######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0037886 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري، شهاب الدين شيخ الإسلام، أبو العباس (المتوفى: 974هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 974 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: بحوث ومسائل #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0037886 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-37886 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/37886 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد الحميد الأزهري (والكتاب إهداء من محققه - جزاه الله خيرا - للمكتبة الشاملة) #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # كتاب # كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع لابن حجر الهيتمي # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه نستعين (1) # الحمد لله الذي حظر مواطن اللهو على عباده، وخلص من ريبه وشبهه المصطفين ~~لقربه ووداده؛ لما امتن به عليهم فعرفهم دسائس النفوس المانعة من فهم حكمه ~~ومراده، وكشف لهم عن تسويلات الشيطان لا سيما على قوم زعموا التصوف ~~والعرفان، وغفلوا عن قول أعظم الصديقين بعد الأنبياء والمرسلين: ((أبمزامير ~~الشيطان في بيت رسول الله؟)) (2)، صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم، لما غلب ~~عليهم من الشهوات ومحبة البطالات، والسعي في جلب فسقة العامة إلى مجالسهم ~~لينالوا من حطامهم وخسائسهم الجالبة لهم إلى القطيعة، لعدم عملهم (3) بما ~~قاله أئمة الحقيقة والشريعة (4)، فحمدا لك اللهم أن وفقتنا لرد سقطاتهم ~~الشنيعة، وتقولاتهم الفظيعة. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أنجو بها من مكائد ~~الشيطان وموالاته، ومن حمل أحد من الخاصة أو العامة على سماع مزاميره ~~الموجب لسروره وظفره منهم بغاية مراداته. PageV01P011 # وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، الذي أرسله الله قاصما ~~لأعدائه بواضح براهينه [وبيناته] (1) صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ~~وتابعيهم المبرئين من سفساف أهل الحظوظ والشهوات، والموفقين لصرف جميع ~~الأوقات في مهمات العبادات، لا سيما نفع المسلمين بتمهيد قواعد الدين، ~~والرد على المبطلين الذي ضلوا سواء السبيل، واتخذوا مزامير الشيطان شفاء ~~للغليل، زاعمين زيادة معارفهم بذلك، وما درى الأشقياء أن أقدامهم زلت عن ~~سنن المسالك، وأقلامهم سجلت عليهم بأعظم المهالك؛ لأنهم سنوا سننا سيئة ~~مصحوبة بالإلحاد والعناد، فباؤوا بوزرها، ووزر من يعمل بها إلى يوم يرون ~~جزاء ذلك على رؤوس الأشهاد، أعاذنا الله من أمثال هذه القواطع، وجعلنا ممن ~~ذب عن شريعته الغراء الواضحة [ز1/ 1/أ] البيضاء بالبراهين القواطع، وأدام ~~علينا رضاه في هذه الدار وإلى أن نلقاه، إنه الجواد الكريم الرؤوف الرحيم. # أما بعد: فإني أثناء شهر ربيع سنة ثمان وخمسين وتسعمائة دعيت إلى نسيكة ~~(2) لبعض الأصدقاء، فوقع السؤال عن فروع تتعلق بالسماع، فأغلظت في الجواب ~~عنها وفي ms001 الرد على من زل فهمه أو قلمه فيها، فقيل لي عن كتاب لبعض المصريين ~~بلدا، التونسيين محتدا، المالكيين معتقدا، المتصوفين ملتحدا، أنه بالغ في ~~حل ذلك بتأليف كتاب سماه "فرح الأسماع برخص السماع" (3) فبالغت في الرد ~~عليه في ذلك المجلس، فبعد مدة أرسل PageV01P012 # لي بعض رؤساء مكة الكتاب، وطلب مني كتابة عليه حتى يتبين ما فيه، ويظهر ~~زيغه الذي اشتمل [عليه] قوادمه وخوافيه، وأكد على ذلك، فعزمت على إجابته ~~لأفوز بأجر هذا الأمر ومثوبته؛ لعلمي بأن أبناء الزمان الذين غلب عليهم ~~الخسار والهوان عكفوا على كتابة ذلك الكتاب، واتخذوه لسماع تلك المحرمات ~~أعظم الأسباب، وظنوا أنه الحق الواضح، وأن مؤلفه المرشد الناصح، جهلا منهم ~~بالحقائق، وإصغاء لكل ناعق وناهق، فتجاهروا بها بين الملا، فضلا عن السر ~~والخلا، في بلد الله وحرمه، ومظهر جوده وكرمه، ولم يخشوا يوم المعاد، ولا ~~عظموا حرمة أفضل البلاد، وزادوا في ذلك حتى كسرت من آلاتهم بيدي عدة عديدة، ~~ولزمت ذلك معهم مدة مديدة، ورفعت أقواما منهم إلى حكام الشريعة تارة، ~~والسياسة أخرى، بحسب جرأة الفاعلين الموجبة لحسرتهم في الدنيا والأخرى، ~~وشددت عليهم إلى أن عاقبوهم بما يناسب جرأتهم، وأشهروا تعزيرهم في الأسواق، ~~لتعلم سرائرهم، فخمدوا بحمد الله - تعالى - عن ذلك، ولزموا التحفظ عن أن ~~يحوموا حول تلك المسالك، فتمادى بي الاشتغال في هذه السنة ب"شرح المنهاج" ~~عن أكثر المهمات؛ لظني أنه الأهم وأن كل شافعي إليه محتاج، إلى ثالث يوم من ~~شهر رجب شهر الله الأصب، فسمعت أن جماعة من علماء البلدان النائية حضروا ~~مجلسا جرى فيه ذكر ذلك، فتباينت [ز1/ 1/ب] أقوالهم، واضطربت أحوالهم، وأصغى ~~جمع منهم إلى من لا يعتد به في تحليل ولا تحريم، بل ربما يخشى عليه الدخول ~~في ورطة المشار إليهم بقوله - تعالى عز قائلا -: {ولا تقولوا لما تصف ~~ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا # PageV01P013 # حرام} (1) الآية، فشرعت فيه قاصدا نصح المسلمين ببيان الحلال والحرام من ~~ذلك عند جميع العلماء أو أكثرهم، غير معول على رأي انحرف به صاحبه عن جادة ms002 ~~المهتدين، أو قول لم تصح نسبته لأحد من العلماء العاملين، أو استدلال جازف ~~فيه بعض المقلدين، إما في حكايته، أو استنباطه، أو في خلطه به ما عاد عليه ~~بما شهد على قائله بكثرة غلطاته، وقباحة خلطه واختلاطه، محذرا من أراد ~~صيانة نفسه عن مواضع التهم؛ لئلا يظن به المسلمون أنه استحل حرمات الله ~~بتحليل ما حرم، وأنه تمادى به التفريط والاستهتار إلى أن ختم له بالسوء لا ~~سيما في الحرم الأعظم. # وتأمل قول سلف هذه الأمة الذين أنعم الله عليهم بالحفظ من الدخول في ورطة ~~ملمة أو مهلكة مدلهمة: المعصية بريد الكفر؛ أي: لا سيما من استصغر المعاصي ~~وغفل عن أن الله - سبحانه وتعالى - ربما جازى العبد بما لم يخطر بباله أنه ~~سبب لهلاكه الأبدي في حاله ومآله، حفظنا الله وإياك عن هذه الورطات المزيلة ~~لنعم أكرم الأكرمين في الدينا والدين، وجعلنا ممن دل الناس على الحق، وبين ~~لهم مقامات الاحتياطات بالصدق، وحذرهم مقت الله وغضبه، ولم يبق لهم عذر ~~يستمسكون بسببه، وأبان لهم كل مقام مشكل، وأوضح لهم كل سبيل أجمل، مبتغيا ~~وجه ربه ذي الجلال والإكرام يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب ~~سليم من كل ميل إلى ما أورث شبهة أو ملامة آمين. # ورتبته على مقدمة وبابين وخاتمة. PageV01P014 ### | المقدمة # في ذم المعازف، والمزامير، والأوتار ونحوها # مما جاء عن الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى؛ ~~[قال تعالى:] {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب ~~أليم} (1)، عن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~[ز1/ 2/أ] عليه وسلم -: ((إن الله - عز وجل - بعثني هدى ورحمة [للعالمين] ~~(2)، وأمرني بمحق المعازف، والمزامير، والأوتار والصليب، وأمر الجاهلية، ~~وحلف ربي بعزته وجلاله لا يشرب عبد من عبادي جرعة من خمر متعمدا في الدنيا ~~إلا سقيته مكانها من الصديد يوم القيامة مغفورا له أو معذبا، ولا يتركها من ~~مخافتي إلا سقيتها إياه في حظيرة القدس، لا ms003 يحل بيعهن، ولا شراؤهن، ولا ~~التجارة فيهن، وثمنهن حرام))؛ رواه أبو داود الطيالسي واللفظ له، وأحمد بن ~~منيع، وأحمد بن حنبل، والحارث بن أبي أسامة بلفظ: ((إن الله - عز وجل - ~~بعثني رحمة وهدى للعالمين، وأمرني أن أمحق المزامير، والمعازف، والخمور، ~~والأوثان التي تعبد في الجاهلية، وأقسم ربي بعزته لا يشرب عبد الخمر في ~~الدنيا إلا سقيته من حميم جهنم معذبا أو مغفورا له، ولا يدعها عبد من عبيدي ~~تحرجا عنها إلا سقيتها إياه في حظيرة القدس)). # وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لكل شيء إقبال وإدبار وإن من ~~إقبال هذا الدين ما بعثني الله به حتى أن القبيلة لتتفقه كلها من عند آخرها ~~حتى لا يبقى إلا الفاسق والفاسقان فهما مقهوران مقموعان ذليلان، إن تكلما ~~أو نطقا قمعا وقهرا واضطهدا، ثم ذكر من إدبار هذا الدين أن PageV01P015 # تجفو القبيلة كلها من عند آخرها حتى لا يبقى فيها إلا الفقيه أو ~~الفقيهان، فهما مقهوران مقموعان ذليلان، إن تكلما أو نطقا قمعا، وقهرا، ~~واضطهدا، وقيل لهما: أتطعنان علينا حتى يشرب الخمر في ناديهم، ومجالسهم، ~~وأسواقهم وتنحل الخمر غير اسمها حتى يلقى آخر هذه الأمة أولها إلا حلت ~~عليهم اللعنة، ويقولون: لا نأمن هذا الشراب، يشرب الرجل منهم ما بدا له ثم ~~يكف عنه حتى تمر المرأة فيقوم إليها بعضهم، فيرفع ذيلها فينكحها وهم ينظرون ~~كما يرفع ذنب النعجة، وكما أرفع ثوبي هذا، ورفع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ثوبا عليه من هذه السحولية، فيقول القائل منهم: لو نحيتمونا عن ~~الطريق، فذاك فيهم كأبي بكر وعمر، فمن أدرك [ز1/ 2/ب] ذلك الزمان وأمر ~~بالمعروف ونهى عن المنكر فله أجر خمسين ممن صحبني وآمن بي وصدقني أبدا)). # وحديث أبي أمامة هذا فيه علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف (1)، لكن له شاهد ~~من حديث ابن مسعود وغيره (2). PageV01P016 # ومنه: عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: ((الكوبة حرام، والدن حرام، ~~والمعازف حرام، والمزامير حرام))؛ رواه مسدد، والبيهقي في "سننه الكبرى" ~~موقوفا، ورواه البزار مرفوعا، ms004 ولفظه عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه حرم الميتة، والميسر، والكوبة - يعني: الطبل - وقال: ((كل مسكر ~~حرام)) (1). PageV01P017 # وعن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((يمسخ قوم من ~~أمتي في آخر الزمان قردة وخنازير)) قالوا: يا رسول الله، أمسلمون هم؟ قال: ~~((نعم؛ يشهدون أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويصومون، [ويصلون]))، ~~قالوا: فما بالهم يا رسول الله؟ قال: ((اتخذوا المعازف، والقينات، والدفوف، ~~وشربوا هذه الأشربة، فباتوا على شرابهم ولهوهم، فأصبحوا وقد مسخوا))؛ رواه ~~مسدد، وابن حبان، ولفظه: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تقوم ~~الساعة حتى يكون ... )) (1). # وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((يكون في ~~هذه الأمة خسف ومسخ وقذف))، قيل: ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: ((إذا ظهرت ~~القينات والمعازف، واستحلت الخمر))؛ رواه عبد بن حميد واللفظ له، وابن ماجه ~~مختصرا، ومدار مسانيدهما على: عبدالرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف (2)، وصح ~~من طرق خلافا لما وهم فيه ابن حزم، فقد علقه البخاري، ووصله الإسماعيلي، ~~وأحمد، وابن ماجه، وأبو نعيم، وأبو داود بأسانيد صحيحة لا مطعن فيها، وصححه ~~جماعة آخرون PageV01P018 # من الأئمة كما قاله بعض الحفاظ: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~((ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الخز، والحرير، والخمر، والمعازف)) (1)، ~~وهذا صريح ظاهر في تحريم جميع آلات اللهو المطربة. # وعن علي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~((إذا فعلت [ز1/ 3/أ] أمتى خمس عشرة خصلة حل بها البلاء: إذا كان المغنم ~~دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وأطاع الرجل زوجته وعق أمه، وبر ~~صديقه وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم ~~وأكرم الرجل مخافة شره، وشربت الخمر، ولبس الحرير، واتخذت القينات ~~والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء أو خسفا ~~أو مسخا))؛ رواه الترمذي (2). # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~((أمرت بهدم الطبل ms005 والمزمار)) (3)؛ أخرجه الديلمي. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~((الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل)) رواه البيهقي، ~~PageV01P019 # وابن أبي الدنيا، وكذا أبو داود لكن بدون التشبيه، ورواه البيهقي أيضا ~~موقوفا (1)، وفي الباب عن أبي هريرة أيضا رواه ابن عدي (2). # واعلم أن بعض الصوفية الذين لا يعرفون مواقع الألفاظ ومدلولاتها قال: ~~المراد بالغناء هنا غنى المال، وكأنه لم يفرق بين الغناء الممدود، ~~والمقصور؛ إذ الرواية إنما هي الغناء بالمد، وأما غنى المال فهو مقصور لا ~~غير، ذكره الأئمة. # واستدل له شيخ الإسلام الحافظ العسقلاني بحديث ابن مسعود الموقوف بأن ~~فيه: "والذكر ينبت الإيمان في القلب، كما ينبت الماء البقل"، ألا تراه جعل ~~ذكر الله مقابلا للغناء؛ لكونه ذكر الشيطان، كما قابل الإيمان بالنفاق، ا. ~~ه (3). # وسيأتي أن ذلك حديث مرفوع أيضا، ولعل الحافظ لم يستحضره وقت كتابته لذلك. # وعن علي - كرم الله وجهه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ~~ضرب الدف ولعب [الصج] (4) وضرب الزمارة؛ أخرجه الخطابي (5). PageV01P020 # وعن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – أنه قال: ~~((من قعد إلى قينة يستمع منها صب الله في أذنيه الآنك (1) يوم القيامة))؛ ~~رواه ابن صصري في "أماليه"، وابن عساكر في "تاريخه" (2). # وعن صفوان بن أمية، أن عمرو بن قرة قال: "كتبت علي الشقوة، فلا أرى أرزق ~~[ز1/ 3/ب] إلا من دفي، فأذن لي في الغناء من غير فاحشة؟ فقال له رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: ((لا آذن لك ولا كرامة ولا نعمة PageV01P021 # عين، كذبت أي عدو الله، لقد رزقك الله حلالا طيبا، واخترت ما حرم الله ~~عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله، ولو كنت تقدمت إليك - أي ~~بالنهي - قبل الآن لفعلت بك وفعلت، قم عني وتب إلى الله، أما إنك لو قلت ~~بعد التقدمة شيئا - أي: لو فعلت ما نهيتك عنه - بعد الآن ضربتك ضربا وجيعا، ~~وحلقت رأسك، ونفيتك عن أهلك، ms006 وأحللت سلبك نهبة لفتيان المدينة، هؤلاء ~~العصاة - أي: الذين يفعلون مثل فعل عمرو هكذا - من مات منهم بغير توبة حشره ~~الله - تعالى - يوم القيامة كما كان في الدنيا: مخنثا عريانا، لا يستتر من ~~الناس [بهدبة كلما قام صرع] (1)))؛ رواه البيهقي، والطبراني، ورواه الديلمي ~~إلى قوله: ((وتب إلى الله))، وزاد: ((وأوسع على نفسك وعيالك حلالا؛ فإن ذلك ~~جهاد في سبيل الله، واعلم أن عون الله مع صالحي التجار)) (2). # وعن علي - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من مات ~~وله قينة فلا تصلوا عليه))؛ رواه الحاكم في "تاريخه"، والديلمي وسنده ضعيف ~~(3). # وعن السائب بن يزيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة وقد دخلت ~~لها قينة مغنية: ((يا عائشة، تعرفين هذه؟ هذه قينة بنى فلان، أتحبين ~~PageV01P022 # أن تغنيك؟)) قالت: نعم، فغنتها، فقال: ((لقد نفخ الشيطان في منخريها))؛ ~~رواه أحمد، والطبراني (1). # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~((إن الله حرم على أمتي الخمر، والميسر، والكوبة في أشياء عددها))؛ رواه ~~أحمد، وأبو داود، وابن حبان، زاد البيهقي: وهي - أي: الكوبة - الطبل؛ أي: ~~الآتي (2). # ورواه أبو داود من حديث ابن عمرو زاد ((والغبيراء)) (3)، وزاد أحمد فيه ~~((والمزر)) (4)، ورواه أحمد أيضا من حديث قيس بن سعد بن عبادة - رضي الله ~~عنهما (5). PageV01P023 # واختلف في تفسير ((الغبيراء)) فقيل: الطنبور، وقيل: العود، وقيل: البربط، ~~وقيل غير ذلك، وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: ((إذا كان يوم القيامة [ز1/ 4/أ] قال الله - عز وجل -: أين ~~الذين كانوا ينزهون أسماعهم وأبصارهم عن مزامير الشيطان؟ ميزوهم فيميزوهم ~~في كثب المسك والعنبر، ثم يقول لملائكته: أسمعوهم تسبيحي [وتحميدي] وتمجيدي ~~فيسمعون بأصوات لم يسمع السامعون مثلها)) أخرجه الديلمي (1). # وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~((حب الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء العشب))؛ أخرجه الديلمي ~~(2). # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم ms007 - قال: ~~((إياكم [وإسماع] (3) المعازف والغناء فإنهما ينبتان النفاق في القلب كما ~~ينبت الماء البقل))؛ رواه ابن صصري في أماليه (4). PageV01P024 # وأخرج الديلمي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ((الغناء واللهو ينبتان ~~النفاق في القلب، كما ينبت الماء العشب، والذي نفسي بيده إن القرآن والذكر ~~لينبتان الإيمان في القلب كما ينبت الماء العشب)) (1). # وعن جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~((الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء الزرع)) (2). # وعن أبي موسى - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~((من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يستمع إلى صوت الروحانيين في ~~الجنة))؛ رواه الحكيم الترمذي (3). # وعن أنس وعائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((صوتان ~~ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة، ورنة عند مصيبة))؛ رواه ~~البزار، وابن مردويه، والبيهقي (4). # وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ~~الغناء والاستماع إلى الغناء، وعن الغيبة والاستماع إلى الغيبة، ونهى عن ~~النميمة والاستماع إلى النميمة؛ رواه الطبراني، والخطابي (5). PageV01P025 # وعن ابن مسعود أنه سئل عن قوله - تعالى -: {ومن الناس من يشتري لهو ~~الحديث} فقال: "الغناء، والذي لا إله إلا هو [لا] غيره"؛ رواه ابن أبي شيبة ~~بإسناد صحيح، وأخرجه الحاكم وصححه، والبيهقي [وغيره] (1). # * * * PageV01P026 ### | الباب الأول: في أقسام الغناء المحرم وغيره ### | القسم الأول: في سماع مجرد الغناء من غير آلة # اعلم أن مذهبنا أنه يكره الغناء وسماعه إلا إن اقترن به ما يأتي، وقال ~~بعض العلماء: إنه سنة في العرس [ز1/ 4/ب] ونحوه، وقال الغزالي وابن ~~عبدالسلام من أئمتنا: إنه سنة إن حرك بحال سني مذكر للآخرة، ا. ه. # [وبه يعلم أن كل شعر فيه الأمر بالطاعة، أو كان حكمة] (1)، أو كان في ~~مكارم الأخلاق أو الزهد ونحو ذلك من خصال البر؛ كحث على طاعة أو سنة، أو ~~اجتناب معصية يكون كل من إنشائه وإنشاده وسماعه سنة؛ كما صرح به غير واحد ~~من أئمتنا، وهو ظاهر؛ إذ وسيلة ms008 الطاعة طاعة. # قال الأذرعي (2): وما أحسن قول الماوردي: الشعر في كلام العرب: # مستحب: إن حذر من الدنيا أو رغب في الآخرة، أو حث على مكارم الأخلاق. # ومباح: وهو ما سلم من فحش وكذب. # ومحظور: وهو ما اقترن بأحدهما (3). # فإن قلت: نقل القاضي الحسين عن سيد الطائفة أبي القاسم الجنيد (4) وهو من ~~أكابر الشافعية أن السماع على ثلاثة أقسام: PageV01P027 # سماع العوام: وهو حرام عليهم؛ لبقاء نفوسهم. # وسماع الزهاد: وهو مباح لهم؛ لحصول مجاهدتهم. # وسماع العارفين: فيستحب لهم لحياة قلوبهم، فجعل من السماع ما هو حرام، ~~وصحح ما قاله السهروردي في "عوارف المعارف" (1) وهو من كبار الشافعية أيضا، ~~وذكر نحوه أبو طالب المكي وهو خلاف ما مر. # قلت: لم ينفرد الجنيد بذلك بل صرح به من كبار أئمتنا أقضى القضاة ~~الماوردي وغيره، وليس خلافا لما ذكر؛ لأن الذي مر مفروض في سماع لم يخش منه ~~فتنة، ولم يقترن به منكر بوجه، ومراد الجنيد - رضي الله عنه - بهذا الحرام ~~ما خشي منه فتنة؛ كأن سمعه من امرأة أجنبية، [أو أمرد حسن، أو ما اقترن به ~~منكر؛ كهوى نشأ] من عشق محرم كما هو الغالب على العامة، ثم رأيت بعض ~~الشافعية قال: الظاهر أن الجنيد لم يرد التحريم الاصطلاحي، وإنما أراد أنه ~~لا ينبغي، ا. ه. # وما قررت به كلامه أولى كما لا يخفى على متأمل، وكأن الغزالي أخذ من كلام ~~الجنيد هذا قوله في "الإحياء": السماع إما مندوب لمن غلب عليه حب الله وحب ~~لقائه، فإنه يستخرج منه أحوالا وملاطفات ومكاشفات، وإما مباح لعاشق عشقا ~~مباحا لزوجته أو أمته، أو لعامي لم يغلب عليه حب PageV01P028 # الله ولا الهوى، وإما محرم لمن غلب عليه هوى محرم (1)، وسئل العز بن ~~عبدالسلام [ز1/ 5/أ] عن استماع الإنشاد في المحبة والرقص؟ فقال: الرقص بدعة ~~لا يتعاطاه إلا ناقص العقل، ولا يصلح إلا للنساء، وأما سماع الإنشاد المحرك ~~للأحوال السنية المذكر لأمور الآخرة فلا بأس به، بل يندب عند الفتور وسآمة ~~القلب، ولا يحظر [إلا] لمن في قلبه ms009 هوى خبيث فإنه يحرك ما في القلب. # وقال أيضا: السماع يختلف باختلاف السامعين والمسموع منهم وهم أقسام: # أحدها: العارفون بالله، ويختلف سماعهم باختلاف أحوالهم؛ فمن غلب عليه ~~الخوف أثر فيه سماع المخوفات وظهر أثرها عليه من البكاء وتغير اللون ~~والحزن، والخوف إما خوف عقاب أو فوات ثواب أو فوات الأنس والقرب، وهذا من ~~أفضل الخائفين وأفضل السامعين، فمثله لا يتصنع بها، ولا يصدر منه إلا ما ~~غلب من آثار الخوف، وهذا إذا سمع القرآن كان تأثيره فيه أشد من تأثير ~~الإنشاد والغناء. # الثاني: من غلب عليه الوجد، فهذا يؤثر فيه ذكر المرجيات، [فإن كان رجاه] ~~للأنس والقرب كان سماعه أفضل من كل سماع أو للثواب فهو مفضول. PageV01P029 # الثالث: من غلب عليه الحب للإنعام عليه فيؤثر فيه [ذكره أو لشرف ذاته ~~فيؤثر فيه ذكر ذلك] (1). # [القسم الرابع] (2) أو للتعظيم والإجلال وهذا أفضل الأقسام: ويختلف هؤلاء ~~في المسموع منه، فالسماع من الأولياء أكثر تأثيرا من السماع من الجهلة، ومن ~~الأنبياء أشد تأثيرا من الأولياء، ومن رب الأرض والسماء أشد تأثيرا من ~~الأنبياء؛ ولهذا لم يشتغل النبيون والصديقون وأصحابهم بسماع الملاهي ~~والغناء، واقتصروا على سماع كلام ربهم. # [القسم الخامس] (3) وأما من يغلب عليه هوى مباح كعشق حليلته فهو يهيجه ~~السماع ويؤثر فيه آثار الشوق وخوف الفراق، فسماعه لا بأس به. # [القسم السادس] (4) وأما من يغلب عليه هوى محرم كعشق أمرد أو أجنبية، ~~فهذا يهيجه السماع إلى السعي في الحرام، وما أدى إلى الحرام حرام. # [القسم السابع] (5) ومن قال لا أجد في نفسي شيئا من الأقسام الستة ~~فالسماع في حقه مكروه، وخالفه الغزالي فقال: إنه مباح، قال: وقد يحضر ~~السماع قوم من الفجرة فيبكون وينزعجون لأغراض خبيثة أبطنوها، ويراؤون ~~[الحاضرين] (6) بأن سماعهم لأحد الأسباب السابقة، قال: واعلم أنه ~~PageV01P030 # لا يحصل السماع المحمود إلا عند [ز1/ 5/ب] ذكر الصفات الموجبة للأحوال ~~السنية والصفات المرضية، ا. ه. # قال الأذرعي: ولأبي القاسم القشيري - وهو من أئمة الشافعية - مصنف في ~~السماع ذكر فيه أن من شرائطه معرفة الأسماء ms010 والصفات ومدلولاتها وما يليق ~~بالحق - تعالى - منها، هذا على لسان أهل التحصيل من ذوي العقول، وأما على ~~لسان أهل الحقائق فمن شرائطه [بقاء النفس] (1) بصدق المجاهدة ثم حياة القلب ~~بروح المشاهدة، فمن لم يتقيد بالصحة معاملته، ولم يحصل بالصدق منازلته، ~~فسماعه ضياع له، وتواجده طباع، والسماع فتنة يدعو إليها استيلاء العشق إلا ~~عند سقوط الشهوة، وحصول الصفوة ... وأطال بما يطول ذكره. # قال الأذرعي: وبما ذكره تبين تحريم السماع والرقص على أكثر متصوفة ~~الزمان؛ لفقد شروط القيام بآدابه، ا. ه. # ووقع لبعض من لا تحقيق له أنه أنكر سماع الغناء من غير تفصيل، وليس كما ~~زعم؛ ومن ثم قال أبو طالب المكي: من أنكره أنكر على سبعين صديقا، وأراد ~~بالسبعين الكثرة، وإلا فالصديقون - وهم العلماء [لا غير - السبعون] (2) له ~~بشرطه الآتي لا ينحصرون، قال الإمام السهروردي: هذا المنكر إما جاهل بالسنن ~~والآثار، وإما جاهل الطبع لا ذوق له، وأشار بالسنن إلى ما صح عنه - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه كان له شعراء يصغي إليهم في المسجد وغيره، منهم: ~~حسان، وابن رواحة - رضي الله تعالى PageV01P031 # عنهما - واستنشد [من شعر] أمية بن [أبي] (1) الصلت، واستمع إليه كما في ~~مسلم (2)، ومن ثم قال العز بن عبدالسلام في تفسيره: وأما الأشعار ~~والتشبيهات فمأذون فيها، وقد أنشد كعب [بن زهير]- رضي الله تعالى عنه - ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بانت سعاد القصيدة المشهورة فاستمعها ~~[ولم ينكر عليها] (3) شيئا، وفيها الاستعارات والتشبيهات حتى شبه الريقة ~~بالخمرة، وكانت حرمت، ولكن تحريمها لم يمنع عندهم طيبها، بل تركوها مع ~~الرغبة فيها والاستحسان بها، وكان ذلك أعظم لأجرهم، ا. ه. # وذكر الروياني في "البحر" أن (سعاد) كانت زوجته وبنت عمه، وأنه إنما أنشد ~~فيها هذه القصيدة لطول غيبته عنها بهربه من النبي - صلى الله [ز1/ 6/أ] ~~عليه وسلم - وقال ابن عبدالبر: لا ينكر الحسن من الشعر أحد من أهل العلم ~~ولا من أولي النهى، وليس أحد من كبار الصحابة وأهل العلم وموضع القدوة إلا ~~وقد قال الشعر أو تمثل به ms011 أو سمعه فرضيه، ما كان PageV01P032 # حكمة أو مباحا، ولم يكن فيه فحش ولا خنا ولا أذى لمسلم (1)، وقال غيره: ~~وما زال العلماء قديما وحديثا على إيداع أشعارهم تلك التشبيهات والاستعارات ~~في [الخمر] (2) وغيرها، حتى حكى البدر الزركشي عن الشيخ الإمام أبي إسحاق ~~الشيرازي وناهيك به زهدا وعلما أنه أنشد بعض الرؤساء: # ذهب الشتا وتصرف البرد = وأتى الربيع وأقبل البرد # فاشرب على وجه الحبيب به = صهباء ليس لمثلها رد # فقال [له] (3) ذلك الرئيس: أدام الله أيام مولانا الشيخ قد أبحت الخمر! ~~فقال: إنما أردت خمر الجنة، وروى الدارقطني والحاكم والبيهقي أنه ذكر عند ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الشعر، فقال: ((هو كلام حسنه حسن وقبيحه ~~قبيح)) (4). # وقد جمع الإمام الطبراني جزءا حافلا في غزل التابعين وتابعيهم، وذكر هو ~~وغيره عن جماعة كثيرين من الصحابة أنهم سمعوه ولم ينكروا، وللقاضي شريح ~~والزبير بن بكار في زوجتيهما، وعبدالله بن المبارك في سريته من PageV01P033 # الغزل الكثير ما يتعجب منه، وكذا الشافعي - رضي الله عنه - وفي "الإحياء" ~~التشببه بوصف الخدود، والأصداغ، وحسن القد والقامة، وسائر أوصاف النساء فيه ~~نظر، والصحيح أنه لا يحرم نظمه ولا إنشاده بصوت ولا بغير صوت، وعلى المستمع ~~ألا ينزله على امرأة معينة، فإن نزله على زوجته أو على أمته جاز، وإن نزله ~~على الأجنبية فهو العاصي بالتنزيل، ومن هذا وصفه فينبغي أن يتجنب السماع. # وفي التهذيب: إن كان التشبيب في امرأة معينة أو غلام معين فسق، وإلا فلا، ~~وهو [الأصح] (1)، وإن قال الروياني: يفسق في الغلام وإن لم يعينه؛ لأنه لا ~~يحل بحال؛ إذ ليس في مجرد التشبيب بالمجهول ما يدل على نظر ولا عشق، بل ~~الغالب أن القصد به ترقيق الشعر وإظهار الصنعة، قال الأذرعي: الذي يجب ~~القطع به أن تسمية من لا يدري من هي وذكر محاسنها الظاهرة والشوق [ز1/ 6/ب] ~~والمحبة من غير فحش ولا ريبة لا يقدح في قائله، ولا يتحقق فيه خلاف، ومن ~~ذلك [تعارض الشعراء] (2) على ذكر ليلى وسلمى وسعدى والرباب وهندا وغير ms012 ذلك. # (تنبيه) قال النووي - رحمة الله تعالى عليه - في كتاب "شرح المهذب" الذي ~~هو أعظم مؤلفاته، بل أعظم مؤلفات الشافعية: لا بأس بإنشاد الشعر في المسجد ~~إذا كان فيه خير كما سبق، وإلا كره؛ لما جاء بسند صحيح حسن أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - نهى عن تناشد الأشعار في PageV01P034 # المسجد (1)، نعم؛ إن كان فيه مذموم كهجو محرم أو صفة خمر أو ذكر نساء أو ~~أمرد أو مدح ظالم أو افتخار منهي عنه حرام، ا. ه (2). # وهو صريح في تحريم كثير من الأشعار التي فيها ذكر صفات الخمر ولو ~~[بالتشبيهات] (3)، وذكر صفات النساء والمرد، وينافيه ما قالوه في الشهادات ~~من أنه لا يحرم التشبيب إلا بامرأة أو غلام معين، ويمكن [أن يفرق] (4) بأن ~~الحرمة هنا جاءت من حيث المسجد فيحرم فيه ذلك مطلقا؛ لما فيه من الفحش ~~بخلاف خارجه، وأما ذكر صفات الخمر المقتضية مدحها فالظاهر ما اقتضاه صريح ~~كلامه من حرمته في المسجد، وأما خارجه فظاهر ما قدمته عدم الحرمة، وظاهر أن ~~محله إن قصد نحو ما مر عن الشيخ أبي إسحاق من خمر الجنة أو ريق المحبوب كله ~~أو فواتح الحق على [عباده] (5) أو نحو ذلك، وإلا فالظاهر الحرمة، ومن ثم ~~أفتيت بحرمة مطالعة "حلبة الكميت"، وقد قال أهل الاستقراء: ما طالعها أحد ~~إلا شرب الخمر أو كاد، وعلى الشعر المذموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~((من رأيتموه ينشد في المسجد شعرا فقولوا له: فض الله فاك، ثلاث مرات))؛ ~~رواه ابن السني (6)، PageV01P035 # وحمله ابن بطال على ما يتشاغل به أهل المسجد، كما تأول أبو عبيدة حديث: ~~((لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا)) (1) بأنه الذي يغلب ~~على صاحبه. # (تنبيه ثان) يحرم سماع الغناء من حرة أو أمة أجنبية؛ بناء على قول عندنا ~~أن صوت المرأة عورة، سواء أخاف فتنة بها أم لا، وكلام الشيخين في الروضة ~~وأصلها في ثلاث مواضع يقتضي أن هذا هو الراجح في المذهب، ونقل القاضي أبو ~~الطيب إمام أصحابنا [ز1/ ms013 7/أ] عن الأصحاب ولو من وراء حجاب (2)، وصرح ~~بالتحريم القاضي الحسين أيضا وادعى أنه لا خلاف فيه مستدلا بالحديث الصحيح: ~~((من استمع إلى قينة صب في أذنه الآنك)) (3)؛ أي: الرصاص المذاب، قال ~~الأذرعي: ولو لم يكن المغني والمغنية محل الفتنة ولكن استماع الغناء منه ~~يبعث على الافتتان بغيره من الناس، فهو حرام؛ لما فيه من الخبث، وتحريك ~~القلب الخرب إلى ما يهواه، لا PageV01P036 # سيما أهل العشق والشغف، ومن يشتغل بصورة خاصة، وهذا واضح لا ينازع فيه ~~منصف، ا. ه. # وأما على أن صوتها غير عورة [وهو إن صح] (1) فلا يحرم إلا إن خشي فتنة. # قال الأذرعي: ومحله في غير الغناء الملحن بالنغمات الموزونة مع التخنث ~~والتغنج كما هو شأن المغنيات، أما هذا ففيه أمور زائدة على مطلق سماع الصوت ~~فيتجه التحريم هنا، وإن قلنا: إن صوتها غير عورة، ويجب أن يكون محل الخلاف ~~في صوت غير مشتمل على ذلك [التحريم] بخلاف المشتمل عليه؛ لأنه يحث على ~~الفسوق كما هو مشاهد، ويظهر أن سماعه من الأمرد محرم أيضا إن خشى فتنة به ~~كسماعه من المرأة، ثم رأيت الرافعي صرح بذلك، والأذرعي نقل عن القرطبي أن ~~جمهور من أباح سماع الغناء حكموا بتحريمه من الأجنبية على الرجال والنساء، ~~وأنه لا فرق بين إسماع الشعر والقرآن؛ لما فيه من تهييج الشهوة وخوف الفتنة ~~لا سيما إذا لحنته، فسماعه كالاطلاع على محاسن جسدها، بل الحاصل بغنائها من ~~المفسدة أسرع من ذلك؛ لأن السماع يؤثر في النفس قبل رؤية الشخص، وأما تهيجه ~~للشهوة وإيقاعه في الفتنة فلا شك فيه، والحاصل أن سماعهن مظنة للشهوة ~~قطعيا، وأطال في تقريره، وهو كما قال، ا. ه كلام الأذرعي. # (تنبيه ثالث): الغناء بالمد والكسر هو رفع الصوت بالشعر؛ ومن ثم قال جمع ~~من الشافعية والمالكية منهم الأذرعي في "توسطه"، والقرطبي في "شرح مسلم": ~~الغناء إنشادا واستماعا على قسمين: PageV01P037 # القسم الأول: ما اعتاد الناس استعماله عند محاولة عمل وحمل ثقيل، وقطع ~~مفاوز سفر ترويحا للنفوس وتنشيطا لها؛ كحداء [ز1/ 7/ب] ms014 الأعراب بإبلهم (1)، ~~وغناء النساء لتسكين صغارهن، ولعب الجواري بلعبهن، فهذا إذا سلم المغني به ~~من فحش وذكر محرم كوصف الخمور والقينات لا شك في جوازه، ولا يختلف فيه، ~~وربما يندب إليه إذا نشط على فعل خير كالحداء في الحج والغزو؛ ومن ثم ارتجز ~~- صلى الله عليه وسلم - هو والصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - في بناء ~~المسجد (2)، وحفر الخندق (3)، وغيرهما كما هو مشهور، وقد أمر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - نساء الأنصار أن يقلن في عرس لهن: # أتيناكم أتيناكم = فحيانا وحياكم (4) PageV01P038 # وكالأشعار المزهدة في الدنيا المرغبة في الآخرة، فهي من أنفع الوعظ، ~~الحاصل عليها أعظم الأجر، ويؤيد ما نقله من نفى الخلاف في هذا القسم أن ابن ~~عبدالبر وغيره قالوا: لا خلاف في إباحة الحداء واستماعه، [وهو نحو ما يقال ~~خلف الإبل] (1) من الشعر سوى الرجز وغيره؛ لينشطها على السير، ومن أوهم ~~كلامه نقل خلاف فيه فهو شاذ أو مؤول على حالة يخشى منها شيء غير لائق (2). # القسم الثاني: ما ينتحله المغنون العارفون بصنعة الغناء المختارون المدن ~~من غزل الشعر مع تلحينه بالتلحينات الأنيقة، وتقطيعه لها على النغمات ~~الرقيقة التي تهيج النفوس وتطربها؛ كحميا الكؤوس، فهذا هو الغناء المختلف ~~فيه على أقوال العلماء: # أحدها: أنه حرام: قال القرطبي وهو مذهب مالك، قال أبو إسحاق: سألت مالكا ~~عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء؟ فقال: إنما يفعله عندنا الفساق، فهو ~~مذهب سائر أهل المدينة إلا إبراهيم بن سعد وحده فإنه لم ير به بأسا، ~~PageV01P039 # وهو أيضا مذهب أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - وسائر أهل الكوفة [إلا] ~~إبراهيم النخعي، والشعبي، وحماد، وسفيان الثوري وغيرهم لا خلاف بينهم فيه، ~~وهو أحد قولي الشافعي وأحمد - رضي الله عنهما - وقال الحارث المحاسبي: ~~الغناء حرام كالميتة، ووقع لإمام مذهبنا الرافعي في "الشرح الكبير" أنه في ~~موضعين منه في البيوع والغصب أطلق أن الغناء حرام وتابعه الإمام النووي في ~~"الروضة" على الثاني (1)، قال الأذرعي: وظاهر مذهب مالك ما قاله [ز1/ 8/أ] ~~القرطبي؛ أي: لا ما يأتي عن ms015 الماوردي، ويستدل لهذا القول بحديث المغني ~~السابق في المقدمة [فإنه] استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~الغناء من غير فاحشة فقال: ((لا آذن لك ولا كرامة ولا نعمة عين، كذبت أي ~~عدو الله، لقد رزقك الله حلالا طيبا، واخترت ما حرم الله عليك من رزقه مكان ~~ما أحل الله لك من حلاله، ولو كنت تقدمت إليك - أي بالنهي - قبل الآن لفعلت ~~بك وفعلت، قم عني وتب إلى الله، أما إنك لو قلت بعد التقدمة شيئا - أي: لو ~~فعلت ما نهيتك عنه - بعد الآن ضربتك ضربا وجيعا، وحلقت رأسك، ونفيتك عن ~~أهلك، وأحللت سلبك نهبة لفتيان المدينة، هؤلاء العصاة - أي: الذين يفعلون ~~مثل فعل عمرو هكذا - من مات منهم بغير توبة حشره الله - تعالى - يوم ~~القيامة كما كان في الدنيا: مخنثا عريانا، لا يستتر من الناس بهدبة كلما ~~قام صرع)) (2). PageV01P040 # ثانيها: أنه مكروه: وهو الأظهر عند الشافعي وأحمد وأكثر أصحابهما، وقول ~~أهل البصرة، وقال غير واحد من العلماء: لا يعرف عن أهل البصرة خلاف في ~~كراهته، وقال الماوردي: حرم الغناء قوم وأباحه آخرون، وكرهه مالك والشافعي ~~وأبو حنيفة في أصح ما قيل عنهم، ومر أن سماعه من أجنبية مع أمن الفتنة ~~مكروه، لكنه شديد الكراهة، ومع خوفها حرام بلا خلاف، وكذا من الأمرد الحسن. # ثالثها: الإباحة: وهو المروي عن إبراهيم بن سعد والعنبري، وهما شاذان، ~~على أن العنبري مبدع في اعتقاده، غير مرضي عمله، وإبراهيم بن سعد ليس من ~~أهل الاجتهاد. # قال القرطبي: وحكاية أبي طالب المكي لذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين، ~~وأن الحجازيين لم يزالوا يسمعون السماع في أفضل أيام السنة الأيام ~~المعدودات، إن صحت هذه الحكاية فهي من القسم الأول دون الثاني، قال: وقد ~~حكى جمع من الشافعية كالقشيري - رحمه الله تعالى - عن مالك - رضي الله ~~تعالى عنه - الإباحة، ولا يصح عنه بوجه ولا عن أحد من أصحابه بوجه. # رابعها: يحرم كثيره دون قليله، ذكره بعض شراح "المنهاج"، وقال ذكره ~~الرافعي - رحمه الله تعالى - من رواية ms016 السرخسي، واقتضى إيراد ابن أبي هريرة ~~أنه المذهب، فإنه قال: قال الشافعي لا نبيحه مطلقا، ونقول: إن كان كثيرا ~~دخل في باب السفه، ا. ه، ونازعه الأذرعي في دلالة هذا على التحريم، وإنما ~~يدل على ترك المروءة، ا. ه[ز1/ 8/ب]. # والحق أنه ظاهر في التحريم؛ إذ سلب الإباحة وعده من السفه إنما يليقان ~~بالتحريم دون خرم المروءة كما يعرف من كلامهم فيها. # PageV01P041 # خامسها: يحرم فعله وسماعه إلا إذا كان في بيت خال على إحدى وجهين، ذكره ~~بعض تلامذة البغوي، ونظر فيه الأذرعي ثم قال: وأحسبه راجعا لرد الشهادة ~~بالمجاهرة دون إخفائه، ويجاب بأن هذا لا ينافي الحرمة لتصريحهم بأن [من] ~~(1) تحمل شهادة يحرم عليه فعل خارم لمروءته، وإن أبيح في نفسه؛ لأن فعله ~~[إبطال لغير الحق] (2). # سادسها: يحرم إن كان من امرأة لرجل أو لرجال، أو من رجل لامرأة أو نساء، ~~أو إن اقترن به نحو مسكر أو أكثر منه أو انقطع إليه، ذكره الحليمي من أكابر ~~أصحابنا. # سابعها: إن صحت النية فيه لم يكره، وإلا كره، قاله الخوارزمي في "كافيه": ~~ونازع الأذرعي في عد هذا بأن صاحب "الكافي" ليس من أصحاب الوجوه. # ثامنها: يجوز الغناء وسماعه إن سلم من تضييع فرض [أو حرمة مبيح] (3)، ~~وكان من رجل أو محرم لرجل ولم يسمعه على قارعة طريق، ولم يقترن به مكروه، ~~ذكره الأستاذ أبو منصور. # تاسعها: يحرم إن كان بجعل كما نقل الأستاذ عن نص الشافعي - رضي الله عنه. # عاشرها: هو طاعة إن نوى به ترويح القلب على الطاعة، ومعصية إن نوى به ~~التقوية على المعصية، فإن لم ينو طاعة ولا معصية فهو معفو عنه؛ PageV01P042 # كخروج الإنسان إلى بستانه، وقعوده على بابه متفرجا، ذكره ابن حزم ونحا ~~نحوه الغزالي وغيره. # حادي عشرها: [إن كان ما استعمل] (1) يحتمل وجهين: جائزا وحراما، فسماعه ~~جائز، وإن لم يحتمل إلا وجها واحدا وهو وجه الفسق، فحرام، ذكره الروياني في ~~"بحره" عن بعض أصحابنا الخراسانيين وهو صحيح، وبه يتأيد ما قدمته آخر ~~التنبيه الأول. # هذا جملة ms017 ما يتحصل للعلماء في الغناء من الأقوال، وبها مع ما يأتي قريبا ~~يعلم من طالع ذلك الكتاب السابق ذكره في الخطبة ما فيه من السقطات ~~والتدليسات والاختلال. # (تنبيه رابع): وقع لصاحب ذلك الكتاب ولبعض شراح "المنهاج" أنهم نقلوا عن ~~ابن طاهر أنه قال: إن جواز الغناء مجمع عليه بين [ز1/ 9/أ] الصحابة ~~والتابعين لا خلاف بينهم، وهم أهل الحل والعقد، فليس لمن بعدهم إحداث قول ~~يخالفهم، ثم قالوا: وعليه إجماع أهل المدينة، ونقلوا فعله وسماعه عن أربعة ~~وعشرين صحابيا من أكابر الصحابة وفقهائهم، وعن جماعة لا يحصون من التابعين ~~وتابعيهم، وعن الأئمة الأربع وأصحابهم وغيرهم، قال الأذرعي - شكر الله سعيه ~~-: وقد تساهل ذلك الشارح فيما نقل، وابن طاهر الذي تبعوه وإن كان مكثرا ~~فليس بظاهر النقل. PageV01P043 # وفي كتابه "صفوة التصوف" (1) وكتابه في "السماع" فضائح وتدليسات قبيحة ~~لأشياء موضوعة [ومختلقة على بعض الأئمة]، وأما دعواه إجماع الصحابة فمجازفة ~~وتدليس، فقد روى البيهقي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: ((الغناء ~~ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل)) (2)، وقال: إن وقفه عليه هو ~~الصحيح؛ أي: ومثله لا يقال من قبل الرأي؛ لأنه إخبار عن أمر عيني، فإذا صح ~~عن الصحابة فقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما هو مقرر عند أئمة ~~الحديث والأصول، وقد روى أبو داود وغيره عن ابن مسعود، وأبي هريرة - رضي ~~الله عنهما - ذلك مع التصريح برفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد ~~قدمت في المقدمة هذا الحديث وطرقه وما قيل فيه، فراجعه فإنه مهم. # ثم رأيت الأذرعي أشار إلى ما ذكرته أن ذلك لا يقال من قبل الرأي، فعلم أن ~~هذا الحديث قد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بكل تقرير، وحينئذ ~~فالحجة فيه دون ما سواه، قال الأذرعي: وما نسب إلى أولئك الصحابة أكثره لم ~~يثبت، ولو ثبت منه شيء لم يظهر منه أن ذلك الصحابي يبيح الغناء المتنازع ~~فيه، فالمروي عن عمر - رضي الله عنه - أن غلاما دخل عليه فوجده ms018 يترنم ببيت ~~أو نحو ذلك فعجب منه فقال: إذا خلونا قلنا كما PageV01P044 # تقول الناس، فالله أعلم ما كان ذلك البيت وما كان ترنمه وصفته (1)، وصح ~~عن عثمان - رضي الله عنه -: "ما تغنيت وما تمنيت)) (2)؛ أي: زنيت، فإطلاق ~~القول بنسبة الغناء المتنازع فيه وإسماعه إلى أئمة الهدى تجاسر، ولا يفهم ~~الجاهل منه [إلا] هذا الغناء الذي تعاطاه المغنون المخنثون ونحوهم. # وقال الشيخ الإمام إبراهيم [ز1/ 9/ب] المروزي في تعليقه: وعن عمر، ~~وعبدالرحمن بن عوف، وأبي عبيدة بن الجراح، وأبي مسعود الأنصاري، أنهم كانو ~~يترنمون بالأشعار في الأسفار، وكذلك عن أسامة بن زيد، وعبدالله بن الأرقم، ~~وعبدالله بن الزبير - رضي الله عنهم - والترنم كذلك ليس في محل النزاع؛ إذ ~~هو من أنواع القسم الأول من القسمين السابقين، وقد مر أنه لا خلاف [فيه]، ~~وبه يعلم أن الظاهر الذي يتعين القطع به أن غالب ما PageV01P045 # حكي عن الصحابة - رضي الله عنهم - وعمن بعدهم من الأئمة إنما هو من هذا ~~القسم الذي لا خلاف فيه، وقد قال الإمام القدوة خطيب الشام أبو القاسم ~~الدولقي من أئمتنا في "مصنفه في السماع": إنه لم ينقل عن أحد من الصحابة - ~~رضي الله عنهم - أنه سمع الغناء - أي: المتنازع فيه - ولا جمع له جموعا، ~~ولا دعا الناس إليه، ولا حضر له في ملأ، ولا خلوة، ولا أثنى عليه، بل ذمه ~~وقبحه وذم الاجتماع إليه، هذا لفظه ومن خطه - رحمه الله - نقلت، انتهى كلام ~~الأذرعي - رحمه الله تعالى. # وبه يعلم أن ابن طاهر لا يجوز تقليده في نقل ولا عقل؛ لأنه فاسد فيهما، ~~كيف وهو كذاب مبتدع إباحي كما يأتي، وإن من نقل عن الصحابة وغيرهم أنهم ~~نصوا على إباحة الغناء المتنازع فيه، وهو القسم الثاني السابق فقد أخطأ خطأ ~~قبيحا، وغلط غلطا فاحشا؛ لأن الغناء من أفراده المجمع على حله والمختلف في ~~حرمته، فتخصيص ما جاء عنهم بالثاني تحكم فاسد لا تشهد له قاعدة أصولية ولا ~~حديثية، بل الذي شهدت به القواعد حمل ما جاء عنهم على المجمع ms019 عليه؛ لأنهم ~~أئمة الهدى ومصابيح الدجى، فهم أبعد الناس عن الوقوع في مواطن الخلاف، وأحق ~~العلماء بتجنب ذلك السفساف - رضي الله عنهم. # (تنبيه خامس) قد تقرر أن القسم الثاني من قسمي الغناء فيه خلاف قوي في ~~تحريمه؛ لما مر من نقل القرطبي للتحريم عن أبي حنيفة ومالك، وأولئك الأئمة ~~الأكابر، قال الأذرعي: والذي يقوى في النفس رجحانه تحريم الغناء الملحن ~~وسماعه على أكثر الناس، والعجب استدلال الرافعي - رحمه الله [ز1/ 10/أ] ~~تعالى - للكراهة فقط بقوله - تعالى -: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ~~[ليضل عن سبيل الله بغير علم} [لقمان: 6] قال ابن # PageV01P046 # مسعود كما صح عنه - رضي الله عنه -: "لهو الحديث] (1) الغناء" (2)، ومر ~~أنه صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((الغناء ينبت النفاق في ~~القلب، كما ينبت الماء البقل)) (3) وهذان ظاهران في التحريم. # وروى البيهقي عن ابن عباس أنه فسر لهو الحديث وأشباهه [بالملاهي] (4)، ~~قال: وروينا عن إبراهيم النخعي، ومجاهد، وعكرمة - وزاد غيره روايته عن ~~الحسن البصري - وسعيد بن المسيب، وقتادة. # ومن أدلة التحريم أيضا قوله - تعالى -: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك} ~~(5) فسره مجاهد بالغناء والمزامير (6)، وقوله - تعالى -: {والذين لا يشهدون ~~الزور [وإذا مروا باللغو مروا كراما]}، قال محمد بن الحنفية ومجاهد: "هو ~~الغناء" (7)، وقوله - تعالى -: {أفمن هذا الحديث تعجبون * وتضحكون ولا ~~تبكون * وأنتم سامدون} (8)؛ أي: "مغنون بلغة حمير" PageV01P047 # قاله عكرمة، وحكاه أبو العباس القرطبي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ~~قال: وقال مجاهد: هو الغناء بلغة أهل اليمن (1). # قال الأذرعي: وقد أوضحت في كتابي "غنية المحتاج في شرح المنهاج" (2) من ~~حجج القول بالتحريم أو الكراهة الشديدة والرد على المبيحين للغناء ~~والمتساهلين فيه ما ينشرح له القلب المنور باتباع السنة، الخالي من البدعة ~~والأهوية الحيوانية، ومما يدل على ذمه وذم متعاطيه من المتفق على صحته قوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد))، وفي ~~رواية: ((شيئا ليس عليه أمرنا فهو رد)) (3). # قال أبو العباس القرطبي: وجه الدليل أن الغناء المطرب لم ms020 يكن من عادة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا فعل بحضرته ولا اتخذ المغنين ولا اعتنى ~~بهم، فليس ذلك من سيرته ولا سيرة خلفائه من بعده ولا من سيرة أصحابه ولا ~~عترته، فلا يصح بوجه نسبته إليه ولا أنه من شريعته، وما كان كذلك فهو من ~~المحدثات التي هي بدعة وضلالة، وقد يتعامى عن ذلك من غلب عليه الهوى، وقد ~~صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال (([كل] لهو يلهو به الرجل فهو ~~باطل إلا رميه بقوسه، وتأديبه لفرسه، وملاعبته أهله)) (4). PageV01P048 # (تنبيه سادس) من الأحاديث الموضوعة [ز1/ 10/ب] الكذب الذي لا تحل روايتها ~~إلا لبيان حالها حتى لا يغتر العامة بها ما رواه الكذاب - ابن طاهر - (1) ~~بسنده الباطل عن أنس قال: "كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال ~~- صلى الله عليه وسلم -: ((فيكم من ينشدنا؟)) قال بدوي: نعم يا رسول الله، ~~فأنشده: # قد لسعت حية الهوى كبدي = فلا طبيب لها ولا راقي # إلا الحبيب الذي شغفت به = فعنده رقيتي وترياقي # فتواجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتواجد أصحابه حتى سقط رداؤه عن ~~منكبه، فلما فرغوا آوى كل واحد إلى مكانه، فقال معاوية بن أبي سفيان: ما ~~أحسن لعبكم يا رسول الله! فقال: يا معاوية، ليس بكريم من لم يهتز عند ~~السماع الحسن (2)، ثم قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رداءه ممن حضر ~~أربعمائة قطعة)) (3)، قال ابن طاهر في كتابه "صفوة التصوف" بعد سوقه سند ~~هذا الحديث: وهذا الحديث نص على أن مذهب الصوفية كان معلوما عندهم، معمولا ~~به بينهم، فإنكاره جهل بالمنقول والتمادي على إنكاره بعد هذا ليس له محصول، ~~ا. ه. PageV01P049 # وليس كما زعم بل كذب وافترى وجازف واجترأ، بل هو من جملة كذباته وفرياته ~~وضلالته وخرافاته؛ ومن ثم قال أبو العباس القرطبي: لا يحتج بحديث ابن طاهر ~~لما ذكره السمعاني عن جماعة من شيوخه أنهم تكلموا فيه ونسبوه إلى مذهب أهل ~~الإباحة الذين لا يحرمون مالا ولا فرجا، وعنده مناكير في هذا ms021 الكتاب، روى ~~عن مالك وغيره من أئمة الهدى حكايات منكرة باطلة قطعا، وقال محمد بن ناصر ~~الحافظ: ابن طاهر ليس بثقة، ثم العجب من غلبة الهوى والميل على هذا الفاسق ~~المبتدع أنه لما استكمل سياق هذا الحديث الباطل الكذب المختلق قال في آخره ~~كلاما يوهم به الضعفاء أنه على شرط البخاري ومسلم وهو تمويه وتدليس على ~~العوام، فتأمل غلبة هذا الهوى على هذا الرجل حتى لم يرض بإيهامه صحة هذا ~~الحديث، بل زاد وبالغ حتى أوهم أنه على شرط الصحيحين؛ كل ذلك ترجيح لقوله ~~الباطل، وتمويه لحاله الحائل؛ لفساد عقله، واستيلاء خبله، والإفساد في ~~الناس، [وإلا فأدنى عارف] بالسنة يعلم عند مجرد [سماعه] هذا الحديث أنه كذب ~~مصنوع موضوع لركاكة ألفاظه، وأن شعره لا يليق بجزالة شعر [ز1/ 11/أ] العرب، ~~بل بركاكة شعر المخنثين، قال الأذرعي: وأطال القرطبي في رد هذا الحديث ~~الباطل المختلق، وما قاله حق لا ينازع فيه أحد من أهل المعرفة بالحديث، ولا ~~شك فيه، فالله حسب مفتريه. # وقد ذكر صاحب "عوارف المعارف" هذا الحديث ثم قال: لكن يخالج سري أن هذا ~~الحديث ليس فيه دون اجتماع النبي - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه، ويأبى ~~القلب قبوله، ا. ه. # قال بعض الحفاظ: وما خالج صدره - رحمه الله تعالى - يقين عند غيره قد ~~خالط قلبه؛ أي: فلنور قلب الشهاب السهروردي لم يقبل قلبه هذا الحديث # PageV01P050 # الركيك الذي يجعل كلماته - صلى الله عليه وسلم - عن أن يحاكي به هذه ~~الألفاظ الركيكة المظلمة. # (خاتمة) في فروع متممة لما سبق منها: من غنى لنفسه أو غيره إن أخذ عليه ~~أجرا واشتهر به بحيث يسمى مغنيا فهو سفيه مردود الشهادة، وكذا من انقطع ~~لسماعه بخلاف من يسمعه أحيانا ولو في الملأ ومن تكسب يجمع المغنين ~~والمغنيات عنده ليطلب [منه] إحضارهم، أو بتعليم غناء لامرأة وأمرد - فهو ~~سفيه مردود الشهادة، بخلاف من اقتناهم ليسمعهم غير مكثر ولا مجاهر ما لم ~~يدخل معه لسماعهم من يحرم عليه سماعهن؛ لأن ذلك دياثة، ولو كان يغشى بيوت ms022 ~~الغناء ويغشاه المغنون للسماع فإن كان في خفية لم ترد شهادته لبقاء مروءته، ~~وكذا إن أظهره ولم يكثر منه. # PageV01P051 ### | القسم الثاني: في سماع الغناء المقترن برقص أو نحو دف أو مزمار أو وتر # قد سبق حكم الغناء المجرد، وسيأتي أحكامه وما بعده إذا تجردت، والمقصود ~~هنا أن الغناء إذا أبيح أو كره إن انضم إليه محرم يصير بانضمام المحرم إليه ~~محرما، وإذا حرم يشتد إثمه بانضمام المحرم [الآخر] إليه، وأن الرقص إن كان ~~فيه تكسر كفعل المخنث كان حراما، وإن خلا عن ذلك كان مكروها، فإذا انضم ~~القسم الحرام منه إلى الغناء المحرم ازداد الإثم والتحريم، وكذا إذا كان ~~المحرم أحدهما؛ لأن المكروه وإن كان لا إثم فيه لكنه بانضمامه إلى المحرم ~~يزداد إثما، ويشهد لما قررته قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث ~~الصحيح: ((لا يخرج الرجلان [ز1/ 11/ب] يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما ~~يتحدثان؛ فإن الله يمقت على ذلك)) (1). # فجعل التحدث على الغائط الذي هو مكروه لا حرام إذا انضم إلى الحرام الذي ~~هو كشف العورة بحضرة من ينظر إليها مقتضيا للمقت الذي هو أشد البغض، فكذا ~~إذا انضم مكروه من رقص أو غناء إلى محرم من أحدهما يزداد إثمه وعقابه، وإذا ~~ثبت هذا في مكروه ومحرم فهو في محرمين أولى، وسيأتي عن الإمام أبي عمرو بن ~~الصلاح في اجتماع الدف الذي هو حلال إلى PageV01P052 # الشبابة التي هي حرام ما يوافق ما ذكرته، مع رد ما اعترض به عليه، ~~فاستفده. # (تنبيه) ما تقرر في الرقص من أنه إن كان فيه تثن أو تكسر حرم على الرجال ~~والنساء، وإن انتفى كل منهما عنه كره، قال الرافعي: لأنه مجرد حركات على ~~استقامة هو المعتمد في مذهبنا، وقيل: يكره مع التكسر أو التثني ولا يحرم، ~~وقيل: يباح مع عدمها ولا يكره، وقال بعض أصحابنا: إن أكثر منه حرم وإلا ~~فلا، وأشار القاضي حسين في تعليقه والغزالي في "إحيائه" إلى أن محل الخلاف ~~فيمن فعله باختياره بخلاف من كان من أهل الأحوال، ms023 فحصل له وجد اضطره إليه، ~~فإن هذا لا حرمة ولا كراهة عليه اتفاقا. # وعلى هذه الحالة يحمل ما حكي عن العز بن عبدالسلام أنه كان يرقص في ~~السماع، ومما يعين هذا الاحتمال ويرد على من توهم من فعله أنه كان يفعله عن ~~اختياره، فجعله حجة لدعواه الفاسدة وبضاعته الكاسدة - قوله نفسه في قواعده ~~التي لم يصنف مثلها: "أما الرقص والتصفيق فخفة ورعونة مشابهة لرعونة الإناث ~~لا يفعلهما إلا أرعن أو متصنع جاهل، ويدل على جهالة فاعلهما أن الشريعة لم ~~ترد بهما لا في كتاب ولا سنة ولا فعل ذلك أحد من الأنبياء، ولا معتبر من ~~[أتباع] الأنبياء، وإنما يفعله الجهلة السفهاء الذين التبست عليهم الحقائق ~~بالأهواء، وقد حرم بعض العلماء التصفيق على الرجال؛ لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم - ((إنما التصفيق للنساء)) (1)، ا. ه كلامه. PageV01P053 # فبعد صدور هذه العبارة منه وهو أخشى لله [وأتقاه] (1) من أن يتكلم في ~~كتابه الذي هو نتيجة علومه [ز1/ 12/أ] ومعارفه بما يفعل خلافه على رؤوس ~~الأشهاد، ولكي يتوهم صدور ذلك منه، وبفرض صحته عنه يتعين حمله على أنه إنما ~~فعله اضطرارا لعروض حال أزعجه وأخرجه عن اختياره، وقد عرفت أن هذه الحالة ~~ليست من محل الخلاف فاحفظ ذلك ورد به على من زل في هذه المسألة قدمه، وطغى ~~في حكمها فهمه وقلمه، وسيأتي قريبا عن السهروردي وغيره في التواجد ما يوضح ~~ذلك. # وإذا بان لك هذا الذي ذكرته عن ذلك الإمام واتضح، ظهر لك بطلان نقل ~~الأدفوي ومن قلده خلافه فيه، وقلدهم صاحب هذا الكتاب من غير تأمل؛ حيث عد ~~ممن حضر السماع بالدف والشبابة هذا الإمام الذي قال في الغناء المجرد وفي ~~مجرد ضرب يد على يد ما مر، فكيف يقول هذا في ذلك ويحضر بنفسه الغناء ~~المقترن بالدف والشبابة، سبحانك هذا بهتان عظيم! والأدفوي هذا يتابع ابن ~~طاهر في جميع كذباته كصاحب هذا الكتاب، ويعتمدها ويجعلها حجة له على ما ~~يريد الانتصار به للصوفية المبرئين من هذا السفساف، الأغنياء عن الانتصار ~~لهم بأن ms024 من شريطة طريقتهم ترك المختلف فيه فكيف بالمجمع عليه، ومن وقع منه ~~خلاف ذلك منهم وصح، أجيب عنه بأن الوقائع الفعلية من المعصوم إذا أسقط ~~الاستدلال بها الاحتمال كما هو مقرر في الأصول، فأولى أن ذلك يسقطه فيها ~~إذا وقعت من غير المعصوم؛ إذ ليست الحجة إلا في الكتاب والسنة ونحوها من ~~الأدلة المقررة في الأصول، ونحن نجزم بأنه لم يقع عن أحد PageV01P054 # يقتدى به من أهل التصوف الجامعين بين العلم والمعرفة شيء من ذلك السفساف ~~الذي هو سماع الأوتار ونحوها من المجمع على تحريمها، وأما المختلف فيه ~~فكذلك عند المحققين منهم لمجانبتهم الشبه ما أمكن، وأما الحائمون حول حمى ~~الشبهات وسماع المشتبهات فأولئك ليس لهم من التصوف إلا رسمه، ومن العلم إلا ~~اسمه، والخير كل الخير إنما هو في اتباعه - صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم. # قال الأذرعي في "توسطه": واعلم [ز1/ 12/ب] أن طوائف من المغرمين بالرقص ~~من المتفقرة - أي: المتصوفة - ومن حذا حذوهم من المتفقهة توهموا أن حديث ~~زفن الحبشة بالمسجد - وهو بالزاي والفاء والنون - والرقص دليل واضح على ~~جواز الرقص في المساجد مع ضميمة الغناء والطارات إليه، وذلك خطأ صريح وجهل ~~قبيح يعرف ببيان الحديث، والجواب عنه كما هو مذكور في كلام القرطبي، أما ~~الحديث فالذي رواه البخاري ومسلم فيه: أن ذلك كان يوم عيد يلعب فيه السودان ~~بالدرق والحراب في المسجد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة: ~~((تشتهين تنظرين؟)) فقالت: نعم، فأقامني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وراءه خدي على خده وهو يقول: ((دونكم يا بني أرفدة)) (1)، ووجه تمسكهم أنهم ~~رقصوا في المسجد وأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بل أغراهم بقوله: ~~((يا بني أرفدة)) ثم أباح لعائشة - رضي الله عنها - النظر إليهم؛ فكان ~~دليلا على إباحة الرقص وجوازه. PageV01P055 # والجواب: أن هذا الحديث لا يتناول محل النزاع؛ فإن ذلك لم يكن من الحبشة ~~رقصا على غناء، ولا ضربا بالأقدام، ولا إشارة بأكمام، بل كان لعبا بالسلاح، ~~وتأهبا للكفاح؛ تدريبا على استعمال السلاح ms025 في الحرب، وتمرينا على الكر ~~والفر والطعن والضرب، وإذا كان هذا هو الشأن فأين أفعال المخانيث والمخنثين ~~من أفعال الأبطال والشجعان؟! # وأما إباحة النظر إليهم فلأنه لم يكن بحضرتهم منكر يغير، ولا عورة تظهر، ~~وتمسكوا أيضا بأنه - صلى الله عليه وسلم - قال لعلي: ((أنت مني وأنا منك)) ~~فحجل، وقال لزيد: ((أنت أخونا ومولانا)) فحجل، وكذلك حجل جعفر لما وصى له ~~في بنت حمزة حين خاصمه فيها علي وزيد)) (1)، والحجل: مشي المقيد، وهو وثب ~~واهتزاز وهو الرقص؛ والجواب: أن هذه كلها أحاديث منكرة وألفاظ موضوعة ~~مزورة، ولو سلمت صحتها لم يتحقق حجتها؛ أي: لأن المحرم هو الرقص الذي فيه ~~تثن وتكسر، وهذا ليس كذلك. # وبما تقرر في هذا والذي قبله يعلم خطأ صاحب ذلك الكتاب في نقله الاحتجاج ~~على إباحة الرقص بحديث رقص الحبشة في [ز1/ 13/أ] المسجد، وبأن عليا وجعفرا ~~وزيدا حجلوا لما بشرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ووجه خطئه ما تقرر أن ~~رقص الحبشة لم يكن من الرقص المختلف فيه، وأن ما ذكر عن هؤلاء الثلاثة - ~~رضوان الله عليهم أجمعين - كذب مختلق لا تحل روايته ولا الاحتجاج به، إذا ~~تقرر أن فعل الحبشة ليس من PageV01P056 # المختلف فيه، وأن ما روي عن أولئك الأئمة كذب، بطل قول صاحب الكتاب: إن ~~القياس على ذلك حجة على إباحة الرقص. # (تتمة) نقل القرطبي عن الإمام الطرسوسي (1) أنه سئل عن قوم في مكان ~~يقرؤون شيئا من القرآن ثم ينشدهم لهم منشد شيئا من الشعر فيرقصون ويطربون ~~ويضربون بالدف والشبابة، هل الحضور معهم حلال أو لا؟ # فأجاب: مذهب السادة الصوفية أن هذا بطالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب ~~الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأما الرقص والتواجد فأول من ~~أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار، فأتوا يرقصون حوله ~~ويتواجدون، وهو - أي: الرقص - دين الكفار وعباد العجل، وإنما كان مجلس ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه "كأنما على رؤوسهم الطير من ~~الوقار" (2)، فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعوهم من ms026 الحضور في المساجد ~~وغيرها، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ولا يعينهم ~~على باطلهم، هذا مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، وغيرهم من أئمة ~~المسلمين، ا. ه كلام هذا الإمام، فتأمله واحفظه فإنه الحق وغيره الباطل ~~الذي غايته القطيعة والآثام. PageV01P057 # وتمسكوا أيضا بحكايات كثيرة عن المشايخ ذكرها القشيري وغيره، زاعمين أن ~~هؤلاء المشايخ عرفت فضائلهم وصحت كراماتهم، فإطباقهم على حضور مجالس السماع ~~والغناء وتواجدهم وركضهم وزفنهم دليل على إباحة ذلك؛ وجوابه: أننا لا ننفي ~~جوازه إلا عند وجود نحو تثن وتكسر، فمن أين أن أولئك المشايخ تثنوا ~~وتكسروا، سلمنا أنهم فعلوا ذلك فمن أين أنهم لم يحصل [ز1/ 13/ب] لهم وجد ~~أخرجهم عن حالة الاختيار إلى حالة الاضطرار، على أنا لا نسلم صحة تلك ~~الحكايات عن أولئك، فلعلها مما أدخله أهل الزندقة على أهل الإسلام، كما ~~كذبوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما لا يحصى، سلمنا صحتها ~~وأنهم فعلوها اختيارا، فالحجة فيما جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - وعن ~~الأئمة بعده، وقد بينا أن ذلك لم يكن طريقهم ولا سبيلهم، وأن ذلك مما حدث ~~بعدهم فقد تناوله قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((كل محدثة بدعة، وكل بدعة ~~ضلالة)) (1). # وظهور الكرامات لا تدل على العصمة، بل على قرب من ظهرت عليه في حال ~~ظهورها عليه مع جواز تلبسه بعد ذلك بكبيرة يتوب الله عليه منها؛ ~~PageV01P058 # ومن ثم قيل للجنيد سيد الطائفة: أيعصي [الولي] (1)؟ فقال: {وكان أمر الله ~~قدرا مقدورا} (2). # وقد قال ابن عبدالسلام: أخطأ من زعم أن الولاية تنافي ارتكاب الصغائر، ~~ففعلهم لذلك لو فرض أنه باختيار وفيه تثن وتكسر يكون صغيرة، وهي لا تنافي ~~الولاية. # وما أحسن ما قاله الأستاذ الكبير، والعلم الشهير، إمام العارفين، وقدوة ~~العلماء العاملين، أبو علي الروذباري لما سئل عمن يسمع الملاهي ويقول: هي ~~حلال؛ لأني قد وصلت إلى درجة لا يؤثر في اختلاف الأحوال، فقال - رضي الله ~~عنه -: نعم قد وصل، ولكن إلى سقر، كذا نقله عنه إمام المتأخرين ms027 ظاهرا ~~وباطنا الإمام اليافعي الذي قال الأسنوي في حقه: فضيل الأباطح وفاضلها، ~~فتأمل مثل قول أبي علي المذكور واعتمده، وأمثاله، ولا تغتر بمن لم يشم أدنى ~~مراتبهم، فيقول عليهم بما هم منه بريئون وعنه منفردون ومحوطون، حقق الله ~~لنا حسن اتباعهم، والاندراج في سلك إجماعهم بمنه وكرمه، آمين. # وتمسكوا أيضا بأن الحركات الموزونة من أهل الصفاء حالة السماع نتائج ~~القلب المعتدل الموزون بميزان الرياضة والمجاهدة، ومن هو كذلك لا يصدر عنه ~~قول ولا فعل إلا على نظام ووزن، وخصوصا حالة السماع التي هي حالة ظهور ~~مكامن القلوب وإبداء العيوب، وأطالوا من هذه الكلمات التي هي حق في نفسها ~~أريد بها [ز1/ 14/أ] باطل أي باطل؛ إذ الصادر عن القلب المذكور وزن الأعمال ~~بميزان الشرع لا وزن الحركات بميزان PageV01P059 # المخنثين؛ ومن ثم قال القرطبي في جواب ذلك: إن هذا من التمويهات والترهات ~~التي لا تتمشى على العوام، فضلا عن ذوي الأفهام؛ ووجه تمويهه أنهم إن ~~أرادوا بالوزن مطابقة الحركات الحسية لحركات الغناء فهو باطل، أو مطابقتها ~~للميزان الشرعي فمسلم، لكن تلك الميزان تمنع من حضور الغناء المطرب وسماعه؛ ~~لأنه يمنع من المكروه والمحرم؛ وقد بينا أن الغناء المطرب وسماعه حرام ولهو ~~وباطل، ثم يلزمهم أن أصفى الناس قلوبا أحسنهم رقصا، وأن من لا يحسنه ~~كالصحابة والأئمة بعدهم يكونوا بخلاف ذلك، وهذه زلات لا يتدارك قبحها ولا ~~يتناهى إثمها، وأطال في بيانها وفي التشنيع على أولئك الأغبياء المتمسكين ~~بما آل بهم إلى أعظم الزلل وأقبح الخطأ والخطل. # وتمسكوا أيضا بأن من فعلوا الرقص حالة السماع ظهرت عليهم الكرامات حينئذ، ~~فهو دليل على حقيقة ما هم عليه؟ # وجوابه: أن أكثر حكاياتهم خرافات لا حقيقة لها، ولو سلمت فالحجة في كتاب ~~الله - تعالى - وسنة رسوله واتباع سبيل المؤمنين من الصحابة ومن بعدهم من ~~المجتهدين، وما ظهر على أولئك حالة الرقص إن صح إما حيل أو فتن كفتن الدجال ~~فلا يغتر بها؛ لما هو مقرر عند أئمة الشرع أن من ظهر عليه خارق إن وافقت ms028 ~~أحواله الشريعة أصولها وفروعها فهي الكرامة، وإلا فهي استدراج، وصاحبها إما ~~مفتون أو زنديق؛ ومن ثم قال الجنيد: لو رأيتم الرجل يمشي على الماء أو في ~~الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا حاله عند الأمر والنهي، وقد سمع الشبلي ~~برجل اشتهر بالولاية، فمشى إليه في أصحابه، # PageV01P060 # فدخل عليه في المسجد فرآه قد تنخم في قبلة المسجد (1)، فقال لأصحابه: ~~ارجعوا فإن الله لم يأمن هذا على أدب من آداب شريعته، فكيف يأتمنه على ~~أسراره؟ # وبهذا كله الذي قاله القرطبي وغيره يتبين خطأ صاحب ذلك الكتاب في قوله: ~~والشبابة تحرك الدمع وترقق القلب، ثم قال: ولم يزل أهل المعارف [ز1/ 14/ب] ~~والصلاح والعلم يحضرون السماع بالشبابة، وتجري على أيديهم الكرامات الظاهرة ~~وتحصل لهم الأحوال السنية، ومرتكب المحرم لا سيما إذا أصر عليه يفسق به، ~~وقد صرح إمام الحرمين والمتولي وغيرهما من الأئمة بامتناع جريان الكرامة ~~على يد الفاسق، ا. ه. # وبيان خطئه في ذلك وزلله أن قوله: يرقق القلب دعوى كاذبة باطلة، وإلا لم ~~يحرمها أكثر العلماء، بل الحق أنها تحرك عنده من حظوظ نفسه وشهواتها ما ~~يحمله على ما لا ينبغي، وبفرض أنها لا تحمله فهي شعار الفسقة، فوجب ~~اجتنابها؛ لأن التشبه بهم حرام؛ وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: ((من تشبه ~~بقوم فهو منهم)) (2)، وبفرض أن لا تشبه فيها [بالفسقة] فهي من الشبهات؛ ~~لأنها حرام عند أكثر العلماء كما سيأتي بسطه؛ وأئمة التصوف PageV01P061 # - رضوان الله عليهم - أبعد الناس عن الشبهات، فعلم أنه لا يحضرها ويسمعها ~~إلا من غلب عليه هواه حتى أصمه وأعماه وأرداه، وقوله: ولم يزل أهل المعارف ~~... إلخ قلد فيه مثل الخبيث الكذاب ابن طاهر، وقد قررنا في هذا الكتاب ~~المرة بعد المرة أنه كذاب خبيث لا يعتمد عليه ولا ينظر إليه، وهذا نظير ~~كذبه الآتي عن الشيخ الإمام أبي [إسحاق] الشيرازي - رحمه الله تعالى - أنه ~~كان يسمع العود، وسيأتي مبالغة العلماء في تسفيهه في ذلك، وكذبه على هذا ~~العبد الصالح القانت العالم الرباني، وقوله: وتجري على أيديهم ms029 الكرامات، ~~جوابه ما تقرر أن هذا جزاف كذب لا حقيقة له، وبفرض وقوعه فهو إما حيل أو ~~فتن واستدراج. # قال العارف أبو الحسن الشاذلي - رحمه الله تعالى - في قوله - تعالى -: ~~{سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} (1) سنريهم الكرامات حتى يعتقدوا أنهم أولياء ~~الله فنأخذهم على بغتة، وقوله: وقد صرح إمام الحرمين ... إلخ، جوابه: أن ~~كلامه - رحمه الله - لم يفهمه؛ لأن معناه: أن الكرامة التي هي في الباطن ~~كرامة لا تظهر على يد فاسق لا أن كل من ظهر على يديه خارق حكم بأنه صالح؛ ~~{سبحانك هذا بهتان عظيم} (2). PageV01P062 # وتمسكوا [أيضا] بما جاء ((إذا لم تبكوا فتباكوا)) (1)، وجوابه: أن ~~التباكي يفضي إلى [ز1/ 15/أ] البكاء غالبا الذي هو مطلوب شرعا، والتواجد ~~بالحركة لا يفضي إلى الوجد غالبا، فافترقا ولم يجز حمل أحدهما على الآخر، ~~ولو سلمنا أنه يفضي إليه غالبا فلا نسلم أن الوجد مطلوب شرعا؛ لأنه لا يدخل ~~تحت اختيار العبد بخلاف البكاء، ثم العجب أن المحققين من شيوخ هذه الطائفة ~~قالوا: إن التواجد غير مسلم لصاحبه؛ لما يتضمنه من التكلف والتصنع والرياء؛ ~~قال السهروردي التواجد من الذنوب، فليتق الله ربه ولا يتحرك إلا إذا صارت ~~حركته كحركة المرتعش الذي لا يجد سبيلا إلى الإمساك، قال السري: شرط الواجد ~~في وجده أن يبلغ وجده إلى حد لو ضرب وجهه بالسيف لم يشعر به. # وقال القشيري: المريد لا يسلم له حركة في السماع بالاختيار؛ وقال عبدالله ~~بن عروة بن الزبير: قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر [الصديق]- رضي الله عنهما ~~-: كيف كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعلون إذا قرئ القرآن؟ ~~قالت: كانوا كما وصفهم الله - تعالى - في كتابه العزيز، PageV01P063 # تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم، قلت: إن أناسا اليوم إذا قرئ القرآن عليهم خر ~~أحدهم مغشيا عليه؟ قالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)) (1). # إن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - مر على رجل من أهل العراق يتساقط ~~فقال: أما نخشى؟ وما يسقط؟ إن الشيطان يدخل في جوف أحدكم، ما هكذا [كان] ~~يصنع أصحاب ms030 رسول الله - صلى الله عليه وسلم)) (2). # وذكر عند [عبدالله] (3) بن سيرين الذين يصرعون إذا قرئ عليهم القرآن، ~~فقال: ((بيننا وبينهم أن يقف أحدهم على ظهر بيته باسطا رجليه، ثم يقرأ عليه ~~القرآن من أوله إلى آخره، فإن رمى بنفسه فهو صادق)). # وهذا الإنكار من هؤلاء السلف إنما هو على المتكلفين المتواجدين، ثم بالغ ~~القرطبي - رحمه الله - في الرد عليهم في تمزيقهم الثياب وإعطاء ما سقط منها ~~للقوال، وقال: هذا ضرب من الجنون والهذيان، وفي قول بعضهم: هذا الشيخ يحكم ~~فيه بما يريد، وهذا كله إخراج ملك عن مالكه بغير طريق شرعي. # (خاتمة) سئل الإمام المجتهد تقي الدين السبكي - رحمه الله - عن الرقص ~~والدف وعن حضور السماعات؟ [ز1/ 15/ب] # فأجاب عنه بقوله: # واعلم بأن الرقص والدف الذي = ساءلت عنه وقلت في أصوات PageV01P064 # فيه خلاف للأئمة قبلنا = شرح الهداية سادة السادات # لكنه لم يأت قط شريعة = طلبته أو جعلته في القربات # والقائلون بحله قالوا به = كسواه من أحوالنا العادات # فمن اصطفاه لدينه متعبدا = لحضوره فاعدده في الحسرات # والعارف المشتاق إن هو هزه = وجد فقام يهيم في السكرات # لا لوم يلحقه ويحمد حاله = يا طيب ما يلقى من اللذات # قال بعض الأئمة من أهل اليمن: وأما سماع أهل الوقت فمحرم بلا شك؛ ففيه من ~~المنكرات واختلاط الرجال بالنساء، وافتتان العامة باللهو ما لا يحصى، ~~فالواجب على الإمام قصرهم عنه؛ وسئل القاضي عن الحال في السماع؟ فقال: من ~~تعوده من الفقهاء وغيرهم في كل أسبوع مرارا وفي كل شهر مرارا يفسق وترد ~~شهادته، فقيل له: فإذا تعوده في كل شهر مرة؟ قال: لا ترد شهادته، وهو فسق ~~وليس كل فسق يوجب رد الشهادة، قال الأذرعي: وهذا خلاف المفهوم من كلام ~~الفقهاء، ا. ه، وهو كما قال. # (تتمة) فيها ردع لمن يزعم تصوفا، وسلوكا لطريق القوم المبرئين عن السفساف ~~واللوم، ثم بعد ذلك يمدح الغناء، ويثني على سماعه، ويحض العامة والخاصة على ~~سماعه، ليس ذلك إلا لاستحكام هواه وغلبة شهواته في دقائق حظوظه الذي أرداه ms031 ~~وأصمه وأعماه، وأي لذة أو قربة أو مدح فيمن قال فيه الصادق المصدوق: ((إنه ~~ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل))، ((حب الغناء ينبت النفاق، ~~كما ينبت الماء العشب)) (1)، PageV01P065 # ((من قعد إلى قينة يستمع منها صب الله في أذنيه الآنك - أي: الرصاص ~~المذاب - يوم القيامة)) (1)، ((الغناء واللهو ينبتان النفاق في القلب كما ~~ينبت الماء العشب، والذي نفسي بيده إن [القرآن في القلب] (2) والذكر ~~لينبتان الإيمان في القلب كما ينبت الماء العشب)) (3)؛ فكيف بعد هذه ~~الأحاديث يقدم من له أدنى مسكة من دين أو عقل أو ورع على مدح الغناء ~~واستماعه، ويزعم أن في استماعه استجلاء [ز1/ 16/أ] للمعارف والكرامات؟ كلا ~~والله ليس إلا كما أخبر الصادق أنه ينبت النفاق في القلب سريعا كثيرا كما ~~ينبت الماء العشب والبقل، وأنه يوجب صب الرصاص المذاب في الأذن التي سمعته ~~يوم القيامة. PageV01P066 # وتأمل ما يحرمه [صاحب] (1) الغناء، فقد أخرج الحكيم الترمذي أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: ((من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يستمع ~~الروحانيين في الجنة))، قيل: ومن الروحانيون؟ قال: ((قراء أهل الجنة)) (2)، ~~فانظر هذا الحرمان المشابه لما في الحديث الصحيح: ((من شرب الخمر في الدنيا ~~لم يشربه في الآخرة)) (3). # وتأمل أيضا مقابلته - صلى الله عليه وسلم - لهذا! بقوله: ((والذي نفسي ~~بيده إن القرآن والذكر لينبتان الإيمان في القلب كما ينبت الماء العشب)) ~~(4). # فعلم أن من آثر سماع الغناء على القرآن والذكر كما هو دأب أكثر متصوفة ~~الوقت فقد استحكم عليه شيطانه حتى أنزله بساحة الممقوتين، بل أخرجه إلى حيز ~~العصاة المبعودين؛ ألا ترى إلى ما مر في المقدمة أيضا في حديث المغني الذي ~~استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الغناء فقال: ((لا آذن لك، ولا ~~كرامة، ولا نعمة عين، كذبت أي عدو الله، لقد رزقك الله حلالا طيبا فاخترت ~~ما حرم الله عليك من رزقه ثم توعده - صلى الله عليه وسلم - بأنه إن فعل ~~الغناء بعد ذلك أوجعه ضربا ومثل به بحلق رأسه وأحل سلبه ms032 نهبة لفتيان ~~المدينة، ثم قال عن المغنيين ونحوهم: PageV01P067 # ((أولئك العصاة، من مات منهم بغير توبة حشره الله يوم القيامة كما كان في ~~الدنيا مخنثا عريانا، لا يستتر من الناس بهدبة، كلما قام صرع)) (1)؛ لكن ~~الحامل لجهلة المتصوفة على ذلك جهلهم بالسنة الغراء الواضحة التي ليلها ~~كنهارها، ونهارها كليلها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجهل أولئك أوجب لهم ~~الهلاك والحرمان عن فهم مقالته - صلى الله عليه وسلم - وأحكامه ومعارفه، ~~وتأمل ما مر في المقدمة أنهم غلب عليهم جهلهم حتى أخرجوا تلك الأحاديث عن ~~موضوعها، وزعموا أنها في غنى المال لا غير، وهذا جهل بموضوعات الألفاظ ~~ومعانيها، فحقهم الكف عن الخوض في ذلك؛ سترا لجهلهم عن العامة، وإن أوجب ~~ذلك خسارهم إذا جاءت الطامة، وقد مر ثم بسط ما في [ز1/ 16/ب] ذلك فراجعه؛ ~~لعلك توفق لفهمه والعمل به. # * * * PageV01P068 ### | القسم الثالث: في قراءة القرآن بالألحان # اختلف كلام الشافعي - رضي الله عنه - فقال مرة: لا بأس بها، وقال مرة: ~~إنها مكروهة، قال جمهور أصحابه: ليست المسألة على قولين: بل المكروه أن ~~يفرط في المد، وفي إشباع الحركات حتى يتولد من الفتحة ألف، ومن الضمة واو، ~~ومن الكسرة ياء، أو يدغم في غير موضع الإدغام، فإن لم يصل إلى هذا الحد فلا ~~كراهة، وفي وجه أنه لا يكره وإن أفرط، هذا كلام الرافعي، زاد في الروضة ~~قلت: الصحيح أنه إذا أفرط على الوجه المذكور فهو حرام، صرح به صاحب ~~"الحاوي" فقال: هو حرام يفسق القارئ ويأثم المستمع؛ لأنه عدل به عن نهجه ~~القويم، وهذا مراد الشافعي - رحمه الله تعالى - بالكراهة، ا. ه (1). # وعبارة "الحاوي" التي أشار إليها: القراءة بالألحان الموضوعة للأغاني ~~اختلف فيها؛ فرخص فيها قوم وأباحوها؛ لما ذكرنا من الخبر، وشدد آخرون ~~وحظروها؛ لخروجها إلى اللهو والطرب، ولأنها خارجة عن عرف رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وصحابته إلى ما استحدث من بعده، وقد قال - صلى الله عليه ~~وسلم -: ((كل محدثة (2) بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)) (3). ~~PageV01P069 # والشافعي - رضي الله عنه ms033 - عدل عن هذين الإطلاقين في الحظر والإباحة ~~باعتبار الألحان، فإن أخرجت لفظ القرآن عن [صيغته] (1)، بإدخال حركات فيه ~~أو إخراج حركات منه، يقصد بها وزن الكلام وانتظام اللحن، أو مد مقصور، أو ~~قصر ممدود، أو مطط حتى خفي اللفظ، والتبس المعنى - فهذا محظور، يفسق به، ~~وإن كان على خلاف ذلك فلا بأس به (2)؛ قال أصحابنا: وينبغي ألا يشبع ~~الحركات حتى لا تصير حروفا، ا. ه. # ونسب الشاشي في حليته تفصيل "الحاوي" هذا إلى الشافعي - رحمه الله - ~~فقال: واختار الشافعي التفصيل؛ وهو أنه إذا كانت الألحان لا تغير الحروف عن ~~نظمها جاز، فإن غيرتها إلى زيادة لم يجز. # وقال الدارمي: القراءة بالألحان مستحبة ما لم يزد حرفا عن حركته أو ~~[يسقطه] (3). # وقال البغوي: تجوز القراءة بالألحان وتحسين الصوت بأي وجه كان، [إلا أن ~~يجاوز] (4) الحد فيه، ويستحب أن يقرأ حدرا [وتخويفا، والمد] (5) [ز1/ 17/أ] ~~إذا جاوز الحد فيه وأشبه ألحان المغنيين لا يجوز، ومن أدمن عليه ردت ~~شهادته، ا. ه؛ والحدر أن يخفض الصوت كما ابتدأ ثم يرفعه ثم يخفضه. ~~PageV01P070 # (تنبيه) يقع لكثيرين أنهم يتواجدون عند سماع الغناء دون سماع القرآن، ~~وكان القرآن أولى، وأجيب بأن كلام الله - سبحانه وتعالى - قديم (1) ومستمعه ~~حادث، ولا جامع بينهما حتى يحدث في سماعه طرب، وإنما يحصل في سماعه الخشوع ~~والهيبة والتعظيم، كذا قيل، ومر في كلام ابن عبدالسلام خلاف ذلك؛ وهو أنه ~~كلما زادت المعرفة زاد حسن سماع القرآن ويزيد التأني والفهم منه، وهذا هو ~~الصواب، فإن التواجد إن كان عن اختيار فهو مذموم سواء القرآن وغيره، وإن ~~كان لا عن اختيار فليكن عند سماع القرآن أكثر، فما اعتيد من التواجد عند ~~الغناء دون القرآن أمر نشأ غالبا عن شهوة وتصنع فلا يلتفت لفاعليه؛ إذ لا ~~يسأل عن أقوال مثل هؤلاء وأفعالهم. # (تنبيه) قضية ما تقرر وجود الخلاف في الجواز وعدمه مع تحقق زيادة حرف أو ~~نقصه، والصواب كما قاله الأذرعي: إن تعمد ذلك لأجل التحسين والتزيين فسق، ~~ولا يتحقق في هذا خلاف وينزل ms034 قول من عبر فيه بالكراهة على كراهة التحريم، ~~من ذلك قول سليم: إذ أخرجه عن الإفهام كره؛ لما في حديث أنه - صلى الله ~~عليه وسلم – [عد] (2) من أشراط PageV01P071 # الساعة أن يتخذ القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليس بأقرئهم ولا أفضلهم إلا ~~ليغنيهم به غناء)) (1). # وأفتى النووي - رحمه الله [تعالى]- في قوم يقرؤون القرآن بالتمطيط الفاحش ~~والتغيير الزائد، بأن ذلك حرام بإجماع العلماء كما قاله غير واحد، ويجب على ~~ولي الأمر زجرهم وتعزيرهم واستتابتهم، ويجب إنكار ذلك على كل مكلف تمكن من ~~إنكاره، ا. ه. # وأما اعتراض الأسنوي على ما مر عن النووي في "الروضة" من التحريم عند ~~تغيير القرآن عن موضوعه بأنه ضعيف مخالف لكلام الشافعي والأصحاب، قال: ~~وبتسليم التحريم، فالتفسيق به مشكل لا دليل عليه، فالصواب أنه صغيرة فهو ~~مردود؛ ومن ثم قال الأذرعي عقبه: وهذا كلام يمجه السمع السليم، [ز1/ 17/ب] ~~وأي دليل أعظم على التحريم والفسق من تغيير كلام الله - تعالى - بالنقص ~~والزيادة فيه عمدا؛ إذ غير العامد لا يقال فيه: يعصي ويفسق، وإنما لم يكفر ~~لأنه لم يفعل الزيادة والنقص حقيقة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وبه ~~التوفيق، وكأنه توهم من النص على أنه لا بأس [بالقراءة] (2) بالألحان أنه ~~على إطلاقه، وحاشا الشافعي من ذلك، ولا يقول عالم: إن الحركات إذا أشبعت ~~بالألحان حتى صارت حروفا أن ذلك PageV01P072 # يجوز، ويجب تنزيل الوجه السابق أنه لا يكره وإن أفرط على ما إذا لم ينته ~~بالإفراط إلى ذلك الحد، وإلا لم يكن لهذا الوجه الضعيف مدرك أصلا. # (تنبيه ثان) مما يدل على ندب تحسين الصوت بقراءة القرآن بشرط السلامة عن ~~أدنى تغيير فيه، أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ((زينوا القرآن ~~بأصواتكم))؛ رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، ~~والحاكم، وعلقه البخاري بالجزم فهو حديث صحيح (1)، ولابن حبان عن أبي ~~هريرة، والبزار عن عبدالرحمن بن عوف، وللحاكم من طريق أخرى عن البراء أنه - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: ((زينوا أصواتكم بالقرآن))، وهي في الطبراني من ~~حديث ابن عباس ms035 (2)، ورجح هذه الرواية الخطابي، قال شيخ الإسلام في تخريج ~~أحاديث الرافعي: وفيه نظر؛ لما رواه الدارمي والحاكم بلفظ: ((زينوا القرآن ~~بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا))، فهذه الزيادة تؤيد معنى ~~الرواية الأولى (3). PageV01P073 # روى الشيخان أنه - صلى الله عليه وسلم - سمع أبا موسى الأشعرى يقرأ فقال: ~~((لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود)) (1)؛ أي: داود نفسه؛ إذ لم تعرف ~~الأصوات الحسنة إلا له - صلى الله عليه وسلم - وأخرج البخاري وأحمد من حديث ~~أبي هريرة - رضي الله عنه - وأحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم، وابن ~~حبان من حديث سعد بن أبي وقاص أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ليس منا ~~من لم يتغن بالقرآن))، وفي الباب عن ابن عباس وعائشة في الحاكم. # وعن أبي لبابة في سنن أبي داود، وممن رواه عبدالرزاق، وابن أبي شيبة، ~~[والخطيب]، وأحمد، وعبد بن حميد، والدارمي، وأبو عوانة، وابن حبان، ~~والحاكم، والبيهقي عن [ز1/ 18/أ] سعد بن أبي وقاص، وأبو داود، والبغوي، ~~وابن قانع، والطبراني، والبيهقي عن أبي لبابة، والخطيب، والبخاري، وأبو نصر ~~في "الإبانة"، والحاكم، والبيهقي عن أبي هريرة، والطبراني، وابن ماجه، وأبو ~~نصر في "الإبانة" عن ابن عباس، وأبو نصر عن ابن الزبير، وأبو نصر، والحاكم ~~عن عائشة، والخطيب عن أنس (2). PageV01P074 # قال الشافعي - رضي الله عنه -: معنى هذا الحديث: تحسين الصوت بالقرآن، ~~وفي رواية أبي داود: قال ابن أبي مليكة: يحسنه ما استطاع، وقال ابن عيينة: ~~يجهر به، وقال وكيع: يستغني به، وقيل غير ذلك في تأويله (1)، والرواية ~~الأولى [تعين] (2) ما قاله الشافعي - رضي الله عنه - فلا معدل عنه؛ خلافا ~~لمن أطال في ترجيح قول وكيع. # ومن الأحاديث لذلك خبر عبدالرزاق: ((إن الله ليأذن للرجل يكون حسن الصوت ~~يتغنى بالقرآن)) (3)، وخبر الطبراني ((إن أحسن [الناس] قراءة من إذا قرأ ~~القرآن يتحزن فيه)) (4). # وخبر ابن مردويه: ((إن هذا القرآن قول يحزن فاقرؤوه بحزن)) (5). # وخبر عبدالرزاق عن أبي سلمة مرسلا، وأبو نصر السجزي في "الإبانة" عن أبي ~~سلمة: ((ما أذن الله لشيء ما أذن لرجل ms036 حسن الترنم بالقرآن)). # وخبر ابن أبي شيبة عن أبي سلمة [مرسلا]: ((ما أذن الله لشيء كأذنه لعبد ~~يترنم بالقرآن)) (6)؛ أي: ما رضي بشيء كرضاه بذلك. PageV01P075 # وخبر ابن حبان عن أبي هريرة: ((ما أذن الله - تعالى - لشيء كأذنه للذي ~~يتغنى بالقرآن ويجهر به)) (1). # وخبر أبي نعيم عن زيد بن أرقم، عن سالم بن أبي سلام: "ويحك يا شاب، هلا ~~بالقرآن تتغنى؟ " (2). # * * * PageV01P076 ### | القسم الرابع: في الدف # المعتمد من مذهبنا أنه حلال بلا كراهة في عرس وختان، وتركه أفضل، وهكذا ~~حكمه في غيرهما، فيكون مباحا أيضا على الأصح في "المنهاج" وغيره، وقال جمع ~~من أصحابنا: إنه في غيرهما حرام، وقال آخرون من أصحابنا المتأخرين: إنه ~~فيهما مستحب، وبه جزم البغوي في "شرح السنة" فقال: إعلان النكاح وضرب الدف ~~فيه مستحب، والدليل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((فصل ما بين الحلال ~~والحرام الضرب بالدف))؛ حسنه الترمذي، وصححه ابن حبان وغيره (1). # وفي رواية سندها ضعيف من سائر [ز1/ 18/ب] طرقها (2): ((أعلنوا بالنكاح)) ~~(3)، قال شيخ الإسلام: ادعى الكمال جعفر الأدفوي في كتابه " [الإمتاع] (4) ~~في أحكام السماع" (5) أن مسلما أخرج هذا الحديث، PageV01P077 # ووهم في ذلك وهما قبيحا (1)، وممن رواه عبدالرزاق، وابن أبي شيبة، ~~والخطيب، وأحمد، وعبد بن حميد، والرازي، وأبو عوانة، وابن حبان، والحاكم، ~~والبيهقي عن سعد بن أبي وقاص، وأبو داود، والبغوي، والطبراني، والبيهقي عن ~~أبي لبابة، والخطيب، والبخاري، وأبو نصر في "الإبانة" عن ابن عباس، وأبو ~~نصر، والحاكم عن عائشة، والخطيب عن أنس. # وأجاب القائلون بالإباحة بأن الأمر للإباحة؛ لأن الأصل فيه التحريم؛ لأنه ~~من جملة اللهو المحذور كما قاله كثيرون، ولما يأتي عن الصديق - رضي الله ~~عنه - أنه سماه مزمور الشيطان بحضرة رسول اله - صلى الله عليه وسلم - ولم ~~ينكر عليه (2)، لكن صح أن جارية سوداء جاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقالت: يا رسول الله، إني نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب بين يديك بالدف ~~وأتغنى فقال: ((إن كنت نذرت فأوفي بنذرك)). # وفي رواية: يا رسول الله، إني نذرت أن أضرب ms037 بالدف بين يديك إن رجعت من ~~سفرك سالما، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((أوفي PageV01P078 # بنذرك)) (1)؛ رواه أحمد، والترمذي، وابن حبان، [وابن ماجه]، والبيهقي من ~~حديث بريدة، وفي الباب عن عبدالله بن [عمر] (2) - رضي الله تعالى عنهما - ~~رواه أبو داود (3)، وعن عائشة رواه الفاكهي بسند حسن (4)، ومر في المقدمة ~~حديث أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ضرب الدف ولعب الصنج وضرب الزمارة ~~(5)، فينبغي اجتنابه في غير السرور، وفي السرور إذا اقترن به جلاجل أو ~~نحوها مما يقتضي تحريمه على ما يأتي، وظاهره ندبه لكل سرور مطلوب، وفي ~~الجواب عنه عسر. # (تنبيه) تردد الأذرعي في المراد بغيرهما الذي سبق حكاية الخلاف في حرمته، ~~وممن قال بها صاحب "المهذب"، "والتهذيب" وغيرهما، ما كان لحادث سرور؛ كقدوم ~~الحاج، وشفاء المريض، والولادة أو ما كان كذلك، وما كان لغيره الأشبه ~~الأول، ويؤيده قول الغزالي في "الإحياء": يباح في العرس [ز1/ 19/أ] والعيد، ~~وقدوم الغائب وكل سرور حادث، لكن كلامه في "البسيط" ظاهر في الإباحة مطلقا ~~حيث لا جلاجل فيه، وادعى الوفاق عليه، وهذا - أعني الإباحة مطلقا - هو قضية ~~ما في "الوسيط" و"الوجيز" PageV01P079 # أيضا، لكن حكايته الاتفاق على الإباحة معترضة بما مر أن جماعة كثيرين من ~~أصحابنا قالوا بحرمته في غير العرس والختان، بل اعترض تصحيح الشيخين إباحته ~~في غيرهما بأن الذي نص عليه الشافعي - رضي الله عنه - وعليه جمهور أصحابه ~~أنه حرام في غيرهما، نعم؛ ألحق بهما على هذا كل حادث سرور له وقع. # قال المعترضون: وأما الإباحة مطلقا فلا دليل عليها، والاستدلال له بلعب ~~الجواري به ضعيف؛ لأنهن سومحن بما لم يسامح به المكلفون. # قال الأذرعي: ومن مصائب ابن طاهر المقدسي وفضائحه قوله في كتابه "في ~~السماع": وأما ضرب الدف فأقول: إنه سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وقال: ((من رغب عن سنتي فليس مني)) (1)، ا. ه. # فجعل اللهو بالدف وضرب الجهلة به في السماع من سنة المطهر عن اللعب، ثم ~~حث الناس بقوله وقد قال: ((من رغب عن سنتي فليس مني)) ms038 مع علمه بقول الصديق ~~- رضي الله عنه - للجواري بحضرته - صلى الله عليه وسلم -: ((مزمور الشيطان ~~في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم)) (2)، ولم ينكر عليه هذه التسمية، ~~نعوذ بالله عن اتباع الهوى. # (تنبيه ثان) محل ندبه على القول به السابق إذا ضرب النساء والجواري، وخلا ~~عن الصنج ونحوه، وعن التأنق والتصنع في الضرب بأن يكون ضربا بالكف كما يضرب ~~الطبل ونحوه، ولما يأتي في أضداد هذه القيود. # (تنبيه ثالث) قال الماوردي: اختلف أصحابنا هل ضرب الدف على النكاح عام في ~~جميع البلدان والأزمان؟ فقال بعضهم: نعم؛ لإطلاق الحديث، PageV01P080 # وخصه بعضهم ببعض البلدان [التي] (1) لا يتناكره أهلها في المناكح؛ كالقرى ~~والبوادي، فيكره في غيرها، وبغير زماننا، قال: فيكره فيه؛ لأنه عدل به إلى ~~السخف والسفاهة، ا. ه (2). # وحكاه في "البحر" عنه وأقره، قال الأذرعي: وهو حسن غريب، وتأمل قوله: ~~وبغير زماننا ... إلخ تعلم به [ز1/ 19/ب] أنه إذا كان في ذلك الزمن الذي ~~بيننا وبينه أكثر من خمسمائة سنة قد عدل به إلى السخف والسفاهة، فما بالك ~~بزمننا الذي لم يبق فيه من معالم الخيرات إلا القليل، وتعارفت فيه المنكرات ~~حتى صارت هي التي عليها التعويل، فإنا لله وإنا إليه راجعون! # (تنبيه رابع) قال الشيخان (3): حيث أبحنا الدف فهو فيما إذا لم يكن فيه ~~جلاجل، فإن كانت فيه فالأصح حله أيضا وهو الجواب في "الوجيز"، و"الإحياء"، ~~وتعقبه الأذرعي فقال: لم أر في كتب المذهب ذكر الجلاجل إلا في كلام الغزالي ~~كإمامه، ومعهما أيضا صاحب "الحاوي الصغير" وغيره، ولم يبينوا ما هذه ~~الجلاجل، فإن أرادوا بها ما يعتاده العرب وأهل القرى وبعض متفقهة الأمصار، ~~ومتصوفتهم وهو الظاهر من وضع حلق من حديد داخل الطار شبه السلاسل فقريب، ~~وإن أريد بها ما يصنعه أهل الفسوق وأعوان شربة الخمور من اتخاذ صنوج لطاف ~~توضع في خروق تفتح لها في جوانب الدف فممنوع؛ لأنها أشد إطرابا وتهييجا من ~~كثير من الملاهي المتفق على تحريمها، والقول بتحريم الصفاقتين الأتي وإباحة ~~هذه PageV01P081 # محال، لا يقال: إنما ms039 حرمت الصفاقتان لأنهما شعار المخنثين: لأنا نقول: ~~وهذه شعار العواهر ونحوهن من فسقة الرجال ومخنثيهم. # وقال في المحكم: إن الصنج الذي يكون في الدف عربي، وحينئذ فيشمل تحريم ~~الأصحاب الصنوج، بل هذه أحق بالتحريم من الصنج الكبير، ولا يغتر بقول صاحب ~~"الحاوي الصغير" ويدق بصنج من ذكر المسألة، إنما قال: جلاجل، وفي "كافي ~~الخوارزمي": والدف الذي فيه جلاجل حرام في جميع الأحوال والمواضع، ا. ه ~~كلام الأذرعي. # والمعتمد كلام الشيخين، والأوجه كلام "الحاوي الصغير"، ويفرق بينه وبين ~~بقية الصنوج بأنها هنا تابعة للدف ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في ~~المستقل. # (تنبيه خامس) ظاهر إطلاقهم أنه لا فرق في جواز الضرب بالدف بين هيئة ~~وهيئة، وخالف القاضي الإمام أبو علي الفارقي في "فوائد المهذب"؛ لأستاذه ~~الشيخ أبي إسحاق فقال: إنما يباح الدف الذي تضرب به العرب من غير [ز1/ ~~20/أ] زفن؛ أي: رقص، فأما الدف الذي يزفن به، وينقر؛ أي: برؤوس الأنامل ~~ونحوها على نوع من الإيقاع فلا يحل الضرب به؛ لأنه أبلغ في الإطراب من ~~الطبل؛ أي: الطبل الذي جزم العراقيون بتحريمه وتابعه تلميذه القاضي أبو ~~سعيد بن أبي عصرون. # قال الأذرعي: وهو حسن؛ فإنه إنما يتعاطاه على هذا الوجه من ذكرنا من أهل ~~الفسوق، ا. ه، وهو كما قال وإن كان ذلك مقالة. # (تنبيه سادس): حكى الإمام البيهقي عن شيخه الإمام الحليمي ولم يخالفه أنا ~~إذا أبحنا الدف فإنما نبيحه للنساء خاصة، ا. ه. # PageV01P082 # وعبارة منهاجه: وضرب الدف لا يحل إلا للنساء؛ لأنه في الأصل من أفعالهن ~~(1)، وقد لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتشبهين بالنساء (2)، ~~انتهت. # ونازعه السبكي في "الحلبيات" بأن الجمهور لم يفرقوا بين الرجال والنساء، ~~قال: ففرق الحليمي بينهما ضعيف، والأصل اشتراك الذكور والإناث في الأحكام ~~إلا ما ورد الشرع فيه بالفرق، ولم يرد هنا، وليس ذلك مما يختص بالنساء حتى ~~يقال: يحرم على الرجال التشبه بهن فيه، فنهيه على العموم وقد جاء: ((أعلنوا ~~النكاح واضربوا عليه بالدف)) (3)، فلو صح لكان فيه حجة؛ لأن ms040 ((اضربوا)) ~~خطاب الذكور، لكنه ضعيف، ا. ه. # وهو كما قال، وإن مال الأذرعي لكلام الحليمي بقوله: ويشهد للحليمي أنه لم ~~يحفظ عن أحد من رجال السلف أنه ضرب به، وبأن الأحاديث والأثار إنما وردت في ~~ضرب النساء والجواري به، فقد يكون سكوت الجمهور عن بيانه؛ لدلالة الأخبار ~~على أنه في العادة من أعمال النساء. # وفي "مغني الحنابلة": "أما الضرب به للرجال فمكروه على كل حال؛ [لأنه] ~~إنما كان يضرب به النساء، ففي ضرب الرجال به تشبه بالنساء، ا. ه. ~~PageV01P083 # وظاهر كلامه إرادة التحريم، ثم قال في آخر الفصل: ومذهب الشافعي في هذا ~~الفصل كما قلنا" (1). # (تنبيه سابع) إذا أبحناه أو ندبناه في العرس والختان، فمتى يضرب وإلى ~~متى؟ قال الأذرعي: لم أر فيه تصريحا، بل بعضهم يقول في الإملاك وبعضهم يقول ~~في العرس والإملاك، والمعهود عرفا أنه يضرب به وقت العقد ووقت الزفاف أو ~~بعده بقليل. [ز1/ 20/أ] # وعبر البغوي في "فتاويه" بوقت العقد وقريب منه [قبله وبعده] (2) ويجوز ~~الرجوع فيه للعادة، وحديث الربيع دال على ضربه بعد الزفاف، ويحتمل ضبطه ~~بأيام الزفاف التي يؤثر بها العروس، وأما الختان فالمرجع فيه العرف، ويحتمل ~~أنه يفعل من حين الأخذ في أسبابه القريبة منه. # (خاتمة) في فتاوى الشيخ أبي عمرو بن الصلاح أن اجتماع الدف بالشبابة حرام ~~عند أئمة المذاهب، ولم يثبت عند أحد ممن يعتد بقوله في الإجماع، والخلاف ~~أنه أباح هذا السماع، والخلاف المنقول عن بعض أصحاب الشافعي إنما نقل في ~~الشبابة منفردة والدف منفردا، وربما اعتقد من لا تحصيل له ولا تأمل عنده ~~خلافا في هذا السماع، وهذا وهم من الصائر إليه، ثم قال: وهذا السماع حرام ~~بإجماع أهل الحل والعقد من المسلمين، وكأنه يعرض بعصريه الإمام الشيخ عز ~~الدين بن عبدالسلام؛ لما وقع بينهما في عدة مسائل الحق في أكثرها مع ابن ~~عبدالسلام كما [بينت] (3) كثيرا منها في محاله؛ كتخالفهما في إحياء ليلة ~~الرغائب وليلة النصف من شعبان PageV01P084 # بالصلاة المشهورة، قال ابن عبدالسلام: إنهما بدعتان مذمومتان وحديثهما ~~موضوع، ms041 وهو كما قال، كما بينته في كتابي "الإيضاح والبيان لما جاء في ليلة ~~الرغائب وليلة النصف من شعبان"، وممن وافق ابن عبدالسلام في حكاية خلاف ~~العلماء في الجمع بين الدف والشبابة ابن المنير المالكي: واعترض بعض ~~المتأخرين على ابن الصلاح من حيث الحكم الذي ذكره بأنه لا يلزم من حرمة ~~الشبابة وحدها أنها إذا انضمت إلى الدف تصيره محرما، وانتصر الأذرعي لابن ~~الصلاح فقال: وفي الإنكار على ابن الصلاح بالنسبة إلى مذهبنا نظر؛ إذ لا ~~يلزم من ثبوت الخلاف في حالة الانفراد ثبوته في حالة الاجتماع إلا أن يثبت ~~أن من أباح الدف بانفراده من أصحاب الوجوه يقول بإباحة الشبابة بإنفرادها، ~~وهيهات! على أن ذلك ليس بلازم؛ إذ قد يجوز ذلك على الانفراد ويمتنع [في ~~حال. ت. أ] (1) الاجتماع؛ لشدة الإطراب المتولد من الهيئة الاجتماعية، ومن ~~سبر أحوال الصحابة والتابعين وتابعيهم علم يقينا أن أحدا لم يجمع بينهما ~~[ز1/ 20/ب] ولا صح عنه قولا ولا فعلا، ا. ه، والله تعالى أعلم. # * * * * * PageV01P085 ### | القسم الخامس: في الكوبة وسائر الطبول # قال الشيخان وغيرهما: ولا يحرم ضرب الطبول إلا الكوبة؛ وهي: طبل طويل ~~متسع الطرفين ضيق الوسط، وهو الذي يعتاد ضربه المخنثون ويولعون به، قال ~~الإمام: وليس فيه من المعنى ما يميزه عن سائر الطبول، إلا أن المخنثين ~~يعتادون ضربه ويولعون به، قال: والطبول التي تهيأ لملاعب الصبيان إن لم ~~تلحق بالطبول الكبار فهي كالدف وليست كالكوبة بحال، ا. ه. # وبه يعلم أن ما يصنع في الأعياد من الطبول الصغار التي هي على هيئة ~~الكوبة وغيرها لا حرمة فيها؛ لأنه ليس فيها إطراب غالبا، وما على صورة ~~الكوبة منها انتفى فيه المعنى المحرم للكوبة وهو التشبه بأفعال المخنثين؛ ~~لأن لهم كيفيات في ضربها، وغيره لا توجد في تلك التي تهيأ للعب الصبيان. # (تنبيه) ما مشى عليه الشيخان من تحريم الكوبة هو الحق، ومن ثم قطع به ~~الشيخ أبو محمد الجويني قال: لأن فيها أحاديث مغلظة على ضاربها والمستمع ~~لصوتها، وقال الإمام أبو الفتح سليم ms042 بن أيوب الرازي في "تقريبه" بعد أن ذكر ~~حديثا في تحريم الكوبة، وفيها حديث آخر: ((إن الله يغفر لكل مذنب إلا صاحب ~~عرطبة أو كوبة)) (1) والعرطبة: العود، ومع هذا فإنه إجماع، اه. # فتأمل نقل هذا الإمام الإجماع على حرمتها، وما مشيا عليه من حل سائر ~~الطبول ما عدا الكوبة اعترضه الأسنوي بأن الموجود لأئمة [المذهب] (2) ~~PageV01P086 # تحريم الطبول كلها ما عدا الدف فقد ذهب إليه القاضي الحسين، والبندنيجي، ~~والحليمي، والماوردي وصاحب "المهذب"، والروياني، والبغوي، والخوارزمي، ~~والعمراني وعدد جماعة آخرين، ونقله في "الاستقصاء" عن الشيخ أبي حامد شيخ ~~الطريقتين، واعترضه الأذرعي بأن صاحب "الذخائر" نقل عن العراقيين أنهم ~~حرموا الطبول كلها من غير تفصيل. # قال الأذرعي: وهو كما قال، إلا أنهم أرادوا طبول اللهو كما صرح به غير ~~واحد، وممن أطلق تحريم الطبول التي [نهي بها] (1) العمراني، والبغوي، ~~و"صاحب الانتصار"، وهو المحكي عن الشيخ أبي حامد [ز1/ 21/أ] وقضية ما في ~~"المجموع"، "والمقنع"؛ للمحاملي، "والحاوي"؛ للماوردي، ونقل في "البحر" عن ~~الأصحاب: أن من المحرم ضرب الطبل، وقال القاضي الحسين في تعليقه: أما ضرب ~~الطبول فإن كان طبل لهو فلا يجوز. # واستثنى الحليمي من الطبول طبل الحرب والعيد وأطلق تحريم سائر الطبول، ~~وخص ما استثناه في العيد بالرجال خاصة، وطبل الحجيج مباح كطبل الحرب. # وقال ابن الرفعة: ما نقله الغزالي من إباحة ما عدا الكوبة من الطبول بناه ~~على قول أبي محمد: إنه لا طبل لهو إلا الكوبة، وفيه نظر؛ فقد قال في ~~"الكافي": الكوبة حرام، وطبل اللهو في معناها، فدل على أنه غيرها، ثم قال - ~~أعني: ابن الرفعة - ما حاصله أن الأصحاب صرحوا بإباحة طبل الحرب؛ فتعين أن ~~(أل) الذي في الطبل الواقع في كلام من حرمه المراد بها (أل) PageV01P087 # العهدية، والمعهود هو طبل المخنثين، وقد صرح به الماوردي من بعد؛ فلا ~~مخالفة إذا بين كلام الفريقين؛ أي: القائلين بتحريم الطبول كلها ما عدا ~~الدف، والقائلين بحلها كلها ما عدا الكوبة، فمراد الأولين طبول اللهو ~~المنحصرة في الكوبة بدليل اتفاقهم على حل ms043 طبل الحرب، وجرى الزركشي على غير ~~ذلك فقال ردا لما مر عن الأسنوي: أكثر الأئمة قيد التحريم بطبل اللهو، ومن ~~أطلق التحريم أراد به اللهو؛ أي: فالمراد: إلا الكوبة ونحوها. # (تنبيه ثان) قلت في كتابي "الزواجر عن اقتراف الكبائر" وقع للإمام هنا ~~مزلات يتعين التيقظ لها؛ فإنها مخالفة للإجماع، وهي قوله في الكوبة: لو ~~رددنا إلى مسلك المعنى فهي في معنى الدف، ولست أرى فيها ما يقتضي تحريمها، ~~إلا أن المخنثين يولعون بها ويعتادون ضربها، وقوله: الذي يقتضيه الرأي أن ~~ما يصدر منه ألحان مستلذة تهيج الإنسان وتستحثه على الطرب ومجالسة أحداثه ~~فهو # [المحرم] (1) والمعازف والمزامير كذلك، وما ليس له صوت مستلذ، وإنما يفعل ~~[لأنغام] (2) قد تطرب وإن كانت لا تستلذ، فجميعها في معنى الدف. # والكوبة في هذا المسلك كالدف، فإن صح فيها تحريم حرمناها، وإلا توقفنا ~~فيها، وقوله: ليس فيها من جهة المعنى ما يميزها من سائر الطبول، إلا أن ~~المخنثين يعتادون ضربه ويتولعون بها فإن صح حديث قلنا به، اه. [ز1/ 21/ب] ~~PageV01P088 # ويرده ما يأتي أن هذا بحث منه مخالف للإجماع فلا يعول عليه، وأنه حيث وجد ~~في المسألة إجماع فلا نظر إلى صحة الحديث وضعفه، وقد نقل الإمام نفسه عن ~~أبيه الشيخ أبي محمد الجويني ما يوافق الإجماع، فقال: كان شيخي يقطع ~~بتحريمها، ويقول: فيها أخبار مغلظة على ضاربها والمستمع إلى ضربها، وقد نص ~~الشافعي على أن الوصية بطبل اللهو باطلة، ولا يعرف طبل لهو يلتحق بالمعازف ~~حتى تبطل الوصية به إلا الكوبة، وتبعه في "البسيط" فقطع بتحريمها وأنه لا ~~يحرم من الطبول إلا هي، لكن اعترض ذلك بقول "الكافي": الكوبة حرام، وطبل ~~اللهو في معناها؛ فدل على أنه غيرها، وبأن العراقيين حرموا الطبول كلها من ~~غير تفصيل. # ويجاب بأن هذه طريقة ضعيفة، والأصح حل ما عدا الكوبة من الطبول، وقيل: ~~أراد العراقيون طبول اللهو كما صرح به غير واحد، وممن أطلق تحريم طبول ~~اللهو العمراني والبغوي وصاحب "الانتصار"، وهو المحكي عن الشيخ أبي حامد، ~~وقضية ما ms044 في "الحاوي" و"المقنع" وغيرهما. # وعبارة القاضي: أما ضرب الطبول فإن كان طبل لهو فلا يجوز، واستثنى ~~[الحليمي] من الطبول طبل الحرب والعيد، وأطلق تحريم سائر الطبول وخص ما ~~استثناه في العيد بالرجال خاصة، وهذه طريقة ضعيفة أيضا. # وعد جمع من العراقيين من المحرمات الأكبار، وأما قول الأذرعي عقب كلام ~~الإمام الثاني: إنه بحث في غاية الحسن، فغير مقبول منه؛ لمخالفته لصريح ~~كلامهم، وقد قال ابن الرفعة عقبه: وهذا يدل على أن الأخبار الواردة في ~~الكوبة لم تصح عنده، ا. ه. # PageV01P089 # ومما يرده أيضا قول سليم في "تقريبه" بعد أن ذكر تحريم الكوبة: وفي ~~الحديث: ((إن الله يغفر لكل مذنب إلا صاحب عرطبة أو كوبة)) (1)، والأولى ~~العود، ومع هذا فإنه إجماع، اه. # فتأمل نقله الإجماع على تحريم الكوبة، وهو من أكابر أصحابنا ومتقدميهم، ~~يتضح لك أن بحث الإمام الذي استحسنه الأذرعي مخالف للإجماع، وحينئذ فلا فرق ~~بين أن يصح الحديث وأن لا، وهو ما قاله بعضهم - أعني: عدم صحته - لأن ~~الإجماع حجة وإن صح الحديث بخلافه؛ إذ لا يكون إلا عن دليل سالم من الطعن ~~[ز1/ 22/أ] والمعارض، فكان أقوى، وقد نقل الإجماع أيضا على تحريم الكوبة ~~القرطبي، وهو من أئمة النقل، فقال كما مر عنه: لا يختلف في تحريم استماعها، ~~ولم أسمع عن أحد ممن يعتبر قوله من السلف وأئمة الخلف أنه يبيح ذلك، (2) ~~انتهى ما في الكتاب المذكور. # (تنبيه ثالث) ما فسر به الشيخان وغيرهما الكوبة هو الصحيح، وعليه جريت في ~~"شرح الإرشاد" وعبارته: ولا يحرم من الطبول إلا الكوبة؛ لما فيها من التشبه ~~بمن يعتاد ضربها وهم المخنثون، وهي طبل طويل ضيق الوسط متسع الطرفين، وقضية ~~كلامهم أنه لا فرق بين أن يكون طرفاها مسدودين أو أحدهما، ولا بين أن يكون ~~اتساعها على حد واحد أو يكون أحدهما أوسع، انتهت. # ولا ينافي تفسيرها بما ذكروه تفسير الجوهري وآخرين لها بأنها الطبل ~~الصغير المخصر؛ لأنها كذلك، ويوافق ذلك تفسير أحد رواة الحديث لها بالطبل ~~PageV01P090 # كما ذكره البيهقي (1) وتفسير الراوي ms045 مقدم على تفسير غيره؛ لأنه أعرف ~~بمرويه ولا تفسير آخرين لها بالنرد؛ لأن الكوبة كما تطلق على ذلك الطبل ~~تطلق على النرد، كما صرحوا به نقلا عن بعض أهل اللغة، وبذلك يتبين اندفاع ~~قول الخطابي وغيره: الكوبة النرد، وغلط من قال: إنها الطبل، واندفاع قول ~~الأسنوي: تفسير الكوبة بالطبل خلاف المشهور في كتب اللغة، ا. ه. # وقال الأذرعي: في كلام الجوهري وغيره ما يدفع تغليط الخطابي وغيره، نعم؛ ~~إطلاقها على كل ما يسمى طبلا ليس بجيد، ا. ه. # وعبارة ابن معين الحرزي في "التنقيب على المهذب": الصحيح أن الكوبة طبل ~~ضيق الوسط واسع الطرفين، كان يلعب به شباب قريش بين الصفا والمروة، انتهت، ~~وقيل: هي الشطرنج. # (تنبيه رابع) من الأحاديث المغلظة في تحريم الكوبة أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: ((إن الله حرم على أمتي الخمر، والميسر، والكوبة في أشياء ~~عددها)) (2)؛ رواه أحمد، وأبو داود، وابن حبان، والبيهقي، من حديث ابن عباس ~~بهذا، وزاد: ((وهو الطبل، وكل مسكر حرام)). PageV01P091 # وبين - أعني: البيهقي - في رواية أخرى أن تفسير الكوبة بالطبل من كلام ~~راويه علي بن بذيمة، ورواه أبو داود من حديث ابن عمر، وزاد: ((والغبيراء)) ~~(1)، وزاد أحمد فيه [ز1/ 22/ب] ((والمزر)) (2)، ورواه أحمد من حديث قيس بن ~~سعد بن عبادة، واختلفوا في تفسير الغبيراء فقيل: هي الطنبور، وقيل: العود، ~~وقيل: البربط، وقيل: مزر يصنع من الذرة أو من القمح، ومر في المقدمة أحاديث ~~ذلك فراجعها، والله أعلم. # * * * * * PageV01P092 ### | القسم السادس: في الضرب بالصفاقتين # وهما دائرتان من صفر تضرب إحدهما على الأخرى وتسميان بالصنج أيضا، ~~والمعتمد من مذهبنا عند الشيخين وغيرهما؛ كالشيخ أبي محمد، والقاضي الحسين، ~~وصاحب "المهذب"، ونقله في "البحر" عن الأصحاب أن ذلك حرام؛ لأنهما من عادة ~~المخنثين كالكوبة، وتوقف الإمام فيهما؛ لأنه لم يرد فيهما خبر بخلاف ~~الكوبة؛ يجاب عنه بأن شأن القياس أن المقيس عليه منصوص بخلاف المقيس، وهذا ~~كذلك؛ لأن الكوبة منصوص عليها بخلاف الصفاقتين، فألحقنا بها بجامع أن كلا ~~منهما الضرب به من عادة المخنثين المطردة، ms046 وهذا هو المقتضى لتحريم الكوبة ~~كما اعترف به الإمام، فإنه قال: كان شيخي - يعني: أباه كما مر نقله عنه - ~~يقطع بتحريمها ويقول: فيها أخبار مغلظة على ضاربها والمستمع إلى صوتها، وقد ~~نص الشافعي - رضي الله عنه - على أن [من أوصى بطبل لهو] (1) يلتحق بالمعازف ~~حتى تبطل الوصية به إلا الكوبة (2). # (تنبيه) ما فسرت به الصفاقتين فيما مر هو المعتمد، وإن قال ابن أبي الدم: ~~اختلف الفقهاء المتأخرون فيه؛ فبعضهم يقول: هو الشيزات، ويعضده التعليل ~~بأنه من عادة أهل الشرب، وبعضهم يفسره بالصنوج المتخذة من صفر التي تضرب مع ~~الطبول والرباب والنقارات، وهذا يضعفه أنه ليس بمطرب ولا يحدث بسماعه لذة ~~لذي لب سليم وعقل صحيح، ا. ه. PageV01P093 # ويرد تضعيفه بما ذكر أنه ليس المأخذ في تحريمها اللذة - كما مر - وإنما ~~المأخذ الأعظم في ذلك أنهما من دأب المخنثين وأهل الفسوق، ففي الضرب بهما ~~تشبه بأولئك الذين لا خلاق لهم ولا دين، فحرم لأجل ذلك؛ إذ ((من تشبه بقوم ~~فهو منهم)) (1)، فاتجه ما ذكروه وأنه لا غبار عليه فتأمله. # * * * * * PageV01P094 ### | القسم السابع: في الضرب بالقضيب على الوسائد # اختلف أصحابنا فيه على وجهين: [ز1/ 23/أ] # أحدهما: أنه مكروه، وبه قطع العراقيون؛ لأنه لا يفرد عن الغناء ولا يطرب ~~وحده، وإنما يزيد الغناء طربا بخلاف الآلات المطربة، فهو تابع للغناء ~~المكروه فيكون مكروها، وهذا هو المجزوم به في "مجموع المحاملي"، "وتقريب ~~سليم" وغيرهما، واعتمده ابن الرفعة في "مطلبه" (1) فقال: [يزيد] (2) الغناء ~~طربا ولا يحرم؛ لأنه ليس بآلة، وإنما تتبع الصوت، وهذا لا يسمع منفردا ~~بخلاف الملاهي، قاله ابن الصباغ، والبندنيجي، وكذا الفوراني والغزالي. # وثانيهما: أنه حرام، وجرى عليه البغوي في تهذيبه وتعليقه (3)، وعبارته: ~~وأما ضرب القضيب فقال الخراسانيون من أصحابنا: هو حرام، وأما العراقيون ~~فقالوا: إنه مكروه غير حرام، انتهت. PageV01P095 # وكذا قاله تلميذه الخوارزمي في "كافيه"، وقال الشيخ إبراهيم المروزي: قال ~~القاضي حسين: ترد به شهادة فاعليه. # وقال أبو حامد: سئل الشافعي عن هذا فقال: أول من أحدثه الزنادقة في ~~العراق حتى يلهوا الناس ms047 عن الصلاة وعن الذكر، ونقله عن الشافعي أيضا القاضي ~~أبو الطيب في كتابه في السماع، وزاد أن الشافعي كان يكرهه، قال الأذرعي: ~~وهذا وما قبله قد يشعر بإرادة الشافعي كراهة التحريم. # (تنبيه) الظاهر أن ذكرهم للقضيب والوسائد مثال، وأن الضرب باليد على ~~الوسادة أو غيرها يجري فيه الخلاف المذكور؛ لأن العلة أنه يزيد الغناء ~~طربا، وهذا موجود ومعتاد في الضرب باليد على نحو الوسائد فاتضح ما ذكرته. # * * * * * # PageV01P096 ### | القسم الثامن: في التصفيق ببطن أحد الكفين على الآخر # قال الماوردي، والشاشي، وصاحب ["الاستقصاء"] (1)، ة"الكافي": حكمه حكم ~~الضرب بالقضيب على الوسائد؛ أي: فيجري فيه هذا الخلاف المذكور؛ فيكون ~~مكروها عند العراقيين، حراما عند الخراسانيين، ذكره ابن الرفعة في ~~"المطلب". # وبالغ ابن عبدالسلام في ذمه بقوله في "قواعده" (2) كما مر: أما الرقص ~~والتصفيق فخفة ورعونة مشابهة لرعونة الإناث، لا يفعلها إلا أرعن أو متصنع ~~جاهل، ويدل على جهالة فاعلهما أن الشريعة لم ترد بهما في كتاب ولا سنة، ولا ~~فعل ذلك أحد من الأنبياء (3)، ولا معتبر [ز1/ 23/ب] من أتباع الأنبياء، ~~وإنما يفعله الجهال السفهاء الذين التبست عليهم الحقائق بالأهواء. # وقد حرم بعض العلماء التصفيق على الرجال بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~((إنما التصفيق للنساء)) (4)، ا. ه. # وعبارة الحليمي: يكره التصفيق للرجال؛ فإنه مما يختص به النساء، وقد ~~منعوا من التشبه بهن كما منعوا من لبس المزعفر لذلك، ا. ه. # قال الأذرعي: وهو يشعر بتحريمه على الرجال، ا. ه. PageV01P097 # وجريت في "شرح الإرشاد" على كراهة هذا وما قبله، وعبارته: ويكره على ~~الأصح الضرب بالقضيب على الوسائد، ومنه يؤخذ حل ضرب إحدى راحتي الكف على ~~الأخرى ولو بقصد اللعب، وإن كان فيه نوع طرب، ثم رأيت الماوردي، والشاشي، ~~وصاحب "الاستقصاء"، "والكافي" ألحقوه بما قبله، وهو صريح فيما ذكرته، وأنه ~~يجري فيه خلاف القضيب، والأصح منه الحل؛ فيكون هذا كذلك، ومن ثم صرح ~~الحليمي بكراهته، وأقره ابن الرفعة وغيره؛ لكنه عقبه [بما] يومئ إلى أنها ~~كراهة تحريم على الرجال؛ لما فيه من التشبه بالنساء، ويوافقه ذم ms048 ابن ~~عبدالسلام لمتعاطيه، قال: وقد حرمه بعض العلماء لخبر: ((وإنما التصفيق ~~للنساء)) (1)، ا. ه. # وأنت خبير بأنه لا دلالة في الخبر؛ إذ (أل) فيه للتصفيق الذي يؤمرون به ~~في الصلاة، وليس هذا منه، وبأن التشبه بهن إنما يحرم فيما يختص النساء به، ~~وهذا ليس كذلك، فالوجه أنه مكروه كراهة تنزيه لا تحريم، انتهت عبارة الشرح ~~المذكور. # * * * * * PageV01P098 ### | القسم التاسع: الضرب بالأقلام على الصيني أو بإحدى قطعتين منه على الأخرى: # اعلم أن هذا النوع قد اشتهر في هذه الأزمنة بين أهل الفسوق والشربة ~~للخمور؛ حتى صار من أظهر شعارهم في معاصيهم وعلى شربهم واجتماعهم بالقينات ~~والغلمان، وتركوا من أجله كثيرا من ذوات الشعور والأوتار؛ لما وجدوا فيه من ~~اللذة التي فاقت سائر اللذات؛ لما فيها من البدائع والترقيقات، والصوت ~~العجيب والطرب الغريب، كما يزعمون كل ذلك، ويعترفون بأكثر مما هنالك، ويدل ~~على هذا تغالبهم على سماعه وحضوره، ووزنهم النقود الكثيرة لضاربه ليحظوا ~~بلذة صوته وفجوره؛ فلذلك [ز1/ 24/أ] عظم الخطب فيه، وتعينت المبالغة في زجر ~~متعاطيه؛ لعلهم ينفكون عن تلك القبائح التي لا تتناهى، وينزجرون عن معاصيهم ~~وسفاهاتهم التي أشغلت نفوسهم عن رشدها وتقواها؛ فلذلك أفتيت غير مرة بحرمة ~~ذلك، وأنه ملحق بذوات الأوتار في حرمتها الأكيدة وعقوبتها الشديدة؛ لما ~~قدمته من أن لذة هذا وإطرابه فاق لذة تلك وإطرابها، وقوانينه ونغماته ~~أنساهم قوانين تلك ونغماتها، وقد بلغني لما أفتيت بذلك عن بعض من يزعم أن ~~له نوعا ما من فضيلة أنه اعترض ذلك الإفتاء بخرافات تضحك الناس عليه، ~~وتشدقات تجر وبال الخزي والبوار إليه، على أن هذا منه ليس لكونه مسألة ~~علمية يتعرف حكم الله فيها، وإنما هو لأنه كان جعل سماع ذلك شبكة يتصيد بها ~~غزلان القاذورات، ويتحيل بها على استجلاب المخمورين والمخمورات، فلما أن ~~ظهر الإفتاء بحرمة ذلك تعطلت عليه أغراضه، واستحكمت أهويته وأمراضه؛ فأحب ~~أن يغير في الوجوه الحسان؛ # PageV01P099 # لعله يغير في الأحكام الشرعية بما له من البهتان، الذي حق له به الخذلان ~~والهوان - وفقنا الله لطاعته. # على ms049 أني لم أبتدع ذلك الإفتاء، وإنما أخذته من كلامهم بالأولى؛ لأنهم إذا ~~حرموا ما مر من الضرب بالصفاقتين وغيرهما مع أنه ليس فيها كبير إطراب، فما ~~بالك بهذا الذي فاق إطرابه كما تواترت [به أخبار] (1) سامعيه إطراب العود ~~وغيره، وإذا علمت ما يأتي في الشبابة وغيرها ظهر لك اتضاح ما قلته وظهور ما ~~بينته وقررته. # ومما يعلم منه ذلك قطعا وهو من جملة مستنداتي في الإفتاء السابق "أن شخصا ~~كان بزمننا في مصر، وكان يملأ إناء من صيني ماء، ويمر أصبعه على حافة ~~الإناء، وينشد عليه كلام الصوفية كالإمام [العارف] (2) عمر بن الفارض (3) ~~فسئل عنه مشايخنا كشيخ الإسلام خاتمة المتأخرين أبي يحيى زكريا الأنصاري، ~~ومعاصروهم كالكمال بن أبي شريف والشمس الجوجري شارحي "الإرشاد" (4) وغيرهم، ~~فبعضهم جزم بحرمته لأن فيه طربا، وبعضهم تردد فقال: إن كان فيه إطراب حرم ~~وإلا فلا، فهم متفقون PageV01P100 # على أنه إذا كان فيه إطراب يحرم؛ وإذا اتفقوا في هذا على ذلك فما نحن فيه ~~أولى بالحرمة [ز1/ 24/ب] قطعا؛ لإجماع كل ذي عقل سمعهما أو تواتر عنده ~~خبرهما ووصفهما على أن ما نحن فيه يفوق ذاك في الإطراب بمراحل، فعلم أنه لا ~~غبار على إفتائي بالتحريم في ذلك، وأن من عاند في ذلك بل توقف فيه كان ممن ~~ضلت به المسالك، وعجلت له المهالك، نسأل الله السلامة من ذلك بمنه وكرمه، ~~آمين. # ومما يزيد ما قررته وضوحا أيضا قول الدولقي الذي استدل النووي بكلامه في ~~"الروضة"، ونقل عنه تحريم الشبابة ما حرمت الأشياء التي ذكروها لأسمائها ~~وألقابها، بل لما فيها من الصد عن ذكر الله - تعالى - وعن الصلاة، ومفارقة ~~التقوى والميل إلى الهوى. # وقول القرطبي: كل ما لأجله حرمت المزامير موجود في الشبابة وزيادة؛ فيكون ~~أولى بالتحريم. # قال الأذرعي: وما قاله حق واضح، والمنازعة فيه مكابرة، انتهى. # فلذلك نقول: كل ما حرمت الأوتار لأجله موجود في هذا [وزيادة] (1)؛ فكان ~~أولى بالتحريم منها، وما حرم ما نصوا عليه لاسمه ولقبه؛ بل لما ذكر من أنه ~~شعار الشربة، ms050 وفيه الصد عن ذكر الله والصلاة، وكل ذلك موجود في هذا مع ~~زيادات؛ فكان أولى بالتحريم كما تقرر. # على أن النووي صرح في "شرح المهذب" بأن المسألة إذا دخلت تحت عموم كلام ~~الأصحاب كانت منقولة، وهذه دخلت تحت عموم كلامهم حتى المختصرات الصغيرة ~~ك"الحاوي الصغير" وفروعه، فإنهم اتفقوا على PageV01P101 # حرمة سماع ذلك المطرب، وقد تقرر أن هذا من أعلى المطربات، فيشمله كلامهم ~~بالنص، وحينئذ فالمسألة منقولة، وصرح بها المتقدمون أيضا؛ إذ لا شك أن ~~العراقيين من أئمتنا هم المعول عليهم في المذهب نقلا وترجيحا، وقد أطبقوا ~~على قولهم: الأصوات المكتسبة بالآلات ثلاثة أضرب: ضرب حرام؛ وهي التي تطرب ~~من غير غناء ... إلى آخر ما يأتي، فكلامهم هذا شامل لما نحن فيه كما لا ~~يخفى على من له أدنى مسكة من فهم، فيكون التحريم الذي قررته منقولا ~~للأصحاب، وحينئذ لا يبقى للنزاع فيه مساغ، اللهم إلا مع العناد؛ فإنه لا ~~ينفع معه شيء حتى الأدلة القرآنية؛ لأن الهوى يعمى ويصم، نعوذ بالله منه. # وقال الشمس الجوجري في "شرح الإرشاد": ويمكن أن يستدل لتحريم الشبابة ~~بالقياس على الآلات المحرمة؛ لاشتراكه معها في كونه مطربا [ز1/ 25/أ] بل ~~ربما كان الطرب الذي فيه أشد من الطرب الذي في نحو الكمنجة والرباب، فهو ~~إما قياس الأولى أو المساواة بالنسبة إلى المذكورين، وهما حرام بلا خلاف، ~~انتهى. # وصرح بما يعم ذلك إمام الحرمين أيضا، ونقله عنه الأذرعي، وقال [عقبه]: ~~إنه في غاية الحسن، وعبارة توسطه، وقد أشار الإمام إلى ضابط المحرم من ذلك ~~وغيره بقوله: ما يصدر منه ألحان مستلذة تهيج [السامع] وتستحثه على الطرب ~~ومجالسة أحداثه فهو المحرم، فهذه العبارة تشمل ما نحن فيه بالنص؛ لأن ما ~~ذكر موجود فيه وزيادة. # * * * * * # PageV01P102 ### | القسم العاشر: في الشبابة والزمارة وهي اليراع # اعلم أن إمامي مذهبنا: الرافعي والنووي، اختلفا في الراجح من الخلاف ~~فيها؛ فقال الرافعي في "عزيزه": في اليراع وجهان صحح البغوي التحريم، ~~والغزالي الجواز، وهو الأقرب، وليس المراد من اليراع كل قصب، بل المزمار ~~العراقي وما ms051 يضرب به الأوتار - كما في نسخ، وفي نسخة معتمدة: مع الأوتار ~~كما يأتي - حرام بلا خلاف (1). # وقال النووي في "روضته" بعد ذكره ذلك استدراكا عليه: قلت: (الأصح)؛ أي: ~~فيكون الخلاف قويا، أو (الصحيح)؛ أي: فيكون الخلاف ضعيفا، كما علم من ~~اصطلاحه في خطبته. # تحريم اليراع، وهو هذه الزمارة التي يقال لها: الشبابة ممن صححه البغوي، ~~وقد صنف الإمام أبو القاسم الدولقي كتابا في تحريم اليراع مشتملا على ~~نفائس، وأطنب في دلائل تحريمه، والله أعلم، انتهى (2). # وأشار بقوله ممن صححه البغوي إلى التورك على الرافعي، فإن ظاهر عبارة ~~الرافعي أنه لم يصححه سوى البغوي، فأشار بقوله: ممن صححه البغوي، إلى رد ~~عبارته، وأن البغوي لم ينفرد بذلك، وبهذا الذي ذكرته إن تأملته PageV01P103 # يظهر لك فساد اعتراض الأسنوي على النووي بقوله: نقله تصحيح المنع عن ~~البغوي عجيب، فقد ذكره الرافعي، انتهى. # ووجه فساده أن الذي قاله النووي غير ما قاله الرافعي؛ لما علمت أن ~~الرافعي حصر التصحيح في البغوي والنووي، أفاد عدم انحصاره فيه، وإنما هو من ~~جملة المصححين، وعجيب خفاء مثل هذا على الأسنوي، وأعجب منه سكوت المتعقبين ~~لكلام الأسنوي على هذا الاعتراض الذي في غاية السقوط. # قال الأسنوي: واعلم أن المنع قد رجحه الشيخ أبو حامد [ز1/ 25/ب] فقال: ~~إنه القياس، وصححه الخوارزمي في "الكافي" وجزم به ابن أبي عصرون، وأما ~~الجواز فقال به الماوردي، والخطابي، والروياني، ومحمد بن يحيى في "المحيط"، ~~انتهى. # (تنبيه) ما اقتضاه كلام الرافعي السابق، وكلام الأسنوي هذا من تساوي ~~القائلين لكل من الحل والحرمة فيه نظر؛ بل أكثر أصحاب الشافعي على الحرمة، ~~بل الكلام في ثبوت لكل في مذهبنا وجها يعتد بخلاف قائله كما ستعلمه. # وقد قال الأذرعي: ما ذهب إليه الغزالي من الحل وتبعه صاحبه ابن يحيى شاذ، ~~ولم أر للغزالي في ترجيحه سلفا، قال: وقد ذكر غير الأسنوي أن الشيخ أبا علي ~~قال: إن التحريم هو القياس. # قال في "الكافي": لأنه من جنس المزامير وهو المذهب، وقضية كلام العراقيين ~~وغيرهم إذ قالوا: الأصوات ms052 المكتسبة بالآلات المطربة ثلاثة أضرب ... وعدوا ~~منها المزامير، واستدلوا للتحريم بحديث ابن عمر - رضي # PageV01P104 # الله عنهما - المشهور، وأحسن في "الذخائر" فنقل عن الأصحاب التحريم ~~للمزامير مطلقا. # ثم قال: وقال الغزالي: يحرم المزمار العراقي الذي يضرب به مع الأوتار، ~~وفيما سواه وجهان، وأما العراقيون فحرموا المزامير كلها من غير تفصيل؛ فإذا ~~المذهب الذي عليه الجماهير تحريم اليراع وهو الشبابة، وقد أطنب الإمام ~~الدولقي خطيب الشام في دلائل تحريمه وتقريرها كما رأيته بخطه في مصنفه، ~~قال: والعجب كل العجب ممن هو من أهل العلم يزعم أن الشبابة حلال، ويحكيه ~~وجها لا مستند له إلا خيال، ولا أصل له وينسبه إلى مذهب الشافعي، ومعاذ ~~الله أن يكون ذلك مذهبا له أو لأحد من أصحابه الذين عليهم [التعويل] (1) في ~~علم مذهبه والانتماء إليه، وقد علم من غير شك أن الشافعي حرم سائر أنواع ~~الزمر، والشبابة من جملة الزمر، وأحد أنواعه، بل هي أحق بالتحريم من غيرها؛ ~~لما فيها من التأثير فوق ما في [الناي] (2) وصوناي، وما حرمت هذه الأشياء ~~لأسمائها وألقابها، بل لما فيها من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ومفارقة ~~التقوى، والميل إلى الهوى، والانغماس في المعاصي، وأطال النفس في تقرير ~~التحريم، وأنه الذي درج عليه الأصحاب من لدن الشافعي إلى آخر وقت من ~~المصريين، والبغداديين، والخراسانيين، والشاميين، والجزريين [ز1/ 26/أ] ومن ~~سكن الجبال، والحجاز، وما وراء النهر، واليمن، كلهم يستدل [بقصة] (3) ابن ~~عمر - رضي الله عنهما - يعني: حديث زمارة الراعي. PageV01P105 # قال الأذرعي: وأحسبه عرض في صدر كلامه بالغزالي؛ فإنه من معاصريه، انتهى. # واعترضه تلميذه الزركشي بأنه ليس من معاصريه، فإنه ولد بعد وفاته بعشر ~~سنين، انتهى. # ويجاب عنه بأن مراده بكونه من معاصريه أنه قريب جدا من عصره، فصح أن يطلق ~~عليه كونه من معاصريه مجازا. # وقال الإمام جمال الإسلام ابن [البزري] (1) بكسر الباء نسبة لبزر الكتان ~~(2): الشبابة زمر لا محالة حرام بالنص، ويجب إنكارها ويحرم استماعها، ولم ~~يقل العلماء المتقدمون ولا أحد منهم بحلها وجواز استعمالها، ومن ذهب إلى ~~حلها ms053 وسماعها فهو مخطئ، انتهى. # وقال ابن أبي عصرون: الصواب تحريمها، بل هي أجدر بالتحريم من سائر ~~المزامير المتفق على تحريمها؛ لشدة طربها، وهي شعار الشربة وأهل الفسوق، ~~انتهى. # وإذا تقرر ما في هذا التنبيه علم منه خطأ صاحب ذلك الكتاب في قوله: اختلف ~~العلماء فيها؛ فذهب طائفة إلى التحريم، وطائفة إلى الإباحة، وهو مذهب ~~جماعة، ثم عد جملة من اختاره من الشافعية مقلدا فيه من لا يوثق به، وكل ذلك ~~تمويه وتلبيس كما قررته فاعلمه. PageV01P106 # واستدلاله بقول الرافعي: روي عن الصحابة الترخيص في [مزمار] الراعي ليس ~~في محله؛ لأن ذلك لم يثبت عن أحد منهم. # وأما حديث الراعي الآتي فسيأتي الكلام فيه، على أن هذا لا ينفع صاحب ذلك ~~الكتاب؛ لأنها كانت تفعل بحضرته في المجامع الحفلة وغيرها على غاية من ~~الإطراب، وزمارة الراعي ليس فيها شيء من ذلك كما يأتي، ووقع له أنه استدل ~~على حل مطلق الشبابة بأنها تجري الدمع، وترقق القلب، وبأن العلماء ~~والصالحين لم يزالوا يسمعونها وتجري على أيديهم الكرامات الظاهرة، وقد قدمت ~~ذلك كله عنه في مبحث الرقص، وأنه من خراف ابن طاهر وغيره، وتبعهم هذا من ~~غير تأمل؛ لأن الهوى يعمي ويصم، فراجع ذلك كله واحفظه فإنه مفيد. # (تنبيه ثان) قول الأسنوي السابق: وبالجواز قال الماوردي، والخطابي، ~~والروياني، اعترضه الأذرعي وتبعه تلميذه الزركشي فقال في "خادمه": نقل [ز1/ ~~26/ب] في المهمات الحل عن الماوردي، والخطابي، ومحمد بن يحيى، فأما ابن ~~يحيى فإنه تبع الغزالي، وأما الماوردي فإنه فصل بين الأمصار فيكره، وبين ~~الأسفار والمراعي فيباح، وحكاه عنه في "البحر" هكذا ولم يحك غيره، وأصل ذلك ~~قول شيخه الأذرعي في "توسطه" في إطلاق الأسنوي نقل الحل عمن ذكر نظر، ~~وعبارة "البحر" قال في "الحاوي": الشبابة في الأمصار مكروهة؛ لأنها تستعمل ~~فيها من السخف والسفاهة، وفي الأسفار والمراعي مباحة؛ لأنها تحث على السير ~~وتجمع البهائم إذا سرحت (1). PageV01P107 # فإن قيل: أليس روي عن ابن عمر وساق طرفا من حديث الراعي وغيره، ثم قال: ~~قلنا: قال أبو سليمان ms054 الخطابي: المزمار الذي سمعه ابن عمر صفارة الرعاة، ~~وهذا محمول على غير الشبابة؛ وهذا يدل على أنه وإن كان مكروها فليس كسائر ~~الملاهي؛ لأنه لو كان كذلك لما اقتصر على سد المسامع فقط دون الزجر ~~والتنكيل، انتهى لفظه. # ولا خفاء أن الراعي ونحوه يصفر فيها صفرا مجردا، والكلام فيمن يصفر فيها ~~على القانون المعروف، فالوجه التحريم فيها مطلقا، بل هي أجدر بالتحريم من ~~سائر المزامير المتفق على تحريمها؛ لأنها أشد إطرابا وهي شعار الشربة وأهل ~~الفسوق، وقال بعض أهل هذه الصناعة - وهي الموسيقا -: الشبابة آلة كاملة ~~وافية تجمع النغمات، وقال آخرون: ينقص قيراطا. # قال القرطبي: هي من أعلى المزامير، وكل ما لأجله حرمت المزامير موجود ~~فيها وزيادة، فيكون أولى بالتحريم، قال الأذرعي: وما قاله حق واضح، ~~والمنازعة فيه مكابرة، وقال غيره: هي من أعلى المزامير، وكل ما لأجله حرمت ~~المزامير موجود فيها وزيادة؛ فيكون أولى بالتحريم، والمنازعة في هذا ~~مكابرة، وهو الموافق للمنقول، فإنه الذي نص عليه الشافعي والجمهور؛ فقد قال ~~في "الأم" في باب السرقة: ولا يقطع في ثمن الطنبور ولا المزمار، انتهى (1). # وقد حرم الشافعي ما دونها في الإطراب بكثير فإنه حرم الكوبة وهو الطبل ~~الصغير، وحرم طبل اللهو وهو [ز1/ 27/أ] الطبل الكبير، وحرم الطبل (2) في ~~غير العرس والختان، وما حرمه إلا لأنه لهو لا ينتفع به فيما يجوز؛ ففي ~~PageV01P108 # الشبابة مع كونها لهوا يصد عن ذكر الله وعن الصلاة مع الميل إلى أوطار ~~النفوس ولذاتها، فهي بالتحريم أحق وأولى، وهو مقتضى كلام العراقيين؛ فإنهم ~~قالوا: الأصوات المكتسبة بالآلات ثلاثة أضرب: ضرب محرم وهي التي تطرب من ~~غير غناء؛ كالعيدان والطنابير والمزامير، انتهى. # (تنبيه ثالث) اختلف الحفاظ في حديث نافع الذي هو أصل الخلاف في الشبابة ~~وهو: "أن ابن عمر سمع صوت زمارة راع، فجعل أصبعيه في أذنيه، وعدل عن ~~الطريق، وجعل يقول: يا نافع، أتسمع؟ فأقول: نعم، فلما قلت: لا، رجع إلى ~~الطريق ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله". # وفي رواية: ms055 "أن ابن عمر سمع مزمارا فوضع أصبعيه في أذنيه، ونأى عن الطريق ~~وقال لي: يا نافع، هل تسمع شيئا؟ قلت: لا، فرفع أصبعيه عن أذنيه وقال: كنت ~~مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فصنع مثل هذا" (1)، فقال أبو داود: إنه ~~حديث منكر، وخالفه ابن حبان فخرجه في صحيحه، ووافقه الحافظ محمد بن نصر ~~السلامي فإنه سئل عنه فقال: هو حديث صحيح. # وكان ابن عمر بالغا إذ ذاك عمره سبع عشرة سنة، وقال: هذا من الشارع - صلى ~~الله عليه وسلم - ليعرف أمته أن استماع الزمارة والشبابة وما يقوم مقامهما ~~محرم عليهم استماعه، ورخص في ذلك لابن عمر لأنه حالة ضرورة، ولا يمكن إلا ~~ذاك، وقد تباح المحظورات للضرورات، قال: ومن رخص في ذلك - أي: فأباح ~~الشبابة - فهو مخالف للسنة، انتهى. PageV01P109 # وبهذا الحديث استدل أصحابنا على تحريم المزامير، وعليه بنوا التحريم في ~~الشبابة التي هي من جملة المزامير بل أشدها طربا، ومما يدل على حرمتها ~~الحديث السابق في المقدمة وهو: أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ضرب الدف ~~ولعب الصنج وضرب الزمارة (1). # وأما استدلال من أباحها تمسكا بأنه لم يأمر ابن عمر بسد أذنيه ولا نهى ~~الراعي فدل على أنه إنما فعله تنزيها أو أنه كان في حالة ذكر أو فكر، وكان ~~السماع يشغله، فسد أذنيه لذلك، فقد رده الأئمة بأمور كثيرة. # منها: أن تلك الزمارة لم تكن مما يتخذه أهل هذا الفن الذي هو [ز1/ 27/ب] ~~محل النزاع من الشبابات التي يتقنونها، وتحتها أنواع كلها تطرب، ومعلوم أن ~~زمر الراعي في قصبة ليس كزمر من جعله صنعته وتأنق فيه وفي طرائقه التي ~~اخترعوا فيها نغمات تحرك إلى الشهوات. # ومنها: أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما لم يأمر ابن عمر بسد أذنيه لأنه ~~تقرر عندهم أن أفعاله - صلى الله عليه وسلم - حجة [لأقواله] (2) فحين فعل ~~ذلك بادر ابن عمر إلى التأسي به، وكيف يظن به أنه ترك التأسي وهو من أشد ~~الصحابة تأسيا؟ قال الدولقي: وهذا لا يخطر ببال محصل قد ms056 عرف قدر الصحابة ~~واطلع على سبيلهم، قال: وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((يا عبدالله، هل ~~تسمع؟))؛ معناه: تسمع هل تسمع؟ وإنما أسقط تسمع PageV01P110 # لدلالة الكلام عليه؛ إذ من وضع إصبعيه في أذنيه لا يسمع، وإنما أذن له في ~~هذا القدر لموضع الحاجة. # ومنها: أن الممنوع إنما هو الاستماع لا مجرد السماع لا عن قصد وإصغاء، ~~وقد صرح أصحابنا بأنه لو كان في جواره شيء من الملاهي المحرمة ولا يمكنه ~~إزالتها لا يلزمه النقلة ولا يأثم بسماعها لا عن قصد وصرحوا هاهنا بأنه ~~إنما يأثم بالاستماع لا بالسماع. # قال الاذرعي: وأجيب عن ترك الإنكار على الراعي بأمور واضحة لا نطيل ~~بذكرها، وأغرب من قال قوله: ((زمارة راع)) لا يتعين أنها الشبابة؛ فإن ~~الرعاة يضربون بالشعيبية وغيرها، فأوهم أن ما يسمى بالشعيبية مباح مفروغ ~~منه، وهي عبارة عن عدة قصبات صغار تجعل صفا وقد تجعل فوق رؤوسها صفر ~~يتعاطاه بعض السفهاء، ولها إطراب بحسب حذق متعاطيها، وهي شبابة أو مزمار لا ~~محالة، انتهى. # ومر قول الماوردي: تكره الشبابة في الحضر - أي: تحريما - وتباح للراعي ~~(1)، وفي السفر (2) وقول الخطابي: الزمارة التي سمعها ابن عمر زمارة الرعاة ~~وهو محمول على غير الشبابة، ا. ه. # وتعقب ذلك الأذرعي فقال: إن كان يصفر بها كالأطفال والرعاة على غير قانون ~~بل صفيرا مجردا على نمط واحد فقريب عدم الحرمة فيها، وإن كان المسافر أو ~~الراعي يصفر فيها على القانون المعروف من الإطراب فهي حرام PageV01P111 # مطلقا، بل هي أجدر بالتحريم من سائر المزامير المتفق على تحريمها؛ لأنها ~~أشد إطرابا وهي شعار الشربة وأهل الفسق، ا. ه. # (تنبيه رابع) إذا تأملت ما ذكرناه [ز1/ 28/أ] في تقرير الحديث والأجوبة ~~عنه بان لك واتضح اندفاع ميل البلقيني إلى متابعة الرافعي، وقوله: لا يثبت ~~التحريم إلا بدليل معتبر ولم يقم النووي دليلا على ذلك، اه، واندفاع قول ~~التاج السبكي في "توشيحه" (1): لم يقم عندي دليل على تحريم اليراع مع كثرة ~~التتبع، والذي أراه الحل، فإن انضم إليه محرم فلكل منهما حكمه، ms057 ثم الأولى ~~عندي لمن ليس من أهل الذوق الإعراض عنه مطلقا؛ لأنه قد يجره إلى ما لا ~~ينبغي، وأدناه صرف الوقت فيما غيره أهم منه، وحصول اللذة به، وليست اللذة ~~النفسانية في هذه الدار من المطالب الشرعية، وأما أهل الذوق فحالهم مسلم ~~إليهم، وهم على حسب ما يجدون في أنفسهم، ا. ه. # ووجه اندفاع ما قاله هذان الإمامان أن الحديث السابق صحيح، ودلالته على ~~التحريم واضحة، فأي وجه لتوقفهما؟ بل بغرض عدم دلالة الخبر على عدم صحته ~~(2)، فالقياس حجة أي حجة، وقد سبق في كلام الأئمة أنه دال بالأولى على ~~تحريم الشبابة، ومن ثم قال الشمس الجوهري عقيب ما مر عن البلقيني: ويمكن أن ~~يستدل بالقياس على الآلات المذكورة لاشتراكه PageV01P112 # معها في كونه مطربا، بل ربما كان الطرب الذي فيه أشد من الطرب الذي في ~~نحو الكمنجة والربابة ونحوهما، فهو إما [قياس] (1) الأولى أو المساواة ~~بالنسبة إلى المذكورين، وهما حرام بلا خلاف، ا. ه. # ثم [قول] (2) السبكي: ثم الأولى عندي لمن ليس من أهل الذوق ... إلخ، إنما ~~يأتي على ما زعم أنه الذي يظهر وهو الحل، أما على الحرمة التي هي منقول ~~المذهب ومعتمد أكثر أئمته أو كلهم على ما مر فلا يفترق الحال فيها بين أهل ~~الذوق وغيرهم، بل أهل الذوق أشد الناس تعصبا عن مواطن الشبهات فضلا عن ~~المحرمات، اللهم إلا لمن غلبه حال حتى صار لا شعور له، وشهدت قرائن أحواله ~~على ذلك، فهذا لا تكليف عليه الآن حتى يعترض عليه، وقد سبق أن الجنيد وتبعه ~~الأئمة جعل السماع حراما على العوام؛ لبقاء نفوسهم، مباحا للزهاد؛ لحصول ~~مجاهدتهم، مستحبا للعارفين؛ لحياة قلوبهم. # قال التاج السبكي: والظاهر أنه لم يرد التحريم الاصطلاحي، وإنما أراد أنه ~~لا ينبغي وفيه نظر؛ لما مر أن الغناء ونحوه قال بتحريمه كثيرون من أئمتنا ~~[ز1/ 28/ب] وغيرهم، فلعل الجنيد يرى تحريمه على العوام فقط؛ لأنه يجرهم إلى ~~الفتنة والوقوع في المعصية سريعا بخلاف القسمين الآخرين. # (فائدة) وقع في "العزيز"؛ للرافعي أنه قال: روي ms058 أن داود النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يضرب باليراع في غنمه، قال شيخ الإسلام في تخريج أحاديثه: ~~لم أجده (3)، وبهذا يعلم خطأ صاحب هذا الكتاب وغيره؛ حيث PageV01P113 # أخذوا من ذكر الرافعي له الاحتجاج به على حل الشبابة، على أنه لو صح لم ~~يكن فيه ذلك؛ إذ شريعة من قبلنا ليست بشريعة لنا؛ لأنه إما ورد في شرعنا ما ~~ينافيها فواضح، أو ما يوافقها فالحجة في شرعنا دون غيره. # (تنبيه خامس) قال في "المهمات": اليراع بفتحة التحتية وتخفيف الراء ~~وبالمهملة جمع (يراعة) اسم جنس واحده (يراعة) قاله النووي في "تهذيبه"، ~~وقال الجوهري: اليراع القصب، واليراعة القصبة، إذا علمت ذلك علمت أن اليراع ~~متعدد، وحينئذ فكيف يصح تفسيره - أي: الواقع في "الروضة" وغيرها - ~~بالشبابة؟ ا. ه (1). # ويجاب بأنه تفسير باعتبار مفرده، وقد يقع مثل ذلك كثيرا (2). # * * * * * PageV01P114 ### | القسم الحادي عشر: الموصول # قال الكمال ابن أبي شريف في "الإسعاد" (1): وليس من محل اختلاف الشيخين ~~القصب المسمى بالموصول؛ لأنه يضرب به مع الأوتار، وهو من شعار شاربي الخمر ~~كما لا يخفى على من اطلع على أحوالهم، وقد قال الرافعي: ليس المراد باليراع ~~كل قصب، بل المزمار العراقي وما يضرب به مع الأوتار حرام بلا خلاف، ا. ه ~~(2)، وقيل: وأول من اتخذ المزامير بنو إسرائيل. # * * * * * PageV01P115 ### | القسم الثاني عشر: المزمار العراقي وما يضرب به مع الأوتار # [قال الرافعي في "العزيز" والنووي في "الروضة": المزمار العراقي وما يضرب ~~به مع الأوتار] (1) حرام بلا خلاف، انتهى. # ولفظه [مع ما وقع] (2) في نسخة معتمدة من نسخ "العزيز"، والموجود في كثير ~~من النسخ: وما يضرب به الأوتار، والنسخة الأولى هي الصواب كما أشار إليه ~~الزركشي، فإن عبارة الشيخين: وليس المراد من اليراع كل قصب، بل المزمار ~~العراقي وما يضرب به مع الأوتار (3) حرام بلا خلاف، انتهت. # فلا مناسبة لذكر ذوي الأوتار مع مزامير القصب، قال الزركشي: وقد راجعت ~~كلام الغزالي الذي أخذ الرافعي هذا منه فوجدته إنما ذكر ذلك [ز1/ 29/أ] ~~تفسيرا للمزمار العراقي، فقال بعد حكاية الوجهين في اليراع: ms059 ولا نعني به ~~المزمار الذي يسمى العراقي ويضرب مع الأوتار، فإنه حرام؛ يعني: بلا خلاف، ~~وكذا حكاه عنه صاحب "الذخائر" كما سبق، ا. ه. # (تنبيه) استدل الأصحاب لتحريم المزمار بأنه من شعار شربة الخمور نظير ما ~~يأتي في الأوتار، واعترض بأن الغالب أنهم لا يحضرونه؛ فإن فيه إظهارا ~~لحالهم، ا. ه. # قال الأذرعي: وهذا باطل، بل يحضرونه في مكانهم الذي لا يظهر فيه أصوات ~~المعازف ويظهره أرباب الولايات المتجاهرون بالفسق، وصرح PageV01P116 # [العمراني] (1) وغيره بتحريم سائر المزامير وهي تشمل الصرناني وهي قصبة ~~ضيقة متسعة الآخر يزمر به في المواكب وعلى النقارات وفي الحرب، وتشمل ~~[الكرجة] (2) وهي مثل الصرناني إلا أنه يجعل في أسفل القصبة قطعة نحاس ~~معوجة يزمر بها في أعراس البوادي وغيرها وتشمل الثاني وهي أطرب من الأولين ~~وتشمل المقرونة وهي قصبتان ملتفتان. # (فائدة) أخرج الديلمي عن جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: ((إذا كان يوم القيامة قال الله - عز وجل -: أين الذين كانوا ~~ينزهون أسماعهم وابصارهم عن مزامير الشيطان؟ ميزوهم، فيميزوهم في كثب المسك ~~والعنبر، ثم يقول لملائكته: أسمعوهم تسبيحي وتمجيدي، فيسمعون بأصوات لم ~~يسمع السامعون مثلها)) (3)، ومر في المقدمة حديث أنه - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: ((صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند [نعمة]، ورنة عند ~~مصيبة)) (4)، وحديث: ((أمرت بهدم الطبل والمزمار)) (5). # * * * * * PageV01P117 ### | القسم الثالث عشر: الأوتار والمعازف # كالطنبور والعود والصنج أي: ذي الأوتار والرباب (1) والجنك (2) والكمنجة ~~والسنطير والدريج (3)، وغير ذلك من الآلات المشهورة عند أهل اللهو والسفاهة ~~والفسوق، وهذه كلها محرمة بلا خلاف، ومن حكى فيه خلافا فقد غلط أو غلب عليه ~~هواه، حتى أصمه وأعماه، ومنعه هداه، وزل به عن سنن تقواه. # وممن حكى الإجماع على تحريم ذلك كله الإمام أبو العباس القرطبي وهو الثقة ~~العدل فإنه قال كما نقله عن أئمتنا وأقروه: أما المزامير والكوبة فلا يختلف ~~في تحريم سماعها ولم أسمع عن أحد ممن يعتبر قوله من السلف [ز1/ 29/ب] وأئمة ~~الخلف من يبيح ذلك، وكيف لا يحرم وهو شعار ms060 أهل الخمور والفسوق ومهيج ~~للشهوات والفساد والمجون، وما كان كذلك لم يشك في تحريمه ولا في تفسيق ~~فاعله وتأثيمه. # وممن نقل الإجماع على ذلك أيضا إمام أصحابنا المتأخرين أبو الفتح سليم بن ~~أيوب الرازي (4)، فإنه قال في "تقريبه" بعد أن أورد حديثا في تحريم ~~PageV01P118 # الكوبة، وفي حديث آخر: أن الله يغفر لكل مذنب إلا صاحب عرطبة أو كوبة ~~(1)، والعرطبة: العود، ومع هذا فإنه إجماع، ا. ه. # (تنبيه) اعترضت حكاية الإجماع بأن الماوردي من أكابر أصحابنا قال في ~~"حاويه": إن بعض [أصحابنا] (2) كان يخص العود بالإباحة من بين الأوتار ولا ~~يحرمه؛ لأنه موضوع على حركات تنفي الهم وتزيد في النشاط، ويقال: إنه ينفع ~~من بعض الأمراض، وبأن ابن طاهر حكاه عن إجماع أهل المدينة وعن صاحب ~~"التنبيه" الإمام أبي إسحاق الشيرازي قال: وكان مذهبه أنه مشهور عنه، وأن ~~أحدا من علماء عصره لم ينكره عليه، وهذا الاعتراض باطل سفساف لا يعول عليه، ~~أما ما في "الحاوي" فقد عقبه الماوردي بما [يزيفه] (3) ويرده ويبين أنه لا ~~يعتد به ولا يحكى إلا لرده، فإنه قال في "الحاوي" عقبه: وهذا لا وجه له؛ ~~لأنه أكثر الملاهي طربا، وأشغلها عن ذكر الله - تعالى - وعن الصلاة، وإن ~~تميز به الأماثل عن الأراذل (4). # وتابعه الروياني في "البحر" على رد هذا الوجه وتزييفه، وأما زعم أنه ينفع ~~لبعض الأمراض فقد جعله الأسنوي مقويا لذلك الوجه؛ فقال بعد قول الشيخين: إن ~~ما مر حرام بلا خلاف، وإطلاقهما عدم الخلاف ليس كذلك؛ فقد حكى الماوردي ~~والروياني في "البحر" وجها أن العود بخصوصه حلال؛ لما يقال: إنه ينفع بعض ~~الأمراض، اه، واعترضه PageV01P119 # المتعقبون لكلامه بأن حكايته لهذا الوجه على هذا المهيع (1) باطلة من ~~وجهين: # أحدهما: أنه إذا كان معللا بنفعه لبعض الأمراض فينبغي تقييد الإباحة لمن ~~به ذلك المرض دون غيره، فإطلاق حكايته غلط فاحش. # الثاني: إذا أبيح لحاجة المرض فلا ينبغي أن يقتصر على حكايته وجها، بل ~~يحرم بجوازه [ز1/ 30/أ] كما يجوز التداوي بالنجس، وقد جزم الحليمي في ~~"منهاجه" ms061 بأن آلات اللهو إذا كانت تنفع من بعض الأمراض أبيح سماعها، قال ~~ابن العماد: والذي قاله متعين، انتهى. # والحاصل أنه متى شهد طبيبان عدلان أن هذا المرض بخصوصه ينفع فيه العود ~~وانحصر النفع بأن لم يوجد دواء حلال ينفع فيه غيره جاز استماعه ما دام ذلك ~~المرض باقيا، كما صرحوا بذلك في التداوي بالنجس - غير محض الخمر - فإنه ~~يجوز عندنا بهذه الشروط التي ذكرتها، وإذا وجدت أبيح العود حينئذ للضرورة ~~كما يباح أكل الميتة للمضطر، وحينئذ فلم يتحقق لنا وجه قائل لجواز العود ~~على إطلاقه. # وأما ما حكاه ابن طاهر من إجماع أهل المدينة فهو من كذبه وخرافاته؛ فإنه ~~- كما مر - رجل كذاب يروي الأحاديث الموضوعة ويتكلم عليها بما يوهم العامة ~~صحتها، كما مر في مبحث الغناء والرقص، وأيضا فهو مبتدع إباحي لا يحرم قليلا ~~ولا كثيرا؛ ومن ثم قال بعضهم فيه: إنه رجس العقيدة نجسها، ومن هذا حاله لا ~~يلتفت إليه ولا يعول عليه؛ ومن ثم قال الأذرعي عقب حكايته الباطلة الكاذبة ~~عن إجماع أهل المدينة وعن الشيخ أبي PageV01P120 # إسحاق: وهذا من ابن طاهر مجازفة، وإنما فعل ذلك بالمدينة أهل المجانة ~~والبطالة، ونسبة ذلك إلى صاحب "التنبيه" كما رأيته في كتابه بالسماع نسبة ~~باطلة قطعا، كيف وقد قطع في "مهذبه" هنا وفي الوصايا بتحريم العود، وهو ~~قضية ما في "تنبيهه"، ومن عرف حاله وشدة ورعه ومتين تقواه جزم ببعده ~~ونزاهته وطهارة ساحته من ذلك، وكيف يظن ذو لب في هذا العابد القانت أن يقول ~~في دين الله ما يفعل ضده مع ما في ذلك من غليظ الذم والمقت، وكل من ترجمه ~~لم يذكر شيئا من هذا - فيما نعلم. # ومن المجازفة قول ابن طاهر: إن ذلك مشهور عنه، ودعوى ابن طاهر أن ذلك ~~إجماع أهل المدينة من [جراء] (1) دعواه إجماع الصحابة والتابعين على إباحة ~~الغناء، والهوى يعمي ويصم، اه. # وقال الزركشي عقب اعتراض الأسنوي على الشيخين نفيهما الخلاف في سائر ~~الأوتار السابقة بحكاية ابن طاهر عن الشيخ أبي [ز1/ 30/ب] ms062 إسحاق [ما مر ~~قلت: هذا تلبيس من الأسنوي قلد فيه صاحبه الكمال الأدفوي في كتابه ~~"الإمتاع"، ولا تجوز حكاية هذا عن الشيخ أبي إسحاق] (2) فإن ابن طاهر متكلم ~~فيه عند أهل الحديث بسبب الإباحة وغيرها، وقد قطع الشيخ أبو إسحاق في ~~"المهذب" هنا وفي الوصايا بتحريم العود وهو أتقى لله من أن يقول في دين ~~الله شيئا ويفعل ضده، ا. ه. # وإذا تأملت ما تقرر في هذا التنبيه علمت أن قول صاحب ذلك الكتاب: وذهبت ~~طائفة إلى جواز سماع العود وما جرى مجراه من الآلات المعروفة ذوات الأوتار ~~كذب صريح وجهل قبيح؛ لما مر أن ذلك محرم بالإجماع، PageV01P121 # وأنه لم يقع خلاف إلا في العود، وأن ذلك الخلاف باطل لا يعتد به في حكاية ~~الإجماع. # وقوله: ونقل سماعه عن فلان وفلان وذكر جماعة من الصحابة وجماعة من ~~التابعين وغيرهم ... جوابه: أن هذا كله نقل باطل، واحتجاج بالتمويهات ~~والتلبيسات، وكيف يسوغ لمتدين - فضلا عمن يدعي التصوف والمعرفة - أن يحتج ~~على تعاطي الأشياء المحرمة عند أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم بمجرد قوله ~~ونقل سماعه عن فلان وفلان، ما ذاك إلا غباوة ظاهرة وجهل مفرط؛ لأن اللائق ~~بمن يريد أن يفعل شيئا يخالف فيه المشهور المقرر في مذاهب العلماء أن يحتج ~~عليهم بنقل صريح أو حديث صحيح؛ لأنه إما أن يكون مجتهدا أو مقلدا، فإن كان ~~مجتهدا بين أولا أن المسألة غير مجمع عليها، وأثبت النقل بطريقه المعتبرة ~~عند أئمة الحديث وغيرهم، عمن يعتد به أنه لا إجماع في المسألة، ثم بين حجته ~~من كتاب أو سنة أو غيرهما بطرائقه [المعتبرة] (1) عند أئمة الأصول وغيرهم، ~~وإن كان مقلدا بين صحة الحل عند أحد من العلماء المجتهدين ثم قال: أنا مقلد ~~لهذا الإمام حتى يرتفع الإنكار عنه، وأما مجرد قوله نقل فهذا كلام لغو لا ~~يفيد شيئا إلا في غرضه الفاسد، وهو ترويج أفعاله وأقوله الباطلة الكاذبة ~~على من لا يفرقون بين نقل [صحيح]، ويعتقدون أن الكل من واد واحد، وهيهات! ~~ليس الأمر بالهوينى كما ms063 يظن هذا الرجل وأضرابه، بل بينه وبين إثبات الحل ~~[ز1/ 31/أ] عن واحد ممن ذكر [مفاوز] (2) تقطع دونها الأعناق؛ إذ لو أقام ~~طول عمره يفحص ويفتش ما ظفر بنقل الحل من طريق صحيح عن PageV01P122 # واحد من العلماء فضلا عن هؤلاء الكثيرين الذين عددهم بمجرد الدعاوى ~~الكاذبة منه، وممن سبقه إلى ذلك كابن حزم (1) وابن طاهر وليته عرف حال هذين ~~الرجلين ليتجنب متابعتهما، فإن كلا منهما مبتدع ضال. # أما ابن حزم ف[إن] العلماء لا يقيمون له وزنا كما نقله عنهم المحققون؛ ~~كالتاج السبكي وغيرهم؛ لأنهم أصحاب ظاهرية محضة تكاد عقولهم أن تكون مسخت، ~~ومن وصل إلى أنه يقول: إن بال الشخص في الماء تنجس، أو في إناء ثم صبه في ~~الماء لم يتنجس، كيف يقام له وزن ويعد من العقلاء فضلا عن العلماء؟! ولابن ~~حزم هذا وأضرابه من أمثال هذه الخرافات الشيء الذي لا ينحصر، ومن تأمل علله ~~ونحله وكذبه على العلماء سيما إمام أهل السنة أبي الحسن الأشعري علم أن ~~الأولى به وبأمثاله أن يكونوا في حيز الإهمال [وعدم رفع رأس لشيء صدر منهم] ~~(2). # وأما ابن طاهر فإن العلماء بالغوا في تضليله وتسفيهه بما مر بعضه ويأتي ~~بعضه، من ذلك أنه رجس العقيدة نجسها، فإنه رجل إباحي لا يتقيد بدليل ولا ~~يعول على تعليل، بل كل ما وسوس له الشيطان اتخذه مذهبا، وبرهن عليه ~~بالأشياء التي يعتقد كذبها، وإنما يموه على من لا علم عنده ليوهمه صحة ذلك، ~~نظير ما مر له في الحديث الباطل الكذب الموضوع المختلق PageV01P123 # الذي فيه نسبة الرقص إليه - صلى الله عليه وسلم - فإنه أسقط ذكر واضعة ~~ومختلقه، وذكر بعض رواته الذين لا مطعن فيهم؛ ليوهم الناس أنه حديث صحيح، ~~ومن وصلت جهالته وسفاهته إلى هذا الحد، كيف يعول عليه أو يلتفت إليه؟ من ~~يزعم أن له أدنى مسكة من دين الله فضلا عن ورع. # وقول صاحب ذلك الكتاب: إن الحل نقل أيضا عن أكثر فقهاء المدينة، وهذا ~~غاية في الكذب والتدليس، لأنه إن قلد ابن ms064 طاهر في النقل، فابن طاهر إنما ~~عبر بإجماع أهل المدينة لا بأكثرهم، وإن قلد العلماء في تكذيب ابن طاهر في ~~هذا النقل فأهل المدينة بريئون [ز1/ 31/ب] من نسبة ذلك إليهم، فترك هذا ~~الرجل هاتين المقالتين واختراعه النقل عن أكثر المدينة غاية في سوء الصنيع ~~المبني على التلبيس، وحال هذا الرجل يأبى صدور مثل ذلك عنه، لكن الهوى يوجب ~~أكثر من ذلك؛ قال تعالى {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} (1) الآية، قوله: ونقل ~~عن مالك سماعه، وليس ذلك بالمعروف عند أصحابه، كأنه لم يطالع "تفسير ~~القرطبي" في سورة الروم، ولا "المسالك"؛ لابن فضل الله في مبحث المغنين ~~المأخوذ منه رد ذلك المحكي بأنه اشتباه، فإن شخصا اسمه مالك في زمن الإمام ~~كان مغنيا، وبفرض صحة ذلك - وهو بعيد جدا - فالعبرة بآخر أحوال الأئمة ~~وأقوالهم. # والحاصل: أنه لا حجة له في هذا النقل عن مالك مطلقا، فكان اللائق صون ~~إمامه عن هذا الذي أشار إليه، ونقل عن ابن العربي في "شرح PageV01P124 # الترمذي" ما يوهم الحل، وليس كذلك كما هو ظاهر بأدنى تأمل، وما مثال هذا ~~إلا ما في أمثال العوام: (الغريق يتعلق بالقش). # وقوله: وحكى إباحته الماوردي عن بعض الشافعية ... هذا من غاية التدليس ~~والبهت، فإن الماوردي عقب هذه الحكاية بتزييف هذا القول وإبطاله كما مر ~~مبسوطا، وكأن هذا الرجل يظن أن أحدا لا يتعقب كلامه ولا يعترض عليه، وليس ~~كذلك؛ فقد أخبر الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - أنه لا تزال طائفة ~~من أمته ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة - أي: حزبه - لا يضرهم من خالفهم ~~(1)، وبأن الله - تعالى - وعده بأن كل زمن يوفق الله فيه عدولا يحملون ~~العلم وينفون عنه تحريف [الغالين] (2) وإلحاد الملحدين وشبه المبطلين (3). # وقوله: وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي: هو من نظير ما قبله، قوله: ونقل ~~عن أبي إسحاق الشيرازي أنه كان مذهبه وأنه مشهور عنه، وأنه لم ينقل عن أحد ~~من العلماء أنه أنكره عليه، حكاه ابن طاهر المقدسي عنه، جوابه ما سبق أن ~~هذا النقل ms065 منه على هذا العالم الرباني كذب صريح، كيف PageV01P125 # والشيخ مصرح بتحريم سماع العود، وأنه لا خلاف فيه في كتب الفقه، وكيف يظن ~~بهذا العبد [ز1/ 32/أ] القانت الذي قد اشتهر ورعه اشتهار الشمس أن يصرح في ~~كتبه بحرمة شيء من غير خلاف فيه ثم يفعله، ما هو إلا أمر قبيح؛ ومن ثم بالغ ~~العلماء في تكذيب ابن طاهر في ذلك، وأن هذا من جملة خرافاته وكذباته ~~الشنيعة التي تصدر عن المجازفة ورقة الديانة، ومن مبالغته في كذبه قوله: ~~إنه كان مشهورا عن الشيخ، وإنه لم ينقل عن أحد من العلماء أنه أنكره عليه. # ومن تدليس هذا الرجل الناقل عن ابن طاهر أنه نقل كذبه ولم ينقل تكذيب ~~العلماء له في هذا النقل [أصلا] (1) ومبالغتهم في الرد عليه. # قوله: وكان إبراهيم بن سعد الزهري من علماء المدينة يقول بإباحته ولا ~~يحدث حديثا حتى يضرب به جوابه، هذا من جملة الكذب أيضا على إبراهيم بن سعد، ~~وقد مر عن القرطبي أنه نقل إباحة الغناء عنه شاذ، على أنه لو فرض صحة ذلك ~~عنه لم يجز لأحد تقليده؛ للإجماع على أنه لا يقلد إلا مجتهد، وإبراهيم هذا ~~ليس من أهل الاجتهاد كما مر عن القرطبي، فهذا النقل [غير مفيد، ولو] (2) ~~فرض صحته عنه فكيف وهو لم يصح، فتأمل مجازفة هذا الرجل كيف أراد أن يعارض ~~القرطبي بمجرد زعمه، فقال: وإبراهيم بن سعد أحد شيوخ الشافعي، وروى عنه ~~البخاري، وهو إمام مجتهد مشهور عدل بار لله مأمون، وهذا كله من الجزاف، ~~والكذب، والتلبيس، فإن كونه شيخا للشافعي وغيره لا يقتضي بل ولا يدل من وجه ~~PageV01P126 # قريب [ولا بعيد أنه مجتهد، وكم أخذ الشافعي عن غير مجتهد] (1) وروى ~~البخاري عن جاهل بمراتب الاجتهاد فضلا عن التحلي بها، فذكر ذلك غباوة محضة، ~~وقوله: وهو إمام مجتهد، [هذا كذب] (2) منه؛ لأنه إذا تعارض قول هذا: إنه ~~مجتهد، [وقول القرطبي: إنه غير مجتهد] (3) من الذي يعتمد قوله من الرجلين؟ ~~[فشتان] ما بينهما، لا سيما وهذا الرجل أمر في ms066 هذا الكتاب بمتابعة خبيثين ~~مبتدعين كذابين: ابن حزم، وابن طاهر، كل ذلك [لتروج] (4) مقالته الفاسدة ~~وشبهته الكاسدة، وتأمل مجازفته ووقوعه في حق كل العلماء بحكايته عن إبراهيم ~~بن سعد هذا أنه لما ضرب بالعود بين يدي هارون، قال له: يا إبراهيم، من قال ~~بتحريم هذا [ز1/ 32/ب] من علمائكم؟ قال: من ربطه الله - تعالى - يا أمير ~~المؤمنين)) (5)، ا. ه. PageV01P127 # فهذه الحكاية لا تصدر عن أدنى السوقة في حق العلماء، فكيف استباح هذا ~~الذي يزعم الدين والتصوف أن يحكي ذلك ويشهره للعوام، ليس ذلك إلا لأن ~~المحنة القبيحة بسماع الأوتار أخرجته من حيز الصيانة إلى حيز الخيانة، وعن ~~ساحة الأدب إلى هون العطب، ولم لا وقد وقع في حق كل العلماء، وباء بسبب ذلك ~~بالخسار والبوار والعمى؟ وكيف يستجيز بعد ذلك أن يقلد إمامه مالكا ويجعله ~~الواسطة بينه وبين الله - تعالى - وهو قد ربطه الله؛ إذ هذه كلمة ذم لهم؟ ~~وكيف ساغ لهذا الرجل أن يحتج على العلماء كلهم بكلام، مغن يضرب بالعود بين ~~يدي ظالم سب العلماء كلهم لأجل أن يرضيه ويحسن له قبيحه! وكيف يعقل منه أن ~~يقبل منه وصف إبراهيم هذا بتلك الأوصاف العلية مع هذه المرتبة الدنية؟! إذ ~~غايته أنه مغن عواد لظالم، فإن هذا كله بتقدير صحة ذلك من إبراهيم هذا، ~~وإلا فقد مر أن هذا الرجل إنما يعتمد كذب ابن طاهر الخبيث ويظنه حجة؛ لأن ~~هواه أعماه وأصمه حتى أنه لم يفرق بين القبيح والحسن، بل لا يألف إلا ~~القبيح؛ لأنه الموافق للهوى، وقوله: ونقل الإمام المازري عن عبدالله بن ~~الحكم أنه مكروه [جوابه: أنه مكروه] (1) كراهة تحريم، فإن المجتهدين الذين ~~هم مشايخ ابن الحكم كالشافعي كثيرا ما يطلقون الكراهة يريدون بها كراهة ~~التحريم. PageV01P128 # وقوله: وحكي عن الإمام عز الدين بن عبدالسلام أنه مباح، هذه الحكاية كذب ~~صراح، كيف وهو مصرح في كتبه بخلافه! فهو نظير الكذب السابق على أبي إسحاق، ~~ولولا ابتلي الناس بهؤلاء الكذابين الذين لا مسكة لهم [ولا دين] (1) لاتضح ~~الحق [وظهر ms067 الصدق، فإن الحكمة الإلهية اقتضت ذلك ليظهر المحق من المبطل، ~~ويتحلى كل برداء صدقه أو كذبه] (2) يوم العرض الأكبر يوم تبيض وجوه وتسود ~~وجوه، عافانا الله من ذلك بمنه وكرمه آمين. # (تنبيه ثان) استدل أصحابنا لتحريم الملاهي المذكورة بقوله - تعالى -: ~~{ومن الناس من يشتري لهو الحديث} (3) [ز1/ 33/أ] فسره ابن عباس والحسن ~~بالملاهي (4)، وبقوله - تعالى -: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك} (5) فسره ~~مجاهد: بالغناء والمزامير (6). # وبالحديث الصحيح أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ليكونن في أمتي أقوام ~~يستحلون الخز والحرير والخمر والمعازف))؛ رواه البخاري تعليقا، ووصله ~~الإسماعيلي وأبو نعيم في "المستخرج"، وأبو داود بأسانيد PageV01P129 # صحيحة (1)، والمعازف آلات اللهو، وبهذا الذي تقرر من صحة الحديث من هذه ~~الطرق الكثيرة اندفع قول ابن حزم: إن الحديث منقطع ولا حجة فيه، ولو فرض أن ~~غير البخاري لم يذكره [لأن] (2) ذكره له حجة؛ لما قد تقرر عند الأئمة أن ~~تعليقاته المجزوم بها صحيحة، على [أن] بعض الحفاظ قال: طرقه المذكورة كلها ~~صحيحة لا مطعن فيها، وقد صححه جماعة [آخرون] من الأئمة الحفاظ، على أن ابن ~~حزم ذكر في موضع آخر أن قول العدل الراوي إذا روى عمن أدركه من العدول فهو ~~على اللقاء والسماع، سواء قال: أنبأنا، أو حدثنا، أو عن فلان، أو قال فلان، ~~فكل ذلك منه محمول على السماع، ا. ه. # فتأمل كيف ناقض نفسه، فإنه لما ذكر عن البخاري أنه روى في صحيحه في ~~الأشربة قوله: قال هشام ابن عمار: حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عبدالرحمن بن ~~يزيد بن جابر ... وساق سنده إلى أبي عامر أو أبي مالك الأشعري أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: ((ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر)) (3)؛ ~~أي: بكسر الحاء المهملة وفتح الراء مع التخفيف؛ أي: الزنا، فإن الحر اسم ~~لفرج المرأة، ا. ه. # قال - أعني: ابن حزم -: هذا حديث منقطع غير متصل، فلا يستدل به، بل حمله ~~تعصبه لمذهبه الفاسد الباطل في إباحة الأوتار وغيرها إلى أن حكم على هذا ~~الحديث وكل ما ورد في ms068 الملاهي بالوضع، وقد كذب في ذلك PageV01P130 # وافترى على الله وعلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - وشريعته الغراء، كيف ~~وقد صرح الأئمة الحفاظ الذين هم أمناء الله على شريعة نبيهم - صلى الله ~~عليه وسلم - بتصحيح كثير من الأحاديث الواردة في ذلك كما قدمته، ولقد قال ~~بعض الأئمة الحفاظ: إن ابن حزم إنما صرح بذلك تقريرا لمذهبه الفاسد في ~~إباحة الملاهي، وليس كما زعم وافترى فقد صحح ذلك الحديث جماعة كثيرون [ز1/ ~~33/ب] من الأئمة الحفاظ، ووقع من حديث عشرة من أصحاب هشام عنه، بل ولم ~~ينفرد به كل من هشام وصدقة وابن جابر؛ أي: فالحديث مشهور عن غير رواة ~~البخاري أيضا، وبهذا يتضح لك بطلان كلام ابن حزم، وأن تعصبه لمذهبه الباطل ~~أوقعه في المجازفة والاستهتار حتى حكم على الأحاديث الصحيحة من غير شك ولا ~~مرية بأنها موضوعة، وقد كذب وافترى؛ ومن ثم قال الأئمة في الحط عليه: إن له ~~مجازفات كثيرة، وأمورا شنيعة نشأت من غلطه وجموده على تلك الظواهر، ومن ثم ~~قال المحققون: إنه لا يقام له وزن، ولا ينظر لكلامه ولا يعول على خلافه؛ ~~أي: فإنه ليس مراعيا للأدلة، بل لما رآه هواه وغلب عليه من عدم تحريه ~~وتقواه، ومبالغته في سب العلماء وثلبهم بما أوجب الخزي في آخرته ودنياه، ~~أعاذنا الله من مثل هذه الأحوال، وبأنها آلة شربة الخمور فتدعو لشربها، ~~وفيه تشبه بأهلها، وهو حرام؛ ولذلك لو رتب جماعة مجلسا وأحضروا آلة الشرب ~~وأقداحه، وصبوا فيه السكنجبين (1) ونصبوا ساقيا يدور عليهم ويسقيهم، ويجيب ~~بعضهم بعضا بكلماتهم المعتادة بينهم حرم عليهم ذلك؛ لما فيه من التشبه بأهل ~~المعصية، وبهذا مع ما مر من الإجماع PageV01P131 # على تحريم تلك الآلات يندفع قول الغزالي: القياس تحليل العود وسائر ~~الملاهي، ولكن ورد ما يقتضي التحريم، ا. ه. # ووجه اندفاعه أن ما فيها من المعاني الموجبة للحرمة مع صحة الحديث ~~بحرمتها وقيام الإجماع عليها يلغي ما قاله من القياس لو فرضت صحته، فكيف ~~وهو لم يصح؟! وإنما القياس فيها الحرمة لما علم ms069 واستقر في الشرع من أن ~~وسائل المعاصي معاص مثلها، وهذه الآلات كذلك كما تقرر، وأصل هذا قول إمامه ~~في بعض آلات الملاهي: القياس تحليلها، فإن صح الخبر قلنا بتحريمه وإلا ~~توقفنا، قال بعض شراح "المنهاج": لم يصح، وليس كما زعم، بل صح الخبر من طرق ~~عديدة لا مطعن فيها كما سبق. # ثم رأيت الغزالي ذكر ما يدفع ما مر عنه؛ فإنه قال في "الإحياء" (1): ~~والمنع من الأوتار كلها لثلاث علل: PageV01P132 # إحداها: أنها تدعو إلى شرب الخمر فإن اللذة الحاصلة بها تدعو [لذلك] (1) ~~[ز1/ 34/أ]؛ ولهذا حرم شرب قليله الذي يقطع بعدم إسكاره؛ لأنه يجر لكثيره. # الثانية: أنها في قريب العهد بشربه تذكره [محاسن] (2) الشرب، والذكر سبب ~~انبعاث الفسوق، وانبعاث الفسوق إذا قوي سبب للإقدام. # والثالثة: أن [الاجتماع] (3) على الأوتار لما صار من عادة أهل الفسق منع ~~من التشبه بهم؛ إذ ((من تشبه بقوم فهو منهم)) (4). PageV01P133 # (تنبيه ثالث) زعم ابن حزم أنه لم يصح في تحريم العود حديث، قال: وقد سمعه ~~ابن عمر وابن جعفر، ا. ه، وابن حزم هذا رجل ظاهري لا يعتد بخلافه، ولا يعول ~~عليه كما صرح به الأئمة، وقوله: لم يصح في تحريم العود حديث ... مبني على ~~ما سبق عنه قريبا في حديث البخاري، وقد علم أنه حديث صحيح عند أئمة الحديث ~~الذين عليهم المعول في القديم والحديث، وزعمه أن هذين الإمامين سمعاه من ~~تهوره ومجازفته؛ ومن ثم قال الأئمة في الرد عليه: لم يثبت ما زعمه عنهما، ~~وحاشا ابن عمر من ذلك مع شدة ورعه وتحريه واتباعه وبعده من اللهو، قالوا ~~أيضا: وقوله: لم يصح فيه حديث، جمود منه على ظاهريته، وفي عموم الأحاديث ~~الناصة على ذم البدع والمحدثات وإنكارها ما يدل على تحريمه دلالة ظاهرة لا ~~مدفع لها، وإذا تقرر لك ما في هذا التنبيه واللذين قبله مع ما مر في مبحث ~~الرقص، علمت به بطلان ما نقله بعض من لا وثوق به ولا تعويل عليه عن الشيخ ~~عز الدين ابن عبدالسلام أنه سئل عن ms070 الآلات كلها فقال: مباح، قال ابن ~~القماح: يريد أنه لم يرد دليل صحيح من السنة على تحريمه فسمعه الشيخ فقال: ~~لا أردت أن ذلك مباح، ا. ه. # PageV01P134 # وهذا كله كذب مصنوع وباطل موضوع، ومعاذ الله أن سلطان العلماء يبيح ما ~~أجمع العلماء على تحريمه، ومن توهم ذلك فيه لم يثق بعد بكلام عالم قط؛ لأن ~~مثل هذا الحبر إذا صرح في كتبه بحرمة تلك الآلات كلها وكذب عليه بذلك، ~~واعتمد هذا الكذب من لا فهم له بل ولا دين، وأقر هؤلاء الكذبة على كذبهم - ~~زالت الثقة بالعلماء ومؤلفاتهم، فتعين علينا أن نبالغ في الرد على هؤلاء ~~الذين لا خلاق لهم ولا دين بحجزهم عن قبيح الافتراء على العلماء العاملين ~~والأئمة المحققين، وليت هؤلاء الأشقياء كذبوا على من ليس له تصنيف بين أيدي ~~الناس يرجعون [ز1/ 34/ب] إليه، وأما هذا الإمام فتصانيفه مشهورة منشورة، ~~فهي تكذبهم وتسفه أحلامهم، ومن العجب ما نقله عن ابن القماح أنه لم [يرد] ~~(1) دليل صحيح على تحريم ذلك، وهذا باطل، كيف ومر فيه حديث البخاري، ولكنه ~~تبع ابن حزم، وقد مرت المبالغة في الرد عليه، وأن الخبر صحيح عند الحفاظ، ~~وأنه مصرح تصريحا لا يقبل تأويلا بحرمة الآلات كلها كما مر في التنبيه مع ~~الرد عليه على من نازع فيه، ونظيره ما نقل عن التاج الفزاري أنه كان يحضر ~~غير مرة السماع بالدف والشبابة، وبفرض صحة ذلك عنه فالدف حلال وكذا الشبابة ~~عند بعض العلماء، فلعله ممن يبيحها، وهو بعيد، ومن استدل على حل السماع ~~المحرم بأن معتقدا كان إذا سمع سماعا اعتراه حال قام منتصبا زمانا طويلا ~~كأصح الرجال [فلم يصب] (2)، ومن أين ذلك للحاكي أنه سماع محرم؟ لأن شأن ~~هؤلاء المنتصرين لحل ما حرم الله على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - ~~ووارثيه أنهم يكتفون بمجرد حكاية يجدونها في PageV01P135 # كتاب من غير بحث منهم عمن رواها، ولا عن مدلولها ومعناها، لما أن حب ~~الهوى أعماهم، وعن طريق الهدى أضلهم وأغواهم. # ونظير ما مر عن ms071 ابن عبدالسلام من الكذب والتقول عليه ما نقل عن تلميذه ~~الإمام المجتهد ابن دقيق العيد أنه حضر السماع بالدف والشبابة، وكذا جماعة ~~من الفقهاء من حكايات كلها لا يعول عليها ولا يلتفت إليها، وبفرض صحة ذلك ~~فهو في أمر مختلف فيه، وقد مر في صحته عن العلماء فيه ما فيه مقنع لمن رزق ~~أدنى نوع من هداية، وإنما الطامة اعتقاد هؤلاء حل الأوتار جميعها، وأنه لم ~~يرد فيها حديث صحيح افتراء وكذبا على الله ورسوله؛ قال - تعالى -: {ويوم ~~القيامة ترى الذين كذبوا على الله ... } الآية (1)، ولا منكر أقبح ممن يريد ~~أن يحلل ما أجمع العلماء على تحريمه، ويوقع العامة وغيرهم في العمل به ~~وسماعه، غافلا عما يترتب عليه من الإثم والعقاب، عافانا الله من ذلك بمنه ~~وكرمه، آمين. # ومن العجب أن صاحب ذلك الكتاب سرد عن كثيرين أنهم حضروا السماع على حسب ~~تقوله وتهوره وكأنه لم يطلع على كلام القرطبي وغيره السابق، ولا على كلام ~~الأئمة عنهم ولا فهم محل الخلاف من محل الوفاق، وإنما يدلس ويلبس [ز1/ ~~35/أ] ليروج خرافاته ويظهر سقطاته، ومن الذي يحرم السماع مطلقا حتى يعرض ~~بأنه حرام، وإنما المنكر ما يزعمونه من حله بالآلات المحرمة بالإجماع، وكل ~~ما حكاه عن أولئك الأئمة إنما هو في سماع اختلف فيه، كما مر بيان ذلك واضحا ~~مبسوطا، فعليك بتحريره PageV01P136 # ودع تلك الحكايات، وما فيها من الكذب والتقولات، إن أردت السلامة من ~~الحسرة والندامة، لا سيما وقت العرض يوم القيامة. # (تنبيه رابع) إنما فسرت الصنج في الترجمة بذي الأوتار لأنه الذي لا خلاف ~~في تحريمه، بخلاف الصنج الذي هو دوائر يضرب بواحدة على الأخرى فإن فيه ~~خلافا [مر] بسطه، وإطلاق الصنج على الأمرين ذكره الجوهري وغيره؛ حيث قالوا: ~~الصنج هو الذي يتخذ من صفر يضرب إحداهما بالأخرى مختص بالعرب، وذو الأوتار ~~مختص بالعجم وهما معربان، وقال ابن معن الجزري في "التنقيب على المهذب" ~~قوله: ويحرم استعمال الآلات التي تطرب من غير غناء؛ كالعود والطنبور ~~[والمعزفة، والصليل، والمزمار، أما العود ms072 والطنبور] (1) فقد فسرهما الشيخ، ~~والمعزفة أصوات القيان إذا كانت مع العود وإلا فلا يقال ذلك، وقد قيل: كل ~~ذي وتر معزاف، والصليل بكسر الصاد وتشديد اللام المكسورة، وهو الصنج، ~~واشتقاقه من الصلول وهو صوت الحديد إذا وقع بعضه على بعض، وفي نسخ "المهذب" ~~مكان الصليل (الطبل) وليس بشيء، بل هو غلط وتصحيف، ا. ه. # وفي المحكم: صل اللجام امتد صوته، ومصلصل مصوت. # (تنبيه خامس) الطنبور بضم الطاء معروف [وفي كتب اللغة: الطنبور العود] ~~(2)، والمشهور في العرف وعند أهل الصناعة أنه غيره، وكأن كل واحد من العود ~~والطنبور وغيرهما اسم جنس تحته أنواع، وقد يشمل اسم العود سائر الأوتار، ~~انظر قول العمراني وخلائق من الأصحاب: PageV01P137 # الأصوات الملهية ثلاثة أضرب: ضرب محرم وهي التي تطرب من غير غناء؛ ~~كالعيدان، والطنابير، والطبول والمزامير، والمعازف، والنايات، والأكبار، ~~والرباب وما أشبهها، ا. ه. # والمعازف جمع معزفة، قيل: وهي أصوات القينات إذا كانت مع العود وإلا فلا ~~يقال لها ذلك، وقيل هي كل ذي وتر. [ز1/ 35/ب] # (تنبيه سادس) إذا تأملت ما مر في المقدمة مما يترتب على سامع الغناء، ~~والمزامير، والمعازف وهي آلات الملاهي والأوتار، رجاء لك أن توفق إلى العمل ~~بتلك الأحاديث، وأن تنزجر عن سماع تلك السفسافات، وتتوجه إلى الله بقيامك ~~فيما أمرك فيه في سائر الحالات، فمن تلك الأحاديث قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: ((إياكم واستماع المعازف والغناء؛ فإنهما ينبتان النفاق في القلب ~~كما ينبت الماء البقل)) (1)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((الغناء ~~واللهو ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء العشب، والذي نفسي بيده، إن ~~القرآن والذكر لينبتان الإيمان في القلب كما ينبت الماء العشب)) (2)، فتأمل ~~ذلك مع ما مر من الأحاديث، وأقوال العلماء، وأعرض عمن أدت بهم مجازفته إلى ~~أن أحل سماع الآلات، وأوهم العامة أن في ذلك مكاشفات ومنازلات، كلا والله ~~ليس فيه إلا النقصان، وغاية المقت والخسران، ولسنا نحرم مطلق السماع، ولا ~~نعتقد أن ما تفعله من ذلك كله سفساف وضياع، بل منهم العارفون وهم حزب الله ~~{ألا ms073 إن PageV01P138 # حزب الله هم الغالبون} (1)، وما جاء عنهم أكثره لم يصح، وما صح عنهم سالم ~~من المحرمات - بحمد الله تعالى. # (تنبيه سابع) قيل: أول من وضع العود مالك بن آدم - صلى الله على نبينا ~~وعليه وعلى سائر الأنبياء وسلم - وذلك أنه مات له ولد فصلبه في شجرة وجلس ~~تحته يراقبه حتى تناثر لحمه ولم يبق إلا العظم والعروق، فعرف أنها ستفنى ~~فاتخذه على مثال وركه ورجله، وجعل له أوتارا نظير عروق الرجل الموصلة ~~للورك، ثم ضرب عليها فصوتت صوتا حسنا فعكف على ضربها وسماعها. # وقيل: أول من وضعه حكماء الهند، وضعوه على طباع الإنسان؛ ومن ثم حكي عن ~~الفارابي إمام الموسيقا أنه حضر مجلسا حافلا لبعض الملوك أو الرؤساء، فأخرج ~~آلة صغيرة من داخل ثوبه، وضرب عليها فضحكوا إلى أن خشي عليهم الهلاك، ثم ~~غير الضرب فبكوا كذلك، ثم غيره فناموا عن آخرهم، فتركهم وذهب عنهم. # * * * * * PageV01P139 ### | القسم الرابع عشر: في بيان أن ما مر صغيرة أو كبيرة # قد بسطت ذلك في كتابي "الزواجر عن اقتراف الكبائر"، وهو كتاب حافل مستوعب ~~لكل ما قيل: إنه [ز1/ 36/أ] كبيرة، وما ورد فيه من السنة وكلام الأئمة فقلت ~~فيه: (الكبيرة الثامنة والتاسعة والثلاثون بعد الأربعمائة، والكبيرة ~~الموفية للأربعين، والحادية، والثانية، والثالثة والأربعون بعد الأربعمائة: ~~ضرب وتر واستماعه، وزمر بمزمار واستماعه، وضرب بكوبة واستماعه) قال الله - ~~تعالى -: {ومن الناس ... } (1) الآية فسر ابن عباس والحسن لهو الحديث ~~بالملاهي، وسيأتي بيانها (2). # وقال - تعالى -: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك ... } (3) فسره مجاهد ~~بالغناء والمزامير (4)، وسيأتي حديث أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن ~~الله يغفر لكل مذنب إلا صاحب عرطبة - أو عرطابة - أو كوبة - والأولى ~~العود)) (5). PageV01P140 # وعد هذه الست من الكبائر تبعت فيه الأكثرين في بعضها وقياسة الباقي، بل ~~في "الشامل" - كما يأتي - التصريح بذلك في الجملة، قال الإمام: قال شيخي ~~أبو محمد: سماع الأوتار مرة واحدة لا توجب رد الشهادة، وإنما ترد بالإصرار ~~عليها، وقطع العراقيون ومعظم الأصحاب بأنه من الكبائر، هذا لفظه وتابعه ~~عليه الغزالي، قالا: ms074 وما ذكرناه من سماع الأوتار مفروض فيما إذا لم يكن ~~الإقدام عليها مرة تشعر بالانحلال، وإلا فالمرة الواحدة ترد بها الشهادة، ~~وطرد الإمام ذلك في كل ما جانسه، وتوقف ابن أبي الدم فيما نسبه الإمام ~~للعراقيين، وقال: لم أر أحدا منهم صرح به، بل جزم الماوردي - وهو منهم - ~~بنقيض ما حكاه الإمام، فقال: إذا قلنا بتحريم الأغاني والملاهي فهي من ~~الصغائر دون الكبائر مفتقر إلى الاستغفار ولا ترد به الشهادة إلا بالإصرار، ~~ومتى قلنا بكراهة شيء منها فهي من الخلاعة لا مفتقر إلى الاستغفار ولا ترد ~~الشهادة بها إلا مع الإكثار، ا. ه. # وتابعه في "المهذب"، وكذلك القاضي الحسين فإنه قال في "تعليقه": قال بعض ~~أصحابنا: لو جلس على الديباج عند عقد النكاح لم ينعقد؛ لأنه مخل بالشهادة ~~فيه كالأداء، والذي صار إليه المحصلون أن هذا من الصغائر، وما يندر منه لا ~~يوجب الفسق، وتابعه الفوراني في "الإبانة"، ورد بعضهم إنكار ابن أبي الدم ~~على الإمام ما ذكر بأن مجليا صرح في [ذخائره] (1) بما يوافقه، فقال: إن كون ~~ذلك من الكبائر هو ظاهر كلام "الشامل" حيث قال: من استمع إلى شيء من هذه ~~المحرمات فسق وردت شهادته، ولم يشترط تكرر السماع، ا. ه (2). PageV01P141 # والحاصل: أن المعتمد عندنا من أن ذلك من الصغائر حيث لم يحصل إدمان عليه ~~حتى غلبت معاصيه طاعاته، وإلا التحق بالكبائر في إبطال العدالة ورد ~~الشهادة. # (تنبيه) وقع لصاحب هذا الكتاب أنه قال: من ارتكب أمرا فيه خلاف لا يعزر ~~عليه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((ادرؤوا الحدود بالشبهات)) (1)، وهذا ~~من جملة سقطاته؛ للاتفاق على أنه لا عبرة بعقيدة الخصم، وإنما العبرة ~~بعقيدة الحاكم الذي رفع إليه الخصم، فيفعل فيه الحاكم باعتقاد نفسه دون ~~غيره، ولو رأينا إلى هذه السقطة لم يجز أن يرفع خصم إلى قاض يخالف عقيدته، ~~وهذا بدع خارق للإجماع، لا يصدر مثله إلا ممن لا يفرق بين الحكم بعد الرفع ~~إلى الحكام وقبله؛ وبيان ذلك أن من ارتكب مختلفا فيه فإن قلد القائل ms075 بحله ~~وكان ذلك القائل ممن يجوز تقليده فلا حرج عليه عند الله - تعالى - وهذا ~~الذي قال فيه العلماء: لا يعذب الله الشخص بمسألة عمل بها على قول عالم، ~~وأما بالنسبة للأحكام الظاهرة فمتى رفع لحاكم فعل معه باعتقاده ولم ينظر ~~لتقليده من يجوز ذلك ولا لعدمه إقامة لنظام [السياسات] (2) الشرعية، وإلا ~~لكان كل من ادعى عليه بشيء يزعم أنه قلد فيه من لا يلزمه به، وتتعطل ~~الأحكام وتستحل الأموال، ومن ثم قال PageV01P142 # الشافعي - رضي الله عنه - في حنفي شرب نبيذا يعتقد حله ثم رفع إليه: أحده ~~وأقبل شهادته، قال أصحابه: إنما حده لأن العبرة بعقيدة الحاكم لا الخصم، ~~وإنما قبل شهادته لأنه أقدم على جائز في اعتقاده، وهذا هو الصواب في هذا ~~البحث فاحفظه لئلا تزل فيه قدمك كما زل فيه قدم صاحب ذلك الكتاب، فإنه ~~استدل على عدم التعزير بالحديث السابق، وبما نقله عن الشافعي: إن الله لا ~~يعذب على فعل اختلف العلماء فيه، فالتبس عليه الأمر الأخروي بالأمر ~~الدنيوي، وقد علمت ما بينهما من الفرق الواضح. # ثم ظاهر كلامه أن مجرد كون الفعل مختلفا فيه يمنع [من] العقاب عليه، وهو ~~خلاف الإجماع كما قالوا الأئمة، وإنما شرط ذلك أن يعلم القائل بذلك، وأنه ~~من المجتهدين، وأنه من الذين يجوز تقليدهم، ثم بعد ذلك كله يقلده تقليدا ~~صحيحا، بألا يترتب عليه تلفيق التقليد، وإلا لم يجز اتفاقا، كما إذا قلد ~~الشافعي مالكا في (1) نجاسة الكلب، ولم يمسح رأسه كله، أو لم يوال في وضوئه ~~مثلا، كما هو مقرر في الأصول، فاستفد ذلك فإن كثيرين يزلون فيه؛ اعتقادا ~~منهم أن مجرد الاختلاف في الشيء [ز1/ 37/أ] يمنع العقاب عليه، وليس كذلك ~~كما علمت: وإنما قلنا: يجوز تقليده؛ لأن كثيرين من المجتهدين الخارجين عن ~~الأئمة الأربعة لا يجوز تقليدهم كما هو مقرر في كتب الفقه والأصول، ألا ترى ~~إلى ما جاء عن عطاء في إباحة [إعارة] الجواري للوطء، وعن آخرين في تحليل ~~المطلقة ثلاثا، وعن الأعمش في الأكل في رمضان بعد ms076 الفجر وقبل طلوع الشمس، ~~ونحو ذلك من PageV01P143 # مذاهب المجتهدين الشاذة التي كاد الإجماع أن ينعقد على خلافها، فهذه كلها ~~لا يجوز تقليد أربابها، ومن قلدهم فهو آثم فاسق يحد ويعزر إجماعا بموجب ~~فعله. # وبهذا يتضح لك خطأ ذلك الرجل في إيهامه أنه يجوز تقليد غير الأئمة ~~الأربعة مطلقا، وما درى المسكين أن لذلك شروطا كثيرة أشرت إليها بينه ~~وبينها خرط القتاد (1)، وليس مجرد الاختلاف مسوغا للهجوم على الفعل، بل لا ~~بد من جميع شروط التقليد كما هو مقرر ومحرر في كتب الأصول، ولكن الجهل بذلك ~~يوجب الوقوع في أوعر المسالك، وقد ذكر الأئمة أنه لا يجوز لمفت ولا لقاض ~~تقليد غير الأئمة الأربعة، قالوا: لا لنقصهم؛ لأن الصحابة وتابعيهم سادات ~~الأمة، وإنما هو لارتفاع الثقة بشروط مذاهبهم وتحقيقاتها وصورها، فإنها ~~أقوال في جزئيات متعددة، ولم يعلم لهم قواعد يرجع إليها، ولا شروط وتقييدات ~~يعول عليها، وارتفعت الثقة بها لأنها لم تحرر وتدون بخلاف المذاهب الأربعة؛ ~~فإنها حررت ودونت وتعاقبتها الآراء، [ومحصتها] كوامل العقول حتى نقحتها ~~وحررتها، ولم يقل منها مسألة إلا وعلم مغزاها ودليلها ومعناها، فوثقت بها ~~النفوس، واطمأنت إليها [ز1/ 37/ب] القلوب، بخلاف بقية المذاهب الخارجة ~~عنها، ومن ثم كان الشافعي يقول: الليث أفقه من مالك لكن ضيعه أصحابه؛ أي: ~~بعدم تدوين مذهبه وتحرير مقاصده وقواعده، واعلم أن الأئمة صرحوا بأن ~~الظاهرية لا يعتد بخلافهم، ولا يجوز تقليد أحد منهم؛ لأنهم سلبوا العقول ~~حتى أنكروا PageV01P144 # القياس الجلي، وابن حزم من أقبحهم في ذلك، فلا يجوز لأحد أن ينظر لما ~~قاله في الآلات، خلافا لما وهم فيه صاحب ذلك الكتاب فإن الظاهر أنه يشير ~~إلى أنه إذا جاز تقليد غير الأئمة الأربعة جاز تقليد مثل ابن حزم، وهذه زلة ~~قبيحة، يتعين على كل من خطرت له التوبة منها؛ لما علمت أن العلماء لا ~~يقيمون لابن حزم وأصحابه وزنا، وأنه لا يجوز لأحد تقليده ولا الإصغاء لما ~~يقوله أصلا ورأسا. # PageV01P145 ### | الباب الثاني: في أقسام اللهو المحرم وغيره # اعلم أن أصل هذا ms077 الباب قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: ~~((كل شيء يلهو به ابن آدم باطل إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، ملاعبته ~~امرأته)) (1)؛ وذلك لأنه أفاد أن كل ما يتلهى به الإنسان مما لا يفيد في ~~العاجل والآجل فائدة دينية فهو باطل، والاعتراض فيه متعين إلا هذه الأمور ~~الثلاثة، فإنه وإن فعلها على أنه يتلهى بها وليستأنس بها وينشط، فإنها حق؛ ~~لاتصالها بما قد يفيد، فإن الرمي بالقوس وتأديب الفرس فيهما عون على ~~القتال، وملاعبة المرأة قد تفضي إلى ما يكون عنه ولد يوحد الله ويعبده؛ ~~فلهذا كانت هذه الثلاث من الحق وما عداها من الباطل، وحينئذ يتضح بذلك ما ~~يأتي من التحريم في الأقسام الآتية. # وقال الخطابي في الكلام على نحو هذا الحديث: وفي هذا بيان أن جميع أنواع ~~اللهو محظورة وإنما استثنى - صلى الله عليه وسلم - هذه الخلال من جملة ما ~~حرم منها؛ لأن كل واحدة منها إذا تأملتها وجدتها معينة على حق أو ذريعة ~~إليه، ويدخل في معناها ما كان من المثاقفة بالسلاح والشد على الأقدام ~~ونحوهما مما يرتاض الإنسان به ويتقوى به على مجالدة العدو، لا كما في سائر ~~ما يتلهى به البطالون من أنواع اللهو؛ كالنرد، والشطرنج، واللعب بالحمام ~~[ز1/ 38/أ] وسائر ضروب [اللهو] مما لا يستعان به في حق [فمحظور] كله، ا. ه. ~~PageV01P146 ### | القسم الأول: اللعب بالنرد # (1) # وهو حرام كما نص عليه الشافعي في "الأم" وجرى عليه أكثر أصحابه، واعتمده ~~الشيخان وغيرهما، وعبارة الشافعي في "الأم": وأكره - من جهة الخبر - اللعب ~~[بالنرد] أكثر مما أكره اللعب بشيء من الملاهي، ولا أحب اللعب بالشطرنج، ~~وهي أخف حالا من النرد، انتهت (2). # ومراده كراهة التحريم؛ إذ هو كثيرا ما يطلق الكراهة ويريد بها التحريم؛ ~~ولهذا قال في "البيان": المنصوص في "الأم" التحريم، وقيل: إنه مكروه كراهة ~~تنزيه، وعليه أبو إسحاق المروزي، والإسفراييني، وحكي عن ابن [خير الله] (3) ~~وإفتاء أبي الطيب، وغلط الأصحاب هذا الوجه وقالوا: إنه ليس بشيء؛ لمخالفته ~~الأدلة الآتية؛ إذ هي صريحة في التحريم بل ms078 في كونه كبيرة كما يأتي، ~~والمنقول عن الشافعي وأكثر أصحابه، فبطل هذا القول، وإنما يحكى ليبين ~~بطلانه وزيفه، وأنه لا يعول عليه ولا ينظر إليه، ومما يزيفه أيضا نقل ~~القرطبي في "شرح مسلم" اتفاق العلماء على تحريم اللعب به، ونقل الموفق ~~الحنبلي في "مغنيه" الإجماع على تحريم اللعب به (4)، وأما قول جمع: إن ~~المنصوص عليه في "الأم" وغيرها الكراهة، فهو غلط منهم إن أرادوا كراهة ~~التنزيه؛ لما مر أن الشافعي - رضي الله عنه - يطلق قوله: PageV01P147 # وأكره كذا، مريدا به التحريم كثيرا؛ ولهذا قال في "البيان" كما مر: إن ~~المنصوص في "الأم" التحريم، وبه قال كثير أصحابنا، وقال الروياني في ~~"الحلية": أكثر أصحابنا على التحريم وقالوا: إنه مذهب الشافعي. # (تنبيه) الدليل على تحريمه وتغليظ العقوبة فيه خبر أحمد، ومسلم، وأبي ~~دواد، وابن ماجه، وأبي عوانة، وابن حبان أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~((من لعب [بالنردشير] (أي: بفتح الدال) فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه)) ~~(1). # وخبر أبي داود وغيره، وصححه ابن حبان، وقيل: فيه انقطاع عن أبي موسى ~~الأشعري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((من لعب بالنرد فقد عصى ~~الله ورسوله)) (2). # وخبر أحمد، وأبي يعلى، والبيهقي وغيرهم: ((مثل الذي يلعب بالنرد ثم يقوم ~~يصلي، مثل الذي يتوضأ بالقيح ودم الخنزير، ثم يقوم فيصلي)) (3)؛ أي: فلا ~~تقبل له صلاة، كما صرحت به رواية أخرى. # وخبر أحمد: [ز1/ 38/ب] ((من لعب بالكعاب فقد عصى الله ورسوله)) (4). ~~PageV01P148 # وخبر البيهقي عن يحيى بن أبي كثير قال: ((مر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - على قوم يلعبون بالنرد فقال: قلوب لاهية، وأيد عاملة، وألسنة ~~لاغية)) (1). # وخبر أحمد: ((إياكم وهاتان الكعبتان الموسومتان اللتان [تزجران زجرا]، ~~فإنها من الميسر؛ ميسر العجم)) (2). # وخبر الطبراني: ((اجتنبوا هذه الكعاب الموسومة التي [يزجر بها زجرا]، ~~فإنها من الميسر)) (3). # وخبر الديلمي: ((إذا مررتم بهؤلاء الذين يلعبون بهذه الأزلام، والشطرنج، ~~والنرد، وما كان من هذه - أي: وما شابه ذلك من كل لهو محرم - فلا تسلموا ~~عليهم، وإن سلموا عليكم فلا ms079 تردوا عليهم)) (4). # وفي رواية تأتي في مبحث الشطرنج: ((إذا مررتم بهؤلاء الذين يلعبون بهذه ~~الأزلام النرد والشطرنج وما كان من اللهو فلا تسلموا عليهم؛ فإنهم إذا ~~اجتمعوا وأكبوا عليها جاءهم الشيطان بجنوده فأحدق بهم كلما ذهب واحد منهم ~~يصرف بصره عنها، لكزه الشيطان بجنوده، فلا يزالون يلعبون PageV01P149 # حتى يتفرقوا كالكلاب إذا اجتمعت على جيفة فأكلت منها حتى ملأت بطونها ثم ~~تفرقت)) (1). # وخبر ابن أبي الدنيا والبيهقي: ((اتقوا هذين الكعبين الموسومين اللذين ~~يزجران زجرا، فإنهما من ميسر العجم)) (2). # وخبر أبي داود في "مراسيله": ((ثلاث [من] الميسر: [القمار]، والضرب ~~بالكعاب، والصفير بالحمام)) (3)، وحكمة تحريمه أن فيه حرزا وتخمينا فيؤدي ~~إلى التخاصم والفتن التي لا غاية لها، ففطم الناس عنه حذرا من الشرور التي ~~تترتب عليه. # (تنبيه ثان) اختلف أصحابنا في اللعب بالنرد كبيرة أو صغيرة، وظاهر ~~الأخبار المذكورة أنه كبيرة، لا سيما الخبر الأول، والخبر الذي فيه عدم ~~قبول الصلاة، وقد ذكرت ذلك في "الزواجر عن اجتناب الكبائر"، فقلت عقب ذكر ~~تلك الأحاديث: عد هذا هو ظاهر هذه الأخبار، لا سيما الخبر PageV01P150 # الثاني، والخبر الثالث؛ أن التشبيه الذي فيهما يفيد وعيدا شديدا لو لم ~~يكن منه إلا عدم قبول الصلاة، وبذلك صرح في "البيان" نقلا عن أكثر الأصحاب ~~فقال: قال أكثر أصحابنا: يحرم اللعب بالنرد، وهو المنصوص في "الأم"، ويفسق ~~به وترد به الشهادة، اه (1). # وسبقه إلى ذلك الماوردي فصرح به في "حاويه"، [وعبارته]: الصحيح الذي ذهب ~~إليه الأكثرون [ز1/ 39/أ] تحريم اللعب بالنرد، وأنه فسق ترد به الشهادة، ~~انتهت، وتبعه الروياني في "البحر" على عادته فقال بعد قول الشافعي في ~~المختصر: وأكره اللعب بالنرد [للخبر؛ قال عامة أصحابنا: يكره اللعب بالنرد] ~~(2) وترد به الشهادة والكراهة للتحريم، وقال أبو إسحاق: هو كالشطرنج سواء ~~وهذا غلط، ا. ه (3). PageV01P151 # وعبارة [تحريم] (1) الروياني: وقال بعض أصحابنا فإن فعل فسق وردت شهادته، ~~وعبارة المحاملي في "تجريده": من لعب به فسق وردت شهادته، هذا قول عامة ~~أصحابنا إلا أبا إسحاق قال: هو كالشطرنج وليس بشيء، والأول هو ms080 المذهب، ا. ~~ه. # وقال إمام الحرمين: الصحيح أنه من الكبائر، [واعتمد] ذلك الأذرعي فقال: ~~من لعب بالنرد عالما بما [جاء] فيه مستحضرا له، فسق وردت شهادته في أي بلد ~~كان، لا من جهة ترك المروءة بل لارتكاب النهي الشديد، ا. ه. # والذي جرى عليه الرافعي وسبقه إليه الشيخ أبو محمد أنه صغيرة، وعبارة ~~الرافعي: ما حكمنا بتحريمه كالنرد هل هو من الكبائر حتى ترد الشهادة بالمرة ~~الواحدة منه، أو من الصغائر يتعين فيه الإكثار؟ فيه وجهان: كلام الإمام ~~يميل إلى ترجيح أولهما، والأشبه الثاني، وهو المذكور في "التهذيب" وغيره، ~~ا. ه. # واعتمده الأسنوي فقال: والصحيح ما قاله الشيخ أبو محمد، كذا رجحه الرافعي ~~في آخر الفصل ثم أورد كلامه هذا، ثم قال: ورجحه الشرح الصغير لكن اعترض ~~الإمام البلقيني ما رجحه الرافعي فقال: إن كان مورد التصحيح ما صححه ~~الأكثرون فقد نقل المحاملي في "التجريد" عن عامة الأصحاب مثل ما صححه ~~الإمام؛ أي: إنه كبيرة مطلقا، وذكره الماوردي عن الأكثرين أيضا وقال: إنه ~~الصحيح، وحينئذ فلا يستقيم قول الرافعي: إنه المذكور في "التهذيب" وغيره، ~~وإن كان المراد الدليل فأين الدليل الذي استدل به على مدعاه، ا. ه. ~~PageV01P152 # وأشار بذلك إلى أن القول بأنه صغيرة مخالف لما عليه الأكثرون، وهو ظاهر؛ ~~لما مر من النقل عنهم، ولما جاء فيه من السنة وهو ظاهر أيضا لما مر من ~~الوعيد الشديد فيه، وفصل بعضهم فقال: ينظر إلى عادة البلد؛ فحيث استعظموه ~~ردت [شهادته] بمرة واحدة منه [ز1/ 39/ب] وإلا فلا، وهذه التفرقة ضعيفة كما ~~قاله البلقيني، وعلى القول بأنه صغيرة فمحله حيث خلا عن القمار وإلا فهو ~~كبيرة بلا نزاع كما أشار إليه الزركشي، وهو واضح. # (تنبيه ثالث) يسمى نردشير بالشين المعجمة والراء نسبة لأول ملوك الفرس؛ ~~من حيث كونه أول من وضع له ذكره في "المهمات"، وقال القاضي البيضاوي في ~~"شرح المصابيح": يقال: وضعه سابور ابن أزدشير ثاني ملوك الساسان ولأجله ~~يقال له: النردشير، وشبه رقعته بالأرض وقسمها أربعة أقسام تشبيها بالفصول ms081 ~~الأربعة، وقال الماوردي: قيل: إنه على الفصول الاثني عشر، والكواكب السبعة؛ ~~لأن بيوته اثنا عشر كالبروج ونقطه من جانبي الفص سبع كالكواكب السبعة، فعدل ~~به إلى تدبير الكواكب والبروج. # (خاتمة): في بيان أن اللهو المباح مأذون فيه منه - صلى الله عليه وسلم - ~~وأنه في بعض الأحوال قد لا ينافي الكمال: # عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~((خير لهو المؤمن السباحة، وخير لهو المرأة المغزل))؛ أخرجه ابن عدي (1). ~~PageV01P153 # وعن جابر بن عبدالله وجابر بن عمير أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: ((كل شيء ليس من ذكر الله لهو ولعب، إلا ملاعبة الرجل امرأته، وتأديب ~~الرجل فرسه ... )) الحديث؛ رواه النسائي (1). # وفي رواية: ((اللهو في ثلاث: [في] تأديب فرسك، ورميك بقوسك، وملاعبتك ~~أهلك)) (2). # وعن المطلب بن عبدالله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((الهوا ~~والعبوا؛ فإني أكره أن أرى في دينكم غلظة))؛ رواه البيهقي (3). PageV01P154 # وعن عائشة - رضي الله عنها وعن أبيها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: ((إن الأنصار فيهم غزل، فلو أرسلتم من يقول: أتيناكم أتيناكم، فحيانا ~~وحياكم))؛ رواه البيهقي (1). # وعن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أهديتم الجارية - أي: ~~زففتموها إلى زوجها - فهلا بعثتم معها من يغنيها يقول: أتيناكم أتيناكم، ~~PageV01P155 # فحيونا [نحييكم]، فإن الأنصار قوم فيهم غزل))؛ رواه أحمد، وابن منيع ~~وغيرهما (1). # وعن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((هل ~~كان معكم من لهو، فإن الأنصار يحبون اللهو))؛ رواه الحاكم (2). # وعن [زوج ابنة أبي لهب] (3) [ز1/ 40/أ] [قال]: دخل علينا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - حين تزوجت ابنة أبي لهب فقال: ((هل من لهو؟))؛ رواه أحمد ~~(4). # وعن أبي أيوب - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~((ما من شيء تحضره الملائكة من اللهو إلا ثلاثة: الرجل مع امرأته، وإجراء ~~الخيل، والنضال))؛ رواه الحاكم في "الكنى" (5). # وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: دخل علينا رسول الله - صلى الله ms082 عليه ~~وسلم - وعندى جاريتان من جوارى الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم ~~بعاث وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر [الصديق - رضي الله عنه -]: أبمزامير ~~الشيطان في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك PageV01P156 # في يوم عيد، فقال: ((يا أبا بكر، لكل قوم عيد، وهذا عيدنا))؛ رواه ~~البخاري ومسلم (1). # وجاء عن عمر - رضي الله عنه - ((أنه كان إذا خلا في بيته ترنم بالبيت ~~والبيتين))؛ ذكره المبرد في "كامله" في قصة، وذكره البيهقي في "المعرفة" عن ~~عمر وغيره، ورواه المعافى النهرواني في كتاب "الجليس والأنيس" (2)، وابن ~~منده في "المعرفة" في ترجمة أسلم الحاوي في قصة، وروى أبو القاسم الأصبهاني ~~شيئا من ذلك في قصة (3). PageV01P157 # (تنبيه) قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((الهوا والعبوا فإني أكره أن أرى ~~في دينكم غلظة)) (1)، فيه دليل لطلب ترويح النفوس إذا [سئمت]، وجلائها إذا ~~صدأت باللهو واللعب المباح. # ومن ثم جاء عن علي كرم الله وجهه: "القلب إذا [كره] عمي" (2). # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: "القلوب تمل كما تمل الأبدان، فاطلبوا ~~لها [طرائف] الحكمة" (3). # وعن غيره: "روحوا هذه القلوب؛ فإنها سريعة [الدثور])) (4). # وعن عمر بن عبدالعزيز: "أن ولده لما قال له: إنك لتنام القائلة وذو ~~الحاجة على بابك غير نائم! أجابه بقوله: يا بني، إن نفسي مطيتي، وإن حملت ~~عليها في الطلب خسرتها)) (5). PageV01P158 # وعن ابن عباس أنه كان إذا أكثر الكلام في القرآن والسنن قال لمن عنده: ~~((احمضوا بنا - أي: نوصوا [بنا] في الشعر والأخبار)) (1)، وأصل ذلك أن ~~الإبل إذا أكثرت الرعي في النبات الحلو أخرجوها إلى ما فيه حموضة؛ خوفا ~~عليها من الهلاك. # وروي: إن في صحيفة لآل داود - صلى الله على نبينا وعليه وعلى سائر ~~الأنبياء وسلم -: "لا ينبغي للعاقل الكامل أن يخلي نفسه من واحدة من أربع: ~~[ز1/ 40/ب] عمل لمعاد، أو صلاح لمعاش، أو فكر يقف به على ما يصلحه مما ~~يفسده، أو لذة في غير كرم يستعين بها على الحالات الثلاث)) (2). # وروى الخطيب عن علي: "روحوا القلوب وابتغوا لها طرائف الحكمة؛ ms083 فإنها تمل ~~كما تمل الأبدان" (3). # وقال غيره: "روحوا القلوب تعي الذكر" (4)، وقال الزهري: "كان رجل يجالس ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويذاكرهم، فإذا كثر PageV01P159 # وثقل عليه الحديث قال: "إن الأذن مجاجة، ألا فهاتوا من أشعاركم وحديثكم" ~~(1). PageV01P160 ### | القسم [الثاني]: اللعب بالشطرنج # هو حرام عند أكثر العلماء، وكذا عندنا، أن لعبه مع من يعتقد تحريمه أو ~~اقترن به قمار أو إخراج صلاة عن وقتها أو سباب أو نحو ذلك من الفواحش التي ~~تغلب على أهله، وإلا كره كراهة تنزيه. # (تنبيه) الدليل على تحريمه مطلقا أو بقيد مما ذكرناه الأحاديث الكثيرة ~~فيه. # أخرج أبو بكر الأثرم في "جامعه" بسنده عن واثلة بن الأسقع عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((إن لله - عز وجل - في كل يوم ثلاثمائة ~~وستين نظرة إلى خلقه، ليس لصاحب الشاه [فيها نصيب))، وفسر صاحب الشاه] ~~بلاعب الشطرنج؛ لأنه يقول: شاه، وأخرجه الديلمي بلفظ: ((إن لله - تعالى - ~~في كل يوم وليلة ثلاثمائة وستين نظرة لا ينظر فيها إلى صاحب الشاه))؛ يعني: ~~الشطرنج (1). # وأخرج الخرائطي في "مساوئ الأخلاق" بلفظ: ((إن لله - تبارك وتعالى - لوحا ~~ينظر فيه في كل يوم وليلة ثلاثمائة وستين نظرة يرحم بها عباده، ليس لأهل ~~الشاه فيها نصيب)) (2). # وأخرج أبو بكر الآجري بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: ((إذا مررتم بهؤلاء الذين يلعبون بهذه الأزلام - النرد ~~والشطرنج وما كان من اللهو - فلا تسلموا عليهم؛ فإنهم إذا اجتمعوا وأكبوا ~~عليها جاءهم الشيطان بجنوده فأحدق بهم، كلما ذهب واحد منهم PageV01P161 # يصرف بصره عنها [لكزه] الشيطان بجنوده، فما يزالون يلعبون حتى يتفرقوا ~~كالكلاب اجتمعت على جيفة فأكلت منها حتى ملأت بطونها ثم تفرقت)). # وفي رواية للآجري والدارقطني وأخرى: ((إذا مررتم بهؤلاء الذين يلعبون ~~بالأزلام أو الشطرنج والنرد وما كان من اللهو [ز1/ 41/أ] فلا تسلموا عليهم، ~~وإن سلموا عليكم فلا تردوا عليهم، فإنهم إذا اجتمعوا وأكبوا عليها جاء ~~إبليس - أخزاه الله - بجنوده فأحدق بهم كلما ذهب رجل يصرف بصره عن ms084 الشطرنج ~~[لكزه في ثغره] وجاءت الملائكة من وراء ذلك فأحدقوا بهم ولم يدنوا منهم، ~~فما يزالون يلعبون حتى يتفرقوا عنها حين يتفرقون كالكلاب اجتمعت على جيفة، ~~فأكلت منها حتى ملأت بطونها ثم تفرقت)) (1). # وأخرج ابن حزم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أشد الناس عذابا ~~يوم القيامة صاحب الشاه - يعني: صاحب الشطرنج - أما تراه يقول: قتلته، ~~والله مات، والله افترى كذبا على الله)) (2). # وأخرج الديلمي: ((ملعون من لعب بالشطرنج)) (3). # وأخرج ابن حزم: ((الشطرنج ملعونة، ملعون من لعب بها، والناظر إليها كآكل ~~لحم الخنزير)) (4). PageV01P162 # وأخرج الديلمي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ملعون من لعب ~~بالشطرنج)) (1). # وأخرج أيضا أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ((يأتي على الناس زمان ~~يلعبون بها، ولا يلعب بها إلا كل جبار، والجبار في النار (يعني: الشطرنج) ~~لا يوقر فيه الكبير، ولا يرحم فيه الصغير، يقتل بعضهم بعضا على الدنيا، ~~قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب، لا يعرفون معروفا ولا ينكرون ~~منكرا، يمشي الصالح فيهم مستخفيا، أولئك شرار خلق الله لا ينظر إليهم)) ~~(2). # وأخرج أيضا: ((ألا إن أصحاب الشاه في النار، الذين يقولون: قتلت والله ~~شاهك)) (3). # وأخرج أيضا: ((من لعب بالشطرنج فقد قارف شركا، ومن [يشرك] بالله فكأنما ~~خر من السماء)) (4). # وفي رواية: ((من لعب بالشطرنج فقد عصى الله ورسوله)) (5). PageV01P163 # وأخرج أيضا: ((اللاعب بالشطرنج كالقاطع لحم الخنزير، والناظر إلى من يلعب ~~بالشطرنج كالغامس يده في لحم الخنزير)) (1). # وأخرج أيضا: أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يسلم على من لعب بنرد أو ~~شطرنج وعلى شارب الخمر)) (2). # وأخرج أيضا: أن عليا كرم الله وجهه مر بقوم يلعبون بها فلم يسلم عليهم، ~~فقال: أسلم على قوم يعكفون على أصنام لهم، سمعت خليلي - صلى الله عليه وسلم ~~- يقول ذلك (3). # وأخرج أيضا: ((اللاعب بالشطرنج يأكل لحم الخنزير)) (4). # وأخرج أيضا: مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوم يلعبون الشطرنج فقال: ~~ما هذه الكوبة؟ ألم أنه عنها؟! لعن الله من لعب بها)) (5). [ز1/ 41/ب] # وفي رواية: ((لعنة الله على من يلعب بها)) ms085 (6). # وأخرج أيضا: ((نفر من أمتي لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولهم عذاب ~~أليم: المانعون الزكوات، والنائمون عن العبادات، والمتلذذون بالشهوات، ~~واللاعبون بالشاه، ومات الضاربون بالكوبات ... )) الحديث (7). PageV01P164 # وأخرج الطبراني: إن أعرابيا قال: يا نبي الله، إني رأيت البارحة في ~~المنام أنه ليس من عبد يشهد أن لا إله إلا [الله] ويشهد أنك رسول الله إلا ~~رفعه الله درجة في الجنة، إلا أصحاب الشاه))؛ وهي الشطرنج (1). # وأخرج الديلمي: أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن اللعب بالشطرنج (2). # وأيضا: ((يغفر ليلة النصف من شعبان لكل متكبر إلا صاحب الشاه))؛ يعني: ~~الشطرنج (3). # وأخرج الحليمي حديثا طويلا فيه: ((ومن لعب بالشطرنج والنرد [والجوز] ~~والكعاب مقته الله، ومن جلس إلى من يلعب بالشطرنج والنرد ينظر إليهم [محيت] ~~عنه حسناته كلها وصار ممن [مقته] الله)) (4). # قال علي كرم الله وجهه: ((الشطرنج ميسر الأعاجم)) (5). PageV01P165 # ومر [علي] كرم الله وجهه على قوم يلعبون الشطرنج فقال: ما هذه التماثيل ~~التي أنتم لها عاكفون؛ لأن يمس أحدكم جمرا حتى تطفأ خير له من أن يمسها، ثم ~~قال: والله لغير هذا خلقتم (1). # وقال أيضا: صاحب الشطرنج أكثر الناس كذبا يقول أحدهم: قتلت، وما قتل، ~~ومات، وما مات (2). # وقال أبو موسى الأشعري: لا يلعب بالشطرنج إلا خاطئ (3). # وقيل لإسحاق بن راهويه: أترى في اللعب بالشطرنج بأسا؟ فقال: البأس كله ~~فيه، قيل له: أهل الثغور يلعبون بها لأجل الحرب، فقال: هو فجور (4). # وسئل محمد بن كعب القرظي عن اللعب بها، فقال: أدنى ما يكون فيه أن اللاعب ~~بها يعرض - أو قال: يحشر - يوم القيامة مع أصحاب الباطل (5). # وسئل ابن عمر عنها - وهو صحيح عنه - فقال: هي شر من الميسر (6)، ويوافقه ~~قول مالك، وقد سئل عنها [فقال]: هي من النرد، ومر في النرد أنه كبيرة عند ~~أكثر العلماء. PageV01P166 # وقال مالك: بلغنا عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أنه ولي مالا ليتيم ~~فوجدها في تركة والد اليتيم فأحرقها، ولو كان اللعب بها حلالا لما أجاز ~~إحراقها؛ لكونها مال يتيم، لكن لما كان [ز1/ 42/أ] اللعب ms086 بها حراما أحرقها، ~~فتكون مثل الخمر إذا وجدت في مال اليتيم يجب إراقتها، هذا مذهب حبر الأمة ~~ابن عباس - رضي الله عنهما - لكن قال الحافظ: هذا منقطع، بل معضل (1). # وعنه بسند لا يصح: الميسر: النرد، والشطرنج، والقمار حتى [الجوز]، ~~والفلوس، والحصى، والكعاب وما أشبه ذلك باطل حرام (2). # وقيل لإبراهيم النخعي: ما تقول في اللاعب بها؟ فقال: إنه ملعون (3). # وقال وكيع وسفيان (4) في قوله - تعالى -: {وأن تستقسموا بالأزلام} هي ~~الشطرنج (5). # وقال مجاهد: ما من ميت يموت إلا مثل له جلساؤه الذي كان يجالسهم، فاحتضر ~~بعض لاعبيها، فقيل له: قل: لا إله إلا الله، فقال: شاهك، ثم PageV01P167 # مات (1)، فكانت تلك الكلمة الخبيثة هي خاتمة نطقه بدل الكلمة الطيبة التي ~~هي: لا إله إلا الله التي وعد - صلى الله عليه وسلم -: ((من كانت آخر كلامه ~~بأنه يدخل الجنة)) (2) مع الناجين الفائزين السابقين. # (تنبيه) إن قلت: هذه الأحاديث كلها [فيها] أعدل شاهد وأظهر مستند لما ~~قاله أكثر العلماء أن اللعب بالشطرنج حرام مطلقا وإن لم يقترن به شيء مما ~~مر فما دليل القائلين بالحل؟ قلت: قال الحفاظ: إن جميع تلك الأحاديث ليس ~~فيها حديث صحيح ولا حسن، بل أقلها ضعيف وأكثرها منكر ساقط؛ ومن ثم قال ~~الحافظ المنذري: وقد ورد ذكر الشطرنج في أحاديث لا أعلم لشيء منها إسنادا ~~صحيحا ولا حسنا (3). # وقال شيخ الإسلام أبو الفضل العسقلاني: لا يثبت في الشطرنج عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - شيء، وقال تلميذه الحافظ السخاوي بعد ذكره تلك ~~الأحاديث والكلام على كل واحد منها بما يعلم منه أنه منكر ساقط - وهو ~~الأكثر فيها - أو ضعيف: ليس في هذا الباب حديث صحيح، بل ولا حسن، فإن قلت: ~~جاء عن عشرة من الصحابة أنهم كرهوه وذموه كما مر بعض ذلك، قلت: أكثر هؤلاء ~~لم يصح عنه ما نقل عنه وهم: عقبة بن عامر، بل ما روي: لأن أعبد وثنا من دون ~~الله أحب إلي من أن ألعب PageV01P168 # بالشطرنج (1)، كذب صراح عليه؛ لأن مثل هذه العبارة لا تصدر من ms087 مسلم، ~~ومعاذ، وأبو بكرة، وأبو سعيد الخدري، وأبو موسى الأشعري، فإن ما روي عنه ~~وإن صح لكنه منقطع [ز1/ 42/ب] وعائشة، وابن عباس (2). # وأما ما مر عن ابن عمر فلا يلزم من كونه شرا من النرد الحرمة؛ لاحتمال ~~أنه يرى حل النرد، كما هو وجه لبعض أصحابنا على أنه كما مر عن علي مذهب ~~صحابي وهو غير حجة عندنا لا سيما وقد جاء عن سبعة من الصحابة أن بعضهم لعبه ~~وبعضهم أقر عليه، وأجيب عن قول علي السابق أيضا بأن الشطرنج إذ ذاك كان ~~مصورا بصور الفيلة ونحوها مما هو موضوع لها، وجاء عن كثير من التابعين ومن ~~بعدهم حله وعن آخرين امتناعه فيتكافآن نظير ما ذكر عن الصحابة، وإن كان ~~القائلون بالحرمة أكثر. # فإن قلت: قد نازع بعض الحفاظ المتأخرين في ثبوت ما مر عن أولئك السبعة ~~الصحابة بأن البيهقي أعلم أصحاب الشافعي بالحديث وأنصحهم له ذكر إجماع ~~الصحابة على المنع منه ولم يحك عن الصحابة في ذلك نزاعا، قال: ومن نقل عن ~~واحد من الصحابة أنه رخص فيه فهو غالط، والبيهقي PageV01P169 # وغيره من أهل الحديث أعلم بأقوال الصحابة ممن ينقل أقوالا بلا إسناد، ~~والعلم عند الله - تعالى - ا. ه. # قلت: الإجماع مدخول؛ فقد جاء عن عمر من طرق إباحته، فهو حسن لغيره، بل ~~صحح التاج السبكي بعض طرقه، وإن اعترض، وصح عن الحسن بن علي - رضي الله ~~عنهما - لكن من طريق الكلبي بن مزاحم، وهو وإن كان ثقة على الأصح إلا أن ~~اجتماعه بالصحابة منظر فيه، وكيف يتعقل إجماع الصحابة والقائلون بالحل من ~~التابعين ومن بعدهم لا يحصون؟ وصح عن سعيد بن جبير أنه كان يلعبه من وراء ~~ظهره كثيرا، وزعم أنه تستر به عن طلب الحجاج منه القضاء (1)، وكذا كان ~~يلعبه بالغيب جماعة آخرون من التابعين؛ كالشعبي (2)، وهشام بن عروة (3). # (تنبيه ثان) ظاهر ما مر عن ابن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم - وعن ~~مالك، ووكيع، وسفيان، وإسحاق وغيرهم أنه كبيرة عند القائلين بتحريمه، وأما ~~القائلون بحله ms088 فلا ينافي كونه معصية فضلا عن كونه صغيرة (4) فإنه إذا انضم ~~إليه قمار أو إخراج صلاة عن وقتها أو سب أو غير ذلك، فالمعصية والكبيرة ~~إنما جاءت من المنضم إليه لا من ذاته، لكن قد يفيد PageV01P170 # الانضمام من القبح ما لم يفده الانفراد فلا يبعد جعل [ز1/ 43/أ] هذا ~~الانضمام [من القبح] مقتضيا لمزيد التغليظ والتنفير عنه. # فإن قلت: كيف يكون إخراج الصلاة عن وقتها به كبيرة مع أنه مشغول به فهو ~~غافل، والغافل غير مكلف، وكذا الجاهل والناسي فكيف يحكم بتأثيمه فضلا عن ~~كونه كبيرة؟ # قلت: محل عدم تكليف الناسي والغافل والجاهل حيث لم ينشأ النسيان والغفلة ~~والجهل عن تقصيره وإلا كان مكلفا آثما، أما في الغفلة فلما صرحوا به في ~~الشطرنج من أنه لا يعذر باستغراقه في اللعب حتى خرج وقت الصلاة وهو لا ~~يشعر؛ لما تقرر أن هذه الغفلة نشأت عن تقصيره بمزيد انكبابه وملازمته على ~~هذا المكروه حتى ضيع بسببه الواجب عليه، وأما في الجهل فلما صرحوا به من ~~أنه لو مات إنسان فمضت عليه مدة ولم يجهز ولا صلي [عليه] أثم جاره وإن لم ~~يعلم بموته؛ لأن تركه البحث عن أحوال جاره إلى هذه الغاية تقصير شديد، فلم ~~يبعد القول بعصيانه وتأثيمه. # فإن قلت: ما الفرق عندكم بين النرد والشطرنج؟ # قلت: قد أشرت إلى الفرق بقولي في النرد: وحكمة تحريمه ... إلى آخر ما ~~قدمته في مبحثه، وهو مستمد من فرق أئمتنا بأن التعويل في النرد على ما ~~يخرجه الكعبان فهو كالأزلام، وفي الشطرنج على الفكر والتأمل وأنه ينفع في ~~تدبير الحرب. # (تنبيه ثالث) اختلفوا في مشروعية السلام على لاعبه والرد عليه، فعندنا ~~يشرع عليه وإن علم أنه لا يجيب ويجب الرد عليه لو سلم، واختلف القائلون ~~بحرمته؛ فقال أبو حنيفة: يسلم عليه؛ لأنه يشتغل بالرد عما هو فيه، # PageV01P171 # وكرهه أبو يوسف تحقيرا له! لعله يتوب، ومر عن علي وغيره ما يشهد له، وبه ~~قال مالك وأحمد. # (تنبيه رابع) في جملة الأقوال في الشطرنج قد مر ms089 أن أكثر الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم على تحريم لعب الشطرنج؛ ومنهم أبو حنيفة، ومالك، ~~وأحمد، ونوزع في نقل التحريم عن مالك، ويرده قول ابن عبدالبر: أجمع مالك ~~وأصحابه على تحريمه (1)، وبه جزم الحليمي من كبار أصحابنا، واختاره القاضي ~~الروياني، وجزم الذبيلي من أئمتنا أيضا بأنه من الصغائر، وتمسك القائلون ~~بالتحريم بقوله - تعالى -: {إنما الخمر والميسر} الآية (2)، فسر علي وغيره ~~الميسر بما يشمل الشطرنج؛ حيث جعله منه [ز1/ 43/ب] ولم يثبت عن صحابي أنه ~~خالفه في هذا التفسير، فهو إما تفسير لغة فهو من أعلم أئمة اللسان فيرجع ~~إليه، أو إبداء حكم فهو إجماع سكوتي، أو قول صحابي لم يخالف، وهو حجة عند ~~الجمهور، أو غيرهما فهو في حكم المرفوع؛ إذ لا مجال للرأي فيه، وبقوله: ~~{إنما يريد الشيطان} الآية (3)، دل على أن كل لهو دعا قليله إلى كثيره ~~وأوقع العداوة والبغضاء بين العاكفين عليه وصد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ~~كشرب الخمر والميسر؛ فيكون حراما مثلهما، ولا شك أن الشطرنج إذا استكثر ~~منها يؤدي لذلك كله، كيف ولاعبها لا يحس بجوع ولا عطش ولا غيرهما من أحواله ~~الضرورية فضلا عن العادية والعبادية، وقد شبه علي لاعبها بعابد PageV01P172 # الصنم (1)، كما شبه - صلى الله عليه وسلم - شارب الخمر بعابد الوثن (2)، ~~وتمسكوا أيضا بالأحاديث السابقة، وأقوال الصحابة فما كان منها صحيحا فواضح ~~أو مرسلا قوي بتعدد طرقه، وتمسكوا أيضا بأن العلة في تحريم النرد أنه يوقع ~~العداوة والبغضاء، ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ويشغل القلب، والشطرنج ~~كذلك، بل هو أبلغ في إفساد القلوب من النرد؛ فإنه محتاج إلى تقدير وتفكر ~~وحساب النقلات قبل النقل، بخلاف النرد فإن صاحبه يلعب ويحسب بعد ذلك؛ ولهذا ~~يقال: إن الشطرنج مبني على مذهب الغدر، والنرد مبني على مذهب الجبر؛ ومن ثم ~~حكي عن بعض العلماء أنه قال: اللعب بالنرد خير من اللعب بالشطرنج؛ لأن لاعب ~~النرد يعترف بالقضاء والقدر، ولاعب الشطرنج ينفي ذلك؛ فهو أقرب إلى ~~الاعتزال، وحكى ابن أبي الدنيا عن بعضهم تفسير النرد ms090 بالشطرنج، قال ~~المحرمون جوابا عما مر: مما يدل للجواز، ولعب ابن جبير به إنما هو لكون ~~الحجاج طلبه للقضاء ففعله ليكون قادحا فيه، وحمل زجر علي على أنها كانت ~~مصورة، يرده صدق اسم التماثيل عليها وإن لم تكن مصورة؛ لأنها PageV01P173 # تمثل ببني آدم وغيرهم في أسمائها، ومن لم ينه عنها من الصحابة ظن أنها ~~ليست مما يلهي، وزعم بعضهم أن فيها تدبيرا للحرب ممنوع، بل لا تنفع في ~~الحرب وإن سلم فهو لا يقصد منها، بل المقصود منها غالبا اللعب والقمار، ~~وتجويز إباحة ابن عمر للنرد بعيد، كيف والأدلة ظاهرة في تحريمه [ز1/ 44/أ] ~~لا سيما وهو من أشد الصحابة اتباعا وأعظمهم تحريا، وقد بالغ ابن العربي ~~المالكي في الإنكار على لاعبها فقال: انتهى مقال بعض الشافعية إلى أن يقول: ~~هو مندوب إليه لأن جمعا من الصحابة والتابعين فعلوه، وهو يشحذ الذهن، حتى ~~اتخذوه في المدارس ليلعبوا به عند الأعياد، تالله ما مسها [يد تقي]، ولا ~~لعب بها صحابي ولا غيره، ولا يتمهر فيها رجل قط له ذهن. # القول الثاني: إنه مباح، وهو - وإن قال به جماعة من أكابر أصحابنا وغيرهم ~~- شاذ، وقد تطابق كثير منهم على قولهم وإفتائهم بما لفظه: إذا سلمت الأموال ~~عن الخسران، واللسان عن الطغيان، والصلاة عن النسيان، فهو أنس بين الإخوان، ~~واشتغال عن الغيبة والبهتان (1)، وحكي نحو هذه العبارة عن الشافعي، وشرط ~~الماوردي للإباحة انتفاء سائر وجوه الخلاعة، وتمسكوا بأن الإباحة هي الأصل، ~~وبأن فعله والإقرار عليه جاء عمن لا يحصى من العلماء، وبأنه ينفع في تدبير ~~الحرب، وبأن بعضهم رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - فشكا ولده في إدمانه ~~عليه فقال: ((دعه، فلا بأس به))، وقد ذهب بعض أصحاب الشافعي إلى جواز العمل ~~بذلك؛ لأن من رآى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد رآه حقا، قال التاج ~~السبكي: PageV01P174 # واعلم أنا لم نجعل عمدتنا في إباحته ما مر من الآثار، ولا ندعي أنها ~~جميعها صحيحة؛ ولذلك لم نشتغل بالكلام على رجالها، ولكنا نقول: إنه غير ms091 ~~محرم لعدم قيام ما يدل على التحريم، وما أوردناه من الآثار ومذاهب السلف ~~يساعد القول بالحل، وإن لم يكن هو المستند، ا. ه. # قال الماوردي: وفيها مع تدبير الحرب، ومكيدة العدو، وتشحيذ الخواطر، ~~وتزكية الأفهام، ووجوه الحزم [ما يشبه] اللعب بالحراب والرماية والفروسية، ~~فإن لم يكن لأجل ذلك ندبا مستحبا، فأولى ألا يكون حظرا محرما (1)، وأجاب ~~هؤلاء عن أدلة التحريم السابقة بأن الميسر هو القمار ولا خلاف في تحريمه، ~~وتفسير علي السابق لم يصح عنه، لا سيما وقد حصل فيه شك من بعض رواته، بل في ~~حديث مرسل مر: ((ثلاثة من الميسر: القمار، والضرب بالكعاب، [والصفير] ~~بالحمام)) (2). # والخصم لا يحرم الأخير مع الحكم عليه بأنه من الميسر، وبأنه حيث صد عن ~~ذكر الله وعن الصلاة فهو كسائر [ز1/ 44/ب] المباحات إجماعا حرام حينئذ، ~~وليس هذا من محل النزاع؛ إذ محله في مجرد لعب لم يقترن به فحش مطلقا، وبأن ~~قول علي للاعبيه ما مر إرشاد على أنه كان يصور مسمياته كما مر، قال الصولي: ~~ولم يزل الشطرنج على ذلك أيام بني أمية، وقد رأيت منها شيئا كثيرا، وكثرت ~~في ذلك الزمن لقرب أيام الأعاجم منه، ولأجل ذلك قال: التماثيل، ولم ينه ~~عنها نصا تاما؛ ومن ثم استدل به بعضهم على أنه كان يقول بعدم تحريمها، وإلا ~~لأمرهم بالمعروف وأقامهم عنها قهرا عليهم؛ ومن ثم لعبها كثيرون من التابعين ~~وهم بقول علي أعلم، وهم إليه PageV01P175 # أقرب، وقيل: إنما كرهها منهم لتشاغلهم بها [عن] الأذان، وقوله: ((ميسر ~~الأعاجم)) (1) لا يدل على التحريم على أنه مرسل، وقوله: ((صاحب الشطرنج ~~أكذب الناس)) (2) لا يدل على التحريم؛ لأنه كذب صوري لا حقيقي، أو المراد ~~أنه ينبغي التنزه عنه لأنه قد يؤدي إلى الكذب، وقول ابن عمر: ((إنه شر من ~~النرد)) (3) لا يدل على صريح التحريم؛ لأنا لا نعلم مذهبه في النرد، على ~~أنه قول صحابي خولف فيه، وأيضا لم يقل أحد: إنه أغلظ تحريما من النرد، ~~وإنما أخرجه مخرج المبالغة في الزجر عنه، و [ممن] ms092 قال: إن الشطرنج شر من ~~النرد [السبكي وشرطه] أن يكون فيه قمار، وإلا فلا فيكون هذا الأمر متروك ~~الظاهر بالإجماع فلا يحتج به، قاله ابن السبكي. # واعترض بأن المالكية يقولون: إنه شر من النرد مطلقا، قيل: والعجب من أنه ~~حكاه، وأجاب عنه بأن هذا اجتهاد لمالك، وليس اجتهاده حجة علينا، قالوا: ولم ~~يصح فيه خبر كما مر، والخبر الصحيح السابق أول هذا الباب لا دليل فيه؛ إذ ~~لا يبعد أن يكون هذا قياسا على ما استثناه - صلى الله عليه وسلم - من اللعب ~~على أنه ورد في رواية زيادة رابعة وهي: تعلم السباحة، وأيضا هو لا يستلزم ~~التحريم لما عدا الخصال المذكورة فيه، بل قد يتمسك به القائل بالكراهة فإنه ~~عام مخصوص بملاعبة الأطفال، كما ورد من قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((يا ~~أبا عمير، ما فعل النغير؟)) (4)، [وبلعب] PageV01P176 # الحبشة بالحراب بين يديه - صلى الله عليه وسلم - كما مر، وقد قال البخاري ~~في باب الجهاد: باب اللعب بالحراب وغيرها، وأورد حديث الحبشة السابق (1)، ~~وقياسه على النرد ممنوع؛ لوضوح الفرق بينهما، إذ الشطرنج موضوعة لصحة الفكر ~~[ز1/ 45/أ] وصواب التدبير ونظام السياسة، فهي تعين على تدبير الحروب ~~والحساب، والنرد موضوع لما يشبه الأزلام، وتفسير النرد بالشطرنج غير صحيح، ~~وزعم أن ابن جبير إنما فعله خوف ولاية القضاء، يرده أنه لو كان كذلك اكتفى ~~بمرة أو مرتين منه، وقد كان يلعبها من وراء ظهر، وهذا إنما يأتي بإدامة ~~طويلة حتى يحصل له تلك الملكة، وتمثيله بالحيوانات في الأسماء لا يضر؛ ~~لأنها مجازات. # وبالجملة: فقد قال التاج السبكي: إن المنصف إذا نظر فيما أوردناه من ~~الجانبين علم أن القول بالحل هو الحق الأبلج، وجاء عن بعض أئمة أهل البيت ~~أنه قال: ما مات شريف من الطالبيين إلا بيعت الشطرنج في ميراثه، قيل: ووجد ~~في تركة الشافعي، وبالغ بعض الحفاظ في رده وتزييفه. # القول الثالث: أنه مكروه كراهة تغليظ توجب المنع، وكذا مذهب أبي حنيفة ~~على ما حكاه الماوردي في "حاويه" (2)، واعترض بأن مذهبه التحريم ms093 كما مر، ~~ورد بأن أصحابه كثيرا ما يرجحون خلاف ما ذهب إليه. # القول الرابع: أنه مكروه كراهة تنزيه، وهو الصحيح من مذهبنا، قال التاج ~~السبكي: وهذا هو الذي ندين الله به [وهو الصحيح] ونراه الحق الواضح والنهار ~~الجلي، والمنصف إذا أزال العصبية عن نفسه ونظر في دلائل الفريقين علم أن ~~ذلك هو الحق الأبلج، وقيد الغزالي الكراهة بالمواظبة، والأصح أنه لا ~~PageV01P177 # فرق، وعن مالك قول أنه كمذهبنا، ورجحه بعض أصحابه، ونازع البلقيني في نقل ~~الكراهة عن الشافعي بأن كلامه في موضع يفهم أنه خلاف ما يحبه، وفي موضع ~~[يقتضي] أنه استحسن ما مر عن ابن جبير أنه كان يلعبه خلف ظهره، بل نقل عنه ~~نفسه أنه لعب به استدبارا، ورد بأن الأصح في النقل عنه ما مر من الكراهة، ~~ومحل حله عندنا حيث لم يلعبه مع معتقد تحريمه، وإلا حرم عليه كما رجحه ~~التقي السبكي وتبعوه؛ لما فيه من الإعانة على انتهاك الحرمة والجراءة وإن ~~جاز الفعل في اعتقاده في غير هذه الحالة فهو كمن يناول قدح خل لمن علم منه ~~أنه يشربه مع ظنه كونه خمرا؛ لأنه حينئذ معين له على معصيته في زعم معتقد ~~التحريم، ونظير ذلك ما لو تبايع رجلان بعد أذان الجمعة: أحدهما تلزمه ~~والآخر لا تلزمه، فيحرم على هذا [ظ1/ 45/ب] أيضا على أصح الوجهين وهو ~~المنصوص، واعتمده الشيخان وغيرهما لإعانته الأول على المعصية. # قال السبكي: لكن التحريم في مسألتنا أخف منه في هذه، فإنه على من تلزمه ~~معلوم عندنا وعنده، وتحريم لعب الشطرنج غير معلوم عندنا ولا عنده إذا كان ~~حكم الله فيه الحل في نفس الأمر، وإنما الحرام فعله مع اعتقاد حرمته لا ~~فعله مطلقا، وهذا المجموع لم تحصل المعاونة عليه بل على بعضه، قال: وهذه ~~دقيقة ينبغي أن يتنبه لها، ا. ه. # فإن قلت: ينافي ما ذكر من التحريم في مسألة الجمعة قول الروياني في ~~"بحره": لو أريد بيع مال يتيم وقت نداء الجمعة للضرورة فبذل فيه من تلزمه ~~دينارا ومن لا ms094 تلزمه نصفه، يحتمل وجهين: # أحدهما: [يباع] ممن لا جمعة عليه؛ لئلا يوقع الآخر في معصية. # PageV01P178 # والثاني: يباع بالدينار؛ لأن الذي إليه الإيجاب وهو غير عاص به، وإنما ~~القبول للطالب وهو الذي يعصي به. # قلت: إنما يتوهم المنافاة على الثاني فقط، ولكن عند التحقيق لا منافاة، ~~بل الثاني هو الأوجه، وليس مما نحن فيه؛ لأن كلامنا في مبايعة من لا يلزمه ~~لمن تلزمه بلا ضرورة وهنا ضرورة، وجوب الحظ لليتيم اقتضت المسامحة للولي في ~~بيع من تلزمه بالدينار، وإن أثم المشتري إن خشي فوات الجمعة، ثم رأيت ~~احتمالا ثالثا للروياني يوافق بعض ما ذكرته وهو قوله: يحتمل أن يرخص له في ~~القبول [لنفع] اليتيم إذا لم يؤد إلى ترك الجمعة، كما يرخص للولي الإيجاب ~~لحاجة اليتيم إليه. # فإن قلت: ما مر عن السبكي ينافيه قول ولده عنه في ترجمة الروياني في ~~"طبقاته الوسطى" سمعت والدي يقول: لا يأثم شافعي لعب الشطرنج مع حنفي، وفرق ~~بينه وبين مسألة البيع وقت النداء بأنه حينئذ محرم عندهما، ولعب الشطرنج ~~ليس محرما عند الشافعي، وإنما المحرم عند الحنفي لعبه مع ظنه التحريم، وكل ~~واحد من الجزأين ليس بحرام، أما الظن فهو [نتيجة] اجتهاد يثاب عليه وليس ~~بحرام، وأما اللعب من حيث هو فليس بحرام لا عليه ولا [على] غيره إذا كان ~~حكم الله فيه ذلك في نفس الأمر. # فإن قلت: يظن الحنفي - أي المحرم - صار حراما عليه، قلت: الذي صار حراما ~~عليه لعبه مع ظنه لا لعبه مطلقا، فالهيئة الاجتماعية [ز1/ 46/أ] هي ~~المحرمة، وهي النسبة الحاصلة بين اللعب المظنون والظن، والشافعي اللاعب لم ~~يعن إلا على أحد الجزأين، وهو اللعب وهو بلسان [الحال] يرد على الحنفي ~~ويقول له: لا تظن، ا. ه ما في "الطبقات". # PageV01P179 # قلت: المعتمد ما قدمته عنه أولا من الحرمة قياسا على مسألة الجمعة، وأما ~~هذا فهو اختيار [له]، ويجاب عنه بأن المذاهب بعد أن تقررت واتبع الناس ~~[كلامها] (1) والتزموا العمل بها، لم يبق للنظر إلى نفس الأمر مساغ، ولم ~~يتوجه ms095 من شافعي على حنفي مثلا رد، ولم يسغ قوله له: لم لا تظن حرمة ~~الشطرنج؟ وإذا تمهد هذا وتقرر فالشافعي إذا لعبه مع حنفي مثلا كان معينا ~~على معصية حتى في اعتقاد الشافعي؛ لأن من جملة اعتقاده أن من قلد مالكا ~~مثلا يحرم عليه لعب الشطرنج، فإذا لاعبه كان معينا له على معصية في ~~اعتقادهما، أما في اعتقاد المالكي فواضح، وأما في اعتقاد الشافعي فهو لا ~~مطلقا، بل من حيث نظرنا لاعتقاد المالكي؛ إذ لو استفتى مالكي شافعيا قال: ~~أنا مذهبي مالكي فهل يحرم علي لعب الشطرنج؟ وجب على الشافعي أن يقول له: ~~نعم، يحرم عليك لعبه ما دمت مالكيا، وقد صرح الأئمة بما يدفع ما قاله ~~السبكي هنا؛ حيث قالوا: يجب النهي عن المنكر في اعتقاد الفاعل وإن لم يكن ~~منكرا في اعتقاد المنكر، وهذا شامل لمسألتنا، فيعلم منه نصا أنه يجب على ~~شافعي رأى مالكيا مثلا يلعب بالشطرنج وهو مستمر على [تقليد مالك] أن ينكر ~~عليه بيده ثم بلسانه ثم بقلبه؛ نظرا لمباشرته حراما في اعتقاده، وهو واضح، ~~وكذا في اعتقاد الشافعي لا مطلقا، بل نظرا لاعتقاد الفاعل، وإذا صرحوا بأنه ~~يلزم الإنكار عليه كانوا مصرحين بأنه يحرم عليه اللعب [معه]؛ لأنه ضد ~~الإنكار الذي أوجبوه عليه، فاتضح ما مر أولا وهو حرمة لعبه معه، وأنه منقول ~~المذهب، وليس بحثا للسبكي ولا لغيره، فتأمله، فإن من تكلموا على المسألة ~~كلهم يحكيها عن السبكي PageV01P180 # ومن تبعه فقط، ولم يستحضروا ما ذكرته الذي علم منه أن الحرمة منقول ~~الأصحاب، وأنه لا غبار عليها من حيث المعنى أيضا، وأن جميع ما نقله التاج ~~عن والده ثانيا مردود بما قررته كما لا يخفى على من له أدنى ذوق (1). # (تنبيه [خامس] (2) علم مما مر أن محل القول بالإباحة أو الكراهة ما لم ~~تكن [ز1/ 46/ب] بيادق الشطرنج ونحوها مصورة كلها أو بعضها ولو [كان] واحدا ~~بصورة حيوان، وإلا حرم اللعب به لأن فيه تعظيما له، وبه فارق الجلوس والنوم ~~ونحوهما على المصور؛ لأن ms096 فيه إهانة له، وما لم يقترن به فحش وسفه، وإلا حرم ~~كما قاله الصيمري (3)، بل نقل الإجماع على رد PageV01P181 # الشهادة به حينئذ، [وأما] إذا لم يلعبه على الطريق وإلا حرم كما صرح به ~~الصيمري أيضا، وقال تلميذه الإمام الماوردي: ترد شهادته بذلك، وفيما صرح به ~~الصيمري في المسألتين نظر؛ لأن الفحش والسفه [إن] حرم لذاته فالحرمة فيه لا ~~في لعب الشطرنج، إلا على ما قدمته في اجتماع الدف والشبابة مثلا فراجعه، ~~وكذا يقال فيما إذا اقترن به قمار أو نحوه مما يأتي، وأما لعبه على الطريق ~~فلا وجه لحرمته، نعم إن كان قد تحمل شهادة حرم عليه لا من حيث كونه لعب ~~بشطرنج، بل من حيث كونه إزالة مروءة يفضي لرد أمانة تحملها وهي الشهادة ~~المتعلق بها حق الغير، واللازم على ردها ضياع حقه ففيه إضرار له أي إضرار، ~~فهو كمن فرط في حفظ وديعة عنده يأثم وترد شهادته به، [وأما] إذا لم يقترن ~~به قمار وإلا حرم إجماعا، كما أشار إليه الشافعي في "الأم"، وما إذا لم ~~تخرج الصلاة عن وقتها وإلا حرم إجماعا، وما إذا لم يلعبه مع الأراذل ولم ~~يورث نحو حقد، ولم يؤد إلى التكلم بكلام غير لائق بمثله، كذا قاله بعضهم، ~~وفيه ما قدمته في لعبه على الطريق. # (تنبيه [سادس] (1) يجوز بيع الشطرنج ومن كسر منه شيئا ضمنه إلا أن يكون ~~مصورا، ولا يجوز الإنكار على لاعبيه إلا إن اعتقدوا حرمته أو لعبوا مع ~~معتقديها أو فعلوا شيئا من المحرمات المذكورة، فيجب الإنكار عليهم كما مر. # (تنبيه [سابع] (2) اختلفوا في سقوط عدالة لاعبه؛ فعند أبي حنيفة ومالك هي ~~ساقطة وشهادته مردودة على أي وجه لعبه، لكن شرط ابن الحاجب PageV01P182 # إدمان لعبه، وهو في "المدونة" في موضع ولم يقيد به في موضعين آخرين منها، ~~فإما أن يحمل المطلق على المقيد أو يكون له في المسألة قولان، فظاهر كلام ~~غير ابن الحاجب موافقته، قال بعض المالكية: والإدمان أن يلعب بها في السنة ~~أكثر من مرة، وقال آخر ms097 منهم: أن يلعب بها في السنة مرة، وبالإدمان قيد بعض ~~الحنفية أيضا وهو صاحب "البدائع" (1) [ز1/ 47/أ] وصاحب "الذخيرة"، وفرقا ~~بينه وبين النرد أنه حرام بالنص، وحكى صاحب "المغني" من الحنابلة عن مالك ~~وأبي حنيفة أنه مثله، وكذا نقله عن بعض أكابر أصحابهم (2)، وعن بعض أصحابه ~~أن لعبه مع معتقد تحريمه فكالنرد أو مع معتقد إباحته لم ترد إلا إن اقترن ~~به نحو قمار، وأما عندنا فلا تسقط العدالة إلا إن اقترن به محرم كما مر ~~وكذا إذا اقترن معه خارم مروءة؛ كلعبه به على الطريق، ولا نزاع فيه ~~وانقطاعه إليه في أكثر أحواله فترد به الشهادة على المنقول المعتمد خلافا ~~للبلقيني، قال بعضهم: وعلى هذا المنقول، فمن أكب عليه ممن بيده تدريس أو ~~مشيخة أو غير ذلك من الوظائف التي يشترط فيها العدالة فهو معزول عنها شرعا، ~~وتعاطيه لذلك حرام إن كان قد وليها بطريق معتبر شرعا، ووجدت فيه الشروط ~~المعتبرة أو أكثرها، فأما من [اقتات] (3) بذلك من أجل [انتمائه] إلى من لا ~~تمييز عنده فهو مرتكب للإثم ابتداء وانتهاء، انتهى. # وهي نفثة مصدور، على أنها سقطة فاحشة؛ إذ الذي تقرر أن الإكباب عليه مخل ~~بالمروءة، وهي ليست شرطا في مطلق العدالة في قبول الشهادة فقط، PageV01P183 # ألا ترى أن الولي في النكاح شرطه العدالة، ومع ذلك لا يؤثر فيه خرم ~~المروءة؛ لأنه لا يخل بالعدالة في غير [الشهادة]؛ ومن ثم كان المعتمد فيه ~~أنه إذا تاب توبة صحيحة زوج في الحال، وإن لم تقبل شهادته إلا بعد استبرائه ~~سنة؛ لأنه يحتاط للشهادة ما لم يحتط بغيرها، فقياس غيرها عليها في ذلك ~~اشتباه، والقياس نشأ عن فقد استحضار كلامهم في غير باب الشهادة، ويلزم على ~~ما قاله هذا المصدور المقهور على أقذر وظيفة منه سعى عليها أن ولي اليتيم ~~لو باشر خرم مروءة؛ كأن أكل في السوق وهو لا يليق به سقطت ولايته، وهو باطل ~~كما هو واضح. # (تنبيه [ثامن] (1) قد سبق أنه إذا اقترن به قمار كان حراما، وصورة ms098 القمار ~~المجمع عليها أن يخرج العوض من الجانبين مع تكافئهما لتحريم ذلك بالنص؛ إذ ~~الميسر في الآية هو القمار، ووجه حرمته أن كل واحد منهما متردد بين أن يغلب ~~صاحبه فيغنم أو يغلبه صاحبه فيغرم، فإن عدلا عن ذلك إلى حكم السبق [ز1/ ~~47/ب] والرمي بأن ينفرد أحد اللاعبين بإخراج العوض ليؤخذ منه إن كان مغلوبا ~~ويمسكه إن كان غالبا، فهذا مختلف في جوازه والأصح حرمته، وبه جزم الشيخان، ~~وفرقوا بينه وبين جوازه في المسابقة بأن له غرضا فيها وهو الحذق في ~~الفروسية والرماية، بخلاف الشطرنج ليس [فيه] كبير غرض، وإذا قامر لم يلزم ~~المال المشروط فإن أمسكه ولم يرده فسق وردت شهادته؛ لأنه غاصب سواء الصورة ~~الأولى والثانية، فإن لم [يأخذه] لم يفسق بالصورة الثانية؛ لوجود الخلاف ~~فيها، وكذا الأولى إن قطع فيها بأن أحدهما غالب لزوال صورة القمار حينئذ. ~~PageV01P184 # (تنبيه [تاسع] (1) مر أنه إذا أخرج به الصلاة عن وقتها فسق وردت شهادته، ~~ومر ما في ذلك من إشكال وجواب وتحقيقه، مع زيادة أن الشيخين ذكرا أنه إذا ~~لم يتعمد أخراجها به ولكن شغله اللعب بها حتى خرج وهو غافل أنه إذا لم ~~يتكرر ذلك منه لم ترد شهادته وإن كثر منه فسق وردت شهادته، بخلاف ما إذا ~~تركها ناسيا مرارا؛ لأنه هنا شغل نفسه بما فاتت به الصلاة. # قال الرافعي: هكذا ذكروه وفيه إشكال لما فيه من تعصية الغافل واللاهي، ثم ~~قياسه الطرد في شغل النفس بسائر المباحات، وأشار الروياني إلى وجه أنه ~~يفسق، تكرر [ذلك منه] أو لم يتكرر، ا. ه. # ومر في التنبيه الثاني جوابه مبسوطا، وقد نص الشافعي - رضي الله عنه - ~~بما يوضح ذلك الجواب فقال: إن غفل به عن صلاة فأكثر حتى تفوته ثم يعود له ~~حتى تفوته، رددنا شهادته على الاستخفاف بمواقيت الصلاة، كما نردها لو كان ~~جالسا فلم يواظب على الصلاة من غير نسيان ولا [علة] حتى غفل، فإن قيل: فهو ~~لا يترك الصلاة حتى يخرج وقتها للعب إلا وهو ناس، قيل: ms099 كلا، يعود للعب الذي ~~يورث النسيان وإن عاد له وقد جرب أنه يورثه ذلك فذلك استخفاف، فأما الجلوس ~~والنسيان بما لم يجلب على نفسه فيه شيئا إلا حديث النفس الذي لم يمتنع منه ~~أحد، فلا يأثم به، وإن قبح ما يحدث به نفسه والناس يمتنعون من ذلك، ا. ه. # نص الشافعي وهو مؤيد لما فرقت به فيما مر من أن سبب العصيان تقصيره ~~بتعاطيه ما يعلم أن من شأن نفسه أنها إذا اشتغلت به ذهلت عن إدراك ~~PageV01P185 # الزمن [ز1/ 48/أ] ومضيه حتى يخرج وقت الصلاة وهو لا يشعر ومفيد للفرق بين ~~الشطرنج وغيره، وراد لقول الرافعي: ثم قياسه الطرد ... إلخ، ولم يحط بعضهم ~~بحقيقة هذا النص فقال: [ويحتاج] إلى تأمل، ا. ه. # وقد قال البلقيني بعد ذكره النص: وبه يحصل الجواب عن إشكال الرافعي، وأنه ~~لا يطرد في حديث النفس للفرق الذي أبداه الشافعي، فقال: إن كان يسهو عن وقت ~~الصلاة لشغله به فلا يعلم حتى يفوته [شطرها] هنا بأن كان ذلك الدفعة ~~والدفعتين فلم ترد شهادته، فإن كثر ذلك منه ردت شهادته بذلك. # قال الشافعي: فإن كان متفكرا في نفسه فكرا شغله عن الصلاة ولا يعلم خروج ~~وقتها لشغله لم ترد شهادته بذلك وإن كثر منه، قال: والفرق بينهما أن اللاعب ~~بالشطرنج هو الذي أدخل على نفسه ذلك فغلظ عليه، فلهذا لم تقبل شهادته، وليس ~~كذلك الذي لحقه الفكر والهوس؛ لأنه لم يدخل ذلك على نفسه، وذلك أن الإنسان ~~لا ينفك عن فكر يتفكر فيه، فلهذا قبلت شهادته فدل على الفرق بينهما، ا. ه ~~(1). # (تنبيه [عاشر] (2) الشطرنج فارسي معرب، وكسر شينه أجود، بل منع الصاغاني ~~الفتح، ووجه الحريري الكسر بأنه القياس في كلام العرب في المعرب أنه يرد ~~إلى نظيره في لغتهم، وليس منها فعلل بفتح أوله بل بكسره كجردحل وهو الضخم ~~من الإبل، ومقتضى كلام آخرين أن الفتح أشهر؛ لأنه أعجمي، وقال آخرون: الفتح ~~غلط، ومشى عليه في "القاموس"، ويجوز إبدال شينه سينا، كالتشميت بالشين ~~المعجمة إشارة لجمع ms100 الشمل، PageV01P186 # وبالمهملة إشارة إلى أنه يرزق السمت الحسن، وزعم اشتقاق الشطرنج من ~~المشاطرة أو التشطير مردود بأن الأسماء الأعجمية لا تشتق من الأسماء ~~العربية. # (تنبيه [حادي عشر] (1) أول من وضع الشطرنج صصة بمهملتين أولهما مكسورة ~~وثانيهما مشدد ابن زاهر الهندي وضعه لبهلبث، ويقال له: بهرم، بكسر أوله ~~المعجم ملك الهند مضاهاة لأزدشير أول ملوك الفرس الأخيرة حيث وضع النرد ~~مضاهاة للدنيا وأهلها، وافتخرت الفرس به فقضت حكماء ذلك العصر بترجيحه على ~~النرد، وعد ككتاب "كليلة ودمنة"، والتسعة أحرف التي تجمع أنواع الحساب فيما ~~يميز به أهل الهند على غيرهم، وقيل: إن صصة لما عرضه [ز1/ 48/ب] على الملك ~~فرح به كثيرا، وسأله أن يقترح إليه ما يشتهي، فقال له: اقترحت أن تضع حبة ~~في البيت الأول ولا تزال يضاعفها حتى تنتهي إلى آخرها فمهما [تبلغ] تعطيني، ~~فاستصغر الملك ذلك من همته، وأنكر عليه ما قابله من الفوز اليسير في ذلك ~~المقام فقال: ما أريد غير ذلك، فأمر له به فلما حسبه أرباب الديوان قالوا ~~للملك: ما عندنا ما يقارب القليل من ذلك، فأنكر عليهم مقالهم، فأوضحوا له ~~بالبرهان، فلما علم ذلك قال: أنت في اقتراحك لما سألت أعجب حالا من وضعك ~~الشطرنج، وسر ذلك أنك تضاعف الأعداد إلى البيت السادس عشر فأثبت به اثنين ~~وثلاثين ألفا وسبعمائة وثمانية وستين حبة، فهذه الجملة مقدار قدح ثم تضاعف ~~السابع عشر إلى البيت العشرين يكون فيه ويبة، ثم تنتقل من الويبات إلى ~~الأرادب، ولم تزل تضعفها ففي PageV01P187 # البيت الأربعين تنتهي إلى مائة ألف أردب وأربعمائة وستين ألف أردب ~~وسبعمائة واثنين وستين أردبا وثلثي أردب وهذا المقدار شونة، وهي الحظيرة ~~الكبيرة التي تخزن فيها الحبوب، ثم تضاعف الشون إلى البيت الخمسين يكون ~~الجملة ألفا وأربعة وعشرين شونة، وهذا المقدار مدينة، ثم ضاعف ذلك إلى ~~الرابع والستين تكون الجملة ستة عشر ألف مدينة وثلاثمائة وأربعة وثمانين ~~مدينة، والعلم حاصل أنه ليس في الدنيا مدن أكبر من هذا المقدار، فإن دور ~~كرة الأرض ثمانية ألاف، ولم ms101 يعرف الشطرنج إلا بعد أن فتحت البلاد، فإن أصله ~~من الهند، وانتقل منهم إلى الفرس بخلاف النرد فإنه كان معروفا عند العرب. # وعن كعب: أول من لعب بالشطرنج يوشع بن نون وصاحبه كالب بن موفثا - صلى ~~الله على نبينا وعليهما وسلم - وأول من علمها قارون وتعلمتها الفرس من ~~يوشع. # وأخرج الديلمي عن مالك بن أنس أن أول من جاء بالشطرنج، والنرد عمرو بن ~~العاص فعلم الحبري (1)، وبه رد على من زعموا أن الصولي محمد بن يحيى هو ~~الذي وضعه ووفاته سنة ست أو خمس وثلاثين [وثلاثمائة] أثنى عليه الخطيب ~~فقال: كان أحد العلماء بفنون الآداب، حسن المعرفة بالتواريخ، واسع الرواية، ~~حسن الحفظ للآداب، حاذقا بتصنيف الكتب، حسن الاعتقاد، جميل الطريقة، مقبول ~~القول، كثير الشعر، وهو منسوب لجده صول بضم أوله [ز1/ 49/أ] من ملوك جرجان ~~ثم أسلم، لا لصول المدينة المشهورة، ونادم عدة من الخلفاء، وأخذ عن أبي ~~داود السجستاني، PageV01P188 # والبزار، والمبرد، وثعلب وآخرين وروى عنه الدارقطني، وابن شاذان، قيل: ~~لعل السبب في نسبه أول واضع الشطرنج إليه أنه كان أوحد زمنه في لعبه، حتى ~~إنه يضرب به المثل فيه (1). # واختلف في سبب وضع صصة له فقيل: مضاهاة، كما مر، وقيل: إن امرأة كان لها ~~ابن ملك قتل في حرب وحده، فطلبت أن تراه عيانا، فلما عمل لها الشطرنج ورأته ~~تسلت، وقيل: لأن ملوك الهند كانوا حكماء لا يرون قتالا، فوضعوه ليروا صورة ~~ذلك، وقيل: إنه وضع لملك جبان فأدمنه حتى صار أشجع أهل زمنه. PageV01P189 ### | القسم الثالث: اللعب بالحزة والقرق # الأولى بحاء مهملة وزاي مشددة: قطعة خشب تحفر فيها حفر ثلاثة أسطر، ويجعل ~~فيها حصى صغار يلعب بها، وقد تسمى الأربعة عشر، وهي المسماة في مصر ~~بالمنقلة، وفسرها سليم في "تقريبه" بأنها: خشبة تحفر فيها ثمانية وعشرون ~~حفرة؛ أربعة عشر من ناحية وأربعة عشر من الجانب الآخر، ويلعب بها، والظاهر ~~أنها نوعان، فلا تخالف بين هذا وما قبله، والثانية بكسر القاف وسكون الراء، ~~وحكى الرافعي عن خط القاضي الروياني فتحهما، ms102 ويسمى شطرنج المغاربة أن يخط ~~على الأرض خط مربع ويجعل في وسطه خطان كالصليب، ويجعل على رأس الخطوط حصى ~~صغار يلعب بها، هذا حقيقتهما، وأما حكمهما فاختلف أئمتنا فيه على رأيين ~~ذكرهما الرافعي فقال: وفي "الشامل" أن اللعب بهما لهو كالنرد، وفي تعليق ~~الشيخ أبي حامد أنه كالشطرنج، ويشبه أن يقال ما يعتمد فيه على إخراج ~~الكعبين فهو كالنرد، وما يعتمد فيه على الفكر فهو كالشطرنج. # قال الأذرعي، وهذا صحيح مليح، موافق لفرق الجمهور بين النرد والشطرنج، ثم ~~نازع الرافعي فيما نقله عن الشيخ أبي حامد أنه كالشطرنج بأن المحاملي نقل ~~عنه أن الحزة كالنرد، وسليما نقل عنه أنهما كالنرد، وبأن البندنيجي صرح ~~بأنهما كالنرد، وهؤلاء الثلاثة هم رواة طريقة الشيخ أبي حامد، وتعليقه وهو ~~ما أورده الروياني والعمراني، ونقل ابن الرفعة في "المطلب" أن تحريمهما هو ~~ما ذهب إليه [ز1/ 49/ب] العراقيون كما صرح به البندنيجي، وابن الصباغ ثم ~~ذكر ابن الرفعة حكاية الرافعي عن تعليق أبي حامد وما بحثه وأقره، وقال ~~الأسنوي: يؤخذ من بحث الرافعي الفرق # PageV01P190 # السابق حلهما؛ لأن كلا منهما يعتمد فيه الفكر لا على شيء يرمى، وأسقط من ~~"الروضة" هذا البحث، ا. ه. # واعترضه الأذرعي بما مر عن سليم وغيره من أنهما في معنى النرد سواء؛ إذ ~~لو كان المعتمد فيهما الفكر لم يكونا كالنرد سواء. # ثم قال الأذرعي: ولعل ذلك يختلف باختلاف عادات البلاد أو غير ذلك، ا. ه. # والحق أن الخلاف في ذلك ليس له كبير جدوى؛ لأن الضابط السابق في ذلك في ~~كلام الرافعي أخذا من فرقهم السابق بين النرد والشطرنج، إذا عرف وتقرر أدير ~~الأمر عليه، فمتى كان المعتمد على الفكر والحساب فلا وجه إلا الحل ~~كالشطرنج، ومتى كان المعتمد على الحزر والتخمين فلا وجه إلا الحرمة كالنرد. # (تنبيه) قال أبو حنيفة: يكره اللعب بالنرد، وبالشطرنج، وبالأربعة عشر، ~~ونقل مجلي من أصحابنا عنه ما نصه: أكرهه كراهة تحريم، فظاهره أنه يكره ذلك ~~كله كراهة تحريم. # PageV01P191 ### | القسم الرابع: اللعب بما تسميه العامة ms103 الطاب والدك # هو حرام كما اقتضاه الفرق المذكور؛ لأن معتمده ليس إلا على الحزر ~~والتخمين؛ إذ هو أن يؤخذ أربع قصبات أو جريدات لكل بطن وظهر، فترمى ثم ننظر ~~كم فيها بطن وكم فيها ظهر، ثم يترتب على ذلك ما اتفقا عليه أو اقتضته قاعدة ~~هذا اللعب، فليس فيه اعتماد على حساب ولا فكر ألبتة، وإنما الاعتماد فيه ~~على ما تخرجه تلك التي ترمى من ظهر وثلاثة بطون، أو عكسه، أو بطنين، أو ~~ظهرين، أو محض بطون أو ظهور، ومما يقتضي الحرمة أيضا في ذلك قول الماوردي: ~~والصحيح الذي ذهب إليه الأكثرون تحريم اللعب بالنرد، وأنه فسق ترد به ~~الشهادة، وهكذا اللعب بالأربعة عشر المفوضة إلى الكعاب، وما ضاهاها فهي في ~~حكم النرد في التحريم، ا. ه. # وما أشار إليه الماوردي في الأربعة عشر موجود الآن؛ فإنه تؤخذ الخشبة ~~السابقة ويجعل فيها بيوت أربعة عشر ثم يرمي تلك القصبات، وينقل من تلك ~~البيوت بحسب ما يخرجه من تلك الكعاب التي يرمى بها. # وأما توقف الأذرعي [ز1/ 50/أ] في التحريم في هذه فهو مبني على ما مر عنه ~~من المنازعة للرافعي، وقد مر أنه نزاع لا جدوى له، وأن الصواب في ذلك ~~التعويل على الفرق الذي أبداه الرافعي وصرح به كلامهم أن ما كانت العمدة ~~فيه على الحزر والتخمين يكون كالنرد، وقد علمت أن هذا اللعب ليست العمدة ~~فيه إلا على ذلك، ثم رأيت الأذرعي جزم بحرمة الطاب في توسطه كالنرد، وهو ~~واضح جلي لا غبار عليه، واعتمده الزركشي وغيره. # PageV01P192 ### | القسم الخامس: اللعب بالكنجفة # هو حرام أيضا كاللعب بالطاب والدك كما صرح به في "الخادم"؛ لأنه ليست ~~العمدة فيه إلا على الحزر والتخمين، كما أنها العمدة في الطاب كما تقرر، ثم ~~رأيت الأذرعي نقل ذلك عن بعض متقدمي أصحابنا فقال: ومما أظهره المردة للترك ~~في هذه الأعصار أوراق مزوقة بنقوش سموها كنجفة يلعبون بها، فإن كان بعوض ~~فقمار، وإلا فهي كالنرد ونحوه مما سبق من التوجيه، ا. ه. # PageV01P193 ### | القسم السادس: اللعب ms104 بالخاتم ونحوه # ظاهر كلام الصيمري من أصحابنا جوازه، وجرى عليه الأذرعي فقال في "توسطه": ~~اللاعب بالمداحي والخاتم مقبول الشهادة إذا لم يتظاهر بذلك، وواضح أن محل ~~ذلك حيث لم يكن فيه حزر ولا تخمين، وإلا فهو حرام كما علم مما مر. # PageV01P194 ### | القسم السابع: اللعب بالجوز # جزم بعض أصحابنا بتحريمه، وقال شريح الروياني: اللعب به أخف من اللعب ~~بالحمام والشطرنج، وهذا حيث لا قمار، وإلا فهو حرام إجماعا، ولا يجوز عقد ~~المسابقة على المداحاة وهي رمي بنادق أو حصى إلى حفرة، قال الدارمي: وإن ~~كان مجانا فهو لعب، ا. ه. # وحقيقة اللعب بالخاتم، والجوز، والمداحاة لا أعرفها، ولكن قد علمت أن ~~الضابط الذي عليه المعول أن ما كان معتمده الحساب والفكر حلال، وما كان ~~معتمده الحزر والتخمين حرام، فإن وجد في شيء مما ذكر حزر وتخمين فهو حرام ~~على المعتمد، وقد سبق في النرد رأي غلط لا معول عليه أنه مكروه، فلعل من ~~قال بالحل مع وجود الحزر والتخمين جرى على ذلك الرأي الذي قد عرفت أنه غلط، ~~فتنبه لذلك. # PageV01P195 ### | القسم الثامن: اللعب بالحمام # [ز1/ 50/ب] # قال الشيخان والعبارة للرافعي: اتخاذ الحمام للبيض والفرخ أو الأنس أو ~~حمل الكتب جائز بلا كراهة، وأما اللعب به بالتطيير والمسابقة ففيه وجه أن ~~حكمه كذلك؛ لأن فيه تعليمها وترسيخها لإنهاء الأخبار. # والظاهر وعبارة "الروضة": والصحيح أنه مكروه كالشطرنج (1)، وهذه الفائدة ~~تتعلق بتطييرها دون المسابقة واللعب بها، ثم لا ترد الشهادة بمجرده، فإن ~~انضم إليه قمار وما في معناه ردت الشهادة، ا. ه. # وذكر الماوردي لمتخذ الحمام ثلاثة أحوال: # أحدها: اتخاذه للفرخ وغيره كما سبق فلا ترد به الشهادة. # الثاني: أن يخرج باتخاذها إلى السفاهة، أما للمتدله في أفعاله والخنا في ~~أقواله فترد بذلك شهادته. # الثالث: ما اختلف في رد الشهادة به، وهو اتخاذها للمسابقة، وفيه وجهان ~~بناء على ما سبق في خبر: ((لا سبق)) وقد سبق؛ أي: ولفظه: ((لا سبق إلا في ~~خف أو نصل أو حافر)) (2)، وهو حديث صحيح، والسبق بفتح السين والباء ms105 الموحدة ~~ما يجعل للسابق على سبقه من جعل، واقتصر الدارمي وغيره على قولهم: ويكره ~~اللعب بالشطرنج، والحمام، وعبارة مجموع المحاملي: فأما اللعب بها فهو مكروه ~~نص عليه الشافعي. ومن أصحابنا من قال: مباح لإنهائه بعلم المجيء من البلاد ~~ونقل الأخبار، وهذا ليس بشيء؛ لأن اللعب بها لا يحصل به منفعة، والكلام ~~إنما هو في كراهته دون إرسالها PageV01P196 # من البلاد، وإذا ثبت أنه مكروه فلا يفسق به ولا تسقط الشهادة، وعن مالك ~~وأبي حنيفة: يفسق وتسقط شهادته، والدليل على هذا ما ذكراه في الشطرنج، ا. ~~ه. # قال الأذرعي: واعلم أن اتخاذ الحمام لحمل الكتب من شأن الملوك ونوابهم لا ~~من أغراض العامة ومقاصدهم، فالمختار الجاري على القواعد أن من أظهر اللعب ~~بها بالتطيير والمسابقة مجانا - أي: من غير قمار - وعرف بذلك مردود ~~الشهادة؛ إذ العرف [في هذه الأعصار] (1) مطرد بأنه لا يتعاطى ذلك إلا أراذل ~~الناس وسفلتهم، ومن خلع جلباب الحياء والمروءة على أن الذي يقتنى للعب به ~~بالتطيير نوع غير ما يقتنى لحمل الكتب، والأول لا يكاد يخرج عن سماء الدار ~~أو البلد [ز1/ 51/أ] إلا نادرا. # وقال الشيخ الموفق الحنبلي: اللاعب بالحمام بتطييرها لا شهادة له؛ لأنه ~~سفه ودناءة وقلة مروءة، ويتضمن أذى الجيران بتطييره وإشرافه على دورهم ~~ورميه إياها بالحجارة، وقد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا يتبع ~~حمامة، فقال: شيطان يتبع شيطانة (2)، ا. ه (3). # وصرح صاحب "الترغيب" بأن اللعب بها مكروه واقتناؤها مباح، إلا إذا ~~اقتناها لسرقة حمام غيره، وظاهر أن الحمام مثال وأن غيرها مما يقتنى للعب ~~به من الحيوانات كذلك. PageV01P197 # (تنبيه) مما يدل لقبح اللعب بالحمام بل لحرمته حديث أبي داود في ~~"المراسيل"، والبغوي في "الصحابة" وهو مرسل أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: ((ثلاثة من الميسر: القمار، والضرب بالكعاب، والصفير بالحمام)) (1). # (فائدة) نقل بعض المفسرين أن اللعب بالحمام كان من دأب قوم لوط، وأنه من ~~جملة المنكر الذي كانوا يأتونه في ناديهم كما أخبر الله - تعالى - عنهم به ~~(2). PageV01P198 ### | القسم التاسع: اللعب بغير الحمام ms106 # وحكمه أنه يأتي فيه ما مر في اللعب بالحمام، ومحله إن لم يكن فيه إضرار ~~بحيوان وإلا كان حراما تحريما غليظا كنطاح الكباش والثيران ومهارشة الديوك ~~وغير ذلك مما في معناه، فكل ذلك حرام كما صرحوا به في البعض ويقاس به ~~الباقي، والكلام كله حيث لا قمار، وإلا بان شرط المال من الجانبين، فالكل ~~حرام إجماعا، وكذا إذا وجد المال من إحدى الجانبين فإن ذلك يكون حراما ~~أيضا؛ لأن تعاطي العقد الفاسد حرام، فإن أخذ المال كان أخذه فسقا مع علم ~~تحريمه؛ لأنه حينئذ كالغصب. # PageV01P199 ### | القسم العاشر: اللعب بأمور أخرى في معنى ما مر # كما ذكره الصيمري في "شرح كفايته" حيث قال: ويلحق باللعب بالنرد اللعب ~~بالأربعة عشر، وبالصرير، والمنقلة، والنواقيل، والكعاب، والرباريب، ~~والدرامات، قال: وكل من لعب بهذا الجنس فسخيف مردود الشهادة، قمارا أو ~~غيره، ا. ه. # قال الأذرعي: وبعض ما ذكره لا أعرفه، ا. ه. # وإذا حفظت ما مر من الضابط الذي عليه المعول في ذلك وهو: أن ما كان ~~المعتمد فيه الحزر والتخمين حرام، وما كان المعتمد فيه الفكر والحساب حلال، ~~ظهر لك الحق في كل ما عرض عليك من أنواع اللعب التي ذكروها [ز1/ 51/ب] ولم ~~[تعرف] مدلولها والتي لم يذكروها أصلا. # PageV01P200 ### | القسم الحادي عشر: اللعب بالمسابقة بالجري ونحوه وبالمصارعة ونحوها # هو جائز حيث لا مال من الجانبين ولا قمار، والأصل في ذلك أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - تسابق هو وعائشة؛ رواه الشافعي، وأبو داود، والنسائي، ~~وابن ماجه، وابن حبان، والبيهقي، من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ~~قالت: سابقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسبقته، فلما حملت اللحم ~~سابقته، فسبقني، فقال: ((هذه بتلك)) (1). # واختلف فيه على هشام، فقيل هكذا، وقيل: عن رجل، عن أبي سلمة، وقيل: عن ~~أبيه، وعن أبي سلمة، عن عائشة - رضي الله عنها (2). # وأنه - صلى الله عليه وسلم - صارع ركانة على شاة؛ رواه بو داود، والترمذي ~~[من حديث أبي الحسن العسقلاني، عن أبي جعفر بن محمد بن ms107 ركانة:] (3) أن ~~ركانة صارع النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ركانة: PageV01P201 # وسمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((فرق ما بيننا وبين أهل ~~الكتاب العمائم على القلانس)) (1). # وقال الترمذي: غريب، وليس إسناده بالقائم (2). # وروى أبو داود في "مراسيله" عن سعيد بن جبير قال: "كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بالبطحاء، فأتى عليه يزيد بن ركانة - أو ركانة بن يزيد - ~~ومعه أعنز له، فقال له: يا محمد، هل لك أن تصارعني؟ قال: ((ما تسبقني؟)) ~~قال: شاة من غنمي، فصارعه فصرعه، فأخذ شاة، فقال ركانة: هل لك في العود؟ ~~ففعل ذلك مرارا، فقال: يا محمد، والله ما وضع جنبي أحد إلى الأرض، وما أنت ~~بالذي تصرعني؛ يعني: فأسلم، فرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - غنمه ~~(3). # إسناده صحيح إلى سعيد بن جبير لكنه لم يدرك ركانة ولا يضره؛ لأنه جاء ~~موصولا من طريق أخرى، فقد رواه أبو بكر الشافعي، وأبو الشيخ عن سعيد بن ~~جبير، عن ابن عباس مطولا (4)، ورواه أبو نعيم [في "معرفة PageV01P202 # الصحابة"] (1) من حديث أبي أمامة مطولا وسندهما ضعيف (2)، ورواه ~~PageV01P203 # عبدالرزاق [عن معمر، عن يزيد بن أبي زياد، أحسبه] (1) عن عبدالله بن ~~الحارث، قال: صارع النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا ركانة في الجاهلية، ~~وكان شديدا، فقال: شاة بشاة، فصرعه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ~~عاودني في أخرى، فصرعه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: عاودني، فصرعه ~~الثالثة، فقال أبو ركانة: ماذا أقول لأهلي؛ شاة أكلها الذئب، وشاة نشزت، ~~فما أقول في الثالثة؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ما كنا لنجمع ~~عليك أن نصرعك ونغرمك، خذ غنمك)) (2) PageV01P204 # [ز1/ 52/أ] وسنده ضعيف، وصوابه ركانة لا أبو ركانة الذي وقع فيه (1). # (تنبيه) أخذه - صلى الله عليه وسلم - المال منه لا يقتضى جواز أخذه في ~~المصارعة ويوجه بوجهين: # أحدهما: أن الظاهر أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما أراد أن يبين غلبه ~~وعجزه من وجهين صرعه وأخذ ماله فلما ظهر ذلك رده إليه. # ثانيهما: لو سلمنا خلاف هذا الظاهر لم ms108 يكن فيه حجة أيضا؛ لأن ركانة إذ ~~ذاك كان كافرا، فهو حربي يجوز أخذ ماله مطلقا، ومن ثم لما أسلم تفضل عليه - ~~صلى الله عليه وسلم - ورد إليه غنمه، ثم بتقدير صحة تلك الأحاديث يتعين ~~حملها على أنهما واقعتان. # (تنبيه ثان) قال الحافظ عبدالغني: ما روي من مصارعة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أبا جهل لا أصل له، وحديث ركانة أمثل ما روي في مصارعة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم (2). # وليكن هذا آخر ما أردناه، ونهاية ما قصدناه، والحمد لله الذي هدانا لهذا ~~وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. # يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، حمدا كثيرا طيبا ~~مباركا فيه أبد الآبدين، وصل اللهم وسلم وبارك أفضل صلاة وأفضل سلام وأفضل ~~بركة على أفضل مخلوقاتك وزين عبادك سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وتابعيهم ~~كلهم بإحسان عدد معلوماتك أبدا. # ختم الله لنا بالحسنى في عافية بلا محنة ... أمين. PageV01P205 # وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # وكان الفراغ من كتابة هذه النسخة المباركة يوم الثلاثاء أربعة وعشرون ~~الحجة 1293 على يد كاتبه علي حسانين غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين ~~والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ... آمين (1). # * * * * * PageV01P206 ms109