######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_004512 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عبد الوهاب الشعراني المصري #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 973 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: علماء المسلمين والوهابيون #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: ردود علماء المسلمين على الوهابية والمخالفين #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_004512 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/4512_علماء-المسلمين-والوهابيون-عبد-الوهاب-الشعراني-المصري #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي جعل الشريعة المطهرة بحرا يتفرع ~~منه جميع بحار العلوم النافعة والخلجان * وأجرى جداوله على أرض القلوب حتى ~~روى منها قلب القاصي من حيث التقليد لعلمائها والدان * ومن على من شاء من ~~عباده المختصين بالإشراف على ينبوع الشريعة المطهرة وجميع أحاديثها وآثارها ~~المنتشرة في البلدان * واطلعه الله من طريق كشفه على عين الشريعة الأولى ~~التي يتفرع منها كل قول في سائر الأدوار والأزمان * فأقر جميع أقوال ~~المجتهدين ومقلديهم بحق حين رأى اتصالها بعين الشريعة من طريق الكشف ~~والعيان وشارك جميع المجتهدين في اغترافهم من عين الشريعة الكبرى وإن تقاصر ~~عنهم في النظر وتأخر عنهم في الأزمان * فإن الشريعة كالشجرة العظيمة ~~المنتشرة وأقوال علمائها كالفروع والأغصان * فلا يوجد لنا فرع من غير أصل ~~ولا ثمرة من غير غصن كما لا يوجد أبنية من غير جدران * وقد أجمع أهل الكشف ~~على أن كل من أخرج قولا من أقوال علماء الشريعة عنها فإنما ذلك لقصوره عن ~~درجة العرفان * فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمن علماء أمته على ~~شريعته بقوله العلماء أمناء الرسل ما لم يخالطوا السلطان * ومحال من ~~المعصوم أن يؤمن على شريعته خوان * وأجمعوا أيضا على أنه لا يسمى أحد عالما ~~إلا أن بحث عن منازع أقوال العلماء وعرف من أين أخذوها من الكتاب والسنة لا ~~من ردها بطريق الجهل والعدوان * وإن كل من رد قولا من أقوال علمائها وأخرجه ~~عنها فكأنه ينادي على PageV00P002 # نفسه بالجهل ويقول ألا اشهدوا أني جاهل بدليل هذا القول من السنة والقرآن ~~* عكس من قبل أقوالهم ومقلديهم وأقام لهم الدليل والبرهان * وصاحب هذا ~~المشهد الثاني لا يرد قولا من أقوال علماء الشريعة إلا ما خاف نصا أو ~~إجماعا ولعله لا يجده في كلام أحد منهم في سائر الأزمان * وغايته أنه لم ~~يطلع على دليل لا أنه يجده مخالفا لصريح السنة أو القرآن * ومن نازعنا في ~~ذلك فليأت لنا بقول من أقوالهم خارج عنها ونحن نرد على صاحبه كما ms001 نرد على ~~من خالف قواعد الشريعة بأوضح دليل وبرهان * ثم إن وقع ذلك ممن يدعي صحة ~~التقليد للأئمة فليس هو بمقلد لهم في ذلك وإنما هو مقلد لهواه والشيطان * ~~فإن اعتقادنا في جميع الأئمة أن أحدهم لا يقول قولا إلا بعد نظره في الدليل ~~والبرهان * وحيث أطلقنا المقلد في كلامنا فإنما مرادنا به من كان كلامه ~~مندرجا تحت أصل من أصول إمامه وإلا فدعواه التقليد له زور وبهتان * وما ثم ~~قول من أقوال علماء الشريعة خارج عن قواعد الشريعة فيما علمناه وإنما ~~أقوالهم كلها بين قريب وأقرب وبعيد وأبعد بالنظر لمقام كل إنسان * وشعاع ~~نور الشريعة يشملهم كلهم ويعمهم وإن تفاوتوا بالنظر لمقام الإسلام والإيمان ~~والإحسان * أحمده حمد من كرع من عين الشريعة المطهرة حتى شبع وروى منها ~~الجسم والجنان * وعلم أن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم جاءت شريعة واسعة ~~جامعة لمقام الإسلام والإيمان والإحسان * وأنها لا حرج ولا ضيق فيها على ~~أحد من المسلمين ومن شهد ذلك فيها فشهوده تنطع وبهتان * فإن الله تعالى قال ~~وما جعل عليكم في الدين من حرج ومن ادعى الحرج في الدين فقد خالف صريح ~~القرآن * واشكره شكر من علم كمال شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فوقف عندما ~~حدث له من الأمر والنهي والترغيب والترهيب ولم يزد فيها شيئا إلا أن شهد له ~~شعاع الدليل والبرهان * فإن الشارع ما سكت عن أشياء إلا رحمة بالأمة لا ~~لذهول ولا نسيان * وأسلم إليه تسليم من رزقه الله تعالى حسن الظن بالأئمة ~~ومقلديهم وأقام لجميع أقوالهم الدليل والبرهان * أما من طريق النظر ~~والاستدلال * وأما من طريق التسليم والإيمان * وأما من طريق الكشف والعيان ~~* ولا بد لكل مسلم من أحد هذه الطرق ليطابق اعتقاده بالجنان قوله باللسان * ~~أن سائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم في كل حين وأوان * وكل من لم يصل ~~إلى هذا الاعتقاد من طريق الكشف والعيان * وجب عليه اعتقاد ذلك من طريق ~~التسليم والإيمان * وكما لا يجوز لنا الطعن فيما جاءت به ms002 الأنبياء مع ~~اختلاف شرائعهم فكذلك لا يجوز لنا الطعن فيما استنبطه الأئمة المجتهدون ~~بطريق الاجتهاد والاستحسان * ويوضح لك ذلك أن تعلم يا أخي أن الشريعة جاءت ~~من حيث الأمر والنهي على مرتبتي تخفيف وتشديد لا على مرتبة واحدة كما سيأتي ~~إيضاحه في الميزان * فإن جميع المكلفين لا يخرجون عن قسمين قوي وضعيف من ~~حيث إيمانه أو جسمه في كل عصر وزمان * فمن قوى منهم خوطب بالتشديد والأخذ ~~بالعزائم ومن ضعف منهم خوطب بالتخفيف والأخذ بالرخص وكل منهما حينئذ على ~~شريعة من ربه وتبيان فلا يؤمر القوي بالنزول إلى الرخصة ولا يكلف الضعيف ~~بالصعود للعزيمة وقد رفع الخلاف في جميع أدلة الشريعة وأقوال علمائها عند ~~كل من عمل بهذه الميزان * وقول بعضهم إن PageV00P003 # الخلاف الحقيقي بين طائفتين مثلا لا يرتفع بالحمل محمول على من لم يعرف ~~قواعد هذا الكتاب لأن الخلاف الذي لا يرتفع من بين أقوال أئمة الشريعة ~~مستحيل عند صاحب هذه الميزان فامتحن يا أخي ما قلته لك في كل حديث ومقابله ~~أو كل قول ومقابله تجد كل واحد منهما لا بد أن يكون مخففا والآخر مشددا ~~ولكل منهما رجال في حال مباشرتهم الأعمال ومن المحال أن لا يوجد لنا قولان ~~معا في حكم واحد مخففان أو مشددان * وقد يكون في المسألة الواحدة ثلاثة ~~أقوال أو أكثر وقول مفصل فالحاذق يرد كل قول إلى ما يناسبه ويقاربه في ~~التخفيف والتشديد حسب الإمكان * وقد قال الإمام الشافعي وغيره أن إعمال ~~الحديثين أو القولين أولى من إلغاء أحدهما وإن ذلك من كمال مقام الإيمان * ~~وقد أمرنا الله تعالى بأن نقيم الدين ولا نتفرق فيه حفظا له عن تهدم ~~الأركان * فالحمد لله الذي من علينا بإقامة الدين وعدم اضجاعه حيث الهنا ~~العمل بما تضمنته هذه الميزان * وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~شهادة تبوء قائلها غرف الجنان * وأشهد أن سيدنا ومولانا محمدا عبده ورسوله ~~الذي فضله على كافة خلقه وبعثه بالشريعة السمحاء وجعل إجماع أمته ملحقا في ~~وجوب ms003 العلم بالسنة والقرآن * اللهم فصل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء ~~والمرسلين * وعلى آلهم وصحبهم أجمعين وجميع التابعين لهم بإحسان إلى يوم ~~الدين * صلاة وسلاما دائمين بدوام سكان النيران والجنان * آمين اللهم آمين ~~وبعد فهذه ميزان نفيسة عالية المقدار حاولت فيها ما بنحوه يمكن الجمع بين ~~الأدلة المتغايرة في الظاهر وبين أقوال جميع المجتهدين ومقلديهم من الأولين ~~والآخرين إلى يوم القيامة كذلك ولم أعرف أحدا سبقني إلى ذلك في سائر ~~الأدوار * وصنفتها بإشارة أكابر أهل العصر من مشايخ الإسلام وأئمة العصر ~~بعد أن عرضتها عليهم قبل إثباتها وذكرت لهم إني لا أحب أن أثبتها إلا بعد ~~أن ينظروا فيها فإن قبلوها أبقيتها وإن لم يرتضوها محوتها فإني بحمد الله ~~أحب الوفاق وأكره الخلاف لا سيما في قواعد الدين * وإن كان الاختلاف رحمة ~~بقوم آخرين * فرحم الله من رأى فيها خللا وأصلحه نصرة للدين * وكان من أعظم ~~البواعث لي على تأليفها للإخوان فتح باب العمل بما تضمنه قوله تعالى شرع ~~لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه وليطابقوا في تقليدهم بين قولهم ~~باللسان * إن سائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم وبين اعتقادهم ذلك ~~بالجنان * ليقوموا بواجب حقوق أئمتهم في الأدب معهم ويحوزوا الثواب المرتب ~~على ذلك في الدار الآخرة ويخرج من قال ذلك منهم بلسانه إن سائر أئمة ~~المسلمين على هدى من ربهم ولم يعتقد ذلك بقلبه عما هو متلبس به من صفة ~~النفاق الأصغر الذي ذمه رسول الله صلى الله عليه وسلم لا سيما وقد ذم الله ~~سبحانه وتعالى منافقي الكفار بنفاقهم زيادة على حصول ذمهم بصفة كفرهم في ~~نحو قوله تعالى يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين ~~قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومعلوم أن كلما عابه الله تعالى على ~~الكفار فالمسلمون أولى بالتنزه عنه وعما يقرب من شبه صورته ويسد المقلدون ~~باب المبادرة إلى الانكار على من خالف ms004 قواعد مذاهبهم ممن هو من أهل ~~الاجتهاد في الشريعة فإنه على هدى من ربه وربما أظهر مستنده PageV00P004 # في مذهبه لمن أنكر عليه فأذعن له وخجل من مبادرته إلى الانكار عليه وهذا ~~من جملة مقاصدي بتأليف هذا الكتاب والأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ~~فاعملوا أيها الإخوان على الوصول إلى ذوق هذه الميزان وإياكم والمبادرة إلى ~~إنكارها قبل أن تطالعوا جميع هذه الفصول التي سنقدمها بين يدي الكلام عليها ~~أي قبل كتاب الطهارة بل ولو أنكرها أحدكم بعد مطالعة فصولها فربما كان ~~معذورا لغرابتها وقلة وجود ذائق لها من أقرانكم كما سيأتي بيانه إن شاء ~~الله تعالى إذا علمت ذلك وأردت أن تعلم ما أومأنا إليه من دخول جميع أقوال ~~الأئمة المجتهدين ومقلديهم إلى يوم الدين في شعاع نور الشريعة المطهرة بحيث ~~لا ترى قولا واحدا منها خارجا عن الشريعة المطهرة فتأمل وتدبر فيما أرشدك ~~يا أخي إليه وذلك أن تعلم وتتحقق يقينا جازما أن الشريعة المطهرة جاءت من ~~حيث شهود الأمر والنهي في كل مسألة ذات خلاف على مرتبتين تخفيف وتشديد لا ~~على مرتبة واحدة كما يظنه بعض المقلدين ولذلك وقع بينهم الخلاف بشهود ~~التناقض ولا خلاف ولا تناقض في نفس الأمر كما سيأتي إيضاحه في الفصول ~~الآتية إن شاء الله تعالى فإن مجموع الشريعة يرجع إلى أمر ونهي وكل منهما ~~ينقسم عند العلماء على مرتبتين تخفيف وتشديد وأما الحكم الخامس الذي هو ~~المباح فهو مستوى الطرفين وقد يرجع بالنية الصالحة إلى قسم المندوب وبالنية ~~الفاسدة إلى قسم المكروه هذا مجموع أحكام الشريعة وإيضاح ذلك أن من الأئمة ~~من حمل مطلق الأمر على الوجوب الجازم ومنهم من حمله على الندب ومنهم من حمل ~~مطلق النهي على التحريم ومنهم من حمله على الكراهة ثم إن لكل من المرتبين ~~رجالا في حال مباشرتهم للتكاليف فمن قوي منهم من حيث إيمانه وجسمه خوطب ~~بالعزيمة والتشديد الوارد في الشريعة صريحا أو المستنبط منها في مذهب ذلك ~~المكلف أو غيره ومن ضعف منهم من ms005 حيث مرتبة إيمانه أو ضعف جسمه خوطب بالرخصة ~~والتخفيف الوارد كذلك في الشريعة صريحا أو المستنبط منها في مذهب ذلك ~~المكلف أو مذهب غيره كما أشار إليه قوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم ~~خطابا عاما وقوله صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ~~أي كذلك فلا يؤمر القوي المذكور بالنزول إلى مرتبة الرخصة والتخفيف وهو ~~يقدر على العمل بالعزيمة والتشديد لأن ذلك كالتلاعب بالدين كما سيأتي ~~إيضاحه في الفصول الآتية إن شاء الله تعالى وكذلك لا يكلف الضعيف المذكور ~~بالصعود إلى مرتبة العزيمة والتشديد والعمل بذلك مع عجزه عنه لكن لو تكلف ~~وفعل ذلك لا نمنعه إلا بوجه شرعي فالمرتبتان المذكورتان على الترتيب ~~الوجوبي لا على التخيير كما قد يتوهمه بعضهم فإياك والغلط فليس لمن قدر على ~~استعمال الماء حسا أو شرعا أن يتيمم بالتراب وليس لمن قدر على القيام في ~~الفريضة أن يصلي جالسا وليس لمن قدر على الصلاة جالسا أن يصلي على الجنب ~~وهكذا في سائر الواجبات وكذلك القول في الأفضل من السنن مع المفضول فليس من ~~الأدب أن يفعل المفضول مع قدرته على فعل الأفضل فعلم أن المسنونات ترجع إلى ~~مرتبتين كذلك فيقدم الأفضل على المفضول ندبا مع القدرة ويقدم الأولى شرعا ~~على خلاف الأولى وإن PageV00P005 # جاز ترك الأفضل والمفضول أصالة فمن أراد عدم اللوم فلا ينزل إلى المفضول ~~إلا أن عجز عن الأفضل فامتحن يا أخي بهذه الميزان جميع الأوامر والنواهي ~~الواردة في الكتاب والسنة وما انبنى وتفرع على ذلك من جميع أقوال الأئمة ~~المجتهدين ومقلديهم إلى يوم الدين تجدها كلها لا تخرج عن مرتبتي تخفيف ~~وتشديد ولكل منهما رجال كما سبق ومن تحقق بما ذكرنا ذوقا وكشفا كما ذقناه ~~وكشف لنا وجد جميع أقوال الأئمة المجتهدين ومقلديهم داخلة في قواعد الشريعة ~~المطهرة ومقتبسة من شعاع نورها لا يخرج منها قول واحد عن الشريعة وصحت ~~مطابقة قوله باللسان إن سائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم لاعتقاد ذلك ~~بالجنان وعلم جزما ويقينا ms006 إن كل مجتهد مصيب ورجع عن قوله المصيب واحد لا ~~بعينه كما سيأتي إيضاحه في الفصول إن شاء الله تعالى وارتفع التناقض ~~والخلاف عنده في أحكام الشريعة وأقوال علمائها لأن كلام الله تعالى ورسوله ~~صلى الله عليه وسلم يجل عن التناقض وكذلك كلام الأئمة عند من عرف مقدارهم ~~واطلع على منازع أقوالهم ومواضع استنباطاتها فما من حكم استنبطه المجتهد ~~إلا وهو متفرع من الكتاب أو السنة أو منهما معا ولا يقدح في صحة ذلك الحكم ~~الذي استنبطه المجتهد جهل بعض المقلدين بمواضع استنباطاته وكل من شهد في ~~أحاديث الشريعة أو أقوال علمائها تناقضا لا يمكن رده فهو ضعيف النظر ولو ~~أنه كان عالما بالأدلة التي استند إليها المجتهد ومنازع أقواله لحمل كل ~~حديث أو قول ومقابله على حال من إحدى مرتبتي الشريعة فإن من المعلوم أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخاطب الناس على قدر عقولهم ومقامهم في ~~حضرة الإسلام أو الإيمان أو الاحسان وتأمل يا أخي في قوله تعالى قالت ~~الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا الآية تحط علما بما قلناه ~~وإلا فأين خطابه لأكابر الصحابة من خطابه لأجلاف العرب وأين مقام من بايعه ~~صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره والمعسر والميسر ~~ممن طلب أن يبايعه صلى الله عليه وسلم على صلاة الصبح والعصر فقط دون ~~غيرهما من الصلوات ودون الزكاة والحج والصيام والجهاد وغيرها وقد تبع ~~الأئمة المجتهدون ومقلدوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك فما وجدوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم شدد فيه عادة شددوا فيه أمرا كان أو نهيا وما ~~وجدوه خفف فيه خففوا فيه فاعتمد يا أخي على اعتقاد ما قررته وبينته لك في ~~هذه الميزان ولا يضرك غرابتها فإنها من علوم أهل الله تعالى وهي أقرب إلى ~~طريق الأدب مع الأئمة مما تعتقده أنت من ترجيح مذهب على مذهب بغير طريق ~~شرعي وأين قول من يقول إن سائر أئمة المسلمين أو الأئمة الأربعة ms007 الآن على ~~هدى من ربهم ظاهرا وباطنا ممن يقول ثلاثة أرباعهم أو أكثر على غير الحق في ~~نفس الأمر * وإن أردت يا أخي أن تعلم نفاسة هذه الميزان وكمال علم ذائقها ~~بالشريعة من آيات وأخبار وآثار وأقوال فأجمع لك أربعة من علماء المذاهب ~~الأربعة واقرأ عليهم أدلة مذاهبهم وأقوال علمائهم وتعاليلهم التي سطروها في ~~كتبهم وانظر كيف يتجادلون * ويضعف بعضهم أدلة بعض وأقوال بعض وتعلو أصواتهم ~~على بعضهم بعضا حتى كان المخالف لقول كل واحد قد خرج عن الشريعة ولا يكاد ~~أحدهم يعتقد ذلك الوقت إن سائر أئمة المسلمين على هدى من PageV00P006 # ربهم أبدا بخلاف صاحب هذه الميزان فإنه جالس على منصة في سرور وطمأنينة ~~كالسلطان حاكم بمرتبتي ميزانه على كل قول من أقوالهم لا يرى قولا واحدا من ~~أقوالهم خارجا عن مرتبتي الميزان من تخفيف أو تشديد بل يرى الشريعة قابلة ~~لكل ما قالوه لوسعها فاعمل يا أخي بهذه الميزان وعلمها لإخوانك من طلبة ~~المذاهب الأربعة ليحيطوا بها علما أن لم يصلوا إلى مقام الذوق لها بطريق ~~الكشف كما أشار إليه قوله تعالى فإن لم يصبها وابل فطل وليفوزوا أيضا بصحة ~~اعتقادهم في كلام أئمتهم ومقلديهم ويطابقوا بقلوبهم قولهم باللسان إن سائر ~~أئمة المسلمين على هدى من ربهم إن لم يكن ذلك كشفا ويقينا فليكن إيمانا ~~وتسليما فعليكم أيها الإخوان باحتمال الأذى ممن يجادلكم في صحة هذه الميزان ~~قبل ذوقها وقبل أن تحضروه معكم حال قراءتها على علماء المذاهب الأربعة فإنه ~~معذور لا يكاد يسلم لكم صحتها لغرابتها وربما وافق مذاهب الحاضرين هيبة لهم ~~ورد المذهب الذي لم يكن أحد من مقلديه حاضر العدم من ينتصر لذلك المذهب وفي ~~ذلك دلالة على مراعاته وجوه المخلوقين نسأل الله العافية وبما قررناه لك يا ~~أخي انتهت الميزان الشعرانية المدخلة لجميع أقوال الأئمة المجتهدين ~~ومقلديهم في الشريعة المحمدية نفع الله بها المسلمين وقد حبب لي أن أذكر لك ~~يا أخي قاعدة هي كالمقدمة لفهم هذه الميزان بل هي من أقرب الطرق إلى ms008 ~~التسليم لها وذلك أن تبني أساس نظرك أولا على الإيمان بأن الله تعالى هو ~~العالم بكل شئ والحكيم في كل شئ أزلا وأبدا لما أبدع هذا العالم وأحكم ~~أحواله وميز شؤونه وأتقن كماله أظهره على ما هو مشاهد من الاختلاف الذي لا ~~يمكن حصره ولا ينضبط أمره متغايرا في الأمزجة والتراكيب مختلفا في الأحوال ~~والأساليب على حكم ما سبق به علم الله القديم وعلى وفق ما نفذت به إرادة ~~العليم الحكيم * فجاء على هذه الأوضاع والتآليف واستقر أمره على ما لا ~~تنتهي إليه غاياته من الشؤون والتصاريف * وكان من جملة بديع حكمته وعظيم ~~آلائه وعميم رحمته إن قسم عباده إلى قسمين شقي وسعيد * واستعمل كلا منهما ~~فيما خلق له من متعلق الوعد أو الوعيد * وأوجد لكل منهما في هذه الدار بحكم ~~عدله وسعة أفضاله ما يصلح لشأنه في حاله وما له من محسوسات صورها * ~~ومعنويات قدرها ومصنوعات أبدعها وأحكام شرعها * وحدود وضعها وشؤون أبدعها * ~~فتمت بذلك أمور المحدثات * وانعقد بذلك نظام الكائنات * وكمل بذلك شأني ~~الزمان والمكان حتى قيل إنه ليس في الامكان * أبدع مما كان * قال تعالى في ~~كتابه القديم لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم على أنه سبحانه وتعالى لم ~~يجعل كل نافع نافعا مطلق ولا كل ضار ضارا مطلقا بل ربما نفع هذا ما ضر هذا ~~وضر هذا ما نفع هذا وربما ضر هذا في وقت ما نفعه في وقت آخر ونفع هذا في ~~وقت ما ضره في وقت آخر كما هو مشاهد في الموجودات الحسية والمدركات ~~المعنوية لمعان جلت عن الادراك بالأفكار وأسرار خفيت إلا على من أراده عالم ~~الأسرار ومن هنا يتحقق إن كلا ميسر لما خلق له وإن ذلك إنما هو لإتمام شؤون ~~الأولين والآخرين * وإن الله هو الغني عن العالمين * وحيث تقررت لك يا أخي ~~هذه القاعدة العظيمة علمت أن الله تعالى لم يمكر بسعيد من حيثما كلفه أبدا ~~وإن اختلاف أئمة هذه الأمة في فروع الدين أحمد عاقبة وأقوم رشدا ~~PageV00P007 # وإن الله ms009 تعالى لم يخلقنا عبثا ولم ينوع لنا التكاليف سدى بل لم يلهم ~~أحدا من المكلفين العمل بأمر من أمور الدين تعبده به على لسان أحد من ~~المرسلين أو على لسان إمام من أئمة الهدى المجتهدين إلا وفي العمل به على ~~وجهه في ذلك الوقت أعلى مراتب سعادة ذلك المكلف المقسومة له حينئذ واللائقة ~~بحاله ولا يصرفه عن العمل بقول إمام من أئمة الهدى إلى العمل بقول إمام آخر ~~منهم إلا وفيما صرفه عنه انحطاط في ذلك الوقت عن الأكمل في درجته اللائقة ~~به رحمة منه سبحانه وتعالى بأهل قبضة السعادة ورعاية للحظ الأوفر لهم في ~~دينهم ودنياهم كما يلاطف الطبيب الحبيب * ولله المثل الأعلى وهو القريب ~~المجيب * لا سيما وهو الفاعل المختار في الأموات والأحياء والمدبر المريد ~~لكل شئ من سائر الأشياء * فانظر يا أخي إلى حسن هذه القاعدة ووضوحها وكم ~~أزالت من إشكالات معجمة وأفادت من أحكام محكمة فإنك إذا نظرت فيها بعين ~~الإنصاف تحققت بصحة الاعتقاد أن سائر الأئمة الأربعة ومقلديهم رضي الله ~~عنهم أجمعين على هدى من ربهم في ظاهر الأمر وباطنه ولم تعترض قط على من ~~تمسك بمذهب من مذاهبهم ولا على من انتقل من مذهب منها إلى مذهب ولا على من ~~قلد غير إمامه منهم في أوقات الضرورات لاعتقادك يقينا إن مذاهبهم كلها ~~داخلة في سياج الشريعة المطهرة كما سيأتي إيضاحه وإن الشريعة المطهرة جاءت ~~شريعة سمحى واسعة شاملة قابله لسائر أقوال أئمة الهدى من هذه الأمة ~~المحمدية وإن كلا منهم فيما هو عليه في نفسه على بصيرة من أمره وعلى صراط ~~مستقيم * وإن اختلافهم إنما هو رحمة بالأمة نشأ عن تدبير العليم الحكيم * ~~فعلم سبحانه وتعالى أن مصلحة البدن والدين والدنيا عنده تعالى لهذا العبد ~~المؤمن في كذا فأوجد له لطفا منه بعباده المؤمنين إذ هو العالم بالأحوال ~~قبل تكوينها فالمؤمن المكامل يؤمن ظاهرا وباطنا إن الله تعالى لو لم يعلم ~~أزلا إن الأصلح عنده تعالى لعباده المؤمنين انقسامهم على نحو هذه المذاهب ~~لما ms010 أوجدها لهم وأقرهم عليها بل كان يحملهم على أمر واحد لا يجوز لهم ~~العدول عنه إلى غيره كما حرم الاختلاف في أصل الدين بنحو قوله تعالى شرع ~~لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصيناه به إبراهيم ~~وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه فافهم ذلك فإنه نفيس واحذر أن ~~يشتبه عليك الحال فتجعل الاختلاف في الفروع كالاختلاف في الأصول فتزل بك ~~القدم في مهواة من التلف فإن السنة التي هي قاضية عندنا على ما نفهمه من ~~الكتاب مصرحة بأن اختلاف هذه الأمة رحمة بقوله صلى الله عليه وسلم وهو يعد ~~خصائصه في أمته ما من معناه وجعل اختلاف أمتي رحمة وكان فيمن قبلنا عذابا ا ~~ه‍ وربما يقال إن الله تعالى لما علم أزلا إن الأحظ والأصلح عنده تعالى ~~لهذا العبد المؤمن في إتمام دينة التطهر بالماء الجاري مثلا لاستحقاق حال ~~مثله التطهر بما هو أشد في إحياء الأعضاء لأمر يقتضي ذلك أوجد له إماما ~~أفهمه عنه إطلاق القول بعدم صحة الطهارة بسوى ذلك الماء في حق كل أحد فكان ~~أنعش لهمته وألهمه تقليده ليلتزم ما هو الأحوط في حقه رحمة به ولما علم ~~الله سبحانه وتعالى أن الأحظ والأصلح عنده تعالى أيضا لهذا العبد المؤمن ~~تجديد وضوئه إذا كان متوضئا وصمم العزم على فعل ينتقض به الوضوء لانتقاض ~~وضوئه الأول بنفس ذلك العزم PageV00P008 # لأمر يقتضي ذلك أوجد له إمام هدى أفهمه عنه إطلاق القول بوجوب ذلك في حق ~~كل أحد وألهمه التقليد له ليلتزم ما هو الأولى في حقه ولما علم سبحانه ~~وتعالى إن الأحظ والأصلح عنده تعالى أيضا لهذا العبد المؤمن التنزه الكلي ~~عن مباشرة ما خامره الكلب مثلا ولو بغير فمه من المائعات الشاملة للماء ~~القليل والغسل من ذلك سبعا أحدها بتراب لأمر يقتضي ذلك أوجد له إمام هدى ~~أفهمه عنه إطلاق القول بوجوب ذلك في حق كل أحد وألهمه التقليد له ليلتزم ما ~~هو الأولى في حقه أيضا ولما علم ms011 سبحانه وتعالى إن الأحظ والأصلح عنده تعالى ~~لهذا العبد المؤمن أن يتمضمض ويستنشق مثلا في كل وضوء لأمر يقتضي ذلك أوجد ~~له إمام هدى أفهمه عنه إطلاق القول بوجوب ذلك في حق كل أحد وألهمه التقليد ~~له ليلتزم ما هو الأولى في حقه وهكذا القول في سائر الأحكام فما من سبيل من ~~سبل الهدى إلا ولها أهل في علمه سبحانه وتعالى أرشدهم إليها بطريق من طرق ~~الارشاد الصريحة أو الإلهامية كما أنه سبحانه وتعالى يسر ظهور هذه الميزان ~~لما علم أزلا إن الأحظ والأصلح عنده تعالى لمؤلفها ومن وافقه في مقامه ~~وأخلاقه وأحواله أن يكشف له عن عين الشريعة الكبرى التي يتفرع منها سائر ~~منازع مذاهب المجتهدين ومواد أقوالهم ليرى ويطلع على جميع محال مآخذهم لها ~~من طريق الكتاب والسنة أطلعه الله سبحانه وتعالى عليها كذلك ليلتزم ما هو ~~الأولى في حقه من كونه يقرر سائر مذاهب الأئمة بحق وصدق وليكون فاتحا ~~لأتباعه باب صحة الاعتقاد في أن سائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم كما ~~سيأتي إيضاحه فضلا من الله ونعمة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ولا ~~يقال لم لا سوى الحق تعالى بينهم بقدرته وجعلهم على حالة واحدة أو لم لا ~~أفهم كل مقلد عن إمامه عدم إطلاق ذلك الحكم في حق كل أحد مثلا لأن ذلك ~~كالاعتراض على ما سبق به العلم الإلهي ثم اعلم أن اختصاص كل طائفة من هذه ~~الأمة بحكم من أحكام الشريعة في علم الله تعالى ربما يكون طريقا لترقيهم ~~إلى أعلى ما هم عليه وربما يكون حفظا لمقامهم عن النقص ويصح أن يقال إن ~~التكاليف كلها إنما هي للترقي دائما في حق من أتى بها على وجهها إذا ~~اعتقدنا أن القائمين بما كلفوا به آخذون في الترقي مع الأنفاس لأن الله ~~تعالى لا تنتهي مواهبه أبد الآبدين ودهر الداهرين والله واسع عليم فقد بان ~~لك يا أخي بهذه القاعدة العظيمة التي ربما يكون عليها مدار هذه الميزان ~~الكريمة التي ربما ms012 لم تسمح قريحة بمثلها إن هذه الميزان الشعرانية مدخلة ~~لجميع مذاهب المجتهدين من أئمة الهدى ومقلديهم في الشريعة المحمدية نفع ~~الله بها المسلمين * واعلم يا أخي أنني لما شرعت في تعليم هذه الميزان ~~للإخوان لم يتعقلوها حتى جمعت لهم على قراءتها جملة من علماء المذاهب ~~الأربعة فنهاك اعترفوا بفضلها كما اعترف به علماء المذاهب المذكورون حين ~~رأوها توجه جميع أقوال مذاهبهم وقد وصلوا في قراءتها وتحريرها إلى باب ما ~~يحرم من النكاح ونرجو من فضل الله إتمام قراءتها عليهم إلى آخر أبواب الفقه ~~وذلك بعد أن سألوني في إيضاحها بعبارة أوسع من هذه العبارة المتقدمة وإيصال ~~معرفتها إلى قلوبهم ذوقا من غير سلوك في طريق الرياضة على قواعد أهل الطريق ~~فكأنهم حملوني بذلك جميع جبال الدنيا PageV00P009 # على ظهري مع ضعف جسدي فصرت كلما أوضح لهم الجمع بين حديثين أو قولين في ~~باب يأتوني بحديث أو قول في باب آخر يناقض عندهم مقابله فحصل لي منهم تعب ~~شديد وكأنهم جمعوا لي سائر العلماء الذين يقولون بقولهم في سائر الأدوار من ~~المتقدمين والمتأخرين إلى يوم الدين وقالوا لي جادل هؤلاء كلهم واجعلهم ~~يرون جميع المذاهب المندرسة والمستعملة كلها صحيحة لا ترجيح فيها لمذهب على ~~مذهب لاغترافها كلها من عين الشريعة المطهرة وذلك من أصعب ما يتحمله ~~العارفون بأسرار أحكام الله تعالى ثم إني استخرت الله تعالى وأجبتهم إلى ~~سؤالهم في إيضاح الميزان بهذا المؤلف الذي لا أعتقد أن أحدا سبقني إليه من ~~أئمة الإسلام وسلكت فيه نهاية ما أعلم مسيس الحاجة إليه من البسط والإيضاح ~~لمعانيها ونزلت أحاديث الشريعة التي قيل بتناقضها وما انبنى على ذلك من ~~جميع أقوال المجتهدين ومقلديهم في سائر أبواب الفقه من باب الطهارة إلى آخر ~~أبواب الفقه على مرتبتي الشريعة من تخفيف وتشديد حتى لم يبق عندهم في ~~الشريعة تناقض تناسيا لهم فإنها ميزان لا يكاد الإنسان يرى لها ذائقا من ~~أهل عصره وقدمت على ذلك عدة فصول نافعة هي كالشرح لما أشكل من ألفاظها ~~عليهم أو ms013 كالدهليز الذي يتوصل منه إلى صدر الدار وبعضها مشتمل على ذكر ~~أمثلة محسوسة تقرب على العقل كيفية تفريع جميع المذاهب من عين الشريعة ~~الكبرى وكيفية اتصال أقوال آخر أدوار المقلدين بأول أدوارهم الذي هو مأخوذ ~~من حضرة الوحي الإلهي من عرش إلى كرسي إلى قلم إلى لوح إلى حضرة جبرئيل ~~عليه السلام إلى حضرة محمد صلى الله على وسلم إلى الصحابة إلى التابعين إلى ~~تابع التابعين إلى الأئمة المجتهدين ومقلديهم إلى يوم الدين وعلى بيان شجرة ~~وشبكة ودائرة وبحر يعلم الناظر فيها إذا تأمل أن جميع أقوال الأئمة لا يخرج ~~شئ منها عن الشريعة وعلى بيان أن جميع الأئمة المجتهدين يشفعون في أتباعهم ~~ويلاحظونهم في جميع شدائدهم في الدنيا والبرزخ ويوم القيامة حتى يجاوزوا ~~الصراط وعلى بيان أن كل مذهب سلكه المقلد وعمل به على وجه الاخلاص أوصله ~~إلى باب الجنة وعلى بيان قرب منازل الأئمة على نهر الحياة من منزل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كما أعطاه الكشف وعلى بيان ذم الرأي وبيان تبري ~~جميع الأئمة من القول به في دين الله عز وجل لا سيما الإمام الأعظم أبو ~~حنيفة رضي الله عنه خلاف ما يظنه بعضهم به وختمت أبواب الفقه بخاتمة نفيسة ~~مشتملة على بيان سبب مشروعية جميع التكاليف وهو أن أحكام الدين الخمسة نزلت ~~من الأملاك السماوية فأكرم بها من ميزان لا أعلم أحد سبقني إلى وضع مثلها ~~وكل من تحقق بذوقها دخل في نعيم الأبد وصار يقرر جميع مذاهب المجتهدين ~~وأقوال مقلديهم ويقوم في تقرير ذلك مقامهم حتى كأنه صاحب ذلك المذهب أو ~~القول العارف بدليله وموضع استنباطه وصار لا يجد شيئا من أقوال الأئمة ~~ومقلديهم إلا وهو مستند إلى آية أو حديث أو أثر أو إجماع أو قياس صحيح على ~~أصل صحيح كما سيأتي إيضاحه في الفصول الآتية إن شاء الله تعالى ذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وأسأل الله تعالى من فضله أن ~~يحمى هذا الكتاب من كل عدو ms014 وحاسد يدس فيه ما ليس من كلامي مما يخالف ظاهر ~~الشريعة لينفر الناس عن PageV00P010 # مطالعته كما وقع لي ذلك مع بعض الأعداء فإنهم دسوا في كتابي المسمى ~~بالبحر المورود في المواثيق والعهود أمورا تخالف ظاهر الشريعة وداروا بها ~~في الجامع الأزهر وغيره وحصل بذلك فتنة عظيمة وما خمدت الفتنة حتى أرسلت ~~لهم نسختي التي عليها خطوط العلماء ففتشتها العلماء فلم يجدوا فيها شيئا ~~مما يخالف ظاهر الشريعة مما دسه الأعداء فالله تعالى يغفر لهم ويسامحهم ~~والحمد لله رب العالمين ولنشرع في ذكر الفصول الموضحة للميزان فأقول وبالله ~~التوفيق. # * (فصل) * أن قال قائل إن حملك جميع أقوال الأئمة المجتهدين على حالتين ~~يرفع الخلاف ومعلوم أن الخلاف إذا تحقق بين عالمين مثلا لا يرتفع بالحمل * ~~فالجواب والأمر كذلك لكن عند كل من لم يتحقق بذوق هذه الميزان أما من ~~تحققها وحمل الحديثين أو القولين على حالين فإن الخلاف يرتفع عنده كما ~~سيأتي إيضاحه في الفصول الآتية فأحمل يا أخي قول من قال أن الخلاف المحقق ~~بين طائفتين لا يرتفع بالحمل على حالين على حال من لم يتعقل هذه الميزان ~~وأحمل قول من قال إن الخلاف يرتفع بالحمل المذكور على من تعقلها لأنه لا ~~يرى بين أقوال أهل الله تعالى خلافا محققا أبدا والحمد لله رب العالمين * ~~(فصل) * إياك يا أخي أن تبادر أول سماعك لمرتبتي الميزان إلى فهم كون ~~المرتبتين على التخيير مطلقا حتى أن المكلف يكون مخيرا بين فعل الرخصة ~~والعزيمة في أي حكم شاء فقد قدمنا لك أن المرتبتين على الترتيب الوجوبي لا ~~على التخيير بشرطه الآتي في أوائل الفصل السابع عند الاستثناء وأنه ليس ~~الأولى لمن قدر على فعل العزيمة أن ينزل إلى فعل الرخصة الجائزة وقد دخل ~~على بعض طلبة العلم وأنا أقرر في أدلة المذاهب وأقوال علمائها فتوهم إنني ~~أقرر ذلك للطلبة على وجه التخيير بين فعل العزيمة والرخصة من حيث إن جميع ~~الأئمة على هدى من ربهم فصار يحط على ويقول إن فلانا لا يتقيد بمذهب ms015 أي على ~~طريق الذم والنقص لي لا على طريق وسع اطلاعي على أدلة الأئمة فالله تعالى ~~يغفر له لعذره بعدم تعقل هذه الميزان الغريبة ويكون على علم جميع الإخوان ~~إنني ما قررت مذهبا من مذاهب الأئمة إلا بعد اطلاعي على أدلة صاحبه لا على ~~وجه حسن الظن به والتسليم له فقط كما يفعله بعضهم ومن شك في قولي هذا ~~فلينظر في كتابي المسمى بالمنهج المبين في بيان أدلة المجتهدين فإنه يعرف ~~صدقي يقينا وإنما لم اكتف بنسبة القول إلى الأئمة من غير اطلاعي على دليله ~~لأن أحدهم قد يرجع عنه بخلاف ما إذا عرفت الأدلة في ذلك من كتاب أو سنة ~~مثلا فإنه لا يصح مني رجوع عن تقرير ذلك المذهب كما يعرف ذلك من اطلع على ~~توجيهي لكلام الأئمة الآتي من باب الطهارة إلى آخر أبواب الفقه فإني وجهت ~~في هذه الميزان ما يقاس عليه جميع الأقوال المستعملة والمندرسة وعلمت أن ~~الذين عملوا بتلك المذاهب ودانوا الله بها وأفتوا بها الناس إلى أن ماتوا ~~كانوا على هدى من ربهم فيها عكس من يقول إنهم كانوا في ذلك على خطأ * فقد ~~علمت يا أخي أنني لا أقول بتخيير المكلف بين العمل بالرخصة والعزيمة مع ~~القدرة على فعل العزيمة المتعينة عليه معاذ الله أن أقول بذلك فإنه ~~كالتلاعب بالدين كما مر في الميزان إنما تكون الرخصة للعاجز عن فعل العزيمة ~~المذكورة قطعا لأنه حينئذ تصير الرخصة المذكورة PageV00P011 # في حقه عزيمة بل أقول إن من الواجب على كل مقلد من طريق الإنصاف أن لا ~~يعمل برخصة قال بها إمام مذهبه إلا إن كان من أهلها وأنه يجب عليه العمل ~~بالعزيمة التي قال بها غير إمامه حيث قدر عليها لأن الحكم راجع إلى كلام ~~الشارع بالأصالة لا إلى كلام غيره لا سيما إن كان دليل الغير أقوى خلاف ما ~~عليه بعض المقلدين حتى أنه قال لي لو وجدت حديثا في البخاري ومسلم لم يأخذ ~~به إمامي لا أعمل به وذلك جهل منه بالشريعة ms016 وأول من يتبرأ منه إمامه وكان ~~من الواجب عليه حمل إمامه على أنه لم يظفر بذلك الحديث أو لم يصح عنده كما ~~سيأتي إيضاحه في الفصول إن شاء الله تعالى إذ لم أظفر بحديث مما اتفق عليه ~~الشيخان قال بضعفه أحد ممن يعتد بتضعيفه أبدا وفي كلام القوم لا ينبغي لأحد ~~العمل بالقول المرجوح إلا إن كان أحوط في الدين من القول الأرجح كالقول ~~بنقض الطهارة عند الشافعية بلمس الصغيرة والشعر والظفر فإن هذا القول وإن ~~كان عندهم ضعيفا فهو أحوط في الدين فكان الوضوء منه أولى انتهى * وصاحب ~~الذوق لهذه الميزان يرى جميع مذاهب الأئمة المجتهدين وأقوال مقلديهم كأنها ~~شريعة واحدة لشخص واحد لكنها ذات مرتبتين كل من عمل بمرتبة منهما بشرطها ~~أصاب كما سيأتي إيضاحه في الفصول إن شاء الله تعالى وقد اطلعني الله تعالى ~~من طريق الالهام على دليل لقول الإمام داود الظاهري رضي الله عنه بنقض ~~الطهارة بلمس الصغيرة التي لا تشتهي وهو أن الله تعالى أطلق اسم النساء على ~~الأطفال في قوله تعالى في قصة فرعون يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ومعلوم أن ~~فرعون إنما كان يستحيي الأنثى عقب ولادتها فكما أطلق الحق تعالى اسم النساء ~~على الأنثى في قصة الذبح فكذلك يكون الحكم في قوله تعالى أو لامستم النساء ~~بالقياس على حد سواء وهو استنباط حسن لم أجده لغيري فإنه يجعل علة النقض ~~الأنوثة من حيث هي بقطع النظر عن كونها تشتهي أو لا تشتهي فقس عليه يا أخي ~~كلما لم تطلع له من كلام الأئمة على دليل صريح في الكتاب أو السنة وإياك أن ~~ترد كلام أحد من الأئمة أو تضعفه بفهمك فإن فهمك إذا قرن بفهم أحد من ~~الأئمة المجتهدين كان كالهباء والله أعلم * (فصل) * فإن قال قائل فهل يجب ~~عندكم على المقلد العمل بالأرجح من القولين أو الوجهين في مذهبه ما دام لم ~~يصل إلى معرفة هذه الميزان من طريق الذوق والكشف * فالجواب نعم يجب عليه ~~ذلك ما دام لم يصل إلى ms017 مقام الذوق لهذه الميزان كما عليه عمل الناس في كل ~~عصر بخلاف ما إذا وصل إلى مقام الذوق لهذه الميزان المذكورة ورأى جميع ~~أقوال العلماء وبحور علومهم تتفجر من عين الشريعة الأولى تبتدئ منها وتنتهي ~~إليها كما سيأتي بيانه في فصل الأمثلة المحسوسة لاتصال أقوال العلماء كلهم ~~بعين الشريعة الكبرى في مشهد صاحب هذا المقام فإن من اطلع على ذلك من طريق ~~كشفه رأى جميع المذاهب وأقوال علمائها متصلة بعين الشريعة وشارعة إليها ~~كاتصال الكف بالأصابع والظل بالشاخص ومثل هذا لا يؤمر بالتعبد بمذهب معين ~~لشهوده تساوي المذاهب في الأخذ من عين الشريعة وأنه ليس مذهب أولى بالشريعة ~~من مذهب PageV00P012 # لأن كل مذهب عنده متفرع من عين الشريعة كما تتفرع عيون شبكة الصياد في ~~سائر الأدوار من العين الأولى منها ولو أن أحدا أكرهه على التقيد لا يتقيد ~~كما سيأتي إيضاحه في الفصول الآتية إن أشاء الله تعالى وصاحب هذا الكشف قد ~~ساوى المجتهدين في مقام اليقين وربما زاد على بعضهم لاغتراف علمه من عين ~~الشريعة ولا يحتاج إلى تحصيل آلات الاجتهاد التي شرطوها في حق المجتهد ~~فحكمه حكم الجاهل بطريق البحر إذا ورد مع عالم بها ليملأ سقاه منه فلا فرق ~~بين الماء الذي يأخذه العالم ولا بين الماء الذي يأخذه الجاهل هذا حكم جميع ~~أهل هذه الميزان فيما صرحت به الشريعة من الأحكام بخلاف ما لم تصرح به إذا ~~أراد الإنسان استخراجه من آية أو حديث فإنه يحتاج إلى معرفة الآلات من نحو ~~وأصول ومعان وغير ذلك كما بيناه في كتابنا المسمى بمفحم الأكباد في بيان ~~موارد الاجتهاد وهو مجلد ضخم فراجعه إن شئت والحمد لله رب العالمين * (فصل) ~~* فإن قال قائل إن أحدا لا يحتاج إلى ذوق مثل هذه الميزان في طريق صحة ~~اعتقاده إن سائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم بل يكفيه اعتقاده تسليما ~~وإيمانا كما عليه عمل غالب طلبة العلم في سائر الأعصار * فالجواب قد قدمنا ~~لك في الميزان إن التسليم للأئمة هو أدنى ms018 درجات العبد في اعتقاده صحة أقوال ~~الأئمة وإنما مرادنا بهذه الميزان ما هو أرقى من ذلك فيطلع المقلد على ما ~~اطلع عليه الأئمة ويأخذ علمه من حيث أخذوا أما من طريق النظر والاستدلال ~~وأما من طريق الكشف والعيان وقد كان الإمام أحمد رضي الله عنه يقول خذوا ~~علمكم من حيث أخذه الأئمة ولا تقنعوا بالتقليد فإن ذلك عمى في البصيرة ~~انتهى وسيأتي بسط ذلك في فصل ذم الأئمة للقول بالرأي في دين الله إن شاء ~~الله تعالى فراجعه فإن قلت فلأي شئ لم يوجب العلماء بالله تعالى العمل بما ~~أخذه العالم من طريق الكشف مع كونه ملحقا بالنصوص في الصحة عند بعضهم ~~فالجواب ليس عدم إيجاب العلماء العمل بعلوم الكشف من حيث ضعفها ونقصها عما ~~أخذه العالم من طريق النقل الظاهر وإنما ذلك للاستغناء عن عده في الموجبات ~~بصرائح أدلة الكتاب والسنة عند القطع بصحته أي ذلك الكشف فإنه حينئذ لا ~~يكون إلا موافقا لها أما عند عدم القطع بصحته فمن حيث عدم عصمة الآخذ لذلك ~~العلم فقد يكون دخل كشفه التلبيس من إبليس فإن الله تعالى قد أقدر إبليس ~~كما قال الغزالي وغيره على أن يقيم للمكاشف صورة المحل الذي يأخذ علمه منه ~~من سماء أو عرش أو كرسي أو قلم أو لوح فربما ظن المكاشف إن ذلك العلم عن ~~الله فأخذ به فضل وأضل فمن هنا أوجبوا على المكاشف أنه يعرض ما أخذه من ~~العلم من طريق كشفه على الكتاب والسنة قبل العمل به فإن وافق فذاك وإلا حرم ~~عليه العمل به فعلم أن من أخذ علمه من عين الشريعة من غير تلبيس في طريق ~~كشفه فلا يصح منه الرجوع عنه أبدا ما عاش لموافقته الشريعة التي بين أظهرنا ~~من طريق النقل ضرورة أن الكشف الصحيح لا يأتي دائما إلا موافقا للشريعة كما ~~هو مقرر بين العلماء والله أعلم * (فصل) * فإن طعن طاعن في هذه الميزان ~~وقال إنها لا تكفي أحدا في إرشاده إلى طريق صحة اعتقاده أن ms019 سائر أئمة ~~المسلمين على هدى من ربهم كما مر قلنا له هذا أكثر ما قدرنا عليه ~~PageV00P013 # في طريق الجمع بين قول العبد بلسانه إن سائر أئمة المسلمين على هدى من ~~ربهم وبين اعتقاده ذلك بقلبه فإن قدرت يا أخي على طريق أخرى تجمع بين القلب ~~واللسان فاذكرها لنا لنرقمها في هذه الميزان ونجعلها طريقة أخرى ولعل ~~الطاعن في صحة هذه الميزان التي ذكرناها إنما كان الحامل له على ذلك الحسد ~~والتعصب فإنه لا يقدر يجعل الشريعة على أكثر من مرتبتين تخفيف وتشديد أبدا ~~ومن شك في قولي هذا فليأت بما يناقضه وأنا أرجع إلى قوله فإني والله ناصح ~~للأمة ما أنا متعنت ولا مظهر علما لحظ نفس فيما أعلم بقطع النظر عن إرشادي ~~للإخوان إلى صحة الاعتقاد في كلام أئمتهم ولولا محبتي لإرشاد الإخوان إلى ~~ما ذكر لأخفيت عنهم علم هذه الميزان الشريفة كما أخفيت عنهم من العلوم ~~اللدنية ما لم نؤمر بإفشائه كما أشرنا إليه في كتابنا المسمى بالجوهر ~~المصون والسر المرقوم فيما تنتجه الخلوة من الأسرار والعلوم فإننا ذكرنا ~~فيه من علوم القرآن العظيم نحو ثلاثة آلاف علم لا مرقى لأحد من طلبة العلم ~~الآن فيما نعلم إلى التسلق إلى معرفة علم واحد منها بفكر ولا إمعان نظر في ~~كتب وإنما طريقها الكشف الصحيح فتخلع هذه العلوم على العارف حال تلاوته ~~للقرآن لا يتخلف عن النطق به حتى كان عين ذلك العلم عين النطق بتلك الكلمة ~~ومتى تخلف العلم عن النطق فليس هو من علوم أهل الله وإنما هو ينتجه فكر ~~وعلوم الأفكار مدخولة عند أهل الله لا يعتمدون عليها لإمكان رجوع أهلها ~~عنها بخلاف علوم أهل الكشف كما مر آنفا فاعلم ذلك * (فصل) * وإياك أن تسمع ~~بهذه الميزان فتبادر إلى الانكار على صاحبها وتقول كيف يصح لفلان الجمع بين ~~جميع المذاهب وجعلها كأنها مذهب واحد من غير أن تنظر فيها أو تجتمع بصاحبها ~~فإن ذلك جهل منك وتهور في الدين بل اجتمع بصاحبها وناظره فإن قطعك بالحجة ms020 ~~وجب عليك الرجوع إلى قوله ولو لم يسبقه أحد إلى مثله وإياك أن تقول إن واضع ~~هذه الميزان جاهل بالشريعة فتقع في الكذب فإنه إذا كان مثله يسمى جاهلا مع ~~قدرته على توجيه أحكام جميع أقوال المذاهب فما بقي على وجه الأرض الآن عالم ~~وقد قال الإمام محمد بن مالك وإذا كانت العلوم منحا إلهية واختصاصات لدنية ~~فلا بدع أن يدخر الله تعالى لبعض المتأخرين ما لم يطلع عليه أحد من ~~المتقدمين انتهى فبالله عليك يا أخي ارجع إلى الحق وطابق في الاعتقاد بين ~~اللسان والقلب ولا يصدنك عن ذلك كون أحد من العلماء السابقين لم يدون مثل ~~هذه الميزان فإن جود الحق تعالى لم يزل فياضا على قلوب العلماء في كل عصر ~~واخرج عن علومك الطبيعية الفهمية إلى العلوم الحقيقية الكشفية ولو لم ~~يألفها طبعك فإن من علامة العلوم اللدنية أن تمجها العقول من حيث إنكارها ~~ولا تقبلها إلا بالتسليم فقط لغرابة طريقها فإن طريق الكشف مباينة لطريق ~~الفكر وسيأتي في الفصول الآتية إن شاء الله تعالى إن من علامة عدم صحة ~~اعتقاد الطالب في أن سائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم كونه يحصل له في ~~باطنه ضيق وحرج إذا قلد غير إمامه في واقعة ويقال له أين قولك إن غير إمامك ~~على هدى من ربه وكيف يحصل في قلبك ضيق وحرج من الهدى فهناك تندحض دعواه ~~وتظهر له عدم صحة عقيدته إن كان عاقلا والحمد لله رب العالمين PageV00P014 # * (فصل) * إعلم يا أخي أني ما وضعت هذه الميزان للإخوان من طلبة العلم ~~إلا بعد تكرر سؤالهم لي في ذلك مرارا كما مر أول الفصول وقولهم لي مرادنا ~~الوصول إلى مقام مطابقة القلب للسان في صحة اعتقاد أن سائر أئمة المسلمين ~~على هدى من ربهم في سائر أقوالهم فلذلك أمعنت النظر لهم في سائر أدلة ~~الشريعة وأقوال علمائها فرأيتها لا تخرج عن مرتبتين تخفيف وتشديد فالتشديد ~~للأقوياء والتخفيف للضعفاء كما مر لكن ينبغي استثناء ما ورد من الأحكام ~~بحكم ms021 التخيير فإن للقوي أن ينزل إلى مرتبة الرخصة والتخفيف مع القدرة على ~~فعل الأشد ولا تكون المرتبتان المذكورتان في الميزان فيه على الترتيب ~~الوجوبي وذلك كتخيير المتوضئ إذا كان لابس الخف بين نزعه وغسل الرجلين وبين ~~مسحه بلا نزع مع أن إحدى المرتبتين أفضل من الأخرى كما ترى فإن غسل الرجلين ~~أفضل إلا لمن نفرت نفسه من المسح مع علمه بصحة الأحاديث فيه فإن المسح له ~~أفضل على أنه لقائل أن يقول إن المرتبتين في حق هذا الشخص أيضا على الترتيب ~~الوجوبي بمعنى أنه لو أراد أن يعبد الله تعالى بالأفضل كان الواجب عليه في ~~الإتيان بالأفضل ارتكاب العزيمة وهو إما الغسل بالنظر إلى حال غالب الناس ~~وإما المسح بالنظر إلى ذلك الفرد النادر الذي نفرت نفسه من فعل السنة لا ~~سيما وقولنا أفضل غير مناف للوجوب كما تقول لمن تنصحه عليك يا أخي برضى ~~الله تعالى فإنه أولى لك من سخطه وكذلك ينبغي أن يستثنى من وجوب الترتيب في ~~مرتبتي الميزان ما إذا ثبت عن الشارع فعل أمرين معا في وقتين من غير ثبوت ~~نسخ لأحدهما كمسح جميع الرأس في وقت ومسح بعضه في وقت آخر وكموالاة الوضوء ~~تارة وعدم الموالاة فيه تارة أخرى ونحو ذلك فمثل هذا لا يجب فيه تقديم مسح ~~جميع الرأس والموالاة على مسح بعضه وعدم المولاة إلا إذا أراد المكلف ~~التقرب إلى الله تعالى بالأولى فقط وقس على ذلك نظائره وأما قول سيدنا ~~ومولانا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن آخر الأمرين من فعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هو الناسخ المحكم فهو أكثري لا كلي إذ لو كان ذلك كليا ~~لحكمنا بنسخ المتقدم من الأمرين بيقين في نفس الأمر من مسح كل الرأس أو ~~بعضه مثلا لأنه لا بد أن يكون انتهى الأمر منه صلى الله عليه وسلم إلى مسح ~~الكل أو البعض فيكون ما قبل الأخير منسوخا ولا يخفى ما في ذلك من القدح في ~~مذهب من يقول بوجوب ms022 تعميم مسح الرأس أو عدم تعميمه وكان الإمام محمد بن ~~المنذر رحمه الله يقول إذا ثبت عن الشارع صلى الله عليه وسلم فعل أمرين في ~~وقتين فهما على التخيير ما لم يثبت النسخ فيعمل المكلف بهذا الأمر تارة ~~وبهذا الأمر تارة أخرى انتهى وعلى ما قررناه من مرتبتي الميزان ينبغي حمل ~~القول بمسح الرأس كله وجوبا على زمن الصيف مثلا ومسح بعضه على مسحه في زمن ~~البرد مثلا لا سيما في حق من كان أقرع أو كان قريب العهد بحلق رأسه أو يخاف ~~من نزول الحوادر من رأسه فاعلم ذلك يا أخي وقس عليه نظائره والحمد لله رب ~~العالمين * (فصل) * إعلم يا أخي أن مرادنا بالعزيمة والرخصة المذكورتين في ~~هذه الميزان هما مطلق التشديد والتخفيف وليس مرادنا العزيمة والرخصة اللتين ~~حدهما الأصوليون PageV00P015 # في كتبهم فما سمينا مرتبة التخفيف رخصة إلا بالنظر لمقابلها من التشديد ~~أو الأفضل لا غير وإلا فالعاجز لا يكلف بفعل ما هو فوق طاقته شرعا وإذا لم ~~يكلف بما فوق طاقته فما بقي إلا أن يكون فعل الرخصة في حقه واجبا كالعزيمة ~~في حق القوي فلا يجوز للعاجز النزول عن الرخصة إلى مرتبة ترك الفعل بالكلية ~~كما إذا قدر فاقد الماء المطلق على التراب لا يجوز له ترك التيمم وكما إذا ~~قدر العاجز عن القيام في الفريضة على الجلوس لا يجوز له الاضطجاع أو قدر ~~على الاضطجاع على اليمين أو اليسار لا يجوز له الاستلقاء أو قدر على ~~الاستلقاء لا يجوز له الاكتفاء بنحو الايماء بالعينين أو قدر على الايماء ~~بالعينين لا يجوز له الاكتفاء بإجراء أفعال الصلاة على قلبه كما هو مقرر في ~~كتب الفقه فكل مرتبة من هذه المراتب بالنظر لما قبلها كالعزيمة مع الرخصة ~~لا يجوز له النزول إليها إلا بعد عجزه عما قبلها والله أعلم والحمد لله رب ~~العالمين * (فصل) * ثم لا يخفى عليك يا أخي إن كل من فعل الرخصة بشرطها أو ~~المفضول بشرطه فهو على هدى من ربه في ذلك ولو ms023 لم يقل به إمامه على ما يأتي ~~في الفصول الآتية من التفصيل كما أن من فعل العزيمة أو الأفضل بكلفة ومشقة ~~فهو على هدى من ربه في ذلك ولو لم يكلفه الشارع بذلك من حيث عظم المشقة فيه ~~اللهم إلا أن يأتي عن الشارع ما يخالف ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم ليس من ~~البر الصيام في السفر فإن الأفضل للمسافر في مثل ذلك الفطر للضرر الحاصل به ~~ومن المعلوم أن من شأن الأمور التي يتقرب به إلى حضرة الله تعالى أن تكون ~~النفس منشرحة بها محبة لها غير كارهة وكل من يأتي بالعباد كارها لها أي من ~~حيث مشقتها فقد خرج عن موضوع القرب الشرعية المتقرب بها إلى حضرة الله عز ~~وجل لا سيما في مثل المسألة التي نحن فيها فإنه صلى الله عليه وسلم نفى ~~البر والتقرب إلى الله تعالى بالصوم الذي يضر بالمسافر ونحن تابعون للشارع ~~ما نحن مشرعون فلا ينبغي لأحد التقرب إلى الله تعالى إلا بما أذن له الشارع ~~فيه وانشرحت نفسه به من سائر المندوبات وما لم يأذن فيه فهو إلى الابتداع ~~أقرب وما كل بدعة يشهد لها ظاهر الكتاب والسنة حتى يتقرب بها وتأمل يا أخي ~~نهى الشارع عن الصلاة حال النعاس تعرف ذلك لأن النعاس إذا غلب على العبد ~~وتكلف الصلاة صارت نفسه كالمكره عليها ولا يخفى ما في ذلك من نقص الثواب ~~المرتب على محبة الطاعة فاعلم ذلك يا أخي واعمل بالرخص بشرطها فإن الله ~~تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه كما صرح به الحديث الذي ~~رواه الطبراني وغيره والحمد لله رب العالمين * (فصل) * إن قال قائل فعلى ما ~~قررتم فهل رأيتم في كلام أحد من العلماء ما يؤيد هذه الميزان من حمل كلام ~~الأئمة على حالين ورده إلى الشريعة قلنا نعم ذكر الشيخ محيي الدين في ~~الفتوحات المكية وغيره من أهل الكشف أن العبد إذا سلك مقامات القوم متقيدا ~~بمذهب واحد لا يرى غيره فلا بد ms024 أن ينتهي به ذلك المذهب إلى العين التي أخذ ~~إمامه منها أقواله وهناك يرى أقوال جميع الأئمة تغترف من بحر واحد فينفك ~~عنه التقيد بمذهبه ضرورة ويحكم بتساوي المذاهب كلها في الصحة خلاف ما كان ~~يعتقد قبل ذلك PageV00P016 # قال الشيخ محيي الدين ونظير ما قلناه القول بتفضيل الرسل بعضهم على بعض ~~بالاجتهاد ثم إذا وصل إلى شهود حضرة الوحي التي أخذوا منها أحكام شرائعهم ~~انفك عنه التفضيل بالاجتهاد وصار لا يفرق بين أحد من رسله إلا من حيثما كشف ~~الله تعالى له عنه بحكم اليقين لا الظن فهذا نظير المقلد إذا اطلع على ~~العين التي أخذ الأئمة المجتهدون مذاهبهم منها انتهى وكذلك مما يؤيد هذه ~~الميزان قول الشيخ بدر الدين الزركشي في آخر كتاب القواعد له في الفقه أعلم ~~وفقك الله لطاعته إن الأخذ بالرخص والعزائم في محل كل منهما مطلوب فإذا قصد ~~المكلف بفعل الرخصة قبول فضل الله عليه كان أفضل كما أشار إليه حديث أن ~~الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه فإذا ثبت هذا الأصل عندك يا ~~أخي فاعلم أن مطلوب الشرع الوفاق ورد الخلاف إليه ما أمكن كما عليه عمل ~~الأئمة من أهل الورع والتقوى كأبي محمد الجويني وأضرابه فإنه صنف كتابه ~~المحيط ولم يلتزم فيه المشي على مذهب معين قال وذلك في حق أهل الورع ~~والتقوى من باب العزائم كما أن العمل بالمختلف فيه عندهم من باب الرخص فإذا ~~وقع العبد في أمر ضروري وأمكنه الأخذ فيه بالعزيمة فله فعله وله تركه وكان ~~ذلك الفعل الشديد عليه من باب القوة والأخذ بالعزائم إن كان راجحا وإن لم ~~يمكنه الأخذ فيه بالعزيمة أخذ بالرخصة كما أن له الأخذ بالقول الضعيف في ~~بعض المواطن فلا يكون ذلك منه من باب المخالفة المحضة قال الزركشي وبعد إذ ~~علمت هذا فحينئذ تعرف أن أحدا من الأئمة الأربعة أو غيرهم لم يتقلد أمر ~~المسلمين في القول برخصة أو عزيمة إلا على حد ما ذكرناه من هذه القاعدة ms025 ~~فينبغي لكل مقلد للأئمة أن يعرف مقاصدهم انتهى كلام الزركشي رحمه الله في ~~آخر قواعده وهو من أعظم شاهد لصحة هذه الميزان فلم ينقل لنا عن أحد من ~~الأئمة الأربعة ولا غيرهم فيما بلغنا أنه كان يطرد الأمر في كل عزيمة قال ~~بها أو رخصة قال بها في حق جميع الأمة أبدا وإنما ذلك في حق قوم دون قوم ~~وقد بلغنا أنه كان يفتي الناس بالمذاهب الأربعة الشيخ الإمام الفقيه المحدث ~~المفسر الأصولي الشيخ عبد العزيز الديريني وشيخ الإسلام عز الدين بن جماعة ~~المقدسي والشيخ العلامة الشيخ شهاب الدين البراسي الشهير بابن الأقيطع ~~رحمهم الله والشيخ علي النبتيتي الضرير ونقل الشيخ الجلال السيوطي رحمه ~~الله عن جماعة كثيرة من العلماء إنهم كانوا يفتون الناس بالمذاهب الأربعة ~~لا سيما العوام الذين لا يتقيدون بمذهب ولا يعرفون قواعده ولا نصوصه ~~ويقولون حيث وافق فعل هؤلاء العوام قول عالم فلا بأس به انتهى فإن قال قائل ~~كيف صح من هؤلاء العلماء أن يفتوا الناس بكل مذهب مع كونهم كانوا مقلدين ~~ومن شأن المقلد أن لا يخرج عن قول إمامه فالجواب يحتمل أن يكون أحدهم بلغ ~~مقام الاجتهاد المطلق المنتسب الذي لم يخرج صاحبه عن قواعد إمامه كأبي يوسف ~~ومحمد بن الحسن وابن القاسم وأشهب والمزني وابن المنذر وابن سريج فهؤلاء ~~كلهم وإن أفتوا الناس بما لم يصرح به إمامهم فلم يخرجوا عن قواعده وقد نقل ~~الجلال السيوطي رحمه الله تعالى إن الاجتهاد المطلق على قسمين مطلق غير ~~منتسب كما عليه الأئمة الأربعة ومطلق منتسب كما عليه أكابر أصحابهم الذين ~~ذكرناهم PageV00P017 # قال ولم يدع الاجتهاد المطلق غير المنتسب بعد الأئمة الأربعة إلا الإمام ~~محمد بن جرير الطبري ولم يسلم له ذلك انتهى ويحتمل أن هؤلاء العلماء الذين ~~كانوا يفتون الناس على المذاهب الأربعة أطلعهم الله تعالى على عين الشريعة ~~الأولى وشهدوا اتصال جميع أقوال الأئمة المجتهدين بها وكانوا يفتون الناس ~~بحكم مرتبتي الميزان لا بحكم العموم فلا يأمرون قويا برخصة ولا ضعيفا ~~بعزيمة وكأنهم ms026 نابوا مناب أهل المذاهب الأربعة في تقرير مذاهبهم واطلعوا ~~على جميع أدلتهم وقد بلغنا حصول هذا المقام أيضا لجماعة من علماء السلف ~~كالشيخ أبي محمد الجويني والإمام ابن عبد البر المالكي ومن الدليل على ذلك ~~أن أبا محمد صنف كتابه المسمى بالمحيط ولم يتقيد فيه بمذهب كما مر عن ~~الزركشي وكذلك ابن عبد البركان يقول كل مجتهد مصيب فإما أن يكونا فعلا أو ~~قالا ما ذكر لاطلاعهما على عين الشريعة الكبرى وتفريع أقوال جميع العلماء ~~منها كما اطلعنا بحمد الله تعالى وإما أن يكونا فالا ذلك من حيث إن الشارع ~~قرر حكم المجتهد الذي استنبطه من كتاب الله عز وجل أو سنة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم وقد بلغنا عن الشيخ عز الدين بن جماعة أنه كان إذا أفتى عاميا ~~بحكم على مذهب إمام يأمره بفعل جميع شروط ذلك الإمام الذي أفتاه بقوله ~~ويقول له إن تركت شرطا من شروطه لم تصح عبادتك على مذهبه ولا غيره إذ ~~العبادة الملفقة من عدة مذاهب لا تصح إلا إذا جمعت شروط تلك المذاهب كلها ~~انتهى وذلك منه احتياطا للدين وخوفا أن يتسبب في نقص عبادة أحد من المسلمين ~~فإن قلت فهل ينبغي لمن يفتي على الأربعة مذاهب أن لا يفتي المقلدين إلا ~~بالأرجح من حيث النقل أو يفتيهم بما شاء من الأقوال فالجواب الذي ينبغي له ~~أن لا يفتي الناس إلا بالأرجح لأن المقلد ما سأله إلا ليفتيه بالأرجح من ~~مذهب إمامه لا بما عنده هو اللهم إلا أن يكون المرجوح أحوط في دين السائل ~~فله أن يفتيه بالرجوح ولا حرج * ولما ادعى الجلال السيوطي رحمه الله مقام ~~الاجتهاد المطلق المنتسب كان يفتي الناس بالأرجح من مذهب الإمام الشافعي ~~فقالوا له لم لا تفتيهم بالأرجح عندك فقال لم يسألوني ذلك وإنما سألوني عما ~~عليه الإمام وأصحابه فيحتاج من يفتي الناس على الأربعة مذاهب أن يعرف ~~الراجح عند أهل كل مذهب ليفتي به المقلدين إلا أن يعرف من السائل أنه يعتمد ~~علمه ودينه ms027 وينشرح صدره لما يفتيه به ولو كان مرجوحا عنده فمثل هذا لا ~~يحتاج إلى الاطلاع على ما هو الأرجح عند أهل كل مذهب انتهى فاعلم ذلك * ~~(فصل) * ومما يوضح لك صحة مرتبتي الميزان أن تنظر إلى كل حدث ورد أو قول ~~استنبط وإلى مقابله فإذا نظرت فلا بد أن تجد أحدهما مخففا والآخر مشددا غير ~~ذلك لا يكون ثم إن الحديث أو القول المخفف قد يكون هو الصحيح الراجح في ~~مذهبك وقد يكون هو الضعيف المرجوح ولا يخلو حالك يا أخي عند العمل به من أن ~~تكون من أهل مرتبة من مرتبتي الميزان دون المرتبة الأخرى بالشروط التي ~~تقدمت في فعل الرخصة أي التخفيف فتفتي كل أحد بما يناسب حاله ولو لم تفعل ~~أنت به كذلك لأنه هو الذي خوطبت به فاعلم ذلك واعمل عليه وأفت غيرك بما هو ~~وأهله فليس لمن قدر على سهولة الطهارة أن يمس فرجه PageV00P018 # إذا كان شافعيا ويصلي بلا تجديد طهارة تقليدا لأبي حنيفة كما أنه ليس له ~~أن يصلي فرضا أو نفلا بغير الفاتحة مع قدرته عليها أو أن يصلي بالذكر مع ~~قدرته على القرآن كما سيأتي إيضاحه في توجيه أقوال العلماء إن شاء الله ~~تعالى على أن لك أيضا أن تصعد إلى فعل العزيمة مع المشقة إن اخترت ذلك على ~~وجه المجاهدة لنفسك كما أن لك أيضا أن تنزل إلى الرخصة بشرطها في هذه ~~الميزان وهو العجز عن غيرها حسا أو شرعا فقط وتكون على هدى من ربك في كل من ~~المرتبتين ثم إنه قد يكون في الحكم الواحد أكثر من قولين فالحاذق يرد ما ~~قارب التشديد إلى التشديد وما قارب التخفيف إلى التخفيف كالقول المفصل على ~~حد سواء كما قدمناه في خطبة الميزان * ومحال أن يوجد دليلان أو قولان ~~مشددان أو مخففان لا يلحق أحدهما بالآخر ولا يدخل فيه فإن شئت فامتحن ذلك ~~في أقوال مذهبك مع بعضها بعضا وإن شئت فامتحن ذلك في مذهبك ومقابله من جميع ~~المذاهب المخالفة له تجدهما ms028 لا يخرجان عن تخفيف وتشديد ولكل منهما رجال في ~~حال مباشرة التكاليف كما مر في الميزان وكذلك ما أوجبه المجتهد أو حرمه ~~باجتهاده فكله يرجع إلى المرتبتين فإن مقابل التحريم عدم التحريم الشامل ~~للمندوب وقال بعضهم ما أوجبه المجتهد أو حرمه يكون في مرتبة الأولى ومقابله ~~في مرتبة خلاف الأولى لأنه ليس لغير الشارع أن يحرم أو يوجب شيئا انتهى ~~والحق أن للمجتهد المطلق أن يحرم ويوجب وانعقد إجماع العلماء على ذلك بل ~~ولو قلنا بقول هذا البعض فهو يرجع إلى المرتبتين أيضا إذ الأولى في مرتبة ~~التشديد غالبا لتحجير المطلوبية في الجملة سواء كان ذلك الأولى فعلا أو ~~تركا وخلاف الأولى في مرتبة التخفيف غالبا فإن قال قائل فمن أين جعلتم كلام ~~المجتهدين من جملة الشريعة مع أن الشارع لم يصرح بما استنبطوه فالجواب أنه ~~يجب حملهم على أنهم علموا ذلك الوجوب أو التحريم من قرائن الأدلة أو علموا ~~أنه مراد الشارع من طريق كشفهم لا بد لهم من أحد هذين الطريقين وقد يجتمعان ~~عند بعض المجتهدين فإن قال قائل فما تقولون فيما ورد فردا من الأحاديث ~~والأقوال فالجواب مثل ذلك لا مقابل له بل هو شرع مجمع عليه فلا يأتي فيه ~~مرتبتا الميزان وذلك كالحديث الذي نسخ مقابله أو كالقول الذي رجع عنه ~~المجتهد أو أجمع العلماء على خلافه فليس فيما ذكر إلا مرتبة واحدة لجميع ~~المكلفين لعدم وجود مشقة على أحد في قوله ترجح على مشقة تركه خلاف ما فيه ~~المشقة المذكورة فإنه يجئ فيه التخفيف والتشديد كالأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر مثلا فإنه ورد في كل منهما التخفيف والتشديد فالتشديد كونه عند ~~بعضهم لا يسقط عن المكلف بخوفه على نفسه أو ماله والتخفيف سقوطه عنه بخوفه ~~المذكور عند آخرين فالأول في حق الأقوياء في الدين كالعلماء والصالحين ~~والثاني في حق الضعفاء من العوام في الإيمان واليقين * فإن قال قائل فهل ~~تأتي المرتبتان في حق من يغير المنكر بتوجهه بقلبه إلى الله تعالى من ~~الأولياء فيكسر إناء ms029 الخمر ويمنع الزاني من الزنا بحيلولته بحائل بينه وبين ~~فرج الزانية مثلا فالجواب نعم تأتي فيه المرتبتان فمن الأولياء من يرى وجوب ~~التوجه إلى الله تعالى في ذلك ويكون بذلك كالقادر على إزالة المنكر ومنهم ~~من لا يرى وجوب ذلك بل يكره الاطلاع بكشفه على المنكرات الواقعة في الوجود ~~من غير PageV00P019 # المتجاهرين بمعاصيهم وذلك لما فيه من الاطلاع على عورات الناس ويسمى ذلك ~~بالكشف الشيطاني عند بعض القوم وأنه يجب على صاحبه سؤال الله تعالى أن يحول ~~بينه وبينه فإن قال قائل فما تقولون فيمن له حال يحميه من أهل المنكر إذا ~~أنكر عليهم وكسر إناء خمرهم هل يجب عليه تغييره باليد أو اللسان اعتمادا ~~على أن الله تعالى لا يخذله أو لا يجب من حيث إن الحق تعالى لا تقيد عليه ~~فالجواب مثل هذا تأتي فيه المرتبتان فمن الأولياء من ألزمه بذلك إذا علم أن ~~له حالا يحميه ومنهم من لم يلزمه بذلك نظير ما قالوا فيمن قدر على أن يصل ~~إلى مكة في خطوة والحمد لله رب العالمين * (فصل) * فإن قلت فمن يقول إن ~~القياس من جملة الأدلة الشرعية فهل تأتي فيه كذلك مرتبتا الميزان فالجواب ~~نعم تأتيان فيه فإن من العلماء من كره القياس في الدين ومنهم من أجازه من ~~غير كراهة ومنهم من منعه فإنه طرد علة وما يدري العبد بأن الشارع قد لا ~~يكون أراد طرد تلك العلة وإنما ترك ذلك الأمر خارجا عن ذلك الحكم توسعة على ~~أمته وذلك كقياس الأرز على البرقي باب الربا يجامع الاقتيات فإن الشارع لم ~~يبين لنا حكم الأرز فكان الأولى بالأدب عند بعض أهل الله تعالى إبقاءه على ~~عدم دخول الربا فيه كما أشار إليه حديث وسكت عن أشياء رحمة بكم فمن يقول ~~بقياس الأرز على البر مشدد ومن يقول بعدم قياسه مخفف وقد كان السلف الصالح ~~من الصحابة والتابعين يقدرون على القياس ولكنهم تركوا ذلك أدبا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ومن هنا قال سفيان ms030 الثوري من الأدب إجراء الأحاديث ~~التي خرجت مخرج الزجر والتنفير على ظاهرها من غير تأويل فإنها إذا أولت ~~خرجت عن مراد الشارع كحديث من غشنا فليس منا وحديث من تطير أو تطير له ~~وحديث ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية فإن العالم ~~إذا أولها بأن المراد ليس منا في تلك الخصلة فقط أي وهو منافي غيرها هان ~~على الفاسق الوقوع فيها وقال مثل المخالفة في خصلة واحدة أمر سهل فكان أدب ~~السلف الصالح بعدم التأويل أولى بالاتباع للشارع وإن كانت قواعد الشريعة قد ~~تشهد أيضا لذلك التأويل * وقد دخل جعفر الصادق ومقاتل بن حبان وغيرهما على ~~الإمام أبي حنيفة وقالا له قد بلغنا أنك تكثر من القياس في دين الله تعالى ~~وأول من قاس إبليس فلا تقس فقال الإمام ما أقوله ليس هو بقياس وإنما ذلك من ~~القرآن قال تعالى ما فرطنا في الكتاب من شئ فليس ما قلناه بقياس في نفس ~~الأمر وإنما هو قياس عند من لم يعطه الله تعالى الفهم في القرآن انتهى ومن ~~هنا يعلم أن أهل الكشف غير محتاجين إلى القياس لاستغنائهم عنه بالكشف فإن ~~أورد عليهم شخص نحو تحريم ضرب الوالدين فإنه ليس في القرآن التصريح بتحريم ~~ضربهما وإنما أخذ العلماء ذلك من قوله تعالى فلا تقل لهما أف فكان النهي عن ~~ضربهما من باب أولى فالجواب أن هذا لا يرد على أهل الكشف لأن الله تعالى ~~قال وبالوالدين إحسانا ومعلوم أن ضربهما ليس بإحسان فلا حاجة إلى القياس * ~~وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه الله يقول يصح دخول القياس عند من احتاج إليه ~~وعند من لم يحتج إليه في مرتبتي الميزان فمن كلف الإنسان بالفحص عن الأدلة ~~واستخراج النظائر من القرآن شدد ومن لم يكلفه بذلك فقد خفف ولم يزل ~~PageV00P020 # في الناس من يقدر على الاستنباط ومن يعجز عن ذلك في كل عصر وكان ابن حزم ~~يقول جميع ما استنبطه المجتهدون معدود من الشريعة وإن خفي دليله على العوام ~~ومن ms031 أنكر ذلك فقد نسب الأئمة إلى الخطأ وأنهم يشرعون ما لم يأذن به الله ~~وذلك ضلال من قائله عن الطريق والحق أنه يجب اعتقاد أنهم لولا رأوا في ذلك ~~دليلا ما شرعوه فرجع الأمر كذلك في قضية الاستنباط إلى مرتبتي الشريعة ~~كالقياس فمن أمر الناس باتباع كل ما شرعه المجتهدون فقد شدد ومن لم يأمرهم ~~إلا بما صرحت به الشريعة أو أجمع عليه العلماء فقد خفف في الجملة لأنه من ~~باب فمن تطوع خيرا فهو خير له والحمد لله رب العالمين * (فصل) * من لازم كل ~~من لم يعمل بهذه الميزان التي ذكرناها وترك العمل بجميع الأقوال المرجوحة ~~نقصان الثواب غالبا وسوء الأدب مع جميع أصحاب تلك الأقوال والوجوه من ~~العلماء عكس ما يحصل لمن عمل بالميزان فإن ذلك المرجوح الذي ترك هذا العبد ~~العمل به لا يخلوا ما أن يكون أحوط للدين فهذا لا ينبغي ترك العمل به وإما ~~أن يكون غير أحوط فقد يكون رخصة والله يحب أن تؤتي رخصة كما صرح به الحديث ~~أي بشرطه ويكون على علم الإخوان أن لكل سنة سنها المجتهدون أو بدعة حرمها ~~المجتهدون درجة في الجنة أو دركا في النار وأن تفاوت مقامهم ونزل عما سنه ~~الشارع أو كرهه كما صرح به أهل الكشف فاعلم ذلك واعمل بكل ما سنه لك ~~المجتهدون واترك كل ما كرهوه ولا تطالبهم بدليل في ذلك فإنك محبوس في ~~دائرتهم ما دمت لم تصل إلى مقامهم لا يمكنك أن تتعداهم إلى الكتاب والسنة ~~وتأخذ الأحكام من حيث أخذوا أبدا * وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه الله تعالى ~~يقول اعملوا بكل أقوال الأئمة التي ظاهرها المخالفة لبعضهم بعضا عند اجتماع ~~شروط العمل بها فيكم لتحوزوا الثواب الكامل فأين مقام من يعمل بالشريعة ~~كلها ممن يرد غالبها ولا يعمل به إذ المذهب الواحد لا يحتوي أبدا على جميع ~~الأدلة ولو قال صاحبه في الجملة إذا صح الحديث فهو مذهبي بل ربما ترك ~~أتباعه العمل بأحاديث كثيرة صحت بعد إمامهم وذلك خلاف ms032 مراد إمامهم فافهم ~~انتهى فإن توقف إنسان في حصول الثواب بما سنه المجتهدون وطالبنا بالدليل ~~على ذلك قلنا له إما أن تؤمن بأن سائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم فلا ~~يسعه إن كان صحيح الاعتقاد إلا أن يقول نعم فنقول له فحيثما آمنت بأنهم على ~~هدى من الله تعالى وأن مذاهبهم صحيحة لزمك الإيمان بالثواب لكل من عمل بها ~~على وجه الاخلاص وحصول المراتب لمن عمل بها في الجنة وإن تفاوت المقام فإن ~~ما سنه الشارع أعلى مما سنه المجتهد لا سيما وقد قال صلى الله عليه وسلم من ~~سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى آخر ما قال عليه الصلاة والسلام ~~فافهم والله أعلم * (فصل) * ينبغي لكل مؤمن الإقبال على العمل بكل حديث ورد ~~وبكل قول استنبط أي بشرطه لأنه لا يخرج عن مرتبتي الميزان أبدا * وسمعت ~~سيدي عليا الخواص رحمه الله تعالى يقول كل ما ترونه في كلام الشارع وكلام ~~أحد من الأئمة مخالفا للآخر في الظاهر فهو محمول على حالين لأن كلام الشارع ~~يجل عن التناقض وكذلك كلام الأئمة لمن نظر فيه بعين العلم والإنصاف لا بعين ~~الجهل والتعصب كما مر قال وتأملوا قوله صلى PageV00P021 # الله عليه وسلم لمن سأله من آحاد الصحابة كيف رأيت ربك فقال نورانيا أراه ~~وقال لأكابر الصحابة رأيت ربي قولا واحدا فما قال لغير الأكابر ما قال إلا ~~خوفا عليهم أن يتخيلوا في جناب الحق تعالى ما لا يليق به ونظير ذلك تقريره ~~صلى الله عليه وسلم أبا بكر على خروجه عن ماله كله وقوله لكعب بن مالك حين ~~أراد أن ينخلع من ماله لما تاب الله عليه أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ~~ونظير ذلك أيضا حديث ابدأ بنفسك ثم بمن تعول مع مدح الله تعالى المؤثرين ~~على أنفسهم فقوله ابدأ بنفسك خطاب للكمل عملا بحديث الأقربون أولى بالمعروف ~~وإلا أقرب إليك من نفسك وأما قوله تعالى ويؤثرون على أنفسهم فهو خطاب لغير ~~أكابر الصحابة وإنما ms033 مدحهم على ذلك ليخرجوا من ورطة الشح الذي فتحوا عيونهم ~~عليه في الدنيا فإذا خرجوا عن ذلك أمروا بالبداءة بأنفسهم لأنها وديعة الله ~~تعالى عندهم بخلاف غيرها ليس هو وديعة عندهم وإنما هو جار لهم * وسمعت سيدي ~~عليا الخواص رحمه الله تعالى يقول إذا ظلم الكامل ذاته بتقديم غيرها عليها ~~آخذه الله بذلك بخروجه عن العدل المأمور به بخلاف المريد كأنه مسامح بظلم ~~نفسه في مرضاة الله تعالى وتحميلها فوق طاقتها من العبادات بل يثاب على ذلك ~~فإذا وصل إلى نهاية السلوك النسبية التي بمثابة بلوغ مرام من وصل دار الملك ~~وعرفه ممن له عنده حاجة أمر حينئذ بالإحسان إلى نفسه لأنها كانت مطيته في ~~الوصول إلى حضرة ربه وأما ما ورد من شد النبي صلى الله عليه وسلم الحجر على ~~بطنه من الجوع ونحوه من المجاهدات فإنما ذلك تنزلا وتشريعا لآحاد الأمة فلو ~~أنه صلى الله عليه وسلم وقف مع مقامه الشريف الذي يعامل به ربه ولم يتنزل ~~لعسر على غالب أمته الصدق والإخلاص في اتباعه انتهى * (فصل) * إن قال قائل ~~كيف الوصول إلى الاطلاع على عين الشريعة المطهرة التي يشهد الإنسان اغتراف ~~جميع المجتهدين مذاهبهم منها ويشهد تساويها كلها في الصحة كشفا ويقينا لا ~~إيمانا وتسليما فقط ولا ظنا وتخمينا فالجواب طريق الوصول إلى ذلك هو السلوك ~~على يد شيخ عارف بميزان كل حركة وسكون بشرط أن يسلمه نفسه يتصرف فيها وفي ~~أموالها وعيالها كيف شاء مع انشراح قلب المريد لذلك كل الانشراح وأما من ~~يقول له شيخه طلق امرأتك أو أسقط حقك من مالك أو وظيفتك مثلا فيتوقف فلا ~~يشم من طريق الوصول إلى عين الشريعة المذكورة رائحة ولو عبد الله تعالى ألف ~~عام بحسب العادة غالبا فإن قلت فهل ثم شروط أخر في حال السلوك فالجواب نعم ~~من الشروط أن لا يمكث لحظة على حدث في ليل أو نهار ولا يفطر مدة سلوكه إلا ~~لضرورة ولا يأكل شيئا فيه روح من أصله ولا يأكل إلا عند ms034 حصول مقدمات ~~الاضطرار ولا يأكل من طعام أحد لا يتورع في مكسبه كمن يطعمه الناس لأجل ~~صلاحه وزهده وكمن يبيع على من لا يتورع من الفلاحين وأعوان الولاة وأن لا ~~يسامح نفسه بالغفلة عن الله لحظة بل يديم مراقبته ليلا ونهارا فتارة يشهد ~~نفسه في مقام الاحسان كأنه يرى ربه وتارة يشهد نفسه في مقام الايقان بعد ~~الاحسان فيرى ربه ينظر إليه على الدوام إيمانا بذلك لا شهودا وذلك لأن هذا ~~أكمل في مقام التنزيه لله عز وجل من شهود العبد كأنه يرى ربه لأنه لا يشهد ~~إلا ما قام في مخيلته وتعالى الله عن PageV00P022 # كل شئ يخطر بالبال فافهم فإن قال قائل فما كان كيفية سلوك صاحب هذه ~~الميزان فالجواب أني أخذتها أولا عن الخضر عليه السلام علما وإيمانا ~~وتسليما ثم إني أخذت في السلوك على يد سيدي على الخواص حتى اطلعت على عين ~~الشريعة ذوقا وكشفا ويقينا لا أشك فيه فجاهدت في نفسي كذا كذا سنة وجعلت لي ~~حبلا في سقف خلوتي أوضعه في عنقي حتى لا أضع جنبي على الأرض وبالغت في ~~التورع حتى كنت أسف التراب إذا لم أجد طعاما يليق بمقامي الذي أنا عليه في ~~الورع وكنت أجد للتراب دسما كدسم اللحم أو السمن أو اللبن وسبقني إلى نحو ~~ذلك إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه فمكث عشرين يوما يسف التراب حين فقد ~~الحلال المشاكل لمقامه انتهى وكذلك كنت لا أمر في ظل عمارة أحد من الولاة ~~ولما عمل السلطان الغوري الساباط الذي بين مدرسته وقبته الزرقاء كنت أدخل ~~من سوق الوراقين وأخرج من سوق الشرب ولا أمر تحت ظله وكذلك الحكم في جميع ~~عمارات الظلمة والمباشرين والأمراء وأعوانهم وكنت لا آكل من شئ إلا بعد ~~تفتيشي فيه غاية التفتيش ولا أكتفي فيه برخصة الشرع وأنا على ذلك بحمد الله ~~تعالى إلى الآن ولكن مع اختلاف المشهد فإني كنت فيما مضى أنظر إلى اليد ~~المالكة له والآن أنظر إلى لونه أو رائحته أو طعمه فأدرك ms035 للحلال رائحته ~~طيبة وللحرام رائحة خبيثة وللشبهات رائحة دون الحرام في الخبث فاترك ذلك ~~عند هذه العلامات فأغناني ذلك عن النظر إلى صاحب اليد ولم أعول عليه فلله ~~الحمد على ذلك فلما انتهى سيري إلى هذه الحدود وقفت بعين قلبي على عين ~~الشريعة المطهرة التي يتفرع منها قول كل عالم ورأيت لكل عالم جدولا منها ~~ورأيتها كلها شرعا محضا وعلمت وتحققت أن كل مجتهد مصيب كشفا ويقينا لا ظنا ~~وتخمينا وأنه ليس مذهب أولى بالشريعة من مذهب ولو قام لي ألف مجادل يجادلني ~~على ترجيح مذهب على مذهب بغير دليل واضح لا أرجع إليه في قلبي وإنما أرجع ~~إليه إن رجعتم مداراة له لحجابه وأقول له نعم مذهبك أرجح أعني عنده هو لا ~~عندي أنا ومن جملة ما رأيت في العين جداول جميع المجتهدين الذين اندرست ~~مذاهبهم لكنها يبست وصارت حجارة ولم أر منها جدولا يجري سوى جداول الأئمة ~~الأربعة فأولت ذلك ببقاء مذاهبهم إلى مقدمات الساعة ورأيت أقوال الأئمة ~~الأربعة خارجة من داخل الجداول كما سيأتي صورته في فصل الأمثلة لاتصال ~~مذاهب العلماء بالشريعة وإيصالها العامل بها إلى باب الجنة إن شاء الله ~~تعالى فجميع المذاهب الآن عندي متصلة ببحر الشريعة اتصال الأصابع بالكف ~~والظل بالشاخص ورجعت عن اعتقادي الذي كنت اعتقده قبل ذلك من ترجيح مذهبي ~~على غيره وأن المصيب من الأئمة واحد لا بعينه وسررت بذلك غاية السرور فلما ~~حججت سنة سبع وأربعين وتسعمائة سألت الله تعالى في الحجر تحت ميزاب الكعبة ~~الزيادة من العلم فسمعت قائلا يقول لي من الجو أما يكفيك إنا أعطيناك ~~ميزانا تقرر بها سائر أقوال المجتهدين وأتباعهم إلى يوم القيامة لا ترى لها ~~ذائقا من أهل عصرك فقلت حسبي وأستزيد ربي انتهى فإن قلت فإذن سبب حجاب بعض ~~ضعفاء المقلدين عن شهود عين الشريعة الأولى إنما هو غلظ حجابه بأكل الحرام ~~والشبهات وارتكاب المخالفات فالجواب نعم وهو كذلك فإن قلت فما حكم من ~~PageV00P023 # أكل الحرام وترك المعاصي وسلك بنفسه من غير شيخ ms036 فهل يصل إلى هذا المقام ~~من الوقوف على العين الأولى للشريعة فالجواب لا يصح لعبد الوصول إلى ~~المقامات العالية إلا بأحد أمرين إما بالجذب الإلهي وإما بالسلوك على يد ~~الأشياخ الصادقين لما في أعمال العباد من العلل بل لو قدر زوال العلل من ~~عبادته فلا يصح له الوصول إلى الوقوف على عين الشريعة لحبسه في دائرة ~~التقليد لإمامه فلا يزال إمامه حاجبا له عن شهود عين الشريعة الأولى التي ~~يشهدها إمامه لا يمكنه أن يتعداه ويشهدها إلا بالسلوك على يد شخص آخر فوقه ~~في المقام من أكابر أئمة العارفين كما مر ومحال عليه أن يعتقد إن كل مجتهد ~~مصيب إلا بالسلوك المذكور حتى يساويه في مقام الشهود فإن قلت فإذن من أشرف ~~على عين الشريعة الأولى يشارك المجتهدين في الاغتراف من عين الشريعة وينفك ~~عنه التقليد فالجواب نعم وهو كذلك فإنه ما ثم أحد حق له قدم الولاية ~~المحمدية إلا ويصير يأخذ أحكام شرعه من حيث أخذها المجتهدون وينفك عنه ~~التقليد لجميع العلماء إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إن نقل عن أحد ~~من الأولياء أنه كان شافعيا أو حنفيا مثلا فذلك قبل أن يصل إلى مقام الكمال ~~* وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه الله تعالى يقول لا يبلغ الولي مقام الكمال ~~إلا أن صار يعرف جميع منازع جميع الأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ويعرف من أين أخذها الشارع من القرآن العظيم فإن الله تعالى قال ~~ما فرطنا في الكتاب من شئ فجميع ما بينته الشريعة من الأحكام هو ظاهر ~~المأخذ للولي الكامل من القرآن كما كان عليه الأئمة المجتهدون ولولا ~~معرفتهم بذلك ما قدروا على استنباط الأحكام التي لم تصرح بها السنة قال وهي ~~منقبة عظيمة للكامل حيث صار يشارك الشارع في معرفة منازع أقواله صورة من ~~القرآن العظيم بحكم الإرث له صلى الله عليه وسلم انتهى فإن قلت فهل يجب على ~~المحجوب عن الاطلاع على العين الأولى للشريعة التقيد بمذهب معين فالجواب ~~نعم ms037 يجب عليه ذلك لئلا يضل في نفسه ويضل غيره فاعذر يا أخي المقلدين ~~المحجوبين إذا انكشف حجابك في قولهم المصيب واحد ولعله إمامي والباقي مخطئ ~~يحتمل الصواب في نفس الأمر في كل مسألة فيها خلاف ونزل قول كل من قال كل ~~مجتهد مصيب على من انتهى سيره وخرج عن التقليد وشهد اغتراف العلماء كلهم ~~علمهم من عين الشريعة ونزل قول كل من قال المصيب واحد لا بعينه والباقي ~~مخطئ يحتمل الصواب على من لم ينته سيره ولا ترجح قولا منهما على الآخر ~~واشكر ربك على ذلك والحمد لله رب العالمين * فعلم من جميع ما قررناه وجوب ~~اتخاذ الشيخ لكل عالم طلب الوصول إلى شهود عين الشريعة الكبرى ولو أجمع ~~جميع أقرانه على علمه وعمله وزهده وورعه ولقبوه بالقطبية الكبرى فإن لطريق ~~القوم شروطا لا يعرفها إلا المحققون منهم دون الدخيل فيهم بالدعاوى ~~والأوهام وربما كان من لقبوه بالقطبية لا يصلح أن يكون مريدا للقطب بل قال ~~بعض المحققين إن القطب لا يحيط بمقامات نفسه فضلا عن غيره وذلك لأن صفات ~~القطبية في العبودية تقابل صفات الربوبية فكما لا تنحصر صفات الربوبية كذلك ~~لا تنحصر صفات العبودية انتهى والحمد لله رب العالمين PageV00P024 # * (فصل) * فإن قلت فإذا انفك قلب الولي عن التقليد ورأى المذاهب كلها ~~متساوية في الصحة لاغترافها كلها من بحر الشريعة كشفا ويقينا فكيف يأمر ~~المريد بالتزام مذهب معين لا يرى خلافه فالجواب إنما يفعل ذلك مع الطالب ~~رحمة به وتقريبا للطريق عليه ليجمع شتات قلبه ويدوم عليه السير في مذهب ~~واحد فيصل إلى عين الشريعة التي وقف عليها إمامه وأخذ منها مذهبه في أقرب ~~زمان لأن من شأن المجتهد أن لا يبني قوله على قول مجتهد آخر ولو سلم له صحة ~~مذهبه حفظا لقلوب أتباعه عن التشتت وقد قالوا حكم من يتقيد بمذهب مدة ثم ~~بمذهب آخر مدة وهكذا حكم من سافر بقصد موضع معين بعيد ثم صار كلما بلغ ثلث ~~الطريق أداه اجتهاده أنه لو سلك إلى مقصده ms038 من طريق كذا لكان أقرب من هذا ~~الطريق فيرجع عن سيره ويعود قاصدا ابتداء السير من أول تلك الأخرى فإذا بلغ ~~ثلثها مثلا أداه اجتهاده إلى أن سلوك غيرها أيضا أقرب لمقصده ففعل كما تقدم ~~له وهكذا فمثل هذا ربما أفنى عمره كله في السير ولم يصل إلى مقصده المعين ~~الذي هو مثال عين الشريعة التي وصل إليها إمامه أو غيره من أصحاب تلك ~~المذاهب على أن انتقال الطالب من مذهب إلى مذهب فيه قدح في حق ذلك الإمام ~~الذي انتقل عن مذهبه على تفصيل سيأتي إن شاء الله تعالى في فصل حكم المنتقل ~~من مذهب إلى مذهب ولو صدق هذا الطالب في صحة هذا الاعتقاد في أن سائر أئمة ~~المسلمين على هدى من ربهم لما طلب الانتقال من مذهب إلى غيره بل كان يشهد ~~أن كل مذهب عمل به وتقيد عليه أوصله إلى باب الجنة كما سيأتي بيانه آخر هذا ~~الباب في فصل الأمثلة المحسوسة للميزان إن شاء الله تعالى * وسمعت سيدي ~~عليا الخواص رحمه الله تعالى يقول إنما أمر علماء الشريعة الطالب بالتزام ~~مذهب معين وعلماء الحقيقة المريد بالتزام شيخ واحد تقريبا للطريق فإن مثال ~~عين الشريعة أو حضرة معرفة الله عز وجل مثال الكف ومثال مذاهب المجتهدين ~~وطرق الأشياخ مثال الأصابع ومثال أزمنة الاشتغال بمذهب ما أو طريق شيخ ما ~~مثال عقد الأصابع لمن أراد الوصول إلى مس الكف لكن من طريق الابتداء بمس ~~عقد الأصابع فكل عقدة من عقد الأصابع الثلاث بمثابة وصول الطالب إلى ثلث ~~الطريق إلى سلوك عين الشريعة أو عين المعرفة التي مثلناها بالكف فإذا كان ~~مدة سلوك المريد أو الطالب في العبادة ثلاث سنين ويصل إلى عين الشريعة أو ~~حضرة المعرفة بالله تعالى فتقيد بمذهب أو شيخ سنة ثم ذهب لآخر سنة ثم لآخر ~~سنة فقد فوت على نفسه الوصول ولو أنه جعل الثلاث سنين على يد شيخ واحد ~~لأوصله إلى عين الشريعة أو حضرة المعرفة بالله تعالى فساوى صاحب مذهبه في ms039 ~~العلم أو شيخه في المعرفة لكن فوت على نفسه بذهابه من مذهب أو شيخ إلى آخر ~~لما تقدم من أنه لا يصح أن يبني مجتهد أو شيخ له على مذهب غيره أو طريق ~~غيره فكأنه مقيم مدة سيره الثلاث سنين في أول عقدة من عقد الأصابع التي هي ~~كناية عن ثلث الطريق ولو أنه دام على شيخ واحد لوصل إلى مقصوده ووقف على ~~العين الكبرى للشريعة وأقر سائر المذاهب المتصلة بها بحق فافهم والحمد لله ~~رب العالمين * (فصل) * فإن قلت هذا في حق العلماء بأحكام الشريعة والحقيقة ~~فما تقولون في أقوال PageV00P025 # أئمة الوصول والنحو والمعاني والبيان ونحو ذلك من توابع الشريعة هل هي ~~كذلك على مرتبتي الميزان من تخفيف وتشديد كالأحكام الشرعية أم لا فالجواب ~~نعم هي كذلك لأن آلات الشريعة كلها من لغة ونحو وأصول وغير ذلك ترجع إلى ~~تخفيف وتشديد فإن من اللغات وكلام العرب ما هو فصيح وأفصح ومنها ما هو ضعيف ~~وأضعف فمن كلف العوام مثلا اللغة الفصحى في غير القرآن أو الحديث فقد شدد ~~عليهم ومن سامحهم فقد خفف وأما القرآن والحديث فلا يجوز قراءته باللحن ~~إجماعا إلا إذا لم يمكن اللاحن التعليم لعجز لسانه كما هو مقرر في كتب ~~الفقه ومن أمر الطالب أيضا بالتبحر في نحو علم النحو فقد شدد ومن اكتفى منه ~~بمعرفة الإعراب الذي يحتاج إليه عادة فقد خفف وقد ينقسم تعلم هذه العلوم ~~إلى فرض كفاية وإلى فرض عين فمثال فرض الكفاية ظاهر ومثال فرض العين في ذلك ~~أن يخرج للشريعة مبتدع يجادل علماءها في معاني القرآن والحديث فإن تعلم هذه ~~العلوم حينئذ يكون في حق العلماء الذين انحصر الاحتياج إليهم في مجلس ~~المناظرة فرض عين فإن لم يخرج للشريعة مبتدع أو خرج ولم يتعين على جماعة ~~كان تعلم هذه العلوم في حق غير من عليه من العلماء فرض كفاية فإن الشريعة ~~كالمدينة العظيمة وهذه العلوم كالمنجنيقات التي على سورها تمنع العدو من ~~الدخول إليها ليفسد فيها فافهم فإن قلت ms040 فما الحكم فيما إذا وجد الطالب ~~حديثين أو قولين أو أقوالا يعرف الناسخ من الحديثين ولا المتأخر من القولين ~~أو الأقوال فماذا يفعل فالجواب سبيله أن يعمل بهذا الحديث أو القول تارة ~~وبالقول الآخر تارة ويقدم الأحوط منهما على غيره في الأمر والنهي بشرطه ~~بمعنى أنه يترك العمل بغيره جملة وإن كان أحدهما منسوخا أو رجع عنه المجتهد ~~في نفس الأمر فذلك لا يقدح في العمل به فإن قلت قد تقدم أن الولي الكامل لا ~~يكون مقلدا وإنما يأخذ علمه من العين التي أخذ منها المجتهدون مذاهبهم ونرى ~~بعض الأولياء مقلدا لبعض الأئمة فالجواب قد يكون ذلك الولي لم يبلغ إلى ~~مقام الكمال أو بلغه ولكن أظهر تقيده في تلك المسألة بمذهب بعض الأئمة أدبا ~~معه حيث سبقه القول بها وجعله الله تعالى إماما يقتدى به واشتهر في الأرض ~~دونه وقد يكون عمل ذلك الولي بما قال به ذلك المجتهد لاطلاعه على دليله لا ~~عملا بقول ذلك المجتهد على وجه التقليد له بل لموافقته لما أدى إليه كشفه ~~فرجع تقليد هذا الولي للشارع لا لغيره وما ثم ولي يأخذ علما إلا عن الشارع ~~ويحرم عليه أن يخطو خطوة في شئ لا يرى قدم نبيه أمامه فيه وقد قلت مرة ~~لسيدي على الخواص رضي الله عنه كيف صح تقليد سيدي الشيخ عبد القادر الجبلي ~~للإمام أحمد بن حنبل وسيدي محمد الحنفي الشذلي للإمام أبي حنيفة مع ~~اشتهارهما بالقطبية الكبرى وصاحب هذا المقام لا يكون مقلدا إلا للشارع وحده ~~فقال رضي الله عنه قد يكون ذلك منهما قبل بلوغهما إلى مقام الكمال ثم لما ~~بلغا إليه استصحب الناس ذلك اللقب في حقهما مع خروجهما عن التقليد انتهى ~~فاعلم ذلك * (فصل) * فإن قلت إن الأئمة المجتهدين قد كانوا من الكمل بيقين ~~لاطلاعهم على عين الشريعة كما تقدم فكيف كانوا يعقدون مجالس المناظرة مع ~~بعضهم بعضا مع أن ذلك ينافي PageV00P026 # مقام من أشرف على عين الشريعة الأولى ورأى اتصال مذاهب المجتهدين كلها ~~بعين الشريعة ms041 فالجواب قد يكون مجلس المناظرة بين الأئمة إنما وقع منهم قبل ~~بلوغ المقام الكشفي واطلاعهم على اتصال جميع مذاهب المجتهدين بعين الشريعة ~~الكبرى فإن من لازم المناظرة ادحاض حجة الخصم وإلا كانت المناظرة عبثا ~~ويحتمل أن مجلس المناظرة كان بين مجتهد وغير مجتهد فطلب المجتهد بالمناظرة ~~ترقية ذلك الناقص إلى مقام الكمال لا ادحاض حجته من كل وجه ويحتمل أيضا أن ~~يكون مجلس المناظرة إنما كان لبيان الأكمل والأفضل ليعمل أحدهم به ويرشد ~~أصحابه إلى العمل به من حيث إنه أرقى في مقام الإسلام أو الإيمان أو ~~الاحسان أو الايقان وبالجملة فلا تقع المناظرة بين الكاملين على الحد ~~المتبادر إلى الأذهان أبدا بل لا بد لها من موجب وأقرب ما يكون قصدهما ~~تشحيذ ذهن أتباعهما وإفادتهم كما كان صلى الله عليه وسلم يفعل بعض أشياء ~~لبيان الجواز وإفادة الأمة نحو حديث ما الإسلام وما الإيمان وما الاحسان ~~وإيضاح ذلك أن كل مجتهد يشهد صحة قول صاحبه ولذلك قالوا المجتهد لا ينكر ~~على مجتهد لأنه يرى قول خصمه لا يخرج عن إحدى مرتبتي الشريعة وأن خصمه على ~~هدى من ربه في قوله وثم مقام رفيع ومقام أرفع فإن قلت فهل يصح في حق من ~~اطلع على عين الشريعة المطهرة الجهل بشئ من أصول أحكام الشريعة المطهرة ~~فالجواب أنه لا يصح في حقه الجهل بمنزع قول من أقوال العلماء بل يصير يقرر ~~جميع مذاهب المجتهدين وأتباعهم من قلبه ولا يحتاج إلى نظر في كتاب لأن صاحب ~~هذا المقام يعرف كشفا ويقينا وجه إسناد كل قول في العلم إلى الشريعة ويعرف ~~من أين أخذه صاحبه من الكتاب والسنة بل يعرف إسناد كل قول إلى حضرة الاسم ~~الذي برز من حضرته من سائر الأسماء الإلهية وهذا هو مقام العلماء بالله ~~تعالى وبأحكامه على التحقيق فإن قلت فعلى ما قررتم من أن سائر الأئمة على ~~هدى من ربهم فكل شخص يزعم أنه يعتقد أن سائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم ~~نفرت نفسه من العمل ms042 بقول غير إمامه وحصل له به الحرج والضيق فهو غير صادق ~~في اعتقاده المذكور فالجواب نعم والأمر كذلك ولا يكمل اعتقاده إلا أن تساوى ~~عنده العمل بقول كل مجتهد على حد سواء بشرطه السابق في الميزان فإن قلت فهل ~~يجب على مثل هذا السلوك على يد شيخ حتى يصل إلى شهود عين الشريعة الأولى في ~~مقام الإيمان والإحسان والإيقان من حيث إن لكل مقام من هذه المقامات عينا ~~تخصه كما أن لكل عبادة شروطا في كل مقام منها كما يعرف ذلك أهل الكشف وبه ~~يصير أحدهم يعتقد أن كل مجتهد مصيب فالجواب كما تقدمت الإشارة إليه نعم يجب ~~السلوك حتى يصل إلى ذلك لأن كل ما لم يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب ~~ومعلوم أنه يجب على كل مسلم اعتقاده أن سائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم ~~ولا يصح الاعتقاد إلا أن يكون جازما ولا يصح الجزم الحقيقي إلا بشهود العين ~~التي يتفرع منها كل قول والله تعالى أعلم والحمد لله رب العالمين * (فصل) * ~~فإن قلت فبماذا أجيب من نازعني في صحة هذه الميزان من المجادلين وقال هذا ~~أمر ما سمعنا به عن أحد من علمائنا وقد كانوا بالمحل الأسنى من العلم فما ~~الدليل عليها من PageV00P027 # الكتاب والسنة وقواعد الأئمة فالجواب من أدلة هذه الميزان طلب الشارع منا ~~الوفاق وعدم الخلاف في قوله تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ~~فيه أي بالآراء التي لا يشهد لموافقتها كتاب ولا سنة وأما ما شهد له الكتاب ~~والسنة فهو من جمع الدين لا من تفرقته ومن الدليل على ذلك أيضا قوله تعالى ~~يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وقوله تعالى وما جعل عليكم في ~~الدين من حرج وقوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم وقوله تعالى لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها وقوله تعالى إن الله بالناس لرؤف رحيم وأما الأحاديث في ذلك ms043 ~~فكثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم الدين يسر ولن يشاد هذا الدين أحد إلا ~~غلبه ومنها قوله صلى الله عليه وسلم لمن بايعه على السمع والطاعة في المنشط ~~والمكره فيما استطعتم ومنها قوله صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا ~~منه ما استطعتم ومنها قوله صلى الله عليه وسلم يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا ~~تنفروا ومنها قوله صلى الله عليه وسلم اختلاف أمتي رحمة أي توسعة عليهم ~~وعلى أتباعهم في وقائع الأحوال المتعلقة بفروع الشريعة وليس المراد ~~اختلافهم في الأصول كالتوحيد وتوابعه وقال بعضهم المراد به اختلافهم في أمر ~~معاشهم وسيأتي أن السلف كانوا يكرهون لفظ الاختلاف ويقولون إنما ذلك توسعة ~~خوفا أن يفهم أحد من العوام من الاختلاف خلاف المراد وقد كان سفيان الثوري ~~رحمه الله تعالى يقول لا تقولوا اختلف العلماء في كذا وقولوا قد وسع ~~العلماء على الأمة بكذا ومن الدليل على صحة مرتبتي الميزان أيضا من قول ~~الأئمة قول إمامنا الشافعي وغيره رضي الله عنهم أن إعمال الحديثين أو ~~القولين بحملهما على حالين أولى من إلغاء أحدهما فعلم أن من طعن في صحة هذه ~~الميزان لا يخلو إما أن يطعن فيما شددت فيه أو خففت فيه لكون إمامه قال ~~بضده فقل له إن كلا من هذين الأمرين جاءت به الشريعة وإمامك لا يجهل مثل ~~ذلك فإذا أخذ إمامك بتخفيف أو تشديد فهو مسلم لمن أخذ بالمرتبة الأخرى ~~ضرورة فيجب على كل مقلد اعتقاد أن إمامه لو عرض عليه حال من عجز عن فعل ~~العزيمة التي قال هو بها لأفتاه بالرخصة التي قال بها غيره اجتهادا منه ~~لهذا العاجز لا تقليد لذلك الإمام الذي قال بها أو كان يقر ذلك المجتهد على ~~الفتوى بها وكل من أمعن النظر في كلام الأئمة المجتهدين رضي الله عنهم وجد ~~كل مجتهد يخفف تارة ويشدد أخرى بحسب ما ظفر به من أدلة الشريعة فإن كل ~~مجتهد تابع لما وجد من كلام الشارع لا يخرج في استنباطه عنه أبدا وغاية ms044 ~~كلام المجتهد أنه أوضح كلام الشارع للعامة بلسان يفهمونه لما عندهم من ~~الحجاب الذي هو كناية هنا عن عدم التوفيق لما يحتاج إليه من طرق الفهم الذي ~~يفتقر معه إلى توفيق كلام أحد من الخلق سوى كلام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الثابت عنه ولو أن حجابهم رفع لفهموا كلام الشارع كما فهمه المجتهدون ~~ولم يحتاجوا إلى من يشرحه لهم وقد قدمنا آنفا أن أحدا من المجتهدين لم يشدد ~~في أمر أو يخفف فيه إلا تبعا للشارع فما رأى الشارع شدد فيه شدد وما رآه ~~خفف فيه خفف قياما بواجب شعائر الدين سواء أوقع التشديد في فعل الأمر أم ~~اجتناب النهي وجميع المجتهدين على ذلك كما يعرفه من سير مذاهبهم وإيضاح ذلك ~~أن كلما PageV00P028 # رآه الأئمة يخل بشعار الدين فعلا أو تركا أبقوه على التشديد وكلما رأوا ~~أن به كمال شعار الدين لا غير ولا يظهر به نقص فيه أبقوه على التخفيف إذ هم ~~أمناء الشارع على شريعته من بعده وهم الحكماء العلماء فافهم فإن قلت إن بعض ~~المقلدين يزعم أن إمامه إذا قال بعزيمة لا يقول بالرخصة أبدا وإذا قال ~~برخصة لا يقول بمقابلها من العزيمة أبدا بل كان إمامه ملازما قولا واحدا ~~يطرده في حق كل قوي وضعيف حتى مات وأنه لو عرض عليه حال من عجز عن فعل ~~العزيمة لم يفته بالرخصة أبدا فالجواب أن هذا اعتقاد فاسد في الأئمة ومن ~~اعتقد مثل ذلك في إمامه فكأنه يشهد على إمامه بأنه كان مخالف لجميع قواعد ~~الشريعة المطهرة من آيات وأخبار وآثار كما مر بيانه آنفا وكفى بذلك قدحا ~~وجرحا في إمامه لأنه قد شهد عليه بالجهل بجميع ما انطوت عليه الشريعة من ~~التخفيف والتشديد فالحق الذي يجب اعتقاده في سائر الأئمة رضي الله عنهم ~~أنهم إنما كانوا يفتون كل أحد بما يناسب حاله من تخفيف وتشديد في سائر ~~أبواب العبادات والمعاملات ومن نازعنا في ذلك من المقلدين فليأتنا بنقل ~~صحيح السند عنهم بأنهم كانوا يعممون في ms045 الحكم الذي كانوا يفتون به الناس في ~~حق كل قوي وضعيف ونحن نوافقه على ما زعمه ولعله لا يجد في ذلك نقلا عنهم ~~متصل السند منهم إليه نلتزمه حجة له أبدا على هذا الوجه أي بل لا بد لنا من ~~القدرة بمشيئة الله تعالى على القدح في فهم ذلك المقلد لعبارة ذلك الإمام ~~رضي الله تعالى عنه فإن من المعلوم أن جميع أقوال المجتهدين تابعة لأدلة ~~الشريعة من تخفيف أو تشديد كما مر آنفا بحكم المطابقة فما صرحت الشريعة ~~بحكمه لا يمكن أحدا منهم الخروج عنه أبدا وما أجملته أي ذكرته ولم تبين ~~مرتبته فإن المجتهدين يرجعون فيه إلى قسمين قسم يخفف وقسم يشدد بحسب ما ~~يظهر لهم من المدارك أو لغة العرب كما يعرف ذلك من سير مذاهب الأئمة وذلك ~~نحو حديث إنما الأعمال بالنيات أو حديث لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ~~أو لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب أو لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد فإن من ~~المجتهدين من قال لا صلاة أو لا وضوء لمن ذكر تصح أصلا ومنهم من قال لا ~~صلاة كاملة ولا وضوء كامل ولفظ الأحاديث المذكورة يشهد لكل إمام لا سبيل ~~لأحدهما أن يهدم قول الآخر جملة من غير تطرق احتمال أي معنى يعارض في ذلك ~~أبدا وأقرب معنى في ذلك أن حكم الله تعالى في حق كل مجتهد ما ظهر له في ~~المسائل الشرعية ولا يطالب بسوى ما يظهر له أبدا فإن قلت فإذن كان من كمال ~~شريعة محمد صلى الله عليه وسلم التي اختص بها إنها جاءت على ما ذكر من ~~التخفيف والتشديد الذي لا يشق على الأمة كل تلك المشقة وبذلك ونحوه كان صلى ~~الله عليه وسلم رحمة للعالمين في تكميل أديانهم ودفع ما فيه مشقة عليهم ~~فالجواب نعم وهو كذلك فرحم صلى الله عليه وسلم أقوياء أمته بأمرهم ~~باكتسابهم الفضائل والمراتب العلية وذلك بفعل العزائم التي يترقون بها في ~~درجات الجنة ورحم الضعفاء بعدم تكليفهم ما ms046 لا يطيقونه مع توفر أجورهم كما ~~ورد في حق من مرض أو سافر من أن الحق تعالى يأمر الملائكة أن يكتبوا له ما ~~كان يعمل صحيحا مقيما فعلم أن الشريعة لو كانت جاءت على إحدى مرتبتي ~~الميزان فقط لكان فيها حرج شديد على الأمة في قسم التشديد ولم يظهر للدين ~~شعار في قسم التخفيف وكان كل من قلد إماما في مسألة قال PageV00P029 # فيها بالتشديد لا يجوز له العمل بقول غيره في مضايق الأحوال والضرورات ~~فكانت المشقة تعظم على الأمة بذلك فالحمد لله الذي جاءت شريعة نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم على أكمل حال بحكم الاعتدال فلا يوجد فيها شئ فيه مشقة ~~على شخص إلا ويوجد فيها شئ آخر فيه التخفيف عليه إما حديث أو أثر أو قول ~~إمام آخر أو قول في مذهب ذلك المشدد مرجوح يخفف عنه فإن قلت فما الجواب أن ~~نازعنا أحد فيما قلناه من المقلدين الذين يعتقدون أن الشريعة جاءت على ~~مرتبة واحدة وهي ما عليه إمامه فقط ويرى غير قول إمامه خطأ يحتمل الصواب ~~قلنا له الجواب إننا نقيم عليه الحجة من فعل نفسه وذلك أننا نراه يقلد غير ~~إمامه في بعض الوقائع فنقول له هل صار مذهب إمامك فاسدا حال عملك بقول غيره ~~ومذهب الغير صحيحا أم مذهبك باق على صحته حال عملك بقول غيره ولعله لا يجد ~~له جواب سديدا يجيبك به أبدا على وجه الحق * وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه ~~الله تعالى يقول لا يكمل لمؤمن العمل بالشريعة كلها وهو متقلد بمذهب واحد ~~أبدا ولو قال صاحبه إذا صح الحديث فهو مذهبي لترك ذلك المقلد الأخذ بأحاديث ~~كثيرة صحت عند غير إمامه وهذا من ذلك المقلد عمى في البصيرة عن طريق هذه ~~الميزان وعدم فهمه لكلام إمامه رضي الله تعالى عنه إذ لو كان إمامه رضي ~~الله تعالى عنه يقول من نفسه الشريعة أنه أدرى بشأن نصوص رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من كل أحد لما كان يقول رضي الله ms047 عنه إذا صح الحديث أي بعدي ~~فهو مذهبي والله أعلم انتهى وهو كلام نفيس فإن الشريعة إنما تكمل أحكامها ~~بضم جميع الأحاديث والمذاهب بعضها إلى بعض حتى تصير كأنها مذهب واحد ذو ~~مرتبتين وكل من اتسع نظره وتبحر في الشريعة وأطلع على أقوال علمائها في ~~سائر الأدوار وجد الشريعة منسوجة من الآيات والأخبار والآثار سداها ولحمتها ~~منها وكل من أخرج حديثا أو أثرا أو قولا من أقوال علمائها عنها فهو قاصر ~~جاهل ونقص علمه بذلك وكان علمه كالثوب الذي نقص من قيامه أو لحمته سلك أو ~~أكثر بحسب ما يقتضيه الحال فالشريعة الكاملة حقيقة هي جميع المذاهب الصحيحة ~~بأقوالها لمن عقل واستبصر فضم يا أخي جميع أحاديث الشريعة وآثارها وأقوال ~~علمائها إلى بعضها بعضا وحينئذ يظهر لك كمال عظمة الشريعة وعظمة هذه ~~الميزان ثم انظر إليها بعد الضم تجدها كلها لا تخرج عن مرتبتي تخفيف وتشديد ~~أبدا وقد تحققنا بهذا المشهد ولله الحمد من سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة فإن ~~قلت فما أصنع بالأحاديث التي صحت بعد موت إمامي ولم يأخذ بها فالجواب الذي ~~ينبغي لك أنك تعمل بها فإن إمامك لو ظفر بها وصحت عنده لربما كان أمرك بها ~~فإن الأئمة كلهم أسرى في يد الشريعة كما سيأتي بيانه في فصل تبريهم من ~~الرأي ومن فعل مثل ذلك فقد حاز الخير بكلتا يديه ومن قال لا أعمل بحديث إلا ~~أن أخذ به إمامي فإنه خير كثير كما عليه كثير من المقلدين لأئمة المذاهب ~~وكان الأولى لهم العمل بكل حديث صح بعد إمامهم تنفيذا لوصية الأئمة فإن ~~اعتقادنا فيهم إنهم لو عاشوا وظفروا بتلك الأحاديث التي صحت بعدهم لأخذوا ~~بها وعملوا بها وتركوا كل قياس كانوا قاسوه وكل قول كانوا قالوه وقد بلغنا ~~من طرق صحيحة أن الإمام الشافعي أرسل يقول للإمام أحمد بن حنبل إذا صح ~~عندكم PageV00P030 # حديث فأعلمونا به لنأخذ به ونترك كل قول قلناه قبل ذلك أو قاله غيرنا ~~فإنكم أحفظ للحديث ونحن أعلم به انتهى فإن قلت ms048 فإذا قلتم إن جميع مذاهب ~~المجتهدين لا يخرج شئ منها عن الشريعة فأين الخطأ الوارد في حديث إذا اجتهد ~~الحاكم وأخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران مع أن استمداد العلماء كلهم من ~~بحر الشريعة فالجواب أن المراد بالخطأ هنا هو خطأ المجتهد في عدم مصادفة ~~الدليل في تلك المسألة لا الخطأ الذي يخرج به عن الشريعة لأنه إذا خرج عن ~~الشريعة فلا أجر له لقوله صلى الله عليه وسلم كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد ~~انتهى وقد أثبت الشارع له الأجر فما بقي إلا أن معنى الحديث أن الحاكم إذا ~~اجتهد وصادف نفس الدليل الوارد في ذلك عن الشارع فله أجران أجر التتبع وأجر ~~مصادفة الدليل وإن لم يصادف عين الدليل وإنما صادف حكمه فله أجر واحد وهو ~~أجر التتبع فالمراد بالخطأ هنا الخطأ الإضافي لا الخطأ المطلق فافهم فإن ~~اعتقادنا أن سائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم في جميع أقوالهم وما ثم ~~إلا قريب من عين الشريعة وأقرب وبعيد عنها وأبعد بحسب طول السند وقصره وكما ~~يجب علينا الإيمان بصحة جميع شرائع الأنبياء قبل نسخها مع اختلافها ومخالفة ~~أشياء منها لظاهر شريعتنا فكذلك يجب على المقلد اعتقاد صحة مذاهب جميع ~~المجتهدين الصحيحة وإن خالف كلامهم ظاهر كلام إمامه فإن الإنسان كلما بعد ~~عن شعاع نور الشريعة خفى مدركه ونوره وظن غيره أن كلامه خارج عن الشريعة ~~وليس كذلك ولعل ذلك سبب تضعيف العلماء كلام بعضهم بعضا في سائر الأدوار إلى ~~عصرنا هذا فتجد أهل كل دور يطعن في صحة قول بعض الأدوار التي مضت قبله وأين ~~من يخرق بصره في هذا الزمان جميع الأدوار التي مضت قبله حتى يصل إلى شهود ~~اتصالها بعين الشريعة الأولى التي هي كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ممن هو محجوب عن ذلك فإن بين المقلدين الآن وبين الدور الأول من الصحابة ~~نحو خمسة عشر دورا من العلماء فاعلم ذلك فإن قلت فهل لهذه الميزان دليل في ~~جعلها على مرتبتين ms049 من حضرة الوحي الإلهي قبل أن ينزل بها جبريل فالجواب نعم ~~أجمع أهل الكشف الصحيح على أن أحكام الدين الخمسة نزلت من أماكن مختلفة لا ~~من محل واحد كما يظنه بعضهم فنزل الواجب من القلم الأعلى والمندوب من اللوح ~~والحرام من العرش والمكروه من الكرسي والمباح من السدرة فالواجب يشهد ~~لمرتبة التشديد والمندوب يشهد لمرتبة التخفيف وكذلك القول في الحرام ~~والمكروه وأما المباح فهو أمر برزخي جعله الله تعالى من جملة الرحمة على ~~عباده ليستريحوا بفعله من جملة مشقة التكليف والتحجير ولا يكونوا فيه تحت ~~أمر ولا نهي إذ تقيد البشر بأن يكون تحت التحجير على الدوام مما لا طاقة له ~~به ولكن بعض العارفين قد قسم المباح أيضا إلى تخفيف وتشديد بالنظر للأولى ~~وخلاف الأولى فيكون ذلك عنده على قسمين كالعزيمة والرخصة كما تقدم فإن قلت ~~فما الحكمة في تخصيص نزول الأحكام الخمسة من هذه الأماكن المتقدمة فالجواب ~~الحكمة في ذلك أن كل محل يمد صاحبه بما فيه فيكون من القلم الأعلى نظرا إلى ~~التكاليف الواجبة فيمد أصحابها بحسب ما يرى فيها ويكون من العرش نظرا إلى ~~المحظورات فيمد أصحابها بالرحمة لأن العرش مستوى الاسم الرحمن فلا ينظر إلى ~~أهل حضرته إلا بعين PageV00P031 # الرحمة كل أحد بما يناسبه من مسلم وغيره رحمة إيجاد أو رحمة إمداد أو ~~رحمة إمهال بالعقوبة ويكون من الكرسي نظرا إلى الأعمال والأقوال المكروهة ~~فيسرع إلى أهلها بالعفو والتجاوز ولهذا كان يؤجر تارك المكروه ولا يؤاخذ ~~فاعله وأما السدرة فهي المرتبة الخامسة وإنما سميت منتهى لأنها لا يجاوزها ~~شئ من أعمال بني آدم بمقتضى أن الأمر والنهي ينزل من قلم إلى لوح إلى عرش ~~إلى كرسي إلى سدرة ثم يتعلق بعد ذلك بمظاهر المكلفين فليس للأحكام محل ~~يجاوز السدرة للاستقرار فيه بينها وبين مظاهر المكلفين أبدا فهي منتهى ~~مستقرات الأحكام في العالم العلوي فليتأمل * وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه ~~الله تعالى يقول المباح قسم النفس وهو خاص بالسدرة وإليها تنتهي نفوس عالم ~~السعادة وإلى أصولها ms050 وهو الزقوم تنتهي نفوس عالم الشقاء الأبدي فاعلم ذلك ~~فإنه نفيس والحمد لله رب العالمين * (فصل) * فإن ادعى أحد من العلماء ذوق ~~هذه الميزان والتدين بها هل نصدقه أو نتوقف في تصديقه فالجواب أننا نسأله ~~عن منازع أقوال مذاهب العلماء المستعملة والمندرسة فإن قررها كلها وردها ~~إلى مرتبتين وعرف مستنداتها من الكتاب والسنة كأصحابها صدقناه وإن توقف في ~~توجيه شئ من ذلك تبين أنه لا ذوق له فيها وإنما هو عالم بها مسلم لأهلها لا ~~غير واعلم أن مرادنا بمنزع كل قول منشأه مثال ذلك قول بعض العلماء بتحريم ~~رؤية وجه الأمرد الجميل فهذا القول منشأه الاحتياط ودليل هذا المحتاط نحو ~~قوله صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك * قال بعضهم ومن تأمل ~~نحو قوله تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن وعلم أن النهي عن ~~القرب بغير الوجه المطلوب إنما هو تنفير مما لعله يؤدي إليه من الأضرار ~~باليتيم وماله لاحت له أسرار منازع أقوال العلماء العاملين والأئمة ~~المجتهدين فليتأمل والله أعلم وقد تقدم أن الله تعالى لما من علي بالاطلاع ~~على عين الشريعة رأيت المذاهب كلها متصلة بها ورأيت مذاهب الأئمة الأربعة ~~تجري جداولها كلها ورأيت جميع المذاهب التي اندرست قد استحالت حجارة ورأيت ~~أطول الأئمة جدولا الإمام أبا حنيفة ويليه الإمام مالك ويليه الإمام ~~الشافعي ويليه الإمام أحمد بن حنبل وأقصرهم جدولا مذهب الإمام داود وقد ~~انقرض في القرن الخامس فأولت ذلك بطول زمن العمل بمذاهبهم وقصره فكما كان ~~مذهب الإمام أبي حنيفة أول المذاهب المدونة تدوينا فكذلك يكون آخرها ~~انقراضا وبذلك قال أهل الكشف ثم لما نظرت إلى مذاهب المجتهدين وما تفرع ~~منها في سائر الأدوار إلى عصرنا هذا لم أقدر أخرج قولا واحدا من أقوالهم عن ~~الشريعة لشهودي ارتباطها كلها بعين الشريعة الأولى ومن أقرب مثال لذلك شبكة ~~صياد السمك في أرض مصر فإن العين الأولى منها مثال عين الشريعة المطهرة ~~فانظر إلى العيون المنتشرة منها إلى آخر الأدوار ms051 التي هي مثال أقوال الأئمة ~~المجتهدين ومقلديهم إلى يوم القيامة تحط علما بصورة ارتباط أقوالهم بعين ~~الشريعة وتجد كل عين مرتبطة بما فوقها حتى تنتهي إلى العين الأولى فيا ~~سعادة من أطلعه الله تعالى على عين الشريعة الأولى كما اطلعنا ورأى أن كل ~~مجتهد مصيب ويا فوزه ويا كثرة سروره إذا رآه جميع PageV00P032 # العلماء يوم القيامة وأخذوا بيده وتبسموا في وجهه وصار كل واحد يبادر إلى ~~الشفاعة فيه ويزاحم غيره على ذلك ويقول ما يشفع فيه إلا أنا ويا ندامة من ~~قصر في السلوك ولم يصل إلى شهود العين الأولى من الشريعة ويا ندامة من قال ~~المصيب واحد والباقي مخطئ فإن جميع من خطأهم يعبسون في وجهه لتخطئته لهم ~~وتجريحهم بالجهل وسوء الأدب وفهمه السقيم فاسع يا أخي إلى الاشتغال بالعلم ~~على وجه الاخلاص والورع والعمل بكل ما علمت حتى تطوى لك الطريق بسرعة وتشرف ~~على مقام المجتهدين وتقف على العين الأولى التي أشرف عليها إمامك وتشركه في ~~الاغتراف منها فما كنت متبعا له حال سلوكك مع حجابك عن العين التي يستمد ~~منها كذلك تكون متبعا له في الاغتراف من العين التي اغترف منها ثم إذا حصلت ~~ذلك المقام فاستصحب شهود العين الأولى وما تفرع منها في سائر الأدوار تصر ~~توجه جميع أقوال العلماء ولا ترد منها قولا واحدا إما لصحة دليل كل واحد ~~منهم عندك من تخفيف أو تشديد وإما لشهودك صحة استنباطاتهم واتصالها بعين ~~الشريعة وإن نزلت في آخر الأدوار فرجع الأمر في ذلك كله إلى مرتبتي الشريعة ~~من تخفيف وتشديد ولكل منهما رجال وقد كان الإمام أحمد يقول كثرة التقليد ~~عمى في البصيرة كأنه يحث العلماء على أن يأخذوا أحكام دينهم من عين الشريعة ~~ولا يقنعوا بالتقليد من خلف حجاب أحد من المجتهدين فالحمد لله الذي جعلنا ~~ممن يوجه كلام جميع علماء الشريعة ولا يرد من أقوالهم شيئا لشهودنا اتصال ~~أقوالهم كلها بعين الشريعة ويؤيدنا حديث أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم ~~اهتديتم انتهى وهذا الحديث وإن كان فيه ms052 مقال عند المحدثين فهو صحيح عند أهل ~~الكشف ومعلوم أن المجتهدين على مدرجة الصحابة سلكوا فلا تجد مجتهد إلا ~~وسلسلته متصلة بصحابي قال بقوله أو بجماعة منهم فإن قلت فلأي شئ قدم ~~العلماء كلام المجتهدين من غير الصحابة على كلام آحاد الصحابة مع أن ~~المجتهدين من فروعهم فالجواب إنما قدم العلماء كلام المجتهد غير الصحابي ~~على كلام الصحابي في بعض المسائل لأن المجتهد لتأخره في الزمان أحاط علما ~~بجميع أقوال الصحابة أو غالبهم فرجع الأمر في ذلك إلى مرتبتي الميزان من ~~تخفيف وتشديد لأن ما عليه جمهور الصحابة أو بعضهم لا يخرج عن ذلك * وسمعت ~~شيخنا شيخ الإسلام زكريا رحمه الله تعالى يقول مرارا عين الشريعة كالبحر ~~فمن أي الجوانب اغترفت منه فهو واحد وسمعته أيضا يقول إياكم أن تبادروا إلى ~~الانكار على قول مجتهدا وتخطئته إلا بعد إحاطتكم بأدلة الشريعة كلها ~~ومعرفتكم بجميع لغات العرب التي احتوت عليها الشريعة ومعرفتكم بمعانيها ~~وطرقها فإذا أحطتم بها كما ذكرنا ولم تجدوا ذلك الأمر الذي أنكرتموه فيها ~~فحينئذ لكم الانكار والخير لكم وأنى لكم بذلك فقد روى الطبراني مرفوعا أن ~~شريعتي جاءت على ثلاثمائة وستين طريقة ما سلك أحد طريقة منها إلا نجا انتهى ~~والحمد لله رب العالمين * (فصل) * إن أردت يا أخي الوصول إلى معرفة هذه ~~الميزان ذوقا وتصير تقرر مذاهب المجتهدين ومقلديهم كما يقررها أصحابها ~~فاسلك كما مر طريق القوم والرياضة على يد شيخ صادق PageV00P033 # له ذوق في الطريق ليعلمك الاخلاص والصدق في العلم والعمل ويزيل عنك جميع ~~الرعونات النفسية التي تعوقك عن السير وامتثل إشارته إلى أن تصل إلى مقامات ~~الكمال النسبي وتصير ترى الناس كلهم ناجين إلا أنت فترى نفسك كأنك هالك فإن ~~سلكت كذلك ضمنت لك إن شاء الله تعالى وصولك في أسرع زمان عادة إلى شهود عين ~~الشريعة الأولى التي يتفرع منها قول كل عالم وأما سلوكك بغير شيخ فلا يسلم ~~غالبا من الرياء والجدال والمزاحمة على الدنيا ولو بالقلب من غير لفظ فلا ~~يوصلك إلى ms053 ذلك ولو شهد لك جميع أقرانك بالقطبية فلا عبرة بهذه الشهادة وقد ~~أشار إلى ذلك الشيخ محيي الدين في الباب الثالث والسبعين من الفتوحات فقال ~~من سلك الطريق بغير شيخ ولا ورع عما حرم الله تعالى فلا وصول له إلى معرفة ~~الله تعالى المعرفة المطلوبة عند القوم ولو عبد الله تعالى عمر نوح عليه ~~الصلاة والسلام ثم إذا وصل العبد إلى معرفة الله تعالى فليس وراء الله مرمى ~~ولا مرقى بعد ذلك فهناك يطلع كشفا ويقينا على حضرات الأسماء الإلهية ويرى ~~جميع اتصال أقوال العلماء بحضرة الأسماء ويرتفع الخلاف عنده في جميع مذاهب ~~المجتهدين لشهوده اتصال جميع أقوالهم بحضرة الأسماء والصفات لا يخرج عن ~~حضرتها قول واحد من أقوالهم انتهى وهذا نظير ما قدمناه في عين الشريعة ~~الكبرى * وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه الله تعالى يقول إذا انتهى سلوك ~~المريد انحلت عنه عقدة التفضيل بالفهم وتمسك بمعرفة معنى قوله تعالى لا ~~نفرق بين أحد من رسله وعرف هناك إن كل من فضل بعقله بعض الرسل على بعض من ~~غير كشف صحيح فقد فرق بخلاف من فضل بالكشف فإنه يشهد وحدة الأمر ويرى عين ~~الجمع هي عين الفرق كما أن السالك من طلبة العلم يسلك حنفيا أو حنبليا مثلا ~~مقتصرا على مذهب واحد بعينه يدين الله تعالى به لا يرى مخالفته فينتهى به ~~هذا المشهد إلى مقام بصير يتعبد نفسه فيه بجميع المذاهب من غير فرقان أي ~~لشهوده اغتراف جميع المذاهب من عين واحدة انتهى كلام الشيخ وهو شاهد عظيم ~~للميزان مقرر للقولين في مسألة هل كل مجتهد مصيب أم لا فعلم أن كل من كان ~~في حال السلوك فهو لم يقف على العين الأولى فلا يقدر على أن يتعقل إن كل ~~مجتهد مصيب بخلاف من انتهى سلوكه فإنه يشهد يقينا إن كل مجتهد مصيب وحينئذ ~~يكثر الانكار عليه من عامة المقلدين متى صرح لهم بما يعتقده لحجابهم عن ~~شهود المقام الذي وصل إليه فهم معذورون من وجه غير معذورين من ms054 وجه آخر حيث ~~لم يردوا صحة علم ذلك إلى الله تعالى فإنه ما ثم لنا دليل واضح يرد كلام ~~أهل الكشف أبدا لا عقلا ولا شرعا لأن الكشف لا يأتي إلا مؤيد بالشريعة ~~دائما إذ هو إخبار بالأمر على ما هو عليه في نفسه وهذا هو عين الشريعة * ~~وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه الله تعالى يقول العلوم اللدنية كلها من أنواع ~~علوم الخضر عليه السلام ولا يخفى عليكم ما وقع من إنكار السيد موسى عليه ~~الصلاة والسلام ولكن لما سكت موسى عن إنكاره عليه آخر الأمر علمنا أن موسى ~~عليه الصلاة والسلام أطلعه الله على ما أطلع عليه الخضر عليه السلام وإلا ~~فما كان يسوغ له السكوت على ما يراه منكرا عنده فإن خرق سفينة قوم بغير ~~إذنهم خوفا أن يسخرها ظالم أو قتل غلام خوفا أن يرهق أبويه طغيانا وكفرا لا ~~تجوز مثله الشريعة انتهى وقد أشار إلى PageV00P034 # نحو ذلك الشيخ محيي الدين أوائل الفتوحات فقال من علامة العلوم الدينية ~~إن تمجها العقول من حيث أفكارها ولا يكاد أحد من غير أهلها يقبلها إلا ~~بالتسليم لأهلها من غير ذوق وذلك لأنها تأتي أهلها من طريق الكشف لا الفكر ~~وما تعود العلماء أخذ العلوم إلا من طريق أفكارهم فإذا أتاهم علم من غير ~~طريق أفكارهم أنكروه لأنه أتاهم من طريق غير مألوفة عندهم انتهى ومن هنا ~~تعلم يا أخي إن من أنكر هذه الميزان من المحجوبين فهو معذور لأنها من ~~العلوم اللدنية التي أوتيها الخضر عليه السلام بيقين فاعلم ذلك والحمد لله ~~رب العالمين * (فصل) * في بيان تقرير قول من قال إن كل مجتهد مصيب أو ~~المصيب واحد لا بعينه وحمل كل قول على حالة وبيان ما يؤيد هذه الميزان * ~~اعلم أن مما يؤيد هذه الميزان ما أجمع عليه أهل الكشف وصرح به الشيخ محيي ~~الدين في الكلام على مسح الخف من الفتوحات فقال لا ينبغي لأحد قط أن يخطئ ~~مجتهدا أو يطعن في كلامه لأن الشرع الذي هو حكم ms055 الله تعالى قد قرر حكم ~~المجتهد فصار شرعا لله تعالى بتقرير الله تعالى إياه قال وهذه مسألة يقع في ~~محظورها كثير من أصحاب المذاهب لعدم استحضارهم ما نبهناهم عليه مع كونهم ~~عالمين به فكل من خطأ مجتهدا بعينه فكأنه خطأ الشارع فيما قرره حكما انتهى ~~وفي هذا الكلام ما يشعر بإلحاق أقوال المجتهدين كلها بنصوص الشارع وجعل ~~أقوال المجتهدين كأنها نصوص للشارع في جواز العمل بها بشرطه السابق في ~~الميزان ويؤيد ذلك أيضا قول علماءنا لو صلى إنسان أربع ركعات لأربع جهات ~~بالاجتهاد فلا قضاء مع أن ثلاث جهات منها غير القبلة بيقين ولكن لما كانت ~~كل ركعة مستندة إلى الاجتهاد قلنا بالصحة ولم تكن جهة أولى بالقبلة من جهة ~~ومما يؤيد ذلك أيضا ما أجمع عليه أهل الكشف من أن المجتهدين هم الذين ورثوا ~~الأنبياء حقيقة في علوم الوحي فكما أن النبي معصوم كذلك وارثه محفوظ من ~~الخطأ في نفس الأمر وإن خطأه أحد فذلك الخطأ إضافي فقط لعدم اطلاعه على ~~دليل فإن جميع الأنبياء والرسل في منازل رفيعة لم يرثهم فيها إلا العلماء ~~المجتهدون فقام اجتهادهم مقام نصوص الشارع في وجوب العمل به فإنه صلى الله ~~عليه وسلم أباح لهم الاجتهاد في الأحكام تبعا لقوله تعالى ولو ردوه إلى ~~الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ومعلوم أن ~~الاستنباط من مقامات المجتهدين رضي الله عنهم فهو تشريع عن أمر الشارع كما ~~مر فكل مجتهد مصيب من حيث تشريعه بالاجتهاد الذي أقره الشارع عليه كما أن ~~كل نبي معصوم انتهى * وسمعت بعض أهل الكشف يقول إنما تعبد الله تعالى ~~المجتهدين بالاجتهاد ليحصل لهم نصيب من التشريع ويثبت لهم فيه القدم ~~الراسخة فلا يتقدم عليهم في الآخرة سوى نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم ~~فيحشر علماء هذه الأمة حفاظ أدلة الشريعة المطهرة العارفون بمعانيها في ~~صفوف الأنبياء والرسل لا في صفوف الأمم فما من نبي أو رسول إلا وبجانبه ~~عالم من علماء هذه الأمة أو اثنان أو ثلاثة ms056 أو أكثر وكل عالم منهم له درجة ~~الأستاذية في علم الأحكام والأحوال والمقامات والمنازلات إلى ختام الدنيا ~~بخروج المهدي عليه السلام ومن هنا نعلم أن جميع المجتهدين تابعون ~~PageV00P035 # للشارع في التخفيف والتشديد فإياك أن يشدد إمام مذهبك في أمر فتأمر به ~~جميع الناس أو يخفف في أمر فتأمر به جميع الناس فإن الشريعة قد جاءت على ~~مرتبتين لا على مرتبة واحدة كما مر في الميزان ولذلك صح لك القول بأن الله ~~تعالى لم يكلف عباده بما يشق أبدا بل دعا صلى الله عليه وسلم على من شق على ~~أمته بقوله اللهم من ولي من أمور أمتي شيئا فرفق بهم فارفق اللهم به ومن شق ~~على أمتي فاشقق اللهم عليه ولم يبلغنا أنه صلى الله عليه وسلم دعا على من ~~سهل عليهم أبدا بل كان يقول لأصحابه اتركوني ما تركتكم خوفا عليهم من كثرة ~~تنزل الأحكام التي يسألونه عنها فيعجزون عن العمل بها فالعالم الدائر مع ~~رفع الحرج دائر مع الأصل الذي ينتهي إليه أمر الناس في الجنة بخلاف الدائر ~~مع الحرج فإنه دائر مع أمر عارض يزول بزوال التكليف فإن قلت فإذن من ألزم ~~الناس بالتقيد بمذهب واحد فقد ضيق عليهم وشق عليهم فالجواب أنه ليس في ذلك ~~مشقة في الحقيقة لأن صاحب ذلك المذهب لم يقل بإلزام الضعيف بالعزيمة بل جوز ~~له الخروج من مذهبه إلى الرخصة التي قال بها غيره فرجع مذهب هذا الإمام إلى ~~مرتبتي الشريعة فلا تضييق ولا مشقة على من التزم مذهبا معينا فإن لم تفهم ~~الشريعة هكذا فما فهمت وإن لم تقرر مذاهب المجتهدين هكذا فما قررت ولا كان ~~صح للمقلد اعتقاد أن سائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم بل كان يخالف قوله ~~جنانه وذلك معدود من صفات النفاق وقد تقدم إنني ما وضعت هذه الميزان في هذه ~~الطروس إلا انتصار المذاهب الأئمة ومقلديهم خلاف ما أشاعه عني بعض الحسدة ~~من قوله إن من تأمل في هذه الميزان وجدها تحكم بتخطئة جميع المجتهدين ms057 قال ~~لأن كل مجتهد لا يقول بقول الآخر بل يخطئه فيلزم من ذلك تخطئة كل مجتهد في ~~تخطئته الآخر انتهى كلام هذا الحاسد فالجواب قد أجمع الناس على قولهم إن ~~مجتهدا لا ينكر على مجتهد وإن كل واحد يلزمه العمل بما ظهر له أنه الحق وقد ~~أرسل الليث بن سعد رضي الله عنه سؤالا كما مر إلى الإمام مالك يسأله عن ~~مسألة فكتب إليه الإمام مالك أما بعد فإنك يا أخي إمام هدى وحكم الله تعالى ~~في هذه المسألة هو مقام عندك انتهى وما ذلك إلا لاطلاع كل مجتهد على عين ~~الشريعة الأولى التي يتفرع منها كل مذهب ولولا اطلاعه لكان من الواجب عليه ~~الانكار ويحتمل أن من خطأ غيره من الأئمة إنما وقع ذلك منه قبل بلوغه مقام ~~الكشف كما يقع فيه كثير ممن ينقل كلام الأئمة من غير ذوق فلا يفرق بين ما ~~قاله العالم أيام بداءته وتوسطه ولا بين ما قاله أيام نهايته فتأمل في هذا ~~الفصل فإنه ناطق بصحة هذه الميزان ومذاهب المجتهدين كلها لتقرير الشارع ~~حكمهم باستناده إلى الاجتهاد والحمد لله رب العالمين * (فصل) * لا يلزم من ~~تقيد كامل من الأولياء أو المجتهدين بالعمل بقول دون آخر أن يكون يرى بطلان ~~ذلك القول الذي لم يعمل به فيحتمل أنه إنما ترك العمل به لكونه ليس من أهله ~~سواء أكان ذلك في العزيمة أم الرخصة فإن كل كامل ومجتهد يرى استمداد سائر ~~المذاهب من عين الشريعة سواء المذاهب المستعملة والمندرسة فكل قول لا يعمل ~~به لعدم أهليته له فهو في حقه كالحديث المنسوخ وفي حق غيره كالحديث المحكم ~~وأما غير الكامل من المقلدين فحكمه حكم من كان متعبدا بشريعة عيسى التي لم ~~تبدل مثلا ثم نسخت بشريعة PageV00P036 # محمد صلى الله عليه وسلم فإنه يلزمه العمل بشريعة محمد وترك ما نسخ من ~~شريعة عيسى فنرى العلماء يتعبدون بقول مدة من الزمان ثم يظهر لهم قول آخر ~~هو أصح دليلا عندهم من الأول فيتركون الأول ويعملون بالثاني ويصير ms058 الأول ~~عندهم كأنه حديث منسوخ مع أن علماءهم الذين تقدموا تعبدوا بذلك القول زمانا ~~وأفتوا به الناس حتى ماتوا فلو قلت لأحد الآن تعبد بذلك القول القديم لا ~~يجيب إلى ذلك وإيضاح ذلك أن الله تعالى إذا أراد أن يتعبد عباده بأحكام أخر ~~على وجه آخر مخصوص غير الأحكام التي كانوا عليها أظهر لعلمائهم وجه ترجيح ~~أقوال غير الأقوال التي كانوا يرجحونها فبادروا إلى العمل بما ترجح عندهم ~~وتبعهم المقلدون لهم في الترجيح على ذلك بانشراح صدر وهكذا الأمر إلى ~~انقراض المذاهب ويؤيد ذلك قول السيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه إن الله عز ~~وجل يحدث للناس أقضية بحسب زمانهم وأحوالهم وتبعه على ذلك عطاء وجاهد ~~والإمام مالك فكانوا لا يفتون فيما يسألون عنه من الوقائع إلا أن وقع ~~ويقولون فيما لم يقع إذا وقع ذلك فعلماء ذلك الزمان يفتونهم فيه انتهى ~~وربما يكون في باطن ذلك أيضا رحمة بالأمة لأن الحق تعالى ربما علم من أهل ~~ذلك الزمان الملل من العمل بذلك الحكم فقيض لهم من أبطله ممن يمكنهم الأخذ ~~عنه من جنسهم لانقطاع الوحي رحمة منه تعالى بهم حيث كان يحدث لهم في كل ~~زمان من الشرع أحكاما يتلقونها بالقبول وميل النفس فلا يجدون في العمل بها ~~مشقة في الجملة وقد يقال والله تعالى أعلم أن ذلك إنما كان من الله تعالى ~~ليقع لعلماء هذه الأمة مثل ما وقع للأنبياء الذين هم ورثتهم من ظهورهم بشرع ~~كالجديد كل برهة من الزمان يشبه النسخ لشريعة من قبلهم من غير نسخ حقيقة * ~~وقد سمعت سيدي عليا الخواص رحمه الله تعالى يقول ما من قول من أقوال ~~المذاهب المستعملة والمندرسة إلا وقد كان شرعا لنبي تقدم فأراد الحق تعالى ~~بفضله ورحمته أن يجعل لهذه الأمة نصيبا من العمل ببعض تشريع الأنبياء ليحصل ~~لهم بعض الأجر الذي كان يحصل للعاملين بنحو ما عملوا به من شرائع الأنبياء ~~خصوصية لهذه الأمة من حيث إن شريعة نبيهم حاوية لمجموع أحكام الشرائع ~~المتقدمة انتهى ms059 فعلم أنه لا يلزم من ترك الكامل العمل بقول أن يكون ذلك ~~لكونه يراه خارجا عن الشريعة لأن ذلك القول المتروك لا يخرج عن كونه رخصة ~~أو عزيمة فرجع الأمر إلى مرتبتي التخفيف والتشديد وسمعت سيدي عليا الخواص ~~رحمه الله تعالى يقول أيضا اعتقادنا في جميع الأكابر من العلماء أنهم ما ~~سلموا لبعضهم بعضا إلا لعلمهم بصحة أقوالهم ومستنداتهم واتصالها بعين ~~الشريعة لا إحسانا لنظن بهم من غير اطلاع على صحتها واتصالها بعين الشريعة ~~وقد تقدم أن بعض أتباع المجتهدين وصل إلى شهود عين الشريعة الأولى وقال كل ~~مجتهد مصيب كابن عبد البر المالكي والشيخ أبي محمد الجويني والشيخ عبد ~~العزيز الديريني وأضرابهم بدليل أن الشيخ أبا محمد صنف كتابه المسمى ~~بالمحيط الذي تقدم أنه لم يتقيد فيه بمذهب وكذلك الشيخ عبد العزيز الديريني ~~صنف كتاب الدرر الملتقطة في المسائل المختلفة أفتى فيها على المذاهب ~~الأربعة فلولا اطلاعه على مستندات الأئمة الأربعة ما كان يسوغ له أن يفتي ~~على مذاهبهم كلهم وحمل أمثال هؤلاء على أنهم كانوا يفتون على المذاهب من ~~باب PageV00P037 # الإيمان والتسليم من غير أن يعرف أحدهم مستندات أصحابها فيها ومدارك ~~أقوالهم بعيد جدا على مقامهم وكذلك القول فيمن اختار غير ما نص عليه إمامه ~~يحتمل أنه إنما اختاره لاطلاعه على اتصال ذلك القول بعين الشريعة المطهرة ~~كما اتصل بها قول إمامه على حد سواء كالإمام زفر وأبي يوسف وأشهب وابن ~~القاسم والنووي والرافعي والطمعاوي وغيرهم من اتباع المجتهدين ويحتمل أن كل ~~من أفتى واختار غير قول إمامه لم يطلع على أدلة إمامه وإنما أفتى لاعتقاده ~~صحة قول ذلك الإمام الآخر في نفس الأمر فعلم أن كل مقلد اطلع على عين ~~الشريعة المطهرة لا يؤمر بالتقيد بمذهب واحد لأنه يرى اتصال أقوال الأئمة ~~كلها صحيحها وضعيفها بعين الشريعة الكبرى وإن أظهر التقيد بمذهب واحد فإنما ~~ذلك لكونه من أهل تلك المرتبة التي تقيد بها من تخفيف أو تشديد وربما لزم ~~المذهب والأحوط في الدين مبالغة منه في طاعة ms060 الله تعالى من باب التطوع في ~~قوله تعالى فمن تطوع خيرا فهو خير له وإلى نحو ما ذكرناه أشار الإمام ~~الأعظم أبو حنيفة رضي الله عنه بقوله ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بأبي هو وأمي فعلى الرأس والعين وما جاء عن أصحابه تخيرنا وما جاء عن ~~غيرهم فهم رجال ونحن رجال انتهى ففي ذلك إشارة إلى أن للعبد أن يختار من ~~المذاهب ما شاء من غير وجوب ذلك عليه إذا كان من أهل ذلك المقام وكان سيدي ~~على الخواص رحمه الله تعالى إذا سأله إنسان عن التقيد بمذهب معين الآن هل ~~هو واجب أم لا يقول له يجب عليك التقيد بمذهب ما دمت لم تصل إلى شهود عين ~~الشريعة الأولى خوفا من الوقوع في الضلال وعليه عمل الناس اليوم فإن وصلت ~~إلى شهود عين الشريعة الأولى فهناك لا يجب عليك التقيد بمذهب لأنك ترى ~~اتصال جميع مذاهب المجتهدين بها وليس مذهب أولى بها من مذهب فيرجع الأمر ~~عندك حينئذ إلى مرتبتي التخفيف والتشديد بشرطهما وكان سيدي على الخواص رحمه ~~الله تعالى يقول أيضا ما ثم قول من أقوال العلماء إلا وهو مستند إلى أصل من ~~أصول الشريعة لمن تأمل لأن ذلك القول إما أن يكون راجعا إلى آية أو حديث أو ~~أثرا أو قياس صحيح على أصل صحيح لكن من أقوالهم ما هو مأخوذ من صريح الآيات ~~أو الأخبار أو الآثار ومنه ما هو مأخوذ من المأخوذ أو من المفهوم فمن ~~أقوالهم ما هو قريب ومنها ما هو أقرب ومنها ما هو بعيد ومنها ما هو أبعد ~~ومرجعها كلها إلى الشريعة لأنها مقتبسة من شعاع نورها وما ثم لنا فرع يتفرع ~~من غير أصل أبدا كما مر بيانه في الخطبة وإنما العالم كلما بعد عن عين ~~الشريعة ضعف نور أقواله بالنظر إلى نور أول مقتبس من عين الشريعة الأولى ~~ممن قرب منها وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه الله تعالى يقول أيضا كل من اتسع ~~نظره من ms061 العلماء ورأى عين الشريعة الأولى وما تفرع منها في سائر الأدوار ~~واستصحب شهود ما تفرع منها في سائر الأدوار وهو نازل إلى آخر الأدوار أقر ~~بحقية جميع مذاهب الأئمة ومقلديهم من عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~عصره هو انتهى وسيأتي مثاله في فصل الأمثلة المحسوسة إن شاء الله تعالى من ~~تمثيل ذلك بالشجرة أو شبكة الصياد وغير ذلك والحمد لله رب العالمين * (فصل) ~~* وإياك يا أخي أن تطالب أحدا من طلبة العلم الآن بصدق اعتقاده في أن كل ~~PageV00P038 # مجتهد مصيب ما دام مرتكبا خطيئة واحدة لا سيما محبته للدنيا وشهواتها كما ~~أنه لا ينبغي لك أن تطالبه بمثل ذلك ما دام في حجاب التقليد لإمامه فإنه ~~محجوب بإمامه عن شهود العين الأولى التي اغترف منها إمامه لا يراها أبدا بل ~~مره بالسلوك على يد شيخ عارف بطريق القوم وبالعوائق التي تعوق الطالب عن ~~الوصول إلى منتهى السير فإذا بلغ النهاية وشهد مذاهب العلماء كلها شارعة ~~إلى كبد العين وجداولها كما سيأتي بيانه في الأمثلة المحسوسة فهناك يقرر ~~مذاهب الأئمة المجتهدين كما مر في الفصل قبله ويقول كل مجتهد مصيب وأما قبل ~~بلوغه إلى هذا المقام فلا يجوز لك منعه من التقيد بمذهب واحد بل أنك لو ~~نهيته عن ذلك لا يجيبك لأن من لازمه أن يقول المصيب واحد في نفس الأمر ~~ولعله مذهبي أنا وحدي والباقي مخطئ لا يتعقل في قلبه غير ذلك ويقول الحق ~~واحد غير متعدد ويجعل الشريعة جاءت على مرتبة واحدة لا على مرتبتين وإن ~~الصحيح من الشريعة هو ما أخذ به إمامه سواء أكان تخفيفا أم تشديدا والحق أن ~~الشريعة جاءت على مرتبتين بقرينة صحة أدلة كل من المرتبتين غالبا في أحاديث ~~لا تحصى كما سيأتي بيانه في فصل الجمع بين الأحاديث إن شاء الله تعالى ~~وكثيرا ما يقول البيهقي وغيره كالحافظ الزيلعي ممن جمع أدلة المذاهب في ~~كتابه وانتصر لمذهبه ورجح أدلته بكثرة الرواة أو صحة السند وهذا الدليل وإن ~~كان صحيحا ms062 فأحاديث مذهبنا أصح سندا وأكثر رواة وما قال ذلك إلا عند العجز ~~عن تضعيف دليل المخالف وادحاضه بالكلية ولو أن صاحب هذا القول من البيهقي ~~أو غيره اطلع على ما اطلعنا عليه من أن الشريعة المطهرة جاءت على مرتبتين ~~تخفيف وتشديد لم يحتج إلى قوله أحاديثنا أصح وأكثر بل كان يرد كل حديث أو ~~قول خالف الآخر إلى إحدى مرتبتي الشريعة وكذلك القول في مرجحي المذاهب من ~~مقلدي الأئمة ما قالوا قلت الأصح كذا وكذا إلا لعدم اطلاعهم على مرتبتي ~~الميزان ولو أنهم اطلعوا عليهما ما جعلوا في أقوال مذهبهم أصح وصحيحا وأظهر ~~وظاهرا بل كانوا يقولون بصحة الأقوال كلها ويردونها إلى مرتبتي التخفيف ~~والتشديد وإفتاء كل سائل بما يناسب حاله من قوة أو ضعف برخصة أو عزيمة وكان ~~يفتي أحدهم على الأربعة مذاهب فإن قال لنا شافعي فعلى هذه الميزان فلي أن ~~أصلي إذا مسست ذكري بلا تجديد وضوء قلنا له نعم لك ذلك ولكن بشرط أن تكون ~~من أهل هذه الرخصة لا مطلقا وذلك كما إذا ابتلى الشخص بكثرة الوسواس في ~~الوضوء لصلاة الصبح مثلا حتى كاد الوقت يخرج فلما فرغ هذا من الوضوء مس ~~فرجه بغير قصد ففي مثل هذه الصورة له تقليد الإمام أبي حنيفة في الصلاة ~~بهذه الطهارة التي وقع فيها مس الفرج بشرطها تحصيلا لفعل الفريضة في وقتها ~~فإن المقاصد آكد من الوسائل عند جمهور العلماء لا سيما وقد ورد في الحديث ~~هل هو إلا بضعة منك ولم يثبت عند من قال بذلك نسخة على اصطلاحنا فرجع الأمر ~~في هذه المسألة إلى مرتبتي الميزان تخفيف وتشديد فليس لنحو من لم يبتل ~~بالوسواس أن يصلي إذا مس فرجه أو لمس أجنبية مثلا إلا بعد تجديد الطهارة ~~فإن قال لنا أحد ممن قلد الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه إن إمامنا لا يقول ~~بمطلوبية الطهارة ممن مس فرجه أبدا سواء أكان ممن يعسر عليه تجديد الطهارة ~~أم لا قلنا له PageV00P039 # هات لنا عنه ذلك بسند متصل ms063 منك إليه في هذه المسألة أنه صرح بذلك ولعله ~~لا يجد ذلك أبدا لا سيما وقد انعقد الاجماع على أن الأولى للشخص مراعاة ~~الخروج من الخلاف في كل عبادة أداها وهذه القاعدة هي مدار اصطلاح صاحب هذه ~~الميزان وهناك نقول له إن ذلك شهادة منك على إمامك بالجهل بمرتبتي الشريعة ~~وعدم اطلاعه على العين الأولى من الشريعة كما اطلع عليها بقية المجتهدين ~~ونقول له أيضا أين اعتقادك في ورع إمامك الذي كان لا يدون مسألة واحدة مما ~~استنبطه من الكتاب والسنة حتى يعقد لها مجلسا من العلماء ويقول أترتضون هذا ~~فإذا قالوا نعم قال لأبي يوسف أو محمد بن الحسن أكتب ذلك وإن لم يرتضوه ~~تركه واعتقادنا في جميع الأئمة المجتهدين إنهم كانوا لا يثبتون لهم قولا في ~~الشريعة إلا عند فقدهم النص في ذلك عن الشارع فلو أن الإمام أبا حنيفة ظفر ~~بحديث من مس فرجه فليتوضأ لقال به أيضا وحمله على أهل العافية من الوسواس ~~مثلا أو على الأكابر من العلماء والصالحين ونزل الحديثين على مرتبتي ~~الميزان وقس على ذلك يا أخي كل ما كان واجب الفعل أو الترك في مذهبك فلك ~~فعله إن كنت من أهله ولك تركه إن عجزت عن فعله حسا أو شرعا فالعجز الحسي ~~معروف والعجز الشرعي هو كما إذا رأيت الماء مثلا وحال دونه مانع من سبع أو ~~قاطع طريق مثلا وقد تقدم أول الميزان إن مرتبتيها على الترتيب الوجوبي لا ~~على التخيير فإياك أن تذهل عن ذلك وكذلك تقدم إن كل من نازعنا من المقلدين ~~في حمله الدليلين أو القولين على حالين وادعى أن إمامه كان يطرد القول ~~بالتشديد أو التخفيف في حق كل قوي وضعيف طالبناه بالنقل الصحيح عن إمامه أو ~~خطأناه فيما ادعى وكل من نور الله تعالى قلبه وعرف مقام الأئمة في الورع ~~وعدم القول بالرأي في دين الله تعالى شهد لهم كلهم بأن أحدا منهم كان لا ~~يفتي أحدا برخصة إلا أن رآه عاجزا ولا بعزيمة إلا أن ms064 رآه قادرا وإن لم يكن ~~صاحب الواقعة حاضرا عند إمامه حين أفتى الناس بذلك حتى أن صاحب هذا النور ~~يعرف جميع المسائل التي أفتى بها إمامه الأقوياء والضعفاء على التفصيل وقد ~~تحققنا بمعرفة ذلك والحمد لله * إذا علمت ذلك فيقال لكل مقلد امتنع من ~~العمل بقول غير إمامه في مضايق الأحوال امتناعك هذا تعنت لا ورع لأنك تقول ~~لنا إنك تعتقد أن سائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم وإن كل إمام عملت ~~بقوله منهم فأنت على هدى من ربك فيه وذلك لاغتراف الأئمة كلهم مذاهبهم من ~~عين الشريعة ثم إن جميع ما اغترفوه منها لا يخرج عن مرتبتي الميزان أبدا ~~كما لا تخرج أنت عن أن تكون من أهل واحدة منهما فتعمل بما أنت أهله من رخصة ~~أو عزيمة كما سيأتي بسطه في الجمع بين أقوال أئمة المذاهب إن شاء الله ~~تعالى فإن قال الشافعي أيضا فعلى ما قررتموه في هذه الميزان فلي أن أصلي ~~بلا قراءة فاتحة الكتاب مع القدرة عليها قلنا له هي عزيمة فإن قدرت على ~~قراءتها لم يجزئك غيرها وإن كنت عاجزا عن قرائتها فاقرأ بغيرها وعلى ذلك مع ~~الاصطلاح المتقدم قريبا يحمل قول الإمام أبي حنيفة بعدم تعينها وإن عمم ~~مقلدوه الحكم في ذلك للقادر والعاجز فافهم والحمد لله رب العالمين * (فصل) ~~* ومما يدلك على صحة ارتباط جميع أقوال علماء الشريعة بعين الشريعة ~~PageV00P040 # كارتباط الظل بالشاخص ما يفصلونه من المجمل في الشريعة فما فصل عالم ما ~~أجمل في كلام من قبله من الأدوار إلا للنور المتصل به من الشارع صلى الله ~~عليه وسلم فالمنة في ذلك حقيقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو صاحب ~~الشرع لأنه هو الذي أعطى العلماء تلك المادة التي فصلوا بها ما أجمل في ~~كلامه كما أن المنة بعده لكل دور على من تحته فلو قدر أن أهل دور تعدوا من ~~فوقهم إلى الدور الذي قبله لانقطعت وصلتهم بالشارع ولم يهتدوا لإيضاح مشكل ~~ولا تفصيل مجمل وتأمل يا ms065 أخي لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فصل ~~بشريعته ما أجمل في القرآن لبقي القرآن على إجماله كما أن الأئمة المجتهدين ~~لو لم يفصلوا ما أجمل في السنة لبقيت السنة على إجمالها وهكذا إلى عصرنا ~~هذا فلولا أن حقيقة الاجمال سارية في العالم كله من العلماء ما شرحت الكتب ~~ولا ترجمت من لسان إلى لسان ولا وضع العلماء على الشروح حواشي كالشروح ~~للشروح فإن قلت فما الدليل على ما قلت من وجود الاجمال في الكتاب والتفصيل ~~له في السنة قلنا قوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم لتبين للناس ما نزل ~~إليهم فإن البيان وقع بعبارة أخرى غير عبارة الوحي الذي نزل عليه فلو أن ~~علماء الأمة كانوا يستقلون بالبيان وتفصيل المجمل واستخراج الأحكام من ~~القرآن لكان الحق تعالى اكتفى من رسوله صلى الله عليه وسلم بالتبليغ للوحي ~~من غير أن يأمره ببيان * وسمعت شيخنا شيخ الإسلام زكريا رحمه الله يقول ~~لولا بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجتهدين لنا ما أجمل في الكتاب ~~والسنة لما قدر أحد منا على ذلك كما أن الشارع لولا بين لنا بسنته أحكام ~~الطهارة ما اهتدينا لكيفيتها من القرآن ولا قدرنا على استخراجها منه وكذلك ~~القول في بيان عدد ركعات الصلوات من فرض ونفل وكذلك القول في أحكام الصوم ~~والحج والزكاة وكيفيتها وبيان أنصبتها وشروطها وبيان فرضها من سننها وكذلك ~~القول في سائر الأحكام التي وردت مجملة في القرآن لولا أن السنة بينت لنا ~~ذلك ما عرفناه ولله تعالى في ذلك حكم وأسرار يعرفها العارفون انتهى * قال ~~سيدي علي الخواص رحمه الله تعالى ومن هنا تعلم يا ولدي إن السنة قاضية على ~~ما نفهمه من أحكام الكتاب ولا عكس فإنه صلى الله عليه وسلم هو الذي أبان ~~لنا أحكام الكتاب بألفاظ شريعته وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى وفي ~~القرآن العظيم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول يعني إلى الكتاب ~~والسنة واعملوا بما وافقهما أو وافق ms066 أحدهما عندكم انتهى وسمعت سيدي عليا ~~الخواص رحمه الله تعالى أيضا يقول لا يكمل مقام العالم عندنا في العلم حتى ~~يرد سائر أقوال المجتهدين ومقلديهم في سائر الأدوار إلى الكتاب والسنة ولا ~~يصير عنده جهل بمنزع قول واحد منها لو عرض عليه قال وهناك يخرج عن مقام ~~العوام ويستحق التلقيب بالعالم وهو أول مرتبة تكون للعلماء بالله تعالى ثم ~~يترقى أحدهم عن ذلك درجة بعد درجة حتى يصير يستخرج جميع أحكام القرآن ~~وآدابه من سورة الفاتحة فإذا قرأ بها في صلاته ربما يكون ثوابه كثواب من ~~قرأ القرآن كله من حيث إحاطته بمعانيه ثم يترقى من ذلك حتى يصير يخرج أحكام ~~القرآن كله وأحكام الشريعة وجميع أقوال المجتهدين ومقلديهم إلى يوم القيامة ~~من أي حرف شاء من حروف الهجاء ثم يترقى إلى ما هو أبلغ من PageV00P041 # ذلك قال وهذا هو العالم الكامل عندنا انتهى وسمعته مرارا يقول الجدال في ~~الشريعة من بقايا النفاق لأنه يراد به ادحاض حجة الغير من العلماء وقد قال ~~تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم ~~حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما فنفى تعالى الإيمان عمن يجد في الحكم عليه ~~بالشريعة حرجا وضيقا قال صلى الله عليه وسلم عند نبي لا ينبغي التنازع ~~ومعلوم أن نزاع الإنسان لعلماء شريعته وجدالهم وطلب ادحاض حججهم التي هي ~~الحق كالجدال معه صلى الله عليه وسلم وإن تفاوت المقام في العلم فإن ~~العلماء على مدرجة الرسل درجوا وكما يجب علينا الإيمان والتصديق بكل ما ~~جاءت به الرسل وإن لم نفهم حكمته فكذلك يجب علينا الإيمان والتصديق بكلام ~~الأئمة وإن لم نفهم علته حتى يأتينا عن الشارع ما يخالفه وقد تقدم نقل ~~الاجماع على وجوب الإيمان والتصديق بشرائع الرسل كلهم وإن اختلفوا في ~~التشريع وإنها كلها حق مع اختلافها وتباينها وكذلك القول في مذاهب الأئمة ~~المجتهدين يجب الإيمان بصحتها على سائر المقلدين الذين يشهدون تباينها ~~وتناقضها حتى يمن الله تعالى عليهم بالإشراف على عين ms067 الشريعة المطهرة ~~الكبرى واتصال جميع أقوال العلماء بها فهناك يجد أحدهم جميع مذاهب ~~المجتهدين ومقلديهم ترجع إلى الشريعة المطهرة لا يخرج عنها من أقوالهم قول ~~واحد لرجوعها جميعا إلى مرتبتي الشريعة المطهرة من تخفيف وتشديد فما ثم عند ~~صاحب هذا المشهد تخطئة لأحد من العلماء في قول له أصل فيها أبدا وإن وقع أن ~~أحدا من المقلدين خطأ أحدا في شئ من ذلك فليس هو خطأ في نفس الأمر وإنما هو ~~خطأ عنده فقط لخفاء مدركه عليه لا غير * وروينا عن الإمام الشافعي رضي الله ~~عنه أنه كان يقول التسليم نصف الإيمان قال له الربيع الجيزي بل هو الإيمان ~~كله يا أبا عبد الله فقال وهو كذلك وكان الإمام الشافعي يقول من كمال إيمان ~~العبد أن لا يبحث في الأصول ولا يقول فيها لم ولا كيف فقيل له وما هي ~~الأصول فقال هي الكتاب والسنة وإجماع الأمة انتهى أي فنقول في كل ما جاءنا ~~عن ربنا أو نبينا آمنا بذلك على علم ربنا فيه ويقاس بذلك ما جاء عن علماء ~~الشريعة فنقول آمنا بكلام أئمتنا من غير بحث فيه ولا جدال فإن قلت فهل يصح ~~لأحد الآن الوصول إلى مقام أحد من الأئمة المجتهدين فالجواب نعم لأن الله ~~تعالى على كل شئ قدير ولم يرد لنا دليل على منعه ولا في نفس الأدلة الضعيفة ~~هذا ما نعتقده وندين الله تعالى به وقد قال بعضهم إن الناس الآن يصلون إلى ~~ذلك من طريق الكشف فقط لا من طريق النظر والاستدلال فإن ذلك مقام لم يدعه ~~أحد بعد الأئمة الأربعة إلا الإمام محمد بن جرير ولم يسلموا له ذلك كما مر ~~وجميع من ادعى الاجتهاد المطلق إنما مراده المطلق المنتسب الذي لا يخرج عن ~~قواعد إمامه كابن القاسم واصبغ مع مالك وكمحمد وأبي يوسف مع أبي حنيفة ~~وكالمزني والربيع مع الشافعي إذ ليس في قوة أحد بعد الأئمة الأربعة أن ~~يبتكر الأحكام ويستخرجها من الكتاب والسنة فيما نعلم أبدا ومن ادعى ذلك ms068 ~~قلنا له فاستخرج لنا شيئا لم يسبق لأحد من الأئمة استخراجه فإنه يعجز ~~فليتأمل ذلك مع ما قدمناه آنفا من سعة قدرة الله تعالى لا سيما والقرآن لا ~~تنقضي عجائبه ولا أحكامه في نفس الأمر فاعلم ذلك والحمد لله رب العالمين ~~PageV00P042 # * (فصل) * ومما يؤيد هذه الميزان عدم إنكار أكابر العلماء في كل عصر على ~~من انتقل من مذهب إلى مذهب إلا من حيثما يتبادر إلى الأذهان من توهم الطعن ~~في ذلك الإمام الذي خرج من مذهبه لا غير بدليل تقريرهم لذلك المنتقل على ~~المذهب الذي انتقل إليه إذ المذاهب كلها عندهم طريق إلى الجنة كما سيأتي ~~بيانه أواخر الأمثلة المحسوسة إن شاء الله تعالى فكل من سلك طريقا منها ~~أوصلته إلى السعادة والجنة وكان الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى يقول ~~ولم يبلغنا عن أحد من الأئمة أنه أمر أصحابه بالتزام مذهب معين لا يرى صحة ~~خلافه بل المنقول عنهم تقريرهم الناس على العمل بفتوى بعضهم بعضا لأنهم ~~كلهم على هدى من ربهم وكان يقول أيضا لم يبلغنا في حديث صحيح ولا ضعيف أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أحدا من الأمة بالتزام مذهب معين لا يرى ~~خلافه وما ذلك إلا لأن كل مجتهد مصيب انتهى ونقل القرافي الاجماع من ~~الصحابة رضي الله عنهم على أن من استفتى أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ~~وقلدهما فله بعد ذلك أن يستفتي غيرهما من الصحابة ويعمل به من غير نكير ~~وأجمع العلماء على أن من أسلم فله أن يقلد من شاء من العلماء بغير حجة ومن ~~ادعى دفع هذين الإجماعين فعليه الدليل انتهى وكان الإمام الزناتي من أئمة ~~المالكية يقول يجوز تقليد كل من أهل المذاهب في النوازل وكذلك يجوز ~~الانتقال من مذهب إلى مذهب لكن بثلاثة شروط الأول أن لا يجمع بينهما على ~~وجه يخالف الاجماع كمن تزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود فإن هذه الصورة لم ~~يقل بها أحد الثاني أن يعتقد في من يقلده الفضل ms069 ببلوغ أخباره إليه الثالث ~~أن لا يقلد وهو في عماية من دينه كان يقلد في الرخصة من غير شرطها انتهى ~~وقال القرافي يجوز الانتقال من جميع المذاهب إلى بعضها بعضا في كل ما لا ~~ينتقض فيه حكم حاكم وذلك في أربعة مواضع أن يخالف الاجماع أو النص أو ~~القياس الجلي أو القواعد انتهى قال الشيخ جلال الدين السيوطي رحمه الله ~~تعالى وممن بلغنا أنه انتقل من مذهب إلى آخر من غير نكير عليه من علماء ~~عصره الشيخ عبد العزيز بن عمران الخزاعي كان من أكابر المالكية فلما قدم ~~الإمام الشافعي بغداد تبعه وقرأ عليه كتبه ونشر علمه ومنهم محمد بن عبد ~~الله بن عبد الحكم كان على مذهب الإمام مالك فلما قدم الإمام الشافعي إلى ~~مصر انتقل إلى مذهبه وصار يحث الناس على اتباعه ويقول يا إخواني هذا ليس ~~بمذهب إنما هو شريعة كله وكان الإمام الشافعي يقول له سترجع إلى مذهب أبيك ~~فلما مات الإمام الشافعي رجع كما قال الشافعي وكان يظن أن الإمام يستخلفه ~~على حلقة درسه بعده فلما استخلف البويطي رجع ابن عبد الحكم وصحت فراسة ~~الشافعي رضي الله تعالى عنه ومنهم إبراهيم بن خالد البغدادي كان حنفيا فلما ~~قدم الشافعي بغداد ترك مذهبه واتبعه ومنهم أبو ثور كان له مذهب فتركه واتبع ~~الشافعي ومنهم أبو جعفر بن نصر الترمذي رأس الشافعية بالعراق كان أولا ~~حنفيا فلما حج رأى ما يقتضي انتقاله لمذهب الشافعي فتفقه على الربيع وغيره ~~من أصحاب الشافعي ومنهم أبو جعفر الطحاوي كان شافعيا وتفقه على خاله المزني ~~ثم تحول حنفيا بعد ذلك ومنهم الخطيب البغدادي الحافظ كان حنبليا ثم عمل ~~شافعيا ومنهم ابن فارس صاحب كتاب المجمل في اللغة كان شافعيا تبعا لوالده ~~ثم انتقل إلى مذهب PageV00P043 # مالك ومنهم السيف الآمدي الأصولي المشهور كان حنبليا ثم انتقل إلى مذهب ~~الشافعي ومنهم الشيخ نجم الدين بن خلف المقدسي كان حنبليا ثم تفقه على ~~الشيخ موفق الدين ودرس في مدرسة أبي عمرو ثم تحول شافعيا ms070 وارتفع شأنه ومنهم ~~الشيخ محمد بن الدهان النحوي كان حنبليا انتقل إلى مذهب الشافعي ثم تحول ~~حنفيا حين طلب الخليفة نحويا يعلم ولده النحو ثم إنه تحول شافعيا حين شغرت ~~وظيفة تدريس النحو بالنظامية لما شرط صاحبها أن لا ينزل فيها إلا شافعي ~~المذهب ولم يكن هناك أحد أعلم منه بالفقه والنحو ومنهم الشيخ تقي الدين بن ~~دقيق العيد كان أولا مالكيا تبعا لوالده ثم تحول إلى مذهب الشافعي ومنهم ~~شيخ الإسلام كمال الدين بن يوسف الدمشقي كان حنبليا ثم انتقل إلى مذهب ~~الإمام الشافعي ومنهم الإمام أبو حيان كان أولا على مذهب أهل الظاهر ثم عمل ~~شافعيا انتهى كلام الجلال السيوطي رحمه الله تعالى وقال صاحب جامع الفتاوي ~~من الحنفية يجوز للحنفي أن ينتقل إلى مذهب الشافعي وبالعكس لكن بالكلية أما ~~في مسألة واحدة فلا يمكن كما لو خرج دم من بدن حنفي وسال فلا يجوز له أن ~~يصلي قبل أن يغسله اقتداء بمذهب الشافعي في هذه المسألة فإن صلى بطلت صلاته ~~وقال بعضهم ليس لعامي أن يتحول من مذهب إلى مذهب حنفيا كان أو شافعيا ~~والمشهور غيره كما سيأتي وقال بعضهم يجوز للشافعي أن يتحول حنفيا ولا عكس ~~قال السيوطي وهذه دعوى لا برهان عليها وقد أدركنا علماءنا وهم لا يبالغون ~~في النكير على من كان مالكيا ثم عمل حنفيا أو شافعيا ثم تحول بعد ذلك ~~حنبليا ثم رجع بعد ذلك إلى مذهب مالك وإنما يظهرون النكير على المنتقل ~~لإيهامه التلاعب بالمذاهب وجزم الرافعي بجواز ذلك وتبعه النووي وعبارة ~~الروضة إذا دونت المذاهب فهل يجوز للمقلد أن ينتقل من مذهب إلى مذهب آخر إن ~~قلنا يلزمه الاجتهاد في طلب الأعلم وغلب على ظنه إن الثاني أعلم فينبغي أن ~~يجوز بل يجب وإن خيرناه فينبغي أن يجوز أيضا كما لو قلد في القبلة هذا ~~أياما وهذا أياما انتهى كلام الروضة فلولا أن علماء السلف رأوا أنه ليس ~~بذلك بأس ما أقروا من انتقل من مذهب إلى غيره ولولا علمهم ms071 بأن الشريعة تشمل ~~المذاهب كلها وتعمها لأنكروا عليه أشد النكير ثم لا يخلو أمر السلف من ~~أمرين إما أن يكونوا قد اطلعوا على عين الشريعة ورأوا اتصال جميع المذاهب ~~بها أو سكتوا على ذلك إيمانا بصحة كلام الأئمة وتسليما لهم وإن قال أحد من ~~المالكية اليوم بئس ما صنع من ينتقل من مذهبه إلى غيره قلنا له بل بئس ما ~~قلت أنت لأن إمام مذهبك الشيخ جمال الدين بن الحاجب رحمه الله تعالى ~~والإمام القرافي رحمه الله تعالى جوزا ذلك فقولك هذا تعصب محض فإن الأئمة ~~كلهم في الحق سواء فليس مذهب أولى بالشريعة من مذهب وقد سئل الجلال السيوطي ~~رحمه الله تعالى عن حنفي يقول يجوز للإنسان أن يتحول حنفيا ولا يجوز للحنفي ~~أن يتحول شافعيا أو مالكيا أو حنبليا فقال قد تقدم أننا قلنا إن هذا تحكم ~~من قائله لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولم يرد لنا في حديث صحيح ولا ضعيف ~~تمييز أحد من أئمة المذاهب على غيره على التعيين والاستدلال بتقديم زمن أبي ~~حنيفة رضي الله عنه لا ينتهض حجة ولو صح لوجب تقليده على كل حال ولم يجر ~~تقليد غيره البتة وهو خلاف الاجماع وخلاف ما رواه البيهقي في كتاب ~~PageV00P044 # المدخل عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به واجب لا عذر لأحد في تركه فإن لم يكن ~~في كتاب الله فسنة لي ماضية فإن لم يكن في سنة لي فما قال أصحابي لأن ~~أصحابي كالنجوم في السماء فأيما أخذتم به فقد اهتديتم واختلاف أصحابي لكم ~~رحمة انتهى قال الجلال السيوطي ثم إنه يلزم من تخصيص تحريم الانتقال بمذهب ~~الإمام أبي حنيفة طرد ذلك في بقية المذاهب فيقال بتحريم الانتقال من مذهب ~~المتقدم بالزمن إلى مذهب المتأخر كالشافعي يتحول مالكيا والحنبلي يتحول ~~شافعيا دون العكس وكل قول لا دليل عليه فهو مردود على صاحبه قال صلى الله ~~عليه وسلم كل ms072 عمل ليس عليه أمرنا فهو رد انتهى * ورأيت فتوى أخرى له مطولة ~~قد حث فيها على اعتقاد إن سائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم وإن تفاوتوا ~~في العلم والفضل ولا يجوز لأحد التفضيل الذي يؤدي إلى نقص في غير إمامه ~~قياسا على ما ورد في تفضيل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقد حرم العلماء ~~التفضيل المؤدي إلى نقص نبي أو احتقاره لا سيما إن أدى ذلك إلى خصام ووقيعة ~~في الأعراض وقد وقع الاختلاف بين الصحابة في الفروع وهم خير الأمة وما ~~بلغنا أن أحدا منهم خاصم من قال بخلاف قوله ولا عاداه ولا نسبه إلى خطأ ولا ~~قصور نظر وفي الحديث اختلاف أمتي رحمة وكان الاختلاف على من قبلنا عذابا أو ~~قال هلاكا انتهى ومعنى رحمة أي توسعة على الأمة ولو كان أحد من الأئمة ~~مخطئا في نفس الأمر لما كان اختلافهم رحمة قال وقد استنبطت من حديث أصحابي ~~كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم إننا إذا اقتدينا بأي إمام كان اهتدينا لأنه ~~صلى الله عليه وسلم خيرنا في الأخذ بقول من شئنا منهم من غير تعيين وما ذلك ~~إلا لكونهم كلهم على هدى من ربهم ولو كان المصيب من المجتهدين واحدا ~~والباقي مخطئا لكانت الهداية لا تحصل لمن قلد الباقين وكان محمد بن حزم ~~يقول في حديث إذا اجتهد الحاكم وأخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران إن المراد ~~بالخطأ هنا عدم مصادفة الدليل كما تقدم لا الخطأ الذي يخرج صاحبه عن ~~الشريعة إذ لو خرج به عن الشريعة لم يحصل له به أجرا انتهى * وقد دخل هارون ~~الرشيد على الإمام مالك رضي الله عنه فقال له دعني أبا عبد الله أفرق هذه ~~الكتب التي ألفتها وانشرها في بلاد الإسلام واحمل عليها الأمة فقال له يا ~~أمير المؤمنين إن اختلاف العلماء رحمة من الله على هذه الأمة فكل يتبع ما ~~صح دليله عنده وكل على هدى وكل يريد الله وكان الإمام مالك يقول كثيرا ما ~~شاورني هارون الرشيد أن يعلق ms073 كتاب الموطأ في الكعبة ويحمل الناس على ما فيه ~~فقلت له لا تفعل لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في الفروع ~~وتفرقوا في البلاد وكل مصيب فقال زادك الله توفيقا يا أبا عبد الله انتهى ~~فانظر يا أخي إن كنت مالكيا إلى قول إمامك وكل مصيب وسمعت شيخنا شيخ ~~الإسلام زكريا رحمه الله تعالى يقول لما حج المنصور قال للإمام مالك إني ~~عزمت على أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها فتنسخ ثم أبعث بها إلى كل مصر من ~~أمصار المسلمين وآمرهم أن يعملوا بما فيها ولا يتعدوه إلى غيره فقال الإمام ~~مالك رحمه الله تعالى لا تفعل ذلك يا أمير المؤمنين فإن الناس قد سبقت ~~إليهم أقاويل وسمعوا أحاديث ورووا روايات وأخذ كل قوم بما سبق إليهم ودانوا ~~إلى الله تعالى به فدع PageV00P045 # الناس وما اختاروا لأنفسهم في كل بلد انتهى ورأيت بخط الشيخ جلال الدين ~~السيوطي رحمه الله تعالى ما نصه حين سئل عن الانتقال من مذهب إلى آخر الذي ~~أقول به إن للمنتقل أحوالا أحدها أن يكون الحامل له على الانتقال أمرا ~~دنيويا اقتضته الحاجة إلى الرفاهية اللائقة به كحصول وظيفة أو مرتب أو قرب ~~من الملوك وأكابر الدنيا فهذا حكمه حكم مهاجر أم قيس لأنه الأعز من مقاصده ~~الثاني أن يكون الحامل له على الانتقال أمرا دنيويا كذلك لكنه عامي لا يعرف ~~الفقه وليس له من المذهب سوى الاسم كغالب المباشرين وأركان الدولة وخدامهم ~~وخدام المدارس فمثل هذا أمره خفيف إذا انتقل عن مذهبه الذي كان يزعم أنه ~~متقيد به ولا يبلغ إلى حد التحريم لأنه إلى الآن عامي لا مذهب له فهو كمن ~~أسلم جديدا له التمذهب بأي مذهب شاء من مذاهب الأئمة الثالث أن يكون الحامل ~~له أمرا دنيويا كذلك ولكنه من القدر الزائد عادة على ما يليق بحاله وهو ~~فقيه في مذهبه وأراد الانتقال لغرض الدنيا الذي هو من شهوات نفسه المذمومة ~~فهذا أمره أشد وربما وصل إلى حد التحريم لتلاعبه ms074 بالأحكام الشرعية لمجرد ~~غرض الدنيا مع عدم اعتقاده في صاحب المذهب الأول إنه على كمال هدى من ربه ~~إذ لو اعتقد أنه على كمال هدى ما انتقل عن مذهبه الرابع أن يكون انتقاله ~~لغرض ديني ولكنه كان فقيها في مذهبه وإنما انتقل لترجيح المذهب الآخر عنده ~~لما رآه من وضوح أدلته وقوة مداركه فهذا إما يجب عليه الانتقال أو يجوز له ~~كما قاله الرافعي وقد أقر العلماء من انتقل إلى مذهب الشافعي حين قدم مصر ~~وكانوا خلقا كثيرا مقلدين للإمام مالك الخامس أن يكون انتقاله لغرض ديني ~~لكنه كان عاريا من الفقه وقد اشتغل بمذهبه فلم يحصل منه على شئ ووجد مذهب ~~غيره أسهل عليه بحيث يرجو سرعة إدراكه والتفقه فيه فهذا يجب عليه الانتقال ~~قطعا ويحرم عليه التخلف لأن تفقه مثله على مذهب إمام من الأئمة الأربعة خير ~~من الاستمرار على الجهل لأنه ليس له من التمذهب سوى الاسم والإقامة على ~~الجهل نقص عظيم في المؤمن وقل إن تصح معه عبادة قال الجلال السيوطي وأظن أن ~~هذا هو السبب في تحول الطحاوي حنفيا بعد إن كان شافعيا فإنه كان يقرأ على ~~خاله الإمام المزني فتعسر يوما عليه الفهم فحلف المزني إنه لا يجئ منه شئ ~~فانتقل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة ففتح الله تعالى عليه وصنف كتابا عظيما ~~شرح فيه المعاني والآثار وكان يقول لو عاش خالي ورآني اليوم لكفر عن يمينه ~~انتهى السادس أن يكون انتقاله لا لغرض ديني ولا دنيوي بأن كان مجردا عن ~~القصدين جميعا فهذا يجوز مثله للعامي إما الفقيه فيكره له أو يمنع منه لأنه ~~قد حصل فقه ذلك المذهب الأول ويحتاج إلى زمن آخر ليحصل فيه فقه المذهب ~~الآخر فيشغله ذلك عن الأمر الذي هو العمل بما تعلمه قبل ذلك وقد يموت قبل ~~تحصيل مقصوده من المذهب الآخر فالأولى لمثل هذا ترك ذلك انتهى كلام الجلال ~~السيوطي رحمه الله تعالى فقد بان لك يا أخي من جميع ما قررناه في هذا الفصل ~~من ms075 عدم إنكار أهل الأعصار على من انتقل من مذهب إلى آخر أنهم كانوا يرون ~~الشريعة واسعة وأن جميع الأئمة على هدى من ربهم وقد أجمع أهل الكشف على ذلك ~~ولا يصح أن يجتمع مثلهم على ضلالة وقالوا كل قول من أقوال علماء ~~PageV00P046 # هذه الأمة موافق للشريعة في نفس الأمر وإن لم يظهر لبعض المقلدة ذلك كما ~~أن كل قول من أقوال علماء هذه الشريعة موافق لشريعة نبي ممن تقدم وأن من ~~علم بما اتفق عليه العلماء كلهم فكأنه عمل بغالب شرائع الأنبياء وربما كان ~~له من الأجر كأجر جميع اتباع الأنبياء كلهم إكراما لأمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه الله تعالى يقول كل من نور الله تعالى ~~قلبه علم أن سكوت العلماء على من انتقل من مذهب إلى آخر إنما هو لعلمهم بأن ~~الشريعة تعمهم كلهم وتشملهم فيحمل قول من رجح قول إمامه على غيره على أنه ~~لم يبلغ إلى مقام الكمال حال قوله ذلك وقد قدمنا في إيضاح الميزان وجوب ~~اعتقاد الترجيح على كل من لم يصل إلى الإشراف على العين الأولى من الشريعة ~~وبه صرح إمام الحرمين وابن السمعاني والغزالي والكيا الهراسي وغيرهم وقالوا ~~لتلامذتهم يجب عليكم التقيد بمذهب إمامكم الشافعي ولا عذر لكم عند الله ~~تعالى في العدول عنه انتهى ولا خصوصية للإمام الشافعي في ذلك عند كل من سلم ~~من التعصب بل كل مقلد من مقلدي الأئمة يجب عليه اعتقاد ذلك في إمامه ما دام ~~له يصل إلى شهود عين الشريعة الأولى وأما قوله صلى الله عليه وسلم الأئمة ~~من قريش فيحتمل أن يكون مراده الخلافة ويحتمل أن يكون مراده إمامة الدين ~~وإذا تطرق الاحتمال سقط الاستدلال وقد فتش العلماء فوجدوا غالب الأئمة ~~المجتهدين من الموالي كالإمام أبي حنيفة والإمام مالك فإنه من بني أصبح ~~والنخعي من النخع وهم قوم من اليمن لا من قريش ومحمد بن الحسن والإمام أحمد ~~شيبانيين وهما من ربيعة لا من قريش ولا من مضر والثوري ms076 من بني ثورين عمرو ~~بن أد وكذلك مكحول والأوزاعي من الموالي وأضرابهم والحمد لله رب العالمين * ~~(فصل) * في بيان استحالة خروج شئ من أقوال المجتهدين عن الشريعة وذلك لأنهم ~~بنوا قواعد مذاهبهم على الحقيقة التي هي أعلى مرتبتي الشريعة كما بنوها على ~~ظاهر الشريعة على حد سواء وإنهم كانوا عالمين بالحقيقة أيضا خلاف ما يظنه ~~بعض المقلدين فيهم فكيف يصح خروج شئ من أقوالهم عن الشريعة ومن نازعنا في ~~ذلك فهو جاهل بمقام الأئمة فوالله كانوا علماء بالحقيقة والشريعة معا وإن ~~في قدرة كل واحد منهم أن ينشر الأدلة الشرعية على مذهبه ومذهب غيره بحكم ~~مرتبتي هذه الميزان فلا يحتاج أحد بعده إلى النظر في أقوال مذهب آخر لكنهم ~~رضي الله عنهم كانوا أهل إنصاف وأهل كشف فكانوا يعرفون أن الأمر يستقر في ~~علم الله تعالى على عدة مذاهب مخصوصة لا على مذهب واحد فأبقى كل واحد لمن ~~بعده عدة مسائل عرف من طريق كشفه أنها تكون من جملة مذهب غيره فترك الأخذ ~~بها من باب الإنصاف والاتباع لما أطلعهم الله تعالى عليه من طريق كشفهم أنه ~~مراد له تعالى لا من باب الايثار بالقرب الشرعية والرغبة عن السنة كما اطلع ~~الأولياء على قسمة الأرزاق المحسوسة لكل إنسان فانظر يا أخي في أقوال أئمة ~~المذاهب تجد أحدهم إن خفف في مسألة شدد في مسألة أخرى وبالعكس كما سيأتي ~~بسطه في توجيه أقوالهم في أبواب الفقه إن شاء الله تعالى وسمعت سيدي عليا ~~الخواص رحمه الله تعالى يقول إنما أيد أئمة المذاهب مذاهبهم بالمشي على ~~قواعد الحقيقة مع الشريعة إعلاما لأتباعهم PageV00P047 # بأنهم كانوا علماء بالطريقين وكان يقول لا يصح خروج قول من أقوال الأئمة ~~المجتهدين عن الشريعة أبدا عند أهل الكشف قاطبة وكيف يصح خروجهم عن الشريعة ~~مع اطلاعهم على مواد أقوالهم من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة ومع الكشف ~~الصحيح ومع اجتماع روح أحدهم بروح رسول الله صلى الله عليه وسلم وسؤالهم عن ~~كل شئ يوقفوا فيه من الأدلة هل هذا ms077 من قولك يا رسول الله أم لا يقظة ~~ومشافهة بالشروط المعروفة بين أهل الكشف وكذلك كانوا يسألونه صلى الله عليه ~~وسلم عن كل شئ فهموه من الكتاب والسنة قبل أن يدونوه في كتبهم ويدينوا الله ~~تعالى به ويقولون يا رسول الله قد فهمنا كذا من آية كذا وفهمنا كذا من قولك ~~في الحديث الفلاني كذا فهل ترتضيه أم لا ويعملون بمقتضى قوله وإشارته ومن ~~توقف فيما ذكرناه من كشف الأئمة المجتهدين ومن اجتماعهم برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من حيث الأرواح قلنا له هذا من جملة كرامات الأولياء بيقين ~~وإن لم تكن الأئمة المجتهدون أولياء فما على وجه الأرض ولي أبدا وقد اشتهر ~~عن كثير من الأولياء الذين هم دون الأئمة المجتهدين في المقام بيقين أنهم ~~كانوا يجتمعون برسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ويصدقهم أهل عصرهم على ~~ذلك كسيدي الشيخ عبد الرحيم القناوي وسيدي الشيخ أبي مدين المغربي وسيدي ~~أبي السعود بن أبي العشاير وسيدي الشيخ إبراهيم الدسوقي وسيدي الشيخ أبي ~~الحسن الشاذلي وسيدي الشيخ أبي العباس المرسي وسيدي الشيخ إبراهيم المتبولي ~~وسيدي الشيخ جلال الدين السيوطي وسيدي الشيخ أحمد الزواوي البحيري وجماعة ~~ذكرناهم في كتاب طبقات الأولياء ورأيت ورقة بخط الشيخ جلال الدين السيوطي ~~عن أحد أصحابه وهو الشيخ عبد القادر الشاذلي مراسلة لشخص سأله في شفاعة عند ~~السلطان قايتباي رحمه الله تعالى اعلم يا أخي أنني قد اجتمعت برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى وقتي هذا خمسا وسبعين مرة يقظة ومشافهة ولولا خوفي ~~من احتجابه صلى الله عليه وسلم عني بسبب دخولي للولاة لطلعت القلعة وشفعت ~~فيك عند السلطان وإني رجل من خدام حديثه صلى الله عليه وسلم وأحتاج إليه في ~~تصحيح الأحاديث التي ضعفها المحدثون من طريقهم ولا شك أن نفع ذلك أرجح من ~~نفعك أنت يا أخي انتهى ويؤيد الشيخ جلال الدين في ذلك ما اشتهر عن سيدي ~~محمد بن زين المادح لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنه كان يرى رسول ms078 الله ~~صلى الله عليه وسلم يقظة ومشافهة ولما حج كلمه من داخل القبر ولم يزل هذا ~~مقامه حتى طلب منه شخص من النحرارية أن يشفع له عند حاكم البلد فلما دخل ~~عليه أجلسه على بساطه فانقطعت عنه الرؤية فلم يزل يتطلب من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الرؤية حتى قرأ له شعرا فتراءى له من بعيد فقال تطلب رؤيتي ~~مع جلوسك على بساط الظلمة لا سبيل لك إلى ذلك فلم يبلغنا أنه رآه بعد ذلك ~~حتى مات انتهى وقد بلغنا عن الشيخ أبي الحسن الشاذلي وتلميذه الشيخ أبي ~~العباس المرسي وغيرهما أنهم كانوا يقولون لو احتجبت عنا رؤية رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم طرفة عين ما أعددنا أنفسنا من جملة المسلمين فإذا كان هذا ~~قول آحاد الأولياء فالأئمة المجتهدون أولى بهذا المقام وكان سيدي على ~~الخواص رحمه الله تعالى يقول لا ينبغي لمقلد أن يتوقف في العمل بقول من ~~أقوال أئمة المذاهب ويطالبهم PageV00P048 # بالدليل على ذلك لأنه سوء أدب في حقهم وكيف ينبغي التوقف عن العمل بأقوال ~~قد بنيت على أصل صحيح الأحاديث وعلى الكشف الصحيح الذي لا يخالف الشريعة ~~أبدا فإن علم الكشف أخبار بالأمور على ما هي عليه في نفسها وهذا إذا حققته ~~وجدته لا يخالف الشريعة في شئ بل هو الشريعة بعينها فإن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يخبر إلا بالواقع لعصمته من الباطل والظن انتهى وسيأتي بيان ~~ذلك قريبا إن شاء الله تعالى وسمعت سيدي عليا المرصفي رحمه الله يقول مرارا ~~كان أئمة المذاهب رضي الله عنهم وارثين لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~علم الأحوال وعلم الأقوال معا خلاف ما يتوهمه بعض المتصوفة حيث قال إن ~~المجتهدين لم يرثوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علم القال فقط حتى ~~أن بعضهم قال جميع ما علمه المجتهدون كلهم ربع علم رجل كامل عندنا في ~~الطريق إذ الرجل لا يكمل عندنا حتى يتحقق في مقام ولايته بعلوم الحضرات ~~الأربع في ms079 قوله تعالى هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهؤلاء المجتهدون لم ~~يتحققوا بسوى علم حضرة اسمه الظاهر فقط لا علم لهم بعلوم حضرة الأزل ولا ~~الأبد ولا يعلم الحقيقة انتهى قلت وهذا كلام جاهل بأحوال الأئمة الذين هم ~~أوتاد الأرض وقواعد الدين والله أعلم وسمعت سيدي عليا الخواص أيضا يقول كل ~~من نور الله تعالى قلبه وجد مذاهب المجتهدين وأتباعهم كلها تتصل برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من طريق السند الظاهر بالعنعنة ومن طريق إمداد قلبه صلى ~~الله عليه وسلم لجميع قلوب علماء أمته فما اتقد مصباح عالم إلا من مشكاة ~~نور قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فافهم وسمعته يقول مرة أخرى ما من ~~قول من أقوال المجتهدين ومقلديهم إلا وينتهي سنده برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم بجبريل ثم بحضرة الله عز وجل التي تجل عن التكييف من طريق السند ~~الظاهر والسند الباطن الذي هو علم الحقيقة المؤيدة بالعصمة فمن نقل علمها ~~على الحقيقة لم يصح منه خطأ في قول من أقواله وإنما يقع الخطأ في طريق ~~الأخذ عنها فقط فكما يقال إن جميع ما رواه المحدثون بالسند الصحيح المتصل ~~ينتهي سنده إلى حضرة الحق جل وعلا فكذلك يقال فيما نقله أهل الكشف الصحيح ~~من علم الحقيقة وذلك لأن جميع مصابيح علماء الظاهر والباطن قد اتقدت من نور ~~الشريعة فما من قول من أقوال المجتهدين ومقلديهم إلا وهو مؤيد بأقوال أهل ~~الحقيقة لا شك عندنا في ذلك انتهى وهذا سبب تأييدي لكلام أئمة الشريعة ~~بتوجيهي لكلامهم بكلام أهل الحقيقة في كل مسألة من باب الطهارة إلى آخر ~~أبواب الفقه كما سيأتي بيانه فيها إن شاء الله تعالى ولا أعلم أحد سبقني ~~إلى التزام ذلك في كتاب كل ذلك تقوية لقلوب الطلبة من مقلدي المذاهب ~~ليعملوا بكلام أئمتهم على يقين وبيان إذا رأوا الحقيقة تؤيد الشريعة ~~المستنبطة وعكسه انتهى وسمعت أخي الشيخ أفضل الدين وقد جادله فقيه في مسألة ~~يقول والله ما بنى أحد من أئمة المذاهب ms080 مذهبه إلا على قواعد الحقيقة ~~المؤيدة بالكشف الصحيح ومعلوم أن الشريعة لا تخالف الحقيقة أبدا وإنما ~~تتخلف الحقيقة عن الشريعة في مثل حكم الحاكم بشهادة شهود الزور الذين اعتقد ~~الحاكم عدالتهم فقط فلو كانوا شهود عدالة ما تخلفت الحقيقة عن الشريعة فكل ~~حقيقة شريعة وعكسه وإيضاح ذلك أن الشارع أمرنا PageV00P049 # بإجراء أحوال الناس على الظاهر ونهانا عن أن ننقب وننظر ما في قلوبهم ~~رحمة بهذه الأمة كما قال تعال سبقت رحمتي غضبي ولا تسبق الرحمة الغضب إلا ~~بكثرة وقوع الناس في المعاصي والزور وزيادة ذلك على الطاعات والصدق فافهم ~~وعلى هذا الذي قررناه يكون إجراء أحكام الناس على الظاهر من الشرع المقرر ~~بتقرير الشارع ونظير ذلك أيضا اكتفاؤنا من المكلف بفعل التكاليف ظاهرا وقد ~~يكون في باطنه زنديقا على خلاف ما أظهره لنا وإن كان مراد الشارع بشريعته ~~حقيقة إنما هو ما وافق فيه الظاهر الباطن فمن شهد زورا أو صلى غير مؤمن ~~فليس هو على شرع مطلقا في نفس الأمر حتى يقابل بالحقيقة إنما ذلك باطل من ~~غير الدين فإن فهمت يا أخي ما قررته لك انقدح لك الجمع بين قول من يقول إن ~~حكم الحاكم ينفذ ظاهرا وباطنا وبين من يقول إنه ينفذ ظاهرا فقط أي في ~~الدنيا دون الآخرة وقد ينتصر الحق تعالى لمنصب الشرع فينفذ حكم الحاكم ~~بشهادة الزور ظاهرا وباطنا وبه قال بعض الأئمة فيسامح شهود الزور في الآخرة ~~ويعفو عنهم ويمشي حكم الحاكم في مسألتهم كما يمشي شهادة العدول ويرضى ~~الخصوم كل ذلك فضلا منه ورحمة بعباده وسترا على فضائحهم عند بعضهم بعضا وفي ~~الحديث إن شخصا مات في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد الصحابة كلهم ~~فيه بالشر إلا أبا بكر الصديق رضي الله عنه فأوحى الله تعالى إلى رسوله صلى ~~الله عليه وسلم إن الذين شهدوا في فلان بالسوء صادقون ولكن الله تعالى أجاز ~~شهادة أبي بكر تكرمة له انتهى وذلك أن مقام الصديقية يقتضي أن لا يرى صاحبه ~~من ms081 الناس إلا محاسنهم قياسا على باطنه هو فافهم وسمعت سيدي عليا الخواص ~~رحمه الله يقول لا يكمل إيمان العبد بأن سائر أئمة المسلمين على هدى من ~~ربهم إلا أن سلك طريق القوم وأما أصحاب الحجب الكثيفة من غالب المقلدين فمن ~~لازمهم سوء الاعتقاد في غير إمامهم أو يسلمون له قوله وفي قلبهم منه حزازة ~~فإياكم أن تكلفوا أحدا من هؤلاء المحجوبين بهذا الاعتقاد الشريف إلا بعد ~~السلوك وإن شككت يا أخي في قولي هذا فاعرض عليه أقوال المذاهب وقل لكل واحد ~~عمل بقول غير إمامك فإنه لا يطيعك في ذلك وكيف يطيعك في ذلك وأنت تريد تهدم ~~قواعد مذهبه عنده بل ولو سلم لك ظاهرا لا يقدر على انشراح قلبه بذلك باطنا ~~قال وقد بلغنا إن من وراء النهر جماعة من الشافعية والحنفية يفطرون في نهار ~~رمضان ليتقووا على الجدال وادحاض بعضهم حجج بعض انتهى وقد قررنا في فصل ~~انتقال المقلدين من مذهب إلى مذهب تحقيق المناط في ذلك واعلم يا أخي أن ~~الأئمة المجتهدين ما سموا بذلك إلا لبذل أحدهم وسعه في استنباط الأحكام ~~الكامنة في الكتاب والسنة فإن الاجتهاد مشتق من الجهد والمبالغة في إتعاب ~~الفكر وكثرة النظر في الأدلة فالله تعالى يجزي جميع المجتهدين عن هذه الأمة ~~خيرا فافهم لولا استنبطوا للأمة الأحكام من الكتاب والسنة ما قدر أحد من ~~غيرهم على ذلك كما مر فإن قلت فما دليل المجتهدين في زيادتهم الأحكام التي ~~استنبطوها على صريح الكتاب والسنة وهلا كانوا وقفوا على حد ما ورد صريحا ~~فقط ولم يزيدوا على ذلك شيئا الحديث ما تركت شيئا يقربكم إلى الله ألا وقد ~~أمرتكم به ولا شيئا يبعدكم عن الله ألا وقد نهيتكم عنه فالجواب دليلهم ~~PageV00P050 # في ذلك الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم في تبيينه ما أجمل في ~~القرآن مع قوله تعالى ما فرطنا في الكتاب من شئ فإنه لولا بين لنا كيفية ~~الطهارة والصلاة والحج وغير ذلك ما اهتدى أحد من الأمة لمعرفة استخراج ذلك ms082 ~~من القرآن ولا كنا نعرف عدد ركعات الفرائض ولا النوافل ولا غير ذلك مما ~~سيأتي في الفصل الآتي عقبه إن شاء الله تعالى فكما أن الشارع بين لنا بسنته ~~ما أجمل في القرآن فكذلك الأئمة المجتهدون بينوا لنا ما أجمل في أحاديث ~~الشريعة ولولا بيانهم لنا ذلك لبقيت الشريعة على إجمالها وهكذا القول في ~~أهل كل دور بالنسبة للدور الذي قبلهم إلى يوم القيامة فإن الاجمال لم يزل ~~ساريا في كلام علماء الأمة إلى يوم القيامة ولولا ذلك ما شرحت الكتب ولا ~~عمل على الشروح حواش كما مر فافهم فإن قلت فهل ما وقع من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليلة الإسراء من المراجعة في شأن الصلاة كان اجتهادا منه أم ~~لا فالجواب كما قاله الشيخ محيي الدين كان ذلك منه اجتهادا فإن الله تعالى ~~لما فرض على أمته الخمسين صلاة نزل بها إلى موسى ولم يقل شيئا ولا اعترض ~~ولا قال هذا كثير على أمتي فلما قال له موسى إن أمتك لا تطيق ذلك وأمره ~~بالمراجعة فبقي صلى الله عليه وسلم متحيرا من حيث وفور شفقته على أمته ولا ~~سبيل له إلى رد أمر ربه فأخذ في الترجيح في أي الحالين أولى وهذا هو حقيقة ~~الاجتهاد فلما ترجح عنده أنه يراجع ربه رجع بالاجتهاد إلى ما يوافق قول ~~موسى وأمضى ذلك في أمته بإذن من ربه عز وجل فإن فهمت ما ذكرناه علمت أن في ~~تشريع الله تعالى اجتهاد المجتهدين تأنيسا له صلى الله عليه وسلم كي لا ~~يستوحش وفيه أيضا التأسي به كما أن في اجتهاده صلى الله عليه وسلم أيضا ~~تأنيسا وجبرا لقلب موسى عليه الصلاة والسلام لأنه ربما ندم إذا رجع إلى ~~نفسه وتأمل فوجد الله أرحم بعباده منه ولو أنه كان أبقى عليهم الخمسين صلاة ~~لكان يقويهم على فعلها فإنه تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها كما أن الله ~~تعالى جبر قلب موسى حين استشعر الندم على قوله بقوله تعالى ما يبدل القول ~~لدى ms083 فأفهم موسى أن مراجعة موسى كانت في محلها لكون القول كان من الحق تعالى ~~على سبيل إرادة إظهار نعمه على رسوله صلى الله عليه وسلم تشريفا له فسر ~~بذلك وعلم أن في الحضرة الإلهية ما يقبل التبديل والنسخ ومنه ما لا يقبل ~~ذلك فقد بان لك يا أخي بما قررناه منشأ اجتهاد المجتهدين وهو كلام نفيس ~~ولعلك لا تجده في كتاب والحمد لله رب العالمين * (فصل) * إن قال قائل أي ~~فائدة في تأليف هذه الميزان ومن المعلوم أن أهل جميع المذاهب يعلمون أن كل ~~من عجز عن العزيمة يجوز له العمل بالرخصة فالجواب أن ما قاله هذا القائل ~~صحيح ولكن أهل المذاهب إذا عملوا بالرخصة يعملون بها وعندهم منها حصر وضيق ~~في نفوسهم لعدم معرفتهم بتوجيهها وموافقتها للكتاب والسنة بخلاف صاحب هذه ~~الميزان فإنه يعمل بها مع انشراح القلب لمعرفته بتوجيهها وموافقتها للكتاب ~~والسنة وأين من هو على يقين من صحة عبادته ممن هو على شك فيها فاعلم ذلك ~~والله تعالى أعلم والحمد لله رب العالمين PageV00P051 # ولنشرع في ذم الرأي فنقول وبالله التوفيق * (فصل) * شريف في بيان الذم من ~~الأئمة المجتهدين للقول في دين الله تعالى بالرأي لا سيما الإمام أبو حنيفة ~~اعلم أنني إنما قدمت هذا الفصل على ما بعده من الجمع بين الأحاديث والأقوال ~~لأنبه طالب العلم على شدة تبري جميع المجتهدين من القول في دين الله بالرأي ~~ليقبل على العمل بجميع أقوال الأئمة المجتهدين بطيب نفس وانشراح صدر على ~~حكم مرتبتي الميزان فإن أقوالهم كلها لا تخرج عن مرتبتي الميزان وتخفيف ~~وتشديد وقد كان الأئمة المجتهدون كلهم يحثون أصحابهم على العمل بظاهر ~~الكتاب والسنة ويقولون إذا رأيتم كلامنا يخالف ظاهر الكتاب والسنة فاعملوا ~~بالكتاب والسنة واضربوا بكلامنا الحائط ا ه وإنما قالوا ذلك احتياطا للأمة ~~وأدبا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يزيد أحدهم في شريعته صلى الله ~~عليه وسلم شيئا لم يرده ولم يرضه وخوفا أن يكتب أحدهم من جملة الأئمة ~~المضلين إذا زاد ms084 في الشريعة شيئا مما ذكر فإن قلت فما حد القول الذي لا ~~يرضاه الله ورسوله فالجواب حده أن يخرج عن قواعد الشريعة الثابتة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فكل ما شهدت له الشريعة بالصحة وموافقة القواعد ~~فهو معدود من الشريعة وإن لم يصرح به الشارع وعبارة البيهقي في باب القضاء ~~من سننه الكبرى اعلم أن الرأي المذموم هو كل ما لا يكون مشبها بأصل قال ~~وعلى ذلك يحمل كل ما جاء في ذم الرأي ا ه‍ إذا علمت ذلك فاعلم أن الشريعة ~~منقسمة على ثلاثة أقسام الأول ما أتى به الوحي من الأحاديث مثل حديث يحرم ~~من الرضاع ما يحرم من النسب ومثل حديث لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها ~~ومثل حديث لا يحرم في الرضاعة المصة ولا المصتان ومثل حديث الدية على ~~العاقلة وما جرى مجرى ذلك من الأصول الثابتة في الشريعة فإنه كالقرآن من ~~حيث انعقاد الاجماع على عدم مخالفته القسم الثاني ما أباح الحق تعالى لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم أن يسنه على رأيه هو على وجه الارشاد لأمته كتحريم لبس ~~الحرير على الرجال وقوله في حديث تحريم مكة إلا الإذخر حين قال له عمه ~~العباس إلا الإذخر يا رسول الله ولولا أن الله تعالى كان يحرم جميع نبات ~~الحرم لم يستثن صلى الله عليه وسلم الإذخر لما سأله عمه العباس في ذلك ونحو ~~حديث لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى ثلث الليل ونحو حديث لو قلت ~~نعم لوجبت ولم تستطيعوا في جواب هن قال له في فريضة الحج أكل عام يا رسول ~~الله قال لا ولو قلت نعم لوجبت الحديث وقد كان صلى الله عليه وسلم يخفف على ~~أمته حسب طاقته وينهاهم عن كثرة السؤال ويقول اتركوني ما تركتكم خوفا من ~~كثرة تنزل الأحكام عن سؤالهم فيعجزون عن القيام بها القسم الثالث ما جعله ~~الشارع فضيلة لأمته وتأديبا لهم فإن فعلوه حازوا الفضيلة وإن تركوه فلا حرج ~~عليهم وذلك كنهيه صلى ms085 الله عليه وسلم عن كسب الحجام وكأمره بالمسح على ~~الخفين بدلا عن غسل الرجلين وكنهيه النساء عن زيارة القبور وعن لبس الحرير ~~ومعلوم أن السنة فاضية على الكتاب ولا عكس من حيث إنها بيان لما أجمل في ~~القرآن كما أن الأئمة المجتهدين هم الذين بينوا لنا ما في السنة من الاجمال ~~كما أن أتباع المجتهدين هم المبينون لنا ما أجمل في كلام المجتهدين وهكذا ~~إلى يوم القيامة وسمعت PageV00P052 # سيدي عليا الخواص رحمه الله تعالى يقول لولا أن السنة بينت لنا ما أجمل ~~في القرآن ما قدر أحد من العلماء على استخراج أحكام المياه والطهارة ولا ~~عرف كون الصبح ركعتين والظهر والعصر والعشاء أربعا ولا كون المغرب ثلاثا ~~ولا كان يعرف أحدا ما يقال في دعاء التوجه والافتتاح ولا عرف صفة التكبير ~~ولا أذكار الركوع والسجود والاعتدالين ولا ما يقال في جلوس التشهدين ولا ~~كان يعرف كيفية صلاة العيدين والكسوفين ولا غيرهما من الصلوات كصلاة ~~الجنازة والاستسقاء ولا كان يعرف أنصبة الزكاة ولا أركان الصيام والحج ~~والبيع والنكاح والجراح والأقضية وسائر أبواب الفقه وقد قال رجل لعمران بن ~~حصين لا تتحد معنا إلا بالقرآن فقاله له عمران إنك لأحمق هل في القرآن بيان ~~عدد ركعات الفرائض أو اجهروا في كذا دون كذا فقال الرجل لا فأفحمه عمران ا ~~ه‍ وروى البيهقي أيضا في باب صلاة المسافر من سننه عن عمر رضي الله عنه أنه ~~سئل عن قصر الصلاة في السفر وقيل له إنا لنجد في الكتاب العزيز صلاة الخوف ~~ولا نجد صلاة السفر فقال للسائل يا ابن أخي أن الله تعالى أرسل إلينا محمدا ~~صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئا وإنما نفعل ما رأينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يفعله قصر الصلاة في السفر سنة سنها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ا ه‍ فتأمل ذلك فإنه نفيس * (فصول) * في بيان ما ورد في ذم الرأي عن ~~الشارع وعن أصحابه والتابعين وتابع التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ~~وروينا ms086 في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عليكم بسنتي وسنة ~~الخلفاء من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدث ~~بدعة وكل بدعة ضلالة وكان صلى الله عليه وسلم يقول كل عمل ليس عليه أمرنا ~~فهو رد وروى البخاري عن ابن مسعود أوائل كتاب الفرائض من صحيحه أنه قال ~~تعلموا العلم قبل الظانين أي الذين يتكلمون في دين الله بالظن والرأي فانظر ~~كيف نفى عبد الله بن مسعود العلم عن المتكلمين في دين الله بالرأي وروى ~~الترمذي بإسناد حسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي هريرة إن ~~أردت أن لأتوقف على الصراط طرفة عين فلا تحدث في دين الله شيئا برأيك ا ه‍ ~~وكان عبد الله بن عباس ومجاهد وعطاء وغيرهم يخافون من دخول الرأي في ~~أقوالهم أشد الخوف حتى أن عبد الله بن عباس ومحمد بن سيرين كانا إذا وقع ~~أحد في عرضهما وسألهما أن يحللاه قالا له إن الله تعالى قد حرم أعراض ~~المؤمنين فلا نحلها ولكن غفر الله لك يا أخي قال بعض العارفين وهو من دقيق ~~الورع ذو عجب في التصريف وإيضاح ذلك أن الغيبة وكل ذنب يقع فيه العبد له ~~وجهان وجه يتعلق بالله تعالى من حيث تعلق حدوده ولا مدخل للعبد فيه ووجه ~~يتعلق بالعبد يؤاخذ الله تعالى به الخصم إذا وقعت المشاححة في الآخرة من ~~العبد ا ه‍ وروى البيهقي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول لا يقلدن رجل ~~رجلا في دينه فإن آمن آمن وإن كفر كفر يعني في نفس الأمر وانظروا في دينكم ~~وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا أفتى الناس يقول هذا رأى عمر فإن كان ~~صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمن عمر وروى البيهقي عن مجاهد وعطاء إنهما ~~كانا يقولان ما من أحد إلا ومأخوذ من كلامه ومردود عليه PageV00P053 # إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت وكذلك كان مالك بن أنس رحمه الله ~~تعالى يقول ms087 كما سيأتي في الفصل الذي بعده إن شاء الله تعالى وكان عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه يقول سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن ~~فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله عز وجل قال الخطابي وأصحاب السنن هم حفاظ ~~الحديث والمطلعون عليه كالأئمة المجتهدين وكمل أتباعهم فإنهم هم الذين ~~يفهمون ما تضمنته السنن من الأحكام وسمع الإمام أحمد بن أبي إسحاق السبيعي ~~قائلا يقول إلى متى حديث اشتغلوا بالعلم فقال له الإمام أحمد قم يا كافر لا ~~تدخل علينا أنت بعد اليوم ثم إنه التفت إلى أصحابه به وقال ما قلت أبدا إلا ~~حسد من الناس لا تدخل داري غير هذا الفاسق ا ه‍ فانظر يا أخي كيف وقع من ~~الإمام هذا الزجر العظيم لمن قال إلى متى حديث اشتغلوا بالعلم فكانوا رضي ~~الله عنهم لا يتجرأ أحد منهم أن يخرج عن السنة قيد شبر بل بلغنا إن مغنيا ~~كان يغني للخليفة فقيل له إن مالك بن أنس يقول بتحريم الغناء فقال المغني ~~وهل لمالك وأمثاله أن يحرم في دين ابن عبد المطلب والله يا أمير المؤمنين ~~ما كان التحريم لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بوحي من ربه عز وجل وقد ~~قال تعالى لتحكم بين الناس بما أراك الله لم يقل بما رأيت يا محمد فلو كان ~~الدين بالرأي لكان رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحتاج إلى وحي وكان ~~الحق تعالى أمره أن يعمل به بل عاتبه الله تعالى حين حرم على نفسه ما حرم ~~في قصة مارية وقال يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك الآية ا ه‍ فإذا ~~كان هذا كلام المغني في ذلك الزمان في الإمام مالك فكيف كلام غيره من ~~العلماء العاملين في ذلك الزمان وتقييدهم بالكتاب والسنة وما ذكرت لك يا ~~أخي هذه الحكاية عن المغني إلا لأبين لك عدم تجرئ أحد من السلف على الكلام ~~في دين الله بالرأي لتأخذ كلام المجتهدين بالإيمان والتصديق ولو لم تعرف ms088 من ~~أين أخذوه واستنبطوه من الكتاب أو السنة ونعتقد أن الإمام مالكا لولا رأى ~~في السنة ما يشهد لتحريم الغناء وسماعه ما أفتى به وكان الإمام حمدان بن ~~سهل رضي الله عنه يقول لو كنت قاضيا لحبست كلا من هذين الرجلين من يطلب ~~الحديث ولا يطلب الفقه أو يطلب الفقه ولا يطلب الحديث ويقول انظروا إلى ~~الأئمة المجتهدين كيف طلبوا الحديث مع الفقه ولم يكتفوا بأحدهما وكان ~~الإمام جعفر الصادق رحمه الله تعالى يقول من أعظم فتنة تكون على الأمة قوم ~~يقيسون في الأمور برأيهم فيحرمون ما أحل الله ويحلون ما حرم الله ا ه‍ وكان ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول والذي نفس عمر بيده ما قبض الله تعالى روح ~~نبيه صلى الله عليه وسلم ولا رفع الوحي عنه حتى أغني أمته كلهم عن الرأي ~~وكان الشعبي يقول سيجئ قوم يقيسون الأمور برأيهم فينهدم الإسلام بذلك ~~وينثلم وكان وكيع رحمه الله تعالى يقول عليكم باتباع الأئمة المجتهدين ~~والمحدثين فإنهم يكتبون ما لهم وما عليهم بخلاف أهل الأهواء والرأي فإنهم ~~لا يكتبون قط ما عليهم وكان الشعبي وعبد الرحمن بن مهدي يزجران كل من رأياه ~~يتدين بالرأي وينشدان دين النبي محمد مختار * نعم المطية للفتى الآثار لا ~~ترغبن عن الحديث وأهله * فالرأي ليل والحديث نهار PageV00P054 # وكان أحمد بن سريج يقول أهل الحديث أعظم درجة من الفقهاء لاعتنائهم بضبط ~~الأصول وكان عامر بن قيس يقول لا تذهب الدنيا حتى يصير العلم جهلا والجهل ~~علما وكان عبد الله ابن مسعود يقول من سئل عن علم لا يعلمه فليقل الله أعلم ~~فإن الله تعالى قال لمحمد صلى الله عليه وسلم قل ما أسألكم عليه من أجر وما ~~أنا من المتكلفين يعني في الجواب عما سألتموني عنه وكان يقول من أفتى الناس ~~في كل ما يسألونه فيه فهو مجنون وكان مسروق إذا سئل عن مسألة يقول للسائل ~~هل وقعت فإن قال لا قال اعفني منها حتى تكون وكان مجاهد يقول لأصحابه لا ~~تكتبوا ms089 عني كل ما أفتيت به وإنما يكتب الحديث ولعل كل شئ أفتيتكم به اليوم ~~ارجع عنه غدا وكان الأعمش رضي الله عنه يقول عليكم بملازمة السنة وعلموها ~~للأطفال فإنهم يحفظون على الناس دينهم إذا جاء وقتهم وكان أبو عاصم رحمه ~~الله تعالى يقول إذا تبحر الرجل في الحديث كان الناس عنده كالبقر وكان أبو ~~بكر بن عياش يقول أهل الحديث في كل زمان كأهل الإسلام مع أهل الأديان ~~والمراد بأهل الحديث في كلامه ما يشمل أهل السنة من الفقهاء وإن لم يكونوا ~~حفاظا وكان أبو سليمان الخطابي يقول عليكم بترك الجدال في الحديث وأقوال ~~الأئمة فإن الله تعالى يقول ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا وما ~~كانت قط زندقة أو بدعة أو كفرا وجراءة على الله تعالى إلا من قبل الجدال ~~وعلم الكلام وكان عمر بن عبد العزيز يقول دائما إذا رأيتم جماعة يتناجون ~~سرا فيما بينهم بأمر دينهم فاشهدوا أن ذلك ضلال وبدعة وكان يقول أكابر ~~الناس هم أهل السنة وأصاغرهم هم أهل البدعة وكان سفيان الثوري يقول المراد ~~بالسواد الأعظم هم من كان من أهل السنة والجماعة ولو واحدا فاعلم ذلك * ~~وأما ما نقل عن الأئمة الأربعة رضي الله عنهم أجمعين في ذم الرأي فأولهم ~~تبريا من كل رأى يخالف ظاهر الشريعة الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ~~ثابت رضي الله عنه خلاف ما يضيفه إليه بعض المتعصبين ويا فضيحته يوم ~~القيامة من الإمام إذا وقع الوجه في الوجه فإن من كان في قلبه نور لا يتجرأ ~~أن يذكر أحدا من الأئمة بسوء وأين المقام من المقام إذ الأئمة كالنجوم في ~~السماء وغيرهم كأهل الأرض الذين لا يعرفون من النجوم إلا خيالها على وجه ~~الماء وقد روى الشيخ محيي الدين في الفتوحات المكية بسنده إلى الإمام أبي ~~حنيفة رضي الله عنه أنه كان يقول إياكم والقول في دين الله تعالى بالرأي ~~وعليكم باتباع السنة فمن خرج عنها ضل فإن قيل إن المجتهدين قد صرحوا بأحكام ~~في ms090 أشياء لم تصرح الشريعة بتحريمها ولا بوجوبها فحرموها وأوجبوها فالجواب ~~أنهم لولا علموا من قرائن الأدلة تحريمها أو وجبوها ما قالوا به والقرائن ~~أصدق الأدلة وقد يعلمون ذلك بالكشف أيضا فتتأيد به القرائن ا ه‍ وكان ~~الإمام أبو حنيفة يقول القدرية مجوس هذه الأمة وشيعة الدجال وكان يقول حرام ~~على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي وكان إذا أفتى يقول هذا رأي أبي حنيفة ~~وهو أحسن ما قدرنا عليه فمن جاء بأحسن منه فهو أولى بالصواب وكان يقول ~~إياكم وآراء الرجال ودخل عليه مرة رجل من أهل الكوفة والحديث يقرأ عنده ~~فقال الرجل دعونا من هذه الأحاديث فزجره الإمام أشد الزجر وقال له لولا ~~السنة ما فهم أحد منا القرآن ثم قال للرجل ما تقول في لحم القرد ~~PageV00P055 # وأين دليله من القرآن فأفحم الرجل فقال للإمام فما تقول أنت فيه فقل ليس ~~هو من بهيمة الأنعام فانظر يا أخي إلى مناضلة الإمام عن السنة وزجره من عرض ~~له بترك النظر في أحاديثها فكيف ينبغي لأحد أن ينسب الإمام إلى القول في ~~دين الله بالرأي الذي لا يشهد له ظاهر كتاب ولا سنة وكان رضي الله عنه يقول ~~عليكم بآثار من سلف وإياكم ورأى الرجال وإن زخرفوه بالقول فإن الأمر ينجلي ~~حين ينجلي وأنتم على صراط مستقيم وكان يقول إياكم والبدع والتبدع والتنطع ~~وعليكم بالأمر الأول العتيق ودخل شخص الكوفة بكتاب دانيال فكاد أبو حنيفة ~~أن يقتله وقال له اكتب ثم غير القرآن والحديث وقيل له مرة ما تقول في ما ~~أحدثه الناس من الكلام في العرض والجوهر والجسم فقال هذه مقالات الفلاسفة ~~فعليكم بالآثار وطريقة السلف وإياكم وكل محدث فإنه بدعة وقيل له مرة قد ترك ~~الناس العمل بالحديث وأقبلوا على سماعه فقال رضي الله عنه نفس سماعهم ~~للحديث عمل به وكان يقول لم تزل الناس في صلاح ما دام فيهم من يطلب الحديث ~~فإذا طلبوا العلم بلا حديث فسدوا وكان رضي الله عنه يقول قاتل الله عمرو بن ms091 ~~عبيد فإنه فتح للناس باب الخوض في الكلام فيما لا يعنيهم وكان يقول لا ~~ينبغي لأحد أن يقول قولا حتى يعلم أن شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تقبله وكان يجمع العلماء في كل مسألة لم يجدها صريحة في الكتاب والسنة ~~ويعمل بما ينفقون عليه فيها وكذلك كان يفعل إذا استنبط حكما فلا يكتبه حتى ~~يجمع عليه علماء عصره فإن رضوه قال لأبي يوسف اكتبه رضي الله عنه فمن كان ~~على هذا القدم من اتباع السنة كيف يجوز نسبته إلى الرأي معاذ الله أن يقع ~~في مثل ذلك عاقل كما سيأتي بسطه في الأجوبة عنه إن شاء الله تعالى وقال ~~صاحب الفتاوي السراجية قد اتفق لأبي حنيفة من الأصحاب ما لم يتفق لغيره وقد ~~وضع مذهبه شورى ولم يستبد بوضع المسائل وإنما كان يلقيها على أصحابه مسألة ~~مسألة فيعرف ما كان عندهم ويقول ما عنده ويناظرهم حتى يستقر أحد القولين ~~فيثبته أبو يوسف حتى أثبت الأصول كلها وقد أدرك بفهمه ما عجزت عنه أصحاب ~~القرائح ا ه‍ ونقل الشيخ كمال الدين بن الهمام عن أصحاب أبي حنيفة كأبي ~~يوسف ومحمد وزفر والحسن إنهم كانوا يقولون ما قلنا في مسألة قولا وإلا وهو ~~روايتنا عن أبي حنيفة وأقسموا على ذلك أيمانا مغلظة فلم يتحقق إذن في الفقه ~~بحمد الله تعالى جواب ولا مذهب إلا له رضي الله عنه كيفما كان وما نسب إلى ~~غيره فهو من مذهب أبي حنيفة وإن نسب إلى غيره فهو بطريق المجاز للموافقة ~~فهو كقول القائل قولي كقوله ومذهبي كمذهبه فعلم أن من أخذ بقول واحد من ~~أصحاب أبي حنيفة فهو أخذ بقول أبي حنيفة رضي الله عنه والحمد لله رب ~~العالمين * (فصل) * فيما نقل عن الإمام مالك من ذم الرأي وما جاء عنه في ~~الوقوف على ما حدته الشريعة المطهرة كان رضي الله عنه يقول إياكم ورأى ~~الرجال إلا أن اجمعوا عليه واتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم وما جاء عن نبيكم ~~وإن لم تفهموا ms092 المعنى فسلموا لعلمائكم ولا تجادلوهم فإن الجدال في الدين من ~~بقايا النفاق قال ابن القاسم بل هو النفاق كله لأن الجدال بالباطل في الحق ~~مع العلماء كالجدال مع رسول الله صلى الله عليه PageV00P056 # وسلم من حيث إن الحق شرعه صلى الله عليه وسلم وإن تفاوت مقام المجادل في ~~الدين ا ه‍ وكان يقول سلموا للأئمة ولا تجادلوهم فلو كنا كلما جاءنا رجل ~~أجدل من رجل اتبعناه لخفنا أن نقع في رد ما جاء به جبريل عليه السلام وكان ~~رضي الله عنه إذا استنبط حكما يقول لأصحابه انظروا فيه فإنه دين وما من أحد ~~إلا ومأخوذ من كلامه ومردود عليه الأصاحب هذه الروضة يعني به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ونقل ابن حزم عنه أنه لما حضرته الوفاة قال لقد وددت الآن ~~إني أضرب على كل مسألة قلتها برأيي سوطا ولا ألقى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بشئ زدته في شريعته أو خالفت فيه ظاهرها قال ومن هنا منع رضي الله عنه ~~رواية الحديث بالمعنى للعارف خوفا أن يزيد الراوي في الحديث أو ينقص ا ه‍ ~~قلت وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مرة في جملة مبشرة لي وقال لي عليك ~~بالاطلاع على أقوال إمام دار هجرتي والوقوف عندها فإنه شهد آثاري ا ه‍ ~~فامتثلت أمره صلى الله عليه وسلم وطالعت الموطأ والمدونة الكبرى ثم ~~اختصرتها وميزت فيها المسائل التي تميز بها عن بقية الأئمة عملا بإشارته ~~صلى الله عليه وسلم ورأيته رضي الله عنه يقف عن حد الشريعة لا يكاد يتعداها ~~وعلمت بذلك أن الوقوف على حد ما ورد أولى من الابتداع ولو استحسن فإن ~~الشارع قد لا يرضى بتلك الزيادة في التحريم أو في الوجوب والحمد لله رب ~~العالمين * (فصل) * فيما نقل عن الإمام الشافعي رضي الله عنه من ذم الرأي ~~والتبري منه روى الهروي بسنده إلى الإمام الشافعي أنه كان يقول حديث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مستغن بنفسه إذا صح ا ه‍ يعني ms093 أنه لا يحتاج إلى ~~قول يعضده إذا صح دليله لأن السنة قاضية على القرآن ولا عكس وهي مبينة لما ~~أجمل منه * وسئل الشافعي مرة عن محرم قتل زنبورا فقال وما آتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وقال الإمام محمد الكوفي رضي الله عنه رأيت ~~الإمام الشافعي بمكة وهو يفتي الناس ورأيت الإمام أحمد وإسحاق ابن راهويه ~~حاضرين فقال الشافعي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهل ترك لنا عقيل من ~~دار فقال إسحاق روينا عن الحسن وإبراهيم أنهما لم يكونا يريانه وكذلك عطاء ~~ومجاهد فقال الشافعي لإسحاق لو كان غيرك موضعك لفركت أذنه أقول قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وتقول قال عطاء ومجاهد والحسن وهل لأحد مع قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة بأبي هو وأمي وكان الإمام أحمد يقول سألت ~~الإمام الشافعي عن القياس فقال عند الضرورات وكان الشافعي رضي الله عنه ~~يقول لولا أهل المحابر لخطبت الزنادقة على المنابر وكان رضي الله عنه يقول ~~الأخذ بالأصول من أفعال ذوي العقول ولا ينبغي أن يقال في شئ من الأصول لم ~~ولا كيف فقيل له مرة وما الأصول فقال الكتاب والسنة والقياس عليهما وكان ~~يقول إذا اتصل بينكم الحديث برسول الله صلى الله عليه وسلم فهو سنة ولكن ~~الاجماع أكبر منه إلا أن تواتر يعني الحديث وكان يقول الحديث على ظاهره ~~لكنه إذا احتمل عدة معان فأولاها ما وافق الظاهر وكان يقول أهل الحديث في ~~كل زمان كالصحابة في زمانهم وكان يقول إذا رأيت صاحب حديث فكأني رأيت أحدا ~~من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يقول إياكم والأخذ بالحديث ~~الذي PageV00P057 # أتاكم من بلاد أهل الرأي إلا بعد التفتيش فيه وكان رضي الله عنه يقول من ~~خاض في علم الكلام فكأنه دخل البحر في حال هيجانه فقيل له يا أبا عبد الله ~~إنه في علم التوحيد فقال قد سألت مالكا عن التوحيد فقال هو ما دخل به الرجل ~~الإسلام وعصم به دمه ms094 وماله وهو قول الرجل أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن ~~محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يقول إذا رأيتم الرجل يقول الاسم ~~غير المسمى أو عينه فأشهدوا عليه بالزندقة وروى الحاكم والبيهقي عن الإمام ~~الشافعي إنه كان يقول إذا صح الحديث فهو مذهبي قال ابن حزم أي صح عنده أو ~~عند غيره من الأئمة وفي رواية أخرى إذا رأيتم كلامي يخالف كلام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فاعملوا بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم واضربوا ~~بكلامي الحائط وقال مرة للربيع يا أبا إسحاق لا تقلدني في كل ما أقول وانظر ~~في ذلك لنفسك فإنه دين وكان رضي الله عنه إذا توقف في حديث يقول لو صح ذلك ~~لقلنا به وروى البيهقي عنه ذلك في باب حديث المستحاضة تغسل عنه أثر الدم ~~وتصلي ثم تتوضأ لكل صلاة وقال لو صح هذا الحديث لقلنا به وكان أحب إلينا من ~~القياس على سنة محمد صلى الله عليه وسلم في الوضوء مما خرج من قبل أو دبر ا ~~ه‍ وكان يقول إذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي شئ لم يحل ~~لنا تركه وقال في باب سهم البراذين لو كنا نثبت مثل هذا الحديث ما خالفناه ~~وفي رواية أخرى لو كنا نثبت مثل هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم لأخذنا به ~~فإنه أولى الأمور بنا ولا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وإن كثروا ولا في قياس ولا شئ إلا طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~بالتسليم له ذكره البيهقي في سننه في باب أحد الزوجين يموت ولم يفرض صداقا ~~وروى عنه أيضا في باب السير أنه كان يقول إن كان هذا الحديث يثبت فلا حجة ~~لأحد معه وكان رضي الله عنه يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل في ~~أعيننا من أن نحب غير ما قضى به وقال الشافعي في باب الصيد من الأم كل ms095 شئ ~~خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سقط ولا يقوم معه رأى ولا قياس فإن ~~الله تعالى قطع العذر بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس لأحد معه أمر ~~ولا نهى غير ما أمر هو به وقال في باب المعلم يأكل من الصيد وإذا ثبت الخبر ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل تركه لشئ أبدا وقال في باب العتق ~~من الأم وليس في قول أحد وإن كانوا عددا مع النبي صلى الله عليه وسلم حجة ~~هذا ما اطلعت عليه من المواضع التي نقلت عن الإمام الشافعي في تبريه من ~~الرأي وأدبه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بل روينا عنه أنه كان يتأدب ~~مع أقوال الصحابة والتابعين فضلا عن كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ~~فنقل ابن الصلاح في علوم الحديث أن الشافعي قال في رسالته القديمة بعد أن ~~أثنى على الصحابة بما هم أهله والصحابة رضي الله عنهم فوقنا في كل علم ~~واجتهاد وورع وعقل وفي كل أمر استدرك به علم وآراؤهم لنا أحمد وأولى من ~~رأينا عندنا لأنفسنا ا ه‍ وروى البيهقي أن الشافعي استفتى فيمن نذر ليمشين ~~إلى الكعبة وحنث فأفتى بكفارة يمين فكان السائل توقف في ذلك فقال الشافعي ~~قد قال بهذا القول من هو خير مني عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه وسيأتي في ~~فصول الأجوبة عن الإمام أبي حنيفة وبيان مقامه في العلم أن PageV00P058 # الشافعي ترك القنوت لما زار قبره وأدركته صلاة الصبح عنده وقال كيف أقنت ~~بحضرة الإمام وهو لا يقول به وإن الإمام الشافعي إنما فعل ذلك فتحا لباب ~~الأدب مع الأئمة المجتهدين وحملهم في جميع أقوالهم على المحامل الحسنة وعلى ~~أنهم ما قالوا قولا إلا لكونهم اطلعوا على دليله من كلام الشارع صلى الله ~~عليه وسلم فلا ينافي ذلك قول الشافعي فيما تقدم عنه أنه لا حجة لقول أحد مع ~~قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فافهم على أن بعضهم قال ms096 إن الشافعي ما ~~فعل ذلك إلا باجتهاد منه فأدى اجتهاده إلى أن الأدب مع الأئمة المجتهدين ~~واجب فقدمه على فعل بعض السنن لما يترتب عليه من توهم القدح فيه والذي نقول ~~به إن الإمام الشافعي رضي الله عنه لم يترك القنوت لمحض الأدب مع الإمام ~~أبي حنيفة رضي الله عنه مع قول الإمام الشافعي بسنيته حينئذ لما فيه من ~~إساءة الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بترك شئ قال به لشئ قال به ~~غيره وحاشى الإمام الشافعي رضي الله عنه من ذلك وإنما نقول إن ترك الإمام ~~الشافعي رضي الله عنه القنوت عند زيارة قبر الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه ~~إنما كان لموافقة في اجتهادهما حصلت ذلك الوقت ويكون ذلك من إحدى الكرامات ~~الجليلة المعدودة للإمام أبي حنيفة رضي الله عنه ولا يقدح ذلك في مقام ~~الإمام الشافعي رضي الله عنه مع الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه وإنما ذلك ~~فيه رعاية لكمال المقامين على أنه قد نقل عن الإمام الشافعي رضي الله عنه ~~في تعظيم الإمام أبي حنيفة والأدب معه ما فيه مقنع وكفاية لكل ذي لب كما ~~سترى بعضه إن شاء الله تعالى في هذا الكتاب مرارا وقال بعضهم لا بدع في ~~حملنا ترك القنوت على الأدب المحض لأن الأدب مما أمر به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فكان المتأدب مع أخيه إنما هو متأدب مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وتابع لشرعه فليتأمل وسيأتي في فصل الأجوبة عن الإمام أبي حنيفة قول ~~الإمام مالك لما سئل عن الإمام أبي حنيفة ما تقولون في رجل لو ناظرني في أن ~~نصف هذه الأسطوانة حجر ونصفها فضة لقام بحجته وكذلك قول الإمام الشافعي ~~الناس كلهم في الفقه عيال على الإمام أبي حنيفة فتأمل يا أخي أدب الأئمة مع ~~بعضهم بعضا واقتد بهم في ذلك وإياك والتعصب لإمامك حمية جاهلية من غير دليل ~~فتخطئ طريق الصواب وأول من يتبرأ منك إمامك يوم القيامة وتقدم قول الإمام ms097 ~~الليث للإمام مالك في مسألة أرسلها له من مصر ما حكم الله تعالى في هذه ~~المسألة عندكم وإن الإمام مالك كتب إلى الليث بعد الحمد لله والصلاة على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أما بعد فإنك يا أخي إمام هدى وحكم الله ~~تعالى في هذه المسألة ما قام عندك ا ه‍ فاعلم ذلك والحمد لله رب العالمين * ~~(فصل) * فيما نقل عن الإمام أحمد من ذمه الرأي وتقيد بالكتاب والسنة روى ~~البيهقي عنه أنه كان إذا سئل عن مسألة يقول أولا حد كلام مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وبلغنا أنه لم يدون له كلاما كبقية المجتهدين خوفا أن يقع ~~في رأى يخالف الشريعة وأن جميع مذهبه إنما هو ملفق من صدور الرجال وبلغنا ~~أنه وضع في الصلاة نحو عشرين مسألة هكذا أخبرني به شيخ الإسلام شهاب الدين ~~الحنبلي الفتوحي رضي الله عنه وبلغنا PageV00P059 # أنه لم يأكل البطيخ حتى مات وكان إذا سئل عن ذلك يقول لم يبلغني كيف كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكله وكذلك بلغنا عنه أنه اختفى أيام المحنة ~~في مسألة خلق القرآن ثم خرج بعد اليوم الثالث فقيل له إنهم الآن في طلبك ~~فقال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمكث في الغار حين اختفى من ~~الكفار أكثر من ثلاثة أيام وحاله في العمل بالسنة مشهور وكان يتبرأ كثيرا ~~من رأى الرجال ويقول لا نرى أحدا ينظر في كتب الرأي غالبا إلا وفي قلبه دخل ~~وكان ولده عبد الله يقول سألت الإمام أحمد عن الرجل يكون في بلد لا يجد ~~فيها إلا صاحب حديث لا يعرف صحيحه من سقيمه وصاحب رأي فمن يسأل منهما عن ~~دينه فقال يسأل صاحب الحديث ولا يسأل صاحب الرأي وكان كثيرا ما يقول ضعيف ~~الحديث أحب إلينا من رأى الرجال وكذلك نقل عن الإمام داود وكان رضي الله ~~عنه يقول انظروا في أمر دينكم فإن التقليد لغير المعصوم مذموم وفيه عمى ~~للبصيرة وكان يقول قبيح على ms098 من أعطى شمعة يستضئ بها أن يطفئها ويمشي معتمدا ~~على غيره يشير والله أعلم إلى أنه لا ينبغي لمن قدر على الاجتهاد أن يقلد ~~غيره مع قدرته على النظر في الأدلة واستخراج ذلك الحكم منها والله أعلم ~~وبلغنا أن شخصا استشاره في تقليد أحد من علماء عصره فقال لا تقلدني ولا ~~تقلد مالكا ولا الأوزاعي ولا النخعي ولا غيرهم وخذ الأحكام من حيث أخذوا ا ~~ه‍ قلت وهو محمول على من له قدرة على استنباط الأحكام من الكتاب والسنة ~~وإلا فقد صرح العلماء بأن التقليد واجب على العامي لئلا يضل في دينه والله ~~أعلم فقد بان لك يا أخي مما نقلناه عن الأئمة الأربعة وغيرهم أن جميع ~~الأئمة المجتهدين دائرون مع أدلة الشريعة حيث دارت وإنهم كلهم منزهون عن ~~القول بالرأي في دين الله وأن مذاهبهم كلها محررة على الكتاب والسنة كتحرير ~~الذهب والجوهر وأن أقوالهم كلها ومذاهبهم كالثوب المنسوج من الكتاب والسنة ~~سداه ولحمته منهما وما بقي لك عذر في التقليد لأي مذهب شئت من مذاهبهم ~~فإنها كلها طريق الجنة كما سبق بيانه أواخر الفصل قبله وإنهم كلهم على هدى ~~من ربهم وإنه ما طعن أحد في قول من أقوالهم إلا لجهله به أما من حيث دليله ~~وأما من حيث دقة مداركه عليه لا سيما الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ~~ثابت رضي الله عنه الذي أجمع السلف والخلف على كثرة علمه وورعه وعبادته ~~ودقة مداركه واستنباطاته كما سيأتي بسطه في هذه الفصول إن شاء الله تعالى ~~وحاشاه رضي الله عنه من القول في دين الله بالرأي الذي لا يشهد له ظاهر ~~كتاب ولا سنة ومن نسبه إلى ذلك فبينه وبينه الموقف الذي يشيب فيه المولود ~~وسمعت سيدي عليا الخواص رضي الله عنه مرة يقول يجب على كل مقلد الأدب مع ~~أئمة المذاهب كلهم وسمع مرة بعض الشافعية يقول وفي هذا الحديث رد على أبي ~~حنيفة فقال قطع الله لسانك مثلك يقول هذا اللفظ إنما الأدب أن تقول ولم ms099 ~~يطلع الإمام على هذا الحديث ا ه‍ وسمعته مرة أخرى يقول مدارك الإمام أبي ~~حنيفة دقيقة لا يكاد يطلع عليها إلا أهل الكشف من أكابر الأولياء قال وكان ~~الإمام أبو حنيفة إذا رأى ماء الميضأة يعرف سائر الذنوب التي خرت فيه من ~~كبائر وصغائر ومكروهات فلهذا جعل ماء الطهارة إذا تطهر به المكلف ~~PageV00P060 # له ثلاثة أحوال أحدها أنه كالنجاسة المغلظة احتياطا لاحتمال أن يكون ~~المكلف ارتكب كبيرة الثاني أنه كالنجاسة المتوسطة لاحتمال أن يكون المكلف ~~ارتكب صغيرة الثالث أنه طاهر في نفسه غير مطهر لغيره لاحتمال أن يكون ~~المكلف ارتكب مكروها أو خلاف الأولى فإن ذلك ليس ذنبا حقيقة لجواز ارتكابه ~~في الجملة وفهم جماعة من مقلديه أن هذه الثلاثة أقوال في حال واحد والحال ~~إنها في أحوال كما ذكرنا بحسب حصر الذنوب الشرعية في ثلاثة أقسام كما ذكرنا ~~ولا يخلو غالب المكلفين أن يرتكب واحدا منها إلا نادرا انتهى وسيأتي بسطه ~~في الجمع بين أقوال العلماء في باب الطهارة إن شاء الله تعالى إذا علمت ذلك ~~فأقول وبالله التوفيق * (فصول في بعض الأجوبة عن الإمام أبي حنيفة رضي الله ~~عنه) * * (الفصل الأول في شهادة الأئمة له بغزارة العلم وبيان أن جميع ~~أقواله وأفعاله وعقائده مشيدة بالكتاب والسنة) * إعلم يا أخي أني لم أجب عن ~~الإمام في هذه الفصول بالصدر وإحسان الظن فقط كما فعل بعضهم وإنما أجبت عنه ~~بعد التتبع والفحص في كتب الأدلة كما أوضحت ذلك في خطبة كتاب المنهج المبين ~~في بيان أدلة مذاهب المجتهدين ومذهبه أول المذاهب تدوينا وآخرها انقراضا ~~كما قاله بعض أهل الكشف قد اختاره الله تعالى إماما لدينه وعباده ولم تزل ~~أتباعه في زيادة في كل عصر إلى يوم القيامة لو حبس أحدهم وضرب على أن يخرج ~~عن طريقه ما أجاب فرضى الله عنه وعن أتباعه وعن كل من لزم الأدب معه ومع ~~سائر الأئمة وكان سيدي على الخواص رحمه الله تعالى يقول لو أنصف المقلدون ~~للإمام مالك والإمام الشافعي رضي الله عنهما ms100 لم يضعف أحد منهم قولا من ~~أقوال الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه بعد أن سمعوا مدح أئمتهم له أو بلغهم ~~ذلك فقد تقدم عن الإمام مالك أنه كان يقول لو ناظرني أبو حنيفة في أن نصف ~~هذه الأسطوانة ذهب أو فضة لقام بحجته أو كما قال وتقدم عن الإمام الشافعي ~~إنه كان يقول الناس كلهم في الفقه عيال على أبي حنيفة رضي الله عنه انتهى ~~ولو لم يكن من التنويه برفعة مقامه إلا كون الإمام الشافعي ترك القنوت في ~~الصبح لما صلى عند قبره مع أن الشافعي قائل باستحبابه لكان فيه كفاية في ~~لزوم أدب مقلديه معه كما مر انتهى وأما ما قاله الوليد بن مسلم من قوله قال ~~لي مالك بن أنس رحمه الله تعالى أيذكر أبو حنيفة في بلادكم قلت نعم فقال ما ~~ينبغي لبلادكم أن تسكن فقال الحافظ المزني رحمه الله إن الوليد هذا ضعيف ~~انتهى قلت وبتقدير ثبوت ذلك عن الإمام مالك فهو مؤول أي إن كان الإمام أبو ~~حنيفة في بلادكم يذكر أي على وجه الانقياد والاتباع له فلا ينبغي لعالم أن ~~يسكنها الاكتفاء بلادكم بعلم أبي حنيفة واستغناء الناس بسؤاله في جميع أمور ~~دينهم عن سؤال غيره فإذا سكن أحد من العلماء في بلاده صار علمه معطلا عن ~~التعليم فينبغي له الخروج إلى بلاد أخرى تحتاج إليه ليبث علمه في أهلها هذا ~~هو اللائق بفهم كلام الإمام مالك رحمه الله تعالى إن ثبت ذلك عنه لبراءة ~~الأئمة عن الشحناء والبغضاء لبعضهم بعضا ومن حمله على ظاهره فعليه الخروج ~~من ذلك بين يدي الله عز وجل يوم القيامة فإن مثل الإمام مالك لا يقع في ~~تنقيص إمام من الأئمة بقرينة ما تقدم عنه PageV00P061 # من شهادته له بقوة المناظرة وقوة الحجة والله أعلم وأما ما نقله أبو بكر ~~الآجري عن بعضهم أنه سئل عن مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه فقال لا ~~رأي ولا حديث وسئل عن الإمام مالك فقال رأي ضعيف وحديث صحيح ms101 وسئل عن إسحاق ~~بن راهويه فقال حديث ضعيف ورأي ضعيف وسئل عن الإمام الشافعي فقال رأي صحيح ~~وحديث صحيح انتهى فهو كلام ظاهره التعصب على الأئمة بإجماع كل منصف إن صح ~~النقل عنه فإن الحس لا يصدق هذا القائل فيما قاله في حق الإمام أبي حنيفة ~~وقد تتبعت بحمد الله أقواله وأقوال أصحابه لما ألفت كتاب أدلة المذاهب فلم ~~أجد قولا من أقواله أو أقوال أتباعه إلا وهو مستند إلى آية أو حديث أو أثر ~~أو إلى مفهوم ذلك أو حديث ضعيف كثرت طرقه أو إلى قياس صحيح على أصل صحيح ~~فمن أراد الوقوف على ذلك فليطالع كتابي المذكور وبالجملة فقد ثبت تعظيم ~~الأئمة المجتهدين له كما تقدم عن الإمام مالك والإمام الشافعي فلا التفات ~~إلى قول غيرهم في حقه وحق أتباعه وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه الله تعالى ~~يقول مرارا يتعين على أتباع الأئمة أن يعظموا كل من مدحه إمامهم لأن إمام ~~المذهب إذا مدح عالما وجب على جميع أتباعه أن يمدحوه تقليدا لإمامهم وأن ~~ينزهوه عن القول في دين الله بالرأي وأن يبالغوا في تعظيمه وتبجيله لأن كل ~~مقلد قد أوجب على نفسه أن يقلد إمامه في كل ما قاله سواء أفهم دليله أم لم ~~يفهمه من غير أن يطالبه بدليل وهذا من جملة ذلك وقد تقدم في فصل الانتقال ~~من مذهب إلى مذهب أنه يحرم على المقلد أن يفاضل بين الأئمة تفضيلا يؤدي إلى ~~التنقيص لأحد منهم مع أن جميع المعترضين على بعض أقوال الإمام رضي الله عنه ~~دونه في العلم بيقين ولا ينبغي لمن هو مقلد أن يعترض على إمام آخر لأن كل ~~واحد تابع أسلوبا إلى أن يصل ذلك إلى عين الشريعة المطهرة التي يتفرع منها ~~قول كل عالم كما مر إيضاحه وكل من ترك التعصب ونظر في أقوال المجتهدين ~~وجدها كالنجوم في السماء ووجد المعترض عليهم كالذي ينظر خيال تلك النجوم ~~على وجه الماء فلا يعرف حقيقتها ولا مدركها فالله تعالى يرزق جميع إخواننا ms102 ~~من المقلدين للمذاهب الأدب مع جميع أئمة المذاهب * ومما وقع لي إن شخصا دخل ~~على ممن ينسب إلى العلم وأنا أكتب في مناقب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه ~~فنظر فيها وأخرج لي من كمه كراريس وقال لي انظر في هذه فنظرت فيها فرأيت ~~فيها الرد على الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه فقلت له ومثلك يفهم كلام ~~الإمام حتى يرد عليه فقال إنما أخذت ذلك من مؤلف للفخر الرازي فقلت له إن ~~الفخر الرازي بالنسبة إلى الإمام أبي حنيفة كطالب العلم أو كآحاد الرعية مع ~~السلطان الأعظم أو كآحاد النجوم مع الشمس وكما حرم العلماء على الرعية ~~الطعن على إمامهم الأعظم إلا بدليل واضح كالشمس فكذلك يحرم على المقلدين ~~الاعتراض والطعن على أئمتهم في الدين إلا بنص واضح لا يحتمل التأويل ثم ~~بتقدير وجود قول من أقوال الإمام أبي حنيفة لم يعرف المعترض دليله فذلك ~~القول من الاجتهاد بيقين فيجب العمل به على مقلده حتى يظهر خلافه وكان بعض ~~العلماء من مشايخ الجامع الأزهر ينكر على ابن أبي زيد القيرواني فقال يوما ~~إن بعض الأطفال يقدر على تأليف مثل رسالته فخرج من الجامع الأزهر فلقيه ~~PageV00P062 # جندي فقال اقرأ لي هذا الكتاب فلم يعرف أن يقرأه للجندي فمده وضربه إلى ~~أن ألهب قلبه وقال له تكبر عمامتك وتوهم الناس إنك فقيه انتهى فكان الناس ~~يرون أن ذلك ببركة ابن أبي زيد رحمه الله تعالى وكان بعض طلبة العلم من ~~الشافعية المترددين إلى ينكر على أصحاب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه ~~ويقول لا أقدر أسمع لأصحابه كلاما فنهيته يوما فلم ينته ففارقني فوقع من ~~سلم ربع عال فانكسر عظم وركه لم يزل على مقور حتى مات على أسوأ حال وأرسل ~~إلي إني أعوده فأبيت أدبا مع أصحاب الإمام رضي الله عنه من حيث كونه يكرههم ~~فاعلم ذلك واحفظ لسانك مع الأئمة وأتباعهم فإنهم على هدى مستقيم والحمد لله ~~رب العالمين * (فصل) * في بيان ضعف قول من نسب الإمام أبا حنيفة ms103 إلى أنه ~~يقدم القياس على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم اعلم أن هذا الكلام صدر ~~من متعصب على الإمام متهور في دينه غير متورع في مقاله غافلا عن قوله تعالى ~~إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا وعن قوله تعالى ما يلفظ ~~من قول إلا لديه رقيب عتيد وعن قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ وهل يكب ~~الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم وقد روى الإمام أبو جعفر ~~الشيزامارى نسبة إلى قرية من قرى بلخ بسنده المتصل إلى الإمام أبي حنيفة ~~رضي الله عنه أنه كان يقول كذب والله وافترى علينا من يقول عنا إننا نقدم ~~القياس على النص وهل يحتاج بعد النص إلى قياس وكان رضي الله عنه يقول نحن ~~لا نقيس إلا عند الضرورة الشديدة وذلك أننا ننظر أولا في دليل تلك المسألة ~~من الكتاب والسنة أو أقضية الصحابة فإن لم نجد دليلا قسنا حينئذ مسكوتا عنه ~~على منطوق به بجامع اتحاد العلة بينهما وفي رواية أخرى عن الإمام إنا نأخذ ~~أولا بالكتاب ثم بالسنة ثم بأقضية الصحابة ونعمل بما يتفقون عليه فإن ~~اختلفوا قسنا حكما على حكم بجامع العلة بين المسئلتين حتى يتضح المعنى وفي ~~رواية أخرى إنا نعمل أولا بكتاب الله ثم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثم بأحاديث أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وفي رواية أخرى أنه كان ~~يقول ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين بأبي هو ~~وأمي وليس لنا مخالفته وما جاءنا عن أصحابه تخيرنا وما جاء عن غيرهم فهم ~~رجال ونحن رجال وكان أبو مطيع البلخي يقول قلت للإمام أبي حنيفة رضي الله ~~عنه أرأيت لو رأيت رأيا ورأي أبو بكر رأيا أكنت تدع رأيك لرأيه قال نعم ~~فقلت له أرأيت لو رأيت رأيا ورأي عمر رأيا أكنت تدع رأيك لرأيه فقال نعم ~~وكذلك كنت أدع رأيي لرأي عثمان وعلي وسائر الصحابة ما عدا أبا هريرة ms104 وأنس ~~بن مالك وسمرة بن جندب انتهى قال بعضهم ولعل ذلك لنقص معرفتهم وعدم اطلاعهم ~~على المدارك والاجتهاد وذلك لا يقدح في عدالتهم وكان أبو مطيع يقول كنت ~~يوما عند الإمام أبي حنيفة في جامع الكوفة فدخل عليه سفيان الثوري ومقاتل ~~بن حيان وحماد بن سلمة وجعفر الصادق وغيرهم من الفقهاء فكلموا الإمام أبا ~~حنيفة وقالوا قد بلغنا أنك تكثر من القياس في الدين وإنا نخاف عليك منه فإن ~~أول من قاس إبليس فناظرهم الإمام من بكرة نهار الجمعة إلى الزوال وعرض ~~عليهم مذهبه PageV00P063 # وقال إني أقدم العمل بالكتاب ثم بالسنة ثم بأقضية الصحابة مقدما ما ~~اتفقوا عليه على ما اختلفوا فيه وحينئذ أقيس فقاموا كلهم وقبلوا يده وركبته ~~وقالوا له أنت سيد العلماء فاعف عنا فيما مضى منا من وقيعتنا فيك بغير علم ~~فقال غفر الله لنا ولكم أجمعين قال أبو مطيع ومما كان وقع فيه سفيان أنه ~~قال قد حل أبو حنيفة عرى الإسلام عروة عروة فإياك يا أخي إن أخذت الكلام ~~على ظاهره أن تنقل مثل ذلك عن سفيان بعد أن سمعت رجوعه عن ذلك واعترافه بأن ~~الإمام أبا حنيفة سيد العلماء وطلبه العفو عنه وإن أولت هذا الكلام فلا ~~يحتاج الأمر إلى رجوع ويكون المراد بأنه حل عرى الإسلام أي مشكله مسألة بعد ~~مسألة حتى لم يبق في الإسلام شيئا مشكلا لغزارة فهمه وعلمه ومما كان كتبه ~~الخليفة أبو جعفر المنصور إلى الإمام أبي حنيفة بلغني أنك تقدم القياس على ~~الحديث فقال ليس الأمر كما بلغك يا أمير المؤمنين إنما أعمل أولا بكتاب ~~الله ثم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بأقضية أبي بكر وعمر وعثمان ~~وعلي رضي الله عنهم ثم بأقضية بقية الصحابة ثم أقيس بعد ذلك إذا اختلفوا ~~وليس بين الله وبين خلقه قرابة انتهى ولعل مراد الإمام بهذا القول إنه لا ~~مراعاة لأحد في دين الله عز وجل دون أحد بل الحق واجب فعله على جميع الخلق ~~والله أعلم بمراده وقد ms105 أطال الإمام أبو جعفر الشيزماري الكلام في تبرئة ~~الإمام أبي حنيفة من القياس بغير ضرورة ورد على من نسب الإمام إلى تقديم ~~القياس على النص وقال إنما الرواية الصحيحة عن الإمام تقديم الحديث ثم ~~الآثار ثم يقيس بعد ذلك فلا يقيس إلا بعد أن لم يجد ذلك الحكم في الكتاب ~~والسنة وأقضية الصحابة فهذا هو النقل الصحيح عن الإمام فاعتمده واحم سمعك ~~وبصرك قال ولا خصوصية للإمام أبي حنيفة في القياس بشرطه المذكور بل جميع ~~العلماء يقيسون في مضايق الأحوال إذا لم يجدوا في المسألة نصا من كتاب ولا ~~سنة ولا إجماع ولا أقضية الصحابة وكذلك لم يزل مقلدوهم يقيسون إلى وقتنا ~~هذا في كل مسألة لا يجدون فيها نصا من غير نكير فيما بينهم بل جعلوا القياس ~~أحد الأدلة الأربعة فقالوا الكتاب والسنة والإجماع والقياس وقد كان الإمام ~~الشافعي رضي الله عنه يقول إذا لم نجد في المسألة دليلا قسناها على غيرها ~~انتهى فمن اعترض على الإمام أبي حنيفة في عمله بالقياس لزمه الاعتراض على ~~الأئمة كلهم لأنهم كلهم يشاركونه في العمل بالقياس عند فقدهم النصوص ~~والإجماع فعلم من جميع ما قررناه أن الإمام لا يقيس أبدا مع وجود النص كما ~~يزعمه بعض المتعصبين عليه وإنما يقيس عند فقد النص وإن وقع إننا وجدنا ~~للمسألة التي قاس فيها نصا من كتاب أو سنة فلا يقدح ذلك فيه لعدم استحضاره ~~ذلك حال القياس ولو أنه استحضره لما احتاج إلى قياس ثم بتقدير وقوعه رضي ~~الله عنه في القياس مع وجود حديث فرد لا يقدح ذلك فيه أيضا فقد قال جماعة ~~من العلماء إن القياس الصحيح على الأصول الصحيحة أقوى من خبر الآحاد الصحيح ~~فكيف بخبر الآحاد الضعيف وقد كان الإمام أبو حنيفة يشترط في الحديث المنقول ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل العمل به أن يرويه عن ذلك الصحابي جمع ~~أتقياء عن مثلهم وهكذا * واعتقادنا واعتقاد كل منصف في الإمام PageV00P064 # أبي حنيفة رضي الله عنه بقرينة ما رويناه ms106 آنفا عنه من ذم الرأي والتبري ~~منه ومن تقديمه النص على القياس إنه لو عاش حتى دونت أحاديث الشريعة وبعد ~~رحيل الحافظ في جمعها من البلاد والثغور وظفر بها لأخذ بها وترك كل قياس ~~كان قاسه وكان القياس قل في مذهبه كما قل في مذهب غيره بالنسبة إليه لكن ~~لما كانت أدلة الشريعة مفرقة في عصر مع التابعين وتابع التابعين في المدائن ~~والقرى والثغور كثر القياس في مذهبه بالنسبة إلى غيره من الأئمة ضرورة لعدم ~~وجود النص في تلك المسائل التي قاس فيها بخلاف غيره من الأئمة فإن الحفاظ ~~كانوا قد رحلوا في طلب الأحاديث وجمعها في عصرهم من المدائن والقرى ودونوها ~~فجاوبت أحاديث الشريعة بعضها بعضا فهذا كان سبب كثرة القياس في مذهبه وقلته ~~في مذاهب غيره ويحتمل أن الذي أضاف إلى الإمام أبي حنيفة أنه يقدم القياس ~~على النص ظفر بذلك في كلام مقلديه الذين يلزمون العمل بما وجدوه عن إمامهم ~~من القياس ويتركون الحديث الذي صح بعد موت الإمام فالإمام معذور وأتباعه ~~غير معذورين وقولهم إن إمامنا لم يأخذ بهذا الحديث لا ينهض حجة لاحتمال أنه ~~لم يظفر به أو ظفر به لكن لم يصح عنده وقد تقدم قول الأئمة كلهم إذا صح ~~الحديث فهو مذهبنا وليس لأحد معه قياس ولا حجة إلا طاعة الله ورسوله ~~بالتسليم له انتهى وهذا الأمر الذي ذكرناه يقع فيه كثير من الناس فإذا ~~وجدوا عن أصحاب إمام مسألة جعلوها مذهبا لذلك الإمام وهو تهور فإن مذهب ~~الإمام حقيقة هو ما قاله ولم يرجع عنه إلى أن مات لا ما فهمه أصحابه من ~~كلامه فقد لا يرضى الإمام ذلك الأمر الذي فهموه من كلامه ولا يقول به لو ~~عرضوه عليه فعلم أن من عزى إلى الإمام كل ما فهم من كلامه فهو جاهل بحقيقة ~~المذهب على أن غالب أقيسة الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه من القياس الجلي ~~الذي يعرف به موافقة الفرع للأصل بحيث ينتفى افتراقهما أو نقضه كقياس غير ~~الفارة ms107 من الميتة إذا وقعت في السمن على الفارة في غير السمن من سائر ~~المائعات والجامدات عليه وكقياس الغائط على البول في الماء الراكد ونحو ذلك ~~فعلم مما قررناه أن كل من اعترض على شئ من أقوال الإمام أبي حنيفة رضي الله ~~عنه كالفخر الرازي فإنما هو لخفاء مدارك الإمام عليه وقد تتبعت أنا بحمد ~~الله تعالى المسائل التي قدم فيها أصحابه القياس على النص فوجدتها قليلة ~~جدا وبقية المذهب كله فيه تقديم النص على القياس ونقل الشيخ محيي الدين عن ~~بعض المالكية إنه كان يقول القياس عندي مقدم على خبر الآحاد لأنا ما أخذنا ~~بذلك الحديث إلا بحسن الظن برواته وقد أمرنا الشارع بضبط جوارحنا وإن لا ~~نزكي على الله أحدا وإن وقع إننا زكينا أحدا فلا نقطع بتزكيته وإنما نقول ~~نظنه كذا أو نحسبه كذا بخلاف القياس على الأصول الصحيحة انتهى قال الإمام ~~أبو جعفر الشيزاماري رحمه الله تعالى وقد تتبعت المسائل التي وقع الخلاف ~~فيها بين الإمام أبي حنيفة والإمام مالك رضي الله عنهما فوجدتها يسيرة جدا ~~نحو عشرين مسألة انتهى ولعل ذلك بحسب أصول المسائل التي نص عليها الإمامان ~~وكذلك القول في خلاف بعض المذاهب لبعضها بعضا في الأقيسة هي يسيرة جدا ~~والباقي كله مستند إلى الكتاب والسنة أو الآثار الصحيحة وقد أخذ بها الأئمة ~~كلهم PageV00P065 # وما انفرد أحدهم عن صاحبه إلا ببعض أحاديث فكلهم في فلك الشريعة يسبحون ~~كما مر بيانه في الفصول فالعاقل من أقبل على العمل بأقوال جميع الأئمة ~~بانشراح صدر لأنها كلها لا تخرج عن مرتبتي الميزان تخفيف وتشديد اللهم إني ~~أبرأ إليك من كل من اعترض على أقوال الأئمة وأنكر عليهم في الدنيا والآخرة ~~والحمد لله رب العالمين * (فصل) * في تضعيف قول من قال إن أدلة مذهب الإمام ~~أبي حنيفة ضعيفة غالبا إعلم يا أخي أنني طالعت بحمد الله تعالى أدلة ~~المذاهب الأربعة وغيرها لا سيما أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه ~~فإني خصصته بمزيد اعتناء وطالعت عليه كتاب تخريج ms108 أحاديث كتاب الهداية ~~للحافظ الزيلعي وغيره من كتب الشروح فرأيت أدلته رضي الله عنه وأدلة أصحابه ~~ما بين صحيح أو حسن أو ضعيف كثرت طرقه حتى لحق بالحسن أو الصحيح في صحة ~~الاحتجاج به من ثلاثة طرق وأكثر إلى عشرة وقد احتج جمهور المحدثين بالحديث ~~الضعيف إذا كثرت طرقه وألحقوه بالصحيح تارة وبالحسن أخرى وهذا النوع من ~~الضعيف يوجد كثيرا في كتاب السنن الكبرى للبيهقي التي ألفها بقصد الاحتجاج ~~لأقوال الأئمة وأقوال أصحابهم فإنه إذا لم يجد حديثا صحيحا أو حسنا يستدل ~~به لقول ذلك الإمام أو قول أحد من مقلديه يصير يروي الحديث الضعيف من كذا ~~كذا طريقا ويكتفي بذلك ويقول وهذه الطرق يقوي بعضها بعضا فبتقدير وجود ضعف ~~في بعض أدلة أقوال الإمام أبي حنيفة وأقوال أصحابه فلا خصوصية له في ذلك بل ~~الأئمة كلهم يشاركونه في ذلك ولولا لوم الأعلى من يستدل بحديث واه بمرة جاء ~~من طريق واحدة وهذا لا يكاد أحد يجده في أدلة أحد من المجتهدين فما منهم ~~أحد استدل بضعيف إلا بشرط مجيئه من عدة طرق وقد قدمنا إني لم أجب عن الإمام ~~أبي حنيفة وغيره بالصدر وحسن الظن كما يفعل ذلك غيري وإنما أجيب عنه بعد ~~التتبع والفحص عن أدلة أقواله وأقوال أصحابه وكتابي المسمى بالمنهج المبين ~~في بيان أدلة مذاهب المجتهدين كافل بذلك فإني جمعت فيه أدلة جميع المذاهب ~~المستعملة والمندرسة قبل دخولي في محبة طريق القوم ووقوفي على عين الشريعة ~~التي يتفرع منها أقوال جميع المجتهدين ومقلديهم وقد من الله تعالى على ~~بمطالعة مسانيد الإمام أبي حنيفة الثلاثة من نسخة صحيحة عليها خطوط الحفاظ ~~آخرهم الحافظ الدمياطي فرأيته لا يروي حديثا إلا عن خيار التابعين العدول ~~الثقات الذين هم من خير القرون بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كالأسود وعلقمة وعطاء وعكرمة ومجاهد ومكحول والحسن البصري وأضرابهم رضي ~~الله عنهم أجمعين فكل الرواة الذين بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عدول ثقات أعلام أخيار ليس فيهم كذاب ms109 ولا متهم بكذب وناهيك يا أخي بعدالة ~~من ارتضاهم الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه لأن يأخذ عنهم أحكام دينه مع شدة ~~تورعه وتحرزه وشفقته على الأمة المحمدية * وقد بلغنا أنه سئل يوما عن ~~الأسود وعطاء وعلقمة أيهم أفضل فقال والله ما نحن بأهل إن نذكرهم فكيف ~~نفاضل بينهم على أنه ما من راو من رواة المحدثين والمجتهدين كلهم إلا وهو ~~يقبل الجرح كما يقبل التعديل لو أضيف إليه ما عدا الصحابة وكذا التابعون ~~عند بعضهم لعدم العصمة أو الحفظ في بعضهم ولكن لما كان PageV00P066 # العلماء رضي الله عنهم أمناء على الشريعة وقدموا الجرح أو التعديل عمل به ~~مع قبول كل الرواة لما وصف به الآخر احتمالا وإنما قدم جمهورهم التعديل على ~~الجرح وقالوا الأصل العدالة والجرح طارئ لئلا يذهب غالب أحاديث الشريعة كما ~~قالوا أيضا إن إحسان الظن بجميع الرواة المستورين أولى وكما قالوا إن مجرد ~~الكلام في شخص لا يسقط مرويه فلا بد من الفحص عن حاله وقد خرج الشيخان لخلق ~~كثير ممن تكلم الناس فيهم إيثارا لإثبات الأدلة الشرعية على نفيها ليحوز ~~الناس فضل العمل بها فكان في ذلك فضل كثير للأمة أفضل من تجريحهم كما أن في ~~تضعيفهم للأحاديث أيضا رحمة للأمة بتخفيف الأمر بالعمل بها وإن لم يقصد ~~الحفاظ ذلك فإنهم لو لم يضعفوا شيئا من الأحاديث وصححوها كلها لكان العمل ~~بها واجبا وعجز عن ذلك غالب الناس فاعلم ذلك قال الحافظ المزني والحافظ ~~الزيلعي رحمهما الله تعالى وممن خرج لهم الشيخان مع كلام الناس فيهم جعفر ~~بن سليمان الضبعي والحارث بن عبيد وأيمن بن ثابل الحبشي وخالد بن مخلد ~~القسواطيني وسويد بن سعيد الحدثاني ويونس ابن أبي إسحاق السبيعي وأبي أويس ~~لكن للشيخين شروط في الرواية عمن تكلم الناس فيه منها أنهم لا يروون عنه ~~إلا ما توبع عليه وظهرت شواهده وعلموا أن له أصلا فلا يروون عنه ما انفرد ~~به أو خالفه فيه الثقات وذلك كحديث أبي أويس الذي رواه مسلم في صحيحه ms110 ~~مرفوعا يقول الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين الحديث مع أنه ~~لم يتفرد به بل رواه غيره من الثقات كذلك منهم الإمام مالك وشعبة وابن ~~عيينة رضي الله عنهم وصار حديثه متابعة قال الحافظ الزيلعي والدمياطي وهذه ~~العلة قد راجت على كثير من الحفاظ لا سيما من استدرك على الصحيحين كأبي عبد ~~الله الحاكم فكثيرا ما يقول وهذا حديث صحيح على شرط الشيخين أو أحدهما مع ~~أن فيه هذه العلة إذ ليس كل حديث احتج برواية في الصحيح يكون صحيحا إذ لا ~~يلزم من كون راويه محتجا به في الصحيح أن يكون كل حديث وجدناه له يكون ~~صحيحا على شرط صاحب ذلك الصحيح لاحتمال فقد شرط من شروط ذلك الحافظ كما ~~قدمناه فإن أحدا غير أصحاب ذلك الصحيح لم يلتزم هذه الشروط في الصحيح عنده ~~انتهى فقد بان لك أنه ليس لنا ترك حديث كل من تكلم الناس فيه بمجرد الكلام ~~فربما يكون قد توبع عليه وظهرت شواهده وكان له أصل وإنما لنا ترك ما انفرد ~~به وخالف فيه الثقات ولم يظهر له شواهد ولو أننا فتحنا باب الترك لحديث كل ~~راو تكلم بعض الناس فيه بمجرد الكلام لذهب معظم أحكام الشريعة كما مر وإذا ~~أدى الأمر إلى مثل ذلك فالواجب على جميع اتباع المجتهدين إحسان الظن برواة ~~جميع أدلة المذاهب المخالفة لمذاهبهم فإن جميع ما رووه لم يخرج عن مرتبتي ~~الشريعة اللتين هما التخفيف والتشديد وقد قال الشيخ تاج الدين السبكي في ~~الطبقات الكبرى ما نصه ينبغي لك أيها المسترشد أن تسلك سبيل الأدب مع جميع ~~الأئمة الماضين وأن لا تنظر إلى كلام بعض الناس فيهم إلا ببرهان واضح ثم إن ~~قدرت على التأويل وتحسين الظن بحسب قدرتك فافعل وإلا فاضرب صفحا عما ترى ~~بينهم فإنك يا أخي لم تخلق لمثل هذا وإنما خلقت للاشتغال بما يعنيك من أمر ~~دينك قال ولا يزال الطالب عندي نبيلا حتى يخوض فيما جرى بين الأئمة فتلحقه ~~الكآبة وظلمة الوجه ms111 فإياك ثم إياك أن تصغي لما وقع بين أبي حنيفة ~~PageV00P067 # وسفيان الثوري أو بين مالك وابن أبي ذئب أو بين أحمد بن صالح والشعبي أو ~~بين أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي وهلم جرا إلى زمان الشيخ عز الدين بن ~~عبد السلام والشيخ تقي الدين بن الصلاح فإنك إن فعلت ذلك خفت عليك الهلاك ~~فإن القوم أئمة أعلام ولأقوالهم محامل ربما لم يفهمها غيرهم فليس لنا إلا ~~الترضي عنهم والسكوت عما جرى بينهم كما نسكت عما جرى بين الصحابة رضي الله ~~عنهم أجمعين قال وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول إذا بلغك أن أحدا ~~من الأئمة شدد النكير على أحد من أقرانه فإنما ذلك خوفا على أحد أن يفهم من ~~كلامه خلاف مراده لا سيما علم العقائد فإن الكلام في ذلك أشد وقد اختفى ~~أحمد بن حنبل في دار إسماعيل بن إسحاق السراج وكان الحارث المحاسبي ينام ~~عنده هو وأصحابه فلما صلوا العشاء تذاكروا في الطريق وبكوا فبكى أحمد معهم ~~فلما أصبح قال ما رأيت مثل هؤلاء القوم ولا سمعت في علوم الحقائق شيئا يشبه ~~كلام هذا الرجل ومع هذا فلا أرى لك يا إسماعيل صحبتهم خوفا عليك أن تفهم ~~عنهم غير مرادهم انتهى كلام ابن السبكي فعلم أن كل دليل ورد مناقضا لدليل ~~آخر فليس هو بمناقض حقيقة وإنما هو محمول على حالين من وجوب وندب أو تحريم ~~وكراهة أو أحد الحديثين منسوخ لا بد من ذلك إذا التناقض في كلام الشارع ~~ممنوع كما مر ومن قال إن حديث من مس ذكره فليتوضأ يناقض حديث هل هو إلا ~~بضعة منك فما حقق النظر لأن حديث النقض بمس الفرج خاص بأكابر المؤمنين ~~وحديث هل هو إلا بضعة منك خاص بالعوام كما سيأتي بسطه في توجيه كلام الأئمة ~~إن شاء الله تعالى فإن قيل إذا قلتم بأن أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة رضي ~~الله عنه ليس فيها شئ ضعيف لسلامة الرواة بينة وبين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من ms112 الصحابة والتابعين من الجرح فما جوابكم عن قول بعض الحفاظ عن ~~شئ من أدلة الإمام أبي حنيفة بأنه ضعيف فالجواب يجب علينا حمل ذلك جزما على ~~الرواة النازلين عن الإمام في السند بعد موته رضي الله عنه إذا رووا ذلك ~~الحديث من طريق غير طريق الإمام إذ كل حديث وجدناه في مسانيد الإمام ~~الثلاثة فهو صحيح لأنه لولا صح عنده ما استدل به ولا يقدح فيه وجود كذاب أو ~~متهم بكذب مثلا في سنده النازل عن الإمام وكفانا صحة لحديث استدلال مجتهد ~~به ثم يجب علينا العمل به ولو لم يروه غيره فتأمل هذه الدقيقة التي نبهتك ~~عليها فلعلك لا تجدها في كلام أحد من المحدثين وإياك أن تبادر إلى تضعيف شئ ~~من أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة إلا بعد أن تطلع مسانيده الثلاثة ولم تجد ~~ذلك الحديث فيها ويحتمل أن يكون مراد القائل في شئ من أدلة مذهب الإمام أنه ~~ضعيف أدلة مذهب أصحابه الذي ولدوه بعده وفهموه من كلامه لجهل هذا بحقيقة ~~المذهب إذ مذهب الإمام حقيقة هو ما قاله ولم يرجع عنه إلى أن مات لا ما فهم ~~من كلامه كما مر أوائل الفصل وهذا الجهل يقع فيه كثير من طلبة العلم فضلا ~~عن غيرهم فيقولون عن مذهب أصحاب الإمام أنه مذهب له مع أن ذلك الإمام ليس ~~له في تلك المسألة كلام وقد عدوا مثل ذلك من قلة الورع في المنطق وسوء ~~التصريف وقالوا من بركة العلم وقوة المعرفة به عز وجل قول إلى قائله على ~~التعيين لينظر العلماء فيه ويكونوا على ثقة في عزوه إليه بخلاف نحو قولهم ~~قال بعض العلماء كذا فإنه عزو ناقص وثم من PageV00P068 # العلماء من جعل الله تعالى على كلامه القبول ومنهم من لم يجعل عليه قبولا ~~فيطعن فيه الناس وها أنا قد أبنت لك عن صحة أدلة مذهب الإمام الأعظم أبي ~~حنيفة رضي الله عنه وإن جميع ما استدل به لمذهبه أخذه عن خيار التابعين ~~وأنه لا يتصور في سنده ms113 شخص منهم بكذب أبدا وإن قيل بضعف شئ من أدلة مذهبه ~~فذلك الضعف إنما هو بالنظر للرواة النازلين عن سنده بعد موته وذلك لا يقدح ~~فيما أخذ به الإمام عند كل من استصحب النظر في الرواة وهو صاعد إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وكذلك تقول في أدلة مذهب أصحابه فلم يستدل أحد منهم ~~بحديث ضعيف فرد لم يأت إلا من طريق واحدة أبدا كما تتبعنا ذلك إنما يستدل ~~أحدهم بحديث صحيح أو حسن أو ضعيف قد كثرت طرقه حتى ارتفع لدرجة الحسن وذلك ~~أمر لا يختص بأصحاب الإمام أبي حنيفة بل يشاركهم فيه جميع المذاهب كلها كما ~~مر إيضاحه فاترك يا أخي التعصب على الإمام أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم ~~أجمعين وإياك وتقليد الجاهلين بأحواله وما كان عليه من الورع والزهد ~~والاحتياط في الدين فتقول إن أدلته ضعيفة بالتقليد فتحشر مع الخاسرين وتتبع ~~أدلته كما تتبعناها تعرف أن مذهبه رضي الله عنه من أصح المذاهب كبقية مذاهب ~~المجتهدين رضي الله عنهم أجمعين وإن شئت أن يظهر لك صحة مذهبه كالشمس في ~~الظهيرة ليس دونها سحاب فاسلك طريق أهل الله تعالى على الاخلاص في العلم ~~والعمل حتى تقف على عين الشريعة التي قدمنا ذكرها في أوائل الكتاب فهناك ~~ترى جميع مذاهب العلماء وأتباعهم تتفرع منها وليس مذهب أولى بها من مذهب ~~ولا ترى من أقوال المذاهب قولا واحدا خارجا عن الشريعة فرحم الله تعالى من ~~لزم الأدب مع الأئمة كلهم وأتباعهم فإن الله تعالى جعلهم قدوة للعباد في ~~سائر أقطار الأرض فإنها كلها هدى من الله تعالى ونور وطريق إلى دخول الجنة ~~وعن قريب يقدم عليهم في الآخرة من لزم الأدب معهم وينظر ما يحصل له من ~~الفرح والسرور حين يأخذون بيده ويشفعون فيه ضد ما يحصل لمن أساء معهم الأدب ~~والحمد لله رب العالمين * (فصل) * في بيان ضعف قول من قال إن مذهب الإمام ~~أبي حنيفة أقل المذاهب احتياطا في الدين اعلم يا أخي أن هذا قول متعصب ms114 على ~~الإمام رضي الله عنه وليس عند صاحبه ذوق في العلم فإني بحمد الله تتبعت ~~مذهبه فوجدته في غاية الاحتياط والورع لأن الكلام صفة المتكلم وقد أجمع ~~السلف والخلف على كثرة ورع الإمام وكثرة احتياطاته في الدين وخوفه من الله ~~تعالى فلا ينشأ عنه من الأقوال إلا ما كان على شاكلة حاله على أنه ما من ~~إمام إلا وقد شدد في شئ وترك التشديد في شئ آخر توسعة للأمة كما يعرف ذلك ~~من سير مذاهبهم كلها مثل ما سيرناها فبتقدير وجود قلة الاحتياط في شئ من ~~مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه فلا خصوصية له في ذلك فامتحن يا أخي ما ~~قلته لك في جميع أبواب الفقه من باب الطهارة إلى آخر الأبواب تعرف صدق قولي ~~لا سيما في الأموال والايضاع فإنه إن احتاط إمام للمشتري قل احتياطه للبائع ~~وإن احتاط إمام لوقوع الطلاق من الزوج قل احتياطه لمن يتزوجها بعده وبالعكس ~~فقد لا يكون الطلاق وقع بذلك اللفظ الذي قاله الحالف وقس على ذلك سائر ~~مسائل الخلاف ثم إن ما سماه هذا المعترض قلة احتياط من PageV00P069 # الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه ليس هو بقلة احتياط وإنما هو تيسير وتسهيل ~~على الأمة تبعا لما بلغه عن الشارع صلى الله عليه وسلم فإنه كان يقول يسروا ~~ولا تعسروا يعني في كل شئ لم تصرح به شريعتي وإلا فكل شئ صرحت به الشريعة ~~ليس فيه تضييق ولا مشقة على أحد أبدا فرجع الأمر في مثل ذلك إلى مرتبتي ~~الميزان تخفيف وتشديد تبعا لما ورد عن الشارع سواء وقد كان طلحة بن مصرف ~~ووالده وسفيان الثوري وغيرهم يكرهون لفظ الاختلاف بين العلماء ويقولون لا ~~تقولوا اختلاف العلماء وقولوا توسعة العلماء وقد قال تعالى أن أقيموا الدين ~~ولا تتفرقوا فيه انتهى فيجب على كل مقلد أن لا يعترض على قول مجتهد خفف أو ~~شدد فإنه ما خرج عن قواعد الدين ولا عن مرتبتي الميزان السابقة الجامعة ~~لجميع أقوال المجتهدين وأتباعهم وكذلك يجب ms115 عليه الاعتقاد الجازم بأن ذلك ~~الإمام الذي خفف أو شدد على هدى من ربه في ذلك حتى يمن الله تعالى عليه ~~بالوقوف على عين الشريعة المطهرة التي يتفرع منها كل قول من أقوال علماء ~~الشريعة وقد أجمع أهل الكشف على أن الدائر مع رفع الحرج عن الأمة أولى من ~~الدائر مع الحرج عليهم لأن رفع الحرج هو الحال الذي ينتهي أمر الخلائق إليه ~~في الجنة فيتبؤون منها حيث شاءوا لا تحجير فيها على أحد عكس الحال في ~~الدنيا والحمد لله رب العالمين * (فصل) * في بيان ذكر بعض من أطنب في ~~الثناء على الإمام أبي حنيفة من بين الأئمة على الخصوص وبيان توسعته على ~~الأمة وسعة علمه وكثرة ورعه وعبادته وعفته وغير ذلك روى الإمام أبو جعفر ~~الشيزاماري عن شقيق البلخي إنه كان يقول كان الإمام أبو حنيفة من أورع ~~الناس وأعلم الناس وأعبد الناس وأكرم الناس وأكثرهم احتياطا في الدين ~~وأبعدهم عن القول بالرأي في دين الله عز وجل وكان لا يضع مسألة في العلم ~~حتى يجمع أصحابه عليها ويعقد عليها مجلسا فإذا اتفق أصحابه كلهم على ~~موافقتها للشريعة قال لأبي يوسف أو غيره ضعها في الباب الفلاني انتهى وقد ~~مر ذلك في الفصول السابقة فانظر يا أخي شدة ورع هذا الإمام وخوفه من الله ~~أن يزيد في شرعه ما لم تقبله شريعة نبيه صلى الله عليه وسلم وروى أيضا ~~بسنده إلى إبراهيم بن عكرمة المخزومي رحمه الله تعالى إنه كان يقول ما رأيت ~~في عصري كله عالما أورع ولا أزهد ولا أعبد ولا أعلم من الإمام أبي حنيفة ~~رضي الله عنه وروى الشيزاماري أيضا عن عبد الله بن المبارك قال دخلت الكوفة ~~فسألت علماءها وقلت من أعلم الناس في بلادكم هذه فقالوا كلهم الإمام أبو ~~حنيفة فقلت لهم من أورع الناس فقالوا كلهم الإمام أبو حنيفة فقلت لهم من ~~أزهد الناس فقالوا كلهم الإمام أبو حنيفة فقلت لهم أعبد الناس وأكثرهم ~~اشتغالا للعلم فقالوا كلهم الإمام أبو حنيفة فما ms116 سألتهم عن خلق من الأخلاق ~~الحسنة إلا وقالوا كلهم لا نعلم أحد تخلق بذلك غير الإمام أبي حنيفة رضي ~~الله عنه وكان شقيق البلخي يمدح أبا حنيفة ويثني عليه كثيرا ويقول على رؤوس ~~الأشهاد في الملأ العظيم من مثل الإمام أبي حنيفة في الورع كان إذا اشترى ~~أحد منه ثوبا وخلط ثمنه على الغلة ثم رده عليه يعطي صاحب الثوب جميع الغلة ~~التي عنده ويقول قد اختلطت دراهمك بدارهمي فخذها كلها وسامحتك يا أخي دنيا ~~وأخرى وهذا PageV00P070 # ورع لم يبلغنا وقوعه من غيره رضي الله عنه وروى أبو جعفر الشيزاماري أيضا ~~أن الإمام أبا حنيفة وكل وكيلا في بيع ثياب من خز وكان فيها ثوب معيب فقال ~~للوكيل لا تبع هذا الثوب حتى تبين عيبه فباعه ونسي أن يبين عيبه وخلط ثمنه ~~على ثمن بقية الثياب فلما أخبره الوكيل بذلك تصدق بثمن الثياب كلها على ~~الفقراء والمساكين ومحاويج أهل الذمة قال وروينا عن شقيق البلخي أن الإمام ~~أبا حنيفة رضي الله عنه كان لا يجلس في ظل جدار غريمه ويقول إن لي عنده ~~قرضا وكل قرض جر نفعا فهو ربا وجلوسي في ظل جداره انتفاع لي بظل جداره ومن ~~دقيق ورعه رضي الله عنه أن أبا جعفر المنصور الخليفة لما منع الإمام أن ~~يفتي سألته ابنته في الليل عن الدم الخارج من لحم الأسنان هل ينقض الوضوء ~~فقال لها سلي عمك حمادا عن ذلك بكرة النهار فإن إمامي منعني الفتيا ولم أكن ~~ممن يخون إمامه بالغيب انتهى فانظر يا أخي إلى شدة مراقبته لله عز وجل وكان ~~هذا المنع للإمام رضي الله عنه قبل اجتماعه به ومعرفته بمقام الإمام في ~~العلم وروى أبو نعيم وغيره عن الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه أنه صلى الصبح ~~بوضوء العشاء أكثر من خمسين سنة ولم يكن يضع جنبه إلى الأرض في الليل أبدا ~~وإنما كان ينام لحظة بعد صلاة الظهر وهو جالس ويقول قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم استعينوا على قيام ms117 الليل بالقيلولة يعني النوم بعد الظهر وروى ~~الثقات عنه أنه رضي الله عنه ضرب وحبس ليلى القضاء فصبر على ذلك ولم يل ~~وكان سبب إكراهه على القضاء أنه لما مات القاضي الذي كان في عصره فتش ~~الخليفة في بلاده عن أحد يكون مكان القاضي الذي مات فلم يجدوا أحدا يصلح ~~لذلك غير الإمام لكثرة علمه وورعه وعفته وخوفه من الله تعالى وقيل إنه مات ~~في السجن وبلغ الإمام أبا حنيفة أنهم قالوا للخليفة قد فتشنا العلماء فما ~~وجدنا أحدا أفقه ولا أورع من الإمام أبي حنيفة ويليه سفيان الثوري وصلة بن ~~اشيم وشريك فقال الإمام أبو حنيفة أنا أخمن لكم تخمينا أما أنا فأضرب وأحبس ~~ولا ألي وأما سفيان فيهرب وأما صلة بن أشيم فيتحامق ويتخلص وأما شريك فيقع ~~فكان الأمر كما قال الإمام فإن سفيان لبس ثياب الفتيان وأخذ بيده عصا وخرج ~~إلى بلاد اليمن فلم يعرفه أحد حين خرج وأما شريك فتولى وأما صله فدخل على ~~الخليفة وقال له كم عندك من الحمير والبراذين وايش طبخت اليوم فقال الخليفة ~~أخرجوه عني هذا مجنون قال الشيزاماري وبلغنا عن الإمام أبي حنيفة وسفيان ~~وصلة إنهم هجروا شريكا حتى ماتوا وقالوا كان يمكنه عمل الحيلة ويتخلص من ~~هذه الورطة فلم يفعل رضي الله عنهم أجمعين وأما توسعة الإمام رضي الله عنه ~~على الأمة فكثيرة لمن تتبع أقواله وسيأتي غالبها في توجيه أقوال الأئمة إن ~~شاء الله تعالى فمن ذلك قوله رضي الله عنه بصحة الطهارة من ماء الحمامات ~~المسخنة بالسرجين وعظام الميتة فإنه في غاية التوسعة على الأمة عكس من قال ~~بمنع الطهارة من ذلك الماء ومنع أكل الخبز المخبوز بالنجاسة وإن كان كل من ~~المذهبين يرجع إلى مرتبتي الميزان من تخفيف وتشديد ومن ذلك قوله رضي الله ~~عنه بطهارة الفخار الذي خلط بالنجاسة وقوله إن النار تطهر ذلك فإن ذلك في ~~غاية التوسعة على الأمة فلولا هذا القول ما كان يجوز لنا استعمال شئ من ~~الازيار والأباريق والشقف والزبادي والقلل ms118 PageV00P071 # والكيزان والطواجن والخوابي ورماد النجاسة الذي يبني به وقد بلغنا أن ~~جميع ما ذكر لا بد من خلطه بالسرجين ليتم تماسكه بل رأينا ذلك وشاهدناه من ~~صانع الفخار والشقف ولولا تقليد الناس للإمام أبي حنيفة رضي الله عنه في ~~قوله يحل استعمال الفخار المذكور لتكدر عيش الناس وضاعت مصالحهم وقد ~~استنبطت لقوله رضي الله عنه في ذلك دليلا وهو ما ورد من تطهير عصاة ~~المسلمين بالنار ثم بعد ذلك يدخلون الجنة لأن من شأن الجنة أن لا يدخلها ~~إلا المطهرون من الدنس الظاهر والباطن فكما كانت النار مطهرة من الذنوب ~~المعنوية فكذلك تكون مطهرة من الأمور المحسوسة كالسرجين الذي يعجن به ~~الفخار فإن قلت فما تقولون فيما كان نجسا من أصل خلقته كعظام الخنزير وبقية ~~أجزائه إذا أحرقت عند من يقول بنجاسته من أصل الخلقة ذاتا وصفة فالجواب مثل ~~ذلك لا ينبغي إضافته إلى الإمام أبي حنيفة لأنه نظير أجسام الكفار فلا ~~يطهره إحراقه بالنار كما سيأتي بسطه في توجيه أقوال العلماء إن شاء الله ~~تعالى فعلم أنه يجب على كل مكلف أن يشكر الله تعالى على إيجاده مثل الإمام ~~أبي حنيفة رضي الله عنه في الدنيا ليوسع على الناس تبعا لتيسير الله تعالى ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم وجميع ما سكت الشرع عنه ولم يتعرض فيه لأمر ولا ~~نهي فهو عافية وتوسعة على الأمة فليس لأحد أن يحجره عليهم ثم إن وقع من ~~عالم تحجير في مثل ذلك كان على سبيل التنزه والتورع كما نهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم أهل بيته عن لبس الحرير مع قوله صلى الله عليه وسلم بحله للإناث ~~دون الرجال والعلماء أمناء الشارع على شريعته من بعده فلا اعتراض عليهم ~~فيما بينوه للخلق واستنبطوه من الشريعة لا سيما الإمام أبو حنيفة رضي الله ~~عنه فلا ينبغي لأحد الاعتراض عليه لكونه من أجل الأئمة وأقدمهم تدوينا ~~للمذهب وأقربهم سند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشاهدا لفعل أكابر ~~التابعين من الأئمة رضي الله عنهم ms119 أجمعين وكيف يليق بأمثالنا الاعتراض على ~~إمام عظيم أجمع الناس على جلالته وعلمه وورعه وزهده وعفته وعبادته وكثرة ~~مراقبته لله عز وجل وخوفه منه طول عمره ما هذا والله إلا عمي في البصيرة ~~لأن جميع ما وسع به علينا إنما هو من توسعة الشارع ثم بتقدير عدم تصريح ~~الشريعة بذلك فهو من باب اجتهاده ونور قلبه وإمام عظيم يوسع علينا باجتهاده ~~مع شدة ورعه واحتياطه في دينه وشدة احتياجنا إلى ما وسع به علينا كيف يسوغ ~~لمسلم عاقل أن يفترض عليه مع شدة احتياجه هو إلى ما وسع به الإمام عليه ~~ليلا ونهارا فاعلم ذلك وتأمله فإنه نفيس وإياك أن تخوض مع الخائضين في ~~أعراض الأئمة بغير علم فتخسر في الدنيا والآخرة فإن الإمام رضي الله عنه ~~كان متقيدا بالكتاب والسنة متبرئا من الرأي كما قدمناه لك في عدة مواضع من ~~هذا الكتاب ومن فتش مذهبه رضي الله عنه وجده من أكثر المذاهب احتياطا في ~~الدين ومن قال غير ذلك فهو من جملة الجاهلين المتعصبين المنكرين على أئمة ~~الهدى بفهمه السقيم وحاشى ذلك الإمام الأعظم من مثل ذلك حاشاه بل هو إمام ~~عظيم متبع إلى انقراض المذاهب كلها كما أخبرني به بعض أهل الكشف الصحيح ~~وأتباعه لن يزالوا في ازدياد كلما تقارب الزمان وفي مزيد اعتقاد في أقواله ~~وأقوال أتباعه وقد قدمنا قول إمامنا الشافعي رضي الله عنه الناس كلهم عيال ~~PageV00P072 # في الفقه على أبي حنيفة رضي الله عنه وقد ضرب بعض أتباعه وحبس ليقلد غيره ~~من الأئمة فلم يفعل وما ذلك والله سدى ولا عبرة بكلام بعض المتعصبين في حق ~~الإمام ولا بقولهم إنه من جملة أهل الرأي بل كلام من يطعن في هذا الإمام ~~عند المحققين يشبه الهذيانات ولو أن هذا الذي طعن في الإمام كان له قدم في ~~معرفة منازع المجتهدين ودقة استنباطاتهم لقدم الإمام أبا حنيفة في ذلك على ~~غالب المجتهدين لخفاء مدركه رضي الله عنه واعلم يا أخي أنني ما بسطت لك ~~الكلام على مناقب ms120 الإمام أبي حنيفة أكثر من غيره إلا رحمة بالمتهورين في ~~دينهم من بعض طلبة المذاهب المخالفة له فإنهم ربما وقعوا في تضعيف شئ من ~~أقواله لخفاء مدركه عليهم بخلاف غيره من الأئمة فإن وجوه استنباطاتهم من ~~الكتاب والسنة ظاهرة لغالب طلبة العلم الذين لهم قدم في الفهم ومعرفة ~~المدارك وإذ بان لك تبري الأئمة كلهم من الرأي فاعمل بكل ما تجده من كلام ~~الأئمة بانشراح صدر ولو لم تعرف مدركه فإنه لا يخرج عن إحدى مرتبتي الميزان ~~ولا يخلو أن تكون أنت من أهل مرتبة منهما وإياك والتوقف عن العمل بكلام أحد ~~من الأئمة المجتهدين رضي الله عنهم فإنهم ما وضعوا قولا من أقوالهم إلا بعد ~~المبالغة في الاحتياط لأنفسهم وللأمة ولا تفرق بين أئمة المذاهب بالجهل ~~والتعصب فإن من فرق بين الأئمة فكأنه فرق بين الرسل كما مر بيانه في الفصول ~~قبله وإن تفاوت المقام فإن العلماء ورثة الرسل وعلى مدرجتهم سلكوا في ~~مذاهبهم وكل من اتسع نظره وأشرف على عين الشريعة الأولى وعرف منازع أقوال ~~الأئمة ورآهم كلهم يغترفون أقوالهم من عين الشريعة لم يبق عنده توقف في ~~العمل بقول إمام منهم كائنا من كان بشرطه السابق في الميزان وقد تحققنا ~~بذلك ولله الحمد فليس عندي توقف في العمل برخصة قال بها إمام إذا حصل شرطها ~~أبدا ومن لم يصل إلى هذا المقام من طريق الكشف وجب عليه اعتقاد ذلك في ~~الأئمة من طريق الإيمان والتسليم ومن فهم ما ذكرناه من هذا البيان العظيم ~~لم يبق له عذر في التخلف عن اعتقاده أن سائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم ~~أبدا ويقال لكل من توقف عن ذلك الاعتقاد أن هؤلاء الأئمة الذين توقفت عن ~~العمل بكلامهم كانوا أعلم منك وأورع بيقين في جميع ما دونوه في كتبهم ~~لأتباعهم وإن ادعيت أنك أعلم منهم نسبك الناس إلى الجنون أو الكذب جحدا ~~وعنادا وقد أفتى علماء سلفك بتلك الأقوال التي تراها أنت ضعيفة ودانوا الله ~~تعالى بها حتى ماتوا فلا ms121 يقدح في علمهم وورعهم جهل مثلك بمنازعهم وخفاء ~~مداركهم ومعلوم بل مشاهد أن كل عالم لا يضع في مؤلفه عادة إلا ما تعب في ~~تحريره ووزنه بميزان الأدلة وقواعد الشريعة وحرره تحرير الذهب والجوهر ~~فإياك أن تنقبض نفسك من العمل بقول من أقوالهم إذا لم تعرف منزعه فإنك عامي ~~بالنسبة إليهم والعامي ليس من مرتبته الانكار على العلماء لأنه جاهل بل ~~اعمل يا أخي بجميع أقوال العلماء ولو مرجوحة أو رخصة بشرطها المعروف بين ~~العلماء وشاكل بعضك بعضا وفتش نفسك فربما رأيتها تقع في الكبائر من غل وحسد ~~وكبر ومكر واستهزاء بالناس وغيبة فيهم وأكل حرام فضلا عن الشبهات وغير ذلك ~~من الكبائر فضلا عن الصغائر والمكروهات ومن يقع في مثل ذلك فأين دعواه ~~الورع وصدقه فيه حتى يتورع عن العمل بقول مجتهد لا يعرف دليله ما هذا ~~PageV00P073 # والله إلا جهل أو حمية الجاهلية كيف يقع فيما عرف دليل تحريمه من الكتاب ~~والسنة وإجماع الأمة ويتورع عما يراه من كلام أئمة الهدى فليتنا يا أخي ~~نراك تتكدر من وقوعك في هذه الكبائر كما نراك تتكدر من تقليد غير إمامك أو ~~ممن أمرك بالانتقال من مذهبك إلى غيره ويا ليت ذنوبك كلها مثل ذنوب انتقالك ~~من مذهب إلى مذهب أو مثل عملك بقول إمام لم تعرف دليله أو عمل بقول ضعيف ~~فاعتقادك يا أخي الصحة في كلام أئمة الهدى واجب عليك ما دمت لم ينكشف لك ~~الحجاب ولم تقف على عين الشريعة الأولى التي يتفرع منها قول كل عالم كما ~~تقدم بيانه في فصل الأمثلة المحسوسة وكل من نظر بعين الإنصاف وصحة الاعتقاد ~~وجد جميع مذاهب الأئمة كأنها نسجت من الكتاب والسنة سداها ولحمتها منهما ~~والحمد لله رب العالمين * (فصل) * قال المحققون إن للعلماء وضع الأحكام حيث ~~شاؤوا بالاجتهاد بحكم الإرث لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكما أن للشارع ~~صلى الله عليه وسلم أن يبيح ما شاء لقوم ويحرمه على قوم آخرين فكذلك ~~للعلماء أن يفعلوا مثل ذلك فيمنعوا صحة ms122 الصلاة أو البيع أو غيرهما في باب ~~ويصححوا ذلك في باب آخر مع اتحاد التعليل في البابين نظير ذلك قولهم بوجوب ~~الغسل على النفساء لكون الولد منيا منعقدا وعدم قولهم بوجوبه إذا ألقت ~~المرأة يدا أو رجلا فقط مع أن اليد أو الرجل مني منعقد بلا شك فمن اعترض ~~عليهم في ذلك قلنا له إن العلماء تابعون للشارع في ذلك بدليل ما نقل إلينا ~~في الخصائص النبوية من أنه صلى الله عليه وسلم أوجب على نفسه ما أباحه ~~لأمته وحرم عليهم ما أباحه لنفسه بإذن من ربه عز وجل إذ العلماء أمناؤه صلى ~~الله عليه وسلم على شريعته من بعده فلا ينبغي لأحد أن يعترض عليهم إذا ~~تناقض كلامهم في أبواب الفقه مع اتحاد العلل والحمد لله رب العالمين * ~~(فصل) * في بيان بعض ما اطلعت عليه من كتب الشريعة قبل وضعي هذه الميزان ~~الشريفة لتقتدي بي يا أخي في ذلك إن طلبت الإحاطة بها ذوقا إذ العلم قد ~~يتخلف عن صاحبه ويحجب عنه بخلاف الذوق ولعل قائلا يقول من أين اطلع صاحب ~~هذه الميزان على جميع ما دونه المحدثون من الأحاديث والفقهاء من المذاهب في ~~سائر أقطار الأرض حتى قدر أن يردها كلها إلى مرتبتي تخفيف وتشديد فإذا اطلع ~~على الكتب التي طالعتها وحفظتها وشرحتها على مشايخ الإسلام من الشريعة ~~فربما سلم لي واقتدى بي في مطالعة هذه الكتب التي أذكرها إن شاء الله تعالى ~~وكلها ترجع إلى ثلاثة أقسام حفظ متون وشرح لها ومطالعة لنفسي مع مراجعة ~~العلماء في المشكلات منها * (القسم الأول) في ذكر الكتب التي حفظتها عن ظهر ~~قلب وعرضتها على العلماء فمن ذلك كتاب المنهاج للنووي وكتاب الروض لابن ~~المقري ومختصر الروضة إلى باب القضاء على الغائب وكتاب جمع الجوامع في أصول ~~الفقه والدين وكتاب ألفية ابن مالك في النحو وكتاب تلخيص المفتاح في ~~المعاني والبيان وكتاب ألفية العراقي في علم الحديث وكتاب التوضيح في النحو ~~لابن هشام وكتاب الشاطبية في علم القراءات وغير ذلك من ms123 المختصرات * (القسم ~~الثاني) ما شرحته على العلماء فقرأت PageV00P074 # بحمد الله شروح جميع هذه الكتب على العلماء رضي الله عنهم مرارا قراءة ~~بحث وتحقيق حسب طاقتي ومرتبتي فقرأت شرح المنهاج للشيخ جلال الدين المحلي ~~على الأشياخ مع تصحيح ابن قاضي عجلون مع مطالعة شروحه الموجودة في مصر عشر ~~مرات وقرأت شرح الروض على مؤلفه سيدنا ومولانا شيخ الإسلام زكريا كاملا ~~وقرأت عليه شرح المنهج له أيضا وشرح البهجة الكبير وشرح التحرير وشرح ~~التنقيح وشرح رسالة القشيري وشرح آداب البحث وآداب القضاء وشرح البخاري ~~للمؤلف وشرحه للشيخ شمس الدين الجوجري وكتاب القوت للأذرعي والقطعة ~~والتكملة للزركشي وقطعة السبكي على المنهاج وكتاب التوشيح لولده وشرح ابن ~~الملقن على المنهاج والتنبيه وشرح ابن قاضي شهبة الكبير والصغير وقرأت شرح ~~الروض على الشيخ شهاب الدين الرملي وكنت أكتب على كل درس منها زوائد شرح ~~الروض وزوائد الخادم وزوائد المهمات وزوائد شرح المهذب وغير ذلك حتى كان ~~الشيخ يتعجب من سرعة مطالعتي لهذه الكتب ويقول لي لولا كتابتك زوائد هذه ~~الكتب لما كننت أظن أنك طالعت كتابا واحدا من هذه الكتب ولما قرأت شرح ~~الروض على مؤلفه شيخ الإسلام زكريا كنت أطالع عليه جميع المواد التي تيسرت ~~لي زمن القراءة وتحرير جميع عباراته من أصولها كلها حتى أحطت علما بأصول ~~الكتاب التي استمد منها في الشرح كالمهمات والخادم وشرح المهذب والقطعة ~~والتكملة وشرح ابن قاضي شهبة والرافعي الكبير والبسيط والوسيط والوجيز ~~وفتاوي القفال وفتاوي القاضي حسين وفتاوي ابن الصلاح وفتاوي الغزالي وغير ~~ذلك وكنت أنبه الشيخ على كل عبارة نقلها مع إسقاط شئ منها واطلعته على ~~اثنتي عشرة مسألة ذكر أنها من زيادة الروض على الروضة والحال أنها مذكورة ~~في الروضة في غير أبوابها وألحقها الشيخ بشرحه وأطلعته على مواضع كثيرة ذكر ~~أنها من أبحاث الزركشي وغيره في الخادم والحال أنها من أقوال الأصحاب ~~فأصلحها في الشرح وقرأت شروح ألفيه ابن مالك كابن المصنف والأعمى والبصير ~~وابن أم قاسم والمكودي وابن عقيل والأشموني مرارا على الشيخ ms124 شهاب الدين ~~الحامي وغيره وقرأت عليه شرح التوضيح للشيخ خالد وكتاب المغني وحواشيه وغير ~~ذلك وقرأت شرح ألفية العراقي مرارا فقرأت شرحها للمؤلف على الشيخ شهاب ~~الدين الرملي وشرحها للسخاوي على الشيخ أمين الدين الإمام بجامع الغمري ثم ~~اختصرته وقرأت شرحها للجلال السيوطي وشرحها للشيخ زكريا عليه مرة واحدة ~~وكذلك علوم الحديث لابن الصلاح ومختصر النووي وقرأت شرح جمع الجوامع للشيخ ~~جلال الدين المحلي وحاشيته لابن أبي شريف على الشيخ نور الدين المحلي وكنت ~~أقرأ الحاشية والشرح عليه على ظهر قلبي إذا نسيت انكراس في البيت والشيخ ~~نور الدين ماسك الحاشية وكان يتعجب من سرعة حفظي لذلك وحسن مطالعتي وقرأت ~~العضد وحواشيه على الشيخ عبد الحق السنباطي وقرأت المطول ومختصره على الشيخ ~~العلامة ملا على العجمي بباب القرافة وحواشيه وقرأت شرح الشاطبية للسخاوي ~~ولابن القاصح وغيرهما على الشيخ نور الدين الجارحي وغيره وقرأت من كتب ~~التفسير وموادها PageV00P075 # تفسير الإمام البغوي على شيخ الإسلام الشيخ شهاب الدين الشيشيني الحنبلي ~~وقرأت الكشاف وحواشيه وتفسير البيضاوي وحاشيته للشيخ جلال الدين السيوطي ~~على شيخ الإسلام زكريا مرة واحدة وكنت أطالع على ذلك تفسير ابن زهرة وتفسير ~~ابن عادل وتفسير الكواشي وتفاسير الواحدي الثلاثة وتفاسير الشيخ عبد العزيز ~~الديريني الثلاثة وتفسير الثعلبي وتفسير الجلالي السيوطي المسمى بالدر ~~المنثور وغير ذلك ونشأ من قراءتي الحاشية التي وضعها شيخ الإسلام المذكور ~~على تفسير البيضاوي وقرأت شرح البخاري للشيخ شهاب الدين القسطلاني على ~~مؤلفه المذكور وكنت أطالع عليه تفسير القرآن العظيم لأجل ما في البخاري من ~~الآيات لأعرف مقالات المفسرين فيها وأطلع عليه أيضا شرح البخاري للحافظ ابن ~~حجر وشرحه للكرماني وشرحه للعيني وشرحه للبرماوي وغير ذلك وقرأت عليه شرح ~~مسلم للإمام النووي وشرحه للقاضي عياض والقطعة التي شرحها الشيخ شهاب الدين ~~المذكور على مسلم وقرأت كتاب الأحوذي على شرح الترمذي لأبي بكر بن العربي ~~المالكي وكذلك قرأت عليه كتاب الشفا للقاضي عياض وكتاب المواهب اللدنية في ~~المنح المحمدية وغير ذلك * (القسم الثالث) فيما طالعته لنفسي وكنت أراجع ms125 ~~الأشياخ في مشكلاته بعد قراءتي على الأشياخ جميع الكتب المتقدمة كلها طالعت ~~شرح الروض نحو خمس عشرة مرة وطالعت كتاب الأم للإمام الشافعي رضي الله عنه ~~ثلاث مرات وكنت أطالع عليه استدراكات الأصحاب وتقييداتهم عليه في شروحهم ~~وتعاليقهم وطالعت مختصر المزني وشرحه الذي وضعه عليه شيخ الإسلام زكريا كذا ~~كذا مرة وطالعت مسند الإمام الشافعي رضي الله عنه مرات والحاوي مرة واحدة ~~وطالعت كتاب المجلي لابن حزم في الخلاف العالي وهو ثلاثون مجلدا وكتاب ~~الملل والنحل له وكتاب المعلى مختصر المجلى للشيخ محيي الدين بن العربي ~~وطالعت الحاوي للماوردي وهو عشر مجلدات وكذلك الأحكام السلطانية له مرة ~~واحدة وطالعت فروع ابن الحداد وكتاب الشامل لابن الصباغ وكتاب العدة لأبي ~~محمد الجويني وكتاب المحيط والفروق له مرة واحدة وطالعت الرافعي الكبير ~~والصغير مرة واحدة وطالعت شرح المهذب للنووي والقطعة للسبكي عليه نحو خمسين ~~مرة وطالعت شرح مسلم للنووي خمس مرات وطالعت المهمات والتعقبات عليها مرتين ~~وطالعت الخادم مرتين ونصفا وطالعت القوت للأذرعي والتوسط والفتح له مرة ~~واحدة وطالعت كتاب العمدة لابن الملقن والعجالة وشرح التنبيه له مرة واحدة ~~طالعت تفسير الجلالين نحو ثلاثين مرة وشرح المنهاج للجلال المحلي نحو عشر ~~مرات وطالعت فتح الباري على البخاري مرة وشرح العيني مرة وشرح الكرماني ~~ثلاث مرات وشرح البرماوي مرتين والتنقيح للزركشي ثلاث مرات وطالعت شرح ~~القسطلاني ثلاث مرات وشرح مسلم للقاضي عياض مرة وللفارسي مرة وطالعت تفسير ~~البغوي ثلاث مرات والخازن خمس مرات وابن عادل مرة والكواشي ثلاث مرات ~~وتفسير ابن زهرة ومكي مرة واحدة وتفسير الجلال السيوطي المأثور نحو ثلاث ~~مرات وطالعت الكشاف بحواشيه نحو حاشية الطيبي وحاشية التفتازاني ~~PageV00P076 # وحاشية ابن المنير عليه ثلاث مرات وعرفت جميع المواضع التي وافق عليها ~~أهل الاعتزال وجمعتها في جزء وطالعت على الكشاف أيضا البحر لأبي حيان ~~واعراب السمين واعراب السفاقسي وطالعت تفسير البيضاوي مع حاشية الشيخ زكريا ~~عليه ثلاث مرات وطالعت تفسير ابن النقيب المقدسي وهو مائة مجلد وطالعت ~~تفاسير الواحدي الثلاثة وتفاسير عبد العز ms126 الديريني الثلاثة كلا منها مرات ~~وطالعت من كتب الحديث ما لا أحصي له عددا في هذا الوقت من المسانيد ~~والأجزاء كموطأ الإمام مالك ومسند الإمام أحمد ومسانيد الإمام أبي حنيفة ~~الثلاثة وكتاب البخاري وكتاب مسلم وكتاب أبي داود وكتاب الترمذي وكتاب ~~النسائي وصحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبان ومسند الإمام سعيد بن عبد الله ~~الأزدي ومسند عبد الله بن حميد والغيلانيات ومسند الفردوس الكبير وطالعت ~~معاجم الطبراني الثلاثة وطالعت من الجوامع للأصول كتاب ابن الأثير وجوامع ~~الشيخ جلال الدين السيوطي الثلاثة وكتاب السنن الكبرى للبيهقي ثم اختصرتها ~~وقد قال ابن الصلاح ما ثم كتاب في السنة أجمع الأدلة من كتاب السنن الكبرى ~~للبيهقي وكأنه لم يترك في سائر أقطار الأرض حديثا إلا وقد وضعه في كتابه ~~انتهى وهو من أعظم أصولي التي استمديت منها في الجمع بين الأحاديث في هذه ~~الميزان كما سبق في الفصول وطالعت من كتب اللغة صحاح الجوهري وكتاب النهاية ~~لابن الأثير وكتاب القاموس وكتاب تهذيب الأسماء واللغات للنووي ثلاث مرات ~~وطالعت من كتب أصول الفقه والدين نحو سبعين مؤلفا وأحطت علما بما عليه أهل ~~السنة والجماعة وبما عليه المعتزلة والقدرية وأهل الشطح من غلات المتصوفة ~~المتفعلين في الطريق وطالعت من فتاوي المتقدمين والمتأخرين ما لا أحصي له ~~عددا كفتاوي القفال وفتاوي القاضي حسين وفتاوي الماوردي وفتاوي الغزالي ~~وفتاوي ابن الحداد وفتاوي ابن الصلاح وفتاوي ابن عبد السلام وفتاوي السبكي ~~وفتاوي البلقيني وكل من هاتين الأخيرتين مجلدات وطالعت فتاوي شيخنا الشيخ ~~زكريا وشيخنا الشيخ شهاب الدين وغير ذلك كفتاوي النووي الكبرى والصغرى ~~وفتاوي ابن الفركاح وفتاوي ابن أبي شريف وغير ذلك ثم جمعتها كلها في مجلد ~~بإسقاط المتداخل منها وطالعت من كتب القواعد قواعد ابن عبد السلام الكبرى ~~والصغرى وقواعد العلائي وقواعد ابن السبكي وقواعد الزركشي ثم اختصرتها أعني ~~الأخيرة وطالعت من كتب السير كثيرا كسيرة ابن هشام وسيرة الكلاعي وسيرة ابن ~~سيد الناس وسيرة الشيخ محمد الشامي وهي أجمع كتاب في السير وطالعت كتاب ~~المعجزات والخصائص ms127 للجلال السيوطي ثم اختصرته وطالعت من كتب التصوف ما لا ~~أحصي له عدا الآن كالقوت لأبي طالب المكي والرعاية للحارث المحاسبي ورسالة ~~القشيري والإحياء للغزالي وعوارف المعارف للسهروردي ورسالة النور لسيدي ~~أحمد الزاهد وهي مجلدان وكتاب منح المنة لسيدي محمد الغمري وهو ست مجلدات ~~وكتاب الفتوحات المكية وهي عشر مجلدات ثم اختصرتها وطالعت كتاب الملل ~~والنحل لابن حزم كذا كذا مرة وعرفت جميع العقائد الصحيحة والفاسدة ثم ترقت ~~الهمة إلى مطالعة بقية كتب المذاهب الأربعة PageV00P077 # فطالعت من كتب المالكية التي عليها العمل كتاب المدونة الكبرى ثم ~~اختصرتها ثم طالعت الصغرى وكتاب ابن عرفة وابن رشد وكتاب شرح رسالة ابن أبي ~~زيد للتتاءي وللشيخ جلال الدين قاسم وطالعت شرح المختصر لبهرام وللتتاءي ~~وغيره وابن الحاجب وكنت أراجع في مشكلاتها ابن قاسم والشيخ شمس الدين ~~اللقاني وأخاه الشيخ ناصر الدين وأحطت علما بما عليه الفتوى في مذهبهم وما ~~انفرد به الإمام مالك عن بقية الأئمة من مسائل الاستنباط وطالعت من كتب ~~الحنفية شرح القدوري وشرح مجمع البحرين وشرح الكنز وفتاوي قاضي خان ومنظومة ~~النسفي وشرح الهداية وتخريج أحاديثها للحافظ الزيلعي وكنت أراجع في ~~مشكلاتها الشيخ نور الدين الطرابلسي والشيخ شهاب الدين بن الشلبي والشيخ ~~شمس الدين الغزي وغيرهم وطالعت من كتب الحنابلة شرح الخرقي وابن بطة ~~وغيرهما من الكتب وكنت أراجع في مشكلاتها شيخ الإسلام الشيشيني الحنبلي ~~وشيخ الإسلام شهاب الدين الفتوحي وغيرهما كل هذه المطالعة كانت بيني وبين ~~الله تعالى وبارك الله تعالى في وقتي فهذا ما استحضرته في هذا الوقت من ~~الكتب التي طالعتها ومن شك في مطالعتي لها من الأقران فليأتني بأي كتاب شاء ~~من هذه الكتب ويقرؤه على وأنا أحله له بغير مطالعة فإن الله تعالى على كل ~~شئ قدير وقد تم بحمد الله طبع هذا الكتاب * العذب المنهل للواردين من ~~الطلاب * المستغنى 4 فضله عن البيان * وحسبك أنه لمدارك الأئمة ميزان * ~~فطبعه لا شك معدود من المآثر الجميلة * والمفاخر الفائقة الجليلة * التي ~~ظهرت في الأيام السعيدية * والدولة ms128 الخديوية الداورية * لا زالت مصر بهمتها ~~ترفل في حلل الفخار * ويطير جميل ذكرها في سائر الأقطار * ولا برحت تهمى ~~عليها سحائب مراحمها * وتغرد في رياضها حمائم مآثرها ومكارمها * وكان طبعه ~~على هذا الوجه الحسن * ونسيجه على هذا المنوال المستحسن * ملحوظا بنظرنا ~~ناطر الطباعة * رب البراعة والبراعة * من عليه في إرادتها المعول والعمدة * ~~حضرة على أفندي جوده * ومصححا بمعرفة ملتزم طبعه * لأجل نشره وعموم نفعه * ~~من هو لأنواع المزايا حاوي * جناب العلامة الفاضل الشيخ حسن العدوي ~~الحمزاوي * أحد علماء الأزهر * هيأ الله له الأسباب ويسر * ولما وافى طبعه ~~حد التمام * وعبقت منه روائح مسك الختام * في أواخر شهر رمضان * من سنة ~~1275 ألف ومائتين وخمس وسبعين من هجرة سيد ولد عدنان * عليه أفضل الصلاة ~~والسلام * وعلى آله وصحبه الكرام * أرخه الفاضل النجيب * والشاعر الأديب * ~~من لعفو مولاه ارتجى * السيد عبد الهادي نجا * بقوله PageV00P078 # الشعراني - عبد الوهاب بن أحمد بن علي بن أحمد ابن محمد بن زرقا بن موسى ~~بن السلطان أحمد التلمساني الفقيه المحدث الشعراني المصري الصوفي توفي في ~~جمادى الأول من سنة 973 ثلاث وسبعين وتسعمائة له الأجوبة المرضية عن أئمة ~~الفقهاء والصوفية. الأخلاق الزكية والعلوم اللدنية. الأخلاق المتبولية ~~المفاضة من الحضرة المحمدية. إرشاد المغفلين من الفقهاء والفقراء إلى شروط ~~صحبة الأمراء. الأنوار القدسية في ملزمة آداب العبودية. البحر المورود في ~~المواثيق والعهود. البروق الخواطف. # تنبيه الأغبياء على قطرة من بحر علوم الأولياء. تنبيه المغترين في القرن ~~العاشر على ما خالفوا فيه سلفهم الطاهر. الجواهر والدرر. # الجوهر المصون والسر المرقوم فيما تنتجه الخلوة من الأسرار والعلوم حقوق ~~إخوة الإسلام. درر الغواص في فتاوي سيدي على الخواص. الدرر المنثور في بيان ~~زبد العلوم المشهورة. # ردع الفقراء عن دعوى الولاية الكبرى. الدرر واللمع في الصدق والورع. ~~السراج المنير في غرائب أحاديث البشير النذير. سر المسير والتزويد ليوم ~~المصير. السر المرقوم فيما اختص به أهل الله من العلوم. شرح جمع الجوامع ~~للسبكي في الفروع. الطراز الأبهج على خطبة المنهج. طهارة الجسم والفؤاد من ms129 ~~سوء الظن بالله تعالى والعباد. علامات الخذلان على من لم يعمل بالقرآن. ~~الفتح المبين في ذكر جملة من أسرار الدين. فتح الوهاب في فضائل الآل ~~والأصحاب. فرائد القلائد في علم العقائد. القواعد الكشفية الموضحات لمعاني ~~صفات الآلهية. القول المبين في بيان آداب الطالبين. القول المبين في الرد ~~على الشيخ محيي الدين. # الكبريت الأحمر في علوم الشيخ الأكبر. كتاب المنن والأخلاق في بيان وجوب ~~التحدث بنعمة الله. كشف الحجاب والران عن وجه أسئلة الحان. كشف الغمة عن ~~جميع الأمة في الحديث.# PageV00P079 ms130