######OpenITI# #META# ad: 974 #META# الناشر: دار البشائر الإسلامية [ضمن سلسلة لقاء العشر الأواخر (49)] #META# ndata: لقاء الع4B507EBCه، آمين. #META# auth: ابن حجر الهيتمي #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: المناهل العذبة في إصلاح ما وهي من الكعبة ¶ المؤلف: أحمد بن محمد ابن حجر الهيتمي (973 ه) ¶ المحقق: الدكتور عبد الرؤوف بن محمد الكمالي ¶ الناشر: دار البشائر الإسلامية [ضمن سلسلة لقاء العشر الأواخر (49)] ¶ الطبعة: الثانية 1426 ه - 2005 م ¶ عدد الأجزاء: 1 ¶ ملاحظات: [موافق للمطبوع - مقابل على المطبوع- إمكانية الإنتقال للصفحة] ¶ مصدر الكتاب: [مكتبة يا باغي الخير أقبل - ملتقى أهل الحديث] ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# المؤلف: أحمد بن محمد ابن حجر الهيتمي (973 ه) #META# higrid: 974 #META# Lng: أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري، شهاب الدين شيخ الإسلام، أبو العباس #META# idx: 1 #META# عدد الأجزاء: 1 #META# الكتاب: المناهل العذبة في إصلاح ما وهي من الكعبة #META# مصدر الكتاب: [مكتبة يا باغي الخير أقبل - ملتقى أهل الحديث] #META# authno: 479 #META# cat: بحوث ومسائل #META# authinf: ابن حجر الهيتمي (909 - 974 ه = 1504 - 1567 م) ¶ أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري، شهاب الدين شيخ الإسلام، أبو العباس: فقيه باحث مصري، مولده في محلة أبي الهيتم (من إقليم الغربية بمصر) وإليها نسبته. ¶ والسعدي نسبة إلى بني سعد من عرب الشرقية (بمصر) تلقى العلم في الأزهر، ومات بمكة. ¶ له تصانيف كثيرة، منها ¶ (مبلغ الأرب في فضائل العرب - ط) ¶ (الجوهر المنظم - ط) رحلة إلى المدينة، ¶ (الصواعق المحرقة على أهل البدع والضلال والزندقة - ط) ¶ (تحفة المحتاج لشرح المنهاج - ط) في فقه الشافعية، ¶ (الخيرات الحسان في مناقب أبي حنيفة النعمان - ط) ¶ (الفتاوى الهيتمية أربع مجلدات، و (شرح مشكاة المصابيح للتبريزي - خ) ¶ (الإيعاب في شرح العباب - خ) ¶ (الإمداد في شرح الإرشاد للمقري) ¶ (شرح الأربعين النووية - ط) ¶ (نصيحة الملوك) ¶ (تحرير المقال في آداب وأحكام يحتاج إليها مؤدبو الأطفال - خ) ¶ (أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل - خ) [ثم طبع] ¶ (خلاصة الأئمة الأربعة - خ) في دمشق 14 ورقة ¶ (المنح المكية - خ) في شرح همزية البوصيري، رأيته في مكتبة الفاتيكان (1574 عربي) ¶ (المنهج القويم في مسائل التعليم - ط) شرح لمقدمة الفقيه عبد الله بن عبد الرحمن بن فضل الحضرمي. ¶ (الدرر الزاهرة في كشف بيان الآخرة - خ) رسالة، عندي (ضمن مجموعة) ¶ (كف الرعاع عن استماع آلات السماع - ط) ¶ (الزواجر عن اقتراف الكبائر - ط) ¶ (تحذير الثقات من أكل الكفتة والقات - خ) رسالة لطيفة كتبت سنة 950 في الرباط (آخر المجموع 2262 كتاني ¶ (المنح المكية - ط) شرح لهمزية البوصيري. ¶ نقلا عن «الأعلام» للزركلي #META# bkid: 34296 #META# المحقق: الدكتور عبد الرؤوف بن محمد الكمالي #META# ملاحظات: [موافق للمطبوع - مقابل على المطبوع- إمكانية الإنتقال للصفحة] #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# max: 73 #META# bk: المناهل العذبة في إصلاح ما وهي من الكعبة #META# bkord: 8466 #META# archive: 23 #META# iso: المناهل العذبه في اصلاح ما وهي من الكعبه #META# comp: 1 #META# الطبعة: الثانية 1426 ه - 2005 م #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-09-30 #META#Header#End# ### | AUTO بسم الله الرحمن الرحيم # وبه ثقتي # الحمد لله الذي أوجب على كافة الأنام، تعظيم هذا البيت الحرام، بأقصى ~~غاية التعظيم، وأتحف اللائذين بأذياله -بما وقر في نفوسهم له- من نهايات ~~الإجلال والإكرام والتفخيم. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة يستفتح بها كل مغلق ~~عقيم، ويحيى بروح سرها كل عظم رميم. # وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي قام بأعباء حرم بيته الأكبر، ~~وأشادها على كواهل وارثيه ليذبوا عنها من بهذا الحمى الأقدس أراد أن يتسور. ~~صلى الله عليه وسلم ، وعلى آله وأصحابه الذين ما زالوا معظمين لهذه البنية ~~الشريفة، والكعبة المعظمة المنيفة، وعلى تابعيهم المبينين لأحكامها، ~~القائمين بآدابها واحترامها، صلاة وسلاما دائمين بدوام سؤددها، باقيين ~~ببقاء مددها. آمين. # وبعد: # فإنه ورد في أوائل تسع وخمسين وتسعمائة أوامر مولانا -سلطان الإسلام ~~والمسلمين، ومبيد الكفرة والمبتدعة والملحدين، ظل الله في أرضه، القائم ~~بأوفى غايات العدل في سننه وفرضه، الملك العادل الأفخم، والخاقان الكامل PageV01P023 ~~المعظم، السلطان ابن السلطان، الحادي عشر من ملوك بني عثمان، الملك المظفر ~~شاه سليمان، أدام الله على أهل الإسلام عدله ومسرته، وعلى أهل الشرك ~~والبدعة سطوته ونقمته، وأباد بسيوف قهره وعدله غياهب المحن، ومواقع الفتن، ~~وأدام ملكه الأعظم الأعدل الأفخم في ذريته الطاهرة، وبلغه أعظم مأمولة في ~~الدنيا والآخرة، آمين- بترميم ما تشعث في الكعبة المعظمة، لعرض قاضي مكة، ~~بسؤال سدنتها، على نائب مولانا السلطان بمصر المحروسة، الوزير علي باشا؛ ~~فإن سقفها صار ينزل منه الماء الكثير من المطر، وإن ذلك ربما آذى وأضر. # فعرض علي باشا ذلك على أبواب مولانا السلطان الزكية، وسدته العلية، فتحرى ~~-عز نصره، وزاد عزه وبره- جريا على ما انفرد به هو وجميع آبائه الأكرمين، ~~من بين سائر الملوك والسلاطين، أن لا يبرموا أمرا إلا بعد مشاورة العلماء ~~العاملين، لا سيما إمامهم ومفتيهم المقدم على جميع القضاة والمفتين. # واستفتى مولانا إنسان عين الزمان، وخليفة النعمان، ومحقق الأعصار ~~المتأخرة، ومدقق المباحث العويصة المقررة، إمام الإفتاء بالباب العالي، ~~المحفوظ بصلاح نية مولانا [السلطان] ms01 من صروف الأيام والليالي، عما أنهاه ~~إليه سدنة الكعبة. # فأفتاه بما هو الحق الواضح، من إصلاحها على ما يليق بحرمتها. # فكتبت المراسم الحنكارية لعلي باشا، أن يعين لذلك من مماليك مولانا ~~السلطان من يراه، فعين علي باشا لذلك الأمير أحمد بيك، رئيس كتاب خزانة مصر ~~المحروسة، كان ذلك بعد أن عين له من الأموال ما يليق بذلك. PageV01P024 # فقدم بها مع الآلات إلى مكة، ثم لما أراد الشروع في ذلك، نازعه فاتحها، ~~فأحب الناظر أن لا يستبد بأمر حتى يجمع جمعا من علماء مكة؛ لينظر: هل ~~يطابقون ما أفتى به مفتي السلطان أو يخالفونه؟ # فأرسل هو وقاضي القضاء بمكة -الرومي الحنفي- إلى أولئك بعد صلاة الجمعة، ~~سادس عشر شهر ربيع الأول سنة (959 ه)، تسع وخمسين. # وعقد مجلس حافل، وكان من جملة ما فيه، أن قال فاتح الكعبة: هي لا تحتاج ~~إلى ما يريدون فعله فيها، فأحضر مهندس السلطان ومعه آخر، وشهدا أن فيها ~~خشبتين مكسورتين من سقفها، وخشبة ثالثة لم تنكسر، لكنها نزلت عن محلها تسعة ~~قراريط. # فحينئذ استفتي الحاضرون عن ذلك وكنت معهم، فأفتيت بأن ما إصلاحه ضروري ~~يصلح، وبأنه ينبغي أن يضم إلى هذين الشاهدين بعض أهل الخبرة، حتى يطيب خاطر ~~فاتح الكعبة. # فوافق الناظر والقاضي والحاضرون على ذلك، وكذا فاتح الكعبة، وزاد أنه ~~ينبغي كشف ما على الخشب المدعى انكساره، فإن تحقق أصلح، وإلا رد كل شيء إلى ~~محله، فوافقوه أيضا. # ثم كتب في المجلس ورقة بذلك جميعه، وقرئ على الحاضرين، وكان منهم جماعة ~~من المالكية والحنفية، ثم تفرقوا على ذلك. PageV01P025 # ثم أراد الناظر الشروع في ذلك، فتوقف بعض سدنتها في ذلك، وعقد مجلس آخر ~~أكثر جمعا من الأول، فدار الكلام بينهم في المسألة، فكثر اختلافهم، ولم أكن ~~حاضرا فيه. # فقيل: إن منهم من قال كما قلناه: لا يصلح إلا ضروري الإصلاح، ومنهم من ~~قال: هذا كلام غير صحيح، بل لا يتعرض لها بشيء أصلا، حتى يقع منها شيء فيرد ~~إلى محله، ومنهم من قال: لا يصلح وإن ms02 وقع سقفها؛ لأنها كانت في الجاهلية ~~غير مسقفة، ومنهم من قال: كيف يقال بإصلاحها، وبقاؤها على ممر الأعصار خرقا ~~للعادة من الآيات الباهرة؟! # ثم تفرقوا من ذلك المجلس ولم يتحصلوا منه على شيء يعلم اتفاقهم عليه. # فعند ذلك، أظهر الناظر إفتاء المفتي السابق ذكره، ولم يكن أظهره قبل ذلك، ~~وكتبه في سؤال، ثم كتب بعده ما وقع في المجلس، ثم رفعه إلى أولئك الحاضرين، ~~مستفتيا لهم: هل يوافقون ما قاله المفتي من إصلاح الضروري أو الحاجي، فيعمل ~~بما أفتى به، أو يخالفونه فيبينون سند المخالفة من النقل؛ ليعرض عليه ~~كلامهم، وينظر الصواب مع أي الفريقين؟ # فالأكثر كتب بنحو كتابة المفتي، وبعضهم امتنع من الكتابة، وأرسلوا إلي ~~لأكتب، فقلت لهم: لم أحضر هذا المجلس، وقد حضرت المجلس الأول، وضبطتم ما ~~قلته فيه مما ظهر موافقته لما أفتى به المفتي. # وحينئذ كثر كلام العامة، ونقل إلينا أن الموافقين للمفتي إنما وافقوه PageV01P026 ~~خشية الفتنة، وأن الذي عليه أكثرهم إنما هو عدم إصلاحها مطلقا، حتى يسقط ما ~~يراد إصلاحه. # فلذلك عزمت -بعد الاستخارة- على بيان ما للعلماء في هذه المسألة، مما يدل ~~على الجواز أو المنع، مع حمل كل من تلك العبارات على ما يتعين حمله عليه، ~~ويتبادر كل ذهن سليم إليه. # فشرعت في ذلك أول شهر ربيع الثاني، سنة تسع [وخمسين]، وقد شرعوا في ~~الإصلاح على ما وقع في الإفتاء السابق، مستعينا بالله ومتوكلا عليه، ومفوضا ~~سائر أموري إليه، لا رب غيره، ولا مأمول إلا بره وخيره، وهو حسبي ونعم ~~الوكيل، وإليه أفزع في الكثير والقليل. # وسميت هذا التأليف ب: # ((المناهل العذبة في إصلاح ما وهى من الكعبة)) # ورتبته على مقدمة وأربعة مقاصد وخاتمة: # أما المقدمة، ففي تحرير ما أفتيت به. # وأما المقاصد: # فأولها: في بيان كلام أئمتنا في ذلك. # وثانيها: في كلام الحنفية. # وثالثها: في كلام المالكية. # ورابعها في كلام الحنابلة. # وأما الخاتمة، ففي تتمات وفوائد تتعلق بذلك. PageV01P027 ### | AUTO المقدمة # اعلم أن الذي أقوله وأفتي به على قواعد أئمتنا، أنه يجوز -بل يطلب- إصلاح ms03 ~~ما تشعث واختل من سقف الكعبة وجدارها وميزابها وعتبتها ورخامها، كما وقع ~~عليه الإجماع الفعلي الآتي بيانه، وتقرير العلماء عليه، من لدن عمارة ابن ~~الزبير رضي الله عنهما إلى يومنا هذا، وأنه يجوز التوصل إلى بيان حقيقة ما ~~ظن اختلاله من نحو سقفها، بكشف ما يعلم به أمره، كما وقع نظيره مما يأتي ~~بيانه [أيضا]. # بل سيأتي عن الفاسي، أنه وجماعة من قضاة مكة وأمير العمارة الذي ندبه لها ~~-برسباي- وأعيانها، اجتمعوا بالكعبة لما خافوا من سارية من سواريها ظهر بها ~~ميل، فكشفوا من فوقها، فوجدت صحيحة، وردت حتى استقامت. PageV01P028 # وهذا منه -كالقضاة وغيرهم- صريح فيما قلته آخرا، من جواز الكشف المذكور، ~~فتأمله فإنه واضح. # وما يقال: يحتمل أنهم كانوا مكرهين، فهو فاسد؛ وما الحامل للإمام الفاسي ~~على أن يحضر هو والقضاة مكرهين، ثم لا يذكر ذلك؟ بل يذكر ما هو صريح في رضا ~~الحاضرين، وأن ذلك لم يفعل إلا بإذنهم. # ومما يحفظ عليك وقوع هذا الاختلاف، أن الله تعالى جبل قلوب المسلمين على ~~غاية التعظيم والمهابة والإجلال. # فكل من أفتى إفتاء، فإنما حمله عليه -مع ما فهمه من كلام أئمته- أنه لم ~~ير التعظيم للكعبة المعظمة إلا فيه. # وسيأتي من تعظيم السلف لها -بل الجاهلية- مما يبهر العقل، وفي ذلك دلالة ~~على بقاء الخير الكثير في الأمة، كما أخبر به الصادق صلى الله عليه وسلم ، ~~فقد جاء في الحديث الحسن، أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تزال هذه الأمة ~~بخير ما عظموا هذه الحرمة حق تعظيمها -يعني الكعبة والحرم- فإذا ضيعوا ذلك ~~هلكوا)). # فإن قلت: ما وجه التعظيم في عدم الإصلاح؟ # قلت: كأنهم يلحظون صونها عن استعلاء العمال عليها ما أمكن، وكأن PageV01P029 ~~قائل ذلك لم ير -ما يأتي- أن قريشا لما أرادوا هدمها، توقفوا عنه؛ خشية أن ~~يصيبهم عذاب، فقال بعضهم: إنما يخشى ذلك من لا يريد الإصلاح، فتوقفوا، فأخذ ~~[الوليد] المعول وقال: اللهم إنا لا نريد إلا الإصلاح، فهدمها، فلما رأوا ~~أنه لم يصبه شيء، تبعوه. # وكذلك وقع لابن الزبير رضي الله عنهما، ms04 كما سيأتي بسط ذلك كله. # بل الحجاج إنما كان متأولا ردها إلى ما كانت عليه في زمنه صلى الله عليه ~~وسلم ، فلذلك لم يصبه شيء، مع أنهم كانوا يرون أن من تعرض لها هلك، كما ~~سيأتي ذلك كله. # فإن قلت: فما وجه التعظيم في إصلاحها؟ # قلت: هو أن تركها متشعثة متهدمة يزيل هيبتها من قلوب كثيرين ليس محط ~~نظرهم إلا الصون وعظمتها، كما سيأتي بسط ذلك. وقد أشار إليه ابن الزبير ~~بقوله الآتي: لو أن بيت أحدكم احترق، لم يرض له إلا بأكمل الإصلاح. # فتأمل ذلك يسهل عليك وقوع هذا الاختلاف الذي يرجع أكثره إلى القول ~~بالاستحسان لا غير. # (تنبيه): لما أتممت هذا الكتاب، رأيت ما أبلج صدري، وزاد بسببه حمدي ~~وشكري؛ إذ وافقت فيما أفتيت به الإمام المتفق على جلالته، وتحقيقه وإمامته، ~~الإمام المحب الطبري، الذي قيل في ترجمته: لم يخرج من مكة -بعد إمامنا ~~الشافعي رضي الله عنه- أفضل منه. وقيل فيها -أيضا-: ما وجد له بحث رد، أي غالبا. PageV01P030 # وعبارته -[و] من خطه رحمه الله نقلت، بعد أن تكلم على حديث عائشة رضي الله ~~عنها الآتي بكلام مبسوط سأذكره في آخر المبحث الخامس-: ((ومدلول هذا الحديث ~~-تصريحا وتلويحا- يبيح التغيير في البيت بالعمارة، إذا كان لمصلحة ضرورية ~~أو حاجية أو مستحسنة)). انتهت. # فتأمل قوله: ((أو حاجية أو مستحسنة))، تعلم أن القائلين بنحو ما مر في ~~الخطية، إنما سلكوا ملك الحدس والتخمين، ولم يتأملوا كلام الأئمة الراسخين، ~~فالحق أحق أن يتبع، ومن لم يرجع لذلك فقد حاد عن سنن الصواب وابتدع. # وإذا تأملت كلام المحب هذا، وجدته هو الذي ذكرته في هذا الكتاب، وأقمت ~~عليه الأدلة الصحيحة الجارية على جادة الصواب، فالحمد لله على موافقتنا ~~للعلماء فيما أبديناه وحررناه وقررناه، ورأيناه حسنا. PageV01P031 ### | AUTO ### || AUTO المقصد الأول في بيان كلام أئمتنا في ذلك # وفيه مباحث: # الأول # قال أصحابنا: يصح الإهداء والنذر إلى الكعبة نفسها، وكذا لرتاجها وطيبها ~~ووقودها، فينقله إليها، ثم يصرف إلى القيم بأمرها ليصرفه في الجهة ~~المنذورة، إلا أن ms05 يكون قد نص في نذره أنه يتولى صرف ذلك بنفسه. # قال الإمام [العالم] المجتهد التقي السبكي، في كتابه ((تنزل السكينة)) ~~-بعد ذكره نحو ذلك-: ((فظهر بهذا القطع بثبوت اختصاص الكعبة بما يهدى إليها ~~و[ما] ينذر لها، وما يوجد فيها من الأموال، وامتناع صرفها في غيرها، لا ~~للفقراء ولا للحرم الخارج عنها المحيط بها، ولا لشيء من المصالح إلا أن ~~يعرض لها نفسها عمارة ونحوها. # وحينئذ ينظر: فإن كانت تلك الأموال قد أرصدت لذلك، فتصرف فيه، PageV01P032 ~~وإلا فيختص بها الوجه الذي أرصدت له، فلا يغير عن وجهه، فالمرصد للبخور لا ~~يصرف في غيره، والمرصد للعمارة لا يصرف في غيره، والمرصد للسترة لا يصرف في ~~غيره، والمرصد للكعبة مطلقا يصرف في جميع هذه الوجوه، وكذا لو وجد فيها ولم ~~يعلم قصد من أتى به)). اه المقصود من كلامه. # وتبعه الزركشي في ((الخادم)) فقال -بعد ذكره عن الأصحاب نحو ما قدمته-: ~~((فظهر بهذا اختصاص الكعبة بما يهدى إليها، وما ينذر لها، وما يوجد فيها من ~~الأموال، وامتناع صرف شيء منها إلى الفقراء أو المصالح، إلا أن يعرض لها ~~نفسها عمارة فيصرف فيها إن حدثت لها، وإلا فلا يغير عن وجهه)). اه. # ثم قال: ((والرتاج: بكسر الراء المهملة، ثم مثناة -أي فوقية- ثم جيم، قال ~~القاضي حسين: هو في اللغة الباب العظيم)). قال: ((والمراد هنا جميع ~~الكعبة)). قال: ((وقيل: الرتاج الستر)). اه. # فتأمل قولهم بصحة النذر للكعبة نفسها، وأنه يصرف [لما حدث فيها من ~~العمارة ونحوها، ولبابها، وأنه يصرف] فيها، تجد ذلك كله PageV01P033 ~~مصرحا بأن عمارتها ونحوها قربة يصح نذرها، ويصرف المنذور فيها. # ومن الواضح البين: أن ما وهي وتشعث منها في حكم المنهدم أو المشرف على ~~الانهدام، فيجوز إصلاحه، بل يندب، بل يجب إن وجد له مصرف؛ كما يجب على ناظر ~~المسجد [الحرام] أن يصلح ويرم ما فيه. # بل إذا تأملت قول السبكي: ((إلا أن يعرض لها نفسها عمارة ونحوها))، وعلمت ~~أن نحوها يشمل الترميم وإصلاح ما وهى وتشعث منها، علمت أن مسألة الترميم ms06 ~~والإصلاح منقولة بالنص، وأن ذلك لا مساغ لإنكاره. # وتأمل قول ((الخادم)): ((إن حدثت لها وإلا فلا يغير شيء عن وجهه))، تجده ~~موافقا لذلك؛ فإنه لا ينهى عن تغيير الشيء عن وجهه، إلا إذا كان باقيا على ~~وجهه، أما إذا تغير عن وجهه بميل أو كسر، فهذا لا يقال فيه: لا يغير الشيء ~~عن وجهه، وهذا ظاهر لمن له أدنى تأمل. ### || AUTO الثاني # أن المحب الطبري، لما أفتى بوجوب إعادة الشاذروان إلى ذراع؛ [كما] نقله ~~[الأزرقي]، استشعر على نفسه اعتراضا، وأجاب عنه بما هو صريح فيما ذكرناه؛ ~~فإنه قال: ((لا يقال: إن ذلك زيادة في بيت الله جل وعلا، وتغيير له عن ~~موضعه، ولا يجوز ذلك؛ لأنا نقول: إخبار PageV01P034 ~~هذا الإمام العدل يمنع من أن يكون التتميم زيادة وتغييرا؛ لأنه إنما يكون ~~زيادة إذا تحقق أن الموجود الآن هو الأصل، ونحن لا نتحققه، بل لا نظنه، بل ~~لا نشك في أنه ليس على الأصل. # ثم قال عن خبر الأزرقي: ((فيجب قبول خبره وطرح ما يوسوس الشياطين من ~~الخيالات الفاسدة، والاحتمالات البعيدة)). # وقال -قبل ذلك-: ((على متولي البيت الحرام، والناظر في هذه المشاعر ~~العظام، رعاية مصالحها، والاهتمام بعماراتها))، وجعل ذلك توطئة لما قرره ~~بعد: أنه يجب هدم الشاذروان وإعادته إلى ذراع احتياطا. # وهذا كله منه ظاهر [أو] صريح فيما قدمته: أنه يجب رعاية مصالح البيت، ~~وترميم ما وقع فيه اختلال منه، ولم ما تشعث من بنائه، بل هذا أولى مما ذكره ~~في الشاذروان؛ لأن المصلحة في الاحتياط فيه مختصة بمن يقول: لا يصح الطواف ~~عليه، وهم فرقة من العلماء لا كلهم، ومصلحة ترميم الكعبة يرجع إلى كل الناس ~~كما مر، ويأتي. # وقال -أيضا-: ((إنه أحدث في الشاذروان زيادة، ولم يقل أحد ممن وجد بعد ~~الأزرقي إلى زمننا هذا: إن هذا الإحداث زيادة في بيت الله تعالى، PageV01P035 ~~وتغيير له في موضعه، ولا أنكره أحد، فليكن كذلك ما يتم به الذراع المفعول ~~في عرضه، ولا يكون ذلك زيادة، بل جبرا أو تتميما)). اه. ### || AUTO ms07 الثالث # استدل العلماء لجواز إصلاح ما وهى وتشعث من الكعبة، بما تطابق عليه الناس ~~في الأعصار من فعل ذلك فيها من غير نكير. # فممن استدل بذلك الحنابلة كما سيأتي عنهم، ومن جملة قولهم: ((لا بأس ~~بتغيير حجارة الكعبة إن عرض لها مرمة؛ لأن كل عصر احتاجت فيه لذلك، قد فعل ~~بها ذلك، ولم يظهر نكير على من فعله. # وممن استدل به -أيضا- الإمام المجتهد التقي السبكي، وعبارته: ((وأول من ~~فرشها بالرخام، الوليد بن عبد الملك، ولما عمل الوليد ذلك، كانت أئمة ~~الإسلام والصالحون وسائر المسلمين، يحجون وينظرون ذلك، ولا ينكرونه على ممر ~~الأعصار)). انتهت. # وإذا استدل السبكي بتقرير العلماء وغيرهم للوليد على ما ابتدعه وأحدثه في ~~الكعبة من فرشها بالرخام، مع عدم الاحتياج إليه، مع كونه -أعني الوليد- من ~~أئمة العسف والجور، وسوغ -أعني السبكي- هذا الفعل لسكوت الناس PageV01P036 ~~عليه، فما بالك بترميم وإصلاح ما وهى من الكعبة وتشعث؟! # فليكن سكوت الناس على ما فعل منه في الأعصار، دليلا ظاهرا على الجواز في ~~ذلك من باب أولى؛ لأن هذا أمر ضروري أو محتاج إليه، وفرش الرخام ليس فيه ~~إلا محض الزينة وإظهار أبهة البيت وجلالته في نفوس العامة، فتأمل هذا؛ فإنه ~~دليل واضح جلي على ما قلناه من جواز إصلاح الخلل الذي في نحو سقف الكعبة، ~~وتتميم ما تشعث منها. # بل يؤخذ من كلام السبكي هذا، أنه يجوز أن يحدث فيها كل ما يليق بتعظيمها ~~وأبهتها وجلالتها، وإن لم يحتج إليه؛ فإن فرش الرخام لا يحتاج إليه [البيت] ~~ألبته، وإنما فيه محض زينة وجلالة، فإذا جاز فرش الرخام فيها لما ذكره ~~السبكي، فليكن كل ما في معناه مثله. # ويؤيده: أن العلماء وغيرهم أقروا الملوك وغيرهم على تغيير بابها، المرة ~~بعد المرة، مع الصلاحية وعدم الاحتياج للتغيير، وكذلك غيروا عتبتها المرة ~~بعد المرة، وميزابها المرة بعد المرة، كما سيأتي بيان كل ذلك. # وليس الحامل للفاعلين على ذلك، إلا إظهار أبهة الكعبة، وأنه لا يليق ~~بجلالتها بقاء ما خلق أو عتق فيها، فلذلك جسروا على ms08 تغيير تلك الأشياء، ~~وأقرهم العلماء وغيرهم على ذلك ولم ينكروا عليهم. # فإن قلت: يحتمل أن عدم إنكارهم لعلمهم بأن أولئك الملوك، لا يمتثلون ~~أوامرهم، فحينئذ لا يستدل بسكوتهم. PageV01P037 # قلت: هذا غفلة عما قاله الأئمة: إنه يجب الأمر بالمعروف وإن علم من المأمور ~~أنه لا يمتثل، على أنه سيأتي عن السبكي، أن الملوك إنما تصعب مراجعتهم فيما ~~يتعلق بملكهم دون [نحو] هذا، سيما وفيه توفير لأموالهم، وذلك محبب للنفوس، ~~والشح مطاع. # وقد قال السيد السمهودي رحمه الله في فتاويه -بعد كلام ساقه يتعلق بأمر ~~السلطان، في قضية شيء ظاهره يخالف الشرع-: ((وينبغي أن يصان أمر ولاة ~~المسلمين عن مثل ذلك، بل هي محمولة على ما يسوغ شرعا)). اه. # ولو تنزلنا ولم ننظر إلى ذلك كله، فالإنكار لم ينحصر في ذلك، بل من جملة ~~حكمه بيان ذلك في كتبهم، وأنه منكر أو ممنوع مثلا. # ولولا سبر السبكي لكتب الأئمة من لدن الوليد إلى وقته، فلم ير أحدا من ~~العلماء تعرض لإنكار ما فعله الوليد بقول ولا قلم، لما استدل بما مر عنه، ~~ولما ساغ له أن يقول: ((ولما عمل الوليد ذلك، كانت أئمة الإسلام والصالحون ~~وسائر المسلمين، يحجون وينظرون ذلك ولا ينكرونه، على ممر الأعصار)). اه. # فهذا أعدل شاهد، وأوضح عاضد، على أن تقرير العلماء للملوك على PageV01P038 ~~ما فعلوه في الكعبة المعظمة، من إصلاح ما وهى وتشعث من سقفها وغيره، دال ~~على جواز ذلك واستحسانه، وأنه لا مساغ لإنكاره، وأنه متى عرض فيها نحو ميل ~~أو انكسار لشيء من خشبها أو نحو ذلك، بودر إلى إصلاحه وترميمه على أكمل ~~الوجوه اللائقة بحرمتها وأبهتها وجلالتها. # ومما يزيد ذلك وضوحا، أن السبكي رحمه الله تعقب ترجيح الرافعي والنووي ~~رحمهما الله عدم جواز تحلية الكعبة، حيث قالا: ((الأظهر أنه لا يجوز تحلية ~~الكعبة))، فقال: ((كيف يكون ذلك، وقد فعل في صدر هذه الأمة، وقد تولى عمر ~~بن عبد العزيز رضي الله عنه عمارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم عن الوليد ~~بن عبد الملك، وذهب ms09 سقفه؟! # فإن قيل: إنه فعل امتثالا لأمر الوليد. # فالجواب: أن الوليد وأمثاله من الملوك، إنما تصعب مخالفتهم فيما لهم غرض ~~يتعلق بملكهم ونحوه، أما مثل هذا -وفيه توفير عليهم في أموالهم- فلا يصعب ~~مراجعتهم فيه، فسكوت عمر بن عبد العزيز وأمثاله وأكبر منه -مثل سعيد بن ~~المسيب وبقية فقهاء المدينة وغيرها- دليل لجواز ذلك. # بل أقول: ولي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بعد ذلك الخلافة، وأراد أن ~~يزيل ما في جامع بني أمية من الذهب، فقيل له: إن لا يتحصل منه شيء يقوم ~~بأجرة حكه، فتركه. # والصفائح التي على الكعبة يتحصل منها أشياء كثيرة، فلو كان فعلها حراما ~~لأزالها في خلافته؛ لأنه إمام هدى، فلما سكت عنها وتركها وجب القطع ~~بجوازها)). اه. PageV01P039 # فتأمل هذا الاستدلال من هذا الإمام، تجده قاضيا بصحة ما سلكه هو وغيره من ~~العلماء، من أن سكوت العلماء وغيرهم على ما فعل في الكعبة المعظمة، من ~~الإصلاحات في الأعصار من غير نكير، دال على جوازه وحسنه، وأنه ينبغي للملوك ~~تحريه والعمل بمثله في الكعبة المشرفة، إذا حصل فيها ما يقتضي الإصلاح ولم ~~الشعث الذي لا يليق بأدنى المساجد أن تبقى عليه، فكيف بما هو أشرفها ~~وأفضلها؟! # ويؤيد ما مر من احتجاج الإمام السبكي بعدم إنكار العلماء وغيرهم، أن ~~المحب الطبري لما أفتى بوجوب إعادة الشاذروان إلى ذراع في العرض كما مر ذلك ~~عنه، استشعر على نفسه اعتراضا، وأجاب عنه بما يوافق ما تقرر أن عدم إنكارهم ~~بعد علمهم بالحكم، تقرير له ورضى به. # وعبارته: ((فإن قيل: هذا الموجود اليوم الناقص عن الذراع، ترادفت عليه ~~الأعصار، وتواردت عليه علماء الأمصار، وجاور بالحرم الشريف كثير من ~~العلماء، وطالت مدة مجاورتهم، ولم ينكر ذلك أحد منهم، والظاهر أن ذلك لم ~~يخف على جميعهم. # قلنا: عدم إنكارهم لا يدل على رضاهم به وتقريرهم له، وإنما يحكم بالرضى ~~والتقرير، بعد العلم بأنهم علموا بأنه كان ذراعا ثم أقروه ناقصا، ويحتاج ~~ذلك إلى إثبات. # وكثير من جملة العلماء لا يعلم أن الأزرقي ذكر ms10 أن عرضه ذراع وإن علموا ~~حكمه، وكثير يعلم ما ذكره الأزرقي ولا يعتبره، ويطوف ويعتقد أنه كما ذكره ~~الأزرقي، ولا يعلمون نقصه. # وقد رأيت من أجلة أهل العلم من هو كذلك، وما المانع من أن يكون أنكره من ~~اطلع عليه وعلمه، كما أنكره اليوم، فحصل له صاد كما حصل اليوم؟ # ولا يتمكن كل أحد من تغييره بيده، وإنما ذلك منوط بولاة الأمر فيه، وكم PageV01P040 ~~من بدعة تطاول زمانها، ولا يقال: إن علماء عصرها أقروها رضى بها، بل يحرم ~~على كل أحد نسبتهم إلى ذلك. # ألا ترى أن في الكعبة منكرين فاحشين، قد تطاول الزمان عليهما؟ المنكر ~~المسمى بالعروة الوثقى، والمنكر المسمى بسرة الدنيا، أنكرهما كثير من ~~العلماء ولم يلتفت إليهم)). اه. # فإن قلت: يؤخذ من كلام هذا منازعة السبكي وغيره فيما قالوه، من الاستدلال ~~بتقرير العلماء على فعل تلك الإصلاحات والرخام والتحلية؛ لأن الاحتمالات ~~التي ذكرها بسكوت العلماء على بقاء الشاذروان على دون الذراع تأتي في ذلك. # قلت: ممنوع؛ لأن الإنكار يستدعي تقدم العلم بما قاله الأزرقي أنه كان ~~ذراعا، وهذا لا يأتي فيما نحن فيه. # سلمنا أنهم علموا، يحتمل أنهم ممن يرون صحة الطواف على الشاذروان، وإن ~~سلمنا أنهم يعتقدون ذلك، هم قد أنكروه في كتبهم، وهذا كله لم يوجد منه شيء ~~هنا، فدل سكوتهم على تلك الإصلاحات وعدم تعرضهم لإنكارها بلسان ولا قلم، ~~على جوازها. # وقوله: ((وكم من بدعة .. )) إلخ، لا يأتي فيما نحن فيه أيضا؛ لأن العلماء ~~لم يبقوا شيئا من البدع المنكرة إلا وقد ذكروا حكمه وبينوه، تلويحا أو ~~تصريحا، فسكوتهم عن الإنكار عليه إنما هو لعجزهم. # وهنا: لو كان سكوتهم لعجزهم لبينوا ذلك في كتبهم، فتأمل ذلك حق التأمل؛ ~~لتكون على جادة الصواب، وتظفر بتحقيقه؛ فإنه مما يستفاد PageV01P041 ~~ويستطاب، وفقنا الله لتحريه على الدوام، وجعلنا ممن قام بشعائر هذا البيت ~~الحرام، آمين. ### || AUTO الرابع # مما هو صريح فيما قدمته من جواز الإصلاحات التي يحتاج إليها في الكعبة، ~~ما حكاه أئمتنا وغيرهم في خبر بناء ابن ms11 الزبير رضي الله عنهما: # وذلك لأنه لما أراد أن يهدمها للحريق الذي وقع فيها من بعض جماعته، أو ~~ممن حاصره، شاور من حضره من الصحابة وغيرهم رضي الله عنهم -منهم ابن عباس ~~رضي الله عنهما- في هدمها، فهابوا هدمها وقالوا: نرى أن نصلح ما وهى منها ~~ولا يهدم، فقال: لو أن بيت أحدكم احترق، لم يرض له إلا بأكمل إصلاح، ولا ~~يكمل إصلاحها إلا بهدمها، فهدمها حتى وصل إلى قواعد إبراهيم صلى الله على ~~نبينا وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وسلم. # وفي رواية: أنه جمع وجوه الناس وأشرافهم، فاستشارهم في هدمها، فأشار عليه ~~القليل من الناس وأبى الكثير، وكان أشدهم إباء عبد الله بن عباس رضي الله ~~عنهما، وقال: دعها على ما أقرها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فإني ~~أخشى أن يأتي بعدك من يهدمها، فلا تزال تهدم وتبنى فيتهاون الناس بحرمتها، ~~ولكن ارقعها، فقال ابن الزبير: والله ما يرضى أحدكم أن يرقع بناء بيت أبيه ~~وأمه، فكيف أرقع بيت الله؟! # واستقر رأيه على هدمها، وكان يحب [أن يكون] هو الذي يردها على قواعد ~~سيدنا إبراهيم؛ لما بلغه ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها. PageV01P042 # فهؤلاء الصحابة والتابعون رضوان الله عليهم، مجمعون ومتفقون على إصلاح ما ~~ضعف واختل وتشعث منها بحسب الضرورة أو الحاجة الماسة. # إذا وهى وتشعث -كما في ((القاموس))- بمعنى: تحرق وانشق واسترخى رباطه. # وابن الزبير رضي الله عنهما ومن وافقه: موافقوهم على ذلك، وإنما وقع ~~الخلاف في القدر الزائد على الحاجة، فالأكثرون نظروا إلى جانب الاحترام ~~المطلق للكعبة، فلم يوافقوا على الزائد على الحاجة، وهو رضى الله عنه ومن ~~وافقه نظروا إلى ما يليق بإجلال البيت وتعظيمه، وإيقاع مزيد هيبته في ~~القلوب، فلم يقنعوا بالاقتصار على قدر الحاجة، وأبرز لهم ذلك القياس ~~المعنوي بقوله: ((لو أن بيت أحدكم احترق لم يرض له إلا بأكمل إصلاح، ولا ~~يكمل إصلاحها إلا بهدمها))، فلم يعترضوا هذا الدليل الذي أبرزه لهم؛ إما ~~لوضوحه لهم، وإما لأن المجتهد لا ينكر على ms12 مجتهد، فلذلك مكنوه مما أراد ولم ~~يعترضوه. # فتأمل ذلك أدنى تأمل، يتضح لك صحة ما قلناه، من أنهم كلهم متفقون على ~~إصلاح ما تحرق وانشق واسترخى، لا خلاف بينهم في ذلك، وهم الحجة على من ~~بعدهم في ذلك وغيره. # وإنما الخلاف بينهم في إصلاح زائد على الحاجة، ولائق بكمال البيت وعظيم ~~إجلاله وحرمته، فابن الزبير وموافقوه يرون ذلك، والأكثرون لا يرونه، فتأمل ~~ذلك؛ فإنه مما ينبغي أن يحفظ ويستفاد. # وحينئذ، فلم يبق لما قيل: إنه لا يجوز أن يصلح فيها إلا ما سقط، وما لم PageV01P043 ~~يسقط لا يصلح، بل يترك على استهدامه وتشعثه، وجه، وإن كان الحامل لقائله ~~على ذلك رعاية احترام البيت بذلك ما أمكن بحسب ظنه. # وكأنه لم يسمع قول من استدل على بطلان زعمه: ((ترك ذلك يؤدي إلى غاية وهن ~~في الدين، وإسقاط هيبة الكعبة المعظمة من قلوب سائر المسلمين؛ لأنهم يرون ~~البيوت المنسوبة إلى أهل الدنيا في غاية العظمة الصورية، والبيت المنسوب ~~إلى الله تعالى في غاية الاستهانة بحقه وعدم الاعتناء بشأنه والقيام ~~بحرمته، وهذا خرق عظيم يجب تداركه)). اه. # وهو استدلال لا بأس به، لا سيما عند من يراعي المصالح المرسلة التي قال ~~المحققون: إنها لا تختص بالمالكية، بل ما من مذهب من المذاهب الأربعة إلا ~~وعمل بها في مسائل كثيرة، لكن المالكية لما أكثروا من مراعاتها، نسب القول ~~بها إليهم. ### || AUTO الخامس # اختلف العلماء في جدار الحجر الموجود اليوم وفيه الميزاب، هل يجوز هدمه؟ ~~لأن ابن الزبير رضي الله عنهما أعاد الكعبة على قواعد إبراهيم لما مر، ~~وللخبر المتفق عليه الذي روته له خالته عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، الدال على أنه صلى الله عليه وسلم لولا خشيته على قريش من ~~الفتنة بهدم بنائهم الذي قصروه عن قواعد إبراهيم بإخراج ستة أذرع منه من ~~جهة الحجر، وتعلية بابها الشرقي، وسد بابها الغربي، لهدمها وأعادها على ~~قواعد إبراهيم، ووطأ بابها الشرقي، وفتح بابها الغربي. PageV01P044 # أو لا يجوز هدم ذلك الجدار ms13 ولا يغير بابها؛ لأن ابن عباس قال لابن الزبير ~~رضي الله عنهم: ((دعها على ما أقرها عليه النبي صلى الله عليه وسلم ))؟ # فقال جماعة بالجواز، وجماعة بالمنع. # وممن قال بجواز ذلك صاحب ((الفروع)) من الحنابلة، وعبارته: ((ويتجه جواز ~~بنائها على قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم ؛ لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لولا المعارض في زمنه لفعله، كما ورد ذلك مصرحا به في خبر عائشة رضي ~~الله عنها. قال الإمام ابن هبيرة: فيه أنه يدل على جواز تأخير الصواب لأجل ~~قالة الناس، وقد رأى مالك والشافعي رضي الله عنهما أن تركه أولى؛ لئلا يصير ~~البيت ملعبة للملوك)). اه. # وقول ابن هبيرة: ((إن التأخير لأجل قالة الناس)) فيه نظر، بل ظاهر الخبر ~~أنه لخشية الردة عليهم بنقض بعض بنائهم الذي يعدونه من أكمل شرفهم. # وقوله: ((إن مالكا والشافعي رضي الله عنهما رأيا أن ترك ذلك أولى))، يشهد ~~له بالنسبة لمالك قول التقي الفاسي من أئمة المالكية: ((ويروى أن الخليفة ~~هارون الرشيد -وقيل: أبوه المهدي، وقيل: جده المنصور- أراد تغيير ما صنعه ~~الحجاج في الكعبة، وأن يردها إلى ما صنع ابن الزبير، فنهاه عن ذلك الإمام ~~مالك بن أنس رضي الله عنه، وقال: نشدتك الله، لا تجعل بيت الله ملعبة ~~للملوك، لا يشاء أحد منهم أن يغيره إلا غيره فتذهب هيبته من قلوب الناس. اه ~~بالمعنى. # وكأن مالكا لحظ في ذلك كون درء المفاسد أولى من جلب المصالح، وهي قاعدة ~~مشهورة معتمدة)). اه كلام الفاسي. PageV01P045 # فتعبيره بأولى مساو لقول ابن هبيرة عن مالك أنه رأى أن ذلك أولى. # فإن قلت: استشهاد الفاسي بالقاعدة المذكورة يدل على الوجوب؛ لأن درء ~~المفاسد يجب تقديمه على جلب المصالح. # قلت: هذا إيهام؛ لأن المفاسد على قسمين: مظنونة الوقوع، فهذه هي التي يجب ~~تقديم رعايتها على جلب المصالح، ومتوهمة الوقوع، وهذه هي التي تكون رعايتها ~~أولى لا واجبة. # وما نحن فيه من هذا الثاني، كما هو واضح؛ إذ خشية تغيير الملوك لها حتى ~~تذهب هيبتها من القلوب، مع ms14 ما استقر في النفوس من تعظيمها، بعيد جدا، فكان ~~متوهما لا مظنونا، فكيف يصح التعبير في هذا المقام بأولى؟ فتأمله. # ويشهد له بالنسبة للشافعي رضي الله عنه، قول النووي رحمه الله في ((شرح ~~المهذب)): ((قال القاضي أبو الطيب في ((تعليقه)) -في باب دخول مكة، في آخر ~~مسألة افتتاح الطواف بالاستلام-: قال الشافعي رضي الله عنه: أحب أن تترك ~~الكعبة على حالها فلا تهدم؛ لأن هدمها يذهب حرمتها، ويصير كالتلاعب، فلا ~~يريد وال تغيرها إلا هدمها، ولذلك استحسنا تركها على ما هي عليه)). اه. # وظاهر قوله رضي الله عنه: ((أحب)) -بل صريحه- ما نقله ابن هبيرة عنه، أنه ~~رأى أن ترك ذلك أولى. PageV01P046 # وزعم أنه قد يريد بأحب: أوجب، -بتقدير تسليمه، وإلا فكتبه لا سيما ((مختصر ~~المزني)) مع صغره مشحونة باستعماله ((أحب)) في المندوبات لا غير، كما هو ~~وضعه- لا يرد على ابن هبيرة؛ لأن نص الإمام في حق مقلديه كنص الشارع في حق ~~الأمة في كونه يحمل على معناه الحقيقي، ولا يجوز صرفه عنه إلا لدليل من ~~كلامه أو قواعده قرر أهل الأصول دلالة مثله على الوجوب. # وزعم بعضهم أنه قد يريد به ((أوجب)) بقرينة، ليس في محله؛ لأن كلامنا في ~~نص خلا عن القرينة، والتعليل بإذهاب الحرمة لا يدل على الوجوب؛ لأنه مشكوك ~~فيه، لا يراعي مثله إلا من يقول برعاية المصالح المرسلة مطلقا، ونحن لا ~~نقول بذلك. # على أن قوله: ((ولذلك استحسنا .. .. )) إلخ، يرد توهم الوجوب. # وسيأتي قريبا عن المحب الطبري قوله: ((على أنا نقول: إنما كره مالك ..)) ~~إلخ، [و] هو صريح واضح فيما ذكرته فتأمله. # وأما قول الشافعي رضي الله عنه في بعض المواضع: ((لا أحب كذا)) كقوله: ~~((لا أحب نقل الميت إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس))، فهو ~~لا يقضي على ابن هبيرة؛ لأن ((لا أحب كذا)) قد يستعمله الشافعي فيما فعله ~~محرم، وقد يستعمله فيما فعله مكروه. # ومن ثم اختلف أصحابه في هذه المسألة، فقال جماعة: يحرم النقل لغير ~~الثلاثة، وقال آخرون: يكره. ms15 # ونظير هذا استعمال الشافعي رضي الله عنه: ((أكره كذا))؛ فإنه قد يستعمله ~~في المكروه كراهة تنزيه، وقد يستعمله في الحرام. PageV01P047 # فإن قلت: ما الفرق بين ((أحب)) حيث لا يستعملها إلا في المندوب، و((أكره)) ~~حيث يستعملها في الأمرين؟ # قلت: الفرق ما استفاض على لسانه ولسان أصحابه، أن المكروه قد يكون كراهته ~~للتحريم، وقد يكون كراهته للتنزيه، فصح استعمال ((أكره)) فيهما. # وأما المحبوب فلم يقع اصطلاح على أن مجيئه قد يكون للإيجاب وقد يكون ~~للندب، بل لم يستعمل إلا قسيما للواجب، فتعين صرفه له. # وفي البديهة ما يقضي بالفرق بين ((أحب كذا)) و((لا أحب كذا))، فلا مساواة ~~بينهما يقضى بها على ابن هبيرة، فتأمل ذلك كله؛ فإنه قد وقع فيه غلط. # هذا ما يتعلق بالقائلين بالجواز نقلا ودليلا، وهو يفهم بالأولى ما قدمته ~~من جواز إصلاح ما وهى وتشعث من الكعبة وإن لم يسقط. # وأما القائلون بالمنع، فيشهد لهم قول النووي رحمه الله في ((شرح مسلم)): ~~((قال العلماء: ولا تغير الكعبة عن هذا البناء))، ويحتمل أن يريد أن نفي ~~ذلك أولى؛ ليوافق ما مر عن الشافعي رضي الله عنه. # ويشهد لهم أيضا -بل يصرح به- قول السبكي: ((الإجماع انعقد على عدم جواز ~~تغيير الكعبة)). اه، وقول الزركشي -بعد الحكاية السابقة عن مالك رضي الله ~~عنه والرشيد أو أبيه أو جده-: ((واستحسن الناس هذا من مالك رضي الله عنه، ~~وعملوا عليه، وصار كالإجماع على أنه لا يجوز التعرض للكعبة بهدم أو ~~تغيير)). اه. # فإن قلت: كيف هذا الإجماع مع وجود ما مر من الخلاف؟ # قلت: أما عبارة النووي فهي محتملة فلا دليل فيها، وأما عبارة السبكي ~~فصريحة في نقل الإجماع، لكن فيها نظر، وكأن هذا هو السبب في عدول الزركشي ~~عنها إلى قوله: ((فصار كالإجماع ..)) إلخ، فأفهم أنه ليس في المسألة إجماع ~~حقيقي، وهذا هو الحق. PageV01P048 # هذا كله إن حملنا كلام هؤلاء -كما هو المتبادر منه- على أنه في الصورة ~~السابقة، وهي هدم ما صنعه الحجاج، وردها على بناء ابن الزبير. # ويؤيد ذلك: أن هذا ms16 هو الذي أراده هارون أو أبوه أو جده، فمنعه منه مالك ~~رضي الله عنه، وأما بقية بناء ابن الزبير فلم يتعرض له أحد بعد الحجاج بهدم ~~ولا تغيير، ولا أراد أحد فيه ذلك -كما قاله التقي الفاسي وغيره، كما يأتي- ~~حتى يقع فيه خلاف، وإنما الذي وقع من الملوك من ذلك الزمن وإلى الآن، ترميم ~~وإصلاح لنحو السقف والعتبة والميزاب والباب. # على أن من العجب الدال على كرامة ابن الزبير، أن جميع الإصلاحات الواقعة ~~في نحو جدار الكعبة وبابها، إنما هي فيما صنعه الحجاج وما قرب منه، دون ~~بناء ابن الزبير، كما سيأتي مبسوطا. # أما إذا لم نحمله على تلك الصورة الخاصة، بل على ما عداها، فالإجماع على ~~الامتناع من هدم بعض جدارها أو تغييره بلا ضرورة، أمر حقيقي واقع لا مرية، ~~وليس ذلك من خصوصيات الكعبة، بل هو جار في كل مسجد؛ إذ من البديهي في سائر ~~المساجد، أنه لا يجوز لأحد هدم أبنيتها، ولا تغييرها عما هي عليه من غير ~~ضرورة أو حاجة ماسة. # وحينئذ فلا يجوز لأحد حمل اختلاف العلماء على ذلك، بل يتعين حمله على ما ~~قررناه وأوضحناه، فتأمله لئلا يزل قدمك، ويطغى قلمك، أعاذنا الله أجمعين من ~~ذلك بمنه وكرمه، آمين. # ثم رأيت المحب الطبري صرح عن مالك رضي الله عنه بما يوافق ما قدمته عن ~~ابن هبيرة وغيره، في فهم كلامه، وما ذكرته أن محل كلامه إنما هو في هدم ما PageV01P049 ~~فعله الحجاج لا غيره، وذلك أنه -أعني المحب الطبري- لما أفتى بوجوب هدم ما ~~كان عليه الشاذروان من دون ذراع في عرضه، ووجوب إعادته إلى ذراع احتياطا ~~للطائفين الذين يرون بطلان الطواف عليه، استشعر اعتراضا على نفسه من كلام ~~مالك مع الخليفة، فقال: # ((فإن قيل: قد ورد عن مالك لما حج الخليفة في زمنه، وكان بلغه عنه أنه ~~يريد أن يهدم ما بناه الحجاج من البيت، ويرده إلى ما بناه ابن الزبير رضي ~~الله عنهما، فخرج له من المدينة، واعترض له في طريقه وقال: أنشدك ms17 الله يا ~~أمير المؤمنين لا جعلت هذا البيت ملعبة للملوك، لا يشاء أحد منهم لهدمه ~~وبنيه إلا فعل، فكف الخليفة عن ذلك، وإنما قال له مالك ذلك وكف الخليفة ~~تعظيما للبيت واحتراما له، والتعظيم والاحترام ثابتان للجزء كثبوته للكل. # قلنا: إيراد هذه الحكاية في معرض الاعتراض تشنيع وتهويل، وعمي بصيرة عن ~~رؤية الحق، وارتكاب هوى متبع، وأي جامع بين ما نحن فيه وما في هذه ~~الحكاية؟! # والفرق بينهما من وجهين: # الأول: من جهة المعنى؛ فإن القصد في مسألتنا رعاية مصلحة الطائفين وتصحيح ~~طوافهم، وجعل المطاف على صورة يصح الطواف فيه للملاصق للشاذروان، وذلك ~~الغاية في تعظيم حرمة البيت، والإعراض عن ذلك هتك لحرمته؛ لما يتطرق له من ~~الخطر الكثير والفساد العريض، فناسب وجوب رعاية ذلك؛ تجنيبا للخطر الناشئ ~~بسبب الترك على كل قادر. PageV01P050 # وما أنكره الإمام مالك ليس في تركه خطر ولا إفساد عبادة، بخلاف مسألتنا؛ ~~لما يترتب عليها من الخطر المذكور. ولو سئل مالك عن مسألتنا لأجاب بمثل ~~جوابنا؛ لأن مذهبه وجوب حسم الذرائع المفضية إلى المفاسد، ومسألتنا تنزع ~~إلى ذلك؛ لأن تقرير الشاذروان على ما هو عليه، يؤدي إلى فساد طواف بعض ~~الطائفين، فوجب حسمه بالإزالة. # الثاني: الفرق من حيث الصورة، وذلك أن هدم البيت أو جانب منه، يكثر ~~الابتذال فيه، ويعظم الشعث، وتقل الهيبة، لا سيما إذا كان ناشئا عن هوى ~~متبع، بخلاف هدم شبر من دكة في بناء البيت إن احتيج إليه، وإلا فالضرورة ~~تندفع بإلصاق بناء إليه يتم به الذراع، ويندفع به المحذور، وبين الصورتين ~~بون عظيم. # على أنا نقول: إنما كره مالك ما كرهه؛ خشية أن يتكرر هدم البيت، لما علم ~~من هدم ابن الزبير له وبنائه، ثم هدم الحجاج لما زاده ابن الزبير، فخشي ~~مالك لو هدمه هذا الخليفة وأعاده على وضع ابن الزبير، أن يأتي بعده من يرى ~~رأي الحجاج، فيتكرر ذلك، فجرى على مقتضى مذهبه من سد الذرائع. # ولهذا نبه رضي الله عنه على ذلك بقوله: ((أخشى أن يبقى ملعبة للملوك))، ms18 ~~وإلا فلو علم أنه لا يهدم بعد إعادته على وضع ابن الزبير، لما أنكره، بل ~~يستحبه وندب إليه وحث عليه، فرأى أن التعظيم به أنسب وأولى، ولم يكن ملعبة، ~~بل سنة متبعة، [و] فعلا جميلا. # فإن سيد المرسلين، الممهد لنا شرائع الدين، أشار إلى ذلك بما جاء في ~~الصحيحين، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : PageV01P051 # ((يا عائشة، لولا أن قومك حديثو عهد بشرك، لهدمت الكعبة، وألزقت بابها ~~بالأرض، ولجعلت لها بابا شرقيا، وبابا غربيا، وزدت فيها ستة أذرع، فإن قومك ~~اقتصرتها حين بنت الكعبة)). # وفي رواية في الصحيحين: ((فإن بدا لقومك من بعد أن يبنوه، فهلمي لأريك ما ~~تركوا منه، فأراها قريبا من ستة أذرع)). # وفي قوله: ((فإن بدا لقومك .. .. )) إلخ، تصريح بالإذن في أن يفعل ذلك ~~بعده عند القدرة عليه والتمكن منه. # وفي قوله صلى الله عليه وسلم : ((لولا .. .. )) إلخ، حث عليه، ودلالة على ~~أن المانع منه حداثتهم بالشرك، وتنبيه على أنه -أي فعل ذلك- من مهمات الدين ~~عند تمكن الإسلام، وهذا هو المعنى الذي حث ابن الزبير على هدم الكعبة ~~واستيفاء قواعدها، فلم يكن بذلك ملوما، ولا عد منتهكا حرمة، بل قائما في ~~ذلك بالحرمة رضي الله عنه. # ومدلول هذا الحديث -تصريحا وتلويحا- يبيح التغيير في البيت إذا كان ~~لمصلحة ضرورية أو حاجية أو مستحسنة، والله أعلم)). اه كلام المحب الطبري، ~~ومن خطه نقلت. # وهو مشتمل على نفائس تقدمت الإشارة إلى كثير منها، فتأمله مع ما مر ~~ويأتي، لا سيما قوله أولا: ((فرأى أن التعظيم به أنسب وأولى))؛ فإنه موافق لما مر PageV01P052 ~~عن ابن هبيرة وغيره، وقوله آخرا: ((ومدلول هذا الحديث -تصريحا وتلويحا- ~~يبيح التغيير .. .. )) إلخ؛ فإنه موافق لما وضعت عليه كتابي هذا من جواز ~~-بل طلب- إصلاح كل ما وهى وتشعث في الكعبة، وأنه يجوز التوصل إلى معرفة ~~الخلل الذي ظن وقوعه فيها ولو بالكشف لبعض سقفها. # بل زاد أن ما اقتضت المصلحة استحسان فعله في الكعبة، يجوز فعله فيها. # وبعد هذا من هذا ms19 الإمام، لم يبق لمنازع في شيء مما ذكرته سبيل، ولم يجز ~~أن يصغى لشيء مما مر عن أولئك المنازعين، ولا أن يعول عليه أدنى تعويل؛ لما ~~أنه خال عن أن يقوم عليه دليل، أو يعضده قويم تعليل، والله يقول الحق وهو ~~يهدي السبيل، جعلنا الله من أهله، إنه بكل خير كفيل. PageV01P053 ### | AUTO المقصد الثاني فيما قاله الحنفية في ذلك # اعلم أنه قد جرت عادة مولانا السلطان العادل، المجاهد المرابط، سليمان ~~الخلافة، وإمام المعالي والإنافة، أن لا يولي منصب الإفتاء على مذهب الإمام ~~الأعظم أبي حنيفة -رضي الله عنه وأرضاه، وجعل الجنة متقلبه ومثواه- ذي ~~المناقب الباهرة، والكرامات القاهرة، كما بينته في كتابي الذي أفردت ترجمته ~~فيه، وسميته: ((قلائد العقيان في ترجمة الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان))، ~~إلا أعلم أهل زمانه، وأكمل أهل مملكته وأوانه. # ولما كان متولي منصب الإفتاء [الآن]، مولانا خوجا جلبي متصفا بذلك، أهلا ~~لما هنالك، محيطا بجميع ما للأئمة في هذه المسالك، عولت على ما سبق عنه في ~~معرفة مذهب الحنفية في المسألة، وهو جواز إصلاح ما وقع في الكعبة مما يحتاج ~~لإصلاحه من نحو حرق أو ترميم. PageV01P054 ### | AUTO المقصد الثالث في بيان ما للمالكية في ذلك # اعلم أن الإمام ابن بطال من أئمتهم، ذكر في شرحه على البخاري كلاما في أن ~~الفاضل من كسوة الكعبة، هل يصرف على أهل الحاجة أو لا؟ ومن جملته أن قسمة ~~ما فضل عن الكسوة على أهل الحاجة أولى من قسمة المال الفاضل. # ووجه ذلك بأن المال يمكن نفقته فيما تحتاج إليه الكعبة في إصلاح ما وهى ~~منها وفي وقود وأجرة قيم، والكسوة لا تدعو لفاضلها ضرورة)). اه. # أي: فإذا جاز صرف فاضل المال، مع أنه قد تحتاج لصرفه فيما ذكر، فأولى أن ~~يجوز صرف فاضل الكسوة التي لا يحتاج إليه. # وإذا تأملت هذا التوجيه الذي ذكره، وجدته مصرحا بأن ما وهى من الكعبة ~~يصلح، وأن مالها يصرف في إصلاحه، نظير ما مر عن أئمتنا، وحينئذ فما قاله ~~موافق لمذهبنا الذي قدمته. ms20 # وبهذا يرد ما نقل عن بعض المالكية، أنه نقل لهم في عقد المجلس السابق عن ~~أئمة مذهبه، أنه لا يجوز التعرض للكعبة بإصلاح شيء منها وإن تهدم وتشعث حتى ~~يسقط، موافقة لما مر عن آخرين قالوا ذلك من غير مذهبه. PageV01P055 # وسيأتي عن التقي الفاسي -وهو من أئمة المالكية- أنه حضر إصلاحات وقعت ~~بالكعبة من غير سقوط شيء، بل لمجرد توهم الخلل، وأقرهم على فعلها، وذكر ~~حضوره لها متبجحا به، وأن جماعة من القضاة والرؤساء كانوا حاضرين معه أيضا. # فذكره ذلك كذلك، يفيد أن مذهبه جواز ذلك؛ إذ يبعد كل البعد من عالم متبحر ~~مؤرخ يبين الوقائع وما اشتملت عليه من الأحكام التي يعتقدها والتي لا ~~يعتقدها، ويبين ما في ذلك كما يعلم باستقراء تواريخه، فمع ذلك لم يبق مساغ ~~لإنكار دلالة حكايته عن نفسه وغيره حضور ذلك والرضى به، على أن ذلك مذهبه ~~ومعتقده، وحينئذ فهو موافق لما تقرر عن ابن بطال، [والله أعلم]. PageV01P056 ### | AUTO المقصد الرابع في بيان مذهب الحنابلة في ذلك # قال صاحب ((الفنون)) منهم في ((فنونه)): ((لا بأس بتغيير حجارة الكعبة إن ~~عرض لها مرمة؛ لأن كل عصر احتاجت فيه لذلك قد فعل بها ذلك، ولم يظهر نكير ~~على من فعله. # نعم، الحجر الأسود لا يجوز نقله من مكانه ولا تغييره؛ لأنه لم يوضع موضعه ~~إلا بنص من النبي صلى الله عليه وسلم ، فهو كبعض آيات القرآن، لا يجوز ~~نقلها من موضعها إلى موضع آخر. # ويكره نقل حجارتها عند عمارتها إلى غيرها. # ولا يجوز أن تعلى أبنيتها زيادة على ما وجد من علوها. # ويكره الصك فيها وفي أبنيتها إلا بقدر الحاجة)). PageV01P057 # وقال صاحب ((الفروع)) من أئمة متأخريهم: ((ويتجه جواز بنائها على قواعد ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لولا العارض في ~~زمنه لفعله، كما ورد مصرحا به في خبر عائشة رضي الله عنها. # قال الإمام ابن هبيرة: فيه أنه يدل على جواز تأخير الصواب لأجل قالة ~~الناس، وقد رأى مالك والشافعي رضي الله ms21 عنهما أن تركه أولى؛ لئلا يصير ~~البيت ملعبة للملوك)). اه. # وإذا تأملت كلام صاحب ((الفنون))، وجدته موافقا لما قدمته من إصلاح ما ~~وقع في الكعبة مما يحتاج لإصلاحه وترميم ما تشعث منها مما يحتاج لترميمه، ~~وأن فعل ذلك لا يتوقف على سقوط ما وهى منها؛ لأنه احتج على ما قاله بما وقع ~~في الأعصار من فعل نظائر ذلك في الكعبة من غير نكير، والذي وقع منهم من ~~الإصلاحات فيها إنما كان لمجرد ظنهم خلله فبادروا لإصلاحه. PageV01P058 ### | AUTO خاتمة في ذكر أمور مبينة وشارحة لبعض ما سبق ### || AUTO أولها: قد مر أن العلماء احتجوا على جواز إصلاح ما وقع في ~~الكعبة من ترميم ونحوه مما يقتضي الإصلاح، بما وقع في الأعصار من فعله على ~~ممر الأزمنة، مع مشاهدة العلماء وسائر المسلمين لذلك، ولم ينكره أحد منهم ~~بلسانه ولا بقلبه [ولا بقلمه]، فدل ذلك على جواز نظير تلك الإصلاحات. # وقد ذكر الفاسي وغيره من ذلك أشياء كثيرة جدا: # فمما ذكره قوله: ((ذكر شيء من حال الكعبة بعد بناء ابن الزبير والحجاج، ~~وما وضع فيها من العمارة، وما عمل لها من الأساطين والميازيب والأبواب بعد ~~ابن الزبير رضي الله عنهما والحجاج. # اعلم أنه لم يغير أحد من الخلفاء والملوك فيما مضى من الزمان وإلى الآن، ~~ما بناه ابن الزبير رضي الله عنهما والحجاج فيما علمناه، ولو وقع ذلك لنقل؛ ~~فإن ذلك مما لا يخفى؛ لعظم أمره. # والذي غير فيها بعدهما ميزابها غير مرة، وبابها غير مرة، كما سيأتي بيانه، PageV01P059 ~~وبعض أساطينها، وما دعت الضرورة إلى عمارته في جدرها وسقفها ودرجتها التي ~~يصعد منها إلى سطحها، وعتبتها ورخامها، [وهو] مما حدث من الوليد ابن عبد ~~الملك بن مروان في الكعبة بعد ابن الزبير رضي الله عنهما والحجاج. # ثم ذكر أن من تلك العمارات التي حدثت، ترميما في جدر الميزاب الذي بناه ~~الحجاج، وإصلاح ما في سقف الكعبة، فقد قال الأزرقي: وكانت أرض سطح الكعبة ~~بالفسيفساء، أي وهو ألوان من الخرز يركب في حيطان البيوت ms22 من داخل، كما في ~~((القاموس))، ثم كانت تكف عليهم إذا جاء المطر، فقلعته الحجبة بعد سنة ~~مائتين، وسدوه بالمرمر المطبوخ والجص، شيد به تشييدا. # وذكر -أيضا- أن عتبة باب الكعبة السفلي كانت قطعتين من خشب الساج قد رثتا ~~وتخربتا من طول الزمان عليهما، فأخرجهما مندوب الخليفة المتوكل العباسي ~~للعمارة، سنة إحدى وأربعين ومائتين، وجعل مكانها قطعة من خشب الساج، ~~وألبسها صفائح الفضة، وأصلح -أيضا- رخامتين أو ثلاثا في جدار الكعبة. # ومن ذلك -أيضا- عمارة سقف الكعبة والدرجة التي بباطنها، وكلاهما في سنة ~~اثنتين وأربعين وخمسمائة. PageV01P060 # وبعد ذلك بيسير، أصلح رخامها من جهة وزير صاحب الموصل. # وعمارة في سنة تسع وعشرين وستمائة، من جهة المستنصر بالله العباسي، وكتب ~~ذلك برخامة في جدرها اليماني داخلها. # وتجديد رخامها سنة ثمانين وستمائة، من جهة المظفر الرسولي صاحب اليمن، ~~وكتب اسمه برخامة في وسط الجدار الغربي. # وبعد ذلك بيسير، ألصق رخام خشي سقوطه في بعض جدرانها من داخلها. # ومن ذلك -أيضا- مواضع في سطحها كان يكثر وكف المطر منها إلى سفلها، منها ~~موضع عند طابق درجة سطحها، وموضع عند ميزابها، ومواضع بقرب بعض الروازن، أي ~~الكوات التي للضوء. # وكان إصلاح هذه المواضع بالجبس بعد قلع الرخام الذي هناك، وأعيد في ~~موضعه، وأبدل بعضه بغيره، وأصلحت الروازن كلها بالجبس، وكانت الأخشاب ~~المطبقة بأعلى الروازن التي عليها البناء المرتفع في سطح البيت قد تخربت، ~~فعوضت بخشب سوى ذلك، وأعيد البناء الذي كان عليها كما كان. # وكان الروزن الذي يلي الركن اليماني منكسرا، فقلع وعوض بروزن جيد وجد في ~~أسفل الكعبة، وأصلح في درجة السطح أخشاب منكسرة)). # قال الفاسي: ((وشاهدت كثيرا من إصلاح هذه الأمور وأنا بسطح الكعبة مع من ~~صعد لعمل ذلك، وذلك في أيام متفرقة في العشر الأوسط من شهر رمضان، سنة أربع ~~عشرة وثمانمائة، عقب مطر عظيم حصل بمكة. PageV01P061 # وبعد ذلك بنحو عشر سنين، أصلحت الروازن التي بسطح الكعبة ورخامة على ~~ميزابها؛ لأن الماء كان ينتقع عليها؛ لخراب ما تحتها، فخلعت وأزيل ما تحتها ~~من الخراب، وأعيد إلصاقها بعد ms23 إحكام هذا الإصلاح. # وفي هذا التاريخ تخربت الأخشاب التي بسطح الكعبة، المعدة لربط كسوتها، ~~فقلعت وعوض عنها أخشاب جيدة محكمة، وركبت فيها الحلق الحديد التي تشد بها ~~كسوة الكعبة، ووضعت الأخشاب بسطح الكعبة في مواضعها قبل ذلك. # وفي سنة ست وعشرين وثمانمائة، أرسل السلطان برسباي من قلع الرخام الذي ~~بين جدر الكعبة الغربي والأساطين التي بالكعبة لتخربه، وأعيد نصبه محكما ~~كما كان بالجص، وأصلح فيها رخام آخر، وكتب اسمه وأمره بذلك في لوح رخام، ~~مقابل باب الكعبة)). # قال الفاسي: ((ومن ذلك أن الأسطوانة التي تلي باب الكعبة، ظهر بها ميل، ~~فخيف من أمرها، فاجتمعنا بالكعبة الشريفة مع جماعة من قضاة مكة، والأمير ~~المندوب من مصر للعمارة، وغيره من الأعيان بمكة، والعارفين بالعمارة، فكشف ~~من فوق السارية المذكورة فوجدت صحيحة، فحمدنا الله تعالى على ذلك، وردت حتى ~~استقامت، وأحكم ذلك كما كان أولا)). # ثم ذكر عدة الميازيب والأبواب التي غيرت مع صلاحيتها، لكن بما هو أقوى ~~منها. اه حاصل كلام الفاسي. # والروازن التي ذكرها، قال بعد ذلك أنها محدثة، وعبارته: ((وفي الكعبة ~~الآن ثلاث دعائم من ساج، على ثلاثة كراسي، وفوقها ثلاثة كراسي، وعلى هذه PageV01P062 ~~الكراسي ثلاثة جوائز من ساج، ولها سقفان بينهما فرجة، وفي السقف أربعة ~~روازن نافذة من السقف الأعلى إلى السقف الأسفل للضوء)). اه. # وقد سدت هذه الروازن بعد الفاسي. # وقال شيخ الإسلام -الحافظ ابن حجر- رحمه الله: ((لم أقف في شيء من ~~التواريخ على أن أحدا من الخلفاء ولا من دونهم، غير من الكعبة شيئا مما ~~صنعه الحجاج إلى الآن، إلا في الميزاب والباب وعتبته، وكذا وقع الترميم في ~~جدارها غير مرة، وفي سقفها، وفي سلم سطحها، وجدد فيها الرخام .. .. # ووقع في جدارها الشامي ترميم، في شهور سنة سبعين ومائتين، ثم في شهور سنة ~~اثنتين وأربعين وخمسمائة، ثم في شهور سنة تسع عشرة وستمائة، ثم في سنة ~~ثمانين وستمائة، ثم في سنة أربع عشرة وثمانمائة)). # قال: ((وقد ترادفت الأخبار الآن في وقتنا هذا، في سنة اثنتين وعشرين ~~وثمانمائة، ms24 أن جهة الميزاب، فيها ما يحتاج إلى ترميم، فاهتم لذلك سلطان ~~الإسلام، الملك المؤيد. # ثم حججت سنة أربع وعشرين، وتأملت المكان الذي قيل عنه فلم أجده بتلك ~~البشاعة. # وقد رمم ما تشعث من الحرم في أثناء [سنة] خمس وعشرين، إلا أن نقض سقفها ~~في سنة سبع وعشرين على يد بعض الجند، فجدد لها سقفا، ورخم السطح. PageV01P063 # فلما كان في سنة ثلاث وأربعين، صار المطر إذا نزل ينزل إلى داخل الكعبة أشد ~~مما كان أولا، فأداه رأيه الفاسد إلى نقض السقف مرة أخرى، وسد ما كان في ~~السطح من الطاقات التي كان يدخل منها الضوء إلى الكعبة، ولزم من ذلك امتهان ~~الكعبة، بل صار العمال يصعدون فيها بغير أدب. # فغار بعض المجاورين، فكتب إلى القاهرة يشكو ذلك، فبلغ السلطان الظاهر، ~~فأنكر أن يكون أمر بذلك، وجهز بعض الجند لكشف ذلك، فتعصب للأول بعض من ~~جاور، واجتمع الباقون -رغبة ورهبة- فكتبوا محضرا بأنه ما فعل ذلك إلا عن ~~ملإ منهم، وأن كل ما فعله مصلحة، فسكن غضب السلطان، وغطى عنه الأمر. # ومما يتعجب منه، أنه لم يتفق الاحتياج في الكعبة إلى الإصلاح، إلا فيما ~~صنعه الحجاج، إما في الجدار الذي بناه في الجهة الشامية، وإما في السلم ~~الذي جدده للسطح والعتبة، وما عدا ذلك مما وقع فإنما هو لزيادة محضة ~~كالرخام، أو لتحسين كالباب والميزاب)). اه كلام الحافظ. # واعترض جعله بعض السقف الجديد سنة سبع وعشرين؛ بأنه سبق قلم، وإنما هو ~~سنة ثمان وثلاثين. PageV01P064 # وبالجملة، ففي كلامه أوضح دليل على أن الإصلاح لا ينكر إذا وجد ما يقتضيه، ~~وإنما ينكر إذا فعل بلا مقتض يدعو إليه، كما فعله ذلك الجندي بحسب رأيه ~~الفاسد، وهذا موافق [لما قدمته و] أفتيت به. # بل في كلامه أن ما فعل للتحسين -كالباب والميزاب- لا حرج فيه؛ فإنه حكاه ~~وأقره، وكذا الرخام؛ فإن فيه تحسينا وتزيينا، وقد مر أن السبكي استدل ~~بتقرير السلف لفاعله على جوازه. ### || AUTO ثانيها: في بيان ما للكعبة: # الذي مر عن أصحابنا، أنه يتعين صرفه ms25 لها عمارة وبخورا وكسوة ووقودا ~~ونحوها. # اعلم أن للكعبة مالا مرصدا لها من زمن إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه ~~وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وسلم، وذلك أنه وإسماعيل صلى الله عليهما ~~وسلم لما بنياها جعلا جبا فيها على يمين داخلها، فكان فيه ما يهدى لها من ~~حلي وذهب وفضة وغيرها. # وكانت ليس لها سقف، فعدى على ذلك الجب قوم من جرهم فسرقوا منه مرة بعد ~~أخرى، فبعث الله حية تحرسه، فسكنت في ذلك الجب أكثر من خمسمائة سنة تحرس ما ~~فيه، فلا يدخله أحد إلا رفعت رأسها، وفتحت فاها، وكانت ربما تشرف على جدار ~~الكعبة. # واستمر الحال على ذلك في زمن جرهم وزمن خزاعة، وصدرا من عصر PageV01P065 ~~قريش، حتى اجتمعت قريش في الجاهلية على هدم البيت وعمارته، فجاء عقاب ~~فاختطفها وطار بها نحو أجياد. # وروى البخاري: ((أن أبا وائل جلس مع شيبة بن عثمان -حاجبها- على الكرسي، ~~فقال له: لقد جلس هذا المجلس عمر رضي الله عنه فقال: لقد هممت أن لا أدع ~~فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمته. قلت: إن صاحبيك لم يفعلا، قال: هما ~~المرءان أقتدي بهما)). # قال المحب الطبري: ((لما أخبره شيبة أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا ~~بكر لم يتعرضا للمال، رأى عمر أن ذلك هو الصواب، وكأنه رأى حينئذ أن ما جعل ~~في الكعبة يجري مجرى الوقف عليها، فلا يجوز تغييره، أو رأى ترك ذلك تورعا، ~~حين أخبره شيبة أن صاحبيه تركاه، وإن كان رأيه إنفاقه في سبيل الله؛ لأنهما ~~إنما تركاه PageV01P066 ~~للعذر الذي تضمنه حديث عائشة)). اه. # أي: فتركه صلى الله عليه وسلم إنما هو رعاية لقلوب قريش، كما ترك بناء ~~الكعبة على قواعد إبراهيم لذلك. # وأيده شيخ الإسلام -الحافظ ابن حجر- برواية مسلم في خبر عائشة رضي الله ~~عنها: ((لولا [أن] قومك حديثو عهد بجاهلية .. .. )) الحديث، وفيه: ~~((ولأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض)). # قال: ((وعليه، فإنفاقه جائز، كما جاز لابن الزبير رضي الله عنهما بناؤها ~~على قواعد إبراهيم؛ لزوال سبب الامتناع)). ms26 اه. # فإن قلت: هذا ينافي ما مر عن أصحابنا أنه لا يجوز صرف شيء من مال الكعبة ~~الذي أهدي لها إلى شيء من المصالح الخارجة عنها، فما جوابهم عن ذلك؟ # قلت: يمكن أن يجاب من جهتهم عن ذلك، بأن ترك أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ~~وبقية الخلفاء الراشدين لأخذه وإنفاقه في سبيل الله تعالى، مع شدة احتياجهم ~~إليه، ومع زوال ذلك المعنى الذي خشيه صلى الله عليه وسلم في حياته، وبعد ~~موته، فيه أظهر دليل على أنهم علموا بنص أو قياس أن ذلك مستحق للكعبة فلا ~~يصرف في غيرها، ويكون تركه صلى الله عليه وسلم لإنفاقه بعد زوال ذلك المعنى ~~كالنسخ لما دل عليه خبر عائشة. PageV01P067 # ومما يدل على أن حكم ما أهدي للكعبة بعد الإسلام حكم كنزها في تعين صرفه ~~لها دون غيرها، ما صح عن شقيق قال: ((بعث معي رجل بدراهم هدية إلى البيت، ~~فدخلته، وشيبة -أي ابن عثمان- جالس على كرسي، فناولته إياها، فقال: ألك ~~هذه؟ قلت: لا، ولو كانت لي لم آتك بها. قال: أما إن قلت ذلك، لقد جلس عمر ~~بن الخطاب مجلسك الذي أنت فيه فقال: لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة بين فقراء ~~المسلمين، فقلت: ما أنت بفاعل، قال: ولم؟ قلت: لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم رأى مكانه وأبو بكر -وهما أحوج منك إلى المال- ولم يخرجاه، فقام كما ~~هو وخرج)). # قال الأزرقي: وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد في الجب الذي كان في ~~الكعبة سبعين ألف أوقية من ذهب، مما كان يهدى للبيت، وأن عليا رضي الله عنه ~~وكرم الله وجهه قال: يا رسول الله، لو استعنت بهذا المال على حربك فلم ~~يحركه، ثم ذكر لأبي بكر رضي الله عنه فلم يحركه. # وعن بعض الحجبة: أن ذلك المال بعينه كان موجودا بالكعبة سنة ثمان وثمانين ~~ومائة، ثم لم يدر حاله بعد. # وحكى الأزرقي عن مشيخة أهل مكة وبعض الحجبة: أن الحسن بن الحسين العلوي، ~~عمد إلى خزانة الكعبة في سنة ms27 مائتين [في الفتنة]، حين أخذ PageV01P068 ~~[الطالبيون] مكة، فأخذ منها مالا عظيما ونقله إليه، وقال: ما تصنع الكعبة ~~بهذا المال موضوعا لا تنتفع به؟! نحن أحق به، نستعين به على حربنا. # وروي أن مالها لم يخالط قط مالا إلا محق، وأدنى ما يصيب آخذه أن يشدد ~~عليه عند الموت. ### || AUTO ثالثها: في بسط ما سبق من بناء ابن الزبير رضي الله عنهما: # اعلم أن الكعبة المعظمة بنيت مرات عشرة أو إحدى عشرة، على ما روي: # بناء الملائكة، فآدم، فأولاده، فإبراهيم، فالعمالقة، فجرهم، فقصي بن ~~كلاب، فعبد المطلب -لكن قال الفاسي: أخشى أن هذا (أي بناء عبد المطلب) وهم- ~~فقريش، فابن الزبير، فالحجاج لكن لبعضه. # والذي صح من ذلك بناء سيدنا إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه وعلى سائر ~~الأنبياء والمرسلين وسلم، ثم قريش، ثم ابن الزبير، ثم الحجاج. # وما قبل بناء إبراهيم لم يصح فيه شيء، ومن ثم قال الحافظ ابن كثير: ((لم PageV01P069 ~~يجيء في خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان مبنيا قبل الخليل، ومن تمسك في هذا ~~بقوله تعالى: {مكان البيت} فليس بناهض ولا ظاهر؛ لأن المراد مكانه الكائن ~~في علم الله، المعظم موضعه عند الأنبياء، من لدن آدم إلى زمن إبراهيم. # وقد ذكر أن آدم -صلوات الله وسلامه عليه- نصب قبة عليه، وأن الملائكة ~~قالوا له: لقد طفنا قبلك بهذا البيت، وأن السفينة طافت به أربعين يوما. # وكل ذلك -ونحوه- أخبار عن بني إسرائيل، وهي لا تصدق ولا تكذب، فلا يحتج بها)). ### || AUTO وسبب بناء إبراهيم -على ما ذكروه-: # أن موضع الكعبة كان الطوفان أخفاه؛ فإنه كان أكمة حمراء مدورة، لا تعلوها ~~السيول، غير أن الناس -الأنبياء وغيرهم- يعلمون مظنته ويقصدونه، فيستجاب ~~للمظلوم ثم، ويحجونه، حتى بوأه الله لإبراهيم، فقال لولده إسماعيل -حين ~~أتاه المرة الثالثة-: يا إسماعيل، إن الله تعالى أمرني بأمر، فقال له ~~إسماعيل: أطع ربك فيما أمرك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: أمرني ربي أن ~~أبني له بيتا، فقال له إسماعيل: وأين هو؟ فأشار إلى أكمة مرتفعة، عليها ~~رضراض ms28 من حصباء، يأتيها السيل من نواحيها ولا يركبها. PageV01P070 # فقاما يحفران عن القواعد ويقولان: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم}. ~~ويحمل له إسماعيل الحجارة على رقبته، ويبني إبراهيم، فلما ارتفع البناء، ~~وشق على إبراهيم التناول، قرب له إسماعيل هذا الحجر، يعني المقام، فكان ~~يقوم عليه ويبني، ويحوله في نواحي البيت، حتى انتهى إلى وجه البيت، فلذلك ~~سمي مقام إبراهيم؛ لقيامه عليه. # وعن مجاهد: إن الدال لإبراهيم على موضع البيت: ملك، وصرد -بضم ففتح- طائر ~~ضخم الرأس فوق العصفور، والسكينة، وكان لها رأس كرأس الهرة وجناحان. # وفي رواية: كأنها غمامة أو ضبابة -أي سحابة- تغشى الأرض كالدخان، في ~~وسطها كهيئة الرأس، تتكلم، وكانت بمقدار البيت، فوقفت في موضعه، ونادت: ابن ~~يا إبراهيم على مقدار ظلي. PageV01P071 # وفي رواية: تطوقت -كأنها حية- على الأساس. ولكون السكينة من شأن الصلاة، ~~جعلت علما على قبلتها. # وفي رواية: إن الغمامة لم تزل راكزة تظل إبراهيم، وتهديه مكان القواعد، ~~حتى رفعها قامة، ثم انكشفت. # وفي رواية: إنه لما حفر رأى صخرا، لا يحرك الواحدة إلا ثلاثون رجلا، وكان ~~يبني كل يوم مدماكا. # وفي رواية: لم يبنياه بقصة ولا مدر، بل رضماه رضما فوق القامة ولم ~~يسقفاه. # وبنياه من خمسة أجبل، فكانت الملائكة تأتي بحجارتها، وهي: طور سيناء، PageV01P072 ~~وطور زيتا بالشام، والجودي بالجزيرة، ولبنان وحراء وهما بالحرم. قاله ~~السهيلي. واعترض بأن لبنان لا يعرف بالحرم. # وحكمة كونها من خمسة، أنها قبلة للصلوات الخمس، ومن ثم روي: أن إسكندر ~~الأول قدم وطلب منهما البينة أنهما أمرا بذلك، فنطق خمسة أكبش بالشهادة ~~لهما بأنهما مأموران بذلك. # ولما انتهى إبراهيم لموضع الحجر، طلب من إسماعيل حجرا يكون ابتداء الطواف ~~منه، ففي رواية: نزل به إليه جبريل من الجنة. PageV01P073 # وفي أخرى: أن أبا قبيس استودعه الله إياه، وأمره أنه إذا رأى الخليل يبني ~~البيت، يعطيه، فناداه أبو قبيس، فصعد وأخذه منه، ووضعه بمحله الذي هو [به] الآن. # قيل: وكان يتلألأ لشدة بياضه، ويضيء إلى حدود الحرم من سائر نواحيه، ~~فقيل: سودته خطايا بني آدم، وقيل: ms29 لحريق PageV01P074 ~~أصابه مرات، جاهلية وإسلاما. # وجعل إبراهيم طول البيت في السماء تسعة أذرع، وعرضه في الأرض اثنين ~~وثلاثين ذراعا، من الركن الأسود إلى ركن الحجر -بكسر أوله- من وجه الكعبة، ~~وما بين الركنين الشاميين اثنين وعشرين ذراعا، وطول ظهرها من الركن الغربي ~~إلى الركن اليماني أحدا وثلاثين ذراعا، وما بين اليمانيين عشرين ذراعا، ~~فلذلك سميت الكعبة، لأنها على خلقة الكعب، وكذا بنيان أساس آدم صلى الله ~~عليه وسلم . # ولم يجعل لمنفذها بابا، فأول من أحدثه بغلق فارسي -كالكسوة التامة ~~والبخور- تبع بن أسعد الحميري، وجعل إبراهيم الحجر -بكسر أوله- إلى جنبها ~~عريشا من أراك، تقتحمه العنز، وكان زربا لغنم إسماعيل. ### || AUTO وحفر إبراهيم جبا في بطنها على يمين داخلها، يكون خزانة لها، ~~يلقى بيه ما يهدى لها، كما مر. # (تنبيه): قال تعالى: {فيه آيات بينات مقام إبراهيم} الآية، أي علامات ~~واضحات، منها مقام إبراهيم، أي الحجر الذي قام عليه عند بنائه، وخص بالذكر؛ ~~لأنه آية باقية على ممر الأعصار، ولأن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لما قام ~~عليه ليرفع قواعد البيت، طال البناء، فكان كلما علا الجدار ارتفع الحجر به ~~في الهواء، PageV01P075 ~~فما زال يبني وهو قائم عليه وإسماعيل يناوله الحجارة والطين، حتى كمل ~~الجدار. # ولين الله الحجر فغرقت فيه قدما إبراهيم كأنهما في طين، فذلك الأثر باق ~~إلى يوم القيامة، وقد نقلت كافة العرب ذلك في الجاهلية على مرور الأعصار، ~~فما حفظ منازع فيه. # وما ذكر من أن إسماعيل كان يناوله الحجارة والطين، ينافيه ما مر أن ~~إبراهيم لم يبنها بمدر ولا قصة، وإنما رضمها رضما، ومن ثم أخذ منه بطلان ما ~~على ألسنة العامة، أن الحفرة الموجودة الآن بين الحجر -بكسر أوله- وباب ~~البيت كانت معجنة للطين الذي بنى به إبراهيم. # وقد يجمع بأنه يحتمل أنه جعل الطين في أسفل جدارها؛ زيادة في إحكامه، ثم ~~رضم الباقي. # وأخذوا من قوله تعالى: {مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا} اللذين وقعا: ~~تفسيرا لتلك الآيات، لكن الثاني ليس تفسيرا إضافيا، بل معنويا، وكأنه قيل: ~~وأمن ms30 داخله. # وفسر الجمع باثنين؛ لأنهما نوع منه كالثلاثة، أن الضمير في {فيه} وإن كان ~~للبيت، لكن المراد الظرفية المجازية؛ لتعذر حملها على الحقيقة المستلزمة أن ~~لا يذكر إلا ما كان دخل جدرانه، وجعلا مثالا لما في الحرم من الآيات؛ لقيام PageV01P076 ~~الحجة بهما على الكفار، ولإدراكهم لهما بحواسهم، وتذكيرا لهم بما اختصوا به ~~جاهلة من احترام هذا البيت، وأمن جميع من في حرمه من كل مكروه. # وقيل: المقام نفسه مشتمل على آيات، وهي إلانة الصخرة الصماء، والغوص فيها ~~إلى الكعبين، وإلانة بعضها دون بعض، وبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء، وحفظه ~~مع كثرة أعدائه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة. # وقيل: المراد بالمقام المناسك ونحوها، وهو بعيد جدا. ### || AUTO وأما سبب بناء قريش: # فهو أن امرأة جمرتها، فطارت من مجمرتها شرارة فاحترقت كسوتها، وكانت ~~متراكمة بعضها فوق بعض، فوهنت حجارتها وتصدعت، ثم زاد ذلك سيل عظيم دخلها، ~~ففزعت قريش، وهابوا هدمها؛ خشية عذاب يصيبهم. # فبينما هم يتشاورون في ذلك، أقبلت سفينة من الروم فانكسرت بالشعيبة، -بضم ~~الشين المعجمة، ساحل مكة قبل جدة- فذهبوا واشتروا خشبها، وكان فيها نجار ~~بناء، فأتوا به لبنائها. # قيل: ولما هابوا هدمها، قال الوليد: إن الله لا يهلك من يريد الإصلاح، ~~فارتقى على ظهرها ومعه الفأس، فقال: اللهم لا نريد إلا الإصلاح، ثم هدم، ~~فلما رأوه سالما تابعوه. # وروي أنهم كانوا كلما أرادوا هدمها، بدت لهم حية فاتحة فاها، فبعث الله ~~طيرا أعظم من النسر، فغرز مخالبه فيها، فألقاها نحو أجياد، فهدموها، وبنوها ~~بالحجارة التي في الوادي، فرفعوها في السماء عشرين ذراعا، PageV01P077 ~~وقيل: ثمانية عشر، وكان سبعة وعشرين، ونقصوا من عرضها ستة اذرع أو سبعة ~~أدخلوها في الحجر؛ لنفاد نفقتهم؛ لاتفاقهم على أنهم لا يبنونها إلا من ~~الكسب الطيب الذي لا يشوبه مظلمة ولا مهر بغي ولا بيع ربا. # وحضر صلى الله عليه وسلم هذا البناء، وكان ينقل معهم الحجارة، وعمره خمسة ~~وثلاثون سنة على الأصح. PageV01P078 ### || AUTO ولما وصلوا لمحل الحجر الأسود، اختلفوا فيمن يضعه، حتى رضوا ~~بأول داخل؛ فكان ms31 هو صلى الله عليه وسلم ، فحكموه فيه، فوضعه بيده الكريمة. # (تنبيه): البيت المعمور الذي أقسم الله تعالى به في كتابه، هو الكعبة، أو ~~ما هي على حياله، وهو الذي في السماء السابعة. # عن ابن عباس، أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((البيت المعمور الذي في ~~السماء، على البيت الحرام، لو سقط سقط عليه، يعمره كل يوم سبعون ألف ملك لم ~~يروه قط)). PageV01P079 # وروي: ((هذا البيت خامس خمسة عشر بيتا، سبعة منها في السماء إلى العرش، ~~وسبعة منها إلى تخوم الأرض، وأعلاها الذي يلي البيت المعمور، لكل بيت منها ~~حرم كحرم هذا البيت، لو سقط منها بيت لسقط بعضها على بعض إلى تخوم الأرض ~~السفلى، ولكل بيت من أهل السماء ومن أهل الأرض من يعمره كما يعمر هذا ~~البيت)). # قال الزمخشري: ((اختلفوا في البيت المعمور وفي مكانه، فقيل: هو البيت ~~الذي بناه آدم أول ما نزل إلى الأرض، فرفع إلى السماء أيام الطوفان. # وقال ابن عباس والحسن: البيت المعمور هو الذي بمكة، معمور بمن يطوف به. # وكان بعض السلف يقسم بالله، إنه البيت المعمور. # وقد يجاب بأنه لا تنافي بين هذا وما مر؛ لأن البيت المعمور يطلق ~~بالاشتراك على الذي في السماء السابعة -وهو الأشهر- وعلى الكعبة. # وفي ((منهاج الحليمي)): أنه أهبط مع آدم عليه السلام بيت، فكان يطوف PageV01P080 ~~به والمؤمنون من ولده كذلك إلى زمان الغرق، ثم رفعه الله، فصار في السماء، ~~وهو الذي يدعى البيت المعمور. # ومعنى إهباط بيت معه: أنه أهبط مقدار البيت المعمور طولا وعرضا وسمكا، ثم ~~قيل له: ابن بقدره وحياله، فكان حياله موضع الكعبة، فبناها فيه)). # قال: ((وأما الخيمة -أي التي أنزلها الله لآدم من ياقوت الجنة ليتسلى ~~بها- فيجوز أن تكون أنزلت، فضربت في موضع الكعبة، فلما أمر ببنائها فبناها، ~~كانت حول الكعبة؛ طمأنينة لقلب آدم ما عاش، ثم رفعت، فتتفق الأخبار)). اه. ### || AUTO وأما سبب بناء ابن الزبير رضي الله عنهما: # فهو أن يزيد بن معاوية أرسل مسلم بن عقبة مع جماعة من أهل الشام ms32 لقتال ~~أهل المدينة، فلما فرغ من ذلك توجه إلى مكة لابن الزبير؛ لتخلفه عن بيعة ~~يزيد، فلما أشرف على الموت في أثناء الطريق، ولى الحصين لقتال ابن الزبير بمكة، PageV01P081 ~~فلما قاتله بها أياما، جمع ابن الزبير أصحابه، فتحصن بهم في المسجد، ~~واستظلوا فيه بخيام عن الشمس وحجارة المنجنيق المنصوب عليهم بأبي قبيس ~~ومقابله. # وكانت حجارته تصيب الكعبة حتى تخرقت كسوتها عليها، ووهنت حجارتها، فطارت ~~شرارة من الخيام المقابلة لما بين اليمانيين أو من بعض أهل الشام، والمسجد ~~حينئذ ضيق صغير، فاحترفت الكعبة لشدة الريح مع كون بنائها مدماكا من حجر، ~~ومدماكا من ساج، من أسفلها إلى أعلاها. # فلما احترق ما بينهما من الساج، ضعفت، حتى إن حجارتها لتتناثر من وقع ~~الحمام عليها، وتصدع الحجر الأسود حتى ربطه ابن الزبير بعد ذلك بالفضة، ~~ففزع لذلك أهل مكة والشام. # وجاء نعي يزيد بعد حرقها بتسعة وعشرين يوما، والحصين مستمر على حصار ابن ~~الزبير، فأرسل ابن الزبير إليه من كلموه وعظموا عليه ما أصاب الكعبة، وأنه ~~من رميهم بالنفط، فأنكر، ثم لم يزالوا به حتى ترك، ورحل في ربيع الآخر، سنة ~~أربع وستين. # فدعى ابن الزبير وجوه الناس وأشرافهم، فاستشارهم في هدمها، فأشار عليه ~~القليل من الناس، وأبى الكثير، وكان أشدهم إباء عبد الله بن عباس رضي الله ~~عنهما، وقال: دعها على ما أقرها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فإني ~~أخشى أن يأتي بعدك من يهدمها، فلا تزال تهدم وتبنى، فيتهاون الناس بحرمتها، ~~ولكن ارقعها. فقال ابن الزبير: والله ما يرضى أحدكم أن يرقع بيت أمه وأبيه، ~~فكيف أرقع بيت الله؟! # واستقر رأيه على هدمها، وكان يحب أن يكون هو الذي يردها على قواعد PageV01P082 ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم ؛ لما بلغه ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~وعلى الوصف الذي وصفه صلى الله عليه وسلم لعائشة. # فأراد أن يبنيها بالورس، فقيل له: إنه يذهب، فابنها بالقصة، وإن قصة ~~صنعاء أجودها، فأرسل بأربعمائة دينار لشرائها وكرائها، ثم سأل رجالا من أهل ms33 ~~العلم بمكة: من أين أخذت قريش حجارتها؟ فأخبروه بمقلعها، فنقل منها ما ~~يحتاجه، وكان قد عزل من حجارة البيت ما يصلح أن يعاد فيه. # وعند إرادته هدمها، خرج أهل مكة إلى منى، وأقاموا بها ثلاثا؛ خوفا أن ~~يصيبهم عذاب لهدمها. # فأمر ابن الزبير بهدمها، فلم يجترئ على ذلك أحد، فعلاها بنفسه وهدمها ~~بمعول، ورمى حجارتها، فلما رأوا أنه لم يصبه شيء، صعدوا وهدموها. # وأرقى ابن الزبير عبيدا حبوشا يهدمونها؛ رجاء أن يكون فيهم صفة الحبشي ~~الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم : ((يخرب الكعبة ذو السويقتين من ~~الحبشة)). # ولما هدموها وحضروا اتبعوا قواعد إبراهيم من نحو الحجر فلم يروها، فشق ~~عليه، فأمعنوا حتى رأوها، فنزل، فكشفوا له عنها، فأرادوا تحريكها، فوجدوها ~~مرتبطا بعضها ببعض، فأحضر الأشراف حتى رأوها، فأشهدهم على ذلك. PageV01P083 # قال عطاء: وكان طولها ثمانية عشر ذراعا، فزاد ابن الزبير في طولها عشرة ~~أذرع. وقال غيره: طولها عشرون، والزيادة تسعة أذرع. # وأجيب باحتمال أن الراوي جبر الكسر. # ولما بناه جعل له بابين لاصقين بالأرض؛ ليدخل الناس من باب، ويخرجوا من ~~آخر فلا يزدحمون. ### || AUTO وأما بناء الحجاج لبعضها: # فسببه: أنه لما قتل ابن الزبير، كتب الحجاج لعبد الملك يخبره بزيادة ابن ~~الزبير على بناء قريش، فأرسل يأمره ببقاء ما زاده في الطول، ورد ما زاد فيه ~~من الحجر إلى حاله الذي كان عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وسد ~~بابه الذي فتحه. # ففعل الحجاج ذلك، فهدم جدار الحجر، وأخرج منه ما أدخله ابن الزبير، وبنى ~~سقفها الذي يلي ذلك الجدار، ورفع بابها الشرقي، وسد بابها الغربي، ولم يغير ~~منها سوى ذلك؛ ظنا منه -كعبد الملك- أن ردها على ما كانت عليه في زمن النبي ~~صلى الله عليه وسلم -وهو صورتها الموجودة إلى الآن- هو الصواب. # لكن بعد ذلك ندم عبد الملك على إذنه للحجاج في ذلك، ولعنه؛ لأن PageV01P084 ~~الحارث لما وفد عليه في خلافته، فقال له عبد الملك: ما أظن أبا خبيب -يعني ~~ابن الزبير- سمع من عائشة ما كان ms34 يزعم أنه سمعه منها، أي: وهو روايتها عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه لولا حدثان كفر قريش وجاهليتهم وخوف الفتنة ~~عليهم، لهدمها صلى الله عليه وسلم وردها إلى بناء إبراهيم، فجعل لها بابين ~~لاطئين بالأرض، وأدخل فيها من الحجر ستة أو سبعة أذرع. # فقال الحارث لعبد الملك: بلى، أنا سمعت ذلك من عائشة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، وكان الحارث مصدقا لا يكذب، فقال عبد الملك: أنت سمعتها تقول ~~ذلك؟ قال: نعم، فنكت ساعة بعصاه، وأظهر له أن ما فعله ابن الزبير هو ~~الصواب، وقال: وددت أني تركته وما عمل. # من ثم أراد هارون -أو أبوه أو جده- أن يهدم ما فعله الحجاج، وأن يعيدها ~~إلى بناء ابن الزبير، لكن عارضه مالك رضي الله عنه، وقال له: نشدتك الله يا ~~أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك، لا يشاء أحد منهم هدمه ~~إلا نقضه وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس، وهو موافق لابن عباس رضي الله ~~عنهما [في ذلك؛ لأنه قال ذلك بحروفه لابن الزبير] PageV01P085 ~~لما أراد هدمها. # ولما قال مالك للخليفة ذلك، ترك التعرض لها، واستمرت على ما هي عليه ~~اليوم، وكان في ذلك أعظم احترام وأبلغ هيبة، ببقاء البيت على حاله، وعدم ~~تسور أحد عليه من الملوك وغيرهم بما يخالف ذلك. # وإنما الذي تسوروا عليه، هو إصلاح ما وقع فيه بقدر الحاجة لا غير، وتجديد ~~ما لا يخل بحرمته، من إبدال بابه وميزابه وعتبته ونحوها، المرة بعد المرة. ### || AUTO فلله سبحانه الحمد على ذلك، بل في نفوس عامة المسلمين اليوم من ~~عظمة الكعبة وجلالتها، ما قضى في هذه القضية السابقة في الخطية، فإنهم ~~أرادوا رجم من يريد إصلاح شيء ضروري في سقفها، لولا دفع الله تعالى ذلك حتى ~~أصلح ما في السقف من الاختلال، أعاذنا الله من كل فتنة ومحنة، بمنه وكرمه، آمين. # (تنبيه): عد العلماء من جملة الآيات البينات المذكورة في قوله تعالى: ~~{فيه آيات بينات} بقاء بنائه الذي بناه ابن الزبير إلى الآن، ms35 ولا يبقى غيره ~~هذه المدة الطويلة، على ما يذكره المهندسون؛ لأن الأرياح والأمطار إذا ~~تواترت على مكان خرب، والكعبة المعظمة ما زالت الرياح العاصفة والأمطار ~~العظيمة تتوالى عليها منذ بنيت وإلى تاريخه، [و] لم يحدث بحمد الله تعالى ~~تغيير في بنائها. # وروي أن الحجاج لما نصب المنجنيق على أبي قبيس بالحجارة والنيران، ~~واشتعلت أستار الكعبة بالنار، جاءت سحابة من نحو جدة يسمع فيها الرعد ويرى PageV01P086 ~~البرق، فمطرت، فما جاوز مطرها الكعبة والمطاف، فأطفأت النار، وأرسل الله ~~عليهم صاعقة فأحرقت منجنيقهم فتداركوه. # قال عكرمة: وأحسب أنها أحرقت تحته أربعة رجال، فقال الحجاج: لا يهولنكم ~~هذا؛ فإنها أرض صواعق، فأرسل الله صاعقة أخرى فأحرقت المنجنيق، وأحرقت معه ~~أربعين رجلا، وذلك في سنة ثلاث وسبعين، أيام عبد الملك. ### || AUTO وسيأتي أن الحجاج ما قصد التسلط على البيت، وإنا تحصن به ابن ~~الزبير، ففعل ذلك لإخراجه. # (تتمة): صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يخرب البيت ذو السويقتين ~~من الحبشة))؛ أي له ساقان دقيقان، فالتصغير لذلك، وأنه أفحج الساقين، وهو ~~بفاء فمهملة فجيم: من يتقارب صدرا قدميه، ويتباعد عقباه، وتنفرج ساقاه. # وورد أنه لا يستخرج كنزها إلا هو، وأنه أزرق العينين، أفطس الأنف، كبير ~~البطن، وأنه وأصحابه ينقضونها حجرا حجرا، ويتناولونها حتى يرموا بها إلى البحر. PageV01P087 # (تنبيه): هذا الهدم يكون في زمن عيسى صلى الله وسلم على نبينا وعليه وعلى ~~سائر الأنبياء والمرسلين، فيأتي إليه الصريخ فيبعث إليه، قاله الحليمي. # وقال غيره: بل يكون بعد موته، وبعد رفع القرآن، وصححه بعض المتأخرين. # ويؤيده حديث البخاري: ((ليحجن البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج)). # فإن قلت: هل يمكن الجمع بين القولين بتقدير صحتهما؟ # قلت: يمكن؛ إذ يحتمل أنه يهدم في زمن عيسى، فيبعث إليه فيهرب، ثم بعد ~~موته ورفع القرآن يعود ويكمل هدمه؛ إشارة إلى رفع معالم الدين من أصلها، ~~وأنه لم يبق في الأرض منها بقية أصلا، بل لم يبق في الأرض على ظهرها من ~~يقول: الله، الله. # ولذا جاء في رواية أنه لا ms36 يعمر بعد ذلك أبدا. PageV01P088 # وفي أخرى: عن علي كرم الله وجهه: قال الله تعالى: إذا أردت أن أخرب الدنيا، ~~بدأت ببيتي فخربته، ثم أخرب الدنيا على أثره. # قال ابن رجب الحنبلي: ((فدل خبر النبي صلى الله عليه وسلم على أن هذا ~~البيت يحج ويعتمر بعد خروج يأجوج ومأجوج، ولا يزال كذلك حتى تخربه الحبشة، ~~وتلقي حجارته في البحر، وذلك بعد أن يبعث الله ريحا طيبة تقبض أرواح ~~المؤمنين كلهم، فلا يبقى في الأرض مؤمن، ويسرى بالقرآن من الصدور والمصاحف ~~فلا يبقى في الأرض قرآن ولا إيمان ولا شيء من الخير، فبعد ذلك تقوم ~~الساعة)). اه. # وعلم مما نقل عن علي كرم الله وجهه أن هذا التخريب لا ينافي قوله تعالى: ~~{أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا}، ولا الخبر الصحيح: ((إني أحلت لي PageV01P089 ~~مكة ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها إلى يوم القيامة))؛ لما تقدم أن تخريبه ~~مقدمة لخراب الدنيا. # فكونه آمنا محرما إنما هو قبل ذلك، على أن الحكم بالحرمة والأمن باق إلى ~~يوم القيامة، وكذا وجودهما بالفعل، لكن باعتبار أغلب أوقاته، وإلا فكم وقع ~~فيه من قتال وإخافة لأهله، جاهلية وإسلاما، في زمن ابن الزبير وبعده إلى زمننا. ### || AUTO ولو لم يكن من ذلك إلا وقعة القرامطة سنة [سبع] عشرة ~~وثلاثمائة: # قدم سليمان أبو طاهر القرمطي في عسكر يوم التروية، فنهبوا أموال الحاج، ~~وقتلوهم في المسجد وفي البيت الحرام، وقلع الحجر الأسود، وأرسله إلى بلاد ~~الحسا والقطيف، وقتل أمير مكة، وقلع باب الكعبة، وطرح القتلى في بئر زمزم، ~~ودفن البقية في المسجد بلا غسل ولا صلاة. PageV01P090 # وأخذ كسوة البيت فقسمها بين أصحابه، ونهب دور مكة، ثم رد الحجر بعد مكثه ~~عندهم اثنتين وعشرين سنة. # وإنما حرست الكعبة من الفيل دون الحجاج ونحوه؛ لأن هذا بعد استقرار ~~الدين، فاستغنى عن آيات تأسيسه، وأصحاب الفيل كانوا قبل ظهور النبوة، فجعل ~~المنع آية لتأسيسها. # فالجواب بأن الحجاج ما قصد التسلط على البيت، بل الاحتيال لإخراج ابن ~~الزبير، فيه نظر، على أنه منتقض ms37 بفعل هذا الملحد القرمطي؛ فإنه لم يقصد إلا ~~التسلط على البيت وأهله. # وأجيب -أيضا- بأن ما وقع فيه في الإسلام من القتال ونهب الأموال، إنما ~~كان بأيدي المسلمين، فهو مطابق لقوله صلى الله عليه وسلم : ((ولن يستحل هذا ~~البيت إلا أهله))، فوقع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم ، وهو من علامات نبوته. # وإثبات الأهلية والإسلام لأولئك الفجرة الذي جسروا على حرمة البيت، إنما ~~هو باعتبار الغالب، فلا ينافي كفر الحجاج عند طائفة من العلماء، وهو الصواب ~~إن صح ما نقل عنه، أنه رأى جماعة محدقين بالحجرة [الكريمة] النبوية -على ~~مشرفها أفضل الصلاة والسلام- PageV01P091 ~~لزيارته، فقال: ما بال هؤلاء؟! وهل يطوفون إلا بعظام بالية؟! # وحكي عنه قبائح أخرى نحو ذلك. # ولا ينافي -أيضا- الحكم على القرامطة بالكفر والإلحاد لأنهم من ~~الإسماعيلية الذين هم أقبح كفرا، وأسخف عقلا، من [كثير من] الملل الفاسدة؛ ~~لاستحلالهم -مع شناعة رأيهم وإلحادهم- نكاح المحارم، ومثابرتهم عليه. # واعلم أن الصحيح الذي صرحت به الأحاديث الصحيحة، أن صيرورة مكة وحرمها ~~آمنا من الجبابرة والخسف ونحوهما، كان منذ خلق الله السموات والأرض، ~~وإبراهيم صلى الله عليه وسلم إنما أظهر حرمتها -بسؤاله المذكور في القرآن- ~~لما اندرس البيت من الطوفان ونسي حكمه وهجر. ### || AUTO أو أنه لم يسأل إلا أمنا مخصوصا، كالأمن من الجدب والقحط، أي ~~القاتل، وإلا فكم وقع بها من جدب لا يطاق. # (تنبيه آخر): صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المسجد الحرام أول مسجد ~~وضع في الأرض، وأن المسجد الأقصى وضع بعده بأربعين سنة، ولا ينافيه ما صح ~~أن سليمان بنى الأقصى مع أن بينه وبين إبراهيم صلى الله عليه وسلم -الباني ~~للمسجد الحرام بنص القرآن- أكثر من ألف سنة؛ لأن سليمان مجدد لا منشئ، وكذا ~~أبوه داود صلى الله عليهما وسلم، والمنشئ إما إبراهيم، وإما يعقوب بن إسحاق ~~بن إبراهيم صلى الله عليه وسلم كما ورد، ولا إشكال حينئذ. PageV01P092 # وعلى أن آدم صلى الله عليه وسلم بنى الكعبة، يحتمل أنه أو بعض أولاده بنوا ~~الأقصى بعدها بأربعين سنة، وعلى ms38 أن الملائكة بنوها، يحتمل أنهم بنوها أولا، ~~ثم الأقصى بعد الأربعين. # وعلى هذه الأقاويل كلها، يكون قوله: {إن أول بيت وضع للناس} على ظاهره، ~~وهو ما عليه جمهور العلماء، وصححه النووي. # وقيل: كان قبله بيوت كثيرة، لكنه أول بيت وضع بقيد البركة والهدى ~~والرحمة، ونقل [ ... ذلك] عن علي كرم الله وجهه، وأعاد علينا من بركات ~~علومه ومعارفه؛ إذ هو مدينتها، وكذلك من بقية علوم ومعارف الضجيعين، ~~وثالثهما ذي النورين، وبقية العشرة المبشرين بالجنة، وسائر الصحابة ~~والتابعين، والأئمة المجتهدين، والعلماء العاملين، والأولياء الصالحين، من ~~أهل السموات وأهل الأرضين، يا رب العالمين. # وصلى الله وسلم وبارك -أفضل صلاة وأفضل سلام وأفضل بركة- على أفضل خلقك ~~محمد، وعلى آله وأصحابه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلى سائر الأنبياء ~~والمرسلين، عدد معلوماتك، ومداد كلماتك، أبد الآبدين، ودهر الداهرين. # {سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب ~~العالمين}. # قال مؤلفه -سيدنا ومولانا، شيخ مشايخ الإسلام، ملك العلماء PageV01P093 ~~الأعلام، خادم العلم الشريف، جمال بلد الله الحرام المطهر المنيف، أحمد بن ~~حجر الأنصاري الشافعي الهيتمي، رحمه الله رحمة واسعة، وغفر له مغفرة جامعة، ~~بمنه وكرمه، آمين-: # فرغت من كتابته يوم الخميس، خامس شهر ربيع الثاني، سنة تسع وخمسين ~~وتسعمائة، أحسن الله ختامها في خير وعافية، آمين، وصلى الله على سيدنا محمد ~~وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. # وكان الفراغ من كتابة هذه النسخة يوم السبت، لخمس مضين من شهر جمادى ~~الأولى الذي هو من شهور سنة ألف ومائتين وتسع وتسعين، من هجرة من له العز ~~والشرف، صلى الله عليه وسلم . # ونقلت لجناب مولانا الأستاذ الشيخ محمد حسب الله، عفا الله عنه، آمين. PageV01P094 ms39