومحمد : لا يعمل به إلا إذا تحقق أنه خطه ~~. وقال أبو حنيفة : لا يجوز العمل به حتى يذكر سماعه . وجه الأول : أن غالب ~~الأحكام مبناها على الظن . PageV02P528 قال ابن مفلح : ولهذا قيل لأحمد : ~~فإن أعاره من لم يثق به ؟ فقال : كل ذلك أرجو . فإن الزيادة في الحديث لا ~~تكاد تخفى ؛ لأن الأخبار مبنية على حسن الظن وغلبته . PageV02P529 # | ( فصل ) # ( لعارف ) بمعاني الألفاظ وما يحيلها ( نقل الحديث بالمعنى ) المطابق عند ~~الأئمة الأربعة وجماهير العلماء . وعليه العمل ، لما روى ابن منده في معرفة ~~الصحابة من حديث { عبد الله بن سليمان بن أكيمة الليثي قال : قلت يا رسول ~~الله ، إني أسمع منك الحديث ، فلا أستطيع أن أرويه كما سمعته منك ، يزيد ~~حرفا أو ينقص حرفا فقال : إذا لم PageV02P530 تحلوا حراما ولا تحرموا حلالا ~~وأصبتم المعنى فلا بأس } فذكر ذلك للحسن . فقال : لولا هذا ما حدثنا . قال ~~الإمام أحمد : ما زال الحفاظ يحدثون بالمعنى وكذلك الصحابة . وعنه لا يجوز ~~، واختاره جمع من العلماء . وحكاه ابن السمعاني عن ابن عمر وجمع من ~~التابعين ، ونقل عن مالك أيضا . PageV02P531 قال ابن مفلح : في نقله عن ابن ~~عمر ومن معه من التابعين نظر ، فإنه لم يصح ms300 عنهم سوى مراعاة اللفظ ، فلعله ~~استحباب ، أو لغير عارف . فإنه إجماع فيهما ، وجوزه الماوردي إن نسي اللفظ ~~لأنه قد تحمل اللفظ والمعنى وعجز عن أحدهما ، فيلزمه الآخر . وقيل : يجوز ~~ذلك للصحابة فقط . وقيل : يجوز ذلك في الأحاديث الطوال دون القصار . وقيل : ~~يجوز للاحتجاج لا للتبليغ . وقيل : يجوز بلفظ مرادف فقط . ومنع أبو الخطاب ~~إبدال لفظ بأظهر منه معنى أو أخفى . PageV02P532 وقال ابن عقيل في الواضح : ~~إبداله بالظاهر أولى ، وقال بعض أصحابنا : يجوز بأظهر اتفاقا لجوازه بغير ~~عربية ، وهي أتم بيانا . وحيث تقرر أن الصحيح جواز نقل الحديث بالمعنى ( ~~فليس ) الحديث ( بكلام الله تعالى ) . ( وهو ) أي الحديث ( وحي إن روي ~~مطلقا ) من غير تبيين أن الله أمر أو نهى أو كان خبرا عن الله تعالى ( وإن ~~بين ) النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في الحديث ( أن الله تعالى أمر أو نهى ~~، أو كان خبرا عن الله ) سبحانه وتعالى ( أنه قاله ف ) لا يجوز تغيير لفظه ~~( كالقرآن ) ومما يدل على جواز نقل الحديث بالمعنى مع تغيير اللفظ : ما ~~رواه الإمام أحمد بإسناد حسن عن واثلة ' إذا حدثناكم بالحديث على معناه ~~فحسبكم ' PageV02P533 وروى الخلال هذا المعنى عن ابن مسعود مرفوعا ، وحدث ~~ابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم حديثا فقال { أو دون ذلك ، أو فوق ذلك ، ~~أو قريبا من ذلك } وكان أنس رضي الله عنه إذا حدث عنه صلى الله عليه وسلم ~~حديثا قال ' أو كما قال ' إسنادهما صحيح . رواهما ابن ماجه . وكذلك نقلت ~~وقائع متحدة بألفاظ مختلفة ، ولأنه يجوز تفسيره PageV02P534 بعجمية إجماعا ~~، فبعربية أولى لحصول المقصود ، وهو المعنى ، ولهذا لا تجب تلاوة اللفظ ولا ~~ترتيبه ، بخلاف القرآن والأذان ونحوه ( وجائز إبدال الرسول بالنبي وعكسه ) ~~وهو إبدال لفظ ' النبي ' بلفظ ' الرسول ' نص على ذلك الإمام أحمد رضي الله ~~عنه . وبه قال القاضي أبو يعلى والشيخ تقي الدين والنووي وغيرهم . واعترض ~~بأنه لما { علم النبي صلى الله عليه وسلم البراء بن عازب ما يقال عند ~~PageV02P535 النوم آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت ، قال : ورسولك ms301 ~~، قال : لا ، ونبيك } متفق عليه ، ورد الاعتراض بأن فائدة قوله صلى الله ~~عليه وسلم للبراء بن عازب : عدم الالتباس بجبريل أو الجمع بين لفظي النبوة ~~والرسالة . قال الشيخ تقي الدين : الجواب عن حديث البراء من ثلاثة أوجه . ~~أحدها : أن ' الرسول ' كما يكون من الأنبياء يكون من الملائكة . الثاني : ~~أن تضمن قوله صلى الله عليه وسلم { ورسولك } النبوة بطريق الالتزام . فأراد ~~عليه الصلاة والسلام أن يصرح بذكر النبوة . الثالث : الجمع بين لفظي النبوة ~~والرسالة ، ومحل الخلاف في غير الكتب المصنفة لاتفاقهم على أنه ( لا ) يجوز ~~( تغيير الكتب المصنفة ) لما فيه من تغيير تصنيف مصنفها . قال ابن الصلاح : ~~لا نرى الخلاف جاريا ، ولا أجراه الناس فيما PageV02P536 نعلم فيما تضمنته ~~بطون الكتب فليس لأحد أن يغير لفظ شيء من كتاب ، ويثبت فيه لفظا آخر بمعناه ~~. فإن الرواية بالمعنى رخص فيها من رخص لما كان عليهم في ضبط الألفاظ ~~والجمود عليها من الحرج والنصب . وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه بطون ~~الأوراق والكتب ، ولأنه إن ملك تغيير اللفظ فليس يملك تغيير تصنيف غيره ( ~~ولو كذب ) أصل فرعا فيما رواه عنه ( أو غلط أصل فرعا لم يعمل به ) أي بذلك ~~الحديث الذي كذب فيه الشيخ راويه عنه ، أو غلط فيه الشيخ راويه عنه عندنا . ~~وعند الأكثر . وحكاه جماعة إجماعا لكذب أحدهما . ونقل عن الشافعي وأصحابه ~~PageV02P537 ( و ) لكن ( هما على عدالتهما ) لعدم بطلان العدالة المتحققة ~~بالشك . فلو شهدا عند حاكم في واقعة قبلا ؛ لأن تكذيبه أو تغليطه قد يكون ~~لظن منه أو غيره . وقيل : يعمل به واختاره جماعة ( وإن أنكره ) أي أنكر ~~الأصل الفرع بأن قال الشيخ : ما أعرف هذا الحديث أو نحو ذلك ( ولم يكذبه ) ~~أي ولم يكذب الأصل الفرع في روايته عنه ( عمل به ) عند الإمام أحمد ومالك ~~والشافعي رضي الله تعالى عنهم والأكثر ؛ لأن الفرع عدل جازم غير مكذب أو ~~مغلط ، فيعمل بما رواه . كموت الأصل أو جنونه . PageV02P538 وروى سعيد عن ~~الدراوردي عن ربيعة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي ms302 هريرة { أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد } PageV02P539 ونسيه سهيل وقال : ~~حدثني ربيعة عني . ورواه الشافعي عن الدراوردي . قال : فذكرت ذلك لسهيل . ~~فقال : أخبرني ربيعة - وهو عندي ثقة - أني حدثته إياه ولا أحفظه . وكان ~~سهيل يحدثه بعد عن ربيعة عنه عن أبيه . ورواه أبو داود وإسناده جيد ولم ~~ينكر ذلك . فإن قيل : فأين العمل به ؟ قيل : مذكور في معرض الحجة . فإنه ~~إذا جاز أن يعمل به ، ثبت أنه حق يجب العمل به . وعنه لا يعمل به . وقاله ~~أبو حنيفة وأكثر الحنفية . ولذلك ردوا PageV02P540 خبر { أيما امرأة نكحت ~~بغير إذن وليها فنكاحها باطل } لأنه من رواية الزهري وقال : لا أذكره . ~~وكذلك حديث سهيل في الشاهد واليمين ، وقاسوه على الشهادة فيما إذا نسي شاهد ~~الأصل . وأجيبوا بأن الشهادة أضيق ( وتقبل ) ( زيادة ثقة ضابط ) في الحديث ~~( لفظا أو معنى ) يعني سواء كانت الزيادة في لفظ الحديث أو في معناه ( إن ~~تعدد المجلس ) عند جماهير PageV02P541 العلماء وحكاه بعضهم إجماعا ( أو ~~اتحد ) المجلس ( وتصورت غفلة من فيه عادة ) على الصحيح ( أو جهل الحال ) ~~بأن شككنا : هل كان في المجلس من يتصور غفلته أو لا . وهل كانت الزيادة في ~~مجلس واحد ، أو أكثر ؟ وعلى كل حال : فالصحيح القبول ، وهو ظاهر الروضة ~~وغيرها وقطع بذلك البرماوي . وقال : هو كما إذا تعدد المجلس . قال ابن مفلح ~~: هذا أولى . وظاهر كلام القاضي وغيره : أنه كاتحاد المجلس وقاله الشيخ تقي ~~الدين ، فيعطى حكمه . وقال : كلام أحمد وغيره مختلف في الوقائع ، وأهل ~~الحديث أعلم . PageV02P542 وعلم مما تقدم : أنه إن اتحد المجلس ولم يتصور ~~غفلة من فيه عادة : أن زيادته لا تقبل وهذا الصحيح عند الأكثر . وذكره ~~بعضهم إجماعا . وقيل : إن كانت تتوفر الدواعي على نقلها . اختاره ابن ~~السمعاني والتاج السبكي وألحقوها بما إذا كان في المجلس جماعة لا تتصور ~~غفلتهم ، وعنه تقبل . وحكاه البرماوي عن جمهور الفقهاء والمحدثين ، قال : ~~ولهذا { قبل النبي صلى الله عليه وسلم خبر الأعرابي عن رؤية الهلال مع ~~انفراده } . PageV02P543 وقبل خبر ذي اليدين مع ms303 وجود أبي بكر وعمر رضي الله ~~عنهم ( وإن خالفت ) الزيادة ( المزيد ) في صورة من الصور التي قلنا بقبولها ~~فيها ( تعارضا ) أي المزيد والزيادة . ذكره القاضي وغيره ، ونقله الإبياري ~~عن قوم ( ف ) على هذا ( يطلب مرجح ) لأحدهما ونقل الإبياري أيضا عن قوم ~~تقديم الزيادة . قال : وهو الظاهر PageV02P544 عندنا إذا لم يكن بد من تطرق ~~الوهم إلى أحدهما لاستحالة كذبهما . وامتنع الحمل على تعمد الكذب ، لم يبق ~~إلا الذهول والنسيان ، والعادة ترشد إلى أن نسيان ما جرى أقرب من تخيل ما ~~لم يجر وحينئذ فالمثبت أولى . وقال ابن الصلاح : إن الزيادة إذا خالفت ما ~~رواه الثقات فهي مردودة ، وعند أبي الحسين : إن غيرت المعنى لا الإعراب ~~قبلت وإلا فلا ( وإن رواها ) الراوي ( مرة وتركها ) مرة ( أخرى PageV02P545 ~~ف ) ذلك ( كتعدد رواة ) قاله ابن الحاجب وابن مفلح والبرماوي وغيرهم : ~~فيفصل فيه بين اتحاد سماعها من الذي روى عنه وتعدده . والمراد ما أمكن ~~جريانه من الشروط والأقوال لا ما لا يمكن . وقيل : الاعتبار بكثرة المرات ، ~~وإن تساوت قبلت ، وقيل إن صرح بأنه سمع الناقص في مجلس والزائد في آخر قبلت ~~. وإن عزاهما لمجلس واحد وتكررت روايته بغير زيادة ، ثم روى الزيادة . فإن ~~قال : كنت نسيت هذه الزيادة قبل منه ، وإن لم يقل ذلك وجب التوقف في ~~الزيادة إذا علمت ذلك فمثال زيادة الراوي مرة وتركها أخرى : حديث سفيان بن ~~عيينة عن طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله PageV02P546 بسنده إلى { عائشة ~~رضي الله عنها أنها قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقلت : ~~إنا خبأنا لك خبئا . فقال : أما إني كنت أريد الصوم ، ولكن قربيه } وأسنده ~~الشافعي عن سفيان هكذا . ورواه عن سفيان شيخ باهلي وزاد فيه { وأصوم يوما ~~مكانه } ثم عرضته عليه قبل موته بسنة فذكر هذه الزيادة . ومثال زيادة سكت ~~عنها بقية الثقات حديث أبي هريرة رضي الله عنه { عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قوله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين . فإذا قال العبد : { ~~الحمد لله رب ms304 العالمين } يقول الله تعالى : حمدني عبدي } حديث صحيح . ~~PageV02P547 ثم روى عبد الله بن زياد بن سمعان عن العلاء بن عبد الرحمن عن ~~أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه الخبر . وذكر فيه { فإذا قال العبد بسم ~~الله الرحمن الرحيم . قال الله تعالى : ذكرني عبدي } تفرد بالزيادة . وفيه ~~مقال . وحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال { من شرب من إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في جوفه نار جهنم } ~~PageV02P548 زاد فيه يحيى بن محمد الجاري عن زكريا بن إبراهيم بن عبد الله ~~بن مطيع عن أبيه عن جده عن ابن عمر { أو إناء فيه شيء من ذلك } ( وإن ) ( ~~أسند ) الراوي ( أو وصل أو رفع ما أرسله ، أو قطعه أو وقفه ) ( : قبل ) ~~PageV02P549 ذكر هنا ثلاث مسائل . الأولى : إذا أسند الراوي ما أرسله قبل ~~إسناده . الثانية : إذا وصل الراوي حديثا رواه مقطوعا قبل وصله . الثالثة : ~~إذا رفع الراوي حديثا رواه موقوفا قبل رفعه . والحكم في هذه الثلاث : قبول ~~إسناده ووصله ورفعه ( مطلقا ) قطع به في التمهيد وغيره . وحكي عن الشافعية ~~: لأن الراوي إذا صح عنده الخبر أفتى به تارة ، ورواه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أخرى . قال ابن مفلح : وحكاه بعض أصحابنا عن الشافعية . وخالف ~~بعض المحدثين فيما إذا كان الراوي واحدا . وقيده بعضهم بما إذا كان من شأنه ~~الإرسال ( وإن كان غيره ) أي وإن كان المسند غير المرسل . والذي وصله غير ~~الذي قطعه . والذي رفعه غير الذي وقفه ( فكزيادة ) في الحديث . PageV02P550 ~~مثال ما أسنده راو وأرسله غيره : إسناد إسرائيل بن يونس عن جده أبي إسحاق ~~السبيعي عن أبي بردة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث { لا نكاح ~~إلا بولي } ورواه الترمذي وشعبة عن أبي PageV02P551 إسحاق عن أبي بردة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم . فقضى البخاري لمن وصله . وقال : زيادة الثقة ~~مقبولة ؛ ومثال ما رفعه راو ووقفه غيره : حديث مالك في الموطإ عن أبي النضر ~~عن بسر بن ms305 سعيد عن زيد بن ثابت موقوفا عليه ' أفضل صلاة المرء في بيته إلا ~~المكتوبة ' وخالفه موسى بن عقبة PageV02P552 وعبد الله بن سعيد بن أبي هند ~~وغيرهما . فرووه عن أبي النضر مرفوعا ، ومثل ذلك كثير ( وحرم نقص ما تعلق ~~بباق ) يعني أنه يحرم على الراوي أن ينقص من الحديث شيئا يتعلق بباقي ~~الحديث إجماعا ، لبطلان المقصود من الحديث نحو الغاية والاستثناء ونحوهما ~~كنهيه صلى الله عليه وسلم { عن بيع الثمر حتى يزهي } PageV02P553 فيترك { ~~حتى يزهي } وكقوله صلى الله عليه وسلم { لا تبيعوا الذهب بالذهب ، ولا ~~الفضة بالفضة ، إلا سواء بسواء } فيترك { إلا سواء بسواء } وكذلك الصفة في ~~{ في الغنم السائمة الزكاة } فيترك { السائمة } وكذا ما فيه تغيير معنوي ، ~~كما في النسخ ، نحو { كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها } وكذا ترك بيان ~~مجمل في الحديث ، أو تخصيص عام أو تقييد PageV02P554 مطلق ، أو نحو ذلك . ~~فإن ذلك كله لا يجوز تركه إجماعا ( ويسن أن لا ) ( ينقص ) من الحديث ( غيره ~~) أي غير ما تعلق بباقيه بلا نزاع بين العلماء . فإن نقصه شيئا لا يتعلق ~~بباقيه جاز عند أكثر العلماء . منهم مالك والشافعي وأحمد رضي الله عنهم ~~وقيل : لا يجوز مطلقا . PageV02P555 وقيل : إن نقله بتمامه مرة جاز وإلا ~~فلا . وقيل : إن كان الحديث مشهورا بتمامه جاز وإلا فلا . ( ويجب العمل ~~بحمل صحابي ما رواه ) من حديث محتمل المعنيين على أحد محمليه ، تنافيا ) أي ~~المحملان ( أو لا ) يعني أو لم يتنافيا . | قال ابن مفلح . عندنا وعند عامة ~~العلماء . | إن هذه المسألة تعرف بما إذا قال راوي الحديث فيه شيئا . هل ~~يقبل و يعمل بالحديث ؟ ولها أحوال : | - منها : أن يكون الخبر عاما ، ~~فيحمله الراوي على بعض أفراده ، ويأتي PageV02P556 ذلك في تخصيث العام . أو ~~يدعي تقييدا في مطلق ، فكالعام يخصصه ، أو يدعي نسخه ، ويأتي في النسخ أو ~~يخالفه بترك نص الحديث ، كرواية أبي هريرة في الولوغ سبعا ، وقوله : ' يغسل ~~ثلاثا ' ، وبعضهم يمثل ذلك لتخصيص العام ، ولا يصح ، لأن العدد نص فيه . | ~~- منها : مسألة الكتاب ، وهي أن يروي الصحابي ms306 خبرا محتملا لمعنيين ، ويحمله ~~على أحدهما . فإن تنافيا ، كالقرء ، يحمله الراوي على الأطهار مثلا ، وجب ~~الرجوع إلى حمله ، عملا بالظاهر كما قال أصحابنا ، وجمهور الشافعية ، ~~كالأستاذين أبي اسحاق وأبي منصور وابن فورك والكيا الهراسي ، وسليم الرازي ~~. ونقله أبو الطيب عن مذهب الشافعي . ولهذا رجع إلى تفسير ابن عمر رضي الله ~~عنهما في التفرق في خيار PageV02P557 المجلس بالأبدان ، وإلى تفسيره : ' ~~حبل الحبلة ' ببيعه إلى نتاج النتاج ، وإلي قول عمر رضي الله عنه في ' هاء ~~وهاء ' : أنه التقابض في مجلس العقد . PageV02P558 وخالف أبو بكر الرازي من ~~الحنفية ، فقال : لا يعمل بحمل الصحابي . | وقيل : يجتهد أولا : فإن لم ~~يظهر له شيء وجب العمل بحمل الصحابي . | وعن الإمام أحمد رضي الله عنه ~~رواية ثانية : أنه يجب العمل بحمل التابعي أيضا ، وعند جمع بعض الأئمة . | ~~وحيث علمت أن الصحيح وجوب العمل بحمل ما رواه الصحابي على أحد محمليه ، ~~فإنه يكون ( كما لو أجمع على جوازهما ) أي جواز كل من المحملين ( و ) أجمع ~~أيضا على ( إرادة أحدهما ) كما في حديث ابن عمر في التفرق في خيار المجلس : ~~هل هو التفرق بالأبدان . أو بالأقوال ؟ فقد أجمعوا على أن المراد أحدهما ، ~~فكان ما صاز إليه الراوي أولى . PageV02P559 قال ابن أبي هريرة : أحمله ~~عليهما معا . فأجعل لهما الخيار في الحالين بالخبر . | قال الماوردي : هذا ~~صحيح ، لولا أن الإجماع منعقد على أن المراد أحدهما ( أو قاله ) أي وكما لو ~~قاله الصحابي ( تفسيرا ) لمعنى الحديث . | قال في ' شرح التحرير ' : واعلم ~~أن الخلاف - كما قال الهندي - فيما إذا ذكر ذلك الراوي . لا بطريق التفسير ~~للفظه ، وإلا فتفسيره أولى بلا خلاف . اه . | ومحل ذلك إذا كان الحمل أو ~~التفسير على أحد معنييه الظاهرين ، أو الظاهر منهما . | أما إذا حمله ~~الصحابي بتفسيره ، أو بأن المراد منه غير ظاهره ، فإنه ( لا ) يقبل منه ما ~~يذكره ( على غير ظاهره ) كما إذا حمل ما ظاهره الوجوب على الندب ، أو ~~بالعكس ، أوما هو حقيقة على المجاز ونحو PageV02P560 ذلك ، فإنه لا يلتفت ~~إلى قوله ( وعمل ) في ذلك ( بالظاهر ، ولو ms307 كان قوله ) أي قول الصحابي ( حجة ~~) في غير هذه الصورة ، وعلى العمل بالظاهر في هذه الصورة أكثر الفقهاء ، ~~ولهذا قال الشافعي رضي الله عنه ، كيف أترك الخبر لأقوال أقوام لو عاصرتهم ~~لحججتهم . | وقيل : يعمل بقول الصحابي ، ويترك الظاهر ، وحكي عن الإمام ~~أحمد رضي الله عنه وأكثر الحنفية ؛ لأن الصحابي لا يقول بما يخالف الظاهر ~~إلا عن توقيف ، وللمالكية خلاف . | واختار ابن عقيل والآمدي وأبو الحسين ~~وعبد الجبار : يعمل بالظاهر إلا أن يعلم مأخذه ، ويكون صالحا ، وهو أظهر . ~~PageV02P561 قال ابن مفلح : لعله مراد من أطلق . | ( ولا يرد خبره ) أي خبر ~~الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم ( لمخالفته ما لا يحتمل تأويلا ) أي ~~بسبب مخالفته نصا لا يحتمل التأويل في الأصح عندنا . | ( ولا ينسح ) النص ، ~~وقالته الشافعية ، لاحتمال نسيانه ، ثم لو عرف ناسخه لذكره ، ورواه ولو مرة ~~، لئلا يكون كاتما للعلم ، كرواية أبي هريرة في ' غسل الولوغ سبعا ' وقوله ~~: ' يغسل ثلاثا ' . | وقالت الحنفية - وهو رواية عن أحمد - : لا يعمل ~~بالخبر . PageV02P562 وقال الآمدي : ' يتعين ظهور ناسخ عنده . وقد لا يكون ~~ناسخا عند غيره . فلا يترك النص باحتمال ' . | وخالفه ابن الحاجب ، وقال : ~~' في العمل بالنص نظر ' . | وقال إمام الحرمين وابن القشيري : إن تحققنا ~~نسيانه للخبر ، أو فرضنا مخالفته لخبر لم يروه ، وجوزنا أنه لم يبلغه ، ~~فالعمل بالخبر ، أو روى خبرا يقتضي رفع الحرج فيما سبق فيه حظر ، ثم رأيناه ~~يتحرج ، فالعمل بالخبر أيضا . ( وخبر الواحد وإن ) فرض أنه ( خالف عمل أكثر ~~الأمة أو ) أنه خالف ( القياس ) ( من كل وجه ) فالخبر ( مقدم ) PageV02P563 ~~أما كون خبر الواحد مقدما على ما عليه عمل أكثر الأمة : فهو الذي عليه ~~جماهير العلماء . وحكاه بعضهم إجماعا . وأما كونه مقدما مع مخالفته القياس ~~من كل وجه : فلنص أحمد والشافعي رضي الله تعالى عنهما وأصحابهما والكرخي من ~~الحنفية والأكثر من العلماء . واستدل لذلك بقول عمر رضي الله عنه ' لولا ~~هذا لقضينا فيه برأينا ' وبرجوعه إلى توريث المرأة من دية زوجها ، ولعمل ~~جماعة من الصحابة بذلك . PageV02P564 قال الإمام أحمد رضي الله عنه ms308 : ~~أكثرهم ينهى عن الوضوء بفضل وضوء المرأة ، والقرعة في عتق جماعة في مرض ~~موته وغير ذلك ، وشاع ولم ينكر . وقدم المالكية القياس . وقاله أكثر ~~الحنفية : إن خالف الأصول أو معنى الأصول لا قياس الأصول . وأجازوا الوضوء ~~بالنبيذ سفرا ، وأبطلوه بالقهقهة داخل الصلاة . واحتجت المالكية لتقديمهم ~~القياس باحتمال كذب الراوي وفسقه وكفره وخطئه ، والإجمال في الدلالة ~~والتجوز والإضمار والنسخ مما لا يحتمله القياس . ورد ذلك بأنه بعيد ، ~~وبتطرقه إلى أصل ثبت بخبر الواحد ، وبتقديم PageV02P565 ظاهر الكتاب والسنة ~~المتواترة مع التطرق في الدلالة . قالوا ظنه في الخبر من جهة غيره ، وفي ~~القياس من جهة نفسه ، وهو بها أوثق . رد ذلك بأن الخطأ إليه أقرب من الخطإ ~~في الخبر ، والخبر مستند إلى المعصوم . ويصير ضروريا بضم أخبار إليه ، ولا ~~يفتقر إلى قياس ولا إجماع كما في لبن المصراة . وهو أصل بنفسه ، أو مستثنى ~~للمصلحة ، وقطع النزاع لاختلاطه . واعترض بمثل قول ابن عباس لأبي هريرة - ~~وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم { توضئوا مما مست النار } فقال { ~~أفنتوضأ من PageV02P566 الحميم } أي من الماء الحار . فقال أبو هريرة ' يا ~~ابن أخي إذا سمعت حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا تضرب له مثلا ' ~~رواه الترمذي . وابن ماجه . رد بأن ذلك استبعاد لمخالفته الظاهر . وفي ~~الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما { أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من ~~كتف شاة . وصلى ولم يتوضأ } وأيضا خبر معاذ سبق في أن الإجماع حجة ، ولأن ~~الخبر أقوى في غلبة الظن ؛ لأنه يجتهد فيه في العدالة والدلالة ، ويجتهد في ~~القياس في ثبوت حكم الأصل ، وكونه معللا وصلاحية PageV02P567 الوصف للتعليل ~~، ووجوده في الفروع ، ونفي المعارض في الأصل والفرع . ولما تعارضت الأدلة ~~عند ابن الباقلاني : توقف في المسألة . وعند أبي الحسين : إن كانت العلة ~~بنص قطعي فالقياس كالنص على حكمها ، وإن كان الأصل مقطوعا به فقط . ~~فالاجتهاد والترجيح . وعند صاحب المحصول يقدم الخبر ما لم توجب الضرورة ~~تركه . كخبر المصراة لمعارضته الإجماع في ضمان المثل أو القيمة . | وعند ms309 ~~الآمدي ومن وافقه إن ثبتت العلة بنص راجح على الخبر ، وهي قطعية في الفرع ~~فالقياس ، أو ظنية فالوقف . وإلا فالخبر . ومعنى كلام جماعة من أصحابنا ~~يقتضيه PageV02P568 ( ويعمل ب ) الحديث ( الضعيف في الفضائل ) عند الإمام ~~أحمد رضي الله عنه والموفق والأكثر قال أحمد : إذا روينا عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الحلال والحرام شددنا في الأسانيد . وإذا روينا عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في فضائل الأعمال ، وما لا يضع حكما ولا يرفعه تساهلنا في ~~الأسانيد . واستحب الإمام أحمد الاجتماع ليلة العيد في رواية . فدل على ~~العمل به لو كان شعارا . وفي المغني في صلاة التسبيح : الفضائل لا يشترط ~~لها صحة الخبر ، واستحبها جماعة ليلة العيد . فدل على التفرقة بين الشعار ~~وغيره . قاله ابن مفلح في أصوله . وعن أحمد رواية أخرى . لا يعمل بالحديث ~~الضعيف في الفضائل . ولهذا لم يستحب صلاة التسبيح لضعف خبرها عنده ، مع أنه ~~خبر مشهور عمل PageV02P569 به وصححه غير واحد من الأئمة . ولم يستحب أيضا ~~التيمم بضربتين على الصحيح عنه ، مع أن فيه أخبارا وآثارا ، وغير ذلك من ~~مسائل الفروع . PageV02P570 قال بعض أصحابنا : يعمل به في الترغيب والترهيب ~~، لا في إثبات مستحب ولا غيره . قال الشيخ تقي الدين عن قول أحمد وقول ~~العلماء في الحديث الضعيف في فضائل الأعمال . قال العمل به بمعنى أن النفس ~~ترجو ذلك الثواب ، وتخاف ذلك العقاب . ومثال ذلك : الترغيب والترهيب ~~بالإسرائيليات والمنامات وكلمات السلف والعلماء ووقائع العالم ، ونحو ذلك ~~مما لا يجوز بمجرده إثبات حكم شرعي ، لا استحباب ولا غيره . لكن يجوز أن ~~يدخل في الترغيب والترهيب فيما علم حسنه أو قبحه بأدلة الشرع . فإن ذلك ~~ينفع ولا يضر ، وسواء كان ذلك في نفس الأمر حقا أو باطلا . وقال في شرح ~~العمدة في التيمم بضربتين : والعمل بالضعاف إنما يسوغ في عمل قد علم أنه ~~مشروع في الجملة . فإذا رغب في بعض أنواعه بحديث ضعيف عمل به . أما ، إثبات ~~سنة فلا . ونقل الجماعة عن أحمد أنه كان يكتب حديث الرجل الضعيف ، كابن ms310 ~~PageV02P571 لهيعة وجابر الجعفي وابن أبي مريم . فيقال له . فيقول أعرفه ~~أعتبر به ، كأني أستدل به مع غيره ، لا أنه حجة إذا انفرد . ويقول : يقوي ~~بعضها بعضا . ويقول : الحديث عن الجعفي قد يحتاج إليه في وقت . وقال : كنت ~~لا أكتب حديث جابر الجعفي ، ثم كتبته أعتبر به . وقال أيضا : ما أعجب أمر ~~الفقهاء في ذلك . ويزيد بن هارون من أعجبهم ، يكتب عن PageV02P572 الرجل مع ~~علمه بضعفه . وفي جامع القاضي : أن الحديث الضعيف لا يحتج به في المآثم ~~وقال الخلال : مذهبه - يعني : الإمام أحمد - أن الحديث الضعيف إذا لم يكن ~~له معارض قال به . وقال في كفارة وطء الحائض : مذهبه في الأحاديث ، إن كانت ~~مضطربة ولم يكن لها معارض قال بها . وقال أحمد في رواية عبد الله : طريقي ~~لست أخالف ما ضعف من الحديث إذا لم يكن في الباب ما يدفعه . PageV02P573 # | ( فصل ) # ( المرسل ) في اصطلاح الفقهاء هو ( قول غير صحابي في كل عصر : قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم ) وهو قول أصحابنا والكرخي والجرجاني وبعض الشافعية ~~والمحدثين . وخصه أكثر المحدثين وكثير من الأصوليين بالتابعي ، سواء كان من ~~كبارهم ، وهو من لقي جماعة كثيرة من الصحابة ، كعبيد الله بن عدي بن الخيار ~~وكسعيد بن المسيب ، وعلقمة بن قيس النخعي ، PageV02P574 وكأبي مسلم ~~الخولاني حكيم هذه الأمة ، وكمسروق ، وكعب الأحبار وأشباههم . أو من صغارهم ~~، وهو من لم يلق من الصحابة إلا القليل . كيحيى بن سعيد الأنصاري وأبي حازم ~~وابن شهاب لقي عشرة من الصحابة . PageV02P575 وقيل : ما كان من صغار ~~التابعين . | لا يسمى مرسلا ، بل منقطعا لكثرة الوسائط لغلبة روايتهم عن ~~التابعين . وقيل : يسمى مرسلا إذا سقط من الإسناد واحد أو أكثر ، سواء ~~الصحابي وغيره . فيتحد مع المسمى بالمنقطع بالمعنى الأعم . قال ابن الصلاح ~~: ففي الفقه وأصوله : أن كل ذلك يسمى مرسلا قال وإليه ذهب من أهل الحديث ~~أبو بكر الخطيب وقطع به إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال : ~~ما رواه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم وما رواه تابع التابعي ~~فيسمونه ms311 معضلا انتهى . وعلى هذا : لو سقط بين الراويين أكثر من واحد فإنه ~~يسمى معضلا أيضا ( وهو ) أي المرسل ( حجة كمراسيل الصحابة ) عند أحمد ~~وأصحابه ، والحنفية والمالكية والمعتزلة . وحكاه الرازي في المحصول عن ~~الجمهور . PageV02P576 واختاره الآمدي وغيره . وذكر محمد بن جرير الطبري أن ~~التابعين أجمعوا بأسرهم على قبول المراسيل ، ولم يأت عن أحد إنكارها إلى ~~رأس المائتين . وكذا قال أبو الوليد الباجي : إنكار كونه حجة بدعة حدثت بعد ~~المائتين . وذلك لقبولهم مراسيل الأئمة من غير نكير وعن الإمام أحمد رضي ~~الله عنه رواية ثانية : أن المرسل ليس بحجة . قال ابن عبد البر : هو قول ~~أهل الحديث . PageV02P577 قال ابن الصلاح : هو المذهب الذي استقر عليه رأي ~~أهل الحديث ، ونقاد الأثر ، كما قال الخطيب في الكفاية . وحكاه مسلم عن أهل ~~العلم بالأخبار . وهذا وإن قاله مسلم على لسان غيره ، لكن أقره . واحتجوا ~~بأن فيه جهلا بعين الراوي وضعفه . وقال الشافعي وأتباعه : إن كان من كبار ~~التابعين ، ولم يرسل إلا عن عذر ، وأسنده غيره أو أرسله ، وشيوخهما مختلفة ~~أو عضده عمل صحابي ، أو الأكثر أو قياس ، أو انتشار ، أو عمل العصر : قبل ، ~~وإلا فلا PageV02P578 ( ويشمل ) اسم المرسل ما سموه ( معضلا و ) ما سموه ( ~~منقطعا ) قد تقدم أن أهل الحديث سموا ما رواه تابع التابعي وما سقط بين ~~راوييه أكثر من واحد معضلا . وقال القاضي وكثير من الفقهاء وغيرهم لو انقطع ~~في الإسناد واحد ، كرواية تابع التابعي عن صحابي . فهو مرسل ، والأشهر عند ~~المحدثين : أنه منقطع . اه . PageV02P579 وقال بعض المحدثين : من روى عمن ~~لم يلقه ووقفه عليه فمرسل أو منقطع ، ويسمى موقوفا ، والمنقطع سقوط راو ~~فأكثر ممن هو دون الصحابي . والانقطاع إما في الحديث أو الإسناد ، على ما ~~يؤخذ من كلامهم من الإطلاقين ؛ إذ مرة يقولون في الحديث : منقطع ، ومرة في ~~الإسناد منقطع . فالمنقطع بهذا الاعتبار أخص من مطلق المنقطع المقابل ~~للمتصل الذي هو مورد التقسيم . فإن كان الساقط أكثر من واحد باعتبار طبقتين ~~فصاعدا ، إن كان في موضع واحد سمي معضلا ، وإن كان في ms312 موضعين سمي منقطعا من ~~موضعين . إذا علم ذلك فإذا روى عمن لم يلقه ، فهو مرسل من حيث كونه انقطع ~~بينه وبين من روى عنه ، كما تقدم في المسألة التي قبلها على رأي القاضي ~~وكثير من الفقهاء ، ومنقطع على رأي المحدثين ، كما تقدم عنهم في أصل المرسل ~~. وموقوف لكونه وقفه على شخص . فهو بهذه الاعتبارات له ثلاث PageV02P580 ~~صفات . يسمى مرسلا باعتبار ، ومنقطعا على رأي المحدثين ، وموقوفا باعتبار ~~كونه وقفه على شخص . وأما مرسل الصحابة : فحجية غير الصحابة مقيسة على حجية ~~مرسلهم ، وعلى حجية مرسل الصحابة أكثر العلماء ؛ لأن روايتهم عن الصحابة ، ~~والجهالة بالصحابي غير قادحة لأنهم كلهم عدول . وهذا في الغالب وإلا فقد ~~يروى عن التابعي . وأما صغار الصحابة - كمحمد بن أبي بكر . فإنه ولد قبل ~~وفاة PageV02P581 النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشهر وأيام - فإن ~~مراسيلهم كمراسيل كبار التابعين ، لا من قبيل مراسيل الصحابة . وهذا مما ~~يلغز به . فيقال : صحابي حديثه مرسل لا يقبله من يقبل مراسيل الصحابة . | [ ~~انتهى المجلد الثاني من ' شرح الكوكب المنير ' ، وبه يتم نصف الكتاب ، ~~ويليه - إن شاء الله تعالى - المجلد الثالث . وأوله ' باب الأمر ' ] | [ ~~والحمد لله رب العالمين ] PageV02P582 بسم الله الرحمن الرحيم # | ( باب ) # ( الأمر حقيقة في القول المخصوص ) لما كان مما يشترك فيه الكتاب والسنة ~~والإجماع : السند ، والمتن . وتقدم الكلام على السند أخذ في الكلام على ~~المتن ، ولما كان المتن منه أمر ونهي وعام وخاص ومطلق ومقيد ومجمل ومبين ~~وظاهر ومؤول ومنطوق ومفهوم . بدأ من ذلك بالأمر ثم بالنهي ، لانقسام الكلام ~~إليهما بالذات ، لا باعتبار الدلالة والمدلول . فالأمر لا يعني به مسماه ، ~~كما هو المتعارف في الأخبار عن الألفاظ : أن يلفظ بها والمراد مسمياتها ، ~~بل لفظة الأمر هو أمر ، كما يقال : زيد مبتدأ ، وضرب فعل ماض ، وفي حرف جر ~~. ولهذا قلنا : إنه حقيقة في القول المخصوص . وهذا بالاتفاق PageV03P005 ( ~~و ) هو أيضا ( نوع من ) أنواع ( الكلام ) لأن الكلام هو الألفاظ الدالة ~~بالإسناد على إفادة معانيها . فنوع منه يكون من الأسماء فقط ، ونوع من ~~الفعل الماضي وفاعله ms313 ، ونوع من الفعل المضارع وفاعله ، ونوع من فعل الأمر ~~وفاعله ثم الأمر قد يطلق ويراد به الفعل ولكن على سبيل المجاز عند الإمام ~~أحمد رضي الله تعالى عنه وأصحابه وأكثر العلماء . وإلى ذلك أشير بقوله ( ~~ومجاز في الفعل ) ومنه قوله تعالى { وشاورهم في الأمر } أي في الفعل ~~PageV03P006 ونحوه . وقوله تعالى { أتعجبين من أمر الله } وقوله تعالى { ~~حتى إذا جاء أمرنا } ويطلق أيضا ويراد به الشأن . ومنه قوله تعالى { وما ~~أمر فرعون برشيد } أي : شأنه ، والمعنى الذي هو مباشر له . وقال ابن قاضي ~~الجبل كقوله تعالى { إنما قولنا لشيء إذا أردناه } ويطلق أيضا ويراد به ~~الصفة ، نحو قول الشاعر لأمر ما يسود من يسود أي بصفة من صفات الكمال ، ~~PageV03P007 ويطلق ويراد به الشيء كقولهم : تحرك الجسم لأمر ، أي لشيء . ~~ويطلق أيضا على الطريقة بمعنى الشأن وعلى القصد والمقصود وقيل إن الأمر ~~مشترك بين الفعل والقول بالاشتراك اللفظي لأنه أطلق عليهما وقيل متواط فهو ~~للقدر المشترك بينهما من باب التواطؤ دفعا للاشتراك والمجاز وقال القاضي في ~~' الكفاية ' إن الأمر مشترك بين القول والشأن والطريقة ونحوه . PageV03P008 ~~قال الشيخ عبد الحليم والد الشيخ تقي الدين : ' هذا هو الصحيح لمن أنصف ' . ~~انتهى . واستدل للمذهب الصحيح - وهو كون الأمر مجازا في غير القول المخصوص ~~- بأن القول يسبق إلى الفهم عند الإطلاق ، ولو كان متواطئا لم يفهم منه ~~الأخص ؛ لأن الأعم لا يدل على الأخص ، وبأنه لو كان حقيقة في الفعل لزم ~~الاشتراك ، والاطراد ؛ لأنه من لوازم الحقيقة ، ولا يقال للآكل آمر ، ولا ~~يشتق له منه أمر ، ولا مانع PageV03P009 ولاتحد جمعاهما ، ولوصف بكونه ~~مطاعا ومخالفا ، ولما صح نفيه ( و ) أما ( حده ) أي حد الأمر في الاصطلاح ~~فهو ( اقتضاء ) مستعل ممن دونه فعلا بقول ( أو استدعاء مستعل ) أي على جهة ~~الاستعلاء ( ممن ) أي من شخص ( دونه فعلا ) معمول استدعاء ( بقول ) متعلق ~~باستدعاء . PageV03P010 فعلى هذا يعتبر الاستعلاء . وهو قول أبي الخطاب ~~والموفق وأبي محمد الجوزي والطوفي وابن مفلح وابن قاضي الجبل وابن برهان في ~~الأوسط والفخر الرازي والآمدي وغيرهم ms314 وأبي الحسين من المعتزلة . وصححه ابن ~~الحاجب وغيره . قال في شرح التحرير : واعتبر أكثر أصحابنا ، منهم القاضي ~~وابن عقيل وابن البناء والفخر إسماعيل والمجد بن تيمية وابن حمدان وغيرهم ، ~~ونسبه ابن عقيل في الواضح إلى المحققين ، وأبو الطيب الطبري وأبو إسحاق ~~الشيرازي PageV03P011 والمعتزلة : العلو . فأمر المساوي لغيره يسمى عندهم ~~التماسا ، والأدون سؤالا . واعتبر الاستعلاء والعلو معا ابن القشيري ~~والقاضي عبد الوهاب المالكي . وقال بعض الشافعية : لا تشترط الرتبة . فتلخص ~~في المسألة أربعة أقوال : الاستعلاء ، والعلو معا . والثاني : عكسه . ~~والثالث : اعتبار الاستعلاء فقط . والرابع : اعتبار العلو فقط ( وتعتبر ~~إرادة النطق بالصيغة ) PageV03P012 قال ابن برهان : بلا خلاف ، حتى لا يرد ~~نحو : نائم وساه . قال ابن عقيل وغيره : اتفقنا أن إرادة النطق معتبرة . ~~وإلا فليس طلبا واقتضاء واستدعاء . واختلف الناس : هل هو كلام ؟ فنفاه ~~المحققون ، فقوم لقيام الكلام بالنفس ، وقوم لعدم إرادته . وعندنا لأنه ~~مدفوع إليه . كخروج حرف من غلبة عطاس ونحوه ( وتدل ) الصيغة ( بمجردها عليه ~~) أي على الأمر ( لغة ) أي عند أهل اللغة . قال ابن قاضي الجبل : هو قول ~~الأئمة الأربعة والأوزاعي وجماعة من أهل العلم . وبه يقول البلخي ~~PageV03P013 من المعتزلة . وقال ابن عقيل : الصيغة الأمر . فمنع أن يقال ~~للأمر صيغة أو أن يقال : هي دالة عليه ، بل الصيغة نفسها هي الأمر ، والشيء ~~لا يدل على نفسه ، وإنما يصح عند المعتزلة : الأمر الإرادة ، والأشعرية : ~~الأمر معنى في النفس وكذا قال أبو المعالي الجويني : صيغة الأمر . كقولك : ~~ذات الشيء ونفسه ، وقال بعض أصحابنا : قولهم للأمر صيغة صحيح ، لأن الأمر ~~اللفظ والمعنى ، فاللفظ دل على التركيب ، وليس هو عين المدلول ، ولأن اللفظ ~~دل على صيغته التي هي الأمر به ، كما يقال : يدل على كونه أمرا ، ولم يقل ~~على PageV03P014 الأمر . وقال القاضي : الأمر يدل على طلب الفعل واستدعائه ~~، فجعله مدلول الأمر لا عين الأمر . و ( لا ) يشترط في الأمر ( إرادة الفعل ~~) عند جماهير العلماء ، خلافا للمعتزلة ؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمر ~~إبراهيم بذبح ابنه ، ولم يرده منه ، وأمر إبليس بالسجود ولم يرده منه ، ولو ~~أراده ms315 لوقع ؛ لأنه فعال لما يريد ، ولأن الله تعالى أمر أن ترد الأمانات ~~إلى أهلها ثم إنه لو قال : والله لأؤدين إليك أمانتك غدا إن شاء الله تعالى ~~ولم يفعل لم يحنث ولو كان مراد الله لوجب أن يحنث . ولا حنث بالإجماع ، ~~خلافا لمن حنثه كالجبائي . PageV03P015 وخرق الإجماع ، قال الشيخ الموفق ~~والطوفي وغيرهما من الأصحاب : لنا على أن الأمر لا يشترط له إرادة : إجماع ~~أهل اللغة على عدم اشتراطها . قالوا : الصيغة مستعملة فيما سبق من المعاني ~~. فلا تتعين للأمر إلا بالإرادة . إذ ليست أمرا لذاتها ولا لتجردها عن ~~القرائن ، قلنا : استعمالها في غير الأمر مجاز ، فهي بإطلاقها له . ثم ~~الأمر والإرادة ينفكان كمن يأمر ولا يريد ، أو يريد ولا يأمر . فلا ~~يتلازمان ، وإلا اجتمع النقيضان ( والاستعلاء ) طلب ( بغلظة . والعلو : كون ~~الطالب أعلى رتبة ) PageV03P016 قال القرافي في التنقيح : الاستعلاء هيئة ~~في الأمر من الترفع أو إظهار الأمر ، والعلو يرجع إلى هيئة الآمر من شرفه ~~وعلو منزلته بالنسبة إلى المأمور انتهى . قال البرماوي : والمراد بالعلو أن ~~يكون الآمر في نفسه عاليا ، أي أعلى درجة من المأمور ، والاستعلاء أن يجعل ~~الآمر نفسه عاليا بكبرياء أو غير ذلك ، سواء كان في نفس الأمر كذلك أو لا ، ~~فالعلو من الصفات العارضة للآمر ، والاستعلاء من صفة صيغة الأمر وهيئة نطقه ~~مثلا . قال ابن العراقي : فالعلو صفة للمتكلم ، والاستعلاء صفة للكلام . ( ~~وترد صيغة افعل ) لمعان كثيرة . أحدها كونها ( لوجوب ) نحو قوله تعالى { ~~أقم الصلاة لدلوك الشمس } وقوله صلى الله عليه وسلم { صلوا كما رأيتموني ~~أصلي } ( و ) الثاني : ل ( ندب ) نحو قوله تعالى { فكاتبوهم إن علمتم فيهم ~~PageV03P017 خيرا } فإنه للندب على الأصح من مذهب الإمام أحمد وجماعة من ~~العلماء ، وعند داود الظاهري وجمع : أنه للوجوب . وقال في شرح التحرير : ~~حمل الآية على الوجوب هو الصحيح من مذهب أحمد وأصحابه ، مع قوله في كتابه ~~الإنصاف إن كون الكتابة مستحبة لمن علم فيه خير : المذهب بلا ريب ، وذكره ~~عن جماهير الأصحاب ، فليعاود ذلك من أراده ( و ) الثالث : كونها بمعنى ( ~~إباحة ) نحو ms316 قوله تعالى { وإذا حللتم فاصطادوا } وقوله تعالى { فإذا قضيت ~~الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله } PageV03P018 واعلم أن ~~الإباحة إنما تستفاد من خارج . فلهذه القرينة يحمل الأمر عليها مجازا ~~بعلاقة المشابهة المعنوية . لأن كلا منهما مأذون فيه PageV03P019 ( و ) ~~الرابع : كونها بمعنى ( إرشاد ) نحو قوله سبحانه وتعالى { واستشهدوا شهيدين ~~من رجالكم } وقوله تعالى { وأشهدوا إذا تبايعتم } وقوله تعالى { إذا ~~تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } والضابط في الإرشاد : أنه يرجع إلى ~~مصالح الدنيا ، بخلاف الندب ، فإنه يرجع إلى مصالح الآخرة ، وأيضا : ~~الإرشاد لا ثواب فيه ، والندب فيه الثواب ( و ) الخامس : كونها بمعنى ( إذن ~~) نحو قول من بداخل مكان للمستأذن عليه : ادخل ، ومنهم من يدخل هذا في قسم ~~الإباحة . وقد يقال : الإباحة إنما تكون من صيغ الشرع الذي له الإباحة ~~والتحريم ، وإنما الإذن يعلم بأن الشرع أباح دخول ملك ذلك الآذن مثلا ، ~~فتغايرا PageV03P020 ( و ) السادس : كونها بمعنى ( تأديب ) نحو قوله صلى ~~الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة في حال صغره { يا غلام : سم الله وكل ~~بيمينك وكل مما يليك } متفق عليه . ومنهم من يدخل ذلك في قسم الندب . منهم ~~البيضاوي . ومنهم من قال : يقرب من الندب ، PageV03P021 وهو يدل على ~~المغايرة . والظاهر . أن بينهما عموما وخصوصا من وجه ؛ لأن الأدب متعلق ~~بمحاسن الأخلاق ، وذلك أعم من أن يكون من مكلف ، أو غيره ؛ لأن عمر كان ~~صغيرا . والندب مختص بالمكلفين ، وأعم من أن يكون من محاسن الأخلاق وغيرها ~~( و ) السابع : كونها بمعنى ( امتنان ) نحو قوله تعالى { وكلوا مما رزقكم ~~الله } وسماه أبو المعالي : الإنعام . والفرق بينه وبين الإباحة : أن ~~الإباحة مجرد إذن ، والامتنان لا بد فيه من اقتران حاجة الخلق لذلك وعدم ~~قدرتهم عليه ، والعلاقة بين الامتنان والوجوب : المشابهة في الإذن إذ ~~الممنون لا يكون إلا مأذونا فيه PageV03P022 ( و ) الثامن : كونها بمعنى ( ~~إكرام ) نحو قوله تعالى { ادخلوها بسلام آمنين } فإن قرينة بسلام آمنين يدل ~~على الإكرام ( و ) التاسع : كونها بمعنى ( جزاء ) نحو قوله تعالى { ادخلوا ~~الجنة بما كنتم تعملون } ( و ) العاشر : كونها ms317 بمعنى ( وعد ) نحو قوله ~~تعالى { وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون } { وقوله صلى الله عليه وسلم ~~لبني تميم أبشروا } وقد يقال بدخول ذلك في الامتنان . فإن بشرى العبد منة ~~عليه ( و ) الحادي عشر : كونها بمعنى ( تهديد ) نحو قوله تعالى { اعملوا ~~PageV03P023 ما شئتم } وقوله تعالى { واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب ~~عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم } ( و ) الثاني عشر : ~~كونها بمعنى ( إنذار ) نحو قوله تعالى { قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار } ~~وقد جعله قوم قسما من التهديد ، وهو ظاهر البيضاوي ، والصواب المغايرة . ~~والفرق : أن التهديد هو التخويف ، والإنذار : إبلاغ المخوف . كما فسره ~~الجوهري بهما . PageV03P024 وقيل : الإنذار يجب أن يكون مقرونا بالوعيد ~~كالآية والتهديد لا يجب فيه ذلك ، بل قد يكون مقرونا وقد لا يكون مقرونا ~~وقيل : التهديد عرفا أبلغ في الوعيد والغضب من الإنذار ( و ) الثالث عشر : ~~كونها بمعنى ( تحسير ) وتلهيف ، نحو قوله تعالى { قل موتوا بغيظكم } ومثله ~~قوله تعالى { اخسئوا فيها ولا تكلمون } حكاه ابن فارس ( و ) الرابع عشر : ~~كونها بمعنى ( تسخير ) نحو قوله تعالى { كونوا قردة خاسئين } والمراد ~~بالتسخير هنا : السخرية بالمخاطب به ، لا بمعنى التكوين ، كما قاله بعضهم ( ~~و ) الخامس عشر : كونها بمعنى ( تعجيز ) نحو قوله تعالى PageV03P025 { ~~فأتوا بسورة من مثله } والعلاقة بينه وبين الوجوب المضادة ؛ لأن التعجيز ~~إنما هو في الممتنعات ، والإيجاب في الممكنات . ومثله قوله تعالى { فليأتوا ~~بحديث مثله } ومثله بعضهم بقوله تعالى { قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا ~~مما يكبر في صدوركم } والفرق بين التعجيز والتسخير : أن التسخير نوع من ~~التكوين فمعنى { كونوا قردة } انقلبوا إليها . وأما التعجيز : فإلزامهم أن ~~ينقلبوا ، وهم لا يقدرون أن ينقلبوا . قال ابن عطية في تفسيره : في التمسك ~~بهذا نظر . وإنما التعجيز حيث يقتضي الأمر فعل ما لا يقدر عليه المخاطب نحو ~~قوله تعالى { فادرءوا عن أنفسكم الموت } ( و ) السادس عشر : كونها بمعنى ( ~~إهانة ) نحو قوله تعالى { ذق إنك أنت العزيز الكريم } ومنهم من يسميه ~~التهكم . PageV03P026 وضابطه : أن يؤتى بلفظ ظاهره الخير والكرامة ، ~~والمراد ضده ، ويمثل بقوله ms318 تعالى { وأجلب عليهم بخيلك ورجلك } والعلاقة ~~أيضا فيهما المضادة ( و ) السابع عشر : كونها بمعنى ( احتقار ) نحو قوله ~~تعالى في قصة موسى عليه السلام يخاطب السحرة { ألقوا ما أنتم ملقون } إذ ~~أمرهم في مقابلة المعجزة حقير ، وهو مما أورده البيضاوي ، والفرق بينه وبين ~~الإهانة : أن الإهانة إما بقول أو فعل أو تقرير . كترك إجابته أو نحو ذلك ، ~~لا بمجرد اعتقاد . والاحتقار : قد يكون بمجرد الاعتقاد . فلهذا يقال في مثل ~~ذلك : احتقره ، ولا يقال : أهانه ( و ) الثامن عشر : كونها بمعنى ( تسوية ) ~~نحو قوله تعالى { فاصبروا أو لا تصبروا } بعد قوله تعالى { اصلوها } أي هذه ~~PageV03P027 التصلية لكم ، سواء صبرتم أو لا . فالحالتان سواء ، والعلاقة ~~المضادة . لأن التسوية بين الفعل والترك مضادة لوجوب الفعل . ومنه قوله صلى ~~الله عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه { فاختص على ذلك أو ذر } رواه ~~البخاري ( و ) التاسع عشر : كونها بمعنى ( دعاء ) نحو قوله تعالى { ربنا ~~اغفر لي ولوالدي } { ربنا اغفر لنا ذنوبنا } وكله طلب أن يعطيهم ذلك على ~~وجه التفضل والإحسان . والعلاقة بينه وبين الإيجاب طلب أن يقع ذلك لا محالة ~~( و ) العشرون : كونها بمعنى ( تمن ) كقول PageV03P028 امرئ القيس ألا أيها ~~الليل الطويل ألا انجلي وإنما حمل على التمني دون الترجي ؛ لأنه أبلغ . ~~لأنه نزل ليله لطوله منزلة المستحيل انجلاؤه . كما قال الآخر وليل المحب ~~بلا آخر قال بعضهم ؛ والأحسن تمثيل هذا كما مثله ابن فارس لشخص تراه : كن ~~فلانا . وفي الحديث : { قول النبي صلى الله عليه وسلم وهو على طريق تبوك كن ~~أبا ذر ورأى آخر فقال : PageV03P029 كن أبا خيثمة } لأن امرأ القيس قد يدعي ~~استفادة التمني منه من ' ألا ' لا من صيغة افعل ، بخلاف هذا المثال . وقد ~~يقال : إن ' ألا ' قرينة إرادة التمني بافعل ، وأما ' كن فلانا ' فليس أن ~~يكون إياه ، بل الجزم به ، وأن ينبغي أن يكون ذلك فلما احتمل أن هذا في ~~المثالين . ذكرتهما ( و ) الحادي والعشرون : كونها بمعنى ( كمال القدرة ) ~~نحو قوله تعالى { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن ms319 فيكون } هكذا ~~سماه الغزالي والآمدي ، PageV03P030 وبعضهم عبر عنه بالتكوين ، وسماه ~~القفال وأبو المعالي وأبو إسحاق الشيرازي : التسخير ، فهو تفعيل من ' كان ' ~~بمعنى وجد ، فتكوين الشيء إيجاده من العدم . والله تعالى هو الموجد لكل شيء ~~وخالقه ( و ) الثاني والعشرون : كونها بمعنى ( خبر ) نحو قوله تعالى { ~~فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا } وقوله تعالى { فليمدد له الرحمن مدا } ~~وقوله تعالى { ولنحمل خطاياكم } وقوله تعالى { أسمع بهم وأبصر } ومنه على ~~رأي { إذا لم تستح فاصنع ما شئت } PageV03P031 وذلك لأنه لما جاء الخبر ~~بمعنى الأمر في قوله تعالى { والوالدات يرضعن } وقوله تعالى { والمطلقات ~~يتربصن } جاء الأمر بمعنى الخبر ، والخبر وكذا جاء الخبر بمعنى النهي ، كما ~~في حديث رواه ابن ماجه بسند جيد : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { لا ~~تزوج المرأة المرأة ، ولا تزوج المرأة نفسها } بالرفع ؛ إذ لو كان نهيا ~~لجزم ، فيكسر لالتقاء الساكنين . قال أرباب المعاني : وهو أبلغ من صريح ~~الأمر والنهي ؛ لأن المتكلم لشدة طلبه نزل المطلوب بمنزلة الواقع لا محالة ~~، ومن هنا تعرف العلاقة في إطلاق الخبر بمعنى الأمر والنهي ( و ) الثالث ~~والعشرون : كونها بمعنى ( تفويض ) نحو قوله تعالى { فاقض ما أنت قاض } ذكره ~~أبو المعالي . PageV03P032 ويسمى أيضا : التحكيم . وسماه ابن فارس والعبادي ~~: التسليم ، وسماه نصر بن محمد المروذي : الاستبسال . وقال : أعلموه أنهم ~~قد استعدوا له بالصبر ، وأنهم غير تاركين لدينهم ، وأنهم يستقلون ما هو ~~فاعل في جنب ما يتوقعونه من ثواب الله سبحانه وتعالى . قال : ومنه قول نوح ~~عليه السلام { فأجمعوا أمركم } أخبرهم بهوانهم ( و ) الرابع والعشرون : ~~كونها بمعنى ( تكذيب ) نحو قوله تعالى PageV03P033 { قل فأتوا بالتوراة ~~فاتلوها إن كنتم صادقين } ومنه قوله تعالى { فأتوا بسورة من مثله } { قل ~~هلم شهداءكم الذين يشهدون } ( و ) الخامس والعشرون : كونها بمعنى ( مشورة ) ~~نحو قوله تعالى { فانظر ماذا ترى } في قول إبراهيم لابنه إسماعيل عليهما ~~الصلاة والسلام إشارة إلى مشاورته في هذا الأمر . وهو قوله { يا بني إني ~~أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى } ذكره العبادي ( و ) السادس ~~والعشرون : كونها بمعنى ( اعتبار ) نحو ms320 قوله تعالى { انظروا إلى ثمره إذا ~~أثمر وينعه } فإن في ذلك عبرة لمن يعتبر ( و ) السابع والعشرون : كونها ~~بمعنى ( تعجب ) نحو قوله تعالى { انظر كيف ضربوا لك الأمثال } قاله الفارسي ~~. ومثله الهندي بقوله PageV03P034 تعالى { كونوا حجارة أو حديدا } وتقدم أن ~~بعضهم مثل به للتعجيز ، وأن ابن عطية قال : فيه نظر . قال البرماوي : وهو ~~الظاهر . فإن التمثيل به للتعجب أوضح ؛ لأن المراد به التعجب ( و ) الثامن ~~والعشرون : كونها بمعنى ( إرادة امتثال أمر آخر ) نحو قوله صلى الله عليه ~~وسلم { كن عبد الله المقتول ، ولا تكن عبد الله القاتل } فإن المقصود ~~الاستسلام والكف عن الفتن . فهذا الذي وقع اختيارنا عليه . وقد ذكر جماعة ~~من العلماء أشياء غير ذلك مما فيه نظر . PageV03P035 فمنها ، وهو التاسع ~~والعشرون : كونها بمعنى ( التخيير ) نحو قوله تعالى { فاحكم بينهم أو أعرض ~~عنهم } ذكره القفال . وقد يقال : نفس صيغة افعل ليس فيها تخيير إلا بانضمام ~~أمر آخر يفيده ، لكن مثل ذلك يأتي في التسوية . ومنها ، وهو الثلاثون : ~~الاختيار . نحو قوله صلى الله عليه وسلم { فلا يغمس يده في الإناء حتى ~~يغسلها ثلاثا } بدليل { فإنه لا يدري أين باتت يده } قال البرماوي : وهذا ~~داخل تحت الندب . فلا حاجة إلى إفراده . PageV03P036 قال في شرح التحرير ~~قلت : ليس في هذا صيغة أمر ، إنما هو صيغة نهي كما ترى . انتهى . ومنها ، ~~وهو الحادي والثلاثون : الوعيد . نحو قوله تعالى { فمن شاء فليؤمن ومن شاء ~~فليكفر } ولكن هذا من التهديد وقال بعضهم : التهديد أبلغ من الوعيد . ومنها ~~، وهو الثاني والثلاثون : الالتماس . كقولك لنظيرك : افعل . وهذا يأتي على ~~رأي ، وهو وشبهه مما يقل جدواه في دلائل الأحكام . ومنها ، وهو الثالث ~~والثلاثون : التصبر . نحو قوله تعالى { لا تحزن إن الله معنا } { فمهل ~~الكافرين أمهلهم رويدا } { فذرهم يخوضوا ويلعبوا } ذكره القفال . ومنها ، ~~وهو الرابع والثلاثون : قرب المنزلة ، نحو قوله تعالى { ادخلوا الجنة } ~~ذكره بعضهم . ومنها ، وهو الخامس والثلاثون : التحذير والإخبار عما يؤول ~~الأمر PageV03P037 إليه ، نحو قوله تعالى { تمتعوا في داركم ثلاثة أيام } ~~قاله الصيرفي ( وكنهي ) في المعنى ( دع ms321 ، واترك ) وكف ، وأمسك نفسك عن كذا ~~. ونحوه . لما كان من أبعاض ' افعل ' ما يدل على الكف عن الفعل . احتيج إلى ~~التنبيه على إخراجها . ولهذا قال في جمع الجوامع في حد الأمر : إنه اقتضاء ~~فعل غير كف مدلول عليه بغير كف ، أي مدلول على الكف الذي هو المصدر بغير كف ~~الذي هو فعل أمر . فقوله ' اقتضاء فعل ' أي طلب فعل ، وهو جنس يشمل الأمر ~~والنهي ، وتخرج الإباحة وغيرها مما تستعمل منه صيغة الأمر . وليس أمرا ، ~~وقوله ' غير كف ' فصل خرج به النهي . فإنه طلب فعل هو كف . وقوله ' مدلول ~~عليه بغير كف ' صفة لقوله : كف . PageV03P038 # | ( فصل ) # ( الأمر ) في حالة كونه ( مجردا عن قرينة ) ( حقيقة في الوجوب ) عند ~~جمهور العلماء من أرباب المذاهب الأربعة ( شرعا ) أي باقتضاء وضع الشرع . ~~اختاره أبو المعالي الجويني وابن حمدان من أصحابنا ، وهو أحد الأقوال ~~الثلاثة في المسألة . والثاني - واختاره أبو إسحاق الشيرازي ، ونقله أبو ~~المعالي عن الشافعي - أنه باقتضاء وضع اللغة . PageV03P039 والقول الثالث - ~~واختاره بعضهم - أنه باقتضاء الفعل . واستدل للأول بقوله تعالى { فليحذر ~~الذين يخالفون عن أمره } وبقوله تعالى { وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون } ~~ذمهم وذم إبليس على مخالفة الأمر المجرد . لأن السيد لا يلام على عقاب عبده ~~على مخالفة مجرد أمره باتفاق العقلاء ، ودعوى قرينة الوجوب واقتضاء تلك ~~اللغة لغة له دون هذه : غير مسموعة . PageV03P040 وقيل : إن الأمر المجرد ~~عن قرينة حقيقة في الندب . ونقله الغزالي والآمدي عن الشافعي . ونقله أبو ~~حامد عن المعتزلة بأسرها . وروي عن أحمد أنه قال : ما أمر به النبي صلى ~~الله عليه وسلم أسهل مما نهى عنه . فقال جماعة من الأصحاب : لعله لأن ~~الجماعة قالوا : الأمر للندب ، ولا تكرار . والنهي للتحريم والدوام ، لئلا ~~يخالف نصوصه . وأما أبو الخطاب : فإنه أخذ من النص أنه للندب . ووجه هذا ~~القول : أنا نحمل الأمر المطلق على مطلق الرجحان ، ونفيا للعقاب بالاستصحاب ~~، ولأنه اليقين ، ولأن المندوب مأمور به حقيقة . PageV03P041 وقيل : إن ~~الأمر المجرد عن قرينة حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب ، وهو ~~الطلب ms322 . فيكون من المتواطئ . اختاره الماتريدي من الحنفية ، لكن قال : يحكم ~~بالوجوب ظاهرا في حق العمل احتياطا دون الاعتقاد . واستدل لكونه مشتركا بأن ~~الشارع أطلق . والأصل الحقيقة ، ويحسن الاستفهام . والتقييد أفعل واجبا أو ~~ندبا . رد خلاف الأصل . ومنع أصحابنا وغيرهم أنه لا يحسن الاستفهام . وفي ~~المسألة اثنا عشر قولا غير هذه الثلاثة أضربنا عن ذكرها خشية الإطالة وذكر ~~في القواعد الأصولية خمسة عشر قولا PageV03P042 ( و ) يكون الأمر الذي ليس ~~مقيدا بمرة ولا تكرار ( لتكرار حسب الإمكان ) عند الإمام أحمد رضي الله عنه ~~وأكثر أصحابه وأبي إسحاق الإسفراييني قاله الآمدي وجماعة من الفقهاء ~~والمتكلمين ، ونقله الغزالي في المنخول عن أبي حنيفة وحكاه ابن القصار عن ~~مالك . فيجب استيعاب PageV03P043 العمر به ، دون أزمنة قضاء الحاجة والنوم ~~وضروريات الإنسان . وعن أحمد رواية ثانية : لا يقتضي تكرارا إلا بقرينة . ~~ونقله ابن مفلح عن أكثر العلماء والمتكلمين . واختلف اختيار القاضي أبي ~~يعلى PageV03P044 ( و ) يكون الأمر المطلق ل ( فعل المرة ) الواحدة ( ~~بالالتزام ) فعلى كونه لا يقتضي تكرارا يفيد الأمر طلب الماهية من غير ~~إشعار بوحدة ولا بكثرة ، إلا أنه لا يمكن إدخال تلك الماهية في الوجود بأقل ~~من مرة . فصارت المرة من ضروريات الإتيان بالمأمور به ؛ لأن الأمر يدل ~~عليها بطريق الالتزام . وقيل : يقتضي فعل مرة بلفظه ووضعه ( و ) أمر ( معلق ~~بمستحيل ) نحو : صل إن كان زيد متحركا ساكنا ( ليس أمرا ) لأنه كقوله : كن ~~الآن متحركا ساكنا . ذكره ابن عقيل PageV03P045 ( و ) أمر معلق ( بشرط أو ~~صفة ليسا بعلة ) للمأمور به ، كقوله : إذا مضى شهر ، أو إذا هبت ريح ، أو ~~إن سافر زيد ، فأعتق عبدا من عبيدي ، فحصل شيء مما علق عليه الأمر ، وأعتق ~~عبدا من عبيده . فقد امتثل ما أمر به ( ولم يتكرر ) الأمر بعد ذلك ( ~~بتكررهما ) أي : تكرر الشرط الذي ليس بعلة ثابتة ، ولا الصفة التي ليست ~~بعلة ثابتة . وعلم مما تقدم أنه إن كان الشرط علة ثابتة نحو قوله تعالى { ~~وإن كنتم جنبا فاطهروا } أو كانت الصفة علة ثابتة نحو قوله تعالى { والسارق ~~والسارقة فاقطعوا ms323 أيديهما } { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة ~~جلدة } فإن الأمر يتكرر بتكرر ذلك اتفاقا . PageV03P046 قاله ابن الباقلاني ~~في التقريب ، وابن السمعاني والآمدي ، وتبعه ابن الحاجب وابن مفلح وغيرهم . ~~قال في القواعد الأصولية : وكلام أصحابنا يقتضيه . قال ابن مفلح : لاتباع ~~العلة ، لا للأمر . فمعنى هذا التكرير : أنه كلما وجدت العلة وجد الحكم ؛ ~~لأنه إذا وجدت العلة وجد الحكم ، لا أنه إذا وجدت العلة يتكرر الفعل ~~PageV03P047 ( و ) الأمر ( للفور ) سواء قيل : إن الأمر يقتضي التكرار أو ~~لا عند أحمد وأصحابه ، والحنفية والمالكية وبعض الشافعية . PageV03P048 ~~وقال القاضي أبو الحسين منهم : إنه الصحيح من مذهبهم . وإنما جوزنا تأخير ~~الحج بدليل خارج . وقيل : لا يقتضي الفور ، وعلى هذا يجب العزم . وقيل : ~~بالوقف لغة . قاله أكثر الأشعرية ، فإن بادر امتثل PageV03P049 ( وفعل ~~عبادة لم يقيد ) فعلها ( بوقت ) في حالة كون الفعل ( متراخيا ) عن الفور به ~~على القول بها ( أو مقيد به ) أي بوقت ( بعده ) أي بعد الوقت الذي قيد به ( ~~قضاء بالأمر الأول ) لا بأمر جديد في الصورتين . أما في الأولى - وهي ' ما ~~إذا لم يقيد الأمر بوقت وقلنا بالفورية ، وفعله متراخيا - فعند أصحابنا ~~والأكثر . وإن قلنا : الأمر للتراخي فليس بقضاء . وأما في الصورة الثانية - ~~وهي ما إذا كان الأمر مقيدا بوقت وفعله بعده - فإن القضاء فيها أيضا بالأمر ~~الأول . اختاره القاضي والحلواني والموفق وابن حمدان والطوفي وغيرهم . ~~PageV03P050 قال ابن مفلح في فروعه في باب الحيض : ويمنع الحيض الصوم ~~إجماعا ، وتقضيه إجماعا هي وكل معذور بالأمر السابق لا بأمر جديد في الأشهر ~~. | ( والأمر ب ) شيء ( معين نهي عن ضده ) أي ضد ذلك المعين ( معنى ) أي من ~~جهة المعنى ، لا من جهة اللفظ عند أصحابنا والأئمة الثلاثة ، وذكره أبو ~~PageV03P051 الخطاب عن الفقهاء ، وقاله الكعبي وأبو الحسين المعتزلي . | ~~قال القاضي وغيره : بناء على أصلنا : أن مطلق الأمر للفور . وعن باقي ~~المعتزلة : ليس نهيا عن ضده ، بناء على أصلهم في اعتبار إرادة الناهي ، ~~وليست معلومة ، وقطع به النووي في ' الروضة ' في كتاب الطلاق : لأن القائل ~~: اسكن ، قد يكون غافلا ms324 عن ضد السكون ، وهو الحركة ، فليس عينه ، ولا ~~يتضمنه . | وعند الأشعرية : الأمر معنى في النفس ، فقال بعضهم : هو عين ~~النهي عن ضده الوجودي ، وهو قول الأشعري ، قال أبو حامد : بني الأشعري ذلك ~~على أن الأمر لا صيغة له ، وإنما هو معنى قائم بالنفس ، فالأمر عندهم هو ~~نفس النهي من هذا الوجه ، أي فاتصافه بكونه أمرا ونهيا كاتصاف الكون الواحد ~~بكونه قريبا من شيء بعيدا من شيء . PageV03P052 وقال ابن الصباغ وأبو الطيب ~~والشيرازي : إنه ليس عين النهي ، ولكنه يتضمنه ويستلزمه من طريق المعنى ، ~~ونقل هذا عن أكثر الفقهاء ، واختاره الآمدي ، إلا أن يقول بتكليف المحال . ~~| وقال أبو المعالي والغزالي والكيا الهراسي : إنه ليس عين المنهي عن ضده ~~ولا يقتضيه . | وللقاضي أبي بكر الباقلاني الأقوال الثلاثة المتقدمة . | ~~وعند الرازي في ' المحصول ' : يقتضي الكراهة ؛ لأن النهي لما لم يكن مقصودا ~~، سمي اقتضاء ؛ لأنه ضروري ، فيثبت به أقل ما يثبت بالنهي ، وهو الكراهة . ~~PageV03P053 والمراد بالضد هنا الوجودي ، وذلك لأنه هو من لوازم نقيض الشيء ~~المأمور به . | ( وكذا العكس ) يعني أن النهي عن شيء يكون أمرا بضده . | ثم ~~إنه قد يكون للمأمور ضد واحد ، كالأمر بالإيمان فإنه نهي عن الكفر ، وقد ~~يكون للمنهي عنه ضد واحد ، كالنهي عن صوم يوم العيد ، فإنه أمر بفطره . | ~~وقد يكون لكل واحد منهما أضداد ، وهو المشار إليه بقوله : ( ولو تعدد الضد ~~) ، وذلك كالأمر بالقيام ، فإن له أضدادا من قعود وركوع وسجود واضطجاع . ~~PageV03P054 وجه ذلك أن أمر الإيجاب طلب فعل يذم تاركه إجماعا ، ولا ذم إلا ~~على فعل ، وهو الكف عن المأمور به ، أو الضد ، فيسلزم النهي عن ضده ، أو ~~النهي عن الكف عنه . | ورده القائل بأن الأمر بمعين لا يكون نهيا عن ضده ~~بأن الذم على الترك بدليل خارجي عن الأمر ، وإن سلم فالنهي طلب كف عن فعل ، ~~لا عن كف ، وإلا لزم تصور الكف عن الكف لكل أمر ، والواقع خلافه . | وفي ~~هذا الرد نظر ومنع : ولأن المأمور به لا يتم إلا بترك ضده ، فيكون مطلوبا ، ~~وهو معنى النهي ms325 ، والخلاف في كون النهي عن شيء لا يكون أمر بضده ، كالخلاف ~~في كون الأمر بشيء لا يكون نهيا عن ضده ، والصحيح من الخلافين ما في المتن ~~. ( وندب كإيجاب ) يعني أن حكم أمر الندب حكم أمر الإيجاب المتقدم عند ~~القاضي وغيره من أصحابنا والأكثر ، إن قيل : PageV03P055 إن الندب مأمور به ~~حقيقة . وقد تقدم أنه مأمور به حقيقة . قال ابن مفلح في أصوله : وأمر الندب ~~كالإيجاب عند الجميع إن قيل مأمور به حقيقة . وذكره القاضي وغيره . انتهى . ~~وصرح به القاضي أبو بكر الباقلاني في التقريب ، وحمل النهي عن الضد في ~~الوجوب تحريما . وفي النهي تنزيها . قال : وبعض أهل الحق خصص ذلك بأمر ~~الإيجاب لا الندب ، وهو ما حكاه القاضي عبد الوهاب عن الأشعري ( والأمر بعد ~~حظر ، أو ) بعد ( استئذان ، أو ) كان ( بماهية مخصوصة بعد سؤال تعليم ) : ( ~~للإباحة ) في المسائل الثلاث على الصحيح فيهن . والإباحة في الأولى ، وهي ~~الأمر بعد الحظر : حقيقة لتبادرها إلى الذهن في PageV03P056 ذلك ، لغلبة ~~استعماله له فيها حينئذ ، والتبادر علامة الحقيقة . وأيضا فإن النهي يدل ~~على التحريم ، فورود الأمر بعده يكون لرفع التحريم ، وهو المتبادر . ~~فالوجوب أو الندب زيادة لا بد لها من دليل . ومن ذلك في القرآن قوله تعالى ~~{ وإذا حللتم فاصطادوا } { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض } { فإذا ~~تطهرن فأتوهن من حيث PageV03P057 أمركم الله } ومن ذلك في السنة قوله صلى ~~الله عليه وسلم { كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فادخروها } والأصل عدم ~~دليل سوى الحظر . والإجماع حادث بعده صلى الله عليه وسلم . وكقوله لعبده : ~~لا تأكل هذا . ثم يقول له : كله . وذهب القاضي أبو يعلى ، وأبو الطيب ~~الطبري ، وأبو إسحاق الشيرازي ، وابن السمعاني ، والفخر الرازي وأتباعه ، ~~وصدر الشريعة من الحنفية إلى أنه كالأمر PageV03P058 ابتداء . واستدل ~~للوجوب بقوله تعالى { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين } والجواب ~~عن ذلك عند القائل بالإباحة : أن المتبادر غير ذلك . وفي الآية إنما علم ~~بدليل خارجي . وذهب أبو المعالي والغزالي وابن القشيري والآمدي إلى الوقف ~~في الإباحة PageV03P059 والوجوب . لتعارض الأدلة . وقيل : للندب . وأسند ms326 ~~صاحب التلويح إلى سعيد بن جبير : أن الإنسان إذا انصرف من الجمعة ندب له أن ~~يساوم شيئا ، ولو لم يشتره . وذهب الشيخ تقي الدين وجمع إلى أنه لرفع الحظر ~~السابق وإعادة حال الفعل إلى ما كان قبل الحظر . PageV03P060 قال الشيخ تقي ~~الدين : وعليه يخرج { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين } قال ~~الكوراني : هذا الخلاف إنما هو عند انتفاء القرينة ، وأما مع وجودها فيحمل ~~على ما يناسب المقام . انتهى . والمسألة الثانية : وهي كون الأمر بعد ~~الاستئذان للإباحة . قاله القاضي وابن عقيل . وحكاه ابن قاضي الجبل عن ~~الأصحاب . وقال : لا فرق بين الأمر بعد الحظر وبين الأمر بعد الاستئذان . ~~قال في القواعد الأصولية : إذا فرعنا على أن الأمر المجرد للوجوب ، فوجد ~~أمر بعد استئذان ، فإنه لا يقتضي الوجوب ، بل الإباحة . ذكره القاضي محل ~~وفاق . قلت : وكذا ابن عقيل . انتهى . ثم قال : وإطلاق جماعة ظاهره يقتضي ~~الوجوب . منهم الرازي في المحصول ، فإنه جعل الأمر بعد الحظر والاستئذان : ~~الحكم فيهما واحد . PageV03P061 واختار أن الأمر بعد الحظر للوجوب . فكذا ~~بعد الاستئذان عنده انتهى . إذا علم ذلك فلا يستقيم قول القاضي وابن عقيل ~~لما استدلا على نقض الوضوء بلحم الإبل بالحديث الذي في مسلم { لما سئل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من لحوم الإبل ؟ فقال : نعم يتوضأ من ~~لحوم الإبل } ومما يقوي الإشكال : أن في الحديث الأمر بالصلاة في مرابض ~~الغنم وهو بعد سؤال ، ولا يجب بلا خلاف ، ولا يستحب . فإن قلت : إذا كان ~~كذلك فلم يستحبون الوضوء منه ؟ والاستحباب حكم شرعي يفتقر إلى دليل ، ~~وعندهم أن هذا الأمر يقتضي الإباحة ؟ قلت : إذا قيل باستحبابه فلدليل غير ~~هذا الأمر . وهو أن الأكل من لحوم الإبل يورث قوة نارية ، فناسب أن تطفأ ~~بالماء ، كالوضوء عند الغضب ، ولو كان الوضوء من أكل لحوم الإبل واجبا على ~~الأمة ، وكلهم كانوا يأكلون لحم الإبل ، لم يؤخر بيان وجوبه ، حتى يسأله ~~سائل فيجيبه . PageV03P062 فعلم أن الوضوء من لحومها مشروع . وهو حق . ~~والله أعلم . وقد يقال : الحديث إنما ذكر فيه ms327 بيان وجوب ما يتوضأ منه ، ~~بدليل أنه لما سئل عن الوضوء من الغنم ؟ قال { إن شئت فتوضأ ، وإن شئت فلا ~~تتوضأ } مع أن الوضوء من لحوم الغنم مباح . فلما خير في لحم الغنم وأمر ~~بالوضوء من لحم الإبل ، دل على أن الأمر ليس لمجرد الإذن ، بل للطلب الجازم ~~. انتهى . وهذا الثاني هو المعتمد في المذهب والمسألة الثالثة - وهي الأمر ~~بماهية مخصوصة بعد سؤال تعليم . قال في القواعد الأصولية : والأمر بماهية ~~مخصوصة بعد سؤال تعليم ، كالأمر بعد الاستئذان في الأحكام والمعنى . وحينئذ ~~فلا يستقيم استدلال الأصحاب على وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ~~في التشهد الأخير بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له { يا ~~رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك ؟ فقال : قولوا : اللهم ~~صل على محمد وعلى آل محمد } - الحديث - PageV03P063 ' نعم إن ثبت الوجوب من ~~خارج . فيكون هذا الأمر للوجوب ؛ لأنه بيان لكيفية واجبة . والله سبحانه ~~وتعالى أعلم ( ونهي ) عن شيء ( بعد أمر ) به ( للتحريم ) قاله القاضي وأبو ~~الخطاب والحلواني والموفق والطوفي والأكثر . وحكاه الأستاذ أبو إسحاق ~~والباقلاني إجماعا . وقال أبو الفرج المقدسي : للكراهة . قال : وتقدم ~~الوجوب قرينة في أن النهي بعده للكراهة ، وقطع به . وقاله القاضي وأبو ~~الخطاب : PageV03P064 ثم سلما أنه للتحريم ؛ لأنه آكد . وقال في الروضة : ~~هو لإباحة الترك ، كقوله عليه الصلاة والسلام { ولا توضئوا من لحوم الغنم } ~~ثم سلم أنه للتحريم . وقيل : للإباحة . كالقول في مسألة الأمر بعد الحظر . ~~ويدل عليه قوله تعالى { إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني } ووقف أبو ~~المعالي لتعارض الأدلة . وفرق الجمهور بين الأمر بعد الحظر ، والنهي بعد ~~الأمر بوجوه . أحدها : أن مقتضى النهي وهو الترك موافق للأصل ، بخلاف مقتضى ~~الأمر ، وهو الفعل . PageV03P065 الثاني : أن النهي لدفع مفسدة المنهي عنه ~~والأمر لتحصيل مصلحة المأمور به . واعتناء الشارع بدفع المفاسد أشد من جلب ~~المصالح . الثالث : أن القول بالإباحة في الأمر بعد التحريم سببه وروده في ~~القرآن والسنة كثيرا للإباحة . وهذا غير موجود في النهي ms328 بعد الوجوب . انتهى ~~( وكأمر خبر بمعناه ) يعني أن الأمر الذي بلفظ الخبر نحو قوله تعالى { ~~والمطلقات يتربصن } حكمه حكم الأمر الصريح في جميع ما تقدم ؛ لأن الحكم تاج ~~للمعنى الذي دل عليه اللفظ دون صورة اللفظ ، وكذا النهي بلفظ الخبر . ومنه ~~قوله تعالى { لا يمسه إلا المطهرون } واستدل على أنهما كالأمر والنهي ~~الصريح بدخول النسخ فيهما ؛ إذ الأخبار المحضة لا يدخلها النسخ ( وأمر ) من ~~الشارع ( بأمر ) لآخر ( بشيء ليس أمرا به ) أي بذلك الشيء عندنا وعند ~~الأكثر . كقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر عن ابنه عبد الله { مره ~~PageV03P066 فليراجعها } وقوله صلى الله عليه وسلم { مروهم بالصلاة لسبع } ~~وقوله سبحانه وتعالى { وأمر أهلك بالصلاة } لأنه مبلغ لا آمر ، ولأنه لو ~~كان آمرا PageV03P067 لكان قول القائل : مر عبدك بكذا ، مع قول السيد لعبده ~~لا تفعله : أمرين متناقضين ( و ) قوله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم { خذ من أموالهم صدقة } تطهرهم ( ليس ) ذلك ( أمرا لهم بإعطاء ) قال ~~في شرح التحرير : على الصحيح ، ولم يعلله ولم يعزه إلى أحد . وقال بعض ~~العلماء : يجب عليهم الإعطاء من حيث إن الأمر بالأخذ يتوقف عليه فيجب من ~~حيث كونه مقدمة الواجب كالطهارة للصلاة . وإن اختلف الفاعل هنا . فيكون ~~كالأمر لهم ابتداء ( وأمر بصفة ) في فعل ( أمر ب ) الفعل ( الموصوف ) نصا . ~~قال ابن قاضي الجبل ، تبعا للمجد في المسودة : إذا ورد الأمر بهيئة أو ~~PageV03P068 صفة لفعل ، ودل الدليل على استحبابها ، ساغ التمسك به على وجوب ~~أصل الفعل لتضمنه الأمر به لأن مقتضاه وجوبهما . فإذا خولف في الصريح بقي ~~المتضمن على أصل الاقتضاء . ذكره أصحابنا . ونص عليه إمامنا حيث تمسك على ~~وجوب الاستنشاق بالأمر بالمبالغة ، خلافا للحنفية ، بأنه لا يبقى دليلا على ~~وجوب الأصل . حكاه الجرجاني . PageV03P069 قال الشيخ تقي الدين : وحقيقة ~~المسألة : أن مخالفة الظاهر في لفظ الخطاب لا تقتضي مخالفة الظاهر في فحواه ~~، وهو يشبه نسخ اللفظ ، هل يكون نسخا للفحوى ؟ وهكذا يجيء في جميع دلالات ~~الالتزام . وقول المخالف متوجه . وسرها أنه : هل هو بمنزلة أمرين ms329 ، أو أمر ~~بفعلين ، أو أمر بفعل واحد ، ولوازمه جاءت ضرورة ؟ وهو يستمد من الأمر ~~بالشيء ، هل هو نهي عن أضداده ؟ انتهى . قال أبو إسحاق الشيرازي : الأمر ~~بالصفة أمر بالموصوف ويقتضيه ، كالأمر بالطمأنينة في الركوع والسجود يكون ~~أمرا بهما ( وأمر مطلق ببيع ) أي من غير أن يقال : بعه بمائة مثلا ، أو بعه ~~بثمن المثل ( يتناوله ) أي يتناول البيع الصادر من المأمور ( ولو ) وقع ( ~~بغبن فاحش ) قال ابن مفلح في أصوله : إذا أطلق الأمر ، كقوله لوكيله : بع ~~كذا . فعند أصحابنا : يتناول البيع بغبن فاحش ، واعتبر ثمن المثل للعرف ~~PageV03P070 والاحتياط للموكل . وفرقوا أيضا بينه وبين أمره عليه الصلاة ~~والسلام في اعتبار إطلاقه بالتعدية بتعليله ، بخلاف الموكل ( ويصح ) البيع ~~مع الغبن الفاحش ( ويضمن ) الوكيل المأمور بمطلق البيع ( النقص ) قال ابن ~~مفلح : ثم هل يصح العقد ويضمن الوكيل النقص أم لا ، كقول المالكية ~~والشافعية ؟ فيه روايتان عن أحمد . وعند الحنفية : لا يعتبر ثمن المثل . ~~واعتبروه في الوكيل في الشراء . وقال بعض أصحابنا وبعض الشافعية : الأمر ~~بالماهية الكلية إذا أتى بمسماها امتثل ، ولم يتناول اللفظ الجزئيات ولم ~~ينفها ، فهي مما لا يتم الواجب إلا به . انتهى . وقال ابن قاضي الجبل عند ~~ذكره هذه المسألة تنبيه هذا فرد من قاعدة عامة . وهي الدال على الأعم غير ~~دال على الأخص . فإذا قلنا ' جسم ' لا يفهم منه أنه نام . وإذا قلنا ' نام ~~' لا يفهم أنه حيوان . وإذا قلنا ' حيوان PageV03P071 ' لا يفهم أنه إنسان ~~، وإذا قلنا ' إنسان ' لا يفهم أنه زيد . فإن قلنا : إن الكلي قد يحصر نوعه ~~في شخصه كانحصار الشمس في فرد منها . وكذلك القمر ، وكذلك جميع ملوك ~~الأقاليم وقضاة الأصول تنحصر أنواعهم في أشخاصهم . فإذا قلت : صاحب مصر ~~إنما ينصرف الذهن إلى الملك الحاضر في وقت الصيغة . فيكون الأمر بتلك ~~الماهية يتناول الجزئي في جميع هذه الصور . قلت : لم يأت ذلك من قبل اللفظ ~~، بل من جهة أن الواقع كذلك . ومقصود المسألة إنما هو دلالة اللفظ من حيث ~~هو لفظ . انتهى ( والأمران المتعاقبان بلا عطف إن اختلفا ms330 ) كقول القائل ' ~~صل صم ' ونحوهما ( عمل بهما ) أي بالأمرين إجماعا ( وإلا ) أي وإن لم ~~يختلفا ( ولم يقبل ) الأمر ( التكرار ) كقوله : صم يوم الجمعة صم يوم ~~الجمعة . وكقوله : أعتق سالما أعتق سالما . وكقوله : اقتل زيدا . اقتل زيدا ~~( أو قبل التكرار ومنعته ) أي التكرار ( العادة ) PageV03P072 كقوله : ~~اسقني ماء ، اسقني ماء ( أو ) قبل التكرار و ( عرف ثان ) من الأمرين . كصل ~~ركعتين ، صل الركعتين ( أو ) قبل التكرار في حالة كون أنه ( بين آمر ومأمور ~~عهد ذهني ) يمنع التكرار . كمن له على شخص درهم . فقال له : أحضر لي درهما ~~، أحضر لي درهما ( ف ) الثاني ( تأكيد ) للأول إجماعا ( وإلا ) أي وإن لم ~~تمنع العادة التكرار ، ولم يعرف ثاني الأمرين دون الأول ، ولم يكن بين آمر ~~ومأمور عهد ذهني ( ف ) الثاني ( تأسيس ) لا تأكيد عند القاضي وابن عقيل ~~وغيرهما . وذكره القاضي وغيره عن الحنفية . وقال أبو الخطاب في التمهيد في ~~مسألة المطلق والمقيد ( كبعد امتثال ) الأمر الأول . قال المجد : وهو ~~الأشبه بمذهبنا . كقولنا فيمن قال لزوجته : أنت طالق أنت طالق يلزمه طلقتان ~~. وذكره ابن برهان عن الفقهاء قاطبة . PageV03P073 وذلك . لأن الأصل ~~التأسيس . وقال أبو الخطاب في التمهيد : الثاني تأكيد لا تأسيس ، لئلا يجب ~~فعل بالشك ولا ترجيح ، ومنع بأن تغاير اللفظ يفيد تغاير المعنى ، ثم سلمه ( ~~وبه ) أي والأمران المتعاقبان بعطف ( إن اختلفا ) كصل وصم ، . وأقيموا ~~الصلاة ، وآتوا الزكاة ( عمل بهما ، وإلا ) أي وإن لم يختلفا ( ولم يقبل ) ~~الأمر ( التكرار ) حسا . كاقتل زيدا ، واقتل زيدا ، أو لم يقبل الأمر ~~التكرار حكما . كأعتق سالما وأعتق PageV03P074 سالما ( ف ) الثاني ( تأكيد ~~) بلا خلاف ( وإن قبل ) الأمر التكرار مع العطف ( ولم تمنع ) من التكرار ( ~~عادة ولا عرف ) بأداة التعريف ( ثان ) من الأمرين كصل ركعتين وصل ركعتين ( ~~ف ) الثاني ( تأسيس . وإن منعت عادة ) من التكرار كقوله : اسقني ماء ، ~~واسقني ماء ( تعارضا ) أي تعارض العطف ومنع العادة ( وإلا ) أي وإن لم تمنع ~~عادة من التكرار ( وعرف ثان ) كصل ركعتين وصل الركعتين ( ف ) الثاني ( ~~تأكيد ) في اختيار القاضي وأبي الفرج المقدسي . PageV03P075 واختار أبو ~~الحسين ms331 الوقف لمعارضة لام العهد للعطف . PageV03P076 # | ( باب ) # ( النهي مقابل للأمر في كل حاله ) أي في كل الذي للأمر من كونه من المتن ~~الذي يشترك فيه الكتاب والسنة والإجماع . . ومن كونه نوعا من الكلام وغير ~~ذلك ( وصيغته ) ( لا تفعل . وترد ) لمعان كثيرة : PageV03P077 أحدها : ~~كونها ( لتحريم ) وهي حقيقة فيه فقط . نحو قوله تعالى { ولا تقتلوا أنفسكم ~~} وقوله تعالى { ولا تقربوا الزنا } وقوله تعالى { لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل } ( و ) الثاني : ل ( كراهة ) نحو قوله صلى الله عليه وسلم { لا ~~يمس أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول } ومثله المحلى وغيره بقوله تعالى { ولا ~~تيمموا PageV03P078 الخبيث منه تنفقون } ( و ) الثالث كونها ل ( تحقير ) ~~نحو قوله تعالى { لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم } ( و ) ~~الرابع : كونها ل ( بيان العاقبة ) نحو قوله تعالى { ولا تحسبن الله غافلا ~~عما يعمل الظالمون } PageV03P079 ( و ) الخامس : كونها ل ( دعاء ) نحو قوله ~~تعالى { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما ~~حملته على الذين من قبلنا } وقوله تعالى { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ ~~هديتنا } ( و ) السادس : كونها ل ( يأس ) نحو قوله تعالى { لا تعتذروا قد ~~كفرتم بعد إيمانكم } وبعضهم مثل به للاحتقار ( و ) السابع كونها ل ( إرشاد ~~) نحو قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم ~~تسؤكم } والمراد : أن الدلالة على الأحوط ترك ذلك . PageV03P080 قيل : وفيه ~~نظر ، بل هي للتحريم ، والأظهر الأول . لأن الأشياء التي يسأل عنها السائل ~~لا يعرف حين السؤال هل تؤدي إلى محذور أم لا ؟ ولا تحريم إلا بالتحقق ( و ) ~~الثامن كونها ( لأدب ) نحو قوله تعالى { ولا تنسوا الفضل بينكم } ولكن هذا ~~راجع إلى الكراهة ؛ إذ المراد لا تتعاطوا أسباب النسيان . فإن نفس النسيان ~~لا يدخل تحت القدرة حتى ينهى عنه . وبعضهم يعد من ذلك الخبر ، وليس للخبر ~~مثال صحيح . ومثله بعضهم بقوله تعالى { لا يمسه إلا المطهرون } وهذا المثال ~~إنما هو للخبر بمعنى النهي ، لا للنهي بمعنى الخبر ( و ) التاسع : كونها ل ~~( تهديد ) كقولك لمن ms332 تهدده : أنت لا تمتثل أمري . هكذا مثله في شرح التحرير ~~. والذي يظهر : أن ' لا ' هنا نافية ، وإن لم تخرج عن معنى التهديد . ~~والأولى تمثيله بقول السيد لعبده - وقد أمره بفعل شيء فلم يفعله - لا تفعله ~~، فإن عادتك أن لا تفعله بدون المعاقبة ( و ) العاشر : كونها ل ( إباحة ~~الترك ) كالنهي بعد الإيجاب على قول تقدم في أن النهي بعد الأمر للإباحة . ~~والصحيح خلافه PageV03P081 ( و ) الحادي عشر : كونها ل ( لالتماس ) كقولك ~~لنظيرك : لا تفعل ، عند من يقول إن صيغة الأمر لها ثلاث صفات : أعلى ، ~~ونظير ، وأدون . وكذلك النهي ( و ) الثاني عشر كونها ل ( لتصبر ) نحو قوله ~~تعالى { لا تحزن إن الله معنا } ( و ) الثالث عشر : كونها ل ( إيقاع أمن ) ~~نحو قوله تعالى { ولا تخف إنك من الآمنين } { لا تخف نجوت من القوم ~~الظالمين } ولكن قيل : إنه راجع إلى نظير ، كأنه قال : أنت لا تخاف ( و ) ~~الرابع عشر : كونها . ل ( تسوية ) نحو قوله تعالى ' { فاصبروا أو لا تصبروا ~~سواء عليكم } ( و ) الخامس عشر : كونها ل ( تحذير ) نحو قوله تعالى { ولا ~~PageV03P082 تموتن إلا وأنتم مسلمون } ( فإن ) ( تجردت ) صيغة النهي عن ~~المعاني المذكورة والقرائن ( ف ) هي ( لتحريم ) عند الأئمة الأربعة وغيرهم ~~. وبالغ الشافعي رضي الله عنه في إنكار قول من قال : إنها للكراهة ، وقيل : ~~صيغة النهي تكون بين التحريم والكراهة . فتكون من المجمل . وقيل : تكون ~~للقدر المشترك بين التحريم والكراهة . فتكون حقيقة في كل منهما . وقيل : ~~بالوقف لتعارض الأدلة PageV03P083 ( و ) ورود صيغة النهي ( مطلقة عن شيء ~~لعينه ) أي لعين ذلك الشيء كالكفر والظلم والكذب ونحوها من المستقبح لذاته ~~: يقتضي فساده شرعا عند الأئمة الأربعة والظاهرية وبعض المتكلمين . ~~PageV03P084 قال الخطابي : هذا مذهب العلماء في قديم الدهر وحديثه ، لحديث ~~عائشة رضي الله عنها المتفق عليه { من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد } ~~واستدل لذلك بأن العلماء لم يزالوا يستدلون على الفساد بالنهي ، كاحتجاج ~~ابن عمر رضي الله عنهما بقوله تعالى { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } ~~واستدلال الصحابة . رضي الله عنهم . على فساد عقود الربا بقوله صلى ms333 الله ~~عليه وسلم { لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل } - الحديث ' وعلى فساد ~~PageV03P085 نكاح المحرم بالنهي عنه . وقد شاع وذاع ذلك من غير نكير . فإن ~~قيل : احتجاجهم إنما هو على التحريم لا على الفساد . فالجواب : أن احتجاجهم ~~على التحريم والفساد معا . ألا ترى إلى حديث بيع الصاعين من التمر بالصاع . ~~وقوله صلى الله عليه وسلم ' { أوه عين الربا } وذلك PageV03P086 بعد القبض ~~. فأمر برده . وبقوله صلى الله عليه وسلم { من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ~~رد } والرد إذا أضيف إلى العبادات اقتضى عدم الاعتداد بها ، وإن أضيف إلى ~~العقود اقتضى فسادها . فإن قيل : معناه ليس بمقبول ولا طاعة . قلنا : ~~الحديث يقتضي رد ذاته إن أمكن ، وإن لم يمكن اقتضى رد متعلقه . فإن قيل : ~~هو من أخبار الآحاد ، والمسألة من الأصول . قيل : تقوى بالقبول . والمسألة ~~من باب الفروع . واحتج الشافعي . رضي الله عنه . بقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم { لا صلاة إلا بطهور ، ولا نكاح إلا بولي ، ولا صيام لمن لم يبيت ~~الصيام من الليل } ونحو PageV03P087 ذلك . قال : ومعلوم أنه لم يرد بذلك ~~نفي نفس الفعل ؛ لأن الفعل موجود من حيث المشاهدة ، وإنما أراد نفي حكمه . ~~فإذا وجد الفعل على الصفة المنهي عنها لم يكن له حكم . فوجوده كعدمه . وإذا ~~كان كذلك لم يؤثر إيجاده . وكان . الفرض الأول على عادته ، ويدل للفساد غير ~~ما تقدم من الكتاب والسنة أيضا : الاعتبار والمناقضة . أما الاعتبار : فلأن ~~النهي يدل على تعلق مفسدة بالمنهي عنه ، أو بما . يلازمه ؛ لأن الشارع حكيم ~~لا ينهى عن المصالح . وفي القضاء بإفسادها إعدام لها بأبلغ الطرق ولأن ~~النهي عنها مع ربط الحكم بها يفضي إلى التناقض في الحكمة ؛ لأن نصبها سببا ~~يمكن من التوسل ، والنهي يمنع من التوسل ، ولأن حكمها مقصود الآدمي ومتعلق ~~غرضه ، فتمكينه منه حث على تعاطيه . والنهي منع من التعاطي ، ولأنه لو لم ~~يفسد المنهي عنه لزم من نفيه لكونه مطلوب الترك بالنهي حكمه للنهي ، ومن ~~ثبوته لكون الفرض جواز التصرف ، وصحته PageV03P088 حكم الصحة . وذلك باطل ms334 . ~~أما الملازمة : فلاستحالة خلو الأحكام الشرعية عن الحكمة . وأما بطلان ~~الثاني : فلأن اجتماعهما يؤدي إلى خلو الحكم عن الحكمة ، وهو خرق للإجماع . ~~لأن حكمة النهي إما أن تكون راجحة على حكم الصحة أو مرجوحة أو مساوية ؛ ولو ~~كان كذلك لامتنع النهي . فلم يبق إلا أن تكون راجحة على حكم الصحة . وفي ~~رجحان النهي تمتنع الصحة فإن قلت : الترجيح غايته أن يناسب نفي الصحة ولا ~~يلزم من ذلك نفي الصحة إلا بإيراد شاهد بالاعتبار . ولو ظهر كان الفساد ~~لازما من القياس . قلنا : القضاء بالفساد لعدم الصحة ، فلا يفتقر إلى شاهد ~~الاعتبار ، ولأن في الشرعيات منهيات باطلة ، ولا مستند لها إلا أن النهي ~~للأصل . وأما دليل الفساد بالمناقضة : فلأن المخالفين أبطلوا النكاح في ~~PageV03P089 العدة ونكاح المحرم ، والمحاقلة والمزابنة والمنابذة والملامسة ~~، والعقد على منكوحة الأب لقوله تعالى { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النساء إلا ما قد سلف } . { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } والصلاة في ~~المكان النجس والثوب النجس ، PageV03P090 وحالة كشف العورة ، إلى غير ذلك ، ~~ولا مستند إلا النهي . قالوا : لو دل الفساد لناقض التصريح بالصحة في قوله ~~: نهيتك عن فعل كذا فإن فعلت صح . قلنا : الجواب عنه أن المنع من الفساد من ~~التصريح بالصحة لما ذكرنا من حكمة الفساد ، ولأنه لو سلم فالتصريح بخلاف ~~الظاهر ، ولا تناقض ، نحو : رأيت أسدا يرمي . وأيضا فإن قوله : يشبه ~~المستدرك والمستثنى . فكأنه قال : لكنك إن فعلت صح ، أو قوله : إلا أنك إذا ~~فعلت صح . وليس في كلام الشارع شيء من ذلك . وكذا لو كان النهي لوصف في ~~المنهي عنه لازم له . وهو ما أشير إليه بقوله PageV03P091 ( أو وصفه ) ~~كالنهي عن نكاح الكافر للمسلمة وعن بيع العبد المسلم من كافر . فإن النهي ~~عن ذلك ( يقتضي فساده شرعا ) عندنا وعند الشافعية ومن وافقهم . فإن ذلك ~~يلزم منه إثبات القيام والاستيلاء والسبيل للكافر على المسلم ، فيبطل هذا ~~الوصف . اللازم له . وعند الحنفية ومن وافقهم : أن النهي يقتضي صحة الشيء ~~وفساد وصفه . فالمحرم عندهم وقوع الصوم في العيد لا الواقع ms335 . فالفعل حسن ؛ ~~. لا أنه صوم قبيح لوقوعه في العيد . فهو عندهم طاعة يصح النذر به ، ووصف ~~قبحه لازم للفعل لا للاسم ، ولا يلزم بالشروع . PageV03P092 وقيل لأبي ~~الخطاب في نذر صوم يوم العيد نهيه عليه الصلاة والسلام عن صوم يوم العيد ~~يدل على الفساد ؟ فقال : هو حجتنا ؛ لأن النهي عما لا يكون محال ، كنهي ~~الأعمى عن النظر ، فلو لم يصح لما نهى عنه ( وكذا ) لو كان النهي عن الشيء ~~( لمعنى في غيره ك ) النهي عن عقد بيع ( بعد نداء جمعة ) وكالوضوء بماء ~~مغصوب ، يعني فإنه يقتضي فساده عند PageV03P093 الإمام أحمد . رضي الله عنه ~~. وأكثر أصحابه والمالكية والظاهرية والجبائية . وخالف في ذلك الأكثر ، وهو ~~مذهب الشافعي . قال الآمدي : لا خلاف أنه لا يقتضي الفساد إلا ما نقل عن ~~مالك وأحمد . ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات . وألزم القاضي ~~الشافعية ببطلان البيع بالتفرقة بين والدة PageV03P094 وولدها ( لا ) إن ~~كان النهي ( عن غيره ) أي لمعنى في غير المنهي عنه غير عقد . وكان ذلك ( ~~لحق آدمي ، كتلق ) للركبان ( و ) ك ( نجش ) وهو أن يزيد في السلعة من لا ~~يريد شراءها لغير المشتري ( و ) ك ( سوم ) على سوم مسلم ( و ) ك ( خطبة ) ~~ولو لذمية على خطبة مسلم ( و ) ك ( تدليس ) PageV03P095 مبيع ، كالتصرية ~~ونحوها . فإن العقد يصح مع ذلك عندنا وعند الأكثر . قال ابن مفلح في أصوله ~~: وحيث قال أصحابنا ' اقتضى النهي الفساد ' فمرادهم : ما لم يكن النهي لحق ~~آدمي يمكن استدراكه . فإن كان ولا مانع . كتلقي الركبان والنجش . فإنهما ~~يصحان على الأصح عندنا وعند الأكثر . لإثبات الشرع الخيار في التلقي ( ~~والنهي يقتضي الفور والدوام ) عند أصحابنا والأكثر ، ويؤخذ من كونه ~~PageV03P096 للدوام : كونه للفور ؛ لأنه من لوازمه ، ولأن من نهي عن فعل ~~بلا قرينة ففعله في أي وقت كان عد مخالفا لغة وعرفا . ولهذا لم يزل العلماء ~~يستدلون به من غير نكير . وحكاه أبو حامد وابن برهان وأبو زيد الدبوسي ~~إجماعا . والفرق بينه وبين الأمر : أن الأمر له حد ينتهي إليه فيقع ~~الامتثال فيه بالمرة . وأما ms336 الانتهاء عن المنهي عنه فلا يتحقق إلا ~~باستيعابه في العمر فلا يتصور فيه تكرار ، بل بالاستمرار به يتحقق الكف . ~~وقال بعضهم : إن النهي منقسم إلى الدوام كالزنا ، وإلى غيره كالحائض ~~PageV03P097 عن الصلاة . فكان للقدر المشترك ، دفعا للاشتراك والمجاز . ورد ~~بأن عدم الدوام لقرينة ، هي تقييده بالحيض ، وكونه حقيقة للدوام أولى من ~~المرة لدليلنا ، ولإمكان التجوز فيه عن بعضه لاستلزامه له بخلاف العكس ( و ~~) قول الناهي عن شيء ( لا تفعله مرة يقتضي تكرار الترك ) قدمه ابن مفلح في ~~أصوله . فلا يسقط النهي بتركه مرة . وعند القاضي والأكثر يسقط بمرة ، وهو ~~المعروف عند الشافعية . وقدمه في جمع الجوامع ، حتى قال شارحه ابن العراقي ~~عن القول بأنه يقتضي التكرار : غريب لم نره لغير ابن السبكي . وقطع به ~~البرماوي في شرح منظومته . والظاهر أنهما لم يطلعا على كلام الحنابلة في ~~ذلك ( ويكون ) النهي ( عن ) شيء ( واحد ) فقط ، وهو كثير ( و ) عن ( متعدد ~~) أي شيئين فأكثر ( جمعا ) أي عن الهيئة الاجتماعية . فيكون له فعل ~~PageV03P098 أيها شاء على انفراده كالجمع بين الأختين ، وبين المرأة وعمتها ~~، وبين المرأة وخالتها ( وفرقا ) وهو النهي عن الافتراق دون الجمع . كالنهي ~~عن . الاقتصار على أحد شيئين . نحو قوله صلى الله عليه وسلم { لا تمش في ~~نعل واحدة } فالمنهي عنه هنا التفريق بين حالتي الرجلين ، لا عن لبسهما معا ~~، ولا عن تحفيفهما معا . ولذلك PageV03P099 قال ' { لينعلهما جميعا أو ~~ليحفهما جميعا } ( و ) يكون النهي أيضا عن متعدد ( جميعا ) ومن أمثلة النهي ~~لهذه المسألة وغيرها : لا تأكل السمك وتشرب اللبن . فإنك إن جزمت الفعلين ~~كان كل منهما متعلق النهي . فيكون النهي عنهما جميعا ، وإن نصبت الثاني مع ~~جزم الأول كان متعلق النهي الجمع بينهما ، وكل واحد منهما غير منهي عنه ~~بانفراد ، وإن جزمت الأول ورفعت الثاني كان الأول متعلق النهي فقط في حالة ~~ملابسة الثاني . ولما فرغ من الكلام على الأمر والنهي اللذين حقهما التقديم ~~لتعلقهما بنفس الخطاب الشرعي . شرع في الكلام على العموم والخصوص المتعلقين ~~بمدلول الخطاب باعتبار المخاطب به فقال : PageV03P100 # | ( باب ) # ( العام ms337 ) في اصطلاح العلماء . ( لفظ دال على جميع أجزاء ماهية مدلوله ) ~~أي مدلول اللفظ . قال الطوفي - بعد أن ذكر للعام حدودا كلها معترضة - اللفظ ~~إن دل . على الماهية من حيث هي هي . فهو المطلق كالإنسان ، أو على وحدة ~~معينة . كزيد فهو العلم ، أو غير معينة كرجل فهو النكرة ، أو على وحدات ~~متعددة . فهي إما بعض وحدات الماهية فهو اسم العدد . كعشرين رجلا ، أو ~~جميعها فهو العام . فإذا هو اللفظ الدال على جميع أجزاء ماهية مدلوله وهو ~~أجودها . فهذا الحد مستفاد من التقسيم المذكور ؛ لأن التقسيم الصحيح يرد ~~على جنس الأقسام ، ثم يميز بعضها عن بعض بذكر خواصها التي تتميز بها . ~~فيتركب كل PageV03P101 واحد من أقسامه من جنسه المشترك ومميزه الخاص ، وهو ~~الفصل . ولا معنى للحد إلا اللفظ المركب من الجنس والفصل . وعلى هذا فقد ~~استفدنا من هذا التقسيم معرفة حدود ما تضمنه من الحقائق ، وهو المطلق ~~والعلم والنكرة واسم العدد والعام فالمطلق : هو اللفظ الدال على الماهية ~~المجردة عن وصف زائد . والعلم : هو اللفظ الدال على وحدة معينة ، واسم ~~العدد : هو اللفظ الدال على بعض وحدات ماهية مدلوله . والعام ما ذكرنا . ~~انتهى . وقوله ' فإن دل على الماهية من حيث هي هي ' أي مع قطع النظر عن ~~جميع ما يعرض لها من وحدة وكثرة وحدوث وقدم ، وطول وقصر ولون من الألوان . ~~فهذا المطلق كالإنسان من حيث هو إنسان إنما يدل على حيوان ناطق لا على واحد ~~ولا على غيره مما ذكر ، وإن كان لا ينفك عن بعض ذلك . وقال أبو الخطاب ومن ~~وافقه : إنه اللفظ المستغرق لما يصلح له . PageV03P102 وقيل : ما عم شيئين ~~فصاعدا . وقال ابن الحاجب : ما دل على مسميات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقا ~~ضربة ، أي دفعة . وقيل غير ذلك ( ويكون ) العام ( مجازا ) على الأصح ، ~~كقولك : رأيت الأسود على الخيول ، فالمجاز هنا كالحقيقة في أنه قد يكون ~~عاما . وقال بعض الحنفية : لا يعم بصيغته ؛ لأنه على خلاف الأصل ، فيقتصر ~~به على الضرورة . ورد بأن المجاز ليس خاصا بحال الضرورة ، بل ms338 هو عند قوم ~~غالب على اللغات . PageV03P103 واستدل على مجازه بقوله صلى الله عليه وسلم ~~{ الطواف بالبيت صلاة . إلا أن الله أباح فيه الكلام } فإن الاستثناء معيار ~~العموم . فدل على تعميم كون الطواف صلاة مجاز ( والخاص ) بخلاف العام ؛ ~~لأنه قسيمه ، وهو ( ما دل ) على ما وضع له دلالة ( أخص ) من دلالة ما هو ~~أعم منه ( وليس ) هو من هذه الحيثية ( بعام ) إلا بالمحدود أولا ( ولا ) ~~شيء ( أعم من متصور ) اسم مفعول ، أي لا أعم من شيء ممكن تخيل صورته في ~~الذهن . فيتناول ذلك المعلوم والمجهول والموجود والمعدوم . PageV03P104 ( و ~~) لا شيء ( أخص من علم الشخص ) كزيد وهند ، ومثله الحاضر والمشار إليه بهذا ~~ونحوه ( وكحيوان ) أي ومثل لفظ حيوان ( عام ) نسبي لأن الحيوان أعم من ~~الإنسان والفرس والأسد وغير ذلك من الحيوانات ( خاص نسبي ) لأن الحيوان أخص ~~من الجسم لشموله كل مركب ، ومن النامي لشموله النبات ، فكل لفظ بالنسبة إلى ~~ما دونه عام ، وبالنسبة إلى ما فوقه خاص . ( ويقال للفظ عام وخاص ، وللمعنى ~~أعم وأخص ) قال الكوراني في شرح جمع الجوامع : هذا مجرد اصطلاح لا يدرك له ~~وجه سوى التمييز بين صفة اللفظ وصفة المعنى ، PageV03P105 وقال القرافي : ~~وجه المناسبة أن صيغة أفعل ، تدل على الزيادة والرجحان . والمعاني أعم من ~~الألفاظ ، فخصت بصيغة أفعل التفضيل . ومنهم من يقول فيها عام وخاص أيضا . ا ~~ه . ( والعموم ) بمعنى ( الشركة في المفهوم ) لا بمعنى الشركة في اللفظ ( ~~من عوارض الألفاظ حقيقة ) إجماعا ، بمعنى أن كل لفظ عام يصح شركة الكثيرين ~~في معناه ، لا أنه يسمى عاما حقيقة ، إذ لو كانت الشركة في مجرد الاسم لا ~~في مفهومه لكان مشتركا لا عاما ، وبهذا يبطل قول من قال : إن العموم من ~~عوارض الألفاظ لذاتها ( وكذا ) - على خلاف - يكون العموم من عوارض ( ~~المعاني ) حقيقة ( في قول ) القاضي أبي يعلى وابن الحاجب وأبي بكر الرازي ، ~~ومن وافقهم . فيكون العموم موضوعا للقدر المشترك بينهما بالتواطؤ . ~~PageV03P106 والقول الثاني - وهو قول الموفق وأبي محمد الجويني والأكثر - ~~إنه من عوارض المعاني مجازا لا حقيقة . والقول ms339 الثالث : أن العموم لا يكون ~~في المعاني لا حقيقة ولا مجازا . ووجه القول الأول : أن حقيقة العام لغة ~~شمول أمر لمتعدد ، وهو في المعاني : كعم المطر والخصب ، وفي المعنى الكلي ~~لشموله لمعاني الجزئيات . واعترض على ذلك بأن المراد أمر واحد شامل . وعموم ~~المطر شمول متعدد لمتعدد ؛ لأن كل جزء من الأرض يختص بجزء من المطر . ~~PageV03P107 ورد هذا بأن هذا ليس بشرط للعموم لغة ، ولو سلم فعموم الصوت ~~باعتبار واحد شامل للأصوات المتعددة الحاصلة لسامعيه . وعموم الأمر والنهي ~~باعتبار واحد ، وهو الطلب الشامل لكل طلب تعلق بكل مكلف . وكذا المعنى ~~الكلي الذهني . وقد فرق طائفة بين الذهني والخارجي ، فقالوا : بعروض العموم ~~للمعنى الذهني دون الخارجي . لأن العموم عبارة عن شمول أمر واحد لمتعدد ، ~~والخارجي لا يتصور فيه ذلك . لأن المطر الواقع في هذا المكان غير واقع في ~~ذلك المكان ، بل كل قطرة منه مخصوصة بمكان خاص والمراد بالمعاني المستقلة ~~كالمقتضى والمفهوم . أما المعاني التابعة للألفاظ : فلا خلاف في عمومها ؛ ~~لأن لفظها عام ( وللعموم صيغة تخصه ) أي يختص بها عند الأئمة الأربعة ~~والظاهرية وعامة المتكلمين . وهي ( حقيقة فيه ) أي في العموم ( مجاز في ~~الخصوص ) على PageV03P108 الأصح ؛ لأن كونها للعموم أحوط من كونها للخصوص . ~~وقيل : عكسه . وقيل : مشتركة بين العموم والخصوص . وقالت الأشعرية : لا ~~صيغة للعموم . PageV03P109 واستدل للقول الأول الذي في المتن بقول الإنسان ~~: لا تضرب أحدا . وكل من قال كذا فقل له كذا عام قطعا . ولمسلم من حديث أبي ~~هريرة { قالوا : فالحمر يا رسول الله ؟ قال : ما أنزل علي فيها شيء إلا هذه ~~الآية الجامعة الفاذة ( { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره } } ) وعن ابن عمر رضي الله عنهما { أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما رجع من الأحزاب قال : لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة . فأدرك ~~بعضهم العصر في الطريق . فقال بعضهم : لا نصلي حتى نأتيها ، وقال بعضهم : ~~بل نصلي ، لم يرد منا ذلك . فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم . فلم يعنف ~~واحدا ms340 منهم } متفق عليه ، ولأن نوحا تمسك بقول الله تعالى { وأهلك } بأن ~~ابنه من PageV03P110 أهله ، وأقره الله سبحانه وتعالى وبين المانع ، ~~واستدلال الصحابة والأئمة على حد كل سارق وزان بقوله سبحانه وتعالى { ~~والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } و { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة } واعترض على ذلك بأن العموم فهم من القرائن ، ثم الأخبار ~~آحاد . رد بأن الأصل عدم القرينة ، ثم حديث أبي هريرة صريح ، وهي متواترة ~~معنى . وأيضا صحة الاستثناء في قولك : أكرم الناس إلا الفساق ، . هو إخراج ~~ما لولاه لدخل ' بإجماع أهل العربية ، لا يصلح دخوله . وأيضا من دخل من ~~عبيدي حر ، ومن نسائي طالق . يعم اتفاقا ، PageV03P111 وكذا قولك مستفهما ~~من جاءك ؟ عام ؛ لأنه موضوع للعموم اتفاقا . وليس بحقيقة في الخصوص . لحسن ~~جوابه بجملة العقلاء ولتفريق أهل اللغة بين لفظ العموم ولفظ الخصوص ، وأيضا ~~كل الناس علماء ، يكذبه كلهم ليسوا علماء ( ومدلوله ) أي العموم كلية ( أي ~~محكوم فيه ) على ( كل فرد ) فرد بحيث لا يبقى فرد ( مطابقة ) أي دلالة ~~مطابقة ( إثباتا وسلبا ) فقوله تعالى { فاقتلوا المشركين } بمنزلة قوله : ~~اقتل زيدا المشرك وعمرا المشرك وبكرا المشرك إلى آخره ، وهو مثل قولنا : كل ~~رجل يشبعه رغيفان . أي كل واحد على انفراده PageV03P112 ( لا ) أن مدلول ~~العموم ( كلي ) وهو ما اشترك في مفهومه كثيرون كالحيوان والإنسان ، فإنه ~~صادق على جميع أفراده ( ولا كل ) أي ولا أن مدلول العموم على أفراده من باب ~~دلالة الكل على جزئياته وهو الحكم على المجموع من حيث هو كأسماء العدد . ~~ومنه كل رجل منكم يحمل الصخرة ، أي المجموع لا كل واحد ، ويقال : الكلية ~~والجزئية والكلي والجزئي والكل والجزء ، فصيغة العموم للكلية ، والنكرات ~~للكلي ، وأسماء . الأعداد للكل ، وبعض العدد زوج للجزئية ، والأعلام للجزئي ~~، وما تركب من الزوج والفرد كالخمسة للجزء . والفرق بين الكل والكلي من ~~أوجه أحدها : أن الكل متقوم بأجزائه ، والكلي متقوم بجزئياته . PageV03P113 ~~الثاني : أن الكل في الخارج والكلي في الذهن . الثالث : أن الأجزاء متناهية ~~، والجزئيات غير متناهية . الرابع : أن الكل محمول على أجزائه ، والكلي على ~~جزئياته ms341 ( ودلالته ) أي دلالة العموم ( على أصل المعنى ) دلالة ( قطعية ) ~~وهذا بلا نزاع ( و ) دلالته ( على كل فرد بخصوصه بلا قرينة ) تقتضي كل فرد ~~فرد . كالعمومات التي لا يدخلها تخصيص . نحو قوله تعالى { وهو بكل شيء عليم ~~} { لله ما في السموات وما في الأرض } { وما من دابة في الأرض إلا على الله ~~رزقها } دلالة ( ظنية ) عند الأكثر من أصحابنا وغيرهم . PageV03P114 واستدل ~~لذلك بأن التخصيص بالمتراخي لا يكون نسخا ، ولو كان العام نصا على أفراده ~~لكان نسخا ، وذلك أن صيغ العموم ترد تارة باقية على عمومها ، وتارة يراد ~~بها بعض الأفراد ، وتارة يقع فيها التخصيص ومع الاحتمال لا قطع ، بل لما ~~كان الأصل بقاء العموم فيها كان هو الظاهر المعتمد للظن . ويخرج بذلك عن ~~الإجمال ، وإن اقترن بالعموم ما يدل على أن المحل غير قابل للتعميم . فهو ~~كالمجمل يجب التوقف فيه إلى ظهور المراد منه ( نحو قوله سبحانه وتعالى { لا ~~يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة } ) ذكره ابن العراقي ( وعموم الأشخاص ~~يستلزم عموم الأحوال والأزمنة والبقاع والمتعلقات ) عند أكثر العلماء . قال ~~في القواعد الأصولية : العام في الأشخاص عام في الأحوال . هذا المعروف عند ~~العلماء . قال الإمام أحمد . رضي الله عنه . في قوله تعالى { يوصيكم الله ~~في أولادكم } ظاهرها على العموم : أن من وقع عليه اسم ولده فله ما فرض الله ~~PageV03P115 تعالى . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المعبر عن ~~الكتاب : أن الآية إنما قصدت للمسلم لا للكافر . انتهى وخالف في ذلك جمع ، ~~منهم القرافي ، قال - وتابعه ابن قاضي الجبل - بأن صيغ العموم وإن كانت ~~عامة في الأشخاص فهي مطلقة في الأزمنة والبقاع والأحوال والمتعلقات فهذه ~~الأربع لا عموم فيها من جهة ثبوت العموم في غيرها ، حتى يوجد لفظ يقتضي ~~العموم ، نحو : لأصومن الأيام ، ولأصلين في جميع البقاع ، ولا عصيت الله في ~~جميع الأحوال ، ولأشتغلن بتحصيل جميع المعلومات . PageV03P116 ورد ذلك ابن ~~دقيق العيد في شرح العمدة . فقال : أولع بعض أهل العصر - وما قرب منه - بأن ~~قالوا : صيغة العموم إذا وردت على الذوات ms342 مثلا ، أو على الأفعال : كانت ~~عامة في ذلك مطلقة في الزمان والمكان والأحوال والمتعلقات ، ثم يقولون : ~~المطلق يكفي في العمل به صورة واحدة . فلا يكون حجة فيما عداه . وأكثروا من ~~هذا السؤال فيما لا يحصى كثرة من ألفاظ الكتاب والسنة . وصار ذلك ديدنا لهم ~~في الجدال . قال : وهذا عندنا باطل ، بل الواجب أن ما دل على العموم في ~~الذوات - مثلا - يكون دالا على ثبوت الحكم في كل ذات تناولها اللفظ ، ولا ~~يخرج عنها ذات إلا بدليل يخصها . فمن أخرج شيئا من تلك الذوات ، فقد خالف ~~مقتضى العموم - إلى أن قال - مثال ذلك : إذا قال : من دخل داري فأعطه درهما ~~. فتقتضي الصيغة العموم في كل ذات صدق عليها أنها الداخلة . فإذا قال قائل ~~: هو مطلق في الأزمان فأعمل به في الذوات الداخلة الدار في أول PageV03P117 ~~النهار مثلا ، ولا أعمل به في غير ذلك الوقت ؛ لأنه مطلق في الزمان ، وقد ~~عملت به مرة ، فلا يلزم أن أعمل به أخرى لعدم عموم المطلق . قلنا له : لما ~~دلت الصيغة على العموم في كل ذات دخلت الدار ، ومن جملتها الذوات الداخلة ~~في آخر النهار . فإذا أخرجت بعض تلك الذوات ، فقد أخرجت ما دلت الصيغة على ~~دخوله وهي كل ذات . وقول أبي أيوب الأنصاري . رضي الله عنه . ' فقدمنا ~~الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو القبلة ، فننحرف عنها ونستغفر الله عز وجل ~~' يدل على أن العام في PageV03P118 الأشخاص عام في المكان . انتهى . وفي ~~المسألة قول ثالث : أنه يعم بطريق الالتزام لا بطريق الوضع ، وجمعوا بين ~~المقالتين ( وصيغته ) أي العموم ( اسم شرط ، و ) اسم ( استفهام كمن في عاقل ~~) نحو ' . قوله تعالى . { ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا ~~يحتسب } ، { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } { من عمل صالحا فلنفسه } وتقول ~~في الاستفهام : من الذي عندك ؟ ( وما في غيره ) أي غير العاقل . نحو قوله ~~تعالى { ما يفتح الله PageV03P119 للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا ~~مرسل له من بعده } { وما عند الله خير للأبرار ms343 } وتقول في الاستفهام : ما ~~الذي عندك ؟ واستعمال ' من ' فيمن يعقل و ' ما ' فيما لا يعقل شائع . قد ~~ورد في الكتاب والسنة وكلام العرب . وقيل : تكون ' ما ' لمن يعقل ولمن لا ~~يعقل في الخبر والاستفهام ، والصحيح الأول . قال ابن قاضي الجبل وغيره ' من ~~، وما ' في الاستفهام للعموم . | فإذا قلنا : من في الدار ؟ حسن الجواب ~~بواحد . فيقال مثلا : زيد ، وهو مطابق للسؤال . فاستشكل ذلك قوم . وجوابه : ~~أن العموم إنما هو باعتبار حكم الاستفهام ، لا باعتبار الكائن في الدار . | ~~فالاستفهام عم جميع الرتب . فالمستفهم عم بسؤاله كل واحد يتصور كونه في ~~الدار . فالعموم ليس باعتبار الوقوع ، بل باعتبار الاستفهام واشتماله على ~~كل الرتب المتوهمة PageV03P120 ( و من ) صيغ العموم أيضا ( أين ، وأنى ، ~~وحيث للمكان ) نحو قوله تعالى { وهو معكم أينما كنتم } وقوله تعالى { أينما ~~تكونوا يدرككم الموت } في الجزاء . وتقول مستفهما : أين زيد ؟ ( ومتى ) ~~لزمان مبهم نحو : متى تقم أقم . ولا يقال : متى طلعت الشمس ؟ ، لأن زمن ~~طلوعها غير مبهم . واستدل لمتى بقول الشاعر : متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ~~تجد خير نار عندها خير موقد PageV03P121 وتقول في الاستفهام : متى جاء زيد ~~؟ ( وأي للكل ) يعني أن ' أي ' المضافة تكون للعاقل وغير العاقل . فمن ~~الأول قوله تعالى { لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا } وقوله صلى الله ~~عليه وسلم { أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل } ومن ~~الثاني : قوله تعالى { أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي } وتقول في ~~الاستفهام : أي وقت تخرج ؟ ( وتعم من وأي المضافة إلى الشخص ضميرهما ، ~~فاعلا ) كان ، نحو قوله : من قام منكم ؟ أو أيكم قام فهو حر ( أو ) كان ( ~~مفعولا ) نحو قوله : من أقمته منكم ، أو أيكم أقمته فهو حر . فقاموا في ~~الصورة الأولى ، أو أقامهم في الصورة الثانية . قال ابن العراقي : و ' أي ' ~~عامة فيما تضاف إليه من الأشخاص والأزمان والأمكنة والأحوال . ومنه : أي ~~امرأة نكحت نفسها . وينبغي تقييدها PageV03P122 بالاستفهامية أو الشرطية أو ~~الموصولة ، لتخرج الصفة . نحو : مررت برجل أي رجل ، والحال نحو : مررت بزيد ~~أي رجل . انتهى ms344 . وقال البرماوي : لا عموم في الموصولة ، نحو : يعجبني أيهم ~~هو قائم . فلا عموم فيها ، بخلاف الشرطية نحو ' . قوله تعالى . { أيا ما ~~تدعوا فله الأسماء الحسنى } والاستفهامية نحو ' قوله تعالى { أيكم يأتيني ~~بعرشها } ( و ) من صيغ العموم أيضا : الاسم ( الموصول ) سواء كان مفردا ~~كالذي والتي . أو مثنى نحو قوله تعالى { واللذان يأتيانها منكم } أو مجموعا ~~نحو ' . قوله تعالى . { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } { واللاتي تخافون ~~نشوزهن } { واللائي يئسن من المحيض } ( و ) من صيغه أيضا ( كل ) وهي أقوى ~~صيغه . ولها بالنسبة إلى إضافتها معان . PageV03P123 منها أنها إذا أضيفت ~~إلى نكرة . فهي لشمول أفراده نحو ' قوله تعالى { كل نفس ذائقة الموت } ~~ومنها : أنها إذا أضيفت لمعرفة ، وهي جمع أو ما في معناه . فهي لاستغراق ~~أفراده أيضا ، نحو كل الرجال وكل النساء على وجل إلا من أمنه الله تعالى . ~~وفي الحديث { كل الناس يغدو ، فبائع نفسه ، فمعتقها أو موبقها } ومنها : ~~أنها إذا أضيفت لمعرفة مفرد ، فهي لاستغراق أجزائه أيضا ، نحو كل الجارية ~~حسن ، أو كل زيد جميل . إذا علم ذلك فمادتها تقتضي الاستغراق والشمول ~~كالإكليل لإحاطته بالرأس ، والكلالة لإحاطتها بالوالد والولد . فلهذا كانت ~~أصرح صيغ العموم لشمولها العاقل وغيره ، المذكر والمؤنث ، المفرد والمثنى ~~والجمع ، وسواء بقيت على PageV03P124 إضافتها كما مثلنا ، أو حذف المضاف ~~إليه . نحو قوله تعالى . { كل آمن بالله } قال القاضي عبد الوهاب : ليس في ~~كلام العرب كلمة أعم منها تفيد العموم مبتدأة وتابعة لتأكيد العام . نحو ~~جاء القوم كلهم . وهنا : فوائد . منها : أن ما سبق من كونها تستغرق الأفراد ~~فيما إذا أضيفت لجمع معرف ، كما لو أضيفت إلى نكرة . فتكون من الكلية ، ~~كقوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن ربه عز وجل { يا عبادي : كلكم جائع إلا ~~من أطعمته } - الحديث وهو قول الأكثر . وذهب بعضهم إلى أنه من الكل ~~المجموعي ، لا من الكلية . ومنها : إذا دخلت ' كل ' على جمع معرف بأل ، ~~وقلنا بعمومها . فهل المفيد للعموم الألف واللام و ' كل ' تأكيد ، أو اللام ~~لبيان الحقيقة و ' كل ' لتأسيس إفادة العموم ؟ والثاني ms345 : أظهر ؛ لأن ' كلا ~~' إنما تكون مؤكدة إذا كانت تابعة . وقد يقال : اللام أفادت عموم مراتب ما ~~دخلت عليه ، و ' كل ' أفادت استغراق الأفراد . فنحو : كل الرجال ، تفيد ~~فيها الألف واللام عموم مراتب جمع PageV03P125 الرجل ، وكل استغراق الآحاد ~~. ولهذا قال ابن السراج : إن ' كل ' لا تدخل في المفرد والمعرف باللام إذا ~~أريد بكل منهما العموم . انتهى . ولهذا منع دخول أل على ' كل ' وعيب قول ~~بعض النحاة : بدل الكل من الكل . ومنها : أنه ليس من دخولها على المفرد ~~والمعرف . نحو قوله تعالى { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل } وقوله صلى ~~الله عليه وسلم { كل الطلاق واقع إلا طلاق المعتوه } لأن الظاهر أنها مما ~~هو في معنى الجمع المعرف ، حتى تكون لاستغراق الأفراد لا الأجزاء . ~~PageV03P126 ومنها : أن محل عمومها إذا لم يدخل عليها نفي متقدم عليها نحو ~~لم يقم كل الرجال . فإنها حينئذ للمجموع ، والنفي وارد عليه . وسميت سلب ~~العموم ، بخلاف ما لو تأخر عنها . نحو : كل إنسان لم يقم . فإنها حينئذ ~~لاستغراق النفي في كل فرد ، ويسمى عموم السلب . وهذه القاعدة متفق عليها ~~عند أرباب البيان . وأصلها قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ذي اليدين { كل ~~ذلك لم يكن } جوابا لقوله { أنسيت أم قصرت الصلاة ؟ } أي لم يكن كل من ~~الأمرين ، لكن بحسب ظنه صلى الله عليه وسلم . فلذلك صح أن يكون جوابا ~~للاستفهام عن أي الأمرين وقع ، ولو كان لنفي المجموع لم يكن مطابقا للسؤال ~~، ولا لقول ذي اليدين في بعض الروايات { قد كان بعض ذلك } فإن السلب الكلي ~~يقتضيه الإيجاب الجزئي . وأورد على قولهم : . تقدم النفي لسلب العموم . نحو ~~قوله تعالى { إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا } فينبغي أن ~~تقيد القاعدة بأن لا ينتقض النفي . فإن انتقض كانت لعموم السلب ، وقد يقال ~~: انتقاض النفي قرينة إرادة عموم السلب . قاله البرماوي ( و ) من صيغ ~~العموم أيضا ( جميع ) وهي مثل كل ، إلا أنها لا تضاف إلا إلى معرفة ، فلا ~~يقال : جميع رجل ، وتقول جميع الناس ، PageV03P127 وجميع العبيد ms346 ، ودلالتها ~~على كل فرد فرد بطريق الظهور ، بخلاف كل فإنها بطريق النصوصية . وفرق ~~الحنفية بينهما بأن كلا تعم على جهة الانفراد ، وجميع على جهة الاجتماع . ( ~~ونحوهما ) أي ومن صيغ العموم أيضا : كل ما كان نحو كل وجميع ، مثل أجمع ~~وأجمعين ( و ) كذلك ( معشر ومعاشر وعامة وكافة وقاطبة ) قال الله سبحانه ~~وتعالى { لأغوينهم أجمعين } وقال تعالى { يا معشر الجن والإنس } وقال تعالى ~~{ وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة } وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم { إنا معاشر الأنبياء لا نورث ، ما . تركناه صدقة } وقالت عائشة ~~رضي الله عنها ' لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم : ارتدت PageV03P128 ~~العرب قاطبة ' قال ابن الأثير : أي جميعهم ، لكن معشر ومعاشر : لا يكونان ~~إلا مضافين ، بخلاف قاطبة وعامة وكافة فإنها لا تضاف ( و ) من صيغ العموم ~~أيضا ( جمع مطلقا ) أي سواء كان لمذكر أو لمؤنث ، وسواء كان سالما أو مكسرا ~~، وسواء كان جمع قلة أو كثرة PageV03P129 ( معرف ) ذلك الجمع ( بلام أو ~~إضافة ) مثال السالم من المذكر والمؤنث المعرف باللام : قوله تعالى { إن ~~المسلمين والمسلمات } ومثال جمع الكثرة من المذكر والمؤنث الرجال والصواحب ~~. وجمع القلة : الأفلس والأكباد ، ومثال الجمع المعرف بالإضافة قوله تعالى ~~' { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } وقوله تعالى { حرمت ~~عليكم أمهاتكم } وقيل : إن الجمع المذكر لا يعم ، فلا يفيد الاستغراق . ~~PageV03P130 واستدل للأول الذي عليه أكثر العلماء والصحيح عنهم بقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم في { السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين في التشهد . ~~فإنكم إذا قلتم ذلك : فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض } رواه ~~البخاري ومسلم . وعلى هذا الأصح : أن أفراده آحاد في الإثبات وغيره . وعليه ~~أئمة التفسير في استعمال القرآن نحو قوله تعالى { والله يحب المحسنين } أي ~~كل محسن وقوله تعالى { فلا تطع المكذبين } أي كل واحد منهم . ويؤيده صحة ~~استثناء الواحد منه ، نحو جاء الرجال إلا زيدا . وقيل : إن أفراده جموع ، ~~وكونه في الآيات آحاد بدلالة القرينة ( و ) من صيغ العموم أيضا ( اسم جنس ~~معرف تعريف ms347 جنس ) وهو ما لا واحد له من لفظه . كالناس والحيوان والماء ~~والتراب ونحوها ، حملا للتعريف على فائدة لم تكن ، وهو تعريف جميع الجنس ؛ ~~لأن الظاهر كالجمع ، والاستثناء منه نحو قوله تعالى { إن الإنسان لفي خسر ~~إلا الذين آمنوا } PageV03P131 و ( لا ) يعم ( مع قرينة عهد ) اتفاقا . ~~وذلك كسبق تنكير نحو قوله تعالى { كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون ~~الرسول } لأنه يصرفه إلى ذلك فلا يعم إذا عرف . ونحو قوله تعالى { يا ليتني ~~اتخذت مع الرسول سبيلا } ونحو قوله تعالى { وليس الذكر كالأنثى } ( ويعم مع ~~جهلها ) أي جهل قرينة العهد عندنا ، وعند أكثر العلماء ؛ لأن تقييد العموم ~~بانتفاء العهد يقتضي أن الأصل فيه الاستغراق . ولهذا احتاج العهد إلى قرينة ~~فيما احتمل العهد والاستغراق ، لانتفاء القرينة فمحمول على الأصل ، وهو ~~الاستغراق لعموم فائدته . وقيل : إنه يحمل على العهد . وقيل : إنه مجمل ~~لكونه محتملا احتمالا على السواء ( وإن عارض الاستغراق عرف أو احتمال تعريف ~~جنس لم يعم ) ومن أمثلة ذلك : لو قال الطلاق يلزمني لا أفعل كذا ، وحنث ، ~~فإنه لا يقع PageV03P132 عليه إلا واحدة : لأن أهل العرف لا يعتقدونه ثلاثا ~~، ولا يعلمون أن الألف واللام في الأجناس . للاستغراق . ولهذا ينكر أحدهم ~~أن يكون طلق ثلاثا ، ولا يعتقد أنه طلق إلا واحدة . فمقتضى اللفظ في ظنهم ~~واحدة ، فلا يريدون إلا ما يعتقدونه مقتضى لفظهم . فيصير كأنهم نووا واحدة ~~، ولأن الألف واللام في أسماء الأجناس تستعمل لغير الاستغراق كثيرا . ~~كقولهم : ومن أكره على الطلاق ، وإذا عقل الصبي الطلاق ، وأشباه هذا مما ~~يراد به الجنس ولا يفهم منه الاستغراق . إذا تقرر هذا : فلا يحمل على ~~التعميم إلا بنية صارفة إليه . قاله في المغني . وهذا الأصح من الروايتين ~~عن الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه والثانية : أنه يعم فتطلق ثلاثا . ونحو ~~: والله لا أشتري العبيد يحنث بواحد . قاله ابن مفلح وغيره ( و ) من صيغ ~~العموم أيضا ( مفرد محلى بلام غير عهدية لفظا ) كالسارق والزاني والمؤمن ~~والفاسق والعبد والحر عندنا وعند أكثر العلماء . PageV03P133 قال الشافعي . ~~رضي الله عنه ms348 . في الرسالة : الزانية والزاني ونحوه من العام الذي خص ، ~~وأيضا لم يزل العلماء يستدلون بآية السرقة وآية الزنا من غير نكير ولوقوع ~~الاستثناء منه ، وهو معيار العموم نحو قوله تعالى . ' { إن الإنسان خلق ~~هلوعا } - الآية . وأيضا فيوصف بصيغة العموم . كما قال تعالى { أو الطفل ~~الذين لم يظهروا على عورات النساء } وهذا هو الصحيح . وقيل : إنه يفيد ~~الجنس لا الاستغراق فلا يعم . PageV03P134 وقيل : هو مجمل ، فهو محتمل ~~للأمرين على السواء . وقيل : إنه يفيد العموم إن كان مما يتميز واحده ~~بالتاء ، ولكن لا يتشخص له واحد ، ولا يتعدد . كالذهب والعسل ، بخلاف ما ~~يتشخص مدلوله . كالدينار والدرهم والرجل . وقيل بالفرق فيما إذا دخلت عليه ~~أل بين ما فيه تاء التأنيث الدالة على الوحدة كضربة فهو محتمل للعموم ~~والجنس ، بخلاف ما لا هاء فيه كرجل ؛ أو فيه وبنيت عليه الكلمة : كصلاة ~~وزكاة . فالمقترن ب ( أل ) من ذلك عام . وعلى الأول - الذي هو الصحيح - أن ~~عمومه من جهة اللفظ . وقيل : من جهة المعنى . وقال ابن العراقي : عموم ~~المفرد الذي دخلت عليه أل غير عموم الجمع الذي دخلت عليه أل . فالأول : يعم ~~المفردات . والثاني : يعم الجموع ؛ لأن أل تعم أفراد ما دخلت عليه . وقد ~~دخلت على جمع . PageV03P135 وفائدة هذا : تعذر الاستدلال بالجمع على مفرد ~~في حالة النفي والنهي ؛ لأن العموم وارد على أفراد الجموع ، والواحد ليس ~~بجمع ( و ) من صيغ العموم أيضا ( مفرد مضاف لمعرفة ) كعبدك وامرأتك عند ~~أحمد ومالك ، تبعا لعلي وابن عباس رضي الله عنهم . وحكاه بعض الشافعية عن ~~الأكثر . ومنه قوله تعالى { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ( و ) من صيغه ~~أيضا ( نكرة في نفي ، و ) كذا في ( نهي ) لأنه في معنى النفي . صرح به أهل ~~العربية ، ولا فرق في ذلك بين أن يباشر العامل النكرة ، نحو : ما أحد قائما ~~، أو يباشر العامل فيها . نحو : ما قام أحد . أو كانت النكرة في سياق النفي ~~ولم يباشرها ، نحو ليس في الدار رجل . PageV03P136 وخالف بعضهم في أنها في ~~سياق النفي ليست للعموم . وهو . مخصوم بقوله ms349 تعالى { قل من أنزل الكتاب ~~الذي جاء به موسى } ردا على من قال { ما أنزل الله على بشر من شيء } لأنه ~~لو لم يكن عاما لما حصل به الرد . ومن أمثلة النكرة في سياق النهي نحو : ~~قوله تعالى { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله } وقوله ~~تعالى { ولا تطغوا فيه } { ولا تقربوا الزنا } { ولا تقتلوا النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق } { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } إذا علمت ذلك : فإن ~~عموم النكرة في سياق النفي والنهي يكون ( وضعا ) بمعنى أن اللفظ وضع لسلب ~~كل فرد من الأفراد بالمطابقة . PageV03P137 وقيل : إن عمومها لزوما ، بمعنى ~~أن نفي فرد منهم يقتضي نفي جميع الأفراد ضرورة . والأول : اختيار القرافي ~~ومن وافقه . والثاني : اختيار السبكي ومن وافقه . ويؤيد الأول : صحة ~~الاستثناء في هذه الصيغة بالاتفاق . فدل على تناولها لكل فرد . ثم اعلم أن ~~دلالة النكرة في سياق النفي على العموم قسمان : قسم يكون ( نصا ) وصورته : ~~ما إذا بنيت فيه النكرة على الفتح لتركبها مع لا . نحو : لا إله إلا الله ( ~~و ) قسم يكون ( ظاهرا ) وصورته : ما إذا لم تبن النكرة مع لا . نحو : لا في ~~الدار رجل بالرفع ؛ لأنه يصح أن يقال : بعده ، بل رجلان . فدل على أنها ~~ليست نصا . فإن زيد فيها ' من ' كانت نصا أيضا PageV03P138 ( و ) من صيغ ~~العموم أيضا النكرة ( في ) سياق ( إثبات لامتنان ) مأخوذ ذلك من استدلال ~~أصحابنا إذا حلف لا يأكل فاكهة يحنث بأكل التمر والرمان لقوله تعالى { ~~فيهما فاكهة ونخل ورمان } قاله في القواعد الأصولية ، وذكر جماعة من ~~العلماء . منهم القاضي أبو الطيب الطبري في أوائل تعليقه في الكلام على ~~قوله تعالى { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } وجرى عليه الزملكاني في كتاب ~~البرهان . وقطع PageV03P139 به البرماوي في منظومته وشرحها . قيل : والقول ~~به مأخوذ من كلام البيانيين في تنكير المسند إليه . أنه يكون للتكثير . نحو ~~إن له لإبلا ، وإن له لغنما . وعليه حمل الزمخشري قوله تعالى { إن لنا ~~لأجرا } وكذا قرره في قوله تعالى { فيها عين ms350 جارية } ( و ) كذا النكرة في ~~سياق ( استفهام إنكاري ) قاله البرماوي وغيره . لأنه في معنى النفي . كما ~~صرح به في العربية في باب مسوغات الابتداء وصاحب الحال . وفي باب الاستثناء ~~، وفي الوصف المبتدإ المستغنى بمرفوعه عن خبره عند من يشترط النفي ، أو ما ~~في معناه ، وهو الاستفهام . نحو هل قام زيد ؟ قال الله تعالى { هل تحس منهم ~~من أحد أو تسمع لهم ركزا } { هل تعلم له سميا } فإن المراد نفي ذلك كله ، ~~لأن الإنكار هو حقيقة النفي PageV03P140 ( و ) كذا النكرة في سياق ( شرط ) ~~فإنها تعم نحو قوله تعالى { من عمل صالحا فلنفسه } { وإن أحد من المشركين ~~استجارك فأجره } ومن يأتيني بأسير فله دينار . يعم كل أسير ؛ لأن الشرط في ~~معنى النفي لكونه تعليق أمر لم يوجد على أمر لم يوجد . وقد صرح إمام ~~الحرمين في البرهان بإفادته العموم ، ووافقه . الإبياري في شرحه ، وهو ~~مقتضى كلام الآمدي وابن الحاجب وغيرهما في مسألة : لا أكلت وإن أكلت . وزعم ~~بعضهم : أن المراد العموم البدلي لا العموم الشمولي PageV03P141 ( ولا يعم ~~جمع منكر غير مضاف ) عند الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه والأكثر ؛ لأنه لو ~~قال : اضرب رجالا ، امتثل بضرب أقل الجمع ، أو له عندي عبيد ، قبل تفسيره ~~بأقل الجمع ، لأن أهل اللغة يسمونه نكرة ، ولو كان عاما لم يكن نكرة ~~لمغايرة معنى النكرة لمعنى العموم ، كما سبق في تعريف العام ، ولأنه يصدق ~~على أقل الجمع ، وعلى ما زاد مرتبة بعد أخرى إلى ما لا يتناهى ، وإذا كان ~~مدلول النكرة أعم من هذا ومن الصور السابقة ، فالأعم لا يدل على الأخص . ~~وعمومه في هذه الصورة إنما هو من عموم بدل لا شمول . وذكر أبو الخطاب في ~~التمهيد وجها بالعموم . وقاله أبو ثور وبعض الحنفية وبعض الشافعية وأبو علي ~~الجبائي وحكاه الغزالي عن الجمهور PageV03P142 ( و ) على الأول ( يحمل على ~~أقل جمع ) وقيل : يحمل على مجموع الأفراد من دلالة الكل على الأجزاء . ~~والصحيح الأول . قال ابن العراقي : قلت : وكلام الجمهور في الحمل على أقل ~~الجمع محمول على جموع ms351 القلة ، لنصهم على أن جموع الكثرة إنما تتناول أحد ~~عشر فما فوقها . ويخالفه قول الفقهاء : إنه يقبل تفسير الإقرار بدراهم ~~بثلاثة ، مع أن دراهم جمع كثرة . وكأنهم جروا في ذلك على العرف من غير نظر ~~إلى الوضع اللغوي . اه . PageV03P143 ( وهو ) أي أقل الجمع ( ثلاثة حقيقة ) ~~قاله أكثر المتكلمين . وذكره ابن برهان قول الفقهاء قاطبة . وحكاه القاضي ~~عبد الوهاب عن مالك . وحكاه الآمدي عن ابن عباس ومشايخ المعتزلة ؛ وقال ~~الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني والباقلاني والغزالي وابن الماجشون ، ~~والبلخي ، PageV03P144 وابن داود ، وعلي بن عيسى النحوي ، ونفطويه ، وبعض ~~أصحابنا : اثنان حقيقة . وحكي عن عمر وزيد بن ثابت رضي الله عنهما ، ~~PageV03P145 واستدل للأول بسبق الثلاثة عند الإطلاق . ولا يصح نفي الصيغة ~~عنها . وهما دليل الحقيقة . والمثنى بالعكس . روى البيهقي وابن حزم - محتجا ~~به - وغيرهما بإسناد جيد إلى ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ابن عباس . رضي الله ~~عنهما . عنه ؛ أنه قال لعثمان ' إن الأخوين لا يردان الأم إلى السدس . إنما ~~قال الله تعالى ( { فإن كان له إخوة } ) والأخوان في لسان قومك ليسا بإخوة ~~. فقال عثمان : لا أستطيع أن أنقض أمرا كان قبلي ، وتوارثه الناس ، ومضى في ~~الأمصار ' PageV03P146 قال أحمد في شعبة : ما أرى به بأسا . واختلف قول ابن ~~معين ، وقال مالك : ليس بثقة . وقال أبو زرعة : ضعيف . وقال النسائي : ليس ~~بقوي ، ولما حجب القوم الأم بالأخوين دل على أن الآية قصدت الأخوين فما فوق ~~، وهذا دليل صحة الإطلاق مجازا . ودليل القائل حقيقة هذه الآية . والأصل ~~الحقيقة . وعن زيد بن ثابت ' يسمى الأخوان إخوة ' رد بما سبق . وإن صح قول ~~زيد - فإن فيه عبد الرحمن بن أبي الزناد ، PageV03P147 مختلف فيه - فمراده ~~: مجازا وفي حجب الأم . قالوا ( { إنا معكم مستمعون } ) لموسى وهارون ، رد ~~، ومن آمن من قومهما ، أو وفرعون أيضا ، قالوا ( { وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا } ) رد الطائفة الجماعة لغة . وعن ابن عباس ' الطائفة : الواحد فما ~~PageV03P148 فوقه نحو قوله تعالى وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ' فإن ~~صح فمجاز . ولا يلزم مثله في الجمع ، ولهذا قال الجوهري ms352 : هي القطعة من ~~الشيء . وذكر قول ابن عباس هذا ، كالخصم للواحد والجمع ؛ لأنه في الأصل ~~مصدر . قالوا ( { وكنا لحكمهم شاهدين } ) رد الضمير للقوم ، أو لهم وللحاكم ~~، فيكون الحكم بمعنى الأمر ؛ لأنه لا يضاف المصدر إلى الفاعل والمفعول . ~~قالوا : قال عليه الصلاة والسلام { الاثنان فما فوقهما جماعة } PageV03P149 ~~رد خبر ضعيف . ثم المراد في الفضيلة ، لتعريفه الشرع لا اللغة . وعلى الأول ~~: قال أصحابنا وأبو المعالي : يصح إطلاق الجمع على الاثنين والواحد مجازا . ~~واستدلوا بقوله تعالى ( { الذين قال لهم الناس إن الناس قد PageV03P150 ~~جمعوا لكم فاخشوهم } ) ومثله ابن فارس بقوله تعالى ( { فناظرة بم يرجع ~~المرسلون } ) فإن المراد بالمرسلين : سليمان أو الهدهد وفيه نظر ؛ لاحتمال ~~إرادتها الجيش . ومثله بعضهم بقول الزوج لامرأته - وقد رآها تتصدى لناظريها ~~- : تتبرجين للرجال ؟ ولم ير إلا واحدا . فإن الأنفة من ذلك يستوي فيها ~~الجمع والواحد . واعترض بأنه إنما أراد الجمع ، لظنه أنها لم تتبرج لهذا ~~الواحد إلا وقد تبرجت لغيره . ( والمراد ) بما تقدم من محل الخلاف ( غير ~~لفظ جمع ) المشتمل على الجيم والميم والعين ؛ فإنه يطلق على الاثنين ، كما ~~صرح به المحققون ؛ لأن مدلوله : ضم شيء إلى شيء PageV03P151 ( و ) غير ( ~~نحن ، وقلنا ، وقلوبكما ) ونحو ذلك مما في الإنسان منه شيء واحد ، بل هو ~~وفاق . قال البرماوي وغيره : ليس الخلاف في { صغت قلوبكما } لأن قاعدة . : ~~أن كل اثنين أضيفا إلى متضمنهما يجوز فيه ثلاثة أوجه : الجمع على الأصح ، ~~نحو قطعت رءوس الكبشين ، ثم الإفراد كرأس الكبشين ، ثم التثنية كرأسي ~~الكبشين . وإنما رجح الجمع استثقالا ، لتوالي دالين على شيء واحد ، وهو ~~التثنية وتضمن الجمع العدد ، بخلاف ما لو أفرد . انتهى . وإنما كان الخلاف ~~في غير ذلك لاستثناء ذلك لغة . وإنما الخلاف في نحو ' رجال ومسلمين ' ~~وضمائر الغيبة والخطاب . PageV03P152 ( وأقل الجماعة في غير صلاة ثلاثة ) ~~قاله الأصحاب ، ما عدا ابن الجوزي في كشف المشكل ، وصاحب البلغة فيها . ~~واختاره من النحاة الزجاج ، وذكر بعض المتأخرين : أن لفظ ' جمع ' كلفظ ' ~~جماعة ' ( ومعيار العموم : صحة الاستثناء من غير عدد ) يعني أنه يستدل على ~~عموم اللفظ ms353 بقبوله الاستثناء منه ، فإن الاستثناء إخراج ما لولاه لوجب ~~دخوله في المستثنى منه ، فوجب أن تكون كل الأفراد واجبة الاندراج . وهذا ~~معنى العموم ، ولم يستثن في جمع الجوامع العدد ، فورد عليه ، فأجاب : بأنا ~~لم نقل كل مستثنى منه عام . بل قلنا : كل عام يقبل الاستثناء . فمن أين ~~العكس ؟ PageV03P153 قال في شرح التحرير : وفيما قاله نظر ؛ فإن معيار ~~الشيء ما يسعه وحده . فإذا وسع غيره معه خرج عن كونه معياره . فاللفظ يقتضي ~~اختصاص الاستثناء بالعموم انتهى ، وبقيت مسائل تدل على العموم . منها : أن ~~يكون اللفظ عاما بالعرف أو بالعقل ، فالأول في ثلاث أمور : أحدها : فحوى ~~الخطاب . والثاني : لحن الخطاب . فهذان القسمان الحكم فيهما على شيء ، ~~والمسكوت عنه مساو له . فيه أو أولى نحو . قوله تعالى . ( { إن الذين ~~يأكلون أموال اليتامى ظلما } ) ( { فلا تقل لهما أف } ) . ويأتي بيان ~~القسمين في مفهوم الموافقة . PageV03P154 وحكاية الخلاف في الفحوى أنه . دل ~~على المسكوت عنه قياسا ، أو نقل عرفا أو مجازا بالقرينة ، أو دل من حيث ~~المفهوم . والثالث : ما نسبة الحكم فيه لذات . وإنما تعلق في المعنى بفعل ~~اقتضاه الكلام ، نحو . قوله تعالى . { حرمت عليكم الميتة } { حرمت عليكم ~~أمهاتكم } فإن العرف الأول نقله إلى تحريم الأكل على العموم ، وفي الثانية ~~إلى جميع الاستمتاعات المقصودة من النساء ، فيشمل الوطء ومقدماته . ومنهم ~~من يقدر الوطء فقط ، على ما يأتي . والثاني وهو العام بالعقل . وذلك في ~~ثلاثة أمور : أحدها : ترتيب الحكم على الوصف ، نحو حرمت الخمر للإسكار فإن ~~ذلك يقتضي أن يكون علة له ، والعقل يحكم بأنه كلما وجدت العلة يوجد المعلول ~~، وكلما انتفت ينتفي . PageV03P155 فهذا القسم لم يدل باللغة ، لأنه لا ~~منطوق فيه بصيغة عموم ، ولا بالمفهوم ، وذلك ظاهر ، ولا بالعرف لعدم ~~الاشتهار . فلم يبق إلا العقل . وإذا قلنا : بأن نحو قوله تعالى { فلا تقل ~~لهما أف } من باب القياس يكون من العام عقلا ، نعم ترتيب الحكم على العلة ، ~~وإن كان من عموم العلة عقلا ، لكنه إذا كان من الشرع فالحكم في عمومه لكل ~~ما فيه تلك العلة ms354 التي وقع القياس بها شرعي . وقيل : الحكم في عمومه لغوي . ~~وقيل : لا يعم شرعا ولا لغة . PageV03P156 ومن أمثلة المسألة قوله صلى الله ~~عليه وسلم في قتلى أحد { زملوهم بكلومهم ودمائهم ، فإنهم يحشرون وأوداجهم ~~تشخب دما } فإنه يعم كل شهيد شرعا . والثاني : مفهوم المخالفة عند القائل ~~به ، لقوله صلى الله عليه وسلم { مطل الغني ظلم } فإنه يدل بمفهومه على أن ~~مطل غير الغني عموما لا يكون ظلما . PageV03P157 والثالث : إذا وقع جوابا ~~لسؤال ، كما لو { سئل النبي صلى الله عليه وسلم عمن أفطر ؟ فقال عليه ~~الكفارة } فيعلم أنه يعم كل مفطر . ( فائدة : ) ( سائر الشيء بمعنى باقيه ) ~~وهذا المشهور عند الجمهور . وذلك لأنها من ' أسأر ' بمعنى أبقى ، فهو من ~~السؤر ، وهو البقية ، فلا يعم PageV03P158 وقال الجوهري في الصحاح : هي ~~بمعنى الجميع ، لأنها من سور المدينة ، وهو المحيط بها . وغلطوه . قال في ~~شرح التحرير : وليس كذلك ، فقد ذكره السيرافي في شرح سيبويه ، والجواليقي ~~في شرح أدب الكاتب ، وابن بري وغيرهم ، وأوردوا له شواهد كثيرة وممن عدها ~~من صيغ العموم : القاضي أبو بكر الباقلاني في التقريب ، وغيره . ولكن قال ~~البرماوي : لا تنافي بين القولين ، فهو للعموم المطلق . والعموم الباقي ~~بحسب الاستعمال PageV03P159 # | ( فصل ) # ( العام بعد تخصيصه حقيقة ) فيما لم . يخص عند الأكثر من أصحابنا . ونقله ~~أبو المعالي عن جمهور الفقهاء . قال أبو حامد : هذا مذهب الشافعي وأصحابه . ~~وذلك لأن العام في تقدير ألفاظ مطابقة لأفراد مدلوله منها فسقط بالتخصيص ~~طبق ما خصص به من المعنى . فالباقي منها ومن المدلول متطابقان تقديرا ، فلا ~~استعمال في غير الموضوع له ، فلا مجاز ، فالتناول باق ، فكان حقيقة قبله ، ~~فكذا بعده . PageV03P160 وقال أبو الخطاب وأكثر الأشعرية والمعتزلة : يكون ~~مجازا بعد التخصيص . واختاره البيضاوي وابن الحاجب والصفي الهندي ، لأنه ~~قبل التخصيص حقيقة في الاستغراق . فلو كان حقيقة فيه بعد لم يفتقر إلى ~~قرينة ، ويحصل الاشتراك . وجملة الأقوال في المسألة ثمانية ، تركنا باقيها ~~خشية الإطالة . ( وهو ) - أي العام بعد تخصيصه - ( حجة إن خص بمبين ) أي ~~بمعلوم . أو استثناء بمعلوم عند الإمام أحمد رضي ms355 الله عنه وأصحابه ~~PageV03P161 والأكثر . وذكره الآمدي عن الفقهاء . وقال الدبوسي . هو الذي ~~صح عندنا من مذهب السلف . لكنه غير موجب للعلم قطعا ، بخلاف ما قبل التخصيص ~~. انتهى . وقيل : حجة في أقل الجمع ، لا فيما زاد . حكاه الباقلاني ~~والغزالي والقشيري . وقال : إنه تحكم . وقيل : حجة في واحد ، ولا يتمسك به ~~في جمع . PageV03P162 وقيل : حجة إن خص بمتصل ، وإن خص بمنفصل فمجمل في ~~الباقي ، وقيل : إن كان العموم منبئا عنه قبل التخصيص ، كقوله تعالى اقتلوا ~~المشركين ' فهو حجة ، فإنه ينبئ عن الحربي كما ينبئ عن المستأمن . وإن لم ~~يكن منبئا فليس بحجة ، كقوله تعالى . { والسارق والسارقة } فإنه لا ينبئ عن ~~النصاب والحرز . فإذا انتهى العمل به عند عدم النصاب والحرز لم يعمل به عند ~~وجودهما . وفيه أقوال يطول الكلام بذكرها . PageV03P163 وعلم مما تقدم من ~~قوله : ' إن خص بمبين ' أنه لو خص بمجهول كقوله تعالى اقتلوا المشركين ' . ~~إلا بعضهم ، لم يكن حجة اتفاقا . قاله جمع . وهو ظاهر تقييد ابن الحاجب ~~والبيضاوي وغيرهما . ومحل الخلاف بالمخصص بمعين ، فلا يستدل ب { اقتلوا ~~المشركين } إلا بعضهم بقتل فرد من الأفراد ، إذ ما من فرد من الأفراد إلا ~~ويجوز أن يكون هو المخرج . ومنه قوله تعالى { أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ~~ما يتلى عليكم } PageV03P164 وقيل : يكون حجة أيضا . وقدمه في جمع الجوامع ~~، وعزاه إلى الأكثر . قال في شرح التحرير : وتبع في ذلك ابن برهان . ~~والصواب ما تقدم . انتهى . ( وعمومه ) أي عموم ما خص بمبين ( مراد تناولا ، ~~لا حكما ) أي من جهة تناول اللفظ لأفراده ، لا من جهة الحكم . ( وقرينته ~~لفظية وقد تنفك ) عنه . ( والعام الذي أريد به الخصوص . كلي استعمل في جزئي ~~ومن ثم كان ) هذا ( مجازا ) لنقل اللفظ عن موضوعه الأصلي ، بخلاف ما قبله ~~PageV03P165 ( وقرينته عقلية لا تنفك ) عنه ومما يدل على الفرق بينهما : أن ~~دلالة الأول أعم من دلالة الثاني . قال في شرح التحرير : لم يتعرض كثير من ~~العلماء للفرق بين العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص . وهو من ~~مهمات هذا الباب . وفرق بينهما ms356 أبو حامد بأن الذي أريد به الخصوص : ما كان ~~المراد به أقل . وما ليس بمراد هو الأكثر . قال ابن هبيرة : وليس كذلك ~~العام المخصوص : لأن المراد به هو الأكثر ، وما ليس بمراد : هو الأقل . ~~وفرق الماوردي بوجهين : أحدهما : هذا . والثاني : أن إرادة ما أريد به ~~العموم ، ثم خص بتأخر أو تقارن . وقال ابن دقيق العيد : يجب أن يتنبه للفرق ~~بينهما . فالعام المخصوص أعم من العام الذي أريد به الخصوص . ألا ترى أن ~~المتكلم إذا أراد باللفظ أولا ما دل PageV03P166 عليه ظاهره من العموم ، ثم ~~أخرج بعد ذلك بعض ما دل عليه اللفظ : كان عاما مخصوصا ، ولم يكن عاما أريد ~~به الخصوص ؟ ويقال : إنه منسوخ بالنسبة إلى البعض الذي أخرج . وهذا متوجه ~~إذا قصد العموم . وفرق بينه وبين أن لا يقصد الخصوص ، بخلاف ما إذا نطق ~~باللفظ العام مريدا به بعض ما تناوله في هذا . انتهى . قال البرماوي : ~~وحاصل ما قرره : أن العام إذا قصر على بعضه ، له ثلاث حالات . الأولى : أن ~~يراد به في الابتداء خاص ، فهذا هو المراد به خاص . والثانية : أن يراد به ~~عام ، ثم يخرج منه بعضه ، فهذا نسخ . والثالثة : أن لا يقصد به خاص ولا عام ~~في الابتداء ، ثم يخرج منه أمر يتبين بذلك أنه لم يرد به في الابتداء عمومه ~~، فهذا هو العام المخصوص . ولهذا كان التخصيص عندنا بيانا ، لا نسخا . إلا ~~إن أخرج بعد دخول وقت العمل بالعام ، فيكون نسخا ، لأنه قد تبين أن العموم ~~أريد به في الابتداء . انتهى . وفرق السبكي ، فقال : العام المخصوص أريد ~~عمومه وشموله لجميع الأفراد من جهة تناول اللفظ لها ، لا من جهة الحكم ، ~~والذي أريد به الخصوص لم يرد شموله لجميع الأفراد لا من جهة التناول ولا من ~~جهة الحكم بل هو كلي استعمل في PageV03P167 جزئي ، ولهذا كان مجازا قطعا ، ~~لنقل اللفظ عن موضوعه الأصلي ، بخلاف العام المخصوص . وقال شيخ الإسلام ~~البلقيني : الفرق بينهما من أوجه : أحدها : أن قرينة المخصوص لفظية ، ~~وقرينة الذي أريد به الخصوص عقلية . الثاني ms357 : أن قرينة المخصوص قد تنفك عنه ~~؛ وقرينة الذي أريد به الخصوص لا تنفك عنه ، قال ابن قاضي الجبل : يجوز ~~ورود العام والمراد به الخصوص ، خبرا كان أو أمرا . قال أبو الخطاب : وقد ~~ذكر الإمام أحمد رحمه الله في قوله تعالى { تدمر كل شيء بأمر ربها } قال : ~~وأتت على أشياء لم تدمرها ، كمساكنهم والجبال ( والجواب ) من الشارع إن لم ~~يكن مستقلا بالسؤال ، وهو المراد بقوله ( لا المستقل ) فهو ( تابع لسؤال ) ~~في ( عمومه ) اتفاقا نحو { جواب PageV03P168 النبي صلى الله عليه وسلم لمن ~~سأله عن بيع الرطب بالتمر أينقص الرطب ، إذا يبس ؟ قيل : نعم . قال : فلا ~~إذن } وفي قول : ( و ) كذا في ( خصوصه ) يعني أن الجواب غير المستقل يتبع ~~السؤال في خصوصه أيضا في أحد قولي العلماء ، نحو قوله تعالى { هل وجدتم ما ~~وعد ربكم حقا قالوا نعم } وكحديث أنس { قال رجل : يا رسول الله ، الرجل منا ~~يلقى أخاه أو صديقه ، أينحني له ؟ قال : لا . قال : أفيلزمه ويقبله ؟ قال : ~~لا . قال : فيأخذه بيده ويصافحه ؟ قال : نعم } قال الترمذي : حديث حسن . ~~PageV03P169 قال أبو الخطاب في التمهيد : كقوله لغيره : تغد عندي ، فيقول ~~لا . وقال القاضي وغيره : كقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة { . تجزيك ، ~~ولا . تجزي أحدا بعدك } أي في الأضحية . قال الآمدي : فهذا وأمثاله وإن ترك ~~فيه الاستفصال مع تعارض الأحوال : لا يدل على التعميم في حق غيره ، كما ~~قاله الشافعي ، إذ اللفظ لا عموم له . ولعل الحكم على ذلك الشخص لمعنى يختص ~~به ، كتخصيص أبي بردة بقوله { ولا تجزئ أحدا بعدك } ثم بتقدير تعميم المعنى ~~فبالعلة لا بالنص . PageV03P170 وقاله قبله أبو المعالي ، لاحتمال معرفة ~~حاله . فأجاب على ما عرف . وعلى هذا تجري أكثر الفتاوى من المفتين . قال ~~ابن مفلح : كذا قال . والقول الثاني للعلماء : إن الجواب غير المستقل لا ~~يتبع السؤال في خصوصه ، إذ لو اختص به لما احتيج إلى تخصيصه . وهذا ظاهر ~~كلام الشافعي أيضا في قوله ' ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام ~~الاحتمال : ينزل منزلة العموم في المقال ، ويحسن به ms358 الاستدلال ' قال المجد ~~في المسودة : وهذا ظاهر كلام الإمام أحمد رضي الله عنه ، لأنه احتج في ~~مواضع كثيرة بمثل ذلك وكذلك أصحابنا . وقال المجد أيضا : وما سبق إنما يمنع ~~قوة العموم لا ظهوره ، لأن الأصل عدم المعرفة لما لم يذكر . PageV03P171 ~~ومثله الشافعي رحمه الله { بقول النبي صلى الله عليه وسلم لغيلان وقد أسلم ~~على عشر نسوة : أمسك أربعا } ولم يسأله : هل ورد العقد عليهن معا أو مرتبا ~~؟ فدل على عدم الفرق . وروي عن الشافعي عبارة أخرى ، وهي ' حكاية الحال إذا ~~تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال ، وسقط بها الاستدلال ' فاختلفت ~~أجوبة العلماء عن ذلك . فمنهم من قال : هذا مشكل ، ومنهم من قال : ~~PageV03P172 له قولان . وقال الأصفهاني : يحمل الأول على قول يحال عليه ~~العموم ، ويحمل الثاني على فعل ، لأنه لا عموم له . واختاره شيخ الإسلام ~~البلقيني ، وابن دقيق العيد في شرح الإلمام ، والسبكي في باب ما يحرم من ~~النكاح في شرح المنهاج . وقال القرافي : الأول مع بعد الاحتمال ، والثاني ~~مع قرب الاحتمال . ثم الاحتمال إن كان في دليل الحكم سقط الحكم والاستدلال ~~، كقوله في المحرم { لا تمسوه طيبا ، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا } . ~~PageV03P173 وقال أيضا : الأول إذا كان الاحتمال في محل الحكم كقصة غيلان ، ~~والثاني إذا كان الاحتمال في دليل الحكم . قال ابن مفلح : كذا قال . وعند ~~أحمد والشافعي وأصحابهما : الحكم عام في كل محرم . ثم قال أصحابنا في ذلك : ~~حكمه في واحد حكمه في مثله ، إلا أن يرد تخصيصه . ولهذا حكمه في شهداء أحد ~~حكمه في سائر الشهداء . قال القاضي وغيره : اللفظ خاص ، والتعليل عام في كل ~~محرم . وعند الحنفية والمالكية يختص بذلك المحرم ( و ) الجواب ( المستقل ) ~~وهو الذي لو ورد ابتداء لأفاد العموم ( إن ساوى السؤال ) في عمومه وخصوصه ~~عند كون السؤال عاما أو خاصا ( تابعه ) PageV03P174 أي تابع الجواب السؤال ~~( فيما فيه ) أي في السؤال ( منهما ) أي من العموم والخصوص ، فالعموم نحو ~~قوله صلى الله عليه وسلم حين { سئل عن الوضوء بماء البحر هو الطهور ماؤه ، ~~الحل ميتته } والخصوص ms359 نحو قوله صلى الله عليه وسلم حين { سأله الأعرابي عن ~~وطئه في نهار رمضان أعتق رقبة } PageV03P175 قال الغزالي : هذا مراد ~~الشافعي بالعبارة الأولى ( فإن كان الجواب أخص من السؤال اختص به ) أي ~~الجواب ( السؤال ) كمن يسأل عن قتل النساء الكوافر ؟ فيقال له : اقتل ~~المرتدات ، فيختص السؤال عن قتل النساء بالمرتدات منهن . ( وإن كان ) ~~الجواب ( أعم ) من السؤال . مثاله : لما { سئل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن ماء بئر بضاعة ؟ فقال الماء طهور لا ينجسه شيء } PageV03P176 ( أو ~~ورد ) حكم ( عام على سبب خاص بلا سؤال ) ، كما روي ' { أنه صلى الله عليه ~~وسلم مر على شاة ميتة لميمونة ، فقال : أيما إهاب دبغ فقد طهر } . ( اعتبر ~~عمومه ) أي عموم الجواب في الصورة الأولى ، وعموم اللفظ الوارد على السبب ~~الخاص في الثانية ، ولم يقتصر على سببه عند أحمد والشافعي وأكثر أصحابهما ~~PageV03P177 رضي الله عنهما وأكثر الحنفية والمالكية والأشعرية ، لأن عدول ~~المجيب عما سئل عنه ، أو عدول الشارع عما اقتضاه حال السبب الذي ورد العام ~~عليه عن ذكره بخصوصه إلى العموم دليل على إرادته ، لأن الحجة في اللفظ ، ~~وهو مقتضى العموم ، والسبب لا يصلح معارضا ، لجواز أن يكون المقصود عند ~~ورود الجواب أو السبب : بيان القاعدة العامة لهذه الصورة وغيرها . قال في ~~شرح التحرير : ولنا قول في مذهبنا ، وقاله جمع كثير : أنه يقتصر على سببه . ~~PageV03P178 واستدل للأول الذي هو الصحيح : أن الصحابة ومن بعدهم استدلوا ~~على التعميم مع السبب الخاص ، ولم ينكر ، كآية اللعان . ونزلت في هلال بن ~~أمية . وهو في الصحيحين . وآية الظهار ، ونزلت في أوس PageV03P179 بن ~~الصامت . رواه أحمد وأبو داود وغيرهما . وقصة عائشة في الإفك في الصحيحين ، ~~وغير ذلك . فكذا هنا . ولأن اللفظ عام بوضعه والاعتبار به بدليل لو كان أخص ~~. والأصل عدم مانع . وقاس ذلك أصحابنا وغيرهم على الزمان والمكان ، مع أن ~~المصلحة قد تختلف بهما . قال المخالف : لو عم جاز تخصيص السبب بالاجتهاد ~~كغيره . PageV03P180 ورد بأن السبب مراد قطعا بقرينة خارجية ، لورود الخطاب ~~بيانا له ، وغيره ظاهر . ولهذا لو ms360 سألته امرأة من نسائه طلاقها ، فقال : ~~نسائي طوالق : طلقت . ذكره ابن عقيل إجماعا وأنه لا يجوز تخصيصه . والأشهر ~~عندنا : ولو استثناها بقلبه ، لكن يدين . قال ابن مفلح : ويتوجه فيه خلاف . ~~ولو استثنى غيرها لم تطلق ، على أنه منع في الإرشاد والمبهج والفصول ~~المعتمر المحصر من التحلل مع أن سبب الآية في حصر الحديبية . وكانوا ~~معتمرين . وعن أحمد رحمه الله : أنه حمل ما في الصحيحين من حديث أبي ~~PageV03P181 هريرة { لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين } على أمر الآخرة ، مع أن ~~سببه أمر الدنيا . لكن يحتمل أنه لم يصح عنده سببه ، والأصح عن أحمد : أنه ~~لا يصح اللعان على حمل . وقاله أبو حنيفة . وهو سبب آية اللعان ، واللعان ~~عليه في الصحيحين . لكن ضعفه أحمد . ولهذا في الصحيحين { أنه لاعن بعد ~~الوضع } ثم يحتمل أنه علم وجوده بوحي ، فلا PageV03P182 يكون اللعان معلقا ~~بشرط . وليس سبب الآية قذف حامل ولعانها . وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله ~~عنها { أن عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد : أن ابن وليدة زمعة ابني ، ~~فاقبضه إليك . فلما كان عام الفتح أخذه سعد وفيه فقال سعد : هذا يا رسول ~~الله ، ابن أخي عتبة ، PageV03P183 عهد إلي أنه ابنه ، انظر إلى شبهه [ ~~وقال عبد بن زمعة هذا أخي ولد على فراش أبي من وليدته فنظر ] . فرأى فيه ~~شبها بينا بعتبة ، فقال : هو لك يا عبد بن زمعة ، الولد للفراش ، وللعاهر ~~الحجر . واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة . وكانت تحت النبي صلى الله عليه ~~وسلم } وفي لفظ للبخاري { هو أخوك PageV03P184 يا عبد } ولأحمد والنسائي ~~بإسناد جيد من حديث عبد الله بن الزبير { أن زمعة كانت له جارية يطؤها ، ~~وكانت تظن بآخر وفيه احتجبي منه يا سودة ، فليس لك بأخ } . زاد أحمد { أما ~~الميراث فله } ' قالوا : لو عم لم ينقل السبب لعدم الفائدة . رد فائدته منع ~~تخصيصه ، ومعرفة الأسباب . PageV03P185 قالوا : لو قال : تغد عندي ، فحلف ~~لا تغديت ، لم يعم ، ومثله نظائرها . رد بالمنع في الأصح عن أحمد . وإن سلم ~~كقول مالك فللعرف ms361 ، ولدلالة السبب على النية ، فصار كمنوي . قالوا : لو عم ~~لم يطابق الجواب السؤال . رد طابق وزاد PageV03P186 ( وصورة السبب قطعية ~~الدخول في العموم ) عند الأكثر ( فلا يخص باجتهاد ) فيتطرق التخصيص إلى ذلك ~~العام ، إلا تلك الصورة ، فإنه لا يجوز إخراجها ، لكن السبكي قال : إنما ~~تكون صورة السبب قطعية إذا دل الدليل على دخولها وضعا تحت اللفظ العام . ~~وإلا فقد ينازع فيه الخصم ، ويدعي أنه قد يقصد المتكلم بالعام إخراج السبب ~~. فالمقطوع به إنما هو بيان حكمة السبب ، وهو حاصل مع كونه خارجا ، كما ~~يحصل بدخوله . ولا دليل على تعيين واحد من الأمرين . فائدة ، ( قيل : ليس ~~في القرآن عام لم يخص إلا قوله تعالى { وما من دابة في PageV03P187 الأرض ~~إلا على الله رزقها } وقوله تعالى { وهو بكل شيء عليم } ) . PageV03P188 # | ( فصل ) # ( يصح إطلاق جمع المشترك ) على معانيه ( ومثناه ) على معنييه معا ( ك ) ~~إطلاق ( مفرد على كل معانيه ) أما إرادة المتكلم باللفظ المشترك أحد معانيه ~~أو أحد معنييه . فهو جائز قطعا ، وهو حقيقة ، لأنه استعمال اللفظ فيما وضع ~~له . وأما إرادة المتكلم باللفظ المشترك استعماله في كل معانيه - وهي مسألة ~~المتن - ففيه مذاهب . أحدها - وهو الصحيح - يصح ، كقولنا : العين مخلوقة ، ~~ونريد جميع معانيها . وعلى هذا أكثر الأصحاب . PageV03P189 قال في الانتصار ~~- لما قيل له فيمن لا يجد نفقة امرأته - : يفرق بينهما ، أي لا يحبسها . ~~فقال : الظاهر منها الإطلاق ، على أنه عام في العقد والمكان معا . ونسب إلى ~~الشافعي . وقطع به من أصحابه : ابن أبي هريرة ، ومثله بقوله تعالى { إن ~~الله وملائكته يصلون على النبي } فإن الصلاة من الله الرحمة ، ومن الملائكة ~~الدعاء . وكذا لفظ { شهد الله أنه لا إله إلا هو } وشهادته تعالى علمه ، ~~وشهادة غيره إقراره بذلك . وبقوله تعالى { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النساء } النكاح العقد ، والوطء مرادان لنا منه إذا قلنا : النكاح مشترك . ~~وقطع به الباقلاني . ونقله أبو المعالي عن مذهب المحققين وجماهير الفقهاء ~~ويكون إطلاقه على معانيه أو معنييه مجازا لا حقيقة . نقله صاحب التلخيص من ~~الشافعية عن الشافعي ، وإليه ms362 ميل إمام الحرمين واختاره PageV03P190 ابن ~~الحاجب وتبعه في جمع الجوامع . وقيل : حقيقة . المذهب الثاني : يصح إطلاقه ~~على معنييه أو معانيه بقرينة متصلة . المذهب الثالث : صحة استعماله في ~~معنييه في النفي دون الإثبات ، لأن النكرة في سياق النفي تعم . المذهب ~~الرابع : صحة استعماله في غير مفرد . فإن كان جمعا كاعتدي بالأقراء ، أو ~~مثنى ، كقرأين صح . المذهب الخامس : صحة استعماله إن تعلق أحد المعنيين ~~بالآخر ، نحو قوله تعالى { أو لامستم النساء } فإن كلا من اللمس باليد ~~والوطء لازم للآخر . PageV03P191 المذهب السادس : يصح استعماله بوضع جديد ، ~~لكن ليس من اللغة ، فإن اللغة منعت منه المذهب السابع : لا يصح مطلقا . ~~اختاره من أصحابنا القاضي وأبو الخطاب وابن القيم . وحكاه عن الأكثرين . ~~قال في كتابه جلاء الأفهام في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم - في ~~منع كون الصلاة من الله سبحانه وتعالى الرحمة - : الأكثرون لا يجوزون ~~استعمال اللفظ المشترك في معنييه لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز . ورد ~~ما ورد عن الشافعي . قال : وقد ذكرنا على إبطال استعمال اللفظ المشترك في ~~معنييه معا بضعة عشر دليلا في مسألة القرء في كتاب التعليق على الأحكام . ~~فعلى الجواز : هو ظاهر في معنييه أو معانيه ، فيحمل على جميعها ؛ لأنه ~~PageV03P192 لا تدافع بينها وقيل : هو مجمل ، فيرجع إلى مخصص . قال الإسنوي ~~وغيره : ومحل الخلاف بين الشافعي وغيره في استعمال اللفظ في كل معانيه إنما ~~هو في الكلي العددي ، كما قاله في التحصيل ، أي في كل فرد ، فردوا ذلك بأن ~~يجعله يدل على كل واحد منهما على حدته بالمطابقة في الحالة التي تدل على ~~المعنى الآخر بها . وليس المراد بالكلي المجموعي ، وهو أن يجعل مجموع ~~المعنيين مدلولا مطابقا كدلالة العشرة على آحادها ، ولا الكلي البدلي ، وهو ~~أن يجعل كل واحد منهما مدلولا مطابقا على البدل . انتهى . ثم اعلم أن جمع ~~المشترك باعتبار معانيه مبني على جواز استعمال PageV03P193 المفرد في ~~معانيه . ووجه البناء : أن التثنية والجمع تابعان لما يسوغ على المفرد فيه ~~، فحيث جاز استعمال المفرد في معنييه أو معانيه ms363 جاز تثنية المشترك وجمعه ، ~~وحيث لا فلا ، فتقول : عيون زيد ، وتريد : بذلك العين الباصرة ، والعين ~~الجارية ، وعين الميزان ، والذهب الذي لزيد . واستعمل الحريري ذلك في ~~المقامات ، في قوله ' فانثنى بلا عينين ' يريد الباصرة والذهب . وهذا قول ~~الأكثر . PageV03P194 وقيل : يجوز تثنيته وجمعه ، وإن لم يصح إطلاق المفرد ~~على معانيه . وقيل بالمنع مطلقا . ( ويصح إطلاق اللفظ على حقيقته ومجازه ~~الراجح معا ) ويكون إطلاقه عليهما معا مجازا . فيحمل عليهما على ما تقدم من ~~الأقوال والأحكام ، إلا أن القاضي أبا بكر الباقلاني قال : استعمال اللفظ ~~في حقيقته ومجازه محال لأن الحقيقة استعمال اللفظ فيما وضع له والمجاز فيما ~~لم يوضع له ، وهما متناقضان . انتهى . ومن أمثلة ذلك : قوله سبحانه وتعالى ~~{ يوصيكم الله في أولادكم } فإنه حقيقة في ولد الصلب ، مجاز في ولد الابن . ~~ومثله قوله تعالى { وافعلوا الخير } فإنه شامل للوجوب والندب ، خلافا لمن ~~خصه بالوجوب PageV03P195 وبعضهم قال : إن مدلول ذلك القدر المشترك ، وهو ~~مطلق الطلب ، فرارا من الاشتراك والمجاز . ومن ذلك ما قاله المجد في قوله ~~صلى الله عليه وسلم { اقرءوا يس على موتاكم } يشمل المحتضر والميت قبل ~~الدفن وبعده ، فبعد الموت حقيقة ، وقبله مجاز . ومن ذلك أيضا : ما قاله ~~القاضي وابن عقيل وغيرهما : اللمس حقيقة في اللمس باليد ، مجاز في الجماع ، ~~فيحمل عليهما . ويجب الوضوء منهما جميعا ، لأنه لا تدافع بينهما . وفي ~~المسألة قول آخر : أنه يجب الحمل على الحقيقة دون المجاز ( وهو ) أي اللفظ ~~حالة إطلاقه على الحقيقة ومجازه ( ظاهر فيهما ) أي PageV03P196 غير مجمل ، ~~ولا ظاهر في أحدهما دون الآخر ، إذ لا قرينة تدل على أن المراد أحدهما ( ~~فيحمل عليهما كعام ) ومحل صحة الإطلاق والحمل إن لم يكن تناف بين المعنيين ~~( فإن تنافيا كافعل ، أمرا وتهديدا : امتنع ) الإطلاق والحمل ( وألحق ) ~~بالبناء للمفعول ( بذلك ) أي بما تقدم اللفظان ( المجازان المستويان ) مثال ~~ذلك لو حلف لا يشتري دار زيد ، وقامت قرينة على أن المراد : أنه لا يعقد ~~بنفسه ، وتردد الحال بين السوم وشراء الوكيل : هل يحمل عليهما أم لا ؟ فمن ~~جوز الحمل يقول ms364 : يحنث كل منهما ( ودلالة الاقتضاء والإضمار عامة ) عند ~~الأكثر من أصحابنا والمالكية . وعند القاضي وجمع مجملة . PageV03P197 وعند ~~ابن حمدان وأكثر الحنفية والشافعية هي لنفي الإثم . واستدل للأول - وهو ~~الصحيح - بما رواه الطبراني والدارقطني بإسناد جيد عن ابن عباس مرفوعا { إن ~~الله تعالى تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه } ورواه ابن ~~ماجه بلفظ { إن الله وضع } ورواه ابن عدي { إن الله رفع عن هذه الأمة ثلاثا ~~: الخطأ ، والنسيان ، والأمر يكرهون عليه } فمثل هذا يقال فيه : مقتضى ~~الإضمار ، PageV03P198 ومقتضاه الإضمار ، ودلالته على المضمر دلالة إضمار ~~واقتضاء . فالمضمر عام . قال ابن العراقي : ويسمى مقتضى ، لأنه أمر اقتضاه ~~النص لتوقف صحته عليه . وهو بكسر الضاد : اللفظ الطالب للإضمار ، وبفتحها . ~~ذلك المضمر نفسه الذي اقتضاه الكلام . تصحيحا . . وهو المراد هنا . انتهى . ~~قال البرماوي : المقتضي - بالكسر - : الكلام المحتاج للإضمار ، وبالفتح : ~~هو . ذلك المحذوف . ويعبر عنه أيضا بالمضمر . فالمختلف في عمومه : على ~~الصحيح المقتضى - بالفتح - بدليل استدلال من نفى عمومه بكون العموم من ~~عوارض الألفاظ ، فلا يجوز دعواه في المعاني . ويحتمل أن يكون في المقتضي - ~~بالكسر - PageV03P199 وهو المنطوق به ، المحتاج في دلالته للإضمار ، كما ~~صور به بعض الحنفية . وبالجملة في أصل المسألة : أن المحتاج إلى تقدير في ~~نحو { حرمت عليكم الميتة } وغيرها من الأمثلة ، إن دل الدليل على تقدير شيء ~~من المحتملات كلها ، وهو المراد بالعموم في هذه المسألة أولا ؟ . فيه مذاهب ~~. ووجهه : أنه لم يرد رفع الفعل الواقع ، بل ما تعلق به . فاللفظ محمول ~~عليه بنفسه مع قرينة عقلية . احتج به القاضي وغيره قال بعض أصحابنا إن ما ~~عليه اللفظ بنفسه مع قرينة عقلية . فهو حقيقة ، أو أنه حقيقة عرفية ، لكن ~~مقتضاه الأول . وكذا في التمهيد والروضة : أن اللفظ يقتضي ذلك . ~~PageV03P200 واعترض : لا بد من إضمار ، فهو مجاز ، ورد بالمنع كذلك . ثم ~~قولنا أقرب إلى الحقيقة ، وعورض بأن باب الإضمار في المجاز أقل ، فكلما قل ~~قلت مخالفة الأصل فيه ، فيسلم قولنا : لو عم أضمر من غير حاجة . ولا يجوز ~~رد بالمنع ، فإن حكم الخطإ ms365 عام ولا زيادة ، ويمنع أن زيادة حكم مانع . وقال ~~بعض أصحابنا عن بعضهم : التخصيص كالإضمار . وكذا قال إلكيا في الإضمار : هل ~~هو من المجاز أم لا ؟ فيه قولان ، كالقولين في العموم والخصوص ، فإنه نقص ~~المعنى عن اللفظ . والإضمار عكسه ، وليس فيهما استعمال اللفظ في موضع آخر . ~~وفي التمهيد : لأن الإثم لا مزية PageV03P201 لأمته فيه على الأمم لأن ~~الناسي غير مكلف ، ولأنه المعروف في نحو : ليس . للبلد سلطان ، لنفي الصفات ~~التي تنبغي له . ولا وجه لمنع الآمدي العرف في نحو : ليس للبلد سلطان . ~~وكلام الآمدي وغيره في التحريم المضاف إلى العين ، ونحو { لا صلاة إلا ~~بطهور } يخالف ما ذكروه هنا . وقالوا فيه بزيادة الإضمار ، وأنه أولى . ~~وقالوا في { رفع عن أمتي } لا إجمال فيه ولا إضمار ، لظهوره لغة قبل الشرع ~~في نفي المؤاخذة والعقاب ، وتبادره إلى الفهم . والأصل فيما تبادر : أنه ~~حقيقة لغة أو عرفا . ( و ) ما من اللفظ ( مثل : لا آكل ، أو إن أكلت فعبدي ~~حر : يعم مفعولاته ، فيقبل تخصيصه ) وكذا سائر الأفعال المتعدية ~~PageV03P202 قال البرماوي : الفعل المنفي هل يعم ، حتى إذا وقع في يمين ، ~~نحو والله لا آكل أو لا أضرب أو لا أقوم ، أو ما أكلت أو ما قعدت ونحو ذلك ~~، ونوى تخصيصه بشيء يقبل ، أو لا يعم فلا يقبل ؟ ينظر . إما أن يكون الفعل ~~متعديا أو لازما . فالأول : هو الذي ينصب فيه الخلاف عند الأكثر . فإذا نفي ~~ولم يذكر له مفعول به ، ففيه مذهبان . أحدهما - وهو قول أصحابنا والشافعية ~~والمالكية وأبي يوسف - أنه يعم . والمذهب الثاني : أنه لا يعم . وهو قول ~~أبي حنيفة والقرطبي والرازي . ومنشأ الخلاف : النفي للأفراد ، فيقبل إرادة ~~التخصيص ببعض PageV03P203 المفاعيل به لعمومه . أو لنفي الماهية ولا تعدد ~~فيها ، فلا عموم . والأصح هو الأول ( فلو نوى ) مأكولا ( معينا : قبل باطنا ~~) عند أصحابنا والمالكية والشافعية ، خلافا للحنفية وابن البنا والقرطبي ~~والرازي . فإن ذكر المفعول به ، . ك لا أكل تمرا أو زبيبا ، أو لا أضرب ~~عبدا ، فلا خلاف بين الفريقين في عمومه وقبوله التخصيص . واحتج القائلون ms366 ~~بقوله ' باطنا ' بصحة الاستثناء فيه ، فكذا تخصيصه . قال المخالف : المأكول ~~لم يلفظ به ، فلا عموم ، كالزمان والمكان . ورد بأن الحكم واحد عندنا وعند ~~المالكية . PageV03P204 قال ابن مفلح : ويتوجه احتمال بالفرق كقول الشافعية ~~( فلو زاد ) فقال : إن أكلت ( لحما ) مثلا ( ونوى ) لحما ( معينا ، قبل ) ~~منه نية التعيين ( مطلقا ) أي باطنا وظاهرا قال ابن مفلح عندنا وهو ظاهر ، ~~ما ذكر عن غيرنا ، وقاله الحنفية ، وذكره بعض أصحابنا اتفاقا ، وخرجه ~~الحلواني من أصحابنا على روايتين ( والعام في شيء عام في متعلقاته ) وهذا ~~هو المعروف عند العلماء . قال ابن مفلح : خلافا لبعض المتأخرين . قال ~~الإمام . أحمد في قوله تعالى { يوصيكم الله في أولادكم } ظاهرها على العموم ~~: أن من وقع عليه اسم ولد فله ما فرض الله . وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم - وهو المعبر عن الكتاب - أن الآية إنما قصدت للمسلم ، لا للكافر . ~~PageV03P205 وقال بعض أصحابنا : سماه عاما . وهو مطلق في الأحوال يعمها على ~~البدل . ومن أخذ بهذا لم يأخذ بما دل عليه ظاهر لفظ القرآن ، بل بما ظهر له ~~مما سكت عنه القرآن . وقال في . قوله تعالى . ' اقتلوا المشركين ' عامة ~~فيهم ، مطلقة في أحوالهم . فإذا جاءت السنة بحكم لم يكن مخالفا لظاهر لفظ ~~القرآن ، بل لما لم يتعرض له . وقال : واحتج أصحابنا ، كالقاضي وأبي الخطاب ~~وغيرهم من المالكية والشافعية ، بعموم قوله . صلى الله عليه وسلم . { لا ~~وصية لوارث } في الوصية للقاتل ، وفي وصية المميز . وفيه نظر . واحتج جماعة ~~على الشفعة للذمي على المسلم بقوله . صلى الله عليه وسلم . ' الشفعة فيما ~~لم يقسم ' PageV03P206 وأجاب جماعة من أصحابنا أنه عام في الأملاك . والله ~~أعلم . تنبيه : لا يختص جواز التخصيص بالنية بالعام ، بل يجري في تقييد ~~المطلق بالنية . ولذلك لما قال الحنفية في ' لا أكلت ' إنه لا عموم فيه ، ~~بل مطلق ، والتخصيص فرع العموم . اعترض عليهم بأنه يصير بالنية تقييدا ، ~~فلم يمنعوه . وهذه هي مسألة تخصيص العموم بالنية . ولا أكلت مثل قوله : وإن ~~أكلت ، لأن النكرة في سياق الشرط تعم كالنفي ( ونفي المساواة للعموم ) عند ms367 ~~أصحابنا والشافعية وعند الحنفية والمعتزلة والغزالي والرازي والبيضاوي : ~~ليس للعموم . ويكفي النفي في شيء واحد . PageV03P207 قال البرماوي : إن ~~الخلاف في الاستدلال على أن المسلم لا يقتل بالذمي بقوله تعالى ( { لا ~~يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة } ) فلو قتل به لثبت استواؤهما ، ~~والاستدلال على أن الفاسق لا يلي عقد النكاح بقوله تعالى { أفمن كان مؤمنا ~~كمن كان فاسقا لا يستوون } ولو قلنا : يلي ، لاستوى مع المؤمن الكامل ، وهو ~~العدل . ومن نفى العموم في الآيتين لا يمنع قصاص المؤمن بالذمي ، ولا ولاية ~~الفاسق . ثم قال : واعلم أن مأخذ القولين في المسألة : أن الاستواء في ~~الإثبات هل هو من كل وجه في اللغة أو مدلوله لغة الاستواء من وجه ما ؟ فإن ~~قلنا : من كل وجه ، فنفيه من سلب العموم ، فلا يكون عاما . وإن قلنا : من ~~بعض الوجوه ، فهو من عموم PageV03P208 السلب في الحكم ، لأن نقيض الإيجاب ~~الكلي سلب جزئي ، ونقيض الإيجاب الجزئي سلب كلي . ولكن كون الاستواء في ~~الإثبات عاما من غير صيغة عموم ممنوع . غايته : أن حقيقة الاستواء ثبتت . ~~وقول الرازي وأتباعه : نفي الاستواء أعم من نفيه من كل وجه ومن نفيه من بعض ~~الوجوه والأعم لا يلزم منه الأخص : مردود بما قال ابن الحاجب : وغيره . بأن ~~ذلك في الإثبات أما نفي الأعم ، فيلزم منه انتفاء الأخص ، كنفي الحيوان ، ~~فإنه يلزم منه نفي الإنسان . هذا إذا سلمنا أن الاستواء عام له جزئيات . ~~أما إذا قلنا : حقيقة واحدة ، فإنه يلزم من نفيها نفي كل متصف بها ( ~~والمفهوم مطلقا ) أي سواء كان مفهوم موافقة أو مخالفة ( عام فيما ~~PageV03P209 سوى المنطوق يخصص بما . يخصص به العام ) هذا عند الأكثرين من ~~أصحابنا وغيرهم . قيل لأصحابنا : لو كان حجة لما خص ، لأنه مستنبط من اللفظ ~~كالعلة ، فأجابوا بالمنع ، وأن اللفظ بنفسه دل عليه بمقتضى اللغة ، فخص ~~كالنطق وقد قيل لأحمد في المحرم يقتل السبع والذئب والغراب ونحوه ؟ فاحتج ~~بقوله تعالى { لا تقتلوا الصيد } - الآية لكن مفهوم الموافقة هل يعمه النطق ~~؟ فيه خلاف يأتي . قال ابن قاضي الجبل : قال ms368 الآمدي والرازي : الخلاف في ~~المفهوم حجة ، PageV03P210 له عموم لا يتحقق ، لأن مفهومي الموافقة ~~والمخالفة عام في سوى المنطوق ، ولا يختلفون فيه ، لقوله صلى الله عليه ~~وسلم { في سائمة الغنم الزكاة } يقتضي مفهومه سلب الحكم عن معلوفة الغنم ، ~~دون غيرها على الصحيح . فمتى جعلناه حجة لزم انتفاء الحكم عن جملة صور ~~المخالفة ، وإلا لم يكن للتخصيص فائدة . وتأولوا ذلك على أن المخالفين ~~أرادوا : أنه لم يثبت بالمنطوق ، ولا يختلفون فيه . قيل : قولهم ' المفهوم ~~لا عموم له ، لأنه ليس بلفظ حتى يعم ' لا . يريدون به سلب الحكم عن جميع ~~المعلوفة ، لأنه خلاف مذهب القائلين بالمفهوم ، ولكنهم قد يذكرونه في معرض ~~البحث ، فقد قالوا : دلالة الاقتضاء . تجوز رفع الخطإ ، أي حكمه : لا يعم ~~حكم الإثم والغرم مثلا ، تقليلا للإضمار ، فكذلك يقال في المفهوم : هو حجة ~~، لضرورة PageV03P211 ظهور . فائدة التقييد بالصفة . ويكفي في الفائدة ~~انتفاء الحكم عن صورة واحدة ، لتوقف بيانها على دليل آخر ، وإن لم يقل بذلك ~~أهل المفهوم ، لكنه بحث متجه ( ورفع كله تخصيص أيضا ) لإفراده اللفظ في ~~منطوقه ومفهومه ، فهو كبعض العام . PageV03P212 # | ( فصل ) # ( فعله ) أي فعل النبي ( صلى الله عليه وسلم المثبت وإن انقسم إلى جهات ~~وأقسام لا يعم أقسامه وجهاته ) لأن الواقع منها لا يكون إلا بعض هذه ~~الأقسام من ذلك ما روي { أنه صلى الله عليه وسلم صلى داخل الكعبة } فإنها ~~احتملت الفرض والنفل ، بمعنى أنه لا يتصور أنها فرض ونفل معا ، فلا يمكن ~~الاستدلال به على جواز الفرض والنفل داخل الكعبة ، فلا يعم أقسامه ~~PageV03P213 { وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الصلاتين في السفر ، ~~لا يعم وقتيهما } أي وقت الصلاة الأولى ووقت الصلاة الثانية ، فإنه يحتمل ~~وقوعهما في وقت الصلاة الأولى ويحتمل وقوعهما في وقت الصلاة الثانية ، ~~والتعيين موقوف على الدليل ، فلا تعم وقتي الأولى والثانية ، إذ ليس في نفس ~~وقوع الفعل المروي ما يدل على وقوعه في وقتيهما . ومثله ما روي { أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم صلى بعد غيبوبة PageV03P214 الشفق } فإن صلاته احتملت ~~أن تكون ms369 بعد الحمرة ، واحتملت أن تكون بعد البياض ، ولا يحتمل أن تكون ~~بعدهما . إلا على رأي من يجوز حمل المشترك على معنييه ( ولا ) يعم ( كل سفر ~~) كسفر النسك وغيره ، فإنه لا يدل عليه الفعل أيضا . ( و ) لفظ ( كان لدوام ~~الفعل وتكراره ، فتفيد ) كان ( تكرره ) أي تكرر الفعل منه ، أي في ~~PageV03P215 الدوام ، كما علم إكرام الضيف من قولهم : كان حاتم يكرم الضيف ~~. فلا يعم ذلك جميع جهات الفعل من حيث الوقت كما لا يعم من حيثية غير الوقت ~~. ( ولم تدخل الأمة ) أي أمة النبي صلى الله عليه وسلم ( بفعله ) لأن فعله ~~لما كان لا عموم له في أقسامه ، كان كذلك لا عموم له بالنسبة إلى أمته ( بل ~~) هو خاص به ، واجبا كان أو جائزا . PageV03P216 ومتى وجد دخولها فهو ( ~~بدليل ) خارجي من ( قول ) كقوله صلى الله عليه وسلم { صلوا كما رأيتموني ~~أصلي } و ' { خذوا عني مناسككم } ( أو قرينة تأس ) كوقوع فعله بعد خطاب ~~مجمل ، كالقطع بعد آية السرقة ، وكوقوعه بعد خطاب مطلق ، أو بعد خطاب عام ( ~~أو قياس على فعله ) واعترض بعموم نحو ' . سها . فسجد ' وقوله صلى الله عليه ~~وسلم { أما أنا فأفيض PageV03P217 الماء } ورد ذلك بالفاء ، فإنها للسببية ~~. ( والخطاب الخاص به ) أي بالنبي صلى الله عليه وسلم نحو قوله سبحانه ~~وتعالى { يا أيها المزمل } ونحوه عام للأمة عند الإمام أحمد رضي الله عنه ، ~~وأكثر أصحابه والحنفية والمالكية ، فلا يختص إلا بدليل يخصه . ومنه قوله ~~PageV03P218 تعالى { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } والقائلون ~~بالشمول لا يقولون : إنه باللغة ، بل للعرف في مثله حتى لو قام دليل على ~~خروج النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك كان من باب العام المخصوص . ولا ~~يقولون : إنهم داخلون بدليل آخر ، لأنه حينئذ ليس محل النزاع ، فيتحد ~~القولان . وقال بعض أصحابنا وأكثر الشافعية والأشعرية والمعتزلة : لا يعمهم ~~الخطاب إلا بدليل يوجب التشريك ، إما مطلقا وإما في ذلك الحكم بخصوصه من ~~قياس أو غيره . وحينئذ فشمول الحكم له بذلك لا باللفظ ، لأن اللغة تقتضي أن ~~خطاب ms370 المفرد لا يتناول غيره . واستدل القائلون بالعموم بقوله تعالى { فلما ~~قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيائهم } فعلل PageV03P219 الإباحة بنفي الحرج عن أمته . ولو اختص به ~~الحكم لما كان علة لذلك وأيضا { خالصة لك من دون المؤمنين } ولو كان اللفظ ~~مختصا لم يحتج إلى التخصيص . فإن قيل : الفائدة في التخصيص عدم الإلحاق ~~بطريق القياس ولذلك رفع الحرج قلنا ظاهر اللفظ مقتض للمشاركة ، لأنه علل ~~إباحة التزويج برفع الحرج عن المؤمنين . وكذلك قضاؤه بالخصوصية . فالقياس ~~بمعزل عن ذلك . وأيضا ما في مسلم ' { أنه صلى الله عليه وسلم سأله رجل ، ~~فقال : تدركني الصلاة وأنا جنب ، أفأصوم ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ~~وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم . فقال : لست مثلنا يا رسول الله ، قد ~~غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فقال والله إني لأرجو أن أكون ~~أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي } PageV03P220 فدل الحديث من وجهين ، أحدهما : ~~أنه أجابهم بفعله ، ولو اختص الحكم به لم يكن جوابا لهم . والثاني : أنه ~~أنكر عليهم مراجعتهم له باختصاصه بالحكم ، فدل على أنه لا يجوز المصير إليه ~~. ولأن الصحابة كانوا يرجعون إلى أفعاله صلى الله عليه وسلم فيما يختلفون ~~فيه من الأحكام ، كرجوعهم في التقاء الختانين ، وفي صحة صوم من أصبح جنبا ، ~~وغير ذلك . قال المخالفون : المفرد لا يتناول غيره لغة . قلنا : محل النزاع ~~ليس في اللغة ، بل في العرف الشرعي . PageV03P221 قالوا : يوجب كون خروج ~~غيره تخصيصا . قلنا : من العرف الشرعي مسلم ، إذا ظهرت له مشاركتهم له . في ~~الأحكام ثبتت مشاركته لهم أيضا ، لوجود التلازم ظاهرا . فإن ما ثبت لأحد ~~المتلازمين ثبت للآخر ؛ إذ لو ثبت لهم حكم انفردوا به دونه لثبت نقيضه في ~~حقه دونهم . وقد ظهر الدليل على خلافه . ومحل الخلاف فيما يمكن إرادة الأمة ~~معه أما ما لا يمكن إرادة الأمة معه فيه ، مثل قوله تعالى { يا أيها المدثر ~~قم فأنذر } { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } ونحوه ، فلا تدخل ms371 ~~الأمة فيه قطعا ، ومنه ما قامت قرينة فيه على اختصاصه به من خارج نحو قوله ~~تعالى { ولا تمنن تستكثر } وأما إن كان الخطاب خاصا بالأمة نحو خطاب الله ~~سبحانه وتعالى للصحابة ، وهو المراد بقوله أو بالأمة ، لا يختص بالمخاطب ~~إلا بدليل فيعم PageV03P222 النبي صلى الله عليه وسلم على ما تقدم من ~~الخلاف ، لكن قال ابن عقيل في الواضح : نفى دخوله هنا عن الأكثر من الفقهاء ~~والمتكلمين . وذلك بناء على أنه لا يأمر نفسه ، كالسيد مع عبيده . ورد ذلك ~~بأنه مخبر بأمر الله تعالى ( وكذا ) أي وكما . قلنا في الصور المتقدمة من ~~كون الخطاب لا يختص بالمخاطب ( خطابه صلى الله عليه وسلم لواحد من الأمة ) ~~فإنه يتناول المخاطب وغيره ؛ لأنه لو اختص به المخاطب لم يكن النبي صلى ~~الله عليه وسلم مبعوثا إلى الجميع . رد بالمنع ؛ فإن معناه تعريف كل واحد ~~ما يختص به . ولا يلزم شركة الجميع في الجميع PageV03P223 وقالوا : هو ~~إجماع الصحابة ؛ لرجوعهم إلى قصة ماعز ، وبروع بنت واشق ، وأخذه الجزية من ~~مجوس هجر وغير ذلك . ورد بدليل هو التساوي في السبب . وقال أبو الخطاب : إن ~~وقع جوابا لسؤال كقول الأعرابي { واقعت PageV03P224 أهلي في رمضان ، فقال ~~له : أعتق رقبة } كان عاما وإلا فلا . كقول النبي صلى الله عليه وسلم { ~~مروا أبا بكر فليصل بالناس } فلا يدخل فيه غيره . وعند الشافعي وأكثر ~~العلماء - منهم الحنفية - أنه لا يعم . قالت الحنفية : لأنه عم في التي ~~قبلها لفهم الاتباع ، لأنه متبع . ومحل الخلاف في ذلك إذا لم يخص ذلك ~~PageV03P225 الواحد ، { كقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة اذبحها ولن ~~تجزي عن أحد بعدك } ومثله حديث زيد بن خالد وعقبة بن عامر ، فإنه وقع لهما ~~مثل ذلك ، { فرخص النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن خالد الجهني } ، كما في ~~أبي داود ، كما رخص لأبي بردة ، ورخص أيضا لعقبة بن عامر كما في الصحيحين . ~~وهو مبني على تخصيص العموم بعد تخصيص PageV03P226 استدل للأول ، وهو الصحيح ~~، برجوع الصحابة إلى التمسك بقضايا الأعيان ، كقضية ماعز ، ودية ms372 الجنين ، ~~والمفوضة ، والسكنى للمبتوتة ، وغير ذلك ، PageV03P227 وأما : { قوله صلى ~~الله عليه وسلم لأبي بردة ولا تجزي عن أحد بعدك } فلولا أن الإطلاق يقتضي ~~المشاركة لم يخص . وكذلك تخصيص خزيمة بجعل شهادته كشهادتين ، وقوله تعالى { ~~وما أرسلناك إلا كافة للناس } وقوله عليه الصلاة والسلام { بعثت إلى الأحمر ~~والأسود } قالوا : لتعريف كل ما يختص . PageV03P228 قلنا : إذا لم يكن ~~اختصاص ظهر اقتصار الحكم بما ذكرناه . وأيضا فقول الراوي ' نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، أو قضى ' يعم ، ولو اختص بمن سوقه له لم يعم لاحتمال ~~سماع الراوي أمرا أو نهيا لواحد ، فلا يكون عاما . قالوا : لنا ما تقدم من ~~القطع والتخصيص . قلنا : سيق جوابهما . قالوا : يلزم منه عدم فائدة حكمي ~~على الواحد . PageV03P229 قلنا : الحديث غير معروف أصلا ( وفعله ) أي فعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( في تعديه إليها ) أي إلى الأمة ( كخطاب خاص به ~~) أي بالنبي صلى الله عليه وسلم ، يعني أن فعله مخرج على الخلاف في الخطاب ~~المتوجه إليه عند الأكثر . والخطاب المتوجه إليه لا يختص به إلا بدليل ، ~~فكذا فعله . وفرق بعضهم فقال : يتعدى فعله إذا عرف وجهه . يعني وإن لم يتعد ~~خطابه . ( فائدة ) : ( نحو قول الصحابي { نهى عن بيع الغرر } ) وقوله { قضى ~~رسول PageV03P230 الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة للجار } ( يعم كل غرر ) ~~وكل جار . وخالف في ذلك أكثر الأصوليين . لنا : أن الصحابي الراوي عدل عارف ~~باللغة ، فالظاهر : أنه لم ينقل صيغة العموم ، وهي الجار والغرر ، لكونهما ~~معرفين فاللام الجنس ، إلا إذا علم أو ظن صيغة العموم . وإذا كان كذلك كان ~~الظاهر أنه . سمع صيغة العموم ، وإذا كان كذلك كان الظاهر من حاله الصدق ~~فيما فعله ، فوجب اتباعه . PageV03P231 واحتج الخصم على أنه لا عموم له ؛ ~~لأنه حكاية الراوي ، وحينئذ يحتمل أن يكون خاصا بأن رأى عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم : أنه نهى عن غرر خاص ، أو قضى لجار خاص . فنقل صيغة العموم لظنه ~~عموم الحكم ، ويحتمل أن يكون سمع صيغة خاصة ، فتوهم أنها عامة ، فنقلها ~~عامة ، وحينئذ فلا ms373 يمكن الاحتجاج به ؛ لأن الاحتجاج بالمحكي ، لا بالحكاية ~~، إلا إذا طابقته ، وهو غير معلوم للاحتمالين المذكورين . قلنا : ما ذكرتم ~~من الاحتمالين ، وإن كان قادحا فهو خلاف الظاهر . لأن الظاهر من حال الراوي ~~ما ذكرناه ، ولأن اللام غالبا للاستغراق ، فحمله على PageV03P232 العهد ~~خلاف الغالب . PageV03P233 # | ( فصل ) # ( لفظ الرجال والرهط لا يعم النساء ولا العكس ) وهو أن لفظ النساء لا يعم ~~الرجال . ولا الرهط قطعا ( ويعم نحو ) لفظ ( الناس ، و ) لفظ ( القوم ) ~~كالإنس والآدميين ( الكل ) أي الرجال والنساء ، ثم الرهط ما دون العشرة ~~خاصة ، وفي مدلول ' القوم ' ثلاثة أقوال . قال في القاموس : القوم : ~~الجماعة من الرجال والنساء معا ، أو من الرجال خاصة ، أو يدخل النساء على ~~التبعية ، ويؤنث . ا ه . PageV03P234 ويستأنس للأول بقوله تعالى { يا قومنا ~~أجيبوا داعي الله } فيدخل النساء في ذلك ا ه . ونحو : المؤمنين والمصلين ~~والمزكين ( كالمسلمين ، و ) نحو ( فعلوا ) ككلوا وشربوا ، وكذلك افعلوا ~~ككلوا واشربوا ، ويفعلون كيأكلون ويشربون ، وفعلتم كأكلتم وشربتم ، وكذا ~~اللواحق ، كذلكم وإياكم ، ونحو ذلك مما يغلب فيه المذكر ( يعم النساء تبعا ~~) عند أكثر أصحابنا والحنفية وبعض الشافعية . وهو ظاهر كلام أحمد رحمه الله ~~. وعنه رواية أخرى : لا يعم ، اختاره أبو الخطاب والطوفي وأكثر الشافعية ~~والأشعرية . ونقله ابن برهان عن معظم الفقهاء . PageV03P235 قال البرماوي ~~عن القول الأول : إن عمومه ليس من حيث اللغة ، بل بالعرف ، أو بعموم ~~الأحكام أو نحو ذلك . قال أبو المعالي : اندراج النساء تحت لفظ ' المسلمين ~~' بالتغليب لا بأصل الوضع . وقال الإبياري : لا خلاف بين الأصوليين والنحاة ~~في عدم تناولهن لجمع كجمع الذكور . وإنما ذهب بعض الأصوليين إلى ثبوت ~~التناول ، لكثرة اشتراك النوعين في الأحكام لا غير ، فيكون الدخول عرفا لا ~~لغة . ثم قال : وإذا قلنا بالتناول : هل يكون دالا عليهما بالحقيقة والمجاز ~~أو عليهما مجازا صرفا ؟ خلاف . ظاهر مذهب القاضي الباقلاني : الثاني ، ~~والقياس قول أبي المعالي PageV03P236 الأول . اه . واستدل للأول بمشاركة ~~الذكور في الأحكام لظاهر اللفظ . رد بالمنع بلا لدليل ولهذا لم يعمهن ~~الجهاد والجمعة وغيرهما . أجيب بالمنع . ثم لو كان لعرف . والأصل ms374 عدمه ، ~~وخروجهن من بعض الأحكام لا يمنع كبعض الذكور ، ولأن أهل اللغة غلبوا المذكر ~~باتفاق بدليل { اهبطوا } لآدم وحواء وإبليس . رد بقصد المتكلم ، ويكون ~~مجازا . أجيب : لم يشترط أحد من أهل اللغة العلم بقصده ، ثم لو لم يعمهن ~~لما عم بالقصد ، بدليل جمع الرجال ، والأصل الحقيقة ، ولو كان مجازا لم يعد ~~العدول عنه عيا . PageV03P237 قال المانعون : قالت أم سلمة رضي الله عنها ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم { ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال ~~؟ فنزلت { إن المسلمين والمسلمات } - الآية } رواه النسائي وغيره . ولو ~~دخلن لم يصدق نفيها ، ولم يصح تقريره له . | رد : يصدق ، ويصح ، لأنها إنما ~~أرادت التنصيص تشريفا لهن لا تبعا . قالوا : الجمع تضعيف الواحد ، ومسلم ~~لرجل ، فمسلمون لجمعه . رد : يحتمل منعه . قاله الحلواني . PageV03P238 وقد ~~احتج أصحابنا بأن قوله تعالى { الحر بالحر } عام للذكر والأنثى . وأما ~~الخناثى : فعلى القول بدخول النساء : الخناثى أولى وعلى المنع : فالظاهر من ~~تصرف الفقهاء : دخولهم في خطاب النساء في التغليظ ، والرجال في التخفيف . ~~قال في شرح التحرير : ومما يخرج على هذه القاعدة مسألة الواعظ المشهورة ، ~~وهي قوله للحاضرين عنده : طلقتكم ثلاثا ، وامرأته فيهم ، وهو لا يدري . ~~فأفتى أبو المعالي بالوقوع . قال الغزالي : وفي القلب منه شيء . قلت : ~~الصواب عدم الوقوع . وقال الرافعي والنووي : وينبغي أن لا يقع . ولهم فيها ~~كلام كثير . ( وإخوة وعمومة لذكر وأنثى ) PageV03P239 قال في شرح التحرير : ~~والمذهب أن الإخوة والعمومة يعم الذكور والإناث . قطع به في المغني والشرح ~~وشرح ابن رزين وصاحب الفروع فيه وغيرهم . وظاهر كلامه في الواضح : أن ~~الإخوة لا تعم الإناث ، وأن المؤمن لا يعمهن ( وتعم ' من ' الشرطية المؤنث ~~) لقوله تعالى { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى } فالتفسير بالذكر ~~والأنثى دل على تناول القسمين . ولقوله سبحانه وتعالى { ومن يقنت منكن لله ~~PageV03P240 ورسوله } ولقول النبي صلى الله عليه وسلم { من جر ثوبه خيلاء ~~لم ينظر الله إليه . فقالت أم سلمة : فكيف . تصنع النساء بذيولهن ؟ فأقرها ~~النبي صلى الله عليه وسلم على فهم دخول النساء ms375 في من الشرطية } . ولأنه لو ~~قال : من دخل داري فهو حر ، فدخله الإماء عتقن بالإجماع . قاله في المحصول ~~. وحكى غيره قولا : أنها تختص بالذكور . وهو محكي عن بعض الحنفية ، وأنهم ~~تمسكوا به في مسألة المرتدة ، فجعلوا قوله صلى الله عليه وسلم { من بدل ~~دينه فاقتلوه } PageV03P241 لا يتناولها . والصحيح خلافه ( ويعم الناس ~~والمؤمنون ونحوهما ) كالذين آمنوا ويا عبادي ( عبدا ) كله رقيق ( ومبعضا ) ~~قل الرق فيه أو كثر عند الإمام أحمد رحمه الله وأكثر أتباعه والأئمة ~~الأربعة ، لأنهم يدخلون في الخبر ، فكذا في الأمر ، وباستثناء الشارع لهم ~~في الجمعة . وقيل : لا يدخلون إلا بدليل . وقيل : إن تضمن العبيد دخلوا ، ~~PageV03P242 وإلا فلا . قال الهندي : القائلون بعموم دخول العبيد والكفار ~~في لفظ ' الناس ' ونحوه ، إن زعموا أنه لا يتناولهم لغة فمكابرة ، وإن ~~زعموا أن الرق والكفر أخرجهم شرعا فباطل ؛ لأن الإجماع أنهم مكلفون في ~~الجملة ( و ) يدخل الذين هم ( كفار وجن في ) مطلق لفظ ( الناس ونحوه ) مثل ~~( أولي الألباب ) في الأصح من غير قرينة لغة . وبه قال الأستاذ أبو إسحاق ~~وغيره . إذ لا مانع من ذلك . أما إذا قامت قرينة بعدم دخولهم ، أو أنهم هم ~~المراد ، لا المؤمنون : عمل بها ، نحو قوله تعالى { الذين قال لهم الناس إن ~~الناس قد جمعوا PageV03P243 لكم } لأن الأول للمؤمنين فقط : أما نعيم بن ~~مسعود الأشجعي ، وهو الذي قاله المفسرون ، أو أربعة ، كما نص عليه الشافعي ~~في الرسالة . والثاني : لكفار مكة . لكن قد يقال : بأن اللام في ذلك للعهد ~~الذهني ، والكلام في الاستغراقية . وقوله سبحانه وتعالى { يا أيها الناس ~~ضرب مثل فاستمعوا له } المراد الكفار بدليل باقي الآية . نص عليه الشافعي ~~في الرسالة ، وجعله من العام PageV03P244 الذي أريد به الخاص . فقد يدعي ~~ذلك أيضا في الآية التي قبلها ، فلا تكون أل فيها عهدية . ( و ) قوله ~~سبحانه وتعالى ( { يا أهل الكتاب } لا يشمل الأمة ) أي أمة نبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم عند الأكثر . وقطع به بعضهم . ومن أمثلة ذلك قوله سبحانه ~~وتعالى { يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ms376 } { يا أيها الذين أوتوا الكتاب ~~آمنوا بما نزلنا } { يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم } ~~إلا أن يدل دليل على مشاركة الأمة لهم . وذلك لأن اللفظ قاصر عليهم فلا ~~يتعداهم . والمراد بأهل الكتاب : اليهود والنصارى . PageV03P245 قال المجد ~~في المسودة : يشمل الأمة إن شركوهم في المعنى . قال : لأن شرعه عام لبني ~~إسرائيل وغيرهم من أهل الكتاب وغيرهم ، كالمؤمنين ، فثبت الحكم فيهم ، كأمي ~~أهل الكتاب . وذلك كاف لواحد من المكلفين ، فإنه يعم غيره . وإن لم يشركهم ~~فلا ، كما في . قوله تعالى . لأهل بدر { فكلوا مما غنمتم } ولأهل أحد { إذ ~~همت طائفتان منكم أن تفشلا } فإن ذلك لا يعم غيرهم . قال : ثم الشمول هنا ~~بطريق العادة العرفية أو الاعتبار العقلي ، وفيه الخلاف المشهور . قال : ~~وعلى هذا ينبني استدلال الآية على حكمنا ، مثل رضي الله عنه { أتأمرون ~~الناس بالبر } - الآية ' فإن هذه الضمائر راجعة لبني إسرائيل . قال : وهذا ~~كله في الخطاب على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . أما خطابه لهم ~~PageV03P246 على لسان موسى وغيره من الأنبياء عليهم السلام : فهي مسألة شرع ~~من قبلنا : هل هو شرع لنا ؟ والحكم هنا لا يثبت بطريق العموم الخطابي قطعا ~~، بل بالاعتبار العقلي عند الجمهور ( ويعمه ) أي يعم النبي صلى الله عليه ~~وسلم قوله سبحانه وتعالى { يا أيها الناس } ، و { يا عبادي } ونحو ذلك ، ~~كيا أيها الذين آمنوا ، عند أكثر العلماء ( حيث لا قرينة تخصهم ) نحو يا ~~أمة محمد ، و { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما ~~يحييكم } لأنا مأمورون بالاستجابة . وقيل : يعمه خطاب القرآن دون خطاب ~~السنة ، PageV03P247 وقيل : لا يعمه خطاب القرآن ولا خطاب السنة لقرينة ~~المشافهة ، ولأن المبلغ - بكسر اللام - غير المبلغ - بفتحها . والآمر ~~والناهي غير المأمور والمنهي ، فلا يكون داخلا . رد ذلك بأن الخطاب في ~~الحقيقة هو من الله سبحانه وتعالى للعباد ، وهو منهم ، وهو مع ذلك مبلغ ~~للأمة ؛ فإن الله سبحانه وتعالى هو الآمر والناهي ، وجبريل هو المبلغ له ، ~~ولا ينافي كون النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبا ms377 مخاطبا ومبلغا ومبلغا ~~باعتبارين وربما اعتل المانع من ذلك ، بأنه صلى الله عليه وسلم له خصائص ، ~~فيحتمل أنه غير داخل لخصوصيته ، بخلاف الأمر الذي خاطب به الناس . ورد بأن ~~الأصل عدمه ، حتى يأتي PageV03P248 دليل ، وتظهر فائدة الخلاف في ذلك فيما ~~إذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما يخالف ذلك : هل يكون نسخا في حقه ؟ إن ~~قلنا : يعمه الخطاب فنسخ ، أي إذا دخل وقت العمل ، لأن ذلك شرط المسألة ، ~~وإلا فلا . ( ويعم ) الخطاب ( غائبا ومعدوما ) حالته ( إذا وجد وكلف لغة ) ~~أي من جهة اللغة . قاله أصحابنا وغيرهم . قال ابن قاضي الجبل : ليس النزاع ~~في قولنا ' ويعم الغائب والمعدوم إذا وجد وكلف ' في الكلام النفسي ، بل هذه ~~خاصة باللفظ اللغوي . ولأننا PageV03P249 مأمورون بأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، وحصل ذلك إخبارا عن أمر الله تعالى عند وجودنا فاقتضى بطريق التصديق ~~والتكذيب ، وأن لا يكون قسيما للخبر . انتهى . وقيل : لا يعمه الخطاب إلا ~~بدليل آخر . قال البرماوي : ومما اختلف في عمومه : الخطاب الوارد شفاها في ~~الكتاب والسنة ، مثل قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا } - { يا أيها الناس ~~} - { يا عبادي } لا خلاف أنه عام في الحكم الذي تضمنه من لم يشافه به ، ~~PageV03P250 سواء كان موجودا غائبا وقت تبليغ النبي صلى الله عليه وسلم أو ~~معدوما بالكلية . فإذا بلغ الغائب والمعدوم بعد وجوده تعلق به الحكم . ~~وإنما اختلف في جهة عمومه . والحاصل : أن العام المشافه فيه بحكم ، لا خلاف ~~في شموله لغة للمشافهين ، وفي غيرهم حكما ، وكذا الخلاف في غيرهم هل الحكم ~~شامل لهم باللغة أو بدليل آخر ؟ ذهب جمع من الحنابلة والحنفية إلى أنه من ~~اللفظ ، أي اللغوي . وذهب الأكثر إلى أنه بدليل آخر . وذلك مما علم من عموم ~~دينه صلى الله عليه وسلم بالضرورة إلى يوم القيامة . ويدل عليه قوله سبحانه ~~وتعالى { لأنذركم به ومن بلغ } وقوله صلى الله عليه وسلم { وبعثت إلى الناس ~~كافة } . قال : وهذا معنى كثير ، كابن الحاجب أن مثل { يا أيها الناس } ~~PageV03P251 ليس خطابا لمن بعدهم ، أي لمن ms378 بعد المواجهين . وإنما ثبت الحكم ~~بدليل آخر من إجماع أو نص أو قياس . واستدلوا بأنه لا يقال للمعدومين : يا ~~أيها الناس . وأجابوا عما استدل به الخصم ، بأنه لو لم يكن المعدومون ~~مخاطبين بذلك لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا إليهم ، بأنه لا يتعين ~~الخطاب الشفاهي في الإرسال ، بل مطلق الخطاب كاف . والله أعلم . ( والمتكلم ~~داخل في عموم كلامه ) أي كلام نفسه ( مطلقا ) أي سواء كان الكلام خبرا أو ~~إنشاء ، أو أمرا أو نهيا ( إن صلح ) عند دخوله عند أكثر أصحابنا وبعض ~~الشافعية وغيرهم ، نحو قوله تعالى { والله بكل شيء PageV03P252 عليم } إذا ~~قلنا بصحة إطلاق لفظ { شيء } عليه تعالى . وقول السيد لعبده : من أحسن إليك ~~فأكرمه ، أو فلا تهنه . ذكره الآمدي عن الأكثر . ولأن اللفظ عام ، ولا مانع ~~من الدخول . والأصل عدمه . وعن الإمام أحمد . رضي الله عنه . رواية أخرى : ~~لا يدخل إلا بدليل . وقيل : لا يدخل مطلقا . وقال أبو الخطاب والأكثر : لا ~~في الأمر ولا في النهي . وخرج بقولنا ' إن صلح ' ما إذا كان الكلام بلفظ ~~المخاطبة ، نحو PageV03P253 قوله صلى الله عليه وسلم ' { إن الله ينهاكم أن ~~تحلفوا بآبائكم } ( وتضمن ) كلام ( عام مدحا أو ذما كالأبرار والفجار ) نحو ~~قوله سبحانه وتعالى { إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم } وقوله ~~سبحانه وتعالى { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله } ~~وقوله سبحانه وتعالى : { والذين هم لفروجهم حافظون } : ( لا يمنع عمومه ) ~~أي لا يغير عمومه عند الأئمة الأربعة ، إذ لا تنافي بين قصد العموم ، وبين ~~المدح والذم ، فيحتمل الذهب والفضة وغيرهما على العموم ، إذ لا صارف له عنه ~~. PageV03P254 وقيل : إن ذلك يمنع العموم ، لورود ذلك لقصد المبالغة في ~~الحث والزجر ، فلم يعم ، رد ذلك بأن العموم أبلغ من ذلك ، ولا منافاة . وفي ~~المسألة قول ثالث فيه تفصيل . قال ابن العراقي : الثالث أنه للعموم ، إلا ~~إن عارضه عام آخر لا يقصد به المدح أو الذم ، فيترجح الذي لم يسق لذلك عليه ~~، نحو قوله تعالى { وأن تجمعوا بين الأختين } مع ms379 قوله تعالى { أو ما ملكت ~~أيمانكم } فالأولى سيقت لبيان الحكم ، فقدمت على سياقها PageV03P255 المنة ~~بإباحة الوطء بملك اليمين . وقد رد أصحابنا بهذا على داود الظاهري احتجاجه ~~. بالثانية على إباحة الأختين بملك اليمين . انتهى . ( ومثل ) أي ونحو قوله ~~سبحانه وتعالى { خذ من أموالهم صدقة } يعم ( فيقتضي ) العموم ( أخذها من كل ~~نوع من المال الذي بأيديهم ) في ظاهر كلام أبي الفرج الشيرازي منا ، وقاله ~~ابن حمدان في المقنع ، وأكثر العلماء من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم ، إلا ~~أن يخص بدليل من السنة . وهذا نص الشافعي في الرسالة ، وقال الكرخي وابن ~~الحاجب : يكفي الأخذ من نوع واحد ، PageV03P256 قال ابن الحاجب : خلافا ~~للأكثرين . ثم قال : لنا أنه بصدقة واحدة ، يصدق أنه أخذ منها صدقة ، فيلزم ~~الامتثال . وأيضا : فإن كل دينار مال . ولا يجب ذلك بإجماع . انتهى . وأجيب ~~عن الأول : بمنع صدق ذلك ، لأن { أموالهم } جمع مضاف . فكان عاما في كل نوع ~~نوع وفرد فرد . إلا ما خرج بالسنة ، كما أشار إليه الشافعي . وعن الثاني : ~~بأن المراد : عن كل نصاب نصاب ، كما بينته السنة . ومما ذكر احتجاجا للكرخي ~~. : أن ' من ' في الآية للتبعيض ، ولو كانت الآية عامة . والتبعيض : يصدق ~~ببعض المجموع ، ولو من نوع واحد . PageV03P257 وجوابه : أن التبعيض في ~~العام إنما يكون باعتبار تبعيض كل جزء جزء منه ، فلا بد أن يكون مأخوذا من ~~كل نصاب إذ لو سقطت ' من ' لكان المال يؤخذ كله صدقة . PageV03P258 # | ( فصل ) # ( القران : أن يقرن الشارع بين شيئين لفظا ) أي في اللفظ ( لا يقتضي ) ~~ذلك القرآن ( تسوية بينهما ) أي بين الشيئين المذكورين ( حكما في غير ) ~~الحكم ( المذكور إلا بدليل ) من خارج عند أكثر أصحابنا والحنفية والشافعية ~~. وذلك مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم { لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ~~، ولا يغتسل فيه من جنابة } لأن الأصل عدم الشركة . قال ابن قاضي الجبل : ~~لا يلزم من تنجسه بالبول تنجسه بالاغتسال . PageV03P259 ومن الدليل أيضا : ~~قوله سبحانه وتعالى { كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده } فعطف ~~واجبا على مباح . لأن الأصل عدم ms380 الشركة وعدم دليلها . وخالف أبو يوسف وجمع ~~. لأن العطف يقتضي المشاركة ، نحو . قوله تعالى . { أقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة } فلذلك لا تجب الزكاة في مال الصغير . لأنه لو أريد دخوله في ~~الزكاة لكان فيه عطف واجب على مندوب ؛ لأن الصلاة عليه مندوبة اتفاقا ، ~~وضعف بأن الأصل في اشتراك المعطوف والمعطوف عليه : إنما هو فيما ذكر ، لا ~~فيما سواه من الأمور الخارجية . وقد أجمعوا على أن اللفظين العامين إذا عطف ~~أحدهما على الآخر ، وخص أحدهما : لا يقتضي تخصيص الآخر ، PageV03P260 ~~واستدل لهذا المذهب أيضا بقول الصديق رضي الله تعالى عنه ' والله لأقاتلن ~~من فرق بين الصلاة والزكاة ' واستدل ابن عباس لوجوب العمرة بأنها قرينة ~~الحج في كتاب الله تعالى ، ورد الدليل وقرينه في الأمر بها ، واستدل القاضي ~~بقوله تعالى { أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء } قال : فعطف ~~اللمس على الغائط موجب للوضوء . قال : وخصصه أحمد بالقرينة . فذكر قوله ~~تعالى في آية النجوى وقوله PageV03P261 تعالى { وأشهدوا إذا تبايعتم } فإن ~~أمن فلا بأس . انظر إلى آخر الآية ( ولا يلزم من إضمار شيء في معطوف ) على ~~شيء ( أن يضمر ) ذلك الشيء ( في معطوف عليه ) ذكره أبو الخطاب وابن حمدان ~~وابن قاضي الجبل والمالكية والشافعية ، خلافا للحنفية والقاضي وابن ~~السمعاني وابن الحاجب . وترجمة هذه المسألة بما في المتن هي ترجمة أبي ~~الخطاب في التمهيد ، وترجمها الرازي والبيضاوي والهندي وابن قاضي الجبل ~~بقولهم ' عطف الخاص على العام لا يقتضي تخصيص المعطوف عليه ' PageV03P262 ~~ومثل الفريقان لهذه المسألة بقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد ~~وأبو داود والنسائي ' { لا يقتل مؤمن بكافر ، ولا ذو عهد في عهده } ' ~~والخلاف في هذه المسألة مشهور ، مع الاتفاق على أن النكرة في سياق النفي ~~للعموم ، فالحنفية ومن تابعهم يقدرون تتميما للجملة الثانية لفظا عاما ، ~~تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه في متعلقه . فيكون على حد قوله تعالى ( { ~~آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون } ) فيقدر : ولا ذو عهد في عهده ~~بكافر . إذ لو قدر خاصا - وهو ولا ذو عهد ms381 في عهده بحربي - لزم التخالف بين ~~المتعاطفين . ويكون تقديرا بلا دليل ، بخلاف ما لو قدر عاما . فإن الدليل ~~دل عليه من المصرح به في الجملة التي قبلها . وحينئذ فيخصص PageV03P263 ~~العموم في الثانية بالحربي . بدليل آخر . وهو الاتفاق على أن المعاهد لا ~~يقتل بالحربي . ويقتل بالمعاهد والذمي . قالوا : وإذا تقرر هذا وجب أن يخصص ~~العام المذكور ، أو لا ليتساويا . فيصير : لا يقتل مسلم بكافر ، ولا ذو عهد ~~في عهده بكافر حربي وأما أصحابنا وغيرهم : فإذا قدروا في الجملة الثانية . ~~فإنما يقدرون خاصا . فيقولون : ولا ذو عهد في عهده بحربي ، لأن التقدير : ~~إنما هو بما تندفع به الحاجة بلا زيادة . وفي التقدير ' بحربي ' كفاية . ~~ولا يضر تخالفه مع المعطوف PageV03P264 عليه في ذلك . إذ لا يشترط ~~اشتراكهما في أصل الحكم ، وهو هنا : منع القتل بما ذكر . أو بما يقوم ~~الدليل عليه ، لا في كل الأحوال : وهو قوله سبحانه وتعالى { وبعولتهن أحق ~~بردهن } فإنه مختص بالرجعيات . وإن تقدم المطلقات بالعموم . وقيل : بالوقف ~~لتعارض الأدلة . اه . PageV03P265 ولما انتهى الكلام على العام وصيغ العموم ~~. وكان يلحقه التخصيص ذكره عقبه فقال : PageV03P266 # | ( باب ) # ( بالتنوين التخصيص ) وتتوقف معرفته على بيان المخصص - بكسر الصاد - ~~والمخصص - بفتحها - فأما التخصيص : فرسموه بأنه ( قصر العام على بعض أجزائه ~~) قال ابن مفلح : ولعله مراد من قال ' على بعض مسمياته ' فإن مسمى العام ~~جميع ما يصلح له اللفظ ، لا بعضه . وقال البرماوي تبعا لجمع الجوامع : هو ~~قصر العام على بعض أفراده ، فخرج تقييد المطلق ، لأنه قصر مطلق ، لا عام ، ~~كرقبة مؤمنة . وكذا الإخراج من العدد ، كعشرة إلا ثلاثة . ونحو ذلك ، ودخل ~~ما عمومه باللفظ ك ' اقتلوا المشركين ' قصر بالدليل على غير الذمي وغيره ~~ممن عصم بأمان ، وما عمومه بالمعنى ، كقصر علة الربا في بيع الرطب بالتمر ~~مثلا . بأنه ينقص إذا جف على غير العرايا . PageV03P267 والمراد من قصر ~~العام : قصر حكمه ، وإن كان لفظ ' العام ' باقيا على عمومه ، لكن لفظا لا ~~حكما . فبذلك يخرج إطلاق العام وإرادة الخاص . فإن ذلك قصر إرادة لفظ العام ~~، لا قصر ms382 حكمه . وقد ورد على تعريف التخصيص : أنه إنما يكون تخصيصا بدليل ~~عام ، لا قصر العام بدليله . وجوابه : أن الكلام في التخصيص الشرعي ~~فالتقدير قصر الشارع العام على بعض أفراده ، فأضيف المصدر إلى مفعوله . ~~وحذف الفاعل للعلم به ( ويطلق ) التخصيص ( على قصر لفظ غير عام على بعض ~~مسماه ) أي مسمى ذلك اللفظ ( ك ) إطلاق ( عام على غير لفظ عام ) كعشرة ~~ومسلمين PageV03P268 للعهد ، قال ابن قاضي الجبل : ويطلق التخصيص على قصر ~~اللفظ على بعض مسماه ، وإن لم يكن عاما بالاصطلاح كإطلاق العشرة على بعض ~~آحادها . وكذلك يطلق على اللفظ عام ، وإن لم يكن عاما لتعدده ، كعشرة ~~والمسلمين المعهودين ، لا المسلمين مطلقا . وإلا كان عاما اصطلاحا ( ويجوز ~~) التخصيص ( مطلقا ) عند الأئمة الأربعة والأكثر ، أي : سواء كان العام ~~أمرا أو نهيا أو خبرا ، خلافا لبعض الشافعية ، وبعض الأصوليين في الخبر . ~~وعن بعضهم وفي الأمر . واستدل للأول الذي هو الصحيح بأن التخصيص استعمل في ~~الكتاب والسنة ، PageV03P269 قال المخالف : يوهم في الخبر الكذب ، وفي ~~الأمر البداء ، ردا بالمنع . ويرد ذلك كله ورود ما هو مخصوص قطعا ، نحو ~~قوله تعالى { الله خالق كل شيء } { تدمر كل شيء بأمر ربها } { يجبى إليه ~~ثمرات كل شيء } { وأوتيت من كل شيء } { وآتيناه من كل شيء سببا } وفي الأمر ~~{ اقتلوا المشركين } وفي النهي { لا تقربوهن حتى يطهرن } مع أن بعض القربان ~~غير منهي عنه قطعا . بل قالوا : PageV03P270 لا عام إلا وطرقه التخصيص إلا ~~مواضع يسيرة ويجوز التخصيص ( ولو لعام مؤكد ) إذ تأكيده لا يمنع تخصيصه على ~~أصح قولي العلماء ، بدليل قوله تعالى { فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا ~~إبليس } إذا قدر متصلا . وفي الحديث { فأحرموا كلهم إلا أبا قتادة } ويجوز ~~التخصيص مطلقا ( إلى أن يبقى واحد ) فقط من أفراد العام . قاله PageV03P271 ~~أكثر أصحابنا وغيرهم . ومنع المجد وغيره من أصحابنا ، وأبو بكر الرازي : من ~~أقل الجمع ، والقفال وغيره : إن كان لفظه جمعا ، والقاضي وولد المجد وجمع : ~~لا بد أن يبقى كثرة وإن لم تقدر ، PageV03P272 وابن حمدان وطائفة كثيرة : ~~تقرب من مدلول اللفظ . وجوزه ms383 ابن الحاجب باستثناء وبدل إلى واحد ، وبمتصل ~~وصفة ، ومنفصل في محصور قليل إلى اثنين ، وغير المحصور والعدد الكثير ، ~~كالمجد . وما في المتن هو الصحيح من مذهب الإمام أحمد رحمه الله وأصحابه . ~~قال ابن مفلح : يجوز تخصيص العام إلى أن يبقى واحد عند أصحابنا . قال ~~الحلواني : هو قول جماعة . وكذا قال ابن قاضي الجبل . قال ابن برهان : هو ~~المذهب المنصوص . قال القاضي عبد الوهاب : هو قول مالك والجمهور . وحكى ~~الجويني إجماع أهل السنة على ذلك في ' من ' و ' ما ' ونحوهما . PageV03P273 ~~واختاره أبو إسحاق الشيرازي . وحكاه أبو المعالي في التلخيص وغيره عن معظم ~~أصحاب الشافعي . واستدل للقول الصحيح بأنه لو امتنع التخصيص المذكور لكان ~~الامتناع : إما لأنه مجاز ، أو لاستعماله في غير موضعه . واعترض على ذلك ~~بأن المنع لعدم استعماله فيه لغة ، وجوابه بالمنع . ثم لا فرق . وأيضا : ~~أكرم الناس إلا الجهال ، واعترض عليه بأنه خص بالاستثناء . وجوابه المعروف ~~التسوية ، ثم لا فرق . واستدل بقوله تعالى { الذين قال لهم الناس } وأريد ~~به نعيم بن PageV03P274 مسعود رد ليس بعام ، لأنه المعهود . واستدل بقوله ~~تعالى { وإنا له لحافظون } أجيب : أطلق الجمع عليه للتعظيم . ومحل النزاع ~~في الإخراج منه . واستدل بجواز قوله : أكلت الخبز وشربت الماء ، لأقل شيء ~~منهما رد ، المراد بعض مطابق لمعهود ذهني ، القائل بأقل الجمع ما سيق فيه ~~PageV03P275 رد ليس الجمع بعام ليطلق العام على ما يطلق عليه . ( ولا تخصيص ~~إلا فيما له شمول حسا . ) نحو جاءني القوم ( أو حكما ) نحو اشتريت العبد . ~~قال العسقلاني : لا يستقيم التخصيص إلا بما فيه معنى الشمول ، ويصح توكيده ~~بكل ، ليكون ذا أجزاء يصح اقترانهما إما حسا ك { اقتلوا المشركين } أو حكما ~~. كاشتريت الجارية كلها ، لإمكان افتراق أجزائها . . قال ابن عقيل : ~~التخصيص والنسخ في الحقيقة إنما يتناول أفعالنا الواقعة في الأزمان ~~والأعيان فقط . والفقهاء والمتكلمون تكلمون أكثروا القول بأن النسخ يتناول ~~الأزمان فقط ، والتخصيص يتناول الجميع . وإنما يستعمله المحصلون تجوزا ~~PageV03P276 ( والمخصص ) هو ( المخرج ، وهو إرادة المتكلم ) الإخراج . ولما ~~فرغ من الكلام على التخصيص أخذ في الكلام ms384 على المخصص - بكسر الصاد - وهو ~~حقيقة : فاعل التخصيص الذي هو الإخراج ، ثم أطلق على إرادته الإخراج . لأنه ~~إنما يخصص بالإرادة فأطلق على نفس الإرادة مخصصا ، حتى قال الرازي وأتباعه ~~: إن حقيقة التخصيص هو الإرادة . ( ويطلق ) المخصص ( مجازا على الدليل ) ~~الدال على الإرادة ( وهو المراد هنا ) فإنه الشائع في الأصول حتى صار حقيقة ~~عرفية ( وهو ) أي المخصص قسمان : قسم ( منفصل ) وهو ما يستقل بنفسه بأن لم ~~يكن مرتبطا بكلام آخر ( ومنه ) أي ومن القسم المنفصل PageV03P277 ( الحس ) ~~نحو قوله سبحانه وتعالى { تدمر كل شيء بأمر ربها } وقوله تعالى { يجبى إليه ~~ثمرات كل شيء } وقوله تعالى . { وأوتيت من كل شيء } . وقوله تعالى { ما تذر ~~من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم } والمراد بالحس المشاهدة . ونحن نشاهد ~~أشياء كانت حين الريح لم تدمرها ولم تجعلها كالرميم ، كالجبال ونحوها ، ~~ونعلم أن ما في أقصى المشرق والمغرب لم تجب إليه ثمراته ، وأن أشياء كثيرة ~~لم تؤت منها بلقيس في قوله تعالى { وأوتيت من كل شيء } . ثم هاهنا بحثان . ~~الأول أن هذه الأمثلة : لا تتعين أن تكون من العام المخصوص بالحس ، ~~PageV03P278 فقد يدعى أنها من العام الذي أريد به الخصوص . الثاني : أن ما ~~كان خارجا بالحس فقد يدعي أنه لم يدخل حتى يخرج ، كما يأتي نظيره في ~~التخصيص بالعقل . ( و ) من التخصيص بالمنفصل أيضا ( العقل ) ضروريا كان أو ~~نظريا . فمثال الضروري : نحو قوله تعالى { الله خالق كل شيء } فإن العقل ~~قاض بالضرورة أنه لم يخلق نفسه تعالى وتقدس . PageV03P279 ومثال النظري : ~~نحو قوله تعالى ( { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } ) فإن ~~العقل بنظره اقتضى عدم دخول الطفل والمجنون بالتكليف بالحج ، لعدم فهمهما ، ~~بل هما من جملة الغافلين الذين هم غير مخاطبين بخطاب التكليف . وقال ~~البرماوي : منع كثير من العلماء أن ما خرج من الأفراد بالعقل من باب ~~التخصيص ، وإنما العقل اقتضى عدم دخوله في لفظ العام . وفرق بين عدم دخوله ~~في لفظ العام ، وبين خروجه بعد أن دخل ، وهذا نص الشافعي في الرسالة ، فإنه ~~قال ms385 في باب ما نزل من الكتاب عاما يراد به العام : إن من العام الذي لم ~~يدخل خصوصه قوله تعالى { الله خالق كل شيء } PageV03P280 { وما من دابة في ~~الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها } . قال : فهذا عام لا ~~خاص فيه ، فكل شيء من سماء وأرض وذي روح وشجر وغير ذلك ، فإن الله تعالى ~~خالقه ، وكل دابة فعلى الله رزقها ، ويعلم مستقرها ومستودعها . انتهى . ( و ~~) القسم الثاني من التخصيص ( متصل ) وهو ما لا يستقل بنفسه ، بل مرتبط ~~بكلام آخر ( وهو ) أي المتصل ( أقسام ) أحدها ( استثناء متصل ) أما ~~الاستثناء فمأخوذ من الثني ، وهو العطف ، من قوله : ثنيت الحبل أثنيه : إذا ~~عطفت بعضه على بعض . وقيل : من ثنيته عن الشيء : إذا صرفته عنه PageV03P281 ~~( وهو ) أي الاستثناء المتصل ( إخراج ما ) أي إخراج شيء ( لولاه ) أي لولا ~~الاستثناء ( لوجب دخوله ) أي دخول ذلك الشيء ( لغة ) أي من جهة اللغة ، قال ~~الشيخ تقي الدين : هذا قول أصحابنا والأكثرين . فعلى هذا لا يصح استثناء من ~~النكرة . فلا يقال : جاءني رجال إلا زيدا ، لاحتمال أن لا يريد المتكلم ~~دخوله حتى يخرجه . وقيل : إن الاستثناء إخراج ما لولاه لجاز دخوله . فعلى ~~هذا . يصح الاستثناء من النكرة . وسلمه القاضي وابن عقيل . PageV03P282 ~~وقال ابن مالك : إن وصفت النكرة صح الاستثناء منها ، وإلا فلا . وقال ~~البرماوي : أما إذا أفاد الاستثناء من النكرة ، كاستثناء جزء مركب فيجوز ، ~~نحو اشتريت عبدا إلا ربعه ، أو دارا إلا سقفها . فالاستثناء من النكرة إذا ~~لم يفد لم يكن متصلا . ولا يكون منقطعا لأن شرطه أن لا يدخل في المستثنى ~~منه قطعا . وقوله ( بإلا ) متعلق بإخراج ، يعني أن الإخراج يكون بإلا ( أو ~~إحدى أخواتها ) أي أخوات ' إلا ' وأدوات الاستثناء المشهورة ثمانية ، منها ~~: حروف باتفاق ، وهي ' إلا ' أو وحروف على الأصح ، وهي حاشا ' فإنها حرف ~~عند سيبويه دائما . ويقال فيها . : حاش وحشا . PageV03P283 ومنها ما هو فعل ~~بالاتفاق ، كلا يكون ، أو فعل على الأصح ، وهي ' ليس ' . ومنها ما هو متردد ~~بين الحرفية والفعلية بحسب الاستعمال ، فإن نصب ما بعده ms386 كان فعلا ، وإن جر ~~ما بعده كان حرفا ، وهو ' خلا ' بالاتفاق ، و ' عدا ' عند غير سيبويه . ~~ومنها ما هو اسم ، وهو ' غير ' و ' سوى ' ويقال فيه ' سوى ' بضم السين ، و ~~' سواء ' بفتحها والمد ، وبكسرها والمد ، سواء قلنا هو ظرف ، أو يتصرف تصرف ~~الأسماء . ثم يشترط لصحة الاستثناء : أن يكون المستثنى والمستثنى منه ~~صادرين من متكلم واحد ؛ ليخرج ما لو قال الله سبحانه وتعالى { اقتلوا ~~المشركين } فقال النبي صلى الله عليه وسلم : { إلا أهل الذمة } فإن ذلك ~~استثناء PageV03P284 منفصل لا متصل . وقدم هذا القول في جمع الجوامع . وضعف ~~الصفي الهندي مقابله . ولهذا قال الرافعي : لو قال زيد لعمرو لي عليك مائة ~~، فقال عمرو : إلا درهما ، لم يكن مقرا بما عدا المستثنى على الأصح ، وأما ~~قول العباس رضي الله تعالى عنه بعد قول النبي صلى الله عليه وسلم { لا ~~يختلى خلاه : يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقيننا وبيوتنا ، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : إلا الإذخر } فمؤول بأن العباس أراد أن يذكر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالاستثناء خشية أن يسكت عنه ، اتكالا على فهم ~~السامع ذلك بقرينة ، وفهم منه أنه يريد استثناءه ، ولأجل ذلك أعاد النبي ~~صلى الله عليه وسلم . الاستثناء ، فقال ' إلا PageV03P285 الإذخر ' ولم ~~يكتف باستثناء العباس وهذا يرشد إلى اعتبار كونه من متكلم واحد . إذا تقرر ~~هذا ( فلا يصح ) الاستثناء ( من نكرة ) كما تقدم الكلام عليه في الشرح ( ~~ولا ) يصح الاستثناء أيضا ( من غير الجنس ) نحو : جاء القوم إلا حمارا ، ~~لأن الحمار لم يدخل في القوم ، وكذا : له عندي مائة درهم إلا دينارا ، ~~ونحوه ، وهذا هو الصحيح من الروايتين عن الإمام أحمد رضي الله عنه ، ~~واختيار الأكثر من أصحابنا وغيرهم ، وعنه رواية ثانية بصحة استثناء أحد ~~النقدين من الآخر ، واختلف في PageV03P286 مأخذ هذه الرواية ، فقيل : لأن ~~النقدين كالجنس في الأشياء ، فكذا في الاستثناء ، وقيل : إن كل واحد منهما ~~يعبر به عن الآخر ، وقيل : إن القول بصحة ذلك استحسانا ، وعند مالك ~~والشافعي رضي الله عنهما : يصح الاستثناء من ms387 غير الجنس مطلقا ، لأنه ورد في ~~الكتاب العزيز ولغة العرب ، ووجه عدم صحة الاستثناء من غير الجنس الذي هو ~~الصحيح من المذهب أن PageV03P287 الاستثناء صرف اللفظ بحرفه عما يقتضيه ~~لولاه . لأنه مأخوذ من الثني ، تقول : ثنيت فلانا عن رأيه ، وثنيت عنان ~~دابتي ، ولأن الاستثناء إنما يصح لتعلقه بالأول ، لعدم استقلاله ، وإلا ~~فيصح استثناء كل شيء من كل شيء ، لاشتراكهما في معنى عام ، ولأنه لو قال : ~~جاء الناس إلا الكلاب وإلا الحمير ، عد قبيحا لغة وعرفا ، ولأنه تخصيص ، ~~فلا يصح في غير داخل . وأورد عليه قوله تعالى { إلا رمزا } ، { أن يقتل ~~مؤمنا إلا خطأ } من علم إلا اتباع الظن ' ' من سلطان إلا أن دعوتكم ' وقول ~~العرب ما بالدار أحد إلا زيد ، وما جاءني زيد إلا عمرو . PageV03P288 وأجيب ~~بأن ' إلا ' في ذلك : بمعنى ' لكن ' عند النحاة ، منهم : الزجاج وابن قتيبة ~~، وقال : هو من قول سيبويه وهو استدراك ، ولهذا لم يأت إلا بعد نفي ، أو ~~بعد إثبات بعد جملة ( والمراد ) من . قول المقر ( بعشرة إلا ثلاثة سبعة و ) ~~أداة الاستثناء وهي ( إلا ) في هذا المثال ( قرينة مخصصة ) اختلف الناس في ~~تقدير دلالة الاستثناء على مذاهب ، فعندنا وعند الأكثرين أن إلا قرينة ~~مخصصة ، ومنشأ الخلاف : الإشكال في معقولية الاستثناء ، فإنك إذا قلت : قام ~~PageV03P289 القوم إلا زيدا . فإن لم يكن زيد دخل فيهم ، فكيف أخرج هذا ؟ ~~وقد اتفق أهل العربية على أنه إخراج وإن كان دخل ، فقد تناقض أول الكلام ~~وآخره ، وكذا نحو قوله : علي عشرة إلا درهما ، بل أبلغ ، لأن العدد نص في ~~مدلوله العام فيه والعام : فيه الخلاف السابق ، وذلك يؤدي إلى نفي ~~الاستثناء من كلام العرب ، لأنه كذب على هذا التقدير في أحد الطرفين ، ولكن ~~قد وقع في القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فتكون ' ~~إلا ' قرينة بينت أن الكل استعمل ، وأريد به الجزء مجازا ، وعلى هذا : ~~فالاستثناء مبين لغرض المتكلم به بالمستثنى منه ، فإذا قال : له علي . عشرة ~~، كان ظاهرا ، ويحتمل إرادة بعضها مجازا ، فإذا قال ms388 : إلا ثلاثة ، فقد تبين ~~أن مراده بالعشرة سبعة فقط ، كما في سائر المخصصات . قال ابن مفلح : ~~الاستثناء إخراج ما تناوله المستثنى منه ، ليبين أنه لم يرد به ، كالتخصيص ~~عند القاضي وغيره . وفي التمهيد : ما لولاه لدخل في اللفظ PageV03P290 ~~كالتخصيص ، ومراده الأول . واستنكر أبو المعالي هذا المذهب ، وقال : لا ~~يعتقده لبيب . والمذهب الثاني - وبه قال الباقلاني - : إن نحو عشرة إلا ~~ثلاثة مدلوله سبعة ، لكن له لفظان ، أحدهما مركب ، وهو عشرة إلا ثلاثة ، ~~واللفظ الآخر سبعة ، وقصد بذلك أن يفرق بين التخصيص بدليل متصل ، فيكون ~~الباقي فيه حقيقة ، أو بمنفصل ، فيكون تناول اللفظ للباقي مجازا . وحكي عن ~~الشافعي : أن الاستثناء إخراج لشيء دل عليه صدر الجملة بالمعارضة ، فمعنى ~~عشرة إلا ثلاثة فإنها ليست علي . PageV03P291 والمذهب الثالث - واختاره ابن ~~الحاجب وغيره - : أن المراد بالعشرة عشرة باعتبار أفراده ، ولكن لا يحكم ~~بما أسند إليها إلا بعد إخراج الثلاثة منها ، ففي اللفظ أسند الحكم إلى ~~عشرة . وفي المعنى إلى سبعة . وعلى هذا : فليس الاستثناء مبينا للمراد ~~الأول ، بل به وبما يحصل الإخراج ، وليس هناك إلا الإثبات ، ولا نفي أصلا ، ~~فلا تناقض . فالاستثناء على قول الباقلاني ليس بتخصيص ، لأن التخصيص قصر ~~العام على بعض أفراده ، وهنا لم يرد بالعام بعض أفراده ، بل المجموع المركب ~~، وأنه على قول الأكثرين تخصيص لما فيه من قصر اللفظ على بعض مسمياته . ~~وأما على المذهب الثالث : فيحتمل أن يكون تخصيصا ، PageV03P292 نظرا إلى ~~كون الحكم في الظاهر للعام ، والمراد المخصوص ، ويحتمل أن لا يكون تخصيصا ؛ ~~نظرا إلى أنه أريد بالمستثنى منه تمام مسماه فوائد : ذكرها القرافي في شرح ~~التنقيح إحداها : أن الاستثناء أربعة أنواع . أحدها : ما لولاه لعلم دخوله ~~، كالاستثناء من النصوص ، مثل : عندي عشرة إلا ثلاثة ، والثاني : ما لولاه ~~لظن دخوله ، كالاستثناء من الظواهر ، نحو اقتلوا المشركين إلا زيدا . ~~والثالث : ما لولاه لجاز دخوله ، كالاستثناء من المحال والأزمان والأحوال ، ~~كأكرم رجلا إلا زيدا أو عمرا ، وصل إلا عند الزوال وقوله تعالى ' لتأتنني ~~به ، إلا أن يحاط بكم ' PageV03P293 والرابع : ما لولاه لقطع ms389 بعدم دخوله ~~كالاستثناء المنقطع كقام القوم إلا حمارا . الفائدة الثانية يقع الاستثناء ~~في عشرة أمور اثنان ينطق بهما وثمانية لا ينطق بها وقع الاستثناء منها ، ~~مما ينطق بها من الأحكام والصفات . فالأحكام : قام القوم إلا زيدا ، ~~والصفات : قول الشاعر قاتل ابن البتول إلا عليا يريد الحسين ابن فاطمة ~~الزهراء . رضي الله عنها . ومعنى ' البتول ' المنقطعة ، قيل : عن النظير ~~والشبيه ، وقيل عن الأزواج إلا عن علي ، فاستثنى من صفاتها لا منها . ومنه ~~قوله تعالى { أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى } استثنوا من صفتهم الموتة ~~الأولى لا من ذواتهم والاستثناء من الصفة ثلاثة أقسام . أحدها : من متعلقها ~~، كقول الشاعر المتقدم ، متعلقه التبتل ، PageV03P294 وثانيها : من بعض ~~أنواعها كالآية ، لأن الموتة الأولى أحد أنواع الموت ، وثالثها : أن يستثنى ~~بجملتها لا بترك شيء منها ، كأنت طالق واحدة إلا واحدة ، والثمانية الباقية ~~لا ينطق بها ، ويقع الاستثناء منها ، أحدها : الأسباب ، نحو لا عقوبة إلا ~~بجناية ، والثاني : الشروط ، نحو لا صلاة إلا بطهور ، والثالث : الموانع ، ~~نحو لا تسقط الصلاة عن المرأة إلا بالحيض ، والرابع : المحال ، نحو أكرم ~~رجلا إلا زيدا وعمروا وبكرا ، فإن كل شخص هو محل الأعمية ، والخامس : ~~الأحوال ، نحو . قوله تعالى . ' لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ' أي لتأتنني ~~به في جميع الأحوال إلا في حالة الإحاطة بكم ، فإني أعذركم . PageV03P295 ~~والسادس : الأزمان ، نحو صل إلا عند الزوال ، والسابع : الأمكنة ، نحو صل ~~إلا عند المزبلة ونحوها ، والثامن : مطلق الوجود ، مع قطع النظر عن ~~الخصوصيات ، نحو . قوله تعالى . ' إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ' ~~أي لا حقيقة للأصنام . ألبتة ، إلا أنها لفظ مجرد ، فاستثنى اللفظ من مطلق ~~الوجود على سبيل المبالغة في النفي ، أي لم يثبت لها وجود . ألبتة إلا عند ~~وجود اللفظ ، ولا شيء وراءه . فهذه الثمانية لم . يذكر فيها الاستثناء ، ~~وإنما يعلم بما يذكر بعد الاستثناء فرد منها ، فيستدل بذلك الفرد على جنسه ~~وهو الكائن بعد الاستثناء . وحينئذ ينبغي أن يعلم أن الاستثناء في هذه ~~الأمور التي لم تذكر كلها استثناء متصل ، لأنه من ms390 الجنس ، وحكم بالنقيض بعد ~~إلا . فهذان القيدان وافيان بحقيقة المتصل . ا ه . PageV03P296 ( وشروطه ) ~~أي شروط الاستثناء ( اتصال معتاد ) ثم إما أن يكون الاتصال المعتاد ( لفظا ~~) كذكر المستثنى عقب المستثنى منه ، ( أو ) يكون الاتصال المعتاد ( حكما ) ~~كانقطاعه عنه بتنفس أو سعال أو عطاس . ويأتي به عقب ذلك ، فيشترط ذلك ( ~~كبقية التوابع ) وعن ابن عباس ' يصح ولو بعد سنة ' PageV03P297 قال ابن ~~مفلح في أصوله : وروى سعيد حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن مجاهد عن ابن ~~عباس ' أنه كان يرى الاستثناء ولو بعد سنة ' الأعمش مدلس ومعناه قول . طاوس ~~ومجاهد ، وعن مجاهد أيضا ' إلى سنتين ' وعن ابن عباس أيضا ' أنه يصح ~~الاستثناء إلى شهر ' وروي عنه ' يصح أبدا ' كما يجوز التأخير في تخصيص ~~العام ، وبيان المجمل ، لكن حمل الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه وجماعة من ~~العلماء كلام ابن عباس . رضي الله عنهما . على نسيان قول ' إن شاء الله ' ~~منهم القرافي . PageV03P298 قال ابن جرير : إن صح ذلك عن ابن عباس فمحمول ~~على أن السنة أن يقول الحالف ' إن شاء الله ' ولو بعد سنة . قال الحافظ أبو ~~موسى المديني : إنه لا يثبت عن ابن عباس ، ثم قال : إن PageV03P299 صح هذا ~~عن ابن عباس ، فيحتمل أن المعنى : إذا نسيت الاستثناء فاستثن إذا ذكرت ، ~~وروي عن سعيد بن جبير : أنه أجازه أربعة أشهر . وقال بعض المالكية : يصح ~~اتصاله بالنية ، وانقطاعه لفظا ، فيدين . قال الآمدي : فلعله مذهب ابن عباس ~~. وعن أحمد رضي الله تعالى عنه : يصح في اليمين متصلا في زمن يسير إذا لم ~~يخلط كلامه بغيره . وعنه أيضا : وفي المجلس . واختاره الشيخ تقي الدين ~~وغيره . وروي عن الحسن وعطاء . PageV03P300 وقيل : يصح ما لم يأخذ في كلام ~~آخر . وقال أبو الفرج المقدسي : يصح ولو تكلم . وقيل : يجوز ذلك في القرآن ~~خاصة . وحمل بعضهم كلام ابن عباس عليه . واستدل للمذهب الصحيح الذي في ~~المتن بقول النبي صلى الله عليه وسلم { من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا ~~منها فليكفر عن يمينه ؛ وليأت الذي هو خير } ولم يقل : أو ms391 ليستثن . وكذلك ~~لما أرشد الله سبحانه وتعالى أيوب عليه الصلاة والسلام بقوله { وخذ بيدك ~~ضغثا فاضرب به ولا تحنث } جعل طريق بره ذلك . PageV03P301 وفي تاريخ بغداد ~~لابن النجار : أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أراد الخروج مرة من بغداد ، ~~فاجتاز بعض الطريق ، وإذا برجل على رأسه سلة فيها بقل ، وهو يقول لآخر : ~~مذهب ابن عباس في تراخي الاستثناء غير صحيح . ولو صح لما قال الله تبارك ~~وتعالى لأيوب عليه السلام { وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث } بل كان يقول ~~له : استثن ، ولا حاجة إلى التوسل إلى البر بذلك ، فقال الشيخ أبو إسحاق : ~~بلدة فيها رجل يحمل البقل يرد على ابن عباس : لا تستحق أن يخرج منها . ومن ~~لطيف ما يحكى : أن الرشيد استدعى أبا يوسف القاضي PageV03P302 وقال له : ~~كيف مذهب ابن عباس في الاستثناء ؟ فقال : يلحق عنده بالخطاب ، ويتغير الحكم ~~به ولو بعد زمان ، فقال : عزمت عليك أن تفتي به ولا تخالفه . وكان أبو يوسف ~~لطيفا فيما يورده ، متأنيا فيما يقوله ، فقال : رأي ابن عباس يفسد عليك ~~بيعتك ، لأن من حلف لك وبايعك يرجع إلى منزله فيستثني . فانتبه الرشيد ، ~~وقال : إياك أن تعرف الناس مذهبه في ذلك ، واكتمه . ووقع قريب من ذلك لأبي ~~حنيفة مع المنصور . ( و ) شرط أيضا للاستثناء ( نيته ) أي أن ينوي المستثني ~~( قبل تمام PageV03P303 مستثنى منه ) عند الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه ~~وأصحابه والشافعية . قال ابن العراقي : اتفق الذاهبون إلى اشتراط اتصاله : ~~أن ينوي في الكلام ، فلو لم يعرض له نية الاستثناء إلا بعد فراغ المستثنى ~~منه لم يعتد به . ثم قيل : يعتبر وجود النية في أول الكلام . وقيل يكتفى ~~بوجودها قبل فراغه . وهذا هو الصحيح . انتهى ( و ) شرط أيضا للاستثناء ( ~~نطق به ) أي بالمستثنى ( إلا في يمين مظلوم خائف بنطقه ) قال ابن مفلح في ~~الفروع : ويعتبر نطقه إلا من مظلوم خائف . نص على ذلك ولم يذكر في المستوعب ~~' خائف ' والأصحاب على PageV03P304 الأول . قال في المغني والشرح : وروي عن ~~أحمد : أنه إن كان مظلوما فاستثنى في ms392 نفسه رجوت أن يجوز إذا خاف على نفسه . ~~فهذا في حق الخائف على نفسه ، لأن يمينه غير منعقدة ، أو لأنه بمنزلة ~~المتأول . انتهى . ( لا تأخيره ) يعني أنه لا يشترط في الاستثناء تأخير ~~المستثنى عن المستثنى منه في اللفظ . فيجوز تقديمه عند الكل . ومنه قوله ~~صلى الله عليه وسلم { إني والله - إن شاء الله - لا أحلف على يمين - } ~~الحديث ' متفق عليه ، وكقول الكميت : PageV03P305 وما لي إلا آل أحمد . ~~شيعة ومالي إلا مذهب الحق مذهب ( ويصح استثناء النصف ) في أحد الوجهين ~~لأصحابنا . قال في الإنصاف : وهو المذهب . قال ابن هبيرة : الصحة ظاهر ~~المذهب ، وصححه في التصحيح ، وتصحيح المحرر ، والرعايتين ، و PageV03P306 ' ~~الحاوي الصغير ' ، واختاره ابن عبدوس في تذكرته وجزم به في الإرشاد والوجيز ~~والمنور ، ومنتخب الآدمي . وهو ظاهر كلام ابن عقيل في التذكرة في الإطلاق ~~والإقرار ؛ فإنه ذكر فيهما : لا يصح استثناء الأكثر ، واقتصر عليه . والوجه ~~الثاني : لا يصح ( لا الأكثر ) يعني أنه لا يصح استثناء أكثر من النصف من ~~عدد مسمى ، PageV03P307 كقوله : له علي عشرة إلا ستة ، عند الإمام أحمد رضي ~~الله تعالى عنه وأصحابه وأبي يوسف وابن الماجشون ، وأكثر النحاة . وذكر ابن ~~هبيرة : أنه قول أهل اللغة . ونقله أبو حامد الإسفراييني وأبو حيان في ~~الارتشاف عن نحاة البصرة . ونقله ابن السمعاني وغيره عن الأشعري . وقيل : ~~بلى . قال ابن مفلح : وعند أكثر الفقهاء والمتكلمين : يصح PageV03P308 ~~ويستثنى من القول بعدم صحة استثناء الأكثر ما أشير إليه بقوله ( إلا إذا ~~كانت الكثرة من دليل خارج عن اللفظ ) نحو قوله سبحانه وتعالى { إلا من ~~اتبعك من الغاوين } وقوله تعالى { إلا عبادك منهم المخلصين } وقوله تعالى { ~~وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين } لأن هذا تخصيص بصفة ، فإنه يستثنى ~~بالصفة مجهول من معلوم ومن مجهول ، ويستثنى الجميع أيضا . PageV03P309 فلو ~~قال : اقتل من في الدار إلا بني تميم ، أو إلا البيض ، فكانوا كلهم ` بني ~~تميم أو بيضا لم يجز قتلهم ، بخلاف العدد . ثم الجنس ظاهر والعدد صريح ، ~~فلهذا فرقت اللغة بينهما . وبهذا يجاب أيضا عما في الحديث الذي ms393 رواه مسلم ~~من حديث أبي ذر { عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل يا ~~عبادي ، كلكم جائع إلا من أطعمته } قال ابن عقيل في الواضح عن ذلك : لا ~~خلاف فيه ، لكن اتفقوا على أنه لو أقر بهذه الدار إلا هذا البيت صح ، ولو ~~كان أكثرها ، بخلاف إلا ثلثيها ، فإنه على الخلاف . ولهذا قال الشيخ في ~~المسودة : لا خلاف في جوازه ، إذا كانت الكثرة من دليل خارج لا من اللفظ . ~~قالوا : كالتخصيص ، وكاستثناء الأقل ، PageV03P310 وجوابه واضح ، وعجب من ~~ذكر الخلاف . ثم يحتج بالإجماع أن من أقر بعشرة إلا درهما يلزمه تسعة . ( ~~وحيث بطل ) الاستثناء ( واستثنى منه ) أي من المستثنى ( رجع ) الاستثناء ( ~~إلى ما قبله ) أي ما قبل المستثنى ، وهو المستثنى منه أولا . قال في تصحيح ~~المحرر : جزم به في المغني . وقيل : يبطل الكل وقيل : يعتبر ما يئول إليه ~~الاستثناءات . قال في تصحيح المحرر : اختاره القاضي . فيتفرع على ذلك لو ~~قال : له علي عشرة إلا عشرة إلا ثلاثة . فعلى القول PageV03P311 الأول : ~~يلزمه سبعة ، لأن الاستثناء الأول لم يصح فيسقط ، فيبقى كأنه استثنى ثلاثة ~~من عشرة ، وعلى الثاني : يلزمه عشرة ، لبطلان الاستثناءين ، وعلى الثالث : ~~يلزمه ثلاثة ، فكأنه قال : له علي عشرة تلزمني ، إلا عشرة لا تلزمني ، إلا ~~ثلاثة تلزمني ( ويستثنى بصفة مجهول من معلوم ، ومن مجهول ، والجميع ، . ~~كاقتل من في الدار إلا البيض ، فكانوا كلهم بيضا لم يقتلوا ) . قاله ابن ~~مفلح : وغيره . وتقدمت الإشارة إلى ذلك في الشرح ( وإذا تعقب الاستثناء ~~جملا بواو عطف ) وصلح عوده إلى كل واحدة ، ولا مانع ( أو ) تعقب الاستثناء ~~جملا متعاطفة ( بما في معناها ) أي معنى الواو ( كالفاء ، وثم ، وصلح عوده ~~إلى كل واحدة ) من الجمل PageV03P312 ( ولا مانع ) من ذلك ( فللجميع ) أي ~~فيعود الاستثناء للجميع ( كبعد مفردات ) يعني كما لو تعقب الاستثناء مفردات ~~، فإنه يعود إلى جميعها . أما كون الاستثناء إذا تعقب جملا يرجع إلى جميعها ~~بالشروط المذكورة : فعند الأئمة الثلاثة وأكثر أصحابهم : وعند أبي حنيفة ~~وأصحابه والرازي والمجد : يرجع إلى الجملة الأخيرة ms394 . PageV03P313 وقيل : إن ~~تبين إضراب عن الأولى فللأخيرة ، وإلا فللجميع . والإضراب : أن يختلفا نوعا ~~أو اسما مطلقا أو حكما ، اشتركت الجملتان في غرض واحد أو لا ، والغرض الحمل ~~. وقيل بالوقف . وقال المرتضى : بالاشتراك ، PageV03P314 والآمدي : إن ظهر ~~أن الواو للابتداء رجع للجملة الأخيرة ، وإن ظهر أنها عاطفة رجع للجميع ، ~~وإن أمكنا فالوقف . وقيل : إن كان تعلق رجع إلى الجميع ، وإلا فللأخيرة . ~~إذا علمت ذلك : فإن تعقب الاستثناء جملا ، وإن لم يمكن عوده إلى كل منها ~~لدليل اقتضى عوده إلى الأولى فقط ، أو إلى الأخيرة فقط أو إلى كل منها ~~بالدليل : فلا خلاف في العود إلى ما قام له الدليل . PageV03P315 مثال ما ~~دل الدليل على عوده إلى الأولى فقط : قوله سبحانه وتعالى { إن الله مبتليكم ~~بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده } ~~فالاستثناء بقوله إلا من ' اغترف ' إنما يعود إلى ' منه ' لا إلى ' من لم ~~يطعمه ' وقوله تعالى { لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ~~ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك } فاستثناء ' ما ملكت يمينك ' يعود إلى ~~لفظ ' النساء ' لا إلى الأزواج . لأن زوجته لا تكون ملك يمينه . وحديث { ~~ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة إلا زكاة الفطر في الرقيق } ونحو ~~ذلك ما قاله المفسرون في قوله تعالى ( { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف ~~أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم PageV03P316 لعلمه ~~الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا ~~قليلا } ) استثناء من الجملة الأولى . ومثال العائد إلى الأخيرة جزما ~~للدليل قوله تعالى { فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن } - الآية فإن { إلا ~~أن يصدقوا } إنما يعود للدية لا للكفارة . ونحو قوله سبحانه وتعالى { إلا ~~عابري سبيل } حتى تغتسلوا . لا يعود للسكارى لأن السكران ممنوع من دخول ~~المسجد ، إذ لا يؤمن تلويثه . PageV03P317 ومثال العائد إلى الأخير وإن كان ~~في غيره محتملا : قوله سبحانه وتعالى ( { والذين يرمون المحصنات ms395 } - الآية ~~) ف { إلا الذين تابوا } عائد إلى الإخبار بأنهم فاسقون قطعا ، حتى يزول ~~عنهم بالتوبة اسم الفسق . بل قال بعض العلماء : ويلزم منه لازم الفسق وهو ~~عدم قبول الشهادة . خلافا لأبي حنيفة أنه يزول اسم الفسق ، ولا تقبل شهادته ~~، عملا بما سيأتي من قاعدته . وهو العود إلى الأخير ، لا إلى غيره ، ولا ~~يعود في هذه الآية للجلد المأمور به قطعا ، لأن حق القذف حق لآدمي . فلا ~~يسقط بالتوبة . وهل يعود إلى قبول الشهادة ، فتقبل إذا تاب ، أو لا يعود ~~إليه فلا تقبل شهادته ؟ فيه الخلاف . PageV03P318 ومثال العائد إلى الكل ~~قطعا بالدليل قوله سبحانه وتعالى { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ~~ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ~~أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا ~~الذين تابوا } ف { إلا الذين تابوا } عائد إلى الجميع بالإجماع . كما قاله ~~السمعاني . وكذا قوله سبحانه وتعالى { حرمت عليكم الميتة } الآية ف { إلا ~~ما ذكيتم } عائد إلى الكل وكذا قوله سبحانه وتعالى ( { والذين لا يدعون مع ~~الله إلها آخر } - الآيات ) ف ' إلا من تاب ' عائد إلى الجميع . ~~PageV03P319 قال السهيلي : بلا خلاف . وأما ما تجرد عن القرائن وأمكن عوده ~~إلى الأخير وإلى الجميع : ففيه مذاهب : أحدها : يعود إلى الجميع وهو مذهب ~~مالك والشافعي وأحمد رضي الله تعالى عنهم نقله الماوردي والروياني والبيهقي ~~في سننه عن الشافعي . ونقله ابن القصار عن مالك . وقال : إنه الظاهر من ~~مذهب أصحابه ، وهو المرجح في مذهبنا . ونقله الأصحاب عن نص أحمد ، حيث قال ~~في حديث { لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه ~~} أرجو أن يكون الاستثناء على كله . وقال القاضي : نص عليه في كتاب طاعة ~~الرسول . ووجهه : أن العطف يجعل الجميع كواحد PageV03P320 رد ، إنما هذا في ~~المفردات وأما في الجمل فمحل النزاع . قالوا : كالشرط ، فإنه للجميع كذلك ~~هنا . رد بالمنع ، ثم قياس في اللغة ، ثم الفرق أن الشرط رتبته التقديم . ~~ثم لغة ms396 بلا شك . فالجمل هي الشرط والجزاء لها . PageV03P321 قالوا : لو كرر ~~الاستثناء كان مستهجنا قبيحا لغة . ذكره الموفق في الروضة باتفاقهم . رد ~~بالمنع لغة ، ثم الاستهجان لترك الاختصار ، لأنه لا يمكن بعد الجمل إلا كذا ~~في الجميع . قالوا : صالح للجميع . فكان له كالعام ، فبعضه تحكم ، رد لا ~~ظهور ، بخلاف العام . والجملة الأخيرة أولى لقربها PageV03P322 قالوا : ~~خمسة وخمسة إلا ستة للجميع إجماعا . فدل على أن المراد بالجمل ما يقبل ~~الاستثناء لا الجمل . النحوية . واحتج الشيخ تقي الدين . فقال : من تأمل ~~غالب الاستثناءات في الكتاب والسنة واللغة وجدها للجميع . والأصل إلحاق ~~المفرد بالغالب . فإذا جعل حقيقة في الغالب مجازا فيما قل : عمل بالأصل ~~النافي للاشتراك . والأصل النافي للمجاز ، وهو أولى من تركه مطلقا . وتقدم ~~التنبيه على بقية المذاهب أول الكلام على هذه المسألة . وأما إذا تعقب ~~الاستثناء مفردات . فقد قال في جمع الجوامع : والوارد بعد مفردات . نحو : ~~تصدق على الفقراء والمساكين وأبناء السبيل إلا الفسقة منهم : PageV03P323 ~~أولى بعوده للكل من الوارد بعد جمل لعدم استقلال المفرد . انتهى . تنبيه : ~~قال الشيخ تقي الدين : لفظ ' الجمل ' يراد به ما فيه شمول ، لا الجمل ~~النحوية ، لكن القاضي وأبو يعلى وغيره : ذكر الأعداد من صورها ، وسوى بين ~~قوله : رجل ورجل ، وبين قوله : رجلين ورجلين . وذكر أصحابنا في الاستثناء ~~في الإقرار والعطف إذا تعقب . جملتين . هل يعود إليهما أو إلى الثانية : ~~كجملة أو كجملتين ؟ على وجهين . وقال أيضا : كثير من الناس يدخل في هذه ~~المسألة الاستثناء المتعقب PageV03P324 اسما فيريدون بقولهم ' جملة ' ~~الجملة التي تقبل الاستثناء لا يريدون [ بها ] الجملة من الكلام ولا بد من ~~الفرق فإنه فرق بين أن يقال أكرم هؤلاء وهؤلاء إلا الفساق ، أو يقال : أكرم ~~هؤلاء وأكرم هؤلاء إلا الفساق ، ذكره في المسودة وابن قاضي الجبل عنه قال ~~البرماوي : المشهور أن الجملة هي الاسمية من مبتدإ وخبر . والفعلية من فعل ~~وفاعل ، ثم قال : وحاصله يرجع إلى من عبر بالجمل ، فإنما أراد الأعم ~~بالتقرير الذي ذكره ابن تيمية . وهو حسن . انتهى ( ومثل بني تميم وربيعة ~~أكرمهم ms397 إلا الطوال ) يرجع الاستثناء ( للكل وأدخل بني تميم ، ثم بني المطلب ~~، ثم سائر قريش فأكرمهم ، الضمير للكل ) ذكر ذلك ابن مفلح وقال عن الصورة ~~الأولى : جعلها في التمهيد PageV03P325 أصلا للمسألة التي قبلها . كذا قال ~~. كأنه يقول : إن الخلاف ليس بجار فيها ، وعلى قوله في التمهيد : الخلاف ~~جار فيها . وقال عن الصورة الثانية عن قوله في التمهيد : الضمير للجميع ، ~~لأنه موضوع لما تقدم . وليس من المسألة التي قبلها انتهى . المسألة الثانية ~~: قالها الشيخ تقي الدين . قال في شرح التحرير : رأيتها له في مسألة استفتى ~~عليها فيمن وقف على أولاده ، ثم على أولاد أولاده ، ثم على أولاد أولاد ~~أولاده ، على أنه من مات منهم من غير ولد فنصيبه لمن في درجته . كتب عليها ~~خمس كراريس . فقال : لو قال أدخل بني هاشم ثم بني المطلب ثم سائر قريش ~~فأكرمهم ، كان الضمير عائدا إلى ما تقدم ذكره . وليس هذا من باب اختلاف ~~الناس في الاستثناء المتعقب جملا : هل يعود إلى الأخيرة أو إلى الكل ؟ لأن ~~الخلاف هناك إنما نشأ لأن الاستثناء يرفع بعض ما دخل في اللفظ . وهذا ~~المعنى غير موجود في الضمير . فإن الضمير اسم موضوع لما تقدم ذكره ، وهو ~~صالح للعموم على سبيل الجمع . فإذا كان كذلك وجب حمله على العموم إذا لم ~~يقم مخصص . وعلى هذا PageV03P326 فحمل الضمير على العموم حقيقة ، وحمله على ~~الخصوص مثل التخصيص للفظ العام ا ه . ( وهو ) أي الاستثناء الصحيح ( من نفي ~~) أي من أشياء منفية ( إثبات ) للمستثنى ( وبالعكس ) أي والاستثناء من ~~أشياء منفية نفي للمستثنى . فإذا قال : له علي عشرة إلا درهما ، كان ذلك ~~إقرارا بتسعة . وإذا قال : ليس له علي شيء إلا درهما كان مقرا بدرهم . وعلى ~~هذا قول الجمهور من أصحابنا والمالكية والشافعية . PageV03P327 وخالف ~~الحنفية في كون المستثنى من الإثبات نفيا ، ومن النفي إثبات . وقالوا : في ~~قوله له : علي عشرة إلا درهما : أنه يلزمه تسعة ، لكن من حيث إن الدرهم ~~المخرج منفي بالأصالة ، لا من حيث إن الاستثناء من الإثبات نفي ، ولا ~~يوجبون في ms398 : ليس له علي شيء إلا درهما شيئا ، إذ المراد إلا درهما فإني لا ~~أحكم عليه بشيء ، ولا إقرار إلا مع حكم ثابت واستدل لقول الجمهور باللغة ~~وأن قول القائل ' لا إله إلا الله ' توحيد . وتبادر فهم كل من سمع قول ~~القائل : لا عالم إلا زيد . وليس لك علي إلا درهم إلى علمه وإقراره . ~~PageV03P328 قالوا : لو كان للزم من قوله عليه الصلاة والسلام . { لا صلاة ~~إلا بطهور ثبوتها بالطهارة . ومثله لا نكاح إلا بولي } و { لا تبيعوا البر ~~بالبر إلا سواء بسواء } رد . لا يلزم ؛ لأنه استثناء من غير الجنس . وإنما ~~سيق لبيان اشتراط الطهور للصلاة ، ولا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط . ~~وقال في الروضة : هذه صيغة الشرط . ومقتضاها نفيها عند نفيها . ووجودها عند ~~وجودها ، ليس منطوقا ، بل من المفهوم ، فنفي شيء لانتفاء شيء لا يدل على ~~إثباته عند وجوده ، بل يبقى كما قبل النطق ، بخلاف لا عالم إلا زيد . ~~PageV03P329 قال بعض أصحابنا : جعله المثبت من قاعدة المفهوم ليس بجيد . ~~وكذا جعله ابن عقيل في الفصول في قول أحمد : كل شيء يباع قبل قبضه إلا ما ~~كان مأكولا . وقد احتج القاضي على أن النكاح لا يفسد بفساد المهر بقوله . ~~صلى الله عليه وسلم . { لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل } قال : فاقتضى الظاهر ~~صحته ، ولم يفرق . قال أصحابنا : هذه دلالة صفة . فإن قيل : فيه إشكال سوى ~~ذلك ، وهو أن المراد النفي الأعم ، أي لا صفة للصلاة معتبرة إلا صفة ~~الطهارة . فنفى الصفات المعتبرة وأثبت الطهارة . قيل : المراد من نفيها ~~المبالغة في إثبات تلك الصفة ، وأيضا أكدها . والقول بأنه استثناء منقطع ~~فلا إشكال : قول بعيد . | لأنه مفرغ فهو من PageV03P330 تمام الكلام . ~~ومثله : ما زيد إلا قائم ونحوه ، قال البرماوي : من أدلة الجمهور : أن ' لا ~~إله إلا الله ' لو لم يكن المستثنى فيه مثبتا لم يكن كافيا في الدخول في ~~الإيمان ، ولكنه كاف باتفاق . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم { أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله } فجعل ذلك ms399 غاية المقاتلة . وقد ~~أجابوا بأن الإثبات معلوم ، وإنما الكفار يزعمون الشركة . فنفيت الشركة ~~بذلك ، أو أنه وإن كان لا يفيد الإثبات بالوضع اللغوي لكن يفيده بالوضع ~~الشرعي . فإن المقصود نفي الشريك وهو مستلزم للثبوت . فإذا قلت : لا شريك ~~لفلان في كرمه . اقتضى أن يكون كريما . وأيضا فالقرائن تقتضي الإثبات ؛ لأن ~~كل متلفظ بها ظاهر قصده إثباته واحدا لا التعطيل . PageV03P331 ورد ذلك بأن ~~الحكم قد علق بها بمجردها . فاقتضى ذلك أنها تدل بلفظها دون شيء زائد . قال ~~ابن دقيق العيد في شرح الإلمام : كل هذا عندي تشغيب ومراوغات جدلية . ~~والشرع خاطب الناس بهذه الكلمة ، وأمرهم بها لإثبات مقصود التوحيد . وحصل ~~الفهم لذلك منهم من غير احتياج لأمر زائد ، ولو كان وضع اللفظ لا يقتضي ذلك ~~، لكان أهم المهمات : أن يعلمنا الشارع ما يقتضيه بالوضع من الاحتياج إلى ~~أمر آخر . فإن ذلك هو المقصود الأعظم في الإسلام . انتهى . ومن أدلة ~~الجمهور أيضا : قوله تعالى { فلن نزيدكم إلا عذابا } وهو ظاهر . وأما أدلة ~~الحنفية ، فمن أعظمها : أنه لو كان كذلك للزم في قوله صلى الله عليه وسلم { ~~لا صلاة إلا بطهور } أن من تطهر يكون مصليا ، أو تصح صلاته وإن فقد بقية ~~الشروط . وجوابه : أن المستثنى مطلق يصدق بصورة ما لو توضأ وصلى . فيحصل ~~الإثبات لا أنه عام ، حتى يكون كل متطهر مصليا . فهو استثناء شرط أي ~~PageV03P332 لا صلاة إلا بشرط الطهارة . ومعلوم : أن وجود الشرط لا يلزم ~~منه وجود المشروط . وأيضا : فالمقصود المبالغة في هذا الشرط دون . سائر ~~الشروط ؛ لأنه آكد . فكأنه لا شرط غيره ؛ لا أن المقصود : نفي جميع الصفات ~~. وأيضا : فقد قيل : الاستثناء فيه منقطع . وليس الكلام فيه ، وضعفه ابن ~~الحاجب ، على أن هذا الحديث بهذا اللفظ لا يعرف ، إنما المعروف { لا يقبل ~~الله صلاة بغير طهور } أخرجه مسلم . لكن في ابن ماجه { لا تقبل صلاة إلا ~~بطهور } ولو مثلوا بحديث { لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب } الثابت في الصحيحين ~~PageV03P333 لكان أجود ، ثم اعلم أن ما قاله الحنفية موافق لقول نحاة ms400 ~~الكوفة . وما قاله الجمهور موافق لقول . سيبويه . وبقية البصريين . ومحل ~~الخلاف في الاستثناء المتصل ؛ لأنه فيه إخراج . أما المنقطع فالظاهر : أن ~~ما بعد ' إلا ' فيه محكوم عليه بضد الحكم السابق . فإن مساقه هو الحكم بذلك ~~. فنحو . قوله تعالى . ' ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ' المراد : أن ~~لهم به اتباع الظن لا العلم ، وإن لم يكن الظن داخلا في العلم . وقس عليه . ~~وحيث تقرر أن الاستثناء من النفي إثبات ، ومن الإثبات نفي ترتب عليهما تعدد ~~الاستثناء . PageV03P334 واعلم أن للمسألة أحوالا . أحدها : نحو له علي ~~عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة ~~إلا اثنين إلا واحدا . ولاستخراج الحكم من ذلك طرق . أحدها : طريقة الإخراج ~~. وجبر الباقي بالاستثناء الثاني . فنقول : لما أخرج تسعة بالاستثناء الأول ~~جبر ما بقي وهو واحد بالاستثناء الثاني . وهو ثمانية . فصار تسعة ، ثم أخرج ~~بالاستثناء الثالث سبعة . بقي اثنان ، فجبره بالرابع وهو ستة . فصار ثمانية ~~، ثم أخرج بالخامس خمسة . فبقي ثلاثة . فجبر بالسادس ، وهو أربعة . فصار ~~سبعة ، ثم أخرج بالسابع ثلاثة . فبقي أربعة . فجبر بالثامن وهو اثنان . ~~فصار الباقي ستة . وأخرج منه بالاستثناء التاسع واحدا . فصار المقر به خمسة ~~. الطريقة الثانية : أن تحط الآخر مما يليه ، وهكذا إلى الأول PageV03P335 ~~فتحط واحدا من اثنين ، يبقى واحد ، تحطه من ثلاثة يبقى اثنان ، تحطهما من ~~أربعة يبقى اثنان ، تحطهما من خمسة يبقى ثلاثة تحطهما من ستة يبقى ثلاثة ، ~~تحطها من سبعة يبقى أربعة ، تحطها من ثمانية يبقى أربعة ، تحطها من تسعة ~~يبقى خمسة ، تحطها من عشرة يبقى المقر به خمسة . الطريقة الثالثة : أن تجعل ~~كل وتر من الاستثناءات خارجا وكل شفع مع الأصل داخلا في الحكم . فما اجتمع ~~فهو الحاصل . فيسقط ما اجتمع من الخارج مما اجتمع من الداخل فهو الجواب . ~~فالعشرة والثمانية والستة والأربعة والاثنان : ثلاثون . هي المخرج منها ~~والتسعة والسبعة والخمسة والثلاثة والواحد خمسة وعشرون : هي المخرجة . يبقى ~~خمسة . ولهم طرق غير ذلك يطول الكتاب بذكرها . PageV03P336 واستثنى القرافي ~~الشرط . فقال ms401 في شرح التنقيح : قول العلماء الاستثناء من النفي إثبات ، ليس ~~على إطلاقه ، لأن الاستثناء يقع في الأحكام ، نحو قام القوم إلا زيدا . ومن ~~الموانع ، نحو لا تسقط الصلاة عن المرأة إلا بالحيض ، ومن الشروط ، نحو لا ~~صلاة إلا بطهور . فالاستثناء من الشروط مستثنى من كلام العلماء . فإنه لا ~~يلزم من القضاء بالنفي لأجل عدم الشرط أن يقضي بالوجود لأجل وجود الشرط ، ~~لما علم من أن الشرط لا يلزم من وجوده الوجود ولا العدم . فقولهم : ~~الاستثناء من النفي إثبات : مختص بما عدا الشرط ؛ لأنه لم يقل أحد من ~~العلماء : إنه يلزم من وجود الشرط وجود المشروط . وبهذه القاعدة يحصل ~~الجواب عن شبهة الحنفية ، فإن النقوض التي ألزمونا بها كلها من باب الشروط ~~. وهي ليست من صور النزاع فلا تلزمنا . انتهى ( وإذا عطف ) استثناء ( على ) ~~استثناء ( مثله أضيف إليه ) أي أضيف الثاني إلى الأول . فعشرة إلا ثلاثة ~~وإلا اثنين كعشرة إلا خمسة . وأنت طالق إلا ثلاثا إلا واحدة وإلا واحدة ، ~~يلغو الثاني إن بطل استثناء الأكثر ، وإلا وقع واحدة . فيرجع الكل المتعاطف ~~إلى المستثنى منه ، حملا للكلام على الصحة PageV03P337 ما أمكن . فإن عود ~~كل لما يليه قد تعذر بانفصاله بأداة العطف . هذا إذا لم يلزم من عود الكل ~~الاستغراق . أو الأكثر على الصحيح ( وإلا ) أي وإن لم يعطف ( ف ) هو ( ~~استثناء من الاستثناء ويصح ) قاله بعضهم إجماعا . وحكى ابن العربي عن بعضهم ~~منعه . فعلى الصحة لو قال : له علي عشرة إلا ثلاثة إلا درهما . يلزمه ~~ثمانية ؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي . ومن النفي إثبات . وأنت طالق ~~ثلاثا إلا واحدة إلا واحدة . فيقع اثنتان ، ويلغو قوله : إلا واحدة . ~~الثانية على الصحيح من المذهب . وقيل : لا يلغو . فيقع ثلاث ؛ لأن ~~الاستثناء من النفي إثبات . واستدل لجواز الاستثناء من الاستثناء بقوله ~~تعالى { إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين ~~} PageV03P338 وعلل القائلون بالمنع على الوجه الضعيف بأن العامل في ~~الاستثناء الفعل الأول بتقوية حرف الاستثناء . والعامل لا يعمل في معمولين ~~. وأجابوا ms402 عما استدل به الجمهور من قوله تعالى { إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ~~إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته } قدرنا بأن الاستثناء الثاني ، ~~وهو ' إلا امرأته ' إنما هو من قوله ' أجمعين ' والله أعلم . PageV03P339 # | ( فصل ) # القسم الثاني من المخصص المتصل ( الشرط ) ( ويختص ) الشرط ( اللغوي منه ) ~~أي من الشرط المطلق ( بكونه ) أي بكون الشرط اللغوي ( مخصصا ) قال البرماوي ~~، في شرح منظومته : الشرط ثلاثة أقسام ، ثم قال : الثاني اللغوي . والمراد ~~به صيغ التعليق ' بإن ' ونحوها . وهو ما يذكر في أصول الفقه في المخصصات ~~للعموم نحو ' قوله تعالى { وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن } . ومنه قولهم ~~في الفقه : العتق المعلق على شرط . والطلاق المعلق على شرط . PageV03P340 ~~وهذا - كما قال القرافي وغيره - يرجع إلى كونه سببا ، حتى يلزم من وجوده ~~الوجود ومن عدمه العدم لذاته . ووهم من فسره هناك بتفسير الشرط المقابل ~~للسبب والمانع ، كما وقع لكثير من الأصوليين كالطوفي فجعل المخصص هنا من ~~الشرط اللغوي . ووهم من قال غيره . قال في شرح التحرير : وظاهر كلام ابن ~~قاضي الجبل وابن مفلح : أن المحدود في المخصصات يشمل الشروط الثلاثة فإن ~~قال ابن قاضي الجبل قال - لما ذكر حد الموفق والغزالي - ولا يمنع لزوم ~~الدور بحمل الشرط على اللغوي ؛ إذ المحدود هو الشرط الذي هو أعم من العقلي ~~والشرعي واللغوي والعادي . قلت : ومما يدل على أن المراد الشرط اللغوي : ~~تمثيلهم بذلك اه . PageV03P341 ( وهو ) أي الشرط ( مخرج ما لولاه ) أي لولا ~~الشرط ( لدخل ) ذلك المخرج . نحو أكرم بني تميم إن دخلوا . فيقصره الشرط ~~على من دخل ( ويتحد ) الشرط ، مثل إن دخل زيد الدار فأكرمه ، أو فأكرمه ~~وأعطه ، أو فأكرمه أو أعطه ( ويتعدد ) الشرط ( على الجمع ) مثل إن دخل زيد ~~الدار والسوق ( و ) يتعدد الشرط على ( البدل ) مثل إن دخل زيد الدار أو ~~السوق . فهذه ( ثلاثة أقسام كل منها ) أي من الأقسام ( مع الجزاء كذلك ) أي ~~كالشرط ، يعني أن الجزاء إما أن يكون متحدا ، أو متعددا على سبيل الجمع ، ~~أو متعددا على سبيل البدل . كما مثلنا . فتكون الأقسام ms403 تسعة من ضرب ثلاثة ~~في ثلاثة PageV03P342 ( ويتقدم ) الشرط ( على الجزاء لفظا ) أي في اللفظ ( ~~لتقدمه ) أي تقدم الشرط على الجزاء ( في الوجود طبعا ) لأن الجزاء إنما ~~يكون بعد شيء يجازى عليه ( وما ظاهره ) أي تركيب ظاهره ( أنه ) أي أن الشرط ~~( مؤخر ) فيه عن الجزاء ( الجزاء فيه محذوف قام مقامه . ودل عليه ما تقدم ) ~~فقول القائل : أكرمتك إن دخلت الدار . خبر . والجزاء محذوف مراعاة لتقدم ~~الشرط . كتقدم الاستفهام والقسم . قال ابن مالك في التسهيل : لأداة الشرط ~~صدر الكلام . فإن تقدم عليها سببه فالجواب معنى . فهو دليل الجواب وليس ~~إياه ، خلافا للكوفيين والمبرد وأبي زيد . PageV03P343 وقال ابن الحاجب في ~~مختصره : إن عنوا أن المقدم ليس بجزاء للشرط في اللفظ وإن عنوا أنه ليس ~~بجزاء للشرط لا لفظا ولا معنى . فهو عناد ، لأن الإكرام يتوقف على الدخول ، ~~فيتأخر عنه من حيث المعنى . فيكون جزاء له معنى . قال : والحق أنه لما كان ~~المتقدم - أي أكرمتك - جملة مستقلة من حيث اللفظ دون المعنى : روعيت ~~الشائبتان فيه ، أي شائبة الاستقلال من حيث اللفظ ، فحكم بكونه جزاء ، ~~وشائبة عدم الاستقلال من حيث المعنى ، فحكم بأن الجزاء محذوف ، لكونه ~~مذكورا من حيث المعنى . انتهى . ( ويصح إخراج الأكثر ) من الباقي ( به ) أي ~~بالشرط . PageV03P344 قال في المحصول : اتفقوا على أنه يحسن التقييد بشرط ~~أن يكون الخارج منه أكثر من الباقي ، وإن اختلفوا فيه في الاستثناء انتهى . ~~فلو قال : أكرم بني تميم إن كانوا علماء ، خرج جهالهم ولو أنهم كلهم ( وهو ~~) أي الشرط ( في اتصال بمشروط ، و ) في ( تعقب جمل متعاطفة : كاستثناء ) ~~يعني أنه يشترط اتصال الشرط . بالمشروط ، كما يشترط اتصال الاستثناء ~~بالمستثنى منه ، لكن قوله ' إن شاء الله ' يسمى استثناء ، وأن الشرط إذا ~~تعقب جملا متعاطفة عاد إلى الكل عند الأربعة وغيرهم ، وحكى الغزالي عدم ~~عوده للجميع عن الأشعرية . وعلى كل حال هو أولى بالعود إلى الكل من ~~الاستثناء ، بدليل موافقة أبي حنيفة عليه . مثاله : أكرم قريشا وأعط تميما ~~إن نزلوا بكذا . PageV03P345 ( ويحصل معلق عليه ) أي على شرط ( عقبه ) أي ms404 ~~عقب وجود الشرط . ( و ) يحصل ( عقد ) أي ترتب أثره من بيع ونكاح ونحوهما ( ~~عقب صيغة ) ذلك العقد . قال ابن قاضي الجبل : هل يحصل الشرط مع المشروط أو ~~بعده ؟ وكذلك قولك : بعتك أو وهبتك ، هل يحصل مع الكاف أو بعدها ؟ على ~~قولين . الأكثرون من المتكلمين على أنها معها . وهو اختيار ابن عبد السلام ~~. والثاني بعده ، وهو الصحيح . قاس الأولون الشرط على العلة العقلية . ~~والتحقيق المنع فيهما ، ولهذا يدخل في كسرته فانكسر إلى غير ذلك . قال شارح ~~التحرير : قلت وما صححه هو ظاهر كلام الأصحاب في تعليق الطلاق بالشرط . ~~PageV03P346 # | ( فصل ) # ( الثالث ) من المخصص المتصل ( الصفة ) وهو ما أشعر بمعنى يتصف به أفراد ~~العام ، سواء كان الوصف نعتا ، أو عطف بيان ، أو حالا ، وسواء كان ذلك ~~مفردا أو جملة أو شبهها ، وهو الظرف والجار والمجرور ، ولو كان جامدا مؤولا ~~بمشتق ، لكن يخرج من ذلك : أن يكون الوصف خرج مخرج الغالب فيطرح مفهومه ، ~~كما يأتي في المفاهيم ، أو يساق الوصف لمدح أو ذم أو ترحم أو توكيد أو ~~تفضيل ، فليس شيء من ذلك مخصصا للعموم . مثال التخصيص بالصفة : أكرم بني ~~تميم الداخلين ؛ فيقصر الإكرام عليهم PageV03P347 ( وهي ) أي الصفة ( ~~كاستثناء في عود ) قال بعض أصحابنا والآمدي وجمع : هي كالاستثناء في العود ~~كما تقدم ( ولو تقدمت ) الصفة ، نحو وقفت على محتاجي أولادي وأولادهم ~~فتشترط الحاجة في أولاد الأولاد على الصحيح الذي عليه الأكثر . وقيل : تختص ~~بما وليته إن . توسطت ، قال في جمع الجوامع : أما المتوسطة : فالمختار ~~اختصاصها بما وليته . مثال ذلك : على أولادي المحتاجين وأولادهم . قال ~~التاج السبكي : لا نعلم فيها نقلا ، ويظهر اختصاصها بما وليته . ~~PageV03P348 ( الرابع ) من المخصص المتصل ( الغاية ) والمراد بها : أن يأتي ~~بعد اللفظ العام حرف من أحرف الغاية ، كاللام وإلى وحتى . مثال اللام : ~~قوله سبحانه وتعالى { سقناه لبلد ميت } أي إلى بلد . ومثله قوله تعالى { ~~بأن ربك أوحى لها } أي أوحى إليها . ومن ذلك ' أو ' في قوله لأستسهلن الصعب ~~أو أدرك المنى أي : إلى أن أدرك المنى ، وربما كانت ' إلى ' بمعنى ' مع ms405 ' و ~~' حتى ' للابتداء ، نحو PageV03P349 حتى ماء دجلة أشكلا ومثال إلى وحتى : ~~أكرم بني تميم إلى أو حتى أن يدخلوا فيقصر على غيرهم ( وهي ) أي الغاية ( ~~كاستثناء في اتصال وعود ) بعد الجمل ففي نحو وقفت على أولادي وأولاد أولادي ~~وأولاد أولاد أولادي إلى أن يستغنوا تعود إلى الكل PageV03P350 ( ويخرج ~~الأكثر بها ) بأن يكون غير المخرج أقل من المخرج . ( و ) من أحكامها : أن ( ~~ما بعدها مخالف ) لما قبلها ، أي محكوم عليه بنقيض حكمه عند الأكثر ، لأن ~~ما بعدها لو لم يكن مخالفا لما قبلها لم يكن غاية ، بل وسطا بلا فائدة ، ~~قال الله تعالى { ثم أتموا الصيام إلى الليل } فليس شيء من الليل داخلا ~~قطعا ، وهذا الذي عليه الجمهور . وقال ابن الباقلاني : مخالف لما بعدها ~~نطقا . وقيل : إنه ليس مخالفا مطلقا ، وقيل : مخالف لما بعدها إن كان معها ~~' من ' مثاله : بعتك من هذا إلى هذا . وقال الرازي : إن تميز عما قبله ~~بالحس لم يدخل وإلا دخل . والمتميز نحو قوله تعالى { ثم أتموا الصيام إلى ~~الليل } فإن لم يتميز حسا استمر ذلك الحكم على ما بعدها نحو قوله تعالى { ~~وأيديكم إلى المرافق } فإن المرفق PageV03P351 غير منفصل عن اليد بفصل ~~محسوس . وقيل : إن كان المعنى عينا أو وقتا لم يدخل وإلا دخل ، نحو قوله عز ~~وجل ( { ولا تقربوهن حتى يطهرن } ) لأن الغاية هنا فعل ، والفعل لا يدخل ~~نفسه ما لم يفعل ، وما لم توجد الغاية لا ينتهي المغيا . فلا بد من وجود ~~الفعل الذي هو غاية النهي لانتهاء النهي . فيبقى الفعل داخلا في النهي . ~~وقيل : لا تدل الغاية على أن ما بعدها مخالف ولا موافق ، قاله الآمدي ومحل ~~ما تقدم : في غاية تقدمها عموم يشملها ، أما إذا لم يتقدم الغاية عموم ~~يشملها ، فلا يكون ما بعدها مخالفا لما قبلها ، وإلى ذلك أشير بقوله ( إلا ~~في : قطعت أصابعه كلها من الخنصر إلى الإبهام ونحوه ، فلا ) أي فلا يكون ما ~~بعدها مخالفا لما قبلها ، ويكون الإبهام داخلا قطعا . قال السبكي الكبير : ~~قول الأصوليين إن الغاية من ms406 المخصصات PageV03P352 إنما هو إذا تقدمها عموم ~~يشملها لو لم يؤت بها . نحو قوله تعالى ( حتى يعطوا الجزية عن يد ) فلولا ~~الغاية لقاتلنا الكفار أعطوا أو لم يعطوا . فأما نحو { رفع القلم عن الصبي ~~حتى يبلغ ، وعن النائم حتى يستيقظ ، وعن المجنون حتى يفيق } ولو سكت عن ~~الغاية لم يكن الصبي شاملا للبالغ ، ولا النائم للمستيقظ ، ولا المجنون ~~للمفيق فذكر الغاية في ذلك : إما توكيد لتقرير أن أزمنة الصبي وأزمنة ~~الجنون وأزمنة النوم لا يستثنى منها شيء . ونحوه . قوله تعالى . حتى مطلع ~~الفجر طلوعه أو زمن طلوعه ليس من الليل حتى يشمله ' سلام هي ' بل حقق به ~~ذلك ، وإما للإشعار بأن ما بعد الغاية حكمه مخالف لما قبله . ولولا الغاية ~~لكان مسكوتا عن ذكر الحكم محتملا ( وغاية ، و ) معنى ( مقيد بها ) أي ~~بالغاية ( يتحدان ويتعدان تسعة PageV03P353 أقسام ) لأن الغاية والمغيا : ~~إما أن يكونا متحدين . كأكرم بني تميم إلى أن يدخلوا ، أو متعددين : إما ~~على سبيل الجمع ، كأكرم بني تميم أو أعطهم إلى أن يدخلوا أو يقوموا ، وقد ~~يكون أحدهما متعددا والآخر متحدا . فتكون الأقسام تسعة كالشرط ( والخامس ) ~~من المخصص المتصل ( بدل البعض ) نحو : أكرم بني تميم فلانا وفلانا . اختص ~~ذلك بالرجلين المسميين ( والتوابع المخصصة ) التي ( كبدل وعطف بيان وتوكيد ~~ونحوه كاستثناء ) في المعنى PageV03P354 ( وشرط [ مقترن ] بحرف جر ) كقوله ~~: على أنه ، أو بشرط أنه ( أو ) حرف ( عطف ) كقوله : ومن شرطه كذا ف ( ك ) ~~شرط ( لغوي ) فقوله : أكرم بني تميم وبني أسد وبني بكر المؤمنين أمكن كونه ~~عاما لبكر فقط . وشرط كونهم مؤمنين أو على أنه متعلق بالإكرام وهو للجميع ، ~~كقوله ( إن كانوا مؤمنين ) ( ويتعلق حرف متأخر بالفعل المتقدم ) وهو قوله : ~~أكرم أو وقفت أو نحوهما ، وهو الكلام والجملة . فيجب الفرق بين ما تعلق ~~بالاسم ، وما تعلق بالكلام . ووقف الإنسان على حمل أجنبيات كوقفه على ~~أولاده ، ثم أولاد فلان ، ثم المساكين ، على أنه لا يعطى منهم إلا صاحب ~~عيال ، يقوي اختصاص الشرط بالجملة الأخيرة ، لأنها أجنبية من الأولى . قاله ~~الشيخ تقي الدين ( وإشارة ms407 ب ) لفظ ( ذلك ) بعد جمل نحو قوله تعالى ( { ومن ~~يفعل PageV03P355 ذلك يلق أثاما } ) وقوله سبحانه وتعالى { وعلى الوارث مثل ~~ذلك } وقوله سبحانه وتعالى { ذلكم فسق } ( وتمييز بعد جمل ) نحو له : علي ~~ألف وخمسون درهما . ونحو : له علي ألف ومائة وخمسون دينارا ( يعودان ) أي ~~الإشارة بذلك والتمييز ( إلى الكل ) أي كل الجمل المتقدمة . قال ابن عقيل ~~في الإرشاد في الوعد والوعيد في قوله تعالى { ومن يفعل ذلك يلق أثاما } يجب ~~عوده إلى جميع ما تقدم : وعوده إلى بعضه ليس بلغة العرب . ولهذا لو قال : ~~من دخل وخدمني وأكرمني فله درهم ، لم يعد إلى الدخول فقط . وذكره أيضا في ~~الواضح في مخاطبة الكفار . وقال : إذا عاد للجميع فالمؤاخذة بكل من الجمل ~~فالخلود للكفر ، والمضاعفة في قدر العذاب لما ذكره من الذنوب . وقال ابن ~~الجوزي في قوله تعالى { وعلى الوارث مثل ذلك } قيل : الإشارة إلى أجرة ~~الرضاع والنفقة . وقيل : إلى النهي عن الضرار . PageV03P356 وقيل : إلى ~~الجميع . اختاره القاضي ، لأنه ' على المولود له ' وهذا معطوف عليه . فيجب ~~الجميع . وقال أبو البقاء في قوله تعالى : { ذلكم فسق } إشارة إلى الجميع ، ~~ويجوز أن يرجع إلى الاستقسام . وقال أبو يعلى الصغير من أصحابنا في قتل ~~مانع الزكاة في آية الفرقان المذكورة : ظاهر اللفظ يقتضي عود العذاب ~~والتخليد إلى الجميع . وكل واحد PageV03P357 منهم لكن قام الدليل على أن ~~التخليد لا يكون إلا بالكفر ، فخصصت به الآية . وأما التمييز فمقتضى كلام ~~النحاة وبعض الأصوليين : عوده إلى الجميع . ولنا خلاف في الفروع . قاله ~~البعلي في أصوله . وقال في قواعده الأصولية : واختلف أصحابنا في الفروع على ~~وجهين . أصحهما : أن الأمر كذلك . فإذا قال : له علي - مثلا - ألف وخمسون ~~درهما . فالجميع دراهم على الصحيح من المذهب . وقال أبو الحسن التميمي : ~~يرجع في تفسير الألف إليه . PageV03P358 # | ( فصل ) # ( يخصص الكتاب ببعضه و ) يخصص أيضا ( بالسنة مطلقا ) أي سواء كانت ~~متواترة أو آحادا ( و ) تخصص ( السنة به ) أي بالقرآن ( وببعضها ) أي تخصص ~~السنة ببعضها ( مطلقا ) أي سواء كانت متواترة أو آحادا . فمن أمثلة تخصيص ~~الكتاب ms408 بالكتاب : قوله تعالى { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } فإن ~~عمومه خص بالحوامل في قوله تعالى { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } ~~وخص أيضا عمومه الشامل للمدخول بها وغيرها بقوله تعالى في غير المدخول بها ~~{ فما لكم عليهن من PageV03P359 عدة تعتدونها } ونحو ذلك قوله تعالى { ~~والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا ~~بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون ~~خبير } خص بقوله سبحانه وتعالى { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } ~~ونحو ذلك قوله تعالى { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } خص بقوله سبحانه ~~وتعالى { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن } ~~والمخالف في مسألة تخصيص الكتاب بالكتاب بعض الظاهرية ، وتمسكوا ~~PageV03P360 بأن التخصيص بيان للمراد باللفظ . فلا يكون إلا بالسنة ، ' ~~لقوله تعالى { لتبين للناس ما نزل إليهم } وما ذكر من الأمثلة يجوز أن يكون ~~التخصيص فيه بالسنة . كما في حديث أبي السنابل بن بعكك مع سبيعة الأسلمية ~~حين قال { ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشرا : فجاءت إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأفتاها بأنها قد حلت بوضع حملها } وأجيب بأن التخصيص ~~لا يخرج عن كونه مبينا إذا بين ما أنزل بآية أخرى ، PageV03P361 منزلة كما ~~بين ما أنزل إليه من السنة . فإن الكل منزل . ومثال تخصيص الكتاب بالسنة ، ~~حتى مع كونها آحادا عند أحمد ومالك والشافعي رضي الله عنهم : قوله سبحانه ~~وتعالى { وأحل لكم ما وراء ذلكم } فإنه مخصوص بقوله صلى الله عليه وسلم ' { ~~لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها } متفق عليه . ونحوه تخصيص آية ~~السرقة بما دون النصاب ، وقتل المشركين بإخراج PageV03P362 المجوس ، وغير ~~ذلك . قال ابن مفلح : وعند الحنفية إن كان خص بدليل مجمع عليه جاز وإلا فلا ~~وقيل : بالوقف . وقيل : يجوز ولم يقع ، ومثال تخصيص السنة بالكتاب : قوله ~~صلى الله عليه وسلم { ما أبين من حي فهو PageV03P363 ميت } رواه ابن ماجه . ~~خص بقوله سبحانه وتعالى { ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى ~~حين } ومن ms409 أمثلته أيضا : قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن عبادة ~~بن الصامت رضي الله تعالى عنه { خذوا عني خذوا عني . قد جعل الله لهن سبيلا ~~، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة . والثيب بالثيب : جلد مائة والرجم } فإن ~~ذلك يشمل الحر والعبد بقوله سبحانه وتعالى { فإذا أحصن فإن PageV03P364 ~~أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } ومن ذلك حديث { أمرت ~~أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله } خص بقوله سبحانه وتعالى { حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } ومثال تخصيص السنة بالسنة . قوله صلى الله ~~عليه وسلم { فيما سقت السماء العشر } فإنه مخصوص بقوله صلى الله عليه وسلم ~~{ ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة } وهو كثير . PageV03P365 والمخالف في تخصيص ~~السنة بالسنة داود الظاهري وطائفة . فقال : إنهما يتعارضان . ومنشأ الخلاف ~~: ما ذكرنا من أن السنة إنما تكون مبينة لا محتاجة للبيان ( و ) يخصص لفظ ( ~~عام بمفهوم مطلقا ) أي سواء كان مفهوم موافقة أو مفهوم مخالفة . فمثال ~~مفهوم الموافقة : قوله صلى الله عليه وسلم { لي الواجد يحل عرضه وعقوبته } ~~رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان . والحاكم والبيهقي . قال ~~الحاكم صحيح الإسناد . PageV03P366 و ' اللي ' المطل . والمراد بحل عرضه : ~~أن يقول غريمه : ظلمني وعقوبته الحبس . خص منه الوالدان بمفهوم قوله تعالى ~~{ فلا تقل لهما أف } فمفهومه : أنه لا يؤذيهما بحبس ولا غيره فلذلك لا يحبس ~~الوالد بدين ولده ، بل ولا له مطالبته على الصحيح من المذهب . وعليه أكثر ~~العلماء . ومحل هذا حيث لم يجعل من باب القياس . فأما إن قلنا : إنه من باب ~~القياس فيكون مخصصا بالقياس ومثال التخصيص بمفهوم المخالف - القائل به أكثر ~~العلماء وهو الصحيح - PageV03P367 قوله صلى الله عليه وسلم { إذا بلغ الماء ~~قلتين لم يحمل الخبث } رواه الأربعة وصححه ابن حبان والحاكم والبيهقي ~~وغيرهم . خص بمفهومه - وهو الذي لم يبلغ قلتين - عموم قوله صلى الله عليه ~~وسلم { الماء طهور لا ينجسه شيء ، إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه } ~~رواه ابن ماجه والبيهقي ms410 . فإنه أعم من القلتين ، وما لم يبلغهما يصير ~~PageV03P368 تنجيس القلتين في الحديث الأول مخصوصا بالتغيير بالنجاسة ، ~~ويبقى ما دونهما ينجس بمجرد الملاقاة في غير المواضع المستثناة بدليل آخر . ~~وخالف في ذلك بعض أصحابنا والمالكية وابن حزم وغيرهم . فقالوا : لا يخص ~~العموم بمفهوم المخالفة ( وبإجماع ) يعني أن العام يخص بإجماع ( والمراد ~~دليله ) أي دليل الإجماع ، لا أن الإجماع نفسه مخصص ؛ لأن الإجماع لا بد له ~~من دليل يستند إليه ، وإن لم نعرفه . PageV03P369 ومثلوه بقوله سبحانه ~~وتعالى { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين ~~جلدة } خص بالإجماع على أن العبد القاذف يجلد على النصف من الحر ، لكن قال ~~البرماوي : في التمثيل بذلك نظر ، لاحتمال أن يكون التخصيص بالقياس ، ثم ~~قال فإن قيل : لم لا تقولون بأن الإجماع يكون ناسخا ، على معنى أنه يتضمن ~~ناسخا ؟ فجوابه : أن سند الإجماع قد يكون مما لا ينسخ به . فليس في كل ~~إجماع تضمن لما يسوغ النسخ به . وأما التخصيص : فلما كان من البيان كان كل ~~دليل مخصصا به . انتهى . وجعل بعض العلماء من أمثله المسألة : قوله تعالى { ~~يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ~~وذروا البيع } خص بالإجماع على عدم وجوب الجمعة على العبد والمرأة ( ولو ~~عمل أهله ) أي أهل الإجماع ( بخلاف نص خاص ) في مسألة ( تضمن ) إجماعهم على ~~ذلك العمل دليلا ( ناسخا ) لذلك النص ، فيكون الدليل الذي تضمنه الإجماع ~~ودل عليه : ناسخا لذلك النص PageV03P370 ( و ) يخصص العام أيضا ( بفعله صلى ~~الله عليه وسلم إن شمله العموم ) عند الأئمة الأربعة . رضي الله تعالى عنهم ~~. . وقد خص أحمد قوله تعالى { ولا تقربوهن حتى يطهرن } بفعله صلى الله عليه ~~وسلم وقال : دل على أنه أراد الجماع . PageV03P371 وقال جمع ، منهم الكرخي ~~: لا يخص به مطلقا . وقيل : إن فعله مرة فلا تخصيص ، لاحتمال كونه من ~~خصائصه صلى الله عليه وسلم ( وإن ثبت وجوب اتباعه ) صلى الله عليه وسلم ( ~~فيه ) أي في ذلك الفعل ( بدليل خاص فالدليل ناسخ للعام ) وقد مثل ms411 لذلك ~~بالنهي عن استقبال القبلة واستدبارها ، ثم جلس مستقبل بيت المقدس مستدبر ~~الكعبة PageV03P372 فعلى القول بأن النهي شامل للصحراء والبنيان ، فيحرم ~~فيهما . وبه قال جمع ، ويكون النبي صلى الله عليه وسلم خص بذلك وخرج من ~~عموم النهي . وإن قلنا : إنه صلى الله عليه وسلم ليس مختصا بذلك . فالتخصيص ~~للبنيان من العموم سواء هو والأمة في ذلك ( و ) يخص العام أيضا ( بإقراره ) ~~أي إقرار النبي ( صلى الله عليه وسلم على فعل ) عند أصحابنا والأكثر ~~PageV03P373 ( وهو ) أي التخصيص ( أقرب من نسخه ) أي نسخ الحكم الذي دل ~~عليه العام نسخا ( مطلقا ، أو ) نسخا ( عن فاعله ) وقيل : نسخ ، إن نسخ ~~بالقياس . واستدل للأول بأن سكوته عن ذلك مع علمه دليل على جوازه وإلا لوجب ~~إنكاره . قال المنكرون : التقرير لا صيغة له ، فلا يقابل الصيغة ، رد ~~بجوازه PageV03P374 وحيث جاز التخصيص بالتقرير ، فهل المخصص نفس تقريره صلى ~~الله عليه وسلم أو المخصص ما تضمنه التقرير من سبق قول به ، فيكون مستدلا ~~بتقريره على أنه قد خص بقول سابق ، إذ لا يجوز لهم أن يفعلوا ما فيه مخالفة ~~: للعام إلا بإذن صريح ، فتقريره دليل ذلك ؟ فيه وجهان . قال ابن فورك ~~والطبري . الظاهر الأول : ( و ) يجوز تخصيص اللفظ العام أيضا ( بمذهب صحابي ~~) عند من يقول : إنه حجة . قال ابن قاضي الجبل : إذا قلنا : قول الصحابي ~~حجة . جاز تخصيص العام به . نص عليه الإمام أحمد رضي الله عنه . وبه قالت ~~الحنفية والمالكية PageV03P375 وابن حزم وعيسى بن أبان وللشافعية وجهان . ~~إذا قالوا بقوله القديم في كونه حجة انتهى ( وبقضايا الأعيان ) يعني أن ~~اللفظ العام يخص بقضايا الأعيان ، مثال ذلك : { نهى النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن لبس الحرير للرجال ثم أذن في لبسه لعبد PageV03P376 الرحمن بن عوف ~~والزبير بن العوام ، لقمل كان بهما } ، إذنه لهما قضية عين فيكون الإذن في ~~هذه الحالة مخصصا لعموم النهي ( و ) يجوز تخصيص اللفظ العام أيضا ( بالقياس ~~) قطعيا كان أو ظنيا ، ثم PageV03P377 إن كان قطعيا خص به العام قطعا . ~~قاله الإبياري في شرح البرهان وغيره ms412 ، وإن كان ظنيا . فالذي عليه الأئمة ~~الأربعة والأشعري والأكثر : جواز التخصيص به . وعند ابن سريج والطوفي من ~~أصحابنا : يخصص القياس الجلي دون غيره . وهو قول جماعة من الشافعية . ~~واختلفوا في تفسير الجلي والخفي . فقيل : الجلي قياس العلة . والخفي قياس ~~الشبه . PageV03P378 وقيل : الجلي : ما تبادرت علته إلى الفهم عند سماع ~~الحكم . كتعظيم الأبوين عند سماع قوله تعالى { فلا تقل لهما أف } وقيل : ~~الجلي ما ينقض قضاء القاضي بخلافه والخفي خلافه ، وقال ابن أبان : يخص ~~بالقياس إن كان العام مخصصا . فقال : إن خص العام بغير القياس . جاز تخصيصه ~~بالقياس وإلا فلا . وحكي عن أبي حنيفة . ومنع قوم التخصيص بالقياس في ~~القرآن خاصة . وعزي إلى الحنفية ؛ لأن التخصيص عندهم نسخ . ولا ينسخ القرآن ~~بالقياس ولو كان جليا . PageV03P379 واستدل للتخصيص بالقياس بأن القياس خاص ~~لا يحتمل التخصيص . وفيه جمع بينهما ، فقدم التخصيص به ( ويصرف به ) أي ~~بالقياس معنى ( ظاهر غير عام ) من أحد معنيين يحتملهما لفظ واحد ، هو في ~~أحدهما ظاهر وفي الآخر مرجوح ( إلى احتمال مرجوح ) أي إلى المعنى الذي هو ~~مرجوح لكون اللفظ غير ظاهر فيه لأجل موافقته القياس ( وهذه المسألة ونحوها ~~) وهي صرف الظاهر إلى المحتمل المرجوح ( ظنية ) لأن أدلتها ظنية لا قطعية . ~~فتكون من ظاهر باب الظنون . وخالف الباقلاني ، للقطع بالعمل بالظن الراجح ~~PageV03P380 ( وفعل الفريقين ) من الصحابة ( إذ قال ) النبي . ( صلى الله ~~عليه وسلم ) لهم لما فرغ من الأحزاب وأمره جبريل عليه الصلاة والسلام ~~بالمسير إلى بني قريظة ( { لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة } . ~~يرجع إلى تخصيص العموم بالقياس وعدمه ) . فإنه صلى الله عليه وسلم لما ذكر ~~له : أن طائفة صلت في الطريق في الوقت ، وطائفة صلت في بني قريظة بعد الوقت ~~: لم يعب طائفة منهما . فمن أخر الصلاة حتى وصل إلى بني قريظة ، أخذ بعموم ~~قوله { لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة } ومن صلى في الوقت قبل ~~أن يصل إلى بني قريظة ، أخذ بأن المراد بقوله ذلك : التأكيد في سرعة المسير ~~إليه ، لا ms413 في تأخير الصلاة عن وقتها ( والمصيب ) من الطائفتين ( المصلي في ~~الوقت في قول ) اختاره الشيخ تقي الدين ، لكن المراد من ذلك : التأهب وسرعة ~~المسير ، لا تأخير الصلاة . وقال ابن حزم : التمسك بالعموم هنا أرجح ، وأن ~~المؤخر للصلاة حتى وصل بني قريظة هو المصيب في فعله . واختلاف العلماء في ~~الراجح من الفعلين يدل على أن كلا من الطائفتين فعل ما فعله باجتهاد ، ~~فلذلك لم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم طائفة منهما . PageV03P381 # | ( فصل ) # ( إذا ورد ) عن الشارع لفظ ( عام و ) لفظ ( خاص ، قدم الخاص مطلقا ) أي ~~سواء كانا مقترنين ، مثل : ما لو قال في كلام متواصل : اقتلوا الكفار ولا ~~تقتلوا اليهود ، أو يقول : زكوا البقر ، ولا تزكوا العوامل ، أو كانا غير ~~مقترنين ، سواء كان الخاص متقدما أو متأخرا ، وهذا هو الصحيح . لأن في ~~تقديم الخاص عملا بكليهما ، بخلاف العكس . فكان أولى . وحكي عن بعضهم في ~~صورة الاقتران تعارض الخاص لما قابله من العام ، ولا يخصص به . وعن الإمام ~~أحمد رضي الله عنه رواية في غير المقترنين موافقة لقول أكثر الحنفية ~~والمعتزلة وغيرهم : أنه إن تأخر العام نسخ ، وإن تأخر الخاص نسخ من ~~PageV03P382 العام بقدره . فعلى هذا القول : إن جهل التاريخ وقف الأمر حتى ~~يعلم وجه القول الأول الذي هو الصحيح . سبحانه و تعالى { والمحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب } خص قوله تعالى ( { ولا تنكحوا المشركات } ) قال ابن ~~الجوزي : على هذا عامة الفقهاء ، وروي معناه عن جماعة من الصحابة . منهم : ~~عثمان وطلحة وحذيفة وجابر PageV03P383 وابن عباس . وأيضا : الخاص قاطع أو ~~أشد تصريحا ، وأقل احتمالا ، ولأنه لا فرق لغة بين تقديم الخاص وتأخيره ( ~~وإن كان كل منهما ) أي من اللفظين الواردين ( عاما من وجه . خاصا من وجه ) ~~آخر ، مثاله قوله صلى الله عليه وسلم { من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها ~~إذا ذكرها } مع قوله صلى الله عليه وسلم : { لا صلاة بعد العصر حتى تغرب ~~الشمس } PageV03P384 فالأول : خاص في الصلاة المكتوبة الفائتة ، عام في ~~الوقت ، والثاني : عام في المكتوبة والنافلة ، خاص في الوقت ، ومثله ms414 قوله ~~صلى الله عليه وسلم { من بدل دينه فاقتلوه } مع قوله صلى الله عليه وسلم { ~~نهيت عن قتل النساء } فالأول عام في الرجال والنساء ، خاص في المرتدين . ~~والثاني : خاص في النساء ، عام في الحربيات والمرتدات ، إذا علم ذلك : ~~فالصحيح أنهما إذا وردا ( تعارضا ) لعدم أولوية أحدهما بالعمل به دون الآخر ~~( وطلب المرجح ) من خارج ، وقد ترجح قوله { من بدل دينه فاقتلوه } على ~~اختصاص الثاني ، وهو قوله { نهيت عن قتل النساء } بسببه الناشئ عن قتل ~~الحربيات . وقيل : المتأخر منهما ناسخ . وحكي عن الحنفية PageV03P385 ( ~~وإذا وافق خاص عاما ) بأن . يرد لفظ عام ، ويأتي لفظ خاص ، هو بعض لذلك ~~العام وداخل فيه ، نحو { قوله صلى الله عليه وسلم في شاة ميمونة دباغها ~~طهورها } فهذا خاص وهو بعض أفراد العام ( لم يخصصه ) أي لم يخصص الخاص ~~العام لموافقته له . وقيل : بلى ، PageV03P386 استدل للأول بأنه لا تعارض ~~بينهما فيعمل بهما . ومن أمثلة ذلك أيضا : قوله تعالى { إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى } فذكره بعده ليس تخصيصا للأول بإيتاء ذي ~~القربى ، بل اهتماما بهذا النوع ، فإن عادة العرب إذا اهتمت ببعض أنواع ~~العام خصصته بالذكر ، إبعادا له عن المجاز والتخصيص بذلك النوع ، وكذا قوله ~~تعالى { وملائكته ورسله وجبريل وميكال } وليس من هذا الباب قوله تعالى { ~~فيها فاكهة ونخل ورمان } لأن فاكهة مطلق ( ولا تخص عادة عموما ، ولا تقيد ) ~~العادة ( مطلقا ) نحو PageV03P387 حرمت عليكم الربا في الطعام وعادتهم البر ~~عند أصحابنا والشافعية ، خلافا للحنفية والمالكية . ولهذا لا نقض بنادر عند ~~المالكية . قصرا للغائط على المعتاد . وذكره القاضي في مواضع : وجه الأول ~~العموم لغة وعرفا ، والأصل عدم مخصص ، وفي شرح العنوان لابن دقيق العيد أن ~~الصواب التفصيل بين العادة الراجعة إلى الفعل ، والراجعة إلى القول ، فيخصص ~~بالثانية العموم لسبق الذهن عند الإطلاق إليه دون الأولى ، أي إذا تقدمت أو ~~تأخرت ، ولكن لم PageV03P388 يقررها رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ولا ~~يخص عام بمقصوده ) عند أصحابنا والأكثر ، خلافا لعبد الوهاب وغيره من ~~المالكية . وقال صاحب المحرر : المتبادر ms415 إلى الفهم من لمس النساء ما يقصد ~~منهن غالبا من الشهوة ، ثم لو عمت خصت به . وخصه حفيده أيضا بالمقصود ( ولا ~~) يخص عام ( برجوع ضمير إلى بعضه ) أي بعض العام عند أكثر أصحابنا ، ~~والشافعية ، وعنه : بل كأكثر الحنفية . PageV03P389 وقيل : بالوقف ، مثال ~~ذلك : قوله تعالى { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } ثم قال { ~~وبعولتهن أحق بردهن } فإن المطلقات يعم البوائن والرجعيات والضمير في قوله ~~تعالى { وبعولتهن } عائد إلى الرجعيات ؛ لأن البائن لا يملك الزوج ردها . ~~ولو ورد بعد العام حكم لا يأتي إلا في بعض أفراده كان حكمه حكم الضمير . ~~صرح به الرازي وغيره . PageV03P390 ومثله الرازي بقوله تعالى { يا أيها ~~النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن } ثم قال { لا تدري لعل الله يحدث ~~بعد ذلك } يعني الرغبة في مراجعتهن ، والمراجعة لا تأتي في البائن وجه ~~الأول : أن المظهر عام ، والأصل بقاؤه . فلا يلزم من تخصيص المضمر تخصيصه ، ~~قالوا : يلزم وإلا لم يطابقه رد ، لا يلزم كرجوعه مظهرا . والله أعلم ~~PageV03P391 # | ( باب ) # ( المطلق ) مأخوذ من مادة تدور على معنى الانفكاك من القيد ، فلذلك قلنا ~~: هو ( ما تناول واحدا غير معين باعتبار حقيقة شاملة لجنسه ) فخرج بقولنا ' ~~ما تناول واحدا ' ألفاظ الأعداد المتناولة لأكثر من واحد . وخرج ب ' غير ~~معين ' المعارف كزيد ونحوه . وبباقي الحد : المشترك والواجب المخير ، فإن ~~كلا منهما يتناول واحدا لا بعينه لا باعتبار حقائق مختلفة . وذلك مثل قوله ~~تعالى { فتحرير رقبة } وقوله صلى الله عليه وسلم { لا نكاح إلا بولي } فكل ~~واحد من لفظ ' الرقبة ' و ' الولي ' قد يتناول واحدا غير معين من جنس ~~الرقاب والأولياء وفيه حدود غير ذلك ، قل أن يسلم منها حد PageV03P392 ( و ~~) يقابل المطلق ( المقيد ) وهو ( ما تناول معينا أو موصوفا بزائد ) أي بوصف ~~زائد ( على حقيقة جنسه ) نحو ' شهرين متتابعين و ' رقبة مؤمنة وهذا الرجل . ~~وتتفاوت مراتبه في تقييده باعتبار قلة القيود وكثرتها ، فما كثرت فيه قيوده ~~كقوله تعالى { عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات } ~~الآية . أعلى رتبة مما قيوده أقل ms416 ( وقد يجتمعان ) أي الإطلاق والتقييد ( في ~~لفظ ) واحد ( با ) عتبار ( الجهتين ) فيكون اللفظ مقيدا من وجه مطلقا من ~~وجه آخر ، نحو قوله تعالى { رقبة مؤمنة } قيدت الرقبة من حيث الدين ~~والإيمان فتتعين المؤمنة للكفارة ، وأطلقت من حيث ما سوى الإيمان ~~PageV03P393 من الأوصاف ، ككمال الخلقة والطول والبياض وأضدادها ونحو ذلك . ~~فالآية مطلقة في كل رقبة مؤمنة وفي كل كفارة مجزئة . مقيدة بالنسبة إلى ~~مطلق الرقاب ومطلق الكفارات . ثم اعلم أن الإطلاق والتقييد تارة يكونان في ~~الأمر ، كأعتق رقبة وأعتق رقبة مؤمنة ، وتارة في الخبر ، كلا نكاح إلا بولي ~~وشاهدين ، ولا نكاح إلا بولي رشيد وشاهدي عدل . قال الطوفي : وهما في ~~الألفاظ مستعاران منهما في الأشخاص . يقال : رجل أو حيوان مطلق : إذا خلا ~~عن قيد أو عقال ، ومقيد إذا كان في رجله قيد أو عقال أو شكال ونحوه من ~~موانع الحيوان من الحركة الطبيعية الاختيارية . فإذا قلنا : أعتق رقبة فهذه ~~الرقبة شائعة في جنسها شيوع الحيوان المطلق بحركته الاختيارية بين جنسه . ~~وإذا قلنا : أعتق رقبة مؤمنة ، كانت هذه الصفة لها كالقيد المميز للحيوان ~~المقيد من بين أفراد جنسه ، ومانعة لها من الشيوع . كالقيد المانع للحيوان ~~من الشيوع والحركة في جنسه . وهما أمران نسبيان باعتبار الطرفين ، فمطلق لا ~~مطلق بعده ك ' معلوم ' ، PageV03P394 ومقيد لا مقيد بعده كزيد . وبينهما ~~وسائط . تكون من المقيد باعتبار ما قبل ، ومن المطلق باعتبار ما بعد ، كجسم ~~وحيوان وإنسان . قال الهندي : فالمطلق الحقيقي : ما دل على الماهية فقط . ~~والإضافي مختلف ( وهما ) أي المطلق والمقيد ( كعام وخاص ) فيما ذكر من ~~تخصيص العموم من متفق عليه ومختلف فيه ومختار من الخلاف ، فيجوز تقييد ~~الكتاب بالكتاب وبالسنة ، وتقييد السنة بالسنة وبالكتاب ، وتقييد الكتاب ~~والسنة بالقياس . ومفهوم الموافقة والمخالفة وفعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~وتقريره ، ومذهب الصحابي ونحو ذلك ، على الأصح في الجميع ( لكن ) بينهما ~~فرق من وجوه . فمن ذلك ( إن وردا ) أي المطلق والمقيد ( واختلف حكمهما ) أي ~~حكم المطلق والمقيد ( فلا حمل مطلقا ) أي سواء اتفق السبب أو اختلف . ~~PageV03P395 مثال اتفاقه ms417 : التتابع في صيام كفارة اليمين . | في قراءة ابن ~~مسعود . وإطلاق الإطعام فيها . ومثال اختلاف السبب : الأمر بالتتابع في ~~كفارة اليمين . وإطلاق الإطعام في كفارة الظهار ( وإلا ) أي وإن لم يختلف ~~حكم المطلق والمقيد ، فتارة يتحد سببهما وتارة يختلف ( فإن اتحد سببهما ) ~~أي سبب المطلق والمقيد ( و ) مع اتحاد سببهما : تارة يكونان مثبتين ، وتارة ~~يكونان نهيين ، وتارة يكون أحدهما أمرا والآخر نهيا ، فإن ( كانا مثبتين ) ~~أو في معنى المثبت . كالأمر ( كأعتق في الظهار رقبة ، ثم قال : أعتق رقبة ~~مؤمنة ، حمل ) منهما ( مطلق ولو تواترا على مقيد ولو آحادا ) عند الأئمة ~~الأربعة PageV03P396 وغيرهم . وذكره المجد إجماعا . وحكي فيه خلاف عن ~~الحنفية والمالكية . وقيل للقاضي أبي يعلى في تعليقه : في خبر ابن عمر ' ~~أمر المحرم بقطع الخف ' وأطلق في خبر ابن عباس ، فيحمل عليه ؟ PageV03P397 ~~فقال : إنما يحمل إذا لم يمكن تأويله ، وتأولنا التقييد على الجواز . وعلى ~~أن المروذي قال : احتججت على أبي عبد الله بخبر ابن عمر هذا . وقلت : فيه ~~زيادة ، فقال : هذا حديث ، وذاك حديث . وظاهر هذا : أنه لم يحمل المطلق على ~~المقيد . وأجاب أبو الخطاب في الانتصار : لا يحمل . نص عليه في رواية ~~المروذي . وإن سلمنا على رواية ، فإن لم يمكن التأويل . انتهى . واستدل ~~للأول بأنه عمل بالصريح واليقين مع الجمع بينهما . ثم إن كان المقيد آحادا ~~والمطلق تواترا انبنى على الزيادة هل هي نسخ ؟ وعلى نسخ التواتر بالآحاد . ~~والمنع للحنفية ، والأصح : أن المقيد بيان للمطلق . وقيل : نسخ إن تأخر ~~المقيد . وقيل : عن وقت العمل بالمطلق والصحيح : أن الزيادة ليست بنسخ على ~~ما تقدم بيانه فيما إذا ورد عام PageV03P398 وخاص . سواء كانا مقترنين أو ~~لا . وانبنى على نسخ التواتر بالآحاد . والصحيح : على أنه لا ينسخ به ، ~~فإذا كانت الزيادة ليست نسخا ، وأن الآحاد لا ينسخ التواتر على الصحيح ~~فيهما . فالصحيح : أن المقيد بيان للمطلق كتخصيص العام ، وكما لا يكون ~~تأخير المطلق نسخا للمقيد مع رفعه لتقييده فكذا عكسه ( ومقيد ) يعني أن ~~اللفظ المقيد ( ولو ) ورد ( متأخرا ) عن المطلق فهو ( بيان للمطلق ms418 ) وهذا ~~الذي عليه الأكثرون ، وذهب قوم إلى أنه إن تأخر المقيد كان نسخا . وإن تقدم ~~كان بيانا ( وإن كانا ) أي المطلق والمقيد ( نهيين ) نحو لا تعتق مكاتبا ~~كافرا ، أو لا تكفر بعتق كافر ( قيد ) بالبناء للمفعول اللفظ ( المطلق ~~بمفهوم ) اللفظ ( المقيد ) على الصحيح من كون المفهوم حجة . | لأن المقيد ~~دل بالمفهوم . PageV03P399 قال ابن العراقي : فالقائل إن المفهوم حجة يقيد ~~قوله ' لا تعتق مكاتبا ' بمفهوم قوله { لا تعتق مكاتبا كافرا } فيجوز إعتاق ~~المكاتب المسلم ، وبهذا صرح الفخر الرازي في المنتخب ، وهو مقتضى كلام ~~المحصول ومن لا يقول بالمفهوم يعمل بالإطلاق . ويمنع إعتاق المكاتب مطلقا . ~~وبهذا قال الآمدي وابن الحاجب . انتهى ( وكنهي نفي ) نحو لا نكاح إلا بولي ~~، لا نكاح إلا بولي رشيد ( وإباحة وكراهة . وفي ندب نظر ) قال الشيخ تقي ~~الدين في المسودة قلت : وإن كانا إباحتين فهما في معنى النهيين . وكذلك إذا ~~كانا كراهتين . وإن كانا ندبين . ففيه نظر ، وإن كانا خبرين عن حكم شرعي ~~فينظر في ذلك PageV03P400 الحكم اه . ( وإن كانا ) أي المطلق والمقيد ( ~~أمرا ونهيا ) أي كان أحدهما أمرا والآخر نهيا ( فالمطلق ) منهما ( مقيد بضد ~~الصفة ) كإن ظاهرت فأعتق رقبة ، ولا تملك رقبة كافرة فلا بد من التقييد ~~بنفي الكفر ، لاستحالة إعتاق الرقبة الكافرة . والحمل في ذلك ضروري ، لا من ~~حيث إن المطلق حمل على المقيد ( وإن اختلف سببهما ) أي سبب المطلق والمقيد ~~مع اتحاد الحكم ، كإعتاق الرقبة في القتل وفي الظهار واليمين . أما الظهار ~~: فقد وردت فيه مطلقة في قوله تعالى { والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون ~~لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا } وقال في اليمين { فكفارته إطعام ~~عشرة مساكين } - إلى قوله - { أو تحرير رقبة } وأما في القتل : فإنها وردت ~~فيه مقيدة بالإيمان في قوله تعالى PageV03P401 { فتحرير رقبة مؤمنة ودية ~~مسلمة إلى أهله } ومن ذلك - ويصلح أن يكون مثالا للندبين - قوله تعالى { ~~واستشهدوا شهيدين من رجالكم } وقوله تعالى { وأشهدوا ذوي عدل منكم } حمل ~~المطلق على المقيد قياسا بجامع بينهما عند أحمد والشافعي رضي الله تعالى ms419 ~~عنهما . وأكثر أصحابهما لتخصيص العموم بالقياس ، قال ابن قاضي الجبل : وبه ~~تقول المالكية والشافعية والآمدي وابن PageV03P402 الحاجب والرازي ~~والباقلاني ونسبه للمحققين . انتهى وعنه لا يحمل عليه وفاقا للحنفية ومن ~~تبعهم . ومثل ذلك في الحكم ما أشير إليه بقوله ( أو ) اختلف ( سبب مقيدين ~~متنافيين ومطلق ) فإن الحكم في ذلك ما أشير إليه بقوله ( حمل المطلق ) يعني ~~على المقيد ( قياسا بجامع ) مثال ذلك - مع اتحاد الجنس - تتابع صوم الظهار ~~، فإنه قد ورد النص بتتابعه بقوله تعالى { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ~~} PageV03P403 وتفريق صوم المتعة فإن النص ورد بتفريقه لقوله تعالى { فمن ~~تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في ~~الحج وسبعة إذا رجعتم } وورود قضاء رمضان مطلقا لم يرد به تتابع ولا تفريق ~~. قال الله تعالى { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } ~~فأطلق القضاء . وحيث حملنا المطلق على المقيد قياسا بجامع على الراجح من ~~الخلاف المتقدم ، فإنه لا يلحق بواحد منهما لغة بلا خلاف . إذ لا مدخل للغة ~~في الأحكام الشرعية . قاله المجد في المسودة ، وتبعه ابن مفلح ، فإذا حملنا ~~المطلق على أحد المقيدين فيكون الحمل على أشبه المقيدين بالمطلق . قال ~~الطوفي وغيره تبعا للموفق في PageV03P404 الروضة : حملا على المطلق على ~~أشبههما به ( وإلا ) أي وإن لم يختلف السبب ، ولم يمكن حمل المطلق على أحد ~~المقيدين قياسا بجامع بين المطلق وأحد المقيدين ( تساويا ) في عدم الحمل ~~على واحد منهما ( وسقطا ) كأنهما لم يكونا . قال البرماوي : وإن كان السبب ~~واحدا . فإن كان حمله على أحدهما أرجح من الآخر ، بأن كان القياس فيه أظهر ~~: قيد به . لأن العمل بالقياس الأجلى أولى . فإن تساويا عمل بالمطلق ويلغى ~~المقيدان ، كالبينتين إذا تعارضتا . فإن الأرجح فيهما التساقط . وكانا كمن ~~لا بينة هناك . وعبارته في القواعد الأصولية . وأما إذا أطلقت الصورة ~~الواحدة ، ثم قيدت تلك الصورة بعينها بقيدين متنافيين ، كقوله صلى الله ~~عليه وسلم ' { إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات } وورد في ms420 ~~رواية { إحداهن بالتراب } PageV03P405 [ رواها الدارقطني ولم يضعفها وذكر ~~النووي في المسائل المنثورة أنه حديث ثابت ولكن ذكر في الخلاصة رواية ~~إحداهن لم تثبت ] وفي رواية { أولاهن بالتراب } [ رواها مسلم ] وفي أخرى { ~~السابعة بالتراب } رواها أبو داود . وهي معنى ' [ ما رواه مسلم ] وعفروه ~~الثامنة بالتراب ' قيل : إنما سميت ' ثامنة ' لأجل استعمال التراب معها . ~~فلما كان القيدان متنافيين تساقطا ورجعنا إلى الإطلاق في ' إحداهن ' ففي أي ~~غسلة جعل جاز ، إذا أتى عليه من الماء ما يزيله ليحصل المقصود منه ، لكن ~~اختلف في الأولوية على أقوال عندنا . PageV03P406 أحدها : أن إحدى الغسلات ~~ليست بأولى من غيرها . وهو ظاهر كلام الموفق في المقنع وجماعة كثيرة . وهو ~~موافق لما قلنا أولا . وهو التساقط والرجوع إلى الإطلاق . وعنه الأولى أن ~~يكون التراب في الأولى ، وهذا قطع به في المغني والشرح والكافي ، والنظم ~~والحاوي الصغير وغيرهم ، واختاره جماعة كثيرة . وهو المذهب على المصطلح ~~وعنه الأخيرة أولى . قال البرماوي : ما ذكر في مسألة اتحاد السبب إذا لم ~~يكن أولى بأحد القيدين من طرحهما ، والعمل بالمطلق هو ما أجاب به القرافي ~~لبعض الحنفية في قوله : إن الشافعية خالفوا قاعدتهم في حمل المطلق على ~~المقيد في حديث الولوغ . فإنه قد جاء ' إحداهن وهو مطلق وجاء في رواية ~~أولاهن وفي رواية أخراهن ' وهما قيدان متنافيان فلم يحملوا وجوزوا الترتيب ~~في كل من السبع . PageV03P407 فقال له القرافي : ذلك إنما هو حيث يكون قيدا ~~واحدا أما في القيدين فيعمل بالمطلق ( وأصل كوصف في حمل ) قال في القواعد ~~الأصولية : وظاهر كلام أصحابنا يحمل المطلق PageV03P408 على المقيد في ~~الأصل ، كما حمل عليه في الوصف ، لأنهم حكوا في كفارة القتل في وجوب ~~الإطعام روايتين : الوجوب إلحاقا [ لكفارة القتل بكفارة ] الظهار كما حكوا ~~روايتين في اشتراط وصف الإيمان في كفارة الظهار . والاشتراط إلحاقا [ ~~لكفارة الظهار ] بكفارة القتل . فدل هذا من كلامهم [ على أنه ] لا فرق في ~~الحمل بين الأصل والوصف وممن قال بأنه لا فرق في الحمل بين الأصل والوصف ، ~~ابن خيران من الشافعية . ولكن قال الروياني [ من ms421 الشافعية ] في البحر : ~~المراد بحمل المطلق على المقيد إنما هو المطلق بالنسبة إلى الوصف دون الأصل ~~( ومحل حمل ) مطلق على مقيد ( إذا لم يستلزم ) الحمل ( تأخير بيان عن وقت ~~حاجة . فإن استلزمه حمل المسمى في إثبات على الكامل الصحيح ، لا على إطلاقه ~~في قول ) لبعض المحققين من أصحابنا وغيرهم . قالوا : المطلق من الأسماء ~~يتناول الكامل من المسميات في إثبات لا نفي كالماء والرقبة وعند النكاح ~~الخالي عن وطء يدخل في قوله تعالى { ولا تنكحوا } و [ لا يدخل ] في قوله ~~تعالى { حتى تنكح } ولو حلف لا يتزوج حنث بمجرد العقد عند الأئمة الأربعة . ~~ولو حلف ليتزوجن لم يحنث بمجرده عند أحمد ومالك رضي الله تعالى عنهما وكذا ~~قال بعض أصحابنا الواجبات المطلقة تقتضي السلامة من العيب في عرف الشارع ~~بدليل الإطعام في الكفارة والزكاة . PageV03P409 وصرح القاضي وابن عقيل ~~وغيرهما من أئمة أصحابنا أن إطلاق الرقبة في الكفارة تقتضي الصحة بدليل ~~البيع وغيره . والقول الثاني : فيما إذا استلزم الحمل تأخير البيان عن وقت ~~الحاجة : أن المطلق يحمل على إطلاقه قاله طائفة . قال في القواعد الأصولية ~~: محل حمل المطلق على المقيد إذا لم يستلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة . ~~فإن استلزمه حمل على إطلاقه . قاله طائفة من محققي أصحابنا . مثال ذلك : ~~لما أطلق النبي صلى الله عليه وسلم لبس الخفين بعرفات . وكان معه الخلق ~~العظيم من أهل مكة والبوادي واليمن ممن لم يشهد خطبته بالمدينة . فإنه لا ~~يقيد بما قاله في المدينة ، وهو قطع الخفين . ونظير هذا في حمل اللفظ على ~~إطلاقه : { قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن سألته عن دم الحيض حتيه ، [ ~~ثم اقرصيه ] ثم اغسليه PageV03P410 بالماء } لم يشترط عددا ، مع أنه وقت ~~حاجة . فلو كان العدد شرطا لبينه ولم يحلها على ولوغ الكلب . فإنها ربما لم ~~تسمعه . ولعله لم يكن شرع الأمر بغسل ولوغه . انتهى ( و ) اللفظ ( المطلق ~~ظاهر الدلالة على الماهية ) . ( كالعام ، لكن على سبيل البدل ) قال ~~البرماوي : المطلق قطعي الدلالة على الماهية عند الحنفية ، وظاهر فيها عند ~~الشافعية ms422 كالعام . | وهو يشبهه لاسترساله على كل فرد ، إلا أنه على سبيل ~~البدل . ولهذا قيل : عام عموم بدل . انتهى . وقال ابن مفلح في أصوله بعد ~~ذكر المقيدين ، والمطلق : وقد عرف مما سبق دلالة المطلق . وأنه كالعام في ~~تناوله . وأطلقوا عليه العموم ، لكنه على البدل . PageV03P411 ثم قال : ~~وقيل للقاضي وقد احتج على القضاء في المسجد بقوله تعالى { وأن احكم بينهم } ~~لا يدل على المكان . فقال : هو أمر بالحكم في عموم الأمكنة والأزمنة . ~~والله أعلم . PageV03P412 # | ( باب ) # ( المجمل لغة : المجموع ) من أجملت الحساب ( أو المبهم ) قال ابن قاضي ~~الجبل : هو لغة من الجمل ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم عن اليهود ' ~~جملوها ' أي خلطوها ، ومنه العلم الإجمالي ، لاختلاط المعلوم بالمجهول ، ~~وسمي ما يذكر في هذا الباب مجملا لاختلاط المراد بغيره ( أو المحصل ) من ~~أجمل الشيء إذا حصله ( واصطلاحا ) أي PageV03P413 والمجمل في اصطلاح ~~الأصوليين ( ما ) أي لفظ أو فعل ( تردد بين محتملين فأكثر على السواء ) ~~واحترز بقوله ' بين محتملين ' عما له محمل واحد كالنص ، وقوله ' على السواء ~~' احتراز عن الظاهر وعن الحقيقة التي لها مجاز ، وشمل القول والفعل ~~والمشترك والمتواطئ وقال ابن الحاجب : المجمل ما لم تتضح دلالته . وقال ابن ~~مفلح والسبكي : ما له دلالة غير واضحة ( وحكمه ) أي المجمل ( التوقف على ~~البيان الخارجي ) فلا يجوز العمل بأحد محتملاته إلا بدليل خارج عن لفظه ~~لعدم دلالة لفظه على المراد به . وامتناع التكليف بما لا دليل عليه ~~PageV03P414 ( وهو ) أي المجمل ( في الكتاب ) أي القرآن ( و ) في ( السنة ) ~~أي الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، خلافا لداود الظاهري . ~~قال بعضهم : لا نعلم أحدا قال به غيره . والحجة عليه من الكتاب والسنة بما ~~لا يحصى . قال داود : الإجمال بدون البيان لا يفيد . ومعه تطويل ، ولا يقع ~~في كلام البلغاء ، فضلا عن كلام الله سبحانه وتعالى وكلام رسوله صلى الله ~~عليه وسلم . والجواب : أن الكلام إذا ورد مجملا ، ثم بين وفصل أوقع عند ~~النفس من ذكره مبينا ابتداء . . ( ويكون ) الإجمال ( في حرف ) نحو الواو في ~~قوله تعالى ms423 { والراسخون في العلم يقولون آمنا به } فإنه يحتمل أن تكون ~~عاطفة ، ويكون الراسخون في العلم يعلمون تأويله . ويحتمل أن تكون مستأنفة ، ~~ويكون الوقف على ' إلا الله ' ( و ) يكون الإجمال أيضا في ( اسم ) كالقرء ~~المتردد بين الحيض والطهر ، PageV03P415 وكالعين المترددة بين الباصرة ~~والجارية وعين الميزان والذهب وغير ذلك ( و ) يكون الإجمال أيضا في ( مركب ~~) نحو ' الذي بيده عقدة النكاح ' في قوله سبحانه وتعالى { أو يعفو الذي ~~بيده عقدة النكاح } فإنه يحتمل أن يكون الولي ، لأنه الذي يعقد نكاح المرأة ~~، لأنها لا تزوج نفسها . ويحتمل أن يكون الزوج . لأنه الذي بيده دوام العقد ~~والعصمة . والاحتمال الثاني : هو الراجح من الروايتين عن الإمام أحمد رضي ~~الله عنه . ومذهب أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي رضي الله عنهما PageV03P416 ~~( و ) يكون الإجمال أيضا في ( مرجع ضمير ) نحو الضمير في ' جداره ' في قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين { لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبه في ~~جداره } فإنه يحتمل عوده على الغارز ، أي لا يمنعه جاره أن يفعل ذلك في ~~جدار نفسه . وعلى هذا : فلا دلالة فيه على القول أنه إذا طلب جاره منه أن ~~يضع خشبه على جدار المطلوب منه وجب عليه التمكين . ونص عليه الشافعي في ~~مختصر البويطي . ويحتمل أن يعود على الجار الآخر فيكون فيه دلالة على ذلك . ~~وهذا الذي عليه الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه وأصحابه ، وهو الظاهر لقول ~~أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ' مالي أراكم عنها معرضين ؟ والله لأرمين بها ~~بين أظهركم ' ولو كان الضمير عائدا إلى الغارز لما قال ذلك ( و ) يكون ~~الإجمال أيضا في مرجع ( صفة ) نحو قولك : زيد طبيب PageV03P417 ماهر . ~~فيحتمل عود ' ماهر ' إلى ذات زيد ، ويحتمل أن يعود إلى وصفه المذكور وهو ' ~~طبيب ' ولا شك أن المعنى متفاوت باعتبار الاحتمالين ، لأنا إن أعدنا ' ماهر ~~' إلى ' طبيب ' ، فيكون ماهرا في طبه ، وإن أعدنا ' ماهر ' إلى ' زيد ' ، ~~فتكون مهارته في غير الطب ، وهو من المجمل باعتبار التركيب . صرح به ~~البرماوي وغيره ( و ) يكون الإجمال أيضا في ms424 ( تعدد مجاز عند تعذر الحقيقة ) ~~نحو قوله صلى الله عليه وسلم { لعن الله اليهود ، حرمت عليهم الشحوم ~~فجملوها وباعوها فأكلوا ثمنها } لأن قوله ذلك ، لو لم يعم جميع التصرفات ~~لما اتجه اللعن فيقدر الجميع ، لأنه الأقرب إلى الحقيقة ( و ) يكون الإجمال ~~أيضا في ( عام خص بمجهول ) نحو اقتلوا المشركين إلا بعضهم ، لأن العام إذا ~~خص بمجهول صار الباقي محتملا . فكان مجملا ( و ) كذا عام خص ب ( مستثنى ~~وصفة مجهولين ) PageV03P418 مثال المستثنى المجهول : قوله سبحانه وتعالى { ~~أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم } فإنه قد استثنى من المعلوم ما ~~لم يعلم . فصار الباقي محتملا . فكان مجملا . ومثال ما خص بصفة مجهولة نحو ~~' محصنين ' في قوله تعالى { وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم ~~محصنين } وموجب الإجمال : أن الإجمال غير مبين . فكان صفة مجهولة ( ولا ~~إجمال في إضافة تحريم إلى عين ) نحو { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير } وهذا الصحيح الذي عليه أكثر العلماء . PageV03P419 وخالف في ذلك ~~بعض من أصحابنا والشافعية والأكثر من الحنفية ، واستدل للأول بأن تحريم ~~العين غير مراد ، لأن التحريم إنما يتعلق بفعل المكلف . فإذا أضيف إلى عين ~~من الأعيان يقدر الفعل المقصود منه . ففي المأكولات : يقدر الأكل ، وفي ~~المشروبات : الشرب وفي الملبوسات : اللبس . وفي الموطوآت : الوطء . فإذا ~~أطلق أحد هذه الألفاظ سبق المعنى المراد إلى الفهم من غير توقف . فتلك ~~الدلالة متضحة لا إجمال فيها . PageV03P420 قال المخالفون : إسناد التحريم ~~إلى العين لا يصح ، لأنه إنما يتعلق بالفعل . فلا بد من تقديره . وهو محتمل ~~لأمور لا حاجة إلى جميعها ، ولا مرجح لبعضها . فكان مجملا . قلنا : المرجح ~~موجود . وهو العرف ، فإنه قاض بأن المراد ما ذكرنا ، ولأن الصحابة احتجوا ~~بظواهر هذه الأمور ، ولم يرجعوا إلى غيرها . فلو لم تكن من المبين لم ~~يحتجوا بها ( وهو عام ) يعني أن التحريم المضاف إلى العين عام ، لأنه إذا ~~احتمل أمورا متعددة لم يدل الدليل على تعيين شيء منها قدرت كلها . لأن ~~حملها على بعضها ترجيح من غير مرجح . وهذا اختيار القاضي ms425 وابن عقيل ~~والحلواني والفخر وغيرهم . وقدمه ابن مفلح . وذكره أبو الطيب عن قوم من ~~الحنفية . قال ابن العراقي : لا إجمال في { حرمت عليكم أمهاتكم } لأن العرف ~~دل على التعميم . فيتناول العقد والوطء . PageV03P421 وقال في العام : ~~العرف دل على أن المراد تحريم الاستمتاعات المقصودة من النساء ، من الوطء ~~ومقدماته . واختيار أبي الخطاب والموفق والمالكية ، وجماعة من المعتزلة : ~~انصراف إطلاق التحريم في كل عين إلى المقصود اللائق بها . لأنه المتبادر ~~لغة وعرفا . وقيل : لا عموم له أصلا وتوصف العين بالحل والحرمة حقيقة على ~~الصحيح من مذهبنا ومذهب الحنفية . نقله البرماوي عنهم في كلامه على الرخصة ~~وقال التميمي والشافعية وصف العين بالحل والحرمة مجاز ورده ابن مفلح وقال ~~بل توصف العين بالحل والحظر حقيقة فهي محظورة علينا ومباحة لوصفها بطهارة ~~ونجاسة وطيب وخبث فالعموم في لفظ التحريم ا ه PageV03P422 ( ولا ) إجمال في ~~( وامسحوا برءوسكم ) عند أكثر العلماء ؛ لأن الباء للإلصاق ، ومع الظهور لا ~~إجمال . وقيل : مجمل لتردده بين مسح الكل والبعض وحكي عن الحنفية . قال ابن ~~قاضي الجبل وغيره : والقائلون بعدم الإجمال فريقان ، الجمهور منهم قالوا : ~~إنه بوضع حكم اللغة ظاهر في مسح جميع الرأس ؛ لأن الباء حقيقة في الإلصاق ، ~~وقد ألصقت المسح بالرأس ، وهو اسم لكله ، لا لبعضه . | لأنه لا يقال لبعض ~~الرأس رأس ، فيكون ذلك مقتضيا مسح جميعه ، وهو قول أحمد وأصحابه ومالك ~~والباقلاني ، وابن جني كآية التيمم . يعني قوله PageV03P423 سبحانه وتعالى ~~{ فامسحوا بوجوهكم } ومنهم من زعم أن عرف الاستعمال الطارئ على الوضع يقتضي ~~إلصاق المسح ببعض الرأس ، وهو مذهب الشافعي ، ومن وافقه ( ولا ) إجمال ( في ~~) قوله صلى الله عليه وسلم { رفع عن أمتي الخطأ والنسيان } عند الجمهور . ~~وقيل : مجمل لتردده بين نفي الصورة والحكم . وأيضا إذا لم يكن نفي المذكور ~~مرادا فلا بد من إضمار لمتعلق الرفع . وهو متعدد فحصل الإجمال . وأجيب عن ~~الأول : بأن نفي الصورة لا يمكن أن يكون مرادا ، لما فيه من نسبة كلامه صلى ~~الله عليه وسلم إلى الكذب والخلف . فتعين أن المراد نفي الحكم ، وعن ms426 الثاني ~~- وهو احتمال المضمرات - بأنه قد دل الدليل على المراد ، إما PageV03P424 ~~بالعرف أو غيره ، كما سبق في ' حرمت عليكم الميتة ' ( ولا ) إجمال ( في آية ~~السرقة ) وهي قوله سبحانه وتعالى { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } في ~~اختيار أكثر العلماء ، لأن ' اليد ' حقيقة إلى المنكب ، ولصحة إطلاق بعض ~~اليد لما دونه . والقطع حقيقة في إبانة المفصل . فلا إجمال في شيء منهما ، ~~فإطلاقها إلى الكوع مجاز قام الدليل على إرادته في الآية . وهو فعل النبي ~~صلى الله عليه وسلم والإجماع ، وقال بعض الحنفية : الإجمال في ' اليد ' وفي ~~' القطع ' لأن ' اليد ' تطلق على ما هو إلى الكوع ، وعلى ما هو إلى المنكب ~~، وعلى ما هو إلى المرفق . فتكون مشتركا . وهو من المجمل . و ' القطع ' ~~يطلق على الإبانة ، وعلى الجرح فيكون مجملا ، PageV03P425 والجواب : أن ~~المسألة لغوية . و ' اليد ' حقيقة إلى المنكب . و ' القطع ' حقيقة في ~~الإبانة وظاهر فيهما . قال ابن مفلح : ولهذا لما نزلت آية التيمم تيممت ~~الصحابة معه صلى الله عليه وسلم إلى المناكب ، وأيضا : لو كان مشتركا في ~~الكوع والمرفق والمنكب لزم الإجمال ، والمجاز أولى منه ، على ما سبق واستدل ~~للثاني بأنه يحتمل الاشتراك والتواطؤ وحقيقة أحدهما ، ووقوع واحد من اثنين ~~أقرب من الإجمال ( ولا ) إجمال أيضا ( في ) قوله تعالى : ( وأحل الله البيع ~~) عند الأكثر . وخالف في ذلك الحلواني من أصحابنا ، وبعض الشافعية ، ~~وللقاضي أبي يعلى القولان . PageV03P426 قال البرماوي ، ومنشأ الخلاف : أن ~~' أل ' التي في ' البيع ' هل هي للشمول أو عهدية ، أو للجنس من غير استغراق ~~، أو محتملة ؟ انتهى . قال : واختلف أيضا في قوله تعالى { وآتوا الزكاة } ~~على قولين أحدهما : عام خصصته السنة ، والثاني : مجمل بينته السنة ، وهنا ~~سؤال ، وهو : أن اللفظ في كل من الآيتين مفرد معرف . فإن عم من حيث اللفظ ~~فليعم في الاثنين ، أو المعنى فليعم فيهما أيضا . وإن لم يعم لا من حيث ~~اللفظ ولا المعنى فهما مستويان ، مع أن الصحيح في آية البيع : العموم . وفي ~~آية الزكاة : الإجمال . وجوابه : أن في ذلك سرا . وهو أن حل البيع على وفق ms427 ~~الأصل من حيث إن الأصل في المنافع الحل ، والمضار الحرمة بأدلة شرعية . ~~فمهما حرم البيع فهو خلاف الأصل . وأما الزكاة : فهي خلاف الأصل ، لتضمنها ~~أخذ مال الغير بغير إرادته . فوجوبها على خلاف الأصل . والأخبار الواردة في ~~الباب مشعرة بهذا المعنى . PageV03P427 فلذلك اعتنى النبي صلى الله عليه ~~وسلم ببيان المبايعات الفاسدة كالنهي عن بيع حبل الحبلة ، والمنابذة ، ~~والملامسة ، وغير ذلك . بخلاف الزكاة فإنه لم يعتن فيها ببيان ما لا زكاة ~~فيه . فمن ادعى وجوبها في مختلف فيه - كالرقيق والخيل - فقد ادعى حكما على ~~خلاف الدليل . وأما تردد الشافعي في آية البيع : هل المخصص أو المبين لها ~~الكتاب أو السنة ، دون الزكاة ؟ فلأنه تعالى عقبه على البيع بقوله تعالى ' ~~وحرم الربا ' والربا من أنواع البيع اللغوية . ولم يعقب آية الزكاة بشيء . ~~والله أعلم PageV03P428 ( ولا ) إجمال أيضا ( في ) قوله صلى الله عليه وسلم ~~{ لا صلاة إلا بطهور } ( ونحوه ) ك { لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب } { لا ~~نكاح إلا بولي } { لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل } والمراد هنا من ~~هذه الأحاديث ونحوها مما فيه نفي ذوات واقعة : تتوقف الصحة فيها على إضمار ~~شيء . | فالجمهور على أنها ليست مجملة ، بناء على القول بثبوت الحقائق ~~الشرعية . PageV03P429 فإنه إذا اختل منها شرط أو ركن صح نفيه حقيقة . لأن ~~الشرعي هو تام الأركان متوفر الشروط . ولهذا قال صلى الله عليه وسلم للمسيء ~~في صلاته { ارجع فصل . فإنك لم تصل } وإذا كان المراد من النفي نفي الحقيقة ~~، فلا يحتاج إلى إضمار . فلا إجمال ( ويقتضي ذلك ) وهو كونه ليس مجملا ( ~~نفي الصحة ) قال ابن مفلح : وجه عدم الإجمال : أن عرف الشارع فيه نفي الصحة ~~، أي لا عمل شرعي ، وإن لم يثبت بعرف اللغة ، نحو : لا علم إلا ما نفع ، ~~ولا بلد إلا بسلطان ' ولا حكم إلا لله ' ولو قدر عدمها ، وأنه لا بد من ~~إضمار . فنفي الصحة أولى . لأنه يصير كالعدم . فهو أقرب إلى نفي الحقيقة ~~المتعذرة . وليس هذا إثباتا للغة بالترجيح ، بل إثباتا لأولوية أحد ~~المجازات ، كالصحة والكمال ms428 والإجزاء بعرف استعمال اه . PageV03P430 وقيل : ~~إنه مجمل . لأنه متردد بين اللغوي والشرعي . وقيل : لأن حمله على نفي ~~الصورة باطل . فتعين حمله على نفي الحكم . والأحكام متساوية ( وعمومه من ~~الإضمار ) أي مبني على دلالة الإضمار على ما تقدم من دلالة الاقتضاء . ~~والإضمار على الصحيح . وقيل : عام في نفي الوجود والحكم . وقيل : عام في ~~نفي الصحة والكمال ( ومثله ) أي مثل قوله صلى الله عليه وسلم { لا صلاة إلا ~~بطهور } ونحوه قوله صلى الله عليه وسلم { إنما الأعمال بالنيات } قال ~~الطوفي في شرحه : قال صلى الله عليه وسلم { إنما الأعمال بالنيات } من هذا ~~الباب . لأن الأعمال مبتدأ ، وخبره محذوف . واختلفوا : هل هو الصحة ؟ فيكون ~~التقدير : إنما الأعمال صحيحة ، أو الكمال ؟ فيكون تقديره : إنما الأعمال ~~كاملة . قال : والأظهر إضمار الصحة ( وما استعمل ) أي وأي لفظ استعمل ( ~~لمعنى ) واحد ( تارة ) واستعمل ( لآخرين ) تارة ( أخرى . ولا ظهور ) في ~~واحد منها مجمل في ظاهر كلام أصحابنا . وقاله الغزالي PageV03P431 وابن ~~الحاجب وجمع . وقال الآمدي : ظاهر في المعنيين . وحكاه عن الأكثر . وجه ~~إجماله : تردده بين المعنى والمعنيين . ومحله : إذا لم تقم قرينة على ~~المراد . وفي المسألة قول ثالث . وهو أن ينظر : إن كان المعنى أحد المعنيين ~~عمل به جزما ، لوجوده في الاستعمالين . ويوقف الآخر للتردد فيه . وهذا ~~اختيار التاج السبكي في جمع الجوامع . قال المحلي : هذا ما ظهر له ، ~~والظاهر : أنه مرادهم أيضا . ثم قال : مثال الأول : حديث رواه مسلم { لا ~~ينكح المحرم ولا ينكح } بناء على أن النكاح مشترك بين العقد والوطء . فإنه ~~إن حمل على الوطء استفيد منه معنى واحد وهو أن المحرم لا يطأ ولا يوطأ أي ~~لا يمكن غيره من وطئه . وإن حمل على العقد استفيد منه معنيان بينهما قدر ~~مشترك ، وهو أن المحرم لا يعقد لنفسه ولا يعقد لغيره . PageV03P432 ومثال ~~الثاني : حديث مسلم أيضا ' { الثيب أحق بنفسها من وليها } أي بأن تعقد ~~لنفسها أو تأذن لوليها فيعقد لها ولا يجبرها . وقد قال بصحة عقدها لنفسها ~~أبو حنيفة ، وبعض أصحاب الشافعي ، لكن إذا كانت في ms429 مكان لا ولي فيه ولا ~~حاكم ( وما له ) أي وأي لفظ له ( مجمل ) لغة وشرعا ، كقول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم { الطواف بالبيت صلاة } فإنه يحتمل أنه كالصلاة في الأحكام ~~. ويحتمل أنه صلاة لغة . لأن معناها لغة : الدعاء . فسمي صلاة ، لما فيه من ~~الدعاء . فعند أصحابنا وأكثر العلماء : يحمل على المحمل الشرعي . لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بعث لتعريف الأحكام لا اللغة . وفائدة التأسيس أولى . ~~وأيضا ليس في الطواف حقيقة الصلاة الشرعية . فكان مجازا . والمراد : أن ~~حكمه حكم الصلاة في الطهارة والنية وستر العورة وغيره . PageV03P433 ويدل ~~على ذلك قوله في بقية الحديث { إلا أن الله أحل فيه الكلام } فدل على أن ~~المراد كونه صلاة في الحكم إلا ما استثني ، ولأنه إذا تعذر المسمى الشرعي ~~للفظ حقيقة رد إليه بتجوز ، محافظة على الشرعي ما أمكن . وقيل : إن ذلك ~~مجمل لتردده بين المجاز الشرعي والمسمى اللغوي ، أو يحمل على المعنى اللغوي ~~، تقديما للحقيقة على المجاز . وكالمسألة المتقدمة : ما أشير إليه بقوله ( ~~أوله حقيقة لغة وشرعا ، فللشرعي ) يعني أن خطاب الشرع إذا ورد بلفظ له ~~حقيقة في اللغة وحقيقة في الشرع ، كالوضوء والصلاة والزكاة والصوم والحج ~~ونحوها . فإنه يجب حمل ذلك على عرف الشرع عند أكثر العلماء . لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم مبعوث لبيان الشرعيات . ولأنه كالناسخ المتأخر . فيجب حمله ~~عليه . PageV03P434 ولذلك ضعفوا حمل حديث ' { من أكل لحم جزور فليتوضأ } ~~على التنظيف بغسل اليد ، ورجح النووي التوضؤ منه لضعف الجواب عن الحديث ~~الصحيح بذلك . قال البرماوي : هذا أرجح المذاهب في المسألة . وقال أبو ~~حنيفة : يحمل على اللغوي ، إلا أن يدل دليل على إرادة الشرعي . قال : لأن ~~الشرعي مجاز . والكلام لحقيقته ، حتى يدل دليل على المجاز وأجيب : بأنه ~~بالنسبة إلى الشرع حقيقة ، وإلى اللغة مجاز ، فذلك دليل عليه لا له . وقيل ~~: هو ظاهر كلام أحمد رحمه الله أنه مجمل ( ف ) على القول الأول ( إن تعذر ) ~~الحمل على الشرعي ( فالعرفي ) أي فإنه يحمل على العرفي . لأنه المتبادر إلى ~~الفهم . ولهذا اعتبر الشارع ms430 العادات في مواضع كثيرة . PageV03P435 فإن تعذر ~~الحمل على العرفي ( فاللغوي ) يعني فإنه يحمل على اللغوي ، كقوله صلى الله ~~عليه وسلم { من دعي إلى وليمة فليجب . فإن كان مفطرا فليأكل ، وإن كان ~~صائما فليصل } حمله ابن حبان في صحيحه وصاحب المغني والشرح وغيرهما على ~~معنى ' فليدع ' ويؤيد هذا الحمل : ما روى أبو داود ' { فإن كان صائما فليدع ~~} ويكون النبي صلى الله عليه وسلم مراده اللغة . فإن تعذر أيضا الحمل على ~~اللغوي ( فالمجاز ) يعني فيحمل على المجاز . لأن الكلام إما حقيقة وإما ~~مجاز ، وقد تعذر حمله على الحقيقة ، فما بقي إلا المجاز فيحمل عليه ، ~~والأقوال السابقة في مجاز مشهور وحقيقة لغوية ، والله أعلم . PageV03P436 # | ( باب ) # ( المبين ) من لفظ أو فعل ( يقابل المجمل ) فما تقدم للمجمل من تعريفات ~~فخذ ضدها في المبين . فإن قلت : المجمل ما تردد بين محتملين فأكثر على ~~السواء . فقل : المبين ما نص على معنى معين من غير إبهام . إن قلت : المجمل ~~ما لا يفهم منه عند الإطلاق معنى معين . فقل : المبين ما فهم منه عند ~~الإطلاق معنى معين ، من نص أو ظهور بالوضع ، أو بعد البيان ( ويكون ) ~~المبين ( في مفرد ومركب ) من الألفاظ ( و ) في ( فعل سبق إجماله أو لا ) ~~يعني أو لم يسبق إجمال . فإن البيان من حيث هو يكون تارة ابتداء . ويكون ~~تارة بعد الإجمال . وقد وقع هذا وهذا . وهو واضح القصد . قال العضد وقد ~~يكون فيما لا يسبق فيه إجمال ، كمن يقول PageV03P437 ابتداء : الله بكل شيء ~~عليم ( والبيان ) الذي هو اسم مصدر بين ( يطلق على التبيين ) الذي هو مصدر ~~بين ( وهو فعل المبين ، و ) يطلق أيضا ( على ما حصل به التبيين . وهو ~~الدليل . و ) يطلق أيضا ( على متعلقه ) أي متعلق التبيين ( وهو المدلول ) ~~أي المبين - بفتح المثناة من تحت - وعلى محله أيضا . إذا تقرر هذا ( ف ) ~~البيان ( بنظر إلى ) الإطلاق ( الأول ) الذي هو التبيين ( إظهار المعنى ) ~~أي معنى المبين ( للمخاطب ) وإيضاحه ومعناه لأبي الخطاب في التمهيد والواضح ~~لابن عقيل . وقيل : إخراج المعنى من حيز الإشكال إلى حيز ms431 التجلي . وهو ~~للصيرفي . PageV03P438 وتبعه عليه إمام الحرمين ، وأبو الطيب والآمدي وابن ~~الحاجب ، إلا أنهم زادوا ' والوضوح ' تأكيدا وتقريرا قال القاضي أبو يعلى : ~~هذا الحد [ غير ] تام . لأنه لا يدخل فيه إلا ما كان مشكلا . ثم أظهروا ما ~~تبيينه ابتداء من القول ، كقوله تعالى { هذا حلال وهذا حرام } فهذا لم يكن ~~مشكلا . قال ابن السمعاني : ربما ورد من الله تعالى بيان لما لم يخطر ببال ~~أحد . وأيضا ففي التعبير بالحيز ، وهو حقيقة في الأجسام ، تجوز في إطلاقه ~~PageV03P439 في المعاني ، ونحوه التجلي ( و ) البيان بنظر ( إلى ) إطلاقه ~~على ثان ، وهو ما حصل به التبيين ( الدليل ) قاله التميمي وأكثر الأشعرية ~~والمعتزلة ، لصحة إطلاقه عليه لغة وعرفا ، مع عدم ما سبق . والأصل الحقيقة ~~( و ) البيان بنظر ( إلى ) إطلاقه على ( ثالث ) وهو متعلق التبيين ( العلم ~~) الحاصل ( عن دليل ) قاله أبو عبد الله البصري وغيره . وقال الماوردي : ~~جمهور الفقهاء قالوا : البيان إظهار المراد بالكلام الذي لا يفهم منه ~~المراد إلا به ، قال ابن السمعاني : وهو أحسن من جميع الحدود . قال ~~البرماوي : والعجب أنه أورد على الصيرفي المبين ابتداء . ولا شك في وروده ~~هنا ، بل أولى . لأنه صرح بتقدم كلام لم يفهم المراد منه . وأيضا البيان قد ~~يرد على فعل ، ولا يسمى مثل ذلك كلاما PageV03P440 ( ويجب ) البيان ( لما ~~أريد فهمه ) من دلائل الأحكام . يعني إذا أريد بالخطاب إفهام المخاطب به ~~ليعمل به وجب أن يبين له ذلك على حسب ما يراد بذلك الخطاب . لأن الفهم شرط ~~للتكليف . فأما من لا يراد إفهامه ذلك فلا يجب البيان له بالاتفاق . ولهذا ~~قال بعضهم : إنه لا يجب البيان في الخطاب إذا كان خبرا لا يتعلق به تكليف . ~~وإنما يجب في التكاليف التي يحتاج إلى معرفتها ( ويحصل ) البيان ( بقول ) ~~بلا نزاع بين العلماء . والقول : إما من الله سبحانه وتعالى ، أو من رسوله ~~صلى الله عليه وسلم . فالأول نحو قوله سبحانه وتعالى { صفراء فاقع لونها ~~تسر الناظرين } فإنه مبين لقوله تعالى { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } ~~إذا قلنا إن المراد بالبقرة ms432 بقرة معينة وهو المشهور . PageV03P441 والثاني ~~كقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري وغيره عن ابن عمر مرفوعا { ~~فيما سقت السماء } ، [ والعيون ] أو كان عثريا العشر . وما سقي بالنضح نصف ~~العشر ' وروى مسلم نحوه عن جابر . وهو مبين لقوله سبحانه وتعالى { وآتوا ~~حقه يوم حصاده } واستفدنا من هذا المثال : أن السنة تبين مجمل الكتاب . وهو ~~كثير . كما في الصلاة والصوم والحج والبيع والربا ، وغالب الأحكام التي جاء ~~تفصيلها في السنة ( وفعل ) يعني : أن البيان يحصل بالفعل على الصحيح ، ~~وعليه معظم العلماء . والمراد : فعل النبي صلى الله عليه وسلم . وخالف في ~~ذلك شرذمة قليلون . PageV03P442 دليل المعظم - كما قال ابن الحاجب وغيره - ~~: أنه صلى الله عليه وسلم بين الصلاة والحج بالفعل . وقال { صلوا كما ~~رأيتموني أصلي } وقال : { خذوا عني مناسككم } روى الأول البخاري من حديث ~~مالك بن الحويرث . وروى الثاني مسلم من حديث جابر . لا يقال : إن الذي وقع ~~به البيان قول ، وهو قوله ' صلوا ' و ' خذوا ' لأنا نقول : إنما دل القول ~~على أن فعله بيان ، لا أن نفس القول وقع بيانا . وأيضا فالفعل مشاهد . ~~والمشاهدة أدل ، فهو أولى من القول بالبيان . وفي الحديث { ليس الخبر ~~كالمعاينة } رواه أحمد بسند صحيح عن ابن عباس مرفوعا ، وابن حبان والطبراني ~~، وزاد فيه { فإن الله تعالى أخبر موسى بن عمران PageV03P443 عليه السلام ~~عما صنع قومه من بعده . فلم يلق الألواح . فلما عاين ذلك ألقى الألواح } ~~فيحصل البيان بالفعل ( ولو ) كان ذلك الفعل كله ( كتابة أو إشارة ) قال ~~صاحب الواضح من الحنفية : لا أعلم خلافا في أن البيان يقع بالإشارة ~~والكتابة . انتهى . مثال الكتابة : الكتب التي كتبت ، وبين فيها الزكوات ~~والديات وأرسلت مع عماله . ومثال الإشارة : قوله صلى الله عليه وسلم { ~~الشهر هكذا ، وهكذا ، وهكذا - وأشار بأصابعه العشرة . وقبض الإبهام في ~~الثالثة - يعني تسعة وعشرين } ( و ) والبيان ( الفعلي أقوى ) من البيان ~~القولي . لأن المشاهدة أدل على المقصود من القول . وأسرع إلى الفهم ، وأثبت ~~في الذهن ، وأعون على PageV03P444 التصور وقد عرف النبي صلى الله عليه وسلم ~~مثل ms433 ابن آدم وأجله وأمله بالخط المربع ، كما في الحديث الصحيح الذي في ~~البخاري ( و ) يحصل البيان أيضا ( بإقرار على فعل ) أي إقرار النبي صلى ~~الله عليه وسلم على فعل بعض أمته . لأنه دليل مستقل ، فصح أن يكون بيانا ~~لغيره كغيره من الأدلة ( وكل مقيد من ) جهة ( الشرع بيان ) وهذه قاعدة كلية ~~فيما يحصل به البيان ، تتناول ما سبق وما يأتي بعد إن شاء الله تعالى . ذكر ~~ذلك الطوفي في مختصره . وذلك من وجوه ، منها الترك ، مثل أن يترك فعلا قد ~~أمر به ، أو قد سبق منه فعله PageV03P445 فيكون تركه له مبينا لعدم وجوبه . ~~وذلك كما أنه قيل له { وأشهدوا إذا تبايعتم } ثم إنه كان يبايع ولا يشهد ، ~~بدليل الفرس الذي اشتراه من الأعرابي ثم أنكر البيع . فعلم أن الإشهاد في ~~البيع غير واجب . وصلى النبي صلى الله عليه وسلم التراويح في رمضان ثم ~~تركها ، خشية أن تفرض عليهم . فدل على عدم الوجوب ، إذ يمتنع تركه الواجب . ~~ومنها : السكوت بعد السؤال عن حكم الواقعة . فيعلم أنه لا حكم للشرع فيها ، ~~كما روي { أن زوجة سعد بن الربيع جاءت بابنتيها إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقالت : يا رسول الله ، هاتان ابنتا سعد ، قتل أبوهما معك يوم أحد . ~~وقد أخذ عمهما مالهما ، ولا ينكحان إلا بمال . فقال : اذهبي حتى يقضي الله ~~فيك . فذهبت ثم نزلت آية الميراث { يوصيكم الله في أولادكم } فبعث خلف ~~PageV03P446 المرأة وابنتيها وعمهما فقضى فيهم بحكم الآية } فدل ذلك على أن ~~قبل نزول الآية لم يكن في المسألة حكم ، وإلا لما جاز تأخيره عن وقت الحاجة ~~إليه ، كما يأتي . ومنها : أن يستدل الشارع استدلالا عقليا ، فتبين به ~~العلة ، أو مأخذ الحكم ، أو فائدة ما إذ الكلام في بيان المجمل ومحتملاته ~~بالفرض متساوية . فأدنى مرجح يحصل بيانا محافظة على المبادرة إلى الامتثال ~~، وعدم الإهمال للدليل . قاله الطوفي في شرحه . وتابعه العسقلاني في شرحه . ~~وزاد الأخير ( والفعل والقول ) الصادران من الشارع ( بعد مجمل ، إن صلحا ) ~~أي صلح كل واحد منهما أن ms434 يكون بيانا ( واتفقا ) في غرض البيان ، بأن لا ~~يكون بينهما تناف ( فالأسبق ) منهما ( إن عرف بيان ) للمجمل ( والثاني ) ~~منهما ( تأكيد ) للأسبق PageV03P447 ( وإن جهل ) الأسبق من الفعل والقول ( ~~فأحدهما ) فقط هو المبين فلا يقضى على واحد بعينه بأنه المبين ، بل يقضى ~~بحصول البيان من واحد منهما لم نطلع عليه ، وهو الأول في نفس الأمر والثاني ~~في نفس الأمر تأكيد وهذا هو الصحيح ، وعليه الأكثر . وقال الآمدي : يتعين ~~للتقديم غير الأرجح ، حتى يكون هو المبين ، لأن المرجوح لا يكون تأكيدا ~~للراجح ، لعدم الفائدة ، وأجابوا عن ذلك بأن المؤكد المستقل لا يلزم فيه ~~ذلك ، كالجمل التي يذكر بعضها بعد بعض للتأكيد ، وأن التأكيد يحصل بالثانية ~~. وإن كان أضعف PageV03P448 بانضمامها إلى الأولى ، وإنما يلزم كون المؤكد ~~أقوى في المفردات ( وإن ) ( لم يتفقا ) أي الفعل والقول ( كما لو طاف ) ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم بعد آية الحج ) حال كونه ( مرتين ) أي طوافين ( ~~وأمر ) من حج ( قارنا بمرة ) أي بطواف واحد . ( فقوله ) الذي هو أمره بطواف ~~واحد ( بيان ) سواء كان قبل فعله الذي هو طوافه مرتين أو بعده . لأن القول ~~يدل على البيان بنفسه بخلاف الفعل . فإنه لا يدل إلا بواسطة انضمام القول ~~إليه . والدال بنفسه أقوى من الدال بغيره لا يقال : قد سبق أن الفعل أقوى ~~في البيان . لأنا نقول : التحقيق أن القول أقوى في الدلالة على الحكم . ~~والفعل أدل على الكيفية . ففعل الصلاة أدل من PageV03P449 وصفها بالقول لأن ~~فيه المشاهدة . وأما استفادة وجوبها أو ندبها أو غيرهما : فالقول أقوى ~~لصراحته . وقيل : المقدم هو البيان ( وفعله ) الذي هو طوافه مرتين سواء كان ~~قبل قوله أو بعده ( ندب ، أو واجب مختص به ) يعني : أن فعله المذكور يحمل ~~حينئذ على الندب ، أو على الوجوب المختص بالنبي صلى الله عليه وسلم ، لما ~~تقدم من قوة دلالة القول ( ويجوز كون البيان أضعف دلالة ) من المبين عند ~~الأكثر من أصحابنا وغيرهم . واستدل لذلك بتبيين السنة لمجمل القرآن . ~~PageV03P450 وقيل : لا بد أن يكون البيان أقوى . وقيل : لا بد من التساوي ( ~~ولا ms435 تعتبر مساواته ) أي مساواة البيان للمبين ( في الحكم ) وعدمه . قال ابن ~~مفلح : لا تعتبر مساواة البيان للمبين في الحكم . قاله في التمهيد : وغيره ~~، لتضمنه صفته . والزائد بدليل ، خلافا لقوم . فهذه المسألة غير المسألة ~~التي قبلها . لأن الأولى في ضعف الدلالة وقوتها . وهذه في مساواة البيان ~~للمبين في الحكم وعدمه . والمسألة التي قبلها ممثلة بتبيين القرآن بخبر ~~الواحد . وذلك أضعف في الرتبة ، لا في الدلالة ولا يلزم من ضعف الرتبة ضعف ~~الدلالة ، لجواز أن يكون الأضعف رتبة أقوى دلالة ، كتخصيص عموم القرآن بخبر ~~الواحد لأنه أخص فيكون أدل ( ولا يؤخر ) أي لا يجوز تأخير البيان ( عن وقت ~~الحاجة ) وصورته : PageV03P451 أن يقول ' صلوا غدا ' ثم لا يبين لهم في غد ~~كيف يصلون ونحو ذلك . لأنه تكليف بما لا يطاق . وجوزه من أجاز تكليف المحال ~~. والتفريع على امتناعه وهذا هو الراجح عند العلماء ، خلافا للمعتزلة . لأن ~~العلة في عدم وقوع التأخير عن وقت العمل : أن الإتيان بالشيء مع عدم العلم ~~به ممتنع . فالتكليف بذلك تكليف بما لا يطاق . فلا يجوز تأخير البيان عن ~~وقت الحاجة ، وإلا جاز ، ولكن لم يقع . قاله الشيخ تقي الدين ( ولمصلحة ) ~~يعني وتأخير البيان لمصلحة ( هو ) البيان ( الواجب أو المستحب ، كتأخيره ) ~~للأعرابي ( المسيء في صلاته إلى ثالث مرة ) ولأن البيان PageV03P452 إنما ~~يجب لخوف فوت الواجب المؤقت في وقته ( ويجوز تأخيره ) أي البيان ( وتأخير ~~تبليغه ) أي تبليغ النبي ( صلى الله عليه وسلم الحكم إلى وقتها ) أي وقت ~~الحاجة . حكاه ابن عقيل عن جمهور الفقهاء . وذكره المجد عن أكثر أصحابنا . ~~فهو جائز ، وواقع مطلقا ، سواء كان المبين ظاهرا يعمل به ، كتأخير بيان ~~التخصيص ، وبيان التقييد ، وبيان النسخ أو لا ، كبيان المجمل . وعنه لا ~~يجوز ذلك . واختاره جمع . فعلى هذا القول لا يجوز أن يقع مجمل إلا والبيان ~~معه ، وكذا غير المجمل . واستدل للقول الأول - الذي هو الصحيح - بقوله ~~سبحانه وتعالى { فأن PageV03P453 لله خمسه وللرسول ولذي القربى } ثم بين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين { أن السلب للقاتل } ولأحمد وأبي ms436 ~~داود بإسناد حسن ' أنه لم يخمسه { ولما أعطى بني المطلب مع بني هاشم من سهم ~~ذي القربى ، ومنع بني نوفل وبني عبد شمس سئل ، فقال بنو هاشم وبنو المطلب [ ~~شيء ] واحد } رواه البخاري . ولأحمد وأبي داود والنسائي بإسناد صحيح { إنهم ~~لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام } ولم ينقل بيان إجمال مقارن . ولو كان ~~لنقل . والأصل عدمه ( و ) يجوز أيضا ( التدرج بالبيان ) بأن يبين تخصيصا ~~بعد تخصيص عند أصحابنا والمحققين . فيقال مثلا ' اقتلوا المشركين ' ثم يقال ~~' PageV03P454 سلخ الشهر ' ثم يقال ' الحربيين ' ثم يقال ' إذا كانوا رجالا ~~' وقيل : يجوز ذلك في المجمل . وأما في العموم : فعلى الخلاف . وقيل : يجوز ~~إذا علم المكلف فيه بيانا متوقعا . وقيل : لا يجوز مطلقا لأن قضية البيان ~~أن يكمله أولا . واستدل للأول بوقوعه . والأصل عدم مانع ( و ) على المنع ( ~~يجوز تأخير إسماع مخصص موجود ) عندنا وعند عامة العلماء . ومنعه أبو الهذيل ~~والجبائي . ووافقا PageV03P455 على المخصص العقلي . واستدل المجوزون بأنه ~~يحتمل سماعه ، بخلاف المعدوم . وسمعت فاطمة رضي الله عنها { يوصيكم الله في ~~أولادكم } ولم تسمع المخصص . وسمع الصحابة الأمر بقتل الكفار إلى الجزية . ~~{ ولم يأخذ عمر الجزية من المجوسي حتى شهد عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها منهم } رواه البخاري ( ويجب اعتقاد ~~العموم ، والعمل به في الحال ) يعني قبل البحث عن مخصص عند أكثر أصحابنا . ~~PageV03P456 ومحله : إن سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم على طريق تعليم ~~الحكم ، وإلا فلا لمنع بيان تأخير تأخير التخصيص منه وقيل يجب ذلك مع ضيق ~~الوقت وإلا فلا وعنه لا يجب اعتقاد العموم ، حتى يبحث عن المخصص . اختاره ~~بعض أصحابنا وأكثر الشافعية . واستدل للأول بأن لفظ العموم موجب للاستغراق ~~. والمخصص معارض والأصل عدمه . ومثار الخلاف في أصل المسألة : التعارض بين ~~الأصل والظاهر . وله مثار آخر . وهو أن التخصيص هل هو مانع ، أو عدمه شرط ؟ ~~فالصيرفي جعله مانعا . فالأصل عدمه . وابن سريج : جعله شرطا . فلا بد من ~~تحققه PageV03P457 ( وكذا كل دليل مع معارضه ) يعني ms437 أنه يجب العمل بكل دليل ~~سمعه قبل البحث عن معارضه في ظاهر كلام أحمد رضي الله عنه . والخلاف جار ~~عند الشافعية في لفظ الأمر والنهي . ونقل بعضهم على أنه يجب عند سماع ~~الحقيقة طلب المجاز PageV03P458 # | ( باب ) # ( الظاهر لغة ) أي في اللغة خلاف الباطن . وهو ( الواضح ) المنكشف . ومنه ~~ظهر الأمر : إذا اتضح وانكشف . ويطلق على الشيء الشاخص المرتفع ، كما أن ~~الظاهر من الأشخاص : هو المرتفع الذي تبادر إليه الأبصار كذلك في المعاني ( ~~و ) الظاهر ( اصطلاحا ) أي في اصطلاح الأصوليين ( ما ) أي لفظ ( دل دلالة ~~ظنية وضعا ) كأسد ( أو عرفا ) كغائط . PageV03P459 فالظاهر الذي يفيد معنى ~~مع احتمال غيره ، لكنه ضعيف ، فبسبب ضعفه خفي . فلذلك سمي اللفظ لدلالته ~~على مقابله - وهو القوي - ظاهرا كالأسد ، فإنه ظاهر في الحيوان المفترس ~~ويحتمل أن يراد به الرجل الشجاع مجازا . لكنه احتمال ضعيف ، والكلام في ~~دلالة اللفظ الواحد ليخرج المجمل مع المبين ؛ لأنه - وإن أفاد معنى لا ~~يحتمل غيره - فإنه لا يسمى مثله نصا ( والتأويل لغة : الرجوع ) وهو من آل ~~يئول : إذا رجع . ومنه قوله تعالى { ابتغاء تأويله } أي طلب ما يئول إليه ~~معناه ، وهو مصدر أولت الشيء ، أي فسرته ، من آل إذا رجع ؛ لأنه رجوع من ~~الظاهر إلى ذلك الذي آل إليه في دلالته قال الله تعالى { هل ينظرون إلا ~~تأويله } أي ما يئول إليه بعثهم ونشورهم . وأكثر ما يستعمل ' التأويل ' في ~~المعاني وأكثره في الجمل ، وأكثر ما يستعمل ' التفسير ' في الألفاظ ، ~~وأكثره في المفردات ( و ) التأويل ( اصطلاحا : حمل ) معنى ( ظاهر ) اللفظ ( ~~على ) معنى PageV03P460 ( محتمل مرجوح ) وهذا يشمل التأويل الصحيح والفاسد ~~. ( وزد ) في الحد ( لصحيحه ) أي إن أردت أن تحد التأويل الصحيح - قولك ( ~~بدليل ) أي حمله بدليل ( يصيره ) أي يصير الحمل ( راجحا ) على مدلوله ~~الظاهر ، فيصير حد التأويل الصحيح : حمل ظاهر على محتمل مرجوح بدليل يصير ~~راجحا ، وعلم مما تقدم أن الحمل بلا دليل محقق ، لشبه يخيل للسامع أنها ~~دليل وعند التحقيق تضمحل - يسمى تأويلا فاسدا . وأن حمل معنى اللفظ على ~~ظاهره لا يسمى تأويلا ، وكذا ms438 حمل ' المشترك ' ونحوه من المتساوي على أحد ~~محمليه أو محامله لدليل ، إذا تقرر هذا ( فإن قرب ) التأويل ( كفى أدنى ~~مرجح ) نحو قوله سبحانه وتعالى PageV03P461 { إذا قمتم إلى الصلاة } أي إذا ~~عزمتم على القيام ( وإن بعد ) التأويل من الإرادة ؛ لعدم قرينة عقلية أو ~~حالية ، أو مقالية تدل عليه ( افتقر ) في حمل اللفظ عليه ، وصرفه عن الظاهر ~~( إلى أقوى ) مرجح ( وإن تعذر ) الحمل لعدم الدليل ( رد ) التأويل وجوبا . ~~( فمن ) التأويل ( البعيد تأويل الحنفية { قوله صلى الله عليه وسلم لمن ~~أسلم على عشر نسوة } اختر - وفي لفظ : { أمسك - منهن أربعا وفارق سائرهن } ~~على ابتداء النكاح ، أو إمساك الأوائل ) أي ابتداء نكاح أربع منهن إن كان ~~عقد عليهن معا ، وإن كان تزوجهن متفرقات على إمساك الأربع الأوائل ، ووجه ~~بعده أن الفرقة لو وقعت بالإسلام لم يخيره ، وقد خيره والمتبادر عند السماع ~~من الإمساك : الاستدامة ، والسؤال وقع عنه وخص التزويج فيهن . ولم يبين له ~~شروط النكاح مع مسيس الحاجة إليه ، لقرب إسلامه . وأيضا لم ينقل عنه ، ولا ~~عن غيره ممن أسلم على أكثر من أربع : أنه جدد النكاح PageV03P462 وأيضا ~~فالابتداء محتاج إلى رضى من يبتديها ويصير التقدير : فارق الكل وابتدئ بعد ~~ذلك من شئت . فيضيع قوله { اختر أربعا } ؛ لأنه قد لا يرضين أو بعضهن وأيضا ~~الأمر للوجوب وكيف يجب عليه ابتداؤه . وليس بواجب في الأصل ومن ثم قال أبو ~~زيد الدبوسي من الحنفية : هذا الحديث لا تأويل فيه ولو صح عندي لقلت به ( ~~وأبعد منه ) أي من التأويل السابق تأويلهم ( قوله صلى الله عليه وسلم لمن ~~أسلم عن أختين { اختر أيتهما شئت } على أحد الأمرين ) يعني على ابتداء نكاح ~~إحداهما ، إن كان قد تزوجهما في عقد واحد ، أو إمساك الأولى منهما ، إن كان ~~قد تزوجهما مفترقتين . وإنما كان أبعد من الذي قبله ؛ لأن النافي للتأويل ~~المذكور في الأول : هو الأمر الخارج عن اللفظ ، وهو شهادة الحال ، وهنا ~~انضم إلى شهادة الحال مانع PageV03P463 لفظا . وهو قوله عليه الصلاة ~~والسلام { أيتهما شئت } فإن بتقدير نكاحهما على الترتيب ms439 تعيين الأولى ~~للاختيار ولفظ { أيتهما شئت } يأباه . وللحنفية تأويل ثالث في الحديثين وهو ~~أنه لعله أن يكون هذا كان قبل حصر النساء في أربع ، وقبل تحريم الجمع بين ~~الأختين وهو مردود بما سبق ( و ) تأويلهم أيضا ( إطعام ستين مسكينا ) من ~~قوله - سبحانه وتعالى - { فإطعام ستين مسكينا } ( على إطعام طعام ستين ) ~~فعلى هذا التأويل : لو رددها المخرج على مسكين واحد ستين يوما أجزأته قالوا ~~: لأن المقصود دفع الحاجة ودفع حاجة ستين كحاجة واحد في ستين يوما . فجعلوا ~~المعدوم - وهو : طعام ' - مذكورا مفعولا به . والمذكور - وهو قوله ' ستين ' ~~- معدوما لم يجعلوه مفعولا به ، مع ظهور قصد العدد لفضل الجماعة وبركتهم ~~وتضافرهم على الدعاء للمحسن . وهذا لا يوجد في الواحد PageV03P464 وأيضا ~~حمله على ذلك تعطيل للنص ، ولهذه الحكمة شرعت الجماعة في الصلاة وغيرها ~~وأيضا فلا يجوز استنباط معنى من النص يعود عليه بالإبطال ( وأبعد من ذلك ) ~~المتقدم ذكره من التأويل ( تأويلهم ) ما في رواية أبي داود والترمذي من ~~حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في الغنم ( { في أربعين شاة شاة } على ~~قيمتها ) أي قيمة شاة قالوا : لأن اندفاع الحاجة كما يكون بالشاة يكون ~~بالقيمة وهو يؤدي إلى بطلان الأصل ؛ لأنه إذا وجبت القيمة لم تجب الشاة ~~فعاد هذا الاستنباط على النص بالإبطال ، وذلك غير جائز ، ورد بأنهم لم ~~يبطلوا إخراج الشاة بل قالوا بالتخيير بين الشاة وقيمة الشاة وهو استنباط ~~يعود بالتعميم ، كما في { وليستنج بثلاثة أحجار } يعم في الخرق ونحوها ، ~~وفي { لا يقضي القاضي وهو PageV03P465 غضبان } يعم في كل ما يشوش الفكر ولا ~~يعود بالإبطال . وأجيب عن ذلك : بأن الشارع لعله راعى أن يأخذ الفقير من ~~جنس مال الغني فيتشاركان في الجنس فتبطل القيمة فعاد بالبطلان من هذه الجهة ~~وباب الزكاة فيه ضرب من التعبد قال البرماوي : وأيضا فإذا كان التقدير ' ~~قيمة شاة ' يكون قولهم بإجزاء الشاة ليس بالنص : بل بالقياس فيترك المنصوص ~~ظاهرا ويخرج ، ثم يدخل بالقياس ، فهذا عائد بإبطال النص لا محالة . انتهى . ~~ووجه كونه أبعد مما قبله : لأنه ms440 يلزم أن لا تجب الشاة كما تقدم . وكل فرع ~~استنبط من أصل يبطل ببطلانه ( و ) تأويلهم قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه PageV03P466 والدارقطني عن عائشة ~~رضي الله عنها { أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل } وفي ~~رواية { باطل باطل باطل } ( على الصغيرة والأمة والمكاتبة ) ووجه بعد هذا ~~التأويل : أن الصغيرة ليست بامرأة في لسان العرب وقد ألزموا بسقوط هذا ~~التأويل على مذهبهم فإن الصغيرة لو زوجت نفسها كان العقد عندهم صحيحا لا ~~يتوقف على إجازة الولي قاله البرماوي . فلما ألزموا بذلك فروا إلى حمله على ~~الأمة فألزموا ببطلانه بقول النبي صلى الله عليه وسلم { فلها المهر } ومهر ~~الأمة إنما هو لسيدها ففروا من ذلك إلى حمله على المكاتبة فقيل لهم : هو ~~أيضا باطل ؛ لأن حمل صيغة العموم الصريحة وهي ' أي ' المؤكدة بما معها في ~~قوله ' أيما ' على صورة نادرة لا تخطر ببال المخاطبين غالبا في غاية البعد ~~. ( و ) تأويلهم أيضا { لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل } رواه أبو ~~PageV03P467 داود والترمذي ، والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر على خلاف في ~~رفعه ووقفه ( على ) صوم ( القضاء والنذر المطلق ) بناء منهم على مذهبهم في ~~صحة الفرض بنية من النهار قال ابن الحاجب : فجعلوه كاللغز في حملهم العام ~~على صورة نادرة فإن ثبت ما ادعوه من الحكم بدليل - كما قالوا - فليطلب لهذا ~~الحديث تأويل قريب عن هذا التأويل مثل نفي الكمال . قال إمام الحرمين : وهو ~~أقرب من التأويل السابق PageV03P468 ( و ) تأويلهم أيضا قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم في حديث رواه الإمام أحمد وابن حبان من حديث أبي سعيد مرفوعا ( { ~~ذكاة الجنين ذكاة أمه } على التشبيه ) ونصب { ذكاة أمه } على تقدير كذكاة ~~أمه ، فنصب على إسقاط الخافض ، وهو كاف التشبيه قال ابن عمرون : تقديرهم ~~حذف الكاف ليس بشيء ؛ لأنه يلزم منه جواز قولك : زيد عمرا ، أي كعمرو وأيضا ~~فحذف حرف الخفض من غير سبق فعل يدل على التوسع فيه وعلى تقدير صحته : فيجوز ms441 ~~أن يكون على الظرفية ، أي وقت ذكاة أمه ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه ~~مقامه وهذا دليل الجماعة ؛ لأن الثاني إنما يكون وقتا للأول إذا أغنى الفعل ~~الثاني عن الأول ، PageV03P469 ويرجح هذا التقدير موافقته لرواية الرفع . ~~لكن الجمهور وهموا رواية النصب وقالوا : المحفوظ الرفع كما قاله الخطابي ~~وغيره ، إما لأن ' ذكاة ' الأول خبر مقدم . و ' ذكاة ' الثاني هو المبتدأ ، ~~أي ذكاة أم الجنين ذكاة له ، وإلا لم يكن للجنين مزية . وحقيقة الجنين ما ~~كان في البطن فعلم أنه ليس المراد أنه يذكى كذكاة أمه ، بل إن ذكاة أمه ~~ذكاة له كافية عن تذكيته . ويؤيده رواية البيهقي { ذكاة الجنين في ذكاة أمه ~~} ( و ) تأويلهم أيضا قوله - سبحانه وتعالى - في آيتي الفيء والغنيمة ( { ~~ولذي القربى } : على الفقراء ) دون الأغنياء ( منهم ) أي من ذوي القربى ~~قالوا : لأن المقصود دفع الخلة ، ولا خلة مع الغنى فعطلوا لفظ العموم مع ~~ظهور أن القرابة هي سبب استحقاقهم ولو مع الغنى ، لتعظيمها وتشريفها مع ~~إضافته فاللام التمليك ، ولا يلزمنا نحن المالكية والشافعية ذلك في اليتيم ~~، للخلاف فيه فإن عللوا بالفقر ولم تكن قرابة عطلوا لفظ ' ذي القربى ' ، ~~وإن PageV03P470 اعتبروهما معا فلا يبعد وغايته : تخصيص عموم ، كما فعله ~~الشافعي في أحد القولين في تخصيص اليتامى بذوي الحاجة . ( و ) من التأويل ~~البعيد تأويل ( المالكية والشافعية ) متن حديث رواه أحمد وأبو داود ~~والنسائي وابن ماجه والطبراني والترمذي - وقال : لا نعرفه مسندا إلا من ~~حديث حماد عن قتادة عن الحسن وروي من قول عمر ، ومن قول الحسن - وهو ( { من ~~ملك ذا رحم محرم فهو حر } على عمودي نسبه ) ، وإنما كان بعيدا : لقصر اللفظ ~~العام على بعض مدلولاته من غير دليل قال ابن مفلح وغيره : لعموم اللفظ ~~وظهور قصده للتنبيه على حرمة المحرم وصلته PageV03P471 قال الكوراني : فإن ~~قلت لما وجه ما ذهب إليه الشافعي ، إذا لم يكن هذا التأويل صحيحا عندكم ؟ ~~قلت : لما دل الدليل على أن الرق لا يزول إلا بالعتق قاس عتق الأصول ~~والفروع على وجوب النفقة ، إذ لا تجب عنده ms442 إلا للأصول والفروع أو بالحديث ~~الصحيح الوارد في مسلم { لا يجزي ولد والده إلا أن يجده عبدا فيشتريه ~~فيعتقه } أي بنفس الشراء وقد وافقه الخصم على هذا ، وبالآية الكريمة في عتق ~~الولد وهي قوله تعالى { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون } ~~وجه الدلالة : أنه سبحانه وتعالى أبطل إثبات الولدية بإثبات العبودية فعلم ~~أنهما لا يجتمعان . PageV03P472 # | ( باب ) ( المنطوق والمفهوم ) # أما المنطوق : فهو المعنى المستفاد من اللفظ من حيث النطق به ، وأما ~~المفهوم : فهو المعنى المستفاد من حيث السكوت اللازم للفظ . فإذا ( الدلالة ~~) أي دلالة اللفظ ( تنقسم إلى منطوق وهو ) أي المنطوق ( ما دل عليه لفظ في ~~محل نطق ) وهو نوعان : صريح ، وغير صريح ثم الصريح ما أشير إليه بقوله ( ~~فإن وضع له ) أي وضع اللفظ لذلك المعنى ( فصريح ) سواء كانت دلالة مطابقة ~~أو تضمن حقيقة أو مجازا . النوع الثاني : غير الصريح وهو ما أشير إليه ~~بقوله ( وإن لزم عنه ) PageV03P473 أي لزم المعنى عن اللفظ بأن دل اللفظ ~~على ذلك المعنى في غير ما وضع له ( فغيره ) أي فغير صريح . وتسمى هذه ~~الدلالة : دلالة التزام وتنقسم إلى ثلاثة أقسام : اقتضاء وإشارة ، وتنبيه ~~ويسمى التنبيه : إيماء ؛ لأن المعنى إما أن يكون مقصودا للمتكلم متضمنا لما ~~يتوقف عليه صدق اللفظ ، أو لما يتوقف عليه صحته عقلا ، أو لما يتوقف عليه ~~صحته شرعا ، أو لا يكون مقصودا للمتكلم . فالأول ، وهو ما أشير إليه بقوله ~~( وإن قصد وتوقف الصدق عليه ك ) قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه النسائي ~~{ رفع عن أمتي الخطأ والنسيان } فإن ذات الخطأ والنسيان لم يرتفعا ، فيتضمن ~~ما يتوقف عليه الصدق من الإثم أو المؤاخذة ونحو ذلك . والثاني : ما أشير ~~إليه بقوله ( أو الصحة عقلا ) أي ما يتضمن ما تتوقف عليه الصحة عقلا نحو ~~قوله تعالى { ' واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي PageV03P474 أقبلنا ~~فيها } أي أهل القرية وأهل العير ، فإنه إذ لو لم يقدر ذلك لم يصح ذلك عقلا ~~؛ إذ القرية والعير لا يسألان . ومثله { أن اضرب بعصاك البحر ms443 فانفلق } أي ~~فضرب فانفلق ومثله { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } أي ~~فأفطر فعدة من أيام أخر : والثالث : ما أشير إليه بقوله ( أو شرعا ) أي ما ~~يتضمن ما تتوقف عليه صحته شرعا ( ك ) قول مطلق التصرف في ماله لمن يملك ~~عبدا ( أعتق عبدك عني ) على خمسمائة درهم مثلا ، أو أعتقه عنى مجانا فإنه ~~يقدر في الصورة الأولى إذا أعتقه : بيع ضمني ، وفي الصورة الثانية : هبة ~~ضمنية لاستدعاء سبق الملك ؛ لتوقف العتق عليه ( ف ) الدلالة في صور المتن ~~الثلاث ( دلالة اقتضاء ) لاقتضائها شيئا زائدا على اللفظ . PageV03P475 ~~القسم الثاني : وهو دلالة الإشارة ما أشير إليه بقوله ( وإن لم يقصد ) أي ، ~~وإن لم يكن المعنى المستفاد من اللفظ مقصودا للمتكلم كما روى عبد الرحمن بن ~~أبي حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { النساء ناقصات عقل ودين ~~قيل : وما نقصان دينهن ؟ قال : تمكث إحداهن شطر عمرها لا تصلي } لم يقصد ~~النبي صلى الله عليه وسلم بيان أكثر الحيض وأقل الطهر ، لكنه لزم من اقتضاء ~~المبالغة إفادة ذلك ، ونحو ذلك قوله تعالى { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } مع ~~قوله تعالى { وفصاله في عامين } فيستفاد من ذلك : أن أقل مدة الحمل ستة ~~أشهر وكذا قوله تعالى { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } فإنه ~~PageV03P476 يلزم منه جواز الإصباح جنبا وقد حكي هذا الاستنباط عن محمد بن ~~كعب القرظي من أئمة التابعين ( ف ) هذا كله ( دلالة إشارة ) . والقسم ~~الثالث : دلالة التنبيه ، وهو ما أشير إليه بقوله ( وإن لم يتوقف ) أي ~~اللفظ على شيء يقدر ( واقترن بحكم لو لم يكن لتعليله ) أي لتعليل ذلك الحكم ~~( كان ) ذلك الاقتران ( بعيدا ) من فصاحة كلام الشارع ، لتنزه كلامه عن ~~الحشو الذي لا فائدة فيه ( فتنبيه ) أي فدلالة تنبيه ( ويسمى ) التنبيه ( ~~إيماء ) ومن أمثلة ذلك { من مس ذكره فليتوضأ } PageV03P477 وسيأتي الكلام ~~على ذلك إن شاء الله تعالى مفصلا في مسالك العلة من باب القياس ( والنص ~~الصريح ) من اللفظ زاد القاضي وابن البناء : وإن احتمل غيره ms444 ، وقال المجد : ~~ما أفاد الحكم يقينا أو ظاهرا ونقل ذلك عن أحمد والشافعي رضي الله عنهما ، ~~وقال الموفق في الروضة : ما أفاد الحكم بنفسه بلا احتمال ، أو باحتمال لا ~~دليل عليه ، ويطلق على الظاهر قال في شرح التحرير : ولا مانع منه فإنه في ~~اللغة : الظهور فالنص لغة : الكشف والظهور . ومنه : نصت الظبية رأسها : أي ~~PageV03P478 رفعته وأظهرته ومنه : منصة العروس . قاله المطرزي وقال أبو ~~الفرج المقدسي : حد النص في الشرع : ما عري لفظه عن الشركة ، ومعناه عن ~~الشك ، وقال القرافي : للنص ثلاث اصطلاحات أحدها : ما لا يحتمل التأويل . ~~والثاني : ما احتمله احتمالا مرجوحا كالظاهر ، وهو الغالب في إطلاق الفقهاء ~~. والثالث ما دل على معنى كيف [ ما ] كان ا ه . PageV03P479 ( وإن لم يحتمل ~~) النص ( تأويلا ف ) هو ( مقطوع به ) أي بدلالته . ( وإلى مفهوم ) معطوف ~~على قوله ' إلى منطوق ' يعني أن الدلالة تنقسم إلى منطوق - وتقدم الكلام ~~عليه - ، وإلى مفهوم ( وهو ) أي المفهوم ( ما دل عليه ) لفظ ( لا في محل ~~نطق ) ، وإذا كان المفهوم في الأصل لكل ما فهم من نطق أو غيره ؛ لأنه اسم ~~مفعول من الفهم لكن اصطلحوا على اختصاصه بهذا ، وهو المفهوم المجرد الذي ~~يستند إلى النطق ، لكن فهم من غير تصريح بالتعبير عنه بل له استناد إلى ~~طريق عقلي ، ثم اختلف العلماء في استفادة الحكم من المفهوم مطلقا : هل هو ~~بدلالة العقل من جهة التخصيص بالذكر ، أم مستفاد من اللفظ ؟ على قولين ، ~~قطع أبو المعالي في البرهان بالثاني ، فإن اللفظ لا يشعر PageV03P480 بذاته ~~، وإنما دلالته بالوضع ولا شك أن العرب لم تضع اللفظ ليدل على شيء مسكوت ~~عنه ؛ لأنه إنما يشعر به بطريق الحقيقة ، أو بطريق المجاز ، وليس المفهوم ~~واحدا منهما ، ولا خلاف أن دلالته ليست وضعية ، إنما هي إشارات ذهنية من ~~باب التنبيه بشيء على شيء . إذا علم ذلك ، فالمفهوم نوعان . أحدهما : مفهوم ~~موافقة والثاني : مفهوم مخالفة ، أشير إلى أولهما بقوله ( فإن وافق ) أي ~~وافق المسكوت عنه المنطوق في الحكم ( ف ) هو ( مفهوم موافقة ، و يسمى فحوى ~~الخطاب ms445 ولحنه ) أي لحن الخطاب ، فلحن الخطاب ما لاح في أثناء اللفظ ( و ) ~~يسمى أيضا ( مفهومه ) أي مفهوم الخطاب . قاله القاضي أبو يعلى في العدة ، ~~وأبو الخطاب في التمهيد PageV03P481 ( وشرطه ) أي شرط مفهوم الموافقة ( فهم ~~المعنى ) من اللفظ ( في محل النطق ) و ( أنه ) أي المفهوم ( أولى ) من ~~المنطوق ( أو مساو ) له وبعضهم يسمي الأولوي بفحوى الخطاب ، والمساوي بلحن ~~الخطاب فمثال الأولوي : ما يفهم من اللفظ بطريق القطع ؛ كدلالة تحريم ~~التأفيف على تحريم الضرب ؛ لأنه أشد ومثال المساوي : تحريم إحراق مال ~~اليتيم الدال عليه قوله تعالى { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } ' ~~فالإحراق مساو للأكل بواسطة الإتلاف في الصورتين ، وقيل : إن الفحوى : ما ~~نبه عليه اللفظ ، واللحن : ما يكون محالا على غير المراد في الأصل والوضع ، ~~إذا عرفت ذلك فتحريم الضرب من قوله تعالى ' { فلا تقل لهما أف } من باب ~~التنبيه بالأدنى ، وهو التأفيف ، على الأعلى ، وهو الضرب ، PageV03P482 ~~وتأدية ما دون القنطار من قوله تعالى { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار ~~يؤده إليك } من باب التنبيه بالأعلى ، وهو تأدية القنطار ، على الأدنى وهو ~~تأدية ما دونه . ( وهو ) أي مفهوم الموافقة ( حجة ) قال ابن مفلح : ذكره ~~بعضهم إجماعا ؛ لتبادر فهم العقلاء إليه . واختلف النقل عن داود ( ودلالته ~~لفظية ) على الصحيح ، نص عليه الإمام أحمد رضي الله عنه وحكاه ابن عقيل عن ~~أصحابنا ، واختاره أيضا الحنفية والمالكية وبعض الشافعية وجماعة من ~~PageV03P483 المتكلمين وسماه الحنفية دلالة النص ، واستدل لهذا المذهب بأنه ~~يفهم لغة قبل شرع القياس ؛ ولاندراج أصله في فرعه ، نحو لا تعطه ذرة ، ~~ويشترك في فهمه اللغوي وغيره بلا قرينة وقيل : إن دلالته قياسية ، وعلى ~~كونها لفظية ، فالصحيح أنها ( فهمت من السياق والقرائن ) وهو قول الغزالي ~~والآمدي ، والمراد بالقرائن هنا : المفيدة للدلالة على المعنى الحقيقي ، لا ~~المانعة من إرادته ؛ لأن قوله تعالى { فلا تقل لهما أف } PageV03P484 ونحوه ~~مستعمل في معناه الحقيقي غايته أنه علم منه حرمة الضرب بقرائن الأحوال ~~وسياق الكلام . واللفظ لا يصير بذلك مجازا كالتعريض . والقول الثاني أن ~~اللفظ صار حقيقة ms446 عرفية في المعنى الالتزامي الذي هو الضرب في قوله سبحانه ~~وتعالى : { فلا تقل لهما أف } قال الكوراني عن هذا القول : إنه باطل ؛ لأن ~~المفردات مستعملة في معانيها اللغوية بلا ريب ، مع إجماع السلف على أن في ~~الأمثلة المذكورة إلحاق الفرع بأصل ، وإنما الخلاف في أن ذلك بالشرع أو ~~باللغة ، وعند الشافعي وأكثر أصحابه وبعض أصحابنا : قياس جلي ؛ لأنه لم ~~PageV03P485 يلفظ به ، وإنما حكم بالمعنى المشترك ، فهو من باب القياس ، ~~قيس المسكوت على المذكور قياسا جليا ، فإنه إلحاق فرع بأصل لعلة مستنبطة ، ~~فيكون قياسا شرعيا لصدق حده عليه ، كما سماه الشافعي بذلك . ومن فوائد ~~الخلاف : أنا إذا قلنا : إن دلالته لفظية جاز النسخ به ، وإن قلنا : قياسية ~~فلا . ( وهو ) أي مفهوم الموافقة نوعان ، نوع ( قطعي ، كرهن مصحف عند ذمي ) ~~احتج الإمام أحمد رحمه الله في رهن المصحف عند الذمي بنهي النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو ، مخافة أن تناله أيديهم فهذا ~~قاطع وكذلك ما تقدم من الأمثلة ، فإنها قطعية ، والقطعي كون التعليل ~~بالمعنى ، وكونه أشد مناسبة للفرع ، وكونهما قطعيين PageV03P486 ( و ) نوع ~~( ظني ) ك ( إذا ردت شهادة فاسق ، فكافر أولى ) برد شهادته ، إذ الكفر فسق ~~وزيادة ، وكون هذا ظنيا هو الصحيح ، اختاره الموفق في الروضة والطوفي في ~~مختصره وشرحه ، وابن الحاجب وغيرهم ؛ لأنه واقع في محل الاجتهاد ، إذ يجوز ~~أن يكون الكافر عدلا في دينه ، فيتحرى الصدق والأمانة ، بخلاف المسلم ~~الفاسق ، فإن مستند قبول شهادته العدالة وهي مفقودة فهو في مظنة الكذب ، إذ ~~لا وازع له عنه ، فهذا ظني غير قاطع . وقيل : إن هذا المثال فاسد ؛ لأن ~~التعليل بكون الكافر أولى بالرد ممنوع ؛ لما تقدم ومن أمثلة الظني أيضا : ~~ما احتج به الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه في أنه لا شفعة لذمي على مسلم ~~بقول النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين { ، وإذا لقيتموهم PageV03P487 ~~في طريق فاضطروهم إلى أضيقه } فهذا مظنون ، وزعم الفخر إسماعيل البغدادي من ~~أصحابنا في جدله : أنه ليس فيه قطعي ؛ لاحتمال أن يكون ms447 المراد في مفهوم ~~الموافقة غير ما عللوه به ، والأكثر على خلافه ( ومثل ) قول القائل ( إذا ~~جاز سلم مؤجلا ، فحال أولى ، لبعد عن غرر ، وهو المانع : فاسد ) مردود بأن ~~الغرر في العقود مانع من الصحة لا مقتض لها ( إذ لا يثبت حكم لانتفاء مانعه ~~) ؛ لأن المانع لا يلزم من عدمه وجود ولا عدم ( بل ) إنما يثبت الحكم ( ~~لوجود مقتضيه ) أي مقتضي الحكم ( و ) المقتضي لصحة السلم ( هو الارتفاق ~~بالأجل ) على ما قرر في كتب الفروع ، كالأجل في الكتابة ، وهو منتف في ~~الحال ، والغرر مانع له ، لكنه احتمل في المؤجل رخصة وتحقيقا للمقتضي ، وهو ~~الارتفاق ، والله أعلم . ( وإن خالف ) معطوف على قوله فإن وافق ' يعني ، ~~وإن PageV03P488 خالف المفهوم - وهو المسكوت عنه - حكم المنطوق ( ف ) هو ( ~~مفهوم مخالفة ) ويسمى دليل الخطاب ، وإنما سمي بذلك ؛ لأن دلالته من جنس ~~دلالات الخطاب ، أو لأن الخطاب دال عليه ، أو لمخالفته منطوق الخطاب ، ~~وللعمل بمفهوم المخالفة شروط ، بعضها راجع للمسكوت عنه ، وبعضها راجع ~~للمذكور ، فمن الأول : ما أشار إليه بقوله ( وشرطه : أن لا تظهر أولوية ) ~~بالحكم من المذكور ( ولا مساواة في مسكوت عنه ) إذ لو ظهرت فيه أولوية أو ~~مساواة ، كان حينئذ مفهوم موافقة ، PageV03P489 ومن الثاني : ما أشار إليه ~~بقوله ( ولا خرج مخرج الغالب ) فأما إن خرج مخرج الغالب فلا يعتبر مفهومه ، ~~نحو قوله تعالى { وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن } ~~فإن تقييد تحريم الربيبة بكونها في حجره - لكونه الغالب - لا يدل على حل ~~الربيبة التي ليست في حجره عند جماهير العلماء . ومنه قوله تعالى { ومن ~~قتله منكم متعمدا } PageV03P490 وقوله تعالى { فإن خفتم أن لا يقيما حدود ~~الله } ونحو ذلك . وقال داود : إنه شرط في تحريم الربيبة وقال مالك ~~باعتباره ، فلم يحرم الربيبة الكبيرة وقت التزوج بأمها في قول له ؛ لأنها ~~ليست في حجره . وقال به علي رضي الله عنه فيما أخرجه ابن أبي حاتم في ~~تفسيره ( ف ) على اشتراط كون مفهوم المخالفة لا يكون خرج مخرج الغالب ( لا ~~يعم ) ولهذا احتج العلماء من ms448 أصحابنا وغيرهم على اختصاص تحريم الربيبة ~~بالحجر بالآية ، وأجابوا بأنه لا حجة فيها ، لخروجها على الغالب ~~PageV03P491 ( و ) من شرطه أيضا : أن ( لا ) يكون خرج ( مخرج تفخيم ) كحديث ~~{ لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث } - ~~الحديث ' فقيد ' الإيمان ' للتفخيم في الأمر ، وأن هذا لا يليق بمن كان ~~مؤمنا ( ولا ) خرج اللفظ ( جوابا لسؤال ) يعني أنه إذا خرج اللفظ جوابا ~~لسؤال لم يعمل بمفهومه ذكره المجد في شرح الهداية في صلاة التطوع اتفاقا ، ~~مثل أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم : هل في الغنم السائمة زكاة ؟ فلا ~~يلزم من جواب السؤال عن إحدى الصفتين أن يكون الحكم على الضد في الأخرى ، ~~لظهور فائدة في الذكر غير الحكم بالضد . وذكر القاضي في ذلك احتمالين ، ~~أحدهما كالأول ، PageV03P492 والثاني : أنه من باب ورود العام على سؤال أو ~~حادثة صارفا له عن عمومه فإن قيل : لم جعلوا هنا السؤال والحادثة قرينة ~~صارفة عن القول بهذا الحكم في المسكوت ، ولم يجعلوا ذلك في ورود العام على ~~سؤال أو حادثة صارفا له عن عمومه على الأرجح ، بل لم يجروا هنا ما أجروه ~~هناك من الخلاف في أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ؟ أجيب : بأن ~~المفهوم لما ضعف عن المنطوق في الدلالة اندفع بذلك ونحوه . وقوة اللفظ في ~~العام تخالف ذلك ، ولقوة اللفظ في العام ادعى الحنفية أن دلالته على كل فرد ~~من أفراده قطعية ومن شرط العمل بمفهوم المخالفة أيضا : أن لا يكون المنطوق ~~ذكر ( لزيادة امتنان ) على المسكوت عنه ، نحو قوله - جل وعلا - { لتأكلوا ~~منه لحما طريا } فلا يدل على منع القديد من لحم ما يؤكل مما يخرج من البحر ~~كغيره PageV03P493 ( ولا لحادثة ) يعني أنه يشترط أيضا في مفهوم المخالفة : ~~أن لا يكون المنطوق خرج لبيان حكم حادثة اقتضت بيان الحكم في المذكور ، كما ~~روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بشاة ميمونة فقال : دباغها طهورها } ~~وكما لو قيل بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم : لزيد غنم سائمة فقال ms449 ' في ~~السائمة الزكاة ' إذ القصد الحكم على تلك الحادثة ، لا النفي عما عداها ومن ~~هذا قوله تعالى ' { لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة } فإنه ورد على ما كانوا ~~يتعاطونه في الآجال : أنه إذا حل الدين يقولون للمديون : إما أن تعطي ، ~~وإما أن تزيد في الدين ، فيتضاعف بذلك مضاعفة كثيرة . ( و ) يشترط أيضا ~~للعمل بالمفهوم أن ( لا ) يكون المنطوق ذكر ( لتقدير جهل المخاطب ) به ، ~~دون جهله بالمسكوت عنه ، بأن يكون المخاطب PageV03P494 يعلم حكم المعلوفة ~~ويجهل حكم السائمة فيذكر له ( و ) يشترط أيضا للعمل بالمفهوم أن ( لا ) ~~يكون للمنطوق ذكر ( لرفع خوف ونحوه ) عن المخاطب . كقولك لمن يخاف من ترك ~~الصلاة الموسعة : تركها في أول الوقت جائز ، ليس مفهومه عدم الجواز في باقي ~~الوقت وهكذا إلى أن يتضايق . ويشترط أيضا للعمل بالمفهوم أن ( لا ) يكون ~~المنطوق ( علق حكمه على صفة غير مقصودة ) ذكره القاضي وغيره قال ابن مفلح ~~في أصوله ، وإن كانت الصفة غير مقصودة فلا مفهوم ، كقوله سبحانه وتعالى { ~~لا جناح عليكم إن طلقتم النساء } - الآية ' أراد نفي الحرج عمن طلق ولم يمس ~~، وإيجاب المتعة تبعا . ذكره القاضي وغيره من المتكلمين . ومما يذكر من ~~شروط العمل بالمفهوم : أن لا يعود العمل به على الأصل الذي هو المنطوق فيه ~~بالإبطال ، كحديث { لا تبع ما ليس عندك } لا يقال : مفهومه صحة بيع الغائب ~~إذا كان عنده ، إذ لو صح فيه لصح في PageV03P495 المذكور ، وهو الغائب الذي ~~ليس عنده ؛ لأن المعنى في الأمرين واحد ، ولم يفرق أحمد بينهما ، ولم أذكر ~~ذلك في المتن لظهوره ، كترك نحوه من الشروط مما لا حاجة لذكره ثم الضابط ~~لهذه الشروط وما في معناها أن لا يظهر لتخصيص المنطوق بالذكر فائدة غير نفي ~~الحكم عن المسكوت عنه وعلى ذلك اقتصر البيضاوي إذا تقرر هذا فما تقدم من ~~الشروط يقتضي تخصيص المذكور بالذكر ، لا نفي الحكم عن غيره ، ولكن وراء هذا ~~بحث آخر ، وهو أن المقترن من المفاهيم بما يمنع القول به ؛ لوجود فائدة ~~تقتضي التخصيص في المذكور بالذكر ، هل يدل ms450 اقترانه بذلك على الغاية وجعله ~~كالعدم ، فيصير المعروض بقيد المفاهيم ، إذا كان فيه لفظ عموم شاملا ~~للمذكور والمسكوت ، حتى لا يجوز قياس المسكوت بالمذكور بعلة جامعة ؛ ~~PageV03P496 لأنه منصوص ، فلا حاجة لإثباته بالقياس ، إذ لا يدل ، بل غايته ~~الحكم على المذكور ، وأما غير المذكور فمسكوت عن حكمه ، فيجوز حينئذ قياسه ~~؟ مثاله في الصفة - مثلا - لو قيل : هل في الغنم السائمة زكاة ؟ فيقول ~~المسئول : في الغنم السائمة زكاة ، فغير السائمة مسكوت عن حكمه ، فيجوز ~~قياسه على السائمة ، بخلاف ما لو ألغى لفظ ' السائمة . ' وصار التقدير : في ~~الغنم زكاة ، فلا حاجة حينئذ لقياس المعلوفة بالسائمة ؛ لأن لفظ ' الغنم ' ~~شامل لهما ؟ في ذلك خلاف بين العلماء قال البرماوي : والمختار الثاني ، حتى ~~أن بعضهم حكى فيه الإجماع . ثم اعلم أن مفهوم المخالفة ستة أقسام ، أشير ~~إليها بقوله ( وينقسم إلى مفهوم صفة ، و ) إلى ( تقسيم ، و ) إلى ( شرط ، و ~~) إلى ( غاية ، و ) إلى ( عدد لغير مبالغة ، و ) إلى ( لقب ) وهو آخر الستة ~~أقسام . PageV03P497 ( فالأول ) أي الذي هو مفهوم الصفة ( أن يقترن بعام ~~صفة خاصة ك ' في الغنم السائمة الزكاة ' ) وك ' في سائمة الغنم الزكاة ' ، ~~ولذلك قال كثير من العلماء : هو تعليق الحكم بإحدى صفتي الذات ، فشمل ~~المثالين ، ومثل بهما في الروضة ، وبين الصيغتين فرق في المعنى . فمقتضى ~~العبارة الأولى : عدم الوجوب في الغنم ، المعلوفة التي لولا القيد بالسوم ~~لشملها لفظ ' الغنم ' ومقتضى العبارة الثانية : عدم الوجوب في سائمة غير ~~الغنم ، كالبقر مثلا التي لولا تقييد السائمة بإضافتها إلى الغنم لشملها ~~لفظ ' السائمة ' كذا قال التاج السبكي في منع الموانع وقال : هو التحقيق . ~~قال ابن العراقي : والحق عندي أنه لا فرق بينهما ، فإن قولنا : سائمة الغنم ~~، من إضافة الصفة إلى موصوفها ، فهي في المعنى كالأولى ، والغنم موصوفة ، ~~والسائمة صفة على كل حال . PageV03P498 وقد علم أنه ليس المراد بالصفة هنا ~~النعت ، ولهذا مثلوا بقوله صلى الله عليه وسلم { مطل الغني ظلم } والتقيد ~~فيه بالإضافة ، لكنه في معنى الصفة ، فإن المراد به المطل الكائن من الغني ~~، لا من الفقير ms451 ، وقدره البرماوي فقال : مطل الشخص الغني ، ورده بنحو ذلك ~~وغيره ، ومثله أصحابنا تارة بالعبارة الأولى ، وتارة بالثانية . وظاهر ~~كلامهم أن الحكم فيهما واحد ومن أمثلته أيضا { من باع نخلا مؤبرة فثمرتها ~~للبائع } ' ومثله : تعليق نفقة البائن على الحمل وبدأ المصنفون بمفهوم ~~الصفة ؛ لأنه رأس المفاهيم قال أبو المعالي : لو عبر معبر عن جميع المفاهيم ~~بالصفة لكان ذلك متجها ؛ PageV03P499 لأن المعدود والمحدود موصوفان بعددها ~~وحدها ، وكذا سائر المفاهيم . انتهى . ( وهو ) أي مفهوم الصفة ( حجة ) عند ~~أحمد ومالك والشافعي - رضي الله تعالى عنهم - وأكثر أصحابهم ( لغة ) أي من ~~حيث دلالة اللغة وضع اللسان عند أكثر أصحابنا وأكثر الشافعية وقيل : عقلا ، ~~أي من حيث دلالة العقل ، واختاره جمع وقال الرازي في المعالم : إن ذلك من ~~قبيل العرف العام ، وقال بعض الشافعية : إن ذلك من قبيل الشرع ( يحسن ~~الاستفهام فيه ) أي في مفهوم الصفة ، جزم به في الواضح ، كقول القائل : لا ~~تشرب الخمر ؛ لأنه يوقع العداوة ، فيقال له : فهل PageV03P500 أشرب النبيذ ~~؟ ولا ينكر أحد استفهامه هذا ( ومفهومه ) أي مفهوم قوله ' في الغنم السائمة ~~الزكاة ؟ ' أنه ( لا زكاة في معلوفة الغنم ) عند المعظم ( فالغنم والسوم ~~علة ) لتعلق الحكم بهما وظاهر كلام أحمد رضي الله تعالى عنه - واختاره ابن ~~عقيل وأبو حامد والرازي - : أن مفهومه ' لا زكاة ' في معلوفة كل حيوان ، ~~فعلى هذا : السوم وحده علة ( وهو ) أي مفهوم الصفة ( في بحث عما يعارضه ~~كعام ) أي كاللفظ العام ، ذكره في التمهيد وغيره ( ومنها ) أي من الصفة ( ~~علة ) نحو : حرمت الخمر لشدتها ، فيدل على أن ما لا شدة فيه لا يحرم . وهذا ~~أخص من قول القائل : في الغنم السائمة الزكاة ، فإن الوصف فيه وهو ' السوم ~~' تتميم للمعنى الذي هو علته ، PageV03P501 إلا أن الخلاف في أحدهما ~~كالخلاف في الآخر ( و ) منها ( ظرف ) زمان نحو ' { الحج أشهر معلومات } { ~~إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة } وظرف مكان ، وهو نحو ' { فاذكروا الله عند ~~المشعر الحرام } وكلا الظرفين حجة ( و ) منها ( حال ) نحو { ولا تباشروهن ~~وأنتم عاكفون في المساجد } ذكره ابن السمعاني ms452 في القواطع ، وقال : إنه ~~كالصفة ، وهو ظاهر ؛ لأن الحال صفة في المعنى قيد بها ، ولم يذكره أكثر ~~المتأخرين . والقول الثاني في أصل المسألة أن مفهوم الصفة بأنواعه ليس بحجة ~~، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه ، وابن سريج والقفال ، وجماعة من المالكية ، ~~وكثير PageV03P502 من المعتزلة ، وأبو الحسن التميمي من أصحابنا واختلف ~~النقل عن الأشعري ، واستدل لكونه حجة - وهو الصحيح - بأنه لم يدل عليه لغة ~~لما فهمه أهلها . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لي الواجد يحل عرضه ~~وعقوبته } حديث حسن ، رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه ، أي مطلق ~~الغني . وفي الصحيحين { مطل الغني ظلم } وفيهما { لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا ~~خير له من أن يمتلئ شعرا } قال أبو عبيد في الأول : يدل على أن لي من ليس ~~بواجد لا يحل عقوبته وعرضه وفي الثاني مثله ، وقيل له في الثالث : المراد ~~PageV03P503 الهجاء أو هجاء النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : لو كان كذلك ~~لم يكن لذكر الامتلاء معنى ؛ لأن قليله كذلك فألزم أبو عبيد من تقدير الصفة ~~المفهوم قدر الامتلاء صفة للهجاء . وهو والشافعي من أئمة اللغة ، وذكره ~~الآمدي قول جماعة من أهل العربية فالظاهر أنهم فهموا ذلك لغة . فثبتت اللغة ~~به ، واحتمال البناء على الاجتهاد مرجوح ( وكالأولى ) وهي الصفة المقترنة ~~بالعام ، كقولهم : في الغنم السائمة الزكاة ، الصفة العارضة المجردة ، نحو ~~قولهم ( في السائمة الزكاة ) قال ابن مفلح : عند أصحابنا وغيرهم وذكره ~~الآمدي وغيره وذلك لأن غايته أن الموصوف فيها محذوف ( والأولى أقوى دلالة ) ~~في المفهوم ؛ لأن الأولى وهي التي المثال فيها مقيد بالعام كالنص ، بخلاف ~~هذا . ( والثاني ) من أقسام مفهوم المخالفة الستة : التقسيم ( { ك ' الثيب ~~أحق PageV03P504 بنفسها ، والبكر تستأذن ' } ) وهو ( كالأول قوة ) أي في ~~القوة ذكره الموفق وغيره ، ووجه ذلك : أن تقسيمه إلى قسمين ، وتخصيص كل ~~واحد بحكم ، يدل على انتفاء ذلك الحكم عن القسم الآخر ؛ إذ لو عمهما لم يكن ~~للتقسيم فائدة ، فهو من جملة مفهوم المخالفة . ( والثالث ) الشرط . والمراد ~~به : ما علق من الحكم على شيء بأداة الشرط ms453 ، مثل ' إن ' و ' إذا ' ونحوهما ~~، وهو المسمى بالشرط اللغوي ، لا الشرط الذي هو قسيم السبب والمانع ، وذلك ~~ك ( إن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ) فإنه يدل بمنطوقه على ~~وجوب النفقة على أولات الحمل ، وبمفهومه PageV03P505 على عدم وجوب النفقة ~~للمعتدة غير الحامل ( وهو أقوى منهما ) أي من القسمين السابقين من جهة ~~الدلالة ؛ لأن الشرط يلزم من عدمه عدم المشروط ، فإن قيل : يحتمل أنه سبب ~~لمسبب فلا تلازم . رد بأنه خلاف الظاهر ، ويرد الشرط ( لتعليل ك ) قول ~~الإنسان لولده ( أطعني إن كنت ابني ) ومن ذلك من جهة المعنى قوله سبحانه ~~وتعالى { واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون } قال ابن قاضي الجبل : ~~لفظ الشرط أصله التعليق ، وتستعمله العرب كثيرا للتعليل لا للتعليق ، فهو ~~تنبيه على السبب الباعث على المأمور به ، لا لتعليق المأمور به فالمقصود ~~التنبيه على الصفة الباعثة لا التعليق . انتهى . ( والرابع ) من أقسام ~~مفهوم المخالفة الستة : الغاية ، وهو مد الحكم بأداة الغاية ( ك ) إلى ، ~~وحتى ، واللام PageV03P506 ومن ذلك من جهة المعنى قوله سبحانه وتعالى { فلا ~~تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } وحديث { لا زكاة في مال حتى يحول عليه ~~الحول } وهو حجة عند الجمهور ، وإليه ذهب معظم نفاة المفهوم ( وهو أقوى من ~~) القسم ( الثالث ) من جهة الدلالة ؛ لأنهم أجمعوا على تسميتها حروف الغاية ~~، وغاية الشيء نهايته ، فلو ثبت الحكم بعدها لم يفد تسميتها غاية . وذهب ~~أكثر الحنفية وجماعة من الفقهاء والمتكلمين إلى المنع . ( والخامس ) من ~~أقسام مفهوم المخالفة ' العدد ' PageV03P507 وهو تعليق الحكم بعدد مخصوص ( ~~ك ) نحو قوله تعالى { فاجلدوهم ثمانين جلدة } وبه قال أحمد ومالك وداود ، ~~رضي الله تعالى عنهم وبعض الشافعية . قال سليم منهم : وهو دليلنا في نصاب ~~الزكاة ، والتحريم بخمس رضعات . ونقله أبو حامد وأبو المعالي والماوردي عن ~~نص الشافعي ، قال ابن الرفعة : القول بمفهوم العدد هو العمدة عندنا في ~~تنقيص الحجارة في الاستنجاء من الثلاثة ، ونفاه الحنفية والمعتزلة ~~والأشعرية . والقول به أصح ؛ لئلا يعرى التحديد به عن فائدة . ومحل الخلاف ~~: في عدد ms454 لم يقصد به التكثير كالألف والسبعين ، وكل ما يستعمل في لغة العرب ~~للمبالغة ، نحو جئتك ألف مرة فلم أجدك ، { وقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما نزل عليه { إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } لأزيدن على ~~PageV03P508 السبعين } استمالة للأحياء ، وجعل أبو المعالي وأبو الطيب وجمع ~~مفهوم العدد من قسم الصفات ؛ لأن قدر الشيء صفته . ( والسادس ) من أقسام ~~مفهوم المخالفة ' اللقب ' وهو ( تخصيص اسم بحكم وهو حجة ) عند أحمد ومالك ~~وداود رضي الله تعالى عنهم والصيرفي والدقاق وابن فورك وابن خويز منداد ~~وابن القصار ونفاه القاضي PageV03P509 أبو يعلى وابن عقيل والموفق ، وقال : ~~ولو كان مشتقا كالطعام . وقال المجد ومن وافقه : إنه حجة بعد سابقة ما يعمه ~~، كقول النبي صلى الله عليه وسلم { وترابها طهور } بعد قوله { جعلت لي ~~الأرض مسجدا } وكما لو قيل : يا رسول الله ، أفي بهيمة الأنعام زكاة ؟ فقال ~~' في الإبل زكاة ' أو هل نبيع الطعام بالطعام ؟ فقال ' لا تبيعوا البر ~~بالبر ' تقوية للخاص بالعام ، كالصفة بالموصوف PageV03P510 قال : وأكثر ما ~~جاء عن أحمد في مفهوم اللقب لا يخرج عن هذا . وجه القول الأول : أنه لو ~~تعلق الحكم بالعام لم يتعلق بالخاص ؛ لأنه أخص وأعم ، ولأنه يميز مسماه ، ~~كالصفة . PageV03P511 # | ( فصل ) # ( إذا خص نوع ) من جنس ( بالذكر بمدح أو ذم أو غيرهما ) أي بشيء غير ~~المدح والذم ( مما لا يصلح لمسكوت عنه ) ( فله ) أي فلذلك الذكر ( مفهوم ) ~~ومن ذلك قوله تعالى { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } فالحجاب عذاب فلا ~~يحجب من لا يعذب ، ولو حجب الجميع لم يكن عذابا قال الإمام مالك رحمه الله ~~: لما حجب أعداءه تجلى لأوليائه حتى رأوه . وقال الشافعي رضي الله عنه لما ~~حجب هؤلاء في السخط كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا وقال ~~أيضا : في الآية دلالة على أن أولياءه يرونه يوم القيامة بأبصار وجوههم ~~PageV03P512 وبهذه الآية استدل الإمام أحمد وغيره من الأئمة رضي الله تعالى ~~عنهم على الرؤية للمؤمنين قال الزجاج : لولا ذلك لم يكن فيها فائدة ms455 ، ولا ~~حسنت منزلتهم بحجبهم ( وإذا اقتضى حال أو ) اقتضى ( لفظ عموم الحكم لو عم ، ~~فتخصيص بعض بالذكر له مفهوم ) ذكره الشيخ تقي الدين وغيره ومن ذلك قوله ~~تعالى ' { وفضلناهم على كثير ممن خلقنا } وقوله تعالى { ألم تر أن الله ~~يسجد له من في السموات ومن في الأرض } - إلى قوله - { وكثير من الناس } ( ~~وفعله ) أي فعل النبي صلى الله عليه وسلم ( له دليل كدليل الخطاب ) عند ~~أكثر أصحابنا ، وأخذوه من قول أحمد رضي الله تعالى عنه : لا يصلى على ميت ~~بعد شهر ؛ لحديث أم سعد رواه الترمذي ورواته ثقات عن سعيد بن المسيب ~~PageV03P513 { أن أم سعد ماتت ، والنبي صلى الله عليه وسلم غائب ، فلما قدم ~~صلى عليها وقد مضى لذلك شهر } وضعف هذه الدلالة بعض أصحابنا وغيرهم قال ابن ~~عقيل : ليس للعقل صيغة تعم ولا تخص ، فضلا عن أن يجعل لها دليل خطاب ( ~~ودلالة المفهوم كلها بالالتزام ) بمعنى أن النفي في المسكوت لازم للثبوت في ~~المنطوق ملازمة ظنية لا قطعية . PageV03P514 # | ( فصل ) # ( كلمة : ' إنما ' بكسر وفتح ) أي بكسر همزتها وفتحها ( تفيد الحصر ) ( ~~نطقا ) أي من جهة النطق عند أبي الخطاب وابن المنى والموفق والفخر منا وبعض ~~الحنفية والشافعية ، وعند القاضي وابن عقيل والحلواني والأكثر فهما يعنى ~~بالمفهوم ، وعند أكثر الحنفية والآمدي والطوفي من أصحابنا ومن وافقهم : لا ~~تفيد الحصر نطقا ولا فهما ، بل تؤكد الإثبات PageV03P515 واختاره أبو حيان ~~. وقال : كما لا يفهم ذلك من أخواتها المكفوفة بما مثل : ليتما ، ولعلما ، ~~وإذا فهم من ' إنما ' حصر ، فإنما هو من السياق ، لا أنها تدل عليه بالوضع ~~ونقله عن البصريين قال البرماوي : وفيه نظر فإن إمام اللغة نقل عن أهل ~~اللغة أنها تفيده لجواز ' إنما المرء بأصغريه يعني قلبه ولسانه أي كماله ~~بهذين العضوين لا بهيئته ومنظره ثم قال نعم لهم طرق في إفادتها الحصر ~~أقواها نقل أهل اللغة استقراء استعمالات العرب إياها في ذلك ، وأصعبها ~~طريقة الرازي وأتباعه : أن ' إن ' للإثبات و ' ما ' للنفي . ولا يجتمعان ، ~~فيجعل الإثبات للمذكور والنفي للمسكوت PageV03P516 ورد بمنع كل ms456 من الأمرين ~~؛ لأن ' إن ' لتوكيد النسبة ، نفيا كان أو إثباتا نحو إن زيدا قام ، وإن ~~زيدا لم يقم ، و ' ما ' كافة لا نافية على المرجح . وبتقدير التسلم : فلا ~~يلزم استمرار المعنى في حالة الإفراد أو حالة التركيب قال السكاكي : ليس ~~الحصر في ' إنما ' لكون ' ما ' للنفي ، كما يفهمه من لا وقوف له على النحو ~~؛ لأنها لو كانت للنفي لكان لها الصدر . ثم حكى عن الربعي : [ أن ] إن ~~لتأكيد إثبات المسند للمسند إليه ، و ' ما ' مؤكدة فناسب معنى الحصر . دليل ~~القائل بالحصر : تبادر الفهم بلا دليل واحتج ابن عباس رضي الله تعالى عنه ~~على إباحة ربا الفضل بقوله صلى الله عليه وسلم { إنما الربا في النسيئة } ~~وهو في الصحيحين وشاع في الصحابة PageV03P517 ولم ينكر ، وعدل إلى دليل ، ~~لكن قال البرماوي : فيه نظر ، فإن ابن عباس رواه عن أسامة بلفظ { ليس الربا ~~إلا في النسيئة } كما في مسلم . فيحتمل أنه مستند ابن عباس وقد يجاب بأنهم ~~قد رووا أنه استدل بذلك ، وأنهم لما وافقوه كان كالإجماع . ( وقد ) ( ترد ) ~~إنما ( لتحقيق منصوص ، لا لنفي غيره ) نحو ' إنما الكريم يوسف بن يعقوب بن ~~إسحاق بن إبراهيم ' ( و ) لفظ { تحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم } يفيد ~~الحصر نطقا ؛ لأنه مضاف إلى ضمير عائد إلى الصلاة ، وفيها السلام ، وبه ~~احتج أصحابنا ، وأصحاب الشافعي على تعيين لفظي التكبير والتسليم بقوله صلى ~~الله عليه وسلم { تحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم } ومنعه الحنفية ~~لمنعهم المفاهيم PageV03P518 ورد بأن التعيين مستفاد من الحصر المدلول عليه ~~بالمبتدأ والخبر ، فإن التحريم منحصر في التكبير كانحصار زيد في صداقتك ، ~~إذا قلت : صديقي زيد أما إذا كان الخبر نكرة ، نحو زيد قائم ، فالأصح أنها ~~لا تفيد الحصر ، كما في الحديث { الصيام جنة } فإنه لا يمنع أن يكون غيره ~~أيضا جنة . ( و ) لفظ ( صديقي ) زيد ( أو العالم زيد ، ونحو ذلك ) كقولك : ~~القائم زيد ( ولا قرينة عهد تفيد الحصر نطقا ) من صيغ الحصر المعتبر ، ~~مفهومه حصر المبتدأ في الخبر ، وله صورتان وصيغتان ، إحداهما : نحو صديقي ~~زيد قاله المحققون ، مستدلين بأن ms457 ' صديقي ' عام ، فإذا أخبر عنه بخاص - وهو ~~زيد - كان حصرا لذلك العام ، وهو الأصدقاء كلهم في الخبر ، وهو زيد ، إذ لو ~~بقي من أفراد العموم ما لم يدخل في الخبر لزم أن يكون المبتدأ أعم من الخبر ~~، وذلك لا يجوز قال الغزالي : لا لغة ولا عقلا ، فلا تقول : الحيوان إنسان ~~، ولا الزوج PageV03P519 عشرة ، بل أن يكون المبتدأ أخص أو مساويا ، ~~والصيغة الثانية : العالم زيد ونحوه ، كالقائم زيد ، إذا جعلت اللام ~~للحقيقة أو للاستغراق لا للعهد ، والحكم فيهما كالصيغ التي قبلهما . ( ~~ويحصل حصر ) أيضا ( بنفي ) سواء كان النفي بما أو بغيرها ، كلا ، ولم ، وإن ~~، وليس ( ونحوه ) أي نحو النفي ، كالاستفهام ( واستثناء تام ومفرغ ، وفصل ~~مبتدأ من خبر بضمير الفصل ) فمثال النفي ' لا صيام لمن لم يبيت الصيام من ~~الليل ' ومثال نحو النفي ، وهو الاستفهام { فهل يهلك إلا القوم الفاسقون } ~~ومثال الاستثناء : لا إله إلا الله ، وما لي سوى الله ، وقول الشاعر : ~~PageV03P520 رضيت بك اللهم ربا فلن أرى أدين إلها غيرك الله واحدا ومثال ~~فصل المبتدأ من الخبر بضمير الفصل : قوله تعالى { وإن جندنا لهم الغالبون } ~~فإنه لم يسق إلا للإعلام بأنهم الغالبون دون غيرهم ، وكذا قوله تعالى ' { ~~وأن المسرفين هم أصحاب النار } { إن الله هو الغفور الرحيم } ولأن ذلك لم ~~يوضع إلا للإفادة ، ولا فائدة في مثل قوله تعالى { ولكن كانوا هم الظالمين ~~} سوى الحصر . ( ويفيد الاختصاص ) بالنصب على أنه مفعول مقدم ليفيد ( وهو ~~الحصر ) جملة اسمية وقعت بين الفعل وفاعله ( تقديم ) بالرفع على أنه فاعل ~~يفيد ( المعمول ) بالجر على أنه مضاف إليه ، ومن ذلك قوله تعالى { إياك ~~نعبد وإياك نستعين } أي نخصك بالعبادة والاستعانة ، وهذا معنى الحصر . ~~PageV03P521 وسواء في المعمول المفعول ، كما تقدم في { إياك نعبد } والحال ~~والظرف والخبر بالنسبة إلى المبتدأ ، نحو تميمي أنا وبه صرح صاحب المثل ~~السائر ، وأنكره صاحب الفلك الدائر ، وقال : لم يقل به أحد ، وإنكاره عجيب ~~، فكلام البيانيين طافح به ، وبه احتج أصحابنا وأصحاب الشافعي على تعيين ~~لفظي التكبير والتسليم ، بقوله صلى الله عليه وسلم ms458 { تحريمها التكبير ، ~~وتحليلها التسليم } وهو يفيد الاختصاص قاله البيانيون ، وخالفهم في ذلك ابن ~~الحاجب ، وأبو حيان ، فقال ابن الحاجب في شرح المفصل : إن توهم الناس لذلك ~~وهم ، وتمسكهم بنحو { بل الله PageV03P522 فاعبد } ضعيف لورود { فاعبد الله ~~} فيلزم أن المؤخر يفيد عدم الحصر ، بكونه يقتضيه ، وأجيب : لا يستلزم حصرا ~~ولا عدمه ولا يلزم من عدم إفادة الحصر إفادة نفيه لا سيما و ' مخلصا ' في ~~قوله تعالى ' { فاعبد الله مخلصا } مغن عن إفادة الحصر وقال أبو حيان في ~~أول تفسيره في رد دعوى الاختصاص : إن سيبويه قال : إن التقديم للاهتمام ~~والعناية ، فهو في التقديم والتأخير كما في ضرب زيد عمرا وضرب عمرا زيد ، ~~فكما أن هذا لا يدل على الاختصاص ، فكذلك مثالنا ، وأجيب بأن تشبيه سيبويه ~~إنما هو في أصل الإسناد ، وأن التقديم يشعر بالاهتمام والاعتناء ولا يلزم ~~من ذلك نفي الاختصاص وقال صاحب الفلك الدائر : الحق أنه لا يدل على ~~الاختصاص إلا PageV03P523 بالقرائن ، والأكثر في القرآن التصريح به مع عدم ~~الاختصاص نحو ' { إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى } ولم يكن ذلك خاصا به ، ~~فإن حواء كذلك ، وكون الاختصاص هو الحصر - كما في المتن - هو رأي جمهور ~~العلماء وخالف السبكي ، فقال : ليس معنى الاختصاص الحصر ، خلافا لما يفهمه ~~كثير من الناس ؛ لأن الفضلاء - كالزمخشري - لم يعبروا في نحو ذلك إلا ~~بالاختصاص . انتهى . ( وأقواها ) أي أقوى المفاهيم ( استثناء ، ف ) يليه ( ~~حصر بنفي ، ف ) يليه ( ما قيل : إنه منطوق ، ف ) يليه ( حصر مبتدأ ) في خبر ~~( ف ) يليه ( شرط ، فصفة مناسبة ، ف ) صفة هي ( علة ، فغيرها ) أي فصفة غير ~~علة ( فعدد ، فتقديم معمول ) والله سبحانه وتعالى أعلم . PageV03P524 # | ( باب ) # ( النسخ لغة : الإزالة ) وهو الرفع ( حقيقة ) يقال : نسخت الشمس الظل : ~~أي أزالته ورفعته ، ونسخت الريح الأثر كذلك ( و ) يراد به ( النقل مجازا ) ~~وهو نوعان ، أحدهما : النقل مع عدم بقاء الأول ، كالمناسخات في المواريث ، ~~فإنها تنتقل من قوم إلى قوم ، مع بقاء المواريث في نفسها ، والثاني : النقل ~~مع بقاء الأول كنسخ الكتاب ومنه قوله تعالى { إنا ms459 كنا نستنسخ ما كنتم ~~تعملون } وما تقدم هو قول الأكثر ، وقيل : إنه حقيقة في النقل مجاز في ~~الرفع والإزالة عكس الأول PageV03P525 وقيل : مشترك بين الإزالة والنقل ( و ~~) النسخ ( شرعا ) أي في اصطلاح الأصوليين ( رفع حكم شرعي بدليل شرعي متراخ ~~) أي الدليل عن الحكم ذكر معنى ذلك ابن الحاجب وغيره ، وهو قول الأكثر وقول ~~من قال ' بدليل شرعي ' أولى ممن قال ' بخطاب شرعي ' لدخول الفعل في الدليل ~~دون الخطاب وعبر البيضاوي بطريق شرعي ، وهو حسن أيضا . ومن النسخ بالفعل : ~~نسخ الوضوء مما مست النار بأكل النبي صلى الله عليه وسلم من الشاة ولم ~~يتوضأ ، PageV03P526 وقوله ' متراخ ' لتخرج المخصصات المتصلة ، والمراد ~~بالحكم : ما تعلق بالمكلف بعد وجوده أهلا ، وقل : إن النسخ بيان انتهاء مدة ~~الحكم لا رفعه ، قال في الروضة : ومعنى الرفع : إزالة الشيء على وجه لولاه ~~لبقي ثابتا ، على مثال رفع حكم الإجارة بالفسخ ، فإن ذلك يفارق زوال حكمها ~~بانقضاء مدتها قال : وقيدنا الحد بالخطاب المتقدم ؛ لأن ابتداء العبادات في ~~الشرع مزيل لحكم العقل من براءة الذمة ، وليس بنسخ ، وقيدناه بالخطاب ~~الثاني ؛ لأن زوال الحكم بالموت والجنون ليس بنسخ ، PageV03P527 وقولنا ' ~~مع تراخيه عنه ' ؛ لأنه لو كان متصلا به كان بيانا ، وإتماما لمعنى الكلام ~~، وتقديرا له بمدة وشرط . انتهى . ( والناسخ هو الله تعالى حقيقة ) قال ابن ~~قاضي الجبل وغيره : الناسخ يطلق على الله سبحانه وتعالى يقال : نسخ فهو ~~ناسخ ، قال الله تعالى { ما ننسخ من آية أو ننسها } ويطلق على الطريق ~~المعرفة لارتفاع الحكم من الآية ، وخبر الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله ~~وتقريره والإجماع على الحكم ، كقولنا : وجوب صوم رمضان نسخ صوم يوم عاشوراء ~~. وعلى من يعتقد نسخ الحكم ، كقولهم : فلان ينسخ القرآن بالسنة ، أي يعتقد ~~ذلك فهو ناسخ والاتفاق على أن إطلاقه على الأخيرين مجاز ، وإنما الخلاف في ~~الأولين ، PageV03P528 فعند المعتزلة : حقيقة في الطريق لا فيه تعالى ، ~~وعند الجمهور : حقيقة في الله تعالى مجاز في الطريق ، والنزاع لفظي . انتهى ~~. ( والمنسوخ : الحكم المرتفع بناسخ ) كالمرتفع من وجوب تقديم الصدقة بين ~~يدي ms460 مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم . ( ولا يكون ) ( الناسخ أضعف ) يعني ~~من المنسوخ عند أصحابنا ، والأكثر . قال ابن قاضي الجبل يشترط في الناسخ ~~عند الأكثر أن يكون أقوى من المنسوخ أو مساويا له ، ولذلك ذكره أبو الخطاب ~~عن أصحابنا . انتهى . ( ولا ) ( نسخ مع إمكان الجمع ) بين الدليلين ؛ لأنا ~~إنما نحكم بأن الأول منهما منسوخ إذا تعذر علينا الجمع فإذا لم يتعذر ~~وجمعنا بينهما بكلام مقبول ، أو بمعنى PageV03P529 مقبول فلا نسخ . قال ~~المجد في المسودة وغيره : لا يتحقق النسخ إلا مع التعارض فأما مع إمكان ~~الجمع فلا ، وقول من قال : نسخ صوم عاشوراء برمضان ، ونسخت الزكاة كل صدقة ~~سواها فليس يصح إذا حمل على ظاهره ؛ لأن الجمع بينهما لا منافاة فيه ، ~~وإنما وافق نسخ عاشوراء فرض رمضان ، ونسخ سائر الصدقات فرض الزكاة فحصل ~~النسخ معه لا به ، وهو قول القاضي وغيره . انتهى . ( ولا ) نسخ ( قبل علم ~~مكلف ) بالمأمور ( به ) ؛ لعدم الفائدة باعتقاد الوجوب والعزم على الفعل ، ~~PageV03P530 وجوزه الآمدي ، لعدم مراعاة الحكم في أفعاله تعالى وتقدس . ( ~~ويجوز ) النسخ ( في السماء والنبي صلى الله عليه وسلم هناك ) ذكره ابن عقيل ~~والمجد ، وكثير من العلماء ، وذلك ؛ لأنه قد بلغ بعض المكلفين ، وهو سيد ~~البشر ، فإنه قد اعتقد هو وجوبه وعلمه ، وعليه يدل كلام السمعاني . حيث قال ~~: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علمه واعتقد وجوبه ، فلم يقع النسخ ~~له إلا بعد علمه واعتقاده . ( و ) يجوز النسخ أيضا ( قبل وقت الفعل ) أي ~~قبل دخول وقت الفعل عند أصحابنا والأشعرية وأكثر الشافعية . وذكره الآمدي ، ~~وهو قول أكثر الفقهاء ، PageV03P531 ومنعه أكثر الحنفية والمعتزلة ، ~~والصيرفي وابن برهان واستدل للأول - وهو الصحيح - بما تواتر في ذلك ، ففي ~~الصحيحين وغيرهما في نسخ فرض خمسين صلاة في السماء ليلة الإسراء بخمس قبل ~~تمكنه صلى الله عليه وسلم من الفعل . وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه في بعث ، وقال { إن وجدتم فلانا ~~وفلانا فأحرقوهما بالنار } ثم قال حين أردنا الخروج { إن ms461 النار لا يعذب بها ~~إلا الله ، فإن وجدتموهما فاقتلوهما } { وأمر صلى الله عليه وسلم بكسر قدور ~~من لحم حمر إنسية فقال رجل : أو نغسلها ؟ فقال : اغسلوها } متفق عليه . ~~وعلم مما تقدم . أن النسخ قبل الفعل بعد دخول وقته : جائز بلا خلاف قال أبو ~~الخطاب في التمهيد : لا أعلم فيه خلافا PageV03P532 قال : ولا فرق عقلا بين ~~أن يعصي أو يطيع وجزم بعضهم بالمنع لعصيانه . انتهى ( و ) يجوز النسخ ( ~~عقلا ) باتفاق أهل الشرائع سوى السمعتية من اليهود ، وكذا يجوز سمعا باتفاق ~~أهل الشرائع سوى العنانية من اليهود ، فإنهم يجوزونه عقلا لا سمعا ، ~~ووافقهم على ذلك أبو مسلم الأصفهاني ، PageV03P533 قال ابن حمدان في المقنع ~~: أنكر طائفة من اليهود وهم العنانية - أتباع عنان - وقوعه عقلا لا شرعا ~~وأنكرت الشمعثية منهم أتباع شمعثا الأمرين ، وحكى ابن الزاغوني عنهم عكسه ، ~~وقال بعضهم : يجوز نسخ عبادة بأثقل منها عقوبة وقال أكثرهم : تجوز شرعا لا ~~عقلا ' وأن محمدا وعيسى لم يأتيا بمعجزة ، وقال العيسوية - أتباع غير النبي ~~PageV03P534 إنهما أتيا بالمعجزة ، وبعثا إلى العرب والأميين ، انتهى . ~~وأبو مسلم هذا هو محمد بن بحر الأصفهاني قال ابن السمعاني : وهو رجل معروف ~~بالعلم ، وإن كان قد انتسب إلى المعتزلة ، ويعد منهم وله كتاب كبير في ~~التفسير ، وله كتب كثيرة فلا أدري كيف وقع هذا الخلاف منه ؟ . انتهى . ( ~~ووقع ) النسخ ( شرعا ) قال في شرح التحرير : والحق الذي لا محيد عنه ولا شك ~~فيه : جوازه عقلا وشرعا PageV03P535 وأما الوقوع : فواقع لا محالة ، ورد في ~~الكتاب والسنة قطعا ، وأيضا القطع بعدم استحالة تكليف في وقت ورفعه . وإن ~~قيل : أفعال الله تعالى تابعة لمصالح العباد كالمعتزلة ، فالمصلحة قد تختلف ~~باختلاف الأوقات . ( ولا يجوز البداء على الله ) سبحانه و ( تعالى ) ، ( ~~وهو تجدد العلم وهو ) أي القول بتجدد علمه جل وعلا ( كفر ) بإجماع أئمة أهل ~~السنة قال الإمام أحمد رحمه الله : من قال : إن الله تعالى لم يكن عالما ~~حتى خلق لنفسه علما فعلم به فهو كافر وقال ابن الزاغوني : البداء : هو أن ~~يريد الشيء دائما ، ثم ms462 ينتقل عن PageV03P536 الدوام لأمر حادث لا بعلم سابق ~~قال : أو يكون سببه دالا على إفساد الموجب لصحة الأمر الأول ، بأن يأمره ~~لمصلحة لم تحصل فيبدو له ما يوجب رجوعه عنه . اه . ( وبيان غاية مجهولة ) ~~للحكم نحو قوله تعالى { حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا } ' ( ~~ليس ) ذلك البيان ( بنسخ ) قال ابن مفلح : اختلف كلام أصحابنا وغيرهم : هل ~~هو نسخ ، أم لا ؟ والأظهر النفي انتهى وللقاضي القولان ، فإنه قال : في ~~موضع قوله تعالى ( { الزانية والزاني } - الآية ) ؛ إن هذه الغاية مشروطة ~~في حكم مطلق ؛ لأن غاية كل حكم إلى موت المكلف ، أو إلى النسخ ، وكذلك ذكر ~~في مسألة الأخف بالأثقل أن حد الزاني في أول الإسلام كان الحبس ثم نسخ ، ~~وجعل حد البكر الجلد والتغريب ، والثيب الجلد PageV03P537 والرجم ، وقال في ~~مسألة نسخ القرآن بالسنة : إن الحبس في الآية لم ينسخ ؛ لأن النسخ أن يرد ~~لفظ عام يتوهم دوامه ، ثم يرد ما يرفع بعضه ، والآية لم ترد بالحبس على ~~التأبيد ، وإنما وردت به إلى غاية ، هي أن يجعل الله لهن سبيلا فأثبتت ~~الغاية ، فوجب الحد بعد الغاية بالخبر . اه . ( وينسخ ) بالبناء للمفعول ( ~~إنشاء ، ولو ) كان الإنشاء ( بلفظ قضاء ) في الأصح نحو ' قضى الله بصوم ~~عاشوراء ' مثلا ، ثم ينسخه وهذا قول الجمهور وقال بعضهم : لا يجوز نسخه ؛ ~~لأن القضاء إنما يستعمل فيما لا يتغير ، نحو قوله تعالى { وقضى ربك أن لا ~~تعبدوا إلا إياه } ( أو ) كان الإنشاء ( خبرا ) يعني أنه ينسخ الإنشاء ولو ~~كان بلفظ الخبر ، PageV03P538 سواء كان بمعنى الأمر أو النهي ، نحو { ~~والمطلقات يتربصن } ونحو { لا تضار والدة بولدها } قال الجمهور : يجوز نسخه ~~باعتبار معناه ، فإن معناه الإنشاء ، وقال أبو بكر الدقاق : يمتنع نسخه ~~باعتبار لفظه . ( أو قيد ) بالبناء للمفعول الإنشاء ( بتأبيد ) أي بلفظ ~~تأبيد ( أو ) بلفظ ( حتم ) نحو ' صوموا يوم عاشوراء أبدا ، أو دائما ، أو ~~مستمرا ، أو حتما ' وجواز نسخه قول الجمهور PageV03P539 وخالف في ذلك جمع ~~من المتكلمين والحنفية قالوا لمناقضته الأبدية ، فيؤدي ذلك إلى البداء . ~~وجوابه : أن ذلك إنما يقصد ms463 به المبالغة لا الدوام ، كما تقول : لازم غريمك ~~أبدا ، وإنما تريد لازمه إلى وقت القضاء ، فيكون المراد هنا لا تخل به إلى ~~أن ينقضي وقته وكما يجوز تخصيص عموم مؤكد بكل ويمنع التأبيد عرفا ، ~~وبالإلزام بتخصيص عموم مؤكد ، والجواب واحد . قالوا : إذا كان الحكم لو ~~أطلق الخطاب مستمرا إلى النسخ ، فما الفائدة في التقييد بالتأبيد ؟ قلنا : ~~فائدته التنصيص والتأكيد ، وأيضا فلفظ ' الأبد ' إنما مدلوله الزمان ~~المتطاول ، ولا فرق على قول الجمهور بين كون الجملة فعلية ، نحو صوموا أبدا ~~، أو اسمية ، نحو الصوم واجب مستمر أبدا PageV03P540 ووقع في عبارة ابن ~~الحاجب ما يحتمل خلاف ذلك ولفظه : الجمهور على جواز نسخ مثل : صوموا أبدا ~~بخلاف : الصوم [ واجب ] مستمر أبدا انتهى . واختلف شارحاه الأصفهاني والعضد ~~في حل لفظه ، ووافق ابن السبكي وغيره على ما قاله القاضي عضد الدين في ~~احتمال كلامه لما قاله الجمهور . ( ويجوز ) ( نسخ إيقاع الخبر ) الذي أمر ~~المكلف بالإخبار به ( حتى بنقيضه ) أي نقيض الخبر الأول ، خلافا للمعتزلة ، ~~قال القاضي عضد الدين ، في شرح المختصر : نسخ الخبر له صورتان ، إحداهما : ~~نسخ إيقاع الخبر ، بأن يكلف الشارع أحدا بأن يخبر بشيء عقلي أو PageV03P541 ~~عادي ، [ أو شرعي ] كوجود الباري ، وإحراق النار ، وإيمان زيد ثم ينسخه . ~~فهذا جائز اتفاقا وهل يجوز نسخه بنقيضه [ أي بأن يكلفه الإخبار بنقيضه ] ؟ ~~المختار جوازه ، خلافا للمعتزلة ، ومبناه على أصلهم في حكم العقل ؛ لأن ~~أحدهما كذب ، فالتكليف به قبيح . وقد علمت فساده . قال البرماوي : الثالث : ~~أن يراد مع نسخه التكليف بالإخبار بضد الأول ، إلا أن المخبر به مما لا ~~يتغير كالإخبار بكون السماء فوق الأرض ، ينسخ بالإخبار بأن السماء تحت ~~الأرض . وذلك جائز وخالف المعتزلة فيه ، كما قال الآمدي ، محتجين بأن ~~أحدهما كذب ، والتكليف به قبيح ، فلا يجوز عقلا . وهو بناء على قاعدتهم ~~الباطلة في التحسين والتقبيح العقليين فإن قيل : الكذب نقص ، وقبحه بالعقل ~~باتفاق ، فلم لا يمتنع ؟ . فالجواب : أن القبح فيه بالنسبة لفاعله لا ~~لاعتبار التكليف به بل إذا كلف به صار جائرا فلا يكون قبيحا ، إذ ms464 لا حسن ~~ولا قبح إلا بالشرع ، لا سيما PageV03P542 إذا تعلق به غرض شرعي ، فإنه من ~~حيث ذلك يكون حسنا . انتهى . ( و ) لا يجوز نسخ ( مدلول خبر ) إجماعا حكاه ~~أبو إسحاق المروزي . وابن برهان إذا كان ذلك الحكم ( لا يتغير كصفات الله ) ~~سبحانه و ( تعالى ، وخبر ما كان وما يكون ) وأخبار الأنبياء عليهم السلام ، ~~وأخبار الأمم السابقة والإخبار عن الساعة وأماراتها قال ابن مفلح : ونسخ ~~مدلول خبر لا يتغير محال إجماعا ( أو ) مدلول ( خبر ) يتغير ( كإيمان زيد ~~وكفره مثلا ) يعني فإنه لا يجوز نسخه أيضا على الأصح . وعليه الأكثر . قال ~~ابن مفلح : منعه جمهور الفقهاء والأصوليين . | اه . PageV03P543 وقيل : ~~يجوز ذلك . واختاره الشيخ تقي الدين وجمع من أصحابنا وغيرهم ، ويخرج عليه ~~نسخ المحاسبة بما في النفوس في قوله تعالى { إن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه } ' كقول جماعة من الصحابة والتابعين ، فهو في صحيح مسلم عن أبي ~~هريرة وفي البخاري عن ابن عمر قال الخطابي : النسخ يجري فيما أخبر الله ~~تعالى أنه يفعله ؛ لأنه يجوز تعليقه على شرط ، بخلاف إخباره عما لا يفعله ، ~~إذ لا يجوز دخول الشرط فيه . قال : وعلى هذا تأول ابن عمر النسخ ، في قوله ~~تعالى ' ' { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } فإنه نسخها ~~بعد ذلك برفع المؤاخذة على حديث النفس اه . PageV03P544 وقيل : يجوز نسخ ~~مدلول خبر يتغير إن كان مستقبلا ؛ لأن نسخ الماضي يكون تكذيبا وهذا التفصيل ~~مبني على أن الكذب لا يكون في المستقبل . والمنصوص عن أحمد رحمه الله أن ~~الكذب يكون في المستقبل كالماضي ( إلا خبر عن حكم ) نحو : هذا الفعل جائز ، ~~وهذا الفعل حرام فهذا يجوز نسخه بلا خلاف ؛ لأنه في الحقيقة إنشاء قاله ~~البرماوي وغيره . ( ويجوز ) ( نسخ بلا بدل ) عن المنسوخ عند أكثر العلماء ~~ومنعه جمع ونقل عن المعتزلة ومنعه بعض العلماء في العبادة ، بناء على أن ~~النسخ يجمع معنى الرفع والنقل PageV03P545 واستدل للأول - الذي هو الصحيح - ~~بأنه نسخ تقديم الصدقة أمام المناجاة ، وتحريم ادخار لحوم الأضاحي وفي ~~البخاري أنه ms465 { كان إذا دخل وقت الفطر ، فنام قبل أن يفطر يحرم الطعام ~~والشراب ، وإتيان النساء إلى الليلة الآتية } ثم نسخ واحتج الآمدي أنه لو ~~فرض وقوعه لم يلزم منه محال . ورده بعض أصحابنا وغيرهم بأنه مجرد دعوى ~~قالوا : قال تعالى { نأت بخير منها أو مثلها } رد الخلاف في الحكم لا في ~~اللفظ ثم ليس بعام في كل حكم . ثم مخصص بما سبق ثم يكون نسخه بغير بدل خيرا ~~، لمصلحة علمها ثم إنما تدل PageV03P546 الآية أنه لم يقع ، لا أنه لا يجوز ~~. وأيضا المصلحة قد تكون فيما نسخ ، ثم تصير المصلحة في عدمه . هذا عند من ~~يعتبر المصالح . وأما عند من لا يعتبرها فلا إشكال فيه وبالجملة : قال الله ~~تعالى { يفعل ما يشاء } قال الباقلاني : كما يجوز أن الله سبحانه وتعالى ~~يرفع التكاليف كلها . فرفع بعضها بلا بدل من باب أولى ( ووقع ) في قول ~~الأكثر وخالف الشافعي رحمه الله وأول والدليل على الوقوع ما تقدم من الآيات ~~PageV03P547 وعبارة الشافعي في الرسالة في ابتداء الناسخ والمنسوخ : وليس ~~ينسخ فرض أبدا ، إلا أثبت مكانه فرض ، كما نسخت قبلة بيت المقدس . فأثبت ~~مكانها الكعبة . قال الصيرفي في شرحه : مراده أن ينقل من حظر إلى إباحة ، ~~أو من إباحة إلى حظر أو تخيير على حسب أحوال المفروض . قال : كنسخ المناجاة ~~، فإنه تعالى لما فرض تقديم الصدقة ، أزال ذلك بردهم إلى ما كانوا عليه ، ~~فإن شاءوا تقربوا إلى الله تعالى بالصدقة ، وإن شاءوا ناجوه من غير صدقة ~~قال : فهذا معنى قول الشافعي : فرض مكان فرض فتفهمه . انتهى . فظهر أن مراد ~~الشافعي بالبدل أعم من حكم آخر ضد المنسوخ كالقبلة أو الرد لما كانوا عليه ~~قبل شرع المنسوخ كالمناجاة ، فالمدار على ثبوت حكم شرعي في المنسوخ في ~~الجملة ، حتى لا يتركوا هملا بلا حكم في ذلك المنسوخ بالكلية ، إذ ما في ~~الشريعة منسوخ إلا وقد انتقل عنه إلى أمر آخر ، ولو أنه إلى ما كان ~~PageV03P548 عليه قبل ذلك ، فلم يترك الرب عباده هملا . ( و ) يجوز النسخ ( ~~بأثقل ) من ms466 المنسوخ عند أكثر العلماء ، قد تقدم جواز النسخ إلى غير بدل ، ~~وإلى بدل فإذا كان إلى بدل ، فالبدل : إما مساو ، أو أخف ، أو أثقل ، ~~والأولان جائزان باتفاق ، فمثال المساوي : نسخ استقبال بيت المقدس باستقبال ~~الكعبة ومثال الأخف : وجوب مصابرة العشرين من المسلمين بمائتين من الكفار ، ~~والمائة ألفا كما في الآية ، نسخ بقوله - سبحانه وتعالى - { الآن خفف الله ~~عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن ~~منكم ألف يغلبوا ألفين } فأوجب مصابرة الضعف ، وهو أخف من الأول . ومثله ~~نسخ العدة بالحول في الوفاة بالعدة بأربعة أشهر وعشرا وأما النسخ بالأثقل : ~~فهو محل الخلاف ، والجمهور على الجواز PageV03P549 ودليل وقوعه : أن الكف ~~عن الكفار كان واجبا بقوله تعالى ' { ودع أذاهم } فنسخ بإيجاب القتال وهو ~~أثقل ، أي أكثر مشقة . وكذا نسخ وجوب صوم يوم عاشوراء بصوم رمضان ، وهو قول ~~أبي حنيفة أنه كان واجبا وظاهر كلام أحمد رحمه الله وصاحبه الأثرم ، ومذهب ~~الشافعي رحمه الله : أنه لم يكن واجبا ، وإنما كان متأكد الاستحباب ، وبه ~~قال كثير من أصحابنا وغيرهم . PageV03P550 ( و ) يجوز ( تأبيد تكليف بلا ~~غاية ) وهذه المسألة مبنية على وجوب الجزاء وجوزه ابن عقيل وغيره ، وأنه ~~قول الفقهاء والأشعرية ، وخالف بعض أصحابنا والمعتزلة . قال المجد في ~~المسودة ، وتبعه من بعده : يجوز أن يرد الأمر والنهي دائما إلى غير غاية ~~فيقول : صلوا ما بقيتم أبدا ، وصوموا رمضان ما حييتم [ أبدا ] ، فيقضي ~~الدوام مع بقاء التكليف وبهذا قال الفقهاء والأشاعرة من الأصوليين ، وحكاه ~~ابن عقيل في أواخر كتابه قال المجد : ومنعت المعتزلة منه ، وقالوا : متى ~~ورد اللفظ بذلك لم يقتض الدوام ، وإنما هو حث على التمسك بالفعل قال الشيخ ~~تقي الدين : وحرف المسألة أنهم [ لا يمنعون الدوام في الدنيا وإنما ] ~~يمنعون الدوام مطلقا ويقولون : لا بد من دار ثواب غير دار التكليف وجوبا ~~على الله تعالى ، فيكون قوله ' أبدا ' مجازا ، وموجب قولهم : أن الملائكة ~~غير مكلفين وقد استدل ابن عقيل باستعباد الملائكة ، PageV03P551 وإبليس . # | ( تنبيه ) # ( لم تنسخ إباحة إلى إيجاب ولا ms467 إلى كراهة ) قال في شرح التحرير : رأيت ~~ذلك في بعض كتب أصحابنا . PageV03P552 # | ( فصل ) # ( يجوز نسخ التلاوة ) أي تلاوة كلمات القرآن ( دون الحكم ) الذي دلت عليه ~~الكلمات المنسوخة ( وعكسه ) أي نسخ الحكم دون التلاوة ، خلافا للمعتزلة في ~~الصورتين ( وهما ) أي التلاوة والحكم معا قال ابن مفلح : ولم تخالف ~~المعتزلة في نسخهما معا ، خلافا لما حكاه الآمدي عنهم . ا ه . وأما نسخ ~~جميع القرآن : فممتنع بالإجماع ؛ لأنه معجزة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~PageV03P553 المستمرة على التأبيد ، قال بعض المفسرين في قوله تعالى { لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } أي لا يأتيه ما يبطله ، ثم في ~~كيفية وقوع النسخ في بعضه ثلاثة أنواع : ما نسخت تلاوته ، وحكمه باق ، وما ~~نسخ حكمه فقط ، وتلاوته باقية ، وما جمع فيه نسخ التلاوة والحكم . مثال ~~الأول : ما رواه مالك والشافعي وابن ماجه { عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه ~~قال إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم ، أو يقول قائل : لا نجد حدين في كتاب ~~الله ؛ فلقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ورجمنا ] والذي نفسي بيده ~~، لولا أن يقول الناس : زاد عمر في كتاب الله ، لأثبتها : الشيخ ~~PageV03P554 والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة فإنا قد قرأناها } وفي ~~الصحيحين { عن عمر أنه قال كان فيما أنزل : آية الرجم ، فقرأناها [ ~~ووعيناها ] وعقلناها ، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورجمنا بعده } ~~قال ابن عقيل في الواضح في قوله ' الشيخ والشيخة ' المحصنان حدهما الرجم ~~بالإجماع . وقد تابع عمر جمع من الصحابة على ذلك ، كأبي ذر ، فيما رواه ~~أحمد وابن حبان والحاكم وصححه وفي رواية أحمد وابن حبان ' أنها كانت في ~~سورة الأحزاب ' والمراد : بما قضيا من اللذة فهذا الحكم فيه باق ، واللفظ ~~مرتفع ، لرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماعزا والغامدية واليهوديين . ~~ومثال الثاني - وهو ما نسخ حكمه وبقي لفظه ، عكس الذي قبله - آية المناجاة ~~والصدقة بين يديها ، ولم يعمل بهذه الآية إلا علي بن أبي طالب PageV03P555 ~~رضي الله تعالى عنه ففي الترمذي : عنه { أنها ms468 لما نزلت قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم ما ترى ، دينارا ؟ قال : لا يطيقونه ، قال : نصف دينار ؟ قال : ~~لا يطيقونه ، قال ما ترى ؟ قال شعيرة : قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ~~إنك لزهيد قال علي : حتى خفف الله تعالى عن هذه الأمة بترك الصدقة } ومعنى ~~قوله ' شعيرة ' أي [ وزن شعيرة ] من ذهب وروى البزار عن عبد الرزاق عن ~~مجاهد قال : قال علي ' ما عمل بها PageV03P556 أحد غيري حتى نسخت ' وأحسبه ~~قال ' وما كانت إلا ساعة من نهار ' . ومثال آخر لهذا القسم : الاعتداد في ~~الوفاة بالحول ، نسخ بقوله تعالى { يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } على ~~ما ذهب إليه جمهور المفسرين . ومثال الثالث - وهو ما نسخ لفظه وحكمه معا : ~~- ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها ' كان مما أنزل [ من القرآن ] ' عشر ~~رضعات معلومات محرمات ' فنسخت بخمس معلومات ' فلم يبق لهذا اللفظ حكم ~~القرآن ، لا في الاستدلال ولا في غيره . PageV03P557 فلذلك كان الصحيح ~~عندنا جواز مس المحدث ما نسخ لفظه ، سواء نسخ حكمه أو لا . ووجه ابن عقيل ~~المنع لبقاء حرمته ، كبيت المقدس نسخ كونه قبلة ، وحرمته باقية . والجواز ~~لعدم حرمة كتبه في المصحف . ووجه الجواز في الكل : أن التلاوة حكم ، وما ~~تعلق بها من الأحكام : حكم آخر ، فجاز نسخهما ، ونسخ أحدهما كغيرهما . وقال ~~المانعون : التلاوة مع حكمها متلازمان ، كالعلم مع العالمية ، والحركة مع ~~التحريكية ، والمنطوق مع المفهوم ، رد ذلك بأن العلم هو العالمية والحركة ~~هي التحريكية ومنع أن المنطوق لا ينفك عن المفهوم سلمنا المغايرة ، وأن ~~المنطوق لا ينفك ، فالتلاوة أمارة الحكم ابتداء لا دواما ، فلا يلزم من ~~نفيها نفيه ، وبالعكس . PageV03P558 قالوا : بقاء التلاوة يوهم بقاء الحكم ~~، فيؤدي إلى التجهيل ، وإبطال فائدة القرآن . رد ذلك بأنه مبني على التحسين ~~العقلي ثم لا جهل مع الدليل للمجتهد . وفرض المقلد التقليد ، والفائدة ~~الإعجاز وصحة الصلاة به . ( و ) يجوز نسخ ( قرآن ، و ) نسخ ( سنة متواترة ~~بمثلهما ، و ) نسخ ( سنة بقرآن ، و ) نسخ ( آحاد ) من السنة ، وهي الحديث ~~غير المتواتر ( بمثله ) أي بحديث ms469 غير متواتر ( و ) نسخ آحاد ( بمتواتر ) . ~~PageV03P559 أما مثال نسخ القرآن بالقرآن : فنسخ الاعتداد بالحول في الوفاة ~~بأربعة أشهر وعشر كما سبق . وأما مثال نسخ متواتر السنة بمتواترها : فلا ~~يكاد يوجد ؛ لأن كلها آحاد : إما في أولها ، وإما في آخرها ، وإما من أول ~~إسنادها إلى آخره ، مع أن حكم نسخ بعضها ببعض جائز عقلا وشرعا ، ومثال نسخ ~~السنة بالقرآن ما كان من تحريم مباشرة الصائم أهله ليلا نسخ بقوله تعالى : ~~{ أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } PageV03P560 وأما نسخ الآحاد من ~~السنة بمثلها فكما في صحيح مسلم عن بريدة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال { كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها } رواه الترمذي بزيادة { فإنها ~~تذكركم الآخرة } وقال : حسن صحيح ، ووجه الشاهد في الحديث : أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال { كنت نهيتكم } فصرح بأن النهي من السنة ، وله أمثلة كثيرة . ~~وأما نسخ الآحاد من السنة بالمتواتر منها : فجائز ، ولكن لم يقع . ( و ) ~~يجوز ( عقلا لا شرعا ) نسخ سنة ( متواترة بآحاد ) عند الجمهور وحكاه بعضهم ~~إجماعا ، وقال الطوفي من أصحابنا والظاهرية : يجوز ، PageV03P561 واختار ~~هذا القول الباجي ، ولكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : لا يجوز ~~بعده إجماعا ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يبعث الآحاد بالناسخ إلى أطراف ~~البلاد قال ابن قاضي الجبل : واختاره أيضا القرطبي المالكي . ( و ) يجوز ~~أيضا عقلا لا شرعا نسخ ( قرآن بمتواتر ) من السنة ، قاله القاضي وغيره . ~~وقيل : لا يجوز عقلا قال ابن الباقلاني منهم من منعه تبعا للقدرية في الأصح ~~. انتهى . قال ابن مفلح : ظاهر كلام أحمد منعه وهذا الخلاف في الجواز عقلا ~~. وأما الجواز شرعا : فالمشهور عن الإمام أحمد رحمه الله منعه ، وبه قال ~~الشافعي وأكثر أصحابه ، والظاهرية وغيرهم PageV03P562 وقيل : يجوز ، وهو ~~رواية عن أحمد ، واختيار أبي الخطاب ، وابن عقيل ، وأكثر الحنفية . ~~والمالكية وغيرهم وهو الذي نصره ابن الحاجب ، وحكاه عن الجمهور . ( ويعتبر ~~) لصحة النسخ ( تأخر ناسخ ) عن منسوخ ، وإلا لم يصدق عليه اسم ناسخ ( وطريق ~~معرفته ) أي معرفة تأخر الناسخ من وجوه ms470 . أحدها : ( الإجماع ) على أن هذا ~~ناسخ لهذا ، كالنسخ بوجوب الزكاة سائر PageV03P563 الحقوق المالية . ومثله ~~ما ذكر الخطيب البغدادي : أن زر بن حبيش قال لحذيفة { أي ساعة تسحرت مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : هو النهار ، إلا أن الشمس لم تطلع } ~~وأجمع المسلمون على أن طلوع الفجر يحرم الطعام والشراب ، مع بيان ذلك من ~~قوله تعالى ' { كلوا واشربوا } - الآية قال العلماء في مثل هذا : إن ~~الإجماع مبين للمتأخر ، وإنه ناسخ لا إن الإجماع هو الناسخ . PageV03P564 ( ~~و ) الوجه الثاني من طريق معرفة تأخر الناسخ ( قوله صلى الله عليه وسلم ) ~~نحو { كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها } وقريب من هذا : أن ينص الشارع ~~على خلاف ما كان مقررا بدليل ، بحيث لا يمكن الجمع بين الدليلين على تأخر ~~أحدهما ، فيكون ناسخا للمتقدم ( و ) الوجه الثالث ( فعله ) صلى الله عليه ~~وسلم في ظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله واختاره القاضي وأبو الخطاب ، ~~وبعض الشافعية ، PageV03P565 وقد جعل العلماء من ذلك نسخ الوضوء مما مست ~~النار بأكله صلى الله عليه وسلم من الشاة ولم يتوضأ وهو ظاهر ما قدمه ابن ~~قاضي الجبل ، ومنع ابن عقيل القول بفعله صلى الله عليه وسلم ، وحكي عن ~~التميمي ، واختاره المجد في المسودة . لأن دلالته دونه . ( و ) الوجه ~~الرابع من طرق معرفة تأخر الناسخ ( قول الراوي ) للناسخ ( كان كذا ونسخ ، ~~أو رخص في كذا ثم نهي عنه ونحوهما ) كقول جابر رضي الله عنه { كان آخر ~~الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار } وكقول ~~علي رضي الله عنه { أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالقيام للجنازة ، ثم ~~قعد } وفي معنى ذلك كثير PageV03P566 فإن قيل : قول الراوي ينسخ به القرآن ~~والسنة المتواترة ، على تقدير وجودها ، مع أنه خبر آحاد ، والآحاد لا ينسخ ~~به المتواتر ؟ قيل : هذا حكاية للنسخ ، لا نسخ ، والحكاية بالآحاد يجب ~~العمل بها كسائر أخبار الآحاد وأيضا : فاستفادة النسخ من قوله : إنما هو ~~بطريق التضمن ، والضمني : يغتفر فيه ما لا يعتبر فيما إذا كان ms471 أصلا ، كثبوت ~~الشفعة في الشجر تبعا للعقار ونحوه ( لا ) قول الراوي ( ذي الآية ) منسوخة ~~( أو ذا الخبر منسوخ ، حتى يبين الناسخ ) للآية أو للخبر . PageV03P567 قال ~~ابن مفلح : وإن قال صحابي : هذه الآية منسوخة لم يقبل حتى يخبر بماذا نسخت ~~قال القاضي : أومأ إليه أحمد ، كقول الحنفية والشافعية قالوا : لأنه قد ~~يكون عن اجتهاد فلا يقبل . وذكر ابن عقيل رواية أنه يقبل ، كقول بعضهم ~~بعلمه ، فلا احتمال ؛ لأنه لا يقوله غالبا إلا عن نقل وقال المجد في ~~المسودة : إن كان هناك نص يخالفها عمل بالظاهر . و ( لا ) نسخ ( بقبلية في ~~المصحف ) ؛ لأن العبرة بالنزول لا بالترتيب في الوضع ؛ لأن النزول بحسب ~~الحكم والترتيب للتلاوة PageV03P568 ( ولا ) نسخ أيضا ( بصغر صحابي ، أو ~~تأخر إسلامه ) يعني إذا روى الحديث أحد من صغار الصحابة أو ممن تأخر إسلامه ~~منهم لم يؤثر ذلك ؛ لأن تأخر راوي أحد الدليلين لا يدل على أن ما رواه ناسخ ~~ولجواز أن من تأخر إسلامه تحمل الحديث قبل إسلامه . ( ولا ) نسخ ( بموافقة ~~أصل ) يعني أنه إذا ورد نصان في حكم متضادان ، ولم يمكن الجمع بينهما لكن ~~أحد النصين موافق للبراءة الأصلية ، والآخر مخالف ، لم يكن الموافق للأصل ~~منسوخا بما خالفه وقيل : بلى ؛ لأن الانتقال من البراءة لاشتغال الذمة يقين ~~، والعود إلى الإباحة ثانيا شك فقدم الذي لم يوافق الأصل . ( ولا ) نسخ ( ~~بعقل وقياس ) ؛ لأن النسخ لا يكون إلا بتأخر الناسخ عن زمن المنسوخ ، ولا ~~مدخل للعقل ولا للقياس في معرفة المتقدم والمتأخر ، وإنما PageV03P569 يعرف ~~ذلك بالنقل المجرد ( ولا ينسخ إجماع ) ؛ لأنه لا يكون إلا في حياة النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، حتى أنه يرد ما ينسخه ، وإذا وقع بعد وفاته فلا يمكن ~~أن يأتي بعده ناسخ ( ولا ينسخ ) حكم ( به ) أي بالإجماع ؛ لأنه إذا وجد ~~إجماع على خلاف نص فيكون قد تضمن ناسخا لا أنه هو الناسخ . ولأن الإجماع ~~معصوم من مخالفة دليل شرعي ، لا معارض له ولا مزيل عن دلالته فتعين إذا ~~وجدناه خالف شيئا ، أن ذلك إما غير صحيح ms472 ، إن أمكن ذلك ، أو أنه مؤول ، أو ~~نسخ بناسخ ؛ لأن إجماعهم حق فالإجماع دليل على النسخ ، لا رافع للحكم ، كما ~~قرره القاضي أبو يعلى والصيرفي والأستاذ أبو منصور ، وغيرهم . PageV03P570 ~~( وكذا القياس ) أي وكالإجماع القياس في كونه لا ينسخ ولا ينسخ قال ابن ~~مفلح : أما القياس فلا ينسخ . وذكره القاضي وذكره الآمدي عن أصحابنا لبقائه ~~ببقاء أصله قال ابن قاضي الجبل : منعه بعض أصحابنا وعبد الجبار في قول ، ~~محتجين بأن القياس إذا كان مستنبطا من أصل فالقياس باق ببقاء أصله فلا ~~يتصور رفع حكمه مع بقاء أصله . وهو اختيار ابن الحاجب وغيره . ومنهم من جوز ~~ذلك في القياس الموجود زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، دون ما بعده وهو ~~اختيار أبي الخطاب وابن عقيل وأبي الحسين وابن برهان وابن الخطيب ~~PageV03P571 قال أبو الخطاب : ما ثبت قياسا . فإما في زمن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بنصه على العلة ، أو تنبيهه عليها فيجوز نسخه بنصه أيضا . مثاله ~~: أن ينص على تحريم الربا في البر ، وينص على أن علة تحريمه الكيل ، ثم ينص ~~بعد ذلك على إباحته في الأرز ، ويمنع من قياسه على البر فيكون ذلك نسخا ، ~~وإما قياس مستفاد بعد وفاته عليه الصلاة والسلام : فلا يصح نسخه ؛ لأنه لا ~~يجوز أن يتجدد بعد وفاته نص من كتاب أو سنة . انتهى . وأما كون القياس لا ~~ينسخ به : فهو الذي عليه أصحابنا والجمهور قاله ابن مفلح . واختاره ~~الباقلاني . ونقله عن الفقهاء والأصوليين قال : لأن القياس يستعمل مع عدم ~~النص فلا ينسخ النص ؛ ولأنه دليل محتمل ، والنسخ إنما يكون بغير محتمل . ~~وأيضا فشرط صحة القياس : أن لا يخالف الأصول ، فإن خالف فسد قال : بل ولا ~~ينسخ قياسا آخر ؛ لأن التعارض إن كان بين أصلي القياسين فهو نص بنص ، وإن ~~كان بين العلتين ، فهو من باب المعارضة في الأصل والفرع ، لا من باب القياس ~~، PageV03P572 قال ابن مفلح : وجه هذا القول : أن المنسوخ إن كان قطعيا لم ~~ينسخ بمظنون ، وإن كان ظنيا فالعمل به مقيد برجحانه على معارضه ms473 ، وتبين ~~بالقياس زوال العمل به ، وهو رجحانه فلا ثبوت له . والقول الثاني : إن كانت ~~علته منصوصة جاز النسخ به ، وإلا فلا قال الباجي : هذا هو الحق والقول ~~الثالث ، قاله الآمدي : إن كانت منصوصة جاز ، وإلا بأن كان القياس قطعيا ، ~~كقياس الأمة على العبد في السراية ، لكن لا من باب النسخ ، أو كان ظنيا فإن ~~علته مستنبطة فلا وفي المسألة ستة أقوال غير ما ذكرنا أضربنا عنها خشية ~~الإطالة . ( وإن نسخ حكم أصل تبعه حكم فرعه ) يعني إذا ورد النسخ على أصل ~~مقيس عليه ارتفع القياس عليه بالتبعية عندنا PageV03P573 وعند الشافعية ~~وخالف في ذلك القاضي من أصحابنا والحنفية قال القاضي في إثبات القياس عقلا ~~: لا يمتنع عندنا بقاء حكم الفرع مع نسخ حكم الأصل ومثله أصحابنا - وذكره ~~ابن عقيل عن المخالف أيضا - ببقاء حكم النبيذ المطبوخ في الوضوء بعد نسخ ~~النيء ، وصوم رمضان بنيته من النهار بعد نسخ عاشوراء PageV03P574 عندهم ، ~~وقال المجد في المسودة : وعندي إن كانت العلة منصوصا عليها لم يتبعه الفرع ~~، إلا أن يعلل في نسخه بعلة فيثبت النسخ حيث وجدت . انتهى . وقيل : إن نص ~~على العلة : لم يتبعه الفرع ، إلا أن يعلل في نسخه بعلة ، فيتبعها النسخ - ~~ووجه الأول الذي في المتن - : خروج العلة عن اعتبارها فلا فرع ، وإلا وجد ~~المعلول بلا علة ، فإن قيل : أمارة ، فلم يحتج إليها دواما . رد بأنها ~~باعثة . قالوا : الفرع تابع للدلالة ، لا للحكم . رد زوال الحكم بزوال علته ~~. وفي التمهيد أيضا : لا يسمى نصا لزوال حكم بزوال علته ومعناه في العدة ~~PageV03P575 قال البرماوي : إذا ورد النسخ على الأصل المقيس عليه ارتفع ~~القياس معه بالتبعية . والمخالف فيه الحنفية . ( ويجوز النسخ بالفحوى ) عند ~~الأئمة الأربعة والمعظم . قال ابن مفلح : الفحوى ينسخ وينسخ به قال الآمدي ~~: اتفاقا وفي التمهيد : المنع عن بعض الشافعية ، وذكره في العدة عن ~~الشافعية . قال فيما حكاه الإسفراييني : واختاره بعض أصحابنا لنا : أنه ~~كالنص ، وإن قيل : قياس قطعي . انتهى . ( و ) يجوز أيضا ( نسخ أصل الفحوى ) ~~وهو التأفيف ، كما لو قال : رفعت ms474 تحريم التأفيف مثلا ( دونه ) في أنواع ~~الأذى وهو الفحوى ؛ لأنه لا يلزم من إباحة الخفيف إباحة الثقيل ، وهذا ~~اختيار القاضي أبي يعلى وابن عقيل والفخر إسماعيل البغدادي . وحكي عن ~~الحنفية PageV03P576 وغيرهم وقال الموفق في الروضة ، وتبعه الطوفي : بالمنع ~~وذكره الآمدي قول الأكثر ؛ لأن الفرع يتبع الأصل فإن رفع الأصل فكيف يبقى ~~الفرع ؟ ( وعكسه ) يعني أنه يجوز نسخ الفحوى - وهو الضرب مثلا - دون أصله ~~وهو التأفيف ، كما لو قال : رفعت تحريم كل إيذاء غير التأفيف فيجوز ذلك في ~~ظاهر كلام أكثر أصحابنا . وعليه أكثر المتكلمين . قاله البرماوي ؛ لأن ~~الفحوى وأصله مدلولان متغايران فجاز نسخ كل منهما على انفراده ومنع من ذلك ~~المجد وابن مفلح وابن قاضي الجبل وابن الحاجب وغيرهم ، PageV03P577 وقيل : ~~إن نسخ أحدهما يستلزم نسخ الآخر قال في جمع الجوامع : والأكثر أن نسخ ~~أحدهما يستلزم نسخ الآخر ، ثم قال المحلي شارحه : واعلم أن استلزام نسخ كل ~~منهما ينافي ما صححه في جمع الجوامع من جواز نسخ كل منهما دون الآخر ، فإن ~~الامتناع مبني على الاستلزام ، والجواز مبني على عدمه . وقد اقتصر ابن ~~الحاجب على الجواز مع مقابله . والبيضاوي على الاستلزام وجمع المصنف - يعني ~~صاحب جمع الجوامع - بينهما . ( و ) يجوز أيضا نسخ ( حكم مفهوم المخالفة إن ~~ثبت ) ، وإلا فلا . يعني أنه يجوز نسخ حكم المسكوت الذي هو مخالف للمذكور ، ~~مع نسخ الأصل ودونه قاله كثير من العلماء . وقد قال الصحابة رضي الله عنهم ~~' إن قول النبي صلى الله عليه وسلم : { الماء من PageV03P578 الماء } : ~~منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم : { إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل } مع ~~أن الأصل باق . وهو وجوب الغسل بالإنزال . ( ويبطل ) حكم مفهوم المخالفة ( ~~بنسخ أصله ) على الصحيح ، اختاره القاضي وجزم به الموفق في الروضة ، كذلك ~~الطوفي ؛ لأن فرعه وعدمه كالخطابين . واختاره ابن فورك والقول الثاني : أنه ~~لا يبطل بنسخ أصله . وهو وجه لأصحابنا ، ذكره القاضي ، قال البرماوي : وأما ~~نسخ الأصل بدون مفهومه الذي هو مخالف له حكما : فذكر الصفي الهندي فيه ~~احتمالين ، قال : وأظهرهما أنه لا يجوز ms475 ؛ لأنه إنما يدل على ضد الحكم ~~باعتبار القيد المذكور ، فإذا بطل تأثير ذلك القيد بطل ما ينبني عليه . اه ~~. PageV03P579 وعلى هذا : فنسخ الأصل نسخ للمفهوم منه والمعنى : أنه يرتفع ~~الحكم الشرعي الذي حكم به على المسكوت بضد الحكم المذكور . ( ولا ينسخ به ) ~~أي بمفهوم المخالفة على الصحيح قطع به في جمع الجوامع وصرح به السمعاني ، ~~لضعفه عن مقاومة النص وقيل : بلى ؛ لأنه في معنى المنطوق ( ولا حكم للناسخ ~~مع جبريل عليه السلام اتفاقا ) قبل أن يبلغه جبريل إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( فإذا بلغه ) للنبي صلى الله عليه وسلم ( لم يثبت حكمه في حق من لم ~~يبلغه ) عند أصحابنا والأكثر وهو ظاهر كلام أحمد رحمه الله ؛ لأنه ~~PageV03P580 أخذ بقصة أهل قباء والقبلة وقيل : يثبت في الذمة واختاره جماعة ~~من الشافعية ، كالنائم وقت الصلاة واستدل للأول - وهو الصحيح - بأنه لو ثبت ~~لزم وجوب الشيء وتحريمه في وقت واحد ؛ لأنه لو نسخ واجب بمحرم أثم بترك ~~الواجب وأيضا يأثم بعمله بالثاني اتفاقا . ( وليست زيادة جزء مشترط ، أو ~~شرط أو زيادة عبادة مستقلة من الجنس أو غيره : نسخا ) إذا زيد في الماهية ~~الشرعية جزء مشترط ، أو شرط ، أو زيادة ترفع مفهوم المخالفة : لم يكن ذلك ~~نسخا على الراجح . وعليه الأكثر ، منهم أصحابنا والمالكية والشافعية ~~والجبائية ، PageV03P581 وخالفت الحنفية . واستدلوا بقولهم : إن الزيادة ~~على النصوص نسخ لمسائل كثيرة ، كرد أحاديث وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة ، ~~وأحاديث الشاهد واليمين ، واشتراط الإيمان في الرقبة ، والنية في الوضوء . ~~وغير ذلك PageV03P582 وخالفوا أصولهم في اشتراطهم في ذوي القربى الحاجة . ~~وهو زيادة على القرآن ، ومخالفة للمعنى المقصود فيه ، وفي أن القهقهة تنقض ~~الوضوء ، مستندين إلى أخبار ضعيفة ، وهي زيادة على نواقض الوضوء المذكورة ~~في القرآن . وقال الرازي في مسألة الزيادة التي ترفع مفهوم المخالفة : إنها ~~إن أفادت خلاف ما أسند من مفهوم المخالفة كانت نسخا ، كإيجاب الزكاة في ~~معلوفة الغنم ، فإنه يفيد خلاف مفهومه { في السائمة الزكاة } ، وإلا فلا ، ~~وفي هذه المسألة أقوال غير هذه أضربنا عن ذكرها خشية ms476 الإطالة . وأما مسألة ~~زيادة العبادة المستقلة : فإن كانت من غير الجنس ، كزيادة وجوب الزكاة ، ~~ووجوب الصوم على وجوب الصلاة ، أو على وجوب الحج . فليست نسخا إجماعا ، وإن ~~كانت من الجنس ، كزيادة صلاة زائدة على الجنس : فليست بنسخ أيضا عند الأئمة ~~الأربعة ، رضي الله تعالى عنهم . PageV03P583 وقال بعض أهل العراق : يكون ~~نسخا بزيادة صلاة سادسة لتغير الوسط من الخمس . | ( ونسخ جزء أو شرط عبادة ~~له ) أي فالنسخ لذلك الجزء أو الشرط ( فقط ) دون أصل تلك العبادة على ~~الصحيح عند أصحابنا وأكثر الشافعية . نقله عنهم ابن مفلح وابن السمعاني ، ~~وهو مذهب الكرخي وأبي الحسين البصري . | وعن بعض المتكلمين والغزالي ، وحكي ~~عن الحنفية : أنه PageV03P584 نسخ الأصل العبادة . | وقال المجد في ' ~~المسودة ' : ' محل الخلاف في شرط متصل كالتوجه ، ومنفصل كوضوء ليس نسخا لها ~~إجماعا ' . | ووافق الهندي المجد . | واستدل للأول - الذي هو الصحيح - : ~~بأن وجوب أصل العبادة باق ، ولا يفتقر إلى دليل ثان إجماعا ، ولم يتجدد ~~وجوب ، وكنسخ سنتها اتفاقا . PageV03P585 # | ( فصل ) # ( يستحيل تحريم معرفة الله تعالى ) إلا على تكليف المحال وذلك لتوقفه على ~~معرفته وهو دور ( وما حسن ) لذاته ، كمعرفة الله تعالى ( أو قبح لذاته ) ~~كالكفر ( يجوز نسخ وجوبه ) أي وجوب ما حسن لذاته ( و ) يجوز نسخ ( تحريمه ) ~~أي تحريم ما قبح لذاته عند من نفى الحسن والقبح ، ونفى رعاية الحكمة في ~~أفعاله ومن أثبت ذلك منعه ( وكذا ) قالوا ( يجوز نسخ جميع التكاليف سوى ~~معرفته تعالى ) قال PageV03P586 المجد : من أصل أصحابنا وأهل الحديث خلافا ~~للقدرية ( ولم يقعا إجماعا ) أي لم يقع نسخ وجوب ما حسن لذاته ، ولا نسخ ~~تحريم ما قبح لذاته بلا خلاف في ذلك ، وإنما الخلاف في الجواز العقلي . | [ ~~انتهى المجلد الثالث من ' شرح الكوكب المنير ' ويليه إن شاء الله المجلد ~~الرابع والأخير ، وأوله ' باب القياس ' ] | [ والحمد لله رب العالمين ] ~~PageV03P587 # | ( باب ) # ( القياس لغة : التقدير والمساواة ) لما فرغنا من المباحث المتعلقة ~~بالكتاب والسنة والإجماع شرعنا في القياس ومباحثه ، وهو ميزان العقول . قال ~~الله تعالى ^ ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ~~ليقوم الناس ms477 بالقسط ) ^ . | فالقياس في اللغة يدل على معنى التسوية على ~~العموم ، لأنه نسبة وإضافة بين شيئين ، ولهذا يقال : فلان يقاس بفلان ، ولا ~~يقاس بفلان . أي يساوي فلانا ، ولا يساوي فلانا . PageV04P005 ( و ) أما ~~القياس ( شرعا ) أي في عرف الشرع فهو : ( تسوية فرع بأصل في حكم . من باب ~~تخصيص الشيء ببعض مسمياته ) فهو حقيقة عرفية ، مجاز لغوي . قاله الطوفي في ~~' شرحه ' وغيره . | ( و ) القياس ( اصطلاحا ) أي في اصطلاح الأصوليين علماء ~~الشريعة : ( رد فرع إلى أصل بعلة جامعة ) . | قاله القاضي وأبو الخطاب وابن ~~البناء . | وفي ' التمهيد ' أيضا : تحصيل حكم الأصل في الفرع لاشتباههما في ~~علة الحكم . واختاره أبو الحسين البصري . | قال ابن مفلح : ومراده تحصيل ~~مثل حكم الأصل . ومعناه في ' الواضح ' وقال : إنه أسد ما رآه . | قال ابن ~~مفلح : ' لكن هو نتيجة القياس ، لانفسه ' . اه | وذلك كرد النبيذ إلى الخمر ~~في التحريم بعلة الإسكار . ونعني بالرد : الإلحاق والتسوية بينهما في الحكم ~~. PageV04P006 | وللقياس تعاريف كثيرة غير ما ذكر أضربنا عن ذكرها خشية ~~الإطالة . | ( ولم يرد بالحد قياس الدلالة : وهو الجمع بين أصل وفرع بدليل ~~العلة ) كالجمع بين الخمر والنبيذ بالرائحة الدالة على الشدة المطربة . ~~PageV04P007 ( ولا قياس العكس : وهو تحصيل نقيض حكم المعلوم في غيره ، ~~لافتراقهما في علة الحكم ) مثل أن يقال : لما وجب الصوم في الاعتكاف بالنذر ~~وجب بغير نذر . عكسه الصلاة ، لما لم تجب فيه بالنذر لم تجب بغير نذر . | ~~وقيل : بلى . | وقيل : ليسا بقياس . | قال ابن حمدان في ' المقنع ' وغيره : ~~المحدود هنا هو قياس الطرد فقط . | وقال القاضي عضد الدين وغيره : ' القياس ~~المحدود هو قياس العلة ' . اه . | وقال البرماوي : في حجية قياس العكس خلاف ~~، وكلام الشيخ أبي حامد يقتضي المنع ، لكن الجمهور على خلافه . | قال أبو ~~اسحاق الشيرازي في ' الملخص ' : ' اختلف أصحابنا في الاستدالال به على ~~وجهين ، أصحهما - وهو المذهب - PageV04P008 أنه يصح . استدل به الشافعي في ~~عدة مواضع . | والدليل عليه : أن الاستدلال بالعكس استدلال بقياس مدلول على ~~صحته بالعكس . وإذا صح القياس في الطرد - وهو غير مدلول على صحته - فلان ~~يصح الاستدلال بالعكس ms478 - وهو قياس مدلول على صحته - أولى ' . | قال البرماوي ~~: ويدل عليه أن الاستدلال به وقع في القرآن والسنة وفعل الصحابة : | - فأما ~~القرآن : فنحو قوله تعالى : ^ ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) ^ فدل ~~على أنه ليس إله إلا الله ، لعدم فساد السموات والأرض . | وكذلك قوله تعالى ~~: ^ ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) ^ ولا اختلاف ~~فيه ، فدل على القرآن من عند الله بمقتضى قياس العكس . | - وأما السنة : ~~فكحديث ' يأتي أحدنا شهوته ويؤجر ؟ قال : PageV04P009 أرأيتم لو وضعها في ~~حرام ؟ يعني أكان يعاقب ؟ قالوا : نعم . قال : فمه ! ' . فقاس وضعها في ~~حلال فيؤجر على وضعها في حرام فيؤزر بنقيض العلة . | - وأما الصحابة : ففي ~~' الصحيحين ' عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~' من مات يشرك بالله شيئا دخل النار ' . وقلت أنا : ومن مات لا يشرك بالله ~~شيئا دخل الجنة . | وفي بعض أصول ' مسلم ' روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~: ' من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ' . قال : وقلت أنا : من مات يشرك ~~بالله شيئا دخل النار . | ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة عليه . PageV04P010 ~~| لكن رواهما مسلم عن جابر مرفوعا ، فلا حاجة إلى القياس . | ويجمع بين ~~الروايتين أنه عند ذكر كل لفظ كان ناسيا للآخر ، كما جمع به النووي . | ~~وظهر بذلك كله أنه حجة ، إلا أنه هل يسمى قياسا حقيقة أو مجازا ، أو لا ~~يسمى قياسا أصلا ؟ | ثلاثة أقوال ، أرجحها الثاني . | ( وأركانه ) أي ~~القياس أربعة ( أصل ، وفرع ، وعلة PageV04P011 وحكم ) والمراد بالأركان هنا ~~: ما لا يتم القياس إلا به ، فتكون مجازا ؛ لأن أركان الشيء حقيقة : هي ~~أجزاؤه التي يتألف منها ، كالركوع والسجود بالنسبة إلى الصلاة إلا أن يعني ~~بالقياس مجموع هذه الأمور الأربعة مع الحمل تغليبا فتصير الأربعة شطرا ~~للقياس ، وأما ما حكي عن بعضهم من أن القياس يجوز من غير أصل ، فقال ابن ~~السمعاني : هو قول من خلط الاجتهاد بالقياس والحق أن القياس نوع من ~~الاجتهاد والذي لا يحتاج إلى أصل : هو ما سواه من ms479 أنواع الاجتهاد وأما ~~القياس : فلا بد له من أصل . ثم اعلم أن القياس الشرعي راجع في الحقيقة إلى ~~القياس العقلي المنطقي المؤلف من المقدمتين ؛ لأن قولنا : النبيذ مسكر ، ~~فكان حراما كالخمر مختصر من قولنا : النبيذ مسكر ، وكل مسكر حرام وليس في ~~الأول زيادة على الثاني ، إلا ذكر الأصل المقيس عليه على جهة التنظير به ~~والتأنس PageV04P012 ولهذا لو قلنا : النبيذ مسكر فهو حرام ، لحصل المقصود ~~، وإذا ثبت أن القياس الشرعي راجع إلى العقلي ، لزم فيه ما يلزم في العقلي ~~، من كونه على أربعة أركان . وبيانه : أن المقدمتين والنتيجة تشتمل على ستة ~~أجزاء ، من بين موضوع ومحمول فسقط منها بالتكرار جزءان ، وهو الحد الأوسط ، ~~يبقى أربعة أجزاء هي أركان المقصود . وهي التي يقتصر عليها الفقهاء في ~~أقيستهم مثاله : قولنا النبيذ مسكر ، جزءان : موضوع وهو النبيذ ، ومحمول ~~وهو مسكر ثم نقول : وكل مسكر حرام . فهذان جزءان . ويلزم عن ذلك : النبيذ ~~حرام وهما جزءان آخران صارت ستة أجزاء ، هكذا : النبيذ مسكر ، وكل مسكر ~~حرام ، فالنبيذ حرام ، يسقط منها لفظ ' مسكر ' مرتين ؛ لأنه محمول في ~~المقدمة الأولى موضوع في الثانية ، يبقى هكذا : النبيذ مسكر ، فهو حرام ، ~~وهو صورة قياس الفقهاء . PageV04P013 ( فالأصل محل الحكم المشبه به ) عند ~~الفقهاء وكثير من المتكلمين ، كالخمر في المثال السابق ، لافتقار الحكم ~~والنص إليه وقيل : إن الأصل دليل الحكم ، وحكي عن المتكلمين والمعتزلة . ~~فيكون في المثال في قوله تعالى { فاجتنبوه } وما في معناه من الكتاب والسنة ~~والإجماع وقيل : إن الأصل نفس حكم المحل ، فهو نفس الحكم الذي في الأصل ، ~~كالتحريم في المثال ؛ لأنه الذي يتفرع عليه الحكم في الفرع . قال ابن قاضي ~~الجبل وغيره : والنزاع لفظي ، لصحة إطلاق PageV04P014 الأصل على كل منهما ، ~~واختار ابن عقيل : أنه الحكم والعلة ( والفرع المحل المشبه ) كالنبيذ في ~~المثال السابق ، وبه قال الفقهاء ، حكاه ابن العراقي عنهم وقيل : إنه حكم ~~المشبه به ، وهو التحريم ، وبه قال المتكلمون . قال ابن قاضي الجبل : وهو ~~الأصح ، وإنما قدم تعريف الفرع على الحكم والعلة لمقابلته للأصل ، فناسب ~~ذكره لما بين ms480 الضدين ، من اللزوم الذهني ، والعلة فرع للأصل وأصل للفرع ~~اتفاقا ، لبناء PageV04P015 حكمه عليه ( والحكم ) المستفاد من القياس هو ( ~~المعلل ) لا المحكوم فيه ، PageV04P016 خلافا لأبي علي الطبري الشافعي . ~~ولما فرغ من تعريف أركانه شرع في شروط صحته ، فقال ( وشرط حكم الأصل : كونه ~~شرعيا إن استلحق شرعيا ) وذلك ؛ لأنه القصد من القياس الشرعي . ولأن القياس ~~لا يجري في اللغات والعقليات ، وعلى تقدير ذلك فلا يكون قياسا . والكلام ~~إنما هو في القياس الشرعي ، مع أن القياس فيهما صحيح يتوصل به إلى الحكم ~~الشرعي ، كقياس تسمية PageV04P017 اللائط زانيا ، والنباش سارقا ، والنبيذ ~~خمرا ، ليثبت الحد والقطع والتحريم ، فإذا قيل : بأن ذلك إنما هو في ~~استلحاق نفس الحكم الشرعي ، فلا بد من اشتراط كونه شرعيا . ( و ) من شرط ~~حكم الأصل : كونه ( غير منسوخ ) ؛ لأن المنسوخ لم يبق له وجود في الشرع ، ~~فيلحق به الأحكام بقياس ولا غيره ( و ) يشترط فيه أيضا أن ( لا ) يكون ( ~~شاملا لحكم الفرع ) إذ لو كان شاملا لحكم الفرع لم يكن جعل PageV04P018 ~~أحدهما بعينه أصلا والآخر فرعا أولى من العكس ، ولكان القياس ضائعا وتطويلا ~~بلا طائل . مثاله في الذرة مطعوم فلا يجوز بيعه بجنسه متفاضلا قياسا على ~~البر ، فيمنع في البر فنقول قال النبي صلى الله عليه وسلم { لا تبيعوا ~~الطعام بالطعام إلا يدا بيد ، سواء بسواء } فإن الطعام يتناول الذرة كما ~~يتناول البر . وأنت تعلم مما ذكر أن دليل العلة إذا كان نصا وجب ألا يتناول ~~الفرع بلفظه ، مثل أن تقول : النباش يقطع ؛ لأنه سارق كالسارق من الحي [ ~~فيقال : ولم قلت إن السارق من الحي ] إنما يقطع ؛ لأنه سارق ؟ فنقول لقوله ~~تعالى PageV04P019 { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا } رتب ~~القطع على السرقة بفاء التعقيب فدل على أنه المقتضي للقطع ، فيقال : [ فهذا ~~] يوجب ثبوت الحكم في الفرع بالنص . فإن ثبوت العلة بعد ثبوت الحكم ولا ~~مخلص للمستدل إلا منع كونه عاما . ( و ) من شرط حكم الأصل أيضا : أن ( لا ) ~~يكون ( معدولا به عن سنن القياس ) أي عن طريقه المعتبر فيه ، لتعذر ms481 التعدية ~~حينئذ PageV04P020 وذلك على ضربين أحدهما : لكونه لم يعقل معناه ، إما ~~لكونه استثني من قاعدة عامة كالعمل بشهادة خزيمة وحده فيما لا تقبل فيه ~~شهادة الواحد ، أو لم يستثن ( كعدد الركعات ) وتقدير نصاب الزكاة ومقادير ~~الحدود والكفارات . والضرب الثاني : ما عقل معناه ، ولكن لا نظير له ، وإلى ~~ذلك أشير بقوله ( أو لا نظير له ) وسواء كان ( له معنى ظاهر ) كرخص السفر ( ~~أو لا ) معنى له ظاهر ، كالقسامة . كذا مثل به ابن مفلح تبعا لابن الحاجب ~~وغيره PageV04P021 قال البرماوي ، لكن في جعله القسامة غير معقولة المعنى ، ~~وهو خفي بخلاف شهادة خزيمة ومقادير الحدود : نظر ظاهر . ( وما خص من القياس ~~يجوز القياس عليه و ) يجوز ( قياسه على غيره ) قال أبو يعلى : المخصوص من ~~جملة القياس يقاس عليه ويقاس على غيره . أما الأول : فلأن أحمد قال فيمن ~~نذر ذبح نفسه : يفدي نفسه بكبش فقاس من نذر ذبح نفسه على من نذر ذبح ولده . ~~انتهى . قال ابن مفلح : وهو قول أصحابنا والشافعية ، وبعض الحنفية ~~PageV04P022 وإسماعيل بن إسحاق المالكي ؛ لأن الظن الخاص أرجح . ومنع ذلك ~~أكثر الحنفية والمالكية والمتكلمين ، إلا أن يكون معللا ، كقوله صلى الله ~~عليه وسلم { إنها من الطوافين } أو مجمعا على جواز القياس عليه ، كالتحالف ~~في الإجارة كالبيع ولنا وجه ، كأكثر الحنفية ذكره أبو الخطاب قال : ولهذا ~~لا نقيس على لحم الإبل في نقض الوضوء وغير ذلك من أصولنا . قال ابن مفلح : ~~كذا قال ، ثم قال : وفيه نظر ، لعدم فهم المعنى ، أو مساواته ولهذا ~~PageV04P023 نقيس في الأشهر العنب على العرايا . وقد قاس الحنفية المقدر ، ~~كالموضحة على دية النفس في حمل العاقلة قال ابن قاضي الجبل : لنا أن ~~الاعتبار بوجود : القياس بشروطه ، وكونه مخصوصا لا يمنع إلحاق ما في معناه ~~قالوا : لا نظير . قلنا : لا يخلو من نظير . ( و ) من شرط حكم الأصل أيضا ( ~~كونه غير فرع ) قال ابن مفلح في أصوله : ومنه كونه غير فرع ، اختاره ~~PageV04P024 القاضي في مقدمة المجرد . وقال : هو ظاهر قول أحمد وقيل له : ~~يقيس الرجل بالرأي ؟ فقال : لا ms482 . هو أن يسمع الحديث فيقيس عليه ثم ذكر أنه ~~يجوز أن يستنبط من الفرع المتوسط علة ليست في الأصل ويقاس عليه ، وذكر أيضا ~~في مسألة القياس جواز كون الشيء أصلا لغيره في حكم ، وفرعا لغيره في حكم ~~آخر ، لا في حكم واحد . وجوزه القاضي أيضا وأبو محمد البغدادي منا ، وقال : ~~لأنه لا يخل بنظم القياس وحقيقته ، وكذا أبو الخطاب ومنعه أيضا ثم قال ابن ~~مفلح : والمنع قاله الكرخي والآمدي ، وذكره PageV04P025 عن أكثر أصحابهم ، ~~والجواز قاله الرازي والجرجاني وأبو عبد الله البصري وقال ابن برهان : يجوز ~~عندنا ، خلافا للحنفية والصيرفي من أصحابنا قال : وحرف المسألة : تعليل ~~الحكم بعلتين . انتهى . وهذه المسألة : مترجمة بمنع القياس على ما ثبت حكمه ~~بالقياس ووجه المنع في أصل المسألة : أن العلة إن اتحدت فالوسط لغو كقول ~~PageV04P026 الشافعي : السفرجل مطعوم فيكون ربويا كالتفاح ، ثم يقيس التفاح ~~على البر ، وإن لم تتحد فسد القياس . لأن الجامع بين الفرع الأخير والمتوسط ~~لم يثبت اعتباره ؛ لثبوت الحكم في الأصل الأول بدونه ، والجامع بين المتوسط ~~وأصله ليس في فرعه ، كقول الشافعي : الجذام عيب يفسخ به البيع ، فكذا ~~النكاح ، كالرتق ثم يقيس الرتق على الجب بفوات الاستمتاع ، وهذا المثال : ~~مثل به ابن مفلح تبعا لابن الحاجب ، لكن قال التاج السبكي : هو على سبيل ~~ضرب المثال ، وإلا فرد المجبوب عندنا إنما هو لنقصان عين المبيع نقصا يفوت ~~به غرض صحيح لا لفوات الاستمتاع . وأما إثبات الفسخ بالجب في النكاح فلفوات ~~الاستمتاع ، فالعلتان متغايرتان على كل حال . ( و ) من شرط حكم الأصل أيضا ~~. كونه ( متفقا عليه بين الخصمين ) فإن كان أحدهما يمنعه ، فلا يستدل عليه ~~بالقياس فيه . PageV04P027 وإنما شرط ذلك ؛ لئلا يحتاج القياس عند المنع ~~إلى إثباته فيكون انتقالا من مسألة إلى أخرى ( لا ) أن يكون متفقا عليه بين ~~( الأمة ) لحصول المقصود باتفاق الخصمين فقط . وهذا الصحيح الذي عليه ~~الجمهور ، واشترط قوم اتفاق الأمة على الأصل ، ومنعوا القياس على مختلف فيه ~~لنقل الكلام إلى التسلسل . وضعفه الموفق كغيره لندرة المجمع عليه . ولأن ~~كلا من ms483 الخصمين مقلد فليس له منع حكم ثبت مذهبا لإمامه ؛ لأنه لا يعلم ~~مأخذه ثم لا يلزم من عجزه عجزه ، ثم لا يتمكن أحدهما من إلزام ما لم يجمع ~~عليه ( ولا ) يشترط - مع كونه متفقا عليه بين الخصمين دون الأمة - أن ~~PageV04P028 يكون ذلك ( مع اختلافهما ) وقيل : بلى ، وهو اختيار الآمدي ( ~~ولو ) ( لم يتفقا ) يعني الخصمين على حكم الأصل ، ولم يكن مجمعا عليه ( ~~فأثبت المستدل حكمه ) أي حكم الأصل بنص ( ثم أثبت العلة ) بطريق من طرقها ، ~~من إجماع أو نص ، أو سبر أو إخالة ( قبل ) منه استدلاله في الأصح ، ونهض ~~دليله على خصمه . مثال ذلك : أن يقول في المتبايعين ، إذا كانت السلعة ~~تالفة : متبايعان تخالفا ، فيتحالفان ويترادان كما لو كانت قائمة ، لقوله ~~صلى الله عليه وسلم { إذا اختلف المتبايعان ، فليتحالفا وليترادا } فيثبت ~~الحكم بالنص وعلته ، وهي التحالف PageV04P029 بالأيمان وقيل : لا يقبل ذلك ~~من المستدل حتى يكون حكم الأصل مجمعا عليه ، أو يتوافق عليه الخصمان . ~~واستدل للأول - وهو الصحيح - بأنه لو لم يقبل ذلك منه لم تقبل في المناظرة ~~مقدمة تقبل المنع ، واللازم باطل ، بيان الملازمة : أن من يمنع ذلك ويشترط ~~في حكم الأصل الاتفاق عليه بين الخصمين إنما قال ذلك لئلا يحصل الانتقال من ~~مطلوب إلى آخر . وانتشار كلام يوجب تسلسل البحث ، ويمنع من حصول مقصود ~~المناظرة وهذا لا يختص بحكم الأصل ، بل هو ثابت في كل مقدمة تقبل المنع قال ~~القاضي عضد الدين : وربما يفرق بأن هذا حكم شرعي PageV04P030 مثل الأول ، ~~يستدعي ما يستدعيه ، بخلاف المقدمات الأخر . ( وإن ) كان الخصم يقول بحكم ~~الأصل و ( لم يقل بحكم أصله المستدل ف ) هو قياس ( فاسد ) مثال ذلك : قول ~~الحنفي في الصوم بنية النفل : أتى بما أمر به ، فيصح ، كفريضة الحج ، وهو ~~لا يقول بصحة فريضة الحج بنية النفل ، بل خصمه هو القائل به . ووجه فساده : ~~كونه اعترف ضمنا بخطئه في الأصل ، وهو إثبات الصحة في فريضة الحج والاعتراف ~~ببطلان إحدى مقدمات دليله ، اعترف ببطلان دليله ولا يسمع من المدعي ما هو ~~معترف ببطلانه ms484 ، ولا يمكن من دعواه فإن قيل : فذلك يصلح إلزاما للخصم ؛ إذ ~~لو لزمه لزم المقصود ، وإلا كان مناقضا في مذهبه . لعمله بالعلة في موضع ~~دون موضع . PageV04P031 فالجواب : أن الإلزام مندفع بوجهين أحدهما : أن ~~يقول : العلة في الأصل عندي غير ذلك ، ولا يجب ذكري لها . الثاني : بأن ~~يقول : يلزم منه خطئي في الأصل أو في الفرع ولا يلزم منه الخطأ في الفرع ~~معينا وهو مطلوبك ، وربما أعترف بخطئي في الأصل ولا يضرني ذلك في الفرع . | ~~قاله القاضي عضد الدين وغيره . ( وما اتفقا ) يعني الخصمين ( عليه ) من حكم ~~أصل ، لكن ( لعلتين مختلفتين ) فهو قياس مركب ( ويسمى ) هذا ( مركب الأصل ) ~~سمي بذلك لاختلافهما في تركيب الحكم فالمستدل يركب العلة على الحكم ، ~~والخصم بخلافه . PageV04P032 قال القاضي عضد الدين : والظاهر أنه إنما سمي ~~مركبا لإثباتهما الحكم كل بقياس ، فقد اجتمع قياساهما ثم إن الأول اتفقا ~~فيه على الحكم ، وهو الأصل بالاصطلاح دون الوصف الذي يعلل به المستدل فسمي ~~مركب الأصل ' وقال ابن مفلح : ' قيل : سمي مركبا لاختلافهما في علته وقيل : ~~في تركيبه الحكم عليها في الأصل فعند المستدل : هي فرع له ، والمعترض ~~بالعكس وسمي مركب الأصل للنظر في علة حكمه . انتهى . وإن كان الخصم موافقا ~~على العلة ، ولكن يمنع وجودها في الأصل وذلك ما أشير إليه بقوله ( أو لعلة ~~يمنع الخصم وجودها في الأصل و ) هذا ( يسمى مركب الوصف ) سمي بذلك ~~لاختلافهما في نفس الوصف الجامع . PageV04P033 مثال الأول - وهو مركب الأصل ~~- قول الحنبلي ، فيما إذا قتل الحر عبدا : المقتول عبد ، فلا يقتل به الحر ~~، كالمكاتب إذا قتل وترك وفاء ووارثا مع المولى فإن أبا حنيفة يقول هنا : ~~إنه لا قصاص ، فيلحق العبد به هنا ، بجامع الرق ، فلا يحتاج الحنبلي فيه ~~إلى إقامة دليل على عدم القصاص في هذه الصورة ؛ لموافقة خصمه ، فيقول ~~الحنفي في منع ذلك : إن العلة إنما هي جهالة المستحق من السيد والورثة ، لا ~~الرق ؛ لأن السيد والوارث ، وإن اجتمعا على طلب القصاص لا يزول الاشتباه ؛ ~~لاختلاف الصحابة في مكاتب يموت عن وفاء ms485 قال بعضهم : يموت عبدا ، وتبطل ~~الكتابة وقال بعضهم : تؤدى الكتابة من PageV04P034 أكسابه ، ويحكم بعتقه في ~~آخر جزء من حياته فقد اشتبه الولي مع هذا الاختلاف ، فامتنع القصاص . فإن ~~اعترض عليهم بأنكم لا بد أن تحكموا في هذه الحالة بأحد هذين القولين ، إما ~~بموته عبدا أو حرا وأيا ما كان فالمستحق معلوم فيقول الحنفي : نحن نحكم ~~بموته حرا ، بمعنى أنه يورث ، لا بمعنى وجوب القصاص على قاتله الحر ؛ لأن ~~حكمنا بموته حرا ظني ؛ لاختلاف الصحابة رضي الله عنهم ، والقصاص ينتفي ~~بالشبهة . فهذه جهالة تصلح لدرء القصاص ، ولا يمتنع علمنا بمستحق الإرث . ~~ومثال الثاني - وهو مركب الوصف - أن يقال في مسألة تعليق PageV04P035 ~~الطلاق قبل النكاح : هذا تعليق للطلاق ، فلا يصح كما لو قال : زينب التي ~~أتزوجها طالق . فيقول الحنفي : العلة التي هي كونه تعليقا مفقودة في الأصل ~~؛ فإن قوله : زينب التي أتزوجها طالق تنجيز لا تعليق فإن صح هذا : بطل ~~إلحاق التعليق به لعدم الجامع ؛ وإلا منع حكم الأصل ، وهو عدم الوقوع في ~~قوله : زينب التي أتزوجها طالق ؛ لأني إنما منعت الوقوع ؛ لأنه تنجيز ، فلو ~~كان تعليقا لقلت به وحاصله : أن الخصم في هذه الصورة لا ينفك عن منع العلة ~~في الأصل ، كما لو لم يكن التعليق ثابتا فيه ، أو منع حكم الأصل ، كما إذا ~~كان ثابتا ، وعلى التقديرين : لا يتم القصاص وقوله ( ليس بحجة ) خبر لقوله ~~( وما اتفقا عليه ) . ومعنى ذلك : أن القياس المسمى مركب الأصل ، والقياس ~~المسمى مركب الوصف ، ليس كل منهما بحجة عندنا وعند PageV04P036 الأكثر أما ~~الأول : فلأن الخصم لا ينفك عن منع العلة في الفرع أو منع الحكم في الأصل ~~فلا يتم القياس وأما الثاني : فلأنه لا ينفك عن منع الأصل ، كما لو لم يكن ~~التعليق ثابتا فيه ، أو منع حكم الأصل إذا كان ثابتا وعلى التقديرين : لا ~~يتم القياس ( و ) قال ابن الحاجب وجماعة كثيرة ( لو سلمها ) أي سلم الخصم ~~العلة للمستدل أنها التي ذكرها المستدل ( فأثبت المستدل وجودها ) فيما ~~اختلفوا فيه ( أو سلمه ) أي سلم وجودها ms486 ( الخصم ) حيث اختلفوا فيه ( انتهض ~~الدليل ) عليه ، لتسليمه في الثاني ، وقيام الدليل عليه في الأول وذلك كما ~~لو كان مجتهدا ، PageV04P037 أو غلب على ظنه صحة القياس فإنه لا يكابر نفسه ~~فيما أوجبه عليه . ( ويقاس على عام خص ، كلائط وآت بهيمة على زان ) قال ابن ~~عقيل : هو الأصح ، لنا وللشافعية . وقيل : لا ؛ لضعف معناه للخلاف فيه . ~~PageV04P038 # | ( فصل ) # ( العلة ) التي هي أحد أركان القياس عند أهل السنة من أصحابنا وغيرهم ( ~~مجرد أمارة وعلامة نصبها الشارع دليلا ) يستدل بها المجتهد ( على ) وجدان ( ~~الحكم ) إذا لم يكن عارفا به . ويجوز أن يتخلف ، كالغيم هو أمارة على المطر ~~، وقد يتخلف وهذا لا يخرج الأمارة عن كونها أمارة . وقيل - وهو للمعتزلة - ~~إن العلة مؤثرة في الحكم ، بناء على قاعدتهم في التحسين والتقبيح العقليين ~~ثم قال بعضهم : إنها أثرت بذاتها وقال بعضهم : بصفة ذاتية فيها . وقال ~~بعضهم : بوجوه واعتبارات PageV04P039 وليس عند أهل السنة شيء من العالم ~~مؤثرا في شيء ، بل كل موجود فيه ، فهو بخلق الله سبحانه ، وإرادته . وقيل : ~~غير ذلك ( زيد ) أي وزاد بعضهم في الحد ( مع أنها ) أي العلة ( موجبة ~~لمصالح دافعة لمفاسد ) ليست من جنس الأمارة الساذجة ، لكن على معنى أنها ~~تبعث المكلف على الامتثال ، لا أنها باعثة للشرع على ذلك الحكم ، أو أنه ~~على وفق ما جعله الله تعالى مصلحة للعبد تفضلا عليه ، وإحسانا له ، لا ~~وجوبا على الله تعالى . ففي ذلك بيان قول الفقهاء : الباعث على الحكم بكذا ~~هو PageV04P040 كذا ، وأنهم لا يريدون بعث الشارع ، بل بعث المكلف على ~~الامتثال ، مثل : حفظ النفس باعث على تعاطي فعل القصاص الذي هو من فعل ~~المكلف أما حكم الشرع : فلا علة له ولا باعث عليه ، فإذا انقاد المكلف ~~لامتثال أمر الله تعالى في أخذ القصاص منه ، وكونه وسيلة لحفظ النفوس كان ~~له أجران ، أجر على الانقياد ، وأجر على قصد حفظ النفس ، وكلاهما أمر الله ~~تعالى قال الله تعالى ' { كتب عليكم القصاص } { ولكم في القصاص حياة } ومن ~~أجل كون العلة لا بد من اشتمالها على حكمة ms487 تدعو إلى الامتثال ، كان مانعها ~~وصفا وجوديا يخل بحكمتها ، ويسمى مانع السبب ، فإن لم يخل بحكمتها ، بل ~~بالحكم فقط ، والحكمة باقية ، سمي مانع الحكم . مثال المقصود هنا - وهو ~~مانع السبب - الدين ، إذا قلنا : إنه مانع PageV04P041 لوجوب الزكاة ؛ لأن ~~حكمة السبب - وهو ملك النصاب - غنى مالكه ، فإذا كان محتاجا إليه لوفاء ~~الدين فلا غنى ، فاختلت حكمة السبب بهذا المانع وبنى الأصحاب على كون العلة ~~مجرد أمارة وعلامة صحة التعليل باللقب نص عليه الإمام أحمد رضي الله تعالى ~~عنه وقاله الأكثر فلهذا قلنا ( فيصح تعليل بلقب ، ك ) ما يصح التعليل ( ~~بمشتق ) . مثال التعليل باللقب : تعليل الربا في النقدين بكونهما ذهبا وفضة ~~، وتعليل ما يتيمم به بكونه ترابا ، وما يتوضأ به بكونه ماء ، وقيل : لا ~~يصح التعليل باللقب قال البرماوي : ووقع في المحصول حكاية الاتفاق على أنه ~~لا يجوز التعليل بالاسم ، كتعليل تحريم الخمر بأنه يسمى خمرا PageV04P042 ~~قال : فإنا نعلم بالضرورة أن [ مجرد ] هذا اللفظ لا أثر له ، فإن أريد به ~~تعليل المسمى بهذا الاسم من كونه مخامرا للعقل ، فذلك تعليل بالوصف لا ~~بالاسم . وقولنا ' كبمشتق ، اتفاقا ' حكاه في جمع الجوامع . وذلك كاسم ~~الفاعل والمفعول والصفة المشبهة ونحو ذلك ، فهو جائز على أن المعنى المشتق ~~ذلك منه هو علة الحكم ، نحو ' { فاقتلوا المشركين } { والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما } ، { مطل الغني ظلم } وغير ذلك مما لا ينحصر . ( ولا ~~يشترط اشتمالها على حكمة مقصودة للشارع ) فإن الله - سبحانه وتعالى - لا ~~يبعثه شيء على شيء PageV04P043 وقيل : بلى وعليه الأكثر ، بمعنى اشتمال ~~الوصف على مصلحة صالحة أن تكون المقصود للشارع من شرع الحكم وهو مبني على ~~جواز تعليل أفعال الباري تعالى بالغرض . ( ثم قد تكون ) العلة ( رافعة أو ~~دافعة أو فاعلتهما ، وصفا حقيقيا ظاهرا منضبطا ، أو عرفيا مطردا ، أو لغويا ~~) في الأصح ، فيكون الوصف المجعول علة ثلاثة أقسام ؛ فإنه تارة يكون دافعا ~~لا رافعا ، ويكون رافعا لا دافعا ويكون دافعا رافعا ، وله أمثلة كثيرة فمن ~~الأول : العدة ، فإنها دافعة للنكاح إذا وجدت في ابتدائه ، لا رافعة له إذا ms488 ~~طرأت في أثناء النكاح فإن الموطوءة بشبهة تعتد وهي باقية على الزوجية ~~PageV04P044 ومن الثاني : الطلاق ، فإنه يرفع حل الاستمتاع ولا يدفعه ؛ لأن ~~الطلاق إلى استمراره لا يمنع وقوع نكاح جديد بشرط ، ومن الثالث : الرضاع ، ~~فإنه يمنع من ابتداء النكاح ، وإذا طرأ في أثناء العصمة رفعها ، وإنما كان ~~هذا وشبهه من موانع النكاح يمنع من الابتداء والدوام لتأبده واعتضاده ؛ لأن ~~الأصل في الارتضاع الحرمة ، وتكون العلة أيضا وصفا حقيقيا ، وهو ما يعقل ~~باعتبار نفسه ، ولا يتوقف على وضع ، كقولنا : مطعوم ، فيكون ربويا فالطعم ~~مدرك بالحس ، وهو أمر حقيقي ، أي لا تتوقف معقوليته على معقولية غيره . ~~ويعتبر فيه أمران ، أحدهما : أن يكون ظاهرا لا خفيا ، الثاني : أن يكون ~~منضبطا ، أي متميزا عن غيره . PageV04P045 ولا خلاف في التعليل به وتكون ~~العلة أيضا وصفا عرفيا ويشترط فيه أن يكون مطردا لا يختلف بحسب الأوقات ، ~~وإلا لجاز أن يكون ذلك العرف في زمن النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره فلا ~~يعلل به . مثاله : الشرف والخسة في الكفاءة وعدمها فإن الشرف يناسب التعظيم ~~والإكرام ، والخسة تناسب ضد ذلك فيعلل به بالشرط المتقدم وتكون العلة أيضا ~~: وصفا لغويا مثاله : تعليل تحريم النبيذ لأنه يسمى خمرا . فحرم كعصير ~~العنب وفي التعليل به خلاف والصحيح : صحة التعليل به PageV04P046 قطع به ~~ابن البناء في العقود والخصائل قال : كقولنا في النباش : هو سارق فيقطع ، ~~وفي النبيذ خمر فيحرم وصححه غيره من العلماء . قال المحلي : بناء على ثبوت ~~اللغة بالقياس ومقابل الأصح قول : بأنه لا يعلل الحكم الشرعي بالأمر اللغوي ~~. ( فلا يعلل ) الحكم الشرعي ( بحكمة مجردة عن وصف ضابط لها ) عند الأكثر ~~من أصحابنا وغيرهم . وقيل : يصح التعليل بمجرد الحكمة ، سواء كانت ظاهرة أو ~~خفية ، منضبطة أو غير منضبطة وقيل : إن كانت الحكمة المجردة ظاهرة منضبطة ~~صح التعليل PageV04P047 بها ، وإلا فلا . وجه الأول - وهو كون التعليل لا ~~يصح بالحكمة المجردة مطلقا - لخفائها ، كالرضا في البيع ولذلك أنيطت صحة ~~البيع بالصيغ الدالة عليه أو لعدم انضباطها كالمشقة فلذلك أنيطت بالسفر قال ~~الآمدي ms489 : منعه الأكثر . ( ويعلل ثبوتي بعدم ) يعني : أنه يصح أن يعلل الحكم ~~الثبوتي بالعدم عند أصحابنا والرازي وأتباعه ، وذكره PageV04P048 ابن برهان ~~عن الشافعية ، وحكي المنع عن الحنفية واختاره الآمدي وابن الحاجب وغيرهما ~~واستثنى بعض الحنفية مثل قول محمد بن الحسن في ولد المغصوب : لم يغصب ، ~~واستدل للأول - وهو الصحيح - بأنه كنص الشارع عليه ، وكالأحكام تكون نفيا ، ~~وكالعلة العقلية ، مع أنها موجبة ، PageV04P049 وكتعليل العدم به ذكره ~~بعضهم اتفاقا ، نحو : لم أفعل هذا لعدم الداعي إليه ، ولم أسلم على فلان ~~لعدم رؤيته ؛ لأن نفي الحكم لنفي مقتضيه أكثر من نفيه لوجود منافيه ؛ ولأنه ~~يصح تعليل ضرب السيد لعبده بعدم امتثاله ؛ ولأن العلة أمارة تعرف الحكم ، ~~فيجوز أن تكون عدمية ، كما يجوز أن تكون وجودية . ويدخل في الخلاف ما إذا ~~كان العدم ليس تمام العلة ، بل جزءا منها ، فإن العدمي أعم من أن يكون كلا ~~أو بعضا . ومن جملة العدمي أيضا : إذا كان الوصف إضافيا ، وهو ما تعلق ~~باعتبار غيره ، كالبنوة والأبوة ، والتقدم والتأخر ، والمعية والقبلية ~~والبعدية ، وإنما قلنا : إنه عدمي ؛ لأن وجوده إنما هو في الأذهان ، لا في ~~الخارج ، والصحيح أنه عدمي . PageV04P050 # | ( فصل ) # ( من شروطها ) أي شروط العلة ( أن لا تكون محل الحكم ولا جزأه ) أي جزء ~~محل الحكم ( الخاص ) عند الأكثر . وجوز قوم من العلل القاصرة : كون العلة ~~محل الحكم أو جزء محله . فمثال كونها محل الحكم : قولنا الذهب ربوي ، لكونه ~~ذهبا ، والخمر حرام ، لأنه مسكر معتصر من العنب ومثال كونها جزء محل الحكم ~~الخاص به : كالتعليل باعتصاره من العنب فقط . وقيدنا الجزء بالخاص تحرزا من ~~المشترك بين المحل وغيره . PageV04P051 فإن ذلك لا يكون إلا في المتعدية ، ~~كتعليل إباحة البيع بكونه عقد معاوضة . فإن جزأه المشترك - وهو ' عقده ' ~~الذي هو شامل للمعاوضة وغيرها - لا يعلل به . واستدل للأول بأنها لو كانت ~~للمحل كانت قاصرة . لأنه لو تحقق بخصوصه في الفرع ، اتحدا . وكذا جزؤه ( و ~~) أن ( لا ) تكون العلة ( قاصرة مستنبطة ) عند أكثر أصحابنا والحنفية . ~~وإحدى الروايتين عن أحمد ، وعنه يصح كونها قاصرة ms490 مستنبطة ، كقول مالك ~~والشافعي وأكثر أصحابهما . PageV04P052 وأما العلة القاصرة الثابتة بنص أو ~~إجماع : فأطبق العلماء كافة على جواز التعليل بها ، وأن الخلاف إنما هو في ~~المستنبطة ( وفائدة ثبوت العلة القاصرة ) ( : معرفة المناسبة ، ومنع ~~الإلحاق : وتقوية النص ) ، PageV04P053 ( وزيد ) على ذلك ( وزيادة الأجر ~~عند قصد الامتثال لأجلها ) هذا جواب عن سؤال . تقديره : أنه لما كان الحكم ~~مقررا بالنص أو الإجماع ، وكانت العلة لا توجد في غير محل النص أو الإجماع ~~: كان إثباتها في محل لا يمكن تعديها منه إلى غيره عبثا لا فائدة فيه . ~~فأجيب عن ذلك بأن في إثباتها فوائد . منها : معرفة مناسبة الحكم للحكمة ، ~~إذ بالتعليل تعرف الحكمة ، وأن الحكم على وفق الحكمة والمصلحة . فيكون أدعى ~~للقبول والانقياد مما لم تعلم مناسبته ، لكن قال في المقترح : إن السببية ~~إنما جعلت لتعريف PageV04P054 الحكم ، لا لما ذكر . وجوابه : أنه لا ينافي ~~الإعلام طلب الانقياد لحكمه . ومنها : إفادة المنع لإلحاق فرع بذلك ، لعدم ~~حصول الجامع الذي هو علة في الأصل . واعترض بأن ذلك من المعلوم وموضوع ~~القياس . فأين الفائدة المتجددة ؟ وأجيب بأنه لو وجد وصف آخر متعد لا يمكن ~~القياس به حتى يقوم دليل على أنه أرجح من تلك العلة القاصرة ، بخلاف ما لو ~~لم يكن سوى العلة المتعدية . فإنه لا يفتقر الإلحاق بها إلى دليل على ترجيح ~~. ومنها : أن النص يزداد قوة بها . فيصيران كدليلين ، يتقوى كل منهما ~~بالآخر . قاله ابن الباقلاني . وهو مخصوص بما يكون دليل الحكم فيه ظنيا . ~~أما القطعي : فلا يحتاج إلى تقوية . نبه عليه أبو المعالي PageV04P055 ~~ومنها : ما قاله السبكي : أن المكلف يزداد أجرا بانقياده للحكم بسبب تلك ~~العلة المقصودة للشارع من شرعه ، فيكون له أجران : أجر في امتثال النص ، ~~وأجر بامتثال المعنى فيه . ( والنقض ، ويسمى تخصيص العلة ) هو ( عدم ~~اطرادها ) وعدم اطراد العلة ( بأن توجد ) العلة ( بلا حكم ) مثاله : أن ~~يقال في تعليل وجوب تبييت النية في الصوم الواجب : صوم عري أوله عن النية ~~فلا يصح ، كالصلاة ، فتنتقض العلة - وهو العري في أوله - بصوم التطوع ، ~~فإنه يصح ms491 من غير تبييت نية . PageV04P056 ثم اعلم أن تخلف الحكم عن الوصف ~~إما في وصف ثبتت علته بنص قطعي أو ظني أو باستنباط . والتخلف إما لمانع أو ~~فقد شرط ، أو غيرهما ، فهي تسعة ، من ضرب ثلاثة في ثلاثة ( و ) قد اختلف ~~العلماء في كون النقض قادحا في العلة ، وفي بقائها حجة بعد النقض على عشرة ~~أقوال . أحدها أن النقض ( لا يقدح مطلقا ، ويكون حجة في غير PageV04P057 ما ~~خص ) كالعام إذا خص به وهذا قول القاضي وأبي الخطاب . وحكاه الآمدي عن أكثر ~~أصحابنا . قال القاضي : وهو ظاهر كلام أحمد . وممن قال به : أكثر الحنفية ~~والمالكية ، وشهرته عن الحنفية أكثر ، غير أنهم ما سمحوا بتسميته نقضا ، ~~وسموه بتخصيص العلة . والقول الثاني : يقدح . اختاره من أصحابنا : ابن حامد ~~وقاله القاضي أيضا ، فيكون له في المسألة قولان . وهو مذهب الشافعي وأكثر ~~أصحابه ، وكثير من المتكلمين ، واختاره من الحنفية الماتريدي ، وقال : ~~تخصيص العلة باطل . قال : ومن قال بتخصيصها فقد وصف الله تعالى بالسفه ~~والعبث ، فأي فائدة من وجود العلة ولا حكم ؟ فصاحب هذا القول يقول تخصيصها ~~نقض لها ، ونقضها يتضمن إبطالها . وعلى هذا القول : فالفرق بين هذا وبين ~~جواز تخصيص PageV04P058 العموم ، ويبقى في الباقي حجة على المرجح : أن ~~العام يجوز إطلاقه على بعض ما تناوله ، فإذا خص فلا محذور فيه . وأما العلة ~~: فهي المقتضية للحكم ، فلا يتخلف مقتضاها عنها ، فشرط فيها الاطراد . ~~والقول الثالث : يقدح في المستنبطة إلا لمانع أو فوات شرط ، ولا يقدح في ~~المنصوصة ، مثال القدح في المستنبطة : تعليل القصاص بالقتل العمد العدوان ، ~~مع انتفائه في قتل الأب ، وعدم القدح في PageV04P059 المنصوصة : كقوله صلى ~~الله عليه وسلم { إنما ذلك عرق } مع القول بعدم النقض بالخارج النجس من غير ~~السبيل على رأي . وهذا اختيار الشيخ موفق الدين في الروضة . والقول الرابع ~~: عكس هذا القول ، وهو القدح في المنصوصة وعدمه في المستنبطة ، إلا إذا كان ~~لمانع أو فوات شرط ، قيده بذلك في المستنبطة السبكي في شرح مختصر ابن ~~الحاجب وقال : وإن لم يقيد بذلك حصل في ms492 كلام مختصر ابن الحاجب التكرار . ~~والقول الخامس : يقدح في المنصوصة إلا إذا كان بظاهر عام ، فإنه إذا كان ~~بقاطع : لم يتخلف الحكم وإذا كان خاصا بمحل الحكم لم يثبت التخلف ، وهو ~~خلاف الفرض ، وأما في المستنبطة : فيجوز فيما إذا كان التخلف لمانع أو ~~انتفاء شرط ، ويقدح فيما إذا كان التخلف دونهما ، وهو اختيار ابن الحاجب ، ~~فإنه قال : والمختار إن كانت مستنبطة لم يجز إلا لمانع أو عدم شرط ، لأنها ~~لا تثبت عليتها إلا ببيان أحدهما ؛ لأن انتفاء الحكم إذا لم يكن ذلك مانعا ~~لعدم PageV04P060 المقتضي . وإن كانت منصوصة بظاهر عام : فيجب تخصيصه كعام ~~وخاص ، ويجب تقدير المانع . انتهى . قال القاضي عضد الدين : وحاصل هذا ~~المذهب أنه لا بد من مانع أو عدم شرط ، لكن في المستنبطة يجب العلم بعينه . ~~وإلا لم تظن العلية ، وفي المنصوصة : لا يجب ، ويكفي في ظن العلية تقديره ، ~~وفي الصورتين لا تبطل العلية بالتخلف . انتهى . والقول السادس : المنع في ~~المنصوصة ، أو ما استثني من القواعد كالمصراة والعاقلة . اختاره الفخر ~~إسماعيل من أصحابنا ، والقول السابع : القدح مطلقا ، إلا أن يرد على سبيل ~~الاستثناء . ويعترض على جميع المذاهب كالعرايا . حكاه في جمع الجوامع عن ~~الفخر الرازي . PageV04P061 قال العراقي : وقد حكاه في المحصول عن قوم ، ~~واقتضى كلامه موافقتهم ، وقال في الحاصل : إنه الأصح . والقول الثامن : ~~يقدح إلا لمانع أو فقد شرط . وبه قال البيضاوي والهندي والقول التاسع : إن ~~كانت علة حظر لم يجز تخصيصها ، وإلا جاز . حكاه الباقلاني عن بعض المعتزلة ~~. والقول العاشر : إن كان التخلف لمانع أو فقد شرط ، أو في معرض الاستثناء ~~، أو كانت منصوصة بما لا يقبل التأويل : لم يقدح ، وإلا قدح . وليس الخلاف ~~لفظيا ، خلافا لأبي المعالي وابن الحاجب . وتأتي أحكام النقض في القوادح . ~~( والتعليل لجواز الحكم لا ينتقض بأعيان المسائل ) ك PageV04P062 ' الصبي ~~حر ، فجاز أن تجب زكاة ماله كبالغ ، فلا ينتقض بغير الزكوي ، قال أبو ~~الخطاب في التمهيد : فقال المعترض : ينتقض إذا كان له معلوفة أو عوامل ، أو ~~ماله دون نصاب ، فإن ذلك ليس ms493 بنقض ؛ لأن المعلل أثبت بالجواز حالة واحدة ، ~~وانتفاء الزكاة في حالة لا يمنع وجوبها في حالة أخرى ( و ) التعليل ( بنوعه ~~) أي نوع الحكم ( لا ينتقض بعين مسألة ) كالنقض بلحم الإبل نوع عبادة تفسد ~~بالحدث فتفسد بالأكل كالصلاة ، قال في التمهيد : فنقول : فينتقض بالطواف ، ~~فإنه نوع يفسد بالحدث ، ولا يفسد بالأكل ، فقالوا : عللنا نوع هذه العبادة ~~التي تفسد بالحدث ، فلا ينتقض بأعيان المسائل ؛ لأن الطواف PageV04P063 بعض ~~نوعها ، فإذا لم يوجد الحكم فيه وجد في بقية الفرع ( والكسر ) وهو ( وجود ~~الحكمة بلا حكم ) كقول حنفي في عاص بسفره : سافر ، فيترخص كغير العاصي ، ثم ~~يبين مناسبة السفر بالمشقة ، فيعترض بمن صنعته شاقة حضرا لا يترخص إجماعا ( ~~والنقض المكسور نقض بعض الأوصاف ) قال البرماوي : قال أكثر الأصوليين ~~والجدليين : إنه إسقاط وصف من أوصاف العلة المركبة ، وإخراجه من الاعتبار ~~ببيان أنه لا أثر له ، وله صورتان . إحداهما : أن يبدل ذلك الوصف الخاص ~~الذي يبين أنه PageV04P064 لغوي بوصف أعم منه ، ثم ينقضه على المستدل ، ~~كقول شافعي في إثبات صلاة الخوف : صلاة يجب قضاؤها ، فيجب أداؤها ، كصلاة ~~الأمن فيقول المعترض : خصوص كونها صلاة ملغى ، لا أثر له ؛ لأن الحج والصوم ~~كذلك ، فلم يبق إلا الوصف العام ، وهو كونها عبادة . فينقضه عليه بصوم ~~الحائض ، فإنه عبادة يجب قضاؤها ، ولا يجب أداؤها ، بل يحرم . الصورة ~~الثانية : أن لا يبدل خصوص الصلاة ، فلا يبقى علة للمستدل إلا قوله : يجب ~~قضاؤها ، فيقال عليه : وليس كل ما يجب قضاؤه يؤدى . دليله : الحائض ، فإنه ~~يجب عليها قضاء الصوم دون أدائه . قال أبو إسحاق الشيرازي في الملخص : وهو ~~سؤال مليح ، والاشتغال به ينتهي إلى بيان الفقه وتصحيح العلة ، وقد اتفق ~~أكثر أهل العلم على صحته وإفساد العلة به ، ويسمونه النقض من طريق المعنى ، ~~والإلزام من طريق الفقه . وأنكر ذلك طائفة من الخراسانيين . اه . ~~PageV04P065 ومن أمثلة ذلك : أن يقول شافعي في بيع ما لم يره المشتري : بيع ~~مجهول الصفة عند العاقد . فلا يصح ، كما لو قال : بعتك عبدا ، فيقول ~~المعترض ينكسر بما إذا نكح امرأة ms494 لم يرها . فإنه يصح مع كونها مجهولة الصفة ~~عند العاقد . فهذا كسر ، لأنه نقض من جهة المعنى ، إذ النكاح في الجهالة ~~كالبيع ، بدليل أن الجهل بالعين في كل منهما يوجب الفساد ، فوصف كونه مبيعا ~~ملغى ، بدليل أن الرهن ونحوه كذلك ، ويبقى عدم الرؤية ، فينتقض بنكاح من لم ~~يرها ، وإن نزلته على الصورة الأولى - وهي الإبدال بالأعم - فتقول : عقد ~~على من لم يره العاقد ، فينتقض بالنكاح . PageV04P066 ( و ) الصحيح عند ~~أصحابنا والأكثر : أن الكسر والنقض المكسور ( لا يبطلانها ) أي العلة . ~~واستدل لقول أصحابنا والأكثر أن العلة مجموع الأوصاف ، ولم ينقضاها . فإن ~~بين المعترض بأنه لا أثر له لكونه مبيعا ، فإن أصر المستدل على التعليل ~~بالوصفين بطل ما علل به ، لعدم تأثيره لا بالنقض ، وإن اقتصر على الوصف ~~المنقوض بطل بالنقض ؛ لأنه ورد على كل العلة . وإن أتى بوصف لا أثر له في ~~الأصل ليحترز به عن النقض لم يجز ( والعكس ، وهو عدم الحكم لعدم العلة شرط ~~) في PageV04P067 صحة العلة ( إن كان التعليل لجنس الحكم ، ) و ( لا ) يكون ~~شرطا ( إن كان ) التعليل ( لنوعه ) أي نوع الحكم ، قال ابن مفلح : اشتراطه ~~مبني على منع تعليل الحكم بعلتين ، فمن منع اشتراطه كعدم الحكم لعدم دليله ~~. والمراد بعدم الحكم : عدم الظن أو العلم به ، لتوقفه على النظر الصحيح في ~~الدليل ، ولا دليل ، وإلا فالصنعة دليل وجود الصانع ، ولا يلزم من عدمها ~~عدمه . ومن جوزه لم يشترطه ؛ لجواز دليل آخر . PageV04P068 هذا إن كان ~~التعليل لنوع الحكم ، نحو : الردة علة لإباحة الدم . فأما جنسه : فالعكس ~~شرط ، نحو : الردة علة لجنس إباحة الدم ، فلا يصح لفوات العكس . وظاهر ما ~~سبق : أن الخلاف في تعليل الحكم الواحد بعلتين معا ، وعلى البدل . انتهى . ~~قال العضد : شرط قوم في علة حكم الأصل الانعكاس ، وهو أنه كلما عدم الوصف ~~عدم الحكم ، ولم يشترطه آخرون . والحق أنه مبني على جواز تعليل الحكم [ ~~الواحد ] بعلتين مختلفتين ؛ لأنه إذا جاز ذلك صح أن ينتفي الوصف ولا ينتفي ~~الحكم لوجود [ الوصف ] الآخر وقيامه مقامه . وأما إذا لم ms495 يجز فثبوت الحكم ~~دون الوصف يدل على أنه ليس علة له وأمارة عليه ، وإلا لانتفى الحكم ~~بانتفائه ؛ لوجوب انتفاء الحكم عند انتفاء دليله . ونعني بذلك : انتفاء ~~العلم أو PageV04P069 الظن ، لا انتفاء نفس الحكم ، إذ لا يلزم من انتفاء ~~دليل الشيء انتفاؤه ، وإلا لزم من انتفاء الدليل على الصانع انتفاء الصانع ~~تعالى ، وإنه باطل . نعم يلزم انتفاء العلم أو الظن بالصانع ، فإنا نعلم ~~قطعا أن الصانع تعالى لو لم يخلق العالم ، أو لو لم يخلق فيه الدلالة ، لما ~~لزم انتفاؤه قطعا . هذا بناء على رأينا ، يعني أن بعض المجتهدين مصيب ~~وبعضهم مخطئ . وأما عند المصوبة : فلا حاجة إلى هذا العذر ؛ لأن مناط الحكم ~~عندهم : العلم أو الظن ، فإذا انتفيا انتفى الحكم . انتهى . ( ويجوز تعليل ~~حكم ) واحد ( بعلل ) متعددة ( كل صورة بعلة ) بحسب تعدد صوره بالنوع إذا ~~كان له صور PageV04P070 اتفاقا ، كتعليل قتل زيد بردته ، وقتل عمرو بالقصاص ~~، وقتل بكر بالزنا ، وقتل خالد بترك الصلاة ( و يجوز تعليل صورة ) واحدة ( ~~بعلتين ) ، ( وبعلل مستقلة ) على الصحيح ، كتعليل تحريم وطء هند - مثلا - ~~بحيضها وإحرامها وواجب صومها ، وكتعليل نقض الطهارة بخروج شيء من فرج ، ~~وزوال عقل ومس فرج . فإن كل واحد من المتعددين يثبت الحكم مستقلا . وإنما ~~كان كذلك لأن العلة الشرعية بمعنى المعرف ، ولا يمتنع تعدد المعرف ؛ لأن من ~~شأن كل واحد أن يعرف ، لا الذي PageV04P071 وجد به التعريف ، حتى تكون ~~الواحدة إذا عرفت فلا تعرف الأخرى ؛ لأنه تحصيل الحاصل ، وهذا قول أصحابنا ~~. قال بعضهم : ويقتضيه قول أحمد في خنزير ميت وغيره . وذكره ابن عقيل عن ~~جمهور الفقهاء والأصوليين . والقول الثاني : أنه غير جائز ، وما ذكروا من ~~الوقوع يعود إلى القسم الأول فقط ، وهو أن المعلل بها واحد بالنوع . وأما ~~الشخص فمتعذر ، فالقتل بأسباب أشخاص القتل متعددة والنوع واحد في المحل ~~الواحد . فأما القتل في صورة واحدة فمحال تعدده ، إذ هو إزهاق الروح ، ~~وكذلك أسباب الحدث : إنما هي أحداث في محل ، لا حدث واحد . والقول الثالث : ~~إن ذلك جائز في العلة المنصوصة دون PageV04P072 المستنبطة ms496 ؛ لأن المنصوصة ~~دل الشرع على تعددها ، فكانت أمارات . وأما المستنبطة : فما فائدة ~~استخراجها علة ؟ إلا أنه لا علة غيرها تتخيل . وجوابه : أنها إذا كانت ~~أمارات فاستنبطت متعددة فلا فرق . والقول الرابع : إن ذلك [ جائز ] في ~~العلة المستنبطة دون المنصوصة ، عكس الذي قبله . والقول الخامس : إن ~~المتعدد جائز عقلا وممتنع شرعا ، على معنى أنه لم يقع في الشرع ، لا على ~~معنى أن الشرع دل على منعه . والقول السادس : جواز التعليل بعلتين ~~متعاقبتين ، بأن يعلل PageV04P073 بإحداهما في وقت والأخرى في وقت آخر . ~~ولا يجوز التعليل بعلتين فأكثر في حالة واحدة . واستدل للقول الأول - وهو ~~الصحيح - بأن وقوعه في الخارج دليل جوازه ، وقد وقع . فللحدث علل مستقلة ~~كالبول والغائط والمذي ، وكذا للقتل للقتل وغيره ، واعترض الآمدي بأن الحكم ~~أيضا متعدد شخصا متحد نوعا . ولهذا ينتفي القتل بالردة قبل أن يقتص منه ~~بإسلامه . ويبقى القصاص ، وينتفي القتل بالقصاص قبل إسلامه بعفو الولي ، ~~ويبقى القتل بالردة ، وإباحة القتل بجهة القصاص حق للآدمي ، وبجهة الردة حق ~~لله تعالى . ولا يتصور ذلك في شيء واحد . ويقدم الآدمي في الاستيفاء . ~~وقاله قبله أبو المعالي . PageV04P074 واختاره بعض أصحابنا . قال : وعليه ~~نص الأئمة ، كقول أحمد في بعض ما ذكره هذا ، مثل : خنزير ميت حرام من وجهين ~~، فأثبت تحريمين ، وحل الدم متعدد لكن ضاق المحل ، ولهذا يزول واحد ، ويبقى ~~الآخر . ولو اتحد الحل بقي بعض حل ، فلا يبيح . وقول الفقهاء : وتتداخل هذه ~~الأحكام ، هو دليل تعددها ، وإلا فالشيء الواحد لا يعقل فيه تداخل . قال : ~~وقول أبي بكر من أصحابنا في مسألة الأحداث : إذا نوى أحدها ارتفع وحده ، ~~يقتضي ذلك . والأشهر لنا وللشافعية : يرتفع الجميع . وقاله المالكية ، وذلك ~~بأن الشيء لا يتعدد في نفسه بتعدد إضافاته ، وإلا غاير حدث البول حدث ~~الغائط ، وتعدده باختلاف الأحكام المتعلقة ، فدعوى خاصيته لا يفيده . | ~~وأيضا فالعلة دليل ، فجاز تعددها كبقية الأدلة ( و ) على الجواز ف ( كل ~~واحدة ) من العلل ( علة ) كاملة ( لا جزء علة ) عند الأكثر . PageV04P075 ~~وعند ابن عقيل : جزء علة . وقيل : العلة إحداها لا بعينها ms497 . واستدل للأول ~~بأنه ثبت استقلال كل منها منفردة . وأيضا لو لم تكن كل واحدة علة لامتنع ~~اجتماع الأدلة ؛ لأن العلل أدلة . ( و ) يجوز تعليل ( حكمين بعلة ) واحدة ، ~~بمعنى الأمارة اتفاقا ؛ لأن العلة إن فسرت بالمعرف ، فجوازه ظاهر ؛ إذ لا ~~يمتنع عقلا ولا شرعا نصب أمارة واحدة على حكمين مختلفين . بل قال الآمدي : ~~لا نعرف في ذلك خلافا ، كما لو قال الشارع : جعلت طلوع الهلال أمارة على ~~وجوب الصوم والصلاة ، أو طلوع فجر رمضان أمارة لوجوب الإمساك وصلاة ~~PageV04P076 الصبح . وسواء كان ذلك في الإثبات أو في النفي . وإلى ذلك أشير ~~بقوله ( إثبانا ونفيا ) فمن الإثبات : السرقة ؛ فإنها علة في القطع لمناسبة ~~زجر السارق ، حتى لا يعود ، وفي غرامة المال المسروق لصاحبه لمناسبته لجبره ~~. ومن العلة في النفي : الحيض ، فإنه علة لمنع الصلاة والطواف وقراءة ~~القرآن ومس المصحف وغير ذلك لمناسبته للمنع من كل ذلك . ولا يعد في مناسبة ~~وصف واحد لعدد من الأحكام . وذهب جمع يسير إلى المنع من ذلك . قالوا : لما ~~فيه من تحصيل الحاصل ؛ لأن الحكمة التي اشتمل عليها الوصف استوفاه أحد ~~الحكمين . PageV04P077 ورد بأنه يتوقف المقصود عليهما ، فلا يحصل جميعها ~~إلا بهما ، أو يحصل للحكم الثاني حكمة أخرى فتتعدد الحكمة ، والوصف ضابط ~~لأحدهما . ويدخل في إطلاقهم جواز تعليل حكمين بعلة واحدة لو كان بين ~~الحكمين تضاد ، ولكن بشرطين متضادين ، كالجسم يكون علة للسكون بشرط البقاء ~~في الحيز ، وعلة للحركة بشرط الانتقال عنه . وإنما اعتبر فيه الشرطان ؛ ~~لأنه لا يمكن اقتضاء العلة لهما بدون ذلك ؛ لئلا يلزم اجتماع الضدين وهو ~~محال . وإنما شرط التضاد في الشرطين ؛ لأنه لو أمكن اجتماعهما ، كالبقاء في ~~الحيز مع الانتقال مثلا ، فعند حصول ذينك الشرطين إن حصل الحكمان - أعني ~~السكون والحركة - لزم اجتماع الضدين ، وإن حصل أحدهما دون الآخر : لزم ~~الترجيح بلا PageV04P078 مرجح ، وإن حصل واحد منهما خرجت العلة عن أن تكون ~~علة ، فتعين التضاد في الشرطين . قاله البرماوي . وفي المسألة قول ثالث ~~مفصل ، وهو الجواز إن لم يتضادا ، كالحيض لتحريم الصلاة والصوم ، والمنع ms498 إن ~~تضادا ، كأن يكون مبطلا لبعض العقود مصححا لبعضها ، كالتأبيد يصحح البيع ~~ويبطل الإجارة . ( و ) من شروط العلة أيضا ( أن لا تتأخر علة الأصل عن حكمه ~~) يعني أنه يشترط أن لا يكون ثبوت العلة متأخرا عن ثبوت حكم الأصل المقيس ~~عليه ، كما لو قيل فيمن أصابه عرق الكلب : أصابه عرق حيوان نجس ، فكان نجسا ~~كلعابه ، فيمنع السائل كون عرق الكلب نجسا ، PageV04P079 فيقول المستدل : ~~لأنه مستقذر شرعا ، أي أمر الشرع بالتنزه عنه . فكان نجسا كبوله . فيقول ~~المعترض : هذه العلة ثبوتها متأخر عن حكم الأصل ؛ فتكون فاسدة ؛ لأن حكم ~~الأصل - وهو نجاسته - يجب أن تكون سابقة على استقذاره ؛ لأن الحكم ~~باستقذاره إنما هو مرتب على ثبوت نجاسته . وإنما كانت هذه العلة فاسدة ~~لتأخرها عن حكم الأصل فما يلزم من ثبوت الحكم من غير باعث ، على تقدير ~~تفسير العلة بالباعث . وقد فرضنا تأخرها عن الحكم ، وهو محال ؛ لأن الفرض : ~~أن الحكم قد عرف قبل ثبوت علته لكن إنما يتأتى هذا إذا قلنا إن معنى المعرف ~~: الذي يحصل التعريف به . أما إذا قلنا : إنه الذي من شأنه التعريف : فلا ~~لذلك . ( و ) من شروط العلة أيضا ( أن لا ترجع عليه ) أي على حكم الأصل ~~الذي استنبطت منه ( بإبطال ) حتى لو استنبطت من PageV04P080 نص ، وكانت ~~تؤدي إلى ذلك كان ذلك فاسدا ، وذلك ؛ لأن الأصل منشؤها ، فإبطالها له إبطال ~~لها ؛ لأنها فرعه ، والفرع لا يبطل أصله ؛ إذ لو أبطل أصله لأبطل نفسه ، ~~كتعليل الحنفية وجوب الشاة في الزكاة : بدفع حاجة الفقير ، فإنه مجوز ~~لإخراج قيمة الشاة ، فيتخير على ذلك بينها وبين قيمتها ، وهو مفض إلى عدم ~~وجوبها . ولهم أن يقولوا : ما الفرق بين هذا وبين تجويزكم الاستنجاء بكل ~~جامد طاهر قالع غير محترم ، استنباطا من أمره عليه الصلاة والسلام في ~~الاستنجاء بثلاثة أحجار ؟ فإنكم أبطلتم هذا التوسيع بغير الأحجار المأمور ~~بها ، لكنا نقول : إنما فهمنا إبطال تعيينها من قوله صلى الله عليه ~~PageV04P081 وسلم ، بعد ما أمره بالاستنجاء بثلاثة أحجار { ولا يستنجي ~~برجيع ولا عظم } فدل على أنه ms499 أراد أولا : الأحجار وما في معناها ، وإلا لم ~~يكن للنهي عن الرجيع والعظم فائدة . ( وفي قول : ولا بتخصيص ) يعني أنه هل ~~من شروط العلة : أن لا تعود على حكم الأصل الذي استنبطت منه بتخصيص ، أو ~~ليس ذلك من شرطها ؟ للعلماء في ذلك قولان ، ومن أمثلة ذلك : حديث { النهي ~~عن بيع اللحم بالحيوان } فإنه شامل للمأكول وغيره ، والعلة فيه - وهو ~~PageV04P082 معنى الربا - تقتضي تخصيصه بالمأكول ؛ لأنه بيع ربوي بأصله . ~~فما ليس بربوي لا مدخل له في النهي ، فقد عادت العلة على أصلها بالتخصيص ، ~~فلذلك جرى للشافعي قولان في بيع اللحم بالحيوان غير المأكول ، مأخذهما ذلك ~~. ولأصحابنا أيضا في ذلك قولان ، والصحيح منهما : صحة البيع في بيع اللحم ~~بالحيوان مطلقا . وأما عود العلة على حكم الأصل بالتعميم : فإنه جائز بغير ~~خلاف ، كما يستنبط من قوله صلى الله عليه وسلم { لا يقضي القاضي وهو غضبان ~~} أن العلة : تشويش الفكر ، فيتعدى إلى كل PageV04P083 مشوش من شدة فرح ~~ونحوه . ( و ) من شروط العلة أيضا ( أن لا يكون للمستنبطة معارض في الأصل ) ~~يعني أنه يشترط في العلة إذا كانت مستنبطة : أن لا تكون معارضة بمعارض مناف ~~موجود في الأصل صالح للعلية ، وليس موجودا في الفرع ؛ لأنه متى كان في ~~الأصل وصفان متنافيان يقتضي كل واحد منهما نقيض الآخر لم يصلح أن يجعل ~~أحدهما علة إلا بمرجح . مثال ذلك : أن يقول الحنفي في صوم الفرض ' صوم معين ~~' فيتأدى بالنية قبل الزوال كالنفل ، PageV04P084 فيقال له : صوم فرض ، ~~فيحتاط فيه ولا يبنى على السهولة ( و ) من شروط العلة أيضا ( أن لا تخالف ~~نصا ولا إجماعا ) ؛ لأن النص والإجماع لا يقاومهما القياس ، بل يكون إذا ~~خالفهما باطلا . مثال مخالفة النص : أن يقول حنفي : امرأة مالكة لبضعها ، ~~فيصح نكاحها بغير إذن وليها ، كبيعها سلعتها ، فيقال له : هذه علة مخالفة ~~لقول النبي صلى الله عليه وسلم { أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها ~~فنكاحها باطل } . ومثال مخالفة الإجماع : أن يقول مسافر فلا تجب عليه ~~الصلاة في السفر ، قياسا على صومه في عدم ms500 الوجوب في السفر ، بجامع المشقة ، ~~PageV04P085 فيقال : هذه العلة مخالفة للإجماع على عدم اعتبار المشقة في ~~الصلاة ، ووجوب أدائها على المسافر مع وجود مشقة السفر . ومثال آخر لو قيل ~~: إن الملك لا يعتق في الكفارة لسهولته عليه ، بل يصوم ، وهو يصلح مثالا ~~لهما . قاله العضد . ( و ) من شروطها أيضا ( أن لا تتضمن زيادة على النص ) ~~) أي حكما في الأصل غير ما أثبته النص ؛ لأنها إنما تعلم مما أثبت فيه . ~~مثاله { لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا يدا بيد سواء بسواء } فتعلل الحرمة ~~بأنه ربا فيما يوزن كالنقدين ، فيلزم التقابض ، مع أن النص لم يتعرض له . ~~وقال الآمدي : لا يشترط ذلك ، إلا أن تكون الزيادة PageV04P086 منافية للنص ~~؛ لأنها إذا لم تناف لم يضر وجودها . قال البرماوي : هو المختار . ( و ) من ~~شروطها أيضا ( أن يكون دليلها شرعيا ) وذلك ؛ لأن دليلها لو كان غير شرعي ~~للزم أن لا يكون القياس شرعيا ( و ) من شروطها أيضا ( أن لا يعم دليلها حكم ~~الفرع ) يعني أن لا يكون دليل العلة شاملا لحكم الفرع ( بعمومه ) كقياس ~~التفاح على البر بجامع الطعم ، فيقال : العلة دليلها حديث { الطعام بالطعام ~~، مثلا بمثل } رواه مسلم ( أو بخصوصه ) كقوله صلى الله عليه وسلم { من قاء ~~أو رعف PageV04P087 فليتوضأ } وإن كان الحديث ضعيفا ، لكن يذكر للتمثيل ، ~~فلو قيل في القيء : خارج من غير السبيلين ، فينقض كالخارج منهما . ثم استدل ~~على أن الخارج منهما ينقض بهذا الحديث : لم يصح ؛ لأنه تطويل بلا فائدة ، ~~بل في الثاني - مع كونه تطويلا - رجوع عن القياس ؛ لأن الحكم حينئذ يثبت ~~بدليل العلة ، لا بنفس العلة ، فلم يثبت الحكم بالقياس . قال العضد : لنا ~~أنه يمكن إثبات الفرع بالنص ، كما يمكن إثبات الأصل به . فالعدول عنه إلى ~~إثبات الأصل ، ثم العلة ، ثم بيان وجودها في الفرع ، ثم بيان ثبوت الحكم ~~بها : تطويل بلا فائدة . وأيضا فإنه رجوع من القياس إلى PageV04P088 النص ( ~~وأن تتعين ) يعني أن من شروط العلة أيضا : أن تكون معينة لا مبهمة ، بمعنى ~~شائعة ، خلافا لمن اكتفى بذلك ، متعلقا بقول ms501 عمر رضي الله عنه ' اعرف ~~الأشباه والنظائر ، وقس الأمور برأيك ' فيكفي عندهم كون الشيء مشبها للشيء ~~شبها ما . قال الهندي : لكن أطبق الجماهير على فساده ؛ لأنه يفضي إلى أن ~~العامي والمجتهد سواء في إثبات الأحكام الشرعية في الحوادث ، إذ ما من عامي ~~إلا وعنده معرفة بأن هذا النوع أصل من الأصول عام في أحكام كثيرة . ~~PageV04P089 وأجمع السلف على أنه لا بد في الإلحاق من الاشتراك بوصف خاص ، ~~فإنهم كانوا يتوقفون في الحوادث لا يلحقونها بأي وصف كان بعد عجزهم عن ~~إلحاقها بما يشاركها في وصف خاص ، أما التعليل بأحد أمرين أو ثلاثة ونحو ~~ذلك من المحصور : فلا يمتنع كما لو مس الرجل من الخنثى فرج الرجل أو المرأة ~~من الخنثى فرج النساء بشهوة ، فإنه ينتقض وضوء الماسين ؛ لأنه إما مس فرج ~~أو مس لشهوة . ( و ) من شروط العلة أيضا ( أن لا تكون وصفا مقدرا ) غير ~~حقيقي ، أي مفروضا لا حقيقة له ، كتعليل جواز التصرف PageV04P090 بالبيع ~~ونحوه بالملك . قال الرازي : والحق أنه لا يجوز التعليل بالصفات المقدرة ، ~~خلافا للفقهاء البصريين . قال صاحب تنقيح المحصول : أنكر الإمام وجمع تصوير ~~التقدير في الشرع ، فضلا عن التعليل به . قال في شرح التحرير : قلت : ~~الفروع الفقهية كثيرة بالتعليل بالأمور التقديرية ، لا يكاد أن يكون عندهم ~~في ذلك خلاف ، وكأنها عندهم بمنزلة التحقيقيات . ألا ترى أن الحدث عندهم ~~وصف وجودي مقدر قيامه بالأعضاء يرفعه الوضوء والغسل ، ولا يرفعه التيمم ~~ونحو ذلك PageV04P091 ( وقد تكون ) العلة ( حكما شرعيا ) عند الأكثر . ~~وذكره أبو الخطاب عن أصحابنا ، وعلله بأنه أمارة ، والعلة التي يحتاج إلى ~~إثباتها في الأصل المتعدية إلى الفرع . وأيضا قد يدور حكم مع حكم ، ~~والدوران علة كما يأتي . ومنعه آخرون ، قال ابن قاضي الجبل : اختلفوا في ~~تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي ، كقولنا : من صح طلاقه صح ظهاره على ~~أقوال . أحدها : الجواز ، وهو قول أصحابنا ، ذكره أبو الخطاب وطائفة من ~~الأصوليين . وقيل : لا يجوز ، ويعزى إلى بعض المتكلمين وابن عقيل وابن ~~المني . PageV04P092 وقيل : يجوز كونه علة ، بمعنى الأمارة ، لا ms502 في أصل ~~القياس ؛ لأن العلة فيه تكون بمعنى الباعث ، لا بمعنى الأمارة . ا ه ( ~~وتكون صفة الاتفاق ) في مسألة ( و ) صفة ( الاختلاف ) في أخرى ( علة ) ~~للحكم عند أصحابنا والأكثر ، كالإجماع حادث ، وهو دليل ، والاختلاف يتضمن ~~خفة حكمه ، وعكسه الاتفاق ، كقولنا في المتولد بين الظباء والغنم : متولد ~~من أصلين يزكى أحدهما إجماعا ، فوجب فيه ، كمتولد بين سائمة ومعلوفة . وقول ~~الحنفية في الكلب : مختلف في حل لحمه ، فلم يجب في ولوغه عدد كالسبع . ~~ومنعه بعضهم لحدوثها بعد الأحكام . وقاله القاضي في تعليقه ضمن مسألة ~~النبيذ لنا ( ويتعدد الوصف ويقع ) يعني أنه يجوز التعليل بالوصف المتعدد ~~عندنا وعند الأكثر ، ويسمى الوصف المركب ؛ لأن PageV04P093 الذي يستدل به ~~على العلة المفردة يستدل به على العلة المركبة ، فهما سواء . وذلك كما نقول ~~في قصاص النفس : قتل محض عدوان وقيل : لا ؛ لأن التعليل بالمركب يؤدي إلى ~~محال . فإنه بانتفاء جزء منه تنتفي عليته ، فبانتفاء آخر يلزم تحصيل الحاصل ~~؛ لأن انتفاء الجزء علة لعدم العلية . رد لا نسلم أنه علة ، وإنما هو عدم ~~شرط ، فإن كل جزء شرط للعلية . ولو سلم أنه علة ، فحيث لم يسبقه غيره إلى ~~انتفاء جزء آخر ، كما في نواقض الوضوء . ( وما حكم به الشارع مطلقا ، أو في ~~عين ، أو فعله ) الشارع ( أو أقره ) أي أقر الشارع غيره على فعله ( لا يعلل ~~بمختصة ) أي PageV04P094 بعلة مختصة ( بذلك الوقت ؛ بحيث يزول الحكم مطلقا ~~) بزوالها ( وقد تزول العلة ويبقى الحكم كالرمل ) قال ابن مفلح : قال بعض ~~أصحابنا - وعنى به الشيخ تقي الدين - ما حكم به الشارع مطلقا ، أو في عين ، ~~أو فعله ، أو أقره : هل يجوز تعليله بعلة مختصة بذلك الوقت ، بحيث يزول ~~الحكم مطلقا ؟ جوزه الحنفية والمالكية ذكره في مسألة التحليل ، وذكره ~~المالكية في حكمه بتضعيف الغرم على سارق الثمر المعلق ، والضالة المكتومة ، ~~ومانع الزكاة ، وتحريق متاع الغال وهو شبهتهم أن حكم المؤلفة انقطع . ومنعه ~~أصحابنا والشافعية ، PageV04P095 ثم قال بعضهم - يعني به الشيخ تقي الدين ~~أيضا - قد تزول العلة ويبقى الحكم ، كالرمل . وقال بعضهم : النطق ms503 حكم مطلق ~~، وإن كان سببه خاصا فقد ثبتت العلة مطلقا . وهذان جوابان لا حاجة إليهما . ~~واحتج بأن هذا رأي مجرد ، وبتمسك الصحابة ب ' نهيه عن ادخار لحوم الأضاحي ' ~~في العام القابل . ومراده : أنه صح عن ابن عمر وأبي سعيد وقتادة بن النعمان ~~، وقول جابر ' كنا لا نأكل ، فرخص PageV04P096 لنا ' . ( وتعليله ) أي ~~الحكم ( بعلة زالت . وإذا عادت ) العلة عاد الحكم ( فيه نظر ) ( وعكسه ) أي ~~عكس ما تقدم تعليل حكم ناسخ بمختصة أي بعلة مختصة بذلك الزمن ، بحيث إذا ~~زالت تلك العلة ( زال ) الحكم . قال ابن قاضي الجبل : والحكم هنا أقسام ، ~~أعلاها : أن يكون بخطاب مطلق . الثاني : أن يثبت في أعيان . الثالث : أن ~~يكون فعلا أو إقرارا ، PageV04P097 فإن كان الحكم مطلقا ، فهل يجوز تعليله ~~بعلة قد زالت ؟ لكن إذا عادت يعود . فهذا أخف من الأول ، وفيه نظر . قلت : ~~نظيره قول من قال بانقطاع نصيب المؤلفة عند عدم الاحتياج إليه . فإن وجدت ~~الحاجة إلى التأليف عاد جواز الدفع لعود العلة . ا ه . أما تعليله بعلة ~~زالت ، لكن إذا عادت ففيه نظر . وعكسه : تعليل الناسخ بعلة مختصة بذلك ~~الزمن ، بحيث إذا زالت زال ، ويقع الفقهاء فيه كثيرا ( ووقوعه ) أي وقوع ~~هذا التعليل ( في خطاب عام فيه نظر ) وفي واضح ابن عقيل : ألحق الحنفية ~~النسخ بزوال العلة ، كالخمر حرمت أولا وألفوا شربها ، فنهي عن تخليلها ~~تغليظا ، وزالت باعتياد الترك ، فزال الحكم ، ثم أبطله بأنه نسخ بالاحتمال ~~كمنعه في حد وفسق ونجاستها . PageV04P098 # | ( فصل ) # ( لا يشترط القطع بحكم الأصل ) يعني أنه لا يشترط في العلة ، ولو كانت ~~مستنبطة : أن تكون من أصل مقطوع بحكمه على الصحيح ، إذ يجوز القياس على ما ~~ثبت حكمه بدليل ظني كخبر الواحد ، والعموم والمفهوم وغيرها ؛ لأنه غاية ~~الاجتهاد فيما يقصد به العمل . واشترط بعضهم في المستنبطة : أن تكون من أصل ~~مقطوع بحكمه ( ولا ) يشترط أيضا القطع ( بوجودها ) أي وجود العلة ( في ~~الفرع ) على الصحيح ؛ لأن القياس إذا كان ظنيا ، فلا يضر كون مقدماته أو ~~شيء منها ظنيا . PageV04P099 وشرط بعضهم ذلك ( ولا ) يشترط ms504 فيها أيضا ( ~~انتفاء مخالفة مذهب صحابي إن لم يكن حجة ) على الصحيح . وإن قلنا : هو حجة ~~، فيقدم على القياس ، واشترطه بعضهم ( ولا ) يشترط أيضا لصحة العلة ( النص ~~عليها أو الإجماع على تعليله ) أي تعليل حكم الأصل الصحيح الذي عليه جمهور ~~العلماء : أنه لا يشترط أن يرد نص دال على عين تلك العلة ، ولا الاتفاق على ~~أن حكم الأصل معلل . وخالف في ذلك بشر المريسي ، فاشترط أحدهما ، على ~~PageV04P100 ظاهر كلامه في جمع الجوامع . والذي ذكره الرازي في المحصول عن ~~بشر : اشتراط الأمرين معا . ( وإذا كانت علة انتفاء الحكم وجود مانع ) ~~كالأبوة في القصاص ( أو عدم شرط ) كعدم الرجم بعدم الإحصان ( لزم وجود ~~المقتضي ) مثل بيع من أهله في محله عند الأكثر . قال الآمدي : لأن الحكم ~~شرع لمصلحة الخلق ، فما PageV04P101 لا فائدة فيه لم يشرع ، فانتفى لنفي ~~فائدته . وخالف في ذلك الرازي وأتباعه ( ويصح كون العلة صورة المسألة ) نحو ~~: يصح رهن مشاع ، كرهنه من شريكه ، ومنعه بعضهم ، حكى ابن عقيل القولين ، ~~وقال عن الأول : إنه أصح ، وإن بعضهم صححه أيضا ( وحكم الأصل ثابت بالنص لا ~~بها ) أي لا بالعلة عندنا وعند الحنفية PageV04P102 قال ابن مفلح : لأنه قد ~~يثبت تعبدا . فلو ثبت بالعلة لم يثبت مع عدمها ؛ ولأنها مظنونة ، وفرع عليه ~~، ومرادهم : أنه معرف له . وعند الشافعية : بالعلة . ومرادهم الباعثة عليه ~~، فالخلاف لفظي أه . PageV04P103 صفحة فارغة PageV04P104 # | ( فصل ) # لما فرغ من تعريف حكم الأصل وشروطه ، وتعريف العلة وشروطها ، وتعريف ~~الفرع شرع في ذكر شروطه ، فقال ( شرط فرع : أن توجد ) العلة ( فيه ) أي في ~~الفرع ( بتمامها ) أي العلة حتى لو كانت العلة ذات أجزاء ، فلا بد من ~~اجتماع الكل في الفرع ( فيما يقصد من عينها ) أي عين العلة ( أو جنسها ) . ~~( فإن كانت ) العلة ( قطعية ) كقياس الضرب للوالدين على قول أف ، بجامع أنه ~~إيذاء ( ف ) القياس ( قطعي ، وهو ) أي هذا القياس يسمى ( قياس الأولى ) ؛ ~~لأن الإيذاء بالضرب أولى بالمنع PageV04P105 من الإيذاء بقول ' أف ' وإن ~~كانت العلة قطعية ، ولكن ليست بأولى ، كالنبيذ يقاس على الخمر بجامع ~~الإسكار ms505 . فالقياس أيضا قطعي ( و ) يسمى قياس ( المساواة ) ، ( أو ) كانت ~~العلة ( ظنية ) كقياس التفاح على البر في أنه لا يباع إلا يدا بيد ، ونحو ~~ذلك بجامع الطعم ، فالمعنى المعتبر - وهو الطعم - موجود في الفرع بتمامه ( ~~ف ) القياس ( ظني وهو ) أي هذا القياس يسمى ( قياس الأدون ) ؛ لأنه ليس ~~ملحقا بالأصل إلا على تقدير أن العلة فيه الطعم ، فإن كانت فيه تركب من ~~الطعم مع التقدير بالكيل ، أو كانت العلة القوت أو غير ذلك لم يلحق به ~~التفاح . وظهر بذلك : أنه ليس المراد بالأدون أن لا يوجد فيه المعنى بتمامه ~~، بل أن تكون العلة في الأصل ظنية . قال ابن مفلح تبعا لابن الحاجب : من ~~شروط PageV04P106 الفرع مساواة علته علة الأصل فيما يقصد من عين العلة أو ~~جنسها ، كالشدة المطربة في النبيذ ، وكالجناية في قياس قصاص طرف على نفس . ~~أما العين : فقياس النبيذ على الخمر ، بجامع الشدة المطربة ، وهي بعينها ~~موجودة في النبيذ . وأما الجنس : فقياس الأطراف على القتل في القصاص ، ~~بجامع الجناية المشتركة بينهما ، فإن جنس الجناية هو جنس لإتلاف النفس ~~والأطراف ، وهو الذي قصد الاتحاد فيه ، وعن بعض الحنفية : يكفي مجرد الشبه ~~. لنا اعتبار الصحابة المعنى المؤثر في الحكم ، ولاشتراك العامي والعالم ~~فيه ؛ ولأنه ليس هذا الشبه بأولى من عكسه ، PageV04P107 وكالقياس العقلي . ~~قالوا : لم تعتبر الصحابة سوى مجرد الشبه . رد بالمنع . انتهى . ( و ) ~~يشترط مع ذلك ( أن تؤثر ) العلة ( في أصلها المقيس عليه ) عند أصحابنا ~~والحنفية والشافعية . واكتفى الحلواني وأبو الطيب بتأثيرها في أصل ، أي أصل ~~كان . ( و ) من شروط الفرع أيضا ( أن يساوي حكمه حكم الأصل فيما يقصد كونه ~~وسيلة للحكمة من عين الحكم ) كالقصاص في النفس بالمثقل على المحدد ( أو ~~جنسه ) أي جنس الحكم ، كالولاية في نكاح الصغيرة على الولاية في مالها ، ~~فإن PageV04P108 ولاية النكاح مساوية لولاية المال في جنس الولاية لا في ~~عين تلك الولاية ؛ فإنها سبب لنفاذ التصرف ، وليست عينها ، لاختلاف ~~التصرفين . وأما إذا اختلف الحكم لم يصح ، كقول الحنبلي : يوجب الظهار ~~الحرمة في حق الذمي كالمسلم . قالت ms506 الحنفية : الحرمة في المسلم متناهية ~~بالكفارة ، والحرمة في الذمي مؤبدة ؛ لأنه ليس من أهل الكفارة ، فيختلف ~~الحكم فيهما . وجوابه : أن يبين المستدل الاتحاد ، فيمنع كون الذمي ليس من ~~أهل الكفارة ، بل عليه الصوم بأن يسلم ويأتي به ، ويصح إعتاقه وإطعامه مع ~~الكفر اتفاقا ، فهو من أهل الكفارة ، فالحكم متحد ، والقياس صحيح . ~~PageV04P109 ( و ) من شروط الفرع أيضا ( أن لا يكون منصوصا على حكمه بموافق ~~) قال الكوراني : من شروط الفرع : أن لا يكون حكمه منصوصا عليه بنص موافق ؛ ~~لأن وجود النص يغني عن القياس لتقدمه عليه ، خلافا لمن يجوز قيام دليلين ~~على مدلول واحد ، فإنه يجتمع عنده النص والقياس على حكم واحد . فالتحقيق : ~~أنه إن أراد طائفة جوزت قيام دليلين ، بمعنى أن كلا منهما يفيد العلم ~~بالمدلول : فهذا غير معقول ؛ لأنه تحصيل PageV04P110 الحاصل . وإن أراد ~~إيضاحا واستظهارا : فلم يخالف فيه أحد . ألا تراهم يقولون : الدليل على ~~المسألة الإجماع والنص والقياس ؟ . وأما إذا كان النص مخالفا : فقد علمت ~~أنه مقدم على القياس . انتهى . قال الحنفية والآمدي وابن الحاجب وابن حمدان ~~: ( ولا متقدما على حكم الأصل ) زاد الآمدي : إلا أن يذكره إلزاما للخصم . ~~وقال الموفق والمجد والطوفي : يشترط لقياس العلة ، لا لقياس الدلالة . ~~PageV04P111 قال الكوراني : ومن شروطه : أن لا يتقدم على حكم الأصل ، كقياس ~~الوضوء على التيمم في وجوب النية ، فإن التيمم متأخر عنه ، فلو ثبت به ثبت ~~حكم شرعي بلا دليل ، إذ الفرض أنه لا دليل عليه سوى القياس . نعم لو قيل ~~ذلك إلزاما صح ، كما قال الشافعي للحنفية : طهارتان ، أنى يفترقان ؟ هكذا ~~قيل . وفيه نظر ؛ لأن الحنفية ليس عندهم في المسألة قياس حتى يلزموا ، ولا ~~الشافعي قائل بالقياس ، بل وجوب النية فيهما إنما ثبت بقوله صلى الله عليه ~~وسلم { إنما الأعمال بالنيات } . ( ولا ) يشترط في الفرع ( ثبوت حكمه بنص ~~جملة ) أي في الجملة ، خلافا لأبي هاشم وأبي زيد . PageV04P112 مثال ذلك : ~~إذا قلنا في اجتماع الجد مع الإخوة : يرث معهم ، قياسا على أحدهم ؛ لأن كلا ~~من الجد والأخ يدلي بالأب ، فلولا دل الدليل ms507 على إرث الجد في الجملة لما ~~ساغ القياس في هذه الصورة . رد بأن العلماء قاسوا أنت علي حرام : إما على ~~الطلاق ، لا في تحريمها ، أو على الظهار في وجوب الكفارة ، أو على اليمين ~~في كونه إيلاء . ولم يوجد في ذلك نص يدل على الحكم لا جملة ولا تفصيلا . ~~PageV04P113 صفحة فارغة PageV04P114 # | ( مسالك العلة ) # لما فرغ من شروط العلة وغيرها من أركان القياس شرع في بيان الطرق التي ~~تدل على كون الوصف علة ، ويعبر عنها بمسالك العلة . المسلك الأول ( الإجماع ~~) وقدم لقوته . سواء كان قطعيا أو ظنيا ، وأخر النص لطول الكلام على ~~تفاصيله ، PageV04P115 والمراد بثبوت العلة بالإجماع : أن تجمع الأمة على ~~أن هذا الحكم علته كذا . كإجماعهم في قوله صلى الله عليه وسلم { لا يقضي ~~القاضي وهو غضبان } على أن علته شغل القلب ، وكإجماعهم على تعليل تقديم ~~الأخ من الأبوين في الإرث على الأخ للأب بامتزاج النسبين ، أي وجودهما فيه ~~، فيقاس عليه تقديمه في ولاية النكاح ، وصلاة الجنازة ، وتحمل العقل ، ~~والوصية لأقرب الأقارب والوقف عليه ونحوه . فإن قلت : إذا أجمعوا على هذا ~~التعليل فكيف يتجه الخلاف في هذه الصورة ؟ قلت : لعل منشأ الخلاف التنازع ~~في وجود العلة في الأصل أو الفرع أو في حصول شرطها أو مانعها ، لا في كونها ~~علة . قاله ابن العراقي وغيره ، وكإجماعهم على تعليل الولاية على الصغير ~~بكونه صغيرا ، فيقاس عليه الولاية عليه في النكاح . PageV04P116 المسلك ( ~~الثاني ) من مسالك العلة ( النص ) من كتاب الله تعالى أو من سنة رسوله صلى ~~الله عليه وسلم ( ومنه ) أي من النص ما هو ( صريح ) وهو ما وضع لإفادة ~~التعليل ، بحيث لا يحتمل غير العلة ( ك ) أن يقال ( لعلة ) كذا ( أو سبب ) ~~كذا ( أو أجل ) كذا ( أو من أجل كذا ) نحو قوله تعالى ' { من أجل ذلك كتبنا ~~على بني إسرائيل } وقوله صلى الله عليه وسلم { إنما جعل PageV04P117 ~~الاستئذان من أجل البصر } متفق عليه وقوله صلى الله عليه وسلم { إنما ~~نهيتكم - يعني عن ادخار لحوم الأضاحي - من أجل الدافة التي دفت فكلوا ~~وادخروا } رواه ms508 مسلم . أي لأجل التوسعة على الطائفة التي قدمت المدينة أيام ~~التشريق . والدافة : القافلة السائرة ، مشتقة من الدفيف ، وهو السير اللين ~~، ومنه قولهم : دفت علينا من بني فلان دافة . قاله الجوهري ( أو ) يقال ( ~~كي ) يكون كذا ، سواء كانت مجردة من ' لا ' نحو قوله تعالى { كي تقر عينها ~~ولا تحزن } أو مقرونة بها نحو { لكي لا تأسوا على ما فاتكم } { كي لا يكون ~~دولة بين الأغنياء منكم } فلا يحصل للفقراء شيء PageV04P118 ( أو ) يقال ( ~~إذا ) ، نحو { قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب وقد قال له أجعل لك ~~صلاتي كلها ؟ قال : إذا يغفر الله لك ذنبك كله } وفي رواية { إذا يكفيك ~~الله هم الدنيا والآخرة } . ( وكذا ) يكون من الصريح ( إن ) المكسورة ~~الهمزة المشددة النون عند القاضي أبي يعلى وأبي الخطاب والآمدي وابن ~~PageV04P119 الحاجب وغيرهم ، نحو { قوله صلى الله عليه وسلم لما ألقى ~~الروثة أما إنها رجس } { وقوله صلى الله عليه وسلم في الهرة إنها من ~~الطوافين عليكم والطوافات } معللا طهارتها بذلك ( وهي ) يعني ' إن ' ~~المشددة النون حال كونها ( ملحقة بالفاء آكد ) نحو قوله صلى الله عليه وسلم ~~في المحرم الذي وقصته راحلته { فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا } وقوله صلى ~~الله عليه وسلم في الشهداء { زملوهم بكلومهم ودمائهم ؛ فإنهم يبعثون يوم ~~PageV04P120 القيامة وأوداجهم تشخب دما } ووجه كونها ملحقة بالفاء آكد ~~لدلالتها على أن ما بعدها سبب للحكم قبلها . وعند البيضاوي وابن السبكي ~~وغيرهما : أن التعليل ب ' إن ' من قسم الظاهر . وعند ابن البناء وغيره : أن ~~ذلك من قسم الإيماء ( وزيد ) أي وزاد بعضهم في قسم الصريح ( المفعول له ) ~~نحو قوله تعالى { يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت } لأن { ~~حذر الموت } علة للفعل ( و ) من النص أيضا ما هو ( ظاهر ) وهو ما يحتمل غير ~~العلية احتمالا مرجوحا ( كاللام ) PageV04P121 ثم تارة تكون ( ظاهرة ) ، أي ~~ملفوظا بها ، نحو قوله تعالى { كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات ~~إلى النور } { أقم الصلاة لدلوك الشمس } { ليذوق وبال أمره } وهو كثير ( و ~~) تارة تكون ( مقدرة ) نحو قوله ms509 تعالى { عتل بعد ذلك زنيم أن كان ذا مال ~~وبنين } أي : لأن كان . ومنه ما في الصحيحين في قصة الزبير من قول الأنصاري ~~لما خاصمه في شراج الحرة ' أن كان ابن عمتك ' PageV04P122 وكما يقال في ~~الكلام : أن كان كذا . فالتعليل مستفاد من اللام المقدرة لا من ' أن ' ~~ويدخل في هذا ' إذا كان ' الواقع بعد ' أن ' : ' كان ' وحذفت واسمها وبقي ~~خبرها ، وعوض عن ذلك ' ما ' كقوله : أبا خراشة ، أما أنت ذا نفر فإن قومي ~~لم تأكلهم الضبع أي لأن كنت ذا نفر ؟ وإنما لم تجعل اللام وما سيأتي بعدها ~~من الصريح ؛ لأن كلا منها له معان غير التعليل PageV04P123 ( والباء ) عطف ~~على ' كاللام ' نحو قوله تعالى { فبما رحمة من الله لنت لهم } أي بسبب ~~الرحمة وقوله تعالى { جزاء بما كانوا يكسبون } فهي - وإن كان أصل معناها ~~الإلصاق ولها معان غيره - فقد كثر استعمالها في التعليل . وعند الأصحاب ~~وغيرهم ( إن قام دليل أنه ) أي إن المتكلم ( لم يقصد ) بكلامه ( التعليل ) ~~فاستعمال أداة التعليل فيما لا يصلح علة ( مجاز ) ويعرف ذلك بعدم الدليل ~~على عدم صلاحيته علة ( ك ) أن يقال لفاعل شيء ( لم فعلت ؟ فيقول : لأني ~~أردت ) فإن هذا لا يصلح أن يكون علة ؛ لأن العلة في الاصطلاح : هو المقتضي ~~PageV04P124 الخارجي للفعل ، أي المقتضي له من خارج . والإرادة إما موجبة ~~للفعل أو مصححة له ، فيكون قوله ' لأني أردت ' استعمال اللفظ في غير محله ، ~~فيكون مجازا . ( و ) من النص أيضا ( إيماء وتنبيه ) يعني أن النص ينقسم إلى ~~ثلاثة أقسام . الأول : الصريح ، والثاني : الظاهر ، والثالث : الإيماء ~~والتنبيه . والإيماء : هو اقتران الوصف بحكم لو لم يكن الوصف - أو نظيره - ~~للتعليل لكان ذلك الاقتران بعيدا من فصاحة كلام الشارع ، وكان إتيانه ~~بالألفاظ في غير مواضعها ، مع كون كلام الشارع منزها عن الحشو الذي لا ~~فائدة فيه . ويتنوع الإيماء إلى أنواع أشير إليها بقوله ( ومن أنواعه : ~~ترتب حكم عقب وصف بالفاء ، من كلام الشارع وغيره ) ، PageV04P125 ( فإنها ) ~~أي الفاء ( للتعقيب ظاهرا ، ويلزم منه السببية ) نحو قوله تعالى { قل هو ~~أذى ms510 فاعتزلوا } وقوله تعالى { والسارق والسارقة فاقطعوا } وقوله تعالى { ~~الزانية والزاني فاجلدوا } ونحو قوله صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي ~~وقصته راحلته . فالفاء في الآيات داخلة على الحكم ، وفي الحديث داخلة على ~~العلة ، والحكم متقدم ، وتقدم العلة ثم مجيء الحكم بالفاء أقوى من عكسه . ~~وتارة تأتي ' الفاء ' في غير كلام الشارع ، كقول عمران بن حصين رضي الله ~~عنه { سها رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV04P126 فسجد } رواه أبو داود ~~وغيره . { زنى ماعز فرجم } . ولا فرق في العمل بذلك بين كون الراوي صحابيا ~~أو فقيها أو غيرهما ؛ لكن إذا كان صحابيا فقيها كان أقوى . فإن قيل : إذا ~~قال الراوي : هذا الحديث منسوخ ، أو حمل PageV04P127 حديثا رواه على غير ~~ظاهره ، لا يعمل به ؛ لجواز أن يكون عن اجتهاد . فكيف إذا قال للراوي { سها ~~فسجد } ونحوه يعمل به ، مع احتمال أن يكون عن اجتهاد ؟ فالجواب : أن هذا من ~~قبيل فهم الألفاظ من حيث اللغة ، لا أنه يرجع للاجتهاد ، بخلاف قوله : هذا ~~منسوخ ونحوه . ولهذا لو قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا ، أو ~~نهى عن كذا : يعمل به ، حملا على الرفع ، لا على الاجتهاد . إذا علم ذلك : ~~فإذا رتب الشارع حكما عقب وصف بالفاء ، إذ الفاء للتعقيب ، فتفيد تعقيب حكم ~~الوصف ، وأنه سببه ، إذ السبب ما ثبت الحكم عقبه . ولهذا تفهم السببية - مع ~~عدم المناسبة ك { من مس ذكره فليتوضأ } والصحيح : أن هذا نوع من الإيماء . ~~وقيل : من أقسام الصريح . وقيل : من أقسام الظاهر . PageV04P128 ( و ) من ~~أنواع الإيماء أيضا ( ترتب حكم على وصف بصيغة الجزاء ) نحو قوله تعالى { من ~~يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين } وقوله تعالى { ومن يقنت ~~منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين } وقوله تعالى { ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا } أي لتقواه ، وقوله صلى الله عليه وسلم { من اتخذ كلبا ~~- إلا كلب صيد أو ماشية - نقص من أجره كل يوم قيراطان } وكذا ما أشبهه . ~~فإن الجزاء يتعقب شرطه ويلازمه ، ولا معنى للسبب إلا ما ms511 يستعقب الحكم ويوجد ~~بوجوده . ( و ) من أنواعه أيضا ( ذكر حكم جوابا لسؤال لو لم يكن ) ~~PageV04P129 السؤال ( علته ) أي علة الحكم ل ( كان اقترانه ) أي السؤال ( ~~به ) أي بالحكم ( بعيدا شرعا ولغة ) أي في الشرع واللغة ( ولتأخر البيان ) ~~أي ولكان يلزم على ذلك تأخير البيان ( عن وقت الحاجة ) ، ( كقول الأعرابي { ~~واقعت أهلي في رمضان ، فقال : أعتق رقبة } ) أخرجه الستة . وهذا لفظ ابن ~~ماجه . فكأنه قيل : كفر ؛ لكونك واقعت في نهار رمضان ، فكان الحذف الذي ~~ترتب عليه الحكم لفظا موجودا هنا . فيكون PageV04P130 موجودا تقديرا ، ~~وأيضا لو كان المراد غير ذلك كان يلزم خلو السؤال عن الجواب ، وتأخير ~~البيان عن وقت الحاجة . ( ويسمى ) هذا النوع ( إن حذف ) منه ( بعض الأوصاف ~~) المترتب عليها الجواب ؛ لكونه لا مدخل له في العلة ، ككونه أعرابيا أو ~~زيدا ، وكون المجامعة زوجة أو أمة ، أو في قبلها ، وكونه شهر تلك السنة أو ~~غيرها ( تنقيح المناط ) فالتنقيح لغة : التخليص والتهذيب . يقال : نقحت ~~العظم إذا استخرجت مخه . والمناط : مفعل من ناط نياطا أي علق والمراد أن ~~الحكم تعلق بذلك الوصف فمعنى تنقيح المناط : الاجتهاد في تحصيل المناط الذي ~~ربط به الشارع الحكم ، فيبقى من الأوصاف ما يصلح ويلغى ما لا PageV04P131 ~~يصلح وقد أقر به أكثر منكري القياس . و أجراه أبو حنيفة في الكفارات ، مع ~~منعه القياس فيها . وذكر جماعة - كالتاج السبكي والبرماوي وغيرهما - أنه ~~أجود مسالك العلة بأن يبين إلغاء الفارق . ( ومنها ) أي ومن أنواع الإيماء ~~( تقدير الشارع وصفا لو لم يكن ) ذلك الوصف ( للتعليل كان ) تقديره ( بعيدا ~~) إذ ( لا فائدة فيه ) أي في التقدير حينئذ ، PageV04P132 ويكون ذلك ~~التقدير ( إما في السؤال ، { كقوله صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن بيع ~~الرطب بالتمر - أينقص الرطب إذا يبس ؟ قالوا : نعم فنهى عنه ) بأن قال : ~~فلا إذا } رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة والحاكم ، ~~فلو لم يكن تقدير نقصان الرطب بالجفاف لأجل التعليل ، لكان تقديره بعيدا ، ~~إذ لا فائدة فيه ، لعدم توقف الجواب عليه ( أو ) إما ( في نظير محله ) أي ms512 ~~محل السؤال ( كقوله صلى الله عليه وسلم للسائلة ) وهو { أن امرأة من جهينة ~~جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله ! ~~PageV04P133 إن أمي نذرت أن تحج . فلم تحج حتى ماتت ، أفأحج عنها ؟ قال : ~~حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته ؟ قالت : نعم . قال : اقضوا ~~الله ، فالله أحق بالوفاء } متفق عليه . ومن أمثلة ذلك أيضا ما روي في ~~الكتب الستة : أنه صلى الله عليه وسلم لما { سألته المرأة الخثعمية : ~~PageV04P134 إن أبي أدركته الوفاة وعليه فريضة الحج ، أينفعه إن حججت عنه ؟ ~~قال : أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه ، أكان ينفعه ؟ قالت : نعم } ~~فنظيره في المسئول عنه كذلك . وفيه تنبيه على الأصل الذي هو دين الآدمي على ~~الميت ، والفرع وهو الحج الواجب عليه ، والعلة وهو قضاء دين الميت ، فقد ~~جمع فيه صلى الله عليه وسلم أركان القياس كلها . ( ومنها ) أي ومن أنواع ~~الإيماء أيضا ( تفريقه صلى الله عليه وسلم بين حكمين بصفة مع ذكرهما ) أي ~~ذكر الحكمين PageV04P135 ( ك { للراجل سهم وللفارس سهمان } ) ( أو ) مع ( ~~ذكر أحدهما ) أي أحد الحكمين ( ك ) حديث { القاتل لا يرث } رواه الترمذي ( ~~أو ) تفريقه صلى الله عليه وسلم بين الحكمين ( بشرط وجزاء ، نحو ) قوله صلى ~~الله عليه وسلم { فإذا اختلفت هذه الأوصاف ، فبيعوا كيف شئتم ، إذا كان يدا ~~PageV04P136 بيد } . ( أو ) تفريق الشارع بين الحكمين ( بغاية نحو ) قوله ~~تعالى ( { حتى يطهرن } ) ( أو ) تفريق الشارع بين الحكمين ( باستثناء نحو ) ~~قوله تعالى ( { إلا أن يعفون } ) ( أو ) تفريق الشارع بين الحكمين ( ~~باستدراك نحو ) قوله تعالى ( { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } ) . ~~PageV04P137 ووجه استفادة العلة من ذلك كله أن التفرقة لا بد لها من فائدة ~~، والأصل عدم غير المدعى ، وهو إفادة كون ذلك علة . ( ومنها ) أي ومن أنواع ~~الإيماء أيضا ( تعقيب الكلام ) أي تعقيب الشارع الكلام الذي أنشأه لبيان ~~حكم ( أو تضمينه ) له ب ( ما لو لم يعلل به ) الحكم المذكور ( لم ينتظم ) ~~الكلام ، ولم يكن له به تعلق . فالمتعقب للكلام ( نحو ) قوله تعالى { يا ~~أيها الذين ms513 آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا ~~البيع } والذي تضمنه الكلام نحو قوله صلى الله عليه وسلم PageV04P138 { لا ~~يقضي القاضي وهو غضبان } رواه الشافعي بلفظ { لا يحكم الحاكم } ، أو لا ~~يقضي [ القاضي ] بين اثنين ' ورواه أصحاب الكتب بلفظ { لا يقضين حاكم بين ~~اثنين وهو غضبان } فالآية إنما سيقت لبيان أحكام الجمعة ، لا لبيان أحكام ~~البيع ، فلو لم يعلل النهي عن البيع حينئذ بكونه شاغلا عن السعي لكان ذكره ~~لاغيا ، لكونه غير مرتبط بأحكام الجمعة ، ولو لم يعلل النهي عن القضاء عند ~~الغضب بكونه يتضمن اضطراب المزاج المقتضي تشويش الفكر ، المفضي إلى الخطإ ~~في الحكم غالبا : لكان ذكره لاغيا ، إذ البيع والقضاء لا يمنعان مطلقا ؛ ~~لجواز البيع في غير وقت النداء ، والقضاء مع عدم الغضب أو مع يسيره ، فلا ~~بد إذا من مانع ، وليس إلا ما فهم من PageV04P139 سياق النص ومضمونه ، من ~~شغل البيع عن السعي إلى الجمعة فتفوت واضطراب الفكر لأجل الغضب فيقع الخطأ ~~، فوجب إضافة النهي إليه . ( ومنها ) أي ومن أنواع الإيماء أيضا ( اقتران ~~الحكم بوصف مناسب ، كأكرم العلماء ، وأهن الجهال ) فإن الإكرام مناسب للعلم ~~، والإهانة مناسبة للجهل ؛ لأن المعلوم من تصرفات العقلاء : ترتيب الأحكام ~~على الأمور المناسبة ، والشرع لا يخرج عن تصرفات العقلاء ، ولأنه قد ألف من ~~الشارع اعتبار المناسبات دون إلغائها . فإذا قرن بالحكم في لفظه وصفا ~~مناسبا غلب على الظن اعتباره ( فإن صرح بالوصف والحكم مستنبط منه ، ك { أحل ~~الله البيع } صحته ) أي البيع وهي ( مستنبطة من PageV04P140 حله ) ؛ لأنه ~~يلزم من حله صحته ( ف ) هو ( مومى إليه ) ؛ لأن التلفظ بالوصف إيماء إلى ~~تعليل الحكم المصرح به ( وعكسه بعكسه ) وهو كون الحكم مذكورا ، والوصف ~~مستنبطا ، وهذا جار في أكثر العلل المستنبطة ( كحرمت الخمر ) ف ( الوصف ) ~~هنا - وهو الإسكار - ( مستنبط من التحريم ) ، وهو الحكم ، وكعلة الربا ~~مستنبطة من حكمه ( ولا يشترط مناسبة الوصف المومى إليه ) عند الأكثر ، بناء ~~على أن العلة المعرف ، وقيل : بلى ، بناء على أنها بمعنى الباعث . واستدل ~~لعدم الاشتراط : أنه ms514 لو اشترط لم يفهم التعليل من ترتيب الحكم على وصف غير ~~مناسب ، ك ' أهن العالم ، وأكرم PageV04P141 الجاهل ' ، ولم يلم عليه . ~~والله أعلم . المسلك ( الثالث ) من مسالك العلة وهي الطرق الدالة على ~~العلية ( السبر والتقسيم ، وهو حصر الأوصاف ) في الأصل المقيس عليه ( ~~وإبطال ما لا يصلح ) بدليل ( فيتعين ) أن يكون ( الباقي علة ) والسبر في ~~اللغة : هو الاختبار ، فالتسمية بمجموع الاسمين واضحة . وقد يقتصر على ' ~~السبر ' فقط . والتقسيم مقدم في الوجود عليه ؛ لأنه تعداد الأوصاف التي ~~يتوهم صلاحيتها للتعليل ثم يسبرها ، أي يختبرها ليميز PageV04P142 الصالح ~~للتعليل من غيره ، فكان الأولى أن يقال : التقسيم والسبر ؛ لأن الواو - وإن ~~لم تدل على الترتيب - لكن البداءة بالمقدم أجود . وأجيب عنه . بأن السبر - ~~وإن تأخر عن التقسيم - فهو متقدم عليه أيضا ؛ لأنه أولا يسبر المحل ، هل ~~فيه أوصاف أم لا ؟ ثم يقسم ، ثم يسبر ثانيا ، فقدم ' السبر ' في اللفظ ~~باعتبار السبر الأول . وأجيب أيضا بأن المؤثر في معرفة العلية إنما هو ~~السبر ، وأما التقسيم : فإنما هو لاحتياج السبر إلى شيء يسبر . وربما سمي ب ~~' التقسيم الحاصر ' ( ويكفي المناظر ) في بيان الحصر إذا منع أن يقول ( ~~بحثت فلم أجد غيره ) أي غير هذا الوصف ( أو ) أن يقول ( الأصل عدمه ) أي ~~عدم غير هذا الوصف . ويقبل قوله ؛ لأنه ثقة أهل للنظر ؛ ولأن الأوصاف ~~العقلية والشرعية لو كانت لما خفيت PageV04P143 على الباحث عنها ، مثاله : ~~أن يقول في قياس الذرة على البر في الربوية : بحثت عن أوصاف البر ، فما ~~وجدت ما يصلح علة للربوية في بادئ الرأي ، إلا الطعم أو القوت أو الكيل ، ~~لكن الطعم والقوت لا يصلح لذلك عند التأمل ، فيتعين الكيل ، أو يقول : ~~الأصل عدم ما سواها . فإن بذلك يحصل الظن المقصود ( فإن بين المعترض وصفا ~~آخر ) غير ما ادعاه المستدل ( لزم ) المستدل ( إبطاله ) إذ لا يثبت الحصر ~~الذي قد ادعاه بدونه . ( ولا يلزم المعترض ) بإبداء وصف زائد على الأوصاف ~~التي ذكرها المستدل ( بيان صلاحيته ) أي الوصف الذي ذكره ( للتعليل ) ~~PageV04P144 وعلى المستدل إبطال صلاحيته للتعليل ؛ لأن دليله لا ms515 يتم إلا ~~بذلك ( ولا ينقطع المستدل إلا بعجزه عن إبطاله ) أي إبطال ما ذكره المعترض ~~من الوصف ، لا بمجرد إبداء المعترض الوصف ، وإلا كان كل منع قطعا ، ~~والاتفاق على خلافه . فإذا أبطل المستدل ما ذكره المعترض من الوصف بطل قاله ~~العضد ، والحق أنه إذا أبطله فقد سلم حصره ، وكان له أن يقول : هذا مما ~~علمت أنه لا يصلح ، فلم أدخله في حصري . وأيضا فإنه لم يدع الحصر قطعا . بل ~~قال : إني ما وجدت ، أو أظن العدم ، وهو فيه صادق ، فيكون كالمجتهد إذا ظهر ~~له ما كان خافيا [ عليه ] ، وإنه غير مستنكر . اه . PageV04P145 ( والمجتهد ~~يعمل بظنه ) يعني أن المستدل إذا كان مجتهدا فإنه يجب عليه العمل بظنه ، ~~فيرجع إليه ، ويكون مؤاخذا بما اقتضاه ظنه فيلزمه الأخذ به ، ولا يكابر ~~نفسه ( ومتى كان الحصر ) أي حصر الأوصاف من جهة المستدل ( والإبطال ) من ~~جهة المعترض ( قطعيا فالتعليل ) بذلك ( قطعي ) بلا خلاف ، ولكن هذا قليل في ~~الشرعيات ( وإلا ) أي وإن لم يكن الحصر والإبطال قطعيا ، بل كان أحدهما ~~ظنيا ، أو كلاهما وهو الأغلب ( ف ) التعليل ( ظني ) أي لا يفيد إلا الظن ، ~~ويعمل به فيما لا يتعبد فيه بالقطع من العقائد ونحوها ( ومن طرق الحذف ) ~~يعني أن من طرق إبطال المستدل لما يدعيه المعترض من دعوى وصف يصلح للتعليل ~~غير ما ذكره المستدل : بحذفه عنه ( الإلغاء ) ، PageV04P146 ( وهو ) أي ~~الإلغاء ( إثبات الحكم ب ) الوصف ( الباقي فقط في صورة ، ولم يثبت دونه ، ~~فيظهر استقلاله ) وحده . ويعلم أن المحذوف لا أثر له . وقال الآمدي : لا ~~يكفي ذلك في استقلاله بدون طريق من طرق إثبات العلة ، وإلا لكفى في أصل ~~القياس ، فإن ثبت في صورة الإلغاء بالسبر فالأصل الأول تطويل بلا فائدة . ~~وإن بينه بطريق آخر ، لزم محذور آخر ، وهو الانتقال PageV04P147 ( ونفي ~~العكس كالإلغاء لا عينه ) يعني : أن نفي العكس يشبه الإلغاء . وليس بإلغاء ~~؛ لأنه لم يقصد في الإلغاء لو كان المخذوف علة لانتفى عند انتفائه ، بل قصد ~~: لو أن الباقي جزء علة لما استقل ( ومنها ) أي ومن طرق ms516 الحذف ( طرد ~~المحذوف مطلقا ) أي في جميع أحكام الشرع ( كطول وقصر ) فإنهما لم يعتبرا في ~~القصاص ، ولا الكفارة ، ولا الإرث ، ولا العتق ، ولا التقديم في الصلاة ولا ~~غيرها ، فلا يعلل بهما حكم أصلا ( أو ) ليس مطلقا ، ولكن ( بالنسبة إلى ذلك ~~الحكم ) وإن اعتبر في غيره ( كالذكورية في ) أحكام ( العتق ) إذ هي ملغاة ~~فيه ، مع كونها معتبرة في الشهادة والقضاء وولاية النكاح والإرث ، فلا يعلل ~~بها شيء من أحكام العتق ( ومنها ) أي ومن طرق الحذف ( عدم ظهور مناسبة ) ~~بأن لا PageV04P148 يظهر للوصف المحذوف وجه مناسبة ( ويكفي المناظر ) أن ~~يقول ( بحثت ) فلم أجد بين الوصف والحكم مناسبة ( فلو قال المعترض : الباقي ~~كذلك ) يعني أن الوصف الباقي أيضا ليس بينه وبين الحكم مناسبة . ( فإن كان ~~) قوله ذلك ( بعد تسليم مناسبته ) أي تسليم مناسبة ما ذكره المستدل ( لم ~~يقبل ) منه ذلك ( وقبله ) أي وإن كان قوله ذلك قبل تسليم مناسبة الوصف الذي ~~ذكره المستدل ، ف ( سبر المستدل أرجح ) من سبر المعترض ؛ لأن سبر المستدل ~~موافق لتعدية الحكم ، وسبر المعترض ، وهو قوله : إني بحثت في الوصف ~~المستبقى فلم أجد فيه مناسبة قاصر . والعلة المتعدية أرجح من القاصرة ( ~~وليس له ) أي للمستدل ( بيان المناسبة ) بين الوصف الباقي والحكم ؛ لأنه ~~حينئذ انتقال من السبر إلى المناسبة PageV04P149 ( والسبر الظني حجة مطلقا ~~أي سواء كان من ناظر أو مناظر ولو أفسد حنبلي علة شافعي ) في الربا أو غيره ~~( لم يدل على صحة علته ) أي علة الحنبلي ، كتعليل بعض الفقهاء بغير العلة ~~التي علل بها الشافعي والحنبلي ، وليس إجماعهما دليلا على من خالفهما ( ~~لكنه ) أي لكن إفساد علة الشافعي الذي هو الخصم ( طريق لإبطال مذهب خصمه ، ~~وإلزام له ) أي للشافعي ( صحة علته ) أي علة الحنبلي ( ولكل حكم علة تفضلا ~~) عند الفقهاء ، ووجوبا عند المعتزلة ؛ لأن الدليل الدال على جواز العمل ~~بالسبر وتخريج المناط PageV04P150 وغيرهما كون الحكم لا بد له من علة لقوله ~~تعالى { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } والظاهر منه : تعميم الرحمة في ~~جميع ما جاء به ، وحينئذ لم تخل ms517 الأحكام عن فائدة ، وهي العلة . قال أبو ~~الخطاب : كلها معللة وتخفى نادرا . PageV04P151 قال القاضي : التعليل الأصل ~~، وترك نادرا ؛ لأن تعقل العلة أقرب إلى القبول من التعبد ؛ ولأنه المألوف ~~عرفا . والأصل موافقة الشرع له ، فيحمل ما نحن فيه على الغالب ( ويجب العمل ~~بالظن فيها ) أي في علل الأحكام ( إجماعا ) وقيل : الأصل عدم التعليل ؛ لأن ~~الموجب الصيغة ، وبالتعليل ينتقل حكمه إلى معناه ، فهو كالمجاز من الحقيقة ~~. ( الرابع ) من مسالك العلة ( المناسبة ، و ) يقال ( الإخالة ) ( ~~واستخراجها ) أي استخراج العلة بذلك ( يسمى تخريج المناط ) لما فيه من ~~ابتداء ما نيط به الحكم ، أي علق عليه ( وهو ) أي تخريج المناط ( تعيين علة ~~الأصل بإبداء PageV04P152 المناسبة من ذات الوصف ) يعني أن يكون الأصل ~~مشتملا على وصف مناسب للحكم ، فيحكم العقل بوجود تلك المناسبة : أن ذلك ~~الوصف هو علة الحكم كالإسكار للتحريم ، والقتل العمد العدوان للقصاص ( ~~والمناسبة ) هنا ( لغوية ) بخلاف المعرف ، وهو المناسبة ، فإنها بالمعنى ~~الاصطلاحي ، حتى لا يكون تعريفا للشيء بنفسه ( والمناسب : ما تقع المصلحة ~~عقبه ) قال في الروضة : ومعنى المناسب أن يكون في إثبات الحكم عقبه مصلحة ~~PageV04P153 ( وزيد لرابط ما عقلي ) قال الطوفي في مختصره : المناسب : هو ~~ما تتوقع المصلحة عقبه لرابط ما عقلي . وقال في شرحه : اختلف في تعريف ~~المناسب ، واستقصاء القول فيه من المهمات ؛ لأن عليه مدار الشريعة ، بل ~~مدار الوجود ، إذ لا وجود إلا وهو على وفق المناسبة العقلية ، لكن أنواع ~~المناسبة تتفاوت في العموم والخصوص ، والخفاء ، والظهور ، فما خفيت عنا ~~مناسبته سمي تعبدا ، وما ظهرت مناسبته سمي معللا ، فقولنا : المناسب ما ~~تتوقع المصلحة عقبه ، أي إذا وجد أو إذا سمع : أدرك العقل السليم كون ذلك ~~الوصف سببا مفضيا إلى مصلحة من المصالح لرابط ما من الروابط العقلية بين ~~تلك PageV04P154 المصلحة وذلك الوصف ، وهو معنى قولي ' لرابط ما عقلي ' ~~مثاله : إذا قيل : المسكر حرام ، أدرك العقل أن تحريم السكر مفض إلى مصلحة ~~، وهي حفظ العقل من الاضطراب . وإذا قيل : القصاص مشروع ، أدرك العقل أن ~~مشروعية القصاص سبب مفض إلى مصلحة ، وهي حفظ ms518 النفوس . ثم قال قلت : لرابط ~~عقلي ، أخذا من النسب الذي هو القرابة ، فإن المناسب هنا مستعار ومشتق من ~~ذلك ، ولا شك أن المتناسبين في باب النسب ، كالأخوين وابني العم ونحوه ، ~~إنما كانا متناسبين لمعنى رابط بينهما ، وهو القرابة . فكذلك الوصف المناسب ~~هنا لا بد أن يكون بينه وبين ما يناسبه من PageV04P155 المصلحة رابط عقلي ~~وهو كون الوصف صالحا للإفضاء إلى تلك المصلحة ا ه . ( ويتحقق الاستقلال ) ~~على أن الوصف الذي أبداه هو العلة ( بعدم ما سواه ب ) طريق ( السبر ) ولا ~~يكفي أن يقول : بحثت فلم أجد غيره ، وإلا يلزم الاكتفاء به ابتداء ، ولا ~~قائل به ، بخلاف ما سبق في طريق السبر والتقسيم ، فإنه يكتفى بذلك ؛ لأن ~~المدار هناك على الحصر ، فاكتفي فيه بقوله : بحثت فلم أجد غيره . وهنا على ~~أنه ظفر بوصف مناسب ، فافترقا ( و ) المعنى ( المقصود من شرع الحكم ) : ( ~~قد يعلم حصوله ) يقينا ( كبيع ) فإنه إذا كان صحيحا حصل منه الملك الذي هو ~~المقصود ( أو ) قد ( يظن ، كقصاص ) فإن حصول الانزجار عن القتل ليس قطعيا ، ~~بدليل وجود الإقدام مع علمهم بأن PageV04P156 القصاص مشروع ( أو ) قد ( يشك ~~فيه ) بأن يتساوى حصول المقصود وعدم حصوله ، فلا يوجد يقين ولا ظن ، بل ~~يكونان متساويين . قال صاحب البديع : ولا مثال له على التحقيق ، ويقرب منه ~~ما مثل به ابن الحاجب من حد شارب المسكر لحفظ العقل ؛ فإن المقدمين كثير ، ~~والمجتنبين كثير ، فتساوى المقصود وعدمه فيه . ولهذا مثله في الأصل بقوله ( ~~كحد خمر ) ، PageV04P157 ( أو ) قد ( يتوهم ) حصوله ، بأن يكون عدم حصول ~~المقصود أرجح من حصوله ( كنكاح آيسة ) من الحيض ( للتوالد ) ؛ لأنه مع ~~إمكانه عقلا بعيد عادة . وقيل : لا يعلل بما قد يشك فيه أو يتوهم . والأظهر ~~: بلى ، اتفاقا إن ظهر المقصود . في غالب صور الجنس ، وإلا فلا . لاحتمال ~~الترتب وعدمه سواء ، أو عدمه أرجح وفي الفنون وغيره : السفر مشقة عامة ، ~~ويختلف قدرها . ولذا تحسن التهنئة بالقدوم للجميع ، كالمرضى بالسلامة ( ولو ~~فات ) المقصود ( يقينا ، كلحوق نسب مشرقي بمغربية ونحوه لم يعلل به ) عند ~~الجمهور ، PageV04P158 وخالف ms519 في ذلك الحنفية ، فيلحق عندهم النسب لو تزوج ~~بطريق التوكيل مشرقي بمغربية ، فأتت بولد ، مع القطع بانتفاء اجتماعهما ؛ ~~لاقتضاء الزواج ذلك في الأغلب حفظا للنسب . ( والمناسب ) ثلاثة أضرب . ~~الضرب الأول ( دنيوي ) وينقسم إلى ثلاثة أقسام الأول ( ضروري أصلا ، وهو ~~أعلى رتب المناسبات ) وهو ما كانت مصلحته في محل الضرورة . ويتنوع إلى خمسة ~~أنواع ، وهي التي روعيت في كل ملة ، وهي ( حفظ الدين ، ف ) حفظ ( النفس ، ف ~~) حفظ PageV04P159 ( العقل ، ف ) حفظ ( النسل ، ف ) حفظ ( المال ، و ) حفظ ~~( العرض ) . فأما حفظ الدين : فبقتال الكفار ، قال الله تعالى { قاتلوا ~~الذين لا يؤمنون بالله - } الآية ' وقال النبي صلى الله عليه وسلم { أمرت ~~أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله } وقال صلى الله عليه وسلم { ~~من بدل دينه فاقتلوه } . PageV04P160 وأما حفظ النفس : فبمشروعية القصاص ، ~~قال الله تعالى { ولكم في القصاص حياة } { وقال صلى الله عليه وسلم يا أنس ~~، كتاب الله القصاص } . وأما حفظ العقل : فبتحريم المسكرات ونحوها ، قال ~~الله تعالى { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر ~~والميسر } وقال النبي صلى الله عليه وسلم { كل مسكر حرام } وأما حفظ النسل ~~: فبوجوب حد الزاني . قال الله تعالى PageV04P161 { الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } وقد { جلد النبي صلى الله عليه وسلم ~~ورجم } . وأما حفظ المال : فبقطع السارق وتضمينه وتضمين الغاصب ونحوه . قال ~~الله تعالى { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا } وقال صلى ~~الله عليه وسلم { إن أموالكم عليكم PageV04P162 حرام } وقال تعالى { ولا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } . وأما حفظ العرض : فبحد القذف ، قال صلى ~~الله عليه وسلم { إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام } وجعله في جمع ~~الجوامع ومنظومة البرماوي في رتبة المال ، لعطفه بالواو . وتابعناه ، فيكون ~~من أدنى الكليات ( و ) يلحق بالضروري ما هو ( مكمل له ، كحفظ العقل بالحد ~~بقليل مسكر ) ومعنى كونه مكملا له : أنه لا يستقل ضروريا بنفسه ، بل بطريق ~~الانضمام ، فله تأثير فيه ، لكن لا بنفسه ؛ فيكون في PageV04P163 حكم ~~الضرورة مبالغة في مراعاته . فالمبالغة في حفظ العقل ms520 : بالحد بشرب قليل ~~المسكر ، وتقدم . والمبالغة في حفظ الدين : بتحريم البدعة وعقوبة المبتدع ~~الداعي إليها . والمبالغة في حفظ النفس : بإجراء القصاص في الجراحات . ~~والمبالغة في حفظ النسب : بتحريم النظر واللمس والخلوة ، والتعزير عليه ~~والمبالغة في حفظ المال بتعزير الغاصب ونحوه . والمبالغة في حفظ العرض : ~~بتعزير الساب بغير القذف ، ونحو ذلك . القسم الثاني من الأقسام الثلاثة : ~~الحاجي وهو الذي PageV04P164 لا يكون في محل الضرورة ، بل في محل الحاجة ، ~~وهو ما أشير إليه بقوله ( وحاجي ) ، ( كبيع ونحوه ) كإجارة ومضاربة ومساقاة ~~؛ لأن مالك الشيء قد لا يهبه ، فيحتاج إلى شرائه ، ولا يعيره فيحتاج إلى ~~استئجاره ، وليس كل ذي مال يحسن التجارة ، فيحتاج إلى من يعمل له في ماله ، ~~وليس كل مالك شجر يحسن القيام على شجره ، فيحتاج إلى من يساقيه عليها . ~~فهذه الأشياء وما أشبهها لا يلزم من فواتها فوات شيء من الضروريات ( وبعضها ~~) أي وبعض صور الحاجي ( أبلغ ) من بعض ( وقد يكون ) الحاجي ( ضروريا ) في ~~بعض الصور ( كشراء PageV04P165 ولي ) طفل ( ما يحتاجه طفل ) من مطعوم ~~وملبوس ، حيث كان في معرض من الجوع والبرد ( ونحوه ) أي ونحو ما ذكر ، ~~كاستئجار الولي لحفظ الطفل من لم يجد غيره ، مع اشتغال الولي عن تربية ~~الطفل بما هو أهم منها ( ومكمل له ) أي للحاجي ( كرعاية كفاءة ، و ) كرعاية ~~( مهر ، مثل في تزويج صغيرة ) وكإثبات خيار في بيع بأنواعه ، لما فيه من ~~التروي ، وإن كان أصل الحاجة حاصلا بدونه . القسم الثالث من الأقسام ~~الثلاثة : التحسيني ، وهو ما ليس ضروريا ولا حاجيا ، ولكنه في محل التحسين ~~، وهو ما أشير PageV04P166 إليه بقوله ( وتحسيني ) وهو ضربان ، أحدهما ( ~~غير معارض للقواعد ) أي قواعد الشرع ( كتحريم النجاسة ) فإن نفرة الطباع ~~معنى يناسب تحريمها حتى أنه يحرم التضمخ بالنجاسة بلا عذر ( و ) ك ( سلب ~~المرأة عبارة عقد النكاح ) لاستحياء النساء من مباشرة العقود على فروجهن ، ~~لإشعاره بتوقان نفوسهن إلى PageV04P167 الرجال ، وهو غير لائق بالمروءة ، ~~وكذا اعتبار الشهادة في النكاح لتعظيم شأنه وتمييزه عن السفاح بالإعلام ~~والإظهار ( لا ) سلب ( العبد أهلية الشهادة على أصلنا ms521 ) لقبولها عندنا في ~~كل شيء على المذهب . الضرب الثاني من التحسيني : المعارض لقواعد الشرع . ~~وهو ما أشير إليه بقوله ( أو معارض ) ، PageV04P168 ( كالكتابة ) وهي بيع ~~سيد رقيقه نفسه بمال في ذمته يصح السلم فيه : مباح معلوم منجم نجمين فصاعدا ~~، أو منفعة مؤجلة ، فإن الكتابة من حيث كونها مكرمة في القاعدة مستحسنة ~~احتمل الشرع فيها جزم قاعدة ممهدة ، وهي امتناع بيع الإنسان مال نفسه بمال ~~نفسه ومعاملة عبده ( وليست هذه المصلحة بحجة ) عند الأكثر ، خلافا لمالك ~~وبعض الشافعية ، وتسمى المصلحة المرسلة . قال في الروضة : والصحيح أنها ~~ليست بحجة . اه . PageV04P169 واحتج لذلك بأنا لا نعلم محافظة الشرع عليها ~~، ولذلك لم يشرع في زواجرها أبلغ مما شرع ، كالمثلة في القصاص ، فإنها أبلغ ~~في الزجر عن القتل ، وكذا القتل في السرقة وشرب الخمر ، فإنه أبلغ في الزجر ~~عنهما ، ولم يشرع شيء من ذلك . فلو كانت هذه المصلحة حجة لحافظ الشرع على ~~تحصيلها بأبلغ الطرق ، لكنه لم يعلم بفعل ، فلا تكون حجة ، فإذا إثباتها ~~حجة من باب وضع الشرع بالرأي . واحتج من اعتبرها بأنا قد علمنا أنها من ~~مقاصد الشرع بأدلة كثيرة ، لا حصر لها في الكتاب والسنة ، وقرائن الأحوال ~~والأمارات ، وسموها مصلحة مرسلة ، ولم يسموها قياسا ؛ لأن القياس يرجع إلى ~~أصل معين ، بخلاف هذه المصلحة ، فإنها لا ترجع إلى أصل معين ، بل رأينا ~~الشارع اعتبرها في مواضع من الشريعة ، فاعتبرناها حيث وجدت ؛ لعلمنا أن ~~جنسها مقصود له ، وبأن الرسل - صلى الله عليهم وسلم - بعثوا لتحصيل مصالح ~~العباد ، PageV04P170 فيعلم ذلك بالاستقراء ، فمهما وجدنا مصلحة غلب على ~~الظن أنها مطلوبة للشرع فنعتبرها ؛ لأن الظن مناط العمل . ( و ) الضرب ~~الثاني من أضرب المناسب ( أخروي ) وذلك ( كتزكية النفس ) عن الرذائل ( ~~ورياضتها ) وتهذيب الأخلاق ، فإن تأثير منفعة ذلك في سعادة الآخرة ( وقد ~~يتعلق ) المناسب ( بهما ) أي بالدنيوي والأخروي ( كإيجاب الكفارة ) بالمال ~~فتعلقه الدنيوي : ما يعود على الفقراء من المصلحة بانتفاعهم بالمال ، ~~وتعلقه بالأخروي : ما يحصل للمكفر من الثواب ( و ) الضرب الثالث من أضرب ~~المناسب ( إقناعي ) وهو ما ( ينتفي ظن مناسبته ms522 بتأمله ) وذلك بأن يظن في ~~بادئ الرأي أنه مناسب ، ثم يزول ذلك الظن بالتأمل وإمعان PageV04P171 النظر ~~فيه ، كتعليل الشافعية تحريم بيع الميتة بنجاستها ، وقياس الكلب عليه . ( ~~وإذا اشتمل وصف على مصلحة ومفسدة راجحة أو مساوية لم تنجر مناسبته ) على ~~الأرجح ( وللمعلل ترجيح وصفه بطريق تفصيلي يختلف باختلاف المسائل ، وإجمالي ~~، وهو لو لم يقدر رجحان المصلحة ثبت الحكم تعبدا ) وهو على خلاف الأصل ؛ ~~لأن الغالب من الأحكام التعقل دون التعبد ؛ ولأنه إذا كان PageV04P172 ~~الحكم معقول المعنى كان أقرب وأدعى إلى القبول والانقياد له . ( والمناسب ) ~~هو الوصف المعلل به ، ولا بد أن يعلم من الشارع التفات إليه ، ويظهر ذلك ~~بتقسيم المناسب . وهو ينقسم إلى أربعة أقسام : مؤثر ، وملائم ، وغريب ، ~~ومرسل . وهو ثلاثة أنواع : مرسل ملائم ، ومرسل غريب ، ومرسل ثبت إلغاؤه ؛ ~~لأن الوصف المناسب إما أن يعلم أن الشرع اعتبره ، أو يعلم أنه ألغاه ، أو ~~لا يعلم أنه اعتبره ولا ألغاه . والمراد بالعلم هنا : ما هو أعم من اليقين ~~والظن . إذا تقرر هذا فالقسم الأول ( مؤثر إن اعتبر ) من قبل الشرع ( بنص ) ~~كتعليل الحدث بمس الذكر ( أو ) اعتبر ب ( إجماع ) كتعليل ولاية المال ~~بالصغر . فالأول : اعتبر عينه في عين الحكم ، وهو الحدث ، لحديث { من مس ~~ذكره فليتوضأ } PageV04P173 وأما الثاني : فإنه اعتبر عين الصغر في عين ~~الولاية في المال بالإجماع . وسمي هذا القسم مؤثرا ؛ لحصول التأثير فيه ~~عينا وجنسا ، فظهر تأثيره في الحكم ( و ) القسم الثاني ( ملائم إن اعتبر ~~بترتب الحكم على الوصف فقط ، إن ثبت بنص أو إجماع اعتبار عينه في جنس الحكم ~~، أو بالعكس ، أو جنسه في جنس الحكم ) وسمي ملائما لكونه موافقا لما اعتبره ~~الشارع ، وهو ثلاثة أنواع . مثال ما اعتبر الشارع عين الوصف في جنس الحكم ~~من الملائم : امتزاج النسبين في الأخ من الأبوين ، اعتبر تقديمه على الأخ ~~من الأب في الإرث ، وقسنا عليه تقديمه في ولاية النكاح وغيرها من الأحكام ~~التي قدم عليه فيها ؛ فإنه - وإن لم يعتبره الشارع في غير هذه الأحكام - ~~لكن اعتبره في جنسها ، وهو التقدم ms523 في الجملة . PageV04P174 ومثال ما اعتبر ~~فيه جنس الوصف في عين الحكم ، عكس الذي قبله : منه المشقة المشتركة بين ~~الحائض والمسافر في سقوط القضاء ، فإن الشارع اعتبرها في عين سقوط القضاء ~~في الركعتين من الرباعية ، فسقط بها القضاء في صلاة الحائض قياسا ، وإنما ~~جعل الوصف هنا جنسا ، والإسقاط نوعا ؛ لأن مشقة السفر نوع مخالف لمشقة ~~الحيض . وأما السقوط : فأمر واحد ، وإن اختلفت محاله . ومثال ما اعتبر جنس ~~الوصف في جنس الحكم منه : ما روي عن عمر رضي الله عنه في شارب الخمر أنه ' ~~إذا شرب هذى ، وإذا هذى افترى ، فيكون عليه حد المفتري ' أي القاذف . ~~PageV04P175 ووافقه الصحابة عليه ، فأوجبوا حد القذف على الشارب ، لا لكونه ~~شرب ، بل لكون الشرب مظنة القذف ، فأقاموه مقام القذف قياسا على إقامة ~~الخلوة بالأجنبية مقام الوطء في التحريم ، لكون الخلوة مظنة له ، فظهر أن ~~الشارع إنما اعتبر المظنة التي هي جنس لمظنة الوطء ، ومظنة القذف في الحكم ~~الذي هو جنس لإيجاب حد القذف وحرمة الوطء . وقال ابن مفلح وغيره : الأول ~~كالتعليل بالصغر في قياس النكاح على المال في الولاية ، فإن الشرع اعتبر ~~عين الصغر في عين ولاية المال به ، منبها على الصغر ، وثبت اعتبار عين ~~الصغر في جنس حكم الولاية إجماعا . والثاني : كالتعليل بعذر الحرج في قياس ~~الحضر بعذر المطر على السفر في الجمع . فجنس الحرج معتبر في عين رخصة الجمع ~~إجماعا . والثالث : كالتعليل بجناية القتل العمد العدوان في قياس المثقل ~~على المحدد في القصاص ، فجنس الجناية معتبر في PageV04P176 جنس قصاص النفس ~~؛ لاشتماله على قصاص النفس وغيرها كالأطراف . انتهى . والقسم الثالث : ~~الغريب ، وهو المشار إليه بقوله ( وإلا فغريب ) يعني وإن لم يعتبر ترتب ~~الحكم على الوصف بنص أو إجماع ، فيسمى غريبا . مثال ذلك : التعليل بالإسكار ~~في قياس النبيذ على الخمر بتقدير عدم نص بعلية الإسكار ، فعين الإسكار ~~معتبر في عين التحريم بترتيب الحكم عليه فقط ، كاعتبار جنس المشقة المشتركة ~~بين الحائض والمسافر في جنس التخفيف . وهذا المثال دون ما قبله ؛ لرجحان ~~النظر باعتبار الخصوص ، لكثرة ما ms524 به الاختصاص . قاله ابن مفلح والأصفهاني . ~~وسمي غريبا ؛ لأنه لم يشهد له غير أصله بالاعتبار ، كالطعم في الربا ، فإن ~~نوع الطعم مؤثر في حرمة الربا ، وليس جنسه مؤثرا في جنسه . قاله البرماوي . ~~وهذا التشبيه إنما يجري على قواعد من يقول : إن علة الربا الطعم . والله ~~أعلم PageV04P177 ( وكل ) قسم ( من ) هؤلاء الأقسام ( الثلاثة حجة ) ومنع ~~أبو الخطاب والحنفية كون الغريب حجة ( وإن اعتبر الشارع جنسه ) أي جنس ~~الوصف ( البعيد في جنس الحكم ف ' مرسل ملائم ' ) مثال ذلك : تعليل تحريم ~~قليل الخمر بأنه يدعو إلى كثيرها . فجنسه البعيد معتبر في جنس الحكم ، ~~كتحريم الخلوة بتحريم الزنا . ( وليس ) المرسل الملائم ( بحجة ) ، ( وإلا ) ~~أي وإن لم يعتبر الشارع جنس الوصف البعيد في جنس الحكم فنوعان : ~~PageV04P178 أحدهما : ما أشير إليه بقوله ( فمرسل غريب ) مثال ذلك : ~~التعليل بالفعل المحرم لغرض فاسد في قياس بات الطلاق في مرضه على القاتل في ~~الحكم بالمعارضة بنقيض مقصوده ، فصار توريث المبتوتة كحرمان القاتل . وإنما ~~كان ' غريبا مرسلا ' ؛ لأنه لم يعتبر الشارع عين الفعل المحرم لغرض فاسد في ~~عين المعارضة بنقيض المقصود ، بترتيب الحكم عليه ، ولم يثبت بنص أو إجماع ~~اعتبار عينه في جنس المعارضة بنقيض المقصود ولا جنسه في عينها ، ولا جنسه ~~في جنسها ، والجمهور على منعه . والنوع الثاني : ما أشير إليه بقوله ( أو ~~مرسل ثبت إلغاؤه ) وهو الذي علم من الشارع إلغاؤه ، مع أنه مستحيل المناسبة ~~، ولا يجوز التعليل به . PageV04P179 وذلك كإيجاب صوم شهرين ابتداء في ~~الظهار ، أو الوطء في رمضان على من يسهل عليه العتق ، كما أفتى به يحيى بن ~~يحيى بن كثير الليثي صاحب الإمام مالك إمام أهل الأندلس الأمير عبد الرحمن ~~بن الحكم الأموي ، المعروف بالمرتضى صاحب الأندلس PageV04P180 ( وهما ) أي ~~المرسل الغريب ، والمرسل الذي ثبت إلغاؤه ( مردودان ) أما الأول : فعند ~~الجمهور . وأما الثاني : فبالاتفاق . PageV04P181 صفحة فارغة PageV04P182 # | ( فائدة ) # أعم الجنسية في الوصف : كونه وصفا ، فمناطا ، فمصلحة خاصة . ( و ) أعم ~~الجنسية في الحكم : كونه حكما ، فواجبا ، ونحوه ) كحرام ومندوب ومكروه ( ~~فعبادة فصلاة ، فظهرا ) ونحوه كعصر ومغرب وعشاء وفجر ms525 ( وتأثير الأخص في ~~الأخص أقوى ) . ( و ) تأثير ( الأعم في الأعم يقابله ) في كونه أضعف من جهة ~~التأثير ( و ) تأثير ( الأخص في الأعم وعكسه ) وهو تأثير الأعم في الأخص ( ~~واسطتان ) بين الأقوى والأضعف . قال الطوفي في شرحه : لما تقرر أن الوصف ~~مؤثر في الحكم ، والحكم ثابت بالوصف ، ومسمى الوصف والحكم جنس PageV04P183 ~~تختلف أنواع مدلوله بالعموم والخصوص ، كاختلاف أنواع مدلول الجسم والحيوان ~~؛ ولهذا اختلف تأثير الوصف في الحكم تارة بالجنس ، وتارة بالنوع : احتجنا ~~إلى بيان مراتب جنس الوصف والحكم ، ومعرفة الأخص منهما من الأعم ؛ ليتحقق ~~لنا معرفة أنواع تأثير الأوصاف في الأحكام . | فأعم مراتب الوصف : كونه ~~وصفا ؛ لأنه أعم من أن يكون مناطا للحكم أو لا يكون ، إذ بتقدير أن يكون ~~طرديا غير مناسب لا يصلح أن يناط به حكم ، فكل مناط وصف ، وليس كل وصف ~~مناطا ، ثم كونه مناطا : أعم من أن يكون مصلحة أو لا . فكل مصلحة مناط ~~الحكم ، وليس كل مناط مصلحة ، لجواز أن يناط الحكم بوصف تعبدي ، لا يظهر ~~وجه المصلحة فيه ، ثم كون الوصف مصلحة : لأنها قد تكون عامة ، بمعنى أنها ~~متضمنة لمطلق النفع . وقد تكون خاصة ، بمعنى كونها من باب الضرورات ~~والحاجات والتكملات . وأما الحكم : فأعم مراتبه كونه حكما ؛ لأنه أعم من أن ~~يكون PageV04P184 وجوبا ، أو تحريما ، أو صحة ، أو فسادا ، ثم كونه واجبا ~~ونحوه - أي من الأحكام الخمسة - وهي الواجب ، والحرام ، والمندوب ، ~~والمكروه ، والمباح ، وما يلحق بذلك من الأحكام الوضعية ، إذ الواجب أعم من ~~أن يكون عبادة اصطلاحية أو غيرها ، ثم كونه عبادة ؛ لأنه أعم من الصلاة ~~والزكاة وغيرهما من العبادات ، ثم كونها صلاة ، إذ كل صلاة عبادة ، وليس كل ~~عبادة صلاة ، ثم كونها ظهرا ؛ لأن الصلاة أعم من الظهر ، إذ كل ظهر صلاة ، ~~وليس كل صلاة ظهرا . إذا علم ذلك - أعني الأعم والأخص من الأوصاف والأحكام ~~- فليعلم أن تأثير بعضها في بعض يتفاوت في القوة والضعف ، فتأثير الأخص في ~~الأخص أقوى أنواع التأثير ، كمشقة التكرار في سقوط الصلاة ، والصغر في ~~ولاية النكاح . PageV04P185 وتأثير الأعم ms526 في الأعم يقابل ذلك فهو أضعف ~~أنواع التأثير ، وتأثير الأخص في الأعم وعكسه ، وهو تأثير الأعم في الأخص ~~بين ذينك الطرفين ، إذ في كل واحد منهما قوة من جهة الأخصية ، وضعف من جهة ~~الأعمية ، بخلاف الطرفين إذ الأول تمحضت فيه الأخصية فتمحضت له القوة . ~~والثاني تمحضت فيه الأعمية ، فتمحض له الضعف . قال في الروضة : فما ظهر ~~تأثيره في الصلاة الواجبة أخص مما ظهر في العبادة . وما ظهر في العبادة أخص ~~مما ظهر في الواجب ، وما ظهر في الواجب أخص مما ظهر في الأحكام ، ثم قال : ~~فلأجل تفاوت درجات الجنسية في القرب والبعد تتفاوت درجات الظن . والأعلى ~~مقدم على ما دونه . اه . PageV04P186 ( الخامس ) من مسالك العلة ( إثباتها ~~بالشبه ) بفتح المعجمة والباء الموحدة . يقال : هذا شبه هذا وشبيهه ، كما ~~يقال : مثله ومثيله . وهو بهذا المعنى يطلق على كل قياس ؛ لأن الفرع لا بد ~~أن يشبه الأصل ، لكن غلب إطلاقه على هذا النوع الخامس من مسالك العلة ( وهو ~~) أي قياس الشبه في الاصطلاح ( تردد فرع بين أصلين شبهه ) أي الفرع ( ~~بأحدهما ) أي بأحد الأصلين ( في الأوصاف ) المعتبرة في الشرع ( أكثر ) من ~~الآخر . فإلحاق الفرع بأحد الأصلين الذي شبهه به أكثر : هو قياس الشبه . ~~ولا يكونان أصلين لهذا الفرع ، حتى يكون فيه مناط كل PageV04P187 منهما . ~~مثال ذلك : العبد فإنه متردد بين الحر والبهيمة ، وتظهر فائدة ذلك في ~~التمليك له . فمن قال : يملك بالتمليك ، قال : هو إنسان يثاب ويعاقب ، ~~وينكح ويطلق ، ويكلف بأنواع من العبادات ، ويفهم ويعقل ، وهو ذو نفس ناطقة ~~، فأشبه الحر . ومن قال : لا يملك ، قال : هو حيوان يجوز بيعه ورهنه وهبته ~~وإجارته وإرثه ونحوها ، أشبه الدابة . وكذا المذي ، فإنه متردد بين البول ~~والمني ، فمن قال بنجاسته قال : هو خارج من الفرج لا يخلق منه الولد ، ولا ~~يجب به الغسل ، أشبه البول . ومن قال بطهارته قال : هو خارج تحلله الشهوة ~~ويخرج أمامها ، أشبه المني . ( ويعتبر الشبه حكما لا حقيقة ) أي في الحكم ~~لا في الحقيقة عند الأكثر من أصحابنا والشافعية ، ولهذا ألحقوا العبد ms527 ~~PageV04P188 المقتول بسائر الأموال المملوكة في لزوم قيمته على القاتل ، ~~بجامع أن كل واحد منها يباع ويشترى . ومن أمثلته عند الشافعية أن يقال في ~~الترتيب في الوضوء : عبادة يبطلها الحدث . فكان الترتيب فيها مستحبا ، أصله ~~الصلاة . فالمشابهة في الحكم الذي هو البطلان بالحدث ، ولا تعلق له ~~بالترتيب ، وإنما هو مجرد شبه . واعتبر أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم ابن ~~علية المشابهة في الصورة دون الحكم ، كقياس الخيل على البغال والحمير في ~~سقوط الزكاة وقياس الحنفية في حرمة اللحم - أي لحم الخيل - على لحم الحمير ~~، وكرد وطء الشبهة إلى النكاح في سقوط الحد ، ووجوب المهر لشبهه في الوطء ~~بالنكاح في الأحكام ، ومقتضى ذلك : قتل الحر بالعبد ، كما يقوله أبو حنيفة ~~. ولهذا نقل عنه أبو المعالي في البرهان ، كابن علية وقال : إنه ألحق ~~التشهد الثاني بالأول في عدم الوجوب . فقال : PageV04P189 تشهد فلا يجب ، ~~كالتشهد الأول ، ونحو ذلك عن أحمد ، إذ قال بوجوب الجلوس في التشهد الأول ؛ ~~لأنه أحد الجلوسين في تشهد الصلاة ، فوجب كالتشهد الأخير . ( ولا يصار إليه ~~) أي إلى قياس الشبه ( مع ) إمكان ( قياس العلة ) حكاه القاضي أبو بكر ~~الباقلاني في التقريب إجماعا ( فإن عدم ) إمكان قياس العلة ( فحجة ) أي ~~فقياس الشبه حجة عندنا وعند الشافعية ، حتى قال ابن عقيل : لا عبرة ~~بالمخالف لما سبق في السبر ، وهو المنقول عن الإمام الشافعي . وقيل : ليس ~~بحجة ، والتعليل به فاسد . اختاره القاضي PageV04P190 من أصحابنا ، وهو قول ~~الحنفية والصيرفي والباقلاني وأبي إسحاق المروزي ، وأبي إسحاق الشيرازي ~~لكنه عند الباقلاني صالح ؛ لأن يرجح به . وقيل : إنما يحتج به في التعليل ~~إذا كان في قياس فرع قد اجتذبه أصلان ، فيلحق بأحدهما بغلبة الاشتباه ، ~~ويسمونه قياس غلبة الاشتباه . ( السادس ) من مسالك العلة ( الدوران ) وسماه ~~الآمدي وابن الحاجب : الطرد والعكس لكونه بمعناه PageV04P191 ( وهو ترتب ~~حكم على وصف وجودا وعدما ) ثم الدوران إما في محل واحد ، كالإسكار في ~~العصير . فإن العصير قبل أن يوجد الإسكار كان حلالا ، فلما حدث الإسكار حرم ~~، فلما زال الإسكار وصار خلا صار حلالا ، فدار التحريم مع ms528 الإسكار وجودا ~~وعدما ، وإما في محلين ، كالطعم مع تحريم الربا فإنه لما وجد الطعم في ~~التفاح كان ربويا ، ولما لم يوجد في الحرير مثلا لم يكن ربويا ، فدار جريان ~~الربا مع الطعم ، وهذا المثال : إنما يجري على قول من يقول : إن علة الربا ~~الطعم . قال الطوفي : لكن الدوران في صورة أقوى منه في صورتين ، على ما هو ~~مدرك ضرورة ، أو نظرا ظاهرا PageV04P192 ( ويفيد ) الدوران ( العلة ظنا ) ~~عند الأكثر من أصحابنا ، والمالكية والشافعية وغيرهم ، وقيل : إنه يفيد ~~العلة قطعا وعليه بعض المعتزلة . وقيل : ولعل من يدعي القطع إنما هو من ~~يشترط ظهور المناسبة في قياس العلل مطلقا . ولا يكتفي بالسبر ولا بالدوران ~~بمجرده ، فإذا انضم الدوران إلى المناسبة ارتقى بهذه الزيادة إلى اليقين ، ~~وقيل : إنه لا يفيد بمجرده العلة قطعا ولا ظنا ، PageV04P193 واستدل للأول ~~- الذي هو الصحيح ، بأنه لو دعي رجل باسم فغضب ، وبغيره لم يغضب ، وتكرر ~~ذلك منه ، ولا مانع : دل أنه سبب الغضب ( و ) حيث تقرر أن الدوران يفيد ~~العلة ظنا ( لا يلزم المستدل نفي ما هو أولى منه ) أي مما أبدأه علة ؛ لأنه ~~لو لزمه ذلك للزم نفي سائر القوادح ، وينتشر البحث ، ويخرج الكلام عن الضبط ~~، ومن ادعى وصفا آخر لزمه إبداؤه . أطبق على ذلك الجدليون ، وذهب القاضي ~~أبو بكر إلى أنه لا يلزمه ذلك . قال الغزالي : وهو بعيد في حق المناظر ، ~~متجه في حق المجتهد ، فإن عليه تمام النظر ؛ لتحل له الفتوى PageV04P194 ( ~~فإن أبدى المعترض وصفا آخر ) أي غير ما أبداه المستدل ، فإن كان ما أبداه ~~المعترض قاصرا ( ترجح جانب المستدل بالتعدية ) أي بكون وصفه متعديا . وهذا ~~بناء على ترجيح المتعدية على القاصرة ( فإن تعدى إلى الفرع ) المتنازع فيه ~~بني على جواز التعليل بعلتين ، و ( لم يضر ) إلا عند مانع علتين ( وإن تعدى ~~) ما أبداه المعترض ( إلى فرع آخر ) أي غير المتنازع فيه ( طلب الترجيح ) ~~أي ترجيح أحد الوصفين على الآخر ، بدليل خارجي ، فلو كان وصف المستدل غير ~~مناسب ، ووصف المعترض مناسبا : قدم قطعا . ( والطرد : مقارنة الحكم ms529 للوصف ~~بلا مناسبة ) لا بالذات ولا بالتبع ، PageV04P195 مثاله في قول بعضهم ، في ~~إزالة النجاسة بالخل ونحوه : الخل مائع لا يبنى على جنسه القناطر ، ولا ~~يصاد منه السمك ، ولا تجري فيه السفن ، أو لا ينبت فيه القصب ، أو لا تعوم ~~فيه الجواميس ، أو لا يزرع عليه الزرع ونحو ذلك ، فلا تزال به النجاسة . ~~كالدهن ، وقول بعضهم في مس الذكر طويل ممشوق . فلا يجب بمسه الوضوء كالبوق ~~، وقول بعضهم في طهارة الكلب : حيوان مألوف له شعر كالصوف ، فكان طاهرا ~~كالخروف . واعلم أن للمقارنة ثلاثة أحوال . أحدها : أن تكون في جميع الصور ~~وعليه جرى جمع ، منهم صاحب جمع الجوامع فيه ، ويشعر به كلام جماعة أيضا ، ~~حيث قالوا : إنه وجود الحكم عند وجود الوصف . PageV04P196 الثانية : ~~المقارنة فيما سوى صورة النزاع ، وهو الذي عزاه في المحصول للأكثرين . وجرى ~~عليه البيضاوي ، فيثبت حينئذ الحكم في صورة النزاع إلحاقا للفرد بالأعم ~~الأغلب . فإن الاستقراء يدل على إلحاق النادر بالغالب ، وهذا ضعيف ؛ لأنه ~~ليس كل نادر يلحق بالغالب لما يرد عليه من النقوض . وأيضا فلا يلزم من علية ~~الاقتران كونه علة للحكم . الثالثة : المقارنة في صورة واحدة ، وهو ضعيف ~~جدا . لأن مستند القائل بالطرد : غلبة الظن عند التكرر ، والفرض عدمه ~~PageV04P197 ( وليس ) الطرد ( دليلا وحده ) عند الأئمة الأربعة وغيرهم ؛ ~~لأنه لا يفيد علما ولا ظنا فهو تحكم . قال ابن السمعاني وغيره : قياس ~~المعنى تحقيق والشبه : تقريب ، والطرد : تحكم وبالغ الباقلاني فقال : من ~~طرد عن غرر فجاهل . ومن مارس الشريعة واستجازه فهازئ بالشريعة . وقيل : إنه ~~حجة مطلقا ، وتكفي المقارنة ولو في صورة واحدة وهو ضعيف جدا ( وتنقسم العلة ~~) سواء كانت ( عقلية أو شرعية إلى ما تؤثر في معلولها كوجود علة الأصل في ~~الفرع ) مؤثر في نقل حكمه ( وإلى ما يؤثر فيها معلولها كالدوران ) المتقدم ~~ذكره . PageV04P198 # | ( فوائد ) تتعلق بتفسير بعض ألفاظ اصطلح عليها أهل الأصول والجدل # ، الأولى ( المناط ) وهو مفعل من ناط نياطا ، أي علق ، فهو ما نيط به ~~الحكم ، أي علق به ، وهو العلة التي رتب عليها الحكم في الأصل ms530 . يقال : نطت ~~الحبل بالوتد أنوطه نوطا : إذا علقته ، ومنه : ' ذات أنواط ' ، شجرة كانوا ~~في الجاهلية يعلقون فيها سلاحهم وقد ذكرت في الحديث . PageV04P199 إذا تقرر ~~هذا : فالمناط ( متعلق الحكم ) وتنقيحه : تخليصه وتهذيبه ، يقال : نقحت ~~العظم : إذا استخرجت مخه وتخريجه : استنباطه ، أي استخراج متعلق الحكم . ~~وهو إضافة حكم لم يتعرض الشرع لعلته إلى وصف مناسب في نظر المجتهد بالسبر ~~والتقسيم ( وتحقيقه ) أي تحقيق المناط ( إثبات العلة في آحاد صورها ) ~~بالنظر والاجتهاد في معرفة وجودها في آحاد الصور بعد معرفتها في نفسها ( ~~فإن علمت العلة بنص ) كجهة القبلة التي هي مناط وجوب استقبالها المشار إليه ~~. بقوله تعالى { وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم PageV04P200 شطره } وكالإشهاد ~~المشار إليه بقوله تعالى { وأشهدوا ذوي عدل منكم } ( أو ) علمت العلة ب ( ~~إجماع ) كتحقيق المثل في قوله تعالى { فجزاء مثل ما قتل من النعم } فجهة ~~القبلة : مناط وجوب استقبالها ومعرفتها عند الاشتباه : مظنون ، والعدالة : ~~مناط قبول الشهادة ، ومعرفتها في الشخص المعين : مظنونة ، وكالمثل في جزاء ~~الصيد ، أو استنباط كالشدة المطربة التي هي مناط تحريم شرب الخمر ( احتج به ~~) قال ابن قاضي الجبل وغيره : ولا نعرف خلافا في صحة الاحتجاج به ، إذا ~~كانت العلة معلومة بالنص أو الإجماع ، إنما الخلاف فيما إذا كان مدرك ~~معرفتها الاستنباط . وذكر الموفق والفخر والطوفي من جملة تحقيق المناط : ~~اعتبار العلة المنصوص عليها في أماكنها ، كقوله صلى الله عليه وسلم { إنها ~~من الطوافين عليكم } فيعتبر الأمر في كل طائف . PageV04P201 قال الموفق : ~~وهو قياس جلي ، أقر به جماعة [ ممن ينكر القياس ] . قال ابن قاضي الجبل : ~~وليس ذلك قياسا للاتفاق عليه من منكري القياس . قال البرماوي : نعم ، هل ~~يشترط القطع بتحقيق المناط . أم يكتفى بالظن ؟ فيه أقوال . ثالثها : الفرق ~~بين أن تكون العلة وصفا شرعيا ، فيكتفى فيه بالظن . أو حقيقيا أو عرفيا ~~فيشترط القطع بوجوده . قال : وهذا أعدل الأقوال . انتهى . إذا تقرر هذا : ~~فتخريج المناط : استخراج وصف مناسب يحكم عليه بأنه علة ذلك الحكم . ~~PageV04P202 وتنقيحه : أن يبقى من الأوصاف ما يصلح ، ويلغى بالدليل ما لا ~~يصلح . وتحقيقه ms531 : أن يجيء إلى وصف دل على عليته نص أو إجماع أو غيرهما من ~~الطرق ، ولكن يقع الاختلاف في وجوده في صورة النزاع فيحقق وجودها فيه ~~ومناسبة التسمية في الثلاثة ظاهرة ؛ لأنه أولا استخرجها من PageV04P203 ~~منصوص في حكم من غير نص على علته ، ثم جاء في أوصاف قد ذكرت في التعليل ~~فنقح النص ، ونحوه في ذلك ، وأخذ منه ما يصلح علة ، وألغى غيره . ثم لما ~~نوزع في كون العلة ليست في المحل المتنازع فيه بين أنها فيه ، وحقق ذلك . ~~والله أعلم . ( ومدار الحكم : موجبه ، أو متعلقه ، ولازمه ) أي لازم الحكم ~~( ما لا يثبت الحكم مع عدمه ) فيكون لازم الحكم أعم من الشرط ؛ لدخول الشرط ~~PageV04P204 والعلة والسبب وجزئه ومحل الحكم فيه ( وملزومه ) أي ملزوم ~~الحكم ( ما يستلزم وجوده ) أي وجود الملزوم ( وجود الحكم ) قاله أبو محمد ~~الجوزي في الإيضاح في الجدل . ويقال : ' مدار الحكم على كذا ' ، أي يتوقف ~~الحكم على وجود كذا . PageV04P205 صفحة فارغة PageV04P206 # | ( فصل ) # ينقسم القياس باعتبار قوته وضعفه إلى جلي وخفي ف ( ما قطع فيه بنفي ~~الفارق ) كقياس الأمة على العبد في السراية وغيرها في العتق وغيره في قوله ~~صلى الله عليه وسلم { من أعتق شركا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد ، ~~قوم عليه قيمة عدل - } الحديث ' فإنا نقطع بعدم اعتبار الشرع الذكورة ~~والأنوثة فيه . PageV04P207 ومثله قوله صلى الله عليه وسلم { أيما رجل أفلس ~~فصاحب المتاع أحق بمتاعه } نقطع أن المرأة في معناه . ومثله قياس الصبية ~~على الصبي في حديث { مروهم بالصلاة لسبع ، واضربوهم على تركها لعشر } فإنا ~~نقطع أيضا بعدم اعتبار الشرع الذكورة والأنوثة ( أو نص ) بالبناء للمفعول ~~على علته ( أو أجمع على علته ) وتقدمت أمثلتهما ( ف ) هو في الصور الثلاث ( ~~قياس جلي ) ، ( وإلا ) أي وإن لم يقطع فيه بنفي الفارق ولم تكن علته منصوصا ~~عليها ، أو لم تكن مجمعا عليها ( فخفي ) ؛ لأن احتمال تأثير الفارق فيه قوي ~~. وذلك كقياس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد في وجوب PageV04P208 القصاص ~~. وقد قال أبو حنيفة بعدم وجوبه في المثقل ms532 ( و ) ينقسم القياس أيضا ( ~~باعتبار علته ) إلى ثلاثة أقسام : قياس علة ، وقياس دلالة ، وقياس في معنى ~~الأصل ، ثم ( إن صرح فيه ) أي في القياس ( بها ) أي بالعلة ، بأن كان ~~القياس بذكر الجامع وكان الجامع هو العلة ( ف ) هو ( قياس علة ) كقولنا في ~~المثقل : قتل عمد عدوان ، فيجب فيه القصاص كالجارح ، وإن كان الجامع وصفا ~~لازما من لوازم العلة وهو ما أشير إليه بقوله ( وإن جمع فيه ) أي في القياس ~~( بما يلازمها ) أي العلة كقياس النبيذ على الخمر بجامع الرائحة الفائحة ~~الملازمة للشدة PageV04P209 المطربة ؛ لأن الرائحة ليست نفس العلة ، أو جمع ~~في القياس بأثر من آثار العلة ، كقولنا في المثقل : قتل أثم به فاعله ، من ~~حيث إنه قتل فوجب فيه القصاص كالجارح ، فالإثم أثر من آثار العلة لا نفسها ~~. أو جمع في القياس بحكم من أحكام العلة ، كقولنا في قطع الأيدي باليد ~~الواحدة : قطع يقتضي وجوب الدية عليهم . فيكون وجوبه كوجوب القصاص عليهم ، ~~فوجوب الدية ليس عين علة القصاص ، بل حكم من أحكامها . وذلك معنى قوله ( أو ~~بأحد موجبها ) يعني : أو جمع في القياس بأحد موجبي العلة ( في الأصل ) ~~المقيس عليه ( لملازمة الآخر ، ف ) هو ( قياس دلالة ) وإن كان القياس ~~بإلغاء الفارق ، وهو ما أشير إليه بقوله ( وما جمع بنفي الفارق ) كإلحاق ~~البول في إناء ، ثم يصبه في الماء الدائم بالبول فيه ( ف ) هو ( قياس في ~~معنى الأصل ) PageV04P210 ومثل ابن الحاجب ما يكون الجامع فيه بلازم العلة ~~: بقياس قطع الجماعة بالواحد على قتلهم بالواحد ، بواسطة اشتراكهما في وجوب ~~الدية على الجميع . فإن الجامع - الذي هو وجوب الدية على الجماعة - لازم ~~العلة في الأصل ، وهي القتل العمد العدوان ، ووجوب الدية عليهم إنما هو أحد ~~موجبي العلة ، الذي هو وجوب الدية ، ليستدل به على موجبها الآخر ، وهو وجوب ~~القصاص عليهم . | ( ويجوز التعبد بالقياس ) في الشرعيات ( عقلا ) عند ~~الأئمة الأربعة وغيرهم ، خلافا للشيعة وجماعة من معتزلة بغداد . | قال ~~البرماوي : ومنهم من منعه عقلا . فقيل : لأنه قبيح في نفسه فيحرم . وقيل : ~~لأنه يجب على الشارع ms533 أن يستنصح لعباده PageV04P211 وينص لهم على الأحكام ~~كلها . وهذا على رأي المعتزلة المعلوم فساده . | وأوجب التعبد به القاضي ~~وأبو الخطاب والقفال وأبو الحسين البصري . | ومعنى التعبد به عقلا : أنه ~~يجوز أن يقول الشارع : إذا ثبت حكم في صورة ، ووجد في صورة أخرى مشاركة ~~للصورة الأولى في وصف ، وغلب على ظنكم أن هذا الحكم في الصورة الأولى معلل ~~بذلك الوصف ، فقيسوا الصورة الثانية على الأولى . | استدل للمذهب الأول ~~الصحيح بأنه لا يمتنع عقلا أن يقول الشارع : حرمت الخمر لأسكارها ، فقيسوا ~~عليها ما في معناها . لأن هذا يتضمن دفع ضرر مظنون ، وهو واجب PageV04P212 ~~عقلا ، فالقياس واجب عقلا ، والوجوب ، يستلزم الجواز . | وقال المخالف : ~~العقل يمنع من وقوع ما فيه خطأ ، لأنه محذور . | رد : منع احتياطا لا إحالة ~~. ثم لا منع مع ظن الصواب ، بدليل العموم وخبر الواحد والشهادة . | ( و ) ~~على القول بالجواز ( وقع شرعا ) عند المعظم من أصحابنا وغيرهم . | ومنعه ~~داود وابنه والقاشاني PageV04P213 والنهرواني وبعض أصحابنا وجمع ، وهو ~~رواية عن أحمد رحمه الله ، وحملها القاضي وابن عقيل على قياس خالف نصا ، ~~وابن رجب على من لم يبحث عن الدليل أو لم تحصل شروطه . PageV04P214 ( و ) ~~على الأول ( وقوعه بدليل السمع قطعي ) عند القاضي وأبي الخطاب وابن عقيل ، ~~وعليه الأكثر . وفي كلامهم أيضا : أنه ظني . | ( وهو ) أي القياس ( حجة ) ~~عند الأكثر من أصحابنا وغيرهم . | وقد احتج القاضي وغيره على العمل بالقياس ~~بقول أحمد رحمه الله : لا يستغني أحد عن القياس . وقوله في رواية الميموني ~~: سألت الشافعي عنه فقال : ضرورة . وأعجبه ذلك . | وذكر ابن حامد عن بعض ~~أصحابنا : أنه ليس بحجه ، PageV04P215 لقول أحمد في رواية الميموني : يجتنب ~~المتكلم هذين الأصلين ؛ المجمل والقياس . | وحمله القاضي وابن عقيل على ~~قياس عارضة سنة . | قال ابن رجب : ' فتنازع أصحابنا في معناه . فقال بعض ~~المتقدمين والمتأخرين : هذا يدل على المنع من استعمال القياس في الأحكام ~~الشرعية بالكلية . وأكثر أصحابنا لم يثبتوا عن أحمد في العمل بالقياس خلافا ~~، كابن أبي موسى والقاضي وابن عقيل وغيرهم ، وهو الصواب ' . أه . | واستدل ~~لكونه حجة - وهو ms534 الصحيح - بقوله تعالى ^ ( فاعتبروا يا أولي الألباب ) ^ . ~~والاعتبار : اختيار شيء بغيره ، وانتقال من شيء إلى غيره ، والنظر في شيء ~~ليعرف به آخر من جنسه . | فإن قيل : هو الاتعاظ ، لسياق الآية . | رد : ~~بأنه مطلق . PageV04P216 | فإن قيل : الدال على الكلي لا يدل على الجزئي . ~~| رد : بلى . | ثم مراد الشارع القياس الشرعي ، لأن خطابه غالبا بالأمر ~~الشرعي . | وفي كلام أصحابنا وغيرهم : عام لجواز الاستثناء ، ثم متحقق فيه ~~، لأن المتعظ بغيره منتقل من العلم بغيره إلى نفسه ، فالمراد قدر مشترك ، ~~وسبق في الأمر ظهور صيغة ' إفعل ' في الطلب . | واحتج القاضي وأبو الخطاب ~~وغيرهما بقوله صلى الله عليه وسلم ' إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ، ~~وإن أخطأ فله أجر ' . رواه مسلم | واحتج أصحابنا أيضا وغيرهم بإجماع ~~الصحابة . | قال بعض أصحابنا والآمدي وغيرهم : هو أقوى الحجج . PageV04P217 ~~| فمنه اختلافهم الكثير الشائع المتباين في ميراث الجد مع الإخوة وفي ~~الأكدرية والخرقاء ، ولا نص عندهم . | إذا تقرر هذا : فيكون القياس حجة ( ~~في الأمور الدنيوية ) غير الشرعية اتفاقا ، كمداواة الأمراض ، والأغذية ~~والأسفار والمتاجر ونحو ذلك . | ( و ) يكون القياس حجة في ( غيرها ) أي غير ~~الأمور الدنيوية من الأمور الشرعية عند الأكثر من القائلين بالقياس للأدلة ~~PageV04P218 المتقدمة . | ومنع القاضي أبو بكر الباقلاني ومن تبعه كونه حجة ~~في قياس العكس . | قال ابن مفلح : فإن قيل : ما حكم قياس العكس ؟ قيل : حجة ~~. ذكره القاضي وغيره من أصحابنا والمالكية ، وهو المشهور عن الشافعية ~~والحنفية ، كالدلالة لطهارة دم السمك بأكله به لأنه لو كان نجسا لما أكل به ~~، كالحيوانات النجسة الدم . ونحو : لو سنت السورة في الأخريين لسن الجهر ~~فيهما كالأوليين . | وفي ' مسلم ' : من حديث أبي ذر : ' في بضع أحدكم صدقة ~~. قالوا : يا رسول الله ! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال : ~~أرأيتم لو وضعها في حرام ، أكان عليه [ فيها ] وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في ~~الحلال كان له أجر ' . PageV04P219 ومنع قوم القياس في إثبات أصول العبادات ~~، فنفوا جواز الصلاة بالإيماء المقيسة على صلاة القاعد بجامع العجز . | ~~ومنعه أبو حنيفة وأصحابه في حد وكفارة وبدل ورخص ms535 ومقدر . | لنا : عموم دليل ~~كون القياس حجة ، وقول الصحابي ' إذا سكر هذى افترى ' وكبقية الأحكام . | ~~ومنعه جمع في سبب وشرط ومانع ، كجعل الزنا سببا لا يجاب الحد ، فلا يقاس ~~عليه اللواط . وصححه PageV04P220 الآمدي وابن الحاجب ، وجزم به البيضاوي . ~~| لكن نقل الآمدي عن أكثر الشافعية جريانه فيها ، ومشى عليه في ' جمع ~~الجوامع ' . | ( والنص على علة حكم الأصل يكفي في التعدي ) عند أصحابنا ~~والأكثر . واحتج الإمام أحمد رحمه الله لعدم جواز بيع رطب بيابس ب ' نهيه ~~صلى الله عليه وسلم عن بيع الرطب بالتمر ' . PageV04P221 وقال أبو الخطاب ~~والموفق وأكثر الشافعية : إن ورد التعبد بالقياس كفى ، وإلا فلا . | ~~والبصري : يكفي في علة التحريم لا غيرها . | قال الشيخ تقي الدين : ' هو ~~قياس مذهبنا ' . PageV04P222 وسمى ابن عقيل المنصوص استدلالا ، وقال : ~~مذهبنا ليس بقياس . وقاله أيضا بعض الفقهاء . | ( والحكم المتعدي إلى فرع ~~بعلة منصوصة مراد بالنص ، كعلة مجتهد فيها فرعها مراد بالإجتهاد ) قاله ابن ~~مفلح وغيره ، لأن الأصل متتتبع لفرعه ، خلافا لبعضهم . ذكره أبو الخطاب . | ~~قال المجد : كلام أبي الخطاب يقتضي أنها مستقلة . قال : وعندي أنها مبينة ~~على المسألة قبلها . | قال الشيخ تقي الدين : وذكر القاضي [ ما هو ] أعم من ~~ذلك ، فقال : الحكم بالقياس على أصل منصوص عليه مراد بالنص الذي في الأصل ، ~~خلافا لبعض المتكلمين . | ( ويجوز ثبوت كل الأحكام بنص من الشارع ) عند ~~PageV04P223 أصحابنا والأكثر . وقيل : لا يجوز ؛ لأن الحوادث لا تتناهى ~~فكيف ينطبق عليها نصوص متناهية ؟ ورد بأنها تتناهى لتناهي التكليف بالقيامة ~~، ثم يجوز أن تحدث نصوص غير متناهية . و ( لا ) يجوز ثبوت كل الأحكام ( ~~بالقياس ) عند الجمهور ؛ لأن القياس لا بد له من أصل ؛ ولأن في الأحكام - ~~ما لا يعقل معناه ، كضرب الدية على العاقلة . فإجراء القياس في مثله متعذر ~~؛ لما علم أن القياس فرع تعقل المعنى المعلل به الحكم في الأصل . وأيضا فإن ~~فيها ما تختلف أحكامه فلا يجري فيه . وقيل : بلى . كما يجوز إثباتها كلها ~~بالنص يجوز إثباتها كلها بالقياس . PageV04P224 وقد ذكر الشيخ تقي الدين - ~~وتبعه ابن القيم - أنه ليس في ms536 الشريعة ما يخالف القياس و ما لا يعقل معناه ~~وبينا ذلك بما لا مزيد عليه . ( ومعرفته ) أي معرفة القياس ( فرض كفاية ) ~~عند تعدد المجتهدين ( ويكون فرض عين على بعض المجتهدين ) في صورة ، وهي ما ~~إذا لم يكن إلا مجتهد واحد واحتاج إلى القياس لنزول حادثة ، وقد ضاق الوقت ~~، فإنه يصير في حقه فرض عين . وغاير ابن حمدان في مقنعه بين القولين ، فقال ~~: فرض كفاية ، وقيل : فرض عين . والصواب الأول ( وهو ) أي القياس ( من ~~الدين ) عند الأكثر ؛ لأنه مما PageV04P225 تعبدنا الله تعالى به ، وكل ما ~~تعبدنا الله به فهو دين ، وهو مأمور به من قبل الشارع بصيغة ' افعل ' دليله ~~: قوله - سبحانه وتعالى - { فاعتبروا يا أولي الأبصار } قال ابن مفلح : ~~القياس دين ، وعند أبي الهذيل : لا يطلق عليه اسم دين ، وهو في بعض كلام ~~القاضي . وعند الجبائي : الواجب منه دين . انتهى . وقال الروياني في البحر ~~: القياس عندنا دين الله وحجته وشرعه . انتهى . ( والنفي ) ضربان ~~PageV04P226 أحدهما نفي ( أصلي ) وهو البقاء على ما كان قبل ورود الشرع ، ~~كانتفاء صلاة سادسة ، فهو مبقى باستصحاب موجب العقل ، فلا يجري فيه قياس ~~العلة ، لأنه لا موجب له قبل ورود السمع فليس بحكم شرعي ، حتى يطلب له علة ~~شرعية ، بل هو نفي حكم الشرع . وإنما العلة لما يتجدد ، لكن ( يجري فيه ~~قياس الدلالة ) وهو أن يستدل بانتفاء حكم شيء على انتفائه عن مثله . ويكون ~~ذلك ضم دليل إلى دليل ( فيؤكد به الاستصحاب ) أي استصحاب الحال . وهذا وهو ~~كونه : لا يجري فيه قياس العلة ، ويجري فيه قياس الدلالة ، هو الصحيح . ~~اختاره الغزالي والرازي ، وعزاه الهندي للمحققين . PageV04P227 ( و ) الضرب ~~الثاني : نفي ( طارئ ، كبراءة الذمة ) من الدين ، ونحوه حكم شرعي ( يجري ~~فيه هو ) أي قياس الدلالة وقياس العلة ؛ لأنه حكم شرعي حادث . فهو كسائر ~~الأحكام الوجودية . قال ابن مفلح عقب المسألة : ويستعمل القياس على وجه ~~التلازم ، فيجعل حكم الأصل في الثبوت ملزوما . وفي النفي نقيضه لازما ، نحو ~~لما وجبت زكاة مال البالغ المشترك بينه وبين مال الصبي : وجبت فيه ، ولو ~~وجبت ms537 في حلي وجبت في جوهر قياسا ، واللازم منتف ، فينتفي ملزومه . اه . ~~PageV04P228 # | ( فصل ) # لما فرغنا من الكلام على الطرق الدالة على العلة شرعنا في ذكر ما يحتمل ~~أنه من مبطلاتها ، أو مبطلات غيرها من الأدلة ، ويعبر عن ذلك تارة ~~بالاعتراضات وتارة بالقوادح ، و ( القوادح ترجع إلى المنع في المقدمات ، أو ~~المعارضات في الحكم ) قال أهل الجدل : الاعتراضات راجعة إما إلى منع في ~~مقدمة من المقدمات ، أو معارضة في الحكم . فمتى حصل الجواب عنها فقد تم ~~الدليل ، ولم يبق للمعترض مجال ، فيكون ما سوى ذلك من الأسئلة باطلا فلا ~~يسمع . وقال التاج السبكي في شرح مختصر ابن الحاجب ، وقطع به في جمع ~~الجوامع : إنها كلها ترجع إلى المنع ؛ لأن الكلام إذا كان مجملا لا يحصل ~~PageV04P229 غرض المستدل بتفسيره . فالمطالبة بتفسيره تستلزم منع تحقق ~~الوصف ، ومنع لزوم الحكم عنه . ولم يذكر الغزالي في المستصفى شيئا من ~~القوادح ، وقال : إن موضع ذكرها علم الجدل . والذاكرون لها يقولون : إنها ~~من مكملات القياس الذي هو من أصول الفقه ، ومكمل الشيء من ذلك الشيء . وعدة ~~القوادح عند ابن الحاجب وابن مفلح والأكثر خمسة وعشرون قادحا ، وقيل : اثنا ~~عشر ( ومقدمها ) أي القوادح ( الاستفسار ) أي هو طليعة لها كطليعة الجيش ؛ ~~لأنه المقدم على كل اعتراض ، وإنما كان PageV04P230 مقدما ؛ لأنه إذا لم ~~يعرف مدلول اللفظ استحال توجه المنع أو المعارضة ، وهما مراد الاعتراضات ~~كلها . وقيل : في كونه منها نظر ؛ لأن الاعتراضات خدش كلام المستدل . ~~والاستفسار ليس فيه خدش ، بل غايته : أنه استفهام للمراد من الكلام ، لأنه ~~استفعال من ' الفسر ' وهو لغة طلب الكشف والإظهار ، ومنه التفسير . ولهذا ~~عرفوه بقولهم ( وهو طلب معنى لفظ المستدل لإجماله أو غرابته ) وإنما يسمع ~~ذلك من المعترض إذا كان في اللفظ إجمال أو غرابة ، وإلا فهو تعنت مفوت ~~لفائدة المناظرة ، إذ يأتي في كل لفظ يفسر به لفظ ويتسلسل ( وعلى المعترض ~~بيان احتماله ) أي احتمال اللفظ لمعنيين فأكثر ، حتى يكون مجملا ، كما لو ~~قال المستدل : المطلقة تعتد PageV04P231 بالأقراء ، فلفظ ' الأقراء ' مجمل ~~. فيقول المعترض : ما مرادك ms538 بالأقراء ؟ فإذا قال : الحيض أو الأطهار ، أجاب ~~بحسب ذلك من تسليم أو منع ( أو ) بيان ( جهة الغرابة بطريقة ) إما من حيث ~~الوضع ، كقوله : لا يحل السبد ، أي الذئب . وكما لو قال في الكلب الذي لم ~~يعلم : خراش لم يبل ، فلا يطلق فريسته كالسبد . ومعنى ' لم يبل ' : لم ~~يختبر والفريسة : الصيد ، من فرس الأسد فريسة إذا دق عنقها ، ثم كثر حتى ~~أطلق على كل قتيل فريسة . والسبد الذئب - وهو بكسر السين وسكون الباء ~~الموحدة . PageV04P232 - والخراش : الكلب - وهو بكسر الخاء ، وقبل الألف ~~راء بعدها شين معجمة - وأما بيان جهة الغرابة من حيث الاصطلاح : كما يقال ~~في القياسات الفقهية : لفظ الدور أو التسلسل أو الهيولى ، أو المادة أو ~~المبدأ أو الغاية ، نحو أن يقال في شهود القتل إذا رجعوا : لا يجب القصاص ؛ ~~لأن وجوب القصاص تجرد مبدؤه عن غاية مقصوده ، فوجب أن لا يثبت ، وكذا ما ~~أشبه ذلك من اصطلاح المتكلمين . إلا أن يعرف من حال خصمه أنه يعرف ذلك ، ~~فلا غرابة حينئذ . و ( لا ) يلزم المعترض إذا بين كون اللفظ محتملا ( بيان ~~تساوي الاحتمالات ) لعسره ( ولو قال ) المعترض ( الأصل عدم مرجح : صح ) ~~يعني أنه قال : الأصل عدم رجحان بعض الاحتمالات عن PageV04P233 بعض ، كان ~~قوله ذلك صحيحا . ويكون ذلك تبرعا من المعترض ( وجوابه ) أي جواب المستدل ~~عن الاستفسار ، إما ( بمنع احتماله ) أي بمنع إجماله ( أو ) ب ( بيان ظهوره ~~) أي ظهور اللفظ ( في مقصوده ) أي فيما قصده المستدل ، بأن يقول : هذا ظاهر ~~في مقصودي ، ويبين ذلك ( إما بنقل من اللغة ) كما لو اعترض عليه في قوله : ~~الوضوء قربة ، فتجب له النية ، فيقول المعترض : الوضوء يطلق على النظافة ، ~~وعلى الأفعال المخصوصة . فما الذي تريد بالذي تجب له النية ؟ فيقول : ~~حقيقته الشرعية ، وهي الأفعال المخصوصة ( أو عرف ) يعني أو يبين كون لفظه ~~ظاهرا في مقصوده بالعرف ، كإطلاق الدابة على ذوات الأربع ( أو ) يبين كون ~~اللفظ ظاهرا في مقصوده بما معه من ( قرينة ) نحو قوله : قرء تحرم فيه ~~الصلاة ، فيحرم فيه الصوم ، فإن قرينة تحريم الصلاة فيه ms539 تدل على أن المراد ~~به الحيض ، وكذا لو كان PageV04P234 اللفظ غريبا ودلت قرينة معه على المراد ~~، مثل قوله : طلة زوجت نفسها فلا يصح . فالطلة : المرأة ، بقرينة قوله : ~~زوجت نفسها ، لا صفة الخمر ( أو ) ب ( تفسيره ) يعني : أو يكون جواب ~~المعترض بكون اللفظ غريبا : تفسير المستدل للفظه ( إن تعذر ) عليه ( إبطال ~~غرابته ) بأن يقول : مرادي المعنى الفلاني لكن لا بد أن يفسره بما يحتمله ~~اللفظ وإن بعد ، كما يقول : يخرج في الفطرة البر ، ويفسره بالقطعة من الأقط ~~. قال ابن الحاجب وابن مفلح وتابعهما صاحب التحرير ( ولو قال ) أي المستدل ~~( يلزم ظهوره ) أي ظهور اللفظ في أحد المعنيين ( دفعا للإجمال ، وفيما ~~قصدته لعدم ظهوره في PageV04P235 الآخر ) أي في المعنى الآخر الذي لم أقصده ~~( اتفاقا ) أي باتفاق مني ومنك ، فيكون ظاهرا في مرادي ( كفى ) ذلك بناء ~~على أن المجاز أولى ولا يعتد بتفسير المستدل بشيء لا تحتمله اللغة ؛ لأن ~~ذلك لعب . لكن هذا كله إذا لم يكن اللفظ الذي يطلب المعترض تفسيره ظاهرا في ~~معناه . فإن كان ظاهرا : فالحزم تبكيت المعترض بأن يقال له : امض فتعلم ثم ~~ارجع فتكلم . الثاني من القوادح ( فساد الاعتبار ) وهو ( مخالفة ) القياس ( ~~نصا أو إجماعا ) بأن يعترض بكون القياس فاسدا بكونه مخالفا لنص ، أو مخالفا ~~للإجماع ، PageV04P236 سواء كان النص القرآن ، كما يقال في تبييت الصوم : ~~صوم مفروض ، فلا يصح بنية من النهار كالقضاء ، فيقال : هذا فاسد الاعتبار ~~لمخالفة قوله تعالى { والصائمين والصائمات } فإنه يدل على أن كل صائم يحصل ~~له أجر عظيم ، وذلك يستلزم الصحة ، أو كان النص نص سنة ، كما يقال : لا يصح ~~السلم في الحيوان ؛ لأنه يشتمل على غرر ، فلا يصح كالسلم في المختلط . ~~فيقال : هذا فاسد الاعتبار لمخالفة ما في السنة ' أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم رخص في السلم ' . وأما مثال مخالفة الإجماع ، فكقول حنفي : ' لا يجوز ~~للرجل أن يغسل امرأته إذا ماتت ؛ لأنه يحرم النظر إليها كالأجنبية ' . ~~فيقال : هذا فاسد الاعتبار لمخالفة الإجماع PageV04P237 السكوتي ، وهو أن ~~عليا غسل فاطمة رضي الله عنها ، واشتهر ms540 ذلك ولم ينكر . وفي حكم مخالفة ~~القياس للنص أو الإجماع : أن تكون إحدى مقدماته هي المخالفة للنص أو ~~الإجماع ، ويدعي دخوله في إطلاق مخالفة النص أو الإجماع ، وفي معنى ذلك : ~~أن يكون الحكم مما لا يمكن إثباته بالقياس ، كإلحاق المصراة بغيرها من ~~المعيب في حكم الرد وعدمه ، ووجوب بدل لبنها الموجود في الضرع ؛ لأن هذا ~~القياس مخالف لصريح النص الوارد فيها ، أو كان تركيبه مشعرا بنقيض المطلوب ~~. وإنما سمي هذا النوع بذلك ؛ لأن اعتبار القياس مع النص PageV04P238 ~~والإجماع اعتبار له مع دليل أقوى منه ، وهو اعتبار فاسد لحديث معاذ فإنه ~~أخر الاجتهاد عن النص ( وجوابه ) أي وجواب القدح بفساد الاعتبار : إما ( ~~بضعفه ) بأن يمنع صحة النص بالطعن في سنده ، بأن يقول : لا نسلم صحة تغسيل ~~علي لفاطمة . وإن سلم فلا نسلم أن ذلك اشتهر ، وإن سلم فلا نسلم أن الإجماع ~~السكوتي حجة ، وإن سلم . فالفرق بين علي وغيره : أن فاطمة زوجته في الدنيا ~~والآخرة بإخبار النبي صلى الله عليه وسلم ، فالموت لا يقطع PageV04P239 ~~النكاح بينهما ، بخلاف غيرهما ، أو يقول في مسألة السلم : لا نسلم صحة ~~الترخيص في السلم ، وإن سلمنا فلا نسلم أن اللام فيه للاستغراق . فلا ~~يتناول الحيوان ، وإن صح السلم في غيره ( أو ) ب ( منع ظهوره ) أي ظهور ~~النص ، بأن يقول في مسألة الصوم : لا نسلم أن الآية تدل على صحة الصوم بدون ~~تبييت النية ؛ لأنها مطلقة ، وقيدناها بحديث { لا صيام لمن لم يبيت الصيام ~~من الليل } ( أو ) ب ( تأويله ) أي تأويل النص ، بأن يقول في مسألة الصوم : ~~إن الآية دلت على ثواب الصائم ، وإنا لا نسلم أن الممسك بدون تبييت النية ~~صائم ، أو يقول : إن النص المعارض للقياس مؤول بدليل يرجحه على الظاهر ( أو ~~) ب ( القول بموجبه ) بأن يقول : أنا أقول بموجب النص ، إلا أن مدلوله لا ~~ينافي قياسي ، كأن يقول في مسألة الصوم : إن الآية دلت على أن الصائم يثاب ~~وأنا أقول بموجبه . لكنها لا تدل على أنه لا يلزمه القضاء والنزاع فيه ! ~~PageV04P240 - ( أو ) ب ( معارضته ms541 ) أي معارضة النص ( بمثله ) أي بنص مثله ~~. فيسلم القياس حينئذ لاعتضاده بالنص الموافق له . الثالث : من القوادح ( ~~فساد الوضع ، وهو أخص مما تلاه ) أي من فساد الاعتبار قال الجدليون في ~~ترتيب الأسئلة : إن فساد الاعتبار مقدم على فساد الوضع ؛ لأن فساد الاعتبار ~~نظر في فساد القياس من حيث الجملة ، وفساد الوضع أخص لأنه يستلزم عدم ~~اعتبار القياس ؛ لأنه قد يكون بالنظر إلى أمر خارج عنه ، PageV04P241 وممن ~~قال إن فساد الاعتبار أعم : الهندي والتاج السبكي في جمع الجوامع وجماعة . ~~قال العسقلاني : واعلم أن فساد الوضع أعم من فساد الاعتبار ؛ لأن القياس قد ~~يكون صحيح الوضع ، وإن كان اعتباره فاسدا بالنظر إلى أمر خارج ، فكل فساد ~~الوضع فساد الاعتبار ولا عكس . وهو ( كون الجامع ) بين الأصل والفرع ( ثبت ~~اعتباره بنص أو إجماع في نقيض الحكم . كقول شافعي في مسح الرأس : مسح فسن ~~تكراره كاستجمار . فيعترض ) على الشافعي ( بكراهة تكرار مسح الخف ) قال ~~الطوفي وغيره : إنما سمي هذا فساد الوضع ؛ لأن وضع الشيء جعله في محله على ~~هيئة أو كيفية ، فإذا كان ذلك المحل أو تلك الهيئة لا تناسبه كان وضعه على ~~خلاف الحكمة فاسدا . فإذا اقتضت الحكمة نقيض الحكم المدعى أو خلافه : كان ~~ذلك مخالفا للحكمة ، إذ من شأن العلة أن تناسب معلولها لا أنها تخالفه ، ~~فكان ذلك فاسد الوضع بهذا الاعتبار ، PageV04P242 ومن أمثلة ذي النص : قول ~~الحنفية : الهرة سبع ذو ناب ، فيكون سؤره نجسا كالكلب . فيقال : السبعية ~~اعتبرها الشارع علة للطهارة ، حيث { دعي إلى دار فيها كلب فامتنع . ودعي ~~إلى أخرى فيها سنور ، فأجاب . فقيل له ، فقال : السنور سبع } رواه أحمد ~~وغيره ، ومن أمثلة ذي الإجماع : قول الشافعية : ما في المتن ، وجواب ~~المستدل عنه ببيان المانع لتعرض المسح لتلف الخف ، وسؤال فساد الوضع نقض ~~خاص لإثباته نقيض الحكم فإن ذكر المعترض نقيض الحكم مع أصله ، فقال : لا ~~يسن تكرار مسح الرأس كالخف فهو القلب . لكن اختلف أصلهما PageV04P243 ( ~~ومنه ) أي ومن فساد الوضع ( كون الدليل على هيئة غير صالحة لاعتباره ) أي ~~غير ms542 صالحة ؛ لأن يعتبر بها الدليل ( في ترتيب الحكم ) وهو نوعان ، أحدهما : ~~أن يكون صالحا لضد ذلك الحكم . والثاني : أن يكون صالحا لنقيض ذلك الحكم . ~~فالأول ( كتلقي تخفيف من تغليظ كقول حنفي : القتل جناية عظيمة ، فلا يجب ~~فيها كفارة كبقية الكبائر ، فجناية عظيمة ) في قول المستدل ( تناسب التغليظ ~~) ( أو ) كتلقي ( توسيع من تضييق ، ك ) قول المستدل ( الزكاة مال واجب ~~إرفاقا لدفع الحاجة ، فكان على التراخي كالدية على العاقلة ، فدفع الحاجة ) ~~في قول المستدل ( يقتضي الفور ) . والنوع الثاني : ما أشير إليه بقوله ( أو ~~إثبات ) أي أن يتلقى إثبات ( من نفي ، ك ) قول المستدل ( المعاطاة في ~~اليسير بيع لم PageV04P244 يوجد فيه سوى الرضا ، فوجب أن يبطل كغيره . ~~فالرضا ) في قول المستدل ( يناسب الانعقاد ) وإنما سمي هذا فساد الوضع ؛ ~~لأن وضع القياس أن يكون على هيئة صالحة ؛ لأن يترتب على ذلك الحكم المطلوب ~~إثباته . فمتى خلا عن ذلك فسد وضعه ( وجوابهما ) أي جواب النوعين المذكورين ~~( بتقرير كونهما كذلك ) أي بتقرير كون الدليل صالحا لاعتباره في ترتيب ~~الحكم عليه ، كأن يكون للدليل جهتان ، ينظر المستدل فيه من إحداهما ، ~~والمعترض من الأخرى ، كالارتفاق ودفع الحاجة في مسألة الزكاة . ويجاب عن ~~الكفارة في القتل : بأن غلظ فيه بالقصاص فلا يغلظ فيه بالكفارة . ويجاب عن ~~المعاطاة بأن عدم الانعقاد بها مرتب على عدم الصيغة ، لا على الرضى . ~~PageV04P245 الرابع من القوادح ( منع حكم الأصل ) أي منع المعترض حكم أصل ~~المستدل . كأن يقول حنبلي : الخل مائع لا يرفع الحدث ، فلا يزيل النجاسة ~~كالدهن . فيقول حنفي : لا أسلم الحكم في الأصل ، فإن الدهن عندي يزيل ~~النجاسة ، فهل يسمع منه منع حكم الأصل أم لا ؟ فالجمهور قالوا ( يسمع ) ~~وقال أبو إسحاق الشيرازي : لا يسمع أصلا ( و ) على قول الجمهور ( لا ينقطع ~~) المستدل ( بمجرده ) PageV04P246 أي بمجرد منع حكم الأصل عند أصحابنا ~~والأكثر ؛ لأنه منع مقدمة من مقدمات القياس . ( فيدل عليه ) يعني أن ~~للمستدل أن يدل على إثبات أصل يقيس عليه ( كمنع العلة ، أو وجودها ) يعني ~~كما لو اعترض عليه بمنع العلة أو وجودها ms543 ، فإنه لا ينقطع بذلك . وله أن يدل ~~عليه ، وقيل : ينقطع . وقيل : لا ينقطع ، إلا إذا كان المنع ظاهرا يعرفه ~~أكثر الفقهاء ( ف ) على الأول ( إن دل ) المستدل على إثبات حكم الأصل ( لم ~~ينقطع المعترض ) على أصح القولين ( فله ) أي للمعترض ( الاعتراض ) على ذلك ~~الدليل الذي دل به المستدل على إثبات حكم الأصل بطريقه ، إذ لا يلزم من ~~وجود صورة دليل صحته ( وليس ) اعتراضه على دليل المستدل ( بخارج عن المقصود ~~، فيتوجه له ) أي للمعترض ( سبع منوع مرتبة ) PageV04P247 ثلاثة تتعلق ~~بالأصل ، وثلاثة تتعلق بالعلة ، وواحد يتعلق بالفرع . فيقال في الإثبات ~~بمنوع مرتبة : لا نسلم حكم الأصل ، سلمنا ذلك ، ولا نسلم أنه مما يقاس فيه ~~. لم لا يكون مما اختلف في جواز القياس فيه ؟ سلمنا ذلك ، ولا نسلم أنه ~~معلل ؛ لم لا يقال : إنه تعبدي ؟ سلمنا ذلك ، ولا نسلم أن هذا الوصف علته ؛ ~~لم لا يقال : إن العلة غيره ؟ سلمنا ذلك ، ولا نسلم وجود الوصف في الأصل ، ~~سلمنا ذلك ، ولا نسلم أن هذا الوصف متعد ؛ لم لا يقال : إنه قاصر ؟ سلمنا ~~ذلك ، ولا نسلم وجوده في الفرع ، وظاهر إيرادها على هذا الترتيب وجوبه ، ~~لمناسبة ذلك الترتيب الطبيعي . فيقدم منها ما يتعلق بالأصل من منع حكمه ، ~~أو كونه مما لا يقاس عليه ، أو كونه غير معلل ، ثم ما PageV04P248 يتعلق ~~بالعلة ؛ لأنها فرعه ، لاستنباطها منه من منع كون ذلك الوصف علة ، أو منع ~~وجوده في الأصل ، أو منع كونه متعديا ، ثم ما يتعلق بالفرع لابتنائه عليهما ~~. كمنع وجود الوصف المدعى عليته في الفرع وجواب هذه الاعتراضات بدفع ما ~~يراد دفعه منها بطريقه المفهومة ( وإن اعترض ) المعترض ( على حكم الأصل ب ) ~~قوله ( إني لا أعرف مذهبي فيه ) أي في الأصل المقيس عليه ( فإن أمكن ~~المستدل بيانه ) بينه ( وإلا ) أي وإن لم يمكنه بيانه ( دل ) أي أقام ~~الدليل ( على إثباته ) قاله ابن عقيل في الواضح ( وللمستدل أن يستدل بدليل ~~عنده فقط ) أي دون المعترض ( كمفهوم وقياس فإن اعترض ) بأن منعه خصمه ( دل ~~عليه ) المستدل ( ولم ينقطع ) بذلك ms544 PageV04P249 ( وليس للمعترض أن يلزمه ) ~~أي يلزم المستدل ( ما يعتقده هو ) أي المعترض ( ولا أن يقول ) المعترض ~~للمستدل ( إن سلمت ) ما أعتقده ( وإلا دللت عليه ) قال ابن مفلح : قال ~~أصحابنا والشافعية وغيرهم : للمستدل أن يحتج بدليل عنده فقط ، كمفهوم وقياس ~~. فإن منعه خصمه دل عليه ولم ينقطع خلافا لأبي علي الطبري الشافعي ، إن كان ~~الأصل خفيا . وأطلق أبو محمد البغدادي المنع عن قوم . وليس للمعترض أن ~~يلزمه ما يعتقده هو فقط ، ولا أن يقول : إن سلمته وإلا دللت عليه ، خلافا ~~لبعض الشافعية . قال : لأنه بالمعارضة كالمستدل . وعنى به إلكيا . وقال بعض ~~أصحابنا - وعنى به الشيخ تقي الدين - لا ينقطع واحد منهما . فيكون ~~الاستدلال في مهلة النظر في المعارض . انتهى . الخامس من القوادح ( التقسيم ~~) PageV04P250 وهو ( احتمال لفظ المستدل لأمرين فأكثر على السواء بعضها ) ~~أي بعض الاحتمالات ، أو الاحتمالين ( ممنوع ) وذلك الممنوع هو الذي يحصل به ~~المقصود ، وإلا لم يكن للتقسيم معنى ( وهو ) أي القدح بذلك ( وارد ) عندنا ~~وعند الأكثر ( وبيانه ) أي بيان كون ما ذكره المستدل ممنوعا ( على المعترض ~~) وذلك ( ك ) قول المستدل ( الصحيح في الحضر وجد السبب بتعذر الماء ) عليه ~~( فجاز ) له ( أن يتيمم ) ( فيقول ) المعترض ( السبب ) المبيح للتيمم ( ~~تعذره ) أي تعذر الماء ( مطلقا ، أو ) تعذره ( في سفر ، أو ) تعذره في ( ~~مرض ) ( فالأول ) الذي هو تعذره مطلقا ( ممنوع ، فهو منع بعد تقسيم ) ~~وجوابه كالاستفسار PageV04P251 قال ابن العراقي : وقولنا ' على السواء ' ؛ ~~لأنه لو كان ظاهرا في أحدهما لوجب تنزيله عليه . ومثاله في أكثر من اثنين ~~لو قيل : امرأة بالغة عاقلة يصح منها النكاح كالرجل . فيقول المعترض : إما ~~بمعنى أن لها تجربة ، أو أن لها حسن رأي وتدبير ، أو أن لها عقلا غريزيا . ~~فالأول والثاني : ممنوعان . والثالث : مسلم ، لكن لا يكفي ؛ لأن الصغيرة ~~لها عقل غريزي ، ولا يصح منها النكاح ، واختلف العلماء في قبول هذا السؤال ~~. والصحيح : أنه يقبل ، لكن بعد ما يبين المعترض محل التردد . والقول ~~الثاني : أن سؤال الاستفسار يغني عنه ، فلا حاجة إليه ( وجوابه ) أي جواب ~~هذا الاعتراض ( كالاستفسار ) أن ms545 يقول المستدل : لفظي الذي ذكرته محمول على ~~المعنى الذي PageV04P252 يؤدي للدلالة ، والدال على حمله على ذلك : اللغة ~~أو العرف الشرعي ، أو العرف العام ، أو كونه مجازا راجحا بعرف الاستعمال ، ~~أو بكون أحد الاحتمالات ظاهرا بسبب ما انضم إليه من القرينة من لفظ المستدل ~~، إن كان هناك قرينة لفظية ، أو حالية أو عقلية بحيث لا يحتاج إلى إثباته ~~لغة ولا عرفا . قال ابن مفلح بعد ذلك : ولو ذكر المعترض احتمالين لم يدل ~~عليهما لفظ المستدل ، كقول المستدل : وجد سبب استيفاء القصاص فيجب ، فيقول ~~المعترض : متى منع مانع الالتجاء إلى الحرم ، أو عدمه ؟ ، الأول ممنوع ، ~~فإن أورده على لفظ المستدل لم يقبل لعدم تردد لفظ السبب بين الاحتمالين . ~~وإن أورده على دعواه الملازمة بين PageV04P253 الحكم ودليله فهو مطالبة ~~بنفي المانع ، ولا يلزم المستدل . فإن استدل المعترض مع ذلك على وجود ~~المعارض فيعارضه . السادس من القوادح ( منع وجود المدعى علة في الأصل ) ~~وذلك ( ك ) قول المعترض ( الكلب حيوان يغسل من ولوغه سبعا فلا يطهر ) جلده ~~( بدبغ ك ) جلد ( خنزير فيمنع ) بأن يقول المعترض : لا نسلم أن الخنزير ~~يغسل من ولوغه سبعا ( وجوابه ) أي جواب هذا الاعتراض ( ببيانه ) أي ببيان ~~وجود الوصف في الأصل بأحد مسالكها ( بدليل ) أي بما هو طريق ثبوت مثله ( من ~~عقل ) إن كان عقليا ( أو حس ) إن كان حسيا ( أو شرع ) إن كان شرعيا ( بحسب ~~حال الوصف ) PageV04P254 مثال يجمع الثلاثة ، إذا قال في القتل بالمثقل : ~~قتل عمد عدوان ، فلو قال : لا نسلم أنه قتل . قال : بالحس ، ولو قيل : لا ~~نسلم أنه عمد . قال : معلوم عقلا بأمارته ، ولو قيل : لا نسلم أنه عدوان . ~~قال : لأن الشرع حرمه ( وله ) أي للمستدل ( تفسير لفظه بمحتمل ) أي بمعنى ~~محتمل . السابع من القوادح ( منع كونه ) أي كون الوصف ( علة ) والمطالبة ~~بتصحيح ذلك . قال الآمدي ومن تبعه : هو ( أعظم الأسئلة ) لعموم وروده وتشعب ~~مسالكه ( ويقبل ) لئلا يحتج المستدل بكل طرد ، وهو لعب ؛ ولأن الأصل عدم ~~دليل القياس . PageV04P255 خولف في ما نقل عن الصحابة ، أو أفاد الظن ms546 ، ~~وليس القياس رد فرع إلى أصل بأي جامع كان ، بل بجامع مظنون ، وليس عجز ~~المعارض عن إبطالها دليل صحتها للزوم صحة كل صورة دليل لعجزه . فهذا السؤال ~~يعم كل ما يدعى أنه علة . وطرقه كثيرة مختلفة ، ويقال له : سؤال المطالبة ، ~~وحيث أطلقت المطالبة فلا يقصد في العرف سوى ذلك ، ومتى أريد غيره ذكر مقيدا ~~، فيقال : المطالبة بكذا ، ولو لم يقبل لأدى الحال إلى اللعب في التمسك بكل ~~طرد من الأوصاف ، كالطول والقصر . فإن المستدل يأمن المنع ، ويتعلق بما شاء ~~من الأوصاف . وقيل : لا يقبل ؛ لأن القياس رد فرع إلى أصل بجامع . وقد وجد ~~. ففيم المنع ؟ PageV04P256 ورده أن ذلك مظنون الصحة ، والوصف الطردي مظنون ~~الفساد . ( وجوابه ) أي جواب منع كون الوصف علة ( ببيانه بأحد مسالكها ) أي ~~بأن يثبت المستدل علية الوصف بأحد الطرق المفيدة للعلة ، من إجماع أو نص أو ~~مناسبة ، أو غير ذلك من مسالك العلة . قال القاضي عضد الدين : وكل مسلك ~~تمسك بها فيرد عليه ما هو شرطه ، أي ما يليق به من الأسئلة المخصوصة به . ~~وقد نبه - أي ابن الحاجب - هاهنا على اعتراضات الأدلة الأخرى بتبعية ~~اعتراضات القياس على سبيل الإيجاز ، ولا بأس أن نبسط فيه الكلام بعض البسط ~~؛ لأن البحث كما يقع في PageV04P257 القياس يقع في سائر الأدلة . ومعرفة ~~هذه المسألة نافعة في الموضعين . فنقول : الأسئلة بحسب ما يرد عليه من ~~الإجماع والكتاب والسنة . وتخريج المناط : أربعة أصناف . الصنف الأول : على ~~الإجماع ، ولم يذكره ابن الحاجب لقلته . ومثاله : ما قالت الحنفية في وطء ~~الثيب : الإجماع على أنه لا يجوز الرد مجانا . فإن عمر وزيدا أوجبا نصف عشر ~~القيمة ، وفي البكر عشرها ، وعلي منع الرد من غير نكير ، وهو ظني في دلالته ~~وفي نقله ، ولولا أحدهما لما تصور في محل الخلاف . والاعتراض على وجوه . ~~الأول : منع وجود الإجماع لصريح المخالفة ، أو منع دلالة السكوت على ~~الموافقة . الثاني : الطعن في السند ، بأن نقله فلان ، وهو ضعيف إن أمكنه . ~~الثالث : المعارضة ، ولا تجوز بالقياس ، مثل : العيب PageV04P258 يثبت الرد ~~، وتثبت علية ms547 العيب للرد بالمناسبة أو غيرها ، ولا بخبر واحد ، إلا إذا ~~كانت دلالته قاطعة ، ولكن بإجماع آخر أو بمتواتر . الصنف الثاني على ظاهر ~~الكتاب . كما إذا استدل في مسألة بيع الغائب بقوله تعالى { وأحل الله البيع ~~} وهو يدل على صحة كل بيع . والاعتراض على وجوه . الأول : الاستفسار . وقد ~~عرفته . الثاني : منع ظهوره في الدلالة ، فإنه خرج صور لا تحصى ، أو لا ~~نسلم أن اللام للعموم ، فإنه يجيء للعموم PageV04P259 والخصوص . الثالث : ~~التأويل ، وهو أنه - وإن كان ظاهرا فيما ذكرت - لكن يجب صرفه عنه إلى محمل ~~مرجوح ، بدليل يصيره راجحا . نحو قوله { نهى عن بيع الغرر } وهذا أقوى ؛ ~~لأنه عام لم يتطرق إليه تخصيص ، أو التخصيص فيما قل . الرابع : الإجمال فإن ~~ما ذكرناه من وجه الترجيح وإن لم يصيره راجحا فإنه يعارض الظهور ، فيبقى ~~مجملا . الخامس : المعارضة بآية أخرى ، نحو قوله تعالى { لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل } وهذا [ ما ] لم يتحقق فيه الرضى ، فيكون باطلا ، أو بحديث ~~متواتر كما ذكرنا . PageV04P260 السادس : منع القول بموجبه ، وهو تسليم ~~مقتضى النص مع بقاء الخلاف . مثل أن يقول : سلمنا حل البيع ، والخلاف في ~~صحته باق . فإنه ما أثبته . الصنف الثالث : ما يرد على ظاهر السنة ، كما ~~إذا استدل بقوله { أمسك أربعا ، وفارق سائرهن } على أن النكاح لا ينفسخ . ~~والاعتراض عليه بالوجوه الستة المذكورة . الأول : الاستفسار . الثاني : منع ~~الظهور إذ ليس فيما ذكرت من الخبر صيغة عموم ، أو ؛ لأنه خطاب لخاص ، أو ؛ ~~لأنه ورد على سبب خاص . الثالث : التأويل بأن المراد : تزوج منهن أربعا ~~بعقد PageV04P261 جديد . فإن الطارئ كالمبتدإ في إفساد النكاح كالرضاع . ~~الرابع : الإجمال كما ذكرنا . الخامس : المعارضة بنص آخر . السادس : القول ~~بالموجب . وهاهنا أسئلة تختص بأخبار الآحاد ، وهو الطعن في السند ، بأن ~~يقول : هذا الخبر مرسل ، أو ضعيف ، أو في راويته قدح . فإن راويه ضعيف لخلل ~~في عدالته أو ضبطه ، أو بأنه كذبه الشيخ ، فقال : لم يرو عني . مثاله : إذا ~~قال الأصحاب { المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا } قالت ~~الحنفية : لا يصح ؛ لأن راويه ms548 مالك . وقد خالفه . وإذا قلنا { أيما امرأة ~~نكحت نفسها بغير إذن وليها ، PageV04P262 فنكاحها باطل } قالوا : لا يصح ؛ ~~لأنه يرويه سليمان بن موسى الدمشقي عن الزهري . فسئل الزهري ؟ فقال : لا ~~أعرفه . الصنف الرابع : ما يرد على تخريج المناط . وهو ما تقدم من عدم ~~الإفضاء ، أو المعارضة ، أو عدم الظهور أو عدم الانضباط ، وما تقدم من أنه ~~مرسل أو غريب أو شبه ، وهذا الذي ذكره العضد بعينه في الإيضاح لأبي محمد ~~الجوزي . PageV04P263 الثامن من القوادح ( عدم التأثير ) وهو دعوى المعترض ~~( بأن الوصف لا مناسبة له ) و ( لا يرد ) هذا ( على قياس الدلالة ) قاله ~~الشيخ تقي الدين وابن عقيل ؛ لأنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول . ~~وذكره أبو الخطاب في الانتصار في مسألة عدالة الشهود والنكاح بلفظ الهبة ( ~~و ) قال أيضا ( لا ) يرد على ( قياس ناف للحكم ) لتعدد سبب انتفائه ؛ لعدم ~~العلة أو جزئها أو وجود مانع ، أو فوات شرط ، PageV04P264 بخلاف سبب ثبوته ~~؛ لأن عدم التأثير إنما يصح إذا لم تخلف العلة علة أخرى ، ولأنه يرجع إلى ~~قياس الدلالة . وقال البرماوي وغيره : من القوادح في العلة : عدم التأثير ، ~~كأن يقول المعترض : هذا الذي علل به غير مناسب للتعليل ، لكونه طرديا ، أو ~~لاختلال شرط من شروط العلة فيه . فلا يكتفى به في التعليل . ووجه تسميته ~~بذلك : أن المراد بالتأثير هنا اقتضاؤه ، إما بمعنى المعرف أو المؤثر ، على ~~ما سبق من الخلاف . فإذا لم يفد أثرا فلا تأثير له ( وأقسامه ) أي أقسام ~~عدم التأثير ( أربعة ) الأول ( عدمه ) أي عدم التأثير ( في الوصف ) أي لا ~~تأثير له أصلا ؛ لكون الوصف طرديا ( ك ) قول المستدل : صلاة الصبح ( صلاة ~~لا تقصر ، فلا يقدم أذانها على وقتها كالمغرب ، فعدم القصر هنا ) بالنسبة ~~لعدم تقديم الأذان ( طردي ) فكأنه قال : لا يقدم أذان الفجر عليها ؛ ~~PageV04P265 لأنها لا تقصر ، واطرد ذلك في المغرب ، لكنه لم ينعكس في بقية ~~الصلوات إذ مقتضى هذا القياس : أن ما يقصر من الصلوات يجوز تقديم أذانه على ~~وقته من حيث انعكاس العلة ( فيرجع ) حاصله ( إلى سؤال ms549 المطالبة ) بصلاحية ~~كونه علة كما سبق . ( و ) القسم الثاني من أقسام عدم التأثير ( عدمه في ~~الأصل ) بأن يستغنى عنه بوصف آخر لثبوت حكمه بدونه ( ك ) قول المستدل في ~~بيع الغائب ( مبيع غير مرئي ، فبطل كالطير في الهواء ) فيعترض بأن العلة ~~العجز عن التسليم ، وهو كاف في البطلان ، وعدم التأثير هنا : جهة العكس ؛ ~~لأن تعليل عدم صحة بيع الغائب ؛ بكونه غير مرئي يقتضي أن كل مرئي يجوز بيعه ~~. PageV04P266 وقد بطل بيع الطير في الهواء ( فالعجز عن التسليم ) وصف ( ~~مستقل ) ، يصلح أن يكون وحده علة ؛ لعدم الصحة ( ويقبل ) القدح بعدم ~~التأثير في الأصل ( في وجه ) قال ابن مفلح وغيره : وقبوله ورده مبني على ~~تعليل الحكم بعلتين . ولم يقبله أبو محمد الفخر إسماعيل ، بناء على هذا ، ~~وقبله الموفق في الروضة وغيره ( وهو معارض في الأصل ) . ( و ) القسم الثالث ~~من أقسام عدم التأثير ( عدمه ) أي عدم التأثير ( في الحكم ) فيكون من جملة ~~ما علل به قيد لا تأثير له في حكم الأصل الذي قد علل له ، PageV04P267 وهو ~~ثلاثة أنواع . أحدهما : ما أشير إليه بقوله ( وهو ما لا فائدة لذكره ) ، ( ~~ك ) قول المستدل ( المرتد مشرك أتلف مالا في دار الحرب . فلا ضمان ) عليه ( ~~كحربي ) . ( ف ) قوله ( دار الحرب : طردي ) لا فائدة في ذكره ( إذ من أوجبه ~~) أي أوجب الضمان ( أو نفاه : أطلق ) القول من غير تقييد بدار الحرب . ~~فيرجع إلى ما رجع إليه القسم الأول ، وهو المطالبة بتأثير كونه في دار ~~الحرب . ومثله بعض أصحابنا بقولنا في تخليل الخمر : مائع لا يطهر بالكثرة ، ~~فلا يطهر بالصنعة كالدهن واللبن . فقيل للقاضي فقولك ' لا يطهر بالصنعة ' ~~لا أثر PageV04P268 له في الأصل . فقال : هذا حكم العلة ، والتأثير يعتبر ~~في العلة دون الحكم ، قال بعض أصحابنا : هذا ضعيف ، وذكر أبو الخطاب فيه ~~مذهبين . النوع الثاني : ما أشير إليه بقوله ( أو له فائدة ضرورية ) ، ( ~~كقول معتبر ) أي مشترط ( عدد الأحجار ) أي عدد المسحات ( في الاستجمار ) ~~أنها ( عبادة متعلقة بالأحجار لم يتقدمها معصية ، فاعتبر فيها العدد ~~كالجمار ) أي كرمي الجمار في ms550 الحج ( فقوله ) أي قول المستدل ( لم يتقدمها ~~معصية لا أثر له ) في الاستدلال ( لكنه ) أي المستدل ( مضطر إلى ذكره لئلا ~~ينتقض ) عليه الاستدلال ( ب ) حد ( الرجم ) ؛ لأنه أيضا عبادة متعلقة ~~بالأحجار ، لكن لم يعتبر فيها عدد ، وحكم هذا النوع حكم الذي قبله . ~~PageV04P269 النوع الثالث : ما أشير إليه بقوله ( أو غير ضرورة ) يعني أن ~~يكون لذكر ما لا أثر له في القياس فائدة ، لكن المعلل لم يضطر إليها في ذلك ~~القياس ( ك ) قوله ( الجمعة صلاة مفروضة ، فلم تفتقر إلى إذن ) الإمام في ~~إقامتها ( كغيرها ) من الصلوات ( ف ) قول المستدل ( مفروضة : حشو ) ولهذا ~~يسمى هذا النوع بالحشو ( إذ لو حذفت ) ' مفروضة ' ( لم ينتقض ) قياسه ؛ لأن ~~النفل كذلك ، وإنما ذكر لتقريب الفرع من الأصل ، وتقوية الشبه بينهما إذ ~~الفرض بالفرض أشبه من غيره ، قال في التمهيد : فمفروضة ، قيل : يضر دخوله ؛ ~~لأنه بعض العلة ، وقيل : لا . فإن فيه تنبيها على أن غير الفرض أولى أن لا ~~يفتقر ؛ ولأنه يزيد تقريبه من الأصل ، PageV04P270 فالأولى ذكره . ا ه . ( ~~و ) القسم الرابع من أقسام عدم التأثير ( عدمه ) أي عدم التأثير ( في الفرع ~~) وإن كان الوصف له تأثير في الجملة ، لكن لا يطرد التأثير في ذلك الفرع ~~ونحوه من محال النزاع ، مثال ذلك في ولاية المرأة ( ك ) قول المستدل : ~~امرأة ( زوجت نفسها فلا يصح ) تزويجها ( كما لو زوجت ) أي زوجها وليها ( ~~بغير كفء ) فالتزويج من غير كفء ، وإن ناسب البطلان ، إلا أنه لا اطراد له ~~في صورة النزاع التي هي تزويجها نفسها مطلقا . فبان أن الوصف لا أثر له في ~~الفرع المتنازع فيه ( وهو ) أي وهذا القسم ( كالثاني ) أي كالقسم الثاني من ~~حيث إن حكم الفرع هنا مضاف إلى غير الوصف المذكور ، قاله ابن الحاجب وابن ~~مفلح والتاج السبكي . PageV04P271 وقيل : إنه كالقسم الثالث ، وصوبه بعضهم ~~. قال الآمدي : عدم التأثير في محل النزاع رده قوم لمنعهم جواز الفرض في ~~الدليل . وقبله من لم يمنعه ، وهو المختار ( ويجوز الفرض في بعض صور ~~المسألة ) عند جماهير العلماء ، وبه قال الموفق والمجد ms551 والفخر إسماعيل . ~~قال الموفق في الروضة : له أن يخص الدليل فيفيد لغرض الفرض ببعض صور الخلاف ~~، إلا أن يعم الفتيا ، فلا . وقال المجد : يجوز الفرض في بعض صور المسألة ~~المسئول عنها عند عامة الأصوليين . وقال الفخر إسماعيل : والمختار جواز ~~الفرض من غير بناء . PageV04P272 وعليه الاصطلاح لإرفاق المستدل ، وتقريب ~~الفائدة ، واستدل للجواز بأنه قد لا يساعده الدليل على الكل ، أو يساعده ، ~~غير أنه لا يعلل على دفع كلام الخصم ، بأن يكون كلامه في بعض الصور أشكل . ~~فيستفيد بالفرض غرضا صحيحا ، ولا يفسد بذلك جوابه ؛ لأن من سأل عن الكل فقد ~~سأل عن البعض . وهذا هو المذهب الأول في المسألة . مثال ذلك : لو قال ~~المستدل عن نفوذ عتق الراهن : أفرض الكلام في المعسر ، أو عن من زوجت نفسها ~~، أو أفرضه في من زوجت بغير كفء . فإذا خص المستدل تزويجها نفسها من غير ~~الكفء بالدليل فقد فرض دليله في بعض صورة النزاع . المذهب الثاني : الجواز ~~بشرط بناء ما خرج عن محل الفرض PageV04P273 إلى محل الفرض ، أي ينبني غير ~~ما فرضه وأقام الدليل عليه على ما فرضه ، اختاره جماعة . المذهب الثالث : ~~المنع ، وبه قال ابن فورك ، فشرط أن يكون الدليل عاما لجميع مواقع النزاع ؛ ~~ليكون مطابقا للسؤال ، ودافعا لاعتراض الخصم . المذهب الرابع - وبه قال ابن ~~الحاجب - المنع إن كان الوصف المجعول في الفرض طردا ، وإلا قبل . وعلى ~~الجواز - وهو الصحيح - ( يكفي قوله ) أي قول المستدل ( ثبت الحكم في بعض ~~الصور ، فلزم ثبوته في الباقي ) ضرورة إذ لا قائل بالفرق . وقيل : لا يكفيه ~~ذلك ، بل يحتاج إلى رد ما خرج عن محل الفرض إلى محل الفرض بجامع صحيح ، كما ~~هو قاعدة القياس . PageV04P274 وقيل : إن كان الفرض في صورة السؤال فلا ~~يحتاج إلى البناء ، وإن عدل عن الفرض إلى غير محل السؤال ، فلا بد حينئذ من ~~بناء السؤال على محل الفرض بطريق القياس ( وإن أتى ) المستدل ( بما لا أثر ~~له في الأصل لدفع النقض ، لم يجز ) عندنا وعند الأكثر وفي مقدمة ' المجرد ' ~~، ويحتمل أن لا يجوز ms552 ، ويحتمل أن يجوز ؛ لأنه يحتاج إليه لتعليق الحكم ~~بالوصف المؤثر . وكلام ابن عقيل : يقتضي أن له ذكره تأكيدا ، أو لتأكيد ~~العلة ، فيتأكد الحكم ، وللبيان ولتقريبه من الأصل . وقال : إن جعل الوصف ~~مخصصا لحكم العلة ، كتخليل الخمر ' مائع لا يطهر بكثرة . فكذا بصنعة آدمي ؛ ~~كخل نجس ، فلا يطهر PageV04P275 الأصل مطلقا ' . التاسع من القوادح ( القدح ~~في مناسبة الوصف ) للحكم المستدل عليه ( بما يلزم ) فيه ( من مفسدة راجحة ) ~~على المصلحة التي من أجلها قضي عليه بالمناسبة ( أو مساوية ) لها . وذلك ~~لما سبق من أن المناسبة تنخرم بالمعارضة ( وجوابه ) أي جواب هذا القدح ( ~~بالترجيح ) أي ببيان ترجيح تلك المصلحة التي هي في العلة على تلك المفسدة ~~التي يعترض بها تفصيلا أو إجمالا . PageV04P276 أما تفصيلا : فبخصوص ~~المسألة بأن هذا ضروري ، وذاك حاجي ، أو بأن هذا إفضاء قطعي أو أكثري ، ~~وذاك ظني أو أقلي ، أو أن هذا اعتبر نوعه في نوع الحكم . وذاك اعتبر نوعه ~~في جنس الحكم ، إلى غير ذلك . وأما إجمالا : فبلزوم التعبد لولا اعتبار ~~المصلحة ، وقد أبطلناه . مثاله أن يقال في الفسخ في المجلس : وجد سبب الفسخ ~~فيوجد الفسخ . وذاك دفع ضرر المحتاج إليه من المتعاقدين . فيقال : معارض ~~بضرر الآخر . فيقال : الآخر يجلب نفعا وهذا يدفع ضررا ، ودفع الضرر أهم عند ~~العقلاء ، ولذلك يدفع كل ضرر . ولا يجلب كل نفع . مثال آخر : إذا قلنا : ~~التخلي للعبادة أفضل ؛ لما فيه من تزكية النفس . فيقال : لكنه يفوت أضعاف ~~تلك المصلحة . منها : PageV04P277 إيجاد الولد ، وكف النظر ، وكسر الشهوة ، ~~وهذه أرجح من مصالح العبادة ، فيقال : بل مصلحة العبادة أرجح ؛ لأنها لحفظ ~~الدين ، وما ذكرتم لحفظ النسل . العاشر من القوادح ( القدح في إفضاء الحكم ~~) أي في صلاحية إفضائه ( إلى المقصود ) وهو المصلحة المقصودة من شرع الحكم ~~( كتعليل ) أي كأن يعلل المستدل ( حرمة المصاهرة أبدا ) أي على التأبيد في ~~حق المحارم ( بالحاجة إلى رفع الحجاب ) بين الرجال والنساء المؤدي إلى ~~الفجور ( فإذا تأبد ) التحريم انسد باب الطمع المفضي إلى مقدمات الهم ~~والنظر المفضي إلى الفجور PageV04P278 ( فيعترض ) المعترض ( بأن سده ms553 ) أي ~~سد باب النكاح بالتحريم المؤبد ( يفضي إلى الفجور ) بل هو أشد إفضاء ؛ لأن ~~النفس تميل إلى الممنوع ، كما قال الشاعر : والقلب يطلب من يجور ويعتدي ~~والنفس مائلة إلى الممنوع . ( وجوابه ) أي جواب هذا القدح ( أن التأبيد ~~يمنع عادة ) من ذلك بانسداد باب الطمع ( فيصير ) ذلك بتمادي الأيام وتطاول ~~الأمر ( طبعا ) أي كالطبيعي بحيث لا يبقى المحل مشتهى ، ويصير بانقطاع ~~الطمع فيه ( كرحم محرم ) . الحادي عشر من القوادح ( كون الوصف ) المعلل به ~~( خفيا ) PageV04P279 ( كتعليله ) أي تعليل المستدل ( صحة النكاح بالرضى ) ~~وتعليل وجوب القصاص بالقصد في الأفعال الدالة على إزهاق النفس ( فيعترض ) ~~على المستدل ( بأنه ) أي الرضى ( خفي ) والحكم الشرعي خفي لاحتياجه إلى ~~التعريف بالدليل ( والخفي لا يعرف الخفي ) ، ( وجوابه ) بأن يبين ظهوره ~~بصفة ظاهرة ، وهو ( ضبطه ) أي ضبط الوصف الذي هو الرضى ( بما يدل عليه من ~~صيغة ، كإيجاب وقبول ، أو ) ضبط القصد بما يدل عليه عادة من ( فعل ) ~~كاستعمال الجارح أو غيره في إزهاق النفس . | الثاني عشر من القوادح ( كونه ~~) أي كون الوصف ( غير منضبط ) بأن كان مضطربا PageV04P280 ( كتعليله ) أي ~~تعليل المستدل ( بالحكم ) جمع حكمة ( والمقاصد ) جمع مقصد ( ك ) تعليل ( ~~رخص السفر ) وهي إباحة الفطر فيه ، والجمع بين الصلاتين وغيرهما ( بالمشقة ~~) . ( فيعترض ) عليه ( باختلافها ) أي اختلاف المشقة ( بالأشخاص والأزمان ~~والأحوال ) فلا يمكن تعيين القدر المقصود منها ( وجوابه ) أي جواب هذا ~~الاعتراض ( بأنه ) أي الوصف ( منضبط بنفسه ) كما تقول في المشقة والمضرة : ~~إن ذلك منضبط عرفا ، بناء على جواز التعليل بالحكمة إذا انضبطت ( أو ) ~~منضبط ( بضابط للحكمة ) بأن تكون العلة هي الوصف المنضبط المشتمل على ~~الحكمة ، كالمشقة في السفر والزجر بالحد . الثالث عشر من القوادح ( النقض ~~PageV04P281 ( ك ) قول المستدل ( الحلي مال غير نام فلا زكاة فيه ، كثياب ~~البذلة فيعترض ) عليه ( بالحلي المحرم . وجوابه ) أي جواب هذا الاعتراض إما ~~( بمنع وجود العلة في صورة النقض ) لأن النقض إنما يتحقق بوجود العلة وتخلف ~~الحكم عنها . فإذا منع وجود العلة لم يتحقق النقض . وإنما تخلف الحكم في ~~الصورة المذكورة لعدم علته ، فهو يدل على ms554 صحة علته عكسا ، وهو انتفاء الحكم ~~لانتفائها ، كقوله : لا نسلم أن الحلي كثياب البذلة . ويبرهن على ذلك ( أو ~~) يكون جوابه ( بمنع وجود الحكم فيها ) أي في صورة النقض . فيقول : حكم ~~ثياب البذلة مخالف لحكم الحلي ، ويبين PageV04P282 الفرق بينهما ( و ) إذا ~~منع المستدل وجود العلة في صورة النقض ، ف ( ليس للمعترض الدلالة على وجود ~~العلة فيها ) أي في صورة النقض . وهذا الصحيح ، وعليه الأكثر . وذلك ؛ ~~لأنها انتقال ، ويلزم منه أن يكون المعترض مستدلا ، فهو قلب لقاعدة المصطلح ~~؛ لكونه يبقى مستدلا والمستدل معترضا . وقال القاضي أبو يعلى والقاضي أبو ~~الطيب الشافعي : إلا أن يبين مذهب المانع . وقيل : له ذلك ويمكن ؛ لأن فيه ~~تحقيقا لاعتراضه بالنقض . واختاره الآمدي إن تعذر الاعتراض بغيره ، واختاره ~~بعضهم إن لم يكن طريق أولى بالقدح من النقض ، تحقيقا لفائدة المناظرة ~~PageV04P283 ( و ) قال أهل الجدل وجمع منهم الآمدي ( لو دل المستدل على ~~وجودها ) أي وجود العلة ( بدليل موجود في صورة النقض ) فنقض المعترض العلة ~~، فمنع المستدل وجود العلة في محل النقض ( فقال المعترض : ينتقض دليلك ) ~~حينئذ ؛ لأنه موجود في محل النقض ، والعلة غير موجودة فيه على زعمك ( فقد ~~انتقل ) المعترض ( من نقضها ) أي نقض العلة ( إلى نقض دليلها فلا يقبل ) ، ~~( ويكفي المستدل دليل يليق بأصله ) ومثلوا لذلك بقول الحنفي في مسألة تبييت ~~النية : أتى بمسمى الصوم . فيصح كما في محل الوفاق . واستدل على وجود الصوم ~~بأنه إمساك مع النية ، وهو موجود في محل النزاع ، فيقول المعترض تنتقض ~~العلة بما إذا نوى بعد الزوال ، فيقول المستدل : لا نسلم وجود العلة فيما ~~إذا نوى بعد الزوال ، فيقول المعترض : ينتقض دليلك الذي استدللت به على ~~وجود العلة في محل التعليل . PageV04P284 قال ابن الحاجب في مختصره : وفيه ~~نظر ؛ لأن المعترض في معرض القدح في العلة ، فتارة يقدح فيها ، وتارة يقدح ~~في دليلها ، والانتقال من القدح في العلة إلى القدح في دليلها جائز ، ~~والانتقال الذي لا يكون جائزا : هو الانتقال من الاعتراض إلى الاستدلال ( ~~ولو قال ) المعترض ( ابتداء : يلزمك انتقاض علتك ، أو ) انتقاض ( دليلها ms555 : ~~قبل ) منه ذلك ؛ لأن هذا دعوى أحد أمرين فكأنه قال : يلزمك أحد أمرين : إما ~~انتقاض علتك ، وإما انتقاض دليلها . وكيف كان فلا تثبت العلة كان مسموعا ~~باتفاق . قال الأصفهاني : أما إذا قال ابتداء : يلزمك إما انتقاض علتك ، أو ~~انتقاض دليل علتك ؛ لأنك إن اعتقدت وجود PageV04P285 العلة في محل النقض ~~انتقضت علتك . وإن اعتقدت عدم العلة في محل النقض : انتقض دليلك . كان ~~متجها مسموعا ( ولو منع المستدل تخلف الحكم في صورة النقض ) فعلى الأصح ( ~~لم يمكن المعترض أن يدل عليه ) أي على تخلف الحكم في صورة النقض . وقيل : ~~يمكن مطلقا ، وقيل : يمكن ما لم يكن له طريق أولى بالقدح من النقض . مثال ~~ذلك : قول الشافعي في مسألة الثيب الصغيرة : ثيب فلا تجبر ، كالثيب الكبيرة ~~، فيقول المعترض : ينتقض بالثيب المجنونة . فيقول المستدل : لا نسلم جواز ~~إجبار الثيب المجنونة . وقال ابن برهان : إن منع الحكم انقطع الناقض ، وإن ~~منع الوصف فلا ينقطع فيدل عليه . وحكاه بعض أصحابنا PageV04P286 عن أبي ~~الخطاب وابن عقيل ، وعلله في التمهيد بأنه بيان للنقض لا من جهة الدلالة ~~عليه ، فجاز ( ويكفي المستدل ) في دفع النقض أن يقول ( لا أعرف الرواية ~~فيها ) ذكره أصحابنا ، للشك في كونها من مذهبه ؛ إذ دليله صحيح . فلا يبطل ~~بمشكوك فيه ( وإن قال ) المستدل ( أنا أحملها على مقتضى القياس ، وأقول ~~فيها كمسألة الخلاف . منع ) ؛ لأنه إثبات مذهب بالقياس ( إلا إن نقل عن ~~إمامه ) أي إمام المستدل ( أنه علل بها ، فيجريها ) على حكم تعليل إمامه ( ~~وإن فسر المستدل لفظه بدافع ) أي بمعنى دافع ( للنقض غير ظاهره ) أي ظاهر ~~اللفظ ( ك ) تفسير لفظ ( عام ب ) معنى ( خاص لم يقبل ) ذكره القاضي وأبو ~~الخطاب ، وابن عقيل والقاضي أبو الطيب الشافعي وغيرهم ؛ لأنه يزيد وصفا لم ~~PageV04P287 يكن . وذكره للعلة وقت حاجته ، فلا يؤخر عنه ، بخلاف تأخير ~~الشارع البيان عن وقت خطابه ، وظاهر كلام بعض أصحابنا : يقبل ( ولو أجاب ) ~~المستدل ( بتسوية بين أصل وفرع لدفعه ) أي لأجل دفع النقض ( قبل ) عند أكثر ~~أصحابنا والحنفية ، ومنعه الشافعية وابن عقيل . وذكره عن ms556 المحققين ، وأجازه ~~أبو الخطاب إن جاز تخصيص العلة ؛ لأن الطرد ليس شرطا لعلة إذا . فإن قيل : ~~من شرط القياس أن لا يستوي الأصل والفرع ، رد بأنه باطل . مثاله في المسح ~~على العمامة : عضو يسقط في التيمم ، فمسح حائله كالقدم ، فينتقض بالرأس في ~~الطهارة الكبرى ، فيجيبه : يستوي فيها الأصل والفرع . PageV04P288 ومثل ذلك ~~: بائن معتدة فلزمها الإحداد ، كالمتوفى عنها زوجها ، فينتقض بالذمية ~~والصغيرة ، فيجيبه بالتسوية ( ولا يلزم ) المستدل ( بما لا يقول به ) أي ~~بشيء لا يعتقد صحته ( المعترض كمفهوم ، وقياس ، وقول ) أي مذهب ( صحابي ) ؛ ~~لأنه احتج وأثبت الحكم بلا دليل ، ولاتفاقهما على تركه ؛ لأن أحدهما لا ~~يراه دليلا . والآخر لما خالفه دل على دليل أقوى منه ( إلا النقض والكسر ~~على قول من التزمهما ) ؛ لأن الناقض لم يحتج بالنقض ، ولا أثبت الحكم به ، ~~ولاتفاقهما على فساد العلة على أصل المستدل بصورة الإلزام ، وعلى أصل ~~المعترض بمحل النزاع . ذكره أصحابنا والشافعية وغيرهم ، وجوز بعضهم معارضته ~~بعلة منتقضة على أصل المعترض . وقال ابن عقيل : إن احتج بما لا يراه ، ~~كحنفي بخبر واحد فيما تعم به البلوى . فقال : أنت لا تقول به ، فأجاب : أنت ~~تقول به ، فيلزمك . فهذا قد استمر عليه أكثر الفقهاء ، قال ابن عقيل : ~~وعندي لا يحسن مثل هذا ؛ لأنه إذا إنما هو مستدل صورة . PageV04P289 قال : ~~ومن نصر الأول قال : على هذا لا يحسن بنا أن نحتج على نبوة نبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم بالتوراة والإنجيل المبدلين ، لكن نحتج به على أهل الكتاب ~~لتصديقهم به . انتهى ( وإن نقض أحدهما ) أي المستدل والمعترض ( علة الآخر ~~بأصل نفسه ) لم يجز عند أصحابنا والشافعية ( أو زاد المستدل وصفا معهودا ~~معروفا في العلة لم يجز ) ذكره أبو الخطاب في التمهيد وابن عقيل في الواضح ~~قال ابن مفلح : ويتوجه احتمال ، وفاقا لبعض الجدليين وبعض الشافعية ~~PageV04P290 ( وإن نقض ) المعترض دليل المستدل ( ب ) ناقض ( منسوخ ، أو ب ) ~~حكم ( خاص به ) أي بالنبي ( صلى الله عليه وسلم أو ) نقضه ( برخصة ثابتة ~~على خلاف مقتضى الدليل ، أو ) نقضه ( بموضع استحسان رد ) نقضه ms557 عند أصحابنا ~~والشافعية ، إلا أن أبا الخطاب قال في نقض العلة بموضع الاستحسان : يحتمل ~~وجهين . ومثله بما إذا سوى بين العمد والسهو فيما يبطل العبادة ، فينتقض ~~بأكل الصائم سهوا . وفي الواضح لابن عقيل عن أصحابنا والشافعية لا نقض ~~بموضع استحسان . ومثل بهذا ثم قال : يقول المعترض : النص دل على انتقاضه ، ~~فيكون آكد للنقض ، وعند الشيخ تقي الدين : تنتقض المستنبطة إن لم يبين ~~مانعا ، كالنقض بالعرايا في الربا ، وإيجاب الدية على العاقلة ؛ لاقتضاء ~~المصلحة الخاصة ذلك ، أو لدفع مفسدة آكد ، كحل PageV04P291 الميتة للمضطر ~~إذا نقض بها علة تحريم النجاسة ( ويجب أن يحترز المستدل في دليله عن النقض ~~) اختاره ابن عقيل في الواضح ، والموفق في الروضة ، والطوفي في مختصره وأبو ~~محمد البغدادي ، وذكره عن معظم الجدليين ، لقربه من الضبط ، ودفع انتشار ~~الكلام وسد بابه فكان واجبا لما فيه من صيانة الكلام عن التبديل . وقيل : ~~لا يجب مطلقا ، وقيل : يجب إلا في نقض وطرد بطريق الاستثناء ، وهي ما يرد ~~على كل علة ( وإن احترز عنه ) أي عن النقض ( بشرط ذكره في الحكم ) نحو : ~~حران مكلفان محقونا الدم ، فيجب القود بينهما كالمسلمين ( صح ) ذلك في ~~الأصح ؛ لأن الشرط المتأخر متقدم في المعنى كتقديم المفعول على الفاعل . ~~واختاره أبو الخطاب ، وقيل : لا يصح ؛ لاعترافه بالنقض ، فإن الحكم يتخلف ~~عن الأوصاف في الخطأ PageV04P292 ( وإن احترز ) المستدل ( بحذف الحكم لم ~~يصح ) قاله أبو الخطاب . كقول حنفي في الإحداد على المطلقة : بائن كالمتوفى ~~عنها زوجها . فينتقض بصغيرة وذمية . فيقول : قصدت التسوية بينهما . فيقال : ~~التسوية بينهما حكم ، فيحتاج إلى أصل يقاس عليه . الرابع عشر من القوادح ( ~~الكسر ) وهو ( كالنقض ) قال ابن مفلح : الكسر : نقض المعنى ، والكلام فيه ~~كالنقض ، وقد سبق . قال في التمهيد : يشبه الكسر من الأسئلة الفاسدة قولهم ~~: لو كان هذا علة في كذا لكان علة في كذا ، نحو : لو منع عدم الرؤية صحة ~~البيع منع النكاح ، PageV04P293 ويشبه ذلك قولهم أخذت النفي من الإثبات أو ~~بالعكس ، فلم يجز كالقول في الموطوءة مغلوبة ما فطرها مع العمد ؟ لم يفطرها ms558 ~~مغلوبة كالقيء ، وجوابه : يجوز لتضاد حكمهما للاختيار وعدمه . ولهذا للشارع ~~تفريق الحكم بهما . ومن ذلك قولهم : هذا استدلال بالتابع على المتبوع ، فلم ~~يجز بخلاف العكس . كقولنا في نكاح موقوف : نكاح لا تتعلق به أحكامه المختصة ~~به كالمتعة . فيقال : الأحكام تابعة والعقد متبوع ، فهذا فاسد بدليل بقية ~~الأنكحة . وتناقضوا فأبطلوا ظهار الذمي ويمينه لا تتعلق به أحكامه المختصة ~~؛ لبطلان تكفيره ، وهو فرع يمينه . الخامس عشر من القوادح ( المعارضة في ~~الأصل ) PageV04P294 وهو أن يبدي المعترض معنى آخر يصلح للعلية غير ما علل ~~به المستدل ، وهو إما أن يكون ( بمعنى آخر مستقل ) بالتعليل . كما لو علل ~~الشافعي تحريم ربا الفضل في البر بالطعم ، فعارضه الحنفي بتعليل تحريمه ~~بالكيل أو الجنس أو القوت ( أو ) تكون المعارضة بمعنى آخر ( غير مستقل ) ~~بالتعليل . ولكنه داخل فيه وصالح له كما لو علل الشافعي وجوب القصاص في ~~القتل بالمثقل العمد العدوان . فعارضه الحنفي بتعليل وجوبه بالجارح . وقد ~~اختلف الجدليون في قبول هذه المعارضة ( والثاني ) وهو كون المعارضة بمعنى ~~غير مستقل بالتعليل ( مقبول ) عند الجمهور ؛ لئلا يلزم التحكم ؛ لأن وصف ~~المستدل ليس بأولى بكونه جزءا أو مستقلا . PageV04P295 فإن رجح استقلاله ~~بتوسعة الحكم في الأصل والفرع فتكثر الفائدة . فللمعترض منع دلالة ~~الاستقلال عليها ، ثم له معارضته بأن الأصل انتفاء الأحكام ، و باعتبارهما ~~معا فهو أولى . قالوا : يلزم منه استقلالهما بالعلية فيلزم تعدد العلة ~~المستقلة . رد بالمنع لجواز اعتبارهما معا ، كما لو أعطى قريبا عالما ( ولا ~~يلزم المعترض بيان نفي وصف المعارضة عن الفرع ) هذا بحث يتفرع على قبول ~~المعارضة ، وهو أنه هل يلزم المعترض بيان أن الوصف الذي أبديته منتف في ~~الفرع أو لا ؟ فالذي قدمه ابن مفلح وتبعه في التحرير : أنه لا يلزمه ؛ لأن ~~غرضه عدم استقلال ما ادعى المستدل أنه مستقل ، وهذا القدر يحصل بمجرد ~~إبدائه ، وقيل : يلزمه ؛ لأنه قصد الفرق ، ولا يتم إلا به PageV04P296 قال ~~العضد : وقيل : إن تعرض لعدمه في الفرع صريحا لزمه بيانه وإلا فلا ، وهذا ~~هو المختار . أما إنه إذا لم يصرح [ به ] فليس ms559 عليه بيانه : فلأنه قد أتى ~~بما لا يتم الدليل معه ، وهذا غرضه ، لا بيان عدم الحكم في الفرع ، حتى لو ~~ثبت بدليل آخر لم يكن إلزاما له ، وربما سلمه ، وأما أنه إذا صرح به [ لزمه ~~] : فلأنه التزم أمرا وإن لم يجب عليه ابتداء ، فيلزمه بالتزامه ، ويجب ~~عليه الوفاء بما التزمه ( ولا يحتاج وصفها ) أي المعارضة ( إلى أصل ) هذا ~~بحث آخر يتفرع على قبول المعارضة ، وهو أنه : هل يحتاج المعارض إلى أصل ~~يبين تأثير وصفه الذي أبداه في ذلك الأصل ، حتى يقبل منه ، بأن يقول : ~~العلة الطعم دون القوت - كما في الملح - أم لا ؟ PageV04P297 والذي عليه ~~أصحابنا وجمهور العلماء : أنه لا يحتاج إلى ذلك ؛ لأن حاصل هذا الاعتراض ~~أحد أمرين : إما نفي ثبوت الحكم في الفرع بعلة المستدل ، ويكفيه أنه لا ~~يثبت عليتها بالاستقلال ، ولا يحتاج في ذلك إلى أن يثبت علية ما أبداه ~~بالاستقلال . فإن كونه جزء العلة يحصل مقصوده فقد لا يكون علة فلا يؤثر في ~~أصل أصلا . وإما صد المستدل عن التعليل بذلك الوصف الذي ذكره المستدل لجواز ~~أن تأثير هذا والاحتمال كاف ، فهو لا يدعي عليته ، حتى يحتاج شهادة أصل . ~~وأيضا فإن أصل المستدل أصله ؛ لأنه كما يشهد لوصف المستدل بالاعتبار ؛ كذلك ~~يشهد لوصف المعترض بالاعتبار ؛ لأن الوصفين موجودان فيه ، وكذلك الحكم ~~موجود ، بأن PageV04P298 يقول : العلة الطعم أو الكيل أو كلاهما . كما في ~~البر بعينه ، فإذا مطالبته بأصل مطالبة له بما قد تحقق حصوله فلا فائدة فيه ~~. ( وجوابها ) أي جواب المعارضة له وجوه . الأول : أن يكون ( بمنع وجود ~~الوصف ) مثل أن يعارض القوت بالكيل . فيقول : لا نسلم أنه مكيل ؛ لأن ~~العبرة بعادة زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وكان حينئذ موزونا ( والثاني ) ~~ما أشير إليه بقوله ( أو المطالبة ) أي مطالبة المستدل المعارض ( بتأثيره ) ~~أي يكون وصف المعارض مؤثرا ومحله ( إن أثبت ) المستدل الوصف ( بمناسبة أو ~~بشبه ) حتى يحتاج المعارض في معارضته إلى بيان مناسبة أو شبه ( لا ) إن ~~أثبت المستدل الوصف ( بسبر ) فإن الوصف يدخل في السبر ms560 بدون ثبوت المناسبة ~~بمجرد PageV04P299 الاحتمال ( والثالث ) ما أشير إليه بقوله ( أو بخفائه ) ~~أي خفاء وصف المعارضة ( والرابع ) ما أشير إليه بقوله ( أو ليس منضبطا ) أي ~~كون وصف المعارضة ليس منضبطا ( والخامس ) ما أشير إليه بقوله ( أو منع ~~ظهوره ) بأن يمنع المستدل ظهور وصف المعارضة ( والسادس ) ما أشير إليه ~~بقوله ( أو انضباطه ) بأن يمنع المستدل انضباط وصف المعارضة . فإن وصف ~~المعارض إذا كان خفيا أو ظاهرا غير منضبط ، أو منع المستدل ظهوره أو منع ~~انضباطه لا يثبت علية وصف المعارض لوجوب ظهور الوصف وانضباطه . PageV04P300 ~~( والسابع ) ما أشير إليه بقوله ( أو بيان ) أي أن يبين المستدل ( أنه ) أي ~~أن وصف المعارض ( غير مانع ) عن ثبوت الحكم في الفرع . كما لو قال المستدل ~~: يقتل القاتل المكره : قياسا على المختار ، والجامع بينهما القتل العمد ~~العدوان ، فيعترض المعترض بالاختيار ، أي أن العلة في الأصل القتل العمد ~~العدوان بالاختيار ، وهي غير موجودة في الفرع . فيجيب المستدل بأن وصف ~~المعارض غير مانع عن ثبوت الحكم في الفرع ؛ لأن الاختيار عدم الإكراه ~~المناسب لنقيض الحكم ، وعدم الإكراه طرد لا يصلح للعلية ، فالإكراه مناسب ~~لنقيض الحكم وهو عدم الاقتصاص ، لكن عدم الإكراه طردي لا يصلح للعلية ؛ ~~لأنه ليس من الباعث في شيء ( والثامن ) ما أشير إليه بقوله ( أو ملغى ، أو ~~أن ما عداه مستقل ) PageV04P301 بالعلية ( في صورة ما بظاهر نص ، أو إجماع ~~) يعني أن يبين المستدل كون الوصف الذي عارض به المعارض ملغى . فإذا بين ~~ذلك المستدل : فقد تبين استقلال الباقي بالعلية في صورة ما بظاهر نص ، أو ~~إجماع . مثاله : إذا عارض في الربا الطعم بالكيل . فيجيب بأن النص دل على ~~اعتبار الطعم في صورة ما ، وهو قوله { لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء ~~بسواء } ومثال آخر : أن يقول في يهودي صار نصرانيا أو بالعكس : بدل دينه . ~~فيقتل كالمرتد ، فيعارض بالكفر بعد الإيمان . فيجيب بأن التبديل معتبر في ~~صورة ما ، كقوله { من بدل دينه فاقتلوه } وهذا إذا لم يتعرض للتعميم ، فلو ~~عمم وقال : فثبت ربوية كل مطعوم أو اعتبار ms561 كل تبديل ؛ للحديث . لم ~~PageV04P302 يسمع ؛ لأن ذلك إثبات للحكم بالنص دون القياس ، ولا تعميم ~~للقياس بالإلغاء ، والمقصود ذلك ، ولأنه لو ثبت العموم لكان القياس ضائعا . ~~ولا يضر كونه عاما إذا لم يتعرض للعموم ولم يستدل به ( ويكفي في استقلاله ) ~~أي استقلال الوصف ( إثبات ) المستدل ( الحكم في صورة دونه ) أي : دون الوصف ~~؛ لأن الأصل عدم غيره ، ويدل عليه عجز المعارض عنه . ذكره الموفق في الروضة ~~. وقيل : لا ؛ لجواز علة أخرى قطع به ابن الحاجب في مختصره والقادح السادس ~~عشر ، هو المشار إليه بقوله ( ولو أبدى المعترض ) وصفا ( آخر يقوم مقام ) ~~الوصف ( الملغى ) أي الذي PageV04P303 ألغاه المستدل ( بثبوت الحكم دونه ) ~~أي مع عدم وجود الوصف الملغى ( فسد الإلغاء . ويسمى ) هذا ( تعدد الوضع ، ~~لتعدد أصليهما ) أي أصل المستدل وأصل المعترض . ( وجواب فساد الإلغاء : ~~الإلغاء ، إلى أن يقف أحدهما ) قال العضد : وربما يظن أن إثبات الحكم في ~~صورة دون وصف المعارض كاف في إلغائه . والحق أنه ليس بكاف ، لجواز وجود علة ~~أخرى لما تقدم من جواز تعدد العلة ، وعدم وجوب العكس ، ولأجل ذلك لو أبدى ~~المعترض في صورة عدم وصف المعارضة وصفا آخر يقوم مقام ما ألغاه المستدل ~~بثبوت الحكم دونه PageV04P304 فسد الإلغاء ؛ لابتنائه على استقلال الباقي ~~في تلك الصورة . وقد بطل ، وتسمى هذه الحالة تعدد الوضع لتعدد أصليهما ، ~~والتعليل في أحدهما بالباقي على وضع ، أي مع قيد ، وفي الآخر على وضع آخر ، ~~أي مع قيد آخر . مثاله : أن يقال في مسألة أمان العبد للحربي أمان من مسلم ~~عاقل ، فيقبل كالحر ؛ لأن الإسلام والعقل مظنتان لإظهار مصلحة الإيمان أي ~~بذل الأمان وجعله آمنا . فيقول المعترض : هو معارض بكونه حرا ، أي العلة ~~كونه مسلما عاقلا حرا . فإن الحرية مظنة فراغ قلبه للنظر لعدم اشتغاله ~~بخدمة السيد فيكون إظهار مصالح الإيمان معه أكمل . فيقول المستدل : الحرية ~~ملغاة لاستقلال الإسلام والعقل به في صورة العبد المأذون له من قبل سيده في ~~أن يقاتل . PageV04P305 فيقول المعترض : إذن السيد له خلف عن الحرية . فإنه ~~مظنة لبذل الوسع فيما تصدى ms562 له من مصالح القتال ، أو لعلم السيد صلاحه ~~لإظهار مصالح الإيمان . وجواب تعدد الوضع : أن يلغي المستدل ذلك الخلف ~~بإبداء صورة لا يوجد فيها الخلف . فإن أبدى المعترض خلفا آخر فجوابه إلغاؤه ~~. وعلى هذا ، إلى أن يقف أحدهما . فتكون الدبرة عليه . فإن ظهر صورة لا خلف ~~فيها تم الإلغاء ، وبطل الاعتراض ، وإلا ظهر عجز المستدل PageV04P306 ( ولا ~~يفيد الإلغاء لضعف المظنة ) المتضمنة لذلك المعنى ( بعد تسليمها ) . مثاله ~~: أن يقول المستدل : الردة علة القتل . فيقول المعترض : بل مع الرجولية ؛ ~~لأنه مظنة الإقدام على قتال المسلمين ، إذ يعتاد ذلك من الرجال دون النساء ~~. فيجيب المستدل : بأن الرجولية وكونها مظنة الإقدام لا تعتبر ، وإلا لم ~~يقتل مقطوع اليدين ؛ لأن احتمال الإقدام فيه ضعيف ، بل أضعف من احتماله في ~~النساء ، وهذا لا يقبل منه ، حيث سلم أن الرجولية مظنة اعتبرها الشارع . ~~وذلك كترفه الملك في السفر لا يمنع رخص السفر في حقه لعلة المشقة ، إذ ~~المعتبر المظنة وقد وجدت لا مقدار PageV04P307 الحكمة لعدم انضباطها ( ولا ~~يكفي المستدل رجحان وصفه ) قال ابن مفلح : لا يكفي المستدل رجحان وصفه ~~خلافا للآمدي ؛ لقوة بعض أجزاء العلة ، كالقتل على العمد العدوان ( أما إن ~~اتفقا على كون الحكم معللا بأحدهما ) أي أحد الوصفين ( قدم الراجح ولا يكفي ~~كونه متعديا ) لاحتمال ترجيح القاصر . قال العضد : هذان وجهان توهما جوابا ~~للمعارضة ولا يكفيان . الأول : رجحان المعين وهو أن يقول المستدل في جواب ~~المعارضة : ما عينته من الوصف راجح على ما عارضت به ، ثم يظهر وجها من وجوه ~~الترجيح . وهذا القدر غير كاف ؛ لأنه إنما PageV04P308 يدل على أن استقلال ~~وصفه أولى من استقلال وصف المعارضة ؛ إذ لا يعلل بالمرجوح مع وجود الراجح ، ~~لكن احتمال الجزئية باق ، ولا بعد في ترجيح بعض الأجزاء على بعض فيجيء ~~التحكم . الثاني : كون ما عينه المستدل متعديا والآخر قاصرا غير كاف في ~~جواب المعارضة ، إذ مرجعه الترجيح بذلك ، فيجيء التحكم . هذا والشأن في ~~الترجيح فإنه إن رجحت المتعدية بأن اعتباره يوجب الاتساع في الأحكام ، ~~وبأنها متفق على اعتبارها ms563 بخلاف القاصرة رجحت القاصرة بأنها موافقة للأصل . ~~إذ الأصل عدم الأحكام ، وبأن اعتبارها إعمال للدليلين معا - PageV04P309 ~~دليل البراءة الأصلية ودليل القاصرة ، بخلاف إلغائها . ( ويجوز تعدد أصول ~~المستدل ) على الصحيح ؛ لأن الظن يقوى بالتعدد ، وكما أن أصل الظن مقصود ، ~~فقوته أيضا مقصودة ( و ) على هذا يجوز ( اقتصار على ) أصل ( واحد في معارضة ~~، و ) في ( جواب ) من غير تعرض لبقية الأصول فيه ؛ لحصول المقصود بذلك ، ~~وقيل : لا يجوز فيهما . PageV04P310 # | ( فوائد ) # تدل على معاني ألفاظ متداولة بين الجدليين . نبه عليها أبو محمد الجوزي ~~في كتابه الإيضاح الأولى ( الفرض ) وهو ( أن يسأل عاما ، فيجيب خاصا أو ~~يفتي عاما ويدل خاصا ) وقال في جمع الجوامع : الفرض : وهو تخصيص بعض صور ~~النزاع بالحجاج ، وإقامة الدليل عليه PageV04P311 ( و ) الثانية ( التقدير ~~) وهو ( إعطاء الموجود حكم المعدوم ، وعكسه ) وهو إعطاء المعدوم حكم ~~الموجود ، وهو مقارن الفرض ، فإنه يقال : يقدر الفرض في كذا ، والفرض مقدر ~~في كذا . مثال إعطاء الموجود حكم المعدوم : الماء للمريض الذي يخاف على ~~نفسه باستعماله ، فيتيمم ويتركه مع وجوده حسا . ومثال إعطاء المعدوم حكم ~~الموجود : المقتول تورث عنه الدية وإنما تجب بموته ولا تورث عنه ، إلا إذا ~~دخلت في ملكه . فيقدر دخولها قبل موته ( و ) الثالثة ( محل النزاع ) وهو ( ~~الحكم المفتى به في المسألة المختلف فيها ) PageV04P312 وهو أيضا كالمقارن ~~للفرض والتقدير . فمحل النزاع : هو المتكلم فيه من الجانبين بين الخصمين . ~~( و ) الرابعة ( الإلغاء ) وهو ( إثبات الحكم بدون الوصف المعارض به ) . ~~السابع عشر من القوادح ( التركيب ) أي سؤال التركيب سمي بذلك لوروده على ~~القياس المركب من اختلاف مذهب الخصم ( ك ) قول المستدل ( البالغة أنثى ، ~~فلا تزوج نفسها كبنت خمس عشرة ، فالخصم يعتقد لصغرها ) وفيه وجهان . أحدهما ~~: أنه فاسد ، قيل : لرد الكلام إلى سن البلوغ ، وليس بأولى من عكسه . ~~PageV04P313 وقيل : لأنه يرجع إلى منع الحكم في الأصل أو العلة ، ثم هو غير ~~صحيح لاشتماله على منع حكم على مذهب إمام نصه بخلافه . والثاني : أنه ( ~~صحيح ) وهو الأصح ؛ لأن حاصله منازعة في الأصل ، فيبطل المستدل ما يدعي ~~المعترض تعليل ms564 الحكم به ، ليسلم ما يدعيه جامعا في الأصل . الثامن عشر من ~~القوادح ( التعدية ) وهي ( معارضة وصف المستدل بوصف آخر متعد ك ) قول ~~المستدل ( في بكر بالغ ) هي ( بكر فأجبرت كبكر صغيرة ) . ( فيعترض ) ~~المعترض ( بتعدي الصغر إلى ثيب صغيرة ، ويرجع ) ذلك ( إلى المعارضة في ~~الأصل ) قال القاضي عضد الدين : عن التركيب والتعدية : هذان اعتراضان ~~يعدهما الجدليون في عداد الاعتراضات . وهما PageV04P314 راجعان إلى بعض من ~~سائر الاعتراضات . ونوع منه خص باسم ، وليس شيء منهما سؤالا برأسه . فالأول ~~: سؤال التركيب ، وهو ما عرفته حيث قلنا : شرط حكم الأصل أن لا يكون ذا ~~قياس مركب . وأنه قسمان : مركب الأصل ، ومركب الوصف وأن مرجع أحدهما : منع ~~حكم الأصل ، أو منع العلية . ومرجع الآخر : منع الحكم ، أو منع وجود العلة ~~في الفرع . فليس بالحقيقة سؤالا برأسه ، وقد عرفت الأمثلة فلا معنى للإعادة ~~. والثاني : سؤال التعدية ، وذكروا في مثاله أن يقول المستدل في البكر ~~البالغ : بكر فتجبر كالصغيرة . فيقول المعترض : هذا معارض بالصغر ، ~~PageV04P315 وما ذكرته ، وإن تعدى به الحكم إلى البكر البالغ ، فقد تعدى به ~~الحكم إلى الثيب الصغيرة ، وهذا التمثيل يجعل هذا السؤال راجعا إلى ~~المعارضة في الأصل بوصف آخر ، وهو البكارة بالصغر ، مع زيادة تعرض للتساوي ~~في التعدية . [ دفعا لترجيح المعين بالتعدية ] فلا يكون سؤالا [ آخر ] ( ~~ولا أثر لزيادة التسوية في التعدية ) قاله ابن مفلح خلافا للداركي . التاسع ~~عشر من القوادح ( منع وجود وصف المستدل PageV04P316 في الفرع ، ( ك ) قول ~~المستدل في ( أمان عبد ) هو ( أمان صدر من أهله كالمأذون ) أي كالعبد ~~المأذون له في القتال ( فيمنع ) المعترض ( الأهلية ) بأن يقول : لا نسلم أن ~~العبد أهل للأمان ( فيجيبه ) المستدل ( بوجود ما عناه بالأهلية في الفرع ) ~~ثم ببيان وجوده بحس أو عقل أو شرع ( كجواب منعه في الأصل ) فيقول : أريد ~~بالأهلية كونه مظنة لرعاية مصلحة الأمان ، وهو بإسلامه وبلوغه كذلك عقلا ( ~~ويمنع المعترض من تقرير نفي الوصف عن الفرع ) ؛ لأن تفسيرها وظيفة من تلفظ ~~بها ؛ لأنه العالم بمراده وإثباتها وظيفة من ادعاها . فيتولى تعيين ما ~~ادعاه كل ms565 ذلك ؛ لئلا PageV04P317 ينتشر الجدل . العشرون من القوادح ( ~~المعارضة في الفرع بما يقتضي نقيض حكم المستدل ) بأن يقول المعترض : ما ~~ذكرته من الوصف ، وإن اقتضى ثبوت الحكم في الفرع فعندي وصف آخر يقتضي نقيضه ~~، فيتوقف دليلك وهو المعنى بالمعارضة إذا أطلقت ولا بد من بنائه على أصل [ ~~ب ] جامع بأن يثبت المعترض عليته ( بأحد طرق العلة ) فيصير المعترض مستدلا ~~، والمستدل معترضا فتنقلب الوظيفتان . PageV04P318 واختلف في قبول هذا ~~القادح والصحيح ( يقبل ) وهو قول أصحابنا والأكثر ؛ لئلا تختل فائدة ~~المناظرة وهو ثبوت الحكم ؛ لأنه لا يتحقق بمجرد الدليل ما لم يعلم عدم ~~المعارض . وقيل : لا ؛ لما في ذلك من قلب التناظر ( وجوابه ) أي جواب القدح ~~بالمعارضة ( بما يعترض به المعترض ابتداء ) والجواب هو الجواب ( ويقبل ~~ترجيح ) أحدهما ( بوجه ما ) أي بأي وجه كان من وجوه الترجيح المذكورة في ~~بابه عند أصحابنا وجمع من العلماء منهم الآمدي وابن الحاجب ؛ لأنه إذا ترجح ~~قياس أحدهما وجب العمل به . وقيل : لا يقبل الترجيح ؛ لأن تساوي الظن ~~الحاصل بهما غير معلوم ، ولا يشترط ذلك ، وإلا لم تحصل المعارضة لامتناع ~~العلم PageV04P319 بذلك ، فيتعين العمل به ، وهو المقصود . ( ولا يلزم ~~المستدل الإيماء إليه ) أي إلى الترجيح ( في ) متن ( دليله ) بأن يقول في ~~أمان العبد : أمان من مسلم عاقل موافقا للبراءة الأصلية . وقيل : بلى ، ~~والصحيح : لا يلزمه ذلك ؛ لأن الترجيح على ما يعارضه خارج عن الدليل . ~~وتوقف العمل على الترجيح ليس جزءا للدليل ، بل شرط له لا مطلقا ، بل إذا ~~حصل المعارض واحتيج إلى دفعه . والحادي والعشرون من القوادح ( الفرق ) وهو ~~إبداء المعترض معنى يحصل به الفرق بين الأصل والفرع حتى لا يلحق به في حكمه ~~. PageV04P320 وهو ( راجع إلى المعارضة في أصل أو فرع ) فيقبل . وقيل : ~~يرجع إلى المعارضة في الأصل والفرع معا فلا يقبل ( ويحتاج القادح في الجمع ~~إلى دلالة وأصل كالجمع ) وهو نوعان . الأول : أن يجعل المعترض تعين صورة ~~الأصل المقيس عليها هو العلة في الحكم . كقول حنبلي في وجوب النية في ~~الوضوء طهارة عن حدث . فوجب لها ms566 النية كالتيمم ، فيقول المعترض بالفرق : ~~العلة في الأصل كون الطهارة بتراب لا مطلق الطهارة . فذكر له خصوصية لا ~~تعدوه . وكقول حنفي في التبييت : صوم عين ، فيتأدى بالنية قبل الزوال ~~كالنفل . فيقال : صوم نفل فينبني على السهولة ، فجاز بنية متأخرة ، بخلاف ~~الفرض ، PageV04P321 وبالجملة فهذا النوع راجع إلى معارضة في الأصل ، أي ~~معارضة علة المستدل فيه لعلة أخرى ، ولهذا بناه البيضاوي وكثير من العلماء ~~على تعليل الحكم بعلتين فصاعدا . ووجه البناء : أن المعترض عارض علة ~~المستدل بعلة أخرى . فمن منع التعليل بعلتين رآه اعتراضا يلزم منه تعدد ~~المعلل ، وهو ممتنع عنده ، ومن لم يمنع لم يره سؤالا قادحا لجواز كون الحكم ~~له علتان ، وذهب كثير من العلماء إلى عدم البناء . PageV04P322 النوع ~~الثاني : أن يجعل تعين الفرع مانعا من ثبوت حكم الأصل فيه . كقولهم : يقاد ~~المسلم بالذمي ، قياسا على غير المسلم ، بجامع القتل العمد العدوان . فيقول ~~المعترض : تعين الفرع - وهو الإسلام - مانع من وجوب القصاص عليه . ولعله ~~أيضا مبني على جواز PageV04P323 التعليل بالقاصرة ، لكن بناه البيضاوي ~~وغيره على الخلاف في النقض إذا كان لمانع : هل يقدح في العلية أو لا ؟ فإن ~~قلنا : لا يقدح ، فهذا كذلك ؛ لأن الوصف الذي ادعى المستدل عليته لما وجد ~~في الفرع ، وتخلف فيه الحكم لمانع قام به . فهذا نقض لمانع ، فيقدح عند ~~القائل بالقدح بالنقض لمانع ، وإلا فلا فيكون مختار البيضاوي قدح النوع ~~الأول في المستنبطة دون المنصوصة ، وعدم قدح النوع الثاني مطلقا ؛ لاختيار ~~جواز التعليل بعلتين في المستنبطة دون المنصوصة ، وأن النقض لمانع غير قادح ~~. ومتى قيل : إن القادح في الجمع لا يحتاج إلى دلالة وأصل كالجمع ، كانت ~~دعواه بلا دليل . ( وإن أحب ) المعترض ( إسقاطه ) أي إسقاط ذلك ( عنه طالب ~~المستدل بصحة الجمع ) ومن أمثلة ذلك : صبي غير مكلف فلا يزكي ، كمن لم ~~تبلغه الدعوة فينتقض بعشر زرعه والفطرة ، فسؤال صحيح . بخلاف التفرقة ~~بالفسق بين النبيذ والخمر ؛ لأنه ليس من حكم العلة . والثاني والعشرون من ~~القوادح ( اختلاف الضابط في الأصل والفرع ) PageV04P324 بأن يقول المعترض ~~للمستدل : في قياسك ms567 اختلاف الضابط بين الأصل والفرع ( ك ) قول المستدل ( ~~تسببوا بالشهادة ) إلى القتل عمدا ( فقيدوا ) أي فلزمهم القود ( كمكره ) ~~على القتل ( فيقال ) أي فيقول المعترض ( ضابط الفرع الشهادة ، و ) ضابط ( ~~الأصل الإكراه . فلم يتحقق تساو ) بين الأصل والفرع . وحاصل هذا السؤال ~~يرجع إلى منع وجود الأصل في الفرع . وفي شرح المقترح لأبي العز : حكاية ~~قولين في قبوله . PageV04P325 قال : ومدار الكلام فيه : ينبني على شيء واحد ~~، وهو أن المعتبر في القياس القطع بالجامع أو ظن وجود الجامع كاف ، وينبني ~~على ذلك القياس في الأسباب . فمن اعتبر القطع منع القياس فيها ، إذ لا ~~يتصور عادة القطع بتساوي المصلحتين . فلا يتحقق جامع بين الوصفين باعتبار ~~يثبت حكم السببية بكل واحد منهما . ومن اكتفى بالظن صحح ذلك إذ يجوز تساوي ~~المصلحتين فيتحقق الجامع ، ولا يمنع القياس ( وجوابه ) أي جواب الاعتراض ~~باختلاف الضابط ( بيان أن الجامع ) بين الأصل والفرع ( التسبب المشترك ~~بينهما ) أي بين الأصل ، وهو الإكراه والفرع ، وهو الشهادة على القتل ( وهو ~~) أي التسبب المشترك بينهما ( مضبوط عرفا ) . PageV04P326 ( أو ) يجيب ( ~~بأن إفضاءه ) أي إفضاء المقصود ( في الفرع مثله ) في الأصل ( أو أرجح ) كما ~~لو كان أصل الفرع المغري للحيوان بجامع التسبب فإن انبعاث الولي على القتل ~~بسبب الشهادة التشفي أكثر من انبعاث الحيوان بالإغراء لنفرته من الإنسان ، ~~وعدم علمه بجواز القتل وعدمه . فاختلاف أصل التسبب لا يضر ، فإنه اختلاف ~~أصل وفرع ولا يفيد قول المستدل في جوابه التفاوت في الضابط ملغى لحفظ النفس ~~، كما ألغي التفاوت بين قطع الأنملة وقطع الرقبة في قود النفس ؛ لأن إلغاء ~~التفاوت في صورة لا يوجب عمومه ، كإلغاء الشرف وغيره دون الإسلام والحرية ( ~~ومنه ) أي ومن صور القدح باختلاف الضابط : قول المستدل لوجوب الحد على ~~اللائط ( أولج في فرج مشتهى طبعا محرم شرعا فحد كزان ) . PageV04P327 ( ~~فيقال ) أي فيقول المعترض ( حكمة الفرع : الصيانة عن رذيلة اللواط ، و ) ~~حكمة ( الأصل : دفع محذور اشتباه الأنساب . وقد يتفاوتان في نظر الشرع ) . ~~( وحاصله معارضة في الأصل ، وجوابه بحذفه عن الاعتبار ) . الثالث والعشرون ~~من القوادح ( مخالفة ms568 حكم الفرع لحكم الأصل ) بعد تسليم علة الأصل في الفرع ~~. مثاله : أن يقيس المستدل النكاح على البيع ، أو البيع على النكاح في عدم ~~الصحة بجامع في صورة ، فيقول المعترض : الحكم يختلف ، فإن عدم الصحة في ~~البيع حرمة الانتفاع بالمبيع ، وفي النكاح حرمة المباشرة ( وجوابه ببيان ~~اتحاد الحكم عينا ، كصحة البيع على النكاح ، والاختلاف عائد إلى المحل ) ~~يعني أن البطلان شيء واحد . وهو PageV04P328 عدم ترتب المقصود من العقد ~~عليه ، وإنما اختلف المحل بكونه بيعا ونكاحا . واختلاف المحل لا يوجب ~~اختلاف ما حل فيه ( واختلافه ) أي اختلاف المحل ( شرط فيه ) يعني أن اختلاف ~~المحل شرط في القياس ضرورة . فكيف يجعل شرطه مانعا منه ؟ ، ( أو ) يجيبه ~~ببيان اتحاد الحكم ( جنسا ، كقطع الأيدي باليد ، ك ) قتل ( الأنفس بالنفس ) ~~يعني أن قطع الأيدي باليد مقاس على قتل الأنفس بالنفس الواحدة ( وتعتبر ~~مماثلة التعدية ) قال ابن مفلح : وتعتبر مماثلة التعدية ، ذكره في الروضة ~~وغيرها . وذكره القاضي ومثله بقول الحنفية في ضم الذهب إلى الفضة في الزكاة ~~: كصحاح ومكسرة . فالضم في الأصل بالأجزاء ، وفي الفرع بالقيمة عندهم ، ~~PageV04P329 ثم لما نصر القاضي جواز قلب التسوية ؛ لأن الحكم التسوية فقط ، ~~كقياس الحنفية طلاق المكره على المختار . فيقال : فيجب استواء حكم إيقاعه ~~وإقراره ، كالمختار . قال فعلى هذا يجوز قياس الحنفية المذكور ، ومن منع ~~هذا القلب لتضاد حكم الأصل والفرع لم يجزه لاختلافهما . قال بعض أصحابنا ~~فصار له قولان : ( وإن اختلف ) الحكم ( جنسا ونوعا ك ) قياس ( وجوب على ~~تحريم ، و ) كقياس ( نفي على إثبات ) أي بالعكس . ( ف ) قياس ( باطل ) وذلك ~~؛ لأن الحكم إنما شرع لإفضائه إلى مقصود العبد ، واختلافه موجب للمخالفة ~~بينهما في الإفضاء إلى الحكمة ، فإن كان بزيادة في إفضاء حكم الأصل إليها : ~~لم يلزم من شرعه شرع الحكم في الفرع ؛ لأن زيادة الإفضاء مقصودة ، ويمتنع ~~كون حكم الفرع أفضى إلى المقصود ، وإلا كان تنصيص PageV04P330 الشارع عليه ~~أولى . الرابع والعشرون من القوادح ( القلب ) وهو ( تعليق نقيض الحكم أو ~~لازمه ) أي لازم نقيض الحكم ( على العلة ) التي يبديها المستدل ليثبت عليها ms569 ~~ذلك الحكم ( إلحاقا بالأصل ) المقيس عليه . ويسمى هذا الضرب : قلب العلة . ~~والضرب الثاني : يسمى قلب الدليل . وسيأتي . فقلب العلة : بأن يبين المعترض ~~أن ما ذكره المستدل من الدليل يدل عليه لا له PageV04P331 ( فهو نوع معارضة ~~) عند أصحابنا ، وحكي عن الأكثر ، وقيل : إفساد ، وقيل : تسليم للصحة ( ثم ~~) هو أنواع . نوع ( منه قلب لتصحيح مذهبه ) أي مذهب المعترض ( مع إبطال ~~مذهب المستدل صريحا ، ك ) قوله في ( بيع فضولي : عقد في حق الغير بلا ولاية ~~، فلا يصح كالشراء ) له . فيقول المعترض : تصرف في مال الغير ، فيصح ~~كالشراء للغير . فإنه يصح للمشتري ، وإن لم يصح لمن اشترى له . ونوع منه ~~يكون قلبا لتصحيح مذهبه مع إبطال مذهب المستدل من غير تصريح بإبطاله . وهو ~~ما أشير إليه بقوله ( أو غيره ، ك ) قول الحنفي في الصوم في الاعتكاف ( ~~الاعتكاف لبث محض ) في محل مخصوص . ( فلا يكون قربة بنفسه كالوقوف بعرفة ) ~~وغرضه التعرض لاشتراط الصوم فيه ، ولكن لم يتمكن من التصريح به ؛ لأنه لا ~~أصل له يقيسه عليه PageV04P332 ( فيقال ) أي فيقول الحنبلي أو الشافعي ~~معترضا : لبث في محل مخصوص ( فلا يعتبر فيه الصوم ، كالوقوف ) بعرفة . ونوع ~~منه أيضا ، وهو ما أشير إليه بقوله ( وقلب لإبطال مذهب المستدل فقط ) أي من ~~غير تعرض لتصحيح مذهب المعترض ، سواء كان الإبطال ( صريحا ك ) قوله ( الرأس ~~ممسوح ، فلا يجب استيعابه كالخف ) . ( فيقال ) أي فيقول المعترض ( فلا ~~يتقدر ) مسح الرأس ( بالربع كالخف ) ففي هذا الاعتراض نفى مذهب المستدل ~~صريحا ، ولم يثبت مذهبه لاحتمال أن يكون الحق في غير ذلك ، وهو الاستيعاب . ~~كما هو قول أحمد ومالك رضي الله تعالى عنهما ( أو ) كان الإبطال ( لزوما ، ~~ك ) قول الحنفي في ( بيع غائب ) مجهول ( عقد معاوضة ، فيصح مع جهل المعوض ~~كالنكاح ) PageV04P333 ( فيقال ) أي فيقول المعترض : إن كان الأمر كما ذكرت ~~( فلا يعتبر فيه خيار الرؤية كالنكاح ) فثبوت خيار الرؤية لازم لصحة بيع ~~الغائب عندهم ، وحيث كان الأمر كذلك ( فإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم . و ~~) من أنواع القلب ( قلب المساواة ) خلافا للباقلاني والسمعاني ( ك ) قول ~~المستدل ms570 ( الخل مائع طاهر مزيل ) أي للخبث ( كالماء ) . ( فيقال ) أي فيقول ~~له المعترض : حيث كان كالماء ف ( يستوي فيه الحدث والخبث كالماء ) ومن ذلك ~~قياس الحنفية طلاق المكره على طلاق المختار . فيقال لهم : فيجب استواء حكم ~~إيقاعه وإقراره . كالمختار PageV04P334 - ( ومنه ) أي ومن القلب نوع آخر ، ~~وهو ( جعل معلول علة وعكسه ) وهو جعل علة معلولا . قال في التمهيد : القلب ~~ثلاثة أنواع . الأول : الحكم بحكم مقصود غير حكم المعلل . والثاني : قلب ~~التسوية ، والثالث : يصح أن يجعل المعلول علة ، والعلة معلولا ( ولا يفسدها ~~) يعني أن جعل المعلول علة والعلة معلولا لا يفسد العلة ، بمعنى أنه لا ~~يمنع الاحتجاج بها ، وذلك ( ك ) قول أصحابنا في ظهار الذمي ( من صح طلاقه ~~صح ظهاره ) كالمسلم ( وعكسه ) أي ، ومن صح ظهاره صح طلاقه ( فالسابق ) ~~منهما ( علة للتالي ) فيقول الحنفي : أجعل المعلول علة ، والعلة معلولا . ~~وأقول : المسلم إنما صح طلاقه ؛ لأنه صح ظهاره . ومتى كان الظهار ~~PageV04P335 علة للطلاق لم يثبت ظهار الذمي بثبوت طلاقه . وقال الحنفية ~~وبعض المتكلمين : إن جعل المعلول علة وعكسه : مفسد للعلة . واستدل لعدم ~~الإفساد : بأن علل الشرع أمارات على الأحكام بجعل جاعل ونصب ناصب ، وهو ~~صاحب الشرع عليه الصلاة والسلام ، وغير ممتنع أن يقول صاحب الشرع : من صح ~~طلاقه فاعلموا أنه يصح ظهاره ومن صح ظهاره فاعلموا أنه يصح طلاقه ، فأيهما ~~ثبت عنه صحة أحدهما حكمنا بصحة الآخر منه . واحتج المخالف بأن جعل كل منهما ~~علة للآخر : يلزم منه أن يتوقف كل منهما على الآخر . وأجيب بأن ذلك في ~~العلة العقلية دون الشرعية ؛ لجواز ثبوت الحكم الشرعي بعلل متعددة ( وزيد ) ~~أي وزاد بعضهم في صورة القلب ( قلب الدعوى ، مع إضمار الدليل فيها ) أي في ~~الدعوى ( ككل موجود مرئي ) ، PageV04P336 ( فيقال : كل ما ليس في جهة ليس ~~مرئيا ، وكونه لا في جهة دليل منعها ) ، ( أو مع عدمه ) أي عدم إضمار ~~الدليل ( كشكر المنعم واجب لذاته فيقلبه ) قال ابن مفلح : أما قلب الدعوى ~~مع إضمار الدليل فيها ، فمثل ' كل موجود مرئي ' . فيقال : كل ما ليس في جهة ~~ليس ms571 مرئيا فدليل الرؤية الوجود ، وكونه لا في جهة دليل منعها ومع عدم ~~إضماره ، مثل : شكر المنعم واجب لذاته فيقلبه . فيقال : شكر المنعم ليس ~~بواجب لذاته . انتهى . ( و ) زيد أيضا ( قلب الاستبعاد كالإلحاق ) أي إلحاق ~~الولد في النسب ، ومن صور ذلك : لو ادعى اللقيط اثنان فأكثر بلا بينة ، ولم ~~توجد قافة . وقلنا : إنه يترك حتى يبلغ فينتسب إلى من شاء ممن ادعاه فيعترض ~~بأن يقال ( تحكيم الولد فيه ) أي في النسب ( تحكم بلا دليل ) . PageV04P337 ~~( فيقال ) جوابا لذلك ( تحكيم القائف ) أيضا ( تحكم بلا دليل ) . والضرب ~~الثاني : من القلب هو ( قلب الدليل على وجه يكون ما ذكره المستدل يدل عليه ~~لا له ) وقل أن يتفق لهذا مثال في الأقيسة ، وأما مثاله من المنصوص ف ( ك ) ~~قول المستدل لتوريث ذوي الأرحام في توريث الخال بقوله صلى الله عليه وسلم ( ~~{ الخال وارث من لا وارث له } فيقال ) أي فيقول المعترض : هذا الدليل يدل ~~عليك لا لك . فإنه ( يدل على أنه لا يرث بطريق أبلغ ؛ لأنه نفي عام ، ك ) ~~ما يقال ( الجوع زاد من لا زاد له ) والصبر حيلة من لا حيلة له ، وليس ~~الجوع زادا ، ولا الصبر حيلة . قال ابن حمدان وغيره : وقوله { وارث من لا ~~وارث له } PageV04P338 ينفي إرثه فإن أراد نفي كل وارث سوى الخال : بطل ~~بإرث الزوج والزوجة ، وإن أراد نفي كل وارث عصبة : فلا فائدة في تخصيص ~~الخال بالذكر ، دون بقية ذوي الأرحام ويشبه فساد الوضع . انتهى . قال ابن ~~مفلح : وليس بمثال جيد . الخامس والعشرون من القوادح ( القول بالموجب ) أي ~~بما أوجبه دليل المستدل واقتضاه ، وهو - بفتح الجيم وبالكسر : نفس الدليل ؛ ~~لأنه الموجب للحكم . PageV04P339 والقول بالموجب هو ( تسليم مقتضى الدليل ~~مع بقاء النزاع ) في الحكم ، وشاهد ذلك من القرآن قوله تعالى { ولله العزة ~~ولرسوله وللمؤمنين } جوابا لقول عبد الله بن أبي ابن سلول أو غيره { لئن ~~رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل } فإنه لما ذكر صفة - وهي العزة ~~- وأثبت بها حكما - وهو الإخراج من المدينة - رد عليه بأن تلك الصفة ms572 ثابتة ~~، لكن لا لمن أراد ثبوتها له ، فإنها ثابتة لغيره ، باقية على اقتضائها ~~للحكم ، وهو الإخراج . فالعزة موجودة ، لكن لا له ، بل لله ولرسوله ~~وللمؤمنين . PageV04P340 ومن أمثلة ذلك أيضا : شعرا وإخوان حسبتهم دروعا ~~فكانوها ولكن للأعادي وخلتهم سهاما صائبات فكانوها ولكن في فؤادي وقالوا قد ~~صفت منا قلوب لقد صدقوا ولكن من ودادي وقول الآخر : قلت ثقلت إذ أتيت مرارا ~~قال ثقلت كاهلي بالأيادي والقول بالموجب نوع من بديع الكلام ( وأنواع ثلاثة ~~) . الأول ( أن يستنتج مستدل ) من الدليل ( ما يتوهمه محل PageV04P341 ~~النزاع أو لازمه ) أي لازم محل النزاع ( ك ) قوله ( القتل بمثقل قتل بما ~~يقتل غالبا ، فلا ينافي القود كمحدد ) وكالقتل بالإحراق ( فيقال ) أي فيقول ~~المعترض ( عدم المنافاة ليس محل النزاع ، ولا لازمه ) أي لازم محل النزاع . ~~وأنا أقول بذلك أيضا ، ولا يكون ذلك دليلا علي في محل النزاع الذي هو وجوب ~~القصاص . النوع الثاني : ما أشير إليه بقوله ( أو إبطال ما يتوهمه ) يعني : ~~أن يستنتج إبطال ما يتوهمه ( مأخذ الخصم ، ك ) قوله أيضا في القتل بالمثقل ~~( التفاوت في الوسيلة لا يمنع القود ، ك ) التفاوت في ( متوسل إليه ) ( ~~فيقال ) أي فيقول الخصم : أنا أقول بموجب ذلك ، ولكن ( لا يلزم من إبطال ~~مانع ) وهو كون التفاوت في الوسيلة غير مانع ( عدم كل مانع ) فيجوز أن لا ~~يجب القود لمانع آخر ( و ) لا يلزم منه أيضا ( وجود الشرط ) للقود ( و ) لا ~~وجود ( المقتضي ) له ( ويصدق معترض إن قال : ليس ذا ) أي ما تذهب إليه ~~PageV04P342 ( مأخذي ) أي مأخذ إمامي على الصحيح ؛ لأنه أعرف بمذهبه ومذهب ~~إمامه . ثم لو لزمه إبداء المأخذ : فإن مكن المستدل من إبطاله صار معترضا ، ~~وإلا فلا فائدة . وقيل : لا يصدق معترض في قوله ' ليس ذا مأخذي ' إلا ببيان ~~مأخذ آخر ، وقيل : يمكن المستدل من إبطاله ، فإن أبطله المستدل ، وإلا ~~انقطع . قال ابن الحاجب : وأكثر القول بالموجب هذا القسم ، أي الذي يستنتج ~~فيه ما يتوهم أنه مأخذ الخصم ، ولم يكن كذلك ، وإنما كان هذا أكثر لخفاء ~~المآخذ ، وقلة العارفين بهذا ms573 ، والمطلعين على أسرارها ، بخلاف محال الخلاف ~~فإن PageV04P343 ذلك مشهور فكم من يعرف محل الخلاف ، ولكن لا يعرف المأخذ . ~~النوع الثالث : ما أشير إليه بقوله ( أو أن يسكت ) المستدل ( في دليله عن ~~صغرى قياسه . وليست ) صغرى قياسه ( مشهورة ، ك ) قول الحنبلي أو الشافعي في ~~وجوب نية الوضوء ( كل قربة شرطها النية ، ويسكت ) عن أن يقول ( والوضوء ~~قربة ) . ( فيقال ) أي فيقول المعترض : هذا مسلم ( أقول بموجبه ، ولا ينتج ~~) ذلك ما أراده المستدل من كون الوضوء قربة ( ولو ذكرها ) أي ذكر المستدل ~~صغرى قياسه ( لم يرد ) المعترض ( إلا منعها ) بأن يقول : لا أسلم أن الوضوء ~~قربة . ويشترط في صغرى القياس المسكوت عنها : أن تكون غير PageV04P344 ~~مشهورة ، أما لو كانت مشهورة : فإنها تكون كالمذكورة ، فيمنع ولا يأتي ~~بالقول بالموجب ( وجواب ) النوع ( الأول : بأنه محل النزاع أو لازمه ) أي ~~لازم محل النزاع . كما لو قال حنبلي أو شافعي : لا يجوز قتل المسلم بالذمي ~~قياسا على الحربي . فيقال : بالموجب ؛ لأنه يجب قتله به ، وقولكم ' لا يجوز ~~' نفي للإباحة التي معناها استواء الطرفين ، ونفيها ليس نفيا للوجوب ولا ~~مستلزما له . فيقول الحنبلي : المعني ب ' لا يجوز ' تحريمه ، ويلزم من ثبوت ~~التحريم نفي الوجوب لاستحالة الجمع بين الوجوب والتحريم ( وجواب ) النوع ( ~~الثاني : بأن يبين ) في المستنتج ( أنه PageV04P345 المأخذ لشهرته ) بالنقل ~~عن أئمة المذهب . ( وجواب ) النوع ( الثالث : بجواز الحذف ) لإحدى ~~المقدمتين مع العلم بالمحذوف ، والمحذوف مراد ومعلوم فلا يضر حذفه ، ~~والدليل هو المجموع لا المذكور وحده . وكتب الفقه مشحونة بذلك ( ويجاب في ~~الكل ) أي في الأنواع الثلاثة ( بقرينة أو عهد ونحوه ) . PageV04P346 # | ( فائدة ) # كون القول بالموجب قادحا في العلة ذكره جماعة . منهم الآمدي والهندي ، ~~ووجهوه بأنه إذا كان فيه تسليم موجب ما ذكره المستدل من الدليل ، وأنه لا ~~يرفع الخلاف علمنا أن ما ذكره ليس بدليل الحكم . ونازع التاج السبكي في ذلك ~~، وقال : إن هذا يخرج لفظ القول بالموجب عن إجرائه على قضيته ، بل الحق أن ~~القول بالموجب تسليم له ، وهذا ما اقتضاه كلام الجدليين ، وإليهم المرجع في ~~ذلك ، وحينئذ ms574 لا يتجه عده من مبطلات العلة . ا ه . PageV04P347 ونقل عن ~~الجدليين أن في القول بالموجب انقطاعا لأحد المتناظرين ؛ لأن المستدل إن ~~أثبت ما ادعاه انقطع المعترض ، وما قالوه صحيح في القسمين الأولين ، وهو ~~بعيد في القسم الثالث ؛ لاختلاف المرادين ؛ لأن مراد المستدل أن الصغرى - ~~وإن كانت محذوفة لفظا - فإنها مذكورة تقديرا والمجموع يفيد المطلوب . ومراد ~~المعترض : أن المذكور لما كانت الكبرى وحدها ، وهي لا تفيد المطلوب توجه ~~الاعتراض ( و ) مثال القول بالموجب ( في الإثبات ك ' الخيل حيوان يسابق ~~عليه ففيه الزكاة كإبل ' . فيقال بموجبه في زكاة التجارة ) أي بموجب وجوب ~~الزكاة في الخيل إذا كانت للتجارة . والنزاع في زكاة العين ودليلكم إنما ~~أوجب الزكاة في الجملة ، فإن ادعى أنه أراد زكاة العين فليس هذا قولا ~~بالموجب PageV04P348 ( فيجاب فاللام العهد ) ؛ لأن العهد مقدم على الجنس ~~والعموم ( والسؤال عن زكاة السوم ) فالعلة ليست مناسبة لزكاة التجارة إنما ~~المناسب المقتضي هو النماء الحاصل ( ويصح ) هذا المثال ( في قول ) جزم به ~~في الروضة وغيرها . ( ولا يصح في آخر ) ، وجزم به في الواضح لوجود استقلال ~~العلة بلفظها . # | ( خاتمة ) في تعدد الاعتراضات وترتيبها وما في معنى ذلك # ( ترد الأسئلة على قياس الدلالة إلا ما تعلق بمناسبة الجامع ) ؛ لأنه ليس ~~بعلة فيه ( وكذا قياس في معنى الأصل ) ، ( ولا يرد عليه ) أيضا ( ما تعلق ~~بنفس الجامع ) لعدم ذكره فيه . قال ذلك ابن مفلح وتبعه في التحرير ~~PageV04P349 ( ومنع ) بالبناء للمفعول عند الأكثر ( تعدد اعتراضات ) على ~~المستدل ( مرتبة ) ؛ لأن في تعددها تسليما للمقدم ؛ لأن المعترض إذا طالبه ~~بتأثير الوصف بعد أن منع وجود الوصف فقد نزل عن المنع وسلم وجود الوصف الذي ~~هو المقدم ؛ لأنه لو أصر على منع وجود الوصف لما طالبه بتأثير الوصف ؛ لأن ~~تأثير ما لا وجود له محال ، فلا يستحق المعترض غير جواب الأخير ، فيتعين ~~الأخير للورود فقط ، ولهذا قال القاضي أبو يعلى وغيره من أصحابنا ، والقاضي ~~أبو الطيب : لو أورد النقض ثم منع وجود العلة : لم يقبل ، لتسليمه للمتقدم ~~، وعند الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني والفخر ms575 إسماعيل والآمدي وابن الحاجب ~~ومن وافقهم : لا يمنع التعدد في PageV04P350 المرتبة ؛ لأن تسليم المتقدم ~~تسليم تقديري ، إذ معناه : لو سلم وجود الوصف فلا نسلم تأثيره . والتسليم ~~التقديري : لا ينافي المنع ، بخلاف التسليم تحقيقا . قال الهندي عن هذا ~~القول : وهو الحق ، وعليه العمل في المصنفات ، وإذا كان كذلك فتترتب ~~الأسئلة ، فيقدم الاستفسار ثم فساد الاعتبار ، ثم الوضع ، ثم ما تعلق ~~بالأصل ، ثم العلة ، ثم الفرع . ويقدم النقض على المعارضة ، وأوجب ابن ~~المني ترتيب الأسئلة ، فاختار فساد PageV04P351 الوضع ، ثم الاعتبار ، ثم ~~الاستفسار ، ثم المنع ، ثم المطالبة ، وهو منع العلة في الأصل ، ثم الفرق ، ~~ثم النقض ، ثم القول بالموجب ، ثم القلب ، ثم رد التقسيم إلى الاستفسار ، ~~أو الفرق ، وإنما قدم الاستفسار : لأن من لا يعرف مدلول اللفظ لا يعرف ما ~~يرد عليه . ثم فساد الاعتبار ؛ لأنه نظر في فساد القياس من حيث الجملة ، ~~وهو قبل النظر في تفصيله . ثم فساد الوضع ؛ لأنه أخص من فساد الاعتبار ، ~~والنظر في الأعم مقدم على النظر في الأخص . ثم ما يتعلق بالأصل على ما ~~يتعلق بالعلة ؛ لأن العلة مستنبطة من حكم الأصل ، ثم ما يتعلق بالعلة على ~~ما يتعلق بالفرع ؛ لأن الفرع يتوقف على العلة ، ويقدم النقض على المعارضة ؛ ~~لأن النقض يورد لإبطال العلة ، والمعارضة تورد لاستقلالها ، والعلة مقدمة ~~على استقلالها ( و ) لا يمنع تعدد اعتراضات ( غير مرتبة ، ولو ) كانت ( من ~~أجناس ) قال الطوفي : وترتيب الأسئلة - وهو جعل كل سؤال في رتبته على وجه ~~لا يفضي بالتعرض إلى المنع بعد التسليم - أولى اتفاقا ؛ لأن المنع بعد ~~التسليم قبيح ، فأقل أحواله : أن يكون التحرز منه أولى . فمنهم من أوجبه ~~نفيا للقبح المذكور ، ونفي القبح واجب ، ومنهم من لم يوجبه ، نظرا إلى أن ~~كل سؤال مستقل بنفسه ، وجوابه مرتبط به . فلا فرق إذا بين تقدمه ~~PageV04P352 وتأخره . ا ه . ( و ) حيث جاز التعدد فإنه ( يكفي جواب آخرها ) ~~قال ابن عقيل وابن المنى وجمهور الجدليين : إنه لا يطالبه بطرد دليل إلا ~~بعد تسليم ما ادعاه من دلالته فلا ينقضه من سلمه ms576 فلا يقبل المنع بعد ~~التسليم . ا ه . ويفرق بين أسئلة الجدل وأسئلة الاسترشاد ، لا الغلبة ~~والاستزلال ، والواجب رد الجميع إلى ما دل عليه كتاب أو سنة ؛ وإلا فلهم من ~~الحيل والاصطلاح الفاسد أوضاع ، كما للفقهاء والحكام في الجدل الحكمي أوضاع ~~، وضابط المنع في الدليل عند أهل الجدل : إما أن يكون لمقدمة من مقدماته ~~قبل التمام أو بعده . والأول : إما أن يكون مجردا عن المستند ، أو مع ~~المستند ، وهو المناقضة ، فهي منع مقدمة من الدليل ، PageV04P353 سواء ذكر ~~معها مستند ، أو لا . قال الجدليون : ومستند المنع هو ما يكون المنع مبنيا ~~عليه ، نحو : لا نسلم كذا ، أو لم لا يكون كذا ، أو لا نسلم لزوم كذا ؟ ~~وإنما يلزم هذا أن لو كان كذا ، ثم إن احتج لانتفاء المقدمة ، فيسمى عندهم ~~الغصب ، أي غصب منصب التعليل ، وهو غير مسموع عند النظار ، لاستلزامه الخبط ~~في البحث ، نعم يتوجه ذلك من المعترض بعد إقامة المستدل الدليل ، على تلك ~~المقدمة . وأما الثاني : وهو المنع بعد تمامه ، فإما أن يكون مع منع الدليل ~~بناء على تخلف حكمه ، فيسمى النقض الإجمالي ؛ PageV04P354 لأن النقض ~~التفصيلي : هو تخلف الحكم عن الدليل للقدح في مقدمة معينة من مقدماته ، ~~بخلاف الإجمالي ، فإنه تخلف الحكم عن الدليل بالقدح في مقدمة من مقدماته لا ~~على التعيين ، وإما أن يكون مع تسليم الدليل والاستدلال بما ينافي ثبوت ~~المدلول فهو المعارضة فهي تسليم للدليل فلا يسمع منه بعدها منع ، فضلا عن ~~سؤال الاستفسار . فيقول المعترض : ما ذكرت من الدليل - وإن دل على ما تدعيه ~~- فعندي ما ينفيه ، أو يدل على نقيضه . ويبينه بطريقه . فهو ينقلب مستدلا ، ~~فلهذا لم يقبله بعضهم ؛ لما فيه من انقلاب دست المناظرة ، PageV04P355 إذ ~~يصير المستدل معترضا ؛ والمعترض مستدلا ، لكن الصحيح القبول : لأن ذلك بناء ~~بالعرض ، هدم بالذات ، فالمستدل مدع بالذات ، معترض بالعرض ، والمعترض ~~بالعكس ، فصارا كالمتخالفين ، مثاله : المسح ركن في الوضوء ، فيسن تثليثه ~~كالوجه ، فيعارضه بأنه مسح ، فلا يسن تثليثه ، كالمسح على الخفين ، نعم على ~~المعلل دفع الاعتراض عنه بدليل ، ولا يكفيه ms577 المنع المجرد ، فإن ذكر دليله ~~ومنع ثانيا ، فكما سبق ، وهكذا حتى ينتهي الأمر : إما إلى الإفحام ، أو ~~الإلزام ، فالإفحام عندهم : انقطاع المستدل بالمنع أو بالمعارضة ، على ما ~~يأتي بماذا يحصل الانقطاع . والإلزام : انتهاء دليل المستدل إلى مقدمات ~~ضرورية أو يقينية مشهورة يلزم المعترض الاعتراف بها ، ولا يمكنه الجحد ، ~~PageV04P356 فينقطع بذلك ، فإذا الإلزام من المستدل للمعترض ، والإفحام من ~~المعترض للمستدل . PageV04P357 صفحة فارغة PageV04P358 # | ( فصل ) فيما يشتمل على أحكام الجدل ، وآدابه ، وحده ، وصفته # ثم ( الجدل ) في اللغة : اللدد في الخصومة والقدرة عليها - جادله ، فهو ~~جدل - ككتف - ومجدل - كمنبر - ومجدال - كمحراب وجدلت الحبل - أجدله جدلا : ~~كفتلته أفتله فتلا ، أي فتلته فتلا محكما ، والجدالة الأرض . يقال : طعنه ~~فجدله : أي رماه في الأرض ( وهو ) أي الجدل في اصطلاح الفقهاء ( فتل الخصم ~~) أي رده بالكلام ( عن قصده ) أي ما يقصده من نفي أو إثبات من PageV04P359 ~~حكم ( لطلب صحة قوله ) أي قول القائل له ( وإبطال ) قول ( غيره ) ( مأمور ~~به ) خبر للمبتدإ الذي هو الجدل ( على وجه الإنصاف ، وإظهار الحق ) قال أبو ~~محمد الجوزي في الإيضاح : اعلم - وفقنا الله وإياك - أن معرفة هذا العلم لا ~~يستغني عنها ناظر ، ولا يتمشى بدونها كلام مناظر ؛ لأن به تتبين صحة الدليل ~~من فساده ، تحريرا وتقريرا . وتتضح الأسئلة الواردة من المردودة إجمالا ~~وتفصيلا ، ولولاه لاشتبه التحقيق في المناظرة بالمكابرة ، ولو خلي كل ~~PageV04P360 مدع ومدعى ما يرومه على الوجه الذي يختار ، ولو مكن كل مانع من ~~ممانعة ما يسمعه متى شاء : لأدى إلى الخبط وعدم الضبط . وإنما المراسم ~~الجدلية تفصل بين الحق والباطل وتبين المستقيم من السقيم فمن لم يحط بها ~~علما كان في مناظراته كحاطب ليل ، ويدل عليه الاشتقاق . فإن الجدل من قولك ~~: جدلت الحبل أجدله جدلا إذا فتلته فتلا محكما . وقال أيضا : أول ما تجب ~~البداءة به : حسن القصد في إظهار الحق طلبا لما عند الله تعالى فإن آنس من ~~نفسه الحيد عن الغرض الصحيح فليكفها بجهده ، فإن ملكها ، وإلا فليترك ~~المناظرة في ذلك المجلس ، وليتق السباب والمنافرة فإنهما يضعان القدر ، ~~ويكسبان ms578 الوزر ، وإن زل خصمه فليوقفه على زلله ، غير مخجل له بالتشنيع عليه ~~. فإن أصر أمسك ، إلا أن يكون ذلك الزلل مما يحاذر استقراره عند السامعين ، ~~فينبههم على الصواب فيه بألطف الوجوه جمعا بين المصلحتين . | انتهى . ~~PageV04P361 ويدل على الأمر به القرآن قال الله تعالى { وجادلهم بالتي هي ~~أحسن } وقال تعالى { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن } وقال ~~تعالى { قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } ( وفعله الصحابة ) رضي الله ~~تعالى عنهم ، كابن عباس لما جادل الخوارج والحرورية ، ورجع منهم خلق كثير ( ~~و ) فعله ( السلف ) أيضا كعمر بن عبد العزيز رضي الله PageV04P362 تعالى ~~عنه فإنه جادل الخوارج أيضا . ذكره ابن كثير في تاريخه PageV04P363 ( فأما ~~) إذا كان الجدل ( على وجه الغلبة والخصومة والغضب و ) وجه ( المراء وهو ) ~~أي المراء ( استخراج غضب المجادل : فمزيل عن طريق الحق ، وإليه انصرف النهي ~~عن قيل وقال وفيه ) أي في المراء ( غلق باب الفائدة ، وفي المجالسة ~~للمناصحة فتحه ) أي فتح باب الفائدة قال البربهاري وهو الحسن بن علي من ~~أئمة أصحابنا المتقدمين - في كتاب شرح السنة له : واعلم أنه ليس في ~~PageV04P364 السنة قياس ولا يضرب لها الأمثال ، ولا يتبع فيها الأهواء ، بل ~~هو التصديق بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا كيف ولا شرح ، ولا يقال ~~: لم ؟ ولا كيف ؟ فالكلام والخصومة والجدال والمراء محدث ، يقدح الشك في ~~القلب ، وإن أصاب صاحبه السنة والحق - إلى أن قال - وإذا سألك رجل عن مسألة ~~في هذا الباب ، وهو مسترشد ، فكلمه وأرشده ، وإن جاءك يناظرك فاحذره فإن في ~~المناظرة المراء والجدال والمغالبة والخصومة والغضب ، وقد نهيت عن جميع هذا ~~، وهو يزيل عن طريق الحق ، ولم يبلغنا عن أحد من فقهائنا وعلمائنا أنه جادل ~~أو ناظر أو خاصم وقال أيضا : المجالسة للمناصحة فتح باب الفائدة ، ~~PageV04P365 والمجالسة للمناظرة غلق باب الفائدة . انتهى . ( وما يقع بين ~~أرباب المذاهب : أوفق ما يحمل الأمر فيه : بأن يخرج مخرج الإعادة والدرس ، ~~وأما اجتماع متجادلين كل منهم لا يطمع أن يرجع إن ظهرت حجة ولا فيه مؤانسة ms579 ~~، و ) لا فيه ( مودة وتوطئة القلوب لوعي حق : فمحدث مذموم ) قال ابن هبيرة ~~: الجدل الذي يقع بين أرباب المذاهب أوفق ما يحمل الأمر فيه : بأن يخرج ~~مخرج الإعادة والدرس ، فأما اجتماع جمع متجاذبين في مسألة ، مع أن كلا منهم ~~لا يطمع أن يرجع إن ظهرت حجة ، ولا فيه مؤانسة ومودة ، وتوطئة القلوب لوعي ~~حق ، بل هو على الضد ، فتكلم فيه العلماء - كابن بطة - وهو محدث ، ~~PageV04P366 قال ابن مفلح : وما قاله صحيح ، وذكره بعضهم عن العلماء ، ~~وعليه يحمل ما رواه أحمد والترمذي وصححه عن أبي غالب - وهو مختلف فيه - عن ~~أبي أمامة مرفوعا { ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ، ثم تلا ~~{ ما ضربوه لك إلا جدلا } } ولأحمد عن مكحول عن أبي هريرة - ولم يسمع منه ~~مرفوعا - { لا يؤمن العبد الإيمان كله حتى يترك المراء ، وإن كان ~~PageV04P367 محقا } وللترمذي عن ابن عباس مرفوعا { لا تمار أخاك } ولأبي ~~داود بإسناد حسن عن أبي أمامة مرفوعا { أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك ~~المراء وإن كان محقا } ولابن ماجه والترمذي - وحسنه - عن سلمة بن وردان ~~PageV04P368 - وهو ضعيف - عن أنس مرفوعا { من ترك المراء وهو محق بني له ~~بيت في وسط الجنة } ( ولولا ما يلزم من إنكار الباطل واستنقاذ الهالك ~~بالاجتهاد في رده عن ضلالته لما حسن ) أي الجدال ( للإيحاش غالبا ، لكن فيه ~~أعظم المنفعة مع قصد نصرة الحق ، أو ) قصد ( التقوي على الاجتهاد لا ~~المغالبة ، وبيان الفراهة ) نعوذ بالله منهما PageV04P369 ( فإن طلب ~~الرياسة و ) طلب ( التقدم بالعلم يهلك . | والمعول فيه : على إظهار الحجة ، ~~وإبطال الشبهة ، فيرشد المسترشد ، ويحذر المناظر ) قال ابن عقيل في الواضح ~~: وكل جدل لم يكن الغرض فيه نصرة الحق فإنه وبال على صاحبه ، والمضرة فيه ~~أكثر من المنفعة ؛ لأن المخالفة توحش ، ولولا ما يلزم من إنكار الباطل ، ~~واستنقاذ الهالك بالاجتهاد في رده عن ضلالته ، لما حسنت المجادلة للإيحاش ~~فيها غالبا ، ولكن فيها أعظم المنفعة إذا قصد بها نصرة الحق ، والتقوي على ~~الاجتهاد ونعوذ بالله من قصد ms580 المغالبة ، وبيان الفراهة وينبغي أن يجتنبهما ~~، وقال ابن الجوزي : طلب الرياسة والتقدم بالعلم يهلك ، ثم ذكر اشتغال ~~أكثرهم في الجدل ، ورفع أصواتهم في المساجد ، وإنما المقصود الغلبة والرفعة ~~، وإفتاء من ليس أهلا وقال أيضا في قوله تعالى { فلا ينازعنك في الأمر } ~~PageV04P370 أي في الذبائح . والمعنى : فلا تنازعهم ، ولهذا قال : { وإن ~~جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون } قال : وهذا أدب حسن ، علمه الله - تعالى ~~- عباده ليردوا به من جادلهم به تعنتا ولا يجيبوه ( فلو ) ( بان له سوء قصد ~~خصمه ) ( توجه تحريم مجادلته ) قال ابن مفلح : توجه في تحريم مجادلته خلاف ~~، كدخول من لا جمعة عليه في البيع مع من تلزمه لنا فيه وجهان قال في شرح ~~التحرير : قلت : والصحيح من المذهب التحريم . ( ويبدأ كل منهما ) أي من ~~المتجادلين قبل الشروع في الجدال ( بحمد الله تعالى والثناء عليه ) أي على ~~الله سبحانه وتعالى . قال في الواضح : ومن أدب الجدال : أن يجعل السائل ~~PageV04P371 والمسئول مبدأ كلامهما حمد الله تعالى ، والثناء عليه ، فإن { ~~كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم الله ، فهو أبتر } ، ويجعلا قصدهما أحد ~~أمرين ، ويجتهدا في اجتناب الثالث فأعلى الثلاثة من المقاصد : نصرة الحق ~~ببيان الحجة ، ودحض الباطل بإبطال الشبهة ، لتكون كلمة الله هي العليا ، ~~والثاني : الإدمان للتقوي على الاجتهاد من مراتب الدين المحمودة فالأولى : ~~كالجهاد ، والثانية : كالمناضلة التي يقصد بها التقوي على الجهاد ، ونعوذ ~~بالله من الثالثة ، وهي المغالبة وبيان الفراهة على الخصم ، والترجيح عليه ~~في الطريقة . انتهى . ( وللسائل ) وهو القائل : ما حكم الله تعالى في هذه ~~الواقعة ؟ ( إلجاء مسئول ) وهو المتصدي للاستدلال ( إلى الجواب ، فيجيب ، ~~أو يبين عجزه ولا يجيب ) من سأله ( منصحا ) بالسؤال ( تعريضا ) بالجواب ~~PageV04P372 ( وعليه ) أي وعلى المجيب ( أن يجيبه فيما فيه خلاف بينهما ~~لتظهر حجته ) والكلام في هذا الشأن إنما يعول فيه على الحجة لتظهر ، ~~والشبهة لتبطل ، وإلا فهذر ، وهو الذي رفعت لشؤمه ليلة القدر ، وإليه انصرف ~~النهي عن قيل وقال ومن كلام ابن عقيل في الواضح : ينبغي للسائل أن ينظر إلى ~~المعنى المطلوب في ms581 السؤال ، فإن عدل المجيب لم يرض منه إلا بالرجوع إلى ~~جواب ما سأله عنه . مثاله أن يقول السائل : هل يحرم النبيذ ؟ فيقول المجيب ~~: قد حرمه قوم من العلماء . هذا عند أهل الجدل ليس بجواب ، وللسائل أن ~~يضايقه في ذلك ، بأن يقول : لم أسألك عن هذا ، ولا بان من سؤالي إياك جهلي ~~PageV04P373 بأن قوما حرموه ، ولا سألتك عن مذهب الناس فيه ، بل سألتك : ~~أحرام هو ؟ فجوابي أن تقول : حرام ، أو ليس بحرام ، أو لا أعلم فإذا ضايقه ~~ألجأه إلى الجواب ، أو بان جهله بتحقيق الجواب ، وليس له أن يجيب بالتعريض ~~لمن سأله بالإفصاح ، فإذا سأله السائل بالإفصاح لم يقنع بالجواب إلا ~~بالإفصاح . انتهى . وقال أيضا : ولا يصح الجدل مع الموافقة في المذهب ، إلا ~~أن يتكلما على طريق المباحثة ، فيتقدرون الخلاف لتصح المطالبة ، ويتمكن من ~~الزيادة وليس على المسئول أن يجيب السائل عن كل ما سأله عنه إنما عليه أن ~~يجيبه فيما بينه وبينه فيه خلاف ، لتظهر حجته فيه وسلامته عن المطاعن عليه ~~، وإلا خرج عن حد السؤال الجدلي . انتهى . ( وللسائل أن يقول ) للمجيب إذا ~~أجابه عن شيء لم تظهر له حكمته ( لم ذاك ؟ فإن قال ) المجيب ( لأنه لا فرق ~~قال ) السائل PageV04P374 ( دعواك لعدم الفرق كدعواك للجمع ، ونخالفك فيهما ~~، فإن قال ) المجيب ( لا أجد فرقا ، قال ) السائل ( ليس كل ما لم تجده يكون ~~باطلا ) وكذا لو قال المجيب : لو جاز كذا لجاز كذا ، فهو كقول السائل : إذا ~~كان كذا ، فلم لا يجوز كذا ؟ إلا أنه لا يلزمه أن يأتي بالعلة الموافقة ~~بينهما ؛ لأنه من فرض المجيب ، ويلزم المجيب أن يبين له ، فلو كان للمجيب ~~أن يقول له : ومن أثبتها ؟ لكان له أن يصير سائلا ، وكان على السائل أن ~~يصير مجيبا ، وكان له أيضا أن يقول : ولم تنكر تشابههما ، والمجيب مدعيه . ~~ثم اعلم أن سؤال الجدل على خمسة أقسام : سؤال عن المذهب ، وسؤال عن الدليل ~~، وسؤال عن وجه الدليل ، وسؤال عن تصحيح الدعوى في الدليل ، وسؤال عن ~~الإلزام ، والله أعلم . PageV04P375 وتحسين الجواب وتحريره ms582 يقوى به العلم ~~والعمل ، فأول ضروب الجواب : الإخبار عن ماهية المذهب ، ثم الإخبار عن ~~ماهية برهانه ، ثم وجه دلالة البرهان عليه ، ثم إجراء العلة في المعلول ، ~~وحياطته من الزيادة فيه والنقصان منه ، لئلا يلحق به ما ليس منه ، ويخرج ~~عنه ما هو منه . والحجة في ترتيب الجواب كالحجة في ترتيب السؤال ؛ لأن كل ~~ضرب من ضروب الجواب مقابل بضرب من ضروب السؤال . ( ويشترط انتماء سائل إلى ~~مذهب ذي مذهب للضبط ) قاله الجوزي والفخر ، وزاد : وإن كان الأليق بحاله ~~التجرد عن المذاهب ( وأن لا يسأل عن أمر جلي ، فيكون معاندا ) PageV04P376 ~~قال أبو محمد الجوزي في الإيضاح : ويلزمه الانتماء إلى مذهب ذي مذهب صيانة ~~للكلام عن النشر الذي لا يجدي ، فإن المستدل إذا ذكر مثلا الإجماع دليلا ~~فلا فائدة من تمكين السائل من ممانعة كونه حجة ، بعدما اتفق على التمسك به ~~الأئمة الأربعة وغيرهم ، ويتعين قصد الاستفهام وترك التعنت ، ولا يمكن ~~المداخل من إيراد أمر خارج عن الدليل ، بما النظر فيه يفسد الدليل ، كالقلب ~~والمعارضة ؛ لأن ذلك وظيفة المعترض . ( ويكره اصطلاحا تأخير الجواب ) وهو ~~الحكم المفتى به ، تأخيرا ( كثيرا ) قال أبو محمد الجوزي : ويستحب له أن ~~يأخذ في الدليل عقب السؤال عنه ، وإن أخره لم يكن منقطعا إلا إن عجز عنه ~~مطلقا ( ولا يكفي عزو حديث إلى غير أهله ) أي أهل الحديث ؛ لأن المطلوب منه ~~ما يحتج به من الأحاديث ، بأن يكون أحد أئمة الحديث صححه أو حسنه ~~PageV04P377 ( وينقطع السائل بعجزه عن بيان السؤال ، و ) بيان ( طلب الدليل ~~، و ) طلب ( وجهه ) أي وجه الدليل ( وطعنه في دليل المستدل ومعارضته ) ~~لدليل المستدل ( وانتقال ) السائل ( إلى دليل آخر ، أو ) إلى ( مسألة أخرى ~~قبل تمام ) المسألة ( الأولى ) . قال في الواضح : اعلم أن الانقطاع هو ~~العجز عن إقامة الحجة من الوجه الذي ابتدأ منه المقالة والانقطاع في الأصل ~~: هو الانتفاء للشيء عن الشيء ، وذلك أنه لا بد من أن يكون انقطاع شيء عن ~~شيء ، وهو على ضربين . أحدهما : تباعد شيء عن شيء ، كانقطاع طرف الحبل عن ms583 ~~جملته ، وانقطاع الماء عن مجراه ، والآخر : عدم شيء عن شيء كانقطاع ثاني ~~الكلام عن ماضيه ، وتقدير الانقطاع في الجدل على أنه انقطاع القوة عن ~~النصرة للمذهب الذي شرع في نصرته PageV04P378 قال صاحب الواضح أيضا : ( ومن ~~الانتقال ما ليس انقطاعا ، كمن سئل عن رد اليمين فبناه على الحكم بالنكول ، ~~أو ) سئل عن ( قضاء صوم نفل فبناه على لزوم إتمامه ) ( وإن طالبه السائل ~~بدليل على ما سأله فانقطاع منه ) أي من السائل ( لبناء بعض الأصول على بعض ~~) ، ( وليس لكلها ) أي كل الأصول ( دليل يخصه ) ، ( و ) ينقطع ( المسئول ~~بعجزه عن الجواب ، و ) عن ( إقامة الدليل ، و ) عن ( تقوية وجهه ) أي وجه ~~الدليل ( و ) عن ( دفع الاعتراض ) الوارد عليه ( وكلاهما ) أي وينقطع كل من ~~السائل والمسئول ( بجحد ) أي إنكار ( ما عرف من مذهبه أو ثبت بنص و ) الحال ~~أن ( ليس مذهبه خلافه أو ) ثبت ( بإجماع ) . PageV04P379 ( و ) ينقطع كل ~~منهما أيضا ( بعجزه عن إتمام ما شرع فيه ، وخلط كلامه على وجه لا يفهم ، ~~وسكوته ) حال كون سكوته ( حيرة بلا عذر ، وتشاغله بما لا يتعلق بالنظر ) أي ~~بالتأمل فيما هم فيه ( وغضبه أو قيامه عن مكانه ) الأول ( وسفهه على خصمه ) ~~ذكر ذلك الأصحاب : قال صاحب الواضح : وذلك أن المسألة تكون مراتبها خمسة . ~~فيكون مع المجادل قوة على المرتبة الأولى والثانية ، ثم ينقطع ، فلا تكون ~~له قوة على المرتبة الثالثة وما بعدها من المراتب ، وانقطاع القوة عن ~~الثالثة عجز عن الثانية . فلذلك قلنا : الانقطاع في الجدل عجز عنه ، وكل ~~انقطاع في الجدل عجز عنه . وليس كل عجز عنه انقطاعا فيه ، وإن كان عاجزا ~~عنه ، وأطال في ذلك جدا . ثم ذكر الانقطاع بالمكابرة ، ثم بالمناقضة ، ثم ~~بالانتقال ، ثم بالمشاغبة ، ثم بالاستفسار ، ثم بالرجوع إلى التسليم ، ثم ~~بجحد PageV04P380 المذهب ، ثم بالمسابة . ( و ) ينقطع كل منهما أيضا ( ~~بالشغب بالإبهام بلا شبهة ) قال في الواضح : اعلم أن الانقطاع بالمشاغبة ~~عجز عن الاستفهام لما تضمن من نصرة المقال إلى الممانعة بالإبهام من غير ~~حجة ولا شبهة . وحق مثل هذا إذا وقع : أن ms584 يفصح فيه بأنه شغب ، وأن المشغب ~~لا يستحق زيادة فإن كان المشغب مسئولا قيل له : إن أجبت عن المسألة وإلا ~~زدنا عليك ، وإن لم تجب عنها أمسكنا عنك ، PageV04P381 وإن كان سائلا قيل ~~له : إن حصلت سؤالا سمعت جوابا وإلا فلا فإن المشغب لا يستحق جوابا . فإن ~~لج وتمادى في غيه أعرض عنه ؛ لأن أهل العلم إنما يتكلمون على ما فيه حجة أو ~~شبهة فإذا عري الجدل عن الأمرين إلى الشغب لم يكن فيه فائدة ، وكان الأولى ~~بذي الرأي الأصيل والعقل الرصين : أن يصون نفسه ، ويرغب بوقته عن التضييع ~~معه ، ولا سيما إذا كان الاشتغال به مما يوهم الحاضرين أن صاحبه سالك لطريق ~~الحجة ، فإنه ربما كان ذلك بما يرى منه من حسن العبارة . والاغترار بإقبال ~~خصمه عليه بالمناظرة فحق مثل هذا : أن يبين له : أنه على جهة المشاغبة دون ~~طريق الحجة أو الشبهة PageV04P382 ( ولا ينقطع مسئول بترك الدليل لعجز فهم ~~السامع ) الذي هو السائل ( أو انتقاله ) أي المسئول ( إلى ) دليل ( أوضح ~~منه ) أي من الدليل الأول ( لقصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ) مع نمروذ ~~قال ابن عقيل في الفنون : لما قابل نمروذ قول إبراهيم في الحياة الحقيقية ~~بالحياة المجازية ، انتقل الخليل إلى دليل لا يمكنه مقابلة الحقيقة فيه ~~بالمجاز ومن انتقل من دليل غامض إلى دليل واضح : فذلك طلب للبيان ، وليس ~~انقطاعا قال في الواضح : فإن قيل : فقد انتقل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~من علة إلى غيرها ، وكان في مقام المحاجة كما أخبر الله - سبحانه وتعالى - ~~عنه PageV04P383 وبهذا تعلق من رأى أن الانتقال من دليل إلى غيره ليس ~~بانقطاع ، ولا خروج عن مقتضى الجدال والحجاج . قيل : لم يكن انتقاله للعجز ~~؛ لأنه قد كان يقدر أن يحقق مع نمروذ حقيقة الإحياء الذي أراده ، وهو إعادة ~~الروح إلى جسد الميت ، أو إنشاء حي من الأموات وأن الإماتة التي أرادها : ~~هي إزهاق النفس من غير ممارسة بآلة ولا مباشرة . ويقال له : إذا فعلت ذلك ~~كنت محييا مميتا ، أو فافعل ذلك إن كنت صادقا . ومعاذ ms585 الله أن يظن ذلك بذلك ~~النبي الكريم . وما عدل عما ابتدأ به إلى غيره عجزا عن استتمام النصرة ، ~~لكنه لما رأى نمروذ غبيا أو متغابيا بما كشفه عن نفسه من دعوى PageV04P384 ~~الإحياء ، وهو العفو عن مستحق القتل ، والإماتة ، وهي القتل الذي يساوي به ~~كل أهل مملكته وأصاغر رعيته انتقل إلى الدليل الأوضح في باب تعجيزه عن ~~دعواه فيه المشاركة لبارئه سبحانه ، بحكم ما رأى من الحال فلم يوجد في حقه ~~العجز عن إتمام ما بدأ به ، بخلاف ما نحن فيه . انتهى . ( ومن أدبه ) أي ~~أدب الجدل ( وتركه ) أي ترك أدب الجدل ( شين إجمال كل منهما ) أي من ~~المتجادلين ( خطابه مع الآخر وإقباله عليه ، وتأمله لما يأتي به ، وترك قطع ~~كلامه ، والصياح في وجهه والحدة ) عليه ( والفخر عليه والإخراج له عما عليه ~~، واستصغاره . ومقام التعليم تارة بالعنف وتارة باللطف ، وينبغي أن لا يغتر ~~بخطإ الخصم ، وأن يحترز من PageV04P385 حيلته ، وأن لا يعتاد الخوض في ~~الشغب فيحرم الإصابة ، ويستروح إليه ، مع أنه لا يسلم من الانقطاع إلا من ~~عصمه الله تعالى ، وليس حد العالم كونه حاذقا في الجدل ، فإنه صناعة ، ~~والعلم مادته فالمجادل يحتاج إلى العالم ، ولا عكس ) أي لا يحتاج العالم ~~إلى المجادل . ( و ) ينبغي ( أن لا يتكلم في المجالس التي لا إنصاف فيها ) ~~قال في الواضح : PageV04P386 # | فصل # قال العلماء : احذر الكلام في مجالس الخوف ، فإن الخوف يذهل العقل الذي ~~منه يستمد المناظر حجته ، ويستقي منه الرأي في دفع شبهات الخصم ، وإنما ~~يذهله ويشغله بطلبه حراسة نفسه ، التي هي أهم من مذهبه ودليل مذهبه ، ~~فاجتنب مكالمة من تخاف ، فإنها مميتة للخواطر ، مانعة من التثبت ، واحذر ~~مكالمة من اشتد بغضك إياه ، فإنها داعية إلى الضجر والغضب ، من قلة ما يكون ~~منه والضجر ، والغضب مضيق للصدر ، ومضعف لقوى العقل ، PageV04P387 واحذر ~~المحافل التي لا إنصاف فيها في التسوية بينك وبين خصمك في الإقبال ~~والاستماع ، ولا أدب لهم يمنعهم من الشرع إلى الحكم عليك ، ومن إظهار ~~العصبية لخصمك . والاعتراض يخلق الكلام ، ويذهب بهجة المعاني بما ms586 يلجأ إليه ~~من كثرة الترداد . ومن ترك الترداد مع الاعتراض : انقطع كلامه وبطلت معانيه ~~، واحذر استصغار خصمك ، فإنه يمنع من التحفظ ، ويثبط عن المغالبة ، ولعل ~~الكلام يحكى فيعتد عليك بالتقصير ، واحذر كلام من لا يفهم عنك ، فإنه يضجرك ~~ويغضبك إلا أن يكون له غريزة صحيحة ، ويكون الذي بطأ به عن الفهم فقد ~~الاعتياد ، فهذا خليل مسترشد فعلمه ، وليس بخصم فتجادله وتنازعه . وقدر في ~~نفسك الصبر والحلم لئلا تستفزك بغتات PageV04P388 الإغضاب ، فلو لم يكن في ~~الحلم خاصة تجتلب ، لكانت معونة على المناظرة توجب إضافته إليها ، ومع هذا ~~فليس يسلم أحد من الانقطاع إلا من قرنه الله - تعالى - بالعصمة من الزلل ، ~~وليس حد العالم : أن يكون حاذقا بالجدل ، فالعلم بضاعة ، والجدل صناعة ، ~~إلا أن مادة الجدل والمجادل تحتاج إلى العالم ، والعالم لا يحتاج في علمه ~~إلى المجادل ، كما يحتاج المجادل في جدله إلى العالم . وليس حد الجدل ~~بالمجادلة : أن لا ينقطع المجادل أبدا ، أو لا يكون منه انقطاع كثير إذا ~~كثرت مجادلته . ولكن المجادل : من كان طريقه في الجدل محمودا ، وإن ناله ~~الانقطاع لبعض الآفات التي تعرف . ثم قال : PageV04P389 صفحة فارغة ~~PageV04P390 # | فصل فيما يجب على الخصمين في الجدل # اعلم أنه يجب لكل واحد منهما على صاحبه مثل الذي يجب للآخر عليه من ~~الإجمال في خطابه ، وترك التقطيع لكلامه ، والإقبال عليه ، وترك الصياح في ~~وجهه ، والتأمل لما يأتي به ، والتجنب للحدة والضجر عليه ، وترك الحمل له ~~على جحد الضرورة ، إلا من حيث يلزمه ذلك بمذهبه ، وترك الإخراج له عن الحد ~~الذي ينبغي أن يكون عليه في السؤال أو الجواب ، وترك الاستصغار له ، ~~والاحتقار لما يأتي به ، إلا من حيث تلزمه الحجة إياه ، والتنبه له على ذلك ~~إن بدر منه ، أو مناقضته إن PageV04P391 ظهرت في كلامه ، وأن لا يمانعه ~~العبارة إذا أدت المعنى . وكان الغرض إنما هو في المعنى دون العبارة ، وأن ~~لا يخرج في عبارته عن العادة ، وأن لا يدخل في كلامه ما ليس منه ، ولا ~~يستعمل ما يقتضي التعدي على خصمه ، والتعدي ms587 خروجه عما يقتضيه السؤال ~~والجواب ولا يمنعه البناء على أمثلة ، ولا يشنع ما ليس بشنيع في مذهبه ، أو ~~يعود عليه من الشناعة مثله ، ولا يأخذ عليه شرف المجلس للاستظهار عليه ولا ~~يستعمل الإبهام بما يخرج عن حد الكلام . ثم قال : PageV04P392 # | فصل في ترتيب الخصوم في الجدل # اعلم أنه لا يخلو الخصم في الجدل من أن يكون في طبقة خصمه ، أو أعلى أو ~~أدون فإن كان في طبقته : كان قوله له : الحق في هذا كذا دون كذا من قبل كيت ~~وكيت ، ولأجل كذا وعلى الآخر : أن يتحرى له الموازنة في الخطاب . فذلك أسلم ~~للقلوب ، وأبقى لشغلها عن ترتيب النظر فإن التطفيف في الخطاب يعمي القلب عن ~~فهم السؤال والجواب . وإن كان أعلى فليتحر ، ويجتنب القول له : هذا خطأ ، ~~أو غلط ، أو ليس كما تقول ، بل يكون قوله له : أرأيت إن PageV04P393 قال ~~قائل يلزم على ما ذكرت كذا ؟ وإن اعترض على ما ذكرت معترض بكذا . فإن نفوس ~~الكرام الرؤساء المقدمين تأبى خشونة الكلام ؛ إذ لا عادة لهم بذلك ، وإذا ~~نفرت النفوس عميت القلوب ، وجمدت الخواطر وانسدت أبواب الفوائد ، فحرمت كل ~~الفوائد ، بسفه السفيه ، وتقصير الجاهل في حقوق الصدور ، وقد أدب الله ~~تعالى أنبياءه في خطابهم للرؤساء من أعدائه ، فقال لموسى وهارون عليهما ~~الصلاة والسلام في حق فرعون { فقولا له قولا لينا } . سمعت بعض المشايخ في ~~علوم القرآن ، يقول : صفة هذا القول اللين في قوله تعالى { اذهب إلى فرعون ~~إنه طغى فقل هل لك إلى أن تزكى } وما ذاك إلا مراعاة لقلبه ، حتى لا ينصرف ~~بالقول الخشن عن فهم PageV04P394 الخطاب ، فكيف برئيس تقدم في العلم تطلب ~~فوائده ، وترجو الخير في إيراده ، وما تسنح له خواطره ؟ فأحرى بنا أن نذلل ~~له العبارة ، ونوطئ له جانب الجدل ، لتنهال فوائده انهيالا وفي الجملة ~~والتفصيل : الأدب معيار العقول ومعاملة الكرام ، وسوء الأدب مقطعة للخير ~~ومدمغة للجاهل ، فلا تتأخر إهانته ، ولو لم يكن إلا هجرانه وحرمانه ، وأما ~~الأدون فيكلم بكلام لطيف ، إلا أنه يجوز أن يقال له ، إذا ms588 أتى بالخطإ : هذا ~~خطأ . وهذا غلط من قبل كذا ليذوق مرارة سلوك الخطإ فيجتنبه ، وحلاوة الصواب ~~فيتبعه . ورياضة هذا واجبة على العلماء ، وتركه سدى مضرة له ، فإن عود ~~الإكرام الذي يستحقه الأعلى طبقة : أخلد إلى خطئه ، ولم PageV04P395 يزغه ~~عن الغلط وازع ، ومقام التعليم والتأديب تارة بالعنف ، وتارة باللطف ، ~~وسلوك أحدهما يفوت فائدة الآخر ، قال الله - سبحانه وتعالى - { وأما السائل ~~فلا تنهر } وقيل في التفسير : إنه السائل في العلوم دون سؤال المال ، وقيل ~~: هو عام فيهما ، والله تعالى أعلم . PageV04P396 # | ( باب ) ( الاستدلال ) # من جملة الطرق المفيدة للأحكام ، ولهذا ذكر عقب الأدلة الأربعة ، وهي : ~~الكتاب ، والسنة ، والإجماع ، والقياس ، وهو ( لغة : طلب الدليل ، واصطلاحا ~~) أي في اصطلاح الفقهاء ( هنا إقامة دليل ليس بنص ولا إجماع ولا قياس شرعي ~~، فدخل ) القياس ( الاقتراني ، وهو ) قياس ( مؤلف من قضيتين متى سلمتا ) أي ~~القضيتين من معارض ( لزم عنهما لذاتهما PageV04P397 قول آخر ) أي قضية أخرى ~~نتيجة لهما ، كقولنا : العالم متغير ، وكل متغير حادث ، فيلزم منه أن ~~العالم حادث ، وكما يقال : هذا حكم دل عليه القياس ، وكل ما دل عليه القياس ~~فهو حكم شرعي فهذا حكم شرعي . وكما يقال : ما ذكرته معارض بالإجماع وكل ~~معارض بالإجماع باطل ، فما ذكرته باطل وقس على ذلك . ( و ) دخل فيه أيضا ~~القياس ( الاستثنائي ) ويكون في الشرطيات ( وهو ما تذكر فيه النتيجة أو ~~نقيضها ) أي نقيض النتيجة PageV04P398 ففي المتصلات كما يقال : إن كان هذا ~~إنسانا فهو حيوان ، لكنه ليس بحيوان ينتج أنه ليس بإنسان ، أو أنه إنسان ، ~~ينتج أنه حيوان ، فاستثناء عين الأول ينتج عين الثاني ، واستثناء نقيض ~~الثاني ينتج نقيض المقدم ، وعين الثاني لا ينتج عين الأول ، لاحتمال كونه ~~عاما ، ولا يلزم من إثبات العام إثبات الخاص ، كما في المثال المذكور . فإن ~~الحيوان لا يستلزم وجود الإنسان ، وكذا نقيض الإنسان لا يستلزم نقيض ~~الحيوان ؛ لوجوده في الفرس وفي المنفصلات ، كما يقال : العدد إما زوج أو ~~فرد ، لكنه زوج ينتج أنه ليس بفرد ، أو فرد ، ينتج أنه ليس بزوج . مثاله في ~~الشرعيات : الضب إما حلال ms589 أو حرام ، لكنه حلال ؛ لأنه أكل على مائدة النبي ~~صلى الله عليه وسلم فليس بحرام . PageV04P399 مثال آخر : صيد المحرم إما ~~حلال أو حرام ، لكنه حرام ؛ لأنه نهي عنه ، فليس بحلال . ( و ) دخل فيه ~~أيضا ( قياس العكس وهو ما يستدل به على نقيض المطلوب ، ثم يبطل ، فيصح ~~المطلوب ) نحو قوله تعالى { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا } فإنه استدل على حقيقة القرآن بإبطال نقيضه . وهو وجدان الاختلاف ~~فيه قال المحلي : يدخل فيه قياس العكس ، وهو إثبات عكس حكم شيء لمثله ~~لتعاكسهما في العلة كما تقدم في حديث مسلم { أيأتي أحدنا شهوته وله فيها ~~أجر ؟ قال : أرأيتم لو وضعها في حرام ، أكان عليه وزر ؟ } . انتهى . ~~PageV04P400 ( ونحو : وجد السبب فثبت الحكم و ) نحوه ( وجد المانع ) فانتفى ~~الحكم ( أو فات الشرط فانتفى ) الحكم ( دعوى دليل لا نفسه ) أي لا نفس ~~الدليل إذا اقتصر على إحدى المقدمتين ، اعتمادا على شهرة الأخرى ، كقولنا ' ~~وجد السبب فثبت الحكم ' فإنه ينتج مع مقدمة أخرى مقدرة وهي قولنا : وكل سبب ~~إذا وجد وجد الحكم ، فلم تذكر لظهورها ، كما في قوله - سبحانه وتعالى - { ~~لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } فإن حصول النتيجة منه يتوقف على مقدمة ~~أخرى ظاهرة تقديرها : وما فسدتا وقد اختلف في هذا ، فالأكثر : على أنه دعوى ~~دليل ، وليس بدليل فإنا إذا قلنا : وجد السبب ، أو قلنا : وجد المقتضي ، ~~معناه الدليل . ولم يقم على وجوده دليل ، واختار ابن حمدان وجمع : أنه دليل ~~فإنه يلزم من ثبوته ثبوت المطلوب ، PageV04P401 وعلى هذا القول قيل : إنه ~~استدلال مطلق ؛ لانطباق الحد عليه ، وقيل : إن ثبت وجود السبب أو المانع ، ~~أو فقد الشرط ، يعني النص والإجماع والقياس . وإلا فهو من قبيل ما ثبت به ~~قال الكوراني : هذا مختار المحققين ؛ لأنه يقال : هذا حكم وجد سببه . وكل ~~ما وجد سببه فهو موجود فكبرى القياس - وهي قولنا : كل ما وجد سببه فهو ~~موجود - قطعية ، لا يخالف فيها أحد . PageV04P402 # | ( فصل ) # ( الاستصحاب ) مبتدأ ( وهو ) أي الاستصحاب ( التمسك بدليل عقلي ، أو ) ~~بدليل ( شرعي ms590 لم يظهر عنه ناقل مطلقا : دليل ) خبر الاستصحاب وكون ~~الاستصحاب دليلا : هو الصحيح PageV04P403 وحقيقة استصحاب الحال : التمسك ~~بدليل عقلي تارة يكون بحكم دليل العقل ، كاستصحاب حال البراءة الأصلية ، ~~فإن العقل دليل على براءتها وعدم توجه الحكم إلى المكلف ، وتارة يكون ~~الاستصحاب بحكم الدليل الشرعي ، كاستصحاب حكم العموم والإجماع إلى أن يظهر ~~دليل ناقل عن حكم الدليل المستصحب فيجب المصير إليه كالبينة الدالة على شغل ~~الذمة ، وتخصيص العموم ونحو ذلك . والمعنى : إذا كان حكما موجودا وهو يحتمل ~~أن يتغير ، فالأصل بقاؤه ونفي ما يغيره ومنه استصحاب العدم الأصلي ، وهو ~~الذي عرف بالعقل انتفاؤه ، وأن العدم الأصلي باق على حاله كالأصل : عدم ~~وجوب صلاة سادسة ، وصوم شهر غير رمضان فلما لم يرد السمع PageV04P404 بذلك ~~حكم العقل بانتفائه لعدم المثبت له ، ومنه استصحاب حكم دل الشرع على ثبوته ~~ودوامه ، لوجود سببه ، كالملك عند حصول السبب وشغل الذمة عن قرض أو إتلاف . ~~فهذا - وإن لم يكن حكما أصليا - فهو حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه ، جميعا ~~، ولولا أن الشرع دل على دوامه إلى أن يوجد السبب المزيل والمبرئ لما زال ~~استصحابه . PageV04P405 وقيل : ليس الاستصحاب بدليل ، وقيل : يشترط في كونه ~~دليلا أن لا يعارضه ظاهر ، لكن متى قدم الظاهر على الأصل كان تقديمه لمرجح ~~من خارج ينضم إليه ( وليس استصحاب حكم الإجماع في محل الخلاف حجة ) عند ~~الأكثر وخالف جمع في ذلك . PageV04P406 ووجه اختيار الأكثر : أنه يؤدي إلى ~~التكافؤ في الأدلة ؛ لأنه ما من أحد يستصحب حالة الإجماع في موضع الخلاف ~~إلا ولخصمه أن يستصحب حالة الإجماع في مقابله . مثاله : لو قال المستدل في ~~مسألة التيمم قيل : أجمعوا على أن رؤية الماء في غير الصلاة تبطل تيممه ، ~~فكذا في الصلاة قيل : أجمعوا على صحة تحريمته فمن أبطله لزمه الدليل . ~~وجوابه : بمنع التكافؤ ، وإن تعارضا . واحتج له أيضا بالقياس على قول ~~الشارع ، وأجاب بما معناه : أنه لا يجوز استصحاب حكم الدليل في الحالة ~~الثانية ، إلا أن يتناولها الدليل . PageV04P407 ( ويجوز تعبد نبي بشريعة ~~نبي قبله عقلا ) ؛ لأنه ms591 ليس بمحال ، ولا يلزم منه محال ، وهذا على الصحيح ~~ومنعه بعضهم لعدم الفائدة ، ورد بأن فائدته إحياؤها ولعل فيه مصلحة ( ولم ~~يكن نبينا ) محمد صلى الله عليه وسلم ( قبل البعثة على ما كان عليه قومه ) ~~عند أئمة الإسلام . كما تواتر عنه ، قال الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه : ~~من زعمه فقول سوء . انتهى . قال في نهاية المبتدئين : ولم يكن على دين قومه ~~قبل PageV04P408 البعثة ، بل ولد مسلما مؤمنا . قاله ابن عقيل وقيل : بل ~~على دين قومه ، حكاه ابن حامد عن بعضهم ، وهو غريب بعيد . انتهى . قال في ~~شرح التحرير : قلت الذي يقطع به : أن هذا القول خطأ . قال ابن عقيل : لم ~~يكن قبل البعثة على دين سوى الإسلام ، ولا كان على دين قومه قط . بل ولد ~~مؤمنا نبيا صالحا على ما كتبه الله تعالى وعلمه من حاله وخاتمته لا بدايته ~~( بل كان متعبدا صلى الله عليه وسلم بشرع من كان قبله مطلقا ) أي من غير ~~تعيين أحد منهم بعينه ، وهذا الصحيح من المذهب ، اختاره الأكثر من أصحابنا ~~، وأومأ إليه أحمد وذكره القاضي عن الشافعية ؛ لأن كل واحد من النبيين قبله ~~دعا إلى PageV04P409 شرعه كل المكلفين ، والنبي صلى الله عليه وسلم واحد ~~منهم فتناوله عموم الدعوة ، وقيل : بل بشرع معين منهم فقيل : آدم أو نوح أو ~~إبراهيم ، اختاره ابن عقيل والمجد والبغوي وابن كثير وجمع ، أو موسى أو ~~عيسى . ومنعه الحنفية والمالكية والباقلاني وأبو الحسين ، وذكر بعض أصحابنا ~~عن الأكثر : كونه متعبدا قبل PageV04P410 البعثة بشرع مطلقا ؛ لاستحالته ~~عقلا عند المعتزلة ؛ لما فيه من التنفير عنه ، وشرعا عند الباقلاني والرازي ~~والآمدي إذ لو كان لنقل ، ولتداولته الألسنة . واستدل من قال : إنه كان ~~متعبدا بشريعة من قبله : بما في مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها { أنه ~~كان يتحنث - أي يتعبد - في غار حراء } وفي البخاري أيضا { كان يتحنث بغار ~~حراء } رد بأن معناه : التفكر والاعتبار ، ولم يثبت عنه عبادة PageV04P411 ~~صوم ونحوه ، ثم فعله من قبل نفسه تشبها بالأنبياء . رد بالمنع ( وتعبده ) ~~أي ms592 النبي صلى الله عليه وسلم ( أيضا به ) أي بشرع من قبله ( بعدها ) أي بعد ~~البعثة على الصحيح ( ف ) على هذا ( هو ) أي شرع من قبلنا ( شرع لنا ما لم ~~ينسخ ) عند أكثر العلماء PageV04P412 ( ومعناه في قول : أنه موافق ، لا ~~متابع ) قال القاضي : من حيث صار شرعا لنبينا ، لا من حيث صار شرعا لمن ~~قبله قال البرماوي : على معنى أنه موافق لا متابع وذكر القاضي أيضا وأبو ~~محمد البغدادي : أنه شرع لم ينسخ ، فيعمنا لفظا ، وقال الشيخ تقي الدين : ~~عقلا ، لتساوي الأحكام ، وهو الاعتبار المذكور في قصصهم فيعمنا حكما . ( ~~ويعتبر في قول ) للقاضي وابن عقيل وغيرهما ( ثبوته قطعا ) قال القاضي : ~~وإنما يثبت كونه شرعا لهم [ بدليل ] مقطوع به : إما بكتاب ، أو بخبر الصادق ~~، أو بنقل PageV04P413 متواتر . فأما الرجوع إليهم ، أو إلى كتبهم : فلا ، ~~وقد أومأ أحمد إلى هذا ، ومعناه لابن حمدان . فقال : كان هو وأمته متعبدين ~~بشرع من تقدم بالوحي إليه في الكل أو البعض ، لا من كتبهم المبدلة ، ونقل ~~أربابها ، ما لم ينسخ وقال الشيخ تقي الدين وغيره : ويثبت أيضا بأخبار ~~الآحاد عن نبينا صلى الله عليه وسلم . وقيل : نقل عن أحمد نفي التعبد قبل ~~البعثة ، وكون شرع من قبلنا شرعا لنا ، PageV04P414 ووجه القول الأول : ~~قوله تعالى { فبهداهم اقتده } رد ، أراد الهدى المشترك ، وهو التوحيد ~~لاختلاف شرائعهم ، والعقل هاد إليه ، ثم أمر باتباعه بأمر مجدد لا ~~بالاقتداء . أجيب : الشريعة من الهدى ، وقد أمر بالاقتداء ، وإنما يعمل ~~بالناسخ ، كشريعة واحدة ، قال مجاهد لابن عباس ' أأسجد ؟ في ص ؟ فقرأ هذه ~~الآية ، وقال : نبيكم صلى الله عليه وسلم ممن أمر أن يقتدي بهم ' رواه ~~البخاري . PageV04P415 وأيضا قوله تعالى { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة ~~إبراهيم } رد ، أراد التوحيد ؛ لأن الفروع ليست ملة ولهذا لم يبحث عنها ~~أجيب : الفروع من الملة تبعا ، كملة نبينا ؛ لأنها دينه عند عامة المفسرين ~~. قال ابن الجوزي : هو الظاهر . وذكره البغوي عن الأصوليين . وقد أمرنا ~~باتباعها مطلقا ، وكذا قوله تعالى { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } وفي ms593 ~~صحيح مسلم من حديث أنس وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما { من نسي صلاة ~~فليصلها إذا ذكرها فإن الله PageV04P416 تعالى قال : { وأقم الصلاة لذكري } ~~وهو خطاب لموسى عليه الصلاة والسلام } . وسياقه وظاهره : أنه احتج به ؛ لأن ~~أمته أمرت موسى . واستدل بتعبده به قبل بعثته ، والأصل بقاؤه وبالاتفاق على ~~الاستدلال بقوله سبحانه وتعالى { النفس بالنفس } وبرجوعه صلى الله عليه ~~وسلم إلى التوراة في الرجم . ( والاستقراء بالجزئي على الكلي ) الذي هو أحد ~~أصناف PageV04P417 الاستدلال نوعان . أحدهما : استقراء تام . وهو ما أشير ~~إليه بقوله ( إن كان ) أي الاستقراء ( تاما ) أي بالكلي ( إلا صورة النزاع ~~، ف ) هو ( قطعي ) عند الأكثر ، وحد هذا : بأنه إثبات حكم في جزئي لثبوته ~~في الكلي نحو : كل جسم متحيز . فإنا استقرأنا جميع جزئيات الجسم فوجدناها ~~منحصرة في الجماد والنبات والحيوان ، وكل من ذلك متحيز فقد أفاد هذا ~~الاستقراء الحكم يقينا في كلي ، وهو PageV04P418 الجسم الذي هو مشترك بين ~~الجزئيات . فكل جزئي من ذلك الكلي يحكم عليه بما حكم به على الكلي ، إلا ~~صورة النزاع . فيستدل بذلك على صورة النزاع ، وهو مفيد للقطع ، فإن القياس ~~المنطقي مفيد للقطع عند الأكثر . النوع الثاني : استقراء ناقص ، وهو ما ~~أشير إليه بقوله ( أو ) إن كان ( ناقصا ) أي بأن يكون الاستقراء ( بأكثر ~~الجزئيات ) لإثبات الحكم الكلي المشترك بين جميع الجزئيات ، بشرط أن لا ~~تتبين العلة المؤثرة في الحكم ( ويسمى ) هذا عند الفقهاء ( إلحاق الفرد ~~بالأعم الأغلب ، ف ) هو ( ظني ) ويختلف فيه الظن باختلاف الجزئيات . فكلما ~~كان الاستقراء في أكثر كان أقوى ظنا PageV04P419 ( وكل ) من النوعين ( حجة ~~) أما الأول : فبالاتفاق ، وأما الثاني : فعند صاحب الحاصل والبيضاوي ~~والهندي ، وبعض أصحابنا وغيرهم . كقول المستدل : الوتر يفعل راكبا فليس ~~واجبا ، لاستقراء الواجبات : الأداء والقضاء من الصلوات الخمس فلم نر شيئا ~~منها يفعل راكبا . والدليل على أنه يفيد الظن : أنا إذا وجدنا صورا كثيرة ~~داخلة تحت نوع ، واشتركت في حكم ، ولم نر شيئا مما يعلم أنه منها : خرج عن ~~ذلك الحكم ، أفادتنا تلك الكثرة قطعا عن ظن الحكم بعدم ms594 أداء الفرض راكبا في ~~مثالنا هذا من صفات ذلك النوع ، وهو الصلاة الواجبة ، وإذا كان ذلك مفيدا ~~للظن ، كان العمل به واجبا . ومن شواهد وجوب العمل بالظن : ما في الصحيح من ~~PageV04P420 حديث أم سلمة مرفوعا { إنما أنا بشر ، وإنكم تختصمون إلي ولعل ~~بعضكم ألحن بحجته من بعض ، فأحسب أنه صدق فأقضي له بذلك فمن قضيت له بحق ~~مسلم ، فإنما هي قطعة من النار ، فليأخذها أو ليتركها } ثم اعلم أن ~~الاستدلال إما بالجزئي على الكلي ، وهو الاستقراء ، أو بالكلي على الجزئي ، ~~وهو القياس ، أو بالجزئي على الجزئي ، وهو التمثيل ، أو بالكلي على الكلي ، ~~وهو قياس أو تمثيل . PageV04P421 ( وقول صحابي على ) صحابي ( مثله ليس بحجة ~~) عليه اتفاقا ، ونقل ابن عقيل : الإجماع على ذلك ، وزاد : ولو كان أعلم أو ~~إماما ، أو حاكما ( و ) قول صحابي ( على غيره ) تارة ينتشر وتارة لا ينتشر ~~( فإن انتشر ولم ينكر : فسبق ) في الإجماع السكوتي ( وإلا ) أي وإن لم ~~ينتشر ( ف ) هو ( حجة مقدما على القياس ) عند الأئمة الأربعة وأكثر أصحابنا ~~، PageV04P422 وقيل : لا يكون حجة مقدما على القياس إلا إذا انضم إليه قياس ~~تقريب . فعلى الأول الذي هو الصحيح ( إن اختلف صحابيان فكدليلين ) تعارضا ~~على ما يأتي في باب التعارض PageV04P423 ( هذا إن وافق ) قول الصحابي ( ~~القياس ، وإلا ) أي وإن لم يوافق قول الصحابي القياس ( حمل على التوقيف ) ~~ظاهرا عند أحمد وأكثر أصحابه ، والشافعي والحنفية ، وابن الصباغ والرازي ~~قال البرماوي : وقد سبق أن الصحابي إذا قال ما لا يمكن أن يقوله عن اجتهاد ~~، بل عن توقيف : أنه يكون مرفوعا ، صرح به علماء الحديث والأصول . انتهى . ~~قال أبو المعالي : وبنينا عليه مسائل كتغليظ الدية PageV04P424 بالحرمات ~~الثلاث ، وخالف أبو الخطاب وابن عقيل ، وأكثر الشافعية ( ف ) على القول ~~الأول الذي هو الصحيح ( يكون ) قول الصحابي المحمول على التوقيف ( حجة حتى ~~على صحابي ) عندنا وقاله أبو المعالي ، فإن قيل : لو كان حديثا لرفعه إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم لئلا يكون كاتما للعلم قيل : لا يلزم إذا روى ذلك ~~وكان توقيفا : أن يصرح ms595 برفعه ، ويحتمل أنه نقله ولم يبلغنا ، أو ظن نقل ~~غيره له فاكتفى بذلك ( ويعمل به ) أي بقول الصحابي المحمول على التوقيف ( ~~وإن ) أي ولو ( عارض خبرا متصلا ) موافقا للقياس ؛ لأن PageV04P425 المحمول ~~على التوقيف لا تجري عليه أحكام القياس . ( ومذهب التابعي ليس بحجة ) ~~للتسلسل ( مطلقا ) أي سواء وافق القياس أو خالفه ، وذكره ابن عقيل محل وفاق ~~وقال : لا يخص به العموم ولا يفسر به ؛ لأنه ليس بحجة قال : وعنه جواز ذلك ~~، ثم ذكر قول أحمد رضي الله تعالى عنه ' لا يكاد يجيء شيء عن التابعين إلا ~~يوجد عن الصحابة ' . PageV04P426 # | ( فصل ) ( الاستحسان ) # ( قيل ) بالعمل ( به في مواضع ) قال ابن مفلح : أطلق أحمد القول به في ~~مواضع . انتهى . قال في شرح التحرير : قلت قال في رواية الميموني : أستحسن ~~أن يتيمم لكل صلاة . والقياس : أنه بمنزلة الماء حتى يحدث أو يجد الماء . ~~وقال في رواية بكر بن محمد ، فيمن غصب أرضا فزرعها ، الزرع لرب الأرض ، ~~وعليه النفقة ، وليس هذا بشيء يوافق القياس ، ولكن أستحسن أن يدفع ~~PageV04P427 إليه النفقة . انتهى . وقاله الحنفية . قال القاضي عبد الوهاب ~~المالكي : لم ينص عليه مالك ، وكتب أصحابنا مملوءة منه كابن القاسم ، وأشهب ~~PageV04P428 وغيرهما ، وقال الشافعي : أستحسن المتعة ثلاثين درهما ، وثبوت ~~الشفعة إلى ثلاثة ، وترك شيء من الكتابة ، وأن لا تقطع يمنى سارق أخرج يده ~~اليسرى فقطعت ، والتحليف على المصحف والأشهر عنه : إنكار استحسان وقاله ~~أصحابه ، وقال : من استحسن فقد شرع - بتشديد الراء - أي PageV04P429 نصب ~~شرعا على خلاف ما أمر الله سبحانه به ورسوله وأنكره على الحنفية ، وروي عن ~~أحمد أيضا : إنكاره ، فإنه قال : الحنفية تقول : نستحسن هذا وندع القياس ، ~~فندع ما نزعمه الحق بالاستحسان ، وأنا أذهب إلى كل حديث جاء ، ولا أقيس ~~عليه قال القاضي : هذا يدل على إبطاله ، وقال أبو الخطاب : أنكر ما لا دليل ~~له ، قال : ومعنى ' أذهب إلى ما جاء ولا أقيس ' أي أترك القياس بالخبر ، ~~وهو الاستحسان بالدليل ، وأول أصحاب الشافعي كلام الشافعي بأنه إنما قال ~~ذلك PageV04P430 بدليل ، لكنه سماه استحسانا ؛ لأنه عده حسنا . ( وهو ms596 لغة ) ~~أي في عرف أهل اللغة ( اعتقاد الشيء حسنا ) ( و ) الاستحسان ( عرفا ) أي في ~~عرف الأصوليين ( العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل شرعي ) خاص بتلك ~~المسألة PageV04P431 قال الطوفي : مثاله قول أبي الخطاب في مسألة العينة : ~~وإذا اشترى ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن الأول : لم يجز استحسانا ~~وجاز قياسا ، فالحكم في نظائر هذه المسألة من الربويات : الجواز ، وهو ~~القياس ، لكن عدل بها عن نظائرها بطريق الاستحسان ، فمنعت . وحاصل هذا يرجع ~~إلى تخصيص الدليل بدليل أقوى منه في نظر المجتهد ، وحده بعض الحنفية بأنه ~~دليل ينقدح في نفس المجتهد يعجز عن التعبير عنه ، قال في الروضة : ما لا ~~يعبر عنه لا يدرى : أوهم أو تحقيق ؟ . ( والمصالح المرسلة : إثبات العلة ~~بالمناسبة وسبق ) ذلك PageV04P432 في المسلك الرابع من مسالك العلة ، وذلك ~~إن شهد الشرع باعتبارها ، كاقتباس الحكم من معقول دليل شرعي ، فقياس ، أو ~~بطلانها كتعيين الصوم في كفارة وطء رمضان على الموسر كالملك ونحوه فلغو ، ~~قال بعض أصحابنا : أنكرها متأخرو أصحابنا من أهل الأصول والجدل ، وابن ~~الباقلاني وجماعة من المتكلمين ، وقال بها مالك والشافعي في قول قديم ، ~~وحكي عن أبي PageV04P433 حنيفة . ( وتسد ) بالبناء للمفعول ( الذرائع ) جمع ~~ذريعة ( وهي ) أي الذريعة ( ما ) أي شيء من الأفعال ، أو الأقوال ( ظاهره ~~مباح ، ويتوصل به إلى محرم ) ومعنى سدها : المنع من فعلها لتحريمه وأباحه ~~أبو حنيفة والشافعي قال في المغني والحيل كلها محرمة لا تجوز في شيء ~~PageV04P434 من الدين ، وهو أن يظهرا عقدا مباحا يريدان به محرما ، مخادعة ~~وتوسلا إلى فعل ما حرم الله تعالى ، واستباحة محظوراته ، أو إسقاط واجب ، ~~أو دفع حق ، ونحو ذلك قال أيوب السختياني رحمه الله تعالى ' إنهم ليخادعون ~~الله تعالى كما يخادعون صبيا لو كانوا يأتون الأمر على وجهه كان أسهل علي ' ~~فمن ذلك ما لو كان لرجل عشرة صحاحا ، ومع آخر خمس عشرة مكسرة ، فاقترض كل ~~واحد منهما ما مع صاحبه ، ثم تباريا توصلا إلى بيع الصحاح بالمكسرة متفاضلا ~~، أو باعه الصحاح بمثلها من المكسرة ، ثم وهبه الخمسة PageV04P435 الزائدة ms597 ~~، أو اشترى منه بها أوقية صابون ، ونحوها مما يأخذه بأقل من قيمته ، أو ~~اشترى منه بعشرة إلا حبة من الصحيح بمثلها من المكسرة أو اشترى منه بالحبة ~~الباقية ثوبا قيمته خمسة دنانير ، وهكذا لو أقرضه شيئا وباعه سلعة بأكثر من ~~قيمتها ، أو اشترى منه سلعة بأقل من قيمتها توصلا إلى أخذ عوض عن القرض ، ~~فكل ما كان من هذا على وجه الحيلة : فهو خبيث محرم ، وبهذا قال مالك ، وقال ~~أبو حنيفة والشافعي : هذا كله وأشباهه جائز ، إذا لم يكن مشروطا في العقد ، ~~PageV04P436 وقال بعض أصحاب الشافعي : يكره أن يدخلا في البيع على ذلك ؛ ~~لأن كل ما لا يجوز شرطه في العقد يكره أن يدخلا عليه ، ثم قال الموفق ، ~~ولنا : أن الله - سبحانه وتعالى - عذب أمة بحيلة احتالوها فمسخهم قردة ~~وسماهم معتدين ، وجعل ذلك نكالا وموعظة للمتقين ليتعظوا بهم ، ويمتنعوا من ~~مثل أفعالهم . PageV04P437 صفحة فارغة PageV04P438 # | ( فوائد ) # تشتمل على جملة من قواعد الفقه تشبه الأدلة وليست بأدلة ، لكن ثبت ~~مضمونها بالدليل ، وصارت يقضى بها في جزئياتها ، كأنها دليل على ذلك الجزئي ~~، فلما كانت كذلك ناسب ذكرها في باب الاستدلال إذا تقرر هذا فاعلم أن ( من ~~أدلة الفقه : أن لا يرفع يقين بشك ) ومعنى ذلك : أن الإنسان متى تحقق شيئا ~~، ثم شك : هل زال ذلك الشيء المتحقق أم لا ؟ الأصل بقاء المتحقق ~~PageV04P439 فيبقى الأمر على ما كان متحققا ؛ لحديث عبد الله المازني { شكي ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم : الرجل يخيل إليه : أنه يجد الشيء في الصلاة ~~؟ قال : لا ينصرف ، حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا } PageV04P440 متفق عليه ~~ولمسلم { إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه : أخرج منه شيء أم لا ؟ ~~فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا } فلو شك في امرأة هل ~~تزوجها أم لا ؟ لم يكن له وطؤها ، استصحابا لحكم التحريم إلى أن يتحقق ~~تزوجه بها اتفاقا ، وكذا لو شك : هل طلق زوجته أم لا ؟ لم تطلق زوجته وله ~~أن يطأها حتى يتحقق الطلاق استصحابا للنكاح . وكذا ms598 لو شك هل طلق واحدة أم ~~ثلاثا ؟ الأصل الحل ، وكذا لو تحقق الطهارة ، ثم شك في زوالها أو عكسه ، لم ~~يلتفت إلى الشك فيهما ، وفعل فيهما ما يترتب عليهما . وكذا لو شك في طهارة ~~الماء أو نجاسته ، أو أنه متطهر أو محدث ، أو شك في عدد الركعات أو الطواف ~~أو غير ذلك مما لا يحصر PageV04P441 ولا تختص هذه القاعدة بالفقه ، بل ~~الأصل في كل حادث عدمه ، حتى يتحقق كما نقول : الأصل انتفاء الأحكام عن ~~المكلفين ، حتى يأتي ما يدل على خلاف ذلك . والأصل في الألفاظ : أنها ~~للحقيقة وفي الأوامر : أنها للوجوب وفي النواهي : أنها للتحريم ، والأصل : ~~بقاء العموم حتى يتحقق ورود المخصص . والأصل : بقاء حكم النص حتى يرد ~~الناسخ . ولأجل هذه القاعدة : كان الاستصحاب حجة . ومما ينبني على هذه ~~القاعدة : أن لا يطالب بالدليل ؛ لأنه مستند على الاستصحاب ، كما أن المدعى ~~عليه في باب الدعاوى لا يطالب بحجة على براءة ذمته ، بل القول في الإنكار ~~قوله بيمينه . ( و ) من أدلة الفقه أيضا ( زوال الضرر بلا ضرر ) يعني ~~PageV04P442 أنه يجب إزالة الضرر من غير أن يلحق بإزالته ضرر . ويدل لذلك ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم { لا ضرر ولا ضرار } وفي رواية { ولا إضرار } ~~بزيادة همزة في أوله ، وألف بين الراءين وقد علل أصحابنا بذلك في مسائل ~~كثيرة . وهذه القاعدة فيها من الفقه ما لا حصر له ولعلها تتضمن PageV04P443 ~~نصفه . فإن الأحكام إما لجلب المنافع ، أو لدفع المضار ، فيدخل فيها دفع ~~الضروريات الخمس التي هي حفظ الدين ، والنفس والنسب ، والمال والعرض . وهذه ~~القاعدة ترجع إلى تحصيل المقاصد وتقريرها بدفع المفاسد أو تخفيفها ومما ~~يدخل في هذه القاعدة ' الضرورات تبيح المحظورات ' وهو ما أشير إليه بقوله ( ~~وإباحة المحظور ) يعني أن وجود الضرر يبيح ارتكاب المحظور ، أي المحرم ، ~~بشرط كون ارتكاب المحظور أخف من وجود الضرر ، ومن ثم جاز - بل وجب - أكل ~~الميتة عند المخمصة وكذلك إساغة اللقمة بالخمر وبالبول . وقتل المحرم الصيد ~~دفعا عن نفسه إذا صال عليه فإنه لا يضمن . ومنها ms599 العفو عن أثر الاستجمار ~~وغير ذلك مما لا حصر له . PageV04P444 ( و ) من أدلة الفقه أيضا : قول ~~الفقهاء ( المشقة تجلب التيسير ) ودليل ذلك : قوله - سبحانه وتعالى - { وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج } إشارة إلى ما خفف عن هذه الأمة من التشديد على ~~غيرهم ، من الإصر ونحوه ، وما لهم من تخفيفات أخر ، دفعا للمشقة كما قال ~~الله تعالى { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا } وكذا تخفيف الخمسين ~~صلاة في ليلة الإسراء إلى خمس صلوات وغير ذلك . وقد قال الله سبحانه وتعالى ~~{ يريد الله بكم اليسر } { يريد الله أن PageV04P445 يخفف عنكم } وقال في ~~صفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم { ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت ~~عليهم } وقال تعالى { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } وقال صلى الله عليه ~~وسلم { بعثت بالحنيفية السمحة } . ويدخل تحت هذه القاعدة : أنواع من الفقه ~~منها في العبادات : التيمم عند مشقة استعمال الماء على حسب تفاصيله ~~PageV04P446 في الفقه ، والقعود في الصلاة عند مشقة القيام ، وفي النافلة ~~مطلقا ، وقصر الصلاة في السفر ، والجمع بين الصلاتين ونحو ذلك ومن ذلك : ~~رخص السفر وغيرها ، ومن التخفيفات أيضا : أعذار الجمعة والجماعة ، وتعجيل ~~الزكاة ، والتخفيفات في العبادات والمعاملات والمناكحات والجنايات ، ومن ~~التخفيفات المطلقة : فروض الكفاية وسننها ، والعمل بالظنون لمشقة الاطلاع ~~على اليقين . ( و ) من أدلة الفقه أيضا : قول الفقهاء ( درء المفاسد أولى ~~من جلب المصالح ، ودفع أعلاها ) أي أعلى المفاسد ( بأدناها ) يعني أن الأمر ~~إذا دار بين درء مفسدة وجلب مصلحة ، كان درء المفسدة أولى من جلب المصلحة ، ~~وإذا دار الأمر أيضا بين درء إحدى مفسدتين ، وكانت إحداهما أكثر ~~PageV04P447 فسادا من الأخرى ، فدرء العليا منهما أولى من درء غيرها ، وهذا ~~واضح يقبله كل عاقل ، واتفق عليه أولو العلم . ( و ) من أدلة الفقه أيضا ( ~~تحكيم العادة ) وهو معنى قول الفقهاء ' إن العادة محكمة ' أي معمول بها ~~شرعا ؛ لحديث يروى عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه ، موقوفا عليه ~~وهو { ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن } ولقول ابن ms600 عطية في قوله ~~تعالى { خذ العفو وأمر بالعرف } : إن معنى العرف : كل ما عرفته النفوس مما ~~لا ترده الشريعة ، PageV04P448 قال ابن ظفر في الينبوع ' العرف ' ما عرفه ~~العقلاء بأنه حسن ، وأقرهم الشارع عليه وكل ما تكرر من لفظ ' المعروف ' في ~~القرآن نحو قوله سبحانه { وعاشروهن بالمعروف } فالمراد به ما يتعارفه الناس ~~في ذلك الوقت من مثل ذلك الأمر ومن ذلك : قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا ~~ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من ~~قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث ~~عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك ~~يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم } PageV04P449 فأمر بالاستئذان في ~~الأوقات التي جرت العادة فيها بالابتذال ووضع الثياب ، فابتنى الحكم الشرعي ~~على ما كانوا يعتادونه . ومنها قوله صلى الله عليه وسلم لهند { خذي ما ~~يكفيك وولدك بالمعروف } وقوله صلى الله عليه وسلم لحمنة بنت PageV04P450 ~~جحش { تحيضي في علم الله تعالى ستا أو سبعا ، كما تحيض النساء وكما يطهرن ~~لميقات حيضهن وطهرهن } رواه الترمذي وصححه الحاكم ، وحديث أم سلمة { أن ~~امرأة كانت تهراق الدم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فاستفتت لها أم ~~سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : لتنظر عدد الليالي والأيام ~~التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها ذلك فلتترك الصلاة } رواه أبو ~~داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما PageV04P451 ومن ذلك : ~~حديث حرام بن محيصة الأنصاري ، عن البراء بن عازب { أن ناقة البراء دخلت ~~حائطا فأفسدت فيه ، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم على أهل الحيطان حفظها ~~بالنهار ، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل } رواه أبو داود وصححه جماعة . ~~وهو أدل شيء على اعتبار العادة في الأحكام الشرعية ؛ إذ بنى النبي صلى الله ~~عليه وسلم التضمين على ما جرت به العادة وضابطه كل فعل رتب عليه الحكم ، ~~ولا ضابط له في الشرع ولا في اللغة ، كإحياء الموات ، والحرز في ms601 السرقة ، ~~والأكل PageV04P452 من بيت الصديق . وما يعد قبضا وإيداعا وإعطاء وهدية ~~وغصبا ، والمعروف في المعاشرة وانتفاع المستأجر بما جرت به العادة . وأمثال ~~هذه كثيرة لا تنحصر . ومأخذ هذه القاعدة وموضعها من أصول الفقه في قولهم ' ~~الوصف المعلل به قد يكون عرفيا ' أي من مقتضيات العرف وفي باب التخصيص في ~~تخصيص العموم بالعادة . ( و ) من أدلة الفقه أيضا ( جعل المعدوم كالموجود ~~احتياطا ) كالمقتول تورث عنه الدية . وإنما تجب بموته ولا تورث عنه إلا إذا ~~دخلت في ملكه ، فيقدر دخولها قبل موته . PageV04P453 ويلتحق بما تقدم : ~~قاعدة نقلها العلائي عن بعض الفضلاء . وهي أن ' إدارة الأمور في الأحكام ~~على قصدها ' ودليلها حديث عمر رضي الله تعالى عنه { إنما الأعمال بالنيات } ~~وربما أخذت من قوله تعالى { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } ~~؛ لأن أفعال العقلاء إذا كانت معتبرة ، فإنما تكون عن قصد . وأيضا : فقد ~~ذهب كثير من العلماء إلى أن أول الواجبات على PageV04P454 المكلف : القصد ~~إلى النظر الموصل إلى معرفة الله سبحانه وتعالى . فالقصد سابق دائما ، ~~وسواء في اعتبار التصديق في الأفعال : المسلم والكافر ، إلا أن المسلم يختص ~~بقصد التقرب إلى الله - سبحانه وتعالى - فلا تصح هذه النية من كافر ، بخلاف ~~نية الاستثناء ، والنية في الكنايات ونحو ذلك . وقد تكلم الحافظ العلامة ~~ابن رجب وغيره على حديث عمر كلاما شافيا منه : أن العلماء قد اختلفوا في ~~تقدير معناه فقال بعضهم : إنه من دلالة المقتضى ، وأنه لا بد من تقدير لصحة ~~هذا الكلام ، وأرباب هذا القول اختلفوا . فقال بعضهم : يقدر ' صحة ' ~~الأعمال بالنيات أو ' اعتبارها ' أو نحو ذلك وقيل : يقدر ' كمال ' الأعمال ~~بالنيات . وقال بعض المحققين : إنه ليس من دلالة المقتضى ، وإنه لا حاجة ~~إلى تقدير شيء أصلا ؛ لأن PageV04P455 الحقيقة الشرعية تنتفي بانتفاء ركنها ~~أو شرطها . فإذا لم يكن العمل بنية فهو صورة عمل لا عمل شرعي . فصح النفي ، ~~فلا حاجة لتقدير . وبالجملة : فمما تدخل فيه النية العبادات جميعها . ومنها ~~: الوضوء والتيمم والغسل عندنا والصلاة فرضها ونفلها ، عينها وكفايتها ، ~~والزكاة والصيام والاعتكاف ، والحج ms602 فرض الكل ونفله والأضحية والهدي ، ~~والنذور والكفارات ، والجهاد والعتق ، والتدبير والكتابة ، بمعنى أن حصول ~~الثواب في هذه المسائل الأربعة : يتوقف على قصد التقرب إلى الله تعالى ، ~~ويقال بل يسري هذا إلى سائر المباحات إذا قصد بها التقوي على طاعة الله ~~سبحانه وتعالى ، أو التوصل إليها كالأكل والنوم ، واكتساب المال ، والنكاح ~~والوطء فيه ، وفي الأمة إذا قصد بها الإعفاف ، أو تحصيل الولد الصالح ، أو ~~تكثير الأمة والله أعلم . PageV04P456 # | ( باب ) # في بيان أحكام المستدل ، وما يتعلق به من بيان الاجتهاد والمجتهد ~~والتقليد ، والمقلد ، ومسائل ذلك فنقول ( الاجتهاد ) افتعال من الجهد - ~~بالضم والفتح - وهو الطاقة والاجتهاد ( لغة ) أي في اللغة ( استفراغ الوسع ~~) أي غاية ما يقدر على استفراغه ( لتحصيل أمر شاق ) . PageV04P457 ( و ) ~~معناه ( اصطلاحا : استفراغ الفقيه ) أي ذو الفقه وتقدم حد الفقيه ، وهو قيد ~~مخرج للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه لا يسمى في العرف فقيها ، وللمقلد ( ~~وسعه ) بحيث تحس النفس بالعجز عن زيادة استفراغه ( لدرك حكم ) يسوغ فيه ~~الاجتهاد وهو الظني ( شرعي ) ليخرج العقلي والحسي ، ولم يقيده جماعة بذلك ~~للاستغناء عنه بذكر الفقيه ؛ لأن الفقيه لا يتكلم إلا في الشرعي ~~PageV04P458 وقال الآمدي : هو استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام ~~الشرعية على وجه يحس من النفس بالعجز عن المزيد عليه ( وشرط مجتهد : كونه ~~فقيها ، وهو ) أي الفقيه في الاصطلاح ( العالم بأصول الفقه ) أي بأن يكون ~~له قدرة على استخراج أحكام الفقه من أدلتها ( وما يستمد منه ) أي من أصول ~~الفقه ، PageV04P459 ويتضمن ذلك : أن يكون عنده سجية وقوة يقتدر بها على ~~التصرف بالجمع والتفريق والترتيب ، والتصحيح والإفساد ، فإن ذلك ملاك صناعة ~~الفقه ، قال الغزالي : إذا لم يتكلم الفقيه في مسألة لم يسمعها ، ككلامه في ~~مسألة سمعها ، فليس بفقيه ، والذي يستمد منه أصول الفقه : هو الكتاب والسنة ~~وما تفرع عنهما . ( و ) أن يكون عالما ب ( الأدلة السمعية مفصلة ، واختلاف ~~مراتبها ) وليس المراد : أن يعرف سائر آيات القرآن ، وجميع أحاديث السنة ، ~~وإنما المراد : ما يحتاج إلى معرفته ( فمن الكتاب والسنة : ما يتعلق ~~بالأحكام ) وقد ms603 ذكروا أن الآيات خمسمائة آية ، وكأنهم أرادوا ما هو مقصود ~~به الأحكام بدلالة المطابقة أما بدلالة الالتزام : فغالب القرآن ، بل كله ؛ ~~لأنه لا يخلو شيء منه عن حكم يستنبط منه ، PageV04P460 وليس المراد بعلمه ~~بذلك حفظه ، بل المراد أن يكون ( بحيث يمكنه استحضاره للاحتجاج به ، لا ~~حفظه ) يعني أنه لا يشترط في المجتهد حفظ ما يتعلق بالأحكام من الكتاب ، ~~حيث أمكنه استحضار ذلك عند إرادة الاحتجاج به ( و ) يشترط في المجتهد أيضا ~~أن يكون عالما ب ( الناسخ والمنسوخ منهما ) أي من الكتاب والسنة ، مما ~~يستدل به على تلك الواقعة التي يفتي فيها من آية أو حديث ، حتى لا يستدل به ~~إن كان منسوخا ، ولا يشترط أن يعرف جميع الناسخ والمنسوخ في جميع المواضع ( ~~و ) يشترط في المجتهد أيضا : أن يكون عالما ب ( صحة الحديث وضعفه ) سندا ~~ومتنا ، ليطرح الضعيف حيث لا يكون في فضائل الأعمال ، ويطرح الموضوع مطلقا ~~، وأن يكون عالما PageV04P461 بحال الرواة في القوة والضعف ، ليعلم ما ~~ينجبر من الضعف بطريق آخر ( ولو ) كان علمه بذلك ( تقليدا كنقله ) ذلك ( من ~~كتاب صحيح ) من كتب الحديث المنسوبة لأئمته كمالك وأحمد والبخاري ومسلم ~~وأبي داود والدارقطني والترمذي والحاكم وغيرهم ؛ لأنهم أهل المعرفة بذلك ، ~~فجاز الأخذ بقولهم ، كما يؤخذ بقول المقومين في القيم . ( و ) يشترط فيه ~~أيضا : أن يكون في علمه ( من النحو واللغة ما يكفيه فيما يتعلق بهما ) أي ~~بالنحو واللغة في كتاب الله سبحانه وتعالى ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ~~( من نص ، و ) من PageV04P462 ( ظاهر ، و ) من ( مجمل ، ومبين ، و ) من ( ~~حقيقة ومجاز ، و ) من ( أمر ، ونهي ، و ) من ( عام ، وخاص ، و ) من ( ~~مستثنى ومستثنى منه ، و ) من ( مطلق ، ومقيد ، و ) من ( دليل الخطاب ونحوه ~~) كفحوى الخطاب ولحنه ومفهومه ؛ لأن بعض الأحكام تتعلق بذلك ، ووقف عليه ~~توقفا ضروريا ، لقوله سبحانه وتعالى ' والجروح قصاص ' ؛ لأن الحكم يختلف ~~برفع ' الجروح ' ونصبها ، ولأن من لا يعرف ذلك لا يتمكن من استنباط الأحكام ~~من الكتاب والسنة ؛ لأنهما في الذروة العليا من مراتب الإعجاز . فلا ms604 بد من ~~معرفته أوضاع العرب ، بحيث يتمكن من PageV04P463 حمل كتاب الله سبحانه ~~وتعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم على ما هو الراجح من أساليب العرب ~~ومواقع كلامها ، ولو كان غيره من المرجوح جائزا في كلامهم . ( و ) يشترط ~~فيه أيضا : أن يكون عالما ب ( المجمع عليه والمختلف فيه ) حتى لا يفتي ~~بخلاف ما أجمع عليه ، فيكون قد خرق الإجماع ( و ) ب ( أسباب النزول ) قاله ~~ابن حمدان وغيره من أصحابنا وغيرهم في الآيات ، وأسباب قوله صلى الله عليه ~~وسلم في الأحاديث ؛ ليعرف المراد من ذلك وما يتعلق بهما من تخصيص أو تعميم ~~. ( و ) أن يكون عالما ب ( معرفة الله تعالى بصفاته الواجبة وما يجوز عليه ~~) - سبحانه وتعالى - ( و ) ما ( يمتنع ) عليه بأن يعلم أن PageV04P464 الله ~~- سبحانه وتعالى - حكيم ، عليم ، غني قادر ، وأن رسوله صلى الله عليه وسلم ~~معصوم عن الخطإ فيما شرعه ، وأن إجماع الأمة معصوم ، ولا تصح معرفته بذلك ~~من حال الباري - سبحانه وتعالى - إلا بعد معرفته بذاته وصفاته ، ولا تصح ~~معرفته بعصمة النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد معرفته بكونه نبيا ، ولا ~~تصح معرفته بعصمة الأمة حتى يعلم أنه يستحيل اجتماعهم على خطإ ، قال في ~~الواضح في صفة المفتي : وهو الذي يعرف بالأدلة العقلية النظرية حدوث العالم ~~، وأن له صانعا ، وأنه واحد ، وأنه على صفات واجبة له ، وأنه منزه عن صفات ~~المحدثين ، وأنه يجوز عليه إرسال الرسل ، وأنه قد أرسل رسلا بأحكام ~~PageV04P465 شرعها ، وأن صدقهم بما جاءوا به ثبت بما أظهره على أيديهم من ~~المعجزات . انتهى . ( و ) لا يشترط في المجتهد أن يكون عالما ب ( تفاريع ~~الفقه ) ؛ لأن المجتهد هو الذي يولدها ويتصرف فيها ، فلو كان ذلك شرطا فيها ~~للزم الدور ؛ لأنها نتيجة الاجتهاد فلا يكون الاجتهاد نتيجتها ( و ) لا ( ~~علم الكلام ) أي علم أصول الدين ، قاله الأصوليون ، لكن الرافعي قال : إن ~~الأصحاب عدوا من شروط الاجتهاد معرفة أصول العقائد قال البرماوي : والجمع ~~بين الكلامين ما أشار إليه الغزالي ، PageV04P466 حيث قال : وعندي أنه يكفي ~~اعتقاد جازم ، ولا يشترط ms605 معرفتها على طريقة المتكلمين بأدلتهم التي ~~يحررونها . انتهى . ( ولا ) يشترط فيه أيضا ( معرفة أكثر الفقه ) قال ابن ~~مفلح : واعتبر بعض أصحابنا وبعض الشافعية : معرفة أكثر الفقه والأشهر : لا ~~؛ لأنه نتيجته . انتهى . إذا تقرر هذا فما سبق من الشروط : ففي المجتهد ~~المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الشرع بما يؤديه إليه اجتهاده . ( و ) أما ~~( المجتهد في مذهب إمامه ) فهو ( العارف بمداركه ) أي مدارك مذهب إمامه ( ~~القادر على تقرير قواعده ، و ) على ( الجمع والفرق ) بين مسائله ، قال ابن ~~حمدان : وأما المجتهد في مذهب إمامه : PageV04P467 فنظره في بعض نصوص إمامه ~~وتقريرها ، والتصرف فيها ، كاجتهاد إمامه في نصوص الكتاب والسنة . انتهى . ~~ثم اعلم أن له أربع حالات الأولى : أن يكون غير مقلد لإمامه في الحكم ~~والدليل ، لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتوى . ودعا إلى مذهبه ، وقرأ ~~كثيرا منه على أهله ، فوجده صوابا ، وأولى من غيره ، وأشد موافقة فيه وفي ~~طريقه الثانية : أن يكون مجتهدا في مذهب إمامه ، مستقلا بتقريره ~~PageV04P468 بالدليل ، لكن لا يتعدى أصوله وقواعده مع إتقانه للفقه وأصوله ~~، وأدلة مسائل الفقه ، عارفا بالقياس ونحوه ، تام الرياضة ، قادرا على ~~التخريج والاستنباط ، وإلحاق الفروع والأصول والقواعد التي لإمامه . الحالة ~~الثالثة : أن لا يبلغ رتبة أئمة المذهب أصحاب الوجوه والطرق ، غير أنه فقيه ~~النفس ، حافظ لمذهب إمامه ، عارف بأدلته ، قائم بتقريره ونصرته ، يصور ~~ويحرر ويمهد ويقرر ، ويزيف ويرجح لكنه قصر عن درجة أولئك ، إما لكونه لا ~~يبلغ في حفظ المذهب مبلغهم ، وإما لكونه غير متبحر في أصول الفقه ونحوه ، ~~غير أنه لا يخلو مثله في ضمن ما يحفظه من الفقه ويعرفه من أدلته عن أطراف ~~من PageV04P469 قواعد أصول الفقه ونحوه ، وإما لكونه مقصرا في غير ذلك من ~~العلوم التي هي أدوات الاجتهاد ، الحاصل لأصحاب الوجوه والطرق . الحالة ~~الرابعة : أن يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه ، فهذا يعتمد نقله وفتواه به ~~فيما يحكيه من مسطورات مذهبه ومن منصوصات إمامه ، أو تفريعات أصحابه ~~المجتهدين في مذهبه وتخريجاتهم . وما لم يجده منقولا في مذهبه : فإن وجد في ~~المنقول ما هو ms606 في معناه ، بحيث يدرك من غير فضل فكر وتأمل : أنه لا فارق ~~بينهما ، كما في الأمة بالنسبة إلى العبد المنصوص عليه في إعتاق الشريك : ~~جاز له إلحاقه به والفتوى به ، وكذا ما يعلم اندراجه تحت ضابط منقول ممهد ~~في المذهب ، وما لم يكن PageV04P470 كذلك ، فعليه الإمساك عن الفتيا به ، ~~ويكفي أن يستحضر أكثر المذهب ، مع قدرته على مطالعة بقيته . انتهت الحالات ~~ملخصة ، من كتاب ' آداب المفتي ' لابن حمدان . PageV04P471 صفحة فارغة ~~PageV04P472 # | ( فصل ) # ( الاجتهاد يتجزأ ) عند أصحابنا والأكثر ، إذ لو لم يتجزأ لزم أن يكون ~~المجتهد عالما بجميع الجزئيات ، وهو محال إذ جميعها لا يحيط به بشر ، ولا ~~يلزم من العلم بجميع المآخذ : العلم بجميع الأحكام ؛ لأن بعض الأحكام قد ~~يجهل بتعارض الأدلة فيه ، أو بالعجز عن المبالغة في النظر ، إما لمانع ~~PageV04P473 من تشويش فكر ، أو غيره وقيل : لا يتجزأ وقيل : يتجزأ في باب ~~لا في مسألة وقيل : في الفرائض لا في غيرها ( ويجوز اجتهاده صلى الله عليه ~~وسلم في أمر الدنيا ، ووقع ) قال ابن مفلح إجماعا PageV04P474 ( و ) يجوز ~~اجتهاده أيضا ( في أمر الشرع عقلا وشرعا ) عند أصحابنا والأكثر ، وعزاه ~~الواحدي إلى سائر الأنبياء ، قال : ولا حجة للمانع في قوله تعالى { إن أتبع ~~إلا ما يوحى إلي } فإن القياس على المنصوص بالوحي : اتباع للوحي ، ومنعه ~~الأكثر من الأشعرية والمعتزلة ، وقال القاضي : PageV04P475 إنه ظاهر كلام ~~أحمد في رواية ابنه عبد الله ( ووقع ) على الصحيح عند أكثر أصحابنا . قال ~~القاضي : أومأ إليه أحمد قال ابن بطة : وذكر عن أحمد نحوه ، واختاره الآمدي ~~وابن الحاجب وهو مقتضى كلام الرازي وأتباعه في الاستدلال بالوقائع وغيرهم . ~~وقيل : لم يقع . وقيل : بالوقف ، لتعارض الأدلة . PageV04P476 واستدل ~~للصحيح - الذي هو الجواز والوقوع - بأنه لا يلزم منه محال ، وبأن الأصل ~~مشاركته لأمته ، وبظاهر قوله تعالى { فاعتبروا يا أولي الأبصار } وقوله ~~تعالى { وشاورهم في الأمر } وطريق المشاورة : الاجتهاد ، وفي صحيح مسلم { ~~أنه استشار في أسرى بدر فأشار أبو بكر بالفداء وعمر بالقتل ، فجاء عمر من ~~الغد ، وهما يبكيان ، وقال صلى الله عليه ms607 وسلم : أبكي للذي عرض علي أصحابك ~~من أخذهم الفداء } وأنزل الله سبحانه وتعالى { ما كان PageV04P477 لنبي أن ~~يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } وأيضا { عفا الله عنك لم أذنت لهم } قال ~~في الفنون : هو من أعظم دليل الرسالة ، إذ لو كان من عنده لستر على نفسه ، ~~أو صوبه لمصلحة يدعيها ، وفي الصحيحين { لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما ~~سقت الهدي } وإنما يكون ذلك فيما لم يوح إليه بشيء فيه ، وبأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما أراد أن ينزل ببدر دون الماء ، قال له الحباب بن المنذر ~~' إن كان هذا بوحي فنعم ، وإن كان PageV04P478 الرأي والمكيدة ، فانزل ~~بالناس على الماء لتحول بينه وبين العدو فقال : ليس بوحي ، إنما هو رأي ~~واجتهاد رأيته ، ورجع إلى قوله ' وكذا إلى قول سعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة ~~لما أراد صلح الأحزاب على شطر نخل المدينة ، وقد كتب بعض الكتاب بذلك ، ~~وقالا له ' إن كان بوحي : فسمعا وطاعة ، وإن كان باجتهاد : فليس هذا هو ~~الرأي ' واستدل أيضا بغير ما PageV04P479 ذكر ، فدل ذلك كله على أنه متعبد ~~بالاجتهاد . PageV04P480 ( و ) على القول بجواز اجتهاده صلى الله عليه وسلم ~~ووقوعه منه ( لا يقر على خطإ ) إجماعا ، وهذا يدل على جواز الخطإ ، إلا أنه ~~لا يقر عليه ، واختار هذا ابن الحاجب والآمدي ، ونقله عن أكثر أصحاب ~~الشافعي والحنابلة . وأصحاب الحديث ، ومنع قوم جواز الخطإ عليه ، لعصمة ~~منصب النبوة عن الخطإ في الاجتهاد . ( و ) يجوز ( اجتهاد من عاصره صلى الله ~~عليه وسلم عقلا ) عند الأكثر ( وشرعا ووقع ) ذكره القاضي في العدة وابن ~~عقيل في الواضح وغيرهما . وأكثر الشافعية والرازي وأتباعه وابن الحاجب ~~وغيرهم ، وقيل : لا يجوز مطلقا ، PageV04P481 وقيل : إن ورد الإذن بذلك من ~~الشارع جاز وإلا فلا ، وقيل : يجوز للغائبين عنه دون الحاضرين ، لقدرتهم ~~على الوقوف على النص . وقد حكى الأستاذ أبو منصور : الإجماع على جواز ~~الاجتهاد في عصره صلى الله عليه وسلم للغائب عنه . واستدل للجواز والوقوع ~~بنزول بني قريظة على حكم سعد بن معاذ رضي ms608 الله تعالى عنه فأرسل رسول الله ~~صلى الله PageV04P482 عليه وسلم إليه ، فجاء فقال : { نزل هؤلاء على حكمك ~~قال : فإني أحكم بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم ، فقال : قضيت فيهم بحكم الله ~~تعالى } متفق عليه { وجاءه صلى الله عليه وسلم رجلان فقال لعمرو بن العاص ~~اقض بينهما فقال : وأنت هنا يا رسول الله ؟ قال : PageV04P483 نعم } وعن ~~عقبة بن عامر مرفوعا بمثله رواهما الدارقطني وغيره من رواية [ فرج ] بن ~~فضالة ، وضعفه الأكثر PageV04P484 ولأحمد { أنه صلى الله عليه وسلم أمر ~~معقل بن يسار أن يقضي بين قوم } ولأبي داود وابن ماجه والترمذي وحسنه { أنه ~~بعث عليا رضي الله عنه قاضيا } . . ( ومن جهل وجوده تعالى ) جل وعز ( أو ~~علمه ، وفعل ) ما لا يصدر إلا من كافر ( أو قال ما لا يصدر إلا من كافر ~~إجماعا ف ) هو PageV04P485 ( كافر ) ولو كان مقرا بالإسلام قال ابن مفلح : ~~تبعا ل ' مسودة ' بني تيمية : من جهل وجود الرب ، أو علمه وفعل أو قال ما ~~أجمعت الأمة أنه لا يصدر إلا من كافر فكافر . انتهى . قال القاضي عياض في ~~آخر ' الشفاء ' : وكذا يكفر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر ~~، وإن كان صاحبه مصرحا بالإسلام ، مع فعله ذلك الفعل ، كالسجود للصنم أو ~~للشمس والقمر والصليب والنار والسعي إلى الكنائس ، والبيع مع أهلها ، [ ~~والتزيي ] بزيهم من شد الزنار ونحوه - فقد أجمع المسلمون أن هذا لا يوجد ~~إلا من كافر وأن هذه الأفعال علامة على الكفر ، وإن صرح فاعلها بالإسلام . ~~انتهى . PageV04P486 ( ولا يكفر مبتدع غيره ) أي غير من تقدم ذكره في رواية ~~اختارها القاضي وابن عقيل وابن الجوزي والموفق ، وفاقا للأشعري وأصحابه ، ~~وكمقلد في الأصح فيه عند أحمد وأصحابه وغيرهم ، وهل يفسق أم لا ؟ والمشهور ~~عن أحمد في الداعية وعلى ذلك أكثر أصحابه : أنه يكفر وإلى ذلك أشير بقوله ( ~~إلا الداعية في رواية ) وهي المشهورة في المذهب ، وعنه لا يكفر الداعية ولا ~~غيره وعنه يكفران ( ويفسق مقلد ) في البدع ( لا مجتهد ) فيها ، ويكون فسق ~~المقلد ( بما كفر به الداعية ) قال ms609 في شرح التحرير : والصحيح أن كل بدعة ~~كفرنا فيها الداعية ، فإنا نفسق المقلد فيها قال المجد : الصحيح أن كل بدعة ~~لا توجب الكفر : لا يفسق المقلد فيها لخفتها PageV04P487 ( ولا يفسق من لم ~~يكفر من كفرناه ) قاله المجد . ( و ) المجتهد ( المصيب في ) الأمور ( ~~العقليات واحد ) إجماعا ؛ لأنه لا سبيل إلى أن كلا من النقيضين أو الضدين ~~حق ، بل أحدهما فقط ، والآخر باطل ، ومن لا يصادف ذلك الواحد في الواقع : ~~فهو ضال آثم ، وإن بالغ في النظر ، وسواء كان مدرك ذلك عقليا محضا . كحدوث ~~العالم أو وجود الصانع أو شرعيا مستندا إلى ثبوت أمر عقلي ، كعذاب القبر ~~والصراط والميزان ( ونافي الإسلام مخطئ آثم كافر مطلقا ) يعني سواء قال ذلك ~~اجتهادا أو بغير اجتهاد عند أئمة الإسلام ، وقد ذكرت هنا PageV04P488 أقوال ~~تنفر منها القلوب ، وتقشعر منها الجلود أضربنا عنها . ( والمسألة الظنية ، ~~الحق فيها : واحد عند الله تعالى . وعليه دليل وعلى المجتهد طلبه ، حتى يظن ~~أنه وصله ، فمن أصابه فمصيب ، وإلا فمخطئ مثاب ) عند أحمد وأكثر أصحابه . ~~وقاله الأوزاعي ومالك والشافعي وإسحاق والمحاسبي وابن كلاب ، وذكره أبو ~~المعالي عن معظم الفقهاء ، وذكره ابن برهان عن الأشعري نقل ذلك ابن مفلح ، ~~PageV04P489 قال ( وثوابه على قصده واجتهاده لا على الخطإ ) وقاله ابن عقيل ~~وغيره ، وبعض الشافعية : وبعضهم على قصده . وفي العدة وغيرها : مخطئ عند ~~الله وحكما ( و ) القضية ( الجزئية التي فيها نص قاطع : المصيب فيها واحد ~~بالاتفاق ) وإن دق مسلك ذلك القاطع . PageV04P490 ( ولا يأثم مجتهد في حكم ~~شرعي اجتهادي ، ويثاب ) عند الأربعة وغيرهم ، وخالف الظاهرية وجمع واستدل ~~للأول - وهو الصحيح - بإجماع الصحابة والتابعين ، فإنهم اختلفوا في كثير من ~~المسائل وتكرر وشاع ، من غير نكير ولا تأثيم ، مع القطع بأنه لو خالف أحد ~~في أحد أركان PageV04P491 الإسلام الخمس لأنكروا كمانعي الزكاة والخوارج ( ~~ولا ) يأثم أيضا ( من بذل وسعه ، ولو خالف ) دليلا ( قاطعا وإلا أثم ~~لتقصيره ) أما عدم إثمه إذا بذل وسعه : فلأنه معذور ، ولا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها ، وقد أتى بما يقدر عليه ، وأما إذا لم ms610 يبذل وسعه : فإنه يأثم ؛ ~~لكونه قصر في بذل الوسع . وللمجتهد أن يقول في مسألة واحدة ( في وقتين لا ) ~~في وقت ( واحد قولين متضادين ) أما كون المجتهد ليس له أن يقول في مسألة في ~~وقت واحد قولين متضادين : فلأن اعتقاد ذلك في الوقت الواحد محال ، ولأنه لا ~~يخلو : إما أن يكونا فاسدين وعلم ذلك فالقول بهما PageV04P492 حرام فلا قول ~~أصلا ، أو يكون أحدهما فاسدا ، فكذلك فلا وجود للقولين ، أو يكونا صحيحين ~~فإذا القول بهما محال ، لاستلزامهما التضاد الكلي والجزئي ، وإن لم يعلم ~~الفاسد منهما : فليس عالما بحكم المسألة فلا قول له فيها فيلزمه التوقف أو ~~التخيير ، وهو قول واحد لا قولان . وروي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه مثل ~~ذلك قال أبو حامد : ليس للشافعي مثل ذلك إلا في بضعة عشر موضعا : ستة عشر ، ~~أو سبعة عشر ، وهو دليل على علو شأنه . وفائدة ذكر القولين من غير ترجيح : ~~التنبيه على أن ما سواهما لا يؤخذ به ، وأن الجواب منحصر فيما ذكر فيطلب ~~الترجيح فيه PageV04P493 قال الطوفي : وأحسن ما يعتذر به عن الشافعي : أنه ~~تعارض عنده الدليلان فقال بمقتضاهما على شريطة الترجيح انتهى . وأما كون ~~المجتهد له أن يقول في المسألة بقولين متضادين في وقتين : فلأن اعتقاد ذلك ~~في الوقتين ليس بمحال ، ثم لا يخلو : إما أن يعلم المتأخر منهما ، أو لا ( ~~فإن علم أسبقهما ) أي أسبق القولين ( فالثاني مذهبه ) أي مذهب المجتهد ~~القائل بالقولين ( وهو ناسخ ) لقوله الأول عند الأكثر ؛ لما فيه من الرجوع ~~عنه ، PageV04P494 قال الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه : إذا رأيت ما هو ~~أقوى أخذت به ، وتركت القول الأول وقيل : يكون الأول مذهبه أيضا ما لم يصرح ~~بالرجوع عن الأول ، اختاره ابن حامد وغيره ، كمن صلى صلاتين باجتهادين إلى ~~جهتين في وقتين ، ولم يتبين أنه أخطأ ؛ ولأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد ( ~~وإلا ) أي وإن لم يعلم الأسبق منهما ( فمذهبه ) أي فمذهب ذلك المجتهد ( ~~أقربهما ) أي أقرب القولين ( من الأدلة ، أو ) من ( قواعده ) أي قواعد مذهب ~~ذلك المجتهد . قدمه ms611 ابن مفلح في فروعه وغيره . قال أبو الخطاب في التمهيد ~~وغيره : يجتهد في الأشبه بأصوله ، الأقوى في الحجة : فيجعله مذهبه . ~~PageV04P495 ( ومذهب أحمد ونحوه ) من المجتهدين على الإطلاق الذين لم ~~يؤلفوا كتبا مستقلة في الفقه - كالليث والسفيانين ونحوهم - فإنما أخذ ~~أصحابه مذهبه من بعض تآليفه غير المستقلة بالفقه ، ومن أقواله في فتاويه ، ~~وغيرها . ومن أفعاله ( ما قاله ) صريحا في الحكم بلفظ لا يحتمل غيره ، أو ~~بلفظ ظاهر في الحكم مع احتمال غيره ( أو جرى مجراه ) أي جرى مجرى ما قاله ( ~~من تنبيه وغيره ) كقولهم : أومأ إليه ، أو أشار إليه ، أو دل كلامه عليه ، ~~أو توقف فيه أو غير ذلك ، وقد قسم أصحابه دلالة ألفاظه إلى أنواع كثيرة ( ~~وكذا فعله ) يعني أنه إذا فعل فعلا قلنا : مذهبه جواز مثل ذلك الفعل الذي ~~فعله ، وإلا لما كان الإمام فعله PageV04P496 ( و ) كذا ( مفهوم كلامه ) ~~يعني أنه لو كان لكلامه مفهوم ، فإنا نحكم على ذلك المفهوم بما يخالف ~~المنطوق ، إن كان مفهوم مخالفة ، أو بما يوافقه ، إن كان مفهوم موافقة ، ~~وفي فعله . ومفهوم كلامه وجهان للأصحاب أحدهما : أن كلا من فعله ومفهوم ~~كلامه : مذهب له قال في شرح التحرير : وهو الصحيح من المذهب قال ابن حامد ~~في تهذيب الأجوبة : عامة أصحابنا يقولون : إن فعله مذهب له وقدمه ، ورد ~~غيره وقال في آداب المفتي : اختار الخرقي وابن حامد PageV04P497 وإبراهيم ~~الحربي : أن مفهوم كلامه مذهبه واختار أبو بكر : أنه لا يكون مذهبا له . ~~انتهى . وإذا صح كون مفهوم كلامه مذهبا له ( فلو قال في مسألة بخلافه ) أي ~~بخلاف مفهوم كلامه ( بطل ) كون ذلك المفهوم الذي صرح بخلافه مذهبا له ( فإن ~~علله ) أي علل ما ذكر من حكم ( بعلة ؛ فقوله ) هو ( ما وجدت فيه ) تلك ~~العلة ( ولو قلنا : بتخصيص العلة ) على الأصح قال في الرعاية : سواء قلنا : ~~بتخصيص العلة أو لا . وقطع بذلك في الروضة ومختصر الطوفي وغيرهما ؛ إذ ~~الحكم PageV04P498 يتبع العلة ، وقيل : لا يكون ذلك مذهبه ( وكذا المقيس ~~على كلامه ) يعني أنه مذهبه على الأصح قال في ms612 الفروع : مذهبه في الأشهر ~~وقدمه في الرعايتين والحاوي وغيرهما ، وهو مذهب الأثرم والخرقي وغيرهما ~~قاله ابن حامد في تهذيب الأجوبة . وقيل : لا يكون مذهبه ، واختاره جماعة . ~~قال ابن حامد : والأجود أن يفصل فما كان من جواب له من أصل يحتوي على مسائل ~~خرج جوابه على بعضها ، فإنه جائز أن ينسب إليه بقية مسائل ذلك الأصل من حيث ~~القياس PageV04P499 إذا تقرر هذا ( فلو أفتى في مسألتين متشابهتين بحكمين ~~مختلفين في وقت لم يجز نقله ) أي نقل الحكم ( من كل منهما ) أي من ~~المسألتين ( إلى الأخرى على الأصح ) كقول الشارع ذكره أبو الخطاب في ~~التمهيد وغيره ، واقتصر عليه المجد وقدمه ابن مفلح في أصوله ، وجزم به في ~~الروضة ، كما لو فرق بينهما ، أو منع النقل والتخريج قال في الرعايتين ~~وآداب المفتي : أو قرب الزمن بحيث يظن أنه ذاكر حكم الأدلة حين أفتى ~~بالثانية PageV04P500 ( ولو نص ) الإمام ( على حكم مسألة ، ثم قال : لو قال ~~قائل بكذا ، أو ذهب ذاهب إليه ) . لكان مذهبا له : ( لم يكن ) ذلك ( مذهبا ~~له ) أي للإمام كما لو قال : وقد ذهب قوم إلى كذا قاله أبو الخطاب ومن بعده ~~وقدمه في الفروع والرعاية وآداب المفتي وغيرهم . ( والوقف مذهب ) يعني أن ~~الإمام إذا سئل عن مسألة وتوقف فيها ، فيكون مذهبه فيها الوقف ، والله أعلم ~~. PageV04P501 صفحة فارغة PageV04P502 # | ( فصل ) # ( لا ينقض حكم ) حاكم ( في مسألة اجتهادية ) عند الأئمة الأربعة ومن ~~وافقهم ؛ للتساوي في الحكم بالظن . وإلا نقض بمخالفة قاطع في مذهب الأئمة ~~الأربعة ، إلا ما سبق في مسألة : أن المصيب واحد وذكره الآمدي اتفاقا ؛ ~~لأنه عمل الصحابة ، وللتسلسل فتفوت مصلحة نصب الحاكم ؛ إذ لو جاز النقض ~~لجاز نقض النقض وهكذا ، فتفوت مصلحة حكم الحاكم ، وهو قطع المنازعة لعدم ~~الوثوق حينئذ بالحكم ، وهو معنى قول الفقهاء في الفروع : PageV04P503 لا ~~ينقض الاجتهاد بالاجتهاد ( إلا ) الحكم ( بقتل مسلم بكافر ، و ) إلا الحكم ~~( بجعل من وجد عين ماله عند من حجر عليه أسوة الغرماء ) لمخالفة ذلك لنص ~~آحاد السنة ، وسيأتي أن ما خالف نص سنة ولو ms613 آحادا ينقض PageV04P504 ( وينقض ~~) الحكم وجوبا ( بمخالفة نص الكتاب ) أي كتاب الله سبحانه وتعالى ( أو ) نص ~~( سنة ، ولو ) كانت السنة ( آحادا ) خلافا لقول القاضي ( أو ) مخالفة ل ( ~~إجماع قطعي لا ظني ) في الأصح قدمه في الفروع والرعاية الكبرى وغيرهما ( ~~ولا ) ينقض بمخالفة ( قياس ولو جليا ) على الصحيح من PageV04P505 المذهب ، ~~وقطع به الأكثر . وقيل : ينقض إذا خالف قياسا جليا ، وفاقا لمالك والشافعي ~~وابن حمدان في الرعايتين ، وزاد مالك : ينقض بمخالفة القواعد الشرعية ( ولا ~~يعتبر لنقضه طلب رب الحق ) على الصحيح من المذهب وقال القاضي في المجرد ، ~~والموفق في المغني ، والشارح وابن رزين : لا ينقض إلا بمطالبة صاحبه ( ~~وحكمه ) أي حكم الحاكم ( بخلاف اجتهاده باطل ، ولو PageV04P506 قلد غيره ) ~~في الحكم عند الأئمة الأربعة ومن وافقهم وذكره الآمدي اتفاقا ، وفي إرشاد ~~ابن أبي موسى : لا ؛ للخلاف في المدلول ويأثم . ( ومن قضى برأي يخالف رأيه ~~ناسيا له : نفذ ولا إثم ) وبهذا قال أبو حنيفة ، وعند أبي يوسف يرجع عنه ~~وينقضه ، كقول المالكية والشافعية PageV04P507 ونقل أبو طالب عن أحمد : إذا ~~أخطأ بلا تأويل فليرده ، وليطلب صاحبه فيقضي بحق ( ويصح في قول : حكم مقلد ~~، وينقض في قول : ما خالف فيه مذهب إمامه ) . قال ابن مفلح : وإن حكم مقلد ~~بخلاف مذهب إمامه ، فإن صح حكم المقلد انبنى نقضه على منع تقليد غيره ، ~~ذكره الآمدي ، وهو واضح ، ومعناه لبعض أصحابنا ، PageV04P508 ومراده ابن ~~حمدان ( وفي قول ) لابن حمدان ( مخالفة المفتي نص إمامه : كمخالفة نص ~~الشارع ) وقال ابن هبيرة : عمله بقول الأكثر أولى ، وقال الغزالي : إنا إذا ~~منعنا من قلد إماما أن يقلد غيره وفعل ، وحكم بقوله : فينبغي أن لا ينفذ ~~قضاؤه ؛ لأنه في ظنه أن إمامه أرجح . ( ومن اجتهد فتزوج بلا ولي ، ثم تغير ~~اجتهاده : حرمت إن لم يكن حكم به ) اعلم أنا إذا قلنا : ينقض الاجتهاد ، ~~فالنظر فيه حينئذ في أمرين PageV04P509 أحدهما : فيما يتعلق بنفسه ، ومثاله ~~ما تقدم . والثاني : فيما يتعلق بغيره وهو ما أشير إليه بقوله ( ولا يحرم ~~على مقلد بتغير اجتهاد إمامه ) أما الأول : وهو ما يتعلق ms614 بنفسه . فإذا أداه ~~اجتهاده إلى حكم في حق نفسه ، ثم تغير وجه اجتهاده ، كما إذا أداه اجتهاده ~~إلى صحة النكاح بلا ولي ، ثم تغير اجتهاده ، فرأى أنه باطل ، فالأصح ~~التحريم مطلقا واختاره ابن الحاجب ، وحكاه الرافعي عن الغزالي ، ولم ينقل ~~غيره ، وقيل : لا تحريم مطلقا حكاه ابن مفلح في فروعه . والقول الثالث : إن ~~حكم به لم تحرم . وإلا حرمت وهو PageV04P510 الذي قاله القاضي أبو يعلى ~~والموفق وابن حمدان والطوفي والآمدي وجزم به البيضاوي والهندي . وهذا الذي ~~عليه عمل الناس ؛ لأن حكم الحاكم بما يعتقده الحاكم : رافع للخلاف ، ولئلا ~~يلزم نقض الحكم بتغير الاجتهاد . وأما الثاني : وهو ما يتعلق بغيره : فكما ~~إذا أفتى مجتهد عاميا باجتهاد ، ثم تغير اجتهاده : لم تحرم عليه على الأصح ~~، PageV04P511 قاله أبو الخطاب والموفق والطوفي ، وظاهر كلام ابن مفلح ؛ ~~لأن عمله بفتواه كالحكم . ومعناه : أنه إذا اجتهد وحكم في واقعة ، ثم تغير ~~اجتهاده بعد ذلك : فالحكم بالأول باق على ما كان عليه ، فكذا إذا أفتاه أو ~~قلده ( وإن لم يعمل ) العامي ( بفتواه ) حتى تغير اجتهاد مفتيه ( لزم ~~المفتي إعلامه ) أي إعلام المفتي العامي بتغير اجتهاده فيما أفتاه به ~~PageV04P512 ( فلو مات ) المفتي ( قبله ) أي قبل إعلامه العامي بتغير ~~اجتهاده فقال ابن مفلح في ' فروعه ' : ( استمر ) في الأصح ، قال في ' شرح ~~التحرير ' : وهو المعتمد . وقيل : يمتنع ( وله ) أي وللعامي ( تقليد ) ~~مجتهد ( ميت ) كتقليد حي ؛ لأن قوله باق في الإجماع وهذا قول جمهور العلماء ~~. وفيه يقول الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه : المذاهب لا تموت بموت ~~أربابها . انتهى . ( كحاكم ) فإن الحكم لا يموت بموت حاكمه ( وشاهد ) فإن ~~الشهادة لا تبطل بموت من شهد بها . وقيل : ليس للعامي تقليد الميت إن وجد ~~مجتهدا حيا ، وإلا جاز PageV04P513 وقيل : لا يجوز تقليده مطلقا . وهو وجه ~~لنا وللشافعية ، فعلى الأول - وهو جواز تقليد الميت لو وجد مجتهدا حيا ولكن ~~دون الميت - احتمل أن يقلد الميت لأرجحيته ، واحتمل أن يقلد الحي لحياته ~~واحتمل التساوي ، وحكى الهندي قولا رابعا في المسألة : وهو التفصيل بين أن ~~يكون ms615 الحاكي عن الميت أهلا للمناظرة ، وهو مجتهد في مذهب الميت ، فيجوز ، ~~وإلا فلا ( وإن عمل ) المستفتي ( بفتياه ) أي بفتيا المفتي ( في إتلاف ) ~~نفس أو مال ( فبان خطؤه ) أي خطأ المفتي في فتياه ( قطعا ) أي بمقتضى ~~مخالفته دليلا قاطعا ( ضمنه ) أي ضمن المفتي ما PageV04P514 أتلفه المستفتي ~~بمقتضى فتياه ( وكذا ) يضمن ( إن لم يكن أهلا ) للفتيا على الصحيح ، خلافا ~~لأبي إسحاق الإسفراييني وجمع ، بل أولى بالضمان ممن هو أهل للفتيا ، قال ~~البرماوي ، وغيره : لو عمل بفتواه في إتلاف ، ثم بان أنه أخطأ . فإن لم ~~يخالف القاطع لم يضمن ؛ لأنه معذور ، وإن خالف القاطع ضمن . ( ويحرم تقليد ~~على مجتهد أداه اجتهاده إلى حكم ) اتفاقا PageV04P515 وأما قبل أن يجتهد ، ~~وهو ما أشير إليه بقوله ( أو لم يجتهد ) فكذلك على الصحيح قاله أحمد ومالك ~~والشافعي رضي الله تعالى عنهم ، ولأبي حنيفة روايتان ، وقيل : يجوز تقليده ~~إن لم يجتهد مطلقا ، وحكي عن أحمد والثوري وإسحاق ، PageV04P516 وقيل : ~~فيما يخصه ، وقيل : يجوز التقليد لحاكم فقط ، وابن حمدان وبعض المالكية ~~لعذر ، وابن سريج لضيق الوقت ، ومحمد لأعلم منه ، وجمع لصحابي أرجح ، ولا ~~إنكار منهم ، وقيل : وتابعي ( وله ) أي للمجتهد ( أن يجتهد ويدع غيره ) ~~إجماعا ( والمتوقف ) من المجتهدين ( في مسألة نحوية أو ) في ( حديث على ~~أهله : عامي فيه ) أي فيما توقف فيه من النحو أو الحديث عند أبي الخطاب ~~والموفق والآمدي وغيرهم ، والعامي يلزمه التقليد مطلقا . PageV04P517 صفحة ~~فارغة PageV04P518 # | ( فصل ) # ( يجوز أن يقال لنبي أو مجتهد : احكم بما شئت فهو صواب ويكون ) ذلك ( ~~مدركا شرعيا ويسمى : التفويض ) عند الأكثر ؛ لأن طريق معرفة الأحكام ~~الشرعية : إما التبليغ عن الله - سبحانه وتعالى - بإخبار رسله عنه بها ، ~~وهو ما سبق من كتاب الله سبحانه وتعالى وثبت بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ~~، وما تفرع عن ذلك ، من إجماع وقياس وغيرهما من الاستدلالات ، وطرقها ~~بالاجتهاد ، ولو من النبي صلى الله عليه وسلم . وإما أن يكون طريق معرفة ~~الحكم : التفويض إلى رأي نبي أو عالم ، فيجوز أن يقال لنبي أو لمجتهد غير ~~نبي : احكم بما شئت ms616 فهو صواب عند بعض العلماء ، ويؤخذ ذلك من كلام القاضي ~~وابن عقيل ، وصرحا بجوازه للنبي صلى الله عليه وسلم ، وقاله الشافعي وأكثر ~~أصحابه ، وجمهور أهل الحديث ، فيكون حكمه PageV04P519 من جملة المدارك ~~الشرعية ، فإذا قال ' هذا حلال ' عرفنا أن الله سبحانه وتعالى في الأزل حكم ~~بحله ، وكذا ' هذا حرام ' ونحو ذلك ، لا أنه ينشئ الحكم ؛ لأن ذلك من خصائص ~~الربوبية ، قاله ابن الحاجب وتبعه ابن مفلح ، وتردد الشافعي ، أي في جوازه ~~، كما قال إمام الحرمين ، PageV04P520 وقال : الجمهور في وقوعه ، ولكنه ~~قاطع بجوازه ، والمنع : إنما هو منقول عن جمهور المعتزلة ، قاله ابن مفلح ، ~~ومنعه السرخسي وجماعة من المعتزلة ؛ واختاره أبو الخطاب ، وذكره عن أكثر ~~الفقهاء ، وأنه أشبه بمذهبنا ؛ لأن الحق عليه أمارة ، فكيف يحكم بغير طلبها ~~؟ وقيل : يجوز ذلك في النبي دون غيره ( و ) على القول بالجواز ( لم يقع ) ~~في الأصح ، PageV04P521 قال ابن الحاجب : المختار أنه لم يقع ، واحتج ~~القاضي وابن عقيل وغيرهما للقول الأول : بقوله - سبحانه وتعالى - { إلا ما ~~حرم إسرائيل على نفسه } لأنه لا يمكن أن يحرم على نفسه إلا بتفويض الله ~~سبحانه وتعالى الأمر إليه ، لا أنه بإبلاغه ذلك الحكم لتخصيص هذا التحريم ~~بنسبته إليه ، وإلا فكل محرم فهو بتحريم الله سبحانه وتعالى ، إما بالتبليغ ~~أو بالتفويض . واستدل له أيضا بما في مسلم { فرض عليكم الحج ، فحجوا ، فقال ~~رجل : أكل عام ؟ فقال : لو قلت : نعم ، لوجبت ، ولما استطعتم } PageV04P522 ~~( و ) يجوز أن يقال ذلك ( لعامي عقلا ) أي جوازا من جهة العقل ؛ لأنه ليس ~~بمحال ، لا من جهة الشرع إجماعا ( و ) يجوز ( في قول ) للقاضي وابن عقيل : ~~أن يقال له ( وأخبر فإنك لا تخبر إلا بصواب ) ومنعه أبو الخطاب . قال في ~~التمهيد : لو جاز ، خرج كون الإخبار عن الغيوب دالة على ثبوت الأنبياء وكلف ~~بتصديق النبي وغيره من غير علمه بذلك ، قال ابن مفلح : كذا قال . ~~PageV04P523 صفحة فارغة PageV04P524 # | ( فصل ) # ( نافي الحكم عليه الدليل ) عند الأكثر من أصحابنا والشافعية وغيرهم ( ~~كمثبته ) أي : كما أن مثبت الحكم عليه الدليل وقيل : ليس على نافي ms617 الحكم ~~دليل مطلقا . وقال قوم : عليه الدليل في حكم عقلي لا شرعي ، وعكسه عنهم في ~~الروضة ولنا : أنه أثبت بنفيه يقينا أو ظنا . فلزمه الدليل كمثبت ، واحتج ~~في التمهيد : بأنه يلزم من نفي قدم PageV04P525 الأجسام بلا خلاف فكذا غيره ~~. ( وإذا حدثت مسألة لا قول فيها ، ساغ الاجتهاد فيها ) وهو أفضل قال ابن ~~مفلح إذا حدثت مسألة لا قول فيها : فللمجتهد الاجتهاد فيها والفتوى والحكم ~~، وهل هذا أفضل ، أم التوقف ، أم توقفه في الأصول ؟ فيه أوجه لنا ، ذكرها ~~ابن حامد ، وذكر بعضهم الأوجه في الجواز ، وذكر قول أحمد : من قال : ~~الإيمان غير مخلوق : مبتدع ويهجر ، وقدم ابن مفلح : أن محل الخلاف في ~~الأفضلية ، لا في الجواز وعدمه ، وقال ابن القيم في إعلام الموقعين - بعد ~~أن حكى PageV04P526 الأقوال - والحق التفصيل ، وأن ذلك يجوز بل يستحب ، أو ~~يجب عند الحاجة ، وأهلية المفتي والحاكم ، فإن عدم الأمران لم يجز ، وإن ~~وجد أحدهما [ دون الآخر ] : احتمل الجواز والمنع ، [ والتفصيل ] ، فيجوز ~~عند الحاجة دون عدمها . انتهى . PageV04P527 صفحة فارغة PageV04P528 # | ( باب ) # لما كان التقليد مقابلا للاجتهاد ، وانتهى الكلام على أحكام الاجتهاد ~~شرعنا في الكلام على أحكام التقليد ثم ( التقليد لغة : وضع الشيء في العنق ~~) حالة كونه ( محيطا به ) أي : بالعنق ، وذلك الشيء يسمى قلادة . وجمعها ~~قلائد ( و ) التقليد ( عرفا ) أي : في عرف الأصوليين ( أخذ مذهب الغير ) أي ~~: اعتقاد صحته واتباعه عليه ( بلا ) أي : من غير ( معرفة PageV04P529 دليله ~~) أي : دليل مذهب الغير الذي اقتضاه ، وأوجب القول به ، فقوله ' أخذ ' جنس ~~. والمراد به : اعتقاد ذلك ، ولو لم يعمل به لفسق أو غير فسق ، وقوله ' ~~مذهب ' يشمل ما كان قولا له أو فعلا . ونسبة المذهب إلى الغير يخرج به ما ~~كان معلوما بالضرورة ، ولا يختص به ذلك الغير إذا كان من أقواله وأفعاله ~~التي ليس له فيها اجتهاد ، فإنها لا تسمى مذهبه ، وقوله ' بلا معرفة دليله ~~' يشمل المجتهد إذا لم يجتهد ولا عرف الدليل ، وجوزنا له التقليد ، فإنه ~~حينئذ كالعامي في أخذه بقول الغير من غير معرفة دليله ، فيخرج عنه المجتهد ms618 ~~إذا عرف الدليل ، ووافق اجتهاده اجتهاد مجتهد آخر ، فإنه لا يسمى تقليدا . ~~كما يقال : أخذ الشافعي بمذهب مالك في كذا . وأخذ أحمد بمذهب الشافعي في ~~كذا ، PageV04P530 وإنما خرج ذلك ؛ لأنه - وإن صدق عليه أنه أخذ بقول الغير ~~- لكنه مع معرفة دليله حق المعرفة فما أخذ حقيقة إلا من الدليل لا من ~~المجتهد ، فيكون إطلاق الأخذ بمذهبه فيه تجوز . وعبر الآمدي وابن الحاجب ~~بقولهما ' بغير حجة ' وهو يقتضي أن أخذ القول ممن قوله حجة لا يسمى تقليدا ~~ومثلا ذلك بأخذ العامي بقول مثله ، وأخذ المجتهد بقول مثله في حكم شرعي ~~وحيث تقرر أن التقليد أخذ مذهب الغير بلا معرفة دليله ( فالرجوع إلى قوله ~~صلى الله عليه وسلم وإلى المفتي ، و ) إلى ( الإجماع ، و ) رجوع ( القاضي ~~إلى العدول : ليس بتقليد ، PageV04P531 ولو سمي تقليدا لساغ ) ذلك . وفي ~~المقنع : المشهور أن أخذه بقول المفتي تقليد ، وهو أظهر ، وقدمه في آداب ~~المفتي في الإجماع أيضا ، وقيل : والقاضي . وقال الشيخ تقي الدين في ~~المسودة : والتقليد قبول القول بغير دليل ، فليس المصير إلى الإجماع تقليدا ~~؛ لأن الإجماع دليل وكذلك يقبل قول الرسول صلى الله عليه وسلم PageV04P532 ~~ولا يقال : تقليدا ، بخلاف فتوى الفقيه ، وذكر في ضمن مسألة التقليد : أن ~~الرجوع إلى قول الصحابي ليس بتقليد ؛ لأنه حجة ، وقال فيها : لما جاز تقليد ~~الصحابة لزمه ذلك ، ولم يجز له مخالفته ، بخلاف الأعلم ، وقد قال أحمد في ~~رواية أبي الحارث ' من قلد في الخبر : رجوت أن يسلم إن شاء الله تعالى ' ~~فقد أطلق اسم التقليد على من صار إلى الخبر ، وإن كان حجة في نفسه . انتهى ~~. ( ويحرم ) التقليد ( في معرفة الله سبحانه وتعالى ، و ) في ( التوحيد ~~والرسالة ) عند أحمد والأكثر ، وذكره أبو الخطاب عن عامة العلماء ، وذكر ~~غيره أنه قول الجمهور ، PageV04P533 وأجازه جمع قال بعضهم : ولو بطريق فاسد ~~. قال ابن مفلح : وأجازه بعض الشافعية لإجماع السلف على قبول الشهادتين ، ~~من غير أن يقال لقائلهما : هل نظرت ؟ وسمعه ابن عقيل من أبي القاسم بن ~~التبان المعتزلي ، وأنه يكفي بطريق فاسد . قال ms619 هذا المعتزلي : إذا عرف الله ~~وصدق رسله ، وسكن قلبه إلى ذلك واطمأن به : فلا علينا من الطريق : تقليدا ~~كان ، أو نظرا ، أو استدلالا PageV04P534 وأطلق الحلواني وغيره - يعني من ~~أصحابنا - منع التقليد في أصول الدين ، وقاله البصري والقرافي : في أصول ~~الفقه أيضا . انتهى . قال ابن قاضي الجبل في أصوله ، قال ابن عقيل : القياس ~~النقلي حجة يجب العمل به ، ويجب النظر والاستدلال به بعد ورود الشرع . ولا ~~يجوز التقليد . وقد نقل عن أحمد الاحتجاج بدلائل العقول ، وبهذا قال جماعة ~~من الفقهاء المتكلمين من أهل الإثبات ، وذهبت المعتزلة إلى وجوب النظر ، ~~والاستدلال قبل الشرع ولما ورد به الشرع كان توكيدا ، وذهب قوم من أهل ~~الحديث ، وأهل الظاهر إلى أن حجج PageV04P535 العقول باطلة ، والنظر حرام ، ~~والتقليد واجب ، وقال أبو الخطاب : القياس العقلي والاستدلال : طريق لإثبات ~~الأحكام العقلية . نص عليه الإمام أحمد وبه قال عامة الفقهاء . قلت : كلام ~~أحمد في الاحتجاج بأدلة عقلية كثير ، وقد ذكر كثيرا في كتابه ' الرد على ~~الزنادقة والجهمية ' فمذهب أحمد : القول بالقياس العقلي والشرعي . انتهى ~~كلام ابن قاضي الجبل . واستدل لتحريم التقليد - الذي هو الصحيح بأمره - ~~سبحانه وتعالى - بالتدبر والتفكر والنظر وفي صحيح ابن حبان { لما نزل في آل ~~عمران { إن في خلق السموات والأرض PageV04P536 واختلاف الليل والنهار } - ~~الآيات قال : ويل لمن قرأهن ولم يتدبرهن ، ويل له ويل له } وبالإجماع على ~~وجوب معرفة الله - سبحانه وتعالى - ولا تحصل بتقليد ، لجواز كذب المخبر ، ~~واستحالة حصوله . كمن قلد في حدوث العالم ، وكمن قلد في قدمه ؛ ولأن ~~التقليد لو أفاد علما : فإما بالضرورة وهو باطل . وإما بالنظر فيستلزم ~~الدليل والأصل عدمه ، والعلم يحصل بالنظر ، واحتمال الخطإ لعدم تمام مراعاة ~~القانون الصحيح ، ولأن الله سبحانه وتعالى ذم التقليد بقوله تعالى { إنا ~~وجدنا آباءنا على أمة } وهي فيما يطلب العلم به فلا يلزم الفروع ، ولأنه ~~يلزم الشارع ؛ لقوله سبحانه وتعالى { فاعلم أنه لا إله إلا الله } فيلزمنا ~~لقوله تعالى PageV04P537 { واتبعوه } . ( و ) يحرم التقليد أيضا في ( أركان ~~الإسلام الخمس ، ونحوها مما تواتر واشتهر ) قال ابن مفلح ms620 : لا يجوز للعامي ~~التقليد في أركان الإسلام ونحوها مما تواتر واشتهر ذكره القاضي وذكره أبو ~~الخطاب وابن عقيل إجماعا ؛ لتساوي الناس في طريقها ، وإلا لزمه ما ساغ فيه ~~اجتهاد أو لا ، عندنا وعند الشافعية والأكثر . ومنعه قوم من المعتزلة ~~البغداديين ، ما لم تتبين له صحة اجتهاده بدليله . وذكره ابن برهان عن ~~الجبائي وعنه كقولنا . ومنعه أبو علي الشافعي فيما لا يسوغ فيه اجتهاد ~~وبعضهم في المسائل الظاهرة ، PageV04P538 واختار الآمدي لزومه في الجميع ، ~~وذكره عن محققي الأصوليين . انتهى . ( ويلزم ) التقليد ( غير مجتهد في غير ~~ذلك ) أي : غير ما تقدم قال الموفق في الروضة : وأما التقليد في الفروع : ~~فهو جائز إجماعا ، وذهب بعض القدرية إلى أن العامة يلزمهم النظر في الدليل ~~، واستدل لجواز التقليد في غير ما تقدم : بقوله سبحانه وتعالى PageV04P539 ~~{ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } وهو عام ؛ لتكرره بتكرر الشرط ، ~~وعلة الأمر بالسؤال : الجهل وأيضا الإجماع ، فإن العوام يقلدون العلماء من ~~غير إبداء مستند من غير نكير ، وأيضا يؤدي إلى خراب الدنيا بترك المعائش ~~والصنائع . ولا يلزم في التوحيد والرسالة ليسره وقلته ، ودليله العقل قال ~~المخالف : ورد عنه صلى الله عليه وسلم { طلب العلم فريضة على كل مسلم } رد ~~لم يصح ، ثم المراد طلبه الشرعي ، فتقليد العامي PageV04P540 المفتي منه ~~فإن العلم لم يجب عند أحد ، بل النظر ( وله ) أي : للعامي ( استفتاء من ~~عرفه عالما عدلا ، ولو ) كان الذي عرفه بالعلم والعدالة ( عبدا ، وأنثى ، ~~وأخرس ) وتعلم فتياه ( بإشارة مفهومة وكتابة ) ؛ لأن المقصود من الاستفتاء ~~: سؤال العالم العدل . وهذا كذلك PageV04P541 ( أو رآه ) يعني أن للعامي ~~أيضا : استفتاء من رآه ( منتصبا ) للإفتاء والتدريس ( معظما ) عند الناس ، ~~فإن كونه كذلك يدل على علمه ، وأنه أهل للإفتاء ، ولا يجوز الاستفتاء في ضد ~~ذلك عند العلماء ، وذكره الآمدي اتفاقا ، وهذا بالنسبة إلى نفسه ، وأما ~~بالنسبة إلى الإخبار : فهو ما أشير إليه بقوله ( ويكفيه قول عدل خبير ) عند ~~ابن عقيل والموفق وأبي إسحاق الشيرازي PageV04P542 وجمع . قال النووي : وهو ~~محمول على من عنده معرفة يميز بها التلبيس ms621 من غيره وعند الباقلاني : لا بد ~~من عدلين ، واعتبر الشيخ تقي الدين وابن الصلاح : الاستفاضة بأنه أهل ~~للفتيا . ورجحه النووي في الروضة ، ونقله عن أصحابهم ، فعليه : لا يكتفى ~~بواحد ، ولا باثنين ، ولا مجرد اعتزائه إلى العلم ، ولو بمنصب تدريس أو ~~غيره PageV04P543 ( ويلزم ولي الأمر ) عند الأكثر ( منع من لم يعرف بعلم ، ~~أو جهل حاله ) من الفتيا . قال ربيعة : بعض من يفتي أحق بالسجن من السراق . ~~انتهى . ولأن الأصل ، والظاهر الجهل ، فالظاهر : أنه منه ولا يلزم الجهل ~~بالعدالة ؛ لأنا نمنعه ، ونقول : لا يقبل من جهلت عدالته . وقال في المغني ~~: إن من شهد مع ظهور فسقه لم يعزر ؛ لأنه لا يمنع صدقه ، وكلامه هو ، وغيره ~~يدل على أنه لا يحرم أداء فاسق مطلقا . ( ولا تصح ) الفتيا ( من مستور ~~الحال ) قال ابن عقيل في الواضح : صفة من تسوغ فتواه العدالة قال في شرح ~~التحرير : وكذا أطلق بعض أصحابنا ، وغيرهم PageV04P544 ( ويفتي فاسق نفسه ) ~~عند أصحابنا ، والشافعية وجمع ؛ لأنه ليس بأمين على ما يقول وقال ابن القيم ~~في إعلام الموقعين : قلت الصواب جواز استفتاء الفاسق ، إلا أن يكون معلنا ~~بفسقه ، داعيا إلى بدعته . فحكم استفتائه حكم إمامته وشهادته . انتهى . ~~وقال الطوفي وغيره : ولا يشترط عدالته في اجتهاده ، بل في قبول فتياه وخبره ~~، وهو موافق لقول الأصحاب ( وتصح ) الفتيا ( من حاكم ) على الصحيح ، ويكون ~~كغيره فيها ، وقيل : لا يفتى الحاكم قال القاضي شريح : أنا أقضي ~~PageV04P545 لكم ولا أفتي وقيل : يفتي فيما لا يتعلق بالأحكام ، كالطهارة ~~والصلاة ونحوهما ، وليست فتيا الحاكم بحكم على الصحيح . قال في إعلام ~~الموقعين : فتيا الحاكم ليست حكما منه ، ولو حكم غيره بغير ما أفتى به : لم ~~يكن نقضا لحكمه . ولا هي كالحكم ، ولهذا يجوز أن يفتي للحاضر والغائب ، ومن ~~يجوز حكمه له ، ومن لا يجوز . ا ه . ( و ) علم من قوله : ' ومن يجوز حكمه ~~له ، ومن لا يجوز أن للمفتي أن يفتي ( على عدو ) له ، PageV04P546 قال ~~الماوردي : لا يفتي على عدوه ، كالحكم عليه . انتهى . وقال القاضي في ~~التعليق ، والمجد في محرره ، ومن ms622 تبعهم : فعل الحاكم حكم إن حكم به أو غيره ~~وفاقا ، كفتياه ، فجعل الفتيا حكما إن حكم به هو أو غيره ( وهي ) أي : ~~الفتيا ( في حالة غضب ونحوه ) كشدة جوع ، وشدة عطش ، وهم ، ووجع ، وبرد ~~مؤلم ، وحر مزعج ، ومع كونه حاقنا ، أو حاقبا ، أو نحو ذلك ( كقضاء ) فتحرم ~~على الصحيح ، كالصحيح في قضاء القاضي في تلك الحالة ويعمل بفتياه إن أصاب ~~الحق ، كما ينفذ قضاؤه في تلك الحالة إن أصاب الحق . ( وله أخذ رزق من بيت ~~المال ) ؛ لأن له فيه حقا على الفتيا PageV04P547 فجاز له أخذ حقه ( فإن ~~تعذر ) أخذه من بيت المال وأراد الأخذ عن أجرة خطه ( أخذ أجرة خطه ) قدمه ~~في التحرير ، تبعا لابن مفلح في أصوله وقيل : لا يجوز له ذلك ( ولمتعين لها ~~) أي : للفتيا مع كونه ( لا كفاية له : أخذ رزق من مستفت ) على الصحيح ؛ ~~لأنه إن لم يأخذ أفضى إلى ضرر يلحقه في عائلته - إن كانوا - وحرج ، وهو ~~منفي شرعا ، وإن لم يفت حصل أيضا للمستفتي ضرر . فتعين الجواز ، وقدمه ابن ~~مفلح في فروعه ( وإن جعل له ) أي : للمفتي ( أهل بلد رزقا ليتفرغ لهم جاز ) ~~PageV04P548 ذلك على الصحيح قال في شرح التحرير : لكن ظاهر هذا : ولو كان ~~له كفاية ، وما يقوم به ، فيشكل ، أو يقال : يفهم من قوله ' ليتفرغ لهم ' ~~أنه إن كان مشغولا بما يقوم بالعيال ، وهو الظاهر ، وقيل : لا يجوز له ذلك ~~، ومال إليه في الرعاية ، واختاره في آداب المفتي . ( وله ) أي : للمفتي ( ~~قبول هدية ) قال ابن مفلح في أصوله : والمراد لا ليفتيه بما يريده ، وإلا ~~حرمت زاد بعضهم : أو لينفعه بجاهه أو ماله ، وفيه نظر . انتهى . فالذي عليه ~~الأكثر من الأصحاب : جواز قبول الهدية للمفتي ، PageV04P549 ونقل المروذي : ~~لا يقبل هدية إلا أن يكافئ . قال أحمد ' الدنيا داء ، والسلطان داء ، ~~والعالم طبيب . فإذا رأيت الطبيب يجر الداء إلى نفسه فاحذره ' قال بعض ~~أصحابنا : فيه التحذير من استفتاء من يرغب في مال وشرف بلا حاجة . ( ولا ~~ينبغي أن يفتي حتى تكون له نية ، وكفاية ، ووقار ms623 ، وسكينة ، وقوة على ما هو ~~فيه ، ومعرفة به وبالناس ) قال الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه ' لا ينبغي ~~له أن يفتي إلا أن يكون له نية ، فإن لم تكن له نية لم يكن له نور ، ولا ~~على كلامه نور وحلم ، ووقار وسكينة ، قويا على ما هو فيه ، PageV04P550 ~~وعلى معرفته ، والكفاية ، وإلا مضغه الناس ، ومعرفة الناس ' . انتهى . قال ~~ابن عقيل : هذه الخصال مستحبة فيقصد الإرشاد ، وإظهار أحكام الله سبحانه ~~وتعالى ، لا رياء وسمعة ، والتنويه باسمه ، والسكينة والوقار : ترغب ~~المستفتي ، وهم ورثة الأنبياء ، فيجب أن يتخلقوا بأخلاقهم ، والكفاية لئلا ~~ينسبه الناس إلى التكسب بالعلم ، وأخذ العوض عليه . فيسقط قوله ، ومعرفة ~~الناس : تحتمل حال الرواية ، وتحتمل حال المستفتين ، فالفاسق لا يستحق ~~الرخص فلا يفتيه بالخلوة بالمحارم ، مع علمه بأنه يسكر ، ولا يرخص في السفر ~~لجند وقتنا ؛ لمعرفتنا بسفرهم ، والتسهيل على معتدات على صفات وقتنا ؛ لئلا ~~يضع الفتيا في غير محلها . قال PageV04P551 في شرح التحرير : كذا قال . ~~والخصلة الأولى واجبة ، وعن عمر مرفوعا : { إن أخوف ما أخاف على أمتي : كل ~~منافق عليم اللسان } حديث حسن رواه أحمد والدارقطني ، وقال : موقوفا أشبه ، ~~وعن عمر قال ' كنا نتحدث : إنما يهلك هذه الأمة كل منافق عليم اللسان ' ~~رواه أبو يعلى ، وفيه مؤمل بن إسماعيل وهو مختلف فيه ، وقال معاذ : ' احذر ~~زلة العالم ، وجدال المنافق ' . PageV04P552 ( ومن عدم مفتيا ) ( فله حكم ~~ما قبل الشرع ) من إباحة أو حظر أو وقف ، قال في آداب المفتي : فإن لم يجد ~~العامي من يسأله عنها في بلده ولا غيره . فقيل : له حكم ما قبل الشرع على ~~الخلاف في الحظر والإباحة والوقف ، وهو أقيس انتهى . وقطع به ابن مفلح في ~~أصوله . ( ويلزم المفتي تكرير النظر ) عند تكرار الواقعة عند الأكثر ~~PageV04P553 قال ابن عقيل : وإن لم يكرر النظر كان مقلدا لنفسه لاحتمال ~~تغير اجتهاده إذا تكرر النظر ، قال : وكالقبلة يجتهد لها ثانيا واعترض فيجب ~~تكريره أبدا رد : نعم وغلط بعضهم فيه ، وذكر بعض أصحابنا لا يلزم ؛ لأن ~~الأصل بقاء ما اطلع عليه وعدم غيره ولزوم ms624 السؤال ثانيا فيه الخلاف فلا ~~يكتفي السائل بالجواب الأول على الصحيح ، كما قلنا في تكرر النظر وعند أبي ~~الخطاب والآمدي : إن ذكر المفتي طريق الاجتهاد لم يلزمه ، وإلا لزمه ، وهو ~~ظاهر PageV04P554 ( و ) يلزم ( المستفتي ) أيضا ( تكرير السؤال عند تكرار ~~الواقعة ) ؛ لأنه قد يتغير نظر المفتي وهذا الصحيح ؛ لكن محل الخلاف إذا ~~عرف المستفتي أن جواب المفتي مستند إلى الرأي . كالقياس ، أو شك في ذلك ، ~~والغرض : أن المقلد حي ، فإن عرف استناد الجواب إلى نص أو إجماع ، فلا حاجة ~~إلى إعادة السؤال ثانيا قطعا ، وكذا لو كان المقلد ميتا . PageV04P555 صفحة ~~فارغة PageV04P556 # | ( فصل ) # ( لا يفتي إلا مجتهد ) . عند أكثر الأصحاب ، ومعناه عن أحمد ، فإنه قال : ~~وينبغي أن يكون عالما بقول من تقدم ، وقال أيضا : ينبغي للمفتي أن يكون ~~عالما بوجوه القرآن ، والأسانيد الصحيحة والسنن . وقال أيضا : لا يجوز ~~الاختيار إلا لعالم بكتاب وسنة . قال بعض أصحابنا : الاختيار ترجيح قول ، ~~وقد يفتي PageV04P557 بالتقليد . ا ه . وقال صاحب التلخيص والترغيب : يجوز ~~للمجتهد في مذهب إمامه ، لأجل الضرورة ، وقال أكثر العلماء : يجوز لغير ~~المجتهد أن يفتي ، إن كان مطلعا على المأخذ ، أهلا للنظر . قال البرماوي : ~~يجوز أن يفتي بمذهب المجتهد من عرف مذهبه ، وقام بتفريع الفقه على أصوله ، ~~وقدر على الترجيح في مذهب ذلك المجتهد ، فإنه حينئذ يصير كإفتاء المجتهد ~~بنفسه . فالمجتهد المقدم في مذهب إمامه ، وهو من يستقل بتقرير مذهبه ، ~~ويعرف مأخذه من أدلته التفصيلية ، بحيث لو انفرد لقرره كذلك ، فهذا يفتي ~~بذلك لعلمه بالمأخذ ، وهؤلاء أصحاب الوجوه . ودونهم في الرتبة : أن يكون ~~فقيه النفس ، حافظا للمذهب ، قادرا على التفريع والترجيح ، فهل له الإفتاء ~~بذلك ؟ أقوال : أصحها يجوز . انتهى . PageV04P558 وقال القفال المروزي من ~~الشافعية : من حفظ مذهب إمام أفتى به ، وقال أبو محمد الجويني : يفتي ~~المتبحر فيه ، وذكر الماوردي في عامي عرف حكم حادثة بدليلها : يفتي ، أو إن ~~كان من كتاب أو سنة ، أو المنع مطلقا ، وهو أصح ، PageV04P559 وفيه أوجه . ~~ا نتهى . وقال ابن حمدان في آداب المفتي : فمن أفتى وليس على صفة من ms625 الصفات ~~المذكورة من غير ضرورة : فهو عاص آثم ، وظاهر كلام أحمد تقليد أهل الحديث . ~~قال : سأل عبد الله الإمام أحمد فيمن أهل مصره أصحاب رأي ، وأصحاب حديث لا ~~يعرفون الصحيح : لمن يسأل ؟ قال : أصحاب الحديث . قال القاضي : وظاهره ~~تقليدهم . وقال في الواضح : ظاهر رواية عبد الله : أن صاحب PageV04P560 ~~الحديث أحق بالفتيا ، وحملها على أنهم فقهاء ، أو أن السؤال يرجع إلى ~~الرواية . ثم ذكر القاضي قول أحمد ' لا يكون فقيها حتى يحفظ أربعمائة ألف ~~حديث ' وحمله هو وغيره على المبالغة والاحتياط ، ولهذا قال أحمد ' الأصول ~~التي يدور عليها العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ينبغي أن تكون ألفا ، ~~أو ألفا ومائتين ' وذكر القاضي : أن ابن شاقلا اعترض عليه به ، فقال : إن ~~كنت لا أحفظ فإني أفتي بقول من يحفظ أكثر منه . قال القاضي : لا يقتضي هذا ~~: أنه كان يقلد أحمد ، لمنعه الفتيا بلا علم . PageV04P561 قال بعض أصحابنا ~~: ظاهره تقليده ، إلا أن يحمل على أخذ طرق العلم منه . ثم ذكر عن ابن بطة : ~~لا يجوز أن يفتي بما يسمع من مفت ، وروي عن ابن بشار : ما أعيب على رجل حفظ ~~لأحمد خمس مسائل استند إلى سارية المسجد يفتي بها . قال القاضي : هذا ~~مبالغة في فضله . قال بعض أصحابنا : هذا صريح في الإفتاء بتقليد أحمد ، ~~PageV04P562 وقال ابن هبيرة : من لم يجوز إلا تولية قاض مجتهد : إنما عنى ~~قبل استقرار هذه المذاهب وانحصار الحق فيها ، وقال الآمدي : بجواز بعض ~~الإفتاء بالتقليد . وهو ظاهر كلام ابن بشار المتقدم ، واختاره أبو الفرج في ~~الإيضاح ، وصاحب الرعاية ، والحاوي من أصحابنا . كالحنفية ؛ لأنه ناقل ~~كالراوي . رد ، ليس إذا مفتيا ، بل مخبر . ذكره جماعة ، منهم : أبو الخطاب ~~وابن عقيل والموفق ، وزاد : فيحتاج مخبر عن معين مجتهد ، فيعمل بخبره لا ~~بفتياه PageV04P563 ( ولا يجوز خلو عنه ) أي : عن مجتهد . قال ابن مفلح : ~~لا يجوز خلو العصر عن مجتهد عند أصحابنا وطوائف . قال بعض أصحابنا : ذكره ~~أكثر من تكلم في الأصول في مسائل الإجماع . ولم يذكر ابن عقيل خلافه ، إلا ~~عن ms626 بعض المحدثين ، واختاره القاضي عبد الوهاب المالكي وجمع منهم ، ومن ~~غيرهم : PageV04P564 قال الكرماني في شرح البخاري في قوله صلى الله عليه ~~وسلم { لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين } - إلى آخره قال ابن بطال ؛ لأن أمته ~~آخر الأمم . وعليها تقوم الساعة ، وإن ظهرت أشراطها ، وضعف الدين ، فلا بد ~~أن يبقى من أمته من PageV04P565 يقوم به . قال : فإن قيل : قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم { لا تقوم الساعة حتى لا يقول أحد : الله الله } وقال أيضا ~~{ لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس } قلنا : هذه الأحاديث لفظها على ~~العموم ، والمراد منها الخصوص . فمعناه : لا تقوم على أحد يوحد الله تعالى ~~إلا بموضع كذا ، إذ لا يجوز أن تكون الطائفة القائمة بالحق التي توحد الله ~~PageV04P566 تعالى هي شرار الخلق . وقد جاء ذلك مبينا في حديث أبي أمامة ~~الباهلي : أنه صلى الله عليه وسلم قال { لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على ~~الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله . قيل : وأين هم يا رسول الله ؟ ~~قال : ببيت المقدس ، أو أكناف بيت المقدس } ا ه . وقال البرماوي : واختار ~~ابن دقيق العيد في شرح العنوان مذهب الحنابلة ، وكذا في أول شرح الإلمام ، ~~بل أشار إلى ذلك إمام الحرمين في البرهان ، وكذا ابن برهان في الأوسط ، لكن ~~كلامهم محتمل الحمل على عمارة الوجود PageV04P567 بالعلماء ، لا على خصوص ~~المجتهدين . ا ه . واختار صاحب جمع الجوامع : جواز ذلك ، إلا أنه لم يقع ، ~~وقيل : إن المجتهد المطلق عدم من زمن طويل ، قال ابن حمدان في آداب المفتي ~~: ومن زمن طويل عدم المجتهد المطلق ، مع أنه الآن أيسر منه في الزمن الأول ~~؛ لأن الحديث ، والفقه قد دونا ، وكذا ما يتعلق بالاجتهاد من الآيات ~~والآثار وأصول الفقه والعربية وغير ذلك ، لكن الهمم قاصرة ، والرغبات فاترة ~~، ونار الجد والحذر خامدة ، وعين الخوف والخشية جامدة ، اكتفاء بالتقليد ، ~~واستغناء عن PageV04P568 التعب الوكيد ، وهربا من الأثقال ، وأربا في تمشية ~~الحال ، وبلوغ الآمال ، ولو بأقل الأعمال . وقال النووي في شرح المهذب : ~~فقد الآن المجتهد المطلق ms627 ، ومن دهر طويل ، نقله السيوطي في شرح منظومته ~~لجمع الجوامع . وقال الرافعي : لأن الناس اليوم كالمجمعين أن لا مجتهد ~~اليوم . نقله الأردبيلي PageV04P569 في الأنوار . قال ابن مفلح : لما نقل ~~كلامهما : وفيه نظر . قال في شرح التحرير : وهو كما قال ، فإنه وجد من ~~المجتهدين بعد ذلك جماعة . منهم الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله . قال ~~ابن العراقي والشيخ تقي الدين السبكي والبلقيني . ( وما يجيب به المقلد عن ~~حكم فإخبار عن مذهب إمامه ، لا فتيا ) قاله أبو الخطاب وابن عقيل والموفق . ~~وتقدم النقل عنهم بذلك ( ويعمل بخبره ) أي : بخبر المخبر ( إن كان عدلا ) ~~لأنه ناقل . | كالراوي PageV04P570 ( ولعامي تقليد مفضول ) من المجتهدين ~~عند الأكثر من أصحابنا ، منهم : القاضي وأبو الخطاب وصاحب الروضة ، وقاله ~~الحنفية ، والمالكية ، وأكثر الشافعية ، وقيل : يصح إن اعتقده فاضلا أو ~~مساويا ، لا إن اعتقده مفضولا ؛ لأنه ليس من القواعد : أن يعدل عن الراجح ~~إلى المرجوح ، PageV04P571 وقال ابن عقيل وابن سريج والقفال والسمعاني : ~~يلزمه الاجتهاد . فيقدم الأرجح ، ومعناه قول الخرقي والموفق في المقنع . ~~ولأحمد روايتان ، واستدل للأول بأن المفضول من الصحابة والسلف كان يفتي مع ~~وجود الفاضل ، مع الاشتهار والتكرار ، ولم ينكر ذلك أحد ، فكان إجماعا على ~~جواز استفتائه مع القدرة على استفتاء الفاضل ، وقال - تعالى - { فاسألوا ~~أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } وأيضا : فالعامي لا يمكنه الترجيح لقصوره . ~~ولو كلف بذلك لكان تكليفا بضرب من الاجتهاد ، لكن زيف ابن الحاجب ذلك بأن ~~الترجيح يظهر بالتسامع ، ورجوع العلماء إليه ، وإلى غيره لكثرة المستفتين ، ~~PageV04P572 وتقديم العلماء له ( ويلزمه ) أي : ويلزم العامي ( إن بان له ~~الأرجح ) من المجتهدين ( تقليده ) في الأصح . زاد بعض أصحابنا ، وبعض ~~الشافعية : في الأظهر . قال الغزالي : لا يجوز تقليد غيره ، قال النووي : ~~وهذا ، وإن كان ظاهرا ففيه نظر ، لما ذكرنا من سؤال آحاد الصحابة مع وجود ~~أفاضلهم . ( ويقدم الأعلم ) من المجتهدين ( على الأورع ) في الأصح ؛ لأن ~~الظن الحاصل بالأعلم ؛ ولأنه لا تعلق لمسائل الاجتهاد بالورع ( ويخير ) ~~العامي ( في ) تقليد أحد ( مستويين ) عند الأكثر من PageV04P573 أصحابنا ~~وغيرهم ، قال في ms628 الرعاية : ولا يكفيه من لم تسكن نفسه إليه فلا بد من سكون ~~النفس والطمأنينة به ، وقيل لأحمد : من نسأل بعدك ؟ قال : عبد الوهاب ~~الوراق ، فإنه صالح ، مثله يوفق للحق . ( ولا يلزمه ) أي : لا يلزم العامي ~~( التمذهب بمذهب يأخذ برخصه وعزائمه ) في أشهر الوجهين ، PageV04P574 قال ~~الشيخ تقي الدين في الأخذ برخصه وعزائمه ' طاعة غير النبي صلى الله عليه ~~وسلم في كل أمره ونهيه : وهو خلاف الإجماع ، وتوقف أيضا في جوازه ، وقال ~~أيضا : إن خالفه لقوة دليل ، أو زيادة علم ، أو تقوى ، فقد أحسن ، ولم يقدح ~~في عدالته بلا نزاع . وقال أيضا : بل يجب في هذه الحال ، وأنه نص أحمد ، ~~وكذا قال القدوري الحنفي : ما ظنه أقوى : PageV04P575 فعليه تقليده فيه ، ~~وله الإفتاء به حاكيا مذهب من قلده ، وذكر ابن هبيرة : أن من مكائد الشيطان ~~: أن يقيم أوثانا في المعنى تعبد من دون الله ، مثل : أن يتبين الحق ، ~~فيقول : هذا ليس مذهبنا ، تقليدا لمعظم عنده ، قد قدمه على الحق . وقال ابن ~~حزم : أجمعوا على أنه لا يحل لحاكم ولا لمفت تقليد رجل ، فلا يحكم ، ولا ~~يفتي إلا بقوله . وقيل : بل يلزمه أن يتمذهب بمذهب ، قال في الرعاية : هذا ~~الأشهر ، فلا يقلد غير أهله ، وقال في مصنفه آداب المفتي : يجتهد في أصح ~~المذاهب فيتبعه وقطع إلكيا من PageV04P576 الشافعية بلزومه ، قال النووي : ~~هذا كلام الأصحاب ، والذي يقتضيه الدليل : أنه لا يلزمه ( ولا ) يلزمه أيضا ~~( أن لا ينتقل من مذهب عمل به ) عند الأكثر ( فيتخير في الصورتين ) وقد ~~تقدم معنى ذلك في كلام الشيخ تقي الدين وغيره . ( ويحرم عليه ) أي : على ~~العامي ( تتبع الرخص ) وهو أنه كلما وجد رخصة في مذهب عمل بها ، ولا يعمل ~~بغيرها في ذلك المذهب ( ويفسق به ) أي : بتتبع الرخص . لأنه لا يقول بإباحة ~~جميع الرخص أحد من علماء المسلمين : فإن القائل بالرخصة في PageV04P577 هذا ~~المذهب لا يقول بالرخصة الأخرى التي في غيره . قال ابن عبد البر : لا يجوز ~~للعامي تتبع الرخص إجماعا ، ومما يحكى : أن بعض الناس تتبع رخص المذاهب من ms629 ~~أقوال العلماء . وجمعها في كتاب ، وذهب به إلى بعض الخلفاء ، فعرضه على بعض ~~العلماء الأعيان ، فلما رآها قال ' يا أمير المؤمنين ، هذه زندقة في الدين ~~، ولا يقول بمجموع ذلك أحد من المسلمين ' وذكر بعض أصحابنا عن أحمد ، في ~~فسق من أخذ بالرخص روايتين ، وحمل القاضي ذلك على غير متأول أو مقلد . ~~PageV04P578 قال ابن مفلح : وفيه نظر ، وروي عدم فسقه عن ابن أبي هريرة . ( ~~ويجب أن يعمل مجتهد بموجب اعتقاده فيما له ، و ) فيما ( عليه ) حكاه بعض ~~أصحابنا إجماعا ، وهو واضح ( وإن عمل عامي ) في حادثة ( بما أفتاه مجتهد ~~لزمه ) البقاء عليه قطعا ، وليس له الرجوع عنه إلى فتوى غيره في تلك ~~الحادثة بعينها إجماعا . نقله ابن الحاجب والهندي وغيرهما ( وإلا ) أي : ~~وإن لم يعمل بما أفتاه المجتهد ( فلا ) يلزمه العمل به PageV04P579 ( إلا ~~بالتزامه ) ذلك . قال ابن مفلح في أصوله : هذا الأشهر ، وقيل : مع ظنه أنه ~~حق ، فعلى هذا لا بد من شيئين : التزامه ، وظنه أنه حق ، اختاره في الرعاية ~~الكبرى ، وقيل : يلزمه العمل به بظنه أنه حق فقط . ( وإن اختلف عليه ) أي : ~~على العامي ( مجتهدان ) بأن أفتاه أحدهما بحكم ، والآخر بغيره ( تخير ) في ~~الأخذ بأيهما شاء على الصحيح . اختاره القاضي والمجد ، وأبو الخطاب ، وذكر ~~أنه ظاهر كلام أحمد ، فإنه رضي الله تعالى عنه : سئل عن مسألة في الطلاق ؟ ~~فقال : إن فعل حنث ، فقال السائل : إن أفتاني PageV04P580 إنسان أن لا أحنث ~~. قال : تعرف حلقة المدنيين ؟ قلت : فإن أفتوني حل . قال : نعم ، وقيل . ~~يأخذ بقول الأفضل علما ودينا . فإن استويا تخير ، وهذا اختيار الموفق في ~~الروضة ، وقيل : يأخذ بالأغلظ والأثقل من قوليهما ، وقيل : بالأخف ، وقيل : ~~بالأرجح دليلا ، وقيل : يسأل ثالثا . PageV04P581 صفحة فارغة PageV04P582 # | ( فصل ) # ( لمفت ردها ) أي : رد الفتيا ( و ) محله إذا كان ( في البلد غيره ) أي : ~~الراد . وهو ( أهل لها ) أي : للفتيا ( شرعا ) وهذا الذي عليه جماهير ~~العلماء ؛ لأن الفتيا - والحالة هذه - في حقه سنة . وقال الحليمي الشافعي : ~~ليس له ردها ، ولو كان في البلد غيره . لأنه بالسؤال تعين عليه الجواب ( ~~وإلا ms630 ) أي : وإن لم يكن في البلد غيره ( لزمه الجواب ) قطعا ، PageV04P583 ~~ذكره أبو الخطاب وابن عقيل وغيرهما ( إلا عما لم يقع ) فإنه لا يلزمه ~~الجواب عنه ( و ) إلا ( ما لا يحتمله سائل ) فإنه لا يلزمه إجابته ( و ) ~~إلا ( ما لا ينفعه ) أي : ينفع السائل من الجواب ، فإنه يلزمه أن يجيبه ، ~~وقد سئل الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه عن يأجوج ومأجوج . أمسلمون هم ؟ ~~فقال للسائل : أحكمت العلم حتى تسأل عن ذا ؟ وسئل عن مسألة في اللعان ؟ ~~فقال : سل - رحمك الله - عما ابتليت به ، وسأله مهنا عن مسألة ؟ فغضب وقال ~~: خذ - ويحك - فيما تنتفع به ، وإياك وهذه المسائل المحدثة ، وخذ ~~PageV04P584 ما فيه حديث . وسئل عن مسألة ؟ فقال : ليت إنا نحسن ما جاء فيه ~~الأثر . ولأحمد عن ابن عمر ' لا تسألوا عما لم يكن ، فإن عمر نهى عن ذلك ' ~~وله أيضا عن ابن عباس ، أنه قال عن الصحابة : ما كانوا يسألون إلا عما ~~ينفعهم ، واحتج الشافعي على كراهة السؤال عن الشيء قبل وقوعه بقوله تعالى { ~~لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد ~~لكم عفا الله عنها والله غفور حليم } { وكان صلى الله عليه وسلم ينهى عن ~~قيل وقال ، وإضاعة المال ، وكثرة السؤال } وفي لفظ { إن الله كره لكم ذلك } ~~متفق عليهما . وفي حديث اللعان { فكره صلى الله PageV04P585 عليه وسلم ~~المسائل وعابها } قال البيهقي : كره السؤال عن المسألة قبل كونها إذا لم ~~يكن فيها كتاب أو سنة ؛ لأن الاجتهاد إنما يباح ضرورة ، ثم روي عن معاذ : ' ~~أيها الناس : لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله ' وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن ~~مرسلا : معناه . قال ابن عباس لعكرمة ' من سألك عما لا يعنيه فلا تفته ' ~~وسأل المروزي أحمد رضي الله تعالى عنه عن شيء من أمر العدل . فقال : لا ~~تسأل عن هذا ، فإنك لا تدركه ، وذكر ابن عقيل : PageV04P586 أنه يحرم إلقاء ~~علم لا يحتمله السامع ، لاحتمال أن يفتنه وذكر ابن الجوزي : أنه لا ينبغي ~~إلقاء علم لا يحتمله السامع ms631 ، قال البخاري : قال علي ' حدثوا الناس بما ~~يعرفون ، أتريدون أن يكذب الله ورسوله ؟ ' وفي مقدمة مسلم عن ابن مسعود ' ~~ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم ' وعن معاوية ~~مرفوعا { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغلوطات } رواه أحمد وأبو ~~داود . قيل - بفتح الغين واحدها غلوطة - وهي المسائل التي PageV04P587 ~~يغالط بها ، وقيل : بضمها ، وأصلها الأغلوطات ( وكان السلف يهابونها ~~ويشددون فيها ، ويتدافعونها ) وأنكر أحمد وغيره على من تهجم في الجواب ، ~~وقال : لا ينبغي أن يجيب في كل ما يستفتى فيه . ( ويحرم التساهل فيها ~~وتقليد معروف به ) أي : بالتساهل ؛ لأن أمر الفتيا خطر ، فينبغي أن يتبع ~~السلف في ذلك ، فقد كانوا يهابون الفتيا كثيرا ، وقد قال الإمام أحمد رضي ~~الله تعالى عنه : إذا هاب الرجل شيئا لا ينبغي أن يحمل على أن يقوله ، وقال ~~بعض الشافعية : من اكتفى في فتياه بقول أو وجه PageV04P588 في المسألة ، من ~~غير نظر في ترجيح ولا تقيد به : فقد جهل وخرق الإجماع ، وذكر عن أبي الوليد ~~الباجي : أنه ذكر عن بعض أصحابهم أنه كان يقول : الذي لصديقي علي : أن ~~أفتيه بالرواية التي توافقه . قال أبو الوليد : وهذا لا يجوز عند أحد يعتد ~~به في الإجماع . ( ولا بأس ) لمن سئل ( أن يدل ) من سأله ( على ) رجل ( ~~متبع ) أي : يجوز اتباعه . قيل للإمام أحمد رضي الله عنه : الرجل يسأل عن ~~المسألة ، فأدله على إنسان . هل علي شيء ؟ قال : إن كان رجلا متبعا فلا بأس ~~، ولا يعجبني رأي أحد . وذكر ابن عقيل في واضحه : أنه يستحب إعلام المستفتي ~~بمذهب غيره إن كان أهلا للرخصة . كطالب التخلص من الربا ، فيدله على من يرى ~~التحيل للخلاص منه ، والخلع بعدم وقوع PageV04P589 الطلاق . انتهى . وذكر ~~القاضي أبو الحسين في فروعه في كتاب الطهارة عن أحمد : أنهم جاءوه بفتوى ، ~~فلم تكن على مذهبه . فقال : عليكم بحلقة المدنيين . ففي هذا دليل على أن ~~المفتي إذا جاءه المستفتي ، ولم يكن عنده رخصة له : أن يدله على مذهب من له ~~فيه رخصة ms632 . انتهى . قال في شرح التحرير : وهذا هو الصواب ، ولا يسع الناس ~~في هذه الأزمنة غير هذا ، ونقل أبو طالب عن أحمد : عجبا لقوم عرفوا الإسناد ~~وصحته ، يدعونه ويذهبون إلى رأي سفيان وغيره . قال تعالى { فليحذر الذين ~~يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } الفتنة : الكفر ، ~~وقال رجل لأحمد : إن ابن المبارك قال كذا وكذا . PageV04P590 قال : ابن ~~المبارك لم ينزل من السماء وقال أحمد : من ضيق علم الرجل أن يقلد ، وقال ~~ابن الجوزي : التقليد للأكابر أفسد العقائد ، ولا ينبغي أن يناظر بأسماء ~~الرجال ، إنما ينبغي أن يتبع الدليل ، فإن أحمد أخذ في الجد بقول زيد ، ~~وخالف أبا بكر الصديق . وفي واضح ابن عقيل : من أكبر الآفات : الإلف لمقالة ~~من سلف ، أو السكون إلى قول معظم في النفس لا بدليل ، فهو أعظم حائل عن ~~الحق ، وبلوى تجب معالجتها وقال في الفنون : من قال في مفردات أحمد : ~~الانفراد ليس بمحمود ، قال : الرجل ممن يؤثر الوحدة . ثم ذكر قول علي ' ~~اعرف الحق تعرف أهله ' وانفراد الشافعي ، وصواب عمر رضي الله عنه في أسارى ~~بدر ، فمن يعير بعد هذا بالوحدة . PageV04P591 صفحة فارغة PageV04P592 # | ( فصل ) # في مسائل تتعلق بآداب المستفتي والمفتي . مما ذكره ابن حمدان في كتابه ~~آداب المفتي والمستفتي . فمن ذلك : أنه ( ينبغي حفظ الأدب مع مفت وإجلاله ) ~~إياه ( فلا يفعل معه ما جرت عادة العوام به ، كإيماء بيده في وجهه ، ولا ) ~~يقول له ما لا ينبغي ، ولا ( يطالبه بالحجة ) على ما يفتي به ( ولا يقال له ~~: إن كان جوابك موافقا فاكتب ، وإلا فلا ) تكتب ( ونحوه ) كقوله : ما مذهب ~~إمامك PageV04P593 في هذه المسألة ؟ أو ما تحفظ في كذا ؟ أو أفتاني غيرك ~~بكذا ، أو أفتاني فلان بكذا ، أو قلت أنا كذا ، أو وقع لي كذا ( لكن إن علم ~~) المفتي ( غرض السائل ) في شيء ( لم يجز أن يكتب غيره ) ولا يسأله في حالة ~~ضجر ، أو هم ، أو غضب ، أو نحو ذلك . وقال البرماوي وغيره : للعامي سؤال ~~المفتي عن مأخذه استرشادا ، ويلزم العالم حينئذ أن يذكر ms633 له الدليل ، إن كان ~~مقطوعا به ، لا الظني ؛ لافتقاره إلى ما يقصر فهم العامي عنه . انتهى . ( ~~ولا يجوز ) للمفتي ( إطلاق الفتيا في اسم مشترك ) PageV04P594 قال ابن عقيل ~~في فنونه : إجماعا . قال : ومن هنا إرسال أبي حنيفة : من سأل أبا يوسف عمن ~~دفع ثوبا إلى قصار ، فقصره وجحده : هل له أجرة إن عاد فسلمه لربه ؟ وقال : ~~إن قال نعم أو لا ، فقد أخطأ . فجاء إليه ، فقال : إن كان قصره قبل جحوده : ~~فله الأجرة . وإن كان بعد جحوده فلا أجرة له ؛ لأنه قصره لنفسه . واختبر ~~أبو الطيب الطبري أصحابا له في بيع رطل تمر ، برطل تمر ، فأجازوا فخطأهم ، ~~فمنعوا فخطأهم ، فخجلوا ، فقال : إن تساويا كيلا تجوز ، فهذا يوضح خطأ ~~المطلق في كل ما احتمل التفصيل . PageV04P595 قال ابن مفلح : كذا قال ، ~~ويتوجه عمل بعض أصحابنا بظاهره ( ولا ) يجوز للمفتي ( أن يكبر خطه ، أو ~~يوسع الأسطر ) لتصرفه في مال غيره بلا إذنه ولا حاجة ، كما لو أباحه قميصه ~~، فاستعمله فيما يخرج عن العادة بلا حاجة ( أو يكثر ) من الألفاظ ( إن ~~أمكنه اختصار فيها ) أي : في فتيا ( ولا في شهادة بلا إذن مالك ) قاله في ~~عيون المسائل . قال في شرح التحرير . قلت : وفيه نظر . لا سيما في الفتاوى ~~، فإن العلماء لم يزالوا إذا كتبوا عليها أطنبوا ، وزادوا على PageV04P596 ~~المراد ، بل كان بعضهم يسأل عن المسألة ، فيجيب فيها بمجلد أو أكثر وقد وقع ~~هذا كثيرا للشيخ تقي الدين رضي الله تعالى عنه . قال ابن مفلح : ويتوجه مع ~~قرينة : خلاف لنا ، يعني على جواز ذلك ، والله أعلم . PageV04P597 صفحة ~~فارغة PageV04P598 # | ( باب ) ( ترتيب الأدلة ، والتعادل ، والتعارض ، والترجيح ) # اعلم أنه لما انتهى الكلام في مباحث أدلة الفقه المتفق عليها ، وكانت ~~الأدلة المختلف فيها ربما تعارض منها دليلان باقتضاء حكمين متضادين ، وكان ~~من موضوع نظر المجتهد وضروراته : ترجيح أحدهما ، احتيج إلى ذكر ما يحصل به ~~معرفة الترتيب والتعادل والتعارض ، والترجيح ، وحكم كل منها . وذلك إنما ~~يقوم به من هو أهل لذلك ، وهو المجتهد ، فلذلك قدم الموفق والآمدي وابن ~~الحاجب وابن مفلح ms634 وغيرهم باب PageV04P599 الاجتهاد على هذا الباب ، وإنما ~~جاز دخول التعارض في أدلة الفقه لكونها ظنية . إذا تقرر هذا ف ( الترتيب ) ~~هو ( جعل كل واحد من شيئين فأكثر في رتبته التي يستحقها ) أي يستحق جعله ~~فيها بوجه من الوجوه . وأدلة الشرع : الكتاب والسنة والإجماع والقياس ونحوه ~~. ( فيقدم ) من جميع ذلك ( إجماع ) على باقي الأدلة لوجهين . أحدهما : كونه ~~قاطعا معصوما من الخطإ . الوجه الثاني : كونه PageV04P600 آمنا من النسخ ~~والتأويل ، بخلاف باقي الأدلة ، وهو أنواع . أحدها : الإجماع النطقي ~~المتواتر ، وهو أعلاها ، ثم يليه الإجماع النطقي الثابت بالآحاد ، ثم يليه ~~الإجماع السكوتي المتواتر ، ثم يليه الإجماع السكوتي الثابت بالآحاد ، فهذه ~~الأنواع الأربعة كلها مقدمة على باقي الأدلة ثم ( سابق ) يعني أنه إذا نقل ~~إجماعان متضادان ، فالمعمول به منهما : هو السابق من الإجماعين . فيقدم ~~إجماع الصحابة على إجماع التابعين ، وإجماع التابعين على من بعدهم ، وهلم ~~جرا ؛ لأن السابق دائما أقرب إلى PageV04P601 زمن النبي صلى الله عليه وسلم ~~المشهود له بالخيرية في قوله { خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم ~~الذين يلونهم } فإن فرض في عصر واحد إجماعان ، فالثاني باطل ؛ لأن كل من ~~اجتهد من المتأخرين فقوله باطل لمخالفته الإجماع السابق ، فإن كان أحد ~~الإجماعين مختلفا فيه ، والآخر متفقا عليه ، فالمتفق عليه مقدم ، وكذلك ما ~~كان الخلاف في كونه إجماعا أضعف . فإنه يقدم على ما كان الخلاف في كونه ~~إجماعا أقوى ، وإلى ذلك أشير بقوله ( ومتفق عليه أو أقوى ) قال ابن مفلح : ~~وما اتفق عليه أو ضعف الخلاف فيه أولى . انتهى . PageV04P602 وكذلك إجماع ~~لم يسبقه اختلاف مقدم على إجماع سبق فيه اختلاف ثم وقع الإجماع . وقيل : ~~عكسه ( وأعلاه ) أي الإجماع : إجماع ( متواتر نطقي ، فآحاد ) أي فالنطقي ~~الثابت بالآحاد ( فسكوتي كذلك ) أي : فإجماع سكوتي متواتر ، فسكوتي ثابت ~~بالآحاد . وتقدم معنى ذلك قريبا في الشرح ( فالكتاب ومتواتر السنة ) يعني ~~أنه يلي الإجماع من حيث التقديم : القرآن ومتواتر السنة لقطعيتهما ، ~~فيقدمان على باقي الأدلة ؛ لأنهما قاطعان من جهة المتن ، ولهذا جاز نسخ كل ~~منهما بالآخر على الأصح ؛ لأن كلا ms635 منهما وحي من الله تعالى ، وإن افترقا من ~~حيث إن القرآن نزل للإعجاز ، ففي الحقيقة هما سواء . PageV04P603 وقيل : ~~يقدم الكتاب ؛ لأنه أشرف ، وقيل : السنة لقوله تعالى ' لتبين للناس ما نزل ~~إليهم ' أما المتواتران من السنة : فمتساويان قطعا ، ثم يلي ذلك في التقديم ~~من باقي الأدلة ما أشير إليه بقوله ( فآحادها ) أي : آحاد السنة ( على ~~مراتبها ) أي : مراتب الآحاد ، وأعلاها : الصحيح ، فيقدم على غيره ، ثم ~~الحسن ، فيقدم على غيره ، ثم الضعيف . وهو أصناف كثيرة . وتتفاوت مراتب كل ~~من الصحيح والحسن ، والضعيف ، فيقدم من كل من ذلك ما كان أقوى PageV04P604 ~~( فقول صحابي ) يعني أنه يلي ضعيف آحاد السنة في التقديم : قول الصحابي ( ~~فقياس ) بعد ذلك كله . ( و ) أما ( التعارض ) فهو ( تقابل دليلين ولو عامين ~~) في الأصح ( على سبيل الممانعة ) وذلك إذا كان أحد الدليلين : يدل على ~~الجواز ، والدليل الآخر : يدل على المنع . فدليل الجواز : يمنع التحريم ، ~~ودليل التحريم : يمنع الجواز ، فكل منهما مقابل للآخر ، ومعارض له ، ومانع ~~له ، وذكر بعض أصحابنا عن قوم : منع تعارض عمومين بلا مرجح ، وقد خص الإمام ~~أحمد رضي الله تعالى عنه نهيه صلى الله عليه PageV04P605 وسلم عن الصلاة ~~بعد الصبح والعصر بقوله صلى الله عليه وسلم { من نام عن صلاة أو نسيها ~~فليصلها إذا ذكرها } وذكر القاضي وأصحابه والموفق والشافعية تعارضهما ؛ لأن ~~كلا منهما عام من وجه وخاص من وجه . ( و ) أما ( التعادل ) فهو ( التساوي ) ~~، PageV04P606 ( لكن تعادل ) دليلين ( قطعيين محال ) اتفاقا . سواء كانا ~~عقليين أو نقليين ، أو أحدهما عقليا ، والآخر نقليا . إذ لو فرض ذلك لزم ~~اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما . وترجيح أحدهما على الآخر محال ، فلا مدخل ~~للترجيح في الأدلة القطعية ؛ لأن الترجيح فرع التعارض ، ولا تعارض فيها ، ~~فلا ترجيح ( والمتأخر ) منهما ( ناسخ ) للمتقدم إن علم التاريخ بالقطع ( ~~ولو ) كان الدليلان ( آحادا ) على الأصح ؛ لأنه انضم إلى ذلك : PageV04P607 ~~أن الأصل فيه الدوام والاستمرار . ( ومثله ) أي ومثل القطعيين في عدم ~~التعارض ( قطعي ، وظني ) لأنه لا تعادل بينهما ولا تعارض ، لانتفاء الظن ؛ ~~لأنه يستحيل وجود ظن في مقابلة يقين ms636 ، فالقطعي هو المعمول به ، والظن لغو ، ~~ولذلك لا يتعارض حكم مجمع عليه مع حكم آخر ليس مجمعا عليه . ( ويعمل ~~بالقطعي ) دون الظني ( وكذا ) دليلان ( ظنيان ) في عدم التعارض عند الإمام ~~أحمد رضي الله تعالى عنه وأصحابه وأكثر الشافعية والكرخي والسرخسي وحكاه ~~الإسفراييني عن أصحابه ، وحكاه ابن عقيل عن الفقهاء PageV04P608 ( فيجمع ~~بينهما ) إن أمكن بأن علم التاريخ ، وكان أحدهما عاما ، والآخر خاصا . أو ~~أحدهما مطلقا ، والآخر مقيدا ، ونحو ذلك ، حتى لو كان أحد الدليلين من ~~السنة والآخر من الكتاب على أصح الأقوال ، PageV04P609 وقيل : يقدم الكتاب ~~على السنة ؛ لحديث معاذ المشتمل على أنه { يقضي بكتاب الله ، فإن لم يجد ~~فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورضي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بذلك وأقره عليه } . رواه أبو داود وغيره ، وقيل : تقدم السنة على الكتاب ~~لقوله تعالى ' لتبين للناس ما نزل إليهم ' وأما قوله صلى الله عليه وسلم في ~~البحر { هو الطهور ماؤه الحل ميتته } رواه أبو داود وغيره ، مع قوله تعالى ~~وتقدس { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن PageV04P610 ~~يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير } فكل من الآية والحديث : يتناول ~~خنزير البحر ، فيتعارض عموم الكتاب والسنة في خنزير البحر فقدم بعضهم ~~الكتاب فحرمه ، وقال به من أصحابنا أبو علي النجاد وبعضهم قدم السنة فأحله ~~، وهو ظاهر كلام أحمد ، وعليه جمهور أصحابه . ( فإن تعذر ) الجمع بينهما ( ~~وعلم التاريخ ) بأن علم السابق PageV04P611 منهما ( فالثاني ناسخ ) للأول ( ~~إن قبله ) أي قبل النسخ ( وإن اقترنا خير ) المجتهد في العمل ، والإفتاء ~~بأيهما شاء ( وإن جهل ) التاريخ ( وقبله ) أي : قبل الدليل النسخ ( رجع إلى ~~غيرهما ) أي : إلى العمل بغيرهما إن أمكن ( وإلا ) أي : وإن لم يمكن ( ~~اجتهد في الترجيح ) ، ( و ) متى لم يمكنه ، بأن اجتهد في الترجيح ، ولم ~~يظهر له فيها شيء ، فإنه ( يقف ) عن العمل بواحد منهما ( إلى أن يعلمه ) ~~PageV04P612 وقال الشيخ تقي الدين : إن عجز عن الترجيح ، أو تعذر : قلد ~~عالما ، وهذا كله على عدم التعادل في الظنيين ms637 ، وعلى القول الثاني في أصل ~~المسألة ، وهو جواز تعادلها . وبه قال القاضي وابن عقيل والأكثر من غير ~~أصحابنا : أن المجتهد يخير في العمل بما شاء منهما ، كتخير أحد أصناف ~~الكفارة عند الإخراج ، ومن هنا جاز للعامي أن يستفتي من شاء من المفتين ، ~~ويعمل بقوله . وحيث قلنا بالتخيير - على القول بالتعادل أو بعدمه - فلا ~~يعمل ولا يفتى إلا بواحد في الأصح . PageV04P613 قال الباقلاني : وليس له ~~تخيير المستفتي والخصوم ، ولا الحكم في وقت بحكم ، وفي وقت بحكم آخر ، بل ~~يلزم أحد القولين . قال : وهل يتعين أحد الأقوال بالشروع فيه كالكفارة ، أو ~~بالتزامه كالنذر ؟ لهم فيه قولان . انتهى . واحتج من منع التعادل في ~~الأمارتين في نفس الأمر مطلقا بأنه لو وقع ، فإما أن يعمل بهما ، وهو جمع ~~بين المتنافيين ، أو لا يعمل بواحد منهما ، فيكون وضعهما عبثا ، وهو محال ~~على الله تعالى ، أو يعمل بأحدهما على التعيين ، وهو ترجيح من غير مرجح ، ~~أو لا على التعيين ، بل على التخيير ، والتخيير بين المباح وغيره : يقتضي ~~ترجيح أمارة الإباحة بعينها ، لأنه لما جاز له الفعل ، والترك PageV04P614 ~~كان هذا معنى الإباحة ، فيكون ترجيحا لإحدى الأمارتين بعينها ، واحتج من ~~جوز تعادل الأمارتين في نفس الأمر بالقياس على جواز تعادلهما في الذهن ، ~~وبأنه لا يلزم من فرضه محال . وقال العز بن عبد السلام في قواعده : لا ~~يتصور في الظنون تعارض ، كما لا يتصور في العلوم . إنما يقع التعارض بين ~~أسباب الظنون ، فإذا تعارضت : فإن حصل الشك لم يحكم بشيء ، وإن وجد ظن في ~~أحد الطرفين حكمنا به ؛ لأن ذهاب مقابله يدل على ضعفه . وإن كان كل منهما ~~مكذبا للآخر تساقطا ، وإن لم يكذب كل واحد منهما صاحبه عمل به حسب الإمكان ~~، كدابة عليها راكبان : يحكم لهما بها ؛ لأن PageV04P615 كلا من اليدين لا ~~تكذب الأخرى . انتهى . قال البرماوي : وهو نفيس ؛ لأن الظن هو الطرف الراجح ~~، ولو عورض بطرف آخر راجح : لزم أن يكون كل واحد منهما راجحا مرجوحا وهو ~~محال . ( و ) أما ( الترجيح ) فهو ( تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى ms638 لدليل ~~) ولا يكون إلا مع وجود التعارض . فحيث انتفى التعارض انتفى الترجيح ؛ لأنه ~~فرعه ، لا يقع إلا مرتبا على وجوده . وقال ابن مفلح : الترجيح هو اقتران ~~الأمارة بما تقوى به على معارضها ، وقال بعضهم : المراد بوصف ، فلا يرجح نص ~~، ولا قياس بمثله . انتهى . PageV04P616 ثم اعلم أنه لا تعارض بالحقيقة في ~~حجج الشرع ، ولهذا أخر ما أمكن . قال أبو بكر الخلال من أئمة أصحابنا ~~المتقدمين : لا يجوز أن يوجد في الشرع خبران متعارضان ليس مع أحدهما ترجيح ~~يقدم به ، فأحد المتعارضين باطل : إما لكذب الناقل أو خطئه بوجه ما من ~~النقليات ، أو خطإ الناظر في النظريات ، أو لبطلان حكمه بالنسخ . انتهى . ~~PageV04P617 وقال إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة رحمه الله : لا أعرف حديثين ~~صحيحين متضادين . فمن كان عنده شيء منه فليأتني به لأؤلف بينهما ، وكان من ~~أحسن الناس كلاما في ذلك . نقله العراقي في شرح الألفية في الحديث . ~~فالترجيح : فعل المرجح الناظر في الدليل ، وهو تقديم إحدى الأمارتين ~~الصالحتين للإفضاء إلى معرفة الحكم ، لاختصاص تلك الأمارة بقوة في الدلالة ~~، كما لو تعارض الكتاب والإجماع في حكم ، فكل منهما طريق يصلح ؛ لأن يعرف ~~به الحكم ، لكن الإجماع اختص بقوة على الكتاب من حيث الدلالة ، وذكر أبو ~~محمد البغدادي عن قوم : منع الترجيح مطلقا . قال الطوفي : التزامه في ~~الشهادة متجه ثم هي آكد . PageV04P618 ثم اعلم أن العمل بالراجح فيما له ~~مرجح : هو قول جماهير العلماء سواء كان المرجح معلوما أو مظنونا ، حتى إن ~~المنكرين للقياس عملوا بالترجيح في ظواهر الأخبار ، وخالف أبو بكر بن ~~الباقلاني في جواز العمل بالمرجح المظنون . وقال : إنما أقبل الترجيح ~~بالمقطوع به . كتقديم النص على القياس ، لا بالأوصاف ، ولا الأحوال ، ولا ~~كثرة الأدلة ونحوها ، فلا يجب العمل به ، فإن الأصل امتناع العمل بالظن . ~~PageV04P619 خالفناه في الظنون المستقلة بنفسها ؛ لإجماع الصحابة . فيبقى ~~الترجيح على أصل الامتناع ، لأنه عمل بظن لا يستقل بنفسه ، ورد قوله ~~بالإجماع على عدم الفرق بين المستقل وغيره ، وقد رجحت الصحابة قول عائشة ~~رضي الله تعالى عنها ms639 في { التقاء الختانين فعلته أنا ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم } على ما رواه الجماعة عن النبي صلى الله عليه وسلم { إنما الماء ~~من الماء } لكونها أعرف بذلك منهم . PageV04P620 قال الطوفي : وليس قوله ~~بشيء ؛ لأن العمل بالأرجح متعين عقلا وشرعا ، وقد عملت الصحابة بالترجيح ~~مجمعين عليه ، والترجيح دأب العقل والشرع . حيث احتاجا إليه . ( ولا ترجيح ~~في الشهادة ) لأن بان الشهادة مشوب بالتعبد ، بدليل أن الشاهد لو أبدل لفظة ~~' أشهد ' بأعلم ، أو أتيقن ، أو أخبر ، أو أحقق : لم يقبل ، ولا تقبل شهادة ~~جمع كثير من النساء على يسير من المال ، حتى يكون معهن رجل ، مع أن شهادة ~~الجمع الكثير من النساء يجوز أن يحصل به العلم التواتري ، وما ذاك إلا ~~لثبوت التعبد PageV04P621 ( ولا ) ترجيح أيضا ( في المذاهب الخالية عن دليل ~~) ؛ لأن الترجيح إنما هو في الألفاظ المسموعة والمعاني المعقولة ، وأصل هذه ~~المسألة : أن القاضي عبد الجبار قال : إن الترجيح له مدخل في المذاهب بحيث ~~يقال مثلا : مذهب الشافعي أرجح من مذهب أبي حنيفة ، أو نحو ذلك وقد خالف ~~عبد الجبار غيره ، وحجة عبد الجبار : أن المذاهب آراء ، واعتقادات مستندة ~~إلى الأدلة ، وهي تتفاوت في القوة والضعف ، فجاز دخول الترجيح فيها كالأدلة ~~. واحتج المانعون لما قاله بوجوه . أحدها : أن المذاهب لتوفر انهراع الناس ~~إليها ، وتعويلهم عليها . صارت كالشرائع والملل المختلفة ، ولا PageV04P622 ~~ترجيح في الشرائع ، وقد ضعف هذا الوجه بأن انهراع الناس إليها لا يخرجها عن ~~كونها ظنية تقبل الترجيح ، ولا نسلم أنها تشبه الشرائع ، وإن سلمنا ، فلا ~~نسلم أن الشرائع لا تقبل الترجيح ، باعتبار ما اشتملت عليه من المصالح ~~والمحاسن ، وإن كان طريق جميعها قاطعا . الوجه الثاني : أنه لو كان للترجيح ~~مدخل في المذاهب لاضطرب الناس ، ولم يستقر أحد على مذهب . فلذلك لم يكن ~~للترجيح فيه مدخل كالبينات ، وهذا الوجه أيضا ضعيف ، واللازم منه مستلزم ، ~~وكل من ظهر له رجحان مذهب وجب عليه الدخول فيه . كما يجب على المجتهد الأخذ ~~بأرجح الدليلين . PageV04P623 الوجه الثالث : أن كل واحد من المذاهب ليس ~~متمحضا في ms640 الخطإ ولا في الصواب ، بل هو مصيب في بعض المسائل ، مخطئ في ~~بعضها ، وعلى هذا : فالمذهبان لا يقبلان الترجيح ، لإفضاء ذلك إلى الترجيح ~~بين الخطإ والصواب في بعض الصور ، أو بين خطأين أو صوابين ، والخطأ لا مدخل ~~للترجيح فيه اتفاقا ، وهذا الوجه يشير قائله فيه إلى أن النزاع لفظي ، وهو ~~أن من نفى الترجيح فإنما أراد : لا يصح ترجيح مجموع مذهب على مجموع مذهب ~~آخر . لما ذكر ، ومن أثبت الترجيح بينهما : أثبته باعتبار مسائلهما الجزئية ~~، وهو صحيح ، إذ يصح أن يقال : مذهب مالك في أن الماء المستعمل في رفع ~~الحدث طهور أرجح من مذهب الشافعي وأحمد في أنه غير طهور ، وكذا في غيرها من ~~المسائل . PageV04P624 ( ولا ) ترجيح أيضا ( بين علتين ) ، ( إلا أن تكون ~~كل ) واحدة ( منهما طريقا للحكم منفردة ) قاله في التمهيد وغيره : وذلك ~~لأنه لا يصح ترجيح طريق على ما ليس بطريق ، وقال الشيخ تقي الدين : يقع ~~الترجيح إن أمكن كونه طريقا قبل ثبوته ( ورجحان الدليل : كون الظن المستفاد ~~منه أقوى ) من الظن المستفاد من غيره . وقد تقدم أن الترجيح : فعل المرجح ، ~~وأما رجحان الدليل : فهو صفة قائمة به ، أو مضافة إليه ، ويظهر هذا في ~~التصريف ، تقول : رجحت الدليل ترجيحا ، PageV04P625 فأنا مرجح ، والدليل ~~مرجح ، وتقول : رجح الدليل رجحانا ، فهو راجح . فأسندت الترجيح إلى نفسك ~~إسناد الفعل إلى الفاعل ، وأسندت الرجحان إلى الدليل ، فلذلك كان الترجيح ~~وصف المستدل . والرجحان وصف الدليل ، ولما أهمل - أو سها - عن هذه الطريقة ~~بعض المتأخرين وهم في الفرق بين دلالة اللفظ والدلالة باللفظ ، والفرق ~~بينهما : أن دلالة اللفظ صفة له . وهي كونه بحيث يفيد مراد المتكلم به ، أو ~~إفادته مراد المتكلم . كأن تقول : عجبت من دلالة اللفظ ، أو من أن دل اللفظ ~~. فإذا فسرتها بأن والفعل الذي ينحل إليهما : المصدر . كان الفعل مسندا إلى ~~اللفظ إسناد الفاعلية . والدلالة باللفظ صفة المتكلم وفعله ، وهي إفادة ~~المتكلم من اللفظ ما أراد منه ؛ لأنك تقول : عجبت من دلالة فلان بلفظه ، ~~PageV04P626 ومن أن دل فلان بلفظة كذا ، فتسند ذلك ms641 إلى فلان ، وهو المتكلم ~~، لا إلى اللفظ ، ومن أمثلة ما الظن المستفاد منه أقوى من غيره : الظن ~~المستفاد من قياس العلة ، فإنه أقوى من الظن المستفاد من قياس الشبه . ( ~~ويجب تقديم الراجح ) من الأدلة على المرجوح منها ( ويكون ) الترجيح ( بين ) ~~دليلين ( منقولين ) كنصين ( و ) بين ( معقولين ) كقياسين ( و ) بين ( منقول ~~ومعقول ) كنص ، وقياس ، فهذه ثلاثة أقسام . ومحل ذلك : عند مشروعية ~~الاجتهاد في الترجيح ، وهو ما إذا كان الدليلان ظنيين ، و جهل أسبقهما ، ~~وتعذر الرجوع إلى غيرهما . لأن ترجيحات الأدلة الظنية موصلة إلى التصديقات ~~الشرعية . أما القسم ( الأول ) وهو الذي بين منقولين ، فيكون ( في السند ~~والمتن ، ومدلول اللفظ وأمر خارج ) عما ذكر ، فهذه أربعة أنواع . أما ~~PageV04P627 وقوعه في السند : فلكونه طريق ثبوته ، وأما وقوعه في المتن : ~~فباعتبار مرتبة دلالته ، وأما وقوعه في مدلول اللفظ وأمر خارج فلما يترتب ~~على اللفظ ، وما ينضم إليه من أمر خارج من أحد الأحكام الخمسة المدلول ~~عليها به ( فالسند ) وهو النوع الأول ، ويقع الترجيح بحسبه في أربعة أشياء ~~. الشيء الأول : الراوي ، ويكون في نفسه وفي تزكيته ، فبدأنا بما في نفسه . ~~ثم اعلم أن الذي عليه الأربعة والأكثر : أن السند ( يرجح بالأكثر رواة ) ~~وهو بأن تكون رواته أكثر من رواة غيره ؛ لأن العدد الكثير أبعد عن الخطإ من ~~العدد القليل ؛ لأن كل واحد من الكثير يفيد ظنا . فإذا انضم إلى غيره قوي ، ~~فيكون مقدما لقوة PageV04P628 الظن ، وقد رجح رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قول ذي اليدين بموافقة أبي بكر وعمر لما قاله ، وعمل بذلك الصحابة بعده ، ~~ومن أمثلة ذلك : مسألة رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام عند ركوع ورفع منه ~~، فروى إبراهيم عن علقمة عن ابن PageV04P629 مسعود { أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام ثم لا يعود ، وروى ابن عمر : ~~أنه صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ، وإذا كبر للركوع ~~، وإذا رفع رأسه من الركوع } ورواه ابن عمر ووائل PageV04P630 ابن حجر وأبو ~~حميد الساعدي في عشرة من ms642 الصحابة ، منهم : أبو قتادة وأبو أسيد ، وسهل بن ~~سعد ومحمد بن مسلمة ، ورواه أيضا أبو بكر وعمر وعلي وأنس ، وجابر ، وابن ~~PageV04P631 الزبير ، وأبو هريرة وجمع غيرهم ، بلغوا ثلاثة وثلاثين صحابيا ~~. وقدم ابن برهان الأوثق على الأكثر . قال المجد : وهو قياس مذهبنا ، وخالف ~~الكرخي وغيره ، فقال : لا يرجح بالكثرة . وذكره PageV04P632 ابن عقيل عن ~~بعض الشافعية ، ونقله صاحب الميزان من الحنفية عن أكثر الحنفية : أنه ~~كالشهادة والفتوى ، ورد قياسهم على الشهادة بأن عند مالك : الكثرة في ~~الشهود تقدم ، وهو قول لنا ، ثم الشهادة تعبد ، وحجة متفق عليها ، ومقدرة ~~شرعا بعدد ، ولم ترجح الصحابة فيها بمثله ، PageV04P633 وقال القاضي وأبو ~~الخطاب : ولم يرجح فيها بالأتقن الأعلم ، ورد قياسهم على الفتوى : بأنه لا ~~يقع العلم بها فليس طريقها الخبر . إنما نقف على علم المفتي ، وقد يكون ~~الواحد أعلم . وعند أحمد ومالك والشافعي ( أو أكثر أدلة ) فإن كثرة الأدلة ~~تفيد تقوية الظن ؛ لأن الظنين أقوى من الظن الواحد ، لكون الأكثر أدلة أقرب ~~إلى القطع ، فيرجح بذلك PageV04P634 خلافا للحنفية . ( و ) الثاني من ~~المرجحات : أن يكون أحد الراويين راجحا على الآخر في وصف يغلب على الظن ~~صدقه فيرجح ( بالأزيد ثقة . وبفطنة ، وورع ، وعلم ، وضبط ، ولغة ، ونحو ) ~~فكل وصف من هذه الأوصاف يرجح به على من لم يبلغه ( و ) يرجح أيضا ( بالأشهر ~~بأحد ) الأوصاف ( السبعة ) المذكورة ، وإن لم يعلم رجحانه فيها ، فإن كونه ~~أشهر إنما PageV04P635 يكون في الغالب لرجحانه ( و ) يكون الترجيح أيضا ( ~~بالأحسن سياقا ) لأن حسن السياق دليل على رجحانه ( و ) يكون الترجيح أيضا ( ~~باعتماد ) الراوي ( على حفظه ) للحديث ( أو ذكره ) له ؛ لأن الحفظ ، والذكر ~~لا يحتمل الاشتباه بخلاف اعتماده على الخط والنسخة ، فإنهما يحتملان ~~الاشتباه ( و ) يرجح أيضا ( بعمله بروايته ) أي بكون الراوي علم أنه عمل ~~برواية نفسه ؛ لأن من عمل بما رواه يكون أبعد من الكذب من خبر من لم يوافق ~~عمله خبره ، PageV04P636 ومتى وجد حديثان مرسلان - وكان الراوي لأحدهما ~~يرسل عن العدل وعن غيره ، والراوي الآخر لا يرسل إلا عن عدل - رجح الذي ~~راويه لا ms643 يرسل إلا عن عدل ، وإلى ذلك أشير بقوله ( أو لا يرسل إلا عن عدل ) ~~. وكذا يرجح المباشر لما رواه من فعل ، وصاحب القصة على غيرهما ، وإلى ذلك ~~أشير بقوله ( أو مباشر أو صاحب القصة ) PageV04P637 فمثال المباشر : رواية ~~أبي رافع { تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة ، وهو حلال ، وكنت السفير ~~بينهما } فإنها رجحت على رواية ابن عباس { أنه تزوجها وهو محرم } ومثال ~~رواية صاحب القصة : رواية ميمونة نفسها أنها قالت { تزوجني النبي صلى الله ~~عليه وسلم ونحن PageV04P638 حلالان } فإن هذه الرواية مقدمة على رواية ابن ~~عباس رضي الله عنهما أيضا . وترجح الرواية أيضا : بكون الراوي مشافها ~~بالرواية ، وبكونه أقرب عند سماعه ، وإلى ذلك بقوله ( أو مشافها ، أو أقرب ~~عند سماعها ) فمثال المشافهة : رواية القاسم عن عائشة PageV04P639 رضي الله ~~تعالى عنها - وهي عمته - { أن بريرة عتقت وزوجها عبد } PageV04P640 فإنها ~~مقدمة على رواية الأسود عنها { أنه كان حرا } لأنه أجنبي ، ومثال رواية ~~الأقرب عند سماعها : رواية ابن عمر رضي PageV04P641 الله تعالى عنهما { أنه ~~صلى الله عليه وسلم أفرد التلبية } فإنها مقدمة على رواية من روى { أنه ثنى ~~} لأنه روي { أن ابن عمر كان تحت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم حين لبى } ~~وترجح رواية أكابر الصحابة - وهم رؤساؤهم - على غيرها PageV04P642 على ~~الصحيح من الروايتين ، وإلى ذلك أشير بقوله ( أو من أكابر الصحابة ، فيقدم ~~الخلفاء الأربعة ) أي روايتهم على غيرها ، وذلك لقربهم من النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثم الأقرب فالأقرب منه ؛ لأن من قرب من إنسان كان أعلم بحاله من ~~البعيد ؛ ولأن الرئيس من كل طائفة أشد تصونا وصونا لمنصبه من غيره ، ~~PageV04P643 وعند ابن الحاجب وابن مفلح والهندي وجمع : تقدم رواية متقدم ~~الإسلام على متأخره ، وإلى ذلك أشير بقوله ( أو متقدم الإسلام ) وعند ~~القاضي والمجد والطوفي : أنهما سواء ؛ لأن كل واحد منهما اختص بصفة . ~~فمتقدم الإسلام : اختص بأصالته في الإسلام ، ومتأخره : اختص بأنه لا يروي ~~إلا آخر الأمرين ، فكانا سواء ، وقال ابن عقيل والأكثر : ترجح رواية متأخر ~~الإسلام على متقدمه ؛ لأنه يحفظ ms644 آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه ~~PageV04P644 وسلم ولهذا لما روى جرير بن عبد الله البجلي { رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بال ، ثم توضأ ومسح على خفيه } قال إبراهيم النخعي ' ~~كان يعجبهم هذا الحديث ؛ لأن PageV04P645 إسلام جرير كان بعد نزول سورة ~~المائدة ' متفق عليه ، وإنما قدمنا ما عند ابن الحاجب ومن وافقه ، مع كونه ~~خلاف رأي الجمهور : تبعا لتقديمه له في التحرير ، ويقدم عند ابن عقيل وأبي ~~الخطاب : رواية من هو أكثر PageV04P646 صحبة على غيره ، وإلى ذلك أشير ~~بقوله ( أو أكثر صحبة ) زاد أبو الخطاب ( أو قدمت هجرته ) وقال الآمدي وابن ~~حمدان ( أو مشهور النسب ) زاد الآمدي ومن تبعه : أو غير ملتبس بضعيف ، ورد ~~ذلك . ووجه الترجيح بشهرة النسب : لكثرة تحرزه عما ينقص رتبته ، ويقدم من ~~سمع بالغا على من سمع صغيرا ، وإلى ذلك أشير بقوله ( أو سمع بالغا ) وذلك ~~لقوة ضبطه ، وكثرة احتياطه . وللخروج من الخلاف ، فيكون الظن به أقوى ، ~~PageV04P647 وقد تقدم أن ترجيح الراوي يكون بما في نفسه ، وتقدم الكلام ~~عليه . ( و ) يكون بتزكيته ، فيرجح بعض الرواة على بعض ( بكثرة مزكين و ) ~~إن استووا في الكثرة رجح ( بأعدليتهم ) ، ( و ) إن استووا في الأعدلية رجح ~~( بأوثقيتهم . و ) الشيء الثاني في الرواية فيقدم حديث ( مسند على ) حديث ( ~~مرسل ) عند جماهير العلماء ؛ لأن فيه مزية الإسناد ، فيقدم بها ، ولأن ~~المرسل قد يكون بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم مجهول ، ولأنه مختلف ~~PageV04P648 في كونه حجة ، والمسند متفق على حجيته ، وكذا كل متفق عليه مع ~~كل مختلف فيه من جنسه . ( و ) يقدم ( مرسل تابعي على ) مرسل ( غيره ) لأن ~~الظاهر أنه رواه عن صحابي ( و ) يرجح أحد المسندين ( بالأعلى إسنادا ) ~~منهما ، والمراد به : قلة عدد الطبقات إلى منتهاه . فيرجح على ما كان أكثر ~~؛ لقلة احتمال الخطإ بقلة الوسائط ، ولهذا رغب الحفاظ في PageV04P649 علو ~~السند . فلم يزالوا يتفاخرون به ( و ) يرجح حديث ( معنعن ) أي : متصل بقول ~~الراوي ' حدثني فلان عن فلان عن فلان ' إلى أن يبلغ به إلى النبي صلى الله ms645 ~~عليه وسلم ( على ما ) أي : على حديث ( أسند ) بالبناء للمفعول ( إلى كتاب ~~محدث ) من كتب المحدثين ( وكتابه ) أي ويرجح ما بكتاب محدث مسند ( على ) ~~كتاب ( مشهور بلا نكير ) لكنه غير مسند ( و ) يرجح ( الشيخان ) أي : ما ~~اتفق البخاري ومسلم على روايته في كتابيهما ( على ) ما في كتب ( غيرهما ) ~~من PageV04P650 المحدثين ؛ لأنهما أصح الكتب بعد القرآن ، لاتفاق الأمة على ~~تلقيهما بالقبول حتى قال الشيخ تقي الدين وابن الصلاح ، والأستاذ أبو إسحاق ~~: إن ما فيهما مقطوع بصحته ، وخالف النووي ؛ لقول الأكثر : إن خبر الآحاد ~~لا يفيد إلا الظن ، ولا يلزم من اتفاق الأمة على العمل بهما : إجماعهم على ~~أن ما فيهما مقطوع بصحته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فالبخاري ، ~~فمسلم ) يعني ثم يرجح ما انفرد به البخاري على ما انفرد به مسلم ( فما صحح ~~) ثم يرجح بعد ذلك ما صحح من الأحاديث على ما لم يصحح ، وتختلف مراتب ذلك . ~~فيرجح ما كان على شرط الشيخين ، ثم ما على شرط البخاري ، ثم ما على شرط ~~مسلم . كما PageV04P651 فصل ذلك الحاكم في مستدركه ، ثم بعد ذلك ما صحح ~~وليس على شرط واحد من الشيخين ( فمرفوع ، ومتصل على موقوف ، ومنقطع ) يعني ~~ثم يقدم بعد ذلك الحديث المرفوع ؛ لمزيته برفعه على الحديث الموقوف ، ويقدم ~~الحديث المتصل لمزيته بالاتصال على الحديث المنقطع ( و ) حديث ( متفق على ~~رفعه ، أو ) على ( وصله : على ) حديث ( مختلف فيه ) أي في رفعه أو في وصله ~~؛ لأن للمتفق عليه مزية على المختلف فيه ( و ) تقدم ( رواية متفقة ) أي لم ~~يختلف لفظها PageV04P652 ولا معناها ولا مضطربة ( على ) رواية ( مختلفة أو ~~مضطربة ) مطلقا على الصحيح . ( و ) الشيء الثالث : في المروي فيقدم ( ما ) ~~أي حديث ( سمع منه صلى الله عليه وسلم على محتمل ) أي على ما احتمل سماعه ~~وعدم سماعه ( و ) كذا ( على كتابه ) عند الجرجاني وابن عقيل والمجد والآمدي ~~. وقال الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه : كتابه وما سمع منه سواء ، فيحتمل ~~أن يكون مراده في الحجة بهذا وبهذا ، ويحتمل PageV04P653 أن يكون مراده ms646 : ~~أنه لا ترجيح بينهما وقال القاضي ، وتبعه ابن البناء : إنهما سواء ، وتعلق ~~القاضي بخبر ابن عكيم في الدباغ ، وكذا قال ابن عقيل ، وأنه ظاهر كلام أحمد ~~، وقال بعض أصحابنا : عمل به أحمد PageV04P654 لتأخره ، فلا معارضة . ( و ) ~~يقدم ما سمع منه أيضا ( على ما سكت عنه مع حضوره ) يعني أنه يرجح حديث سمع ~~من النبي صلى الله عليه وسلم على حديث ذكر أنه سكت عنه مع حضوره . ذكره ابن ~~مفلح ؛ لأن المسموع من النبي صلى الله عليه وسلم أعلى مما استفيد حكمه من ~~تقريره لغيره على قول أو فعل . ( ثم ذا ) أي : ثم يقدم ذا وهو ما سكت عنه ( ~~مع حضوره على ) ما سكت عنه ( مع غيبته ) وعلم به ( إلا ما ) أي إلا شيئا ~~وقع في غيبته وعلم به ، وكان ( خطر السكوت عنه أعظم ) قال القطب الشيرازي : ~~PageV04P655 يرجح بسكوته صلى الله عليه وسلم عما جرى في مجلسه على سكوته ~~عما جرى في غيبته ، وسمع به ولم ينكر . اللهم إلا إذا كان خطر ما جرى في ~~غيبته آكد وآثم من خطر ما جرى في مجلسه ، بحيث تكون الغفلة عنه لشدة خطره ~~أبعد . فإنه يكون أولى . انتهى . ( و ) يقدم ( قوله صلى الله عليه وسلم على ~~فعله ) صلى الله عليه وسلم وذلك لصراحة القول : ولهذا اتفق على دلالة القول ~~، بخلاف دلالة الفعل ؛ لاحتمال أن يكون الفعل مختصا به ، ولأن للقول صيغة ~~دلالة ، بخلاف الفعل ، وقيل : هما سواء ، وقيل : الفعل أولى ( وهو ) أي ~~وفعله صلى الله عليه وسلم مقدم ( على تقريره ) PageV04P656 يعني أن فعله ~~صلى الله عليه وسلم مقدم على تقريره ، وهو ما رآه صلى الله عليه وسلم وسكت ~~عنه ؛ لأن التقرير يطرقه من الاحتمال ما ليس في الفعل الوجودي . ولذلك كان ~~في دلالة التقرير على التشريع اختلاف . ( و ) يقدم ( ما لا تعم به البلوى ~~في الآحاد ) يعني أن الواحد إذا انفرد بحديث لا تعم به البلوى ، وانفرد آخر ~~بحديث تعم به البلوى ؛ لتوفر الدواعي على نقله ، فإن ما لا تعم به البلوى ~~يقدم ( على ms647 ما تعم به ) البلوى ؛ لأن ما لم تعم به البلوى أبعد من الكذب ~~مما تعم به البلوى ؛ لأن تفرد الواحد بنقل ما تتوفر الدواعي على نقله يوهم ~~الكذب . ( و ) الشيء الرابع في المروي عنه . فيقدم ( ما ) أي حديث ( لم ~~ينكره المروي عنه ) على ما أنكره PageV04P657 مطلقا . ( و ) يقدم ( ما ~~أنكره ) المروي عنه حال كون إنكاره ( نسيانا ) على ما قال عنه : إنه متحقق ~~أنه لم يروه ، وإلى ذلك أشير بقوله ( على ضدهما ) قال العضد : الترجيح بحسب ~~المروي عنه : هو أن لا يثبت إنكاره لروايته ، على ما ثبت إنكاره لروايته ~~وهذا يحتمل وجهين ما لم يقع لراويه إنكار له ، وما لم يقع للناسي إنكار ~~لروايته ، واللفظ محتمل . والوجهان مذكوران في الكتب المشهورة ، لكن المصرح ~~به في المنتهى هو PageV04P658 الأول . انتهى . النوع الثاني مما يقع فيه ~~الترجيح بين منقولين ( المتن ) و ( يرجح ) منه ( نهي ) على ( أمر ) يعني ~~أنه يرجح الخبر الذي فيه النهي على الخبر الذي فيه الأمر لشدة الطلب فيه ؛ ~~لاقتضائه للدوام ، حتى قال كثير ممن قال : الأمر لا يفيد التكرار ، قال : ~~النهي يفيد التكرار ؛ ولأن دفع المفسدة أهم من جلب المصلحة ( وأمر على مبيح ~~) يعني : أنه يرجح خبر فيه أمر على خبر فيه مبيح ، لاحتمال الضرر بتقديم ~~المبيح بلا عكس ، وهذا اختيار الأكثر ، وقال الآمدي وابن حمدان والهندي : ~~يرجح المبيح على الأمر ؛ PageV04P659 لاتحاد مدلوله ولعدم تعطيله ، وإمكان ~~تأويل الأمر ، فعلى الأول - وهو تقديم الأمر على المبيح - يقدم النهي على ~~المبيح ، وعلى قول الآمدي ومن تابعه : عكسه ، وهو ترجيح المبيح على النهي . ~~( و ) يرجح ( خبر ) محض ( على الثلاثة ) أي على النهي ، والأمر ، والإباحة ~~؛ لأن دلالة الخبر على الثبوت أقوى من دلالة غيره من الثلاثة عليه ؛ ولأنه ~~لو لم يقل به لزم الخلف في خبر الصادق . ( و ) يرجح لفظ ( متواطئ على ) لفظ ~~( مشترك ) قاله ابن حمدان وابن مفلح وغيرهما . ( و ) يرجح ( مشترك قل ~~مدلوله على ما ) أي على مشترك ( كثر ) مدلوله ، فيرجع مشترك بين معنيين على ~~مشترك بين ثلاث معان PageV04P660 ( و ) يرجح ما ms648 فيه ( معنى ظهر استعماله ~~على عكسه ) أي على ما فيه معنى لم يظهر استعماله . قال ابن عقيل في الواضح ~~وابن البناء : أن يكون أحد المعنيين أظهر في الاستعمال ، كما ذكرنا في ' ~~الحمرة ' وأنها أظهر في الشفق . انتهى . ( و ) يرجح ما فيه ( اشتراك بين ~~علمين على ) ما فيه اشتراك بين ( علم ومعنى ، و ) ما فيه اشتراك ( بين علم ~~ومعنى على ) ما فيه اشتراك بين ( معنيين ) قال الإسنوي في شرح البيضاوي : ~~الاشتراك بين علمين خير من الاشتراك بين علم ومعنى ، لأن العلم يطلق على ~~شخص مخصوص . فإن المراد علم الشخص لا علم الجنس ، والمعنى يصدق على أشخاص ~~كثيرة ، فكان اختلال الفهم بجعله PageV04P661 مشتركا بين علمين أقل ، فكان ~~أولى . مثاله أن يقول [ شخص ] : رأيت أسودين ، فحمله على شخصين كل واحد ~~منهما [ اسمه ] أسود : أولى من [ حمله على ] شخص اسمه أسود ، والآخر لونه ~~أسود ، والاشتراك بين علم ، ومعنى خير من الاشتراك بين معنيين لقلة الإخلال ~~فيه . مثاله : رأيت الأسودين أيضا ، فحمله على العلم والمعنى : أولى من ~~حمله على شخصين لونهما أسود . ( و ) يرجح ( مجاز على مجاز ) آخر بأسباب . ~~PageV04P662 منها : الترجيح ( بشهرة علاقته ) وذلك بأن تكون العلاقة بينه ~~وبين الحقيقة أشهر من العلاقة بين المجاز الآخر والحقيقة . مثل : أن يكون ~~أحدهما من باب المشابهة ، والآخر من باب اسم المتعلق ( و ) منها الترجيح ( ~~بقوتها ) أي قوة العلاقة ، بأن يكون مصحح أحد المجازين أقوى من مصحح الآخر ~~. كإطلاق اسم الكل على الجزء ، وبالعكس ، فإن العلاقة المصححة في الأول : ~~أقوى من العلاقة المصححة في الثاني ( و ) منها الترجيح ( بقرب جهته ) أي ~~جهة أحد المجازين إلى الحقيقة . كحمل نفي الذات على نفي الصحة . فإنه أقرب ~~إليه من نفي الكمال ( و ) منها الترجيح ( برجحان على دليله ) أي بأن يكون ~~دليل أحد المجازين راجحا على دليل المجاز الآخر . وذلك بأن تكون ~~PageV04P663 القرينة الصارفة في أحدهما قطعية ، وفي الآخر غير قطعية ( و ) ~~منها الترجيح ( بشهرة استعماله ) وذلك بأن يكون أحد المجازين مشهور ~~الاستعمال ، فيقدم على المجاز الذي هو غير مشهور الاستعمال . ( و ms649 ) يرجح ( ~~مجاز على مشترك ) يعني أنه إذا ورد اسم يمكن حمله على أنه مجاز وعلى أنه ~~مشترك : كان حمله على المجاز أرجح ، صححه ابن مفلح وغيره ؛ لأن الاشتراك ~~يخل بالتفاهم ، ولحاجة المشترك إلى قرينتين بحسب معنييه ، على معنى أن ~~استعماله في كل واحد من معنييه يحتاج إلى قرينة مخصصة له ، إذ لا ترجيح ~~لواحد من معنييه على الآخر حينئذ ، كالعين ، فإنها تحتاج عند استعمالها في ~~الباصرة إلى قرينة PageV04P664 تخصصها ، وكذلك استعمالها في الجارية ، ~~بخلاف المجاز ، فإنه يحتاج إلى قرينة واحدة عند استعماله في معناه المجازي ~~، ولا يحتاج إلى قرينة بالنظر إلى المعنى الحقيقي كالأسد ، فإنه يحتاج إلى ~~القرينة عند استعماله في الرجل الشجاع ، ولا يحتاج إليها عند استعماله في ~~الحيوان المفترس ، والمجاز أغلب وقوعا . قال ابن جني : أكثر اللغة مجاز ، ~~وأيضا : فهو من حيثية البلاغة وما يتبعها أبلغ ، نحو زيد أسد ، زيد بحر ، ~~وأوفق حينئذ للطباع وأوجز إذ ذاك . ( و ) يرجح ( تخصيص على مجاز ) يعني أنه ~~إذا احتمل الكلام أن يكون فيه تخصيص ومجاز ، فحمله على التخصيص أرجح . قطع ~~به ابن مفلح ؛ لتعين الباقي من العام بعد PageV04P665 التخصيص ، بخلاف ~~المجاز . فإنه قد لا يتعين ، بأن يتعدد ولا قرينة تعينه . مثاله قوله تعالى ~~{ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } فقال الحنفي : أي مما لم يتلفظ ~~بالتسمية عند ذبحه ، وخص منه الناسي لها ، فتحل ذبيحته . وقال غيره : أي ~~مما لم يذبح ، تعبيرا عن الذبح بما يقارنه غالبا من التسمية ، فلا تحل ~~ذبيحة المتعمد تركها على الأول دون الثاني . قاله المحلي انتهى ( وهما ) أي ~~ويرجح التخصيص والمجاز ( على إضمار ) لقلة الإضمار ، وقيل : يقدم الإضمار ~~عليهما ، وقيل : المجاز والإضمار سواء PageV04P666 ( والثلاثة ) أي : وترجح ~~الثلاثة ، وهي التخصيص والمجاز والإضمار ( على نقل ) لأنه إبطال كالنسخ . ~~والمراد بالنقل : المنقول من اللغة إلى الشرع ، وغلب استعماله في المعنى ~~المنقول إليه ، مع مناسبته بين المعنى المنقول عنه ، والمعنى المنقول إليه ~~( وهو على مشترك ) يعني أن النقل المذكور يقدم على الاسم المشترك ؛ لإفراده ~~في الحالين كزكاة . ( و ) ترجح ms650 ( حقيقة متفق عليها ، والأشهر منها ومن مجاز ~~، على عكسهن ) يعني أن الحقيقة المتفق عليها تقدم على عكسها ، وهي الحقيقة ~~المختلف فيها ، والأشهر من الحقيقة يقدم على عكسه ، وهو غير الأشهر منها ، ~~والأشهر من المجاز يقدم على عكسه ، وهو غير الأشهر منه سواء كانت الشهرة في ~~اللغة أو الشرع أو العرف . PageV04P667 ( و ) يرجح اسم ( لغوي مستعمل شرعا ~~في ) معنى ( لغوي على منقول شرعي ) يعني أن اللفظ اللغوي المستعمل شرعا في ~~معناه اللغوي يرجح على المنقول الشرعي ؛ لأن الأصل موافقة الشرع للغة ( ~~ويرجح منفردا ) يعني أنه إذا استعمل الشارع لفظا لغويا في معنى شرعي فإنه ~~يقدم على اللفظ المستعمل في اللغة لمعنى . قال في شرح التحرير : وهذا معنى ~~قولنا : ويرجح منفردا ، فإن المعهود من الشارع : إطلاق اللفظ في معناه ~~الشرعي ، ولذلك قدم . PageV04P668 ( و ) يرجح ( ما قل مجازه ) على ما كثر ~~مجازه ، لأنه بكثرة المجاز يضعف ، فلذلك قدم ما قل مجازه ، وهذه الصورة ~~ذكرها ابن مفلح ( أو ) عطف على ' ما ' يعني أنه يرجح ما ( تعددت جهة دلالته ~~، أو تأكدت ) بأن كانت أقوى على ما اتحدت جهة دلالته ، أو كانت أضعف ( أو ~~كانت ) دلالته ( مطابقة ) على ما كانت دلالته دلالة التزام . قاله العضد : ~~قال الأصفهاني في شرح المختصر : ويرجح أحد المتعارضين خاصا عطف على عام ~~تناوله ، والمعارض الآخر PageV04P669 خاصا ليس كذلك ، فإن الخاص المعطوف ~~على العام آكد لدلالته بدلالة العام عليه ، مثل قوله تعالى { حافظوا على ~~الصلوات والصلاة الوسطى } . انتهى . ( و ) يرجح ( في اقتضاء بضرورة صدق ~~المتكلم ) يعني أنه يرجح ما يتوقف عليه ضرورة صدق المتكلم . مثل ' رفع عن ~~أمتي الخطأ ' ( على ) ما يتوقف عليه وقوعه الشرعي والعقلي ، نظرا ~~PageV04P670 إلى بعد الكذب في كلام الشارع . ويرجح في اقتضاء ( ضرورة وقوعه ~~) شرعا أو عقلا . مثل : أعتق عبدك عني ، أو مثل : صعدت السطح ؛ لأن ما ~~يتوقف عليه صدق المتكلم أولى مما يتوقف عليه وقوعه الشرعي والعقلي ، نظرا ~~إلى بعد الكذب في كلام الشرع . ( و ) يرجح في اقتضاء ( بضرورة وقوعه عقلا ~~عليها ) أي على ضرورة وقوعه ( شرعا ms651 ) قاله ابن مفلح وغيره ( و ) يرجح ( في ~~إيماء بما ) أي بلفظ ( لولاه لكان في الكلام عبث أو حشو على غيره ) من ~~أقسام الإيماء . مثل : أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا ، لو لم يعلل الحكم به ~~لكان ذكره عبثا أو حشوا ، فإنه يقدم على الإيماء بما رتب فيه الحكم بفاء ~~التعقيب ؛ لأن نفي العبث والحشو من كلام الشارع أولى . ( و ) يرجح ( مفهوم ~~موافقة على ) مفهوم ( مخالفة ) يعني : أنه يقدم ما دل بمفهوم الموافقة على ~~ما دل بمفهوم المخالفة ؛ لأن PageV04P671 الموافقة باتفاق في دلالتها على ~~المسكوت ، وإن اختلف في جهته : هل هو بالمفهوم ، أو بالقياس ، أو مجاز ~~بالقرينة ، أو منقول عرفي ؟ وقال الآمدي : وقد يمكن ترجيح المخالفة لفائدة ~~التأسيس ، واختاره الهندي ( و ) يرجح ( اقتضاء على إشارة وإيماء ومفهوم ) ( ~~و ) يرجح ( إيماء على مفهوم ) قال الأصفهاني : أما تقديمه - أي : الاقتضاء ~~- على الإشارة ؛ فلأن الاقتضاء مقصود بإيراد اللفظ صدقا أو حصولا . ويتوقف ~~الأصل عليه ، بخلاف الإشارة ، فإنها لم تقصد بإيراد اللفظ ، وإن توقف الأصل ~~عليها . وأما ترجيحه على الإيماء : فلأن الإيماء ، PageV04P672 وإن كان ~~مقصودا بإفراد اللفظ ، لكنه لم يتوقف الأصل عليه ، وأما ترجيحه على المفهوم ~~: فلأن الاقتضاء مقطوع بثبوته ، والمفهوم مظنون ثبوته ، ولذلك لم يقل ~~بالمفهوم بعض من قال بالاقتضاء ، انتهى . وأما كون الإيماء مقدما على ~~المفهوم فلقلة مبطلاته . قاله الآمدي ( وتنبيه كنص ) أو أقوى ( في قول ) ~~الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى ، فإنه قال عن تقديم أبي الخطاب النص على ~~التنبيه : ليس بجيد ؛ لأنه مثله أو أقوى . وقال أيضا في أثناء مسألة في ~~الوقف : فإن نقل نصيب الميت إلى ذوي طبقته إذا لم يكن له ولد دون سائر أهل ~~الوقف : تنبيه على أنه ينقل إلى ولده إن كان حينئذ له ولد ، فالتنبيه حينئذ ~~: دليل أقوى من PageV04P673 النص ، حتى في شروط الواقفين انتهى . ( و ) ~~يرجح ( تخصيص عام على تأويل خاص ، وخاص ولو من وجه على عام ، وعام لم يخصص ~~أو قل تخصيصه على عكسه ) أما ترجيح تخصيص العام على تأويل الخاص : فلأن ~~تخصيص العام ms652 كثير ، وتأويل الخاص ليس بكثير . ولأن الدليل لما دل على عدم ~~إرادة البعض تعين كون الباقي مرادا ، وإذا دل على أن الظاهر الخاص أقوى غير ~~مراد لم يتعين لهذا التأويل . وأما كون الخاص - ولو من وجه واحد - يقدم على ~~العام مطلقا ؛ فلأن الخاص أقوى دلالة من العام . وكذا كل PageV04P674 ما هو ~~أقرب ، وأما كون العام الذي لم يخصص مقدم على العام الذي خصص : فلأن العام ~~بعد التخصيص اختلف في كونه حجة ، بخلاف العام الباقي على عمومه ( ومطلق ~~ومقيد : كعام وخاص ) يعني : أن حكم المطلق مع المقيد في الترجيح : كحكم ~~العام مع الخاص ، فيقدم المقيد - ولو من وجه - على المطلق . ويقدم المطلق ~~الذي لم يخرج منه شيء PageV04P675 مقيد على ما خرج منه . قاله العضد رحمه ~~الله تعالى . ( و ) يرجح أيضا ( عام شرطي كمن وما ) الشرطيتين ( وأي على ~~غيره ) من العام غير الشرطي . يعني : أنه إذا تعارضت صيغ العموم فصيغة ~~الشرط الصريح - كمن ، وما ، وأي - تقدم على صيغة النكرة الواقعة في سياق ~~النفي وغيرها . كالجمع المحلى بالألف واللام والمضاف ونحوهما ، لدلالة ~~الأولى على كون ذلك علة للحكم ، وهو حينئذ أدل على المقصود مما لا علة فيه ~~. إذ لو ألغينا العام الشرطي كان إلغاء للعلة ، بخلاف العام غير الشرطي ، ~~فإنه لا PageV04P676 يلزم منه إلغاء العلة . ويؤيده ما في المحصول من أن ~~عموم الأول بالوضع ، والثاني بالقرينة . ( و ) يرجح أيضا ( جمع واسمه ) أي ~~: اسم الجمع حال كونهما ( معرفين باللام ، ومن وما على الجنس باللام ) يعني ~~: أنه يرجح الجمع واسم الجمع المعرفان باللام ومن وما على اسم الجنس المعرف ~~باللام ؛ لأن الجنس المحلى باللام اختلف المحققون في عمومه ، بخلاف الجمع ، ~~واسمه المعرف باللام ومن وما ؛ ولأن الجمع ، واسمه لا يحتمل العهد ، أو ~~يحتمله على بعد ، بخلاف اسم الجنس المحلى باللام ، فإنه محتمل للعهد ~~احتمالا قريبا . ( و ) يرجح متن ( فصيح على غيره ) أي : على متن لم ~~PageV04P677 يستكمل شروط الفصاحة ، وهي - كما ذكر البيانيون - : سلامة ~~المفرد من تنافر الحروف ، والغرابة ، ومخالفة القياس . وفي المركب : سلامته ~~من ضعف ms653 التأليف ، وتنافر الكلمات ، والتعقيد ، مع فصاحتها . ومحل ذلك علم ~~البيان انتهى ، وقال بعضهم : إذا كان في اللفظ المروي ركاكة لا يقبل . ~~والحق أنه يقبل إذا صح السند . ويحمل على أن الراوي رواه بلفظ نفسه ، وعلم ~~مما تقدم : أنه لا يرجح الأفصح على الفصيح ، وذلك ؛ لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان ينطق بالأفصح وبالفصيح ، فلا فرق بين ثبوتهما عنه . والكلام ~~فيما سوى ذلك ، لا سيما إذا خاطب من لا يعرف تلك اللغة التي ليست بأفصح ~~لقصد إفهامه . PageV04P678 النوع الثالث مما يقع فيه الترجيح بين منقولين ( ~~المدلول ) أي : ما دل عليه اللفظ من الأحكام الخمسة التي هي : الإباحة ~~والكراهة ، والحظر والندب والوجوب إذا علمت ذلك . فإنه حينئذ ( يرجح على ~~إباحة وكراهة وندب : حظر ) يعني أنه يرجح ما مدلوله الحظر على ما مدلوله ~~الإباحة ؛ لأن فعل الحظر يستلزم مفسدة ، بخلاف الإباحة ، لأنه لا يتعلق ~~بفعلها ، ولا تركها مصلحة ، ولا مفسدة ، وهذا هو الصحيح ، وعليه أحمد ~~وأصحابه والكرخي والرازي ، وذكره الآمدي عن الأكثر : لأنه أحوط ، واستدل ~~بتحريم متولد PageV04P679 بين مأكول وغيره . وقال ابن حمدان وجمع : ترجح ~~الإباحة على الحظر ، وقيل : يستويان . ويسقطان ويرجح أيضا ما مدلوله الحظر ~~على ما مدلوله الكراهة ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم { ما اجتمع الحلال ~~والحرام إلا غلب الحرام } لأنه أحوط PageV04P680 ويرجح أيضا ما مدلوله ~~الحظر على ما مدلوله الندب ؛ لأن الندب لتحصيل المصلحة والحظر لدفع المفسدة ~~، ودفع المفسدة أهم من تحصيل المصلحة في نظر العقلاء . ويرجح أيضا : الحظر ~~على الوجوب . قال ابن مفلح لأن إفضاء ، الحرمة إلى مقصودها أتم ، لحصوله ~~بالترك . فصده أولى ، بخلاف الواجب ( وعلى إباحة ندب ) يعني : أنه يرجح ما ~~مدلوله الندب على PageV04P681 ما مدلوله الإباحة عند الأكثر ( وعليه وجوب ، ~~وكراهة ) يعني : أنه يرجح ما مدلوله وجوب أو كراهة على ما مدلوله الندب ؛ ~~لأن ترجيحهما عليه أحوط في العمل ( وعلى نفي : إثبات ) يعني : أنه يقدم ما ~~مدلوله الإثبات على ما مدلوله النفي عند أحمد والشافعي وأصحابهما . قال ~~البرماوي : يرجح عند الفقهاء . كدخوله صلى الله عليه PageV04P682 وسلم ms654 ~~البيت . قال بلال ' صلى فيه ' وقال أسامة ' لم يصل ' وكذا ابن عباس ، فأخذ ~~بقول بلال ، PageV04P683 وتسن الصلاة في البيت المشرف ( وإن استند النفي ~~إلى علم بالعدم ) لعلمه بجهات إثباته ( فسواء ) أي : فيكون الإثبات والنفي ~~في هذه الصورة سواء . قاله الفخر إسماعيل ، وتبعه الطوفي في مختصره ، وقال ~~ابن مفلح : إنه المراد ، ومعنى استناد النفي إلى علم بالعدم أن يقول الراوي ~~' أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل في البيت ، لأني كنت معه ~~فيه . ولم يغب عن نظري طرفة عين فيه . ولم أره صلى فيه ' انتهى أو قال ' ~~أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يصل فيه ' أو قال إنسان : أعلم ~~أن فلانا لم PageV04P684 يقتل زيدا ؛ لأني رأيت زيدا حيا بعد موت فلان ، ~~فمثل هذا يقبل فيه النفي ، لاستناده إلى مدرك علمي ، فيستوي هو ، وإثبات ~~المثبت ، فيتعارضان ويطلب المرجح من خارج . وكذا حكم : كل شهادة نافية ~~استندت إلى علم بالنفي ، فإنها تعارض المثبتة . لأنهما في الحقيقة مثبتتان ~~؛ لأن إحداهما تثبت المشهود به والأخرى : تثبت العلم بعدمه . وكذا كل حكم ~~للشهادة من غير معارض : تقبل في النفي إذا كان النفي محصورا . فقولهم : لا ~~تقبل الشهادة بالنفي مرادهم : إذا لم تكن محصورة ، فإن كانت محصورة قبلت ، ~~قاله الأصحاب وقد ذكر ذلك الأصحاب في الشهادة في الإعسار ، وفي حصر الإرث ~~في فلان ، PageV04P685 وقال القاضي في الخلاف ، وأبو الخطاب في الانتصار ، ~~في حديث ابن مسعود ليلة الجن : النفي أولى ، واختاره الآمدي . ( وكذا ) أي ~~: وكالنفي مع الإثبات في المدلولين ( العلتان ) يعني أنه إذا كانت إحدى ~~العلتين مثبتة . والأخرى نافية : قدمت المثبتة . PageV04P686 وقال القاضي ~~في الخلاف عن نفي صلاته على شهداء أحد : الزيادة معه هنا ؛ لأن الأصل غسل ~~الميت والصلاة عليه ، ثم سواء . ( و ) يرجح ( على مقرر ) للحكم الأصلي ( ~~ناقل ) عنه عند الجمهور ؛ لأنه يفيد حكما شرعيا ليس موجودا في الآخر ؛ ~~PageV04P687 كحديث { من مس ذكره فليتوضأ } مع حديث { هل هو إلا بضعة منك ؟ ~~} وقال الرازي والبيضاوي والطوفي : يرجح المقرر ؛ لأن الحمل على ما ms655 لا ~~يستفاد إلا من الشرع ، أولى مما يستفاد من العقل ، ولأن المقرر معتضد بدليل ~~الأصل PageV04P688 قيل : والتحقيق في المسألة تفصيل ، وهو أن يرجح المقرر ~~فيما إذا تقرر حكم الناقل مدة في الشرع عند المجتهد ، وعمل بموجبه . ثم نقل ~~له المقرر وجهل التاريخ ؛ لأنه حينئذ عمل بالخبرين ، الناقل في زمان ~~والمقرر بعده ، فأما إن كان الثابت بمقتضى البراءة الأصلية ونقل الخبران . ~~فإنهما يتعارضان هنا ، ويرجع إلى البراءة الأصلية . ( و ) يرجح ( على مثبت ~~حد : دارئه ) عند الأكثر ؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات . روي عن الصحابة ، ~~وفيه أخبار ضعيفة ، PageV04P689 ولقلة مبطلات نفيه ؛ ولأن إثباته خلاف دليل ~~نفيه . قال الآمدي : ولأن الخطأ في نفي العقوبة أولى من الخطإ في تحقيقها ، ~~على ما قاله عليه الصلاة والسلام { لأن تخطئ في العفو خير من أن تخطئ في ~~العقوبة } وقيل واختاره القاضي أبو يعلى ، والقاضي عبد الجبار ، والموفق ~~والغزالي : أنهما سواء ؛ لأن الشبهة لا تؤثر في ثبوت PageV04P690 مشروعيته ~~، بدليل أنه يثبت بخبر الواحد ، قال البرماوي : وموضوع هذه المسألة أن يكون ~~الإثبات والنفي شرعيين ، فأما إن كان النفي باعتبار الأصل ، فهو مسألة ~~الناقل والمقرر السابقة . ( و ) يرجح ( على نافي عتق و ) على نافي ( طلاق : ~~موجبهما ) أي : ما يوجبهما ، وقيل : يقدم نافيهما ، وظاهر الروضة : أنهما ~~سواء كعبد PageV04P691 الجبار ، لأنهما حكمان ، وذكر أبو الخطاب : أن تقديم ~~موجب العتق قول العلماء غير عبد الجبار ، وقاله الحنفية والكرخي منهم . وهو ~~ظاهر ما قدمه ابن الحاجب ، لقلة سبب مبطل الحرية ، ولا تبطل بعد ثبوتها ، ~~ولموافقة النفي الأصلي . قال ابن مفلح : ومثله الطلاق . ( و ) يرجح ( على ~~أثقل : أخف ) يعني أن التكليف الأخف يرجح على الأثقل ، وهذا هو الصحيح ~~لقوله تعالى { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ولقوله صلى الله ~~عليه وسلم { لا ضرر ولا ضرار في الإسلام } وقيل : يقدم الأثقل ، لأنه أكثر ~~ثوابا PageV04P692 ( و ) حكم ( تكليفي و ) حكم ( وضعي : سواء في ظاهر ~~كلامهم ) أي : كلام أصحابنا ، قال ابن مفلح : ولم يذكر أصحابنا ترجيح حكم ~~تكليفي على وضعي ، وهو الذي قدمه ابن الحاجب ، فظاهره ms656 سواء . ا ه . وقد ذكر ~~المسألة غير الأصحاب ، وذكروا فيها خلافا والصحيح عندهم : تقديم الحكم ~~التكليفي ، كالاقتضاء ونحوه على الوضعي ، كالصحة ونحوها ؛ لأنه محصل للثواب ~~؛ لأنه مقصود بالذات وأكثر في الأحكام ، PageV04P693 فكان أولى ، وقيل : بل ~~يقدم الوضعي . لأنه لا يتوقف على فهم المكلف للخطاب ، ولا على تمكنه من ~~الفعل ، بخلاف التكليفي . فإنه يتوقف على ذلك ، وهذا الذي قدمه البرماوي ، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم . وحيث انتهى الكلام على الترجيح في الأنواع ~~الأربعة شرع في الكلام على الترجيح بما ينضم إلى اللفظ من أمر خارج عما ~~تقدم . فقال ( الخارج ) يعني : الذي يرجح به غيره ، فمن ذلك أنه ( يرجح ) ~~الدليل ( بموافقة دليل آخر ) له على دليل لم يوافقه دليل آخر ؛ لأن الظن ~~الحاصل من الدليلين أقوى من الظن الحاصل PageV04P694 من دليل واحد ، وسواء ~~كان الدليل الموافق لسنة من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس ، لأن تقديم ما ~~لم يوافق ترك لشيئين ، وهما الدليل ما عضده ، وتقديم الموافق ترك لشيء واحد ~~، ولهذا قدمنا حديث عائشة رضي الله عنها في { صلاة الفجر بغلس } على حديث ~~PageV04P695 رافع في ' الإسفار ' لموافقته قوله تعالى { حافظوا على الصلوات ~~} لأن من المحافظة الإتيان بالمحافظ عليه المؤقت أول وقته ، ويستثنى من ذلك ~~حكم ثبت بالقياس ، ووافقه قياس آخر ، وعارضهما خبر . فإن ما ثبت بالخبر ~~مقدم . وإلى ذلك أشير بقوله ( إلا في أقيسة تعدد أصلها مع خبر ، فيقدم ) ~~الخبر ( عليها ) أي : على الأقيسة المتعدد أصلها ، PageV04P696 وقيل : ~~الأقيسة المتعدد أصلها . قال ابن مفلح : قيل : يقدم الخبر على الأقيسة ، ~~وقيل : بالمنع إن تعدد أصلها . ( فإن تعارض ظاهر قرآن وسنة وأمكن بناء كل ~~واحد منهما على الآخر ، أو خبران ، مع أحدهما ظاهر قرآن ، و ) مع ( الآخر ~~ظاهر سنة : قدم ظاهرها ) أي : ظاهر السنة في المسألتين ، قال ابن مفلح : ~~فإن تعارض قرآن وسنة ، وأمكن بناء كل منهما على الآخر ، كخنزير الماء . ~~فقال القاضي : ظاهر كلام أحمد : يقدم ظاهر السنة ؛ لقوله ' السنة تفسر ~~القرآن ، وتبينه ' قال : ويحتمل عكسه للقطع به ، PageV04P697 وذكر أبو ~~الطيب للشافعية وجهين ، وبنى ms657 القاضي عليهما خبرين مع أحدهما ظاهر قرآن ، ~~ومع الآخر ظاهر سنة ، ثم ذكر نص أحمد تقديم الخبرين ، وذكر الفخر إسماعيل : ~~أيهما يقدم على روايتين ، وكذا ابن عقيل ، وبنى الأولى عليها . وقال في شرح ~~التحرير : وتحرير ذلك : إذا كان أحد الدليلين سنة ، والآخر كتابا ، فإن ~~أمكن العمل بهما عمل ، وإلا قيل : يقدم الكتاب ، لأنه أرجح ، وقيل : تقدم ~~السنة ؛ لأنها بيان له ، وهو ظاهر كلام أحمد كما تقدم . مثاله قوله صلى ~~الله عليه وسلم في البحر { الحل ميتته } فإنه عام في ميتة البحر حتى خنزيره ~~، مع قوله سبحانه PageV04P698 وتعالى { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على ~~طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير } فإنه يتناول ~~خنزير البحر فيتعارض عموم الكتاب والسنة في خنزير البحر ، فقدم بعضهم ~~الكتاب فحرمه ، وقال به من أصحابنا : أبو علي النجاد ، وبعضهم : السنة ~~فأحله ، وهو ظاهر كلام أحمد رضي الله تعالى عنه ، وعليه جماهير أصحابه . ( ~~و ) يرجح أحد الدليلين ( بعمل ) أي : بموافقة عمل ( أهل المدينة ) وإن لم ~~يكن حجة ، لكنه يقوى به عند أحمد وأبي الخطاب والشافعية . PageV04P699 قال ~~أحمد : ما رووه وعملوا به أصح ما يكون ؛ ولأن الظاهر بقاؤهم على ما أسلموا ~~عليه وأنه ناسخ ، لموته صلى الله عليه وسلم بينهم ، وخالف القاضي وابن عقيل ~~وأبو محمد البغدادي والطوفي ، ورجح الحنفية بعمل أهل الكوفة إلى زمن أبي ~~حنيفة ( أو ) بعمل ( الخلفاء الأربعة ) عند أحمد وأصحابه وجمع ، لورود النص ~~باتباعهم حيث قال النبي صلى الله عليه PageV04P700 وسلم { عليكم بسنتي وسنة ~~الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ } ولأن الظاهر : أنهم لم ~~يتركوا النص الآخر إلا لحجة عندهم ، فلذلك قدم . قال القاضي وابن عقيل : نص ~~عليه أحمد في مواضع ، وقيل : يرجح أيضا بقول أبي بكر وعمر ؛ لقوله صلى الله ~~عليه وسلم { اقتدوا باللذين من بعدي : أبي بكر وعمر } PageV04P701 قال أيوب ~~السختياني ' إذا بلغك اختلاف عن النبي صلى الله عليه وسلم فوجدت في ذلك أبا ~~بكر وعمر ، فشد يدك ، فإنه الحق وهو السنة ' . انتهى . ( أو ms658 ) بعمل ( أعلم ~~) قطع به الأكثر ؛ لأن له مزية لكونه أحفظ لمواقع الخلل ، وأعرف بدقائق ~~الأدلة ( أو ) بعمل ( أكثر ) الأمة ، لكن بشرط أن لا يكون المعارض له يخفى ~~مثله عليهم . وإنما قدم الموافق للأكثر : لأن الأكثر موافق للصواب الذي لم ~~يوفق له الأقل ، هذا قول الأكثرين . PageV04P702 ومنع جمع الترجيح بذلك . ~~قال لعدم الحجة في قول الأكثر ، ولو ساغ الترجيح بقول بعض المجتهدين لانسد ~~باب الاجتهاد على البعض الآخر . ( ويقدم ) من حكمين فأكثر ( ما علل ) أي : ~~ما تعرض الشارع لعلته على ما لم يتعرض لعلته ؛ لأن الحكم الذي تعرض الشارع ~~لعلته : أفضى إلى تحصيل مقصود الشارع ؛ لأن النفس له أقبل بسبب تعقل المعنى ~~( أو رجحت علته ) يعني أنه لو علل حكمان ، وكانت علة أحدهما أرجح ، رجح ~~بأرجحية علته . PageV04P703 ( و ) يرجح من دليلين ( مؤولين ما دليل تأويله ~~أرجح ) من دليل تأويل الآخر ؛ لأن له مزية بذلك . ( و ) يقدم ( عام ورد ~~مشافهة ، أو ) ورد ( على سبب خاص في مشافهة به ، وسبب ) على عام لم يكن ~~بطريق المشافهة ، أو لم يكن على سبب خاص . قال العضد : إذا ورد عام هو خطاب ~~شفاه لبعض من تناوله ، وعام آخر ليس هو كذلك ، فهو كالعامين ورد أحدهما على ~~سبب دون الآخر ، فيقدم عام المشافهة فيمن شوفهوا به ، وفي غيرهم الآخر ، ~~ووجهه ظاهر . انتهى . ( و ) يرجح العام ( المطلق عليه ) أي : على العام ~~الوارد على سبب خاص ، PageV04P704 ( وفي غيره ) أي : في حكم غير السبب ؛ ~~لأنه اختلف في عموم العام الوارد على سبب خاص ، ولم يختلف في عموم العام ~~المطلق . ( و ) يرجح ( عام عمل به ) ولو في صورة على عام لم يعمل به في ~~صورة من الصور . قاله القاضي وابن عقيل وجمع ، وعكس الآمدي وابن الحاجب ~~وجمع ، فقالوا : يقدم ما لم يعمل به ليعمل به ، فيكون قد عمل بهما . ووجه ~~الأول : أن العام لما عمل به مشاهد له بالاعتبار لقوته بالعمل PageV04P705 ~~( أو أمس بمقصود ) يعني أنه يرجح عام أمس بمقصود أو أقرب إليه على ما لم ~~يكن أمس بالمقصود . مثاله قوله ms659 تعالى { وأن تجمعوا بين الأختين } فإنه يقدم ~~في مسألة الجمع بينهما في وطء النكاح على قوله { أو ما ملكت أيمانكم } فإنه ~~أمس بمسألة الجمع ، لأن الآية الأولى قصد بها بيان تحريم الجمع بين الأختين ~~في الوطء بنكاح ، وملك يمين . والثانية لم يقصد بها بيان حرمة الجمع ( و ) ~~يرجح ( ما لا يقبل نسخا ) لأنه أقوى على ما يقبله ( أو أقرب إلى احتياط ) ~~يعني أنه يرجح PageV04P706 ما كان أقرب إلى الاحتياط على غيره ، ذكره والذي ~~قبله ابن مفلح ( أو لا يستلزم نقض صحابي خبرا ) يعني أنه يرجح من حديثين : ~~الذي لا يستلزم نقض صحابي خبرا - كقهقهة في صلاة - على ما يستلزمه ( أو ~~تضمن إصابته صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا ) يعني : أنه يقدم من حديثين ~~ما تضمن إصابة النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا على ما تضمن إصابته ~~ظاهرا فقط ، قال ابن عقيل وابن البناء وغيرهما : يقدم ما لا يوجب تخطئة ~~PageV04P707 النبي صلى الله عليه وسلم في الظاهر والباطن على ما يتضمن ~~إصابته في الظاهر فقط ، فالأول مقدم ومرجح ؛ لأنه بعيد عن الخطإ حينئذ ، ~~وهو الأليق به وبحاله صلى الله عليه وسلم ، كما ورد في ضمان علي رضي الله ~~تعالى عنه : دين الميت وقال علي ' هما علي ' وأنه ابتداء ضمان ، وأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم امتنع من الصلاة على الميت ، وكان وقت الصلاة مصيبا في ~~امتناعه ، وكان مقدما على حمله على الإخبار عن ضمان سابق ، يكشف عن أنه كان ~~امتنع عن الصلاة في غير PageV04P708 موضعه باطنا ، هذا لفظ ابن عقيل في ~~الواضح ( أو فسره راو بفعل أو قول ) يعني : أنه إذا تعارض خبران وفسر ~~أحدهما راويه بفعل أو قول : قدم على ما لم يفسره راويه ؛ لأن ما فسره راويه ~~يكون الظن به أوثق ؛ لأنه أعرف بما رواه ، كحديث عبد الله بن عمر رضي الله ~~تعالى عنهما في خيار المجلس ، وأن المراد بالتفرق ' تفرق الأبدان ؛ لأنه ~~فسره بذلك ، لأنه اشتمل على فائدة زائدة PageV04P709 ( أو ذكر سببه ) يعني ~~: أنه إذا تعارض خبران ms660 ، وذكر راوي أحدهما سبب الخبر ، دون راوي الآخر فإنه ~~يقدم ما ذكر راويه سببه على ما لم يذكر راويه سببه ؛ لأن ما ذكر راويه سببه ~~يدل على زيادة اهتمام الراوي بروايته ( أو سياقه أحسن ) يعني أنه يقدم من ~~خبرين متعارضين : ما كان سياقه أحسن ؛ لأن مزيته بحسن السياق : تقتضي أن ~~يكون أولى من غيره ( أو مؤرخ ب ) تاريخ ( مضيق ) كأول شهر كذا من سنة كذا . ~~يعني أنه إذا تعارض خبران أحدهما مؤرخ بتاريخ مضيق - كما ذكر - ، والآخر ~~مؤرخ بتاريخ موسع . كقوله : في سنة كذا ؛ لأنه يحتمل كونه قبل الشهر ~~المذكور في المضيق أو بعده ، فإنه يقدم PageV04P710 ذو التاريخ المضيق ؛ ~~لأنه يدل على زيادة اهتمام راويه به . ( أو دل على تأخره قرينة ) يعني أنه ~~إذا تعارض خبران ودلت قرينة على تأخر أحدهما : ترجح بذلك ، وكذا إذا كان في ~~أحدهما تشديد دون الآخر . فإنه يرجح بذلك ، وإلى ذلك أشير لقوله ( أو ~~بتشديده ) لأن التشديدات إنما جاءت حين ظهر الإسلام وكثر وعلت شوكته . ~~والتخفيف كان في أول الإسلام ، وكذا حكم كل ما يشعر بشوكة الإسلام . قاله ~~العضد وغيره . وحيث انتهى الكلام على ترجيح الدليلين المنقولين شرع في ~~PageV04P711 ترجيح الدليلين المعقولين بأنواعه ، وهو الغرض الأعظم من باب ~~التراجيح ، وفيه اتساع مجال الاجتهاد ، وبدأ بتعريفهما ، فقال ( المعقولان ~~) أي : الدليلان المعقولان ( قياسان ، أو استدلالان . فالأول ) الذي هو ~~القياسان ( يعود ) الترجيح فيه ( إلى أصله ) أي : الأصل المقيس عليه ( ~~وفرعه ) أي : الفرع المقيس ( و ) يكون في ( مدلوله وأمر خارج ) كما تقدم في ~~المنقولين ( فيرجح الأصل ) في صور PageV04P712 الأولى : أن يرجح ( بقطع ~~حكمه ) أي : بأن يكون حكم الأصل قطعيا ، فيقدم على ما كان دليل أصله ظنيا ، ~~كقولنا في لعان الأخرس : أن ما صح من الناطق صح من الأخرس كاليمين ، فإنه ~~أرجح من قياسهم على شهادته ، تعليلا بأنه يفتقر إلى لفظ الشهادة ؛ لأن ~~اليمين تصح من الأخرس بالإجماع ، والإجماع قطعي ، وأما جواز شهادته : ففيه ~~خلاف بين الفقهاء . ( و ) الصورة الثانية : أن يرجح ( بقوة دليله ) أي : ~~بأن يكون دليل أحد الأصلين ms661 أقوى ، فتكون صحته أغلب في الظن . PageV04P713 ( ~~و ) الثالثة : الترجيح ( بأنه ) أي : بأن يكون دليل أصله ( لم ينسخ ) ~~بالاتفاق فإن ما قيل بأنه منسوخ - وإن كان القول به ضعيفا - ليس كالمتفق ~~على أنه لم ينسخ . ( و ) الرابعة الترجيح بكون حكم أصله جاريا ( على سنن ~~القياس ) بالاتفاق ، فإنه أرجح مما كان على سنن القياس المختلف فيه ؛ لأن ~~ما كان متفقا عليه كان أبعد من الخلل . وقال البرماوي : والمراد بذلك هنا ~~أن يكون فرعه من جنس أصله ، كما صرح به أبو الطيب والماوردي وأبو إسحاق ~~الشيرازي ، وابن السمعاني وغيرهم ، وذلك كقياس ما دون أرش الموضحة في تحمل ~~العاقلة إياه فهو أولى من قياسهم ذلك على غرامات الأموال في أصول إسقاط ~~التحمل ؛ لأن PageV04P714 الموضحة من جنس ما اختلف فيه ، فكان على سننه ، ~~إذ الجنس بالجنس أشبه . كما يقال : قياس الطهارة على الطهارة أولى من ~~قياسها على ستر العورة . ( و ) الخامسة : الترجيح ( بدليل خاص بتعليله ) أي ~~: بقيام دليل خاص على تعليله ، وجواز القياس عليه ، فإنه أبعد من التعبد ~~والقصور والخلاف ، ويرجح ما ثبتت عليته بالنص على ما ثبتت علته بالإجماع . ~~قدمه الأرموي والبيضاوي ، وإلى ذلك أشير بقوله ( وفي قول : نص ، فإجماع ) ~~PageV04P715 وقال في المحصول : ويرجح ما ثبتت عليته بالإجماع على ما ثبتت ~~عليته بالنص ؛ لقبول النص للتأويل ، بخلاف الإجماع ، ثم قال : ويمكن تقديم ~~النص ؛ لأن الإجماع فرعه . قال البرماوي : نعم إذا استوى النص والإجماع في ~~القطع متنا ودلالة : كان ما دليله الإجماع راجحا ودونهما ، إذا كانا ظنيين ~~. بأن كان أحدهما نصا ظنيا ، والآخر إجماعا ظنيا رجح أيضا ما كان دليله ~~الإجماع ، لما سبق من قبول النص النسخ والتخصيص . قال الهندي : هذا صحيح ~~بشرط التساوي في الدلالة ، فإن اختلفا فالحق أنه يتبع فيه الاجتهاد فما ~~تكون فائدته للظن أكثر : فهو أولى فإن الإجماع ، وإن لم يقبل النسخ ~~والتخصيص ، لكن قد تضعف دلالته بالنسبة إلى الدلالة القطعية ، فقد ينجبر ~~PageV04P716 النقص بالزيادة ، وقد لا ينجبر ، فيقع فيه الاجتهاد . انتهى . ~~( و ) يرجح أحد القياسين على الآخر ( بقطع علته ) لأن ms662 المقطوع بعلته راجح ~~على ما علته مظنونة ( أو ) القطع ( بدليلها أو ظن غالب فيهما ) أي : في ~~العلة ، أو في الدليل ، فشمل ذلك أربع صور . الأولى : القطع بالعلة يرجح ~~على الظن بها . الثانية : الظن الغالب في العلة يرجح على الظن غير الغالب . ~~الثالثة : القطع بدليل العلة . PageV04P717 الرابعة : الظن الغالب في دليل ~~العلة ، فيرجح القياس الذي يكون مسلك علته قطعيا على القياس الذي لا يكون ~~كذلك ، ويرجح القياس الذي يكون مسلك علته مظنونا بالظن الأغلب على ما لا ~~يكون كذلك . ( و ) يرجح أحد القياسين ب ( سبر ، فمناسبة ) يعني : أنه يرجح ~~القياس الذي استنبطت علة وصفه بالسبر على القياس الذي استنبطت علة وصفه ~~بالمناسبة لتضمن السبر انتفاء المعارض في الأصل ، بخلاف المناسبة ( فشبه ) ~~يعني أنه PageV04P718 يرجح قياس ثبتت عليته بالمناسبة على قياس ثبتت عليته ~~بالشبه ، لزيادة غلبة الظن بغلبة الوصف المناسب . قال أبو المعالي : وأدنى ~~المعاني في المناسبة يرجح على أعلى الأشباه ( فدوران ) يعني أنه يرجح قياس ~~ثبتت عليته بالشبه ، على قياس ثبتت عليته بالدوران . قطع به في جمع الجوامع ~~وغيره ، PageV04P719 وقال أبو المعالي : ما ثبت بالطرد ، والعكس مقدم على ~~غيره من الأشباه ، لجريانه مجرى الألفاظ . ا ه . وقيل : غير ما في المتن . ~~( و ) يرجح قياس ( بقطع ) فيه ( بنفي الفارق ) بين الأصل والفرع على قياس ~~يكون نفي الفارق فيه مظنونا ( أو ظن غالب ) يعني أنه يرجح قياس نفي الفارق ~~فيه بين الأصل ، والفرع مظنون بالظن الأغلب على قياس يكون نفي الفارق فيه ~~بالظن غير الأغلب ( ووصف حقيقي ) يعني : أنه يرجح قياس ذو وصف حقيقي على ذي ~~وصف غير حقيقي . قال العضد : يقدم ما العلة فيه وصف حقيقي على غيره مما ~~PageV04P720 العلة فيه وصف اعتباري ، أو حكمة مجردة . انتهى . ( و ) وصف ( ~~ثبوتي ) يعني : أنه يرجح قياس العلة فيه وصف ثبوتي على قياس العلة فيه وصف ~~عدمي ( وباعث ) يعني : أنه يرجح قياس العلة فيه وصف باعث على قياس العلة ~~فيه مجرد أمارة ، لظهور مناسبة الباعث . قال ابن مفلح : ويرجح بالقطع بنفي ~~الفارق ، أو ظن غالب ms663 ، والوصف الحقيقي أو الثبوتي أو الباعث على غيرها ، ~~للاتفاق عليها ؛ ولأن الحسية كالعقلية وهي موجبة ، ولا تفتقر في ثبوتها إلى ~~غيرها . انتهى . ( و ) تقدم علة ( ظاهرة ) على العلة الخفية ( و ) ~~PageV04P721 علة ( منضبطة ) على العلة المضطربة ؛ لأجل الخلاف في مقابلة ~~الظاهرة والمنضبطة ( و ) تقدم علة ( مطردة ) على العلة المنقوضة ؛ لأن شرط ~~العلة اطرادها ؛ ولأن المطردة أغلب على الظن ؛ ولضعف المنقوضة بالخلاف فيها ~~( و ) تقدم علة ( منعكسة ) على العلة غير المنعكسة ؛ لأن الانعكاس وإن لم ~~يفد الغلبة ، لكنه يقويها PageV04P722 ( و ) تقدم علة ( متعدية ) على العلة ~~القاصرة على الأصح . لكثرة فوائد المتعدية . كالتعليل في الذهب والفضة ~~بالوزن ، فيتعدى الحكم إلى كل موزون ، كالحديد ، والنحاس ، والصفر ونحوها ، ~~بخلاف التعليل بالثمنية أو النقدية ، فإنه لا يتعداهما ، فكان التعليل ~~بالوزن الذي هو وصف متعد لمحل النقدين إلى غيرهما أكثر فائدة من ' الثمنية ~~' القاصرة عليهما ( و ) على ما تقرر من هذا : فتكون العلة التي هي ( أكثر ~~PageV04P723 تعدية وأعم ) مقدمة ( على غيرها ) مما هو أقل تعدية وأخص . ~~مثاله : لو قدرنا أن أكثر عللنا في الربا ' الكيل ' لأن علة الكيل حينئذ ~~تكون أكثر فروعا ، ولو قدرنا أن المطعومات أكثر عللنا فيه بالطعم ؛ لأنه ~~حينئذ يكون أكثر فروعا ، وحينئذ يكون الأقل فروعا بإضافته إلى الأكثر فروعا ~~كالقاصرة بالنسبة إلى المتعدية . ( وإن تقابلت علتان في أصل فقليلة أوصاف ~~أولى ) قال المجد في المسودة : إذا كانت إحدى العلتين أكثر أوصافا من ~~الأخرى ، فالقليلة الأوصاف أولى . انتهى . وإنما كانت أولى : لأن الوصف ~~الزائد ، لا أثر له في الحكم ، وصح تعلق الحكم مع عدمه ؛ ولأن الكثيرة ~~الأوصاف يقل فيها إلحاق الفرع . فكان كاجتماع المتعدية والقاصرة . ~~PageV04P724 قال المجد : وقال بعض الشافعية والفخر إسماعيل : هما سواء . ~~هذا نقل الحلواني وأبي الخطاب . انتهى . وإنما قلت ' في أصل ' لما سيأتي من ~~نصه على ما إذا كانتا من أصلين فأكثر . ( و ) إن كانت العلتان ( من أصلين ) ~~فأكثر ( فكثيرتها ) أي : كثيرة الأوصاف ( أولى إذا كانت أوصاف كل منهما ) ~~أي : من العلتين ( موجودة في الفرع ) PageV04P725 قال المجد في المسودة : ~~وإن كانتا ms664 من أصلين فأكثرهما أوصافا أولى ، إذا كانت أوصاف كل واحدة منهما ~~موجودة في الفرع لقوة شبهه بالأكثر . قال : وفارق قياس علة الشبه في رواية ~~؛ لأن أوصاف الأصل هناك لم توجد بكمالها في الفرع . قال ابن برهان : تقدم ~~العلة ذات الوصف الواحد على ذات الأوصاف . ولم يفصل ، وضرب له مثالا ~~بالعلتين من أصلين . انتهى . ( و ) تقدم علة ( مطردة فقط على ) علة ( ~~منعكسة فقط ) ؛ لأن اعتبار الاطراد متفق عليه ، وضعف الثانية بعدم الاطراد ~~أشد من ضعف الأولى بعدم الانعكاس PageV04P726 ( و ) تقدم ( المقاصد ~~الضرورية ) الخمسة ( على غيرها ) من المقاصد ( ومكملها ) أي مكمل الخمسة ~~الضرورية ( على الحاجية ) ( وهي ) أي : وتقدم المصلحة الحاجية ( على ~~التحسينية ، و ) يقدم ( حفظ الدين على باقي الضرورية ) قال في شرح التحرير ~~: وإذا تعارضت بعض الخمس الضرورية : قدمت الدينية على الأربع الأخر ، لأنها ~~المقصود الأعظم . قال الله سبحانه وتعالى { وما خلقت الجن والإنس ~~PageV04P727 إلا ليعبدون } ولأن ثمرته نيل السعادة الأخروية ؛ لأنها أكمل ~~الثمرات ، وقيل : تقدم الأربع الأخر على الدينية ؛ لأنها حق آدمي ، وهو ~~يتضرر . والدينية حق لله سبحانه وتعالى ، وهو لا يتضرر به ، ولذلك قدم قتل ~~القصاص على قتل الردة عند الاجتماع ، ومصلحة النفس في تخفيف الصلاة عن مريض ~~، ومسافر ، وأداء صوم ، وإنجاء غريق ، وحفظ المال بترك جمعة ، وبقاء الذمي ~~مع كفره . ورد ذلك بأن القتل إنما قدم : لأن فيه حقين . ولا يفوت حق الله ~~سبحانه وتعالى بالعقوبة البدنية في الآخرة ، وفي التخفيف عنهما ، تقديم على ~~فروع الدين لا أصوله ، ثم هو قائم PageV04P728 مقامه فلم يختلف المقصود ، ~~وكذا غيرهما . وبقاء الذمي من مصلحة الدين لاطلاعه على محاسن الشريعة . ~~فيسهل انقياده . كما في صلح الحديبية ، وتسميته فتحا مبينا . قال في شرح ~~التحرير قلت : ونظير القتل بالقود أو الردة إذا مات من عليه زكاة ودين ~~لآدمي ، فقيل : تقدم الزكاة ؛ لأنها حق الله تعالى اختاره القاضي في المجرد ~~وصاحب المستوعب وعنه يقدم دين الآدمي . والمشهور في المذهب : أنهم يقتسمون ~~بالحصص ، ونص عليه أحمد ، وعليه أكثر أصحابه ، وكذا لو مات ، وعليه حج ، ~~ودين ، وضاق ماله ms665 عنهما . أخذ للدين بحصته وحج به من حيث يبلغ ، نص عليه ~~أحمد ، وعليه الأصحاب ، وعنه يقدم الدين لتأكده ، ولم يحكوا هنا في الأصول ~~: القول بالتساوي ، ولعلهم حكوه ولم نره . انتهى . PageV04P729 ( و ) يقدم ~~من قياس ( ما موجب نقض علته مانع ، أو فوات شرط ، أو محقق على ما ) أي على ~~قياس ( موجبه ضعيف ، أو محتمل ) أما كون القياس الذي موجب نقض علته قوي ، ~~كالمانع وفوات الشرط ، مقدما على القياس الذي موجب نقض علته ضعيف : فلأن ~~قوة موجب النقض دليل على قوة العلة المنقوضة . قال العضد : إذا انتقض ~~العلتان ، وكان موجب التخلف في إحداهما في صورة النقض قويا ، وفي الآخر ~~ضعيفا : قدم الأول . انتهى . PageV04P730 وأما كون القياس الذي موجب نقض ~~علته محققا مقدما على القياس الذي موجب نقض علته محتملا : فلأن المحقق أقوى ~~من المحتمل ( وبانتفاء مزاحمها في أصلها ) يعني : أن القياس الذي قد انتفى ~~مزاحم علته في الأصل مقدم على ما لم ينتف مزاحم علته في الأصل ؛ لأن انتفاء ~~مزاحم العلة يفيد غلبة الظن بالعلة . قال العضد : ترجح العلة بانتفاء ~~المزاحم لها في الأصل ، بأن لا تكون معارضة ، والأخرى معارضة . انتهى . ( ~~وبرجحانها عليه ) أي : برجحان العلة على مزاحمها ، PageV04P731 يعني : أنه ~~يرجح القياس الذي تكون علته راجحة على مزاحمها في الأصل على القياس الذي لا ~~تكون علته راجحة على مزاحمها ؛ لقوته برجحان علته ( وبقوة مناسبة ) يعني : ~~أن أحد القياسين يرجح على الآخر بقوة مناسبة علته ؛ لأن قوة المناسبة تفيد ~~قوة ظن العلية . قال ابن مفلح : وبقوة المناسبة ، بأن تكون أفضى إلى ~~مقصودها ، أو لا تناسب نقيضه ( ومقتضية لثبوت ) يعني : أنه يرجح أحد ~~القياسين على الآخر لكون علته مقتضية للثبوت عند القاضي وأصحابه والموفق ~~وجمع ، لأن العلة المقتضية للثبوت تفيد حكما شرعيا لم يعلم بالبراءة ~~الأصلية بخلاف المقتضية للنفي ، فإنها تفيد ما علم PageV04P732 بالبراءة ~~الأصلية ، وما فائدته شرعية راجح على غيره ، وقاسه أبو الخطاب على الخبرين ~~. وعند الآمدي وابن الحاجب وجمع : ترجح النافية ؛ لأن المقتضية للنفي ~~متأيدة بالنفي ( وعامة للمكلفين ) يعني : أنه يرجح القياس ms666 الذي تكون علته ~~عامة في المكلفين - أي : متضمنة لمصلحة عموم المكلفين - على القياس الذي ~~تكون علته خاصة لبعض المكلفين ، لأن ما تكون فائدته أكثر : أولى ، وقدم ~~الكرخي وأكثر الشافعية الخاصة لتصريحها بالحكم . وكذا ما أصلها من جنس ~~فرعها ، كإلحاق بيع الغائب بالسلم بلا صفة ، وبقوله : بعتك عبدا . ~~PageV04P733 ( و ) تقدم علة ( موجبة لحرية ) على علة مقتضية لرق . قدمه ابن ~~مفلح في أصوله ، وقال : قاله القاضي وبعض المتكلمين ، وقيل : تقدم المقتضية ~~للرق . واختاره أبو الخطاب واختار أيضا أنهما سواء ( و ) تقدم علة ( حاظرة ~~) - أي : موجبة للحظر عند القاضي وأبي الخطاب وابن عقيل والكرخي على علة ~~موجبة للإباحة ؛ لأن تقديم الحاظرة أولى ، وأحوط ، PageV04P734 وذكر أبو ~~الخطاب احتمالا بأنهما سواء . ( و ) تقدم ( علة لم يخص أصلها ) وهي عامة ~~الأصل ، بأن توجد في جميع جزئياته ، ذكره أبو الخطاب وابن عقيل ، كالطعم ~~على الكيل عند من يجيز التفاضل في القليل ؛ لأنها أكثر فائدة مما لا يعم ؛ ~~كالطعم فيمن يعلل به في باب الربا ، فإنه موجود في البر مثلا : قليله ~~وكثيره ، بخلاف ' القوت ' العلة عند الحنفية ، فلا يوجد في قليله ، فجوزوا ~~بيع الحفنة منه بالحفنتين ( أو لم يسبقها حكمها ) يعني : أنه تقدم علة وجد ~~حكمها معها على علة حكمها موجود قبلها ؛ لأن الموجود حكمها معها ~~PageV04P735 يدل على تأثيرها في الحكم . كتعليل أصحابنا في البائن : أنها ~~لا نفقة لها ولا سكنى : بأنها أجنبية منه ، فأشبهت المنقضية العدة . وتعليل ~~الخصم : بأنها معتدة من طلاق ، أشبهت الرجعية ، فعلتنا أولى ؛ لأن الحكم - ~~وهو سقوط النفقة - وجد بوجودها ، وقبل أن تصير أجنبية كانت النفقة واجبة ، ~~وعلتهم غير مؤثرة ؛ لأن وجوب النفقة والسكنى تجب للزوجة قبل أن تصير معتدة ~~من طلاق فوجب لها النفقة والسكنى ( أو وصفت بموجود في الحال ) يعني : أن ~~العلة الموصوفة في الحال ، أي بما هو موجود في الحال تقدم على العلة ~~الموصوفة بما يجوز وجوده في ثاني الحال ؛ كتعليل أصحابنا في رهن المشاع : ~~أنه عين يصح بيعها ، فصح رهنها كالمفرد ، وتعليل PageV04P736 الخصم بأنه ~~قارن العقد : معنى يوجب استحقاق رفع ms667 يده في الثاني . فعلتنا محققة الوجود ، ~~وما ذكروه يجوز أن يوجد ، ويجوز أن لا يوجد فكانت علتنا أولى . ( أو عمت ~~معلولها ) يعني : أنه تقدم العلة التي تستوعب معلولها على ما لم تستوعبه ، ~~كقياسنا في جريان القياس بين الرجل والمرأة في الأطراف بأن من أجرى القياس ~~بينهما في النفس أجراه بينهما في الأطراف كالحرين . فإنه أولى من قياسهم ~~بأنهما مختلفان في بدل النفس ، فلا يجري القياس بينهما في الأطراف . ~~كالمسلم مع المستأمن ؛ لأنه لا تأثير لقولهم . فإن العبدين ولو تساويا في ~~القيمة لا يجري القياس بينهما في الأطراف عندهم ( ومفسرة ) يعني : أن العلة ~~المفسرة - بفتح السين - وما قبلها مما ذكر يقدمن ( على ضدهن ) فإذا وجدت ~~علة مفسرة ، وعلة مجملة قدمت المفسرة قال في التمهيد : ومنها أن تكون ~~إحداهما مفسرة ، PageV04P737 والأخرى مجملة ، كقياسنا في الأكل في رمضان ، ~~أنه لا كفارة فيه ؛ لأنه إفطار بغير مباشرة ، فأشبه ما لو ابتلع حصاة : ~~أولى من قياسهم أفطر بمسوغ جنسه ؛ لأن المفسر في الكتاب والسنة مقدم على ~~المجمل . وكذا في المستنبط . انتهى وحيث انتهى الكلام على ترجيح الأصل في ~~الدليلين المعقولين . شرع في الكلام على ترجيح الفرع . فقال ( الفرع ) يعني ~~: أنه يكون فيه الترجيح ويرجح بما يقوى به الظن ( ويقوى ظن بمشاركة ) الفرع ~~الأصل ( في أخص ) ويرجح على ما هو مشارك في أعم من ذلك الأخص . ( و ) يرجح ~~أيضا الفرع ب ( بعده عن الخلاف ) إذا علمت ذلك ( فيقدم ) فرع ( مشارك ) ~~للأصل ( في عين PageV04P738 الحكم و ) عين ( العلة ) على فرع مشارك لأصله ~~في جنس الحكم ، وجنس العلة ، وعلى مشارك في جنس الحكم ، وعين العلة ، وعلى ~~مشارك في عين الحكم ، وجنس العلة ، وإنما كان كذلك ؛ لأن التعدية باعتبار ~~الاشتراك في المعنى الأخص تكون أغلب على الظن من الاشتراك في المعنى الأعم ~~( ففي عينها وجنسه ) يعني ثم يلي ما تقدم ، الفرع المشارك للأصل في عين ~~العلة وجنس الحكم ؛ لأن العلة أصل الحكم المتعدي ، باعتبار ما هو معتبر في ~~خصوص العلة أولى من اعتبار ما هو معتبر في خصوص الحكم ms668 ( ففي عينه وجنسها ) ~~يعني : ثم يلي ما تقدم : الفرع المشارك للأصل في عين الحكم ، وجنس العلة ؛ ~~فإنه يقدم على الفرع المشارك في جنس العلة ، وجنس الحكم ؛ لأن المشارك في ~~عين PageV04P739 أحدهما أولى ؛ لأنه أخص ( ففي جنسهما ) . يعني ثم يلي ما ~~تقدم : الفرع المشارك للأصل في جنس العلة وجنس الحكم ( وبقطع علة في فرع ) ~~يعني : أنه يرجح القياس الذي العلة في فرعه مقطوع بها ، على القياس الذي ~~العلة في فرعه مظنونة ( وبتأخره ) أي : تأخر الفرع ، يعني أن الفرع يرجح ~~بتأخره عن الأصل في الرتبة ، على فرع يساوي الأصل في الرتبة ؛ لأن الفرع ~~وإن كان متأخرا عن زمن الأصل لا تمتنع مساواته له في الرتبة ، والواجب ~~بفرعية الفرع إنما هو التأخر عنه باعتبار الرتبة ، PageV04P740 لا مطلقا ، ~~بل بالنسبة لذلك الحكم الذي أريد تعديته إليه ( وبثبوته بنص ) يعني أن ~~القياس الذي ثبت حكم الفرع فيه بالنص يرجح على القياس الذي لم يثبت حكم ~~الفرع فيه بالنص وقولنا ( جملة ) لأنه لو ثبت حكم الفرع بالنص على سبيل ~~التفصيل : لم يكن ثابتا بالقياس ، و حينئذ لم يكن فرعا ، لأن الثابت بالنص ~~على سبيل التفصيل لا يقاس حينئذ على شيء وحيث انتهى الكلام على ما يترجح به ~~الفرع شرع في الكلام على الترجيح فيما دل عليه اللفظ والأمر الخارج فقال ( ~~المدلول وأمر خارج ) يعني أنه يكون الترجيح فيهما PageV04P741 ( كما مر في ~~) الدليلين ( المنقولين ) على حكم التفصيل السابق فيهما ( وترجح علة وافقها ~~خبر ضعيف ، أو ) وافقها ( قول صحابي ، أو ) وافقها ( مرسل غيره ) أي : غير ~~صحابي . نقل الجماعة عن الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه : أنه كان يكتب ~~حديث الرجل الضعيف ، كابن لهيعة ، وجابر الجعفي ، وأبي بكر بن أبي مريم ، ~~فيقال له في ذلك ، فيقول : أعرفه أعتبر به ، كأني أستدل به مع غيره ، ويقول ~~: يقوي بعضها بعضا . PageV04P742 قال بعض أصحابنا : قول أحمد ' أستدل به مع ~~غيره ' يعني يصير حجة بالانضمام لا مفردا ، وكذا حكم المرسل ، وكذا حكم قول ~~الصحابي ، كالخبر الضعيف يقوى به ، ويرجح به . قال في شرح ms669 التحرير : وهو ~~الصواب وقال أيضا : الصحيح أن العلة ترجح إذا وافقها قول صحابي ، وإن لم ~~تجعله حجة . والصحيح أيضا : أن المرسل يرجح به أحد الدليلين فكذلك في العلة ~~. وعند القاضي في العدة : لا يرجح بما لا يثبت به حكم ، فلا يرجح بمرسل ، ~~ولا بقول صحابي ، إذا لم يثبت بذلك حكم على القول به . وقال ابن مفلح في ~~فروعه وهو محتمل ، وقال أيضا : وأطلق ابن عقيل وغيره الترجيح به . ~~PageV04P743 وحيث انتهى الكلام على الدليلين المنقولين والمعقولين شرع في ~~ذكر الترجيح فيما إذا كان أحد الدليلين منقولا والآخر معقولا ، فقال ( ~~المنقول والقياس ) فإذا وجد تعارض بين المنقول والقياس - والمراد بالمنقول ~~: الكتاب ، والسنة . فإنه ( يرجح ) منقول ( خاص دل ) على المطلوب ( بنطقه ) ~~لأن المنقول أصل بالنسبة إلى القياس ؛ ولأن مقدماته أقل من مقدمات القياس . ~~فيكون أقل خللا ( وإلا ) أي : وإن لم يدل على المطلوب بنطقه ، مع كون ~~المنقول خاصا ، فله درجات ، لأن الظن الحاصل من المنقول الذي دل على ~~المطلوب لا بمنطوقه : قد يكون أقوى من الظن الحاصل من القياس ، وقد يكون ~~مساويا له ، وقد يكون أضعف منه ، وإلى ذلك أشير بقوله ( فمنه ضعيف ، وقوي ، ~~ومتوسط ، ف ) يكون ( الترجيح فيه بحسب ما يقع للناظر ) فيعتبر الظن الحاصل ~~من المنقول ، والظن الحاصل من القياس ، ويؤخذ بأقوى الظنين . PageV04P744 # | ( خاتمة ) # يقع الترجيح بين حدود سمعية ظنية مفيدة لمعان مفردة تصورية . وهي حدود ~~الأحكام الظنية المفيدة لمعان مفردة تصورية ، وذلك : لأن الأمارات المفضية ~~إلى التصديقات كما يقع التعارض فيها ، ويرجح بعضها على بعض ، كذلك الحدود ~~السمعية يقع التعارض فيها . ويرجح بعضها على بعض ، PageV04P745 وخرج بقوله ~~' السمعية ' العقلية ، التي هي تعريف الماهيات ، فإنها ليست مقصودة هنا إذا ~~تقرر هذا . فإنه ( يرجح من حدود سمعية : ظنية مفيد لمعان مفردة تصورية صريح ~~) لأن الترجيح في الحدود السمعية تارة يكون باعتبار اللفظ ، وتارة يكون ~~باعتبار المعنى . وتارة يكون باعتبار أمر خارج . فمن الترجيح باعتبار ~~الألفاظ : الصراحة ، فيرجح الحد الذي بلفظ صريح على حد فيه تجوز ، أو ~~استعارة ، أو اشتراك ، أو غرابة ، أو ms670 اضطراب . ومحل هذا : إن قلنا : إن ~~التجوز والاستعارة والاشتراك تكون في الحدود ، والصحيح : المنع . ~~PageV04P746 قال الكوراني : إلا إذا اشتهر المجاز ، حيث لا يتبادر غيره ( و ~~) من الترجيح باعتبار المعنى ( أعرف ) يعني بأن يكون المعرف من أحدهما أعرف ~~من الآخر ( و ) من الترجيح باعتبار المعنى أيضا ( أعم ) يعني بأن يكون ~~مدلول أحدهما أعم من مدلول الآخر ، فيرجح الأعم ليتناول الأخص وغيره فتكثر ~~الفائدة . وقيل : يقدم الأخص للاتفاق على ما يتناوله الأخص ؛ لتناول الحدين ~~له والاختلاف فيما زاد على مدلول الأخص . والمتفق عليه أولى PageV04P747 ( ~~و ) من الترجيح باعتبار المعنى أيضا ( ذاتي ) يعني : أنه يرجح التعريف ~~بكونه ذاتيا على كونه عرضيا ؛ لأن التعريف بالذاتي يفيد كنه الحقيقة ، ~~بخلاف العرضي . ( من ذا ) أي : يقدم من هذا التعريف الذاتي ما هو ( حقيقي ~~تام ، ف ) ما هو حقيقي ( ناقص ) فما هو ( رسمي كذلك ) يعني : أنه يقدم بعد ~~ذلك التعريف الرسمي التام . فالتعريف الرسمي الناقص ( فلفظي ) يعني : أنه ~~يلي الرسمي الناقص : التعريف اللفظي ( و ) يكون الترجيح في الحدود السمعية ~~باعتبار أمر خارج أيضا فيرجح أحد الحدين ( بموافقة ) نقل شرعي ، أو لغوي ( ~~أو ) ب ( مقارنة نقل سمعي ، أو لغوي ) على ما لا PageV04P748 يكون كذلك ( ~~أو عمل أهل المدينة ، أو ) عمل ( الخلفاء ) الراشدين - ( أو ) عمل ( عالم ) ~~يعني : أنه يرجح أحد التعريفين بموافقة عمل أهل المدينة . أو بموافقة عمل ~~الخلفاء الأربعة ، أو بموافقة الأئمة الأربعة ، أو بموافقة عمل عالم واحد ~~على ما لا يكون كذلك ؛ لحصول القوة بذلك . ( و ) يرجح أحد التعريفين أيضا ( ~~بكون طريق تحصيله أسهل ) من طريق الآخر ( أو أظهر ) من طريق الآخر . يعني : ~~أن أحد التعريفين يرجح على الآخر برجحان طريق اكتسابه ، بأن يكون طريق ~~اكتسابه أي اكتساب أحدهما قطعيا ، وطريق اكتساب الآخر ظنيا ، أو اكتساب ~~أحدهما أرجح من طريق اكتساب الآخر ، بكون طريقه أسهل أو أظهر ، فيقدم ~~الأسهل PageV04P749 أو الأظهر على غيره ؛ لأنه أفضى إلى المقصود ، وأغلب ~~على الظن ( و ) يرجح أحد التعريفين أيضا ( بتقرير حكم حظر ) على تعريف مقرر ~~لحكم إباحة ( أو نفي ) يعني : أنه ms671 يرجح تعريف مقرر لنفي حكم على تعريف مقرر ~~للإثبات ( أو درء حد ) يعني : أنه يرجح تعريف مقرر لدرء حد ، بأن يلزم من ~~العمل به درء الحد ، على ما لا يكون كذلك ( أو ثبوت عتق ، أو ) ثبوت ( طلاق ~~ونحوه ) يعني أنه يرجح أحد التعريفين بكونه يلزم من العمل به ثبوت عتق أو ~~طلاق ، أو نحو ذلك على ما لا يلزم من العمل بذلك قاله PageV04P750 ابن مفلح ~~وغيره . ثم قال : فالترجيح به على ما سبق في الحجج . ( وضابط الترجيح ) ~~يعني القاعدة الكلية في الترجيح ( أنه متى اقترن بأحد ) دليلين ( متعارضين ~~أمر نقلي ) كآية أو خبر ( أو ) أمر ( اصطلاحي ) كعرف أو عادة ( عام ) ذلك ~~الأمر ( أو خاص ، أو ) اقترن بأحد الدليلين ( قرينة عقلية ، أو ) قرينة ( ~~لفظية ، أو ) قرينة ( حالية ، وأفاد ) ذلك الاقتران ( زيادة ظن : رجح به ) ~~لما ذكرنا من أن رجحان الدليل هو بالزيادة في قوته أو ظن إفادته المدلول ، ~~وذلك أمر حقيقي لا يختلف في نفسه . وإن اختلفت مداركه PageV04P751 ( ~~وتفاصيله ) أي : تفاصيل الترجيح ( لا تنحصر ) وذلك : لأن مثارات الظنون ~~التي بها الرجحان والترجيح كثيرة جدا . فحصرها بعيد ؛ لأنك إذا اعتبرت ~~الترجيحات في الدلائل من جهة ما يقع في المركبات من نفس الدلائل ومقدماتها ~~، وفي الحدود من جهة ما يقع في نفس الحدود من مفرداتها ، ثم ركبت بعضها مع ~~بعض حصل أمور لا تكاد تنحصر . | ( وهذا آخر ما يسر الله سبحانه وتعالى ~~باختصاره من ' التحرير ' مع ما ضم إليه ، وهو شيء يسير ، ولم يعر بحمد الله ~~من أثواب الفائدة بتعريته عن الإطالة والإعادة ، ومع اعترافي PageV04P752 ~~بالعجز ، جعلني الله ومن نظر إليه بعين التغاضي - إذ ما من أحد غير من عصمه ~~الله يسلم - من صالحي أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، والله سبحانه وتعالى ~~المسؤول أن يوفقنا لكل عمل جميل ، وهو حسبنا ، ونعم الوكيل ، ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم . PageV04P753 | [ تم كتاب شرح الكوكب المنير ] ~~| [ لابن النجار الفتوحي ] | [ والحمد لله أولا وآخره ] | تم الكتاب بحمد ~~الله وعونه وحسن توفيقه وصلى الله على ms672 نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم . ~~| PageV04P754 ms673