######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0001922 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري، شهاب الدين شيخ الإسلام، أبو العباس (المتوفى: 974هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 974 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الفتاوى الحديثية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الفتاوى #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0001922 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-1922 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/1922 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: لا يوجد #META# 041.EdNUMBER :: لا يوجد، لا يوجد #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الفكر - لا يوجد #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد الموصوف بأنه لا نبي بعده، ~~وعلى آله وصحبه ومحبيه وحزبه. [وبعد] فهذه (الفتاوى الحديثية) التي هي ذيل ~~للفتاوى الفقهية للإمام الأعلم والمقتدى الأفخم إمام الوقت في الحديث، ~~وحائز قصب الفضل في القديم والحديث، شيخ الإسلام والمسلمين وبركة العلماء ~~العاملين (الشيخ أحمد شهاب الدين بن حجر الهيتمي المكي) والى الله عليه ~~رحمته وغفرانه وأجزل عليه إحسانه آمين. أما بعد: فهذه خاتمة في المسائل ~~المنثورة التي ليس لها تعلق بباب من الأبواب السابقة. ### | 1 - # مسألة: سئل نفع الله بعلومه المسلمين، عن قراءة {قل هو الله أحد} مائة ~~مرة فهل ورد لقراءة ذلك القدر ثواب بخصوصه أم لا؟ فقد علمنا كما أحاط به ~~علم سيدي أن فضل {قل هو الله أحد} لا يخفى على أحد، ولكن مقصود السائل هل ~~ورد في ذلك القدر حديث بخصوصه؟ فأجاب فسح الله في مدته بقوله: نعم، ورد في ~~ذلك ثواب بخصوصه منه ما أخرجه ابن عدي والبيهقي عن أنس بن مالك رضي الله ~~عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قرأ: {قل هو الله أحد} ~~مائة مرة غفر الله له خطيئة خمسين عاما ما اجتنب خصالا أربعا: الدماء، ~~والأموال، والفروج، والأشربة) . ومنها ما أخرجه الطبراني عن فيروز عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قرأ {إله الناس} مائة مرة في الصلاة ~~وغيرها كتب الله له براءة من النار) . وأخرج البيهقي عن أنس مرفوعا: (من ~~قرأ {قل هو الله أحد} في يوم مائة مرة غفر الله له ذنوب مائتي سنة) . وابن ~~عدي والبيهقي عن أنس مرفوعا أيضا (من قرأ في يوم {قل هو الله أحد} مائتي ~~مرة كتب الله له ألفا وخمسمائة حسنة إلا أن يكون عليه دين) . وابن نصر عن ~~أنس مرفوعا أيضا: (من قرأ {قل هو الله أحد} خمسين مرة غفر الله له ذنوب ~~خمسين سنة) . والخرائطي في (فوائده) عن حذيفة مرفوعا: (من قرأ {قل هو الله ~~أحد} ألف ms001 مرة فقد اشترى نفسه من الله) . والله سبحانه أعلم بالصواب. ### | 2 - # وسئل فسح الله في مدته: ما حكم علم الأوفاق؟ فأجاب نفع الله بعلومه: بأن ~~علم الأوفاق يرجع إلى مناسبات الأعداد وجعلها على شكل مخصوص، وهذا كأن يكون ~~بشكل من تسع بيوت مبلغ العدد من كل جهة خمسة عشر، وهو ينفع للحوائج وإخراج ~~المسجون ووضع الجنين وكل ما هو من هذا المعنى وضابطه بطد زهج واح، وكان ~~الغزالي رحمه الله يعتني به كثيرا حتى نسب إليه ولا محذور فيه إن استعمل ~~لمباح بخلاف ما إذا استعين به على حرام، وعليه يحمل جعل القرافي الأوفاق من ~~السحر. # PageV00P000 ### | 3 - # وسئل رضي الله عنه: ما حقيقة الرؤيا؟ فأجاب نفع الله بعلومه: بأن حقيقة ~~الرؤيا عند جمهور أهل السنة خلق الله تعالى في قلب النائم أو حواسه الأشياء ~~كما يخلقها في اليقظان، وهو تعالى يفعل ما يشاء لا يمنعه عنه نوم ولا غيره، ~~وعليه ربما يقع ذلك في اليقظة كما رآه في المنام وربما جعل ما رآه علما على ~~أمور أخر يخلقها تعالى في الحال أو كان قد خلقها فتقع تلك كما جعل الله ~~الغيم علامة على المطر. وأما قول من قال: إن الرؤيا خيال باطل وأن النوم ~~يضاد الإدراك فهو باطل لا يعول عليه ولا يلتفت إليه، كيف وقد صرحت عائشة ~~رضي الله عنها بأن رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم وحي. وقال صلى الله عليه ~~وسلم: (رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءا من النبوة) ، وفي التنزيل رؤيا يوسف ~~وغيره، ولا يمنع من ذلك قول من قال: الإدراك حالة النوم خلاف العادة لأن ~~العادة ليست مطردة في ذلك، ولو سلم لم يلتفت إليها مع أخبار الصادق ~~بخلافها. ### | 4 - # وسئل أدام الله النفع به: كم كان طول عمامة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعرضها؟ فأجاب أعاد الله علينا من بركاته: أما طول عمامة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وعرضها فلم يثبت فيهما شيء، ومن ثم قال جماعة من الحفاظ الجامعين ~~بين فني الحديث وغيره: ms002 لم يتحرر لنا في ذلك شيء، ومن ثم لما سئل عنه الحافظ ~~عبد الغني لم يبد فيه شيئا. قال بعض الحفاظ المتأخرين: ورأيت من نسب لعائشة ~~رضي الله عنها أن عمامته صلى الله عليه وسلم كانت في السفر بيضاء وفي الحضر ~~سوداء من صوف، وكانت سبعة أذرع في عرض ذراع، وكانت العذبة في السفر من ~~غيرها وفي الحضر منها، وهذا شيء ما علمناه انتهى. فتبين أن هذا المنقول عن ~~عائشة لا أصل له فلا يعول عليه وكأن ابن الحاج المالكي في كتابه في ~~(المدخل) عول على ذلك حيث قال فيه: إن العمامة سبعة أذرع ونحوها منها ~~التلخية والعذبة والباقي عمامة على ما نقله الإمام الطبري في كتابه، والله ~~أعلم. ### | 5 - # وسئل رضي الله عنه: هل ملك الموت يقبض أرواح الحيوانات كلها؟ أو ما يقبض ~~إلا أرواح بني آدم فقط، وأين مستقر الروح بعد قبضها؟ فأجاب أعاد الله علينا ~~من بركات علومه: الذي دلت عليه الأحاديث أن ملك الموت يقبض أرواح جميع ~~الحيوانات من بني آدم وغيرهم، من ذلك قوله مخاطبا لنبينا صلى الله عليه ~~وسلم: (والله يا محمد لو أني أردت أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون ~~الله هو الآمر بقبضها) قال القرطبي: وفي هذا الخبر ما يدل على أن ملك الموت ~~هو الموكل بقبض كل ذي روح وأن تصرفه كله بأمر الله عز وجل وبخلقه واختراعه، ~~ومن ذلك ما في خبر الإسراء عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال عن نفسه: (فقلت: يا ملك الموت كيف تقدر على قبض أرواح ~~جميع من في الأرض برها وبحرها) الحديث. وذكر أبو نعيم عن ثابت البناني قال: ~~(الليل والنهار أربع وعشرون ساعة ليس منها ساعة تأتي على ذي روح إلا وملك ~~الموت قائم عليها فإن أمر بقبضها قبضها وإلا ذهب) . قال القرطبي أيضا: وهذا ~~عام في كل ذي روح ومن ثم لما سئل مالك رضي الله عنه عن البراغيث أن ملك ~~الموت ms003 هل يقبض أرواحها؟ أطرق مليا ثم قال: ألها نفس؟ قيل: نعم. قال: ملك ~~الموت يقبض أرواحها: {الله يتوفى الأنفس حين موتها} [الزمر: 42] وأشار مالك ~~رضي الله عنه بذكر الآية إلى أن المراد بقوله تعالى: {الله يتوفى الأنفس} ~~أنه تعالى: يأمر ملك الموت يتوفاها كما يصرح به قوله تعالى: {توفته رسلنا} ~~. ولا ينافي ذلك قوله تعالى: {خلق الموت والحيواة} [الأنعام: 61] وقوله: ~~{يحيى ويميت} [آل عمران: 156] لأن ملك الموت يقبض الأرواح وأعوانه يعالجون ~~والله تعالى يزهق الروح وبهذا تجتمع الآيات والأحاديث. وإنما أضيف التوفي ~~لملك الموت لأنه يتولاه بالوسائط والمباشرة فأضيف إليه كما أضيف الخلق ~~للملك في خبر مسلم عن حذيفة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا ~~مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله ملكا فصورها فخلق سمعها وبصرها ~~وجلدها ولحمها وعظمها) الحديث. وأما قول ابن عطية: روى في الحديث أن ~~البهائم كلها يتوفى الله أرواحها دون ملك الموت كأنه يعدم حياتها. قال: ~~وكذلك الأمر في بني آدم إلا أنه شرف بتصرف ملك الموت وملائكته في قبض ~~أرواحهم فخلق الله ملك الموت وخلق على يده قبض الأرواح وإسلالها من الأجسام ~~وإخراجها منها، وخلق حفدة يكونون معه يعملون عمله بأمره انتهى. فيجاب عنه: ~~بأن الحديث الذي ذكره يتوقف الاستدلال به على ثبوته وعلى تسليمه فيمكن ~~الجمع بينه وبين ما مر من الأحاديث بأن معنى قوله في هذا الحديث دون ملك ~~الموت أنه لا يعاني في قبض أرواح # PageV00P000 # غير بني آدم بل غير المؤمنين منهم من الرعاية ما يعانيه في قبض أرواح ~~المؤمنين، أو أن المراد بقوله دون ملك الموت نفي التوفي عنه حقيقة لما تقرر ~~أن الموجد حقيقة هو الله تعالى وأن ملك الموت واسطة فقط، فحيث أثبت التوفي ~~إليه في حديث أو آية كان المراد إثبات تصرفه المأمور به، وحيث نفى عنه في ~~حديث أو آية كان المراد سلب الحقيقة لأنها لله وحده. وذكر الغزالي في ~~(الإحياء) حديث: (أن ملك الموت وملك الحياة تناظرا فقال ملك الموت: أنا ~~أميت ms004 الأحياء وقال ملك الحياة: أنا أحيي الموتى، فأوحى الله إليهما كونا في ~~عملكما وما سخرتما له من الصنع وأنا المميت والمحيي لا يميت ولا يحيي سواي) ~~. والحاصل أن الله سبحانه وتعالى هو القابض لأرواح جميع الخلق بالحقيقة وأن ~~ملك الموت وأعوانه إنما هم وسائط وكذا القول في سائر الأسباب العادية فإنها ~~بإحداث الله وخلقه لا بغيره تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا ~~كبيرا. # وذكر ابن رجب أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم تكون أرواحهم في أعلى ~~عليين، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم الرفيق الأعلى) ، وأكثر ~~العلماء أن أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح ~~في الجنة حيث تشاء كما في مسلم وغيره، وأما بقية المؤمنين فنص الشافعي رضي ~~الله عنه ورحمه على أن من لم يبلغ التكليف منهم في الجنة حيث شاؤوا فتأوي ~~إلى قناديل معلقة بالعرش، وأخرجه ابن أبي حاتم عن ابن مسعود، وأما أهل ~~التكليف ففيهم خلاف كثير: عن أحمد أنها في الجنة، وعن وهب أنها في دار يقال ~~لها: البيضاء في السماء السابعة، وعن مجاهد أنها تكون على القبور سبعة أيام ~~من يوم دفن لا تفارقه أي ثم تفارقه بعد ذلك، ولا ينافيه سنية السلام على ~~القبور لأنه لا يدل على استقرار الأرواح على أفنيتها دائما لأنه يسلم على ~~قبور الأنبياء والشهداء وأرواحهم في أعلى عليين ولكن لها مع ذلك اتصال سريع ~~بالبدن لا يعلم كنهه إلا الله تعالى. وأخرج ابن أبي الدنيا عن مالك: (بلغني ~~أن الأرواح مرسلة تذهب حيث شاءت) . وعن ابن عمر رضي الله عنهما نحوه. ~~وحديث: (ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه ~~إلا عرفه ورد عليه السلام) وحديث: (الجريدتين) لا يدلان على أن الروح على ~~القبر نظير ما مر لأن الذي دل عليه إنما هو حقيقته النفسانية المتصلة ~~بالروح، وقيل: إنها تزور قبورها يعني على الدوام ولذا سن زيارة القبور ليلة ~~الجمعة ويومها وبكرة السبت انتهى. ورجح ابن عبد ms005 البر: أن أرواح غير الشهداء ~~في أفنية القبور تسرح حيث شاءت. وقالت فرقة: تجتمع الأرواح بموضع من الأرض. ~~كما روي عن ابن عمر قال: أرواح المؤمنين تجتمع بالجابية وأما أرواح الكفار ~~فتجتمع بسبخة حضرموت يقال لها برهوت ولذا ورد: (أبغض بقعة في الأرض واد ~~بحضرموت يقال له برهوت فيه أرواح الكفار) وفيه بئر ماء يرى بالنهار أسود ~~كأنه قيح يأوي إليها بالنهار الهوام. قال سفيان: وسألنا الحضرميين فقالوا: ~~لا يستطيع أحد أن يثبت فيه بالليل، والله سبحانه أعلم. ### | 6 - # وسئل: متع الله بحياته، مات شخص ثم أحياه الله تعالى ما الحكم في تركته ~~وزوجاته؟ . فأجاب نفع الله بعلومه وبركته: إذا مات ثم أحيى فإن تيقن موته ~~بنحو خبر معصوم لم يكن لحياته أثر لأنها وقعت خارقة للعادة، وما وقع كذلك ~~لا يدار عليه حكم على أن من هو كذلك لا يعيش غالبا كما وقع لمن أحيى على يد ~~عيسى، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، وإذا تقرر أنه لا أثر لحياته، ~~فتنكح زوجاته وتقسم ورثته ماله، وإن ثبت فيه الحياة، لأن الموت سبب وضعه ~~الشارع لحل الأموال، والزوجات، فحيث وجد ذلك السبب وجد المسبب، وأما الحياة ~~بعده فلم يجعلها الشارع سببا لعود ذلك الحل، فلا يجوز لنا أن ندير عليها ~~حينئذ حكما، لأن ذلك تشريع لما لم يرد هو ولا نظيره، بل ولا ما يقاربه ~~وتشريع ما هو كذلك ممتنع بلا شك. فإن قلت: ينافي بعض ما تقرر ما ذكره ~~المفسرون في قصة قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف ~~حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم} [البقرة: 243] . قلت: لا منافاة ~~لأن أكثر ما ذكره المفسرون في هذه القصة ونظيرها لم يصح فيه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم شيء، وإنما يعتمدون في ذلك على نحو أخبار إسرائيلية لا تقوم ~~بها حجة عند النزاع، وعلى تسليم ما ذكروه فأولئك كانوا في زمن شرع قبل ~~شرعنا فلا يعول على ما وقع لهم، لأن الصحيح أن شرع ms006 من قبلنا ليس شرعا لنا، ~~وإن ورد في شرعنا ما يوافقه فكيف بما ذكر، وقد علم من قواعد شرعنا كما ~~قررته أنه لا عبرة بالحياة بعد الموت المتيقن، # PageV01P004 # وإن لم يتيقن موته حكمنا بأنه إنما كان به غشي أو نحوه، وبان لنا بقاء ~~زوجاته في عصمته وأمواله في ملكه، وهذا التفصيل في هذه المسألة ظاهر جلي ~~وإن لم أر من صرح به، والله أعلم. ### | 7 - # وسئل رضي الله عنه: هل خلود المؤمنين في الجنة على هذا التركيب أعني من ~~العظم واللحم وغيرهما وخلود الكافرين في النار على صورهم في الدنيا أو لا؟ ~~وهل يجب الغسل في الجنة كما يجب في الدنيا بوطء الزوجات؟ وهل الملائكة ~~يتمتعون في الجنة وبم يتمتعون؟ وهل منكر ونكير يسألان كل ميت صغيرا وكبيرا ~~ومسلما وكافرا ومقبورا وغير مقبور؟ وهل يسألان كل أحد بلسانه ما كانت عربية ~~أو غيرها؟ وهل منكر بفتح الكاف أو كسرها؟ وهل هما اللذان يسألان المؤمن أو ~~غيرهما؟ فأجاب فسح الله في مدته ونفعنا بعلومه وبركته: الذي دلت عليه ~~الأحاديث أن خلود المؤمنين في الجنة والكافرين في النار على نحو صورهم في ~~الدنيا المشتملة على نحو العظم واللحم، وصح أنه صلى الله عليه وسلم قال: ~~(أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا) قال الأئمة: قوله (غرلا) ~~أي غير مختونين ترد إليه الجلدة التي قطعت بالختان، وكذلك يرد إليه كل ما ~~فارقه في الحياة كالشعر والظفر ليذوق نعيم الثواب وأليم العقاب والعذاب، ~~فأفهم ذلك أن تلك الأجزاء جميعها تكون مع الإنسان المؤمن في الجنة، وغيره ~~في النار حتى تذوق النعيم والعذاب، ومما يدل لذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم من ~~طريق جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال في حق الكافر: (السلسلة تدخل من ~~استه ثم تخرج من فيه ينظمون فيها كما ينظم الجراد في العود ثم يشوى) وأخرج ~~البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {فيؤخذ ب النواصى ~~والأقدام} [الرحمان: 41] قال: (يجمع بين رأسه ورجليه ثم ms007 يقصف كما يقصف ~~العود الحطب) وأخرجه البيهقي عن أبي صالح قال: (إذا ألقي الرجل في النار لم ~~يكن له منتهى حتى يبلغ قعرها ثم تجيش به جهنم فترفعه إلى أعلى جهنم وما على ~~عظامه مزعة لحم فتضربه الملائكة بالمقامع، فيهوي في قعرها فلا يزال كذلك) . ~~وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه (ما بين منكبي الكافر مسيرة ~~ثلاثة أيام للراكب المسرع) وأخرجه البيهقي بلفظ (خمسة) . وأخرج مسلم عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ضرس الكافر مثل أحد وغلظ جلده مسيرة ~~ثلاث) . وأخرج الترمذي والبيهقي (أن مقعده من جهنم ما بين مكة والمدينة) . ~~وأخرج أحمد والطبراني والبيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: (يعظم أهل النار في النار حتى أن بين شحمة أذن أحدهم ~~إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام، وإن غلظ جلده سبعون ذراعا، وإن ضرسه مثل أحد) ~~. وفي رواية عند الترمذي وغيره (أنه ليجر لسانه الفرسخ والفرسخين يوم ~~القيامة فيطؤه الناس) . وأخرج الطبراني وأبو نعيم مرفوعا (إن جهنم لما سيق ~~إليها أهلها تلقتهم بعنف فلفحتهم لفحة فما ألقت لحما على عظم إلا ألقته على ~~العرقوب) . # وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (كل من يدخل الجنة على صورة آدم وطوله ستون ذراعا) . وأخرج الطبراني ~~وابن أبي الدنيا بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا بيضا مكحلين أبناء ~~ثلاث وثلاثين وهم على خلق آدم طوله ستون ذراعا في عرض سبعة أذرع) . وفي ~~رواية للترمذي وغيره (من مات من أهل الدنيا من صغير أو كبير يردون أبناء ~~ثلاث وثلاثين سنة في الجنة لا يزيدون عليها أبدا وكذلك أهل النار) ، وفي ~~رواية عند ابن أبي الدنيا، (على طول آدم ستون ذراعا بذراع الملك، وعلى حسن ~~يوسف، وعلى ميلاد عيسى ثلاث وثلاثين، وعلى لسان محمد جردا مردا مكحلين) . ~~واعلم ms008 أن أهل السنة أجمعوا على أن الأجساد تعاد كما كانت في الدنيا ~~بأعيانها وألوانها وأعراضها وأوصافها، ولا ينافي ذلك ما في بعض طرق حديث ~~الصور الطويل: (يخرجون منها شبابا أبناء ثلاث وثلاثين سنة) لأن هذا من حيث ~~السن فهم مستوون فيه نعم روى ابن أبي حاتم ما يؤيده عن خالد بن معدان قال: ~~(إن سقط المرأة يكون في نهر من أنهار الجنة يتقلب فيه حتى تقوم الساعة ~~فيبعث ابن أربعين سنة) ، والذي دل عليه القرآن أن الطفل والسقط يحشران على ~~قدر عمرهما وحينئذ فهما مستثنيان من الحديث الأول أعني قوله: (كلهم أبناء ~~ثلاث وثلاثين) هذا كله إن صح الحديث وإلا فقضية كلامهم أن الناس في المحشر ~~على تفاوت صفاتهم في الدنيا حتى في الأسنان، وإنما يقع # PageV01P005 # التبديل عند دخول الجنة، وقد قال بعض المحققين والحفاظ: والصحيح بل ~~الصواب أن الذي يعيده الله هو الأجساد الأولى لا غيرها، ومن قال غير ذلك ~~فقد أخطأ عندي لمخالفته ظاهر القرآن والحديث، والعينان في الوجه كما كانتا ~~في الدنيا، وورد أنهما في الرأس ولكن ظاهر جوابه صلى الله عليه وسلم لأم ~~المؤمنين عائشة رضي الله عنها حيث استعظمت كشف العورات (بأن لكل امرىء منهم ~~يومئذ شأنا يغنيه عن النظر إلى غيره) ففيه إشارة إلى أن العينين في الوجه ~~والناس في الموقف يكون كل منهم على طوله الذي مات عليه ثم عند دخول الجنة ~~يصيرون طولا واحدا. ففي الصحيح (يبعث كل عبد على ما كان عليه) وفي الحديث ~~الصحيح في صفات الجنة ما ذكرته ويبعثون بشعورهم ثم يدخلون الجنة جردا مردا ~~كما ثبت في الحديث الصحيح انتهى. قال القرطبي رحمه الله: يكون الآدميون في ~~الجنة على سن واحد وأما الحور فأصناف مصنفة صغار وكبار على ما اشتهت أنفس ~~أهل الجنة. وأخرج أبو الشيخ في (العظمة) وابن عساكر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: (ليس أحد يدخل الجنة إلا أجرد أمرد إلا موسى بن عمران عليه ~~الصلاة والسلام فإن لحيته تبلغ سرته في الجنة ms009 غير آدم يكنى فيها بأبي محمد) ~~وفي رواية: (ليس أحد في الجنة له لحية إلا آدم عليه السلام له لحية سوداء ~~إلى سرته) وذلك أنه لم يكن له لحية في الدنيا وإنما كانت اللحا بعد آدم ~~عليه الصلاة والسلام) . وليست الجنة دار تكليف فلا يجب فيها غسل ولا غيره، ~~بخلاف الدنيا فلا تقاس تلك الدار بهذه الدار، وأخرج الطبراني عن زيد بن ~~أرقم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أي في أهل الجنة: (إن ~~البول والجنابة عرق يسيل من تحت جوانبهم إلى أقدامهم مسك) . وأخرج أيضا ~~الأصفهاني عن أبي الدرداء قال: (ليس في الجنة لا مني ولا منية) أي ولا موت. ~~وأخرج أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال له: (أنطأ في الجنة؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده دحما دحما فإذا قام ~~عنها رجعت مطهرة بكرا) . وفي رواية عند أبي يعلى والطبراني والبيهقي أن ~~رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم هل يتناكح أهل الجنة؟ فقال: (دحاما ~~دحاما لا مني ولا منية) . وفي رواية للترمذي وغيره: (يعطى المؤمن في الجنة ~~قوة مائة) يعني في الجماع وفي رواية: (أن الرجل ليصل في الغداة الواحدة إلى ~~مائة عذراء) . وفي رواية عند عبد الله بن أحمد رحمهما الله: (أن المؤمن ~~كلما أراد زوجته وجدها عذراء) . # وأخرج الترمذي وحسنه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال: (المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة كان حمله ووضعه في ساعة كما ~~يشتهي) وحكى الترمذي اختلاف أهل العلم في هذا، وحكي عن طاوس ومجاهد والنخعي ~~(أن في الجنة جماعا ولا ولد) قال: وقال إسحاق بن إبراهيم في هذا الحديث إذا ~~اشتهى ولكن لا يشتهي، وكذا روي في حديث لقيط إن أهل الجنة لا يكون لهم ولد ~~انتهى، وقال جمع: بل فيها الولد إذا اشتهاه الإنسان، ورجحه الأستاذ أبو سهل ~~الصعلوكي، ويؤيده أن أول حديث أبي سعيد عند هناد في ms010 الزهد (قلنا: يا رسول ~~الله إن الولد من قرة العين وتمام السرور، فهل يولد لأهل الجنة؟ قال: قال ~~إذا اشتهى إلخ) . وأخرجه البيهقي مرفوعا بلفظ (إن الرجل يشتهي الولد في ~~الجنة فيكون حمله ورضاعه وشبابه في ساعة واحدة) ولا ينافيه لفظه السابق فيه ~~(غير أن لا توالد) لأن المنفي ترتب الولادة على الجماع غالبا كما هو في ~~الدنيا، والمثبت هنا حصول الولد عند اشتهائه كما يحصل الزرع عند اشتهائه، ~~ولا زرع في الجنة في سائر الأوقات وقد ثبت أن الله ينشىء خلقا للجنة يسكنهم ~~فضاءها، ولا مانع حينئذ من إنشاء ولد من أهلها. والذي دلت عليه الآيات ~~القرآنية والأحاديث النبوية أن بعض الملائكة في الجنة وبعضهم في النار ومن ~~في النار لا يحس بألمها وكلهم يتنعمون بما يفاض عليهم من قبل الحق جل وعلا. # ومن ذلك رؤيتهم له تعالى فإنه لا نعيم فوق ذلك، وأما ما وقع في كلام بعض ~~الأئمة من أن رؤية الله خاصة بمؤمن البشر، وأن الملائكة لا يرونه واحتج له ~~بقوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] فإنه عام خص بالآية ~~والأحاديث في المؤمنين فبقي على عمومه في الملائكة فهو مردود. وممن نص على ~~خلافه الإمام البيهقي فقال في كتاب الرؤية: باب ما جاء في رؤية الملائكة ~~ربهم. ثم أخرج عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: (خلق الله ~~الملائكة لعبادته أصنافا وإن منهم ملائكة قياما صافين من يوم خلقهم إلى يوم ~~القيامة، وملائكة ركوعا خشوعا من يوم خلقهم إلى يوم القيامة، وملائكة سجودا ~~من يوم خلقهم إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة تجلى لهم تبارك وتعالى ~~ونظروا # PageV01P006 # إلى وجهه الكريم، قالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك) . ثم أخرج البيهقي ~~من وجه آخر عن عدي بن أرطاة عن رجل من الصحابة رضي الله عنهم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: (إن لله ملائكة ترعد فرائصهم من مخافته ما منهم ملك ~~تقطر دمعة من عينه إلا وقعت ملكا يسبح الله، وملائكة سجودا ms011 لله منذ خلق ~~الله السموات والأرض لم يرفعوا رؤوسهم ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، ~~وصفوفا لا ينصرفون عن مصافهم إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة تجلى ~~لهم ربهم فينظرون إليه قالوا: سبحانك ما عبدناك كما ينبغي لك) . # وسؤال الملكين يعم كل ميت ولو جنينا وغير مقبور كحريق وغريق وأكيل سبع ~~كما جزم به جماعة من الأئمة، وقول بعضهم يسألان المقبور إنما أراد به ~~التبرك بلفظ الخبر، نعم، قال بعض الحفاظ والمحققين: الذي يظهر اختصاص ~~السؤال بمن يكون له تكليف وبه جزم غير واحد من أئمتنا الشافعية ومن ثم لم ~~يستحبوا تلقينه، ومن ثم خالف في ذلك القرطبي وغيره فجزموا بأن الطفل يسأل ~~ولا يسأل الشهيد كما صحت به الأحاديث وألحق به من مات مرابطا لظاهر حديث ~~رواه أحمد وأبو داود وهو: (كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطا في ~~سبيل الله، فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن من فتاني القبر) وألحق ~~القرطبي بالشهيد شهيد الآخرة فقط والصديق لأنه أعلى مرتبة من الشهيد، ومنه ~~يؤخذ انتفاء السؤال في حقه صلى الله عليه وسلم وفي حق سائر الأنبياء، وبحث ~~بعض المحققين والحفاظ أن الملك لا يسأل لأن السؤال يختص بمن شأنه أن يفتن، ~~وفي حديث حسنه الترمذي والبيهقي وضعفه الطحاوي (من مات لليلة الجمعة أو ~~يومها لم يسأل) ووردت أخبار بنحوه فيمن يقرأ كل ليلة سورة تبارك وفي بعضها ~~ضم سورة السجدة إليها، وجزم الترمذي الحكيم بأن المعلن بكفره لا يسأل ~~ووافقه ابن عبد البر ورواه بعض كبار التابعين لكن خالفه القرطبي وابن ~~القيم، واستدلاله بآية: {يثبت الله الذينءامنوا ب القول الثابت} [إبراهيم: ~~27] وبحديث البخاري (وأما الكافر والمنافق) بالواو ورجحه شيخ الإسلام ابن ~~حجر بأن الأحاديث متفقة على ذلك وهي مرفوعة مع كثرة طرقها الصحيحة. # وجزم الترمذي الحكيم وابن عبد البر أيضا بأن السؤال من خواص هذه الأمة ~~لحديث مسلم: (إن هذه الأمة تبتلى في قبورها) وخالفهما جماعة منهم ابن القيم ~~وقال: ليس في الأحاديث ما ينفي ms012 السؤال عمن تقدم من الأمم، وإنما أخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم أمته بكيفية امتحانهم في القبور، لا أنه نفى ذلك عن ذلك ~~وتوقف آخرون وللتوقف وجه لأن قوله: (إن هذه الأمة) فيه تخصيص، فتعدية ~~السؤال لغيرهم تحتاج إلى دليل، وعلى تسليم اختصاصه بهم، فهو لزيادة درجاتهم ~~ولخفة أهوال المحشر عليهم ففيه رفق بهم، وأكثر من غيرهم، لأن المحن إذا ~~فرقت هان أمرها، بخلاف ما إذا توالت فتفريقها لهذه الأمة عند الموت، وفي ~~القبور، والمحشر، دليل ظاهر على تمام عناية ربهم بهم أكثر من غيرهم، وكان ~~اختصاصهم بالسؤال في القبر من التخفيفات التي اختصوا بها عن غيرهم لما تقرر ~~فتأمل ذلك، ومقتضى أحاديث سؤال الملكين أن المؤمن ولو فاسقا يجيبهما كالعدل ~~ولكن بشارته تحتمل أن تكون بحسب حاله ويوافقه قول ابن يونس اسمهما على ~~المذنب منكر: أي بفتح الكاف. وأما على المطيع: مبشر وبشير. # قال بعض المتأخرين: ولم نقف له على أصل، ومقتضى الأحاديث استواء سائر ~~الناس في اسمهما وهو منكر ونكير كما في حديث عند الترمذي وقال حسن غريب ~~منكر بفتح الكاف اتفاقا. وفي مرسل ضعيف زيادة اثنين آخرين وهما (ناكور ~~ورومان، فعليه تكون الملائكة الذين يسألون أربعة وفي صفتهما الآتية إذ في ~~حديث ابن حبان والترمذي يأتيه (ملكان أسودان أزرقان) . زاد الطبراني ~~(أعينهما مثل قدور النحاس، وأنيابهما مثل صياصي البقر وأصواتهما مثل الرعد) ~~. ونحوه لعبد الرزاق من مسند عمرو بن دينار وزاد (يحفران بأنيابهما ويطآن ~~في أشعارهما معهما مزربة لو اجتمع عليها أهل منى لم يحملوها) . # وبما تقرر علم أن منكرا أو نكيرا هما اللذان يسألان المؤمن وغيره، وظاهر ~~أحاديث سؤالهما أنهما يسألان كل أحد بالعربية. وفي بعض طرق حديث الصور ~~الطويل عند علي بن معبد: تخرجون منها شبانا كلكم أبناء ثلاث وثلاثين، ~~واللسان يومئذ بالسريانية سراعا إلى ربهم ينسلون، فإن أريد بيومئذ اختصاص ~~تكلمهم بالسريانية بيوم النفخ لم يناف ما مر وإن أريد بيومئذ وقت كونهم في ~~الصور نافاه. والحاصل الأخذ بظاهر الأحاديث هو أن # PageV01P007 # السؤل لسائر ms013 الناس بالعربية نظير ما مر أنه لسان أهل الجنة إلا إن ثبت ~~خلاف ذلك ولا يستبعد تكلم غير العربي بالعربية لأن ذلك الوقت وقت تخرق فيه ~~العادات ومن ثم ذكر القرطبي والغزالي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ~~(يا رسول الله ما أول ما يلقى الميت إذا دخل قبره قال يا ابن مسعود ما ~~سألني عنه إلا أنت فأول ما يأتيه ملك اسمه رومان يجوس خلال المقابر فيقول ~~يا عبد الله اكتب عملك فيقول ما معي دواة ولا قرطاس فيقول هيهات كفنك ~~قرطاسك ومدادك ريقك وقلمك أصبعك فيقطع له قطعة من كفنه ثم يجعل العبد يكتب ~~وإن كان غير كاتب في الدنيا فيذكر حسناته وسيئاته كيوم واحد) الحديث بطوله، ~~ثم رأيت شيخ الإسلام صالحا البلقيني أفتى بأن السؤال في القبر بالسرياني ~~لكل ميت، ولعله أخذه من الحديث الذي ذكرته لكنك قد علمت مما قررته فيه أنه ~~لا دلالة في الحديث، ومن ثم قال تلميذه الجلال السيوطي لم أر ذلك لغيره، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. 8 وسئل رضي الله عنه: ما حكم علم ~~الأوفاق؟ فأجاب فسح الله في مدته: علم الأوفاق لا محذور فيه إن استعمل ~~لمباح، فقد نقل عن الغزالي وغيره الاعتناء به، وكذلك حكى لي عن شيخنا شيخ ~~الإسلام زكريا الأنصاري سقى الله عهده أنه كان يحسنه وأن له فيه مؤلفا ~~نفيسا أما إذا استعين به على حرام فإنه يكون حراما إذ للوسائل حكم المقاصد؛ ~~والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. ### | 9 - # وسئل نفع الله بعلومه وبركته: في رجل قال الفاتحة زيادة في شرف النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فقال له رجل من أهل العلم: لا تعد إلى هذا الذي صدر منك ~~تكفر فهل الأمر كذلك؟ وهل يجوز هذا الإنكار والحكم على القائل بالكفر وما ~~يلزم المنكر؟ فأجاب متع الله بحياته بقوله: لم يصب هذا المنكر في إنكاره ~~ذلك، وهو دال على قلة علمه وسوء فهمه بل وعلى قبيح مجازفته في دين الله ~~تعالى وتهوره بما قد ms014 يئول به إلى الكفر والعياذ بالله إذ من كفر مسلما بغير ~~موجب لذلك كفر، على تفصيل ذكره الأئمة رضي الله عنهم، فإنكاره هذا إما حرام ~~أو كفر فالتحريم محقق والكفر مشكوك فيه إذ لم يتحقق شرطه فعلى حاكم الشريعة ~~المطهرة أن يبالغ في زجر هذا المنكر بتعزيره بما يليق به في عظم جراءته على ~~الشريعة المطهرة وكذبه عليها بما لم يقله أحد من أهلها بل صرح بعض أئمتنا ~~بخلافه بل الكتاب والسنة دالان على أن طلب الزيادة له صلى الله عليه وسلم ~~أمر مطلوب محمود قال تعالى: {وقل رب زدنى علما} [طه: 114] . وروى مسلم أنه ~~صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه: (واجعل الحياة زيادة لي في كل خير) ~~وطلب كون الفاتحة أو غيرها زيادة في شرفه طلب لزيادة علمه، وترقيه في مدارج ~~كمالاته العلية، وإن كان كماله من أصله قد وصل الغاية التي لم يصل إليها ~~كمال مخلوق، فعلم أن كلا من الآية الشريفة والحديث الصحيح دال على أن مقامه ~~صلى الله عليه وسلم وكماله يقبل الزيادة في العلم والثواب وسائر المراتب ~~والدرجات، وعلى أن غايات كماله لا حد لها ولا انتهاء بل هو دائم الترقي في ~~تلك المقامات العلية والدرجات السنية بما لا يطلع عليه ويعلم كنهه إلا الله ~~تعالى؛ وعلى أن كماله صلى الله عليه وسلم مع جلالته لاحتياجه إلى مزيد ترق ~~واستمداد من فيض فضل الله وجوده وكرمه الذاتي الذي لا غاية له ولا انتهاء، ~~وعلى أن طلب الزيادة لا يشعر بأن ثم نقصا إذ لا شك أن علمه صلى الله عليه ~~وسلم أكمل العلوم ومع ذلك فقد أمره الله بطلب زيادته فلنكن نحن مأمورين ~~بطلب زيادة ذلك له صلى الله عليه وسلم، وقد ورد أيضا أمرنا بذلك فيما يندب ~~من الدعاء عند رؤية الكعبة المعظمة إذ فيه: (وزد من شرفه وعظمه وحجه ~~واعتمره تشريفا) إلى آخره. وهو صلى الله عليه وسلم كسائر الأنبياء الذين ~~حجوا البيت وهم كل الأنبياء إلا فرقة قليلة منهم على ms015 الخلاف في ذلك داخل ~~فيمن شرفه وعظمه وحجه واعتمره وإذا علم دخولهم في ذلك العموم من دلالة ~~العام ظنية أو قطعية على الخلاف فيه علم أنا مأمورون بطلب الدعاء له صلى ~~الله عليه وسلم ولغيره من الأنبياء المذكورين بزيادة التشريف والتكريم؛ وأن ~~الدعاء بزيادة ذلك له صلى الله عليه وسلم أمر مندوب مستحسن. ويؤيده ما رواه ~~الطبراني عن علي رضي الله عنه لكن نظر في سنده ابن كثير أنه كان يعلم الناس ~~كيفية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها ما يصرح بطلب الزيادة له ~~صلى الله عليه وسلم في مضاعفات الخير وجزيل العطاء وبهذا الذي ذكرته وإن لم ~~أر من سبقني بالاستدلال في هذه المسألة بشيء منه يظهر الرد على شيخ الإسلام ~~صالح # PageV01P008 # البلقيني في قوله: لا ينبغي أن يقدم على ذلك إلا بدليل فيقال له: وأي ~~دليل أعلى من الكتاب والسنة، وقد بان بما ذكرته دلالتهما على طلب الدعاء له ~~صلى الله عليه وسلم بالزيادة في شرفه إذ الشرف العلو كما قال أهل اللغة، ~~والمراد به هنا علو المرتبة والمكانة وعلوها بالزيادة في العلم والخير ~~وسائر الدرجات والمراتب، وكل من العلم والخير قد أمرنا بطلب الزيادة له صلى ~~الله عليه وسلم فيه بالطريق الذي قدمناه فلنكن مأمورين بطلب زيادة الشرف له ~~وعلى شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر في قوله هذا الدعاء مخترع من أهل العصر، ~~ولو استحضر ما قاله النووي لم يقل ذلك بل سبق النووي إلى نحو ذلك الإمام ~~المجتهد أبو عبد الله الحليمي من أكابر أصحابنا وقدمائهم وصاحبه الإمام ~~البيهقي وقوله: ولا أصل له في السنة فيقال له: بل له أصل في الكتاب والسنة ~~معا كما تقرر على أن الظاهر أنه إنما قال هذا قبل اطلاعه على ما يأتي عنه، ~~ثم اعلم أن هذين الإمامين لم ينازعا في جواز ذلك وإنما نزاعهما في هل ورد ~~دليل يدل على طلبه فيفعل أو لا فلا ينبغي فعله، وقد علمت أنه ورد ما يدل ~~على طلبه، ومن ثم ms016 لما كان النووي رحمه الله وشكر سعيه متحليا من السنة بما ~~لم يلحقه فيه أحد ممن جاء بعده كما صرح به بعض الحفاظ دعا بطلب الزيادة له ~~صلى الله عليه وسلم في شرفه في خطبتي كتابيه اللذين عليهما معول المذهب ~~وهما (الروضة والمنهاج) فقال في خطبة كل منها صلى الله عليه وسلم وزاده ~~فضلا وشرفا لديه، وهذه العبارة متداولة في أيدي العلماء منذ نحو ثلاثمائة ~~سنة لا نعلم أحدا ممن تكلم على الروضة أو المنهاج إعترضها بوجه من الوجوه، ~~ولعل هذين غفلا عنها بدليل قول الثاني هذا الدعاء مخترع من أهل العصر إذ لو ~~استحضر ما قاله النووي لم يقل ذلك بل سبق النووي إلى نحو ذلك الإمام ~~المجتهد أبو عبد الله الحليمي، من أكابر أصحابنا وقدمائهم وصاحبه الإمام ~~البيهقي وقد ذكرت عبارتهما في إفتاء أبسط من هذا، ومما صرح به الأول أن ~~إجزال أجره صلى الله عليه وسلم ومثوبته وإبداء فضله للأولين والآخرين ~~بالمقام المحمود وتفضيله على كافة المقربين، وإن كان تعالى قد أوجب هذه ~~الأمور له صلى الله عليه وسلم فإن كل شيء منها ذو درجات ومراتب فقد يجوز ~~إذا صلى عليه واحد من أمته فاستجيب دعاؤه أن يزاد النبي صلى الله عليه وسلم ~~بذلك الدعاء في كل شيء مما سميناه رتبة ودرجة انتهى المقصود منه، وهذا ~~تصريح منه بأن طلب الزيادة في شرفه صلى الله عليه وسلم داخل في الصلاة عليه ~~وقد أمرنا بها فلنكن مأمورين بما تضمنته كما صرح به هذا الإمام وناهيك به ~~ومما صرح به الثاني في معنى: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ~~سلمك الله من المذام والنقائص. فإذا قلت: اللهم سلم على محمد، إنما تريد ~~اللهم اكتب له في دعوته وأمته السلامة من كل نقص، وزد دعوته على ممر الأيام ~~علوا وأمته تكاثرا وذكره ارتفاعا انتهى المقصود منه، فتأمل قوله: من المذام ~~والنقائص، وقوله: من كل نقص وإن ذلك هو مفهوم السلام الذي أمرنا به تجده ~~صريحا في أمرنا بطلب زيادة ms017 الشرف له، وإن فرض على أنه يدل على ما توهمه هذا ~~المنكر الجاهل إذ غاية طلب الزيادة أنه يدل على عدم الكمال المطلق ونحن ~~نلتزمه إذ الكمال المطلق ليس إلا لله وحده ونبينا صلى الله عليه وسلم وإن ~~كان أكمل المخلوقات إلا أن كماله ليس مطلقا فقبل الزيادة ومراتب تلك ~~الزيادة قد يسمى كل منها عدم كمال بالنسبة لما فوقه من كمال آخر أعلى منه ~~وهكذا. ونقل الحافظ السخاوي عن شيخه ابن حجر أنه جعل الحديث عن أبي رضي ~~الله عنه وفي آخره: (قلت أجعل لك صلاتي كلها) أي دعائي كله كما في رواية ~~(قال إذا تكفى همك ويغفر ذنبك) أصلا عظيما لمن يدعو عقب قراءته فيقول: اجعل ~~ثواب ذلك لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكأنه قصد بهذا الرد على ~~شيخه شيخ الإسلام السراج البلقيني في قوله: لا ينبغي ذلك إلا بدليل وهذا هو ~~الذي أخذ منه ولده علم الدين ما مر عنه وقد علمت ردهما ثم ذكر السخاوي عن ~~شيخه ابن حجر أيضا ما حاصله أن من يقول مثل ثواب ذلك زيادة في شرفه مع ~~العلم بكماله في الشرف لعله لحظ أن معنى طلب الزيادة أن يتقبل الله قراءته ~~فيثيبه عليها، وإذا أثيب أحد من الأمة على طاعة كان لمعلمه أجر وللمعلم ~~الأول وهو الشارع صلى الله عليه وسلم نظير جميع ذلك فهذا معنى الزيادة في ~~شرفه وإن كان شرفه مستقرا حاصلا وحينئذ اجعل مثل ثواب ذلك تقبله ليحصل مثل ~~ثوابه للنبي صلى الله عليه وسلم. وحاصله: أن طلب الزيادة له صلى الله عليه ~~وسلم يكون بنحو طلب تكثير أتباعه سيما العلماء: أي وبرفع درجاته ومراتبه ~~العلية كما مر عن الحليمي: وقد رد شيخ الإسلام أبو عبد الله القاياتي ما مر ~~عن العلم وأبيه فقال في (الروضة) : # PageV01P009 # إن القارىء إذا قرأ وجعل ما حصل من الأجر للميت كان دعاء بحصول ذلك الأجر ~~للميت فينفعه، وفي الأذكار أن يدعو بالجعل فيقول: اللهم اجعل ثوابها وأصلا ~~لفلان. # واعلم أن ms018 القدرة الإلهية مهما تتعلق بشيء يكون لا محالة، وقد قرر في علم ~~الكلام أن قدرته سبحانه وتعالى لا تتناهى وأيضا فخير الله لا ينفد، والكامل ~~المترقي في درجات الكمال هو أبدا كامل انتهى. ووافقه صاحبه شيخ الإسلام ~~الشرف المناوي فأفتى باستحسان هذا الدعاء، ووافقهما أيضا صاحبهما إمام ~~الحنفية الكمال بن الهمام بل زاد عليهما بالمبالغة في رفعة شأن هذا الدعاء ~~حيث جعل كل ما صح من الكيفيات الواردة في الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ~~موجودا في كيفية واحدة ومن جملتها الدعاء بزيادة الشرف وهي: اللهم صل أبدا ~~أفضل صلواتك على سيدنا محمد عبدك ونبيك ورسولك محمد وآله وسلم عليه تسليما ~~وزده تشريفا وتكريما وأنزله المنزل المقرب عندك يوم القيامة انتهى. فجعل ~~طلب زيادة الشرف له صلى الله عليه وسلم من جملة الأسباب المقتضية لفضل هذه ~~الكيفية ولاشتمالها على معنى ما في الكيفيات الواردة عنه صلى الله عليه ~~وسلم، ووافقهم صاحبهم شيخنا شيخ الإسلام خاتمة المحققين أبو يحيى زكريا ~~الأنصاري فإنه سئل عن واعظ قال: لا يجوز إجماعا لقارىء القرآن والحديث أن ~~يهدي مثل ثواب ذلك في صحائف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه أفتى ~~المتقدمون والمتأخرون. فأجاب: بأن ما ادعاه هذا الواعظ القليل المعرفة ~~يستحق بكذبه على الإجماع التعزيز البالغ وزعمه أن ذلك لا يجوز الحق خلافه ~~بل يجوز، والعجب له كيف ساغ له دعوى إجماع المسلمين وإفتاء المتقدمين ~~والمتأخرين على عدم الجواز وهل هذا إلا مجازفة في دين الله فإن جوازه كما ~~ترى شائع ذائع في الأعصار والأمصار. # فإن قلت: الدعاء بالزيادة في شرفه صلى الله عليه وسلم ممتنع لأنه يقتضي ~~أنه متصف بضدها حتى تطلب له الزيادة وهو محال في حقه. قلت: اعلم أن نبينا ~~صلى الله عليه وسلم وهو أشرف المخلوقات وأكملهم فهو في كمال وزيادة أبدا ~~يترقى من كمال إلى كمال إلى ما لا يعلم كنهه إلا الله تعالى فلا محال في ~~تزايد كماله وترقيه بالنسبة إلى نفسه بعد كونه أكمل المخلوقات، ونحن ms019 نطالب ~~له الزيادة في الكمال إلى تلك الدرجة التي لا يعلم كنهها إلا الله تعالى، ~~وفائدة طلبنا له ذلك مع أنه حاصل له لا محالة بوعد الله تعالى أمور. منها: ~~إظهار شرفه صلى الله عليه وسلم وكمال منزلته وعظم قدره ورفع ذكره وتوقيره. ~~ومنها: مجازاته صلى الله عليه وسلم على إحسانه إلينا. ومنها: حصول الثواب ~~لنا ويزيد اطلاعا على ما ذكرناه ما في الحديث الصحيح (كان صلى الله عليه ~~وسلم أجود الناس) الحديث فانظر ذلك وتأمله فإنه تخصيص بعد تخصيص على سبيل ~~الترقي، فضل أولا: جوده على الناس كلهم، وثانيا: جوده في رمضان على جوده في ~~سائر أوقاته، وثالثا: جوده عند لقاء جبريل على جوده في رمضان مطلقا ففيه ~~تزايد وتفاضل باعتبار نفسه على سبيل الترقي فاعتبر ما نحن فيه بهذا، ونظير ~~ما نحن فيه من طلب الزيادة اللهم زد هذا البيت تشريفا في حق بيت الله تعالى ~~الحرام فإن الدعاء بزيادة الشرف مأمور به ولم يقل أحد إن ذلك ممتنع انتهى. ~~فتأمل ذلك وما قبله تجد هذا المنكر قد ارتكب في إنكاره هنا متن عمياء وخبط ~~عشواء وليت دينه سلم له كلا إن إنكاره المباح بل الحسن والترقي عن ذلك إلى ~~جعله كفرا خطأ عظيم إثمه كبير جرمه فعليه عقوبة ذلك في الدنيا والآخرة على ~~أن قول القائل الفاتحة زيادة في شرفه صلى الله عليه وسلم هل هو مبتدأ وخبر ~~أو مفعول بتقدير اقرءوا والثاني بتقدير اجعلوا ولكل واحد من هذه التقديرات ~~معنى مغاير للآخر، وكان ينبغي للمنكر لو سلم ما زعمه أن يستفصل القائل عن ~~أحد هذه المعاني ويرتب على كل حكمه لكن الظاهر أن هذا المنكر لا يفهم ~~تغايرا بين هده المعاني وأنى له بذلك، والله أعلم بالصوات. 10 وسئل: في رجل ~~قال الفاتحة زيادة في شرف النبي صلى الله عليه وسلم فقام رجل من أهل العلم ~~وقال للقائل كفرت ولا تعد إلى قولك هذا الذي صدر منك تكفر أيضا فهل الأمر ~~كذلك وهل يجوز أن يقال ms020 لهذا القائل كفرت أو تكفر وماذا يلزم من قال له ذلك ~~مع زعمه أنه من أهل العلم؟ فأجاب فسح الله في مدته ونفع بعلومه وبركته: ليس ~~هذا الرجل القائل ذلك للقائل الفاتحة إلخ من أهل العلم بل كلامه وإنكاره ~~يدل على جهله ومجازفته وأنه لا يفهم ما يقول ولا يدري ما يترتب عليه في ذلك ~~من تجهيل العلماء له وتفسيقهم إياه وحكمهم عليه بالتهور كيف وقد كفر # PageV01P010 # مسلما لم يقل بتكفيره أحد؟ بل قال جماعة من المتقدمين والمتأخرين ~~باستحسانه كما سأبينه لك من كلامهم فإن قصد بتكفيره لقائل ذلك تسمية دينه ~~كفرا فقد كفر ويضرب عنقه إن لم يتب لأنه سمى الإسلام كفرا، وإن لم يقصد ذلك ~~حرم عليه هذا الإنكار واستحق عليه الزجر والتأديب البليغ ووجب على حاكم ~~الشريعة المطهرة وفقه الله وسدده أن يبالغ في زجره وتعزيره بما يراه زاجرا ~~له عن هذه المجازفات القبيحة والتهورات الشنيعة، وقد بلغني أنه حكم على ~~قائل ذلك بالكفر واستسلمه وأمره بالشهادتين وهذا منه مبالغة في الإثم ~~والفسوق وجراءة على الله ونبيه صلى الله عليه وسلم وعلى الشريعة الغراء حيث ~~أحدث فيها ما لم يسبق إليه على أنه لو سلم ذلك لكان من الواجب عليه أن يعرف ~~هذا العامي الحكم فإن أطاعه فظاهر وإن خالفه نهاه، وأما مبادرته لعامي صدرت ~~منه كلمة لا يفهم منها إلا غاية الإجلال والتعظيم لجنابه صلى الله عليه ~~وسلم الرفيع، وقوله لذلك العامي بمجرد أن صدرت منه تلك الكلمة كفرت أو نحو ~~ذلك فهي دليلة على جهله وغباوته، وأنه لا يدري شرط الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر وما يكفر به الإنسان وما لا يكفر به، وكفاك شاهدا على ذلك ما وقع ~~له في هذه القضية التي كثر كلام العلماء فيها بما لم يحط به علم هذا الرجل ~~ولا أنتهي إليه فهمه فكان عليه الرجوع فيما لا يعرفه إلى أهله العارفين ~~ليبينوا له حكمه وكلام العلماء فيه، وليست هذه المسألة من مخترعات ~~المتأخرين بل أشار إليها أكابر المتقدمين ms021 كالإمام الحليمي وصاحبه البيهقي، ~~وناهيك بهما إمامة وجلالة، وتبعهما إمام المتأخرين محرر المذهب أبو زكريا ~~النووي رحمه الله تعالى فقال في روضته ومنهاجه فقال فيهما صلى الله عليه ~~وسلم وزاده فضلا وشرفا لديه وناهيك بهذين الكتابين، وكأن هذا المنكر لم ~~يقرأ في الفقه ولا المنهاج ومن هذا شأنه كيف يبادر بهذا الإنكار وهذا ~~التهور؟ وإذا علمت تصريح النووي به في هذين الكتابين اللذين هما عمدة ~~المذهب علمت فساد إنكار هذا الجاهل وأن ما توهمه من أن سؤال الزيادة يقتضي ~~أن في مقامه صلى الله عليه وسلم نقصا توهم باطل لا دليل عليه، كيف وقد صرح ~~الإمامان الجليلان الحليمي والبيهقي بما يزيفه ويبطله، وعبارة الأول في ~~(شعب الإيمان) : فإذا قلنا اللهم صل على محمد فإنما نريد اللهم عظم محمدا ~~في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في ~~أمته وإجزال أجره ومثوبته وإبداء فضله للأولين والآخرين بالمقام المحمود ~~وتقديمه على كافة المقربين بالشهود. قال: وهذه الأمور وإن كان الله تعالى ~~قد أوجبها للنبي صلى الله عليه وسلم وأن كل شيء منها درجات ومراتب فقد يجوز ~~إذا صلى عليه واحد من أمته فاستجيب دعاؤه فيه أن يزاد النبي صلى الله عليه ~~وسلم بذلك الدعاء في كل شيء مما سميناه رتبة ودرجة، ولهذا كانت الصلاة مما ~~يقصد بها قضاء حقه ويتقرب بأدائها إلى الله تعالى، ويدل على أن قولنا اللهم ~~صل على محمد صلاة منا عليه أنا لا نملك إيصال ما يعظم به أمره ويعلو به ~~قدره إليه إنما ذلك بيد الله تعالى فصح أن صلاتنا عليه الدعاء له بذلك ~~وابتغاؤه من الله جل ثناؤه انتهى كلام الحليمي في شعبه، فتأمل قوله: وإجزال ~~أجره ومثوبته، وقوله: أن يزاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى آخره تجده ~~مصرحا بأن مقامه صلى الله عليه وسلم يقبل الزيادة في الثواب وغيره من سائر ~~المراتب والدرجات ويؤيده أنه صلى الله عليه وسلم وإن كان أكمل الخلق ~~وأفضلهم لكن لا تحصر ولا تحصى غايات كمالاته ms022 العلية بل هو دائم الترقي في ~~تلك الغايات ولا حد لها انتهاء والمقامات السنية مما لا يطلع عليه ويعلم ~~كنهه إلا الله تعالى، وكماله صلى الله عليه وسلم مع جلالته لا يمنع احتياجه ~~إلى زيادة مزيد وترق واستمداد من فضله تعالى وجوذه وكرمه، فإنه لا انتهاء ~~لفضله الواسع ولا انتهاء لكماله صلى الله عليه وسلم المستمد من ذلك. وعبارة ~~البيهقي في (تفسيره) : السلام عليك أيها النبي ويحتمل أن يكون بمعنى ~~السلامة: أي ليكن قضى الله عليك السلام، والسلام كالمقام والمقامة: أي سلمك ~~الله من المذام والنقائص. فإذا قلت: اللهم سلم على محمد إنما تريد اللهم ~~اكتب لمحمد في دعوته وأمته وذكره السلامة من كل نقص فتزداد دعوته على ممر ~~الأيام علوا وأمته تكاثرا وذكره ارتفاعا انتهى. فتأمله تجده صريحا فيما ~~أفاد كلام شيخه الحليمي مما مرت الإشارة إليه، وإذا صرح هذان الأمثلان بذلك ~~وتبعهما النووي فأي شبهة بقيت في هذا المحل يتشبث بها هذا المنكر الجاهل ~~وكأنه لم يستحضر ما يقوله عند كل سنة عند رؤية # PageV01P011 # الكعبة المعظمة من الدعاء الوارد حينئذ وهو: اللهم زد هذا البيت تشريفا ~~وتكريما وزد من شرفه فإنه صريح في ذلك بالدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وأن الدعاء بالزيادة لا يقتضي ثبوت نقص وبيانه أن فيه الدعاء للكعبة ~~المعظمة بزيادة التشريف وهي قبل هذا الدعاء لا نقص فيها حتى يطلب بهذا ~~الدعاء جبره، وكأن المراد بالزيادة فيه الزيادة في الكمال الذي لا غاية له ~~وكذلك الدعاء بالزيادة في شرف النبي صلى الله عليه وسلم على أن هذا الوارد ~~يشمله صلى الله عليه وسلم، فإن قوله فيه وزد من شرفه وعظمه وحجه واعتمره ~~إلخ يشمل النبي صلى الله عليه وسلم بل سائر الأنبياء الذين حجوا هذا البيت ~~هم الأنبياء كلهم أو إلا جماعة منهم على الخلاف في ذلك، فعلمنا أنه ورد ~~الدعاء بالزيادة في شرفه صلى الله عليه وسلم وفي شرف سائر الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام، ويدل لذلك أيضا الحديث المشهور عن أبي بن كعب ms023 رضي الله عنه ~~قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلث الليل قام فقال: يا ~~أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة قد جاء الموت بما فيه، ~~قال أبي فقلت: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ ~~فقال: ما شئت، قلت: الربع، قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير لك، قلت: أجعل لك ~~صلاتي كلها، قال: إذا تكفى همك ويغفر ذنبك) . حسنه الترمذي وصححه الحاكم في ~~موضعين من (مستدركه) ، وفي رواية (إذا ذهب ربع الليل) ، وفي أخرى: (قال: يا ~~رسول الله أرأيت صلاتي كلها لك قال: إذن يكفيك همك من أمر دنياك وآخرتك) . ~~وفي أخرى للبزار: (قال رجل يا رسول الله أجعل شطر صلاتي دعاء لك؟ قال: نعم. ~~قال: فأجعل صلاتي كلها دعاء لك قال: إذا يكفيك الله هم الدنيا والآخرة) وفي ~~أخرى: (أجعل لك نصف دعائي؟ قال: ما شئت؟ قال: الثلثين، قال: ما شئت، قال: ~~أجعل دعائي كله لك قال: إذا يكفيك الله هم الدنيا وهم الآخرة) وبهذه ~~الرواية يعلم أن المراد بالصلاة في الرواية الأولى وما بعدها الدعاء وأن من ~~فسرها بالصلاة الحقيقية والمراد نفس ثوابها فقد أبعد بل المعنى: أن لي ~~زمانا أدعو فيه لنفسي فكم أصرف من ذلك الزمان للدعاء لك. فإذا تقرر هذا فقد ~~قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر كما نقله عنه تلميذه الحافظ السخاوي ~~واستحسنه، وهذا الحديث أصل عظيم لمن يدعو عقب قراءته فيقول: اجعل ثواب ذلك ~~لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما من يقول مثل ثواب ذلك زيادة في ~~شرفه صلى الله عليه وسلم مع العلم بكماله في الشرف فلعله لحظ أن معنى طلب ~~الزيادة في شرفه أن يتقبل قراءته فيثيبه عليها. وإذا أثيب أحد من الأمة على ~~فعل طاعة من الطاعات كان للذي علمه مثل أجره وللمعلم الأول وهو الشارع صلى ~~الله عليه وسلم نظير جميع ذلك فهذا معنى الزيادة في شرفه صلى الله عليه ~~وسلم وإن كان شرفه مستقرا ms024 حاصلا، وقد ورد في القول عند رؤية الكعبة اللهم ~~زد هذا البيت تشريفا وتكريما وتعظيما فإذا عرف هذا عرف أن معنى قول الداعي ~~اجعل مثل ثواب ذلك أي تقبل هذه القراءة ليحصل مثل ثواب ذلك للنبي صلى الله ~~عليه وسلم انتهى. وحاصله أن طلب الزيادة له صلى الله عليه وسلم يكون بنحو ~~طلب تكثير أتباعه سيما العلماء ورفع درجاته ومراتبه العلية كما مر عن ~~الحليمي رحمه الله وبه يرد ما وقع في فتاوي شيخ الإسلام البلقيني فإنه سئل ~~عمن يقول في دعائه اجعل ثواب هذه الختمة هدية لسيدنا محمد صلى الله عليه ~~وسلم فأجاب بما حاصله: ثواب القراءة واصل له صلى الله عليه وسلم لأنه هو ~~المبلغ والمبين له فلا حاجة لذكر القارىء ذلك وإن ذكره على نظير: اللهم آت ~~سيدنا محمدا الوسيلة والفضيلة إلخ لم يمتنع بل اللائق أن لا يقدم على شيء ~~من ذلك إلا بإذن، ولئن جاء أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر شيئا يتعلق ~~بنحو ذلك فلعلمه صلى الله عليه وسلم أن عمر رضي الله عنه يراعي الأدب في ~~الذي يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم وإذا لم يكن الداعي يراعي الأدب فإنه ~~لا يليق أن يقدم على شيء من ذلك حتى يعلم طريق الأدب فيه انتهى. وأخذ من ~~ذلك ولده شيخ الإسلام علم الدين قوله لا ينبغي لأحد أن يقدم في دعائه على ~~قوله اللهم اجعل ثواب ما قرأناه زيادة في شرف سيدنا محمد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلا بدليل انتهى. وأنت خبير بأنه كأبيه ليسا قائلين بامتناع ~~ذلك، وإنما هما يحاولان أنه لا ينبغي قول ذلك إلا بدليل أي لا يندب قوله ~~إلا بدليل يدل على استحبابه، وليس في كلامهما ما يدل على أن ذلك لا يجوز، ~~على أن الظاهر أنهما غفلا عما قدمناه عن النووري وغيره، ومن ثم خالفهما شيخ ~~الإسلام القاياتي فقال في (الروضة) : إن القارىء إذا قرأ ثم جعل ما حصل من ~~الأجر له # PageV01P012 # لميت فهذا دعاء بحصول ms025 ذلك الأجر للميت فنفع الميت. وقال في (الأذكار) ~~المختار أن يدعو بالجعل فيقول اللهم اجعل ثوابها واصلا لفلان. واعلم أن ~~القدرة الإلهية مهما تتعلق بشيء يكون لا محالة، وقد قرر في علم الكلام أن ~~قدرته سبحانه وتعالى لا تتناهى وأيضا فخير الله لا ينفد، والكامل المترقي ~~في درجات الكمال هو أبدا كامل انتهى، وهو غاية في التحرير والتنقيح ووافقه ~~صاحبه شيخ الإسلام الشرف المناوي فأفتى باستحسان هذا الدعاء واستند إلى قول ~~المنهاج وزاده فضلا وشرفا لديه، ووافقهما أيضا صاحبهما إمام الحنفية الكمال ~~ابن الهمام بل زاد عليهما بالمبالغة في رفعة شأنه أي شأن هذا الدعاء حيث ~~جعل كل ما صح في الكيفيات الواردة في الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ~~موجودا في كيفية الدعاء بزيادة الشرف، ومن جملتها وهي: اللهم صل أبدا أفضل ~~صلواتك على سيدنا محمد عبدك ونبيك ورسولك محمد وآله وسلم عليه تسليما ~~كثيرا، وزده شرفا وتكريما، وأنزله المنزل المقرب عندك يوم القيامة انتهى. ~~فانظر كيف جعل الكيفيات الفاضلة للصلاة عليه صلى الله عليه وسلم كصلاة ~~التشهد وما اشتملت عليه من كثرة طرقها وكصلاة أخرى موجودة في تلك الكيفية ~~المشتملة على وزده تشريفا وتكريما وجعل طلب هذه الزيادة من الأسباب ~~المقتضية لفضل هذه الكيفية واشتمالها على ما في الكيفيات الواردة عنه صلى ~~الله عليه وسلم، وهذا تصريح من هذا الإمام المحقق بفضل طلب الزيادة له صلى ~~الله عليه وسلم فكيف مع هذا يتوهم أن في ذلك محذورا، ووافقهم أيضا صاحبهم ~~شيخنا شيخ الإسلام أبو يحيى زكريا الأنصاري فإنه سئل عن واعظ قال: لا يجوز ~~بالإجماع لقارىء القرآن والحديث أن يهدي مثل ثواب ذلك في صحائف سيدنا محمد ~~صلى الله عليه وسلم وبه أفتى المتقدمون والمتأخرون، فأجاب: بأن ما ادعاه ~~هذا الواعظ القليل المعرفة يستحق بسببه التعزير البالغ بحسب ما يراه الحاكم ~~من نحو حبس أو ضرب ويثاب زاجره ويأثم مساعده على ذلك. وها أنا أذكر ذلك ~~مفصلا، فأما ما ادعاه من أنه لا يجوز إهداء القرآن للنبي صلى ms026 الله عليه ~~وسلم فالحق خلافه بل يجوز ذلك والعجب منه كيف ساغ له دعوى إجماع المسلمين ~~وإفتاء المتقدمين والمتأخرين على عدم الجواز وهل هذا إلا مجازفة في دين ~~الله تعالى فإن جوازه كما ترى شائع ذائع في الأعصار والأمصار. فإن قلت: ~~الدعاء بالزيادة في شرفه صلى الله عليه وسلم ممتنع لأنه يقتضي أنه متصف ~~بضدها حتى يطلب له الزيادة وهو محال في حقه. قلت: إعلم يا أخي وفقني الله ~~وإياك، أن نبينا صلى الله عليه وسلم هو أشرف المخلوقات وأكملهم فهو في ~~كماله وزيادته أبدا مترق من كمال إلى كمال إلى ما لا يعلم كنهه إلا الله ~~تعالى، ولا محال في تزايد كماله وترقيه بالنسبة إلى نفسه بعد كونه أكمل ~~المخلوقات، ونحن نطلب له الزيادة في الكمال إلى تلك الدرجة التي لا يعلم ~~كنهها إلا الله، وفائدة طلبنا له ذلك مع أنه حاصل له لا محالة بوعد الله ~~تعالى أمور: منها: إظهار شرفه صلى الله عليه وسلم وكمال منزلته وعظيم حقه ~~ورفع ذكره وتوقيره. ومنها: مجازاته صلى الله عليه وسلم فقد أحسن إلى جميع ~~الناس بهدايتهم إلى الدين القويم. ومنها: حصول الثواب لنا كسائر العبادات ~~ويزيد اطلاعا على ما ذكرناه ما في الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في ~~رمضان حين يلقاه جبريل عليه السلام) فانظر إلى ذلك وتأمل فإنه تخصيص بعد ~~تخصيص على سبيل الترقي ففضل أولا جوده على الناس كلهم، وثانيا جوده في ~~رمضان على جوده في سائر أوقاته، وثالثا جوده عند لقاء جبريل على جوده في ~~رمضان مطلقا، ففيه تزايد وتفاضل باعتبار نفسه على سبيل الترقي، فاعتبر ما ~~نحن فيه بهذا؛ ونظير ما نحن فيه في طلب الزيادة اللهم زد هذا البيت تشريفا ~~في حق بيت الله الحرام فإن الدعاء بزيادة التشريف مأمور به ولم يقل أحد إن ~~ذلك ممتنع انتهى كلامه رحمه الله، وهو غاية في التحقيق والإتقان شكر الله ~~سعيه ms027 فتأمله، واقض به وبما قبله على هذا المعترض بالجهل والمجازفة والتهور ~~والمبادرة بما لا يسوغ إنكاره وبالخروج عن سنن المهتدين إلى وصمات ~~المعتدين، حيث ارتقى عن إنكار المباح بل الحسن كما مر عن غير واحد إلى جعله ~~كفرا فهل هذا إلا مجازفة في دين الله وافتراء عليه فعليه عقوبة ذلك في ~~الدنيا والآخرة. وروى الطبراني بسند موقوف نظر فيه ابن كثير عن علي رضي ~~الله عنه: أنه كان يعلم الناس الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم فيقول # PageV01P013 # دعاء طويلا من جملته: اللهم افسح له في عدنك وأجزه مضاعفات الخير من ~~فضلك، مهنئات له غير مكدرات، ومن نول ثوابك المحلول، وجزيل عطائك المعلول، ~~اللهم أعل على بناء الناس بناءه وأكرم مثواه لديك ونزله، وتمم له نوره ~~واجزه من انبعاثك له مقبول الشهادة مرضي المقالة ذا منطق عدل وخطة فصل ~~وبرهان عظيم انتهى. وهو صريح في طلب الزيادة له صلى الله عليه وسلم. وعدنك ~~جنة عدن وعطائك المعلول من العل وهو الشرب بعد الشرب، يريد أن عطاءه مضاعف ~~كأنه يعل به أي يعطيه عطاء بعد عطاء وأعل على بناء الناس أي البانين كما في ~~رواية بناه أي ارفع فوق أعمال العاملين عمله ومثواه منزله ونزله رزقه وخطة ~~بضم الخاء المعجمة القصة والفصل القطع. # وإذا جوز جمهور العلماء كما قاله القاضي عياض وغيره أن يقال رحم الله ~~محمدا ولم يبالوا بقول جمع لا يجوز لأن الرحمة غالبا إنما تكون لفعل ما ~~يلام لأنه مخالف لما صح أنه صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث أصحهما في ~~التشهد السلام عليك أيها النبي ورحمه الله وبركاته. ومنها إقراره صلى الله ~~عليه وسلم للأعرابي القائل: اللهم ارحمني وارحم محمدا، وإنما أنكر قوله ولا ~~ترحم معنا أحدا بقوله: (لقد تحجرت واسعا) . وفي حديث في سنده مجهول وبقية ~~رجاله رجال الصحيح (وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم ~~وعلى آل إبراهيم) فلأن يجوز الدعاء بالزيادة من باب أولى لأن طلبها لا يشعر ~~بما يشعر به ms028 طلب الرحمة. وفي (فتح الباري) قال أبو العالية: معنى صلاة الله ~~على نبيه صلى الله عليه وسلم ثناؤه عليه عند الملائكة ومعنى صلاة الملائكة ~~عليه الدعاء وهذا أولى الأقوال فيكون معنى سلام الله تعالى عليه ثناؤه عليه ~~وتعظيمه ومعنى صلاة الملائكة وغيرهم طلب ذلك له من الله تعالى والمراد طلب ~~الزيادة لا أصل الصلاة انتهى. وهو صريح في أن صلاتنا عليه طلب الزيادة له ~~من الله تعالى وأن ذلك لا محذور فيه وكيف لا وقد طلب صلى الله عليه وسلم ~~الزيادة في دعائه إذ في بعض حديث مسلم في دعائه (واجعل الحياة لي زيادة في ~~كل خير) وقد أمره الله تعالى بطلب الزيادة في العلم بقوله عز قائلا: {وقل ~~رب زدنى علما} [طه: 114] لو كان طلب الزيادة يشعر بما توهمه هذا المنكر ~~الغبي الجاهل لما دعا بها صلى الله عليه وسلم ولما أمره الله بطلبها فدل ~~ذلك على جواز الدعاء له صلى الله عليه وسلم بالزيادة في شرفه بل على ندب ~~ذلك واستحسانه فهو الحق فاعتمده ولا تغتر بخلافه. وأما قول شيخ الإسلام ابن ~~حجر في بعض المواضع هذا الدعاء مخترع من بعض أهل العصر ولا أصل له في السنة ~~فالظاهر أنه قاله قبل اطلاعه على ما مر عنه مما هود صريح في أن له من السنة ~~أصلا أصيلا، ثم رأيت ابن تيمية سبق البلقيني إلى ما مر عنه وبالغ السبكي في ~~رده عليه في ذلك فجزاه الله خيرا والله أعلم بالصواب. ### | 11 - # وسئل رضي الله عنه، في حية الدار نقتلها أو نتحول عنها: فإن قلتم ثلاثا ~~فهل هي أيام أو ساعات؟ وهل الحيات في ذلك سواء كالأفعاء والرواز والثعبان ~~أم يختص التحول بنوع منها؟ وهل حية العمران كالبستان والبئر التي يسقى منها ~~الزرع والأشجار حكمها حكم حية الدار أم لا؟ وهل يكره قتل شيء منها في ~~الموات أو في العمران؟ وكيف الذي يقولونه إذا بدت لهم؟ وما العهد الذي أخذه ~~عليها نوح وسليمان صلى الله على نبينا وعليهما وسلم؟ ms029 فأجاب نفع الله ~~بعلومه: اعلم أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الحيات أمر ندب. روى البخاري ~~والنسائي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في غار بمنى وقد نزلت عليه سورة {والمرسلات عرفا} فنحن نأخذها من فيه ~~رطبة إذ خرجت علينا حية فقال: اقتلوها فابتدرنا لنقتلها فسبقتنا، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: وقاكم الله شرها كما وقاها شركم) وعداوة الحية ~~للإنسان معروفة إذ الذي عليه الجمهور أن الخطاب في قوله تعالى: {اهبطوا ~~منها جميعا} [البقرة: 38، 36] لآدم وحواء وإبليس والحية: وفي حياة الحيوان ~~روى قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما سالمناهن منذ ~~عاديناهن) . وقال ابن عمر رضي الله عنهما: من تركهن فليس منا. وقالت عائشة ~~رضي الله عنها: من ترك حية خشية من ثارها فعليه لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين. وفي (مسند أحمد) عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من قتل حية فكأنما ~~قتل مشركا، ومن ترك حية خوف عاقبتها فليس منا) . وقال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: إن الحياة مسخ الجن كما مسخت القردة من بني إسرائيل، وأخرجه ~~الطبراني عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك رواه ابن حبان هذا كله # PageV01P014 # في غير حيات البيوت، وأما الحيات التي مأواها البيوت فلا تقتل حتى تنذر ~~ثلاثا. واختلف العلماء هل المراد ثلاثة أيام أو ثلاث مرات، والأول عليه ~~الجمهور: أي فهو الأولى، وقد ورد في كل منهما حديث. أخرج مالك ومسلم وأبو ~~داود عن أبي سعيد الخدري: (أن أبا السائب أراد أن يقتل حية بدار أبي سعيد ~~وهو يصلي فأشار إليه أن لا تفعل، ثم لما قضى صلاته حدثه وقد أشار له في بيت ~~في الدار فقال: كان فيه فتى حديث عهد بعرس فخرجنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بأنصاف النهار يرجع إلى أهله، فاستأذنه يوما فقال له صلى الله عليه وسلم: ms030 ~~خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك قريظة، فأخذ الرجل سلاحه فإذا امرأته بين ~~البابين قائمة فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به وأصابته غيرة فقالت: اكفف ~~رمحك وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية ~~على الفراش فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به، ثم خرج به فركزه في الدار ~~فاضطربت عليه وخر الفتى ميتا، فما يدري أيهما كان أسرع موتا الفتى أم ~~الحية؟ قال: فجئنا النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرناه بذلك وقلنا: ادع الله ~~تعالى له أن يحييه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: استغفروا لصاحبكم، ثم ~~قال صلى الله عليه وسلم: إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا ~~فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان) وفي لفظ: ~~(إن لهذه البيوت عوامر فإذا رأيتم شيئا منها فحرجوا عليه ثلاثا فإن ذهب ~~وإلا فاقتلوه فإنه كافر) . وأخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الهوام من الجن من رأى في بيته شيئا ~~فليحرج عليه ثلاث مرات فإن عاد فليقتله فإنه شيطان) وأخذ بعض العلماء من ~~حديث أبي سعيد الأول وهو قوله: (إن بالمدينة جنا) إلى آخره أن الإنذار ~~ثلاثا خاص بالمدينة، وصحح بعض أنه عام في كل بلدة لا تقتل حتى تنذر. # ثم الظاهر أن الإنذار مندوب وإن اقتضى كلام بعض الحنابلة وجوبه حيث قال: ~~قتل الحية بغير حق لا يجوز كالإنس ولو كان كافرا والجن يتصورون بصور شتى، ~~وحيات البيوت قد تكون جنا فتؤذن ثلاثا فإن ذهبت وإلا قتلت، فإنها إن كانت ~~حية أصلية قتلت، وإن كانت حية جنية فقد أصرت على العدوان بظهورها للإنس في ~~صورة حية تفزعهم بذلك انتهى. نعم أفهم قوله: فقد أصرت على العدوان أن ~~خروجها في صورة الحية عدوان وحينئذ فلا يجب الإنذار، ويؤيده ما ذكره شيخ ~~الإسلام ابن حجر في أبناء العمران عن الثوري الأنصاري الهوي المتوفى سنة ~~إحدى وثمانمائة أنه خرج عليه ثعبان مهول فقتله فاحتمل ms031 فورا من مكانه فأقام ~~عند الجن إلى أن رفعوه لقاضيهم فادعى عليه ولي المقتول فأنكر، فقال القاضي: ~~على أي صورة كان المقتول؟ فقيل على صورة ثعبان فالتفت القاضي إلى من بجانبه ~~فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من تزيالكم فاقتلوه) فأمر ~~القاضي بإطلاقه فرجعوا به إلى منزله. # ونظير ذلك ما أخرجه ابن عساكر في (تاريخه) : أن رجلا دخل بعض الخراب ~~ليبول فيه فإذا حية فقتلها فما هو إلا أن نزل به تحت الأرض فاحتوش به جماعة ~~فقالوا هذا قتل فلانا، فقالوا نقتله، فقال بعضهم امضوا به إلى الشيخ، فمضوا ~~به إليه فإذا هو شيخ حسن الوجه كبير اللحية أبيضها فقال: ما قصتكم؟ ~~فأخبروه، فقال في أي صورة ظهر؟ فقالوا في حية، فقال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول لنا ليلة الجن: (ومن تصور منكم في صورة غير صورته فقتل ~~فلا شيء على قاتله) خلوه فخلوني. # واعلم أن الاستدلال بهذين ينبني على جواز الرواية عن الجن وقد روى عنهم ~~الطبراني وابن عدي وغيرهما لكن توقف في ذلك بعض الحفاظ بأن شرط الراوي ~~العدالة والضبط، وكذا مدعي الصحبة شرطه العدالة والجن لا نعلم عدالتهم مع ~~أنه ورد الإنذار بخروج شياطين يحدثون الناس انتهى. والتوقف متجه. وعلى كل ~~حال فالذي ينبغي أن الإنذار ليس بواجب لأن الأصل في الصورة أنها باقية على ~~خلقتها الأصلية، وقد أهدر الشارح هذه الصورة أعني صورة الحية بسائر أنواعها ~~وجعلها من الفواسق، وقد مر أول هذا الجواب التحريض على قتلها، وهذا كله ~~يقتضي أن الإنذار غير واجب لأن كونها صورة جني أمر محتمل وليس بمحقق، ~~والاحتمال المخالف للأصل لا يقتضي الوجوب لكن حديث البخاري ومسلم يقتضيه، ~~ولفظ الأول عن ابن أبي ملكية: (أن ابن عمر كان يقتل الحيات ثم نهى قال: إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم هدم حائطا له فوجد فيه سلخ حية، # PageV01P015 # فقال: انظروا أين هو؟ فنظروه فقال: اقتلوه فكنت أقتلها لذلك فلقيت أبا ~~لبابة فأخبرني أن النبي صلى الله عليه ms032 وسلم قال: لا تقتلوا الحيات إلا كل ~~أبتر ذي طفيتين فإنه يسقط الولد ويذهب البصر فاقتلوه) . ولفظه عن نافع عن ~~ابن عمر: (أنه كان يقتل الحيات فحدثه أبو لبابة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نهى عن قتل حيات البيوت فأمسك عنها) . ولفظه عن سالم عن ابن عمر أنه ~~سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر: (اقتلوا الحيات واقتلوا ذا ~~الطفيتين والأبتر فإنهما يطمسان البصر ويسقطان الحمل) . قال عبد الله: ~~فبينما أطارد حية لأقتلها فناداني أبو لبابة لا تقتلها فقلت إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل الحيات قال إنه نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت ~~وهن العوامر) . ولفظ الثاني عن نافع قال: (كان عبد الله صلى الله عليه وسلم ~~بن عمر رضي الله عنهما يوما عند هدم له فرأي أبيض جان فقال اتبعوا هذا ~~الجان فاقتلوه، فقال أبو لبابة الأنصاري: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نهى عن قتل الجان الذي يكون في البيوت إلا الأبتر وذا الطفيتين فإنهما ~~اللذان يخطفان البصر ويتبعان ما في بطون النساء) فظاهر قوله في الأول: (لا ~~تقتلوا الحيات) وقوله في الثاني: (نهى) حرمة قتل الجان المذكور إلا أن يقال ~~غير معمول بظاهره من حرمة القتل ولو بعد الإنذار، وفيه ما فيه إذ المطلق في ~~هذه الرواية محمول على المقيد في غيرها من قتلها بعد الإنذار مطلقا وبهذا ~~يقيد أيضا. ما أخرجه أبو داود عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (اقتلوا ~~الحيات إلا الجان الأبيض الذي كأنه قضيب فضة) . واعلم أن حديث أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه يقتضي طلب تقدم الإنذار في سائر أنواع الحيات، وحينئذ ~~يعارض ما مر أول الجواب من إطلاق الأمر بقتلها. وقد يجاب بأن إطلاق الأمر ~~بالقتل منسوخ كما عرف من رواية البخاري السابقة أيضا، ويحمل هذا على ما إذا ~~لم يذهب بالإنذار وإلا قتل جانا كان أو غيره، ويعارض استثناء الأبتر وذي ~~الطفيتين إلا أن يجاب بأن استثناء هذين يقتضي ms033 أن الجني لا يتصور بصورتهما ~~فيسن قتلهما مطلقا. ثم رأيت الزركشي نقل ذلك عن الماوردي فقال: إنما أمر ~~بقتلهما لأن الجن لا تتمثل بهما، وإنما نهى عن ذوات البيوت لأن الجني يتمثل ~~بها وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال: (اقتلوهما فإنهما يطمسان ~~البصر ويسقطان الحبالى) قال الزهري: ونرى ذلك من سمهما، وظاهر الأحاديث ~~السابقة اختصاص طلب الإنذار بعامر البيوت وهو محتمل، ويحتمل أنه إنما خص ~~بذلك لأنه يتأكد فيه أكثر وإلا فالعلة المعلومة مما مر تقتضي طلب الإنذار ~~فيما عدا الأبتر وذا الطفيتين سواء كانت عامر بيت أو بستان أو بئر أو غيرها ~~والتعبير بذوات البيوت وهن العوامر في رواية البخاري السابقة كأنه للغالب. ~~ولا ينافي ما مر من عدم وجوب الإنذار ما أخرجه أبو الشيخ وابن أبي الدنيا ~~أن عائشة رضي الله عنها أمرت بقتل جان أو حية فقيل لها إنه ممن استمع الوحي ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم فتصدقت باثني عشر ألف درهم وفي رواية: أعتقت ~~أربعين رأسا وذلك لأنها إنما فعلت ذلك تورعا كما هو ظاهر. وبما تقرر علم ~~أنه لا يطلب التحول من الدار لأجل ما ظهر من الحيات فيها بل تنذر ثلاثا فإن ~~ذهبت وإلا قتلت، وإن الثلاث ثلاثة أيام عند الجمهور وثلاث ساعات عند غيرهم، ~~وأن سائر الحيات العوامر في ذلك سواء إلا الأبتر وذا الطفيتين، ولما مر ~~فيهما وحيات البيوت كذلك لما مر فيهما، وأن حيات غير البيوت لا يبعد ~~إلحاقها بحيات البيوت، وأن كيفية الكلام الذي يقال عند الإنذار. ما أخرج ~~أبو داود عن أبي ليلى: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن حيات ~~البيوت فقال: إذا رأيتم منها شيئا في مساكنكم فقولوا: أنشدكن العهد الذي ~~أخذ عليكن نوح، أنشدكن العهد الذي أخذ عليكن سليمان أن لا تؤذونا فإن عدن ~~فاقتلوهن) وذكر الحديث في (أسد الغابة) عن أبي ليلى بلفظ: (إذا ظهرت الحية ~~في المسكن فقولوا لها: إنا نسألك بعهد نوح عليه السلام وبعهد سليمان بن ~~داود ms034 عليهما السلام لا تؤذينا فإن عادت فاقتلوها) ثم رأيت الطحاوي من أئمة ~~الحديث والفقه على مذهب أبي حنيفة رحمهما الله صرح بما قدمته من أن الإنذار ~~غير واجب. وعبارته لا بأس بقتل الجميع والأولى بعد الإنذار انتهت، وهي غير ~~صريحة فيما قدمته أيضا من أن الإنذار مندوب في الجميع وإنما استثنيت منه ~~النوعين السابقين أخذا بالحديث والعلة كما مر، ويؤخذ من عبارته أيضا أن ما ~~نقل عن الحنفية من أنه لا ينبغي أن تقتل الحية البيضاء لأنها من الجان ~~محمول على أن سبب # PageV01P016 # تخصيصها بذلك أن ظن كونها من الجن أقوى من ظن كونها من بقية الحيات فخصت ~~ليكون الإنذار، وتجنب القتل منهم في حقها آكد منه في حق غيرها. وأما تفصيل ~~العهد الذي أخذه نوح والذي أخذه سليمان فلم أر أحدا صرح به على أنه لا حاجة ~~للتصريح به إذ لا يترتب عليه كبير فائدة ولم أر أحدا بسط الكلام على هذه ~~المسألة كما ذكرته ولا قريبا منه، وإنما غايتهم أن يذكروا بعض ما مر من ~~الأحاديث وأن الإنذار ثلاثة أيام أو ساعات وهل يختص بالمدينة أو لا. وأما ~~الكلام على الأحاديث وبيان تعارضها وما تدل عليه من وجوب الإنذار أو ندبه ~~فأغفلوه على أنه من المهمات التي يتأكد الاعتناء بها وبذل الجهد فيها، ولعل ~~أن نظفر بكلام أحد من الأئمة المعتبرين يوافق ما ذكرته أو يخالفه والله ~~أعلم بالصواب. ثم أجبت عن هذا السؤال بجواب آخر وهو لا ينبغي أن تقتل حية ~~الدار ابتداء، بل إنما تقتل بعد الإنذار في المدينة الشريفة على مشرفها ~~أفضل الصلاة والسلام وغيرها على الأصح وخبر مسلم المقتضي للتخصيص بها غير ~~مراد به ظاهره لأحاديث أخر مقتضية للتعميم. واختلف العلماء هل ينذرها ثلاثة ~~أيام أو ثلاث مرات ولو في ساعة واحدة؟ وجمهورهم على الأول ولعله لبيان ~~الأفضل والأكمل، وإلا فأصل طلب الإنذار يحصل بثلاث مرات، كما ورد في حديث ~~وإن كان حديث الأول أصح، ولم أر في الأحاديث ما يدل على طلب التحول ms035 من ~~الدار لأجلها، وإنما الذي في الأحاديث ما تقرر من أنها تنذر فإن ذهبت وإلا ~~قتلت لأنها شيطان كما في رواية (أو كافر) كما في أخرى، وورد في أحاديث ما ~~يقتضي أن جميع أنواع الحية كذلك لكن في بعضها استثناء الأبتر وذي الطفيتين، ~~وعلله صلى الله عليه وسلم في حديثهما في (الصحيحين) بأنهما يطمسان البصر ~~ويسقطان الجنين. قال الزهري: نرى ذلك من سمهما، وورد في أحاديث أخر ما ~~يقتضي اختصاص طلب الإنذار بحيات البيوت، وظاهر كلام بعض الأئمة الأخذ بهذا ~~المقتضى وأن حيات غير البيوت تقتل مطلقا، والذي يتجه أن التقييد بعوامر ~~البيوت في حديث، وبقوله صلى الله عليه وسلم (من رأى في بيته) في حديث آخر ~~إنما هو للغالب أو لمزيد التأكيد وإلا فعلة طلب الإنذار من احتمال أنها ~~صورة جني كما دلت عليه الأحاديث قاضية بأنه لا فرق فيطلب الإنذار في البيت ~~والبستان وغيرهما وبعد الإنذار يقتل حتى الأبيض الذي كالفضة، وما ورد عن ~~ابن مسعود رضي الله عنه مما يقتضي عدم قتله مطلقا يحمل على ما إذا لم ينذر ~~وأن الإنذار يتأكد فيه لأنه أقرب إلى صورة الجن من غيره وكذلك يحمل على هذا ~~حديث مسلم (أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الجان إلا الأبتر وذا ~~الطفيتين) . وفي حديث مرسل عند أبي داود وغيره أن كيفية الإنذار (أنشدكن ~~العهد الذي أخذ عليكن نوح، أنشدكن العهد الذي أخذ عليكن سليمان أن لا ~~تؤذونا) ، ولم أر من بين هذا العهد مع أنه لا حاجة لبيانه لأن المراد أن ~~كلا من النبيين صلى الله على نبينا وعليهما وسلم ألزموا الجن بأنهم لا ~~يؤذون الإنس فمؤمنهم يراعي ذلك الإلزام إذا ذكرتهم وكافرهم لا يعبأ به ~~فيقتل بعده لأنه إن كان جنيا فهو كافر وإن كان حية أصلية فهو مهدر وكل منهم ~~يقتل شرعا، والله أعلم بالصواب. ### | 12 - # وسئل فسح الله في مدته في خطيب يقول في خطبته: إن الأولياء يردون الحوض ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل الأنبياء، ms036 وضرب لذلك مثلا من أحوال الدنيا ~~وهو أن الرجل العظيم قد يصل أتباعه إلى منزله قبل من هو أشرف منهم لقربهم ~~إليه فهل ما قاله صحيح؟ فأجاب متع الله بحياته: ما ذكره هذا الخطيب إنما ~~يتم إن ثبت أن الأنبياء يردون حوض النبي صلى الله عليه وسلم، ولم أر ما يدل ~~لذلك بعد الفحص والاطلاع على الأحاديث الواردة في الحوض عن بضع وخمسين ~~صحابيا ليس هذا محل بسطها بل الذي رأيته يدل لخلافه. فقد صرح الترمذي عن ~~سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لكل نبي ~~حوضا وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردة) . ~~وأخرج الطبراني عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: (إن الأنبياء يتباهون أيهم أكثر أصحابا من أمته فأرجو أن أكون ~~يومئذ أكثرهم كلهم واردة، وإن كل نبي منهم يومئذ قائم على حوض ملآن معه عصا ~~يدعو من عرف من أمته، ولكل أمة نبي سيما يعرفهم بها نبيهم) فهذان الحديثان ~~صريحان في أن لكل نبي حوضا مستقلا ترده أمته، وحينئذ فلا يتم لهذا الخطيب ~~ما ذكره فيطالب بمستنده في هذه المقالة فإن بين ما يصلح مستندا # PageV01P017 # لذلك فلا ملام عليه، بل هو محسن مطلع، وإن لم يبين ذلك أدب لمجازفته في ~~الدين التأديب الشديد، لينزجر عن الخوض في الحوض وعن هذا الأمر الصعب فإن ~~أمور الآخرة من المغيبات عنا فلا يجوز لنا أن نقدم على الإخبار بشيء منها ~~إلا إن صح سنده عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن ما لا يصح سنده لا يجوز ~~ذكره إلا مع بيان ضعفه أو مخرجه، وأما الجزم كما وقع لهذا الخطيب فلا يجوز ~~إلا بما علمت صحته عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ظاهر قوله: إن الولي قد ~~يبلغ درجة النبي صلى الله عليه وسلم مما يؤدي إلى الكفر، فإن من اعتقد أن ~~الولي يبلغ مرتبة النبي صلى الله عليه وسلم ms037 فقد كفر فليحذر هذا الخطيب ~~الخوض في نحو ذلك من المسائل المشكلة فإن من لم يتضلع من العلوم السمعية ~~والنظرية يكون خطؤه أكثر من صوابه، نسأل الله التوفيق. # وأخرج ابن أبي عاصم في (المسند) عن علي كرم الله وجهه سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: (أول من يرد علي الحوض أهل بيتي ومن أحبني من أمتي) . ~~وفي حديث مسلم: (ترد علي أمتي الحوض يوم القيامة آنيته عدد الكواكب يختلج ~~العبد منهم، فأقول يا رب إنه من أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدث بعدك) ~~وفي رواية عند الطبراني: (لا يشرب منه من أخفر ذمتي ولا من قتل أحدا من أهل ~~بيتي) . وروى مسلم وأحمد والترمذي وابن ماجه عن ثوبان رضي الله عنه سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (حوضي من عدن إلى عمان ماؤه أشد بياضا ~~من اللبن وأحلى من العسل، وأكؤسه عدد نجوم السماء من شرب منه شربة لا يظمأ ~~بعدها أبدا أول الناس على ورودا فقراء المهاجرين، فقال عمر: من هم يا رسول ~~الله؟ قال: الشعث رؤوسا الدنس ثيابا لا ينكحون المنعمات ولا تفتح لهم ~~السدد) أي أبواب السلاطين. وفي رواية لمسلم وابن ماجه: (إني لأذود عنه ~~الرجال كما يذود الرجل الإبل الغريبة عن حوضه قيل: يا رسول الله أو تعرفنا؟ ~~قال: نعم، تردون علي غرا محجلين من أثر الوضوء ليست لأحد غيركم) . وأخرج ~~أحمد والحاكم: (ما أنتم بجزء من مائة ألف جزء ممن يرد علي الحوض يوم ~~القيامة) . وفي هذه إشارة إلى كثرة أمته صلى الله عليه وسلم. وأخرج ~~الماوردي وغيره: (حوضي أشرب منه يوم القيامة) وأخرج ابن حبان والطبراني: ~~(لتزدحم هذه الأمة على الحوض ازدحام الإبل إذا وردت لخمس) . وأخرج الترمذي ~~والحاكم عن كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عليهم فقال: (إنه ~~سيكون أمراء بعدي فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ~~ولست منه، وليس بوارد على الحوض ومن لم يدخل عليهم ولا يعينهم على ms038 ظلمهم ~~ولم يصدقهم بكذبهم فهو مني وأنا منه وهو وارد على الحوض) . [فائدة] نقل ~~القرطبي عن العلماء أنه يطرد عن الحوض من ارتد أو أحدث بدعة كالروافض ~~والظلمة المسرفين في الجور والمعلن بالمعاصي، ثم الطرد للمسلم قد يكون في ~~حال، وقد يشرب منه ذو الكبيرة، ثم إذا دخل النار لا يعذب بالعطش اه ملخصا، ~~وهذا بناء على أن الحوض قبل الصراط. والذي رجحه القاضي عياض أنه بعده وأن ~~الشرب منه بعد الحساب والنجاة من النار، وأيده الحافظ ابن حجر بأن ظاهر ~~الأحاديث أن الحوض بجانب الجنة لينصب فيه الماء من النهر الذي داخلها فلو ~~كان قبل الصراط لحالت النار بينه وبين الماء الذي ينصب من الكوثر، ولا ~~ينافيه أن جمعا يدفعون عنه بعد رؤيته إلى النار لأنهم يقربون منه بحيث ~~يرونه فيدفعون في النار قبل أن يخلصوا من بقية الصراط والله أعلم بالصواب. ### | 13 - # وسئل أمدنا الله من مدده: في قول الإمام النووي في الأذكار: باب ما يقول ~~إذا رأى قرية يريد دخولها أو لا يريده، وذكر في ذلك حديثين مقيدين بالدخول، ~~ولم يذكر لعدم إرادة الدخول حديثا، وقد ذكره في ترجمة الباب فهل الذكر يفهم ~~يا سيدي من سياق الحديثين المذكورين أو من أحدهما، عدم التقييد بإرادة ~~الدخول أم لا؟ ويكون عدم تقييد الذكر بالدخول فهمه النووي من غير هذين ~~الحديثين اللذين أوردهما، وربما يرى الإنسان في تراجم أبواب الرياض ~~والأذكار شيئا زائدا على الأحاديث التي يسوقها في ذلك الباب فهل ذلك لدقة ~~فهمه من الأحاديث المذكورة على من ليس له خبرة بالحديث أو إنما زاده الإمام ~~النووي لما قام عنده من غير الأحاديث المذكورة؟ أفتونا مأجورين أثابكم الله ~~النعيم الأبدي في الدنيا والآخرة بمنه وكرمه آمين؟ فأجاب رضي الله عنه: ~~إنما ذكر النووي رحمه الله تعالى في الترجمة عدم إرادة الدخول مع التقييد ~~بإرادته في الحديث للإشارة إلى أن التقييد بإرادة الدخول في الحديث # PageV01P018 # ليس له مفهوم نظرا للمعنى الذي ندب لأجله أن يقال ذلك، وذلك المعنى هو ms039 ~~خيفة الإيذاء من ساكني ذلك المحل وغيرهم مما فيه من الأفاعي والجن ~~والجمادات، وإذا تقرر أن هذا هو السبب الحامل على الإتيان بهذا الذكر اتضح ~~أن ذكر إرادة الدخول في الحديث لا مفهوم له لأنه خرج مخرج الغالب على أنه ~~في (شرح المهذب) جرى على ظاهر الحديث فقال: يستحب إذا أشرف على قرية يريد ~~دخولها أو منزل أن يقول: اللهم إني أسألك خيرها إلخ لكنه في هذا التعبير ~~أشار إلى استنباط آخر، وهو أن التعبير بالقرية في الحديث ليس للاشتراط بل ~~للغالب فلذا ألحق سائر المنازل بها في ندب الدعاء المذكور عند الإشراف ~~عليه، وإن لم تكن قرية. فاستفيد من مجموع كلامه في الكتابين أن التقييد ~~بإرادة الدخول وبالقرية في الحديث لا مفهوم له وأن المنزل كالقرية وعدم ~~إرادة الدخول كإرادته، والحامل له على ذلك والله أعلم ما ذكرته من أن ~~المعنى الذي طلب لأجله هذا الدعاء موجود عند رؤية القرية والمنزل وعند ~~إرادة الدخول وعدمها إذ النفس تخشى من محل اجتماع الناس ومنازلهم وما ~~يتبعهم أن يلحقها من ذلك نوع ضرر فشرع لها هذا الدعاء تطمينا لها وإرشادا ~~إلى مزيد شهود الافتقار والضعف والذلة ليكون ذلك متكفلا لها بالسلامة من كل ~~مؤذ. وبما تقرر علم حسن صنيع النووي ودقة فهمه في الحديث وبالغ إشاراته إلى ~~حقائقه، وهكذا يقاس بما قلناه ما يقع له من نظير ذلك أفاض الله علينا من ~~بركات أنفاسه الطاهرة وحشرنا في زمرته وعلى قدمه في الدنيا والآخرة ومن ~~علينا برضاه في هذه الدار إلى أن نلقاه إنه هو الجواد الرحيم، والله سبحانه ~~أعلم بالصواب. ### | 14 - # وسئل رضي الله عنه: هل خلقت الأرض قبل السماء؟ فأجاب نفع الله بعلومه ~~وبركته: نعم كما صح في البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما والقرآن ناطق ~~به. وأجاب عن قوله تعالى: {أءنتم أشد خلقا أم السمآء بناها} [النازعات: 27] ~~الآية؛ بأن الأرض خلقت أولا كالخبزة وخلقت السماء بعدها ثم هيأ الأرض ~~ودحاها، والله أعلم. ### | 15 - # وسئل رضي الله عنه: هل ms040 الليل أفضل من النهار؟ فأجاب فسح الله في مدته: ~~قال جماعة: النهار أفضل من الليل لما فيه من فضل الاجتماع على القرآن ~~والذكر. وقال آخرون: بل الليل أفضل إذ ليلة القدر خير من ألف شهر، وليس لنا ~~يوم خيرا من ألف شهر، ويدل له قولهم: لو قال أنت طالق في أفضل الأوقات طلقت ~~ليلة القدر، واختصاصه بالتجلي الأكبر وبالمعراج، والله سبحانه أعلم. ### | 16 - # وسئل رضي الله عنه: هل العرش أفضل من الكرسي؟ فأجاب رحمه الله بقوله: نعم ~~كما صرح به ابن قتيبة، وصرح أيضا بأن الكرسي أفضل من السماء، وأن الشام ~~أفضل من العراق، وبأن الحجر أفضل من الركن اليماني، وهو أفضل القواعد، ~~والله أعلم. ### | 17 - # وسئل نفع الله تعالى بعلومه: هل الليل في السماء كالأرض؟ فأجاب رضي الله ~~عنه بقوله: الذي دلت عليه الآيات القرآنية أنه من خواص أهل الأرض، لأن الله ~~تعالى امتن به علينا راحة لنا لأنا نتعب ونمل بخلاف أهل السماء؛ ومعنى ~~{يسبحون الليل والنهار لا يفترون} [الأنبياء: 20] أنهم دائمون على ذلك فكنى ~~بذلك عن الدوام ووقوع المعراج ليلا إنما هو بالنسبة لأهل الأرض والله ~~سبحانه أعلم. ### | 18 - # وسئل رضي الله عنه: في رجل ليست له معرفة تامة بالطب ويجيء إليه أصحاب ~~العلل فينظر في كتب الطب فما وجده موافقا طبا لطبعه داوى به ولم يدر تشخيص ~~العلة لصاحب العلة بل قال له: افعل فمنهم من يبرأ ومنهم من لا، فما الحكم ~~في ذلك وما حكم المأخوذ منهم بالرضا؟ فأجاب نفع الله بعلومه وبركته: من ~~يطالع كتب الطب ويذكر للناس ما فيها من غير أن يتشخص العلة فقد جازف وتجرأ ~~على إفساد أبدان الناس وإلحاق الضرر بهم، لأن من لا يتشخص العلة ولا يتيقن ~~كليات علم الطلب لا يجوز له أن يفتي بشيء من جزئياته لأن الجزئيات لا ~~يضبطها إلا الكليات، ومن ثم قال بعض حذاق الأطباء: كتبنا قاتلة للفقهاء أي ~~إنهم يرون فيها أن الشيء الفلاني دواء للعلة الفلانية فيستعملونه لتلك ~~العلة غافلين عن أن ms041 في البدن علة خفية تضاد ذلك الدواء فيكون القتل حينئذ ~~من حيث ظنوه نافعا، وحينئذ فلا يصلح ذلك الدواء إلا لمن علم أنه ليس في ~~البدن مضاد له، ولا يحيط بذلك إلا الطبيب الماهر الذي أخذ العلم عن الصدور ~~لا عن السطور، ولا خصوصية لعلم الطب بذلك بل كل من أخذ العلم عن السطور كان ~~ضالا مضلا ولذا قال النووي رحمه الله: من رأى المسألة في عشرة كتب مثلا لا ~~يجوز له الإفتاء بها لاحتمال أن تلك الكتب كلها ماشية على قول أو طريق ~~ضعيف، ثم هذا الطبيب إذا # PageV01P019 # داوى ظنا منه أنه ينفع فكان مضرا فلا شيء عليه غير الإثم الشديد والعذاب ~~العظيم في دار الوعيد فليتق الله ويرجع عن ذلك وإلا فهو من أهل المهالك، ~~وأما ما يأخذه منهم فهو محرم عليه أكله لأنهم لم يسمحوا له به إلا ظنا منهم ~~أنه يعرف ما يصفه من الأدوية وغيرها، ولو علموا أنه معاقب آثم بما يفعله لم ~~يعطه أحد شيئا فهو آخذ له بالغش والبهتان والجور والعدوان، والله أعلم. ### | 19 - # وسئل رضي الله عنه، ما حكم كتب العزائم وتعليقها على الصبيان والدواب؟ ~~فأجاب رضي الله عنه: وفسح في مدته: يجوز كتب العزائم التي ليس فيها شيء من ~~الأسماء التي لا يعرف معناها، وكذلك يجوز تعليقها على الآدميين والدواب، ~~والله سبحانه أعلم بالصواب. ### | 20 - # وسئل نفع الله بعلومه: السؤال عن النحس والسعد وعن الأيام والليالي التي ~~تصلح لنحو السفر والانتقال ما يكون جوابه؟ فأجاب رضي الله عنه: من يسأل عن ~~النحس وما بعده لا يجاب إلا بالإعراض عنه وتسفيه ما فعله ويبين له قبحه، ~~وأن ذلك من سنة اليهود لا من هدي المسلمين المتوكلين على خالقهم وبارئهم ~~الذين لا يحسبون وعلى ربهم يتوكلون، وما ينقل من الأيام المنقوطة ونحوها عن ~~علي كرم الله وجهه باطل كذب لا أصل له فليحذر من ذلك والله أعلم. ### | 21 - # وسئلت: هل كل محتضر يرى ملك الموت عليه السلام صغير وكبير وأعمى وبصير ~~آدمي وغيره؟ ms042 فأجيب بقولي: ورد ما يدل على معاينة المحتضر الذي لم يمت فجأة ~~لملك الموت أو بعض أعوانه؛ فمن ذلك حديث أبي نعيم أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال: (احضروا موتاكم ولقنوهم لا إله إلا الله وبشروهم بالجنة فإن الحليم من ~~الرجال والنساء يتحير عند ذلك المصرع، وإن الشيطان أقرب ما يكون من ابن آدم ~~عند ذلك المصرع، والذي نفسي بيده لمعاينة ملك الموت أشد من ألف ضربة ~~بالسيف) . فقوله: (والذي نفسي بيده لمعاينة ملك الموت إلخ) الذي وقع ~~كالتعليل لما قبله من طلب التلقين وما معه لكل من حضره الموت يومىء إلى أن ~~كل محتضر يطلب تلقينه يعاين ملك الموت وإلا لم يكن للحلف على ذلك بل ولا ~~لذكره مناسبة لهذا المقام ألبتة، وفي حديث (إن ملك الموت إذا سمع الصراخ ~~يقول: يا ويلكم مم الجزع وفيم الجزع؟ ما أذهبت لواحد منكم رزقا ولا قربت له ~~أجلا ولا أتيته حتى أمرت، ولا قبضت روحه حتى استأمرت، وإن لي فيكم عودة ثم ~~عودة ثم عودة حتى لا أبقى منكم أحدا. قال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي ~~بيده لو يرون مكانه أو يسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم ولبكوا على أنفسهم) ~~الحديث. وفي حديث آخر: (أنه صلى الله عليه وسلم نظر لملك الموت عند رجل من ~~الأنصار فقال: ارفق بصاحبنا فإنه مؤمن، فقال ملك الموت عليه السلام: يا ~~محمد طب نفسا وقر عينا فإني بكل مؤمن رفيق. واعلم أن ما من أهل بيت مدر ولا ~~شعر في بر ولا بحر إلا وأنا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات حتى لأنا أعرف ~~بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم، والله يا محمد لو أني أردت أن أقبض روح ~~بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو الآمر بقبضها) . قال القرطبي: وفي ~~هذا الخبر ما يدل على أن ملك الموت هو الموكل بقبض كل ذي روح وأن تصرفه كله ~~بأمر الله عز وجل وبخلقه وإرادته ولا ينافي ذلك قوله تعالى: {الله يتوفى ~~الأنفس حين موتها والتى ms043 لم تمت فى منامها} [الزمر: 42] وقوله: {توفته ~~رسلنا} [الأنعام: 61] وقوله تعالى: {إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة} ~~[الأنفال: 50] . وما في حديث: (إن البهائم كلها يتولى الله أرواحها دون ملك ~~الموت) وذلك لأن ملك الموت يقبض الأرواح والأعوان يعالجون والله سبحانه ~~وتعالى هو الذي يزهق الروح وبهذا يجمع بين الآيات والأخبار لكن لما كان ملك ~~الموت يتولى ذلك بالوساطة والمباشرة أضيف التوفي إليه كما أضيفت الخلق ~~للملك في خبر مسلم: (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ~~ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها) . وفي حديث آخر: (إن ~~ملك الموت قال للنبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بعد كلام طويل: فإذا ~~نفذ أجل عبد نظرت إليه زيادة فإذا نظرت إليه عرفوا أعواني من الملائكة أنه ~~من مقبوض غد، وانبطشوا به يعالجون نزع روحه فإذا بلغوا بالروح الحلقوم عرفت ~~ذلك فلم يخف علي شيء من أمره مددت يدي فأنزعه من جسده وألي قبضه) . وفي خبر ~~آخر: (إنه ينزل عليه أربعة من الملائكة ملك يجذب النفس من قدمه اليمنى، ~~وملك يجذبها من قدمه اليسرى، وملك يجذبها من يده اليمنى، وملك يجذبها من ~~يده اليسرى) ذكره الغزالي قال: وربما كشف للميت عن الأمر الملكوتي قبل أن ~~يغرغر فعاين الملائكة على حسب حقيقة عمله فإن كان لسانه # PageV01P020 # منطلقا حدث بوجودهم، والله أعلم. ### | 22 - # وسئلت عمن رأى في نومه أنه ألبس لقميص النبي إبراهيم صلى الله على نبينا ~~وعليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وهو مسرور بذلك ما تعبير هذه الرؤيا؟ ~~فأجيب بقولي: من رأى إبراهيم صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم فإنه يرزق الحج ~~وينصر على أعدائه ويناله هول وشدة من ملك جائر ثم ينصر، وينال نعمة وزوجة ~~مؤمنة ويكون خائفا، وينال أيضا سلطانا ورياسة، وإن قصده رئيس لسوء صرفه ~~الله عنه، ويستغنى إن كان فقيرا وإن كان غنيا ازداد غنى، ويولد له غلام ~~مبارك بعد الشيخوخة واليأس من الولد مع خصب يناله في ذلك البلد وسعة ويذهب ~~عنه هم، فرؤيته صلى الله ms044 عليه وسلم تؤذن بذلك كله أو ببعضه، وربما أذنت ~~أيضا بأن الرائي يعق أباه ونحوه من أقاربه: أي يخالفه مخالفة خير ورجوع إلى ~~الله تعالى وانتصار لدينه، وأما القميص فإنه يؤول بالدين والتقوى والعمل ~~والبشارة، وهو إذا ألبسه الرجل امرأة يتزوجها، وإذا ألبسته المرأة رجلا ~~تتزوجه، ويؤول أيضا بشأن الرجل في دينه ودنياه فإن كان تاما بأكمامه سابغا ~~دل على كمال الرائي في الدين والدنيا، وإن كان ناقصا أو قصيرا أو ضيقا دل ~~على ضد ذلك كما دل عليه حديث البخاري بينما أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي ~~وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك ومر على عمر بن ~~الخطاب وعليه قميص يجره، قالوا: ما أولته يا رسول الله؟ قال: الدين) . وقد ~~قيل في وجه تعبير القميص بالدين أن القميص يستر العورة في الدنيا والدين ~~يسترها في الآخرة ويحجبها من كل مكروه، والأصل فيه قوله تعالى: {قل اللهم ~~مالك الملك تؤتى الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل من ~~تشآء بيدك الخير إنك علىاكل شىء قدير} [الأعراف: 26] ومن ثم اتفق أهل ~~التعبير على أن القميص يعبر بالدين، وأن طوله يدل على بقاء آثار صاحبه من ~~بعده. إذا تقرر ذلك علم أن رؤية لبس قميص إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه ~~وسلم تدل على حسن دين الرائي وكماله بحسب ذلك القميص الذي رأى أنه لابسه ~~هذا بالنسبة للقميص، فإذا رأى مع ذلك إبراهيم أيضا دل على ما قدمته في ~~رؤيته صلى الله على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليما ~~كثيرا دائما أبدا. 23 وسئلت: عن حقيقة السقمونيا ما هي؟ فأجبت بقولي: ~~السقمونيا صمغ شجر يؤتى به من أنطاكية البلد المشهورة، وهذا هو الدواء ~~المشهور بالمحمودة بين الناس، وهو من مسهلات الصفراء خاصة والشربة منه ~~مقدار قيراطين، ولا ينبغي لأحد أن يستعمله إلا بعد مشاورة طبيب حاذق وكذا ~~سائر ما يرى في كتب الطب ينبغي لمن يراه أن لا يقدم على استعماله ms045 إلا بعد ~~مشاورة الطبيب وإلا فتركه متعين، ومن ثم قال بعض حذاق الأطباء: كتبنا قاتلة ~~للفقهاء أي فإنهم يرون مفردا أو مركبا في باب وأنه يستعمل لكذا فيأخذونه ~~ويستعملونه لما وصف له في ذلك الباب مع غفلتهم عن كون استعماله مشروطا ~~بشروط أخر لم يذكروها في ذلك الباب بل في غيره من الكليات أو باب آخر، ~~والدواء إذا استعمل مع عدم استيفاء شروط استعماله يكون مضرا ضررا عظيما حتى ~~ربما جر إلى القتل، ولا يغرن الإنسان أنه ربما هجم على استعمال شيء ولم ~~يضره، لأن ذلك كمن رأى مسبعة فخاطر ومر فيها مرة فلم يتعرض له شيء من ~~سباعها لأمر عرض لهم فاغتر ومر فيها مرة ثانية فرأوه فافترسوه لعدم عروض ~~تلك العوارض التي عرضت لها أولا. والحاصل أن المغتر ليس بمحمود وإن سلم. 24 ~~وسئلت: ما الفرق بين العهد والميثاق واليمين؟ فأجيب بقولي: العهد الموثق ~~يقال عهد إليه في كذا أوصاه به ووثقه عليه والعهد في (لسان العرب) له معان ~~منها: الوصية، والضمان، والأمر، والرؤية، والمنزل؛ وأما الميثاق فهو العهد ~~المؤكد باليمين، وأما اليمين فهو الحلف بالله تعالى أو بصفة من صفاته على ~~ما قرر في محله. وقد اختلف المفسرون في المراد بالعهد في قوله تعالى: ~~{الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} [البقرة: 27] على أقوال، أحدها: أنه ~~وصية الله إلى خلقه وأمره لهم بطاعته ونهيه لهم عن معصيته في كتبه المنزلة ~~على ألسنة أنبيائه المرسلة. الثاني: أنه العهد الذي أخذه الله على بني آدم ~~حين استخرجهم من ظهره في قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بنىءادم من ظهورهم ~~ذريتهم} [الأعراف: 172] الآية. قال المتكلمون: وهذا ساقط لأنه تعالى لا ~~يحتج على العباد بعهد وميثاق لا يشعرون به كما لا يؤاخذهم السهو والنسيان. ~~الثالث: ما أخذه عليهم في الكتب المنزلة من الإقرار بتوحيده والاعتراف ~~بنعمه والتصديق بأنبيائه ورسله فيما جاءوا به في قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ~~ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} [آل عمران: 187] ~~الآية. الرابع: ما ms046 أخذه الله تعالى # PageV01P021 # على الأنبياء ومتبعيهم أن لا يكفروا بالله ولا بنبيه محمد صلى الله عليه ~~وسلم وأن ينصروه ويعظموه كما قال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا ~~الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه ورآء ظهورهم واشتروا به} [آل ~~عمران: 80] الآية. الخامس: إيمانهم به صلى الله عليه وسلم وبرسالته قبل ~~بعثه، وهذا قريب مما قبله إن لم يكن عينه. السادس: ما جعله في عقولهم من ~~الحجة على توحيده وصدق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بالنظر في المعجزات ~~الدالة على إعجاز القرآن وصدقه ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم. السابع: ~~الأمانة المعروضة على السموات والأرض والجبال التي حملها الإنسان. الثامن: ~~ما أخذه الله عليهم من أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم. ~~التاسع: الإيمان والتزام الشرائع. العاشر: نصب الأدلة على وحدانيته في ~~السموات والأرض وسائر المخلوقات فهو بمنزلة العهد. الحادي عشر: ما عهده إلى ~~من أوتي الكتاب أن يبينوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولا يكتموا أمره. ~~واختلف المفسرون أيضا في العهدين المذكورين في قوله تعالى: {وأوفوا بعهدى ~~أوف بعهدكم} [البقرة: 40] على أقوال: أحدها: عهده وميثاقه الذي أخذه عليهم ~~من الإيمان به والتصديق برسله وعهدهم ما وعدهم به من الجنة. ثانيها: عهده ~~ما أمرهم به وعهدهم ما وعدهم به. ثالثها: عهده ما ذكره لهم في التوراة من ~~صفة محمد صلى الله عليه وسلم وعهدهم ما وعدهم به من الجنة. رابعها: عهده ~~أداء الفرائض وعهدهم قبولها والمجازاة عليها. خامسها: عهده ترك الكبائر ~~وعهدهم غفران الصغائر. سادسها: عهده إصلاح الدين وعهدهم إصلاح آخرتهم. ~~سابعها: عهده مجاهدة النفوس وعهدهم الإعانة على ذلك. ثامنها: عهده إصلاح ~~السرائر وعهدهم إصلاح الظواهر. تاسعها: {خذوا مآءاتيناكم} [البقرة: 63] . ~~عاشرها: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا ~~تكتمونه} [آل عمران: 187] . حادي عشرها: عهده الإخلاص في العبادات وعهدهم ~~إيصالهم إلى منازل الرغبات. ثاني عشرها: عهده الإيمان به وطاعته وعهدهم ما ~~وعدهم عليه من حسن الثواب على الحسنات. ثالث عشرها: عهده حفظ آداب الظواهر ms047 ~~وعهدهم حفظ السرائر. رابع عشرها: عهد الله على لسان موسى لبني إسرائيل إني ~~باعث من بني إسماعيل نبيا فمن تبعه وصدق بالنور الذي يأتي به غفرت له ~~وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين اثنين. خامس عشرها: عهده بشروط العبودية ~~وعهدهم بشرط الربوبية. سادس عشرها: أوفوا بعدي في دار محنتي على بساط خدمتي ~~بحفظ حرمتي أوف بعهدكم في دار نعمتي على بساط كرامتي بقولي ورؤيتي. سابع ~~عشرها: لا تفروا من الزحف أدخلكم الجنة. ثامن عشرها: عهده {ولقد أخذ الله ~~ميثاق بنى إسراءيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا} [المائدة: 12] الآية، ~~وعهدهم إدخالهم الجنة. تاسع عشرها: أوامره ونواهيه ووصاياه فيدخل في ذلك ~~ذكر محمد صلى الله عليه وسلم الذي في التوراة. عشروها: أوفوا بعهدي في ~~التوكل أوف بعهدكم في كفاية المهمات. حادي عشريها: أوفوا بعهدي في حفظ ~~حدودي ظاهرا وباطنا أوف بعهدكم بحفظ أسراركم عن مشاهدة غيري. ثاني عشريها: ~~عهده حفظ المعرفة وعهدنا إيصال المعرفة. ثالث عشريها: أوفوا بعهدي الذي ~~قبلتم يوم الميثاق أوف بعهدكم الذي ضمنت لكم يوم التلاق. رابع عشريها: ~~اكتفوا مني بي أوف بعهدكم أرض عنكم بكم. فهذه أقاويل السلف في تفسير هذين ~~العهدين. قال في (البحر) بعد ذكره ذلك: والذي يظهر والله أعلم أن المعنى ~~طلب الإيفاء بما التزموه لله تعالى وترتب إنجاز ما وعدهم على ذلك الإيفاء ~~وليس ذلك على سبيل العلية، وسمى ما وعدهم به عهدا على سبيل المقابلة بل ~~إبراز لما تفضل به تعالى عليهم في صورة المشروط الملزم به. واختلف المفسرون ~~أيضا في الميثاق في قوله تعالى: {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور} ~~[البقرة: 63] الآية، على ستة أقوال: ما أودعه الله تعالى العقول من الدلائل ~~على وجوده وقدرته وحكمته وصدق أنبيائه ورسله أو المأخوذ على ذرية آدم في ~~قوله: {ألست بربكم قالوا بلى} [الأعراف: 172] أو إلزام الناس متابعة ~~الأنبياء والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، أو العهد منهم ليعملن بما في ~~التوراة فلما جاء موسى رأوا ما فيها من التثقيل فامتنعوا من أخذها، أو قوله ~~لا ms048 تعبدون إلا الله، فعلم بما تقرر أن كلا من الميثاق والعهد قد يطلق على ~~الآخر، وأن كلا منهما له معان يستعمل فيها بحسب ما يليق به من ذلك السياق ~~وأنه لا يتقيد بمعنى مخصوص مطرد بل كل ما لاق من معانيه مما سبق له جاز ~~عليه. 25 وسئلت: ما حقيقة التملق وما حكمه؟ # PageV01P022 # فأجبت: التملق والمداراة يراد بهما التواضع للغير وعدم الاعتراض عليه ~~فيما يفعله أو يصدر عنه، وقد ينضم إلى ذلك مدح أفعاله والانتصار لصحة ~~أحواله وأقواله مع البشاشة له والإجلال والتعظيم، وحكم ذلك كله أنه إن ترتب ~~عليه إعانة على باطل أو تحسين ما قبحه الشرع أو تقبيح ما حسنه الشرع أو غير ~~ذلك من المفاسد التي لا يدركها إلا العلماء الحكماء العالمون بالكتاب ~~والسنة الآخذون أنفسهم بالحق في كل نفس ولحظة، كان كل منهما حراما شديد ~~التحريم إن تحققت المفسدة، أو غلب على الظن وقوعها وإلا كان مكروها، وإن لم ~~يترتب عليه شيء من ذلك أبيح، وإن ترتب عليه إعانة على الحق أو تألف لقبوله ~~أو نحوهما من المصالح الخاصة والعامة كان مندوبا متأكد الندب بل قد يرتقي ~~الحال إلى الوجوب كما قال بعض أئمتنا في القيام قال: فإن تركه الآن صار ~~علما على القطيعة ووقوع الفتنة فيجب دفعا لذلك، ولا شك أن القيام إذا خشى ~~من تركه ضرر أو فتنة أو تنافر القلوب أو نحو ذلك يكون من المداراة وهي في ~~نحو ذلك إما متأكدة الندب أو الوجوب، والكلام فيمن لم توجد فيه الصفات ~~المقتضية لندب القيام من نحو علم أو صلاح أو قرابة أو شرف نسب أو صداقة، ~~فافهم هذا التفصيل المأخوذ من أفعاله صلى الله عليه وسلم وأقواله فإنه ~~ملتبس على كثير ممن لم يحط بالسنة وكلام الأئمة فربما أفرط فمنع المداراة ~~مطلقا وربما فرط فمدحها مطلقا وكل من هذين خطأ والصواب ما فصلته وقررته. 26 ~~وسئلت: هل الحفظة يتأذون من أكل الأشياء الكريهة الريح ومن كثرة التردد إلى ~~الخلاء والأماكن النجسة والمغصوبة وما ms049 فيها شبهة ومن الجشاء المتغير ومن ~~نحو الصنان؟ وإذا تأذوا فهل يدعون بموت المؤذي أو بإصلاح حاله ليستريحوا؟ ~~وكم هم على كل إنسان؟ وهل يحفظون الجنين في بطن أمه؟ وهل على الكافر حفظة ~~وما حقيقة حفظهم إذ ما قدره الله لا بد منه؟ وهل على غير الإنسان حفظة؟ ~~وإذا مات الإنسان إلى أين يصار بهم؟ وهل هم غير الكاتبين الكريمين وما ~~حقيقة كتبهما؟ فأجيب: الذي في الحديث الصحيح أن الملائكة تتأذى مما يتأذى ~~منه بنو آدم ذكر صلى الله عليه وسلم ذلك تعليلا لنهيه عمن أكل منتنا كثوم ~~أو بصل أو كراث أو فجل أن لا يدخل المسجد فقال: (من أكل ثوما أو بصلا أو ~~كراثا أو فجلا فلا يقربن مسجدنا أو المساجد فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى ~~منه بنو آدم) . وهذا ظاهر في شموله للحفظة وفي عموم تأذيهم مما يتأذى منه ~~الآدمي فيشمل ذلك تأذيهم بكل ذي ريح كريه سواء ريح الخلاء أو غيره إلا أنه ~~سيأتي أن الحفظة يفارقونه حالة دخول الخلاء، وعلى فرض تأذيهم فظاهر النصوص ~~أنهم لا يدعون على الآدمي وإنما يدعون له قال تعالى: {الذين يحملون العرش ~~ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذينءامنوا ربنا وسعت كل ~~شىء رحمة وعلما ف اغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم} [غافر: ~~7] إلى قوله: {وذلك هو الفوز العظيم} والمراد بمن حوله الملائكة كما قال ~~قتادة. وأخرج عبد الرزاق: وعبد الله بن حميد عن قتادة في قوله: {ويستغفرون ~~للذينءامنوا} [غافر: 7] قال مطرف: وجدنا أن أنصح عباد الله لعباد الله ~~الملائكة ووجدنا أغش عباد الله لعباد الله الشياطين، وأخرجا عن قتادة أيضا ~~في قوله: {} [غافر: 7] قال: تابوا عن الشرك واتبعوا سبيلك: أي طاعتك، وفي ~~قوله تعالى: {وقهم السيئات} [غافر: 9] قال: العذاب، وقال تعالى في الملائكة ~~أيضا: {ويستغفرون لمن فى الأرض} [الشورى: 5] فهاتان الآيتان ظاهرتان في أن ~~الملائكة لا يدعون على أحد بموت، وإن تأذوا منه وإنما يدعون له بما ذكر في ~~الآيتين من المغفرة والوقاية من العذاب ms050 نعم يأتي قريبا أنهم يقولون لمن يصر ~~على السيئة أراحنا الله منه، ولكن هذا دعاء لأنفسهم لا دعاء عليه. وقول ~~السائل: وكم هم على كل إنسان؟ جوابه: أنه ورد في ذلك أمور مختلفة. أخرج ابن ~~المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج قال: (لكل إنسان ملكان أحدهما عن يمينه يكتب ~~الحسنات وملك عن يساره يكتب السيئات، والذي عن يمينه يكتب بغير شهادة من ~~صاحبه والذي عن يساره لا يكتب إلا عن شهادة من صاحبه، إن قعد فأحدهما عن ~~يمينه والآخر عن يساره، وإن مشى فأحدهما أمامه والآخر خلفه، وإن رقد ~~فأحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه) . وقال ابن المبارك: وكل به خمسة ~~أملاك: ملكان بالليل، وملكان بالنهار يجيئان ويذهبان وملك خامس لا يفارقه ~~ليلا ولا نهارا وأخرج ابن جرير عن كنانة العدوي قال: دخل عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يا رسول الله # PageV01P023 # أخبرني عن العبد كم معه من ملك؟ فقال: ملك عن يمينك على حسناتك وهو أمير ~~على الشمال إذا عملت حسنة كتبت عشرا، وإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال ~~للذي على اليمين أأكتب؟ قال: لا لعله يستغفر الله ويتوب فإذا قال ثلاثا، ~~قال: نعم أكتبه أراحنا الله منه فبئس القرين ما أقل مراقبته لله وأقل ~~استحياءه منه يقول الله: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} [ق: 18] ~~وملكان من بين يديك ومن خلفك يقول الله: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه ~~يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11] وملك قابض غلى ناصيتك فإذا تواضعت لله ~~رفعك وإذا تجبرت على الله قصمك، وملكان على شفتيك ليس يحفظان عليك إلا ~~الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وملك قائم على فيك لا يدع أن تدخل ~~الحية في فيك وملكان على عينيك، فهؤلاء عشر أملاك على كل بني آدم ينزلون ~~ملائكة الليل على ملائكة النهار لأن ملائكة الليل سوى ملائكة النهار فهؤلاء ~~عشرون ملكا على كل آدمي وإبليس بالنهار وولده بالليل. وأخرج ابن ms051 أبي الدنيا ~~والصابوني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: (وكل بالمؤمن ستون وثلثمائة ملك يدفعون عنه ما لم يقدر عليه من ذلك ~~للبصر سبعة أملاك يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل من الذباب في اليوم ~~الصائف، أما لو بدا لكم لرأيتموه على كل سهل وجبل وكلهم باسط يديه فاغرفاه ~~ومالو وكل العبد فيه إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين) . وسيأتي ما ~~يخالف ذلك في العدد أيضا ويمكن الجواب عن تخالف هذه المذكورات على تقدير ~~صحتها كلها بأنه صلى الله عليه وسلم حيث ذكر القليل يحتمل أنه أراد حفظا ~~خاصا وحيث ذكر الكثير يحتمل أنه أراد حفظا عاما، ويحتمل أنه أعلم بالقليل ~~ثم بأكثر منه، ويحتمل أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص؛ فمن الناس من يوكل به ~~قليل ومنهم من يوكل به كثير. وقول السائل: وهل يحفظون الجنين؟ جوابه: نعم. ~~وقد أخرج ابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم وأبو نعيم عن جابر بن عبد الله رضي ~~الله عنهما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن ابن آدم لفي غفلة ~~عما خلق له، إن الله إذا أراد خلقه قال لملك اكتب رزقه اكتب أثره اكتب أجله ~~اكتب شقيا أو سعيدا، ثم يرفع ذلك الملك ويبعث الله ملكا فيحفظه حتى يدرك، ~~ثم يرفع ذلك الملك ثم يوكل به ملكين يكتبان حسناته وسيئاته فإذا حضره الموت ~~ارتفع ذانك الملكان وجاءه ملك الموت ليقبض روحه، فإذا دخل قبره رد الروح ~~إليه في جسده وجاءه ملكا القبر فامتحناه ثم يرتفعان، ثم إذا كانت الساعة ~~انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات وانتشطا كتابا معقودا في عنقه ثم حضر ~~معه واحد سائق وآخر شهيد ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن قدامكم ~~لأمرا عظيما لا تقدرونه فاستعينوا بالله العظيم) . وقوله: وهل على الكافر ~~حفظة؟ جوابه: نعم، كما شمله بل صرح به قوله تعالى: {كلا بل تكذبون ب الدين ~~وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون ms052 إن الأبرار لفى نعيم وإن ~~الفجار لفى جحيم} [الإنفطار: 14] . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: (جعل الله على ابن آدم حافظين في الليل وحافظين في انهار يحفظان ~~عمله ويكتبان أثره) . وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: (مع كل إنسان ملكان ملك ~~عن يمينه وآخر عن شماله فأما الذي عن يمينه فيكتب الخير وأما الذي عن شماله ~~فيكتب الشر) . وقوله: وما حقيقة حفظهم إلى آخره؟ جوابه: حقيقة ذلك تعلم مما ~~سنذكره. أخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله تعالى: {له معقبات من بين يديه ~~ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11] قال: ليس من عبد إلا له معقبات ~~من الملائكة من بين يديه ملكان يكونان معه في النهار فإذا جاء الليل أصعدا ~~وأعقبهما ملكان فكانا معه ليلته حتى يصبح يحفظونه من بين يديه ومن خلفه ولا ~~يصيبه شيء لم يكتب إذا غشيه شيء من ذلك دفعاه عنه ألم تره يمر بالحائط فإذا ~~جاز سقط فإذا جاء الكتاب خلوا بينه وبين ما كتب له وهم من أمر الله أمرهم ~~أن يحفظوه. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ له معقبات من بين يديه ورقباء من ~~خلفه من أمر الله يحفظونه. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن علي كرم الله ~~وجهه {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11] ~~قال: ليس من عبد إلا ومعه ملائكة يحفظونه من أن يقع عليه حائط أو يتردى في ~~بئر أو يأكله سبع أو غرق أو حرق فإذا جاء القدر خلوا بينه وبين القدر. ~~وأخرج أبو داود في القدر وابن أبي الدنيا وابن عساكر عن علي أيضا قال: (لكل ~~عبد حفظة يحفظونه # PageV01P024 # لا يخر عليه حائط أو يتردى في بئر أو تصيبه دابة حتى إذا جاءه القدر الذي ~~قدر له خلت عنه الحفظة فأصابه ما شاء الله أن يصيبه) وفي لفظ لأبي داود ~~(ليس من الناس ms053 أحد إلا وقد وكل به ملك فلا تريده دابة ولا شيء إلا قال اقفه ~~فإذا جاء القدر خلى عنه) . وأخرج ابن جرير عن أبي مجلز قال: (جاء رجل من ~~مرادة إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهو يصلي فقال: احترس فإن ناسا من ~~مرادة يريدون قتلك فقال إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر فإذا جاء ~~القدر خليا بينه وبينه وإن الأجل جنة حصينه) . وأخرج ابن جرير عن أبي أمامة ~~قال: (ما من آدمي إلا ومعه ملك يذود عنه حتى يسلمه للذي قدر عليه) . وأخرج ~~ابن جرير عن كعب الأخبار قال: (لو تجلى لابن آدم كل سهل وحزن لرأى كل شيء ~~من ذلك شياطين لولا أن الله وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم ~~وعوراتكم إذا لتخطفنكم) . وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: ما من عبد إلا به ~~ملك موكل يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام فما منها شيء يأتيه ~~يريده إلا قال: وراءك إلا شيئا يأذن الله فيه فيصيبه) . وأخرج عبد الرزاق ~~والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~في قوله تعالى: {له معقبات} [الرعد: 11] . قال: ملائكة من بين يديه ومن ~~خلفه يحفظونه فإذا جاء القدر خلوا عنه) . وأخرج أبو الشيخ عن عطاء قال: ( ~~{له معقبات من بين يديه} [الرعد: 11] قال: هم الكرام الكاتبون حفظة من الله ~~على بني آدم أمروا به) . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في: ( {له ~~معقبات من بين يديه} [الرعد: 11] قال: الحفظة) . وأخرج ابن المنذر من وجه ~~آخر عن مجاهد في ( {له معقبات [الرعد: 11] قال: الملائكة تعاقب الليل ~~والنهار) ، وبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يجتمعون فيكم عند ~~صلاة العصر وعند صلاة الصبح) من بين يديه، مثل قوله تعالى: {عن اليمين وعن ~~الشمال} [ق: 17] الحسنات من بين يديه والسيئات من خلفه الذي على يمينه يكتب ~~الحسنات، والذي على يساره يكتب السيئات، والذي على يمينه يكتب بغير شهادة، ms054 ~~والذي على يساره لا يكتب إلا بشهادة الذي على يمينه، فإن مشى كان أحدهما ~~أمامه والآخر وراءه، وإن قعد كان أحدهما على يمينه والآخر على يساره، وإن ~~رقد كان أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه يحفظونه من أمر الله) قال: ~~يحفظون عليه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~في قوله تعالى: ( {له معقبات} [الرعد: 11] الآية، قال: هم الملائكة تعقبه ~~بالليل والنهار وتكتب على ابن آدم) وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في: ( ~~{له معقبات} [الرعد: 11] قال: الملائكة يحفظونه من أمر الله) قال: حفظهم ~~إياه من أمر الله. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في: ( {له معقبات} [الرعد: 11] ~~الآية، قال: الملائكة من أمر الله) . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في: ( {له معقبات} [الرعد: 11] الآية، ~~قال: الملائكة يحفظونه من أمر الله. قال: بإذن الله) أي فمن في الآية بمعنى ~~الباء. وأخرج ابن أبي حاتم في: ( {يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11] قال: ~~عن أمر الله يحفظونه من بين يديه ومن خلفه) . وقوله: وهل على غير الإنسان ~~حفظة؟ جوابه: ليس عليه حفظة كتابة وإحصاء وضبطا كما صرحت به الآية السابقة ~~أعني قوله تعالى: {وإن عليكم لحافظين} [الانفطار: 10] . وقوله: وإذا مات ~~الإنسان إلى أين يصار بهم؟ جوابه: أخرج أبو الشيخ والبيهقي عن أنس أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله وكل بعيده المؤمن ملكين يكتبان عمله فإذا ~~مات قال الملكان اللذان وكلا به قد مات فأذن لنا أن نصعد إلى السماء، فيقول ~~الله سبحانه: سمائي مملوءة من ملائكتي يسجونني، فيقولان فأين؟ فيقول: قوما ~~على قبر عبدي فسبحاني واحمداني وكبراني واكتبا ذلك لعبدي إلى يوم القيامة) ~~. وقوله: وهل هم غير الكتابين الكريمين؟ جوابه: أنه قد علم مما قدمناه أن ~~ملائكة الحفظ الموكلين بالإنسان ينقسمون إلى أن منهم من هو موكل بالحفظ لا ~~غير، ومنهم وهما الكاتبان الكريمان من هو موكل بالحفظ والكتابة، وورد في ~~هذين أنهم يفارقون الإنسان. فقد ms055 أخرج البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ينهاكم عن التعري ~~فاستحيوا من ملائكته الذين معكم الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا ~~عند أحد ثلاث الجنابة والغائط والغسل) . وظاهر أنه ليس المراد هنا المفارقة ~~بالكلية بل يبعدون عنه حينئذ نوع بعد. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الظهيرة فرأى رجلا ~~يغتسل بفلاة من الأرض فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فاتقوا الله ~~وأكرموا الكرام الكاتبين الذي # PageV01P025 # معكم ليس يفارقونكم إلا عند إحدى منزلتين حيث يكون الرجل على خلائه أو ~~يكون مع أهله لأنهم كرام كما سماهم الله فليستتر أحدكم عند ذلك بجرم حائط ~~أو ببعيره فإنهم لا ينظرون) . وقوله: وما حقيقة كتبهما؟ جوابه: حقيقته تعلم ~~مما سنذكره: أخرج أبو نعيم والديلمي عن معاذ ابن جبل: (إن الله لطف الملكين ~~الحافظين حتى أجلسهما على الناجذين وجعل لسانه قلمهما وريقه مدادهما) وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: ( {ما يلفظ من قول إلا ~~لديه رقيب عتيد} [ق: 18] قال: يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر حتى إنه ~~ليكتب قوله: أكلت وشربت ذهبت جئت رأيت حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله ~~وعمله فأقر منه ما كان من خير أو شر وألق سائره فذلك قوله: {يمحو الله ما ~~يشآء ويثبت وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] ) . وأخرج ابن أبي شيبة وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما في قوله تعالى: ( {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} [ق: ~~18] قال: إنما يكتب الخير والشر لا يكتب يا غلام أسرج الفرس ويا غلام اسقني ~~الماء) . وأخرج ابن المنذر وابن أبي شيبة ذلك عن عكرمة نفسه أيضا، وأخرج ~~ابن أبي الدنيا عن ابن عباس قال: كاتب الحسنات عن يمينه يكتب حسناته وكاتب ~~السيئات عن يساره، ms056 فإذا عمل حسنة كتب صاحب اليمين عشرا وإذا عمل سيئة قال ~~صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه حتى يسبح أو يستغفر، فإذا كان يوم الخميس كتب ~~ما يجري به الخير والشر ويلقى ما سوى ذلك ثم يعرض على أم الكتاب فيجده ~~بجملته فيه. وأخرج ابن أبي الدنيا عن علي كرم الله وجهه قال: لسان الإنسان ~~قلم الملك وريقه مداده. وأخرج ابن أبي الدنيا وابن المنذر عن الأحنف بن قيس ~~في قوله تعالى: ( {عن اليمين وعن الشمال قعيد} [ق: 17] قال: صاحب اليمين ~~يكتب الخير وهو أمين على صاحب الشمال فإن أصاب العبد خطيئة قال: أمسك وإن ~~استغفر الله نهاه أن يكتبها وإن أبى إلا أن يصر كتبها) . وأخرج ابن المنذر ~~وأبو الشيخ عن حجاج بن دينار قال: قلت لأبي معشر: الرجل يذكر الله في نفسه ~~كيف تكتبه الملائكة؟ قال: يجدون الريح. وأخرج عبد الله بن أحمد في (زوائد ~~الزهد) عن ابن عمران الجويني قال: بلغنا أن الملائكة تصعد بكتبها إلى سماء ~~الدنيا كل عشية بعد العصر، فينادي الملك ألقى تلك الصحيفة وينادي الملك ~~الآخر ألق الصحيفة فيقولون ربنا قالوا خيرا وحفظنا عليهم، فيقول لهم: لم ~~يريدوا به وجهي وإني لا أقبل إلا ما أريد به وجهي، وينادي الملك الآخر اكتب ~~لفلان كذا وكذا فيقول: يا رب إنه لم يعمله فيقول إنه نواه. وأخرج ابن ~~المبارك وابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن ضمرة بن حبيب قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (إن الملائكة يصعدون بعمل العبد من عباد الله تعالى ~~فيكثرونه ويشكرونه حتى ينتهوا به حيث شاء الله من سلطانه فيوحي إليهم إنكم ~~حفظة على عمل عبدي وأنا رقيب على ما في نفسه إن عبدي هذا لم يخلص في عمله ~~فاجعلوه في سجين. قال: ويصعدون بعمل العبد من عباد الله تعالى فيستقلونه ~~ويحتقرونه حتى ينتهوا به حيث شاء الله من سلطانه فيوحي الله إليهم إنكم ~~حفظة على عمل عبدي وأنا رقيب على ما في نفسه فضاعفوه له واجعلوه في عليين) ~~. وأخرج ms057 الطبراني وابن مردويه والبيهقي عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: (صاحب اليمين أمين على صاحب الشمال وإذا عمل العبد حسنة كتب ~~عشر أمثالها، وإذا عمل سيئة وأراد صاحب الشمال أن يكتبها قال صاحب اليمين ~~أمسك فيمسك ست ساعات أو سبع ساعات فإن استغفر الله لم يكتب عليه شيئا وإن ~~لم يستغفر الله كتب عليه سيئة واحدة) . وأخرج أبو الشيخ عن حسان بن عطية ~~قال: تذاكروا مجلسا فيه مكحول وابن أبي زكريا: (أن العبد إذا عمل خطيئة لم ~~تكتب عليه ثلاث ساعات فإن استغفر وإلا كتبت عليه) . وأخرج ابن أبي شيبة ~~والبيهقي عنه أيضا قال: (بينما رجل راكب على حمار إذ عثر به فقال: تعست ~~فقال صاحب اليمين ما هي بحسنة فاكتبها وقال صاحب الشمال ما هي سيئة فاكتبها ~~فنودي صاحب الشمال ما ترك صاحب اليمين فاكتبه) وجاء من طريق عن مالك ~~ومجاهد: (أنه يكتب كل شيء يتكلم به ابن آدم حتى أنينه في مرضه) والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. 27 وسئلت عن طائفة يعتقدون في رجل مات من منذ أربعين ~~سنة أنه المهدي الموعود بظهوره آخر الزمان وأن من أنكر كونه المهدي المذكور ~~فقد كفر فما يترتب عليهم؟ فأجبت: بأن هذا اعتقاد باطل وضلالة قبيحة وجهالة ~~شنيعة: أما الأول فلمخالفته لصريح الأحاديث التي # PageV01P026 # كادت تتواتر بخلافه كما ستملى عليك. وأما الثاني فلأنه يترتب عليه تكفير ~~الأئمة المصرحين في كتبهم بما يكذب هؤلاء في زعمهم وأن هذا الميت ليس ~~المهدي المذكور، ومن كفر مسلما لدينه فهو كافر مرتد يضرب عنقه إن لم يتب، ~~وأيضا فهؤلاء منكرون للمهدي الموعود به آخر الزمان. وقد ورد في حديث عند ~~أبي بكر الإسكافي أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من كذب بالدجال فقد كفر ومن ~~كذب بالمهدي فقد كفر) وهؤلاء مكذبون به صريحا فيخشى عليهم الكفر، فعلى ~~الإمام أيد الله به الدين وقصم بسيف عدله رقاب الطغاة والمبتدعة والمفسدين، ~~كهؤلاء الفرقة الضالين الباغين الزنادقة المارقين أن يطهر الأرض من أمثالهم ~~ويريح ms058 الناس من قبائح أقوالهم وأفعالهم، وأن يبالغ في نصرة هذه الشريعة ~~الغراء التي ليلها كنهارها ونهارها كليلها فلا يضل عنها إلا هالك، بأن يشدد ~~على هؤلاء العقوبة إلى أن يرجعوا إلى الهدى وينكفوا عن سلوك سبيل الردى ~~ويتخلصوا من شرك الشرك الأكبر، وينادي على قطع دابرهم إن لم يتوبوا بالله ~~الأكبر، فإن ذلك من أعظم مهمات الدين ومن أفضل ما اعتنى به فضلاء الأئمة ~~وعظماء السلاطين، وقد قال الغزالي رحمه الله تعالى في نحو هؤلاء الفرقة: إن ~~قتل الواحد منهم أفضل من قتل مائة كافر: أي لأن ضررهم بالدين أعظم وأشد إذ ~~الكافر تجتنبه العامة لعلمهم بقبح حاله فلا يقدر على غواية أحد منهم، وأما ~~هؤلاء فيظهرون للناس بزي الفقراء والصالحين مع انطوائهم على العقائد ~~الفاسدة والبدع القبيحة فليس للعامة إلا ظاهرهم الذي بالغوا في تحسينه، ~~وأما باطنهم المملوء من تلك القبائح والخبائث فلا يحيطون به ولا يطلعون ~~عليه لقصورهم عن إدراك المخايل الدالة عليه فيغترون بظواهرهم، ويعتقدون ~~بسببها فيهم الخير فيقبلون ما يسمعون منهم من البدع والكفر الخفي ونحوهما، ~~ويعتقدون ظانين أنه الحق فيكون ذلك سببا لإضلالهم وغوايتهم، فلهذه المفسدة ~~العظيمة قال الغزالي ما قال من أن قتل الواحد من أمثال هؤلاء أفضل من قتل ~~مائة كافر، لأن المفاسد والمصالح تتفاوت الأعمال بتفاوتهما، وتتزايد الأجور ~~بحسبهما. إذا تقرر ذلك فلنمل عليك من الأحاديث المصرحة بتكذيب هؤلاء ~~وتضليلهم وتفسيقهم ما فيه مقنع وكفاية لمن تدبره. وأخرج أبو نعيم أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: (يخرج المهدي وعلى رأسه عمامة ومعه مناد ينادي هذا ~~المهدي خليفة الله فاتبعون) . وأخرج هو والخطيب رواية أخرى (يخرج المهدي ~~وعلى رأسه ملك ينادي إن هذا المهدي فاتبعوه) . والطبراني في (الأوسط) : ~~(أنه صلى الله عليه وسلم أخذ بيد علي فقال: يخرج من صلب هذا فتى يملأ الأرض ~~قسطا وعدلا، فإذا رأيتم ذلك فعليكم بالفتى التميمي فإنه يقبل من قبل المشرق ~~وهو صاحب راية المهدي) . وأخرج أحمد ونعيم بن داود والحاكم وأبو نعيم أنه ~~صلى الله عليه ms059 وسلم قال (إذا رأيتم الرايات السود قد أقبلت من خراسان ~~فأتوها ولو حبوا على الثلج فإن فيها خليفة الله المهدي. وأخرج الداني عن ~~حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تكون وقعة بالزوراء، قيل يا ~~رسول الله وما الزوراء؟ قال: مدينة بالمشرق بين أنهار يسكنها شرار خلق الله ~~وجبابرة من أمتي تقذف بأربعة أصناف من العذاب بالسيف وخسف وقذف ومسخ) . ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا خرجت السودان طلبت العرب فيكشفون ~~حتى يلحقوا ببطن الأرض أو قال ببطن الأردن، فبينما هم كذلك إذ خرج السفياني ~~في ستين وثلثمائة راكب حتى يأتي دمشق، فلا يأتي عليهم شهر حتى يتابعه من ~~كلب ثلاثون ألفا فيبعث جيشه إلى العراق فيقتل بالزوراء مائة ألف ويخرجون ~~إلى الكوفة فينتهبونها، فعند ذلك تخرج راية من المشرق ويقودها رجل من تميم ~~يقال له شعيب بن صالح فيستنقذ ما في أيديهم من سبي أهل الكوفة ويقتلهم، ~~ويخرج جيش آخر من جيوش السفياني إلى المدينة فينتهبونها ثلاثة أيام ثم ~~يسيرون إلى مكة حتى إذا كانوا بالبيداء بعث الله جبريل فيقول يا جبريل ~~عذبهم فيضربهم برجله ضربة يخسف الله بهم فلا يبقى منهم إلا رجلان فيقدمان ~~على السفياني ويخبرانه بخسف الجيش فلا يهوله، ثم إن رجالا من قريش يهربون ~~إلى القسطنطينية، فيبعث السفياني إلى عظيم الروم أن يبعث بهم في المجامع ~~فيبعث بهم إليه فيضرب أعناقهم على باب المدينة بدمشق) قال حذيفة: حتى إنه ~~يطاف بالمرأة في مسجد دمشق في اليوم على مجلس حتى تأتي فخذ السفياني فتجلس ~~عليه وهو في المحراب قاعد، فيقوم مسلم من المسلمين # PageV01P027 # فيقول ويحكم أكفرتم بعد إيمانكم إن هذا لا يحل فيقوم فيضرب عنقه في مسجد ~~دمشق ويقتل كل من تابعه فعند ذلك ينادي مناد من السماء أيها الناس إن الله ~~قد قطع عنكم الجبارين والمنافقين وأشياعهم وولاكم خير أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم فالحقوا به بمكة فإنه المهدي واسمه أحمد بن عبد الله. قال حذيفة: ~~فقام عمران بن الحصين، ms060 فقال: يا رسول الله كيف بنا حتى نعرفه؟ قال: (هو رجل ~~من ولدي كأنه من رجال بني إسرائيل عليه عباءتان قطوانيتان كأن وجهه الكوكب ~~الدري في اللون في خده الأيمن خال أسود، ابن أربعين سنة فيخرج الأبدال من ~~الشام وأشباههم ويخرج إليه النجباء من مصر وعصائب أهل المشرق وأشباههم حتى ~~يأتوا مكة فيبايع له بين الركن والمقام ثم يخرج متوجها إلى الشام وجبريل ~~على مقدمته وميكائيل على ساقيه فيفرح به أهل السماء وأهل الأرض والطير ~~والوحش والحيتان في البحر، وتزيد المياه في دولته وتمد الأنهار وتستخرج ~~الكنوز، فيقدم الشام فيذبح السفياني تحت الشجرة التي أغصانها إلى بحيرة ~~طبرية ويقتل كلبا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فالخائب من خاب يوم ~~كلب ولو بعقال. قال حذيفة: يا رسول الله كيف يحل قتالهم وهم موحدون؟ فيقول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا حذيفة هم يومئذ على ردة يزعمون أن الخمر ~~حلال ولا يصلون) . وأخرج # PageV01P028 # أبو نعيم بن حماد أنه صلى الله عليه وسلم قال: (يخرج المهدي من المدينة ~~إلى مكة فيستخرجه الناس من بينهم فيبايعونه بين الركن والمقام وهو كاره) . ~~وأخرج أبو نعيم أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ينزل عيسى بن مريم عليه ~~السلام فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا، فيقول ألا وإن بعضكم على بعض ~~أمراء لكرامة هذه الأمة) وأخرج أبو عمر والداراني في (سننه) أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال: (لا تزال طائفة من أمتي تقاتل على الحق حتى ينزل عيسى ابن ~~مريم عليه السلام عند طلوع الفجر ببيت المقدس ينزل على المهدي فيقال: تقدم ~~يا نبي الله فصل بنا، فيقول: هذه الأمة أمراء بعضهم على بعض) . وورد أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال: (في المحرم ينادي مناد من السماء ألا إن صفوة الله ~~فلان فاسمعوا له وأطيعوا) . وفي حديث: (يكون في أمتي المهدي إن طال عمره أو ~~قصر، ويملك سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين فيملؤها قسطا وعدلا كما ملئت ~~ظلما وجورا، وتمطر السماء ms061 مطرها وتخرج الأرض بركتها وتعيش أمتي في زمانه ~~عيشا لم تعشه قبل ذلك) . وفي حديث آخر: (سيكون في رمضان صوت، وفي شوال ~~معمعة، وفي ذي القعدة تحارب القبائل، وعلامته نهب الحاج وتكون ملحمة بمنى ~~يكثر فيها القتل وتسيل فيها الدماء حتى تسيل دماؤهم على الجمرة حتى يهرب ~~صاحبهم فيؤتى بين الركن والمقام فيبايع وهو كاره، ويقال له إن أبيت ضربنا ~~عنقك يرضى به ساكن السماء وساكن الأرض) . وفي حديث آخر: (المهدي طاوس أهل ~~الجنة) . وأخرج أبو نعيم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (منا ~~المهدي يصلي عيسى ابن مريم خلفه) . وأخرج ابن ماجه والروياني وابن خزيمة ~~وأبو عوانة والحاكم وأبو نعيم واللفظ له عن أبي أمامة قال: (خطبنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وذكر الدجال فقال فينفي من المدينة الخبث كما ينفي ~~الكير خبث الحديد، ويدعي ذلك يوم الخلاص. قالت أم شريك: يا رسول الله فأين ~~العرب يومئذ؟ قال: هم يومئذ قليل وجلهم ببيت المقدس وإمامهم المهدي رجل ~~صالح فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليه عيسى ابن مريم ~~الصبح فرجع ذلك الإمام القهقرى ليقدم عيسى، فيضع عيسى صلى الله على نبينا ~~وعليه وسلم، يده بين كتفيه فيقول له: تقدم فصل فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم ~~إمامهم) . وأخرج أبو نعيم عن أبي أمامة أنه صلى الله عليه وسلم قال: ~~(المهدي من ولدي ابن أربعين سنة كأن وجهه كوكب في خده الأيمن خال أسود عليه ~~عباءتان قطوانيتان كأنه من رجال بني إسرائيل يستخرج الكنوز ويفتح مدائن ~~الشرك) . وأخرج ابن الجوزي أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ملك الأرض أربعة ~~مؤمنان وكافران، فالمؤمنان ذو القرنين وسليمان، والكافران نمروذ وبختنصر، ~~وسيملكها خامس من أهل بيتي) . وأخرج الروياني في (مسنده) وأبو نعيم أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: (المهدي رجل من ولدي وجهه كالكوكب الدري) . وأخرجا ~~أيضا عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المهدي رجل من ولدي ~~لونه لون عربي وجسمه جسم إسرائيلي، على ms062 خده الأيمن خال كأنه كوكب دري يملأ ~~الأرض عدلا كما ملئت جورا، يرضى بخلافته أهل الأرض وأهل السماء والطير في ~~الجو) . وأخرج أبو نعيم وغيره أنه صلى الله عليه وسلم قال: (يخرج المهدي من ~~قرية يقال لها كرعة) . وأخرج الخطيب أنه صلى الله عليه وسلم قال: (يحبس ~~الروم على وال من عترتي اسمه يواطىء اسمي فيقبلون بمكان يقال له العماق ~~فيقتتلون فتقتل من المسلمين آلاف أو نحو ذلك، ثم يقتتلون يوما آخر فيقتل من ~~المسلمين نحو ذلك، ثم يقتتلون اليوم الثالث فيكون على الروم، فلا يزالون ~~حتى يفتحوا القسطنطينية فبينما هم يقتسمون فيها إذ أتاهم صارخ أن الدجال قد ~~خلفكم في ذراريكم) . وجاء من طرق أخرى عنه صلى الله عليه وسلم: (أن المهدي ~~من عترته من ولد فاطمة رضي الله عنها ابنته، وأنه أجلى الجبهة أقنى الأنف) ~~وفي رواية: (أشم الأنف) وفي رواية أخرى: (أعلى الجبهة أفرق الثنايا) وأنه ~~يملك سبع سنين يملأ الأرض عدلا، وأنه يقسم المال صحاحا بالسوية بين الناس، ~~ويملأ قلوب محمد صلى الله عليه وسلم غنى ويوسعهم عدله حتى أنه يأمر مناديا ~~فينادي من له حاجة فليأت إلي فلا يأتيه إلا رجل واحد يسأله فيأمر مناديا ~~فيعطيه فيأمره أن يحثى له فيحثى له حتى لا يستطيع أن يحمل فيضع منه حتى ~~يقدر على حمله، ثم يقول لنفسه يأبى الناس كلهم وتأخذي أنت فيرجع لرسول ~~المهدي ليرده عليه فلا يقبله منه، وأن اسمه صلى الله عليه وسلم، واسم أبيه ~~اسم أبيه. وأنه يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدينة هاربا ~~إلى مكة فيأتيه من أهلها فيخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام، ~~ويبعث إليه بعث من الشام فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة، فإذا رأى ~~الناس ذلك أتاه أبدال الشام وعصائب العراق فيبايعونه فينشىء رجل من قريش ~~أخواله كلب فيبعث أي المهدي عليهم بعثا يقتلونهم فتقسم غنائمهم ويعمل في ~~الناس بسنة نبيهم، وإن مدة ملكه إن قصرت فسبع وإلا فتسع، وأن الناس يتنعمون ~~في ms063 زمنه بما لم يسمعوا بمثله قط تؤتي الأرض أكلها ولا تدخر عنهم شيئا، وأنه ~~يخرج ناس من المشرق يوطئون للمهدي سلطانه. وأنه صلى الله عليه وسلم انتبه ~~وهو يسترجع، فقالت له أم سلمة: مم تسترجع يا رسول الله؟ قال: من أجل جيش ~~يجيء من قبل العراق في طلب رجل من أهل المدينة فيمنعه الله منهم فإذا علوا ~~البيداء من ذي الحليفة خسف بهم فلا يدرك أعلاهم أسفلهم ولا أسفلهم أعلاهم ~~إلى يوم القيامة. وأنه يحثو المال حثيا ولا يعده عدا. وإن المهدي يبايع بين ~~الركن والمقام وعدة من معه ثلثمائة وبضعة عشر، فتأتيه عصائب أهل العراق ~~وأبدال أهل الشام فيغزوه جيش من أهل الشام فيخسف بهم بالبيداء) . وأنه صلى ~~الله عليه وسلم أخذ بيد علي وقال: (يخرج من صلب هذا فتى يملأ الأرض قسطا ~~وعدلا فإذ رأيتم ذلك فعيكم بالفتى التميمي فإنه يقبل من قبل المشرق وهو ~~صاحب راية المهدي. وأن السفياني: أي وهو من ذرية أبي سفيان، يخرج بالشام ~~وعامة من يتبعه من كلب فيبقر بطون النساء ويقتل الصبيان، ثم يبعث المهدي ~~وقد خرج للحرة جيشا فيهزمهم المهدي، فيسير إليه السفياني هو ومن معه حتى ~~إذا صار ببيداء من الأرض حسف بهم فلا ينجو منهم إلا المخبر عنهم. وأنه من ~~عترته، وهو الذي يؤم عيسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم) فهذه الجملة من ~~الأحاديث تكذب أولئك المذكورين في السؤال وتبدعهم وتضللهم وتقضي عليهم ~~بالجهل المفرط والحماقة العظماء. وكذا ورد عن الصحابة والتابعين ما يرد على ~~أولئك الحمقى أيضا. فمما ورد عن علي كرم الله وجهه أنه سيكون فتنة عظيمة ~~وأنه لا يسب أهل الشام بل ظلمتهم فإن فيهم الأبدال، وأنه يرسل عليهم سيل من ~~السماء فيغرقهم، ثم يبعث الله عند ذلك رجلا من عترته صلى الله عليه وسلم في ~~اثني عشر ألفا إن قلوا وخمسة عشر إن كثروا على ثلاث رايات يقاتلهم أهل سبع ~~رايات ليس من صاحب راية إلا وهو يطمع بالملك فيقتلون وينهزمون، ثم يظهر ~~عليهم ms064 الهاشمي فيرد الله إلى المسلمين ألفتهم ونعمتهم فيكونون على ذلك حتى ~~يخرج الدجال) وأنه قال لعمر رضي الله عنه حين قال: لا أدري أدع خزائن ~~البيت، أي الكعبة، وما فيه من المال والسلاح أو أقسمه في سبيل الله: امض يا ~~أمير المؤمنين فلست بصاحبه إنما صاحبه منا شاب من قريش يقسمه في آخر ~~الزمان، وأنه قال: إن المهدي يظهر إذا نادى مناد في السماء إن الحق في آل ~~محمد يظهر حينئذ على أفواه الناس ويشربون حبه فلا يكون لهم ذكر غيره) ، ~~وأنه يخرج رايات سود فيقاتل السفياني فيهم شاب من بني هاشم في كفه اليسرى ~~خال وفي مقدمته رجل من تميم يدعى بشعيب بن صالح فيهزمهم) . وإن السفياني ~~إذا خرجت خيله بعث لأهل خراسان فيخرجون إلى المهدي # PageV01P029 # فيلتقي هو والهاشمي برايات سود على مقدمته شعيب بن صالح فيلتقى هو ~~والسفياني في باب اصطخر فيكون بينهم مقتلة عظيمة فتظهر الرايات السود وتهرب ~~خيل السفياني فعند ذلك يتمنى الناس المهدي ويطلبونه) . وأنه يخرج رجل قبل ~~المهدي من أهل بيته بالمشرق يحمل السيف على عاتقه ثمانية عشر شهرا يقتل ~~ويمثل ويتوجه إلى بيت المقدس فلا يبلغه حتى يموت) . وأنه يبعث جيش إلى ~~المدينة فيأخذون من قدر عليه من آل محمد صلى الله عليه وسلم ويقتل من بني ~~هاشم رجال ونساء، فعند ذلك يهرب المهدي ورجل آخر من المدينة إلى مكة فيبعث ~~في طلبهما وقد لحقا بحرم الله وأمنه) . وأنه إذا بعث السفياني على المهدي ~~جيشا فخسف بهم بالبيداء وبلغ ذلك أهل الشام وقالوا لخليفتهم قد خرج المهدي ~~فبايعه وأدخل في طاعته وإلا قتلناك، فيرسل إليه بالبيعة ويسير المهدي حتى ~~ينزل بيت المقدس وتقبل إليه الخزائن وتدخل العرب والعجم وأهل الحرب والروم ~~وغيرهم في طاعته من غير قتال حتى يبني المساجد بالقسطنطينية وما دونها) . ~~وأن المهدي مولده بالمدينة من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، واسمه ~~اسمي واسم أبيه اسم أبي ومهاجره بيت المقدس كث اللحية أكحل العينين براق ~~الثنايا في وجهه خال ms065 وفي كتفه علامة النبي صلى الله عليه وسلم يخرج براية ~~النبي صلى الله عليه وسلم من مرط معلمة بسوداء مربعة فيها حجر لم تتبين منذ ~~توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تنشر حتى يخرج المهدي يمده الله ~~بثلاثة آلاف من الملائكة يضربون وجوه من خالفهم وأدبارهم يبعث وهو ما بين ~~الثلاثين إلى الأربعين) . وأنه قال المهدي: مني من قريش آدم ضرب من الرجال) ~~، وأنه قال: إذا خرجت الرايات السود إلى السفياني التي فيها شعيب بن صالح ~~تمنى الناس المهدي فيطلبونه، فيخرج من مكة ومعه راية رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيصلي ركعتين بعد أن يئس الناس من خروجه لما طال عليهم من ~~البلاء، فإذا فرغ من صلاته انصرف فقال: يا أيها الناس يا أمة محمد يا أهل ~~بيته خاصة قد قهرنا وبغى علينا. وأنه قال المهدي: رجل منا من ولد فاطمة ~~وأنه يلي أمر الناس ثلاثين أو أربعين سنة) ، وينافي هذا ما مر من أن مدة ~~ملكه سبع سنين أو تسع، وقد يجاب إن صحا بأن السبع أو التسع فيها نهاية ملكه ~~وما قبلها فيه بدايته فهذه الآثار كلها عن علي كرم الله وجهه تكذب أولئك ~~الضالين المارقين. ويرد عليهم ما قال عبد الغافر الفارسي وابن الجوزي وابن ~~الأثير في ذكر علي أن المهدي من ولد الحسن وأنه منفرج الفخذين: أي بينهما ~~تباعد. ومما جاء عن الحسن رضي الله عنه أنه قال: بالري رجل ربعة أسمر من ~~بني تميم مجذوم كوسج يقال له: شعيب بن صالح في أربعة آلاف ثيابهم بيض ~~وراياتهم سود يكون على مقدمة المهدي، ولا يلقاه أحد إلا قتله) ، وما ورد عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: المهدي منا يدفعه إلى عيسى ابن مريم، وأن ~~المهدي يبعث بعد إياس وحتى يقول الناس لامهدي، وأنصاره أناس من أهل الشام ~~عددهم ثلثمائة وخمسة عشر عدد أصحاب بدر يسيرون إليه من الشام حتى يستخرجونه ~~من بطن مكة من دار عند الصفا فيبايعونه كرها فيصلي بهم ms066 ركعتين عند المقام ~~ثم يصعد المنبر) . ومما ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه: أن الطرق إذا ~~انقطعت وكثرت الفتن خرج سبعة نفر علماء من أفق شتى على غير ميعاد يبايع لكل ~~رجل منهم ثلثمائة وبضعة عشر رجلا حتى يجتمعوا بمكة فتلتقي السبع فيقول ~~بعضهم لبعض: ما جاء بكم؟ فيقولون: جئنا في طلب هذا الرجل الذي ينبغي أن ~~تهدأ على يديه هذه الفتن وتفتح به القسطنطينية، قد عرفناه باسمه واسم أبيه ~~وجنسه، فيصيبونه بمكة فينفلت منهم إلى المدينة فيطلبونه بها فيخالفهم إلى ~~مكة، فيأتون إليه فينفلت منهم إلى المدينة، فيطلبونه فيخالفهم إلى مكة ~~فيصيبونه بها عند الركن، فيقولون: إثمنا عليك ودماؤنا في عنقك إن لم تمد ~~يدك نبايعك، هذا عسكر السفياني قد توجه في طلبنا عليهم رجل من حرام، فيجلس ~~بين الركن والمقام فيمد يده فيبايع له، فيلقى الله محبته في صدور الناس ~~فيسير مع قوم أسد بالنهار رهبان بالليل، ويهزم الله على يديه الروم ويذهب ~~الله على يديه الفقر، وينزل الشام ومما جاء عن عمرو بن العاص رضي الله عنه ~~أن علامة خروج المهدي أن يخسف بجيش في البيداء. ومما جاء عن أكابر أهل ~~البيت فيه قول محمد بن علي: لمهدينا آيتان لم يكونا منذ خلق الله السموات ~~والأرض: ينكسف القمر لأول ليلة من رمضان، وتنكسف الشمس في النصف منه، ولم ~~يكونا منذ خلق الله السموات والأرض. وقول # PageV01P030 # محمد بن الحنفية: تخرج رايات سود لبنى العباس، ثم تخرج من خراسان أخرى ~~سود قلانسهم سود وثيابهم بيض على مقدمتهم رجل يقال له: شعيب بن صالح من ~~تميم يهزمون أصحاب السفياني، حتى ينزل ببيت المقدس يوطىء للمهدي سلطانه ~~ويمد إليه ثلثمائة من الشام، يكون بين خروجه وبين أن يسلم الأمر للمهدي ~~اثنان وسبعون شهرا. وقول أبي جعفر لا يخرج المهدي حتى يروا الظلمة) . وقوله ~~ينادي مناد من السماء أن الحق في آل محمد، وينادي مناد من الأرض أن الحق في ~~آل عيسى أو قال العباس فشك فيه، وإنما الصوت الأسفل كلمة ms067 الشيطان والصوت ~~الأعلى كلمة الله العليا. وقول جعفر يقوم المهدي سنة مائتين. وقوله يظهر ~~المهدي بمكة عند العشاء معه راية رسول الله صلى الله عليه وسلم وقميصه ~~وسيفه وعلامات ونور وبيان فإذا صلى العشاء خطب خطبة بأعلى صوته وذكر طولها ~~ثم قال: فيظهر في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا عدد أهل بدر على غير ميعاد ~~رهبان بالليل أسد بالنهار فيفتح الله له أرض الحجر، ويستخرج من كان في ~~السجن من بني هاشم، وتنزل الرايات السود بالكوفة فيبعث بالبعث إلى المهدي، ~~ويبعث المهدي جنوده إلى الآفاق ويميت الجور وأهله وتستقيم له البلدان ويفتح ~~الله على يديه القسطنطينية. وجاء عن محمد بن الحسين: المهدي أزج أبلج ~~العينين يجيء حتى يستوي على منبر دمشق وعمره ثمان عشرة سنة) ، ويعارضه ~~الحديث السابق أنه ابن أربعين سنة إلا أن يجمع بينهما بأنها أوان ظهور ملكه ~~ونهايته وجلوسه على منبر دمشق قبل ذلك. ويؤيده ما جاء عن صباح قال: يمكث ~~المهدي فيهم تسعا وثلاثين سنة يقول الصغير يا ليتني كبرت ويقول الكبير يا ~~ليتني كنت صغيرا. وجاء عن علي كرم الله وجهه: أنه يلي أمر الناس ثلاثين أو ~~أربعين سنة) ولا ينافيه الخبر السابق أنه يملك سبع أو تسع سنين لإمكان حمله ~~أن ذلك مدة تزايد ظهور ملكه وقوته. وجاء عن كعب: أن علامة خروجه ألوية تقبل ~~من المغرب وعليها رجل أعرج من كندة، وأنه خاشع لله تعالى كخشوع النسر ~~بجناحه، وأنه يبعث بقتال الروم فيستخرج تابوت السكينة من غار أنطاكية، وأنه ~~إنما سمي المهدي لأنه يهدي لأمر قد خفي يستخرج التابوت من أرض يقال لها ~~أنطاكية، وأن قادته خير الناس وأن نصرته وبيعته من أهل كرمان واليمن وأبدال ~~الشام على مقدمته جبريل وساقته ميكائيل محبوب في الخلائق يطفىء الله به ~~الفتنة العمياء وتأمن الأرض حتى إن المرأة لتحج في خمس نسوة ما معهن رجل لا ~~يتقين إلا الله تعطى الأرض زكاتها والسماء بركتها، وأنه قال: إني أجد ~~المهدي مكتوبا في أسفار الأنبياء ما في عمله ظلم ms068 ولا عيب، وإن أول لواء ~~يعقده ببيعته إلى الترك فيهزمهم ويأخذ منهم من السبي والأموال، ثم يسير إلى ~~الشام فيفتحها ثم يعتق كل من معه ويعطي أصحابه قيمتهم، وأنه يكون بعد ~~المهدي خليفة من أهل اليمن من قحطان أخو المهدي في دينه يعمل بعمله وهو ~~الذي يفتح مدينة الروم ويصيب غنائمها، وإن الدجال يحاصر المؤمنين ببيت ~~المقدس فيصيبهم جوع شديد، حتى يأكلوا أوتار قسيهم من الجوع فبينما هم على ~~ذلك إذ سمعوا صوتا في الغلس فيقولون إن هذا لصوت رجل شبعان فينظرون فإذا ~~بعيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام فتقام الصلاة فيرجع إمام المسلمين ~~المهدي. فيقول عيسى: تقدم فلك أقيمت الصلاة فيصلي بهم تلك الليلة ثم يكون ~~عيسى إماما بعدها، وإنه إذا ملك رجل الشام وآخر مصر فاقتتل الشامي والمصري، ~~وسبي أهل الشام قبائل من مصر وأقبل رجل من المشرق برايات سود صغار قبل صاحب ~~الشام فهو الذي يؤدي الطاعة إلى المهدي) ، وبقيت له علامات أخر تعرف من ~~كتابي (القول المختصر في علامات المهدي المنتظر) والله تعالى أعلم بالصواب. ~~28 وسئل رضي الله عنه: عن خطيب يرقى المنبر في كل جمعة ويروي أحاديث كثيرة ~~ولم يبين مخرجيها ولا رواتها، ومن جملة ما رواه وذكر أنه حديث: (أن التجار ~~هم الفجار إلا من قال بيده هكذا وهكذا) ومن أحوال هذا الخطيب أن له مكسا ~~على ما يدخل بلده من البطيخ والخضر ونحو ذلك على كل حمل بطيخ بطيخة وله على ~~كل قفص من الرطب عثماني وعلى كل نوع من أنواع الخضر شيء معين، ويتعاطى ذلك ~~بيده في كل يوم مدة طويلة، ويقبض من المشتري العشرة مثلا ويدفعها للبائع ~~تسعة، وله أحوال أخرى تشابه ما ذكر، وهو مع ذلك يدعي رفعة في العلم وسموا ~~في الدين، فما الذي يجب عليه وما الذي يلزمه إن استحل ذلك أو لم يستحله؟ ~~أفتونا مأجورين أثابكم الله الجنة بفضله ومنه آمين. فأجاب رضي الله عنه ~~بقوله: # PageV01P031 # ما ذكره من الأحاديث في خطبه من غير أن يبين ms069 رواتها أو من ذكرها فجائز ~~بشرط أن يكون من أهل المعرفة في الحديث، أو ينقلها من كتاب مؤلفة كذلك، ~~وأما الاعتماد في رواية الأحاديث على مجرد رؤيتها في كتاب ليس مؤلفه من أهل ~~الحديث، أو في خطب ليس مؤلفها كذلك فلا يحل ذلك، ومن فعله عزر عليه التعزيز ~~الشديد، وهذا حال أكثر الخطباء فإنهم بمجرد رؤيتهم خطبة فيها أحاديث حفظوها ~~وخطبوا بها من غير أن يعرفوا أن لتلك الأحاديث أصلا أم لا، فيجب على حكام ~~كل بلد أن يزجروا خطباءها عن ذلك، ويجب على حكام بلد هذا الخطيب منعه من ~~ذلك إن ارتكبه، وأما ذكره الحديث المذكور فصدره وارد بل صحيح كما قاله ~~الترمذي وهو: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المصلى فرأى الناس ~~يتبايعون فقال: يا معشر التجار، فاستجابوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا ~~إلا من اتقى الله وبر وصدق) وفي رواية صحيحة: (إن التجار هم الفجار، قيل: ~~يا رسول الله أليس قد أحل الله البيع؟ قال: بلى، ولكنهم يحدثون فيكذبون ~~ويحلفون فيأثمون) وأما آخره وهو: (إلا من قال بيده هكذا وهكذا) فلم يرد فيه ~~شيء من كتب الحديث بعد البحث عنه، فعلى هذا الخطيب أن يبين مستنده في ~~روايته فإن كان مستندا صحيحا فلا اعتراض عليه وإلا ساغ الاعتراض عليه بل ~~وجاز لولي الأمر أيد الله به الدين، وقمع بعدله المعاندين أن يعزله من ~~وظيفة الخطابة زجرا له عن أن يتجرأ على هذه المرتبة السنية بغير حق، ولو ~~كان عند هذا الخطيب علم لعدل عن هذه الرواية التي ذكرها إلى الرواية الأولى ~~التي ذكرناها وهي: (أن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى الله ~~وبر وصدق) فإن هذا الحديث صحيح ومعناه ظاهر فإن التجار على قسمين قسم منهم ~~يجتنب في بيعه وشرائه وسائر معاملاته جميع المحرمات كالربا والغش والخديعة ~~والكذب والحلف بالباطل، وهو مع ذلك يخرج حق الله تعالى وحق العباد من ms070 نفسه ~~وماله، فأهل هذا القسم لا يبعثون يوم القيامة فجارا بنص الكتاب العزيز وسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وبإجماع أئمة المسلمين، بل هؤلاء يبعثون يوم ~~القيامة سعداء في الآخرة كما كانوا سعداء في الدنيا، بل هم أفضل من الفقراء ~~الصابرين كما قال جماعة ويدل له: (أن فقراء الصحابة قالوا يا رسول الله ذهب ~~أهل الدثور أي الأموال بالأجور فيصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويزيدون ~~بالصدقة بفضل أموالهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لكم بكل ~~تكبيرة صدقة وبكل تسبيحة صدقة وبكل تحميدة صدقة، فقالوا: يا رسول الله ~~أرأيت لو فعلوا ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) . فدل ذلك على أن الأغنياء الشاكرين ~~وهم من سبق أفضل من الفقراء الصابرين لأنهم يفعلون ما يفعلونه من العبادات ~~ويزيدون على الفقراء بالزكوات والصدقات، وفي هذين من نفع المسلمين ما يربو ~~ثوابه على كثير من الأعمال القاصرة هذا هو القسم الأول وهم المرادون بقوله ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق: (إلا من اتقى الله وبر وصدق) وهم ~~المرادون أيضا بالخبر الصحيح: (التاجر الصدوق الأمين يحشر مع النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين يوم القيامة) وورد: (التاجر الصدوق لا يحجب ~~من أبواب الجنة) . وورد أيضا: (التاجر الصدوق تحت ظل العرش يوم القيامة) . ~~وبهذه الأحاديث يستدل على ما قاله جماعة من أصحاب الشافعي رضي الله تعالى ~~عنه من أن التجارة أفضل من الزراعة وأفضل من الصنعة، ويدل له أيضا أنه صلى ~~الله عليه وسلم اتجر مرات ولم يثبت عنه أنه زرع ولا أنه كانت له صنعة والله ~~سبحانه وتعالى لا يختار لنبيه صلى الله عليه وسلم إلا الأفضل، وقد اختار له ~~من أصول المكاسب التي هي التجارة والزراعة والصناعة التجارة دون الزراعة ~~والصنعة. فدل على فضلها. وقد استدل ابن عبد السلام على تفضيل الغني الشاكر ~~على الفقير الصابر بأن الله تعالى لا يختار لنبيه إلا الأفضل، وأفضل أحواله ~~صلى ms071 الله عليه وسلم الحالة التي توفاه الله عليها وكانت تلك الحالة على ~~غاية من غناه صلى الله عليه وسلم فدل على فضل الغني بشرطه على الفقر. وروى ~~أبو الشيخ وأبو نعيم والبيهقي حديث: (من طلب الدنيا حلالا تقنعا عن المسألة ~~وسعيا على عياله وتعطفا على جاره لقي الله تعالى ووجهه كالقمر ليلة البدر) ~~. وقال لقمان لابنه: استغن بالكسب الحلال عن الفقر فإنه ما افتقر أحد قط ~~إلا أصابه ثلاث خصال: رقة في دينه وضعف في عقله وذهاب مروءته، وأعظم من هذه ~~الثلاثة: استخفاف الناس به وسئل # PageV01P032 # بعض التابعين عن التاجر الصدوق أهو أحب إليك أم المتفرغ للعبادة؟ فقال: ~~التاجر الصدوق أحب إلي لأنه في جهاد يأتيه الشيطان من طريق المكيال ~~والميزان ومن قبل الأخذ والعطاء فيجاهده: أي ولا يطاوعه فيما يأمره به من ~~المحرمات. وقيل للإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه ما تقول فيمن جلس في بيته ~~أو مسجده وقال: لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي؟ فقال أحمد: هذا رجل لم يسمع ~~العلم أما سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله جعل رزقي تحت ظل ~~رمحي) . وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجرون في البر والبحر ~~ويعملون في نخيلهم والقدوة بهم. والقسم الثاني هم الذين لا يجتنبون في ~~بيعهم وشرائهم ومعاملاتهم المحرمات كالربا والغش والحلف الباطل وغير ذلك من ~~القبائح التي انطوى عليها أكثر التجار، وهؤلاء فجار في الدنيا والآخره وهم ~~ممن قال الله تعالى في حقهم في كتابه العزيز: {إن الذين يشترون بعهد الله ~~وأيمانهم ثمنا قليلا أولائك لا خلاق لهم فى الأخرة ولا يكلمهم الله ولا ~~ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} [آل عمران: 77] . وفي ~~حديث مسلم: (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة: رجل حلف على ~~سلعته لقد أعطى بها أكثر مما أعطى وهو كاذب) وروى أبو يعلى أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال: (لا يزال قول لا إله إلا الله يدفع عن الخلق سخط الله ما ms072 لم ~~يؤثروا صفقة دنياهم على آخرتهم) وأهل هذا القسم هم المرادون بقوله صلى الله ~~عليه وسلم: (إن التجار هم الفجار) الحديث. وإذا تقرر أن التجار على قسمين ~~فلا يسوغ لهذا الخطيب أن يأتي بما يقتضي الذم لجميع التجار بل عليه أن يبين ~~للناس الإجمال الواقع فيما يرويه أو يخطب به هذا إن كان من أهل ذلك، وإلا ~~فليراجع العلماء ويسألهم عن الأحاديث وأحكامها ثم يخطب بها، وأما مع عدم ~~ذلك فلا ينبغي ولا يسوغ، فإن كثيرا من العوام إذا سمعوا لفظا مجملا ~~كالرواية التي ذكرها هذا الخطيب يقولون إن جميع التجار فجار إلا من فرق ~~ماله، وهذا لا يقول به أحد من المسلمين، وإنما الذي ورد في ذلك بل صح ~~أحاديث. منها: (يا معشر التجار إن الشيطان والإثم يحضران البيع فشوبوا ~~بيعكم بالصدقة) / وبعد أن علم ما قررته فالذي ينبغي لهذا الخطيب أن يراعي ~~ما ذكرناه، وأن يعمل بقضيته وإلا رتب عليه مقتضى أفعاله، وأما ما ذكر من ~~أخذه المكس بتفصيله المذكور في السؤال فإن ثبت عليه ذلك فسق وردت شهادته، ~~ولم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، وكانت أفعاله هذه القبيحة أصدق شاهد على ~~كذبه وافترائه في أن له رفعة في العلم وسموا في الدين بل هو من أجهل ~~الجاهلين وأفسق الفاسقين، ولا تصح إمامته عند كثيرين من العلماء، فعلى ~~الناس هجره واجتناب الصلاة وراءه، فإن من يقول بصحتها يقول لا ثواب في ~~جماعتها، ومتى استحل شيئا من أخذ المكس فقد كفر فتضرب عنقه إن لم يتب، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. 29 وسئل رضي الله تعالى عنه سؤالا ~~صورته: نقل الشيخ شهاب الدين القرافي المالكي في قواعده ما هو محرم من ~~الدعاء وليس بكفر أن يسأل الله تعالى الاستعفاء في ذاته عن الأمراض، ليسلم ~~طول عمره من الآلام والأسقام والأنكاد والمخاوف وغير ذلك من البلايا، وقد ~~دلت العقول على استحالة جميع ذلك؟ قال: فإذا كانت هذه الأمور مستحيلة في ~~حقه تعالى عقلا كان طلبها من الله تعالى سوء ms073 أدب عليه لأن طلبها يعد في ~~العادة تلاعبا وضحكا من المطلوب منه والله تعالى يجب له من الإجلال فوق ما ~~يجب لخلقه إلى آخر ما ذكره رحمه الله تعالى، فإذا قال الداعي: اللهم سهل لي ~~أو قال أعطني ما أحب وأصرف عني ما أكره هل يكون من هذا القبيل بدليل أن ~~الداعي يلحقه من الأمراض والشواغل نحو ذلك، فإذا قلتم نعم فذاك وإلا فما ~~الفرق؟ فأجاب بقوله: ما ذكره القرافي صحيح وقد أقره عليه جماعة من أئمتنا، ~~وحينئذ فإذا قال الداعي: اللهم سهل لي وأعطني ما أحب واصرف عني ما أكره، ~~فإن أراد العموم الذي ذكره القرافي حرم عليه ذلك، وإن أراد إعطاء ما يجب من ~~أنواع مخصوصة جائزة، وصرف ما يكره من أنواع كذلك أو أطلق فلم يرد شيئا لم ~~يحرم عليه ذلك، أما مسألة الإرادة فظاهر، وأما في مسألة الإطلاق فلأن ~~المتبادر من استعمال هذا اللفظ في العادة إنما هو سؤال الله حصول أشياء ~~مهمة من المحبوبات ودفع أشياء كذلك من المكروهات فلم يتحقق وجه الحرمة التي ~~علل بها القرافي فإنه علل الحرمة بأن طلب ما ذكره يعد في العادة تلاعبا ~~وضحكا من المطلوب منه، ونحن نعلم بالعادة أن من طلب من الله حصول ما يجب ~~ودفع ما يكره لا يكون متلاعبا ومستهزئا إلا إذا أراد العموم بالمعنى الذي ~~ذكره القرافي، والله سبحانه وتعالى # PageV01P033 # أعلم بالصواب. 30 وسئل فسح الله في مدته، عن مسألة وقع فيها جوابان ~~مختلفان صورتها: هل يجوز الدعاء للمؤمنين والمؤمنات بمغفرة جميع الذنوب، ~~وبعدم دخولهم النار أم لا؟ فأجاب الأول فقال: لا يجوز فقد ذكر الإمام ابن ~~عبد السلام والإمام القرافي من الأئمة المالكية أنه لا يجوز، لأنا نقطع ~~بخبر الله وبخبر رسوله صلى الله عليه وسلم أن منهم من يدخل النار، وأما ~~الدعاء بالمغفرة في قوله تبارك وتعالى حكاية عن نوح: {رب اغفر لى ولوالدى ~~ولمن دخل بيتى مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات} [نوح: 28] ونحو ذلك فإنه ورد ~~بصيغة الفعل في سياق الدعاء وذلك لا ms074 يقتضي العموم لأن الأفعال نكرات ويجوز ~~قصد معهود خاص، وهو أهل زمانه مثلا انتهى. وأجاب الثاني فقال: يجوز لأمور. ~~أحدها: أن الأئمة رضي الله عنهم ذكروا أنه يسن للخطيب أن يدعو للمؤمنين ~~والمؤمنات. الأمر الثاني: أن الإمام المستغفري روى في دعواته عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه مرفوعا: (ما من دعاء أحب إلى الله من قول العبد اللهم اغفر ~~لأمة محمد رحمة عامة) كذا في العجالة وغير ذلك من الأدعية التي يحيط علمكم ~~بها. الأمر الثالث: أن الشيخ شرف الدين البرماوي سئل هل يجوز الدعاء بمغفرة ~~جميع الذنوب وبعدم الوقوف للحساب؟ فأجاب: بأنه يجوز أن يسأل الله عز وجل ~~مغفرة جميع ذنوبه كلها، فإن الله تعالى له أن يرضي من له حق من الناس، ~~فيتخلص الداعي من جميع حقوق الله وحقوق الناس. وأما الدعاء بعدم الوقوف بين ~~يدي الله للحساب فطلب محال لا يجوز أن يدعو به بل يسأل الله تعالى أن يلطف ~~به في ذلك الموقف فما الراجح عندكم من ذينك الجوابين؟ فأجاب بقوله رحمه ~~الله تعالى: إن الدعاء بعدم دخول أحد من المؤمنين النار حرام بل كفر لما ~~فيه من تكذيب النصوص الدالة على أن بعض العصاة من المؤمنين لا بد من دخوله ~~النار. وأما الدعاء بالمغفرة لجميعهم فإن أراد به مغفرة مستلزمة لعدم دخول ~~أحد منهم النار فحكمه ما مر، وإن أراد مغفرة تخفف عن بعضهم وزره، وتمحو عن ~~بعض آخرين منهم أو أطلق ذلك فلا منع منه. أما في مسألة الإرادة فواضح، وأما ~~في مسألة الإطلاق فلأن المغفرة لا يستلزم المحو عن الجميع بالكلية لأنها ~~تستعمل في هذا المعنى وفي التخفيف بل لو قال: اللهم اغفر لجميع المؤمنين ~~جميع ذنوبهم، وأراد بذلك التخفيف عنهم لم يحرم، بخلاف ما لو أطلق في هذه ~~الصورة فإنه يحرم عليه بأن اللفظ ظاهر في العموم بل صريح فيه، فالحاصل أنه ~~متى قال: اللهم اغفر للمسلمين ذنوبهم وأطلق أو أراد المحو للبعض والتخفيف ~~للبعض جاز، وإن أراد عدم دخول أحد منهم ms075 النار لم يجز وإن قال اغفر لجميع ~~المسلمين جميع ذنوبهم وأطلق أو أراد عدم دخول أحد منهم حرم، وإن أراد ما ~~يشمل التخفيف جاز، والفرق بين الصورتين واضح مما قررته، وقد أمر الله نبيه ~~محمدا صلى الله عليه وسلم باستغفار للمؤمنين والمؤمنات بقوله تعالى: ~~{واستغفر لذنبك} [غافر: 55] } [التوبة: 72] فيتعين حينئذ حمل كلام عبد ~~السلام وتلميذه القرافي على ما قررته من التفصيل، وبذلك علم أن إطلاق ~~المجيب الأول الحرمة والثاني عدمها غير صحيح، واستدلاله بخبر المستغفري غير ~~صحيح أيضا لأن الرحمة العامة لا تستلزم مغفرة جميع الذنوب بالمعنى السابق ~~فقد ورد عن ابن مسعود رضي الله عنهما: (إن لله رحمة على أهل النار فيها) ~~لأنه يقدر أن يعذبهم بأشد مما هم فيه، وقال تعالى: {ومآ أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين} [الأنبياء: 107] ففي إرساله صلى الله عليه وسلم رحمة حتى على ~~أعدائه من حيث عدم معاجلتهم بالعقوبة، والله سبحانه وتعالى أعلم. 31 وسئل ~~فسح الله في مدته، سؤلا: وقع في عبارات الفقهاء ما يصرح بتحريم علم التنجيم ~~هل المراد به حسابياته أو أحكامه؟ فإن خصصتم الحكم بأحكامه معللين بأنه ~~إنباء عن الغيب فما علة تحريمهم للطبيعيات مع أن الظاهر من ظاهر كلامهم ~~اشتراك الحكمين في علة واحدة؟ فأجاب بقوله: العلوم المتعلقة بالنجوم منها ~~ما هو واجب كالاستدلال بها على القبلة والأوقات واختلاف المطالع واتحادها ~~ونحو ذلك. ومنها ما هو جائز كالاستدلال بها على منازل القمر وعروض البلاد ~~ونحوهما، ومنها ما هو حرام كالاستدلال بها على وقوع الأشياء المغيبة بأن ~~يقضي بوقوع بعضها مستدلا بها عليه، بخلاف ما إذا قال: إن الله سبحانه ~~وتعالى اطردت عادته بأن هذا النجم إذا حصل له كذا كان ذلك علامة على وقوع ~~كذا فهذا لا منع منه لأنه لا محذور فيه. وأما البحث في الطبيعيات فإن أريد ~~به معرفة الأشياء على ما هي عليه على طريق أهل الشرع فلا منع وليس مشابها ~~للتنجيم المحرم، وإن أريد به معرفة ما هي عليه # PageV01P034 # على طريق الفلاسفة فهو حرام لأنه يؤدي ms076 إلى مفاسد كاعتقاد قدم العالم ~~ونحوه مما لا يخفى من قبائحهم، وحرمته حينئذ مشابهة لحرمة التنجيم المحرم ~~حيث أفضى كل منهما إلى المفسدة وإن اختلفت نوعا وقبحا، والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. 32 وسئل رضي الله عنه: عن كتابة الأسماء التي لا يعرف معناها والتوسل ~~بها هل ذلك مكروهة أو حرام؟ وهل هو مكروه في الكتابة والتوسل بتلك الأسماء ~~التي لا يعرف معناها أو حرام في التوسل دون الكتابة؟ فقد نقل عن الغزالي ~~أنه لا يحل لشخص أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه، وهل فرق في ذلك ~~بين ما يوجد في كتب الصالحين كعبد الله بن أسعد اليافعي وغيره أم لا؟ / ~~فأجاب بقوله: الذي أفتى به العز بن عبد السلام كما ذكرته عنه في (شرح ~~العباب) : أن كتب الحروف المجهولة للأمراض لا يجوز الاسترقاء بها، ولا ~~الرقي بها لأنه صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الرقي قال: (اعرضوا علي ~~رقاكم فعرضوها فقال: لا بأس) وإنما لم يأمر بذلك لأن من الرقي ما يكون كفرا ~~وإذا حرم كتبها حرم التوسل بها نعم إن وجدناها في كتاب من يوثق به علما ~~ودينا فإن أمر بكتابتها أو قراءتها احتمل القول بالجواز حينئذ لأن أمره ~~بذلك الظاهر أنه لم يصدر منه إلا بعد إحاطته واطلاعه على معناها وأنه لا ~~محذور في ذلك، وإن ذكرها على سبيل الحكاية عن الغير الذي ليس هو كذلك، أو ~~ذكرها ولم يأمر بقراءتها ولا تعرض لمعناها فالذي يتجه بقاء التحريم بحاله، ~~ومجرد ذكر إمام لها لا يقتضي أنه عرف معناها فكثيرا من أحوال أرباب هذه ~~التصانيف يذكرون ما وجدوه من غير فحص عن معناه ولا تجربة لمبناه، وإنما ~~يذكرونه على جهة أن مستعمله ربما انتفع به، ولذلك تجد في ورد الإمام ~~اليافعي أشياء كثيرة لها منافع وخواص لا يجد مستعملها منها شيئا وإن تزكت ~~أعماله وصفت سريرته، فعلمنا أنه لم يضع جميع ما فيه عن تجربة بل ذكر فيه ما ~~قيل فيه شيء من المنافع والخواص ms077 كما فعل الدميري في حياة الحيوان في ذكره ~~لخواصها ومنافعها ومع ذلك تجد المائة ما يصح منها واحد، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. 33 وسئل رضي الله عنه: عن قول النووي لطف الله به في آخر باب ~~مجالس الذكر من شرح مسلم: ذكر اللسان مع حضور القلب أفضل من ذكر القلب ~~انتهى. فهل يؤخذ من كلامه أنه إذا ذكر الله بقلبه دون لسانه أنه ينال ~~الفضيلة إذا كان معذورا أم لا؟ وهل إذا قرأ بقلبه دون لسانه من غير عذر ~~ينال الفضيلة أم لا؟ فأجاب بقوله: الذكر بالقلب لا فضيلة فيه من حيث كونه ~~ذكرا متعبدا بلفظه، وإنما فيه فضيلة من حيث استحضاره لمعناه من تنزيه الله ~~وإجلاله بقلبه، وبهذا يجمع بين قول النووي المذكور، قولهم ذكرالقلب لا ثواب ~~فيه فمن نفى عنه الثواب أراد من حيث لفظه، ومن أثبت فيه ثوابا أراد من حيث ~~حضوره بقلبه كما ذكرناه، فتأمل ذلك فإنه مهم، ولا فرق في جميع ذلك بين ~~المعذور وغيره، والله سبحانه وتعالى أعلم. 34 وسئل نفع الله تعالى به: عمن ~~لها أزواج في الدنيا هل هي في الجنة لآخر أزواجها أو لأحسنهم خلقا في ~~الدنيا؟ وفي (شرح الروض في الخصائص) : ولأن المرأة لآخر أزواجها كما قاله ~~ابن القشيري انتهى. وفي مجموع الأحباب وتذكرة أولي الألباب لمحمد بن الحسن ~~العلاء لأبي الفرج: وروى عن أبي الدرداء وحذيفة رضي الله عنهما أن المرأة ~~لآخر أزواجها في الدنيا، وجاء أنها تكون لأحسنهم خلقا. قال أبو بكر بن ~~النجار: حدثنا جعفر بن محمد. حدثنا عبيد بن إسحاق العطار. حدثنا سفيان بن ~~هارون عن حميد عن أنس: (أن أم حبيبة رضي الله تعالى عنها قالت: يا رسول ~~الله المرأة يكون لها الزوجان في الدنيا فلأيهما تكون؟ قال: لأحسنهما خلقا ~~كان معها في الدنيا، ثم قال: يا أم حبيبة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا ~~والآخرة) . وروي عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها نحو هذا انتهى. وعلى ~~الثاني اقتصر السيد معين الدين الصفوي في (تفسيره ms078 جامع البيان) فقال: ومن ~~لها أزواج تخير فتختار أحسنهم خلقا، ولم يعرف أن هذا كلامه أو بقية الحديث ~~المتقدم؟ فأجاب بقوله: روى الطبراني عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: (المرأة لزوجها الآخر) وأخرج عبد بن حميد وسمويه والطبراني ~~والخرائطي في مكارم الأخلاق، وابن لال عن أنس رضي الله تعالى عنه (أن أم ~~حبيبة قالت: يا رسول الله المرأة يكون لها في الدنيا زوجان لأيهما تكون في ~~الجنة؟ قال: تخير فتختار أحسنهم خلقا كان معها في الدنيا فيكون زوجها، يا ~~أم حبيبة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة) وأخرج الطبراني والخطيب عن أم ~~سلمة # PageV01P035 # رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (يا أم سلمة إنها ~~تخير فتختار أحسنهم خلقا، فتقول: يا رب هذا كان أحسنهم خلقا في دار الدنيا ~~فزوجنيه يا أم سلمة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة) . فإن قلت: هذان ~~الحديثان عن أم حبيبة وأم سلمة يخالفان حديث أبي الدرداء رضي الله عنهم / ~~قلت: لا مخالفة لإمكان الجمع بينهما بأن يحمل الأول على من ماتت في عصمة ~~زوج وقد كانت تزوجت قبله بأزواج فهذه لآخرهم، وكذا لو مات واستمرت بلا زوج ~~إلى أن ماتت فتكون لآخرهم لأن علقته بها لم يقطعها شيء، وحمل الثاني على من ~~تزوجت بأزواج ثم طلقوها كلهم فحينئذ تخير بينهم يوم القيامة فتختار أحسنهم ~~خلقا والتخيير هنا واضح لانقطاع عصمة كل منهم، فلم يكن لأحد منهم مرجح ~~لاستوائهم في وقوع علقة لكل منهم بها مع انقطاعها فاتجه التخيير حينئذ لعدم ~~المرجح، وبما سقته من حديث أم حبيبة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما يعلم أن ~~التخيير مذكور في الحديث وأنه ليس من كلام السيد المذكور في السؤال، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم بالصواب كذا وجد للمؤلف. 35 وسئل رضي الله عنه: عمن ~~تزوجت أزواجا لمن تكون له منهم في الآخرة؟ فأجاب بقوله: أخرج الطبراني عن ~~أم سلمة رضي الله عنها في صفة أهل الجنة حديثا طويلا وفيه: (قلت ms079 يا رسول ~~الله المرأة تتزوج الزوجين والثلاثة والأربعة في الدنيا ثم تموت فتدخل ~~الجنة ويدخلون معها من يكون زوجها منهم؟ قال صلى الله عليه وسلم: إنها تخير ~~فتختار أحسنهم خلقا، فتقول يا رب إن هذا كان أحسنهم خلقا في دار الدنيا ~~فزوجنيه، يا أم سلمة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة) . وأخرج الخرائطي ~~في مكارم الأخلاق والبزار والطبراني عن أنس أن أم حبيبة رضي الله عنها ~~قالت: (يا رسول الله المرأة يكون لها الزوجان في الدنيا تموت ويموتان ~~فيجتمعون في الجنة لأيهما تكون؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لأحسنهما خلقا ~~كان عندها في الدنيا، ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة) . ولا يعارض ذلك ~~ما أخرجه ابن سعد عن أبي الدرداء رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: (المرأة لآخر أزواجها في الآخرة) . لإمكان الجمع بأن الأول ~~فيمن طلقوها ولم تمت في عصمة أحد منهم، والثاني فيمن ماتت في عصمته أو مات ~~عنها ولم تتزوج بعده، ثم رأيت ما يؤيده وهو ما أخرجه ابن سعد في (طبقاته) ~~عن أسماء بنت أبي بكر كانت تحت الزبير بن العوام وكان شديدا عليها فأتت ~~أباها فشكت ذلك إليه فقال لها: يا بنية اصبري فإن المرأة إذا كان لها زوج ~~صالح ثم مات عنها ولم تتزوج بعده جمع بينهما في الجنة) . ولا ينافيه ما ~~أخرجه ابن وهب عن أبي بكر رضي الله عنه أيضا قال: بلغني أن الرجل إذا ابتكر ~~بالمرأة تزوجها في الآخرة لإمكان حمله على ما إذا ماتت معه، أو مات ولم ~~تتزوج بعده، والله سبحانه وتعالى أعلم. 36 وسئل رضي الله عنه: هل أحد يدخل ~~الجنة بلحيته؟ فأجاب بقوله: نعم موسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام ~~كما في حديث في (التذكرة) . 37 وسئل فسخ الله في مدته: هل يتعارف أهل الجنة ~~ويتزاورون ويتذاكرون ما كانوا عليه في الدنيا؟ فأجاب بقوله: في ترغيب ~~المنذري أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة فيشتاق ~~الإخوان بعضهم ms080 إلى بعض فيسير سرير هذا إلى سرير هذا، وسرير هذا إلى سرير ~~هذا، حتى يجتمعا جميعا فيبكي هذا ويبكي هذا، فيقول أحدهما لصاحبه: تعلم متى ~~غفر الله لنا؟ فيقول صاحبه: نعم، يوم كذا في موضع كذا وكذا فدعونا الله ~~فغفر لنا) . 38 وسئل رضي الله عنه: هل التعبدي أفضل أو معقول المعنى؟ فأجاب ~~بقوله: قضية كلام العز بن عبد السلام أن التعبدي أفضل لأنه لمحض الإنقياد ~~بخلاف ما ظهرت علته فإن ملابسه قد يفعله لأجل تحصيل مصلحته وفائدته وخالفه ~~البلقيني فقال: لا شك أن معقول المعنى من حيث الجملة أفضل لأن أكثر الشريعة ~~كذلك وبالنظر للجزئيات قد يكون التعبدي أفضل كالوضوء وغسل النجاسة فإن ~~الوضوء أفضل وإن كان تعبديا، وقد يكون معقول المعنى أفضل كالطواف والرمي، ~~فإن الطواف أفضل من الرمي وذلك باعتبار الأدلة والمتعلقات فلا يطلق القول ~~بأفضلية أحدهما على الآخر انتهى، وكون الوضوء تعبديا رأى للإمام والأوجه ~~خلافه وكون الطواف معقولا دون الرمي فيه نظر بل إما أن يقال إنهما معقولا ~~المعنى كما بينته في (حاشية الإيضاح) أو تعبديان كما ذكره بعضهم وقد يقال ~~كلام العز بن عبد السلام لا ينافي التفصيل الذي ذكره لأنه ذكر حيثية ~~التفضيل فلا يبعد أن يكون التعبدي أفضل من # PageV01P036 # تلك الحيثية وإن كان معقول المعنى أفضل من حيثية أخرى والله سبحانه ~~وتعالى أعلم بالصواب. 39 وسئل: في التصوف ما ملخص ما يقولونه في ابن عربي ~~وابن الفارض وطائفتهما هل هم محقون أم مبطلون وما الدليل على ذلك أوضحوا ~~لنا الجواب وابسطوه بسطا شافيا؟ فأجاب: ملخص ما نعتقده في ابن عربي وابن ~~الفارض وتابعيهما بحق الجارين على طريقتهما من غاية إتقان علوم المعاملات ~~والمكاشفات، ومن غاية الزهد والورع والتجرد، والانقطاع إلى الله في الخلوات ~~والدأب على العبادات ونسيان الخلق جملة واحدة، ومعاملة الحق، ومراقبته في ~~كل نفس كما تواتر كل ذلك عن هذين الرجلين العظيمين أنهم طائفة أخيار أولياء ~~أبرار بل مقربون، ومن رق السوى أحرار لا مرية في ذلك ولا شك إلا ms081 عند من لا ~~بصيرة له، وكفاك حجة على ولايتهما تصريح كثيرين من الأكابر بها، وبأنهما من ~~الأخيار المقربين كالشيخ العارف الإمام الفقيه المحدث المتقن عبد الله ~~اليافعي نزيل مكة المشرفة وعالمها، ومن ثم قال الأسنوي في (ترجمته) : فاضل ~~الأباطح وعالمها، وقال الحمد لله الذي ابتدأ كتبنا بالشافعي وختمها ~~باليافعي، وكالشيخ الإمام المجمع على جلالته وعلمه بمذهب مالك وغيره، وعلى ~~معرفته التاج بن عطاء الله وناهيك بحكمه وتنويره دليل على ذلك، حتى قالوا: ~~كادت الحكم أن تكون قرآنا يتلى، وكالشيخ الإمام العلامة المحقق الشافعي ~~الأصولي التاج السبكي وكشيخنا خاتمة المتأخرين وواسطة جمع المحققين زكريا ~~الأنصاري وكالشيخ العلامة البرهان بن أبي شريف وناهيك أيضا بهذين العالمين. ~~وقد حكى بعض الثقات الأثبات من الفقهاء أنه قال: جاورت بمكة وكان لي فيها ~~صديق من أولياء الله فسألته أن يريني القطب، فمكث مدة ثم قال لي: إذا رأيته ~~لا تكلمه، فمكثت مدة ثم رأيته فقبلت يده وجلست ساكنا، ثم التفت القطب وقال: ~~صاحب مصر رجل منكم معشر الفقهاء، فخطر لي أن أسأله عنه فلم يمكني ذلك، ثم ~~بعد مدة اجتمعت به وكان عندي أني إذا اجتمعت به أسأله عن تعيين ذلك الرجل، ~~فالتفت إلي وقال: صاحب مصر الآن الشيخ برهان الدين بن أبي شريف، ثم يكون ~~بعده الشيخ زكريا، فتأمل هذه الشهادة من القطب لهذين الإمامين ولقد كانا ~~زينة مصر بل زينة الدنيا كلها، فإنهما كانا لا يخافان في الله لومة لائم ~~حتى كان الشيخ زكريا يسب السلطان قايتباي صريحا على المنبر وهو جالس يسمع ~~خطبته وهو يومئذ قاضي القضاة بالديار المصرية وكان لا يهابه ولا يعبأ به، ~~وكيف لا وقد مد عليه نظر السادة الصوفية ورضع من لبان معارفهم ودخل تحت ~~لواء إشاراتهم، وتزيا معهم حتى اجتلى وتوقد وتفرد وانكشفت له حقائق ومعارف، ~~وكان يحكي عن شيخه البلقيني أنه كان يجتمع بالخضر كثيرا وبلغني عنه أنه في ~~أيام خلواته بسطح الجامع الأزهر، جاء ممن يعرفه رجل وقد أصاب عينيه رمد حتى ~~أيس منهما الكحالون ms082 فشكا إليه ذلك فتوجه إلى الله في أمرهما فلم يجيء اليوم ~~الثاني إلا وقد زال عنه جميع ما يجده وصار بصره الذي كان أيس منه أحسن ما ~~كان، ولقد آذاه بعض تلامذته، وكان أعطى مناصب عظيمة في الدولة الرومية بحيث ~~كانت في الدولة التركية لا يعطي كل واحد منها إلا لمن هو دون السلطان بدرجة ~~أو درجتين فدعا الشيخ عليه فلم يمض عليه إلا زمن قليل، وقد سلب الله عنه ~~جميع ما كان فيه وخرج من مصر هاربا إلى اسلامبول، فصار فيها بأرث هيئة ~~وأسفلها كل ذلك ببركة الشيخ، وواقعة البرهاني بن أبي شريف مع السلطان ~~الغوري مشهورة حيث عانده وأفتى بخلاف ما لا غرض له فيه، وهو قبول رجوع رجل ~~أقر بالزنا وكان للسلطان غرض في قتله، فأرسل يستفتي من الشيخ لنفسه بذلك ~~موافقة لما أدخله بعض الممقوتين من الفقهاء في ذهنه من أن الشرع عدم قبول ~~إقراره فأفتاه بخلافه، فعقد لعلماء مصر مجلسا في قلعته فكلمهم فلم يعلنوا ~~بالحق كما أعلن به الشيخ برهان الدين بن أبي شريف، وشد عضده شيخنا زكريا ~~ونصر ما قاله، وأعلن به وبأنه على الحق، فغضب السلطان من ذلك ومن إفتائه ~~بموافقة ذلك، وقال في فتواه: لا يجوز قتله ومن قتله قتل به، فغضب الغوري ~~غضبا شديدا حتى أرسل للرجل المقر والمرأة المزني بها فصلبا على باب بيت ~~الشيخ، فسد الشيخ ذلك الباب وصار يخرج من باب آخر كان له ولم يعبأ بذلك ولا ~~تأثر به مع أنه إنما ظن أولا أنه هو المأمور بصلبه، فاستعد لذلك بالطهارة ~~وغيرها وسلم الله ولم يظهر عليه ما يخالف التسليم، ومن ثم رؤي الشافعي رضي ~~الله تعالى عنه وهو يكرر قوله: # PageV01P037 # إن كان عندي موضع لسواكم أعددته يوما فلا ألقاه وهو يقول: جئنا لنسلم على ~~إبراهيم، ورؤي تلك الليلة أيضا وهو يقول قد قلعنا الغوري بعروقه من هذه ~~المملكة وكان كذلك فإنه لم يمكث بعد ذلك إلا مدة قليلة وخرج على وجهه في ~~عساكره وأجناده إلى ms083 حلب ثم إلى محل يسمى مرج دابغ، فبينما هو سائر التقى ~~بالسلطان سليم بن عثمان فأخذل الله الغوري وجنوده وانهزموا وتبددوا ولم ~~يقدروا على الحرب ساعة واحدة، وفقد الغوري ولم يدر ما فعل الله به، فيكفيك ~~ما قاله هؤلاء الأئمة العارفون بالله العالمون العاملون الفقهاء الأولياء، ~~وما صرحوا به من أن كلا الإمامين المذكورين وطائفتهما: أي التابعين لهما ~~بحق كما قدمته أولياء أخيار أتقياء أبرار. فكيف يمتري عاقل أو متدين بعد ما ~~صرح به أئمة الدين الذين أماطوا عن وجهه شبهة المبطلين، وأبطلوا حجج ~~المتمردين، مما ذكر في ولاية هؤلاء الأئمة المذكورين، ويا عجبا كيف نأخذ ~~بقولهم في الأحكام ونعمل بها فيما بيننا وبين الله ونعتمد عليها في التحريم ~~والتحليل وقتل الأنفس وقطع الأيدي وغير ذلك من العظائم، ولا نأخذ بقولهم في ~~أئمة مسلمين تضلعوا من الكتاب والسنة وضموا إلى ذلك الفروع الاجتهادية وما ~~يلائم ذلك من العلوم الأدبية والعربية، ثم بعد إتقان ذلك كله اشتغلوا بصفاء ~~قلوبهم حتى أشرقت وتنورت وصارت شفافة تحكي ما قابلته، فكوشفوا بإبراز ~~العلوم وأحكامها الباطنة بل وبحكم الموجودات كالعبادات وغيرها، فدونوها ~~قصدا لأن ينتفع بها من سلك طريقتهم، وليعلموا بها المحق من غيره، وأن المحق ~~ينطق عن وجوده بما يضاهيها فلا يتقيد بها، وأما المبطل فليس له منها إلا ~~مجرد الحفظ باللسان، ولو طلب منه تحقيقها فضلا عن إبداء ما ماثلها لعجز عن ~~ذلك. ومما يدل على إتقانهم لتلك العلوم المذكورة ما حكاه الذهبي وكان من ~~المنكرين على الشيخ محيي الدين بن عربي: أن سلطان الغرب أمر أن لا يقيم ~~ببلاده إلا رجل يبلغ درجة الاجتهاد بحيث لا يتقيد بمذهب أحد فأجمع رأي ~~علماء بلاده على ستة منهم، وكان من الستة الشيخ محيي الدين. وما قاله ~~البقاعي، وكان من المنكرين أو أكبرهم في كتاب للشيخ محيي الدين صنفه في ~~أسرار المعاملات، هذا أجل من تصنيف الغزالي، فتأمل كيف هذا الرجل بهذه ~~المرتبة العظيمة العديمة النظير، ويظن به سفاسف الرذائل التي لا يرضى بها ~~أقل ms084 متدين ليس ذلك إلا محض تعصب وسعيا في تبوء مفاوز المقت أعاذنا الله من ~~ذلك. ولقد أخبرني شيخنا العارف العلامة أبو الحسن البكري عن الشيخ العلامة ~~جمال الدين الصابي من صريح لفظه وكان من أجل تلامذة شيخنا زكريا السابق أنه ~~كان ينكر على الشرف بن الفارض فرأى القيامة قد قامت وعلى كتفه خرج وهو به ~~في غاية التعب، ثم سمع قائلا يقول: أين جماعة ابن الفارض؟ قال: فتقدمت ~~لأدخل معهم فقيل لي لست منهم فارجع، فانتبهت وأنا في غاية الخوف والأسف ~~والحزن فتبت إلى الله من الإنكار على ابن الفارض، وخلصت عقدي مع الله ~~واعتقدت فيه أنه من أولياء الله تعالى، فنمت في مثل تلك الليلة من السنة ~~الثانية فرأيت ذلك المنام بعينه، ثم سمعت القائل يقول: أين جماعة ابن ~~الفارض يدخلون الجنة؟ فتقدمت معهم، فقيل لي: ادخل الآن أنت منهم، فانظر هذه ~~القضية من رجل فقيه، والظاهر والله أعلم أنه إنما أرى ذلك حتى رجع ببركة ~~شيخه زكريا وإلا فكم من منكر عليهم تركوه وعماه حتى باء بالخسارة والبوار. ~~فإن قلت: قد أنكر عليهم أئمة أجلاء أيضا كالبلقيني وغيره وآخرهم البقاعي ~~وتلامذته وبعضهم ممن أخذت عنه، فلم رجحت تلك الطريقة دون هذه الطريقة؟ قلت: ~~إنما رجحتها لأمور. منها: ما ذكره شيخنا في (شرح الروض) نقلا عن السعد ~~التفتازاني محقق الإسلام وفارس ميدانه ومميط حجة الظلام وكشاف شبهه عن ~~علياء ضيائه، والذي ذكره فيه ظاهر فاطلبه منه، وحاصله ردا على ابن المقري ~~حيث قال: من شك في كفر طائفة ابن عربي فهو كافر، أن الحق أنهم أخيار أئمة، ~~وأن اليافعي وابن عطاء الله وغيرهما صرحوا بولاية ابن عربي وأن اللفظ ~~المصطلح عليه حقيقة عند أهله فيما اصطلحوا عليه، وأن العارف إذا استغرق في ~~بحار التوحيد ربما صدرت عنه عبارات توهم الحلول والاتحاد ولا حلول ولا ~~اتحاد. ومنها: ما صرح به أئمتنا كالرافعي في العزيز والنووي في (الروضة) و ~~(المجموع) وغيرهما من أن المفتي إذا سئل عن لفظ يحتمل الكفر وغيره ms085 لا يقول ~~هو مهدر الدم أو مباحه أو يقتل أو نحو ذلك، بل يقول # PageV01P038 # يسئل عن مراده فإن فسره بشيء عمل به فانظر وفقك الله إلى هذه العبارات ~~تجد المنكرين الذين يتهجمون على هذا الرجل العظيم ويجزمون بكفره قد ارتكبوا ~~متن عمياء وخبطوا خبط عشواء، وإن الله أعمى بصائرهم وأصم آذانهم عن ذلك حتى ~~وقعوا فيما وقعوا فيه وكان سببا لمقتهم وعدم الانتفاع بعلمهم. ومنها: أن ~~علمهم وزهدهم ورفضهم الدنيا والسوى جملة واحدة قاض بنزاهتهم عن هذه ~~المقالات الشنيعة، فترجح بذلك عدم الإنكار عليهم لأن عبارتهم حقيقة فيما ~~اصطلحوا فيه، فلا يجوز الإنكار عليهم إلا بعد معرفة مدلول كلامهم ثم معرفة ~~اصطلاحهم، ثم يطبق ذلك الاصطلاح على ذلك المدلول وينظر هل يطابقه أم لا، ~~ونحمد الله، المنكرون عليهم كلهم جاهلون بذلك إذ ليس منهم أحد أتقن علوم ~~المكاشفات بل ولا شم لها رائحة، ولا أحد منهم ملك زمامه لأحد منهم حتى أحاط ~~باصطلاحاتهم. فإن قلت: لا أسلم أن اللفظ حقيقة لا مجاز فيما اصطلح عليه، ~~فعين لي ما هو أوضح من ذلك؟ قلت: إنكار ذلك عناد، وعلى تقدير عدم تسليم ما ~~ذكرنا فاالصواب للمعترض أن يقول في عبارته: هذه العبارة تحتمل وجوها ~~ويبينها، ثم يقول: إن أراد كذا فكذا أو كذا فكذا، ولا يقول من أول وهلة هذا ~~كفر هذا جهل وخروج عن دائرة النصيحة التي يزعم أنه أرادها، ألا ترى أن ابن ~~المقري لو كان غرضه النصيحة لما كان يبالغ ويقول: من شك في كفر طائفة ابن ~~عربي فهو كافر، فانتقل من الحكم عليهم بالكفر إلى الحكم على من لم يتيقن ~~كفرهم، فانظر إلى هذا التعصب الذي بلغ الغاية وفارق به إجماع الأئمة، ~~وانتقل به إلى كفر غير المتيقن كفرهم {وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم} ~~[النور: 15 16] وانظر أيضا إلى ما أفهمته عبارته. من أنه يجب على الكافة ~~اعتقاد كفرهم وإلا كفروا، وهذا لا قائل به بل ربما يترتب عليه محذور صرح به ~~هو قبل في روضه تبعا ms086 لأصله حيث قال من كفر مسلما لذنبه بلا تأويل كفر، وهذا ~~قد كفر مسلمين، ولا عبرة بما يؤوله لأن ما يقوله من التأويل إنما يقبل في ~~حق من أنكر عليهم، لأن كلماتهم قد توهم ذلك في اعتقاده، وأما من لم ير ~~كلامهم إلا نورا بين يديه واعتقد ولايتهم فكيف يتهاجم مسلم على تكفيره ولا ~~يتهاجم على ذلك إلا من رضي لنفسه بالكفر على احتمال، ولقد ظهر في هذه ~~الكلمة من التعصب والتعدي على سائر المسلمين نسأل الله من فضله أن يغفر ~~لقائلها. ولقد تواتر وشاع وذاع أن من أنكر على هذه الطائفة لا ينفع الله ~~بعلمه ويبتلى بأفحش الأمراض وأقبحها، ولقد جربنا ذلك في كثير من المنكرين ~~حتى أن البقاعي غفر الله له كان من أكابر أهل العلم، وكان له عبادات كثيرة ~~وذكاء مفرط وحفظ بارع في سائر العلوم لا سيما علم التفسير والحديث، ولقد ~~صنف كتبا كثيرة أبى الله أن ينفع أحدا منها بشيء، وله كتاب في مناسبات ~~القرآن نحوا من عشرة أجزاء لا يعرفه إلا الخواص بالسماع، وأما غيرهم فلا ~~يعرفونه أصلا، ولو كان هذا الكتاب لشيخنا زكريا أو غيره ممن يعتقد لكان ~~يكتب الذهب لأنه في الحقيقة لم يوضع مثله لكن: {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من ~~عطآء ربك وما كان عطآء ربك محظورا} [الإسراء: 20] ولقد بالغ البقاعي في ~~الإنكار وصنف فيه مصنفات كلها صريحة في غاية التعصب والميل عن سبيل ~~الاستقامة، ومن ثم جوزي بما مر وبأقبح منه، وهو أنه ضبط عليه في مناسباته ~~فحكم بتكفيره وإهدار دمه، ولم يبق من ذلك إلا إزهاق روحه لولا استعان ببعض ~~الأكابر حتى خلصه من تلك الورطة، واستتيب في الصالحية بمصر وجدد إسلامه، ~~ولقد قيل له آخر أمره: ما الذي تنتقد على الشيخ محيي الدين؟ قال: أنتقد ~~عليه مواضع في فتوحاته خمس عشر موضعا أو أدون، فأنظر إلى هذا الذي يخالف ما ~~في مصنفاته من ذكر مواضع كثيرة من الفتوحات وغيرها والتصريح بأنها كفر، وهل ~~هذا إلا لمزيد التعصب، ولقد ms087 كان له تلامذة أكابر أخذوا بقوله وما يعتقده ~~وبعضهم من مشايخي، لكن لم يظهر لهم علم لأن بعضهم لم يتيسر له التصنيف ~~وبعضهم صنف في فن الفقه تصانيف تضاهي تصانيف السعد التفتازاني وغيره من ~~بلاغتها، وحسن سبكها وجودة تراكيبها، لكن لم يعبأ أحد بها ولم يلتفت إليها ~~بل الناس عنها في غاية الإعراض، ولقد وقع لي مع هذا الرجل أني كنت أقرأ ~~عليه فاعتراه ضيق نفس، وكنت لا أعلم إنكاره على هذه الطائفة فوقع في بعض ~~المجالس ذكر الشيخ عمر بن الفارض قدس الله سره فقيل له: ما تقول فيه؟ قال: ~~شاعر مفلق، فقيل له: فماذا بعد ذلك؟ قال: كافر، فأخذني من ذلك المقيم ~~المقعد ثم عدت إليه # PageV01P039 # لأقرأ وتوسمت توبته فرأيته مريضا بضيق النفس مرضا شديدا بحيث صار مشرفا ~~على زهوق نفسه، فقلت له: إن اعتقدت في ابن الفارض ضمنت لك أن الله يشفيك من ~~هذا المرض فقال لي: هذا له معي مدة من السنين، فقلت: وإن كان قال: أفعل ~~فخفف عنه ثم خف عنه، فمشيت معه يوما لأحسن عقيدته، فقال لي: أما ذات الرجل ~~فلا أحكم عليها بكفر، وأما كلامه ففيه ما هو كفر، فقلت: ظلم دون ظلم، ثم ~~تركت القراءة عليه، وصار ذلك المرض ملازمه لكن بخفة نسبية، ولقد كان بعض ~~تلامذة البقاعي أيضا وهو الشيخ العلامة نور الدين المحلي يقول: أما ذات ~~الرجل فلا أحكم عليها بكفر وأما كلامه ففيه ما هو كفر. فإن قلت من المنكرين ~~من نفع الله بعلمه. قلت: المنكرون على قسمين. قسم منهم لم يقصدوا بإنكارهم ~~محض النصيحة للمسلمين بل محض تعصب، ورأوا ذلك وغلب عليهم نوع من الحسد وحب ~~إبداء خلاف أهل العصر قصدا لتميزهم عليه بالأشياء الغريبة والاشتهار عنهم ~~أنهم ينكرون المنكر ولا يخافون أحدا، ونحو ذلك من الأغراض الفاسدة التي لم ~~يصحبها نوع إخلاص. ومنهم الشيخ البقاعي وعلاء الدين البخاري ومن ضاهاهما، ~~ولقد أدى البقاعي تعصبه إلى أن أنكر على حجة الإسلام الغزالي قوله: ليس في ~~الإمكان أبدع مما ms088 كان، وشنع بما أوغر منه الصدور حتى دخل ليسلم على بعض أهل ~~العلم فوجده في مكان خال فأخذ ذلك الرجل تاسومته وضرب بها البقاعي حتى أشرف ~~على التلف، وصار وهو يضربه يوبخه ويقول له: أنت المنكر على الغزالي أنت ~~القائل في حقه كذا وكذا حتى جاء الناس وخلصوه منه ولم ينتطح فيها شاتان، ~~وبعد ذلك قام عليه أهل عصره وعاندوه وصنفوا في الذب عن الغزالي والرد على ~~البقاعي كتبا عديدة. وحاصل الجواب عن كلام الغزالي المذكور: أن إرادة الله ~~سبحانه وتعالى لما تعلقت بإيجاد هذا العالم وأوجده وقضى ببقاء بعضه إلى ~~غاية، وببقاء بعضه الآخر لا إلى غاية وهو الجنة والنار كان ذلك مانعا من ~~تعلق القدرة الإلهية بإعدام جميع هذا العالم، لأن القدرة لا تتعلق إلا ~~بالممكن وإعدام ذلك غير ممكن لا لذاته بل لما تعلق به مما ذكرناه، ولما كان ~~إعدامه محالا لما قلناه كان إيجاده الأول على غاية الحكمة والإتقان وكان ~~أبدع ما يمكن أن يوجد لأنه لا يوجد غيره لما تقرر. والقسم الثاني: قوم ~~قصدوا بإنكارهم محض النصيحة للمسلمين، وذب هؤلاء الجهلة المتصوفة الذين ~~يشتغلون بمطالعة كتب ابن عربي وأتباعه مع خلوهم عن العلوم الرسمية والأحوال ~~الكشفية واتصافهم بالجهل المحض، ويتخذونها ديدنا حتى يفهموا منها غير ~~المراد، وهؤلاء الكفر أقرب إليهم من الإسلام، ولقد شاهدنا منهم جماعة ~~يأكلون في رمضان ويختلون في نهاره بالمرد في الحمام، ويفعلون ما هو أقبح من ~~ذلك ويقولون: نحن لا نشهد إلا الله، وهذه التحليلات والتحريمات إنما يخاطب ~~بها المحجوبون عن الله كهؤلاء الفقهاء المنكرين، وقوما يستبيحون أكل أموال ~~الناس ويقولون: الأشياء كلها مملوكة لله سبحانه ونحن من عبيده، وقوما ~~تلهيهم مطالعة كتبه عن الجماعة وأداء الفرائض في أوقاتها وغير ذلك، فهؤلاء ~~لا يمترى في سفههم وجهلهم ويجب زجرهم عن مطالعة كتب الشيخ، لا لنقص فيها بل ~~لنقص في هؤلاء، ولقد شافهني بعضهم بكثير مما قدمته، وبعضهم يقول: العالم ~~قديم والكفار لا يعذبون في جهنم. قلت: من أين لك هذا؟ فقال: ms089 صرح به الشيخ ~~محيي الدين بن عربي، فانظر كيف فهم عبارة الشيخ على ظاهرها وأعتقد ذلك، وما ~~درى الجاهل المغرور أن المراد بها غير ذلك كما صرح به الشيخ في بعض كتبه، ~~ولقد قال قدس الله سره ونور ضريحه: نحن قوم تحرم المطالعة في كتبنا إلا ~~لعارف باصطلاحنا، فانظر كيف هذا نص صريح من الشيخ بتحريم المطالعة على ~~هؤلاء الجهلة المغرورين المستهزئين بالدين، فالمنكرون إن قصدوا بالإنكار ~~المبالغة في زجر مثل هؤلاء فلا حرج عليهم، وهم في أمن من الشيخ وأتباعه، ~~لأنهم ساعون في غرض الشيخ من عدم مطالعة هؤلاء كتبه، ولقد بلغني عن بعض ~~المنكرين أنه قيل له: أترضى أن يكون خصمك يوم القيامة الشيخ محيي الدين بن ~~عربي وهو من أولياء الله تعالى؟ فقال: نعم، لأن الشيخ إن كان محقا فهو ~~ينكشف له أن إنكاري إنما كان لله فيفرح بذلك وإن كان مبطلا فالغلبة لي فأنا ~~آمن منه على كل تقدير، فتأمل كيف أنصف هذا مع أنه منحط عن درجة الكمال على ~~كل تقدير إذ التسليم أسلم، لكن أهل هذا القسم أحسن حالا من أهل القسم ~~الأول، ومن انتشر علمه من المنكرين علمنا أنه لم يكن من القسم الأول بل من ~~القسم الثاني، ويا عجبا # PageV01P040 # أيضا من المنكرين كيف يقرون الغزالي ويعرفون بحقيقة ما قاله من التعصب ~~للحلاج مع أنها صرائح لا يحتمل كثير منها التأويل القريب، ولا يؤولون كلام ~~الشيخ محيي الدين بن عربي، ليس ذلك إلا لما غلب عليهم من مزيد التعصب، نسأل ~~الله السلامة منه وأن يحشرنا تحت مواطىء أقدام هؤلاء الأئمة الأكابر ~~الأخيار بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وشرف وكرم. 40 وسئل رضي ~~الله عنه: كم عدد الذين آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم؟ فأجاب بقوله: ~~آخى بين سلمان وأبي الدرداء وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع ذكره ~~البخاري، وبين طلحة بن عبيد الله وأبي عبيدة ذكره مسلم. وفي السيرة قال ابن ~~إسحق: وآخى رسول الله صلى الله ms090 عليه وسلم بين أصحابه المهاجرين والأنصار. ~~قال فيما بلغنا ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل: (تآخوا في الله أخوين ~~أخوين ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه فقال: هذا ~~أخي) وكان حمزة وزيد بن حارثة أخوين، وجعفر بن أبي طالب ومعاذ بن جبل ~~أخوين، قال ابن هشام: وكان جعفر يومئذ غائبا بالحبشة. قال ابن إسحق، وكان ~~أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وخارجة بن زيد بن زهير أخوين وعمر ~~وعتبان بن مالك، وأبو عبيدة وسعد بن معاذ، وعبد الرحمن وسعد بن الربيع، ~~والزبير وسلامة أخو بني عبد الأشهل، ويقال بل الزبير وعبد الله بن مسعود، ~~وعثمان وأوس بن ثابت، وطلحة وكعب بن مالك، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ~~وأبي بن كعب، ومصعب بن عمير وأبو أيوب وخالد بن زيد، وأبو حذيفة وعباد بن ~~بشر، وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان، ويقال: بل ثابت بن قيس بن شماس، وأبو ~~ذر والمنذر بن عمرو، وحاطب بن أبي بلتعة وعويمر بن ساعدة، وسلمان الفارسي ~~وأبو الدرداء وعويمر بن ثعلبة، وبلال مولى أبي بكر وأبو رويحة. قال ابن ~~إسحق: فهؤلاء ممن سمى لنا ممن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بينهم ~~من الصحابة. 41 وسئل فسح الله في مدته: عن نفث الرجل على يديه ومسح وجهه ~~بهما بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأحيان هل هو بدعة ~~أو لا؟ فأجاب بقوله: النفث بعد الأدعية الواردة عند النوم سنة اتباعا له ~~صلى الله عليه وسلم كما بين ذلك النووي رحمه الله تعالى في أذكاره وغيره، ~~ومن المجمع عليه أن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم قبل الدعاء وعقبه سنة، ~~وورد ما يدل على خصوص طلب الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند النوم، فإذا ~~تقرر لك ذلك علمت منه أن النفث المذكور عقب الصلاة على النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد يكون سنة لكنه في الحقيقة ليس للصلاة ms091 وإنما هو للذكر المطلوب عند ~~النوم، والدليل لذلك أن الذكر لو انفرد يسن النفث كما ذكر، وإن انفردت ~~الصلاة لم يسن النفث فهو ليس لها في الحقيقة، ومن فعله عقب الصلاة عليه صلى ~~الله عليه وسلم وقد انفردت الصلاة أو في غير ذلك من المواضع التي لا يسن ~~النفث فيها فقد ارتكب ما لا يندب فينبغي له اجتنابه. 42 وسئل رضي الله عنه: ~~عن حكمة استعمال كرم الله وجهه في حق علي بن أبي طالب رضي الله عنه دون ~~غيره عوضا عن الترضي، وهل يستعمل ذلك لغيره من الصحابة؟ فأجاب بقوله: حكمة ~~ذلك أن عليا كرم الله وجهه ورضي عنه لم يسجد لصنم قط، فناسب أن يدعى له بما ~~هو مطالب لحاله من تكرمة الوجه، والمراد به حقيقته أو الكناية عن الذات أي ~~حفظه عن أن يتوجه لغير الله تعالى في عبادته، ويشاركه في ذلك أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه وكرم وجهه، فإنه لم يسجد لصنم أيضا كما حكي فناسب أن ~~يدعى له بذلك أيضا، وإنما كان استعمال ذلك في حق علي أكثر لأن عدم سجوده ~~أمر مجمع عليه لأنه أسلم وهو صبي مميز، وصح إسلامه حينئذ على خلاف مذهبنا ~~لأن الأحكام وقت إسلامه كانت منوطة بالتمييز، ثم بعد ذلك نسخ ذلك الأمر ~~وأنيطت بالبلوغ كما بينه البيهقي وغيره. فإن قلت: كثير من الصحابة رضي الله ~~عنهم لم يوجد منهم سجود لصنم كالعبادلة: ابن عباس وابن عمر وابن الزبير ~~وغيرهم ومع ذلك لا يقول الناس فيهم ذلك بل الترضي كغيرهم. قلت: هؤلاء ~~نظراؤهم إنما ولدوا بعد اضمحلال الشرك، وخمود نار الضلال والفتنة، فلم ~~يشابهوا ذينك الإمامين في تركهما أكبر فتن الشرك من السجود للصنم مع دعاية ~~أهله الناس لذلك، ومبالغتهم في إيذاء من ترك ذلك، وكان في الترك حينئذ مع ~~مخالفة الآباء والأقارب وتحمل المشاق التي لا تطلق من الدلالة على الصدق ما ~~ليس فيه بعد ظهور الإسلام وزهوق الضلال، فناسب # PageV01P041 # حالهما أن يميزا عن بقية الصحابة بهذه الخصوصية ms092 العظمى رضي الله تعالى ~~عنهما وكرم الله وجههما. 43 وسئل نفع الله بعلومه: عن قوله صلى الله عليه ~~وسلم: (إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي ~~فيه ولا الجافي عنه، وإكرام السلطان المقسط) . هل المراد من قوله: (غير ~~الغالي فيه) أن يبذل جهده في قراءته من غير تدبر وتفكر. ومن قوله: (ولا ~~الجافي عنه) هو أن يترك قراءته ويشتغل بتفسيره وتأويله؟ أو ما في بعض حواشي ~~المصابيح: أن الغالي الذي يجاوز الحد في قراءة القرآن لأن مما أمر الله به ~~القصد في الأمور وخير الأمور أوساطها. وكلا الطرفين قصد الأمور ذميم انتهى. ~~فإن قلتم بهذا المعنى فهل بين هذا الحديث وبين قوله صلى الله عليه وسلم: ~~(لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل ~~وأطراف النهار) الحديث: تناقض أو لا؟ وعن قوله صلى الله عليه وسلم: (من مسح ~~رأس يتيم كان له بكل شعرة تمر عليه يده حسنات) هل المراد بالمسح حقيقته أو ~~الكناية عن الشفقة عليه والتلطف به؟ فإن قلتم كناية فما المراد من قوله: ~~(كان له بكل شعرة تمر عليها يده حسنات) . فأجاب بقوله: المراد بالغالي فيه ~~المتجاوز لما فيه من الحدود والأحكام الاعتقادية والعملية والآداب والأخلاق ~~الظاهرة والباطنة وغير ذلك من سائر الكمالات التي حث القرآن عليها، فمن حفظ ~~ألفاظه وتجاوز شيئا من هذه المذكورات كان غير مستحق للإكرام والتعظيم بحسب ~~ما ارتكبه بمعنى أنه يؤاخذ ويذم عليه من حيث إرتكابه لذلك، وإن كان يستحق ~~الإكرام والتعظيم من جهات أخر لكونه مسلما أو حافظا للقرآن أو نحو ذلك، ~~فليس المراد نفي التعظيم له مطلقا بل بالاعتبار الذي ذكرته فتأمله. والمراد ~~(بالجافي عنه) من لا يخضع لما فيه من الآيات الباهرة والأدلة المتكاثرة ولا ~~يتأمل ما اشتمل عليه نظمه من بدائع المعاني وإحكام المباني بل يمره بلسانه ~~مع قساوة قلبه وجفاوة لبه فهو كحمار الرحى وثور الحراثة والإستقاء، ولسنا ~~متعبدين بمجرد حفظه، وإنما المقصود الأعظم بإنزاله والتعبد ms093 بحفظ ألفاظه هو ~~هداية القلوب ورجوعها بالاستكانة والخضوع إلى علام الغيوب وتنزهها عن كل ~~خلق ذميم وعمل رميم، فمن ظفر بذلك مع حفظه فقد ظفر بالكنز الأعظم، ومن ظفر ~~بالأول فقط فهو آخذ من الكمال بما يستحق بسببه أن يكرم ويعظم، ومن قنع بحفظ ~~الألفاظ وخلا عن تلك المعاني بأن غلا أو تجافى فهو بعيد عن الكمال غير ~~مستحق أن يبلغ به مبالغ الكمل من الرجال فهذا والله أعلم بمراد نبيه صلى ~~الله عليه وسلم هو المراد من هذا الحديث، ويؤيد ما ذكرته. حديث أحمد وأبي ~~يعلى والطبراني والبيهقي (اقرءوا القرآن واعملوا به ولا تجفوا عنه ولا ~~تغلوا فيه ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به) . وأما ما ذكره السائل من عنده ~~فبعيد من اللفظ والمعنى، وما نقله عن بعض حواشي المصابيح فهو كلام يجب ~~الإعراض عن ظاهره لمنابذته للسنة الغراء. فقال قال صلى الله عليه وسلم: ~~(أعبد الناس أكثرهم تلاوة للقرآن) رواه الديلمي. وقال: (أفضل العبادة قراءة ~~القرآن) رواه ابن قانع. وقال: (أفضل عبادة أمتي تلاوة القرآن) رواه ~~البيهقي. وروى الطبراني في (الأوسط) أنه صلى الله عليه وسلم قال: (القرآن ~~ألف ألف حرف وخمسة وعشرون ألف ألف حرف، قمن قرأه صابرا محتسبا كان له بكل ~~حرف زوجة من الحور العين) . وروى النحاس والسجزي والخطيب أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال: (اقرءوا القرآن فإنكم تؤجرون عليه أما إني لا أقول ألم حرف ولكن ~~ألف عشر ولام عشر وميم عشر فتلك ثلاثون) رواه الترمذي والحاكم وغيرهما. ~~وروى أبو داود والترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال: (أحب العمل إلى الله ~~الحال المرتحل الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره، ومن آخره إلى أوله كلما ~~حل ارتحل) . وفي حديث عند أحمد والطبراني (اقرأ القرآن في ثلاث إن استطعت) ~~. ولمنابذة ذلك أيضا لما هو معروف من أحوال السلف رضوان الله عليهم، فإن ~~أكثرهم كانوا يختمون القرآن في كل سبع ليال مرة، وكان كثيرون يختمون في كل ~~يوم وليلة ختمة، وختم جماعة في كل يوم ms094 وليلة ختمتين، وآخرون في كل يوم ~~وليلة ثلاث ختمات، وختم بعضهم في اليوم والليلة ثمان ختمات أربعا بالليل ~~وأربعا بالنهار. وقال النووي بعد ذكره لذلك: وممن ختم أربع ختمات في الليل ~~وأربعا في النهار السيد الجليل ابن الكاتب الصوفي رضي الله عنه وهذا أكثر ~~ما بلغنا في اليوم والليل، وروى السيد الجليل أحمد الدورقي بإسناده عن ~~منصور بن زاذان بن عباد من التابعين رضي الله عنهم، أنه كان يختم القرآن ~~فيما بين الظهر والعصر ويختمه أيضا فيما بين المغرب # PageV01P042 # والعشاء. وروى ابن أبي داود بإسناده الصحيح: أن مجاهدا رحمه الله كان ~~يختم القرآن في رمضان فيما بين المغرب والعشاء. وأما الذين ختموا القرآن في ~~ركعة فلا يحصون لكثرتهم فمنهم عثمان بن عفان رضي الله عنه، وتميم الداري، ~~وسعيد بن جبير رضي الله عنهما. والمختار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص فمن ~~كان لا يظهر له دقيق المعاني ولطائف المعارف إلا بالقدر اليسير اقتصر عليه، ~~وكذا من كان مشغولا بما هو أهم من الإستكثار، كنشر العلم ومن ليس كذلك ~~فليكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل والهذرمة، وقد كره جماعة من ~~المتقدمين الختم في كل ليلة ويوم للخبر الصحيح (لا يفقه من قرأ القرآن في ~~أقل من ثلاث) . هذا حاصل كلام النووي رحمه الله، وهو يرد ما يوهمه ما ذكر ~~من تلك الحواشي من ذم الإكثار والإفراط من القراءة مطلقا، وليس كما زعم إن ~~أراد ذلك، وإنما الذم خاص بمن يحصل له ملل أو عدم تدبر أو هذرمة بخلاف من ~~لا يحصل له شيء من ذلك، ولا هو مشغول بالأهم، فينبغي له أن يستفرغ وسعه ~~ويبذل جهده في الإكثار من قراءة القرآن فإنه أفضل من سائر الأذكار ما عدا ~~التي لها وقت أو حال مخصوص. وقد كان الشافعي رضي الله عنه مع ما هو عليه من ~~الاشتغال بتلك العلوم الباهرة والمعالي الظاهرة والكمالات المتكاثرة يختم ~~في غير رمضان في كل يوم وليلة ختمة، وفي رمضان ختمة في الليل وختمة في ms095 ~~النهار، وهذا مع ما كان به من الأمراض الكثيرة الخطرة حتى كان يقول رضي ~~الله عنه وأرضاه فيما بين صدري وسرتي تسعة أمراض مخوفة كل منها لو انفرد ~~كان قاتلا، فتأمل سيرة السلف وما كانوا عليه وأعرض عن كلمات تصدر ممن لم ~~يختبر أخبارهم ولا ذاق معارفهم، وإنما يتكلم بحسب رأيه القاصر وفهمه ~~الفاتر، ظنا منه أن العلوم النقلية والمعارف والأحوال الذوقية تدرك بمجرد ~~الحدس والفكر من غير الاقتداء بآثارهم، والاهتداء بمنارهم، حاشا وكلا لا ~~يظفر بشيء من معارفهم إلا من علم آثارهم، واقتفى أخبارهم، وامتلأ من السنة، ~~وعظمت عليه بواسطة استغراقه في معاليهم المنة حقق الله لنا حسن الاقتداء ~~بهم والاتباع لآرائهم ومعاليهم إنه جواد كريم رؤوف رحيم. والمراد من المسح ~~في الحديث الثاني حقيقته كما بينه آخر الحديث وهو (من مسح رأس يتيم لم ~~يمسحه إلا لله كان له بكل شعرة تمر عليها يده عشر حسنات ومن أحسن إلى يتيمة ~~أو يتيم عنده كنت أنا وهو في الجنة كهاتين وقرن بين أصبعيه) . وخص الرأس ~~بذلك لأن في المسح عليه تعظيما لصاحبه وشفقة عليه ومحبة له وجبرا لخاطره، ~~وهذه كلها مع اليتيم تقتضي هذا الثوب الجزيل، وأما جعل ذلك كناية عن ~~الإحسان فهو غير محتاج إليه لأن ثواب الإحسان الذي هو أعلى وأجل قد ذكر ~~بعده وأين القرب منه صلى الله عليه وسلم في الجنة حتى يكونا كالأصبعين من ~~إعطاء حسنات بعدد شعر الرأس، فشتان ما بينهما إذ الأول أكمل وأعظم وعلى ~~التنزل وأنه أريد بذلك الكناية المذكورة فيكون قوله (كان له) إلخ كناية عن ~~عظيم الجزاء، وأنه لعظمته لو وجد في الخارج لكان أكثر من عدد شعر الرأس ~~بكثير، فيكون التجوز والكناية في الطرفين طرف الفعل وطرف الجزاء عليه ~~والكناية وإن كانت أبلغ من الحقيقة إلا أن محل الحمل عليها حيث لم يمنع ~~منها مانع، وقد علمت أن آخر الحديث يعين الحمل على الحقيقة لإفادته أن ما ~~بعده يكون تأسيسا، وهو خير من التأكيد اللازم للحمل على الكناية ms096 فافهم ذلك ~~وتأمله. ثم رأيت أحاديث صريحة بأن المراد بالمسح حقيقته. منها حديث عند ~~الخطيب وابن عساكر وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (امسح رأس اليتيم هكذا إلى ~~مقدم رأسه من له أب هكذا إلى مؤخر رأسه) . وروى البخاري في التاريخ أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: (الصبي الذي له أب يمسح رأسه إلى خلف، واليتيم يمسح ~~رأسه إلى قدام) . وروى البيهقي أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إن أردت أن ~~يلين قلبك فأطعم المسكين وامسح رأس اليتيم) . 44 وسئل نفع الله بعلومه: عن ~~الملائكة صلوات الله وسلامه عليهم هل خلقوا دفعة واحدة أو يخلقون تارات لما ~~في بعض الروايات: (أن الله يخلق بكل قطرة ملكا) ؟ وهل يولد الشياطين ~~ويموتون كبني آدم أو يولدون ولا يموتون إلى يوم القيامة؟ وهل الأفضل في ~~الذكر ذكر لا إله إلا الله أو ذكر الجلالة فقط؟ وهل الأفضل في الذكر اللسان ~~مع حضور القلب أو الذكر الخفي فما وجهه وهل المراد به ما هو بالنفس أو ما ~~يشمله والملفوظ باللسان من غير إسماع نفسه؟ وما معنى ما قيل تفكر ساعة خير ~~من عبادة سنة هل المراد بالتفكر ذكر الله أو ذكر عظمته أو في استخراج ~~العلوم أو المراقبة # PageV01P043 # أو التفكر في المعاملة التي بين العبد وربه؟ وهل تشمل العبادة التي ذكرت ~~في مقابلة التفكر الأذكار والصلوات كالنوافل، وحينئذ فما وجه تفضيل الفكر ~~عليها مع ورود الأخبار فيها؟ وهل رفع الصوت بقراءة الأوراد بعد الصلوات ~~أولى من إسماع نفسه سواء السالكون وغيرهم كالجماعة المنسوبين إلى السيد علي ~~الهمداني فإنهم يقرءون أوراده جهرا كما هو معتاد المشايخ، أو يفرق بين ما ~~إذا كان هناك مصل أو نائم أولا؟ وهل يجوز أخذ اليد المعهودة بين الصوفية من ~~مشايخ متعددة سواء مات الأول أو انتفع به أو لا؟ وهل هي التوبة أو توبة ~~مقرونة بالتحكيم؟ وهل هما شيء واحد أو لا؟ فأجاب نفع الله بعلومه وبركته، ~~بقوله: ظاهر السنة أن الملائكة لم يخلقوا دفعة واحدة. فقد أخرج عبد ms097 الرزاق ~~بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال: (قلت: يا رسول ~~الله بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شيء خلقه الله قبل الأشياء؟ قال: يا جابر ~~إن الله خلق قبل الأشياء نور نبيك محمد صلى الله عليه وسلم من نوره فجعل ~~ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله، ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ~~ولا جنة ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا إنس ولا جن، ~~فلما أراد الله تعالى أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء: فخلق من ~~الجزء الأول القلم، ومن الثاني اللوح، ومن الثالث العرش، ثم قسم الجزء ~~الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الأول حملة العرش، ومن الثاني الكرسي، ومن ~~الثالث باقي الملائكة ثم قسم الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الأول نور أبصار ~~المؤمنين، ومن الثاني نور قلوبهم وهي المعرفة بالله ومن الثالث نور أنسهم ~~وهو التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم) . الحديث، ~~فتأمله تجده ظاهرا أو صريحا في خلق حملة العرش قبل خلق بقية الملائكة. ~~وأخرج ابن جريج وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن أبي العالية قال: إن ~~الله تعالى خلق الملأ الأعلى الملائكة يوم الأربعاء وخلق الجن يوم الخميس ~~وخلق آدم يوم الجمعة. وأخرج أبو الشيخ أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إن لله ~~تعالى في الجنة نهرا يدخله جبريل فينفض قطرا فيخلق الله من كل قطرة تقطر ~~منه ملكا) . وأخرج أيضا عن وهب بن منبه قال: إن لله نهرا في الهواء يسع ~~الأرضين كلها سبع مرات، فينزل على ذلك النهر ملك من السماء فيملؤه ويسد ما ~~بين أطرافه ثم يغتسل منه فإذا خرج منه قطر منه قطرات من نور فيخلق الله من ~~كل قطرة منها ملكا يسبح الله بجميع تسبيح الخلائق كلهم. وأخرج أيضا عن كعب ~~قال: لا تقطر عين ملك منهم إلا كانت ملكا يطير من خشية الله وأخرج أيضا عن ~~العلاء ms098 بن هارون قال: لجبريل كل يوم انغماس في الكوثر ثم ينتفض فكل قطرة ~~يخلق منها ملك. وأخرج أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ليس من خلق الله ~~أكثر من الملائكة ما من شيء ينبت إلا وملك موكل به) . وأخرج أيضا عن الحاكم ~~قال: بلغني أنه ينزل مع المطر من الملائكة أكثر من ولد آدم وولد إبليس ~~يحصون كل قطرة وأين تقع ومن يرزق ذلك النبات. وأخرج ابن المنذر عن عبد الله ~~بن عمر رضي الله عنهما يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~(الملائكة عشرة أجزاء: تسعة أجزاء الكروبيون الذي يسبحون الليل والنهار لا ~~يفترون، وقد وكلوا بخزانة كل شيء وما من السماء موضع إلا فيه ملك ساجد، أو ~~ملك راكع، وإن الحرم بحيال العرش؛ وإن البيت المعمور بحيال الكعبة لو سقط ~~لسقط عليها يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه) . وأخرج أبو ~~الشيخ والبيهقي والخطيب وابن عساكر أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إن لله ~~ملائكة ترعد فرائضهم من مخافته ما منهم ملك تقطر من عينه دمعة إلا وقعت ~~ملكا قائما يسبح، وملائكة سجودا منذ خلق الله السماوات والأرض لم يرفعوا ~~رؤوسهم ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، وملائكة ركوعا لم يرفعوا رؤوسهم ولا ~~يرفعونها إلى يوم القيامة، وصفوفا لم ينصرفوا عن مصافهم ولا ينصرفون عنها ~~إلى يوم القيامة فإذا كان يوم القيامة تجلى لهم ربهم عز وجل فينظرون إليه ~~وقالوا: سبحانك ما عبدناك كما ينبغي لك) . وأخرج أبو الشيخ عن وهب قال: ~~هؤلاء الأربعة أملاك جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت أول من خلقهم الله ~~تعالى من الخلق وآخر من يميتهم وأول من يحييهم هؤلاء المدبرات أمرا ~~والمقسمات أمرا. فهذه الأحاديث والآثار كلها ظاهرة أو صريحة في أن الملائكة ~~لم يخلقوا دفعة بل دفعات. وهنا فوائد لا بأس بالإشارة لشيء # PageV01P044 # منها. فمنها: أن في (منهاج الحليمي) و (شعب البيهقي) و (ابتهاج القونوي) ~~حكاية قول إن الملائكة من الجن وأنهم خيارهم لقوله تعالى: {وجعلوا ms099 بينه ~~وبين الجنة نسبا} [الصافات: 158] أي قالوا الملائكة بنات الله: (تعالى الله ~~عن ذلك علوا كبيرا) وقوله تعالى: {خلقنا الإنسان من صلصال} [الحجر: 26] ~~الآية، فلم يذكر قسما ثالثا، ويرد بأن الملائكة قد يسمون جنة لاستتارهم، ~~ومما يصرح بتغايرهم قوله تعالى: {إلا إبليس كان من الجن} [الكهف: 50] ولم ~~يذكر في آية الرحمان لأنها لبيان ما ركب من خلق متقدم، والملائكة ليسوا ~~كذلك لأنهم مخترعون قال الله تعالى لهم: كونوا فكانوا كما قال للأصل الذي ~~خلق منه الجن والأصل الذي خلق منه الإنس وهو التراب والماء والنار والهواء ~~كن فكان فالملائكة في الاختراع كأصول الإنس والجن لا كأعيانهما، فلذا لم ~~يذكروا معهم، قال البيهقي: وأبين من هذا كله في أن الملائكة صنف غير صنف ~~الجن. حديث مسلم: (خلقت الملائكة من نور وخلقت الجان من مارج من نار وخلق ~~آدم مما وصف لكم) . قال: ففي فصله بينهما في الذكر دليل على أنه أراد نورا ~~آخر غير نور النار، واستدل الثلاثة المذكورون على تباينهما بقوله تعالى: ~~{ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهاؤلاء إياكم كانوا يعبدون} [سبأ: 40 ~~/ 41] . ومنها: قال: هؤلاء الثلاثة أيضا الملائكة يسمون الروحانيين بضم ~~الراء وفتحها، فالضم لأنهم أرواح ليس معها ماء ولا نار ولا تراب، ومن قال ~~هذا قال: الروح جوهر، وقد يجوز أن يؤلف الله أرواحا فيجسمها ويخلق منها ~~خلقا ناطقا عاقلا فتكون الروح مخترعا، والتجسم وضم النطق والعقل إليه حادثا ~~من بعد فيجوز أن تكون أجسادهم على ما هي عليه مخترعة كما اخترع عيسى وناقة ~~صالح، وأما الفتح فبمعنى أنهم ليسوا محصورين في الأبنية والظلل وإنما هم في ~~فسحة وبساطة. ومنها: قال الحسن وجمهور الفلاسفة وكثير من الجبريين: هم ~~مجبورون على الإيمان ولا يتصور منهم كفر. وقال عامة أهل السنة والجماعة: ~~إنهم مختارون عارفون قال تعالى: {ومن يقل منهم إنى إلاه من دونه فذالك ~~نجزيه جهنم} [الأنبياء: 29] فلو لم تتصور منهم مخالفة لم يؤاخذوا بذلك. ~~ومنها: أجمع المسلمون أنهم مؤمنون فضلاء، واتفق أئمة المسلمين أن الرسل ~~منهم إلى ms100 الأنبياء معصومون كالأنبياء، والأصح بل الصواب عصمة بقيتهم. وأما ~~ما وقع لهاروت وماروت كما صح عنه صلى الله عليه وسلم في شأنهما أنهما كانا ~~من الملائكة وأنهما افتتنا بالزهرة، وكانت أجمل نساء زمنها حتى زنيا بها ~~وشربا الخمر، وقتلا فمسخت كوكبا لأنهما علماها الاسم الأعظم الذي كانا ~~يرقيان به إلى السماء فرقيت إليها فمسخت هذا الكوكب المضيء المعروفة، فذلك ~~أمر خارق للعادة أوجده الله تعالى تأديبا للملائكة في قولهم. كما صح في ~~الحديث أيضا عند خلق آدم: {أتجعل فيها من يفسد فيها} [البقرة: 30] الآية، ~~فبين لهم تعالى أنه لو ركب فيهم ما ركب في الإنسان لأفسدوا أيضا فتعجبوا، ~~فأمرهم أن يختاروا ثلاثة منهم ففعلوا فاستقال واحد منهم فأقيل، ونزل هاروت ~~وماروت، فوقع لهما ما وقع تأديبا لبقية الملائكة وزجرا لهم عن أن يخوضوا ~~فيما لا علم لهم به، وهذا الذي ذكرته من الجواب عن هذه القصة من أنها أمر ~~خارق للعادة، وبهذه الحكمة التي ذكرتها يتبين به الرد على من أطال في إنكار ~~قصتهما حتى بالغ بعضهم وقال: إن من اعتقد ذلك فيهما كفر، وليس كما زعم لما ~~علمت من صحة الأحاديث بها، وأن ذلك الوقوع لتلك الحكمة لا يخل بعصمة ~~الملائكة من حيث هي ولا ينافيه شيء من الأدلة ولا من القواعد، فاحفظ ما ~~قررته وتأمله فإن الكلام قد كثر في هذا المحل وتعارضت فيه الآراء والظنون ~~وما ذكرته فيه هو الأوفق بالسنة وغير مناف للقواعد وإن لم أر من سبقني ~~إليه، وقيل لم يكونوا ملكين بل هما جنيان وإن كانا بين الملائكة فإن صح هذا ~~لم يحتج للجواب عن قصتهما كما أن إبليس لم يكن من الملائكة وإنما كان بينهم ~~وهو من الجن. ومنها: قال جماعة: من ينتقص ملكا أجمع على أنه من الملائكة أو ~~تواتر به الخبر قتل، كأن قال: هذا أقسى قلبا من مالك خازن النار، أو أوحش ~~من منكر ونكير إذا قاله في معرض النقص بالوحاشة والقساوة. ومنها: قال ~~جماعة: إن نبينا صلى الله عليه ms101 وسلم مبعوث إلى الملائكة أيضا، وقد بسطت ~~الكلام على ذلك وأنه الأصح في فتوى غير هذه. ومنها: ما ذكره السبكي في ~~حلبياته أن الجماعة تحصل بهم كالآدميين ونقله عن فتاوي الحناطي وبسطت ~~الكلام فيه في (شرح الإرشاد) . ومنها: قال ابن الصلاح في (فتاويه) : ورد أن ~~الملائكة لم يعطوا فضيلة قراءة القرآن فهي حريصة لذلك على استماعه من # PageV01P045 # الإنس، وقد ذكرت ذلك بما فيه في (شرح العباب) في باب الأحداث. ومنها ~~سيأتي الكلام على تشكل الجني في الصور المختلفة ومثله الملك في ذلك. وقال ~~إمام الحرمين: مجيء جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم في صفة رجل معناه أن ~~الله تعالى أفنى الزائد من خلقه وأزاله عنه ثم يعيده إليه بعد. وقال ابن ~~عبد السلام: إذا أتى في صورة دحية فأين روحه أفي هذا الجسد أم في الجسد ~~الأصلي الذي له ستمائة جناح، فإن كان في هذا فليس الآتي بروح جبريل ولا ~~جسده، وإن كان في الجسد الذي كان كدحية فهل مات جسده الأصلي كما تموت ~~الأجساد بمفارقة الأرواح؟ قلت لا يبعد أن يكون انتقالها من الجسد الأصلي ~~غير موجب لموته، لأن موت الجسد بمفارقة الروح ليس بواجب عقلا فيجوز بقاؤه ~~حيا لا ينقض من أعماله شيء، وانتقال روحه إلى الجسد الثاني كانتقال أرواح ~~الشهداء إلى أجواف الطيور الخضر انتهى. وقال السراج البلقيني: يجوز أن يكون ~~الآتي هو جبريل بشكله الأصلي إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل ثم يعود ~~إلى هيئته كالقطن إذا جمع بعد أن كانت منتفشا فإنه بالنفش تحصل له صورة ~~كبيرة وذاته لم تتغير انتهى. وقال العلامة القونوي (شارح الحاوي) في تشكل ~~جبريل رجلا: في الممكن أن يخص الله بعض عباده في حياته بخاصة لنفسه الملكية ~~القدسية وقوة لها بقدرتها على التصرف في بدنها الآخر غير بدنها المعهود مع ~~استمرار تصرفها في الأول. وقيل: سميت الأبدال أبدالا لأنهم قد يرحلون لمكان ~~ويخلفون في مكانهم الأول شبحا آخر شبيها بشبحهم الأصلي بدلا عنه، وقد أثبت ~~الصوفية عالما متوسطا ms102 بين عالمي الأجساد والأرواح سموه عالم المثال، وقالوا ~~هو ألطف من عالم الأجساد وأكثف من عالم الأرواح، وبنوا على ذلك تجسد ~~الأرواح وظهورها في صور مختلفة من عالم المثال، وقد يستأنس لذلك بقوله ~~تعالى: {لا يفترون} [الأنبياء: 20] أنهم لا ينامون وهو منقول في كلام ~~الفخر. ومنها: قال بعض الحنفية: يحشر ملك الموت مع الناس ولا يخافون منه ~~لأن الله تعالى أمنهم منه بقوله: ادخلوها بسلامءامنين} [الحجر: 46] أي من ~~الموت والزوال وقوله: {لا يذوقون فيها الموت} [الدخان: 56] وبقية الملائكة ~~يكونون في الجنة لكن بعضهم يطوفون حول العرش يسبحون بحمد ربهم، وبعضهم ~~يبلغون السلام من الله على المؤمنين كما قال تعالى: {جنات عدن يدخلونها ومن ~~صلح منءابائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب [الرعد: ~~23 24] الآية، وقد ذكر جمع من الحنفية أنهم لا يرون ربهم والأرجح خلافه كما ~~يأتي. ومنها: أخرج جماعة عن أبي مجلز في قوله تعالى: {إذ قالت الملائكة ~~يامريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا ~~والأخرة ومن المقربين} [الأعراف: 45] قال: من الملائكة. قيل: أنه تعالى ~~قال: {رجال} وأنت تقول الملائكة؟ قال: إنهم ذكور ليسوا بإناث، ولما حكاه ~~الحليمي استبعده لأن الرجال اسم لذكور العقلاء والملائكة لا ينقسمون إلى ~~ذكور وإناث، وبأن إخباره تعالى عنهم أنهم يطمعون أن يدخلوا الجنة فتعين ~~أنهم ليسوا ملائكة، إذ الملائكة لا يحجبون عنها لما في الحجب عنها من نوع ~~تعذيب ولا عذاب يومئذ على ملك انتهى، وتبعه # PageV01P046 # القونوي في اختصاره لمنهاجه قال: والجن كالإنس في السؤال والحساب ودخول ~~الجنة والنار، ويحتمل أن لا يتخالطا في الجنة لما بينهما من التضاد. وأما ~~الملائكة فالأشبه أنهم لا يكتب لهم عمل ولا يحاسبون إذ لا سيئات لهم فهم ~~كبشر لا سيئات له. قيل: ولا يثابون لرفع التكليف عنهم لأنهم ليسوا من أهل ~~المطاعم والمشارب والمناكح حتى يوردوا موارد بني آدم من الجنة، ويحتمل أن ~~لهم مع ذلك نعمة أخرى أعدت لهم ولا تبلغها عقولنا فإنه تعالى يقول: (أعددت ms103 ~~لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) قال: ~~وأما طي السماء فيحتمل أن يطويها الملائكة إذا وهت وانشقت طيا شديدا كما ~~يطوى السجل المكتوب فيه الحكم المبرم مبالغة في صيانته عن أن ينشر، ولذلك ~~قال تعالى: {بيمينه} لإشعار اليمين بالقوة فضرب مثلا بشدة الطي، وكلما طويت ~~سماء نزلت ملائكتها إلى الأرض ويراهم الناس حينئذ كما في سورة الفرقان. ~~ومنها: أن الحفظة لا يفارقوننا إلا عند الخلاء والجماع والغسل كما في حديث ~~وفي حديث آخر: (أن مجلس الحافظين من الإنسان أقصى أضراسه) . وفي أخرى: ~~(أنقوا أفواهكم بالخلال فإنه مجلس الملكين الكريمين الحافظين وإن مدادهما ~~الريق وقلمهما اللسان) ومن ثم قال: (لسان الإنسان قلم الملك وريقه مداده) ~~قيل: ولم يرد خبر ولا أثر على ماذا يكتبون، وإنما قدر منكر ونكير على ~~مخاطبة الموتى المتعددين في الوقت الواحد والأماكن المتباعدة لعظم جثتهما ~~فيتخيل لكل أن المخاطب هو دون غيره، واختار الحليمي تعدد ملائكة السؤال ~~وتسميتهم بذلك ويرسل لكل واحد اثنان كما في كتابة أعماله. ومنها: ذكر ~~الغزالي وآخرون: أن رؤية الملائكة ممكنة الآن كرامة يكرم الله بها من ~~أوليائه من شاء، ووقع ذلك لجماعة من الصحابة. ولما رأى ابن عباس جبريل قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: (لن يراه خلق إلا عمي إلا أن يكون نبيا، ولكن ~~يكون ذلك آخر عمرك) رواه الحاكم وكذا رأته عائشة رضي الله عنها وزيد بن ~~أرقم وخلق لما جاء يسأل عن الإيمان، ولم يعموا لأن الظاهر أن المراد من رآه ~~منفردا به كرامة له وبالنفخ في الصور يموتون إلا حملة العرش وجبريل ~~وإسرافيل وميكائيل وملك الموت ثم يموتون أثر ذلك، قال وهب: هؤلاء الأربعة ~~أول من خلقهم الله من الخلق وآخر من يميتهم وأول من يحييهم. قال الجلال ~~السيوطي شكر الله سعيه: ولم أقف على شيء أن أرواحهم بعد الموت تكون فيماذا، ~~والظاهر أنهم يدخلون في الشفاعة العظمى لقوله صلى الله عليه وسلم: (وأخرت ~~الثالثة ليوم ترغب إلي فيه الخلق ms104 حتى إبراهيم) ويكونون مع بني آدم حين ~~القيام لرب العالمين، وورد أنهم في الموقف يحيطون بالإنس والجن وجميع ~~الخلائق. ومر عن الحليمي أنهم لا يحاسبون، ولايكتب لهم عمل، وهو يقتضي أن ~~أعمالهم لا توزن لأن الوزن فرع عن الحساب، وعن كتابة الأعمال فإن الصحف هي ~~التي توضع في الميزان، ويشفعون في عصاة بني آدم كالعلماء والصلحاء قال ~~تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء: 28] {وكم من ملك فى السماوات ~~لا تغنى شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشآء ويرضى} [النجم: 26] ~~ويراهم المؤمنون في الجنة وأفضلهم جبريل وإسرافيل، وتعارضت الأحاديث في ~~أفضلهما وأكثرها يدل على أفضلية إسرافيل، وأطلق الفخر الرازي بأنهم رسل ~~الله وأجاب عن قوله تعالى: {الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس} ~~[الحجر: 75] بأن من للتبيين لا للتبعيض، وفي كلام جماعة غيره: أن منهم رسلا ~~وغيرهم وأعلاهم درجة حملة العرش فالحافون حوله فأكابرهم جبريل وميكائيل ~~وإسرافيل وعزرائيل فملائكة الجنة والنار فالموكلون بيني آدم فالموكلون ~~بأطراف هذا العالم كذا ذكره الفخر الرازي، ويرد تأخير جبريل ومن معه عن ذكر ~~ومعه ناس على أنه صرح في (تفسيره) الكبير بأن جبريل وميكائيل وإسرافيل أشرف ~~الملائكة، وأن جبريل أفضل من ميكائيل لقوله تعالى: {وجبريل وميكال} ~~[البقرة: 98] ولأنه مظهر الخيرات النفسانية وهي أفضل من الخيرات الجسمانية ~~لأن جبريل صاحب الوحي إلى الأنبياء بالعلم وميكائيل صاحب الأرزاق هذا ما ~~يتعلق بالملائكة. وأما ما يتعلق بالجن فلا بأس ببسط الكلام عليه فنقول: جاء ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن الله تعالى لما خلق أبا الجن سموما من ~~مارج من نار، قال له تمن علي قال أتمنى أن نرى ولا نرى وأن نغيب في الثرى ~~ويصير كهلنا شابا فأعطى ذلك) فهم يرون ولا يرون وإذا ماتوا غيبوا في الثرى ~~ولا يموت كهلهم حتى يعود شابا يعني مثل الصبي ثم يرد إلا أرذل العمر، ودل ~~القرآن والسنة على أن أصل الجن النار وإنما أحرقتهم الشهب مع ذلك لأن ~~إضافتهم إلى # PageV01P047 # النار كإضافة الإنسان إلى ms105 التراب والطين والفخار إذ المراد أصله الطين لا ~~أنه طين حقيقة وكذلك الجان كان نارا في الأصل لا أنه نار حقيقة للحديث ~~الصحيح: (عرض لي الشيطان في صلاتي فخنقته فوجدت برد ريقه على يدي) ومن هو ~~نار محرقة كيف يحس ببرد ريقه إذ لا ريق له أصلا فضلا عن كونه باردا، وقد ~~شبههم النبي صلى الله عليه وسلم بالنبط، فلولا أنهم على أشكال وصور ليست ~~نارا لما ذكر الصور وترك الالتهاب والشرر. وقال الباقلاني: لسنا ننكر مع ~~كون أصلهم النار أن الله تعالى يكثف أجسامهم ويغلظها ويخلق لهم أعراضا تزيد ~~على ما في النار فيخرجون عن كونهم نارا ويخلق لهم صورا وأشكالا مختلفة. ~~وقال القاضي أبو يعلى الفراء: الجن أجسام مؤلفة وأشخاص ممثلة ويجوز كونها ~~كثيفة ورقيقة خلافا لزعم المعتزلة رقتها ولذلك لا نراها. وقال الباقلاني: ~~إنما رآهم من رآهم لأنهم أجساد مؤلفة وجثث، وفي حديث عند مسلم: (خلقت ~~الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم) . وأخرج ~~ابن أبي الدنيا والحكيم الترمذي وأبو الشيخ وابن مردويه أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال: (خلق الله الجن ثلاثة أصناف: صنف حيات وعقارب وخشاش الأرض، وصنف ~~كالريح في الهواء، وصنف عليهم الحساب والعقاب) . قال السهيلي: ولعل الصنف ~~الثاني هو الذي لا يأكل ولايشرب إن صح أن الجن لا تأكل ولا تشرب. وأخرج ~~كثيرون أنه صلى الله عليه وسلم قال: (الجن ثلاثة أصناف: فصنف لهم أجنحة ~~يطيرون بها في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون) . قال ~~السهيلي: هذا الأخير هم السعالى. قال القاضي أبو يعلى: ولا طريق للشياطين ~~على التنقل في الصور المختلفة وكذا الملائكة إلا بأن يعلمه الله قولا أو ~~فعلا إذا أتى به نقله من صورة إلى صورة أخرى لأن تصويره بنفسه محال، لأن ~~انتقاله من صورة إلى صورة أخرى إنما يكون بنقض البنية وتفريق الأجزاء، وإذا ~~انتقضت بطلت الحياة واستحال وقوع الفعل من الجماد، وكيف تنتقل بنفسها، وعلى ~~هذا يحمل ما جاء أن ms106 إبليس تصور في صورة سراقة وجبريل تمثل في صورة دحية، ~~ولما ذكر عند عمر الغيلان قال: إن أحدا لا يستطيع أن يتغير عن صورته التي ~~خلقه الله عليها، ولكن لهم سحرة كسحرتكم فإذا رأيتم من ذلك شيئا فأذنوا. ~~وفي حديث أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الغيلان فقال: (هم سحرة الجن) قال ~~القاضي أبو يعلى: الجن يأكلون ويشربون ويتناكحون كما يفعل الإنس. وظاهر ~~العمومات أن جميع الجن كذلك وهو رأي قوم، ثم اختلفوا فقال بعضهم: أكلهم ~~وشربهم شم واسترواح لا مضغ وبلع، وهذا لا دليل عليه. وقال أكثرهم: بل مضغ ~~وبلع، وذهب قوم إلى أن جميع الجن لا يأكلون ولا يشربون وهذا ساقط لا وكيل ~~عليه، وذهب قوم إلى أن صنفا منهم يأكلون ويشربون وصنفا لا يأكلون ولا ~~يشربون. وأخرج ابن جريج عن وهب أنه قال: إنهم أجناس فأما خالصهم فهم ريح لا ~~يأكلون ولا يشربون ولا يموتون ولا يتوالدون، ومنهم أجناس يأكلون ويشربون ~~ويتناكحون ويموتون وهي هذه التي منها السعالى والغول وأشباه ذلك. وأخرج ~~أحمد ومسلم والترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه: (أنه صلى الله عليه وسلم ~~لم يصحبه أحد ليلة الجن، وإنما افتقدوه ذات ليلة فباتوا بشر ليلة، فلما ~~أصبحوا فإذا به هو يجيء من قبل حراء، فذكروا له ما كانوا فيه فقال: أتاني ~~داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن، فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار ~~نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله تعالى عليه) وكانوا ~~من جن الجزيرة. ولفظ الترمذي: (لم يذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ~~ما يكون لحما وكل بعرة علفا لدوابكم. قال صلى الله عليه وسلم: فلا تستنجوا ~~بهما فإنهما طعام إخوانكم الجن) وجمع بين الروايتين بأن الأولى في حق ~~المؤمنين والثانية في حق غيرهم. قال السهيلي: وهذا قول صحيح تعضده ~~الأحاديث. وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن وفد جن نصيبين أتوه ~~صلى الله عليه وسلم) أي مرة أخرى لكن بالمدينة، وسيأتي أنهم أتوه ms107 بمكة ~~أيضا: (فسألوه الزاد فدعا الله لهم أن لا يمروا بعظم وإلا وجدوا عليه ~~طعاما) . وأخرج أبو نعيم عن ابن مسعود رضي الله عنه (أنه صلى الله عليه ~~وسلم خرج قبل الهجرة إلى نواحي مكة. قال: فخط لي خطا وقال: لا تحدثن حتى ~~آتيك، ثم قال: لا يريعنك أو لا يهولنك شيء نزل، فتقدم شيئا ثم جلس، فإذا ~~رجال سود كأنهم رجال الزط، وكانوا كما قال الله تعالى: {كادوا يكونون عليه} ~~[الجن: 19] # PageV01P048 # ثم إنهم تفرقوا عنه فسمعتهم يقولون: يا رسول الله شقتنا بعيدة ونحن ~~منطلقون فزودنا؟ قال: لكم الرجيع) . ولم يبعث إليهم نبي قبل نبينا قطعا على ~~ما قاله ابن حزم: أي وإنما كانوا متطوعين بالإيمان لموسى مثلا والدخول في ~~شريعته. وقال السبكي: لا شك أنهم مكلفون في الأمم الماضية كهذه الملة إما ~~بسماعهم من الرسول أو من صادق عنه، وكونه إنسيا أو جنيا لا قاطع به، وظاهر ~~القرآن يشهد للضحاك والأكثرون على خلافه انتهى. ورسالة نبينا صلى الله عليه ~~وسلم إليهم قطعية فقد أجمع عليها المسلمون، وقد استمعوا قراءة النبي صلى ~~الله عليه وسلم ببطن نخلة وكانوا تسعة كما صح عن ابن مسعود رضي الله عنه ~~آذنته بهم شجرة، وكانوا يهودا) . وجاء عن عكرمة إنهم كانوا اثني عشر ألفا ~~أي في واقعة أخرى لأنهم جاءوا إليه صلى الله عليه وسلم بمكة والمدينة مرات ~~مختلفة. وأخرج البيهقي أن عمر بن عبد العزيز رأى حية ميتة وهو قاصد مكة ~~فحفر لها وكفنها في خرقة ودفنها، فسمع قائلا يقول رحمك الله يا سرق وأشهد ~~لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تموت يا سرق في فلاة من الأرض ~~فيدفنك خير أمتي) . فقال له عمر: من أنت رحمك الله؟ قال: أنا رجل من الجن ~~وهذا سرق ولم يبق ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجن غيري ~~وغيره، وأشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تموت يا سرق بفلاة ~~من الأرض فيدفنك خير أمتي) . وجاء عن ابن مسعود ms108 رضي الله عنه أنه كان في ~~نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فوجدوا حية قتيلة فكفنها بعضهم ببعض ~~ردائه ودفنها، فلما جن الليل رأوا امرأتين تسألان عنه، وأخبرتاهم أن فسقة ~~الجن اقتتلوا مع المؤمنين فقتلوه، وأنه من النفر الذين استمعوا القرآن من ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثم ولوا إلى قومهم منذرين. وأخرج ابن أبي الدنيا: ~~أن جماعة من الصحابة رأوا حيتين اقتتلا فقتلت إحداهما الأخرى فعجبوا من طيب ~~ريحها وحسنها فكفنها أحدهم ثم دفنها، فسمعوا قوما يسلمون عليهم وأخبروهم أن ~~المقتول ممن أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم فقتله كافر منهم. وجاء أن ~~رجلا أخبر عثمان رضي الله عنه بنحو ذلك وأنه رأى حيات ما رأت عيناه مثلها ~~كثيرة وأنه شم من إحداها ريح المسك فكفنها ودفنها، فسمع من يخبره بأنها ~~حيات من الجن اقتتلوا وأن هذا الذي دفنه ممن سمع الوحي من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو نعيم عن أبي رجاء العطاردي: أنه ~~ضرب في بعض أسفاره خباء على ماء فرأى حية تضطرب فصب عليها ماء فسكنت ثم ~~ماتت فكفنها ودفنها، فسار بقية يومه وليلته حتى أصبح ونزل على الماء فسمع ~~أكثر من ألف يسلمون عليه ويدعون له ويثنون عليه بما صنع، وأن ذلك آخر من ~~بقي ممن بايع النبي صلى الله عليه وسلم) . وأخرج أحمد والدراوردي والحاكم ~~والطبراني وابن مردويه عن صفوان بن المعطل: أنهم خرجوا حجاجا فلما كانوا ~~بالعرج رأوا حية تضطرب ثم ماتت فكفنها بعضهم ودفنها، فلما وصلوا مكة سمعوا ~~من يسأل عن دافنها ويثني عليه، وأخبرهم أنه آخر التسعة الذين أتوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يستمعون القرآن موتا. وقد مر أن الجن استمعوا منه ~~صلى الله عليه وسلم مرات وفرقا متعددة، فلا مانع أن كل واحد ممن مر هو آخر ~~من بايع من فرقته. ومما يؤيد التعدد خبر الشيخين: أنهم استمعوا إليه وهو ~~بوادي نخلة يصلي بأصحابه الفجر. وصح عن ابن مسعود: (أنه ms109 انطلق مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم حتى إذا كانا بأعلى مكة خط له برجله خطا وأجلسه فيه، ثم ~~افتتح صلى الله عليه وسلم القرآن فغشيه أسودة كثيرة حالوا بينهما حتى لم ~~يسمع صوته ثم تفرقوا عنه كقطع السحاب وفرغ صلى الله عليه وسلم مع الفجر) . ~~وأخرج ابن جرير وأبو نعيم عنه: (أنه صلى الله عليه وسلم خرج ليلا وهما ~~بالمدينة وأخذه حتى انتهيا إلى البقيع فخط بعصا خطا ثم أجلسه فيه، ثم انطلق ~~يمشي حتى ثارت مثل العجاجة السوداء فحالت بينهما، ثم سمعه يقرعهم بعصاه ~~ويقول: اجلسوا حتى كاد ينشق عمود الصبح، ثم جاء فسأله هل رأى من شيء، فأخبر ~~أنه رأى رجالا سودا عليهم ثياب بيض فقال: أولئك جن نصيبين يسألوني الزاد، ~~فمتعتهم بكل عظم حاصل، أو روثة أو بعرة. قلت: وما يغني عنهم ذلك؟ قال: إنهم ~~لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم أكل ولا روثة إلا ~~وجدوا عليها حبها الذي كان عليها يوم أكلت) . وفي رواية: (وما وجدوا من روث ~~وجدوا ثمرا فلا يستنجي أحد منكم بعظم ولا روث) . وأخرج الطبراني عن الزبير ~~(أنه صلى الله عليه وسلم انطلق ومعه الزبير إلى أن غابت # PageV01P049 # عنهما جبال المدينة، فإذا رجال طوال كأنهم الرماح، فأرعد منهم حتى كاد ~~يسقط، فخط له صلى الله عليه وسلم خطا في الأرض بإبهام رجله وأجلسه وسطه، ثم ~~ذهب وتلا قرآنا وما نفروا حتى طلع الفجر) الحديث. وجاءت روايات أخر عن ابن ~~مسعود (أنه انطلق معه صلى الله عليه وسلم في وقائع أخرى منها أنهم اجتمعوا ~~به صلى الله عليه وسلم وقرأ عليهم وقضى بينهم في قتيل تنازعوا فيه) . وأخرج ~~أبو نعيم عن إبراهيم النخعي (أن نفرا من أصحاب عبد الله خرجوا للحج مع رسول ~~الله فسألوه صلى الله عليه وسلم وقالوا: زودنا؟ فقال: لكم الرجيع، وما ~~أتيتم عليه من عظم فلكم عليه لحم، وما أتيتم عليه من الروث فهو لكم ثمر، ~~فلما ولوا قلت: من هؤلاء؟ قال: جن ms110 نصيبين) . قال الزركشي في الخادم وما في ~~الإحياء من أنهم يغتذون منه بالرائحة غفلة عن السنة كهذا الحديث وحديث مسلم ~~السابق أي لما فيهما من التصريح بأنهم يأكلون ما عليه. وأخرج مسلم وغيره ~~(أن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله) أي حقيقة وحمله على المجاز رده ابن ~~عبد البر بأنه لا معنى لصرفه عن حقيقته الممكنة. وأخرج مسلم وغيره (أنه صلى ~~الله عليه وسلم مسك يدي من لم يسميا على طعام بين يديه وقال: إن الشيطان ~~ليستحل الطعام الذي لم يذكر اسم الله عليه، وأنه جاء بهذين يستحل بهما ~~فأخذت بيديهما، والذي نفسي بيده أن يده في يدي مع أيديهما) . واستدلوا ~~لتناكح الجن فيما بينهم بقوله تعالى: {وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ~~فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أوليآء من ~~دونى وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا} [الكهف: 50] فهذا يدل على أنهم ~~يتناكحون لأجل الذرية. وقال تعالى: {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن} ~~[الرحمان: 56] وهذا يدل على أنه يتأتى منهم الطمث وهو الجماع والافتضاض. ~~وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن قتادة في قوله تعالى: ~~{أفتتخذونه وذريته} [الكهف: 50] قال: هم أولاده يتوالدون كما يتوالد بنو ~~آدم وهم أكثر عددا. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والحاكم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: إن الله جزأ الإنس والجن ~~عشرة أجزاء فتسعة منهم الجن والإنس جزء واحد فلا يولد من الإنس ولد إلا ولد ~~من الجن تسعة. وأخرج البيهقي عن ثابت قال: (بلغنا أن إبليس قال: يا رب إنك ~~خلقت آدم وجعلت بيني وبينه عداوة فسلطني على أولاده؟ فقال: صدورهم مساكن ~~لك. قال: يا رب زدني؟ قال: لا يولد لآدم ولد إلا ولد لك عشرة قال: يا رب ~~زدني؟ قال: {وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم فى الأموال والأولاد} ~~[الإسراء: 64] . وأخرج ابن المنذر عن الشعبي أنه سئل عن إبليس هل له زوجة ~~قال: إن ذلك العرس ما سمعت به. ms111 وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان قال: باض إبليس ~~خمس بيضات فذريته من ذلك. قال: وبلغني أنه يجتمع على حوض واحد أكثر من ~~ربيعة ومضر، وأخذ من: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ~~ورجلك وشاركهم فى الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} ~~[الإسراء: 64] أنه قد يقع التناكح والإنسية وعكسه خلافا لمن أحاله. وأخرج ~~ابن جرير وغيره عن مجاهد أنه إذا جامع الرجل أهله ولم بسم انطوى الجان على ~~إحليله فجامع معه فذلك قوله تعالى: {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن} ~~[الرحمان: 56] قال بعض الحنابلة والحنفية. لا غسل بوطء الجني والحق خلافه ~~إن تحقق الإيلاج. قيل: أحد أبوي بلقيس كان جنيا، وفي حديث رواه أبو الشيخ ~~وابن مردويه وابن عساكر. واختلف العلماء في جواز نكاحهم شرعا وجاء عن مالك ~~رضي الله عنه أنه أجازه ولكنه كرهه لئلا يدعي الحبالى من الزنا أنه من ~~الجن، وكذا كرهه الحكم بن عيينة وقتادة والحسن وعقبة الأصم والحجاج ابن ~~أرطاة. وأخرج جرير عن أحمد وإسحق أنه صلى الله عليه وسلم نهى عنه، ومن ثم ~~كرهه إسحق لكن في (الفتاوي السراجية) للحنفية أنه لا تجوز المناكحة بين ~~الإنس والجن وإنسان الماء لاختلاف الجنس، وبه أفتى شيخ الإسلام البارزي من ~~أئمتنا، لأن الله تعالى امتن علينا بأن خلق لنا من أنفسنا أزواجا فلو جاز ~~نكاح الجن ما حصل الامتنان بذلك. قال المفسرون: معنى الآية أي آية النحل ~~والروم {جعل لكم من أنفسكم} [النحل: 72] أي من جنسكم ونوعكم وعلى خلقكم، ~~وصوب ابن العماد قول ابن يونس في (شرح الوجيز) بحل نكاحهم. وصح عن الأعمش ~~أنه قال: تزوج إلينا جني فقلت له: ما أحب الطعام إليكم. قال الأرز. قال: ~~فأتيناهم به، فجعلت أرى اللقم ترفع ولا أرى أحدا، فقلت: فيكم من هذه ~~الأهواء التي بيننا؟ قال: نعم، قلت: فما الرافضة فيكم؟ قال: شرنا. وأخرج ~~الطبراني وأبو نعيم وأبو الشيخ أنه اختصم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الجن المسلمون والمشركون فأسكن المسلمين القرى والجبال ms112 والمشركين ما بين ~~الجبال والبحار، وفي حديث عند ابن عدي (أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~البول # PageV01P050 # في القزع) بفتح القاف والزاي والعين المهملة وهو البياض المتحلل بين ~~الزرع وقال: (إنه مساكن الجن) والحق أن الجن مكلفون، فقد حكى الفخر الرازي ~~وغيره الإجماع عليه. قال العز بن جماعة: والملائكة مكلفون من أول الفطرة. ~~وجمهور الخلف والسلف أنه لم يكن منهم رسول ولا نبي خلافا للضحاك ومعنى {رسل ~~منكم} [الأنعام: 130] أي من مجموعكم وهم الإنس أو المراد بهم رسل الرسل، ~~ومما يدل لما قاله الضحاك ما صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في ~~قوله تعالى: {الله الذى خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن ~~لتعلموا أن الله على كل شىء قدير وأن الله قد أحاط بكل شىء علما} [الطلاق: ~~12] قال: سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدمكم ونوح كنوح وإبراهيم ~~كإبراهيم وعيسى كعيسى، وذلك لأن التشبيه في مطلق النذارة بمعنى أن قوما من ~~الجن منهم في الأرض فسمعوا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم للإنسيين، ~~وعادوا إلى قوم من الجن فأنذرهم: للحج فرأوا حية تتثنى عن الطريق أبيض ينفح ~~منه ريح المسك، فتخلف بعضهم عندها إلى أن ماتت فكفنها ودفنها ثم أدرك ~~أصحابه، فجاءهم أربعة نسوة من جهة المغرب فقالت واحدة أيكم دفن عمر؟ ومن ~~عمر؟ قالت: أيكم دفن الحية؟ قلت: أنا، قالت: أما والله لقد دفنت صواما ~~قواما يأمر بما أنزل الله، ولقد آمن بنبيكم وسمع صفته في السماء قبل أن ~~يبعث بأربعمائة سنة، فحمدنا الله ثم قضينا حجنا، ثم مررت بعمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه بالمدينة فأنبأته بأمر الحية فقال: صدقت. سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: (لقد آمن قبل أن أبعث بأربعمائة سنة) . وأخرج ابن أبي ~~الدنيا أن حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه رأى حية فأخبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: (ذلك عمر بن الهوماية وافد نصيبين لقيه محصن بن جوشن ~~النصراني فقتله) ms113 الحديث. وجاء من عدة طرق يبلغ بها درجة الحسن (أن هامة بن ~~هيم بن لاقيس بن إبليس جاء للنبي صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه وهم قعود ~~على جبل من جبال تهامة فأخبر أنه ليالي قتل قابيل هابيل كان غلاما وأنه كان ~~ممن آمن بنوح وأنه عاتبه على دعوته على قومه حتى بكى وأبكاه وأن له شركة في ~~هابيل فهل له توبة فأمره بأشياء يفعلها من حملتها أنه يتوضأ ويسجد سجدتين ~~ففعل لوقته، فأخبره أن توبته نزلت من السماء فخر لله ساجدا حولا، وأنه آمن ~~بهود وعاتبه كما وقع له مع نوح، وأنه زار يعقوب وكان من يوسف بالمكان ~~الأمين، وأنه كان يلقى الناس بالأدوية وتتلقاه الآن، وأنه لقى موسى فعلمه ~~من التوراة وأمره أن يقرأ منه السلام على عيسى ابن مريم إن لقيه، وأنه لقى ~~عيسى فأقرأه ذلك، وأن عيسى أمره أن يقرىء السلام على محمد صلى الله عليه ~~وسلم إن لقيه فبكى صلى الله عليه وسلم ثم قال: وعلى عيسى السلام ما دامت ~~الدنيا وعليك السلام يا هامة بأداء الأمانة، ثم سأله أن يعلمه من القرآن ~~كما علمه موسى من التوراة، فعلمه الواقعة والمرسلات وعم والكوثر وقل هو ~~الله أحد والمعوذتين وقال: ارفع إلينا حاجتك يا هامة ولا تدع زيارتك) . وفي ~~حديث آخر (أنه في الجنة) وبين السبكي في (فتاويه) أنهم مكلفون بشريعته صلى ~~الله عليه وسلم في كل شيء بخلاف الملائكة على القول بإرساله إليهم، فإنه ~~يحتمل أنهم كذلك وأنها في شيء خاص. وقال ابن مفلح الحنبلي: إنهم مكلفون في ~~الجملة كافرهم في النار ومؤمنهم في الجنة كغيرهم بقدر ثوابهم خلافا لمن ~~قال: لا يأكلون ولا يشربون فيها أو أنهم في ربضها، ونقل عن شيخه ابن تيمية ~~أنهم مشاركون لنا في جنس الأمر والنهي والتحليل والتحريم لا على السواء، ~~قال: بلا نزاع أعلمه بين العلماء، وأطال الكلام في مناكحتهم ومعاملتهم ~~وتوابعهما ومر أن فيهم جميع الأهواء: وجاء عن قتادة وغيره وعن السدي: أن ~~فيهم قدرية ومرجئة رافضة ms114 وشيعة. وأخرج البزار أنه صلى الله عليه وسلم قال: ~~(من صلى منكم من الليل فليجهر بقراءته فإن الملائكة تصلي وتسمع لقراءته وأن ~~مؤمني الجن الذين يكونون في الهواء، وجيرانه معه في مسكنه يصلون بصلاته ~~ويسمعون لقراءته، وأنه ليطرد بجهره بقراءته عن داره وعن الدور التي حوله ~~فساق الجن ومردة الشياطين) . وفي آثار وأخبار أخرى: أن مؤمنيهم يصلون ~~ويصومون ويحجون ويطوفون ويقرؤون القرآن ويتعلمون العلوم ويأخذونها عن الإنس ~~وإن لم يشعروا بهم، وكذا رواية الأحاديث. وأخرج الشيرازي: أن سليمان أوثق ~~شياطين في البحور فإذا كان سنة خمس وثلاثين ومائة خرجوا في صور الناس ~~وأبشارهم فجالسوهم في المجالس والمساجد ونازعوهم القرآن والحديث. وأخرجه ~~العقيلي وابن عدي بزيادة: أن تسعة أعشارهم تذهب إلى العراق وعشرهم بالشام. ~~وأخرج البخاري عن سفيان # PageV00P000 # الثوري: أخبره رجل كان يرى الجن أنه رأى قاصا يقص في مسجد الخيف فتطلبه ~~فإذا هو شيطان، وجاءت آثار أخرى بنحو ذلك. واعلم أن العلماء اتفقوا على أن ~~كافرهم يعذب في الآخرة. وعن أبي حنيفة وأبي الزناد وليث بن أبي سليم أن ~~مؤمنهم لا ثواب له إلا النجاة من النار ثم يقال لهم كونوا ترابا مثل ~~البهائم، والصحيح الذي قاله ابن أبي ليلى والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد ~~وأصحابهم رضي الله عنهم: أنهم يثابون على طاعاتهم. ونقل عن أبي حنيفة ~~وأصحابه رضي الله عنهم أنهم يدخلون الجنة، ونقله ابن حزم عن الجمهور ~~واستدلوا بقوله تعالى: {ولكل درجات مما عملوا} [الأنعام: 132] فإنه ذكر بعد ~~الجن والإنس. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس: أن الملائكة كلهم في الجنة ~~والشياطين كلهم في النار، والذين فيهما الإنس والجن. وذكر الحارث المحاسبي: ~~أنا نراهم في الجنة ولا يرونا عكس الدنيا، وذهب بعض الحنفية أنهم لا يرون ~~الله وإليه يميل كلام ابن عبد السلام لأنه صرح بمنع الرؤية للملائكة ووافقه ~~جماعة من الحنفية، لكن الأرجح أن الملائكة يرونه كما نص عليه إمام أهل ~~السنة والجماعة الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتابه (الإبانة في أصول ~~الديانة) وتابعه الإمام البيهقي وغيره كابن ms115 القيم والحداد والجلال ~~البلقيني. قال الجلال، وكذلك الجن يرونه لعموم الأدلة، ومر في الأحاديث ~~المتعلقة بالملائكة التصريح في حديث البيهقي وأبي الشيخ والخطيب وابن عساكر ~~بأن الملائكة يرون ربهم، ولعل ابن عبد السلام لم يطلع عليه وإلا لم يخالفه. ~~وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير عن قتادة قال: قال الحسن: الجن لا يموتون، ~~فقلت: قال الله تعالى: {أولائك الذين حق عليهم القول فى أمم قد خلت من ~~قبلهم من الجن والإنس} [الأحقاف: 18] أي ففي الآية دليل على أنهم يموتون ~~فإن أراد الحسن أنهم لا يموتون مثلنا بل ينظرون مع إبليس فإذا مات ماتوا ~~معه. قلنا: إن أراد ذلك في بعضهم كشياطين إبليس وأعوانه فهو محتمل، وإن ~~أراد أنهم كلهم كذلك نافاه ما قدمناه من الوقائع الكثيرة أنهم ماتوا وكفنوا ~~ودفنوا. وأخرج أبو الشيخ أن ابن عباس رضي الله عنهما سئل أيموت الجن؟ قال: ~~نعم، غير إبليس وابن شاهين عنه أن الدهر يمر بإبليس فيهرم ثم يعود ابن ~~ثلاثين. وابن أبي الدنيا عن الربيع بن يونس قيل له أرأيت هذا الشيطان الذي ~~مع الإنسان لا يموت؟ قال: وشيطان واحد هو أنه ليتبع الرجل المسلم في الفتنة ~~مثل ربيعة ومضر وابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عند عبد الله بن الحارث قال: ~~الجن يموتون ولكن الشيطان بكر البكرين لا يموت. قال قتادة: أبوه بكر وأمه ~~بكر وهو بكرهما، ومر في خبر هامة ما يدل على طول أعمارهم. وبلغ الحجاج أن ~~بأرض الصين مكانا إذا أخطأوا فيه الطريق سمعوا صوتا يقول: هلموا الطريق ~~فبعث ناسا وأمرهم أن يتخاطؤها عمدا فإذا كلموهم يحملون عليهم وينظرون ما ~~هم، فلما فعلوا حملوا عليهم فقالوا: إنكم لن ترونا، قالوا: منذ كم أنتم ~~ههنا؟ قالوا: لا نحصى السنين غير أن الصين خربت ثمان مرات وعمرت ثمان مرات ~~ونحن ههنا. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: وكل ملك الموت بقبض أرواح ~~المؤمنين والملائكة، وملك بالجن وملك بالشياطين وملك بالطير والوحوش ~~والسباع والحيات فهم أربعة أملاك. وأخرج مسلم (أنه صلى ms116 الله عليه وسلم قال ~~لعائشة: مع كل إنسان شيطان وملك. قالت: أو معك يا رسول الله؟ قال: نعم، ~~ولكن الله أعانني عليه حتى أسلم) . وفي رواية لمسلم أيضا (ما منكم من أحد ~~إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة قالوا: وإياك يا رسول ~~الله؟ قال: وإياي إلا أن الله عز وجل أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا ~~بخير) وأسلم معناه صار مسلما، وهذا من خصائصه لخبر أبي نعيم (فضلت على آدم ~~بخصلتين كان شيطاني كافرا فأعانني الله تعالى عليه حتى أسلم، وكن أزواجي ~~عونا لي وكان شيطان آدم كافرا وزوجته عونا على خطيئته) أي إنها صورة خطيئة ~~لما هو مقرر أن الأنبياء معصومون قبل النبوة وبعدها من الكبائر والصغائر ~~عمدا وسهوا، وجميع ما روي عنهم مما يخالف ذلك فيؤول كما بينه المحققون في ~~محاله خلافا لمن وهم فيه، كجماعة من المفسرين والأخباريين ممن لم يحققوا ما ~~يقولون ويدرون ما يترتب عليه فيجب الإعراض عن كلماتهم وترهات قصصهم الكاذبة ~~وحكاياتهم. وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو يعلى والبيهقي أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال: (إن الشيطان واضع خرطومه على قلب ابن آدم فإن ذكر الله خنس وإن ~~نسي التقم قلبه أي نشب فيه وسوسته ويحدثه بالأفكار الرديئة لأنه يجري منه ~~مجرى الدم كما في الحديث الصحيح، ويدل عليه قوله تعالى: {الذى يوسوس فى ~~صدور الناس} [الناس: 5] وبه يرد على من أنكر سلوكه في بدن الإنسان # PageV01P052 # كالمعتزلة. ومن ثم قيل لأحمد رضي الله عنه: إن قوما يقولون: إن الجني لا ~~يدخل في بدن المصروع من الإنس؟ فقال: يكذبون هو ذا يتكلم على لسانه: أي ~~فدخوله في بدنه هو مذهب أهل السنة والجماعة. وجاء من عدة طرق (أنه صلى الله ~~عليه وسلم جيء إليه بمجنون فضرب ظهره وقال: اخرج عدو الله فخرج، وتفل في فم ~~آخر وقال: اخرج يا عدو الله فإني رسول الله) قال ابن تيمية: وعامة ما يقول ~~أهل العزائم فيه شرك فليحذر. وأخرج جماعة أن ابن مسعود قرأ ms117 في أذن مصروع ~~{فتعالى الله الملك الحق لا إلاه إلا هو رب العرش الكريم} [المؤمنون: 116] ~~إلى آخر السورة فأفاق ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: (والذي ~~نفسي بيده لو أن رجلا مؤمنا قرأها على جبل لزال) . وجاء من عدة طرق أن ~~للوضوء شيطانا يقال له الولهان. قال التميمي: أول ما يبدأ الوسواس من ~~الوضوء، ومن ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتعوذ بالله من وسوسة ~~الوضوء. قال طاوس: هو أي الولهان أشد الشياطين. وأخرج مسلم عن عثمان بن أبي ~~العاص قال: قلت يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي ~~يلبسهما علي، فقال: (ذلك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه ~~واتفل عن يسارك ثلاثا) . وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن وسواس الرجل ~~يخبر وسواس الرجل فمن ثم يفشو الحديث. وجاء عمر أنه حدث نفسه بشيء ولم ~~يظهره لأحد فوجده مع الناس فقال خرج به الخناس، ووقع لغيره أيضا، وإنما ~~أطلت الكلام على هذا السؤال لما فيه من الفوائد المستغربة والفرائد ~~المستعذبة. وذكر لا إله إلا الله أفضل من ذكر الجلالة مطلقا هذا بلسان أئمة ~~الظاهر، وأما عند أهل الباطن فالحال يختلف باختلاف أحوال السالك، فمن هو في ~~ابتداء أمره ومقاساته لشهود الأغيار وعدم انفكاكه عن التعلق بها وعن إرادته ~~وشهواته وبقائه مع نفسه يحتاج إلى إدمان الإثبات بعد النفي حتى يستولي عليه ~~سلطان الذكر وجواذب الحق المرتبة على ذلك، فإذا استولت عليه تلك الجواذب ~~حتى أخرجته عن شهواته وإرادته وحظوظه وجميع أعراض نفسه صار بعيدا عن شهود ~~الأغيار واستولى عليه مراقبة الحق أو شهوده، فحينئذ يكون مستغرقا في حقائق ~~الجمع الأحدي والشهود السرمدي الفردي، فالأنسب بحاله الإعراض عما يذكره ~~الأغيار والاستغراق فيما يناسب حاله من ذكر الجلالة فقط، لأن ذلك فيه تمام ~~لذته ودوام مسرته ونعمته ومنتهى أربه ومحبته، بل إذا وصل السالك لهذا ~~المقام وأراد قهر نفسه إلى الرجوع إلى شهود غيره حتى ينفيه أو يتعلق به ms118 ~~خاطر لا تطاوعه نفسه المطمئنة لما شاهدت من الحقائق الوهبية، والمعارف ~~الذوقية والعوارف اللدنية. وقد فتحنا لك بابا تستدل بما ذكرناه في فتحه على ~~ما وراءه فافهم مقاصد القوم السالمين من كل محظور ولوم، وسلم لهم تسلم ولا ~~تنتقد حقيقة من حقائقهم تندم، بل قل فيما لم يظهر لك الله أعلم. وكذا يقال ~~في الذكر باللسان وبالقلب أو بالقلب فقط، فبلسان أهل الظاهر ذكر اللسان ~~والقلب أفضل مطلقا، وعند أهل الطريق في ذلك تفصيل تفهمه مما قبله إن وعيته ~~وتأملته، فإن المستغرق قد يعرض له من الأحوال ما يلتجم به لسان، ويصير في ~~غاية من مقام الحيرة والدهش فلا يستطيع نطقا، أو يتفرق بسب نطقه ما هو ~~متمثل به من معالي تلك الأحوال وما هو مستغرق فيه من بحار العرفان والكمال. ~~والحاصل أن الأولى بالسالك قبل الوصول إلى هذه المعارف أن يكون مديما لما ~~يأمره به أستاذه، الجامع لطرفي الشريعة والحقيقة فإنه هو الطبيب الأعظم، ~~فبمقتضى معارفه الذوقية وحكمه الربانية يعطي كل بدن ونفس ما يراه هو اللائق ~~بشفائها والمصلح لغذائها، فإن لم يكن له أستاذ كذلك فلا يعدل عن ذكر لا إله ~~إلا الله بلسانه وقلبه، بل يديم ذلك إلى أن يفتح الله له ما يعلم به خير ~~الأمرين في الترقي إلى شهود العين، حقق الله لنا ذلك بمنه وكرمه آمين. ~~والذكر الخفي قد يطلق ويراد به ما هو بالقلب فقط، وما هو بالقلب واللسان، ~~بحيث يسمع نفسه ولا يسمعه غيره، ومنه: (خير الذكر الخفي) أي لأنه لا يتطرق ~~إليه الرياء وأما حيث لم يسمع نفسه فلا يعتد بحركة لسانه وإنما العبرة بما ~~في قلبه. على أن جماعة من أئمتنا وغيرهم يقولون لا ثواب في ذكر القلب وحده، ~~ولا مع اللسان حيث لم يسمع نفسه، وينبغي حمله على أنه لا ثواب عليه من حيث ~~الذكر المخصوص. أما اشتغال القلب بذلك، وتأمل معانيه واستغراقه في شهودها ~~فلا شك أنه بمقتضى الأدلة يثاب عليه من هذه الحيثية الثواب الجزيل ويؤيده ~~خبر ms119 البيهقي (الذكر الذي لا تسمعه الحفظة يزيد على الذكر الذي تسمعه الحفظة ~~سبعين ضعفا هذا وورد في) . # PageV01P053 # فضل لا إله إلا الله أحاديث كثيرة فلا بأس بالتعرض لبعضها. منها: حديث ~~الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم (أفضل الذكر لا إله إلا الله ~~وأفضل الدعاء، (أي مقدماته ومتمماته) الحمد لله) وحديث البخاري (أسعد الناس ~~بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا مخلصا من قلبه) . وحديث الديلمي ~~(أفضل العمل لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء أستغفر الله) . وحديث أبي يعلى ~~وابن عدي (أكثروا من شهادة لا إله إلا الله قبل أن يحال بينكم وبينها، ~~ولقنوها موتاكم) . وحديث البخاري ومسلم: (إن الله قد حرم النار على من قال ~~إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) . وحديث الطبراني: (ليس من عبد يقول لا ~~إله إلا الله مائة مرة إلا بعثه الله تعالى يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة ~~البدر ولم يرفع يومئذ لأحد عمل أفضل من عمله إلا من قال مثل قوله أو زاد) . ~~وحديث أحمد والحاكم (جددوا إيمانكم أكثروا من قول لا إله إلا الله) . وحديث ~~ابن عساكر: (حدثني جبريل يقول الله تعالى: لا إله إلا الله حصني فمن دخله ~~أمن من عذابي) . وحديث ابن أبي الدنيا والبيهقي (حضر ملك الموت رجلا فشق ~~أعضاءه فلم يجده عمل خيرا ففك لحييه فوجد طرف لسانه لاصقا بحنكه يقول لا ~~إله الله فغفر له بكلمة الإخلاص) . وحديث أحمد والحاكم (من كان آخر كلامه ~~لا إله إلا الله دخل الجنة) . وحديث ابن ماجه (لا إله إلا الله لا يسبقها ~~عمل ولا تترك ذنبا) . وحديث ابن عدي (ثمن الجنة لا إله إلا الله) . وحديث ~~أبي يعلى (عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار فأكثروا منهما فإن إبليس قال: ~~أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك ~~أهلكتهم بالأهواء، وهم يحسبون أنهم مهتدون) . وحديث الطبراني (كلمتان ~~إحداهما ليس لها نهاية دون العرش، والأخرى تملأ ما بين السماء والأرض لا ~~إله إلا الله والله أكبر) . وحديث ms120 الطبراني (لكل شيء مفتاح، ومفتاح السموات ~~قول لا إله إلا الله) . وحديث الترمذي (ما قال عبد لا إله إلا الله قط ~~مخلصا إلا فتحت له أبواب السماء حتى يفضي إلى العرش ما اجتنب الكبائر) . ~~وجاء مطلقا في أحاديث كثيرة جدا من أجمعها حديث البيهقي: (أكثروا ذكر الله ~~على كل حال فإنه ليس عمل أحب إلى الله تعالى ولا أنجى لعبده من ذكر الله في ~~الدنيا والآخرة) . وحديث الديلمي (لذكر الله بالغداة والعشي خير من حطم ~~السيوف في سبيل الله) . وحديث البيهقي: (إن ذكر الله شفاء، وإن ذكر الناس ~~داء) وحديث البيهقي والطبراني (ليس يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعة ~~مرت بهم لم يذكروا الله عز وجل فيها) . وحديث الحاكم: (من ذكر الله ففاضت ~~عيناه من خشية الله حتى يصيب الأرض من دموعه، لم يعذبه الله يوم القيامة) . ~~وحديث الطبراني: (لا يذكرني عبد في نفسه إلا ذكرته في ملإ من ملائكتي، ولا ~~يذكرني في ملإ إلا ذكرته في الرفيق الأعلى) . وخبر الترمذي والحاكم وابن ~~ماجه: (ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، ~~وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا ~~أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله) . وحديث أحمد وابن ~~حبان والبيهقي (خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي) . وورد في أحاديث ما ~~يبين فضل التفكر والمراد به، فمن ذلك حديث أبي الشيخ في العظمة (تفكر ساعة ~~خير من عبادة ستين سنة) . وحديثه أيضا: (تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ~~ذات الله، فإن بين السماء السابعة إلى كرسيه سبعة آلاف نور وفوق ذلك) . ~~وحديثه أيضا: (تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله فتهلكوا) . وحديثه ~~أيضا: (تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق فإنكم لا تقدرون قدره) . ~~وحديثه في الطبراني وابن عدي والبيهقي (تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في ~~الله) . وحديثه كأبي نعيم (تفكروا في خلق الله ولا تفكرا في الله) . وحديث ~~الديلمي (عودوا قلوبكم الترقب وأكثروا التفكر ms121 والاعتبار) فتأمل هذه ~~الأحاديث تعلم أن المراد التفكر في جميع ما ذكره السائل، وأعم منه كما أفاد ~~حديث: (تفكروا في كل شيء) إلخ وحديث (تفكروا في خلق الله) ولا ينافيهما ~~حديث (تفكروا في آلاء الله) أي نعمه لأن التفكر في النعم يؤدي إلى مزيد ~~الخضوع للحق، والتواضع للخلق والرجوع إلى الله بالذلة والانكسار، وإدامة ~~التوسل إليه آناء الليل وأطراف النهار، أن لا يحرمه مزيد فضله ونعمه ولا ~~يسلبه واسع جوده وكرمه، فإن الإعراض عن تفكر النعم عاقبته الوخيمة وغايته ~~المشؤومة سلب النعم وإذاقة النقم والطرد عن أبواب # PageV01P054 # الكريم كما أشار إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (ما بطر أحد ~~النعمة فعادت إليه) وإنما أمرنا بالتفكر في كل المخلوقات ومنعنا عن التفكر ~~في ذات الحق، لأن التفكر في غيرها تزيد به المعارف وتتوالى بسببه المواهب ~~والعوارف، وينصقل به القلب عن السوى، ويتخلى عن كل هوى، ويرجع إلى الله في ~~سائر إرادته وحركاته وسكناته، لأن من أخدق بعين بصيرته واستغرق جهده، ~~وفكرته في العالم علويه وسفليه انكشف له الغطاء، وزال عنه العماء، وقد بين ~~تعالى أنه لا يصلح للتفكر في خلق السموات والأرض إلا أولو العقل الكامل، ~~واللب الفاضل، كما يدل عليه آيتا البقرة وآل عمران {إن في خلق السماوات ~~والأرض} [البقرة: 164] الآية، وذكر في الأولى المختتمة ب {يعقلون} [البقرة: ~~164] من الآيات الأرضية والسماوية أكثر مما ذكر في الثانية المختتمة ب ~~{الألباب لعلكم} [البقرة: 179] مع أن اللب أشرف من العقل، لأن الأولى تناسب ~~مقام السالكين، لاحتياجهم للنظر في الآيات الكثيرة ليحصل لهم ذلك مع ~~الإدمان وتغاير الدلالات والآيات مع كثرتها وعجائبها ملكة المراقبة ثم ~~الشهود العلمي، حتى لا تقدر عليهم الأغيار، ولا يتشككون فيما منحوه بسبب ~~ذلك إلى أن يرتقوا إلى مقام الأخيار. وأما الثانية فإنها إنما تناسب مقام ~~العارفين لأنهم إنما ارتقوا عن شهود الأسباب والوسائط إلى شهود موجدها ~~وباريها فليس لهم كبير تعلق بها، فلذا اختصر الأدلة في حقهم لأنهم مشغولون ~~بذلك للشهود الأقدس، والجمع الأكمل عن النظر ms122 في البراهين لاستغنائهم عنها ~~بالوصول إلى عين اليقين، فناسب أن يشار لهم بذكر الدلائل مجملة لا مفصلة ~~إشارة إلى أنهم إنما وصلوا إلى الله من طريقها ومن وصل من طريق لا ينبغي له ~~أن ينساه وإن استغنى عنه، ومن ثم رؤي مع الجنيد سبحة فقيل له: تحتاج إليها ~~يا إمام؟ فقال طريق وصلنا إلى الله بسببها لا نتركها. فالحاصل أن آية ~~البقرة لما ختمت ب {يعقلون} [البقرة: 146] الذي هو أدنى المقامين كانت ~~بالسالكين أنسب فناسب ذكر الدلائل الكثيرة فيها لأنها المناسبة لحالهم كما ~~تقرر، وأن آية آل عمران لما ختمت ب {الألباب لعلكم} [البقرة: 197] الذي هو ~~الأعلى والأكمل ناسب أن يذكر فيها ما يليق بالكمل وهو ملاحظة الدلائل ~~إجمالا، لا تفصيلا، لاشتغالهم عنه بما هو أهم، وأولى وأكمل، فتأمل ذلك ~~لتعلم فائدة التفكر، ويتضح لك أنه في ساعة أفضل من عبادة ستين سنة: أي ليس ~~فيها تفكر، نظير قوله تعالى: {ليلة القدر خير من ألف شهر} [القدر: 3] ليلة ~~القدر خير من ألف شهر} أي ليس فيها ليلة القدر كما قاله الأئمة؛ ومعنى قوله ~~صلى الله عليه وسلم: (تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة) أي ليس فيها تفكر. ~~وسر فضله عن بقية العبادات أنه يؤدي إلى التحلي بالمراتب العلية وانكشاف ~~الحقائق الوهبية، وأما غيره من العبادات الخالية عنه فإنه لا ينتهي إلى هذه ~~الفوائد الكاملة والمعارف الفاضلة، ولا شك أن كل ما أدى إلى قوة الإيمان ~~وزيادة الإيقان وصقالة القلب وخلوه عن الأغيار خير مما لم يؤد لذلك وإن قل ~~زمنه وطال زمن غيره، إذ روح العبادة المقصودة لأجلها إنما هو معرفة الحق ~~وأسراره في خلقه، وتجليه عليهم بمعالي أسمائه وصفاته، والتفكر هو المحصل ~~لذلك دون غيره، لكن لا من كل أحد بل ممن تأهل له بأن كان عنده من العلوم ~~الشرعية الاعتقادية والعملية ما يمنعه عن أن تزل قدمه، أو يطغى فهمه فيحق ~~عليه بذلك ندمه، وهذا هو سر: نهينا عن أن نتفكر في ذاته تعالى، فإن ذلك يجر ms123 ~~إلى الحيرة والضلال عن أسباب الكمال، لأن الذات العلى جل أن يدركه وهم أو ~~يتصوره فكر، أو يحوم حول حماه لب أو عقل، وإن زاد كماله لمنع الخلق جميعا ~~عن ذلك الحمى الأقدس والمطلب الأنفس {تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد ~~حدود الله فأولائك هم الظالمون} [البقرة: 229] . وأوراد الصوفية التي ~~يقرؤونها بعد الصلوات على حسب عاداتهم في سلوكهم لها أصل أصيل. فقد روى ~~البيهقي عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لأن أذكر ~~الله تعالى مع قوم بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس أحب إلي من الدنيا وما ~~فيها، ولأن أذكر الله تعالى مع قوم بعد صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس أحب ~~إلي من الدنيا وما فيها) . وروى أبو داود عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: ~~(لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب ~~إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى ~~من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة) . وروى أبو نعيم ~~إنه صلى الله عليه وسلم قال: (مجالس الذكر تنزل عليهم السكينة وتحف بهم ~~الملائكة وتغشاهم الرحمة ويذكرهم الله) وروى # PageV01P055 # أحمد ومسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقعد قوم يذكرون الله إلا ~~حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده) ~~. وإذا ثبت أن لما يعتاده الصوفية من اجتماعهم على الأذكار والأوراد بعد ~~الصبح وغيره، أصلا صحيحا من السنة وهو ما ذكرناه فلا اعتراض عليهم في ذلك. ~~ثم إن كان هناك من يتأذى بجهرهم كمصل أو نائم ندب لهم الإسرار، وإلا رجعوا ~~لما يأمرهم به أستاذهم الجامع بين الشريعة والحقيقة، لما مر أنه كالطبيب ~~فلا يأمر إلا بما يرى فيه شفاء لعلة المريض، ولذلك تجد بعضهم يختار الجهر ~~لدفع الوساوس الرديئة، والكيفيات النفسانية وإيقاظ القلوب الغافلة وإظهار ~~الأعمال الكاملة، وبعضهم يختار الإسرار بمجاهدة النفس وتعليمها طرق الإخلاص ~~وإيثارها ms124 الخمول. وقد ورد أن عمر رضي الله عنه كان يجهر وأبو بكر رضي الله ~~عنه كان يسر فسألهما النبي صلى الله عليه وسلم فأجاب كل بنحو ما ذكرته ~~فأقرهما. والأخذ عن مشايخ متعددين يختلف الحال فيه بين من يريد التبرك وبين ~~من يريد التربية والسلوك، فالأول يأخذ عمن شاء إذ لا حجر عليه، وأما الثاني ~~فيتعين عليه على مصطلح القوم السالمين من المحظور واللوم حشرنا الله في ~~زمرتهم، أن لا يبتدىء إلا بمن جذبه إليه حاله قهرا عليه، بحيث اضمحلت نفسه ~~لباهر حال ذلك الشيخ المحق، وتخلت له عن شهواتها وإرادتها، فحينئذ يتعين ~~عليه الاستمساك بهديه والدخول تحت جميع أوامره ونواهيه ورسومه حتى يصير ~~كالميت بين يدي الغاسل، يقلبه كيف شاء، فإن لم يجذبه حال الشيخ كذلك فليتحر ~~أورع المشايخ وأعرفهم بقوانين الشريعة والحقيقة، ويدخل تحت إشارته ورسومه ~~كذلك، ومن ظفر بشيخ بالوصف الأول أو الثاني فحرام عليه عندهم أن يتركه ~~وينتقل إلى غيره، وإن سولت له نفسه أن غيره أكمل فإنه قد يضجر من حق ذلك ~~الشيخ فتريد النفس أن تنقل صاحبها إلى باطل غيره، وإنما محل اختيار الأعرف ~~الأعلم الأورع الأصلح في الابتداء. وأما بعد الدخول تحت حيطة عارف أهل، فلا ~~رخصة عن الخروج عنه بل ولا رخصة عندهم للشيخ الثاني. إذا علم أن لمريد ~~الأخذ عنه أستاذا كاملا أن يسلكه بل يأمره بالرجوع لأستاذه، ويعلمه أن ذلك ~~الأستاذ لولا أنه على حق ما نفرت النفس عنه، ولما أحبت فراقه إلى غيره، ~~فهذا أدل دليل على كماله وحقيقة طريقته. وكثير من النفوس التي يراد لها عدم ~~التوفيق، إذا رأت من أستاذ شدة في التربية تنفر عنه، وترميه بالقبائح ~~والنقائص مما هو عنه بريء، فليحذر الموفق من ذلك لأن النفس لا تريد إلا ~~هلاك صاحبها، فلا يطعها في الإعراض عن شيخه، وإن رآه على أدنى حال حيث ~~أمكنه أن يخرج أفعاله عن تأويل صحيح ومقصد مقبول شرعا، ومن فتح باب التأويل ~~للمشايخ وأغضى عن أحوالهم، ووكل أمورهم إلى الله ms125 واعتنى بحال نفسه وجاهدها ~~بحسب طاقته، فإنه يرجى له الوصول إلى مقاصده والظفر بمراده في أسرع زمن، ~~ومن فتح باب الاعتراض على المشايخ والنظر في أحوالهم وأفعالهم والبحث عنها ~~فإن ذلك علامة حرمانه وسوء عاقبته، وأنه لا ينجح قط، ومن ثم قالوا: من قال ~~لشيخه لم؟ لم يفلح أبدا: أي لشيخه في السلوك والتربية لما تقرر أن شأن ~~السالك أن يكون بين يدي الشيخ كالميت بين يدي الغاسل حتى لو كانت له علوم ~~أو رسوم أوأعمال، فليعرض عنها ولا يلتفت إليها، فإن نار حق الأستاذ العارف ~~تطهر الخبث وتزيله، ويبقى الطيب وتبين صفاء جوهره ونفاسة جنسه، والمراد ~~بالإرادة والتحكيم ونحوهما أن من أراد السلوك إلى الله على يد بعض الواصلين ~~ويسر الله له من هو كذلك أن يلزم نفسه طاعته والدخول تحت أوامره ونواهيه. ~~ثم الكيفية المحصلة لهذا الارتباط تختلف المشايخ فيها؟ فمنهم من يأمر ~~بالذكر، ومنهم من يلبس الحرقة، ومنهم من يفعل غير ذلك، بحسب طرقهم فإنها ~~كثيرة جدا، حتى قيل: الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق، وليتعين على ~~الموفق أيضا أن لا يدخل تحت حيطة أحد إلا بعد أن يقهره حاله أو يعلم منه ~~الإحاطة بعلمي الشريعة والحقيقة، لما أن الكاذبين والمتلبسين قد كثروا، ~~وادعوا هذه الطريقة وهم منها بريئون وإلى النار صائرون لسوء أفعالهم، وفساد ~~أحوالهم وأقوالهم، وتكالبهم على الدنيا الفانية وإعراضهم عن الآخرة ~~الباقية، إذ ليس قصدهم بادعاء هذه الطريقة العلية إلا جمع الحطام، ونيل لذة ~~أكل الحرام، واستفراغ العمر في الجهالات والآنام، فحذار حذار من أمثالهم ~~والاغترار بأقوالهم وأفعالهم، فإن كل من اتبعهم زل قدمه، وطغى قلمه وحق ~~ندمه، وحرم الوصول إلى شيء من الكمال ويأتيه من الله أعظم البوار والنكال. ~~وعليك # PageV01P056 # إن أردت أن يظهر لك الحق وأنك تتحلى بالصدق بمطالعة إحياء الغزالي رحمه ~~الله تعالى، ورسالة الإمام العارف القشيري، وعوارف المعارف للسهروردي، ~~والقوت لأبي طالب المكي، فإن هذه هي الكتب النافعة المبينة لأحوال ~~الصادقين، وتلبيسات المبطلين، والحاملة على معالي الأخلاق وإيثار الفقر ~~والإملاق ms126 وإدمان الطاعات، وملازمة العبادات سيما الجماعات، والإعراض عن ~~سفاسف أقوام غلب عليهم الشيطان فسول لهم القبيح حسنا، والمنكر معروفا، ~~والمذموم ممدوحا، فاستغرقوا في بحار شهواتهم، وقبيح اعتقاداتهم وإراداتهم، ~~وهم مع ذلك يحسبون أنهم يحسنون صنعا أو يحكمون وضعا، وفقنا الله لمعرفة ~~عيوب أنفسنا وأجارنا من شهواتنا وأدام علينا رضاه مع السلامة من كل فتنة ~~ومحنة في هذه الدار وإلى أن نلقاه، إنه الجواد الكريم الرؤوف الرحيم. 45 ~~وسئل نفع الله بعلومه سؤالا صورته: السمع والبصر ما الأفضل منهما؟ فأجاب ~~بقوله: الذي عليه أكثر الفقهاء أن حاسة السمع أفضل من حاسة البصر، لأنه ~~تعالى قرن بذهاب السمع ذهاب العقل في قوله: {ومنهم من يستمعون إليك أفأنت ~~تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون} [يونس: 42] ولا كذلك في البصر ولأن استفادة ~~العقل من السمع أكثر من استفادته من البصر، كما جزم به القاضي في (تفسيره) ~~، ولأنه تعالى قدمه في غالب الآيات القرآنية على البصر والتقديم دليل ~~الأفضلية كما صرحوا به إلا أن يدل دليل على خلافه، ولم يقم هنا دليل على ~~خلافه، فكان تقديم السمع مقتضيا لأفضليته، ولأن العمى وقع في حق بعض ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أي على قول، ولم يقع فيهم أصم إجماعا ~~فاستحالة الصمم عليهم لإخلاله بأداء الرسالة، لأنه إذا لم يسمع كلام السائل ~~تعذر عليه جوابه فيعجز عن تبليغ الشريعة، ولأن القوة السامعة تدرك ~~المسموعات من جميع الجهات الست في النور والظلمة، والقوة الباصرة لا تدرك ~~المرئي إلا من جهة المقابلة بواسطة شعاع، أو ضياء، وما عم نفعه زاد فضله، ~~ولأنه السبب في استفادة العلوم دون البصر، لأنه تعالى قرنه بالعقل المراد ~~بالقلب في قوله تعالى: {إن فى ذالك لذكرىالمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو ~~شهيد} [ق: 37] والعقل أشرف ما في الإنسان فكذا ما قرن به، ولأنه تعالى جعله ~~سببا في الخلاص من عذاب السعير حكاية عن أهلها بقوله عنهم: {وقالوا لو كنا ~~نسمع أو نعقل ما كنا فى أصحاب السعير} [الملك: 10] وما كان سببا في الخلاص ms127 ~~من ذلك أولى من البصر الذي لا سببية له في ذلك ولأن ذلك المعنى الذي امتاز ~~به الإنسان عن شأن الحيوانات، هو النطق وإنما يدركه السمع، فمتعلق السمع ~~النطق الذي يشرف به الإنسان، ومتعلق الإبصار إدراك الألوان والأشكال، وذلك ~~أمر يشترك فيه الناس وسائر الحيوانات، فوجب أن يكون السمع أفضل من البصر، ~~لأن سائر الأنبياء صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهم أجمعين لم تعرف ~~نبوتهم ورسالاتهم برؤية ذواتهم وإنما حصل ذلك بسماع أقوالهم المشتملة على ~~ما أوتوه وأرسلوا به من التكليفات، فوجب أن يكون المسموع أفضل من المرئي، ~~وحينئذ فيلزم أفضلية السمع على البصر. وقال قوم: البصر أفضل من السمع، ~~لقولهم في المثل: ليس بعد العيان بيان، فدل على أن أكمل وجوه الإدراك ~~البصر، ولأن آلة القوة الباصرة النور، وآلة القوة السامعة هي الهواء، ~~والنور أشرف من الهواء؛ فالقوة الباصرة أفضل من القوة السامعة، لأن عجائب ~~حكمته تعالى في خلق العين المشتملة على سبع طبقات وثلاث رطوبات، وعلى عضلات ~~كثيرة على صور مختلفة، أكثر من عجائب خلقته في الأذن، وكثرة العناية في ~~تخليق الشيء يدل على كونه أفضل من غيره، ولأن البصر يرى الكواكب فوق سبع ~~سموات، والسمع لا يدرك ما بعد عنه على فرسخ؛ ولأن كلام الله يسمع في الدنيا ~~ولم يره أحد فيها، ولأن ذهاب البصر يذهب بماء الوجه، ولا كذلك ذهاب السمع ~~هذا حاصل أدلة الفريقين، وهي وإن كان أكثرها لا يخلو عن مقال لكن أدلة ~~القول الأول أقوى، فإن حاصلها يرجع إلى أن في السمع من المنافع الدينية ما ~~ليس في البصر، وليس ملخص التفضيل إلا ذلك، بخلاف أدلة القول الثاني فإنها ~~لم يتحصل منها أمر ديني انفرد به البصر، فكيف يقال بأفضليته على أن إدراك ~~كلام الله تعالى بالسمع في الدنيا دون رؤيته بالبصر فيها أدل دليل على ~~أفضلية السمع لكونه تأهل في الدنيا لهذه الخصوصية العظمى ولم يتأهل لها ~~البصر، فكان الأصح هو القول الأول سيما وقد علمت أن عليه أكثر الفقهاء وليس ~~المرجع ms128 في التفضيل ونحوه إلا إليهم. وأما نقل الثاني عن أكثر المتكلمين فهو ~~وإن سلم لا يقتضي أنه الأصح لتقدم # PageV01P057 # الفقهاء عليهم، لأنهم المجتهدون والمعول عليهم دون من سواهم، هذا لو لم ~~تظهر أدلتهم فكيف وقد ظهرت بالنسبة إلى أدلة القائلين بالثاني، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. 46 وسئل نفع الله بعلومه عما صورته: ذكر بعض ~~الفضلاء الولوة سمعت في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفسرها بالغطارف، ~~فهل لما ذكره أصل أم لا؟ فأجاب، أمدنا الله بمدده، بقوله: لا أصل لهذا ~~التفسير، ففي (القاموس) : ولولت المرأة: أعولت، وأعول: رفع صوته بالبكاء ~~والصياح. وفيه أيضا أن الغترفة والغطرفة والتغترف والتغطرف الكبر، فبهذا ~~كله علم عدم صحة تفسير الولولة بما ذكر في السؤال. فإن قلت: ما حكم غطارف ~~النساء وهي ما يظهر من أفواههن وعلى ألسنتهن عند حادث سرور، ولو في ~~المساجد؟ قلت: حكمه حكم بقية صوتها الغفل المجرد عن الحروف وتقطيعها. ~~والصحيح عندنا أنه ليس عورة ويبعد أن في مثل ذلك فتنة، ويؤيده قولهم: يسن ~~للمرأة إذا أرادت أن تجيب من دق على بابها لحاجة أن تجعل ظهر يدها على فمها ~~وتجيبه، فحيئذ لا يظهر له حقيقته، والغطرفة كذلك وأبشع، نعم هي حينئذ في ~~المسجد مكروهة بلا شك لأنها من جملة الألفاظ التي يتأكد تنزيه المسجد عنها، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. 47 وسئل نفع الله به عما صورته: روي في التفسير ~~أنه لما نزل: {أتىاأمر الله} [النحل: 1] وثب النبي صلى الله عليه وسلم ~~وسمعنا من أفواه بعض الناس قام النبي صلى الله عليه وسلم؛ فهل يسن لنا إذا ~~قرأناه أن نقوم أو لا؟ فإن قلتم نعم فهل يختص بالقارىء، أو يشمل المستمع، ~~وإن قلتم لا فهل يمنع من ذلك أو لا؟ فأجاب فسح الله في مدته بقوله: الذي ~~ذكره الواحدي في أسباب النزول أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أنزل ~~الله {اقتربت الساعة وانشق القمر} [القمر: 1] قال بعض الكفار لبعض: إن هذا ~~يزعم أن القيامة قد قربت فأمسكوا ms129 عن بعض ما كنتم تعملون حتى تنظروا ما هو ~~كائن، فلما رأوا أنه لاينزل عليه شيء قالوا نرى شيئا. قال: فأنزل الله ~~تعالى: {اقترب للناس حسابهم وهم فى غفلة معرضون} [الأنبياء: 1] فأشفقوا ~~ينتظرون قرب الساعة. فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئا مما ~~تخوفنا به، فأنزل الله تعالى: {أتىاأمر الله} فوثب النبي صلى الله عليه ~~وسلم ورفع الناس رؤوسهم فنزل: {فلا تستعجلوه} فاطمأنوا، فلما نزلت هذه ~~الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار ~~بأصبعيه إن كادت لتسبقني) . وقال آخرون: الأمر هنا هو العذاب بالسيف وهو ~~جواب (للمنتظرين الحادث) حين قالوا: {اللهم إن كان هاذا هو الحق من عندك ~~فأمطر علينا حجارة من السمآء} [الأنفال: 32] الآية، يستعجل العذاب فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية اه ما ذكره الواحدي رحمه الله. وإذا تأملته علمت أنه ~~صلى الله عليه وسلم لم يثب إلا فزعا من سماع قوله تعالى: {أتىاأمر الله} ~~[النحل: 1] وأنه لم يثب تشريعا لأمته ليفعلوا مثل فعله. وإذا تقرر أن ذلك ~~الوثوب إنما كان لذلك الفزع، ولذلك رفع الصحابة رضي الله عنهم رؤوسهم فزعا؛ ~~وإن ذلك السبب الذي هو الفزع زال بنزول {فلا تستعجلوه} [النحل: 1] ظهر لك ~~أن الوقوف بعد قراءة الآية غير سنة، ولأجل ذلك لم ينقل عنه صلى الله عليه ~~وسلم ولا عن أصحابه وقوف عند قراءة الآية بعد ذلك فدل على أن فعله صلى الله ~~عليه وسلم وأفعالهم إنما كان لسبب وقد زال، وحينئذ ففعل ذلك الآن بدعة لا ~~ينبغي ارتكابها لإبهام العامة ندبها. ونظير ذلك فعل كثير عند ذكر مولده صلى ~~الله عليه وسلم ووضع أمه له من القيام وهو أيضا بدعة لم يرد فيه شيء على أن ~~الناس إنما يفعلون ذلك تعظيما له صلى الله عليه وسلم فالعوام معذورون لذلك ~~بخلاف الخواص والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. 48 وسئل نفع الله به: عما ~~تفعله طوائف اليمن وغيرهم من اجتماعهم، وإنشاد أشعارهم والمدائح مع ذكر ~~مسجع هل هو ذكر أو ms130 لا؟ وهل يفرق بينه وبين الأشعار الغزلية والمدائح؟ وهل ~~منعه أحد من العلماء فإن كان فما سبب منعه؟ فأجاب نفع الله بعلومه بقوله: ~~إنشاد الشعر وسماعه إن كان فيه حث على خير، أو نهي عن شر، أو تشويق إلى ~~التأسي بأحوال الصالحين، والخروج عن النفس ورعونتها وحظوظها، والتأدب والجد ~~في التحلي بالمراقبة للحق في كل نفس، ثم الانتقال إلى شهوده في كل ذرة من ~~ذرات الوجود، والعبادات كما أشار إليه الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ~~بقوله: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) فكل من ~~الإنشاد والاستماع سنة، والذي نسمعه عن اليمنية وغيرهم أنهم لا ينشدون في ~~مجالس ذكرهم إلا بما فيه شيء مما ذكرناه، والمنشدون والسامعون مأجورون ~~مثابون إن صلحت نياتهم # PageV01P058 # وصفت سرائرهم، وأما إن كانوا بخلاف ذلك فيفهمون من كلام الصالحين غير ~~المراد به مما يليق بأغراضهم الفاسدة، وشهواتهم المحرمة فهؤلاء عاصون ~~آثمون: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب} ~~[النور: 63] وقد وقع لبعضهم أن ينشد كلام بعض فسقة الشعراء المشتمل على ~~الاجتماع بالمرد والخمور ونحوها من المعاصي فينبغي النهي عنه ما أمكن، فإن ~~إنشاده واستماعه حرام كما صرح به النووي في (شرح المهذب) ، وهو ظاهر لأنه ~~يحمل القوم سيما الفسقة منهم على محبة ذلك، أو يزيد الاسترسال فيهم ففيهم ~~من الشر والفساد ما لا تحصى كثرته ولا تنقضي نهايته، وأما الذكر المسجع فإن ~~وقع السجع فيه عن تكلف كان مكروها، لأنه ينافي الخشوع، وإن وقع لا عن تكلف ~~فلا بأس به، أخذا مما ذكروه من هذا التفصيل في الدعاء، نعم يقع لبعضهم أنه ~~عند السجع صغر اسمه تعالى أو وصفه كالله ملى، وهذا عند تعمده حرام شديد ~~التحريم بل ربما يكون كفرا بل أطلق بعضهم أنه كفر فليحذر ذلك. وقول السائل: ~~وهل يفرق بين الأشعار الغزلية والمدائح ونحوها؟ فحينئذ جوابه: أنه لا فرق ~~بينهما فيما سبق من أن ما اشتمل على سخف أو هزء أو مدح معصية، ms131 أو محرم ~~فحرام، وما خلا عن ذلك فمباح أو مندوب. والحاصل أن العبرة بالمقصود والنيات ~~وما اشتملت عليه القلوب وأكنته الضمائر فرب سامع قبيحا صرفه إلى الحسن ~~وعكسه فيعامل كل أحد بحسب نيته وقصده. وينبغي للإنسان حيث أمكنه عدم ~~الانتقاد على السادة الصوفية نفعنا الله بمعارفهم، وأفاض علينا بواسطة ~~محبتنا لهم ما أفاض على خواصهم، ونظمنا في سلك أتباعهم، ومن علينا بسوابغ ~~عوارفهم، أن يسلم لهم أحوالهم ما وجد لهم محملا صحيحا يخرجهم عن ارتكاب ~~المحرم، وقد شاهدنا من بالغ في الانتقاد عليهم، مع نوع تصعب فابتلاه الله ~~بالانحطاط عن مرتبته وأزال عنه عوائد لطفه وأسرار حضرته، ثم أذاقه الهوان ~~والذلة ورده إلى أسفل سافلين وابتلاه بكل علة ومحنة، فنعوذ بك اللهم من هذه ~~القواصم المرهقات والبواتر المهلكات، ونسألك أن تنظمنا في سلكهم القوي ~~المتين، وأن تمن علينا بما مننت عليهم حتى نكون من العارفين والأئمة ~~المجتهدين إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير. 49 وسئل نفع الله به: ما ~~المراد بكراع في قوله صلى الله عليه وسلم: (لو دعيت إلى كراع لأجبت) ؟ ~~فأجاب بقوله: الأرجح أنه كراع الدابة، وقيل المراد منه مكان بالحرة، ورده ~~النقاد على من رواه إلى كراع الغنم وقالوا إنه تحريف، والله أعلم. 50 وسئل ~~نفع الله به، بما لفظه: (لا تظهر الشماتة لأخيك فيعافيه الله ويبتليك) من ~~رواه؟ . فأجاب بقوله: رواه الترمذي وحسنه. 51 وسئل: عن حديث: (اللهم أهد ~~قريشا فإن علم العالم منهم بسبع طبقات الأرض) من رواه؟ فأجاب بقوله: رواه ~~أبو يعلى بسند جيد. 52 وسئل أدام الله النفع بعلومه: هل ترجيحات العباب ~~معتمدة أم المعتمد ما رجحه الشيخان؟ فأجاب بقوله: صاحب العباب رحمه الله لم ~~يرجح شيئا وإنما تبع بعض المتأخرين في اعتراضه على الشيخين بالنص، وكلام ~~الأكثرين ظنا منه أن الترجيح لا يعول فيه إلا على ذلك، وليس كما ظن، وما ~~جرى عليه مخالفا لهما غير معتمد في أكثره كما بينت ذلك بأدلته إجمالا في ~~شرح خطبته وتفصيلا في شرحه عند ms132 كل محل فيه خلافا للشيخين ونحوه، ولقد سألني ~~بالمدينة الشريفة على مشرفها أفضل الصلاة والسلام سنة مجاورتي بها سنة ~~خمسين وتسعمائة بعض أفاضلها رحمه الله عن سبب إتباع الناس للشيخين في ~~ترجيحهما دون غيرهما في سؤال طويل فيه كثير من المشكلات والتشكيكات، فأجبته ~~عن ذلك بجواب طويل يصلح مؤلفا في المسألة مشتمل على تحقيقات تشفي العليل، ~~وتبرد الغليل، وهو مسطر في (الفتاوى) فلينظره من أحب الوقوف عليه، والله ~~سبحانه الموفق وأعلم بالصواب. 53 وسئل رضي الله عنه: من مصنف ضياء الحلوم ~~في اللغة؟ فأجاب بقوله: هو محمد بن نشوان بن سعيد التميمي القاضي، كان ~~والده عالما باللغة والفرائض، وصنف في اللغة كتابا حافلا في ثمانية أسفار ~~وسماه (شمس العلوم وشفاء كلام العرب من الكلوم) سلك فيه مسلكا غريبا يذكر ~~الكلمة في اللغة فإن كان لها نفع من جهة الطب ذكره، فجاء ولده المذكور ~~واختصره في جزءين وسماه (ضياء الحلوم) مات نشوان في حدود ثمانين وخمسمائة ~~والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. 54 وسئل أدام الله النفع بعلومه: ما ~~يستحب من الذكر عند رؤية الشمس والقمر هل هو لمن رآهما أو لمن علم بهما وإن ~~لم يرهما، وهل هو مطلوب عند كل رؤية أو مخصوص بالطلوع # PageV01P059 # والغروب، وهل الاستواء كذلك وما حكمة خصوصيتهما؟ فأجاب بقوله: أخرج ابن ~~السني بسند ضعيف عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا طلعت الشمس قال: (الحمد لله الذي جللنا اليوم عافيته ~~وجاء بالشمس من مطلعها، اللهم إني أصبحت أشهد بكل ما شهدت به على نفسك، ~~وشهدت به ملائكتك وحملة عرشك وجميع خلقك، أنك أنت الله لا إله إلا أنت ~~القائم بالقسط، لا إله إلا أنت العزيز الحكيم، اكتب شهادتي بعد شهادة ~~ملائكتك وأولي العلم، ومن لم يشهد بمثل ما شهدت به فاكتب شهادتي مكان ~~شهادته، اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك السلام أسألك يا ذا الجلال ~~والإكرام أن تستجيب لنا دعوتنا، وأن تعطينا رغبتنا، وأن تغنينا عمن أغنيته ms133 ~~عنا من خلقك، اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح دنياي التي فيها ~~معيشتي، وأصلح لي آخرتي التي إليها منقلبي) . وأخرج ابن السني عن مهدي عن ~~واصل عن أبي وائل أن عبد الله قال: يا جارية انظري هل طلعت الشمس؟ قالت: ~~لا، ثم قال: واصل، فسبح ثم قال لها ثانية: انظري هل طلعت الشمس؟ قالت: لا، ~~ثم قال لها ثالثة: طلعت الشمس؟ فقالت: نعم، فقال: الحمد لله الذي وهب لنا ~~هذا اليوم، وأقالنا فيه عثراتنا. قال مهدي: وأحسبه قال: ولم يعذبنا بالنار. ~~وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب الأحبار رضي الله عنه أنه كان إذا أفطر الصائم ~~يعني دخل الليل استقبل القبلة وقال: اللهم خلصني من كل مصيبة نزلت من ~~السماء ثلاثا، وإذا طلع حاجب الشمس قال: اللهم اجعل لي بينهما في كل مصيبة ~~نزلت الليلة من السماء إلى الأرض حسنة ثلاثا، فقيل له، فقال: دعوة داود على ~~نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، فلينوا بها ألسنتكم واستقروها قلوبكم، ~~وكأن بعضهم أخذ منه قوله: إنه يقال عند غروب الشمس يوم الجمعة: اللهم صل ~~على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وادفع عنا البلاء المبرم من السماء إنك ~~على كل شيء قدير، يقول ذلك سبعا. وأخرج ابن السني عن عمرو بن عنبسة السلمي ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما تستقل الشمس فيبقى شيء من ~~خلق الله إلا سبح الله عز وجل وحمده إلا ما كان من الشيطان وأغنياء بني ~~آدم، فسألت عن أغنياء بني آدم فقال: شرار الخلق) أو قال: (شرار خلق الله) . ~~وأخرج ابن السني عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (لأن أجلس مع قوم يذكرون الله عز وجل من صلاة العصر إلى أن تغرب ~~الشمس أحب إلي من أن أعتق ثمانية من ولد إسماعيل) . قال لوين: كان أنس إذا ~~حدث بهذا الحديث أقبل علي وقال: والله ما هو بالذي تصنع أنت وأصحابك ولكنهم ~~قوم يتحلقون ms134 بالحلق: أي لطلب العلم وإقرائه. وأخرج ابن السني أيضا عن عائشة ~~رضي الله عنها قالت: (أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فإذا القمر ~~حين طلع قال: تعوذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب) أي غاب. وأخرج أبو ~~الشيخ وابن حبان أنه يقرأ يس عند طلوع الشمس. وأخرج الطبراني في (الأوسط) ~~أنه يقال عند غروب الشمس: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. وأخرج ~~الديلمي عن مسند الفردوس أنه عند الغروب يسبح سبعين مرة ويستغفر سبعين مرة. ~~إذا تقرر ذلك فالظاهر وعليه يدل ما مر عن ابن عمر من أمره للجارية بمراقبة ~~الشمس حتى تطلع فتخبره أن المراد العلم بطلوعها وغروبها وإن لم يرهما، وأن ~~الأذكار السابقة خاصة بالطلوع والغروب دون كل رؤية وعند استقلال الشمس وهو ~~قريب من استوائها. وحكمة تخصيص هذه الأحوال الثلاثة بتلك الأذكار السابقة ~~أن الطلوع فيه أول ظهورها في هذا العالم، فناسب إظهار الخضوع والذلة لله ~~والثناء عليه بهذه النعمة العظمى التي أوجدها في هذا العالم، إذ لو غابت ~~الشمس عنهم دائما لتعطلت معايشهم وفسدت أقواتهم، وسؤال الاستعاذة من العذاب ~~الذي استوجبه عابدهما بسجوده لهما عند طلوعهما والشهادة لله باستحقاقه لكل ~~صفة كمال وتنزيهه عن كل سمة نقص، بل وعن كل ما لا كمال فيه ولا نقص ردا على ~~عابدي الشمس وإظهارا لفساد عقولهم وسخافة آرائهم، وأما الاستواء فهو وقت ~~تسعر جهنم وكان وقت غضب فناسب التسبيح والتنزيه والثناء على الله تعالى ~~بجميل صفاته وعظيم آياته، والاعتراف بأنه ما من شيء إلا وهو مسبح حامد لله ~~تعالى إلا إبليس وجنده، والذين استحقوا ذلك الإبعاد للنار حينئذ حتى يشتد ~~عليهم الغضب إذا دخلوها يوم القيامة فكان في الذكر الذي عند الاستواء غاية ~~المناسبة له، وأما عند الغروب فهو وقت إشرافها على الزوال وذهابها إلى ~~السجود تحت العرش كما ورد فناسب أن # PageV01P060 # يطلب من الإنسان الاشتغال بالذكر، بل ومن حين دنوها إليه وذلك من وقت ~~العصر، والاستعاذة بالله من شر كل شيء حتى الشيطان ms135 الذي حمل أقواما بعظيم ~~خداعه على أن يسجدوا للشمس حين غروبها أيضا، وأنه يسبح الله وينزهه من ذلك ~~ومن غيره حينئذ، وأن يستغفره من عظيم ما قدم كيلا تزل قدمه كما زلت أقدام ~~أولئك هذا ما ظهر لي في ذلك كله، والله سبحانه وتعالى أعلم. 55 وسئل أدام ~~الله النفع بعلومه: ما الذي يجب علينا تعلمه، واعتقاده، بينوا لنا بيانا ~~شافيا لا يحتاج معه إلى مراجعة مصنف ولكم الثواب الجزيل من الملك الجليل؟ ~~فأجاب بقوله: مما يجب على كل مكلف وجوبا عينيا لا رخصة في تركه، أن يتعلم ~~ظواهر الاعتقادات الواردة في الكتاب والسنة مع تنزيه الله تعالى عما هو ~~محال عليه، مما يقتضي جسما أو جهة كالاستواء على العرش والآيات والأحاديث ~~التي فيها ذكر الوجه واليد، فهذه ونحوها فيها مذهبان مذهب السلف وهو الأسلم ~~أن يفوض علم حقائقها إلى الله تعالى من التنزيه عما دلت عليه ظواهرها مما ~~هو مستحيل على الله، ومذهب الخلف وهو أن يخرج تلك النصوص عن ظواهرها وتحمل ~~على محامل تليق به تعالى كحمل الاستواء على الاستيلاء، والوجه على الذات، ~~والعين على تمام الرعاية، والكلأ والحفظ، واليد على النعمة والقدرة، والرجل ~~على القوم والجماعة يقال رجل الجراد أي جماعته، والقدم على الجماعة ~~المقدمين، وغير ذلك مما هو مبسوط في محاله من كتب العقائد وغيرها، ~~فالمذهبان متفقان على التنزيه عن ظواهر تلك النصوص المشلكة، وإنما اختلفوا ~~هل يفوض علمها إلى الله تعالى ولا يتعرض لتأويلها وهو مذهب السلف، أو يتعرض ~~لتأويلها صوتا لها عن خوض المبطلين وزيغ الملحدين وهو مذهب الخلف. وأما ~~بقية نصوص الكتاب والسنة مما دل على التوحيد والتقديس وسائر صفات الكمال، ~~كالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والبقاء، وسائر صفات السلب ~~كليس بجسم ولا جوهر، ولا عرض، ولا متحيز ولا في مكان، ولا يحده زمان ولا ~~يتصوره وهم {ليس كمثله شىء وهو السميع البصير} [الشورء: 11] فهذه كلها يجب ~~على كل أحد أن يتعلم ظواهرها، وكذلك يجب ذلك في نحوها ككون العبد لا يخلق ms136 ~~أفعال نفسه خيرها وشرها وإنما الخالق لذلك والموجد له هو الله وحده لا شريك ~~له، وككونه تعالى يرى في الآخرة، وككون عذاب القبر وسؤال الملكين والصراط ~~والحوض والميزان والحساب حقا، وأن الجنة والنار مخلوقتان اليوم، وسائر ما ~~يتعلق بالمعاش والمعاد. ومما يجب تعلمه عينا أيضا أركان الصلاة وشروطها ~~ومبطلاتها أي ظواهر ذلك بعد وجوبها، وكذا قبله إن لم يتمكن بعده من التعلم ~~وإدراك الفرض في وقته، وكذا الصوم وكذا الزكاة إن كان له مال، وكذا الحج إن ~~أراد فعله أو تضيق لنحو خوف أو موت أو غضب أو تلف مال، وكذا البيع إن ~~أراده، ومثله سائر المعاملات كالنكاح، وكالقسم لمن معه أكثر من زوجة فهذه ~~كلها بعد الوجوب، أو إرادة الفعل، ويجب عينا تعلم ظواهر شروطها وأركانها ~~ومبطلاتها، وكذلك يجب عينا تعلم ظواهر حدود أمراض القلب وأسبابها وعلاجها ~~كالحسد والعجب والرياء والسمعة والحقد والبغض نعم من خلق سليما منها، أو ~~أمكنه إزالتها من غير تعلم لا يلزمه تعلم ما ذكر من الحدود وما بعدها إذ لا ~~حاجة به إليه والله سبحانه وتعالى أعلم. 56 وسئل أدام الله النفع بعلومه ~~ورضي عنه: الداخل إلى داره والخارج منها ما يقدم من رجليه؟ فأجاب بقوله: ~~الذي يتجه أنه يقدم اليمين في الدخول واليسرى في الخروج، لأن ذلك من باب ~~التكريم فهو كما صرحوا به من تقديم اليمين في لبس الثوب، والخف والنعل ~~والسراويل، والاكتحال، وتقليم الأظفار وقص الشارب ونتف الإبط وحلق نحو ~~الرأس والسواك والأخذ والعطاء وغير ذلك، ومن تقديم اليسار في خلع الثوب أو ~~الخف، أو النعل أو السراويل أو في دخول السوق، ويؤيد ذلك قول ابن عبد ~~السلام: الأصل في كل قربة يصح فعلها باليمين واليسار أن لا تفعل إلا ~~باليمين؛ وقد صرح الرافعي رحمه الله بأن كل ما كان لإزالة الأذى فهو ~~باليسار، وما كان لغيره فهو باليمين، وأخذ منه الزركشي أن ما لا تكرمة فيه ~~ولا إهانة يكون باليمين فعليه لو فرضنا أن دخول الدار لا تكرمة فيه ولا ms137 ~~إهانة يفعله باليمين، وهذا ظاهر في الدخول لأنه إما من باب التكريم وهو ~~الظاهر قياسا على ما مر في اللبس ونحوه، وإما من باب ما لا تكرمة فيه ولا ~~إهانة، وقد علمت أنه يدخل باليمين عند الزركشي أخذا من قول الرافعي، وأما ~~الخروج # PageV01P061 # فإن جعلناه إهانة لما يحصل من عدم الترك من العار والمشقة فهو نظير خلع ~~السراويل لما يحصل فيه من ذلك، فظاهر أنه يفعل باليسار، وليس مما لا تكرمة ~~فيه ولا إهانة حتى يأتي فيه ما تقرر عن الزركشي، لما علمت أنه نظير خلع نحو ~~الثوب فيما ذكروه فيه، فالأوجه أن الدخول من باب التكريم وأن الخروج من باب ~~الإهانة بالاعتبار الذي قررته أخذا من كلامهم في لبس نحو الثوب وخلعه إذ ~~المعنى الذي لحظوه في اللبس موجود في دخول الدار، والذي لحظوه في الخلع ~~موجود في الخروج كما هو ظاهر للمتأمل، والله سبحانه وتعالى أعلم. 57 وسئل ~~رحمه الله: ما حكم تعليم النساء الكتابة ففي وسيط الواحدي أول سورة النور ~~ما يدل على عدم الاستحباب هل هو صحيح أو ضعيف؟ فأجاب بقوله: هو صحيح. فقد ~~روى الحاكم وصححه عن البيهقي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: (لا تنزلوهن في الغرف ولا تعلموهن الكتابة) يعني النساء ~~(وعلموهن الغزل وسورة النور) أي لما فيها من الأحكام الكثيرة المتعلقة بهن ~~المؤدي حفظها وعلمها إلى غاية حفظهن عن كل فتنة وريبة كما هو ظاهر لمن ~~تدبرها. وروى الحكيم الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: (لا تسكنوا نساءكم الغرف ولا تعلموهن الكتابة) . وأخرج ~~الترمذي الحكيم عن ابن مسعود أيضا رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال: (مر لقمان على جارية في الكتاب فقال لمن يصقل هذا السيف) أي حتى يذبح ~~به، وحينئذ فيكون فيه إشارة إلى علة النهي عن الكتابة، وهي أن المرأة إذا ~~تعلمتها توصلت بها إلى أغراض فاسدة، وأمكن توصل الفسقة إليها على وجه ms138 أسرع ~~وأبلغ وأخدع من توصلهم إليها بدون ذلك، لأن الإنسان يبلغ بكتابته في أغراضه ~~إلى غيره ما لم يبلغه برسوله، ولأن الكتابة أخفى من الرسول فكانت أبلغ في ~~الحيلة وأسرع في الخداع والمكر، فلأجل ذلك صارت المرأة بعد الكتابة كالسيف ~~الصقيل الذي لا يمر على شيء إلا قطعه بسرعة فكذلك هي بعد الكتابة، تصير لا ~~يطلب منها شيء إلا كان فيها قابلية إلى إجابته إليه على أبلغ وجه وأسرعه، ~~ثم ما مر من الأحاديث يخصص حديث ابن النجار عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن من حق الولد على والده أن يعلمه ~~الكتاب أي الكتابة وأن يحسن اسمه، وأن يزوجه إذا بلغ) فقوله: (أن يعلمه ~~الكتاب) أي الكتابة خاص بالولد الذكر. واعلم أن النهي عن تعليم النساء ~~للكتابة لا ينافي طلب تعلمهن القرآن والعلوم والآداب، لأن في هذه مصالح ~~عامة من غير خشية مفاسد تتولد عليها بخلاف الكتابة، فإنه وإن كان فيها ~~مصالح إلا أن فيها خشية مفسدة ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وأخرج ~~أبو نصر عبد الكريم الشيرازي في (فوائده) والديلمي وابن النجار عن علي كرم ~~الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: ~~حب نبيكم، وحب أهل بيته، وقراءة القرآن، فإن حملة القرآن في ظل الله يوم لا ~~ظل إلا ظله مع أنبيائه وأصفيائه) . فإن قلت: أخرج أبو داود عن الشفاء بنت ~~عبد الله قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا عند حفصة فقال لي: ~~(علميها رقية النملة كما علمتيها الكتابة) وهذا يدل على تعليم النساء ~~الكتابة. قلت: ليس فيه دلالة على طلب تعليمهن الكتابة، وإنما فيه دليل على ~~جواز تعليمهن الكتابة ونحن نقول به وإنما غاية الأمر فيه أن النهي عنه ~~تنزيها لما تقرر من المفاسد المترتبة عليه، والله سبحانه أعلم. 58 وسئل: ~~فيمن قال: صاحب العباب حاطب ليل، هل يكفر إذ يفهم منه أنه مستهزىء به؟ ~~فأجاب بقوله: لا ms139 كفر بذلك إلا إن قصد الاستهزاء بالعلم من حيث كونه علما، ~~فإن ذلك حينئذ كفر كما صرحوا به في قولهم لو قال: قصعة ثريد خير من العلم ~~كفر، وأما إذا لم يقصد فلا كفر يلحقه، وإنما الذي يلحقه الذم الشديد، ~~والوصف المشعر بأنه جبار عنيد أو شيطان مريد، فإن صدور هذه المقالة الشنيعة ~~منه يدل إما على جهله بمقدار الكتاب، وما حواه من نصوص الشافعي رضي الله ~~عنه والأصحاب التي لا توجد في غيره كجمعها فيه، ولا يعلم بمقدار صنيعه ~~وحسنه وجميله إلا من أحاط بقوادمه وخوافيه وإما على حسده والكتاب حقيق بذلك ~~فإنه لا يحسد إلا كامل ولا تشمئز نفوس القاصرين الخبيثة إلا من ذوي المعالي ~~والفضائل وقد قيل: ولا خلاك الدهر من حاسد فإن خير الناس من يحسد وهذا ~~الكتاب من خير الكتب لاشتماله على الجمع الكثير مع التنقيح والتحرير فرحم ~~الله مؤلفه رحمة واسعة # PageV01P062 # وأدام على نزله هواطل رضاه الهامعة آمين، والله سبحانه وتعالى أعلم. 59 ~~وسئل نفع الله بعلومه: عن قوله صلى الله عليه وسلم (إن عيسى أخي ليس بيني ~~وبينه نبي) أو كما قال كما في الشفاء عن مسلم، ونقل البيضاوي في (تفسيره) ~~أنه كان بينه وبين عيسى عليهما الصلاة والسلام نبيان فما الجمع بينهما؟ ~~فأجاب بقوله: خبر مسلم أصح من هذا القول فليقدم عليه، وعلى التنزل فيجمع ~~بحمل النفي فيه على أنه لم يكن بينهما نبي مشهور يعرفه كل أحد، ولا خصوصية ~~لمسلم بذلك. فقد روى البخاري أيضا وأحمد وأبو داود عن أبي هريرة أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: (أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة وليس ~~بيني وبينه نبي والأنبياء أولاد علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد) : أي فروع ~~شرائعهم مختلفة وأصولها متحدة، وبالله التوفيق والله أعلم. 60 وسئل نفعنا ~~الله بعلومه بما صورته: في الحديث الذي رواه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي ~~والنسائي وذكره النووي في أربعينه ومجموعه وفي غيرهما وهو: (وليحد أحدكم ~~شفرته وليرح ذبيحته) هل لفظ النبي صلى ms140 الله عليه وسلم: (وليرح ذبيحته) أو ~~فليرح أو فيه روايتان إحداهما بالوارو والأخرى بالفاء، وهل وجود الفاء في ~~نسخة أو نسختين يقضي بأنه رواية يعتمد عليها حتى تنظر في أي الروايتين أظهر ~~معنى أم لا يقضي بذلك فيحرم جعله رواية، أو يجب الانكفاف عن قراءتها ولا ~~يخطأ الراد على قارئها، وإذا قلتم إن الفاء ثابتة في الرواية فهل هي سببية ~~أو لا، وهل جعلها سببية أظهر معنى من رواية الواو أو لا، وإذا لم يثبت أن ~~الفاء ليست في الرواية فهل يجوز قراءتها في الحديث بناء على أنها أكمل معنى ~~من الواو على ما زعمه بعض الطلبة أو لا يجوز ذلك مطلقا، أفيدونا أثابكم ~~الله الجنة فالمسألة واقعة حال، والقصد العلم بالوارد، ليرتفع الإشكال ~~ويتضح الحال ونرجع إلى الحق فالحق أحق أن يتبع؟ فأجاب نفعنا الله بعلومه: ~~قد كشفت عن هذا الحديث في كتب فقهائنا وغيرهم مع كثرتهم كثرة مفرطة جدا، ~~وكتب متون الأحاديث سيما المستخرجات على مسلم وكتب شروحها مع كثرتهم كثرة ~~كذلك فرأيت الكل مطبقين على كتابة الواو في (وليرح ذبيحته) بعد نقلهم ~~الحديث عن مسلم وحده تارة مع غيره أخرى، ولم نر أحدا منهم عول على غير ~~الواو في كتابه، ولا روايته إلا سعيد بن منصور في (سننه) فإنه ذكره بلفظ ~~(ثم ليرح ذبيحته) . وقد صرح ابن الصلاح وغيره بأن كثرة النسخ تنزل تارة ~~منزلة التواتر، وتارة منزلة الاستفاضة ومن المعلوم أن التواتر ولو معنويا ~~يفيد العلم الضروري، وأن الأصوليين اختلفوا في أي عدد يفيد التواتر وجملة ~~ما رأيناه من الكتب التي بالواو في ذلك يقرب من أعلى ما قيل في حد التواتر، ~~إذا تقرر ذلك علم أن رواية الواو هي الأمر المتيقن الضروري الذي لا شك فيه ~~ولا مرية، فلا يحتاج بعد ذلك إلى البحث عنها، وأما الفاء فلم أر من ذكرها ~~صريحا ولا إشارة، ولكن السائل ذكر أنها في نسخة أونسختين، ومن المعلوم أن ~~وجودها فيما ذكر من غير أن يوجد فيها وصف الصحة المتعين ms141 المعلوم مما يأتي ~~لا يسوغ اعتقاد كونها رواية بالإجماع كما حكاه غير واحد من الأئمة: منهم ~~الزين العراقي حيث قال: نقل الإنسان ما ليس له به رواية غير سائغ بالإجماع ~~عند أهل الدراية. ومنهم الحافظ ابن حبر الأشبيلي المالكي خال الحافظ ~~السهيلي صاحب (الروض) ، فإنه قال: اتفق العلماء على أنه لا يصح لمسلم أن ~~يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا حتى يكون عنده ذلك القول مرويا ولو ~~على أقل وجوه الروايات، ويوافق ذلك ويشرحه قول بعض الحفاظ إن المحدثين لا ~~يلتفتون إلى صحة النسخة إلا أن يقول الراوي أنا أروي أي ما فيها بسندي ~~المتصل؛ قال بعض الحفاظ بعد حكايته ذلك: وأهل الحديث في هذا الباب هم أهل ~~الفن على الحقيقة انتهى. وقد ظفرت عن إمام الأئمة مالك رضي الله عنه بما ~~يؤيد ذلك، فقد حكى جماعة من أئمة النقل عن ابن عبد الحكم عن أشهب: قال: ~~سألت مالكا أيؤخذ العلم عمن لا يحفظ وهو ثقة صحيح؟ قال: لا، قلت له: أن ~~يخرج كتابه ويقول هو سماعي؟ قال: أما أنا فلا أرى أن يحمل عنه فإني لا آمن ~~أن يكتب في كتابه ما ليس منه بالليل وهو لا يدري انتهى. ووافقه على ذلك بعض ~~الشافعية، لكن المعتمد عند الجمهور جواز الاعتماد على الأصل المسموع ~~المحفوظ، وإن لم تتعدد أصوله التي قوبل عليها كما يأتي عن النووي وابن ~~الصلاح رحمهما الله، وإنما سقت مع ذلك كلام مالك لأنه صريح في المنع في ~~مسألتنا والتشديد على من اعتمد مجرد الوجود في نسختين مثلا؛ ويوافق ذلك ~~ولعل الأصل فيما قاله مالك # PageV01P063 # رضي الله عنه، ما أخرجه الخطيب عن ابن عبد الرحمن السلمي أن عمر رضي الله ~~عنه قال: إذا وجد أحدكم كتابا فيه علم لم يسمعه عن عالم فليدع بإناء وماء ~~فلينقعه فيه حتى يختلط سواده في بياضه، هذا كله فيما إذا اعتمد في كون ذلك ~~رواية على مجرد وجوده في نسخة مثلا فلا يجوز ذلك، لأن الرواية لا تثبت بذلك ms142 ~~كما يأتي التصريح به أيضا عن غير واحد، أما إذا ذكر ذلك لا على جهة الرواية ~~ولا على جهة الجزم بل على جهة الوجادة فإن ذلك يجوز كما صرحوا به حيث ~~قالوا: ما وجد في نسخة من تصنيف، فإن وثق بصحة النسخة بأن قابلها المصنف ~~أوثقه غيره بالأصل، أو بفرع مقابل بالأصل وهكذا جاز الجزم بنسبتها إلى صاحب ~~ذلك الكتاب، وإن لم يوثق بصحة تلك النسخة لم يجزم بنسبتها إليه بل يقال ~~بلغني عن فلان أنه ذكر كذا أو وجد في نسخة من الكتاب الفلاني كذا، وما أشبه ~~ذلك من العبارات التي لا تقتضي الجزم، نعم يجوز ذلك للعالم الفطن الذي لا ~~يخفى عليه في الغالب مواضع الإسقاط والسقط وما أحيل عن جهته، وقالوا أيضا: ~~إن نسخ صحيح الترمذي كثيرة الخلاف في الحكم على الحديث ففي بعضها حسن صحيح ~~وفي أخرى صحيح غريب، وإذا أريد نسبة شيء منها للترمذي لم يجز الجزم بنسبتها ~~إليه إلا إذا رأى في نسخة صحيحة مقابلة على أصل معتبر. وفي (شرح المهذب) ما ~~ملخصه: لا يجوز الاعتماد على كتاب إلا إذا وثق بصحته فإن وجد منه نسخة غير ~~معتمدة فلتستظهر بنسخ منه متفقة، وإن لم يوجد غير تلك النسخة الغير ~~المعتمدة. قال ابن الصلاح: فإن أراد حكايته عن قائله فلا يقل قال فلان كذا ~~وليقل وجدت عن فلان كذا، وبلغني عنه ونحو ذلك، هذا إن كان أهلا للتخريج، ~~وإلا لم يجز له ذلك فإن سبيله النقل المحض، ولم يحصل له ما يجوز له ذلك، ~~نعم إن ذكره مفصحا بحالته، فقال: وجدته في نسخة من الكتاب الفلاني ونحو ذلك ~~جاز انتهى. قال ابن الصلاح أيضا: وقد تسامح كثيرون بإطلاق اللفظ الجازم في ~~ذلك من غير تحر ولا تثبت فيطالع أحدهم كتابا منسوبا إلى مصنف معين وينقل ~~عنه من غير أن يثق بصحة النسخة قائلا عن فلان كذا ونحو ذلك، والصواب أن ذلك ~~لا يجوز انتهى. قال بعض الحفاظ: ويلتحق بذلك ما يوجد بحواشي الكتب من ~~الفوائد ms143 والتقييدات ونحوها فإن كانت بخط معروف فلا بأس بنقلها وعزوها إلى ~~من هي له، وإلا فلا يجوز اعتمادها إلا لعالم متقن. وقال ابن الصلاح أيضا ما ~~ملخصه: لا يجوز لأحد أخذ حديث من كتاب معتمد لعمل أو احتجاج إلا بعد ~~مقابلته على أصول متعددة وقد تكثر تلك الأصول المقابل بها كثرة تنزل منزلة ~~التواتر أو الاستفاضة، وخالفه النووي فقال: لا يشترط تعدد الأصول بل يكفي ~~المقابلة على أصل واحد لكن بشرط أن يكون صحيحا معتمدا أي بأن يقابل على أصل ~~صحيح وهكذا إلى المؤلف. وكلام ابن الصلاح موافق له على عدم اشتراط تعدد ~~الأصل المقابل عليه إذا كان النقل منه للرواية، والفرق أن العمل والاحتجاج ~~يحتاط لهما أكثر. وقال ابن برهان: ذهب الفقهاء كافة إلى أنه لا يتوقف العمل ~~بالحديث على سماعه، بل إذا صحت عنده النسخة من الصحيحين مثلا أو من (السنن) ~~جاز له العمل بها وإن لم يسمع، ومن هذا وما قبله تعين حمل اشتراط ابن ~~الصلاح للتعدد على الاستحباب كما قاله جماعة. فإن قلت: حكاية ابن برهان ~~إجماع الفقهاء تخالف حكاية الإجماع السابق أولا. قلت: لا منافاة لأن ما هنا ~~في مجرد الاستنباط من الحديث فلا يشترط فيه سماع، بل صحة الأصل المنقول ~~عنه، وما مر فيمن أراد روايته بمجرد وجوده في كتاب من مسموعاته من غير أن ~~يصحح أصول سماعه به ولا يتيقن أنه سمعه من شيخه فهذا هو محمل إطلاقهم ~~السابق عدم الجواز، هذا ما يتعلق بحكم الواو والفاء من حيث النقل. وحاصله: ~~أن الواو ضرورية الثبوت رواية وعملا واحتجاجا، وأن الفاء إن صحت النسخة ~~التي وجدت فيها بأن قابلها خبير ثقة على أصل معتمد، بأن صححه حافظ ثقة، جاز ~~الاعتماد عليها عملا، وكذا رواية إن رآها في أصله المحفوظ عنده المقابل كما ~~ذكره، أو سمعها من لفظ شيخ له خبرة بالحديث متنا وإسنادا، فإن فقد بعض هذه ~~الشروط لم تجز قراءتها على أنها من الحديث ولا الجزم بأنها في كتاب مسلم، ~~وإنما الذي يجوز ms144 في ذلك أن يقول: رأيت أو وجدت في بعض نسخ مسلم كذا بالفاء. ~~إذا تقرر ذلك فمعنى الواو واضح جلي لقوله صلى الله عليه وسلم: (وإذا ذبحتم ~~فأحسنوا الذبحة) أو (الذبح) وهذا يشمل الإحسان بالحد والإحسان بالإراحة ~~والإحسان بغيرهما كالتوجيه للقبلة، والتسمية، ونية التقرب بذبحها إلى الله ~~والاعتراف لله تعالى بالمنة والشكر على هذه النعمة، وهي إجلاله # PageV01P064 # وتسخيره تعالى لنا ما لو شاء حرمه وسلطه علينا، فلما شمل الأمر بالإحسان ~~جميع ما ذكر وغيره كما صرحوا به عطف عليه بعض ما شمله، وهو الأمر بالحد ~~والأمر بالإراحة لبيان أنهما من أهم وجوه الإحسان. وأما العطف بالفاء في ~~(فليرح) فلا يصح صناعة لما علم مما قررته أن عطف ليحد وليرح) على فأحسنوا ~~عطف خاص على عام، وقد صرحوا في عطف الخاص على العام وعكسه بأنه لا يجوز إلا ~~بالواو وكذا حتى في الأول، وأيضا ليرح ليس معطوفا على ليحد بل على أحسنوا ~~لأن العطف إنما هو على الأول، وإذا كان معطوفا على أحسنوا كان بالواو نظير ~~ما قبله وهو وليحد، وأما عطف أحدهما بالفاء والآخر بالواو مع أن كلا منهما ~~نسبة واحدة بالنسبة للمعطوف عليه فهو بعيد من الصناعة فضلا عن البلاغة، على ~~أن في عطف فليرح على وليحد إيهام خلاف المقصود من ذلك السياق، وهو أعنى ذلك ~~الإيهام أن الأمر بالإراحة ليس متسببا إلا عن الأمر بالحد وهذا غير مراد، ~~وإنما الأمر بالإراحة المتسببة عن الحد وغير المتسببة عنه كالسابقة عليه ~~بأن لا يفعله بمقابلتها وأن لا يسوقها إلى المذبح بعنف، وأن يسقيها عند ~~الذبح، وأن لا يسلخها حتى تبرد وغير ذلك، فهذا كله من الإراحة التي لا ~~تتفرع على الحد ولكنه من الإراحة التي هي من جملة إحسان الذبح، فتعين عطف ~~وليرح بالواو على فأحسنوا ليفيد ذلك صريحا بعد استفادته من أحسنوا ضمنا، ~~وامتنع عطفه بالفاء صناعة كما مر وكذا معنى كما قررته. فإن قلت: هل يصح ~~العطف بالفاء على أنها لمجرد العطف بدليل رواية سعيد بن منصور في ms145 سنته إذ ~~فيها العطف بثم؟ قلت: فرق ظاهر بين الروايتين، فإن رواية سعيد بن منصور ليس ~~فيها أمر بالإحسان العام حتى يكون عطف الأمر بالحد والأمر بالإراحة من عطف ~~الخاص على العام فيها، وإنما فيها الابتداء بالأمر بالحد ثم بالإراحة، ~~فالعطف بثم حينئذ لا امتناع فيه لأنه ليس من عطف خاص على عام بخلافه في ~~رواية مسلم فإن فيها الأمر بالإحسان أو لا وهو عام ثم عطف عليه بعض أجزائه ~~وهو الأمر بالحد والإراحة، فامتنعت الفاء فيه لما تقرر أن عطف الخاص على ~~العام لا يكون إلا بالواور وحتى، ولا يجوز أن يكون بغيرهما فتأمل ذلك فإنه ~~مهم. فإن قلت: هل يمكن للفاء وجه لو جاءت رواية؟ قلت: الآن نحن على ظن قوي ~~أو يقين أنها ليست رواية، فإن فرض أمكن تخريجها على أنها أجريت مجرى الواو ~~مجازا وعليه خرج قوله: بين الدخول فحومل وإن كان الوجه خلافه فإن قلت: هل ~~يصح ما في رواية مسلم أن يكون من عطف المفصل على المجمل نحو توضأ فغسل وجهه ~~إلى آخره؟ قلت: لا، لأن شرط هذا أن يستوعب التفصيل أجزاء المجمل والأمر ~~بالإحسان أعم مما بعده كما تقرر فلم يصح أن يكون ما بعده تفصيلا له، ومعنى ~~(إذا ذبحتم) في الحديث إذا أردتم الذبح، والله سبحانه وتعالى أعلم. ولما ~~بلغ بعض المنازعين هذا الجواب اعترضه بأن عطف العام على الخاص المقتضي ~~لتعين الواو خاص بعطف المفردات فرفع هذا السؤال لسيدنا العلامة المجيب عن ~~السؤال آنفا وهو: ما قولكم رضي الله عنكم: في عطف الخاص على العام وعكسه هل ~~يختص بالمفردات أو لا بينوا مثل ذلك مع البسط أثابكم الله الجنة؟ فأجاب: ~~زاده الله نورا، بقوله: لا يختص كل منهما بالمفردات، بل يأتي فيها وفي ~~الجمل كما صرح به أئمة من النحاة، والأصوليين، والمفسرين، والفقهاء، ~~كالفراء، وأبي حيان والبيضاوي وشراح البخاري وغيرهم، فمن الأول قوله تعالى: ~~{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون ب المعروف وينهون عن المنكر} [آل ~~عمران: 104] . قال البيضاوي: والدعاء ms146 إلى الخير يعم الدعاء إلى ما فيه صلاح ~~ديني أو دنيوي وعطف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه أي على الدعاء ~~للخير عطف الخاص على العام للإيذان بفضله. وقوله تعالى: {إن الذينءامنوا ~~وعملوا الصالحات وأقاموا الصلواة وآتوا الزكواة} [البقرة: 277] الآية. قال ~~البيضاوي: عطفها على ما يعمها لإفاقتها على سائر الأعمال الصالحة. وقوله ~~تعالى: {يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم} [البقرة: 49] ~~هو من ذلك أيضا كما أشار إليه الفراء وأقره أبو حيان. قال: وزعم أن هذه ~~الواو هنا زائدة لحذفها في آية البقرة ضعيف. وقوله تعالى: {ويزكيكم ويعلمكم ~~الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} [البقرة: 151] هو من ذلك أيضا ~~كما أشار إليه البيضاوي. وقوله تعالى: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك ~~الدمآء} [البقرة: 30] هو من ذلك أيضا كما أشار إليه أبو حيان بجعله السفك ~~من بعض أنواع الفساد. وقوله: إن يفسد لا عموم فيه إنما أراد به توجيه ~~الاحتياج إلى ذكر سفك الدماء، ولا يمنع ذلك من عطف الخاص على # PageV01P065 # العام بدليل تصريحه به في غير ذلك، ولأن النحاة لا يريدون بالعام والخاص ~~المبحوث عنهما في فن الأصول، بل أن الثاني داخل في الأول ولو بطريق البدل ~~لا الشمول فالعام عندهم يشمل المطلق عند الأصوليين، وتفسير الفساد في الآية ~~بالشرك غير مشهور فلا يعول عليه، وقوله تعالى: {إني أعلم غيب السماوات ~~والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} [البقرة: 33] من ذلك أيضا كما صرح ~~به قول أبي حيان وآثر الفعل في قوله: (وأعلم) لتكون جملة معلقة مقصودة ~~بالعامل فلا يكون معمولها مندرجا تحت الجملة الأولى وهو يدل على الاهتمام ~~بالإخبار أو جعل الخ لعل أو بمعنى حتى مفردا بعامل غير العامل الأول، ~~ويؤيده تفسير جمع لغيب السموات بأنه ما قضاه من أمور خلقه ولغيب الأرض، ~~بأنه ما فعلوه فيها بعد القضاء وما أبدوه وما كتموه من جملة ذلك، وقوله ~~تعالى: {وأقيموا الصلواة وآتوا الزكواة واركعوا مع الراكعين} [البقرة: 43] ~~كما أشار إليه أبو حيان أيضا بقوله: يحتمل أن يراد به ms147 ركوع الصلاة وأمروا ~~بذلك، وإن كان الركوع مندرجا في الصلاة التي أمروا بإقامتها لأن صلاتهم لا ~~ركوع فيها، أي على أحد القولين فنبه بالأمر على أن ذلك في صلاة المسلمين. ~~قال: ويحتمل أن يراد بالركوع الانقياد والخضوع أي فيكون من عطف العام على ~~الخاص. وقول تعالى: {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون مآ أمر ~~الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض} [البقرة: 27] أشار البيضاوي إلى أن ~~الأخير من عطف الخاص على العام لأنه فسر ما قبله بما يعمه وغيره، وخالفه ~~أبو حيان فجعل ذلك من عطف العام على الخاص حيث قال: وترتيب هذه الصلات في ~~نهاية من الحسن لأنه بدأ أو لا بنقض العهد وهو أخص هذه الثلاثة ثم بمن يقطع ~~ما أمر الله بوصله، وهو أعم، ثم أتى ثالثا بالفساد الذي هو أعم من القطع. ~~وقوله تعالى: {اصبروا وصابروا} [آل عمران: 200] جعله البيضاوي من ذلك حيث ~~قال: ف (اصبروا) على مشاق الطاعات وما يصيبكم من الشدائد (وصابروا) أي ~~غالبوا أعداء الله بالصبر على شدائد الحرب، ثم قال: وتخصيصه بعد الأمر ~~بالصبر مطلقا لشدته. وقوله تعالى: {فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا} ~~[النساء: 9] ، والثاني من جملة الأول الذي هو التقوى، وقوله تعالى: {نزل ~~عليك الكتاب ب الحق} إلى قوله: {وأنزل الفرقان} [آل عمران: 4] جعله ~~البيضاوي من عطف العام على الخاص فقال: ذكر ذلك بعد ذكر الكتب الثلاثة ليعم ~~ما عداها كأنه قال: وأنزل سائر ما يفرق به بين الحق والباطل، وروى البخاري ~~في حديث جبريل قال: (فأخبرني عن الأسلام قال: أن تعبد الله ولا تشرك به ~~شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان) قال العيني في شرحه: وتقيم ~~الصلاة إلخ من عطف الخاص على العام أي ومثله حديث الشيخين: (أن رجلا قال: ~~يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال: تعبد الله ولا تشرك ~~به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان) ~~الحديث. وروى البخاري وغيره في خصال المنافق (إذا اؤتمن خان، وإذا حدث ms148 كذب، ~~وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) . قال العيني: إذا عاهد غدر داخل في قوله: ~~إذا اؤتمن خان، وإذا خاصم فجر داخل في قوله: إذا حدث كذب. وروى الترمذي أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا خمسكم وشهركم، وأطيعوا ما آمركم به تدخلوا ~~جنة ربكم) وهذا من عطف العام على الخاص والأمثلة في القسمين كثيرة جدا، وفي ~~هذا الذي تيسر الآن كفاية، والله سبحانه وتعالى أعلم. ثم كتب إليه بعضهم ما ~~صورته: لو قال قائل: قد ذكر مولانا في جوابه ما نصه: وقد صرح ابن الصلاح ~~وغيره بأن كثرة النسخ تنزل منزلة التواتر وتارة منزلة الاستفاضة، ومن ~~المعلوم أن التواتر ولو معنويا يفيد العلم الضروري، وأن الأصوليين اختلفوا ~~في أي عدد يفيد التواتر، وجملة ما رأيناه من الكتب التي بالواو في ذلك تقرب ~~من أعلى ما قيل في حد التواتر، إذا تقرر ذلك علم أن رواية الواو هي الأمر ~~المتيقن الضروري الذي لا شك فيه ولا مرية، فلا يحتاج بعد ذلك إلى البحث ~~عنها انتهى كلام مولانا. ومن المعلوم أن التواتر الذي يفيد العلم الضروري ~~هو ما كان متواترا في كل طبقة، وأنه لا يكفي احتمال تواتره ولا ظنه إذ ~~المشكوك والمظنون لا ينتج القطع، فقول ابن الصلاح: إن كثرة النسخ تنزل ~~منزلة التواتر، يجب حمله على كثرة النسخ في سائر الطبقات أو كلامه فيما إذا ~~لم تكن إلا طبقة واحدة، وإلا فلو تعددت الطبقات، وفقدت الكثرة في بعض ~~الطبقات فلا وجه لتنزيلها منزلة التواتر في إفادة العلم الضروري، مع أن ~~المتواتر نفسه إذا فقد تواتره في بعض الطبقات لا يفيد العلم الضروري، ومن ~~المعلوم أن الجملة المروية # PageV01P066 # بالواو المشار إليها ليست في جميع الطبقات، وأنه لا يلزم من كثرتها كثرة ~~بقية الطبقات، لجواز أن تكون بعض الطبقات التي قبل هذه لم تبلغ من الكثرة ~~بحيث تنزل منزلة التواتر، ومجرد الاحتمال والظن لو فرض لا يكفي، فلا بد من ~~إثبات الكثرة في بقية الطبقات أو إثبات أن جميع هذه الكتب ms149 أخذت من مسلم، ~~ولا يكفي مجرد دعوى ذلك ولا دعوى أنه حصل لنا العلم الضروري وهو آية حصول ~~ذلك، لأن العلم الضروري الحاصل بواسطة الكثرة لا يختص مع أنه على هذا يكون ~~حصول العلم الضروري دليل التواتر، والمذكور في الجواب العكس على أن دعوى ~~ذلك لا تسري إلا على الخصم المانع، فقول مولانا إذا تقرر ذلك علم أن رواية ~~الواو هي الأمر المتيقن الضروري الذي لا شك فيه ولا مرية فلا يحتاج بعد ذلك ~~إلى البحث عنها ممنوع فما يكون جوابا لهذا القائل؟ فأجاب أيضا نفعنا الله ~~بنوره، بقوله: إن المحدثين أثبتوا أن هذه الكتب نقلت عن أصحابها تواترا وأن ~~ذلك التواتر مستمر في جميع الطبقات إلى وقتنا هذا، ونحن لم ندع العلم في ~~نسبتها للنبي صلى الله عليه وسلم بل في نسبتها لمسلم، وذلك مما لا مرية ~~فيه، فإن ما رأيناه من الكتب معها كثرة تامة في الطبقة التي بعد مسلم وكثرة ~~كذلك فيمن بعدهم وهكذا، ونسخة مسلم بمنزلة نسخة الأم أو المنهاج مثلا، فلا ~~يسع أحدا أن يقول إن نسبة ذلك لمؤلفيه ظني، بل لو جرى جمع من المحدثين على ~~أن كل ما في (الصحيحين) مما سلم من التعقيب المعتد به ضروري النسبة إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ووجهوه بما أحوج إلى تكلف في الجواب عنه، ومما ~~صرحوا به أن التواتر قد يحصل لقوم دون قوم، فنحن قد حصل لنا العلم الضروري ~~بذلك ولا يلزم منه حصوله لغيرنا الذي لم يبحث كما بحثنا ولو بحث أحد كذلك ~~لحصل له ذلك العلم، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. ثم كتب إليه ذلك ~~البعض أيضا ما لفظه: تحيط العلوم الكريمة أدام الله التمتع بها آمين بأنه ~~لم يكن النزاع إلا في صحة الفاء لا في الترجيح بينها وبين الواو، غاية ~~الأمر أن الفقير لما ادعى صحة الفاء قال له المستفتي فيها تكلف، فقال له ~~الفقير: لا نسلم التكلف، بين وجهه، فقال بديهي، فقال له باطل، هذا غاية ما ~~وقع في ms150 المجلس بشهادات العدول الثقات، ثم لا يخفى أن الفقير مجيب فيكفيه ~~الاحتمال وينفعه المنع، بخلاف مدعى بطلان الفاء، فإنه مستدل فيحتاج إلى ~~الدليل الحاسم المانع لصحة الاحتمال كما تقرر ذلك في محله، فحاصل ما يقوله ~~الفقير: لا نسلم عدم صحة الفاء هنا، ولا نسلم أن العطف ههنا يتعين أن يكون ~~من عطف الخاص على العام، وإنما يكون من ذلك لو كان المراد بالإحسان مفهوما ~~متناولا لأمور هي تحديد الشفرة، وتعجيل إمرارها وتخلية رجلها للاضطراب إلى ~~غير ذلك مما ذكروه في معنى الإحسان، وكان المراد بالإراحة مفهوما متناولا ~~لبعض تلك الأمور فقط، وكان قوله: (وليحد) وما بعده معطوفا على قوله: ~~(أحسنوا) ولا نسلم أن شيئا من ذلك متعين، لم لا يجوز وجوه أخر مخلصة من هذا ~~المحذور: منها: أن يكون العطف على أحسنوا، لكن يراد بأحسان الذبح إيقاع ~~الذبح على الوجه الحسن المتناول لإيقاعه مع تحديد الشفرة، ولإيقاعه مع ~~تعجيل إمرارها إلى آخره، وتجعل الإراحة عبارة عن تحديد السكين وتعجيل ~~إمرارها وغير ذلك، ولا شك أن الإحسان بهذا المعنى والإراحة بهذا المعنى ~~متباينان إذ الإيقاع المذكور لا يتناول التحديد، ولا تعجيل الإمرار مثلا ~~وإن حصل به، وكذا لو جعلت الإراحة بمعنى جعل الذبيحة في راحة من التعذيب أو ~~نحو ذلك يكون مباينا للإحسان بالمعنى المذكور. والحاصل أنه يصح حمل الإحسان ~~على المذكور، والإراحة على المعنى المذكور، وبذلك يتباينان فيصح عطف أحدهما ~~على الآخر بالفاء ولا يكون من عطف الخاص على العام، وإمكان حملهما على معنى ~~يقتضي أن يكون بينهما عموم وخصوص لا يوجب الحكم بفساد الفاء مع إمكان الحمل ~~على غير ذلك المعنى، ولا يكفي في الاستدلال على الفساد، أن بعضهم فسرهما ~~بمعنى يقتضي العموم والخصوص، لأن تفسيره بذلك لايوجب فساد التفسير بغيره، ~~مع قبول اللفظ واحتماله، ونحن في مقام المنع فلا يكفي الاستدلال بتفسير ~~الغير بل لا بد من الدليل على عدم إمكان هذا المعنى وعدم صحة حمل اللفظ ~~عليه. ومنها: أن تجعل الواو في (وليحد) للاستئناف كما قيل بذلك ms151 في قوله ~~تعالى: {لنبين لكم ونقر فى الأرحام} [الحج: 5] وقوله: (فليرح) عطف على ~~(ليحد) لكن لا تفسر الإراحة بنفس التحديد وتعجيل الإمرار وغير ذلك حتى يكون ~~من عطف العام على الخاص، وهو ممتنع أيضا بل بمعنى يتحقق بهذه الأمور كجعلها ~~في راحة، # PageV01P067 # وحينئذ لا يكون من عطف الخاص على العام، ولا من عطف العام على الخاص إذ ~~جعلها في راحة مثلا ليس صادقا على التحديد وإن تحقق به، فإن ادعى أن ~~الاستئناف إنما يكون في الإخبار فلا يكون في الإنشاء فلا بد من الدليل ~~لأنهم أطلقوا أن الواو تكون للاستئناف فصرفه عن ظاهره لا يسوغ لغير دليل. ~~ومنها: أن الفاء في (فليرح) للاستئناف فإنها ترد له كما قاله جماعة، وجعلوا ~~منه قوله تعالى: {كن فيكون} [البقرة: 117] وقوله: ألم تسأل الربع القواء ~~فينطق وإن قال في المعنى: إن التحقيق في ذلك أن الفاء للعطف وأن المعتمد ~~بالعطف الجملة لا الفعل وحده لأن ذلك لا يمنع المسألة من أصلها. ومنها أن ~~قوله: (فليرح) جواب شرط محذوف ومثل ذلك شائع ذائع. ومنها أن قوله: (وليحد) ~~ليس معطوفا على (أحسنوا) بل على مجموع الشرطية وهي (إذا ذبحتم فأحسنوا ~~الذبحة) بناء على أن الكلام مجموع الشرطية، وأن مضمونها الحكم بلزوم الجزاء ~~للشرطية، وهو ما صوبه السيد وغيره، وهو مذهب المنطقيين أيضا، ويوافقه قول ~~ابن هشام وغيره، إن الكلام قد يتركب من جملتين ومثل بالشرطية، وأما ما وقع ~~للشيخ سعد الدين من أن الكلام هو الجزاء فقط، والشرط قيد له خارج عنه فرده ~~السيد، وإذا كان العطف على مجموع الشرطية لم يكن من عطف الخاص على العام ~~لأن مضمون الشرطية لا يتناول المعطوفات المذكورة كما هو ظاهر، غاية ما في ~~الباب أنه يرد حينئذ أنه يلزم عطف الإنشاء على الخبر والجواب أن ذلك لا ~~يمنع الصحة، لأن عطف الإنشاء على الإخبار أجازه كثيرون وصوبه أبو حيان ~~وغيره، وفي (حاشية الكشاف) للتفتازاني عطف الإنشاء على الخبر كثير واقع في ~~كلامهم، ولا ينافيه ما ذكره في المطول في ms152 قوله: (وهو حسبي ونعم الوكيل) ~~لأنه لم يرد به الاعتراض بل تحقيق المقام، كما صرح به في حاشية له على هامش ~~المطول، ولهذا ردوا على السيد حيث حمل كلامه على الاعتراض، فاعترض بأنه حمل ~~الكلام على خلاف مراد قائله من غير ضرورة أو أن ذلك من باب عطف القصة على ~~القصة كما قيل بذلك في: وهو حسبي ونعم الوكيل، وإن توزع بأن شرط ذلك تعدد ~~الجمل في المعطوف والمعطوف عليه، لأن هذه المنازعة على تسليمها لا تجري ~~هنا، ويا سبحان الله نراهم يوجهون الصحة في مواضع لا تحصى مما هو أدنى من ~~ذلك بمراتب عديدة. وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي ~~المساويا ثم رأيت في جواب مولانا ما نصه: فإن قلت: هل يصح العطف بالفاء على ~~أنها لمجرد العطف بدليل رواية سعيد بن منصور في (سننه) إذ فيها العطف بثم. ~~قلت: فرق ظاهر بين الروايتين، فإن رواية سعيد بن منصور ليس فيها أمر ~~بالإحسان العام حتى يكون فيه عطف الأمر بالحد والأمر بالإراحة من عطف الخاص ~~على العام، وإنما فيها الابتداء بالأمر بالحد ثم بالإراحة، فالعطف بثم ~~حينئذ لا امتناع فيه لأنه ليس من عطف خاص على عام، بخلافه في رواية مسلم ~~فإن فيها الأمر بالإحسان أو لا وهو عام، ثم عطف عليه بعض أجزائه وهو الأمر ~~بالحد والإراحة فامتنعت الفاء فيه لما تقرر أن عطف الخاص على العام لا يكون ~~إلا بالواو، وحتى، ولا يجوز أن يكون بغيرهما فتأمل ذلك فإنه مهم نفيس انتهى ~~كلام مولانا. وفيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره في السؤال يدل على أنه يجوز ~~عطف الخاص على العام بالفاء إذا كانت لمجرد العطف. على أنهم أطلقوا أن ~~الفاء لا تجوز في عطف الخاص على العام، فإن كان في كلامهم تقييد لامتناع ~~الفاء في عطف الخاص على العام فلا بأس بإفادته. وثانيهما: أن رواية سعيد بن ~~منصور وإن لم يكن فيها الأمر بالإحسان العام بل الابتداء بالأمر بالحد ثم ~~بالإراحة، إلا أن ms153 الإراحة أعم من الحد، فيلزم عطف العام على الخاص وهو ~~ممتنع كعكسه، بل هو من خصائص الواو، فقوله فالعطف بثم حينئذ لا امتناع فيه ~~لأنه ليس من عطف الخاص على عام، يقال عليه لكنه من عطف عام على خاص وهما ~~سواء في الامتناع بثم والفاء، فإن ادعى مولانا أن الإراحة ليست عامة ~~للتحديد بأن يفسرها بوجه لا يتناوله كان هذا لنا لا علنيا. فنقول: الواو في ~~(وليحد) للاستئناف، وقوله: (فليرح) عطف على (وليحد) ولا محذور لأنه ليس من ~~عطف الخاص على العام ولا من عكسه، بل يجوز لنا على قياس هذا أن نفسر ~~الإحسان بوجه لا يتناول الإراحة، فلا يكون متناولا لها فيصح عطفها عليه، من ~~غير لزوم عطف الخاص على العام. فأجاب أدام الله النفع بعلومه: لسنا بصدد ما ~~وقع ولا لنا التفات إليه، وإنما نحن الآن بصدد بيان الحق في هذه الواقعة مع ~~السلامة بحمد الله # PageV01P068 # عما أشير إليه بإنشاد: وعين الرضا إلخ مما كان الأولى حمل الأمر فيه على ~~السداد، وذلك الحق هو أن الواقع دعوتان متعارضتان، دعوى البطلان وهي ~~السابقة كما قاله القارىء، ودعوى الصحة وهي المتأخرة وبرهن عليها بما قيل ~~عنه إنه تكلف، وأنت في الحقيقة المستدل، وغيرك ادعى أولا ولم يستدل لمدعاه ~~فكل منكما مدع: على أن التأخر مع الاستدلال فيه شبه غصب للمنصب كما لا يخفى ~~فنتج أنك مستدل لا مجيب، وأنه لا يكفيك المنع، وعلى كل فمثل هذه المباحث لا ~~يفيد فيها ذلك الاصطلاح، كما طفحت به نصوص الأئمة واستدلالاتهم، وإنما ذلك ~~في العقليات ونحوها، ولو سمعنا في الأدلة الشرعية مجرد المنع لأفضى ذلك إلى ~~خرق كبير إذ لا ينتهي الأمر فيها إلى ما يقطع بفساد المانع بخلاف العقليات، ~~ثم قولك لم لا تجوز وجوه أخرى إلى آخره، يقال عليه إنما يحتاج لتكلف تلك ~~الأمور لو صحت رواية الفاء، فكان تجويز تلك متعينا للاضطرار إليه، أما ~~تجويز ورودها والتمحل له بتلك التكلفات فلا حاجة إليه، والمنازعة في شيء مع ~~ظهور المراد منه ms154 ليس من دأب المحصلين. على أنه يلزم من ذلك التجويز محذور ~~مناف لما أصلوه وقرروه، هو أنه لا يتحقق لنا عطف خاص على عام ولا عكسه لأنه ~~ما من عام وخاص إلا ويمكن أن يحمل العام فيه على بعض الأفراد المخالفة لذلك ~~الخاص، فيحصل التباين فعلمنا أن ذلك الحمل غير سائغ، وأن المراد بالعام ~~والخاص باعتبار مدلولهما المتبادر منهما لغة في كلام أهل اللغة، أو شرعا في ~~كلام أهل الشرع، وما نحن فيه إنما هو من كلام الشارع صلى الله عليه وسلم ~~فليس لنا حمله على معنى لغوي أو عرفي أو عقلي، وإنما يحمل على المعنى ~~الشرعي، وهو في إحسان الذبح يشمل مقدماته وذاته ولواحقه، كما صرح به أهل ~~الشرع، والمعول في هذا ليس إلا عليهم، فتعين على كل أحد قبوله. وإذا كان ~~الإحسان بهذا المعنى الشرعي المتبادر منه عند أئمة الشرع، ظهر أنه من عطف ~~الخاص على العام، وأن تلك التجويزات لا تجدي هنا شيئا، لما تقرر مما لم ~~يعول فيه على محض تفسير البعض بل على ذلك وما معه مما يستقل بالحجة في منع ~~تلك التجويزات هنا، وقولك المتناول لإيقاعه مع التحديد، يستلزم أن التحديد ~~مأمور به، وإلا لم تكن لتلك المعية فائدة، وحينئذ فيكون (وليحد) عطف خاص ~~على عام وهو المدعى، وقولك وتجعل الإراحة إلخ يلزم عليه أن (وليرح) عطف عام ~~على خاص بالنسبة لقوله (وليحد) وهو تتعين فيه الواو أيضا، فما أريد الفرار ~~منه حصل الوقوع فيه، ولو تمسكنا بقول الأئمة تعليلا في ندب التحديد ~~والإراحة لأنه من إحسان الذبح المأمور به لكان ذلك كافيا لنا وشاهد صدق لا ~~يقبل المنع، على أن ما في الحديث من عطف الخاص على العام، وكونك في مقام ~~المنع، بأن أن الواقع خلافه وأن مقامك الاستدلال على أنه لا يليق بك أن ~~تقول إن تفسير أئمة الشرع مما يوجب العموم والخصوص ليس دليلا علي، ثم رأيت ~~دليلا من السنة واضحا لا يقبل النزاع على أن ذلك من عطف الخاص على ms155 العام ~~وهو حديث مسند الدارمي ولفظه: (حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اثنتين قال: إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، ~~وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته ثم ليرح ذبيحته) فقوله: ~~(اثنتين) صريح في أن (وليحد، وليرح) داخلان في إحسان الذبحة الذي هو الخصلة ~~الثانية، والأولى هي إحسان القتلة في القود والحدود فظهر إدخال (وليحد ~~وليرح) في العدد وإنما ألغيا وعد ما شملهما وهو إحسان الذبح وهذا صريح في ~~عدم مباينتهما الإحسان، وإلا لبطل قول الصحابي اثنتان مع أنه يرجع إليه ~~لكونه من أهل اللسان والشرع فيما هو أخفى من ذلك فتأمل ذلك فإنه نفيس، ~~وتجويز أن الواو في (وليحد) للاستئناف صحيح في حد ذاته لا هنا، لأنه يلزم ~~عليه أن الأمر بالإحداد لا بقيد إرادة الذبح، ولا قائل به فيما نعلم فتعين ~~بمقتضى شهادة السياق وغرض تعليمهم ما يتعلق بإحسان الذبح، أن العطف على ~~(أحسنوا) حتى يكون الأمر بالإحداد مقيدا بإرادة الذبح، وإنما صح الاستئناف ~~في (نقر) وفي (فيكون) لأن ما قبلها ليس شرطا في مفادها فليس نظير ما نحن ~~فيه، وهذا الذي قررته بعينه هو المانع لصحة كون الفاء في فليرح لو وردت ~~للاستئناف لأنه يلزم عليه الأمر بالإراحة لابقيد الذبح فلا تمتهن في عمل ~~ما، ولو بما لا يتعبها ولا قائل به أيضا، وهو المانع أيضا لصحة عطف (وليحد) ~~على مجموع جملة الشرط والجزاء على ما فيه، وبيانه واضح مما تقرر أنه يلزم ~~عليه الأمر بمطلق إحداد الشفرة، ومطلق الإراحة، # PageV01P069 # ولا قائل به فاندفع هذا وما رتب عليه كالذي قبله، ولم يحتج إلى منع تصويب ~~السيد وغيره عطف الإنشاء على الخبر كما عليه الجمهور، وقولك: نراهم إلخ ~~صحيح ولو وردت الفاء تكلفنا لها أدنى من هذه التكلفات كما يعلم مما يأتي، ~~فإذا لم ترد فلا حاجة إلى ذلك التكلف على أنه يلزم عليه إيهامات تنافي ~~الحكم المقرر، وكلام الأئمة كما تقدم فلم نقل بصحة الفاء. فإن قلت: لا نظر ~~إلى ms156 تلك الإيهامات لأنها معلومة من أدلة أخرى خارجية. قلت: لا عذر في تكلف ~~إخراج دليل عن ظاهره لغير موجب، وإن لم يترتب عليه إيهام، فكيف بهذا الذي ~~يترتب عليه تلك الإيهامات، وقولك: وعين الرضا عن كل عيب، يدفعه أن الله هو ~~المطلع على القلوب والعالم بحقائق ما انطوت عليه، يعامل كل قلب بما انطوى ~~عليه، ويقصم من أراد غير واضح الحق بحسب ما أدى إليه اجتهاده وترويه، وما ~~ذكر في السؤال لا يدل على ذلك صريحا، لأنه على التنزل على أن مرادنا بمجرد ~~العطف، أن الفاء في عطف الخاص على العام، وعكسه إذا جعلناها بمعنى الواو ~~وتجوز أنها قد تأتي بمعناها، وهذا القدر كاف لك في ادعاء صحة الفاء لو ~~وردت، وقولك: إلا أن الإراحة أعم من الحد ممنوع، لأن هذه الرواية لما جاءت ~~بثم لزم أن تفسر الإراحة بأمر يترتب على الحد لا بما يشمل الحد، ولو وردت ~~الفاء لكنا فعلنا فيها نظير ذلك كما أشرنا إليه، فما ذكرناه في السؤال ~~والجواب لا غبار عليه، على أني رأيت بعد ذلك في رواية الدارمي التي قدمتها ~~آنفا العطف بثم مع ذكر الأمر بالإحسان، وأخذت من ذلك أن قولهم بتعين الواو ~~في عطف الخاص على العام وعكسه، إنما هو أغلبي ولو وردت الفاء لجعلناه بمعنى ~~الواو كما مر، أو من غير الغالب كما جعلنا ثم كذلك. وقد يقال لا يلزم من ~~تجويزهم ثم لما دلت عليه رواية الدارمي تجويز الفاء فالأصل امتناعها حتى ~~ترد هي، فيستفاد أن عطف ذينك تجري فيه الفاء كما جرت فيه ثم، والظاهر أن ~~أئمة النحو لم يحيطوا برواية الدارمي، فهي واردة عليهم إلا أن يجيبوا بما ~~قدمته، ولا يلزم منها تجويز الفاء كما تقرر فتأمل ذلك كله والله أعلم، ~~ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وكتب ذلك على عجل ونحن بالمسجد فإن أشكل ~~فيه شيء فلا بأس بالمراجعة، فإن القصد بشهادة الله تعالى وكفى به شهيدا، ~~إظهار الحق لا غير، وفقنا الله أجمعين لطاعته آمين. ثم ms157 كتب إليه ما صورته: ~~أطال الله بقاء مولانا قد وقفنا على جوابه الشريف وإذنه في مراجعته فيما ~~أشكل علينا منه، ومنه يؤخذ الإذن في مراجعته فيما أشكل من غير هذا الجواب ~~أيضا، وقد أشكل على الفقير لقصوره وتقصيره أشياء من هذا الجواب، ومن غيره، ~~فأما ما أشكل من غيره فهو أن مولانا استدل على أن الواو أمر متيقن ضروري لا ~~شك فيه بكثرة النسخ، فإنها قد تنزل منزلة المتواتر كما قاله ابن الصلاح ~~وغيره، وقد عرضنا على مولانا ما أشكل علينا من ذلك في ورقة صغيرة، وهي ~~معروضة عليه أيضا مع هذه الورقة. فأجاب فيها: بأن المحدثين أثبتوا أن هذه ~~الكتب نقلت عن أصحابها تواترا، وأن ذلك التواتر مستمر في جميع الطبقات إلى ~~وقتنا هذا إلى آخر ما أفاده مولانا، وهذا الجواب قد أشكل علينا أيضا لأن ~~الذي أثبتوا تواتره إلى الآن هو إجمالات هذه الكتب، بمعنى أن الجملة ~~المخصوصة المسماة بصحيح مسلم ثبت بالتواتر أن مصنفها وجامعها هو مسلم ~~الإمام المعروف لا تفصيلاتها، بمعنى أن كل لفظة من نسخ تلك الكتب بخصوصها، ~~وثبت بالتواتر أنها لفظة صاحب الكتاب بعينها، ومسألتنا من الثاني لا من ~~الأول فإن كان هناك نقل بأن التفصيلات بالمعنى المذكور متواترة بالنسبة لنا ~~أيضا فلمولانا على إفادته الثواب الجزيل؛ وكذا على بيان أن أي تفصيل متواتر ~~النسبة فإن ألفاظ النسخ متفاوتة تفاوتا عظيما، ويختلف العلماء فيها اختلافا ~~كثيرا، ولا يمكن أن يكون محل الألفاظ المختلفة متواتر النسبة، وإلا دخلت ~~الفاء فيما نحن فيه فلا بد من بيان القدر الذي نحكم عليه بالتواتر بالنقل ~~لتعظم الفائدة، وأما ما أشكل علينا من هذا الجواب فأمور: منها: قول مولانا: ~~وذلك الحق هو أن الواقع دعوتان متعارضتان، إلى قوله: وغيرك ادعى أولا ولم ~~يستدل لمدعاه. ووجه إشكال ذلك أن مولانا استدل على أن الفقير هو المستدل ~~بتأخر دعواه مع استدلاله عليها، وتقدم عدم دعوى غيره مع عدم استدلاله عليها ~~مع أن ذلك لا ينتج كون الفقير مدعيا فضلا عن كونه ms158 هو المستدل، لأن دعواه ~~الصحة منع أورده بصورة الدعوى مبالغة، وهم يفعلون مثل ذلك ويصرحون به، وما ~~ذكره في صورة الدليل ليس دليلا بل سندا للمنع فلا استدلال، وظهر من هذا أن ~~الاعتراض على ما ذكره الفقير لا يفيد لأن إبطال السند الغير المساوي لا ~~يفيد، فضلا عن # PageV01P070 # مجرد الاعتراض عليه من غير إبطال، نعم يرد على الفقير شيء آخر، وهو أنهم ~~قرروا أن الدعوى لا تمنع، فحيث اقتصر مدعى البطلان على الدعوى من غير ~~استدلال لم يجز الاعتراض عليه بالمنع. والجواب أن ذلك جائز، وإن كان تسميته ~~منعا مجازا، والمقصود طلب الدليل كما صرحوا بذلك أيضا. قال العضد في مقدمته ~~في ذلك: ولا يمنع النقل إلا مجازا، قال في قوله: والمدعى إلا مجازا: أي لا ~~يمنع المدعي أيضا؛ ثم قال: لكن جواز منع المدعي مجازا، على طريق إطلاق الكل ~~أعني طلب الدليل على مقدمته، وإرادة الجزء، أعني طلب الدليل خال عن التعسف ~~الذي قلنا في النقل انتهى. ومنها: قول مولانا: فكل منكما مدع على أن التأخر ~~مع الاستدلال فيه غصب للمنصب كما لا يخفى، ووجه الإشكال أنه ظهر أن الفقير ~~مانع لا مدع، وأن مدعى البطلان ما لم يستدل عليه لا يكون مستدلا، فلا يكون ~~منصب الاستدلال له حتى يكون استدلال مدعي الصحة لو فرض أنه مستدل غصبا ~~للمنصب، كيف والغصب هو منع مقدمة من مقدمات الدليل مع الاستدلال على انتفاء ~~تلك المقدمة الممنوعة، وذلك غير موجود ههنا، على أنه كما علم ليس ما أورده ~~الفقير دليلا بل سندا للمنع، ولم يقل أحد إن المنع مع السند غصب فلا غصب ~~أيضا على فرض أن المدعي البطلان مستدل، وبهذا يظهر وجه إشكال قول مولانا ~~فنتج إلخ. ومنها: قوله: ومثل هذه المباحث لا يعتبر فيها ذلك اصطلاح إلخ، ~~والذي عند الفقير أن المشايخ الأئمة الجامعين بين المنقول والمعقول حتى في ~~اعتقاد مولانا يقدرون عمومها ويستعملونها في مثل هذه المباحث وهو المفهوم ~~من كتب ذلك الفن أيضا والتخصيص يحتاج لدليل واضح. ومنها: ms159 قول مولانا: ولو ~~سمعنا في الأدلة الشرعية إلخ، ووجه إشكاله أن استعمال ذلك الإصطلاح واقع في ~~كتب الفقه وغيرها، فكم في (المحلى) وكتب شيخ الإسلام ونحوها من قوله. وأجيب ~~بالمنع وجوابه المنع ونحو ذلك، وكم في أجوبتهم عن اعتراضات البلقيني وغيره ~~على الشيخين بالنصوص من مثل ذلك فيقولون لا نسلم أن مراد الشافعي رضي الله ~~عنه كذا، لم لا يجوز أن يكون مراده كذا إلى غير ذلك، على أن ما نحن فيه ليس ~~أمرا شرعيا، فإن النزاع في صحة الفاء وعدمها وهذا ليس أمرا شرعيا، ولا ~~يختلف الحكم الشرعي بذلك فإن إحسان الذبح والتحديد والإراحة أمور مطلوبة ~~متحقق طلبها سواء صحت الفاء أم لا، وسواء ثبت العموم والخصوص أو التباين. ~~ومنها: قوله: ثم قولك لم لا يجوز وجوه أخرى إلخ يقال عليه إنما يحتاج لتكلف ~~تلك الأمور إلخ، ووجه إشكاله أن الفقير لم يدع الاحتياج لذلك بل مجرد الصحة ~~والصحة لا تتوقف على صحة رواية الفاء، وفرق بين دعوى الاحتياج ودعوى مجرد ~~الصحة، وأن نسبة هذه الأمور إلى تكلف تحتاج لدليل واضح مع أن هذا الكلام ~~يتضمن الاعتراف بالصحة مع التكلف وهو بعض المطلوب فإن الصحة من المطلوب. ~~ومنها: قوله: أما تجويز ورودها إلى آخره، ووجه إشكاله أن الفقير لم يدع ~~الاحتياج إلى تجويز الورود حتى يقال فلا حاجة إليه مع أن مجرد التجويز لا ~~يمكن إبطاله فإنه لم يقم برهان على عدم الورود بل الأمر على الاحتمال، وأن ~~نسبة ذلك إلى التمحل تحتاج إلى الدليل الواضح على اثبات كونه تمحلا. ومنها: ~~قوله: والمنازعة في شيء إلخ، ووجه إشكاله أن مدعى البطلان المستفتي أحرى ~~بأن يقال له ذلك. ومنها: قوله: على أنه يلزم من ذلك التجويز إلخ، وجه ~~إشكاله أما أولا، فهو أنه ليس اللازم أنه لا يتحقق لنا عطف خاص على عام ~~مطلقا، بل أنه لا يتحقق لنا عطف خاص على عام لا يمكن تأويله بما يخرجه عن ~~كونه عطف خاص على عام، وحينئذ فنقول: لا محذور في هذا ms160 اللازم، فإن لذلك ~~نظائر في كلامهم. منها: أنهم قرروا أنه لا يجوز عطف الإنشاء على الإخبار، ~~ولما اعترض على قوله: (وهو حسبي ونعم الوكيل) بأنه من عطف الإنشاء على ~~الإخبار، أجابوا بأجوبة كثيرة جدا تجري كلها أو بعضها في سائر المواضع، ولم ~~يمنعهم من الجواب بها لزوم ما ذكر من تلك الأجوبة أن قوله: {ونعم الوكيل} ~~[آل عمران: 173] بتقدير وهو مقول فيه نعم الوكيل فهو عطف إخبار على إخبار. ~~ومنها: قوله: (وهو حسبي ونعم الوكيل) لإنشاء إظهار الكفاية فهو عطف إنشاء ~~على إنشاء. ومنها: أن واو ونعم الوكيل للاستئناف. ومنها: أنه للاعتراض، ~~ومنها: غير ذلك. وأما ثانيا فهو أن هذا اللزوم ممنوع، وذلك لأنه ليس في ~~كلام أهل الشرع نص على أن حقيقة معنى الإحسان في الحديث هو نفس تلك الأمور، ~~بل عبارتهم محتملة لأن تكون عبارة عن نفس الأمور، ولأن تكون # PageV01P071 # عبارة عما يحصل بتلك الأمور، بل رأيت في بعض شروح الأربعين تفسير الإحسان ~~بما حاصله عدم التعذيب ونحوه، وتفسير الإراحة بنفس التحديد ونحوه، فحاصل ~~الكلام لا نسلم أن معاني هذه المتعاطفات هي المعاني الفلانية التي يلزم أن ~~يكون بينها العموم والخصوص، ولكن نؤولها بحيث يخرجها عن العموم والخصوص، ~~وأما إذا كان للمتعاطفات معان مقررة معلومة من الخارج، بحيث يكون منها ~~العموم والخصوص، فلا تخرج عن تلك المعاني بلا ضرورة، وأيضا فيجوز أن يكون ~~من أفراد عطف الخاص على العام ما لا يمكن تأويله، فمن ادعى أن كل فرد يمكن ~~تأويله فعليه الإثبات بالدليل ولا دليل له إلا الاستقراء التام. ومنها: ~~قوله: وقولك المتناول لإيقاعه مع التحديد يستلزم أن التحديد مأمور به، وإلا ~~لم يكن لتلك المعية فائدة، وحينئذ يكون (وليحد) عطف خاص على عام وهو ~~المدعي، ووجه إشكاله واضح وهو أنه لا يلزم من كونه مأمورا به أن يكون عطف ~~خاص على عام، فما وجه هذه الملازمة ومن أين جاءت؟ فإنه على هذا التقدير ~~يكون المعطوف الأمر بالتحديد، والمعطوف عليه الأمر بالإيقاع مع التحديد ~~وغيره، وهما متباينان قطعا. ms161 ومنها: قوله: وقولك: وتجعل الإراحة إلخ يلزم ~~عليه أن (وليرح) عطف عام على خاص بالنسبة إلى قوله: (وليحد) وهو يتعين فيه ~~الواو أيضا إلخ، ووجه إشكاله أن (وليرح) ليس معطوفا على (وليحد) بل على ~~(أحسنوا) ، والنظر إلى العموم والخصوص إنما هو بين المعطوف والمعطوف عليه، ~~فمن ادعى أن النظر إلى ذلك بين المعطوف وغير المعطوف عليه من المتعاطفات ~~أيضا فعليه إثباته بالنقل، وحينئذ يجاب بجواب آخر فلم يحصل الوقوع فيما ~~أريد الفرار منه. وقوله: ولو تمسكنا إلخ، قول لا يقبل المنع، ووجه إشكاله ~~أنه لا يخفى أن معنى إحسان الذبح بحسب الوضع ليس نفس التحديد وغيره، بل ما ~~يحصل بالتحديد وغيره فيجوز أن يكون هذا التعبير منهم على التجوز ويكون ~~المراد بإحسان الذبح في هذا التعبير أسباب إحسانه مجازا من إطلاق اسم ~~المسبب على السبب، وقرينة هذا المجاز ومرجحه أن المجاز خير من النقل، ثم لا ~~يلزم من تجويزهم هنا تجويزهم في تفسير الحديث. ومنها: قوله: وإن مقامك ~~الاستدلال، ووجه إشكاله أنه بان خلافه. ومنها: قوله: على أنه لا يليق بكل ~~إلخ، ووجه إشكاله أن الفقير لم يدع ذلك، وصورة لفظه، ولا يكفي في الاستدلال ~~على الفساد أن بعضهم فسرها بمعنى يقتضي العموم والخصوص، لأن تفسيره بذلك لا ~~يوجب فساد التفسير بغيره مع قبول اللفظ واحتماله، ونحن في مقام المنع، فلا ~~يكفي الاستدلال بتفسير الغير بل لا بد من الدليل على عدم إمكان هذا المعنى، ~~وعدم صحة حمل اللفظ عليه انتهى. وحاصله: أن كلام الأئمة ليس نصا في أن معنى ~~إحسان الذبح نفس تلك الأمور، بل محتمل وقابل لأن يكون معناه ما يحصل بتلك ~~الأمور، فإن فرض أن أحدا منهم وقع في كلامه إطلاقه على نفس تلك الأمور ~~صريحا، لم يضر لأن تفسيره بذلك لا يمنع صحة تفسيره بغيره، بل ولو فسره ~~الأئمة بذلك لم يلزم أنهم يمنعون تفسيره بغيره، وإلا فالفقير أحقر وأذل من ~~أن يخطر له ما ذكر، فضلا عن أن يتفوه به، وعن أن يشافه مولانا به، ms162 ولولا ~~طمعه في مزيد حلم مولانا ومحبته ما جسر أن يتحرك والله بكل شيء عليم. ~~ومنها: قوله: ثم رأيت إلخ، ووجه إشكاله منع الصراحة المذكورة، ومنع ~~الملازمة في قوله: وإلا لبطل. أما أولا فيجوز أن يكون أحد الشيئين مجموع ~~أحسنوا وما عطف عليه، فإن عد الأمور شيئا واحدا للمناسبة والارتباط بينها ~~وقع كثيرا، بل كثيرا ما يقع في لفظ النبوة عد أشياء تزيد على ما ذكر من ~~العدد، ويقولون: إنه جعل كذا وكذا شيئا واحدا، وحيث كنا في مقام المنع، لا ~~يرد أن يقال لا حاجة إلى ذلك. وأما ثانيا فإنه يجوز أن يكون المعدود اثنين ~~هو المقصود من إحسان القتل وإحسان الذبح، ولا ينافي ذلك عطفه على أحدهما ما ~~يتحقق به، على أنه عبر (بثم ليرح) وثم لا تكون بين الخاص والعام كالفاء، ~~فيحتاج لتفسير الإراحة بما يباين الإحسان، وحينئذ تتحقق الزيادة على ~~الثنتين على كلامكم أيضا؛ ثم إن قوله، إن الله كتب الإحسان على كل شيء أعم ~~من إحسان القتل وإحسان الذبح، ففيه الزيادة على الثنتين ولم يمنع من العدد ~~ثنتين. ومنها: قوله: وتجويز أن الواو إلى قوله: لأنه يلزم عليه الأمر ~~بالإحداد لا بقيد إرادة الذبح، ووجه إشكاله منع هذه الملازمة، بل اللازم أن ~~لا يكون في الكلام لفظ يدل على ذلك القيد، ولا محذور في ذلك اكتفاء بقرينة ~~السياق والمقام فإنها قرينة أي قرينة، وكم أوامر مطلقة اللفظ لا يقيدها # PageV01P072 # إلا قرينة السياق والمقام، وقرينهة السياق أمر شائع عند العرب، وقد صح ~~الاستئناف في قوله تعالى: {كن فيكون} ولا يقال يلزم أن يكون الإخبار عن ~~الكينوية لا بقيد كونها ناشئة عن قول كن مع أن المراد ذلك، وهذا وجه إشكال ~~قوله أيضا: لأنه يلزم عليه الأمر بالإراحة لا بقيد الذبح، وقوله أيضا: وهو ~~المانع أيضا لصحة عطف قوله: (وليحد) على مجموع جملة الشرط والجزاء. ومنها: ~~قوله: وإنما صح الاستئناف في {نقر} وفي {فيكون} لأن ما قبلهما ليس شرطا في ~~مفادهما إلخ، ولم يتضح ما أراد مولانا ms163 بكون ما قبلهما ليس شرطا في مفادهما ~~فإن أراد أن لا يكون مضمونهما يتوقف تحققه ووجوده على تحقق ما قبلهما ~~ووجوده، فوجه إشكاله. أما أولا. فهو أن هذا الحصر ممنوع، ولا بد من إثبات ~~أن علة الاستئناف فيما ذكر دون غيره حتى يتحقق هنا الحصر، ومن إثبات أنه ~~يشترط في الاستئناف أن يكون ما قبل المستأنف ليس شرطا في مفاده، فإن النحاة ~~لم يشترطوا في جواز الاستئناف شيئا من ذلك، فلا يقيد كلامهم إلا بدليل منه، ~~بل جوزوا حتى الابتدائية والابتداء نظير الاستئناف، بل هو استئناف مع كونهم ~~اشترطوا في حتى المذكورة أن يكون ما بعدها متسببا عما قبلها. وأما ثانيا ~~فهو أن مضمون قوله تعالى: {فيكون} يتوقف تحقق وجوده على تحقق ما قبله، ~~ووجوده وهو قوله: {كن} مع صحة الاستئناف. وأما ثالثا فلا بد من بيان جريان ~~ذلك فيما نحن فيه فإن طلب التحديد لا يتوقف تحققه على تحقق طلب الإحسان أو ~~يجوز أن يطلب التحديد ولا يتصور الإحسان وطلب الشيء فرع عن تصوره. ومنها: ~~قوله: وعين الرضا إلخ، يدفعه أن الله إلخ، ووجه إشكاله أن مولانا حمل مراد ~~الفقير على أمر صعب جدا، ومعاذ الله أن الفقير أراد ذلك بل أمرا آخر لا ~~محذور فيه. ومنها: قوله: وقولك إن الإراحة أعم من الحد ممنوع، لأن هذه ~~الرواية إلخ، ووجه إشكاله أن وجه أعميتها لازم لدعوى العموم والخصوص الذي ~~قرره مولانا، ولم يذكر خلافه، مع أن الفقير لم يحتم أعميتها، بل ردد بأنها ~~إن كانت أعم، لزم الإشكال وإلا لزم صحة الفاء بجعل فليرح عطفا على (وليحد) ~~وجعل واو وليحد للاستئناف، والحكم بصحة الشيء لا يتوقف على الجزم بوروده، ~~بل ولا على وروده فيجوز أن يقال تصح الفاء هنا مع القطع بعدم الورود ~~فالورود لا مدخل له في الحكم بالصحة. ومنها: قوله: إنما هو أمر أغلبي، ~~وقوله، فهي واردة عليهم، ووجه إشكاله أن هذا يتوقف على أن النحاة يسلمون ~~العموم والخصوص هنا، ويسلمون أن واو (وليحد) للعطف على أن ms164 هذا لا يضرنا بل ~~ينفعنا لأن مدعانا الصحة وهذا إن لم يثبتها ما منعها والله أعلم. فأجاب ~~نفعنا الله بعلومه في الدنيا والآخرة: أما قولك، لا تفصيلاتها بمعنى أن كل ~~لفظة من نسخ تلك الكتب بخصوصها ثبت بالتواتر أنها لفظة صاحب ذلك الكتاب ~~بعينها، ومسألتنا من الثاني إلخ، فإنما يتوجه لو ادعى أن التفصيلات بالمعنى ~~المذكور متواترة ولم يقع هنا ادعاء ذلك، بل ولا ما يوهمه وكيف يتعقل ادعاء ~~ذلك، والنووي في شرحه لمسلم ينقل اختلاف نسخه كثيرا، وإن نسخ بلادهم في كذا ~~يخالف نسخ غيرهم ويصوب ويوجه بحسب ما يقتضيه الكلام، وكذا من قبل النووي ~~ومن بعده، فعدم تواتر التفصيلات بالمعنى المذكور أمر ظاهر لا يخفى، ولا ~~يلزم منه أن بعض تلك التفصيلات لا يوجد فيه التواتر. والحاصل أن تواتر ~~الجملة واقع، وعدم تواتر التفصيلات بالمعنى المذكور غير واقع؛ وبعض تلك ~~التفصيلات قد يوجد فيها التواتر وقد لا، ومسألتنا إنما هي من هذا الثالث لا ~~من الثاني الذي ذكرت، ووجه كونها منه أننا بحثنا عن الناقلين لهذا الكتاب ~~عنه من الطبقة التي في زمن مسلم إلى وقتنا فوجدناهم بحسب ما في نسخهم ~~متفقين على الواو فحينئذ أثبتنا من هذا تواتر الواو، ولا يلزم من ذلك بل ~~ولا يتوهم أن غير الواو مما لم يوجد فيه ذلك مثلها. ولقد وقع للجمال بن ~~مالك في البخاري أنه جوز إعرابات فيها تغيير حركات ك (لا ترجعون بعدي ~~كفارا) يضرب، بسكون الباء؛ وتلك فيها تكلف تارة وعدم تكلف أخرى؛ وأنهم ردوا ~~عليه بأن هذا خلاف الصواب لأن الروايات صحت بخلاف ذلك فلا يسمع ذلك ~~التجويز، وكذا نقول: إذا ثبتت صحة الرواية بالواو، فلا يسمع تجويز الفاء، ~~هذا ما يتعلق بالواو، وأما غيرها من بقية تلك التفصيلات فإن وجد فيه ما ~~وجدناه فيها حكمنا بتواتره وإلا فلا، فاتضح حكم التفصيلات في التواتر ~~وعدمه. وقولك: لأن دعواه الصحة منع أورده إلخ تأويل كما شهدت به العبارة، ~~والاعتراض إنما يتوجه لظاهر العبارة وإن أمكن تأويلها. وقولك: ms165 نعم يرد إلخ ~~هو الذي أشرت إليه بقولي دعوتان # PageV01P073 # متعارضتان أي فالدعوى المتأخرة صدرت منعا للدعوى السابقة، فمنعت الدعوى ~~وهو غير سائغ: وما نقلت من جوابه لا يمنع الاعتراض عليه لأنه إنما يتوجه ~~لحقيقة اللفظ لا لمجازه، فادعاء ذلك المجاز يبين أن لمانع الدعوى إذا أراد ~~ذلك التجوز نوع عذر لا أنه يمنع الاعتراض عليه قبل تبين مراده أخذا بظاهر ~~عبارته، والاستفسار قبل الاعتراض إنما هو في نحو المشتركات لا في الحقيقة ~~والمجاز لا سيما، وهذا المجاز هنا فيه ما فيه، وإن ظاهر كلام الأصوليين أن ~~الدعوى لا تمنع ولا مجازا لكن تسامح فيه أولئك المحققون توسعا لطرق النظر. ~~وقولك: والغصب إلخ لك فيه العذر بحسب ما رأيت، والذي في خطى شبه غصب ~~للمنصب، وهذه العبارة لا اعتراض عليها، إذ الجامع بينهما أن كلا فيه إيراد ~~الدليل قبل وقته هنا على ما تقرر أن ما ذكرت فيه منع للدعوى واستدلال لذلك ~~المنع، وإن بان بإرادتك التجوز السابق خلاف ذلك، ثم إن تعريفك الغصب بما ~~ذكرت غير مانع لأنه يدخل في تعريفك التفصلي، وهو خلاف الغصب، إذ الغصب هو ~~المنع لمقدمة مع الاحتياج لانتفائها قبل تمام الدليل، وإن كان بعد تمامه ~~لمعينة فهو ذلك النقض، فأسقطت التقييد بقبل التمام فورد عليك النقض فصار ~~الحد غير مانع، إذا تقرر ما سبق اتضح قولنا فنتج إلخ. وقولك التخصيص يحتاج ~~لدليل واضح جوابه أنه غير واضح لأن النزاع هنا في أمر صناعي ويترتب على ~~صحته وعدمها هذا الحكم أعني إن الإراحة والتحديد عند خصوص الذبح أخذا من ~~هذا الحديث الخاص، كما قاله الأئمة أو من دليل آخر أحوج إلى ادعائه تجويز ~~يفيد في هذا الحديث، ومثل ذلك لا دخل لتلك المباحث فيه لأن الحكم متفق عليه ~~وإنما الاختلاف في محصله، فنحن ندعي أن محصله الأمر بالإحسان كما دل عليه ~~ظاهر الخبر وغيرنا يجوز ادعاءه خلاف ذلك فلا نزاع حقيقة إلا في أمر سهل ~~جدا، وتلك المباحث لا تجري في مثل ذلك كما هو ظاهر ms166 جلى من مواقع كلامهم. ~~وقولك: استعمال ذلك الاصطلاح واقع في كتب الفقه إلخ. جوابه: نعم، لكن في ~~غير ما بينته مما نحن فيه كما علم آنفا. وقولك: لم يدع الاحتياج لذلك إلخ. ~~جوابه: أنه إنما ذكر الاحتياج إرشادا إلى أن الاشتغال بما هو أهم من ذلك ~~أولى على أنه ظهر من المباحثة فيه على سهولته من الفوائد ما لم يظهره غير ~~ترداد الأنظار، وإعمال الأفكار، ولقد قال بعض من خلص من داء الحسد خيمه، ~~وسلم من الكبر وآفاته أديمه: لم يقع عندي لذة من اللذات وإن عظمت، موقع ~~مساجلة من تغوص دلاؤه على استقصاء جواهر الفرائد، واستنتاج عويصات الفوائد. ~~وقولك: فرق إلخ، هو ظاهر لكن قد علم أن العدول إلى الجواب النير المطابق ~~قصدا هو أدب البلغاة. وقولك: يحتاج إلى دليل واضح جوابه هذا مرجعه إلى ~~الذوق وليعرض على أهله، وكفى بالدليل الواضح عليه ما يأتي لك من ادعاء ~~التجوز وغيره. وقولك: وهو بعض المطلوب لا يكفي بل لا بد من وجود المطلوب ~~كله، وهو قيام دليل على صحة الفاء من غير تكلف، والادعاء تجوز في الدليل، ~~على أن اللائق بالخوض في الأدلة كما أشار إليه الإمام، أن لا يخرج عن ~~مفاهيمها المتبادرة المتعارفة منها إلا عند الحاجة الماسة لذلك، وأما حيث ~~لا حاجة لذلك فمجرد التجويز غير لائق، ألا ترى إلى ردهم تجويزات ابن مالك، ~~وناهيك به لعدم ورودها وإن خلت عن التكلف، بل قال بعض المحققين عقب تجويز ~~له، وتوجيه منه له، والصواب خلافه، واستدل له. وقولك: مع أن مجرد التجويز ~~إلخ. جواب: إنما نتكلم في إبطال يليق بما يناسب مما درج عليه الأئمة من ~~الجري في الأدلة على معانيها المتبادرة منها، لا في مطلق الإبطال، إلا إذا ~~نظرنا إلى ما يتوهم من الفاء مما قدمناه، ويأتي تحريره أيضا. وقولك: أحق ~~إلخ. جوابه: إنما يكون أحق لو أثبتنا له رتبة التحصيل، ومعاذ الله أن يثبت ~~له ما هو أدنى من ذلك فلا جامع فضلا عن أحق. وقولك: ليس ms167 اللازم إلخ مبني ~~على أنك فهمت من تحقق غير معناه المراد الموضوع هو له، وهو الثبوت الذي دل ~~عليه تعليلي له بقولي: لأنه ما من عام وخاص إلخ، وإذا جوزنا في العام ~~تخصيصه ببعض مدلوله من غير دليل، بل بمجرد الادعاء لزم ما ذكرنا، من أنه ما ~~من عام إلا ويمكن أن يطرقه ذلك التجويز، وحينئذ فلا ينتج للنحويين عام ~~وخاص. ممتنع عند النزاع العطف بينهما بغير الواو أصلا، لأن ذلك التجويز ~~يطرق كل عام وخاص، وليس الإنشاء والخبر من نظائر الخاص والعام، لأن النسبة ~~بين الأولين التباين من كل الوجوه وبين الآخرين الاتحاد من بعض الوجوه، وما ~~أجابوا به عن العطف لا يلزم عليه نظير ما لزم في مسألتنا، لأن التجويز هنا ~~لأدلة، وثم لمجرد # PageV01P074 # الادعاء، على أن الذي ورد على القاعدة هنا نص إحتيج لأجله إلى الجواب عن ~~تلك القاعدة، والذي في مسألتنا تجويز شيء يخرج الدليل عن القاعدة، فلم تؤول ~~القاعدة لأجل ذلك التجويز، بما يوهم أن كل عام وخاص يجوز فيه نظير ذلك ~~التجويز، فتبقى قاعدتهم تعين الواو في عطف الخاص على العام. وقولك: وأما ~~ثانيا إلخ. جوابه: أننا لا نلتفت بعد ما قدمناه من أن الإراحة والتحديد من ~~إحسان الذبح المأمور به إلى احتمال تفسير الإحسان بما يباينهما، لأن ذلك ~~صريح في الخصوص والعموم، وأن هذا هو معنى الإحسان الشرعي، ولفظ الشارع إنما ~~ينصرف للمعنى الشرعي فحينئذ ما نحن فيه مما للمتعاطفين فيه معنى مقرر فلا ~~يخرج عنه بلا ضرورة، وإذا اعترفت بهذا وأحطت بأن إطلاق الشارع إنما ينصرف ~~للمعهود الشرعي، وأن أهل الشرع أفادوا أن الإحسان الشرعي يشمل الأربعة ~~والتحديد، فقد سهل الأمر واتضح المراد بما حاصله: أن من حمل الإحسان على ~~معناه الشرعي لزمه أن هذا من العموم والخصوص اللازم فيه الواو، ومن حمله ~~معرضا عن قاعدتهم أن كلام الشارع إنما يحمل على المعهود شرعا، فحيث وجد حمل ~~على المعنى اللغوي أو العرفي بحسب ما يجوزه وينقله عن اللغة أو العرف، ~~ويبينه بدليله ms168 أنه غير الإراحة والتحديد لا بمجرد التجويز والادعاء، لا ~~يلزمه أنه من عطف الخاص على العام، وبهذا ينفصل الكلام ويرفع الملام. ~~وقولك: أيضا، فيجوز إلخ. جوابه: إن أردت بلا يمكن بالنظر إلى الأدلة صح، أو ~~بمجرد التجويز الذي وقع لك في الإحسان فكل عام وخاص يمكن فيه التجويز الذي ~~لا يتوقف القول به على دليل كما هو جلي من غير توقف له على استقراء ولا ~~غيره. وقولك: ما وجه هذه الملازمة إلخ. جوابه: أن وجهها واضح عند تأمل معنى ~~العبارة، وهو أن المراد يستلزم أن التحديد مأمور به: أي من حيث كونه إحسانا ~~كما مر التصريح به، وإذا كان الاستلزام من هذه الحيثية اتضح أن و (ليحد) ~~عطف خاص على عام، وإنما يتباينان قطعا كما ذكرت إن ثبت أن الأمر بالتحديد ~~ليس من الأمر بالإحسان، وأن الأمر بالإيقاع مع التحديد وغيره هو الأمر ~~بالإحسان. وقولك: (وليرح) ليس معطوفا على (وليحد) إلخ. جوابه: أن ما ذكرته ~~أنت في تفسير الإحسان فيما مر والإراحة هنا لا يحضرني تحقيقه، إذ ليس خطك ~~الآن عندي، وإنما الذي في المخيلة الآن منه أن تفسيرك الإراحة أعم من ~~تفسيرك للإحسان والتحديد، وحينئذ لزم عطف العام على الخاص فقولي بالنسبة ~~لقوله (وليحد) أي وما عطف عليه. والحاصل أن تحرير هذا يتوقف على مراجعة ما ~~ذكرته أنت في تفسير الإراحة والإحسان. وقولك: بحسب الوضع إلخ إن أردت أن ~~ذلك معناه بحسب الوضع الشرعي فممنوع بما حررناه وبيناه عن الأئمة أنه بحسب ~~الوضع الشرعي يشملها، وإن أردت أنه بحسب وضع اللغة أو العرف فعليك بيان ذلك ~~ونقله عن أهلهما. على أنه لا يفيد لما سبق أن الأدلة الشرعية إنما تحمل على ~~المعنى الشرعي، وحينئذ فاتضح أن تجويز حمل تفسيرهم على التجوز إلخ فيه غاية ~~التكلف والتمحل فأي داع لذلك؟ وقولك: ويرجحه أن المجاز خير من النقل عجيب، ~~فمن ذا الذي ادعى أن في الحديث نقلا حتى يقابل بأن المجاز خير منه، ونحن لا ~~ندعي إلا أن هذا حقيقة شرعية، ms169 وأن كلام الشارح إنما يحمل على الحقائق ~~الشرعية، فادعاء أن ما في الحديث حقيقة لغوية يحتاج أن يثبته من كلام أئمة ~~اللغة، والذي ظهر لي منه أن الإحسان في الذبح لا ضابط له عندهم، فالظاهر أن ~~هذا من الحقائق التي لم تعرف إلا من الشارع، وحينئذ فاندفع ادعاء أن تفسير ~~الأئمة له بما مر مجاز، على أنه يحتاج لصارف يصرفه عما هو المتبادر منه أن ~~هذا هو حقيقة الإحسان الشرعية. وقولك: ثم لا يلزم إلخ. جوابه: كيف هذا مع ~~قولهم إنهما من إحسان الذبحة المأمور به، فقولهم المأمور به صريح في أنهم ~~فهموا وفسروا الإحسان في الحديث بما يشمل التحديد والإراحة. فاندفع قولك ~~ليس نصا في أن معنى إحسان الذبح إلخ، ووجه اندفاعه قولهم المذكور أنهما من ~~جملة الإحسان المأمور به فأي صراحة تطلب بعد ذلك، وقد سبق منا ما يدل على ~~أنهم مع ذلك لا يمنعون تفسيره بغيره إلا بالنسبة لمن جرى على قاعدتهم، أن ~~لفظ الشارع يحمل على معهوده الشرعي سيما إن لم يكن له معهود غيره. وقولك: ~~مجموع أحسنوا وما عطف عليه إلخ. جوابه: أن من الواضح البين أن البليغ لا ~~يعد الخصال الثلاث خصلة واحدة إلا إن كان بينها اتحاد، وهو حاصل ادعاء ~~العموم والخصوص # PageV01P075 # الذي ذكرناه، وأما مع التباين بين الثلاث الذي ذكرته أنت فكيف يحسن ~~ببليغ، بل بأبلغ البلغاء عد ثلاثة أشياء متباينة شيئا واحدا فحمل كلام ~~الشارع على ذلك بعيد جدا، فلا يلتفت إليه، وتوجيهه بأن الثلاثة مسوقة لغرض ~~واحد فساغ جعلها شيئا واحدا يرد بأن ذلك الغرض إن كان هو إحسان الذبح فهو ~~ما قلناه أو غيره فهي أغراض كثيرة فلا يحسن عدها شيئا واحدا. وقولك: هو ~~المقصود من إحسان الذبح وإحسان القتل نحن نقول به. وقولك: ولا ينافي إلخ. ~~جوابه: إن أردت مما يتحقق به أنه مع ذلك مباين للإحسان فينافي البلاغة ~~إغفاله عن العد أو غير مباين لم ينافها، وكان حجة لما قلناه. وقولك: على ~~أنه عبر ب (ثم) قد ms170 ذكرنا جوابه، وسيأتي ما له به تعلق. وقولك: ثم إن قوله ~~إلخ. جوابه: أنه لا زيادة فيه بالنسبة للمقصود منه، وهو ذكر تينك الثنتين ~~وما قبلهما إنما ذكر توطئة وتمهيدا لهما للأمر بهما، وله موقع نافع عند ~~المخاطب، فلما كان ذكره للتمهيد والتأكيد لم يحسن عده. وقوله: إكتفاء ~~بقرينة السياق إلخ. جوابه: أي قرينة سياق ومقام مع تقدير العطف على فإذا ~~إلخ لأنه حينئذ يكون من عطف المتباينات، وإذا كان منها أفهم الأمر بالتحديد ~~والإراحة لا بقيد إرادة الذبح بحسب ما دل عليه اللفظ، وادعاء فهم ذلك القيد ~~من دليل خارجي فيه غاية التكلف والتمحل، لأنه إخراج للفظ الحديث عن ظاهره ~~الذي لا إيهام فيه، وتأويله بما يقتضي الإيهام حتى يجاب عنه لأن ذلك علم من ~~دليل آخر، وهذا ليس من شأن المتكلمين على الأدلة، وإنما دأبهم وشأنهم حمل ~~اللفظ على ظاهره المتبادر منه سيما إن لزم على حمله على غيره مخالفة أو ~~خفاء أو نحوهما. وقولك: وكم أوامر مطلقة إلخ هو مسلم لكن لا على عين هذا ~~التجوز الذي سلكته أنت في هذا الحديث من أن شيئا واحدا يدل عليه ظاهره، ~~ويفيده التقييد بما هو المجمع عليه فيحمل الظاهر على غير معناه المتبادر ~~منه، ثم إذا أورد عليه أنه الآن صار موهما يقال له: يدفع ذلك الإيهام بدليل ~~آخر. وقولك: ولا يقال يلزم إلخ. جوابه: أن هذا ليس نظير ما نحن فيه فإن ~~القيد لم يشهد به العقل، فلا يضر حذفه، وما نحن فيه ليس كذلك، فإن الأحكام ~~الشرعية وقيودها لا تعرف إلا منه صلى الله عليه وسلم، فإذا جاء عنه ما ~~يفهمها بقيودها لا يسوغ لنا أن نصرفه عن ظاهره إلى ما يحوجنا إلى حذف القيد ~~والاستدلال له بدليل خارجي. إذا تقرر ذلك فلا إشكال في قولنا أيضا لأنه ~~يلزم عليه الأمر بالإراحة إلخ. وقولك: ولم يتضح إلخ. جوابه: إن تأمل ما ~~قبله فيه غاية الإيضاح له، إذ مفاده الفرق بين الاثنين والحديث بأن تقرير ~~الاستئناف فيهما لا ms171 يلزم عليه محذور ولا إيهام البتة، وتقريره في الحديث ~~يلزمه الإيهام السابق فافترقا، ولم يحسن تخريج هذا عليهما، فالمراد بقولنا ~~ليس شرطا في مفادهما أنه لو قطع النظر عما قبلهما لم يترتب عليه فساد ولا ~~إيهام في مدلولهما، خلاف ما نحن فيه فإنه لو قطع النظر عما قبله من خصوص ~~إحسان الذبح ترتب عليه ذلك الإيهام، وحينئذ اندفع ما ذكرته أولا وثانيا ~~وثالثا. وقولك: لازم لدعوى العموم والخصوص إلخ. جوابه: أنه لا يلزم ذلك، ~~لأن الذي ذكرناه إنما هو العموم من أحسنوا الذبح والخصوص في (وليحد وليرح) ~~فهما خاصان بعد عام فأي أعمية في الإراحة لازمة لذلك، وما قدمته من أعميتها ~~إنما هو إلزام بمقتضى تفسيرك أنت كما مر بسطه. وقولك: والحكم بصحة الشيء ~~إلخ. جوابه: أن استدلالنا بالرواية الأخرى إنما هو لتأييد أن ما ذكرناه هو ~~اللائق بالكلام على الأحاديث ومؤيد للإعراض عما لا حاجة إليه من التجويزات ~~فيها. وقولك: على أن النحاة إلخ. جوابه: أن الظاهر من حالهم بحسب اعتقادنا ~~أنهم لو عرض عليهم ذلك وأجروه على القواعد الأصولية لقبلوه، لأنه مفاد ~~اللفظ ومدلوله الذي لا غبار عليه، وفقنا الله لمرضاته وأجزل علينا أجمعين ~~سوابغ هباته، وحمانا من كل فتنة ومحنة، وحبانا بكل خير ومنة، وختم لنا ~~بالحسنى أجمعين، والله سبحانه وتعالى أعلم. 61 وسئل رضي الله عنه: عن قوله ~~تعالى: {الله الذى خلقكم ثم رزقكم} [مريم: 40] هل هذا الرزق هو الذي تقام ~~به البنية أو الذي قسم في الأزل سواء كان أكثر مما تقوم به البنية أو أقل ~~أو هو الذي يملكه الإنسان؟ فأجاب رحمه الله تعالى: أن الرزق في اللغة الحظ ~~والنصيب. ومنه قوله تعالى: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة: 82] أي ~~وتجعلون حظكم ونصيبكم من سماع القرآن تكذيبكم به وبمن أنزل عليه. وأما في ~~عرف الشرع فهو أخص من ذلك، إذ هو ما تخصص الحيوان به وتمكن من الانتفاع به، ~~وقد يطلق على ما يعم النعم الظاهرة والباطنة، ومن ثم قال جماعة # PageV01P076 # من المفسرين وغيرهم في ms172 قوله تعالى: {ذالك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} ~~[البقرة: 2] يحتمل أن المراد الإنفاق من جميع ما منحهم الله تعالى به من ~~النعم الظاهرة والباطنة، وأن لا يختص بما هو المتبادر منه من الإنفاق من ~~النعم الظاهرة، إذ الإنفاق كما يكون من هذه كذلك يكون من النعم الباطنة ~~أيضا كالعلم والجاه، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن أبي شيبة ~~(إن علما لا يقال أي يتحدث به ككنز لا ينفق منه) وروى الطبراني مرفوعا: ~~(مثل الذي يتعلم العلم ثم لا يتحدث به كمثل الذي يكنز الكنز ثم لا ينفق ~~منه) وقد نحا بعض العارفين إلى ما أشرنا إليه حيث قال: ومعنى الآية ومما ~~خصصناهم به من أنواع المعرفة يفيضون. إذا تقرر ذلك، فقوله تعالى: {ثم ~~رزقكم} يحتمل أن يراد به ما تفضل الحق به على عباده من نعمه الظاهرة وهو ~~الأنسب بسياق الآية، وما تفضل به تعالى من النعم الباطنة أيضا وهو الأبلغ ~~في الامتنان الذي يصح أن يكون من المقاصد التي سيقت الآية له أيضا. وأما ~~قول السائل: هل هو إلخ. فجوابه: أنه ليس المراد الأول ولا الآخر بل يصح أن ~~يراد الثاني، ومن ثم كان أهل السنة، على أن ما تناوله الإنسان من الحرام ~~يسمى رزقا كما دلت عليه الآيات والأحاديث ومنها: حديث ابن ماجه وغيره عن ~~صفوان بن أمية قال: (كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء عمرو بن فهر ~~فقال: يا رسول الله إن الله كتب الشقاوة فلا أراني أرزق إلا من دفي بكفي ~~فأذن لي في الغناء من غير فاحشة؟ فقال: لا آذن لك ولا كرامة كذبت أي عدو ~~الله لقد رزقك الله حلالا طيبا فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه مكان ما ~~أحل الله لك من حلاله) وعمرو هذا ذكره غير واحد في الصحابة رضي الله عنهم، ~~وفي رواية بعد (ولا كرامة ولا نعمة ابتغ على نفسك وعيالك حلالا فإن ذلك ~~جهاد في سبيل الله، واعلم أن عون الله ms173 تعالى مع صالحي التجار) رواه أبو ~~نعيم وفيه متروكان. 62 وسئل رضي الله عنه أيضا: عن ترك التوكل هل هو كبيرة ~~أم لا، وعن طول الأمل في هذه الدار هل هو كبيرة أم لا؟ فأجاب: التوكل يطلق ~~ويراد به الرضا بجميع ما يفعله الله في خلقه، كما أشار إليه بشر الحافي، أو ~~قطع الرجا من جميع المخلوقين، أو أن لا يظهر فيك انزعاج للأسباب، مع شدة ~~فاقتك إليها، ولا نزول عن حقيقة السكون إلى الحق مع وقوفك عليها، أو طرح ~~البدن في العبودية وتعلق القلب بالربوبية والطمأنينة إلى الكفاية فإذا أعطي ~~شكر، وإن منع صبر، أو ترك تدبير النفس والانخلاع عن الحول والقوة، وإنما ~~يتم ذلك لمن يكون دائم الشهور والاستحضار لكون الله تعالى يعلم ويرى ما هو ~~فيه، أورد عيشك إلى وقتك الحاضر، وإسقاط هم غد والاسترسال مع الله تعالى ~~على ما يريد، أو أن لا يرى مع الله غير الله، أو خلع الأرباب، وقطع ~~الأسباب، وذلك بإلقاء النفس في العبودية وإخراجها من الربوبية، والتعلق ~~بالله في كل حال بأن يترك كل سبب يوصله إلى سبب حتى يكون الحق هو المتولي ~~لذلك، أو أن يستوي عندك الإكثار والإقلال والاستسلام بجريان القضاء ~~والأحكام، أو الاكتفاء بالله مع الاعتماد عليه، وأن لا تأكل وفي البلد من ~~هو أحق منك، أو العيش مع الله تعالى بلا عاقة، أو السكون إلى الوعد فإن ~~صحبه الاكتفاء بعلم الله فهو التسليم، وإن صحبه الرضا بحكمه فهو التفويض، ~~أو قطع النظر عن الوسائط هذا جماع ما قيل في التوكل، وبعضه فيه ذكر حقيقته، ~~وبعضه فيه ذكر علاماته. قيل: ومن أحسن حدوده أنه مباشرة الأسباب مع شهود ~~مسببها. وعلى كل تقدير فترك خصوصيات هذه الكمالات التي أشار إليها العارفون ~~في جوامع أقوالهم هذه لا إثم فيه فضلا عن كونه حراما فضلا عن كونه كبيرة. ~~وأما ترك أصل الرضا بقضاء الله وقدره فهو كبيرة، كما يعلم من كلامهم ~~فبالأولى أن نحو لطم الخد وشق الجيب عند المصيبة كبيرة، ms174 بل ربما يكون ترك ~~ذلك الرضا كفرا والعياذ بالله. وأما طول الأمل فقد يطلق ويراد به الغفلة عن ~~ذكر الموت وتقدير حصوله في كل لحظة، ومن ذلك ما جاء في حديث (أن أسامة بن ~~زيد رضي الله عنهما حب رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى شيئا نسيئة إلى ~~شهر فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنك طويل الأمل) الحديث. وترك ~~هذا لا إثم فيه فضلا عن كونه حراما فضلا عن كونه كبيرة. وقد يطلق ويراد به ~~التسويف بالتوبة عما وقع فيه من المعاصي مؤملا طول حياته، وأنه إذا قضى ~~شهوته واستوفى لذته تاب ورجع إلى الله تعالى عن مخالفاته وهذا أعني ترك ~~التوبة من كبيرة فعلها كبيرة. وقد يطلق ويراد به استرسال النفس في جمع ~~الأموال فإن كان من وجه حل فلا إثم فيه # PageV01P077 # إلا إن أراد به التفاخر والتكاثر فهو حينئذ حرام بل كبيرة، وإن كان من ~~وجه محظور فهو حرام أو كبيرة كما لا يخفى كل ذلك من قواعد الشرع وأدلته. ~~وبالجملة فلا يطلق على طول الأمل أنه حرام فضلا عن كونه كبيرة، بل لا بد ~~فيه من التفصيل الذي ذكرته وأشرت به إلى بقية أقسامه التي تفرق الناس في ~~أوديتها، فمنهم المقل ومنهم المكثر ومنهم السكران ومنهم الصاحي، ومنهم ~~المحق ومنهم المبطل والله تعالى يوفقنا ويلهمنا ويولينا أولى الأخلاق ~~والأعمال والآداب والأحوال بمنه وكرمه آمين. 63 وسئل نفع الله به، بما ~~لفظه: ما محصل اختلاف الناس في الأطفال هل هم في الجنة خدم لأهلها ذكورا ~~وإناثا وهل تتفاضل درجاتهم في الجنة؟ فأجاب بقوله: أما أطفال المسلمين ففي ~~الجنة قطعا بل إجماعا، والخلاف فيه شاذ بل غلط، وأما أطفال الكفار ففيهم ~~أربعة أقوال: أحدها: أنهم في الجنة وعليه المحققون لقوله تعالى: {وما كنا ~~معذبين حتىانبعث رسولا} [الإسراء: 15] وقوله: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ~~[الأنعام: 164] . وأخرج البخاري وكفى به حجة (أنه صلى الله عليه وسلم رأى ~~أطفال المسلمين والكفار حول إبراهيم الخليل صلى الله عليه وعلى ms175 نبينا وسلم ~~في الجنة) و (رؤيا الأنبياء وحي إجماعا) وفي أحاديث أخر التصريح بأنهم في ~~الجنة، ولا يضرنا قول المحدثين إنها ضعيفة اكتفاء بخبر البخاري المذكور مع ~~ظاهر القرآن وفي حديث (إنهم خدم أهل الجنة) فإن صح احتمل أن يكون المراد ~~أنه كناية عن نزول مراتبهم عن مراتب أطفال المسلمين لأنهم مع آبائهم، كما ~~نصت عليه آية الطور، وأولئك لا آباء لهم يكونون في منزلتهم، وكون الدرجات ~~في الجنة بحسب الأعمال كما ورد في حديث الظاهر أنه في المكلفين على أن تلك ~~الآية تقتضي إلحاق الآباء بالأبناء وعكسه، ولو في الدرجات العلية، وإن لم ~~يعملوا ما يوصلهم إليها وفضل الله واسع، فليحمل ذلك الحديث إن صح على أنه ~~فيمن لم يلحق بغيره في مرتبته، ولا فرق بين ذكرهم في ذلك وأنثاهم. الثاني: ~~أنهم في النار تبعا لآبائهم ونسبه النووي للأكثرين لكنه نوزع واستدل له ~~بالحديث الصحيح (أن رجلا قال يا رسول الله إن أمنا وأدت أختالنا لم تبلغ ~~الحنث فقال صلى الله عليه وسلم الوائدة والموءودة في النار، إلا أن تدرك ~~الوائدة الإسلام فيغفر الله لها) . والجواب عنه من جهة الأولين أنه يحتمل ~~أن ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: (هم من آبائهم) قبل علمه بأنهم في الجنة، ~~وهذا أحسن من الجواب بأن التكلف كان إذ ذاك منوطا بالتمييز لقول جمع إنه ~~إنما أنيط بالبلوغ بعد الخندق. والثالث: الوقف ويعبر عنه بأنهم في المشيئة ~~فمن علم منه تعالى أنه إن بلغ آمن أدخله الجنة أو كفر أدخله النار، ونسبه ~~ابن عبد البر للأكثرين، واستدل له بقوله صلى الله عليه وسلم حين سئل عنهم ~~(والله أعلم بما كانوا عاملين) . الرابع: أنهم يجمعون يوم القيامة وتؤجج ~~لهم نار ويقال ادخلوها فيدخلها من كان في علم الله شقيا ويمسك عنها من كان ~~في علم الله سعيدا لو أدرك العمل، فيقول الله عز وجل: (لم عصيتم فكيف برسلي ~~لو لاقوكم) ورده الحليمي رحمه الله بأن الحديث في ذلك ليس ثابتا، وبأن ~~الآخرة ليست دار ms176 امتحان لأن المعرفة بالله فيها ضرورية، وبأن الدلائل ~~استقرت على أن التخليد في النار لا يكون إلا بالشرك. وأجيب عن الثاني بمنع ~~عدم الامتحان في الآخرة بدليل الامتحان بالسجود وأن المنافق يريده فلا ~~يستطيع. قال المعترض: على أن ما قاله الحليمي هو الظاهر، وإن كنا لا نقطع ~~به، إذ لا دليل عقلي ولا سمعي على استحالة ذلك. قال ابن تيمية: والقول ~~بأنهم في الأعراف لا أعرفه عن خبر ولا أثر، ولا يعارض ما مر قوله تعالى: ~~{ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا} [نوح: 27] لأنه مختص بمن عاش منهم إلى أن بلغ ~~بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه ~~يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) . 64 وسئل رضي الله عنه، بما لفظه: كرامات ~~الأولياء حق فهل تنتهي إلى إحياء الموتى وغيره من معجزات الأنبياء صلوات ~~الله وسلامه عليهم، ومن أحيي كرامة لولي هل له حكم الأحياء أو الأموات؟ ~~فأجاب رضي الله عنه، بقوله: كرامات الأولياء حق عند أهل السنة والجماعة ~~خلافا للمخاذيل المعتزلة والزيدية، وقول الفخر الرازي إن أبا إسحق ~~الإسفرايني أنكرها أيضا مردود بأنه إنما أنكر منها ما كان معجزة لنبي ~~كإحياء الموتى لئلا تختلط الكرامة بالمعجزة، وغلطه النووي كابن الصلاح بأنه ~~ليس في كراماتهم معارضة للنبوة لأن الولي إنما أعطى ذلك ببركة إتباعه للنبي ~~صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم، فلا تظهر حقيقة الكرامة عليه إلا إذا كان ~~داعيا لاتباع النبي صلى الله عليه وسلم، برئيا من كل بدعة، وانحراف عن ~~شريعة النبي صلى الله عليه وسلم، فببركة اتباعه صلى # PageV01P078 # الله عليه وسلم يؤيده الله تعال بملائكته وروح منه ويقذف في قلبه من ~~أنواره. والحاصل أن كرامة الولي من بعض معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ~~لكن لعظم اتباعه له أظهر الله بعض خواص النبي على يدي وارثه ومتبعه في سائر ~~حركاته وسكناته. وقد تنزلت الملائكة لاستماع قراءة أسيد بن حضير الكندي، ~~وكان سلمان وأبو الدرداء يأكلون في صحفة فسبحت الصحفة وما فيها، ثم الصحيح ms177 ~~أنهم ينتهون إلى إحياء الموتى خلافا لأبي القاسم القشيري، ومن ثم قال ~~الزركشي ما قاله مذهب ضعيف والجمهور على خلافه، وقد أنكروه عليه حتى ولده ~~أبو نصر في كتابه (المرشد) فقال عقب تلك المقالة: والصحيح تجويز جملة خوارق ~~العادات كرامة للأولياء، وكذا في إرشاد إمام الحرمين. وفي شرح مسلم للنووي ~~تجوز الكرامات بخوارق العادات على اختلاف أنواعها، وخصها بعضهم بإجابة دعوة ~~ونحوها وهذا غلط من قائله وإنكار للحس بل الصواب جريانها بانقلاب الأعيان ~~ونحوه انتهى. (حكايات لطيفة) وقد مات فرس بعض السلف في الغزو فسأل الله ~~إحياءه حتى يصل بيته فأحياه الله، فلما وصل بيته قال لولده: خذ سرجه فإنه ~~عارية عندنا فأخذه فخر ميتا. وقال اليافعي رضي الله عنه: صح بالسند المتصل ~~إلى الشيخ القطب عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى أن أم شاب عنده دخلت ~~عليه وهو يأكل في دجاجة فأنكرت أكله الدجاجة وإطعامه ابنها أرذل الطعام، ~~فقال لها: إذا صار ابنك بحيث يقول لمثل هذه الدجاجة قومي بإذن الله فقامت ~~ولها أجنحة وطارت بها حق له أن يأكل الدجاج. ولا ينافي إحياء الميت الواقع ~~كرامة أن الأجل محتوم لا يزيد ولا ينقص، لأن من أحيى كرامة مات أولا بأجله، ~~وحياته وقعت كرامة، وكون الميت لا يحيا إلا للبعث هذا عند عدم الكرامة أما ~~عندها فهو كإحيائه في القبر للسؤال كما صح به الخبر. وقد وقع للعزير وحماره ~~وللذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم. ~~إذا تقرر ذلك فمن أحيى كرامة فتارة يتيقن موته تيقنا ضرريا بنحو قطع رأسه ~~وإبانة جثته فهذا إحياؤه لا يعيد له شيئا من زوجاته ولا مما اقتسمته ورثته ~~من أمواله لما تقرر أن هذا كالإحياء الذي في القبر، وتارة لا يتيقن كذلك ~~فيتبين أنه لم يزل شيء عن استحقاقه فيعود له. والحاصل: أن الإحياء بعد ~~الموت المراد به الإحياء للبعث لا للكرامة أو سؤال الملكين. 65 وسئل نفع ~~الله به: ما أفضل سورة، وما أفضل آية ms178 حتى يبر الحالف ليقر أن أفضل سورة أو ~~آية، وهل الأعظم بمعنى الأفضل، وما أفضل الأذكار، وهل بين التسبيح والتحميد ~~والتهليل مفاضلة وهل هذه أفضل من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أو ~~عكسه؟ فأجاب بقوله: الذي صح في الأحاديث أن أعظم سورة الفاتحة، وأعظم آية ~~آية الكرسي، فأم القرآن أعظم السور أي أكثرها ثوابا كما أشار إليه شيخ ~~الإسلام في (فتح الباري) وظاهر كلامه التلازم بين الأعظمية والأفضلية ~~فقراءة الفاتحة أكثر ثوابا من قراءة سورة غيرها وإن طالت عليها. ولا يرد ~~على ذلك أن كل حرف بعشرة لما قالوه في الخبر الصحيح (إن قل هو الله أحد ~~تعدل ثلث القرآن) أي قراءة قدر حروف الثلث بلا مضاعفة كذا قالوه مع أنه ~~يلزم عليه أن تلاوتها ثلاث مرات تعدل القرآن بالمضاعفة، لأن قياس ما تقرر ~~أن من قرأها ثلاثا كتب له ثواب القرآن كله كل حرف بعشرة فيلزم عليه تفضيل ~~العمل القليل على الكثير، ولا بدع فيه، لأن الله تعالى له خصوصيات يمن بها ~~على من يشاء من خلقه، ألا ترى إلى ما صح أن هذه الأمة مع قصر أعمارها أكثر ~~ثوابا من غيرهم من بقية الأمم مع طول أعمارهم وكثرة عباداتهم، فعلمنا أن ~~تفضيل العمل الكثير على القليل إنما هوأمر أغلبي فقط، وحينئذ فلا يحتاج إلى ~~الجواب عن كون {قل هو الله أحد} [الصمد: 1] تعدل ثلث القرآن بأن المراد ~~تعدله بلا مضاعفة، لما بينته مما يلزم عليه أن ما فروا منه بذلك الجواب ~~وقعوا فيه، وهو أنه لزم على قولهم إن قراءتها ثلاث مرات تعدل القرآن ~~بالمضاعفة فوقعوا حينئذ في تفضيل العمل القليل على الكثير، فلا مفر إلا بما ~~ذكرته أن تلك القاعدة أغلبية، فبعض الأعمال القليلة أفضل من بعضها الكثير. ~~وبعد أن تمهد ذلك وظهر فلا يشكل كون قراءة الفاتحة أفضل من قراءة سورة أخرى ~~أطول منها. وقد ذكر الرافعي أن قراءة سورة كاملة في الصلاة أفضل من قراءة ~~بعض سورة وإن طال ذلك البعض، ووجهه أن ms179 فضيلة الاتباع في قراءة السورة تربو ~~على فضيلة المضاعفة في قراءة ذلك البعض الطويل، ومن ثم قال السبكي: صلاة ~~ظهر النحر بمنى أفضل منها بالمسجد # PageV01P079 # الحرام، وإن قلنا إن المضاعفة تختص بالمسجد لأن فضيلة الاتباع تربو على ~~فضيلة المضاعفة. وأيضا فالسورة اشتملت على مبدأ ومقطع كاملين، بخلاف بعض ~~السورة فلم يبعد أن يقال إن السورة القصيرة أفضل من البعض الطويل لذلك، ~~وبهذا يعلم أنه لا تناقض بين تعبير الرافعي بقوله أفضل من بعض طويلة وإن ~~طال، وقول النووي أفضل من قدرها من طويلة لأن الأول نظر إلى الأمر الخارجي ~~وهو الاتباع والاشتمال المذكوران فأثبت الأفضلية للسورة القصيرة على البعض ~~الطويل، والثاني نظر إلى ذات السورة والبعض، والسورة من هذه الحيثية إنما ~~هي أفضل من البعض الذي هو قدرها لا أكثر، فتأمل ذلك، يندفع به عنك ما وقع ~~فيه كثيرون من فهمهم التناقض بين عبارتي الشيخين المذكورين، ومما يدل على ~~ترادف الأعظم والأفضل قول الغزالي رحمه الله تعالى: الأعظمية والأفضلية في ~~أسماء الله تعالى ترجع إلى أمر واحد هو أن ما كان من الأسماء والآيات أصرح ~~في التوحيد وأدخل في التقديس والتعظيم والتمجيد، فهو أفضل من غيره من ~~الأسماء والآيات، وإن زادت حروف غيره بأضعاف مضاعفة لما فيه من زيادة ~~الثناء بالجميل على الوجه الأكمل اللائق فلذلك فضل أكثر منه وإن كثرت حروفه ~~انتهى. وأفضل الأذكار التي لم يخصها الشارع بحال أو زمن القرآن وبعده ~~التهليل لخبر (أفضل الذكر لا إله إلا الله) وقيل التحميد لخبر (إن لا إله ~~إلا الله بعشرة والحمد لله بثلاثين) ووجه بعضهم بأنه أجمع أنواع الذكر أي ~~لأنه يفيد النص على إثبات سائر صفات الكمال لله تعالى، وعلى نفي سائر سمات ~~النقص عنه، وما جمع نوعين أفضل مما جمع نوعا واحدا كسبحان الله وبحمده أفضل ~~من مجرد التسبيح والتحميد، وصح في الحديث (أحب الكلام إلى الله سبحان الله ~~وبحمده) أي بعد لا إله إلا الله كما قالوه. وصح أيضا: (أحب الكلام إلى الله ~~سبحان الله والحمد ms180 لله ولا إله إلا الله والله أكبر) فلا يبعد أن جملة هذه ~~الأربعة أفضل من بقية الأذكار المطلقة، ويؤيد ذلك أن ابن عباس رضي الله ~~عنهما وغيره حصروا الباقيات الصالحات المنصوص في الآيات على أنها خير عند ~~الله تعالى في تلك الأربعة. وأما الاستغفار فإن أريد به مجرد طلب المغفرة ~~فتلك الأذكار أفضل منه وإن كان هو الاستغفار المسنون المقترن بالتوبة فهو ~~أفضل منه كذا قاله بعضهم. ويحتاج لسند، وقد يؤيده أن الاستغفار مع التوبة ~~الصحيحة قيل بوجوبه، وما قيل بوجوبه أفضل مما لم يقل بوجوبه، وأفتى ذلك ~~البعض أيضا بأن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الاستغفار ~~لأنها جامعة بين حق الله بامتثال أمره وحق رسوله اصلى الله عليه وسلم، وهو ~~بعض مكافأته على ما أوصله إلينا مما لم يقع مثله من نبي لأمته صلى الله ~~عليه وسلم وشرف وكرم. 66 وسئل نفع الله به: هل يجوز أن يقال الله تعالى في ~~السماء، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا، وما حكم من ~~يقول ذلك ويستدل عليه بحديث السوداء، وما حكم الله في ذلك مع بسط القول ~~والجواب لمسيس الحاجة إليه؟ فأجاب بقوله: هذه المسألة كما قال القاضي عياض ~~وإن تساهل في الكلام فيها بعض الشيوخ المعتبرين هي من عويصات مسائل ~~التوحيد، واللائق بالزمان عدم ذكرها، وإن كان ولا بد فالحاصل من الكلام ~~فيها أن المسلمين قاطبة أجمعوا على استحالة التجسيم، والحلول، والاستقرار ~~على الله تعالى وحكم بذلك صريح العقل. وأجمعوا أيضا على استحالة إرادة ~~الحقيقة فيما ورد من ظواهر الآي والأخبار مما يوهم ذلك. واختلفوا بعد ذلك ~~في مسألة منها، وهي هل يصح إطلاق جهة الفوقية والعلو من غير تكييف ولا ~~تحديد عليه تعالى؟ فمذهب جميع المتكلمين وفحول العلماء وأهل أصول الديانات ~~إلى استحالة ذلك كما نص عليه أبو المعالي إمام الحرمين في الإرشاد وغيره من ~~المتكلمين والفقهاء، وقالوا: إن ذلك ملزم للتجسيم والحلول والتحيز والمماسة ~~والمباينة والمحاذاة، وهذه كلها حادثة، وما لا يعرى ms181 من الحوادث أو يفتقر ~~للحوادث فهو حادث، والله سبحانه وتعالى يستحيل عليه الحدوث شرعا وعقلا كما ~~هو مبين في كتب الأصول. واختلف هؤلاء فيما ورد من ظواهر الآيات والأحاديث ~~الصحيحة مما يوهم ذلك. فذهب بعض السلف كالشعبي وابن المسيب وسفيان إلى ~~الوقف عنها، وقالوا: يجب الإيمان بها كما وردت ولا نتعدى إلى تفسيرها. وضعف ~~هذا القول بما مر من الإجماع على عدم إرادة حقيقتها في عرف اللسان، فقد ~~تكلموا فيها بصرفها عن ظواهرها فالسكوت عنها موهم للعوام وتنبيه للجهلة. ~~وذهب الجمهور على ما نقل إلى الكلام عليها وصرفها # PageV01P080 # عن ظواهرها بحملها على محامل قريبة المأخذ منها بينة تليق بها من جهة ~~الشرع والعقل، ولسان العرب وتقتضي تنزيه الرب جل وعلا عما يوهم ظاهرها، وقد ~~نص على هذا الإمام أبو المعالي إمام الحرمين وغيره من حذاق المتكلمين. وذهب ~~القاضي الباقلاني وغيره في بعضها إلى أنها دالة على صفة زائدة تليق بجلاله ~~تعالى من غير تكييف ولا تحديد، ولكل فريق تأويلات ومآخذ تليق بجلاله تعالى ~~تطول، ومن أرادها فلينظرها في كتب التفسير ومشكل الأحاديث كابن فورك وغيره، ~~مع أن البارزي حكى عن القابسي أنه كان يدعو على ابن فورك من أجل أنه أدخل ~~في كتابه أحاديث مشكلة، وتكلف الجواب عنها مع ضعفها فكان في عدم ذكرها غناء ~~عن ذكرها انتهى. وليس هذا الدعاء في محله بل هو من بعض التعصب وكيف وابن ~~فورك إمام المسلمين والذاب عن حمى حومة الدين، وإنما تكلف الجواب عنها مع ~~ضعفها لأنه ربما تشبث بها بعض من لا علم له بصحيح الأحاديث من ضعيفها فطلب ~~الجواب عنها بفرض صحتها إذ الصحة والضعف عن أئمة الحديث ليسا من الأمور ~~القطعية بل الظنية، والضعيف يمكن أن يكون صحيحا فبهذا الغرض يحتاج إلى ~~الجواب عنه فما فعله ابن فورك هو الصواب فجزاه الله عن المسلمين خيرا. ~~والمذهب الثاني: جواز إطلاق فوق من غير تكييف ولا تحديث نقله أبو المعالي ~~إمام الحرمين في الإرشاد عن الكرامية وبعض الحشوية، ونقله القاضي عياض ms182 عن ~~الفقهاء والمحدثين وبعض المتكلمين من الأشعرية قال الإمام البرزلي المالكي: ~~وأنكر عليه شيخنا الإمام نقله عن بعض الأشعرية إنكارا شديدا، وقال: لم يقله ~~أحد منهم فيما علمته واستقريته من كتبهم، وسمعته يقول القاضي ضعيف في علم ~~الأصول ويعرف ذلك من تأليفه وكان عالما بالأحاديث ورجالها وضبطها ولغاتها ~~مقدما في ذلك فلا يلتفت لنقله عن أهل الأصول في هذه المسألة، وكلامه في ~~الشفاء يدل على علمه في هذا الفن وغيره وتضلعه ولم ينقله فيه عن بعض ~~الأشعرية وحكاه ابن بزيزة في شرح الإرشاد عن القلانسي من مشايخ الأشعرية ~~وعن البخاري وغيره، غير أن هذا محدث، واختار هذا المذهب ابن عبد البر في ~~(الاستذكار) واشتد نكير شيخنا المذكور عليه وقال: لم تزل فقهاء المذهب ~~ينكرونه عليه بحمل ما ورد على ظاهره ولتدافع مذهبه في نفسه عند تحقيقه وهو ~~ظاهر كلام الشيخ أبي محمد بن أبي زيد في رسالته. وفي أسئلة الشيخ عز الدين: ~~ما تقول في قول ابن أبي زيد، وأنه فوق عرشه المجيد بذاته، وأنه في كل مكان ~~بعلمه هل يفهم منه القول بالجهة وهل يكفر معتقدها أم لا؟ . فأجاب الشيخ عز ~~الدين: بأن ظاهره ما ذكر من القول بالجهة، لأنه فرق بين كونه على العرش ~~وكونه مع خلقه بعلمه، والأصح أن معتقد الجهة لا يكفر لأن علماء المسلمين لم ~~يخرجوهم عن الإسلام، بل حكموا لهم بالإرث من المسلمين وبالدفن في مقابر ~~المسلمين، وتحريم دمائهم وأموالهم وإيجاب الصلاة عليهم، وكذا سائر أرباب ~~البدع لم يزل الناس يجرون عليهم أحكام الإسلام ولا مبالاة بمن كفرهم ~~لمراغتمه لما عليه الناس انتهى كلام عز الدين. وقال بعض من ينسب إلى الطلب: ~~هذا كلام كفر والقائل به كافر، لأن من اعتقد الجهة في حق الله جل وعلا فهو ~~كافر بالإجماع، ومن توقف في كفره فهو كافر، فعورض هذا الطالب في ذلك بما ~~وقع بين الأئمة من الاختلاف في تكفير أهل الأهواء، وبما قال القاضي في ~~(الشفاء) وغيره من جريان الخلاف في المشبهة وغيرهم، وبما ms183 ذكره ابن ~~التلمساني في عين المسألة من الخلاف فلم يقبل شيئا من هذا، واستدل لنقله ~~الإجماع في المسألة بالحلولية وجعلها أنها هي عين جواب عز الدين وأن ~~الحلولية كفار بالإجماع. وأجاب بعض المفتين عن كلام هذا الطالب بما نصه: ~~الصحيح قول الشيخ عز الدين ولا إجماع في المسألة والخلاف فيها على وجه آخر، ~~وهو أن المشبهة هل عرفوا أم لا؟ واحتجاج هذا الرجل بمسألة الحلولية على ~~المسألة من أدل دليل على أنه لا يعرف الحلولية ولا المشبهة، وأن الإجماع ~~على تكفير القائل بالحلول يلزم منه الإجماع على تكفير القائل بالتشبيه كلام ~~غير محصل. والحق أنه يلزم من صحة الملزوم صحة اللازم ومن بطلان اللازم ~~بطلان الملزوم، لا أنه يلزم من الإجماع على قضية الإجماع على لازمها، ولا ~~من الإجماع على بطلان لازم قضية الإجماع على بطلان ملزومها فإن الإجماع ~~طريقه النقل لا العقل، ويبعد ممن له أدنى مسكة من عقل ودين أن يحكم للأمة ~~التي شهد لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإيمان، وأن يتجاسر على # PageV01P081 # الشهادة عليها بالكفر، فكيف بحكاية الإجماع على ذلك، ومسألة التكفير ~~بالحلول شهيرة، ولو قال مبتدع: إن الله غير عالم أو غير قادر كفر إجماعا مع ~~أنه ينفي صحة العلم والقدرة وغيرها من الصفات، ويلزمه قطعا أن يكون الباري ~~غير عالم، ولا قادر، مع شهرة الخلاف في تكفيره وأنه غير كافر، وقد جمع ~~الخوارج من الأقوال الفاسدة والآراء الباطلة ما لم يحفظ لغيرهم. وقال ~~سحنون: إنه يخاف على من كفرهم بمقالتهم أن يسلك مسلكهم في التكفير بالذنوب ~~أو كلاما هذا معناه، فقد حصل من حكاية هذا السؤال أنهم ليسوا بكفار مع ~~حكاية الخلاف فيهم، وأنه جاز على الخلاف في لازم القول هل هو كالقول أم لا؟ ~~ومذهب ابن رشد وغيره أنه ليس كالقول وأنه لا يلزم من الإجماع على قضية ~~الإجماع على لازمها، ولا من الإجماع على بطلان لازم قضية الإجماع على بطلان ~~ملزومها. إذا تقرر هذا فقائل هذه المقالة التي هي القول بالجهة ms184 فوق إن كان ~~يعتقد الحلول والاستقرار والظرفية أو التحيز فهو كافر، يسلك به مسلك ~~المرتدين إن كان مظهرا لذلك، وإن كان اعتقاده مثل أهل المذهب الثاني فقد ~~تقرر الخلاف فيه، فعلى القول بالتكفير يرجع لما قبله وعلى الصحيح ينظر فيه، ~~فإن دعا الناس إلى ما هو عليه وأشاعه وأظهره فيصنع به ما قال مالك رضي الله ~~عنه فيمن يدعو إلى بدعته ونص على ذلك في آخر الجهاد من المدونة وتأليف ابن ~~يونس، وإن لم يدع إلى ذلك وكان يظهره فعلى من ولاه الله أمر المسلمين ردعه ~~وزجره عن هذا الإعتقاد والتشديد عليه حتى ينصرف عن هذه البدعة، فإن فتح مثل ~~هذا الباب للعوام وساوك طريق التأويل فيه إفساد لاعتقادهم، وإلقاء تشكيكات ~~عظيمة في دينهم وتهييج لفتنتهم، وأرى هذا مثل الرجل الذي سأل مالكا عن معنى ~~قوله عز وجل: {الرحمان على العرش استوى} [طه: 5] فقال مالك: الاستواء معلوم ~~أو معقول والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عن هذا بدعة وأراك رجل سوء ~~أخرجوه عني، وزاد بعضهم في الحكاية: فأدبر الرجل وهو يقول: يا أبا عبد الله ~~لقد سألت عنها أهل العراق وأهل الشام فما وقف أحد فيها توقيفك، وأنت ترى ~~مالكا كيف أدب هذا الرجل وزجره الزجر التام وهو لم يصدر منه إلا السؤال عن ~~بعض المتشابه فما ظنك بمن صرح بما صرح به. وقضية عمر رضي الله عنه مع ضبيع ~~وضربه إياه المرة بعد المرة لسؤاله عن المتشابهه مشهورة حتى قال له: إن كنت ~~تريد قتلي فاقتلني وإلا فقد أخذت أربي. واختلف في تأويل قول مالك المذكور ~~فصرفه ابن عبد البر إلى مذهبه، وظاهر حكاية غيره أنه وقف عن الكلام فيها ~~كمذهب الواقفية، ومنهم من نحابه مذهب المتكلمين، وأشار ابن التلمساني في ~~شرح المعالم فقال: يعني أن محامل الاستواء في اللغة معلومة بعد القطع بأن ~~الاستقرار غير مراد، بل المراد به القهر والاستيلاء أو القصد إلى التناهي ~~في صفات الكمال، وقوله والكيف مجهول: يعني أن تعيين محمل من المحامل ~~اللائقة ms185 مجهول لنا، وقوله والإيمان به واجب: أي التصديق بأن له محملا يصح ~~واجب، وقوله والسؤال عنه بدعة أي تعيينه بالطرق الظنية فإنه تصرف في أسماء ~~الله تعالى وصفاته بزعم الظنون وما لم يعهد زمن الصحابة رضي الله عنهم فهو ~~بدعة انتهى، وهو يشير إلى ما قدمناه من الخلاف فيما ورد من مثل هذه الظواهر ~~هل يتكلم فيها أم لا؟ واختلف تأويل حديث السوداء المذكور في السؤال، فقال ~~المازري: أراد صلى الله عليه وسلم أن يطلب دليلا على أنها موحدة فخاطبها ~~بما يفهم من قصدها لأن علامة الموحدين التوجه إلى السماء عند الدعاء وطلب ~~الحوائج، فإن من كان يعبد الأصنام يطلب حوائجه منها ومن يعبد النار يطلب ~~حوائجه منها أيضها، فأراد صلى الله عليه وسلم الكشف عن معتقدها أهي مؤمنة ~~أم لا؟ فأشارت إلى الجهة التي يقصدها الموحدون وقيل وقع السؤال لها بأين ~~لأجل أنه أراد السؤال عما تعتقده من جلالة الباري وعظمته جل وعلا، فأشارت ~~إلى السماء إخبارا عن جلالته سبحانه في نفسها لأنها قبلة الداعين كما أن ~~الكعبة قبلة المصلين، وكذلك اختلف في تأويل ما ذكره ابن أبي زيد في رسالته ~~وقد مر آنفا على أنه ذكره في المختصر على وجه لا يشكل، والله أعلم. 67 وسئل ~~رضي الله عنه: هل الأولى للذاكر استحضار معاني ذكره التفصيلية، كأن يستحضر ~~النقائص التي تنزه الله تعالى عنها، ثم في كل مرة من مرات التسبيح يستحضر ~~واحدا من تلك الأمور، وكأن يستحضر الكمالات التي يحمد عليها، ثم يجعل ~~بإزائه كل مرة شهود واحد من تلك الكمالات وهكذا أو الإجمالية؟ فأجاب بقوله: ~~الأولى مراعاة الإجمال لأنه أتم وأكمل، لأن من يراعي # PageV01P082 # في كل تسبيحة مثلا تنزه الله تعالى عن جميع النقائص، أتم وأكمل، ممن ~~يراعى شيئا مخصوصا بكل مرة، وأيضا فتلك النقائص أحقر من أن تستحضر تفاصيلها ~~مع الرب في القلب، وإنما تستحضر على وجه كلي لضرورة التسبيح عنها، وقد لا ~~يحتاج لاستحضارها لاستغراق القلب في عظمة الرب وتعاليه وجلاله، فلا يلتفت ~~إلى ms186 تلك النقائص البتة، وانظر إلى السنة لما فعلت في قوله (سبحان الله عدد ~~خلقه، ورضاء نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته) ، كيف نصت على المطالب الأربعة ~~الإجمالية وهي كثرة أفراده، إذ عدد الخلق فيما كان وما يكون لا يتناهى كبر ~~مقداره، إذ العرش أكبر المخلوقات، وإذا أخذ بما فيه من المخلوقات التي كانت ~~وستكون لا يتناهى نوعه، حتى رضاء الله تعالى ودوامه بلا نفاد، لأن كلمات ~~الله تعالى أي أقضيته لا نفاد لها، وأعرضت عن النقائص التي يسبح عنها ~~استحقارا لها عن أن تمر بحضرة الجلال أو بحضرة شهود الكمال، وأكثر تسبيحات ~~القرآن مطلقة عن ملاحظة المسبح عنه فينبغي لنا أن نتأسى بها. 68 وسئل نفع ~~الله به: هل لمقلد الشافعي رضي الله عنه مثلا أن يقلد غيره بعد العمل ~~وقبله، مع تتبع الرخص أولا، وقد صرح الآمدي وابن الحاجب بامتناعه بعد العمل ~~اتفاقا؟ فأجاب بقوله: لمقلد غير إمامه أحوال ذكرها السبكي أخذا من كلامهم. ~~أحدها: أن يعتقد رجحان مذهب الغير في تلك المسألة فيجوز اتباعا للراجح في ~~ظنه. الثانية: أن يعتقد رجحان مذهب إمامه، أو لا يعتقد رجحان واحد منهما، ~~فيجوز أيضا سواء قصد الاحتياط لدينه مثلا، كالحيلة إذا قصد بها التلخص من ~~الربا كبيع الجمع بالدراهم، وشراء الخبيث بها، ولا كراهة حينئذ بخلاف ~~الحيلة على غير هذا الوجه فإنها مكروهة. الثالثة: أن يقصد بتقليده الرخصة ~~فيما دعت حاجته إليه، فيجوز أيضا إلا أن يكون يعتقد رجحان مذهب إمامه وأنه ~~يجب تقليد الأعلم. الرابعة: أن يقصد مجرد الترخص من غير أن يغلب على ظنه ~~رجحانه فيمتنع كما قاله السبكي. قال: لأنه حينئذ متبع لهواه لا للدين. ~~الخامسة: أن يكثر فيه ذلك بحيث يصير متتبعا للرخص بأن يأخذ من كل مذهب ~~بالأسهل. منه، فيمتنع أيضا لأنه يشعر بانحلال ربقة التكليف. السادسة: أن ~~يجتمع من ذلك حقيقة مركبة ممتنعة بالإجماع، فيمتنع، كأن يقلد شافعي مالكا ~~في طهارة الكلب، ويمسح بعض رأسه، لأن صلاته حينئذ لا يقول بها مالك لعدم ~~مسح كل الرأس، ms187 ولا الشافعي لنجاسة الكلب، وزعم الكمال ابن الهمام جواز نحو ~~ذلك ضعيف وإن برهن عليه. السابعة: أن يعمل بتقليده الأول ويستمر على آثاره ~~ثم يريد أن يقلد غير إمامه مع بقاء تلك الآثار كحنفي أخذ بشفعة الجوار عملا ~~بمذهبه، ثم تستحق عليه، فيريد العمل بمذهب الشافعي فلا يجوز لتحقق خطئه إما ~~في الأول أو الثاني مع أنه شخص واحد مكلف. وما ذكر عن الآمدي وابن الحاجب ~~نظر فيه السبكي فقال: في دعوى الاتفاق نظر، وفي كلام غيرهما ما يشعر بإثبات ~~خلاف بعد العمل أيضا، وكيف يمتنع إذا اعتقد صحته، ولكن وجه ما قالاه، أنه ~~بالتزامه مذهب إمامه كاف به ما لم يظهر له غيره، والعامي لا يظهر له شيء، ~~هذا وجه ما قالاه ولا بأس به، ولكني أرى تنزيله على صورة الحنفي المذكورة، ~~وهي وإن كانت غير منقولة، فالمنقول وتحقيقه قد يشهد لها، ومما يتبين ذلك أن ~~التقليد بعد العمل إن كان من وجوب لإباحة لتترك، كحنفي قلد في سنية الوتر، ~~أو من حظر لإباحة لتفعل كشافعي يقلد في نكاح بلا ولي فالمتقدم منه في الوتر ~~هو الفعل، وفي النكاح هو الترك، وكلاهما لا ينافي الإباحة، واعتقاد الوجوب ~~أو التحريم خارج عن العمل وحاصل قبله، فلا معنى للقول بأن العمل فيهما مانع ~~من التقليد وإن كان بالعكس، بأن كان يعتقد الإباحة فقلد في الوجوب، أو ~~التحريم، فالقول بالمنع أبعد وليس في المعاني ولا هذه الأقسام، نعم المفتى ~~على مذهب، إذا أفتى بحكم، ليس له أن يقلد غيره، ويفتي بخلافه لأنه محض تشبه ~~إلا إن قصد مصلحة دينية دعته إلى ذلك، كما روي عن ابن القاسم أنه أفتى ولده ~~في نذر اللجاج بمذهب الليث، وهو أن يتخلص عنه بكفارة يمين، وقال له: إن عدت ~~لم أفتك إلا بقول مالك أنه يتعين ما التزمه، والله أعلم. 69 وسئل نفع الله ~~به بما لفظه: لابن تيمية اعتراض على متأخري الصوفية، وله خوارق في الفقه ~~والأصول فما محصل ذلك؟ فأجاب بقوله: ابن تيمية عبد ms188 خذله الله وأضله وأعماه ~~وأصمه وأذله، وبذلك صرح الأئمة الذين بينوا فساد أحواله وكذب أقواله، ومن # PageV01P083 # أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتفق على إمامته وجلالته ~~وبلوغه مرتبة الاجتهاد أبي الحسن السبكي وولده التاج والشيخ الإمام العز بن ~~جماعة وأهل عصرهم، وغيرهم من الشافعية والمالكية والحنفية، ولم يقصر ~~اعتراضه على متأخري الصوفية بل اعترض على مثل عمر بن الخطاب وعلي بن أبي ~~طالب رضي الله عنهما كما يأتي. والحاصل أن لا يقام لكلامه وزن بل يرمي في ~~كل وعر وحزن، ويعتقد فيه أنه مبتدع ضال ومضل جاهل غال عامله الله بعدله، ~~وأجازنا من مثل طريقته وعقيدته وفعله آمين. وحاصل ما أشير إليه في السؤال ~~أنه قال في بعض كلامه: إن في كتب الصوفية ما هو مبني على أصول الفلاسفة ~~المخالفين لدين المسلمين فيتلقى ذلك بالقبول من يطالع فيها من غير أن يعرف ~~حقيقتها، كدعوى أحدهم أنه مطلع على اللوح المحفوظ، فإنه عند الفلاسفة كابن ~~سينا وأتباعه النفس الفلكية، ويزعم أن نفوس البشر تتصل بالنفس الفلكية، أو ~~بالعقل الفعال يقظة أو مناما، وهم يدعون أن ما يحصل من المكاشفة يقظة أو ~~مناما هو بسبب اتصالها بالنفس الفلكية عندهم، وهي سبب حدوث الحوادث في ~~العالم فإذا اتصلت بها نفس البشر استنقش فيها ما كان في النفس الفلكية، ~~وهذه الأمور لم يذكرها قدماء الفلاسفة وإنما ذكرها ابن سينا، ومن يتلقى ~~عنه، ويوجد من ذلك في بعض كلام أبي حامد، وكلام ابن عربي، وابن سبعين ~~وأمثال هؤلاء تكلموا في التصوف، والحقيقة على قاعدة الفلاسفة لا على أصول ~~المسلمين، ولقد خرجوا بذلك إلى الإلحاد كإلحاد الشيعة، والإسماعيلية، ~~والقرامطة، والباطنية، بخلاف عباد أهل السنة والحديث ومتصوفتهم، كالفضيل ~~وسائر رجال الرسالة، وهؤلاء أعظم الناس إنكارا لطرق من هم خير من الفلاسفة ~~كالمعتزلة والكرامية فكيف بالفلاسفة، وأهل التصوف ثلاثة أصناف: قوم على ~~مذهب أهل الحديث والسنة كهؤلاء المذكورين، وقوم على طريقة بعض أهل الكلام ~~من الكرامية وغيرهم، وقوم خرجوا إلى طريق الفلسفة مثل مسلك من سلك رسائل ms189 ~~إخوان الصفا، وقطعة توجد في كلام أبي حيان التوحيدي، وأما ابن عربي وابن ~~سبعين ونحوهما فجاءوا بقطع فلسفية غيروا عبارتها وأخرجوها في قالب التصوف، ~~وابن سينا تكلم في آخر الإرشادات على مقام العارفين بحسب ما يليق بحاله، ~~وكذا معظم من لم يعرف الحقائق الإيمانية. والغزالي ذكر شيئا من ذلك في بعض ~~كتبه لا سيما في الكتاب المضنون به على غير أهله، ومشكاة الأنوار ونحو ذلك، ~~حتى ادعى صاحبه أبو بكر بن العربي فقال: شيخنا دخل في نظر الفلاسفة، وأراد ~~أن يخرج منهم فما قدر، لكن أبو حامد يكفر الفلاسفة في غير موضع وبين فساد ~~طريقتهم، وأنها لا تحصل المقصود واشتغل في آخر عمره بالبخاري ومات على ذلك، ~~وقيل إنه رجع عن تلك الكتب، ومنهم من يقول إنها مكذوبة عليه، وكثر كلام ~~الناس فيها لأجلها كالمازري والطرطوشي وابن الجوزي وابن عقيل وغيرهم انتهى ~~حاصل كلام ابن تيمية. وهو يناسب ما كان عليه من سوء الإعتقاد حتى في أكابر ~~الصحابة ومن بعدهم إلى أهل عصره وربما أداه اعتقاده ذلك إلى تبديع كثير ~~منهم. ومن جملة من تتبعه الولي القطب العارف أبو الحسن الشاذلي نفعنا الله ~~بعلومه ومعارفه في حزبه الكبير وحزب البحر وقطعة من كلامه، كما تتبع ابن ~~عربي وابن الفارض وابن سبعين، وتتبع أيضا الحلاج الحسين بن منصور، ولا زال ~~يتتبع الأكابر حتى تمالأ عليه أهل عصره ففسقوه، وبدعوة بل كفره كثير منهم، ~~وقد كتب إليه بعض أجلاء أهل عصره علما ومعرفة سنة خمس وسبعمائة من فلان إلى ~~الشيخ الكبير العالم إمام أهل عصره بزعمه، أما بعد فإنا أحببناك في الله ~~زمانا، وأعرضنا عما يقال فيك إعراض الفضل إحسانا، إلى أن ظهر لنا خلاف ~~موجبات المحبة بحكم ما يقتضيه العقل والحس، وهل يشك في الليل عاقل إذا غربت ~~الشمس، وأنك أظهرت أنك قائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله أعلم ~~بقصدك ونيتك، ولكن الإخلاص مع العمل ينتج ظهور القبول، وما رأينا آل أمرك ~~إلا إلى هتك الأستار والأعراض، باتباع من لا ms190 يوثق بقوله من أهل الأهواء ~~والأغراض، فهو سائر زمانه يسب الأوصاف والذوات، ولم يقنع بسب الأحياء، حتى ~~حكم بتكفير الأموات ولم يكفه التعرض على من تأخر من صالحي السلف، حتى تعدى ~~إلى الصدر الأول، ومن له أعلى المراتب في الفضل فيا ويح من هؤلاء خصماؤه ~~يوم القيامة، وهيهات أن لا يناله غضب، وأني له بالسلامة، وكنت ممن سمعه وهو ~~على منبر جامع الجبل بالصالحية وقد ذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: ~~إن عمر له غلطات وبليات وأي بليات. # PageV01P084 # وأخبر عنه بعض السلف أنه ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه في مجلس آخر ~~فقال: إن عليا أخطأ في أكثر من ثلاثمائة مكان، فيا ليت شعري من أين يحصل لك ~~الصواب؟ إذا أخطأ علي بزعمك كرم الله وجهه وعمر بن الخطاب والآن قد بلغ هذا ~~الحال إلى منتهاه والأمر إلى مقتضاه، ولاينفعني إلا القيام في أمرك ودفع ~~شرك، لأنك قد أفرطت في الغي ووصل أذاك إلى كل ميت وحي، وتلزمني الغيرة شرعا ~~لله ولرسوله ويلزم ذلك جميع المؤمنين وسائر عباد الله المسلمين بحكم ما ~~يقوله العلماء، وهم أهل الشرع وأرباب السيف الذين بهم الوصل والقطع، إلى أن ~~يحصل منك الكف عن أعراض الصالحين رضي الله عنهم أجمعين اه. واعلم أنه خالف ~~الناس في مسائل نبه عليها التاج السبكي وغيره. فمما خرق فيه الإجماع قوله ~~في: علي الطلاق أنه لا يقع عليه بل عليه كفارة يمين، ولم يقل بالكفارة أحد ~~من المسلمين قبله، وأن طلاق الحائض لا يقع، وكذا الطلاق في طهر جامع فيه، ~~وأن الصلاة إذا تركت عمدا لا يجب قضاؤها، وأن الحائض يباح لها بالطواف ~~بالبيت ولا كفارة عليها، وأن الطلاق الثلاث يرد إلى واحدة، وكان هو قبل ~~ادعائه ذلك نقل أجماع المسلمين على خلافه، وأن المكوس حلال لمن أقطعها، ~~وأنها إذا أخذت من التجار أجزأتهم عن الزكاة وإن لم تكن باسم الزكاة ولا ~~رسمها، وأن المائعات لا تنجس بموت حيوان فيها كالفأرة، وأن الجنب يصلى ~~تطوعه ms191 بالليل ولا يؤخره إلى أن يغتسل قبل الفجر، وإن كان بالبلد، وأن شرط ~~الواقف غير معتبر، بل لو وقف على الشافعية صرف إلى الحنفية وبالعكس، وعلى ~~القضاة صرف إلى الصوفية، في أمثال ذلك من مسائل الأصول مسألة الحسن والقبح ~~التزم كل ما يرد عليها، وإن مخالف الإجماع لا يكفر ولا يفسق، وأن ربنا ~~سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا محل الحوادث تعالى ~~الله عن ذلك وتقدس، وأنه مركب تفتقر ذاته افتقار الكل للجزء تعالى الله عن ~~ذلك وتقدس، وأن القرآن محدث في ذات الله تعالى الله عن ذلك، وأن العالم ~~قديم بالنوع، ولم يزل مع الله مخلوقا دائما فجعله موجبا بالذات لا فاعلا ~~بالاختيار تعالى الله عن ذلك، وقوله بالجسمية والجهة والانتقال، وأنه بقدر ~~العرش لا أصغر ولا أكبر تعالى الله عن هذا الافتراء الشنيع القبيح، والكفر ~~البراح الصريح، وخذل متبعيه وشتت شمل معتقديه، وقال: إن النار تفنى، وأن ~~الأنبياء غير معصومين، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا جاه له ولا ~~يتوسل به، وأن إنشاء السفر إليه بسبب الزيارة معصية لا تقصر الصلاة فيه، ~~وسيحرم ذلك يوم الحاجة ماسة إلى شفاعته، وأن التوراة والإنجيل لم تبدل ~~ألفاظهما وإنما بدلت معانيهما اه. وقال بعضهم: ومن نظر إلى كتبه لم ينسب ~~إليه أكثر هذه المسائل غير أنه قائل بالجهة وله في إثباتها جزء، ويلزم أهل ~~هذا المذهب الجسمية والمحاذاة والاستقرار: أي فلعله في بعض الأحيان كان ~~يصرح بتلك اللوازم فنسبت إليه ذلك من أئمة الإسلام المتفق على جلالته، ~~وإمامته، وديانته، وأنه الثقة العدل المرتضى المحقق المدقق، فلا يقول شيئا ~~إلا عن تثبت وتحقق ومزيد احتياط وتحر سيما إن نسب إلى مسلم ما يقتضي كفره ~~وردته وضلاله وإهدار دمه، فإن صح عنه مكفر أو مبدع يعامله الله بعدله وإلا ~~يغفر لنا وله. 70 وسئل نفع الله به بما لفظه: ما حكم علم الرمل وفعله، وهل ~~يصح أخذ الأجرة عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه سأل النبي ms192 صلى ~~الله عليه وسلم عن الخط فقال: (كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه علم) ~~، وفي رواية: (فمن وافق فهو الخط) ويقال إن ذلك النبي إدريس صلى الله على ~~نبينا وعليه وسلم، ويقال إبراهيم من قوله تعالى: {فنظر نظرة فى النجوم فقال ~~إنى سقيم} [الصافات: 88، 89] أي الخطوط، وفي رواية (سئل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن الخط في التراب فقال: علمه نبي من الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام فمن وافق علمه علم) ؟ فأجاب بقوله: تعلم الرمل وتعليمه حرام شديد ~~التحريم، وكذا فعله لما فيه من إيهام العوام أن فاعله يشارك الله في غيبه ~~وما استأثر بمعرفته، ولم يطلع عليه إلا أنبياؤه ورسله بواسطة نحو تنجيم، أو ~~زجر أو خط أو بغير واسطة، وقد أكذب الله مدعي علم الغيب وأخبر في كتابه ~~العزيز بأنه المستبد بعلم ما كان وما يكون في غير ما آية. فقال: {عالم ~~الغيب فلا يظهر علىاغيبه أحدا إلا من ارتضىامن رسول فإنه يسلك من بين يديه ~~ومن خلفه رصدا} [الجن: 26، 27] على أنه قيل: إن الاستثناء منقطع فلا يقع ~~الإخبار ولا للرسول ولكن المراد حينئذ الإخبار بجميع المغيبات جملها أو ~~تفاصيلها، فهذا لم يعلم به رسول ولا غيره وقال: {قل لا يعلم من فى السماوات # PageV01P085 # والأرض الغيب إلا الله} [النمل: 65] . وقال عن عيسى عليه الصلاة والسلام: ~~{وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون} [آل عمران: 49] الآية، فجعل ذلك من (دلائل ~~النبوة) ، فلو أمكن الاطلاع عليه بنحو خط من غير نبي لما كان دليلا، لأنه ~~لم يكن معجزا، فعلم أن ادعاء معرفة ما يسره الناس، أو ينطوون عليه أو ما ~~يقع من غلاء الأسعار ورخصها، ونزول المطر ووقوع القتل والفتن، وغير ذلك من ~~المغيبات، فيه إبطال ل (دلائل النبوة) وتكذيب للقرآن العزيز، وفي الحديث ~~المشهور: (من صدق كاهنا أو عرافا) وفي بعضها (أو منجما فقد كفر بما أنزل ~~على محمد) . وقال صلى الله عليه وسلم أيضا حاكيا عن الله تعالى: (أصبح من ~~عبادي مؤمن وكافر) الحديث، وفيه (أن من قال ms193 مطرنا بنوء كذا فهو كافر بي ~~مؤمن بالكواكب) ومن المحال أن يصح لغير النبي صلى الله عليه وسلم توالي ~~الإخبارات بالمغيبات من غير أن يقع منه غلط أو كذب، بل ما يقع منه صدق إنما ~~هو مصادفة لا قصد، على أنه إنما يكون في الأمر الإجمالي لا التفصيلي، لكن ~~المتعاطون له يغترون بذلك، ويعتذرون عما سواه، ولا ينفعهم ذلك إذ لو ~~فاتشتهم لم تجد لهم سبيلا إلى علم ذلك، إلا مجرد الحزر والتخمين، وهذا ~~يشاركهم فيه سائر الناس. وقد خبأ النبي صلى الله عليه وسلم لابن صياد ~~الكاهن قوله تعالى: {ف ارتقب يوم تأتى السمآء بدخان مبين} [الدخان: 10] ~~فقال هو الدخ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إخسأ فلن تعدو قدرك) أي لا ~~يمكنك الإخبار بالأشياء على تفاصيلها كخبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ~~ومن ذلك نظر هرقل في النجوم فرأى أن ملك الختان قد ظهر فلم يخبر بأمر ~~تفصيلي وإنما أخبر بأمر إجمالي أهمه وكدر حاله، ولم يظهر له بنظره في ~~النجوم شيء من أحواله صلى الله عليه وسلم وما انطوت عليه بعثته من التفصيل ~~والحديث المذكور في مسلم لكن يتعين تأويله على ما يطابق القرآن وما اتفق ~~عليه إجماع أهل السنة، وذلك بأن يحمل كما قاله الخطابي وغيره قوله: (فمن ~~وافق خطه) على الإنكار لا الإخبار لأن الحديث خرج على سؤال من كان يعتقد ~~علم ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بالمغيبات من جهة الخط على ما اعتقدت ~~العرب فأجابه صلى الله عليه وسلم من خواص الأنبياء بما يقتضي إنكار أن ~~يتشبه به أحدهم، إذ هو من خواصهم ومعجزاتهم الدالة على النبوة فهو كلام ~~ظاهره الخبر والمراد به الإنكار. ومثله في القرآن والسنة كثير كقوله تعالى: ~~{ف اعبدوا ما شئتم من دونه} [الزمر: 15] وكقوله صلى الله عليه وسلم: (نحن ~~أحق بالشك من إبراهيم) فظاهره تحقيق الشك في المعتقدات، والمراد نفي الشك ~~عن إبراهيم، أو يحمل على أنه علق الحل بالموافقة بخط ذلك النبي، وهي غير ~~واقعة في ظن الفاعل ms194 إذ لا دليل عليها إلا بخبر معصوم، وذلك لم يوجد فبقي ~~النهي على حاله لأنه علق الحل بشرط، ولم يوجد، وهذا أولى من الأول، ثم رأيت ~~القاضي عياضا قال: والأظهر خلاف الأول لكن من أين تعلم الموافقة، والشرع ~~منع التعرض وادعاء الغيب جملة، ومعناه عندي فمن وافق خطه فذاك الذي تجدون ~~إصابته، لا أنه يريد إباحة ذلك لفاعله على ما تأوله بعضهم، وعليه يدل ظاهر ~~كلام ساقه عن ابن عباس رضي الله عنهما، ومما يدل على ذلك ما جاء في بعض ~~الطرق لذلك الحديث (وإن وافق خطه علم النبي صلى الله عليه وسلم علم) وفي ~~بعضها (أن نبيا من الأنبياء كان يأتيه أمره في الخط فمن وافق خطه علم النبي ~~علم) وهذا يدل على أنه ليس على ظاهره وإلا لوجب لمن وافق خطه أن يعلم عين ~~المغيبات التي كان يعلمها ذلك النبي وأمر بها في خطه من الأوامر والنواهي ~~والتحليل والتحريم. وحينئذ فيلزم مساواته له في النبوة، فلما بطل حمله له ~~على ظاهره لزم تأويله على ما مر، وعلم أن الله تعالى خص ذلك النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالخط وجعله علامة لما يأمره به وينهاه عنه، مثل ما جعل لنوح صلى ~~الله على نبينا وعليه وسلم من فور التنور علامة الغرق لقومه، وفقد الحوت ~~علامة لموسى على لقاء الخضر صلى الله على نبينا وعليهما وسلم، ومنع زكريا ~~تكليم الناس ثلاثة أيام علامة على حمل زوجته، وما في سورة الفتح علامة ~~لنبينا صلى الله عليه وسلم على حضور أجله ومثله كثير، ومن خواص الأنبياء ~~ومعجزاتهم وما روي في قوله تعالى: {أو أثارة من علم} [الأحقاف: 4] أنه الخط ~~فغير متعين في الآية، وبفرضه فتأويله أن العرب كانوا أهل كهانة وزجر وعيافة ~~فقال تعالى: {قل أرأيتم ما تدعون من دون الله} [الأحقاف: 4] الآيات أي ~~ائتوني بكتاب يشهد بما ادعيتموه بلفظه أو أثارة من علم وهو الخط على زعمكم ~~أنكم تدينون به، فلا تقدرون على إقامة حجة لعبادة الآلهة، وللمفسرين في هذه ~~الأثار ms195 أقاويل أخر غير ما ذكر وتفسير النجوم بالخطوط الواقع # PageV01P086 # في السؤال لم نره لأحد من المفسرين. [تنبيه] : يوجد كثيرا في الملاحم ما ~~يصح فقيل سببه أن نبينا صلى الله عليه وسلم تكلم بكلمات من الغيب فانفرد ~~بحفظها بعض الصحابة ولم تظهر، ورد بأنه لو كان كذلك لظهرت كبقية ما جاء عنه ~~صلى الله عليه وسلم وقيل إنه عمل دانيال لأنه كان نبيا يوحى إليه، وقيل عمل ~~الكهان قديما قبل وجوده صلى الله عليه وسلم، وقيل إنها مبنية على النجوم: ~~قال المازري: وهو الأقرب. [حكاية غريبة] لكن الآجري حكى أن هند أم معاوية ~~رضي الله عنهما دخل عليها وهي في خيمتها نائمة مجللة بشعرها صديق لزوجها ~~لظنه أنه قدم من السفر، فأحسست به ففزعت فقال: أنا فلان ظننت أن زوجك قدم، ~~وخرج فرآه أهل الحي فلم يشكوا أنه زنى بها، فلما قدم زوجها بلغه الخبر، ~~فعزم على قتلها فمنعه أبوها حتى كاد حياهما أن يقتتلوا، فاصطلحوا على أن ~~يمضوا لكاهن الشام ليخبرهم بصحة ما كان، ثم دخل عليها أبوها وقال: يا بنيتي ~~إن كان حقا ما يقولون فدعيني أستر عيبي وعيبك بالسيف، ونقاتل القوم لئلا ~~نمضي إلى الكاهن فيفضحنا ويفضحك، وإن كنت برية سرنا إلى الكاهن، فحلفت له ~~وأكدت أنها برية، فخرج الجميع إلى الشام، فلما قربوا من الكاهن اضطربت هند ~~وتغيرت، فقال لها أبوها: ما شأنك أليس قد حذرتك الفضيحة بالكاهن؟ فقالت: ~~والله ما أنا إلا برية وما جزعت إلا أنا نمضي إلى بشر مثلنا، وقد يغلط ~~ويؤتى عليه، فإن قال: إنها زنت نشبت المعرة فينا، وصدقه جميع العرب، فقال ~~لها: حقا ما قلت، فقال لهم: نحن نمضي إلى بشر مثلنا قد يصيب وقد يخطىء، ~~ولكن نخبأ له خبأ حتى نختبره وعلمه، فساعدوه على ذلك وجعلوا له قمحة في ذكر ~~مهر وربطوه بشعرة، فلما دخلوا عليه قالوا له: إن امرأة هذا قد اتهمت بزنا ~~فأخبرنا عن صدق ذلك أو كذبه؟ فقال أبوها: إنا أخبأنا لك خبأ ما هو؟ فقال: ~~أخبأتم ms196 ثمرة في كمرة، وفي رواية: حبة بر في إحليل مهر، فأتوه بها فلمس على ~~ظهرها فقال: هند ليست بزانية وستلد ملكا اسمه معاوية، فكبر القوم وخرجوا ~~عنه، وفرحوا فأخذ بعلها بيدها، رجاء أن يكون الولد منه، فنثرت يدها منه ~~وقالت: والله لا تقربني أبدا ولا تراني أبدا، وقال أبوها وأهلها: والله ما ~~رأيتها أبدا، ومنعوها بالسيف، فخطبها أبو سفيان وعبد الله بن جدعان، فعرض ~~عليها أبوها فقالت: أما أبو سفيان فصعلوك لكنه ينجب، وأما عبد الله فحسن ~~الصورة لكنه لا ينجب أنكحني أبا سفيان، فولدت منه معاوية رضي الله عنه، ~~ونكح عبد الله غيرها فولدت له ولدا فطاف به يوما فرأى جملا وشاة، فقال له: ~~يا أبت هذه ابنة هذا، أراد أن الشاة بنت البعير، فقال له في الحال: نعمت ~~المرأة هند التي قالت: إني لا أنجب. وبهذا الحكاية تعلم أن ما مر من أن ~~المغيبات لا تعلم إلا جملة ولا يعرف تفصيلها، إنما هو باعتبار أكثر الأحوال ~~وأما في بعضها فتعلم تفصيلا، لكن الصواب أنه يكون من علوم الأنبياء التي ~~حفظت ودونت ولم تبدل، وكذا ما أخبره به شق وسطيح من أخبار الزمن الذي وقع ~~بعدهما، فيحمل على أنه وصل إليهم من علم الأنبياء صلى الله على نبينا ~~وعليهم وسلم. 71 وسئل نفع الله به: هل من السحر ما يفعله أهل الحلق الذين ~~في الطرقات، ولهم فيها أشياء غريبة كقطع رأس الإنسان وإعادتها وندائهم له ~~بعد قطعها، وقبل إعادتها فيجيبهم، وجعل نحو دارهم من التراب وغير ذلك مما ~~هو مشهور عنهم، وكذا كتابة المحبة والقبول، وإخراج الجان ونحو ذلك. فأجاب ~~بقوله: هؤلاء في معنى السحرة، إن لم يكونوا سحرة فلا يجوز لهم هذه الأفعال، ~~ولا يجوز لأحد أن يقف عليهم لأن في ذلك إغراء لهم على الاستمرار في هذه ~~المعاصي والقبائح الشنيعة، وإفسادهم قطعي وفسادهم حقيقي، فيجب على كل من ~~قدر منعهم من ذلك، ومنع الناس من الوقوف عليهم، وإذا كان كثير من أئمتنا ~~أفتوا بحرمة المرور بالزينة، على ms197 أن أكثر أهلها مكرهون على التزيين بخصوص ~~الحرير، ورأوا أن التفرج عليها فيه إغراء على فعلها، وللحاكم على الأمر ~~بها، فما ظنك بالفرجة على هؤلاء الكذبة المارقين، والجهلة المفسدين وفي ~~الموازية من كتب المالكية، الذي يقطع يد الرجل أو يدخل السكين في جوف نفسه، ~~إن كان سحرا قتل وإلا عوقب. وسئل ابن أبي زيد من أئمتهم عن نحو ما في ~~السؤال فقال: إن لم يكن في أفعالهم تلك كفر فلا شيء عليهم وإنما هو خفة يد، ~~وتعقبه المرزاني فقال: هذا خلاف ما اختاره شيخنا الإمام، أنهم سحرة وأن ~~الوقوف عليهم لا يجوز، وهو يشبه ظاهر الرواية لابن عبد البر، روى ابن نافع ~~في المبسوطة في امرأة أقرت أنها عقدت زوجها عن نفسها أو غيرها، أنها تنكل ~~ولا تقتل، قال ولو سحر نفسه لم يقتل بذلك. # PageV01P087 # قال شيخنا الإمام: والأظهر أن فعل المرأة سحر؛ وإن كان فعل ينشأ عنه حادث ~~في أمر منفصل عن محل الفعل فإنه سحر. وعن ابن أبي زيد من يعرف الجن وعنده ~~كتب فيها، جلب الجن وأمراؤهم فيصرع المصروع، ويأمر بزجر مردة الجن عن ~~الصرعة ويحل من عقد عن امرأته؛ ويكتب كتاب عطف الرجل على المرأة. ويزعم أنه ~~يقتل الجن أفي هذا بأس إذا كان لا يؤذي أحدا أو ينهى أن يتعلمه. قلت: هذا ~~نحو مما أنكره شيخنا من عقد المرأة زوجها، والصواب أن التقرب إلى الروحانية ~~وخدمة ملوك الجان من السحر، وهو الذي أضل الحاكم العبيدي لعنه الله حتى ~~ادعى الألوهية ولعبت به الشياطين حتى طلب المحال، وهو مجبول على النقص وفعل ~~أفاعيل من لم يؤمن بالآخرة. وعن ابن أبي زيد أيضا: لا يجوز الجعل على إخراج ~~الجان من الإنسان لأنه لا يعرف حقيقته ولا يوقف عليه، ولا ينبغي لأهل الورع ~~فعله ولا لغيرهم وكذا الجعل على حل المربوط والمسحور. وسئل أيضا عمن يكتب ~~كتاب عطف لامرأة أعرض عنها زوجها ليقبل عليها وتكتفي شره؟ فأجاب: أما بين ~~الزوجين فأرجو أن يكون حقيقا بكتب القرآن وغيره مما ms198 لا يستنكر ولا يشترط في ~~جعله. قلت: وهذا خلاف ما تقدم له إلا أن يقال إن هذا بالرقى الظاهرة الحسن ~~كرقي أبي سعيد الخدري رضي الله عنه سيد الحي الملدوغ بالفاتحة انتهى. ~~ومذهبنا في ذلك أن كل عزيمة مقروءة أو مكتوبة إن كان فيها اسم لا يعرف ~~معناه فهي محرمة الكتابة والقراءة سواء في ذلك المصروع وغيره، وإن كانت ~~العزيمة أو الرقيا مشتملة على أسماء الله تعالى وآياته والإقسام به ~~وبأنبيائه وملائكته جازت قراءتها على المصروع وغيره، وكتابتها كذلك، وما ~~عدا ذلك من التبخيرات والتدخينات ونحوهما مما اعتاده السحرة الفجرة الحرام ~~الصرف بل الكبيرة، بل الكفر بتفصيله المشهور عندنا ومطلقا عند مالك وغيره. ~~وسئل ابن أبي زيد المالكي عن أجران يكتب فيها نحو اسم الله الذي أضاء به كل ~~ظلمة، وكسر به كل قوة، وجعله على النار فأوقدت، وعلى الجنة فتزينت، فأقام ~~به عرشه، وكرسيه، وبه يبعث خلقه، وما أشبه ذلك مع قرآن تقدمه فهل بهذا بأس. ~~فقال: لم يأت هذا في الأحاديث الصحاح، وغير هذا من القرآن والسنة الثابتة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلينا أن يدعى به، وذكر في أثناء كلامه أن ~~ذلك لا يجوز إلا ببعد من التأويل انتهى. وممن صرح بتحريم الرقيا بالاسم ~~الأعجمي الذي لا يعرف معناه ابن رشد المالكي، والعز بن عبد السلام الشافعي، ~~وجماعة من أئمتنا وغيرهم، وقيل وعن ابن المسيب ما يقتضي الجواز، لقوله صلى ~~الله عليه وسلم: (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه) انتهى. ولا دليل ~~فيه لأنه لم يقل لهم ذلك إلا بعد أن سألوه أن عندهم رقيا يرقون بها فقال ~~لهم صلى الله عليه وسلم: (اعرضوا علي رقاكم) فعرضوها عليه، فقال صلى الله ~~عليه وسلم لا بأس ثم قال من استطاع منكم) إلخ، فلم يقل ذلك إلا بعد أن عرف ~~رقاهم، وأنه لا محذور فيها، وذكر بعض أئمة المالكية أن من أمر الغير بعمل ~~السحر لا يقتل بالأمر بل يؤدب شديدا كما في المدونة. وسئل بعضهم ms199 عن رجل ~~صالح يكتب ويرقى ويعمل النشر ويعالج أصحاب الصرع والجنون بأسماء الله ~~والخواتم والعزائم، وينتفع بذلك كله من عمله، ولا يأخذ على ذلك الأجور، فهل ~~له بذلك أجر؟ فأجاب: أما الكتب للحمى والرقى وعمل النشر بالقرآن وبالمعروف ~~من ذكر الله تعالى فلا بأس به، وأما معالجة المصروع بالجنون بالخواتم ~~والعزائم، ففعل المبطلين فإنه من المنكر والباطل الذي لا يفعله ولا يشتغل ~~به من فيه خير أو دين، فإن كان هذا الرجل جاهلا بما عليه في هذا فينبغي أن ~~ينهى عنه ويبصر فيما عليه فيه، حتى لا يعود إلى الاشتغال به. 72 وسئل نفع ~~الله تعالى به: عن الموت هل هو وجودي أو عدمي، وكم يموت الإنسان ويحيا، وفي ~~الآية: {ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} [غافر: 11] ؟ فأجاب نفعنا الله ~~بعلومه بقوله: قد حررت الحق في ذلك في (شرح العباب) فلينظر منه، والذي ~~حضرني هنا أن الموت مفارقة الروح الجسد. واختلفوا هل هي صفة وجودية، أو ~~معقول عدمي، فقيل هو معنى يخلقه الله في الجسم مضاد للحياة لقوله تعالى: ~~{خلق الموت والحيواة} [الملك: 2] والعدم غير مخلوق، وقيل هو عدم صرف والخلق ~~في الآية بمعنى التقدير وهو يطلق عليهما، واتفقوا أنه ليس بجسم ولا جوهر. ~~وحديث: (يؤتى بالموت في صورة كبش) إلخ من باب التمثيل، والأصح أنه أمر ~~وجودي يقترن بحدوثه قبول الانحلال والانتقال من دار إلى دار، واتفق ~~المسلمون # PageV01P088 # على أن الأرواح باقية غير فانية إما في نعيم مقيم، وإما في عذاب أليم، ~~وإذا كان الموت أمرا وجوديا فهو مضاد للإدراكات الدنيوية والأخروية، وقيل ~~الدنيوية فقط، ورد بأن معقول الإدراك لا يختلف وإذا ثبت المضادة الأولى ~~كانت سالبة للحياة وسائر الإدراكات المنوطة بها، ويجوز أن ترجع في حال آخر، ~~وأمر ثان، وبعودها يرجع الميت حيا وهو المعبر عنه بحياة القبر عند إتيان ~~الملكين للسؤال، فإذا ردت إليه الحياة للجسم والروح تبعتها الإدراكات ~~المشروطة بها فيتوجه حينئذ على الميت السؤال ويتصور منه الجواب. وروي في ~~الحديث عن علي أو غيره رضي الله ms200 عنه: (أنه صلى الله عليه وسلم لما ذكر فتنة ~~منكر ونكير قال: يا رسول الله إن يكن معي عقلي فلا أبالي منهما) وفي إرشاد ~~إمام الحرمين المرضى عندنا أن السؤال على أجزاء يعلمها الله من القلب أو ~~غير يحييها الرب سبحانه وتعالى ويوجه السؤال عليها، وذلك غير مستحيل عقلا ~~ولا شرعا، وقيل يجوز أن يكون السؤال للروح وتكون بإزاء الجسم انتهى. والسنة ~~ترد هذا القول وإن قال بعض المتأخرين: المعتقد أن السؤال واجب والمسؤول ~~الروح ومحلها محتمل. ونقل أن الشارع أخبر أن الملائكة والبهائم والآدمي ~~تتطور في الإحياء والإماتة مرات كثيرة فالآدمي يتطور في الإحياءات ~~والإماتات ستة: الأولى: يوم {ألست بربكم} [الأعراف: 172] حين استخرجوا من ~~ظهر آدم كالذر، ويقال إنه كان مرتين، قيل وكانت أرواحا بلا أجسام، والحق ~~عند أهل السنة أنها كانت مركبة في أجسام، وأنكر هذا طوائف وعجيب من ~~البيضاوي وغيره أنه وافقهم، وقد قال بعض الأئمة: إن إنكاره إلحاد في الدين. ~~الثانية: الإحياء الدنيوي المشهور لكل أحد. الثالثة: إحياء القبر عند مجيء ~~الملكين للسؤال. الرابعة: الإحياء الإبراهيمي حين نادى إبراهيم صلى الله ~~على نبينا وعليه وسلم عند بناء البيت) ألا إن ربكم قد بنى لكم بيتا فحجوه) ~~الحديث. الخامسة: الإحياء المحمدي ذكر القشيري في التحبير عند ذكره الوهاب ~~أن موسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم قال: يا رب إني أرى في التوراة أمة ~~أنا جيلهم في صدورهم من هم؟ قال: تلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأخذ ~~يعدد فيهم الخصال الجميلة، حتى اشتاق موسى إلى لقائهم، فقال له: لا تلقاهم ~~ولكن إن شئت أسمعك أصواتهم فنادى سبحانه أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهم ~~في أصلاب آبائهم، فقالوا: لبيك يا ربنا، فقال تعالى: أعطيتكم قبل أن ~~تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني) ، وذكر ذلك القشيري واستدل له. ~~السادسة: الإحياء الأبدي في الآخرة حين يذبح الموت ويقال يا أهل الجنة خلود ~~بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت وهو رجوع الأجسام كما كانت على وجه ms201 ~~أكمل وأفضل. وللملائكة حياتان وموتتان. الأول: الدنيوية والموت بعدها. ~~والثانية الأخروية. وللبهائم حياتان وموتتان: الدنيوية ثم الموت بعدها ثم ~~الحياة للقصاص كما جاء في (الصحيح) ثم يقال لها كوني ترابا فتموت وترجع ~~ترابا، وحينئذ يقول الكافر {ويقول الكافر ياليتنى كنت ترابا} [النبأ: 40] ~~فليست هذه الإحياءات مضادة لقوله تعالى: {ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا ~~اثنتين} [غافر: 11] لأن هذا من قول الكفار، ولو سلمنا صحته فليس فيه حصر أن ~~هذا لا يكون إلا كذا فيجوزأكثر، سلمنا أن فيه حصرا فهو باعتبار المشهور ~~الذي يعرفه كل أحد. 73 وسئل نفع الله به: عن قوله تعالى: {ياقومنآ أجيبوا ~~داعى الله وءامنوا} [الأحقاف: 31] الآية، هل مقتضاه أن مؤمني الجن يدخلون ~~الجنة أم لا، وهل منهم رسل، وهل هم أولاد إبليس، وما حكم من أنكر وجوهم، ~~وما يتعلق بذلك من إعادة الحيوانات وغير ذلك؟ فأجاب بقوله: كل الحياونات ~~يموتون وكذلك سائر العالم لقوله تعالى: {كل من عليها فان} [الرحمن: 26] مع ~~قوله: {قال ذلك بينى وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان على والله علىاما ~~نقول وكيل} [القصص: 28] لكن لنا قول: أنه يستثنى من ذلك من خلق للبقاء كحور ~~الجنة وولدانها فمعنى هالك إلا وجهه عندهم قابل للهلاك وفي مقابله أنهم ~~يعدمون كالجنة والنار وسائر الموجودات لحظة ليصدق عموم الآية ثم يعودون. ~~واختلفوا في إعادة الحيوان والأصح إعادته لقوله تعالى: {وإذا الوحوش حشرت} ~~[التكوير: 5] ولحديث الصحيحين في الاقتصاص للحيوان بعضه من بعض، وقيل لا ~~يعاد شيء منها، وحشرت معناه ماتت، والاقتصاص كناية عن العدل وهو خلاف ظاهر ~~الآية والحديث فمن ثم كان الأصح الأول. وأما الآدميون المكلفون منهم يعودون ~~إجماعا، وكذا الصغار العقلاء يعودون ويكونون في الجنة مع آبائهم المؤمنين ~~إجماعا أيضا، ولا نظر لمن شذ في ذلك كما بينته في (شرح العباب) في باب ~~الاستسقساء، ومثلهم من بلغ مجنونا، وتوقف الباقلاني في الصغار وتردد غيره ~~في المجانين لا يعول عليه. وأما الجان فأهل السنة يؤمنون # PageV01P089 # بوجودهم، وإنكار المعتزلة لوجودهم فيه مخالفة للكتاب والسنة والإجماع، بل ~~ألزموا به كفرا ms202 لأن فيه تكذيب النصوص القطعية بوجودهم، ومن ثم قال بعض ~~المالكية: الصواب كفر من أنكر وجودهم، لأنه جحد نص القرآن والسنن المتواترة ~~والإجماع الضروري وهم مكلفون قطعا، ومن ثم وعدوا بمغفرة الذنوب والإجارة من ~~عذاب أليم في الآية التي في السؤال وتوعدوا بالعقاب {يامعشر الجن والإنس ~~ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقآء يومكم هاذا قالوا ~~شهدنا علىاأنفسنا وغرتهم الحيواة الدنيا وشهدوا علىاأنفسهم أنهم كانوا ~~كافرين} [الأنعام: 130] ولا ينذر بالإعادة للحساب إلا مكلف. قال الضحاك وفي ~~هذه الآية دليل على أن فيهم رسلا منهم. وخالفه الجمهور وقالوا: المراد ~~بالرسل منهم رسل الأنبياء أو منكم للتغليب على حد {يخرج منهما اللؤلؤ ~~والمرجان} [الرحمان: 22] وهما لا يخرجان إلا من الملح. واختلفوا هل هم ~~أولاد إبليس أو أولاد جان، وفي أن إبليس هل هو من الجن أو الملائكة، وفي أن ~~المطيع منهم هل يدخل الجنة أو ينجى من النار؟ وبعضهم ذكر الخلاف على غير ~~هذا الوجه فقال: من قال هم من ولد إبليس فله في دخولهم الجنة قولان: وجه ~~الأول طاعتهم ووجه الثاني تبعيتهم لأبيهم، ومن قال: إنهم من أولاد الجان ~~فالمطبع منهم يدخل الجنة بغير خلاف من أصحاب هذا المذهب وظواهر الآي تقتضي ~~دخولهم كقوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة: 7] {انفروا ~~خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فى سبيل الله ذالكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون} [التوبة: 41] . {إن الذينءامنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر ~~من أحسن عملا} [الكهف: 30] {ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثىاوهو مؤمن} إلى ~~قوله: {بغير حساب} [غافر: 40] فعلى القول بالأخذ بالعموم في النصوص ما لم ~~يرد مخصص وهو مذهب أكثر الفقهاء تكون هذه النصوص مقتضية لدخولهم الجنة، ~~واستدل له أبو حنيفة رحمه الله بقوله تعالى: {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن} ~~فلولا أنهم يدخلون الجنة لما نفي طمثهن كالإنس للأبكار، وأيضا فقد اتفقنا ~~على تكليفهم فيكون الواجب عليهم كالواجب علينا وهو ما فيه ثواب ولا ثواب في ~~الآخرة إلا الجنة، ومكث أهل الأعراف ms203 بها إنما هو عقاب يعقبه دخول الجنة كما ~~أشير إليه بقوله تعالى: {لم يدخلوها وهم يطمعون} [الأعراف: 46] ولأجل ذلك ~~قال بعض السلف: ما أطمعهم إلا ليدخلهم، وقيل بالوقف وهو بعيد إذ لا موجب له ~~مع شهادة النصوص بدخولهم الجنة، ومن أنكر هذا لا يكفر، لأنه لم يقم بخصوصه ~~قاطع بخلاف منكر رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إليهم فإنه يكفر، ~~لأنه أجمع عليه المسلمون قاطبة وعلم من الدين بالضرورة، وقد تساهل من قال ~~رسالته صلى الله عليه وسلم إليهم اشتهرت اشتهارا قريبا من الضروري بآيات ~~القرآن، وشهرة عموم رسالته تدل على ذلك كمنكر الإجماع، وفي كفرة خلاف مذكور ~~في الأصول، وكذا كونه مبعوثا إلى يأجوج ومأجوج فمنكره كذلك لأنهم من الناس ~~وقال الله تعالى: {ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا ونذيرا ولاكن أكثر ~~الناس لا يعلمون} [سبأ: 28] وذكر بعض العلماء أنه صلى الله عليه وسلم مر ~~بهم ليلة الإسراء فدعاهم فلم يجيبوا، وبفرض أن هذا لم يثبت يكونون كمن ~~بأطراف الأرض ممن لم تبلغه دعوته صلى الله عليه وسلم، والأصح أنهم غير ~~مكلفين. وفي إرشاد إمام الحرمين: الجن والشياطين أجسام لطيفة نارية غائبة ~~عن إدراك العيون. قال: وعن بعض التابعين أن من الجن صنفا روحانيا، لا يأكل ~~ولا يشرب، ومنهم من يأكل ويشرب، والله أعلم بكيفية ذلك، ومن مستفيض الأخبار ~~أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم الزاد فأباح لهم كل عظم لم يذكر اسم ~~الله تعالى عليه يجدونه أوفر ما كان لحما، وقيل: إنهم يعيشون بالشم لا ~~بالأكل، وورد أن أرواث دوابنا علف دوابهم. ويجب اعتقاد وجود الملائكة أيضا، ~~وهم جواهر نورانية قيل بسيطة وقيل مركبة من العناصر الأربعة كالجان، لكن ~~غلبهم النور كما غلب على الجان النار، ولذلك لم يريا لأنهم أعنى الملائكة ~~قدسية منزهة عن ظلمات الشهوات، طعامهم التسبيح وشرابهم التقديس، أنسهم بذكر ~~الله، وفرحهم بطاعة الله قال الله تعالى: {كلءامن ب الله وملائكته وكتبه} ~~[البقرة: 285] والبشر أفضل منهم على تفصيل فيه، خلافا لقول المعتزلة إنهم ms204 ~~أفضل مطلقا، حتى من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. واختلف هل يثابون على ~~أعمالهم؟ فقال بعض المحققين: إنهم يثابون لعموم الآيات السابقة في الجن ~~والأخبار، وأجمع المسلمون على إثابتهم وشذت طائفة فلم يثيبوا إلا الملكين ~~الكاتبين، ولا يبعد أنه يلزمهم كفر نظير ما مر في إنكار الجن. 74 وسئل رضي ~~الله عنه: هل يوصف إبليس لعنه الله بأنه كان عارفا بالله ثم سلب ذلك، وما ~~جاء من خطابه في القرآن هل هو بواسطة، وجميع طوائف الكفر هل يوصفون بمعرفة ~~الله تعالى المستلزمة لمعرفة رسوله صلى الله عليه وعلى سائر الأنبياء وسلم، ~~وإسناد # PageV01P090 # معرفة الله لهم هل تستلزم إثبات الإيمان؟ فأجاب بقوله: سئل المازري ~~المالكي عن ذلك فقال: هذه المسألة تفتقر إلى مقدمتين: إحداهما: ما يورده في ~~هذا من الأخبار كثير من المفسرين فلا طائل تحته، لأن المسألة علمية والعمل ~~بخبر الآحاد إنما هو في العمليات خاصة لأنها مبنية على غلبة الظن بخلاف ~~هذه، وهذا مما لا اختلاف فيه وإن رأيت العلماء اختلفوا في فروعه، فذلك إنما ~~هو لاختلاف آرائهم كاختلافهم في تسمية الله تعالى بما ورد في أخبار الآحاد ~~إلى غير ذلك، وأما ما نقل بعض المفسرين من الخبر الصحيح أو السقيم فلا ~~فائدة فيه، بل أصل المسألة مما لا يلزم البحث عنه. وكان شيخنا عبد الحميد ~~يذكرها في ميعاده ذكرا يتردد، وينقل عن شيخه فيها رأيا لا أحفظه الآن ~~فليفهم الإياس على ما يقطع به فيها. والمقدمة الثانية: وهي عظيمة الوقع: ~~وهي أن تعلم أن الله خلق في قلوب الحيوان علوما ناطقها، وغير ناطقها لا ~~يجلبه فكر ولا يميزه بحث، وهي علوم ضرورية وطبيعية في الحيوان البيهمي ~~ومنها ما لا يدرك إلا بالفكر والبحث، وهو خاص بالحيوان الناطق، ومنها ما لا ~~يدركه الناطق لا بالضرورة ولا بالبحث، وإن أمكن من ناحية النظر أن يكون في ~~قلوب عباده فهو من ناحية التجويز مثل رتبة الإنسان يلحق بها فلك القمر، فهو ~~يمكن عقلا، ولا يطمع فيه إلا أهل الوسواس، وطائفة ms205 من الأوائل يمنعون هذا ~~وأصغى إليهم بعض أهل العصر لأنه خارج عن الطبيعة، فلذا لم يدركه العقل، كما ~~أنه لا يعلم السبب في خصوصية جذب المغناطيس للحديد دون غيره، وما لا يمكن ~~إدراكه فلا مورد فيه ولا تصور، ومن لا يميز بين الفكر المحصل علما أو ظنا ~~يورد الكلام إيراد قاطع، كأنه يراه كالنور الساطع، وبهذا يتميز المستبحر في ~~العلوم من غيره فإذا أكثر النظر في هذه المسألة المستبحر فهو كما قال ~~المتنبي: ومن تفكر في الدنيا وبهجتها أقامه العجز في فكر وفي تعب لكن من لا ~~تخفى عليه خافية أرسل الوحي إلى رسله بعلم مكنون ما في غيبه فاطلعوا عليه ~~وعلموه الناس. والعلوم ثلاث طبقات منها: ما لا يعلم بالعقل وإنما يعلم ~~بالسمع كجواز رؤية الله تعالى، ومن ذلك علم إبليس فهو لا يعرف إلا بالسمع ~~أما تكبره فمقطوع به لقوله تعالى: {استكبر وكان من الكافرين} [ص: 74] ولفظ ~~الكفر وإن استعمل للستر فهو موضوع شرعا لمن لا يعرف الله ويؤيده قوله ~~تعالى: {قال رب بمآ أغويتنى لأزينن لهم فى الأرض ولأغوينهم أجمعين} [الحجر: ~~39] وقوله: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} [ص: 85] الآية، وغير ~~ذلك مما يدل على كفره. وأما كون كفره حدث بعد إيمان، أو لم يزل كافرا فلا ~~قاطع فيه من نص قرآن ولا خبر متواتر ولا إجماع. واختلف الناس هل هو من ~~الملائكة أو من الجن واحتج الأولون باستثنائه منهم في السجود واحتج الآخرون ~~بقوله: {وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق ~~عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أوليآء من دونى وهم لكم عدو بئس للظالمين ~~بدلا} [الكهف: 50] وأجابوا عن الاستثناء بأنه منقطع، وأجاب الأولون عن كونه ~~من الجن بأنه منهم في التمرد والفساد والاستكبار والعناد، ومن الواضح أن ~~دلالة كان من الجن لأن كونه منهم أظهر من دلالة الاستثناء على كونه من ~~الملائكة لأنه يأتي منقطعا كثيرا قال تعالى: {وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ~~ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما ms206 صلبوه ولاكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا ~~فيه لفى شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا} [النساء: ~~157] وتأويل كان من الجن بما ذكر بعيد جدا. على أنه يمكن أن يقال إن الجن ~~من جنس الملائكة من حيث لطافة الجسم وعدم رؤيته للبشر في كل فيكون ~~الاستثناء متصلا مع كون إبليس من عنصر الجن حقيقة وقوله: {قال ما منعك ألا ~~تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} [الأعراف: 12] ~~دليل ظاهر على أنه من الجن حقيقة. وليس من الملائكة وقال بعضهم: خلق الله ~~العناصر الأربعة: الماء والهواء والتراب والنار، وركب منها العالم بأسره ~~نباته وحيوانه ومعدنه، فهو كله أجسام مركبة من أجسام بسيطة وهي العناصر. ~~وخلق أجساما روحانية منها الملائكة والجن والطاهر منها المطيع {يسبحون ~~الليل والنهار لا يفترون} [الأنبياء: 20] وتسمى ملائكة، والشرير الخبيث جان ~~كما أن الآدمي على قسمين صالح وخبيث فاسق أو كافر، وكون إبليس سمع كلام ~~الله أو لا يرجع فيه إلى قاطع وليس بموجود نظير ما مر، وإنما فيه ظواهر وهي ~~لا تعتبر في هذا بل في الظنيان العمليات، وقوله: {قال ياإبليس ما منعك أن ~~تسجد لما خلقت بيدى أستكبرت أم كنت من العالين} [ص: 75] ظاهر في عدم ~~الواسطة ومحتمل لوجودها. وكون الكفار هل يعرفون الله أو لا؟ جوابه أنه يمكن ~~معرفتهم بالله دون رسله، ولا يتصور عكسه، إذ الرسول لا تتحقق معرفته إلا ~~بنسبته إلى الله، وأما معرفة الله فيمكن أن تتحقق بدون رسله لأنه تعالى نصب ~~عليها أدلة من مصنوعاته لا يفتقر الاستدلال بها إلى مجيء رسول بها، ومن ثم ~~قال بعض الأئمة: تجب معرفة الله بالعقل لأنها لا تتوقف على الشرع، والذين ~~ينفون الوجوب قبل الشرع ليس هو # PageV01P091 # لعدم إمكانها بل لعدم التكليف بها حينئذ، لأنه لا يعرف إلا من الشرع، ~~وزعم بعضهم التلازم بين معرفة الله ورسله من الجانبين، وكأنه أراد المعرفة ~~المعتد بها شرعا، وإلا فواضح أنه لا تلازم كذلك كما ms207 تقرر. 75 وسئل نفع الله ~~بعلومه، بما لفظه: أنكر بعضهم الدعاء ب (اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي) ~~محتجا بحديث (فرغ ربك من ثلاث رزقك وأجلك وشقي أم سعيد) فهل هو كذلك؟ فأجاب ~~بقوله: ليس الأمر كما زعم هذا المنكر، ويلزمه إبطال الدعاء من أصله، لأن كل ~~ما سيقع لك قد فرغ منه، وبذلك قال بعض المبتدعة فأبطلوا الدعاء من أصله، ~~وقالوا لا فائدة له لأنه إن سبق وصول المدعو به للداعي، فالدعاء بوصوله ~~عبث، وإلا فهو عبث أيضا. ورد عليهم أهل السنة بأن المطلوب من الدعاء التذلل ~~والخضوع. ولذا ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من لم يسأل الله يغضب ~~عليه) وفي بعض الآثار أن الله قال لموسى عليه الصلاة والسلام: (يا موسى ~~اسألني كل شيء حتى ملح عجينك) ، على أن له فائدة، وهي أن تلك المقدرات على ~~قسمين: منها ما أبرم وهو المعبر عنه بما في أم الكتاب الذي لا يقبل تغييرا ~~ولا تبديلا. ومنها ما علق على فعل شيء، وهو المعبر عنه باللوح المحفوظ ~~القابل للتغيير والتبديل، وأصل ذلك قوله تعالى: {يمحو الله ما يشآء ويثبت ~~وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] . فمن ذلك حديث: (إن زيارة الرحم تزيد في ~~العمر) بناء على أن المراد بالزيادة فيه حقيقتها لا مجازها الذي هو البركة ~~بأن يتيسر له في العمر القصير ما لا يتيسر لغيره في العمر الطويل وإن قال ~~بهذا جمع، وكذلك الدعاء قد يكون المدعو به معلقا على الدعاء فكان للدعاء ~~فائدة أي فائدة. على أن الدعاء لا يخيب أبدا لأنه إن كان بما علق على ~~الدعاء فواضح وجود الفائدة فيه وعليه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم: (لا ~~يرد القضاء إلا الدعاء) وإن كان بما لم يعلق على ذلك ففائدته الثواب لأن ~~الدعاء من العبادة بل من أنهاها كما قال صلى الله عليه وسلم: (الدعاء مخ ~~العبادة) وأيضا فيبدل الله الداعي بدل ما دعا به بما لم يقدر له بما هو مثل ~~ذلك، أو أفضل منه، ms208 كما يليق بجوده وكرمه وسعة فضله وحلمه، ومن ثم أطلق ~~سبحانه وتعالى الاستجابة للدعاء ولم يقيدها بشيء فقال عز وجل: {وقال ربكم ~~ادعونى أستجب لكم} [غافر: 60] وقال: {أجيب دعوة الداع إذا دعان} [البقرة: ~~186] والفعل وإن كان في حيز الإثبات فلا عموم له لكنه في مقام الامتنان ~~للعموم كما قالوا به في النكرة في سياق الامتنان، إذ الفعل والنكرة المثبتة ~~من واد واحد عموما وعدمه، فتأمل ذلك كله فإنه ظهر لي بحمد الله ولا مزيد ~~على حسنه وتحقيقه، ثم رأيت بعضهم أشار لبعض ذلك فقال: لا ينكر الدعاء إلا ~~كافر مكذب بالقرآن لأن الله تعالى تعبد عباده به في غير ما آية، ووعدهم ~~بالاستجابة على ما سبق في علمه من أحد ثلاثة أشياء على ما ورد في الحديث ~~استجابة أو ادخار أو تكفير عنه. وقال آخر: منكر ذلك إما جاهل فينهي عنه أشد ~~النهي، وإن تمادى بعد العلم فقد كذب القرآن فهو مرتد وقال عليه الصلاة ~~والسلام: (لا يرد القضاء إلا الدعاء) فقد يكون في علم الله القضاء يعلق ~~بذلك الدعاء، ولا يكون إلا هو كقوله صلى الله عليه وسلم (اعملوا فكل ميسر ~~لما خلق له) الحديث انتهى. 76 وسئل نفع الله بعلومه: هل يسوغ لأحد أن يأنف ~~من الدعاء باللهم اجعلني ممن ينال شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم؟ فأجاب: ~~لا يأنف من ذلك مترفعا عنه إلا كافر بالله ورسوله، غلب داء الكبر على قلبه ~~حتى أخرجه من دين الإسلام إلى الكفر الحقيقي، وقد صرح أئمتنا بأنه لو قيل ~~لإنسان قص أظفارك فقال لا أفعل رغبة عن السنة كفر؛ فإذا كان هذا حكمهم على ~~هذا فكيف بمن أنف أن يكون من أهل شفاعته صلى الله عليه وسلم، وليست شفاعته ~~صلى الله عليه وسلم خاصة بالمذنبين إذ هي على أنواع سبعة أو أكثر كما ~~بينتها في الخصائص من شرح الإرشاد حتى إن السبعين ألفا الذين صح دخولهم ~~الجنة بغير حساب لا يخلون من شفاعته ومدده، وكيف يمكن عاقلا أن يتوهم أنه ms209 ~~ينفك عن ملاحظته صلى الله عليه وسلم في يوم يحتاج إليه فيه الخلق بأسرهم ~~أنبياؤهم، ورسلهم، وملائكتهم، ولم يجسر على تلك الشفاعة العظمى فيه إلا ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وجزاه عنا وعن المسلمين خيرا أفضل ما جزى ~~نبيا عن أمته، ورسولا عن قومه وأنا لنا شفاعته وجعلنا من أمته بمنه وكرمه. ~~فإن قلت: قد أنكر المبتدعة الشفاعة ولم تكفر وهم بذلك. قلت: هم لم ينكروها ~~أنفة واستكبارا، بل اعتقادا زعما منهم أن الأدلة التي قامت عند عقولهم ~~الكاذبة الضالة أحالتها، وشتان ما بين هؤلاء ومنكرها أنفة واستكبارا، وعجيب ~~من بعض أئمة المالكية حيث لم يستحضر هذا # PageV01P092 # التفصيل والفرق اللذين ذكرتهما، فقال جوابا عما في السؤال: لا يحل لمسلم ~~أن يأنف من ذلك بل يجب عليه التضرع إلى الله تعالى جاهرا بشفاعته صلى الله ~~عليه وسلم لأنها تنال المحسنين والمذنبين هي قوله: (أريد أن أخبىء دعوتي ~~شفاعة لأمتي في الآخر) وجميع العلماء على أن المقام المحمود الذي وعده الله ~~هو شفاعته لأمته فتنال عموم أمته في موقفين: الإراحة من الموقف والزيادة في ~~الكرامة والترفيع، والمذنبون منهم من ينال شفاعته في التجاوز عنه، ومنهم من ~~ينالها في الخروج من النار ولا يحرم من شفاعته إلا الكفار ولعلها لا تنال ~~من يكذب بها من المبتدعة فمعنى دعاء الرجل أن لا يحرم من شفاعته موته على ~~الإسلام غير زائغ ولا مبتدع فواجب دعاؤه جهده ولا يدعو بإخراجه من النار ~~بشفاعته لأنه دعاء يستلزم الذنب الموجب للنار انتهى. 77 وسئل نفع الله به، ~~عن شخص قال: يمكن أن يوجد من هو أفضل من كذا فهل يكفر بذلك؟ فأجاب بقوله: ~~إن أراد إمكان ذلك شرعا أو أن النبوة مكتسبة فهو كافر أو أنه يمكن من حيث ~~العقل لا بالنظر للشرع فلا يكفر. 78 وسئل رضي الله عنه بما لفظه: رأى بعض ~~الطلبة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مكتوبة بخط غلق لا يقرأ إلا بصعوبة ~~فقال هذه سيرة رديئة فهل يكفر؟ فأجاب بقوله: إن ms210 أراد مجرد الخط لم يكفر ~~وكذا لو أطلق القرينة تصرف ذلك للخط، وللمالكية في ذلك تشديد يليق بمذهبهم. ~~79 وسئل نفع الله به: هل أحد من بناته صلى الله عليه وسلم كزينب رضي الله ~~عنهن كان على الشرك قبل النبوة؟ فأجاب بقوله: معاذ الله أن يكون أحد منهن ~~على ذلك بل هن على ما كان عليه أبوهن وسيدهن بل سيد الخلق كلهم، فإنه صلى ~~الله عليه وسلم بعثه الله وهو على الإيمان الكامل والناس على فترة من الرسل ~~وقد درست الشرائع، وعم الكفر والضلال، فتولاه وحفظه من كل قبيح كان عليه ~~قومه وحبب إليه الخلاء فكان يخلو يتعبد في غار حراء، قال بعض الأئمة: ولا ~~شك في تمسك بناته قبل مبعثه بهديه وسيرته. 80 وسئل نفعنا الله بعلومه بما ~~لفظه: عن صاحب رسائل إخوان الصفا وما ترجمته وما حال كتابه؟ فأجاب بقوله: ~~نسبها كثير إلى جعفر الصادق رضي الله عنه وهو باطل، وإنما الصواب أن مؤلفها ~~مسلمة بن أحمد بن قاسم بن عبد الله المخريطي ويقال المرخيطي. ومخريط من قرى ~~الأندلس ويكنى أبا القاسم كان جامعا لعلوم الحكمة، من الإلهيات، ~~والطبيعيات، والهندسة والتنجيم، وعلوم الكيمياء، وطبائع الأحجار، وخواص ~~النباتات، وإليه انتهى علم الحكمة بالأندلس وعنه أخذ حكماء ذلك الإقليم ~~وتوفى بها أواخر جمادي الآخرة سنة ثلاث وخمسين وثلثمائة وهو ابن ستين وممن ~~ذكره ابن بشكوال وغيره وكتابه فيه أشياء حكمية وفلسفية وشرعية وممن شدد ~~النكير عليه ابن تيمية لكنه يفرط في كلامه فلا يغتر بجميع ما يقوله. 81 ~~وسئل نفع الله به عن معنى قولهم: (ما اتخذ الله من ولي جاهل ولو اتخذه ~~لعلمه) ؟ فأجاب عنه بقوله: معنى ذلك أن الله تعالى يفيض على أوليائه الذين ~~أتقنوا الأحكام الظاهرة، والأعمال الخالصة من مواقع الإلهام والتوفيق، ~~والأحوال والتحقيق، ما يفوقون به على من عداهم، فمن تثبت له الولاية التي ~~لا ينشأ كمالها إلا عما ذكرنا فتثبت له تلك العلوم والمعارف فما اتخذ الله ~~وليا جاهلا بذلك، ولو فرض أنه اتخذه: أي ms211 أهله إلى أن يصير من أوليائه لعلمه ~~أي لألهمه من المعارف ما يلحق به غيره، فالمراد الجاهل بالعلوم الوهبية ~~والأحوال الخفية لا الجاهل بمبادىء العلوم الظاهرة، مما يجب عليه تعلمه فإن ~~هذا لا يكون وليا ولا يراد للولاية ما دام على جهله بذلك، بل إذا أراد الله ~~ولايته ألهمه تعلم ما يجب عليه، لأنه لا يمكن الإلهام فيه، فإذا تعلمه ~~وأتقن عباداته، أفاض عليه تعالى من علوم غيبه ما لا يدرك بكسب ولا اجتهاد. ~~وبما تقرر علم أن علم الشرائع لا يدرك إلا بالتعليم الحسي، ألا ترى إلى ما ~~وقع في قصة موسى والخضر عليهما الصلاة والسلام، لكن معنى قول الخضر عليه ~~السلام لموسى عليه الصلاة والسلام: (إنك على علم لا أعلمه أنا) أي لا أعلم ~~خصوص شرعك أو كماله، وإلا فالخضر كان له شرع آخر، بناء على الأصح أنه نبي، ~~ويلزم من كونه نبيا أن له شرعا غير شرع موسى ومعنى قوله: وأنا على علم لا ~~تعلمه أنت، أي لا تعلم خصوص ما أوتيته فلا ينافي أن موسى علم من المعارف ~~والإلهامات والأحوال والخصوصيات ما لم يحط به الخضر. # ومما يؤيد ما قدمته ما حكاه الإمام المحقق ابن عرفة المالكي حكى أن ~~الإجماع على أن علم الشرائع. لا يكون إلا بقصد التعليم، وأما الذي يعلمه ~~لأوليائه فهو الإلهامات والأنوار والمعارف # PageV01P093 # التي لا يمكن أن تحصل بسبب بل بمحض فضل الله ومنته والله أعلم. 82 وسئل ~~نفع الله به: عن معنى قول الإحياء لما ذكر معرفة الله تعالى والعلم به قال: ~~والرتبة العليا في ذلك للأنبياء ثم الأولياء العارفين، ثم العلماء الراسخين ~~ثم الصالحين، فقدم الأولياء وفضلهم على العلماء، وبه صرح القشيري في أول ~~رسالته، فما وجه ذلك، مع أن العلم أفضل من العمل لأن ذاك متعد وهذا قاصر. ~~فأجاب بقوله: ما قاله هذان الإمامان الجليلان صحيح لا مرية فيه، إذ لا يشك ~~عاقل أن العارف بما يجب لله تعالى من أوصاف الجلال ونعوت الكمال، وبما ~~يستحيل عليه من الاتصاف ms212 بكل صفة لم تبلغ غاية النهاية من الكمال المطلق ~~أفضل من العارف بمجرد الأحكام. قال ابن عبد السلام: بل العارفون بالله أفضل ~~من العارفين بالأصول والفروع، لأن العلم يشرف بشرف معلومه وثمراته، والعلم ~~بالله وبصفاته أفضل من العلم بكل معلوم، ومن جهة أن متعلقه أفضل وأشرف ~~المعلومات وأكملها وثمراته أفضل الثمرات وأجلها، إذ معرفة كل صفة من الصفات ~~توجب حالا عليه، وعنها تنشأ ملابسة كل خلق سني، والتجرد عن كل خلق دني، فمن ~~عرف سعة الرحمة، أثمرت معرفته سعة الرجاء، ومن عرف شدة النقمة أثمرت معرفته ~~شدة الخوف، وأثمر خوفه الكف عن كل معصية مع البكاء والخوف والورع وحسن ~~الانقياد والإذعان، ومن شهد أن جميع النعم منه تعالى أحبه وأثمرت المحبة ~~آثارها المحمودة المعروفة، وكذلك من شهد تفرده بالنفع والضر لم يعتمد إلا ~~عليه ولم يفوض أمره إلا إليه، ومن شهد تفرده بالعظمة والجلال هابه وعامله ~~بعظيم الانقياد والتذلل وغيرهما، فهذه بعض آثار شهود الصفات، ولا شك أن ~~معرفة مجرد الأحكام لا توجب شيئا من هذه الأحوال والأعمال والأقوال، والحس ~~يدل على ذلك إذ كثير من علماء الظاهر على غاية من الفسوق ومجانبة ~~الاستقامة، بل منهم من أدمن النظر في نحو كلام الفلاسفة حتى خرج من الدين ~~والعياذ بالله، ومنهم من يشكك فهم في ريبهم يترددون، والفرق بين علماء ~~الكلام والعارفين أن المتكلم تغيب عنه علومه بالذات والصفات في أكثر ~~الأوقات، فلا تدوم له تلك الأحوال، ولو دامت لكان من العارفين، لأنه ~~يشاركهم في العرفان الموجب للأحوال الموجبة للاستقامة، وكيف يساوي بين ~~العارفين والفقهاء والعارفون أفضل الخلق، وأتقاهم لله تعالى، والله سبحانه ~~وتعالى يقول: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13] ومدحه تعالى في ~~كتابه للمتقين أكثر من مدحه للعالمين، والعارفون هم المرادون في قوله عز ~~قائلا: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28] دون العلماء بمجرد ~~الأحكام لأن الغالب عليهم عدم الخشية، وخبر الله تعالى صدق فلا يحمل إلا ~~على من عرفه وخشيه، وقد روى هذا عن ابن عباس رضي ms213 الله عنهما وهو ترجمان ~~القرآن. ثم علماء الأحكام منهم من يتعلم ويعلم لغير الله فهذا علمه وبال ~~عليه، وكذا من تعلم وعلم لغير الله، وعكسه ممن خلط عملا صالحا وآخر سيئا، ~~ومن تعلم وعلم لله فإن لم يعمل بعلمه فهو شقي مثل أولئك، وإن عمل به فإن ~~كان عالما بالله وبأحكامه فهو من السعداء، وإن كان من أهل الأحوال العارفين ~~بالله فهو من أفضل العارفين، إذ حاز ما حازوا، وزاد عليهم بمعرفة الأحكام ~~وتعليم أهل الإسلام. قال: ومن يقول: إن العلم المتعدي أفضل من القاصر جاهل ~~بأحكام الله تعالى بل للقاصر أحوال. أحدها: أن يكون أفضل من المتعدي ~~كالتوحيد والإسلام والإيمان، وكذلك الدعائم الخمس إلا الزكاة وكذلك التسبيح ~~بعد الصلوات فإنه صلى الله عليه وسلم قدمه على التصدق بفضول الأموال وهو ~~متعد. وقال: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) . وقال: (خير أعمالكم ~~الصلاة) . وسئل صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ قال: (إيمان بالله: ~~قيل ثم ماذا؟ قال: جهاد في سبيل الله. قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور) فهذه ~~كلها أعمال قاصرة وردت الشريعة بتفضيلها. ثانيا: أن يكون المتعدي أفضل كبر ~~الوالدين فإنه صلى الله عليه وسلم قيل له: أي الأعمال أفضل؟ قال: (بر ~~الوالدين) وليست الصلاة أفضل من كل عمل متعد فلو رأى مصل غريقا يقدر على ~~إنقاذه، أو وقوع قتل أو زنا أو لواط، وقدر على إزالته لزمه قطعها لذلك، وإن ~~ضاق الوقت، لأن رتبته عند الله أفضل من رتبة الصلاة، إذ لا يمكن تداركه ~~بخلافها، وهذان القسمان مبنيان على رجحان مصالح الأعمال، فما كانت مصلحته ~~فيها أرجح كان أفضل، وكذا ما نص صلى الله عليه وسلم على تفضيله يكون أرجح، ~~وإن لم يدرك سبب رجحانه فإن لم نجد مصلحة تقتضي الرجحان ولا نصا به، وجب ~~علينا التوقف حتى نعلم دليلا شرعيا على الأفضل # PageV01P094 # فنصرح به حينئذ، وإلا لم يجز لنا أن نقول على الله ما لم يقم لنا عليه ~~دليل، ولو تساوى اثنان مثلا في ms214 الأعمال لم يترجح أحدهما إلا بتوالي عرفانه ~~واستمراره لأنه شرف أي شرف، وبه يزداد صلاح الأعمال واستقامتها، فللعارف ~~رتب في الفضل والشرف بها تتفاضل الأحوال الناشئة عنها كما مر أول الجواب، ~~فالمحب أفضل من المتوكل وهو من الخائف وهو من الراجي فهذه نبذة من أوصاف ~~العارفين بالله تعالى. ومما يدل على فضلهم على الفقهاء ما تكرم الله به ~~عليهم من الكرامات الخارقة للعادة، ولا يجري شيء من ذلك على أيدي الفقهاء ~~إلا إن سلكوا طريق العارفين، واتصفوا بأوصافهم، (وما سبقكم أبو بكر بصوم ~~ولا صلاة ولكن بشيء وقر في صدره) ، ومن زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنما فضل غيره بالأعمال الشاقة فقد أبعد بل فضل بتكليم الله إياه تارة على ~~لسان جبريل، وتارة من غير واسطة وكذلك فضل بالعلوم والمعارف والأحوال التي ~~اختص بها ولذلك قال: (إني لأرجو أن أكون أعلمكم بالله وأشدكم له خشية) ~~ولذلك لما تقلل بعضهم قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم على قيامه وصلاته ~~على صلاته أنكر صلى الله عليه وسلم عليه ذلك، ثم ذكر أن تفضيله عليهم إنما ~~كان بمعرفته بالله تعالى فهذه جهات تفضيله صلى الله عليه وسلم ولا مشقة ~~فيها، ولم لا والله تعالى يقول لموسى عليه الصلاة والسلام (إني اططفيتك على ~~الناس برسالاتي وبكلامي) ومثل هذا الزعم لا يصدر إلا من قلب منافق وهو صلى ~~الله عليه وسلم أفضل الأنبياء كلهم عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام، وكثير ~~منهم كنوح صلى الله عليه وسلم عمل وأوذى وصبر أكثر من نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم على أن ذلك الزعم ربما ينبىء أن النبوة مكتسبة وهو ضلال وكفر، بل ~~هي من مواهب محض فضله تعالى خص بها أنبياءه صلى الله عليه وسلم، تقصر ~~العقول عن إدراك أدنى شيء مما أوتوه من المعارف والأنوار والقرب من الله ~~تعالى، والآيات العظيمة الظاهرة على أيديهم تشهد بذلك، ولهذا لما شم ~~الأولياء من هذه الرائحة طرفا حصل لهم من العرفان بقدر ما شم كل طالب ms215 منهم، ~~وظهرت لهم كرامات من ذلك القدر الذي حصل، وزاد الأنبياء أيضا أنهم قادة ~~الخلق إلى الله تعالى ومعلموهم كيفية الوصول إليه، فاتبعهم العامة بحكم ~~العلوم الظاهرة والخاصة بحكم العلوم الباطنة، وحصل بعض تلك الأمور بخلوص ~~الاتباع، ومن رام زيادة واعتقد قوة لم يصل إليها، ولقد خرجت أقوال قوم من ~~أهل الطريق استغرقوا، فوقعوا في الاعتراض عليهم كالحلاج، وذكر منهم ابن ~~الجوزي كثيرين في تلبيس إبليس، ولقد أشار القشيري إلى أنه يقتدى بكل أشياخ ~~رسالته بل بعضهم وبينهم. ومن ذلك ما نقل عن أبي يزيد: خضنا بحرا وقف ~~الأنبياء على ساحله، ومعنى هذا أن الأنبياء وقفوا بسواحل بحار الشهوات ~~والإرادات ونحوهما ينقذون أتباعهم من الغرق في البحار فهو غاية في مدحهم ~~والثناء عليهم، وليس فيه شيء من الاعتراض إلا ما يتبادر من ظاهره على ما ~~زعمه المعترض على المتكلمين بهذه الكلمة حيث زعم أنهم يفضلون الأولياء على ~~الأنبياء، ومعاذ الله أن يصدر ذلك من أحد منهم لأنهم أعرف بالله وبأحكامه ~~وبالأنبياء ومراتبهم من غيرهم. وأجاب بعضهم عن تلك الكلمة بما يقرب مما ~~قدمته فقال: معناها أنهم وقفوا بساحل السلامة ليتبعهم فيها عموم الناس ~~لكونه ظاهرا مبلغا محل السلامة من غير تعمق، وخاض الخواص في غوامضه وأدركوا ~~منه أشياء من المعارف والأحوال لم يدركها من وقف من أولئك العامة بالساحل. ~~وأجاب بعضهم: بأن المراد أن الأنبياء خاضوا بحر المعارف وقطعوه وأحاطوا ~~بجميع أسراره ولم يبق عليهم منه شيء، وأما الأولياء فإنهم خاضوا شيئا قليلا ~~منها بل أكثرهم غرق فيه وتاه، ولم ينج منه إلا القليل ممن سبقت لهم السلامة ~~في علم الله تعالى والبقية امتحنوا لعدم ضبط ظواهرهم، ومن ثم زاغ كثير من ~~الصوفية الذين لم يتأدبوا بآداب الشريعة إذ الخير كله في اتباعه صلى الله ~~عليه وسلم والاقتداء بهديه، فمن قيد نفسه بأحكام الشريعة الظاهرة وعمر ~~باطنه بالخشية ونحوها مما مر، فقد اندرج في سلك القوم السالمين من اللوم ~~ألحقنا الله بهم ونظمنا في سلكهم آمين. 83 وسئل نفع الله ms216 به: عن عدد من سمى ~~محمدا قبل نبينا صلى الله عليه وسلم؟ فأجاب بقوله: قال ابن قتيبة: من أعلام ~~نبوته صلى الله عليه وسلم أنه لم يسم أحد قبله باسمه محمد صيانة من الله ~~تعالى لهذا الاسم كما فعل بيحيى صلى الله عليه وسلم إذ لم يجعل له من قبل ~~سميا، وذلك أنه تعالى سماه في الكتب المتقدمة، وبشر به الأنبياء، فلو جعل ~~اسمه مشتركا فيه لوقعت # PageV01P095 # الشبهة، إلا أنه لما قرب زمنه وبشر أهل الكتاب بقربه سمى قوم أولادهم ~~بهذا الاسم، رجاء أن يكون هو هو والله أعلم حيث يجعل رسالته. قال القاضي ~~عياض: وهم ستة لا سابع لهم. ورد بذلك قول ابن خالويه: هم ثلاثة لا غير، ~~وسها عنه السهيلي فتبع مع تأخره عن القاضي ابن خالويه على ما ذكره على أن ~~ما ذكره القاضي متعقب. فقد قال الشيخ شيخ الإسلام الحافظ أبو الفضل بن حجر: ~~أنه جمع أسماء من تسمى بذلك في جزء مفرد فبلغوا نحو العشرين لكن مع تكرير ~~في بعضهم ووهم في بعض، فتلخص منهم خمسة عشر نفسا وأشهرهم محمد بن عدي بن ~~ربيعة التميمي السعدي، وفي سياق خبره ما يشعر بأنه أدرك الإسلام، ومحمد بن ~~البراء بن طريف بن عتوارة بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة ~~البكري العتواري، وهذا أدرك الإسلام وهو صحابي جزما رضي الله عنه والبقية ~~لم يدركوا الإسلام. 84 وسئل رضي الله عنه: عن عدد أولاد نبينا الكرام عليه ~~وعليهم أفضل الصلاة والسلام؟ فأجاب بقوله: المتفق عليه منهم ستة ذكران ~~القاسم وإبراهيم، وأربع بنات زينب، ورقية، وأم كلثوم وفاطمة، وهؤلاء الأربع ~~هاجرن معه صلى الله عليه وسلم، واختلف فيما سوى هؤلاء الستة، فضم إليهم ابن ~~إسحاق الطيب، والطاهر، فتكون ثمانية أربعة ذكور، وأربع إناث، وقال الزبير ~~بن بكار عبد الله مات صغيرا بمكة قال وهذا يقال له الطيب والطاهر عند أكثر ~~أهل النسب، قال الدارقطني وهو لا يثبت وسمي بهما لأنه ولد بعد النبوة فعلى ~~هذا ms217 هم سبعة، ثلاث ذكور، وأربع إناث، وقيل هو غيرهما فجملتهم تسعة، خمسة ~~ذكور وأربع إناث. 85 وسئل نفع الله به، بما لفظه: ذكر الجلال السيوطي في ~~أذكار الأذكار الذي اختصره من أذكار النووي لطف الله به أشياء محرمة، ~~كالغيبة. وهي ذكر الإنسان بما يكره بما هو فيه، ولو في نحو عمامته، وإن ~~كانت بإشارة، أو رمزة نحو عين، واستماعها، والنميمة وهي نقل كلام بعض الناس ~~إلى بعض للإفساد بينهم، والنياحة والطعن في الأنساب، واحتقار المسلمين ~~والسخرية بهم وسبهم، والدعاء بالمغفرة للكافر، وإفشاء السر إن كان فيه ضرر، ~~وإلا كره، والمن على من أحسن إليه، ولعن معين، ولو كان كافرا لم يعلم موته ~~على الكفر، وإنتهار الوالدين، والكذب إلا لعذر، كإصلاح، أو على زوجة، أو ~~ظالم أراد أخذ وديعة عنده، والتسمية بنحو شاه شاه أو ملك الملوك، وفي أقضى ~~القضاة، وقاضي القضاة، وحاكم الحكام خلاف، وممن حرمه القاضي أبو الطيب، ~~وحرم الحليمي الطيب، قال: فإن الطيب هو الله، والسلام على الكافر فهل الحكم ~~كما ذكره؟ فأجاب بقوله: نعم الحكم كما ذكره، وقد بينت المعتمد في أقضى ~~القضاة وما بعده في (شرح العباب) فليراجعه من أراد الوقوف على ذلك. 86 وسئل ~~رضي الله عنه: عما في أذكار النووي من أنه يسن أن يقرأ في كل يوم يس ~~والواقعة والدخان والسجدة وإذا زلزلت، فهل بقي سور وآيات أخر ورد فيها نظير ~~ذلك؟ فأجاب بقوله: نعم (كل يوم قراءة الإخلاص مائتي مرة) رواه الترمذي. ~~(وآل عمران يوم الجمعة) رواه الطبراني (والكهف يومها) رواه الحاكم ~~(وليلتها) رواه الدارمي. (و {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى} إلى آخر السورة ~~كل ليلة) رواه ابن راهويه في (مسنده) . (ويس عند المحتضر) رواه أبو داود ~~وغيره. (والرعد أيضا) كما في (الروضة) عن بعض التابعين، وصرح به من أصحابنا ~~البندنيجي وغيره. (والدخان ليلة الجمعة) رواه الترمذي وغيره. (وق في ~~الخطبة) رواه مسلم. (والفجر في عشر ذي الحجة) رواه الثعلبي. (والقدر بعد ~~الوضوء) كما نقله ابن الصلاح في رحلته، فينبغي ندب ms218 هذه التي وردت بها تلك ~~الأحاديث على كيفية ورودها وإن لم أر من صرح بذلك، ولا يضر أن في بعض ~~أحاديثها ضعفا، لأن الحديث الضعيف والمرسل والمعضل والمنقطع يعمل به في ~~فضائل الأعمال اتفاقا بل إجماعا على ما فيه. 87 وسئل رضي الله عنه بما ~~صورته: ذكر الجلال في (مختصره) من أذكار النووي رحمه الله أنه لا بأس ~~بالإغلاظ لولده ولخادمه وتلميذه للتأديب، ولا بالتحية بكرة وبعد الحمام، ~~ولا بالتهنئة بالعيد، والشهر والسنة، فله أصل في السنة ولا بالمدح إذا لم ~~يكذب ولم يخف افتتان الممدوح، ولا يمدح نفسه لإظهار النعمة، أو النصح ليقبل ~~قوله، كلا تجد مرشدا مثلي، ولا بقوله: جعلني الله فداك، وفداك أبي وأمي، ~~ولا بتكنية كافر، أو فاسق، أو مبتدع، لعذر كخوف فتنة لو تركها، أو كونه لا ~~يعرف إلا بها، ولا بتعداد الكنى للشخص الواحد، ولا بتكنيته بابنته كأبي ~~ليلى ولا بالذكر في الطريق، ومع الحدث الأكبر، ولا بالدعاء على من ظلمه أو ~~غيره، ولا بقوله لذمي: جملك الله # PageV01P096 # أو نحوه إذا فعل به خيرا، ولا بالمزاح اللطيف ما لم يفحش ويداوم أو يؤذي ~~به أحد، ولا بالتعجب بسبحان الله وحده ونحوه، ولا بالتعريض والتورية لمصلحة ~~شرعية، ولا بقوله: إفعل كذا على اسم الله، واجمع بيننا في مستقر رحمتك، ~~وتسمية الطواف شوطا، وصمنا رمضان، ولا بقول سورة البقرة، أو النساء مثلا، ~~ولا بقول: إن الله تعالى يقول كذا، وقيل تكره هذه الستة الأخيرة فهل ما ~~قاله صحيح؟ . فأجاب بقوله: نعم ما قاله صحيح، وأدلة ذلك كله والتصريح ~~بأسماء المخالفين فيه مبسوط في الأصل أعني (أذكار النووي) رحمه الله تعالى، ~~وقد سب أبو بكر ولده عبد الرحمان رضي الله عنهما لما خالف أمره في القصة ~~المشهورة. ومحل عدم كراهة التحية بكرة النهار، حيث لم تكن بألفاظ اليهود ~~المشهورة، كصباح الخير بخلاف نحو صبحك الله بالخير، وكذا تكره التحية بعد ~~الحمام بنحو أطال الله بقاءك، بخلاف أدام الله لك النعيم، وقول الجلال: ولا ~~بالتهنئة الخ لو أبدله ms219 بقوله بل لا يبعد ندبه إذ له أصل في السنة لكان ~~أولى، ولا كراهة في جعلني الله فداءك ولو لغير عالم وصالح، ولا في الذكر في ~~الطريق ومحله إن لم يلته، وإلا كره، وقوله على من ظلمه أو غيره الظاهر أن ~~أو غيره تحريف إذ من الواضح حرمة الدعاء على الغير الذي لم يقع منه ظلم ~~للداعي فكيف ينفي عنه عدم الكراهة، وقوله يداوم أو يؤذ توهم، والصواب أو ~~يداوم بأو فإن الفحش وحده، والمداومة وحدها، كل منهما يقتضي الكراهة ولا ~~يشترط فيها اجتماعهما خلافا لما يوهمه عطفه المداومة وما بعدها بأو، والعجب ~~بسبحان الله، صح عنه صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة شهيرة ومستقر ~~الرحمة الجنة. والشوط أصله الهلاك فالكراهة في تسمية الطواف به عليها جماعة ~~من الأئمة لما فيها من التفاؤل بالقبيح، فهو نظير كراهته صلى الله عليه ~~وسلم للإنسان أن يقول: خبثت نفسي، بل تلك أولى لأن لفظ الهلاك أقبح من لفظ ~~الخبث لكن صح عن ابن عباس رضي الله عنهما التعبير بالأشواط. وحديث: (إن ~~رمضان من أسماء الله) ضعيف فلا دليل فيه لمن كره ذكر رمضان وحده من غير ~~إضافة، وقد ذكره صلى الله عليه وسلم مجردا عنه في أحاديث كثيرة صحيحة ك ~~(إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة) . وزعم بعض السلف أن السورة التي تذكر ~~فيها البقرة لا كراهة فيه بخلاف سورة البقرة في غاية الضعف إذ لا فرق ~~بينهما في الحقيقة، وإيهام الثاني أن السورة للبقرة لا يتوهمه أحد ألبتة. ~~وقد نطق صلى الله عليه وسلم بذلك في عدة أحاديث صحيحة. والمراد بيقول في أن ~~الله يقول ليس حقيقة المستقبل إذ لا يتعقل من له أدنى مسكة ذلك منه قال ~~تعالى: {والله يقول الحق} وصح عنه صلى الله عليه وسلم التصريح به في أحاديث ~~كثيرة. وروى مسلم في القصر (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) وصح ~~في الأحاديث التصريح بإعتاق الله من شاء من خلقه من النار، وبأن من فعل كذا ~~حلت ms220 له شفاعته صلى الله عليه وسلم، وزعم أنه لا تكون إلا للمذنبين، خطأ ~~صريح بل قد تكون في رفع نحو الدرجات على أنهم أجمعوا على ندب الدعاء ~~بالمغفرة المستدعية لوقوع الذنب، وطلب العفو عنه بقوله صلى الله عليه وسلم: ~~(إذبحوا على اسم الله) أي قائلين ذلك، وزعم أنه يكره أن يقول: ارحمنا ~~برحمتك، كاجمع بيننا في مستقر رحمتك يردهما أنه لا دليل له بوجه إذ المراد ~~اجمع بيننا في الجنة التي هي دار القرار ولا تنال إلا بالرحمة. 88 وسئل ~~أدام الله النفع به بما لفظه: في (مختصر أذكار النووي) للجلال السيوطي ~~رحمهما الله تعالى مسائل خفية لاسيما إن طابق ما فيه ما في أصله، فالمسؤول ~~بيانها وإيضاحها دليلا وتوجيها ومطابقة لما في أصله الذي هو (أذكار النووي) ~~قدس سره وغيرها، فإن الابتلاء بها عم واضطر الناس إلى إيضاح حكمها وهي: ~~يكره أن يقال خبثت نفسي بل لقست، وأن يقال كسلت وزرعت بل حرثت، وللعنب ~~الكرم، وهلك الناس، وما شاء الله وشاء فلان، وهذا لله ولوجهه إن فعل كذا ~~وكذا فهو يهودي، ولمسلم يا كافر، واللهم اسلبه الإيمان، وللإمام خليفة الله ~~بل خليفة النبي صلى الله عليه وسلم أو أمير المؤمنين، وعبدي وأمتي بل فتاي ~~وغلامي أو فتاتي وجاريتي، ولسيده ربي لا الرب معرفا باللام فيحرم، كالمولى ~~والسيد على قول، والأظهر جوازه مطلقا لعالم أو صالح، ويكره لغيرهما، وسب ~~الريح والحمى والديك، وتسمية المحرم صفرا، ولخصمه يا حمار يا تيس يا كلب، ~~وأنعم الله بك علينا وأنعم صباحا، وقول الصائم: وحق الخاتم الذي على فمي، ~~وللمتزوج بالرفاء والبنين، وأن يقال لغضبان اذكر الله أو صل على النبي صلى ~~الله عليه وسلم خوفا من كفره، وأن يقال إذا تورع عن الحلف الله يعلمه، # PageV01P097 # وأن يقال اللهم اغفر لي إن شئت، والحلف بغير الله، وكثرة الحلف في البيع، ~~وقوس قزح بل قوس الله، وأن يحدث بما عمله من المعاصي، وغرمت للمنفق في خير ~~بل أنفقت، وحق السلطان للمكس أو نحوه، وأن يسأل ms221 بوجه الله غير الجنة، ومنع ~~من يسأل بالله، وأطال الله بقاءك، والمراء وهو الطعن في كلام لإظهار خلله، ~~ولا غرض سوى تحقير قائله، والخصومة وهي لجاج في الكلام ليستوفي به مقصوده، ~~والجدال بغير حجة، وكثرة الكلام والتعقيد فيه بالتشدق وتكلف السجع ~~والفصاحة، ووحشي اللغة، وتحسين الخطب في المواعظ مستثنى، وسؤال الرجل فيم ~~ضرب امرأته من غير حاجة، والتجرد للشعر والاقتصار عليه، والفحش والبذاءة ~~وهو التعبير عن الأمور المستقبحة بصريح العبارة، والتحدث بكل ما سمع، ~~والمبالغة كجئتك مائة مرة، والذكر أو القراءة مع تنجس الفم، وقيل القراءة ~~حينئذ حرام، وفي حالة النعاس، وفي حال الخطبة والجماع، ونسيت آية كذا بل ~~أنسيت، وسب ميت كان معلنا بالفسق وإلا فهو حرام، وتسميته الغلام بنحو يسار ~~أو كليب، ونداء والده أو شيخه باسمه، وتطويل الخطبة والموعظة والدرس بحيث ~~يسأم منه السامعون، وتحديث العوام والمبتذلين بما لا يفهمونه، وعيب الطعام، ~~والدعاء على ولده ونفسه وخادمه وماله، والسلام على فاسق ومبتدع، وقاضي حاجة ~~ردا وابتداء، ونائم وناعس، ومصل ومؤذن ومقيم وذي حمام، وأكل حال الخطبة، ~~ومشتغل بدعاء، وملب ولا بأس بردهم، ويقول المصلي عليه السلام بلفظ الغيبة، ~~والكلام حال الأذان لقول الصفي الأبجي إنه سبب لسوء الخاتمة، وهذا حاصل ما ~~في الكتاب المذكور، والمسؤول بيانه وإيضاحه مع ما يتعلق به؟ فأجاب رضي الله ~~عنه: أما المسألة الأولى وهي كراهة خبثت نفسي أو كسلت أو زرعت فدليلها خبر ~~(الصحيحين) أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقولن أحدكم خبثت نفسي ولكن ~~ليقولن لقست نفسي) وصح في رواية (لا يقولن أحدكم جاشت نفسي ولكن ليقل لقست ~~نفسي) والألفاظ الثلاثة بمعنى واحد وهو غثت، وإنما كره الأول ومثله أخذا من ~~الرواية الأخرى الثاني لما فيه من لفظ الخبث ونحوه. قال الخطابي: وإنما ~~كرهه لبشاعته وليعلمهم الأدب في استعمال الحسن وهجر القبيح، وجاشت بجيم ~~معجمة ولقست بلام مفتوحة فقاف مكسورة فمهملة، ويوجه بنظير ما ذكر في كراهة ~~كسلت، وأما كراهة زرعت دون حرثت فيوجه ذلك بأن الزرع الذي هو الإنبات ms222 ~~والإثمار من محض صنع الله تعالى وليس للعبيد دخل فيه ألبتة، إنما دخله في ~~سببه العادي من وضع النبت في الأرض وحرثها، فكره له أن يأتي بالأول لأنه ~~موهم بخلاف الثاني. وأما الثانية: وهي كراهية الكرم للعنب فدليلها خبر ~~(الصحيحين) (ولا تقولوا الكرم إنما الكرم قلب المؤمن) . وفي رواية لمسلم: ~~(لا تسموا العنب الكرم وإنما الكرم قلب المؤمن) ، وفي أخرى (فإنما الكرم ~~قلب المؤمن) ، وفي أخرى له (ولا تقولوا الكرم ولكن قولوا العنب والحبلة) : ~~أي بفتح المهملة وفتح أو سكون الموحدة، واستفيد من ذلك النهي عن تسمية ~~العنب كرما خلافا لما كان عليه الجاهلية. قال العلماء وحكمته خوفه صلى الله ~~عليه وسلم أن يدعوهم حسن اسمها إلى شرب الخمر المتخذة من ثمرتها فسلبها هذا ~~الاسم. وأما الثالثة: فدليلها خبر مسلم (إذا قال الرجل هلك الناس فهو ~~أهلكهم) بفتح الكاف وضمها وهو أشهر: أي أشدهم هلاكا، ويؤيد الضم رواية (فهو ~~من أهلكهم) أي إذا قاله على سبيل الازدراء بهم والاحتقار لهم وتفضيل نفسه ~~عليهم لأنه لا يدري سر الله تعالى في خلقه. وقال الخطابي: معناه لا يزال ~~الرجل يسب الناس ويذكر مساويهم ويقول: فسدوا وهلكوا ونحو ذلك، وحينئذ فهو ~~من أهلكهم: أي أسوأ حالا فيما يلحقه من الإثم في غيبتهم والوقيعة فيهم، ~~وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه، ورؤيته أن له فضلا عليهم وأنه خير منهم ~~فيهلك انتهى. وقال مالك: إن قاله تحزنا لما يرى فيهم: أي من أمر دينهم فلا ~~بأس، أو عجبا بنفسه وتصاغرا لهم فهو المكروه المنهي عنه. قال النووي: وهذا ~~أحسن ما قيل في معناه وأوجزه. وأما الرابعة: فدليلها الخبر الصحيح (لا ~~تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان) قال ~~الخطابي غيره: هذا إرشاد للأدب إذ الواو لمطلق الجمع وثم للترتيب والتراخي ~~فأرشدهم صلى الله عليه وسلم إلى تقديم مشيئة الله على مشيئة من سواه، ومن ~~ثم كره النخعي أعوذ بالله وبك دون ثم بك، قالوا: ولا يقول لولا الله ms223 ثم ~~فلان لفعلت كذا ولا يقل لولا الله وفلان. # وأما الخامسة: فما اقتضاه ظاهر كلام الجلال فيها # PageV01P098 # من الكراهة غير مراد، كيف؟ وعبارة النووي في الأذكار يحرم أن يقال: إن ~~فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام أو نحو ذلك، فإن قاله ~~وأراد به حقيقة تعليق خروجه من الإسلام بذلك الفعل صار كافرا في الحال، ~~وجرت عليه أحكام المرتدين، وإن لم يرد ذلك لم يكفر، ولكن ارتكب محرما فتجب ~~عليه التوبة، وهو أن يقلع في الحال عن معصيته ويندم على ما فعل، ويعزم على ~~أن لا يعود إليه أبدا، ويستغفر الله تعالى ويقول: لا إله إلا الله محمد ~~رسول الله انتهت. وبها يتبين أن ما وقع للجلال من كراهة هذا إما سهو أو غلط ~~من الناسخ. فإن قلت: الجلال إنما عبر بقوله: فهو فمسألته غير مسألة النووي ~~لأنه عبر فيها بقوله فأنا. قلت: المعنى واحد فيهما ولكن الجلال تبع ما قاله ~~غير واحد من الشراح من أن الأولى في نحو ذلك أن يؤتي بضمير الغائب لا ~~المتكلم مباعدة من النطق بهذا اللفظ القبيح ما أمكن. # وأما السادسة: أعني قوله لمسلم يا كافر أو اللهم اسلبه الإيمان، فالكراهة ~~التي أوهمها بل صرح بها كلام الجلال رحمه الله غير مرادة أيضا، وعبارة ~~النووي في (الأذكار) أيضا يحرم عليه تحريما مغلظا أن يقول لمسلم يا كافر. ~~وروينا في (الصحيحين) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما فإن كان ~~كما قال وإلا رجعت عليه) . وفي لفظ لمسلم (من دعا رجلا بالكفر أو قال يا ~~عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه) . أي رجع. ولو دعا مسلم على مسلم فقال: ~~اللهم اسلبه الإيمان عصى بذلك، وهل يكفر هذا الداعي بمجرد هذا الدعاء؟ فيه ~~وجهان لأصحابنا أصحهما لا يكفر لقوله تعالى إخبارا عن موسى صلى الله على ~~نبينا وعليه وسلم {وقال موسىاربنآ إنك ءاتيت فرعون وملأه ms224 زينة وأموالا فى ~~الحيواة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس علىاأموالهم واشدد ~~علىاقلوبهم فلا يؤمنوا حتىايروا العذاب الأليم} [يونس: 88] الآية، وفي هذا ~~الاستدلال نظر، وإن قلنا إن شرع من قبلنا شرع لنا انتهت. وبه يعلم أن ما ~~وقع للجلال من كراهة هذين إما سهو، أو غلط من ناسخ، نظير ما قررته في ~~الرابعة ووجه النظر الذي ذكره أن محل كون شرع من قبلنا شرعا لنا على القول ~~الضعيف القائل بذلك، ما إذا لم يرد في شرعنا ما يخالفه، وقواعد شرعنا طافحة ~~بتحريم الدعاء بذلك، وبتسليم أنه لم يرد في شرعنا ما يخالفه، يحتمل أن موسى ~~عليه السلام إنما دعا عليهم لأن الله أعلمه باليأس من أيمانهم فدعا عليهم ~~بزيادة تشديد العذاب في الدنيا بالطمس على الأموال، وفي الآخرة بالإشداد ~~على القلوب المستلزم لمزيد العناد والكفر والتوغل فيه، فتأمله فإنه مهم، ~~وقد توهم عبارة الأذكار أن أصحابنا لم يختلفوا في كفر من قال لمسلم يا ~~كافر، وليس مرادا، بل المعتمد أنه لو قال له ذلك لدينه كفر، لأنه سمى ~~الإسلام كفرا فتفطن لذلك، وبهذا الذي هو مصرح به في (الروضة) ومختصراتها ~~وغيرها يزداد التعجب مما وقع للجلال من كراهته، وتأويل عبارته بما يوافق ~~ذلك بعيد جدا، إذ في سوابقها ولواحقها ما يبطل هذا التأويل بأدنى تأمل. ~~وأما السابعة: أعني كراهة تسمية الإمام خليفة الله فهو مأخوذ من قول النووي ~~رضي الله عنه في (الأذكار) : ينبغي أن لا يقال للقائم بأمر المسلمين خليفة ~~الله بل الخليفة وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمير المؤمنين، ثم ~~نقل عن البغوي أنه لا بأس بتسميته بالخليفة وأمير المؤمنين وإن كان مخالفا ~~لسيرة أئمة العدل لقيامه بأمر المؤمنين، وسمى خليفة لأنه خلف الماضي قبله ~~وقام مقامه، وأنه لا يسمي أحد خليفة الله بعد آدم وداود على نبينا وعليهما ~~أفضل الصلاة والسلام، وقال رجل لأبي بكر: يا خليفة الله، فقال: أنا خليفة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا راض بذلك. وقاله آخر لعمر بن ms225 عبد ~~العزيز فقال: ويلك لقد تناولت متناولا بعيدا، ثم أشار إلى أنه يكفي تسميتهم ~~له بأمير المؤمنين. ونقل عن الأحكام السلطانية للماوردي أن الإمام يسمي ~~خليفة لأنه خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته فجاز أن يقال الخليفة ~~على الإطلاق وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: واختلفوا في قولنا ~~خليفة الله فجوزه بعضهم لقيامه بحقوقه في خلقه لقوله تعالى: {هو الذى جعلكم ~~خلائف فى الأرض} [فاطر: 39] وامتنع جمهور العلماء من ذلك ونسبوا قائله إلى ~~الفجور هذا كلام الماوردي انتهى كلامه في (الأذكار) . وظاهر كلام الماوردي ~~أن تسمية خليفة الله محرمة وإن كان عادلا لأن قوله وامتنع جمهور العلماء من ~~ذلك، أي الجواز الذي جعله محل الخلاف، ونقله عنهم أنهم ينسبون القائل ~~بالجواز إلى الفجور ظاهر، بل صريح في أن الجمهور على التحريم، إذ لو كانوا ~~موافقين على الجواز، وإنما اختلافهم في الكراهة؛ لم يسعهم نسبة القائل ~~بعدمها إلى الفجور فنسبتهم إياه إلى ذلك تدل على أن خلافهم إنما هو في ~~التحريم، وأن إباحته # PageV01P099 # لذلك فيها مجاوزة للحد فاستحق التغليظ عليه بنسبتهم له إلى الفجور، لكن ~~ظاهر قول النووي عقب ذلك هذا كلام الماوردي أنه متبرىء منه. # وأن المعتمد ما دل عليه قوله أو لا. وينبغي أن لا يقال ذلك، من أنه خلاف ~~الأولى أو مكروه، وكون ينبغي، قد يستعمل بمعنى يجب قليل، وكأن هذا الذي ~~ذكرته هو الحامل للجلال على التصريح بكراهته وإن كان كلام الماوردي ظاهرا ~~في الحرمة كما تقرر. وقال النووي الإجماع على أن أول من سمى أمير المؤمنين ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه. قال: وزعم ذلك لمسيلمة جهل قبيح. وأما ~~الثامنة: أعني كراهة عبدي وأمتي فيقال فتاي وفتاتي وجاريتي وغلامي وغلامتي، ~~فهي مصرح بها في (الأذكار) كذلك. روى الشيخان أنه صلى الله عليه وسلم قال: ~~(ولا يقل أحدكم عبدي وأمتي، وليقل فتاي وفتاتي وغلامي) . وفي رواية لمسلم ~~(لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي كلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله، ولكن ~~ليقل غلامي ms226 وجاريتي وفتاي وفتاتي) ويؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم في هذه ~~(كلكم عبيد الله) الخ الإيماء إلى علة كراهة عبدي وأمتي بأنه موهم وجود ~~حقيقة العبودية والأمتية لغير الله، وهو كذب بل كفر صريح فنهى عن ذلك اللفظ ~~الموهم لذلك، وإن كان غير مراد بخلاف الفتاتية والغلامية والجارية، لا يوهم ~~ذلك الإيهام ولا قريبا منه فلا يكره. وأما التاسعة: أعني قوله: ولسيده إلى ~~قوله لغيرهما فهو حاصل ما في (الأذكار) ، وهو لفظ السيد يطلق على من يفوق ~~قومه قدرا وشرفا، وعلى الزعيم والفاضل، والحليم الذي لا يستفزه غضبه، وعلى ~~الكريم والمالك والزوج وفي أحاديث كثيرة صحيحة إطلاقه على أهل الفضل. كقوله ~~صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ومعه الحسن رضي الله عنه: (إن ابني هذا ~~سيد) . وكقوله للأنصار لما أقبل سعد بن معاذ رضي الله عنه في حصار بني ~~قريظة ليحكم فيهم إذ لم يرضوا إلا بالنزول على حكمه (قوموا لسيدكم أو ~~خيركم) وفي رواية (سيدكم من غير شك) . وفي رواية لمسلم (أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال في قول سعد بن عبادة: يا رسول أرأيت الرجل يجد مع امرأته رجلا ~~أيقتله) الحديث: (انظروا ما يقول سيدكم) . وصح خبر (لا تقولوا للمنافق سيد ~~فإنه إن يكن سيدا فقد أسخطتم ربكم عز وجل) قال النووي كالخطابي والجمع بين ~~هذه الأحاديث أنه لا بأس بإطلاق فلان سيد ويا سيدي ونحو ذلك إذا كان المسود ~~فاضلا خيرا لعلم أو صلاح أو غيرهما، وإن كان نحو فاسق أو متهم في دينه كره ~~أن يقال له سيد. قال: ويكره أن يقول المملوك لمالكه ربي بل سيدي أو مولاي. ~~روى الشيخان (لا يقل أحدكم أطعم ربك، إرض ربك إسق ربك وليقل سيدي ومولاي) ~~الحديث وفي رواية لمسلم (ولا يقل أحدكم ربي وليقل سيدي ومولاي) الحديث. قال ~~العلماء: لا يطلق الرب بالألف واللام إلا على الله تعالى خاصة فأما مع ~~الإضافة فيقال رب المال ورب الدار وغير ذلك. ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم ms227 في الحديث الصحيح في ضالة الإبل (دعها حتى يلقاها ربها) وفي الحديث ~~الصحيح (حتى يهم رب المال من يقبل صدقته) ونظائره في الحديث كثيرة مشهورة، ~~وأما استعمال حملة الشرع ذلك فأمر معروف مشهور. قال العلماء: وإنما كره ~~للمملوك أن يقول لمالكه ربي لأن في لفظه مشاركة لله تعالى في الربوبية، ~~وأما حديث (حتى يلقاها ربها) ونحوه كالدار والمال فلا شك أنه لا كراهة في ~~قول رب المال ورب الدار، وأما قول يوسف عليه الصلاة والسلام {اذكرنى عند ~~ربك} [يوسف: 42] ففيه جوابان: أحدهما: أنه خاطبه بما يعرفه وجاز هذا ~~الاستعمال للضرورة كما قال موسى صلى الله عليه وسلم للسامري {وانظر ~~إلىاإلاهك} [طه: 97] ثانيهما: إن هذا شرع لمن قبلنا فلا يكون شرعا لنا إذا ~~ورد شرعنا بخلافه وهذا لا خلاف فيه، وإنما محل الخلاف حيث لم يرد شرعنا ~~بموافقته، ولا مخالفته. قال أبو جعفر النحاس: لا نعلم خلافا بين العلماء ~~أنه لا ينبغي أن يقال لأحد من المخلوقين مولي. قلت: مر جواز إطلاق مولاي ~~ولا مخالفة بينه وبين هذا، فإن النحاس تكلم في المولى بالألف واللام، ولذا ~~قال النحاس يقال سيد لغير الفاسق ولا يقال السيد بالألف واللام لغير الله ~~تعالى، والأظهر أنه لا بأس بقوله المولى والسيد بالألف واللام بشرطه السابق ~~انتهى حاصل كلام الأذكار، وبها يعلم أن قول الجلال لعالم أو صالح غير قيد، ~~فالنسيب وذو الولاية المنصوبان ونحوهما كذلك. وأما العاشرة: فدليلها الخبر ~~الحسن أنه صلى الله عليه وسلم قال: (الريح من روح الله أي رحمته تأتي ~~بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبوها واسئلوا الله خيرها ~~واستعيذوا بالله من شرها) والخبر الصحيح (لا تسبوا الريح فإن رأيتم ما ~~تكرهون فقولوا: اللهم نسألك من خير هذه الريح # PageV01P100 # وخير ما فيها وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ~~ما أمرت به) . وروى مسلم (أنه صلى الله عليه وسلم دخل على أم السائب أو أم ~~المسيب فقال: مالك تزفزفين؟ قالت: الحمى لا بارك الله ms228 فيها، فقال: لا تسبي ~~الحمى فإنها تذهب بخطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد) وتزفزف ~~بالفوقية المضمومة وبالفاء والزاي المكررة وهو الأشهر أو الراء المكررة، ~~وقيل بالقاف والراء تتحرك شديدا وترتعد، وصح أنه صلى الله عليه وسلم قال: ~~(لا تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة) . وأما الحادية عشرة: فهي كذلك في ~~(الأذكار) وعللها بأن ذلك من دعوى الجاهلية. وأما الثانية عشرة: فما ذكر ~~فيها من كراهة نحو يا حمار، عجيب، وليست الكراهة مصرحا بها في (الأذكار) بل ~~لو فرض أنه صرح بها فيه، يتعين على كل من له أدنى إلمام بقواعد أئمتنا أن ~~يحملها على كراهة التحريم فكيف وعبارته ظاهرة بل صريحة في التحريم، فيعدل ~~عن ظاهرها أو صريحها المذكور إلى التعبير بالكراهة فخالف في ذلك كلام أصله ~~بل وكلام الأئمة، ومثل هذا لا يصدر من مثل هذا الرجل فالوجه حمل ذلك على ~~السهو أو أنه من غلط النساخ وهو الأقرب، وعبارة أذكار النووي: ومن الألفاظ ~~المذمومة المستعملة في العادة قوله لمن يخاصمه يا حمار يا تيس يا كلب ونحو ~~ذلك، فهذا قبيح لوجهين، أحدهما: أنه كذب والآخر أنه إيذاء وهذا بخلاف قوله ~~يا ظالم ونحوه، فإن ذلك يتسامح به لضرورة المخاصمة مع أنه يصدق غالبا، فما ~~من إنسان إلا وهو ظالم لنفسه ولغيرها انتهت، فتأمل حكمة على تلك الألفاظ ~~بالقبح وتعليل ذلك بأنها كذب وإيذاء، وكل من هذين محرم إجماعا، فلزم أن تلك ~~الألفاظ محرمة إذ لا يتصور أن يعلل المكروه بمحرم، وقد صرح الجلال نفسه ~~بحرمة احتقار المسلم وحرمة سبه، وهذا منهما فكيف يتعقل مع ذلك كراهته، وقد ~~ذكر فيه قبل ذلك من غير فاصل قوله: يحرم سب المسلم من غير سبب شرعي يجوز ~~ذلك، واستدل له بخبر (الصحيحين) . (سباب المؤمن فسوق) انتهى. ولا شك أن نحو ~~يا كلب من أقبح السب عرفا بل وشرعا. وأما الثالثة عشرة: فما قاله فيها من ~~الكراهة عجيب أيضا، والذي في (الأذكار) أي في خبر لأبي داود عن عمران بن ~~حصين رضي ms229 الله عنه قال: (كنا نقول في الجاهلية أنعم الله بك علينا وأنعم ~~صباحا فلما جاء الإسلام نهينا عن ذلك) ولا حجة فيه لأن في سنده مجهولا ~~يحتمل أن يكون عنه، ومثل هذا قال أهل العلم لا يحكم عليه بالصحة فلا يثبت ~~به حكم شرعي. قال النووي: بعد ذكره ذلك. ولكن الاحتياط للإنسان اجتناب هذا ~~اللفظ لاحتمال صحته، ولأن بعض العلماء يحتج بالمجهول، وبذلك كله يعلم ظهور ~~ما ذكرته من التعجب؛ وأن الصواب أنه لا كراهة في ذلك وإنما الاحتياط ~~اجتنابه، أما أنعم الله عينيك، وأنعم صباحك فلا كراهة فيهما اتفاقا. فإن ~~قلت: صرح معمر راوي الحديث بكراهة أنعم الله بك علينا. قلت: معمر مجتهد فلا ~~يقضي بما قاله على قواعد مذهبنا المخالفة لقوله. فإن قلت: هل يمكن توجيه ~~الكراهة بتقدير صحة النهي المذكور؟ قلت: يمكن بأن يقال إنعام العين الحقيقي ~~إنما يكون برؤية الله تعالى، فوضعه لغير ذلك يوهم محذورا فنهى عنه حذرا من ~~هذا الإيهام، ويقال هو من تحية الجاهلية وهي مكروهة كصباح الخير، وبهذا دون ~~الأول يقرب إلحاق أنعم صباحا بأنعم الله بك علينا. وأما الرابعة عشرة: فما ~~قاله فيها تبع فيه بعض السلف، وعبارة (الأذكار) حكى النحاس عن بعض السلف ~~أنه يكره أن يقول الصائم: وحق هذا الخاتم الذي على فمي. أي وحذف الجلال هذا ~~من هذه العبارة، كأنه لبيان أنه ليس بشرط في الكراهة، واحتج له بأنه إنما ~~يختم على أفواه الكفار، وفي هذا الاحتجاج نظر، وإنما حجته أنه حلف بغير ~~الله سبحانه وتعالى، وسيأتي النهي عنه، وهذا مكروه لما ذكره ولما فيه من ~~إظهار صومه لغير حاجة انتهت، ويؤخذ من توجيهه له بأنه حلف بغير الله، أنه ~~كان الأولى بالجلال أن يحذف هذه للعلم بها من قوله ويكره الحلف بغير الله. ~~فإن قلت: توجيهه الثاني يقتضي أن للكراهة سببا آخر فلا يغني ذلك عن هذه. ~~قلت: هو كذلك إلا أن قضية النظر إليه وحده، أنه لا يكره ذلك لصائم رمضان، ~~لأن إظهاره لا يخشى فيه ms230 رياء ولا غيره، وكلامهم صريح في كراهة ذلك حتى ~~لصائم رمضان فاقتضى ذلك أن المعتمد في (التعليل) هو الأول. وأما الخامسة ~~عشرة: فالحكم كما ذكر فيها لأنه من ألفاظ الجاهلية والرفاء بكسر الراء ~~والمد الاجتماع، وإنما السنة أن يقال للزوج بعد عقد النكاح: بارك الله لك ~~أو بارك عليك وجمع بينكما في خير، ويستحب أن يقال لكل واحد من الزوجين بارك ~~الله لكل واحد منكما في صاحبه # PageV01P101 # وجمع بينكما في خير، وللاتباع كما جاء في الأحاديث الصحيحة روى الشيخان ~~أنه صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمان بن عوف حين تزوج (بارك الله لك) ~~وصح أنه صلى الله عليه وسلم قاله لجابر. وأما السادسة عشرة: فنقل الكراهة ~~فيها في (الأذكار) فقال: روى النحاس عن أبي بكر محمد بن يحيى وكان أحد ~~العلماء الفقهاء الأدباء: يكره أن يقال لأحد عند الغضب اذكر الله تعالى ~~خوفا من أن يحمله الغضب على الكفر. قال: وكذا لا يقال له صل على محمد صلى ~~الله عليه وسلم خوفا من هذا انتهى. واستشكله الجلال بما في الصحيح (أنه لما ~~استب رجلان عنده صلى الله عليه وسلم أمر أن يقال له تعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم) . ويجاب بأن هذا ليس مثل ذاك لأن ذاك فيه الاقتصار على اسم الله ~~فربما حملته قوة الغضب على فرطه لذلك الإسم عند سماعه له وحده، وأما هذا ~~ففيه ذكر الشيطان أيضا، فحينئذ إن صدرت بادرة تكون للشيطان إذ ينصرف له، ~~فلا يخشى حينئذ كفر، على أن في سماعه لذكر الشيطان أكبر زاجر له، وأبلغ ~~إرشاد إلى أن ما حصل له من ذلك الغضب إنما هو بواسطة الشيطان، فاتضح فرقان ~~ما بين الصورتين، وأن إحداهما لا تشكل على الأخرى، بل يستفاد من الحديث أن ~~السنة تذكير الغضبان بأن غضبه المخرج له غالبا عن حيز العقلاء إنما هو من ~~عدوه اللعين ليحمله على الخروج عن الصراط المستقيم، ومن له أدنى مسكة إذا ~~سمع ذلك رجع إلى الاعتدال خوفا من العقاب والنكال. # وأما السابعة ms231 عشرة: فما ذكره فيها الجلال من الكراهة بإطلاقها لم يصرح به ~~النووي في (الأذكار) ، بل الذي دلت عليه عبارته، أنها إما كفر أو حرام أو ~~مباحة، وعبارته أن من أقبح الألفاظ المذمومة ما يعتاده كثير من الناس إذا ~~أراد أن يحلف على شيء واحد فيتورع عن قوله والله كراهة الحنث، أو إجلالا ~~لله تعالى أو صونا عن الحلف، ثم يقول: الله يعلم ما كان هو كذا، ولقد كان ~~كذا، ونحوه فهذه العبارة فيها خطر، فإن كان صاحبها متيقنا أن الأمر كما ~~قال، فلا بأس بها، وإن شك في ذلك فهو من أقبح القبائح لأنه تعرض للكذب على ~~الله تعالى، فإنه أخبر أن الله تعالى يعلم شيئا لا يتيقن كيف هو، وفيه ~~دقيقة أخرى أقبح من هذا وهو أنه تعرض لوصفه تعالى بأنه يعلم الأمر على خلاف ~~ما هو، وذلك لو تحقق كان كفرا، وينبغي للإنسان اجتناب هذه الألفاظ ~~والعبارات انتهت عبارة (الأذكار) ، وبها يعلم ما ذكرته من أنها تكون كفرا، ~~وذلك إذا تيقن الكذب ونسبه إلى علم الله بأن قال: الله يعلم أني ما فعلت ~~كذا، وهو عالم بأنه فعله، وهذا كفر، كما صرح به النووي هنا، وسبفه إليه ~~الرافعي فصرح في العزيز بالألفاظ التي ذكرها فيه بالعجمية في باب الردة، ~~بأن ذلك كفر، لأنه نسب الله تعالى إلى الجهل بنسبته إليه العلم على خلاف ما ~~في الواقع، وذلك من أقبح الكفر والجهل بالله أعاذنا الله من ذلك. وتكون ~~مباحة، وذلك إذا نسب إلى علم الله ما هو مطابق للواقع يقينا، كأن علم وقوع ~~فعله لأمر فقال: الله يعلم أني فعلته، فهذا لا محذور فيه بوجه فيكون مباحا ~~مستحبا إذا علم من منكر فعله أن لايصدقه في يمينه لو حلف، لإيهامه بتورية ~~أو غيرها، ويصدقه إذا قال: الله يعلم أني فعلته، وأخذت الاستحباب في هذا من ~~قولهم: تستحب اليمين في نحو ذلك، وبقيت الحالة الثالثة وهي ما إذا شك في ~~وقوع أمر، كفعله لشيء وعدم وقوعه، فقال وهو شاك: الله ms232 يعلم أني فعلته، ~~والذي دلت عليه عبارة النووي في هذه الحالة أن ذلك حرام، لأنه جعله من أقبح ~~الألفاظ المذمومة تارة، ومن أقبح القبائح أخرى، وجعل فيه خطرا؛ وذلك الخطر ~~هو الكفر والكذب على الله تعالى بتقدير عدم الصدق، وهذا كله ظاهر في حرمة ~~هذا اللفظ في هذه الحالة، إذ لا يقال في المكروه إنه من أقبح القبائح ولا ~~من أقبح المذمومات إلا على تجوز بعيد، ويبعد في المكروه أن يكون فيه خطر ~~الكفر أو الكذب بمعنى أنه يحتمله وغيره على السواء، وإذا تقرر ذلك ظهر ~~واتضح أن جزم الجلال بالكراهة في هذا مما ليس في محله نظرا للحالتين ~~الأولتين وهو ظاهر، وكذا بالنظر للحالة الثالثة لما ذكرته فيها فتأمل ذلك ~~فإنه مهم. وأما المسألة الثامنة عشرة: فدليلها خبر (الصحيحين) (لا يقولن ~~أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت وليعزم المسألة فإنه لا مكره له) وفي رواية ~~لمسلم: (ولكن ليعزم المسألة وليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه) ~~. # وأما التاسعة عشرة: فهي كذلك في (الأذكار) . وحاصل عبارته: يكره الحلف ~~بغير أسماء الله تعالى وصفاته كالنبي صلى الله عليه وسلم والملائكة والكعبة ~~والحياة، وكذا الأمانة بل هي من أشدها كراهة. روى الشيخان أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال: (إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا ~~فليحلف بالله أو ليصمت) . # PageV01P102 # وفي رواية صحيحة: (فمن كان حالفا فلا يحلف إلا بالله أو ليسكت) . وصح أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال: (من حلف بالأمانة فليس منا) انتهى. قال الجلال: ~~وينبغي أن يحرم الحلف بحياة أحد من المخلوقين أو رأسه لأن ذلك خص الله به ~~النبي صلى الله عليه وسلم تكرمة له حيث قال: {لعمرك إنهم لفى سكرتهم ~~يعمهون} [الحجر: 72] انتهى، وفي أخذه الحرمة من ذلك نظر ظاهر، إذ الذي اختص ~~به صلى الله عليه وسلم وظهرت كرامته به هو حلف الله تعالى بحياته وتأكيده ~~ذلك باللام وغيرها، ولم يفعل تعالى ذلك لغيره صلى الله عليه وسلم فهذه هي ~~الخصوصية العظمى والكرامة ms233 التي لا منتهى لها، وإنما كان يتم للجلال ما ذكره ~~أن لو أذن الله تعالى للناس في الحلف بحياة نبيه صلى الله عليه وسلم دون ~~غيره ولم يقع ذلك، بل نهى الناس كلهم عن الحلف به صلى الله عليه وسلم ~~وبغيره من الخلق على حد واحد، فكان الحلف بذلك كله مكروها بأي صيغة كان، لا ~~حراما، ومحله إن لم يعتقد في المحلوف به أن يعظم بالحلف به كما يعظم الله ~~فإن اعتقد ذلك كفر. وأما المسألة العشرون: فدليلها خبر مسلم (إياكم وكثرة ~~الحلف في البيع فإنه ينفق ثم يمحق) والكلام في الإكثار مع الصدق وإلا حرم، ~~لما فيه من الغش والكذب) ولا ينافيه قول (الأذكار) يكره إكثار الحلف في ~~البيع والشراء ونحوه وإن كان صادقا انتهى. فإن الإكثار من حيث هو إكثار ~~مكروه في حالتي الصدق والكذب، والحرمة في حالة الكذب إنما جاءت من أمر آخر، ~~وكأن الجلال حذف قول (الأذكار) وإن كان صادقا لظنه إيهامها. وقد بان بما ~~قررته أنها مشيرة إلى تدقيق حسن، وهو أنه لا يلزم من الحرمة العرضية خروج ~~الإكثار عن حكمه وهو الكراهة من حيث هو إكثار كما تقرر فافهمه. # وأما المسألة الحاديث والعشرون: فدليلها خبر أبي نعيم أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال: (لا تقولوا قوس قزح فإن قزح شيطان، ولكن قولوا قوس الله عز وجل ~~فهو أمان لأهل الأرض) وقزح بضم القاف وفتح الزاي غير منصرف وقول العامة له ~~بالدال تصحيف. # وأما المسألة الثانية والعشرون: فهي كذلك في (الأذكار) لكن بقيد حذفه ~~الجلال. وحاصل عبارة (الأذكار) : يكره لمن ابتلى بمعصية أو نحوها أن يخبر ~~غيره بها إلا نحو شيخه ممن يرجو بإخباره أن يعلمه مخرجا منها، أو من مثلها ~~أو سببها أو يدعو له أو نحو ذلك، فلا بأس به بل هو حسن، وإنما يكره إذا ~~انتفت هذه المصلحة روى الشيخان أنه صلى الله عليه وسلم قال: (كل أمتي معافى ~~إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ms234 ستر ~~الله تعالى عليه فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ~~وهو يصبح يكشف ستر الله عنه) انتهى، فأفاد أن محل الكراهة إذا انتفت تلك ~~المصلحة فكان يتعين على الجلال أن يقول: وأن يحدث بما عمله من المعاصي إلا ~~لمصلحة، وفاته أيضا قول (الأذكار) أو نحوها، المفيدة أن نحو المعاصي مثلها ~~فيما ذكر، والظاهر أن مراده بنحوها كل ما تقتضي العادة كتمه ويعد أهلها ~~ذكره خرما للمروءة كجماع الحليلة ونحوها من غير ذكر تفاصيله، وإلا حرم بل ~~هو كبيرة لورود الشرع بالوعيد الشديد فيه، وفاتهما أعني الجلال والنووي أن ~~محل الكراهة إذا لم يتحدث بالمعصية على جهة التفكه بها واستحلاء ذكرها وإلا ~~حرم عليه. # وأما المسألة الثالثة والعشرون: فالتصريح بالكراهة فيها لم يقع في ~~(الأذكار) . وحاصل عبارته: ينبغي أن يقال في المال المخرج في الطاعة كالحج ~~والختان والنكاح أنفقت ونحوه، ولا يقول ما اعتاده العوام: غرمت وخسرت ~~وضيعت، لأن هذه الثلاثة إنما تستعمل في المعاصي والمكروهات انتهى، وكأن ~~الجلال أخذ كراهة غرمت أي ونحوه للمنفق في خير من قول النووي، ولا يقال إلخ ~~وهو محتمل، وعليه فالمراد بالكراهة في ذلك خلاف الأولى والأدب في التعبير ~~بما لا يستقبح. # وأما المسألة الرابعة والعشرون: فالتصريح بالكراهة فيها من تصرف الجلال، ~~وعبارة (الأذكار) مما يتأكد النهي عنه والتحذير منه ما يقول العوام ~~وأشباههم في هذه المكوس التي تؤخذ ممن يبيع ويشتري ونحوهما: هذا حق ~~السلطان، أو عليك حق السلطان، ونحو ذلك من العبارات المشتملة على تسميته ~~حقا أو لازما ونحو ذلك، وهذا من أشد المنكرات، وأشنع المحدثات، حتى قال بعض ~~العلماء: من سمى هذا حقا فقد كفر وخرج عن ملة الإسلام، والصحيح أنه لا يكفر ~~إلا إن اعتقد حقا مع علمه بأنه ظلم، والصواب أن يقال فيه: المكس أو ضريبة ~~السلطان أو نحو ذلك من العبارات انتهى، وبها يعلم أن هذه الكلمة إما كفر ~~بقيده المذكور، وهو ظاهر، وإما حرام كما دل عليه صريح قوله: وهذا من أشد ~~المنكرات، ms235 # PageV01P103 # وقوله: ومما يتأكد النهي عنه والتحذير منه. ويوجه بأن تسميته حقا مع عدم ~~اعتقاد حقيته كذب صريح فحرم لذلك، وأما الكراهة فلا وجه لها فتصريحه أعني ~~الجلال بها مما يتعجب منه فاعلمه. # وأما المسألة الخامسة والعشرون: فدليلها خبر أبي داود أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال: (لا يسئل بوجه الله إلا الجنة) وألحق بالجنة كل خير أخروي. وأما ~~المسألة السادسة والعشرون: فدليلها الخير الصحيح (من استعاذ بالله فأعيذوه، ~~ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه، ~~فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه) . وفي أخذ ~~الكراهة من هذا نظر إلا أن يراد بها خلاف الأولى. # وأما المسألة السابعة والعشرون: فما ذكره من الكراهة هو الصحيح خلافا لمن ~~أباحه بلا كراهة، وإن كان أول من كتبه الزنادقة، ومكاتبة السلف إنما كانت: ~~من فلان إلى فلان، أما بعد: سلام الله عليك، أما بعد: فإني أحمد إليك الله ~~الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلي ويسلم على محمد وعلى آل محمد. ثم أحدثت ~~الزنادقة المكاتبات التي أولها أطال الله بقاءك. # وأما المسألة الثامنة والعشرون: فالكراهة التي ذكرها الجلال في الجدال ~~والمراء والخصومة لم يصرح بها النووي في الأذكار) ، بل مقتضى عبارته ~~الحرمة. وحاصلها: أن هذه الثلاثة مما يذم به من الألفاظ، وأن الغزالي فسر ~~المراء بأنه طعنك في كلام الغير، بإظهار خلل فيه لغير غرض سوى تحقير قائله، ~~أو إظهار مرتبتك عليه، والجدال بأنه عبارة عن أمر يتعلق بإظهار المذاهب ~~وتقريرها، والخصومة بأنها لجاج في الكلام يستوفي به مقصوده من مال أو غيره ~~ابتداء واعتراضا، والمراء لا يكون إلا اعتراضا هذا كلام الغزالي. واعلم أن ~~الجدال قد يكون بحق وقد يكون بباطل قال تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا ~~ب التى هى أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولواءامنا ب الذى أنزل إلينا وأنزل ~~إليكم وإلاهنا وإلاهكم واحد ونحن له مسلمون} [العنكبوت: 46] {ادع إلى سبيل ~~ربك ب الحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم ب التى هى ms236 أحسن إن ربك هو أعلم بمن ~~ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} [النحل: 125] فإن كان الجدال للوقوف على ~~الحق حمد، أو في مدافعة حق أو بغير حق ذم، وعلى هذا التفصيل تتنزل النصوص ~~الواردة في مدحه وذمه، ولا ينافي ما ذكره في الخصومة اضطرار الإنسان إليها ~~لاستيفاء حقه، لأن الذم المتأكد إنما هو لمن خاصم بالباطل، أو بغير علم، ~~كوكيل القاضي، فإنه يتوكل في الخصومة قبل أن يعرف أن الحق في أي جانب هو، ~~فيخاصم بغير علم، فيدخل في الذم أيضا من يطلب حقه، لكنه لا يقتصر على قدر ~~الحاجة، بل يظهر الكذب للإيذاء، أو التسليط على خصمه، وكذلك من خلط في ~~الخصومة كلمات تؤذي وليس له إليها حاجة في تحصيل حقه، وكذلك من يحمله على ~~الخصومة محض العناد لقهر الخصم وكسره، فهذا هو المذموم، وأما المظلوم الذي ~~ينصر حجته بطريق الشرع من غير لدد وإسراف وزيادة لجاج على الحاجة من غير ~~قصد عناد، ولا إيذاء، ففعله هذا ليس حراما، ولكن الأولى تركه ما وجد إليه ~~سبيلا، لأن ضبط اللسان في الخصومة على حد الاعتدال متعذر، والخصومة توغر ~~الصدر، وتهيج الغضب، وإذا حصل الغضب حصل الحقد بينهما حتى يفرح كل واحد ~~بمساءة صاحبه، ويحزن بمسرته، ويطلق اللسان في عرضه، فمن خاصم فقد تعرض لهذه ~~الآفات وأقل ما فيه اشتغال القلب بها عن العبادات، وهي مبدأ الشر، وكذا ~~الجدال والمراء فينبغي أن لا يفتح فيه باب الخصومة إلا لضرورة لا بد منها ~~وعند ذلك يحفظ لنفسه وقلبه عن آفاتها. وروى الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال: (كفى بك إثما أن لا تزال مخاصما) انتهى كلام (الأذكار) . وإذا تأملتها ~~تعجبت من إطلاق الجلال الكراهة في هذه الثلاثة، وعلمت أن حرمة الثلاثة ~~بقيودها الآتية هي التي دلت عليها عبارة النووي لا سيما قوله في الخصومة: ~~وأما المظلوم الذي ينصر حجته إلى قوله فهذا ليس بحرام، الظاهر أو الصريح في ~~تحريم ما قبله، وما خرج عنه بالقيود التي جعلها فيه شرطا بعدم حرمته ms237 كما ~~يأتي، وكيف ساغ للجلال أن يجزم بكراهة المراء مع تفسيره له بما مر عن ~~الغزالي، مما أفاد أنه ليس الغرض منه إلا تحقير قائله وتحقير الغير حرام ~~إجماعا، فالصواب أنه حينئذ حرام غليظ التحريم، وكيف ساغ له أيضا أن يجزم ~~بكراهة الجدال لغير حجة مع تفسير النووي له بأنه الجدال في مدافعة الحق أو ~~بغير الحق، وكل من هذين تحريمه ظاهر لا يخفى على من له أدنى مسكة، لما علم ~~مما قرره النووي أن الجدال أمر يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها، وحينئذ فمن ~~أظهر مذهبه بالاستدلال له مع علمه ببطلانه، أو احتج له بما يعلم أنه باطل ~~فقد جادل بغير حجة، وارتكب محرما شديدا، لنصرته للباطل، أو ترويجه له على ~~السامع، وكيف # PageV01P104 # ساغ له أيضا أن يجزم بكراهة الخصومة من غير قيد، مع اشتراط النووي لعدم ~~تحريمها أن ينصر حجته بطريق الشرع مع عدم اللدد والإسراف، وعدم اللجاج على ~~الحاجة وعدم قصد عناد، ولا إيذاء بفعله. فأفهم هذا، أنه متى وجد شيء مما ~~نفاه حرمت الخصومة، أما حرمتها فيما إذا نصر حجته بغير طريق الشرع فظاهرة ~~واضحة، وأما حرمتها فيما إذا نصرها بالشرع لكن مع لدد أو إسراف، أو زيادة ~~لجاج على قدر الحاجة، أو قصد عناد أو إيذاء بفعله فظاهرة أيضا في الحالة ~~الأخيرة أعني قصد الإيذاء بفعله أي لغير حاجة مجوزة لذلك، وأما فيما قبلها ~~من بقية تلك الحالات فتحمل الحرمة فيها على ما إذا أدى فيها ذلك اللدد أو ~~ما بعده إلى محظور شرعي يقينا، ككذب أو تمويه باطل ضمهما أو أحدهما إلى ~~حجته الشرعية. وأما التاسعة والعشرون: أعني قوله: وكثرة الكلام إلى قوله ~~مستثنى، فما ذكره فيه هو حاصل كلام (الأذكار) وهو يكره التقعر، وفي نسخة: ~~التغير في الكلام بالتشدق، وتكلف السجع والفصاحة، والتصنع بالمقدمات التي ~~يعتادها المتفاصحون، وزخارف الأقوال، وكل ذلك من التكلف المذموم، وكذا تكلف ~~السجع والتحري في دقائق الإعراب، ووحشي اللغة في حال مخاطبة العوام، بل ~~ينبغي أن يقصد في مخاطبته لفظا يفهمه ms238 صاحبه فهما جليا ولا يستثقله. وروى ~~أبو داود والترمذي وحسنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يبغض البليغ ~~من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما يتخلل البقر) . وروى مسلم خبر: (هلك ~~المتنطعون. قالها ثلاثا) وفسرهم العلماء: بالمبالغين في الأمور. وفي خبر ~~الترمذي الذي حسنه أيضا: (وإن من أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم ~~القيامة: الثرثارون) (أي المكثرون للكلام) والمتشدقون: (أي المتطاولون على ~~الناس في الكلام) والمتفيهقون، وفسرهم صلى الله عليه وسلم بأنهم المتكبرون) ~~ولا يدخل في الذم تحسين ألفاظ الخطب والمواعظ، إذا لم يكن فيها إفراط ~~وإغراب، لأن المقصود منها تهييج القلوب إلى طاعة الله ولحسن اللفظ في هذا ~~أثر ظاهر انتهى. وأما الثلاثون: فدليلها خبر أصحاب (السنن) الأربعة أنه صلى ~~الله عليه وسلم: قال: (لا يسئل الرجل فيم ضرب زوجته) مع الحديث المتفق على ~~صحته. (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) والأحاديث الصحيحة في السكوت ~~عما لا تظهر فيه مصلحة كثيرة جدا. # وأما الحادية والثلاثون: فعبارة (الأذكار) فيها. وأما الشعر ففي الحديث ~~الحسن أنه صلى الله عليه وسلم سئل عنه فقال: (هو كلام حسنه حسن وقبيحه ~~قبيح) أي إن الشعر كالنثر في أن حسنه كحسنه وقبيحه كقبيحه، إلا أن التجرد ~~له والاقتصار عليه مذموم. وقد صح في الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم سمع ~~الشعر وأمر به حسان وقال: (إن من الشعر لحكمة) . وقال: (لأن يمتلىء جوف ~~أحدكم قيحا يريه خير له من أن يمتلىء شعرا) وكل ذلك على حسب ما ذكرناه ~~انتهى. وذكر الجلال زيادة على ذلك وهي: ذكر في (شرح المهذب) أن الاشتغال ~~بأشعار العرب مطلوب، وقد ورد الأمر به لأن به تعرف معاني القرآن والحديث، ~~ويحفظ الشرع وفي (الروضة) تكره أشعار المولدين، المشتملة على التغزل ~~والبطالة، ويباح منها ما ليس فيه سخف ولا شيء مما يكره ولا يؤدي إلى الشر، ~~ولي فيه بحث من جهة أن أشعارهم يستشهد بها في المعاني والبيان والبديع كما ~~صرحوا به وهو من العلوم الواجبة التي يطلع بها ms239 على غرائب القرآن، ويدرك ~~إعجازه فينبغي أن تكون في رتبة أشعار العرب من هذه الحيثية، وأما إنشاؤه ~~فمباح ما لم يكن في هجو غير كافر، أو فاسق، فحرام وإن صدق فيه، فهو كالغيبة ~~تحريما وإباحة، ويباح التشبيب في غير معين، وهو في معين غلام أو امرأة فسق، ~~وفي حليلته خارم للمروءة إن كان بما ينبغي خفاؤه، ولا يلحق بالكذب المبالغة ~~في المدح والاطراء على الصحيح لأن الكاذب يوهم أن الكذب صدق بخلاف الشاعر ~~وبالجملة إنشاد الشعر وإنشاؤه مباح لأنه صلى الله عليه وسلم كان يستنشده ~~ويسمعه انتهى. # وأما الثانية والثلاثون: ففيها قيد في (الأذكار) لا بد منه، وحاصل ~~عبارته: ومما ينهى عنه الفحش وبذاءة اللسان والأحاديث الصحيحة فيه كثيرة ~~معروفة، ومعناه التعبير عن الأمور المستقبحة بعبارة صريحة وإن صحت وصدق ~~المتكلم بها ويقع ذلك كثيرا في نحو ألفاظ الوقاع، وينبغي أن يكنى عنها ~~بالرفث والإفضاء والمس كما في القرآن والسنة، ولا يصرح بنحو النيك والجماع، ~~وكذا يكنى عن نحو البول والتغوط، بنحو قضاء الحاجة والخلاء، وكذا عن نحو ~~البضع، بعبارة جميلة يفهم منها الغرض، هذا كله إن لم تدع الحاجة إلى ~~التصريح لغباوه # PageV01P105 # السامع وعدم فهمه المراد لو كني له، فحينئذ لا كراهة في التصريح للحاجة ~~إليه، وعلى هذا يحمل ما جاء في الأحاديث من التصريح بمثل ذلك، إذ تحصيل ~~الإفهام في ذلك أولى من مراعاة مجرد الأدب في اللفظ انتهى. وبه يعلم أنه ~~كان يتعين على الجلال أن يقول لغير حاجة. وفي الحديث الحسن: (ليس المؤمن ~~بالطعان أي في الأنساب ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذي) . وفي الحديث ~~الحسن أيضا: (ما كان الفحش في شيء إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا ~~زانه) ثم رأيت عبارة الجلال وهي مصرحة بذلك القيد وهي: ويكره الفحش والبذاء ~~وهو التعبير عن الأمور المستقبحة بصريح العبارة، بل يكني، فعن الجماع ~~بالإفضاء والمباشرة ونحو ذلك ما لم تدع إليه ضرورة كخوف فهم المخاطب المجاز ~~انتهى. # وأما الثالثة والثلاثون: فالكراهة فيها مفهومة من كلام ms240 (الأذكار) ، ~~وحاصله: باب الحث على التثبت فيما يحكيه الإنسان، والنهي عن التحدث بكل ما ~~يسمع إذا لم يظن صحته، قال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع ~~والبصر والفؤاد كل أولائك كان عنه مسؤولا} [الإسراء: 36] والآيات في ذلك ~~كثيرة وكذا الأحاديث. كخبر مسلم (كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع) . ~~وصح أنه صلى الله عليه وسلم قال: (بئس مطية الرجل زعموا) . قال الخطابي: ~~أصل هذا أن الرجل إذا أراد سفرا لبلد ركب مطية إليه حتى يبلغ حاجته، فشبه ~~صلى الله عليه وسلم ما تقدم من أمر الرجل إذا أراد أن يتوصل بكلامه إلى ~~مطلوبه فشبه زعموا في الكلام للتوصل به إلى حاجته بالمطية، وإنما يقال ~~زعموا في حديث لا يثبت إنما هو شيء يحكى على سبيل البلاغ فقد ذم صلى الله ~~عليه وسلم من الحديث ما هو سبيله، وأمر بالتثبت فيما يحكيه لئلا يصير إلى ~~شيء لا يحكي انتهى كلام الخطابي. # وأما الرابعة والثلاثون: فإطلاق الكراهة فيها عجيب مع أن فيها تفصيلا في ~~(الأذكار) . وحاصل عبارته: باب التعريض والتورية. إعلم أن هذا الباب من أهم ~~ما يعتنى به لأنه مما تعم به البلوى، فينبغي لكل أحد أن يعتني بتحقيقه ~~وتأمله والعمل به، فإنه طريق إلى السلامة من عظم إثم الكذب وخطره، والتعريض ~~والتورية إطلاق لفظ ظاهر في معنى، وخفي في آخر مع إرادة خفية، وهو ضرب من ~~الغرر والخداع. قال العلماء: فإن دعتنا إليه مصلحة شرعية راجحة على خداع ~~المخاطب، أو حاجة لا مندوحة عنها إلا بالكذب فلا بأس بالتعريض، وإن لم تدع ~~إليه مصلحة كذلك كره، إلا أن يتوصل به إلى أخذ باطل أو رفع حق فيحرم، وقد ~~جاء من الآثار ما يبيح ذلك، وما لا يبيحه، وهي محمولة على هذا التفصيل، ~~فمما جاء في المنع خبر أبي داود بسند فيه ضعف لكنه لم يضعفه هو فيكون عنده ~~حسنا على القاعدة فيما سكت عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (كبرت خيانة أن ~~تحدث أخاك ms241 حديثا هو لك به مصدق وأنت به كاذب) . وقال ابن سيرين رضي الله ~~عنه: الكلام أوسع من أن يكذب ظريف فيه. # مثال التعريض المباح ما قاله النخعي رضي الله عنه: إذا بلغ الرجل عنك شيء ~~قلته فقل اللهم تعلم ما قلت من شيء، فتوهم بما أنها نافية وتقصد الموصولة، ~~وقال: لا تقل لابنك أشتري لك سكرا، بل قل له: أرأيت لو اشتريت لك سكرا، ~~وكان إذا طلبه أحد قال لأمته: قولي له اطلبه في المسجد أو خرج: أي في وقت ~~غير هذا. وكان الشعبي يخط دائرة ويقول لأمته: ضعي أصبعك فيها وقولي ما هو ~~هنا، ومثل هذا قول بعضهم إذا دعى لطعام أنه على نية أي نية عدم الأكل موهما ~~أنه صائم، وتمنع التورية أيضا الحنث وإثم اليمين الغموس ما لم يكن المحلف ~~القاضي بعد دعوى صحيحة وبغير نحو طلاق. قال الغزالي رحمه الله تعالى: وليس ~~من الكذب الموجب للفسق ما اعتيد، من نحو قلت لك أو جئتك مائة مرة، فإنه لا ~~يراد به تفهيم المرات بل تفهيم المبالغة، فإن لم يكن طلبه إلا مرة واحدة ~~كان كاذبا، وإن طلبه مرات لا يعتاد مثلها في الكثرة لم يأثم، وإن لم يبلغ ~~مائة مرة وبينهما درجات يتعرض المبالغ للكذب فيها. قلت: ودليل جواز ~~المبالغة وأنه لا يعد كاذبا. خبر (الصحيحين) : (أما أبو جهم فلا يضع العصا ~~عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال له) ومعلوم أنه كان له ثوب يلبسه وأنه ~~كان يضع العصا في وقت النوم وغيره اه حاصل كلام (الأذكار) . وكأن الجلال ~~اعتمد في إطلاقه الكراهة على قول النووي رحمه الله. قلت: ودليل جواز ~~المبالغة إلخ وظاهر عند أدنى تأمل للعبارة أن هذا لا ينافي تفصيل الغزالي ~~الذي ذكره بل هو دليل له لأنه صلى الله عليه وسلم لم يبالغ إلا بأمر غلب ~~على صاحبه فعله، أي أن أبا جهم غلب عليه الضرب المكنى عنه بعدم وضع العصا ~~عن عاتقه، ومعاوية غلب عليه الفقر، فأطلق على الأول أنه لا ms242 يضع عصاه عن ~~عاتقه، وعلى الثاني أنه صعلوك مبالغة، # PageV01P106 # وهذا بعينه دليل لما يقوله الغزالي: بأن المبالغة لا تسوغ إلا في أمر غلب ~~وأما إذا جاءه مرة وقال: إني جئتك مائة مرة فهذا لا مبالغة فيه، وإنما هو ~~محض كذب فاتضح تفصيل الغزالي، وأن كلام النووي عقبه دليل له وأن إطلاق ~~الجلال كراهة المبالغة ليس في محله فتأمل ذلك فإنه مهم. وأما المسألة ~~الخامسة والثلاثون: إلى قوله: أنسيت، فهو صحيح لكنه قيد في (الأذكار) كراهة ~~ذلك حال الخطبة بما إذا كان يسمع الخطيب، أي ويفهم ما يقول، كما هو ظاهر، ~~وبه صرح أصحابنا حيث قالوا: يسن لمن لا يسمع الخطبة الاشتغال بالقراءة ~~والذكر، أما بقية المسائل فواضحة إلا الأخيرة أعني كراهة الكلام حال ~~الأذان، حيث لم يمنع استماعه ولا الإجابة المطلوبة منه، والظاهر أن مراد ~~القائل بالكراهة خلاف الأولى والأكمل، وهو الإصغاء إليه لأنه يحمل على تذكر ~~ظهور الإسلام، وإتمام النعمة به علينا، وأما ما عدا هذه فقد ذكر النووي من ~~أدلته أشياء منها: ما روى الشيخان: (لا يقولن أحدكم نسيت آية كذا وكذا بل ~~أنسى) ورويا أيضا (بئس ما لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت وكيت بل أنسى) . ~~ورويا أيضا أنه صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقرأ فقال: (رحمه الله لقد ~~أذكرني آية كنت أسقطتها) وفي رواية صحيحة (أنسيتها) . وروى البخاري أنه صلى ~~الله عليه وسلم: (لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا) . وفي خبر ~~ضعيف: (اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم) قال العلماء: يحرم سب ميت ~~مسلم لم يكن معلنا بفسقه، وأما الكافر والمسلم المعلن بفسقه أو بدعته، ففيه ~~خلاف للسلف لتعارض النصوص فهو كالنهي المذكور. وسبه صلى الله عليه وسلم ~~لنحو عمرو بن لحي وإقراره لمن أثنوا شرا على جنازة مرت به والأصح جواز ذكر ~~مساوىء الكفار وكذا نحو معلن بفسقه أو مبتدع إذا كان فيه مصلحة للتحذير من ~~شرهم وإلا لم يجز. ورويا أيضا: (ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما ms243 ~~قط فإن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه) وفي رواية لمسلم: (وإن لم يشته سكت) . ~~وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه (أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~إن من الطعام طعاما أتحرج منه؟ قال: لا يتخلجن أي بمهملة أو معجمة فلام ~~فجيم في صدرك شيء) أي لا تقع في ريبة منه، وأصل الحلج بالمهملة الحركة ~~(ضارعت به فيه النصارى) أي شابهتهم في تركهم الطعام بمجرد التخيل الفاسد، ~~ويجوز أن يقول لا أشتهي هذا أو ما اعتدت أكله أو نحو ذلك لحاجة. روى ~~الشيخان: (أن الضب شوي وقدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعند ما هوى ~~بيده إليه أعلموه فرفع يده الشريفة، فقيل أحرام هو؟ فقال: لا، ولكن لم يكن ~~بأرض قومي فأجدني أعافه) والأصل في مدح الآكل ما يأكل منه خبر مسلم: (أنه ~~صلى الله عليه وسلم سأل أهله الأدم؟ فقالوا: ما عندنا إلا خل، فدعا به وجعل ~~يأكل منه ويقول: نعم الأدم الخل نعم الأدم الخل) . وروى ابن السني (أنه صلى ~~الله عليه وسلم رأى رجلا معه غلام، فقال للغلام: من هذا؟ فقال: أبي، فقال ~~صلى الله عليه وسلم لا تمش أمامه ولا تستب له أي لا تفعل فعلا قبيحا تتعرض ~~به لسبه إياك ولا تجلس قبله، ولا تدعه باسمه) وذكر بعض السلف المتفق على ~~صلاحه أنه قال: (من العقوق أن تسمي أباك باسمه، وأن تمشي أمامه في طريق) . ~~وروى البخاري عن علي رضي الله عنه قال: (حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن ~~يكذب الله ورسوله) . وروى الشيخان أنه صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ حين ~~طول الصلاة بالجماعة: (أفتان أنت يا معاذ) . وروى مسلم أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال: (لا تسمين غلامك يسارا، ولا رباحا، ولا نجحا، ولا أفلح، فإنك ~~تقول أثم هو فلا يكون فيقول لا) الحديث. وفي رواية لأبي داود (النهي عن ~~تسميته بركة) ومسائل السلام المذكورة مبسوطة في كتب الفقه بأدلتها فلا نطيل ~~بذكرها. والله أعلم بالصواب. ### | 89 - # وسئل نفع الله ms244 بعلومه: عن شخص اعتقد أنه رأى ربه تعالى في الدنيا؛ وأن ~~الرؤيا وقعت منه في الدنيا بالعين في اليقظة فهل يجوز ذلك؟ كما قال جماعة. ~~إن المختار جواز رؤيته في الدنيا في اليقظة بالعين وفي المنام بالقلب، وإن ~~لم يقع ذلك على المختار؛ فذلك يقتضي حلا لغير نبينا صلى الله عليه وسلم على ~~ما فيه. أي في الوقوع له عليه الصلاة والسلام من الكلام: أي الاختلاف ~~الكثير الشهير، أو يحرم ذلك عليه لأنه إذا لم يقع إلا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم على ما فيه فكيف يقع لغيره، أو يكفر باعتقاده ذلك كما قاله الكواشي في ~~تفسير سورة النجم حيث قال بعد أن ذكر الخلاف في أنه وقع ذلك أي الرؤية ~~بالعين في اليقظة: فمعتقد رؤيته تعالى هنا بالعين غير مسلم، فهل كلامه في ~~ذلك مقرر أولا؟ فأجاب بقوله: الكلام هنا في مقامين. الأول: في إمكانها # PageV01P107 # عقلا، والذي عليه أهل السنة أنها ممكنة عقلا وشرعا في الدنيا، واستدلوا ~~لذلك بأمور عقلية وأمور نقلية، لكن أدلتهم العقلية لا تخلو من دخل وخفاء، ~~فالمعول عليه في إمكانها إنما هو الأدلة النقلية. فمنها أن موسى صلى الله ~~على نبينا وعليه وسلم قد سألها بقوله: {قال أغير الله أبغيكم إلاها وهو ~~فضلكم على العالمين} [الأعراف: 140] فلو لم تكن الرؤية ممكنة جائزة الوقوع ~~في الخارج لكان طلب موسى لها جهلا منه بما يجوز على الله وما لا يجوز، أو ~~سفها أو عبثا أو طلبا للمحال، والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ~~منزهون عن كل فرد فرد من ذلك إجماعا بل من جوز واحدا من هذه على واحد منهم ~~فهو كافر مراق الدم، وأيضا فالله تعالى قد علق الرؤية باستقرار الجبل وهو ~~أمر ممكن في نفسه، فوجب كون المعلق به كذلك إذ المحال لا يعلق بممكن أصلا، ~~وأول المعتزلة الآية بتأويلات تخالف ظاهرها حتى يخرجوها عنه إلى ما يوافق ~~اعتقادهم الفاسد، أنها من قسم المحال العقلي الذي لا يمكن وقوعه في الدنيا ~~كالآخرة، ومحل بسطها وردها ms245 كتب التفسير والأصول. الثاني: في وقوعها وهذا ~~غير الأول كما هو واضح، لكن وقع في كلام السائل نفع الله به ما يقتضي ~~اتحادهما وهو قوله: فهل يجوز ذلك كما قاله جماعة إلخ؟ إذ الذي قاله أولئك ~~إنما هو الجواز بمعنى الإمكان العقلي والشرعي، والذي سأل عنه إنما هو ~~الوقوع وشتان ما بين المقامين كما تقرر، ومما يوضحه أن بحرا من زئبق ينبت ~~الأجسام الجامدة والنامية والحساسة والمتحركة بالإرادة ممكن الوجود عقلا، ~~لكن لم يقع ذلك ولم يبرز إلى حيز هذا الوجود، فكذلك الرؤية وإن كانت ممكنة ~~عقلا وشرعا عند أهل السنة لكنها لم تقع في هذه الدار لغير نبينا صلى الله ~~عليه وسلم، وكذا له على قول عليه بعض الصحابة رضي الله عنهم لكن جمهور أهل ~~السنة على وقوعها له صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج بالعين. إذا تقرر ذلك ~~علم منه أنه لا يجوز لأحد أن يدعى أنه رأى الله بعين رأسه ومن زعم ذلك فهو ~~كافر مراق الدم، كما صرح به من أئمتنا صاحب الأنوار ونقله عنه جماعة ~~وأقروه. وحاصل عبارته: أن من قال إنه يرى الله عيانا في الدنيا ويكلمه ~~شفاها فهو كافر، ولما نقلت عنه ذلك في كتابي (الإعلام بما يقطع الإسلام) ~~وهو كتاب نفيس لم يترك من المكفرات المتفق عليها والمختلف فيها شيئا إلا ~~أحصاه. قلت: والوجه أنه لا يشترط في كفر من زعم أنه يرى الله عيانا في ~~الدنيا ويكلمه شفاها اجتماع هذين خلافا لما توهمه عبارة (الأنوار) بل يكفر ~~زاعم أحدها انتهى، وسيأتي في الآيات والأحاديث ما يدل لذلك لكن يتعين حمله ~~على عالم أو جاهل مقصر بجهله، وقد ضم إلى زعمه الرؤية بعينه، زعمه اعتقاد ~~وجود جسم ولازمه من الحدوث، أو ما يستلزمه كالصورة واللون ونحوهما فهذا هو ~~الذي يتجه الحكم بكفره، لأنه حينئذ لم يعتقد قدم الحق ولا كماله تعالى الله ~~عن ذلك علوا كبيرا. وأما من اعتقد رؤية عين منزهة عن انضمام ذلك إليها فلا ~~يظهر الحكم بكفره بمجرد ذلك، ms246 لأن المنقول المعتمد عندنا عدم كفر الجهوية ~~والمجسمة إلا إن اعتقدوا الحدوث أو ما يستلزمه، ولا نظر إلى لازم مذهبهم ~~لأن الأصح في الأصول أن لازم المذهب ليس بمذهب، لجواز أن يعتقد الملزوم دون ~~اللازم، ومن ثم قلنا: لو صرح باعتقاد لازم الجسمية كان كافرا، وقال الأذرعي ~~وغيره: المشهور عدم تكفير المجسمة، وإن قالوا جسم كالأجسام أي لأنهم مع ذلك ~~قد لا يعتقدون لوازم الأجسام. وإذا تقرر هذا في الجهوية والمجسمة فكذا يقال ~~به في زاعم رؤية العين. # فإن قلت: الفرق بينهما واضح فإن تينك الفرقتين قد ورد في الكتاب والسنة ~~ما يصح بقولهما لولا ما امتن الله به على الأمة من توفيق سلفها وخلفها إلى ~~صرف تلك النصوص عن ظواهرها، وإنما الخلاف بين السلف والخلف في التأويل ~~التفصيلي، فالسلف يرجحون أولوية الإمساك عنه لعدم احتياجهم إليه لصلاح ~~زمنهم، والخلف يرجحون أولويته، بل وجوب الخوض فيه لفساد زمنهم وكثرة ~~مبتدعته، وقوة شوكتهم وتمويه شبههم. وأما زاعم الرؤية بالعين فقد ورد من ~~الأدلة القطعية ما يشدد النكير على سائلها واقترن به ما يقوى استنكار ذلك ~~واستعظامه كقوله تعالى: {وإذ قلتم ياموسىالن نؤمن لك حتىانرى الله جهرة ~~فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون} [البقرة: 55] وقوله تعالى: {يسألك أهل ~~الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السمآء فقد سألوا موسىاأكبر من ذالك فقالوا ~~أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم} [النساء: 153] وقوله سبحانه ~~وتعالى: {وقال الذين لا يرجون لقآءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرىاربنا ~~لقد استكبروا فى أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا} [الفرقان: 21] وصح في مسلم أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال: # PageV01P108 # (واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا) وحينئذ فينبغي كفر زاعم الرؤية ~~بالعين في الدنيا مطلقا بخلاف المجسمة. قلت: بعد أن قرر الأئمة وعلماء ~~الأمة وحفاظ الملة تلك الآيات والأحاديث وصرفوها عن ظواهرها كما تقرر لم ~~يبق لأحد عذر في اعتقاد ظواهرها، فمن فعل ذلك فقيل يكفر مطلقا، وقيل إن قال ~~جسم كالأجسام كفر وإلا فلا، وعليه جرى النووي رحمه الله في موضع، وقيل لا ms247 ~~يكفر مطلقا وهو المشهور من مذهبنا ما لم يضم لذلك اعتقاد بعض تلك اللوازم ~~كما مر، وحينئذ فينبغي أن يجرى نظير هذا الخلاف كله في مدعى الرؤية بالعين، ~~فيكون الأصح عدم كفره، إلا إن ضم لذلك اعتقاد حدوث أو ما يؤدي مؤاده، لأن ~~ملحظ التكفير وعدمه في المجسمة ونحوهم ليس العذر وعدمه، لأن الكلام في ~~العالم وإنما الملحظ اعتقاد النقص وملزومه، ولا شك أن هذين يجريان في زاعم ~~الرؤية بالعين في دار الدنيا فكما جرى ذلك الخلاف كذلك يجري هنا، إذ لا ~~فارق يعتد هنا به كيف والإمام الرباني المترجم بشيخ الكل في الكل أبو ~~القاسم القشيري رحمه الله تعالى يجزم بأنه لا يجوز وقوعها في الدنيا لأحد ~~غير نبينا صلى الله عليه وسلم ولا على وجه الكرامة وادعى أن الأمة اجتمعت ~~على ذلك، فإذا أجمعوا على امتناع وقوعها كان زاعمه لنفسه مخالفا للإجماع ~~مدعيا ما قد يترتب عليه نقص، فمن ثم قالوا بكفره وقيدته بما مر. فإن قلت: ~~حكى عن الأشعري قول بوقوعها فكيف الإجماع حينئذ؟ قلت: إن صح الإجماع فواضح ~~أنه لا ينظر إليه وأن قائله إنما قاله لظنه أن لا إجماع، وإن لم يصح كان ~~هذا القول في غاية الشذوذ ولا ينظر إليه أيضا، ولا يمنع وجوده التكفير ~~لزاعم ما قدمته بشرطه. ### | 90 - # وسئل نفع الله به: عن حكم الموالد والأذكار التي يفعلها كثير من الناس في ~~هذا الزمان هل هي سنة أم فضيلة أم بدعة؟ فإن قلتم إنها فضيلة فهل ورد في ~~فضلها أثر عن السلف أو شيء من الأخبار، وهل الاجتماع للبدعة المباح جائز أم ~~لا؟ وهل إذا كان يحصل بسببها أو سبب صلاة التراويح اختلاط واجتماع بين ~~النساء والرجال ويحصل مع ذلك مؤانسة ومحادثة ومعاطاة غير مرضية شرعا، ~~وقاعدة الشرع مهما رجحت المفسدة حرمت المصلحة، وصلاة التراويح سنة، ويحصل ~~بسببها هذه الأسباب المذكورة فهل يمنع الناس من فعلها أم لا يضر ذلك؟ فأجاب ~~بقوله: الموالد والأذكار التي تفعل عندنا أكثرها مشتمل على خير، كصدقة، ms248 ~~وذكر، وصلاة وسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومدحه، وعلى شر بل ~~شرور لو لم يكن منها إلا رؤية النساء للرجال الأجانب، وبعضها ليس فيها شر ~~لكنه قليل نادر، ولا شك أن القسم الأول ممنوع للقاعدة المشهورة المقررة أن ~~درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فمن علم وقوع شيء من الشر فيما يفعله من ~~ذلك فهو عاص آثم، وبفرض أنه عمل في ذلك خيرا، فربما خيره لا يساوي شره ألا ~~ترى أن الشارع صلى الله عليه وسلم اكتفى من الخير بما تيسر وفطم عن جميع ~~أنواع الشر حيث قال: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم ~~عن شيء فاجتنبوه) فتأمله تعلم ما قررته من أن الشر وإن قل لا يرخص في شيء ~~منه، والخير يكتفى منه بما تيسر. والقسم الثاني سنة تشمله الأحاديث الواردة ~~في الأذكار المخصوصة والعامة. كقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يقعد قوم ~~يذكرون الله تعالى إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم ~~السكينة، وذكرهم الله تعالى فيمن عنده) رواه مسلم. وروى أيضا أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال لقوم جلسوا يذكرون الله تعالى ويحمدونه على أن هداهم للإسلام ~~(أتاني جبريل عليه الصلاة والسلام فأخبرني أن الله تعالى يباهي بكم ~~الملائكة) وفي الحديثين أوضح دليل على فضل الاجتماع على الخير والجلوس له، ~~وأن الجالسين على خير كذلك، يباهي الله بهم الملائكة، وتنزل عليهم السكينة ~~وتغشاهم الرحمة، ويذكرهم الله تعالى بالثناء عليهم بين الملائكة فأي فضائل ~~أجل من هذه؟ # وقول السائل نفع الله به: وهل الاجتماع للبدع المباحة جائز؟ جوابه: نعم ~~جائز. قال العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى: البدعة فعل ما لم يعهد في ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وتنقسم إلى خمسة أحكام يعني الوجوب والندب ~~الخ، وطريق معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشرع فأي حكم دخلت فيه فهي ~~منه، فمن البدع الواجبة تعلم النحو الذي يفهم به القرآن والسنة، ومن البدع ~~المحرمة مذهب نحو القدرية، ومن البدع المندوبة ms249 إحداث نحو المدارس والاجتماع ~~لصلاة التراويح، ومن البدع المباحة المصافحة بعد الصلاة ومن البدع المكروهة ~~زخرفة المساجد والمصاحف أي بغير الذهب # PageV01P109 # وإلا فهي محرمة، وفي الحديث (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) وهو ~~محمول على المحرمة لا غير، وحيث حصل في ذلك الاجتماع لذكر، أو صلاة ~~التراويح أو نحوها محرم، وجب على كل ذي قدرة النهي عن ذلك وعلى غيره ~~الامتناع من حضور ذلك وإلا صار شريكا لهم، ومن ثم صرح الشيخان بأن من ~~المعاصي الجلوس مع الفساق إيناسا لهم. ### | 91 - # وسئل نفع الله به: هل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفضل الرسل ~~خصوصا فهل يفضلهم عموما أم لا، وهل الولاية المخصوصة في مرتبة النبوة أولا، ~~وهل ولاية النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من نبوته أم نبوته أفضل أم ~~الرتبتان متساويتان أم كيف الحال، وهل كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~متعبدا بشرع أحد من الأنبياء قبل البعثة وبعدها أم لا، وهل أرسل إلى الخلق ~~كافة حتى إلى الملائكة كما نقل ذلك بعضهم، أم إلى الثقلين فقط، وهل ~~الأفضلية بين الخلفاء الأربعة قطعية أم اجتهادية، إذ لا شاهد من العقل يقطع ~~بأفضلية بعض الأئمة على البعض، والأخبار الواردة في فضائلهم متعارضة، وهل ~~الإنسان الكامل الذي كمل له الإيمان بالله قبل البعثة يدخل الجنة أم لا، ~~وأيضا هل القائل بأن العبد خالق لأفعاله مشرك أم لا، وهل يجوز العقل إثابة ~~الكافر وعقوبة المؤمن أم لا؟ فأجاب بقوله: لا يخفى على من له أدنى ممارسة ~~بتأمل الكتاب والسنة أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم يفضل جميع الأنبياء ~~والمرسلين خصوصا وعموما لقوله تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم علىابعض منهم ~~من كلم الله} [البقرة: 253] أي موسى {ورفع بعضهم درجات} أي محمدا صلى الله ~~عليه وسلم رفعه الله تعالى على سائر الأنبياء والمرسلين من ثلاثة أوجه: ~~بالمعراج بذاته، وبالسيادة على جميع البشر، وبالمعجزات التي لا تحصر ولا ~~تفنى، وكفى بالقرآن معجزة باقية مستمرة إلى قرب قيام الساعة، وفيه من ms250 ~~المعجزات والفضائل لنبينا صلى الله عليه وسلم على غيره ما لا يحصى. قال ~~الزمخشري: وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى لما فيه ~~من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه والمتميز الذي لا يلتبس، ومن هذه ~~الآية وقوله تعالى: {ولقد فضلنا بعض النبيين علىابعض} [الإسراء: 55] رد ~~العلماء على المعتزلة قبحهم الله تعالى في قولهم: إنه لا فضل لبعض الأنبياء ~~على بعض، والنهي في أحاديث عن التفضيل بين الأنبياء محمول عند العلماء على ~~تفضيل يؤدي إلى تنقيص بعضهم، ومن زعم أن آدم أفضل لحق الأبوة، فإن أراد أن ~~فضله من حيث كونه أبا لا من حيث النبوة والمعجزات والخصائص، فله وجه، وإلا ~~فلا وجه لما زعمه مع خبر الترمذي. أنه صلى الله عليه وسلم قال: (أنا سيد ~~ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي آدم ~~فمن سواه إلا تحت لوائي يوم القيامة) فبين صلى الله عليه وسلم بقوله: (آدم ~~فمن سواه) أنه أفضل الكل، وقوله: (ولد آدم) للتأديب مع الأبوة، وقوله: (ولا ~~فخر) المراد به ولا فخر أعظم من هذا، أو لا أقول ذلك على جهة الفخر بل على ~~جهة الإخبار بالواقع، وقوله (يوم القيامة) خصه بالذكر لأنه يظهر له صلى ~~الله عليه وسلم فيه من السؤدد والتمييز على سائر الأنبياء ما لا يظهر ~~لغيره، لا سيما المقام المحمود الذي يؤتاه ذلك اليوم، وهو الشفاعة العظمى ~~في فصل القضاء حين يذهب الناس إلى أولى العزم، نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، ~~فكل يذكر لنفسه شيئا ويقول: نفسي نفسي إلا نبينا صلى الله عليه وسلم فإنه ~~يقول: (أنا لها أنا لها) الحديث. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا ~~عند البخاري (أنا سيد الناس يوم القيامة) وهذا صريح في أفضليته صلى الله ~~عليه وسلم على آدم وعلى جميع أولاده من الأنبياء والمرسلين، وفي حديث عند ~~البيهقي (أنا سيد العالمين) وهم الإنس والجن والملائكة ففيه التصريح بأنه ~~أفضل الخلق كلهم. ويؤيده حديث ms251 مسلم الآتي (وأرسلت إلى الخلق كافة) ومن شأن ~~الرسول أن يكون أفضل من المرسل إليهم، واستدل الفخر الرازي على أفضليته صلى ~~الله عليه وسلم على سائر الأنبياء بقوله تعالى بعد ذكرهم {أولائك الذين هدى ~~الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] وذلك لأنه تعالى وصفهم بالأوصاف الحميدة ~~ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بجميعهم فيكون إتيانه بذلك واجبا ~~وإلا كان تاركا لمقتضى الأمر، وإذا أتى بجميع ما تلبسوا به من الخصال ~~الحميدة فقد اجتمع فيه ما كان مفرقا فيهم فيكون أفضل منهم، واحتج السعد ~~التفتازاني بقوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] قال: ~~لأنه لا شك أن الخيرية للأمة إنما هو بحسب كمالهم في الدين وذلك تابع لكمال ~~نبيهم الذي يتبعونه: أي فلولا أنه خير الأنبياء لم تكن أمته خير الأمم، وقد ~~ثبت بنص الآية أنهم خير الأمم فيكون نبيهم خير # PageV01P110 # الأنبياء لما علمت ما بينهما من الملازمة الظاهرة. وقول السائل نفع الله ~~به: وهل الولاية المخصوصة في مرتبة النبوة؟ كلام مجمل يحتاج لبيان فإن أراد ~~بالولاية المخصوصة ولايات الأولياء غير الأنبياء فالصواب أنه لا يمكن شرعا ~~أن وليا يصل لدرجة نبي، ومن اعتقد ذلك فهو كافر مراق الدم إلا أن يتوب، وإن ~~أراد أن السبب الذي اقتضى أفضليته صلى الله عليه وسلم أفضل من مطلق النبوة ~~فهذا لا يحتاج إليه، لأنا قد علمنا مما تقرر وغيره أن نبينا صلى الله عليه ~~وسلم أفضل من سائر الأنبياء في كل وصف من أوصاف الكمال، ومن ثم خاطب الله ~~تعالى الأنبياء بأسمائهم ولم يخاطبه إلا بنحو {ياأيها النبى حسبك ياأيها ~~الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر من الذين قالواءامنا بأفواههم ولم ~~تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقومءاخرين لم يأتوك ~~يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هاذا فخذوه وإن لم تؤتوه ف ~~احذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولائك الذين لم يرد ~~الله أن يطهر قلوبهم لهم فى الدنيا خزى ms252 ولهم فى الأخرة عذاب عظيم} ياأيها ~~المدثر ياأيها المزمل} وأوجب الله تعالى عليهم إن بعث وهم أحياء أن يؤمنوا ~~به ويتبعوه وينصروه كما قال الله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ~~لمآءاتيتكم من كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه} ~~[آل عمران: 81] الآية، ووقع لابن عبد السلام رحمه الله فيها ما لا ينبغي ~~فاجتنبه. وقول السائل: وهل ولاية النبي الخ، كأن مراده بهذا أيضا المسألة ~~المشهورة عن ابن عبد السلام وهي قوله: إن نبوة النبي أفضل من رسالته لأن ~~النبوة هي الطرف المتعلق بالحق والرسالة هي الطرف المتعلق بالخلق، وما تعلق ~~بالحق أفضل مما تعلق بالخلق وهو ضعيف جدا، ومن ثم ضعفه غير واحد من ~~المتأخرين، وبيان ضعفه أن الرسالة ليس لها طرف من جهة الخلق فقط بل لها ~~طرفان لأن الرسول هو المبلغ عن الله تعالى الأحكام للناس فهو متلق من جهة ~~الحق وملق على الخلق، فكانت رسالته التي تأهل بها إلى الخلافة عن الله ~~تعالى أفضل من مجرد نبوته لأنه لم يتأهل بها إلى المرتبة العلية، والكلام ~~في نبوة الرسول ورسالته، أما الرسول فهو أفضل من النبي إجماعا، وحمل بعضهم ~~النهي عن التفضيل بين الأنبياء السابق على النهي عن التفضيل بينهم في ذات ~~النبوة والرسالة فإنهم في ذلك على حد سواء لا تفاضل بينهم، وإنما التفاضل ~~في زيادة الأحوال وخصوص الكرامات والرتب، فذات النبوة لا تفاضل فيها، وإنما ~~التفاضل في أمور زائدة عليها، ومن ثم كان مبهما. # وقول السائل: هل كان نبينا صلى الله عليه وسلم متعبدا الخ. جوابه: أن ~~العلماء اختلفوا هل كان صلى الله عليه وسلم قبل بعثته متعبدا بشرع من قبله ~~أو لا؟ فقال الجمهور: لم يكن متعبدا بشيء. واحتجوا بأن ذلك لو وقع لنقل ~~ولما أمكن كتمه ولا ستره في العادة ولا افتخر به أهل تلك الشريعة صلى الله ~~عليه وسلم عليه، واحتجوا به بأن ذلك لو وقع لنقل ولما أمكن كتمه ولا ستره ~~في العادة ولا افتخر به أهل ms253 تلك الشريعة صلى الله عليه وسلم واحتجوا به ~~عليه، فلما لم يقع شيء من ذلك، علمنا أنه لم يكن متعبدا بشرع نبي قبله، ~~وذهب طائفة إلى امتناع ذلك عقلا قالوا: لأنه يبعد أن يكون متبوعا وقد عرف ~~تابعا. وذهب آخرون إلى الوقف في أمره صلى الله عليه وسلم وترك قطع الحكم ~~عليه بشيء في ذلك لأنه لا قاطع من الجانبين، وإلى هذا ذهب إمام الحرمين. ~~وقال آخرون: كان عاملا بشرع من قبله. ثم اختلفوا فوقف بعضهم عن التعيين ~~واحجم وجسر عليه بعضهم. ثم اختلف المعينون فقيل نوح وقيل إبراهيم وقيل موسى ~~وقيل عيسى وقيل آدم، فهذه جملة المذاهب في هذه المسألة وأظهرها الأول وهو ~~الذي عليه الجمهور، وأبعدها مذهب المعينين إذ لو كان شيء لنقل كما مر. # ولا حجة لمن زعم أن عيسى آخر الأنبياء صلى الله عليه وسلم فلزمت شريعته ~~صلى الله عليه وسلم من جاء بعده، لأنه لم يثبت عموم دعوة عيسى، بل الصحيح ~~أنه لم يكن لنبي دعوة عامة إلا لنبينا صلى الله عليه وسلم، ومن ثم لم يرسل ~~للجن غيره صلى الله عليه وسلم، وإيمان الجن بالتوراة كما يدل عليه أواخر ~~سورة الأحقاف كان تبرعا كإيمان بعض العرب من قريش وغيرهم بالإنجيل، إذ لم ~~يثبت أن موسى أرسل لغير بني إسرائيل والقبط ولا أن عيسى أرسل لغير بني ~~إسرائيل، وزعم بعض من لا تحقيق عنده ولا اطلاع على حقائق الكتاب والسنة، أن ~~نبينا صلى الله عليه وسلم كان على شريعة إبراهيم صلى الله عليه وسلم وليس ~~له شرع منفرد به، وإنما المقصود من بعثته إحياء شرع إبراهيم تمسكا بظاهر ~~قوله تعالى: {ثم أوحينآ إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا} [النحل: 123] وهذا ~~القول أي أن الشريعة شريعة إبراهيم بالغلط بل بالخراف أشبه، ومن ثم قالوا: ~~إن مثله لا يصدر إلا من سخيف العقل كثيف الطبع، وإنما المراد بهذه الآية ~~الاتباع في التوحيد الخاص بمقام الخلة الذي هو مقام إبراهيم المشار إليه ~~بصيغة {حنيفا وما كان من المشركين} ms254 والمتسبب عن تفويضه المطلق لما أن ألقى ~~في النار وجاء إليه جبريل عليهما السلام قائلا له (ألك حاجة؟ قال أما إليك ~~فلا) ، فوصل غاية من التفويض لم يصل إليها أحد قبله ولا بعده إلا نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه وصل إليها وارتقى عنها # PageV01P111 # بغايات لا يعلمها إلا خالقه وبارئه المنعم عليه بما لم يؤته لغيره، ومن ~~ثم يقول إبراهيم عند مجيء الناس إليه في ذلك الموقف العظيم للشفاعة العظمى ~~في فصل القضاء قائلين له إن الله اصطفاك بالخلة إنما كنت خليلا من وراء ~~وراء) فأعلمهم أنه وإن كان خليلا لكنه متأخر الرتبة عن غير المنحصر في ~~نبينا صلى الله عليه وسلم، ونظير تلك الآية السابقة {أولائك الذين هدى الله ~~فبهداهم اقتده} فالمراد الأمر بالاقتداء في التوحيد وما يليق به من ~~المقامات العلية التي ترجع إلى الأصول لا إلى الفروع إذ كان منهم من ليس ~~رسولا أصلا كيوسف صلى الله على نبينا وعليه وسلم على قول، والباقون كانت ~~فروع شرائعهم مختلفة فاستحال حمل الأمر على الاقتداء بهم على ذلك، لا يقال ~~التوحيد إنما ينشأ عن الأدلة القطعية فكيف يتأتى الاتباع فيه، لأنا قد ~~أشرنا إلى رد ذلك بقولنا وما يليق به من المقامات العلية الخ. ومنها كيفية ~~الدعوى إلى التوحيد وهو أن يدعو إليه بطريق الرفق والسهولة وإيراد الأدلة ~~الواضحة الظاهرة المرة بعد المرة على أنواع مترتبة متمايزة تأخذ بالقلب ~~وتدهش اللب، كما هو الطريق المألوفة في القرآن، وقال شيخ الإسلام السراج ~~البلقيني في (شرح البخاري) : ولم يجيء في الأحاديث التي وقفنا عليها كيفية ~~تعبده صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، لكن روى ابن إسحاق وغيره: (أنه صلى ~~الله عليه وسلم كان يخرج إلى حراء في كل عام شهرا من السنة يتنسك فيه) وكان ~~من نسك قريش في الجاهلية أن يطعم الرجل من جاءه من المساكين حتى إذا انصرف ~~من بيته لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة، وحمل بعضهم التعبد على التفكر، ~~قال: وعندي أن هذا التعبد يشتمل على ms255 أنواع: وهي الاعتزال عن الناس كما صنع ~~إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه وسلم باعتزال قومه والانقطاع إلى الله ~~تعالى، (فإن انتظار الفرج عبادة) كما رواه علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ~~مرفوعا، وينضم إلى ذلك التفكر، ومن ثم قال بعضهم: كانت عبادته صلى الله ~~عليه وسلم في حراء التفكر. # وقول السائل نفع الله به: وهل أرسل إلى الخلق كافة الخ. جوابه: أنه كثر ~~استفتاء الناس لي عن ذلك وكثر الكلام مني فيه مبسوطا ومختصرا، وخلاصة ~~المعتمد في ذلك أن في إرساله صلى الله عليه وسلم إلى الملائكة قولين ~~للعلماء، والذي رجحه شيخ الإسلام التقى السبكي وجماعته من محققي المتأخرين، ~~وردوا ما وقع في تفسير الرازي مما قاله بخلاف ذلك وأطالوا في رده، ورد ما ~~وقع للبيهقي والحليمي مما يخالف ذلك أنه أرسل إليهم، ويدل له ظاهر قوله ~~تعالى: {ليكون للعالمين نذيرا} [الفرقان: 1] وهم الإنس والجن والملائكة، ~~ومن زعم أنه صلى الله عليه وسلم أرسل إلى بعض الملائكة دون بعض، فقد تحكم ~~من غير دليل، كما أن من ادعى خروج الملائكة كلهم من الآية يعجز عن دليل يدل ~~على ذلك، ولا ينافي ذلك الإنذار الذي هو التخويف بالعذاب لأنهم وإن كانوا ~~معصومين إلا أن المراد بالإرسال تكليفهم بالإيمان به، والاعتراف بسؤدده ~~ورفعته والخضوع له، وعدهم من أتباعه زيادة في شرفه، وكل هذا لا ينافي ~~عصمتهم، ثم ذلك الإنذار إما وقع كله في ليلة الإسراء، أو بعضه فيها، وبعضه ~~في غيرها، ولا يلزم من الإنذار والرسالة إليهم في شيء خاص أن يكون بالشريعة ~~كلها، وفي قول شاذ: أن الملائكة من الجن وأنهم مؤمنو الجن السماوية، فإذا ~~ركب هذا مع القول الذي أجمع عليه المسلمون وهو عموم رسالته صلى الله عليه ~~وسلم للجن لزم عموم الرسالة للملائكة كذا قيل، وهذا لا يحتاج إليه، وكفى ~~بالأخذ بظاهر الآية دليلا لا سيما وخبر مسلم الذي لا نزاع في صحته صريح في ~~ذلك، وهو قوله صلى الله عليه وسلم، (وأرسلت إلى الخلق كافة) ، فتأمل ms256 قوله: ~~(الخلق) وقوله: (كافة) ومن ثم أخذ من هذا شيخ الإسلام الجمال البارزي أنه ~~صلى الله عليه وسلم أرسل إلى جميع المخلوقات حتى الجمادات، بأن ركب فيها ~~فهم وعقل مخصوص حتى عرفته وآمنت به، واعترفت بفضله وقد أخبر عنها صلى الله ~~عليه وسلم بالشهادة للمؤذن ونحوه في قوله: (فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن ~~شجر ولا حجر ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة) وقال تعالى: {لو أنزلنا هاذا ~~القرءان علىاجبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله} [الحشر: 21] وقال ~~تعالى: {وإن من شىء إلا يسبح بحمده} [الإسراء: 44] فإذا كانت هذه الجمادات ~~لها هذه الإدراكات لم يستنكر ما قاله البارزي لا سيما وحديث مسلم مصرح به ~~كما علمت. فإن قلت: فسر الجمهور العالمين في الآية بالجن والإنس. قلت: لا ~~يلزم من ذلك خروج الملائكة عن مطلق الإرسال بل عن الإرسال إلى الجن والإنس ~~المتضمن للتكليف بسائر فروع الشريعة، وللتكليف بكل ما فيه # PageV01P112 # كلفة، والمستلزم لإباء المرسل إليهم إلا بعصام نواميس المعجزات والتخويف ~~والتهديد فتخصيص العالمين بالجن والأنس لذلك فحسب. والحاصل أنه لا قاطع من ~~أحد الجانبين، وأن كلا من القولين إنما هو أمر ظني بحسب ما دل عليه ظاهر ~~استند إليه كل من القائلين بأحد ذينك القولين. # وقول السائل: وهل الأفضلية بين الخلفاء الأربعة الخ؟ جوابه: أن أفضلية ~~أبي بكر رضي الله عنه على الثلاثة ثم عمر على الاثنين مجمع عليه عند أهل ~~السنة لا خلاف بينهم في ذلك، والإجماع يفيد القطع، وأما أفضلية عثمان على ~~علي رضي الله عنهما فظنية، لأن بعض أكابر أهل السنة كسفيان الثوري فضل عليا ~~على عثمان وما وقع فيه خلاف بين أهل السنة ظني، وأما الأحاديث في ذلك ~~فمتعارضة جدا بل علي كرم الله وجهه ورد فيه من الأحاديث المشعرة بفضله ما ~~لم يرد في الثلاثة. وأجاب عنه بعض الأئمة بأن سبب ذلك أنه عاش إلى زمن ~~الفتن، وكثرت أعداؤه، وقدحهم فيه وحطهم عليه، وغمصهم لحقه بباطلهم، فبادر ~~حفاظ الصحابة رضوان الله عليهم، وأخرجوا ما ms257 عندهم في حقه، ردعا لأولئك ~~الفسقة المارقين والخوارج المخذولين، وأما بقية الثلاثة فلم يقع لهم ما ~~يدعو الناس إلى الإتيان بمثل ذلك الاستيعاب. # وقوله: وهل الإنسان الخ؟ جوابه: أن الأصح نعم، بل الأصح في أهل الفترة، ~~وهم من لم يرسل إليهم رسول أنهم في الجنة عملا بقوله تعالى: {وما كنا ~~معذبين حتىانبعث رسولا} [الإسراء: 15] وحمل على من قبل البعثة، وزعم قائله ~~أن كل من لم يؤمن بعد بعثه آدم أو نوح بناء على أن أول الرسل آدم أو نوح، ~~فهو في النار زعم مخالف لظاهر الآية فلا يعول عليه. وقوله: وهل القائل بخلق ~~الخ؟ جوابه: أن القائل بالخلق الحقيقي لغير الله في شيء من الأشياء كافر ~~مراق الدم، كما هو جلي، والقائل بخلق العبد لأفعاله بالمعنى الذي يقوله ~~المعتزلة مبتدع ضال فاسق، وأما إسلامه ففيه خلاف والأصح أنه مسلم. وقوله: ~~وهل يجوز العقل الخ؟ جوابه: نعم يجوز العقل ذلك في المؤمنين، بل ذلك مما ~~يتعين علينا اعتقاده، لأن الله تبارك وتعالى لا يجب عليه شيء لأحد من عباده ~~وأنبيائه ورسله مطلقا لقوله تعالى: {قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن ~~يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن فى الأرض جميعا} [المائدة: 17] وإنما إثابة ~~الطائع من محض فضله تعالى، ويجوز أن يعاقبه، لكنه لا يقع بمقتضى وعده، وأنه ~~لا يخلف الميعاد، وعقاب العاصي من محض عدله، ويجوز أن يخلفه، لأن خلف ~~الإيعاد من سعة الفضل والكرم، بخلاف إخلاف الوعد، وقد أشارت الآية إلى ذلك ~~فإنها إنما نصت على أنه تعالى لا يخلف الميعاد، وهو لا يكون إلا في الخير، ~~فاقتضت أنه يخلف الإيعاد الذي لا يكون لا في مقابلة ذلك، وأما الكافر فبعد ~~أن يعلم قوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء} ~~[النساء: 48] فلا يجوز العقل ذلك فيه، ومن ثم أجمعوا على كفر من قال: إن ~~الله يثيب الكافر. ### | 92 - # وسئل نفع الله به عن قوله صلى الله عليه وسلم: (يقال لصاحب القرآن ms258 يوم ~~القيامة اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية) ~~من المخصوص بهذه الفضيلة هل هم من يحفظ القرآن في الدنيا عن ظهر قلبه ومات ~~كذلك، أم يستوي فيه هو ومن يقرأ في المصحف، وعن قول صاحب (العباب) : وورد ~~أن الملائكة لم يعطوا فضيلة حفظ القرآن فهم حريصون على استماعه من الإنس، ~~وسبقه إلى ذلك ابن الصلاح، والقصد تبيين الطريق التي ورد منها هل هو حديث ~~نبوي أو غير ذلك؟ فأجاب رضي الله عنه بقوله: الخبر المذكور خاص بمن يحفظه ~~عن ظهر قلب لا بمن يقرأ في المصحف لأن مجرد القراءة في الخط لا يختلف الناس ~~فيها، ولا يتفاوتون قلة وكثرة، وإنما الذي يتفاوتون فيه كذلك هو الحفظ عن ~~ظهر قلب، فلهذا تفاوتت منازلهم في الجنة بحسب تفاوت حفظهم، ومما يؤيد ذلك ~~أيضا، أن حفظ القرآن عن ظهر قلب فرض كفاية على الأمة، ومجرد القراءة في ~~المصحف من غير حفظ لا يسقط بها الطلب فليس لها كبير فضل كفضل الحفظ، فتعين ~~أنه أعني الحفظ عن ظهر قلب هو المراد في الخبر، وهذا ظاهر من لفظ الخبر ~~بأدنى تأمل، وقول الملائكة له (اقرأ وارق) صريح في حفظه عن ظهر قلب كما لا ~~يخفى، وقول ابن الصلاح، وقد ورد أن الملائكة لم يعطوا فضيلة قراءة القرآن ~~فهم حريصون الخ، فأما كونهم لم يعطوا ذلك فكأنه أخذه من أحاديث تشير إليه، ~~لكن اعترضه غير واحد وساقوا من القرآن والسنة ما يعارضه، ومن ثم صرح غير ~~واحد بخلافه، لكنني في (شرح العباب) أجبت عما أوردوه عليه، وأما حرصهم على ~~استماعه من الإنس فهو صريح الأحاديث الصحيحة. ### | 93 - # وسئل نفع الله به، عما صورته: ذكر الأئمة # PageV01P113 # رضي الله عنهم أنه يكره إفراد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~السلام وعكسه، قال بعضهم: لكن ليس المراد بالجمع بينهما أن يكونا مقرونين، ~~بل أن لا يخلو الكلام أو المجلس عنهما، كما في التشهد فهل هو كذلك؟ فإن ~~قلتم نعم، فهل ms259 ذلك في غير المخصوص أما هو كقوله صلى الله عليه وسلم: (من ~~قال يوم الجمعة ثمانين مرة اللهم صل على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي ~~الأمي غفر الله له ذنوب ثمانين سنة) الخ فلا كراهة فيه للنص عليه فهل هو ~~كذلك أم لا؟ . فأجاب بقوله رحمه الله تعالى: إني لما نقلت تلك المقالة في ~~(شرح العباب) تعقبتها وعبارته، وقيد بعض فقهاء اليمن كراهة الإفراد بما إذا ~~لم يجمعهما مجلس أو كتاب. قال: وإلا فلا إفراد انتهى، وهو غير بعيد وإن كان ~~ظاهر كلام غيره قد ينازع فيه انتهت، ووجهة تلك المنازعة أن النووي رحمه ~~الله لما نقل عن العلماء كراهة الإفراد اعترضوه بأن ذلك وقع في أماكن كثيرة ~~من (الأم) وغيرها، وأجيب عنه بأن من أفردها من العلماء إما جمع بلسانه أو ~~ترك السلام ذهولا، ووجه رد كلام ذلك الفقيه بالنسبة لقوله، أو كتاب، أو تلك ~~الكتب فيها الصلاة مع السلام، ومع ذلك جعلوا خلوها في بعض المواضع عنهما ~~واردا، فلو اكتفى في الجميع بوجوده أحدهما في أول الكتاب ووجود الآخر في ~~آخره مثلا، لما ورد ذلك، فعلمنا أن كلام المستشكين والمجيبين راد لقول ذلك ~~الفقيه أو كتاب، وأيضا فإنما يتمشى ما بحثه ذلك الفقيه، بناء على أن ~~الإفراد يكره خطا حتى يرد الجمع في أول الكتاب، وهو ما جرى عليه الزين ~~العراقي وجزم به غيره تبعا له، لكني نظرت فيه في الشرح المذكور واستدللت ~~لهذا النظر بالجواب السابق الذي قاله بعض المحققين: إن من أفرد جمع بينهما ~~بلسانه، إذ هذا صريح في أنه لا يكره الإفراد خطا، وإلا لم يتأت ذلك الجواب، ~~وعلى أنه لا كراهة خطا فلا يصح ذلك التقييد بما لم يجمعهما كتاب، وأما ~~التقييد بما لم يجمعهما مجلس فهو متجه، لكن يتعين تقييد ذلك بما إذا لم يطل ~~الفصل عرفا، بحيث ينقطع نسبة أحدهما عن الآخر وإلا لم يفد اتحاد المجلس ~~حينئذ، وقول الأئمة: إنما أفردت الصلاة في التشهد اكتفاء بالسلام الذي فيه ~~ظاهر في اعتبار ms260 القرب الذي ذكرته، ويؤخذ من قولهم هذا أن كراهة الإفراد ~~حاصلة فيما ورد فيه الإفراد أيضا كالصلاة التي في السؤال لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم علمهم كيفية الصلاة مفردة عن السلام، ومع ذلك احتاج الأئمة ~~للجواب عن ذلك بأن السلام سبق في التشهد، فلو كان مجرد ورود الإفراد مانعا ~~لكراهته لم يحتاجوا للجواب المذكور، فلما احتاجوا إليه علمنا أن ذلك الورود ~~غير كاف. فإن قلت: ذكروا فيما إذا حلف ليصلين أفضل الصلاة أنه يبر بصلاة ~~التشهد كذا، على الخلاف فيها ولم يذكروا في واحدة لفظ السلام؟ قلت: هذا لا ~~ينافي ما نحن فيه، لأن المكروه هو الإفراد لا نفس الصلاة، وإن أفردت، ~~ونظيره ما حرره بعض المحققين في كراهة الإيتار بركعة، أن المراد كراهة ~~الاقتصار عليه لا نفس الصلاة، بل هي مع ذلك من الوتر الذي هو أفضل الرواتب. ~~فإن قلت: قال الحافظ السخاوي في كتابه (البديع) استدل بحديث كعب بن عجرة ~~وغيره على أن إفراد الصلاة عن السلام لا يكره، وكذا العكس لأن تعليم ~~التسليم تقدم على تعليم الصلاة فأفردوا التسليم مدة في التشهد قبل الصلاة ~~عليه، وقد صرح النووي رحمه الله في (الأذكار) وغيره بالكراهة واستدل بورود ~~الأمر بهما معا في الآية. قال: والظاهر أن محل ذلك فيما لم يرد الاقتصار ~~على الصلاة فيه، على أن شيخنا: أي الحافظ ابن حجر توقف في إطلاق الكراهة ~~انتهى. قلت: أما التوقف في ذلك فغير مسموع مع كون النووي نقل الكراهة عن ~~العلماء، وأما التقييد الذي ذكره السخاوي بقوله: والظاهر الخ. فغفلة كما ~~علم مما مر، من كون الأئمة أجابوا عن الإفراد في حديث كعب بن عجرة وغيره ~~بأن السلام تقدم في التشهد إذ هذا تصريح منهم بعموم الكراهة لما ورد فيه ~~الإفراد أيضا وأما الاستدلال بأن تعليم التسليم تقدم قبل تعليم الصلاة ~~فأفردوا التسليم مدة في التشهد، يجاب عنه بأن الذي قاله العلماء من كراهة ~~الإفراد إنما هو بعد استقرار الحكم، وأما تعليم السلام قبل الصلاة فلا يدل ~~على ms261 عدم كراهة الإفراد، لأن تأخر تعليم الصلاة عن السلام كان قبل مشروعيتها ~~في الصلاة، لتوقف الخطاب بها فيها على علم الكيفية، فقبل علمهم بكيفيتها لم ~~يخاطبوا بها فيها، فالإفراد لذلك فحسب، وحيث كان الإفراد في التشهد قبل ~~مشروعية الصلاة فيه انتفى الاستدلال بذلك الإفراد على عدم الكراهة على # PageV01P114 # أن الجواب الذي أجابوا به عن إفراد نحو الشافعي يجاب به عن إفراد الرواة. ~~والحاصل أن قول العلماء بالكراهة إجماع منهم عليها، والإجماع لا يدفع ولا ~~يخصص بالأمور المحتملة فليتأمل ذلك فإنه مهم. ### | 94 - # وسئل نفع الله بعلومه: عن الجمع بين الروايات في حديث قول سليمان صلى ~~الله على نبينا وعليه وسلم (لأطوفن الليلة على سبعين امرأة) الحديث؟ فأجاب ~~بقوله: محصل الروايات في ذلك ستون وسبعون وتسع وسبعون وتسعون ومائة، وجمع ~~بينهما بأن الستين كن حرائر وما زاد عليهم كن سراري أو بالعكس، أو السبعين ~~للمبالغة والتسعين وإنما كن دون المائة وفوق السبعين، فمن قال تسعين ألغى ~~الكسر، ومن قال مائة جبره وفيه نظر. ففي رواية ابن عساكر عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه: (أنه كان له أربعمائة امرأة وستمائة سرية فقال يوما لأطوفن ~~الليلة على ألف امرأة) الحديث، فالأولى الجمع بأنه قال ذلك مرات متعددة ~~اقتصر في كل منها على من كن معه حينئذ، ولا يبعد أنه قال ذلك متكررا ونسي ~~قول إن شاء الله تعالى فلا يلدن له من ذكر. ### | 95 - # وسئل نفع الله بعلومه: ما الأفضل لا إله إلا الله أو الحمد لله رب ~~العالمين؟ فأجاب بقوله: ظاهر كلام الأئمة وصريحه أن الأول أفضل، واستدل له ~~بخبر. (أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله) دل بمنطوقه على ~~أن كلا من الكلمتين أفضل نوعه وبمفهومه على أن الأولى أفضل لأن نوع الذكر ~~أفضل من نوع الدعاء، وبالخبر الضعيف (التوحيد ثمن الجنة والحمد ثمن كل ~~نعمة) لأن الجنة أفضل من جميع النعم الدنيوية فيكون ثمنها أفضل. فإن قلت: ~~ورد (أن لا إله إلا الله بعشر حسنات والحمد لله ms262 بثلاثين حسنة) . قلت: قد ~~يكون في المفضول مزية ليست في الفاضل. فإن قلت: محل ذلك في غير زيادة ~~الثواب وأما هي فصريحة في التفضيل؟ قلت: إنما تكون صريحة إن صح سندها من ~~غير معارض. ### | 96 - # وسئل نفع الله به: (أول ما خلق الله القلم) هل ورد؟ فأجاب: نعم ورد بل صح ~~من طرق، وفي رواية (أن الله خلق العرش فاستوى عليه أي استواء يليق بجلال ~~ذاته ثم خلق القلم فأمره أن يجري بإذنه، فقال: يا رب بم أجرى؟ قال: بما أنا ~~خالق وكائن في خلقي من قطر أو نبات أو نفس أو أثر أو رزق أو أجل فجرى القلم ~~بما هو كائن إلى يوم القيامة) ورجالها ثقات إلا الضحاك بن مزاحم فوثقه ابن ~~حبان وقال: لم يسمع من ابن عباس وضعفه جماعة: وجاء عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما موقوفا عليه وأن أول شيء خلقه الله القلم فأمره أن يكتب كل شيء. ~~ورجاله ثقات، وفي رواية لابن عساكر مرفوعة: (إن أول شيء خلقه الله القلم ثم ~~خلق النون وهي الدواة ثم قال له: اكتب ما يكون أو ما هو كائن) الحديث. وروى ~~ابن جرير أنه صلى الله عليه وسلم قال: {ن والقلم وما يسطرون} [القلم: 1] ~~قال لوح من نور وقلم من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة. ### | 97 - # وسئل رضي الله عنه عن الأحاديث الشائعة: (لآية من كتاب الله خير من محمد ~~وآل محمد، وأحبوا البنين فإن البنات يحببن في أنفسهن، وأنا جد كل تقي. من ~~جلس فوق عالم بغير إذنه فكأنما جلس على المصحف. من بش في وجه ذمي فكأنما ~~لكزني في جنبي، اطلع صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج على النار فرأى فيها ~~رجلا عليه حلل خضر ويروح عليه بمراوح، فقال يا جبريل من هذا؟ قال حاتم ~~الطائي، إن شجرة كانت في بستان فقطعت نصفين فجعل منها نصف في القبلة والآخر ~~في مرحاض، فشكا إلى ربه فأوحى إليه إن لم تنته لأجعلنك في مجلس قاض لا ms263 يعرف ~~الشرع إيش هو ما الذي يخفى، قال ما لا يكون إن آدم والطبقة الأولى من ~~أولاده كانوا ستين ذراعا والثانية أربعين والثالثة عشرين والرابعة سبعة ~~أذرع) . فأجاب بقوله: قال الحافظ الجلال السيوطي في الأول: لم أقف عليه، ~~وفي الثاني: هذا لا يعرف ولم أقف عليه في شيء من كتب الحديث، وفي الثالث: ~~لا أعرفه، وفي الرابع والخامس: لا أصل لهما، وفي السادس والسابع والثامن: ~~باطلة، وفي التاسع: هذا العدد المخصوص في (الطبقات) لم يرد، وإنما ورد (أن ~~طول آدم ستون ذراعا وإن من بعده تناقص ولم يزل الناس يتناقصون) . 98 وسئل: ~~رضي الله عنه عن حديث: (الخلق عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله) هل ~~ورد؟ فأجاب: نعم ورد من طرق كثيرة، لكنها ضعيفة، ولفظ بعضها (الخلق كلهم ~~عيال الله وتحت كنفه فأحب الخلق إلى الله من أحسن لعياله وأبغض الخلق إلى ~~الله من ضيق على عياله) . ### | 99 - # وسئل نفع الله به: عن حديث: (كما # PageV01P115 # تكونوا يول عليكم) من رواه. فأجاب: رواه ابن جميع في (معجمه) ، وذكر ابن ~~الأنباري أن الرواية: (كما تكونوا) بحذف النون. 100 وسئل نفع الله به: عن ~~حديث: (إن نبيا من الأنبياء شكا الضعف فأمره الله بأكل البيض) هل ورد؟ ~~فأجاب: نعم، ورد عند البيهقي لكنه ضعيف جدا. ### | 101 - # وسئل نفع الله به: هل لبس النبي صلى الله عليه وسلم السراويل؟ فأجاب ~~بقوله: قال السبكي في فتاويه: إنه صلى الله عليه وسلم اشتراه وما لبسه ثم ~~صار حسنا للستر. 102 وسئل رضي الله عنه: هل ورد أنه صلى الله عليه وسلم لبس ~~السراويل؟ فأجاب بقوله: فال السبكي: اشتراه صلى الله عليه وسلم ولم يلبسه، ~~ونقله التقي الشمني في (حاشية الشفاء) عن غيره أيضا حيث قال: قالوا لم يثبت ~~أنه صلى الله عليه وسلم لبس السراويل ولكنه اشتراها ولم يلبسها، وفي ~~(المهدي) لابن قيم الجوزية أنه لبسها، قالوا: وهو سبق قلم انتهى. لكن روى ~~أبو يعلى في (مسنده) والطبراني في (معجمه) الأوسط بسند ضعيف عن أبي هريرة ms264 ~~رضي الله عنه قال: (دخلت يوما السوق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس ~~إلى البزازين فاشترى سراويل بأربعة دراهم، وكان لأهل السوق وزان فقال له ~~صلى الله عليه وسلم: اتزن وأرجح، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~السراويل، فذهبت لأحمله عنه فقال: صاحب الشيء أحق بشيئه أن يحمله إلا أن ~~يكون ضعيفا يعجز عنه فيعينه أخوه المسلم. قلت: يا رسول الله وإنك لتلبس ~~السراويل؟ قال: أجل في الحضر والسفر وبالليل والنهار، فإني أمرت بالستر فلم ~~أجد شيئا أستر منه) . 103 وسئل نفع الله به: عن المراد بأخوات هود في حديث ~~(شيبتني هود وأخواتها) ؟ فأجاب بقوله: المراد بهن (الواقعة والمرسلات وعم ~~والتكوير) رواه الترمذي والحاكم، والطبراني (والحاقة) وابن مردويه (وهل ~~أتاك) وابن سعد (والقارعة وسأل سائل واقتربت الساعة) . 104 وسئل نفع الله ~~به، بما لفظه: أخذ ابن حبان من حديث: (إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني) ~~بطلان. حديث: (أنه صلى الله عليه وسلم كان يضع الحجر على بطنه من الجوع) ~~لأنه إذا أطعم وسقى مع المواصلة فكيف يترك جائعا مع عدمها. قال: والصواب ~~أنه الحجز بالزاي وهو طرف الإزار فتصحف بالراء صحيح أم لا؟ فأجاب بقوله: ~~ليس ما قاله بصحيح إذ لا منافاة بين الحديثين، وأي جامع بين حالة الوصال ~~وحالة غيرها حتى يستدل بتلك على هذه إذ للصائم تكرمات على غيره، ولا مانع ~~من حصول الجوع له في بعض الأحيان على قضية الابتلاء الذي يحصل للأنبياء ~~تعظيما لهم. كما قال في الحديث الآخر: (أجوع يوما وأشبع يوما) وكما قال ~~جابر في حديثه لامرأته: سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفا أعرف ~~فيه الجوع. ### | 105 - # وسئل نفع الله به: هل يجوز قراءة سيرة البكرى؟ فأجاب بقوله: لا يجوز ~~قراءتها لأن غالبها باطل وكذب، وقد اختلط فحرم الكل حيث لا مميز. ### | 106 - # وسئل رضي الله عنه: هل ورد (لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب) ؟ فأجاب ~~بقوله: نعم، رواه الترمذي والطبراني. 107 وسئل رضي الله عنه: ms265 هل ورد (أن ~~الأحجار سلمت عليه صلى الله عليه وسلم حتى البلور، وأنها إذا سمعت الصلاة ~~عليه تصلي عليه. وأن من كتب اسمه الشريف في رق بالصلاة عليه تصلي عليه تلك ~~الأحرف) . فأجاب بقوله: الأول ثبت من طرق صحيحة بخلاف ما ذكر في البلور وما ~~بعده مما ذكر فإنه لم يرد فيه شيء. نعم ورد: (أن من صلى عليه صلى الله عليه ~~وسلم في كتاب لم تزل الملائكة تصلي عليه أي على المصلي ما دام اسمه الشريف ~~في ذلك الكتاب) . ### | 108 - # وسئل رضي الله عنه بما لفظه: ما الجمع بين خبر (خلق الأرواح قبل الأجسام ~~بألفي عام) وقال ابن عباس رضي الله عنهما: بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاق ~~قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة. فأجاب بقوله: ما ذكر عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما باطل لا أصل له، والأول ضعيف جدا فلا يعول عليه، نعم صح (أن الله قدر ~~المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة) وذلك شامل للأرزاق. ~~109 وسئل نفع الله به: عن بحيرا المبشر به صلى الله عليه وسلم هل كان ذلك ~~قبل البعثة وهل مات مسلما؟ فأجاب بقول: نعم كان قبل البعثة بدهر طويل؛ ففي ~~(طبقات ابن سعد) و (دلائل أبي نعيم) : أن سنه صلى الله عليه وسلم كان إذ ~~ذاك اثنتي عشرة سنة. وفي رواية لابن منده: وسنه عشرون سنة. وفي (الإصابة) ~~ما أدري هل أدرك البعثة أم لا؟ وقد ذكره ابن منده وأبو نعيم في الصحابة، ~~وبالجملة فقد مات على دين حق وهو إن لم يكن أدرك البعثة فقد أدرك دين ~~النصرانية قبل نسخه بالبعثة المحمدية. ### | 110 - # وسئل نفع الله به: وهل ورد (أنه صلى الله عليه وسلم شمتته الملائكة عند ~~ولادته لعطاسه حينئذ) . فأجاب بقوله: الوارد في ذلك حديث أبي نعيم عن ~~الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما (أنه # PageV01P116 # صلى الله عليه وسلم لما ولد وقع على يدها فاستهل فسمعت قائلا يقول: رحمك ~~الله أو رحمك ربك) الحديث، والاستهلال ms266 صياح المولود أول ما يولد، فإن أريد ~~به هناالعطاس فمحتمل، وحمل القائل المذكور على الملك ظاهر. 111 وسئل نفع ~~الله به: هل ورد (الحمى بريد الموت) مع أن كل حمى ليست كذلك. فأجاب بقوله: ~~الحديث ضعيف: أي رسوله الذي يتقدمه كما يتقدم الرائد قومه، ولا ينافي ذلك ~~عدم استلزامها له، لأن الأمراض كلها من حيث هي مقدمات للموت ومنذرات به، ~~وإن أفضت إلى سلامة جعلها الله تذكرة لابن آدم يتذكر بها الموت. 112 وسئل ~~نفع الله به: عن لذعة النار التي قد تكون شفاء كما في الحديث بالذال ~~المعجمة والغين كذلك أو بالمهملة أو المعجمة. فأجاب بقوله: هي بمعجمة ~~فمهملة الخفيف من حرق النار لا بمهملة فمعجمة كما ينطق بها العوام. 113 ~~وسئل نفع الله به: عن حديث (زينوا مجالسكم بالصلاة علي فإن صلاتكم تبلغني ~~وتعرض علي) هل ورد؟ فأجاب بقوله: هو حديث ضعيف لكن بلفظ (فإن صلاتكم علي ~~نور لكم يوم القيامة) ، وأما (فإن صلاتكم تعرض علي أو تبلغني) فقطعة من ~~حديث آخر ثابت قوي. ### | 114 - # وسئل نفع الله به: هل ورد في الغزل شيء؟ فأجاب بقوله: أخرج ابن عساكر عن ~~زياد بن عبد الله القرشي قال: دخلت على هند بنت المهلب بن أبي صفرة وهي ~~امرأة الحجاج بن يوسف فرأيت في يدها مغزلا تغزل به فقلت أتغزلين وأنت امرأة ~~أمير. قالت: سمعت أبي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أطولكن ~~طاقة أعظمكن أجرا وهو يطرد الشيطان ويذهب بحديث النفس) . وأخرج أيضا بسند ~~فيه متروك حديث (عمل الأبرار من الرجال الخياطة، وعمل الأبرار من النساء ~~الغزل) . وأخرج أيضا عن الزياد بن أبي السكن قال: دخلت على أم سلمة وبيدها ~~مغزل تغزل به فقلت: كلما أتيتك وجدت في يدك مغزلا. فقالت: إنه يطرد الشيطان ~~ويذهب بحديث النفس، وإنه بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن ~~أعظمكن أجرا أطولكن طاقة) . وروى: (زينوا مجالس نسائكم بالمغزل) وفي سنده ~~من هو متروك الحديث كذاب. 115 وسئل نفع الله ms267 بعلومه: لم رجع صلى الله عليه ~~وسلم القهقرى في قضيته مع عمه حمزة رضي الله عنه لما دخل عليه فوجده سكران. ~~فأجاب بقوله: كان حمزة رضي الله عنه ثملا قبل تحريم الخمر، فخشى إن ولاه ~~ظهره الشريف أن يثب عليه، أو قصد أن يلحظ منه ما يصنعه بعد، أو كان هذا قبل ~~النهي عن الارتجاع القهقرى، أو كنى الراوي بذلك عن الرجوع للبيت لا بالظهر، ~~كذا قيل وهو بعيد. 116 وسئل رضي الله عنه: عن حديث (اللهم من أحببته أقلل ~~ماله وولده) من رواه؟ فأجاب بقوله: أخرجه ابن ماجه في (سننه) والطبراني ~~ولفظه: (اللهم من آمن بي وصدقني وعلم أن ما جئت به هو الحق من عندك فأقلل ~~ماله وولده وحبب إليه لقاءك وعجل له القضاء، ومن لم يؤمن بي ولم يصدقني ولم ~~يعلم أن ما جئت به هو الحق من عندك فأكثر ماله وولده وأطل عمره) وسنده صحيح ~~إلا أن راويه اختلف في صحبته. وأخرج سعيد بن منصور (اللهم من أبغضني وعصاني ~~فأكثر له من المال والولد، اللهم من أحبني وأطاعني فارزقه الكفاف، اللهم ~~ارزق آل محمد الكفاف اللهم رزق يوم بيوم) . ### | 117 - # وسئل نفع الله به بما لفظه: (من لم يكن عنده صدقة فليلعن اليهود) هل ورد؟ ~~فأجاب بقوله: نعم، رواه السلفي والديلمي وابن عدي. 118 وسئل رضي الله عنه: ~~ما معنى حديث (حياتي خير لكم وموتي خير لكم) ؟ فأجاب بقوله: الإشكال إنما ~~يأتي على تقدير خير أفعل تفضيل وليس كذلك، وإنما هي للتفضيل لا للأفضلية ~~نحو: {أفمن يلقىافى النار خير} [فصلت: 40] ، {خير مستقرا} [الفرقان: 24] ~~ففي كل من حياته وموته صلى الله عليه وسلم خير إلا أن أحدهما أخير من ~~الآخر، وخير يراد بها كل من الأمرين، فإن أريد بها مجرد التفضيل فضدها الشر ~~ولا حذف فيها وتأنيثها خيرة وجمعها خيرات وهي الفاضلات من كل شيء، وإن أريد ~~بها الأفضلية وصلت بمن وكان أصلها أخير حذفت همزتها تخفيفا ويقابلها شر ~~التي أصلها أشر، ولا تؤنث ولا تثنى ولا ms268 تجمع. ### | 119 - # وسئل نفع الله به: عن كتابة الحافظين بماذا؟ فأجاب بقوله: ورد أن مدادهما ~~الريق، وأقلامهما ألسنة الخلق، ولم يرد تعيين البطاقة التي يكتبان فيها. ### | 120 - # وسئل رضي الله عنه: عن الشمع هل كان موجودا في حياته صلى الله عليه وسلم؟ ~~فأجاب بقوله: قال الحافظ السيوطي: إنه كان موجودا قبل البعثة كما ذكره ~~العسكري في الأوائل: أن أول من أوقد له الشمع جذيمة بن مالك الأبرش، بل ورد ~~في حديث (إنه أوقد للنبي صلى الله عليه وسلم عند دفنه عبد الله ذا ~~البجادين) . ### | 121 - # وسئل نفع الله بعلومه: هل تموت الحور والولدان وزبانية النار؟ # PageV01P117 # فأجاب بقوله: لا يموتون، وهم ممن دخل في قوله تعالى: {إلا من شاء الله} ~~وأما الملائكة فيموتون بالنصوص والإجماع، ويتولى قبض أرواحهم ملك الموت، ~~ويموت ملك الموت بلا ملك الموت. ### | 123 - # وسئل رضي الله عنه: هل ورد في حديث (الطاعون وخز إخوانكم) وهل استعاذ صلى ~~الله عليه وسلم، منه وهل ورد (ما أنه لا يؤلف تحت الأرض) ؟ فأجاب بقوله: ~~المحفوظ (وخز أعدائكم) ولم يرد إخوانكم كما قاله الحفاظ، ولم ترد استعاذته ~~صلى الله عليه وسلم منه بل دعا به وطلبه لأمته في حديث أبي يعلى. وأخرج ~~أحمد عن معاذ (إن الطاعون شهادة ورحمة ودعوة نبيكم) قال أبو قلابة: فعرفت ~~الشهادة ولم أدر ما دعوة نبيكم حتى أنبئت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بينما هو (ذات ليلة يصلي إذ قال في دعائه: فحمى إذن أو طاعونا ثلاث مرات، ~~فلما أصبح قال له إنسان من أهله: يا رسول الله قد سمعتك الليلة تدعو بدعاء. ~~قال: وسمعته؟ قال: نعم، قال: إني سألت ربي أن لا يهلك أمتي بسنة فأعطانيها، ~~وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يلبسهم شيعا ~~ولا يذيق بعضهم بأس بعض فأبى علي فقلت: فحمى إذن أو طاعونا ثلاث مرات) . ~~وأخرج أحمد وغيره حديث: (اللهم اجعل فناء أمتي قتلا في سبيلك بالطعن ~~والطاعون) . ### | 123 - # وسئل رضي الله عنه: عن الدرة ms269 الفاخرة هل هي موضوعة على الغزالي، وما فيها ~~من أن الشياطين يأتون المحتضر على صفة أبويه في زي يهود ونصارى، حتى يعرضوا ~~عليه كل ملة ليضلوه وهل يحضر جبريل المؤمن عند موته؟ فأجاب بقوله: ليست ~~موضوعة عليه فقد نسبها إليه الأكابر. نعم النسخ الموجودة منها الآن مشتملة ~~على ألفاظ ركيكة، وأشياء غير مستقيمة الإعراب، والظاهر أن ذلك من تغيير ~~النساخ لكثرة تداول أيدي العوام عليها، وقد نقل الحافظ ابن حجر عنها ما ليس ~~فيها الآن فدل على تحريفها. قال الحافظ السيوطي: لم يرد ذلك بل ما يقرب منه ~~وهو حديث أبي نعيم: (أحضروا موتاكم ولقنوهم لا إله إلا الله وبشروهم ~~بالجنة، فإن الحليم من الرجال والنساء يتحير عند ذلك المصرع، وإن الشيطان ~~أقرب ما يكون من ابن آدم عند ذلك المصرع) . وفي مرسل جيد الإسناد (وأقرب ما ~~يكون عدو الله من الإنسان ساعة طلوع روحه) . وأخرج الطبراني عن ميمونة بنت ~~سعد قالت: (قلت: يا رسول الله أينام الجنب؟ قال: ما أحب أن ينام الجنب حتى ~~يتوضأ إني أخاف أن يتوفى فلا يحضره جبريل) فدل هذا الحديث بمفهومه على أن ~~جبريل عليه الصلاة والسلام يحضر الموتى، وعلى أن الجنابة مانعة لحضوره دون ~~الحدث الأصغر، وفي حديث ضعيف جدا (أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم ~~قبيل وفاته: هذا آخر وطأتي في الأرض) ولو صح لم يعارض نزوله بعد لأن المنفي ~~نزوله بالوحي، فقد صحت الأحاديث أنه ينزل ليلة القدر، وعلى أنه ينزل على ~~عيسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم به كما اقتضاه ظاهر خبر مسلم. 124 وسئل ~~نفع الله بعلومه: عن الجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني اتخذ ~~عندك عهدا لا تخلفينه فإنما أنا بشر فأي المؤمنين آذيته أو سببته أو لعنته ~~أو جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة) . وصح ~~(أنه صلى الله عليه وسلم دفع إلى حفصة رجلا وقال: احتفظي به، فغفلت عنه ~~ومضى فقال لها صلى الله عليه وسلم: ms270 قطع الله يدك ففزعت، فقال: إني سألت ربي ~~تبارك وتعالى أيما إنسان من أمتي دعوت الله عليه أن يجعلها له مغفرة) وبين ~~قوله: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق اللهم عليه) فإنه ~~بالنظر للحديثين الأولين دعاء له لا عليه فينافي المراد؟ فأجاب بقوله: لا ~~منافاة لأن الأولين في الدعاء بغير سبب والأخير دعاء بسبب. وأيضا فالأولان ~~في دعاء على معين والأخير على مبهم، وقد صرح ابن القاضي وإمام الحرمين بأن ~~من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه يجوز له الدعاء على من شاء بغير سبب، ~~ويكون فيه من الفوائد ما أشار إليه في الحديثين الأولين. 125 وسئل نفع الله ~~به: عن حديث (أذيبوا طعامكم بذكر الله والصلاة، ولا تناموا عليه تغفل ~~قلوبكم) من رواه؟ فأجاب بقوله: رواه الطبراني في (الأوسط) وابن السني. 126 ~~وسئل نفع الله بعلومه: عن معنى قول الشيخ نجم الدين الكبير: إن الذكر يقطع ~~لقيمات الحرام؟ فأجاب بقوله: هو محمول على لقيمات يسيرة كما أفاده التصغير ~~يأكلها الإنسان في وقت غلبة الحرام على أهل الدنيا، كما في زماننا هذا فإن ~~ذلك يباح له شرعا، وقد قال ابن عبد السلام وغيره: لو عم الحرام الدنيا جاز ~~للمسلم # PageV01P118 # أن يأكل منه قدر القوت، كما يباح للمضطر أكل الميتة، وفي معناه قيل: لو ~~كانت الدنيا دما عبيطا لكان قوت المؤمن منها حلالا، ومع إباحته شرعا لا ~~يخلو عن إظلامه للقلب فالذكر ينوره بمحو تلك الظلمة كما أن الدواء يذهب ~~الأخلاط المتولدة من الغذاء المذموم ويقطعها {إن الحسنات يذهبن السيئات} ~~[هود: 114] . ### | 127 - # وسئل نفع الله به بما لفظه: روى البيهقي عن أبي الضحى عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما في قوله تعالى: {الله الذى خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ~~يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شىء قدير وأن الله قد أحاط بكل ~~شىء علما} [الطلاق: 12] قال: سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدمكم ~~ونوح كنوحكم وإبراهيم كإبراهيمكم وعيسى كعيساكم ثم صحح سنده ms271 إلا أن أبا ~~الضحى تفرد به عن ابن عباس. وحينئذ فهل هؤلاء إنس أو غيرهم متعبد بمثل ما ~~شرع لمثله ومقارن له في زمنه؟ فأجاب بقوله: صححه الحاكم أيضا، لكن ذكر ~~البيهقي في الشعب أنه شاذ المتن بالمرة. قال الحافظ السيوطي: وهذا الكلام ~~في غاية الحسن فإنه لا يلزم من صحة الإسناد صحة المتن لاحتمال صحة الإسناد ~~ويكون في المتن شذوذ أو علة تمنع صحته، وإذا تبين ضعف الحديث أغنى ذلك عن ~~تأويله لأن مثل هذا المقام لا تقبل فيه الأحاديث الضعيفة، ويمكن أن يؤول ~~على أن المراد بهم النذر الذين كانوا يبلغون الجن عن أنبياء البشر، ولا ~~يبعد أن يسمى كل منهم باسم النبي الذي بلغ عنه والله أعلم. ### | 128 - # وسئل نفع الله بعلومه، بما لفظه: أصلح الله السادة الأعلام القائمين ~~بشريعة سيد الأنام صلى الله عليه وعلى آله الكرام نفعنا الله بهم وبسلفهم، ~~وبمشايخهم على الدوام آمين يا رب العالمين: ما الحكمة في خصوصية الشرف من ~~ذرية سيدنا علي وفاطمة رضي الله عنهما دون سائر بنات النبي صلى الله عليه ~~وسلم؟ أجيبونا جوابا شافيا مفيدا مبسوطا يستفيد منه البليد، ويتملى منه ~~المستفيد، ولكم على الله جزيل الثواب وحسن المآب لا عدمكم المسلمون، ومما ~~يتعلق بهذا السؤال إذا ادعى مدع أنه من بعض فروع هذه الشجرة، وأنه من ~~العترة المطهرة، وليست له قرائن تدل على ذلك ولا دليل يدل على ما هنالك، ~~ومعنى القرائن المذكورة لزوم الآداب المرضية والأخلاق النبوية والأعراض ~~الزكية والصفات المحمدية والتخلق بكل خلق حسن، والتحلي بكل فعل جميل مدى ~~الزمن، والتحبب إلى جميع الخلق بما أمكن، فهذه الصفات المحمودة في جميع ~~العترة الطاهرة موجودة فإذا لم يوجد شيء من هذه الصفات وما ظهر إلا غيرها ~~من العكوسات، والوقوف مع الترهات، والوقوع في أعراض أهل العلم وحملة ~~القرآن، والخوض فيما لا يجوز لكل إنسان، والمعاندة لكل سالك، والحسد المؤدي ~~بصاحبه إلى المهالك، والسعي بالكلام المزور بين الأحباب في الله بما لا ~~يكون ولا يتصور، وغير ذلك ms272 مما ليس يمكن ذكره ولا يحصر، فهل يصدق المذكور ~~وهذه صفاته، أم كيف تتصور هذه النسبة، وقد ظهرت مخالفاته وهل تسلم له هذه ~~الدعوى، ولم يقم لها سند ضعيف ولا قوي؟ فبينوا لنا الجواب أعانكم الله على ~~البر والتقوى فإن هذه البلوى في هذا الزمن قد عمت قطر اليمن، وخبط فيها ~~الناس خبط عشواء، واتبعوا فيها الأهواء ولكم من الله الكريم جزيل ثوابه ~~العظيم وحسن مآبه الجسيم، ووابل عطائه العميم إنه جواد كريم غفور رحيم؟ . ~~فأجاب بقوله: الحكمة في ذلك والله أعلم ما اختصت به فاطمة رضوان الله عليها ~~من المزايا الكثيرة على أخواتها: منها ما ورد أن الله زوجها لعلي كرم الله ~~وجهه في السماء قبل أن يتزوجها في الأرض. ومنها: تمييزها عليهن بأنها سيدة ~~نساء أهل الجنة. ومنها: تمييزها عليهن بتسميتها بالزهراء إما لعدم كونها لا ~~تحيض من غير علة فكانت كنساء الجنة، وإما كونها على ألوان نساء الجنة أو ~~لغير ذلك، فهذه المذكورات ونحوهما مما امتازت به من الفضائل لا يبعد أن ~~تكون هي الحكمة في بقاء نسلها في العالم أمنا له من عموم الفتن والمحن، كما ~~أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم بذلك بأنهم في ذلك كالقرآن بقوله: ~~(إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي لن تضلوا ما استمسكتم بهما أبدا) ~~وأما الشرف الناشىء عما فيهم من البضعة الكريمة فلا يختص بأولاد فاطمة، فقد ~~صرح المحققون بأنه لو عاش نسل زينب من أبي العاص، أو رقية وأم كلثوم من ~~عثمان رضي الله عنهم لكان لهما من الشرف والسيادة ما لنسل فاطمة رضي الله ~~عنها. ثم إذا تقرر ذلك فمن علمت نسبته إلى آل البيت النبوي والسر العلوي لا ~~يخرجه عن ذلك عظيم جنايته ولا عدم ديانته وصيانته، ومن ثم قال بعض ~~المحققين: ما مثال الشريف الزاني أو الشارب أو السارق مثلا إذا أقمنا عليه ~~الحد إلا كأمير أو سلطان تلطخت رجلاه بقذر فغسله عنهما بعض # PageV01P119 # خدمته، ولقد بر في هذا المثال وحقق، وليتأمل قول الناس ms273 في أمثالهم: الولد ~~العاق لا يحرم الميراث، نعم الكفر إن فرض وقوعه لأحد من أهل البيت والعياذ ~~بالله، هو الذي يقطع النسبة بين من وقع منه وبين شرفه صلى الله عليه وسلم، ~~وإنما قلت إن فرض لأنني أكاد أن أجزم أن حقيقة الكفر لا تقع ممن علم اتصال ~~نسبه الصحيح بتلك البضعة الكريمة حاشاهم الله من ذلك، وقد أحال بعضهم وقوع ~~نحو الزنا أو اللواط ممن علم شرفه فما ظنك بالكفر، هذا كله فيمن علم شرفه ~~كما تقرر، وأما من يشك في شرفه فإن ثبت نسبه بوجه شرعي وجب على كل أحد ~~تعظيمه بما فيه من الشرف والإنكار على ما فيه من الخلال التي تنكر شرعا، ~~لما تقرر أنه لا يلزم من الشرف عدم الفسق، وإن لم يثبت نسبه شرعا، وادعاه ~~ولم يعلم كذبه تعين التوقف عن تكذيبه، لأن الناس مأمونون على أنسابهم ~~فليسلم له حاله، ولا ينبغي للإنسان أن يتحسى سما وهو قادر على السلامة، ~~وإذا كان المنسوبون لرجل صالح يتوقاهم الناس ويعظمونهم لأجل ذلك، فما بالك ~~بالمنسوبين إلى سيد الخلق كلهم صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم، وحشرنا في ~~زمرة محبيه ومحيي آله وأصحابه آمين. ### | 129 - # وسئل نفع الله به: هل تنام الملائكة؟ فأجاب بقوله: ظاهر قوله تعالى: {لا ~~يفترون} [الأنبياء: 20] أنهم لا ينامون بالفعل / وقد أخرج ابن عساكر أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال: (إن الملائكة قالوا: ربنا خلقتنا وخلقت بني آدم ~~فجعلتهم يأكلون الطعام ويشربون الشراب، ويلبسون الثياب، ويأتون النساء، ~~ويركبون الدواب، وينامون ويستريحون، ولم تجعل لنا من ذلك شيئا فاجعل اللهم ~~لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ فقال عز وجل: لا أجعل من خلقت بيدي ونفخت فيه من ~~روحي كمن قلت له كن فكان، وهذا الحديث من الأدلة الصريحة على تفضيل جنس ~~البشر على جنس الملك كما هو مذهب أهل السنة. 130 وسئل نفع الله به: هل ورد ~~(اللهم إني أسألك بنور وجهك الذي أشرقت به السموات والأرض أن تجعلني في ~~حرزك وحفظك وجوارك وتحت كنفك) . فأجاب ms274 بقوله: أخرجه الطبراني عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما موقوفا عليه. 131 وسئل نفع الله به: هل يدفع الذكر البلاء ~~كالصدقة؟ فأجاب بقوله: نعم: كما صرحت به الأحاديث التي لا تحصى في أذكار ~~مخصوصة، من قالها عصم من البلاء ومن الشيطان ومن الضرر ومن السم ومن لدغة ~~العقرب ومن أن يصيبه شيء يكرهه كما في (أذكار) النووي رحمه الله وغيره. # وصح في (لا حول ولا قوة إلا بالله أنها تدفع سبعين بابا من الضر أدناها ~~الفقر) وفي رواية: (أدناها الهم) وصح: (لا يرد القدر إلا الدعاء) (الدعاء ~~ينفع مما نزل وما لم ينزل وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى ~~يوم القيامة) . وأخرج أبو داود وغيره أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من لزم ~~الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا ~~يحتسب) . 132 وسئل نفع الله به: عن حديث (من قال أنا عالم فهو جاهل) من ~~رواه؟ فأجاب بقوله: هذا إنما يعرف على ضعف في سنده من كلام بعض صغار ~~التابعين وهو يحيى بن كثير ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال ~~الحفاظ: وهم على أن رافعه لم يجزم برفعه وعلى أنه ضعيف مختلط فلا حجة في ~~حديثه كما بينه الحفاظ وأطالوا القول فيه، فحديثه هذا في حكم الموضوع غير ~~أنه لم يتعمد وضعه وإنما كان غلطا. # والحاصل أن الموضوع إما أن يتعمد وهو شأن الكاذبين وإما لغير تعمد وهذا ~~شأن المتهمين والمضطربين في الحديث كما حكم الحفاظ بالوضع على حديث في (سنن ~~ابن ماجه) وهو (من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار) فإنهم أطبقوا على ~~أنه موضوع، وقد ثبت عن كثير من الصحابة ومن لا يحصى ممن بعدهم قول كل منهم ~~أنا عالم وما كانوا ليقعوا في شيء ذمه النبي صلى الله عليه وسلم، وأبلغ من ~~ذلك قول نبي الله يوسف عليه السلام: {قال اجعلنى علىاخزآئن الأرض إنى حفيظ ~~عليم} [يوسف: 55] كما حكاه الله عنه. ### | 133 - # وسئل فسح الله ms275 في مدته: عن أولادزينب بنت فاطمة الزهراء من ابن عمها عبد ~~الله بن جعفر رضي الله عنهم موجودون بكثرة، فهل يثبت لهم حكم أولاد أخويها ~~الحسن والحسين رضي الله عنهما، وما الفرق مع أن من خصوصياته صلى الله عليه ~~وسلم أن أولاد بناته ينسبون إليه؟ فأجاب بقوله: من الواضح أن يثبت لهم ~~حكمهم من كونهم من الآل وأهل البيت ومن ذريته صلى الله عليه وسلم وأولاده ~~إجماعا، ومع ذلك لا ينسبون إليه أخذا من فرق الفقهاء بين ولد الرجل ومن ~~ينسب إليه في نحو وقفت على أولادي فيدخل ولد البنت لأنه يسمى ولدا، ونحو ~~وقفت على من ينسب إلي فلا يدخل لأنه لا ينسب لجده بل ينسب لأبيه، والذي ~~ذكروه أن من خصائصه صلى # PageV01P120 # الله عليه وسلم أن أولاد بناته ينسبون إليه ولم يذكروا بذلك في أولاد ~~بنات بناته، فالخصوصية للطبقة العليا فقط فأولاد فاطمة الأربع أم كلثوم ~~زوجة عمر ولدت منه زيدا ورقية، ثم تزوجت بعده ولد عمها ابن جعفر، فولدت له ~~ثلاثة عون فمحمد فعبد الله ولم يلد لأحد منهم، وزينب التي الكلام فيها ~~والحسن والحسين فهؤلاء الأربعة ينسبون إليه صلى الله عليه وسلم، وأولاد ~~الحسن والحسين ينسبون إليهما فينسبون إليه بخلاف أولاد زينب وأم كلثوم ~~فإنهم إنما ينسبون إلى أبويهما عمر وعبد الله لا إلى الأم ولا إلى جدهما ~~عملا بقاعدة الشرع إن الولد يتبع أباه في النسب لا أمه، وإنما خرج أولاد ~~فاطمة وحدها خصوصية لهم وذلك مقصور على ذرية الحسن والحسين كما يدل له حديث ~~الحاكم (لكل بني أم عصبة إلا ابني فاطمة فأنا وليهما وعصبتهما) فخص ~~الانتساب والتعصيب بهما دون أختيهما، ولهذا جرى الخلف كالسلف على أن ابن ~~الشريفة من غير شريف غير شريف، ولو عمت الخصوصية أن ابن كل شريفة شريف تحرم ~~عليه الصدقة وليس كذلك، ولا يختص ذلك بالحسن والحسين إلا لانحصار الأمر ~~فيهما وإلا لو فرض إدخال زينب، وأعقبت ذكرا كان مثلها وإن لم يكن أبوه ~~شريفا هاشميا لأن الشرف لم ms276 يأت إليهما إلا من جهته صلى الله عليه وسلم لا ~~غيره. واعلم أن اسم الشريف كان يطلق في الصدر الأول على من كان من أهل ~~البيت ولو عباسيا أو عقيليا، ومنه قول المؤرخين: الشريف العباسي، الشريف ~~الزينبي؛ فلما ولى الفاطميون بمصر قصروا الشرف على ذرية الحسن والحسين فقط ~~واستمر ذلك إلى الآن. # وأما العلامة الخضراء فلا أصل لها وإنما حدثت سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة ~~بأمر الملك شعبان بن حسن، وقال فيها الشعراء ما يطول ذكره، ومنه قول ابن ~~جابر الأندلسي شارح الألفية المشهور بالأعمى والبصير: جعلوا لأبناء الرسول ~~علامة إن العلامة شأن من لم يشهر نور النبؤة في وسيم وجوههم يغني الشريف ~~على الطراز الأخضر فإذا كانت حادثة فلا يؤمر بها الشريف ولا ينهى عنها غيره ~~على ما قاله الجلال السيوطي. قال: لأن الناس مضبوطون بأنسابهم وليس العلامة ~~مما ورد بها الشرع فينبغي إباحة وضعها أقصى ما في الباب أنه حدث التمييز ~~بها لهؤلاء وقد يستأنس لها بقوله تعالى: {يدنين عليهن من جلابيبهن ذالك ~~أدنىاأن يعرفن فلا يؤذين} [الأحزاب: 59] وقد استدل بها بعض العلماء على ~~تخصيص أهل العلم بلباس يختصون به من تطويل الأكمام وإدارة الطيلسان ونحو ~~ذلك ليعرفوا فيبجلوا تكريما للعلم، وهذا وجه حسن انتهى. # ولا يدخل غير ذرية الحسن والحسين في الوقف على الأشراف والوصية لهم، لأن ~~الوقف والوصية منوطان بعرف البلد وعرف مصر ونحوها اختصاصهم بذرية الحسن ~~والحسين لا غير. ### | 134 - # وسئل نفع الله به: عن حديث (من تبسم في وجه غريب ضحك الله في وجهه يوم ~~القيامة) من رواه؟ فأجاب بقوله: رواه الديلمي. وروى أيضا: (الغريب إذا مرض ~~حين ينظر عن يمينه وعن شماله وعن أمامه وعن خلفه فلا يرى أحدا غفر الله له ~~ما تقدم من ذنبه) ورواه ابن النجار، وأخرجه الطبراني بزيادة (أن له بكل نفس ~~تنفس يمحو الله عنه ألفي ألف سيئة ويكتب له ألفي ألف حسنة) لكن في سنده ~~متروك. ### | 135 - # وسئل نفع الله بعلومه: إن الإسلام بدا غريبا وسيعود كما بدا ms277 غريبا ألا لا ~~غربة على مؤمن، ما مات مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه إلا بكت عليه ~~السماء والأرض ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فما بكت عليهم السمآء ~~والأرض} [الدخان: 29] وأعرض، ثم قال: إنهما لا يبكيان على كافر) من رواه؟ ~~فأجاب بقوله: رواه ابن جرير، وابن أبي الدنيا. ### | 136 - # وسئل رضي الله عنه: عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: التوكؤ على ~~العصا من أخلاق الأنبياء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتوكأ عليهما. من ~~رواه؟ فأجاب بقوله: رواه ابن عدي. وروى الديلمي بسنده حديث (حمل العصا ~~علامة المؤمن وسنة الأنبياء) وروى أيضا حديث: (كانت الأنبياء يفتخرون بها ~~تواضعا لله عز وجل) . وأخرج البزار والطبراني بسند ضعيف حديث (إن أنا اتخذ ~~العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم) . وأخرج ابن ماجه: (خرج إلينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو متوكىء على عصاه) . ### | 137 - # وسئل نفع الله به: عن حديث (ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة ولا الآخرة ~~للدنيا ولكن خيركم من أخذ من هذه لهذه) من رواه؟ فأجاب بقوله: رواه ابن ~~عساكر والديلمي بلفظ (ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه حتى ~~يصيب منهما جميعا فإن الدنيا بلاغ إلى الآخرة ولا # PageV01P121 # تكونوا كلا على الناس) وأخرجه الخطيب في (تاريخه) ، والديلمي من وجه آخر ~~وأبو نعيم في (الحلية) . ### | 138 - # وسئل نفع الله به: عن حديث (من مات من أمتي وهو يعمل عمل قوم لوط نقله ~~الله تعالى إليهم حتى يحشره معهم) من رواه؟ فأجاب بقوله: رواه الخطيب في ~~(تاريخه) وفيه رجل منكر الحديث، لكن له شاهد أخرجه ابن عساكر عن وكيع قال: ~~سمعنا في حديث (من مات وهو يعمل عمل قوم لوط سار به قبره حتى يصير معهم ~~ويحشر يوم القيامة معهم) . 139 وسئل نفع الله به: عن حديث: (يمسخ اللوطي في ~~قبره خنزيرا) من رواه؟ فأجاب بقوله: رواه أبو الفتح الأزدي في كتاب ~~(الضعفاء) وابن الجوزي من طريق بسند واه. 140 وسئل رضي الله ms278 عنه: عن حديث: ~~(أطعمني جبريل الهريسة أشد بها ظهري لقيام الليل) من رواه؟ فأجاب بقوله: ~~رواه ابن السني وأبو نعيم والخطيب بسند فيه كذاب، ومن ثم أخرجه ابن الجوزي ~~في (الموضوعات) . ### | 141 - # وسئل عفا الله عنه: عن حديث (نعم الطعام الزبيب يشد العصب ويذهب الوصب ~~ويطفىء الغضب ويذهب بالبلغم ويصفي اللون ويطيب النكهة) من رواه؟ فأجاب ~~بقوله: أخرجه ابن السني وأبو نعيم وابن حبان في (الضعفاء) والخطيب وفي سنده ~~متروك. قال ابن حبان: لا أدري البلية منه أو من أبيه أو من جده؟ . ### | 142 - # وسئل نفع الله به وبعلومه: عن حديث (ما للنفساء عندي شفاء مثل الرطب، ولا ~~للمريض مثل العسل) من أخرجه؟ فأجاب بقوله: أخرجه أبو نعيم بسند فيه متروك. ~~143 وسئل نفع الله به: عن حديث (أطعموا نساءكم في نفاسهن التمر فإن من كان ~~طعامها في نفاسها التمر كان ولدها حليما) من رواه؟ فأجاب بقوله: رواه ابن ~~عبد الله بن منذر بسند فيه كذاب، ومن ثم أورده ابن الجوزي في (الموضوعات) . ~~144 وسئل نفع الله به: عن حديث (أطعموا حبالاكم اللبان فإن يكن في بطنها ~~ذكر يكن ذكي القلب وإن تكن أثنى حسن خلقها وتعظم عجيزتها) من أخرجه؟ فأجاب ~~بقوله: أخرجه أبو نعيم في الطب. ### | 145 - # وسئل نفع الله به: عن حديث أبي طلحة (دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ~~وفي يده سفرجلة، فرمى بها إلي وقال: دونكها أبا محمد فإنها تجم الفؤاد) وفي ~~لفظ: (إنها تشد القلب وتطيب النفس وتذهب بطخاء البدن) من أخرجه؟ فأجاب ~~بقوله: أخرجه الطبراني والحاكم وأبو نعيم. وأخرج ابن السني وأبو نعيم: ~~(أهديت له صلى الله عليه وسلم سفرجلة من الطائف فأكلها وقال: كلوه فإنه ~~يجلو عن الفؤاد ويذهب طخاء الصدر) وفي رواية (فإنه على الريق يذهب وغر ~~الصدر) . 146 وسئل نفع الله به: عن الحديث في المخضوب (أنه لا يسئل لأن نور ~~الإسلام عليه) من رواه؟ فأجاب بقوله: هو موضوع. 147 وسئل نفع الله به: عن ~~حديث (إن الرجل ليكون من ms279 أهل الصلاة والصيام ولا يجزي إلا على قدر عقله) من ~~رواه؟ فأجاب بقوله: رواه جماعة بسند ضعيف. ### | 148 - # وسئل نفع الله به: عن حديث (من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار) من ~~رواه؟ فأجاب بقوله: رواه كثيرون وصححه الضياء في (المختارة) ، وفي رواية: ~~يصب عليه العذاب وفي أخرى يصوب رأسه في النار وفي أخرى من قطع (يصب عليه ~~العذاب صبا) وفي أخرى (أخرج فأذن في الناس من الله لا من رسوله لعن الله ~~قاطع السدر) وفي رواية: (أن ذلك كان في مرضه صلى الله عليه وسلم الذي مات ~~فيه) والأحاديث في ذلك كثيرة وهي مؤولة عند العلماء لإجماعهم على جواز ~~قطعه. قال بعض السلف: محلها سدر الحرم، وقال أبو داود في قطع سدرة في فلاة ~~يستظل بها ابن السبيل والبهائم عبثا وظلما بغير حق له فيها، ويؤيده أن ~~الشافعي رضي الله عنه سئل عن قطعه فقال: لا بأس به، وأن عروة بن الزبير ~~راوي الحديث كان يقطعه من أرضه، وحمله آخرون على سدر يتيم أو نحوه مما قطع ~~ظلما أو عدوانا ورجح التأويل الأول أعني حمله على سدر الحرم بأنه وقع في ~~رواية الطبراني. ### | 149 - # وسئل نفع الله به: عن جيب قميص النبي صلى الله عليه وسلم: أي طوقه كان ~~على أي كيفية هل هو على صورته المعتادة بمصر ونحوها أو على كتفيه كما يفعله ~~المغاربة، ورجح بأنه السنة، والأول شعار اليهود. فأجاب بقوله: الذي صرح به ~~في (فتح الباري) وتبعه الجلال السيوطي هو الأول. فإن البخاري قال: باب جيب ~~القميص من عند الصدر وغيره، وأورد فيه حديث الجيبين في مثل المتصدق ~~والبخيل، وفيه يقول بأصبعه هكذا في جيبه. قال في (فتح الباري) : الظاهر أنه ~~كان لابس قميص وكان في طوقه فتحة في صدره. قال: بل استدل به ابن بطال على ~~أن الجيب في ثياب السلف كان # PageV01P122 # عند الصدر. قال: وموضع الدلالة منه أن البخيل إذا أراد أن يخرج يده أمسكت ~~في الموضع الذي ضاق عليها وهو الثدي والتراقي، ms280 وذلك في الصدر قال: فبان أن ~~جيبه كان في صدره لأنه لو كان في غيره لم تضطر يداه إلى ثديه وتراقيه. قال ~~الحافظ ابن حجر: وفي حديث قرة بن إياس وسنده صحيح لما بايع صلى الله عليه ~~وسلم قال: (فأدخلت يدي في جيب قميصه فمسست الخاتم، ما يقتضي أن جيبه كان في ~~صدره لأن في أول الحديث أنه رآه مطلق القميص أو غير مزرور انتهى. وفي حديث ~~الطبراني: (أنه نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا إزاره محلولة، فزرها ~~صلى الله عليه وسلم بيده ثم قال: اجمع عطفي ردائك على نحرك) . وأخرج ابن ~~أبي حاتم في (تفسيره) عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: {وليضربن بخمرهن ~~علىاجيوبهن} [النور: 31] يعني على النحر والصدر فلا يرى منه شيء، وهذان ~~يدلان على ما مر أيضا. ويدل له أيضا الحديث الصحيح عن سلمة بن الأكوع قال: ~~(يا رسول الله إني رجل أصيد أفأصلي في القميص الواحد. قال: نعم، وأزرره ولو ~~بشوكة) وزعم أن ذلك شعار اليهود ليس في محله، وقد قال الجلال السيوطي: لم ~~أقف في كلام أحد من العلماء على ذلك. 150 وسئل رضي الله عنه: عن حديث (يا ~~علي سألت الله أن يقدمك فأبى إلا أبا بكر) من رواه؟ فأجاب بقوله: رواه ~~جماعة بسند ضعيف. ### | 151 - # وسئل نفع الله به: عن حديث (مر رجل فقالوا هذا مجنون، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: المجنون المقيم على معصيته ولكن قولوا مصاب) من أخرجه؟ ~~فأجاب بقوله: أخرجه عامر في (فوائده) ، وأبو بكر الشافعي في (الغيلانيات) . ~~152 وسئل رضي الله عنه: عن حديث (إن الله يوكل بآكل الخل ملكين يستغفران له ~~حتى يفرغ) من أخرجه؟ فأجاب بقوله: أخرجه ابن عساكر والديلمي وفيه مدلس. ### | 153 - # وسئل نفع الله بعلومه: بما لفظه (استوصوا بالمعز خيرا فإنها مال رقيق وهو ~~في الجنة، وأحب المال إلى الله الضأن، وعليكم بالبياض فإن الله خلق الجنة ~~بيضاء فليلبسه خياركم وكفنوا فيه موتاكم، وإن دم الشاة البيضاء أعظم عند ~~الله ms281 من دم السوداء) من رواه؟ فأجاب بقوله: رواه الطبراني. ### | 154 - # وسئل نفع الله به: عن حديث (من عمل في فرقة بين امرأة وزوجها كان في غضب ~~الله ولعنته في الدنيا والآخرة، وكان حقا على الله أن يضربه بصخرة من نار ~~جهنم إلا أن يتوب) من رواه؟ فأجاب بقوله: رواه الدارقطني في (الإفراد) . ### | 155 - # وسئل نفع الله به: عن حديث (أنا مدينة العلم وعلي بابها) من رواه؟ فأجاب ~~بقوله: رواه جماعة، وصححه الحاكم، وحسنه الحافظان العلائي وابن حجر. ### | 156 - # وسئل نفع الله به: عن حديث (إن الله لينظر كل يوم إلى الغريب ألف نظرة. ~~وحديث: (ارحموا اليتامى وأكرموا الغرباء فإني كنت في الصغر يتيما وفي الكبر ~~غريبا) . وحديث: (مسألة الناس من الفواحش) وحديث (اللهم لا تحوجني إلى أحد ~~من خلقك) . وحديث: (من خرج في سفر ومعه عصا أمنه الله من كل سبع ضار إلخ، ~~ومن بلغ أربعين سنة عد له ذلك من الكبر والعجب) . وحديث: (يؤتى يوم القيامة ~~بأطفال ليس لهم رؤوس، فيقول الله تعالى لهم: من أنتم؟ فيقولون: نحن ~~المظلومون، فيقول: من ظلمكم؟ فيقولون: آباؤنا كانوا يأتون الذكران من ~~العالمين فألقونا في الأدبار، فيقول الله: سوقوهم إلى النار، واكتبوا على ~~جباههم آيسين من رحمة الله) . وحديث: (من مشى في تزويج امرأة حلالا يجمع ~~بينهما رزقه الله تعالى امرأة من الحور العين) الحديث بطوله. وحديث: (إذا ~~غسلت المرأة ثياب زوجها كتب الله لها ألفي حسنة، وغفر لها ألفي سيئة، ~~واستغفر لها كل شيء طلعت عليه الشمس، ورفع لها ألفي درجة. وقالت عائشة رضي ~~الله عنها: ضرس مغرل المرأة يعدل التكبير في سبيل الله والتكبير في سبيل ~~الله أثقل من السموات والأرض، وأيما امرأة كست زوجها من غزلها كان لها بكل ~~سدى ولحمة مائة ألف حسنة) . وحديث: (من اشترى لعياله شيئا ثم حمله بيده ~~إليهم حط الله عنه ذنب سبعين سنة) . وحديث: (من فرح أثنى فكأنما بكى من ~~خشية الله) وحديث: (البيت الذي فيه البنات ينزل فيه كل يوم اثنتا عشرة رحمة ms282 ~~من السماء ولا تقطع زيارة الملائكة من ذلك البيت يكتبون لأبويها كل يوم ~~وليلة عبادة سنة) . وحديث: (عليكم بأكل التلس فإنه يقطع عرق الجذام ألا وهو ~~التين) . وحديث: (سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم إبليس عن ضجيعه فقال ~~السكران، وعن جليسه فقال: الذي يؤخر الصلاة عن وقتها، وعن ضيفه فقال ~~السارق: وعن أنيسه فقال الشاعر إلخ) . وحديث جبريل: (إن الله لما خلق آدم ~~وأدخل الروح في جسده أمرني أن آخد تفاحة فأعصرها # PageV01P123 # في حلقه فعصرتها فخلقك الله يا محمد من القطرة الأولى ومن الثانية أبا ~~بكر إلخ) . وحديث: (أول من جذع من الشيب إبراهيم حين رآه في عارضه فقال: ~~(يا رب ما هده الشوهة التي شوهت خليلك: فأوحى الله تعالى إليه: هذا سربال ~~الوقار ونور الإسلام، وعزتي وجلالي ما ألبسته أحدا من خلقي يشهد أن لا إله ~~إلا أنا وحدي لا شريك لي إلا استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزانا، ~~وأنشر له ديوانا وأعذبه بالنار، فقال: يا رب زدني وقارا فأصبح ورأسه مثل ~~الغمامة البيضاء) وحديث: (اختضبوا فإن الملائكة يتسبشرون بخضاب المؤمن) . ~~وحديث: (من أمر المشط على حاجبه عوفي من الوباء) . وحديث: (عليكم بالمشط ~~فإنه يذهب الفقر، ومن سرح لحيته حين يصبح كان له أمانا حتى يمسي لأن اللحية ~~زين الرجال وحمال الوجه) . وحديث: (لكل شيء آلة وآلة المؤمن العقل ولكل شيء ~~دعامة، ودعامة المؤمن العقل، ولكل قوم غاية وغاية العباد العقل إلخ) . ~~وحديث: (من أكل اليقطين بالعدس رق قلبه) . وحديث: (إن لله مدينة تحت العرش ~~من مسك أذفر على بابها ملك ينادي كل يوم ألا من زار عالما فقد زار الرب ومن ~~زار الرب فله الجنة) . وحديث: (من أحب أن ينظر إلى عتقاء الله من النار ~~فلينظر إلى المتعلمين إلخ) . وحديث: (من خاض في العلم يوم الجمعة فكأنما ~~أعتق سبعين ألف رقبة وكأنما تصدق بألف دينار وكأنما حج أربعين ألف حجة) . ~~وحديث العباس: (أنه أحدق النظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل ~~من ms283 حاجة؟ فقال: لما أرضعتك حليمة وأنت ابن أربعين يوما رأيتك تخاطب القمر، ~~ويخاطبك بلغة لم أفهمها) الحديث بطوله، وأحاديث الورد الأحمر. وحديث: (كل ~~شيء أخرجته الأرض فيه شفاء وداء إلا الأرز فإنه شفاء لا داء فيه) . وحديث: ~~(ما صب الله في صدري شيئا إلا صببته في صدر أبي بكر) . وحديث: (أطعم صلى ~~الله عليه وسلم أصحابه لقمة لقمة وقال سيد القوم خادمهم) . وحديث: (رأيت ~~حمزة وجعفر بن أبي طالب في المنام وكان بين أيديهما طبق فيه نبق كالزبرجد ~~إلخ) . وحديث: (مروره صلى الله عليه وسلم بعزرائيل، وقوله: (إن الله وكلني ~~بقبض أرواح الخلق ما خلا روحك وروح ابن عمك علي) . وحديث: (ألقى طائر لوزة ~~خضراء مكتوبا عليها بالأصفر لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نصرته بعلي) . وحديث: (يا علي تختم بالعقيق الأحمر فإنه جبل أقر لله ~~بالوحدانية ولي بالنبوة ولك بالوصية ولأولادك بالإمامة ولمحبك بالجنة) . ~~وحديث: (نزول جبريل بطبق تفاح وأنه صلى الله عليه وسلم فرقه على أصحابه ~~ومكتوب على كل اسم من يعطى له) . وحديث: (تزويج علي بفاطمة رضي الله عنهما ~~بكيفيات من اجتماع الملائكة ونثر طوبى عليهم الدر والياقوت وتزخرف الجنان ~~وتزين الحور ونزول الملائكة ورقص الحور وغناء الطيور) . فأجاب بقوله: هذه ~~الأحاديث كلها كذب موضوعة لا يحمل رواية شيء منها إلا لبيان أنها كذب مفترى ~~على النبي صلى الله عليه وسلم كما أفاد ذلك الحافظ السيوطي شكر الله سعيه. ### | 157 - # وسئل رضي الله عنه: هل جاء أن الزامر يأتي يوم القيامة بمزماره، وأن ~~السكران يأتي بقدحه، وأن المؤذن يأتي يؤذن، وهكذا كل من مات على شيء يأتي ~~عليه؟ فأجاب بقوله: نعم ورد ما يقتضي ذلك، وورد التصريح به بأفراد منه ونص ~~عليه العلماء. وأخرج مسلم: (يبعث كل عبد على ما مات عليه) . والبيهقي: (من ~~مات على مرتبة من هذه المراتب بعث عليها يوم القيامة) وعليه حمل العلماء ~~خبر (يبعث الميت في ثيابه التي مات فيها) أي في أعماله التي يموت عليها من ms284 ~~خير أو شر، وصح (إن المجروح في سبيل الله يأتي يوم القيامة وجرحه يشغب دما) ~~. (وإن الميت محرما يبعث ملبيا) . وورد بسند ضعيف لكن له شواهد (أن الملبين ~~والمؤذنين يخرجون من قبورهم يؤذن المؤذن ويلبي الملبي) . وبسند واه: (من ~~فارق الدنيا وهو سكران دخل القبر سكران وبعث من قبره سكران) وفي (كشف علوم ~~الآخرة) للغزالي: يبعث السكران سكران يوم القيامة، والزامر زامرا، وشارب ~~الخمر والكوز معلق في عنقه، وكل أحد على الحال الذي صده في الدنيا عن سبيل ~~الله. قال الحافظ السيوطي بعد ذكره جميع ما مر: وفي هذا الكلام إشارة إلى ~~تخصيص الحديث السابق بأن الحالة التي يأتي عليها في الآخرة مما كان عليه في ~~الدنيا المراد بها حالة الطاعة أو المعصية بخلاف المباحات فلا يأتي النجار ~~بآلته والبناء ونحو ذلك إلا إن استعملوها فيما لا يجوز شرعا، والله أعلم. ### | 158 - # وسئل نفع الله به: ما معنى حديث الطبراني عن أم سلمة رضي الله عنها: ~~(قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله تعالى: {وحور عين} [الواقعة: 22] ؟ ~~قال: حور بيض # PageV01P124 # ضخام العيون شفر الحوراء بمنزلة جناح النسر) . فأجاب بقوله: الشفر بالفاء ~~مضاف للحوراء وهو هدب العين مشبه بجناح النسر في الطول المناسب ذلك لضخامة ~~العيون. ويؤيده رواية ابن أبي الدنيا (شفر المرأة من الحور العين أطول من ~~جناح النسر) وصحف ذلك بعضهم فقال: إنه بالقاف والحوراء بالرفع وزعم أنه ~~استعارة يعني أن الحوراء بمنزلة جناح النسر في السرعة والطيران والخفة، وهو ~~مع كونه تصحيفا لا يللائم المقام. ### | 159 - # وسئل نفع الله به: ما معنى (ذبح الموت إذا استقر أهل الجنة في الجنة وأهل ~~النار في النار) مع أنه عرض عندنا أو عدم محض عند المعتزلة وعليهما فهو لا ~~يمكن أن يكون جسما؟ فأجاب بقوله: نظر لذلك طائفة ضعفاء العقول فأنكروا ~~لأجله الحديث، وأجاب المحققون عن ذلك بأن هذا من باب التمثيل البليغ، وبأنه ~~يجوز أن يخلق الله تعالى هذا الجسم ثم يذبح ثم يجعل مثالا لأن الموت لا ~~يطرأ ms285 على أهل الجنة. وقال القرطبي: يجوز أن يخلق الله كبشا يسميه الموت ~~ويلقي في قلوب الفريقين أن هذا الموت يكون ذبحه دليلا على الخلود في ~~الدارين. وقال غيره: لا مانع أن ينشىء الله من الأعراض أجساما يجعلها مادة ~~لها. كما ثبت في حديث مسلم (إن البقرة وآل عمران تجيئان كأنهما غمامتان) ~~ونحو ذلك من الأحاديث، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | 160 - # وسئل نفع الله به: عن معنى: (فرح أهل الجنة بذبح الموت) مع علمهم من ~~أنبيائهم وكتبهم أنهم لا يموتون؟ فأجاب بقوله: ورد في بعض طرق الحديث عند ~~ابن حبان أنهم يطلعون خائفين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه، وفسر بأنه ~~خوف توهم لا يستقر، ولا ينافي ذلك تقدم علمهم بأنه لا موت في الآخرة لأن ~~التوهمات تطرأ على المعلومات ثم لا تستقر فكان بذلك فرحهم. وأجيب أيضا بأن ~~عين اليقين أقوى من علم اليقين فمشاهدتهم ذبح الموت أقوى وأشد في إنتفائه ~~من تقدم علمهم إذ العيان أقوى من الخبر. ### | 161 - # وسئل نفع الله بعلومه: عن معمر المغربي ورتن الهندي المدعيين أنهما من ~~الصحابة هل لذلك صحة؟ فأجاب بقوله: لا صحة لذلك كما بينته أئمة الحديث منهم ~~الذهبي في الميزان وشيخ الإسلام الحافظ ابن حجر في (الإصابة) وأفتى به غير ~~مرة، وقد ذكر أهل الحديث وغيرهم أن من ادعى الصحبة بعد مضي مائة سنة من ~~وفاته صلى الله عليه وسلم فهو كاذب، وإن آخر الصحابة موتاكما في مسلم واتفق ~~عليه العلماء أبو الطفيل مات سنة عشرة ومائة من الهجرة. ### | 162 - # وسئل نفع الله به وبعلومه: عما وقع في (تهذيب النووي) : وأما ما روي عن ~~بعض المتقدمين لو عاش إبراهيم لكان نبيا فباطل، وجسارة على الكلام على ~~المغيبات، ومجازفة وهجوم على عظيم فهل ما قاله صحيح؟ فأجاب بقوله رحمه ~~الله: قد تعجب منه شيخ الإسلام في (الإصابة) وقال: إنه ورد عن ثلاث من ~~الصحابة ولا يظن بالصحابي أنه هجم على مثل هذا بظنه، وبين الحافظ السيوطي ~~أنه صح عن أنس رضي ms286 الله عنه (أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ابنه ~~إبراهيم قال: لا أدري رحمة الله على إبراهيم لو عاش لكان صديقا نبيا) . وفي ~~رواية عن أنس أنه رفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ورواه ابن منده ~~والبيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم. ورواه ابن عساكر عن ~~جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج أيضا وقال فيه من ليس بالقوي عن ~~علي بن أبي طالب: (لما توفى إبراهيم أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمه ~~مارية فجاءته وغسلته وكفنته وخرج به وخرج الناس معه فدفنه، وأدخل صلى الله ~~عليه وسلم يده في قبره فقال: أما والله إنه لنبي ابن نبي وبكى وبكى ~~المسلمون حوله حتى ارتفع الصوت، ثم قال صلى الله عليه وسلم: تدمع العين ~~ويحزن القلب ولا نقول ما يغضب الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون) . وروى ~~أبو داود: (أنه مات وعمره ثمانية عشر شهرا فلم يصل عليه صلى الله عليه ~~وسلم) صححه ابن حزم. قال الزركشي: اعتل من سلم ترك الصلاة عليه بعلل: منها: ~~أنه استغنى بفضيلة أبيه عن الصلاة كما استغنى الشهيد بفضيلة الشهادة، ~~ومنها: أنه لا يصلي نبي على نبي، وقد جاء (لو عاش لكان نبينا) انتهى. ولا ~~بعد في إثبات النبوة له مع صغره لأنه كعيسى القائل يوم ولد: {تكاد السماوات ~~يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا} [مريم: 90] . وكيحيى الذي قال ~~تعالى فيه: {فخرج علىاقومه من المحراب فأوحىاإليهم أن سبحوا بكرة وعشيا} ~~[مريم: 11] قال المفسرون: نبىء وعمره ثلاث سنين واحتمال نزول جبريل بوحي ~~لعيسى أو يحيى يجري في إبراهيم، ويرجحه أنه صلى الله عليه وسلم صومه يوم ~~عاشوراء وعمره ثمانية أشهر. وذكر السبكي في حديث: (كنت نبيا وآدم بين الروح ~~والجسد) إن الإشارة بذلك إلى روحه لأن الأرواح خلقت قبل الأجساد أو إلى ~~حقيقته والحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها، # PageV01P125 # ثم إن تلك الحقائق يؤتي الله كل حقيقة منها ما يشاء في الوقت الذي يشاء، ~~فحقيقة ms287 النبي صلى الله عليه وسلم قد تكون من قبل خلق آدم آتاها الله ذلك ~~بأن يكون خلقها الله مهيئة له وأفاضه عليها من ذلك الوقت فصار نبيا اه. وبه ~~يعلم تحقيق نبوة سيدنا إبراهيم في حال صغره. ### | 163 - # وسئل نفع الله بعلومه: هل سمع الحسن البصري من كلام علي كرم الله وجهه ~~حتى يتم للسادة الصوفية سند خرقتهم وتلقينهم الذكر المروي عنه عن علي كرم ~~الله وجهه؟ فأجاب بقوله: اختلف الناس فيه فأنكره الأكثرون وأثبته جماعة. ~~قال الحافظ السيوطي: وهو الراجح عندي كالحافظ ضياء الدين المقدسي في ~~(المختارة) ، والحافظ شيخ الإسلام ابن حجر في أطراف (المختارة) لوجوه: ~~الأول: أن المثبت مقدم على النافي. الثاني: أنه ولد لسنتين بقيتا من خلافة ~~عمر وميز لسبع وأمر بالصلاة فكان يحضر الجماعة ويصلي خلف عثمان إلى أن قتل، ~~وعلي إذ ذاك بالمدينة يحضر الجماعة كل فرض، ولم يخرج منها إلا بعد قتل ~~عثمان، وسن الحسن إذ ذاك أربع عشرة سنة، فكيف ينكر سماعه منه مع ذلك وهو ~~يجتمع معه كل يوم بالمسجد خمس مرات مدة سبع سنين، ومن ثم قال علي بن ~~المديني: رأى الحسن عليا بالمدينة وهو غلام، وزيادة على ذلك أن عليا كان ~~يزور أمهات المؤمنين ومنهن أم سلمة والحسن في بيتها هو وأمه حبر إذ هي ~~مولاة لها، وكانت أم سلمة رضي الله عنها تخرجه إلى الصحابة يباركون عليه، ~~وأخرجته إلى عمر رضي الله عنه فدعا له: اللهم فقهه في الدين وعلمه وحببه ~~إلى الناس ذكره المزي وأسنده العسكري. وقد أورد المزي في (التهذيب) من طريق ~~أبي نعيم أنه سئل عن قوله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يدركه، ~~فقال: كل شيء قلته فيه فهو عن علي غير أني في زمان لا أستطيع أن أذكر عليا: ~~أي زمان الحجاج، ثم ذكر الحافظ أحاديث كثيرة وقعت له من رواية الحسن عن علي ~~كرم الله وجهه، وفي بعضها ورجاله ثقات قول الحسن سمعت عليا يقول: قال رسول ~~الله صلى الله عليه ms288 وسلم (مثل أمتي مثل المطر) الحديث. ### | 164 - # وسئل نفع الله به: هل ورد (أنه صلى الله عليه وسلم لما حفر الخندق ظهرت ~~صخرة عجزوا عن كسرها فضربها صلى الله عليه وسلم ثلاث ضربات فلانت وتفتتت، ~~وأن سيدنا إبراهيم أثرت قدماه في مقامه الموجود الآن) ؟ فأجاب بقوله: الأول ~~ورد من طرق صحيحة، والثاني صح عن ابن سلام موقوفا عليه. 165 وسئل نفع الله ~~به ورضي عنه: هل ورد (أنه صلى الله عليه وسلم لأن له الصخر وأثرت قدماه فيه ~~وأنه كان إذا مشى على التراب لا يؤثر قدمه الشريف فيه، وأنه لما صعد صخرة ~~بيت المقدس ليلة المعراج اضطربت تحته ولانت فأمسكتها الملائكة، وأن الأثر ~~الموجود الآن بها أثر قدمه صلى الله عليه وسلم، وأنه لم يعط نبي معجزة إلا ~~وقد أعطى نبينا صلى الله عليه وسلم مثلها أو واحد من أمته، وأنه لما جاء ~~إلى بيت أبي بكر بمكة ووقف ينتظره ألصق منكبه ومرفقه بالحائط فغاص المرفق ~~في الحجر وأثر فيه) ؟ وبه سمي الزقاف بمكة زقاق المرفق وأن الصخر لان له ~~وأثر قدمه فيه. فأجاب بقوله: قال الحافظ السيوطي: لما سئل عن ذلك كله قال: ~~لم أقف له على أصل ولا سند ولا رأيت من خرجه في كتب الحديث انتهى. نعم صح ~~أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إني لأعرف حجرا كان يسلم علي بمكة) وقد تطابق ~~السلف كالخلف على أنه الحجر البارز الآن بالزقاق المذكور. والتحقيق أنه لم ~~يعط نبي معجزة إلا أعطى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مثلها أو أعظم منها. ### | 166 - # وسئل نفع الله به بما لفظه: اختلف العلماء هل يطلق الإسلام على سائر ~~الملل السابقة حين حقيقتها أو يختص بهذه الأمة فما الراجح في ذلك؟ فأجاب ~~بقوله: رجح ابن الصلاح الأول، وسيأتي ما يصرح به من لفظ القرآن، ورجح غيره ~~الثاني وهو أنه لا يوصف به أحد من الأمم السابقة سوى الأنبياء فقط، وشرفت ~~هذه الأمة بأن وصفت بما يوصف به الأنبياء تشريفا لها وتكريما، ms289 واستدل ~~الحافظ السيوطي على رجحان الثاني بأمور مبسوطة حاصل الأمثل منها أمور: ~~منها: قوله تعالى: {هو سماكم المسلمين} واختلف في ضمير هو هل هو لله أو ~~لإبراهيم على قولين، وقوله: {هو سماكم} [الحج: 78] لو لم يكن خاصا بهم ~~كالذي ذكر قبله لم يكن لتخصيصه بالذكر، ولا لاقترانه بما قبله معنى وهذا هو ~~الذي عليه السلف من الأئمة. فقد صح عن ابن زيد أحد أئمة السلف في (التفسير) ~~ومن أتباع التابعين أنه قال: لم يذكر الله بالإسلام غير هذه الأمة، ولم ~~يسمع بأمة ذكرت بالإسلام غيرها. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {هو سماكم المسلمين من قبل} [الحج: 78] ~~قال الله عز وجل: # PageV01P126 # {هو سماكم المسلمين من قبل} [الحج: 78] وأخرجا عن مجاهد وقتادة مثله. ~~وأخرجه عبد بن حميد وابن المنذر عن سفيان بن عيينة، وأخرجه ابن أبي حاتم عن ~~مقاتل بن حبان. وحاصل هذه الآثار عن هؤلاء الذين هم أئمة الدين والسلف ~~المفسرين من الصحابة والتابعين وأتباعهم أن الله سمى هذه الأمة مسلمين في ~~أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ، وفي التوراة والإنجيل وسائر كتبه المنزلة وفي ~~القرآن، وأنه اختصهم بهذا الاسم من دون سائر الأمم، ويصح رجوع ضمير هو ~~لإبراهيم كما قاله ابن أبي زيد لقوله: {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ ~~أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينآ إنك أنت التواب الرحيم} [البقرة: ~~128] دعا بذلك لنفسه ولولده وهما نبيان ثم دعا لأمة من ذريته وهي هذه الأمة ~~ولهذا عقبه ب {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم} [البقرة: 129] إلخ وهو ~~نبينا إجماعا فأجاب الله دعاءه بالأمرين يبعث محمد صلى الله عليه وسلم منهم ~~وبتسميتهم مسلمين، ولهذا أشار تعالى إلى أن إبراهيم هو السبب في ذلك بقوله: ~~{ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين} [الحج: 78] ومنها: قوله تعالى: ~~{ورضيت لكم الأسلام دينا} [المائدة: 3] هو ظاهر في الاختصاص بهم لأن تقديمه ~~يستلزمه، ويفيد أنه لم يرضه ms290 لغيرهم كما يقتضيه كلام أهل البيان. ومنها: ما ~~في حديث إسحاق بن راهويه وابن أبي شيبة: (أنه صلى الله عليه وسلم قال ~~ليهودي حلف والله ما اصطفى الله محمدا على البشر: بل يا يهودي آدم صفى الله ~~وإبراهيم خليل الله وموسى نجى الله وعيسى روح الله وأنا حبيب الله، بل يا ~~يهودي تسمي الله باسمين سمى بهما أمتي هو السلام وسمى بها أمتي المسلمين) ~~الحديث، وهو صريح في اختصاص أمته بوصف الإسلام وإلا لقال اليهودي ونحن أيضا ~~كذلك. وفي حديث النسائي وغيره (من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من خبء جهنم، ~~قال رجل: يا رسول الله وإن صام وصلى؟ قال: نعم، فادعوا بدعوة الله التي ~~سماكم بها المسلمين، والمؤمنين عباد الله) . # وأخرج أبو نعيم وغيره عن وهب قال: أوحى الله إلى شعيب إني باعث نبيا أميا ~~مولده بمكة إلى أن قال والإسلام ملته وأحمد اسمه، ولا يعارض ذلك قوله ~~تعالى: {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من ~~المسلمين} [الذاريات: 35 36] لما مر أن وصف الإسلام يطلق على الأنبياء أيضا ~~والبيت المذكور بيت لوط صلى الله على نبينا وعليه وسلم ولم يكن فيه مسلم ~~إلا هو وبناته فأطلق عليه أصالة وعليهن تغليبا أو تبعا تشريفا لهم، إذ قد ~~يختص أولاد الأنبياء بأشياء لا يشاركهم فيها بقية الأمم، كما اختص سيدنا ~~إبراهيم ابن نبينا صلى الله عليه وسلم بأنه لو عاش كان نبيا، وكما اختصت ~~فاطمة بأنها لا يتزوج عليها وبأنها تمكث في المسجد مع الحيض والجنابة وكذلك ~~أمهات المؤمنين، وكذا علي والحسن والحسين رضي الله عنهم اختصوا بجواز المكث ~~في المسجد مع الجنابة كل ذلك تبع له صلى الله عليه وسلم، وكذلك قوله تعالى ~~عن أولاد يعقوب: {ووصىابهآ إبراهيم بنيه ويعقوب يابنى إن الله اصطفىالكم ~~الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [البقرة: 132] إما على سبيل التبعية إن ~~لم يكونوا أنبياء وإلا فواضح، وكذلك قوله تعالى: {وقال موسىاياقوم إن كنتم ~~ءامنتم ب الله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} ms291 [يونس: 84] إما أن يحمل على ~~التغليب فإن فيهم هارون ويوشع وهما نبيان فأدرج بقية القوم في الوصف ~~تغليبا، أو يحمل على أن المراد إن كنتم منقادين لي فيما آمركم به، وكذلك ~~قوله تعالى: {ووصىابهآ إبراهيم بنيه ويعقوب يابنى إن الله اصطفىالكم الدين ~~فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [البقرة: 132] فهو من قول إبراهيم لبنيه ~~ويعقوب لبنيه وفي بني كل الأنبياء فوقع تغليبا وكذلك قوله تعالى: {وإذ ~~أوحيت إلى الحواريين أنءامنوا بى وبرسولى قالواءامنا واشهد بأننا مسلمون} ~~[المائدة: 111] فإن الحواريين فيهم الأنبياء الثلاثة المذكورون في قوله ~~تعالى: {واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جآءها المرسلون} [يس: 13] الآية، ~~نص العلماء على أنهم من حواري عيسى وأحد قولي العلماء أن الثلاثة أنبياء ~~ويرشحه ذكر الوحى إليهم، ولا يؤيد القول المرجوح آية: {شرع لكم من الدين ما ~~وصىابه نوحا} [الشورى: 13] إلخ، خلافا لمن وهم فيه لأن المراد استواء ~~الشرائع كلها في أصل التوحيد، وليس الإسلام اسما للتوحيد فقط بل لمجموع ~~الشريعة بفروعها وأعمالها، على أن محل النزاع إنما هو في أمر لفظي هو أن ~~تلك الشرائع هل تسمى إسلاما أو لا؟ والراجح لا، بناء على أن الإطلاق يتوقف ~~على الورود، ولم يرد في شيء من الشرائع تسميته إسلاما من غير تغليب أو ~~تبعية لنبي، فلا يطلق عليه كما لا يطلق على شيء من الكتب أنه قرآن، ولا على ~~شيء من أواخر آي القرآن أنه سجع بل فواصل وقوفا مع ما ورد كما قال النووي. ~~لا يقال في حق النبي صلى الله عليه وسلم عز وجل وإن كان عزيزا جليلا، وعلى ~~الراجح فوجه الاختصاص بهذا الاسم هو أن الإسلام اسم للشريعة المشتملة على ~~فواضل العبادات المختصة بهذه الأمة من الصلوات الخمس وصوم رمضان والغسل من ~~الجنابة والجهاد ونحوها كما أفاده # PageV01P127 # حديث جبريل قال: (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتأتى الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، وتحج ~~البيت) وفي رواية: (وتغتسل من الجنابة) وذلك خاص بهذه الأمة كما تقرر ms292 لم ~~يكتب على غيرها من الأمم، وإنما كتب على الأنبياء فقط كما جاء في أثر وهب ~~(وأعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء، وافترضت عليهم الفرائض التي ~~افترضت على الأنبياء والرسل) فلذلك سميت هذه الأمة مسلمين كما سمى بذلك ~~الأنبياء والمرسلون ولم يسم غيرها من الأمم. ويؤيد هذا المعنى حديث أبي ~~يعلى: (الإسلام ثمانية أسهم: شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة، والزكاة، ~~والحج والجهاد، وصوم رمضان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) . وأخرج ~~الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما: (سهام الإسلام ثلاثون سهما لم يتمها ~~إلا إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم) . [تنبيه] : قوله تعالى: ~~{الذينءاتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلىاعليهم قالواءامنا به ~~إنه الحق من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين} [القصص: 52، 53] ظاهر في الدلالة ~~للمرجوح. وأجاب عنه الجلال السيوطي بما فيه تكلف وضعف، ومنه أن الوصف في ~~مسلمين اسم فاعل مراد به الاستقبال كما هو حقيقة فيه لا الحال ولا الماضي ~~الذي هو مجاز والتمسك بالحقيقة هو الأصل. وتقدير الآية: إنا كنا من قبل ~~مجيئه عازمين على الإسلام به إذا جاء لما كنا نجده في كتبنا من نعته ووصفه، ~~ويرشحه أن السياق يرشد إلى أن قصدهم الإخبار بحقية القرآن وأنهم كانوا على ~~قصد الإسلام به إذا جاء به النبي صلى الله عليه وسلم لما كان عندهم من ~~صفاته وظهر لهم من قرب زمانه واقتراب بعثته، وليس قصدهم الثناء على أنفسهم ~~في حد ذاتهم بأنهم كانوا بصفة الإسلام أولا فإن ذلك ينبو عنه المقام. ### | 167 - # وسئل نفع الله به: ما الأفضل العقل أم العلم الحادث؟ فأجاب بقوله رضي ~~الله عنه: اختلف العلماء في ذلك. والراجح عند أكثرهم تفضيل العلم، لأن ~~الباري تعالى يوصف بالعلم القديم ولا يوصف بالعقل أصلا وما كان من جنس ما ~~وصف به أفضل، ومما يدل لفضل العلم أيضا أن متعلقه أشرف، وأنه ورد بل صح في ~~فضله أحاديث لا تحصى، ولم يرد في فضل العقل حديث بل كل ما روى فيه ms293 موضوع ~~وكذب. وقال بعض المحققين: العلم أفضل باعتبار أنه أقرب إلى الإفضاء إلى ~~معرفة الله وصفاته، والعقل أفضل باعتبار أنه منبع للعلم وأصل له. وحاصله أن ~~فضيلة العلم بالذات وفضيلة العقل بالوسيلة إلى العلم. ### | 168 - # وسئل نفع الله به: كم عدد الأنبياء والرسل؟ فأجاب بقوله: روى الطبراني ~~بسند رجاله رجال الصحيح (أن رجلا قال: يا رسول الله أنبي آدم قال نعم. قال ~~كم بنيه وبين نوح؟ قال عشرة قرون. قال كم بين نوح وإبراهيم؟ قال عشرة قرون. ~~قال يا رسول الله كم كانت الرسل؟ قال ثلثمائة وخمسة عشر) . وأخرج ابن حبان ~~في (صحيحه) والحاكم عن أبي ذر (قلت يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال: مائة ~~ألف نبي وأربعة وعشرون ألفا. قلت: يا رسول الله كم الرسل منهم؟ قال ثلثمائة ~~وثلاثة عشر جم غفير) ولا ينافي ذلك قوله تعالى: {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك ~~منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتى بئاية إلا ~~بإذن الله فإذا جآء أمر الله قضى ب الحق وخسر هنالك المبطلون} [غافر: 78] ~~لأن هذا إخبار عمن قص عليه أو أنه قص عليه الكل بعد نزول تلك الآية، وبه ~~يجاب أيضا عن التخالف بين الروايتين فيحمل أنه قص عليه أولا ثلثمائة وثلاثة ~~عشر ثم ثانيا ثلثمائة وخمسة عشر، فأخبر عن كل بحسب ما قص عليه وقت الإخبار ~~به. ### | 169 - # وسئل نفع الله به: ما المعتمد في الخضر هل هو نبي حي وكذا إلياس؟ فأجاب ~~بقوله: المعتمد حياتهما ونبوتهما، وأنهما خصا بذلك في الأرض كما خص إدريس ~~وعيسى صلى الله عليهما وسلم ببقائهما حيين في السماء. ### | 170 - # وسئل نفع الله به: كم بين موسى وعيسى، وبين عيسى ونبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم؟ فأجاب بقوله: الأول ألف وبضع وتسعمائة سنة، والثاني نحو ستمائة ~~سنة على الأشهر. ### | 171 - # وسئل نفع الله به: عن نزول عيسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم، أيحكم ~~بشريعتنا أو بشريعة أخرى؟ . فأجاب بقوله: الذي نص عليه العلماء، بل ms294 أجمعوا ~~عليه أنه يحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى ملته. وفي رواية سندها ~~جيد (مصدقا بمحمد وعلى ملته إماما مهديا وحكما عدلا) . وفي رواية لابن ~~عساكر (فيصلي الصلوات ويجمع الجمع) ومجموع الخمس وصلاة الجمعة لم يكن في ~~غير هذه الملة. 172 وسئل نفع الله به بما لفظه: أجمعوا على أن عيسى يحكم ~~بشريعتنا فما كيفية حكمه بذلك بمذهب أحد من المجتهدين أم باجتهاد؟ فأجاب ~~بقوله: عيسى صلى الله عليه وسلم منزه عن أن يقلد غيره من بقية المجتهدين بل ~~هو أولى بالاجتهاد ثم علمه بأحكام شرعنا إما بعلمها من القرآن فقط، إذ لم ~~يفرط فيه من شيء وإنما # PageV01P128 # احتجنا إلى غيره لقصورنا، وقد كانت أحكام نبينا كلها مأخوذة من القرآن، ~~ومن ثم قال الشافعي رضي الله عنه: كل ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم ~~فهو مما فهمه من القرآن، فلا يبعد أن عيسى صلى الله عليه وسلم يكون كذلك أو ~~برواية السنة عن نبينا صلى الله عليه وسلم فإنه اجتمع به في حياته مرات ومن ~~ثم عد من الصحابة. أخرج ابن عدي عن أنس رضي الله عنه (بينا نحن مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذ رأينا بردا ويدا فقلنا يا رسول الله ما هذا ~~البرد الذي رأينا واليد؟ قال: قد رأيتموه؟ قلنا نعم. قال: ذلك عيسى بن مريم ~~سلم علي) . وفي رواية ابن عساكر عنه (كنت أطوف مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~حول الكعبة إذ رأيته صافح شيئا ولم أره قلنا يا رسول الله رأيناك صافحت ~~شيئا ولا نراه، قال: ذلك أخي عيسى بن مريم انتظرته حتى قضى طوافه فسلمت ~~عليه) وحينئذ فلا مانع أنه حينئذ تلقى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحكام ~~شريعته المخالفة لشريعة الإنجيل لعلمه أنه سينزل وأنه يحتاج لذلك فأخذها ~~منه بلا واسطة. وفي حديث ابن عساكر (ألا إن ابن مريم ليس بيني وبينه نبي ~~ولا رسول ألا إنه خليفتي في أمتي من بعدي) وقد صرح السبكي بأنه ms295 يحكم بشريعة ~~نبينا صلى الله عليه وسلم بالقرآن والسنة إما بكونه يتلقاها من نبينا صلى ~~الله عليه وسلم شفاها بعد نزوله من قبره، ويؤيده حديث أبي يعلى (والذي نفسي ~~بيده لينزلن عيسى بن مريم ثم لئن قام على قبري وقال يا محمد لأجيبنه) وإما ~~بكونه تعالى أوحاها إليه في كتابه الإنجيل أو غيره، لأن جميع الأنبياء ~~كانوا يعلمون في زمانهم بجميع شرائع من قبلهم ومن بعدهم بالوحي من الله على ~~لسان جبريل عليه الصلاة والسلام وبالتنبيه على ذلك في كتبهم المنزلة عليهم ~~كما دل على ذلك أحاديث وآثار، ولا بعد فيما يفهم من هذا أن جميع ما في ~~القرآن مضمن في الكتب السابقة لقوله تعالى: {مصدقا لما بين يديه} [البقرة: ~~97] أي كتب من قبله {إن هاذا لفى الصحف الاولى صحف إبراهيم وموسى} [الأعلى: ~~18، 19] {وإنه لفى زبر الأولين} [الشعراء: 196] أي كتبهم. # وقد أخذ أبو حنيفة رضي الله عنه قوله بجواز قراءة القرآن بغير العربية من ~~هذه الآية قال: لأن القرآن مضمن في الكتب السابقة وهي بغير العربية. 173 ~~وسئل نفع الله به: عمن روى حديث (يوشك أن يملأ الله أيديكم من العجم ~~فيأكلون فيكم) ؟ ، فأجاب: بقوله رواه أحمد والبزار والطبراني. ### | 174 - # وسئل نفع الله به: هل ثبت أن عيسى صلى الله عليه وسلم بعد نزوله يأتيه ~~الوحي؟ فأجاب بقوله: نعم بوحي إليه وحي حقيقي كما في حديث مسلم وغيره عن ~~النواس بن سمعان؛ وفي رواية صحيحة (فبينما هو كذلك إذ أوحى إليه يا عيسى ~~إني قد أخرجت عبادا لي لا يد لأحد بقتالهم حول عبادي إلى الطور) وذلك الوحي ~~على لسان جبريل إذ هو السفير بين الله وأنبيائه لا يعرف ذلك لغيره وعيسى ~~نبي كريم باق على نبوته ورسالته، لا كما زعمه من لا يعتد به أنه واحد من ~~هذه الأمة، لأن كونه واحدا منهم يحكم بشريعتهم لا ينافي بقاءه على نبوته ~~ورسالته. # وخبر (لا وحي بعدي) باطل، نعم إنما يتلقى جبريل الوحي عن الله بواسطة ~~إسرافيل كما دلت عليه الأحاديث، ms296 وما اشتهر أن جبريل عليه السلام لا ينزل ~~إلى الأرض بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فهو لا أصل له. ويرده خبر ~~الطبراني (ما أحب أن يرقد الجنب حتى يتوضأ فإني أخاف أن يتوفى وما يحضره ~~جبريل) فدل على أن جبريل ينزل إلى الأرض ويحضر موت كل مؤمن توفاه الله وهو ~~على طهارة. وفي حديث الطبراني وغيره (أن ميكائيل عليه السلام يمنع الدجال ~~مكة، وجبريل عليه السلام يمنعه من المدينة) ولا ينافي ما تقرر أن جبريل ~~عليه السلام هو السفير نزول إسرافيل على نبينا صلى الله عليه وسلم، فقد صح ~~عن الشعبي أنه قال: أنزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته ~~إسرافيل ثلاث سنين لأن هذا أثر مرسل أو معضل فلا ينافي الثابت في أحاديث ~~الصحيحين وغيرهما أن صاحب الوحي هو جبريل، على أن المراد بالسفير المرصد ~~لذلك، فلا ينافي ذلك مجيء غيره من الملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~في بعض الأخبار، إذ كم من ملك غير إسرافيل جاء إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قضايا متعددة كما هو في كثير من الأحاديث. ومما ينازع في أثر ~~الشعبي قول جماعة من العلماء في خبر مسلم وغيره (بينما رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جالس وعنده جبريل إذ سمع نقيضا من السماء من فوق فرفع جبريل بصره ~~إلى السماء فقال يا محمد هذا ملك قد نزل لم ينزل إلى الأرض قط. قال: فأتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه) الحديث أن هذا الملك إسرافيل. وأخرج ~~الطبراني حديث: (لقد هبط علي ملك من السماء ما هبط # PageV01P129 # على نبي قبلي ولا يهبط على أحد بعدي وهو إسرافيل، فقال أنا رسول ربك إليك ~~أمرني أن أخيرك إن شئت نبيا عبدا وإن شئت نبيا ملكا) الحديث، وهذا كالذي ~~قبله بعد ابتداء الوحي بسنين كما يعرف من سائر طرق الأحاديث، وهما ظاهران ~~في أن إسرافيل لم ينزل إليه قبل ذلك، فكيف يصح قول الشعبي إنه إتاه في ~~ابتداء الوحي. ms297 ### | 175 - # وسئل نفع الله به: هل يمر الكافر على الصراط؟ فأجاب بقوله: في أحاديث ما ~~يقتضي أنهم يمرون وفي أحاديث ما يقتضي خلافه، وجمع بحمل الأول على ~~المنافقين. # وقد صرح القرطبي بأن في الآخرة صراطين صراط لعموم الخلق إلا من يدخل ~~الجنة بغير حساب ومن يلتقطعهم عتق النار، وصراط للمؤمنين خاصة وبه يعلم أن ~~من يلتقطهم عتق النار وهم طوائف مخصوصة من الكفار لا يمرون على الصراط ~~أصلا، وكذلك بعث النار الذي يخرج من الخلق إليها قبل نصب الصراط، وهم طوائف ~~من الكفار أيضا. قيل: الظاهر أنه لا يمر عليه إلا المنافقون واليهود ~~والنصارى. فقد ورد في الحديث (أنهم يحملون عليه ثم يسقطون في النار) ، ~~وكذلك من ينصب له الميزان من الكفار وهم طائفة مخصوصة منهم يمرون عليه. ### | 176 - # وسئل نفع الله به: هل يحشر أحد غير عار؟ فأجاب بقوله: نعم، بعض الناس: أي ~~وهم الشهداء يحشرون في أكفانهم كما قاله البيهقي، وحمل على ذلك الحديث ~~الصحيح (يبعث الميت في ثيابه التي يموت فيها) . وجاء عن عمر ومعاذ رضي الله ~~عنهما (حسنوا أكفان موتاكم فإن الناس يحشرون في أكفانهم) ، وهذا منهما له ~~حكم المرفوع. وأخرج الدينوري عن الحسن (أن أهل الزهد كالشهداء) ، وهو في ~~حكم المرسل المرفوع، وإذا ثبت ذلك لهؤلاء فالأنبياء أولى. وصح حديث (إن ~~الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج: فوج طاعمين كاسين راكبين، وفوج ~~يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم) . 177 وسئل نفع الله به: ~~هل يوزن الإيمان مع الحسنات؟ فأجاب بقوله: حكى القرطبي عن الحكيم الترمذي ~~أنه لا يوزن لأنه لا يقابل إذ لا يمكن كون الإنسان يجمع إيمانا وكفرا وما ~~في الأحاديث مما يقتضي وزنه مؤول بأن المراد الزيادة فيه على أصله الواجب. ### | 178 - # وسئل رضي الله عنه: هل يحشر الطفل على صورته؟ وهل يتزوج من الحور العين؟ ~~وهل الولدان من جنس الحور؟ فأجاب بقوله: الطفل يكون في الحشر على خلقته، ثم ~~عند دخوله الجنة يزداد فيها حتى يكون كالبالغ ثم يتزوج من ms298 نساء الدنيا ومن ~~الحور وهن والولدان جنس واحد. ### | 179 - # وسئل رحمه الله: عمن روى حديث: (يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا بيضا ~~مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين على خلق آدم سبعون ذراعا في عرض سبعة) من رواه؟ ~~فأجاب بقوله: رواه أحمد وابن أبي الدنيا والطبراني في (الأوسط) . ### | 180 - # وسئل نفع الله به، بما لفظه: ما معنى قول التاج السبكي في (ألغازه) : من ~~باتفاق جميع الخلق أفضل من شيخ الصحاب أبي بكر ومن عمر ومن علي ومن عثمان ~~وهو فتى من أمة المصطفى المبعوث من مضر من أبصرت في دمشق عينه صنما مصورا ~~وهو منحوت من الحجر إن جاع يأكل وإن يعطش تضلع من ماء زلال ثم غير منهمر من ~~قال إن الزنا والشرب مصلحة ولم يقل هو ذنب غير مغتفر من قال إن نكاح الأم ~~يقرب من تقوى الإله مقالا غير منتكر من قال سفك دماء المسلمين على الص لاة ~~أوجبه الرحمان في الزبر فأجاب بقوله رحمه الله (من) الأولى والثانية وما ~~بعدها استفهام نفي أو إنكار: أي لم يقل ذلك أحد كذا حله الناظم وجوز فيمن ~~قال (إن الزنا) أن من مبتدأ خبره غير مغتفر: أي لا يغتفر له هذا القول، ~~وفسر غيره (الفتى) بعيسى وأبقى (من) على حالها لكن بالغ في إنكار تسمية ~~عيسى فتى فلو عبر بشخص تم له ذلك، وقوله: (من أبصرت) الخ أراد به ما رواه ~~الحاكم في تاريخ نيسابور بسنده إلى أبي عبد الله البوشنجي عن عبد الله بن ~~يزيد الدمشقي عن عبد الرحمان بن يزيد بن جابر قال: رأيت ببغداد صنما من ~~نحاس إذا عطش نزل فشرب. قال البوشنجي: ربما تكلمت العلماء على قدر فهم ~~الحاضرين تأديبا وامتحانا فهذا الرجل بن جابر أحد علماء الشام، ومعنى ~~كلامه: أن الصنم لا يعطش ولو عطش نزل فشرب فنفى عنه النزول والعطش والحاصل ~~أن القضية الشرطية لا يلزم إمكانها. # PageV01P130 ### | 181 - # وسئل نفع الله به: عن ثلاثة من الحيوان لم يخرجوا من فرج أنثى؟ فأجاب ~~بقوله: هو آدم ms299 وحواء وناقة صالح. ### | 182 - # وسئل نفع الله به: عن حديث: (الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة) من ~~رواه. فأجاب بقوله: لم يرد بهذا اللفظ، وإنما يدل على معناه الخبر المشهور. ~~(لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر ~~الله وهم على ذلك) وفسر ذلك الأمر بريح لينة يرسلها الله لقبض أرواح ~~المؤمنين ثم لا يبقى على وجه الأرض إلا شرار أهلها فتقوم الساعة عليها. كما ~~في حديث: (لا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض من يقول الله الله) . ### | 183 - # وسئل نفع الله بعلومه: هل في الجنة من هو بلحية غير آدم؟ فأجاب بقوله: ~~ليس فيها بلحية غيره، وحديث (إن هرون كذلك) موضوع كما قاله الذهبي. وسئل ~~نفع الله به: بما لفظه: ما قبل إن في الجنة جمالا ترعى وتشرب من أنهارها هل ~~جاء فيه شيء له أصل؟ فأجاب بقوله: قال الحافظ السيوطي: لم أر في ذلك شيئا. ### | 184 - # وسئل نفع الله به: أيما أفضل المشرق أو المغرب؟ فأجاب: فيه خلاف احتج ~~القائلون بتفضيل المشرق بوجوه: الأول: أن الله تعالى لم يذكرهما إلا قدم ~~المشرق. الثاني: أن الضوء أو ما يطلع منه. الثالث: أن الأئمة الأربعة منه. ~~الرابع: أن فيه الأرض التي بورك فيها بالنص وهي أرض مصر والشام وأرض ~~الجزيرة، لأن الناس اتفقوا على أن مصر حد ما بين المشرق والمغرب، فما كان ~~من مصر إلى جهة مطلع الشمس فهو مشرق فيتناول الحجاز والشام واليمن والعراق ~~وما بعدها، والمصر لغة الحد ولذا سميت مصر بمصر، ويزاد عليه أن فيه مكة ~~والكعبة والمسجد الحرام والحرم وشعار الحج والعمرة وما يتعلق بهما والمدينة ~~النبوية على مشرفها أفضل الصلاة والسلام، والقبر المكرم والمسجد والحرم وما ~~بتلك الديار من عظيم تلك الآثار، وهذه فضائل ومزايا لا يوجد في المغرب نظير ~~لواحد منها. واحتج المغاربة بأن الله تعالى بدأ بذكر المغرب في قصة ذي ~~القرنين، ويرده توعده في هذه القصة لأهل المغرب دون أهل المشرق وبأن حديث: ~~(لا ms300 تزال طائفة من أمتي ظاهرين) فيه رواية (لا يزال أهل المغرب ظاهرين) ورد ~~بأن الثابت وهم بالشام على أن الشام غربي المدينة، وأيضا أهل المغرب لهم ~~أهل الدلو التي يستقي بها وأكثرهم بالمدينة واليمن ونحوهما وبظهور الأهلة ~~منه، ورد بطلوع الشمس من المشرق وبأن باب التوبة سعته أربعون ذراعا ثم إنه ~~يغلق بالمغرب. ويرده أن ذلك ذم له حيث ابتدأ غلق التوبة منه كما أن طلوع ~~الشمس منه ذم له أيضا لأن ظهور انحلال الشريعة بأسرها منه وبأن المهدي يظهر ~~به. ورد بأن المشهور ظهوره بمكة اليمن أو العراق وبأن سائر الفتن إنما تظهر ~~من المشرق. ويرده أن أعظم منها كلها فتنة طلوع الشمس من مغربها وغلق باب ~~التوبة اللذان لم يبق بعدهما خير قط، بخلاف تلك الفتن فإن معالم الخير ~~موجودة معها، وبأن المعروف في أكثر الرسل أنهم بعثوا بالمشرق ولم يعرف أن ~~نبيا بعث من المغرب، فاتضح تفضيل المشرق وأنه لا غبار على ذلك، والله أعلم. ### | 185 - # وسئل نفع الله به: أيما أفضل الأرضين السبع؟ فأجاب بقوله: أعلاها كما ~~قاله ابن عباس رضي الله عنهما، لأنها مدفن الأنبياء ومهبط الوحي ومستقر بني ~~آدم الأفضل من غيرهم. ### | 186 - # وسئل نفع الله به: أيما أفضل السماء أو الأرض؟ فأجاب بقوله: الأصح عند ~~أئمتنا ونقلوه عن الأكثرين السماء لأنه لم يعص الله فيها، ومعصية إبليس لم ~~تكن فيها، أو وقعت نادرا فلم يلتفت إليها، وقيل الأرض، ونقل عن الأكثرين ~~أيضا لأنها مستقر الأنبياء ومدفنهم. ### | 187 - # وسئل نفع الله به: ما محل الفردوس من الجنة؟ فأجاب بقوله: في حديث ~~الشيخين: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة، ~~وفوقه عرش الرحمان، ومنه تفجر أنهار الجنة) . وفي رواية لابن أبي حاتم حديث ~~الفردوس مقصورة الرحمان فيها خيار الأنهار والأشجار) والله أعلم. ### | 188 - # وسئل نفع الله به: ما حكمة طمس نور الشمس والقمر وإلقائهما في جهنم؟ ~~فأجاب بقوله: حكمته كالكسوف والخسوف في الدنيا تقبيح عابديهما بإظهار ~~عجزهما عن الدفع عن أنفسهما. ### | 189 ms301 - # وسئل نفع الله به عن السواد الذي بالقمر؟ فأجاب بقوله: قيل إن عليا كرم ~~الله وجهه سئل عن ذلك فقال: هو أثر مسح جناح جبريل، لأن الله تعالى خلق نور ~~القمر سبعين جزءا كنور الشمس، فمسحه جبريل بجناحه فمحا منه تسعة وستين جزءا ~~حولها إلى الشمس فأذهب منه الضوء وأبقى فيه النور، فذلك قوله تعالى: ~~{فمحونآءاية اليل وجعلنآءاية النهار مبصرة} [الإسراء: 12] الآية، وقال ~~بعضهم: إنه حروف وهي (جميل) انتهى. ويؤيد الأول ما أخرجه # PageV01P131 # البيهقي أن عبد الله بن سلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم عنه، فقال: ~~(كانا شمسين) وقال تعالى: {فمحونآءاية اليل [الإسراء: 12] الآية، فالذي ~~رأيت هو المحو. وفي رواية بسند واه بسط ذلك بأطول مما ذكر. وأخرج عبد ~~الرزاق أن معاوية سئل أي مكان إذا صليت فيه فظننت أنك لم تصل إلى قبلة؟ وأي ~~مكان لم تطلع عليه الشمس إلا مرة؟ وما سواد القمر؟ فأرسل إلى ابن عباس رضي ~~الله عنهما، ففسر له الأول بظهر الكعبة، والثاني بقعر البحر الذي انفلق ~~لموسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم، والثالث بالمحو. ### | 190 - # وسئل نفع الله به: إذا غابت الشمس أين تذهب؟ فأجاب بقوله: في حديث ~~البخاري (أنها تذهب حتى تسجد تحت العرش) . زاد النسائي (ثم تستأذن فيؤذن ~~لها، ويوشك أن تستأذن فلا يؤذن لها، وتؤمر بالطلوع من محل غروبها) ولا ~~يخالف هذا قوله تعالى: {تغرب فى عين حمئة} [الكهف: 86] لأن المراد به نهاية ~~إدراك البصر لها حال الغروب، وسجودها تحت العرش إنما هو بعد الغروب. وأخرج ~~ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس (إنها بمنزلة الساقية تجري بالنهار في ~~السماء بفلكها، وإذا غربت جرت بالليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من ~~مشرقها وكذلك القمر) . وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة أنها إذا غربت دخلت نهرا ~~تحت العرش فتسبح ربها حتى إذا أصبحت استعفت ربها عن الخروج. قال: ولم؟ قالت ~~إني إذا خرجت عبدت من دونك، وقيل يبتلعها حوت، وقيل تغيب في عين حمئة كما ~~في الآية، والحمأة بالهمز ms302 ذات الطين الأسود وقرىء (حامية) بالياء أي حارة ~~ساخنة، وقيل تطلع من سماء إلى سماء حتى تسجد تحت العرش وتقول: يا رب إن ~~قوما يعصونك، فيقول لها ارجعي من حيث جئت فتنزل من سماء إلى سماء حتى تطلع ~~من المشرق، وبنزولها إلى سماء الدنيا يطلع الفجر. قال إمام الحرمين وغيره: ~~لا خلاف أنها تغرب عند قوم وتطلع عند قوم آخرين، والليل يطول عند قوم ويقصر ~~عند آخرين إلا عند خط الاستواء فيستويان أبدا، وفي بلاد بلغار بموحدة ~~مضمومة ثم معجمة لا تغيب الشمس عندهم إلا بمقدار ما بين المغرب والعشاء ثم ~~تطلع. ### | 191 - # وسئل نفع الله به: من أين يخرج المهدي؟ فأجاب بقوله: ثبت في أحاديث أنه ~~يخرج من قبل المشرق، وأنه يبايع له بمكة بين الركن والمقام ويسكن بيت ~~المقدس. ### | 192 - # وسئل نفع الله به: أي محل ينزل به عيسى عليه السلام؟ فأجاب بقوله: الأشهر ~~ما صح في مسلم أنه ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، وفي رواية بالأردن ~~وفي أخرى بعسكر المسلمين، ولا تنافي لأن عسكرهم بالأردن ودمشق وبيت المقدس ~~من ذلك. ### | 193 - # وسئل رضي الله عنه: أيما أفضل طور سينا أم أحد؟ فأجاب بقوله: أحد للخبر ~~الصحيح (أحد يحبنا ونحبه) وود أنه على باب من أبواب الجنة ولأنه من جملة ~~أرض المدينة التي هي أفضل من البقاع مطلقا أو بعد مكة. ### | 194 - # وسئل نفع الله به: أيما أفضل اللبن أو العسل؟ فأجاب بقوله: قال الجلال ~~السيوطي: مقتضى الأدلة أن اللبن أفضل، لأن الله تعالى جعله غذاء للطفل دون ~~غيره وأنه يجزىء عن الطعام والشراب ولا كذلك العسل. وفي الحديث بسند حسن ~~(من سقاه الله لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه) وأنه ليس يجزي عن ~~الطعام والشراب غير اللبن، وأنه لا يغص به أحد كما في الحديث قال تعالى: ~~{سآئغا للشاربين} [النحل: 66] وأنه اختاره ليلة الإسراء على العسل والخمر ~~فقيل له (هذه الفطرة فأنت عليها وأمتك) رواه الشيخان. وفي الحديث: (أمر من ~~أكل غير اللبن أن ms303 يقول اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه. وأمر من أكل ~~اللبن أن يقول اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه) وهو يدل على أنه خير منه. ### | 195 - # وسئل نفع الله به: أيما أفضل الليل أم النهار؟ فأجاب بقوله: الليل أفضل ~~لأنه راحة، وهي في الجنة، والنهار تعب وهو من النار، ولأن ليلة القدر خير ~~من ألف شهر ولم يوجد نهار كذلك، ولأنه أنزلت سورة مسماة سورة الليل، ولأنه ~~مقدم الذكر على النهار في أكثر الآيات، وأن خلقه سابق على خلق النهار و ~~(لا) في {ولا اليل سابق النهار} [يس: 40] زائدة، وليالي الشهر سابقة على ~~أيامه، وأن في كل ليلة ساعة إجابة بل ساعات، وليس شيء من ساعاته تكره فيه ~~الصلاة وفيه التهجد والاستغفار بالأسحار، وهما أفضل من نفل النهار ~~واستغفاره، ووقوع الإسراء فيه وكون ناشئته أشد وطأ وأقوم قيلا كما في ~~الآية. وقال أهل العلم: فيه تنقطع الأشغال، وتحتد الأذهان ويصح النظر ويوقف ~~الحكم وتدر الخواطر وتنبع مجالي القلب. وقيل: النهار أفضل، والتقديم لا يدل ~~على الأفضلية، فقد قدم الله الموت على الحياة، والجن على الإنس، والأعمى ~~والأصم على البصير والسميع. ويرد بأن الغالب إفادة التقديم الأفضلية، # PageV01P132 # وتقديم المفضول في هذه الحكم تعرف بالتأمل، وبأن النور قبل الظلمة وبأن ~~الشعراء ما زالوا يذمون الليل، وبه تدب الهوام، وتثور السباع، وتنتشر ~~اللصوص، وتتوفر المعاصي، وشبه به تعالى وجوه أعدائه فقال {كأنما أغشيت ~~وجوههم قطعا من اليل مظلما} [يونس: 27] والفاسق يرقب الليل إذا أظلم. ونهى ~~صلى الله عليه وسلم عن جداد الليل وصرامه، وأمر بغلق الأبواب وكف الصبيان ~~لانتشار الشياطين فيه، والأيام مسماة دون الليل وإنما تعرف بالإضافة ~~للنهار، والأيام الفاضلة كثيرة كيوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء، ~~والأيام المعلومات والمعدودات، وليس في الليالي إلا ليلة القدر وليلة نصف ~~شعبان. وإذا تأملت هذه الحجج وجدت أكثرها لا يقتضي تفضيلا لأنها أمور عادية ~~لا شرعية، والشرعي من ذلك النهي عن الصوم والجداد ليلا، وسره أن فيه منع ~~الفقراء، لأنه لخصوص الليل، وانتشار الشياطين ms304 ونحو السباع إنما هو لما فيه ~~من الخلو الذي يقتضي تفضيله لصفاء العبادة فيه أكثر من النهار، وأحسن ما ~~يفضل به النهار أن فيه الصلاة الوسطى التي هي أفضل الصلوات والصوم الذي قال ~~الله في حقه. (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزى به) . ### | 196 - # وسئل نفع الله به: كم يقيم عيسى عليه الصلاة والسلام بعد نزوله؟ فأجاب ~~بقوله: يقيم سبع سنين كما صح في حديث مسلم. ولا ينافيه حديث الطيالسي أنه ~~يقيم أربعين سنة. لأن المراد مجموع لبثه في الأرض قبل الرفع وبعده فإنه رفع ~~وسنة ثلاث وثلاثون سنة. ### | 197 - # وسئل نفع الله به وبعلومه بما لفظه: ما محصل كلام الناس في عوج بن عنق، ~~وما حكاه المفسرون فيه مما يطول بسطه ويعظم استقراؤه؟ فأجاب بقوله: قال ~~الحافظ العماد بن كثير: قصة عوج بن عنق وجميع ما يحكونه عنه هذيان لا أصل ~~له وهو من مختلقات زنادقة أهل الكتاب، ولم يكن قط على عهد نوح ولم يسلم من ~~الغرق من الكفار أحد. وقال ابن القيم: من الأمور التي يعرف بها كون الحديث ~~موضوعا أن يكون مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه كحديث عوج بن عنق ~~الطويل الذي قصد واضعه به الطعن في أخبار الأنبياء، ثم قال بعد ذكر شيء مما ~~حكم من غرائبه: وليس العجب من جراءة هذا الكذاب على الله إنما العجب ممن ~~يدخل هذا الحديث في كتب العلم من تفسير وغيره، ولا يبين أمره، ثم قال: ولا ~~ريب أن هذا وأمثاله من وضع زنادقة أهل الكتاب الذين قصدوا الاستهزاء ~~والسخرية بالرسل وأتباعهم انتهى. وأورد فيه ابن المنذر عن ابن عمر من قصته ~~شيئا. قال بعض المنصفين: هذا مما يستحي الشخص من نسبته لابن عمر رضي الله ~~عنهما وذكره عنه، ومشى في (القاموس) على شيء من أخباره الموضوعة. وأخرج ~~الطبراني وأبو الشيخ وابن حبان في كتاب (العظمة) فيه آثارا. قال الحفاظ في ~~أطولها المشتمل على غرائب من أحواله: إنه باطل كذب. قال الحافظ السيوطي: ms305 ~~والأقرب في خبر عوج بن عنق أنه كان من بقية عاد، وأنه كان له طول في الجملة ~~مائة ذراع أو شبه ذلك، وأن موسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم قتله بعصاه ~~هذا هو القدر الذي يحتمل قبوله انتهى. ### | 198 - # وسئل نفع الله به وبعلومه: عن جماعة يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الجامع الأزهر وفي مكة وغيرهما ليلة الاثنين والجمعة، ومن جملة صلاتهم: ~~اللهم صل أفضل صلاة على أفضل مخلوقاتك سيدنا محمد الخ، فاعترض عليهم بعض ~~المنتسبين للعلم وشنع وقال: ولم يدل على ذلك دليل فيتعين الإمساك عنه فهل ~~هو مصيب في ذلك أو مخطىء؟ فأجاب بقوله رضي الله عنه: هو مخطىء في ذلك أشد ~~الخطأ، وكأنه سرى إليه ذلك من قول بعض من لا علم عنده اعتراضا على قول بعض ~~المادحين: لولاه ما كان لا ملك ولا ملك، مثل هذا يحتاج إلى دليل ولم يرد في ~~كتاب ولا في السنة ما يدل عليه انتهى. وعلى قول أشرف الخلق لا خلق يماثله ~~الذي أخبرنا به عن نفسه صلى الله عليه وسلم: (أنا سيد ولد آدم) . ومسألة ~~تفضيل صالحي البشر على الملائكة أجاب فيها أبو حنيفة وغيره بلا أدري، وهذا ~~هو الجواب الصحيح، قال الله تعالى: {ولقد كرمنا بنىءادم وحملناهم فى البر ~~والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم علىاكثير ممن خلقنا تفضيلا} [الإسراء: ~~70] ولم يقل على الخلق ورسول الله صلى الله عليه وسلم من بني آدم وليس ذلك ~~مما كلفنا بمعرفته، والبحث عنه والكلام فيه فضول، والسكوت عنه هو الجواب ~~انتهى كلام المعترض أيضا، وكأن ذاك المعترض المذكور في السؤال قلد هذا ~~المعترض، وكل منهما مخطىء مجازف قد صير نفسه هدفا لنصال العلماء المصيبة، ~~وغرضا لهفوات الشياطين المريبة. ومما هو واضح جلي في بطلان الاعتراض الأول ~~بل والثاني لمن تأمل قوله: (لأحب # PageV01P133 # الخلق إلي) . في حديث الحاكم الذي صححه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (قال ~~آدم يا رب أسألك بحق محمد صلى الله عليه وسلم لما غفرت لي؟ ms306 فقال الله ~~تعالى: يا آدم وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لما خلقتني بيدك ~~ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا لا إله إلا الله ~~محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك قال الله: ~~يا آدم إنه لأحب الخلق إلي، وإذ سألتني بحق محمد فقد غفرت لك ولولا محمد ما ~~غفرت لك) وفي سند واه قال ابن عدي: فيه أحاديث حسان وهو ممن احتمله الناس ~~وممن يكتب حديثه وتضعيف غيره له قليل ومجبور. ومما صح عند الحاكم أيضا عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما قال: (أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام يا ~~عيسى آمن بمحمد ومر من أدركه من أمتك أن يؤمنوا به فلولا محمد ما خلقت آدم، ~~ولولا محمد ما خلقت الجنة والنار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت ~~عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله فسكن) ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي، ~~فإذا صح عن مثل ابن عباس يكون في حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~كما قرره أئمة الأصول والحديث والفقه، وحينئذ فما في الأول من ضعف لو سلم ~~لقائله يكون مجبورا بهذا لأن هذا وحده كاف في الحجية فضم الأول إليه يزيده ~~قوة أي قوة، وفي حديث رواه صاحب شفاء الصدور وغيره (قال الله يا محمد وعزتي ~~وجلالي لولاك ما خلقت أرضي ولا سمائي ولا رفعت هذه الخضراء ولا بسطت هذه ~~الغبراء) . وفي رواية (من أجلك أسطح البطحاء وأموج الماء وأرفع السماء ~~وأجعل الثواب والعقاب والجنة والنار) . وفي أخرى ذكرها عياض في (الشفاء) : ~~(فقال آدم لما خلقتني بيدك رفعت رأسي إلى العرش فإذا فيه مكتوب لا إله إلا ~~الله محمد رسول الله فعلمت أنه ليس أحد أعظم قدرا عندك ممن جعلت اسمه مع ~~اسمك، فأوحى الله تعالى إليه وعزتي وجلالي إنه لآخر النبيين من ذريتك ~~ولولاه ما خلقتك) وبهذا كله اتضح بطلان ذلك الاعتراض، وأن قائله زل عن ms307 درك ~~الصواب فطغى قلبه وزل قدمه. # ومما يبطل الاعتراض الثاني وهو أشنع وأقبح من الأول بكثير أن الأدلة ~~المعتبرة قامت على تفضيل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على جميع خلق الله ~~الملائكة والنبيين وغيرهم وصرح بذلك العلماء من الصحابة ومن بعدهم؛ فمن ~~الأحاديث الدالة على ذلك الحديث الذي ذكره المعترض نفسه إذ لفظه. (أنا سيد ~~ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من نبي يومئذ ~~آدم فمن سواه إلا تحت لوائي) فهو صريح في أفضلية نبينا على آدم صلى الله ~~عليهما وسلم، وفضيلة آدم على الملائكة يصرح بها قوله تعالى للملائكة: ~~{اسجدوا لأدم} [البقرة: 34] وقوله: {إن الله اصطفىاآدم ونوحا وءال إبراهيم ~~وءال عمران على العالمين} [آل عمران: 33] والملائكة من جملة العالمين ~~اتفاقا، وإذا ثبت بالأدلة الصحيحة أن نبينا أفضل من آدم ومن سائر النبيين ~~كما يصرح به قوله في الحديث المذكور: (ما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا ~~تحت لوائي) وثبت بالآيتين المذكورتين أن النبيين المذكورين فيهما آدم ونوحا ~~وآل إبراهيم وآل عمران أفضل من الملائكة ثبت أن نبينا صلى الله عليه وسلم ~~أفضل من الملائكة بل نبينا صلى الله عليه وسلم من جملة آل إبراهيم فشملته ~~الآية نصا. وفي (الصحيحين) وغيرهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: (أنا سيد ~~الناس يوم القيامة) ومما يدل أيضا على أفضليته على جميع الخلق قوله تعالى: ~~{ورفعنا لك ذكرك} [الإنشراح: 4] وسياق الآية قاض بأن المراد رفع عظيم، ومن ~~ثم فسروه بأن المراد به لا أذكر إلا وتذكر معي وبأن ذلك الرفع العظيم على ~~جميع الخلق، لأنه لم يذكر المرفوع عليهم والأصل عدم التخصيص، ويدل على رفعة ~~قدره على كل مخلوق قوله تعالى: {عسىاأن يبعثك ربك مقاما محمودا} [الإسراء: ~~79] وفسره صلى الله عليه وسلم في الحديث الحسن بالشفاعة العظمى في فصل ~~القضاء لأنه يحمده فيه الأولون والآخرون ويتقدم فيه على جميع خلق الله ~~تعالى من الأنبياء والملائكة، ومما يصرح بتلك الأفضلية أيضا. قوله صلى الله ~~عليه وسلم ms308 في الحديث المتفق على صحته: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: ~~من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) فتأمله فإنه واضح في تلك ~~الأفضلية. وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (أنا أول من تنشق ~~عنه الأرض فألبس الحلة من حلل الجنة ثم أقوم عن يمين العرش ليس أحد من ~~الملائكة يقوم ذلك المقام غيري) وقوله: في الحديث الحسن ولا نظر لقول ~~الترمذي فيه إنه غريب أنه كما بينه شيخ الإسلام السراج البلقيني (أنا حبيب ~~الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع ~~وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرك # PageV01P134 # حلق الجنة فيفتح الله لي ومعي فقراء المؤمنين، وأنا أكرم الأولين ~~والآخرين ولا فخر) فقوله: (ليس أحد من الملائكة يقوم ذلك المقام غيري) ~~وقوله: (وأنا أكرم الأولين والآخرين) الشامل للملائكة والنبيين وغيرهم ~~صريحان في أفضليته على سائر الخلق كما هو جلي. وسبق أن قوله تعالى في قصة ~~آدم السابقة في الحديث الصحيح (لأحب الخلق إلي) صريح في ذلك أيضا، ويوافقه ~~ما نقله الإمام البلقيني عن بعض المحدثين وقال لا يضر عدم ذكره لسندها لأنه ~~من الأئمة المحدثين الذين اطلعوا على جملة من كثرة الأحاديث على أنها إنما ~~سيقت شواهد لما تقرر. فمن جملة ما نقله ذلك المحدث أنه قال: عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن جبريل عن الله تعالى أنه قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ~~(قد مننت عليك بسبعة أشياء أولها أني لم أخلق في السموات والأرض أكرم علي ~~منك) . وعنه صلى الله عليه وسلم قال: (قال لي جبريل عليه السلام أبشر فإنك ~~خير خلقه وصفوته من البشر حباك الله بما لم يحب به أحدا من خلقه، لا ملكا ~~مقربا ولا نبيا مرسلا، ولقد قربك الرحمان إليه من قرب عرشه مكانا لم يصل ~~إليه أحد من أهل السموات ولا من أهل الأرض فهناك الله بكرامته وما حباك به) ~~قال: وفي الحديث المعلوم: (أن النبي صلى الله ms309 عليه وسلم تقدم ووقف جبريل في ~~مقامه وأن ملكا آخر تلقى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له تقدم يا محمد ~~فقلت لا بل تقدم أنت فقال يا محمد تقدم أنت فأنت أكرم على الله مني) . وفي ~~حديث سواد المشهور (يا خير مرسل) وهو يعم الملائكة؟ لأنهم رسل الله أيضا. ~~وصح في خبر بحيراء المشهور: هذا سيد المرسلين وصح عند الحاكم عن بشر بن ~~شغاف قال: كنا جلوسا عند عبد الله بن سلام في المسجد يوم الجمعة، فقال عبد ~~الله بن سلام: إن أعظم أيام الدنيا يوم الجمعة، فيه خلق الله آدم وفيه تقوم ~~الساعة، وإن أكرم خليقة الله على الله أبو القاسم صلى الله عليه وسلم. قال: ~~قلت رحمك الله فأين الملائكة؟ قال: فنظر إلي وضحك وقال يا ابن أخي هل تدري ~~ما الملائكة إنما الملائكة خلق كخلق السموات والأرض وخلق الرياح وخلق ~~الرياح وخلق السحاب وخلق الجبال وسائر الخلق التي لا يعظم على الله منها ~~شيء، وإن أكرم الخلق على الله أبو القاسم صلى الله عليه وسلم ومثل هذا لا ~~يكون من قبل الرأي فإذا صدر من ابن سلام وهو من أكابر الصحابة وصح عنه صار ~~كأنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم كما مر عن الأئمة، ولا نظر إلى احتمال ~~أنه قاله عن التوراة لأنه كان من أحبار اليهود لأن الحجة به قائمة بهذا ~~الغرض أيضا لأن ابن سلام من أكابر الصحابة ومؤمني أهل الكتاب، فإذا نقل ذلك ~~عن التوراة كان الحجة فيه لأنه يعلم مبدلها من غيره كما صح عنه في قصة رجم ~~الزانيين وتصديق النبي صلى الله عليه وسلم له بقوله: (إن ذلك في التوراة) ~~قال البلقيني: وقد جاء عن غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم ذلك ولا يعرف ~~خلاف بين الصحابة في ذلك ولا بين التابعين، وبشر بن شغاف إنما قال فأين ~~الملائكة؟ يستفهم ويستثبت إظهار مقتضى العموم في ذلك ولا نعرف أحدا من ~~الأئمة خالفه في أن النبي صلى الله عليه ms310 وسلم أفضل الخلق. والذي ذكر عن ~~المعتزلة والباقلاني والحليمي من تفضيل الملائكة العلوية على الأنبياء يمكن ~~حمله على غير نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أي كما نقله المتأخرون عن بعض ~~الأكابر من المتقدمين واعتمدوه، ولا نظر لجراءة الزمخشري وتصريحه في سورة ~~التكوير بأفضلية جبريل عليه، ويمكن حمل كلام الباقلاني والحليمي على تفضيل ~~في نوع خاص كاستمرارهم على التسبيح ونحوه، وأما التفضيل المطلق بالنسبة إلى ~~جميع أنواع العبادات فإنه للأنبياء على غيرهم ثم لنبينا عليهم، ونظير ذلك ~~(أقرؤكم أبي) . أمين هذه الأمة أبو عبيدة. ما أقلت الغبراء ولا أظلت ~~الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر) . فالتفضيل في هذه الأنواع الخاصة لا يعارض ~~أفضلية الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم في سائر الأنواع على أولئك وغيرهم. ~~وأما قول ذلك المعترض: ومسألة تفضيل صالحي البشر على الملائكة. أجاب عنها ~~أبو حنيفة وغيره بلا أدري، فيقال عليه هذه رواية عنه، وله رواية أخرى ~~بتفضيل الأنبياء على الملائكة، والمعتمد عند علماء الحنفية أن خواصي بني ~~آدم وهم المرسلون أفضل من جملة الملائكة، والأنبياء غير المرسلين أفضل من ~~غير خواص الملائكة، والخواص من الملائكة أفضل من غير المرسلين، وعلى هذه ~~الرواية فنبينا صلى الله عليه وسلم أفضل من الملائكة ولا يظن بأبي حنيفة ~~ولا بغيره من أئمة المسلمين أنه يتوقف في تفضيل نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم على الملائكة، وقال الشافعي رضي الله عنه # PageV01P135 # في كتاب [الرسالة] : وكان خيرته المصطفى لوحيه المنتخب لرسالته المفضل ~~على جميع خلقه بفتح رحمته وختم نبوته وعم ما أرسل به مرسل قبله، المرفوع ~~ذكره مع ذكره في الأولى الشافع المشفع في الأخرى، أفضل خلقه نفسا وأجمعهم ~~لكل خلق رضيه في دين ودنيا وخيرهم نسبا ودارا محمد عبده ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم وشرف وكرم، وعرفنا فضل نعمته الخاصة والعامة والنفع في الدنيا ~~والدين انتهى. وما صرح به الشافعي رضي الله عنه من تفضيل نبينا وسيدنا محمد ~~صلى الله عليه وسلم على جميع الخلق هو الذي عليه العلماء كافة. وقول ذلك ms311 ~~المعترض: إن القول بلا أدري هو الجواب الصحيح: غلط منه، بل الجواب الصحيح ~~هو ما عليه العلماء من تفضيل نبينا على جميع الخلق من الأنبياء والملائكة، ~~وتفضيل الأنبياء كلهم على الملائكة كلهم، وقوله تعالى: {ولقد كرمنا بني ~~آدم} ظاهر في تفضيلهم إلا ما خرج لدليل، وأما قوله تعالى: {وفضلناهم على ~~كثير ممن خلقنا تفضيلا} فقد قيل إن التفضيل من جهة الغلبة والاستيلاء، وقيل ~~بالثواب والجزاء يوم القيامة وعلى هذا فلا تعرض في الآية للخلاف في التفضيل ~~بين بني آدم والملائكة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ليس الإنسان أفضل من ~~الملك فإن صح حمل على غير الأنبياء لا سيما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~لما صح عنه كما مر أن نبينا أفضل الخلق. وأما قول المعترض: ليس ذلك مما ~~كلفنا بمعرفته: فغلط منه، كيف وهذه المسألة من مسائل أصول الدين، ونحن ~~مكلفون بأن نعظم نبينا ونوقره وأن نأخذ بالأدلة التي جاءت ببيان مرتبته ~~وقربه من ربه. وأما قول ذلك المعترض: والكلام فيه فضلو: ففيه جراءة عظيمة ~~على من تكلم في ذلك من الصحابة وعلماء الأمة بل الكلام في ذلك مطلوب ~~واعتقاده واجب انتهى حاصل كلام البلقيني مع زيادة عليه. وإذا تقرر ذلك فما ~~أعلن به المصلون على النبي صلى الله عليه وسلم في المساجد وغيرها من تلك ~~الصلوات حق واضح لا غبار عليه، ولا اعتراض يتطرق إليه، ومن اعترض ذلك فقد ~~أصابته نزغة اعتزالية أو مسة شيطانية فليتب إلى الله ويستغفره ويتنصل مما ~~وقع منه، فإن الخوض في ذلك ربما جر إلى فساد كبير لصاحبه والعياذ بالله ~~تعالى، والله سبحانه الموفق للصواب تم ذلك الجواب. ### | 199 - # وسئل رضي الله عنه وفسخ في مدته: ما معنى ذبح الموت؟ فأجاب بقوله: إذ ~~استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار جعل الله الموت في صورة كبش ~~ثم يأمر بذبحه بين الجنة والنار زيادة في بشارة أهل الجنة وأن خلودهم فيها ~~خلود بلا موت. فإن قلت: الموت معنى فكيف يكون كبشا ms312 يذبح؟ قلت: هذا من باب ~~تجسم المعاني: أي إبرازها في صورة محسوسة من حيث تسميتها بالشاهد ويحتاط ~~بها ونظيره وزن الأعمال بناء على أنها هي الموزونة فتجسم في صورة ثم توزن ~~لاستحالة وزنها بدون تجسم، والله تعالى أعلم. ### | 298 - # وسئل نفع الله به: عن الفرق بين الشبيه والمثيل والنظير. فأجاب بقوله: ~~الثلاثة متحدة لغة. وأما اصطلاحا فظاهر قول شرح العقائد عن الأشعرية ~~المماثلة إنما تثبت عندهم بالاشتراك في جميع الأوصاف إن المثيل أخصها لأن ~~المماثلة تستلزم المشابهة وزيادة، والشبيه أعم من المثيل وأخص من النظير، ~~والنظير أعم من الشبيه، إذ المشابهة لا تستلزم الممائلة فقد يكون شبه الشيء ~~غير مماثل له، والنظير قد لا يكون مشابها. والحاصل أن المماثلة تقتضي ~~المساواة من كل وجه، والمشابهة تقتضي ذلك في الأكثر، والمناظرة تكفي في ~~وجه. 291 وسئل نفع الله به: عن حديث: (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله والجنة حق) هل الجنة منصوبة أو مرفوعة. فأجاب بقوله: منصوبة، ولا ~~يصح الرفع لفساد المعنى هنا، إذ يخرجه عن المراد من دخوله في المشهود به. ~~202 وسئل نفع الله به: عن قول الفقهاء: ولا يمكن للوارث أخذها ونحوه، هل ~~الفاعل أخذ أو الوارث؟ فأجاب بقوله: الصواب الأول للقاعدة المقررة إذا ~~اشتبه عليك الفاعل من المفعول فرد الاسم إلى الضمير، فما رجع إلى ضمير ~~المتكلم المرفوع فهو الفاعل، وما رجع إلى ضميره المنصوب فهو المفعول. قال ~~ابن هشام: تقول أمكن المسافر السفر لأنك تقول أمكنني السفر، ولا تقول أمكنت ~~السفر ومن ذلك {أعجب الكفار نباته} [الحديد: 20] . ### | 203 - # وسئل نفع الله به، عن الحمد لله أكمل الحمد، بنصب أكمل أو جره. فأجاب ~~بقوله: جوز الكافيجي الجر بل ورجحه # PageV01P136 # واستدل له وألف فيه، وعين الجلال السيوطي النصب وأطال في رد ما قاله شيخه ~~الكافيجي وهو الحق، لأن أكمل صفة لمصدر محذوف تقديره حمداف أكمل لا لله كما ~~هو بديهي خلافا لما زعمه الشيخ. ### | 204 - # وسئل نفع الله به: عن حديث (كما تكونوا ms313 يولى عليكم) المروي هكذا في (شعب ~~الإيمان) للبيهقي وغيره ما وجهه؟ فأجاب بقوله: إنه على لغة من يحذف النون ~~دون ناصب وجازم، ومثله حديث: (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا) أو على رأي ~~الكوفيين الذين ينصبون بكما، أو أنه من تغيير الرواة لكن هذا بعيد جدا. 205 ~~وسئل نفع الله به: ما إعراب حديث مسلم (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد ~~من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من ~~أصحاب النار) ونحو: ما جاءني زيد إلا أكرمته. فأجاب بقوله: قال في ~~(التسهيل) : في تقرير هذه القاعدة التي من أفرادها هذا الحديث ويليها أي ~~إلا في النفي فعل المضارع بلا شرط وماض مسبوق بفعل أو مقرون بقد، ومثل في ~~(شرح التسهيل) للأول بمثل ما كان زيد إلا يفعل كذا وما زيد إلا يفعل كذا ~~وللثاني {ما} [الأنعام: 5] والثالث بقول الشاعر: وما المجد إلا قد تبين أنه ~~نداء وحكم لا يزال مؤثلا قال: وأغنى اقتران الماضي بقد عن تقدم فعل، لأن قد ~~تقربه من الحال فيكون بذلك شبيها بالمضارع ولم يشترط في المضارع شيء لشبهه ~~بالاسم، لأن اقترانه بالنفي يجعل الكلام بمعنى كلما كان، فكان فيه فعلان ~~كما كان مع كلما؛ فلو قلت ما زيد إلا قام لم يجز، لأنه مما ذكر والمستثنى ~~لا يكون إلا اسما أو مؤولا بالاسم، والماضي المجرد من قد بعيد من شبه ~~الاسم، وأنشدك بالله إلا فعلت في معنى النفي كقولهم: شر أهر ذا ناب: أي ما ~~أسألك إلا فعلك انتهى. وقال أبو البقاء في قوله: {ما يأتيهم من رسول إلا ~~كانوا الخ} إن الجملة حال من ضمير المفعول في (يأتيهم) وهي حال مقدرة ويجوز ~~أن تكون صفة لرسول على اللفظ أو الموضع انتهى. فعلم منه تخريج الحديث على ~~الوجهين والأرجح الحالية لأن وقوع ما بعد إلا وصفا لما قبلها وجه ضعيف بل ~~لا يعرف لبصري ولا كوفي، فإن الزمخشري تفرد بذلك، وإن ما أوهم ذلك محمول ~~على ms314 الحال، وأبو البقاء تابع للزمخشري. وأيضا فالحالية تطرد في جميع ~~الأمثلة، والوصف يختص بما إذا كان الاسم السابق نكرة كالحديث؛ أما نحو ما ~~جاءني زيد إلا أكرمته فلا يمكن فيه الوصفية فترجحت الحالية وأنها مقدرة كما ~~صرح به أبو البقاء، وما أورده السائل على ذلك من عدم الملازمة وجواز تخلف ~~متعلق الإرادة الحادثة عنها لا يقدح في التخريج إذ لو صح ذلك لم يكن يصح ~~لنا حال مقدرة، والقواعد العقلية لا تؤثر في القواعد النحوية. على أن ~~الترتيب الذي في الحديث شرعي لا عادي، والذي فيما جاءني زيد إلا أكرمته ~~عادي، ومثل ذلك تكتفي به الحال المقدرة على أن ما ذكره في وجه الترتيب ~~تفسير معنى، وما ذكره في تقرير الحال تفسير إعراب، وهم يفرقون بين تفسير ~~المعنى وتفسير الإعراب، ولا يلتزمون توافقهما، كما وقع ذلك كثيرا لسيبويه ~~رضي الله عنه والزمخشري وغيرهما، ثم الجملة في الحديث ليست مستقلة حتى يقال ~~هل يرجع الاستثناء إلى كل منها أو إلى بعضها بل جملة ثم يموت ولا يؤمن ~~مرتبطة بالجملة الأولى قيد فيها، وثم واقعة موقع الفاء فإنها لمجرد الربط ~~لا للتراخي. ### | 206 - # وسئل نفع الله به: ما وجه النصف في (سبحان الله وبحمده زنة عرشه) الخ؟ . ~~فأجاب بقوله: نصبها بتقدير ظرف: أي قدر زنة عرشه كما بينه الخطابي وغيره ~~وكذا البواقي، ومعنى قوله: (ومداد كلماته) قدر ما يوازنها في العدد ~~والكثرة، وعبارة النهاية أي مثل عدد كلماته، وقيل قدر ما يوازنها في الكثرة ~~عددا أو وزنا وهذا التمثل يراد به التقريب انتهى أشار بمثل إلى المصدر أو ~~الوصف، وبقوله وقيل قدر إلى الظرف، ومعنى قدر رضا نفسه: أي قدر ما يرضيه من ~~قائله فلما حذف الظرف قام المضاف إليه مقامه في إعرابه، وقد صرح الأئمة بأن ~~قدر ومثل ومقدار تنصب على الظرفية، ومن قال إنها منصوبة على المصدر: أي عدد ~~تسبيحه وتحميده بعدد خلقه ومقدار ما يرضيه عرشه ومقداره ومقدار كلماته، أو ~~سبحته تسبيحا يساوي خلقه في العدد، وزنة عرشه في ms315 الثقل، ومداد كلماته في ~~المقدار، ويوجب رضا نفسه، فقد أبعد كما بينه الجلال السيوطي، لأنه غير مصدر ~~للتسبيح بل الفعل من الزنة: أي سبحان الله أزنه زنة عرشه وهو فاسد إذ ليس ~~المراد إنشاء وزن التسبيح بل إنشاء قوله: أي أقول سبحان الله قولا كثيرا ~~مقدار زنة عرشه في # PageV01P137 # الكثرة والعظمة، ثم إذا قدر في الأخرى وأعده عدد خلقه كان إنشاء لعدد ~~التسبيح وليس مرادا بل المراد أقول قولا عدد خلقه، على أن ذلك قد يتعذر في ~~رضا نفسه وتقديره أرضيه رضا نفسه فاسد لعود ضميره على غير التسبيح وهو في ~~زنة وعدد للتسبيح فيختل التناسق في الكلمات، وبفرض عدم التعذر في هذا هو ~~متعذر في مداد كلماته، ومما يفسد مصدرية عدد، أنه يلزمها عدم فكه لأنه مصدر ~~على فعل بسكون العين فيجب أن يقال عد بالإدغام قال الله تعالى: {إنما نعدم ~~عدا} وأنه أدخل في تقديره الباء على عدد وما بعده فاقتضى أنه منصوب بنزع ~~الخافض أو الظرفية، لا المصدر إذ الباء لا تدخل عليه قبل التقدير بعدد كعدد ~~خلقه وبمقدار زنة عرشه ورضا نفسه: أي غير منقطع، فأشار إلى أن الأول مصدر ~~والثاني ظرف والثالث حال وتقدير قدر المستلزم ليتساوى كل إعرابا أولى. قال ~~في (الارتشاف) : وفرق سيبويه بين وزن الجبل وزنة الجبل؛ فمعنى وزنه ناحية ~~توازنه: أي تقابله قربت أو بعدت، وزنته حذاؤه: أي متصلة به وكلاهما مبهم ~~يصل إليه الفعل وينتصب ظرفا، وفي بعض (شروح المصابيح) : زنة عرشه ما يوازنه ~~في المقدار، يقال هو زنة الجبل أي حذاءه في الثقل والموازنة، وفيه إيماء ~~إلى تخريج الحديث على الظرفية، وجواز نصب عدد على أنه صفة للمصدر. ورد بأنه ~~إما صفة للمذكور وهو سبحان الله، ويعكر عليه الفصل بينه وبين موصوفه بقوله ~~وبحمده وهو ضعيف أو ممنوع. على أن سبحان الله علم للتسبيح لم يتصرفوا فيه ~~بشيء ففي جواز وصفه وقفة وإما صفة لمقدر: أي سبحان الله تسبيحا عدد خلقه، ~~وهو غير محتاج إليه لأن سبحان الله مصرح ms316 به لفظا فلا حاجة لتقدير مصدر آخر ~~لأجل صحة ما ادعى من أنه وصف للمصدر، لأن المصدر المذكور منصوب بفعل مقدر ~~فإذا قدر مصدر آخر لزم منه ثلاثة تقادير فعل المصدر الظاهر، والمصدر ~~المقدر، وفعل له إذ الفعل الواحد لا ينصب مصدرين. وأيضا فصحة الكلام تتوقف ~~على تقدير شيء آخر، لأن التسبيح ليس نفس العدد ولا الزنة مثلا فيقدر مثل: ~~أي مثله في المقدار فرجع للظرفية، خصوصا وقوله رضا نفسه لا يصح فيه تقدير ~~المثل ولا يصح النصب هنا على الحال لأن التقدير أسبح: أي أقول سبحان الله ~~عادا لخلقه وموزونا لكلماته، فإن جعل حالا من الفاعل نافاه أن عدد وما بعده ~~جار على سبحان الله أو من المفعول نافاه أن المفعول هنا مطلق، والمعهود ~~مجيء الحال من المفعول به، ويتعذر كونه حالا من المضاف إليه، ولا يطرد ~~التقدير بالمستتر في مداد كلماته فبطلت الحالية. 207 وسئل نفع الله به بما ~~لفظه: في الحديث (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة إلا مريض ~~الخ) ما وجه الرفع فيه مع أنه استثناء من كلام تام موجب؟ فأجاب بقوله: أجيب ~~بأنه منصوب ولكن حذفت الألف فيه نظير قول (شرح مسلم) في حديث (وأرى مالك ~~خازن النار) في رواية لفظة (مالك) منصوبة وأسقطت الألف في الكتابة؟ وهذا ~~يفعله المحدثون كثيرا فيكتبون سمعت أنس بغير الألف ويقرؤونه بالنصب وهذا ~~أحسن ما يقال انتهى. وقال ذلك في رواية: (ولأهل نجد قرن) بلا ألف مع أنه ~~مصروف لأنه اسم لجبل وكذا قال القرطبي (وكان صداقه لأزواجه يسير اثنتي عشرة ~~أوقية) وقوله يسير معرب منون غير أنه وقع هنا يسير على لغة من يقف على ~~المنون بالسكون بغير ألف. ### | 208 - # وسئل نفع الله به: أي كلمة تكون اسما وفعلا وحرفا؟ فأجاب بقوله: على اسم ~~بمعنى فوق وفعل من العلو وحرف جر ومن حرف جر وفعل أمر من مان يمين واسم كما ~~في (الكشاف) في {فأخرج به من الثمرات رزقا لكم} [البقرة: 22] إذا كانت من ~~للتبعيض فهي ms317 في موضع المفعول به ورزقا مفعول من أجله ولكم مفعول به لرزقا، ~~لأنه حينئذ مصدر. وفي (حاشية الطيبي) إذا قدرت من مفعولا كانت اسما كعن في ~~من عن يمين، وفي حرف جر، واسم بمعنى الفم في حالة الجر وفعل أمر من الوفاء ~~بإشباع. 209 وسئل نفع الله به: عن الوضع في أسماء الإشارة للمعنى العام أو ~~للخصوصيات المشتركة. فإن قيل بالأول ورد أنه لا يجوز إطلاقها عليها إذ لا ~~تطلق إلا على الخصوصيات فلا يقال هذا والمراد أحد مما يشار إليه بخلاف رجل، ~~وإن إطلاقها على الخصوصيات مجاز، ولا قائل به، أو بالثاني لزم أن يكون ~~مشتركا لفظا ولا قائل بمنع أن يشار به إلى أمر كلي مذكور وذلك ينافي وضعه ~~للخاص. فأجاب بقوله: القرافي ذكر السؤال في ذلك، وجوابه لكن في المضمر ~~فقال: اختلف الفضلاء في مسمى المضمر حيث وجد، هل هو جزئي أو كلي؟ فقال ~~الأكثرون: مسماه جزئي لاتفاقهم على أنه # PageV01P138 # معرفة ولو كان مسماه كليا لكان نكرة، وبأنه لو كان كليا كان دالا على من ~~هو أعم من الشخص المعين. والقاعدة العقلية أن الدال على الأعم غير الدال ~~على لأخص فيلزم أنه لا يدل المضمر على شخص خاص ألبتة وليس كذلك وهذا معنى ~~قول السائل. فإن قيل بالأول ورد الخ. ثم قال القرافي: وذهب الأقلون وهو ~~الذي أجزم بصحته إلى أن مسماه كلي والدليل عليه أنه لو كان مسماه جزئيا لا ~~يصدق على شخص آخر كالأعلام، فإنه لما كان مسماها جزئئا لم تصدق على غير من ~~وضعت له إلا بوضع ثان، فإذا قال قائل أنا، فإن كان اللفظ موضوعا بإزاء ~~خصوصيته من حيث هو هو وخصوصه ليس موجودا في غيره فيلزم أنه لا يصدق على ~~غيره إلا بوضع آخر، وإن كان موضوعا لمفهوم المتكلم بها وهو قدر مشترك بينه ~~وبين غيره والمشترك كلي فيكون لفظ أنا حقيقة في كل من قال أنا لأنه متكلم ~~بهذا الذي هو مسمى اللفظ فينطبق ذلك على الواقع. قال: والجواب عما احتج ms318 به ~~الأولون أن دلالة اللفظ على الشخص المعين لها سببان. أحدهما: وضع اللفظ ~~بإزاء خصوصيته فيفهم الشخص الموضوع بإزاء الخصوص وهذا كالعلم، والثاني: أن ~~يوضع اللفظ بإزاء معنى عام، ويدل الواقع على أن مسمى اللفظ محصور في شخص ~~معين فيدل اللفظ عليه لانحصار مسماه فيه لا للوضع بإزائه، ومن ذلك ~~المضموات، وضعت العرب لفظة أنا مثلا لمفهوم المتكلم بها، فإذا قال القائل ~~أنا فهم هو لأن الواقع أنه لم يقل هذه اللفظة الآن إلا هو ففهمناه لانحصار ~~المسمى فيه لا للوضع بإزائه وكذلك بقية المضمرات. قال: وبهذا يحصل الجواب ~~عن القاعدة العقلية لأن اللفظ الموضوع لمعنى أعم لا يدل على ما خو أخص منه، ~~فإن الدلالة لم تأت من اللفظ وإنما أتت من جهة حصر الواقع المسمى في ذلك ~~الأخص انتهى كلام القرافي ملخصا. وما قاله في (المضمرات) يأتي بعينه في اسم ~~الإشارة. وجواب الترديد الذي في السؤال أنه ليس من باب المشترك ولا من باب ~~المجاز، بل من باب الوضع للقدر المشترك وهو غيرهما، فهذا مثلا وضع لمشار ~~إليه مفرد ذكر خاص أو ما في حكمه، وهو مفهوم كلي وانحصاره في خاص ليس للوضع ~~بإزائه، بل لأن المتكلم لم يشر به الآن إلا لزيد مثلا، وهذا معنى قول بعض ~~محققي النحاة أن المضمر واسم الإشارة كلي وضعا جزئي استعمالا، ونظيره قول ~~بعض الأصوليين إن الأمر موضوع للقدر المشترك بين الوجوب والندب، وهو الطلب ~~حذرا من المجاز والاشتراك، لأن الوضع حينئذ ليس لكل منهما ولا لأحدهما ~~لاحتمال أن يستعمل في غيره وإنما هو بمعنى صادق على كل منهما وهو الطلب، ~~وهكذا يقال في اسم الإشارة والمضمر ليس الوضع فيهما لواحد فقط بحيث يستعمل ~~في غيره مجازا، ولا لكل واحد بحيث يكون مشتركا بل لمفهوم صادق على كل فرد، ~~وهو في اسم الإشارة مشار إليه مفرد ذكر حاضر، وفي المضمر مفرد متكلم أو ~~غيره. 210 وسئل رضي الله عنه: في الإيمان هل يكفي فيه التصديق الإجمالي أم ~~لا؟ فإن قلتم بالأول ms319 فما معنى تفسيرهم وتحديدهم الإيمان الشرعي بأن التصديق ~~بما علم من دين محمد بالضرورة؟ فإذا صح ذلك فما هو القدر المعلوم من الدين ~~بالضرورة؟ فإن صح أن هذا حقيقة الإيمان فهل يضر الجهل به أو ببعضه ويختل ~~الإيمان لأن الماهية تختل باختلال جزء منها وهذا مشكل، والمراد بالسؤال عن ~~هذا ما يخلص الإنسان فيما بينه وبين الله كما قال (وحسابهم على الله) لا ~~بحسب الغير لأن دماءهم وأموالهم وتكفيرهم معصوم بالشهادتين، بينوا لنا ~~بيانا شافيا واضحا لأن الله جعلكم رحمة للعالمين؟ . فأجاب بقوله: في حقيقته ~~الإيمان مذاهب ثمانية ذكرها صاحب (المواقف) وتبعه شارحها فقالا: هو عندنا ~~يعني أتباع الشيخ أبي الحسن، وعليه أكثر الأئمة كالقاضي والأستاذ التصديق ~~للرسول فيما علم مجيئه به ضرورة تفصيلا فيما علم تفصيلا وإجمالا فيما علم ~~إجمالا، ثم حكيا عن قوم أنه المعرفة بالله فقط وعن آخرين أنه المعرفة بالله ~~وما جاءت به الرسل إجمالا. وعن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه التصديق مع ~~كلمتي الشهادة، وعن السلف أي بعضهم والمحدثين كلهم أنه مجموع التصديق ~~بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان، ومعنى قوله تفصيلا فيما علم ~~تفصيلا، وإجمالا فيما علم إجمالا، أن الواجب أولا وبالذات هو التصديق ~~الإجمالي وإذا وجد اكتفى به في الأحكام الدنيوية والأخروية إن مات عقب ذلك ~~التصديق وقبل علمه بشيء من التفاصيل الآتية. وأما إذا لم يمت فإنا نخاطبه ~~ونكلفه بالتصديق بتلك # PageV01P139 # التفاصيل المعلومة من الدين بالضرورة سواء المتعلقة بالاعتقاد والعمل كما ~~يأتي، والدليل على ما ذكرته أمور: منها: قول المواقف في أدلة زيادة الإيمان ~~ونقصه مما هو بحسب التعلق التفصيلي في أفراد ما علم مجيئه أي الشارع به جزء ~~من الإيمان يثاب عليه ثوابه على تصديقه بالإجمالي، قال الشارح: يعني أن ~~أفراد ما جاء به متعددة وداخلة في التصديق الإجمالي فإذا علم واحد منها ~~بخصوصه أو صدق به كان هذا تصديقا مغايرا لذلك التصديق المجمل وجزءا من ~~الإيمان، ولا شك أن التصديقات التفصيلية تقبل ذلك الإجمال انتهى. وهو صريح ~~في أن الإيمان ms320 يوجد ويتحقق بالتصديق الإجمالي وإن لم يوجد التصديق ~~التفصيلي، ومحل ما ذكرته من أنه يتحقق بالإجمالي أولا، وبالذات دون ما بعد ~~ذلك في الأثناء فإنه لا بد أن ينضم إليه بعد علمه بالتفاصيل الضرورية ~~التصديق بها إن علمها جميعها وإلا فما علمه منها. ومنها: قول المواقف ~~وشرحها أيضا في أدلة المذهب: الصحيح الذي عليه الشافعي وأبو حنيفة وغيرهما ~~رضي الله عنهم من أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بما حاصله أن المسائل ~~المختلف فيها نحو كون الله عالما أو موجدا لأفعال العبد أو غير متحيز، ولا ~~في جهة، لم يبحث النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة رضوان الله عليهم ~~ولا التابعون عن اعتقاد من حكموا بإسلامه، فيلزم أن الخطأ فيها غير قادح في ~~حقيقة الإسلام، ولا يقال لعل صلى الله عليه وسلم عرف منهم أنهم عالمون بها ~~إجمالا فلم يبحث عنها كما لم يبحث عن علمهم بعلمه تعالى وقدرته مع وجوب ~~اعتقادهما، لأنا نعلم أنهم لم يكونوا كلهم عالمين بأنه تعالى عالم بالعلم ~~لا بالذات، وأنه يرى في الآخرة وأنه ليس بجسم، ولا في مكان وجهة، وأنه قادر ~~على أفعال العباد كلها، وأنه موجد لها بأسرها فقولهم بعلمهم بها مما علم ~~فساده بالضرورة، وأما العلم والقدرة فهما مما يتوقف عليه ثبوت النبوة ~~لدلالة المعجزة عليهما فكان العلم بالنبوة دليلا للعلم بهما ولو إجمالا، ~~فلذلك لم يبحث عنهما انتهى. فتأمل قوله وكان العلم بالنبوة الخ تجده صريحا ~~فيما ذكرته من أن الشرط في ابتداء الإيمان إنما هو التصديق بجميع المعلوم ~~بالضرورة إجمالا فيكفي ذلك ولا يشترط التصديق بالأمور التفصيلية الضرورية ~~إلا لمن علمها تفصيلا فيكلف بالتصديق والإذعان بها فإن صدق وأذعن استمر على ~~إيمانه وإلا كفر من حينئذ. ومنها: قول أئمتنا في (الفروع) : ويشترط لنفع ~~الإيمان في الآخرة مع النطق بالشهادتين تصديق القلب بوحدانية الله تعالى ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر انتهى. فأفهم ذلك إنه يكفي التصديق بما جاء به ~~محمد صلى الله عليه وسلم من ذلك إجمالا ولا يشترط ms321 التفصيل إلا إن لوحد ~~تفصيلا كما يأتي. ومنها: قول المحقق الكمال بن أبي شريف في شرحه مسايرة ~~شيخه المحقق الكمال بن الهمام: جمهور الأشاعرة، وبه قال الماتريدي إن ~~الإيمان هو التصديق بالقلب فقط أي قبوله وإذعانه لما علم بالضرورة من دين ~~محمد صلى الله عليه وسلم بحيث تعلمه العامة من غير نظر واستدلال كالوحدانية ~~والنبوة والبعث ولاجزاء ووجوب الصلاة والزكاة والحج وحرمة الخمر ونحوها، ~~ويكفي الإجمال فيما يلاحظ إجمالا كالإيمان بالملائكة والكتب والرسل، ويشترط ~~التفصيل فيما يلاحظ تفصيلا كجبريل وميكائيل وموسى وعيسى والتوراة والإنجيل ~~حتى من لم يصدق بواحد منها كفر انتهى، فأفهم هذا أن ما علم من الدين ~~بالضرورة إن شعر به من جهله اشترط تصديقه به إجمالا إن شعر به إجمالا ~~كالملائكة والكتب والرسل، وتفصيلا إن شعر به تفصيلا كجبريل وموسى والتوراة، ~~وأنه لا يشترط في صحة الإيمان أن يصدق بالأشياء المفصلة إلا إذا شعر بها ~~مفصلة. ومنها: قولهما ما حاصله: إن الذي يجب الإيمان به هو ما جاء به محمد ~~صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل فيجب التصديق بكل ما جاء به من اعتقادي ~~وعملي؛ ومعنى التصديق بالعملي اعتقاد حقية العمل، وتفاصيل هذين كثيرة جدا، ~~إذ حاصل ما في الكتب الكلامية هو الاعتقادات، وما في دواوين السنة هو ~~الاعتقادات والأعمال، فاكتفى بالإجمال وهو أن يقر بأن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله، بشرط مطابقة قلبه واستسلامه بلسانه، وأما التفاصيل فما ~~يعقله المكلف فيها لزمه إعطاؤه حقه. ثم إن نفي جحوده الإستسلام كالمواظبة ~~على ترك سنة استخفافا بها وقتل نبي ونحوهما مما ذكره الحنفية في كتبهم ~~وتبعهم على أكثرها أئمتنا في الفروع أو وجب تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم ~~كجحد المعلوم من الدين بالضرورة، كان جحده # PageV01P140 # كفرا وإن لم ينف جحده ذلك كان جحده فسقا وضلالا، ثم الشاهد للحضرة ~~النبوية وغيره قد يتفقان في الكفر بالإنكار وقد يختلفان فيتفقان في الكفر ~~بإنكار الضروري كالإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به ms322 من ~~وجود ذات الله المقدس سبحانه، وانفراده تعالى باستحقاق العبودية على ~~العالمين فلا شريك له لتفرده بالألوهية المستلزم لقدمه وانفراده بالخلق ~~المستلزم لكونه تعالى حيا عليما قادرا مريدا، ومن أن القرآن كلام الله وما ~~يتضمنه القرآن من الإيمان بأنه تعالى متكلم سميع مرسل لرسل قصهم علينا ورسل ~~لم يقصهم علينا، ومنزل للكتب، وله عباد مكرمون وهم الملائكة، ومن أنه فرض ~~الصلاة والزكاة والصوم والحج، ومن أنه يحيي الموتى وأن الساعة آتية لا ريب ~~فيها ومن أنه حرم الزنا والخمور والقمار فإنكار شيء من هذا كفر في حق ~~الفريقين، ويختلفان فيما نقل آحادا كسؤال الملكين ووجوب زكاة الفطر فلا ~~يكفر بإنكاره إلا الشاهد فقط ما لم يدع نحو نسخ لأنه علم بالضرورة مجيء ~~النبي صلى الله عليه وسلم به لسماعه منه، وقيل إنكار سؤالهما كفر ولو في حق ~~الغائب لتواتره معنى، ومحله إن أنكره بعد تواتره عنده بخلافه قبله لأنه لا ~~تكذيب فيه حينئذ للنبي صلى الله عليه وسلم وإنما فيه تكذيب أو تغليط للرواة ~~أو نحوهما، ومن ثم لو علم منه أنه رده استخفانا لأجل التصريح به في السنة ~~دون القرآن كفر، ولا يكفر بإنكار قعطي غير ضروري كاستحقاق بنت الابن السدس ~~مع بنت الصلب، وظاهر كلام الحنفية كفره ويجب حمله أي بناء على قواعدهم على ~~منكر علم أنه قطعي وإلا فلا يكفر إلا إذا ذكر له أهل العلم أنه من الدين، ~~وأنه قطعي، فتمادى فيما هو عليه عنادا فيكفر لظهور التكذيب منه حينئذ كما ~~دل عليه كلام إمام الحرمين. وأما التبري من كل دين يخالف دين الإسلام فإنما ~~شرطه جمهور الشافعية في حق من يخص رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بالعرب ~~لإجراء أحكام الإسلام عليه لا لثبوت إيمانه واتصافه به فيما بينه وبين الله ~~تعالى، فإنه لو اعتقد عموم الرسالة وأني بالشهادتين فقط كان مؤمنا عند ذلك ~~وهو معنى التبري المذكور، وقيل لا يشترط التبري مطلقا لأنه صلى الله عليه ~~وسلم كان يكتفي بالشهادتين فقط من أهل الكتاب ms323 مطلقا، ويجاب بأن كل من كان ~~بحضرته صلى الله عليه وسلم وسمع منه ادعاء عموم الرسالة فإذا شهد أنه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لزم تصديقه إجمالا في كل ما يدعيه وتفصيلا فيما ~~علمه من ذلك تفصيلا، بخلاف من لم يسمع ادعاء عمومها لجواز أن يجهل تواتر ~~ذلك فاحتيج لتلفظه بالتبري السابق، وبعض التفاصيل المذكورة المندرجة تحت ~~الشهادتين اختلف فيها هل التصديق بها داخل في مسمى الإيمان فيكفر منكرها ~~أولا فلا، فمن ذلك اختلاف أهل السنة في تكفير المخالف في بعض العقائد بعد ~~اتفاقهم على كفر المخالف في بعض الأصول المعلوم ضرورة، كالقول بقدم العالم ~~ونفي حشر الأجساد ونفي علمه تعالى بالجزئيات ونفي فعله بالاختيار، بخلاف ما ~~ليس كذلك كنفي مبادىء الصفات مع إثباتها كقول المعتزلي عاليم بلا علم وكنفي ~~عموم الإرادة للخير والشر كالقول بخلق القرآن فقال جماعة هو كفر. والصحيح ~~عند جمهور المتكلمين والفقهاء والأشعري خلافه انتهى ملخصا، وهو مشتمل على ~~صرائح متعددة فيما ذكرته أو لا من الاكتفاء بالتصديق الإجمالي في ابتداء ~~الإيمان بخلاف دوامه وبخلاف ملاحظة التفاصيل فإنه لا بد فيهما من التصديق ~~التفصيلي، فمن تلك الصرائح قوله: فاكتفى بالإجمالي الخ، وقوله: محل إن ~~أنركه بعد تواتره عنده الخ وقوله: ويجب حمله، وقوله: فإنه لو اعتقد عموم ~~الرسالة وأتى بالشهادتين فقط كان مؤمنا عند الله الخ، وقوله فإذا شهد أنه ~~رسول الله لزم تصديقه إجمالا الخ، فتأمل ذلك يتضح لك ما ذكرته. إذا تقرر ~~ذلك فقول السائل: هل يكفي فيه التصديق الإجمالي؟ جوابه: نعم بشرطه السابق، ~~وهو أنه يكتفي منه بذلك ابتداء عند عدم ملاحظة التفصيلي وإلا لم يكف، بل لا ~~بد من التصديق التفصيلي، وقوله: فإن قلتم بالأول الخ. جوابه: أن التصديق ~~بذلك له جهتان: إجمالي: وهو مندرج في التصديق بالوحدانية ورسالة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وهذا يكفي ممن لم يخطر بباله شيء من التفاصيل المعلومة من ~~الدين بالضرورة وتفصيلي: وهو شرط فيمن لحظ شيئا من تلك التفاصيل فلا يكون ~~مؤمنا حتى يصدق ms324 بما لحظه أو عرفه منها، وقوله فما القدر المعلوم من الدين ~~بالضرورة؟ جوابه: أنه قد سبق ضابطه وهو أن يكون قطعيا مشهورا بحيث لا يخفى ~~على العامة المخالطين للعلماء بأن يعرفوه بداهة من غير إفتقار إلى نظر ~~واستدلال، ولذلك مثل منها في الاعتقادي # PageV01P141 # وحدانية الله تعالى وتفرده بالألوهية وتنزهه عن الشريك وسمات الحادثات ~~كالألوان، وتفرده باستحقاق العبودية على العالمين وبإيجاد الخلق وحياته ~~وعلمه وقدرته وإرادته وإنزاله الكتب وإرساله للرسل، وأن له عبادا مكرمين ~~وهم الملائكة، وأنه يحيي الموتى ويحشرهم إلى دار الثواب والعقاب، وأن ~~المؤمنين مخلدون في الجنة والكافرين مخلدون في النار، وأن العالم حادث وأنه ~~تعالى محيط بالجزئيات كالكليات، وغير ذلك من كل خبر نص عليه القرآن والسنة ~~المتواترة نصا لا يحتمل التأويل، أو اجتمعت الأمة على أن ذلك هو معناه وعلم ~~من الدين بالضرورة. ومنها: في العملي وجوب الوضوء والغسل من الجنابة ~~والتيمم وانتقاض الطهارة بنحو البول وحصول الجناية بنحو الجماع والحيض، ~~ووجوب الصلوات الخمس وعدد ركعاتها، ووجوب نحو الركوع والسجود فيها وبطلانها ~~بتعمد نحو الحدث، ووجوب الجمعة بشروطها، ووجوب الزكاة في الأنعام والزرع ~~والنقود دون التجارة وكذا الفطرة إن راعينا خلاف ابن اللبان، ثم رأيت ابن ~~سمح قال: لا يكفر جاحدها وقدر نصبها المجمع عليها، ووجوب صوم رمضان والحج ~~والعمرة على من استطاعهما، وحل البيع والمؤاخذة بالإقرار وحل الأخذ ~~بالشفعة، وحل الإجارة والاعتداد بالوقف والهبة والصدقة والهدية وحصول ~~التوارث بين الأقارب وأقدار الأنصباء المذكورة في القرآن لذوي الفروض، وحل ~~النكاح ووقوع الطلاق وجريان القود أو الدية، وحل قتل المرتد، ورجم الزاني ~~المحصن وجلد غيره وقطع السارق، وحل الجهاد وأخذ الجزية والحلف بالله سبحانه ~~وتعالى، وتولى الإمامة العظمى والعتاق ونفوذه، وتحريم تعمد الوطء في الحيض ~~والنفاس والصلاة بنحو غير وضوء والجماع في نهار رمضان بخلافه في الحج، ~~وتحريم الربا والغصب والمكس ونكاح المحارم بالنسب أو الرضاع أو المصاهرة ~~والجمع بين نحو الأم وابنتها والأختين في النكاح، وتحريم المطلقة ثلاثا ~~وقتل النفس بغير الحق والزنا واللواط ولو في مملوكه ms325 وإن قيل لا حد به لأن ~~مأخذ الحرمة والسرقة وشرب الخمر والقمار وأكل الميتة في حال الاختيار ~~وشهادة الزور والغيبة والنميمة وإيذاء المسلمين ونحو ذلك، فالاعتقادي ~~بأقسامه السابقة والعملي بأقسامه الثلاثة؛ يعني ما قلنا إنه واجب أو حلال ~~أو حرام معلوم من الدين بالضرورة من حيث أصل كل منها، وإن وقع خلاف في بعض ~~تفاصيل صور من العملي، فمن أنكر واحدا منها بالكلية أو اعتقد وجوب ما ليس ~~بواجب بالإجماع كصلاة سادسة، اعتقد أن وجوبها كوجوب الخمس فخرج نحو الوتر ~~أو أنكر مشروعية السنن الراتبة أو صلاة العيدين أو أنكر بقية الصلاة، زاعما ~~أنها لم ترد إلا مجملة كفر. وضابط الاعتقادي أن من نفى أو أثبت له تعالى ما ~~هو صريح في النقص كفر، أو ما هو ملزوم للنقص لم يكفر لأن الأصح أن لازم ~~المذهب ليس بمذهب. فإن قلت: يشكل على بعض تلك المثل التي ذكرتها أخذا من ~~تعريفهم لما علم ضرورة بما مر إنكار نكاح المعتدة فإنه لا يكون كفرا. قلت: ~~قد بينت في (شرح الإرشاد) ما في ذلك مع رد قول البلقيني إنه كفر، لأنه ~~معلوم من الدين بالضرورة فعليه لا إشكال. هذا، ومن أراد تحقيق هذا المبحث ~~وغيره من المكفرات فعليه بكتاب (الإعلام في قواطع الإسلام) فإني ذكرت فيه ~~أكثر المكفرات على المذاهب الأربعة مع بيان ما يوافق قواعد مذهبنا مما نص ~~عليه غير أئمتنا فحسب كالحنفية فإنهم أوسع الناس في هذا الباب وكذا القاضي ~~في (الشفاء) وغيره. واعلم أن التردد في المعلوم من الدين بالضرورة ~~كالإنكار، وأن الكلام في مخالط للمسلمين بخلاف غير المخالط لهم، فإنه لا ~~يكفر بإنكاره ذلك، ولا بالتردد فيه ما دام لم يتواتر عنده كما صرح به بعض ~~أئمتنا، وبه يعلم أنه لا يكفي في الكفر بالإنكار أن يقول له شخص أو أشخاص ~~لم يبلغوا عدد التواتر هذا واجب أو حلال أو حرام بل لا بد أن يتواتر عنده ~~ذلك فإذا تواتر عنده كفر بالشك أو الإنكار، لأنه مكذب للنبي صلى ms326 الله عليه ~~وسلم وهذا أدل دليل على أن تفاصيل المعلوم من الدين بالضرورة غير شرط في ~~صحة الإيمان ابتداء كما قدمته، وخرج بقولهم المعلوم من الدين إنكار المعلوم ~~بالضرورة لكنه من غير الدين، بأن لم يرجع إنكاره إلى إنكار شريعة كإنكار ~~غزوة تبوك أو وجود عمر وقتل عثمان رضي الله عنهما وغير ذلك إذ ليس فيه أكثر ~~من الكذب والعناد كإنكار هشام وعباد وقعة الجمل، ومحاربة علي من خالفه، نعم ~~إن اقترن بذلك اتهامه # PageV01P142 # للناقلين وهم المسلمون أجمع كفر لسريانه إلى إبطال الشريعة، ومثله إنكار ~~مكة والكعبة لاستلزامه ترك الحج ووجوب الاستقبال وغيرهما من الشرائع ~~المتعلقة بذلك. وقول السائل: فإن صح أن هذا حقيقة الإيمان إلخ؟ جوابه: ما ~~علم مما مر أن التصديق بالمعلوم من الدين بالضرورة لا يشترط التصديق به أو ~~ببعضه تفصيلا، إلا ممن علمه تفصيلا بأن تواتر عنده فلا بد من التصديق به ~~وإلا كان كافرا، وأما من لم يتواتر شيء منه فيكفيه التصديق الإجمالي لما ~~علمت من أن إنكاره قبل التواتر غير كفر، وبهذا علم الجواب عن بقية السؤال. ~~ثم رأيت السبكي في (فتاويه) ذكر في هذه المسألة كلاما حسنا مؤيدا لما قدمته ~~فأحببت ذكر حاصله وإن كان فيه بعض طول، فإنه لما نقل الإجماع على أنه صلى ~~الله عليه وسلم مرسل إلى الجن وأن ذلك أمر مقطوع به قال: وأما وجوب الإيمان ~~بذلك فصحيح بمعنى تصديق ما دل عليه من الكتاب والسنة والإجماع بعد الإحاطة ~~بها وليس معناه أنه يجب، ويشترط في الإيمان اعتقاد ذلك ولا يكون مؤمنا إلا ~~به حتى يلزم تحصيل سببه، فإن العامي لو أقام دهره لا يعتقد ذلك ولم يخطر ~~بباله ولا عرف شيئا من الأدلة الدالة عليه غير أنه يعلم أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله كان مؤمنا وليس بعاص بتأخيره تعلمه لذلك أو تركه إذا ~~قام غيره به، وقول من قال من المحققين بوجوب الإيمان بذلك محمول على ما ~~قلناه، فإن الشريعة كلها وجميع ما ورد ms327 فيها يجب الإيمان به إجمالا، وأما ~~تفصيلا فمنه ما يجب على كل أحد وهو ما يعم جميع المكلفين كالصلاة ونحوها، ~~ومنها ما ليس كذلك فلا يجب إلا على من احتاج إليه أو من علم بدليله، وما ~~نحن فيه من هذا القسم، ثم قال بعد كلام طويل: الناس على أقسام: منهم عامي ~~لم تخطر بباله هذه المسألة أو خطرت بباله وما اعتقد فيها شيئا لجهله فهذا ~~لا شيء عليه لأنه لم يكلف بذلك لكن يشترط أن يطلق شهادته بأن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله ولا يخصصها، فمتى خصصها فقال إلى الإنس خاصة ~~فيتكلم عليه. ومنهم عامي اعتقد خلاف الحق لشبهة أو تقليد جاهل، فهذا ~~اعتقاده هذا خطأ، يلزمه النزوع عنه وأن يسأل أو يبحث ليظهر له الصواب، وهو ~~بإصراراه على هذا الإعتقاد الخطأ عاص لأنه من أصول الدين الذي لا يعذر ~~بالخطأ فيه، والفقيه إذا اعتقد في هذه المسألة خلاف الحق لشبهة أو تقليد ~~جاهل عاص أيضا كالعامي بل هو عامي فيها، ومحل الحكم فيهما بالعصيان فقط ~~وصحة الإيمان إذا أطلقا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن ~~خصاها فقالا إلى الإنس فقط فأخشى عليهما الكفر لأن الإسلام الذي بينه ~~الشارع بالشهادة المطلقة. # ومنهم من اعتقد التعميم في ذلك من عامي أو فقيه لا عن دليل بل تقليد محض، ~~فيكفيه ذلك وليس بعاص لأنه لم يقم دليل على إيجاب اليقين في أمثال هذه ~~المسألة ولا هو شرط في الإيمان، فإذا لم يكن للشخص علم بأدلة هذه المسألة ~~واقتصر على التقليد فيها كفاه، ولا فرق بين أن يكون اعتقاده على جهة ~~التقليد جازما أو غير جازم، فإن التقليد لفظ مشترك بين الإعتقاد الجازم ~~المطابق لا لموجب، وبين قبول الغير بغير حجة سواء كان الجزم به أم لا، فهذا ~~الثاني كاف هنا ولا يكفي فيما يجب الإيمان به من الوحدانية ونحوها، والأول ~~يكفي لأن إيمان المقلد صحيح عند جمهور العلماء خلافا لأبي هاشم من ~~المعتزلة، وكثير ms328 من الناس يغلطون ويعتقدون أن إيمان المقلد لا يصح، وقد ~~بينت هذا في فتوى وقلت: إن الناس ثلاث طبقات: (عليا وهم أهل المعرفة ~~والاستدلال التفصيلي وهم العلماء. وأهل الاستدلال الإجمالي وهم كثيرون من ~~العوام فلا خلاف في صحة إيمانهم. ووسطي وهم أهل العقيدة المصممون على غير ~~ذلك، ولم يقل بتكفيرهم إلا أبو هاشم. ودنياوهم المقلدون من غير تصميم، ولم ~~يقل بصحة إيمانهم إلا شذوذ منهم من كان غائبا وقد وصلت إليه هذه الأدلة، ~~وله تمكن من النظر فيها، فهذا المطلوب منه العلم بها وبأدلتها ويلزمه ~~الإيمان به قطعا لعلمه فصار بمنزلة من سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيلزمه تصديقه فيه قطعا. وأما الإيمان الإجمالي فواجب على كل أحد بما جاء ~~به النبي صلى الله عليه وسلم فلا بد منه في هذه المسألة وغيرها، ويكتفي به ~~في هذه المسألة بالنسبة إلى غير العالم ولا يكتفى به في حق العالم فلا بد ~~وفرض ذلك عسر، لأن العالم متى أحاط علمه بهذه الأدلة ووجه دلالتها حصل له ~~العلم، ولا يمكن تخلف العلم عنه بعد ذلك، نعم لو كان الشخص له قوة على ~~النظر وتمكن من الأدلة والوقوف عليها والنظر ولم يفعل بل اقتصر على محض ~~التقليد، فالذي يظهر أنه لا يعصي بذلك ويكفيه # PageV01P143 # التقليد. وأما إذا لم يقلد ولكن توقف ولم يعتقد منها شيئا مع تمكنه من ~~إدراك ذلك فهو محل نظر، ويترجح أيضا أنه غير مأثوم لعدم قيام الدليل على ~~وجوب ذلك، بخلاف ما إذا اعتقد غير الحق فإن ذلك يكون كتقصيره والإقدام بغير ~~دليل خطأ بخلاف التوقف فيما لا يجب كما يأتي في الفروع. أقول: من أقدم على ~~فعل بغير علم بحكمه يكون مأثوما، ومن توقف عنه لا يكون مأثوما، ثم قال بعد ~~كلام طويل أيضا: كلام إمام الحرمين يقتضي أن إرساله صلى الله عليه وسلم إلى ~~الجن معلوم بالضرورة، وما قاله الإمام صحيح إذ هو القدوة في ذلك لأنا نفهم ~~قطعا بالنقل المتواتر المفيد بالضرورة أن النبي صلى ms329 الله عليه وسلم ادعى ~~الرسالة مطلقا ولم يقيدها بقبيلة ولا طائفة ولا إنس ولا جن فهي عامة. ثم ~~المعلوم بالضرورة من الشرع قسمان: أحدهما: ما يعرفه الخاصة والعامة. ~~والثاني: ما قد يخفى على بعض العوام، ولا ينافي هذا قولنا إنه معلوم ~~بالضرورة لأن المراد من مارس الشريعة علم منها ما يحصل به العلم الضروري ~~بذلك، وهذا يحصل لبعض الناس دون بعض بحسب الممارسة وكثرتها أو قلتها أو ~~عدمها. فالقسم الأول من أنكره من العوام والخواص فقد كفر، لأنه كالمكذب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم في خبره، ومن هذا القسم إنكار وجوب الصلاة والصوم ~~والزكاة والحج ونحوها وتخصيص رسالته صلى الله عليه وسلم ببعض الإنس فمن قال ~~ذلك فلا شك في كفره، وإن اعترف بأنه رسول الله لأن عموم رسالته إلى جميع ~~الإنس مما يعلمه الخواص والعوام بالضرورة من الدين. والقسم الثاني من أنكره ~~من العوام الذين لم يحصل عندهم من ممارسة الشرع ما يحصل به العلم الضروري ~~لم يكفر وإن كانت كثرة الممارسة توجب للعلماء العلم الضروري به، ومن هذا ~~القسم عموم رسالته صلى الله عليه وسلم إلى الجن فإنا نعلم بالضرورة ذلك ~~لكثرة ممارستنا لأدلة الكتاب والسنة وأخبار الأمم، وأما العامي الذي لم ~~يحصل له ذلك العلم إذا أنكر ذلك فإن قيد الشهادة بالرسالة إلى الإنس خاصة ~~خشيت عليه الكفر كما قدمته، وإن أطلق الشهادة بأن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله ولم يتنبه إلى أن إنكاره لعموم الرسالة للجن يخالف ذلك فلا ~~أرى الحكم بكفره، ولكن يؤدب على كلامه في الدين والجهل ويؤمر بأن يتعلم ~~الحق في ذلك لتزول عنه الشبهة التي أوجبت له الإنكار؛ وإذا لم يحصل منه ~~إنكار ولا تكلم في ذلك ولا خطر بباله شيء منه فلا لوم عليه ولا يؤمر بتعلم ~~ذلك لأنه ليس بفرض عين، وإن خطر بباله ذلك لزمه السؤال واعتقاد الحق أو صرف ~~نفسه عن اعتقاد الباطل ويشهد للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة؛ فعلم أن ~~العامي لا يكلف ms330 بالعلم بذلك قطعا ولا ظنا، وأن العالم المطلوب منه العلم، ~~وأن هذه المسألة وإن كانت قطعية لكن في نفسها إذ القطع فيها غير لازم ~~للعامي فهي بالنسبة إليه كسائر الفروع فيكتفي بها بالإجماع عنده على أنه ~~صلى الله عليه وسلم مرسل للثقلين متواتر مقطوع به كسائر الفروع الثابتة ~~بالتواتر كما تضمنه كلام إمام الحرمين انتهى كلام السبكي رحمه الله وشكر ~~سعيه، وهو موافق لكثير مما قدمته ومشتمل على فوائد ينبغي إمعان النظر فيها ~~ومزيد تأملها لخفائها على أكثر المحصلين واعتقادهم فيها خلاف الصواب. ### | 211 - # وسئل رضي الله عنه ونفعنا به: في عقائد الحنابلة ما لا يخفى على شريف ~~علمكم، فهل عقيدة الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه كعقائدهم؟ فأجاب بقوله: ~~عقيدة إمام السنة أحمد بن حنبل رضي الله عنه وأرضاه وجعل جنان المعارف ~~متقلبه ومأواه وأفاض علينا وعليه من سوابغ إمتنانه وبوأه الفردوس الأعلى من ~~جنانه، موافقة لعقيدة أهل السنة والجماعة من المبالغة التامة في تنزيه الله ~~تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا من الجهة والجسمية وغيرهما ~~من سائر سمات النقص، بل وعن كل وصف ليس فيه كمال مطلق، وما اشتهر بين جهلة ~~المنسوبين إلى هذا الإمام الأعظم المجتهد من أنه قائل بشيء من الجهة أو ~~نحوها فكذب وبهتان وافتراء عليه، فلعن الله من نسب ذلك إليه، أو رماه بشيء ~~من هذه المثالب التي برأه الله منها، وقد بين الحافظ الحجة القدوة الإمام ~~أبو الفرج بن الجوزي من أئمة مذهبه المبرئين من هذه الوصمة القبيحة ~~الشنيعة، أن كل ما نسب إليه من ذلك كذب عليه وافتراء وبهتان وأن نصوصه ~~صريحة في بطلان ذلك وتنزيه الله تعالى عنه فاعلم ذلك فإنه مهم. وإياك أن ~~تصغى إلى ما في كتب ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية وغيرهما ممن اتخذ ~~إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن # PageV01P144 # يهديه من بعد الله، وكيف تجاوز هؤلاء الملحدون الحدود، وتعدوا الرسوم ~~وخرقوا سياج الشريعة والحقيقة، فظنوا ms331 بذلك أنهم على هدى من ربهم وليسوا ~~كذلك، بل هم على أسوأ الضلال وأقبح الخصال وأبلغ المقت والخسران وأنهى ~~الكذب والبهتان فخذل الله متبعهم وطهر الأرض من أمثالهم. # وإياك أن تغتر أيضا بما وقع في [الغنية] لإمام العارفين وقطب الإسلام ~~والمسلمين الأستاذ عبد القادر الجيلاني، فإنه دسه عليه فيها من سينتقم الله ~~منه وإلا فهو برىء من ذلك وكيف تروج عليه هذه المسألة الواهية مع تضلعه من ~~الكتاب والسنة وفقه الشافعية والحنابلة حتى كان يفتي على المذهبين، هذا مع ~~ما انضم لذلك من أن الله من عليه من المعارف والخوارق الظاهرة والباطنة وما ~~أنبأ عنه ما ظهر عليه وتواتر من أحواله، ومنه ما حكاه اليافعي رحمه الله ~~وقال: مما علمناه بالسند الصحيح المتصل أن الشيخ عبد القادر الجيلاني أكل ~~دجاجة ثم لما لم يبق غير العظم توجه إلى الله في إحيائها فأحياها الله إليه ~~وقامت تجري بين يديه كما كانت قبل ذبحها وطبخها، فمن امتن الله عليه بمثل ~~هذه الكرامات الباهرة يتصور أو يتوهم أنه قائل بتلك القبائح التي لا يصدر ~~مثلها إلا عن اليهود وأمثالهم ممن استحكم فيه الجهل بالله وصفاته وما يجب ~~له وما يجوز وما يستحيل: {سبحانك هاذا بهتان عظيم} [النور: 17، 18] . ومما ~~يقطع به كل عاقل أن الشيخ عبد القادر لم يكن غافلا عما في (رسالة القشيري) ~~التي سارت بها الركبان واشتهرت بين سائر المسلمين سيما أهل التحقيق ~~والعرفان، وإذا لم يجهل ذلك فكيف يتوهم فيه هذه القبيحة الشنيعة، وفيها عن ~~بعض رجالها أئمة القوم السالمين عن كل محذور ولوم أنه قال: كان في نفسي شيء ~~من حديث الجهة فلما زال ذلك عني كتبت إلى أصحابنا إني قد أسلمت الآن، فتأمل ~~ذلك واعتن به لعلك توفق للحق إن شاء الله تعالى وتجري على سنن الاستقامة، ~~ولم نعلم أحدا من فقهاء الشافعية ابتلى بهذا الإعتقاد الفاسد القبيح الذي ~~ربما أدى إلى الكفر والعياذ بالله إلا ما نقل على العمراني صاحب البيان ~~ولعله كذب عليه، أو أنه تاب منه ms332 قبل موته بدليل أن الله تعالى نفع بكتبه ~~شرقا وغربا، ومن على ذلك الإعتقاد لا ينفع الله بشيء من آثاره غالبا. ### | 212 - # وسئلت: عن مطالعة كتب العقائد؟ فأجبت بقولي: لا ينبغي للإنسان الذي لم ~~يحط بمقدمات العلوم الإلهية والبراهين القطعية أن يشتغل بمطالعة شيء من كتب ~~العقائد المشكلة، فإنها مزلة الأقدام للعوام جالبة لوقوعهم في ورطة الحيرة ~~والأوهام، بل ربما أدى بهم ذلك إلى الكفر الصريح والابتداع القبيح، فليترك ~~العاقل ذلك إذا أراد سلامة دينه، فإن كان فاعلا ولا بد فيلزم شيخا عالما ~~بفن الكلام وغيره نصوحا سليم العقيدة فليقرأ عليه في ذلك مبتدئا فيه إلى أن ~~يحيط بشيء منه بقدر ما يصحح به عقيدته ثم يترك التوغل في ذلك فإنه الضلال ~~الأكبر كما أشار إليه إمامنا الشافعي رضي الله عنه وأرضاه وجعل الفردوس ~~متقلبة ومثواه آمين. ### | 213 - # وسئل نفع الله به، بما لفظه: طعن بعض الناس في أبي الحسن وأبي إسحق ~~الأشعريين والباقلاني وابن فورك وأبي المعالي إمام الحرمين والباجي وغيرهم ~~ممن تكلم في الأصول ورد على أهل الأهواء بل ربما بالغ بعض الملحدة فادعى ~~كفرهم فهل هؤلاء كما قال ذلك الطاعن أو لا؟ فأجاب بقوله: ليسوا كما قال ذلك ~~الخارق المارق المجازف الضال الغال الجاهل المائل، بل هم أئمة الدين وفحول ~~علماء المسلمين فيجب الاقتداء بهم لقيامهم بنصرة الشريعة وإيضاح المشكلات ~~ورد شبه أهل الزيغ وما يجب من الاعتقادات والديانات لعلمهم بالله وما يجب ~~له، وما يستحيل عليه، وما يجوز في حقه، ولا يعرف الوصول إلا بعد معرفة ~~الأصول، ومن ثم فضل أقوام علوم القرآن والحديث وقدموها على حفظ المسائل ~~الفقهية حتى أدى ذلك بعض ملوكهم إلى أن توعد الفقهاء وأخافهم، وبعضهم حبس ~~الناس على اشتغالهم بالمدونة وأحرقها حتى اجتمع القاضي ابن زرقون في حضرة ~~بعض أمرائهم فقال: هل بقي أحد ممن ينتحل هذا المذهب فقال بعض الظاهرية: لم ~~يبق منهم إلا القليل، فقال: إنهم يحكمون في دين الله بغير دليل يقولون في ~~المصلى بنجاسة يعيد في الوقت ms333 لأن النجاسة إن كان غسلها واجبا أعاد أبدا ~~وإلا فلا إعادة عليه فالإعادة في الوقت ما قام عليها دليل. فأجابه ابن ~~زرقون فقال له: الأصل في ذلك حديث الأعرابي المشهور وقوله: (ارجع فصل فإنك ~~لم تصل) ولم يأت في طرف الحديث أنه أمره # PageV01P145 # بإعادة ما مضى فاستكان عند ذلك الأمير وقال: دعوا الناس على مذاهبهم، ~~والواجب الاعتراف بفضل أولئك الأئمة المذكورين في السؤال وسابقيهم، وأنهم ~~من جملة المرادين بقوله صلى الله عليه وسلم: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدو ~~له، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين) فلا يعتقد ~~ضلالتهم إلا أحمق جاهل أو مبتدع زائغ عن الحق ولا يسبهم إلا فاسق، فينبغي ~~تبصير الجاهل وتأديب الفاسق واستتابة المبتدع، وإلا فقال بعض أئمة ~~المالكية: يضرب إلى أن يموت كما فعل سيدنا عمر رضي الله عنه بضبيع المشهور ~~المتهم، وورد أنه لما أكثر ضربه قال له: إن كنت تريد دوائي فقد بلغ موضع ~~الداء، وإن كنت تريد قتلي فعجل علي فخلى سبيله. ### | 214 - # وسئل رضي الله عنه، عما يقول بعض الأصوليين: إنه لا يكمل الدين إلا ~~بمعرفة أصول الدين وتحقيقه ويتعين على كل أحد الاشتغال به وتقديمه على تعلم ~~سائر الفروع، ومن خالف في ذلك ربما ضللوه وكفروه هل هو صحيح أو لا؟ فأجاب ~~بقوله: ليس ما قالوه صحيحا بإطلاقه كما شنع الشافعي رضي الله عنه وغيره من ~~الأئمة على أهل الكلام وبدعوهم وضللوهم بما هو مبسوط في غير هذا المحل، ومن ~~ثم لم يقل من الأئمة الأشعرية بتلك المقالة المحكية في السؤال ولا يتأولها ~~عليهم إلا غبي جاهل، إذ لو كان الإسلام لا يتم إلا على القوانين العقلية ~~التي رتبها الأصوليون لبينها صلى الله عليه وسلم للناس وبلغها إليهم كما ~~أمر في قوله تعالى: {لقد أخذنا ميثاق بنى إسراءيل وأرسلنآ إليهم رسلا كلما ~~جآءهم رسول بما لا تهوىاأنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون} [المائدة: 70] ~~الآية، فلما تيقنا أنه لم يدع الناس لذلك ولا تكلم به أحد من الصحابة بكلمة ms334 ~~واحدة فما فوقها من هذا النمط من طريق تواتر ولا آحاد من طريق صحيح ولا ~~سقيم علم أنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه عدلوا إلى ما هو أبين للفهم ~~ليستبقوا إليه بأوائل العقل وهو ما أمر الله به من الاعتبار بمخلوقاته في ~~غير ما آية، ولم يمت صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الناس، وبين ما أنزل إليهم ~~وأمر بتبليغه في خطبته في حجة الوداع وغيرها من مقاماته بحضرة العامة ~~وقوله: (هل بلغت) وما أمر به هو كمال الدين وتمامه بقوله تعالى: {حرمت ~~عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة ~~والمتردية والنطيحة ومآ أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن ~~تستقسموا ب الأزلام ذالكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم ~~واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الأسلام دينا ~~فمن اضطر فى مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} [المائدة: 3] فلا ~~حجة في إثبات التوحيد وما يجب له تعالى أو يجوز أو يستحيل بما سوى ما أنزله ~~في كتابه وبينه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وما نبه عليه من الاعتبار ~~فقال: {وفى أنفسكم أفلا تبصرون} [الذاريات: 21] أشار إلى أن فيها من آثار ~~الصنعة ولطيف الحكمة ما يدل على وجود الصانع الحكيم وأنه قادر عليهم واجد ~~موجد: {ليس كمثله شىء وهو السميع البصير} [الشورى: 11] كما ذكر في كتابه ~~العزيز، فإذا نظر في نفسه وما ركب فيها من الجواهر المدركة والجوارح ~~المباشرة للقبض والبسط والأعضاء المعدة للأفعال كالأضراس المعدة للطحن عند ~~فراغ الرضاع والحاجة للطعام والمعدة لنضج الطعام وإنعامه لمجاري الأعضاء ~~والعروق، وغير ذلك مما في البدن من البدائع التي لا يعقلها إلا العالمون، ~~ولا يفهم حقائق ما وضعت له إلا العارفون، وقوله تعالى: {أفلا ينظرون إلى ~~الإبل كيف خلقت} [الغاشية: 17] {إن في خلق السماوات والأرض} } [البقرة: ~~164] {أفرءيتم ما تمنون} [الواقعة: 58] الآيات. وشبه ذلك من المجادلة ~~الواضحة التي يدركها كافة العقلاء وعامة المخاطبين وهي أكثر ms335 من أن تحصى ~~فيتيقن بها وجوده ثم يتيقن وحدانيته وعلمه وقدرته بما يشاهد من كثرة أفعاله ~~على الحكمة وإيرادها وجريها على طرقها، فمن أتقن هذا علم سائر صفاته توفيقا ~~على كتابه المنزل، وعلم صدق نبيه المرسل، وما ظهر عليه من المعجزات ~~فالاستدلال بهذا أصح وأوضح في التوصل إلى المقصود، وعليه عول سلف الأمة ~~لأنه نظر عقلي بديهي مركب على مقدمات من العقل والعلم والتوصل إليه بطريق ~~الأشاعرة فهو وإن صح إلا أنه لا يؤمن على صاحبه الفتنة، ولهذا تركها السلف ~~لا لعجزهم عنها فهم أعقل وأفهم ممن بعدهم، ولم يأت آخر هذه الأمة بأهدى مما ~~كان عليه أوائلها. # فيتعين على الولاة منع من يشهر علم الكلام بين العامة لقصور أفهامهم عنه ~~ولأنه يؤدي بهم إلى الزيغ والضلال، وأمر الناس بفهم الأدلة على ما نطق به ~~القرآن ونبه عليه إذ هو بين واضح يدرك ببداهة العقل كما مر، ثم يتعلم أحكام ~~العبادات والعقود التي كلفوها على ما هو مبين في الفروع. وأما من جد في ~~الطلب وله حظ وافر من الفهم فعليه أن يقرأ علم الكلام إذا وجد إماما يفتح ~~له مقفله ويوضح له مشكله فيزداد بقراءته والوقوف على حقائقه بصيرة في دينه، ~~ويعرف فساد مذاهب المخالفين والمبتدعة والغالين ورد شبههم ويجوز الكمال في ~~العلم حتى يدخل تحت عموم حديث (يحمل هذا # PageV01P146 # العلم من كل خلف عدوله) وتكفير من فعل ما ذكرناه هو الكفر أو يجر إليه، ~~لأن من اشتغل بعلم الكلام ومقدماته قبل اشتغاله بمعرفة ما كلف به من ~~العبادات وغيرها يجلس مدة ذلك وهو لم يصل ولم يصم ولا حج، وقد لا يتم له ~~تعلم الكلام ومقدماته إلا بعد الزمن الطويل فيمرق من الدين ويخرج من جملة ~~المسلمين، أعاذنا الله من الشيطان الرجيم ولا نكب بنا عن المنهج المستقيم ~~برحمته إنه منعم كريم، وأدام علينا الاستمساك بما جرى عليه السلف وانتهجه ~~صالحو الخلف آمين. [فائدة] : زعم بعضهم أنه يقرب مما حكى عن البعض المذكور ~~في السؤال قول الإمام في ms336 (الإرشاد) : أول ما يجب على البالغ العاقل ~~باستكماله سن البلوغ أو الحلم شرعا القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى ~~العلم بحدوث العالم انتهى وليس ذلك الزعم في محله، إذ ما قاله لا خلاف فيه ~~فلم يحصره في تعلم القوانين الكلامية التي الكلام فيها. نعم الذي يقرب من ~~ذلك إنما هو قول الباقلاني يلزم ذكر حدوث العالم وأدلة إثبات الأعراض ~~وامتناع خلو الجواهر عنها وإبطال حوادث لا أول لها، وأدلة العلم بالصانع ~~وما يجب له تعالى وما يستحيل عليه وما يجوز له، وأدلة المعجزة وصحة ~~الرسالة، ثم الطرق التي وصلنا بها إلى التكليف انتهى. ولقربه من ذلك قيل ~~عليه إنه هفوة من القاضي. قال المازري: أردت اتباعه فرأيت في نومي كأني ~~أخوض بحرا من ظلام، فقلت هذه مزلة الباقلاني. قال البرزلي: سألت شيخنا عن ~~قول المازري هل أراد الانتقاد عليه أو الأخذ به؟ فقال الأول وهو يستلزم ~~الثاني لأنه خوض فيما لا يعني، ويحتمل أن تكون هذه واجبة مع الإمكان فليست ~~بشرط في وجوب الأحكام فلا يمنع وجوبها مع فقدها ما ذكر انتهى. والذي صرح به ~~أئمتنا أنه يجب على كل أحد وجوبا عينيا أن يعرف صحيح الإعتقاد من فاسده، ~~ولا يشترط فيه علمه بقوانين أهل الكلام لأن المدار على الإعتقاد الجازم ولو ~~بالتقليد على الأصح. وأما تعليم الحجج الكلامية والقيام بها للرد على ~~المخالفين فهو فرض كفاية، اللهم إلا إن وقعت حادثة وتوقف دفع المخالف فيها ~~على تعلم ما يتعلق بها من علم الكلام أو آلاته فيجب عينا على من تأهل لذلك ~~تعلمه للرد على المخالفين. فإن قلت: كيف هذا مع قول ابن خويز منداد كتب ~~الكلام لا يجوز تملكها والإجارة فيها باطلة، ومتى وجدت وجب إتلافها بالغسل ~~والحرق، ومثله كتب الأغاني واللهو وشعر السخفاء من المتأخرين وكتب الفلاسفة ~~والعزائم ثم عدى ذلك إلى كتب اللغة والنحو، وبين ما فيهما من خوض أهلهما ~~فيهما في أمور لا يعلمون صحتها. ثم قال: وكتب الكلام فيها الضلالة والبدع ~~والإلحاد في أسماء الله ms337 وصفاته، والكفر بتأويل القرآن وتحريفه عن موضعه فلا ~~يجوز بقاؤها في ديار المسلمين لئلا تضل الجاهل. فإن قيل: بعضها حق لأنكم لا ~~بد لاحقون ببعض أقسام أهل الكلام؟ فجوابه: إن هذا خطأ علينا لأنا لا ننسب ~~إلى الكلام ولا إلى أهله ونحن منهم براء، ولو تشاغل سني بالكلام لكان ~~مبتدعا، والسني هو المنتسب للسلف الصالح، وكلهم زجروا عن الخوض في مثل هذا، ~~والخائضون في هذا من سائر أهل البدع، ويكفي في الخروج إلى البدعة مسألة ~~واحدة فكيف وقد أوقروا ظهورهم وأجمعوا نفوسهم انتهى كلام ابن خويز منداد. ~~قلت: قال ابن برزة شارح إرشاد إمام الحرمين: هذا النقل عنه باطل، فإن صح ~~عنه فالحق حجة عليه، وإذا تصفحت قواعد الأشعرية ومذاهبهم (ومباني) أدلتهم ~~وجدتها راجعة لعلم الكلام بل من أنكر علم التوحيد أنكر القرآن وذلك عين ~~الكفران والخسران، وكيف يرجع لابن خويز منداد ويترك أقاويل أفاضل الأمة ~~وعلماء الملة من الصحابة ومن بعدهم كالأشعري والباهلي والقلانسي والمحاسبي ~~وابن فورك والإسفرايني والباقلاني وغيرهم من أهل السنة، وأنشدوا في تفضيله: ~~أيها المقتدي ليطلب علما كل علم عبد لعلم الكلام وقيل للقاضي أبي الطيب: إن ~~قوما يذمون علم الكلام، فأنشد: عاب الكلام أناس لا خلاق لهم وما عليه إذا ~~عابوه من ضرر ما عاب شمس الضحى في الأفق طالعة أن لا يرى ضوءها من ليس ذا ~~بصر وما قيل إنه بدعة لأنه لم ينظر فيه السلف مع أنه يورث المراء والجدال ~~والشبهات رد بأنه نظر فيه السلف قطعا منهم عمر وابنه وعلي وابن عباس رضي ~~الله عنهم، ومن التابعين عمر بن عبد العزيز وربيعة وابن هرمز ومالك # PageV01P147 # والشافعي رضي الله عنهم، وألف مالك رضي الله عنه فيه رسالة قبل أن يولد ~~الشافعي رضي الله عنه، وإنما نسب للأشعري لأنه بين مناهج الأولين ولخص ~~موارد البراهين، ولم يحدث فيه بعد السلف إلا مجرد الألقاب والاصطلاحات، وقد ~~حدث مثل ذلك في كل فن من فنون العلم، والقول بأن السلف نهوا عن النظر فيه ~~باطل، وإنما الذي ms338 نهوا عنه علم الجهمية والقدرية وغيرهم من أهل البدع وهم ~~الذين ذمهم الشافعي وغيره من السلف. واعلم أن المذهب الكلامي أن يورد مع ~~الحكم ردا لمنكره حجة مسلمة الاستلزام. وينقسم إلى منطقي وجدلي؛ فالأول ما ~~كان برهانا يقيني التأليف قطعي الاستلزام، والثاني ما كانت حجته أمارة ظنية ~~لا يفيد إلا الرجحان. وزعم الجاحظ أنه ليس في القرآن من ذلك شيء يعني من ~~المنطقي، وأما الجدلي فهو كثير فيه كقوله: {وهو أهون عليه} [الروم: 27] أي ~~والأهون أدخل في الإمكان من بدء الخلق، ومنه: {ما اتخذ الله من ولد} ~~[المؤمنون: 91] الآية، وقول إبراهيم: {أتحاجونى فى الله وقد هدانى} ~~[الأنعام: 80] ومنه أيضا عند بعض المحققين: {لو كان فيهمآ آلهة إلا الله ~~لفسدتا} [الأنبياء: 22] والقول بأن هذا كفر مردود كما هو مبسوط في محله من ~~مبادىء كتب الكلام قال بعض المحققين: وكذب الجاحظ فيما ادعى بل أكثر حجج ~~أهل الكلام مستنبطة من القرآن العظيم، وفقنا الله لفهم ذلك آمين. ### | 215 - # وسئل نفع الله به، بما لفظه: ما وجه تعلق المعتزلة في خلق الأعمال بقوله ~~تعالى: {إنا كل شىء خلقناه بقدر} [القمر: 49] وما وجه الرد عليهم؟ فأجاب ~~بقوله: الذي تمسكوا به على ذلك رفع كل وهو قراءة شاذة وأن (خلقنا) في موضع ~~جر صفة لشيء ولا تعلق لهم فيها بوجه، بل هي بنصب كل الذي هو القراءة ~~المتواترة دليل أهل السنة على خلق الله لأعمال العباد، وعلى قراءة الرفع لا ~~دليل فيها لأحد المذهبين إن سلم أن جملة خلقناه صفة لشيء وبقدر هو الخبر؛ ~~أما إذا جعل خبرا وبقدر حال فهو يفيد ما أفاده النصب من عموم الخلق لكل شيء ~~مخلوق من الأقوال والأفعال والجواهر والأعراض، وتقدير النصب إنا كل شيء ~~خلقناه، والرفع إنا كل شيء مخلوق لنا حال كونه متلبسا بقدرتنا عليه، أو ~~مخلوق بقدرتنا بناء على أن بقدر صفة للمخلوق أو خبر بعد خبر فحكم على كل ما ~~صح أن يطلق عليه لفظ الشيء بأنه مخلوق لله تعالى، إذ خلقناه خبر وأي دليل ms339 ~~على تعين وصفيتها، وإنما قلنا مخلوق لئلا تدخل صفات الباري فهي خارجة من ~~العموم بالدليل العقلي فيبقى ما عداها على حاله من أنه محكوم عليه بأنه ~~مخلوق لله تعالى. فإن قلت: احتمال وصفية خلقنا يمنع استدلالكم بالآية. قلت: ~~لما كانت القراءة المتواترة التي هي قراءة النصب نصا في مدعانا أخذنا بها، ~~وأما قراءة الرفع فهي محتملة فلا دليل فيها لهم كما لا دليل لنا فبطل ~~استدلالهم بها وبقي استدلالنا بقراءة النصب، فتأمل. ### | 216 - # وسئل نفع الله به: عن معنى كلام الله تعالى لموسى صلى الله عليه وسلم ~~وغيره، وهل يمكن سماع غير موسى له؟ فأجاب بقوله: كلام الله وإن لم يكن من ~~جنس كلام المخلوقين يسمعه من أكرمه الله من رسله وملائكته بواسطة أو غيرها ~~قال تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا} [الشورى: 51] الآية، ~~وقال تعالى: {إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلىانوح والنبيين من بعده وأوحينآ ~~إلىاإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسىاوأيوب ويونس وهارون ~~وسليمان وءاتينا داوود زبورا} [النساء: 163] قال بعض أئمة المالكية: من ~~أنكر أن الله تعالى كلم موسى استتيب، فإن تاب وإلا قتل. قال بعض المتأخرين: ~~والكلام على الحقيقة كله لله وإضافته إلى غيره مجاز، لأنه إن كان قديما فهو ~~صفته، وإن كان حادثا فهو فعله لأنه بخلقه وإرادته، ومن ثمة اتفقت الأمة على ~~أنه تعالى متكلم؛ فعند الأشعرية الكلام قائم بذاته العلية ويعبر عنه ~~بالكلام النفسي. وأنكر المعتزلة ذلك وقالوا: معنى كونه متكلما أنه خالق ~~للكلام. والإجماع على أنه تعالى كلم موسى للآيات المصرحة بذلك يرد عليهم إذ ~~الأصل عدم المجاز. واختلفوا في صفة سماعه للكلام النفسي. فأهل الظاهر ~~قالوا: نؤمن به ولا نتكلم قصدا منهم إلى أنه متشابه، وقالت الباطنية: خلق ~~الله لموسى فهما في قلبه ولم يخلق له سمعا. ومذهب أهل السنة أن الله خلق له ~~فهما في قلبه وسمعا في أذنيه وسائربدنه سمع به كلام الله من غير صوت ولا ~~حرف بغير واسطة. وزعم المعتزلة جريا على مذهبهم الفاسد في إنكارهم ms340 الكلام ~~النفسي أن الله تعالى خلق له فهما في قلبه وصوتا في الشجرة سمعه. ### | 217 - # وسئل نفع الله به: عن لا إله إلا الله لو يقدر الخبر ممكن لا يلزم وجود ~~الباري لأنه لا يلزم من إثبات الإمكان إثبات وجود الله فالإمكان لا يستلزم ~~الوجود، وبتقديره موجد لا يلزم نفي الإمكان عن غير الله لأنه لا يلزم من ~~نفي الوجود نفي الإمكان فلا يلزم التوحيد الكامل. فأجاب بقوله: لا شك أن ~~المراد تقدير # PageV01P148 # موجود لا مطلقا بل مع ملاحظة وجوب اتصاف وجوده بأنه واجب لذاته أي لا ~~موجود وجوده واجب لذاته إلا الله وهذا لا يرد عليه شيء، وبفرض الغفلة عن ~~هذا والاقتصار على تقدير موجود فقط يمكن توجيهه بأن يقال: إن الممكن يسمى ~~موجودا بالقوة فإذا قدر موجودا انتفى وجود الألوهية بسائر اعتباراته عن غير ~~الله تعالى وإثباته بسائر اعتباراته لله تعالى، وحينئذ فتقديره لا ينافي ~~التوحيد الكامل بل يثبته كما هو جلي والله أعلم. فإن قلت: يلزم على ذلك ~~الجمع بين الحقيقة والمجاز للوجود؟ قلت: لا محذور فيه. فإن قلت: هذا السؤال ~~والجواب إنما يأتي على من يقول بوجوب التوحيد بالعقل وأكثر العلماء على ~~خلافه. قلت: هو ممنوع بل يأتي على من يوجبه بالشرع أيضا فتأمله، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. ### | 218 - # وسئل نفع الله به: عن شخص قال: ليس القرآن الموجود في مصاحف المسلمين ~~كلام الله، وليست الألفاظ الموجودة فيها هي التي جاء بها جبريل عليه السلام ~~عن الله، وإنما هذه الألفاظ ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كلام ~~الله تعالى الأحاديث القدسية فقط، فما حكم الله في هذا القائل؟ أفتونا ~~مأجورين وبينوا الحكم في هذه المسألة بيانا شافيا مع ما تيسر من أدلتها ~~وأقوال العلماء فيها، أثابكم الله الجنة؟ فأجاب بقوله: قد اشتمل هذا الكلام ~~على أمرين فاسدين: أولهما: نفيه كلام الله عن ألفاظ القرآن وليس كما زعم، ~~إذ التحقيق عند أئمة الأصول أن كلام الله تعالى اسم مشترك بين الكلام ~~النفسي القديم، ومعنى إضافة الكلام ms341 له تعالى على هذا كونه صفة له وبين ~~اللفظ المؤلف الحادث من السور والآيات أي سواء قلنا إن ذلك اللفظ المؤلف هو ~~لفظ جبريل أو لفظ النبي صلى الله عليه وسلم كما صرح به في (شرح المقاصد) ؛ ~~ومعنى إضافة الكلام إلى الله على هذا أنه مخلوق له ليس من تأليف المخلوقين، ~~وقد أجمع أهل السنة وغيرهم على أنه لا يصح نفي كلام الله تعالى عن ذلك ~~اللفظ المؤلف كيف والإعجاز والتحدي المشتمل هو عليهما إنما يكونان في كلام ~~الله دون كلام غيره، فنفى ذلك القائل عنه كلام الله جهل قبيح، وخطأ صريح، ~~فليؤدب على ذلك إن لم يرجع، وما وقع في كلام بعضهم: أن تسمية هذا النظم ~~كلام الله مجاز مؤول، فإنه ليس معناه أنه غير موضوع للنظم المؤلف بل إن ~~الكلام في التحقيق وبالذات اسم للمعنى القديم القائم بالنفس، وتسمية اللفظ ~~به ووضعه لذلك اللفظ وضعا اشتراكيا إنما هو باعتبار دلالته على المعنى ~~القديم فلا نزاع لهم في الوضع والتسمية. ثانيهما: فرقه بين ألفاظ القرآن ~~وألفاظ الأحاديث القدسية وهو تحكم صرف ينبني على عدم تحصيله وفساد تصوره إذ ~~لا فرق بينهما كما سيتضح من بسط ما للعلماء في ذلك. # وحاصله: أن بعض آي القرآن وهو قوله تعالى: {الله يستهزىء بهم ويمدهم في ~~طغيانهم يعمهون} [البروج: 21، 22] ظاهر في أن ألفاظ القرآن مرقومة في اللوح ~~المحفوظ، وبعضها وهو قوله تعالى: {نزل به الروح الأمين} [الشعراء: 193، ~~194] ظاهر في أن اللفظ منه صلى الله عليه وسلم إذ المنزل على القلب هو ~~المعنى دون اللفظ، وبعضها وهو قوله تعالى: {إنه لقول رسول كريم} [الحاقة: ~~40] ظاهر في أنه لفظ الملك، فلأجل ذلك اختلف العلماء في هذه المسألة على ~~ثلاثة أقوال متكافئة ببادىء الرأي. ومن ثم حكاها المحقق السعد في شرح ~~مقاصده ولم يرجح منها شيئا حيث قال: المرضي عندنا أن له أي ذلك اللفظ ~~المؤلف اختصاصا آخر بالله تعالى، وهو أنه اخترعه بأن أوجد أولا الإشكال في ~~اللوح المحفوظ لقوله تعالى: {بل هو قرءان مجيد ms342 فى لوح محفوظ} [البروج: 21 ~~22] والأصوات في لسان الملك لقوله تعالى:} إنه لقول رسول كريم} [الحاقة: ~~40] أو لسان النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {نزل به الروح الأمين} ~~[الشعراء: 193] {نزل به الروح الأمين على قلبك} والمنزل على القلب هو ~~المعنى دون اللفظ انتهى. وكذلك تردد الأصفهاني فقال: اتفق أهل السنة ~~والجماعة على أن كلام الله منزل، واختلفوا في معنى الإنزال؟ فمنهم من قال: ~~إظهار القرآن، ومنهم من قال: ألهمه جبريل ثم أداه لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وفي التنزيل طريقان: أحدهما أنه صلى الله عليه وسلم انخلع عن صورة ~~البشرية إلى صورة الملكية وأخذه عن جبريل. والثاني: أن الملك انخلع إلى ~~صورة البشرية حتى يأخذ عنه الرسول؛ والأول أصعب الحالين انتهى. # والذي يتعين ترجيحه بحسب الأدلة أن المنزل عليه صلى الله عليه وسلم اللفظ ~~والمعنى، وأن ذلك اللفظ ليس من اختراع جبريل وإنما أخذه بالتلقي الروحاني ~~أو من اللوح المحفوظ، وممن جرى على ذلك الإمام البيهقي فقال في قوله تعالى: ~~{إنا أنزلناه فى ليلة القدر} [القدر: 1] يريد والله أعلم إنا أسمعناه الملك ~~وأفهمناه إياه وأنزلناه كما سمع فيكون الملك مستقلا به من علو إلى سفل. ~~والإمام أبو محمد الجويني # PageV01P149 # فقال: كلام الله المنزل قسمان: قسم قال الله لجبريل: قل للرسول الذي أنت ~~مرسل إليه إن الله تعالى يقول: افعل كذا وكذا أو أمر بكذا وكذا ففهم جبريل ~~ما قاله ربه ثم نزل بذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وقال له ما قاله ~~ربه، ولم تكن العبارة تلك العبارة كما يقول الملك لمن يثق به قل لفلان يقول ~~لك الملك اجتهد في الخدمة واجمع جندك للقتال، فإن قال له الرسول يقول لك ~~الملك لا تتهاون في خدمتي ولا تترك الجند يتفرق وحثهم على مقاتلة العدو لا ~~ينسب إلى كذب ولا تقصير في أداء الرسالة. وقسم آخر قال الله لجبريل: اقرأ ~~على النبي هذا الكتاب فنزل جبريل بكلمة الله من غير تغيير كما يكتب الملك ~~كتابا ويسلمه إلى أمير ms343 ويقول اقرأه على فلان فهو لا يغير منه كلمة ولا ~~حرفا. قال غيره القرآن هو القسم الثاني والقسم الأول هو السنة كما ورد أن ~~جبريل كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن؛ ومن هنا جاز رواية السنة بالمعنى ~~أي حتى في الأحاديث القدسية لأن جبريل أداه بالمعنى ولم تجز القراءة ~~بالمعنى لأن جبريل أداه باللفظ، ولم يبح له أداؤه بالمعنى. والسر في ذلك أن ~~المقصود من القرآن التعبد بلفظه والإعجاز به فلا يقدر أحد أن يأتي بلفظ ~~يقوم مقامه، وأن تحت كل حرف منه معاني لا يحاط بها كثرة، فلا يقدر أحد أن ~~يأتي بدله بما يشتمل عليه والتخفيف على الأمة حيث جعل المنزل إليهم على ~~قسمين: قسم يرويه بلفظه الموحى به، وقسم يرويه بالمعنى، ولو جعل كله مما ~~يروى باللفظ لشق أو بالمعنى لم يؤمن التبديل والتحريف. # وقد رأيت عن الزهري ما يعضد كلام الجويني. وفي هذا لمن تأمله أبلغ رد على ~~ذلك المتحكم المذكور عنه ما في السؤال من أن القرآن لفظ النبي صلى الله ~~عليه وسلم بخلاف الأحاديث القدسية فتأمله. والطيبي فقال: لعل نزوله أي ~~القرآن عليه صلى الله عليه وسلم أن يتلقفه الملك عن الله تلقفا روحانيا، أو ~~يحفظه عن اللوح المحفوظ فينزل به إليه ويلقيه عليه. والقطب الرازي في ~~(حاشية الكشاف) فقال: الإنزال لغة الأداء بمعنى تحريك الشيء من علو إلى سفل ~~وكلاهما لا يتحققان في الكلام فهو مستعمل فيه في معنى مجازي؛ فمن قال ~~القرآن معنى قائم بذات الله تعالى فإنزاله أن يوجد الكلمات والحروف الدالة ~~على ذلك المعنى ويثبتها في اللوح المحفوظ، وهذا المعنى مناسب لكونه منقولا ~~عن الأول من المعنيين اللغويين. ويمكن أن يكون المراد بإنزاله إثباته في ~~السماء الدنيا بعد الإثبات في اللوح المحفوظ، وهذا مناسب للمعنى الثاني، ~~والمراد بإنزال الكتب على الرسل أن يتلقفها الملك من الله تعالى تلقفا ~~روحانيا أو يحفظها من اللوح المحفوظ وينزل بها فيلقيها عليهم انتهى. ~~والدليل على أن جبريل تلقفه سماعا من الله تعالى حديث الطبراني ms344 (إذا تكلم ~~الله بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله تعالى فإذا سمع بذلك أهل ~~السماء صعقوا وخروا سجدا، فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه ~~بما أراد فينتهي به على الملائكة كلما مر بسماء سأله أهلها ماذا قال ربنا، ~~قال الحق فينتهي به إلى حيث أمر) . ويوافقه حديث ابن مردويه (إذا تكلم الله ~~بالوحي سمع أهل السموات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصوان فيفزعون ويرون أنه ~~من أمر الساعة) وأصل الحديث في الصحيح. وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما من ~~طرق: (أنزل القرآن ليلة القدر جملة واحدة إلى بيت العزة في سماء الدنيا ثم ~~نزل بعد ذلك بعشرين سنة) . وفي رواية صحيحة عنه (فصل القرآن من الذكر فوضع ~~في بيت العزة من السماء الدنيا فجعل جبريل ينزل به على النبي صلى الله عليه ~~وسلم) . وفي رواية للطبراني والبزار عنه (أنزل القرآن جملة واحدة حتى وضع ~~في بيت العزة في السماء الدنيا وينزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم ~~بجواب كلام العباد وأعمالهم) . وفي رواية لابن أبي شيبة عنه (دفع القرآن ~~إلى جبريل في ليلة القدر جملة فوضعه في بيت العزة ثم جعل ينزله تنزيلا) ~~وهذه كلها ظاهرة أو صريحة فيما مر أن اللفظ ليس لجبريل ولا لنبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم، ولهذا كان الأصح من الخلاف في كيفية إنزاله من اللوح ~~المحفوظ أنه نزل منه إلى سماء الدنيا في رمضان ليلة القدر جملة واحدة ثم ~~بعد ذلك نزل مفرقا عشرين سنة أو ثلاثا وعشرين سنة أو خمسا وعشرين على حسب ~~الخلاف في مدة إقامته صلى الله عليه وسلم بمكة بعد البعثة. وحكى القرطبي ~~الإجماع على هذا القول. # ومما يؤيده أيضا خبر الحاكم والبيهقي (أنزل القرآن بالتنجيم) وبينه أحد ~~رواته بقوله: كهيئة عذرا نذرا أي في زي الصديقين {ألا له الخلق والأمر} ~~[الأعراف: 54] وأشباه هذا. وقول سفيان الثوري # PageV01P150 # رضي الله عنه كما أخرجه عنه ابن أبي حاتم: (لم ينزل وحي إلا بالعربية ثم ~~ترجم ms345 كل نبي لقومه) لكن فيه نظر لخبر. (أول من فتق لسانه بالعربية إسماعيل) ~~. وأخرج أحمد في (تاريخه) عن الشعبي قال: نزل على النبي صلى الله عليه وسلم ~~النبوة وهو ابن أربعين سنة فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين فكان يعلمه ~~الكلمة والشيء ولم ينزل عليه القرآن على لسانه، فلما مضت ثلاث سنين قرن ~~بنبوته جبريل فنزل عليه القرآن على لسانه عشرين سنة، والله سبحانه وتعالى ~~الموفق للصواب. ### | 219 - # وسئل نفع الله به: عن قول أهل السنة للعبد في فعله نوع اختيار هل يعارض ~~قوله تعالى: {وربك يخلق ما يشآء ويختار} [القصص: 68] ؟ فأجاب بقوله: لا ~~يعارضه؛ فإن الاختيار إما بمعنى القدرة والإرادة وهو ما في الآية، وإما ~~بمعنى قصد الفعل والميل إليه وهذا هو الذي في كلام أهل السنة. والحاصل أن ~~الله تعالى خلق للعبد قدرة بها يميل ويفعل فالخلق من الله والميل والفعل من ~~العبد صادران عن تقدير الله له ذلك فهما أثر الخلق والقدرة، فالاختيار ~~المنسوب للعبد المفسر بما ذكر هو أثر الاختيار المنسوب إلى الله تعالى ~~فافترقا ولا إنكار في ذلك ولا معارضة للآية، وبهذا يتميز أهل السنة عن ~~فرقتي القدرية والجبرية. وقال الأصفهاني في (تفسيره) عند قوله تعالى: ~~{ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم فى طغيانهم ~~يعمهون} [الأنعام: 110] : اعلم أن كل فعل صدر من العبد بالاختيار فله ~~اعتباران إن نظرت إلى وجوده وحدوثه وما هو عليه من وجوه التخصيص فانسب ذلك ~~إلى قدرة الله تعالى وإرادته لا شريك له، وإن نظرت إلى تمييزه عن القسري ~~الضروري فانسبه من هذه الجهة إلى العبد وهي النسبة المعبر عنها شرعا بالكسب ~~في قوله تعالى: {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما ~~كانوا يعملون} [البقرة: 134] وقوله: {فبما كسبت أيديكم} [الشورى: 30] وهي ~~المحققة أيضا، إذا فرضت في ذهنك الحركتين الاضطرارية كالرعشة والاختيارية ~~فإنك تميز بينهما لا محالة بتلك النسبة. فإذا تقرر تعداد الاعتبار فمذهبهم ~~في الطغيان مخلوق لله تعالى فإضافته إليهم من حيث ms346 كونه واقعا منهم على وجه ~~الاختيار المعبر عنه بالكسب إضافة إليهم انتهى. ### | 220 - # وسئل نفع الله به: ما محصل الكلام في بعثه صلى الله عليه وسلم إلى ~~الملائكة ودليل كل من الجواب عنه أو لا؟ فأجاب بقوله: للعلماء في ذلك ~~قولان. أحدهما: أنه لم يبعث إليهم، وبه جزم الحليمي والبيهقي من إئمتنا ~~ومحمود بن حمزة الكرماني من الحنفية. ونقل الرازي والنسفي في تفسيريهما ~~الإجماع عليه لكن بصيغة محتملة لأن يكون المراد به إجماع الخصمين على أنهما ~~ليسا ممن يعتمد عليهما في نقل الإجماع كما بينه بعض المحققين، وجزم به من ~~المتأخرين الحافظ الزين العراقي والجلال المحلى. والثاني: أنه مبعوث إليهم ~~ورجحه التقي السبكي وزاد: أنه صلى الله عليه وسلم مرسل إلى جميع الأنبياء ~~والأمم السابقة، وأن قوله: (بعثت إلى الناس كافة) شامل لهم من لدن آدم إلى ~~قيام الساعة ورجحه أيضا البارزي وزاد أنه مرسل إلى جميع الحيوانات ~~والجمادات، واستدل بشهادة الضب له بالرسالة وشهادة الشجر والحجر له. قال ~~الجلال السيوطي: وأنا أزيد على ذلك أنه مرسل إلى نفسه، واستدل الجلال للقول ~~الثاني مع أنه تناقض كلامه في كتبه فتبع في بعضها القائل بالأول وفي بعضها ~~القائلين بالثاني بأمور لا يخلو أكثرها عن نظر واضح. منها: قوله تعالى: ~~{ليكون للعالمين نذيرا} [الفرقان: 1] والعالمين شامل للملائكة، فإخراجهم ~~منه يحتاج إلى دليل ولم يوجد ودعوى الإجماع مردودة. ومنها: قوله تعالى: ~~{ومن يقل منهم إنى إلاه من دونه فذالك نجزيه جهنم} [الأنبياء: 29] المراد ~~الملائكة كما قاله أئمة التفسير، وحينئذ فهذه الآية إنذار لهم على لسانه ~~صلى الله عليه وسلم في القرآن الذي أنزل عليه، وقد قال تعالى: {وأوحى إلى ~~هاذا القرءان لانذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] وقد بلغ الملائكة فثبت ~~بذلك إرساله إليهم، وحكمة إرساله إليهم واضحة لأن غالب المعاصي راجعة للبطن ~~والفرج وذلك ممتنع عليهم من حيث الخلقة فاستغنى عن إنذارهم فيه، ولما وقع ~~من إبليس لعنه الله وكان منهم أو فيهم نظير هذه المعصية أنذروا فيها. # ومنها: أن كثيرا من الآثار ms347 والأحاديث الصحيحة وغيرها تدل على أن الملائكة ~~منهم من تصلي في السماء بصلاتنا ويؤذن بأذاننا، ومنهم من ينزل ويحضر صلاة ~~الفجر والعصر ويصليهما معنا في مساجدنا. # ومنها: ما أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي عن سلمان الفارسي ~~رضي الله تعالى عنه موقوفا، والبيهقي من وجه آخر عن سلمان مرفوعا قال: (إذا ~~كان الرجل في أرض فأقام الصلاة صلى خلفه ملكان فإذا أذن وأقام صلى خلفه من ~~الملائكة ما لا يرى طرفاه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده ويؤمنون على دعائه) ~~وفي رواية عن ابن المسيب # PageV01P151 # (صلى خلفه من الملائكة أمثال الجبال) فكونهم يصلون خلف صلاتنا دليل على ~~أنهم مكلفون بشرعنا كذا قال الجلال، ثم قال: ويرشحه ما ذكره السبكي في ~~(الحلبيات) : أن الجماعة تحصل بالملائكة كما تحصل بالآدميين، ثم استدل ~~بإفتاء الحناطي فيمن صلى في فضاء من الأرض بأذان وإقامة وكان منفردا ثم حلف ~~أنه صلى جماعة لم يحنث للحديث المذكور، وما ذكره الأصحاب أنه يستحب للمصلي ~~إذا سلم أن ينوي السلام على من على يمينه من الملائكة ومؤمني الإنس والجن. ~~قلت: في دلالة ذلك كله على المدعي نظر واضح. إذ هذه الموافقة من الملائكة ~~لا تقتضي إرسالا ولا عدمه كما هو واضح. ومنها: ما أخرجه البزار عن علي كرم ~~الله وجهه قال: (لما أراد الله سبحانه وتعالى أن يعلم رسوله صلى الله عليه ~~وسلم الأذان أتاه جبريل بداية يقال لها البراق) فذكر الحديث إلى أن قال: ~~خرج ملك من الحجاب فقال: الله أكبر الله أكبر إلى أن قال وأشهد أن محمدا ~~رسول الله إلى أن قال الخ (فأخذ بيد محمد صلى الله عليه وسلم فقدمه وأمر ~~أهل السموات أن يأتموا به فحينئذ أكمل الله لمحمد الشرف على أهل السموات ~~والأرض) وأخرج أبو نعيم عن محمد بن الحنفية رضي الله عنه مثله، وفيه (فقال ~~الملك حي على الصلاة، فيقول الله: صدق عبدي دعا إلى فريضتي) ففي شهادة ~~الملك له بالرسالة مطلقا، وقوله: (دعا إلى فريضتي) الدال على أنها فرضت على ms348 ~~أهل السماء كما فرضت على أهل الأرض، وإقامته لأهل السماء وصلاة الملائكة ~~بأسرهم خلفه، وكمال الشرف له على أهل السماء دليل بعثته لهم، وأن الصلاة ~~فرضت عليهم كما فرضت على أهل الأرض، وعلى أن الملائكة من جملة أتباعه إذ من ~~جملة كمال الشرف له بعثته إليهم، كما أن جملة شرفه على أهل الأرض إرساله ~~إليهم أجمعين. وأخرج ابن مردويه قوله صلى الله عليه وسلم: (لما أسرى بي إلى ~~السماء أذن جبريل فظنت الملائكة أنه يصلي بهم فقدمني فصليت بالملائكة) . ~~ومنها: حديث أبي نعيم (نزل آدم بأرض الهند فاستوحش فنزل جبريل فنادى ~~بالأذان ومن جملته أشهد أن محمدا رسول الله مرتين) فهذه شهادة من جبريل ~~برسالة محمد صلى الله عليه وسلم مرتين وعلمها لآدم عليه الصلاة والسلام فدل ~~على إرساله للأنبياء والملائكة معا. وجاء عن سبعة صحابة (أنه صلى الله عليه ~~وسلم أخبر أنه مكتوب على العرش وعلى كل سماء وعلى باب الجنة وأوراقها: لا ~~إله إلا الله محمد رسول الله) فكتابة اسمه في الملكوت الأعلى دون أسماء ~~سائر الأنبياء إنما هو لتشهد به الملائكة ويكون مرسلا إليهم. وأخرج ابن ~~عساكر عن كعب (أن آدم أوصى ابنه شيئا عليهما الصلاة والسلام فقال: كلما ~~ذكرت الله فاذكر إلى جنبه اسم محمد فإني رأيت اسمه مكتوبا على ساق العرش ~~وأنا بين الروح والطين ثم إني طوفت فلم أر في السماء موضعا إلا رأيت اسم ~~محمدا مكتوبا عليه، ولم أر في الجنة قصرا ولا غرفة إلا ورأيت اسم محمد صلى ~~الله عليه وسلم مكتوبا عليه، ولقد رأيت اسم محمد صلى الله عليه وسلم مكتوبا ~~على نحور العين، وعلى قضبان اجام الجنة، وعلى ورق شجرة طوبى، وعلى ورق سدرة ~~المنتهى، وعلى أطراف الحجب، وبين أعين الملائكة، فأكثر ذكره فإن الملائكة ~~تذكره في كل ساعاتها) فهذا يدل على أنه نبي للملائكة حيث لم تغفل ذكره. وفي ~~هذا الأثر فائدة لطيفة هي أنه صلى الله عليه وسلم أرسل إلى الحور العين ~~وإلى الولدان. وصح كذلك أنه لم ms349 يدخل أحد الجنة ولم يستقر بها ممن خلق فيها ~~إلا من آمن به صلى الله عليه وسلم، ولعل من فوائد الإسرار ودخوله الجنة ~~تبليغ جميع من في السموات من الملائكة ومن في الجنان من الحور العين ~~والولدان، ومن في البرزخ من الأنبياء رسالته ليؤمنوا به ويصدقوه في زمنه ~~مشافهة بعد أن كانوا مؤمنين به قبل وجوده. ومنها: أن السبكي رحمة الله قد ~~بين في تأليف له أنه صلى الله عليه وسلم أرسل إلى جميع الأنبياء آدم فمن ~~بعده، واستدل بخبر (كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد) وبخبر (بعثت إلى الناس ~~كافة) ولهذا أخذ الله المواثيق على الأنبياء، {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ~~لمآءاتيتكم من كتاب وحكمة} [آل عمران: 81] وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في ~~الآية قال: (لم يبعث الله نبيا قط من لدن نوح إلا أخذ الله ميثاقه ليؤمنن ~~بمحمد) . قال السبكي: عرفنا بالخبر الصحيح حصول الكمال من قبل خلق آدم ~~لنبينا صلى الله عليه وسلم من ربه سبحانه، وأنه أعطاه النبوة من ذلك الوقت ~~ثم أخذ له المواثيق على الأنبياء ليعلموا أنه المقدم عليهم، وأنه نبيهم ~~ورسولهم فهو صلى الله عليه وسلم نبي الأنبياء، ولهذا كانوا في الآخرة تحت ~~لوائه وفي الدنيا كذلك ليلة الإسراء ولو اتفق مجيئه # PageV01P152 # في زمنهم لزمهم وأممهم الإيمان ونصرته كما أخذ الله عليهم الميثاق بذلك ~~مع بقائهم على نبوتهم ورسالتهم إلى أممهم فنبوته إليهم ورسالته إليهم معنى ~~حاصل له، وإنما أمره يتوقف على اجتماعهم معه فتأخر ذلك الأمر راجع إلى ~~وجودهم لا لعدم اتصافه بما يقتضيه فنبوته ورسالته أعم وأعظم وشريعته موافقة ~~لشريعتهم في الأصول لأنها لا تختلف، وتقدم شريعته فيما عساه يقع الاختلاف ~~فيه من الفروع أما على سبيل التخصيص أو النسخ أو أولا ولا بل تكون شريعته ~~في تلك الأوقات بالنسبة إلى أولئك الأمم ما جاءت به أنبياءهم. وفي هذا ~~الوقت بالنسبة إلى هذه الأمة هذه الشريعة والأحكام تختلف باختلاف الأشخاص ~~والأوقات انتهى حاصل كلام السبكي، وإذا تقرر أنه نبي الأنبياء ms350 ورسول إليهم، ~~وقد قامت الأدلة على أن الأنبياء أفضل من الملائكة لزم أن يكون مرسلا ~~للملائكة وأن يكونوا من جملة أتباعه بطريق الأولى ومنها اختصاصه على سائر ~~الأنبياء بأمور من الملائكة كقتالهم معه ومشيهم خلف ظهره إذا مشى الدال على ~~أنهم من جملة أتباعه وداخلون في شرعه وتأييده كما في الحديث بأربعة زراء ~~اثنين من أهل السماء واثنين من أهل الأرض، فاللذان من أهل السماء جبريل ~~وميكائيل واللذان من أهل الأرض أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، والوزير من ~~أتباع الملك ضرورة فجبريل وميكائيل رؤساء أهل ملته من الملائكة كما أن أبا ~~بكر وعمر رضي الله عنهما رؤساء ملته من بني آدم، وصلاتهم عليه بعد موته ~~بأسرهم لم يتخلف منهم أحد وحضورهم لأمته إذ قاتلوا في سبيل الله لنصرة دينه ~~إلى يوم القيامة وحضور جبريل موت أمته ليطرد عنهم الشيطان حينئذ، ونزولهم ~~كل ليلة قدر عليهم وسلامهم عليهم وأعطاؤهم قراءة سورة الفاتحة من كتابه مع ~~حرصهم على سماع بقية القرآن من الإنس ولم يرد ذلك لشيء من الكتب، ونزول ~~إسرافيل عليه الصلاة والسلام، ولم ينزل إلى الأرض قبل ذلك ولا بعده ~~واستئذان ملك الموت عليه دون غيره، وقيام ملك على قبره المكرم ليبلغه صلاة ~~المصلين عليه، وأنه ينزل على قبره الشريف كل يوم سبعون ألف ملك يحفون به ~~ويضربونه بأجنحتهم ويستغفرون له ويصلون عليه إلى أن يمسوا، فإذا أمسوا ~~عرجوا وهبط سبعون ألف ملك كذلك حتى يصبحوا إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم ~~القيامة خرج صلى الله عليه وسلم في سبعين ألف ملك أخرجه ابن المبابك عن ~~كعب. ### | 221 - # وسئل نفع الله به عن النساء يرين الله في الموقف كالرجال؟ فأجاب بقوله: ~~نعم، بل قال جمع من أهل السنة أنها تحصل للمنافقين في الموقف، وجمع أنها ~~تحصل للكافرين، ثم يحجبون عنه، وأما الرؤية في الجنة، فأجمع أهل السنة أنها ~~حاصلة للأنبياء والرسل والصديقين من كل أمة ورجال المؤمنين من البشر من هذه ~~الأمة، واختلف في نساء هذه الأمة، فقيل لا ms351 يرين لأنهن مقصورات في الخيام، ~~ولم يرد تصريح برؤيتهن، وقيل: يرين لعموم النصوص، وقيل: يرين في مثل أيام ~~الأعياء التي كانت في الدنيا كيوم الجمعة، فإن التجلي فيها عام، وأخرج ~~الدارقطني حديث إذا كان يوم القيامة رأى المؤمنون ربهم عز وجل وفيه، ويراه ~~المؤمنات يوم الفطر والأضحى. ### | 222 - # وسئل نفع الله به: هل الملائكة يرون الله تعالى؟ فأجاب بقوله: ذكر الشيخ ~~عز الدين بن عبد السلام أنهم لا يرونه، وأطال في ذلك الاستدلال له، وتبعه ~~جماعة ورد بنص أمام أهل السنة الشيخ أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه على ~~أنهم يرونه ذكره في كتابه الإبانة في أصول الديانة، وتبعه البيهقي وأخرجه ~~بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعن صحابي غيره، وجرى عليه ابن القيم، ~~والجلال البلقيني، وفي حديث صححه الحاكم أن جبريل ما رأى ربه قط قبل سجود ~~النبي صلى الله عليه وسلم بين يدي ربا في الموقف، ولا يلزم منه عدم رؤيته ~~بعد ذلك، ولا عدم رؤية غيره من بقية الملائكة والقول بتخصيص رؤية جبريل ~~ساقط. قال الجلال البلقيني: وإذا قال ابن عبد السلام أن الملائكة لا يرون، ~~فالجن أولى، وقد يتوقف في الأولوية لأن الإيمان في عرف الشرع يشمل مؤمني ~~الثقلين، ثم قرر ثبوت الرؤية للملائكة، ثم قال: وعلى مقتضى استدلال الأئمة ~~ثبوت الرؤية لمؤمني الجن. ### | 223 - # وسئل نفع الله به: عن مؤمني الأمم السابقة هل يرون الله كهذه الأمة أو ~~لا؟ فأجاب: بقوله فيهم احتمالان: لابن أبي جمرة المالكي وقال الأظهر ~~مساواتهم لهذه الأمة في الرؤية، ومما يؤيد ذلك الحديث الصحيح خلافا لمن وهم ~~فيه أن الله يتجلى للخلائق عامة، وفي رواية للناس، ويتجلى لأبي بكر رضي ~~الله عنه خاصة) ، وفي رواية الخلائق تأييد للراجح أن الملائكة يرون، وكذا ~~الجن والنساء إلا أن تكون الرؤية في الموقف، فإنها شاملة # PageV01P153 # لكل أحد، ولا كلام فيها فحينئذ لا دلالة فيه على رؤية ذكر في الجنة. ### | 224 - # وسئل رضي الله عنه: هل تجوز رؤية الملائكة؟ فأجاب بقوله: نعم ms352 كما جاء في ~~أحاديث. منها: حديث أحمد وغيره عن أنصاري (أنه رأى النبي صلى الله عليه ~~وسلم ومعه رجل يكلمه فأطال، فلما انصرف سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~ذلك الرجل؟ فقال أو قد رأيته؟ قال: نعم، قال: أتدري من هو؟ قلت: لا، قال: ~~ذاك جبريل ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه، ثم قال: أما إنك لو ~~سلمت عليه لرد عليك السلام) . وحديث أبي موسى المديني عن تميم بن سلمة (أنه ~~رأى رجلا منصرفا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم معتما بعمامة أرسلها ~~من ورائه فقال: يا رسول الله من هذا؟ قال: هذا جبريل) . وحديث أحمد ~~والطبراني والبيهقي عن حارثة بن النعمان (أنه مر ومع النبي صلى الله عليه ~~وسلم جبريل فسلم ثم قال له صلى الله عليه وسلم: هل رأيت من كان معي؟ قال: ~~نعم، قال: فإنه جبريل وقد رد عليك السلام) . وحديث أحمد والبيهقي أن ابن ~~عباس رضي الله عنهما رآه كذلك. وفي رواية عنه (رأيت جبريل مرتين) . وحديث ~~أبي بكر بن أبي داود (كان أبو بكر يسمع مناجاة جبريل للنبي صلى الله عليه ~~وسلم) . وحديث الطبراني والبيهقي عن محمد بن مسلمة رضي الله عنه (أنه مر ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو واضع خده على خد رجل فلم يسلم، فلما رجع قال ~~له النبي صلى الله عليه وسلم: ما منعك أن تسلم؟ قال: قلت: يا رسول الله ~~رأيتك فعلت بهذا الرجل شيئا لم تفعله بأحد من الناس فكرهت أن أقطع عليك ~~حديثك، فمن كان يا رسول الله؟ قال: جبريل) . وحديث الحاكم عن عائشة رضي ~~الله عنها (أنها رأت جبريل واقفا بحجرتها ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يناجيه) . وفي حديث الشيخين في قضية أسيد بن حضير رضي الله عنه (لما قرأ ~~القرآن فخالجت فرسه فسكت فسكتت فعاد فعادت فرفع رأسه فرأى مثل الظلة فيها ~~مثل المصابيح عرجت إلى السماء، فلما أصبح حدث النبي صلى الله عليه وسلم ~~بذلك؟ فقال: تلك الملائكة وثبت ms353 لصوتك ولو رأت الناس تنظر إليها لا تتوارى ~~عنهم) وجاء في عدة طرق: (أن كثيرا من الصحابة رضي الله عنهم رأوا الملائكة ~~الذين قاتلوا يوم بدر) . وأخرج ابن سعد والبيهقي (أن حمزة قال: يا رسول ~~الله أرني جبريل في صورته؟ قال: اقعد، فنزل جبريل على خشبة كانت في الكعبة ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ارفع طرفك وانظر فرفع طرفه فرأى قدميه مثل ~~الزبرجد الأخضر) . ### | 225 - # وسئل نفع الله به: لم وقعت رؤية الله في الآخرة لا في الدنيا؟ فأجاب ~~بقوله: سبب ذلك كما أفاده الإمام مالك رضي الله عنه ضعف قوى أهل الدنيا عن ~~ذلك بخلافهم في الآخرة فإنهم خلقوا للبقاء، وخص نبينا صلى الله عليه وسلم ~~بالرؤية ليلة الإسراء بعين بصره على الأصح كرامة له. ### | 226 - # وسئل نفع الله به: عن النساء أيضا هل يرين ربهن؟ فأجاب بقوله: لا يرين ~~لعدم دليل خاص فيهن، وقيل يرين لدخولهم في العموم، وقيل: يرين في الأعياد ~~خاصة ولا يرين مع الرجال في أعياد الجمع، ورجح لحديث فيه وبه جزم ابن رجب، ~~واستثنى الجلال السيوطي سائر الصديقات فقال: إنهن يرين مع الرجال كرامة ~~لهن. ### | 227 - # وسئل نفع الله به: عن الأنبياء والملائكة والعشرة المبشرين بالجنة هل ~~يخافون ولا يأمنون المكر أو لا يخافون ويأمنون المكر؟ فإن قلتم يخافون ولا ~~يأمنون فماذا يلزم من قال إنهم لا يخافون ويأمنون، وأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم آمن غير خائف، وكذلك العشرة المبشرين بالجنة بعد إخباره بأن ذلك لا ~~يجوز أن ينسب إليهم؟ فأجاب بقوله: زعم نفي الخوف وإثبات الأمن بإطلاقهما ~~عمن ذكر باطل مصادم للنصوص، وربما أفضى بصاحبه سيما إن قلنا لازم المذهب ~~لازم إلى كبير محذور وأحظر غرور فلا يلتفت لزاعم ذلك ولا يعول عليه، وكأنه ~~لم يذكر قط دعاء التشهد الآتي ولم يفهم حقيقة الخوف ولا أحاط علما بكلام ~~الأئمة عليه، وإنما اغتر بمجرد مخيلة زينت له سوء عمله فرآه حسنا، وبيان ~~بطلان مقالته من وجوه: الأول: أن حقيقة الخوف كما في ms354 الإحياء تألم القلب ~~واحتراقه بحسب توقع مكروه في المستقبل، ثم قسم ذلك المكروه إلى أقسام. ~~منها: خوف ضعف القوة عن الوفاء بتمام حقوق الله أي على ما ينبغي له ويليق ~~بمقام ذلك الخائف والخوف بهذا المعنى يتحقق قطعا في الأنبياء بل كماله ~~لنبينا صلى الله عليه وسلم لا ينكر ذلك إلا من لم يشم للإسلام رائحة، ويلزم ~~من تحقق الأنبياء بهذه المرتبة تحققهم بعدم الأمن من المكر إذ من جملة ~~أقسامه كما هو واضح أضعاف القوة عن ذلك. # ولا شك عند من له أدنى مسكة من فهم أن كل # PageV01P154 # كامل نبي أو غيره غير آمن من مكر الله تعالى أن يضعفه وينزله عن كمال ~~مرتبته إذ لا قاطع بل ولا ظني يستند إليه في الأمن من ذلك، وإنما المأمون ~~الانسلاخ عن النبوة أو الملكية أو الإيمان في العشرة المذكورين على أن ~~الأمن من الانسلاخ عن الملكية غير واقع لأنه عهد انسلاخ الملائكة عنها بل ~~عن الإيمان كما وقع لإبليس اللعين بناء على الأصح كما قاله النووي أنه من ~~الملائكة كما هو ظاهر القرآن، وأول كونه من الجن بتأويلات: منها: أن نوعا ~~من الملائكة يسمون بذلك. الثاني: أنه في الإحياء لازم بين العلم والخوف ~~والتقوى حيث جعل الخوف ثمرة العلم والتقوى ثمرة الخوف ولا شك أن كمال العلم ~~والتقوى للأنبياء فمن دونهم فكذا كمال الخوف. وأيضا الرجاء والخوف ~~متلازمان، فإن كل من رجا محبوبا فلا بد وأن يخاف فوته وإلا فهو لا يحبه، ~~فاستحال انفكاك أحدهما عن الآخر وإن أمكن غفلة القلب عن استشعار أحدهما. ~~فإن قلت: ذكر فيه أيضا أن من شرط الرجاء والخوف تعلقهما بما هو مشكوك فيه ~~إذ المعلوم لا يرجى ولا يخاف وهذا فيه تأييد لذلك الزعم، لأن أولئك الكمل ~~على بينة من ربهم ويقين من أمرهم؟ قلت: لا تأييد فيه لذلك الزعم بوجه بل هو ~~حجة عليه، لأن المعنى السابق الذي مر أن حقيقة الخوف أمر مشكوك فيه لم يقم ~~قاطع على ثبوت غايته ولا حد ms355 بخصوصه ولا على انتفائهما عنه، وإنما وظيفة ~~الكمل وإن بلغ كمالهم الغاية أنهم يرجون ذلك ويخافون من عدمه، والذي هم فيه ~~على يقين هو أصل الكمال على أنه قد يعتري قلوبهم من استشعار قدرته ~~واستغنائه عن خلقه، وأنه لا يسئل عما يفعل ولا يجب عليه لأحد شيء، وأما ما ~~وعدهم أو أخبرهم به فمشروط بما انطوى علمه عنهم، وهذا يوجب لهم الخوف حتى ~~من سلب أصل كمالهم وكلام الغزالي الآتي صريح في هذا. الثالث: أن زيد بن ~~أسلم قال: الشافعي رضي الله عنه وكان من العالمين بالقرآن جعل الملائكة ~~داخلين في قوله: {أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} ~~[الأعراف: 99] الآية. أخرج ابن أبي حاتم عنه (إن الله تبارك وتعالى قال ~~للملائكة ما هذا الخوف الذي بلغ بكم وقد أنزلتكم المنزلة التي لم أنزلها ~~غيركم؟ قالوا ربنا لم يأمن مكرك إلا القوم الخاسرون) . الرابع: أنه صرح في ~~(الإحياء) تصريحا لا يقبل تأويلا بأن الأنبياء يخافون ولا يأمنون المكر حيث ~~قال: وإنما كان خوف الأنبياء مع ما فاض عليهم من النعم لأنهم لم يأمنوا مكر ~~الله ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون حتى روي (أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وجبريل عليه السلام بكيا خوفا من الله عز وجل، فأوحى الله إليهما ~~لم تبكيان وقد أمنتكما؟ فقالا: ومن يأمن مكرك) وكأنهما إذ علما أن الله ~~علام الغيوب وأنهما لا وقوف لهما على غاية الأمور لم يأمنا أن يكون قوله: ~~قد أمنتكما ابتلاء وامتحانا ومكرا بهما، حتى إن سكن خوفهما بان أنهما قد ~~أمنا من المكر وما وفيا بقولهما، ثم قال: وهذا كما أخبر عن موسى صلى الله ~~عليه وسلم حيث قال: {قالا ربنآ إننا نخاف أن يفرط علينآ أو أن يطغى} [طه: ~~45] ، وقال تعالى: {لا تخافآ إننى معكمآ أسمع وأرى} [طه: 46] ومع هذا لما ~~ألقى السحرة سحرهم {لا تخف إنك أنت الأعلى} [طه: 68] إذ لم يأمن من مكر ~~الله والتباس الأمر عليه حتى جدد عليه الأمن، وقيل ms356 له: {قلنا لا تخف إنك ~~أنت الأعلى} [طه: 68] ولما ضعفت شوكة المسلمين يوم بدر قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: (اللهم إن تهلك هذه العصابة لم يبق على وجه الأرض أحد يعبدك ~~فقال أبو بكر رضي الله عنه دع مناشدتك ربك فإنه واف لك بما وعدك) فكان مقام ~~الصديق مقام الثقة بوعد الله وكان مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم مقام ~~الخوف من مكر الله وهو لا يصدر إلا عن كمال المعرفة بأسرار الله وخفايا ~~أفعاله ومعاني صفاته التي يعبر عن بعض ما يصدر عنها بالمكر، وما لأحد من ~~البشر الوقوف على كنه صفات الله تعالى، ومن عرف حقيقة المعرفة قصر معرفته ~~عن الإحاطة بكنه الأمور وعظم خوفه لا محالة ولذا قال عيسى عليه الصلاة ~~والسلام: {قال الله هاذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجرى من تحتها ~~الأنهار خالدين فيهآ أبدا رضى الله عنهم ورضوا عنه ذالك الفوز العظيم} ~~[المائدة: 119] إلخ ففوض الأمر إلى المشيئة وأخرج نفسه بالكلية من البين ~~لعلمه بأنه ليس له من الأمر شيء، وأن الأمور مرتبطة بالمشيئة ارتباطا يخرج ~~عن حد المعقولات والمألوفات فلا يمكن الحكم عليها بقياس ولا حدس وحسبان ~~فضلا عن التحقيق والاستيقان، وهذا هو الذي قطع قلوب العارفين انتهى كلام ~~(الإحياء) فتأمله لا سيما ما حكاه عن نبينا صلى الله عليه وسلم وجبريل عليه ~~السلام فإنه وإن لم يثبت من جهة السنة إذ هو حديث ضعيف فهو مقرر لمعنى ~~الصحيح فما قدمناه وكذا ما حكاه عن موسى فإنه خاف مع قوله تعالى: {لا تخافآ ~~إننى معكمآ أسمع وأرى} [طه: 46] وتقريره لذلك. والحاصل أنه لا شبهة بل ولا ~~تمسك لذلك الزعم المذكور أول الجواب أعاذنا الله منه بمنه وكرمه، # PageV01P155 # وإنما لم نستدل لمدعانا بقوله تعالى: {قل ما كنت بدعا من الرسل ومآ أدرى ~~ما يفعل بى ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحىاإلى ومآ أنا إلا نذير مبين} ~~[الأحقاف: 9] وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (والله ما أدري ~~وأنا رسول ms357 الله ما يفعل بي ولا بكم) لذهاب جماعة كابن عباس رضي الله عنهما ~~كما أخرجه عنه أئمة حفاظ كأبي داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وابن مردويه إلى أن ذلك قبل علمه ما يفعل به من نصره على جميع من ناوأه ~~بقوله عز قائلا: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} [الفتح: 1] الآية، وما يفعل بهم ~~بقوله: {ليدخل المؤمنين} [الفتح: 5] الآية، وبقوله: {وبشر المؤمنين بأن لهم ~~من الله فضلا كبيرا} [الأحزاب: 47] . فإن قلت: يؤيد ذلك الزعم ما أخرجه عبد ~~بن حميد عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية: {ومآ أدرى ما يفعل بى ولا بكم} ~~[الأحقاف: 9] عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخوف زمانا فلما نزلت: ~~{إنا فتحنا لك فتحا مبينا} [الفتح: 1] الآية اجتهد فقيل تجهد نفسك وقد غفر ~~الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: (أفلا أكون عبدا شكورا) وما أخرجه ~~ابن جرير عن الحسن أيضا في قوله: {ومآ أدرى ما يفعل بى ولا بكم} [الأحقاف: ~~9] قال: أما في الآخرة فمعاذ الله قد درى أنه في الجنة حين أخذ ميثاقه في ~~الرسل ولكن (ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا) ثم أخبره الله بما يصنع ~~به أنه ينصره ويظهر دينه على الأديان كلها، ويؤمنه أنه لا يستأصل أمته ~~بعذاب وهو فيهم؟ قلت: لا تأييد فيه لذلك بوجه؛ أما كلامه الأول فلأن معنى ~~قوله عمل في الخوف زمانا أي في خوفه على نفسه في الدنيا أيخرج كما أخرجت ~~الأنبياء قبله أو يقتل كما قتلت الأنبياء قبله؟ وعلى أمته أنهم يكذبونه أو ~~يرمون بحجارة من السماء أو يخسف بهم كالأمم قبلهم؟ وبهذا صرح الحسن نفسه في ~~الرواية الثابتة عنه تفسيرا لقوله في الدنيا ثم لما آمنه الله من ذلك غلب ~~عليه شهود الشكر لربه، وهذا كله لا ينافي الخوف بالمعنى السابق الذي ذكرناه ~~أول الجواب؛ وأما كلامه الثاني فلأن علمه أنه في الجنة لاينافي الخوف ~~بالمعنى الذي قدمناه وحررناه كما لا يذهب على ذي مسكة. ms358 الخامس: أخرج ~~الشيخان (والله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية) . وفي حديث البخاري: ~~(والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له) . وأخرج البيهقي وقال غريب أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: (لو يؤاخذني الله بما فعلته هؤلاء لأوثقني) يشير إلى ~~يديه الشريفتين. وأخرج أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال: (قلت لجبريل يا ~~جبريل مالي أرى إسرافيل لا يضحك ولا يأتيني أحد من الملائكة إلا رأيته ~~يضحك؟ فقال جبريل: ما رأينا ذلك الملك ضاحكا منذ خلقت النار) . وأخرج أحمد ~~عنه بسند جيد بلفظ أنه صلى الله عليه وسلم قال لجبريل (مالي أرى ميكائيل لا ~~يضحك، فقال ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار) . وأخرج أيضا أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال: (جاءني جبريل وهو يبكي فقلت ما يبكيك؟ قال: ما جفت لي عين منذ ~~خلق الله جهنم مخافة أن أعصيه فيلقيني فيها) . وأخرج أبو الشيخ في كتاب ~~[العظمة] عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (إن جبريل عليه السلام يوم ~~القيامة لقائم بين يدي الجبار تبارك وتعالى ترعد فرائصه خوفا من عذاب الله) ~~الحديث. وأخرج الديلمي أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لما كان ليلة أسرى بي ~~مررت بالملإ الأعلى وجبريل كالحلس البالي من خشية الله تعالى) . وأخرج أبو ~~نعيم في (الحلية) أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لو يؤاخذنا ربنا أنا وعيسى ~~بن مريم بما جنت هاتان يعني أصبعيه لعذبنا ولا يظلمنا شيئا) . وأخرج ~~الدارقطني في (الإفراد) بلفظ (لو أن الله عز وجل يؤاخذنا أنا وعيسى بن مريم ~~بذنوبنا لعذبنا ولا يظلمنا شيئا) . ومن المعلوم المقرر أن الذنوب الواردة ~~في القرآن والسنة في حق الأنبياء صلى الله على نبينا وعليهم وسلم المراد ~~بها خلاف الأولى اللائق بعلي كمالهم لا حقيقة الذنب، وحينئذ فهذه الأحاديث ~~صريحة في المدعي أن الأنبياء والملائكة يخافون ربهم ولا يأمنون، ومما يصرح ~~بذلك أيضا قوله تعالى في حق الملائكة {يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما ~~يؤمرون} [النحل: 50] . السادس: قال الدميري في (حياة الحيوان) تبعا للغزالي ~~في (الإحياء) : وفي ms359 الخبر (أوحى الله تعالى إلى داود عليه الصلاة والسلام: ~~يا داود خفني كما تخاف السبع الضاري) . قال مخرج أحاديث (الإحياء) الزين ~~العراقي: لم أجد له أصلا ولعل المصنف قصد بإيراده أنه من الإسرائيليات، ~~وبهذا يعلم أنه مقرر لمعناه. قال الدميري: ومعناه خفني لأوصافي المخوفة من ~~العزة والعظمة والكبرياء والجبروت والقهر وشدة البطش ونفوذ الأمر كما تخاف ~~السبع الضاري لشدة يديه وعبوس وجهه وجراءة قلبه وسرعة غضبه انتهى. وفيه ~~تصريح بإثبات الخوف الحقيقي للأنبياء صلى الله على نبينا وعليهم وسلم. # السابع: الأحاديث الصحيحة المشهورة في أدعيته صلى # PageV01P156 # الله عليه وسلم في سجوده وتشهده وغيرهما صريحة في المدعي لا تقبل تأويلا ~~منها. قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك ~~من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك) الحديث. وقوله صلى الله عليه وسلم: ~~(اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء وشماتة الأعداء) ومنها قوله ~~صلى الله عليه وسلم (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ومن عذاب النار ومن ~~فتنة المحيا والممات) . وصح عند الحاكم أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول في ~~سجوده: (هذه يدي وما جنيت بها على نفسي) وفي رواية للبزار: (هذه يداي وما ~~جنيت على نفسي) . فإن قلت: لا حجة في هذا كله لأنه تشريع منه صلى الله عليه ~~وسلم لأمته أن يقوله. قلت: ممنوع، لأنه لو كان مجرد تشريع فقط لقال قولوا ~~كذا، فأما إذ أسنده إلى نفسه متكررا فلا يحمل على التشريع فقط بل الواجب ~~حمله عليه وعلى التعبد به منه لربه كما هو محقق في مبحثه، وإذا كان من جملة ~~المقصود به التعبد به لله تعالى لزم من ذلك وجود الخوف وعدم أمن المكر، ~~وإلا لكان طلب محال وهو لا يجوز كما صرحوا به، فثبت أن هذه الأحاديث صريحة ~~في المدعى لا تقبل تأويلا كما تقرر. وفي حديث الطبراني: (اللهم إني أعوذ ~~بنور وجهك الكريم أن يحل علي غضبك أو ينزل علي سخطك) . وفي أخرى عنده أيضا ~~(اللهم ms360 إني أعوذ بوجهك الكريم واسمك العظيم من الكفر والفقر) . وفي أخرى ~~عند البيهقي (اللهم عافني في قدرتك، وأدخلني في رحمتك، واقض أجلي في طاعتك، ~~واختم لي بخير عملي، واجعل لي ثوابه الجنة) . وصح حديث رواه جماعة (وأسألك ~~خشيتك في الغيب) . وروى أبو داود (اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار ومن ~~عذاب النار) وصح عند الحاكم (اللهم إني أسألك عيشة نقية وميتة سوية ومردا ~~غير مخز ولا فاضح) ونحو ذلك في السنة كثير وفيما ذكرناه كفاية لمن وفق ~~لقبول الحق، حقق لله لنا ذلك بمنه وكرمه. 228 وسئل نفع الله به: فيمن قال ~~في عقيدة وفي بقاء الله نظر، فماذا يلزمه؟ فأجاب بقوله: إن أراد التشكيك أو ~~الشك في دوام بقاء الله إلى ما لا نهاية له فهو كافر، مراق الدم، فإن تاب ~~وإلا ضربت عنفه، ولعل هذا الرجل هو الجبرتي الذي في السلف من الخلف فإنه ~~أرسل إلي في هذه السنة مؤلفا ذكر فيه تضليل الأشعرية بكلام سفساف، يدل على ~~جهله وانحلال عقيدته جدا، وأنه لا مسكة له ولا دين، وأنه اغتر بكلام لبعض ~~الملحدة والزنادقة، فذكره في مؤلفه معتقدا له، فضل أو كفر، وأضل كثيرين ~~لكونه يرى التنسك والتقشف، فاعتقده العامة وما دروا أنه زنديق ملحد ضال مضل ~~يجب على قاضي السلف وبقية قضاة الخلف أن يعزروه التعزير البليغ، ويشددوا ~~عليه العقوبة بالضرب والحبس إلى أن يغسل ذلك المؤلف جميعه أو يحرقه، فإن ~~النسخة الواصلة إلي منه كتبت له عليها في كل ورقة منها ما أعدمها، وعطل ~~النفع بها، كما هو الواجب علي وعلى كل من اطلع على ذلك الكتاب من أهل ~~العلم، لكن أخشى أن هذا الملحد المارق الزنديق المنافق يكون عنده منه نسخة ~~أخرى فيخرجها للعوام المعتقدين له فيضلهم بها من غير أن يشعروا فأهلكه الله ~~وأباده حتى تندفع ضرورته عن المسلمين وأيقظ له من يقيم عليه نواميس الشريعة ~~لينزجر هو وأمثاله عن الخوض فيما لا يتأهلون للخوض فيه. ### | 229 - # وسئل شيخنا أمدنا الله بمدده ونفعنا ms361 بعلومه وبركته: هل فرق بين الفرض ~~والواجب، وبين الحرام والمحظور، وبين يسن ويشرع ويستحب ويندب ومحبوب؟ فأجاب ~~رضي الله عنه بقوله: الفرض والواجب مترادفان عندنا خلافا لأبي حنيفة رضي ~~الله عنه حيث فرق بينهما بأن الفعل المطلوب طلبا جازما إن ثبت بدليل قطعي ~~كالقرآن فهو الفرض، كقراءة القرآن في الصلاة الثابتة بقوله تعالى: {ما تيسر ~~من القرءان علم} [المزمل: 20] أو بدليل ظني كخبر الواحد فهو الواجب كقراءة ~~الفاتحة في الصلاة الثابتة بحديث (الصحيحين) بقوله: (لا صلاة لمن لم يقرأ ~~بفاتحة الكتاب) فيأثم بتركها ولا تفسد به الصلاة بخلاف ترك القراءة هذا ~~تفصيل مذهبه، وأما عندنا فكل من القسمين يسمى فرضا وواجبا وتبطل الصلاة ~~مثلا بتركه، أخذا من فرض الشيء قدره، ووجب الشيء وجوبا ثبت، وكل من المقدر ~~والثابت أعم من أن يثبت بقطعي أو ظني، ومأخذنا هذا أكثر استعمالا من مأخذهم ~~المقرر في محله، على أن الخلاف لفظي كما قرر في محله أيضا مع ما فيه من ~~إشكال وجواب. والحرام # PageV01P157 # والمحظور مترادفان أيضا، وكذلك المسنون والمشروع والمحبوب والمرغب فيه، ~~والمندوب، والحسن، والمستحب، والتطوع، كلها معناها واحد، وهو المطلوب طلبا ~~غير حازم، وخالف في ذلك القاضي حسين وغيره فنفوا ترادفها وقالوا: هذا الفعل ~~إن واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم فهو السنة، وإن لم يواظب عليه كأن ~~فعله مرة أو مرتين فهو المستحب، أو لم يفعله وهو ما ينشئه الإنسان باختياره ~~من الأوراد فهو التطوع، ولم يتعرض للمندوب لعمومه الأقسام الثلاثة بلا شك ~~ويقاس به البقية، والخلاف هنا لفظي أيضا كما قرر في محله، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. ### | 230 - # وسئل نفع الله به سؤالا صورته: ما معنى قولهم شكر المنعم واجب، وما الذي ~~يؤدي وما حده وما ضابطه؟ فأجاب بقوله: قال بعضهم: تحرير الجواب عن ذلك ~~متوقف على معنى الشكر الذي هو موضوع المسألة الخلافية بيننا وبين المعتزلة ~~وهي أن شكر المنعم واجب شرعا عندنا وعقلا عندهم، فالشكر الذي هو موضوع هذه ~~المسألة فسره الصفي الهندي وغيره بالمعنى اللغوي للشكر ms362 فقال: هو اعتقاد ~~القلب أن ما بالعبد من نعمة فمن الله سبحانه هو المنعم بذلك فضلا من غير ~~وجوب، والتحدث باللسان بالمنعم والخضوع بالجوارح والأول واجب وجوب ~~الاعتقاديات، بمعنى وجوب جزم العقيدة به واستصحاب هذا الجزم حكما بحيث لا ~~يطرأ ما ينافيه، وسيأتي الكلام في الثاني والثالث، والمشهور تفسيره بالمعنى ~~العرفي، وعلى مقتضاه جرى الغزالي في (الإحياء) وغيره ممن تكلم باصطلاح ~~أرباب القلوب، وهو أن الشكر صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه إلى ما ~~خلق لأجله؛ فالسمع خلق ليصرف إلى تلقي ما يرد عليه من الأوامر والنواهي ~~الإلهية، والمواعظ وما ينتظم في سلكها، وإلى ما يدل بها على متعلقها ليرتكب ~~ويجتنب ونحو ذلك. والبصر ليصرف إلى رؤية المصنوعات فيستدل بها على وجوب ~~وجود الصانع وإتصافه بصفات الكمال وتعاليه عن أضدادها ونحو ذلك واللسان ~~ليصرف إلى الذكر والتذكير والدراسة والتعليم والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر وما أشبه ذلك، وعلى هذا المنوال جميع القوى والمدارك والجوارح، وفي ~~(الإحياء) للإمام الغزالي تفصيل لذلك حسن، والشكر بهذا المعنى أعم منه ~~بالمعنى الأول كما لا يخفى على من تأمل، وعلى كل من التفسيرين فهو ينقسم ~~إلى واجب ومندوب لأن جميع الطاعات مندرجة فيه على التفسير الثاني وهي ~~منقسمة إلى واجب ومندوب. وعلى التفسير الأول مندرج فيه سجود الشكر لأنه ~~خضوع في مقابلة النعمة وهو مندوب، ومن هذا يتحرر أن المراد في المسألة ~~الخلافية أن وجوب شكر المنعم حيث وجب فهو بالشرع لا بالعقل خلافا للمعتزلة، ~~فالاعتقاد منه واجب وجوب الاعتقاديات غير مؤقت بيوم ولا شهر ولا سنة، ولا ~~موصوف بمرة ولا تكرار إذ المقصود دوامه وعدم اختلاله. وأما أعمال الجوارح ~~فمنها ما يجب في اليوم مرات وهي المكتوبات، ومنها ما يجب في الأسبوع مرة ~~بشرط وهو الجمعة، ومنها ما يجب في العام مرة وهو الصوم، ومنها ما لا يجب ~~إلا على بعض الناس كالزكاة والحج. وأما الثناء باللسان فهو يتكرر في اليوم ~~مرات كقراءة المصلي {الحمد لله رب العالمين الرحمان الرحيم} فإنه ثناء ms363 على ~~الله سبحانه وتعالى بربوبيته دون موجود سواه المشتمل معناها على الإنعام ~~بإيجاد النوع الإنساني، وتربيته بالتنقل في الأطوار من طور النطفة إلى طور ~~العلقة فالمضغة فالعظام المكسوة لحما، فالحيوانية ثم كمال الخلقة ثم ~~الإخراج من ضيق الرحم وظلمته إلى نور الفضاء وسعته، وتسخير الأبوين وتقوية ~~الحواس والقوي وحفظها، وكذلك العقلي إلى غير ذلك من صنوف النعم، وثناء عليه ~~سبحانه بصفة الرحمة وهي شاملة باعتبار متعلقها لأنواع الإحسان في الدارين ~~انتهى. ### | 231 - # وسئل نفع الله به: عن إطلاق العام وإرادة الخاص أحقيقة أم مجاز؟ إن قيل ~~بالأول لزم أنه استعمال اللفظ في غير ما وضع له فكيف يكون حقيقة، أو ~~بالثاني ورد ما ذكره بعض المحققين أنه قد يكون في هذه الحالة حقيقة؟ فأجاب ~~بقوله: هو مجاز قطعا كما ذكره جميع الأصوليين، والمراد ببعض المحققين في ~~السؤال التقى السبكي رحمه الله فإنه بحث كونه قد يكون حقيقة من عنده بعد ~~حكايته الإجماع على خلافه، وفرعه على القول بأن دلالة العام على كل فرد من ~~أفراده دلالة مطابقة، لأنه حينئذ ليس استعمالا للفظ في غير موضوعه، ولا في ~~بعض موضوعه بل هو كاستعمال المشترك في أحد معنييه وهو استعمال حقيقي انتهى. ~~ويرد قياسه بأن استعماله في البعض مقصورا عليه، صيره مجازا إذ ليس هذا ~~الاستعمال يقيد # PageV01P158 # هذا القصر عن موضوعه الحقيقي فتأمله. 232 وسنئل نفع الله به: عن الإنسان ~~بالنسبة للأب والابن مشكك أو متواطىء؟ فأجاب بقوله: هو متواطىء لتساويهما ~~فيه، والاختلاف بينهما لا يرجع للمسمى كالبياض بالنسبة لأفراده بل لخارج ~~عنه كالذكورة والأنوثة. 233 وسئل نفع الله به: هل ينطبق على مجاز الزيادة ~~والنقص تعريف المجاز. فأجاب بقوله: ذهب جمع إلى أنهما ليسا من قبيل المجاز ~~حينئذ فلا إشكال. وذهب آخرون إلى أنهما منه. واعترضوا بأنه لا يصدق عليهما ~~حده، وقيل إن غير الإعراب فمجاز وإلا فلا، وقال القرافي: الحذف أقسام لا ~~مجاز إلا في واحد منها، وهو ما يتوقف عليه صحة اللفظ ومعناه من حيث الإسناد ~~نحو {واسئل القرية} ms364 [يوسف: 82] وقيل إنما يكون الحذف مجاز إذا تغير حكم، ~~وإلا كحذف خبر المبتدإ المعطوف على جملة فلا. 234 وسئل نفع الله به: عن ~~المشاكلة هل هي من أنواع المجاز وما العلاقة فيها نحو: {وجزآء سيئة سيئة ~~مثلها} [الشورى: 40] ؟ فأجاب بقوله: زعم بعض أرباب اليان أنها واسطة ليست ~~بحقيقة لعدم استعمال اللفظ فيما وضع له ولا مجاز لعدم العلاقة. ورد بأنه ~~مجاز قطعا، والعلاقة فيه الشكل والشبه الصوري كما يطلق الإنسان والفرس على ~~الصورة المصورة وكذلك الجزاء أطلق عليه سيئة لكونه مثل السيئة المبتدأ بها ~~في الصورة، والله أعلم. 235 وسئل نفع الله بعلومه وأمدنا بمدده: هل ورد ~~حديث صحيح في مشروعية التكبير أو آخر قصار المفصل؟ فإن قلتم نعم فهل هو خاص ~~في حق غير المصلي، فإن قلتم نعم فهل نقل ندبه في حق المصلي عن أحد من ~~الأئمة، فإن قلتم بسنيته فما ابتداؤه وانتهاؤه؟ وهل يندب معه زيادة لا إله ~~إلا الله كما هو المعمول؟ فأجاب نفع الله به وأعاد علينا وعلى المسلمين من ~~بركاته بقوله: حديث التكبير ورد من طرق كثيرة عن أحمد بن محمد بن أبي بزة ~~البزي قال: سمعت عكرمة بن سليمان يقول: قرأت على إسماعيل بن عبد الله بن ~~قسطنطين فلما بلغت والضحى قال لي: كبر عند خاتمة كل سورة حتى تختم، وأخبره ~~أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك، وأخبره مجاهد أن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أمره بذلك، وأخبره ابن عباس بأن أبي بن كعب أمره بذلك وأخبره أبي بن كعب أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمره بذلك. وقد أخرجه الحاكم أبو عبد الله في ~~(صحيحه المستدرك) عن البزي وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجه البخاري ~~ولا مسلم انتهى. وقد يعارضه تضعيف أبي حاتم العقيلي للبزي. ويجاب بأن هذا ~~التضعيف غير مقبول، فقد رواه عن البزي الأئمة الثقات، وكفاه فخرا وتوثيقا ~~قول إمامنا الشافعي رضي الله عنه: إن تركت التكبير تركت سنة، وفي رواية: يا ~~أبا الحسن والله لئن تركت التكبير فقد ms365 تركت سنة من سنن نبيك. وقال الحافظ ~~العماد بن كثير: وهذا من الشافعي يقتضي تصحيحه لهذا الحديث. ومما يقتضي ~~صحته أيضا أن أحمد بن حنبل رواه عن أبي بكر الأعين عن البزي. وكان أحمد ~~يجتنب المنكرات فلو كان منكرا ما رواه. وقد صح عند أهل مكة فقهائهم ~~وعلمائهم ومن روى عنهم، وصحته استفاضت وانتشرت حتى بلغت حد التواتر. وصحت ~~أيضا عن أبي عمرو من رواية السوسي، ووردت أيضا عن سائر القراء، وصار عليه ~~العمل عند أهل الأمصار في سائر الأعصار. واختلفوا في ابتدائه، فقيل من أول ~~سورة الضحى، والجمهور على أنه من أول سورة ألم نشرح، وفي انتهائه؛ فجمهور ~~المغاربة والمشارقة وغيرهم على أنه إلى آخر الناس، وجمهور المشارقة على أنه ~~أولها ولا يكبر آخرها، والوجهان مبنيان على أنه هل هو لأول السورة أو ~~لآخرها؟ وفي ذلك خلاف طويل بين القراء، والراجح منه الظاهر من النصوص أنه ~~من آخر الضحى إلى آخر الناس: ولا فرق في ندب التكبير بين المصلي وغيره، فقد ~~نقل أبو الحسن السخاوي بسنده عن أبي يزيد القرشي قال: صليت بالناس خلف ~~المقام بالمسجد الحرام في التراويح في شهر رمضان، فلما كانت ليلة الجمعة ~~كبرت، من خاتمة الضحى إلى آخر القرآن في الصلاة فلما سلمت التفت فإذا بأبي ~~عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه فقال. أحسنت أصبت السنة. ~~ورواه الحافظ أبو عمرو الداني عن ابن جريج عن مجاهد. قال ابن جريج: فأولى ~~أن يفعله الرجل إماما كان أو غير إمام، وأمر ابن جريج غير واحد من الأئمة ~~بفعله. ونقل سفيان بن عيينة عن صدقة بن عبد الله بن كثير أنه كان يؤم الناس ~~منذ أكثر من سبعين سنة. وكان إذا ختم القرآن كبر، فثبت بما ذكرناه عن ~~الشافعي رضي الله عنه # PageV01P159 # وبعض مشايخه وغيرهم أنه سنة في الصلاة، ومن ثم جرى عليه من أئمتنا ~~المتأخرين الإمام المجتهد أبو شامة رحمه الله، ولقد بالغ التاج الفزاري في ~~الثناء عليه حتى قال: عجبت له كيف قلد ms366 الشافعي رحمه الله والإمامان أبو ~~الحسن السخاوي وأبو إسحاق الجعبري، وممن أفتى به وعمل في التراويح شيخ ~~الشافعية في عصره أبو الثناء محمود بن محمد بن جملة، الإمام والخطيب ~~بالجامع الأموي بدمشق. قال الإمام الحافظ المتقن شيخ القراءة في عصره أبو ~~الخير محمد بن محمد الجزري الشافعي: ورأيت أنا غير واحد من شيوخنا يعمل به ~~ويأمر من يعمل به في صلاة التراويح، وفي الإحياء في ليالي رمضان حتى كان ~~بعضهم إذا وصل في الإحياء إلى الضحى قام بما بقي من القرآن في ركعة واحد ~~يكبر في كل سورة، فإذا انتهى إلى {قل أعوذ برب الناس} [الناس: 114] كبر في ~~آخرها ثم يكبر للركوع، وإذا قام في الركعة الثانية قرأ الفاتحة وما تيسر من ~~سورة البقرة، وفعلت أنا ذلك مرات لما كنت أقوم بالإحياء إماما بدمشق ومصر ~~انتهى. ثم إن قلنا التكبير لآخر السورة كان بين آخرها وبين الركوع، وإن ~~قلنا لأولها كان بين تكبير القيام والبسملة أول السورة، ووقع لبعض الشافعية ~~من المتأخرين الإنكار على من كبر في الصلاة فرد ذلك عليه غير واحد وشنعوا ~~عليه في هذا الإنكار. قال ابن الجزري: ولم أر للحنفية ولا للمالكية، نقلا ~~بعد التتبع، وأما الحنابلة ففي فروعهم لابن مفلح وهل يكبر لختمه من الضحى ~~أو ألم نشرح آخر كل سورة فيه روايتان، ولم يستحبه الحنابلة القراء غير ابن ~~كثير، وقيل ويهلل انتهى. وأما صيغته فلم يختلف مثبتوه أنها: الله أكبر، وهي ~~التي رواها الجمهور عن البزي، وروى عنه آخرون التهليل قبلها فتصير لا إليه ~~إلا الله والله أكبر وهذه ثابتة عن البزي فلتعمل. ومن ثمة قال شيخ الإسلام ~~عبد الرحمان الرازي الشافعي رحمه الله في (وسيطه) في العشر: وقد رأيت ~~المشايخ يؤثرون ذلك في الصلاة فرقا بينها وبين تكبير الركوع، ونقل عن البزي ~~أيضا زيادة: ولله الحمد بعد أكبر. وروى جمع عن قنبل وروى عنه آخرون التهليل ~~أيضا، وقطع به غير واحد. قال الداني: والوجهان يعني التهليل مع التكبير ~~والتكبير وحده عن البزي وقنبل ms367 صحيحان مشهوران مستعملان جيدان، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. ### | 236 - # وسئل رضي الله عنه: التكبير عند ختم القرآن أواخر السور في الصلاة هل هو ~~سنة؟ فأجاب بقوله: نعم هو سنة في الصلاة كما نص عليه الشافعي وشيخه سفيان ~~بن عيينة وابن جريج وغيرهم، ونقله جماعة من أئمتنا المتأخرين كأبي شامة، ~~والسخاوي، وابن جملة خطيب دمشق وغيرهم، وعمل به جماعة منهم وأفتوا به من ~~يعمل به في صلاة التراويح وردوا على من أنكر ذلك، ومن ثمة قال ابن الجوزي ~~في أواخر النشر لما أن بسط الكلام في ذلك: والعجب ممن ينكر التكبير بعد ~~ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين وغيرهم ويجيز في ~~صلوات غير ثابتة، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | 237 - # وسئل نفع الله به: في الصبي الجنب هل قراءته القرآن بقصد كونه قرآنا ~~جائزة، وكذلك مكثه في المسجد فلا يمنع منهما، ولا حرج على وليه وتمكينه ~~حينئذ؟ فإن قلتم بعدم الجواز فهل نسبة بعضهم الجواز لخادم الزركشي صحيحة، ~~وإذا كانت صحيحة فهل وافقه أحد أم خالفه، وعلى تقدير عدم صحتها فهل قال أحد ~~بالجواز من أئمة المذاهب أم لا؟ فأجاب بقوله: هو أن الذي أفتى به النووي ~~وجزم به ابن السبكي في معيد النعم، أنه يجوز تمكين الصبي المميز الجنب من ~~مس المصحف لحاجة تعلمه منه، فقول الإسنوي في (المهمات) لم أجد تصريحا ~~بتمكين المميز في حالة الجنابة، والقياس المنع، لأنها نادرة وحكمها أغلظ ~~انتهى. يرد وإن تبعه شيخنا زكريا وأفتى به فقهاء اليمن بأنه يكفي تصريح ~~النووي وغيره بذلك، لكن الظاهر أن الإسنوي ومن تبعه لم يطلع على ذلك، وأما ~~قول الخادم بعد أن ذكر إفتاء النووي: وفيه نظر لأن الجنابة لا تتكر فلا ~~يشق، وعلى قياسه يجوز تمكينه من المكث # PageV01P160 # في المسجد وهو بعيد، إذ لا ضرورة فيرد بأن تنظيره إنما يأتي إذا قلنا إن ~~العلة عظم المشقة في تكليف الصبيان استصحاب الطهارة، وهو ما صرح به ~~الشيخان. أما إذا قلنا بما في (التهذيب) من أن ms368 العلة أن طهارة الصبي ناقصة ~~فلا معنى لاشتراطها فكلام النووي حينئذ واضح لا غبار عليه، على أن الذي ~~ينبغي أن العلة مركبة وعليه فكلام النووي واضح أيضا، ويرد قياسه بإمكان ~~الفرق بينهما بأن احتياجه إلى القرآن ومس المصحف لأجل تعلمه منه أكثر من ~~احتياجه إلى المسجد فلم تكن ضرورة إلى إباحة دخوله، على أن قضية علة ~~(التهذيب) السابقة أنه يجوز له المكث في المسجد جنبا أيضا وجزم به بعض ~~المتأخرين. والله أعلم. ### | 238 - # وسئل رضي الله عنه: عن رجل فسر آية من آيات القرآن المبين بتفسير أبي ~~الحسن الواحدي وابن عباس والزجاج وعطاء وغيرهم من العلماء المجتهدين ~~المعتبرين كما فسر في تفسيرهم، هل يجوز له ذلك أم لا؟ فأجاب بقوله: إنه لا ~~حرج على من ذكر تفاسير الأئمة على وجهها من غير أن يتصرف فيها بزيادة أو ~~نقص، بل هو مأجور مثاب على ذلك، لكن ينبغي له إن كان يذكر ذلك التفسير ~~للعامة أن يتحرى لهم الأليق بحالهم مما تحتمله عقولهم، فلا يذكر لهم شيئا ~~من غرائب التفسير ومشكلاته التي لا تحتملها عقولهم، لأن ذلك يكون فتنة لهم ~~وضلالا بينا، ومن ثمة يجب على الحاكم أصلحه الله منع من يفعل ذلك من جهلة ~~الوعاظ لأنهم يضلون ويضلون، وكذلك يجب عليه أيضا أن يمنع من ينقل التفاسير ~~الباطلة كتفسير من يتكلم في التفسير برأيه مع عدم أهليته لذلك، ومن يتكلم ~~في التفسير بما قاله الأئمة لكن لا يفهمه على وجهه لعدم الآلات عنده فإن ~~التفسير علم نفيس خطير، لا يليق بكل أحد أن يتكلم فيه، ولا أن يخوض فيه، ~~إلا إذا أتقن آلاته التي يحتاج إليها كعلم السنة والفقه واللغة والنحو ~~والمعاني والبيان وغيرها من العلوم المتعلقة بلسان العرب، فمن أتقن ذلك ~~يساغ له الكلام فيه ومن لم يتقن ذلك اقتصر على مجرد نقل ما قاله أئمة ~~التفسير بما ذكره الأئمة المتأخرون عنهم كالواحدي والبغوي والقرطبي والإمام ~~الفخر الرازي والبيضاوي وغيرهم، ولا يذكر من كلام هؤلاء الأئمة إلا ما يليق ~~بمن ms369 يذكره لهم من غير أن يتصرف فيه بشيء. والحاصل أن هذا مسلك خطر وطريق ~~وعر فينبغي التحري في سلوكه حذرا من الضلال والإضلال، والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. ### | 239 - # وسئل نفع الله به: عن قول الله تعالى: {يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ~~وصاحبته وبنيه لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه} [عبس 34، 37] هل هذه الآية ~~خاصة أو عامة، وما معنى لفظ المرء في هذه الآية هل يشمل الكافر والمسلم، ~~والفرار يوم القيامة هل يكون من المسلم والكافر أو من الكافر خاصة؟ فأجاب ~~بقوله: إن الآية عامة كما يدل عليه سياقها ونظمها. ويدل لذلك حديث الترمذي ~~بإسناد حسن صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: (تحشرون حفاة عراة غرلا (غير مختونين) فقالت امرأة أو يبصر أو يرى ~~بعضهم عورة بعض؟ قال يا فلانة {يوم يفر المرء من أخيه} ويدل لذلك أيضا ما ~~رواه المفسرون في الآية: أن معنى الفرار من هؤلاء التباعد عنهم وعدم ~~الالتفات إلى واحد منهم اشتغالا عنهم بما هو فيه مما لا يطيق حمله وخوفا ~~أنهم يطالبونه بحقوقهم، كمواساة الأخ وبر الوالدين وتوفية الصاحبة ما وجب ~~لها، والتقصير في حق البنين بعدم التعليم والإرشاد، ولذلك قيل أول من يفر ~~من أخيه هابيل، ومن أبيه إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، ومن ~~صاحبته لوط عليه الصلاة والسلام، ومن ولده نوح عليه الصلاة والسلام، وقيل ~~إن المرء يفر من موالاة هؤلاء ونصرتهم، لأنهم الذين كان يفر إليهم في ~~الدنيا ويعتز ويتقوى بهم فلم ينفعوه في الآخرة بل يتباعد عنهم ثم، ولم يرج ~~فيهم نفعا بقربه إليهم بل خشي منهم ضررا عظيما حمله على التباعد الشديد ~~المعبر عنه بالفرار عنهم، ولهذا يظهر للعاقل أن ذلك اليوم لا ينفع فيه شيء ~~من الصور المحبوبة في الدنيا وإنما تنفع فيه الأعمال الصالحة، بل تنقلب تلك ~~الصور المحبوبة أعداء ينفر عنها ولا يتقرب إليها، ومن ثم قال تعالى: {المال ~~والبنون زينة الحيواة الدنيا والباقيات الصالحات خير ms370 عند ربك ثوابا وخير ~~أملا} [الكهف: 46] وقال: {إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ف احذروهم} ~~[التغابن: 14] فحذر الله منهم في الدنيا قبل أن يفر منهم في الآخرة، وهذا ~~الفرار قبيل دخول الجنة أما فيها فلا يكون فيها إلا الاجتماع والمشاهدة. # {والذينءامنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم} والذرية هنا ~~تشمل الآباء كالأبناء، ونظيره {وءاية لهم أنا حملنا ذريتهم فى الفلك ~~المشحون} أي آباءهم فاستفيد منه إطلاق الذرية على الآباء وحدهم وعلى ما ~~يشملهم مع الأبناء، ثم ما ذكر في الآية من باب الترقي لأن الأبوين أقرب من ~~الإخوة وتعلق القلب والالتصاق بالصاحبة أشد منه بهما وذلك بالابن أشد منه ~~بها، فكأنه قيل من أخيه بل من أبويه مع مزيد قربهما بل من صاحبته مع مزيد ~~تعلقه بها بل من الابن الذي هو الغاية في التعلق به وعدم مساواة أحد له في ~~هذه المرتبة، وذلك ينبئك عن عظيم شدة الهول الذي تعين في ذلك اليوم حتى ~~يحمل على الفرار من # PageV01P161 # مثل هؤلاء نسأل الله اللطف في ذلك والمسامحة إنه أقرب وأكرم مجيب، والله ~~تعالى أعلم. 240 وسئل نفع الله به: عما لو شك في شيء من القرآن حال التلاوة ~~أهو بالياء أو هو بالتاء أو هو وقال أو فقال هل له أن يقرأه من غير تيقن ~~حقيقة ذلك أم لا؟ فأجاب بقوله: إنه لا يجوز له القراءة مع الشك المذكور حتى ~~يغلب على ظنه الصواب، والله أعلم. 241 وسئل نفعنا الله به: عن شخص يعظ ~~المسلمين بتفسير القرآن والحديث وهو لا يعرف علم الصرف ووجه الإعراب من علم ~~النحو ولا وجه اللغة ولا علم المعاني والبيان، هل يجوز له الوعظ بهما أو ~~لا؟ وإن وعظ بذلك برأيه فهل عليه حد مضبوط أو تعزير أو لا شيء عليه؟ وهل ~~يجوز له الوعظ بغير إذن الحاكم أو يعلق إذنه عليه وإذا منعه عنه فوعظ، فهل ~~عليه التعزير وإن قلتم ينبغي التعزير فما حده؟ فأجاب رضي الله عنه بقوله: ~~بأنه إن كان وعظه بآيات ms371 الترغيب والترهيب ونحوهما وبالأحاديث المتعلقة بذلك ~~وفسر ذلك بما قاله الأئمة جاز له ذلك، وإن لم يعلم من علم النحو وغيره، ~~لأنه ناقل لكلام العلماء والناقل كلامهم إلى الناس لا يشترط فيه إلا ~~العدالة، وأن لا يتصرف فيه بشيء من رأيه وفهمه، وأما إذا كان يتصرف فيه ~~برأيه أو فهمه ولا أهلية فيه لذلك بأن لم يتقن العلوم المتعلقة بذلك فإنه ~~يجب على أئمة المسلمين وولاتهم وكل من له قدرة منعه من ذلك وزجره عن الخوض ~~فيه، فإن لم يمتنع رفع إلى بعض قضاة المسلمين ليعزره التعزير الشديد البالغ ~~الزاجر له ولأمثاله من الجهال عن الخوض في مثل هذه الأمور الصعبة لما يترتب ~~على ذلك من المفاسد والقبائح الكثيرة والشنيعة، ومن أتقن طريق الوعظ وما ~~يحتاج إليه من العلوم فإنها درجة سنية، ومنصب شريف لا يستهزىء به ويتجاسر ~~عليه إلا كل جاهل مجازف في الدين لا يخاف الله ولا يخشى سطوة عذابه الأقرب ~~إليه من حبل الوريد، فمن أتقنه كما ذكرنا جاز له فعله من غير إذن الإمام، ~~لكن قياس ما قاله أئمتنا في التدريس أنه لا يجوز فعله في المساجد العظام ~~إلا بإذن الإمام إن اعتيد استئذانه في مثل ذلك، وحيث منع الإمام منه شخصا ~~فخالفه وفعل، عزر التعزير الشديد لأن مخالفة أمر الإمام الذي ليس بمعصية ~~حرام موجب للتعزير الشديد، وكيفية التعزير لا ضابط لها لأنه يختلف باختلاف ~~المعزرين والمعصية التي وجب التعزير لها وبسببها، ومن ثم قالوا إن الأمر ~~فيها منوط برأي الإمام فمتى رأى مرتبة كافية في الزجر لم يجز له الارتقاء ~~إلى ما فوقها، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | 242 - # وسئل نفع الله به: إذا استعمل من ورق الكتب أغشية لها وفي تجليدها هل يجب ~~نقضه وبله؟ فأجاب بقوله: يحرم جعل الأوراق التي فيها شيء من القرآن أو من ~~الأسماء المعظمة غشاء مثلا أخذا مما أفتى به الحناطي من حرمة جعل النقد في ~~كاغد فيه بسم الله الرحمان الرحيم، وفرق ابن العماد بينه وبين كراهية لبس ms372 ~~الثوب المطرز بالقرآن، بأن المكتوب هنا قصد به الدراسة ومقتضاه أنه لا يحرم ~~جعل ذلك فيما كتب لا للدراسة، وفيه وقفة، والذي ينبغي في الفرق أن يقال ليس ~~من شأن الثوب أن يكتب عليه قرآن بخلاف الكاغد فلم يحرم لبس ذلك، وحرم جعل ~~شيء في هذا، لأن لبس ذلك لا يعد امتهانا لما كتب عليه بخلاف جعله نحو نقد ~~في هذا فإنه يعد انتهاكا أي انتهاك لما كتب فيه، لأن الكتابة فيه تقطع عنه ~~كونه يجعله ظرفا لغيره لكونه موضوعا لها، والكتابة على الثوب لا تقطع كونه ~~ملبوسا لكونه ليس موضوعا له. وإذا تقرر ذلك اتجه حرمة جعل النقد أو غيره في ~~كاغد كتب فيه من القرآن سواء أقصد بها الدراسة أم غيرها. ويعلم من هذا ما ~~قدمته من أنه يلحق بالقرآن كل اسم معظم كاسم الله واسم نبيه محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وأما الأوراق التي فيها علم محرم وليس فيها اسم معظم فظاهر ~~كلامهم أنه لا يحرم جعلها غشاء، وحينئذ فلا يجب نقض الأغشية المعمولة منها. ~~فإن قلت: بل ينبغي حرمة ذلك قياسا على حرمة توسد كتب العلم المحترم. قلت: ~~القياس له نوع اتجاه إلا أنه يمكن الفرق بأن التوسد فيه من المباشرة ~~بالامتهان والاستعمال ما ليس في جعلها أغشية: وواضح أن الكلام في كتب علم ~~بالية تعطل النفع بها ولم يكن في جعلها أغشية إضاعة مال ولا تعطيل لذلك ~~العلم المحترم، فإن وجد شيء من ذلك اتجه القول بالحرمة حينئذ كما لا يخفى ~~على من له أدنى بصيرة، وإذا حرم وجب نقضها وإعادتها على حالها إن أمكن ذلك ~~بعد النقض، والله أعلم. ### | 243 - # وسئلت: عمن وجد مصحف غلطا هل له أن يصلحه بغير إذن مالكه؟ وكذلك في ~~الكتب. وهل للقارىء بالمصحف الكريم إذا انتهى إلى آخر حزبه أن يضع فيه ورقة ~~أو نحوها ليعرف حزبه # PageV01P162 # فيها؟ وهل يجوز وضع مصحف على مصحف آخر؟ وهل يجوز أن يكتب في المصحف الوقف ~~أنه وقف على كذا وأن فلانا وقف؟ ms373 وهل يجوز أن يكتب في المصحف الوقف أنه وقف ~~على كذا وأن فلانا وقف؟ وهل يجوز أن يحشي المصحف الكريم من التفسير كما ~~يحشي الكتب من الشروح؟ وما حكم كتابة الأحاديث في فضل السور قبل البسملة؟ ~~وهل يجوز وضع المصحف في كوة ظاهرة من غير فرش؟ وهل يحرم مد الرجل إليه وإن ~~بعد عنه؟ وهل يجوز وضعه على ثوب فيه كثير ونيم نحو ذباب؟ وما الذي يلزم ~~معلمي الصبيان أن يعلموهم من احترام المصحف؟ وهل في التكبير عند آخر كل ~~سورة من الضحى إلى آخر القرآن أثر؟ وما حكم قراءة القرآن العظيم في الطرق ~~المتيقن نجاستها وفي الحمام، وقول (العباب) : ويحرم جعل دراهم مثلا في ورقة ~~كتب فيها قرآن، هل الورقة التي فيها علم، وورق المكاتبات لها هذا الحكم؟ ~~وهل ثبت أن مؤمني الجن يقرءون القرآن ويعلمون ويتعلمون أحكام الشرع، ~~ويكتبون كما نكتب، ويصلون الصلوات الخمس ويتطهرون لها، وما يجب على الآدمي ~~المتزوج منهم لزوجته من المؤن عند من يصحح نكاحهم؟ . فأجبت بقولي: نقل ~~الزركشي وغيره عن العبادي أن من استعار كتابا فوجد فيه غلطا لم يجز إصلاحه ~~وإن كان مصحفا وجب، وقيده البدر بن جماعة والسراج البلقيني بالمملوك قالا: ~~أما الموقوف فيجوز إصلاحه وظاهر أن محله إذا كان خطه مستصلحا أي بحيث لا ~~يتعيب به المصحف، والكتاب المصلح. هذا واعلم أن شيخ الإسلام البدر بن جماعة ~~عقد بابا للآداب مع الكتب، وما يتعلق بتصحيحها وضبطها وحملها ووضعها ~~وشرائها وعاريتها ونسخها وغير ذلك، وقد قصدت تلخيصه هنا لتعلم منه أجوبة ~~بعض الأسئلة قال ما حاصله مع الزيادة فيه: ينبغي لطالب العلم أن يعتني ~~بتحصيل الكتب المحتاج إليها ما أمكنه، بشراء وإلا فبإجارة أو عارية، ولا ~~يشتغل بنسخ شيء منها إلا ما يتعذر تحصيله بغير النسخ، ولتكن همته بالتصحيح ~~أكثر من التحسين وتسن إعارتها حيث لا ضرر، وقيل تكره، ولا وجه له، كيف ~~وفيها من الإعانة على العلم والخير ما لا يخفى وللوسائل حكم المقاصد، وقد ~~كتب الشافعي رحمه الله لمحمد ms374 بن الحسن رضي الله عنه: إن العلم ينهى أهله، ~~أو يأبى أهله أن يمنعوه أهله. # وينبغي للمستعير أن يشكر للمعير ذلك ويجزيه خيرا ولو بالدعاء، وليرد ~~الكتاب بعد فراغ حاجته أو عند طلب مالكه، ولا يجوز أن يصلحه بغير إذن صاحبه ~~أي بقيده السابق، ولا يحشيه شيئا في مغاضن فواتحه وخواتمه إلا إذا علم رضا ~~صاحبه، ولا يسوده ولا يعير غيره ولا يودعه لغير ضرورة، حيث يجوز شرعا، ولا ~~ينسخ منه بغير إذن صاحبه إذ مطلق الاستعارة لا تتناول النسخ إلا إذا قال له ~~المالك لتنتفع به كيف شئت، ولا بأس بالنسخ من موقوف على من ينتفع به غير ~~معين، ولا بإصلاحه ممن هو أهل لذلك، وحسن أن يستأذن ناظره، ولا ينسخ منه ~~والقرطاس بباطنه وعلى كتابته ولا يضع المحبرة عليه، ولا يمر بالقلم الممدود ~~من الحبر فوق كتابته، وإذا نسخ منه أو طالع فيه فلا يضعه في الأرض مفروشا ~~منشورا بل يجعله بين شيئين أو على كرسي لئلا ينقطع حبكه. # وإذا وضعها بمكان فليجعل بينها وبين الأرض حائلا ويراعى الأدب في وضعها ~~باعتبار شرفها وجلالة مصنفها فيضع الاشرف أعلاها والمصحف أعل الكل وجعله ~~بمسمار معلق بنحو وتدفى حائط طاهر نظيف في صدر المجلس اولى ثم الكتب الحديث ~~الصحيح الصرف كصحيح مسلم أى لكن ينبغي تقديم البخاري عليه لأنه مع كونه أصح ~~أكثر قرآنا وسيأتي أن الآكثر قرآنا من المستويين في علم يقدم ثم تفسير ~~القرآن ثم شرح الحديث فأصول الدين فأصول الفقه فالفقه فالنحو فالصرف وعلوم ~~المعاني والبيان والبديع ونحوها أشعار العرب فارعوض وعند استواء كتابين في ~~فن يعلى إلا كثر قرآنا فحديثا فجلاله المصنف فتقدمه فأكثرهما وقوعا في أيدى ~~العلماء الصالحين فأصحهما والأولى في وضع الكتب أن يكون أوله المفتتح بنحو ~~اليسملة إلى فوق وأن لا يجعله خزانة لنحو كراريس ويحرم جعله مخدة الا عند ~~الخوف عليه وظاهر أن مثله جعله متكأ أو مسند الأمر وحة لقلة الامتهان فيه ~~بالنسبة لما قبله ويحرم توسد المصحف ولو خاف سرقته ms375 بخلاف مالوخاف عليه نجسا ~~أو كافرا فيجوز توسده بل يجب وليعلم بنحو ورقة لا عود وطى حاشية وورقة ~~يتفقد ما استعار عند الاخذ والرد ويتحرى في نظر علامة الصحة فيما يريد أن ~~يشتريه ومنها ما أشار إليه الشافعي رضي الله عنه بقوله له إذا رأيت الكتاب ~~فيه الحاق أو صلاح فاشهد له بالصحة وقال غيره لا يضئ الكتاب حتى يظلم يريد ~~اصلاحه وينبغي لكاتب العلم الطهارة # PageV01P163 # والاستقبال وابتداء الكتاب بالبسملة والحمد له والصلاة والسلام على نبيه ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - ويختمه بذلك ويكتب عند تمامه تم كتاب كذا ففيه ~~فوائد وليعظم اسم الله إذا كتبه بأن يكتب عقبه تعالى أو تقدس أو عز وجل أو ~~نحو ذلك وكذا اسم رسوله بأن يكتب عقبه - صلى الله عليه وسلم - فقد جرت به ~~عادة الخلف كالسلف ولا يختصر كتابتها بنحو صلعم فإنه عادة المحرومين ويترضى ~~عن الأكابر كالمجتهدين ويترحم عمن دونهم ويتجنب دقيق الخط فإنه لا يتنفع به ~~عند الكبر ورعاية الانتفاع به حينئذ أولى من رعاية خفة الحمل أو توفر مؤنة ~~الكتابة أو الورق وآداب براية القلم مبسوطة عند الكتاب فإذا صح الكتاب ~~بمقابلته بأصل صحيح أو بقراءته على شيخ فلينقط المشكل ويذكر ضبطه في ~~الحاشية ويكتب على ما صححه أو ضبطه صح صغيرة وما يراه خطأ يكتب فوقه كذا ~~صغيرة وفي الحاشية صوابه كذا أن تحققه والضرب على الزيادة أولى من نحو الحك ~~نعم الحك أولى في إزالة نحو نقطة أو شكلة والأولى نحو الضرب على الثاني من ~~المكرر إلا أن كان الأول آخر سطر ولم يكن مضافا لما بعده فالضرب عليه أولى ~~صيانة لا وله ويخرج لما في الحاشية بمنعطف إلى جهته اليمين سواء كان لجهة ~~الكتابة أم يسارها ويدع مقدار حبك آخر الورقة مرارا فلا يوصل الكئابة به ~~لزوالها عند حبك المجلد له ويكتب آخر التخريج صح ولا بأس بكتابة الحواشي ~~والفوائد والتنبيهات المهمة على حواشي الكتب التي يملكها ولتكن متعلقة بما ~~فيه من غير إكثار لئلا يظلمه ms376 وترك الكتابة بين الأسطر أولى مطلقا ولا يكتب ~~آخره صح فرقا بينه وبين التخريج بل نحو حاشية أو فائدة أوله أو آخره ولا ~~بأس بكتابة نحو الترجمة أو المتن بالحمرة أو بالرمز بها على نحو أسماء أو ~~مذاهب مع بيان اصطلاحه أول الكتاب ويفصل بين كل كلامين بدارة مثلا لما في ~~تركه من عسر استخراج المقصود انتهى قال الزركشي ويحرم مد الرجل إلى شيء من ~~القرآن أو كتب العلم انتهى وفي إطلاق الحرمة وقفة بل الأوجه عدمها إذا لم ~~يقصد بذلك ما ينافي تعظيمه وبحث أيضا حرمة كتابته بقلم غير العربي وفيه نظر ~~أيضا ويفرق بينه وبين حرمة قراءته بغير العربية بأن هذا يذهب إعجازه بخلاف ~~الثاني قال البيهقي كالحليمي والأولى أن لا يجعل فوق المصحف غير مثله من ~~نحو كتاب أو ثوب وألحق به الحليمي جوامع السنن أيضا وبحث ابن العماد أنه ~~يحرم أن يضع عليه نعلا جديدا أو يضعه فيه لأن فيه نوع امتهان وقلة احترام ~~والأولى أن لا يستدبره ولا يتخطاه ولا يرميه بالأرض بالوضع ولا حاجة تدعو ~~لذلك بل لو قيل بكراهة الأخير لم يبعدو ورد النهي عن تصغير لفظه كالمسجد ~~فينبغي اجتنابه قال الزركشي ويسن تطييبه وجعله على كرسي وتقبيله انتهى ~~ويكره أخذ الفأل منه وقال جمع من المالكية بتحريمه إذا تقرر ذلك علم الجواب ~~عما ذكره السائل وهو أنه يجوز له إصلاح الغلط في ملكه وما علم رضا مالكه أو ~~الموقوف عليه المعين بذلك بل يجب في المصحف ويجوز في غيره إذا لم يعيبه خطه ~~ويجوز وضع ورقة ليعرف حزبه بها وهو أولى من وضع عود ونحوه ويجوز وضع مصحف ~~على مصحف وظاهر أنه يجوز أن يكتب على الموقوف أنه وقف على كذا وأن فلانا ~~وقفه لما فيه من المصلحة العامة وعليه الإجماع الفعلي وأنه يجوز أن يحشى ~~المصحف من التفسير والقراآت كما تحشى الكتب لكن ينبغي أخذا مما مر في تحشية ~~الكتب أن لا يكتب إلا المهم المتعلق بلفظ القرآن دون نحو القصص ms377 والأعاريب ~~الغربية قال الحليمي ومن الآداب أن لا يخلط به ما ليس بقرآن كعدد الآي ~~الوقوف واختلاف القراآت ومعاني الآيات وأسماء السور والأعشار قال البيهقي ~~لأنه صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان لم يفعلوا شيأ من ذلك وكتب ~~الاحاديث المتعلقة بفضائل السور لا بأس به لمن علم أن لتلك الأحاديث أصلا ~~ككون الفاتحة تعدل ثلثي القرآن والإخلاص ثلث القرآن والكافرون وما بعدها ~~ربعه وإذا زلزلت والعاديات نصفه وكون آية الكرسي أعظم آية في القرآن وكون ~~يس قلب القرآن أو تعدله عشر مرات ونحو ذلك مما له أصل وأما الأحاديث التي ~~لا أصل لها كالمذكورة في تفسير الواحدي والزمخشري والبيضاوي وغيرهم فلا ~~يجوز روايتها ولا كتابتها لأنها كذب موضوعة مختلفة بل الأحاديث التي لا ~~يعلم أن مخرجها ممن يعتمد عليه في أن الحديث له أصل لا يجوز روايتها ولا ~~كتابتها ويجوز وضع المصحف في كوة # PageV01P164 # طاهرة من غير فرش لكن الأولى بفرش وأولى منه وأفضل كما مر تعليقه ومر ~~أيضا تفصيل في مد الرجل إليه فاستحضره وإذا قلنا بحرمة المد فمحله كما هو ~~ظاهر حيث قرب منه بأن كان ينسب المد إليه ويعد مخلا بتعظيمه ويجوز وضعه على ~~متنجس معفو عنه أخذا من قول النووي في مجموعه وتبيانه يحرم كتب القرآن أو ~~اسم الله تعالى أي أو اسم رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو كل اسم معظم كما ~~هو ظاهر بنجس أو متنجس لم يعف عنه أو وضعه على نجس أو متنجس كذلك ومسه بلا ~~حائل وإن كتب بنحو جدار ومن ذلك ما أفتى به ابن الصلاح من حرمة كتابة بعض ~~القرآن وأسماء الله على بعض الأكفان لتنجسها بالصديد ومسه بطاهر من بدن ~~تنجس باقيه خلاف الأولى وقيل يحرم ورد بأنه خرق للإجماع ويحرم بلع قرطاس ~~كتب فيه نحو قرآن مما مر لا شرب غسالته ويجب على معلم الصبيان أن يمنع غير ~~المميز من مس المصحف وحمله لئلا ينتهك حرمته وله أن يمكن المميز من حمله ~~لحاجة تعلمه منه ms378 أو ما يتوقف عليه التعليم كذهابه به إلى المكتب أو البيت ~~وإن كان محد ثابل أو جنبا على المعتمد ولا يجوز له تمكين المحدث من حمله أو ~~مسه بغير ذلك وما عدا ذلك من الآداب إن استؤجر المعلم لشيء منه معين لزمه ~~فعله وإلا فلا ويسن التكبير من الضحى إلى آخر القرآن وهي قراءة المكيين ~~أخرج البيهقي في الشعب وابن خزيمة من طريق ابن أبي بزة سمعت عكرمة بن ~~سليمان قال قرأت على إسماعيل بن عبد الله المكي فلما بلغت الضحى قال لي كبر ~~حتى تختم فإني قرأت على عبد الله بن كثير فأمرني بذلك وقال قرأت على مجاهد ~~فأمرني بذلك وأخبر مجاهد أنه قرأ على ابن عباس رضي الله عنهما فأمره بذلك ~~أخرجاه موقوفا ثم أخرجه البيهقي من وجه آخر عن أبي بزة مرفوعا وأخرجه من ~~هذا الوجه أعني المرفوع الحاكم في مستدركه وصححه وله طرق كثيرة عن البزي ~~قال قال لي محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه إن تركت التكبير فقد تركت ~~سنة من سنن نبيك قال الحافظ العماد بن كثير وهذا يقتضي تصحيحه للحديث وروى ~~أبو العلاء الهمداني عن البزي أن الأصل في ذلك أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - انقطع عنه الوحي فقال المشركون قلى محمد اربه فنزلت سورة الضحى فكبر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ابن كثير ولم يرو ذلك بإسناد يحكم عليه ~~بصحة ولا ضعف وقال الحليمي نكتة التكبير تشبيه القرآن بصوم رمضان إذا تمت ~~عدته يكبر فكذا هنا يكبر إذا أكمل عدة السور قال وصفته أن يقف بعد كل سورة ~~وقفة ويقول الله أكبر وكذا قال سليمان الرازي عن أصحابنا في تفسيره يكبر ~~بين كل سورتين تكبيرة ولا يصل آخر السورة بالتكبير بل يفصل بينهما بسكتة ~~قال ومن لا يكبر من القراء فحجتهم في ذلك سد الذريعة عن الزيادة في القرآن ~~بأن يداوم عليها فيتوهم أنه منه وفي النشر اختلف القراء في ابتدائه هل هو ~~من أول الضحى أو من آخرها ms379 وفي انتهائه هل هو أول سورة الناس أو آخرها وفي ~~وصله بأوها وآخرها والخلاف في الكل مبني على أصل وهو أنه هل هو لأول السورة ~~أو لآخرها وفي لفظه فقيل الله أكبر وقيل لا إله إلا الله والله أكبر وسواء ~~في التكبير الصلاة وخارجها صرح به السخاوي وأبو شامة (فائدة) منع الإمام ~~أحمد من تكرير سورة الإخلاص عند الختم ولكن عمل الناس على خلافه وحكمته أن ~~فيه جبرا لما لعله حصل في القراءة من خلل قال بعض المحققين وكما قاس ~~الحليمي التكبير عند الختم على التكبير عند إكمال رمضان فينبغي أن يقاس ~~تكرير سورة الإخلاص على اتباع رمضان بست من شوال انتهى وقيل حكمة التكرير ~~ما ورد أنها تعدل ثلث القرآن فتحصل ختمة واعترض بأنه كان حينئذ ينبغي أن ~~تقرأ أربعا ليحصل ختمتان أي الختمة المقروءة تحقيقا والمقروءة تقديرا ~~بالثلاثة الباقية ورد بما تقرر أولا من أنه ليس القصد ذلك بل جبر الخلل كما ~~مر وهو يحصل بتكريرها ثلاثا وإن كانت واحدة منهما تكملة للختمة المقروءة ~~وتكره القراءة في محل النجاسة حتى في الخلاء وقيل تحرم واختاره الأذرعي وفي ~~الطريق للنهي عنها وإن لم تكن فيه نجاسة وفي بيت الرحى وهي تدور ولا تكره ~~بحمام أي بمحل نظيف منه عن النجاسة لكنها فيه خلاف الأولى قاله النووي وهو ~~ظاهر وأن اعترض بأن الجمهور على الكراهة كما بينته في شرح العباب ولا فرق ~~في ذلك بين السر والجهر ولا بين من له ورد وغيره وفارقت كراهة الصلاة فيه ~~بأن الصلاة يحتاط لها أكثر لأنها لعظم فضيلتها يتسلط الشيطان # PageV01P165 # فيها والحمام مأوى الشياطين وأما القراءة فليست كذلك على أنها قد تكون ~~سببا لطرده وإيذائه كما صح ذلك في آية الكرسي وقول السائل وقول العباب ~~ويحرم الخ يعلم جوابه من قولي في شرحه ويحرم جعل دراهم مثلا في ورقة كتب ~~فيها قرآن ومنه البسملة كما أفتى به الحناطي ونقله السبكي عن الفقهاء وفرق ~~ابن العماد في حل لبس الثوب المطرز بالقرآن بأن المكتوب ms380 هنا قصد به الدراسة ~~ومقتضاه أنه لا يحرم جعل ذلك فيما كتب لا للدارسة وفيه نظر والذي يتجه ~~الفرق بأن لبس الثوب المذكور ليس فيه امتهان بطريق الذات بل بطريق التبع ~~بخلاف وضع النقد في تلك الورقة فإنه متضمن للامتهان بطريق الذات ويظهر أنه ~~يلحق بالقرآن كل اسم معظم وكالنقد فيما ذكر نحو الأكحال والأدوية بل أولى ~~خلافا لما يوهمه كلام البازري وينبغي أن يلحق بذلك ما يبطن به جلود المصاحف ~~وغيرها من الأوراق التي فيها اسم معظم فيحرم كجعل نحو النقد فيها بجامع ما ~~في كل من الامتهان بخلاف ما ليس فيه اسم معظم وإن كان من العلوم الشرعية ثم ~~رأيت ابن الحاج المالكي في مدخله صرح بذلك فحرمه بما فيه قرآن أو حديث أو ~~اسم من أسماء الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال حرمة له وتعظيما ~~لقدره بخلاف ما فيه أسماء العلماء والسلف الصالح أو شيء من العلوم الشرعية ~~فإنه يكره ولا يحرم انتهى وهو ظاهر موافق لقواعدنا انتهت عبارة شرح العباب ~~ومنها يعلم أن الورقة التي فيها علم شرعي ليست كالتي فيها قرآن أو اسم معظم ~~وأن وضع نحو النقد في تلك مكروه وفي هذه حرام وسئل ابن الصلاح عمن يقول ~~الشيطان يقدر أن يقرأ القرآن ويصلي هو وجنوده فأجاب بقوله ظاهر النقول ينفي ~~قراءتهم القرآن وقوعا ويلزم من ذلك انتفاء الصلاة منهم إذ منها قراءة ~~القرآن وقد ورد أن الملائكة لم يعطوا فضيلة حفظه فهم حريصون على استماعه من ~~الإنس فإن قراءة القرآن كرامة أكرم الله بها الإنس غير أن المؤمنين من الجن ~~بلغنا أنهم يقرؤنه وما ذكره في الملائكة قال الكمال الدميري قد يتوقف فيه ~~من جهة أن جبريل هو النازل بالقرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال ~~تعالى في وصف الملائكة {والتاليات ذكرا} أي تتلو القرآن انتهى وقد يجاب بأن ~~ذلك خصوصية لجبريل وتفسير الآية بخصوص كونها تتلو القرآن هو محل النزاع فلا ~~دليل فيه وما ذكره في مؤمني الجن يؤيده ما أخرجه ms381 الخطيب في رواية مالك عن ~~جابر رضي الله عنه قال بينما نحن نسير مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ ~~أقبلت حية سوداء ثعبان ذكر فوضعت رأسها في أذن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ووضع النبي - صلى الله عليه وسلم - فمه على أذنها فناجاها ثم ذهبت وكأنما ~~الأرض قد ابتلعتها فقلنا يا رسول الله لقد أشفقنا عليك فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - هذا وفد الجن نسوا سورة فأرسلوه إلي ففتحت عليهم القرآن ~~وفي هذا تصريح بأنهم يقرؤن القرآن وفي حديث ورد من طرق كثيرة يبلغ بها درجة ~~الحسن كما قال بعض المحققين 2 أن هامة ابن إبليس جاء للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وذكر أنه حضر قتل هابيل بن آدم وأنه اجتمع بنوح فمن بعدهم وآمن بهم ~~ثم طلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن آمن به وبلغه السلام من ~~عيسى عليه الصلاة والسلام فرد عليه السلام أن يعلمه شيأ من القرآن فعلمه ~~الواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت وقل هو الله أحد ~~والمعوذتين ثم ما أفهمه التلازم بين القراءة والصلاة الذي مر عن ابن الصلاح ~~من أن مؤمني الجن يصلون يدل له ما رواه سفيان الثوري في تفسيره عن إسماعيل ~~البجلي عن سعيد بن جبير قال قالت الجن للنبي - صلى الله عليه وسلم - كيف ~~لنا بمسجدك أن نشهد الصلاة معك ونحن ناؤن عنك فنزلت وأن المساجد لله فلا ~~تدعوا مع الله أحدا وفي نهاية ابن الأثير في الحديث لا تحدثوا في القزع ~~فإنه مصلى الخائفين والقزع بالتحريك أن يكون في الأرض ذات الكلا مواضع لا ~~نبات بها والخائفون الجن وأخرج الطبراني عن ابن مسعود في قصته ليلة جن ~~نصيبين لما خرج إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بأعلى مكة ورجع النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - من عندهم أدركه شخصان منهم فقالا له يا رسول الله إنا ~~نحب أن تؤمنا في صلاتنا قال ابن مسعود رضي الله عنه فصليا خلفه ثم صلى بنا ~~ثم انصرفا فقلت ms382 له من هؤلاء يا رسول الله فقال هؤلاء جن نصيبين الحديث ~~وأفتى أبو البقاء العكبري الحنبلي بصحة الصلاة خلف الجن لأنهم مكلفون ~~والنبي - صلى الله عليه وسلم - مرسل إليهم أي # PageV01P166 # إجماعا وذكر ابن الصيرفي الحنبلي أيضا أن الجمعة تنعقد بهم وقضية مذهبنا ~~ذلك أن تحقق وجود شروط الإمامة والجمعة في العين منهم الذي يراد الائتمام ~~به أو حسبانه من الأربعين ويؤيد ذلك إفتاء السبكي بأنهم مكلفون بشريعته - ~~صلى الله عليه وسلم - في كل شيء لأنه إذا ثبت إرساله إليهم كإرساله لنا ~~والدعوى عامة والشريعة عامة لزمهم كل تكليف وجد سببه فيهم إلا أن يدل دليل ~~على التخصيص قال فنقول تلزمهم الصلاة والزكاة بشرطها والصوم والحج وغيرها ~~من الواجبات ويحرم عليهم كل حرام ولا نلتزم ذلك في الملائكة وإن قلنا بعموم ~~الرسالة لهم أى وهو الأصح عند جمع المحققين ويدل له حديث مسلم وأرسلت إلى ~~الخلق كافة وقد ورد في آثار كثيرة عن السلف أن جمعا من الجن كانوا يقرؤون ~~القرآن عليهم ويتعلمون العلم وبالجملة التكليف شرطه العلم فما علموه لزمهم ~~وما لا فلا انتهى كلام السبكي وفي فروع الحنابلة أنهم مكلفون في الجملة وإن ~~كافرهم في النار ومؤمنهم في الجنة أي وهو ما ذهب إليه جمهور العلماء حتى ~~أبو حنيفة رضي الله عنه خلافا لما نقل عنه أنه لا ثواب لهم إلا النجاة من ~~النار ثم يكونون ترابا انتهى وأن ثواب مؤمنهم في الجنة كثوابنا ثم أطال ~~الكلام في كثير من فروع فقهية وغيرها تتعلق بهم وبه كالذي مر عن السبكي ~~يعلم الجواب عن قول السائل يعلمون ويتعلمون أحكام الشرع ويكتبون ويصلون ~~ويتطهرون وقوله وما الذي يجب على الآدمي المتزوج منهم الخ وجوابه إذا ثبت ~~أنهم مكلفون كتكليفنا جرت عليهم الأحكام الجارية علينا في العبادات ~~والمعاملات والنفقة على الزوجات وعلينا لهم إذا صححنا النكاح منهم على ~~القول الضعيف إذ لأصح أنه لا يصح نكاح آدمي جنية كعكسه لأنهم غير جنسنا فهم ~~بمثابة بقية الحيوانات وقد وقع لنا في ابتداء الطلب ms383 أن بعض مشايخنا ممن جمع ~~بين العلم والصلاح قرر صحة أنكحتهم فتوقفنا فيه وبحثنا معه في ذلك ثم جاءنا ~~في يوم فقال رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - البارحة في النوم فسألته عن ~~ذلك فقال لي أيحل نكاح البقرة أي فلا يحل نكاحهم لأنهم من غير الجنس ويؤيد ~~ذلك قوله تعالى ممتنا علينا والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا فلو جاز التزوج ~~منهم لفات ذلك الامتنان فعلم أن الآية دالة أيضا على عدم صحة نكاحنا منهم ~~وهو المعتمد (وسئل) نفع الله به عن قوله تعالى {والقمر إذا اتسق} ما هو ~~اتساقه فإنا أحيانا ما نرى الهلال حتى يمضي من الشهر ثلاث ليال ونحوها وفي ~~أوساط الشهر يحصل الصحو أحيانا فإذا عرفنا اتساقه متى يكون عرفنا دخوله إذا ~~حصل الغيم في زمن الربيع فبينوا لنا بيانا واضحا (فأجاب) بقوله معنى قوله ~~تعالى {والقمر إذا اتسق} استوى واجتمع وتكامل ومن ثم قال الفراء اتساقه ~~امتلاؤه واجتماعه واتساقه ليلة ثلاث عشرة وأربع عشرة إلى ست عشرة وإذا كان ~~هذا معنى الاتساق لم يتوجه قول السائل فإنا أحيانا الخ (وسئل) نفع الله به ~~بما لفظه في التفسير في قوله تعالى {إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا ~~عربا أترابا لأصحاب اليمين} حكاية عن الحديث أنهن اللاتي قبض عجائز خلقهن ~~الله بعد الكبر عذارى فجعلها عذارى متعشقات على ميلاد واحد أفضل من الحور ~~العين كفضل الظهارة على البطانة وأنهن لأصحاب اليمين موافقا لظاهر الآية هل ~~هن مختصات بأصحاب اليمين والحور العين بالمقربين أو الاعتبار بالأكثرية ~~(فأجاب) بقوله لفظ هذا الحديث لم أره وإنما الذي رأيته ما أخرجه كثيرون ~~منهم عبد بن حميد والترمذي والبيهقي عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى {إنا أنشأناهن إنشاء} قال أن هذه ~~المنشآت التى كن في الدنيا عجائز عمشا عمصا وما أخرجه آخرون منهم الطيالسي ~~والطبراني والبيهقي عن مرثد الجعفي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله # يقول في قوله تعالى {إنا أنشأناهن ms384 إنشاء} قال الثيب والإبكار اللاتي كن ~~في الدنيا وما أخرجه آخرون منهم عبد بن حميد والترمذي في الشمائل والبيهقي ~~عن الحسن قال أتت عجوز للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت يا رسول الله ~~أدع الله لى أن يدخلني الجنة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا أم ~~فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز فولت تبكي فقال أخبروها أنها لا تدخلها وهي ~~عجوز أن الله يقول {إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكار} أو في رواية عند ~~البيهقي عن عائشة رضي الله عنها قالت دخل علي النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وعندي عجوز فقال من هذه فقلت إحدى خالاتي فقال أما إنه لا تدخل الجنة ~~العجوز فداخل العجوز من تلك ما شاء الله فقال # PageV01P167 # النبي - صلى الله عليه وسلم - إنا أنشأناهن خلقا آخر وفي رواية عند ~~الطبراني عنها أنه - صلى الله عليه وسلم - أتته عجوز من الأنصار فقالت يا ~~رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة فقال أن الجنة لا تدخلها عجوز فذهب ~~يصلي ثم رجع فقالت عائشة رضي الله عنها لقد لقيت من كلمتك مشقة فقال إن ذلك ~~كذلك أن الله إذا أدخلهن الجنة حولهن أبكارا وقال ابن عباس رضي الله عنهما ~~خلقهن غير خلقهن الأول وقال قتادة الضمير لأزواج القوم والحسن الضمير ~~للنساء وسعيد بن جبير معناه خلقناهن خلقا جديدا وأخرج ابن مردويه أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - قال إنا أنشأناهن أنشأهن وأخرج الطبراني أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - قال أن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عدن أبكارا وجاء عن ابن ~~عباس وغيره روايات حاصلها أن العرب العواشق المتعشقات لأزواجهن المتحببات ~~المقودات إليهم الغنجات المتغنجات الحسنات الكلام الغلمات أي القويات ~~الشهوة وأصل العربة الناقة التي تشتهي الفحل والمرأة الحسنة للبعل وورد ~~بسند ضعيف أنه - صلى الله عليه وسلم - قال خير نسائكم العفيفة الغلمة وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن جعفر بن محمد عن أبيه رضي الله عنه قال قال - صلى الله ~~عليه وسلم - عربا كلامهن عربي وأن الأتراب المستويات في السن ms385 وهو ثلاث ~~وثلاثون سنة إذا تقرر ذلك فأنشأناهن إن كان معناه بدأنا خلقهن فالضمير فيه ~~راجع للحور العين وهو بعيد خلافا لمن قال به وكفى بهذا الأحاديث السابقة في ~~رده وعليه فلا إشكال لإفادته أن الحور العين للسابقين ولأصحاب اليمين وإن ~~كان معناه أعدنا خلقهن فالضمير راجع لنساء الدنيا كما دل عليه بعض تلك ~~الأحاديث أما ارجاعا له على معلوم لم يذكر على حد حتى توارت بالحجاب أو على ~~مذكور بالقوة لأن الفرش المرفوعة تستلزمهن نظر اللكمال أو بالفعل لأن الفرش ~~يعبر بها عن النساء كاللباس وعلى كل فظاهر الآية أفاد أن الحور العين ~~للسابقين ونساء الدنيا لأصحاب اليمين وهو مشكل لتصريح حديث الطبراني بأن ~~فضل نساء الدنيا على الحور المنشآت كفضل الظهارة على البطانة بصلاتهن ~~وصومهن وعبادتهن لله تعالى فيكون الأعلى للمفضول والأدون للفاضل ويجاب عنه ~~بأنه ورد أن أسفل أهل الجنة يفضي في الغداة الواحدة إلى مائة عذراء ويقوم ~~على رأسه عشرة آلاف خادم وأن للرجل زوجتين من نساء الدنيا وبذلك يعلم ~~اشتراك أهل الجنة جميعهم في الحور ونساء الدنيا والذي في آية الواقعة إنما ~~هو تمايز السابقين وأهل اليمين بمجموع المذكورات لا بكل ولا شك أن من تأمل ~~ما أعطيه السابقون من مجموع تلك المذكورات لهم وجدها أفضل مما أعطيه أصحاب ~~اليمين وأما كون بعض ما ذكر لأصحاب اليمين أفضل من بعض ما ذكر للسابقين فلا ~~يضر لأنه علم من السنة اشتراكهما في الحور العين ونساء الدنيا ويصح أن يراد ~~بأصحاب اليمين المذكور بعد أترابا أصحاب مجموع الفريقين السابقين وأصحاب ~~اليمين وحينئذ فيفيد النص على اشتراك الفريقين في ذلك وحكمته أنه لما ذكر ~~ما يخص كل ختم بما يشتركان فيه كما دلت عليه السنة وحينئذ فلا إشكال ويكون ~~الضمير راجعا إلى مطلق نساء الجنة التي من جملتهن نساء الدنيا كما دل عليه ~~الحديث الأول أن من المنشآت الخ ويدل له التصريح في حديث آخر بأن الحور ~~منشآت أيضا هذا ما ظهر في الآية وإن لم أر من ms386 ذكره والله تعالى أعلم بأسرار ~~كتابه أذاقنا لله حلاوة فهمه بمنه وكرمه (وسئل) نفع الله به عن جعل جواب ~~الشرط خرقها في قوله تعالى {إذا ركبا في السفينة خرقها} دون قال المسبب عنه ~~وفي الآخرة {استطعما أهلها} دون قال المسبب عنه أيضا وفي المتوسطة بينهما ~~جعل جواب الشرط قال دون سببه الذي هو قتل الغلام ما حكمة ذلك (فأجاب) بقوله ~~جعل السبب هو الجواب في الأولى والآخرة هو الأصل لأنه محط الفائدة فلا يسئل ~~عن حكمته والمسئول عنه إنما الآية الوسطى تغير الأسلوب فيها وحكمته والله ~~أعلم أن القول فيها وقع على شدة من الغلظة والإنكار والمبالغة في التوبيخ ~~ولم يوجد نظير ذلك في الأولى والآخرة ولأجل هذا زاد الخضر في الجواب لك في ~~ألم أقل لك إشعارا لموسى - صلى الله عليه وسلم - بأنه في هذا الحديث خالف ~~العهد الذي التزمه معه في عدم الإنكار عليه مخالفة ظاهرة والقول بأن الأمر ~~أبلغ من النكر والإغلاظ في الأولى أبلغ منه في الثانية لأن خشية قتل كثيرين ~~ليست كقتل واحد ضعيف جدا بل الصواب ما قررته من أن ما في الثانية أبلغ وأشد ~~في الإنكار وتحقق قتل نفس زكية أقبح من # PageV01P168 # خشية قتل جمع لم يقع وإذا تقرر أن ما في الثانية أبلغ وأكد في الإنكار ~~مما في الأولى والآخرة اتضح أنه لا بد فيها من الإشارة لذلك فغير الأسلوب ~~فيها وجعل الجواب القول لأن الأغرب الذي يكون الجواب له أوقع في النفس من ~~السبب الذي علم منه سبق نظيره وهو الخرق وفيه حكمة أخرى وهي زيادة ~~الاستغراب في السبب بقرنه بالفاء لما قطعه عن الجواب الدال على وقوع القتل ~~عقب اللقى مع زكاء تلك النفس ظاهر أو جعله جوابا يفوت هذه الإشارة والحاصل ~~أن المتوسطة غير فيها أسلوب الأولين لداع اقتضاه وهو ما أشرنا إليه الذي ~~لولا ذلك التغيير لما تنبه له وسئل عن حكمته ونظير ذلك قوله تعالى في سورة ~~الأنعام قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم ms387 الغيب ولا أقول لكم إني ~~ملك فكرر أقول في الأولى والآخرة دون المتوسطة لحكمة ظاهرة في أن انتفاء ~~الخزائن والملائكة عنه معلوم بالضرورة فسلط النفي على قولهما الذي يتقوله ~~بعض الكذابين لا عليهما لما تقرر من العلم بانتفائهما وأما انتفاء علم ~~الغيب عنه فغير ضروري بل ثبوته له من جملة المعجزات التي يجوز وقوعها ~~للأنبياء فيحتاج إلى تسليط النفي عليه لا على قوله مبالغة في التبري من ~~ادعائه وإفادة الاختصاص بالله من حيث العموم للجزئيات والكليات والممنوح ~~لبعض الخواص إنما هو جزئيات منه لا غير فتأمله والله سبحانه وتعالى أعلم ~~(وسئل) نفع الله بعلومه عن نزول القرآن في أي ليلة من رمضان (فأجاب) بقوله ~~أنزل ليلة أربعة وعشرن منه وكان تلك الليلة هي ليلة القدر في تلك السنة فمن ~~ثم حكم تعالى بأنه نزل في رمضان وفي ليلة القدر وأصل هذا ما رواه أحمد ~~والبيهقي عن وائلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال أنزلت التوراة لست مضين من رمضان والإنجيل لثلاث عشرة خلت منه والزبور ~~لثمان عشرة خلت منه والقرآن لأربع وعشرين خلت منه وفي رواية وصحف إبراهيم ~~لأول ليلة قال في فتح الباري وهذا الحديث مطابق لقوله تعالى {شهر رمضان ~~الذي أنزل فيه القرآن} ولقوله {إنا أنزلناه في ليلة القدر} فيحتمل أن تكون ~~ليلة القدرة في تلك السنة كانت تلك الليلة فأنزل فيها جملة إلى سماء الدنيا ~~ثم أنزل في اليوم الرابع والعشرين إلى الأرض أول {اقرأ باسم ربك الذي خلق} ~~انتهى وقوله فيحتمل الخ إنما يأتي على انتقالها الذي اختاره النووي وغيره ~~لا على المذهب أنها تلزم ليلة بعينها فعليه يجاب بأن هذا الحديث مع انضمام ~~الآية إليه يدل على أنها ليلة أربع وعشرين وعليه كثيرون وأطال بعضهم النفس ~~في الاستدلال له وقوله أن أول اقرأ نزل يوم الرابع والعشرين مشكل بما اشتهر ~~من أنه - صلى الله عليه وسلم - بعث في شهر ربيع الأول وأجيب عن هذا بما ~~ذكروه أنه نبي أولا ms388 بالرؤيا في شهر مولده ثم كانت مدتها ستة أشهر ثم أوحى ~~الله إليه في اليقظة ذكره البيهقي وغيره وجاء عن أبي قلابة أن الكتب أنزلت ~~ليلة أربع وعشرين من رمضان وقدموا الأول عليه لأنه أثبت منه واستشكل إنزاله ~~جملة ليلة القدر إلى بيت العزة بأن من جملته إنا أنزلناه في ليلة القدر فإن ~~لم تكن منه فما نزل جملة وإن كانت منه فما وجه صحة هذه العبارة وأجيب بأن ~~معناه أنا حكمنا بإنزاله في ليلة القدر وقضينا وقدرناه في الأزل وأنزل ~~بمعنى ننزله في ليلة القدر كأتى أمر الله (وسئل) نفع الله به هل ورد أن ~~اللاحن في القرآن له ثواب (فأجاب) بقوله أخرج البيهقي أنه - صلى الله عليه ~~وسلم - قال من قرأ القرآن فأعربه كله فله بكل حرف أربعون حسنة فإن أعرب ~~بعضه ولحن في بعضه فله بكل حرف عشرون حسنة وإن لم يعرب شيأ له بكل حرف عشر ~~حسنات وإسناد ضعيف منقطع بل فيه كذاب وضاع قال الحافظ السيوطي والظاهر أن ~~الحديث مما صنعت يداه وقد عده الذهبي من مناكيره ورواه الطبراني على كيفية ~~أخرى وقال تفرد به فلان وهو متروك والبيهقي بلفظ من قرأ القرىن فاعرب في ~~قراءته كان له بكل حروف عشرون حسنة ومن قرأه بعير إعراب كان له بكل حرف عشر ~~حسنات وإسناده لا يصح أيضا فإن راويه بقية وقد عنعنه وهو مدلس وبفرض صحته ~~فيحمل على لاحن لم يتعمد اللحن ولم يقصر في التعلم (وسئل) نفع الله به من ~~النازل فيه قوله تعالى {ومنهم من عاهد الله} الآية (فأجاب) بقوله ذكر جمع ~~أنه ثعلبة بن حاطب البدوي قال في الإصابة ولا أظن الخبر يصح وإن صح ففي ~~كونه هو البدري نظر وقد ذكر ابن الكلبي أن البدري قتل بأحد فبان أنه غير ~~هذا لأن هذا عاش إلى خلافة عثمان رضي الله عنه ويؤيد ذلك تسميته في تفسير ~~ابن مردويه # PageV01P169 # ثعلبة بن حاطب والبدري اسمه ثعلبة بن حاطب اتفاقا وكيف يتوهم أنه البدري ~~مع ما ms389 صح لا يدخل النار أحد شهد بدر أو نظير هذا الاشتباه ما وقع في سبب ~~نزول {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا} ~~من أنه قول طلحة يتزوج محمد بنات عمنا ويحجبهن عنا لئن مات لأتزوجن عائشة ~~من بعده فقيل أنه طلحة أحد العشرة وليس كذلك بل هو طلحة آخر شاركه في اسمه ~~واسم أبيه ونسبه (وسئل) نفع الله به ما قدر الذرة (فأجاب) بقوله قال ~~النيسابوري سبعون ذرة تزن جناح بعوضة وسبعون جناح بعوضة تزن حبة (وسئل) نفع ~~الله به ما معنى الاشتراء في قوله تعالى {إن الله اشترى من المؤمنين ~~أنفسهم} الآية ومع من كان الاشتراء ومتى وقع (فأجاب) بقوله وقع ذلك في ~~الأزل بالعلم وعند نزول الآية بالفعل وهذا شأن صفات الأفعال (وسئل) نفع ~~الله به ما المراد ب {الأرض التي باركنا فيها} {فأجاب} بقوله قال أبي بن ~~كعب وقتادة هي الشام لأنها أرض المحشر وبها ينزل عيسى عليه الصلاة والسلام ~~ويهلك الدجال وأبو العالية هي الأرض المقدسمة لأن كل ماء عذب في الأرض هو ~~منها يخرج من أصل صخرة بيت المقدس يهبط من السماء إلى الصخرة ثم يتفرق في ~~الأرض وابن عباس هي مكة لأن بها البيت الذي هو مبارك وهدى للعالمين (وسئل) ~~رضي الله عنه عن قول البيضاوي قوله تعالى {إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده ~~عقدة النكاح} أن أن يجوز أن تكون مهملة والضمير للذكور النون نون الرفع فهل ~~هو صحيح (فأجاب) بقوله هو صحيح من حيث الصناعة على قلة أو شذوذ فيه وأما ~~كونه يصح أن يكون مرادا في الآية فهو متوقف على أنه هل قرئ يعفو في أو يعفو ~~وبغير فتح الواو فإن كان قرئ به صح ما قاله البيضاوي في الآية لأن رفع يعفو ~~المعطوف يدل على إهمال أن وإن لم تقرأ به لم يصح ما قاله بوجه لأن أن لا ~~يمكن أن تكون مهملة بالنسبة ليعفون وغير مهملة بالنسبة ليعفو المعطوف وعلى ms390 ~~تسليم ما ذكره في الآية ينتج من ذلك إشكال على مذهبنا لأن الواو حينئذ في ~~يعفون إن عادت على الأزواج وإن كان السياق يرده لزم أن الذي بيده عقدة ~~النكاح هو الولي وإن عادت على الأولياء وإن الذي بيده عقد النكاح هو الزوج ~~لزم أن للأولياء العفو والشافعي رضي الله عنه لا يقول به مع أنه لا محيص ~~عنه في الآية كما تقرر وأولى ما يجاب به منع أن ما ذكره البيضاوي مراد في ~~الآية بدليل نصب يعفو المعطوف فإن رفع في قراءة ولو شاذة اتجه الإشكال كما ~~قدمته لكن فحصت عن ذلك فلم أجد أحدا حكاه قراءة (وسئل) نفع الله به عن قوله ~~تعالى {ولا تسبوا اللذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} هل ~~يدل على تحريم ذكر آلهة الكفار بسوء إذا علم أنه يترتب على ذلك ذكر الله ~~بسوء أو لا وهل في كلام الفقهاء ما يدل على ذلك (فأجاب) بقوله قضية الآية ~~التحريم إذ الأصل في النهي ذلك فيحتمل أن يقال به كذلك ويحتمل أن يقال ~~بخلافه أخذا من قولهم يسن لمن أحدث في صلاته أن يجعل يده على أنفه خشية من ~~وقوع الناس فيه فجعلوا خشية الوقيعة المحرمة مقتضية لندب ما يكون سببا ~~لتركها لا لوجوبه وقياس الآية الوجوب ولم يقولوا به فيكون النهي فيها ~~للتنزيه أخذا من كلامهم المذكور بجامع أن عيب الآلهة فيما ذكر يترتب عليه ~~أمر محرم من الغير وترك جعل اليد على الأنف يترتب عليه ذلك أيضا فكما لا ~~يجب السعي في إزالة فعل الغير المحرم المترتب على فعله كذلك لا يجب عدم ذكر ~~الآلهة بسوء وإن علم أنه يترتب عليه ما مر ويحتمل أن يقال بالفرق وهو أن ما ~~يترتب هنا من سب الله سبحانه أفحش فاختص بتحريم ما هو سبب أو وسيلة إليه ~~بخلاف غيره وعليه فلو ترتب على مدحه لإنسان وقيعة سامعه فيه لم يحرم عليه ~~مدحه وإن علم ترتب ذلك فإن قلت يشكل على ذلك ms391 القاعدة المشهور وهي أن ~~للوسائل حكم المقاصد قلت يجاب عن ذلك بأن يقال القاعدة أكثرية أوان محلها ~~في وسيلة ومقصد كلاهما من فعل شخص واحد فحينئذ يكون للوسيلة حكم المقصد ~~لاتحاد الفاعل على أنه قد يمنع هنا كون ذلك وسيلة لأن السب إنما ينشأ عن ~~البغض الكامن عند السامع لا عن المدح فالمدح ليس وسيلة محققة للسب فلم يعط ~~حكمه (وسئل) أيضا رضي الله عنه عن قوله تعالى {والقواعد من النساء التي لا ~~يرجون نكاحا} هل التقييد بالقواعد شرط فيما بعده وكيف هذا مع قوله تعالى ~~قبل ذلك {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} وهل الآية الأولى أو الثانية موافقة ~~للمذهب أولا # PageV01P170 # أوضحوا الجواب (فأجاب) بقوله قضية الآية الأولى وجوب الضرب بالخمر على ~~الجيوب بأن يسترن الرؤس والأعناق والصدور بالمقانع ونحوها وهو كذلك لأنه ~~يجب عليهن ستر ما عدا الوجه والكفين لكن قضية الآية الثانية أن المرأة ~~الكبيرة التي قعدت عن الحيض والنفاس والولد بكبرها مستثناة من الحكم السابق ~~فلا يجب عليها ستر ما ذكر وكلام أصحابنا لا يوافق ذلك لشمول وجوب الستر ~~المذكور في كلامهم للمرأة مطلقا وإن كبرت ولم تشته وحينئذ فالآية الثانية ~~يشكل ظاهرها على ذلك وقد يقال لا استثناء أصلا لأن ما دلت عليه الآية ~~الأولى غير ما دلت عليه الثانية إذ المأمور به في الأولى الضرب بالخمر فوق ~~الجيوب وهذا يشمل المرأة بسائر أنواعها والذي جوز لهن في الآية الثانية هو ~~طرح الثياب التي فوق الخمر أخذا من قول بعض المفسرين التي لا تشتهي بخلاف ~~غيرها إلا أن يقال ألحق غيرها بها في ذلك لأن المدار على ستر ما عدا الوجه ~~والكفين وهو حاصل سواء وضعن الثياب المذكورة أم لا فإن قلت فما الحكمة ~~حيثئذ في التقييد بالكبر قلت للإشعار بأن المرأة مأمورة بالمبالغة في الستر ~~ما أمكنها فلم يحسن التصريح بالجواز إلا للكبيرة التي لا تشتهي وطوى ذكر ~~غيرها قصدا لهذه النكتة (وسئل) أيضا رضي الله عنه قوله تعالى {قال رب السجن ~~أحب إلي ما يدعونني ms392 إليه} يقتضي ثبوت محبته الزنا وهو غير جائز على ~~الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم (فأجاب) بقوله أشار البيضاوي إلى جواب ~~ذلك بأن الزنا مما تشتهيه النفس طبعا ولا مؤاخذة فيه والسجن مما تكرهه كذلك ~~ومع ذلك فآثره عليه وقيل لما سبق منها الوعيد إن لم يفعل كان إكراها وقد ~~يكون في شرعهم يبيح الزنا فأصل الحب إنما ثبت لمباح أو أن ذلك قبل النبوة ~~أخذا من رسالة الزركشي في قوله تعالى {ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما} ~~وعندي في جميع ذلك وقفة أما في الأول فلأن نفوس الأنبياء مطهرة عن جميع ~~الخبائث الطبيعية والعارضة ولو قال البيضاوي إن حب الوطء مع قطع النظر عن ~~كونه زنا طبيعي لكان أولى وإلا فالإشكال باق وأما في الثاني فلأن التحقيق ~~أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من جميع الكبائر والصغائر قبل ~~النبوة وبعدها والذي يتجه لي أنه إنما أتى بصيغة أفعل على ما ذكر تواضعا ~~وإظهارا في مقام الذلة والخضوع لعيوبه حذرا من تزكية نفسه في مقام الخطاب ~~(وسئل) نفع الله به هل على من فضل بين القراآت ملام (فأجاب) بقوله إن كان ~~من حيث أن إحدى القراءتين أو القراآت أبين أو أوضح أو أوفق لعلم النحو أو ~~البيان أو نحو ذلك فلا ملام فيه وكتب التفسير مشحونة من ذلك وإن كان لا من ~~تلك الحيثية بل بما ينجر ذلك من قائله إلى ما فيه ملام فملام وأي ملام ~~(وسئل) نفع الله به هل القراءة ذات السبع متواترة مطلقا أو عند القراء فقط ~~وهل إنكار تواترها كفر أم لا (فأجاب) بقوله هي متواترة عند القراء وغيرهم ~~واختار بعض أئمة متأخري المالكية أنها متواترة عند القراء لا عموما وإنكار ~~تواترها صرح بعضهم بأنه كفر واعترضه بعض أئمتهم فقال لا يخفى على من اتقى ~~الله وفهم ما نقلناه عن الأئمة الثقات من اختلافهم في تواترها وطالع كلام ~~القاضي عياض من أئمة الدين أنه قول غير صحيح هذه مسئلة البسملة اتفقوا على ~~عدم التكفير بالخلاف في ms393 إثباتها ونفيها والخلاف في تواتر وجوه القراءة مثله ~~أو أيسر منه فكيف يصرح فيه بالتكفير وبتسليم تواترها عموما وخصوصا ليس ذلك ~~معلوما من الدين بالضرورة والاستحلال والتكفير إنما يكون بإنكار المجمع ~~عليه المعلوم من الدين بالضرورة والاستدلال على الكفر بأن إنكار تواترها ~~يؤدي إلى عدم تواتر القرآن جملة مردود من ثلاثة أوجه الأول منع كونه يؤدي ~~إلى ذلك والمنع كاف لأنه لم يأت على كونه يدل على ذلك بدليل وليس علم ذلك ~~واضحا بحيث لا يفتقر إلى دليل الثاني لو سلمنا عدم التمسك بمجرد المنع لنا ~~الدليل قائم على عدم تأديته لذلك وهو أن يقال كلما حكم بثبوت المنقول بنقل ~~عدد مختلف لفظ ناقليه مع اتفاقه في المعنى لحكم ذلك العدد المتفق لفظ ~~ناقليه لم يكن عدم تواتر وجوه القراآت السبعة مؤديا لعدم تواترها فالملزوم ~~حق واللازم باطل بيان حقيقته أن ثبوت شهادة أربعة في الزنا أو اثنين في ~~غيره مع اختلاف كلاماتهم أو بعضها مع اتفاقهم في المعنى المشهود به كثبوتها ~~متفقا ألفاظها ولا أعلم في ذلك خلافا # PageV01P171 # وبيان الملازمة أن المطلوب في القراآت السبع مصحف عثمان رضي الله عنه ~~تواترا واختلاف ألفاظ السبعة في تعبيرهم عن تلك الكلمات بالروم والترقيق ~~والتسهيل وأضداد ذلك والإعراب الموافق للمعنى كاختلاف ألفاظ الشهود في ~~إثبات الزنابل اختلاف ألفاظ القراء بذلك أخف لأن اختلافهم راجع للاختلاف في ~~صفة الحروف أو في بعض حروف الكلمة الواحدة واختلاف الشهود راجع للاختلاف في ~~الكلام على الكلمة بكمالها فكما أجمعنا على أن اختلاف تلك الألفاظ غير مانع ~~من ثبوت الحكم اتفاقا وهو الظن بثبوت الأمر الموجب للحد فكذا اختلاف ألفاظ ~~السبعة فيما ذكر غير مانع من ثبوت الحكم اتفاقا وهو ثبوت العلم بها كثبوت ~~المحكوم له بالتواتر الوجه الثالث أنا لو سلمنا عدم نهوض هذين الوجهين فيما ~~ذكرناه كان أقل حالهما أنهما شبهتان يمنعان من العلم بأن عدم تواتر وجوه ~~القراآت يوجب كون عدم تواتر القرآن جملة ضروريا من الدين وجهلي ما ليس ~~ضروريا من الدين ليس ms394 كفرا بحال (وسئل) نفع الله به هل في تفسير ابن عطية ~~اعتزال (فأجاب) بقوله نعم فيه شيء كثير حتى قال الإمام المحقق ابن عرفة ~~المالكي يخثى على المبتدئ منه أكثر ما يخاف عليه من كشاف الزمخشري لأن ~~الزمخشري لما علمت الناس منه أنه مبتدع تخوفوا منه واشتهر أمره بين الناس ~~بما فيه من الاعتزال ومخالفة الصواب وأكثروا من تبديعه وتضليله وتقبيحه ~~وتجهيله وابن عطية سني لكن لا يزال يدخل من كلام بعض المعتزلة ما هو من ~~اعتزاله في التفسير ثم يقره ولا ينبه عليه ويعتقد أنه من أهل السنة وأن ما ~~ذكره من مذهبهم الجاري على أصولهم وليس الأمر كذلك فكان ضرر تفسير ابن عطية ~~أشد وأعظم على الناس من ضرر الكشاف (وسئل) نفع الله به بما لفظه ما معنى ما ~~جاء من حفظ ثلث القرآن أعطى ثلث النبوة (فأجاب) رضي عنه بقوله حمل على أن ~~معناه أعطى علم ثلث النبوة على حد {واسئل القرية} أي أهلها وقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - عن أحد هذا جبل يحبنا ونحبه أي يحبنا أهله ونحن نحب أهله ~~وقد أنزل القرآن تبيانا لكل شيء فمن حفظه وعلم أحكامه من خاصه وعامه ومجمله ~~وناسخه ومنسوخه ولحنه وفحواه ومعناه والاستنباط منه فقد أوتي علم النبوة ~~وقليل ما هم وهذا هو المراد بخبر من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوة بين جنبيه ~~إلا أنه لا يوحى إليه ومن حفظ بعضه أوتى بقدره حقق الله لنا حفظ كله ~~بالمعنى المذكور بمنه وكرمة آمين (وسئل) نفعنا الله به عمن يجمع آيات من ~~القرآن ثم يقرأها كما نقرأ السورة هل يكره (فأجاب) بقوله أفتى العز بن عبد ~~السلام في جميع آيات التهليل كذلك بأنه إن قصد بها القرآن ورتبها على السور ~~لم يكره وإن نكسها كره بل إن كان التنكيس في آيات سورة واحدة حرم وإن وقع ~~التنكيس في سورة في الصلاة أو غيرها كره ما لم يقصد الذكر المجرد عن ~~القراءة لكنه من أحداث العوام وإنما حرم تنكيس آيات السورة ms395 الواحدة وحكى ~~بعضهم الإجماع عليه لإجماعهم على أن ترتيب آيات كل سورة معجزة وأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - هو الفاعل له بخلاف ترتيب السور فإنه مختلف فيه أهو ~~فعله - صلى الله عليه وسلم - أو فعل الصحابة بعد باجتهادهم والأصح الأول ~~لكن لشبهة الخلاف لم نقل بحرمته وحكى القاضي عياض أنه لا خلاف في جوازه قال ~~بعضهم وظاهر هذا أنه لو قرأ القرآن على ترتيبه الأول فالأول لم يكره وإن لم ~~يوال بين السور كما في المصحف وقد ذكر ذلك أبو طالب المكي في قوت القلوب ~~والغزالي في الإحياء وهو أن يقرأ حزبا من القرآن في كل يوم عند السحر ثم ~~يقرأ سورة يس ثم الدخان ثم الواقعة ثم الحشر ثم تبارك الملك ثم المسبعات ~~وذكر فيها فضلا كثيرا ومنها الفاتحة والمعوذتان والإخلاص والكافرون سبع ~~مرات وكذلك أذكار وأدعية تطلب من الكتابين أه (وسئل) رضي الله عنه عن قوله ~~تعالى حكاية عن موسى - صلى الله عليه وسلم - {وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على ~~طعام واحد فادع لنا ربك} إلى قوله {أتستبدلون} قد يقال أن الجواب غير مطابق ~~للسؤال لأنهم طلبوا من موسى - صلى الله عليه وسلم - أن يسأل لهم الله أن ~~يخرج لهم ما هو مذكور في الآية مع احتمال بقاء ما كانوا يتناولونه أولا من ~~المن والسلوى والتعبير بالاستبدال مقتض لأنهم سألوا رفع ذلك بالكلية وذلك ~~خلاف ما حكى عنهم من ذلك الاحتمال وعن قوله تعالى في سورة الجمعة {يا أيها ~~الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة} ما الحكمة # PageV01P172 # في الإتيان بها بهذا البيان مع الاكتفاء عنه بإذا نودي لصلاة الجمعة ~~فالقصد بيان ذلك بيانا شافيا (فأجاب) نفعتا الله بعلومه بقوله أما الجواب ~~عن الأول فهو أن الجواب مطابق للسؤال ولو مع ذلك الاحتمال كما هو ظاهر ~~بأدنى دليل بيانه أنه لما كان ينزل عليهم المن والسلوى وحدهما لم يكونوا ~~يتناولون شيأ غيرهما فملوا من ذلك بحسب الطبع البشرى وتفننوا على اختلاف ~~مراتبهم فسألوا أن يستبدلوا ms396 عنهما البقل وما بعده وهذا السؤال صادق بأن ~~يكونوا قد سألوا رفع ذينك بالكلية وبأن يكونوا قد سألوا إبقائهما وضم نحو ~~البقل إليهما وفي كل من هذين الاحتمالين استبدال أما الأول فواضح وأما ~~الثاني فلأنهم قبل السؤال كانوا مضطرين إلى تناول المن والسلوى فلما سألوا ~~وأجيبوا لم يضطروا إليهما وحينئذ فهما كانا ينزلان ولا يتناولونهما أو ~~يتناولون معهما تلك الأمور الأخرى وعلى كل تقدير استبدلوا الذي هو أدنى ~~بالذي هو خير لأنهم كانوا يتناولون الذي هو خير وحده وصاروا يتناولون غيره ~~معه أو يعرضون عنه أو يشركون وبهذا الذي ذكرته اندفع قول السائل والتعبير ~~بالاستبدال مقتض الخ ووجه اندفاعه ظاهر لأنه لا يقتضي إلا الإعراض عن أكله ~~مع نزوله أو إشراك غيره معه وأما زعم اقتضائه أنهم سألوا رفعه بالكلية ~~المبنى عليه توهم عدم المطابقة فلا وجه له على أن فيه سوء تعبير يجانب مثله ~~في القرآن ما أمكن وقد وقع نظيره للكشاف في مواضع وهو معدود من هفواته وكان ~~الصواب للسائل أن يقول لم تفهم المطابقة بين السؤال والجواب فما وجهها مع ~~احتمال كذا ثم رأيت عن بعض المحققين التصريح بما ذكرته وعبارته فإن قلت ~~الاستبدال يقتضي ترك المبدل منه وهم لم يطلبوا ذلك وإنما طلبوا الزيادة ~~عليه فكيف يناسب الجواب قلت العادة تقتضي أن من كان بين يديه طعام واحد أكل ~~منه حتى يشبع فإذا كان بين يديه طعامان ترك موضعا للطعام الثاني انتهى فجعل ~~المشاركة مقتضية للاستبدال وهو عين ما قدمته بزيادة وأما الجواب عن الثاني ~~فهو أن لذلك البيان غير ما أفاده موقعه من نكتة الإجماع الذي في إذا ~~والبيان الذي في من يوم الجمعة فوائد أخر يترتب عليها أحكام شرعية جعلها ~~أصحابنا مستنبطة من الآية ومدلولا عليها بها وذلك أن لفظ اليوم أضيف في ذلك ~~البيان للجمعة فاقتضى أنها مضافة إليه فهي المقصودة منه وأنه من أوله منسوب ~~إليها فلذلك حرموا السفر المقوت لها من الفجر وأوجبوا السعي إليها منه أيضا ~~على بعيد الدار وحكموا ms397 بدخول الغسل لها والتكبير إليها بالفجر فهذه الأحكام ~~الكثيرة التي هي محل خلاف منتشر بيننا وبين الأئمة استفيدت من هذا البيان ~~ولو حذف وقيل لصلاة الجمعة لم يستفد منها شيء من ذلك فوقع البيان بذلك على ~~أبلغ وجه وأجمله وأفوده كما هو شأن القرآن العظيم (وسئل) نفع الله به عن ~~قوله تعالى في قصة ذي القرنين {ووجد عندها قوما} الآية هل أسلم هؤلاء القوم ~~أو لا وماذا فعل بعد تخبيره بين الأمرين (فأجاب) بقوله آمن بعضهم وكفر ~~بعضهم فعذبه حتى يرجع إليه كما ذكر ذلك البغوي عن وهب بن منبه حيث قال عنه ~~إن ذا القرنين كان رجلا من الروم ابن عجوز فلما بلغ كان عبدا صالحا فقال له ~~الله إني باعثك إلى أمم مختلفة ألسنتهم منهم اثنتان بينهما طول الأرض ~~إحداهما عند مغرب الشمس يقال لها ناسكة والأخرى عند مطلعها يقال لها منسك ~~فقال ذو القرنين بأي قوم أكابرهم وبأي جمع أكاثرهم أو بأي لسان أناطقهم قال ~~الله تعالى أني سأطوقك وألبسك الهيبة فلا يردعك شيء وأسخر لك النور والظلمة ~~وأجعلهما من جنودك يهديك النور من أمامك وتحفظك الظلمة من ورائك فانطلق حتى ~~أتى مغرب الشمس فوجد جمعا وعددا لا يحصيهم إلا الله تعالى وكاثرهم بالظلمة ~~حتى جمعهم في مكان واحد فدعاهم إلى الله فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه ~~فعمد إلى الذين تولوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أجوافهم وبيوتهم ~~فدخلوا في دعوته فجند من أهل المغرب جندا عظيما فانطلق يقودهم والظلمة ~~تسوقهم حتى أتى مطلع الشمس فعمل فيها مثل ما عمل في المغرب انتهى ملخصا ~~فقوله فمنهم من آمن به الخ فيه جواب السؤال والله سبحانه يجزينا على ما ~~عهدنا من غاية الإفضال ونهاية النوال أنه أكرم كريم وأرحم رحيم (وسئل) نفع ~~الله بعلومه عن معنى قول العلامة الحافظ عمدة المحدثين والقراء الشمس ابن ~~الجزري رحمه الله في مقدمته وطيبته ونشره يتحتم أن يراعى في القرآن العظيم ~~قواعد لغة العرب # PageV01P173 # من ترقيق المرقق وتفخيم ms398 المخفم وإدغام المدغم وإظهار المظهر وإخفاء ~~المخفي وقلب المقلوب ومد الممدود وقصر المقصور حتى لا يكرر القارئ راء ولا ~~يظن نونا ولا يشدد ملينا ولا يلين مشددا ولا يترك بيان غنة ولا يشوه الحروف ~~فيفسدها بذهاب حسنها ورونقها وطلاوتها من حيث أنه يجري مجرى الإرث والألثغ ~~بل يأتي بمخارج الحروف بصفاتها وكيفياتها فإن حسن الأداء واجب على الصحيح ~~بل الصواب 2 وإن كان ما في حيز حتى يسمى لحنا خفيا لأنه لا يدركه إلا مشايخ ~~الأداء فهو لازم فتاركه مضلا عما قبله فضلا عن تحريف الإعراب والبناء ~~المفضي إلى تغيير المعنى فإنهما من اللحن الجلي آثم فاسق مرتكب لحرام معاقب ~~على فعله عادل بالقرآن عن نهجه القويم وقد قال تعالى قرآنا عربيا غير ذي ~~عوج فلا يعذر إلا لتعذر الإتيان به على الوجه المذكور منه فحينئذ لا بد من ~~التجويد المشار إليه بقوله تعالى ورتل القرآن ترتيلا وهو يعم التحقيق ~~والتدوير والحدر ولا يختص بالأول الأفضل كما يتوهمه من لا طبع له سليم ولا ~~ذوق عنده مستقيم هذا وينبغي تحسين الصوت بالقرآن كما قال: # (ويقرأ القرآن بالتحقيق مع ... حدر وتدوير كل متبع) # (مع حسن صوت بلحون العرب ... مرتلا مجودا بالعرب) # (والأخذ بالتجويد حتم لازم ... من لم يجود القرآن آثم) # (لأنه به الإله أنزلا ... وهكذا منه إلينا وصلا) # قال فمن لا يلزم ذلك الذي هو سليقة العرب لا يحسنون غيره بغير لغته فلا ~~يكون قارئا بل هازئا وهو عاش لكتابه تعالى من الذين ضل سعيهم في الحياة ~~الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا داخل في خبر رب قارئ والقرآن يلعنه فهل ~~الحكم كما ذكر أو هنا تفصيل بين الجلي والخفي إذ الخفي الذي لا يغير المعنى ~~والجلي المغير للمعنى والجلي والخفي ضدان كما سبق إلى بعض الأذهان أخذا من ~~كلام بعضهم على المقدمة بينوا لنا ذلك فالبلوى قد عمت بالتسامح في ذلك ~~(فأجاب) رضي الله عنه بقوله قد اختلف المتكلمون على كلام هذا الحبر فقال ~~بعضهم حمل الوجوب ونحوه من الألفاظ ms399 الواقعة في كلامه المذكور عنه في السؤال ~~على الوجوب الصناعي لا الشرعي وبعضهم أجرى كلامه على ظاهره ولم يؤوله بما ~~ذكر والحق في ذلك تفصيل وإن كان ممن جرى على الإطلاق الأول شيخنا خاتمة ~~المتأخرين أبو يحيى زكريا الأنصاري سقى الله ثراه صيب الرحمة والرضوان ~~وأعلى درجته في الجنان آمين فقد دل كلام الأصحاب رضي الله عنهم وشكر سعيهم ~~على ذلك التفصيل فلم يسع العدول عنه وبيان ذلك أن النووي رحمه الله قال في ~~شرح المهذب نقلا عن الشيخ الإمام المجمع على جلالته وصلاحه وإمامته أبي ~~محمد الجويني الذي قيل في ترجمته لو جاز أن يبعث الله في هذه الأمة نبيا ~~لكان أبا محمد الجويني أعلم أن من الناس من بالغ في الترتيل فجعل الكلمة ~~كلمتين قاصدا بذلك إظهار الحروف كقوله نستعين ويقفون بين السين والتاء وقفة ~~لطيفة فيقطع الحرف عن الحرف والكلمة عن الكلمة وهذا لا يجوز لأن الكلمة ~~الواحدة لا تحتمل القطع والفصل والوقف على أثنائها وإنما القدر الجائز من ~~التنزيل أن يخرج الحرف من مخرجه ثم ينتقل إلى الذي بعده متصلا بلا وقفة من ~~الترتيل وصل الحروف والكلمات على ضرب من التأني وليس منها فصلها ولا الوقوف ~~في غير محله ومن تمام التلاوة إشمام الحركة الواقعة على الموقوف عليه ~~اختلاسا لا إشباعا انتهى وأقره النووي رحمه الله على ذلك وبه إن تأملته ~~تعلم أنه لا بد من ذلك التفصيل وهو أنه يجب وجوبا شرعيا على القارئ أن ~~يراعى في قراءته الفاتحة وغيرها ما أجمع القراء على وجوبه دون ما اختلفوا ~~فيه وذلك لأن ما وقع الاتفاق عليه يعلم أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقرأ ~~بغيره ومدار القراءة إنما هو على الاتباع إذ لا مجال للرأي فيها بوجه فمن ~~قرأ بخلاف ما وقع الإجماع عليه يكون مبتدعا شيأ في كلام الله تعالى وابتداع ~~ما لم يرد في القرآن لا يشك من له أدنى مسكة أنه محرم شديد التحريم بخلاف ~~ما وقع الاختلاف فيه فإنه ليس كذلك فمن ms400 ثم لم يكن على القارئ به حرج ألا ~~ترى أن البسملة لما وقع الاختلاف في إثباتها ولفظة من في {تجري من تحتها ~~الأنهار} في سورة براءة ونظائر ذلك لم يكن على مثبتها وعلى مسقطها حرج لأن ~~كلا من الإثبات # PageV01P174 # والنفي وأراد ليس بممتنع فكذا ما وقع الاختلاف فيه من وجوه الأداء إذنا ~~فيه يقول أنه أمر لغوي لم يرد عنه اتباع حتم يخالفه فلذا لم يثبته وحينئذ ~~فلا مقتضى لإيجاب مراعاته شرعا فبان واتضح ما ذكرته من التفصيل وظهر ما لكل ~~من شقيه من التعليل فاشدد باعتماده يديك لتعود فائدة ذلك عليك ومما يؤيد ~~ذلك قول شارح المهذب من أخرج بعض الحروف من غير مخرجه إن أمكنه التعلم بطلت ~~صلاته وإلا فلا انتهى ومن لازم بطلان الصلاة حرمة القراءة فكما حرمت مع ~~تبديل المخرج كذلك تحرم مع تبديل وجوه الأداء المجمع عليها يؤيد ذلك أيضا ~~إجماعهم كما قاله النووي رحمه الله خلافا لمن وهم فيه على حرمة القراءة ~~بالقراءة الشاذة وإن لم يكن فيها تغيير معنى ولا زيادة ولا نقص في الصلاة ~~وخارجها وليس ملحظ ذلك إلا أنه لم يتواتر قراءة مثبتها لأن القراءة سنة ~~متبعة فلا يجوز مخالفتها وهذا كله موجود بتمامه في ترك ما أجمع عليه من ~~وجوه الأداء كما لا يخفى ويؤيده أيضا قول شرح المهذب عن التبصرة في تكبير ~~التحريم لا يجوز المد إلا على التي بين اللام والهاء ولا يخرجها به عن حد ~~الاقتصار إلى الإفراط انتهى إذ ظاهره أن إفراط المد هنا حرام فإذا حرم هنا ~~ففي القرآن أولى فإنه لا يقول به أحد من القراء ومن ثم ضبطت في شرح العباب ~~وغيره الإفراط هنا بأن يطيله إلى حد لا يراه أحد من القراء وبهذا الذي ~~قررته وأوضحته وحررته تعلم ضعف ما في الخادم كالتوسط عن بعض المتأخرين مما ~~يقتضي أن الواجب ما تعلق بالمخارج الظاهرة دون نحو الإخفاء والإقلاب والهمز ~~والاسترخاء والاستعلاء انتهى ووجه ضعفه ما قدمته من أن المدار في القرآن ~~ووجوه ms401 أدائه إنما هو الاتباع فهو سنة متبعة وحيث لم يرد في السنة في نحو ~~الإخفاء مما ذكر إهماله تعين الإتيان به ولم يجز تركه سواء كان من الأمور ~~الظاهرة أم من الخفية وبهذا يتعين أيضا اعتماد ما ذكراه أعني الزركشي ~~والأذرعي فعبر عن ذلك الإمام بأنه لو قيل أن القراءة من غير تصحيح الأداء ~~والمخارج لا تجوز لم يكن بعيدا انتهى وأما زعمه أن في ذلك حرجا على الناس ~~فممنوع وأي حرج في تعلم المجمع عليه إذ هو الذي يجب تعلمه كما مر وبفرض أن ~~فيه حرجا لا ينظر إليه لأن الأمور المجمع عليها لا يراعي فيها حرج ولا غيره ~~فإن قلت ينافى ما تقدم عن المجموع عن الجويني ما فيه عنه أيضا أن المبالغة ~~في التشديد لا تضر قلت لا منافاة إن أراد بلا تضر لا تبطل به الصلاة لأنه ~~قد يسئ في الأداء وتصح صلاته وكذا إن أراد لا تحرم لأن القصد به المحافظة ~~على الإتيان بالمتفق عليه لا الزيادة على الوارد فهو كتكرير الراء الآتي ~~فإن قلت ينافيه قول الماوردي وغيره لو شدد مخففا جاز وإن أساء ولا شك أن ~~تشديد المخفف مخالف لما أجمعوا عليه وقد صرح هؤلاء بالجواز قلت أجبت عن ذلك ~~في شرح العباب بقولي وواضح مما يأتي في اللحن الذي لا يغير المعنى أنه مع ~~التعمد حرام فليحمل الجواز على الصحة لا الحل ولا ينافيه ما مر في المبالغة ~~أي في التشديد لأنها زيادة وصف وما هنا زيادة حرف وبه يندفع تنظير القمولي ~~انتهى فإن قلت قد صرح جمع من الأصحاب وتبعهم ابن الرفعة بأنه لو نطق بحرف ~~بين حرفين كقاب العرب أجزأه وكره وهذا مناف لما قدمته لأن هذا النطق بخلاف ~~المجمع عليه وقد صرحوا فيه بالكراهة المتبادر إطلاقها إلى الجواز قلت أجبت ~~عنه أيضا بقولي بعد نقل ما ذكره من الأجزاء والكراهة لكن نظر فيه المجموع ~~وجرى على مقتضاه المحب الطبري فمال إلى البطلان قال الأذرعي وهو الظاهر ~~المنقول وقال ابن ms402 العماد لا يتجه غيره لأن في الإتيان بها كذلك إسقاط حرف ~~من لغة العرب اذهى ليست من الثمانية والعشرين حرفا التى تركب منها كلام ~~العرب ومن لازم إسقاط حرف من الفاتحة بطلان الصلاة انتهى فعلم أن القول ~~بالكراهة ضعيف إن أراد قائله القول بها ولو مع قدرته على إخراجها من مخرجها ~~الحقيقي وقد مر عن شرح المهذب أن تعمد إخراج الحرف من غير مخرجه حرام فإن ~~قلت ينافي ذلك أيضا إطلاق بعض أصحابنا أن تعمد اللحن الغير المغير للمعنى ~~مكروه قلت هذا إطلاق ضعيف أيضا والصواب ما في شرح المهذب والتحقيق من حرمة ~~تعمد ذلك حينئذ ففيه تأييد لما قدمته من التفصيل إذ الجامع أنه في كل من ~~المسئلتين نطق بما ليس بقرآن فكما حرم تعمد هذا كذلك يحرم تعمد ذاك ولا ~~يقال إن هذا أقبح لأنه بفرض تسليمه لا ينافي القياس إذ قياس الدون الذي هو ~~حجة يكتفي فيه بوجود أصل العلة فإن قلت ينافي ذلك أيضا قولك في شرح العباب ~~ما حاصله جزم في الجواهر # PageV01P175 # كابن رزين بأن تشديد الراء من أكبر في تحريم الصلاة مبطل لها ورده ابن ~~العماد وغيره بأن الذي تقتضيه اللغة خلافه لأن الراء حرف تكرير فزيادته لا ~~تغير المعنى وهو متجه انتهى فقولك وهو متجه مناف لما في السؤال عن ابن ~~الجزري في تكرير الراء من أنه حرام قلت هذا لا ينافي ما قدمته لأن الكلام ~~هنا بين الأئمة ليس في الحرمة وعدمها إذ لا قرآن وإنما الخلاف بينهم إن هذا ~~مغير للمعنى أو لا والمعتمد أنه غير مغير للمعنى ومع ذلك نقول في نظيره من ~~القرآن بالحرمة ولا ننظر في حرمة مخالفة ما أجمعوا عليه من وجوه الأداء إلى ~~تغيير معنى ولا إلى عدمه إلا إلى كونه مخالفا للقراءة الواردة عنه - صلى ~~الله عليه وسلم - يقينا والقراءة سنة متبعة فإن قلت ما مرادك بالإجماع الذي ~~ذكرته هل هو إجماع القراء السبعة فقط أو مع بقية العشرة أو مع بقية الأربعة ~~عشر قلت ms403 هذا ينبني على المراد بالشاذ الذي يحرم قراءته فعند الشيخين أنه ما ~~وراء السبعة فعليه المراد إجماع السبعة فمن قرأ بوجه مخالف لإجماعهم وحرم ~~وإلا فلا فإن قلت كيف ساغ لمثل شيخ الإسلام والقراء الزين الأنصاري حمل ~~الوجوب في كلام ابن الجزري في المقدمة على الصناعي كما مر مع تصريحه في ~~غيرها بالشرعي كما في السؤال بل ورد أن تركه مفسق وأيضا كيف ساغ ذلك ~~التفصيل الذي قدمته مع أن ظاهر عبارته المنقولة في السؤال أنه لا فرق في ~~وجوب ذلك شرعا بين الخفي والظاهر المجمع عليه والمختلف فيه قلت ابن الجزري ~~وإن كان إما ماذا فنون عديدة إلا أن الذي غلب عليه فن القراآت ومن غلب عليه ~~فن يرجع إليه فيه دون غيره فهو رحمه الله وإن صرح بأن الوجوب شرعي وأن تركه ~~مفسق لا يرجع إليه في ذلك لأن هذا من مبحث الفقهاء وهو لم يشتهر بالفقه ~~اشتهاره بذلك فذلك منه إنما هو بحسب ما ظهر له ووقر عنده من رعاية تلك ~~الرسوم لعلمه الذي غلب عليه وكان ذلك منه بمنزلة الاختيارات التي لا يعمل ~~بها في المذهب فوجب الرجوع لما دل عليه كلام أهل المذهب وهو إطلاق عدم ~~الوجوب الشرعي كما دل عليه كلامهم في مواضع قدمتها وإن قدمت الجواب عنها ~~أيضا وتلك لعلها مستند إطلاق شيخنا وغيره أن الوجوب صناعي وأما التفصيل ~~الذي قدمته فاستنبطته من كلامهم الظاهر أو الصريح فيه كما مر واضحا مبسوطا ~~وأما إطلاق ابن الجزري السابق فلم نر في كلامهم ما يدل له فمن ثم ساغ ~~لشيخنا مخالفته مطلقا كما يعرف بتأمله فإن قلت كيف ساغ له أن يجعل مخالفة ~~الواجب فسقا وهذا ليس إطلاقه من اصطلاح الفقهاء ولا الأصوليين إذ الفسق ~~إنما يتحقق بارتكاب الكبيرة لا بمطلق مخالفة الواجب لأن مخالفته تنقسم إلى ~~صغيرة وكبيرة قلت أما قصد بذلك التغليظ فحسب تحريضا للناس على التجويد ~~والاعتناء به لفرط تساهلهم فيه أو الحقيقة ويكون أخذ كون ذلك كبيرة له فيه ~~ملحظ ما ms404 وإن كان بصدد المنع وقد أشار ابن الجزري إلى نحو ما ذكرته آخر ~~كلامه الذي في السؤال ثم رأيت الحافظ الجلال السيوطي نقل عن ابن الجزري ~~نفسه ما يؤيد ذلك أي ما قاله شيخنا حيث قال في إتقانه قولهم لا يجوز الوقف ~~على المضاف دون المضاف إليه ولا كذلك قال ابن الجزري إنما يريدون به الجواز ~~الأدائي وهو الذي يحسن في القراءة ويرق في التلاوة ولا يريدون بذلك أنه ~~حرام ولا مكروه إلا أن يريد بذلك تحريف القرآن وخلاف الذي أراد الله فإنه ~~يكفر فضلا عن أن يأثم فإن قلت كيف ساغ لابن الجزري حمل الجواز وقصره على ~~الصناعي مع ما ذكر عنه في السؤال قلت له أن يفرق بأن الوقف لم يرد له ضابط ~~عنه - صلى الله عليه وسلم - ولا نقل فيه شيء توقيفي فأدير الأمر فيه على ما ~~لا يخل بالمعنى فأما وجوه الأداء فوردت بل تواترت على ما فيها من كلام ~~الأصوليين عنه - صلى الله عليه وسلم - فساغ له أن يجعل الوجوب فيها شرعيا ~~ولم يكن بين كلاميه تناقض فإن قلت قد مر عن شرح المهذب الحرمة في الوقف في ~~نستعين وليس المراد بها إلا الحرمة الشرعية فكيف ساغ لابن الجزري حمل ~~كلامهم في الوقف على الأمر الصناعي دون الشرعي قلت كلامه في غير ما فيه ~~كلام شرح المهذب لأنه في الوقف على إحدى جزأي كلمة وكلام ابن الجزري في ~~الوقف على كلمة لكن لا يتم معناها إلا بما بعدها ويفرق بينهما بأن الأول ~~فيه تغيير للمعنى أو النظم المعروف بخلاف الثاني فتأمله والله سبحانه ~~الموفق للصواب (وسئل) نفع الله بعلومه عما صورته سأل العز بن عبد السلام ~~رحمه الله تعالى في أماليه عن نكتة قوله تعالى (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في ~~الأرض # PageV01P176 # فقيل ما نكتة قوله تعالى في الأرض قال وليس هذا مثال قوله تعالى {وما لهم ~~في الأرض من ولي ولا نصير} لأن معناه في الأرض كلها فلو لم يأت به لاحتمل ~~أن يكون ms405 خاصا ببعض الأرض انتهى فما الجواب (فأجاب) رضي الله عنه بقوله إنما ~~يتوجه سؤاله لو صح ما فرق به بين الآيتين والظاهر أنه غير صحيح وبيانه أن ~~في الأرض في كل منهما وقعت في حيز ما يفيد العموم وهو النهي في الأول ~~والنفي في الثاني وحينئذ فمفاد الأولى النهي عن جميع أنواع الفساد ومفاد ~~الثانية انتفاء وجود ولي ونصير لهم بسائر أنواعهما فاستويا في أن ذكر في ~~الأرض في كل منهما يسئل عن حكمته لأنه لو حذف لصح الكلام بدونه وقوله لو لم ~~يأت به لاحتمل الخ قد علمت أنه غير متوجه لما تقرر أن النفي أفاد أنه لا ~~يوجد لهم ولي ولا نصير أصلا لا سيما أن قلنا أن عموم الأشخاص يستلزم عموم ~~الأزمنة والأمكنة فإن قال إن العموم عندنا بسائر أقسامه ظني لا قطعي فلا ~~ينفي الاحتمال المذكور قلنا وكذا هو في لا تفسدوا فكما احتيج ذكر في الأرض ~~في الآية الثانية لمنع ذلك الاحتمال كذلك يحتاج إليه في الأولى لمنع نظيره ~~إذ لو حذف لاحتمل أن النهي عن الفساد خاص ببعض الأرض وهو المدينة التي هي ~~محل المخاطبين وهو المنافقون فاحتيج لذكر في الأرض حتى يكون فيه التنصيص ~~على النهي عن وقوع نوع من أنواع الفساد في نوع من أنواع الأرض والحاصل أن ~~الحق في الآيتين أن ذكر الأرض له فائدة أي فائدة فأما في الثانية فواضح مما ~~قرره وأما في الأولى فهو ما تقرر أنه لو حذف ذلك أوهم أن النهي عن الفساد ~~خاص بمحلهم وهو أرض المدينة فذكر ليفيد أنه عام في كل جزء من جزئيات الأرض ~~لأن الأرض مفرد محلى بال وهو للعموم عند الأصوليين ولأن جمهور المعانيين أن ~~الأصل في أل الجنس والاستغراق لا العهد وما نقل عن المحققين من أن الأصل ~~فيها العهد ففيه نظر أي نظر على أنه يؤيد ما قيل المراد بالأرض في الآية ~~المدينة وعليه فذكر الأرض له فائدة ظاهرة وهي التنصيص على ما وقع منهم ~~الإفساد فيه بالفعل ms406 ليكون أدعى إلى امتثالهم لأن إفساد الإنسان في بلده ~~ومحل إقامته أقبح منها في غير ذلك والتقدير لو فرض إفسادكم فلا تجعلوه في ~~أرضكم ومحل إقامتكم كما يقال لنحو قاطع الطريق إن كان ولا بد فلا تجعل على ~~ذلك في بلدك ومع من يعرفك وبما قررته ظهرت نكتة ذكر في الأرض سواء كانت أل ~~فيها للعموم أو للعهد ويمكن استخراج نكتة أخرى له وهي التذكير بالمبدأ ~~والمعاد وذلك أردع عن الفساد والتقدير لا تفسدوا في عنصركم الغالب عليكم ~~الذي خلقتم منه ومرجعكم إليه وهو الطين والأرض أصلكم منها خلقتم وإليها ~~تعودون فكيف تفسدون فيها وكلما ذكر الإنسان بحقارة أصله ومبدئه وبهلاكه ~~واضمحلاله وعوده إلى ذلك المبدأ ومصيره ترابا ثم بعثه وحسابه كان ذلك أدعى ~~لقبوله الموعظة وانفكاكه عما نهى عنه وامتثاله لما أمر به وكأن هذا والله ~~أعلم هو السر لقوله تعالى {ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض} ولو ~~سأل العز عن نكتة هذه لكان أولى لأن حكمته في ذكر الأرض هنا أدق منها في ~~تلك بكثير كما لا يخفى ولا يصح أن يقال احترز به عن المشي في الهواء أو على ~~الماء لأن هذا خارق وهو لا يحترز عنه وكأن ما ذكرته أيضا هو حكمة تكريرها ~~والعدول عن الأصل لن تخرقها لكن لما كانت الإعادة بالظاهر تقتضي مزيد ~~التيقظ والتقريع أو ثرت على الضمير ونكتة أخرى هي الإشارة إلى عجزهم وإن ~~آثار فسادهم قاصرة عليهم لا تتعداهم إلى الملائكة الذين يكون هلاكهم ~~وعذابهم على أيديهم ونكتة أخرى هي غاية التقريع والتخويف ولهم وهي أن ~~إفسادهم يؤدي إلى استئصالهم لأن الفساد في الأرض يؤدي إلى خرابها واستئصال ~~أهلها فكأنه قيل لهم لا تكونوا سببا لهلاك أنفسكم بواسطة وقوع الفساد منكم ~~ومما يوضح ذلك قوله تعالى {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس} ~~وقد سئل مجاهد رضي الله عنه عن قوله تعالى {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد ~~فيها ويهلك الحرث والنسل} قال بلى في الأرض ms407 فيعمل فيها بالعدوان والظلم ~~فيحبس الله بذلك القطر من السماء فيهلك بحبس القطر الحرث أي الزرع والنسل ~~أي سائر الحيوانات ثم قرأ مجاهد {ظهر الفساد في البر والبحر} الآية وتخصيص ~~العز هذه الآية بالسؤال مع أن لها نظائر كثيرة في القرآن نحو {ولا تعثوا في ~~الأرض مفسدين} {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} كأنه للاستغناء بها عن ~~نظائرها وما ذكرته من # PageV01P177 # النكت في تلك الآية يأتي في نظائرها التي أشرت إليها فتفطن لذلك فإنه أهم ~~وهذا كله لم أر من نبه على شيء منه ثم رأيت البيضاوي أشار إلى بعض هذه ~~النكتة الأخيرة بقوله وكان من فسادهم في الأرض تهييج الحروب والفتن بمخادعة ~~المسلمين وممالآة الكفار عليهم وإفشاء الأسرار إليهم فإن ذلك يؤدي إلى فساد ~~من في الأرئض من الناس والدواب والحرث ومنه إظهار المعاصي والإهانة بالدين ~~فإن الإخلال بالشرائع والإعراض عنها مما يوجب الهرج والمرج ويخل انتظام ~~العالم انتهى ورأيت أبا حيان أشار إلى ذلك وإلى ما ذكرته أو لا من أنه ذكر ~~فيها أيضا لإفادة العموم أي التنصيص عليه لما قدمته وذلك لأنه قال في قوله ~~تعالى {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها} معلوم أن السعي لا يكون إلا في ~~الأرض لكن أفاد به العموم بمعنى في أي مكان حل منها مع الفساد ويدل لفظ في ~~الأرض على كثرة سعيه وتقلبه في نواحي الأرض لأنه يلزم من عموم الأرض تكرار ~~السعي وتقدم ما يشبهه في قوله تعالى {ولا تفسدوا في الأرض} ويمكن استخراج ~~نكتة أخرى وهي التعريض بصلاح الأرض وأنهم يريدون بإفسادهم رفع ذلك الصلاح ~~الذي امتن الله به على أهلها إما بكونه تعالى أصلح خلقها على الوجه المطابق ~~لمنافع الخلق وإما بكونه بعث فيها الرسل وأنزل الكتب وفصل الشرائع وفسادها ~~حينئذ إما بإفساد النفوس بالقتل وقطع الأعصاب وإما بإفساد الأموال بنحو ~~النهب ووجوه الحيل وإما بإفساد الأديان بالكفر والبدع وإما بإفساد الأنساب ~~بالزنا واللواط والقذف وإما بإفساد العقول بشرب المسكرات فاقتضى النهي عن ~~الفساد في الأرض ms408 منع إدخال ماهية الفساد في الوجود بجميع أنواعه وأصنافه ~~ونكتة أخرى وهي تذكيرهم بنعمة الله العظمى عليهم المشار إليها بقوله هو ~~أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها أي جعلكم عمارها وسكانها أو أطال أعماركم ~~فيها أو جعلها لكم ما عشتم أو أسكنكم فيها وخلقكم لعمارتها أو استدعى منكم ~~عمارتها وكان التقدير لا تفسدوا فيما جعلتم عماره وخلقتم لعمارته وسكناه مع ~~جعله لكم فيها ما عشتم وطلبه منكم أن تعمروه بصلاح الأعمال والأموال ~~والأحوال وفي هذا من حملهم على الصلاح وإرشادهم إلى النجاح ما ليس فيه مما ~~لم يذكر في الأرض فكان في ذكره المفيد لذلك فائدة أي فائدة (وسئل) نفع الله ~~به أيضا عما سأله العز بن عبد السلام في أماليه بقوله ذكر الأزمنة في مثل ~~قوله تعالى {وإذ نجيناكم} {وإذ واعدنا موسى} وغير ذلك من المواضع التي حصل ~~فيها الامتنان بالنعم بجعل الممتن به نفس الزمان ومثله قول من قال من العرب # (أنسيت يوم عكاظ إذ لاقيتني ... تحت العجاج ولم يشق غباري) # والمراد ما وقع في اليوم لا نفس اليوم ما فائدة ذلك ولو ذكر النعم فقط ~~استقل المعنى اه فما جواب ذلك (فأجاب) نفع الله به بقوله لذلك حكمة ظاهرة ~~جلية وبيانها إجمالا أن إذ في نحو ذلك معمولة لمحذوف تقديره واذكروا وقت ~~كذا هذا هو الأصح وأن التذكير بمجرد النعم ليس فيه التنبيه على أضدادها ~~بوجه أظهر بخلاف التذكير بها بالتي وقعت فيه وتفصيلا أن الشيء كلما لوحظ ~~خطره ثم النجاة منه ثم تبديله بالنعم المحضة يكون ذلك أدعى إلى مزيد الشكر ~~عليه والخضوع لموليه ومسديه وإلى الاعتراف به وإلى عدم مخالفة المنعم في ~~شيء من أوامره أو نواهيه فلهذا ذكر تعالى زمن النعم التي امتن بها على ~~عباده وذكرهم بذلك الزمن ليذكرهم ما كانوا فيه من المحن في ذلك الزمن قبل ~~وصول تلك النعم إليهم فإذا ذكروا ذلك عظمت النعم عندهم عظمة لا نهاية لها ~~ووقعت تلك المنة منهم الموقع العظيم الاعظم ولاجل هذا ذكرنا في آيات ms409 كثيرة ~~أحوالنا السابقة لنشكره عليها وعلى أحوالنا اللاحقة بكونه خلقنا من تراب ثم ~~من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ثم أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيأ ولا ~~نقدر على شيء فيسر لنا من قام بمصالحنا إلى أن من علينا بنعمة الهداية ~~والوقاية وبكونه جعل لنا عينين ولسانا وشفتين وهدانا النجدين ونحو ذلك من ~~النعم التي لا تحصى والمنن التي لا تستقصى كما يظهر لك بتدبر الآي القرآنية ~~وبما تقرر علم أن قول العز لو ذكرت النعم فقط استقل المعنى فيه نظر لأن ~~المعنى المقصود الذي قررناه لا يحصل كماله بمجرد ذكر النعم فقط بل بذكر ~~زمنها ولعله أراد بالمعنى أصله لكنه غير مجد لأن جزالة معاني القرآن وبداعة ~~أساليبه تقتضي رعاية أبلغ المراتب وأسنى # PageV01P178 # المطالب وهذا من أسباب إعجازه التي لم يصل إلى أدنى مراتبها غيره وقد لحظ ~~الشاعر في البيت الذي ذكره العز نحو ما قررته لأنه لو ذكره بمجرد التلاقي ~~لم يتنبه لهول ذلك اليوم ولا استحضر جميع ما فيه فلم يحصل المقصود من ~~تخويفه وتقريعه وأما إذا ذكره بذلك اليوم المشهور الذي صار يضرب به المثل ~~في هزيمته وجبنه وعجزه عن شق غباره فيه وبنحو ذلك مما وقع فيه فقد حصل ~~المقصود من تخويفه وتقريعه وزجره وترويعه والتسجيل عليه بأن من وقع له مثل ~~ذلك اليوم لا ينبغي أن يعود إلى طعان بل ولا إلى حمل سنان فاتضح أن ما في ~~البيت من منوال ما في الآية وإن النكتة في ذلك أشهر من نار على علم وهذا ~~الجواب لم أر من نبه على شيء منه رحمه الله تعالى اه (وسئل) رضي الله عنه ~~عما سأل العز في أماليه أيضا بقوله تعالى {أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن ~~قلبي} والله تعالى عالم بإيمانه فما الحكمة في ذلك وما فائدة الاستفهام ~~والجواب عنه (فأجاب) طمن الله قلبه بالإيمان ووالى عليه مزيد العفو ~~والغفران وأسكنه أعلى فراديس الجنان آمين بقوله الجواب عن ذلك مذكور في كتب ms410 ~~التفسير وحاصله مع الزيادة عليه أن الله تفضل على أنبيائه ورسله بما لم ~~يتفضل على غيرهم ومنه حماية ساحتهم المطهرة أن تدنس بريبة أو ترمى برذيلة ~~حاشاهم الله من ذلك وإذا كان هذه عادة الله معهم فإبراهيم أكملهم بعد نبينا ~~- صلى الله عليه وسلم - وعليهم فله من تلك الحماية الحظ الأوفى وحينئذ ~~فإبراهيم سأل ربه بغاية من الأدب ونهاية من الخضوع أن يريه كيفية إحيائه ~~الموتى فإذا سمع هذا من لم يبلغ حقيقة العلم بأحوال الأنبياء داخله شك في ~~هذا السؤال وتوهم منه غير المراد مما لا يليق بمقام الخليل بل ربما أداه ~~إلى الكفر فأراد الله تعالى أن ينزه مرتبة خليله وأن يحفظ غيره من الهلاك ~~بسببه فسأله وهو أعلم بما انطوى عليه ضميره من البلوغ إلى غايات الإيمان ~~والوصول إلى نهايات الإيقان فقال له بأداة التقرير الدال على كمال نزاهته ~~{أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} بانضمام عين اليقين إلى علم اليقين ~~بأنه فان أن إيمان إبراهيم على أكمل وجوه الإيمان وأنه لم يخالطه أدنى وهم ~~وأنه ليس غرضه من سؤاله عن ذلك إلا ذلك العيان الذي هو أعلى مقامات العرفان ~~ولا جل ذلك جاء عن جماعة أنه قال بلى يا رب ولكن ليس الخير كالعيان على أنه ~~من تأمل سؤال إبراهيم فهم منه مراده وهو أنه - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يسأل عن أصل الإحياء وإنما سأل عن كيفيته وهذا صريح في أنه مؤمن بأصل ~~الإحياء ومتيقن له وأنه ممن انطوى ضميره على اعتقاده فإن قلت إذا دل سؤاله ~~على ذلك فلم قيل أو لم تؤمن قلت هذه الدلالة لا يفهمها أكثر الناس فلو وكل ~~الأمر إليها لوقع أكثرهم في المحذور على أن بعض المفسرين ممن لا يعول عليه ~~مع ذلك كله تكلم هنا بكلمات لا تستحق أن تذكر كيف وألفاظ الآية كما تقرر لا ~~تدل على شيء ينافي كمال الإيمان فضلا عن أصله وإيضاحه أنه إنما سأل أن يريه ~~عيانا كيفية إحياء الموتى لأنه ms411 لما علم ذلك بقلبه وتيقنه واستدل به على ~~نمروذ في قوله {ربي الذي يحي ويميت} طلب ممن رباه في الكمالات العلمية ~~والمواهب الأحدية أن يريه كيفية ذلك لما في معاينته من رؤية اجتماع الأجزاء ~~المتلاشية والأعضاء المتبددة والصور المضمحلة واستعظام باهر قدرته تعالى ~~فإن قلت كيف هذا مع قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح نحن أحق ~~بالشك من إبراهيم قلت هذا فيه أيضا غاية النزاهة لإبراهيم - صلى الله عليه ~~وسلم - بنفي وقوع شك منه على أبلغ وجه وأوضحه أي لو شك إبراهيم كما يتوهمه ~~من سؤاله هذا من لا علم له لكنا أحق بالشك منه لأنه الخليل والإمام الجليل ~~ولم لا وقد أمر - صلى الله عليه وسلم - باتباع سنته وتعظيم مرتبته وقد علم ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه أفضل من إبراهيم بنص قوله إنا سيد ولد آدم ولا ~~فخر ومع ذلك تواضع ونفى الشك عن إبراهيم بأنه لو ثبت له لثبت له وهذا غاية ~~في الشهادة ببراءة إبراهيم ونزاهته فإن قلت سؤال إبراهيم وجوابه قبل نزول ~~القرآن فلا توهم في ذلك الزمن حتى ينفى قلت هو تعالى علم بأن القرآن سينزل ~~على هذا النمط فلو حذف هذا السؤال لوقع من أحد من هذه الأمة توهم ما فصانهم ~~الله تعالى عن ذلك من أصله جريا على سابق رأفته ورحمته بهم وأيضا فالتوراة ~~والإنجيل مشتملان على حكاية أحوال إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه وسلم ~~فلو حكى سؤاله لهم لتوهموا منه خلاف المراد فكان السؤال والجواب صونا لما ~~عساه أن يقع (وسئل) الله بعلومه عما سأل العز بن عبد السلام # PageV01P179 # في أماله أيضا عن قوله تعالى {قال لا أحب الآفلين} فقال هذا مشكل غاية ~~الإشكال لأن الدال على عدم الآلهية الكواكب إن كان التغير وقد وجد الأقوال ~~فلا معنى لاختصاصه به وإن كان الغيبة عن البصر فيلزم في حق الله تعالى وإن ~~كان كونه انتقل من كمال وهو العلو إلى النقصان فقد كان ناقصا عند الإشراق ~~وأيضا فذلك معلومه له ms412 قبل الأفول أنه يأفل وأنه في المشرق مساو لحالته في ~~المغرب اه فما الجواب (فأجاب) أتم الله عليه نوره ووالى عليه نعمه وسروره ~~بقوله ذكر غير واحد من المفسرين هذا الإشكال وجوابه لكنه يحتاج إلى مقدمات ~~توضحه فمعنى {جن عليه الليل} أظلم والكوكب النجم قال الراغب لا يقال في ~~النجم كوكب إلا عند ظهوره قيل كافه الأولى زائدة على خلاف الأصل إذ هي ليست ~~من حروف الزيادة والأفول الغيبة والذهاب والبزوغ الابتداء في الطلوع كأنه ~~مأخوذ من البزغ وهو الشق لأنه بنوره يشق الظلمة شقا والقمر معروف سمى به ~~لبياضه وانتشار ضوئه وقيل لأنه يقمر ضوء الكواكب وينور به وذكر الشمس في ~~{هذا ربي} وأنثها في {بازغة} لأن فيها لغتين التذكير والتأنيث فالتذكير ~~بتأويل الكوكب أو الضوء أو النور أو الطالع أو الشخص أو الشيء أو لكونه ~~أخبر عنها بمذكر والمبتدأ والخبر كالشيء الواحد وقول أبي حيان على لغة أكثر ~~الأعاجم لأنهم لا يفرقون في الضمائر وأسماء الإشارة بين المذكر والمؤنث ~~مردود بأن هذا إنما يقال لو عبر بلغة إبراهيم وهي العبرانية ونقل الطبري أن ~~سبب نطقه بها لما عبر النهر فارا من النمروذ وكان وصى من أرسلهم لإحضاره أن ~~يأتوه بمن يسمعونه يتكلم بالسريانية فلما أدركوه استنطقوه فحول الله لسانه ~~عبرانيا فسميت العبرانية لأنها كانت عند عبوره النهر وذكر ابن سلام أن سبب ~~تسمية السريانية بذلك أن الله سبحانه وتعالى حين علم آدم الأسماء علمه ~~إياها سرا عن الملائكة وأنطقه بما ذكروا أكثر المفسرين أن إبراهيم - صلى ~~الله عليه وسلم - ولد زمن ملك رأى رؤيا عبرها المعبرون بأنه يولد غلام يكون ~~هلاك ملكه على يديه فأمر بذبح كل غلام يولد فلم تظهر أم إبراهيم حملها فلما ~~أحست بالطلق ذهبت إلى كهف جبل فوضعته فيه وسدت بابه بحجر فجاء جبريل عليه ~~الصلاة والسلام ووضع إصبعه في فمه وكانت تأتيه وتتعهده أمه أحيانا قيل ولد ~~في برزة بغوطة دمشق والصحيح بكوثة بإقليم بابل من العراق وبقي إلى أن عرف ~~له ربا ms413 فسأل أمه من ربي قالت أنا قال ومن ربك قالت أبوك قال ومن ربه قالت ~~ملك البلد فعرف أنها جاهلة بالله تعالى فنظر في باب ذلك الغار ليرى شيء ~~يستدل به على وجود الرب تعالى فرأى نجما قيل المشتري وقيل الزهرة فقال {هذا ~~ربي} الآية ثم قيل كان هذا قبل البلوغ وقيل بعده وبالغ المحققون في رد هذا ~~القول وبطلانه وقالوا لا يجوز أن يأتي على نبي زمن إلا وهو على غاية من ~~المعرفة بالله والتبري مما سواه وكيف يتوهم هذا على من عصمه الله وطهره ~~وأخبر عنه أنه آتاه رشده من قبل وأنه جاء ربه بقلب سليم وأنه أراه ملكوت ~~السموات والأرض وليكون من الموقنين يقول هذا ربي على حقيقته لا يمكن ذلك ~~أبدا ومما احتجوا به أن القول بربوبية الجماد كفر إجماعا وهو لا يجوز على ~~نبي إجماعا وبأنه عرف ربه قبل هذه القضية حيث قال لأبيه آزر {أتتخذ أصناما ~~آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين} ودعاه إلى التوحيد وأطال معه الكلام في ~~تسفيه ما هو فيه كما ذكر في سورة مريم ومما يدل على تقدم ذلك على ما هنا أن ~~ما هنا في التغليظ في الحجاج لسائر قومه ومن المعلوم تقدم الترفق على ~~التعنيف في الدعوة إلى الله وابتدائه بالأهل ثم بالأجانب وإذا ثبت لإبراهيم ~~هذا الكمال الباهر في التوحيد فكيف يسوغ لعاقل فضلا عن فاضل أن يتوهم في ~~إبراهيم أنه اعتقد ألوهية كوكب معاذ الله وحاشاه الله وكيف ودلائل الحدوث ~~في الأفلاك ظاهرة لا تخفى على أقل العقلاء فكيف بأكملهم وقوله {يا قوم إني ~~بريء مما تشركون} وقوله {وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان} أدل ~~دليل على بطلان ما مر أنه قال ذلك في الغار وعلى أنه أنما قال ذلك إرشادا ~~لهم إلى الإيمان وإبطالا لما كانوا عليه من عبادة غير الله تعالى ومن ثم ~~قال {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به ~~عليكم سلطانا} قيل ولو ms414 كان مقصوده تحصيل المعرفة لنفسه لاستدل بغروب الشمس ~~في اليوم السابق لتلك الليلة على أنها لا تصلح للألوهية وإذا بطلت صلاحيتها ~~لذلك فغيرها أولى ولا يتأتى مثل ذلك فيما إذا قلنا أن مقصوده إلزاما لقوم ~~وإلجاؤهم إلى # PageV01P180 # الاعتراف بالحق لاحتمال أنه إنما اتفقت مكالمته معهم حال طلوع ذلك النجم ~~ثم اشتدت تلك المناظرة إلى أن طلع القمر وطلعت الشمس بعده فثبت بهذه الأدلة ~~الظاهرة أنه لا يجوز أن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - قال على سبيل الجزم ~~هذا ربي وإذا بطل هذا فتلك المناظرة إما أن تكون بعد البلوغ وحينئذ فقوله ~~هذا ربي ليس إخبارا بل حكاية لمعتقدهم حتى يرجعوا إليه فيبطله بقوله لا أحب ~~الآفلين كما تقول في البحث مع الفلاسفة القائلين بقدم الأجسام الجسم قديم ~~فلم نشاهده مركبا متغيرا ويؤيد ذلك قوله تعالى {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم ~~على قومه} أو هذا ربي في زعمكم فلما غاب قال لو كان إلها لما غاب أو هذا ~~يرجع لما قبله خلافا لمن غاير بينهما أو أنه استفهام إنكاري بحذف أداته ~~لدلالة السياق عليه على حد {أفائن مت فهم الخالدون} أي فهم الخالدون على ~~أحد الأقوال أو بتقدير القول أي يقولون هذا ربي أي الذي يربيني وإضماره ~~كثير ومنه {وإذا يرفع إبراهيم القواعد من البيت واسمعيل ربنا} الآية أو ~~ذكره استهزاء كما يقال لذليل ساد قوما هذا سيدكم أو قاله خداعا لهم ليوهمهم ~~أنه معظم لما عظموه حتى يلقوا إليه مقاليد عقولهم ويقبلوا ما صدر عنه فلما ~~أفل أراهم نقص النجوم وأنها لا تصلح للألوهية ولا محذور في إيهام ذلك ~~التعظيم لأنها مصلحة عامة من غير حصول محذور لما تقرر من أن قوله هذا ربي ~~محتمل لعدة أمور على أن التلفظ بكلمة الكفر إذا جاز للإكراه فلأن يجوز إذا ~~استعقب في ظن القائل هداية أقوام إلى الله بطريق الأولى وقد وقع لإبراهيم ~~نظير ذلك في قوله تعالى حكاية عنه {فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم} ~~وذلك لأنهم كانوا يستدلون بعلم النجم ms415 على حصول الحوادث المستقبلة فوافقهم ~~على هذا الطريق في الظاهر مع براءته عنه في الباطن وقصده أن يتوصل به إلى ~~كسر الأصنام ونظيره 7 أن جواب لما ورد لدعوة قومه فرآهم عاكفين على عبادة ~~جسم فأوهمهم أنه يعظمه حتى رجعوا إليه في أكثر أمورهم فدهمهم عدو فشاوروه ~~في أمره فقال ادعوا الصنم فدعوه فلم يفد فلما بين لهم أنه لا ينفع ولا يدفع ~~دعاهم إلى أن يدعوا الله فدعوه فصرف عنهم فأسلموا وأما أن يكون قبل البلوغ ~~وتقريره أنه كان كامل العقل في صغره أيضا فخطر له إثبات الصانع بالأدلة ~~القطعية فلما رأى الكوكب أبطل ألوهيته بأفوله وكذا القمر والشمس إذا تمهدت ~~هذه المقدمة فإشكال العز بن عبد السلام قد ذكره غيره كما تقرر وتقرير ~~المقصود منه أن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - استدل بأفول الكواكب على ~~امتناع ربوبيتها والأفول عبارة عن غيبوبة الشيء بعد ظهوره فيدل على الحدوث ~~من حيث أنه حركة وعلى هذا التقدير فالطلوع أيضا حركة فلم ترك الاستدلال على ~~حدوثها بالطلوع وعول في إثبات هذا المطلوب على الأفول وجوابه أن الطلوع ~~والغروب يشتركان في الدلالة على الحدوث إلا أن الدليل الذي يحتج به ~~الأنبياء في معرض دعوة الخلق كلهم إلى الله تعالى لا بد وأن يكون ظاهرا ~~بحيث يشترك في فهمه الذكي والغبي كدلالة الحركة على الحدوث وإن كانت يقينة ~~إلا أنها دقيقة إلا على الأفاضل من الخلق أما دلالة الأفول على هذا المقصود ~~فإنها ظاهرة يعرفها كل أحد فإن الأفل يزول سلطانه وقت الأفول من حيث أن ~~الأفول غيبوبة والإله المعبود القادر العالم لا يغيب ولهذا استدل بظهور ~~الكوكب وببزوغ الشمس على الإلهية واستدل بأفولها على عدم الألوهية ولم ~~يتعرض للاستدلال بالحركة أهي تدل على الحدوث أو لا قال الفخر الرازي وفيه ~~دقيقه وهو أنه عليه الصلاة والسلام إنما كان يناظرهم وهم كانوا منجمين ~~ومذهبهم أن الكوكب إذا كان في الربع الشرقي ويكون صاعدا إلى وسط السماء كان ~~قويا عظيم التأثير أما إذا كان غريبا ms416 أو قريب الأفول فإنه يكون ضعيف الأثر ~~قليل القوة فدل بهذه الدقيقة على أن إلهه الذي لا تتغير قدرته إلى العجز ~~وكماله إلى النقص وكأنه قال لهم مذهبكم أن الكوكب حال كونه في الربع الغربي ~~يكون ضعيف القوة ناقص التأثير عاجزا عن التدبير وذلك يدل على القدح في ~~ألوهيته لا يقال تلك الليلة كانت مسبوقة بنهار وليل فأفول تينك النيرين كان ~~حاصلا فيما قبل فلا فائدة لتخصيص الأفول الحاصل في هذه الليلة لأنا نقول قد ~~بان مما سبق أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما أورد هذا الدليل على القوم ~~الذين كان يدعوهم من عبادة النجوم إلى التوحيد أنه كان جالسا معهم ليلة من ~~الليالي فزجرهم عن عبادة الكواكب فبينما هم في تقرير الكلام # PageV01P181 # إذ رفع بصره إلى كوكب مضيء فلما أفل قال لو كان هذا الكوكب إلها لما ~~انتقل من العلو إلى الهبوط ومن القوة إلى الضعف ومن الوجود إلى العدم ومن ~~الظهور إلى الغيبة ثم في أثناء ذلك الكلام بزغ القمر وأقل فأعاد عليهم ذلك ~~الكلام وكذا القول في الشمس إذا تقرر ذلك علم اندفاع قول العز فلا معنى ~~لاختصاصه به كيف ومعناه أظهر من نار على علم لما تقرر أن التغيير وأن حدث ~~قبل الأفول إلا أنه فيه أظهر وأتم وأوضح وأعم وقوله فيلزم في حق الإله ~~ممنوع لأن غيبة الكوكب غيبة بعد ظهور وهبوط بعد علو ونقص بعد كمال وعدم بعد ~~وجود الله سبحانه وتعالى منزه عن جميع ذلك وقوله عن التغيير ليس فيه فائدة ~~بل موهم خلاف المراد وقوله فقد كان ناقصا عند الإشراق مسلم ولكن شتان بين ~~نقصه عنده ونقصه بالأفول كما تقرر وقوله أيضا فذاك معلوم له قبل الأفول أنه ~~يأفل مسلم أيضا ولكن استدلاله بالأفول عند مشاهدته أبلغ في إلزام الخصم ~~وأقهر له وأوقع لدعواه ومن عادة إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - أنه ينتقل ~~إلى أظهر الأدلة وإن حصل مقصوده بغيره ألا تراه في حجاجه مع النمروذ كان ~~يمكنه أن يقول أحي من ms417 أمته ومع ذلك انتقل عن ذلك إلى ما هو أبلغ في قهره ~~وألزم له فقال {إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب} قال ~~تعالى {فبهت الذي كفر} فعلم أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يراعون في ~~إقامة الأدلة على الدعوى إلى الله تعالى أوضحها وأظهرها وأكملها وأقهرها ~~لتظهر حجتهم لكل أحد ويفتضح معاندهم إلى الأبد وقوله في المشرق مساو لحالته ~~في المغرب ممنوع بل بينهما بون بائن مما تقرر المرة بعد المرة والكرة بعد ~~الكرة والله سبحانه وتعالى يوفقنا لإصابة الصواب ويهدينا إلى ما يحبه ~~ويرضاه ويجزل لنا عظيم الثواب أنه الكريم الجواد الذي ليس لنعمته من نفاد ~~(خاتمة) دلت الآية على أحكام لا بأس بالإشارة إليها أو بعضها منها أنه ~~تعالى ليس بجسم وإلا كان غائبا أبدا وكان آفلا أبدا وأنه ليس محلا للحوادث ~~كما زعمه الكرامية وإلا كان متغير أو حينئذ يحصل معنى الأفول وذلك محال وأن ~~إقامة الأدلة على التوحيد هو شعار الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وأن ~~التقليد في ذلك غير مغن شيأ كما قاله كثيرون أو مغن شيأ ولكنه ناقص عن ~~الاستدلال وهذا هو التحقيق وأن معارف الأنبياء بربهم استدلالية ضرورية وأن ~~الطريق في معرفة الله تعالى النظر في مخلوقاته إذ لو أمكن تحصيلها بطريق ~~آخر أسهل من ذلك لسلكه إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه وسلم وقوله {إني ~~بريء مما تشركون} مبني على ما أثبته بالدليل أن هذه الكواكب لا تصلح ~~للربوبية ولا للألوهية لكنه استشكل بأن دلالة الدليل على نفي ألوهية ~~الكواكب لا يلزم منه نفي الشريك مطلقا وإثبات التوحيد وجوابه أن القوم ~~كانوا مساعدين على نفي سائر الشركاء وإنما نازعوا في هذه الصورة المعينة ~~فلما ثبت بالدليل أنها ليست أربابا وثبت بالاتفاق نفي غيرها حصل الجزم بنفي ~~كل شريك وإثبات التوحيد المطلق لله تعالى وحده فإن قلت ثبت أن قومه كانوا ~~يعبدون الأصنام أيضا قلت لم يكونوا مع ذلك معتقدين الألوهية إلا للنجوم وأن ~~تلك صورة يتقرب بعبادتها إلى ms418 النجوم كما حكى عنهم والله سبحانه وتعالى أعلم ~~(وسئل) نفع الله بعلومه عما سأل العز في أماليه أيضا عن معنى قوله تعالى ~~{إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة} كيف يصح أن يكون نعذب طائفة جواب الشرط ~~وعذاب الطائفة لا يتوقف على العفو عن الأخرى كيف يقدر الجواب انتهى فما ~~الجواب (فأجاب) أسكنه الله جنة المآب وأوضح به طريق الصواب بقوله لم أر من ~~نبه على جواب ذلك لكنه يعلم من سبب نزول الآية وهو أنه - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يسير في غزوة تبوك وبين يديه ثلاثة نفر من المنافقين اثنان ~~يستهزآن بالقرآن والرسول والآخر يضحك فالطائفتان ثلاثة واحد تاب فعفى عنه ~~وهو محشي ابن جبير الأشجعي يقال هو الذي كان يضحك ولا يخوض مجانبا لهم ~~وينكر بعض ما سمع فلما نزلت هذه الآية وهي {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا ~~نخوض ونلعب} إلى آخرها تاب من نفاقه وقال اللهم اجعل وفاتي قتلا في سبيلك ~~لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت فأصيب يوم اليمامة فما أحد من ~~المسلمين إلا عرف مصرعه وأما هو فلم يعرف له مصرع ولم يظفر أحد بجثته وأما ~~الآخران فلما يتوبا أحدهما عبد الله بن أبي إذا تقرر ذلك علم أن التقدير إن ~~نعف عن واحد منكم أيها الثلاثة # PageV01P182 # لكونه تاب وتعيينه دل عليه المذكور بشهادة الواقع (وسئل) نفعنا الله ~~بعلومه عما سأل العزر رحمه الله تعالى في أماليه أيضا عن قوله تعالى {هو ~~الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب} ~~فجعل علم العدد والحساب معلوما للمنازل مع أنه لا يفتقر في معرفة هذين لكون ~~القمر مقدرا بالمنازل بل غروبه وطلوعه كاف انتهى فما الجواب (فأجاب) أعلى ~~الله تعالى على النيرين منزلته وبلغه في الدارين أمنيته بقوله ظاهر تقريره ~~أن الضمير المفعول في قدره للقمر وحده وتخصيصه بالذكر لسرعة سيره ومعاينة ~~منازله وإناطة أحكام الشرع به ولأن به يعرف انقضاء الشهور والسنين لا ~~بالشمس ولأنه هو عمدة العرب ms419 في تواريخهم وقيل الضمير لهما لاشتراكهما في ~~معرفة عدد السنين والحساب واكتفى بذكر القمر لما ذكر ثم منازل القمر هي ~~المشهورة وهي الثمانية والعشرون منزلة وهذه المنازل مقسومة على البروج ~~الاثني عشر لكل برج منزلتان وثلث فينزل القمر كل ليلة منها منزلة فيستر ~~ليلتين إن تم الشهر وإلا فليلة فانقضاؤه مع نزوله تلك المنازل ومقام الشمس ~~في كل منزلة ثلاثة عشر يوما وبانقضائها تنقضي السنة وسلطان الشمس بالنهار ~~وسلطان القمر بالليل وبحركة الشمس تنفصل السنة إلى الفصول الأربعة وبالفصول ~~الأربعة تنتظم مصالح هذا العالم وبحركة القمر تحصل الشهور وباختلاف حاله في ~~زيادة ضوئه ونقصه يختلف أحوال رطوبات هذا العالم وبسبب الحركة اليومية يحصل ~~النهار الذي هو محل الكسب والليل الذي هو محل الراحة وهذا يدل على كثرة ~~رحمته تعالى للخلق وعظيم عنايته تعالى بهم قال حكماء الإسلام هذا يدل على ~~أنه تعالى أودع في أجرام الأفلاك والكواكب أشياء معينة من الخواص وقوى ~~مخصوصة باعتبارها تنتظم مصالح هذا العالم السفلي إذ لو لم يكن لها آثار ~~وفوائد في هذا العالم لكان خلقها بغير فائدة فينا في تلك النصوص إذا تقرر ~~ذلك ظهر أن لمعرفة المنازل في القمر والشمس دخلا أي دخل في معرفة عدد ~~السنين وشهورها وأيامها وفي معرفة حساب الأوقات وآجال الديون والمعاملات ~~وغيرهما بل كمال ذلك ومعرفته على حقيقته لا يعرفه إلا من عرف تلك المنازل ~~وحسابها وكيفية سير النيرين فيها وانتقالهما من بعضها إلى بعض وأما مجرد ~~معرفة غروب القمر وطلوعه فلا يحصل به تمام ذلك فاتضح أن لهيئة تلك المنازل ~~وحسابها للنيرين أو القمر علة واضحة لعلم السنين وحساب نحو الأوقات على ~~وجهها وأن هذا العلم معلول لتلك الهيئة وأنه لا غبار على ذلك وأن قول ~~العزانه لا يفتقر في معرفة هذين لكون القمر مقدر بالمنازل وأن الطلوع ~~والغروب كاف ممنوع إذ لو شاهد الجاهل بالمنازل لطلوع القمر أثناء الليل ~~فقيل له ما الماضي أو الباقي من الليل أو وقت العشاء لم يعرف الجواب مع ~~مشاهدته لطلوعه ms420 بخلاف من يعرف المنازل فإنه يعرف ذلك وما هو أدق منه بأدنى ~~التفات إليه فإن قلت الذي ظهر مما قررته هو معرفة الحساب المذكور أما علم ~~عدد السنين فلا يتوقف على معرفة المنازل أصلا فكيف جعل معلولا لتقدير ~~المنازل قلت المواد بعدد السنين ما يشمل عدد أجزائها من الشهور والأيام ~~والساعات ولا يعرف كمال ذلك أيضا بل أصله إلا من عرف تلك المنازل فلا إشكال ~~حينئذ في الآية بوجه ولم أرى أحدا نبه على ذلك والله الموفق للصواب (فائدة) ~~الضياء هو أعظم وأبلغ من النور لأنه يستدعي سطوعا ولمعانا مفرطا بخلاف ~~النور فلذا اختصت الشمس بالضياء والقمر بالنور لكنه مشكل بقوله تعالى {الله ~~نور السموات والأرض مثل نوره} الآية فإن إيثار النور فيها يقتضي أنه أبلغ ~~وأعظم في الرونق وأجاب ابن عطية بأن النور هنا أبلغ وأحكم لأنه تعالى شبه ~~هداه ولطفه الذي نصبه ليهتدى به فأصابه قوم وضل عنه آخرون بالنور الذي هو ~~أبدا موجود في الليل وأثناء الظلام ولو شبه بالضياء لوجب أن لا يضل أحدا ~~إذا كان الهدى يكون كالشمس التي لا تبقى معها ظلمة فمعنى الآية أنه تعالى ~~جعل هداه في الكفر كالنور في الظلام فاهتدى قوم وضل آخرون ولو جعله كالضياء ~~لما أضل به أحد انتهى (وسئل) نفع الله به وبعلومه عما سأل العز بن عبد ~~السلام رحمه الله تعالى في أماليه أيضا عن قوله تعالى {وما كان هذا القرآن ~~أن يفترى من دون الله} فقال فيه إشكال لأن العرب إذا أرادت أن تخبر بالمصدر ~~مع قطع النظر عن الزمان قالوا أعجبني قيامك وإن أرادوا أن يخبروا بأن ذلك ~~المصدر كان في # PageV01P183 # الماضي قالوا أعجبني أن قمت وإذا أرادوا في المستقبل قالوا أن تقوم وهو ~~معنى قول النحاة أن تخلص الفعل للمستقبل إذا تقرر ذلك فنقول المشركون قالوا ~~هذا القرآن افترى أي في الزمن الماضي فكيف ينفى افتراؤه في الزمن المستقبل ~~اه فما الجواب عن ذلك (فأجاب) رحمه الله تعالى بقوله لم أر من أشار ms421 لجواب ~~ذلك ولكنه ظاهر لمن تأمل السبب الذي ورد لأجله هذا النفي وبيانه أن الكفار ~~طلبوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأتيهم بقرآن غير ما سمعوا منه ~~كما حكاه تعالى عنهم بقوله تعالى {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين ~~لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله} ثم طلبوا منه - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يأتيهم بآية أخرى كما حكاه تعالى بقوله {وقالوا لولا أنزل عليه ~~آية من ربه} وقد أبطل الله ما قالوه أولا بقوله {قل ما يكون لي أن أبدله من ~~تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي} وما قالوه ثانيا بقوله فقل إنما الغيب ~~لله ثم ذكر تعالى ما يقرر ذلك ويؤيده إلى أن انتهى هذا السياق فختمه بما ~~يبطل ذينك القولين الصادرين عن جهلهم المفرط وحماقتهم البالغة فقال تعالى ~~{وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله} ووجهه بما فيه الرد عليهم أنهم ~~اعتقدوا أن القرآن لبشر وأن محمدا - صلى الله عليه وسلم - أتى به من عند ~~نفسه اختلاقا وافتعالا فبين الله لهم بهذه الآية بعد أن بين لهم ذلك أيضا ~~بسوابقها ومتعلقاتها أن هذا القرآن لا يمكن أن يفترى منه شيء في المستقبل ~~من غير الله فكيف تطالبون محمدا - صلى الله عليه وسلم - بأن يأتيكم بقرآن ~~آخر غير ما سمعتوه أو بآية أخرى غير القرآن وقد علمتم استحالة افتراء ~~القرآن المستلزم لاستحالة افتراء الآيات فالتعبير بأن يفترى بفرض دلالة أن ~~هنا عليه إنما وقع طبقا لرد مخترعهم الذي طلبوا منه أن يأتيهم به في ~~المستقبل لا للاحتراز عن الماضي والحال لأن استحالة افترائه فيهما علم من ~~غير ذلك بل ومن هذا أيضا لأن كل ما استحال الإتيان به في المستقبل يستحيل ~~الإتيان به في الماضي والحال لأنهما مستقبلان بالنسبة لما قبلهما إذا تقرر ~~ذلك علم جواب إشكال العزو وأنه انما يتوجه على ما زعمه من أن هذا الجواب ~~لقولهم افترى هذا القرآن في الزمن الماضى وقد بان انتفاء ذلك ms422 وأن هذا ليس ~~جوابا لذلك أصلا كيف وذلك مذكور بجوابه أثر هذا الختام لذلك السياق كما ~~قدمته فإنه تعالى لما ذكر ذينك القولين السابقين وأبطلهما وختم سياقهما ~~بهذا ذكر عقبه ما يقولونه في القرآن النازل الذي سمعوه مع جوابه أيضا فقال ~~{أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله} ومع تأمل هذا وتدبره لا يتوجه ~~إشكال العز أصلا ولا يصح قوله {وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله} ~~جوابا لقولهم افتراه في الزمن الماضي واعلم أن هذا كله بناء على تسليم ما ~~ذكر عن العرب من تلك القاعدة وأنها عامة حتى في غير كان المنفية ولك أن لا ~~تسلم عمومها لذلك استدلالا بقوله تعالى {ما كان للنبي والذين آمنوا أن ~~يستغفروا للمشركين} فإنه نزل نهيا عن استغفار سبق منهم للمشركين كما قاله ~~أئمة التفسير فدل على أن أن في خبر كان لا يفرق بين ماض وغيره لانسحاب مضى ~~كان على خبرها فيلزم مضيه في المعنى وإن دخلت عليه أداة الاستقبال لفظا ومن ~~ثم أعربوا أن يفترى في الآية افتراء ومفترى أو ذا افتراء كل هذا فيه دليل ~~لما ذكرته من أن حقيقة الاستقبال هنا غير مرادة لوجود كان على ما تقرر ~~وعبارة أبي حيان أي وما صح ولا استقام أن يكون هذا القرآن المعجز مفترى قال ~~والظاهر أن أن يفترى هو خبر كان أي ذا افتراء أو مفترى وزعم بعضهم أن أن ~~هذه هي المقدرة بعد لام محذوفة وأن يفترى معموله وحينئذ فلا يرد سؤاله من ~~أصله فتأمل ذلك فإني لم أجد الآن شيأ أراجعه من مطولات كتب النحو (وسئل) ~~رحمه الله عما سأل العز بن عبد السلام في أماليه عن قوله تعالى حكاية عن ~~موسى عليه السلام {واشدد على قلوبهم هذا} مشكل لأنه طلب أن يشدد رباط ~~قلوبهم حتى لا يدخلها الإيمان والطلب مستلزم للإرادة فكيف يطلب ويريد ما ~~أمر الله بخلافه منهم وليس مثل قوله تعالى حكاية عن نوح عليه الصلاة ~~والسلام {ولا تزد الظالمين إلا ضلالا} ms423 لأن نوحا قيل له أنه لن يؤمن من قومك ~~إلا من قد آمن فأيس من إيمانهم بخلاف موسى (فأجاب) رحمه الله لا إشكال فيه ~~عند التأمل لأن العز إنما بنى إشكاله على أن الطلب مستلزم للإرادة منهم حيث ~~قال بعد الاسلتزام الذي ذكره فكيف يطلب ويريد لما أمر الله أن يكرهه منهم ~~وليس الأمر كما ذكر وبيانه أن الطلب # PageV01P184 # إنما يستلزم إرادة وقوعه من الله غضبا عليهم لا لإرادة وقوعه منهم وهذا ~~لا محذور فيه وجه فهو يكره وقوعه منهم لاشتماله على المفاسد التي لا تحصى ~~ومخالفته لما أمر الله به من دعايتهم إلى الإسلام ويريد وقوعه من الله بهم ~~من حيث استلزامه لعذابهم ووقوع عقابهم في مقابلة ما قابلوه به من مزيد ~~العناد والطغيان فالإرادة والكراهة لم يتواردا على شيء واحد حتى يلزم عليه ~~ما قاله العز وبنى عليه إشكاله المذكور وبعد أن علمت اختلاف ما بين ~~الحيثيتين ظهر لك أنه لا إشكال وأن غاية سؤال موسى ليس إلا الدعاء عليهم ~~بدوام العذاب على كفرهم المستصحب بسبب عدم توفيقهم إلى الإسلام وقوله ليس ~~الخ فيه نظر ومن أين له الجزم بانتفاء المماثلة بل يحتمل أنه علم بالوحي ~~عدم إيمانهم فدعا عليهم وهذا هو اللائق بمرتبة النبي سيما موسى عليه وعلى ~~نبينا أفضل الصلاة والسلام فإنه كان عنده من الرحمة لقومه الغاية العظمى ~~كما أشار إلى ذلك نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - بقوله رحم الله أخي ~~موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر ولقد ذكر الشيخان وغيرهما من أئمتنا لو ~~قال لمسلم سلبه الله الإيمان أو لكافر لا رزقه الله الإيمان لا يكون كفر ~~إلا أنه ليس رضا بالكفر وإنما هو دعاء عليه بتشديد الأمر انتهى فعلم أن ~~الدعاء بدوام الكفر لا يستلزم الرضا بالكفر الذي هو المكروه بل ولا إرادة ~~الكفر من المدعو عليه التي هي كفر أيضا لما تقرر أن القصد من هذا الدعاء ~~تشديد الأمر عليه دون أمر زائد على ذلك فإذا كان هذا في شرعنا ms424 غير كفر فلا ~~يبعد أن يكون مباحا في شرع موسى عليه السلام ولم أر أحدا من المفسرين أشار ~~لشيء من ذلك ثم رأيت أبا حيان رحمه الله أشار لبعض ما ذكرته بقولي وقوله ~~الخ بل يحتمل أنه علم بالوحي الخ فقال لما بالغ موسى عليه الصلاة والسلام ~~في إظهار المعجزات وهم مصرون على العناد واشتدادهم عليه وعلى من آمن معه ~~وهم لا يزيدون على عرض الآيات إ لا كفرا وعلى الإنذار إلا استكبارا وعلم ~~بالتجربة وطول الصحبة أنه لا يجيء منهم إلا الغي والضلال أو علم ذلك بالوحي ~~من الله تعالى دعا عليهم بما علم أنه لا يكون غيره كما يقال لعن الله إبليس ~~وأخزى الكفرة وكما دعا نوح على قومه حين أوحى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا ~~من قد آمن (وسئل) أدام الله النفع به عما سأل العز في أماليه أيضا وهو قوله ~~تعالى {أفمن يخلق كمن لا يخلق} حيث قال العز هذا مشكل لأن قاعدة التشبيه أن ~~يكون المشبه دون المشبه به وهذا وارد إنكارا عليهم في تشبيههم الأصنام ~~بالله عز وجل لقوله تعالى {يحبونهم كحب الله} فكان يقتضى أن يقال أفمن لا ~~يخلق كمن يخلق ولا يقال إنهم كانوا يعظمون الأصنام أكثر من تعظيم الله ~~تعالى لأن الأمر ليس كذلك بل قالوا {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} ~~ولا يتم لنا في هذه الآية الجواب الذي في قوله تعالى {أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين انتهى فما الجواب (فأجاب} بقوله أجاب عن ذلك المفسرون بأنه من ~~عكس التشبيه وهو موجود في كلام العرب ومنه قوله تعالى حكاية {إنما البيع ~~مثل الربا} شبهوا المجمع على حله بالربا المجمع على تحريمه ولم يعكسوا ~~تنزيلا لما يفعلونه من الربا بمنزلة الأصل المماثل له البيع ومن ذلك أيضا ~~قول ذي الرمة: # (كان ضياء الشمس غرة أحمد) # البيت إذا تقرر ذلك فهم لمبالغتهم في كفرهم وعتوهم في عنادهم شبهوا الله ~~تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا بأصنامهم ونحوها من كل ما ms425 ~~عبدوه من دون الله تعالى تنبيها منهم بذلك على أنهم لما عندهم من عظيم ~~الإشراك به جعلوه من جنس المخلوقات المعجزة تشبيها بها ومن ثم بالغ تعالى ~~في الإنكار عليهم مشيرا إلى أنهم في ذلك بالبهائم أشبه فقال {أفلا تذكرون} ~~عظيم فساد هذا الواقع منكم فإن فساده من أجلى البديهيات فضلا عن الضروريات ~~ولذلك كان كأنه حاصل في عقولهم مركوز في أفهامهم لكنهم آثروا عليه أهويتهم ~~الباطلة وآراءهم الخالية فغفلوا عنه ولو التفتوا إليه بعقولهم أدنى التفات ~~لأدركوه وكان كالحاضر عندها بأدنى تذكر والتفات ومن ثم قيل لهم {أفلا ~~تذكرون} لأنكم لو تذكرتم أدنى تذكر لم تقولوا ذلك إذا تقرر ذلك علم الجواب ~~عما قاله العز وأن هذا إنما جاء على خلاف القاعدة التي ذكرها لأن قصد قائله ~~المبالغة في إثارة مدعاه فعكس الطريق الجادة حتى يحصل له تلك المبالغة ~~المذكورة كما تقرر وقوله ولا يقال الخ ممنوع بل كانوا على فرق منهم من يعظم ~~صنمه أكثر من تعظيم الله ومنهم من يعكس فهذا وارد في حق الأولين وقوله ~~تعالى عنهم {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} # PageV01P185 # في حق الآخرين (وسئل) نفع الله بعلومه عما سأل عنه العز في أماليه أيضا ~~وهو قوله تعالى {ولا تزر وازرة وزر أخرى} حيث قال فيه سؤال وهو أن عدم قيام ~~فعل الغير عام في النفس الآثمة وغير الآثمة فلم خص الآثمة مع أن التصريح ~~بالعموم أتم في العدل وأبلغ في البشارة وأخصر في اللفظ كما قيل ولا تحمل ~~نفس حمل أخرى انتهى (فأجاب) رحمه الله تعالى بقوله للمفسرين في ذلك رأيان ~~أحدهما أن تزر معناه أن تحمل الوزر وهو الثقل والتقدير ولا تحمل نفس حاملة ~~حمل نفس أخرى وعلى هذا فلا يرد سؤال العز ويندفع قوله كما قيل الخ لأن ما ~~قاله هو معنى الآية كما تقرر فلا فرق بينهما وقد جرى البعض من المحققين على ~~ذلك في قوله تعالى في سورة سبحان {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما ~~يضل ms426 عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى} فقال بين تعالى أن ثواب العمل الصالح ~~مختص بفاعله وعقاب الذنب مختص بفاعله ولا يتعدى منه إلى غيره ويتأكد هذا ~~بقوله تعالى {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ثانيهما أنه من الوزر وهو الإثم ~~والتقدير ولا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى وعلى هذا يتوجه سؤال العز ويجاب ~~عنه بأن سبب التخصيص أنه وقع ردا لقولهم ما حكاه الله تعالى عنهم بقوله ~~{وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم} وبعد أن رده ~~بقوله {وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء} وإنهم لكاذبون ومن عادة القرآن ~~بأن يكرر الأدلة وإن اتحدت الدعوى بأوجه مختلفة وسياقات مؤتلفة زيادة في ~~التأكيد والتقرير ومبالغة في الرد لتلك المقالة ثم بالغ تعالى في الرد ~~عليهم فقال عقب تلك الآية في سورة فاطر {وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل ~~منه شيء ولو كان ذا قربى} أي وإن تطلب نفس مثقلة بالذنوب نفسا أخرى إلى أن ~~تحمل عنها شيأ مما أثقلها لا تحمل تلك النفس المطلوبة منه شيأ في حالة من ~~الحالات ولو كان المدعو أو الداعي ذا قرابة له وأفادت هذه نفي حمل ذنب كل ~~نفس عنها كما أفادت الأولى نفي أن يحمل عليها ذنب غيرها ولا ينافي هذا ~~{وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} لأن المراد أنهم يحملون أثقال ضلالهم ~~وإضلالهم وكلها أوزارهم فلم يحمل أحد عن أحد شيأ وقوله مع أن التصريح ~~بالعموم الخ لا يرد لما تقرر أن ذلك التخصيص إنما وقع بسبب دعا إليه هو رد ~~ما افتروه كما تقرر على أنه تعالى لم يقتصر عليه بل ذكره في آية سبحان بعد ~~أن مهد ببيان أن حسنات الإنسان له وسيآته عليه فقال {من اهتدى فإنما يهتدي ~~لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها} وذكر في آية فاطر بعده ما يتعلق بالحسنات ~~أيضا فقال {ومن تزكى} الآية أي تطهر عن دنس الذنوب فإنما يتزكى لنفسه إذ ~~نفعه لها دون غيرها فذكر تعالى هذين السياقين سياق المعاصي وما ms427 يتعلق بها ~~ثم سياق الحسنات وما يتعلق بها على أبلغ وجه وأكمل تقرير جريا على بلاغة ~~القرآن المقررة لكل مطلب على حدته بما لا يبقى في نفس المنكر شبهة ولا تردد ~~بوجه فتأمل ذلك فإني لم أر من أشار إلى شيء منه مما يتعلق بسؤال العز ~~(وسئل) بلغه الله أمله وختم بالخير عمله عما سأل العز في أماليه أيضا عن ~~قوله تعالى {فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا} أي ذوات عدد ومعلوم أن ~~السنين لا تكون إلا ذوات عدد فما فائدة ذكره وليس مثل قوله تعالى {دراهم ~~معدودة} وفي أيام معدودات لأن ذكر العدد فيهما يدل على القلة لأن ما كثر في ~~الغالب يتعذر عده لكثرته والمراد هنا تعظيم الصفة فعدم ذكر العدد أولى به ~~انتهى (فأجاب) لا زال كفها للسائل وعلومه استقامة للمائل بقوله فائدة ذكره ~~أن مدة لبثهم في الكهف مضروبا على آذانهم وقع الخلاف في قدرها فمنهم من قال ~~لبثنا يوما أو بعض يوم لأنهم كانوا نائمين لا ينتبهون إلا أن نبهوا وسبب ~~الشك أنهم كانوا ناموا غدوة وانتبهوا ظهرا فشكوا هل هي ظهر ذلك اليوم فيكون ~~بعض يوم أو ظهر اليوم الذي بعده فيكون يوما وشيأ ولم يذكروه إلغاء للكسر ~~ومنهم من يأوي عند التردد ففوض علم ذلك إلى الله وحقيقة الأمر ذلك ذكره ~~الله تعالى بعد بقوله {ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا} ~~فالمدة طويلة جدا في نفس الأمر وقصيرة جدا في ظن بعضهم وهم القائلون {لبثنا ~~يوما أو بعض يوم} والعدد يقال للكثير لأن العرب كانوا فيما دون الأربعين ~~يعدونه ولا يزنونه وفي الأكثر من ذلك يزنونه وما دون الأربعين الشامل لتسعة ~~وثلاثين من أعداد الكثرة لا القلة وتارة يستعمل للتقليل وهو الثلاثة وما ~~دون الأحد عشر ومن الأول في أيام معدودات ومن الثاني # PageV01P186 # {دراهم معدودة} إذا تقرر ذلك علم أن وصفه تعالى السنين بالعد إذ المعنى ~~معدودة أو ذوات عدد له نكتة ظاهرة جدا وهي أن القصد في أول القصة ms428 تعمية ~~خبرهم وبيان أن الممتحنين للنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يعلمون هم ولا ~~غيرهم مدة لبثهم حقيقة فأتى بالسنين التي هي نص في القلة لأنها ملحقة بجمع ~~المذكر السالم مما يحتمل القلة ويحتمل الكثرة مبالغة في التعمية والامتحان ~~كما تقرر ويدل لذلك تعليله تعالى عقب ثم بعثناهم بقوله عز من قائل {لنعلم ~~أي الحزبين أحصى لما لبثوا} أي أضبط حزرا من لبثهم إذا تقرر ذلك علم الجواب ~~عن قوله فما فائدة ذكره وأنه ليس مثل {دراهم معدودة} و {أيام معدودات} وأن ~~قوله فهو المراد الخ ممنوع بل المراد ما قررته وهو مزيد التعمية والامتحان ~~ليخضعوا إلى الله ويردوا العلم إليه ومن ثم قال تعالى آخر القصة {ولا تستفت ~~فيهم منهم أحدا} ثم أخبر بمدة لبثهم الحقيقي وبين أن أحدا لا يعلمه كذلك ~~غيره لأنه من جملة الغيب الذي انفرد تعالى بعلمه وهذا كله لم أر من نبه ~~عليه ثم رأيت الفخر الرازي قال قال الزجاج ذكر العدد هنا مفيد كثرة السنين ~~وكذلك كل شيء مما يعد اذا ذكر فيه العدد ووصف به يفيد كثرته لأنه إذا قل ~~فهم مقداره بدون التعديد أما إذا كثر فهناك يحتاج إلى التعديد فإذا قلت ~~أقمت أياما عددا أردت أياما ذوات عدد أو معدودة انتهى وفيما ذكره نظر ظاهر ~~والصواب ما قررته فتأمله (وسئل) نفع الله به عما سأل العز في أماليه أيضا ~~وهو قوله تعالى {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا} مع قوله {وكذلك نجزي ~~من أسرف} لأن من أسرف اندرج فيمن أعرض إذ المعرض أعم من المسرف فيلزم أحد ~~أمرين إما تشبيه الشيء بنفسه أو بقاء من أعرض على عمومه إذا لم يخصص أو ~~تشبيه الأعلى بالأدنى إن كان قد خصص لأن المسرف أعظم ذنبا من المعرض لأن ~~المعرض قد يعرض ولا يسرف وكلا الأمرين مشكل انتهى (فأجاب) بقوله من تأمل ~~نظم الآية علم أن هذا إشكال لا يرد أصلا وذلك أن المعرض عن الذكر المكنى به ~~عن الهدى المذكور ms429 قبله وهو الكتاب والرسول لا فادة أنه مذكر بالله وداع إلى ~~عبادته يقول الله يوم القيامة إذا حشره أعمى البصيرة وهو الأظهر أو البصر ~~{رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا} فيجيبه الله تعالى بأمرين أحدهما يتعلق ~~به والثاني يتعلق بكل من كان على طريقته فالأول هو قوله {ومن أعرض عن ذكري ~~فإن له معيشة ضنكا} والثاني هو قوله {وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ~~ربه} وهذان الوصفان أعني الإسراف وعدم الإيمان بالآيات داخلان في الإعراض ~~السابق وكان قضية النظم وكذلك نجزي من كان مثلك وعلى طريقتك لكنه عدل عنه ~~إلى ذلك البيان ليسجل عليه بالإسراف وعدم الإيمان بالآيات وإن جزاءه ذلك ~~ليس خاصا به بل يعم كل من اتصف بما اتصف به وهو الإعراض الذي هو الإسراف ~~بالانهماك في الشهوات المنسي للتأمل في الآيات والأدلة وعدم الإيمان بها ~~فاندفع بما قررته قوله لأن من أسرف اندرج فيمن أعرض لأن المعرض الخ ووجه ~~اندفاعه بما علم مما قررته أن قوله {وكذلك نجزي من أسرف} ليس معطوفا على من ~~أعرض ولا هو داخل في سياقه وإنما هذا سياق آخر كما علمت فإن من أعرض من ~~جملة المقول لآدم وحواء وكذلك نجزي من أسرف من جملة المقول يوم القيامة لكل ~~من أعرض أو لأحد الأفراد المعرضين إذ الآية تشمل كلا من هذين وشتان ما بين ~~السياقين واندفع أيضا قوله إذ المعرض أعم من المسرف ووجه اندفاعه ما قررته ~~بما يقتضي أن يكون عينه ولكن إنما عبر عنه بسياقين مختلفين للتسجيل على كل ~~معرض بأنه جمع بين وصفي الإعراض والإسراف وعدم الإيمان بالآيات واندفع قوله ~~فيلزم أحد أمرين الخ ووجه اندفاعه ما مر من اختلاف السياقين والتعبير عن ~~المعرض بما هو من لازمه للتسجيل عليه وحينئذ فلا يلزم شيء من ذلك على أن ~~قوله أما تشبيه الشيء بنفسه فيه نظر بل اللازم بمقتضي ما ذكره تشبيه الجزء ~~بكله وقوله إن كان قد خصص لأن المسرف الخ ممنوع أيضا لما تقرر من استوائهما ms430 ~~وأنه مع ذلك ليس فيه محذور بوجه فتأمل ذلك كله فإني لم أر من نبه على شيء ~~منه انتهى (وسئل) رضي الله عنه عما سأل العز في أماليه أيضا وهو قوله تعالى ~~{لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} فيه إشكال لأن ذكره بعد قوله {أم ~~اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون} يبطل قولهم وهذا لا يبطله لأن الملازمة ~~بين الفساد والإله الثاني إنما تصدق إذا كان الإله الثاني تاما حتى يلزم ~~التمانع وهم لم يدعوا ذلك ألا تراهم # PageV01P187 # يقولون {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} أما الهان تامان فلم يقل ~~به أحد من الملل فما قالوا به لا تبطله الآية وما تبطله الآية لم يقولوا به ~~وكذلك قوله ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض قيل الحق لله عز ~~وجل وقيل القرآن وأياما كان فالملازمة مشكلة انتهى (فأجاب) ختم الله له ~~بالإسلام وأدام عليه هو اطل الجود والإنعام بقوله قد استروح العز ببنائه ~~إشكاله على قوله وهم لم يدعوا ذلك ومع ذلك فهو لا ينتج له إشكالا أما أولا ~~فإنا نقول ليسوا كلهم يقولون {ما نعبدهم} الآية بل منهم من أثبت آلهته فقط ~~ومنهم من شرك وهؤلاء المشركون منهم من زعم أن آلهته أكمل من الله تعالى لما ~~مر عنهم في قوله ردا عليهم {أفمن يخلق كمن لا يخلق} ومنهم من عكس وهم ~~القائلون {ما نعبدهم} وأما ثانيا فلئن سلمنا له ذلك وأنهم لم يدعوه إلا أنه ~~لازم لقولهم ولازم المذهب مذهب بالنسبة لإقامة الدليل على إبطاله اتفاقا ~~وإنما الخلاف في أنه هل يحكم بأن القائل بالملزوم قائل به أو لا فلما لزم ~~من تسميتهم نحو الأصنام المنحوتة المتخذة من الأرض آلهة لزمهم أنها تقدر ~~على جميع الممكنات إذ من لوازم الإله الاقتدار على ذلك نسب الله تعالى ~~إليهم ذلك وإن لم يصرحوا به فقال تعالى {أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ~~ينشرون} أي ينشرون الموتى دون غيرهم كما أفاده الضمير الموهم لاختصاص ~~الانتشار بهم ثم لما تقرر ms431 أن تسميتهم إياها آلهة يلزمها الاقتدار على جميع ~~الممكنات بين الله تعالى أن هذا اللازم إن لم يوجد فيها فهي غير آلهة وإن ~~وجد فيها لزم التمانع المقتضي للفساد فقال تعالى {لو كان فيهما آلهة إلا ~~الله لفسدتا} أي لخرجتا عن نظامهما التام المشاهد لما يكون بينهما عادة من ~~الاختلاف والتمانع المقرر في محله وفرض اتفاقهما عقلا لا يعول عليه في ~~الأدلة القرآنية كما قرر في محله أيضا إذا تقرر ذلك علم اندفاع قول العز ~~وهذا لا يبطله كيف لا وقد علمت أن إبطاله أمر واضح جلي لما قررته أنهم سموا ~~نحو أصنامهم آلهة فإما أن يقولوا مع ذلك أنها لا تقدر على شيء فيبطل حينئذ ~~ألوهيتها فعلى كل تقدير يبطل اتخاذهم لتلك الآلهة إما بغير دليل بأن ~~يعترفوا بالأول أعني بأنها لا تقدر على شيء أو بالدليل الذي أقامه تعالى ~~عليهم إن اعترفوا بأنها تقدر على جميع الممكنات ومن تأمل إيراد الأدلة بأن ~~على المستدل أن يبطل جميع ما يقوله خصمه وإن لم يقل ببعضها علم أن الآية ~~واردة على أكمل الاستدلالات وأتقن البراهين وقوله فلم يقل به أحد من أهل ~~الملل ممنوع لأنهم وإن لم يقولوا به صريحا هم قائلون به استلزاما فعلى ~~المستدل إبطاله لأنه لازم قولهم وحينئذ فبطل قوله فما قالوا به لا تبطله ~~الآية وما تبطله الآية لم يقولوا به وكذلك قوله وأياما كان فالملازمة مشكلة ~~وبيانه أنه لا إشكال فيما لما قررناه إذ الحق لو اتبع أهواءهم بأن كان في ~~الواقع الهة شتى لفسد العالم كما تقرر في أو كان فيهما آلهة الا الله ~~لفسدتا وفسر بان الحق لو اتبع اهواءهم وانقلب باطلا لذهب ما قام به العالم ~~من نظامه فلا يبقى وبان الحق الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - لو ~~اتبع أهواءهم وانقلب شركا لجاء الله بالقيامة وأهلك العالم لفرط غضبه وعلى ~~كل من هذين فلا إشكال في الملازمة أيضا هذا ومن طعن في دلالة التمانع فسر ~~الآية بأن المراد لو ms432 كان في السماء والأرض آلهة كما تقولون بإلهيتها يا ~~عبدة الأوثان لزم فساد العالم لأنها جمادات لا تقدر على تدبير العالم فيلزم ~~فساد العالم قالوا وهذا أولى لانه تعالى حكى عنهم قوله أم اتخذوا آلهة من ~~الأرض هم ينشرون ثم ذكر الادلة على فساد هذا فوجب أن يختص الدليل به وعلى ~~هذا التقرير لا يتوجه سؤال عز أصلا (وسئل) نفع الله به عما سأل العز عنه ~~أيضا في أماليه وهو قوله تعالى {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت ~~فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان} فقال فيه سؤالان أحدهما ~~أن المراد بالشهادة هنا العلم فما فائدة ذكره وليس محل التمدح بالعلم لأن ~~الله تعالى لا يتمدح بعلم جزئي وليس السياق سياق تهديد أو ترغيب حتى يكون ~~ذكر العلم للمجازاة على الفعل كقولك عرفت صنعك الثاني أن الحرث كان كرما ~~فقضى داود أولا بأن الغنم لصاحب الكرم وحكم سليمان ثانيا بأن الغنم تسلم ~~لصاحب الكرم ينتفع بأصوافها وألبانها ويسلم الكرم لصاحب الغنم يصلحه فإذا ~~صلح عادت الغنم لربها والكرم لربه فحكم داود لو وقع في شريعتنا لم يكن ثم ~~ما يقتضي فساده لأن الإرش يجوز أن يكون قدر قيمة الغنم وصاحبها مفلس فدفع ~~قيمة الغنم لمستحقها وحكم سليمان لو وقع في شريعتنا لم يصح وشريعتنا هي # PageV01P188 # أتم الشرائع فإن كان حكم سليمان صحيحا فلم لم يشرع لنا وإن كان حكم داود ~~أفضل فلم أثنى على سليمان دونه انتهى فما الجواب (فأجاب) أسبغ الله عليه من ~~لطائف الفضل والإحسان ما يخلده به في مقصورات الجنان بقوله الجواب عن ذلك ~~يستدعي مقدمات بها يتبين أن في حكاية العز سقطا وهو أنهم اختلفوا في كيفية ~~القصة والذي عليه أكثر المفسرين أن رجلين دخلا على داود صلى الله على نبينا ~~وعليه وسلم أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم فقال صاحب الحرث أن غنم هذا ~~دخلت حرثي وما أبقت منه شيأ فقال داود اذهب فإن الغنم لك فخرجا فمرا على ~~سليمان - صلى الله ms433 عليه وسلم - فقال كيف قضى بينكما فأخبراه فقال لو كنت ~~أنا القاضي لقضيت بغير هذا فأخبر بذلك داود فدعاه فقال فكيف كنت تقضي ~~بينهما فقال أدفع الغنم لصاحب الحرث فيكون له منافعها من الدر والنسل ~~والوبر حتى إذا كان من العلم المستقبل كهيئته يوم أكل دفعت الغنم لأهلها ~~وقبض صاحب الحرث حرثه والذي عليه ابن مسعود وشريح ومقاتل أن راعيا بات ليلة ~~بجنب كرم فدخلت الأغنام الكرم وهو لا يشعر فأكلت القضبان وأفسدتها فذهب ~~صاحب الكرم من الغد إلى داود فقضى له بالغنم لأنه لم يكن بين ثمن الكرم ~~وثمن الغنم تفاوت فخرجوا ومروا بسليمان فقال كيف قضى بينكما فاخبروه فقال ~~غير هذا أرفق بالفريقين فقال تسلم الغنم إلى صاحب الكرم حتى يترفق بمنافعها ~~ويعمل الراعي في إصلاح الكرم حتى يصيركما كان ثم ترد الغنم إلى صاحبها كما ~~قبضت وحكم بذلك ثم في الآية أمور قيل لم يختلفا البتة ورد بأن الصواب أنهما ~~اختلفا كما أجمع عليه الصحابة والتابعون رضوان الله تعالى عليهم وقوله ~~تعالى {ففهمناها سليمان} بعد قوله {وكنا لحكمهم شاهدين} صريح في ذلك لأن ~~الفاء للتعقيب فوجب سبق ذلك الحكم على التفهيم وحينئذ يلزم اختلافهما فيه ~~حتى يبقى لقوله ففهمناها سليمان موقع ويجوز في حكمهما أن يكونا عن نص أو ~~اجتهاد لجوازه للأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم على الصحيح وأدلته مبسوطة ~~في علم أصول الفقه وقال الجبائي من المعتزلة لا يجوز الاجتهاد هنا وإن ~~جوزناه لوجوه أحدها أن الذي وصل لصاحب الحرث من در الماشية ومنافعها مجهول ~~المقدار فكيف يجوز في الاجتهاد أحدهما عوضا والآخر معوضا عنه وثانيها أن ~~اجتهاد داود إن كان صوابا لزم أن لا ينقض لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد ~~وإن كان خطأ وجب أن يبين الله تعالى توبته كسائر الأنبياء فيما حكاه تعالى ~~عنهم فلما مدحهما بقوله {وكلا آتينا حكما وعلما} دل على أنه لم يقع الخطأ ~~وثالثها كيف يجوز أن يكون عن اجتهاد مع قوله {ففهمناها سليمان} وأجيب عن ~~الأول بأن الجهالة في ms434 القدر لا تمنع من الاجتهاد كما قال الشافعي رضي الله ~~تعالى عنه في وجوب صاع في مقابلة لبن المصراة عملا بالحديث وقدم أبو حنيفة ~~القياس عليه لمخالفته لما استقر أن المثلى إنما يقوم ويضمن بمثله والمتقوم ~~بقيمته وعن الثاني بأنه يحتمل أنه كان خطأ من الصغائر كذا قيل وليس بصحيح ~~بل الاجتهاد يثاب عليه ولو كان خطأ كما نص عليه نبينا محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - فبطل قول الجبائي وإن كان خطأ وجب الخ وعن الثالث بما فيه نظر أيضا ~~والأصوب أن يقال قوله {ففهمناها سليمان} أي هديناه إلى ما هو الحق في نفس ~~الأمر فكان اجتهاده صوابا فيثاب عليه عشرة أجور وهذا يلزم عليه كالذي قبله ~~أن من قال بجواز الاجتهاد للأنبياء يجوز عليهم الخطأ فيه وهو قول الأصوليين ~~واعتمده بعض محققيهم في نبينا - صلى الله عليه وسلم - لكنه قول مردود ~~والصواب في نبينا - صلى الله عليه وسلم - أن اجتهاده لا يخطئ هذا وجه كون ~~حكميهما عن اجتهاد وإما وجه كونهما عن نص فيكون الثاني ناسخا للأول ويجاب ~~عما اعترض به على هذا بأنه لا يمنع من ذلك نزول الناسخ على سليمان لأن ~~شريعتهما كانت واحدة ولا يمنع قوله {ففهمناها سليمان} لأن معناه ففهمناه ما ~~أمرناه بتبيلغه مما ينسخ حكم داود لكونه أهلا لذلك مع صغر سنه فإنه كان له ~~أحد عشر سنة على ما قيل ففيه غاية المدحة ثم على تجويز أن يكونا عن نص ~~واجتهاد كونهما عن اجتهاد أنجح لما روى في الأخبار الكثيرة إن داود لم يكن ~~قد بت الحكم في ذلك حتى سمع من سليمان أن غير ذلك أولى وفي بعضها أن داود ~~ناشده أن يورد ما عنده وكل ذلك لا يليق بالنص لأنه لا يجوز كتمه وطريق ~~الاجتهاد في ذلك ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما من أن داود قدر الضرر في ~~الكرم فكان مساويا # PageV01P189 # لقيمة الغنم وكان عنده أن الواجب في ذلك الضرر أن يزال بمثله من النفع ~~فلا جرم سلم الغنم ms435 إلى المحق عليه كما قال أبو حنيفة رضي الله عنه في العبد ~~إذا جنى على النفس يدفع المولى ذلك أو يفديه وأما سليمان فكان اجتهاده أدى ~~إلى أنه يجب مقابلة الأصول بالأصول والزوائد بالزوائد وأما مقابلة الأصول ~~بالزوائد فغير جائزة لأنه يقتضي الحيف ولعل منافع الغنم في تلك السنة كانت ~~موازية لمنافع الكرم فحكم به كما قال الشافعي رضي الله عنه فيمن غصب عبدا ~~فأبق من يده أنه يضمن القيمة فينتفع بها المغصوب منه بإزاء ما قوته الغاضب ~~من منافع العبد فإذا ظهر ترادا واستدل القائلون بأن المصيب من المجتهدين ~~واحد بقوله {ففهمناها سليمان} إذ لو أصاب كل منهما لم يكن لتخصيص سليمان ~~بالتفهيم فائدة وبأن الكل مصيبون بقوله وكلا آتينا حكما وعلما ورد ~~الاستدلالان أما الأول فلأنه لم يقل فهمه الصواب فيحتمل أنه فهمه الناسخ ~~ولم يفهمه لداود بأن لم يبلغه وكل مصيب فيما حكم به على أن أكثر ما في ~~الآية أنها دالة على أنهما معا لم يكونا مصيبين وذلك لا يوجب أن يكونا في ~~شرعنا كذلك وأما الثاني فلأنه تعالى لم يقل حكما وعلما بما حكما به بل يجوز ~~أن يكون حكما وعلما بوجوه الاجتهاد وطرق الأحكام على أنه لا يلزم من كون كل ~~مجتهد مصيبا في شرعه أن يكون كذلك في شرعنا واعلم أن الحسن البصري رحمه ~~الله قال أن هذه الآية محكمة والقضاة يقضون بها إلى يوم القيامة ورد بقول ~~كثير أنها منسوخة بالإجماع ثم اختلفوا في حكمه فقال الشافعي رضي الله عنه ~~إن كان بالنهار لا ضمان لتقصير صاحب الحرث أو ليلا فالضمان لتقصير صاحب ~~الماشية لأن الفرض أنها بمحل جرت العادة بانسيابها نهار أو حفظها ليلا وقال ~~أبو حنيفة رضي الله عنه لا ضمان مطلقا حيث لم يتعد صاحبها بالإرسال لقوله - ~~صلى الله عليه وسلم - العجماء جبار واستدلال الشافعي رضي الله عنه بأنه - ~~صلى الله عليه وسلم - قضى بأن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها وأن على أهل ~~الماشية ما أصاب ماشيتهم بالليل إذا ms436 تقرر ذلك فاعلم أن قول العز فما فائدة ~~ذكره وليس الخ يجاب عنه بأن له فائدة واضحة وهي إفادة أن اختلاف النبيين ~~الجليلين صلى الله على نبينا وعليهما وسلم في الحكم في هذه القضية الواحدة ~~لم يصدر عن هوى ولا حدس وإنما صدر إما عن نص والثاني ناسخ للأول كما تقرر ~~أو اجتهاد والثاني أرجح كما تقرر أيضا فلما كان الخلاف مظنة الخوض في ~~المختلفين المؤدى إلى استنقاص أحدهما أو كليهما رد الله هذه المظنة وبين ~~أنها منفية عنهما بأنه تعالى عالم بحكمهما علما مخصوصا ومن ثم عبر عنه ~~بالشهود الذي هو أخص من مطلق العلم لأنهما إن صدرا عن نصين فواضح أو ~~اجتهادين فهو تعالى أقام في وجود كل واحد حجة ألجأته إلى ما قضى به فعبر ~~تعالى عن ذلك بحضوره لحكميهما ومر أن بعضهم استدل بهذه الآية على أن كل ~~مجتهد مصيب وأخذ وجه الدلالة منها فذلك بما ذكرته أولى من أخذه من قوله ~~{وكلا آتينا حكما وعلما} لأنه مردود كما مر وقوله وليس الخ يفهم أن ذكر ~~الله تعالى لعلمه لا يكون إلا لما ذكره وهو ممنوع وقوله الثاني إلى الخ رتب ~~إشكاله فيه على مقدمات ستدفع وباندفاعها يندفع الإشكال من أصله فلا يحتاج ~~لجواب وبيان ذلك أن قوله لم يكن ثم ما يقتضى فساده إن أراد بنفي مقتضيه في ~~شريعتنا أن مجتهدي شريعتنا أجمعوا على أنه سائغ فممنوع كيف وأبو حنيفة رضي ~~الله عنه لا يضمن فساد البهيمة مطلقا ويستدل بقوله - صلى الله عليه وسلم - ~~العجماء جبار على أنه لو قال بتضمين إتلاف البهيمة لقال به نظير ما مر عنه ~~في العبد الجاني والحسن البصري يقول في غير هذه المسئلة بما قضى به سليمان ~~كما مر أيضا على أنه غير صحيح في مذهبنا لو سلم له ما قاله من أنه مفلس لأن ~~الأرش يعني قيمة المتلف إنما يجب من النقد الغالب والغنم ليست منه والقاضي ~~لا يجوز له أن يعطى غريم المفلس ما له إلا إن ms437 كان من جنس حقه وكان الإعطاء ~~أحظ من البيع وأما إذا لم يوجد ذلك فلا يجوز إعطاؤه مال المفلس بل يلزمه ~~بيعه بثمن المثل حالا من نقد البلد وإعطاء قيمة متلفه من ثمنه فبان أن ~~إعطاء داود عين الغنم في قيمة ما أتلفه غير صحيح في مذهبنا أيضا وإذا ~~اندفعت هذه المقدمة من كلام العز لم يتوجه إشكال أصلا وقوله وحكم سليمان لو ~~وقع في شريعتنا لما صح أن أراد بنفي صحته في شريعتنا أن أحدا من المجتهدين ~~من هذه الأمة لم يره ممنوع كيف والحسن البصري من أكابرهم قائل به كما مر ~~وقد مر أن الشافعي رضي الله عنه قائل بنظيره فيمن غصب عبدا # PageV01P190 # فابق من يده أنه يضمن قيمته للحيلولة يأخذها مالك العبد ويملكها ملك قرض ~~فينتفع بربحها في مقابلة ما فوته الغاصب من منافع عبده فإذا رد عبده له رد ~~قيمته عليه وإذا بان واتضح مما قررته هنا ومما قدمته في تفسير الآية 2 ~~بقوله واجب الخ إن كلا من حكم داود وسليمان - صلى الله عليه وسلم - في ~~شريعتنا من قال به وبنظيره بأن أن إشكال العز لا يتوجه أصلا وأنه مبني على ~~هاتين المقدمتين وقد بان اندفاعهما فيندفع الإشكال المبني عليهما وقوله فإن ~~كان حكم سليمان الخ في تعبيره بالأفضلية هنا التي لها دخل في توجه إشكاله ~~على ما زعمه معا يأتي نظر ظاهر وإنما حق العبارة فإن كان حكم سليمان هو ~~الحق الناسخ بناء على أنه نص أو هو عن اجتهاد فلم لم يشرع لنا ويجاب بمنع ~~هذه الملازمة إذ لا يلزم من كون حكم سليمان هو الناسخ أو هو الحق ~~بالاعتبارين المذكورين أن يشرع لنا لما هو المقرر أن الأنبياء صلوات الله ~~وسلامه عليهم إنما اتفقت مللهم على أصول التوحيد ومتعلقاتها وأما الأحكام ~~فإنهم متخالفون فيها لأنها مرتبطة ومنوطة بالمصالح والمفاسد وهي مختلفة ~~باختلاف الأشخاص والأزمان والأمكنة بل وبأحوال المرسل فإن كل رسول يظهر في ~~شريعته في الغالب ما يناسب أحواله وخصائصه التي اختصه ms438 الله تعالى بها ألا ~~ترى أن شريعة موسى يغلب عليها الجلال حتى كانت التوبة فيها بقتل النفس ~~وتطهير النجاسة بقطع محلها والقود فيها متحتم لا يجوز أخذ الدية عنه وقتال ~~العدو فيها واجب لا مندوحة عنه وذلك لأن الجلال كان يغلب على موسى عليه ~~السلام ألا ترى إلى أخذه برأس أخيه يجره إليه وضربه للحجر الفار بثويه ~~ودعائه على فرعون وأتباعه بالطمس على أموالهم والإشداد على قلوبهم وغير ذلك ~~مما هو معلوم من أحواله وأحوال شريعته التي نص عليها الله في كتابه على ~~لسان نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - وشريعة عيسى - صلى الله عليه وسلم - ~~يغلب عليها الجمال إذ لم يشرع فيها قصاص ولا قتال ولا نحوهما من التشديد ~~الذي شرع لغيره وقوله فلم أثنى على سليمان بقوله تعالى {وكلا آتينا حكما ~~وعلما} على أنه مر أن تخصيص سليمان بذكر التفهيم إنما هو لعارض هو دفع ما ~~يتوهم في حكمه لصغره وما خرج لنحو ذلك فلا مفهوم له فليس في الآية ما يدل ~~على انتفاء التفهيم عن داود بل فيها ما يدل عليه لثبوت ذلك وهو قوله تعالى ~~{وكلا آتينا حكما وعلما} وفقنا الله لتفهيم معاني كتابه ولإدراك خطأ ~~القولين من صوابه ودام علينا رضاه في هذه الدار وإلى أن نلقاه بمنه وكرمه ~~آمين (وسئل) بلغه الله من الخير أضعاف أمله عما سأله عنه العز في أماليه ~~أيضا من قوله تعالى {لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم فيأتيهم بغتة} ~~فقال فيه إشكال لأنهم إذا رأوه فكيف يأتيهم بغتة بعد ذلك لأن الفاء تدل على ~~التعقيب انتهى (فأجاب) حماه الله وإيانا من العذاب بقوله إشكال العز مبني ~~علي ما أفهمه كلامه المذكور وأن فيأتيهم عطف على يروا وليس الأمر كذلك ~~وإنما هو معطوف على قوله سلكناه وقوله لا يؤمنون الخ بيان وتأكيد لما دل ~~عليه قوله سلكناه لأن إدخال الكفر في قلوبهم معناه أنها ... ... ... ... ~~... ... ... ... . . (7 الحديث مسئلة وسئل) رضي الله عنه وأفاض علينا من ~~مدده عن قوله - صلى الله ms439 عليه وسلم - كان الله ولم يكن معه شيء وكان عرشه ~~على الماء الحديث يدل أنه ما كان مع الله شيء والحال أن عرشه كان معه ~~(فأجاب) رضي الله عنه لفظ حديث البخاري كان الله ولم يكن شيء قبله وكان ~~عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء وأخرج الترمذي ~~قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه قال كان في عماء ما تحته ~~هواء وما فوقه هواء وخلق عرشه على الماء قال الترمذي قال أحمد يريد بالعماء ~~ليس معه شيء قال ابن الأثير في جامعه العماء في اللغة السحاب الرقيق وقيل ~~الكثيف وقيل الضباب ولا بد في الحديث من حذف مضاف تقديره أين كان عرش ربنا ~~فحذف كقوله تعالى (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام # PageV01P191 # والملائكة} أي أمر الله ويدل على هذا المحذوف قوله تعالى {وكان عرشه على ~~الماء} وحكى عن بعضهم في عمى مقصور وهو كل أمر لا يدركه الفطن قال الأزهري ~~قال أبو عبيد إنما تأولنا هذا الحديث على كلام العرب المعقول منهم وإلا فلا ~~ندري كيف كان ذلك العماء قال الأزهري فنحن نؤمن به ولا نكيف بصفة وقال أبو ~~حيان في بحره عند تفسير قوله تعالى {وكان عرشه على الماء} والظاهر أن قوله ~~{وكأن عرشه على الماء} تقديره قبل خلق السموات والأرض وفي هذا دليل على أن ~~الماء والعرش كانا مخلوقين قبل قال كعب خلق الله ياقوتة خضراء فنظر إليها ~~بالهيبة فصارت ماء ثم خلق الريح فجعل الماء على منتهاه ثم وضع العرش على ~~الماء وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قيل له على أي شيء كان الماء قال ~~على متن الريح قال البيضاوي وكان عرشه على الماء قبل خلقهما أي السماء ~~والأرض لم يكن حائل بينهما إلا أنه كان موضوعا على متن الماء واستدل به على ~~إمكان الخلاء وأن الماء أول حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم وقيل كان ~~الماء على متن الريح ms440 والله أعلم بذلك إذا تقرر ذلك فلفظ الحديث ولم يكن ~~قبله شيء خلافا لما في السؤال على أنه لو فرض أن ذلك ورد أيضا لم يكن فيه ~~إشكال مع قوله وكان عرشه على الماء لأن معناه ولم يكن معه شيء أي في أزله ~~وأما بعد أن أوجد بعض خلقه فكان العرش حينئذ على الماء فقول السائل والحال ~~أن عرشه معه إن أراد أنه كان معه في الأزل فباطل وإن أراد أنه كان معه فيما ~~لا يزال فصحيح فحينئذ هو لا ينافي الحديث الذي ذكره كما لا يخفى ذلك على ذي ~~بصيرة والله أعلم بالصواب (وسئل) رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال أنا مدينة العلم وأبو بكر أساسها وعمر حيطانها وعثمان سقفها ~~وعلى بابها هل الحديث صحيح أم لا (فأجاب) بقوله الحديث رواه صاحب مسند ~~الفردوس وتبعه ابنه بالإسناد عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا وهو حديث ~~ضعيف كحديث أنا مدينة العلم وعلى بابها ومعاوية حلقها فهو ضعيف أيضا وأما ~~حديث أنا مدينة العلم وعلى بابها فهو حديث حسن بل قال الحاكم صحيح وقول ~~البخاري ليس له وجه صحيح والترمذي منكر وابن معين كذب معترض وإن ذكره ابن ~~الجوزي في الموضوعات وتبعه الذهبي وغيره على ذلك وليس مقتضيا لافضليته على ~~أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فقد صح عنه أي عن على نفسه خير الناس ~~بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر ثم عمر ثم رجل آخر فقال له ابنه ~~محمد رضي الله عنهما ثم أنت يا أبت فقال ما أبوك إلا رجل من المسلمين ومن ~~ثمة أجمع أهل السنة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم على أن أفضل الصحابة ~~على الإطلاق أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما والله سبحانه وتعالى أعلم ~~(وسئل) رضي الله عنه في قول سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - فيمن أزال ~~عنه أذى مسح الله عنك ما تكره هل لفظ مسح بالخاء المعجمة أو المهملة أوضحوا ~~ذلك أثابكم الله ms441 الجنة بمنه (فأجاب) بقوله مسح يصح أن يكون بالحاء المهملة ~~والمعجمة إذ الأول بمعنى محا أو قطع أو أذهب وكل منها صحيح والمتبادر من ~~المسح حقيقته الشائعة وهي تحويل الصورة لأقبح منها والحديث في أذكار النووي ~~عن كتاب ابن السني ولفظه أن أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه تناول من لحية ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أذى فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- مسح الله عنك يا أبا أيوب ما تكره وفي رواية أنه أخذ عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - شيأ فقال - صلى الله عليه وسلم - لا يكن بك السوء يا أبا ~~أيوب مرتين (وسئل) رضي الله عنه ونفعنا به عما في الإحياء من حديث لعن ~~المؤمن كقتله قال في الصحيح متفق عليه فما معنى هذا الحديث وكيف لعن المؤمن ~~المذكور (فأجاب) بقوله أن معنى لعن المؤمن كقتله أي مثله في الحرمة الشديدة ~~لأن لعن المسلم حرام بل لعن الكافر الغير الحربي كذلك بل لعن الحيوان كذلك ~~وسبب ذلك أن اللعن عبارة عن الطرد والإبعاد عن الله وذلك غير جائز الأعلى ~~من اتصف بصفة تبعده عن الله تعالى وهو الكفر والبدعة والفسق فيجوز لعن ~~المتصف بواحدة من هذه باعتبار الوصف الأعم نحو لعنة الله على الكافرين ~~والمبتدعة والفسقة أو الوصف الأخص نحو لعن الله اليهود والخوارج والقدرية ~~والروافض والزنادقة والظلمة وآكل الربا وأما لعن شخص بعينه فإن كان حيا لم ~~يجز مطلقا إلا أن علم أنه يموت على الكفر كإبليس وذلك كمن لم يعلم موته على ~~الكفر وإن كان كافرا في الحال لأنه ربما يسلم فيموت مقربا عند الله تعالى ~~فكيف يحكم بكونه # PageV01P192 # ملعونا مبعدا مطرودا فلا نظر للكفر في الحال نعم يجوز أن يقال لعنه الله ~~إن مات كافرا وكذا يقال في فاسق ومبتدع معين إن مات ولم يتب ومن ثم لم يجز ~~كما قاله الغزالي وغيره لعن يزيد لأنه قاتل الحسين أو أمر بقتله خلافا لمن ~~تسامح في ذلك ورآه جائزا ممن لم يعتد ms442 به ولا بقوله في الأحكام الشرعية وذلك ~~لأنه لم يثبت أنه قتله ولا أمر بقتله ولا رضي إلا ما حكى في بعض التواريخ ~~مما لا تقوم بمثله حجة بل لا يجوز نسبة ذلك إليه كما قاله الغزالي أيضا ~~لأنه لا يجوز نسبة مسلم إلى كبيرة من غير تحقيق نعم يجوز أن يقال قاتل ~~الحسين أو الآمر بقتله أو الراضي به لعنه الله ان مات قبل التوبة لاحتمال ~~موته بعدها كما وقع لوحشى قاتل سيدنا حمزة رضي الله عنه فإن قيل قتله كبيرة ~~بل أكبر الكبائر بعد الكفر واللعن ليس كذلك فكيف يقال إنه مثله قلت أما كون ~~اللعن ليس كذلك على الإطلاق فغير صحيح بل الذي عليه المحققون أن اللعن ~~كبيرة أخذا من هذا الحديث وغيره وليس هو أكبر الكبائر وحينئذ فالتشبيه ~~بينهما إنما هو في أصل التحريم أو كون كل منهما كبيرة وليس يلازم في المشبه ~~أن يعطى حكم المشبه به من كل وجه والله أعلم (وسئل) نفع الله به وبعلومه ~~عما في الإحياء من الحديث وهو قال - صلى الله عليه وسلم - أول من يسئل يوم ~~القيامة ثلاثة رجل آتاه الله العلم فيقول الله عز وجل ماذا صنعت فيما علمت ~~قال أي رب كنت أقوم آناء الليل وأطراف النهار فيقول الله عز وجل كذبت وتقول ~~الملائكة كذبت بل أردت أن يقال فلان عالم ألا فقد قيل ذلك ورجل آتاه الله ~~عز وجل مالا فيقول تعالى قد أنعمت عليك فماذا صنعت فيقول يا رب كنت أنفقه ~~وأتصدق به آناء الليل والنهار فيقول الله تعالى كذبت وتقول الملائكة كذبت ~~بل أردت أن يقال فلان سخي ألا فقد قيل قال أبو هريرة رضي الله عنه فقد خبط ~~على فخذي وقال يا أبا هريرة أولئك خلق تسعر بهم النار يوم القيامة انتهى ~~فهل هو صحيح أم لا (فأجاب) رحمه الله تعالى بأن الحديث المذكور فيها رواه ~~مسلم لكن لم يذكر الصنف الثالث وهو مذكور أيضا في حديث الإحياء وإنما وقع ~~الخلل فيه من ms443 كاتب السؤال والله أعلم (وسئل) نفع الله به عن قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - الفقراء سراج الأغنياء في الدنيا والآخرة ولولا الفقراء ~~لهلك الأغنياء ودولة الأغنياء لا بقاء لها ودولة الفقراء في الآخرة لا فناء ~~لها وقوله - صلى الله عليه وسلم - لعن الله من أكرم غنيا لأجل غناه وأهان ~~الفقير لفقره فمن فعل ذلك سمى في السموات عدو الله وعدو الأنبياء ولا ~~يستجاب الدعوة ولا تقضى له حاجة قاله الطوسي في حديث الأربعين فهل هذا ~~الحديث صحيح أم حسن أم كيف حاله (فأجاب) بأن حديث الفقراء سراج الأغنياء لم ~~أره في غير الأربعين المذكورة في السؤال ولمصنفها من الجلالة ما يمنعه أن ~~يضع فيها حديثا موضوعا مع علمه بوضعه ولفظ الحديث الذي فيها سراج الأغنياء ~~في الدنيا والآخرة الفقراء ولولا الفقراء لهلك الأغنياء مثل الفقير كمثل ~~العصا في يد الأعمى دولة الأغنياء لا بقاء لها ودولة الفقراء يوم القيامة ~~الخ وله شاهد رواه أبو نعيم بسند ضعيف اتخذوا عند الفقراء أيادي فإن لهم ~~دولة يوم القيامة فإذا كان يوم القيامة نادى مناد سيروا إلى الفقراء ~~فاعتذروا إليهم كما يعتذر أحدكم إلى أخيه في الدنيا وحديث لعن الله من أكرم ~~الغني الخ هو في الأربعين المذكورة أيضا لكن بلفظ لعن الله من أكرم الغني ~~لأجل غناه وأهان الفقير لأجل فقره وسمى في السموات والأرض عدو الله وعدو ~~الأنبياء ولا تستجاب له دعوة ولا تقضى له حاجة انتهى وذكره أيضا شيخ مشايخ ~~الإسلام الحافظ أبو الفضل أحمد بن حجر العسقلاني في تشديد القوس لمسند ~~الفردوس ولفظة حديث لعن الله فقيرا تواضع لغنى من أجل ماله الحديث أسنده عن ~~أبي ذر انتهى وبقية الحديث من فعل ذلك منهم فقد ذهب ثلثا دينه وأخرجه ~~الديلمي أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه وهو في ترجمة وهب بن منبه من ~~الحلية لأبي نعيم مرفوعا من تضعضع لذي سلطان أراد دنياه أعرض الله عنه ~~وأخرج عنه أيضا ورفعه من تضرع لصاحب دنيا وضع بذلك نصف دينه ms444 وكل ذلك ضعيف ~~بل رواه لكن يشهد لذلك حديث من تواضع لغني لأجل غناه ذهب ثلثا دينه رواه ~~البيهقي في الشعب من حديث الحسن بن بشر عن الأعمش عن إبراهيم عن ابن مسعود ~~رضي الله عنه بقوله من خضع لغني ووضع له نفسه إعظاما له طمعا فيما قبله ذهب ~~ثلثا مروأته وشطر دينه ومن حديث سمرة بن عطية عن ابن زائدة عن ابن مسعود ~~رضي الله عنه مرفوعا من أصبح محزونا على # PageV01P193 # الدنيا أصبح ساخطا على ربه ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به فإنه يشكو ربه ~~ومن تضعضع لغني يسأل ما في يده أسخط الله عز وجل ومن أعطى القرآن فدخل ~~النار فأبعده وقال ما يرويه عن ثابت عن أنس إلا وهب بن راشد البصري وكان من ~~الصالحين وفي لفظ فتضعضع لماله وقصد ما عنده أحبط الله عمله وهما واهيان ~~جدا حتى أن ابن الجوزي ذكرهما في الموضوعات فعلم أن هذه الأحاديث ليس فيها ~~شيء صحيح ولا حسن قيل وإنما لم يحكم على الثلث الثالث وهو القلب لخفائه إذ ~~الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان وتصديق بالقلب والله سبحانه وتعالى أعلم ~~(وسئل) رضي الله عنه عما روى عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال من زار ~~قبر أبويه أو أحدهما في كل يوم جمعة غفر له وكتب له براءة عن ابن سيرين قال ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الرجل ليموت والداه أو أحدهما وهو ~~عاق لهما فيدعو الله عز وجل لهما من بعدهما إلا كتبه الله من البارين هل هو ~~صحيح أم لا (فأجاب) رضي الله عنه بأن الحديثين المذكورين هنا لم أرهما في ~~شيء من كتب الحديث المعتمدة لكن شيآن منهما وردا عند ابن عساكر عن أنس رضي ~~الله عنه وفيه يحيى بن عليه كذبه ابن معين ولفظه أن الرجل يموت والداه أو ~~أحدهما وأنه لعاق لهما فلا يزال يدعو لهما ويستغفر لهما حتى يكتبه الله برا ~~لكن مما رد في ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم ms445 - من أصبح مرضيا لأبويه أصبح ~~له بابان مفتوحان إلى الجنة ومن أمسى فله مثل ذلك فإن كان واحد فواحد قيل ~~يا رسول الله وإن ظلما قال - صلى الله عليه وسلم - وإن ظلما رواه البيهقي ~~في الشعب من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ولا يصح وصح حديث من أرضى والديه ~~فتح له باب أوسط أبواب الجنة ومع ذلك الباب كذا وكذا ومعنى كونه أوسط أبواب ~~الجنة أنه خيار الأسباب الموصلة إليها وروى ابن ماجه حديث أن الرجل ترفع ~~درجته في الجنة فيقول أنى هذا فيقال له استغفار ولدك لك وروى الطبراني في ~~الأوسط بسند ضعيف ما على أحد عنده دار أن يتصدق بها لوالديه وصح عن مالك بن ~~ربيعة بينا نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء رجل من بني ~~سلمة فقال يا رسول الله هل بقي علي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد وفاتهما ~~قال نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما وأنفاذ عهدهما وإكرام صديقهما وصلة ~~الرحم التي لا توصل إلا بهما والمراد بالصلاة عليهما الدعاء لهما ومعنى ~~الحديث الثاني وما في معناه صحيح وإن كان لفظه لم يصح عنه - صلى الله عليه ~~وسلم - لأن العقوق فيه حق لله وهو يزول بالتوبة بشرطها وفيه حق لهما ولا ~~يبعد زواله بالدعاء لهما عملا بعموم أن الحسنات يذهبن السيآت وعموم وأتبع ~~السيئة الحسنة تمحها والله سبحانه وتعالى أعلم (وسئل) رضي الله عنه وحشرنا ~~في زمرته لما حن الجذع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل ورد أنه ~~نزل - صلى الله عليه وسلم - عن المنبر واختضبه (فأجاب) أعاد الله علينا من ~~بركاته نعم ورد بل صح ففي رواية البخاري عن جابر أنه لما صح نزل رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وضمه إليه فجعل يئن أنين الصبي الذي يسكت وفي رواية ~~لأبي يعلى الموصلي أنه - صلى الله عليه وسلم - لما قعد على المنبر خار ~~الجذع خوار الثور حتى ارتج المسجد لخواره حزنا على رسول الله - صلى الله ~~عليه ms446 وسلم - فنزل إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 2 فقال والذي نفس ~~محمد بيده لو لم ألتزمه لما زال هكذا حتى تقوم الساعة حزنا على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فأمر به - صلى الله عليه وسلم - فدفن وروى الترمذي ~~وقال صحيح غريب وكذا رواه ابن ماجه والإمام أحمد بن حنبل من طريق الحسن ~~وفيه فأخبر أنس أنه سمع الخشبة تحن حنين الولد قال فما زالت تحن حتى نزل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المنبر فمشى إليها فاحتضنها فسكنت ~~(فائدة) في حديث بريدة الذي أخرجه الدارمي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال ~~إن أردت أن أردك إلى الحائط الذي كنت فيه تنبت لك عروقك وتكمل خلقتك ويحدد ~~لك خرص وثمرة وإن شئت أغرسك في الجنة فيأكل أولياء الله من ثمرك ثم أصغى له ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يستمع ما يقول فقال بل تغرسني في الجنة فيأكل ~~مني أولياء الله وأكون في مكان لا أبلى فيه فتسمعه من يليه فقال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قد فعلت ثم قال اختار دار البقاء على دار الفناء ~~والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب (وسئل) رضي الله عنه عن الحديث المروي عن ~~أبي أمامة رضي الله عنه أن حبرا من اليهود سأل النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أي البقاع خير فسكت عنه وقال اسكت حتى # PageV01P194 # يأتي جبريل فسكت وجاء جبريل فسأله فقال ما المسئول عنها بأعلم من السائل ~~ولكن أسأل ربي تبارك وتعالى ثم قال جبريل يا محمد إني دنوت من الله دنوا ما ~~دنوته منه قط قال وكيف كان يا جبريل قال كان بيني وبينه سبعون ألف حجاب من ~~نور فقال شر البقاع أسواقها وخير البقاع مساجدها رواه ابن حبان فهل المراد ~~بذكر السبعين أنها باقية أم ارتفعت تلك (فأجاب) رحمه الله تعالى بقوله لا ~~يخفى أن الله منزه عن الجهات والمساحات وأن المراد بذكر الحجب في هذا المحل ~~وغيره إنما هو على طريقة الاستعارة والتمثيل ثم فحوى لفظ ms447 الخبر أن جبريل ~~لما أخبر عن هذا الدنو المخصوص الذي لم يعهده قط أحب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يسأله عن حقيقته إما ليزداد يقينه بذلك إن كان عالما به قبله أو ~~ليتجدد عليه علم أن لم يكن الأمر كذلك فسأله عن كيفية ذلك الدنو المخصوص ~~بقوله وكيف كان يا جبريل فقال جبريل كان بيني وبينه سبعون ألف حجاب من نور ~~أي كان دنوي هذا الذي لم أعهده إن وصلت إلى محل بيني وبينه هذه الحجب ~~الكثيرة هذا مع هذه الغاية في الدنو فما بالك في غير ذلك والحاصل إن ذلك من ~~جبريل أخبار عن بعد مسافة ما بينه وبين الله في هذا القرب فضلا عن أكابر ~~الملائكة وغيرهم ولا يتوهم أن مراده الإخبار عن تلك الحجب إنها ارتفعت ~~لإيهامه أنه لم يبق بينه وبين ربه حجاب وهذا لا يقدر مخلوق عليه بل لا بد ~~من الحجب الكثيرة وإنما تختلف رتب الأكابر بأعدادها كما يدل على ذلك أحاديث ~~وردت عنه - صلى الله عليه وسلم - ليلة الإسراء والله سبحانه وتعالى أعلم ~~(وسئلت) في البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال مر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بحائط من حيطان الميدنة أو مكة فسمع صوت إنسانين يعذبان في ~~قبورهما فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - يعذبان وما يعذبان في كبير ثم ~~قال بلى كان أحدهما لا يستبرئ من بوله وكان الآخر يمشي بالنميمة ثم دعا ~~بجريد فكسرها كسرتين فوضع على كل قبر منهما كسرة فقيل يا رسول الله لم فعلت ~~هذا فقال لعل الله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا أو إلى أن ييبسا ما الحكمة في ~~ذلك وتخصيص الجريدة وهل لكل أحد أن يفعل ذلك على أي قبر شاء وهل المعذبان ~~مسلمان أو كافران (فأجبت) بقولي جواب هذا السؤال بأقسامه يعرف من الكلام ~~على بعض ألفاظ الحديث فنتكلم على ما تيسر منه زيادة في الفائدة فنقول بلى ~~فيه إيجاب النفي أي بلى يعذبان في كبير والجمع بينهما باعتبارين أي ms448 ليس ~~بكبير عندكم ولكنه عند الله كما في {تحسبونه هينا وهو عند الله عظيم} أو ~~المراد بقوله وما يعذبان في كبير أي أمر كان يكبر ويشق عليهما الاحتراز منه ~~إذ لا مشقة في التنزه عن البول والنميمة وليس المراد أن ذلك غير كبير في ~~أمر الدين بل هما كبيرتان لأن عدم التنزه من البول يلزم منه بطلان الصلاة ~~وتركها كبيرة والمشي بالنميمة من أقبح القبائح والكبائر لا سيما مع قوله ~~كان وهى تشعر بكثرة ذلك منهما وليست الكبيرة منحصرة فيما فيه حد أو وعيد ~~شديد بل الاظهر في تعريفها أنها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ~~ورقة الديانة ولا شك أن كلا من عدم التنزه من البول ومن المشي بالنميمة ~~يؤذن بذلك وضمير ييبسا للمكسورتين قال العلماء هو محمول على أنه سأل ~~الشفاعة لهما فأجيبت شفاعته بأن يخفف عنهما إلى أن ييبسا ويحتمل أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يدعو لهما تلك المدة ويحتمل أنهما يسبحان ما داما ~~رطبين وليس لليابس تسبيح وقوله تعالى {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} أي شيء ~~حي وحياة كل شيء بحسبه فالخشب ما لم ييبس والحجر ما لم يقطع والجمهور أنه ~~على عمومه أما حقيقة وهو قول المحققين إذ العقل لا يحيله أو بلسان الحال ~~باعتبار دلالته على الصانع وأنه منزه عن كل نقص وعن كل وصف غير بالغ في ~~الكمال نهايته وقال الخطابي لعل التخفيف للتبرك بأثر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ودعائه وكأنه جعل حده دوام النداوة لأن في الرطب معنى ليس في اليابس ~~قال بعض الشراح والعامة تفرش الخوص في القبور وليس له وجه ألبتة انتهى ~~فعلمت الحكمة في كسر الجريدة وعلم أنهما مسلمان إذ الكافر لا يسأل له النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - الشافعة وقد مر عن العلماء أنه محمول عندهم أنه سأل ~~لهما الشفاعة فأجيب فيلزم منه كونهما مسلمين وتخصيص الجريد بذلك يظهر أن ~~يقال في حكمته لعله أنه المتيسر بالمدينة بناء على أن الواقعة كانت بها ~~وأما ms449 الإشارة إلى ما بين الإنسان والنخلة من تمام القرب والاتحاد كما يشهد ~~له حديث أكرموا عماتكم النخل فإنها خلقت من فضلة # PageV01P195 # طينة آدم ولا شك أن الجنس أرحم لجنسه من غيره ففي الجريدة من زيادة الحنو ~~على الآدمي لما بينهما من الاتحاد ما ليس في غيرها ويلزم من زيادة حنوها ~~كثرة التسبيح المخفف للعذاب أو سؤال التخفيف لأنا إذا جرينا على ما مر عن ~~المحققين أن الجمادات تسبح الله بلسان المقال لا يبعد أنها تسأل الله في ~~رحمة بعض المكلفين إذ يلزم من تسبيحها بلسان المقال أن فيها إدراكا ولا ~~يبعد من ذوي الإدراك أن يسأل لقريبه ما ينفعه وبما قررته يعلم أنه يسن لكل ~~أحد اتباعا له - صلى الله عليه وسلم - فإن الأصل في أفعاله - صلى الله عليه ~~وسلم - التأسي إلا ما دل دليل على الخصوصية ولا دليل هنا عليها فندب لنا ~~التأسي به - صلى الله عليه وسلم - في ذلك وأن لما يفعل العامة من فرش الخوص ~~وهو سعف الجريد في القبور وجها خلافا لما مر عن بعض الشراح وذلك لما تقرر ~~أن بين النخلة بجميع أجزائها والآدمي تمام المناسبة فإذا كان معه من ~~أجزائها شيء في قبره كثر تسبيحه فيحصل له بذلك أنس أو تخفيف ثم رأيتني ذكرت ~~في الفتاوى سؤالا وجوابا يعلم منه ما قدمته من ندب التأسي به - صلى الله ~~عليه وسلم - في ذلك وأن لما يفعله العامة مما مر وجها وجيها فالسؤال هل ~~يفرش من الريحان ونحوه على متن القبر أو ما فيه اللحد والجواب استنبط ~~العلماء من غرسه - صلى الله عليه وسلم - للجريدتين على القبر غرس الأشجار ~~والرياحين ولم يبينوا كيفيته لكن في الصحيح أنه - صلى الله عليه وسلم - غرس ~~في كل قبر واحدة فيشمل القبر كله فيحصل المقصود بأي محل منه نعم أخرج عبد ~~بن حميد في مسنده أنه - صلى الله عليه وسلم - وضع الجريدة على القبر عند ~~رأس الميت في القبر والله سبحانه وتعالى أعلم (وسئل) في صحيح البخاري كانت ~~عائشة تحدث ms450 أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال بعدما دخل بيته واشتد وجعه ~~أهريقوا على من سبع قرب لم تحلل أو كيتهن لعلي أعهد إلى الناس فاجلس في ~~مخضب لحفصة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم طفقنا نصب عليه حتى طفق ~~يشير إلينا أن قد فعلتن ثم خرج إلى الناس ما الحكمة في ذلك وفي تخصيص السبع ~~(فأجاب) إنما طلب - صلى الله عليه وسلم - ذلك لأن الماء البارد ينفع بعض ~~الأمراض بتخفيف حرارته وزيادة القوة بسببه وينعش نفس المريض ويزيل ما بها ~~من كرب الحمى والوجع وبه يقوى الحنار الغريزي فيقهر المرض ويضعف عمله فكان ~~في طلبه - صلى الله عليه وسلم - لذلك بيان مشروعية التداوي والرد على من ~~زعم أن التداوي ينافي التوكل ومن ثم كان أحسن حدود التوكل وأجمعها أنه ~~مباشرة الأسباب مع شهود المسبب ولا ينافي ذلك قول أئمتنا ترك التداوي توكلا ~~فضيلة لأنهم لم يقولوا أفضل وأيضا فمحله في غير من بعث لتشريع الأحكام ومن ~~ثم لما قيل للصديق رضي الله عنه وكرم وجهه ألا ندعو لك الطبيب فقال الطبيب ~~أمرضني إشارة إلى ترك التداوي توكلا وتسليما وأما النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فمبعوث لبيان الأحكام تشريعا بالقول تارة وبالفعل أخري فلو ترك - ~~صلى الله عليه وسلم - ذلك لربما توهم أن في التداوي محذورا ففعله ليبين به ~~أن لا محذور فيه وأنه لا يخل بالتوكل وأن الإنسان مخير بين فعله وتركه ~~توكلا ومن ثم كان في الحديث إشارة إلى أنه ينبغي صب الماء البارد على ~~المريض حيث كان ينفعه بمعرفة نفسه أو بقول طبيب عدل بنية التداوي وقصد ~~الشفاء وحكمة السبع أن هذا العدد فيه بركة بالاستقراء وله دخل في إزالة ~~السموم أو تخفيف ألمها وهو - صلى الله عليه وسلم - في ذلك المرض كان تحرك ~~عليه ذلك السم الذي أصابه من أكلة خيبر كما صح عنه - صلى الله عليه وسلم - ~~الأخبار بذلك فأمرهم أن يفرغوا عليه من تلك القرب السبع ليزول بذلك بعض ذلك ~~السم الذي تحرك ms451 عليه وأيضا فلهذا العدد شأن عظيم لوقوعه في كثير من أعداد ~~عظائم المخلوقات كالسموات والأرض وأبواب جهنم وبعض الأمور الشرعية كما لا ~~يخفى وحكمة التقييد بعدم حل الأوكية أنه يكون أبلغ في طهارته وصفائه لعدم ~~مخالطة الأيدي له وأيضا فالقرب إنما كانت توكؤ وتحل على ذكر الله تعالى ~~فاشترط كونها لم تحل لأنها تجمع بركة الذكر في شدها وحلها قال المهلب أمره ~~- صلى الله عليه وسلم - بالصب عليه على وجه التداوي كما صب - صلى الله عليه ~~وسلم - وضوءه على المغمى عليه وغلط من قال أن الصب كان للاغتسال من إغمائه ~~والله سبحانه وتعالى أعلم (وسئل) نفع الله به عن الحديث الذي رواه النسائي ~~أنه دخل رجل المسجد ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرمقه ولا يشعر ثم ~~انصرف فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلم # PageV01P196 # عليه فرد عليه السلام ثم قال ارجع فصل فإنك لم تصل لم أدر قال لا أدري في ~~الثانية أم في الثالثة قال والذي أنزل عليك الكتاب لقد جهدت فعلمني وأمرني ~~قال - صلى الله عليه وسلم - إذا أردت الصلاة فتوضأ وأحسن الوضوء ثم قم ~~فاستقبل القبلة ثم كبر ثم اقرأ ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل ~~قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا فإذا صنعت فقد قضيت وما انتقصت من ذلك فإنما ~~انتقصته من صلاتك فما الجواب عن إقراره - صلى الله عليه وسلم - لما رآه ~~يصلي هذه الصلاة وفيه أيضا تصحيح لصلاته مع عدم الطمأنينة بدليل قوله فإنما ~~انتقصته من صلاتك (فأجاب) بقوله إنما أقره - صلى الله عليه وسلم - لأنه جوز ~~أن يكون ترك بعض الواجبات نسيانا لا جهلا فلما تحقق أنه جهل علمه والحديث ~~صريح في وجوب الطمأنينة حيث أمره بالإعادة وعلل ذلك بأنه لم يصل فحينئذ ~~معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - فإنما انتقصته من صلاتك أنه إذا ترك ~~الطمأنينة ونحوها من الأركان انتقص جزأ منها ومعلوم أن انتقاص الجزء يبطل ~~الكل فإن قلت هذا خلاف الظاهر قلت ممنوع وعلى التنزيل ms452 فيجب حمله على ما ذكر ~~لتصريحه في الحديث قبله بوجوب الإعادة وتعليله بما مر والله سبحانه وتعالى ~~أعلم (وسئل) عن قوله - صلى الله عليه وسلم - من كذب على الحديث فإذا كان ~~يحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ويأتي بمعنى الحديث إلا أنه يلحن ~~لأنه لا يحسن العربية فما الحكم وقولهم في الحديث على شرط البخاري أو على ~~شرط مسلم ما هو الشرط المذكور (فأجاب) بقوله لا يجوز لأحد أي يروي الحديث ~~بالمعنى إلا إن كان عارفا بالألفاظ ومعانيها وما أريد بها فحينئذ ليس لهذا ~~اللاحن أن يروي شيأ من الأحاديث بالمعنى لجهله بألفاظها ومدلولاتها ومتى ~~فعل ذلك كان من جملة الكاذبين على النبي - صلى الله عليه وسلم - والكذب ~~عليه كبيرة وقال الشيخ أبو محمد أنه كفر وشرط البخاري أن يروى العدل الضابط ~~الحافظ المتقن عن مثله وهكذا إلى الصحابي ومع تحقق لقبه بشيخه الذي يروي ~~عنه وشرط مسلم ما ذكر إلا تحقق اللقى فإنه لا يشترط بل يكتفي بإمكانه وأطال ~~في الاستدلال عليه في مقدمة صحيحه والله سبحانه وتعالى أعلم (وسئل) رحمه ~~الله عن حديث لو لم يخف الله لم يعصه هل ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- (فأجاب) بقوله نقل البهاء السبكي عن بعضهم نسبته إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ونسبه ابن مالك في شرح الكافية وغيره إلى عمر رضي الله تعالى ~~عنه قال الجلال السيوطي ولم أره في شيء من كتب الحديث لا مرفوعا ولا موقوفا ~~لا عن عمر ولا عن غيره مع شدة الفحص عليه قال ورأيت ذلك في فتوى قدمت لأبي ~~الفضل العراقي وكتب عليها أنه وقع في شرح الترمذي لابن العربي وأنه لم يقف ~~على إسناده لكنه في سالم لا صهيب ثم رأيت أبا نعيم أخرجه في الحلية بسند ~~فيه ابن لهيعة عن عمر رضي الله تعالى عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ولفظه أن سالما شديد الحب لله لو لم يخف الله عز وجل لم يعصه وأخرجه ~~الديلمي أيضا في ms453 مسند الفردوس من طريق الحافظ أبي بكر بن مردويه عن عمر عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ولفظه معاذ بن جبل إمام العلماء يوم القيامة ~~لا يحجبه عن ربه إلا المرسلون وإن سالما مولى أبي حذيفة شديدا الحب لله لو ~~لم يخف الله ما عصاه (وسئل) زكى الله أعماله عمن خرج حديث حبب إلى من ~~دنياكم ثلاث وما معناه (فأجاب) بقوله أخرجه الطبراني في الأوسط عن أنس من ~~طريق صحيح ولفظه حبب إلي النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة وأخرجه ~~الضياء من هذه الطريق أيضا ورواه النسائي عن أنس أيضا بهذا اللفظ من طريق ~~صحيح أيضا على كلام فيه هذا حاصله ورواه ابن عدي عن أنس كذلك ورواه النسائي ~~عن أنس أيضا بلفظ حبب إلي من الدنيا النساء والطيب وجعلت قرة عيني في ~~الصلاة ورواه أحمد عن أنس بهذا اللفظ وأبو عوانة عنه أيضا بلفظ وجعلت وأبو ~~يعلى كذلك من طريق وما قبله من طريق آخر والطبراني من طريق إنما حبب إلي من ~~الدنيا الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة وقوله عقبه لم يروه عن ثابت ~~إلا سلام مردود بأن غيره رواه عنه أيضا والبيهقي عن أنس بلفظ إنما حبب إلي ~~من دنياكم ثلاث النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة وبلفظ من الدنيا ~~وأخرجه أيضا كذلك ابن أبي شيبة وابن سعد والبزار وما أشار إليه العقيلي من ~~أن هذا الحديث ضعيف من جميع طرقه مردود بما مر وبقول شيخ الإسلام ابن حجر ~~رواه النسائي وإسناده حسن وقول الزين العراقي في تخريج الإحياء رواه ~~النسائي # PageV01P197 # والحاكم وإسناده جيد وقول الذهبي إسناده قوي ورواه أحمد بزيادة لطيفة وهي ~~أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن وزاد الديلمي وحبب إلي النساء والطيب ~~الحديث وعزاها لمسندي الإمام أحمد وأبي يعلى وسنن النسائي ومعجم الطبراني ~~ورد بأنها ليست في واحد من المذكورات وأما زيادة ثلاث فهي في الإحياء في ~~موضعين وفي الكشاف في آل عمران قال الزين العراقي وابن حجر والزركشي وغيرهم ms454 ~~ولم تقع في شيء من طرقه بل هي مفسدة للمعنى فإن الصلاة ليست من الدنيا لكن ~~شرحه الإمام ابن فورك على أنه ورد بلفظ ثلاث ووجهه وأطنب فيه ووجهه الغزالي ~~أيضا في كتاب ذم الدنيا بأن الصلاة منها بالنظر إلى اللذة الحاصلة بها لأن ~~كل ما يدخل في الحس والمشاهدة فهو منها ويقرب منه ما وجهه ابن فورك حيث قال ~~الصلاة طاعة المطيع في الدنيا لربه تعالى فهي منها وقتا ومحلا وليست منها ~~حكما واسما والطيب والنساء منها وقتا ومحلا وحكما ووضعا ولذلك عبر عن ~~الصلاة بعبارة أخرى أفردها ولم يذكرها ثانيا ليدل على أنها مخصوصة بأنها في ~~الدنيا وهي وصلة إلى الآخرة ثم قال بعد كلام طويل في بيان ذلك فكل ما في ~~الدنيا محله وفي الآخرة حكمه فهو من الدنيا محلا ومن الآخرة مردا ومرجعا ~~ومآلا وفي مسند أحمد عن عائشة رضي الله عنها كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يعجبه من الدنيا ثلاثة الطعام والنساء والطيب فأصاب ثنتين ولم يصب ~~الطعام ومنه أخذ توجيه الثلاث أن ثبت بأنه اقتصر منها على الخصلتين اللتين ~~أصاب منها دون الثالثة التي لم يكثر منها ويكون قوله وجعلت الخ جملة ~~مستأنفة ليست من الثلاث واستأنس لذلك بعبارة الكشاف في قوله تعالى {فيه ~~آيات بينات} والظاهر أن الحصر في الرواية السابقة ليس بشيء فقد أخرج ~~النسائي عن أنس رضي الله عنه لم يكن شيء أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بعد النساء من الخيل وكان يحب لحم الكتف والقثاء بالرطب وغير ذلك أو ~~أن غيرهما لم تبلغ محبته له كمحبته لهما وفي بحر الروياني قولان في علة حبه ~~لهن فقيل لزيادة الابتلاء والمشقة حتى لا يلهو بهن عن أداء الرسالة فيكون ~~ذلك أكثر لمشاقه وقيل ليزول بخلوته بهن ظن أنه ساحر وبين القاضي عياض في ~~الشفاء نكته تخصيصهن وتخصيص الطيب بكلام نفيس فاطلبه منه وكذا ابن القيم في ~~الهدى والطب النبوي ويؤيد جعل الجماع من سنن المرسلين حديث الترمذي ms455 وأحمد ~~أربع من سنن المرسلين الحياء والجماع والتعطر والسواك زاد الطبراني في ~~الكبير وأبو نعيم والحلم وكذلك العقيلي ولفظه من سنن المرسلين الحياء ~~والحلم والحجامة والسواك والتعطر وكثرة الأزواج وكذا هو عند الطبراني ~~بزيادة خمس من سنن المرسلين وهما ضعيفان والمرغبات في النكاح كثيرة شهيرة ~~وعدل عن أحببت إلى حبب إشارة إلى أنه - صلى الله عليه وسلم - معصوم لا ~~يبتدئ أمرا من تلقاء نفسه وأنه محفوظ في محبته للنساء معصوم من الخطأ فيه ~~ولذلك افتتن سليمان عليه الصلاة والسلام في قوله {أحببت حب الخير عن ذكر ~~ربي} ووكل يوسف عليه الصلاة والسلام إلى اختياره وما أحبه لما قال {رب ~~السجن أحب إلي} وعدل عن الدنيا إلى دنياكم في روايتها ليصون نفسه الشريفة ~~عن إضافتها إلى الدنيا وإضافة الدنيا إليها لأنه كان ممنوعا من التطلع لشيء ~~منها وخص النساء والطيب أما النساء فليتلقوا أحواله الباطنة وليكثر النسل ~~عند الاقتداء به في ذلك وأما الطيب فلأنه من دواعي الجماع بل أقواها وأفرد ~~الصلاة بسياق آخر إشارة إلى أنها المحبوب الأعظم وأنها ليست من المحبوبات ~~الدنيوية والله سبحانه أعلم (وسئل) نفع الله به عن الجلوس لسماع الحديث ~~وقراءته هل فيه ثواب أم لا (فأجاب) بقوله أن قصد بسماعه الحفظ وتعليم ~~الأحكام أو الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - أو اتصال السند ففيه ثواب ~~وأما قراءة متون الأحاديث فقال الشيخ أبو إسحق الشيرازي في شرح اللمع أن ~~قراءة متونها لا يتعلق بها ثواب خاص لجواز قراءتها وروايتها بالمعنى قال ~~ابن العماد وهو ظاهر إذ لو تعلق بنفس ألفاظها ثواب خاص لما جاز تغييرها ~~وروايتها بالمعنى لأن ما تعلق به حكم شرعي لا يجوز تغييره بخلاف القرآن ~~فإنه معجز وإذا كانت قراءته المجردة لا ثواب فيها لم يكن في استماعه المجرد ~~عما مر ثواب بالأولى وأفتى بعضهم بالثواب وهو الأوجه عندي لأن سماعها لا ~~يخلو من فائدة لو لم يكن إلا عود بركته - صلى الله عليه وسلم - على القارئ ~~والمستمع فلا ينافي ذلك قولهم # PageV01P198 # إن ms456 سماع الأذكار مباح لا سنة (وسئل) رحمه الله عن حديث بعثت أنا والساعة ~~كهاتين هل يدل على علمه - صلى الله عليه وسلم - بالساعة هل ينافي ذلك ما ~~قيل أنه لا يمكث في الأرض أكثر من ألف سنة أو يؤيده (فأجاب) بقوله قال ~~البيهقي في البعث والنشور هذا لا يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - عالم ~~بوقتها وإنما يريدان تواتر الأنبياء انقطع وأنه آخرهم وهي مع ذلك دانية لأن ~~أشراطها متتابعة وبينها انتهى وفي التذكرة معناه قرب مجيئها وما قيل لم يصح ~~فيه شيء لكن روى البيهقي في الكتاب المذكور عنه - صلى الله عليه وسلم - إني ~~لأرجو أن لن يعجز أمتي عند ربها عز وجل أن يؤخرهم نصف يوم قيل وكم نصف ~~اليوم قال - صلى الله عليه وسلم - خمسمائة سنة وذكر عن السراج البلقيني أنه ~~روى حديث أعطى أمتي نصف يوم من أيام الآخرة فإن أصلحت كمل لها ذلك اليوم ~~وقد أصلحت إن شاء الله تعالى (وسئل) نفع الله به عن حديث علماء أمتي ~~كأنبياء بني إسرائيل ما وجه التمثيل (فأجاب) بقوله قال الدميري هذا الحديث ~~لا يعرف له مخرج لكن في صحيح البخاري العلماء هم ورثة الأنبياء وخرجه أبو ~~داود والترمذي وابن ماجه والحاكم في صحيحيهما وفي الفردوس وللديلمي أن الله ~~عز وجل ثلثمائة قلوبهم على قلب آدم وله أربعون قلوبهم على قلب موسى وله سبع ~~قلوبهم على قلب إبراهيم وله خمسة قلوبهم على قلب جبريل وله ثلاثة قلوبهم ~~على قلب ميكائيل وله واحد قلبه على قلب إسرافيل ومعنى التنظير أنهم مثلهم ~~في ميراث العلم أو تشريع الأحكام لكن قطع الأنبياء بالوحي والعلماء ~~بالاجتهاد (وسئل) رضي الله عنه عما صورته ذكر الدميري في شرح المنهاج في ~~الكلام على قوله ويرسل المسبحة أن سبابته - صلى الله عليه وسلم - أطول من ~~الوسطى والوسطى أطول من البنصر والبنصر أطول من الخنصر وأورد فيه حديثا هل ~~ذكره غيره (فأجاب) بقوله ذكره شيخ الإسلام ابن حجر في أسد الغاية والقرطبي ~~في تفسير سورة البقرة ms457 (وسئل) رحمه الله تعالى عن حديث من صلى علي عند قبري ~~سمعته ومن صلى علي بعيدا عن قبري بلغته ما المراد بالعندية للقبر والبعد ~~عنه (فأجاب) بقوله الذي يظهر أن المراد بالعندية عند القبر الشريف على ~~ساكنه أفضل الصلاة وأزكى السلام أن يكون في محل قريب منه بحيث يصدق عرفا ~~أنه عنده وبالبعد عنه ما عدا ذلك وإن كان بمسجده - صلى الله عليه وسلم - ~~ونظير ذلك ما يقع السؤال عنه كثير أو هو ما المراد بخلف المقام لقوله يسن ~~ركعتا الطواف خلف المقام فالذي يظهر أن المراد بخلف المقام أن يكون بمحل ~~بحيث يصدق عليه عرفا أنه خلفه وإن كان بينه وبينه بعدما (وسئل) رضي الله ~~عنه من روى حديث من عطس أو تجشأ فقال الحمد لله على كل من الأحوال رفع الله ~~عنه سبعين داء أهونها الجذام (فأجاب) بقوله رواه الخطيب في ترجمة الحسن بن ~~جعفر الواعظ (وسئل) رضي الله عنه من روى قوله - صلى الله عليه وسلم - من ~~أعرض عن صاحب بدعة بغضا له في الله ملأ الله قلبه أمنا وايمانا ومن انتهر ~~صاحب بدعة أمنة الله يوم الفزع الاكبر ومن أهان صاحب بدعة رفعه الله في ~~الجنة مائة درجة ومن سلم على صاحب بدعة أو لقيه بالبشر أو استقبله بما يسره ~~فقد استخف بما أنزل الله على محمد - صلى الله عليه وسلم - وقوله اللهم لا ~~تطع فينا تاجرنا ولا مسافرنا فإن تاجرنا يحب الغلاء ومسافرنا يكره المطر ~~وقوله - صلى الله عليه وسلم - من دخل على أخيه المسلم فأطعمه من طعامه ~~فليأكل ولا يسأله عنه وإن سقاه من شرابه فليشرب ولا يسأل عنه (فأجاب) بقوله ~~روى الثلاثة الخطيب في تاريخه وروى عن محمد الدينوري ما قد ينافي الآخر وهو ~~أنه قدم له طعام معتبر فقال لمن قدمه له من أين لك هذا فقال من حلال لا من ~~ظلم ولا من غصب قال ففيم تتجر قال في الطعام فخرج عنه فقال هذا جمع من غم ~~المسلمين وأجاب بعضهم بأن ms458 الحديث محمول على من لم يسترب والحكاية محمولة ~~على ماذا استراب وهو ظاهر (وسئل) نفع الله به هل التكلم في حضرة الأصم بما ~~لا يسمعه ولا يفهمه كتناجي اثنين دون الثالث الوارد فيه - صلى الله عليه ~~وسلم - لا يتناجى اثنان دون الثالث أو يفرق فأجاب بقوله علة النهي الدال ~~على حرمة تناجي اثنين دون ثالث المصرح به في كلام أئمتنا خشية أخافته ~~وإيذائه وإن كانا صديقين له كما اقتضاه إطلاقهم وكأنهم نظروا في ذلك إلى ~~المظنة وأن قطع بانتفائها في بعض الصور كالمشقة في السفر وإذا كانت هذه هي ~~العلة لا يبعد أن يقال أن التكلم بحضرة الأصم كالتناجي لأن الخشية # PageV01P199 # المذكورة موجودة فالمظنة موجودة وكذا يقال في متكلمين بلسان بحضرة من لا ~~يعرفه فإنه كالتناجي سواء بسواء فليحرم مثله فإن قلت يمكن الفرق بين هذين ~~والتناجي بأن المتكلمين فيه يمكنهما تفهيم الحاضر بخلافه في تينك الصورتين ~~أما الأخيرة فواضح وأما التي قبلها أعني صورة الأصم فيشق عليهما ذلك قلت هو ~~وإن أمكن بذلك إلا أن الجاري على إطلاقهم أنه لا نظر لذلك لما تقرر أن ~~المظنة موجودة كما لم ينظروا ثم إلى التناجي بحضرة من يمكنه مفارقة المجلس ~~ولم يلزموه به بل حرموا عليهما مع ذلك التناجي بحضرته فكذا هنا فلا نظر إلى ~~إمكان تفهيمه وعدمه ويوجه بأن المتكلم بحضرته يمكنه الذهاب عنه من غير ~~إخافة ولا فعل ما يكون مظنة لها ومن ثم لو فرض أنه متعد في الجلوس عنده ~~اتجه أنه لا حرمة عليهم لتعديه بخلاف ما لو لم يتعد كأن كان المحل مباحا ~~وجلس عندهم فيلزمهم أما السكوت أو القيام من عنده لأن دفع المفاسد أولى من ~~جلب المصالح والظاهر أن محل حرمة التناجي وما ألحق به حيث لم يعلم أو يظن ~~رضاء المتكلم بحضرته وإلا فلا تحريم لانتفاء المظنة حينئذ (وسئل) نفع الله ~~به بما لفظه من روى حديث قوله - صلى الله عليه وسلم - من أعرض عن صاحب بدعة ~~بغضا له في الله ملأ الله ms459 قلبه أمنا وإيمانا ومن انتهر صاحب بدعة أمنه الله ~~يوم الفزع الأكبر ومن أهان صاحب بدعة رفعه الله تعالى في الجنة مائة درجة ~~ومن سلم على صاحب بدعة أو لقيه بالبشر أو استقبله بما يسره فقد استخف بما ~~أنزل الله على محمد - صلى الله عليه وسلم - وما المراد بأصحاب البدع وهل ~~منهم من يخبر بما اقتضاه النجوم (فأجاب) رحمه الله بقوله رواه الخطيب في ~~تاريخ بغداد وفي الحديث الصحيح شر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة والمراد ~~بأصحاب البدع فيه من كان على خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة والمراد بهم ~~أتباع الشيخ أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي إمامي أهل السنة ويدخل ~~في المبتدعة كل من أحدث في الإسلام حدثا لم يشهد الشرع بحسنه كالمكوس ~~والمظالم نعم إن كان في تليين القول للظالم إنقاذ مظلوم منه أو حمله على ~~خير أو معروف فلا بأس به قال تعالى {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو ~~يخشى} ومن ثم حكى عن بعض الأكابر أنه كان يقوم لذمي ويعتذر بأنه كان واسطة ~~بينه وبين الخليفة ويستدل بقول الله تعالى {لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم} وفي ~~الخبر من كان آمرا بمعروف فليكن أمره ذلك بمعروف وهذا هو سيرة نبينا محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - فإنه كان يلين القول لمن يرجو إسلامه كثمامة بن أثال ~~وغيره لأنه أرجى للهداية وفسر بعضهم البدعة بما يعم جميع ما قدمنا وغيره ~~فقال هي ما لم يقم دليل شرعي على أنه واجب أو مستحب سواء أفعل في عهده - ~~صلى الله عليه وسلم - أو لم يفعل كإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب ~~وقتال الترك لما كان مفعولا بأمره لم يكن بدعة وإن لم يفعل في عهده وكذا ~~جمع القرآن في المصاحف والاجتماع على قيام شهر رمضان وأمثال ذلك مما ثبت ~~وجوبه أو استحبابه بدليل شرعي وقول عمر رضي الله عنه في التراويح نعمت ~~البدعة هي أراد البدعة اللغوية ms460 وهو ما فعل على غير مثال كما قال تعالى {قل ~~ما كنت بدعا من الرسل} وليست بدعة شرعا فإن البدعة الشرعية ضلالة كما قال - ~~صلى الله عليه وسلم - ومن قسمها من العلماء إلى حسن وغير حسن فإنما قسم ~~البدعة اللغوية ومن قال كل بدعة ضلالة فمعناه البدعة الشرعية ألا ترى أن ~~الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان أنكروا غير الصلوات الخمس 2 ~~كالعيدين وإن لم يكن فيه نهي وكرهوا استلام الركنين الشاميين والصلاة عقيب ~~السعي بين الصفا والمروة قياسا على الطواف وكذا ما تركه - صلى الله عليه ~~وسلم - مع قيام المقتضى فيكون تركه سنة وفعله بدعة مذمومة وخرج بقولنا مع ~~قيام المقتضى في حياته تركه إخراج اليهود من جزيرة العرب وجمع المصحف وما ~~تركه لوجود المانع كالاجتماع للتراويح فإن المقتضى التام يدخل فيه المانع ~~وذكر ان الحاج المالكي فيمن قال النجوم تدل على كذا لكن بفعل الله يجري في ~~خلقه أنه بدعة من القول منهي عنها فيؤدب ولا يكفر إلا أن جعل للنجم تأثيرا ~~فيقتل وظاهر كلام المازري الجواز إذا أسند ذلك لعادة أجراها الله تعالى ~~وذكر مالك رضي الله عنه حديثا مع حديث أصبح من عبادي مؤمنا بن الحديث وجعل ~~الأول دالا على الجواز إذا نسب ذلك لعادة جرت والثاني يدل # PageV01P200 # على الحرمة أو الكفر إذا نسبه للأنواء وبه صرح الباجي فقال نسبة ذلك ~~للمطر إما مع اعتقاد أنه فاعل أو دليل والأول كفر قال وبعض الجهال يقول هذا ~~من الأخبار بمغيب لأنه إنما أخبر بما دلت عليه النجوم لأنه ما من شيء إلا ~~والنجوم دالة عليه وهو باطل لأنه مما استأثر الله بعلمه فلا دليل عليه ولو ~~قال إن العادة نزول المطر عند نوء كذا والنوء لا تأثير له في نزول المطر ~~فلا يكفر إلا أنه لا يجوز إطلاق هذا اللفظ بوجه وإن لم يعتقده لورود الشرع ~~بالمنع منه لما فيه من إيهام السامع انتهى وفيما قاله نظر ولم يرد في الشرع ~~ما يمنع منه بهذا المعنى ms461 بل قد جاء عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول مطرنا ~~بنوء كذا فالحق ما قاله غير الباجي وهو الذي عليه أئمتنا على أن من قال ذلك ~~معتقد التأثير الكوكب وحده أو مع الله تعالى كافر وهذا مما لا خلاف فيه ومن ~~قاله معتقدا أن الكوكب جعله الله علامة على كذا بحسب ما استقر في العادة ~~فليس بحرام وعلى هذا نص الشافعي رضي الله عنه فقال إذا قال مطرنا بنوء كذا ~~يريد في وقت كذا فهو كقوله مطرنا في شهر كذا وهذا لا يكون كفرا من مسلم ولا ~~حراما بخلاف قول أهل الشرك لأنهم يعتقدون التأثير له وفي سماع ابن القاسم ~~في الرجل ينظر في النجوم فيقول الشمس تكسف غدا والرجل يقدم بعد غد أرى أن ~~يزجر قال فإني لا أرى هؤلاء المعالجين الذي يزعمون أنهم يعالجون المجانين ~~بالقرآن قد كذبوا وليس كما قالوا ولو كان لعلمته الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام فقد صنع له - صلى الله عليه وسلم - طعام مسموم فلم يعرفه حتى ~~أخبرته الشاة وقال ابن رشد ليس قول الرجل الشمس تكسف غدا بعلم الحساب كقوله ~~فلان يقدم غدا في جميع الوجوه لأن النيرين مسخران يجريان في أفلاكهما من ~~برج إلى آخر على ترتيب وحساب وقد لا يبعد فإنه قال تعالى {والقمر قدرناه ~~منازل} إلى قوله {وكل في فلك يسبحون} وقال {والشمس والقمر بحسبان} فالقمر ~~سريع الجري يقطع الفلك في شهر ولا تقطعه الشمس إلا في اثني عشر شهرا ~~والحاصل أن دعوى الكسوف ليست من علم الغيب في شيء لأنه يدركه بالحساب فلا ~~ضلال فيه ولا كفر لكن يكره الاشتغال به لأنه مما لا يعنى وفي الخبر به قبل ~~وروده ضرر في الدين لأن الجاهل إذا سمع به ظن أنه من علم الغيب فيزجر عن ~~ذلك فاعله ويؤدب عليه لأنه من جملة حبائل الشيطان والحاصل أنه تقدم للمازري ~~عن سحنون أنه كان يؤدب عليه وعن أبي الطيب أن ذاك جائز لأنه مما يعلم بدقيق ~~الحساب كالمنازل وهذا جائز ms462 تعلمه وتعليمه إجماعا فكذا الكسوف واعترض القول ~~بتأديب قائله بأنا إذا كنا نرى بالعيان صدق قولهم وأصابتهم في الأخبار به ~~ثم رددناه كان ذلك مكابرة للحس فإذا رآه العامي ومن لم يعرف أوجد في نفسه ~~ريبة من الشريعة والدين فكان من المصلحة والحرص على هذه القاعدة أن يصدقوا ~~في ذلك ولا ينكر عليهم ما يقولونه واختلفوا في المنجم يقضي بتنجيمه فيقول ~~أنه يعلم متى يقدم فلان وما في الأرحام ووقت نزول الأمطار وحدوث الفتن ~~والأهوال وما يسر الناس من الأخبار وغير ذلك من المغيبات فقال بعض المالكية ~~أنه كافر يجب قتله من غير استتابة لقوله تعالى {ولقد صرفناه بينهم ليذكروا} ~~إلى قوله {إلا كفورا} ولقوله - صلى الله عليه وسلم - أصبح من عبادي مؤمن بي ~~وكافر بي الحديث بطوله وقال بعضهم يقتل بعد استتابته فإن تاب وإلا قتل وروى ~~عن أشهب وقال بعضهم يزجر ويؤدب قال بعض محققيهم والذي أقول به أنه ليس ~~باختلاف قول وإنما هو اختلاف في الأحكام بحسب الأحوال فإن كان المنجم يعتقد ~~في النجوم أنها الفاعلة لذلك كله مستسرا بذلك فحضرته البينة أو أقر على ~~نفسه وجب قتله دون استتابته كالزنديق وإن كان معلنا به غير مسر بظهوره ~~ويحاج عليه فهو كالمرتد فيستتاب فإن تاب وإلا قتل وإن كان مقرا بالله مؤمنا ~~ومقرا بأن النجوم لا تأثير لها في العالم والفاعل هو الله تعالى لكنه جعل ~~النجوم دالة ولها إمارة على ما يحدث في العالم فهذا يزجر عن اعتقاده ويؤدب ~~عليه أبدا حتى يكف عنه وعن اعتقاده ويتوب منه فهو بدعة فتسقط أمانته ~~وشهادته على مالسحنون في نوازله من الشهادات ولا يحل لمسلم أن يصدقه فيما ~~يقول وكيف يحل له تصديقه مع قوله تعالى {قل لا يعلم من في السموات والأرض ~~الغيب إلا الله} وغير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى استأثر بعلم ~~الغيب مع قوله - صلى الله عليه وسلم - من صدق كاهنا أو عرافا أو منجما فقد ~~كفر بما أنزل الله على محمد - صلى ms463 الله عليه وسلم - ويمكن أن يصادف في بعض ~~المرار فيكون من # PageV01P201 # حبائل الشيطان فلا يغتر به أحد كما لا يصدق الذين يعالجون المجانين فيما ~~يزعمون أنهم يعالجونهم به من القرآن فلا يعلم الأمور على تفاصيلها إلا علام ~~الغيوب أو من أطلعه الله من أنبيائه ليكون دليلا على صحة نبوته أو أوليائه ~~ليكون دليلا على صحة ولايته وحاصل مذهبنا في ذلك أنه متى اعتقد أن لغير ~~الله تأثيرا كفر فيستتاب فإن تاب وإلا قتل سواء أسر ذلك أم أظهره وكذا لو ~~اعتقد أنه يعلم الغيب المشار إليه بقوله تعالى {لا يعلمها إلا هو} لأنه ~~مكذب للقرآن فإن خلا عن اعتقاد هذين فلا كفر بل ولا إثم إن قال علمت ذلك ~~بواسطة القربة والعادة الإلهية ونحو ذلك (سئل) نفع الله به بما لفظه الحديث ~~مضلة إلا للفقهاء هل هو حديث وما معناه مع أن معرفة الحديث شرط في مسمى ~~الفقيه وأيما أعظم قدر أو أجل ذكرا الفقهاء أو المحدثون (فأجاب) بقوله ليس ~~بحديث وإنما هو من كلام ابن عيينة أو غيره ومعناه أن الحديث كالقرآن في أنه ~~قد يكون عام اللفظ خاص المعنى وعكسه ومنه ناسخ ومنسوخ ومنه ما لم يصحبه عمل ~~ومنه مشكل يقتضي ظاهره التشبيه كحديث ينزل ربنا الخ ولا يعرف معنى هذه إلا ~~الفقهاء بخلاف من لا يعرف إلا مجرد الحديث فإنه يضل فيه كما وقع لبعض ~~متقدمي الحديث بل ومتأخريهم كابن تيمية وأتباعهم وبهذا يعلم فضل الفقهاء ~~المستنبطين على المحدثين غير المستنبطين ومن ثم قال - صلى الله عليه وسلم - ~~رب مبلغ أوعى من سامع ورب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه ~~منه وقوله بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج فمستنبطوا ~~الفروع هم خيار سلف الأمة وعلماؤهم وعدولهم وأهل الفقه والمعرفة فيهم فهم ~~قوم غذوا بالتقوى وربوا بالهدى أفنوا أعمارهم في استنباطها وتحقيقها بعد أن ~~ميزوا صحيح الأحاديث من سقيمها وناسخها من منسوخها فأصلوا أصولها ومهدوا ~~فروعها فجزاهم الله عن ms464 المسلمين خيرا وأحسن جزاءهم كما جعلهم ورثة أنبيائه ~~وحفاظ شرعه وشهود آلائه وألحقنا بهم وجعلنا من تابعيهم بإحسان إنه الكريم ~~الجواد الرحمن ووقفت امرأة على مجلس فيه يحيى بن معين وزهير بن حرث وخلف بن ~~صالح وجماعة يتذاكرون الحديث فسألتهم هل تغسل الحائض الميت فسكتوا فأقبل ~~أبو ثور فأمروها أن تسأله فسألته فقال نعم تغسله لحديث عائشة رضي الله ~~تعالى عنها أن حيضك ليس في يدك وأنها كانت تفرق رأسه - صلى الله عليه وسلم ~~- وهي حائض فإذا فرقت رأس الحي فالميت أولى بذلك قالوا نعم حدثنا بذلك فلان ~~عن فلان فقالت لهم أين كنتم إلى الآن وكان الأعمش يسأل أبا حنيفة رضي الله ~~عنهما عن المسائل فيجيبه فيقول من أين لك هذا فيقول أنت حدثتنا عن النخعي ~~بكذا أو عن الشعبي بكذا فيقول الأعمش عند ذلك يا معشر الفقهاء نحن الأطيار ~~وأنتم الصيادون لها وعن عطية قال كنت عند شعبة فقال يا أبا محمد إذا جاءتكم ~~معضلة من تسألون عنها فقلت في نفسي هذا رجل أعجبته نفسه فقلت له نتوجه إليك ~~وإلى أصحابك حتى تفتوا فما بقيت إلا قليلا حتى جاءه سائل فقال يا أبا بسطام ~~رجل ضرب رجلا على أم رأسه فادعى أنه ذهب بذلك شمه فجعل يتشاغل عنه يمينا ~~وشمالا فأومأت للرجل بأن يلح عليه فالتفت إلي وقال لي يا أبا محمد ما أشر ~~البغي على أهله والله ما عندي فيه شيء أنت أنت فقلت يستفتيك وأنا أجيبه ~~فقال إني سائلك فقال سمعت الأوزاعي والزهري يقولان يدق الخردل دقا بالغا ~~ويشم فإن عطس فقد كذب وإن لم يعطس فقد صدق فقال جئت بها والله ما يعطس رجل ~~انقطع شمه وقال ابن عبد البر أراد الأعمش الحج فلما بلغ الحيرة قال لعلي بن ~~مشهد اذهب إلى أبي حنيفة حتى يكتب لنا المناسك ثم ذكر ابن عبد البر حكايات ~~يطول ذكرها من تلبيس إبليس وغيره فذكر فيه جهل المحدثين معرفة الأحكام وقال ~~ابن وهب كل صاحب حديث لا يكون له ms465 رأس في الفقه لا يفلح أبدا ولولا أن الله ~~تعالى أنقذنا بمالك لضللنا وقال بعضهم لا أجهل من صاحب حديث إن لم يتفقه ~~فيه وقال مالك رضي الله عنه لابني أخته بكر واسمعيل أراكما تحبان الحديث ~~وتطلبانه قالا نعم قال إن أحببتما أن تنتفعا به وينفع الله بكما فأقلا من ~~الحديث وتفقها أشار رضي الله عنه إلى أنه لا بد من معرفة الحديث لكن العمدة ~~إنما هي على التفقه فيه وفي أشياخ القاضي عياض لما ذكر أبا محمد بن العربي ~~المشهور حكى من حديثه عن عماد بن محمد بن مخلد التميمي قال لما عزل أبو ~~العباس الهمداني من قضاء الري ورد بخاري لتجديد مودة # PageV01P202 # كانت بينه وبين أبي الفضل القلعي فنزل في جوارنا فحملني إليه معلمي وقال ~~أسألك أن تحدث هذا الصبي بما سمعته من مشايخك قال مالي سماع قال كيف وأنت ~~فقيه فما هذا قال لأني لما بلغت مبلغ الرجال اشتاقت نفسي إلى معرفة الحديث ~~ورواية الأخبار وسماعها فقصدت محمد بن إسماعيل وسألته الإقبال على ذلك فقال ~~يا بني لا تدخل على أمر حتى تعرف حدوده والوقوف على مقداره فقلت له عرفني ~~يرحمك الله حدود ما تصديت له ومقدار ما سلكت إليه وسألتك عنه فقال لي أعلم ~~أن الرجل لا يصير محدثا كاملا في الحديث إلا أن يكتب أربعا مع أربع كأربع ~~مثل أربع في أربع عند أربع بأربع على أربع عن أربع لأربع وكل هذه الرباعيات ~~لا تتم إلا بأربع مع أربع فإذا تمت له هان عليه أربع وابتلى بأربع فإذا صبر ~~على ذلك أكرمه الله بأربع وأثابه في الآخرة بأربع فقلت له فسر لي ما ذكر من ~~أحوال هذه الرباعيات من قلب صاف منشرح كاف وبيان شاف طالبا لأجر واف فقال ~~نعم أما الأربع التي يحتاج إلى كتبها فأخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وشرائعه والصحابة ومقاديرهم والتابعين وأحوالهم وسائر العلماء وتواريخهم مع ~~أسماء رجالهم وكناهم وأمكنتهم وأزمنتهم كالتحميد مع الخطب والدعاء مع ~~الرسائل والبسملة مع السور ms466 والتكبيرات مع الصلوات مثل المسندات والمرسلات ~~والموضوعات والمقطوعات في صغره وإدراكه وكهولته وشبابه عند فراغه وعند شغله ~~وعند فقره وعند غناه بالجبال والبحار والبلدان والبراري على الأحجار ~~والأصداف والجلود والأكتاف إلى الوقت الذي يمكنه نقله إلى الأوراق عمن هو ~~فوقه وعمن هو مثله وعمن هو دونه وعن كتاب إليه يتيقن أنه خطه دون غيره لوجه ~~الله تعالى طالبا لمرضاته والعمل بموافق كتاب الله تعالى ونشرها بين طالبها ~~والتأليف في إحياء ذكره بعده ثم لا تتم هذه الأشياء إلا بأربع معرفة ~~الكتابة والثقة والضبط والنحو مع أربع هي من محض عطاء الله تعالى القدرة ~~والصحة والحرص والحفظ فإذا تمت هذه الأشياء هان عليه أربع الأهل والمال ~~والوطن والولد وابتلى بأربع شماتة الأعداء وملامة الأصدقاء وطعن الجهلاء ~~وحسد العلماء فإذا صبر على هذه المحن الأربع أكرمه الله تعالى بأربع بعز ~~القناعة وتهنئة النفس ولذة العلم وحسن الذكر وأثابه في الآخرة بأربع ~~بالشفاعة لمن أراد من أحبابه وبظل العرش يوم لا ظل إلا ظله ويسقى من أراد ~~من حوض نبيه وبجوار الرحمن في أعلى عليين في الجنة فقد أخبرتك يا بني بجملة ~~ما كنت سمعته من مشايخي متفرقا في هذا الباب فأقبل الآن على ما قصدتني له ~~أودع قال فهالني قوله فسكت متفكرا وطرقت نادما فلما رأى ذلك مني قال لي ~~فإذا لم تطق هذه المشاق كلها فعليك بالفقه الذي يمكنك فعله وأنت ببيتك لا ~~تحتاج لبعد الأسفار ووطء الديار وركوب البحار وهو مع ذلك ثمرة الحديث وليس ~~ثواب الفقه دون ثواب الحديث في الآخرة ولا فن الفقيه بأقل من فن المحدث قال ~~فلما سمعت ذلك نقض عزمي في طلب الحديث وأقبلت على دراسة الفقه وتعلمه إلى ~~أن صرت متقدما فيه فلذلك لم يكن عندي ما أمليه على هذا الصبي فقال له ~~المعلم أن هذا الحديث الذي لا يوجد عند غيرك خير للصبي من كلام كثير نجده ~~عند غيرك انتهى واستفيد من ذلك مزيد فضل الفقه وأنه ثمرة الحديث وإن كان ~~طلب الحديث ms467 أشد وتحصيله أشق وحكى الخطيب في تاريخ بغداد أن معتزليا لام ~~محدثا على كثرة كتابته فقال يا بني كم تكتب يذهب بصرك ويحدودب ظهرك ويزداد ~~فقرك ثم كتب له بظهر كتابه: # (إن التفقه والقراءة والتشاغل بالعلوم ... أصل المذلة والإذاية والمهانة ~~والهموم) # فلما قرأها قال كذب عدو نفسه بل يرتفع ذكرك وينشر علمك ويبقى اسمك مع اسم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة ثم كتب له # (أن التشاغل بالدفاتر والكتابة والدراسة ... أصل التفقه والزهادة ~~والفهامة والرياسة) # وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه من حفظ الفقه عظمت قيمته ومن تعلم ~~الحديث قويت حجته ومن تعلم الشعر والعربية رق طبعه ومن تعلم الحساب جزل ~~رأيه ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه (وسئل) رضي الله عنه ما معنى قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - من عمل بما يعلم ورثه الله علم ما لا يعلم فما ذلك ~~العلم وما ذلك الذي يورثه (فأجاب) بقوله سئل عن ذلك ابن عبد السلام وأجاب ~~عنه بما ملخصه أن من عمل بما يعلم من واجب الشرع ومندوبه واجتناب مكروهه # PageV01P203 # ومحرمه أورثه الله من العلم الإلهي ما لم يكن يعلمه قبل لقوله تعالى ~~{والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} هذا هو الظاهر منه ولا يجوز تخصيصه ~~بمن ينظر في الوقائع 3 قبلهم فيما لم يكن عنده إذ لا دليل على هذا التخصيص ~~بل الحديث شامل للفقهاء وغيرهم وقد ذكر بعض العلماء العارفين الذين عاملهم ~~الله عز وجل بذلك إن لكل طاعة نوعا من العلم يختص بها لا يترتب على غيرها ~~كما أن الثواب كذلك والإلهام من جملة ما عجله الله تعالى من ثواب الأعمال ~~الصالحة فإن الله تعالى يعطي بها في الدنيا ويجازي بها في الأخرى فلكل عمل ~~منها الإلهام يختص به فأفضله لا فضلها لأن من جملة ثوابها وكذلك التوفيق ~~للطاعات مرتب على فضائل الأعمال (وسئل) عن ندب ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب ~~فلك الحمد عند قوله تعالى {فبأي آلاء ربكما تكذبان} وتكريرها بتكريرها ~~والله رب العالمين ms468 آخر تبارك الملك والتكبير في ختم الضحى وما بعدها ما ~~دليله ومن رواه (فأجاب) بقوله رضي الله عنه روى الأول عنه - صلى الله عليه ~~وسلم - الطبراني وفيه أنه - صلى الله عليه وسلم - أثنى على الجن إذ قالوا ~~ذلك عند قراءته عليهم سورة الرحمن عند كل {فبأي آلاء ربكما تكذبان} وروى ~~البقية البيهقي (وسئل) رضي الله عنه عن حديث الأسماء الحسنى المشهور اتفقت ~~عليه الطرق أم اختلفت بألفاظ وأحرف في بعضها أو زيادة عليها (فأجاب) بقوله ~~ورد المقيت بدل المغيث والمبين بدل المتين والقريب بدل الرقيب والرافع بدل ~~المانع والقائم بدل الدائم وبدل القابض الباسط والشديد بل الرشيد وجاء في ~~روايات الأعلى المحيط مالك يوم الدين الراشد الفاطر العادل المنير الرب ~~الفرد الكافي القاهر الصادق الجميل الباري القديم الباقي الوفي البرهان ~~الوافي القدير الحافظ المعطي العالم الأبد الوتر ذو القوة الحنان المنان ~~الخلاق العلام (وسئل) نفع الله به عما حكى الدميري تخريجه في شرح المنهاج ~~وشرح سنن ابن ماجه عن السنن الصحاح لابن السني ومسند أبي يعلى الموصلي عن ~~ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بمكة إذا أراد ~~قضاء الحاجة خرج إلى المغمس قال نافع وهو على ميلين من مكة انتهى فهل يقتضي ~~هذا ندب الخروج من مكة لمريد قضائها أولا فيجاب عن الخبر وعليه فما الجواب ~~وإذا قلتم بالندب فهل صرح به أحد من أئمة الشافعية أو غيرهم وما الذي ~~يقتضيه سياق الدميري له عند قول المنهاج ويبعد (فأجاب) بقوله هذا الحديث ~~إنما سيق موافقة لحديث أبي داود وغيره أنه - صلى الله عليه وسلم - كان لا ~~يأتي البراز حتى يتغيب فلا يرى فمن ثم نص الأئمة على ندب الإبعاد عن الناس ~~حتى لا يرى شخص قاضي الحاجة فهذا هو الذي يدل عليه الخبر فإن قلت التغيب ~~حتى لا يرى الشخص يحصل بدون هذه المسافة فما حكمة هذا البعد المفرط قلت ~~لعله - صلى الله عليه وسلم - علم انتشار الناس حوالي مكة فلم يتيسر له محل ms469 ~~خال غير ذلك فعلم أن الخبر لا بدل على ندب خصوص الخروج من مكة على أنه إنما ~~يتوهم لو كان المغمس من الحل فإذا كان من الحرم فلا يتوهم أصلا إذ لا فرق ~~بين مكة وبقية الحرم في الاحترام (وسئل) نفع الله به عن قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنا بريء من مسلم مقيم بين أظهر المشركين قالوا لم قال لا ~~تتراءى ناراهما (فأجاب) بقوله هذا تعليل للبراءة فحذف لام التعليل ووجه ~~المناسبة بين العلة والمعلول أن في الإقامة بينهم تكثير سوادهم وإنهم لو ~~قصدهم جيش غزاة ربما منعهم منهم رؤية نيران المسلمين مع نيرانهم فإن العرب ~~كانوا عند تقابل الجيوش يعرفون كثرتها برؤية النيران كما وقع ذلك في ~~إرسالهم لرؤية جيشه - صلى الله عليه وسلم - بمر الظهران عند قصد مكة لفتحها ~~فلما كان في إقامة المسلمين بين أظهر المشركين هذا المحذور العظيم وهو منع ~~المسلمين من غزوهم أو إدخال 2 عدم مرعب عليهم برئ منه - صلى الله عليه وسلم ~~- لكونه سببا لعدم جهادهم فالنار على حقيقتها في الأمرين وهو الوجه الظاهر ~~المناسب المنضبط كما علمت فإن قلت قدينا فيه قول الفقهاء تجوز الإقامة ~~بينهم لمن أمن على نفسه قلت لا ينافيه لأنهم شرطوا أمنه على إظهار دينه ~~وإذا أمن ذلك كان في إقامته بينهم مصلحة للمسلمين راجحة على خروجه من بينهم ~~فجوزوا له ذلك لئلا يصير محله لهجرته منه دار حرب بل تجب عليه الإقامة ~~حينئذ فإن قلت التعليل في الحديث بالخشية منهم على دينه أظهر فلم عدل لذلك ~~قلت لأن فيما ذكر في الحديث مضرة المقيم فقط على أن حرمة الإقامة لخشية ~~الفتنة معلوم عند كل أحد فلا يحتاج للتنبيه عليه بخلاف حرمتها لترائي # PageV01P204 # النارين فإن هذا لا يعرفه كل أحد فمن ثم نبه - صلى الله عليه وسلم - جريا ~~على عادته الكريمة من تنبيهه أمته على الأشياء الخفية التي لا يهتدى إليها ~~إلا بنوع توقيف والله سبحانه وتعالى أعلم (وسئل) رضي الله عنه بما لفظه نقل ~~شيخ الإسلام ms470 الزين العراقي في تخريجه أحاديث الإحياء عن أحمد رضي الله عنه ~~أنه قال في حديث الاستخارة المشهور هذا حديث منكر مع أن البخاري رواه عن ~~جابر رضي الله تعالى عنه قال كان - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا الاستخارة ~~في الأمور كلها كالسورة من القرآن يقول إذا هم أحدكم بأمر فليركع ركعتين من ~~غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك الحديث فهل قول أحمد المذكور ~~يؤثر ضعفا في الحديث أولا (فأجاب) بقوله لا يؤثر قول أحمد المذكور ضعفا في ~~الحديث لأنه ليس المراد به ظاهره فإن اصطلاح أحمد كما نقله الأئمة عنه أنه ~~يطلق هذا اللفظ على الفرد المطلق وإن كان راويه ثقة وقد جاء عن أحمد ذلك في ~~حديث الأعمال بالنيات لكونه فردا مطلقا باعتبار أوله وإن كان متواترا ~~باعتبار آخره فقال في رواية محمد بن إبراهيم التيمي روى حديثا منكرا ووصف ~~محمدا مع ذلك بأنه ثقة فإذا عرف من اصطلاح أحمد رضي الله عنه ذلك على أنه ~~لم يضعف الحديث بوجه على أن الحافظ ابن عدي رضي الله عنه أشار إلى أن حديث ~~جابر المذكور ليس فردا مطلقا كيف وقد رواه غير جابر من الصحابة رضي الله ~~عنهم سمى الترمذي منهم اثنين فقال وفي الباب عن ابن مسعود وأبي أيوب انتهى ~~زاد غيره عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وأبا هريرة وأبا سعيد رضي الله ~~تعالى عنهم أجمعين لكن مع بعض زيادة ونقص في ألفاظه وذلك يعلمك بأن الحديث ~~ليس فردا مطلقا كيف وقد وافق جابرا في روايته عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ستة من أكابر الصحابة رضي الله عنهم (وسئل) رضي الله عنه بما لفظه ~~ما معنى حديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث سرية إلى خثعم ~~فاعتصم ناس بالسجود فأسرع فيهم القتل فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فأمر لهم بنصف العقل وقال أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين ~~قالوا يا رسول الله ولم قال لا تراى ms471 ناراهما وهل هو حديث صحيح أم لا ~~(فأجاب) بقوله الحديث رواه أبو داود والترمذي والنسائي وقبلهم أبو بكر بن ~~أبي شيبة بأسانيد صحيحة إلى قيس بن أبي حازم التابعي الكبير فمنهم من أرسله ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنهم من أسنده عن قيس عن جرير البجلي ~~وقال البخاري المرسل أصح ومعنى الحديث كما فسره أهل الغريب أنه يلزم المسلم ~~أن يبعد منزله عن منزل المشركين أي الحربي ولا ينزل بموضع إذا أوقدت فيه ~~نار تلوح وتظهر النار التي يوقدونها في منزلهم لأن النارين متى تراءيا كان ~~معدودا منهم وقد تقرر أن الهجرة من دار الحرب واجبة بشروطها والترائي تفاعل ~~من الرؤية يقال تراءى القوم إذا رأى بعضهم بعضا وتراءى لي الشيء إذا ظهر ~~حتى رأيته وإسناد الترائي إلى النارين مجاز من قولهم داري تنظر إلى دار ~~فلان أي تقابلها ويقال ناراهما مختلفان هذه تدعو إلى الله وكأن هذه النار ~~تعبد والأخرى تنادى بلسان حالها للترائي وهذه تدعو إلى الشيطان فكيف ~~يجتمعان والأصل في تراءى تتراءى حذفت إحدى التاءين تخفيفا (وسئل) نفعنا ~~الله به عن حديث أن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخلل ~~الباقرة بلسانها من رواه (فأجاب) بقوله رواه أبو داود والترمذي وحسنه وهو ~~بمعنى الحديث الحسن أيضا أن الله يبغض الثرثارين والمتشدقين وفي رواية أن ~~أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون أي ~~المكثرون للكلام مع التشدق فيه وإظهار التفاصح وأنه بليغ لا يصل أحد إليه ~~في ذلك زهوا وعجبا (وسئل) نفع الله به هل ورد لا تعد من لا يعدوك (فأجاب) ~~بقوله لم يرد بهذا اللفظ وإنما هو من كلام ابن وهب والوارد بسند ضعيف من ~~عاد مرضانا عدنا مرضاه وهو يفهم ما ذكر واستؤنس له بالحديث بسند ضعيف أيضا ~~لا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما ترى له ومن ثم قال أحمد رضي الله عنه ~~ورحمه لما قال له ولده يا أبت إن جارنا مرض فما نعوده يا ms472 أبت فقال ما عدانا ~~فنعوده فإن قلت قد ينافي ذلك الحديث المرسل عد من لا يعدوك قلت لا ينافيه ~~لا مكان حمل الأول على التأديب لمن يترك ذلك انتقاصا لك والثاني على المقام ~~الأكمل وهو هضم النفس وعدم الالتفات لحظوظها بوجه (وسئل) نفع الله به هل ~~يكره القرآن بين تمرتين مطلقا وهل يلحق بالتمر غيره # PageV01P205 # (فأجاب) بقوله ورد النهي عن القرآن في التمر وخصه بعض الحفاظ بما إذا كان ~~من أحد الشريكين حيث لم يستأذن صاحبه انتهى وهذا التخصيص يحتاج لدليل إذ ~~العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وأيضا فالضيوف ينبغي مراعاة لنصفة بينهم ~~وليس منها القرآن بل قال بعض الأئمة يحرم على بعضهم تكبير اللقمة ليأكل ~~أكثر منهم ويحرمهم لأنهم استحقوا الطعام المحضر إليهم على السواء فلا يجوز ~~تمييز بعضهم عليهم ببعضه من غير رضاهم فالوجه أنه لا فرق بين الشركاء ~~والضيوف نعم التقييد بعدم استئذانهم متجه فبإذنهم في القرآن عن طيب نفس ~~لإحياء نزول الكراهة أو الحرمة والحق بالتمر غيره حتى السمسم وفيه بعد ~~والذي يتجه حمله على ما يعد القرآن فيه مزريا بصاحبه ودالا على تهوره في ~~الأكل وعدم أدبه فيه (وسئل) هل ورد في موت فرعون كافرا حديث (فأجاب) نعم ~~ورد فيه أحاديث منها حديث عدي والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه - ~~صلى الله عليه وسلم - قال خلق الله يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا وخلق ~~فرعون في بطن أمه كافرا (وسئل) نفع الله به عن حديث أنا من الله والمؤمنون ~~مني من رواه (فأجاب) بقوله هو كذب مختلق وإن ذكره الديلمي بلا إسناد (وسئل) ~~نفع الله به عن حديث أول ما خلق الله روحي والعالم بأسره من نوري كل شيء ~~يرجع إلى أصله من رواه (فأجاب) بقوله لا أعلم أحدا رواه كذلك وإنما الذي ~~رواه عبد الرزاق أنه - صلى الله عليه وسلم - قال إن الله خلق نور محمد قبل ~~الأشياء من نوره (وسئل) نفع الله به وبعلومه عن حديث من رآني فقد ms473 رأى الحق ~~ما حكمه (فأجاب) بقوله هو حديث صحيح ومعنى قوله فقد رأى الحق أي الرؤيا ~~الحق (وسئل) رضي الله عنه عن حديث من عرف نفسه عرف ربه من رواه (فأجاب) ~~رحمه الله بقوله لا أصل له وإنما يحكى من كلام يحيى بن معاذ الرازي الصوفي ~~ومعناه من عرف نفسه بالعجز والافتقار والتقصير والذلة والانكسار عرف ربه ~~بصفات الجلالة والجمالة على ما ينبغي لهما فأدام مراقبته حتى يفتح له باب ~~مشاهدته فيكون من أخصائه الذين أفرغ عليهم سجال معرفته وألبسهم صوافي ~~خلافته (وسئل) رضي الله عنه عن حديث المؤمن مرآة المؤمن من رواه (فأجاب) ~~بقوله رواه أبو داود وغيره وله طرق تصير حسنا (وسئل) نفع الله به عن حديث ~~تفكر ساعة خير من عمل الثقلين من رواه (فأجاب) بقوله لم أره بهذا اللفظ ~~والذي رواه أبو الشيخ تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة (وسئل) نفع الله به ~~عن حديث خلق آدم على صورته أو على صورة الرحمن هل هو وارد أولا (فأجاب) ~~بقوله نعم هو وارد ولكن الضمير في صورته إذا أريد بها حقيقتها ليس للحق ~~تعالى لتعاليه عن الصورة ولوازمها علوا كبيرا وإنما سبب ذلك أن عبدا لطمه ~~سيده على وجهه فزجره النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك وقال له زيادة في ~~تأديبه أن الله خلق آدم على صورته أي فكيف تضربه على وجهه المحاكي لوجه ~~أبيك آدم وصورته أما إذا أريد بها مجرد الوصف فيصح رجوع الضمير إلى الله ~~كما تصح به رواية على صورة الرحمن ويكون مفاد الحديث حينئذ أنه تعالى خلق ~~آدم متجليا على صورته بشيء من صفات الحق كالرحمة ومن ثم خص وصف الرحمن ~~بالذكر في الرواية الثانية ويؤيد ذلك تخلقوا بأخلاق الله وقول عائشة رضي ~~الله عنها في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان خلقه القرآن (وسئل) ~~رحمه الله تعالى عن حديث الحق ينطق على لسان عمر من رواه (فأجاب) بقوله ~~رواه أحمد والترمذي وأبو داود بلفظ أن الله تعالى جعل ms474 الحق على لسان عمر ~~وقلبه ورواه ابن ماجه بلفظ أن الله تعالى وضع الحق على لسان عمر يقول به ~~(وسئل) رضي الله عنه عن حديث ما وسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي ~~المؤمن من رواه (فأجاب) بقوله لا أصل له عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وإنما هو مذكور في الإسرائيليات وقال الزركشي هو حديث باطل من وضع الملاحدة ~~انتهى وذكر جماعة له من الصوفية لا يريدون به حقيقة ظاهرة من الاتحاد أو ~~الحلول لأن كلا منهما كفر وصالحو الصوفية أعرف الناس بالله وما يجب له وما ~~يستحيل عليه وإنما يريدون بذلك أن قلب المؤمن يسع الإيمان بالله تعالى ~~ومحبته ومعرفته (وسئل) نفع الله به عن حديث أن الله خلق خلقه في ظلمة فألقى ~~عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور شيء اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك أقول ~~جف القلم على علم الله من رواه (فأجاب) بقوله رواه الترمذي رحمه الله تعالى ~~وحسنه وابن جرير والطبراني # PageV01P206 # والحاكم والبيهقي وبسطت الكلام على معناه في شرح المشكاة (وسئل) نفع الله ~~به ما معنى حديث أخرجه الديلمي عن ابن عباس رضي الله عنهما ولفظه من استكمل ~~ورعه حرم رؤيتي في المنام (فأجاب) بقوله منشؤ الإشكال فيه جعل ورعه فاعل ~~استكمل بمعنى كمل والظاهر أن هذا ليس هو المراد وإنما الذي يتضح به المعنى ~~أن ورعه مفعول والفاعل ضمير من والمعنى من عد ورعه كلاما حرم رؤيتي في ~~المنام أي الرؤية التي تدل على شرف رائيها بأن يراه - صلى الله عليه وسلم - ~~على أوصافه المعروفة ووجه حرمانه أن ذلك الاستكمال ينبئ عن العجب بالعمل ~~وعن غلبة أخلاق نفسه الرديئة عليه وعن عدم صدقه وإخلاصه في عبادته وإلا ~~لرأى أن لا ورع له أصلا بل ولا عمل فضلا عن الورع فيه فضلا عن استكماله ~~وإنما عوقب بذلك بخصوصه لأن صدق الرؤيا ينبي عن صدق العمل وكذبها ينبئ عن ~~كذب العمل فجعلت رؤيته له - صلى الله عليه وسلم - غير واقعة ليستدل بذلك ~~على كذبه ms475 في ذلك الاستكمال وأنه لم يحصل له من الورع شيء فإن قلت هل يمكن ~~حمل الحديث على المعنى الأول ويلتمس له وجه قلت نعم لكن بتكلف بأن يقال كنى ~~بحرمان ما هو من لازم النوم عن حرمان النوم لأن كمال الورع الذي هو الزهد ~~يستدعى تجنب الشبع ونحوه من قبائح الأوصاف والأخلاق ويلزم من تجنب ذلك قلة ~~النوم حتى يصير كأنه غير موجود أو يقال حرم رؤيتي في النوم لاستغنائه عنها ~~فيه بما هو أعلى وأفضل وهو رؤيتي في اليقظة لأن التحقيق أنها ممكنة بل ~~واقعة كما ذكره وشاهده غير واحد من أولياء الله تعالى بأن ترفع الحجب ~~فيرونه - صلى الله عليه وسلم - يقظة في قبره الشريف إذ الأنبياء صلوات الله ~~وسلامه عليهم أحياء في قبورهم يصلون وقد يقع له - صلى الله عليه وسلم - ~~تشكل فيرى ذلك التشكل منفصلا عن القبر الشريف كما وقع ذلك للعارف سيدي على ~~وفابترتهم بالقرافة أو يقال وجه حرمانه إياها أنها إنما تقع غالبا لتأنيس ~~الضعفاء وتبشيرهم بأنهم على حق ومن كمل ورعه صار من المتمكنين الذي لا ~~يحتاجون لتأنيس الضعفاء وتبشيرهم بما ذكر ونظير هذا أن المريد الصادق في ~~ابتدائه تكثر له الكرامات لتؤنسه وتثبته فإذا كمل خفت أو انعدمت عنه لعدم ~~احتياجه إليها ومن ثم قال الجنيد سيد الطائفة رضي الله عنه وعنهم مشى قوم ~~على الماء ومات بالعطش من هو أفضل منهم وقال ذرة استقامة خير من ألف كرامة ~~وقال بعض الأساتذة لتلميذ له شكا إليه أنه كان يجد كرامة ثم عدمها يا بني ~~إن الصبي إذا دخل المكتب أعطى خشخاشة يعلب بها فإذا تمرن عليها رماها ~~وتركها فكذلك رؤيته - صلى الله عليه وسلم - تكون تأنيسا للمريدين في ابتداء ~~إرادتهم فإذا كملوا بكمال تورعهم استغنوا عن ذلك التأنيس فعبر بحرمان ~~الرؤية عن هذا الاستغناء واعلم أن هذه كلها احتمالات والله تعالى أعلم ~~بمراد نبيه - صلى الله عليه وسلم - بتقدير صحة الحديث لأن أحاديث الديلمي ~~فيها ما فيها كما تقرر في محله والله ms476 أعلم (وسئل) نفع الله به هل ورد عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - التصريح بكفر فرعون (فأجاب) بقوله نعم ورد ~~ذلك في عدة أحاديث منها حديث ابن عدي والطبراني والبيهقي وضعفه خلق الله ~~يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا وخلق فرعون في بطن أمه كافر أو منها حديث ~~الدارقطني وابن عساكر خلق الله الناس على طبقات ثم قال ومنهم من يولد كافرا ~~ويحيا كافرا ويموت كافرا منهم فرعون ذو الأوتاد ومنها حديث البيهقي يولد ~~العبد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت مؤمنا منهم يحيى بن زكريا ويولد كافرا ويحيا ~~كافرا ويموت كافرا منهم فرعون (وسئل) نفع الله به عمن روى حديث ثلاثة يدعون ~~الله فلا يستجاب لهم رجل أعطى ماله سفيها وقد قال الله تعالى {ولا تؤتوا ~~السفهاء أموالكم} ورجل له امرأة سيئة الخلق ولم يطلقها ورجل بائع ولم يشهد ~~(فأجاب) بقوله رواه ابن عساكر (وسئل) نفع الله به بما لفظه من روى حديث ~~يخرج الخمار من قبره مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله تعالى ويقوم آكل ~~الربا مكتوبا بين عينيه لا حجة عند الله ويقوم المحتكر من قبره مكتوبا بين ~~عينيه كافر تبوأ مقعدك من النار (فأجاب) قوله رواه الديلمي (وسئل) نفع الله ~~بما لفظه حديث خيركم بعد المائتين الخفيف الحاذ من رواه وما ضبطه (فأجاب) ~~بقوله أخرج أبو يعلى الموصلي في مسنده خيركم في المائتين كل خفيف الحاذ قيل ~~يا رسول الله ومن خفيف الخاذ قال من لا مال له ولا أهل وفي إسناده رواه ابن ~~الجراح وقد كثر اختلاف الأئمة فيه ومن ثم قال الذهبي هذا الحديث مما # PageV01P207 # غلط فيه فإن أبا حاتم قال فيه أنه منكر لا يشبه حديث الثقات وأما الحاذ ~~فهو بالحاء المهملة والذال المعجمة الخفيفة ومن قال أنه باللام أو بالجيم ~~والدال المهملة فهو لحن والمراد هنا الظهر ضرب مثلا لقلة المال والعيال ~~وأصل حقيقة المتن وهو ما يقع عليه اللبد من ظهر الفرس وهو محمول بالنسبة ~~لترك التزوج والولد على زمن الفتنة ms477 أو على من فقد فيه بعض شروط ندب النكاح ~~أو على من خشي من النكاح التوريط في أمر يخشى منه على نفسه أو دينه بسبب ~~طلب المعيشة لا منسوخ خلافا لمن وهم فيه لأنه خبر وهو لا يقبل النسخ (وسئل) ~~نفع الله به عن خبر من بلغ الأربعين ولم يغلب خيره على شره فليتجهز إلى ~~النار من رواه (فأجاب) بقوله لفظ الحديث من أتت عليه أربعون سنة ولم يغلب ~~خيره شره فليتجهز إلى النار رواه الأزدي عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأشار إليه الخطيب (وسئل) رحمه الله ~~تعالى عن معنى حديث أن الله خلق آدم على صورته هل هو صحيح أو لا (فأجاب) ~~بقوله الحديث صحيح والجواب عنه أنه وارد على سبب هو أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - رأى رجلا يضرب عبده على وجهه فقال له - صلى الله عليه وسلم - ~~ذلك أي لا تضربه على وجهه فإن الله خلق وجه آدم على صورة هذا الوجه وآدم ~~أبوك فكيف تضرب وجها بشبه وجه أبيك فالضمير لغير مذكور دل عليه قرينة الحال ~~الخارجة وهو جائز ويصح أن يكون الضمير لله تعالى كما هو ظاهر السياق وحينئذ ~~يتعين أن المراد بالصورة الصفة أي أن الله تعالى خلق آدم على أوصافه من ~~العلم والقدرة وغيرهما ويؤيد هذا الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله تعالى ~~عنها كان - صلى الله عليه وسلم - خلقه القرآن وحديث تخلقوا بأخلاق الله ~~تعالى فالمطلوب من الكامل أن يطهر أخلاقه وأوصافه من كل نقص ليحصل له نوع ~~تأس بأخلاق ربه أي صفاته وإلا فشتان ما بين أوصاف القديم والحادث وبهذا ~~التقرير يعلم أن في هذا الحديث غاية المدحة لآدم صلى الله على نبينا وعليه ~~وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم حيث أوجد الله فيه صفات كصفاته تعالى ~~بالمعنى الذي قررته ويصح أن يراد بالصورة المعنى المراد من الروح وبالإضافة ~~غاية التشريف لآدم صلوات الله وسلامه عليه ولبنيه والحاصل أن الحديث أن ~~أعيد ms478 الضمير فيه لله وجب تأويله على ما هو المعروف من مذهب الخلف الذي هو ~~أحكم وأعلم خلافا لفرقة ضلوا عن الحق وارتكبوا عظائم من الجهة والتجسيم ~~اللذين هم كفر عند كثير من العلماء أعاذنا الله من ذلك بمنه وكرمه (وسئل) ~~نفع الله به عن ابن صياد هو الدجال بعضهم يحلف على ذلك وقال آخرون أنه غيره ~~وهو الأشهر وعليه يدل صريحا ما في حديث مسلم الطويل المنعوت فيه الدجال ~~بأوصاف لا تنطبق على ابن صياد منها أنه مسلسل في جزيرة من جزائر البحرين ~~وابن صياد إذا كان بالمدينة على أنه ورد أنه أسلم بعد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وتزوج وولد له وما ورد أيضا أنه فقد ولم يدر أين ذهب فهذا لا ~~يدل على أنه الدجال كما هو ظاهر والله أعلم. # (وسئل) رضي الله عنه عن جماعة من الفقراء فقراء المسلمين دخلوا مسجدا ~~ودخل وقت الظهر فصلوا الظهر جماعة وصلوا راتبته ثم تحلقوا يدرسون كتاب الله ~~تعالى فختموا وخلوا الأجزاء في المقدمة وخلوها مفتوحة مستشفعين بالأجزاء ~~العظيمة وأشاروا إلى واحد منهم يدعو والباقون يؤمنون فختم ثم ذكروا الله ~~ولا يزالون كذلك مع عدم الأغيار والخلو عن اللغط واتحاد المقاصد وسكون ~~الحواس الظاهرة ولا يزال يصفو الوقت والحاضرون وظهر سر قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله تعالى ~~ويتدارسونه بينهم ويذكرون الله تعالى إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم ~~الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده فصفت بواطنهم واحترقت وفنيت ~~بدوام الذكر الأجزاء الخبيثة وبقيت الأجزاء الطيبة مع طيب المكان وطيب ~~الوقت فمنهم خاضع وخاشع وباك وساقط مغشى عليه قد علم كل أناس مشربهم فبغض ~~الفقراء المتوسمين معهم بأصواتهم الحسنة يسمع بذوق فيحصل على هذا المذكور # PageV01P208 # في بعض الأوقات حال يشبه أحوالهم مع تقصيره في سائر أحواله لعلمه ببركة ~~من حضر من الروحانيين وممن تروحن من الآدميين مع السكينة والرحمة العامة ~~عليهم فيقهره حتى يظهر من باطنه خفقان واضطراب فتحركت ms479 بسببه الأعضاء ~~الظاهرة بكيفيات لا يفعلها ولا يرضى بها باختياره بل ولا يقدر على فعلها ~~فهذا الإنسان هل الأحسن في أمره أنه متى استشعر هذا الأمر يخرج من ذاك ~~المكان أم التصبر فيه كيفما أظهره حكم الوقت أم يفرق بين أن يكون ممن تخنل ~~الحلقة بخروجه وبين غيره فإن قلتم إن الأحسن التصبر والتلذذ بما يحد من ~~اللذة التي يحقر فيها نعيم الدنيا والآخرة وهو مع ذلك بحيث لا يشعر من نفسه ~~ولا من جسمه ولا من لباسه شيأ إلا أنه يسمع الذكر الذي بسببه حصل ما حصل ~~ويجد له لذة إذ ذاك في ذكر وقد يشعر بالذكر والقول وقد يغيب عن الذكر ~~والقول وقد يغيب عن الجميع فهل تعدون هذه الحالة من أسباب الحدث قياسا على ~~الإغماء أم لا قياسا على النعاس أم تقولون إن ذهب الشعور بالكلية فهو محدث ~~كالمغمى عليه وإن كان شعور ما فهو متطهر كالناعس ولأن الأصل الطهارة أم كيف ~~الحكم فإن هذه الحالة كما لا يخفى على بصائركم الناقدة وأذواقكم السليمة لا ~~تشبه هذه ولا تلك أجيبوا جوابا شافيا كافيا كاشفا نقلا وعقلا وذوقا لا ~~عدمناكم بصدور المجالس ظاهرين وبحل المشكلات قائمين وعلى سبيل ألسنة ~~البيضاء سالكين وإلى المطالب المقصودة واصلين آمين يا رب العالمين (فأجاب) ~~بقوله رحمه الله ونفعنا ووالدينا ومشايخنا بأسراره وكملنا بباهر أنواره ~~وطيبنا بعاطر أزهاره وأورثنا ما أورثه من المعارف الإلهية والأحكام الشرعية ~~والأنفاس المحمدية الأحمدية الأحسن لمن أمن على نفسه الرياء لما أنها اتصفت ~~وصفت عن كدوراتها وعرت عن شهواتها ومألوفاتها وتجلى عليها وارد الحق وتحلت ~~بمعنى الصدق فانقشع عن سماء سرها سحب الأكدار وتمزقت عن عين بصرتها حجب ~~الأغيار فأخلصت الوجهة إليه وقامت بباهر الأدب بين يديه ولم تشهد سواه ولا ~~خطر بسرها إلا إياه لوصولها إلى غاية مقام الإحسان الموجب لانضمام العيان ~~إلى البرهان أن لا يخرج نفسه عن هذه الحضرة العلية والمواهب الاختصاصية ~~الزكية بل يستديم استجلاء تلك الأنوار واستكشاف هذه الأسرار حتى يمتلئ ~~الإهاب ويسمع ms480 لذيذ الخطاب ويصير عينا من معينات الحق التي أظهرها هداية ~~للعباد وأيضا حالسبل الرشاد وكيف يسوغ لمن تأهل للموصول إلى هذا الطود ~~الشامخ والمقام الباذخ وحقائق الإنافة ومعالي الخلافة وشهود العيان ~~والتبختر في سوابغ الامتنان أن ينزل عن معالي تلك الكمالات وعوارف هذه ~~المنازلات إلى حضيض الأعراض والوقوف مع دني الأغراض بل عليه أن يستسلم لما ~~أقامه فيه الحق من على عبادته بين أهل محبته وإرادته مستمطر إما يفتح به ~~عليه من ينابيع الحكم والمعارف ومتهبا ومتأهلا لنفحات الحق التي أمرنا ~~بالتعرض لها ليلا ونهار أو سرا أو إظهارا ومعرضا عن قول الوشاة القاصرين ~~والطغاة المحجوبين سواء اختلت تلك الحضرة بذهابه أولا لما بان وظهر أن ~~المقام أحرى وأولى وليحذر كل الحذر من النظر إلى الخلق فإن من نظر إليهم ~~بعين بصرء أو بصيرته ساء فعله وحق طرده وكسف حجابه ودام عذابه ولم يظفر من ~~أعماله إلا بتمويه باطل وحال حائل ووصف مضمحل زائل وحينئذ تستولى عليه نفسه ~~وشيطانه فيلبسان عليه أحواله ويزينان عنده كماله فتزل قدمه ويحق ندمه وإذا ~~ثبت هذا المريد أو المراد كما أشرنا متحليا بصدقه وتقواه إلى أن استحكم فيه ~~ذلك الوارد وأخرجه عن حيز الصحو إلى غمرة تلك الموارد فتارة يضعف عن قبول ~~أعباء ما فاجأه من باهر الأنوار الموجبة لاستتار العقل بها أتم الاستتار ~~فيكون كالنائم بل هو أشد منه استغراقا ولا شك حينئذ في انتقاض وضوئه وإن لم ~~يكن وفاقا لزوال الشعور من أصله بواسطة ما استولى على عقله لكنا لا نجعله ~~كالإغماء لأنه مرض يستولى على العقل فيذهله ويعطل إدراكه ويخبله ومن ثم ~~احتاج للعلاج غالبا ولم يكن سهم من قام به لغرضه صائبا وأما الغيبة التي ~~كلامنا فيها فالعقل معها باق على كماله وإنما عرض له ما يقهره فأخرجه عن ~~حيز الاعتدال لاستغراقه في أنوار الشهود وذهوله عن الوجود وتارة لا يضعف عن ~~قبول ذلك لإلفه تلك الموارد وغوصه غمرة هذه المسالك فحينئذ لا يغيب عن ~~إدراك عقله # PageV01P209 # ولا يذهل عن ms481 محله وإنما غاية ما يحصل له نوع ذهول فهو كالناعس إذ هو عن ~~سماع مجرد الصوت غير مخمور مخبول وكل من كان على هذا القانون فوضوءه باق ~~وإن لم يفهم ما سمعه ولا يشعر بما صنعه هذا كله حيث تيقن ما يرد عليه وعرف ~~وصفه وما يحصل معه فإما إذا عرض له ما لم يعرف وصفه مما ذكرناه وإنما شك هل ~~ثم استيلاء عليه وكان كالنائم أولا فكان كالناعس فلا ينتقض وضوءه كما ~~شرطناه من أن الأصل بقاء طهره ودوام أصل تمييزه وفهمه سيما والغالب على ~~أرباب الأحوال بقاء شعورهم معها وعدم انحرافهم عن سنن الكمال قدس الله ~~أرواحهم ونور معالمهم وضرائحهم وأعاد علينا من بركاتهم وأذاقنا الله حلاوة ~~شرابهم وألحقنا بهم في التحلي بأشرف المعارف وأكمل المتالد والمطالف أنه ~~أكرم كريم وأرحم رحيم (وسئل) أفاض الله علينا من بركاته ما حكم مطالعه كتب ~~الشيخ محيي الدين بن عربي (فأجاب) بقوله الذي أثرناه عن أكابر مشايخنا ~~العلماء الحكماء الذي يستسقى بهم الغيث وعليهم المعول وإليهم المرجع في ~~تحرير الأحكام وبيان الأحوال والمعارف والمقامات والإشارات أن الشيخ محيي ~~الدين بن عربي من أولياء الله تعالى العارفين ومن العلماء العاملين وقد ~~اتفقوا على أنه كان أعلم أهل زمانه بحيث أنه كان في كل فن متبوعا لا تابعا ~~وأنه في التحقيق والكشف والكلام على الفرق والجمع بحر لا يجارى وإمام لا ~~يغالط ولا يمارى وأنه أورع أهل زمانه وألزمهم للسنة وأعظمهم مجاهدة حتى أنه ~~مكث على ثلاثة أشهر على وضوء واحد وقس على ذلك ما هو من سوابقه ولواحقه ~~ووقع له ما هو أعظم من ذلك ومنه أنه لما صنف كتابه الفتوحات المكية وضعه ~~على ظهر الكعبة ورقا من غير وقاية عليه فمكث على ظهرها سنة لم يمسه مطر ولا ~~أخذ منه الريح ورقة واحدة مع كثرة الرياح والأمطار بمكة فحفظ الله كتابه ~~هذا من هذين الضدين دليل أي دليل وعلامة أي علامة على أنه تعالى قبل منه ~~ذلك الكتاب وأثابه عليه وحمد ms482 تصنيفه له فلا ينبغي التعرض للإنكار عليه فإنه ~~السم القاتل لوقته كما شاهدناه وجربناه في أناس حق عليهم من المقت وسوء ~~العقاب ما أوجب لهم التعرض لهذا الإمام العارف بالإنكار حتى استأصل شأفتهم ~~وقطع دابرهم فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم فمعاذا بالله من أحوالهم وتضرعا ~~إليه بالسلامة من أقوالهم وأما مطالعة كتبه رضي الله عنه فينبغي للإنسان أن ~~يعرض عنها بكل وجه أمكنه فإنها مشتملة على حقائق يعسر فهمها إلا على ~~العارفين المتضلعين من الكتاب والسنة المطلعين على حقائق المعارف وعوارف ~~الحقائق فمن لم يصل لهذه المرتبة يخشى عليه منها مزلة القدم والوقوع في ~~مهامه الحيرة والندم كما شاهدناه في أناس جهال أدمنوا مطالعتها فخلعوا ربقة ~~الإسلام والتكليفات الشرعية من أعناقهم وأفضى بهم الحال إلى الوقوع في شرك ~~الشرك الأكبر فخسروا الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين وأيضا ففي تلك ~~الكتب مواضع عبر عنها بما لا يطابقه ظواهر عباراتها اتكالا على اصطلاح مقرر ~~عند واضعها فيفهم مطالعها ظواهرها الغير المرادة فيضل ضلالا مبينا وأيضا ~~ففيها أمور كشفية وقعت حال غيبة واصطلام وهذا يحتاج إلى التأويل وهو يتوقف ~~على إتقان العلوم الظاهرة بل والباطنة فمن نظر فيها وهو ليس كذلك فهم منها ~~خلاف المراد فضل وأضل فعلم أن مجانبة مطالعتها رأسا أولى فإن العارف لا ~~يحتاج إليها إلا ليطابق بما فيها ما عنده وغيره إن لم تضره ما نفعته نعم له ~~كتب في التربية الصرفة والحمل على الأخلاق والأحوال وغيرهما مما يناسب ~~السلوك فهذه لا بأس بمطالعتها فإنها ككتب الغزالي وأبي طالب المكي ونحوها ~~من الكتب النافعة في الدنيا والآخرة فجزى الله مصنفها خير الجزاء وأكمله ~~(وسئل) رضي الله عنه وأدام النفع به آمين ما حكم مطالعة كتب ابن عربي وابن ~~الفارض (فأجاب) بقوله حكمهما أنها جائزة مطالعة كتبهما بل مستحبة فكم ~~اشتملت تلك الكتب على فائدة لا توجد في غيرها وعائدة لا تنقطع هواطل خيرها ~~وعجيبة من عجائب الأسرار الإلهية التي لا ينتهي مدد خيرها وكم ترجمت عن ~~مقام عجز ms483 عن الترجمة عنه من سواها وأظهرت من العبارة الوافية عن حال أعجز ~~حال من عداها ورمزت من رموز لا يفهمها إلا العارفون ولا يحوم حول حومة ~~حماها إلا الربانيون الذين هم # PageV01P210 # بين بواطن الشريعة الغراء وأحكام ظواهرها على أكمل ما ينبغي جامعون فلذلك ~~كانوا بفضل مؤلفيها معترفين وعلى ما فيها من الأخلاق والأحوال والمعارف ~~والمقامات والكمالات هم المعولون ولم لا وهذان الإمامان المذكوران في ~~السؤال من أئمة السلوك والمعارف ومن الأخيار الذين منحهم الله غايات ~~اللطائف ولطائف العوارف وزوى عن قلوبهم محبة ما سواه تعالى وعمرها بذكره ~~وشهوده وأسبغ عليها رضاه وفرغهم له فقاموا بواجب خدمته حسب الطاقة البشرية ~~وأجرى عليهم من سوابغ قربه وحقائق الوحدانية الفردانية فتوسلا إليك اللهم ~~أن تهل على جدثيهما هواطل الرحمة والرضوان وأن تسكنهما من قربك الأكبر أعلى ~~فراديس الجنان إنك أنت الحنان المنان هذا وأنه قد طالع هذه الكتب أقوام ~~عوام جهلة طغام فأدمنوا مطالعتها مع دقة معانيها ورقة إشاراتها وغموض ~~مبانيها وبنائها على اصطلاح القوم السالمين عن المحذور واللوم وتوقف فهمها ~~بكمالها على إتقان العلوم الظاهرة والتحلي بحقائق الأحوال والأخلاق الباهرة ~~فلذلك ضعفت أفهامهم وزلت أقدامهم وفهموا منها خلاف المراد واعتقدوه صوابا ~~فباؤا بخسار يوم التناد وألحدوا في الإعتقاد وهوت بهم أفهامهم القاصرة إلى ~~هوة الحلول والاتحاد حتى لقد سمعت شيأ من هذه المفاسد القبيحة والمكفرات ~~الصريحة من بعض من أدمن مطالعة تلك الكتب مع جهله بأساليبها وعظم ما لها من ~~الخطب وهذا هو الذي أوجب لكثير من الأئمة الخط عليها والمبادرة بالإنكار ~~إليها ولهم في ذلك نوع عذر لأن قصدهم فطم أولئك الجهلة عن تلك السموم ~~القاتلة لهم لا الإنكار عن مؤلفيها من حيث ذاتهم وحالهم وبعض المنكرين ~~يغترون بظواهر ألفاظها وإيهامها خلاف مقصود حفاظها غفلة عن اصطلاحاتهم ~~المقررة وتحقيقاتهم المقررة على القواعد الشرعية المحررة والحق عدم الإنكار ~~والتسليم فيما برز عن أولئك الأئمة الإظهار مع التشديد على الجهلة بالقواعد ~~والاصطلاحات في مطالعة تلك الكتب فقد صرح الإمام ابن العربي بحرمة مطالعة ms484 ~~كتبهم إلا لمن تحلى بأخلاقهم وعلم معاني كلماتهم الموافقة لاصطلاحاتهم ولا ~~تجد ذلك إلا فيمن جد وشمر وجانب السوء وشد المئزر وتضلع من العلوم الظاهرة ~~وتطهر من كل خلق دنيء مما تعلق بالدنيا والآخرة فهذا هو الذي يفهم الخطاب ~~ويؤذن له في الدخول إذا وقف على الباب والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ~~(وسئل) نفع الله تعالى به هل لقول التاج ابن عطاء الله في حكمه رب معصية ~~أورثت ذلا واستصغارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا أصل من السنة وكيف ~~يطلق خير على معصية (فأجاب) بقوله نعم له أصل من السنة وهو ما أخرجه أبو ~~الشيخ ابن حبان في كتاب الثواب بسنده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال قال الله عز وجل لولا أن الذنوب خير لعبدي المؤمن من العجب ما خليت بين ~~عبدي المؤمن وبين الذنوب ورواه الديلمي في مسند الفردوس بلفظ لولا أن ~~المؤمن يعجب بعلمه لعصم من الذنب حتى لا يهم به ولكن الذنب خير له من العجب ~~وأخرج ابن أبي الدنيا وقال غريب تفرد به من اختلف في توثيقه الحديث القدسي ~~المشهور المذكور في تفسير سورة الشورى من تفسير البغوي وفيه وأن من عبادي ~~المؤمنين لمن يسألني الباب من العبادة فاكفه عنه أن لا يدخله عجب فيفسد ذلك ~~وإذا تأملت أن الخيرية في ذلك نسبية من حيث الثمرات والغايات المترتبة على ~~ذلك لم يبق عندك إشكال في إطلاقها على المعصية من رعاية ذلك الأمر النسبي ~~فتأمله (وسئل) نفع الله به هل ورد أن الخمول نعمة وكل يأباه والشهرة آفة ~~وكل يتمناه (فأجاب) بقوله لم يرد وإنما هو من كلام أبي المحاسن الروياني من ~~أئمتنا (وسئل) هل ورد اتخذوا مع الفقراء أيادي قبل أن تحجز دولتهم وأنه - ~~صلى الله عليه وسلم - أنشد بين يديه لسعت حية الهوى كبدى البيتين المشهورين ~~فتواجد حتى سقطت البردة عن كتفيه (فأجاب) بقوله لم يرد ذلك كله بل هو كذب ~~باطل باتفاق أهل الحديث (وسئل) نفع الله بعلومه ورضى عنه ms485 هل يمكن الآن ~~الاجتماع بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في اليقظة والتلقي منه (فأجاب) ~~بقوله نعم يمكن ذلك فقد صرح بأن ذلك من كرامات الأولياء الغزالي والبارزي ~~والتاج السبكي والعفيف اليافعي من الشافعية والقرطبي وابن أبي جمرة من ~~المالكية وقد حكى عن بعض الأولياء أنه حضر مجلس فقيه فروى ذلك الفقيه حديثا # PageV01P211 # فقال له الولي هذا الحديث باطل قال ومن أين لك هذا قال هذا النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - واقف على راسك يقول إني لم أقل هذا الحديث وكشف للفقيه ~~فرآه (وسئل) رحمه الله تعالى وبرد ثراه ما معنى قول صوفي من اكتفى بالفقه ~~عن الزهد فسق (فأجاب) بقوله معناه من تساهل في الزهد والورع أدى ذلك إلى ~~ارتكاب الشبهات ومن تساهل في ارتكاب الشبهات أداه ذلك إلى ارتكاب الحرام ~~ومن تساهل في الحرام أداه ذلك إلى ارتكاب الكبائر على أن الصوفية رضي الله ~~عنهم قد يطلقون لفظ السيئة والفسق والكفر على غير معناه الشرعي مبالغة في ~~التنفير كقولهم حسنات الأبرار سيآت المقربين وقول سيدي عمر بن الفارض رضي ~~الله عنه # (وإن خطرت لي في سواك إرادة ... على خاطري سهو أقضيت بردتي) # فهذا ليس بردة حقيقة (وسئل) نفع الله به عن رقص الصوفية عند تواجدهم هل ~~له أصل (فأجاب) بقوله نعم له أصل فقد روى في الحديث أن جعفر بن أبي طالب ~~رضي الله عنه رقص بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قال له أشبهت ~~خلقي وخلقي وذلك من لذة هذا الخطاب ولم ينكر عليه - صلى الله عليه وسلم - ~~وقد صح القيام والرقص في مجالس الذكر والسماع عن جماعة من كبار الأئمة منهم ~~عز الدين شيخ الإسلام ابن عبد السلام (وسئل) نفع الله به هل تمكن رؤية ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في اليقظة (فأجاب) بقوله أنكر ذلك جماعة ~~وجوزه آخرون وهو الحق فقد أخبر بذلك من لايتهم من الصالحين بل استدل بحديث ~~البخاري من رآني في المنام فسيراني في اليقظة أي بعيني رأسه وقيل بعين قلبه ms486 ~~واحتمال إرادة القيامة بعيد من لفظ اليقظة على أنه لا فائدة في التقييد ~~حينئذ لأن أمته كلهم يرونه يوم القيامة من رآه في المنام ومن لم يره في ~~المنام وفي شرح ابن أبي جمرة للأحاديث التي انتقاها من البخاري ترجيح بقاء ~~الحديث على عمومه في حياته ومماته لمن له أهلية الاتباع للسنة ولغيره قال ~~ومن يدعى الخصوص بغير تخصيص منه - صلى الله عليه وسلم - فقد تعسف ثم ألزم ~~منكر ذلك بأنه غير مصدق بقول الصادق وبأنه جاهل بقدرة القادر وبأنه منكر ~~لكرامات الأولياء مع ثبوتها بدلائل السنة الواضحة ومراده بعموم ذلك وقوع ~~رؤية اليقظة الموعود بها لمن رآه في النوم ولو مرة واحدة تحقيقا لوعده ~~الشريف الذي لا يخلف وأكثر ما يقع ذلك للعامة قبل الموت عند الاحتضار فلا ~~تخرج روحه من جسده حتى يراه وفاء بوعده وأما غيرهم فيحصل لهم ذلك قبل ذلك ~~بقلة أو بكثرة بحسب تأهلهم وتعلقهم واتباعهم للسنة إذ الإخلال بها مانع ~~كبير وفي صحيح مسلم عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن الملائكة كانت تسلم ~~عليه إكراما له لصبره على ألم البواسير فلما كواها انقطع سلام الملائكة عنه ~~فلما ترك الكي أي برئ كما في رواية صحيحة عاد سلامهم عليه لكون الكي خلاف ~~السنة منع تسليمهم عليه مع شدة الضرورة إليه لأنه يقدح في التوكل والتسليم ~~والصبر وفي رواية البيهقي كانت الملائكة تصافحه فلما كوى تنحت عنه وفي كتاب ~~المنقذ من الضلالة لحجة الإسلام بعد مدح الصوفية وبيان أنهم خير الخلق حتى ~~أنهم وهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتا ~~ويقتبسون منهم فوائد ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات ~~يضيق عنها نطاق الناطق وقال تلميذه أبو بكر بن العربي المالكي ورؤية ~~الأنبياء والملائكة وسماع كلامهم ممكن للمؤمن كرامة وللكافر عقوبة وفي ~~المدخل لابن الحاج المالكي رؤيته - صلى الله عليه وسلم - في اليقظة باب ضيق ~~وقل من يقع له ذلك إلا من كان على صفة عزيز وجودها في هذا ms487 الزمان بل عدمت ~~غالبا مع أننا لا ننكر من يقع له هذا من الأكابر الذين حفظهم الله تعالى في ~~ظواهرهم وبواطنهم قال وقد أنكر بعض علماء الظاهر ذلك محتجا بأن العين ~~الفانية لا ترى العين الباقية وهو - صلى الله عليه وسلم - في دار البقاء ~~والرائي في دار الفناء ورد بأن المؤمن إذا مات يرى الله وهو لا يموت ~~والواحد منهم يموت في كل يوم سبعين مرة وأشار البيهقي إلى رده بأن نبينا - ~~صلى الله عليه وسلم - رآى جماعة من الأنبياء ليلة المعراج وقال البارزي وقد ~~سمع من جماعة من الأولياء في زماننا وقبله أنهم رأوا النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يقظة حيا بعد وفاقه ونقل اليافعي وغيره عن الشيخ # PageV01P212 # الكبير أبي عبد الله القرشي أنه وقع بمصر غلاء كبير فتوجه للدعاء برفعه ~~فقيل لا تدع فلا يسمع لأحد منكم في هذا الأمر دعاء فسافرت إلى الشام فلما ~~وصلت إلى قريب ضريح الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام تلقاني ~~فقلت يا رسول الله اجعل ضيافتي عندك الدعاء لأهل مصر فدعا لهم ففرج الله ~~عنهم فقال اليافعي فقوله تلقاني الخليل قول حق لا ينكره إلا جاهل بمعرفة ما ~~يرد عليهم من الأحوال التي يشاهدون فيها ملكوت السموات والأرض وينظرون ~~الأنبياء أحياء غير أموات كما نظر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جماعة ~~من الأنبياء في السماء وسمع خطابهم وقد تقرر أن ما جاز للأنبياء معجزة جاز ~~للأولياء كرامة بشرط عدم التحدي وحكى ابن الملقن في طبقات الأولياء أن ~~الشيخ عبد القادر الجيلي قال رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الظهر ~~فقال لي يا بني لم لا تتكلم قلت يا أبتاه أنا رجل أعجمي كيف أتكلم على ~~فصحاء بغداد فقال لي افتح فاك ففتحته فتفل فيه سبعا وقال تكلم على الناس ~~وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة فصليت الظهر وجلست وحضرني خلق ~~كثير فارتج على فرأيت عليا قائما بإزائي في المجلس فقال يا بني لم لا تتكلم ~~فقلت يا أبتاه ms488 قد ارتج على فقال افتح فاك ففتحته فتفل فيه ستا قلت لم لا ~~تكملها سبعا قال أدبا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم توارى عني ~~فتكلمت وقال في ترجمة غيره كان كثير الرؤية للنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يقظة ومنا ما وذكر الكمال الأدفوي عمن أخذ عنه ابن دقيق العيد وغيره عن ~~غيره وقال التاج ابن عطاء الله عن شيخه الكامل العارف أبي العباس المرسي ~~صافحت بكفي هذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحكى ابن فارس عن سيدي ~~علي وفا قال كنت وأنا ابن خمس سنين اقرأ القرآن على رجل فأتيته مرة فرأيت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يقظة لا مناما وعليه قميص أبيض قطن ثم رأيت ~~القميص على فقال لي اقرأ فقرأت عليه سورة والضحى وألم نشرح ثم غاب عني فلما ~~أن بلغت إحدى وعشرين سنة أحرمت بصلاة الصبح بالقرافة فرأيت النبي قبالة ~~وجهي فعانقني فقال وأما بنعمة ربك فحدث فأتبت لسانه من ذلك الوقت والحكايات ~~في ذلك عن أولياء الله كثيرة جدا ولا ينكر ذلك إلا معاندا أو محروم وعلم ~~مما مر عن ابن العربي أن أكثر ما تقع رؤيته - صلى الله عليه وسلم - بالقلب ~~ثم بالبصر لكنها به ليست كالرؤية المتعارفة وإنما هي جمعية حالية وحالة ~~برزخية وأمر وجداني فلا يدرك حقيقته إلا من باشره كذا قيل ويحتمل أن المراد ~~الرؤية المتعارفة بأن يرى ذاته طائفة في العالم أو تنكشف الحجب له بينه ~~وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في قبره فينظره حيا فيه رؤية حقيقة ~~إذ لا استحالة لكن الغالب أن الرؤية إنما هي لمثاله لا لذاته وعليه يحمل ~~قول الغزالي ليس المراد أنه يرى جسمه وبدنه بل مثالا له صار ذلك المثال آية ~~يتأدى به المعنى الذي في نفسه والآلة إما حقيقية وإما خيالية والنفس غير ~~الخيال المتخيل فما رآه من الشكل ليس هو روح المصطفى - صلى الله عليه وسلم ~~- ولا هو شخصه بل هو مثال على التحقيق قال ومثل ذلك ms489 من يرى الله تعالى في ~~المنام فإن ذاته منزهة عن الشكل والصورة ولكن تنتهي تعريفاته إلى العبد ~~بواسطة مثال محسوس من نور أو غيره ويكون ذلك المثال حقا في كونه واسطة في ~~التعريف فيقول الرائي رأيت الله في المنام لا يعني أنى رأيت ذات الله كما ~~يقول في حق غيره انتهى ثم رأيت ابن العربي صرح بما ذكرناه من أنه لا يمتنع ~~رؤية ذات النبي - صلى الله عليه وسلم - بروحه وجسده لأنه وسائر الأنبياء ~~أحياء ردت إليهم أرواحهم بعدما قبضوا وأذن لهم في الخروج من قبورهم ~~وبالتصرف في الملكوت العلوي والسفلي ولا مانع من أن يراه كثيرون في وقت ~~واحد لأنه كالشمس وإذا كان القطب يملأ الكون كما قاله التاج ابن عطاء الله ~~فما بالك بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يلزم من ذلك أن الرائي صحابي ~~لأن شرط الصحبة الرؤية في عالم الملك وهذه رؤية وهو في عالم الملكوت وهي لا ~~تفيد صحبة وإلا لثبتت لجميع أمته لأنهم عرضوا عليه في ذلك العالم فرآهم ~~ورأوه كما جاءت به الأحاديث (وسئل) نفع الله به ما معنى قول الحلاج أنا ~~الحق وقول أبي يزيد سبحاني سبحاني (فأجاب) بقوله للعارفين رضي الله عنهم ~~ونفعنا بعلومهم وأسرارهم ولحظاتهم أوقات يغلب عليهم فيها شهود الحق تعالى ~~بعين العلم والبصيرة فإذا تم لهم ذلك الشهود ذهلوا حتى عن نفوسهم ولم يبق ~~لهم شعور بغير الحق تعالى فحينئذ يتكلمون على لسان ذلك القرب # PageV01P213 # الأقدس الذي منحوه المشار إليه بقوله تعالى فإذا أحببته صرت سمعه وعينه ~~ويده ورجله الحديث ويثبتون لأنفسهم بطريق الإيهام لا بطريق الحقيقة ما ~~أثبته الحق لنفسه لا بمعنى الاتحاد الذي هو عين الكفر والإلحاد وحاشاهم ~~الله عنه بل بمعنى اتحاد الشهود الذي صير الحكم ليس إلا لذات الحق تعالى ~~وتقدس فقوله أنا الحق أو سبحاني معناه قد تجلى على الحق بشهوده حتى صرت ~~كأني هو هذا كله إن صدر عنهم ذلك في حال الصحو وأما إذا صدر عنهم ذلك في ~~حال الغيبة فهو ms490 من الشطحات التي لا حكم لها إذ لا يحكم إلا على ما تلفظ به ~~صاحبه في حال الصحو والاختيار وأما ما تلفظ به في حيز الصحو والغيبة فلا ~~يدار عليه حكم البتة ومن ذلك أيضا قول أبي يزيد ما في الجبة غير الله فإن ~~كان في حال الصحو وكان معناه مثل ما مر أو لا وإلا فلا معنى له فلا يدار ~~عليه حكم والله أعلم (وسئل) نفع الله به هل كرامات الأولياء حق وهل يجوز أن ~~تبلغ مبلغ المعجزة وما الفرق بينهما وبين السحر ولم كثرت بعد زمن الصحابة ~~وهم أفضل الأمة (فأجاب) بقوله رحمه الله الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة ~~من الفقهاء والأصوليين والمحدثين وكثيرون من غيرهم خلافا للمعتزلة ومن ~~قلدهم في بهتانهم وضلالهم من غير روية ولا تأمل وكان الأستاذ أبو إسحاق ~~يميل إلى قريب من مذهبهم أو يؤول كلامه إليه كما هو الظاهر أن ظهور الكرامة ~~على الأولياء وهم القائمون بحقوق الله وحقوق عباده بجمعهم بين العلم والعمل ~~وسلامتهم من الهفوات والزلل جائزة عقلا كما هو واضح لأنها من جملة الممكنات ~~ولا يمتنع وقوع شيء لقبح عقلي لأنه لا حكم للعقل وليس في وقوع الكرامة ما ~~يقدح في المعجزة بوجه فإنها لا تدل لعينها بل لتعلقها بدعوى الرسالة فكما ~~جاز تصديق مدعيها بما يطابق دعواه جاز أن يصدر عنه مثله إكراما لبعض ~~أوليائه وسيأتي لذلك مزيد في تحقيق الفرق بينهما وواقعة نقلا مفيدة لليقين ~~من جهة مجيء القرآن به ووقوع التواتر عليه قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل وكتب ~~العلم شرقا وغربا وعجما وعربا ناطقة بوقوعها متواترة تواترا معنويا لا ~~ينكره إلا غبي أو معاند فمما في القرآن مجيء رزق مريم إليها من الجنة وهزها ~~جذع النخلة حتى تساقط عليها منه الرطب الجني من غير أو أن الرطب وعجائب ~~الخضر بناء على المرجوح أنه ولي نبي وقصة ذي القرنين وأصحاب الكهف وكلام ~~كلبهم لهم وقصة الذي عنده علم الكتاب وهو آصف بن برخيا في إحضاره لعرش ms491 ~~بلقيس قبل رمش العين من مسيرة أكثر من شهر ومما في السنة من تكليم الطفل ~~لجريج وانفراج الصخرة عن الثلاثة الذين في الغار بدعائهم وتكثير طعام أبي ~~بكر رضي الله عنه في قصعة مع ضيفه حتى صار بعدا لا كل أكثر مما كان قبله ~~بثلاث مرات روى هذه الثلاثة البخاري ومسلم ورويا أيضا أنه - صلى الله عليه ~~وسلم - قال في حق عمر رضي الله عنه أنه من المحدثين بفتح الدال أي الملهمين ~~وصح أيضا عنه رضي الله عنه أنه بينما هو يخطب على منبر المدينة يوم الجمعة ~~وإذا هو ينادي في حال خطبته يا سارية الجبل فعجب الناس لذلك وأنكروا عليه ~~حتى قال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بعد ذلك وشدد عليه وأخبر بما ~~قال الناس فيه ثم ظهر لهم قريبا الواقعة وصدقها وما فيها من الكرامات ومنها ~~الكشف له عن حال سارية والمسلمين وعدوهم ومنها بلوغ صوته لسارية حتى سمع ~~واهتدى سارية إلى أن هذا صوت عمر مع بعد الشقة فإنه بنها وندمن أرض العجم ~~ومعه سرية من المسلمين فكمن لهم عدوهم في الجبل ليستأصلوهم فكشف لعمر رضي ~~الله عنه عن حالهم فناداه يحذره الكمين الذي بجنب الجبل فبلغه صوته فسمعه ~~فاستيقظوا للكمين وظفروا بهم وروى البخاري في صحيحه مجيء العنقود من العنب ~~في غير أوانه لخبيب لما أريد قتله بمكة وفيه أيضا أن أسيد بن حضير وعباد بن ~~بشر رضي الله عنهما خرجا من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - في ليلة ~~مظلمة ومعهما مثل المصباحين بين أيديهما وروى البخاري ومسلم أن كلا من سعد ~~وسعيد من العشرة المبشرين بالجنة دعا على من كذب عليه فاستجيب له بعين ما ~~سأله وصح في مسلم رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره قيل ~~لو لم يكن إلا هذا الحديث لكفى في الدلالة لهذا المبحث وإذا تقرر جوازها ~~ووقوعها من غير إحصاء ولا حصر فالذي عليه معظم الأئمة أنه يجوز بلوغها مبلغ ~~المعجزة في جنسها ms492 وعظمها وإنما يفترقان في أن المعجزة تقترن بدعوى النبوة ~~أي باعتبار الجنس أو ما من شأنه وإلا فأكثر معجزات الأنبياء لا سيما نبينا ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P214 # وقعت من غير ادعاء نبوة والكرامة تقترن بدعوى الولاية أو تظهر على يد ~~الولي من غير دعوى شيء وهو الأكثر فمن أولئك الأئمة الإمام أبو بكر بن فورك ~~وعبارته المعجزات دلالات الصدق ثم أن ادعى صاحبها النبوة فالمعجزة تدل على ~~صدقه في مقالته فإن أشار صاحبها إلى الولاية دلت المعجزة على صدقه في ~~مقالته فتسمى كرامة ولا تسمى معجزة وإن كانت من جنس المعجزات وإمام الحرمين ~~وملخص عبارة أرشاده الذي صار إليه أهل الحق انخراق العادات في حق الأولياء ~~ثم مجوزوا الكرامات تحزبوا أحزابا فمنهم من شرط أن لا يختارها الولي وبهذا ~~فرقوا بينها وبين المعجزة وهذا غير صحيح ومنهم من منع وقوعها على قضية دعوى ~~الولاية لئلا تشابه المعجزة وهذا غير مرضي عندنا بل قد تقع مع دعوى ذلك ومن ~~بعض أصحابنا من شرط أن لا تكون معجزة لنبي كانفلاق البحر وإحياء الموتى ~~وهذا غير سديد والمرضي عندنا تجويز جملة خوارق العادات في معارض الكرامات ~~ثم ذكر بعد أن الكرامة والمعجزة ليس بينهما فرق إلا وقوع المعجزة على حسب ~~دعوى النبوة والكرامة دون ادعائه النبوة والإمام أبو حامد الغزالي فإنه شرط ~~في تسمية الخارق معجزة اقترانه بدعوى النبوة فاقتضى أنه لا فرق بينها وبين ~~الكرامة إلا ذلك ومن ثم قال في كتابه الاقتصاد في الإعتقاد لما ذكر خوارق ~~العادات في الكرامات وذلك أي خرق العادة مما لا يستحيل في نفسه لأنه ممكن ~~لا يؤدي إلى بطلان المعجزة لأن الكرامة عبارة عما يظهر من غير اقتران ~~التحدي فإن كان مع التحدي فإنا نسميه معجزة والفخر الرازي البيضاوي فإنهما ~~لم يفرقا بينهما إلا بتحدي النبوة وكذلك حافظ الدين النسفي فإنه قال لا ~~يقال لو جازت الكرامة ولانسد طريق الوصول إلى معرفة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لأن المعجزة تقارن دعوى النبوة ولو ادعاها ms493 الولي كفر من ساعته ~~وسبقهم لذلك الإمام أبو القاسم القشيري حيث قال شرائط المعجزات كلها أو ~~أكثرها توجد في الكرامة إلا دعوى النبوة قال الإمام اليافعي بعد نحو ذلك عن ~~هؤلاء الأئمة وغيرهم فهؤلاء اتفقوا على أن الفارق بينهما هو تحدي النبوة ~~فقط ولم يشترط أحد منهم كون الكرامة دون المعجزة في جنسها وعظمها فدل ذلك ~~على جواز استوائهما فيما عد التحدي كما صرح به إمام الحرمين فيجوز ~~اجتماعهما فيما عدا التحدي من سائر الخوارق حتى إحياء الموتى ففي رسالة ~~القشيري بإسناده إلى أبي عبد الله التستري أحد كبار مشايخ الرسالة أنه خرج ~~غازيا في سرية فمات المهر الذي تحته وهو في البرية فقال يا رب أعرناه حتى ~~نرجع إلى تستر يعني قريته فإذا المهر قائم فلما غزا ورجع إلى تستر قال ~~لابنه يا بني خذ السرج عن المهر فقال إنه عرق فيضره الهواء فقال يا بني إنه ~~عارية فأخذ السرج فوقع المهر ميتا وفيها أنه انطلق للغزو على حماره فمات ~~فتوضأ وصلى ودعا الله أن يبعث له حماره ولا يجعل عليه منة لأحد فقام الحمار ~~ينفض أذنيه وفيها أيضا عن أعرابي أنه سقط جمله ميتا ووقع رحله وقتبه فدعا ~~ربه فقام الجمل وفوقه رحله وقتبه وفيها أيضا عن سهل التستري أنه قال الذاكر ~~لله على الحقيقة لو هم أن يحيى الموتى لفعل يعني بإذن الله تعالى ومسح بيده ~~على عليل بين يديه فبرئ وقام قال اليافعي وأخبرني بعض صالحي أهل اليمن أن ~~الشيخ الأهدل بالمهملة شيخ أبي الغيث رحمهم الله كانت عنده هرة يطعمها ~~فضربها الخادم فقتلها ورماها في خربة فسأله الشيخ عنها بعد ليلتين أو ثلاث ~~فقال لا أدري فناداها الشيخ فأتت إليه وأطعمها على عادته قال وأخبرني مغربي ~~صالح عالم أعتقده بإسناده أن بعض أصحاب الشيخ أبي يوسف الدهماني مات فحزن ~~عليه أهله فأتى إليه وقال قم بإذن الله تعالى فقام وعاش بعد ذلك ما شاء ~~الله تعالى من الزمان وقال ومن المشهور ما روى مسندا من ms494 خمس طرق عن جماعة ~~من الشيوخ الأجلاء أن القطب الشيخ عبد القادر نفع الله به جاءت إليه امرأة ~~بولدها وخرجت عنه لله وله فقبله ثم أمره بالمجاهدة فدخلت أمه عليه يوما ~~فوجدته نحيلا مصفرا يأكل قرص شعير فدخلت على الشيخ فوجدت بين يديه إناء فيه ~~عظم دجاجة قد أكلها فقالت يا سيدي تأكل لحم الدجاج ويأكل ابني خبز الشعير ~~فوضع يده على ذلك الطعام وقال قومي بالله محيي العظام فقامت الدجاجة سوية ~~وصاحت فقال الشيخ إذا صار ابنك هكذا فليأكل الدجاج وما شاء وقالوا مرت ~~بمجلسه حدأة في يوم شديد الحر وهو يعظ الناس فشوشت على الحاضرين فقال يا ~~ريح خذي رأس هذه الحدأة فوقعت لثاني وقتها بناحية ورأسها في ناحية فنزل ~~الشيخ وأخذها في يده وأمر يده # PageV01P215 # الأخرى عليها وقال بسم الله الرحمن الرحيم قومي بإذن الله فحييت وطارت ~~والناس يشاهدون وقد تكلمهم الموتى ففي رسالة القشيري عن أبي سعيد الخراز ~~رضي الله عنه أنه كان مجاورا بمكة فمر بباب بني شيبة فرأى شابا حسن الوجه ~~ميتا فنظر في وجهه فتبسم وقال يا أبا سعيد أما علمت أن الأحباء أحياء وإن ~~ماتوا وإنما ينقلون من دار إلى دار وجاء مسندا من ثلاث طرق أن الشيخ عبد ~~القادر رضي الله عنه زار ومعه ناس كثيرون قبر الشيخ حماد الدباس فأطال ~~الوقوف عنده ثم انصرف مسرورا فسئل فأخبر أنه مر مع الشيخ حماد وأصحابه على ~~قنطرة ببغداد لصلاة الجمعة فدفعه في النهر امتحانا له بشدة البرد فلم يتأثر ~~فأخبر أصحابه بأنه جبل لا يتحرك وأنه رأى الشيخ حمادا في قبره على أحسن ~~هيئة إلا أن يده اليمنى لا تطيعه قال فقلت له ما هذا قال هذه اليد التي ~~رميتك بها فهل أنت غافر لي ذلك فقلت نعم قال فاسأل الله تعالى أن يردها علي ~~فوقفت أسأل الله تعالى في ذلك وقام معي خمسة آلاف ولي في قبورهم يسألون ~~الله تعالى أن يقبل مسئلتي فيه ويتشفعون عندي في تمام المسئلة فما زلت ms495 أسأل ~~الله تعالى في ذلك حتى رد الله تعالى يده وصافحني بها ثم اجتمع المشايخ ~~وطلبوا برهانا على هذه القصة فقال لهم اختاروا لكم رجلين نبين لكم ذلك على ~~اسانهما فاختاروا شخصين غائبين وقالوا نمهلك فقال لا تقوموا حتى تسمعوا ~~منهما فلم يلبثوا حتى جاء أحدهما يشتد عدوا فقال أشهدني الله الساعة الشيخ ~~حماد وقال لي يا يوسف أسرع إلى مدرسة الشيخ عبد القادر وقل للمشايخ الذين ~~فيها صدق الشيخ عبد القادر فيما أخبر به عني فلم يتم كلامه حتى جاء الآخر ~~وأخبر بمثل ما أخبر به فقاموا واستغفروا وكانفلاق البحر وجفافه في الرسالة ~~عن بعضهم كنا في مركب فمات رجل منا فأخذنا في جهازه فما أردنا أن نلقيه في ~~البحر جف فحفرنا له قبرا ودفناه فارتفع الماء والمركب وسرنا وكانقلاب ~~الأعيان وهو كثير لا يحصى منه انقلاب الخمر سمنا كما وقع للشيخ عيسى الهتار ~~اليمني فإنه مر على بغي فواعدها ليأتيها بعد العشاء ففرحت وتزينت وجاء ودخل ~~بيتها وصلى ركعتين ثم خرج وقال حصل المقصود فتابت وزوجها لبعض الفقراء وأمر ~~بعمل عصيدة وليمة وأن لا يشترى لها اداما ثم حضر هو والفقراء كالمنتظرين ~~الإدام وكان وصل الخبر لأمير خدن لها فأرسل بقارورتي خمر يمتحن الشيخ بهما ~~ليأتدموا بهما فأخذهما الشيخ فصبهما سمنا أطيب ما يوجد فأكل منه الرسول ~~وبلغ الخبر الأمير فحضروا كل ما أدهشه فتاب لوقته وكطي الأرض لهم وتعدد صور ~~جسدهم في أمكنة مختلفة وتفجير الماء وكلام الجمادات والحيوانات لهم وطاعة ~~الأشياء لهم حتى الجن وغير ذلك مما اشتهر وتواتر تواترا أدحض حجة المخالفين ~~وأباد شبه الجاهلين قال اليافعي ومما تفارق الكرامة فيه المعجزة أن المعجزة ~~يجب على النبي - صلى الله عليه وسلم - إظهارها والكرامة يجب على الولي ~~إخفاؤها إلا عند ضرورة أن إذن أو حال غالب لا يكون له فيه اختيار أو تقوية ~~يقين مريد قال وإطلاق المحققين أنه يجوز له إظهارها يحمل على بعض هذه الصور ~~للعلم بأن إظهارها لغير غرض صحيح لا يجوز بخلافه ms496 لغرض صحيح وضابطه أن يكون ~~في إظهارها مصلحه كما وقع لكافر ملك أنه قال لشيخ إن لم تظهر لي كرامة وإلا ~~قتلت الفقراء فأظهر له قلب بعير ذهبا ورمي بكوز فارغ في الهواء فامتلأ ماء ~~فنكس رأسه فلم يخرج منه قطرة فقيل للملك هذا سحر فأمر الشيخ بإيقاد نار ~~عظيمة وبالسماع ثم دخل هو والفقراء فيها وخطف ولد الملك معهم فغاب ساعة ~~وخرج وبإحدى يديه رمانة والأخرى تفاحة فقيل وهذا سحر أيضا فأخرج له الملك ~~قدحا ملآنا سما وقال لا أصدق إلا إن شربته جميعه فأمر بالسماع ثم شربه ~~فتمزقت ثيابه فأبدلت فتمزقت فأبدلت فتمزقت وهكذا حتى بقيت ولم يصبه شيء غير ~~أنه كان يرشح عرقا وكما وقع للعارف أبي العباس المرسي أن رجلا أضافه وقدم ~~له طعاما خبيثا امتحانا له فقال إن كان على يد الحرث بن أسد المجلسي عرق ~~يضرب إذا قدم له الحرام فعلى يدي ستون عرقا كذلك فاستغفر الرجل وتاب وأما ~~الفرق بين الكرامة والسحر فهو أن الخارق الغير المقترن بتحدي النبوة فإن ~~ظهر على يد صالح وهو القائم بحقوق الله وحقوق خلقه فهو الكرامة أو على يد ~~من ليس كذلك فهو السحر أو الاستدراج قال إمام الحرمين وليس ذلك مقتضى العقل ~~ولكنه متلقى من إجماع العلماء انتهى وتمييز الصالح المذكور عن غيره بين ~~لإخفاء فيه إذ ليست السيما كالسيما ولا الآداب كالآداب # PageV01P216 # وغير الصالح لو ليس ما عسى أن يلبس لا بد أن يرشح من نتن فعله أو قوله ما ~~يميزه عن الصالح ومن ثم ناظر صوفي برهميا والبراهمة قوم تظهر لهم خوارق ~~لمزيد الرياضات فطار البرهمي في الجو فارتفعت إليه نعل الشيخ ولم تزل تضرب ~~رأسه وتصفعه حتى وقع على الأرض منكوسا على رأسه بين يدي الشيخ والناس ~~ينظرون أقول ووقع نظير هذا لشيخنا العارف ابن أبي الحمائل لما كان بفارس ~~كور بلد قريب من دمياط فدخلها متوسم بوسم الصوفية فأظهر لهم من الخوارق ما ~~أوجب لغالب أهل البلد أنهم تبعوه فظهر منه انحلال ms497 كثير عن طريق الاستقامة ~~حتى أغوى كثيرين وكان له مجلس ذكر بالجامع الذي فيه شيخنا وله به أيضا مجلس ~~ذكر ففي ليلة فرغ شيخنا من مجلسه وأولئك لم يفرغوا فأنصت ساعة ثم قال ~~لتاسومته التي يلبسها في الجامع يا هذه التاسومة اذهبي إلى هذا الشيخ فإن ~~كان كاذبا فاصفعيه إلى أن يخرج من هذا الجامع فلم يلبث جماعة شيخنا ~~السامعون لكلامه إلا وهم يسمعون صوت الصفع في رقبة ذلك الشيخ ففر وفرت ~~جماعته حتى خرجوا من الجامع ثم من البلد ولم نعلم أين ذهب ووقع للإمام ~~العارف البهائي السندي صاحب الإمام السهروردي أن برهميا جاء مجلسه وارتفع ~~في الهواء فارتفع الشيخ حينئذ في الهواء ودار في جانب المجلس فأسلم البرهمي ~~لعجزه عن ذلك فإنهم لا يقدرون على الدوران في الهواء وإنما يرتفع الواحد في ~~الهواء مستويا لا غير وناظر عبد الله بن حنيف برهميا على حقيقة الإسلام ~~ليطوى مع البرهمي أربعين يوما فشرعا فعجز البرهمي عن إكمال المدة وأكملها ~~ابن حنيف على غاية من اللذة والقوة ووقع له مع برهمي أيضا أنه ناظره على ~~المكث تحت الماء مدة فمات البرهمي أثناءها وظهرت جيفته وبقي ابن حنيف حتى ~~أكملها ثم ظهر ومما يفترقان فيه أيضا أن دلالة المعجزة على النبوة قطعية ~~وأن النبي يعلم أنه نبي ودلالة الكرامة على الولاية ظنية ولا يعلم مظهرها ~~أو من ظهرت عليه أنه ولي وقد يعلم ذلك وفاقا للأستاذين الكبيرين الإمامين ~~أبي علي الدقاق وأبي القاسم القشيري ورادا على من نازع في ذلك بأنه ينافي ~~الخوف فقالا وما يجدونه في قلوبهم من الهيبة والإجلال للحق سبحانه يزيد على ~~كثير من الخوف انتهى على أن التحقيق أن علم الولاية لا ينافي الخوف ألا ترى ~~أن العشرة المبشرين بالجنة عالمون بأنهم من أهلها ومع ذلك كان عندهم من ~~الخوف ما لا يحد كما يعلم من سيرهم في ذلك رضوان الله عليهم وإنما كانت ~~الكرامة بعذر من الصحابة رضي الله عنهم أكثر قال أحمد بن حنبل رضي الله ms498 عنه ~~لأن أولئك كان إيمانهم قويا فلم يحتاجوا إلى زيادة مقو بخلاف من بعدهم فوق ~~وبزيادة الكرامات وقال الشهاب السهروردي وهو كالشرح لما قبله لأنهم ببركة ~~رؤيته - صلى الله عليه وسلم - ومشاهدته مع نزول الوحي تنورت بواطنهم وتزكت ~~نفوسهم وانصقلت مرآة قلوبهم فاستغنوا بما أعطوا عن رؤية الكرامة واستماع ~~أنوار القدرة ووطأ لهذا بقوله قبله وخرق العادة قد يكاشف به لضعف يقين ~~المكاشف رحمة ناجزة وثوابا معجلا لبعض العباد وفوق هؤلاء قوم ارتفعت الحجب ~~عن قلوبهم وباشرت بواطنهم روح اليقين وصرف المعرفة فلا حاجة لهم إلى رؤية ~~خارق وأجاب اليافعي بأن الكرامة نور وزين والنور إنما يظهر حسن بهائه في ~~الظلمة والزين إنما يظهر كمال حسنه بحسب الشين والظلمة والشين إنما وجدا ~~بعد الصحابة رضي الله عنهم ألا ترى أن الشمس إذا غربت لا تظهر الظلمة ولا ~~الكواكب عقب غروبها إلا بعد مزيد بعدها عن الأفق وبأن الصحابة كانوا أهل حق ~~وسنة وعدل ومن بعدهم بضدهم فبعث الله في سائر البلدان رجالا قلدهم سيوفا ~~ماضية قطعوا بها مواد الفساد والبدع والمخالفات حتى خافهم الناس وأذعنوا ~~لهم أي فمن ثم كثرت فيهم تلك السيوف المكنى بها فلا زالت دائمة مستمرة ~~معجزة له - صلى الله عليه وسلم - انتهى ملخص جوابيه والثاني منهما يؤل ~~حاصله إلى الجوابين الأولين والثاني لا يصلح جوابا لكثرة المسؤل عنها بل ~~لظهور عظيم موقع الكرامة في النفوس بعد زمن الصحابة أكثر منه في زمنهم وهذا ~~مبحث آخر على أنه قد يتوهم من تمثيله بالشمس والكواكب أن الأزمنة المتأخرة ~~فيها من نجوم العارفين وكواكب المهتدين ما ليس في الأزمنة الأول وهذا وإن ~~وجد منه أفراد إلا أنه بالنسبة لغير الصحابة إذ الصواب أن من بعدهم وإن كمل ~~ما كمل لا يصل إلى غايتهم كما قال - صلى الله عليه وسلم - لو أنفق أحدكم ~~مثل جبل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم أي الصحابة ولا نصيفه وأما قول ابن عبد ~~البر # PageV01P217 # قد يوجد في الخلق من هو أفضل من الصحابة لحديث ms499 أمتي كالمطر لا يدرى أوله ~~خير أم آخره وأحاديث أخر قريبة منه فهو مقالة شاذة جدا وليس في الأحاديث ~~دلالة لأن بعض المتأخرين قد يوجد له مزايا لا توجد في بعض الصحابة ومن ~~المقرر أن المفضول قد يتميز بمزايا ويؤيد ذلك أن ابن المبارك وناهيك به ~~إمامة وعلما ومعرفة سئل أيما فضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز فقال والله ~~للغبار الذي دخل أنف فرس معاوية مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خير ~~من مائة واحد مثل ابن عبد العزيز يريد بذلك أن شرف الصحبة والرؤية لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وحلول نظره الكريم لا يعادله عمل ولا يوازيه ~~شرف (تتمات) منها نقل اليافعي رحمه الله تعالى أن كرامات الأولياء من تتمة ~~معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنها تشهد للولي بالصدق المستلزم ~~لكمال دينه المستلزم لحقيته المستلزم لصدق نبيه فيما أخبر به من الرسالة ~~وكانت الكرامة من جملة المعجزة بهذا الاعتبار ومنها لا تتعجب من إنكار قوم ~~للمعجزات وإن بلغت من الكثرة والظهور إلى أن صار العلم بها ضروريا بل ~~بديهيا فقد أنكر قوم القرآن الذي هو أعظم المعجزات وأبهر الآيات ووصل ~~العناد بهؤلاء إلى أن قال الله في حقهم {ولو نزلنا عليك كتاب في قرطاس ~~فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} وليس العجب من إنكار ~~المعتزلة الكرامات فإنهم قد خاضوا فيما هو أقبح من ذلك وأنكروا النصوص ~~المتواترة المعنى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كسؤال الملكين وعذاب ~~القبر والحوض والميزان وغير ذلك من عظيم كذبهم وافترائهم لتقليدهم لعقولهم ~~الفاسدة وتحكيمهم لها على الله وآياته وأسمائه وصفاته وأفعاله فما رأوه من ~~ذلك موافقا لتلك العقول السقيمة الفاسدة اللئيمة قبلوه وما لا ردوه ولم ~~يبالوا بتكذيب السنة والقرآن والإجماع لأن كلمة الغضب حقت عليهم وقبائح ~~المذام تسابقت إليهم وإنما العجب من قوم تسموا بأهل السنة وزعموا أنهم من ~~حملة تلك المنة ومع ذلك يبالغون في الإنكار لأن كلمة الحرمان حقت عليهم إلى ~~أن ms500 ألحقتهم بأهل البوار وأوجبت لهم نوعا من الوبال والخسار وهؤلاء أقسام ~~فمنهم من ينكر على مشايخ الصوفية ومتابعيهم ومنهم من يعتقدهم إجمالا وإن ~~لهم كرامات ومتى عين له أحد منهم أو رأى كرامة أنكر ذلك لما خيله له ~~الشيطان أنهم انقطعوا وأنه لم يبق إلا متلبس مغرورا احتوى عليه الشيطان ~~ولبس عليه وهؤلاء من العناد والحرمان بمكان أيضا وقد قرر ابن الجوزي من ~~الوقوع في خطرهم إلا أن تكون له نية صالحة كقصده قمع مبتدعة في زمانه وذلك ~~أنه صنف كتابا سماه تلبيس إبليس تكلم فيه على شيوخ الصوفية وطريقهم وزعم أن ~~إبليس لبس عليهم قال اليافعي ولم يدر أنه هو الذي ليس عليه في كلامه هذا ~~واعتقاده فيهم وهو لا يشعر والعجب كل العجب منه في إنكاره سادات ما بين ~~أوتاد وإبدال وصديقين وعارفين بالله قد ملؤا الوجود كرامات وأنوارا ومعارف ~~أعرضوا في بدايتهم عما سوى الله فحصل لهم في نهايتهم من فضل الله ما لا ~~يعلمه إلا الله فقول الصغير منهم وقفت على باب قلبي عشرين سنة ما جاذبه شيء ~~لغير الله إلا رددته هذا وهو يطول كلامه بحكاياتهم وينفق بضاعته بمحاسن ~~صفاتهم فهلا أخلى كتبه من ذكرهم إخلاء عاما ولا يكون ممن يحلونه عاما ~~ويحرمونه عاما أما علم أن علماء أعلام الأئمة من المجتهدين ومن بعدهم من ~~الأئمة لم يزالوا قديما وحديثا يعتقدون الصوفية ويتبركون بهم ويستمدون منهم ~~ولقد وقع للتقي ابن دقيق العيد أنه قال في حق فقير كان يعتقده ويخضع له هو ~~عندي خير من مائة فقيه أو من ألف فقيه وكذلك النووي رضي الله عنه كان يعتقد ~~الشيخ يس المزين ويقبل إشارته حتى أنه أمره بالسفر ورد ما عنده من الكتب ~~المستعارة قبل موته بقليل ففعل وسافر من دمشق راجعا البلدة نوى فتوفى بها ~~بين أهله وكذلك العز بن عبد السلام كان يبالغ في تعظيم الصوفية وفي حياة ~~الخضر ما يرد على ابن الجوزي في إنكار حياته على أنه ناقض نفسه فإنه روى ~~بإسناده ms501 المتصل أربع روايات تدل على حياته منها عن علي كرم الله وجهه أنه ~~رآه متعلقا بأستار الكعبة ومنها عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ولا أعلمه ~~إلا مرفوعا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يلتقي الخضر وإلياس في كل ~~عام في الموسم فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه ومنها عن علي كرم الله وجهه ~~أنه يجتمع مع إسرافيل وجبريل وميكائيل بعرفات والحجيج بها ولقد وقع لمن ~~أنكر على # PageV01P218 # فقير في سماع وبقربهم نساء أنه رأى ذكره فرج امرأة فبهت ساعة طويلة فقام ~~الشيخ وجاءه وقال له هكذا تكون الفقراء إذا جلس عندهم النساء فتاب فدعا له ~~الشيخ فعاد لحاله الأول قلت ومثل هذا السماع لا يباح إلا لمثل هذا الشيخ ~~وأتباعه المحفوظين به مع أن السماع الخالي عن المحرمات الظاهرة فيه اختلاف ~~وتفصيل وجاء غلمان السلطان لأخذ خراج أرض لبعض الفقراء فخرج عليهم منها ~~ثعابين فهربوا ولم يزالوا هاربين حتى انقرض الشيخ وأولاده فعادوا للأخذ من ~~أولاد الأولاد فخرجت إليهم الثعابين وتبعتهم كذلك وأنا ممن رأى تلك الأرض ~~حين خرج منها الثعابين وسرق لبعض ذرية هذا الشيخ بقرة فلما أراد السراق ~~حلبها التفت الثعابين بأرجلهم فما خلصوا إلا بالمبادرة بردها انتهى كلام ~~اليافعي قدس سره ملخصا ولقد قال الأستاذ العارف أبو الحسن الشاذلي رحمه ~~الله في قوم يكذبون بكرامات أولياء زمانهم فقط والله ما هي إلا إسرائيلية ~~صدقوا موسى وكذبوا محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنهم أدركوا زمنه ومنها أي ~~من جملة الكرامات الخوارق التي وقعت للأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبل ~~النبوة كإظلال الغمام وشق الصدر الواقعين لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- فليست معجزات لتقدمها على التحدي بل كرامات وتسمى إرهاصا أي تأسيسا ~~للنبوة ذكر ذلك جمهور أئمة الأصول وغيرهم ومنها التحدي أي طلب المعارضة ~~والمقابلة قال الجوهري يقال تحديت فلانا إذا باريته في فعل ونازعته للغلبة ~~وفي الأساس حدا يحدو وهو حادي الإبل واحتدى بها حدوا إذا غنى ومن المجاز ~~تحدى أقرانه إذا باراهم ونازعهم للغلبة ms502 وأصله الحدو يتبارى فيه الحاديان ~~ويتعارضان فيتحدى كل واحد صاحبه أي يطلب حداه كما يقال توفاه بمعنى استوفاه ~~وأصل ذلك أنه كان عند الحدو يقوم حاد عن يمين القطار وحاد عن يساره يتحدى ~~كل منهما صاحبه بمعنى يستحد به أي يطلب منه حداه ثم اتسع فيه حتى استعمل في ~~كل مباراة ومنها اختلفوا في السحر هل تنقلب به الأعيان والطبائع فقال قوم ~~نعم كجعل الإنسان حمارا وقال قوم لا فالساحر والصالح لا يقلبان عينا مطلقا ~~قالوا وإلا لاشتبهت المعجزة بالكرامة والكرامة بالسحر ويرده ما مر من ~~امتياز المعجزة باقترانها بالتحدي وأما زعمهم أن أكثر آياته - صلى الله ~~عليه وسلم - وأعمها وأغلبها كان بلا تحدي كنطق الحصى والجذع ونبع الماء ~~ولعله لم يتحد بغير القرآن وتمنى الموت وأن عدم تسمية ما عدا هاتين آية ولا ~~معجزة أقرب إلى الكفر منه إلى البدعة وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يقول ~~عند بعضها أشهد أني رسول الله وقد سمى الله معجزات الأنبياء آيات ولم يشرط ~~تحديا انتهى فيرد بأن المراد بقولهم في المعجزة لا بد من اقترانه بالتحدي ~~الاقتران بالقوة أو الفعل ولا شك أن كل ما وقع منه - صلى الله عليه وسلم - ~~بعد النبوة مقرون بالتحدي لأن قرائن أقواله وأحواله ناطقة بدعواه النبوة ~~وتحديه للمخالفين وإظهاره ما يقمعهم ويحديهم فكان كل ما ظهر منه - صلى الله ~~عليه وسلم - يسمى آيات ومعجزات وقوله - صلى الله عليه وسلم - عند ظهور ~~بعضها أشهد أني رسول الله شاهد صدق على ما ذكرته فتأمله ومنها التمييز بين ~~الكرامة والمعجزة بما مر أن لفظ المعجزة خاص بخوارق الأنبياء ولفظ الكرامة ~~خاص بخوارق الأولياء وإنما هو اصطلاح الخلف وأما السلف فكانوا يسمون كلا من ~~الأمرين معجزة كالإمام أحمد وغيره ويخصون خوارق الأنبياء باسم الآية ~~والبرهان وقد يسمون الكرامة آية لدلالتها على نبوة من اتبعه ذلك الولي كما ~~مر بيانه والله سبحانه وتعالى أعلم (وسئل) نفع الله به وبعلومه هل أصحاب ~~الكرامات من الأولياء أفضل ممن لا تظهر على يده ms503 كرامة ظاهرة (فأجاب) بقوله ~~ليس ذو الكرامات أفضل من غيرهم على الإطلاق بل قد تنبئ الكرامة عن ضعف يقين ~~أو همة فتعجل لمن أريد به عناية حتى يزول عنه كل من ذينك أو أحدهما بل قد ~~تقع الكرامة لمحب أو زاهد ولا تقع لعارف مع أن المعرفة أفضل من المحبة عند ~~الأكثرين وأفضل من الزهد عند الكل لأن الزهد من أوائل المقامات والمحبة أول ~~الأحوال الناشئة عن مجاوزة المقامات ويؤيد ذلك قول أبي يزيد رضي الله عنه ~~العارف طيار والزاهد سيار وقال غيره وأنى يلحق السيار الطيار وقال ذو النون ~~المصري الزهاد ملوك الآخرة وهم فقراء العارفين فعلم أنه لا دخل للكرامة في ~~الأفضلية وإنما منشأ الأفضلية قوة اليقين وكمال المعرفة بالله تعالى فكل من ~~كان أقوى يقينا وأكمل معرفة كان أفضل ولهذا # PageV01P219 # قال سيد الطائفة أبو القاسم الجنيد قدس الله سره مشى رجال باليقين على ~~الماء ومات بالعطش من هو أفضل منهم يقينا وقال أيضا اليقين ارتفاع الريب في ~~مشهد الغيب وقال سهل التستري حرام على قلب أن يشم رائحة اليقين وفيه سكون ~~إلى غير الله ولا يشكل عليك ما مر من حكاية الإطلاق في التفضيل بين المحب ~~والعارف مع أن العارف لا بد أن يكون محبا لأن المراد من ذلك إنما هو ~~التفضيل بين غلبة المحبة وغلبة المعرفة لأن بعضهم يغلب عليه سكر المحبة ~~وشدة الهمان والوله بمحبوبه وبعضهم يغلب عليه المشاهدة وظهور الأسرار ~~والمعارف وكثرة التجليات مع اعتدال حاله في المحبة في غالب الحالات فيكون ~~أكثر معارف والأول أشد ولها وسكرا ومن ثم قال المحققون المحبة استهلاك في ~~لذة والمعرفة شهود في حيرة وفناء في محنة انتهى واعلم أن اليقين هو نهاية ~~المعرفة ومراتبه ثلاثة علم اليقين وهو ما ينشأ عن النظر والاستدلال وعين ~~اليقين وهو ما يكون من طريق الكشف والنوال وحق اليقين وهو مشاهدة الغيب ~~مشاهدة العيان كما يشاهد الرائي فالأول للأولياء والثاني لخواصهم والثالث ~~للأنبياء وحقيقته اختص بها نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم ms504 - (وسئل) رضي ~~الله عنه ونفع به أيما أفضل علماء الباطن أم علماء الظاهر (فأجاب) بقوله إن ~~أردت بعلماء الباطن ما هو المتبادر منه عند أهله وهم العارفون بالله الذين ~~وفقهم الله لأفضل الأعمال وحفظهم من سائر المخالفات في كل الأحوال ثم كشف ~~لهم الغطاء فعبدوه كأنهم يرونه واشتغلوا بمحبته عما سواه وأطلعهم على عجائب ~~ملكه وغرائب حكمه وقربهم من حضرة قدسه وأجلسهم على بساط أنسه وملا قلوبهم ~~بصفات جماله وجلاله وجعلها مطالع أنواره ومعادن أسراره وخزائن معارفه وكنوز ~~لطائفه وأحيا بهم الدين ونفع بهم المريدين وأغاث بهم العتاد وأصلح بهم ~~البلاد وبعلماء الظاهر الذين عرفوا رسوم العلوم الكسيبة وعويصات الوقائع ~~الفعلية والقولية وغرائب البراهين العقلية والنقلية حتى حفظوا سياج الشرع ~~من أن يلم به طارق أو يخرقه مبتدع مارق فالأولون أفضل وإن كان للآخرين فضل ~~عظيم بل ربما كانوا أفضل من حيثية لا مطلقا ومع ذلك فأفضلية الأولين على ~~حالها إذ قد يكون في المفضول مزية بل مزايا هذا إن وجدت في هؤلاء صفة ~~العدالة وإلا فلا مفاضلة إذ لا مشاركة بينهم وبين الأولين في شيء من صفات ~~الكمال لأن رسوم العلوم الخالية عن الأعمال الصالحة في الحقيقة مقت أي مقت ~~وغضب أي غضب ومن ثم جاء في الأخبار الصحيحة من عقاب العلماء الذين لم ~~يعلموا بعلمهم ما يدهش اللب ويحير الفكر هذا هو الحق في هذه المسئلة خلافا ~~لمن أطلق الكلام في تفضيل أحد الشقين ولم ينح هذا التفصيل الذي أبديته ولا ~~يرد على ذلك ما وقع لموسى مع الخضر صلى الله على نبينا وعليه وسلم بناء على ~~ما عليه الجمهور من الصوفية أن الخضر ولي لأن موسى أفضل منه إجماعا لأنه ~~امتاز على الخضر بخصوصيات لا تحصى وإنما غاية ما يتميز به الخضر أنه اطلع ~~على جزئيات من عالم الغيب لم يطلع عليها موسى فتلمذ له لأجلها وتأديبا من ~~الله له إذا سئل من أعلم الناس فقال أنا ولم يرد العلم إلى الله فليست ~~قضيتهما مما نحن فيه ms505 بوجه خلافا لليافعي رحمه الله حيث جعلها دليلا لتفضيل ~~الأولين ومما يدل لأفضلية الأولين ما هو مقرر أن العلماء إنما يشرفون على ~~قدر شرف معلومهم وشرف العلوم تابع لشرف غاياتها فعلوم المعارف المتعلقة ~~بالله وأسمائه وصفاته أشرف العلوم وأصحابها أشرف العلماء ويليها في الشرف ~~علم الفقه لأن غايته معرفة أحكام الله وشرعه الذي تعبد به عباده وجميع ~~العلوم وسيلة إلى هذين العلمين المشتملين على معرفة الله ومعرفة عبادته لأن ~~الخلق لم يخلقوا إلا لذلك {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} والعبادة ~~تفتقر إلى المعرفة ومن فسرها بالمعرفة فهي مستلزمة للعبادة إذ من عرف الله ~~عرف وجوب عبادته وطاعته ومما يوضح لك أن العلوم وسيلة لذينك العلمين أنها ~~وسيلة لمعرفة الفقه الوسيلة لمعرفة العمل الوسيلة للعمل الوسيلة لطاعة الله ~~وقربه الوسيلة لمعرفته فمن استعمل هذه الوسائل على وجهها وصل بها إلى ~~المقصود الأعظم وإلا فهو الخاسر الجاهل وإن كان بصورة عالم ومما يدل على ~~أفضلية علم المعرفة على الفقه وغيره أمور منها أن العلوم والمعارف الدنية ~~يختص بها الأولياء والصديقون والعلوم الظاهرة ينالها حتى الفسقة والزنادقة ~~ومن ثم قال السهروردي في عوارفه وينبيك عن شرف علم الصوفية وزهاد العلماء ~~أن العلوم كلها لا يبعد تحصيلها مع محبة # PageV01P220 # الدنيا والأخلال بحقائق التقوى وربما كانت محبة الدنيا عونا على اكتسابها ~~لأن الاشتغال بها شاق على النفوس فجبلت على محبة الجاه والرفعة حتى إذا ~~استشعرت حصول ذلك بحصول العلم أجابت إلى تحمل الكلف وسهر الليل والصبر على ~~الغربة والأسفار وفقد الملاذ والشهوات وعلوم هؤلاء القوم يعني الصوفية لا ~~تحصل بمحبة الدنيا ولا تنكشف إلا بمجانبة الهوى ولا تدرس إلا في مدرسة ~~التقوى قال الله تعالى {واتقوا الله ويعلمكم الله} ومنها أن شرف العلم على ~~قدر شرف انتفاع صاحبه ونفعه الغير به والعارفون هم الذين انتفعوا ونفعوا ~~حقا ويكفي في انتفاعهم تطهير قلوبهم مما سوى الله وامتلاؤها بمحبته ومعرفته ~~ومن نفعهم للخلق أن بركتهم تغيث العباد ويدفع بها الفساد وإلا لفسدت الأرض ~~ويقام بهم الدين ms506 ويرشد بهم المريدون إلى التطهير من كل خلق دنئ والترقي إلى ~~التحلي بكل وصف على ومن ثم وقع لعارف أن تلميذه أراد الزنا بامرأة فلما هم ~~سمع صوت شيخه من بلاد بعيدة يقول هكذا تفعل يا فلان ففر هاربا ووقع لآخر من ~~تلميذه في نظير ذلك أنه ما شعر إذ هم غلا والشيخ قد لطمه لطمة أذهبت بصره ~~فخرج وأمر من جاء به إلى الشيخ فقال أدع الله لي أن يرد بصري فإني تائب إلى ~~الله تعالى فقال نعم ولكن لا تموت إلا أعمى فدعا له فرد عليه بصره ثم عمى ~~قبل موته بثلاثة أيام وكذلك وقع للشيخ أبي الغيث بن جميل اليمني رحمه الله ~~أنه كان له تلميذ بالعجم هم بالزنا بامرأة فضربه الشيخ بقبقابه مع زجر وغضب ~~بحضرة الفقراء فلم يدروا ما الخبر حتى قدم الشيخ العجمي بقبقاب الشيخ بعد ~~شهر تائبا وكذلك للجيلاني أنه رمى بفردتي قبقابه أثر وضوئه مع صرختين ~~عظيمتين فلم ترد الفقراء ما الخبر حتى قدمت قافلة بعد ثلاثة وعشرين يوما ~~فأخبروا أن عربا نهبوا أموالهم واقتسموها وهم ينظرون فنذروا للشيخ بشئ أن ~~نجوا منهم فسمعوا الصرحتين وجاءهم العرب بأموالهم وأخبروهم أن فردتى ~~القبقاب جاءتا إلى كبيريهم فقتلتاهما فأخذوهما وهما مبلولتان وقدموا بهما ~~ومنها ما ورد في فضل أويس القرني رضي الله عنه ونفعنا به وكونه أفضل ~~التابعين في بعض روايات صحيح مسلم مع ما في التابعين من العلماء الكبار ~~الذين لا يحصون ومنها أن ابن عبد السلام صرح بتفضيل العارفين بالله تعالى ~~ومن ثم لما سمع إملاء القطب أبي الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى على رسالة ~~القشيري صار يقول اسمعوا إلى هذا الكلام العجيب الغريب القريب العهد بربه ~~ومنها قول الأستاذ أبي القاسم الجنيد نفع الله به لو علمت تحت أديم السماء ~~علما أشرف من علمنا هذا لسعيت إليه وقصدته وقال الشهاب السهروردي الإشارة ~~في خبر فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم إلى هذا العلم الذي هو ~~العلم بالله وقوة اليقين دون ms507 علم نحو البيع والطلاق والعتاق قال وقد يكون ~~الإنسان عالما بالله ذا يقين وليس عنده علم من فروض الكفايات وقد كانت ~~الصحابة رضي الله عنهم أعلم من علماء التابعيين بحقائق اليقين ودقائق ~~المعرفة مع أن في علماء التابعين من هو أقوم بعلم الفقه من بعض الصحابة قال ~~والعلماء الزاهدون بعد الأخذ مما لا بد منه أقبلوا على الله وانقطعوا إليه ~~وخلصت أرواحهم إلى مقام القرب فأفاضت على قلوبهم أنوارا الهيات تهيأت بها ~~لإدراك العلوم الربانية والمعارف الإلهية والله أعلم (وسئل) نفع الله به عن ~~حقيقة الفرق بين الشريعة والحقيقة (فأجاب) بقوله فرق بينهما بفروق منها أن ~~الحقيقة هي مشاهدة أسرار الربوبية ولها طريقة هي عزائم الشريعة ونهاية ~~الشيء غير مخالفة له على ما يأتي فالشريعة هي الأصل ومن ثم شبهت بالبحر ~~والمعدن واللبن والشجرة والحقيقة هي الفرع المستخرج من الشريعة ومن ثم شبهت ~~بالدر والتبر والزبد والثمرة ومعنى سلب المخالفة لهما المذكور أنه ليس ~~بينهما اختلاف في مجاري أحكام العبودية وإنما يختلفان في مشاهدة أسرار ~~الربوبية ولا شك أن أهلهما متفاوتون في الاعتناء والاهتمام بعلم صفات القلب ~~والأخذ بعزائم الأحكام وليس ذلك اختلافا بينهما وبين ذلك اليافعي رحمه الله ~~تعالى بأن الشريعة علم وعمل والعلم ظاهر وباطن والظاهر شرعي وغيره والشرعي ~~فرض ومندوب والفرض عين وكفاية والعين علم صفات القلب وعلم أصل وعلم فرع ~~والعمل عزائم ورخص والحقيقة مشتملة أيضا على قسمين علم وعمل والعلم وهبي ~~وكسبي فالوهبي علم المكاشفة والكسبي فرض عين وفرض كفاية وفرض العين علم قلب ~~وعلم أصل وعلم فرع فالكسبي الذي هو أحد علم نوعي قسمي # PageV01P221 # الحقيقة هو علم الشريعة والعمل الذي هو العزائم مشتمل على سلوك طريق ~~الحقيقة والطريقة مشتملة على منازل السالكين وتسمى مقامات اليقين والحقيقة ~~موافقة للشريعة في جميع علمها وعملها أصولها وفروعها وفرضها ومندوبها ليس ~~بينهما مخالفة أصلا نعم هنا شيآن أحدهما علم صفات القلب فأهل الحقيقة لهم ~~به اعتناء واهتمام جدا وسلوك طريقتهم موقوف على معرفته وتبديل صفاته ~~الذميمة وأكثر أهل ms508 الشريعة يهملون ذلك ويتهاونون به مع كونه فرض عين في ~~الشريعة والحقيقة بلا خلاف والثاني الرخص فأهل الحقيقة من حيث العلم ~~والاعتقاد لا يشكون في حقيقتها وإنها من رحمة الله بعباده وأما من حيث ~~عملهم فإنما يسلكون شوامخ عزائم الشريعة الغراء إلى الله بتوفيقه وعنايته ~~وجميل لطفه وصيانته فمنهم من لا يقطعها إلا في سبعين سنة ومنهم من يقطعها ~~في ساعة واحدة بحسب معونة الله وتسهيله (وسئل) نفع الله به بما لفظه من قال ~~أن المؤمن يعلم الغيب هل يكفر لقوله تعالى {قل لا يعلم من في السموات ~~والأرض الغيب إلا الله} وقوله {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا} أو ~~يستفصل لجواز العلم بجزئيات من الغيب (فأجاب) بقوله رحمه الله ونفعنا به ~~آمين لا يطلق القول بكفره لاحتمال كلامه ومن تكلم بما يحتمل الكفر وغيره ~~وجب استفصاله كما في الروضة وغيرها ومن ثم قال الرافعي ينبغي إذا نقل عن ~~أحد لفظ ظاهره الكفر أن يتأمل ويمعن النظر فيه فإن احتمل ما يخرج اللفظ عن ~~ظاهره من إرادة تخصيص أو مجاز أو نحوهما سئل اللافظ عن مراد وإن كان الأصل ~~في الكلام الحقيقة والعموم وعدم الإضمار لأن الضرورة ماسة إلى الاحتياط في ~~هذا الأمر واللفظ محتمل فإن ذكر ما ينفى عنه الكفر مما يحتمله اللفظ ترك ~~وإن لم يحتمل اللفظ خلاف ظاهره أو ذكر غير ما يحتمل أو لم يذكر شيأ أستتيب ~~فإن تاب قبلت توبته وإلا فإن كان مدلول لفظه كفرا مجمعا عليه حكم بردته ~~فيقتل إن لم يتب وإن كان في محل الخلاف نظر في الراجح من الأدلة إن تأهل ~~وإلا أخذ بالراجح عند أكثر المحققين من أهل النظر فإن تعادل الخلاف أخذ ~~بالأحوط وهو عدم التكفير بل الذي أميل إليه إذا اختلف في التكفير وقف حاله ~~وترك الأمر فيه إلى الله تعالى انتهى كلامه وقوله وإن كان في محل الخلاف ~~الخ محله في غير قاض مقلد رفع إليه أمره وإلا لزمه الحكم بما يقتضيه مذهبه ~~إن انحصر ms509 الأمر فيه سواء وافق الاحتياط أم لا وما أشار إليه الرافعي من ~~الاحتياط في إراقة الدماء ما أمكن وجيه فقد قال حجة الإسلام الغزالي ترك ~~قتل ألف نفس استحقوا القتل أهون من سفك محجم من دم مسلم بغير حق ومني ~~استفصل فقال أردت بقولي المؤمن يعلم الغيب أن بعض الأولياء قد يعلمه الله ~~ببعض المغيبات قبل منه ذلك لأنه جائز عقلا وواقع نقلا إذ هو من جملة ~~الكرامات الخارجة عن الحصر على ممر الأعصار فبعضهم يعلمه بخطاب وبعضهم ~~يعلمه بكشف حجاب وبعضهم يكشف له عن اللوح المحفوظ حتى يراه ويكفي بذلك ما ~~أخبر به القرآن عن الخضر بناء على أنه ولي وهو ما نقل عن جمهور العلماء ~~وجميع العارفين وإن كان الأصح أنه نبي - صلى الله عليه وسلم - وما جاء عن ~~أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه أخبر عن حمل امرأته أنه ذكر وكان ~~كذلك وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كشف عن سارية وجيشه وهم بالعجم فقال ~~على منبر المدينة وهو يخطب يوم الجمعة يا سارية الجبل يحذره الكمين الذي ~~أراد استئصال المسلمين وما صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في حق ~~عمر رضي الله تعالى عنه أنه من المحدثين أي الملهمين وفي رسالة القشيري ~~وعوارف السهروردي وغيرهما من كتب القوم وغيرهم ما لا يحصى من القضايا التي ~~فيها أخبار الأولياء بالمغيبات كقول بعضهم أنا غدا أموت وقت الظهر وكان ~~كذلك ولما دفن فتح عينيه فقال له دافنه أحياة بعد موت فقال أنا حي وكل محب ~~لله حي وكقول سائل لم حضر للإنكار عليه واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم ~~فاحذروه فتاب بباطنه فقال وهو الذي يقبل التوبة عن عباده وروى السهروردي عن ~~الجيلاني أنه قال لرجل عندك وديعة لفلان فتوقف لامتناعه شرعا ثم لما لم ير ~~من ذلك بدا دفع للشيخ ما طلبه فقدم كتاب من المودع لوديعه أعط الشيخ كذا ~~بقدر ما أخذه الشيخ قال اليافعي وروى مسندا عنه أعني الشيخ ms510 عبد القادر أن ~~شيخا أرسل جماعة يقولون له إن لي أربعين سنة في دركات باب القدرة فما رأيتك ~~ثم فقال الشيخ عبد القادر في ذلك الوقت لجماعة من أصحابه اذهبوا # PageV01P222 # إلى فلان تجدون جماعته في بعض الطريق أرسلهم إلى بلد بكذا فردوهم معكم ~~إليه ثم قولوا له يسلم عليك الشيخ عبد القادر ويقول لك أنت في الدركات ومن ~~هو في الدركات لا يرى من هو في الحضرة ومن هو في الحضرة لا يرى من في ~~المخدع وأنا في المخدع أدخل وأخرج من باب السر حيث لا تراني بإمارة إن خرجت ~~لك الخلعة الفلانية في الوقت الفلاني على يدي خرجت لك وهي خلعة الرضا ~~وبإمارة خروج التشريف الفلاني في الليلة الفلانية لك على يدي خرج وهو تشريف ~~الفتح وبإمارة أن خلع عليك في الدركات بمحضر اثني عشر ألف ولي وهي خلعة ~~الولاية وهي فرجية خضراء طرازها سورة الإخلاص على يدي خرجت لك فانتهوا ~~فوجدوا جماعة ذلك الشيخ فردوهم ثم أخبروه بما ذكره الشيخ عبد القادر فقال ~~صدق وهو صاحب الوقت والتصريف ووقع للشيخ أبي الغيث بن جميل أن قاطع طريق ~~جاءه بحب وآخر بثور فأمر بطبخ ذلك وأكله فامتنع الفقهاء من أكل ذلك فبعد أن ~~أكل الفقراء ذلك جاءه شخص قال كنت نذرت لفقرائك بحب وجاء آخر وقال كنت نذرت ~~لهم بثور فأخذ القطاع الحب والثور وكان الشيخ أمره بإبقاء رأس الثور فأخرجه ~~لصاحبه فعرفه فندم الفقهاء على مخالفة الشيخ وأمثال ذلك من الأولياء لا ~~تحصى ويكفي دليلا قوله - صلى الله عليه وسلم - في الخبر الصحيح إن في أمتي ~~2 ملهمون أو محدثون ومنهم عمر وقوله - صلى الله عليه وسلم - اتقوا فراسة ~~المؤمن فإنه ينظر بنور الله ووقف نصراني على الجنيد رحمه الله تعالى وهو ~~يتكلم في الجامع على الناس فقال أيها الشيخ ما معنى حديث اتقوا فراسة ~~المؤمن فأطرق الجنيد ثم رفع رأسه وقال أسلم فقد جاء وقت إسلامك فأسلم ~~الغلام وسئل بعضهم عن الفراسة فقال أرواح تتقلب في الملكوت ms511 فتشرف على معاني ~~الغيوب فتنطق عن أسرار الخلق نطق مشاهدة وعيان لا نطق ظن وحسبان ولا ينافي ~~ما تقرر من اطلاع الأولياء على بعض الغيوب الآيتان المذكورتان في السؤال ~~بناء على أن الاستثناء في الثانية منقطع وهو ما ذهب إليه المعتزلة واستدلوا ~~به على نفي كرامات الأولياء جهلا منهم أن لا يدل عليها أو على خصوص علمهم ~~بجزئيات من الغيب لا هذه الآية إن جعلنا الاستثناء فيها منقطعا ووجه عدم ~~المنافاة أن علم الأنبياء والأولياء إنما هو بإعلام من الله لهم وعلمنا ~~بذلك إنما هو بإعلامهم لنا وهذا غير علم الله تعالى الذي تفرد به وهو صفة ~~من صفاته القديمة الأزلية الدائمة الأبدية المنزهة عن التغير وسمات الحدوث ~~والنقص والمشاركة والانقسام بل هو علم واحد علم به جميع المعلومات كلياتها ~~وجزئياتها ما كان منها وما يكون أو يجوز أن يكون ليس بضروري ولا كسبي ولا ~~حادث بخلاف علم سائر الخلق إذا تقرر ذلك فعلم الله المذكور هو الذي تمدح به ~~وأخبر في الآيتين المذكورتين بأنه لا يشاركه فيه أحد فلا يعلم الغيب إلا هو ~~ومن سواه إن علموا جزئيات منه فهو بإعلامه واطلاعه لهم وحينئذ لا يطلق أنهم ~~يعلمون الغيب إذ لا صفة لهم يقتدرون بها على الاستقلال بعلمه وأيضا هم ما ~~علموا وإنما علموا وأيضا هم ما علموا غيبا مطلقا لأن من أعلم بشيء منه ~~يشاركه فيه الملائكة ونظراؤه ممن اطلع ثم أعلام الله تعالى للأنبياء ~~والأولياء ببعض الغيوب ممكن لا يستلزم محالا بوجه فإنكار وقوعه عناد ومن ~~البداهة أنه لا يؤدي إلى مشاركتهم له تعالى فيما تفرد به من العلم الذي ~~تمدح به واتصف به في الأزل وما لا يزال وما ذكرناه في الآية صرح به النووي ~~رحمه الله في فتاويه فقال معناها لا يعلم ذلك استقلالا وعلم إحاطة بكل ~~المعلومات إلا الله وأما المعجزات والكرامات فبإعلام الله لهم علمت وكذا ما ~~علم بإجراء العادة انتهى كلامه (وسئل) نفع الله به بما لفظه ما الذي يجاب ~~به عما ms512 وقع من شطحات الأولياء كقول أبي يزيد سبحاني ما في الجبة غير الله ~~وقول الحلاج أنا الحق ونحو ذلك مما لا يخفى من كلماتهم وإشاراتهم التي ~~ظاهرها انتقاد وباطنها حق إلا عند أهل المقت والعناد (فأجاب) بقوله ما وقع ~~لهم رضوان الله عليهم من الشطحات للأئمة العلماء العارفين الحكماء الذين ~~حماهم الله بالسلامة من حرمان الإنكار ومن عليهم بالاعتقاد في أوليائه وحمل ~~ما صدر عنهم على أحسن المحامل وأقومها عنها أجوبة مسكتة وتحقيقات مبهتة لا ~~يهتدي إليها إلا الموفقون ولا يعرض عنها إلا المخذولون فاحذر أن تكون ممن ~~يتحسى كأس سم الإنكار فيهلك لوقته وبادر إلى السلامة من غضب الله ومحاربته ~~ومقته فقد قال على لسان الصادق المصدوق من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب أي ~~أعلمته أني # PageV01P223 # محارب له قال الأئمة ولم ينصب الله تعالى المحاربة لأحد من العصاة إلا ~~للمنكرين على أوليائه وآكلي الربا ومن حاربه الله لا يفلح أبدا أحد تلك ~~المسالك أن تلك الكلمات حكاية عن حضرة الحق ونطق عما يليق وما شاهدوه من ~~أنوارها وغلبة التجوز في نحو ذلك من مقامات المحبة والعبودية والقرب يبسط ~~لهم العذر ويرفع عنهم الإصر ممن اعتمد هذا المسلك الشهاب السهروردي المجمع ~~على إمامته في العلوم الظاهرة والباطنة في عوارفه حيث قال وما حكى عن أبي ~~يزيد رضي الله عنه من قوله سبحاني حاشا الله أن يعتقد في أبي يزيد أن يقول ~~مثل ذلك إلا على معنى الحكاية عن الله تعالى قال وذلك مما ينبغي أن يعتقد ~~في الحلاج رحمه الله في قوله أنا الحق ثانيها إن ذلك وقع منهم في حال ~~الغيبة والسكر الناشئين عن الفناء في المحبة والشهود لموارد الأحوال ~~المزعجة للقلب الآخذة له من صحوه وتمييزه ألا ترى أن بعض الهموم أو ~~الواردات الدنيوية إذا وردت على القلب أذهلته وأذهبت تمييزه لشدة تمكنها ~~منه واستغراقه في فكره وخطرها فإنه إذا كان هذا في الأمور السافلة التي لا ~~تقاوم جناح بعوضة فكيف بواردات الحق على القلوب ولواعج المحبة ms513 المذهلة عن ~~كل مطلوب ومرغوب وعوالم الملكوت المنكشفة لهم في منازلاتهم ومشاهدة عجائب ~~القدرة في ترقياتهم فإن ذلك لا يبقى في القلب شعورا ولا تمييزا بل يصير ~~صاحبه كالسكران الثمل فحينئذ ينطق بما رسخ في خلده قبل ويرجع بطبعه قهرا ~~عليه إلى مكان يلحظه ويعول عليه فينطق لسانه بطبق تلك الأحوال لكن بعبارات ~~لا يقصد بها ما يوهمه ظاهرها من اتحاد أو حلول أو انحلال فتأمل ذلك وعول ~~عليه تسلم وكل سكر نشأ عن سبب جائز فصاحبه غير مكلف وممن اعتمد هذا المسلك ~~القطب الرباني عبد القادر الجيلاني نفع الله به حيث قال مترجما عن حال ~~الحلاج طار طائر عقل بعض العارفين من وكر شجر صورته وعلا إلى السماء خارقا ~~صفوف الملائكة فكان بازيا من بزاة الملك مخيط العينين بخيط وخلق الإنسان ~~ضعيفا فلم يجد في السماء ما يحاول من الصيد فلما لاحت له فريسة رأيت ربي ~~ازداد تحيره في قول مطلوبه فأينما تولوا فثم وجه الله عادها بطا إلى حضرة ~~خطة الأرض طالبا ما هو أعدم من جود النار في قعور البحار يتلفت بعين عقله ~~فما شاهد سوى الآثار فكر فلم يجد في الدارين محبوبا سوى محبوبه فطرب وقال ~~بلسان سكر قلبه أنا الحق ثم ترنم بلحن غير معهود صفر في روضة الوجود صغير ~~إلا يليق ولحن بصوته لحنا عرضه لحتفه نودى في سره يا حلاج اعتقدت أن قوتك ~~لك قل الآن نيابة عن جميع العارفين حسب الواحد إفراد الواحد قل يا محمد أنت ~~سلطان الحقيقة أنت إنسان عين الوجود على عتبة باب الملك لمعرفتك تخضع أعناق ~~العارفين وفي حمى جلالتك توضع جباه الخلق أجمعين انتهى كلامه رضي الله عنه ~~وهو من النفاسة والجلالة بالمحل الأسنى فتدبره حق تدبره ويكفي الحلاج شرفا ~~شهادة هذا القطب له بهذا المقام مع أن الصوفية وغيرهم مختلفون فيه اختلافا ~~كثيرا فجماعة من العارفين كأبي العباس بن عطاء وأبي عبد الله ابن حنيف وأبي ~~القاسم النصر أباذي رضي الله عنهم أثنوا عليه وصححوا له ms514 حاله وجعلوه أحد ~~المحققين وخالفهم أكثر المشايخ فلم يثبتوا له قدما في التصوف ولم يقبلوه ~~ولم يأخذوا عنه وهذا لا ينافي ما قاله الأولون لأنه وإن كان محقا بل عالما ~~ربانيا كما قاله ابن حنيف إلا أنه كان مخلطا تكثر منه الكلمات التي ظواهرها ~~منتقدة فلذا أعرضوا عن الأخذ عنه ولم يثبتوا له قدما في التصوف أي في ~~التربية والاقتداء وجعلوه في حيز المجاذيب الذين يعتقدون ولا يؤخذ عنهم ولا ~~يعدون من أصحاب المراتب والتصرف فتأمل ذلك فإنه مهم وإياك أن تفهم أن من ~~الصوفية من ينكر عليه حالة الباطن فإن الأمر ليس كذلك وقد بسط الغزالي رحمه ~~الله أحواله فأجاب عن كلماته ووقائعه بما ينزه ساحته عن حلول أو غيره من ~~الاعتقادات الباطلة وكلماته الدالة على معرفته وحقيقة ما هو عليه منها الحق ~~إذا استولى على سر ملكه الأسرار فيعانيها وخبر عنها وقوله لما سئل عن ~~التصوف وهو مطلوب أهونه ما تري وقوله لما قال خادمه وقد قرب صلبه أوصني قال ~~عليك بنفسك إن لم تشغلها شغلتك وقوله وهو يتبختر في قيده للصلب شعرا: # (نديمي غير منسوب ... إلى شيء من الحيف) # (سقاني مثل ما يشرب ... كفعل الضيف بالضيف) # PageV01P224 # (فلما دارت الكاسات ... دعا بالنطع والسيف) # ثم قال {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ~~ويعلمون أنها الحق} وهذا منه رحمه الله صريح فيما ذكرناه أن ما صدر منه ~~إنما كان في حال سكره وغيبته وقال المعتزلي ردا عليه لما أوجد الله تعالى ~~الأجسام بلا علة كذلك أوجد فيها صفاتها وكما لا يملك العبد أصل فعله كذلك ~~لا يملك فعله وقوله المريد هو الخارج عن أسباب الدارين وقوله وقد رؤى في ~~ثياب رثة فقيل له ما حالك فقال: # (لئن أمسيت في ثوبي عديم ... لقد بليا على حر كريم) # (فلا يحزنك إذ أبصرت حالا ... تغير في عن حال قديم) # (فلي نفس ستتلف أو سترقى ... لعمر الله في أمر جسيم) # ثالثها أنهم قد يؤمرون تعريفا لجاهل أو شكر أو تحدثا ms515 بنعمة الله كما وقع ~~للشيخ عبد القادر أنه بينما هو بمجلس وعظه وإذا هو يقول قدمي هذه على رقبة ~~كل ولي لله تعالى فأجابه في تلك الساعة أولياء الدنيا قال جماعة بل وأولياء ~~الجن جميعهم وطأطؤا رؤسهم وخضعوا له واعترفوا بما قاله إلا رجلا بأصبهان ~~فأبى فسلب حاله وممن طأطأ رأسه أبو النجيب السهروردي وقال على رأسي على ~~رأسي وأحمد الرفاعي فقال وحميد منهم وسئل فقال الشيخ عبد القادر يقول كذا ~~وكذا وأبو مدين في المغرب وأنا منهم اللهم إني أشهدك وأشهد ملائكتك أني ~~سمعت وأطعت فسئل فاخبر بما قاله الشيخ ببغداد فارخ فكان قول أبي مدين عقب ~~قول الشيخ عبد القادر ذلك وكذا الشيخ عبد الرحيم القناوي مدعنقه وقال صدق ~~الصادق المصدوق فسئل فأخبر بما قاله الشيخ وذكر كثيرون من العارفين الذين ~~ذكرناهم وغيرهم أنه لم يقل إلا بأمر إعلاما بقطبيته فلم يسع أحد التخلف بل ~~جاء بأسانيد متعددة عن كثيرين أنهم أخبروا قبل مولده بنحو مائة سنة أنه ~~سيولد بأرض العجم مولود له مظهر عظيم يقول ذلك فتندرج الأولياء في وقته تحت ~~قدمه وحكى إمام الشافعية في زمنه أبو سعيد عبد الله بن أبي عصرون قال دخلت ~~بغداد في طلب العلم فوافقت ابن السقا ورافقته في طلب العلم بالنظامية وكنا ~~نزور الصالحين وكان ببغداد رجل يقال له الغوث يظهر إذا شاء ويختفي إذا شاء ~~فقصدنا زيارته أنا وابن السقا والشيخ عبد القادر وهو يومئذ شاب فقال ابن ~~السقا ونحن سائرون لأسألنه مسئلة لا يدري لها جوابا وقلت لأسألنه مسئلة ~~وأنظر ما يقول فيها وقال الشيخ عبد القادر معاذ الله أن أسأله شيأ أنا بين ~~يديه أنتظر بركة رؤيته فدخلنا عليه فلم نره إلا بعد ساعة فنظر الشيخ إلى ~~ابن السقا مغضبا وقال ويحك يا ابن السقا تسألني مسئلة لا أدري لها جوابا هي ~~كذا وجوابها كذا إني لأرى نار الكفر تلتهب فيك ثم نظر إلي وقال يا عبد الله ~~أتسألني عن مسئلة لتنظر ما أقول فيها هذا كذا ms516 وجوابها كذا لتخزن الدنيا ~~عليك إلى شحمة أذنيك بإساءة أدبك ثم نظر إلى الشيخ عبد القادر وأدناه منه ~~وأكرمه وقال يا عبد القادر لقد أرضيت الله ورسوله بحسن أدبك كأني أراك ~~ببغداد وقد صعدت الكرسي متكلما على الملأ وقلت قدمي هذه على رقبة كل ولي ~~الله وكأني أرى الأولياء في وقتك وقد حنوا رقابهم إجلالا لك ثم غاب عنا فلم ~~نره قال وأما الشيخ عبد القادر فقد ظهرت أمارات قربه من الله وأجمع عليه ~~الخاص والعام وقال قدمي الخ وأقرت الأولياء في وقته له بذلك وأما ابن السقا ~~فإنه اشتغل بالعلوم الشرعية حتى برع فيها وفاق فيها كثيرا من أهل زمانه ~~واشتهر بقطع من يناظره في جميع العلوم وكان ذا لسان فصيح وسمت بهي فأدناه ~~الخليفة منه وبعثه رسولا إلى ملك الروم فرآه ذا فنون وفصاحة وسمة فأعجب به ~~وجمع له القسيسين والعلماء بالنصرانية فناظرهم وأفحمهم وعجزوا فعظم عند ~~الملك فزادت فتنته فتراأت له بنت الملك فأعجبته وفتن بها فسأله أن يزوجها ~~لها فقال إلا أن تتنصر فتنصر وتزوجها ثم مرض فألقوه بالسوق يسأل القوت فلا ~~يجاب وعلته كآبة وسواد حتى مر عليه من يعرفه فقال له ما هذا قال فتنة حلت ~~بي سببها ما ترى قال له هل تحفظ شيأ من القرآن قال لا إلا قوله {ربما يود ~~الذين كفروا لو كانوا مسلمين} قال ثم خرجت عليه يوما فرأيته كأنه قد حرق ~~وهو في النزع فقبلته إلى القبلة فاستدار إلى الشرق فعدت فعاد وهكذا إلى أن ~~خرجت روحه ووجهه إلى الشرق وكان يذكر كلام الغوث ويعلم أنه أصيب بسببه قال ~~ابن # PageV01P225 # أبي عصرون وأما أنا فجئت إلى دمشق فأحضرني السلطان الصالح نور الدين ~~الشهيد وأكرهني على ولاية الأوقاف فوليتها وأقبلت على الدنيا إقبالا كثيرا ~~فقد صدق قول الغوث فينا كلنا وفي هذه الحكاية التي كادت أن تتواتر في ~~المعنى لكثرة ناقليها وعدالتهم فيها أبلغ زجر وآكد ردع عن الإنكار على ~~أولياء الله تعالى خوفا من أن يقع المنكر فيما ms517 وقع فيه ابن السقا من تلك ~~الفتنة المهلكة الأبدية التي لا أقبح منها ولا أعظم منها نعوذ بالله من ذلك ~~ونسأله بوجهه الكريم وحبيبه الرؤوف الرحيم أن يؤمننا من ذلك ومن كل فتنة ~~ومحنة بمنه وكرمه وفيها أيضا أتم حث على اعتقادهم والأدب معهم وحسن الظن ~~بهم ما أمكن رابعها أن الشطح قد يكون فيه نفع للخلق وقد عرفوا ذلك بإلهام ~~أو كشف أو خطاب أو نحوها من وجوه التعريفات كما تواتر باليمن في الشيخ ~~العارف إمام الفقهاء والصوفية في وقته إسماعيل الحضرمي نفع الله به أنه قال ~~من قبل قدمي دخل الجنة فلم يزل يقبل قدمه كل زائر وإن جلت مراتبه ومن ~~كراماته أنه كان داخلا لزبيد وقد دنت الشمس للغروب فقال لها لا تغربي حتى ~~ندخلها فوقفت ساعة طويلة فلما دخلها أشار إليها فإذا الدنيا مظلمة والنجوم ~~ظاهرة ظهورا تاما خامسها ظهور المراد من اللفظ وإن أشكل ظاهره كما وقع ~~للشيخ أبي الغيث بن جميل نفع الله به أنه جاء إليه جماعة من الفقهاء فقال ~~له مرحبا بعبيدي فاشتد إنكارهم عليه وذكروا ذلك للشيخ إسماعيل المذكور قبله ~~فقال صدق أنتم عبيد الهوى وهو عبده سادسها الإشارة إلى الخلافة عن الحق ~~بالإذن له في التصرف في الكون كما قال الشيخ أبو الغيث: # (وحباني الملك المهيمن خلعة ... فالأرض أرضي والسماء سمائي) # وفي رواية # (وحلاني الملك المهيمن باسمه) # أي سره أو صفته أو بركته أو بالنيابة عنه في التصرف فيما أذن لي فيه أو ~~أن اسمي الذي هو أبو الغيث مشتق من اسم الله تعالى المغيث فأبو المغيث نفع ~~الله به كتب هذا جوابا لما كتبه إليه الشيخ العارف بالله أحمد بن علوان ~~رحمه الله ونفع بالجميع وهو جزت الصفوف أي مقامات الأولياء أو صفوف ~~الملائكة إلى الحروف أي علم الحروف والأسماء إلى الهجاء أي الاطلاع على ~~الأسرار حتى انتهيت مراتب الإبداع أي إلى أن تتصرف فيما أذن لك الله فيه ~~بقدرته وقد مر أنه يجوز أن يعطى الولي نظير كرامات ms518 الأنبياء بشرط عدم ~~التحدي بالنبوة أو أن المراد أن الله أطلعك على تكوين الخلق أو أسمعك صريف ~~القلم الذي أمر بكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ومعنى جف القلم بما أنت ~~لاق الكناية عن القضاء المبرم الذي هو في أم الكتاب لا يقبل تبديلا ولا ~~تغييرا بيت: # (لا باسم ليلى استعنت على السرى ... كلا ولا لبني يرد شراعي) # أي لم تستعن بشيخ ولا غيره فيما فوض إليك من المتصرف في قطع مهامه ~~العوائق بل صرت مستقلا بنفسك في التصرف مأذونا فيه لا تحتاج إلى شيخ يدلك ~~ولا تحمل شراع أي قلع مركبك الساري في بحر المعارف وشهود مجاري الأقدار ~~واللطائف ولا تمسك سكانه لعرفانك بالبحر ومحل أخطاره سابعها قصد التخريب ~~وهو ما يقع للملامتية وهم قوم طابت نفوسهم مع الله فلم يودوا أن أحدا يطلع ~~على أعمالهم غيره فإذا رأى أحد منهم أن أحدا اعتقد فيه خرب أي ارتكب ما يذم ~~به ظاهره من فعل وقول كسرقة بعض الأولياء وهو إبراهيم الخواص نفع الله به ~~وناهيك به علما ومعرفة لما رأى أهل بلده يعتقدونه سرق ثيابا من الحمام لابن ~~الملك وخرج يتبختر بها حتى أدرك فضرب وأخذت منه وسمى لص الحمام فقال الآن ~~طابت الإقامة في هذه البلد فإن قلت ما تأويله في لبس ثياب الغير قلت يحتمل ~~أنه علم عتبه ورضاه بل أرضاه وإن لم يعلم قلبه نظرا إلى الغالب لأن من اطلع ~~على باطن عبد أنه في غاية الصلاح وأن لبسه هذا الزمن اليسير ليطهر نفسه من ~~النظر إلى الخلق رضى له بذلك قطعا وقد صرح الشافعي رضي الله عنه بأنه يجوز ~~أخذ خلال وخلالين من مال الغير نظرا إلى أن ذلك مما يتسامح به عادة ~~ومسئلتنا أولى من ذلك لأن أكثر الناس مجبولون على محبة هذه الطائفة بل كلهم ~~منقادون إلى الصادقين من أهلها ثم رأيت بعضهم أجاب بجواب آخر حين سأله فقيه ~~عنها لا أقنع إلا بكلام الفقهاء فقال أليس يجوز في ظاهر الفقه استعمال ms519 بعض ~~المحرمات للضرورة كالتداوي بالنجاسة فقال الفقيه بلى فقال # PageV01P226 # فكذا هذا داوى نفسه بل قلبه بهذا المحرم وما أجبت به أولى لأن التداوي ~~بالنجاسة ليس فيه إلا حق الله فسومح به لأجل المرض وأما هذا فحق الآدمي لا ~~يجوز إلا برضاه فكيف يجوز لأجل صلاح قلبه فالصواب ما أجبت به إذ لا يرد ~~عليه ما أورده اليافعي رحمه الله على ذلك الجواب فقال بعد قوله لا يداوى ~~التخريب بحرام مغلظ كالكبائر ونحوها وفي جواز ارتكاب الحرام للتخريب بمجرد ~~الظن حصول الفساد والضرر الراجحين على فساد الحرام وضرره عندي فيه نظر ~~ويترتب على هذا سؤال فيقال إذا تعارض مفسدتان صغرى قطعية وكبرى ظنية ~~فايتهما أولى بالدفع وإذا حصل الغرض من التخريب بمكروه فلا يجوز بحرام ~~انتهى كلام اليافعي رضي الله عنه وتوقفه في تعارض المفسدتين المذكورتين فيه ~~نظر وقضية قولهم درء المفاسد مقدم على جلب المصالح تقديم دفع المفسدة ~~القطعية صغرت أو كبرت كما يعلم من كلام الأئمة في المضطر يأخذ طعام الغير ~~المستغنى عنه قهرا عليه ويقتله إن امتنع من إعطائه وتعين القتل طريقا ~~لتحصيله ومع ذلك لا يأخذه مجانا بل يبدله حالا أن قدر عليه وإلا فحتى يقدر ~~(وسئل) نفع الله به ورضى عنه بما لفظه نقل عن جماعة من الصوفية كلمات تدل ~~على انحلال عقائدهم لا سيما الشيخ عبد القادر الجيلاني نفع الله به ورحمه ~~فإنه نقل عنه القول بالجهة وهذا قدح عظيم وخرق جسيم وحاشا هذا الولي أن ~~يقول ذلك أو أن يرتبك في شيء من المهالك ووعر تلك المسالك فبينوا ما في ذلك ~~(فأجاب) بل الله ثراه حاشا لله ومعاذ الله أن يظن بأحد من الصوفية ~~المذكورين في رسالة القشيري وعوارف المعارف وغيرهما من كتب الأئمة الجامعين ~~بين علمي الظاهر والباطن شيء مما يخالف عقيدة أهل السنة والجماعة وقد ذكر ~~القشيري وغيره من كلماتهم في العقائد ما يبين ذلك ويوضحه فانظر في الرسالة ~~وغيرها ومن نسب إلى واحد منهم شيأ مما يخالف ذلك كالقول بقدم الحروف ms520 فقد ~~افترى فقد صرح سهل بن عبد الله وأبو بكر الشبلي وأبو العباس بن عطاء ~~بحدوثها وابن عطاء هذا هو أحد الشيوخ الخمسة الذين أجمع على الاقتداء بهم ~~لجمعهم بين علمي الظاهر والباطن وهم أبو عبد الله الحرث بن أسيد المحاسبي ~~وإنكار الإمام أحمد عليه بالغوافي رده وأنه لعدم علمه بحقيقة حاله وأبو ~~القاسم الجنيد وأبو محمد رويم وأبو عبد الله عمرو بن عثمان المكي وابن عطاء ~~المذكور وتخصيص هؤلاء بذلك إنما هو لكونهم كانوا مجتمعين اجتماعا مخصوصا في ~~عصر واحد لا لنفي الاقتداء عن غيرهم إذ الجامعون بين العلمين المذكورين من ~~القوم كثيرون على أن تخصيص الاقتداء بالجامعين بين العلمين المذكورين إنما ~~هو لبيان الأكمل إذ لا خلاف بينهم أن جميع السالكين العارفين بالله تعالى ~~يجوز الاقتداء بهم سواء حصل السلوك قبل الجذبة أو بعدها وسواء علموا جميع ~~علوم الشريعة المفروضة والمندوبة أم لم يعرفوا سوى فرض العين الذي لا بد ~~لكل مكلف منه أو لبيان من يقتدى به في العلمين معا وقد قال أبو عثمان ~~المقرى كنت أعتقد شيأ من حديث الجهة فلما قدمت بغداد زال عني ذلك فكتبت إلى ~~أصحابنا بمكة أني أسلمت جديدا وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني قدمت من ~~بغداد إلى نيسابور فدرست في جامعها فشرحت القول في الروح وأنها مخلوقة ~~فأصغى الشيخ أبو القاسم النصر أباذي إلي من بعيد ثم اجتاز بنا بعد أيام ~~فقال لبعض أصحابي اشهدوا أني أسلمت على يد هذا الرجل وأشار إلي فانظر إلى ~~تواضع هذا الأستاذ الذي هو أبو القاسم وإنصافه ورجوعه للحق مع أنه كان شيخ ~~وقته وكذا أبو عثمان السابق وكل هذا يدل على أنهم مطهرون من الحظوظ النفسية ~~متصفون بالصفات العلية ومن كلام أبي القاسم المذكور الجنة باقية بإبقائه ~~وذكره لك رحمته ومحبته لك باقية لك ببقائه فشتان ما بين ما هو باق ببقائه ~~وما هو باق بإبقائه فتأمل هذا التحقيق عن هذا الإمام الموافق لما عليه أهل ~~الحق إن صفات القديم سبحانه باقية بإبقائه وإن ms521 ذاته باقية ببقائه ولما ذكر ~~القشيري عقائدهم المأخوذة من مجموع كلامهم قال دلت هذه المقالات على أن ~~عقائد مشايخ الصوفية توافق أقاويل أهل الحق في مسائل الأصول وقال أيضا ~~اعلموا رحمكم الله أن شيوخ هذه الطريقة بنوا قواعد أمرهم على أصول صحيحة في ~~التوحيد وصانوا عقائدهم من البدع وأتوا بما وجدوا عليه السلف وأهل السنة من ~~توحيد ليس فيه تمثيل ولا تعطيل وقال سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمه ~~الله تعالى بعد أن ذكر عقائد أهل السنة والجماعة هذا إجمال من # PageV01P227 # اعتقاد الأشعري واعتقاد السلف وأهل الطريقة والحقيقة نسبته إلى التفصيل ~~الواضح كنسبة القطرة إلى البحر الطافح ومراده بأهل الطريقة والحقيقة ~~الصوفية وأما أحسن قول بعضهم المعتزلة نزهوا الله من حيث العقل فأخطؤا ~~والصوفية نزهوه من حيث العلم فأصابوا قال اليافعي وقد اشتهر عن الشيخ عبد ~~القادر أنه كان يعتقد الجهة وقد استغرب ذلك منه وعد شاذا في ذلك عن أئمة ~~المشرق ولكن قد أخبر الشيخ الكبير العارف بالله تعالى الشهير نجم الدين ~~الأصبهاني أن الشيخ عبد القادر رجع آخرا عما كان يعتقده أو لأذكر ذلك لما ~~بلغه أن الإمام ابن دقيق العيد تعجب من اعتقاد الشيخ عبد القادر ذلك مع ما ~~جوى من العلوم والمعارف ومثل الشيخ نجم الدين الأصبهاني إذا أخبر عن القوم ~~بقول فعلي الخبير يسقط المخبر إذ هو من أهل الاطلاع ظاهرا وباطنا لكونه من ~~أهل النور والكشف المشهور وكون العراق له وطنا وصحب المشايخ هنالك والعلماء ~~وعقد النبي - صلى الله عليه وسلم - للوائه أحد عشر علما أخبر بالرجوع عن ~~الإعتقاد المذكور وعقد الأعلام المذكور غير واحد من أصحاب الشيخ نجم الدين ~~المذكور عنه ممن لا يشك والله في صدقهم انتهى كلام اليافعي قدس سره ثم حكى ~~من كلام الشيخ عبد القادر ما اشتمل على بدائع من التوحيد والتنزيه وعجائب ~~من المعارف وقواطع تنفي التجسيم والمكان والتشبيه مفصحا بكون الحق تعالى لم ~~يستقر في مكان ولم يتغير عما عليه كان جامعا بين فصاحة العبارة وبلاغة ms522 ~~الاستعارة وحلاوة نظم الدر في سلك معارف الأنوار وطلاوة تناسب الفواصل في ~~سلك محاسن الأسرار ومن جملة تلك الكلمات الأنيقة والعبارات الرائقة الفائقة ~~الرشيقة نودي في معاقل الآفاق وفجاج الأكوان ومعالم المصنوعات أن سلطان ~~الصفات القديمة وملك النعوت العظيمة يريد أن يمر على مسالك العوالم ويعدو ~~في مشاهد الشواهد فحدقوا عيونكم وصفوا سرائركم وقيدوا أفكاركم وغضوا ~~أبصاركم واحضروا بلاغتكم وفكوا مناطقكم وألسنتكم فتروا من جنان العزة سناء ~~بارقا مجللا بالهيبة مظللا بالعظمة متوجا بالجمال مكللا بالكمال آخذا ~~بنواصي الأنوار قاهر المعاني الأسرار فتجلى في حلل لطفه وتلطفه ودنا بقربه ~~وتعرفه له مطالع ومشارق ولوامح وبوارق وشواهد ومناطق ومعارف وحقائق وعوارف ~~ومناشق تجلوا مطالعه الرحمن على العرش استوى وتسفر مشارقه وسع كرسيه ~~السموات والأرض وتوضح لوامحه يداه مبسوطتان وتكشف بوارقه وهو معكم وتبدي ~~شواهده والسموات مطويات بيمينه وتفصح مناطقه والله من ورائهم محيط وتنادي ~~معارفه وهو السميع البصير وتنطق حقائقه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ~~وتشهد عوارفه لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وتتأرج مناشقه قل الله ثم ~~ذرهم في خوضهم يلعبون فظهرت بدائع صنائع القدم في أحسن صورة من بهجة الكمال ~~البارز من حريم العزة عليها ملابس الجمال غرائب العجائب وطاف به طائف من ~~ربك في طرائق الملكوت ومصنوعات المصنوعات ومكنون الكائنات فوقع الكل في ~~مهاوي البهتة وتاهوا في مهامه الدهشة وإذا النداء من حضرة القدس ألست بربكم ~~قالوا بلسان الذل والخضوع في مقام الإقرار بوحدانية الإلهية بلى وأشهدهم ~~على أنفسهم بقيام الحجة يوم تشهد عليهم ألسنتهم فتبع الخلائق ذلك البارق ~~وسلكوا نحوه طرائق فاقتفى قوم آثاره فلم يستضيئوا هدى من علمه ولا آثاره بل ~~حكموا العقول ومقايسها واتبعوا الأهوية وأبالسها فمنهم طائفة ضلوا في تيه ~~التمويه ووقعوا في التجسيم والتشبيه فأولئك الذين أهلكهم الشقاء حين ابتلى ~~أخيارهم وأولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ومنهم فرقة حاروا في ~~أضاليل التعطيل ومنهم عصابة هلكوا بأباطيل الحلول فأغرقوا فأدخلوا نارا فلم ~~يجدوا لهم من دون الله أنصارا ومنادي التوحيد والتنزيه ms523 ينادي في صفحات ~~الوجود أن سلطان الصفة القديمة وملك النعوت القويمة إلى الآن في مقر العز ~~والجلال ومظل القدرة والكمال ما انتقل إلى مكان ولم يتغير عما هو عليه كان ~~محتجبا بجلال عزته في تعالي كبريائه وعظمته فأحجم العرش من خوف البطش إذ ~~جعل محلا للافتراء ومجالا للامتراء وصاح بلسان الرهبة من البعد بأرباب ~~الغيبة عن الرشاد أني منذ خلقت في دهشة الوله ووحشه التحير حتى لمع لي من ~~جناب الأزل بارق الرحمن على العرش استوى فلما صوبت إلى نفسي نظري وقع حده ~~على # PageV01P228 # جرم السماء فانطبع فيه رقم ثم استوى إلى السماء فبهت فيه نظري وشخص إليها ~~بصري فطمحت إشراقات أنواره إلى عالم الثرى فانتقش في طي مكنوناته مكتوب ~~واسجد واقترب فأنارت بذلك ظلمتي واطمأنت لذلك فكرتي وقربت زفرتي ولا أسمع ~~إلا الأخبار ولا أشهد غير الآثار واتبع قوم سبيل الرشاد في إشراق أنواره ~~ونصبوا الشرع أمامهم وافتدوا بعساكر التوفيق جندا جندا وسارت ركائب التأييد ~~وفدا وفدا وشموس الهداية تسري معهم وعيون العناية ترعى مرتعهم وتجمعهم ~~فأوصلهم الصدق في اتباع الحق إلى مسالك التوحيد ومعافل التحميد وعلت بهم ~~الرتب عن مقام الريب انتهى الغرض منه وإلا فهو بحر ليس له ساحل وتيه لا ~~يهتدى فيه إلا كامل (وسئل) نفع الله به عن معنى قول أبي يزيد خضت بحرا وقف ~~الأنبياء بساحله (فاجاب) بقوله هذا القول لم يصح عنه وان صح فقوله جميع ما ~~أعطى الأولياء مما أعطى الأنبياء كزق ملئ عسلا فرشحت منه رشحات فتلك ~~الرشحات هي ما أعطى الأولياء وما في باطن الزق هو ما أعطى الأنبياء يوجب إن ~~لم يكن صدر منه في حال السكر صرف ذلك القول عن ظاهره ويعين تأويله بما يليق ~~بجلالة الأنبياء بأن يقال وقفوا بساحله ليعبروا فيه من رأوا فيه أهلية ~~العبور ويمنعوا من لم يروا فيه أهلية العبور أو ليدركوا من رأوه أشرف على ~~الغرق أو نحو ذلك مما فيه نفع للغير كما يقف الأفضل يشفع في دخول الجنة ~~ويدخل المفضول ms524 قال بعضهم أو يقال وقوفهم وقوف صدور لا وقوف ورود وعلى كل ~~حال فلا يظن بأبي يزيد نفع الله به إلا ما يليق بجلالة قدره وعلو مقامه وما ~~علم منه من تعظيم الأنبياء وشرائعهم ونهاية الأدب مع جميعهم (وسئل) نفع ~~الله به عن الخطاب الذي يذكره الأولياء فيقول أحدهم حدثني قلبي عن ربي ~~ويقول بعضهم خاطبني ربي بكذا هل ينسب إلى الله سبحانه وما حقيقته وهل يسمى ~~كلاما أو حديثا وما الفرق بين ما سمعه الأنبياء وما سمعه الأولياء وما على ~~من جحد أحدهما (فأجاب) بقوله فرق القطب الرباني الشيخ عبد القادر الجيلاني ~~نفع الله به بين النبوة والولاية بما حاصله أن النبوة كلام الله الواصل ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم - مع الملك والروح الأمين والولاية حديث يلقى ~~في قلب الولي على سبيل الإلهام المصحوب بسكينة توجب الطمأنينة والقبول له ~~من غير توقف ولا تلعثم ورد الأول كفر والثاني نقص وجاء فقيه لأبي يزيد ~~معترضا عليه فقال له علمك عمن ومن أين فقال علمي من عطاء الله وعن الله عز ~~وجل ومن حيث قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عمل بما يعلم أورثه ~~الله علم ما لم يعلم وقال العلم علمان علم ظاهر وعلم باطن فالعلم الظاهر ~~حجة الله على خلقه والعلم الباطن هو العلم النافع فعلمك يا فقيه نقل من ~~لسان إلى لسان للتعلم لا للعمل وعلمي من علم الله عز وجل إلهاما ألهمني من ~~عنده فقال له الفقيه علمي عن الثقات عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~جبريل عن الله فقال للنبي - صلى الله عليه وسلم - علم عن الله عز وجل لم ~~يطلع عليه جبريل ولا ميكائيل عليهما الصلاة والسلام فطلب منه الفقيه أن ~~يوضح له علمه الذي ذكره فقال يا فقيه أعلمت أن الله عز وجل كلم موسى تكليما ~~وكلم محمدا - صلى الله عليه وسلم - ورآه كفاحا وكلم الأنبياء وحيا قال بلى ~~قال أما علمت أن كلامه للصديقين والأولياء بإلهام منه لهم وألقى فوائده ms525 في ~~قلوبهم وتأييده لهم ثم أنطقهم بالحكمة ونفع بهم الأمة ومما يؤيد ما قتله ما ~~ألهم الله عز وجل أم موسى أن تقذفه في التابوت ثم تلقيه في اليم وكما أفهم ~~الحضر في أمر السفينة وأمر الغلام والحائط وقوله لموسى وما فعلته عن أمري ~~أي إنما هو علم الله عز وجل وقال تعالى وعلمناه من لدنا علما أي بناء على ~~ما عليه الصوفية قاطبة أنه ولي لا نبي وكما ألهم يوسف - صلى الله عليه وسلم ~~- في السجن فقال ذلكما مما علمني ربي أي وكان ذلك قبل النبوة وكما قال أبو ~~بكر لعائشة رضي الله تعالى عنهما أن بنت خارجة حامل ببنت ولم يكن استبان ~~حملها فولدت جارية ومثل هذا كثير وأهل الإلهام قوم اختصهم الله بالفوائد ~~فضلا منه عليهم وقد فضل الله بعضهم على بعض في الإلهام والفراسة فقال ~~الفقيه قد أعطيتني أصلا وشفيت صدري ومما يؤيد ما رواه الصوفية من أن ~~الإلهام حجة أي فيما لا مخالفة فيه لحكم شرعي ما صح من قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - في الحديث القدسي فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره ~~الذي يبصر به الحديث وفي رواية فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وفي أخرى وكنت ~~له سمعا # PageV01P229 # وبصرا ويدا ومؤيدا والحاصل أن العلماء بالله عز وجل هم الواقفون مع الله ~~في العلوم والأعمال والمقامات والأحوال والأقوال والأفعال وسائر الحركات ~~والسكنات والإرادات والخطرات ومعادن الأسرار ومطالع الأنوار والعارفون ~~المحبون المحبوبون المقربون رضي الله تعالى عنهم ونفع بهم إذا تقرر ذلك علم ~~منه الجواب عن جميع ما في السؤال وهو الفرق بين خطاب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وخطاب الولي فالأول بواسطة الملك أو لا بواسطة أو بالرؤيا الصادقة ~~أو بالنفث في الروع وكل ذلك يسمى وحيا وكلاما ينسب إلى الله حقيقة ومن أنكر ~~ما علم من الدين بالضرورة كفر والثاني شيء يلقى في القلب يثلج له الصدر وهو ~~المسمى حديثا وإلهاما لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث أن في أمتي ms526 2 ~~محدثون بفتح الدال ملهمون ومنهم عمر واختلف العلماء في حجية الإلهام بقيده ~~السابق فالأرجح عند الفقهاء أنه ليس بحجة إذ لا ثقة بخواطر غير المعصوم ~~وعند الصوفية أنه حجة ممن حفظه الله في سائر أعماله الظاهرة والباطنة ~~والأولياء وإن لم يكن لهم العصمة لجواز وقوع الذنب منهم ولا ينافيه الولاية ~~ومن ثم قيل للجنيد أيزني الولي فقال وكان أمر الله قدرا مقدورا لكن لهم ~~الحفظ فلا تقع منهم كبيرة ولا صغيرة غالبا وعلى القول بحجته فهو ينسب إلى ~~الله تعالى بمعنى أنه الملقى له في القلب كرامة لذلك الولي وإنعاما عليه ~~بما يكون سببا لمزيد له أو صلاح لغيره (وسئل) نفع الله به ما عدة رجال ~~الغيب وما الدليل على وجودهم (فأجاب) بقوله رجال الغيب سموا بذلك لعدم ~~معرفة أكثر الناس لهم رأسهم قطب الغوث الفرد الجامع جعله الله دائرا في ~~الآفاق الأربعة أركان الدنيا كدوران الفلك في أفق السماء وقد ستر الله ~~أحواله عن الخاصة والعامة غيرة عليه غير أنه يرى عالما كجاهل وأبله كفطن ~~وتاركا آخذا قريبا بعيدا سهلا عسرا أمنا حذرا ومكانته من الأولياء كالنقطة ~~من الدائرة التي هي مركزها به يقع صلاح العالم والأوتاد وهم أربعة لا يطلع ~~عليهم إلا الخاصة واحد باليمن وواحد بالشام وواحد بالمشرق وواحد بالمغرب ~~والأبدال وهم سبعة على الأصح وقيل ثلاثون وقيل أربعة عشر كذا قاله اليافعي ~~وسيأتي حديث أنهم أربعون وحديث أنهم ثلاثون وكل منهما يعكر على قوله والأصح ~~أنهم سبعة والنقباء وهم أربعون والنجباء وهم ثلثمائة فإذا مات القطب أبدل ~~بخيار الأربعة أو أحد الأربعة أبدل بخيار السبعة أو أحد السبعة أبدل بخيار ~~الأربعين أو أحد الأربعين أبدل بخيار الثلاثمائة أو أحد الثلمائة أبدل بخير ~~الصالحين فإذا أراد الله قيام الساعة أماتهم أجمعين وذلك أن الله يدفع عن ~~عباده البلاء بهم وينزل بهم قطر السماء وروى بعضهم عن الخضر أنه قال ~~ثلثمائة هم الأولياء وسبعون هم النجباء وأربعون هم أوتاد الأرض وعشرة هم ~~النقباء وسبعة هم العرفاء وثلاثة ms527 هم المختارون وواحد هو الغوث وجاء عن على ~~كرم الله وجهه أنه قال الأبدال بالشام والنجباء بمصر والعصائب بالعراق ~~والنقباء بخراسان والأوتاد بسائر الأرض والخضر عليه الصلاة والسلام سيد ~~القوم وفي حديث الإمام الرافعي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال إن الله في ~~الأرض ثلثمائة قلوبهم على قلب آدم وله أربعون قلوبهم على قلب موسى وله سبعة ~~قلوبهم على قلب إبراهيم وله خمسة قلوبهم على قلب جبريل وله ثلاثة قلوبهم ~~على قلب ميكائيل وواحد قلبه على قلب إسرافيل فإذا مات الواحد أبدل الله ~~مكانه من الثلاثة وإذا مات من الثلاثة أبدل الله مكانه من الخمسة وإذا مات ~~من الخمسة أبدل الله مكانه من السبعة وإذا مات من السبعة أبدل الله مكانه ~~من الأربعين وإذا مات من الأربعين أبدل الله مكانه من الثلاثمائة وإذا مات ~~من الثلثمائة أبدل الله مكانه من العامة يدفع الله بهم البلاء عن هذه الأمة ~~قال اليافعي رضي الله عنه قال بعض العارفين والواحد المذكور في هذا الحديث ~~هو القطب وهو الغوث قال بعضهم لم يذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قلبه في جملة الأنبياء والملائكة لأنه لم يخلق الله في عالم الخلق والأمر ~~أعز وألطف وأشرف من قلبه - صلى الله عليه وسلم - فقلوب الملائكة والأنبياء ~~والأولياء بالإضافة إلى قلبه كإضافة سائر الكواكب إلى الشمس ولقد سمعت ~~النجم الأصبهاني رضي الله تعالى عنه خلف مقام إبراهيم الخليل - صلى الله ~~عليه وسلم - يذكر أن الخضر عليه السلام سأله الله عز وجل أن يقبضه عندما ~~يرفع القرآن والظاهر والله أعلم أن القطب سائر الأولياء المعدودين وغيرهم ~~من الموجودين في ذلك الوقت يطلبون الموت أيضا حينئذ إذ ليس بعد رفع القرآن # PageV01P230 # تطيب الحياة لأهل الخير بل لا يبقى في الأرض خير وما ذكرته من حياة الخضر ~~هو الذي قطع به الأولياء ورجحه الفقهاء والأصوليون وأكثر المحدثين وقد ~~اجتمع به وأخبر عنه من لا يحصى من الصديقين والأولياء في كل زمان بل والله ~~لقد أخبروني أنه اجتمع بي وسألني عن ms528 شيء فأجبته ولم أعرفه لأنه لم يعرفه ~~إلا صاحب استعداد ممن شاء الله ومبالغة ابن الجوزي في إنكار حياته علو منه ~~إذ هو إنكار للشمس وليس دونها حجاب بل كلامه فيه متناقص لأنه روى في حياته ~~أربع روايات بالأسانيد المتصلة عن علي وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم ~~وكذلك إنكاره على أكابر من الصوفية أشياء صدرت عن أحوال لا يعرفها وعلوم لا ~~يدركها ولا يفهمها والعجب منه أنه يحكى عنهم كلمات عظيمة عجيبة يطرز بها ~~كلامه ثم ينكرها عليهم في موضع آخر انتهى كلام اليافعي ملخصا والحديث الذي ~~ذكره إن صح فيه فوائد خفية منها أنه مخالف للعدد السابق قبله وقد يجاب بأن ~~تلك الأعداد اصطلاح بدليل وقوع الخلاف في بعضهم كالأبدال فقد يكونون في ذلك ~~العدد نظروا إلى مراتب عبروا عنها بالأبدال والنقباء والنجباء والأوتاد ~~وغير ذلك مما مر والحديث نظر إلى مراتب أخرى والكل متفقون على وجود تلك ~~الأعداد ومنها أنه يقتضى أن الملائكة أفضل من الأنبياء والذي دل عليه كلام ~~أهل السنة والجماعة إلا من شذ منهم أن الأنبياء أفضل من جميع الملائكة ~~ومنها أنه يقتضي أن ميكائيل أفضل من جبرائيل والمشهور خلافه وأن إسرافيل ~~أفضل منهما وهو كذلك بالنسبة لميكائيل وأما بالنسبة لجبريل ففيه خلاف ~~والأدلة فيه متكافئة فقيل جبريل أفضل لأنه صاحب سر المخصوص بالرسالة إلى ~~الأنبياء والرسل والقائم بخدمتهم وتربيتهم وقيل إسرافيل لأنه صاحب سر ~~الخلائق أجمعين إذ اللوح المحفوظ في جبهته لا يطلع عليه غيره وجبريل وغيره ~~إنما يتلقون ما فيه عنه وهو صاحب الصور القائم ملتقما له ينتظر الساعة ~~والأمر به لينفخ فيه فيموت كل شيء إلا من استثنى الله ثم بعد أربعين سنة ~~يؤمر بالنفخ فيحيون ثم يبعثون واعلم أن هذا الحديث لم أر من خرجه من حفاظ ~~المحدثين الذين يعتمد عليهم لكن وردت أحاديث تؤيد كثيرا مما فيه منها حديث ~~أبي نعيم في الحلية خيار أمتي كل قرن خمسمائة والأبدال أربعون فلا ~~الخمسمائة ينقصون ولا الأبدال كلما مات منهم ms529 رجل أبدل الله من الخمسمائة ~~مكانه وأدخله في الأربعين مكانه يعفون عمن ظلمهم ويحسنون لمن أساء إليهم ~~ويتسامتون فيما آتاهم الله وهم في الأرض كلها ومنها حديث أحمد الأبدال في ~~هذه الأمة ثلاثون رجلا قلوبهم على قلب إبراهيم خليل الرحمن كلما مات رجل ~~أبدل الله مكانه رجلا ولا تخالف بين الحديثين في عدد الأبدال لأن البدل له ~~إطلاقان كما يعلم من الأحاديث الآتية في تخالف علاماتهم وصفاتهم أو أنهم قد ~~يكونون في زمان أربعين وفي آخر ثلاثين لكن يعكر على هذا رواية ولا الأربعون ~~كلما مات رجل الخ والرواية الآتية وهم أربعون رجلا كلما مات الخ ومنها حديث ~~الطبراني أن الأبدال في أمتي ثلاثون بهم تقوم الأرض وبهم يمطرون وبهم ~~ينصرون وحديث ابن عساكر أن الأبدال بالشام يكونون وهم أربعون رجلا بهم ~~تسقون الغيث وبهم تنصرون على أعدائكم يصرف بهم عن أهل الأرض البلاء والغرق ~~ومنها حديث الطبراني الأبدال في أهل الشام وبهم تنصرون وبهم ترزقون ومنها ~~حديث أحمد الأبدال بالشام وهم أربعون رجلا كلما مات رجل أبدل الله مكانه ~~رجلا تسقون بهم الغيث وتنصرون بهم على الأعداء ويصرف عن أهل الشام بهم ~~العذاب ومنها حديث الجلال الذي رواه في كرامات الأولياء ورواه الديلمي أيضا ~~الأبدال أربعون رجلا وأربعون امرأة كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا كلما ~~مات امرأة بدل الله مكانها امرأة ومنها خبر الحاكم عن عطاء مرسلا الأبدال ~~من الموالي ومنها خبر ابن أبي الدنيا مرسلا علامة أبدال أمتي أنهم لا ~~يلعنون شيأ أبدا ورفعه معضل ومنها خبر ابن حبان لا تخلوا الأرض من ثلاثين ~~وثمانين مثل إبراهيم خليل الرحمن بهم تغاثون وبهم ترزقون وبهم تمطرون ومنها ~~خبر البيهقي أن أبدال أمتي لم يدخلوا الجنة بأعمالهم ولكن إنما دخلوها ~~برحمة الله وسخاوة الأنفس وسلامة الصدر ورحمة لجميع المسلمين ومنها خبر ~~الطبراني في الأوسط لن تخلو الأرض من أربعين رجلا مثل خليل الرحمن بهم ~~تسقون وبهم تنصرون ما مات منهم أحد إلا أبدل الله # PageV01P231 # مكانه آخر ومنها خبر ms530 ابن عدي في كامله البدلاء أربعون اثنان وعشرون ~~بالشام وثمانية عشر بالعراق كلما مات منهم أحد أبدل الله مكانه آخر فإذا ~~جاء الأمر قبضوا كلهم فعند ذلك تقوم الساعة ومنها خبر أبي نعيم في الحلية ~~أيضا لا يزال الأربعون رجلا من أمتي قلوبهم على قلب إبراهيم يدفع بهم عن ~~أهل الأرض يقال لهم الأبدال أنهم لم يدركوها بصلاة ولا بصوم ولا بصدقة قال ~~ابن مسعود راويه فبم أدركوها يا رسول الله قال بالسخاء والنصيحة للمسلمين ~~ومما جاء في القطب كما قال بعض المحدثين خبر أبي نعيم في الحلية أن لله ~~تعالى في كل بدعة كيد بها الإسلام وأهله وليا صالحا يذب عنه ويتكلم ~~بعلاماته فاغتنموا حصور تلك المجالس بالذب عن الضعفاء وتوكلوا على الله ~~وكفى بالله وكيلا ومما جاء في جميع من ذكر وغيرهم حديث الترمذي الحكيم وأبي ~~نعيم في كل قرن من أمتي سابقون وحديث أبي نعيم لكل قرن من أمتي سابقون ~~والحديث المشهور يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر ~~دينها والحديث الذي رواه الشيخان وغيرهما من طرق كثيرة لا تزال طائفة من ~~أمتي ظاهرين حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون وفي رواية لهما لا تزال طائفة من ~~أمتي قائمة على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ~~وهم ظاهرون على الناس وفي أخرى لابن ماجه لا تزال طائفة من أمتي قائمة على ~~الحق قوامة على أمر الله لا يضرها من خالفها وفي أخرى لابن ماجه لا تزال ~~طائفة من أمتي 3 منصورون لا يضرهم خذلان من خذلهم حتى تقوم الساعة وفي أخرى ~~لمسلم وأحمد لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم ~~القيامة فينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم تعالى صل بنا فيقول لا إن بعضكم ~~على بعض أمير تكرمة من الله لهذه الأمة (تنبيه) قال يزيد بن هرون الأبدال ~~هم أهل العلم أي النافع الذي هو علم الظاهر والباطن لا علم الظاهر وحده ms531 ~~وقال الإمام أحمد رضي الله عنه هم إن لم يكونوا أصحاب الحديث فمن هم ومراده ~~بأصحاب الحديث من هو مثله ممن جمع بين علمي الظاهر والباطن وأحاط بالأحكام ~~والحكم والمعارف والمكامن كالأئمة الثلاثة الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد ~~ونظرائهم فإن هؤلاء أخيار الأبدال والنجباء والأوتاد فاحذر أن تسئ ظنك بأحد ~~من مثل أولئك ويسول لك الشيطان ومن استولى عليه ممن لم يهتد بنور العلم أن ~~أئمة الفقهاء والمجتهدين لم يبلغوا تلك المراتب وقد اتفقوا على أن الشافعي ~~رضي الله عنه كان من الأوتاد وفي رواية أنه تقطب قبل موته وكذلك جاء هذا عن ~~بعض تابعيه من الفقهاء كالإمام النووي وغيره وروى الخطيب في تاريخ بغداد عن ~~الكناني أنه قال النقباء ثلثمائة والنجباء سبعون والبدلاء أربعون والأخيار ~~سبعة والعمد أربع والغوث واحد فمسكن النقباء المغرب ومسكن النجباء بمصر ~~ومسكن الأبدال الشام والأخيار سياحون في الأرض والعمد زوايات الأرض ومسكن ~~الغوث مكة فإذا عرضت الحاجة من أمر العامة ابتهل فيها النقباء ثم النجباء ~~ثم الأبدال ثم الأخيار ثم العمد فإن أجيبوا وإلا ابتهل الغوث فلا يتم ~~مسئلته حتى تجاب دعوته انتهى وفيه تأييد لبعض ما مر ومخالفة له وذلك كله ~~يبين أن تلك الأعداد ترجع إلى الاصطلاحات ولا مشاحة في الاصطلاح ولقد وقع ~~لي في هذا المبحث غريبة مع بعض مشايخي هي أني إنما ربيت في حجور بعض أهل ~~هذه الطائفة أعني القوم السالمين من المحذور واللوم فوقر عندي كلامهم لأنه ~~صادف قلبا خاليا فتمكن فلما قرأت في العلوم الظاهرة وسنى نحو أربع عشرة سنة ~~فقرأت مختصر أبي شجاع علي شيخنا أبي عبد الله الإمام المجمع على بركته ~~وتنسكه وعلمه الشيخ محمد الجويني بالجامع الأزهر بمصر المحروسة فلازمته مدة ~~وكان عنده حدة فانجر الكلام في مجلسه يوما إلى ذكر القطب والنجباء والنقباء ~~والأبدال وغيرهم ممن مر فبادر الشيخ إلى إنكار ذلك بغلظة وقال هذا كله لا ~~حقيقة له وليس فيه شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت له وكنت أصغر ~~الحاضرين ms532 معاذ الله بل هذا صدق وحق لا مرية فيه لأن أولياء الله أخبروا به ~~وحاشاهم من الكذب وممن نقل ذلك الإمام اليافعي وهو رجل جمع بين العلوم ~~الظاهرة والباطنة فزاد إنكار الشيخ وإغلاظه علي فلم يسعني إلا السكوت فسكت ~~وأضمرت أنه لا ينصرني إلا شيخنا شيخ الإسلام والمسلمين وإمام الفقهاء ~~والعارفين أبو يحيى زكريا الأنصاري وكان من عادتي أني أقود الشيخ محمد ~~الجويني لأنه كان ضريرا وأذهب أنا وهو إلى شيخنا المذكور أعني شيخ الإسلام ~~زكريا يسلم عليه # PageV01P232 # فذهبت أنا والشيخ محمد الجويني إلى شيخ الإسلام فلما قربنا من محله قلت ~~للشيخ الجويني لا بأس أن أذكر لشيخ الإسلام مسئلة القطب ومن دونه وننظر ما ~~عنده فيها فلما وصلنا إليه أقبل على الشيخ الجويني وبالغ في إكرامه وسؤال ~~الدعاء منه ثم دعا إلي بدعوات منها اللهم فقهه في الدين وكان كثيرا ما يدعو ~~لي بذلك فلما تم كلام الشيخ وأراد الجويني الانصراف قلت لشيخ الإسلام يا ~~سيدي القطب والأوتاد والنجباء والأبدال وغيرهم ممن يذكره الصوفية هل هم ~~موجودون حقيقة فقال نعم والله يا ولدي فقلت له يا سيدي إن الشيخ وأشرت إلى ~~الشيخ الجويني ينكر ذلك ويبالغ في الرد على من ذكره فقال شيخ الإسلام هكذا ~~يا شيخ محمد وكرر ذلك عليه حتى قال له الشيخ محمد يا مولانا شيخ الإسلام ~~آمنت بذلك وصدقت به وقد تبت فقال هذا هو الظن بك يا شيخ محمد قمنا ولم ~~يعاتبني الجويني على ما صدر مني ونظير هذه الواقعة من بعض وجهها ما وقع لي ~~وعمري نحو ثمانية عشر سنة مع بعض مشايخنا أيضا وهو شيخ الإسلام الشمس ~~الدلجى وكان أعطى في العلوم الشرعية والعقلية من متانة التصنيف وقوة السبك ~~ما لم يعطه أحد من أهل زمانه كنا نقرأ عليه ذات يوم في شرح التلخيص للسعد ~~التفتازاني وفي كتاب صنفه الشيخ في أصول الدين فوقع ذكر العارف بالله تعالى ~~عمر بن الفارض رضي الله تعالى عنه في المجلس فبادر الشيخ وقال قاتله الله ms533 ~~ما أكفره كيف وكلامه ينطق بالحلول والاتحاد وأما شعره ففي الذورة العليا ~~فقلت له من بين الحاضرين حاشاه الله من الكفر ومن الحلول والاتحاد فأغلظ ~~الشيخ في الإنكار علي وعليه فأغلظت في جوابه وكان بالشيخ مرض بضيق النفس ~~وكان قد أخبرنا أن له مدة مديدة لا يقدر على وضع جنبه على الأرض ليلا ولا ~~نهارا فقلت له يا سيدي أنا ألتزم لك إنك إن رجعت عن إنكارك على الشيخ عمر ~~بن الفارض وابن عربي وتابعيهما برئت من هذا الداء العضال فقال هذا لا يصح ~~فقلت صدقوا قولي بالرجوع عن ذلك مدة يسيرة فإن ذهب وإلا فأنتم تعرفون ما ~~ترجعون إليه فقال يمكن أن نجرب ثم أظهر لنا الرجوع والتوبة فانصلح حاله وخف ~~مرضه مدة مديدة وكنت أقول له يا سيدي صحت ضمانتي فيضحك ويعجبه ذلك وفي تلك ~~المدة ما سمعنا منه عن هذه الطائفة إلا خيرا ثم عاد فعاد له بعد ذلك المرض ~~بأشد ما كان وأتبعه فاذيق ألم ذلك المرض واستمر يشتد عليه بعد ذلك نحو ~~عشرين سنة حتى مات وهو على حاله (وسئل) نفع الله به ما حد التصوف والصوفي ~~ولم سمي بذلك ومتى حدثت هذه التسمية وما الفرق بين الصوفي وغيره من الفرق ~~المنتمية للصوفية وما الفرق بين التصوف والفقر والزهد وبين الصوفي والمتصوف ~~والمتشبه (فأجاب) بقوله اختلفت عبارة العارفين في حده على أكثر من ألف قول ~~نظرا إلى شروطه وآدابه وغاياته وثمراته فحده سيد الطائفة الجنيد رضي الله ~~عنه بأن يكون مع الله بلا علاقة وبأن يميتك الحق عنك ويحييك به وبأنه ذكر ~~مع اجتماع ووجد مع استماع وعمل مع اتباع وأبو محمد رويم بأنه استرسال النفس ~~مع الله على ما يريده وأبو محفوظ معروف الكرخي بأنه الأخذ بالحقائق واليأس ~~مما في أيدي الخلائق وأبو علي الروذباري بأنه الإناخة على باب الحبيب وإن ~~طرد وأبو محمد الحريري بأنه التحلي بكل خلق حسن سني والتخلي عن كل خلق دنئ ~~واختلفت عبارتهم في حد الصوفي نظرا لذلك فحده ms534 الجنيد بأنه كالأرض يطرح ~~عليها كل قبيح ولا يخرج منها إلا كل مليح وكان الأستاذ أبو علي الدقاق شرح ~~ذلك بقوله أحسن ما قيل في هذا الباب قول من قال هذا طريق لا يصلح إلا ~~لأقوام كنست بأرواحهم المزابل وأبو محمد سهل بن عبد الله بأنه من صفا من ~~الكدر وتسل عن الكفر وانقطع إلى الله عن البشر واستوى عنده الذهب والمدر ~~وذو النون بأنهم قوم آثروا الله على كل شيء فآثرهم على كل شيء واختلفوا ~~أيضا في المنسوب إليه فقيل نسب للصفة التي كانت بمسجد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لفقراء المهاجرين وقيل إلى الصف الأول بين يدي الله عز وجل ~~بارتفاع هممهم وإقبالهم على الله بقلوبهم وقيل إلى الصوف لأنه لباسهم غالبا ~~لكونه أقرب إلى الخمول والتواضع والزهد ولكونه لباس الأنبياء - صلى الله ~~عليه وسلم - وقد جاء أن نبينا - صلى الله عليه وسلم - كان يركب الحمار ~~ويلبس الصوف وفي حديث مر بالصخرة من الروحاء سبعون نبيا حفاة عليهم العباءة ~~يؤمون البيت الحرام وفي آخر يوم كلم الله موسى عليه السلام كان عليه جبة من ~~الصوف وسراويل # PageV01P233 # من صوف وكساء من صوف وقال الحسن البصري لقد أدركت سبعين بدريا لباسهم ~~الصوف قال اليافعي وهذا القول الثالث هو المناسب للاشتقاق اللغوي أعني ~~بالنسبة إلى الصوف وقيل أصل هذا الاسم صوفي من الصفا أو من المصافاة وبين ~~العارف الشهاب السهروردي وقت حدوث هذا الاسم فقال ما حاصله لم يكن هذا ~~الاسم في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال كان في زمن التابعين ~~ونقل عن الحسن البصري أنه قال رأيت صوفيا في المطاف فأعطيته شيأ فقال معي ~~أربعة دوانق تكفيني ونحوه ما جاء عن سفيان الثوري لولا أبو هاشم الصوفي ما ~~عرفت دقائق الرياء وقيل لم يعرف هذا الاسم إلى المائتين من الهجرة لأن من ~~رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - أحق باسم الصحابي لشرفه على كل وصف ومن ~~رأى الصحابة وأخذ عنهم العلم أحق باسم التابعي لذلك ثم لما ms535 بعد عهد النبوة ~~وتوارى نورها واختلفت أيضا الآراء وكدر شرب العلوم شرب الأهوية وتزعزت ~~أبنية المتقين واضطربت عزائم الزاهدين وغلبت الجهالات وكثف حجابها وكثرت ~~العادات وتملكت أربابها وتزخرفت الدنيا وكثر خطابها تفرد طائفة بأعمال ~~صالحة وأحوال سنية واغتنموا العزلة واتخذوا لنفوسهم زوايا يجتمعون فيها ~~تارة ويغفر دون أخرى أسوة أهل الصفة تاركين للأسباب مبتهلين إلى رب الأرباب ~~فأثمر لهم صالح الأعمال سني الأحوال وتهيأ صفاء الفهوم لقبول العلوم وصار ~~لهم بعد اللسان لسان وبعد العرفان عرفان وبعد الإيمان إيمان كما قال حارثة ~~أصبحت مؤمنا حقا لما كوشف بمرتبة في الإيمان غير ما عهد فصار لهم بمقتضى ~~ذلك علوم يعرفونها وإشارات يعهدونها فحزر والنفوسهم اصطلاحات تشير إلى ~~معارف يعرفونها وتعرب عن أحوال يجدونها فأخذ ذلك الخلف من السلف حتى صار ~~ذلك رسما مستمرا وخيرا مستقرا في كل عصر وزمان فظهر هذا الاسم بينهم وتسموا ~~به فالاسم سمتهم والعلم بالله صفتهم والعبادة حليتهم والتقوى شعارهم وحقائق ~~الحقيقة أسرارهم انتهى وسبقه القشيري في رسالته إلى أكثر من ذلك فإنه قال ~~ما حاصله اعلموا أن المسلمين بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يتسم ~~أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم سوى الصحابة إذ لا أفضلية فوقها ثم سمى من ~~أدركهم التابعين ثم من أدركهم تابعي التابعين ثم تباينت المراتب فقيل لخواص ~~الناس من لهم شدة عناية بأمر الدين الزهاد والعباد ثم ظهرت البدع وحصل ~~التداعي من الفرق فكل فريق ادعوا أن فيهم زهدا فانفرد خواص أهل السنة ~~المراعون أنفاسهم مع الله تعالى الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم ~~التصوف واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة انتهى قال ~~الإمام الشهاب السهروردي وممن انتمى إلى الصوفية وليس منهم قوم يسمون ~~أنفسهم قلندرية تارة وملامتية أخرى قال وقد ذكرنا حال الملامتية وإنه حال ~~شريف ومقام عزيز وتمسك بالسنن والآثار وتحقق بالإخلاص والصدق وليس مما يزعم ~~المفتونون بشيء وأما القلندرية فهم أقوام ملكهم سكر طيبة القلوب حتى خرقوا ~~العادات وطرحوا التقليد بآداب المجالسات وساحوا في ms536 ميادين طيبة القلوب فقلت ~~أعمالهم من الصلاة والصوم إلا الفرائض ولم يبالوا بتناول شيء من لذات ~~الدنيا المباحة برخصة الشرع وربما اقتصروا على رعاية الرخصة ولم يطلبوا ~~حقائق العزيمة ومع ذلك يتمسكون بترك الادخار وترك الجمع والاستكثار ولا ~~يتوسمون بوسم المتقشفين والمتزهدين والمتعبدين وقنعوا بطيب قلوبهم مع الله ~~تعالى ولم يتطلبوا إلى طلب مزيد سواها والفرق بين الملامتي والقلندري أن ~~الأول بالغ مع تمسكه بأبواب الخير والبر وبذله الجهد في ذلك وطلب المزيد في ~~كتم العبادة والأحوال حتى ترقى بالعلوم في كل أحواله حتى لا يفطن به ~~والثاني يبالغ في تحرير العبادات غير متقيد بهيئة ولا يبالي بما يعرف من ~~أحواله أو يجهل وليس رأس ماله إلا طيبة قلبه وأما الصوفي فهو الذي يضع كل ~~شيء موضعه ويدبر أوقاته وأحواله كلها بالعلم يقيم الخلق مقامه ويقيم أمر ~~الحق مقامه ويستر ما ينبغي ستره ويظهر ما ينبغي إظهاره كل ذلك مع حضور عقل ~~وصحة توحيد وكمال معرفة ورعاية صدق وأخلاق ووقع لقوم مفتونين أنهم سموا ~~أنفسهم ملامتية ولينسبوا لبس الصوفية لنسبوا إليهم وليسوا منهم في شيء بل ~~في غرور وباطل وغلط يتسترون بلبس الصوفية توقيا تارة ودعوى أخرى وبعض # PageV01P234 # هؤلاء ينهجون منهج أهل الإباحة ويزعمون أن ضمائرهم خلصت إلى الله وأن ~~الترسم بمراسم الشريعة رتبة العوام وهذا هو عين الإلحاد والزندقة إذ كل ~~حقيقة ردتها الشريعة زندقة وبعضهم يقول بالحلول ويزعمون أن الله تعالى حل ~~فيهم ويحل في أجسامهم مصطفيها ويسبق إلى فهومهم معنى من النصارى في اللاهوت ~~والناسوت تعالى الله أن يحل في شيء أو يحل به شيء ومنهم من يستحل النظر إلى ~~المستحسنات إشارة إلى هذا الوهم وبعضهم يزعمون أنهم مجبورون على الأشياء لا ~~فعل لهم مع الله ويسترسلون في المعاصي وكل ما تدعو إليه النفوس ويركنون إلى ~~البطالة ودوام الغفلة والاغترار بالله والخروج من الملة وترك الحدود ~~والأحكام والحلال والحرام وقد سئل سهل رضي الله عنه عن رجل يقول أنا كالباب ~~لا أتحرك إلا إذا حرك فقال هذا ms537 لا يقوله إلا أحد رجلين إما صديق إشارة إلى ~~أن قوم الأشياء بالله مع أحكام الأصول ورعاية حدود العبودية وإما زنديق ~~إحالة للإشياء على الله وإسقاطا للوم عن نفسه وانخلاعا عن الدين ورسمه ~~وبعضهم ربما كان ذا ذكاء وفطنة غريزية ويكون قد سمع كلمات تعلقت بباطنه ~~فيتألف له من باطنه كلمات ينسبها إلى الله تعالى وأنها مكالمة الله إياه ~~مثل أن يقول قال لي وقلت له وهذا رجل جاهل بنفسه وحديثها وبربه وبكيفية ~~بيان المكالمة والمحادثة أو عالم بطلان ما يقوله وإنما يحمله هواه على ~~الدعوى بذلك ليوهم أنه قد ظفر بشيء وكل هذا ضلال وسبب تجريه ما سمعه من ~~كلام بعض المحققين عن مخاطبات وردت عليهم بعد طول معاملات لهم ظاهرة وباطنة ~~وتمسكهم بأصول القوم من صدق التقوى وكمال الزهد في الدنيا فلما صفت أسرارهم ~~تشكلت في سرائرهم مخاطبات موافقة للكتاب والسنة مفهوما عند أهله موافقا ~~للعلم ويكون ذلك مناجاة لسرائرهم ومناجاة سرائرهم إياهم فيثبتون لأنفسهم ~~مقام العبودية ولمولاهم الربوبية فيضيفون ما يجدونه إلى نفوسهم وإلى مولاهم ~~وهم مع ذلك عالمون بأن ذلك ليس بكلام الله وإنما هو علم حادث أحدثه الله في ~~بواطنهم فطريق الأصحاء في ذلك الفرار إلى الله تعالى من كل ما تحدث نفوسهم ~~به حتى إذا برئت ساحتهم من الهوى ألهموا في بواطنهم شيأ ينسبونه إلى الله ~~تعالى نسبة الحادث إلى المحدث لا نسبة الكلام إلى المتكلم ليصانوا عن الزيغ ~~والتحريف انتهى حاصل كلامه رضي الله عنه وحاصله أن هذا يرجع إلى الإلهام ~~الذي قاله السادة الصوفية أنه حجة لتوفر قرائن عند من وقع له تقضي بحقيته ~~وأنه ليس من الخواطر النفسانية في شيء قطعا وخالفهم الفقهاء والأصوليون فيه ~~لا لإنكاره من أصله كيف والحديث الصحيح إن في أمتي 2 محدثون أو ملهمون ~~ومنهم عمر رضي الله تعالى عنه بل لئلا يدعيه ويحتج به من ليس من أهله ولأنه ~~لا ثقة بخواطر غير المعصوم فربما يخطر له في حديث نفسه أنه إلهام وزين له ~~الشيطان ms538 ذلك بمخايل يظهرها له فيظن صدقها فيعتقد حقية ذلك الوارد 5 وفي ~~الحقيقة ليس هو وارد حق وإنما هو حديث نفس وخاطر شيطاني حمله عليه عدم ~~جريانه على قوانين الاستقامة والقيام بالعبودية على وجهها الأكمل فلما كان ~~للنفس والهوى والشيطان دخل في تزيين ذلك والتلبيس فيه رأى الفقهاء ~~والأصوليون أن المصلحة للناس المتكلفة بسلامتهم من تغرير الشيطان والوقوع ~~في هفوة الطغيان قطعهم عن الاحتجاج بالإلهامات وأن ذلك باب يجب سده على ~~الناس لئلا يترتب على فتحه لهم من المفاسد ما لا يحصى وأما الفرق بين ~~التصوف والفقر والزهد فهو كما قال الإمام الشهاب السهروردي هو أن التصوف ~~اسم جامع لمعاني الفقر ومعاني الزهد مع مزيد وإضافات لا يكون الرجل بدونها ~~صوفيا وإن كان زاهدا فقيرا بل قيل نهاية الفقر مع شرفه بداية التصوف قال ~~وأهل الشام لا يفرقون بين الفقراء والصوفية في قوله عز وجل {للفقراء الذين ~~أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض} الآية والحق أن بينهما ~~فرقا لأن الفقير متمسك بفقره مؤثر له على الغنى لعلمه بفضائله التي منها أن ~~الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام فهو لملاحظة العوض الباقي ~~معرض عن الحاصل الفاني وهذا عين الاعتلال في طريق الصوفية لأنه يتطلع إلى ~~الأعواض ولم يترك الغنى إلا لأجلها والصوفي يترك الأشياء لا للأعواض ~~الموعودة بل للأحوال الموجودة فإنه ابن وقته وأيضا الفقير ترك الحظ العاجل ~~اختيار أمنه وإرادة الاختيار والإرادة علة في حال الصوفي لأن الصوفي صار ~~قائما في الأشياء بإرادة الله تعالى لا بإرادة نفسه فلا يرى فضيلة في # PageV01P235 # صورة فقره ولا في صورة غناه وإنما يرى الفضيلة فيما يوقفه الحق فيه ~~ويدخله عليه ويعلم الإذن من الله في الدخول في الشيء وقد يدخل في صورة سعة ~~مباينة للفقر بإذن من الله فيرى الفضيلة حينئذ في السعة لمكان إذن الله في ~~ذلك ولا يفسح في السعة والدخول فيها للصادقين إلا بعد أحكامهم علم الإذن ~~وفي هذه مزلة الأقدام وباب دعوى للمدعين وما من ms539 حال يتحقق به صاحب الحال ~~إلا وقد يحكيه راكب الحال ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة فإذا ~~اتضح لك معنى الفرق بين الفقر والتصوف وإن كان الفقر أساس التصوف وبه قوامه ~~على الوصول إلى رتب التصوف على طريقة الفقر لا على معنى أنه يلزم من وجود ~~التصوف وجود الفقر انتهى والفرق بين الفقر والزهد أن الفقر فيه تحل بمحاسنه ~~كالاطراح والخمول والتمزق وخدمة الفقراء والوجد والكياسة والرياضة والأدب ~~والتنقي من الأوصاف الذميمة كالكبر والعجب والحسد وهذه قد لا توجد مع الزهد ~~والحاصل أن محاسن الزاهد بعض محاسن الفقير ومحاسن الفقير بعض محاسن الصوفي ~~وأما بيان الفرق بين الصوفي والمتصوف والمتشبه فقد بينه السهروردي أيضا بأن ~~طريق الصوفية أوله إيمان ثم علم ثم ذوق فالمتشبه صاحب إيمان والإيمان بطريق ~~الصوفية أصل كبير قال سيد الطائفة أبو القاسم الجنيد قدس الله سره التصديق ~~بطريقنا هذا ولاية قال السهروردي لأن الصوفية تميزوا بأحوال عزيزة وآثار ~~مستغربة عند أكثر الخلق لأنهم مكاشفون بالقدر وغرائب العلوم إشاراتهم إلى ~~عظيم أمر الله والقرب منه والإيمان بذلك إيمان بالقدرة ولهم علوم ومن هذا ~~القبيل فلا يؤمن بطريقتهم إلا من خصه الله تعالى بمزيد عنايته فالمتشبه ~~صاحب إيمان والمتصوف صاحب علم لأنه بعد الإيمان اكتسب مزيد علم بطريقهم ~~وصار له في ذلك مواجيد يستدل بها على سائرها والصوفي صاحب ذوق فللمتصوف ~~الصادق نصيب من حال الصوفي وللمتشبه الصادق نصيب من حال المتصوف قال وهكذا ~~سنة الله تعالى جارية أن كل صاحب حال له ذوق فيه لا بد أن يكشف له علم بحال ~~أعلى مما هو فيه فيكون في حاله الأول صاحب ذوق وفي الحال الذي كوشف به صاحب ~~علم وبحال فوق ذلك صاحب إيمان ثم قال بعد كلام طويل الصوفي في مقاومة الروح ~~صاحب مشاهدة والمتصوف في مقاومة القلب صاحب مراقبة والمتشبه في مقاومة ~~النفس صاحب مجاهدة ومحاسبة فتكوين الصوفي بوجود قلبه وتكوين المتصوف بوجود ~~نفسه والمتشبه لا تكوين له لأن التكوين لأرباب الأحوال ms540 والمتشبه مجتهد سالك ~~لم يصل بعد إلى الأحوال والكل يجمعهم دائرة الاصطفاء في قوله تعالى {ثم ~~أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات بإذن الله} قال بعضهم الظالم يجزع من البلاء والمقتصد يصبر ~~عند البلاء والسابق يتلذذ بالبلاء وقال بعضهم الظالم يعبد على الغفلة ~~والعادة والمقتصد يعبد على الرغبة والرهبة والسابق يعبد على الهيبة والمنة ~~وقال بعضهم الظالم صاحب الأقوال والمقتصد صاحب الأفعال والسابق صاحب ~~الأحوال وكل هذه الأقوال قريبة التناسب من حال الصوفي والمتصوف والمتشبه ~~وكلهم من أهل الفلاح والنجاح والمتشبه بالصوفية ما اختار التشبه بهم دون ~~غيرهم من الطوائف إلا لمحبته إياهم وهو على قصوره عن القيام بما هم فيه ~~يكون معهم لموضع إرادته ومحبته وقد ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~المرء مع من أحب فقال أبو ذر يا رسول الله الرجل يحب القوم ولا يستطيع يعمل ~~كعملهم قال أنت يا أبا ذر مع من أحببت قال فإني أحب الله ورسوله قال فإنك ~~مع من أحببت قال الشهاب السهروردي جاء فتى إلى الشيخ أحمد الغزالي ابن أخي ~~حجة الإسلام يريد منه أن يلبسه الخرقة فأرسله إلى شيخنا أي والظاهر أنه عمه ~~أبو النجيب ليذكر له معنى الخرقة فجاء إليه فذكر للمتبدى شروطها وآدابها ~~وحقوقها فجبن الرجل عن ذلك ورجع للغزالي فاستحضره وقال له ما ذكرته صحيح ~~ولكن إذا ألزمنا المبتدئ بذلك نفر وعجز عن القيام به فنحن نلبسه الخرقة حتى ~~يتشبه بالقوم ويتزيا بزيهم فيقر به ذلك من مجالسهم ومحافلهم فببركة مخالطته ~~بهم ونظره إلى أحوال القوم ومسيرهم يحب أن يسلك بذلك مسلكهم ويصل بذلك إلى ~~شيء من أحوالهم قال الشهاب السهروردي فالمتشبه الحقيقي له إيمان بطريق ~~القوم وعمل بمقتضاه وسلوك واجتهاد لأنه صاحب مجاهدة ومحاسبة كما مر ثم يصير ~~متصوفا صاحب مراقبة ثم يصير صوفيا صاحب مشاهدة فإما من # PageV01P236 # لم يقصد أوائل مقاصدهم بل هو على مجرد تشبه ظاهر من ظاهر التشبه ~~والمشاركة في الزي والصورة دون ms541 السيرة والصفة فليس متشبها بالصوفية لأنه ~~غير محاك لهم في الدخول في بداياتهم فإذا هو متشبه بالمتشبه يعزى إلى القوم ~~بمجرد لبسه ومع ذلك هم القوم لا يشقى بهم جليسهم وقد ورد من تشبه بقوم فهو ~~منهم (وسئل) رضي الله عنه عن قوم من الفقهاء ينكرون على الصوفية إجمالا أو ~~تفصيلا فهل هم معذورون أم لا (فأجاب) بقوله ينبغي لكل ذي عقل ودين أن لا ~~يقع في ورطة الإنكار على هؤلاء القوم فإنه السم القاتل كما شوهد ذلك قديما ~~وحديثا وقد قدمنا صحة قصة ابن السقاء المنكر على ولي الله فأشار له أنه ~~يموت كافرا فشوهد عند موته بعد تنصره لفتنته بنصرانية أبت منه إلا أن يتنصر ~~مستقبل الشرق وكلما حول للقبلة يتحول إلى الشرق حتى طلعت روحه وهو كذلك ~~وإنه كان أوجه أهل زمانه علما وذكاء وشهرة وتقدما عند الخليفة فحلت عليه ~~الكلمة بواسطة إنكاره وقوله عن ذلك الولي لأسألنه مسئلة لا يقدر على جوابها ~~وتقدم أيضا أن الإمام أبا سعيد بن أبي عصرون إمام الشافعية في زمنه صدر منه ~~لذلك الولي نوع قلة أدب فوعده بأن يغرق في الدنيا إلى أذنيه فولاه نور ~~الدين الشهيد الأوقاف بدمشق وكان كذلك وأن إمام العارفين وتاج الخلفاء ~~الوارثين محيي الدين عبد القادر الجيلاني رضي الله تعالى عنه وهؤلاء ~~الثلاثة جاءوا للولي معا فوقع للأولين ما ذكر وأما الشيخ عبد القادر لما ~~تأدب معه دعا له ووعده بالولاية بل القطبية وأن قدمه سيصير على عنق كل ولي ~~لله لي فانظر شؤم قلة الأدب وفائدة الأدب والاعتقاد وجاء عن المشايخ ~~العارفين والأئمة الوارثين أنهم قالوا أقل عقوبة المنكر على الصالحين أن ~~يحرم بركتهم قالوا ويخشى عليه سوء الخاتمة نعوذ بالله من سوء القضاء وقال ~~بعض العارفين من رأيتموه يؤذي الأولياء وينكر مواهب الأصفياء فاعلموا أنه ~~محارب لله مبعد مطرود عن حقيقة قرب الله وقال الإمام المجمع على جلالته ~~وإمامته أبو تراب النخشبي رضي الله عنه إذا ألف القلب الإعراض عن الله ~~صحبته الوقيعة ms542 في أولياء الله تعالى وقال الإمام العارف شاه بن شجاع ~~الكرماني ما تعبد متعبد بأكثر من التحبب إلى أولياء الله لأن محبتهم دليل ~~على محبة الله عز وجل وقال أبو القاسم القشيري قبول قلوب المشايخ للمريد ~~أصدق شاهد لسعادته ومن رده قلب شيخ من الشيوخ فلا محالة يرى غب ذلك ولو بعد ~~حين ومن خذل بترك حرمة الشيوخ فقد أظهر رقم شقاوته وذلك لا يخطئ انتهى ~~ويكفي في عقوبة المنكر على الأولياء قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث ~~الصحيح من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب أي أعلمته أني محارب له ومن حارب ~~الله لا يفلح أبدا وقد قال العلماء لم يحارب الله عاصيا إلا المنكر على ~~الأولياء وآكل الربا وكل منهما يخشى عليه خشية قريبة جدا من سوء الخاتمة إذ ~~لا يحارب الله إلا كافرا وحكى اليافعي قدس سره عن عصريه الشيخ الإمام عبد ~~العزيز الديريني أنه أدركه المغرب وهو في حاجة فصلاه ورأى فقيها يلحن في ~~قراءته فعزم الشيخ على الإقامة عنده ليعلمه فلما سلم قال له يا عبد العزيز ~~الحق حاجتك فإن من هي عنده يريد السفر وما عليك من هذا اللحن الذي سمعته ~~والتعليم الذي نويته فركبت فلما وصلت لمن عنده تلك الحاجة رأيته عازما على ~~السفر ولو تأخرت لحظة فاتني وذكر اليافعي أن جماعة من الفقهاء أنكروا على ~~جماعة من الصوفية لحنهم في مواجيدهم فأعادوا تلك الكلمات في الحال وأعربوها ~~بوجوه من الإعراب ثم أنشدوا عقيب ذلك شعرا: # (لحنها معرب وأعجب من ذا ... أن إعراب غيرها ملحون) # وقال بعض المشايخ لبعض الفقهاء المنكر عليه فعرض له أسد فمنعه منه ~~اشتغلتم باصطلاح الظاهر فخفتم الأسد واشتغلنا بإصلاح الباطن فخافنا الأسد ~~وقال آخر لمن أنكر عليه قراءته إن كنت لحنت في قراءة القرآن فقد لحنت أنت ~~في الإيمان وذلك أنه لما أنكر عليه وخرج قصده السبع فخشي عليه من جوفه لضعف ~~إيمانه وقلة يقينه بالله إذا لسبع كلب من الكلاب ودابة من دواب البر لا ~~يتحرك ms543 شيء منها إلا بإذن رب الأرباب ووقع لصوفي أنه دخل بلد أفتخلف فقيها ~~عن زيارته فسأله أهلها أن يغاثوا لشدة ما عندهم من الجدب فقالوا سلوا ~~فقيهكم فإن سقيتم بدعوته زرته فسالوه فقال لا أسألوه هو فإن سقيتم بدعائه ~~زرته فرجعوا إليه فدعا فسقوا في الحال فجاء فزاره ومما يلجئك على اعتقادهم ~~ما جاء عن أبي الحسن النووي أنه وأصحابه رموا بالزندقة وسعى # PageV01P237 # بهم إلى الخليفة فأما الجنيد فتستر بالفقه فإنه كان يفتي على مذهب أبي ~~ثور صاحب الشافعي رضي الله تعالى عنهما فجئ بهم وبسط لهم النطع لتضرب ~~أعناقهم فبادر النووي فقال له السياف ولم تبادر للقتل فقال لأوثر أصحابي ~~بحياة ساعة لإنا قوم بنينا مذهبنا على الإيثار فأنهى الأمر إلى الخليفة ~~فعجب من ذلك وأرسل له قاضيه فسأله عن مسائل مشكلة فالتفت عن يمينه وعن ~~يساره ثم أطرق ثم تكلم عليها بما يشفي الصدور فرجع القاضي وهو يقول إن كان ~~هؤلاء زنادقة فليس على وجه الأرض صديق فأطلقوهم وسئل رضي الله تعالى عنه عن ~~ذلك الالتفات فقال سألت عنها ملك اليمين فقال لا أعلمها ثم ملك الشمال فقال ~~كذلك فسألت قلبي فأخبرني عن ربي بما أجبت به وكان هذا لشدة إشكالها وإلا ~~فالنووي من أئمة علماء الظاهر أيضا رضي الله عنه ونفعنا بسائر الأولياء ~~والعارفين فإنا نعتقدهم ونحبهم ومن أحب قوما حشر معهم حقق الله لنا الدخول ~~في أعدادهم في الدنيا والآخرة آمين (وسئل) نفع الله به ما معنى توحيد ~~الصوفية الموهم للحلول والاتحاد الموجب لكثير من الفقهاء الاعتراض عليهم ~~بذلك وتشديد النكير عليهم في جميع تلك المسالك حتى بالغ كثير منهم بالتكفير ~~حقيقة أو للتنفير (فأجاب) بقوله اعلم وفقني الله وإياك لمرضاته وأدخلنا تحت ~~حيطة الصفوة من أوليائه ليتجلى علينا عرائس هباته أن توحيد الله تعالى ~~باللسان العلمي المقرر في كتب أئمة الكلام القول فيه مشهور عند من مارس ذلك ~~الفن وأطلع على دقائقه وأحاط بما فيه من العويصات والشبه والإيرادات ~~وأجوبتها ومن ثم كان هذا العلم ms544 في الحقيقة أشرف العلوم إذ هي تشرف بشرف ~~معلومها وأفضلها إذ معرفة الله تعالى والنظر المؤدي إليها هما أول الواجبات ~~العينية وأساس جميع الفروض وغيرها وسائر أصول الشريعة وفروعها وأما التوحيد ~~بالأحوال الشهودية والمواجيد العرفانية فهو حال أئمة التصوف الذين أتحفهم ~~الله بما لم يتحف به أحد سواهم لأن أهل ذلك العلم ليس لهم من الحضور مع ~~الحق وآثار شهود صفاته وحقائق تجلياته في جميع أحوالهم وأقوالهم وأفعالهم ~~ما لأئمة الصوف الغارقين في بحار شهود التوحيد الواقفين مع الله تعالى على ~~قدم الصدق والتجريد والمتخلين عما سواه على غاية الكمال والتفريد فتوحيدهم ~~هو الذي عليه المعول وحالهم هو الحال الأكمل الذي ليس لهم عنه محول بل هم ~~دائما في ظله الظليل لا براح لهم عن الحضرة الشهودية ولا شاغل لهم عن ~~استجلاء الحقائق الوجود ليتعرفوا بها حكم الأقضية وحقائق القدرة وآثار صفات ~~الجلال والجمال ومن ثم قال بعض محققيهم فارقا بينهم وبين علماء الكلام ~~أولئك قوم اشتغلوا بالاسم عن المسمى ونحن قوم اشتغلنا بالمسمى عن الاسم ~~ولذلك تجد أولئك لا شهود لهم ولا استحضار بل قلوبهم مملوءة بشهود الأغيار ~~مستغرقة في الشهوات وإن فرض أن لهم استحضارا فهو مقصور على حالة استحضار ~~شيء من علمهم على أن هذا للنادر منهم وأما أكثرهم فهم لا يستحضرون إلا ~~الألفاظ ومعانيها فحسب دون أمر زائد على ذلك وقد شرحوا محققوا الصوفية ~~توحيدهم الذي اختصوا به بعبارات مختلفة هي في الحقيقة مؤتلفة من أحسنها قول ~~إمام العلوم الظاهرة والباطنة المجمع على جلالته وأمامته في الطريقين أبي ~~القاسم القشيري قدس الله سره وروحه ونور ضريحه فارقا بين توحيد الصوفية ~~وتوحيد غيرهم توحيد العبد لربه على مراتب توحيد له بالقول والوصف بأن يخبر ~~عن وحدانيته وتوحيد له بالعلم وهو أن يعلمه بالبرهان على وحدانيته وتوحيد ~~له بالمعرفة وهو أن يعرفه بالبيان كما علمه بالبرهان والبيان أجلى من ~~البرهان ففي حال معرفته بالبيان لا يفتقر إلى نظره ولا إلى تذكر نظره وليس ~~بضروري علمه ولكنه كالضروري في ms545 أنه أقوى حالا مما كان وقد تسمى هذه الحالة ~~الإلهام وإنما يصح ذلك إذا ترقى إلى هذه الصفة عن العلم البرهاني بقوة ~~الحال ثم توحيد من حيث الحال يشهده واحد أو حال الشهود ليس له الرؤية ولكنه ~~كالرؤية كما قال - صلى الله عليه وسلم - اعبد الله كأنك تراه وهذه هي حالة ~~المشاهدة التي أشار إليها القوم بتوالي التجلي على قلبه فصار كالعيان حاله ~~ومن أهل التوحيد من يشهد له الحادثات بجملتها بالله تعالى بظهورها فيشهدها ~~به سبحانه تجري عليها أحكامه وتظهر فيها أفعاله ومن أهل التوحيد من يوجد من ~~حيث التنزيه فهؤلاء قالوا الحق وراء ما أدركه الخلق بأفواههم وأحاطوا به ~~بعلومهم وأشرفوا عليه بمعارفهم # PageV01P238 # قالوا وكل من كوشف بشيء فعلى قدر قوته وضعفه قالوا والقوم الذين كوشفوا ~~بالحقيقة أو شاهدوا الحق واحتفظوا بشواهدهم عن شهود الحق أو استمسكوا في ~~عين الجمع أو ليس يشهدون إلا الحق أو ليس يخشون إلا الحق أو هم محوا في حق ~~الحق أو مصطلون فيه بسلطان الحقيقة أو تجلى لهم الحق بجلال الحق وغير هذا ~~إلى آخر ما عبر عنه معبر أو أخبر عنه مخبر أو أشار إليه مشير أو أدركه فهم ~~أو انتهى إليه علم أو حضره بالتفصيل ذكر فهم شواهد الحق وهو حق من الحق ~~ولكنه ليس بحقيقة الحق فإن الحق منزه عن الإدراك والإحاطة والإشراق قالوا ~~وكلما يدل على خلق أو جار على الخلق فذاك مما يليق بالخلق والحق مقدس عن ~~جميع ذلك انتهى حاصل كلام القشيري وهو لاسيما آخره أوضح عاضد وأقوى شاهد ~~على حقيقة توحيد القوم السالمين من المحذور واللوم وعلى أنه الغاية القصوى ~~في التوحيد والحقيقة العليا في المعرفة والتنزيه والتمجيد فشرفهم بذلك ~~وإياك أن تقع في ورطة الاعتراض عليهم فتتسابق أسهم القواطع إليك فإنهم برآء ~~من ذلك منزهون عنه إذ هم أكمل الخلق عقلا ومعرفة فكيف يتوهمون ما هو بديهي ~~البطلان وبيان ذلك أن الاتحاد بعدما قام من البراهين المقررة في كتب الحكمة ~~والكلام على امتناع اتحاد ms546 الاثنين هو يستلزم كون الواجب هو الممكن وعكسه ~~وذلك محال بالضرورة وأما الحلول فلوجوه الأول أن الحال في الشيء يفتقر إليه ~~في الجملة سواء كان حلول جسم في مكان أو عرض في جوهر أو صورة في مادة كما ~~هو رأي الحكماء أو صفة في موصوف والافتقار إلى الغير ينافي الوجوب ومن ذلك ~~حلول الامتزاج كالماء في الورد فإنه من خواص الأجسام وهي مفتقرة إلى الغير ~~الثاني أن الحلول في الغير أن لم يكن صفة كمال وجب نفيه عن الواجب وإلا لزم ~~كون الواجب مستكملا بالغير وهو باطل الثالث لو حل في جسم على ما زعم بعض ~~الملحدين الذين لا عقول لهم ولا دين فأما أن يحل في جميع أجزائه فيلزم ~~الانقسام أو في جزء منه فيكون أصغر الأشياء وكلاهما باطل بالضرورة ~~والاعتراف والأدلة على ذلك كثيرة محل بسطها كتب الكلام وإذا بان واتضح ~~بطلان الحلول والاتحاد وامتناعها على الذات فكذا على الصفات لاستحالة ~~انتقال صفة الذات المختصة بها إلى غيرها فرأس القائلين بها النصارى وبعض ~~المنتسبين إلى الإسلام كغلاة الشيعة قالوا لا يمتنع ظهور الروحاني في ~~الجسماني كجبريل في صورة دحية وكالجني في صورة إنسي وحينئذ فلا يبعد أن ~~يظهر الله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا في صورة ~~بعض الكاملين وأولى الناس بذلك علي وأولاده الذين هم خير البرية رضي الله ~~عنهم وأطالوا في هذه النزهات البديهية البطلان لكن لفساد عقولهم حتى صاروا ~~كالأنعام بل هو أضل سبيلا راجت عليهم حتى حسبوا أنهم على حق فزلوا وأزلوا ~~وضلوا وأضلوا وكفرتهم يزعمون أنهم من عداد الصوفية وليسوا كما زعموا بل هم ~~من عداد الحمقاء الذين لا يدرون ما يقولون ولا يعون ما يزعمون فهم أضل من ~~الحيوان وأحمق من الفراش التي ترمي نفسها إلى النيران ومن جملة خرافاتهم ~~وكذبهم وجهالاتهم قولهم أن السالك إذا أمعن في سلوكه وخاض لجة الوصول يحل ~~الله سبحانه وتقدس عن مرية المفترين فيه كما تحل النار في الجمر بحيث لا ~~يتمايز أو يتحد ms547 بحيث لا اثنينية ولا تغاير وصح أن يقول هو أنا وأنا هو ~~وحينئذ يرتفع الأمر والنهي ويظهر من الغرائب والعجائب ما لا يصح أن يكون من ~~البشر وفساد هذا كالذي قبله غنى عن الإيضاح والبيان فذكره استطراد وإنما ~~الذي ينبغي أن يعتني بتحقيقه وتحريره وحفظه وتقريره هو أن ما وقع في كلمات ~~بعض المتقدمين والمتأخرين من أئمة الصوفية مما يوهم حلولا واتحادا ليس ~~مرادهم ذلك بالنسبة لأحوالهم واصطلاحهم ومن ثم قال العلامة المحقق زمام ~~المتأخرين في العلوم الحكمية والنقلية السعد التفتازاني أن السالك إذا ~~انتهى سلوكه إلى الله تعالى أي إلى مرتبة من قربه وشهوده وفي الله تعالى أي ~~وفي بلوغ رضاه وما يؤمله من حضرته العلية يستغرق في بحار التوحيد والعرفان ~~بحيث تضمحل أي باعتبار الشهود لا الحقيقة ذاته في ذاته وصفاته في صفاته ~~ويغيب عن كل ما سواه ولا يرى في الوجود إلا الله تعالى قال وهذا هو الذي ~~يسمونه الفناء في التوحيد وإليه يشير الحديث الإلهي لا يزال عبدي يتقرب إلي ~~بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده ~~التي يبطش بها الحديث وحينئذ ربما يصدر # PageV01P239 # عن الولي عبارات تشعر بالحلول أو الاتحاد لقصور العبارة عن بيان تلك ~~الحال وبعد الكشف عنها بالمثال قال ونحن على ساحل التمني نغترف من بحر ~~التوحيد بقدر الإمكان ونعترف أن طريق الفناء فيه العيان دون البرهان قال ~~وهنا مذهب ثان يوهم ذلك وليس منه أيضا وهو أن الواجب هو الوجود المطلق وهو ~~واحدة لا كثرة فيه أصلا وإنما الكثرة في الإضافات والتعينات التي هي بمنزلة ~~الخيال والسراب إذ الكل في الحقيقة واحد يتكرر على مظاهر لا بطريق المخالطة ~~ويتكثر في البواطن لا بطريق الانقسام فلا حلول هنا ولا اتحاد لعدم ~~الاثنينية والغيرية انتهى كلام السعد رحمه الله تعالى وبه يعلم أن ما يقع ~~من كلمات القوم لا سيما ابن عربي وابن الفارض وأتباعهما رحمهم الله تعالى ~~ونفع بهم في حضرات التوحيد منزل على ما ذكره ms548 السعد رحمه الله ولبعض أئمة ~~المتأخرين من تلامذة مولانا عبد الرحمن الجامي المشهور في كتابه الذي سماه ~~المتمم به ما كنى به عن نسخة النفحات وهو مولانا علاء الدين محمد بن المؤمن ~~الإبيبزي بتحتانية ممدودة وكسر باء موحدة تحتانية وزاي من أجل تلامذة ~~مولانا سعد الدين الكازورى من أجل أساتذة الطريقة العلية السالمة من كدورات ~~جهلة الصوفية وهي طريقة النقشبندية أنه قال في الريحانة الثانية منه ريحانة ~~ذكر الاباه معنى لا إله إلا الله أن الذكر ثلاث مراقب في السلوك ففي الأولى ~~يقدر لا معبود إلا الله وفي الثانية التي هي مرتبة السير إلى الله يقدر لا ~~مقصود إلا الله وفي المرتبة الثالثة وهي السير في الله وهي مقام المنتهين ~~يقدر لا موجود إلا الله فهو ما لم ينته السالك في السير في الله وذكر لا ~~موجود إلا الله فهو كفر صريح أي ربما أدى إليه كما لا يخفى فأطلقه مبالغة ~~في الزجر والتنفير لمن يدعى هذه المرتبة بالباطل فتأمله ووفاة صاحب ~~الريحانة سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة ووفاة علاء الدين سنة اثنين وتسعين ~~وثمانمائة ووفاة الكازورى سنة ستين وثمانمائة فاحذر من الإنكار فإنه يوقع ~~المنكر في العثار وكن محسن الإعتقاد على غاية من الازدياد فإن المنكر محروم ~~والمتعنت مذموم والحق أحق أن يتبع والباطل عن هؤلاء الأئمة قد اندفع أدخلنا ~~الله تحت ألويتهم الطاهرة من الريب الظاهرة على سائر الرتب فإننا نعتقدهم ~~ونحبهم ومن أحب قوما فهو يحشر معهم (وسئل) نفع الله به بما لفظه ما تقولون ~~في ابن عربي هل هو على طريقة الهدى أم نهج الردى وهل صح تكفيره أو لا وهل ~~قال أحد أنه على الصواب أو لا أوضحوا الجواب وأوضحوا لنا حاله فإنه تكاثرت ~~الأقوال فيه ولم ندر الصحيح من السقيم (فأجاب) رضي الله عنه بقوله الشيخ ~~محيي الدين ابن عربي رحمه الله ورضي عنه إمام جمع بين العلم والعمل كما ~~اتفق على ذلك من يعتد به كيف وقد ذكر بعض المنكرين في ترجمته أنه كان ms549 وصل ~~لمرتبة الاجتهاد وحينئذ فإسلامه متيقن وكذلك علمه وعمله وزهادته وورعه ~~ووصوله في الاجتهاد في العبادة إلى ما لم يصل إليه أكابر أهل الطريق وإذا ~~تقرر أن هذا كله معلوم من حاله فالأصل بقاؤه عليه إلى أن مات فلا يجوز ~~الإقدام على تنقيصه بمجرد التهور والتخيلات التي لا مستند لها يعتد به بل ~~يستصحب ما علم من إسلامه ومعارفه وعلومه هذا ما يتعلق بذلك وأما الكتب ~~المنسوبة له فالحق أنه واقع فيها ما ينكر ظاهره والمحققون من مشايخنا ومن ~~قبلهم على تأويل تلك المشكلات بأنها جارية على اصطلاح القوم وليس المراد ~~منها ظواهرها قال بعض المحققين من مشايخ مشايخنا مع اعتقادي فيه المعرفة ~~الكبرى والنزاهة العظمى لو رأيته للمته وقلت له قد أودعت في كتبك أشياء ~~كانت سببا لضلال كثيرين من الجهال بطريقتك واصطلاحك فإن أكثر الناس ليس لهم ~~من الكلام إلا ظاهره وظاهر تلك الكلمات كفر صريح ارتبك فيه أقوام اغتروا ~~بكلامك ولم يدروا أنه جار على اصطلاحك فليتك أخليت تلك الكتب عن الكلمات ~~المشكلة انتهى حاصل ما قاله ذلك المحقق وهو كلام حسن وإن فرض أن للشيخ عذرا ~~في ذكرها غيرة على طريقتهم أن ينتحلها الكذابون لأن هذا لو فرض وقوعه كان ~~أخف مما ترتب على ذكر تلك الكلمات من زلل كثير بسببها ولقد رأيت ممن ضل بها ~~من يصرح بمكفرات أجمع المسلمون على أنها مكفرات ومع ذلك يعتقدها وينسبها ~~لابن عربي ولقد كذب في ذلك وافترى فإن ابن عربي برئ من ذلك باعتبار ما علم ~~واستقرى من حاله والحاصل أنه يتعين على كل من أراد السلامة لدينه أن لا ~~ينظر في تلك المشكلات ولا يعول عليها سواء قلنا أن لها باطنا صحيحا أم لا ~~وأن لا يعتقد في ابن عربي # PageV01P240 # خلاف ما علم منه في حياته من الزهد والعبادة الخارقين للعادة وقد ظهر له ~~من الكرامات ما يؤيد ذلك منها ما حكاه صاحب القاموس أنه لما فرغ من تأليف ~~كتابه الفتوحات المكية جعله وهو ورق مفرق على ms550 ظهر الكعبة فمكث سنة لم تطير ~~الريح منه ورقة ولا وصلت إليه قطرة مطر مع كثرة أمطارها ورياحها فسلامة تلك ~~الأوراق من المطر والريح مع مكثها سنة على السطح من الكرامات الباهرة ~~الدالة على إخلاصه في تأليفه يقتضي التضليل كقوله بإسلام فرعون لأن هذا لا ~~يقتضي كفرا وإنما غايته أنه خطأ في الاجتهاد وهو غير قادح في صاحبه إذ كل ~~من العلماء مأخوذ من قوله ومردود عليه إلا المعصومين والله سبحانه وتعالى ~~أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب وقد ### | تم الكتاب بعون الملك الوهاب # ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ~~آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين آمين. # (يقول مصححه راجي عفو ربه العلى ... محمد كامل بن محمد الأسيوطي الأزهري) # يا من بنعمته تتم الصالحات وبكريم فضله تنشر البركات نسألك الهداية لحمدك ~~وإن كنا عاجزين عن الخوض في لجج بحره المتلاطم والمعونة على شكر آلائك وإن ~~جلت عن الدخول تحت مراتب العد المتعاظم ونستجدي منك وافر الصلاة وعلي ~~التسليمات على سيدنا محمد أفضل المخلوقات الآتي في منطقه بالآيات البينات ~~وعلى آله وصحبه أولى المكرمات ومن اتبع سبيلهم وارتشف من سحب معاليهم طلهم ~~(أما بعد) فقد تم بحمده تعالى طبع كتاب الفتاوى الحديثية لبقية المجتهدين ~~وخاتمة المحدثين من أحيا بتأليفه رميم التحقيقات وشيد بصنعه معالي الفضل ~~المندرسات شيخ الإسلام والمسلمين الشيخ أحمد شهاب الدين بن حجر الهيتمي لا ~~زالت سحائب الغفران تمطر قبره الكريم ولا برح يبزغ من شموس عرفانه كل آونة ~~ساطع نفع عميم وهو كتاب حوى من الفوائد الحديثية وغرائب تفسير الآى ~~القرآنية وحل مشكلات كلام أهل العرفان ومن نال من صفاء النفس ورسوخ القدم ~~في التصوف كل إتقان ما يبهر العقل بصفاء أنواره ويخلص للروح عند تبلج ~~أسراره لم يحذ حذو مسلكه الشريف ناسج من برود الفضل حله ولم يترك لناظره من ~~أسقام الجهل في هذه الفنون عله فهو لمؤلفه من آيات التحقيق الدامغة لأباطيل ~~خفاء ذكره المعلنة بعظيم ms551 محله وكبير قدره وقد تحلت طرره ووشيت غرره بكتاب ~~الدرر المنتثره في الأحاديث المشتهرة لواسطة عقد المحدثين وبيت قصيدة ~~المتأخرين من يكفي اسمه عن التنويه بشأنه وتلوح من تباشير ذكره آيات عرفانه ~~شيخ الإسلام والمسلمين جلال الدين السيوطي وهذان الكتابان وإن عزت نسخهما ~~وكادت يد التبديل تعدم روحهما ولكن لخلوص نية مؤلفيهما وصدق عزيمتيهما قيض ~~الله من كبرت في الخير رغبته وصدقت في حب نشر المنافع نيته فاحضر ما عثر ~~عليه من صحيح النسخ وما طالت يد جلبه وفي الصحة قدمه رسخ وبذلت غاية الجهد ~~في تصحيحه وتدبره وتنقيحه فجاء بحمد الله تقربه عين الناظر وتنشرح به الروح ~~والخاطر وذلك بمطبعة التقدم العلمية بمصر المحمية بجوار سيدي أحمد الدردير ~~قريبا من الجامع الأزهر المنير وذلك في أوائل شهر ربيع الثاني سنة 1346 ~~هجرية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية آمين. PageV01P241 ms552