######OpenITI# #META# Origin: converted with Kraken (ocr model: 12-24-2021_ArabPersGeneralized.mlmodel, segmentation model: DEFAULT) #META# Date: 2022-04-13 #META#Header#End# # بسشالله الرحمزالرويو ~~رب يسر وأعن يا كريم بجاه محمد النبي العظيم ~~(خطبة المؤلف] ~~الحمد لله الذي اختص نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بكتاب أخرس الفصحاء، ~~وأعجز البلغاء عن التفوه بمثل أقصر سورة من سوره، بل آية من آياته، وبجوامع الكلم ~~وبدائع الحكم وعظيم الخلق في سائر أقواله وأفعاله وحالاته، وخرق له خوارق ~~الوجود بمعجزات آبهرت العقول، وقصر عن إحصائها استفصاء المادحين لسيره ~~وآياته، وبخصوصيات قطعت الخلائق عن آن يصلوا لشأو علاه وكمال شرفه وشرف ~~كمالاته، وبأمة سطع عليها بدر وجوده في آفق سعوده، وفاض عليها فائض جوده في ~~عالم شهوده، فأنار من أخلاقها وعقولها، وكمل من إقبالها وقبولها، وزين من بديع ~~فصاحتها وعجيب بلاغتها، وراض ما استصعب من إبائها، وأغاض ما اشرآب من ~~نوائها، ما صارت به خير الأمم، والعدول الشهود على من عليهم تقدم، بنص القرآن ~~القطعي البرهان، القاصم لظهر المعاند وترهاته، وأوجب على الكافة غاية تعظيمه ~~ومنه ذكر مناقبه ومآثره، وبيان أوصافه السنية وأحواله العلية وخصائصه ومعجزاته، ~~ولذلك ذهب الناس في هلذه الفنون كل مذهب ، وأظهروا تعظيمه نظما ونثرا وسرا ~~وجهرأ كما وجب، فحباهم بلحظه وإسعافه وإمداداته ~~وأشهد أن لا إلكه إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أنتظم بها في سلك عناياته ~~وأشهد آن سيدنا محمدأ عبده ورسوله، المحبو منه بخوارق هباته، والمفوض إليه ~~امداد الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين بمعاني القرب وبيناته، صلى الله وسلم ~~عليه وعلى آله وأصحابه حماة الدين القويم عن زيغ كل زائغ وتحريفاته، وهداة الخلق ~~إلى الصراط المستقيم بإيضاح كلياته وجزئياته، صلاة وسلاما دائمين بدوام نعم الله ~~تعالى على خواصه وأهل طاعاته PageV00P001 ~~============================================================ ~~وبد ~~فمما يتعين على كل مكلف أن يعتقد أن كمالات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~لا تحصى، وأن أحواله وصفاته وشمائله لا تستقصى، وأن خصائصه ومعجزاته لم ~~تجتمع قط في مخلوق، وأن حقه على الكمل - فضلأ عن غيرهم - أعظم الحقوق، ~~وأنه لا يقوم ببعض ذلك إلا من بذل وسعه في اجلاله وتوقيره وإعظامه، واستجلاء ~~مناقبه ومآثره وحكمه وأحكامه، وأن ms001 المادحين لجنابه العلي، والواصفين لكماله ~~الجلي.. لم يصلوا إلا إلى قل من كل لا حد لنهايته ، وغيض من فيض لا وصول إلى ~~غايته، ومن ثم كان أبلغ بيت هنا المطلع الأتي ، كما يعلم مما يأتي فيه وفي " بردة ~~انا نضد رشرد اله لنسن ل شرب ضان بلا نال ~~المديح": ~~ثم يليه: ~~دع ما ادعنه النصارى في نبيهم وأحكم بما شنت مذحا فيه وآختكم ~~ثم يليه: ~~فميلغ العلم فيه أنه بشر وأنه خير خلق الله كلهم ~~ثم يليه: ~~فاق النبئين في خلق وفي خلق ولم يدانوه في علم ولا كرم ~~فهم مقصرون عما هنالك، قاصرون عن آداء كل ما يتعين من ذلك، كيف وأي ~~الكتاب مفصحة عن علاه بما يبهر العقول، ومصرحة من صفاته بما لا يستطاع إليه ~~الوصول ؟1 ~~امن البسيط) ~~وقد قيل: ~~ماذا عسى الشعراء اليؤم تندحه من بعد ما مدحث حسم تنزيل ~~فعلم أنه لو بالغ الأولون والاخرون في إحصاء مناقبه. لعجزوا عن استقصاء ~~ما حباه به مولاه الكريم من مواهبه، ولكان الملم بساحل بحرها مقصرا عن حصر ~~[من الكامل] ~~بعض فخرها، ولقد صح لمحبيه أن ينشدوا فيه : PageV00P002 ~~============================================================ ~~يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف ~~وعلى تفتن واصفيه بخشنه ~~[من الطويل) ~~وإنه لحقيق بقول القائل: ~~فما بلغت كفك أمريء متناولا ~~من المجد إلا والذي نال أطول ~~ولو حذقوا إلا الذي فيه أفضل ~~ولا بلغ المهدون في القول مذحة ~~(من الكامل] ~~ولابن خطيب الأندلس: ~~يثني على علياك نظم مديحي ~~مدحثك آيات الكتاب فما عسى ~~كان القصور قصار كل فصيح ~~وإذا كتاب الله أثنى مفصحا ~~وقد رئي العارف المحقق السراج ابن الفارض السعدي رضي الله عنه في النوم، ~~فقيل له : لم لا مدحت النبي صلى الله عليه وسلم ؟ - أي: بالتصريح، وإلا.. فنظمه ~~في الحقيقة إما في الحضرة الإللهية، أو فيه صلى الله عليه وسلم - فقال: (من الطويل] ~~أرى كل مذح فيي النبي مقصرا وإن بالغ المثشي عليه واكثرا ~~2 ~~إذا الله أثنى بألذي هو أفله عليه فما مقدار ما تمدح ألورى ms002 ؟ # قال البدر الزركشي: ولهذا لم يتعاط فحول الشعراء المتقدمين- كابي تمام ~~والبحتري وابن الرومي مدحه صلى الله عليه وسلم، وكان مدحه عندهم من أصعب ~~ما يحاولونه؛ فإن المعاني وإن جلت دون مرتبته، والأوصاف وإن كملت دون ~~وصفه، وكل غلو في حقه تقصير، فيضيق على البليغ النطاق، فلا يبلغ إلا قليلا من ~~كثير. # هلذا وإن من أبلغ ما مدح به النبي صلى الله عليه وسلم من النظم الرائق البديع، ~~وأحسن ما كشف عن كثير من شمائله من الوزن الفائق المنيع، وأجمع ما حوته قصيدة ~~من مآثره وخصائصه ومعجزاته، وأفصح ما أشارت إليه منظومة من بدائع كمالاته. # ما صاغه صوغ التبر الأحمر، ونظمه نظم الدر والجوهر، الشيخ الإمام، العارف ~~الكامل الهمام، المتفنن المحقق، البليغ الأديب المدقق، إمام الشعراء وأشعر ~~العلماء، وبليغ الفصحاء وأفصح البلغاء، الشيخ شرف الدين أبو عبد الله محمد بن ~~سعيد بن حماد بن محسن بن عبد الله بن صنهاج بن هلال الصنهاجي ~~ولد سنة ثمان وست مئق، وأخذ عنه الإمام أبو حيان، والإمام اليعمري أبو الفتح PageV00P003 ~~============================================================ ~~ابن سيد الناس، ومحقق عصره العز ابن جماعة وغيرهم، وتوفي سنة ست آو سبع ~~وتسعين وست مثة على ما قاله المقريزي(1)، للكن صوب شيخ الإسلام العسقلاني أنه ~~سنة آربع وتسعين ~~كان أحد آبويه من بوصير الصعيد، والأخر من دلاص، فركبت النسبة منهما ~~فقيل: الدلاصيري، ثم اشتهر بالبوصيري، قيل: ولعلها بلد آبيه فغلبت عليه، وكان ~~من عجائب الدهر في النظم والتثر، ولو لم يكن له إلا قصيدته المشهورة ب1 البردة"، ~~التي تسبب نظمها عن وقوع فالج به أعيا الأطباء، ففكر في إعمال قصيدة في النبي ~~صلى الله عليه وسلم يتشفع بها إليه صلى الله عليه وسلم، ثم به إلى ربه، فأنشأها، ~~فرآه ماسحأ بيده الكريمة عليه، فعوفي لوقته، ثم لما خرج من بيته.. لقيه عبد صالح ~~فطلب منه سماعها فعجب منه؛ إذ لم يخبر بها أحدا، فقال: سمعتها البارحة تنشد ~~بين يديه صلى الله عليه وسلم وهو يتمايل كتمايل القضيب، (قال] فأعطيته إياها، ~~وقيل: إنه ms003 اشتد رمده بعد نظمها، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في التوم، فقرا ~~عليه شينا منها فتفل في عينيه فبرىء لوقته-. لكفاه ذلك شرفا وتقدما، كيف وقد ~~ازدادت شهرتها إلى أن صار الناس يتدارسونها في البيوت والمساجد كالقرآن ؟! # وكان يعاني صنعة الكتابة على الحمايات، وباشر ببلبيس الشرقية، ثم ترك ذلك ~~وصحب القطب أبا العباس المرسي رضي الله عنه وأرضاه، وجعل جنات المعارف ~~منقلبه ومثواه، فعادت عليه بركته، وساعده لحظه وهمته إلى آن فاق أهل زمانه، ~~ورزقه الله من الشهرة والحظ ما لم يصل إليه أحد من أقرانه، فرحمه الله تعالى ورضي ~~عنه من قصيدته الهمزية المشهورة، العذبة الألفاظ الجزلة المباني، العجيبة الأوضاع ~~البديعة المعاني، العديمة النظير البديعة التحرير؛ إذ لم ينسج أحد على منوالها، ~~ولا وصل إلى علا حسنها وكمالها، حتى الإمام البرهان القيراطي، المولود سنة ست ~~وعشرين وسبع مثة، والمتوفى سنة إحدى وثمانين وسبع مثة؛ فإنه مع جلالته وتضلعه ~~من العلوم العقلية والنقلية، وتقدمه على أهل عصره في العلوم العربية والأدبية، ~~لا سيما علم البلاغة، ونقد الشعر وإتقان صنعته، وتمييز حلوه من مره، ونهايته من ~~بدايته.. أراد أن يحاكيها ففاته الشنب ، وانقطعت به الحيل عن آن يبلغ من معارضتها ~~(1) انظر " المقفى الكبير"(5/ 662) : PageV00P004 ~~============================================================ ~~أدني آرب، وذلك لطلاوة نظمها، وحلاوة رسمها، وبلاغة جمعها، وبداعة ~~صنعها، وامتلاء الخافقين بأنوار جمالها، وإدحاض دعاوى أهل الكتابين ببراهين ~~جلالها، فهي- دون نظائرها - الاخذة بأزمة العقول، والجامعة بين المعقول ~~والمنقول، والحاوية لأكثر المعجزات، والحاكية للشمائل الكريمة على سنن قطع ~~أعناق أفكار الشعراء عن أن تشرتب إلى محاكاة تلك المحكيات، والسالمة من عيوب ~~الشعر من حيث فن العروض، كادخال عروض على أخرى، وضرب على آخر، ومن ~~حيث فن القوافي، كالايطاء وهو : تكرير لفظ القافية بمعناه قبل سبعة أبيات، وقيل: ~~عشرة، وكالاكفاء وهو: اختلاف حرف الروي، والإقواء وهو: اختلاف حركته، ~~للكنها وإن شرحت، وتعاورتها الأفكار وخدمت.. تحتاج إلى شرح جامع، ودستور ~~مانع، يجلو عرائس أبكارها على منصات الألباب مع الاختصار، ويظهر مخبآت ~~أسرارها ظهور الشمس في رابعة النهار، ويفتح ms004 مقفلات معمياتها عما قد يوجب ~~القصور والعثار، وينبه على نفائس فرائدها، وينوه بجلالة عرائس فوائدها، ويعرب ~~عن غراتب تعقيدها، ويفصح عن فنون بلاغتها وبدائع تأنيقها وتشييدها ~~فاستخرت الله تعالى في شرح كذلك ، وإن كنت لست هنالك ، راجيا أن أندرج به ~~في سلك خدمة جنابه صلى الله عليه وسلم، وأن أطوق بسببه سوابغ مدده ولحظه ~~الأعظم، ومستعينأ بالله ومتوكلا عليه، ومفوضأ سائر آموري إليه، وسائلا منه بدائع ~~الطافه، وتتابع إتحافه، وتيسير هذا المطلب، وإنجاح هلذا المأرب، إنه الجواد ~~"المنح المكية في شرح الهمزية" ~~الكريم، الرؤوف الرحيم: ~~ويته ~~ثم بلغني أن الناظم سماها " أم القرى" تشبيها لها بمكة، بجامع آنها حوت بطريق ~~التصريح أو الإيماء ما في أكثر المدائح النبوية، وحينئذ سميته : ~~" أفضل القرى لقراء أم القرى " ~~وقد بين شارحها الإمام، المحقق في العلوم الأدبية والشرعية، الشمس الجوجري ~~شيغ مشايختا، رحمه الله وشكر سعيه.، بحرها وعروضها وضربها وقافيتها، PageV00P005 ~~============================================================ ~~وما يدخلها من العلل والزحاف بما أطال فيه، لكنه ليس له كبير جدوى هنا؛ لأن من ~~يعرف فن العروض وتوابعه لا يحتاج إليه إلا لمجرد التذكير، ومن لا يعرفه يستوي ~~عنده ذكر ذلك وحذفه اليسير منه والكثير: ~~وخلاصة شيء منه: أنها من بحر الخفيف، وهو مركب من ستة آجزاء سباعية ~~الحروف : فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن - مرتين- وقد يدخله الخبن في مستفعلن ~~فيصير متفعلن فينقل إلى مفاعلن؛ لأنه أخف، بل وفي جميع أجزائه، فيحذف ثاني ~~كل وهو حسن، والكف وهو : حذف سابعه من البعض أو الكل غير السابع(1)؛ إذ ~~لا يوقف على متحرك، وهو صالح، وقد يجتمعان وهو قبيح، ويدخله التشعيث بآن ~~تفقد صورة الوتد، فيصير مفعولن على صورة ثلاثة أسباب خفيفة، ووقع في كثير من ~~أبيات هذه القصيدة، وهو من جملة الزحاف وإن أجري مجرى العلل: ~~وقافيتها من المتواتر، وهو: ما فصل بين ساكنيها حرف واحد متحرك؛ إذ ليس ~~هنا بين الألف والواو الساكنين سوى الهمزة التي هي الروي. # والقافية : قيل : آخر كلمة من البيت ، والأصح : أنها من آخر حرف متحرك منه ~~قبل ساكنين ، فقافية البيت ms005 الاتي على الأول لفظ : سماء ، وعلى الأصح : من الميم ~~ال وسترى كثرة ما راعاه الناظم من أنواع البديع ، لا سيما الاقتباس القرآني، للكن فيه ~~كلام منتشر للعلماء، وخلاصة الحق منه : أنه مجمع على جوازه كما قاله بعض المتأخرين ~~المطلعين، قال : وقد استعمله العلماء قاطبة في خطبهم وإنشائهم، واستنكره قوم جهلا ~~منهم بالنصوص والنقول؛ فقد استعمله النبي صلى الله عليه وسلم في غير ما حديث، ~~والصحابة والتابعون والعلماء قديما وحديثا، ونصوا في كتب الفقه على جوازه، وزعم ~~بعض المالكية منعه يرده استعمال مالك رضي الله عنه له، ونص على جوازه غير واحد ~~منهم، كابن عبد البر وعياض، وقد نقل الشيخ داوود الباجلي اتفاق المالكية والشافعية ~~على جوازه ، وفي " شرح مجمع البحرين" لابن الساعاتي : التصريح بجوازه ، ولا فرق ~~(1) الصواب أن يقول : غير السادس؛ لأن تفعيلات الخفيف ستة فقط كما هو معلوم PageV00P006 ~~============================================================ ~~فيه بين أن يزاد على لفظ القرآن او ينقص منه ، أو يغير إعرابه أو لا. # قال السكاكي : اعلم أن شأن الإعجاز عجيب، يدرك ولا يعبر عنه ولا يمكن ~~وصفه، كاستقامة الوزن وكالملاحة، ولا طريق لتحصيله لغير ذوي الفطن السليمة إلا ~~بالتمرن في علمي المعاني والبيان. # وقال غيره : لا تدرك معرفة الفصيح والأفصح والرشيق والأرشق إلا بالذوق، ~~ولا يمكن إقامة الدليل عليه ، كما أن التي أدون في المحاسن قد تكون أحلى منها في ~~العيون والقلوب، ولا يدرك سبب ذلك، ولكنه يدرك بالذوق والمشاهدة، وأهل ~~الذوق ليسوا إلا الذين اشتغلوا بعلم البيان، وراضوا أنفسهم بالرسائل والخطب ~~والكتابة والشعر، وصارت لهم بذلك دربة وملكة تامة، فاليه يرجع في فضل بعض ~~الكلام على بعض، ولكون علم المعاني والبيان والبديع بهذه المثابة. كان يسمى ~~قديمأ صنعة الشعر ونقد الشعر ونقد الكلام، وتسميته بالمعاني والبيان والبديع حادثة ~~من المتأخرين، كما أشار لذلك الكمال ابن الأنباري والعسكري وغيرهما. # وقد حصلت لي رواية هلذه القصيدة وغيرها من شعر الناظم من طرق متعددة، ~~منها، بل أعلاها: أني أرويها عن شيخنا شيخ الإسلام، خاتمة الحفاظ والمتأخرين، ~~أبي يحيى زكريا الأنصاري الشافعي، ms006 عن العز أبي محمد بن الفرات عن العز أبي ~~عمر بن البدر ابن جماعة عن ناظمها ~~وعن حافظ العصر ابن حجر، عن الإمام المجتهد السراج البلقيني والسراج ابن ~~الملقن والحافظ زين الدين العراقي، عن العز ابن جماعة رحمهم الله تعالي، عن ~~الناظم ~~وأرويها أيضا عن مشايخنا، عن الحافظ السيوطي، عن جماعة منهم الشمني، ~~بعضهم قراءة وبعضهم إجازة، عن عبد الله بن علي الحنبلي كذلك، عن العز ابن ~~جماعة عن الناظم ~~وقد راعى الناظم رحمه الله تعالى آمرين مهمين : ~~أحدهما: البداءة بالبسملة؛ للحديث الحسن أو الصحيح : "كل أمر ذي بال- PageV00P007 ~~============================================================ ~~أي : حال يهتم به - لا يبدأ فيه ببسم الله الرخمان الروحيم فهو أجذم "(1) أي : مقطوع ~~البركة ، ولا تنافيه رواية : 0 الحمد لله "(2) ، لأن القصد البداءة بأي ذكر كان، كما ~~أفادته رواية : "لا يبدأ فيه بذكر الله "(3) فذكر البسملة والحمدلة لبيان أفضل الذكر ~~لا غير، ومن ثم ابتدىء القرآن بهما. ولم ينظر الناظم إلى ما قيل : إن الشعر لا يبدأ ~~فيه بالبسملة، لأن محله - على ما فيه - فيما ليس كهذه القصيدة؛ لأنها اشتملت على ~~أفضل العلوم والمعلومات، فهي أحق بالبداءة بالبسملة من كثير من العلوم: ~~تانيهما: ما هو الأحق بالرعاية على كل بليغ من براعة المطلع، وهو: سهولة ~~اللفظ، وصحة السبك، ووضوح المعنى، ورقة التشبيب، وتجنب الحشو، ~~وتناسب المعاني، وعدم تعلق البيت بما بعده، ويسمى آيضا حسن الابتداء، وقد ~~انتزعوا من هلذا براعة الاستهلال في النظم والنثر، بأن يكون مبدأ الافتتاح دالا على ~~ما بني ذلك النظم أو النثر عليه من الغرض المسوق إليه، كقول أبي تمام : (من البسيطا ~~السيف أضدق أنباء من الكثب(4) ~~لما كان غرضه ذكر الفتح والتحريض على الحرب، وما افتتح به الناظم هلذه ~~القصيدة فيه جميع تلك الشروط وزيادة، كما لا يخفن على متأمل لغرضه، وهو ذكر ~~أوصافه صلى الله عليه وسلم التي ارتقى فيها إلى غاية لم يبلفها غيره، ولذلك كان ~~ميع ما بعده من المدح إلى آخر القصيدة كالشرح والبيان لما تضمنه هاذا المطلع، ~~فلله دره من ms007 مطلع جامع بديعا لم يسبق ناظمه لمثله ~~(1) أحرجه السمعاني في " أدب الإملاء والاستملاء" (51/1). # (2) أخرج هلذه الرواية ابن حبان (1)، وأبو داوود (4807)، وابن ماجه (1894)، ~~والنساني في " عمل اليوم والليلة "(498) ~~(3) أخرج هذه الرواية الإمام أحمد (359/2)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" ~~(501) ~~(4) ديوان أبي تمام (96/1) PageV00P008 ~~============================================================ ~~كيف تؤقى رقيك الأنبياء يا سماء ما طاولتها سماء ~~(كذ): مى فني الاصل اسم منى : النفصمته معين حر النرط أو الاسفهام ~~على الفتح؛ لخفته، وعلى حركة؛ لا لتقاء الساكنين، وترد للشرط، وخرج عليها ~~نحو ينفق كف يشاء}، وجوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه، وللاستفهام، وهو ~~الغالب إما: حقيقيا نحو : كيف زيد؟ أو غيره كما هنا؛ إذ هي للإنكار المشوب ~~بالتعجب المتضمن للنفي كما يعلم مما يأتي، وكما في الايتين الاتيتين، وتقع خبرا ~~قبل ما لا يستغني، نحو: كيف آنت؟ وحالا قبل ما يستغني، نحو: كيف جاء زيد؟ # أي : على أي حالة جاء؟ ومنه ما هنا في النظم ؛ إذ هي حال من فاعل (ترقى) أي : ~~على أي حالة ترقى الأنبياء رقيك ؟! أي : لا يكون ذلك ولا كان . # وعن سيبويه: آنها ظرف، فموضعها نصب دائما، وتقديرها: في آو على آي ~~حال، وجوابها المطابق: على خير ونحوه، وأنكر ذلك الأخفش والسيرافي، ~~فموضعها رفع مع المبتدا، تصب مع غيره، وتقديرها في نحو: كيف زيد؟ أصحيح ~~زيد؟ ونحو: كيف جاء زيد؟ اراكبا جاء زيد؟ ونحوه، وجوابها: صحيح ونحوه. # وقال ابن مالك : (لم يقل أحد: إن كيف ظرف؛ إذ ليست زمانا ولا مكانا، ~~وللكنها لما كانت تفسر بقولك : على أي حال؟ لكونها سؤالا عن الأحوال العامة .. # سميت ظرفا؛ لأنها في تأويل الجار والمجرور، واسم الظرف يطلق عليهما مجازا) ~~قال ابن هشام : (وهذذا حسن) اه(1) ~~وعلم من قوله : (لكونها...) إلى آخره : أنه يستفهم بها عن حال الشيء لا عن ~~ذاته ~~قال الراغب : (وإنما يسأل بها عما يصح آن يقال فيه: شبيه وغير شبيه، ولهذا ~~لا يصح أن يقال في الله : كيف) قال : (وكل ما أخبر الله بلفظ كيف عن نفسه.. فهو ~~(1) مفني اللبيب (1/ 272) PageV00P009 ~~============================================================ ~~استخبار ms008 على طريق التنبيه للمخاطب أو التوبيخ أو الإنكار، كما في: كيف ~~تكفردب بالله}، كيف يهدى الله قوما)(1). # وفرق الزمخشري بين كيف والهمزة، بأن (كيف) سؤال تفويض؛ لإطلاقه، ~~فكأن الله في الآية الأولى فوض الأمر إليهم في أن يجيبوا بأي شيء أجابوا، ولا كذلك ~~الهمزة؛ فإنه سؤال حصر وتوقيت؛ فإنك تقول: أجدك راكبا أم ماشيا؟ فتوقت ~~وتحصر، ومعنى الإطلاق ما قاله صاحب " المفتاح" : كيف: سؤال عن الحال، ~~وهو ينتظم فيه الأحوال كلها، والكفار حين صدور الكفر عنهم ، لا بد أن يكونوا على ~~إحدى الحالتين؛ إما عالمين بالله أو جاهلين به، فإذا قيل : كيف تكفرون بالله ؟ .. # أفاد : أفي حال العلم تكفرون أم في حال الجهل ؟ هذا معنى التفويض في الاية: ~~(ترقى رقيك) الحسي، فماضيه مكسور القاف من: رقي السلم، وهو ~~رقيه صلى الله عليه وسلم ببدنه يقظة بمكة ليلة الإسراء قبيل الهجرة إلى السماء، إلى ~~سدرة المنتهى، ثم إلى المستوى الذي سمع فيه صرير الأقلام في تصاريف الأقدار، ~~ثم إلى العرش والرفرف والرؤية وسماع الخطاب بالمكافحة والكشف الحقيقي، وغير ~~ذلك مما لم يصل إليه ملك مقرب ولا نبي مرسل: ~~والمعنوي من رقا بالفتح، وهو: التنقل من كل صفة كاملة وخلق عظيم إلى صفة ~~أخرى وخلق آخر أكمل وأعظم، وهكذا إلى ما لا غاية له، ففي كلامه استعمال ~~المشترك في معنييه، أو الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو الأصح عندنا في الأصول، ~~وعلى مقابله المنقول عن الأكثرين يكون هلذا من عموم المجاز. # (الأنبياء) جمع نبي، فعيل بمعنى فاعل أو مفعول، من النبأ بهمز، وقد لا يهمز ~~تخفيفا، وهو الخبر؛ لأنه مخبر ومخبر عن الله تعالى، أو من النبوة، فلا يهمز؛ لأنه ~~مرتفع أو مرفوع الرتبة على غيره من الخلق، ونهيه صلى الله عليه وسلم عن المهموز ~~بقوله : "لا تقولوا يا نبيء ألله" بالهمز " بل قولوا يا نبي الله " بلا همز؛ لأنه قد يرد ~~بمعنى الطريد، فخشي صلى الله عليه وسلم في الابتداء سبق هلذا المعنى إلى بعض الأذهان ~~فنهاهم عنه، فلما قوي إسلامهم وتواترت ms009 به القراءة.. نسخ النهي عنه؛ لزوال سببه: ~~(1) انظر : " مفردات الراغب* (ص730). PageV00P010 # ============================================================ ~~وهو: ذكر من بني ادم حر سالم من منفر كعمى، وما وقع ليعقوب وشعيب لم ~~يكن عمى حقيقيا، وكذلك بلاء أيوب صلى الله عليه وسلم لم يستقر، بل صار بدنه ~~بعد الشفاء أجمل منه قبله، أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، فإن آمر، فرسول ~~أيضا وإن لم يكن له كتاب ولا نسخ لشرع من قبله على الأشهر، فالرسول أخص ~~مطلقا من النبي، ولا يطلق على غير الآدمي كالملك والجني إلا مقيدا، ومنه : ~~جاعل الملتيكة رسلا، الله يصطفى م المليكة رسلا ومبى الناس} على أن ~~معنى الإرسال فيهما غيره في الأول؛ إذ هو فيه إيحاء ما يتعبد به هو وآمته، وفيهما ~~مجرد الإرسال للغير بما يوصله إليه ~~فإن قلت : نفي رقي الأنبياء رقيه لا يستلزم نفي رقي الرسل رقيه؛ لتصريحهم بأن ~~الأعم لا دلالة له على الأخص، والمراد إنما هو نفي رقي كل منهما رقيه ولم تف به ~~بارته ~~قلت: ممنوع ، بل هي وافية، بل مصرحة به ؛ لأن قوله : (ما طاولتها سماء): ~~صريح في نفي رقي الكل رقيه كما يعلم مما يأتي في شرحه ؛ لأن النكرة في حيز النفي ~~للعموم، وفي آنه أراد بالأنبياء هنا ما يشمل الرسل، على أن المحقق الكمال ابن ~~الهمام نقل في " مسايرته " أن المحققين على ترادف النبي والرسول ، فلعل الناظم ممن ~~يرى ذلك، وإن كنت رددته في " شرح المنهاج "(1) لمخالفته للأحاديث الصريحة ~~الصحيحة في عدد الأنبياء والرسل، وسيأتي بعضها، وأيضا فنفي الحقيقة مطلقا ~~كالنبوة التي تضمنها لفظ (الأنبياء) هنا.. يستلزم نفيها مع قيدها ولا عكس كما ~~صرحوا به، فتعين ما ذكره الناظم، ولا يصح ذكر الرسل. فتأمله: ~~يهات: منها: ما صرح به كلامه- لما مر في معنى (كيف)- آنه استفهام ~~متضمن لنفي رقيهم كرقيه، وللتعجب ممن يشكك في ذلك، وهذا أولى ممن قال : ~~وللتعجب من وقوعه لو وقع من اختصاص نبينا صلى الله عليه وسلم بذلك الرقي بمعنييه ~~السابقين، وأنه المنفرد بغاية كمال الشرف والرفعة إجماعا، أما ms010 الأول.. فواضح، ~~وأما الثاني. . فكذلك عند من تأمل آي القرآن وما اشتملت عليه إما تصريحا أو تلويحا ~~(1) تحفة المحتاج (26/1). PageV00P011 # ============================================================ ~~من الإشارة إلى إنافة قدره العلي عنده، وأنه لا مجد يساوي مجده: ~~وقال المفسرون في: ورفع بعضهر درجت : يعني محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، قال الزمخشري: (في هذذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا ~~يخفي؛ لما فيه من الشهادة على آنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي ~~لا يلتبس)(1). # ومن تلك الدرجات أن آياته ومعجزاته أكثر وأبهر؛ إذ ما من معجزة لنبي قبله إلا ~~وله مثلها أو آبهر منها كما بينه الأئمة، وسيأتي بعضه، وزاد عليهم بمعجزات لم يصح ~~ولم يقع نظيرها لأحد منهم، وناهيك بكتابه القرآن؛ فإنه لا تتناهى معجزاته ~~ولا تنقضي آياته ، وأن أمته أزكى وأكثر وأطهر من بقية الأمم بنص : { كنتم خير أمةه ~~أخرجت للناس، وخيرية الأمة تستلزم خيرية نبيها، وأفضلية دينها؛ إذ لا شك أن ~~خيريهم بحسب كمال دينهم المستلزم لكمال نبيهم، وأن صفاته أعلى وأجل، وذاته ~~أفضل وأكمل، كما يصرح به قوله تعالى: فبهدهم اقتدة لأنه تعالى وصف ~~الأنبياء بالأوصاف الحميدة، ثم أمره أن يقتدي بجميعهم، وذلك يستلزم أن يأتي ~~بجميع ما فيهم من الخصال الحميدة، فاجتمع فيه ما تفرق فيهم، وفي حديث الشفاعة ~~العظمى وانتهائها إليه بعد تنصل كل منها واعترافه بأنه ليس أهلا لها : التصريح بذلك ~~أيضا ، وكذا الحديث الصحيح : " أنا سيد ولد آدم ولا فخر"(2) وفي رواية : 0 أنا ~~أكرمهم على ربي"(2) وفي حديث الترمذي : " أنا سيد ولد آدم يؤم القيامة ولا فخر، ~~وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي آدم فمن سواه إلا تخت لوائي "(4) وهو ~~صريح في دخول آدم ، كحديث البخاري وغيره : " أنا سيد الناس يؤم القيامة "(5) ~~وحديث : " أنا سيد العالمين " صححه الحاكم واعترض. # وبذلك تعلم أفضليته على الملائكة ؛ لأن آدم أفضل منهم بنص الأية. # (1) الكشاف (325/1) ~~(2) اخرجه ابن ماجه (4308). # (3) أحرجه الترمذي (3610)، والدارمي (49) ~~(4) الترمذي (3148). # (5) البخاري (4712). PageV00P012 # ============================================================ ~~ويؤيده الحديث الاتي على الأثر: " ليس أحد من الملائكة " وحديث الترمذي ~~الحسن ms011 كما بينه البلقيني في " فتاويه " ، زاد على الترمذي : " وأنا أثرم الأولين ~~والاخرين " وهذا صريح في شموله للأنبياء والملائكة جميعهم ~~وفي حديث : "قال آدم : يا رب ؛ أشألك بحق محمد صلى الله عليه وسلم إلأ ~~غفرت لي...4 الحديث ، وفيه أنه تعالى قال : " يا آدم؛ كيف عرفته ولم أخلقه؟ # قال : يا رب؛ لما خلقتني بيدك - أي : قدرتك الباهرة - ونفخت في من روحك- ~~أي : سرك العجيب الذي لا يعلم حقيقته أحد غيرك - .. رفعت رأسي فرائت على ~~قوائم العزش مكتوبا : لا إلله إلأ الله، محمد رسول ألله ، فعلمت أنك لم تض إلى ~~أسمك إلأ أحب الخلق إليك ، قال الله تعالى : صدفت يا آدم ؛ إنه لأحث الخلق ~~إلى، وإذ سألتني بحق محمد.. فقذ غفرث لك ، ولؤلا محمد.. ما خلقتك" ~~صححه الحاكم واعترض(1)، لنكن صح عن ابن عباس رضي الله عنهما، وله حكم ~~المرفوع : (ولولا محمد.. ما خلقت آدم، ولولا محمد.. ما خلقت الجنة والنار، ~~ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب، فكتبت عليه: لا إلله إلا الله، محمد ~~(4) ~~رسول الله فسكن)(1). # وفي روايات أخر: (لولاه ما خلقت السماء ولا الأرض، ولا الطول ~~ولا العرض، ولا وضع ثواب ولا عقاب، ولا خلقت جنة ولا نارا، ولا شمسا ~~ولا قمرا): ~~وصح : " أنا أول من تنشق عنه الأزض، فألبس حلة من حلل الجنة ، ثم أقوم عن ~~(3)9 ~~يمين العزش ، ليس أحد من الملاتكة يقوم ذلك المقام غيري "(2) . # وفي رواية ذكرها السراج البلقيني في " فتاويه " أنه تعالى قال له : ( قد مننث عليك ~~بسبعة أشياء : أؤلها : أني لم أخلق في السماوات والأرض أكرم علي منك) وفي ~~أخرى ذكرها أيضا : (أن جبريل قال له: أبشر؛ فإنك خير خلقه، وصفوته من ~~(1) المستدرك وبهامشه "التلخيص" (215/2) . # (2) أخرجه الخلال في " السنة "(261/1). # (3) أخرجه الترمذي (3611). PageV00P013 # ============================================================ ~~البشر، حباك الله بما لم يحب به أحدا من خلقه، لا ملكا مقربا، ولا نبيا ~~مرسلا...) الحديث. # وصح عن بحيرى - وهو من علماء أهل الكتاب الذين لا يقولون شيئا إلا عنه -: ~~(هلذا سيد العالمين)(1). # وصح أيضا عن عبد الله بن سلام الصحابي الجليل، ms012 امام أهل الكتاب بشهادته ~~صلى الله عليه وسلم: أنه ذكر بالمسجد يوم الجمعة أمورا: منها : (وإن أكرم ~~خليقة الله على الله أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، فقيل له: فأين الملائكة؟ # فضحك وقال للسائل : يا ابن آخي؛ هل تدري ما الملائكة؟ إنما الملائكة خلق ~~كخلق السماوات والأرض، والرياح والسحاب والجبال وسائر الخلق التي ~~لا تعصي الله شيئا، وإن اكرم الخلق على الله تعالى أبو القاسم صلى الله عليه ~~وسلم)(2). # وبين السراج البلقيني أن هلذا له حكم المرفوع ، وهو كذلك؛ فإنه من آجل ~~الصحابة، فلا يقوله إلا عنه صلى الله عليه وسلم، أو عما صح من التوراة: ~~قال : واختيار الباقلاني والحليمي أفضلية الملائكة.. يمكن حمله على غير نبينا ؛ ~~اي: وبهذا جزم بعض أجلاء تلامذته كالبدر الزركشي، أو على تفضيل في نوع ~~خاص؛ أي: لأنه قد يوجد في المفضول مزية، بل مزايا لا توجد في الفاضل، ثم ~~قال : ولا يظن بأحد من أئمة المسلمين أنه يتوقف في أفضلية نبينا صلى الله عليه وسلم ~~على جميع الملائكة، وكذلك سائر الأنبياء، وأطال في الحط والرد على من توقف في ~~ذلك وزعم أن هلذا ليس مما كلفتا بمعرفته ، ثم قال : وهذا الزعم باطل؛ فإن هذذا ~~من مسائل أصول الدين الواجبة الاعتقاد على كل مكلف، والبيان بسوق (3) أدلتها ~~وايضاحها على كل من تأهل لذلك : ~~وقد صح في الحديث المشهور : " ثلاث من كن فيه. . وجد حلاوة الإيمان، من ~~(1) أخرجه الترمذي (3620)، والحاكم (115/2) ~~(2) أخرجه البيهقي في * الشعب" (149)، والحاكم (568/4) ~~(3) في (1) و(ب) : (والبيان يسوق) PageV00P014 ~~============================================================ ~~كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما "(1) وتأمل قوله : " مما سواهما" تجده ~~ظاهرا ، بل صريحا في كل ما ذكرناه . # ومنها : ما أفاده كلامه من جواز التفضيل بين الأنبياء هو ما عليه عامة العلماء؛ لما ~~مر من الأدلة الصريحة فيه ~~وأما قوله تعالى : { لا نفرق بئن أحد منهر . . فهو باعتبار الإيمان بهم وبما أنزل ~~اليهم ~~وأما الأحاديث الصحيحة : "لا تفضلوني على الأنبياء" ، " لا تفضلوا بين ~~الآنبياء"(2) ، "لا تخيروا بين الأنبياء"(3) .. فهي إما : قبل علمه بالتفضيل وأنه ms013 ~~أفضلهم، وإما: محمولة على التواضع؛ لتصريحه بالتفضيل، أو على تفضيل يؤدي ~~الى تنقيص بوجه، أو إلى حط من مقام أحدهم، وعليهما يدل سياق الحديث، أو ~~على التفضيل في ذات النبوة أو الرسالة؛ فإنهم كلهم مشتركون في ذلك لا يتفاوتون ~~فيه، وإنما يتفاوتون في زيادة الأحوال والمعارف والخصوصيات والكرامات: ~~وزعم حملها على التفضيل بآرائنا ليس في محله ؛ لأن تفضيل ذلك بالرآي المحض ~~مجمع على منعه، وبالدليل الدال عليه لا وجه لمنعه: ~~وأما الحديثان الصحيحان : 8 ما ينبغي لأحد أن يقول : أنا خير من يونس بن ~~متن"(4)، من قال : أنا خير من يونس بن متى.. فقد كذب"(5).. فحكمة ~~التخصيص فيهما بيونس نفي توهم التفاوت بينهما في القرب من الحق؛ لاختلاف ~~محلهما الصوري برفع نبينا صلى الله عليه وسلم إلى قاب قوسين، ونزول يونس ~~صلى الله عليه وسلم إلى قعر البحر؛ أي: لا تتوهموا من هذذا التفاوت الصوري ~~تقاوتأ في القرب والبعد من الله تعالى ، بل نسبة كل إليه واحدة وإن تفاوت مكانهما؛ ~~(1) أخرجه البخاري (16)، ومسلم (43) ~~(2) أخرجه البخاري (3415)، ومسلم (2373). # (3) أخرجه البخاري (2412)، ومسلم (2374) ~~4) أخرجه البخاري (3396)، ومسلم (2377) ~~(5) أخرجه البخاري (4604)، ومسلم (3245). PageV00P015 # ============================================================ ~~لتعاليه عن الجهة والمكان، فهو نهي عن تفضيل مقيد بالمكان لا مطلقا ~~ومنها : أن قوله : (الأنبياء) يشمل من عرف منهم ومن لم يعرف، قال الله ~~تعالى: منهمر من قصصنا عليلك ومنهم من لم نقصص عليلاك ~~واختلفوا في عدد من عرف منهم، والمشهور فيه ما في حديث آبي ذر عند ابن ~~مردويه في "تفسيره " : قال : قلت : يا رسول الله ؛ كم الأنبياء؟ قال : " مثة ألف ~~وأربعة وعشرون ألفا" قلت : يا رسول الله ؛ كم الرسل منهم؟ قال : " ثلاث مئة ~~وثلاثة عشر، جم غفير " قلت : يا رسول الله؛ من كان أولهم؟ قال : " آدم" ثم ~~قال : "يا أبا ذر ؛ أزبعة منهم سزيانئون : آدم وشيث ونوح وآخنوخ، وهو إذريس ، ~~وهو أول من خط بألقلم ، وأزبعة من العرب : هود وصالح وشعيب ونبئك يا أبا ذر ؛ ~~وأول نبي من بني إسرائيل - أي : ممن بعد أولاد إسرائيل وهو يعقوب صلى الله على ~~نبينا وعليه ms014 وعليهم وسلم - موسى، وآخرهم عيسى، وأول النبئين آدم، وآخرهم ~~نبيك". # وروى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم بن حبان في كتابه "الأنواع ~~والتقاسيم" وصححه(1)، للكن خالفه ابن الجوزي فذكره في موضوعاته " واتهم به ~~ابراهيم بن هشام (2)، قال الحافظ ابن كثير : ولا شك أنه تكلم فيه غير واحد من أئمة ~~الجرح والتعديل من أجل هلذا الحديث، فالله أعلم . وبينت في شرح " المنهاج" في ~~الخطبة : أن حديث كون الأنبياء مثة ألف وأربعة وعشرين ألفأ، وحديث كون الرسل ~~ثلاث مثة وخمسة عشر. . صحيحان . فاعلمه (3) ، وروى أبو يعلى : "كان فيمن خلا ~~من إخواني من ألأنبياء ثمانية آلاف نبي ، ثم كان عيسى أبن مزيم ، ثم كنت أنا "(2) . # (يا) حرف نداء للبعيد، أو القريب المنزل منزلته، وهو هنا إشارة إلى بعد ~~(1) الاحسان (361). # (2) ذكر هذا الحديث الإمام السيوطي رحمه الله في الدر المنثور" (746/2) وقال : (أخرجه ~~ابن حبان في "صحيحه "، وابن الجوزي في " الموضوعات " ، وهما في طرفي نقيض ~~والصواب: أنه ضعيف، لا صحيح ولا موضوع) ~~(3) تحفة المحتاج (26/1). # (4) مسند أبي يعلى (4092). PageV00P016 # ============================================================ ~~مرتبته صلى الله عليه وسلم عن آن تلحق أو تسامى (سماء) بالتنوين والنصب؛ لأنها ~~نكرة موصوفة، وهي من حيز الشبيه بالمضاف، فتنصب لا غير على الأصح: ~~وقال الكسائي : يجوز فيها النصب والضم. # وفصل الفراء فأوجب النصب إذا كان العائد من الصفة إليها ضمير غيبة كما هنا، ~~وك: يا رجلأ ضرب زيدا، والضم إذا كان ضمير خطاب ك: يا رجل ضربت زيدا: ~~تبيه : لا يأتي هنا الخلاف في النكرة غير المقصودة، وهو : قول الأصمعي: ~~لا تنادى مطلقا، والمازني، لا يتصور نداؤها؛ لأنه يقتضي الإقبال عليها، وعدم ~~قصدها يقضي عدمه قال: وما جاء منونا منها فضرورة، والكوفيين: شرط صحة ~~ندائها: أن تكون صفة في الأصل حذف موصوفها، نحو: يا ذاهبا، والمنع : إن لم ~~تكن كذلك، وذلك لأن محل هذه الأقوال الأربعة حيث لم توصف النكرة بمفرد أو ~~جملة أو ظرف، وإلا.. جاز نداؤها مطلقا اتفاقا. # فإن قلت: (سماء) هنا نكرة مقصودة قطعا كما يعلم مما يأتي، وموصوفة ~~بجملة: ms015 (ما طاولتها سماء) كما تقرر، وحكمهما متناف، فان قصدها يوجب بناءها ~~على الضم، ووصفها يوجب نصبها على الأصح كما تقرر، فما المغلب منهما حينئذ؟ # قلت : لم أر للنحاة في مثل هلذه الصورة نصا، وإنما أطلقوا في المقصودة البناء، ~~وفي الموصوفة النصب، ومفهومهما متخالف؛ إذ إطلاق الموصوفة يقتضي آنه ~~لا فرق بين المقصودة وغيرها، واطلاق المقصودة يقتضي أنه لا فرق بين الموصوفة ~~وغيرها، لا يقال: الوصف يستلزم القصد، ومع ذلك لم ينظروا للقصد معه؛ لأنا ~~نمنع استلزامه له؛ إذ لا بدع أن الأعمى يقول : يا رجلا صالحا خذ بيدي من غير أن ~~يقصد أحدا بعينه، ولكن لا بد أن يدار الأمر في نحو هذذه الصورة على نظر الناظر ، ~~فإن اعتبر الوصف.. أجري عليه حكمه السابق، أو القصد أجري عليه حكمه ~~فائدة : يجوز تنوين المنادى المبني للضرورة إجماعا، ثم اختلفوا : هل الأولى ~~بقاء الضم ، أو الأولى النصب ؟ فالخليل وسيبويه والمازني على الأول ، علما كان أو ~~نكرة مقصودة، وعيسى بن عمر والجرمي والمبرد على الثاني ردا إلى أصله، كما رد ~~غير المنصرف إلى الكسر عند تنوينه في الضرورة: PageV00P017 ~~============================================================ ~~واختار ابن مالك في " شرح التسهيل" إبقاء الضم في العلم ، والنصب في النكرة ~~المعينة ، لأن شبهها بالمضمر أضعف ~~وبعض المتأخرين عكسه، وهو اختيار النصب في العلم؛ لعدم الالباس فيه، ~~والضم في النكرة المعينة ؛ لئلا تلتبس بالنكرة غير المقصودة ؛ إذ لا فارق حينئذ إلا ~~الحركة؛ لاستوائهما في التنوين (1). # إذا تقرر ذلك وقلنا بأن النكرة المنونة هنا مبنية على الضم على أحد شقي كلام ~~الكسائي، أو على ما ذكرته ، أنه إذا أريد بالنكرة الموصوفة مقصود.. بنيت على ~~الضم.. فالأولى هنا على الأول والرابع : الضم ، وعلى الثاني والثالث : ~~النصب(2)، والذي أقوله : إن الضم متعين هنا على الكل؛ لأنه الظاهر خلافا لما ~~يوهمه الرآي الرابع : أن محل الخلاف حيث لا إلباس يتولد منه محذور، وهنا النصب ~~يترتب عليه محذور: لايهامه أن السماء الأولى نكرة غير مقصودة، وحينيذ يفسد ~~المعنى؛ لأن النكرة غير المقصودة لا يصح نفي مطاولة نكرة غير ms016 مقصودة لها أيضا، ~~بخلاف ما إذا كانت الأولى نكرة مقصودة كما هو المراد هنا ؛ إذ هي اسم جنس يشمل ~~سائر الأجرام العلوية؛ فإن هذه بهذا المعنى هي التي لا تطاولها سماء؛ أي : مرتفع ~~غيرها؛ لأنه لم يوجد في هلذا الوجود أرفع منها، فتأمل ذلك حق التأمل واحفظه، ~~فإنه مما يتعين استفادته، لا سيما مع النظر لما قاله الشارح مما لم يعثر فيه على شيء ~~مما ذكرته ~~(ما): نافية (طاولتها) أي: غالبتها في الطول والارتفاع (سماء)، وهذذا ~~الشطر الثاني كالدليل للشطر الأول؛ إذ التقدير : لم يرتق أحد منهم ارتقاءك ؛ لأنه لم ~~يستطع مطاولتك في ارتقائك الحسي ولا المعنوي، وإن كانت درجاتهم كلها ومراتبهم ~~(1) الذي ذهب إلى هذا الإمام السيوطي رحمه الله تعالى، وقال بعد تصريحه باختياره لذلك: ~~(ولم أقف على هلذا الرأي لأحد) اه0 همع الهوامع في شرح جمع الجوامع " (41/2). # (2) القول الأول : هو قول سيبويه ومن معه، وهو أن الضم أولى ، والرابع : هو قول السيوطي ~~الذي اشار إليه الشارح بقوله : (وبعض المتأخرين عكسه) وهو : اختيار النصب في العلم ، ~~والضم في النكرة المعينة، أما الثاني فهو قول المبرد ومن معه ، وهو أن النصب أولى، ~~والثالث : قول ابن مالك ، وهو : اختيار الضم في العلم، والنصب في النكرة المعينة PageV00P018 ~~============================================================ ~~وصفاتهم بأسرها أرفع الدرجات واكمل المراتب وأجل الصفات. # قال تعالى: ولقد أخترنهم على عليه على الطلمين}، وهذه الآية صريحة في ~~فضلهم على جميع الملائكة، بل الخلق؛ إذ العالم ما سوى الله، وإنما جمع جمع ~~العقلاء؛ تغليبا لهم. # وفيه استعارة لفظ (السماء) الأول لنبينا صلى الله عليه وسلم، والثاني لبقية ~~الأنبياء؛ لأن السماء أعلى ما يرى من الأجرام الحسية، كما أنهم أعلى الخلق، ~~ورشح لذلك بذكر الارتقاء الملائم للمستعار منه ~~لم يساؤوك في علاك وقذ حا ل سنا منك ثونهم وسناء ~~(لم يساووك) : مستأنفة على ما يأتي، فيكون من أسلوب الحكيم ، أو حال من ~~فاعل (ترقي)، (في علاك) جمع : علياء تأنيث : الأعلى من علا- بالفتح- يعلو ~~علوا في المكان، وعلي بالكسر- يعلى، وعلا- بالفتح - يعلى علاء في الشرف. # قال ms017 الشارح: (ولما كان نفي المطاولة لا يلزم منه نفي المساواة، وكان المعنى ~~لا يتم إلا بنفيها.. صرح بذلك) وتبعه غيره فقال : (لمالم يلزم من نفي المطاولة نفي ~~المساواة. أشار إلى نفيها، وإن كان يؤخذ مما تقدم للكن لا بطريق التصريح) اه ~~وهو عجيب مع ما مر في (كيف): أنه أفاد بطريق التصريح نفي رقي أحد منهم ~~رقيه، وهذا مساو لقوله : (لم يساووك)، فالحق أنه تأكيد وإطناب فقط، على أن ~~لذكره فائدة أخرى هي البرهان عليه بطريق أخرى، وحينئذ يكون ما سلكه من ذكر ~~الجملة الأولى في شطر البيت الأول ، والبرهان عليها بما في الشطر الثاني، ثم إعادتها ~~بمعناها في أول البيت الثاني، والبرهان عليها بما في بقيته.. من بديع تحقيقه وكمال ~~بلاغته ~~(وقد حال) أي: حجز ومنع، جملة مستأنفة، أو حالية من الفاعل أو ~~السفعول ~~و(قد) هنا واجبة الذكر أو التقدير عند البصريين، قالوا : لتقرب الماضي من PageV00P019 ~~============================================================ ~~الحال، واعترضهم المحقق السيد الجرجاني، وتبعه المحقق الكافيجي وغيره بأن ~~هذا غلط منهم، سببه اشتباه لفظ الحال عليهم؛ فإن الحال الذي تقربه (قد) حال ~~الزمان، والحال المبين للهيئة حال الصفات، ولك رده بأنهما وإن تغايرا للكنهما ~~متقاربان، كما هو شأن الحال وعاملها، وحينئذ لزم من تقريب الأولى تقريب الثانية ~~المقاربة لها في الزمن، فتأمله فإنه مهم؛ إذ تغليط أولثك الأئمة الذين لا ينحصرون ~~مع إمكان تأويل كلامهم تساهل: ~~واقتصار الشارح على الأول بعيد كتخصيصه له بفاعل (ترقى) البعيد دون فاعل ~~(يساووك) القريب وإن كان متحدا، والأول أولى؛ لما قدمته أن هلذه الجملة ~~كالبرهان أو التعليل لما قبلها، كذا قيل، وفيه نظر؛ لأن الحالية تفيد ذلك هناك ~~أيضا، على أنها الظاهر المتبادر. # (سنا) بالقصر؛ آي: ضوء عظيم ظاهر (منك) خصك الله به، وهو مجاز عن ~~علوم القرآن المحيطة بعلوم الأولين والاخرين وغيرها التي اختصه الله بها، وأمره أن ~~يسأله بأن يزيده منها ، وهلذا مقتبس من تسميته تعالى القرآن نورا في آيات كثيرة من ~~كتابه، نحو: واتبعوا النور الذى أنزل معه}، وعما اختصه الله به ms018 من جمال ~~الظاهر(1)، بما آتاه من الحسن في خلقه بما لم يلحقه فيه يوسف فضلأ عن غيره، كما ~~أخبر به صلى الله عليه وسلم، وفي خلقه بما أبان الله تعالى رفعته فيه إلى الغاية بقوله ~~عز قائلا : وإنك لعلل خلق عظير}، وهلذا مقتبس من تسميته تعالى لنبيه نورا في نحو ~~قوله : { قد جاء كم مرن الله نور وكتلب مبير*} : ~~وكان صلى الله عليه وسلم يكثر الدعاء بأن الله تعالى يجعل كلا من حواسه وأعضائه ~~وبدنه نور؟(2)؛ إظهارا لوقوع ذلك، وتفضل الله عليه به ليزداد شكره وشكر أمته على ~~ذلك ، كما أنا أمرنا بالدعاء الذي في آخر (البقرة) مع وقوعه وتفضل الله به كذلك : ~~ومما يؤيد أنه صلى الله عليه وسلم صار نورا: أنه كان إذا مشى في الشمس نهارا أو ~~(1) قوله: (وعما اختصه..) معطوف على قوله قبل سطرين: (وهو مجاز عن.) ~~(2) كما في حديث : "اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي بصري نورا، وفي سمعي نورا... # أخرجه البخاري (1316)، ومسلم (763)، وغيرهما PageV00P020 ~~============================================================ ~~القمر ليلا.. لا يظهر له ظل؛ لأنه لا يظهر إلا لكثيف، وهو صلى الله عليه وسلم قد ~~خلصه الله من سائر الكثائف الجسمانية، وصيره نورا صرفا لا يظهر له ظل أصلا خرقا ~~للعادة، كما خرقت له في شق صدره وقلبه مرارا ولم يتأثر بذلك. # (دونهم وسناء) بالمد؛ آي: رفعة عظيمة أوتيتها لم ينته إليها مخلوق؛ أي: ~~اتتقت مساواتهم له؛ لمانع منعهم عن اللحوق به، هو ما اختص به من ذلك النور ~~وتلك الرفعة، اللذين لم يصل أحد إلى أدنى مبادىء شأوهما فضلا عن كماله، وفي ~~جعله هذين حاجزا استعارة تجريدية، كما آن في جمعهما الجناس المذيل، ويعبر ~~عنه بالمطرف؛ لأن الزيادة وقعت ذيلا وطرفا، وهو : أن يتماثل اللفظان وينفرد ~~أحدهما بزيادة حرف آخر في آخره، كقولهم : العار ذل العارف، وهو أحد أقسام ~~الجناس الناقص ~~ومنها تحو: الساق والمساق، ويسمى بالمردوف؛ لأن حرف الزيادة مردوف بما ~~وقع فيه التجانس، ونحو: داء ودواء، ويسمى بالمكتنف؛ لأن حرف الزيادة ~~مكتنف؛ أي: متوسط بين ما ms019 اكتنفاه. # وقد يقع الاختلاف بأكثر من حرف، نحو: من آمن، ويسمى متوجا، ونحو: ~~جهد ومجاهد، وجوى وجوانح، سماه في " التلخيص" مذيلا(1) ~~وأهل الصناعات البديعيات : على أن الزائد من آخره حرف أو أكثر يسمى مذيلا، ~~ومن أوله كذلك يسمى مطرفا. # تبيه: الجناس: تشابه اللفظين من حيث اللفظ، وفائدته : الميل إلى الإصغاء ~~إليه؛ فإن مماثلة الألفاظ تحدث ميلا وإصغاء إليها، فلذا اكثر منه الناظم في هذذه ~~القصيدة، وربما تركت التنبيه على كثير منه في محله؛ استغناء بظهوره، أو تقدم ~~التنبيه على نظيره. # ومع كون الجناس يوجب الميل والإصغاء.. فمحل مراعاته: مالم تعارضه قوة ~~المعنى وتمكنه مع فقده ، وإلا.. لم يراع ، ومن ثم قال الله تعالى : { ومآ أنت يمؤن ~~لنا ولؤ كنا صدقين}، فلم يقل : مصدق؛ رعاية لجناس الاشتقاق؛، لأن معنى ~~(1) تلخيص المفتاح (ص 703) PageV00P021 ~~============================================================ ~~قولك : فلان مصدق لي أنه قال لي : صدقت، ومعنى مؤمن لي : أنه صدقني ~~وآمني، والمقصود الثاني لا الأول، فترك الجناس لذلك ، وترك أيضا في : أندعون ~~بعلا وتذروت أحسن الخلقين} إما لأن التجنيس تحسين وإنما يستعمل في مقام الوعد ~~والإحسان لا في مقام التهويل ، أو لأن يدع أخص من يدر ؛ لأنه ترك الشيء مع سبق ~~الاعتناء به، فلو قيل: تدعون.. لتوهم آنهم كانوا معتنين بالإلله الحق ثم تركوه، ~~وليس كذلك، بل كانوا تاركين له مطلقا، فتعين تذرون مبالغة في التشنيع عليهم، ~~بأنهم بلغوا الغاية في الإعراض عن ربهم، وامتنع تدعون لإيهامه ، وبهذا تظهر غباوة ~~بعض الأدباء في قوله : لوقال : وتدعون.. لراعى الجناس ~~وبقيت أجوبة أخرى ليست بذاك، فلذا تركتها(1) ~~وفي قوله: (وقد...) إلى آخره: التذييل، وهو: أن يؤتى بعد إتمام الكلام ~~بجملة تشتمل على معناه تجري مجرى العلة؛ لتؤكد ما قبلها وتحققه، كقوله تعالى: ~~{ وهل تجرزى إلا الكفور) بعد : ذلك جزينهم بما كفروا ، وقول النابغة : ~~(أي الرجال المهذب) بعد قوله : (ولست بمستبق:..) إلى آخره(2): ~~تنبيه ثان: سيمر بك ذكر استعارات بليغة تحتاج إلى معرفتها في هلذه القصيدة، ~~فلا بأس بالإشارة إلى بعض شيء مما يتعلق بها، وحدها : آنها مجاز يتضمن ms020 تشبيه ~~ما عني به بما وضع له، فهي مجاز لغوي؛ لأنها لفظ استعمل في غير ما وضع له؛ ~~لعلاقة المشابهة، ومن ثم احتاجت لقرينة ك: رأيت أسدا يرمي، ثم ما قصد اشتراك ~~طرفيها المستعار له والمستعار منه فيه إما داخل فيهما، كاستعارة الطيران للعدو ~~بجامع: أن في كل قطع المسافة، أو لا، كاستعارة الأسد للشجاع؛ إذ الشجاعة ~~عارضة للأسد، وهي باعتبار طرفيها ~~والجامع أقسام كثيرة، باعتبار أن كله إما : عقلي، وإما: حسي، ثم اللفظ ~~(1) راجع كتاب "الإتقان " للامام السيوطي رحمه الله (923/2) فقد ذكر أجوبة أخري لذلك : ~~(2) البيت من الطويل وهو بتمامه : ~~ولشت بمشتبقي أخا لا تليه على شعث، أيي الرجال المهاب؟ # وهو في " ديوان النابغة "( ص 18) PageV00P022 ~~============================================================ ~~المستعار إن كان اسم جنس ولو تأويلا كعلم أشعر بوصف.. سميت أصلية، أو فعلا ~~أو مشتقا منه، بأن يقصد به المعنى القائم بالذات، أو حرفا.. فتبعية ، لأن الاستعارة ~~تعتمد التشبيه المقتضي لكون المشبه موصوفا بوجه الشبه، أو مشاركا للمشبه به فيه، ~~وإنما يصلح للموصوفية الحقائق؛ أي: الأمور الثابتة دون معاني الأفعال ونحوها، ~~ومتى لم تقترن بما يلائم أحد طرفيها. سميت مطلقة، أو بما يلائم المستعار له.. # فمجردة، أو بما يلائم المستعار منه. فمرشحة، وهي أبلغ؛ لأن مبنى الاستعارة ~~على تناسي التشبيه وادعاء أن المستعار له نفس المستعار منه لا شيء يشبهه، وما كان ~~وجه التشبيه فيه منتزعا من عدة آمور يسمى استعارة تمثيلية، كما يقال للمتردد في ~~أمر: إني أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى ~~وبقي من أقسامها الاستعارة بالكناية، والاستعارة التخييلية، وهما عند صاحب ~~"التلخيص" معنويان غير داخلين في تعريف المجاز، فإذا أضمر التشبيه في النفس، ~~ولم يصرح بشيء من أركانه سوى المشبه، ودل على ذلك التشبيه بذكر شيء من ~~خواص المشبه به.. سمي ذلك التشبيه المضمر استعارة بالكناية، وإثبات تلك الخاصة ~~استعارة تخييلية؛ لأنه يخيل أن المشبه من جنس المشبه به (1). # لد اد ت ~~إيما مثلوا صفاتك لليا س كما مثل النجوم الماء ~~ال ا ل از ~~(إنما): للحصر عند الجمهور، قيل: ms021 بالمنطوق، وقيل: بالمفهوم، ويقال ~~: الاختصاص والقصر، خلافا لمن فرق، وهو تخصيص آمر بآخر بطريق ~~مخصوص، ويعبر عنه أيضا بأنه إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما سواه، وينقسم إلى ~~قصر الموصوف على الصفة، وعكسه، وكل إما حقيقي وإما مجازي، فالحقيقي ~~تحو: ما زيد إلا كاتب؛ أي : لا صفة له غير ذلك، وهو كالمحال؛ لتعذر أن يكون ~~لذات صفة واحدة فقط، ولم يقع منه شيء في القرآن: ~~والمجازي نحو : { ومامحتد إلا رسول} أي: مقصور على الرسالة، لا يتعداها ~~(1) التلخيص (ص183) PageV00P023 ~~============================================================ ~~إلى التبري من الموت الذي استعظموه ذهولا عن كونه من شأن الإلكه. # وأنكر قوم إفادة ( إنما) له، وترد عليهم آيات كثيرة نحو : إنما العلر عند الله) ، ~~انمايا نيكم يه الله). # واعلم : أن المحصور فيه هو الأخير، ومن ثم كان مفاد: إنما قام زيد إثبات ~~القيام لزيد ونفيه عن غيره، و: إنما زيد قائم إثباته له ونفي غيره عنه ~~(مثلوا) أي: صور الأنبياء أو الواصفون لشمائلك ، وهو الأقرب وإن لم يجر له ~~ذكر؛ لأنه معلوم على حد: { حى توارت بالحجاب ~~(صفاتك) جمع صفة، وهي: ما دل على معنى زائد على الذات، محسوس ~~كالأبيض، أو معقول كالعالم (للناس) من الأنس، فيختص ببني آدم، فأصله: ~~الأناس، حذفت همزته تخفيفا، لا لتعويض (آل) عنها؛ للجمع بينهما، أو من ~~نوس، إذا تحرك، فيعم الجن، كذا قيل، والذي في " القاموس" : (الناس يكون ~~من الإنس ومن الجن جمع أنس، أصله : أناس جمع عزيز، أدخل عليه " أل 4) ثم ~~قال : (وناس الإبل: ساقها، وأناسه: حركه): ~~(ك) نعت لمصدر محذوف مفعول مطلق لا مثلوا) أي: تمثيلأ مثل (ما): ~~مصدرية (مثل النجوم الماء) أصله : موه بالتحريك، فهمزته بدل من الهاء، وهو ~~جوهر، قيل: لالون له، وإنما يتكيف بلون مقابله، والحق خلافه، فقيل: ~~أبيض، وقيل: أسود. # والمعنى على أن الضمير للأنبياء : أن ما شاركهم فيه من الصفات - وإن كملت - لم ~~يصل لأدناها غيرهم ؛ لأنها فيه بلغت من الكمال مالم يبلغه مخلوق، فهي فيه حقيقة ~~كالنجوم الحقيقية المرئية من غير حاثل، وفيهم كصور النجوم التي ترى ms022 في الماء دون ~~حقيقتها، وشتان ما بينهما، وإسناد ذلك التصوير إليهم على هذذا مجاز عقلي، كقول ~~الموحد: أنبت الربيع البقل، ويحتمل أنه لمح بذلك إلى ما علم من حال الأنبياء أنهم ~~نعتوا صفاته الكريمة لأممهم وصوروها لهم، لكنهم مع ذلك لم يصلوا لتصوير ~~كنهها؛ لعدم إحاطتهم به، وإتما غاية ما وصلوا إليه تصوير صورها الحاكية لمباديها، ~~كما أن الماء لم يحك من النجوم إلا مجرد صورها لا غير: PageV00P024 ~~============================================================ ~~وفي هلذا من الأبلغية في المدح ما لا يخفى ؛ لأن الأنبياء مع كمالهم الأكبر إذا ~~عجزوا عن إدراك حقائق صفاته العلية. . كان غيرهم أعجز، لا يقال : هذذا يستغنى ~~عنه بما يأتي في قوله : ~~إلا بشرث قؤمها بك الأنبياء ~~لأن ذلك في مطلق تبشيرهم بأنه سيوجد، وهذا في بيان صفات ذلك المبشر به ~~وعلى أنه للواصفين (1) : أنهم وإن اكثروا الأوصاف وتفنتوا في ايرادها على أبلغ ~~أنواع البلاغة وأكمل قوانين الفصاحة.. فغاية ما وصلوا إليه أن أدركوا لوائح منها، ~~وعجزوا عن إدراك شيء من حقائقها، كما أن غاية من يرى النجوم في الماء أنه يدرك ~~مباديء أوصافها، ويعجز عن إدراك حقائقها ~~وقد شرح الناظم هذا بقوله في " بردة المديح" : ~~أعيا الورى فهم معناه (البيتين)(2) ~~وهلذا البيت من جملة التذييل أيضا، بناء على المعنى الأول؛ لأنه برهان ظاهر ~~على ما قدمه من نفي المساواة، بل في الحقيقة القصيدة كلها برهان على مطلعها، ~~وشرح وبيان له كما مر: ~~ولما قرر أن ما أوتيه من المزايا لا تدرك غاياتها، بل ولا حقائقها.. زاد ذلك ~~تقريرا وتمكينا في النفوس فقال : ~~ت! # أثت مضباح كل فضلي فما تض دد إلا عن ضويك الأضواء ~~ال ~~(أنت) أيها العلم الفرد الذي لا يساوى، بل ولا يدانى (مصباح) أي : سراج، ~~(1) أي : الضمير في قول الناظم رحمه الله: (إنما مثلوا.) ~~(2) وهما: ~~اعيا الورى فهم معتاه فليس يرى في القرب والبعد فيه غير منفم ~~كالشم تظهر للعينين من بقد صغيرة وتكل الطرف من أمم PageV00P025 ~~============================================================ ~~فهو مقتبس من قوله تعالى : { وسراجائنيرا ~~(كل) اسم موضوع لاستغراق ms023 أفراد المنكر المضاف هو إليه كما هنا، ~~والمعرف المجموع نحو : وكلهم ماتيه يوم القيكمة فردا ، وأجزاء المفرد المعرف ~~نحو: يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} باضافة قلب} الى متكبر} أي : ~~على كل أجزائه، وقراءة التنوين لعموم أفراد القلوب (1). # ثم إن لم يكن نعتا لنكرة ولا توكيدا لمعرفة بأن تلاها العامل كما هنا.. جازت ~~اضافتها كما هنا وقطعها نحو : وكلا ضريناله الأمتكل) . # واعلم: آنها حيث أضيفت لمنكر وجب في ضميرها مراعاة معناها، تحو: ~~وكل شىء فعلوه فى الزبر}، { وعلى كل ضامر يأني} أو لمعرف.. جازت ~~مراعاة لفظها في الإفراد والتذكير، ومراعاة معناها، وكذا إذا قطعت، نحو: كا ~~يعمل على شاكليه، وكل أتؤه دخرين} وأنها حيث وقعت في حيز نفي ، بأن سبقتها ~~أداته أو فعل منفي نحو: ما جاء كل القوم، ولم آخذ كل الدراهم.. لم يتوجه النفي ~~إلالسلب شمولها، فتفهم إثبات الفعل لبعض الأفراد ما لم يدل الدليل على خلافه، ~~نحو: والله لا يحب كل مختالي فخور} مفهومه إثبات المحبة لأحد الوصفين ، للكن ~~لا نظر إليه؛ للإجماع على تحريم الاختيال والفخر مطلقا، وحيث وقع النفي في ~~حيزها كقوله صلى الله عليه وسلم في خبر ذي اليدين : "كل ذلك لم يكن "(2).. # توجه إلى كل فرد فرد، كذا ذكره البيانيون، وإنما سقت هلذا جميعه هنا لأنه لنفاسته ~~وكثرة الاحتياج إليه. . مما ينبغي آن يستفاد ويحفظ ~~(فضل) وكمال برز لغيرك في الوجود ؛ لأنك الخليفة الأكبر الممد لكل موجود، ~~وشاهده ما صح من خبر : "آدم فمن دونه تخت لوائي"(3)، وخبر: 8 إنما أنا ~~(1) وهي قراءة أبي عمرو وابن عامر من رواية ابن ذكوان . انظر 1 النشر"(365/2) لابن الجزري ~~رحمه الله ~~(2) اخرجه مسلم (573)، وأبو داوود (1000)، والنسائي (1226)، وأحمد ~~(459/2 ~~(3) أخرجه أحمد (281/1)، والبيهقي في * الشعب 4(1488)، وأبو يعلى (2328) PageV00P026 ~~============================================================ ~~قاسم، وألله يغطي "(1) ، وخبر : 9 لو كان موسى حيا. . ما وسعه إلا أتباعي "(2) ، ~~(3) ~~وخبر: "إن إبراهيم قال : إنما كنت خليلا من وراء وراء "(2) وآثر التشبيه بالسراج ~~على القمرين؛ لأنه تقتبس منه الأنوار بسهولة، وتخلفه فروعه فتبقى بعده: ~~ووجه ms024 التشبيه : آن نوره صلى الله عليه وسلم يظهر الأشياء المعنوية كنور البصائر، ~~ونور السراج يظهر المحسوسة كنور البصر، ولا ريب أن المحسوس أظهر من المعقول ~~من حيث هو معقول، فلذا شبه نوره صلى الله عليه وسلم لكونه معقولا بنور السراج ؛ ~~لكونه محسوسأ، فلا ينافي ذلك أن السراج دونه صلى الله عليه وسلم، بل لا نسبة، ~~ويمكن أنه من التشبيه المقلوب كما في قوله تعالى : أفمن يخلق كمن لا يخلق) ~~وإذا تقرر أن كمالات غيره المشبهة بالأضواء مستمدة من كماله الذي هو الضوء ~~الأعلى.. (ف) بسبب ذلك، (ما تصدر) أي :1لا] يبرز في الوجود ضوء ينشأ عن ~~ضوء أحد مطلقا (إلا) ضوؤك فأنت المخصوص بأنك الذي يبرز (عن ضوئك) ~~الذي أكرمك الله به (الأضواء) كلها، من الايات والمعجزات وسائر المزايا ~~والكرامات، وإن تأخر وجودك عن وجود الأنبياء؛ لأن نور نبوتك متقدم عليهم ، بل ~~وعلى جميع المخلوقات، وشاهده: حديث عبد الرزاق بسنده عن جابر رضي الله ~~عنه : يا رسول الله ؛ أخبرني عن أول شيء خلقه الله قبل الأشياء، قال "يا جابر ؛ ~~إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره ، فجعل ذلك النور يدور بالقذرة حيث ~~شاء الله تعالى ، ولم يكن في ذلك الوفت لوح ولا قلم ، ولا جنة ولا ناد، ولا ملك ~~ولاسماة، ولا أزض ولا شفين ولا قمر ، ولا جني ولا إنسي، فلما أراد الله تعالى أن ~~يخلق الخلق.. قسم ذلك النور أزبعة أجزاء، فخلق من الجزء الأول القلم ، ومن ~~الجزء الثاني اللوح ، ومن الثالث العزش ، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء ، فخلق ~~(1) أخرجه البخاري (71)، وأحمد (101/4) ~~(2) اخرجه أحمد (338/3)، وأبو يعلى (2135). # (3) اخرجه مسلم (195)، قال الامام النووي رحمه الله : (ويجوز عند أهل العربية بناؤهما على ~~الضم.) ثم قال : (وقد أفادني هذا الحرف الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن أمية، ~~أدام الله تعمه عليه، وقال: الفتح صحيح، وتكون الكلمة مؤكدة كشذر مذر وشغر بغر ~~وسقطوا بين بين، فركبهما وبناهما على الفتح) . اهمن 8 شرح مسلم " (21/3) PageV00P027 ~~============================================================ ~~من الأول الشماوات ms025 ، ومن الثاني الأرضين، ومن الثالث الجنة والنار، تم قسم ~~الجزء الرابع أزبعة اخزاء ، فخلق من الأول نور أبصار آلمؤمنين ، ومن الثاني نور ~~قلوبهم، وهي المغرفة بألله، ومن ألثالث نور أنسهم، وهو التوحيد : لا إلله ~~إلا الله، محمد رسول الله . .." الحديث. # وصح حديث : " أول ما خلق الله القلم "(1) ، وجاء بأسانيد متعددة : " إن ألماء ~~لم يخلق شيء قبله" ولا ينافيان ما في الأول في نور نبينا؛ لأن الأولية في غيره ~~بية وفيه حقيقية، فلا تعارض ~~وفي حديث عند ابن القطان : " كنث نورا بين يدي رئي قبل خلق آدم بأزبعة عشر ~~ألف عام 8 ، وفي الخبر : " لما خلق الله تعالى آدم .. جعل ذلك النور في ظهره ، ~~فكان يلمع في جبهته فيغلب على سائر نوره.. . " الحديث. # وصح خبر : متى كنت أو كتبت نبيا ؟ قال : 9 وآدم بين الروح وآلجسد "(2). # وليس المراد من ذلك التقدير؛ لأن غيره كذلك، بل الإشارة إلى كون روحه العلية ~~ثبت لها ذلك الوصف دون غيرها في عالم الأرواح ؛ إذ ورد : أن الأرواح خلقت قبل ~~الأجساد بآلفي عام(2). # وفي حديث عبد الرزاق السابق تأييد لما قيل: إن الله تعالى لما خلق نور نبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم.. أمره أن ينظر إلى نور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فغشيهم ~~من نوره ما أنطقهم الله به، وقالوا : يا ربنا؛ من الذي غشينا نوره ؟ فقال : (هذذا نور ~~محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، إن آمنتم به.. جعلتكم أنبياء، فقالوا : آمنا به ~~وبنبوته) فقال الله تعالى : (أشهد عليكم) قالوا : نعم ، فذلك قوله تعالى: { وإذأخذ ~~الله ميثلق النبيين لمآء اتيشكم ون كتلي وحكمة إلى قوله : { من الشكهرين} ~~وفي هلذه الآية - كما قاله التقي السبكي- من التنويه بقدره العلي ما لا يخفي ~~وفيها- مع ذلك- أنه على تقدير مجيئه يكون مرسلأ إليهم وإلى أممهم، فتكون رسالته ~~(1) اخرجه أحمد (5/ 317)، وأبو داوود (4668)، والترمذي (3319) ~~(2) أخرجه أحمد (66/4)، والترمذي (3609)، والطبراني في * الكبير" (93/12). # (3) ذكره الديلمي في " الفردوس* (187/2) PageV00P028 ~~============================================================ ~~عامة لجميع الخلق، فهو نبي الأنبياء، ولذا كانوا كلهم يوم القيامة تحت لوائه ~~صلى ms026 الله عليه وسلم ~~واستعارة (المصباح) للفضل المبني على تشبيهه ببيت واسع يحتاج الناس إلى ~~دخوله، و(سراج) فيه استعارة بالكناية تتبعها استعارة تخييلية، واستعارة السراج ~~الذي يستمد منه الأضواء لنبينا صلى الله عليه وسلم؛ لأنه الذي يستمد منه الكمالات ~~بأسرها، وآثره على القمرين؛ لأنه يستمد منه الأضواء بسهولة، وتخلفه فروعه فتبقى ~~بعده ، والضوء الذي هو أعلى من النور بدليل : جعل الشمس ضيله والقمر نورا} ~~لصفات الكمال استعارة مصرحة، بجامع أن كلأ من الضوءين المعقول والحسي يهدي ~~إلى المقصود، وأيضا الكمالات الدينية تنور الظاهر والباطن. # لك ذاث العلوم من عالم الغي ب ومنها لآدم الأشماء ~~(لك) لا لغيرك (ذات) أصلها مؤنث ذو المقتضية لموصوف، واللازمة للإضافة ~~غالبأ، كرجل ذي مال، ثم استعملوها استعمال الأسماء المستقلة بمعنى فقالوا : ذات ~~قديمة، ونسبوا للفظها فقالوا : ذاتي، وقد تستعمل بمعنى نفس الشيء وحقيقته كما ~~هنا، وكما في قول خبيب رضي الله عنه : (وذلك في ذات الإلكه) ~~(العلوم) جمع علم، وهو هنا : صفة يتجلي بها المذكور لمن قامت به انجلاء ~~تاما، أو الادراك الجازم الذي لا يحتمل النقيض، وحد بحدود أخرى كلها مدخولة ~~أيضا، وترادفه المعرفة، لكن لا يقال لله: عارف؛ لأنها تستدعي سبق جهل، ~~بخلاف العلم واليقين، لكن فرق بينهما بعض المحققين بأن اليقين خاص بما من شأته ~~أن يتطرق إليه شك، فلا يقال : تيقنت أن الواحد نصف الاثنين ~~وقال الراغب : (اليقين من صفة العلم فوق المعرفة والدراية وأخواتها، يقال : ~~علم يقين، ولا يقال: معرفة يقين، وهو سكون النفس مع ثبات الحكم)(1) ~~(1) مفردات ألفاظ القرآن (ص 892) ~~ي ~~سرى راهت PageV00P029 ~~============================================================ ~~حال كونها(1) واصلة إليك على لسان الملك ، أو بالإلقاء في الروع ، أو بخلق ~~العلم الضروري، أو بسماع الكلام النفسي: ~~(من) فيض (عالم الغيب) مصدر وصف به للمبالغة بمعنى اسم الفاعل؛ آي: ~~الغائب، وهو ما لم يشاهد، للكن بالنسبة إلينا، وأما بالنسبة إليه تعالى فالكل من ~~عالم الشهادة، لا المفعول ؛ أي : المغيب، خلافا لمن زعمه ؛ لأن غاب لازم، ~~وخص بالذكر على حد قوله تعالى: { عللم الغيب فلا يظهر ms027 على غيبهه أمدا...) ~~الآية؛ لأن العلم به أفخم وأظهر، ولأن اكثر علوم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~تتعلق بالمغيبات ، بدليل : " فعلمت علم الأولين والاخرين " في الحديث المشهور، ~~ولأنه تعالى اختص به، لكن من حيث الإحاطة والشمول؛ لعلمه بالكليات ~~والجزئيات، فلا ينافي ذلك إطلاع الله تعالى لبعض خواصه على كثير من المغيبات ~~حتى من الخمس التي قال فيهن صلى الله عليه وسلم : في خمسي لا يغلمهن إلا آلله ~~تعالى"(2) لأنها جزئيات معدودات لا غير، وإنكار المعتزلة لذلك مكابرة، فقد وقع ~~للأنبياء والأولياء من ذلك ما لا يمكن عده، لا سيما ما وقع لنبينا صلى الله عليه ~~وسلم، وسيأتي بسط جملة مما أخبر به صلى الله عليه وسلم من المغيبات في شرح ~~قوله: ~~. وكم أخ رج خبهأله الغيوب خباء ~~وجملة مما يتعلق بإنكار المعتزلة أواخر الكتاب: ~~(ومنها) أي: العلوم بمعنى المعلومات، وهو متعلق بالأسماء (لآدم) أبي البشر ~~صلى الله عليه وسلم، وأصله: أأدم، لكنهم لينوا الثانية تخفيفا، وجعلوها في ~~التصغير واوآ نظرا لتليينها ، من الأدمة بالسكون أو الفتح، أو من أديم الأرض كما صح ~~(1) اي : العلوم. # (2) أخرجه البخاري (50) ، ومسلم (9)، وابن ماجه (64)، وأحمد (354/5) ~~(3) أخرجه الحاكم (380/2) PageV00P030 ~~============================================================ ~~يقارب السواد، ومن قال: يشبه التراب، واستشكل بما ورد من براعة جماله، وأن ~~يوسف صلى الله عليه وسلم كان على الثلث من جماله صلى الله عليه وسلم، وقد ~~يجاب بأن الجمال لا ينافي السمرة؛ لأنها بين البياض والحمرة: ~~قيل: اشتقاقه مما ذكر يؤيد القول بأنه عربي، وبه صرح الجواليقي وغيره (1)، ~~ورد بأن توافق اللغتين غير منكر، وبأنه لا دليل على أن الاشتقاق من خواص كلام ~~العرب ~~وأجيب بأن الأصل عدم التوافق، وبأن الوجه أن الاشتقاق خاص بكلام العرب، ~~فقد أطبقوا على التفرقة بين اللفظ العربي والعجمي بصحة الاشتقاق، وصح خبر: أن ~~آدم كان يتكلم بكل لسان ، وللكن الغالب أنه كان يتكلم بالسرياني ~~(الأسماء): مبتدأ مؤخر جمع اسم، وهو هنا: ما دل على معنى، فيشمل ~~الفعل والحرف أيضا، واحتاج الناظم إلى هذذا التفصيل مع العلم به ms028 مما قبله ؛ لأن آدم ~~ميزه الله على الملائكة بالعلوم التي علمها له وكانت سببأ لأمرهم بالسجود والخضوع له ~~بعد استعلاثهم عليه بذمه ومدحهم لأنفسهم بقولهم: أتجعل فيها.. إلخ، فربما ~~يتوهم أن هلذه المرتبة الباهرة لم تحصل لتبينا؛ إذ قد يوجد في المفضول ما ليس في ~~الفاضل، فرد ذلك التوهم ببيان أن آدم لم يحصل له من العلوم إلا مجرد العلم ~~بأسمائها ~~وأن الحاصل لنبينا صلى الله عليه وسلم هو العلم بحقائقها ومسمياتها، ولا ريب ~~أن العلم بهذا أعلى وأجل من العلم بمجرد أسمائها؛ لأنها إنما يؤتى بها لتبيين ~~المسميات، فهي المقصودة بالذات، وتلك بالوسيلة، وشتان ما بينهما، ونظير ~~ذلك: أن المقصود من خلق آدم إنما هو خلق نبينا صلى الله عليه وسلم من صلبه، فهو ~~المقصود بطريق الذات، وآدم بطريق الوسيلة، ومن ثم قال بعض المحققين: إنما ~~سجد الملائكة لادم لأجل نور محمد صلى الله عليه وسلم الذي في جبهته. # ثم ما سلكه الناظم من أن آدم إنما علم - أي : بإحدى الطرق السابقة آنفا - الأسماء ~~فقط؛ أي: الألفاظ الموضوعة بإزاء الأعيان والمعاني.. هو الوارد عن ابن عباس ~~(1) نقل ذلك الإمام النووي رحمه الله في " تهذيب الأسماء واللغات " (96/1) PageV00P031 ~~============================================================ ~~رضي الله عنهما، وعليه فقيل: علم الأسماء الموضوعة بكل لغة وعلمها أولاده، ~~فلما افترقوا في البلاد وكثروا.. اقتصر كل قوم على لغة، وهلذا يقوي ما هو الأصح ~~في الأصول : أن اللغات كلها توقيفية. # وقيل: إنما علم لغة واحدة؛ لأن الحاجة لم تدع إلا إليها، وأما بقية اللغات.. # فبالتواضع. # ويقابل ما سلكه الناظم قولان : ~~أحدهما : أنه إنما علم مدلولاتها؛ لأن المزية في العلم إنما تحصل بمعرفة مقاصد ~~المخلوقات ومنافعها، لا بمعرفة أن أسماءها كذا وكذا ~~قال بعض المحققين : وهلذا وإن قرب من المعنى.. فهو بعيد من اللفظ؛ أي : ~~لأن قوله تعالى : بأشماء هؤلاء وما بعده.. ظاهر أو صريح في الأسماء فقط : ~~ومعنى:ثم عرضهم أي : الأعيان ؛ لأنها التي تعرض دون الأسماء.. أنها ~~أبرزت إليهم ليخبروا بأسمائها، فلا تأييد فيه لكون المعلم المسميات، خلافا لمن ms029 ~~ثانيهما- وهو الذي سلكه صاحب " الكشاف - : أنه علم الأمرين معا؛ جمعا بين ~~مقتضى اللفظ والمعنى (1). # ولما ذكر شرف ذاته وترقيه صلى الله عليه وسلم بما يبهر العقول.. انتقل إلى ذكر ~~شرف نسبه كذلك ، فقال مستأنفا: ~~دله ~~لم تزل في ضمائر الكون تختا ولك الأئهاث والآباء ~~~~(لم تزل) حال كونك (في ضمائر الكون) أي: الوجود، وضمائره: مستوراته ~~الخفية من الأصلاب والأرحام (تختار) أي : تصطفى (لك الأمهات) جمع أم، ~~(1) عبارته في "الكشاف" (155/1) : (فإن قلت : فما معنى تعليمه آسماء المسميات؟. # قلت: أراه الأجناس التي خلقها، وعلمه أن هذا اسمه فرس، وهذا اسمه بعير، وهذا ~~اسمه كذا، وهذا اسمه كذا، وعلمه أحوالها وما يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية) PageV00P032 ~~============================================================ ~~وهي: الوالدة وإن علت، وأصلها: أمهة، لجمعها على أمهات، قيل: أمهات ~~للادميات، وأمات لغيرهن (والآباء) جمع أب، وأصله: أبو- بالتحريك- حذفت ~~واوه تخفيفا؛ أي : كما طابت ذاتك بما أوتيته من الكمال الأعلى.. كذلك طاب ~~نسبك، فلم يكن في أمهاتك من لدن حواء إلى أمك آمنة، ولا في آبائك من لدن آدم ~~إلى أبيك عبد الله إلا من هو مصطفى مختار، وشاهد ذلك حديث البخاري : بعثت ~~من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا ، حتى كنت من القرن الذي كنت منه "(1) ، وحديث ~~مسلم : " إن الله أضطفى كنانة من ولد إشماعيل ، وأصطفى قريشا من كنانة ، ~~وأصطفى من قريي بني هاشم، وأضطفايي من بني هاشم"(2) ، وحديث الترمذي ~~بسند حسن : 8 إن الله خلق الخلق فجعلني من خير فرقهم ، ثم تخير القبائل فجعلني ~~في خير قبيلة، ثم تخير البيوت فجعلني في خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسا - أي: ~~روحا وذاتا - وخيرهم بيتا"(3) أي : أصلا ، وحديث الطبراني : " إن ألله أختار الخلق ~~فآختار منهم بني آدم ، ثم اختار من بني آدم فآختار منهم العرب، ثم اختارني من ~~العرب، فلم أزل خيارا من خيار، ألا من أحب العرب.. فبحبي أحبهم ، ومن أبنغض ~~العرب.. فببغضي أبغضهم "(4). # واعلم : أن آدم أولد حواء أربعين ولدا في عشرين بطنا، إلا شيئا وصيه فإنه ولد ~~منفردا كرامة لكون تبينا صلى الله ms030 عليه وسلم من نسله، ثم لما توفي، وصى بنيه ~~بوصية أبيه له : أن لا يضع هذذا النور - أي : الذي كان بجبهة آدم ثم انتقل إلى شيث - ~~إلا في المطهرات من النساء، ولم تزل هذذه الوصية معمولا بها في القرون الخالية إلى ~~أن وصل ذلك النور إلى جبهة عبد المطلب ثم ولده عبد الله، وطهر الله تعالى هذذا ~~النسب الشريف من سفاح الجاهلية كما ورد في الأحاديث، كحديث البيهقي في ~~" سننه" : 9 ما ولدني من سفاح الجاهلية شيء، ما ولدني إلأ نكاح الإسلام "(5) ~~(1) البخاري (3557). # (2) مسلم (2276) ~~(3) الترمذي (3607) ~~4) المعجم الأوسط (2187) ~~(5) السنن الكبرى (190/7) PageV00P033 ~~============================================================ ~~وسفاحهم- بكسر السين: زناهم، كانت المرأة منهم تسافح الرجل مدة ثم ~~يتزوجها ~~وروى ابن سعد وابن عساكر عن محمد بن السائب الكلبي عن آبيه قال : (كتبت ~~للنبي صلى الله عليه وسلم خمس مئة أم، فما وجدت فيهن سفاحا ولا شيئا مما كان في ~~أمر الجاهلية)(1). # . والطبراني وأبو نعيم وابن عساكر : " خرجت من نكاج ولم أخرج من سفاح من ~~(2) ~~لدن آدم إلن أن ولدني أبي وأمي ، لم يصبني من سفاح أهل الجاهلية شيء "(2) . # وابو نعيم : " لم يلتق أبواي قط علي سفاح، لم يزل الله ينقلني من الأضلاب ~~3 ~~الطيبة إلى الأزحام الطاهرة مصفى مهدبا لا يتشعب شعبتان إلأ كنث في خيرهما "(3) . # وابن مردويه : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم (لقد جاءكم رسول من ~~انفسكم) أي : بفتح الفاء ، وقال : " أنا أنفسكم نسبا وصفرا وحسبا ، ليس في آبائي ~~من لدن آدم سفاح ، كلنا نكاح "(4) . # تنبيه : لك أن تأخذ من كلام الناظم الذي علمت أن الأحاديث مصرحة به لفظا في ~~اكثره ، ومعنى في كله : أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم غير الأنبياء وأمهاته إلى آدم ~~وحواء.. ليس فيهم كافر؛ لأن الكافر لا يقال في حقه: إنه مختار ولا كريم ~~ولا طاهر، بل نجس، كما في آية: إنما المشركرب نجين}، وقد صرحت ~~الأحاديث السابقة بأنهم مختارون، وأن الاباء كرام والأمهات طاهرات، وأيضا فهم ~~إلى إسماعيل كانوا من أهل الفترة ، وهم في حكم المسلمين بنص ms031 الآية الآتية، وكذا ~~من بين كل رسولين ، وأيضا قال الله تعالى : { وتقليك فى السكجدين} على أحد التفاسير ~~(1) في السخ: (مثة أم)، والمثبت من " الطبقات الكبرى " (60/1)، و1 تاريخ دمشق" ~~.(403 13 ~~(2) المعجم الأوسط (4725)، ودلائل النبوة (65/1) وتاريخ دمشق (402/3) ~~(3) دلائل النبوة (16/1) ~~(4) ذكره السيوطي في " الدر المنثور" (327/4)، وقوله : (بفتح الفاء) قرأها هنكذا ابن ~~عباس، وأبو العالية، والضحاك، وابن محيصن، ومحبوب عن أبي عمرو، وعبد الله بن ~~قسيط المكي، ويعقوب من بعض طرقه. انظر " البحر المحيط " لأبي حيان (118/5) PageV00P034 ~~============================================================ ~~فيه أن المراد : تنقل نوره من ساجد إلى ساجد، وحينئذ فهذا صريح في آن أبوي النبي ~~صلى الله عليه وسلم آمنة وعبد الله من أهل الجنة ؛ لأنهما أقرب المختارين له صلى الله ~~عليه وسلم، وهذا هو الحق، بل في حديث صححه غير واحد من الحفاظ ولم ~~يلتفتوا لمن طعن فيه : آن الله تعالى أحياهما له فآمنا به، خصوصية لهما وكرامة له ~~صلى الله عليه وسلم(1). # فقول ابن دحية : (يرده القرآن والإجماع).. ليس في محله ؛ لأن ذلك ممكن ~~شرعا وعقلا على جهة الكرامة والخصوصية، فلا يرده قرآن ولا إجماع، وكون ~~الايمان به لا ينفع بعد الموت محله في غير الخصوصية والكرامة: ~~و قد صح آنه صلى الله عليه وسلم ردت عليه الشمس بعد مغيبها، فعاد الوقت حتى ~~صلى علي رضي الله عنه العصر أداء كرامة له صلى الله عليه وسلم، فكذا هنا، وطعن ~~بعضهم في صحة هذا بما لا يجدي أيضل(2). # وخبر : أنه تعالى لم يأذن لنبيه صلى الله عليه وسلم في الاستغفار لأمه (3) إما كان ~~قبل إحيائها له وإيمانها به، أو أن المصلحة اقتضت تأخير الاستغفار لها عن ذلك ~~الوقت، فلم يؤذن له فيه حينثذ ~~فإن قلت : إذا قررتم أنهما من أهل الفترة وأنهم لا يعذبون. . فما فائدة الإحياء ؟ # قلت : فائدته: إتحافهما بكمال لم يحصل لأهل الفترة، لأن غاية أمرهم أنهم ~~الحقوا بالمسلمين في مجرد السلامة من العقاب، وأما مراتب الثواب العلية. فهم ~~بمعزل عنها، فأتحفا بمرتبة الايمان زيادة في شرف ms032 كمالهما بحصول تلك المراتب ~~لهما، وفي هذا مزيد ذكرته في "الفتاوى". # ولا يرد على الناظم آزر، فإنه كافر مع أن الله تعالى ذكر في كتابه العزيز آنه أبو ~~ابراهيم صلى الله عليه وسلم ، وذلك لأن أهل الكتابين أجمعوا على أنه لم يكن أباه ~~حقيقة، وإنما كان عمه والعرب تسمي العم أبا، بل في القرآن ذلك، قال الله تعالى : ~~(1) انظر الحاوي للفتاوي " للسيوطي (230/2). # (2) انظر " الحاوي للفتاوي " للسيوطي (369/1). # (3) اخرجه مسلم (976)، وابن حبان (5390) ، وأحمد (355/5) PageV00P035 ~~============================================================ ~~وإلكه ءابايك اترهه وإشمعيل} مع أنه عم يعقوب ، بل لو لم يجمعوا على ذلك.. # وجب تأويله بهذا جمعا بين الأحاديث، وأما من أخذ بظاهره كالبيضاوي وغيره.. # فقد تساهل واستروح. # وحديث مسلم: قال رجل: يا رسول الله ؛ أين أبي؟ قال : " في النار" فلما قفا.. # دعاه فقال : " إن أبي وأباك في النار"(1). . يتعين تأويله ، وأظهر تأويل له عندي : أنه ~~أراد بأبيه عمه أبا طالب ؛ لما تقرر: أن العرب تسمي العم أبا، وقرينة المجاز فيه الآية ~~الاتية الشاهدة بخلافه (2) على أصح محاملها عند أهل السنة، وأن عمه هو الذي كفله ~~بعد جده عبد المطلب، أو أنه إنما قصد بذلك أن يطيب خاطر ذلك الرجل خشية أن ~~يرتد ؛ لوقوع سمعه أولا أن أباه في النار ، بدليل أنه إنما قال له بعد أن ولى ، أو كان ~~ذلك قبل أن ينزل عليه : وما كتا معذيين حقى نبعت رشولا}، كما وقع له أنه سثل عن ~~أطفال المشركين فقال : 1هم مع آبائهم "(4) ثم سئل عنهم فذكر أنهم في الجنة (4). # وأما قول النووى رحمه الله تعالى في حديث مسلم : (إن من مات في الفترة على ~~ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان.. فهو في النار، وليس في هذا مؤاخذة قبل ~~بلوغ الدعوة؛ فإن هلؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره عليه الصلاة والسلام) ~~ه(5). فبعيد جدا؛ للاتفاق على أن إيراهيم ومن بعده لم يرسلوا للعرب، ورسالة ~~اسماعيل إليهم انتهت بموته؛ إذ لم يعلم لغير نبينا صلى الله عليه وسلم عموم بعثه بعد ~~الموت، وقد يؤول ms033 كلامه بحمله على عباد الأوثان الذين ورد فيهم آنهم في النار، ~~وبهذا يرد كلام الفخر الرازي القريب من كلام النووي: ~~ثم رأيت الأبي شارح " مسلم " بالغ في الرد على النووي بأن كلامه متناف ، لحكمه ~~بأنهم أهل فترة وبأن الدعوة بلغتهم ، ومن بلغتهم الدعوة ليسوا أهل فترة؛ لأنهم الأمم ~~(1) مسلم (203): ~~(2) أي : بخلاف حديث : " إن أبي وأباك في النار". # (3) اخرجه أحمد (84/6). # (4) في حديث اخرجه الطبراني في " الكبير" (244/7) عن سمرة بن جندب قال: سألنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أطفال المشركين فقال : "هم خدم أهل الجنة 0 ~~5) شرح صحيح مسلم (79/3) PageV00P036 ~~============================================================ ~~الكائنة بين أزمنة الرسل الذين لم يرسل إليهم الأول ولا أدركوا الثاني، ثم قال : ~~(ولما دلت القواطع على أنه لا تعذيب حتى تقوم الحجة.. علمنا أن أهل الفترة غير ~~معذبين) اهوهو موافق لما ذكرته. # وما أحسن قول بعض المتوقفين في هلذه المسألة : (الحذر الحذر من ذكرهما ~~بنقص، فإن ذلك قد يؤذيه صلى الله عليه وسلم؛ لحديث الطبراني : "لأ تؤذوا ~~الأخياء بسب الأموات ") اه(1) ~~وأما الذين صح تعذيبهم مع كونهم من أهل الفترة.. فلا يردون نقضأ على ما عليه ~~الأشاعرة من أهل الكلام والأصول، والشافعية من الفقهاء : أن أهل الفترة ~~لا يعذبون، وسبب ذلك : أننا عهدنا في الغلام الذي قتله الخضر آنه حكم بكفره مع ~~صباه؛ لأمر يعلمه الله وحده، فكذا هلؤلاء يحكم بكفرهم بخصوصهم وإن لم تبلغهم ~~الدعوة؛ لأمر يعلمه الله ورسوله، فلا يرد هلؤلاء نقضأ على ما استفيد من الاية ومشى ~~عليه أولئك الأئمة أن أهل الفترة لا يعذبون ، وهذذا الذي ذكرته في الجواب أولى من ~~الجواب بأن أحاديثهم أخبار آحاد، فلا تعارض القطع بأن أهل الفترة لا يعذبون، أو ~~بأن التعذيب المذكور في الأحاديث مقصور على من بدل وغير من أهل الفترة بما ~~لا يعذر به كعبادة الأوثان وتغيير الشرائع، وكأن قائل هذا ممن يرى وجوب الإيمان ~~بالعقل، والذي عليه اكثر أهل السنة والجماعة أنه لا يجب توحيد ولا غيره إلا بعد ~~ارسال الرسل إليهم، ومن ms034 المقرر: أن العرب لم يرسل إليهم رسول بعد إسماعيل ~~صلى الله عليه وسلم، وأن إسماعيل انتهت رسالته بموته، فلا فرق بين من غير وبدل ~~وغيره ما عدا من صح تعذيبه فيقصر ذلك عليه؛ لأنه لا قياس في ذلك ~~وقول أبي حيان : إن الرافضة هم القائلون : إن آباء النبي صلى الله عليه وسلم ~~مؤمنون غير معذبين مستدلين بقوله تعالى : وتقلبك فى السلجدين} (2). . فلك رده بأن ~~() المعجم الأوسط (4277) ~~(2) البحر المحيط (47/7) PageV00P037 ~~============================================================ ~~معذبين ؟! فنسبة ذلك للرافضة وحدهم مع أن هؤلاء الذين هم أئمة أهل السنة قائلون ~~به.. قصور آي قصور؟ وتساهل أي تساهل؟ # .. ا گ ~~ما مضث فتره من الؤشل إلا بشرث قسؤمها بك الأنبياء ~~(ما مضت فترة) وهي: ما بين موت الرسول وبعثة الرسول الذي يليه، كما بين ~~ع ونبينا صلى الله عليه وسلم، واختلفوا في قدرها، والمشهور: آنها تحو ست ~~مئة سنة؛ أي: زمن خال (من الرسل) جمع رسول، وقد مر تعريفه أول الكتاب؛ ~~أي: ما مضى زمن خال من الرسل نسي فيه ذكرك (إلا) جددته و(بشرت) من ~~البشارة وهي : الخبر السار (قومها) ليس فيه إضمار قبل الذكر؛ لأن مرجع الضمير ~~الفاعل وهو متقدم الرتبة وإن تأخر لفظه، على آنه يحتمل - على بعد- أن الضمير ~~للفترة؛ أي : إلا بشرت الأقوام الكائنين في تلك الفترة (بك) أي : بقرب بعثتك ~~وباهر رسالتك وعظمتك (الأنبياء) أي: الرسل الذين أتوا بعد تلك الفترة، وفي ~~هذذا استدلال واضح على كمال شرفه صلى الله عليه وسلم ورفعته على ألسنة الرسل، ~~وأنه نبي الأنبياء المقدم عليهم التابعون له هم وأممهم، وشاهد ذلك قول الله تعالى عن ~~عيسى صلى الله عليه وسلم : ومبشرا برسول يأتى من بعدى آسمهه أحمد ومن ثم قال صلى الله ~~عليه وسلم : " أنا دغوة أبي إيراهيم - أي : في آية : { ربنا وآبعث فيهم رسولاتنهم}،- ~~وبشارة عيسى"(1)، وقوله تعالى : وإذ أخذ الله ميكق النبيعن} أي : وأممهم ، ~~وحذف استغناء بذكر المتبوعين عن ذكر الأتباع لما} مفتوحة توطئة للقسم الذي ~~تضمنه أخذ الميثاق، ولتومنن سد مسد جوابه وجواب ما الشرطية، ومكسورة؛ ms035 ~~أي : لأجل ما { "اتيشكم من كتلب وحكمة ثر جاء كم رسول مصدق لما معكم} أي : ~~وهو محمد صلى الله عليه وسلم لتؤمنن بو ولتنصرنه. الآية. # وقد اختلف المفسرون فيها، والذي قاله علي واين عباس رضي الله عنهم ~~(1) أخرجه ابن حبان (6404)، والحاكم (600/2)، وأحمد (127/4)، والبيهقي في ~~0الشعب "(1385)، والطبراني في الكبير"(252/18) ~~104 PageV00P038 ~~============================================================ ~~وتبعهما الحسن وطاووس وقتادة رحمهم الله .. أنه تعالى أخذ على كل نبي بعثه من لدن ~~آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه (1)، ~~ويلزم من هنذا أن الأنبياء كانوا يأخذون الميثاق من أممهم بأنهم إن أدركوا محمدا ~~صلى الله عليه وسلم.. آمنوا به ونصروه، ودعوى أن هذا هو معنى الاية دون ~~الأول.. مردودة، ولا ينافي الأول العلم بأن الأنبياء لا يدركون حياته صلى الله عليه ~~وسلم، ولا الحكم في آخر الاية بالفسق على من تولى عن ذلك ؛ لأن التعليق في مثل ~~ذلك لا يستلزم الوقوع ، ألا ترى إلى قوله تعالى : لين أشركت لحبطن عملك}، ولو ~~لقول علينا بعض الأقاويل * لآخذنا منه باليمين} ؟ فالمقصود أنه لو فرض أنه بعث وهم ~~أحياء.. لزمهم ذلك، كما أن القصد من هاتين الايتين الفرض والتقدير أيضا، ومن ثم ~~قال الإمام التقي السبكي : دلت الآية على أنهم لو أدركوا زمنه. . كان مرسلا إليهم ، ~~فتكون نبوته ورسالته عامة لجميع الخلق الأنبياء وأممهم من لدن آدم إلى قيام الساعة ~~وحيئذ يدخلون في قوله : " وأزسلت إلى الناس كافة "(2). # وحكمة أخذ هلذا الميثاق على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إعلامهم وأممهم بأنه ~~المقدم عليهم، وأنه صلى الله عليه وسلم نبيهم ورسولهم، وقد ظهر ذلك في الدنيا ~~بكونه آمهم ليلة الإسراء، ويظهر في الاخرة بأنهم كلهم تحت لوائه، بل وفي آخر ~~الزمان يكون عيسى عليه الصلاة والسلام ينزل حاكما بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ~~دون شريعة نفسه ~~ثم بين الناظم فضل بعض تلك البشارات في تلك الفترات فقال : ~~تتباهى بك العصور وتشمو بك علياء بغدها علياء ~~(تتباهى) أي: تفتخر (بك) أي: بوجودك (العصور) ms036 أي: الأزمنة الطويلة ~~من لدن آدم إلى يوم القيامة وما بعده، فكل عصر يفتخر على العصر الذي قبله؛ ~~(1) أخرج ذلك الطبري في " تفسيره " (236/3). # (2) أخرجه البخاري (438)، ومسلم (523) والترمذي (1553) PageV00P039 ~~============================================================ ~~لوجودك فيه بكمال أعلى مما قبله ولو في ضمن آبائك، لكن أعظمها افتخارا عصر ~~بروزك إلى هذا العالم، ثم عصر نشأتك، ثم عصر رضاعك، فشق بطنك، فتعبدك ~~بحراء وغيره، ثم عصر نبوتك، ثم عصر رسالتك، ثم عصر دعائك الخلق إلى الله ~~عالى، ثم عصر اقبالهم عليك ثم عصر معراجك، ثم عصر هجرتك، ثم عصر ~~سراياك ثم عصر جهادك، ثم عصر بعوثك، ثم عصر فتوحك، ثم عصر دخول الناس ~~في دين الله أفواجا، ثم عصر حجك، ثم عصر أتباعك على تفاوتهم إلى قيام الساعة، ~~كما دل عليه الحديث المشهور : " لا تزال طائفة من أمتي "(1) فمزاياه تتزايد في كل ~~ع صر من أعصار حياته صلى الله عليه وسلم على ما قبله، وبحسب ذلك يكون افتخار ~~ذلك العصر على غيره، وكذلك عصور أتباعه تتفاوت بتفاوت مزاياهم المستمدة من ~~مزاياه، وأعمالهم المتضاعفة له تضاعفا يفوق الحصر؛ لأن كل عامل يتضاعف له ~~صلى الله عليه وسلم بحسب عمله، وكذلك كل واسطة بينه وبينه؛ لأنه الدال للكل، ~~اا و من دل على خير.. فله مثل آجر فاعله بكل حال، يتضاعف له بحسب تضاعف من ~~بعده، ويتضاعف للنبي صلى الله عليه وسلم تضاعف الجميع، وهنذا شيء يقصر عن ~~ادراك كثرته العقل: ~~تم عصر مقامه المحمود وشفاعته العظمى في فصل القضاء، ثم عصر بقية ~~شفاعاته، ثم عصر حوضه، ثم عصر وسيلته وفضيلته التي يعطاها في الجنة مما ~~لا تدرك غايته ولا تحد نهايته، فكل هلذه العصور تفتخر به بحسب ما يقع فيها من ~~كماله؛ لأن الأزمنة والأمكنة تشرف بشرف من يكون فيها وما يكون فيها من المزايا ~~والكمالات. # ولذا قال بعضهم: إن ليلة مولده صلى الله عليه وسلم أفضل من ليلة القدر، وهو ~~صحيح لولا النص على خلافه، على أن ليلة القدر من خصوصياته، فتفضيلها إنما هو ~~لأجله أيضا: ~~ر ms037 وسو) آي: تعلو وترتفع، من سموت وسميت، كعلوت وعليت (بك) ~~(1) اخرجه البخاري (7311)، ومسلم (156)، وأبو داوود (2476)، والترمذي ~~(2192)، وابن ماجه (6). PageV00P040 # ============================================================ ~~أي : بتلبسها بك مرتبة (علياء) تأنيث الأعلى (بعدها) في الزمان والعلو مرتبة أخرى ~~(علياء) أي: أعلى منها؛ أي: لك في كل عصر من العصور المذكورة مرتبة أعلى ~~مما قبلها وأعلى منها ما بعدها، وهكذا إلى ما لا نهاية له، ودليل تفاوت مراتبه كما ~~ذكر قوله تعالى : وقل رب زدنى علما}، ولا شك أن علومه ومعارفه متزايدة متفاوتة ~~الى ما لا نهاية له ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " إنه ليغان على قلبي فأشتغفر ألله"(1) ~~قال العارف القطب أبو الحسن الشاذلي : (هلذا غين أنوار لا غين أغيار) أي : لأنه ~~صلى الله عليه وسلم كان دائم الترقي، فكان كلما توالت أنوار العلوم والمعارف على ~~قلبه.. ارتقى إلى مرتبة أعلى مما هو فيها، ورأى أن ما قبلها دونها، فيستغفر الله ~~تواضعا طلبا لتزايد كماله. # وفي قول الناظم : (وتسمو...) إلخ من المدح ما لا يخفى عظيم وقعه ؛ لأنه ~~جعل تلك المراتب هي التي تسمو وترتفع به، ولم يجر على ما هو المتبادر أنه الذي ~~يسمو ويرتفع بها؛ لما هو الحق: أنه تعالى خلقه في عالم الأمر على اكمل كمال ~~يمكن (2) أن يوجد لمخلوق، ثم أبرزه في عالم الخلق بقدر متدرجا في تلك المراتب ، ~~فتتشرف به لا يتشرف هو بها؛ لما علمت أنه كامل قبلها، فتأمل ذلك فإنه دقيق غفل ~~عنه الشارح ~~وبدا للوجود منك كريم من كريم آباؤه كرماء ~~(وبدا) أي: ظهر (للوجود) أي : لهذا العالم (منك كريم) أي : سالم من كل ~~صفة نقص، جامع لكل صفة كمال، وهذذا أحد أنواع التجريد الذي هو من أدق أنواع ~~البديع ، وهو - أعني التجريد - : أن ينتزع من أمر ذي صفة أمر آخر مماثل لذلك الأمر ~~في تلك الصفة، مبالغة لكمالها في ذلك الأمر، حتى كأنه بلغ من الاتصاف بتلك ~~الصفة إلى حيث يصح أن ينتزع منه موصوف آخر بتلك الصفة، وهو أنواع : منها: ~~(1) آخرجه مسلم (2702)، وأبو داوود (1510)، وأحمد (211/4). # (2) في ms038 (د) : (لا يمكن). PageV00P041 # ============================================================ ~~ما يكون با من) التجريدية كما هنا، نحو قولهم : لي من فلان صديق حميم؛ أي: ~~قريب يهتم لأمره؛ أي : بلغ فلان من الصداقة حدا يصح معه أن يستخلص منه فلان ~~آخر مثله في الصداقة، فهو صلى الله عليه وسلم لكماله في صفة الكرم صح أن ينتزع ~~منه شخص كريم، مبالغة في صفة كرمه وكماله فيه، ثم ذلك الكريم الذي ظهر- وهو ~~محمد صلى الله عليه وسلم - وجد (من) أصل آب وأم (كريم) أي: سالم من نقص ~~الجاهلية، فالكريم هنا وفيما بعده غيره ثم، كما علم مما مر ويأتي، وهنذا ظاهر في ~~اسلام أبويه صلى الله عليه وسلم، ومر ما في ذلك (آباؤه) جميعهم - كما أفادته ~~الإضافة - من لدن آدم إليه صلى الله عليه وسلم، وأراد بالاباء : ما يشمل الأمهات ؛ ~~لما قدمه أن النوعين مختاران، والاختيار والكرم مآلهما واحد (كرماء) أي : سالمون ~~من سفاح الجاهلية وتقصهم ~~تنبيه: قال ابن دحية: أجمع العلماء - والاجماع حجة - على أنه صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا انتسب.. لم يجاوز عدنان، وفي ه مسند الفردوس " عن ابن عباس: ~~انه صلى الله عليه وسلم كان إذا انتسب.. لم يجاوز معد بن عدنان، ثم يمسك ~~ويقول : "كذب النسابون " للكن قال السهيلي : (الأصح : أن هلذا من قول ابن ~~مسعود)(1) قال غيره : (كان ابن مسعود إذا قرأ : { وآلذيب من بعدهم لا يعلمهم إلا ~~الله قال : كذب النسابون)(2) أي : لأنهم يدعون علم الأنساب وقد نفى الله ~~علمها عن العباد: ~~وعن ابن عباس : (بين إسماعيل وعدنان ثلاثون أبا لا يعرفون)(2) ومن ثم أنكر ~~مالك رضي الله تعالى عنه على من يرفع نسبه إلى آدم وقال : من أخبره بهلذا ؟! أي : ~~أن ذلك من كلام المؤرخين الذي لا دليل عليه ولا ثقة به ، مع ما فيه من التخليط ~~والتغيير وقلة الفائدة ~~(1) الروض الأنف (34/1) ~~(2) ذكره البغوي في " تفسيره "(3/ 27) ~~(3) ذكره البغوي في تفسيره *(27/3) PageV00P042 ~~============================================================ ~~نسب تخسب العلا بحلاه قلدتها نجومها الجؤزاء ~~هذذا (نسب) عظيم، بل لا أطهر ولا أجل منه في الأنساب، وهو: ms039 اسم لعمود ~~القرابة الذي يجمع متفرقها (تحسب) أيها المخاطب؛ آي: تظن (العلا) جمع علياء ~~تأنيث أعلى كما مر (بحلاه) - بضم أوله وكسره وهو أفصح- جمع حلية بكسر أوله؛ ~~أي: بسبب حلى ذلك النسب (قلدتها) - أي: العلا- في محل مفعول (تحسب) ~~الثاني، والأول (العلا)، (نجومها) أي : بنجومها (الجوزاء) اسم لبرج في ~~السماء كما في " القاموس"، وعليه فنجومه هي الاتية، وتطلق عرفا على النجوم ~~المجتمعة المعروفة، قيل: وهي تشبه المرآة، فلذا نسب التقليد إليها، وحينئذ ~~لا بدع أن ينسب إلى الشيء من حيث هو مجموع أنه قلد غيره كلأ من تلك الأفراد التي ~~اشتمل عليها، أو يقال: إن المراد بنجومها هنا : ما حواليها من النجوم التي تسمى: ~~نطاق الجوزاء ، وقبة الجوزاء، كما قال القائل: ~~(من البسيط) ~~لؤ لم تكن قبة الجوزاء خدمته لما رأيت عليها عقد منتطق ~~أي : من كمال هذا السب وشرفه آن من تأمل فيه حسب بسبب ما تحلى به من ~~الكمالات: أن معاليه قلدتها الجوزاء بنجومها؛ أي: جعلت نجومها قلادة لها، ~~فعلم : أن كلامه يفيد أن كل واحد من أولسئك الآباء الكرام قد ارتفع في زمانه حتى صار ~~كأنه النجم في الشرف وعلو المرتبة والإضاءة والاهتداء به في ظلمات البر والبحر، ~~حتى يظن الظان أنه نجم من نجوم الجوزاء، وأن ذلك النسب متناسب كتناسب العقد ~~وكاستدارة نجوم الجوزاء ، وأن مجموع هذا النسب كالعقد الثمين جدا الذي تقلده ~~عنق تلك المراتب العلية، فعلم من هلذا مع ما قدمته في مبحث الاستعارة ما في هذا ~~البيت من أنواعها البالغة الغاية في البلاغة، كاستعارة نجوم الجوزاء المتتابعة كتتابع ~~ذلك النسب في الشرف وعلو المرتبة: ~~ولما قرر آن مجموع ذلك النسب له كالعقد الثمين الذي تقلدته تلك المراتب ~~العلية.. أخذ في مدح ذلك فقال : PageV00P043 ~~============================================================ ~~ر11ا ره ~~حبذا عفد شؤده وفخار أنت فيه اليتيمة العضماء ~~(حبذا) هي كا نعم) عملأ ومعنى، مع زيادتها عليها باشعارها بأن الممدوح بها ~~محبوب للقلب، وأصله: حبب بالضم؛ آي: صار حبيبا، لا حبب بالفتح، ثم ~~أدغم فصار حب، والأصح: أن (ذا) ms040 فاعله، وتلزم الإفراد والتذكير وإن كان ~~المخصوص بخلاف ذلك ؛ لأنه كالمثل والأمثال لا تغير، أو لأن فيه حذفا تقديره في ~~نحو حبذا هند: حبذا حسنها، وحبذا زيد: حبذا أمره وشأنه، فالمقدر المشار إليه ~~مفرد مذكر دائما حذف وأقيم المضاف إليه مقامه، أو لأنه على إرادة جس شائع، ~~أقوال، والأكثرون على الأول . # وقيل: (حبذا) كله فعل، وفاعله المخصوص ~~وقيل: الكل اسم واحد، واختاره ابن عصفور(1)، فهو مرفوع اتفاقا، ثم هل هو ~~مبتدأ خبره المخصوص أو عكسه ؟ قولان: ~~وعلى آن (ذا) هو الفاعل والمخصوص مبتدأ. الجملة هي خبره، والرابط (ذا) ~~وقيل: مبتدأ محذوف الخبر، وقيل: عكسه، وكأنه قيل: من المحبوب؟ فقال: ~~زيد؛ آي: هو، وقيل: بدل من (ذا) وقيل: عطف بيان له، ولا يتقدم مخصوص ~~(حبذا) عليها وإن جاز تقديمه بقلة على (نعم) لأنها فرع عتها فلا تساويها في ~~تصرفاتها فيحذف بقلة، ويكون قبل المخصوص أو بعده نكرة منصوبة مطابقة، نحو: ~~حبذا الصبر شيمة، وحبذا رجلين الزيدان، ثم إن اشتق،. أعرب حالا، وإلا. فهو ~~تمييز على خلاف منتشر فيه، والناظم حذف هذا لدلالة المقام عليه، والتقدير: حبذا ~~كمالا. # وتدخل عليها (لا) فتساوي (بثس) في العمل والمعنى مع زيادة ما تقدم ضده في ~~(حبذا) وهي غير متصرفة فلا مصدر لها، ومن ثم عملت فيما عداه كالظرف والتمييز ~~(1) مغني اللبيب (725-724/2) PageV00P044 ~~============================================================ ~~والحال، وإن توقف أبو حيان في الأخيرين، وتجرود من (ذا) فيضم أولها، ويجوز ~~بقاء فتحه وجر فاعلها بالباء، ك: حب بها ~~وإنما أطلت في هذذه ؛ لأن كلام الشارح فيها غير موف بالمراد، مع أنه لا يخلو- ~~كالنظم في حذفه ما مر- من إيهام. فتأمله. # (عقد) بكسر أوله وهو : القلادة من الجوهر (سؤدد) أي: سيادة (وفخار) ~~أي: تمدح بالخصال الحميدة (أنت فيه) أي : في ذلك العقد ، وفي نسخ : (فيها) ~~نظرا إلى المعنى؛ لما تقرر : أن العقد القلادة (اليتيمة) أي : التي لا شبيه لها في ~~حسنها (العصماء) من العصمة؛ أي : الحفظ والمنع ؛ لأن من شأن هذه الدرة أن ~~يبالغ في حفظها ومنعها عن آن تصل إليها يد ms041 الأغيار. # وجملة: (أنت) وما بعده صفة ل( عقد) أو حال منه؛ لتخصيصه بالاضافة، ~~وهذا فيه غاية المدح له صلى الله عليه وسلم ولنسبه؛ أي : حبذا نسبك الذي إذا ~~ذكرت وعدت معك آباؤك.. كانوا قلادة منتظمة من جواهر ثمينة لها السيادة والفخار ~~على جميع الجواهر، وكنت أنت أعظمها وأنفسها وأعلاها، بحيث تكون آنت ~~واسطتها العديمة النظير، والمخصوصة من الرعاية والحفظ والمنع بما لم يوجد ~~لغيرها؛ لتميزها ببلوغها من صفات الجمال ونعوت الجلال ما يبهر العقل ويفوق ~~الوصف، وشاهد هذا ما مر من الأحاديث الصحيحة الصريحة في آنه صلى الله عليه ~~وسلم أفضل المخلوقين، والخليفة الأكبر عن رب العالمين: ~~ولما تمم مدح كماله ونسبه. . أخذ في مدح ذاته فقال : ~~ب ~~ومحيا كالشمس منك مضيء أشفرث عنه ليلة فراه ~~(و) حبذا أيضا (محيا) أي: وجه (كالشمس منك)، حال من (محيا) ~~(مضيء) مبتدأ خبره (كالشمس)، والجملة: صفة ل( محيا) أو حال منه؛ ~~لتصيصه بل منك) ~~وشاهد هذذا حديث البخاري: عن الؤبيع بنت معوذ: (لو رأيته. لقلت : ~~111 PageV00P045 ~~============================================================ ~~الشمس طالعة)، وحديث أحمد والترمذي والبيهقي وابن حبان: عن آبي هريرة ~~رضي الله تعالى عنه : (ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كأن ~~الشمس تجري في وجهه)(1) وحديث مسلم من حديث جابر بن سمرة وقال له قائل: ~~كان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل السيف، فقال : (لا، بل مثل الشمس ~~والقمر، وكان مستديرا)(2) بين بذلك الرد على من شبهه بالسيف في الطول، وأنه ~~جمع بين صفة الشمس من الإشراق والإضاءة، وصفة القمر من الحسن والملاحة، ~~وفي حديث علي عند الترمذي والبيهقي (لم يكن بالمطهم - أي : كمعظم: السمين ~~الفاحش السمن - ولا بالمكلثم - أي : المدور الوجه - كان في وجهه تدوير)(2) أي: ~~قليل، مع سهولة خديه، وهو أحلى ما يكون عند العرب. # وعلم مما تقرر: أنهم لم يقصدوا بالتشبيه بالشمس والقمر إلا ما ذكر لا مطلقا، ~~[من الوافر] ~~فاندفع ما توهم من عيب التشبيه بهما أخذا من قول أبي نواس: ~~تتيه الشنس والقمر المنير ms042 إذا قلنا كانهما الأميز ~~لأن الشمس تغرب حين تمسي وأن البذر ينقصه المسير(4 ~~نعم؛ قول ابن أبي هالة : (يتلألا وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر)(5).. ربما يفوق ~~التشبيه بالشمس من حيث إن القمر حينئذ يملأ نوره الأرض أحوج ما كانت إليه، ~~ويؤنس كل من شاهده، فهو مجمع النور من غير آذى، ويتمكن الناس من مشاهدته، ~~بخلاف الشمس، فإنها تغشي البصر وتمنع من تمكن الرؤية إليها. ولك أن تقول : ~~لا يفوقه ؛ لما علم مما قدمته : أن وجه الشبه مراعى، وحييذ فالتشبيه بالشمس مع ~~رعاية وجه الشبه بها أبلغ منه بالقمر ، قال تعالى : { هو الزى جعل الشمس ضياه والقمر ~~نورا}، وشتان ما بينهما. # (1) مسند أحمد (380/2)، والترمذي (3648)، دلائل النبوة (208/1)، ابن حبان ~~(1309 ~~(2) مسلم (2344) ~~(3) الترمذي (3638)، شعب الايمان (1415) ~~(4) ديوان أبي نواس (ص 422). # (5) أخرجه البيهقي في الشعب 2(1430)، والطبراني في * الكبير" (155/22). # 11 PageV00P046 ~~============================================================ ~~(أسفرت) صفة أو حال أيضا؛ أي: انحسرت وانقضت (عنه) أي: عن ذلك ~~المحيا، أو أضاءت متجاوزة عنه (ليلة) عظيمة (غراء) آي: بيضاء بظهور نوره فيها ~~وعقبها، وهذا أولى من جعل ذلك لظهور القمر فيها بناء على أنها ليلة ثاني عشر، أو ~~لكونها من الغرر بناء على أنها ليلة ثاني الشهر وغرته ثلاث ليال ؛ لأن كلا من هلذين ~~لا مدح فيه له صلى الله عليه وسلم، بخلاف الأول المأخوذ من الغرة، وهي : بياض ~~في وجه الفرس، فهي غرة في وجه الدهر، ثم آبدل منها قوله: ~~يت. -.1910 ..... # لئلة المؤلد الذي كان للدي ن شرود بيؤمه وأزدهاء ~~(ليلة المولد) بكسر اللام : زمن الولادة، وبفتحها مكانها، وكلاهما ههنا ~~بعيد، فالأحسن: أنه مصدر ميمي؛ أي: ليلة الولادة (الذي كان) أي: دام ~~واستمر، على حد: وكان الله غفورا رجيما}، (للدين) وهو لغة: الجزاء، ~~واصطلاحا: الشرع المبعوث به النبي صلى الله عليه وسلم: ~~وحد أيضا: بأنه وضع إللهي، سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى ما هو ~~خير لهم بالذات (سرور) أي: فرح عظيم (بيومه) واليوم في عرف الفلكيين ~~ونحوهم: من طلوع الشمس إلى غروبها، وفي عرف الشرع: من ms043 طلوع الفجر، ~~وأضاف ذلك ليوم المولود دون ذاته مبالغة في زيادة عظمته؛ لأن ذلك إذا وقع لظرفه ~~التابع له.. فكيف بذاته ؟! ( وازدهاء) أي: افتخار؛ أي : هلذه الليلة الغراء هي ليلة ~~ولادتك وأنت أشرف مولود، فلأجل ذلك سر الدين وأهله باليوم الذي برزت فيه إلى ~~هلذا الوجود على الوجه الأكمل، وافتخرا وتاها به على سائر الأديان والأيام. # تنبيه : أضاف الناظم كلأ من الليلة واليوم إلى المولد، فاحتمل أن يكون من ~~القائلين بأنه ولد ليلا، واستدلوا بما رواه ابن السكن من حديث عثمان بن أبي ~~العاصي، عن أمه فاطمة بنت عبد الله الثقفية: أنها شهدت ولادة النبي صلى الله عليه ~~وسلم ليلا، قالت : (فما شيء أنظر إليه من البيت إلا نورا، وإني لأنظر إلى النجوم ~~تدنو حتى إني لأقول : يقعن علي) ورواه البيهقي ولم يذكر فيه إلا النور وتدلي PageV00P047 ~~============================================================ ~~النجوم(1)، وبتصريح عائشة رضي الله تعالى عنها أيضا بذلك ، كما رواه الحاكم(2) ، ~~وأن يكون من القائلين بأنه ولد نهارا، وهو ما يصرح به قوله الأتي : (يؤم نالت ~~بوضعه آبنة وهب) وهذا هو الأصح، كما صرح به حديث مسلم(2) وغيره، ولكن ~~بعيد الفجر كما في حديث وإن كان فيه ضعف؛ لأن الضعيف في الفضائل والمناقب ~~حجة اتفاقا، فمن أطلق أنه ولد ليلا .. أراد بالليل : ما قبل طلوع الشمس، أو أراد : ~~مجاز المجاورة ، وليس في الرواية : أن النجوم تدلت عند ولادته الآتية ما يدل على أن ~~ذلك كان قبل الفجر؛ لأنها تكون بعد الفجر فيمكن تدليها حينئذ، بل بعد طلوع ~~الشمس خرقا للعادة للمبالغة في إكرامه صلى الله عليه وسلم، وعلى أنه ولد ليلا قيل: ~~ليلة مولده أفضل من ليلة القدر، واستدل قائله بوجوه كثيرة كلها مدخولة، كما يعلم ~~الواقف عليها إن حقق ودقق، وعلى أنه ولد نهارا فهو يوم الإثنين اتفاقا، وصح به خبر ~~مسلم(4)، ثم قيل: إنه في شهر غير معين، والمشهور: آنه معين، وهو صفر أو ~~ربيع الأول أو ربيع الآخر أو رجب أو رمضان(5) أو يوم عاشوراء ، أقوال، والأصح: ~~أنه في ms044 شهر ربيع الأول، فقيل: إن اليوم فيه غير معين، والأصح: آنه معين ~~فقيل: لليلتين منه، وقيل: لثمان، واختاره اكثر أهل الحديث وغيرهم، بل آجمع ~~عليه أهل التاريخ، وقيل: لعشر، وقيل: لثنتي عشرة، وهو المشهور وعليه ~~العمل، وقيل: لسبع عشرة، وقيل: لثمان بقين منه، وإنما لم يكن ذلك في يوم ~~الجمعة ولا في بعض الأشهر الحرم أو رمضان؛ لئلا يتوهم أنه صلى الله عليه وسلم ~~تشرف بذلك الزمن الفاضل، فجعل في المفضول لتظهر مزيته به على الفاضل، ونظير ~~ذلك دفته صلى الله عليه وسلم بالمدينة دون مكة، لأنه صلى الله عليه وسلم لو دفن ~~بها.. لكان يقصد تبعا لها، فأفرد صلى الله عليه وسلم بموضع مفضول عند أكثر ~~العلماء ليتشرف به، بل ليفوق به الفاضل عند كثيرين منهم، وليقصد قبره ومسجده ~~(1) دلاثل النبوة (111/1) ~~(2) المستدرك (101/2) ~~3) مسلم (1162) ~~4) مسلم (1162) ~~5) في (ج) . (أو رجب أو شعبان أو رمضان..) PageV00P048 ~~============================================================ ~~بطريق الاستقلال لا التبعية؛ إظهارا لمزيد كرامته على ربه: ~~واختلفوا في عام ولادته صلى الله عليه وسلم، فالأكثرون: أنه عام الفيل، بل ~~حكي الاتفاق عليه، والمشهور: آنه ولد بعده بخمسين يوما، ووراء ذلك أقوال ~~اخر: خمسة وخمسون شهرا، آربعون، عشر سنين، خمس عشرة سنة، وآيد كونه ~~بعده بأنه إرهاص لنبوة هلذا الذي ولد بمكة، ومقدمة لظهوره، وفي مكانها، ~~والصواب: أنه بمكة، قيل: بالشعب، وقيل: بالردم، والمشهور: أنه المسجد ~~المشهور الان بالمولد، وزعم أنه عسفان شاذ لا يعول عليه، فقد صرح بعض أثمتنا: ~~أن أول واجب على الأولياء أن يعلموا صبيانهم آن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم ولد ~~بمكة ودفن بالمدينة ، بل قيل : إنكار ذلك كفر؛ لاستلزامه إنكار وجود النبي الذي هو ~~محمد صلى الله عليه وسلم ~~وتوالث بشرى الهواتف أن قذ ؤلد المضطفى وحق الهناء ~~(وتوالت) أي: تتابعت (بشرى) أي: بشارة (الهواتف) للناس جمع هاتف، ~~وهو: ما يسمع هتفه؛ أي: صوته، وقيل: صوته الخفي ولا يرى شخصه، والمراد ~~هنا : أعم من ذلك ؛ لأن البشارة به جاءت في كتب الله تعالى وألسنة الأحبار والكهان ~~والجان ms045 ، كما استوعبه أهل السير وجمع اكثره ابن ظفر في كتابه " البشر بخير البشر" ~~(أن) أي : بأن متعلق با بشرى) ، (قد ولد المصطفى) أي : المختار على الخلق ~~كلهم (وحق) أي: ثبت (الهناء) أي: الفرح والسرور لكل الخلائق به، قال ~~تعالى: وما أرسلنك إلارحمة للعكلمين، والبشارات به صلى الله عليه وسلم على ~~الأنواع المذكورة كثيرة لا يحتملها هذا المحل، لككن منها ما جاء : أنه حين ولد ~~هتف هاتف على الحجون : ~~(من الطويل) ~~فأقسم ما أنتى من الناس أنجبت ولا ولدث أثى من الناس واحدة ~~كما ولدت زهرية ذات مفخر مجنبة لؤم القبائل ماجدة ~~وهتف آخر على آبي قبيس بأربعة أبيات فيها معنى ذلك وزيادة. PageV00P049 # ============================================================ ~~ومنها: (أن سواد بن قارب الدوسي لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وحسن إسلامه.. أخبره : أن رئيه أنشده أبياتا ثلاث ليال متوالية وذكرها للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، فيهاحث سواد بن قارب على المجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والايمان به وعظيم مدحه)(1) ~~ومنها : (ما جاء بسند ضعيف : أن راهبا كان بمر الظهران يقول: يوشك أن يولد ~~منكم يا أهل مكة مولود اسمه محمد، تدين له العرب، ويملك العجم، هلذا زمانه، ~~فكان لا يولد بمكة مولود إلا سأل عنه، فجاءه عبد المطلب صبيحة ولادته صلى الله ~~عليه وسلم، فلما رآه. قال : كن أباه، فقد ولد ذلك المولود الذي كنت أحدثكم ~~عنه وقد طلع نجمه البارحة، فما سميته ؟ قال: محمدا) ~~وروى الحاكم عن عائشة رضي الله تعالى عنها : (أنه كان بمكة يهودي، فصاح ~~ليلة ولادته : يا أهل مكة ؛ هل ولد فيكم الليلة مولود؟ قالوا : لا نعلمه، قال : ولد ~~هذذه الليلة نبي هذذه الأمة الأخيرة، بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأنهن ~~عرف فرس، فأدخلوه على أمه، وأخرج له فكشف عن ظهره فراى تلك الشامة فخر ~~مغشيا عليه، فلما أفاق. قالوا: مالك ويلك؟ قال : ذهبت والله النبوة من بني ~~اسرائيل)(2). # وذكر الحافظ أبو سعيد النيسابوري: أن نور النبي صلى الله عليه وسلم لما صار إليى ms046 ~~عبد الله بن عبد المطلب، وكان يضيء في غرته ويفوح من فمه رائحة المسك الأذفر، ~~وكانوا يستسقون به فيسقون.. نام في الحجر، فانتبه مكحولا مدهونا قد كسي حلة ~~البهاء والجمال، فتحير فيمن فعل به ذلك، فانطلق به أبوه إلى كهنة قريش، فقالوا : ~~ان إلله السماوات قد أذن لهاذا الغلام أن يتزوج، ونام مرة أخرى في الحجر، فرآى ~~رؤيا وقصها على الكهان فقالوا : لثن صدقت رؤياك.. ليخرجن من ظهرك من يؤمن به ~~أهل السماوات والأرض ، وليكونن في الناس علما مبينا ~~وذكر الحافظ : أن زمزم كانت اندرست، فرأي عبد المطلب ما دله عليها ~~(1) أخرجه الحاكم (608/3)، والطبراني في 0 الكبير" (92/7) ~~(2) المستدرك (601/2) PageV00P050 ~~============================================================ ~~فحفرها، فآذاه سفهاء قريش ولم يكن له إلا ولده الحارث، فنذر إن رزق عشرة ~~بنين. ليذبحن آخرهم لله تعالى، فلما تموا عشرة.. رأى من يأمره بوفاء نذره، فانتبه ~~فذبح كبشا، فرأى أنه لا يجزئه فذبح ثورا، فرأى أنه لا يجزئه، وهلكذا حتى أمر ~~بذبح آحد بنيه كما تذر، فاقرع بينهم فخرجت على عبد الله، فجاء به ليذبحه عند ~~الكعبة، فمنعه سادة قريش وأمروه بمشاورة كاهنة، فأشارت آن يقرع بينه وبين عشر ~~من الإبل، وأنه كلما خرجت القرعة عليه.. يزاد عشرة، فلما بلغت مثة.. خرجت ~~القرعة عليها فذبحها(1)، ولهاذا قال صلى الله عليه وسلم : " أنا أبن الذبيحين"(2) ~~وصح : (أنه أقر من قال له ذلك)(3)، والثاني إسماعيل، وعلى أنه إسحاق- وعليه ~~الاكثرون - فقد مر أن العرب تسمي العم أبا. # وتداهى إيوان كشرى ولؤلا آية مثك ما تداعى البناء ل ~~(و) من عجائب ليلة ولادته صلى الله عليه وسلم أنه (تداعى) آي: تهادم؛ ~~أي : أشرف على الهدم؛ لأنه انشق شقا بينا آل به إلى خرابه (إيوان) بكسر الهمزة، ~~ويقال فيه : إوان ككتاب، وفسره الجوهري : بأنه الصفة العظيمة كالأزج، وغيره : ~~بأنه بيت مؤزج؛ أي: مبني طولا غير مسدود الوجه؛ أي: فهو صفة طويلة واسعة، ~~بأولها عقد واسع، قال: وهو فارسي، وقيل: هو البيت العالي، وقيل: بيت كبير ~~مستطيل ذو شرافات، وقيل: بيت الملك المعد ms047 لجلوسه مع آرباب مملكته لتديير ~~ملكه ~~والحاصل : أن ذلك الإيوان كان من أعاجيب الدنيا سعة وبناء وإحكاما ~~(كسري) أنو شروان- بفتح الكاف وكسرها - معرب: خشرو(4)؛ أي: واسع ~~(1) انظر " سيرة ابن هشام "(151/1) وما بعدها. # (2) اخرجه الحاكم (559/2) ~~(3) انظر حديث الحاكم (554/2) ~~(4) في (ج): (خسر) وفي غيرها : (قسرى)، والمثبت من 9 القاموس " و1 اللسان". # 17 PageV00P051 ~~============================================================ ~~الملك، وهو: لقب لكل من ملك الفرس، كقيصر لملك الروم، وتبع لملك ~~اليمن، والنعمان لملك العرب من قبل العجم، والنجاشي لملك الحبشة، وفرعون ~~لملك القبط، والعزيز لملك مصر، وجالوت لملك البربر، وخاقان لملك الترك: ~~(ولولا) حرف امتناع لوجود؛ آي: امتنع جوابها لوجود تاليها (آية) صادرة ~~(منك) إلى الوجود؛ أي: علامة عظيمة على نبوتك ورسالتك العامة، وأن كل من ~~عاندك لا يرتفع له رأس، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، والأصل : منه ؛ أي : ~~المصطفى ~~(ما تداعى البناء) أي : هذذا المبنى المذكور مع ما هو عليه من العظم والإحكام ~~الذي كمان يظن به أنه لا تهدمه إلا نفخة الصور، فإذا هو قد تحرك وسقط منه أربع عشرة ~~شرافة حينئذ، فليس ذلك إلا محض آية منه صلى الله عليه وسلم للوجود على نبوته، ~~وأنه لا ملك ولا عز يبقى لأحد مع ملكه (1) وعزه ، وسر تلك الأربع عشرة : الإشارة ~~الى أنه لم يبق من ملوكهم إلا أربعة عشر، فملك عشرة في أربع سنين، وأربعة إلى ~~زمن عثمان، وقد فتح في زمن عمر رضي الله عنه اكثر إقليم فارس، وكسر كسرى ~~وأهانه غاية الهوان، وتقهقر إلى أقصى مملكته، ثم قتل في زمن عثمان رضي الله عنه ~~وزال ملكه بالكلية، وصح: أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنه : "إذا هلك كشرى.. # فلا كشرى بعده "(2) ، و : ( أن أمواله وكنوزه تنفق في سبيل الله)(3)، فانقطع ملكه ~~وزال من جميع الأرض، وتمزق ملكه كل ممزق؛ لأنه صلى الله عليه وسلم دعا عليه ~~بذلك لما جاءه كتابه فمزقه، وقد بشر صلى الله عليه وسلم آمته في حفر الخندق بملك ~~بلاده، وقال لسراقة - وكان من فقراء أصحابه-: "كيف ms048 بك إذا لبست سواري ~~(1) لا يخفى أن في قوله : (مع ملكه) تجوزا في العبارة؛ لأن مرتبة النبوة أعلى من الملك ~~وغيره ، أو هو من باب المشاكلة ، على حد قوله تعالى : { ويمكرون ويمكرالله). # (2) أخرجه البخاري (3120)، ومسلم (2918)، والترمذي (2216)، وأحمد ~~(233 12 ~~(3) هلذه تتمة الحديث السابق ، ولفظها : " وآلذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل ألله" أي : ~~كنوز كسرى وقيصر PageV00P052 ~~============================================================ ~~كسرى ؟1"(1) فلما أتى بهما عمر رضي الله عنه .. ألبسهما [ياه - أي: إظهارا للمعجزة ~~وذلك عذر مبيح - وقال : الحمد لله الذي سلبهما كسرى وألبسهما سراقة، ولما رآى ~~كسرى ما وقع بإيوانه، ورأى تلك الليلة الموبذان أعلم علماء مملكته أنه رأى إبلا ~~صعابا تقود خيلأ عرابا، قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها.. آفزع كسرى ذلك، ~~فسأل الرأي، فقال : حدث يكون من ناحية العرب، فكتب كسرى إلى النعمان بن ~~المنذر ملك العرب : أن يرسل له أعلم من في آرضه من العرب، فبعث إليه ~~عبد المسيح بن عمرو الغساني وكان معمرا، فدلهم على خاله سطيح بالشام، فأمره ~~كسرى بالذهاب إليه، فجاءه فوجده مشفيا على الموت، فأخبره سطيح بما من ~~جملته: عبد المسيح على جمل مشيح إلى سطيح وقد أوفى على الضريح، بعثه ملك ~~ساسان؛ لارتجاس الإيوان - أي : تحركه - وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، رأى ~~ابلأ صعابا تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها، فقال سطيح: ~~يا عبد المسيح؛ إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادي السماوة - ~~أي : قرية ما بين الكوفة والشام وليست من العواصم - وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت ~~نار فارس فليست الشام لسطيح شاما، ولا بابل للفرس مقاما، يملك منهم ملوك ~~وملكات على عدد الشرافات، وكل ما هو آت آت، ثم قضى سطيح مكانه (2). # وسمي صلى الله عليه وسلم صاحب الهراوة؛ لأنه كان يمسك في يده القضيب ~~كثيرا، وكان يمشى بين يديه بالعصا ليصلي إليها، قال القاضي : (وأراها العصا ~~المذكورة في حديث الحوض : "أذود الناس عنه بعصاي لأهل اليمن"(3) أي : ~~لأجلهم ليتقدموا)(4): ~~(1) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى * (357/6) ~~(2) انظر "تاريخ الطبري" (166/2)، و" عيون ms049 الأثر (38/1) . وقد أورده الحافظ الذهي ~~في "تاريخ الإسلام " (35/1) ، ثم قال : (هذا حديث منكر غريب)، وللشيخ العلامة ~~عبد الفتاح أبو غدة كلام نفيس في ذلك، انظره في مقدمته لكتاب " المصنوع في معرفة الحديث ~~الموضوع"(ص18) ~~(3) أخرجه مسلم (2301)، وابن حبان (6456)، وأحمد (280/5). # (4) نقل الإمام النووى كلام القاضي عياض ثم قال : (وهذا الذي قاله في تفسير الهراوة بهذه ~~العصا بعيد أو باطل؛ لأن المراد بوصفه بالهراوة : تعريفه بصفة يراها الناس معه يستدلون بها PageV00P053 ~~============================================================ ~~وسمي أيضا صاحب القضيب؛ أي: السيف كما في الإنجيل، فهو صاحب العصا ~~يرعى بها الأخيار، والقضيب يبيد به الأشرار. # وغدا كل بيت نار وفيه كزبه من مودها وبلاه ~~(و) من العجائب التي ظهرت ليلة ولادته أيضا؛ لينتبهوا ويسألوا عن سبب ~~ذلك: أنه (غدا) أي: صار في تلك الليلة (كل بيت نار) أي: كل واحد من بيوت ~~نار الفرس التي كانوا يعبدونها ويشتد إيقادهم لها حتى إن لها ألف سنة لم تخمد. # و(نار) من ذوات الواو، وإنما جمعت على نيران؛ لانكسار ما قبل الواو ~~والمستلزم لقليها ياء ~~(و) هي للحال، وفيه تأييد لما ذهب إليه الجمهور وتبعهم ابن مالك: أن ~~المصوب بعد غدا حال؛ إذ لا يوجد إلا نكرة، وخالفهم الزمخشري وأبو البقاء ~~والجزولي وابن عصفور فجعلوه خبرا، سواء كانت بمعنى صار، آو بمعنى : وقع فعله ~~في وقت الغدو أو الرواح، وجعلوا من ذلك : (اغد عالما)(1) وحديث : "تغدو ~~خماصا"(2) وغدا زيد ضاحكا؛ أي : صار في حال ضحك (فيه كربة) - بضم أوله- ~~أي : غم يأخذ النفس وربما أهلكها (من) أجل (خمودها) أي: سكون لهبها من ~~غير أن يطفأ جمرها، وإلا.. قيل: همدت (وبلاء) عظيم صبه الله عليهم صبا؛ ~~بإزالة ما يعتقدونه إلههم ومتعبدهم؛ لأنهم مجوس، فكان في إقليم الفرس من بيوت ~~على صدقه، وأنه المبشر به المذكور في الكتب السالفة، فلا يصح تفسيره بعصا تكون في ~~الاخرة، والصواب في تفسير صاحب الهراوة : ما قاله المحققون: آنه صلى الله عليه وسلم ~~كان يمسك القضيب بيده كثيرا، وقيل: لأنه كان يمشي والعصا بين يديه، ms050 وتغرز له فيصلي ~~اليها، وهلذا مشهور في الصحيح ، والله أعلم) اهه شرح مسلم "(12/15) ~~(1) أخرجه الدارمي (254)، والطبراني في " الكبير " (9/ 150) من كلام ابن مسعود رضي الله ~~(2) اخرجه ابن حيان (730)، والترمذي (2344)، وابن ماجه (4164)، وأحمد ~~(30/1)، والحاكم (188/4) PageV00P054 ~~============================================================ ~~النار الموقودة المئات من السنين.. ما تحيل العادة انطفاءها، فإذا انطفأت تلك النيران ~~كلها في ساعة واحدة تلك الليلة. علموا أن ذلك لأمر عظيم حدث في العالم ، وكان ~~كذلك وسببأ لإزالة ملكهم وتمزيقهم كل ممزق كما مر: ~~وغيون للفزس غارت فهل كان لنيرانهم بها إطفاء ~~(و) من تلك العجائب أيضا (عيون) فهو مبتدأ سؤغه وصفه بقوله : (للفرس) ~~بالضم، ويقال: فارس، ومنه حديث: "وخدمثهم فارس والروم"(1) وهم : أمة ~~عظيمة كان مسكنهم في شمال العراق، من الفراسة بالفتح؛ أي: الشجاعة، وكسرى ~~من أجل ملوكهم (غارت) في الأرض حتى لم يبق منها قطرة، ومنها: بحيرة طبرية ~~التي كان فيها من كثرة المياه وسعتها ما تحيل العادة غيضها، ولذا قيل : طولها ستة ~~أميال وعرضها مثل ذلك، وتسمى عين ساوة؛ لبلد معروف، بينها وبين الري اثنان ~~وعشرون فرسخا، وقيل: موضع بالشام ~~( فهل) استفهام للتعجب من حالهم، أو لتوبيخهم وتقريعهم (كان لنيرانهم بها) ~~أي: بتلك المياه التي غارت (إطفاء) لا، بل لم يطفتها إلا سر وجود نبينا صلى الله ~~عليه وسلم، وظهوره المضمحل به كل لهو وباطل، ولذا قال: ~~مؤلذ كان مثه في طالع الكف ر وبسال عليهم ووباء ~~(مولد) عظيم، بالجر : بدل من (المولد) والرفع : خبر مبتدأ محذوف (كان) ~~أي : صار على الدوام (منه) أي : من أجله، أو من لابتداء الغاية (في طالع الكفر) ~~آي : في نحو النوم، أو الإلهام الذي يطلع به على عواقب الكفر وغايات أهله المترتبة ~~عليه، كرؤيا الموبذان وإلهام سطيح السابقين آنفأ، ويصح أن يراد : أن المولد نفسه ~~أطلع كل ذي بصيرة على أن الفرس أو الكفار يحل بهم (وبال) أي: وخم عظيم ~~(1) أخرجه ابن حبان (6716)، والترمذي (2261)، والطبراني في "الأوسط" (132). PageV00P055 # ============================================================ ~~(عليهم) أي: على أهله الذين هم الفرس بدليل السياق، أو أعم بدليل الواقع ~~(ووباء) - ويجوز قصره ms051 - وهو: المرض الشديد العام، وهما - وفيهما الجناس ~~اللاحق كنايتان عما اعتراهم بوجوده من إشراف ملكهم على الزوال، ومما حل بهم ~~من البوار والوبال والهوان والنكال: ~~ح /19 حلا ~~فهنيئا به لامنة الفض حل الذي شرفت به حؤاء ~~ال ~~(ف) بسبب ما حصل بوجوده صلى الله عليه وسلم في هذذا الكون لهذذه الأمة من ~~المزايا، وله من العطايا، ولابائه وأمهاته صلى الله عليه وسلم من الشرف الأكبر ~~والتميز الأظهر.. حق أن يقال في شأن أمه : (هنيئا به لآمنة الفضل) أي : ثبت لها ~~الفضل؛ أي: الكمال والشرف والعلو حال كونه هنيئا؛ أي: لا آفة فيه ولا نكد، ~~فهو حال عند الأكثرين مؤكدة لعاملها الملتزم إضماره؛ إذ لم يسمع إلا كذلك، وقال ~~المبرد: إنه مصدر كالعافية، وأصل ذلك: أنهم أنابوا عن المصدر صفات ك: عائذا ~~بك وهنيئا لك، قال بعض المغاربة : وهي موقوفة على السماع، وقال غيره: إنه ~~مقيس عند سيبويه، يقال لكل من لازم صفة ~~وهنيئا: اسم فاعل من هنيء ، آو هنؤ كشريف من شرف، وهو : ما أتاك بلا ~~(الذي شرفت به حواء) فمن دونها من آمهاته إلىن آمنة، فإن الولادة منسوبة إلى ~~كل منهن، لكنها إليهن بواسطة ولامنة بدونها، فمن ثم حصها من بينهن بذلك ، ~~وزاد في مدحها بأنها شرفت بما شرفت به أم البشر وزيادة عليها عدم الواسطة، فذكرها ~~لهذا وللجمع بين طرفي الولادة الأول والأخر، ولينبه على أن حواء امتازت بإبرازه ~~الى وجود عالم الأصلاب، وآمنة امتازت بابرازه إلى وجود عالم الاستقلال مع عدم ~~الواسطة، ومن ثم قال مبينا تمييزها على حواء بذلك: PageV00P056 ~~============================================================ ~~لد د اواا13از ~~من لحواء ألها حملث أخ مدا أو أنها به نفساء ل ~~ب ~~(من) استفهام استبعادي بمعنى النفي (لحواء) أي : ومن ذا الذي يفرح لها بأنها ~~أو يشفع لها في (أنها حملت أحمدا) بالتنوين للضرورة(1)؛، أي: حملت به، وهو ~~من غرر أسماثه، وقد سماه الله تعالى به على لسان موسى كما في الحديث، وعيسى ~~كما في القرآن، وهو منقول من الصفة التي معناها التفضيل، ms052 فمعناه : أحمد الحامدين ~~لربه، وكذلك هو في المعنى؛ لأنه يفتح عليه يوم القيامة عند سجوده تحت العرش؛ ~~ليؤذن له في الشفاعة العظمين - وهو مقامه المحمود - بمحامد لم تفتح على أحد قبله، ~~فيحمد ربه بها، ولذلك يعقد له لواء الحمد ويكون تحته أدم فمن دونه ~~(أو أنها به نفساء) أي: أصابها تفاس، وهو : الدم الخارج عقب الولادة، سمي ~~بذلك لأنه أثر نفس؛ أي : وبأنها ولدته بلا واسطة؛ أي : لو قدر لها أن تحمله وتلده ~~من غير واسطة. لكان لها به غاية الفخر، لكن لم يقدر ذلك لها بل لأمنة؛ لما سبق ~~في علم الله تعالى أنها الفائزة بشرف الانتهاء ، وهو أفضل مما فازت به حواء من شرف ~~الابتداء، ولهلذاقال: ~~ر اا : ~~يؤم نالت بوضعه أبنه وفب من فخار ما لم تنله الثساء ~~اا ~~(يوم) بدل من (مولد) اسم زمان (نالت) أي: أعطيت (بوضعه) آي: بسببه ~~آمنة (ابنة وهب) بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة، فهي تلتقي مع رسول الله ~~من جهة آبائه في كلاب، وكان وهب سيد بني زهرة سنا وشرفا ~~(1) لو أثبت التنوين كما أراد الشارح رحمه الله.. لاحتيج إلى وصل همزة (أو) لكي يستقيم ~~الوزن، أما إذا أبقي قوله : (أحمد) بدون توين فيستقيم الوزن دون التعرض لصرف ~~الممنوع ووصل همزة القطع ، وهنذا هو الأصل، والله أعلم. فليتنيه PageV00P057 ~~============================================================ ~~وأم آمنة برة(1) بنت عبد العزى بن قصي بن عبد الدار(4) بن قصي بن كلاب. # (من) بيانية (فخار) وهو : التمدح بالخصال العلية والشيم المرضية (مالم تنله ~~النساء) حتى حواء كما مر، وهذا لا يقتضي أفضليتها على حواء مطلقا؛ لأنها إنما ~~فضلت من وجه واحد وهو ولادتها له صلى الله عليه وسلم بلا واسطة، والتفضيل من ~~حيثية مزية واحدة أو مزايا. . لا يقتضي الأفضلية على الإطلاق، وإنما ذكرت ذلك لأن ~~الاجماع قام في حواء على إيمانها الكامل، وآمنة وقع الخلاف في إيمانها، بل وفي ~~نجاتها، ونقل عن الأكثرين عدمهما، ولكن الأصح بل الصواب : خلافه كما مر: ~~ومما نالته ما أخرجه ms053 أبو نعيم والخرائطي وابن عساكر : أن عبد المطلب لما خرج ~~بعبد الله ليزوجه للرؤيا التي رآها وقد مرت.. رأته كاهنة قرأت الكتب، فرأت نور ~~النبوة في وجهه ، ومن ثم كان أجمل رجل رتي في قريش، فسألته أن يقع عليها وتعطيه ~~[من الرجز ~~مثة من الإبل ، فابى وقال: ~~أقا الحرام فالممات دون ~~فمر به آبوه حتى آتى به وهبا أبا آمنة، فزوجه بها وهي يومثذ أفضل امرآة في قريش ~~سبأ وموضعا، فوقع عليها يوم الإثنين أيام منى عند الجمرة، ثم خرج ومر على تلك ~~المرأة فلم تكلمه، فسألها لم لم تعرضي نفسك الآن علي؟ قالت : فارقك النور الذي ~~سألتك لأجله (3). # وذكروا أنه لما استقرت تلك النطفة الكريمة فيها. أصبحت أصنام الدنيا ~~منكوسة، واخضرت الأرض وحملت الأشجار، وكانت قريش في جدب شديد، ~~فسميت تلك السنة سنة الفتح، ونودي في الملكوت : أن النور المكنون قد انتقل إلى ~~(1) في السخ (مرة)، والمثبت من " السيرة النبوية" (110/1)، و" طبقات ابن سعد" ~~(59/1) وغيرهما ~~(2) كذا في النسخ ، والصواب : (عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار. ..) كما في " سيرة ابن ~~هشام (110/1)، و" طبقات ابن سعد 4(59/1)، و1 المعارف " لابن قتيبة (ص 131)، ~~والله أعلم ~~(3) دلائل النبوة (164/1)، تاريخ دمشق (404/3). PageV00P058 # ============================================================ ~~بطن آمنة ذات العقل الباهر، والفضل الظاهر، وقد خصها الله تعالى بهذا الحبيب؛ ~~لأنها أفضل قومها حسبا، وأزكاهم أصلا وفرعا. # وفي حديث ابن اسحاق: آنها حدثت آنها لما حملت به صلى الله عليه وسلم. # قيل لها: إنك حملت بسيد هلذه الأمة، وقالت: ما شعرت بحمله، ولا وجدت له ~~تقلا ولا وجعا ولا وحما- أي : في ابتداء حمله؛ لرواية: أنها وجدته، وحملت على ~~الابتداء؛ جمعا بين الأحاديث - وأتاني آت وأنا بين النائمة واليقظانة، فقال : هل ~~شعرت أنك حملت بسيد الأنام ؟ ثم أمهلني حتى دنت ولادتي.. أتاني فقال لي : ~~امن مجزوء الرجز] ~~قولي:. # اعيذه بال واحد من شر كسل چاسد ~~ثم قال: سميه محمدا، وبعد هذا البيت أبيات آخر مشهورة، ولا أصل لها كما ~~قاله الزين العراقي ~~وأخرج أبو نعيم ms054 عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : (كان في دلالة حمل آمنة ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم : آن كل دابة كانت لقريش نطقت تلك الليلة وقالت : ~~حمل برسول الله صلى الله عليه وسلم ورب الكعبة، وهو إمام الدنيا وسراج العلماء، ~~ولم يبق سرير ملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسأ، ومرت وحوش المشرق إلى ~~وحوش المغرب بالبشارات، وكذلك أهل البحار بشر بعضهم بعضأ، وله في كل شهر ~~من شهور حمله نداء في الأرض ونداء في السماء؛ أن أبشروا فقد آن أن يظهر أبو ~~القاسم ميمونا مباركا) ~~وروى أبو تعيم: أن آمنة أتاها آت بعد ستة أشهر من حملها وقال : يا آمنة؛ إنك ~~حملت بخير العالمين، فإذا وضعتيه. فسميه محمدا، واكتمي شأنك، ثم لما ~~أخذها الطلق وكانت وحدها.. رأت كأن طاثرا أبيض قد مسح فؤادها فذهب رعبها، ~~ثم آتيت بشربة بيضاء فتناولتها قأضاء لها نور عال، ثم رأت نسوة كالنخل طولا فأحدقن ~~بها فقالت : من أين علمتن بي؟ وفي رواية : فقلن لي: نحن آسية امرأة فرعون ومريم ~~أبنة عمران وهؤلاء الحور العين، ثم رأت ديباجا أبيض مد بين السماء والأرض، ~~ورجالا بأيديهم أباريق فضة، وقطعة من الطير أقبلت حتى غطت حجرتها، مناقيرها ~~من الزمرد، وأجنحتها من الياقوت، ورأت مشارق الأرض ومغاربها، وثلاثة أعلام PageV00P059 ~~============================================================ ~~منصوبات علما بالمشرق وعلما بالمغرب وعلما على ظهر الكعبة، فأخذها النفاس ~~فوضعته صلى الله عليه وسلم، فإذا هو ساجد قد رفع إصبعيه إلى السماء كالمتضرع ~~المبتهل، ثم رآت سحابة بيضاء غشيته فغيبته عنها، فسمعت مناديا يقول: طوفوا به ~~مشارق الأرض ومغاربها، وأدخلوه البحار؛ ليعرفوه باسمه ونعته وصورته، ويعلموا ~~أنه سمي الماحي؛ لأنه لا يبقى شيء من الشرك إلا محي في زمنه صلى الله عليه ~~وسلم، ثم انجلت عنه في أسرع وقت. # وروى الخطيب البغدادي بسنده: آنها لما وضعته. رأت سحابة عظيمة، لها نور ~~يسمع فيها صهيل الخيل وخفقان الأجنحة وكلام الرجال، حتى غشيته وغيب عنها، ~~فسمعت مناديا يقول : طوفوا به جميع الأرض، واعرضوه على كل روحاني ms055 من الجن ~~والإنس والملائكة والطيور والوحوش، واغمسوه في أخلاق النبيين، ثم انجلت عنه ~~وقد قبض على حريرة بيضاء مطوية طيأ شديدا ينبع منها ماء، وإذا قائل يقول: بخ ~~بخ، قبض محمد صلى الله عليه وسلم على الدنيا كلها، حتى لم يبق أحد من أهلها إلا ~~دخل طاتعا في قبضته، ثم رأت ثلاثة نفر، بيد أحدهم إبريق فضة، والثاني طست من ~~زبرجد أخضر، والثالث حريرة بيضاء، آخرج منها خاتما يحار الناظرون دونه، فغسله ~~سبع مرات، ثم ختم به بين كتفيه، ثم احتمله فأدخله بين آجتحته ساعة، ثم رده إلى ~~امه: ~~وأتث قؤمها بأفضل مما حملث قبل مزيم العذراء ~~(و) يوم (أتت) آمنة (قومها) اسم جنس للذكور، وقد يدخل فيه النساء تبعا ~~كما هنا (ب) مولود (أفضل) بالإجماع (مما) أوقع (ما) على العاقل وهو عيسى ~~صلى الله عليه وسلم وإن كان نادرا ؛ لوروده في القرآن، نحو: لما خلقت بيدى}، ~~والسماء وما بننها.} الآيات، ولا أنت علبدون ما أعبد} وكلام العرب ، وسمع من ~~كلامهم: سبحان ما سخركن لنا، ولورود هلذا وآمثاله زعم قوم منهم ابن درستويه ~~وأبو عبيدة ومكي وابن خروف وقوعها على آحاد من يعقل كثيرا مطلقا، وقال السهيلي: ~~لا تقع على أولي العلم إلا بقرينة، وتقع على صفات من يعقل، نحو: فانكحوا PageV00P060 ~~============================================================ ~~ماطاب لكم من النسآء} أي : الطيبة منهن ، وعليه فما هنا نظير الآية ؛ لأن من صفات من ~~يعقل الحمل المذكور في قوله : (حملت قبل) أي: قبل آمنة، ومر آن بينهما نحو ~~ست مئة سنة، أمه (مريم) بنت عمران الصديقة بنص القرآن، قيل: هي من ذرية ~~سليمان بن داوود عليهما السلام، بينها وبينه أربعة وعشرون آبأ، وفي الصحيح: ~~"خير نسائها مزيم "(1) ولذا فضلت على جميع النساء ؛ للخلاف في نبوتها وإن كان ~~شاذا، ولما رفع عيسى صلى الله عليه وسلم للسماء. كان سنها ثلاثا وخمسين سنة، ~~وبقيت بعد ذلك خمس سنين أو ستأ كما قال الجلال السيوطي، قال أيضا : ولما رفع ~~إلى السماء.. تعلقت به آمه وبكت، فقال لها: إن القيامة تجمعنا ms056 ~~(العذراء) أي: البكر؛ لأنها لم تتزوج، والعذرة : البكارة، وحملها بعيسى ~~عليه الصلاة والسلام إنما هو من نفخ جبريل عليه الصلاة والسلام في جيب درعها، ~~فحملت به ووضعته من وقتها على الأشهر، كرامة لها ومعجزة له صلى الله عليه ~~ولم ~~وخصه بهذا مع تصريحه قبل بأنه أفضل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ؛ لأنه ينزل ~~من السماء على منارة جامع بني أمية البيضاء شرقي دمشق كما رواه مسلم(2) في آخر ~~هذه الأمة، ويقتل الدجال والخنزير، ويبطل الجزية، فربما يتوهم من ذلك مع باهر ~~معجزاته وولادته من غير آب وإن كان لنبينا عليه الصلاة والسلام ما هو مثلها أو أبهر ~~منها كما يأتي. أنه الخاتم الأفضل، فنفى ذلك على الوجه الأكمل، ونزوله عليه ~~الصلاة والسلام إنما هو بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم ، ومنها : أن الجزية لا تقبل ~~بعد نزوله؛ لانتفاء ما لهم من نوع شبهة تمسك بكتاب بتكذيبه لهم فيكون من أتباعه، ~~ولأجل ذلك يصلي وراء المهدي أولا، ثم يتقدم بعد؛ إعلاما بأنه عليه الصلاة والسلام ~~لم ينزل مستقلا، بل تابعا مؤيدا حاكما بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، ولخبر ~~البخاري : " أنا أؤلى الناس بأبن مزيم في الذنيا والآخرة ، ليس بثني وبينه نبئ"(3) ، ~~وبه يرد على من قال : كان بينهما خالد بن سنان نبي أصحاب الرس، ولخبر ~~(1) البخاري (3434)، مسلم (2430) ~~(2) مسلم (2937) ~~(3) البخاري (3442). PageV00P061 # ============================================================ ~~"الصحيحين 4 : 9 من شهد أن لا إلله إلا الله وخده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ~~ورسوله ، وأن عيسى عبد الله ورسوله ، وكلمته القاها إلى مزيم وروح منه ، وأن ~~الجنة حق ، وأن النار حق. . أذخله الله الجنة على ما كان منه من عمل"(1) . # وفي خبر " الصحيحين " : 8 إن كل مؤلود ينخسه الشيطان فيصيح إلأ عيسى " قال ~~أبو هريرة : اقرؤوا إن شئتم : وإني أعيذها بلك وذريتها من الشيطين الرجيو} (2) ، ~~ولا ينافي هذذا أفضلية نبينا صلى الله عليه وسلم؛ لأن لنبينا من المزايا ما ينغمر هلذا ~~في جنب أدونها، وقد يكون في المفضول مزية أو مزايا ليست في الفاضل، للكن فيه ~~ما يخلف ms057 ذلك ويفوقه ~~شعتته الأملاك إذ وضعته وشفتتا بقولها الشفاء ل ~~ت ~~(شمتته) من التشميت، وهو: آن يقال للعاط: يرحمك الله، بالمعجمة ~~والمهملة؛ أي: دعا له بالسلامة من الشوامت، أو ببقاء سمته كما هو ؛ لأن العطاس ~~ربما كان سببأ لتعويج نحو العنق. # (الأملاك) جمع ملك، وهذا هو القياس في جمعه، كجمل وأجمال، ولفظ ~~الملك مشتق من الألوكة ، وهي : الرسالة، ويقال فيه : مألكة، فالأصل فيه : ~~مألك، ثم قلب فصار ملأك على وزن مفعل، ثم خفف بعد قلبه، ونقلت حركة ~~الهمزة إلى اللام فصار ملكا على وزن فعل، وحينيذ فقياس هلذا : جمعه على أفعال ~~كما جرى عليه الناظم رحمه الله تعالى، وإنما جمعوه على ملائكة؛ لأنهم راعوا ملأك ~~بعد القلب وقبل أن يخفف. # وقولهم: من الألوكة مصرح بأن ميمه زائدة، وهو رأي الجمهور، وذهبت طائفة ~~إلى أنها أصلية، ثم اختلفوا هل هو من الملك بالفتح؛ أي: القوة؛ لقوتهم، أو ~~بالكسر بمعنى مملوك *قولان، قيل : وأحسن من الجميع قول النضر بن شميل: إنه ~~(1) البخاري (3435)، مسلم (28) ~~(2) البخاري (3286)، مسلم (2366) PageV00P062 ~~============================================================ ~~غير مأخوذ من شيء ، وهو التحقيق الذي دلت عليه الاثار، وقوله تعالى : إلا إبليس ~~كان من الجن} وزعم أن نوعا من الملائكة يسمون بذلك. . ليس في محله؛ لتوقفه ~~على صحة خبرية : أن إبليس أبو الجن ، كما أن آدم أبو البشر، وأنه لم يكن من ~~الملائكة طرفة عين، وأن المصحح للاستثناء في الاية التغليب؛ لكونه كان فيهم، أو ~~هو منقطع ~~وفي خبر مسلم : خلقت الملائكة من نور ، وخلق الجان من مارج من نار ، ~~وخلق آدم مما وصف لكم "(1)، وظاهره : أن عنصرهما متمحض من النور والنار، ~~وقيل : بل هما من العناصر الأربعة كالثالث (2)، وإنما غلب عليهما ذلك، وزعم ~~تأويل الأولين (3) بأنه على التمثيل. . ليس في محله ؛ لأنه يلزم عليه أن الثالث كذلك ، ~~ولأن مدار المعتزلة على هذذه الطريقة، فإنهم أولوا أحاديث السؤال في القبر وعذابه ~~والصراط والميزان والحوض والشفاعة ودابة الأرض ونحوها، ولم يبالوا بمنابذتهم ~~للسنة الغراء قبحهم الله تعالى: ~~(إذ وضعته) أي : وقت وضع أمه له (وشفتنا) أي: ms058 أفرحتنا وأسرتنا، أو من ~~الشفاء ؛ لأنها رقية، والرقية كثيرا ما يحصل بها الشفاء ؛ لأن قولها الاتي يشفي العليل ~~ويبرد الغليل (بقولها الشفاء) بالفاء المشددة، وهي آم عبد الرحمن بن عوف أحد ~~العشرة رضي الله تعالى عنهم بنت عمرو بن عوف. # وقولها هو ما أخرجه أبو نعيم عن ولدها عبد الرحمن عنها قالت : (لما ولدت آمنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقع على يدي فاستهل فسمعت قائلا يقول: ~~رحمك الله ورحمك ربك، قالت الشفاء : (وأضاء لي ما بين المشرق والمغرب حتى ~~نظرت إلى بعض قصور الروم، قالت : ثم ألبسته وأضجعته، فلم أنشب أن غشيتني ~~ظلمة ورعب وقشغريرة، ثم غيب عني فسمعت قائلا يقول : آين ذهبت به ؟ قال : إلى ~~(1) ملم (2996). # (2) المراد بالثالث : آدم عليه الصلاة والسلام: ~~(3) أي : تأويل كون الملائكة من النور بالإشراق، وتأويل كون الجن من النار بالقوة وسرعة ~~التنقل: PageV00P063 ~~============================================================ ~~المشرق، قالت : فلم يزل الحديث مني على بالي حتى ابتعثه الله تعالى، فكنت في ~~أول الناس إسلاما)(1) ~~وحمل الناظم قولها: (استهل) على آنه صلى الله عليه وسلم عطس حتى عبر ~~ب( شمتته) الذي لا يطلق إلا على ما يقال عند العطاس. . يحتاج فيه لسند؛ إذ حقيقة ~~الاستهلال رفع الصوت عند الولادة، وهذا هو الغالب من أحوال المولودين، فخلافه ~~لا يصار إليه إلا بتصريح من يعتمد عليه به ولم آره، وقولها: (فسمعت قائلا ~~يقول..) على آنه الملك. هو الظاهر، وجمعه مبالغة وإشارة إلى أن عصمة ~~الملائكة توجب أن الفعل المسند إلى أحدهم كأنه مسند إلى الجميع، وعلى ما قاله ~~ه ~~رافعا رأسه وفي ذلك الوذ ع إلى كل شؤده إيماء ~~(رافعا) حال من مفعول (وضعته) (رأسه) إلى السماء، كما رواه ابن سعد من ~~حديث جماعة منهم عطاء وابن عباس: (أن آمنة قالت : لما فصل مني- تعني النبي ~~صلى الله عليه وسلم- خرج مني نور أضاء ما بين المشرق والمغرب، ثم وقع على ~~الأرض معتمدا على يديه، ثم أخذ قبضة من التراب فقبضها ورفع رأسه إلى ~~السماء)(2) ~~(وفي ذلك الرفع) الذي هو أول فعل ms059 وقع منه صلى الله عليه وسلم بعد بروزه إلى ~~هذا العالم وهو خبر مقدم ( إلى كل سؤدد) أي: رفعة وسيادة على الخلق، وهو ~~متعلق بالمبتدأ الذي هو (إيماء) أي : إشارة إلى أن شأنه وقدره يرتفع ويعلو في الدنيا ~~والاخرة إلى مراتب لا يصلها غيره من ملك ولا جن ولا إنس ~~(1) دلائل النبوة(169/1) ~~(2) في الطبقات الكبري"(102/1) PageV00P064 ~~============================================================ ~~ا23 ادد ~~رابفا كزله الشتاء تزين فن من تسائ الفقله النتلاء ~~(رامقأ) حال مما منه الأولى (1)، وتعدد الأحوال جائز كتعدد الأخبار، أو من ~~ضمير (رافعا) فهي من الأحوال المتداخلة (طرفه) أي : بصره (السماء) أي: ~~ناظرا إلى جهتها نظرا حقيقتا، كما علم من حديث عطاء وابن عباس المذكور. # وروى الطبراني : أنه لما وقع إلى الأرض.. وقع مقبوضة أصابع يديه، مشيرا ~~بالسبابة كالمبح بها، وسبقت رواية: آنها لما وضحته.. نظرت إليه فاذا هو ساجد قد ~~رفع إصبعه إلى السماء كالمتضرع المبتهل. # (و) سر هذا الرمق الإشارة إلى علو مرماه؛ إذ (مرمى) ، هو في الأصل: ~~غرض الرامي الذي يصيبه سهمه، وهو هنا : ما انتهى إليه البصر (عين من) موصولة ~~(شأنه) أي: قصده (العلو) أي : ارتفاع مكانه، والجملة صلة، وخبر (مرمى) ~~(العلاء) بالفتح والمد؛ أي: الرفعة والشرف ، ويجوز ضم عينه مع القصر؛ أي: ~~كما أن رفعه رآسه إيماء إلى ما مر.. فكذلك رمقه ببصره إلى جهة العلو إيماء إلى آنه ~~لا يقصد إلا أعلى المراتب؛ إذ من شأنه العلو لا يقصد إلا جهاته وما يوصل إليها دون ~~غيرها مما لا يناسب قصده، فعلم أن المترتب على الرفع والرمق متحد بالذات مختلف ~~بالاعتبار؛ إذ التوجه إلى جهات العلو الذي هو مفادهما له اعتبارات مختلفة ~~28. # وتدلث زهر النجوم إليه فأضاءت بضؤتها الأزجاء ~~(و) يوم (تدلت) أي: قربت ودنت، فهو عطف على (نالت)، (زهر ~~النجوم) من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي : الكواكب المضيئة (إليه) صلى الله ~~عليه وسلم كرامة له وتعظيما لم يقع نظيره لغيره، كما رواه البيهقي وابن عساكر وابن ~~(1) أي : قوله في البيت الذي قبله : (رافعا رأسه)، فهما حالان من ms060 (الهاء) في قوله: ~~وضعته) ~~اش PageV00P065 ~~============================================================ ~~السكن عن عثمان بن أبي العاصي عن آمه فاطمة الثقفية : أنها قالت : لما حضرت ~~ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم. . رأيت البيت حين وضع قد امتلأ نورا، ورأيت ~~النجوم تدنو حتى ظننت آنها ستقع علي (1) ~~(ف) بسبب هذا التدلي (أضاءت بضوثها) أي: تلك الكواكب المضيئة ~~(الأرجاء) أي: نواحي البيت، أو نواحي السماء، أو نواحي الوجود بأسره: ~~هالد با ا ل او و ااء ~~وتراءت قصود قيصر بألووم يراها من داره البطحاء ~~ال ا ا ال ن ال ~~(و) يوم (تراءت) من : رأى بمعنى: أبصر، وليس المراد هنا حقيقة التفاعل ، ~~بل أصل الفعل، ك { يخدعون الله)، وعاقبت اللص؛ أي : رثيت (قصور قيصر) ~~ومر أنه لقب لكل من ملك الروم (بالروم) أي : في بلاد الروم ، وهو ابن عيصو ~~وبين (قيصر) و (قصور) التجنيس المطلق، وسماه قوم كالسكاكي وغيره ~~تجنيس المشابهة، وهو : تماثل الكلمتين بحيث يشبهان المشتقين الراجع معناهما إلى ~~أصل واحد، كقوله تعالى : أزفت الآزفة)، يكأسفن على يوسف}، ( وأشلمت مع ~~سلين، فأقر وجهك للدين القيو}، وزعم الحلي أن هلذا ليس من أصناف ~~التجنيس، وأن عد اكثر المؤلفين له تجنيسا غلط، وليس كما زعم؛ لأنهم لم يطلقوا ~~كونه تجنيسا، وإنما قيدوه بتجنيس المشابهة، قبينوا أنه أشبه التجنيس، وليس في ~~الحقيقة تجنيسأ وسيمر بك كثير منه معبرا عنه بنحو: وفيه تجنيس شبه الاشتقاق، ~~وما ذكر في الأخير هو ما ذكره الحلي ، ولا ينافيه عد غيره له من تجنيس الاشتقاق ~~لأنه نظر إلى أن المراد من: فأقر وجهك للدين) : أفرغ وسعك في صرف جميع ~~أزمنتك في نشره والعمل به ، وغيره نظر إلى آن المراد : استقم لتبليغه والدعاية إليه: ~~حال كون تلك القصور (يراها) برؤية كاملة (من) أي : الذي (داره البطحاء) ~~أي: مكة، والأبطح والبطحاء: المسيل الواسع الذي فيه دقاق الحصباء، وأصل ~~(1) دلائل النبوة (111/1)، وتاريخ دمشق (78/3) PageV00P066 ~~============================================================ ~~ذلك : الحديث الصحيح أنه صلي الله عليه وسلم قال : " إني عبد الله خاتم النبيين وإن ~~آدم لمنجدل في طينته ، وسأخبركم عن ذلك ms061 ، أنا دغوة أبي إيراهيم ، وبشارة عيسى ، ~~ووويا أمي التي رأت ، وكذلك أمهات الأنبياء يرين"(1) ، وأن أم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رآت حين وضعته نورا أضاء له قصور الشام: ~~وفي رواية عنها قالت : (رأيت كأنه خرج من فرجي شهاب أضاءت له الأرض حتى ~~رأيت قصور الشام)، وفي آخرى : (رأيت ليلة وضعه نورا أضاءت له قصور الشام ~~حتى رأيتها)، وفي أخرى : (لما ولدته.. خرج من فرجي نور أضاء له قصور ~~الشام، فولدته نظيفا ما به من قذر)(2)، وفي أخرى : (لما فصل مني:. خرج منه ~~نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب)، وفي رواية الشفاء السابقة: (وأضاء لي ~~ما بين المشرق والمغرب حتى نظرت إلى بعض قصور الروم) ولا ينافي هلذه الروايات ~~رواية: أنها رأت مثل ذلك عند ابتداء وضعه؛ لأن تلك الإضاءة وقعت مرتين، عند ~~حمله وعند ولادته، زيادة في البشارة بظهوره وظهور دينه ~~وخصت الشام بالذكر في أكثر الروايات لما اختصت به من سبق نور نبوته إليها، ~~ومن ثم نقل كعب عن الكتب السالفة أنها دار ملكه؛ أي: باعتبار سبقه إليها قبل ~~نظرائها، ولذا أسري به صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس منها، كما هاجر إليها ~~ابراهيم ولوط، وبها ينزل عيسى عليه السلام، وهي أرض المحشر والمنشر: ~~فائدة: صح عند الضياء : أنه صلى الله عليه وسلم ولد مختونا مقطوع السرة حتى ~~لا يرى أحد سوءته(3)، زاد الحاكم : أن ذلك تواترت به الأخبار، واعترضوا ~~التصحيح بأنها كلها ضعيفة، والتواتر بأنها إذا لم تصح كما تقرر.. فكيف تتواتر(4)؟ # قيل : على أن كثيرا من الناس ولد مختونا فلا خصوصية فيه ، بل قال ابن الكلبي : إن ~~آدم واثني عشر نبيأ بعده ولدوا مختونين، وروى بعض الحفاظ بسنده إلى ابن عباس ~~(1) أخرجه ابن حيان (6404)، وأحمد (127/4)، والطبراني في " الكبير "(252/18). # (2) أحرج هذذه الروايات ابن سعد في "الطيقات " (102/1)، وانظر "السيرة النبوية" ~~(154/1 ~~(3) الاحاديث المختارة (1864) ~~(4) انظر " المستدرك " وبهامشه " التلخيص "(602/2) ~~12 PageV00P067 ~~============================================================ ~~رضي الله عنهما: آن عبد المطلب ختنه يوم سابع ولادته، وجعل له مأدبة ms062 وسماه ~~محمدا(1)، وفي طريق منكر : أنه ختن عند حليمة حيث شق قلبه (2) ~~ولما تمم الكلام على عجائب ولادته صلى الله عليه وسلم ومعجزاتها.. شرع في ~~ذكر عجائب الرضاع ومعجزاته فقال مستأنفا أو عاطفا عطف الجمل فقال : ~~9 م: ~~وبدث في رضاعه مغجزات يس فيها عن العيون خفاء ~~(وبدت) أي: ظهرت لمن في عصره صلى الله عليه وسلم بطريق العيان، ولمن ~~بعدهم بطريق البرهان (في) فعل وزمن (رضاعه) وهو: امتصاص اللبن من الثدي ~~(معجزات) تسميتها بذلك مجاز، أو جري على اصطلاح السلف كالامام أحمد، ~~فانهم يطلقون المعجزة على كل خارق ليس بسحر، وجدت فيه الشروط الأتية أم لا، ~~وللكن الأشهر الذي عليه اكثر أهل الكلام وغيرهم : أن المعجزة لا تطلق حقيقة إلا ~~على الأمر الخارق للعادة، المقرون بالتحدي، الدال على صدق الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام، فعلم أن لها شروطا: ~~أحدها: خرقها للعادة، بأن تحيل وقوعها كانشقاق القمر: ~~نانيها: اقترانها بالتحدي، وهو: طلب المعارضة والمقابلة مع آمن معارضتها، ~~من: تحديت فلانا نازعته لأغلبه، وهو مجاز؛ إذ أصله الحداء يتعارض فيه الحاديان ~~فيتحدى كل الاخر؛ أي : يطلب حداءه، فخرج: الخارق من غير تحد وهو كرامة ~~الولي، والخارق المتقدم على التحدي، كاظلال الغمام وشق الصدر الواقعين لنبينا ~~صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، فهي كرامات لا معجزات وتسمى إرهاصا؛ أي: ~~تأسيسا للنبوة: ~~لا يقال: خرج به أيضا الخارق المتأخر عن التحدي بما يخرجه عن المقارنة ~~العرفية؛ لأنه يلزم عليه إخراج اكثر آياته صلى الله عليه وسلم، كنطق الحصى والجذع ~~(1) انظر " الإستيعاب "(22/1) ~~(2) أخرج الطبراني نحوه في " الأوسط "(5817)، وانظر " مجمع الزوائد "(227/8) PageV00P068 ~~============================================================ ~~والدواب وتبع الماء، بل قيل: لعله لم يتحد بغير القرآن وتمني الموت، وزعم أنه ~~لا معجزة إلا هذذان.. أقرب إلى الكفر منه إلى البدعة، فالحق : أن المراد بالتحدي ~~ليس معناه الأصلي، بل المراد به: دعوى الرسالة، وكل معجزاته صلى الله عليه ~~وسلم مقارن لذلك، والخارق الذي لا تؤمن معارضته كالسحر، سواء أقلنا : إنه قلب ~~الأعيان وإحالة الطبائع؛ لأنا وإن جوزنا ذلك. . فقد جرت ms063 العادة الإلهية بأنه لا يقع ~~من مدعي النبوة كذبأ، وإنما يقع من مدعيها صدقا، أم لم نقل بذلك وهو ظاهر، ~~ولا ينافي ذلك ما يظهر على يد الدجال من الخوارق العظيمة ؛ لأنه ليس مدعيا للنبوة ~~بل للألوهية، وقد دلت القواطع على كذبه، وإن بروز تلك على يديه لمحض الفتنة ~~لا غير: ~~ثالثها: دلالتها على صدق المتحدي، فخرج الخارق المكذب له، كأن قال : ~~ايتي نطق هذه الدابة، فنطقت بكذبه، كما وقع لمسيلمة الكذاب اللعين : أنه تفل في ~~بير ليعذب ماؤها ويكثر، فغارت ~~لا يقال : كان ينبغي للناظم رحمه الله تعالى أن يقول : آيات أو بينات أو برهان ~~لأن هلذه هي الواردة في القرآن والسنة دون لفظ المعجزة : لأنا نقول : هي وإن لم ترد ~~للكن صارت في اصطلاح المتأخرين أبين وأظهر، فلذلك خصت بالذكر : ~~(ليس فيها) متعلق با خفاء)، (عن العيون خفاء) لوضوحها، وهو: اسم ~~مصدر لأخفيته؛ لأنه الذي بمعنى كتمته، لا مصدر لخفيته؛ لأنه بمعنى أظهرته ~~وبين (بدت) و (خفاء) الطباق ~~بالن 2 ح2 حجاء ~~اه زضا قلن ما في اليتيم عيا فناه ~~ح اا ~~(إذ) أي: وقت، أو لأجل أنه (أبته ليتمه) أي : لأجل موت أبيه وقد مضى له ~~وهو حمل شهران، وقيل: سبعة أشهر، وقيل: مات وهو في المهد، وهذا قد ~~ينافي ما في المتن، إلا أن يقال : يحمل عليه أنه مات عقب الوضع قبل أن يرضع، ~~لككن يرده أن موته كان بطيبة المنورة وهو آت من تجارة الشام عند أخوال أبيه PageV00P069 ~~============================================================ ~~عبد المطلب بني النجار(1)، وقد تقرر: آن المرضعات عقب وضعه علمن يتمه ~~قيل: إنما سمي عبد المطلب لأنه لما ولد بطيبة. ذهب إليه عمه المطلب ليأتي به ~~مكة، فكان كل من يراه معه يتوهم آنه عبده فيناديه بعيد المطلب، ثم اشتهر به ~~وقيل : دفن بالأبواء، محل قريب رابغ: ~~قال جعفر الصادق: وإنما يتم صلى الله عليه وسلم لئلا يكون لمخلوق في عنقه ~~(مرضعات) كن يأتين إلى مكة يلتمسن الرضعاء ؛ لأن إرضاع المرأة ولدها عار ~~عندهم (قلن) إنما ms064 تركناه لأنا إنما نبتغي الرضعاء رجاء للمعروف من آبائهم، وأما ~~الأم والجد.. فما عسى أن يصنعا ؟ و(ما في) هذا (اليتيم) بينه وبين (يتمه) جناس ~~الاشتقاق (عنا) متعلق بقوله : (غناء) - بفتح المعجمة - أي : ليس فيه ليتمه وفقره ~~ن فع يضي عنا شيئا، وبينهما الجناس المصحف المحرف الناقص على خلاف فيه ~~منشر ~~فاتته من آل سعد فتاة قذ أبتها لفقرها الؤضعاء ~~(ف) بعد أن تركته لذلك (أتته من آل سعد) بن بكر، ونسبت إليه مع أنه الجد ~~التاسع؛ لأنه الأشهر وبه عرفت القبيلة، وزوجها منهم أيضا (فتاة) أي : شابة كريمة ~~كائنة من بعض هلذه القبيلة، فقول الشارح : إن (من) بيانية.. بعيد، وفي كونها ~~حليمة السعدية من الفأل الحسن والبشارة العظيمة بحصول غايات الحلم والسعد لهذا ~~الرضيع ما لا يخفى عظيم وقعه، وقد كان صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن: ~~(قد أبتها لفقرها الرضعاء) جمع رضيع؛ أي : أهلهم؛ لأن الفقر يستلزم قلة ~~الأكل المستلزمة عادة لقلة اللبن المضرة بالرضيع غالبا، وما تعطاه من جعل ربما ~~تصرفه في حوائجها الخارجة، قلا يفيدها في دفع الجوع الذي هو المحذور، وأصل ~~(1) انظر " طبقات ابن سعد *(99/1)، و9 الروض الأنف " (99/2). PageV00P070 # ============================================================ ~~ذلك : ما رواه ابن اسحاق وإسحاق بن راهويه وأبو يعلى والطبراني والبيهقي وأبو نعيم ~~عن حليمة رضي الله عنها : آنها قدمت مكة في نسوة من قومها يلتمسن الرضعاء في سنة ~~مجدبة، ومعها صبيها وشاة ما تبض بقطرة لبن(1)، ولا لبن بثديها، فلا ينام صبيها ~~من الجوع، قالت : وما علمت امرأة منا إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فتأباه إذا قيل: يتيم، فوالله ما بقي من صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعا غيري، ~~فلما لم أجد غيره.. قلت لزوجي : والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي ~~رضيع، لأنطلقن إلى ذلك اليتيم فلاخذنه، فذهبت فإذا به مدرج في ثوب صوف أبيض ~~من اللبن، يفوح منه المسك الأذفر، وتحته حريرة خضراء، راقد على قفاه يغط، ~~فأشفقت أن أوقظه من تومه لحسنه وجماله، ms065 فدنوت منه رويدا فوضعت يدي على ~~صدره صلى الله عليه وسلم، فتبسم ضاحكا وفتح عينيه ينظر إلي، فخرج من عينيه نور ~~حتى دخل خلال السماء وأنا أنظر، فقبلته بين عينيه وأعطيته ثديي الأيمن ، فأقبل عليه ~~بما شاء من لبن، فحولته إلى الأيسر فأبى، وكانت تلك حاله صلى الله عليه وسلم بعد ~~قال أهل العلم : أعلمه الله تعالى أن له شريكا فألهمه العدل - ثم أخذته فما هو إلا أن ~~جيت به رحلي فقام صاحبي- تعني زوجها- إلى شاتنا تلك فإذا بها حافل، فحلب ~~ما شرب وشربت حتى روينا، وبتنا بخير ليلة من الخير والبركة حين أخذناه، فلم ~~يزل الله يزيدنا خيرا(2،). # وفي رواية: آنها لما ودعت آمه وذهبت به على آتانها. سجدت نحو الكعبة ثلاث ~~جدات ورفعت رأسها إلى السماء، ثم مشت فسبقت دوابهن، فصرن يتعجبن ~~ويقلن لها : أهذذه أتانك التي كانت ترفعك طورا وتخفضك أخرى ؟! فتقول : نعم، ~~فيقلن : إن لها شأنا عظيما، فسمعت الأتان تقول : إن لي شأنا عظيما، بعثني الله بعد ~~موتي، ويحكن هل تدرين من على ظهري؟ على ظهري خير الأولين والأخرين: ~~(1) بض : سال سيلا قليلا. # (2) السيرة النبوية (162/1)، ومسند أبي يعلى (7163)، والمعجم الكبير (212/24) ~~ودلائل البيهقي (132/1)، ودلائل أبي نعيم (193/1) PageV00P071 ~~============================================================ ~~وأبدل من (أتته) قوله: ~~أرضعته لبانها فسقتها وبنيها البانهن الشاء ~~(أرضعته لبانها) - بكسر أوله- مفعول به، ويجوز- على بغد- كونه مطلقا؛ لأن ~~معنى (لبانها) رضاعها؛ إذ يقال : هو أخوه بلبان أمه، ولا يقال: بلبنها، فاللبان ~~مختص بلبن الرضاع (ف) بسبب هلذا الرضاع لهذا المولود الأفضل من سائر ~~المخلوقات (سقتها) أي: حليمة (وبنيها) وقد كانوا أشرفوا على الهلاك من ~~الجوع؛ لما مر أن أرضهم كانت في غاية المحل والجدب (ألبانهن) فيه استعمال ~~ألبان في غير لبن الرضاع ، وكأن الحامل عليه مقابلته با لبانها) السابق، فيكون من ~~باب المشاكلة ، نحو: ومكروأ ومكر الله}، تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى ~~فك}، (الشاء) جمع شاة، كرامة لذلك المولود عليه الصلاة والسلام، وإنما ~~سقتهم مع ذلك المحل؛ لأنها ببركته صلى الله عليه وسلم ~~أضبحث ms066 شولا عجافا وأمسث ما بها شائل ولا عخفاء ~~(أصبحت) فهو من أسلوب الحكيم، ويجوز كونه حالا نظرا لصورة تعريفه، ~~(من الكامل] ~~وصفة نظرا لكون (أل) فيه جنسية، نحو قوله: ~~ولقذ أمو على اللئيم يسئني ~~(شولا) بالتشديد جمع شائل، وهو في الأصل : الناقة التي تشول بذنبها للقاح ~~ولا لبن بها أصلا، فاستعمالها في الشاة مجاز علاقته المشابهة (عجافا) أي: ~~هزيلات (وأمست) لم يرد بأصبح وأمسى معناهما، بل المراد : أنها كانت في حال ~~فاعتراها تقيضه في آقرب زمن وأسرعه، فبينهما الطباق وإن لم يرد بهما موضوعهما ~~(ما بها) أي: فيها (شائل) مبتدأ، أو فاعل الظرف(1) (ولا عجفاء) أي : هزيلة، ~~(1) يجوز فيه أن يكون مبتدأ أو فاعلا كما قال الشارح ، وفي الترجيح بينهما مذهبان، وذكر ابن PageV00P072 ~~============================================================ ~~وبين إثبات الشول والعجاف ونفيهما طباق، على حد قوله تعالى : { ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمو* يعلمون ظهرا من الحيوة الدنيا} . ولك أن تقول : ليس ما ههنا على وزن ~~الاية؛ لأن الذي فيها نفي العلم عنهم وإثبات بعضه لهم لا بقيد زمن ولا غيره، ~~وما هنا فيه الإثبات في زمن والنفي في زمن آخر، وهذا لا تضاد فيه حقيقة ~~ولا إيهامأ، وشرط الطباق التضاد أو إيهامه ولو ببادىء الرآي، كما هو معلوم من ~~استقراء أمثلتهم، وذكر الزمنين المختلفين يمنع من ذلك ، ولا ينافيه عدهم من الطباق ~~قوله تعالى: أو من كان ميتا فأحيينكه }، إذ الفاء تأتي لغير التعقيب، فالإيهام ~~موجود، على آنها معه قد لا تمنعه أيضا ، لأن ضمير (أحييناه) للميت، فكأنه قال: ~~أحيينا الميت، وهذا فيه إيهام اجتماع الحياة والموت. فتأمله. # 33 ~~أخصب العيش عندها بغد مخل إذ غدا للنبي منها غذاء ~~(أخصب) من الخصب بكسر أوله، وهو: ضد الجدب (العيش) أي: كثر ~~قوت الادميين والدواب (عندها) أي: حليمة، أو الشاء، ويرجحه(1): (منها) ~~الاتي (بعد محل) أي : شدة جدب ، وهو : انقطاع المطر ويبس الأرض من الكلا ~~والزرع (إذ) أي : ذلك الإخصاب وقت، أو لأجل أن (غدا) أي : صار (للنبي) ~~الأعظم (منها) أي: الشاة (غذاء) - بالمعجمة - أي : لبان ms067 تغذيه ~~وبين (غدا) و(غذاء) الجناس السابق في (عنا) و(غناء)(2) ~~يا لها منة لقد ضوعف الآج ر عليها من جنسها والجزاء ~~(يا لها) كلمة تعجب من هلذه الفعلة الجميلة من حليمة، وهي: إرضاعها له ~~هشام وجوب كوته فاعلا. انظر "مغني اللبيب * (578/2) ~~(1) أي: يرجح كون الضمير في (عندها) عاندا على الشاء. # (2) وهو الجناس المصحف المحرف الناقص ~~139 PageV00P073 ~~============================================================ ~~صلى الله عليه وسلم من غير مقابل دنيوي ترجوه، ونظير هذا التعجب قوله في ~~"البردة": ~~يا طيب مبتدأ منه ومختتم ~~فالنداء فيه للتعجب؛ إذ لا ينادى إلا العاقل أو المنزل منزلته، والعرب إذا ~~استعظمت شيئا. نادته على سبيل التعجب، وفيه مجاز التشبيه؛ لتشبيه ما تعجب منه ~~لعظمته بمنادى يسمع ويعقل، وزعم أن (يا) للتنبيه.. مردود بأنهم لم يذكروا هذا ~~من محالها(1). # قيل: والتقدير: يا متعجبأ؛ تأمل طيب مبتدئه، ونظيره هنا : يا متعجيا؛ تأمل ~~ما استقر لها (منة) تمييز: أي نعمة منها عليه (لقد) اللام للقسم أو التاكيد (ضوعف ~~الأجر) أي : كرر الثواب؛ إذ تضعيف الشيء أن يزاد عليه مثله أو اكثر (عليها) ~~أي: توالى وتتابع حال كونه مستوليا على حليمة، فاعلى).. على بابها من ~~الاستعلاء المجازي، أو على تلك المنة؛ أي : لأجلها، على حد: { ولتكبروا ~~الله علك ماهدنكم} أي : لأجل هدايته إياكم، أو حال كونه (من جنسها) كما علم ~~من قوله : (فسقتها...) إلخ: ~~(والجزاء) من عطف الرديف؛ إذ هو الأجر، وذلك لأن الجزاء من جنس ~~العمل، فلما سقته صلى الله عليه وسلم لبنها.. سقتها وبنيها شياهها، مع آنها كانت ~~وقت أخذه من أمه على غاية من الهزال وعدم اللبن، فلأجل أن غذاءه كان من ~~ألبانها. أزال الله عنها المحل والجدب، وأبدلها منها الخصب والخير الكثير جزاء ~~وفاقا. # واعلم: أن ما حصل لحليمة من هلذه المزية الجليلة إنما نشأ عن تسخير الله تعالى ~~(1) قال ابن هشام : ( فقيل: هي للنداء والمنادى محذوف، وقيل : هي لمجرد التتبيه؛ لثلا ~~يلزم الاجحاف بحذف الجملة كلها، وقال ابن مالك: إن وليها آمر، نحو: ألا ~~يا اسجدوا.. فهي للنداء؛ لكثرة وقوع ms068 النداء قبلهما، نحو: (يقادم اشكن)، ول{ يكنوح ~~أقيظ)، ونحو: { يككلك ليقض علتناربك}، والا.. فهي للتنبيه) اهه المغني "(88/1) ~~والاستدلال بقوله تعالى: الا يا اسجدوا على قراءة أبي جعفر والكسائي ورويس ~~انظر " النشر" لابن الجزري (2/ 337). PageV00P074 # ============================================================ ~~لها لهذا الفعل الجميل الصادر منها المبني على سبق سعادتها ~~واذا سخر الإله اتاسا لسعيه فإيهم شعداء ~~(و) قد تقرر في المعقول والمنقول أنه (إذا سخر) أي : ذلل ووفق (الإلكه ~~أناسا) لغة في الناس (لسعيد) أي: لخدمته ومحبته والقيام بشأنه (فإنهم) بسبب ~~ذلك (سعداء) جمع سعيد؛ لأن بركة ذلك السعيد ويمنه وبره تتابع عليهم حتى يكونوا ~~من سعداء الدنيا والآخرة، ولأن المرء مع من أحبه من الأكابر وإن لم يعمل بعمله، ~~كما صح به الحديث(1) ، ولأن " الأزواح 8 - كما في الحديث (2) أيضا - "جنود ~~مجندة، فما تعارف منها" في عالم الأرواح.. " أثتلف" في عالم الأجساد ، ومن ~~أعظم أجرها وسعادتها توفيقها للاسلام هي وزوجها وبنوها، بل رد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سبي هوازن إليهم بواسطة كونهم قومها، وكانت تقدم عليه ~~صلى الله عليه وسلم فيكرم مثواها، وكذلك زاد في إكرام بنتها الشيماء لما أعتقها من ~~جملة من آعتق من سبيهم كما يأتي ~~وهذا من فن البديع المسمى بالكلام الجامع ، وهو : أن يأتي الشاعر ببيت تكون ~~جملته حكمة أو موعظة أو تنبيها أو نحو ذلك من الحقائق الجارية مجرى الأمثال ، ~~كقول أبي الطيب :. # [من الخفيف] ~~وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام(3 ~~وهو كثير في كلام الناظم، وأصل ما ذكره بقوله: (أرضعته..) إلى هنا.. # ما رواه ابن إسحاق وغيره من قولها بعد ما قدمناه عنها آنفا: ثم قدمنا أرض بني سعد ~~ولا أعلم أرضا أجدب منها، فكانت غنمي تروح علي شباعا لبنأ فنحلب ونشرب، ~~(1) حديث: 0المرء مع من أحب " أخرجه البخاري (6168)، ومسلم (2641)، وأبو داوود ~~(5086)، والترمذي (2385). # (2) أخرجه اليخاري تعليقا في كتاب الأنبياء، باب الأرواح جنود مجندة، ومسلم (2238) ~~وأبو داوود (4801) ~~(3) البيت في شرح ديوانه " للعكبري (345/3). PageV00P075 # ============================================================ ~~وما يحلب إنسان غيرنا قطرة لبن ولا يجدها في ضروع ، حتى تؤمر ms069 الرعيان أن تسرح ~~غنمها حيث تسرح غنمي، فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن، وتروح أغنامي ~~شباعا لتنا، فلم نزل نتعرف من بركته الزيادة والبركة حتى مضت له سنتان وفطمته(1). # ولما قرر ما حصل لها من الخصب بعد الجدب ببركة إرضاعها له صلى الله عليه ~~وسلم، ومن الجزاء من جنس عملها بكثرة لبن شياهها.. عقبه بما يبين آن تلك ~~المضاعفة في قوله : (ضوعف) بلغت مرات كثيرة فقال : ~~حبة أنبتث سنابل والعض ح لديه يشتشرث الضعفاء ~~(حبة) أي : هذه الفعلة الصادرة من حليمة كما دل عليه السياق، وبه يعلم أن ~~هذا ليس من الاستعارة؛ لأن شرطها : طي ذكر المستعار له بأن لا يكون في الكلام ~~رمز إليه ولو تقديرا، ومن ثم كان التحقيق في : تم يكم. . الآية : أنه من التشبيه ~~البليغ؛ لدلالة السياق على طي المشبه الذي هو هم، وقول البهاء السبكي: إنه ~~استعارة.. رأي مخالف للجمهور فلا يعول عليه ك( حبة)، وأشار إلى وجه الشبه ~~الذي هو تضاعف الجزاء؛ ليبين أنه ليس من التشبيه البليغ ؛ لأن شرطه : أن لا يذكر ~~وجه الشبه بقوله: (أنبتت سنابل) كثيرة، جمع سنبلة، وهي: مجتمع الحب، في ~~كل سنبلة مائة حبة والله يضكعف لمن يشاء}، ففيه اقتباس، وحذف لفظ : سبع ؛ ليبين ~~أن العرب قد يذكرونها كالسبعين مريدين بها مطلق الكثرة لا خصوص العدد المعروف ~~(والعصف) أي: والحال أن ورق النبات اليابس كالتبن (لديه) أي : عنده ~~(يستشرف) أي: يتطلع (الضعفاء) أي : حصلت تلك المضاعفة الكثيرة في تلك ~~السنابل والحال أن الوقت وقت عدم النبات بالكلية، بحيث إن الفقراء يتطلعون إلى ~~ورق النبات فضلا عن النبات فضلا عن الحب، كما أن حليمة حصل لها ذلك الخصب ~~واللبن والحال أن قومها يتطلعون إلى ورقة حبة أو قطرة لبن فلا يجدونه ~~(1) انظر "سيرة ابن هشام"(164/1) PageV00P076 ~~============================================================ ~~32 ~~وأتت جده وقذ فصلته وبها من فصاله البرحاء ~~(و) بعد أن انتهى رضاعه لبلوغه سنتين (أتت) به (جده) عبد المطلب الذي في ~~الرواية الأتية أمه، فلعل الناظم ذكر جده لأنه الأصل، ولأن أمه ms070 ما كانت تفعل به شيئا ~~الا بعد مشاورة جده: ~~نعم؛ في " سيرة ابن هشام " أن حليمة رضي الله تعالى عنها لما آتت به مكة.. # أضلته في الناس، فأتت جده وأخبرته بذلك، فدعا الله تعالى حتى وجدوه(1) (و) ~~الحال أنها (قد فصلته) أي : فطمته (و) الحال أنه لحق (بها من) أجل (فصاله) ~~أي : فطامه (البرحاء) أي: التألم الكثير؛ لما شاهدت من توالي الخيرات وتتابع ~~البركات بسبب رضاعه واقامته عندها ~~(36.. # إذ أحاطت به ملائكة الله فظنث بأنهم قرناء ~~(إذ) أي: أتت به وقت، أو لأجل أنه (أحاطت) أي : أحدقت (به ملائكة الله) ~~لأجل شق قلبه الشريف الاتي، وهذا ظاهر على الرواية الاتية أنهم ثلاثة، وكذا على رواية ~~أنهم اثنان؛ لأنهما أقل الجمع عند جماعة (فظنت) حليمة (بأنهم) الباء زائدة (قرناء) ~~أي: شياطين يريدون إيذاءه، فخافت عليه وأسرعت به إلى جده لتسلم من تبعته ~~(391 ~~ورأى وجدها به ومن الوج د لهيب تضلى به الأخشاء ~~(ورأى) أي: جده وأمه حين ردته إليهما (وجدها) أي : شدة محبتها له وتعلقها ~~(به) فرداه معها لذلك، وليسلم من وباء مكة كما يأتي في الرواية، وهذذا حذفه ~~الناظم لكن سياقه يدل عليه (و) هي للحال المبينة لعظمة ذلك الوجد الذي رآه بها ~~(1) سيرة ابن هشام (167/1). # 143 PageV00P077 ~~============================================================ ~~(من) أجل (الوجد) الذي بها (لهيب) أي: نار (تصلى) أي: تحترق (به ~~الأحشاء) جمع حشا، وهو: ما انضمت عليه الضلوع، ويحتمل آنها استئنافية، ~~فا من) ابتدائية، وحينئذ فهذا من إرسال المثل (1)، أو هو حكمة مفيدة أن شأن ~~الوجد أنه ينشأ عنه ذلك اللهيب الذي يحرق الأحشاء، وأن وجدها من هلذا القبيل، ~~فمن ثم رثى لحالها وأطفأ نار ذلك الوجد برده إليها. # 0 ت ~~فارقته كوها وكان لديها ثاويا لا يمل منه الثواء ~~(فارقته) بدل من (أتت)، (كرها) أي : حال كونها ذات كراهية لفراقه؛ لما ~~شاهدت في إقامته عندها من الخيرات الكثيرة عليها وعلى زوجها وبنيها وسائر ~~متعلقاتها (و) الحال أنه (كان لديها) أي: عندها (ثاويا) أي: مقيما (لا يمل) ~~بالبناء للمجهول ms071 (منه) متعلق بقوله : (الثواء) الإقامة، فهو مع (ثاويا) من جناس ~~الاشتقاق؛ أي: لا تمل إقامته، بل تحب ويرغب فيها، لما يترتب عليها من ~~الإحسان الواسع المجبولة على حبه النفوس: ~~ولما فرغ من قصة رضاعه. ذكر قصة شق صدره ؛ لأنه السبب في إحضاره لجده ~~المذكور آنفا، ولذا أبدل من قوله : (أحاطت) قوله : ~~شق عسن قلبه وأخرج منه مضغة عند غشله سؤداء ~~(شق عن قلبه) بالكيفية الاتية في القصة، ويحتمل أن قوله : (شق عن قلبه) ~~استئناف لبيان مطلق الشق الشامل للواقع في زمن الرضاع وما بعده مما يأتي ~~ويؤيده: أنه ذكر في قصته آشياء ككون الخاتم جبريل لم ترد في قصة شقه عقب ~~الرضاع، بل في شقه الذي بعد ذلك كما يعلم بتأمل كلام الناظم مع القصة الأتي ~~بسطها، وهو- آعني القلب-: مضغة في الفؤاد معلقة بالنياط، فهو أخص من ~~(1) وهو : أن يأتي في بعض البيت بما يجري مجرى المثل: PageV00P078 ~~============================================================ ~~الفؤاد، قاله الواحدي، والذي في " الصحاح " أنهما مترادفان، قال البدر الزركشي: ~~والأحسن قول غيره : الفؤاد غشاء القلب، والقلب حبته وسويداؤه، ويؤيد الفرق ~~قوله صلى الله عليه وسلم : " ألين قلوبا وأرق أفئدة"(1) وفرق الزمخشري : بأن الفؤاد ~~وسط القلب، سمي به لتفوده(2)؛ أي: توقده، والقلب مشتق من التقلب الذي هو ~~المصدر؛ لفرط تقلبه كما في الحديث، ومثل هذا القلب كمثل ريشة ملقاة بفلاة ~~يقلبها الريح بطنا لظهر. # (وأخرج منه) آي : القلب (مضغة) أي: قطعة لحم قدر ما يمضغ (عند غسله) ~~ظرف لل أخرج)، (سوداء) صفة ل(مضغة) وإنما خلقت هلذه المضغة فيه ثم ~~أخرجت؛ لأنها من جملة الأجزاء الإنسانية، فعدمها نقص في البدن، وأيضا ~~فإخراجها بعد خلقها على هذه الصورة البديعة. أدل على مزيد الرفعة وعظيم الاعتناء ~~والرعاية من خلقه بدونها، وياتي في رواية صحيحة: أنه أخرج منه علقتان سوداوان، ~~ولا ينافي ما ذكره الناظم أنها واحدة ؛ لأن المراد بها : الجنس، على أن الشق تكرر ~~كما يأتي، فلا بدع أنه صلى الله عليه وسلم أخرج منه واحدة ثم ثنتان ؛ لأن المراد: ~~الميالغة في تطهيره وتكريمه، وذلك ms072 يستدعي استقصاء تنظيف جوفه ~~ختمته يمنى الأمين وقذ أو وع ما لم تذغ له أنباه ~~(ختمته) أي: ذلك الشق المفهوم من (شق) وهي استئنافية، أو معطوفة على ~~(شق) بحذف حرف العطف؛ آي: ثم بعد شقه لأمته وأعادته إلى ما كان عليه (يمنى) ~~جبريل عليه الصلاة والسلام (الأمين) على كتب الله ووحيه (و) الحال أن ذلك القلب ~~الكريم (قد أودع) حالة الشق من الإيمان والحكمة والعلوم والأسرار الإللهية (ما) ~~أي : الذي أو شيئا (لم تذع) - بضم التاء وكسر الذال المعجمة - أي: تنشر (له) ~~اللام زائدة؛ أي: ما لم تنشره وتحيط به (أنباء) أي: أخبار؛ لأنه لا يعلمه إلا ~~مولاه والمتفضل به عليه، قال العلماء : جعل الله القلب في الإنسان هو الذي يعقل ~~(1) أخرجه البخاري (4388)، ومسلم (52)، وأحمد (252/2) ~~(2) الفائق في غريب الحديث (83/1) ~~45 PageV00P079 ~~============================================================ ~~عنه، وهو آصل وجوده وبه صلاحه وفساده، وهو محل آسراره التي يودعها قلب من ~~يشاء، فأول قلب أودعها قلب محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أول خلق، وصورته ~~آخر صور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهو أولهم واخرهم، فلذا حاز جميع ~~كمالاتهم وزاد عليهم بما لا يعلمه إلا الله تعالى: ~~43 ~~صان أشراره الختام فلا الفض ملم به ولا الإفضاء ~~(صان) آي: حفظ (أسراره) التي أودعت فيه، وهو مفعول مقدم، ذلك ~~(الختام) الواقع من جبريل، وهو: ما يختم به الكتاب ونحوه من طين آو نحوه ~~وبينه وبين (ختمته) جناس الاشتقاق (ف) بسبب هذذه الصيانة (لا الفض) أي : ~~الكسر بالتفرقة (ملم) أي: واقع (به) أي: بذلك الختم (ولا الإفضاء) أي: ~~الإشاعة واقعة لذلك السر، وبين (الفض) و( الافضاء) التجنيس المطلق، ومر فيه ~~في (قيصر) و(قصور) زيادة، ويجري ذلك في قوله : (يمنى الأمين): ~~وأصل قوله: (وأتت جده...) إلخ.. قول حليمة رضي الله تعالى عنها بعد ~~ما قدمته عنها كما في السير عنها: لم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت ~~سنتاه وفصلته، فكان يشب شبابأ لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما ~~جفرا، فقدمنا به على آمه ونحن ms073 آحرص شيء على بقائه عندنا؛ لما نرى من بركته، ~~فقلنا لأمه: لو تركتيه عندنا حتى يغلظ، فإنا نخشى عليه وباء مكة، ولم نزل بها حتى ~~ردته معنا فرجعنا به، فو الله إنه لبعد مقدمنا به بشهرين أو ثلاثة مع آخيه من الرضاعة ~~في بهم لنا خلف بيوتنا.. جاء أخوه يشتد فقال : ذاك أخي القرشي، قد جاءه رجلان ~~عليهما ثياب بيض، فأضجعاه وشقا بطنه، فخرجت آنا وأبوه نشتد نحوه فنجده قائما ~~منتقعا لونه ، فاعتنقه أبوه وقال : أي بني؛ ما شأنك ؟ قال : 9 جاء ني رجلان عليهما ~~ثيات بيض، فأضجعاني فشقا بطني، ثم أستخرجا منه شيثا فطرحاه، ثم رداه كما ~~كان" فرجعنا به معنا، فقال أبوه : يا حليمة؛ لقد خشيت آن يكون ابني قد أصيب، ~~فانطلقي نرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوفه، قالت : فاحتملناه إلى آمه فقالت : ~~ما ردكما به؟ فقد كنتما حريصين عليه، قلنا: نخشى الاختلاف والأحداث، PageV00P080 ~~============================================================ ~~فقالت : ما ذاك بكما، فاصدقاني شأنكما، فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره، فقالت: ~~أخشيتما عليه الشيطان ؟ لا والله ما للشيطان عليه سبيل، وإنه لكائن لابني هذذا شأن، ~~فدعاه عنكما(1) ~~وفي حديث عند أبي يعلى وأبي نعيم وابن عساكر : " كنت مشتروضعا في بني ليث ~~انن بكر، فبينا أنا ذات يوم في بطن واد مع أتراب لي من الصبيان ، فإذا أنا برهفط ثلاثة ~~معهم طشت من ذهب ملىء ثلجا ، فأخذوني من بين أصحابي ، وأنطلق الصبيان هربا ~~مشرعين إلى الحي ، فعمد أحدهم فأضجعني على الأزض إضجاعا لطيفا ، ثم شق ما ~~بين مفرق صذري إلى منتهى عانتي وأنا أنظر إليه فلم أجذ لذلك مسا ، ثم أخرج أخشاء ~~بطني، ثم غسلها بذلك الثلج فأنعم غشلها، ثم أعادها مكانها، ثم قام الثاني فقال ~~لصاحبه : تنح، ثم أذخل يده في جوفي وأخرج قلبي وأنا أنظر إليه فصدعه ، ثم أخرج ~~منه مضغة سؤداء فرمى بها ثم قال - أي : أشار بيده - يمنة ويشرة كانه يتناول شيئا ، فإذا ~~خاتم من نور يحار الناظر دونه ، فختم به قلبي فأمتلأ نورا ، فذلك نور النبوة ms074 ~~والحكمة، ثم أعاده مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دفرا ، ثم قال الثالث ~~لصاحبه : تنح ، فأمر يده بين مفرق صذري إلى منتهى عانتي فألتام ذلك الشق بإذن الله ~~تعالى، ثم أخذ بيدي فأنهضني من مكاني إنهاضا لطيفا.." الحديث (2). # وفي رواية عند البيهقي : أن أحد الثلاثة في يده إبريق من فضة، وفي يد الثاني ~~طست من زمردة خضراء111. # وورد في خبر التابوت المذكور في الأية : أنه كان فيه الطست الذي غسلت فيه ~~قلوب الأنبياء صلى الله عليهم وسلم(2). # وحكمة ختم قلبه المقدس: الاشارة إلى ختم الرسالة به، قيل: وإنما يسلم هذا ~~إن اختص الختم به، أما إذا لم يختص الختم به كما مر فالحكمة: أنه من جملة ~~(1) انظر " السيرة النبوية *(164/1) ~~(2) تاريخ دمشق (473/3) ~~(3) دلائل النبوة (139/1) ~~4) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره "(386/2) ~~14 PageV00P081 ~~============================================================ ~~علامات النبوة، وإنما شاركه فيها غيره، على أن هذه الكيفية المذكورة في شق قلبه ~~صلى الله عليه وسلم الظاهر: آنها من خواصه صلى الله عليه وسلم، سيما مع تكرر ~~الشق؛ لأن الوارد فيهم مجرد غسل قلوبهم، وهو لا يستلزم هلذه الكيفية البديعة ~~البالغة من خرق العادة والتعظيم مبلغا لا يدركه العقل: ~~وروى الشق أيضأ وهو ابن عشر سنين أو نحوها مع قصة له مع عبد المطلب، رواه ~~أبو نعيم في "الدلائل " ، ورواها عبد الله بن الإمام أحمد في " زوائد مسند أبيه" ~~بلفظ : قال أبو هريرة : يا رسول الله ؛ ما أول ما ايتدئت به من أمر النبوة؟ قال : ~~" إني لفي صخراء واسعة امشي أبن عشرججج: إذ أنا برجلين فوق رأسي يقول ~~أحدهما لصاحبه : أهوهو ؟ قال : نعم ، فأخذاني وأضجعاني لحلاوة ألقفا(1) ثم شقا ~~بطني ، وكان أحدهما يختلف بألماء في طست من ذهب والآخر يغسل جوفي ، فقال ~~أحدهما لصاحبه : أفلق صذره ، فإذا صذري فيما أرى مفلوقا لا أجد له وجعا، ثم ~~قال : أشقق قلبه ، فشق قلبي ، فقال : أخرج الغلي والحسد منه ، فأخرج شبة العلقة ~~فتبد بهو، ثم قال : أذخل البوحمة والرأفة قلبه ، فادخل شييا كهيية الفضة ، ثم أخرج ms075 ~~ذرورا كان معه فذر عليه ، ثم نقر إنهامي ثم قال : أغد ، فرجعت بما لم أغد به من ~~رخمتي للصغير ورأفتي للكبير"(2) وروي خامسة ولا تثبت . # وحكمة شق صدره الشريف في حال صباه واستخراج ما مر منه.. تطهيره عن ~~نقائص الصبا؛ ليكون حينئذ على أكمل صفات الرجولية، ولذلك نشأ على أكمل ~~الأحوال. # قال بعض الأئمة : ولعل هلذا الشق كان سببا لإسلام قرينه المروي عند البزار(3) أو ~~إشارة إلى حظ الشيطان المباين له، كالعفريت الذي أراد أن يقطع عليه صلاته ~~وأمكنه الله تعالى منه (2). # (1) حلاوة القفا: وسطه؛ أي: أنهم لم يميلوا به يمنة أو يسرة. # 2) مسند أحمد (139/5). # (3) مسند البزار (1871) ~~(4) أخرجه البخاري (3423)، وابن حبان (1419). # 148 PageV00P082 ~~============================================================ ~~وأما قول الرازي : وقوعه في حال الطفولية مشكل؛ لأنه معجزة وهي لا يجوز ~~تقدمها على النبوة؛ لأن الذي عليه اكثر أهل الأصول اشتراط اقتران المعجزة ~~بالتحدي. فمردود بأن هذا من باب الإرهاص لا المعجزة، ونظائر ذلك كثيرة. # قيل : وهذا الشق هو المراد بقوله تعالى : { ألرنشرخ لك صدرك} ~~تبيه أول: ثبت شق صدره الشريف مرة أخرى عند مجيء جبريل له بالوحي وهو ~~بغار حراء كما يأتي، وممن رواها الطيالسي والحارث في مسنديهما"(1) وكذا أبو ~~نعيم، ولفظه : إن جبريل وميكائيل شقا صدره وغسلاه ثم قالا اقرأ بأس ربك. # الآيات، والحكمة فيه : كمال التهيؤ والتقوي على ما يلقى إليه من القول الثقيل بقلب ~~قوي في اكمل أحوال التطهير. # وثبت مرة أخرى - تواردت بها الروايات خلافا لمن أنكرها - ليلة الإسراء، ففي ~~"البخاري" وغيره : (أنه شق قلبه فيها وهو بالمسجد قبل آن يخرج به إلى ركوبه ~~البراق، فشق من ثغرة نحره إلى عانته فاستخرج قلبه، ثم غسل في طست ذهب - أي: ~~لأن تحريم الذهب إنما كان بعد، على أن الغالب في أحوال تلك الليلة أنه من أحوال ~~الغيب، فيلحق بأحكام الاخرة- مملوء حكمة وإيمانا، ثم حشي- آي: وتجسيم ~~المعاني جائز، ومنه الرواية الصحيحة بذبح الموت - ثم أعيد)(2) وحكمة هذا ~~الشق: التهيؤ للرقي إلى الملأ الأعلى، والتقوي على استجلاء ما شاهد تلك الليلة، ~~ولمالم يتفق ms076 هلذا لموسى عليه السلام.. لم يطق الرؤية ~~وجميع ما ورد من الشق وإخراج القلب وغيرهما.. يجب الإيمان به وإن كان ~~خارقا للعادة، ولا يجوز تأويله؛ لصلاحية القدرة له، ومن زعم ذلك.. وقع في هوة ~~المعتزلة في تأويلهم نصوص سؤال الملائكة وعذاب القبر ووزن الأعمال والحوض ~~والشفاعة وغير ذلك بالتشهي، فقبح الله هلؤلاء ومن تبعهم: ~~وقد رمي إيراهيم عليه السلام في النار فكانت عليه بردا وسلامأ، وهذذا الشق أبلغ ~~في الصبر والكرامة مما وقع لإسماعيل عليه السلام، فإنه مقدمات ذبح لا حقيقته كما ~~(1) مسند الطيالسي (1539) ~~(2) البخاري (3787) PageV00P083 ~~============================================================ ~~هو رأي أهل السنة، وبتقديره الذي ذهب إليه المعتزلة. أنه أضجعه وأمر السكين على ~~حلقه فلم تقطع شيئا وبتقديره. فذاك مقتل واحد، وهذه مقاتل عديدة: شق ~~الصدر، ثم إخراج القلب، ثم شقه، ووقع له صلى الله عليه وسلم من ذلك الشق ~~الأول نوع مشقة ؛ لرواية : (فأقبل وهو منتقع اللون) أي : صار كلون النقع؛ أي ~~الغبار، وهو شبيه بألوان الموتى: ~~ومعنى قول ابن الجوزي: فشقه وما شق عليه: أنه صبر صبر من لم يشق عليه، ~~ومما يدل على المشقة أنه بعدما فطم (1)، مع انفراده عن أمه ويتمه من أبيه واختطافه من ~~بين الأطفال ؛ ليكون ذلك تسهيلا لما يلقاه في المآل ، ومن ثم لما شج وجهه وجرح ~~وكسرت رباعيته يوم أحد.. قال : " اللهم ؛ أغفر لقؤمي فإنهم لا يغلمون "(2) وفي ~~رواية : ( أنه غسل ليلة الإسراء بماء زمزم) (3) أي : لأنه يقوي القلب ويسكن الروع . # وأخذ البلقيني من إيثار الملك له على ماء الكوثر: أنه أفضل منه ، وهو ظاهر ~~خلافا لمن نازع فيه بما لا يجدي، كما بينته في " شرح العباب" ، وفي وضع الإيمان ~~والحكمة بالقلب دليل لما عليه اكثر أهل السنة أن العقل في القلب - كما دلت عليه ~~الآيات - لا في الدماغ. # تنبيه ثان : قال عياض رحمه الله تعالى : (خاتم النبوة أثر شق الملكين بين كتفيه) ~~وأبطله النووي رحمه الله بأن شقهما كان في بطنه وصدره؛ أي: كما في ~~الروايات(4)، ومن ثم صح عن أنس رضي الله عنه : (كنت ms077 أرى أثر المخيط في ~~صدره)(5) فالصحيح أو الصواب: أنه كان عند نغض كتفه الأيسر، وهو: بنون ~~مضمومة وقد تفتح فمعجمتين : أعلاه، ورواية الأيمن ضعيفة، قيل: ولد به ~~وروى آبو نعيم: آنه جعل عقب ولادته، والذي في حديث البزار وغيره عن أبي ~~(1) أي : أن الشق حصل بعد أن فطم عليه الصلاة والسلام. # (2) أخرجه البخاري (3477)، وأحمد (441/1)، والطبراني في " الكبير" (120/6) ~~والبيهقي في الشعب " (1447) ~~(3) أخرجه البخاري (349)، ومسلم (162) ~~4) شرح صحيح مسلم (99/15) ~~5) أخرجه مسلم (162)، وابن حبان (1334) PageV00P084 ~~============================================================ ~~ذر : يا رسول الله؛ متى علمت أنك نبي ؟ وبم علمت حتى استيقنت ؟ قال : 0 أتاني ~~آتيان - وفي رواية : ملكان- وأنا ببطحاء مكة..." الحديث ، وفيه : " قال أحدهما ~~لصاحبه : شق بطنه ، فشق بطني فاخرج قلبي ، فاخرج منه مغمز الشيطان وعلق الدم ~~فطرحها، فقال أحدهما لصاحبه : أغسل بطنه غشل الإناء ، وأغسل قلبه غشل الملاء - ~~أي : الثوب الذي يتغطى به - ثم قال أحذهما لصاحبه : خحط بطنه ، فخاط بطني وجعل ~~الخاتم بين كتفي كما هو الآن ، ووليا عني فكاني أرى الأمر معاينة "(1) . # (1)- ~~وعند أحمد وصححه الحاكم : "ثم أستخرجا قلبي فشقاه، فأخرجا منه علقتين ~~سؤداوئن ، فقال احدهما لصاحبه : اثتني بماء وثلج، فغسلا به جوفي ، ثم قال : ~~أثتني بألسكينة، فذراها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه : خطه ، فخاطه وختم ~~عليه بخاتم الثبؤة"(2). # تنبيه ثالث : اختلفت الروايات في كيفية تشبيه ذلك الخاتم على آنواع كثيرة : بيضة ~~(3 ~~(5 ~~ره ~~الحمام(1)، شعر مجتمع(12، بضعة ناشزة(5)، بندقة(1)، سلعة(1)، شيء يختم به ~~(8) ~~تفاحة(، شامة خضراء محتفرة في اللحم، شامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها ~~(9)-1 ~~شعرات، زر الحجلة(4)؛ أي: البشخانة، وزعم أنها هنا الطائر المعروف ، وزرها ~~(10) ~~يها مردود1 ~~قال المحققون : ولا اختلاف في الحقيقة، بل كل شبهه بما سنح له، وكلها الفاظ ~~(1) ~~مسند البزار (4048) ~~مسند أحمد (184/4) والمستدرك (116/2) ~~(2 ~~أخرجه مسلم (2344)، وأحمد (105/5)، والحاكم (106/2) ~~(3) ~~أخرجه ابن حيان (6300)، وأحمد (341/5)، والحاكم (106/2) ~~(4 ~~أخرجه ابن جرير الطبري في " تاريخه "(180/3) ~~(5 ~~أخرجه ابن حبان (2302) ~~(2 ~~أخرجه أحمد (226/2)، والبزار (3314)، والطبراني في " الكبير" (25/19). # (7) ~~أخرجه الترمذي (3620)، وأحمد (163/4)، والبزار ms078 (3096)، والطبراني في ~~(8) ~~0الكبير "(280/22)، والبيهقي في الشعب " (1181) ~~(9) أخرجه البخاري (140)، ومسلم (2345)، والترمذي (3643) ~~(10) انظر " شرح صحيح مسلم" للنووي (98/15) ~~151 PageV00P085 ~~============================================================ ~~مؤداها واحد، وهو: قطعة لحم بارزة عليها شعرات، إذا قلل.، قيل كبيضة ~~الحمام، وإذا كثر.. قيل كجمع الكف؛ أي: على هيئته، للكنه أصفر منه، ويشكل ~~عليه رواية: محتفرة في اللحم، ويجاب عنه: بأنه يحتمل آن حواليها احتفارا؛ ~~ليزداد ظهورها وتميزها عن الجلد. # وفي ل المستدرك " عن وهب : أن شامات الأنبياء في آيمانهم، فعليه وضعه عند ~~الكتف الأيسر من خصوصيات نبينا صلى الله عليه وسلم(1). # فائدة: أخرج البيهقي والخطيب وابن عساكر وغيرهم عن العباس رضي الله عنه : ~~قلت : يا رسول الله؛ دعاني إلى الدخول في دينك أمارة لنبوتك، رأيتك في المهد تناغي ~~القمر وتشير إليه باصبعك ، فحيث أشرت إليه مال ، قال : 1 إني كنت أحدثه ويحدثني، ~~ويلهيني عن البكاء ، وأسمع وجبته - أي : سقطته - حين يسجد تخت العرش"(2) قال ~~البيهقي: (تفرد به مجهول)، وقال الصابوني : (هلذا حديث غريب الإسناد والمتن، ~~في المعجزات حسن؛ آي: وبفرض صحة الأول هو من حيز الضعيف، وهو يعمل به في ~~المناقب، قال بعض حفاظ المتأخرين : اتفاقا كالفضائل) اه ~~وقس على ذلك كل حديث ورد في المناقب ولم يعارضه غيره مما هو مقدم عليه، ~~فاستحضر ذلك عند رؤيتك لكل حديث ضعيف وجدته في المناقب، فإن هذه القاعدة ~~مما يعظم نفعها ويجهلها آكثر المحصلين ~~ولما فرغ من ذكر رضاعه وما وقع عقبه من شق صدره.. ذكر حكم نشأته في حال ~~طفوليته وما بعدها، مبينا أن إلفه الآتي نتيجة ما أودعه الله في قلبه بعد شقه من الأسرار ~~والكمالات فقال : ~~ألف النشك وألعبادة والخذ حوة طفلا وهذكذا التجباء ~~(ألف النسك والعبادة) عطف تفسير؛ أي: اعتادهما واستمر عليهما (والخلوة) ~~عن الناس في حال كونه (طفلا) فما بعده كما فهم بالأولى ~~(1) المستدرك(2/ 577). # (2) تاريخ دمشق (359/4) PageV00P086 ~~============================================================ ~~واختلفوا هل كان يتعبد بشرع من قبله؟ والجمهور لا، وإلا. لنقل، ولأنه لو ~~تعبد بشرع أحد.. لظن أنه من أتباعه، ولاحتج أهله به عليه ولم يوجد، وعلى الأول ~~فقيل: ms079 بشرع لم يعرف، وقيل: بشرع نوح، وقيل: ابراهيم، وقيل: موسى، ~~وقيل: عيسى ~~ومعنى : { أن أتبع ملة إبرهير) أي : في التوحيد، وخص؛ لأنه الأب الأقرب ~~المبشر به الداعي ببعثته، مع مدحه له بأنه صاحب الكتاب والحكمة البالغين من كمال ~~التزكية ما لم يبلغه كتاب غيره، على أن المراد: في كيفية الدعوى من الرفق والحلم ~~الذي لم يوجد كماله إلا لإبراهيم، وغايته إلا لنبينا صلى الله عليه وسلم، وقد آمر ~~باتباع الكل في: فبهدنهم أقتدة} مع اختلاف شرائعهم ، ومع أن فيهم من ليس ~~برسول كيوسف على قول، فتعين أن المراد : أصول التوحيد والأخلاق: ~~فإن قلت : لا يحتاج للجواب عن ذلك ؛ لأن الكلام فيما قبل النبوة ، والذي في ~~الاية بعدها ~~قلت : بل يحتاج إليه كما صنعوه؛ لأن القائلين بأنه كان متعبدا بشرع غيره ~~يستدلون به ناظرين إلى آنه أمر باتباعه فيما لم ينزل عليه فيه شيء، فأمره بذلك بعد ~~النبوة يدل على أنه كان يألفه ويعمل به قبلها، وإلا. فكيف يؤمر باتباع ما لم يعرفه ؟! # قال السراج البلقيني : (ولم يجىء في الأحاديث التي وقفنا عليها كيفية تعبده عليه ~~الصلاة والسلام، للكن روى ابن إسحاق وغيره : أنه كان يخرج إلى حراء شهرا في كل ~~عام يتنسك فيه، وكان من نسك قريش في الجاهلية أن يطعم الرجل من جاءه من ~~المساكين، حتى إذا انصرف من مجاورته.. لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة) اه ~~والظاهر - كما قاله غير واحد - : أن عبادته كانت الذكر والفكر مع إكثاره للخلوة ~~والانعزال عن الناس بحراء وغيره ~~(وهكذا النجباء) أي : ومثل هذا الشأن العلي شأن الكرام، فما بالك بأكملهم ~~وسيدهم على الإطلاق ؟! ويليه في ذلك أبوه إبراهيم صلى الله عليهما وسلم، فإنه ~~اعتزل قومه وانقطع إلى الله تعالى ينتظر الفرج من مولاه، فإن انتظاره عبادة كما في ~~الحديث(1). # (1) أخرجه الترمذي (3571)، والبيهقي في 9 الشعب" (1124)، والطبراني في " الكبير" PageV00P087 ~~============================================================ ~~وفي البيت من أنواع البديع ثاني أقسام التناسب ، وهو : تشابه الأطراف بأن ~~تتناسب معانيها؛ إذ النجابة آخره يناسبها إلف ما ذكر؛ لأنها السبب في ms080 ذلك، وثالث ~~أقسامه أيضا، وهو: مناسبة اللفظ للمعنى في الرقة والسهولة ، أو الشدة والصعوبة، ~~ومنه حديث : " ألا أخبركم پأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف أغبر ذي طمرين ، لو ~~أقسم على الله.. لأبره ، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل جغظري جواظ مستخبر "(1) فأتى ~~مرة من أوصاف أهل الجنة بما يناسب حالهم من الرقة والانكسار، ومرة من أوصاف ~~أهل النار بما يناسب حالهم من الشدة والغلظة والإباء والترفع عن قبول الحق، وألفاظ ~~البيت تناسب معناه في السهولة وحسن السبك والانقطاع عن النظير. # وقوله : (وهكذا النجباء) تذييل، وهو: تعقيب الجملة بأخرى تشتمل عليها ~~للتاكيد، وهو ضربان: أحدهما- وهو ما هنا-: ما خرج مخرج المثل، نحو: ~~( وهل تحرى إلا الكفور كما مر. # ح ال ~~وإذا حلت الهداية قلبا نشطث للعبادة ألأعضاء ~~ال ~~(و) إنما كان هذا شأن النجباء من الأنبياء ثم صالحي آممهم؛ لما هو المستقر ~~المعلوم أنه (إذا حلت الهداية) وهي هنا بمعنى : الوصول إلى الحق لا الدلالة عليه ~~فقط، ومن الأول : { إنك لاتهدى من أحببت} أي : لا توصله ، ومن الثاني : { وأما ~~تمودفهدينهم} أي : دللناهم ولم نوصلهم ، بدليل : { فاستحبوا العمى على الهدى} إذ لو ~~وصلوا.. لم يستحبوا ذلك (قلبأ نشطت للعبادة(2) الأعضاء) لأن القلب هو رئيس ~~البدن المعول عليه في صلاحه وفساده، ومن ثم صح عنه صلى الله عليه وسلم آنه ~~قال : " إن في الجسد مضغة ، إذا صلحث.. صلح الجسد كله ، وإذا فسدث.. فسد ~~1/ 101) وغيرهم ~~(1) أخرجه البخاري (4918) ومسلم (2853)، والترمذي (2605)، وأحمد ~~(145/3)، والطبراني في " الكبير" (235/3)، والجواظ: الجموع المنوع، أو كثير ~~اللحم المختال في مشيته، والجظري : الفظ الغليظ المتكبر. # (2) في (د) : (في العبادة) PageV00P088 ~~============================================================ ~~الجسد تله، ألا وهي القلب "(1) وهلذا من الكلام الجامع الذي مرت نظائره. # واعلم: آن بين انتهاء رضاعه صلى الله عليه وسلم وما وقع له بعده وبين مبعثه ~~وقائع وقعت له، لا بأس بالإشارة إليها باختصار، وذلك أن حليمة لما ردته إلى أمه ~~وجده.. كان في كلاءة الله وحفظه، ينبته نباتا حسنا، ويوفقه لأفضل الأعمال ~~والأحوال ، كما أشار إلى ذلك الناظم بقوله : (ألف النسك...) إلخ: ms081 ~~ولما بلغ صلى الله عليه وسلم أربع سنين، وقيل: اثنتي عشرة سنة وشيئا، وبين ~~ذلك أقوال أخر.. ماتت أمه، وكانت قد قدمت به طيبة تزور آخوال أبيه، فأقامت به ~~عندهم شهرا ومعها مملوكته أم أيمن ~~وأخرج ابن سعد : أنه صلى الله عليه وسلم لما رأى دار النابغة.. قال : 9 هلهنا ~~نزلت بي أمي وأخسنث العوم في بثر بني النجار، وكان قؤم من اليهود يختلفون ~~ينظرون إلي" قالت أم أيمن: فسمعت أحدهم يقول : هو نبي هلذه الأمة، وهذه دار ~~هجرته، فوعيت ذلك كله من كلامهم، ولما رجعت أمه به.. ماتت بالأبواء(2)، وفي ~~رواية: أنها دفنت بالحجون، وفي أخرى : في بعض دور مكة كما في " القاموس"، ~~وحضته بعدها أمته أم آيمن بركة، ثم مات جده كافله وله ثمان سنين(2)، وقيل: ~~أكثر، وقيل: أقل، فقيل: ست، وقيل: ثلاث، فكفله عمه أبو طالب شقيق ~~والده: ~~وأخرج ابن عساكر عن عرفطة قال: قدمت مكة وهم في سنة قحط، فقالت ~~قريش: يا أبا طالب؛ أقحط الوادي وأجدب العيال، فهلم فاستسق، فخرج آبو ~~طالب ومعه غلام كأنه شمس دجى تجلت عنه سحابة قتماء وحوله آغيلمة، فأخذه آبو ~~طالب وألصق ظهره بالكعبة، ولاذ الغلام بإصبعه وما في السماء قزعة، فأقبل ~~السحاب من ههنا وههنا، وأغدق الوادي واغدودق، وانفجر له الوادي، وأخصب ~~النادي والبادي، وفي ذلك يقول أبو طالب : ~~[من الطويل] ~~وأبيض يستسشقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عضمة للأرامل ~~(1) أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599)، وابن ماجه (3984)، والدارمي (2573) ~~(2) الطبقات الكبرى (116/1) ~~(3) انظر " الطبقات "(1/ 117) وما بعدها PageV00P089 ~~============================================================ ~~وهذا البيت من جملة قصيدة له فيها مدح عجيب له صلى الله عليه وسلم، حتى ~~أخذ الشيعة منها القول بإسلامه، ويوافقه رواية ضعيفة عن العباس: أنه أسر إليه ~~الإسلام عند موته، ويؤيد ذلك أيضا ما في رواية البيهقي الأتية: "لله دو أبي ~~طالب.0!1" إلخ، للكن صرائح الأحاديث المتفق على صحتها ترد ذلك ~~وهي أكثر من ثمانين بيتأ استوفاها ابن إسحاق ، للكنه ذكر أن إنشاءه لها كان بعد ~~المبعث، وقد يجمع بأنه ذكر هلذا البيت إثر هلذه الواقعة ms082 ثم كملها بعد المبعث (1) ~~والثمال - بكسر المثلثة -: الملجأ، والعصمة : الحافظ من الضياع ، والأرامل : ~~المساكين رجال أو نساء، للكنه في النساء أكثر استعمالا ~~ثم رأيت في لشرح المنهاج " للكمال الدميري في (باب الاستسقاء) : (عن ~~الطبراني وابن سعد: أن عبد المطلب استسقى بالنبي صلى الله عليه وسلم فسقوا، ~~ولذلك يقول فيه عبد المطلب يمدحه صلى الله عليه وسلم : ل"وأبيض يستشقى الغمام ~~بوجهه..." البيت) اه(2) ~~وفيه مخالفة لما مر أن المستسقي به أبو طالب وأنه القائل للبيت ، فأما الأول . # فيمكن حمله بالجمع بين الروايات المتخالفة فيه بتكرير الواقعة؛ إذ واقعة أبي طالب ~~كان الاستسقاء به فيها عند الكعبة، وواقعة عبد المطلب كان أولها: آنهم أمروا ~~باستلام الركن ثم برقي أبي قبيس؛ ليدعو عبد المطلب ومعه النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويؤمن القوم، ففعل فسقوا ، لككن قال الحافظ نور الدين الهيثمي - شيخ الحافظ ابن ~~حجر وتلميذ الزين العراقي - عن رواية الطبراني : (في سندها رجال لا أعرفهم)(3) ~~للكن لا يؤثر ذلك فيها ؛ لأن الحديث الضعيف يعمل به في الفضائل اتفاقا، قال بعض ~~الحفاظ : وكذا المناقب كما مرآنفا، على أن صاحب "الروض " ذكر روايتين عن ابن ~~(1) انظر سيرة ابن هشام * (1/ 272)، فقد ذكر آربعة وتسعين بيتا منها، ثم قال : (هذا ~~ما صح لي من هلذه القصيدة ، وبعض أهل العلم بالشعر ينكر اكثرها) ~~(2) النجم الوهاج (587/2)، وانظر الخبر في " المعجم الكبير" (259/24)، و1 طبقات ابن ~~عد4( 49/1) ~~) مجمع الزوائد (8/ 222) PageV00P090 ~~============================================================ ~~الأعرابي وغيره توافقانها ، وحينثذ تعين الجمع بما ذكرته (1). # وأما الثاني. . فكون أبي طالب هو الذي أنشأ ذلك البيت.. هو ما درج عليه أنمة ~~السير وغيرهم، ومن ثم جعله السهيلي في " روضه" أمرا مقررا، ثم بنى عليه إشكاله ~~وجوابه الاتي ردهما(2). # وأما قول الدميري: (إنه من إنشاء عبد المطلب).، فهو وهم منه، وسبب ~~الوهم : أن في آخر قصة عبد المطلب : أن رقيقة (3) بنت أبي صيفي بن هاشم ، وهي ~~التي سمعت الهاتف في النوم أو اليقظة لما تتابعت على قريش سنون أهلكتهم يصرخ ~~يا معشر قريش؛ إن هذا النبي المبعوث قد ms083 أظلتكم أيامه وهذا إبان نجومه، فحيهلا ~~بالحيا والخصب، ثم آمرهم بأن يستسقوا به، وذكر كيفية يطول ذكرها، حاصلها ~~ما مر، فلما ذكرت الراوية المذكورة القصة. أنشأت تمدح النبي صلى الله عليه وسلم ~~بأبيات آخرها: ~~[من البسيط) ~~مبارك الأمر يستشقى الغمام به ما في الأنام له عذل ولا خطر ~~فكأن الدميري لما رأى هذا البيت في رواية قصة عبد المطلب التي رواها الطبراني ~~وهو يشبه بيت أبي طالب؛ إذ في كل استسقاء الغمام به الذي هو المقصود.. توهم أن ~~بيت أبي طالب لعبد المطلب، فوهم من وجهين: نسبة هذا البيت لعبد المطلب وإنما ~~هو لرقيقة، والحكم عليه بأنه عين البيت المسوب إلى أبي طالب وليس كذلك ، بل ~~شتان ما بينهما فتأمل هذا المحل فإنه مهم ~~وقد اغتر بكلام الدميري هذذا من لا خبرة له بالسير المأخوذة من الكتب المعتمدة، ~~ثم رأيت ما يقطع بغلط الدميري، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم نسب: ~~(وأبيض..) البيت لأبي طالب، كما أخرجه البيهقي عن أنس قال : جاء أعرابي ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله؛ أتيناك وما لنا صبي يغط، ~~(1) الروض الأنف (39/3) ~~(2) الروض الأنف (39/3) ~~(3) في النسخ: (رفيعة)، والمثبت من طبقات ابن سعد" (90/1)، وه دلائل البيهقي" ~~(15/2)، و" المعجم الكبير " للطبراني (259/24)، و9 الإصابة *(296/4). PageV00P091 # ============================================================ ~~ولا بعير يئط(1)، أي: ما لنا بعير أصلا ؛ لأنه إذا وجد.. لا بد أن يئط، وأنشد ~~أبياتا، فقام صلى الله عليه وسلم يجر رداءه حتى صعد المنبر، فرفع يديه إلى السماء ~~ودعا، فما رد يده إلى تحره حتى انبعثت السماء بأبراقها وعادوا يضجون، فضحك ~~صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، ثم قال : "لله در أبي طالب! لؤ كان حيا.. # لقرث عيناه، من ينشدنا قوله ؟ " فقال علي : يا رسول الله ؛ كأنك تريد قوله : ~~وأييض يستسقى الغمام يوجهه ثمال اليتامى عضمة للأرامل ~~مع أبيات أخر، فقال صلى الله عليه وسلم وأجل"(2). # فهذا نص صريح من الصادق بأن منشىء البيت آبو طالب، فنسبته لعبد المطلب ms084 ~~غلط صريح ~~تبيه: براوية ابن عساكر هلذه يسقط قول السهيلي في " روضه " : (فإن قيل: ~~كيف قال أبو طالب: " وأبيض يستسقى الغمام بوجهه..2 ~~البيت ولم يره قط استسقى، إنما كان استسقاؤه صلى الله عليه وسلم بالمدينة في ~~سفر وحضر، وفيها شوهد ما كان من سرعة إجابة الله له ؟ . فالجواب : آن أبا طالب ~~قد شاهد من ذلك أيضا في حياة عبد المطلب ما دله على ما قال) اه(3). # ووجه سقوطه : ما تقرر آن آبا طالب استسقى به صلى الله عليه وسلم فسقي، ~~فأنشأ ذلك البيت حينئذ وأنشده. # والعجب من شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر أنه غفل أيضا عن رواية ابن عساكر ~~هذه، فأجاب عن إشكال السهيلي بقوله : (ويحتمل أن يكون أبو طالب مدحه بذلك ~~لما رأى من مخايل ذلك فيه وإن لم يشاهد ذلك) اه(4) إذ لو استحضر رواية ابن ~~عساكر هذه.. لم ييد هذذا الاحتمال: ~~ولما بلغ صلى الله عليه وسلم ثنتي عشرة سنة.. خرج به أبو طالب إلى الشام حتى ~~(1) أطيط الإبل: صوتها وأنينها من التعب. # (2) دلائل النبوة (141/6). # (3) الروض الأنف (39/3). # (4) فتح الباري (496/2). PageV00P092 # ============================================================ ~~بلغ بصرى، فرآه بحيرى الراهب فعرفه بصفته فقال : هلذا سيد العالمين، إنكم ~~حين أشرفتم به من العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا خر ساجدا ولا يسجد إلا لنبي) ~~وإني أعرفه بخاتم النيوة عند غضروف كتفه كالتفاحة، ثم سأل عمه أن يرده خوفا عليه ~~من اليهود، رواه ابن أبي شيبة(1)، وفيه : أنه صلى الله عليه وسلم أقبل وعليه غمامة ~~تظله ~~ويحيرى- بفتح فكسر- مقصور، ذكره جمع من الصحابة، بناء على أن الشرط ~~رؤيته والايمان به ولو قبل المبعث، وصح: أن سبعة من الروم أقبلوا يريدون قتله ~~صلى الله عليه وسلم فمنعهم بحيرى، ورده أبو طالب، وبعث معه آبو بكر بلاله(2) ~~وقوله : (وبعث معه. ..) إلخ وهم من أحد رواته؛ لأن أبا بكر إذ ذاك لم يكن ~~متأهلا لذاك ولا اشترى بلالا. # وفي حديث عند البيهقي وأبي نعيم: آنهم لما أقبلوا.. رأى بحيرى غمامة بيضاء ~~تظله من بينهم، ثم ms085 تزل تحت شجرة فانحنت عليه أغصانها حتى أظلته (3). # وروى أبو نعيم وابن عساكر: أن آخته الشيماء بنت حليمة رأته في الظهيرة وغمامة ~~تظله، إذا وقف. وقفت، وإذا سار.. سارت، ولما بلغ ثمان عشرة سنة.. سافر ~~إلى الشام مرة أخرى لتجارة على ما ورد، للكن بسند ضعيف(4)، وفيه : أن أبا بكر ~~كان معه، وأن بحيرى قال : هلذا والله نبي، وأن ذلك سبب إيمان أبي بكر به لما بعث ~~قبل غيره: ~~ثم خرج وله خمس وعشرون سنة مرة ثالثة في تجارة لخديجة ومعه غلامها ميسرة، ~~فرأى في الهاجرة ملكين يظلانه من الشمس ، وكذا رأت خديجة ذلك لما أقبلوا وهي ~~في علية لها، وفي هلذه السنة تزوجها، وكانت تسمى بالطاهرة، وكان سنها آربعين ~~سنة، ولما بلغ خمسا وثلاثين سنة.. خافت قريش آن تهدم السيول الكعبة لتشعثها، ~~(1) المصنف (435/8) ~~(2) أخرجه الطبري في " تاريخه" (278/2)، والبغدادي في " تاريخ بغداد" (10/ 252)، ~~وذكره ابن الأثير في " الكامل"(239/1)، وابن كثير في البداية والنهاية" (289/2) . # (3) دلائل البيهقي (26/2)، ودلائل أبي نعيم (211/1) . # 4) تاريخ دمشق (360/4) ~~159 PageV00P093 ~~============================================================ ~~فأمروا ياقوم النجار القبطي مولى أحدهم آن يبنيها، وحضر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وكان ينقل معهم الحجارة، ثم لما تقارب بعثه صلى الله عليه وسلم.. تحدث ~~بذلك أحبار اليهود ورهبان التصارى؛ لما في كتبهم من صفته وصفة زمانه، وكهان ~~العرب؛ لأن شياطين الجن كانت لا تحجب عن خبر السماء، فتسترق السمع وتخبر ~~الكهنة به فيعلمون بعض خبر السماء، لككن كانت العرب لا تلقي لذلك بالأ، فلما دنا ~~مبعثه.. حجبت الشياطين عن السمع كما قال: ~~6 الا ~~بعث الله عند مبعيه الشه ب حراسا وضاق عنها الفضاء ~~~~(بعث) أي: أرسل (الله) علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع ~~المحامد من الخلق لذاته (عند) - بتثليث العين - أي : قرب (مبعثه) أي: زمن بعثه ~~صلى الله عليه وسلم؛ أي: إرساله إلى الخلق كلهم كما قال في خبر مسلم: ~~"وأزسلت إلى الخلق كافة " وبين (بعث) و( مبعثه) جناس الاشتقاق (الشهب) ~~على الشياطين الذين يسترقون السمع، فيخطف أحدهم ms086 الكلمة ثم يضم إليها مثة ~~كذبة، كما في الحديث، ثم يلقيها للكاهن(1)، وهي: جمع شهاب، وهو : شعلة ~~نار تحرق الشيطان المسترق للسمع أو تخبله (حراسأ) إما جمع حارس على غير ~~قياس، كقائم وقيام، فهو حال، أو مصدر؛ أي : لأجل الحراسة لشريعته التي ~~سيأتي بها من الشياطين أن يخلطوا بها ما ليس منها، وهو للمبالغة والتاكيد؛ لأنه ~~معلوم من قوله : (تطرد...) إلخ، ففيه التتميم ك: على حيه} من: ويطعمون ~~الطعام على حيه} ~~(و) لكثرة تلك الشهب وعمومها للمسترقين في تواحي السماء (ضاق عنها ~~الفضاء) أي: المفازات الواسعة، فلم يبق محل يجدونه حتى يسترقوا السمع منه، ~~وبين (ضاق) و(الفضاء) الطباق ~~(1) أخرجه البخاري (3210)، ومسلم (2228)، وابن حبان (2136)، وابن ماجه ~~(194)، وأحمد (87/6) PageV00P094 ~~============================================================ ~~تطرد الجن عن مقاعد للشف ع كما تطرد الذياب الوعاء ~~(تطرد) حال من (الشهب) أو صفة له كما في : ~~ولقذ أمرو على اللئيم يسبني ~~لكن ظاهر المقام يرجح الحالية؛ إذ رعاية التنكير هنا بعيدة (الجن) ومر أنهم ~~أجسام نارية تقدر على التشكل في الصور المختلفة (عن مقاعد) أي : أمكنة قريبة من ~~السماء يقعدون فيها (للسمع) أي: ليسمعوا شيئا من الملائكة المتكلمين بما سيقع في ~~الأرض من الأقضية والمغيبات، إما بكون رئيسهم يلقيه عليهم ليكتبوه فيتلقونه منه، ~~أو أن بعضهم ينسخه من كتب البعض الاخر، زيادة في الاعتناء والظهور للملائكة ~~وأصل هلذا : قوله تعالى : قل أوحى إلى أنه أستمع نفر من الجن} إلى قوله : فمن ~~يستمع الأن يجد له شهابا رصدا فلما سمع الجن ذلك.. عرفوا الحق فآمنوا ، ثم ولوا إلى ~~قومهم منذرين قائلين ما حكاه الله تعالى عنهم أواخر (سورة الأحقاف) ~~ويوافق هذا ما رواه أهل السير: أنه لما حيل بينهم وبين خبر السماء.. قالوا : إن ~~ذلك لأمر حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها وانظروا ما حال بينكم وبين خبر ~~السماء، فخرجت طائفة منهم من جن نصيبين باليمن قبل تهامة، فوجدوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم بتخلة - قرية على ليلة من مكة - مع أصحابه يصلي الصبح وهو ~~يقرأ، فاستمعوا له ثم قالوا : هذذا الذي ms087 حال بينكم وبين خبر السماء، فأسلموا وولوا ~~إلى قومهم منذرين، وفي ذلك نزل : قل أوحى إلى. .. الآيات، وإذصرفنا إليك ~~نفرا من الجن. .. الآية(1). # قال الحافظ ابن كثير : (ذكر ابن إسحاق : أنه صلى الله عليه وسلم خرج إلى أهل ~~الطائف يدعوهم إلى الإسلام، وأنه انصرف عنهم فبات بنخلة يقرأ تلك الليلة، ~~فاستمع جن نصيبين؛ أي: مدينة بالشام . اهوما ذكره صحيح إلا قوله : إن استماع ~~(1) انظر "سيرة ابن هشام" (422/2)، و9 الكامل" (686/2)، و1 تاريخ الإسلام" ~~(197/2)، و" البداية والنهاية "(22/3) PageV00P095 ~~============================================================ ~~الجن كان تلك الليلة ففيه نظر، فإن استماعهم إنما كان في ابتداء الوحي، كما يدل له ~~حديث ابن عباس عند أحمد: لكان الجن يستمعون الوحي، فيسمعون الكلمة ~~فيزيدون فيها عشرا، فيكون ما يسمعون حقأ وما زادوه باطلا، وكانت النجوم لا يرمى ~~بها قبل ذلك، فلما بعث صلى الله عليه وسلم.. كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رمي ~~بشهاب يحرق ما أصاب منه، فشكوا ذلك إلى إبليس فقال : ما هذذا إلا لأمر إمر! # اي: عظيم قد حدث، فبث جنوده، فإذا بالتبي صلى الله عليه وسلم يصلي بين جبلي ~~نخلة، فأخبروه فقال : هذذا الحدث الذي حدث في الأرض"(1) ورواه النسائي ~~وصححه الترمذي (2). # قال - أعني ابن كثير- : وأما خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف.. فإنما كان ~~بعد موت عمه آبي طالب، وروى ابن آبي شيبة عن ابن مسعود: آنهم هبطوا عليه ~~صلى الله عليه وسلم وهو ببطن نخلة يقرأ القرآن، فلما سمعوه.. قالوا: أنصتوا، ~~فأنزل الله عز وجل : وإذ صرفنا إلتك نفرا من الجن .. الآية ، فهلذا مع رواية ابن ~~عباس يقتضي آنه صلى الله عليه وسلم لم يشعر بحضورهم في هذه المرة، وإنما ~~استمعوا قراءته ثم رجعوا إلى قومهم منذرين، ثم بعد ذلك وفدوا عليه أرسالأ قوما بعد ~~قوم) اه(3) ~~وصح : (أن الذي آذنه صلى الله عليه وسلم بهم لما وفدوا إليه شجرة) وأنهم ~~سألوه الزاد فقال لهم : 9 كل عظم ذكر آشم الله عليه يقع في يد أحدكم . . أوفر ما يكون ~~لخما، وكل ms088 بغر علف لدوابكم"(2) وفيه رد على من زعم أن الجن لا تأكل ~~ولا تشرب: ~~والحاصل : أن ذهابه إلى الطائف إنما كان بعد موت عمه أبي طالب سنة عشر من ~~البعثة ثم موت خديجة بعده بثلاثة أيام آو خمسة، ثم تزوج سودة بعد أيام، فكان ~~(1) مسند الإمام أحمد (274/1) ~~(2) السنن الكبرى (11562)، والترمذي (3324). # (3) انظر " تفسير ابن كثير."(123/4) ~~(4) أحرجه مسلم (450)، وابن حبان (1432)، وأحمد (436/1)، والبيهقي في " السنن ~~الكبرى 4(11/1)، وغيرهم PageV00P096 ~~============================================================ ~~خروجه إلى الطائف بعد موت خديجة بثلاثة أشهر في شوال لما ناله من قريش، وكان ~~معه مولاه زيد بن حارثة، فأقام به شهرا يدعو آشراف تقيف فلم يجيبوه، وأغروا به ~~سفهاءهم وعبيدهم يسبونه، قال موسى بن عقبة: ورموا عقبه بالحجارة حتى اختضيت ~~نعلاه بالدم، زاد غيره : وكان إذا أذلقته الحجارة - آي : بالمعجمة ثم القاف : أضعفته ~~قعد إلى الأرض، فيأخذونه بعضديه فيقيمونه، فإذا مشى رجموه وهم ~~يضكون، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه، حتى لقد شج في رآسه شجاجا ~~وفي " الصحيحين " : أنه لقي منهم آشد مما لقيه يوم أحد، وأن جبريل نزل عليه ~~حيئذ ومعه ملك الجبال ليأمره في قومه بما شاء، فقال صلى الله عليه وسلم : "بل ~~أرجو أن يخرج ألله من أصلابهم من يغبد الله وخده لا يشرك به شيئا "(1) . # وجاء عن ابن عباس: أن الشياطين كانوا لا يحجبون عن السماوات، وكانوا ~~يدخلونها ويأتون بأخبارها فيلقونه على الكهنة، فلما ولد عيسى،. منعوا من ثلاث ~~سماوات، فلما ولد محمد صلى الله عليه وسلم.. منعوا من السماوات كلها، فما ~~منهم من أحد يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب - وهو : الشعلة من النار - فلا يخطا ~~أبدا فمنهم من يقتله، ومنهم من يحرق وجهه، ومنهم من يخبله فيصير غولا يضل ~~الناس في البراري ~~قال الأئمة : وهلذا لم يكن ظاهرا قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم، ولم يذكره أحد ~~قبل زمانه، وإنما ظهر في بدء أمره؛ تأسيسا لنبوته. # نعم ؛ جاء عن معمر : أنه قال للزهري : أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية ؟ قال : ~~نعم ، قلت : أفرأيت قوله تعالى : وأنا كنا ms089 نقعد منها مقلعد للسمع..}؟ الآية، ~~قال: غلظت وشدد آمرها حين بعث صلى الله عليه وسلم، وجرى على هذذا ابن قتيبة ~~فقال : كان الرجم قبل مبعثه، وللكن لم يكن في شدة الحراسة مثله بعد مبعثه، ~~ويؤيده رواية ابن عباس الأخيرة إن صحت: ~~وعلم من قول ابن عباس : (شعلة نار) : أن الكوكب لا ينتقل عن محله، وإنما ~~الذي ينفصل عنه تلك، وقيل: ينقض ثم يرجع إلى مكانه. # (1) البخاري (3236)، ومسلم (1795). PageV00P097 # ============================================================ ~~وطرد تلك الشهب لأولئك الشياطين طرد بالغ جدا (كما) موصولة أو مصدرية ~~(تطرد الذتاب) جمع ذئب بالهمزة وقد تخفف، وتشبيهه شياطين الجن بالذئاب صرح ~~به الحديث الصحيح (1) (الرعاء) - بضم أوله وكسره - للغنم عنها إذا أرادت العدو ~~عليها ~~فمحث آية الكهانة آيا ث من الوخي ما لهن أنمحاء ~~(ف) بسبب ذلك الطرد البالغ للجن عن خبر السماء (محت آية الكهانة) مفعول ~~مقدم، وهي- بالفتح-: مصدر كهن- بضم الهاء- إذا صار كاهنا؛ آي: مخبرا ~~بالأمور الخفية والمغيبات البعيدة؛ أي : علامتها، وهي: ما كانت تأتي به الكهان ~~وتذكره من المغيبات التي تلقيها إليهم الشياطين بواسطة استراقهم لبعض كلام الملائكة ~~ثم إلقائه إليهم مع ما يضمونه إليه من الكذب كما مر: ~~(آيات من) جملة (الوحي) وهو : الكتابة والإشارة والرسالة والإلهام والكلام ~~الخفي ، ولذلك كان الوحي الاتي إليه صلى الله عليه وسلم على أقسام : ~~-الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح (2). # - ما يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه ؛ للحديث ألصحيح : "إن روح ~~القدس نفث في روعي لن تموت نفس حتى تشتكمل رزقها ، فأتقوا ألله وأخملوا في ~~(3) ~~الطلب"(3). # -تمثل الملك له رجلا فيخاطبه، وصح : أنه كان يأتيه في صورة دحية الكلبي(4) ؛ ~~أي : لأنه كان جميلا جدا، إذا قدم لتجارة.. خرجت الظعن لتراه، وتشكل جبريل ~~(1) أخرجه أحمد (233/5)، والشاشي في "المسند (1387)، وأبو نعيم في الحلية" ~~(24712 ~~(2) كما في حديث البخاري (4)، ومسلم (160)، والترمذي (3632)، وغيرهم ~~(3) أخرجه الشافعي في "مسنده " (895)، والبيهقي في ( الشعب" (1185)، والبزار ~~(2915 ~~(4) اخرج ذلك الإمام أحمد (107/2) ~~114 PageV00P098 ~~============================================================ ~~مع عظم صورته وأن له ست مثة جناح ms090 تسد الأفق في صورة رجل. غير بعيد؛ لأن ~~الأجسام النورانية تقبل الانضمام حتى تصغر الصورة جذا، كما أن القطن يقبل ~~الانكباس فتصير الصورة الكبيرة منه صغيرة، وهلذا أولى من قول بعضهم : إن صورته ~~الأصلية باقية على حالها، وصورة الرجل صورة أخرى له، وروحه متعلقة بهما؛ ~~أي : كما في الأبدال الذين تتعدد صورهم في الوجود وروحهم واحدة، والتكليف ~~حينئذ مناط بأي صورة أرادها الإنسان: ~~يأتيه مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليه(1)، ولذا كانت ناقته صلى الله عليه ~~وسلم تبرك به، وكان رأسه على فخذ زيد بن ثابت فكادت ترض من شدة الثقل ، حتى ~~انه يقول : (لا أمشي بعد اليوم على رجلي أبدا)(2). # يأتيه على صورته الأصلية ، ووقع له ذلك مرتين كما في (سورة النجم)(3). # كلام الله تعالى له بلا واسطة كموسى، واختص بالكليم ؛ لأن ذلك وقع له وهو ~~بالأرض، ونبينا صلى الله عليه وسلم إنما وقع له ذلك وهو كقاب قوسين أو آدنى ~~وصح عن الشعبي: أنه صلى الله عليه وسلم وكل به إسرافيل، فكان يتراءى له ~~ثلاث سنين، ويأتيه بالكلمة من الوحي والشيء، ثم وكل به جبرائيل فجاءه ~~بالقرآن(2). # ثم وصف آيات الوحي بأنهن (ما لهن انمحاء) من: محا يمحو ويمحي ويمحى ~~كذا ذكره بعضهم، وعبارة " القاموس" : (محاه يمحوه ويمحاه: أذهب أثره، ~~وامحى كادعى، والمحو: السواد في القمر) اه ملخصة: ~~والمعنى ههنا : أي : ما لهن ذهاب ولا تغير، كيف وقد تكفل الله تعالى لهلذه ~~الشريعة الغراء بأنها باقية على ممر الدهر إلى أن ينزل عيسى عليه السلام فيحكم بها، ~~ثم تضمحل عند قيام الساعة بموت الطائفة الذين أخبر الصادق بأنهم لا يزالون قائمين ~~(1) أخرج ذلك البخاري (2)، ومسلم (2333)، وابن حبان (38)، والترمذي (3234) ~~والنسائي (146/2)، وغيرهم ~~(2) أخرجه الطبراني في " الكبير "(142/5)، وفي " الأوسط (1934). # (3) أخرجه البخاري (4855)، ومسلم (177)، والترمذي (3278)، وأحمد (407/1) ~~4) أخرجه أبو عمر بن عبد البر في " الإستيعاب " (15/1) PageV00P099 ~~============================================================ ~~بالحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله ؟1 أي: ريح لطيفة لينة تقبض ~~أرواحهم، فحينثذ لا يبقى على وجه الأرض من يقول : الله ms091 الله، فتقوم الساعة ~~وبين (محت) و(انمحاء) جناس الاشتقاق ~~ثم ذكر قصة زواجه صلى الله عليه وسلم بخديجة رضي الله عنها، ولو قدمها كما ~~فعلت لتوافق الواقع ؛ لأنها قبل قوله : (بعث الله...) إلخ.. لكان أولى، فقال : ~~ورأيه خديجة والثقى والز فد فيه سجئسة والحياء ~~(ورأته) أي : علمته وأبصرته؛ لما سبق لها من الفضل الذي فاقت به سائر أمهات ~~المؤمنين رضي الله عنهن (خديجة) بنت خويلد بن آسد بن عبد العزى بن قصي بن ~~كلاب، وكانت ذات شرف ظاهر، ومال وافر، وحسب فاخر (و) هي للحال ~~(التقى) هو : البراءة من كل شيء سوى الله، وهذا غايته، ومبدؤه : اتقاء الشرك، ~~وأوسطه : اتقاء المحارم ، وكذا يقال في التقوى ، وصح خبر : " إن أتقاكم وأغلمكم ~~بالله أنا"(1) ، وخبر : " إني لأغلمكم بألله وأشدكم له خشية "(2) . # (والزهد) هو : أخذ أقل الكفاية مما يتيقن حله، وترك الزائد على ذلك لله، وقد ~~صح خبر: (ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام تباعا حتى قبض)(3)، وخبر: ~~(كان صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي المتتابعة طاويا وأهله لا يجدون عشاء، وإنما ~~كان خيزهم الشعير)(4)، وخبر النعمان بن بشير : (لقد رأيت نبيكم صلى الله عليه ~~(1) أخرجه البخاري (20) ~~(2) أخرجه البخاري (6101)، ومسلم (2356)، والنساثي في الكبري" (9992)، ~~وغيرهم ~~(3) أخرجه البخاري (5374)، ومسلم (2970)، وابن حبان (2345)، وابن ماجه ~~(3344 ~~(4) اخرجه الترمذي (2360)، وابن ماجه (3347)، وأحمد (255/1)، والطبراني في ~~0الكبير"(259/11). PageV00P100 # ============================================================ ~~وسلم يظل اليوم يلتوي ما يجد من الدقل ما يملأ بطنه)(1)، وخبر: (أنه صلى الله ~~عليه وسلم كان يمضي الشهران ولا توقد في آبياته صلى الله عليه وسلم نار، وإنما ~~طعامهم التمر والماء)(2)، وخبر: (أنه مات صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند ~~يهودي على ثلاثين صاعأ من شعير أخذها قوتا لأهله)(3). # (فيه) كل منهما (سجية)- بالسين المهملة- أي: خلق غريزي طبيعي، ~~والاختلاف في كون حسن الخلق غريزة أو مكتسبا.. يتعين أن يكون محله في غيره ~~صلى الله عليه وسلم ، وتمسك من قال : إنه غريزة بالحديث الصحيح : " إن الله قسم ~~بينكم أخلاقكم كما قسم أززاقكم"(4) . # والتحقيق : أن أصول الأخلاق غرائز وملكات في نوع ms092 الإنسان، وإنما التفاوت في ~~ثمراتها، وهذا هو الذي به التكليف؛ لأن الغريزي لا تكليف به، لأنه ليس في ~~الطاقة ~~نعم؛ من فيه غريزة منه آعانته على المكتسب حتى يكاد يكون غريزيا فيؤمر ~~بالمجاهدة في الضعيف حتى يقوى، وفي غير المحمود حتى يصير محمودا ~~وقد صح: أنه صلى الله عليه وسلم قال للأشج : " إن فيك لخضلتين ~~يحبهما ألله ؛ الحلم وآلأناة " قال : يا رسول الله ؛ قديما كانا في أو حديثا ؟ قال : ~~"قديما " قال : الحمد لله الذي جبلني على خصلتين يحبهما الله(5)، فترديد السؤال ~~(1) آخرجه مسلم (2977)، وابن حبان (1340)، والترمذي (2372)، وابن ماجه ~~(4146)، وأحمد (24/1). والدقل : هو أردأ ما يكون من التمر. # (2) أخرجه البخاري (2567)، ومسلم (2972)، وابن ماجه (4144)، وأحمد ~~.(182/5) ~~(3) اخرجه البخاري (2916)، وابن حبان (5936)، والنسائي (303/7)، وابن ماجه ~~(2438)، وأحمد (232/1) ~~4) اخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (275)، وأحمد (287/1)، والحاكم ~~(44712)، والبيهقي في " الشعب " (5524) ~~5) اخرجه مسلم (17)، وأبو داوود (5183)، والترمذي (2011)، واين ماجه ~~(4187)، وأحمد (205/4). PageV00P101 # ============================================================ ~~وتقريره عليه يشعر بأن في الخلق الجبلي والمكتسب. # وصح : أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول : " أللهم؛ كما حسنت خلقي- أي : ~~بفتح أوله - فحسن خلقي "(1)، وكان يقول في دعاء الافتتاح : " وأهدني لأخسن ~~الأخلاق ، لا يهدي لأخسنها إلا أنت "(2). # ولما اجتمع في نبينا صلى الله عليه وسلم من صفات الكمال وخصال الجلال ~~والجمال ما لا يحيط به أحد.. أثنى الله تعالى عليه في كتابه العزيز، فقال مؤكدا لذلك ~~بذكر على الاستعلائية: { وإنك لعلى خلقي عظيو، والخلق : ملكة نفسانية تحمل ~~صاحبها على كل جميل، ووصفه بالعظيم مع آن الغالب وصفه بالكريم؛ لأن خلقه لم ~~يقتصر على الكرم المقتضي للسماحة والدمائة (3)، بل يعم صفتي الإنعام والانتقام؛ إذ ~~كان رحيما بالمؤمنين ، شديدا غليظا على غيرهم ~~(والحياء) فيه سجية أيضا على اكمل غاياته، ففي " البخاري" من حديث آبي ~~سعيد : (كان صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء- أي : البكر - في خدرها)(4) ~~وقيد به؛ لأن حياءها فيه أشد؛ لأنه مظنة أن يظفر منها طامع يدخل عليها فيه بشيء، ~~بخلافها بحضرة الناس ~~والحياء بالمد لغة : تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، ms093 من ~~الحيا، ولذلك سمي المطر حيا، للكنه مقصور ~~وشرعا: خلق يبعث على اجتناب القبيح ، ومنه التقصير في حق من له حق، ومن ~~ثم صح أنه " لا يأتي إلأ بخير"(5) و أنه " من الإيمان "(1) وجعل منه وإن كان غريزة ؛ ~~(1) أخرجه ابن حبان (959)، والطيالسي في " مسنده" (374)، وأبو يعلى في مسنده " ~~(5075)، والبيهقي في " الشعب 6(8545) ~~(2) آخرجه مسلم (771)، وابن حبان (1771)، وأبو داوود (756)، والترمذي ~~(3421)، والنسائي (130/2)، وأحمد (94/1). # (3) الدماثة: سهولة الخلق: ~~(4) البخاري (3562) ~~5) أخرجه البخاري (6117)، ومسلم (27)، وأحمد (427/4) ~~(2) أخرجه البخاري (9)، ومسلم (35)، وابن حبان (166)، وأبو داوود (4643) ، PageV00P102 ~~============================================================ ~~لأن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى قصد واكتساب وعلم: ~~601 ~~وأتاها أن الغمامة والشز ح أظلته منهما أفياء ~~(وأتاها) الخبر بكرامتين عظيمتين وقعتا له صلى الله عليه وسلم قبل النيوة، وهما ~~(أن الغمامة) وهي: السحابة (والسرح) وهو - كما في "القاموس" -: (شجر ~~عظام، أو كل شجر لا شوك فيه، أو كل شجر طال) اه وقضية سياق القصة الاتية أن ~~المراد هنا : الأول أو الثالث، وأما الثاني. فلم أر ما يدل له (أظلته منهما) حال من ~~قوله: (أفياء) جمع فيء، وهو: ما بعد الزوال من الظل، من: فاء رجع؛ ~~لرجوعه من جانب إلى جانب ، وفرق بعضهم بين الظل والفيء : بأن الظل ما نسخته ~~الشمس، والفيء ما نسخها ~~ومر ذكر هاتين الايتين قبيل قوله : (بعث الله عند مبعثه الشهب) وحاصلهما مع ~~بعض زيادة : آنها أرسلته في تجارة لها ومعه عبدها ميسرة إلى بصرى، فنزل تحت ظل ~~شجرة فأظلته، فقال راهب ثم: ما نزل تحتها إلا نبي، وسأل ميسرة: آفي عينيه ~~حمرة ؟ قال : نعم لا تفارقه، فقال الراهب : هو آخر الأنبياء، ليت أني آدركه إذ يؤمر ~~بالخروج، وقال له من خالفه في بيع وهو في سوق بصرى : احلف باللات والعزى، ~~فقال : "ما حلفت بهما قط " فقال خصمه لميسرة: هذا نبي، والذي نفسي بيده إنه ~~هو الذي تجده أحبارنا منعوتا في كتبهم، فوعى ذلك ميسرة، وكان ميسرة يرى ملكين ~~يظلانه في الهاجرة، ورأت خديجة ذلك لما أقبل صلى الله عليه وسلم وهي في عملية ~~لها، ms094 فأرته نساء عندها فعجبن من ذلك، فلما جاء ميسرة.. آخبرته بما رأت، ~~فأخبرها بجميع ما رآه منه، وبقول الراهب السابق، وبقوله: "ما حلفت بهما ~~قط"(1) ~~تنبيه: ورد في تظليل الغمامة له صلى الله عليه وسلم أحاديث أصحها: ما رواه ~~جماعة وهو على شرط الصحيح إلا أن في روايته غرابة : أن أبا طالب خرج به إلى الشام ~~والنسائي (110/8)، واين ماجه (57)، وأحمد (9/2): ~~(1) أخرج هذذه القصة ابن سعد في " طبقاته *(155/1) ~~119 PageV00P103 ~~============================================================ ~~في آشياخ من قريش فمروا بيحيرى، فخرج إليهم على خلاف عادته، فجعل يتخللهم ~~حتى آخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هاذا سيد العالمين، زاد ~~البيهقي: ورسول رب العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين، فقالوا له: ~~وما علمك ؟ قال: إنكم حين أشرفتم من الثنية لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدا ~~ولا يسجدان إلا لنبي، وإني لأعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه، ثم رجع ~~فصنع لهم طعاما، فلما أتاهم به.. كان صلى الله عليه وسلم في رغية الإبل، فقال: ~~أرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا إلى القوم.. وجدهم قد سبقوا إلى ~~الشجرة، فلما جلس صلى الله عليه وسلم. مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا ~~إلى فيء الشجرة مال إليه... الحديث، رواه أبو موسى الأشعري (1)، وهو إما أن ~~يكون تلقاه عنه صلى الله عليه وسلم فيكون أبلغ، أو من بعض كبار الصحابة، أو كان ~~مشهورا أخذه بطريق الاستفاضة ~~وروى ابن إسحاق معضلا، والبيهقي في " الدلائل" موصولا : أنهم لما نزلوا ~~قريبا من صومعة بحيرى.. صنع لهم طعاما كثيرا؛ لأنه رأى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حين أقبلوا وغمامة تظله من بين القوم ، ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبا ~~منه، فنظر إلى الغمامة حين أظلته الشجرة وتهصرت - آي : مالت وانعطفت - أغصانها ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استظل تحتها.. القصة(2) ~~وورد: أن حليمة رأت غمامة تظله وهو عندها، وورد ذلك آيضا عن أخيه من ~~الرضاعة، وأشار غير واحد إلى أن تظليل الغمامة ms095 له صلى الله عليه وسلم إنما كان قبل ~~النبوة إرهاصا وتأسيسأ لنبوته صلى الله عليه وسلم كما يأتي، ومما يدل على انقطاع ~~ذلك أن الصديق رضي الله تعالى عنه أظله صلى الله عليه وسلم حين قدما المدينة في ~~(615/2)، وابن أبي شيبة في " المصنف "(430/7) ~~(2) انظر " سيرة ابن هشام *(181/1)، و" دلائل التبوة " (26/2). # (3) أخرجه البخاري (3906)، وعبد الرزاق في " المصنف * (9743) في حديث طويل PageV00P104 ~~============================================================ ~~ظلل عليه بثوب وهو يرمي الجمرة، وظلل به مرة أخرى وهو بالجعرانة(1)، وأنهم ~~كانوا في آسفارهم إذا أتوا على شجرة ظليلة.. تركوها له صلى الله عليه وسلم (2). # وسيأتي في شرح قوله: (وإذا ما مشى(3) .. محانوره الظل...) إلخ ما له تعلق بذلك. # ااق ح حالر ~~وأحاديث أن وفد رشول الله بالبغث حان منه ألوفاء ~~ال ~~(و) أتاها أيضا (أحاديث) الأحبار والرهبان والكهان ( أن) أي : بأن (وعد ~~رسول الله) مصدر مضاف للمفعول؛ أي: وعد الله له، وهو عند الاطلاق لا يستعمل ~~إلا في الخير (بالبعث) أي : الإرسال إلى الخلق كافة (حان) أي : قرب (منه) ~~أي: من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متعلق بقوله: (الوفاء) أي: قرب ~~وفاء الله سبحانه وتعالى بذلك الوعد من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اا ا53لدتما. # فدعثه إلى الزواج وما أخ سسن ما يبلغ المنى الأذكياء ~~ااا ~~ب ~~(ف) بسبب ما رأته منه وما بلغها عنه مما يحمل من له أدنى ذرة من عقل على أن ~~يفسل قدميه ويشرب ماء غسلهما (دعته) أي: خطبته (إلى الزواج) أي: إلى أن ~~يتزوج بها، وعرضت نفسها عليه فقالت : يا ابن عم؛ إني قد رغبت في نكاحك لما ~~رآيته وعرفته منك، ومر آن سنها حينيذ كان آربعين سنة، وسنه صلى الله عليه وسلم ~~كان خمسا وعشرين سنة على الأشهر فيهما، وكانت تزوجت قبله برجلين ~~(وما أحسن) هلذه إحدى صيغتي التعجب (ما) مصدرية، فتؤول مع (يبلغ) ~~بمصدر منصوب المحل على التعجب (المتى) أي: الأماني جمع أمنية، وهي: ~~1) اخرجه ابن خزيمة في صحيحه "(2670). # (2) أخرجه البخاري (4147)، ومسلم (843)، وأحمد (364/3)، ms096 والبيهقي في " السنن ~~الكبرى "(259/3) ~~(3) رواية البيت : ( ماضحى) أي: مشى وقت الضحى: PageV00P105 ~~============================================================ ~~ما يتمناها الإنسان (الأذكياء) جمع ذكي كفني، والذكاء بالمد : حدة القلب ومزيد ~~يقظته؛ أي: شيء عظيم حسن بلوغ الأذكياء كل ما يتمنونه ، ومنهم بل من أكملهم ~~خديجة رضي الله تعالى عنها، فإنها آدركت بقوة ذكائها وتفرسها فيه صلى الله عليه ~~وسلم منه وبه كل ما تمنته وأملته مما لم تبلغه امرأة من هذه الأمة؛ إذ هي على الأصح ~~أفضل أمهات المؤمنين رضي الله عنهن ~~وهذا من آنواع البديع المسمى بإرسال المثل ، وهو : أن يذكر الشاعر في بعض ~~بيت ما يجري مجرى المثل السائر من حكمة أو نحوها، كقول آبي الطيب: [من البسيط] ~~لأن حلمك حلم لا تكلفه ليس التكعل في العينين كالكحل (1) ~~وهو كثير في كلام الناظم. # ولما عرضت نفسها عليه صلى الله عليه وسلم. ذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه ~~منهم حمزة حتى دخل على آبيها خويلد، فخطبها إليه فأجاب، فتزوجها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأصدقها عشرين بكرة، وحضر آبو بكر رضي الله عنه ورؤساء ~~مضر، فخطب أبو طالب فقال : ~~الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضيء- بمعجمتين ~~أو مهملتين: أصل- معد، وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته؛ أي: الكافلين له، ~~وسواس حرمه - أي: المتولين لأمره - وجعل لنا بيتأ محجوجا، وحرما آمنا، وجعلنا ~~الحكام على الناس، ثم إن ابن أخي هذذا محمد بن عبد الله لا يوزن برجل إلا رجح ~~به، فإن كان في المال قل.. فإن المال ظل زائل، وأمر حائل، ومحمد من قد عرفتم ~~قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد، وبذل لها من الصداق ما آجله وعاجله من ~~مالي كذا، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل، فزوجها أبوها منه ~~وذكر الدولابي وغيره: أنه صلى الله عليه وسلم أصدقها ثنتي عشرة أوقية ذهبا ~~ونصف أوقية، قالوا : وكانت كل أوقية إذ ذاك أربعين درهما. # (1) البيت في * شرح ديوانه " للعكبري (87/4) PageV00P106 ~~============================================================ ~~وأتاه في بيتها جبرئيل ولذي اللب في الأمور ازتياء ~~(و) مما يدل على ms097 عظيم ذكائها وفرط معرفتها أنه (أتاه) بعد النبوة والرسالة (في ~~بيتها جبريل)- كعندليب لغة في جبريل- ليلقي إليه ما أمر به من الوحي، وكان عندها ~~من الإيمان به علم اليقين فأحبت أن تنتقل عنه إلى عين اليقين ، كما وقع لإبراهيم صلى الله ~~عليه وسلم وعلى نبينا وعلى سائر الأنبياء والمرسلين في قوله تعالى [على لسانه] : بلك ~~ولكن ليطمين قلبى}، وكيف لا تريد هلذه المرتبة العلية (ولذي) أي : صاحب (اللب) ~~أي : العقل الكامل، وخديجة رضي الله عنها من أكمل أولي الألباب وأذكاهم (في الأمور) ~~أي : الأحوال التي قد تشتبه (ارتياء) أي: استبصار، من: ارتأيته؛ أي: نظرته ~~بالعين أو القلب كما في " القاموس" ، وفراسة يقضي بها على تلك الأمور بتمييز حسنها ~~من قبيحها، فعلم أن هاذه الجملة اعتراضية، وآن فيها غاية المناسبة لما قبلها وما بعدها؟ # اذ الاعتراضية لا بد لها من نكتة، فهي هنا الإشارة إلى كمال عقلها واستبصارها، مع إفادة ~~أن هذا أمر كلي جرى مجرى المثل والحكمة، فهو من إرسال المثل:. # فاماطث عنها الخمار لتذري أهو الوخي أم هو الإغماء ~~(ف) بسبب تلك المحبة مع ما عندها من كمال العقل (أماطت) أي: أزالت ~~(عنها) أي: عن رأسها (الخمار) وهو : ما يخمر؛ آي: ما يغطى به الرأس ~~(لتدري) أي : لكي تعلم علم اليقين ( أهو) أي : أهلذا الذي عرض له صلى الله عليه ~~وسلم حتى أخرجه عن حالته المألوفة منه (الوحي) آي : حامله وأمينه الذي كان يأتي ~~به الأنبياء قبله، ومرت أقسامه (أم) هي معادلة الهمزة المطلوب بها وباأم) ~~التعيين، ولها قسم ثان، وهو: آن تقع بعد همزة التسوية، وسميت فيهما معادلة ~~لمعادلتها الهمزة في إفادتها الاستفهام في الأول والتسوية في الثاني، وتسمى فيهما ~~متصلة؛ لأن ما قبلها وما بعدها لا يستغنى بأحدهما عن الاخر، ويقابلها المنقطعة، ~~وهي ثلاثة أقسام مبسوطة في محلها PageV00P107 ~~============================================================ ~~(هو الإغماء) الذي هو من بعض الأمراض العادية، ومن ثم جاز على الأنبياء ~~دون الجنون ~~ال /93ا ~~فآختفى عند كشفها الراس جبري حل فما عاد أو أعيد الفطاء ~~ال ~~(ف) ms098 بسبب إزالتها الخمار عن رأسها (اختفى عند كشفها الرأس) مفعول (كشف) ~~المضاف لفاعله (جبريل فما عاد أو أعيد الغطاء) أي: إلى أن أعادت غطاء رأسها، ~~فا أعيد) ماض مبني للمفعول، و( الغطاء) نائب فاعل، ووقع للشارح هنا أنه قال: ~~(و" أعيد" منصوب بآن مضمرة بعد 8 أو " التي يصلح موضعها * حتى" و1 الغطاء" فاعل ~~" أعيد 8) اه وهو سهو عجيب؛ لما تقرر: أن (أعيد) ماض. إلخ، وكأن هذذا ~~الوهم سرى إليه مما يصرح به كلام النحاة : أن (أو) غير العاطفة التي بمعنى ( إلى أن) ~~لا تدخل إلا على مضارع ، كما في (حتى) الغائية المرادفة ل- ( أو) المذكورة كما ~~صرحوا به، وحيثذ فاضطره ذلك إلى ما ذكره غفلة عن أن (أعيد) ماض، للكن كان ~~عليه أن يقول : وقول الناظم : (أعيد) صوابه يعاد ويذكر ما أشرت إليه، وأما كونه يبقي ~~(أعيد) على حاله ويجعله منصوبا ب( أو).. فهو جلي الفساد، لا يقال : هو ماض لفظا ~~مستقبل معنى، فليجز دخول (أو) الناصبة عليه؛ لما صرحوا به في (حتى) المرادفة ~~لها: أن شرط النصب بعدها : أن يكون الفعل مستقبلا أو ماضيا في حكم المستقبل، ~~نحو: سرت حتى أدخل المدينة، فهذا يؤول بالمستقبل نظرا إلى أنه غاية لما قبل ~~(حتى) فهو مستقبل بالإضافة إليه؛ لأنا نقول: معنى قولهم: أو ماضيا في حكم ~~المستقبل : أن لفظه لفظ المضارع ومعناه ماض، فكأن قضية القياس أن لا تدخل عليه ~~(حتى) الغائية، فأجابوا : بأن ما فيه من المضي يؤول بالاستقبال نظرا إلى أنه غاية كما ~~تقرر، وأما ما لفظه ماض. فلا تدخل عليه (حتى) الغائية أصلا. # فإن قلت : كيف هلذا مع قوله تعالى : { حت أنلهم نصرنا}، حتى عفوا، حتى ~~جاءهم العل، وفي " البخاري" : (حتى فجئه الحق وهو في غار حراء)(1)؟ # (1) البخاري (4953). PageV00P108 # ============================================================ ~~قلت : (حتى) هنا ابتدائية لا غائية، و(أو) الناصبة إنما تكون بمعنى (حتى) ~~الغائية لا غير، وقد صرح بذلك الأئمة، ولخصه الجلال السيوطي في " شرح جمع ~~الجوامع" له حيث قال ما ملخصه : (إن حتى الابتدائية تليها الجملتان الاسمية ~~والمضارعية والماضوية والمصدرة ms099 بشرط، وأما زعم ابن مالك آنها جارة غائية قبل ~~الفعل الماضي بإضمار " أن" بعدها على تأويل المصدر.. فغلطه فيه أبو حيان، وتبعه ~~ابن هشام فقال : لا أعرف له في ذلك سلفا، وفيه تكلف إضمار من غير ضرورة، ~~وردوا زعمه هو والأخفش : أنها جارة قبل "إذا "، وأن " إذا" في موضع جر بها بأنه ~~خلاف ما عليه الجمهور: آنها ابتدائية، و1 إذا" في موضع نصب بشرطها أو ~~جوابها)(1) ~~ثم قال الجلال : (قال بعض شيوخنا: ضابط "حتى": أنها إذا وقع بعدها اسم ~~مفرد مجرور آو مضارع منصوب.. فحرف جر، آو اسم مرفوع أو منصوب.. فحرف ~~عطف، أو جملة- أي: ماضوية- فحرف ابتداء، ولا محل لهاذه الجملة) اه(2) ~~وهذا كله صريح كما ترى في أن كل جملة ماضوية دخلت عليها (حتى) في القرآن ~~أو غيره تكون (حتى) حينثذ ابتدائية، ولا تكون جارة بمعنى (إلى آن) وإن صح ~~المعنى؛ لما مر أن ذلك يحتاج لتقدير ما لا حاجة إليه، وإذا تقرر أن (حتى) الغائية ~~لا تدخل على الماضي. . ف( أو) التي بمعناها أولى: ~~فإن قلت : لم قست (أو) على (حتى) الغائية في منع دخولها على الماضي ولم ~~تقسها على ( إلى أن) أو (إلا أن) اللذين بمعناها؟ # قلت: أما كونها بمعنى (إلا أن).. فهو ما ذكره ابن مالك، وقد رد عليه حتى ~~ولده، ومن ثم قال أبو حيان : قد أغنانا ولده عن الرد عليه، وعلى التنزل ف( إلا أن) ~~لا تدخل على الماضي إلا عند قوم بشرط أن يتقدمه فعل أو (قد) كما هو مقرر في ~~محله، وأما كونها بمعنى (إلى أن).. فوجهه: أن (حتى) إنما امتنع دخولها على ~~الماضي لكونها غائية كما مر مبسوطأ، وهذا المعنى موجود في ( إلى أن) بطريق ~~() همع الهوامع (426/2) ~~(2) همع الهوامع (428/2) PageV00P109 ~~============================================================ ~~الأصالة، فليمتنع دخولها على الماضي بنص كلامهم لا بطريق القياس. # فإن قلت : تقرر أن (أو) بمعنى ( إلى أن) وهلذه تدخل على الماضي كما في ~~الحديث : (قام إلى أن تورمت قدماه)(1)، فلتكن (أو) كذلك : ~~قلت : هلذا اشتباه ؛ لأن (أن) المتضمنة في ms100 (أو) هي الناصبة، وهي خاصة ~~بالمضارع، فلم يتصور دخول (أو) المتضمنة لها على الماضي، وأما (أن) ~~الملفوظ بها بعد ( إلى).. فهي التي لا يتصور لها عمل، وهي تدخل على الماضي، ~~فلا جامع بين هلذه وتلك ~~فإن قلت : بعضهم يقدر (أو) ب ( إلى آن) وبعضهم يقدرها ب ( إلى) فقط، ~~وهلذا يدل على أن (أن) لا نظر إليها. # قلت : لا يدل لذلك بوجه، وإنما سبب ذلك أنهم اختلفوا في ناصب المضارع ~~الداخل عليه (أو) فالأصح : أن (أن) مقدرة بعدها، وقال قوم : (أو) هي الناصبة ~~نفسها، فعلى الأول تقدر ب ( إلى أن) وعلى الثاني ب ( إلى) فقط. # فإن قلت : قد أدخل الناظم (أو) على الماضي في موضع من " البردة" وسكت ~~عليه شراحها(2). # قلت : الاعتراض عليه في ذلك أيضا، وأما الشراح.. فيحتمل آنهم إنما سكتوا ~~على ذلك نظرا للمعنى، أو أنهم غفلوا عما ذكرته من صريح كلامهم الدال على أن ~~(أو) الغائية لا تدخل على الماضي. # ثم رأيت شارحها العلامة ابن مرزوق تنبه لما ذكرته فقال في : (أو خلت البطاح ~~بها) : إن (أو) هنا عاطفة، ثم جعلها بمعنى الواو أو (بل) أو أنها على حالها للشك ~~أو التخيير، وتكلف بيان ذلك ولم يعرج على آنها (أو) الغائية بوجه، وليس سر ذلك ~~إلا امتناع دخولها على الماضي، وإلا. كان معنى الغائية في البيت أقرب مما تكلفه، ~~(1) أخرجه البخاري (4836)، ومسلم (2819)، والترمذي (412)، والنسائي ~~(219/3)، وابن ماجه (1419) . # (2) وذلك في قوله رحمه الله: ~~ارض جاد أو خلت البطاح بها سيب من اليم أو سيل من العرم PageV00P110 ~~============================================================ ~~ولا يتأتى نظير ما تكلفه هنا بوجه، وإلا.. لبادرت إليه، ومما يصرح بذلك أيضا أن ~~النحاة لم يذكروا 1 (أو) إلا قسمين: عاطفة وناصبة، وهي الغائية، فالعاطفة: ~~أمرها واضح ولا كلام فيها، والناصبة: تختص بالمضارع، فمن أثبت لها قسما ~~ثالثا وهو دخولها على الماضي ولا تكون للعطف.. فعليه البيان، ولا يجد ذلك، ~~كما دل عليه كثرة البحث والتتبع. فتأمل ذلك كله فإنه نفيس مهم غفل عنه الناظم ~~وغيره ~~فاستبانت خديجه أيه الك ز ms101 الذي حاولته والكيمياء ~~(فاستبانت خديجة) قيل: صرفها للضرورة، ويرد بأنه إنما صرفها - وإن كان ~~الوزن صحيحا مع عدم الصرف - ليسلم من قبح زحاف الشكل، وهو : اجتماع الكف ~~والخبن؛ لأن (مستفعان) تحذف سينه فيسمى خبنا كما مر، وهو على انفراده غير ~~قبيح، ويدخل مع ذلك الكف، وهو: حذف حركة السابع وهو النون ليصير ~~(متفعل) وهذا هو الشكل القبيح الذي هو اجتماع هلذين، وإن كان الأول وحده ~~حسنا، والثاني وحده صالحا، وهو من العجائب؛ إذ اجتماع الحسن والصالح يصير ~~قبيحا عندهم ~~أي : ظهر لها أتم الظهور؛ لأنها علمت من ابن عمها ورقة الاتي، أو من غيره : ~~أن جبريل لا يأتي محلا فيه امرأة مكشوفة الرأس ( أته) أي : ما يعرض للنبي صلى الله ~~عليه وسلم الذي طلبت الوقوف على عين اليقين فيه (الكنز) أي : الشيء الفيس، بل ~~الذي لا أنفس منه (الذي حاولته) أي : أرادت حيازته والظفر به (و) أنه (الكيمياء) ~~أي : العلم البديع الذي يقلب الأعيان الرديثة إلى الأعيان النفيسة ~~واستعار (الكنز) وهو : المال المدفون، و(الكيمياء) وهو: العلم المعروف ~~للوحي؛ لأنه بهما تحصل الذخائر النفيسة المنتفع بها حالا ومآلا، كما أن الوحي ~~كذلك، وأيضا هما لا يظفر بهما إلا الفذ النادر، كما أن الوحي لا يظفر به إلا أكمل ~~البشر، وهم في غاية الندرة والقلة بالنسبة لبقية الناس ~~وأشار بذكر ما وقع لخديجة إلى سبب ذلك، وهو قصة ابتداء بعثه صلى الله عليه PageV00P111 ~~============================================================ ~~وسلم، وحاصلها: أنه صلى الله عليه وسلم لما بلغ أربعين سنة، وقيل: وكسرا.. # بعثه الله يوم الإثنين - كما في خبر مسلم (1) - لسبع عشرة من رمضان ، وقيل: من ثمان ~~من ربيع الأول، وقيل : كان في رجب رحمة للعالمين، ورسولا إلى كافة الخلق ~~أجمعين، كما قال صلى الله عليه وسلم : "وأزسلت إلى الخلق كافة "(2) ~~روى البخاري وغيره: أول ما بدىء به صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا ~~الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وابتدىء بها؛ لأن الملك لو ~~فجأه بغتة.. لم تحتمله قواه البشرية، وكان يأتي ms102 حراء فيتعبد فيه الليالي الكثيرة، ثم ~~يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى فجأه الحق- آي: جاءه جبريل- وهو بغار حراء، ~~فقال له: اقرأ، قال : " ما أنا بقارىء " أي: لست بقارىء، قاله امتناعا ؛ لأنه كان ~~أميا لا يقرأ ولا يكتب، فغطه حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله فقال له : اقرأ، قال : ~~"ما أنا بقارىء" قاله إخبارا بالواقع، فغطه ثم أرسله كذلك وقال له : اقرأ، قال : ~~"ما أنا بقارىء " أي : ما الذي أقرؤه؟ فغطه وأرسله كذلك، وحكمة الغط ثم ~~تكريره : مزيد التأهل إلى لقاء الملك؛ لما بين البشرية والملكية من التباين، ثم إلى ~~التلقي منه، ثم قال: اقرا بأسه ريك حتى بلغ: مالريعلم}، فرجع بها يرجف فؤاده ~~حتى دخل على خديجة فقال : "زملوني زملوني" فزملوه حتى ذهب عنه الروع، ~~فقال : 1يا خديجة؛ ما لي ؟!" وأخبرها الخبر، ثم قال : "قد خشيت على نفسي" ~~أي : قبل أن يحصل لي العلم الضروري بأن الجائي جبريل، أو خشيت أن لا أقدر ~~على حمل أعباء الرسالة، أو أن يقتلني قومي، ولا بدع فإنه بشر، فقالت له: كلا، ~~أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل ~~الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، ثم انطلقت به إلى ابن عمها ورقة، ~~وكان شيخأ كبيرا قد عمي، وهو ممن تنصر من العرب وعرف الإنجيل، فقالت له: ~~اسمع من ابن أخيك، فأخبره صلى الله عليه وسلم ما رأى، فقال : هذا الناموس ~~الذي أنزل على موسى، يا ليتني فيها- أي: ملتك - جذعا - أي: شابا لأبالغ في ~~نصرتك - إذ يخرجك قومك، قال: " أومخرجي هم؟ " قال : نعم، لم يأت رجل ~~(1) مسلم (1162) ~~(2) أخرجه مسلم (523)، والترمذي (1553)، وأحمد (411/2) PageV00P112 ~~============================================================ ~~قط بما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك.. أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ~~ورقة أن توفي، وفتر الوحي فترة حتى حزن صلى الله عليه وسلم وتكرر ذهابه إلى ~~رؤوس شواهق الجبال ليرمي نفسه، فيبرز له جبريل ويقول له: يا محمد؛ إنك ~~رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه (1). # وأخرج الشيخان وغيرهما : أنه صلى الله عليه وسلم ms103 قال : " جاوزت بحراء شهرا- ~~أي : لا لطلب النبوة ؛ فإنها موهبة لا تنال بكسب ، الله أعلم حيث يجمل رسالته) ~~-فلما قضيت جواري. هبطت ، فنوديت فنظزث فلم أر شيئا ، فرفغت رأسي فرأيث ~~شييا لم أثبت له ، فأتيت خديجة فقلث : دثروني ديروني ، وصبوا علي ماء باردا ~~فنزلت : يأيما المدير.."(2) الآية، وهلذا بعد نزول : اقرأ، بل وبعد فترة ~~الوحي؛ إذ أول ما نزل: آقرأ على الأصح ، بل الصواب ، وصح عن الشعبي أنه ~~قال : (أنزلت عليه صلى الله عليه وسلم النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته ~~اسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل عليه بالقرآن على ~~لسانه، فلما مضت ثلاث سنين.. قرن بنبوته جبريل، فنزل عليه بالقرآن على لسانه ~~عشرين سنة)(2) وحكمة الفترة : إذهاب الروع الذي وجده صلى الله عليه وسلم، ~~ومزيد تهييجه إلى الاشتياق للعودة. # وروى أصحاب السير: أنه صلى الله عليه وسلم لما أخبر خديجة الخبر. قالت ~~له: أتستطيع أن تخبرني بهذا الذي يأتيك إذا جاءك؟ قال: "نعم" فلما جاءه ~~جبريل.. أخبرها به، فقالت له: اجلس على فخذي الأيسر، ففعل، فقالت: ~~أتراه؟ قال : "نعم " فقالت : فعلى الأيمن، ففعل، فقالت : أتراه؟ قال : " نعم" ~~قالت: فاجلس في حجري، ففعل، فقالت: أتراه؟ قال: ل نعم " فألقت خمارها ~~ثم قالت: أتراه؟ قال : "لا" قالت : اثبت وأبشر، فوالله إنه لملك، ما هذذا ~~شيطان(4). # (1) البخاري (3)، دون قوله : (حتى حزن..) ~~(2) البخاري (4922)، ومسلم (161)، وابن حبان (34)، وأحمد (306/3) ~~(3) انظر "طبقات اين سعد *(191/1)، و8 فتح الباري" (27/1). # (4) انظر " الكامل" لابن الأثير (149/1). PageV00P113 # ============================================================ ~~ثم قام الشي يذعو إلى الله وفي الكفر نجده وإباء ~~(ثم) بعد تلك الفترة ونزول قوله تعالى : يكأيها المدتر قرفأندر} بادر صلى الله ~~عليه وسلم إلى امتثال ذلك؛ فحينئذ (قام النبي) أي: جد واجتهد في حال كونه ~~(يدعو إلى) عبادة (الله) والايمان به وبرسوله، وترك ما هم عليه من عبادة الأصنام ~~والأوثان، وذلك لأن (أول ما وجب عليه صلى الله عليه وسلم الإنذار والدعاء إلى ~~التوحيد، ثم فرض الله من قيام الليل ما ذكره في أول " سورة المزمل" ms104 ، ثم نسخه بما ~~في آخرها، ثم نسخه بإيجاب الصلوات الخمس ليلة الإسراء بمكة) قاله النووي (1) ~~وقال في "فتح الباري" : (كان صلى الله عليه وسلم قبل الإسراء يصلي قطعا ~~وكذلك أصحابه، للكن اختلف هل افترض قبل الخمس صلاة أم لا؟ فقيل: إن ~~الفرض صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها؛ لقوله تعالى : وسيخ بحمد ربك قبل ~~طلوع الشمس وقل غروبها})(2) ~~وروي: أن جبريل بدا له صلى الله عليه وسلم في أحسن صورة وأطيب رائحة، ~~فقال : يا محمد؛ إن الله يقرئك السلام ويقول لك : أنت رسولي إلى الجن والإنس، ~~فادعهم إلى قول : لا إلله إلا الله، ثم ضرب برجله الأرض فنبعت عين ماء فتوضأ منها ~~جبريل، ثم آمره أن يتوضا، وقام جبريل يصلي وأمره أن يصلي معه، فعلمه الوضوء ~~والصلاة، ثم عرج إلى السماء، ورجع صلى الله عليه وسلم لا يمر بحجر ولا مدر ~~ولا شجر إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله، حتى آتى خديجة فأخبرها ~~فغشي عليها من الفرح، ثم أمرها فتوضأت وصلى بها كما صلى به جبريل، فكان ذلك ~~أول فرضها ركعتين... الحديث (3). # (1) روضة الطالبين (206/10) ~~(2) فتح الباري (8/ 171) ~~(3) ذكر نحوه ابن هشام في " السيرة" (245/1). PageV00P114 # ============================================================ ~~(و) هي للحال (في) أهل (الكفر نجدة) أي : قوة تامة وتحزب عليه (وإباء) ~~أي : امتناع عن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم والإيمان به ~~أمما أشربث قلوبهم القف ر فداء الضلال فيهم عياء ~~(أممأ) مفعول (يدعو) أي: جماعات هم أمة الدعوة (أشربت) بالبناء للمفعول ~~(قلوبهم الكفر) آي: اختلطت به بتقدير تجسمه، وتمكن فيها حبه حتى صارت ~~لا تقيل على غيره ولا تلتفت إليه؛ لامتزاجها به امتزاج المشروب بها، فاستعار لفظ ~~الشرب للمخالطة وشدة الممازجة، وحينئذ (فداء الضلال) الذي استقر (فيهم) ~~أي: مرضه، والإضافة بيانية؛ أي: فالداء الذي استقر فيهم - وهو الكفر- داء ~~لا يرجى برؤه (عياء) - بمهملة مفتوحة فتحتية - أي: داء عضال أعيا الأطباء مداواته ~~وحصول شفائه ~~ولما قام صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله عز وجل.. دخل في الإسلام رجال ~~ونساء حتى ms105 كمل السابقون الأولون، وأولهم على الإطلاق خديجة، ثم من الرجال أبو ~~بكر، ومن الصبيان علي، وصح إسلامه مع صباه؛ لأن الأحكام إذ ذاك كانت منوطة ~~بالتمييز، ومن الموالي زيد، ومن الأرقاء بلال، وروي: أن ورقة أسلم، فإن ~~صح.. كان أول من أسلم من الرجال ، وبهذا تجتمع الأقوال المتباينة في أول من ~~أسلم، ثم دخل الناس في الإسلام أرسالا، وكان صلى الله عليه وسلم مخفيا أمره إلى ~~أن أمره الله تعالى بإظهار أمره بقوله : فأضدغ بما تؤمر قالوا : وكان ذلك بعد النبوة ~~بثلاث سنين، ولم يبعد منه قومه ولا ردوا عليه حتى عاب ألهتهم سنة أربع من النبوة، ~~فأجمعوا على عداوته إلا من عصمه الله بالإسلام أو صدق المحبة كأبي طالب، فإنه ~~حدب عليه ومنعه وقام دونه، فاشتد الأمر وتضارب القوم، وتأمرت قريش على من ~~أسلم منهم يعذبونهم، ومنع الله رسوله منهم بعمه آبي طالب ويبني هاشم غير أبي ~~لهب، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطوف على الناس في منازلهم يقول: ~~"أعبدوا ألله ولا تشركوا به شيئا " وأبو لهب وراءه يحذر منه(1)، ورموه بالسحر ~~(1) أخرجه أحمد (492/3)، والحاكم (15/1)، والطبراني في "الكير" (61/5)، وفي PageV00P115 ~~============================================================ ~~والشعر والكهانة والجنون، وكان بعضهم يحثوه بالتراب ويجعل الدم على بابه، ~~ووطىء عقبة بن آبي معيط على عنقه وهو ساجد عند باب الكعبة حتى كادت عيناه ~~تبرزان، وخنقوه خنقا شديدا، وجذبوا رآسه ولحيته حتى سقط اكثر شعره فقام آبو بكر ~~ومنعه منهم(1) ~~ثم أسلم عمه حمزة رضي الله عنه سنة ست من النبوة، فعز به وكفت عنه قريش ~~قليلا، وسألوه أن يملكوه عليهم ويبذلوا له من الأموال ما شاء ويترك ما هو فيه ، فأبى ~~وقال : 0 أضبر لأمر ألله حتى يخكم ألله بيني ويينكم"(2) . # وفي سنة خمس أذن الله لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة، فكان أولهم عثمان مع ~~زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأسلم عمر بعد حمزة رضي الله عنهما بثلاثة أيام، فعز رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كثيرا، ms106 فاجتمعت قريش على قتله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك أبا طالب، ~~فجمع بني هاشم والمطلب فأدخلوه صلى الله عليه وسلم شعبهم ومنعوه ~~وراينا آياته فافتدينا وإذا الحق جاء زال المراء: ~~(ورأينا) معشر أمة الإجابة؛ أي: أبصر الصحابة وعلم من بعدهم بطريق التواتر ~~والشهرة ، ويصح آنها بمعنى علم في الكل وهو واضح، وأبصر في الكل، وهو فيمن ~~بعد الصحابة بالنسبة لمشاهدة حروف القرآن الدالة على آيات لا تحصى (آياته) أي: ~~معجزاته وخلقه وخلقه من بديع صفاته (فاهتدينا) أي : وصلنا إلى المطلوب منا من ~~كمال الإيمان والاتباع (و) إنما بادرنا إلى ذلك لأنا أصحاب عقول كاملة، وقد رأينا ~~الحق عيانا لا مرية فيه ولا شبهة، فعلمنا أنه (إذا الحق جاء).. زهق الباطل، وبين ~~"الأوسط "(1510)، وهو بنحوه عند البيهقي في " الدلائل"(185/2)، وفي " السنن ~~الكبرى"(7/9) ~~(1) أخرجه البخاري (3678)، وابن حبان (6569)، وأحمد (204/2)، والبيهقي في ~~"الدلائل "(274/2)، وفي السنن الكبرى "(9/ 7)، وغيرهم ~~(2) ذكره ابن هشام في " السيرة " عن ابن عباس في حديث طويل (295/1). PageV00P116 # ============================================================ ~~بل جاء) أن (الحق) فاعل مثله المحذوف ؛ لأن (إذا) لا تدخل إلا على الجمل ~~الفعلية على الراجح (زال المراء) أي: الضلال والجدال فيه ، وفي هذذا أبلغ ~~التعريض لكفار قريش حيث لم يؤمنوا به صلى الله عليه وسلم مع ما شاهدوه من كماله ~~الأعظم خلقا وخلقأ وعلما وسيرة، ومن معجزاته الدالة على صدقه. # 60 ~~رب إن الهدى فداك وآيا ثك نور تهدي بها من تشاء ~~(رب إن الهدى) أي : اتباع الحق ليس إلا (هداك) أي : ليس إلا بتوفيقك ~~وهدايتك كما قلت في كتابك : فمن يرد الله أن يهديه يشرخ صدره للاسلم ومن ثرد أن ~~يضله يجمل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد فى التماء}، ومن يهد الله فبا له من ~~مضل، ومن يضلل الله فا له من هاد} ، (و) إن (آياتك) التي أقمتها دالة على ~~صدق أنبيائك، ويصح رفعه، فعلى الأول كل من الجملتين مؤكد لما قبلهما، وعلى ~~الثاني هي مؤكدة أيضا، لكن فيها شبه اعتراض، بناء على جواز وقوعه بعد تمام ~~الكلام (نور) ms107 كما قلت : قدجاء كم ف اللهنور . # (تهدي بها من تشاء) هدايته، وتضل عنها من تشاء غوايته، ففي كلامه اقتباس ~~من الايتين المذكورتين كما أشرت إليه، وإيماء إلى أن الآيات لا تنفع مع سبق الشقاوة . # ولما قرر أن الهدى هدى الله، وأنه يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وأن الأيات ~~وحدها لا تجدي شيئا. ذكر ما يستغرب من ذلك ويقربه، وهو آن غير العاقل قد يلهم ~~كثيرا مما يحرمه العاقل، فقال : ~~.(611 ~~كم رأينا ما ليس يغقل قذ أل هم ما ليس يلهم العقلاء ~~(كم) مرة؛ آي: مرارا كثيرة، فهي خبرية، ويجوز حذف مميزها كما فعله ~~الناظم، فإن ذكر. جر بإضافتها إليه عند البصريين، وجوز بنو تميم نصبه، وإفراده ~~اكثر وأفصح من جمعه، فإن فصل.. نصب حملا على كم الاستفهامية (رأينا) أي: ~~18 PageV00P117 ~~============================================================ ~~علمنا وأبصرنا نظير ما مر، واستعمال المشترك في معنييه واللفظ في حقيقته ~~ومجازه.. جائز، وعلى منعه الذي ذهب إليه الأكثرون.. هو من عموم المجاز (ما) ~~أي: شخصا (ليس يعقل) أصلأ كالحيوان والجماد (قد ألهم) من المصالح، وهذذه ~~الجملة في موضع ثاني مفعولي (رأي) (ما) أي: كثيرا (ليس يلهم العقلاء) ~~إذ أبى الفيل ما أتى صاحب ألفي حل ولم ينفع الحجا والذكاء ~~(إذ) ظرف أو علة ل( رأى) (أبى) أي : امتنع ( الفيل) المذكور في الآية من ~~أن يفعل (ما أتي) آي: عزم عليه (صاحب الفيل) وهو أبرهة ملك صنعاء، وهو ~~دخوله الحرم لهدم الكعبة، وبين (أبى) و(أتى) الجناس المصحف، ومنه قوله ~~تعالى : وهم يخسبون أنهم يحسنون صنعا ~~(ولم ينفع الحجا) أي: العقل الوافر ( والذكاء) اللذان اتصف بهما، فلم يوفق ~~لما وفق له الفيل مع وضوح فرقان ما بينهما في الذكاء والعقل، فعلم أن الهداية ~~والضلال ليسا إلا بتوفيق الله تعالى وهدايته أو خذلانه وعدم رعايته. # وبسط هلذه القصة : أن أبرهة ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي بنى كنيسة ~~بصعاء، وكتب إلى النجاشي: قد بنيت لك كنيسة بصنعاء، وأريد أن أصرف حج ~~العرب إليها، فجاء رجل من بني كنانة فأحدث ms108 فيها، فسمع بذلك فغضب وحلف ~~ليسيرن إلى كعبة العرب ويهدمها، فأمر الحبشة فتهيأت، ثم سار وخرج معه فيل واحد ~~يسمى محمودا، وقيل: اكثر، فخرج عليه ملوك فقهرهم وأسرهم إلى أن قرب من ~~المغمس عند عرفة، فبلغ ذلك عبد المطلب فقال : يا معشر قريش؛ لا يصل لهدم ~~البيت، إن له ربا يحميه، ثم أرسل أبرهة خيلا فاستاقت إبل قريش وغيرهم، ~~ولعبد المطلب فيها أربع مئة ناقة، فركب في قريش حتى بلغ جبل ثبير، فاستدارت ~~دائرة غرة رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبينه كالهلال، واشتد شعاعها على ~~الكعبة مثل السراج، فقال : ارجعوا فقد كفيتم، فوالله ما استدار هذذا النور مني إلا أن ~~يكون الظفر لنا، فرجعوا، ثم أرسل أبرهة رجلأ لسيدهم - وهو عبد المطلب - ليخبره ~~انه لا حاجة له بدمائهم، وإنما غرضه تخريب الكعبة، فإن مكنتموني، نجوتم، PageV00P118 ~~============================================================ ~~فقال له عبد المطلب : لا طاقة لنا بحربه، والبيت بيت الله فإن منعه. فهو بيته، ثم ~~جاء إليه فأكرمه وأجله، ونزل عن سريره وجلس معه على بساطه ثم قال له: ~~ما حاجتك ؟ قال: أن ترد علي إبلي، فقال له: كنت أعجبتني ثم زهدت فيك، ~~تكلمني في إبلك دون بيت هو دينك ودين آبائك ؟! فقال له: أما الإبل. فأنا ربها، ~~وأما البيت.. فله رب يحميه، فرد إليه إبله، فرجع فأخبرهم فتحرزوا في شعف ~~الجبال والشعاب، ثم أخذ عبد المطلب ومعه نفر من قريش بحلقة باب الكعبة ودعوا ~~واستنصروا ~~وفي رواية: آن رسول آبرهة لما دخل مكة ورأى وجه عبد المطلب.. خضع ~~وتلجلج لسانه وخر مغشيا عليه، وخار كما يخور الثور عند ذبحه، فلما أفاق. خر ~~ساجدا لعبد المطلب وقال : أشهد أنك سيد قريش حقا(1). # وروي أن عبد المطلب لما ذهب لأبرهة.. أحضر فيله الأبيض العظيم، فلما رأى ~~عبد المطلب. خر ساجدا وقسال: السلام على النور السذي في ظهرك ~~يا عبد المطلب (2). # تنبيه: مر آنفا أمران لا يخلوان عن إشكال، وهما النور الذي في جبهة ~~عبد المطلب والذي في صلبه، وأن ذلك نور محمد صلى ms109 الله عليه وسلم مع أن الأشهر ~~أن ولادته صلى الله عليه وسلم كانت بعد الفيل بخمسين يوما، فكل ذلك جرى وهو ~~صلى الله عليه وسلم حمل قريب وضعه، وسبب إشكال هذين ما علم مما مر آن نوره ~~صلى الله عليه وسلم كان ينتقل في أصلاب الاباء وأرحام الأمهات بحسب ترتيبهم في ~~الوجود، فإذا وجد واحد.. انتقل إليه ما كان في الذي قبله... وهكذا، وقضية ~~هذا المعلوم المستقر أن النور كله انتقل إلى آمنة ولم يبق منه شيء في عبد الله فضلا عن ~~عبد المطلب، ويؤيد هذا ما مر في الكاهنة التي شاهدت ذلك النور في عبد الله فبذلت ~~له مالأ عظيما ليتزوجها فينتقل النور إليها فتراخى في إجابتها، ثم ذهب فواقع آمنة ~~فحملت فانتقل النور إليها، ثم جاء لتلك فأبت، فقال : لم ؟ فقالت : لأن النور الذي ~~كنت أشاهده فيك انتقل لغيرك، فعلم انتقاله لأمنة، وقد يجاب عن ذلك بأن النور وإن ~~(1) ذكر ذلك العلامة الحلبي في * السيرة الحلبية "(59/1) ~~(2) ذكره في " السيرة الحلبية "(20/1) PageV00P119 ~~============================================================ ~~انتقل كما ذكر للكن الله سبحانه أكرم عبد المطلب فأحدث فيه - كما يدل على ذلك ~~سياق القصة حين احتاج إلى كرامة عظيمة تخلصه وماله من ذلك الملك وجنده الذين ~~طغوا في العتو والجراءة على الله تعالى وعلى بيته الذي أحمع الأمم من لدن إبراهيم ~~على صيانته وتعظيمه وأنه لا يحاكى ولا يغالب - نورا يحاكي ذلك النور الذي استقر في ~~آمنة(1)، بل مع زيادة حتى صار في جبهته كالشمس ~~ثم أكرمه ثانيا بنور آخر أوجده في صلبه واطلع الفيل عليه فسجد؛ ليعلم الخلق ~~بهاتين الكرامتين أن جميع ما وقع في قصة الفيل إنما هو من كمالات الإرهاص؛ ~~لتحقيق نبوة نبينا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قبل وجوده مع الإشارة إلى آنه ~~سيظهر دينه على الأديان كلها، وأنه لا يناوثه أحد إلا أهلكه الله واستأصل أتباعه حتى ~~لا يبقى منهم أحد إلا الشاذ ليخبر الناس على الكيفية التي أخذهم الله بها ، وإلى أن ربه ~~سبحانه وتعالى سيعطيه ms110 من خوارق المعجزات وباهر الايات ما لم يعطه لنبي مرسل ~~ولا ملك مقرب؛ لأن هذذا الأمر الباهر إذا وقع لأجله وهو حمل لم يبرز في الوجود.. # فما بالك بما سيقع له بعد وجوده ؟! ثم في تنويع كرامة عبد المطلب لكون أحد ذينك ~~الباهرين ظهر للناس وشاهدوه، والثاني بطن فيه ولم يطلع عليه إلا الفيل فسجد له.: ~~الإشارة الباهرة أيضا إلى أن الله سبحانه وتعالى سيظهر آيات ذلك الحمل وكراماته إلى ~~حد لا يمكن أن يخفى عليه من ذلك شيء، وإلى أنه سيطلعه على حقائق علومه الباطنة ~~ما أنبأه عنه صلى الله عليه وسلم بعذ في قوله في الحديث المشهور: " فعلمت علم ~~الأولين والآخرين" وإلى أن تلك العلوم الباطنة يطلع الله على بعضها خلفاءه ووارثيه ؟ # ليتم لهم حقائق الخلافة وغايات الوراثة، والحاصل: أنه صلى الله عليه وسلم كان له ~~مقامان باهران : ظاهر في العالم كالشم، وباطن يوجب خضوع سائر الأرواح ~~الكاملة من البشر وغيرهم بين يديه واستمدادهم منه وأنه الممد لسائر الكمل من لدن ~~وجودهم إلى ما لا غاية له ولا انقضاء: ~~ولما أصبح أبرهة بالمغمس وهيا فيله وجنوده لدخول مكة.. برك الفيل في محله ~~بناء على الأصح: أنهم لم يدخلوا الحرم، وقيل: دخلوه وإنما برك لما وصل إلى ~~وادي محسر، ولذلك سمي بذلك؛ لأن فيلهم حسر- أي: أعيى فيه- فضربوه في ~~(1) قوله : (نورا) هو مفعول قوله : (فأحدث) PageV00P120 ~~============================================================ ~~رأسه ومراق بدنه حتى بالحديد فأبي، فوجهوه نحو اليمن فقام، ثم نحو الشام ~~فمشي، ثم نحو المشرق فمشى، ثم نحو الكعبة فأبى ~~فأرسل الله عليهم طيرا أبابيل كأمثال الخطاطيف من البحر، مع كل طائر منها ثلاثة ~~أحجار، حجر في متقاره، وحجران في رجليه كأمثال العدس، لا تصيب أحدا منهم ~~إلا قتلته، فخرجوا هاربين يتساقطون بكل طريق، وأصيب آبرهة في جسده به، ~~فتساقطت أنامله أنملة أنملة حتى وصل صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، وسال منه الصديد ~~والقيح والدم، وما مات حتى تصدع قلبه ~~وقد ذكر الله تعالى هذه القصة في (سورة الفيل) وافتتحها ب{ ألة تر ms111 مع أنها قبل ~~مبعثه صلى الله عليه وسلم، بل قبل ولادته؛ إشارة إلى أن المراد من الرؤية العلم ~~والتذكر، وأن الخبر بذلك متواتر، فكان العلم بذلك ضروريا مساويا للعلم الحاصل ~~بالرؤية البصرية. # وقد دلت هذذه القصة على غاية شرف تبينا صلى الله عليه وسلم، فإنها كانت ~~ارهاصا وتأسيسا لنبوته، ويجوز تقديم المعجزة على زمن النبوة تأسيسأ كما مر في ~~تظليل الغمام والشجر والملكين، بل جاء : أن الشجر والحجارة قريب مبعثه صلى الله ~~عليه وسلم كان لا يمر منها بشيء إلا سلم عليه سلاما يسمعه بأذنيه (1)، وعلى شرف ~~قومه وحماية الله لهم، ولذا دانت العرب لشرفهم؛ لعلمهم بأن أبرهة لا قدرة للعرب ~~بأسرهم على قتاله، فإذا تولى الله نصرتهم عليه. . دل ذلك على عظيم اعتناء الله بهم ~~ولفقد معنى الإرهاص بعد مجيء النبوة وثبوتها بالدلائل القطعية أملي للحجاج ~~بحه الله- حتى خرب الكعبة ولم يعاقب بشيء ~~ولما ذكر ما يتعلق بالهام الحيوان بذكر قصة الفيل. . ذكر ما يتعلق بإلهام الجماد فقال : ~~والجماداث أفصحث بألذي أخ رس عنه لأخمد الفصحاء ~~(والجمادات) وهي: ما لا روح فيه (أفصحت) أي: أظهرت ونطقت بكلام ~~(1) نقله ابن هشام في " السيرة "(234/1) عن ابن إسحاق، وسيورد الشارح بعد قليل نحوه : PageV00P121 ~~============================================================ ~~مبين فصيح لا تلعثم فيه، قيل : يخلقه الله فيها حينئذ من غير حياة : { وإن من شيء إلا ~~يسيع بحمده، وقيل: بل يخلق الله فيها حياة ولسانا وإدراكا فتنطق مختارة عارفة بما ~~تنطق به، ويدل لهلذا ما يأتي في حنين الجذع وأنينه ، فإن ذلك يدل على أن الله تعالى ~~خلق فيه الحياة والعقل والشوق حتى حن وأن، ولا يعارضه : أن مذهب الأشعري : ~~أن خلق الصوت في محل لا يستلزم خلق الحياة والعقل فيه ؛ لأنا لم نأخذ الحياة من ~~تصويته، بل من إطلاق الصحابة عليه أنه حن وأن، ومذهب الأشعري : أن الذكر ~~المعنوي والكلام النفسي يستلزمان الحياة استلزام العلم لها، ولذا عامله صلى الله عليه ~~وسلم معاملة الحي فالتزمه كما يلتزم الغاتب أهله ~~(ب) الشهادة بالإنباء والإرسال (الذي أخرس عنه ms112 لأحمد) متعلق با أفصحت) ~~(الفصحاء) نائب فاعل (أخرس) وفيه الطباق؛ أي: أن العرب قريشا وغيرهم مع ~~كونهم آرباب الفصاحة وفرسان البلاغة امتنعت السنتهم من النطق له صلى الله عليه ~~وسلم بالايمان به والشهادة له بالرسالة إليهم، وشهد له بذلك الجمادات الصم بأفصح ~~لسان وأبلغ بيان. # فمن ذلك : تسبيح الحصى في يده ، ثم في يد أبي بكر، ثم في يد عمر رضي الله ~~عنهما، يسمع تسبيحهن من في الحلقة، رواه جماعة وهو مشهور لنكن في سنده ~~ضعف (1) ~~وصح عن ابن مسعود رضي الله عنه : كنا نأكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الطعام ونحن نسمع تسبيح الطعام (2)، وفي سماعهم لذلك غاية الكرامة لهم ~~وصح أيضا :" إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث ، إني لأغرفه ~~آلان "(3) قيل : هو الحجر الأسود، وقيل: البارز بزقاق المرفق؛ لأنه كان بممره ~~صلى الله عليه وسلم من دار خديجة إلى المسجد، وعليه أهل مكة سلفا وخلفا ~~وصح عن علي كرم الله وجهه : كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، ~~(1) اخرجه ابن عساكر في تاريخه * (120/39) ~~(2) أخرجه البخاري (3579)، وابن خزيمة (204)، والترمذي (3633)، وأحمد ~~(360/1)، وأبو يعلى (5372) ~~(3) اخرجه مسلم (2277)، وابن حبان (6482) ، وأحمد (95/5)، وغيرهم PageV00P122 ~~============================================================ ~~فخرجنا في بعض نواحي مكة، فما استقبلنا شجر ولا حجر إلا قال : السلام عليك ~~يا رسول الله(1). # وروى البزار وأبو نعيم : " لما اشتقبلني جبريل بألرسالة .. جعلت لا أمو بحجر ~~ولا شجر إلأ قال : السلام عليك يا رسول الله 6 . # وروى البيهقي وابن ماجه : آنه صلى الله عليه وسلم غطى العباس وبنيه بملاءته ~~فقال : "يا رب ؛ هذذا عمي وصنو ابي ، وهلؤلاء أهل بتتي ، فأستزهم من النار ~~(2) ~~كستري إياهم بملاءتي هلذه " فقالت أسكفة الباب وحوائط البيت : آمين آمين آمين (2) . # وصح : أنه صلى الله عليه وسلم كان هو وأبو بكر وعمر وعثمان على أحد- وصح ~~أيضا على حراء - فتحرك فقال : " أثبت - وضربه برجله - فما عليك إلأ نبي وصديق ~~وشهيدان "(3). # وصح: أنه صلى الله عليه وسلم طلب من رجل الإيمان، فقال له : هل من ~~شاهد؟ ms113 فقال: "هلذه الشجرة" فدعاها صلى الله عليه وسلم وهي على شاطيء ~~الوادي فأقبلت تخد الأرض خدا - أي : تشقها شقا- فقامت بين يديه فاستشهدها ~~ثلاثا فشهدت ثم رجعت إلى منبتها(4). # وفي رواية : " قل لتلك الشجرة : رسول الله يذعوك" فمالت عن يمينها وشمالها ~~ومن بين يديها ومن خلفها، فتقطعت عروقها ثم جاعت تخد الأرض تجر عروقها مغبرة ~~حتى وقفت بين يديه فقالت: السلام عليك يا رسول الله، قال الأعرابي: مرها ~~فلترجع إلى منبتها، فرجعت فدلت عروقها في ذلك الموضع فاستقرت، فقال ~~الأعرابي : ائذن لي أن أسجد لك ، فقال : " لؤ كنث آمرا أحدا أن يشجد لأحد.. # لأمرث المزأة أن تسشجد لزوجها " وصح : أن أعرابيا قال له : بم أعرف أنك ~~رسول الله؟ قال : " بان أذعو هلذا العذق من هلذه النخلة يشهد بأني رسول ألله " ~~(1) أخرجه الترمذي (3626) ، والدارمي (21). # (2) دلائل النبوة (71/6)، وأسكفة الباب : خشبته التي يوطأ عليها. # (3) أخرجه البخاري (3399)، وابن حبان (6492)، وأبو داوود (4619)، والترمذي ~~3630)، وأحمد (3/ 112). # 4) أخرجه ابن حبان (6505)، والدارمي (16)، والطبراني في "الكبير " (330/12) ~~149 PageV00P123 ~~============================================================ ~~فدعاه فسقط إليه ، ثم قال : "أزجع" فعاد، فأسلم الأعرابي: ~~تنبيه: علم من كلام الناظم على مولده صلى الله عليه وسلم وما بعده: أن من ~~دلائل نبوته ما وجد في كتب الله من نعته وخروجه بأرض العرب، وما ظهر بين يدي ~~مولده ومبعثه من العجائب المبطلة لسلطان الكفر والمنوهة بشرف العرب، كقصة الفيل ~~وما حل بأصحابه، وخمود نار فارس وما ذكر معها، وما سمع من الهواتف الصارخة ~~بأوصافه صلى الله عليه وسلم، وانتكاس الأصنام المعبودة على وجوهها من محالها فيه ~~من غير فعل فاعل مع شدة ثباتها وإحكامها، وما سبق بعضه من العجائب التي ظهرت ~~أيام رضاعه وبعده إلى بعثته واتباع الخلق له، مع أنه لم يكن له مال يطمع فيه ولا قوة ~~يقهر بها الرجال مع ما كانوا عليه من محبة الأصنام والمبالغة في الحمية لها بالمقاتلة ~~وشن الغارات، لا يجمعهم ألفة دين، ولا يمنعهم عن سوء أفعالهم النظر في عاقبة ~~ولا خوف لانمة، فألف صلى الله عليه وسلم بين قلوبهم، وجمع ms114 كلمتهم حتى اتفقت ~~الاراء، واجتمعت القلوب، فصاروا يدأ واحدة على من سواهم، وهجروا أوطانهم ~~وأهاليهم في محبته، وبذلوا مهجهم لنصرته، ونصبوا وجوههم لوقع السيوف في ~~اعزاز كلمته بلا دنيا أفاضها عليهم في العاجل، ولا عز في الاجل أطمعهم في نيله ~~يتحرونه، بل كان صلى الله عليه وسلم من شأنه أن يجعل الغني فقيرا، والشريف أسوة ~~الوضيع، فهل يلتثم مثل هلذه الأمور من قبل اختيار عقلي أو تدبير فكري ؟! لا والذي ~~بعثه بالحق تبيا إنما ذلك أمر إلهي وتأييد سماوي تعجز عن بلوغه قوى البشر، ~~ولا يقدر عليه إلا من له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ~~وبهذا الذي ذكرته يتضح تعقيب الناظم لما مر بقوله : ~~64 ~~ويح قؤم جفؤا نبيا بأرض ألفته ضبابها والظباء ~~(ويح) منصوب بفعل محذوف، أو بحرف النداء؛ آي: يا ويح، على حد: ~~يلحسرة على العباد} أي : احضري هلذا وقتك ، كذا قيل، والذي صرح به الأثمة : ~~أله حيث كان المصدر بدلا من اللفظ بفعله. وجب نصبه وحذف عامله PageV00P124 ~~============================================================ ~~نعم؛ بعض تلك المصادر يجوز رفعه كا ويح)، فقد قالوا: ومما استعمل مفردا ~~ومضافا قولهم: ويح فلان وويحآ له، قال ابن طاهر: متى أضفت (ويح).. وجب ~~النصب وامتنع الرفع؛ لأنه مبتدأ لا خبر له، ومتى أفردته.. جاز كل منهما، وكذا ~~(ويل) والنصب فيه غير قوي؛ لأنه مصدر لا فعل له، بخلاف نحو: حمدا ~~وشكرا، ومن ثم غلب على (ويح) الرفع، بل قال ابن أبي الربيع : يجب رفعه دون ~~(ويل): ~~نعم؛ إن عطف (ويح) على (تب).، تعين نصبه، ومنع المازني عطف (ويح) ~~على (تب) وعكسه؛ لتناقض معناهما، ورد بأن (ويح) أخرج مخرج الدعاء وليس ~~معناه الدعاء، وتبا تستعمل، كقاتله الله ما أشعره، فعلم أن (ويح) و( ويل) ~~وتحوهما متى نصب.. فإنما هو بعامله المحذوف وجوبا، وأنه لا دخل للتداء هنا: ~~واعلم: أنهم اتفقوا على أن (ويح) كلمة ترحم تقال لمن وقع في مهلكة ~~لا يستحقها، و( ويل) كلمة عذاب ، وقيل: هما بمعنى، وعلى الأول فقد يستشكل ~~اتيان الناظم بها في ms115 هذا المحل؛ لأن الجافين له صلى الله عليه وسلم يستحقون الهلاك ~~الدائم، وقد يجاب: بأن كثيرا منهم أسلم بعد ذلك، فالترحم لهم باعتبار ما آل إليه ~~حالهم، ويرد بأنهم بهذا الاعتبار لا يقال فيهم: ويح؛ لأنهم لم يقعوا في هلاك ~~أصلا، فالأحسن: الجواب بأن الترحم من حيث النظر إلى القرابة التي بينهم وبين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنهم من عمود نسبه وجلدته، والترحم لهم من ~~هذذه الحيثية لا محظور فيه ~~(قوم جفوا نبيا) بلغ من مراتب الجلالة والتعظيم ما لم يبلغه نبي؛ أي: أبغضوه ~~وآذوه الإيذاء البالغ ، بل قصدوا قتله كما مر آنفا مبسوطا (بأرض ألفته ضبابها) جمع ~~ضب، وحديثه مشهور على الألسنة، ورواه البيهقي في أحاديث كثيرة، للكنه حديث ~~غريب ضعيف، قال المزني : لا يصح إسنادا ولا متنأ، وهو : أن أعرابيا اصطاد ~~ضبا، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم.. طرحه بين يديه وقال : لا أؤمن بك حتى ~~يؤمن بك هذا، فقال: "يا ضي" قال: لبيك وسعديك، قال: من تعبد ؟" ~~قال: الذي في السماء عرشه، وكلمات أخر، قال : "من أنا؟ " قال : رسول رب ~~العالمين، فأسلم الأعرابي الحديث بطوله، قيل: وهو موضوع، ورد بآن نهايته PageV00P125 ~~============================================================ ~~الضعف لا الوضع، وفي معجزاته صلى الله عليه وسلم ما هو آبلغ من هذذا. # (والظباء) جمع ظبي، وروى حديثه من طرق البيهقي وأبو نعيم والطبراني(1)، ~~وساق الحافظ المنذري حديثه في " الترغيب والترهيب "(2) للكن ضعفه الأئمة، بل ~~قال الحافظ ابن كثير : (لا أصل له، ومن نسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.. فقد ~~كذب) ورد بأنه ورد في الجملة في عدة أحاديث يتقوى بعضها ببعض، بل بالغ بعض ~~المحققين فزعم أنه حديث صحيح، قال التاج السبكي: (وهو وإن لم يتواتر اليوم ~~فلعله استغني عنه بغيره، أو لعله تواتر إذ ذاك) وهو: بينما رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في صحراء إذا هاتف يهتف : يا رسول الله- ثلاث مرات - فالتفت فإذا ظبية ~~مشدودة في وثاق وأعرابي نائم عندها، فقال: " ما حاجتك ؟ " قالت : صادني هذا ~~الأعرابي ولي ms116 خشفان في ذلك الجبل، فأطلقني حتى أذهب فأرضعهما وأرجع، ~~قال : "وتفعلين ؟ " قالت : عذبني الله عذاب العشار - أي : المكاس - إن لم أعد، ~~فأطلقها فذهبت ورجعت فأوثقها صلى الله عليه وسلم، فانتبه الأعرابي فقال : ~~يا رسول الله؛ ألك حاجة؟ قال : " تطلق هلذه الظبية " فأطلقها، فخرجت تعدو في ~~الصحراء فرحا وهي تضرب برجلها الأرض وتقول : أشهد أن لا إلله إلا الله وأنك ~~رسول الله ~~ولم يرد الناظم الحصر في هذين، فقد صح: أن الذئب آلفه وأخبر بنبوته ~~ص لى الله عليه وسلم كما جاء من طرق، منها طريقان صحيحان حاصلهما: آنه أخذ ~~شاة فانتزعها الراعي منه، فقال : ألا تتقي الله ؟1 تنزع مني رزقا ساقه الله إلي ؟! # فتعجب الراعي من كلامه له، فقال له الذئب : ألا أخبرك بأعجب من ذلك ؟ محمد ~~بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق، وفي رواية صحيحة: بما مضى وما هو كائن ~~فأتى الراعي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فأمر أن ينادى : الصلاة ~~جامعة، ثم أمر الراعي فأخبرهم (3). # (1) المعجم الأوسط (255/6) ~~(2) الترغيب والترهيب (217/1) ~~(3) أخرجه ابن حبان (6494)، وأحمد (83/3)، والحاكم (467/4)، وأبو نعيم في ~~"الدلائل"(482/2) PageV00P126 ~~============================================================ ~~وفي رواية عن سعيد بن منصور في 8 سننه " : أن الذئب جاء إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال : هذذا وافد الذئاب ، جاء يسألكم أن تجعلوا له شيئا من أموالكم، ~~قالوا : والله لا نفعل، وأخذ رجل من القوم حجرا رماه به، فأدبر الذتب وله عواء، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: " ألذيب، وما الذثب؟". # وكلمه صلى الله عليه وسلم الحمار أيضا على ما روي في حديث طويل، للكن قال ~~ابن الجوزي : (إنه موضوع) ~~وكلمه صلى الله عليه وسلم آيضا الجمل، كما جاء في عدة طرق بعضها سنده جيد ~~وبعضها سنده صحيح، وحاصلها: أن جماعة من الأنصار شكوا إليه صلى الله عليه ~~اال وسلم جملهم، وأنه امتنع من العمل حتى عطش النخل والزرع، فقال لأصحابه: ~~"قوموا " فقاموا، ودخل الحائط فمشى إليه، فقالوا : يا رسول الله؛ إنه جبار، وإنه ~~صار كالكلب الكلب ، فقال : " ليس ms117 علي منه بأس" فلما نظر الجمل إليه.. أقبل ~~نحوه حتى خر ساجدا بين يديه، فأخذ بناصيته أذل ما كان قط حتى آدخله في ~~العمل... الحديث(1). # وفي رواية صحيحة: آنه صلى الله عليه وسلم دخل حائطا فرآه جمل فحن اليه ~~وذرفت عيناه ، فمسح قريب رأسه من قفاه ، ثم قال لربه : " ألا تتقي الله في هلذه ~~البهيمة ألتي ملكك الله إياها؟ فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتذيبه "(2) أي : تتعبه . # وجاء بسند ضعيف : آن غنمأ سجدت له صلى الله عليه وسلم(3) ~~وسلوه وحسن جسذع إليه وقلوه ووله الغرباء ~~(وسلوء) آي: نفرت قلوبهم عنه حتى هجروه مع نشأته فيهم وعلمهم بغاية نزاهته ~~ونهاية كماله (و) الحال أنه قد (حن جذع إليه) كما جاء من طرق كثيرة صحيحة ~~(1) أخرجه أحمد (158/3) ~~(2) اخرجه آبو داوود (237)، وأحمد (204/1)، وأبو يعلى (6787)، والحاكم ~~99/2) وغيرهم ~~(3) أخرجه أبو تعيم في * الدلائل" (490/2). PageV00P127 # ============================================================ ~~وغيرها يفيد مجموعها التواتر المعنوي الموجب لتيقن وقوع ذلك والقطع به، وعلى ~~التواتر المعنوي يحمل قول التاج السبكي : (الصحيح عندي : أن حنينه متواتر) ~~وسبقه لذلك عياض، وحاصلها: أنه صلى الله عليه وسلم قبل آن يعمل له المنبر كان ~~يخطب مستندا إلى جذع نخل من الجذوع المسقوف عليها المسجد، فلما صنع له ~~المبر ثلاث درجات.. وضعه موضعه الان بمسجده، ثم تخطى الجذع يوم الجمعة ~~ليخطب على المنبر، فصاح الجذع حتى سمعه جميع من في المسجد(1). # وفي رواية: أنه خار كخوار الثور حتى ارتج المسجد لخواره (2). # وفي أخرى : خار حتى تصدع وانشق (3). # وفي أخرى : فجعل يثن أنين الصبي(2) . # وفي أخرى : حن حنين الناقة التي انتزع ولدها(5). # فتزل إليه صلى الله عليه وسلم وضمه إليه رحمة له حتى سكن، وفي رواية: ~~فمسح بيده ، ولعله فعل به الأمرين(2). # وفي أخرى : " إن هلذا بكى لما فقد من الذكر عنده "(7) . # . وفي أخرى : " والدي نفسي بيده لؤ لم التزمه.. لم يزل يصوث هكذا إلى يوم ~~القيامة "(1) تحزنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهلذا من اكبر معجزاته ~~صلى الله عليه وسلم، بل أشار الشافعي ms118 رضي الله عنه إلى آنه أبدع من إحياء عيسى ~~عليه السلام للموتى؛ لأنهم عهدت لهم حياة رجعت إليهم بخلاف هلذا ~~(1) أخرجه البخاري (3583)، وابن حبان (2506)، والترمذي (505)، وأحمد ~~(113/3)، والبيهقي في " السنن"(195/3)، والدارمي (31)، وغيرهم. # (2) أخرجه الدارمي (42). # (3) أخرجه الدارمي (36) ~~4) أخرجه البخاري (1953)، وابن أبي شيبة (433/7) ~~(5) اخرجه أحمد (293/3)، والدارمي (35)، وابن أبي شيبة (434/7) ~~(2) رواية : (فسح بيده) عند الدارمي (31)، وراوية : (ضمه) عنده أيضا (39): ~~(7) اخرجه أحمد (300/3)، وابن أبي شيبة (433/7) ~~أخرجه الضياء في " الأحاديث المختارة "(1519) ~~194 PageV00P128 ~~============================================================ ~~وفي رواية عند الدارمي: آنه صلى الله عليه وسلم خيره بين آن يعيده إلى مغرسه ~~فيثمر كما كان، أو أن يغرسه في الجنة يأكل أولياء الله من ثمره ، ثم أصغى إليه فقال : ~~أختار دار البقاء على دار الفناء، وأمر به فدفن (1). # ومر في شرح قوله : (والجمادات أفصحت..) إلخ ما له تعلق بذلك. # (وقلوه) أي: أبغضوه (و) الحال أنه قد (وده) أي: أحبه، وبين (السلو) ~~و(الحنو) و(القلى) و(الود) الطباق ، كما هو بين (الإخراج) و(الإيواء) الآتيين ، ~~وكأن المراد في الأولين : أن السلو يدل على سبق المحبة والألفة ، والحنو يدل على ~~البغضاء والايذاء كما مر ~~(الغرباء) الذين هم ليسوا من عشيرته ولا من قومه، ولا عرفوا ما عرفته قريش ~~من كماله الأعظم، كالأنصار الأوس والخزرج، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم خرج ~~في الموسم الذي لقيهم فيه يعرض نفسه على قبائل العرب، كما كان يصنع في كل ~~موسم ، فلقي بعض الخزرج عند العقبة ، فقال :8 من أنتم ؟" فقالوا : من الخزرج، ~~قال : " أفلا تجلسون أكلمكم؟ " فجلسوا ، فدعاهم إلى الإسلام وتلا عليهم القرآن ، ~~وكان عندهم علم منه، فعرفوا نعته؛ لأن يهود المدينة كانوا يقولون لهم : إن نبيا ~~يبعث الأن نتبعه ونقتلكم معه، فأجابوه لئلا تسبقهم اليهود إليه، وأسلم منهم ستة ~~نفر، فقال لهم : " تمنعون ظهري حتى أبلغ رسالة ربي" فقالوا : ندعو قومنا إلى ~~ما دعوتنا إليه، فإن أجابوا.. فلا أحد أعز منك، وموعدك الموسم العام القابل، ~~فلما وصلوا المدينة.. لم تبق دار إلا وفيها ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~فلقيه في ms119 العام القابل اثنا عشر، خمسة من الستة، والبقية من الخزرج أيضا إلا ~~رجلين فمن الأوس، وهذه هي العقبة الثانية، فأسلموا وقبلوا ما اشترطه عليهم، ثم ~~رجعوا فأظهر الله الإسلام فيهم، فكان أسعد بن زرارة يجتمع بالمدينة بمن آسلم، ثم ~~أرسلوا يطلبون من يعلمهم القرآن، فأرسل إليهم مصعب بن عمير، فأسلم على يديه ~~ع كثير، منهم سيد الأوس سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وأسلم بإسلامهم ~~جميع بني عبد الأشهل في يوم واحد رجالهم ونساؤهم إلا واحدا فيوم أحد أسلم، ولم ~~(1) مسند الدارمي (32) PageV00P129 ~~============================================================ ~~يكن فيهم - أعني بني عبد الأشهل - منافق ولا منافقة، ثم قدم في العام القابل في ~~الموسم نحو سبعين رجلا، وهي العقبة الثالثة، فبايعهم على آنهم يمنعونه مما يمنعون ~~منه نساءهم وأبناءهم، وعلى حرب الأحمر والأسود(1): ~~وصح عن جابر : مكث صلى الله عليه وسلم عشر سنين يتبع الناس في منازلهم في ~~المواسم بمنى وغيرها يقول : 0 من ينصرني حتى أبلغ رسالة ريي وله الجنة ؟" حتى ~~بعث الله له من يثرب ، وذكر الحديث ، وفيه : "على أن تنصروني إذا قدمت عليكم ~~يثرب ، فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناء كم ولكم الجنه "(2). # وحضر العباس رضي الله عنه هذه المبايعة، فأكد عليهم رسول الله صلى الله عليه ~~ال وسلم ذلك، ثم أمر صلى الله عليه وسلم من بقي معه بالهجرة إلى المدينة، فخرجوا ~~أرسالا، وأقام ينتظر الإذن له في الهجرة ، واستأذنه أبو بكر رضي الله عنه، فقال : ~~0 لا تفعل ، لعل الله أن يجعل لك صاحبا"(2) فتطمع أبو بكر في أن يهاجر معه ~~صلى الله عليه وسلم ~~ولما بلغهم آنه بويع وأمر من معه آن يلحق بالمدينة وأنه ظهر آمره بها.. اشتوروا ~~بدار الندوة، ثم أجمعوا آن يحبسوه أو يقتلوه أو يخرجوه، فاعترضهم إبليس في ~~صورة رجل جميل، وأظهر لهم آنه يريد نصحهم، وأمرهم آن يعرضوا عليه آراءهم ~~ليختار أنفعها لهم، فقيل: نحبسه، فقال: قد ينتزع منكم، فقيل: نخرجه، ~~فقال : يأتيكم بما لا طاقة لكم به ، فقال أبو جهل : أرى أن تأخذوا ms120 من كل قبيلة غلاما ~~قويا، ثم تعطوهم شفارا فيضربه كل ضربة فيتفرق دمه في القبائل، فلم يقدر أهله على ~~حرب قومهم فيأخذوا ديته، فقال إبليس: لله درك! هذا هو الرأي، فأجمعوا عليه، ~~فأتاه جبريل فقال : لا تبت الليلة في فراشك، فاجتمعوا في الليل ببابه يرصدونه لينام ~~(1) انظر تفصيل ذلك في لا سيرة ابن هشام " (428/1) وما بعدها، ول طبقات اين سعد" ~~(219/1) وما بعدها ~~(2) أخرجه ابن حبان (6274)، وأحمد (339/3)، والحاكم (624/2)، والبيهقي في ~~"السنن الكبرى " (146/8) ~~(3) انظر " سيرة ابن هشام" (480/2)، و0 تاريخ الطبري" (369/2)، و" عيون الأثر" ~~(214/1)، واخرج الحاكم نحوه (435/2). PageV00P130 # ============================================================ ~~فيشبوا عليه، فأمر عليا رضي الله عنه بآن ينام مكانه، ثم خرج عليهم فلم يبق آحد منهم ~~إلا أخذ الله على بصره فلم يره ، ونثر على رأس كل واحد منهم ترابا كان في يده وهو ~~يتلو : يس إلى: { لايبحرون} (1). # وصح: أنه ما أصاب أحدا منهم تراب إلا قتل كافرا، ثم أعلموا بخيبتهم، فوضع ~~كل منهم يده على رأسه فوجد التراب ، وفي هلذا نزل قوله تعالى : { وإذيمكربك الزين ~~كفروا ليتبتولك... الآية. # ثم أذن الله لنبيه في الهجرة كما قال : ~~أخرجوه منها وآواه غاز وحمته حمامة وزقاء ~~(خحوه) بدل من (جفوه)(2) (سها) أي : كانوا السبب في خروجه من تلك ~~الأرض التي هي مولده ومرباه ووطنه ووطن آبائه وأحب أرض الله إلى الله وإلى ~~رسوله، كما صح عنه صلى الله عليه وسلم، ثم قال: " ولؤلا أني أخرجت منك ~~كرها.. ما خرجت"(3). # ويقولي: (كانوا السبب..) إلخ.. اندفع ما يقال : هو لم يخرج منها إلا بإذن، ~~فهو السبب فقط، ووجه اندفاعه: آن تسببهم في خروجه بمبالغتهم في ايذائه وإيذاء ~~أصحابه لا سيما ضعفاؤهم.. هو الحامل على انتظاره الإذن له في الخروج مدة حتى ~~وجد، فتسببهم سبب للاستئذان ووقوع الإذن، فإسناد الإخراج إليهم لذلك أظهر منه ~~للإذن؛ تعويلا على أسبق السببين، مع كون الأول سببا للثاني أيضا كما تقرر، وكان ~~ذلك بعد العقبة الثالثة بنحو ثلاثة أشهر يوم الإثنين هلال ربيع الأول ، أو ms121 الخميس الذي ~~(1) انظر " سيرة ابن هشام" (480/2) وما بعدها، ول تاريخ الطبري " (2/ 370) وما بعدها، ~~ول طبقات ابن سعد "(227/1) وما بعدها، و1 عيون الأثر " (217/1) ~~(2) صوابه: (جفوا)، انظر قول الناظم قبل صفحات : (ويح قوم جفوا تبيا..) ~~(3) أخرجه ابن حبان (3708)، والترمذي (3925)، وابن ماجه (3108)، وأحمد ~~(305/4)، والدارمي (2552)، والحاكم (7/3) ~~19 PageV00P131 ~~============================================================ ~~يليه، ووصل المدينة يوم الإثنين ثاني عشر الشهر، وجمع بأن خروجه من مكة يوم ~~الخميس ومن الغار ليلة الإثنين. # وخلف عليا ليؤدي ما عنده من الودائع ، وكان مجيئه بيت أبي بكر وقت الظهيرة ~~فقال : " إنه قد أذن لي في الخروج" قال : الصحبة يا رسول الله قال : " نعم " قال : ~~فخذ إحدى راحلتي قال : " بألئمن "(1) أي : لتتمحض هجرته لله ولا يكون لأحد فيها ~~منة، فخرجا ليلا إلى غار جبل ثور، فاستخفيا فيه كماقال : (وآواه غار) أي: ولما ~~فقدته قريش. طلبوه بمكة أعلاها وأسفلها، وبعثوا القافة إثره في كل وجه، فوجد ~~الذي ذهب قبل ثور أثره هنالك، فلم يزل يتبعه حتى انقطع لما انتهى إلى ثور، وشق ~~عليهم خروجه وجزعوا منه، وجعلوا لمن رده مئة ناقة. # ولما دخل الغار.. قيل: أنبت الله على بابه شجرة أم غيلان فحجبت عن الغار ~~أعين الناس، وأرسل الله حمامتين وحشيتين فوقعتا على فم الغار كما قال : (وحمته) ~~منهم (حماسة) فيه جناس سبق نظيره (ورقاء) وهي: ما في لونها بياض يخالطه ~~سواد، قيل: وحمام الحرم من نسلهما، ومعنى حمايتهما له: أن فتيان قريش من كل ~~بطن لما أقبلوا بسلاحهم.. جعل بعضهم ينظر في الغار فلم ير إلا حمامتين وحشيتين ~~بفم الغار، فرجع إلى أصحابه، فقالوا له: ما لك ؟ قال : رأيت حمامتين وحشيتين ~~فعرفت أنه ليس فيه أحد(2) ~~وقال آخر : ادخلوا الغار، فقال اللعين أمية بن خلف : وما أربكم في الغار؟ إن ~~فيه لعنكبوتا أقدم من ميلاد محمد (3). # وفي "مسند البزار" : إن الله عز وجل أمر العنكبوت فسجت على وجه الغار، ~~ولذاقال الناظم : ~~(1) اخرجه البخاري (2138)، وأبو يعلى (4548) وانظر " سيرة ابن هشام "(484/2)، ~~و"طبقات ابن سعد 8(3/ 172) ~~(2) قال في " مجمع الزوائد* (56/6) ms122 : (رواه البزار، والطبراني [443/20]، وفيه جماعة لم ~~أعرفهم) ، والخبر في طبقات ابن سعد"(229/1) ~~(3) انظر "الاكتفاء" للكلاعي (339/1). # 198 PageV00P132 ~~============================================================ ~~وكفته بنشجها عنكبوث ما كفته الحمامة الحضداء ~~(وكفته بسجها عنكبوت) يقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى (ما) أي: ~~الأعداء الذين (كفته) إياهم (الحمامة الحصداء) أخذه من قولهم : شجرة حصداء! # أي: كثيرة الورق، فاستعاره للحمامة لكثرة ريشها، ووصف الحمامة با ورقاء) ~~و(حصداء) لاجتماعهما فيها، والممتنع إنما هو الوصف بمتضادين أو متماثلين ~~وروي : أن الحمامتين باضتا في أسفل النقب، ونسج العنكبوت على أعلاه ~~فقالوا : لو دخلا. لتكسر البيض وتفتح نسج العنكبوت. # قال الأئمة : وهلذا أبلغ في الإعجاز من مقاومة القوم بالجنود. # وروي: أنه صلى الله عليه وسلم قال : " اللهم؛ أغم أبصارهم" فعميت عن ~~دخوله، وجعلوا يضربون يمينا وشمالا حول الغار؛ لظنهم أن الحمام لا يحوم ~~حوله، وأن العنكبوت لا تنسج عليه وفيه أحد؛ لما جرت العادة أنهما متوحشان، ~~مهما أحسا بالاتسان. فرا منه، وما علموا أن الله سبحاته وتعالى يسخر ما شاء من ~~خلقه لمن شاء من عباده، وأن وقاية الله تعالى عبده بما أراده تغنيه عن التحصن ~~بالأمكنة والأسلحة ~~وصح: أن أبا بكر رضي الله عنه قال : يا رسول الله ؛ لو أن أحدهم نظر إلى ~~قدميه.. لرآنا، فقال صلى الله عليه وسلم : " ما ظنك بأثنين الله ثالثهما؟ "(1). # ولذاقال الناظم: ~~وأختفى منهم على قزب مزآ ومن شدة الظهور الخفاء ~~(واختفى) صلى الله عليه وسلم؛ أي : استتر، والأحسن: عطفه على : (وآواه ~~(1) أخرجه البغاري (4663)، ومسلم (2381)، وابن حبان (2278)، والترمذي ~~(3096)، وأحمد (4/1)، والبزار (36). # 199 PageV00P133 ~~============================================================ ~~غار)، (منهم على) أي: مع (قرب مرآه) أي: محل رؤيته، وفي ذكر الناظم ~~لهذا تعجيب للسامع وبيان لهذه المعجزة العظيمة ~~(:) حكمة استتاره منهم مع ظهوره لهم لو نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه كما ~~تقرر: أن () جملة (شدة الظهور) عليهم بالغلبة والمعونة الإللهية له ( ~~عنهم الذي حصل له خرقا للعادة ظفرا عليهم وخيبة لهم، واستعماله (الظهور) فيما ~~ذكر مع أن مقابلته با الخفاء) توهم أنه أراد به ضده.. من الفن المسمى بالتورية ~~والإيهام، وهي ms123 : أن يذكر لفظا له معنيان بالاشتراك، أو التواطو، أو الحقيقة ~~والمجاز، أحدهما بعيد، فيقصده ويوري عنه بالقريب؛ فيتوهمه السامع من آول ~~وهلة، وهو هنا ضد (الخفاء) الموهم له قوله : (واختفى) ~~قال الزمخشري : (لا نرى بابا أدق ولا ألطف من التورية، ولا أنفع ولا أعون ~~على تعاطي تأويل المتشابهات في كلام الله تعالى ورسوله، نحو : الرحمن على العرش ~~أستوى} أريد من الاستواء : معناه البعيد الذي هو الاستيلاء، دون القريب الذي هو ~~الاستقرار في المكان ؛ لاستحالته على الله تعالى) اه ملخصا ~~وهلذه تسمى مجردة؛ لأنه لم يذكر فيها شيء من لوازم المورى به ولا المورى ~~عنه، وألحق بها ما ذكر فيه لازم كل منهما؛ لأنهما تكافا حينئذ، ومنه ما في البيت، ~~فإنه ذكر فيه لازم كل منهما بذكر (اختفى) وبا الخفاء)؛ إذ المتبادر منه أنه ليس ~~المراد بالظهور ضد الخفاء، فإن ذكر لازم أحدهما سميت مرشحة، نحو: ~~والسماء بنينلها يأييد وانا لموسعون} فإنه يحتمل الجارحة وهو المورى به ، ورشح له بذكر ~~البناء، ويحتمل القوة والقدرة وهو البعيد المقصود، وزاد بعضهم في حد التورية: ~~مع صحة كل من المعنيين، ولا معنى لهلذه الزيادة كما علم مما تقرر في آية الاستواء ~~والبناء، ولعله أراد في الجملة لا بالنظر لما الكلام فيه، وعليه فوجه صحة الظهور ~~الذي هو ضد الخفاء هنا : أن من المعلوم آن شدة قرب المرئي من العين توجب عدم ~~إدراكها له، فكذلك هنا لما اشتد قربهم منه. . لم يدركوه، ولا يمنع منه أن الأول ~~عادي والثاني خارق للعادة. # وكالتورية في كونه أشرف أنواع البديع.. الاستخدام، بل فضله بعضهم عليها، PageV00P134 ~~============================================================ ~~ولهم في حده عبارتان: أشهرهما : آن يؤتى بلفظ له معنيان فأكثر يراد به أحد معانيه، ~~ثم يؤتى بضميره ويراد به المعنى الآخر(1). # وروي : أن أبا بكر نظر إلى قدميه صلى الله عليه وسلم في الغار يقطران دما؛ لأنه ~~لم يتعود الحفا فبكى، وأنه دخل قبله ليقيه بنفسه، وأنه رأى جحرا فيه فألقمه عقبه، ~~فجعلت الحيات والأفاعي تضربه وتلسعه، فجعلت دموعه تتحدر، وفي رواية ms124 عند ~~رزين: فدخل صلى الله عليه وسلم وجعل رأسه في حجره ونام، فلدغ آبو بكر في ~~رجله فلم يتحرك، فسقطت دموعه على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ~~"مالك ؟ " قال : لدغت فتفل عليه فذهب ما يجده (2). # وروي : أن أبا بكر لما رأى القافة.. اشتد حزنه وقال : إن قتلت.. فإنما أنا رجل ~~واحد، وإن قتلت أنت. . هلكت الأمة فقال صلى الله عليه وسلم: للا تحزن إب ~~الله معنا أي : بالمعونة والنصر { فأنزل الله سكينته عليه} أي : أبي بكر؛ ~~لأنه الذي انزعج، وهي: أمنة تسكن عندها القلوب { وأيكده } أي: رسوله ~~يجنور لم تروها} أي : ملائكة يصرفون أبصار الكفار عنه (3). # وبين قوله صلى الله عليه وسلم: إب الله معنكا} وقول موسى عليه الصلاة ~~والسلام : { كلا إن معى رفى سيهدين} ما بين مقاميهما : إذ كمال الإمداد للأتباع ليس إلا ~~لنبينا، فأمد أبا بكر بشهود المعية أيضا، وقصرها موسى على نفسه، وأيضا فشتان بين ~~معية الألوهية ومعية الربوبية، والمشهور: آنه صلى الله عليه وسلم مكث في الغار ~~ثلاث ليال ~~وكان عبد الله بن آبي بكر- مع صغر سنه- يأتيهما ليلأ بخبر قريش، ثم يدلج من ~~عندهما بسحر، فيصبح كبائت بمكة ~~وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يأتيهما كل ليلة بما يغذيهما من لبن ~~(1) مثاله : قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليضمه) فذكر الشهر أولا وأراد به الهلال، ثم ~~أعاد عليه ضميرا - وهو الهاء - أفاد به أنه أيام شهر رمضان ~~(2) أخرج نحوه البيهقي في " الدلائل" (2/ 477) ، وانظر " السيرة الحلبية "(35/2) ~~(3) انظر " الروض الأنف" (137/4) PageV00P135 ~~============================================================ ~~واستأجرا عبد الله بن الأريقط ليدلهما على الطريق - ولم يعرف له إسلام - فدفعا إليه ~~راحلتيهما، ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما وسار معهم عامر بن فهيرة فأخذ ~~بهما طريق البحر(1). # ونحا المضطفى المدينة وأشتا قث إليه من مكة الأنحاء ~~(ونحا) أي: قصد (المصطفى) على الخلق كلهم محمد صلى الله عليه وسلم ~~(المدينة) المسماة بطيبة؛ لأن الله طيبها بهجرته إليها ~~ووقعت في طريق الهجرة غرائب، منها : أنهم مروا بقدئد على آم معبد ms125 الخزاعية، ~~وكانت تسقي وتطعم من يمر بها، وكانت في سنة، فطلبوا منها لبنا ولحما يشترونه فلم ~~يجدوه، فنظر إلى شاة خلفها الجهد عن الغنم، فسألها : "هل بها من لبن؟" ~~فقالت : هي أجهد من ذلك، فقال : " أتأذنين لي أن أخلبها؟" قالت : نعم ، فدعا ~~بها فاعتقلها، ومسح ضرعها وسمى الله، فدرت وسقى القوم حتى رووا، ثم شرب ~~آخرهم، ثم حلب فيه مرة أخرى عللا بعد نهل، وتركوه وذهبوا، فجاء زوجها فعجب ~~منه، فذكرت له القصة وأوصافه صلى الله عليه وسلم، فقال : هذا وآلله صاحب ~~قريش، ولو رأيته.. لاتبعته (2). # وأخرج ابن سعد(3) وأبو تعيم : أن تلك الشاة بقيت عندهم يحلبونها ليلا ونهارا إلى ~~زمن عمر ~~ثم تعرض لهما بقديد سراقة كما يأتي ~~وروى البيهقي: أنهما اجتازا بعبد يرعى غنمأ فاستسقياه لبنا، فأتاهما بشاة لا لبن ~~فيها، فحلبها صلى الله عليه وسلم بعد أن دعا، وسقى آبا بكر ثم الراعي ثم ~~(1) انظر "سيرة ابن هشام * (485/2) وما بعدها، ول طبقات ابن سعد *(229/1) ~~(2) اخرجه الحاكم (9/3)، ووافقه الذهبي، وأبو تعيم في الدلائل " (436/2)، والبيهقي ~~في " الدلائل"(276/1)، والطبراني في " الكبير " (48/4) ~~(3) في (ج) : (ابو سعيد). PageV00P136 # ============================================================ ~~شرب(1)، وهذا محمول على علمه بسيد العبد مع ظن رضاه: ~~والجواب بأن هلذا مال حربي:. غير صحيح، لأن هذذا قبل مشروعية الجهاد، ~~ومع عدم مشروعيته لا يحل مال أهل الحرب كما لا يحل قتالهم ؛ لأن الواجب حينثذ ~~مسالمتهم، ولا يتم إلا بترك التعرض لأموالهم كنفوسهم ~~ولما سمع المسلمون بالمدينة بمقدمه.. صاروا يخرجون كل يوم إلى الحرة ينتظرونه ~~الى قرب الظهر، فانتظروه يوما وعادوا إلى بيوتهم، وإذا بيهودي علا على موضع عال، ~~فرآه فصاح : هلذا جدكم - أي: حظكم - يا بني قيلة؛ أي: الأوس والخزرج، فخرجوا ~~إليه سراعا بسلاحهم، فنزل بقباء، فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ساكتا فكانوا يحسبون أن أبا بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أسرع إليه ~~الشيب مع أنه أصغر سنأ منه صلى الله عليه وسلم، حتى إذا أصابته الشمس.. ظلل ms126 عليه ~~فعرفوه(2)، وكان ذلك يوم الإثنين ، قيل : أول ربيع، وقيل : ثاني عشره ، وقيل : غير ~~ذلك، وأدركه علي كرم الله تعالى وجهه بقباء، ولم يقم بعده بمكة إلا ثلاثة أيام، ثم أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتأريخ فكتب من حين الهجرة(2)، وأقام بقباء أربع عشرة ~~ليلة كما في " مسلم "(4)، وأسس مسجدها ، وهو أول مسجد بني في الإسلام ، ولذا كان ~~الأصح : أنه الذي أسس على التقوى من أول يور)، ثم ركب من قباء يوم الجمعة وصلاها ~~بمسجد الجمعة المشهور، ثم ركب فكان كلما مر بدار من دور الأنصار.. سألوه النزول ~~عندهم ، فيقول : " خلوا سبيلها - أي : ناقته - فإنها مأمورة "(5) وأرخى زمامها فاستمرت ~~إلى آن بركت موضع باب المسجد، ثم ثارت وهو صلى الله عليه وسلم عليها حتى ~~(1) دلائل النبوة (497/2). # (2) انظر " سيرة ابن هشام *(492/2)، و9 تاريخ الإسلام " للذهبي (2/ 331). # (3) أخرجه ابن جرير الطبري في "تاريخه (388/2)، وقال الحافظ في " الفتح" ~~(268/7) : (وقد روى الحاكم في " الإكليل" من طريق ابن جريج عن أبي سلمة عن ابن ~~شهاب : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة .. أمر بالتأريخ فكتب من ربيع الأول) ~~وهلذا معضل، والمشهور خلافه كما سيأتي، وأن ذلك كان في خلافة عمر) ~~4) مسلم (428) ~~5) ذكره ابن عدي في ( الكامل* (2/ 170)، وانظر سيرة ابن هشام * (295/2)، و1 سير ~~أعلام النبلاء " للذهبي (406/2) PageV00P137 ~~============================================================ ~~بركت بباب أبي أيوب رئيس بني النجار أخوال عبد المطلب، ثم ثارت منه وبركت في ~~مبركها الأول، ثم صوتت فنزل النبي صلى الله عليه وسلم عنها وقال : "هذذا هو ~~المنزل إن شاء الله تعالى "(1). # (واشتاقت) من الشوق، وهو: تحرك النفس، وهو هنا مجاز، نحو: وسثل ~~القريية} بل حقيقة ؛ إذ لا بدع في ميل الجمادات له حقيقة بأن يخلق الله فيها إدراكا ~~حقيقيا ، ومنه : { وإن من شنىء إلا يسيح بحمده } ، ول{ لو أنزلنا هذا القره ان على جبل . .. # الآية، وتسبيح الحصا، وتأمين أشكفة الباب، وحنين الجذع ، ونحو ذلك مما مر؛ ~~إذ الأصح في مثل ذلك مما لا يحيله العقل ولا الشرع : حمله ms127 على حقيقته ، كما في ~~حديث : " ما بين منبري وقبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي "(2)، ~~ولذا قال جماعة - واختاره بعض المحققين -: إنه صلى الله عليه وسلم أرسل حتى إلى ~~الجمادات؛ لتصريح خبر مسلم بذلك في قوله صلى الله عليه وسلم : "وأزسلت إلى ~~الخلق كافة"(2). # (إليه من مكة) التي هي مولده وأم القرى وأفضلهن عند أكثر العلماء (الأنحاء) ~~أي: الجهات والنواحي؛ لأنها كانت معمورة بأنفاسه صلى الله عليه وسلم ~~فاستوحشت لفقده ~~وبين (نحا) و(الأنحاء) جناس الاشتقاق إن قلنا : إن (الأنحاء) جمع (ناحية) ~~بمعنى منحوة أي: مقصودة، ورد العجز على الصدر، وكذا بين (تغنت) ~~و(الغناء)، و(ناداه) و(النداء) الأتيات: ~~وتغتث بمذحه الجن تى أطرب الإنس منه ذاك الغناء ~~(وتغنت بمدحه) أي: أظهرت أوصافه الجميلة في صورة الغناء الذي تتولع به ~~(1) أخرجه البخاري (3906) ومسلم (2219) ~~(2) أخرجه البخاري (1196)، ومسلم (1391)، وأحمد (236/2)، والبيهقي في ~~"الشعب"(4146)، والطبراني في " الكبير "(12/ 227)، وغيرهم. # (3) مسلم (523). PageV00P138 # ============================================================ ~~النفس ولا يصير فيها متسع لغيره (الجن) المؤمنون، ومرت قصة إيمانهم، وإرساله ~~صلى الله عليه وسلم إلى جميع الجن أمر معلوم من الدين بالضرورة ، فيكفر منكره كما ~~أجمع عليه الأمة (حتى أطرب الإنس) المؤمنين، بل وغيرهم (منه) أي : الجن ~~(ذاك الغناء) الذي سمعوه، والطرب : خفة تعتري الانسان عند شدة حزن أو سرور ~~وذكر أهل السير عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما أنها قالت : لما ~~خفي علينا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل ~~فقال : أين أبوك؟ قلت : والله لا أدري، فلطم خدي لطمة خرج منها قرطي، ولما ~~لم ندر اين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم.. آتى رجل من الجن يسمعون صوته ~~ولا يرونه ، وأنشد هذه الأبيات: ~~(من الطويل] ~~رفيقين حلا خيمتي أم مغبد ~~جزى الله رث الناس خير جزائه ~~هما نزلا بالبو ثم ترحلا ~~فأفلح من أمسى رفيق محمد ~~به من فعال لا تجازى وسؤدد ~~فيال قصي ما زوى الله عنكم ~~ومقعدها للمؤمنين بمزصد ~~ليهن بني كغب مكان فتاتهم ~~فإنكم إن تشالسوا الشاة تشهد ms128 ~~سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ~~له بصريع ضرة الشاة مزيد ~~دعاها بشاة حائل فتحلبت ~~والضرة : لحمة الضرع، والصريح - بمهملتين أوله وآخره - : الخالص؛ أي: ~~بلبن خالص مزبد نازل من ضرة الشياة ~~فغادرها رهنا لديها لحالب يرددها في مضدر ثم مؤرد ~~أي : خلف الشاة عندها مرتهنة بأن تدر. # قالت أسماء: فلما سمعنا قول الجني هنذا.. علمنا أين توجه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم(1). # (1) انظر "سيرة ابن هشام* (487/2)، و1 تاريخ الطبري* (379/2)، و1 الاكتفاء" ~~للكلاعي (340/1)، و" البداية والنهاية " لابن كثير (203/3). PageV00P139 # ============================================================ ~~وآتتفى إنره شراقة فاشته حويه في الأرض صافن جزداء ~~(و) لما وصل صلى الله عليه وسلم في سفر هجرته إلى قدئد- محل قريب من ~~رابغ. (اقتفى) أي: تبع (إثره سراقة) بن مالك بن جعشم المدلجي، قال : ~~جاءنا رسل كفار قريش يجعلون فيهما إن قتلا أو آسرا ديتين، فركبت مستخفيا، فلما ~~دنوت منهما.، عثرت بي فرسي، فخررت ثم قمت وركبته، حتى إذا سمعت قراءة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبر بكر يلتفت، فبكى أبو بكر وقال : ~~يا رسول الله؛ أتينا، قال : " كلا * ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوات ~~(فاستهوته في الأرض صافن) أي: طلبت آن تهوي به فيها، هذا مقتضى ~~الصيغة، وليس مرادا، بل السين لمجرد التأكيد ؛ لأن الذي في القصة : أنه صلى الله ~~عليه وسلم لما دعا بتلك الدعوات.، غاصت قوائم فرسه في الأرض حتى بلغت ~~الركبتين، فخر عنها ثم زجرها، فنهضت ولم تكد تخرج يديها، فلما استوت ~~قائمة.. إذ لأثر يديها غبار ساطع في السماء كالدخان: ~~والصافن من الخيل : الذي يقوم على ثلاثة قواثم ويقيم الرابعة على طرف الحافر:. # (جرداء) أي : رقيقة الشعر قصيرته، وهذه صفة مدح في الخيل، وأصله: ~~للشجرة التي قلم ورقها، فاستعير للفرس ~~19) ~~يم ناداه بعد ما سيمت الخش حف وقذ ينجد الغريق الثداء ~~(ثم ناداه) أي: سراقة النبي صلى الله عليه وسلم بعدما وصل إليه وقال : الأمان ~~يا محمد (بعد ما) مصدرية (سيمت) الفرس (الخسف) بفتح أوله وضمه، قال ms129 ~~الشارح في موضع : (أي : أوليته ذلا) وقال في آخر : (أي : بعد إسامة الخسف ~~للفرس) أي: بعد حصول الذل للفرس المذكورة، وكأن الحامل له على هلذا : أن ~~ظاهر النظم : أنه لم يخسف بالفرس حقيقة، وليس كذلك؛ لما علمت أن قوائمها PageV00P140 ~~============================================================ ~~غاصت في الأرض، فحصل لها الخسف الحقيقي، للكن لبعضها، فعبر الناظم ~~بل سيمت الخسف) بالنظر إلى كلها؛ آي: سيمت آن يخسف بها كلها، وحينئذ ~~لا يحتاج إلى ما قاله الشارح. فتأمله. # ثم رآيت بعضهم صرح بنحو ما ذكرته فقال : يقال: سمته خسفا؛ آي: أوليته ~~ذلا، أو كلفته مشقة، ويحتمل آن يريد: بعدما قاربت آن يخسف بها. # (و) من الحكم المناسبة هنا؛ لأنها كالسبب لما قبلها، فهو تذييل: أنه (قد ~~جذ العريق النداء) أي : الدعاء لله بانكسار وتذلل ، كما وقع ليونس صلى الله على ~~نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وسلم ، قال الله تعالى : { وذا آلنون إذذهب ~~مغكضبا فظن أن لن تقدر عليه} أي : نضيق عليه بسبب مغاضبته وفراقه لقومه لإبائهم ~~عليه، فتاد فى الظلكت.. الآية، والنداء : رفع الصوت لطلب تخليصه ؛ ~~لأنه قد لا يعلم أو لا يعبأ به أحد، فإذا نادى وصاح.. تثبه الناس له وأنقذوه. # ولما طلب الأمان. قال : أعلم انكما قد دعوتما علي فادعوا لي، ولكما أن أرد ~~الناس عنكما ولا أضركما، قال : فوقفا لي، فركبت فرسي حتى جئتهما، قال : ~~ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت أن سيظهر آمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأخبرتهما أخبار ما يريد بهما الناس، وعرضت عليهما الزاد والمتاع فلم يرزاني؛ ~~أي : لم يأخذا مني شينا، وقالا: " أخف عنا" فسألته كتابا آمن به، فأمر عامر بن ~~فهيرة فكتب لي في رق من آدم أخرجها له يوم حنين، فنفذها وأمنه ومن يلوذ به (1). # : ذكر الناظم الهجرة وبعض ما وقع فيها من المعجزات مع أنه سيذكر وقائع ~~وقعت له بمكة قبل الهجرة كالإسراء، وكان مقتضى الواقع أن يذكر هذه كلها قبل ذكر ~~الهجرة؛ ليوافق الترتيب في الذكر الترتيب في الواقع، ولعله اهتم بشأن الهجرة ms130 فقدمها ~~لتتنبه النفس إلى حكمة ذلك، وهي : أنه انقطع بها عنه صلى الله عليه وسلم كل إيذاء كان ~~يصل إليه من قريش، وترتب عليها الظفر بهم حتى استأصل شأفتهم وقطع حادرتهم(2). # (1) حديث سراقة حديث طويل، أخرجه البخاري (3906)، واين حبان (1280)، وأحمد ~~(175/4)، وعبد الرزاق في * المصنف " (9743)، والبيهقي في * الدلائل" ~~(483/2)، وأبو نعيم في " الدلائل (429/2)، والطبراني في " الكبير" (7/ 132) ~~(2): قرحة تخرج في أسفل القدم فتكوى فتذهب، والحادرة : لعله أراد بها : ورم الجلد، PageV00P141 ~~============================================================ ~~فطوى الأرض سائرا والشماواث العلا فوقها له إشراء ~~بض) في حال كونه (سانر) عليها (و) هذا كما طويت له قبل ذلك ~~.. # ل() لماكان (فوقها ل اسراء) ليلة الإسراء إلى آن جاوزها جميعها في ~~أسرع وقت، فقطع مسيرة نحو ثمانية آلاف سنة في أسرع وقت؛ إذ بين الأرض ~~والسماء خمس مثة سنة، وكذا سمك كل سماء وما بين كل سماعين، هذذا بالنسبة إلى ~~السماء السابعة، وأما ما بينها وبين ما وصل إليه مما كان فيه قاب قوسين أو آدنى. # فلا يعلمه إلا الله تعالى، فيا لهما من مسيرين مسير في الأرض ومسير في السماء ~~أظهر الله عليه فيهما عظيم قدره في سيره وإسرائه، وأفضلية تقدمه على جميع خلقه في ~~أرضه وسمائه، قال بعض الأنمة: والمعاريج ليلة الإسراء عشرة، سبع في ~~السماوات، والثامن إلى سدرة المنتهى، والتاسع إلى المستوى الذي سمع فيه صريف ~~الأقلام في تصاريف الأقدار، والعاشر إلى العرش والرفرف والرؤية وسماع الخطاب ~~بالمكافحة والكشف الحقيقي ~~وقد وقع له صلى الله عليه وسلم في سني الهجرة العشر ما كان منها مناسبات لطيفة ~~لهذه المعاريج العشرة، ولهذا ختمت بوفاته التي فيها لقاء ربه والعروج بروحه ~~الكريمة إلى الوسيلة، وهي المنزلة التي لا أرفع منها، كما ختمت معاريج الإسراء ~~باللقاء والحضور بحضرة القدس ~~فصف الليلة التي كان للمف تار فيها على البراق أشتواء ~~(نست) أيها الناظر في شمائله صلى الله عليه وسلم وخصوصياته وما أكرمه الله به ~~تلك (انللة) وهي ليلة الإثنين، أو الجمعة، أو السبت من رمضان، أو شوال، أو ~~أو قرحة ms131 في جفن العين، والمراد : أذهبهم كما تذهب هذذه القروح بالكي ونحوه، أو لعلها ~~بالجيم من الجدري كما في بعض النسخ ، والله أعلم: PageV00P142 ~~============================================================ ~~رجب، وبه جزم النووي في " الروضة "(1)، أو الحجة ، أو ثالث عشر ربيع الأخر، ~~وجرى عليه النووي في ل" فتاويه"، أو من ربيع الأول، وجرى عليه في " شرح ~~مسلم " بعد المبعث بخمس سنين، ورجحه النووي في " فتاويه "(2)، أو بعشر، أو ~~باحدى عشرة، أو ثنتي عشرة، أقوال رجح كلأ منها قوم (التي) وقع ذلك الإسراء ~~فيها من مكة إلى بيت المقدس، ثم منه إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله وما رأى من ~~آيات ربه الكبرى؛ أي : اذكر صفاتها الجليلة بما يمكنك، وإلا.. فمحال أن ~~تستوعبها، أو أن تأتي بتفصيل ما يحيط بها، كيف وقصة الإسراء والمعراج من أشهر ~~المعجزات، وأظهر البراهين والبينات، وأقوى الحجج وأصدق الأنباء وأعظم ~~الايات 4! ومن ثم قال بعض المفسرين : إنها أفضل من ليلة القدر، للكن بالنسبة له ~~صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أوتي فيها ما لا يحيط به الحد، ولذا كان الإسراء بالجسم ~~في اليقظة من خصاتص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وخالف في كونه بالجسم ~~وكونه في اليقظة من لا يعتد بخلافه، وزعم تعدد الإسراء لتباين الروايات فيه تباينا ~~منتشرأ لا يمكن الجمع بينهما إلا بدعوى التعدد بالجسم تارة والروح آخرى.. مردود، ~~والأصح: أنه إسراء واحد بالجسم والروح في اليقظة، وأن ما خالف الجادة من ~~الروايات إن أمكن تأويله.. تعين ، وإلا.. حكم عليه بأنه وهم ، كرواية : أن الإسراء ~~كان قبل البعثة ، فإن الإجماع على أنه بعدها، على أنها أولت: ~~و(كان للمختار) صلى الله عليه وسلم (فيها) عجائب، منها: آنه جاءه جبريل ~~وفي رواية : وميكائيل، وفي أخرى : ذكر ثالث ، ولا مانع أن جبريل نزل أولا، ثم ~~ميكائيل، ثم الثالث- بالحطيم، أو شعب أبي طالب، أو بيته، آو بيت آم هانيء بعد ~~آن انقرج سقفه، روايات جمع بينها بآنه بات في بيت آم هانيء ، وبيتها عند شعب آبي ~~طالب، وأضيف إليه لأنه كان يسكنه، فأخرجه الملك ms132 منه إلى المسجد، فاضطجع ~~لأثر نعاس كان به، ثم أخذه فأخرجه من المسجد فأركبه البراق، فاستمرت يقظته، ~~فرواية: أنه كان بين النائم واليقظان.. محمولة على ابتداء الأمر، ورواية : "فلما ~~(1) روضة الطالبين (206/10) ~~(2) انظر " شرح مسلم"(209/2) و1 فتاوى النووي" (36). PageV00P143 # ============================================================ ~~أستيقظت " أي : من شغل البال بمشاهدة الملكوت (1). # وحكمة كونه لم يأته من باب البيت آنه انصب من السماء انصبابة واحدة بإزاء محله ~~الذي هو فيه، فلم يعرج على غيره مبالغة في المناجاة، وتنبيها على أن الطلب وقع ~~على غير ميعاد(2)؛ لإظهار أنه مراد، ووقع في موسى بميعاد تبيها على آنه مريد، ~~وشتان ما بينهما، وأيضا ففي انفراج سقف البيت والتثامه عقبه تنبيه على شق صدره ~~الشريف تلك الليلة، وأنه لا بأس عليه فيه، ومرت قصة شقه هنا عند ذكر الناظم لشقه ~~ب رضاعه عند حليمة ~~ومنها : أن الملك لما أخرجه من المسجد.. أركبه (على البراق) فكان له عليه ~~(استواء) أي : استقرار وتمكن مع آنه لم يركبه قبل ذلك ، ولا هو من جنس ما يركبه ~~الآدميون ، وهو- كما صح به الخبر- : "دابه - أي: تشبهها؛ إذ هو ليس بذكر ~~ولا أنثى - دون البغل وفؤق الحمار ، أبيض ، يضع خطوه عند أقصل طرفه "(3) وذكره ~~باعتبار كونه مركوبا، وسمي بذلك: من البرق؛ لسرعة سيره ، أو من البريق ، أو من ~~قولهم : شاة برقاء إذا كان في خلال بياضها سواد، وقوله: "يضع خطوه..." إلخ ~~معناه: أته يضع رجله عند منتهى ما يرى بصره، وقال ابن المنير: (آي: يقطع ~~ما انتهى إليه بصره في خطوة واحدة) قال : (فعلى هذا يكون قطع من الأرض إلى ~~السماء في خطوة واحدة؛ لأن بصر الذي في الأرض يقع على السماء، فبلغ أعلى ~~السماوات في سبع خطوات) اه ~~وهلذا إنما يأتي على رواية : " فحملت عليه - أي : على البراق - حتى أنطلق بي ~~جبريل إلى السماء الدنيا"(4) ، إذ ظاهرها : أنه استمر عليه حتى وصل إلى السماء، ~~والمشهور: أنه استمر عليه إلى بيت المقدس، ثم نصب له المعراج كما يأتي ~~وفي رواية لأبي يعلى والبزار : إذا أتى على جبل. . ارتفعت ms133 رجلاه ، وإذا هبط:. # (1) قاله الحافظ في " الفتح" (209/7)، وانظر " سبل الهدى والرشاد " (100/3) ~~(2) قاله الحافظ في " الفتح" (460/1) . # (3) أخرجه البخاري (3887)، ومسلم (162) ~~4) أخرجه البخاري (3887)، ومسلم (164) PageV00P144 ~~============================================================ ~~ارتفعت يداه(1)، وفي رواية شاذة : له جناحان، وأخرى ضعيفة: له خد كخد ~~الإنسان، وعرف كعرف الفرس، وقوائم كالابل، واظلاف وذنب كالبقر، وكأن ~~صدره ياقوتة حمراء(2). # وفي رواية صحيحة: (آتي به مسرجا ملجما، فاستصعب عليه، فقال له ~~جبريل: ما حملك على هلذا؟ ما ركبك قط أكرم على الله منه، فارفض عرقا)(3)، ~~وظاهرها - كصريح رواية النسائي وابن مردويه : وكانت تسخر للأنبياء قبله (4) -: أن ~~الأنبياء كانوا يركبونها، ولم يطلع عليها بعضهم فنفى ركوب غيره صلى الله عليه وسلم ~~لها: ~~فاستصعابه لها ليس لعدم ألفة الركوب، بل لبعد عهده به، أو ليظهر جبريل له ~~مرتبته صلى الله عليه وسلم وأنها علت على سائر المراتب، وإنما لم يكن البراق على ~~شكل الفرس إشارة إلى أن ركوبه في سلم وأمن لا حرب وخوف ، وإلى ظهور المعجزة ~~بوقوع هلذا الإسراع الباهر من دابة على هلذا الشكل : ~~وصح: (أن جبريل حمله على البراق رديفا له)(5)، ورواه أحمد بلفظ : (على ~~ظهره هو وجبريل حتى انتهيا إلى بيت المقدس)(2) وأول بعضهم ذلك بما لا حاجة ~~إليه؛ إذ ركوب جبريل معه لا ينافي كونه في خدمته، وصح: (أنهما مرا بيثرب فأمره ~~أان ينزل ويصلي، وبمدين فأمره بذلك، وببيت لحم الذي ولد فيه عيسى عليه السلام ~~فأمره بذلك)(2)، وأراه عجاتب أخرى إلى آن وصلا إلى بيت المقدس فتزلا وربطه - ~~أي: جبريل - كما مر في رواية، لكن في أخرى: النبي صلى الله عليه وسلم، ~~(1) مسند أبي يعلى (5036) ~~(2) ذكر هذذه الرواية التعلبي في ل تفسيره " (56/6) عن السدي عن محمد بن السائب عن باذان ~~عن ابن عباس ~~(3) اخرجه ابن حبان (46)، والترمذي (3131)، وأحمد (164/3)، وأبو يعلى ~~(3183)، والبيهقي في "الدلائل " (362/2) . # (4) انظر " الدر المنثور" (185/5). # 5) أخرجه ابن حبان (45) ~~(6) مسند الإمام أحمد (394/5) ~~(7) أخرجه النسائي (1/ 221) PageV00P145 ~~============================================================ ~~ويجمع باحتمال أنهما ربطاه معا بالحلقة التي كانت الأنبياء تربطه بها، ثم دخل وبعث ~~له جماعة من الأنبياء ms134 فصلى بهم ، وصح في رواية : أتي بأرواح الأنبياء؛ أي: مع ~~أجسادهم؛ لرواية : 8 ثم دخلت المسجد فعرفت النبئين ما بين قائم وراكع وساجد ، ~~ثم أذن مؤذن فأقيمت الصلاة ، فقمنا صفوفا ننتظر من يؤمنا ، فأخذ بيدي جبريل ~~فقدمني فصليت بهم". # وفي رواية لأحمد: (فإذا النبيون أجمعون يصلون معه)(1) وفيها زيادة على ~~رواية: جماعة منهم، فيؤخذ بتلك الزيادة، وفي حديث ما يدل على آنه صلى الله ~~عليه وسلم صلى بهم في بيت المقدس من بعد العروج أيضا، وتلك الصلاة قيل: ~~الصبح؛ آي: بناء على آنه صلى الله عليه وسلم صلى فيه بعد العروج، وقيل: ~~العشاء؛ آي: بناء على آنه صلى فيه قبله ~~ولما فرغ من إمامتهم. نصب له المعراج - كما في رواية ابن هشام والبيهقي ~~وغيرهما(2) ووضعت له مرقاة من فضة، ومرقاة من ذهب، وعن يمينه ملائكة، ~~وعن يساره ملائكة، ثم صعد فيه هو وجبريل حتى انتهيا إلى باب السماء الدنيا، ~~فاستفتحاه ففتح لهما، وهكذا إلى السماء السابعة، ورأى في السماء الأولى آدم، ~~وعن يمينه أرواح المؤمنين، فإذا نظر إليهم.. ضحك، وعن يساره أرواح بنيه ~~الكفار، فإذا نظر إليهم.. بكى؛ أي: أنه يكشف له عنهم وهم في النار التي هي ~~مستقر أرواحهم، والنيل والفرات؛ أي: انتهاؤهما، وإلا. قابتداؤهما من سدرة ~~المنتهى، وفي الثانية يحيى وعيسى عليهما الصلاة والسلام ، وفي الثالثة يوسف ، وفي ~~حديث البيهقي وغيره : 9 فإذا أنا برجل - أي : يوسف - أخسن ما خلق الله قد فضل ~~الناس بألحسن كألقمر ليلة البذر على سائر الكواكب "(3) والمراد : غير نبينا صلى الله ~~عليه وسلم؛ لخبر الترمذي : " ما بعث الله نبيا إلأ حسن الوجه حسن الصؤت ، وكان ~~نبيكم أخسنهم وجها، وأخسنهم صوتا". # على أن للأصوليين قولا مشهورا اعتمده النووي في موضع، واعتمده آخرون ~~(1) مسند الامام أحمد (257/1) ~~(2) سيرة ابن هشام (403/2)، ودلائل النبوة (2/ 391). # (3) دلاثل النبوة (393/2). PageV00P146 # ============================================================ ~~أيضا : إن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه، ومن ثم قال بعض المحققين : المراد : ~~أعطي شطر الحسن الذي أوتيه نبينا صلى الله عليه وسلم. # وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة ms135 هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة ~~ايراهيم، وهذذه مقدمة على رواية: لم يضبط منازلهم، وعلى رواية: ادريس في ~~الثانية، وهارون في الرابعة، وابراهيم في السادسة، وموسى في السابعة؛ لأن ~~سياقها يدل على أنه لم يضبط منازلهم، كما صرح به الزهري، فالأولى التي فيها أنه ~~ضبطها أولى، على أنه يجمع بين الروايات المختلفة في ذلك بأنه رآهم في الصعود ~~على كيفيات وفي الهبوط على كيفيات أخر(1) . # فلما جاوز موسى. بكى، فقيل: ما يبكيك؟ قال: رب؛ هلذا غلام بعثته ~~بعدي، يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتي(2)، ويكاؤه ليس لحسد- ~~حاشاه الله من ذلك - بل غبطة وحزنا على ما فاته من مضاعفة أجور نبينا بكثرة أتباعه ~~وصالحيهم إلى ما لا نهاية له، أو رحمة لأمته لما وقع لهم بعده ممالم يقع نظيره لهذه ~~الأمة. # وذكره بلاغلام) لأنه أصغر منه سنا، ولأن قوة الشباب معه إلى سن الشيخوخة ~~وحكمة تخصيص هلؤلاء باللقاء : الإشارة بكل إلى ما سيقع له، كالاخراج من ~~الجنة ثم العود إليها، والهجرة من مكة ثم العود إليها، وكمعاداة اليهود له أوائل ~~الهجرة، كما عادوا عيسى وآرادوا قتله، ويحيى وقتلوه، وكمعاداة آهله له، ~~وكرجوع قومه إلى محبته كما رجع قوم هارون إلى محبته، وكمعالجته لقومه كما عالج ~~موسى قومه، وكتمكنه من مكة والكعبة وتمتعه بهما كما وقع لابراهيم الخليل، ومن ~~ثم رآه مسندا ظهره إلى البيت المعمور الذي بحيال الكعبة، ويدخله من حين خلق الله ~~تعالى الخلق إلى الأبد كل يوم سبعون ألف ملك فلا يعودون إليه، وأخذ منه أن ~~الملائكة أكثر المخلوقات. # واختلفوا في رؤيته لهلؤلاء الأنبياء صلى الله على نبينا وعليهم وعلى سائر الأنبياء ~~(1) انظر " فتح الباري" (210/7) و(485/13). # (2) اخرجه البخاري (3207)، ومسلم (164)، وابن حبان (48)، وأحمد (208/4) PageV00P147 ~~============================================================ ~~والمرسلين وسلم: فقيل : لأرواحهم إلا عيسى فإنه رفع بجسده، وكذا إدريس على ~~قول، واختلف قائلو هذا في الذين صلوا معه في بيت المقدس: فقيل: الأرواح ~~أيضا، وقيل: بل الأجساد، وقيل: خرق الله له الحجب حتى رأى كلأ في قبره من ~~المحل الذي ms136 أخبر به، وقيل: رفعوا من قبورهم تلك الليلة لتلك المواضيع إكراما له ~~صلى الله عليه وسلم ~~وبعد آن جاوز السماء السابعة رفعت له سدرة المنتهى فراها، وقد غشيها من ~~أمر الله تعالى ما غشي حتى تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع آن ينعتها من ~~ه ~~ورأى النيل والفرات وسيحان وجيحان تخرج من أصلها، ورواية : أنها من الجنة ~~لا تعارض ذلك(1) ، لأن ذلك الذي تنبع منه تلك الأنهار في الجنة، فلا ينافي ~~ما قيل: أصلها في السماء السادسة، وعليه تحمل رواية : أنه رآها فيها، وأعلاها في ~~السابعة، وعليه يحمل ما مر أنها فيها، (وسميت بذلك لأنه ينتهي إليها علم ~~الخلائق، ولم يتجاوزها أحد إلا نبينا صلى الله عليه وسلم)، قاله النووي رحمه الله ~~تعالى (2)، ويتعين حمله على أنه لا يتجاوزها من الملائكة الذين ينزلون إلى الأرض ~~ويصعدون بالأعمال؛ لما يأتي من أنه صلى الله عليه وسلم جاوزها إلى مستوي يسمع ~~فيه صريف أقلام الملائكة، ثم أدخل الجنة وأحاط بها، ثم عرج به صلى الله عليه ~~وسلم. كما في رواية البخاري. حتى ظهر بمستوى. آي: محل عال. يسمع فيه ~~صريف الأقلام؛ أي : تصويت أقلام الملائكة بما يكتبون من أقضية الله تعالى ، وفي ~~رواية لم تشت كسائر روايات الحجب : " ثم زج بي في الثور زجا، فخرق بي سبعين ~~ألف حجاب، كل حجاب مسيرة خمس مثة عام، ثم دلي لي رفرف أخضر، ثم ~~أختملني حتى وصلت إلى العرش" وهلذه الحجب بفرض صحتها إنما هي بالنسبة ~~للمخلوقين، وأما هو تعالى. فلا يحجبه شيء ~~وصح عن أنس عنه صلى الله عليه وسلم قال : " عرج بي جبريل إلى سذرة المنتهى ~~(1) اخرجه مسلم (2839)، وأحمد (289/2). # 2) شرح صحيح مسلم (214/2) PageV00P148 ~~============================================================ ~~ودنا الجبار"(1) أي : بقربه المعنوي ، كما أرشد إليه قول رب العزة جل جلاله: ثم ~~دنا فيدلن * فكان قاب قوسئن أو أدى} كما قال الناظم : ~~وترقى به إلى قاب قؤسي ن وتلك الشعادة القفساء ~~(قى) أي: صعد البراق (به إلى قاب قوسين) وقاب القوس: ما بين مقبضه ~~وآخر وتره، ms137 فلكل قوس قابان، ومن ثم قيل : في الاية قلب؛ أي: قابي قوس، ~~ويرد بأنه لا يتعين ذلك، بل المراد: تشبيه قربه صلى الله عليه وسلم المعنوي من ربه ~~بقرب قاب القوس إذا ألصق بقاب قوس آخر، ثم رأيت بعضهم قال : قاب قوسين؛ ~~اي: مقدار قوسين، وقاب قوس؛ آي: قدر طولها، وقيل: قدر الوتر منها. # قال الجوهري: تقول: بينهما قاب قوسين؛ آي: قدر قوس ~~سيه: ما أفهمه كلام الناظم أن البراق ترقى به صلى الله عليه وسلم إلى قاب ~~قوسين.. هو ما دلت عليه رواية البخاري ، ولفظها : " فحملت عليه فأنطلق بي ~~جبريل حتى أتى الشماء الدنيا ، فأستفتح " ثم قال : 1 ثم صعد بي حتى أتى المماء ~~الثانية.." وهلكذا، للكن صحت الأحاديث بأنه استمر على البراق إلى بيت ~~المقدس، ثم نصب له المعراج فارتقى فيه كما مر، وظاهرها: أنه لم يركب البراق إلا ~~من مكة إلى بيت المقدس لا غير، ولهذا التنافي ذهب بعضهم إلى أن الإسراء على ~~البراق وقع مرتين، مرة إلى بيت المقدس، ومرة من مكة إلى السماء، للكن رد هذذا ~~بأن الأصح : أنه لم يتعدد، وأنه لا تنافي، وإنما الذي ذكر ذهابه عليه من مكة إلى ~~السماء اختصر ذكر بيت المقدس، وفيه نظر؛ لأن رواية البخاري السابقة صريحة في ~~أنه لا معراج ، وأنه استمر راكبا البراق إلى السماء الدنيا ثم التي بعدها... وهذكذا، ~~وجرى عليه الناظم كما علمت، فالأولى: الجواب جمعا بين الروايتين بأن من ذكر ~~بيت المقدس والمعراج معه زيادة علم فقدم، وعليه فيكون لما وصل في المعراج إلى ~~سماء الدنيا.. ركب البراق واخترق به السماوات وما فوقها، وبهذا- أعني رواية ~~(1) أخرجه البخاري (5717)، وانظر " فتح الباري " (483/13). PageV00P149 # ============================================================ ~~البخاري الظاهرة فيما في النظم والجمع بينهما وبين الرواية الأخرى المشهورة التي ~~عليها العمل- يظهر عذر الناظم في ذكره أنه ركبه إلى منتهى وصوله، للكن في جزمه به ~~تظر ظاهر: ~~والحاصل: آنه بعد وصوله السماء الدنيا يحتمل أنه استمر راكبأ البراق على ظاهر ~~الرواية الأولى، وأنه جيء له به ثانيا على الرواية الثانية، ms138 ويحتمل أنه ذهب من غير ~~ركوب شيء؛ تعظيما للسماوات؛ إذ هن أفضل من الأرضين عند الأكثرين، وعلى ~~مقابله المنصور؛ لأن الأنبياء خلقوا من الأرض وهي مدفنهم ومستقرهم وهم أفضل ~~من الملائكة .. فتعظيمل(1) لمن فيهن ممن اجتمع به من الأنبياء والملائكة. # لا يقال: السماء لم يعص الله فيها بخلاف الأرض؛ لأنا نقول : هذذه مزية وقد ~~يكون في المفضول مزايا، على أن ذلك منتقض بما وقع لادم وحواء وإيليس، وادعاء ~~أنهم لم يكونوا في السماء يحتاج لدليل ، وعلى التنزل فكون المعصية تقع في محل ~~دون محل يقتضي أفضلية الثاني لذاته. غير مسلم، فعلى مدعيه إثباته بدليل يدل له، ~~وإنما قلنا: (فالأولى: الجواب...) إلخ ولم نقل بالتعدد ؛ لأن مجرد اختلاف ~~الروايات في هذا الأمر الجزئي لا يقتضيه ، على أن ما وقع في تلك الليلة من فرض ~~الصلاة وغيره ذكر في كل من رواية؛ إلى السماء، ورواية: إلى بيت المقدس، ~~وهذا صريح في اتحاد الإسراء وعدم تعدده فتأمل ذلك كله فإنه مهم ~~واعلم : أن هذا التدلي والدنو المذكور في حديث أنس وغيره من أحاديث المعراج ~~غير الدنو والتدلي في أول (سورة النجم) فإن هذذا في حق جبريل كما صح عنه ~~صلى الله عليه وسلم، وصح أيضا : أنه لم يره في صورته التي خلق عليها إلا في هلذه ~~المرة المذكورة في الآية، ومرة أخرى عند أوائل البعثة (2) كما مر. # (وتلك) المرتبة التى وصل إليها صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج هي ~~(السعاد:(4) القعساء) أي : الثابتة الدائمة التي لا يطرقها تغير ولا زوال ~~ولما وصل صلى الله عليه وسلم إلى ذلك القرب الذي لم يصل إليه مخلوق:: ~~(1) أي : فذهب من غير ركوب تعظيما لمن فيهن... إلخ ~~(2) أخرجه أحمد (407/1)، والطبراني في * الكبير"(225/10) ~~(3) في (د) : (السيادة) PageV00P150 ~~============================================================ ~~فرض الله عليه وعلى أمته في كل يوم وليلة خمسين صلاة، فرجع فمر على موسى، ~~فسأله عما فرض الله عليه وعلى أمته، فأخبره، فأمره أن يرجع إلى ربه ويسأله ~~التخفيف لأمته، فإنهم لا يطيقون ذلك، فرجع وسأل فحط عنه خمسا، ثم ms139 رجع فأمره ~~بالرجوع أيضا، فرجع فحط عنه خمسا... وهكذا إلى آن بقيت خمسا، فأمره ~~بالرجوع وقال له : إن بني إسرائيل فرض الله عليهم صلاتين فما قاموا بهما، فقال : ~~" أستخييت من ريي" وفي رواية : " علمت أنها عزمه من ربي(1) فلا أراجعه " فقال ~~تعالى : (هن خمس - أي : في الفريضة - وهن خمسون - أي : في الثواب - لا يبدل ~~القؤل لدي)(2). # وحكمة فرضها في هاذه الليلة: أنه صلى الله عليه وسلم لما شاهد تعبد الملائكة ~~فيها، وأن منهم مديم القيام ومديم الركوع ومديم السجود. أعطاه الله تعالى ذلك ~~لأمته في كل ركعة يصليها الواحد منهم بشروطها وآدابها. # واختص موسى عليه السلام بأمره بتلك المراجعة ؛ لأنه اطلع من صفات هلذه الأمة ~~على ما حمله على قوله : اللهم؛ اجعلهم أمتي، فقال له الله تعالى : تلك أمة أحمد، ~~فقال: اللهم؛ اجعلني منهم، وهو حديث مشهور(3)، فكان اعتناؤه بهم كما يعتني ~~بالقوم من هو منهم ، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم : " فمررت بموسى ونغم ~~الصاحب كان لكم" وفي رواية : " كان أشدهم علي حين مررت به ، وخيرهم لي حين ~~رجغت2) ~~اختلف العلماء قديما وحديثا في آن نبيتا صلى الله عليه وسلم رأى ربه في ~~هذا المقام الذي وصل إليه دون غيره من الخلق بعين رأسه، أو بعين قلبه فقط، والذي ~~: آي حق من حقوقه. # (2) أحرجه البخاري (349)، ومسلم (163)، وليس عندها لفظ: "علمت أنها عزمة من ~~ربي2 ~~(3) اخرجه أبو نعيم في " حلية الأولياء "(384/5). # (4) قال الهيثمي في "مجمع الزوائد " (77/1) : (رواه البزار ورجاله موثقون ، إلا أن الربيع بن ~~أنس قال : عن أبي العالية أو غيره، فتابعيه مجهول) : PageV00P151 ~~============================================================ ~~صح عن ابن عباس في رواية : (أنه رآه بعين بصره)(1)، وفي أخرى : (أنه رآه بعين ~~قلبه)(2)، ولا تخالف؛ لأنه صح عنه - كما رواه الطبراني بإسناد رجاله رجال ~~الصحيح إلا واحدا فوثقه ابن حبان - : (أنه رآه مرتين، واحدة بالعين، وواحدة ~~بالقلب)(3) بمعنى : أنه تعالى خلق فيه إدراكا كادراك البصر، وليس المراد : مجرد ~~العلم؛ لأنه حاصل له، بل ولغيره فلا خصوصية، ورواية ابن مردويه عنه : (لم ms140 يره ~~بعينه)(4) لم تصح، وبتسليمها فالاثبات مقدم على النفي، وجاء عن آنس باسناد ~~قوي : (رأى محمد ربه)(5)، واطلاق الرؤية إنما ينصرف لرؤية العين، وكان ~~الحسن البصري يحلف أنه رأى ربه (2)، وبذلك قال عروة وسائر أصحاب ابن عباس ~~وجزم به كعب الأحبار والزهري ومعمر وآخرون، وهو قول الأشعري وغالب أتباعه، ~~وأنكرت عائشة وابن مسعود الرؤية، قال النووى : لككن خالفها غيرها من الصحابة، ~~والصحابي إذا خولف. . لا يكون قوله حجة اتفاقا(1)، ولا حجة لها فيما في " مسلم " ~~عنها : أن مسروقا قال لها لما أنكرت الرؤية : ألم يقل الله : ولقد ره اه نزلة أخرى) ؟ # فقالت : أنا أول هلذه الأمة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا، فقلت : ~~يا رسول الله ؛ هل رأيت ربك؟ قال : " لا ، إنما رأيث جبريل "(8) وذلك لأنها إنما ~~سألت عما في الاية، فأجابها بأنه لم يره؛ أي : في قصة الآية، وقد مر أنها غير قصة ~~المعراج، وأن التدلي والدنو الذي في قصة المعراج غيرهما في الآية، ولا حجة لها ~~في: لا تدركه الابصر لأن المراد : لا تحيط بحقيقة ذاته العلية ، بدليل : إلى ~~بها ناظرة} وإذا جازت في الآخرة.. جازت في الدنيا؛ لتساويهما بالنسبة للمريي، ~~(1) أخرجه البخاري (4716)، وأحمد (1/ 370) ~~2) اجرجه مسلم (176) ~~) المعجم الأوسط (5757) ~~4) ذكره السيوطي في " الدر المنثور" (649/7). # (5) تقله ابن كثير في " تفسيره " (5/3) عن البزار بسنده إلى أنس رضي الله عنه. # (1) حكاه عنه عبد الرزاق كما في " الشفا" للقاضي عياض (ص 248) ~~() انظر "شرح صحيح مسلم " (5/3) ~~4) مسلم (177) PageV00P152 ~~============================================================ ~~وسؤال موسى إياها في الدنيا أظهر دليل على ذلك؛ إذ لا يجوز على نبي أن يسأل ~~محالا ~~وإنكار المعتزلة - قبحهم الله تعالى - لها حتى في الاخرة من بدعهم التي خالفوا فيها ~~الكتاب والسنة، وعلى جوازها في الدنيا لم تقع إلا لنبينا صلى الله عليه وسلم ، وصح ~~في " مسلم " : " وأغلموا أنكم لن ترؤا ربكم حتى تموتوا". # ومعنى خبر ا مسلم " : عن أبي ذر أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~ذلك فقال : " نور أنى أراه ؟ "(1) : أن النور حال بينه وبين ms141 رؤيته ببصره ، فكيف مع ~~ذلك يراه؟ # وقد مر آنه راه مرة ببصره ومرة بقلبه، فسبب هلذه حصول ذلك النور، فلا ينافي ~~وقوع الأولى. # وسثل الإمام أحمد رحمه الله عن قول عايتشة رضي الله عنها : (من زعم أن محمدا ~~رأى ربه.. فقد أعظم على الله القرية) بم يدفع قولها؟ قال : بقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "رايت رئي"، قول النبي صلى الله عليه وسلم اكبر. # وإذا تأملت ما وقع له صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء من الكرامات التي تميز بها ~~على سائر الخلق.. علمت آثها: ~~وتب تسقط الأماني حشرى ونها ما وراءفن وراء ~~(رتب) جليلة (تسقط الأماني) جمع آمنية (حسرى) جمع حسير، من: حسر ~~أعيا (دونها) ظرف لا تسقط) أي: لجلالة هذه الرتب وعزتها على الخلق سقطت ~~أمنياتهم، وتخلفت طلباتهم وامالهم عن نيل هذذه الرتب، فلم يستطيعوا التوجه إليها ~~حال كونها عاجزة عن التأهل لها، ولم لا وهي (ما وراءهن وراء) أي : ما قدامهن ~~قدام؟ بمعنى: آنه ليس بعدهن مرتبة ينالها مخلوق غيره صلى الله عليه وسلم ~~ثم لما رجع رسول الله من سفر الإسراء. . مر بعير لقريش تحمل طعاما، فيها جمل ~~(1) مسلم (178) PageV00P153 ~~============================================================ ~~عليه غرارتان سوداء وبيضاء، فلما حاذى العير. نفرت منه واستدارت، وتصرع ذلك ~~البعير(1)، فسلم عليهم، فقال بعضهم: هذا صوت محمد، ورآى بعيرا ضل، ~~و ه واحد منهه ~~ل الاي ~~ثم وافى يحدث الناس شنرا إذ أتثه من ربه الثثماء ~~(ثم وافى) مكة قبل الصبح، فأصبح ( يحدث الناس) بما رأى من تلك العجائب ~~والكرامات، امتثالا لقوله تعالى: { وأما بنعمة ربك فحدث}، (شكرا) أي : من جهة ~~الشكر، أو لأجل قيامه بشكر ربه، أو حال كونه شاكرا لأنعمه (إذ) أي : لأجل، أو ~~وقت (أتته من ربه النعماء) أي : في تلك الليلة، وحينئذ ارتد ناس كانوا أسلموا ~~فذهب مشركون لأبي بكر، وذكروا له أنه يخبر أنه ذهب إلى بيت المقدس وجاء في ~~ليلة، فقال: صدق، فأنكروا عليه، فقال : إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك في ~~خبر السماء في غدوة وروحة ms142 فلذلك سمي الصديق رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه، ~~رواه الحاكم في " مستدركه "(2)، وابن إسحاق، وزاد : أن أبا بكر جاءه فقال : ~~يقولون : إنك الليلة أتيت بيت المقدس قال : " نعم " قال : صفه لي فإني جئته فوصفه ~~له كما هو؛ لأنه رفع إليه فجعل ينظره ويصفه وأبو بكر يصدقه ~~وقوله له: (صفه لي) إنما هو ليرد به على من تشكك في ذلك، ورفعه له حتى ~~ينظره رواه البخاري وكذا مسلم، وزاد: آنهم سألوه عن آشياء فيه لم يثبتها، فكرب ~~كربا ما كرب مثله قط(3)، ورفعه له: إما بحمل مثاله ووضعه قريبا منه، وعليه تحمل ~~رواية: فجيء بالمسجد؛ آي: بمثاله، وإما بحمل المسجد نفسه إليه، وهلذا ~~أظهر؛ لما مر في : (واشتاقت إليه من مكة الأنحاء)، ونظيره مجيء عرش بلقيس إلى ~~سليمان صلى الله على نبينا وعليه وسلم في طرفة عين، وإما بإزالة الحجب بينه وبينه ~~وبهذا ظهرت الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس ثم العروج منه إلى السماء؛ ~~(1) تصرع: دل: ~~(2) مستدرك الحاكم (12/3) ~~(3) البخاري (3886)، ومسلم (172) PageV00P154 ~~============================================================ ~~لما تقرر آن فيهم من رأى بيت المقدس، فوصفه لهم كما هو مع علمهم بأنه لم يذهب ~~إليه قط .. أوضح آية على صدقه في جميع ما أخبر به من أمر السماء ، ومما أخبرهم به ~~أنه قال لهم : " إن من آية ما أقول لكم : أني مرزت بعير لكم في مكان كذا ، وقذ ~~أضلوا بعيرا لهم فجمعه فلان ، وأن مسيرهم ينزلون بمكان كذا ، ويأتونكم يؤم كذا ، ~~يقدمهم جمل آدم عليه مسح أسود وغرارتان" فلما كان ذلك اليوم.. أشرف الناس ~~ينظرون، حتى إذا كان قريبا من نصف النهار.. أقبلت العير كما وصف صلى الله عليه ~~وسلم(1)، وفي رواية: أخبرهم بقدوم العير يوم الأربعاء، ففي يومه كادت الشمس ~~ان تغرب ولم يقدموا، فدعا الله تعالى فحبس الشمس حتى قدموا كما وصف ~~وعطف على (وافى) قوله: ~~وتحدى فأزتاب كل مريب أو يبقى مع الشيول الفتاء ~~(وتحدى) صلى الله عليه وسلم كفار مكة وغيرهم بما وقع له ليلة الإسراء، ~~وما تقدمه من المعجزات كانشقاق ms143 القمر؛ آي : طلب منهم آن يعارضوا ما جاء به ~~شاهدا على نبوته بابداء نظيره، وإلا. كانوا كاذبين مدحوضين (فارتاب) آي: شك ~~وخرس ( كل مريب) فانقطع عن المعارضة ولم يسعه إلا التسليم ، فمنهم من أسلم، ~~ومنهم من مات كافرا : وجحدوا بها وآستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} ، ويلزم من انقطاعهم ~~عن معارضته اتضاح أمره وأنه لم يبق فيه شك ولا ريب، ومن ثم قال منكرا على من ~~بقي عنده من ذلك شك : (1) يتضح ذلك الأمر ويبقى معه ريب؟ لا، بل اتضح ~~وما بقي معه شك أصلا (و )كيف (يبقى مع السيول) حال من قوله : (الغثاء؟) ~~وهو- بضم المعجمة وبالمثلثة -: ما يحمله السيل مما يجف من النبات، فكما أن ~~هلذا الغثاء لا يبقى مع السيل، بل يذهب به ويهلكه في أسرع وقت، فكذلك ما جاء به ~~صلى الله عليه وسلم من الايات البينات والبراهين الواضحات لا يبقى معه - لولا ~~الخذلان الالهي- شك، بل يذهب ويضمحل في أسرع وقت، فعلم أنه استعار ~~(1) أخرجه البزار (3484)، والبيهقي في " الدلائل" (355/2)، والطبراني في " الكبير" ~~(272 PageV00P155 ~~============================================================ ~~(السيول) لما أتى به صلى الله عليه وسلم؛ لأن بها الحياة الحسية، { وجعلنا من آلماء ~~كل شي، كما أن ما جاء به الحياة المعنوية، و(الغثاء) لما تخيلوه؛ لأنه أمر ~~حقير لا بقاء له، كما أن الغثاء كذلك ، وفي (ارتاب) و( مريب) جناس الاشتقاق، ~~وفي الختم بالجملة الاستفهامية التذييل، نحو : { وهل ثجرزى إلا الكفور ~~تنبيه: ما قدرته بعد همزة الاستفهام هو رآي الزمخشري ومن تبعه، وهو التحقيق ~~وإن كان هو خلاف ما عليه سيبويه والجمهور، فيقدر في نحو: { أولة يسيروا فى ~~الأرض أمكثوا ولم يسيروا؟ وفي : ( أفلا تعقلوب أتجهلون فلا تعقلون؟ وفي : ~~أير إذا ما وقع} أتكفرون ثم إذا ما وقع آمنتم به؟ فالهمزة في الكل في محلها ~~الأصلي، والعطف على جملة مقدرة بينها وبين العاطف، محافظة على إقرار حرف ~~العطف على حاله من غير تقديم ولا تأخير، ورد أبي حيان لذلك بأنه تقدير ما لا دليل ~~عليه، وابن هشام بأن فيه تكلفا وأنه غير مطرد.. ms144 فيه نظر(1)، بل إليه حاجة، وهي : ~~ان المعنى معه أقوم وأوضح مع رعاية قاعدة الهمزة وحرف العطف، ودعوى عدم ~~اطراده ممنوعة، لأن السياق حيث وجد فيه ذلك يكون قاضيا بذلك المحذوف ~~واعلم: أن الهمزة أصل أدوات الاستفهام، ومن ثم اختصت بجواز حذفها، ~~نحو : هذاري) في المواضع الثلاثة ؛ أي : أهذا ربي (2)؟ وفي : وتلك نفمة تمنها ~~أي: أوتلك نعمة؟ وبأنها ترد لطلب التصور تارة والتصديق أخرى، (وهل) ~~تختص بالثاني، والبقية بالأول، وبأنها تتقدم على العاطف كما هنا تنبيها على ~~أصالتها، والبقية تتأخر عنه، وبأنها تدخل على الشرط، نحو: أفاين مات أو ~~قتل، وعلى الإثبات والنفي. # (1) انظر تفصيل رأي أبي حيان في البحر* (183/1)، وقد ذكر أن الزمخشري رجع عن هنذا ~~القول في بعض تصانيفه، وانظر ما قاله ابن هشام في المغني "(23/1). # (2) ما ذكره الشارح رحمه الله تعالى من آن قوله تعالى، هذا ركي} جملة استفهامية حذفت ~~ممزتها. ذكره أبو حيان في البحر* (166/4) بصيغة التضعيف حيث قال: ( ~~وقيل: هي استفهامية على جهة الإنكار حذف منها الهمزة، كقوله : ~~بسبع رمين الجمر أم بثمان ~~قال ابن الأنباري : وهلذا شاذ؛ لأنه لا يجوز أن يحذف الحرف إلا إذا كان ثم فارق بين ~~الاخبار والاستخبار) ~~122 PageV00P156 ~~============================================================ ~~وهو يذغو إلى الإلكه وإن شق عليه كفو به وأزدراء ~~(وهو يدعو) حال من فاعل (تحدى) أي : تحدى الناس والحال أنه مع إنكارهم ~~وارتيابهم لا يفتر عما أمر به من التبليغ والدعاء ( إلى الإله) أي : المعبود بالحق الذي ~~لا يعبد غيره وهو الله تعالى، وفي ( إلى) و( إله) الجناس الناقص، ولم ينظر ~~الناظم إلى كون (الإلكه) اسم جس في الأصل لكل معبود ؛ لأن الأئمة أعرضوا عن ~~هذذا الأصل واستعملوه في المعبود بحق فقط، فصار علما بالغلبة ~~ولم يزل صلى الله عليه وسلم يتجدد دعاؤه إلى الله تعالى (وإن شق عليه كفر به) ~~أي : الاله أو النبي (وازدراء) أي : احتقار وانتقاص له، فهو مديم لذلك الدعاء، ~~متحمل لمشقة إتكارهم وقبيح كفرهم وازدرائهم له ولما جاء به ~~أخرج أهل السير : أنه ms145 صلى الله عليه وسلم كان يطوف على الناس في منازلهم ~~يقول لهم : "يا أيها الناس ؛ إن الله يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا " وأبو لهب ~~عمه وراءه يقول : يا أيها الناس؛ إن هلذا يأمركم أن تتركوا دين آبائكم(1). # ورماه الوليد بن المغيرة - لعنه الله تعالى- بالسحر، وتبعه قومه على ذلك، وآذته ~~قريش ورموه بالشعر والكهانة والجنون، ومنهم من كان يحثو التراب على رأسه، ~~ويجعل الدم على بابه، ووطىء عقبة بن آبي معيط على رقبته الشريفة وهو ساجد عند ~~الكعبة حتى كادت عيناه تبرزان، وخنقوه خنقأ شديدا، وجذيوا رآسه ولحيته حتى ~~سقط أكثر شعره ، فقام أبو بكر دونه قائلا : (اتقتلون رجلا أن يقول : ربي الله ؟!) ~~وصح: أن عقبة بن آبي معيط لف بعنق رسول الله ثوبا وهو بفناء الكعبة فخنقه خنقا ~~شديدا، فجاء أبو بكر ودفعه عنه (2) ~~وروى أحمد في ل مسنده " : أول من أظهر الإسلام سبعة، رسول الله صلى الله ~~(1) أخرجه أحمد (492/3)، والحاكم (15/1)، والطبراني في " الكبير" (61/5)، وفي ~~"الأوسط "(1510)، وهو بنحوه عند البيهقي، وفي " السنن الكبرى"(9/ 7) ~~(2) أخرجه البخاري (3678)، وابن حبان (6569)، وأحمد (204/2)، والبيهقي في ~~"الدلائل "(274/2)، وفي "السنن الكبري" (9/ 7)، وغيرهم PageV00P157 ~~============================================================ ~~عليه وسلم، وأبو بكر، وعمار، وآمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد، فأما ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. . فمنعه الله - أي : عن القتل- بعمه أبي طالب، وأما ~~أبو بكر.. فمنعه الله بقومه، وأما ساثرهم.. فأخذهم المشركون فألبسوهم آدراع ~~الحديد وصهروهم في الشمس، وإن بلالا هانت عليه نفسه في الله عز وجل، وهان ~~على قومه فأخذوه وأعطوه الولدان، نجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: ~~أحد أحد(1)، أي : لتمزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان: ~~ومر اللعين أبو جهل بسمية آم عمار بن ياسر وهي تعذب، فطعنها بحربة في فرجها ~~فقتلها(2)، وأخرج البيهقي عن عروة : أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه أعتق ممن كان ~~يعذب في الله سبعة منهم الزنيرة(2) - أي : بكسر الزاي وتشديد النون المكسورة- ~~فعميت فقالوا : ما أعماها إلا اللات والعزى، فقالت : كلا، والله ما هو كذلك، ~~فرد الله عليها ms146 بصرها(4) ~~ويذن الورى على الله بالتو حيد وهو المحجة البيضاء ~~(و) هو مع ذلك أيضا (يدل الورى) أي : الخلق، وكأن الناظم أخذ هلذا من ~~الحديث الصحيح : " وأرسلت إلى الخلق كافة" فأما الإنس والجن.. فبالإجماع ~~المعلوم من الدين بالضرورة، فيكفر منكره كما مر، وأما الملائكة. فعلى الأصح ~~عند جمع محققين(5)، كما يصرح به هلذا الحديث، وقوله تعالى: { ليكون للعللمين ~~نزيرا} يشهد بذلك ؛ إذ العالم ما سوى الله، واستعمال هذا في العقلاء إنما هو ~~(1) مسند الإمام أحمد (404/1) ~~(2) اخرجه ابن آبي شيبة (329/8)، وابن سعد في " الطبقات (264/8)، والبيهقي في ~~"الدلائل"(282/2). # (3) في السخ : (الزنير)، والتصويب من " الإصابة "(305/4)، وه الدلائل" للبيهقي ~~(4) دلائل النبوة (282/2). # 5) منهم: تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى كما في * فتاويه" (613/2)، والإمام السيوطي ~~رحمه الله تعالى كما في " الحاوي في الفتاوي" (139/2) وما بعدها، وغيرهما، انظر ~~تفصيل ذلك في " الحاوي" ، و1 الحبائك في اخبار الملائك " (ص 256) للسيوطي أيضا ~~124 PageV00P158 ~~============================================================ ~~لتغليبهم لفضلهم ، وقول الرازى : (أجمعنا على أن المراد : الإنس والجن)(1).: ~~مؤؤل، بل مردود، وأما بقية الجمادات.. فعلى ما ذهب إليه بعض محققي ~~المتأخرين (4)، ومعنى إرساله للملائكة وهم معصومون : أنهم كلفوا بتعظيمه والإيمان ~~به وإشادة ذكره(2)، وللجمادات: أنه يركب فيها ادراكات لتؤمن به وتخضع له، ~~{وإن من شىء إلا يسيح بحمده* أي : حقيقة لا بلسان الحال فقط ، خلافا لمن زعمه . # (على الله) أي: على العلم بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وبما يجب له من ~~اثبات كل صفة كمال، وسلب كل صفة نقص، بل وكل ما لم يصل إلى أعلى غايات ~~الكمال، وما يجوز له من إيجاد الخلق وإعدامهم، وبما يمتنع عليه من المحالات ~~التي لا تتعلق بها القدرة كما هو مقرر في محله (بالتوحيد) أي: بطلبه منهم توحيده ~~تعالى، بآن يقروا بأنه تعالى واحد في ذاته فلا تعدد له بوجه، وصفاته فلا نظير له ~~بوجه، وأفعاله فلا معين ولا شريك له فيها بوجه ~~وظاهر المتن : أن (الباء) في (بالتوحيد) باء الآلة، ككتبت بالقلم، ويوجه: ~~بأن العلم بالتوحيد - كما ذكر- ينشأ عنه العلم ms147 بما يليق بذات الله تعالى وأسماته وصفاته ~~وأفعاله كما تقرر (وهو) أي: العلم بكل ذلك والدلالة عليه (المحجة) أي: ~~الطريقة إلى رضا الله تعالى التي أمر بها ويثيب عليها (البيضاء) أي: النيرة المضيثة ~~الواضحة التي لا يضل سالكها ولا ينقطع ولا يخشى فيها من آفة ، وهلذا مقتبس من ~~قوله صلى الله عليه وسلم : " تركتكم على الواضحة البيضاء ، ليلها كنهارها، ونهارها ~~كليلها، لا يزيغ عنها إلأهالك"2). # ولما صبر صلى الله عليه وسلم على تبليغهم مع ما حصل له منهم مما آشار الناظم ~~إليه بقوله : (وإن شق عليه...) إلخ.. أطاع الله له اكثرهم حتى صاروا من أكابر ~~أتباعه كما قال : ~~(1) التفسير الكبير (45/24) ~~(2) نقل ذلك السيوطي عن البارزي . انظر " الحاوي"(140/2) ~~(3) اشادة ذكره : أي إشاعته ورفعه ~~(4) أخرجه ابن ماجه (43)، وأحمد (126/4)، والحاكم (46/1)، والطبراني في ~~"الكبير "(18/ 247) وغيرهم PageV00P159 ~~============================================================ ~~ر91 اة ن ~~فبما رخمة من الله لانت صخرة من إيائهم صماء ~~(فبما) هي زائدة (رحمة) واصلة إليه (من الله) وهي في الأصل: ميل وعطف ~~نفساني، غايته التفضل والإنعام، أو إرادتهما، والمراد هنا : هذه الغاية؛ لاستحالة ~~العطف والميل على الله تعالى، وكذا كل صفة وردت في القرآن أو السنة لله تعالى ~~واستحال عليه معناها يراد بها غايتها؛ آي: فبسبب رحمة الله لهم وعطفه عليهم ببركة ~~لين رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبره عليهم - كما يشير لذلك قوله تعالى: فيما ~~رحمة من الله لنت لهم} الذي اقتبس الناظم منه هلذا -.. أيقظ قلوبهم وأزال ما فيها من ~~كبر وغي. # فحينئذ (لانت صخرة) هي : الحجر العظيم (من) بيانية، وجعل الشارح ذلك ~~صفة ل( صخرة) مع كون (من) بيانية.. بعيد (إبائهم) آي: امتناعهم (صماء) ~~أي: صلبة لا يؤثر فيها معول، على خلاف العادة، وبه يظهر حسن التقابل بين ~~(لانت) و(صماء)، وهو من الطباق، ويسمى المطابقة والتضاد أيضا، وهو: أن ~~يجمع بين معنيين متقابلين في الجملة بتضاد، أو نفي وإثبات، أو عدم وملكة، أو ~~نحو ذلك؛ أي: زال امتناعهم عن طاعته فيما يأمرهم به فأطاعوه واتبعوه، فعلم آنه ~~استعار الصخرة ms148 التي في غاية الصلابة لإبائهم منه أولا؛ إذ كانوا في غاية النفرة عنه ~~والبغض والإيذاء له، وليونتها وزوال صلابتها لاتباعهم له وانقيادهم لجميع أوامره ~~ونواهيه آخرا، وبين آن ذلك كله إنما هو بواسطة رحمة من الله وهدايته لهم لا بحوله ~~صلى الله عليه وسلم ولا بقوته ، { إنك لاتهدى من أحببت ولكن الله يهرى من يشاء) ~~92 ~~وأشتجابت له بنضر وفتح بعد ذاك الخضراء والغبراء ~~(و) بعد أن لانوا له ببركة لينه لهم لم يزل لينهم يتزايد حتى (استجابت له) أي : ~~أجابت دعوته وامتثلت إشارته (بنصر وفتح) آي : مع، أو بسبب ما أعطاه الله من ~~النصر على الأعداء بكثرة الأتباع وإلقاء الرعب في القلوب والفتح لبلادهم بإخماد PageV00P160 ~~============================================================ ~~شوكتهم واستئصال شأفتهم (بعد ذاك) أي: الضعف الذي كان به صلى الله عليه وسلم ~~وبأتباعه لقلتهم وتحريم قتال الأعداء، وتصميمهم على مناوآته ومعاداته لقوة شوكتهم ~~وكثرة عددهم وعدتهم (الخضراء) أي: السماء، سميت بذلك ؛ لأنها ترى كذلك، ~~فقد قال القاسم بن أبي برة: (ليست السماء مربعة، للكنها مقبوة يراها الناس ~~خضراء)(1) وبين الثوري سبب ذلك فقال : (بلغنا أن صخرة تحت الأرض- أي : ~~خضراء، كما في حديث البزار وغيره - منها خضرة السماء)(2) أي: وليست في ~~الحقيقة كذلك؛ للحديث: آنهم قالوا : يا رسول الله؛ ما هذه السماء؟ قال: ~~0هلذا مؤج مكفوف عنكم "(2). # ومن ثم سئل ابن عباس رضي الله عنهما : السماء من أي شيء؟ فقال : (إنها من ~~موج مكفوف) ويوافقه قول علي كرم الله وجهه في حلفه : (والذي خلق السماء من ~~ماء ودخان)(4) وقال كعب : (السماء أشد بياضا من اللبن)(5) وقال الربيع بن أنس : ~~(السماء الدنيا موج مكفوف، والثانية مرمرة بيضاء، والثالثة حديد، والرابعة ~~نحاس، والخامسة فضة، والسادسة ذهب، والسابعة ياقوتة حمراء)(2) وجاء عن ~~سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه - لكن بسند واه -: (السماء الدنيا من زمردة ~~حضراء، والثانية من فضة، والثالثة من ياقوتة حمراء، والرابعة من درة بيضاء، ~~والخامسة من ذهبة حمراء، والسادسة من ياقوتة خضراء، والسابعة من نور)(2). # (والغيراء) أي: الأرض، سميت بذلك لأن جميع طبقاتها ms149 من طين، كما جاء ~~عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : (لما أراد الله أن يخلق الأشياء إذ كان عرشه ~~على الماء وإذ لا أرض ولا سماء.. خلق الريح فسلطها على الماء حتى اضطربت ~~أمواجه وأثار ركامه، فأخرج من الماء دخانا وطينا وزبدا، فأمر الدخان فعلا وسما، ~~(1) أخرجه عنه ابن أبي حاتم كما في " الدر المنثور" للسيوطي (86/1). # (2) أخرجه عبد الرزاق وابن أبي حاتم كما في " الدر المنثور" (110/1) ~~(3) اخرجه بنحوه الترمذي (3298)، وأحمد (370/2)، وغيرهما: ~~(4) أخرجه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (110/1). # 5) أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في 9 الدر المنثور" (110/1) . # (2) أخرجه الطبراني في " الأوسط" (5657) ~~(7) أخرجه أبو الشيخ كما في " الدر المنثور* (109/1) PageV00P161 ~~============================================================ ~~فخلق منه السماوات ، وخلق من الطين الأرضين، وخلق من الزبد الجبال)(1): ~~وبين (الخضراء) و( الغبراء) ما مر في (لانت) و(صماء)، لكن هلذا يسمى ~~التدبيج؛ لذكر الألوان فيه ~~ومعنى استجابة السماء والأرض له صلى الله عليه وسلم: استجابة أهلهما، ~~ويحتمل أنه استعار السماء للرفيع من الناس والأرض للوضيع؛ أي : أجابه الرفيع ~~والوضيع حتى لم يتخلف من أهل مكة وغيرهم أحد عنه؛ إذ لم يبق إلا مسلم أو ~~مسالم، وعلى الأول فتقييد الناظم استجابة أهل الأرض بالنصر والفتح بتلك البعدية.. # ظاهر، وأما تقييد استجابة أهل السماء بهما. فهو بمعنى آنه لم تنزل لنصرته الملائكة ~~إلا ببدر وما بعدها، وذلك إنما هو بعد قوته، وإلقاء رعبه في القلوب، والاذن له في ~~الجهاد، والفتح عليه ~~ر3ا ~~ازالين باثر النرن النز ه بالتابي النتنە) ~~(و) من جملة استجابة أهل الأرض له بعد ذلك أنه ( أطاعت لأمره) وهو : القول ~~الدال على الطلب بلفظ افعل ونحوه، ولنهيه، وحذفه لفهمه مما ذكره (العرب) ~~بضم فسكون، أو بفتحتين كما هنا - وهم: ولد إسماعيل عليه السلام (العرباء) ~~ويقال: العاربة، وهم: الخلص من العرب، ويقال لغير الخلص: العرب ~~المستعربة ~~وفي " القاموس" : (والعرب- بالضم، وبالتحريك -: خلاف العجم (مؤنث]- ~~أي : بالضم والتحريك أيضا كما ذكره في مادته - وهم : سكان الأمصار، أو عام، ~~والأعراب منهم: سكان البادية، ms150 لا واحد له، ويجمع على أعاريب، وعرب عاربة ~~وعربة، وعزباء: صرحاء، ومتعربة ومستعربة: دخلاء) ثم قال : (ويعرب بن ~~قحطان أبو اليمن ، قيل : أول من تكلم بالعربية) ~~وفي " النهاية " : (الأعراب من العرب: ساكنو البادية الذين لا يقيمون في ~~(1) أخرجه عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب " الرد على الجهمية " كما في " الدر المنثور" ~~(107/1) PageV00P162 ~~============================================================ ~~الأمصار ولا يدخلونها إلا في حاجة، والعرب: اسم لهذا الجيل من الناس، أقام ~~بالبادية أو المدن)(1): ~~وفي " الصحاح " : (ليس الأعراب جمع عرب - أي : لأن الجمع لا يكون أخص ~~من واحده - وإنما العرب اسم جنس) ~~وذكر ابن قتيبة : (أن الأعرابي: هو البدوي ، والعربي: المنسوب إلى العرب ~~وإن لم يكن بدويا، والأعجمي: الذي لا يفصح وإن كان بدويا، والعجمي: ~~المسوب للعجم) اه ~~وبين المبرد في كتاب ل نسب عدنان وقحطان " : أن جميع العرب ترجع إليهما، ~~وعدنان: هو الجد الأعلى للنبي صلى الله عليه وسلم وسائر العرب العرباء، وبينه ~~وبين اسماعيل ثمانية آباء، وقحطان : قال الكلبي : (هو الهميسع ابن بنت إسماعيل ~~عليه السلام) ~~(والجاهلية الجهلاء) هو كالعرباء، فيه تجنيس الاشتقاق وشبه التأكيد اللفظي، ~~كليل أليل (2)، وخص هلذين؛ لأن تصميمهما على الكفر بلغ من القوة والشدة ما لم ~~بلنه تصيم غيرهم ~~وتوالث للمضطفى ألآية الكب حرى عليهم والغارة الشغواء ~~(وتوالت) أي: تتابعت (للمصطفى) صلى الله عليه وسلم، متعلق بقوله: ~~(الآية) مفرد محلى ب (أل) فيكون في معنى الايات، وأيضا فالتوالي إنما يكون في ~~متعدد؛ أي: العلامات الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم، والمدحضة لما تقولوه ~~وافتروه عليه، وعلقه الشارح با توالت)، وهو وإن كان هو الظاهر صناعة إلا أن ~~الثاني فيه إفادة : أن ما توالى له إنما هو آياته الخاصة به لا آية من تقدمه (الكبرى ~~عليهم) كالقرآن وانشقاق القمر (و) توالت له عليهم أيضا (الغارة) على بلادهم ~~(1) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (202/3) ~~(2) ليل أليل: شديد الظلمة ، ومثله ليل لائل كما في بعض النسخ: ~~129 PageV00P163 ~~============================================================ ~~وأموالهم ونفوسهم وذراريهم، وهي: اسم مصدر لا أغار) (الشعواء) أي: الفاشية ~~المتفرقة المحيطة بهم ms151 من سائر الجوانب التي لم تظفر لهم بنفس أو مال إلا أهلكته. # 9 ~~وإذا ما تلا كتابا من الله تلته كتيبة خضراء ~~(و) بعد أن استجاب له أهل السماء والأرض، ودخل الناس في دين الله أفواجا، ~~وكثرت أتباعه جدا حتى صار (إذا ما) زائدة (تلا) أي: قرأ (كتابا) أنزل عليه ~~(من الله) تعالى وهو القرآن (تلته) أي : تبعته لأجل القراءة معه أو استماع قراءته ~~الكتائث مزدحمين عليه، لا سيما (كتيبة) - بالفوقية - آي: جيش (خضراء) أي: ~~يعلوها سواد السلاح والحديد، ومن عكسه سواد العراق؛ لأنه لكثرة شجره من بعيد ~~يرى أسود، وهي: كتيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي دخل صلى الله عليه ~~وسلم مكة وهو فيها على ناقته القصواء بين آبي بكر وأسيد بن حضير، ولما رآها آبو ~~سفيان.. رأي ما لا قبل له به، فقال للعباس: (لقد أصبح ملك ابن أخيك ملكا ~~عظيمأ، فقال له العباس: (ويحك، إنه ليس بملك ولكنها نبوة)(1). # وروى البخاري عن عبد الله بن مغفل : (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ "سورة الفتح" ويرجع) وقال : (لولا أن يجتمع ~~الناس حولي.. لرجعت كما رجع)(2) ~~وبين (تلا) و(تلته)، و(كتاب) و(كتيبة) تجنيس الاشتقاق أو شبهه. # 96 ~~وكفاه المشتهزئين وكم سا نبيا من قومه اشتهزاء ~~(وكفاه) صلى الله عليه وسلم ربه فضلا منه وكرما النفر الأشقياء الذين زادوا في ~~ايذائه والعتو عليه (المستهزئين) به، كما قال تعالى: إنا كفينك الستهزءيب، ~~(1) أخرجه بنحوه البزار (1292)، والطبراني في * الكبير" (23/ 435). # (2) البخاري (4281). PageV00P164 # ============================================================ ~~وهم: جماعة من قومه كانوا يسخرون منه ويبالغون في إيذائه والسخرية به؛ آي: ~~تولى إهلاكهم، من: كفيت فلانا المؤنة إذا توليتها له فلم تحوجه إليها، ومع توليه ~~تعالى إهلاك المستهزئين به سلاه، فأعلمه بأن هذا ليس خاصا به، بل الأنبياء قبله ~~كانوا كذلك بقوله عز قائلا : فأصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل} ، ومن ثم اقتبس ~~المصنف من هلذا كقوله تعالى : ولقد أستمزى برسل من قلك . الآية قوله : ~~(وكم) مرات كثيرة (ساء) أي ms152 : أحزن (نبيا) بينهما الجناس المصحف (من قومه) ~~متعلق بقوله: (استهزاء) أي: سخرية وايذاء، ففيه اقتباس وتلميح، وهو: ~~الإشارة إلى قصة أو شعر أو مثل سائر، وذكرنا التلميح هنا مع كثرته في كلامه؛ لأنه ~~هنا أظهر باعتبار ظهور قصة المستهزئين وشدة الاعتناء بها ~~وفيه أيضا التذييل والمثل السائر في الجملة الاستفهامية(1). # 9 ~~ورماهم بدغوة من فناء أل بيت فيها للظالمين فناء ~~(ورماهم) آي: أصابهم (بدعوة) مته عليهم وصلت إليهم فأهلكتهم، كما يصل ~~السهم القاتل إلى من رمي به فيهلكه (من) أي : بدعوة كائنة في (فناء البيت) أي : ~~حوالي الكعبة، وقيل: إنه شكاهم لجبريل فقال : أمرت أن أكفيكهم ، ثم أشار إلى كل ~~بما أصابه (2)، وذلك لا ينافي دعاءه عليهم؛ لأن دعاءه كان سببأ لإشارة جبريل عليه ~~السلام إليهم بالهلاك، وتجويز تعلق (من) بل رمى) وأنها لابتداء الغاية.. بعيد، للكن ~~فيه دقة تشبيه وبلاغة، ولعل الناظم قصد ذلك لاستقامة الوزن مع كل، فإيثارها مع كونها ~~خلاف المتبادر إنما هو عن قصد، ثم وصف الدعوة أيضا بقوله: (فيها) أي: تلك ~~الدعوة (للظالمين) متعلق بما بعده، والأصل: لهم، وعدل عنه؛ ليبين آن سبب ~~اهلاكهم ظلمهم وبغيهم عليه صلى الله عليه وسلم، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه ~~ومحله (فناء) أي: استئصال لهم حتى لم يبق منهم أحد. # (1) لعل صواب العبارة أن يقول : (في الجملة الخبرية) لأنه قال أثناء شرح النظم : (8 وكم" ~~مرات كثيرة.)، وهلذا يدل على آنها خبرية لا استفهامية، والله أعلم ~~(2) أخرجه بنحوه البيهقي في " السنن الكبرى"(8/9)، والطبراني في " الأوسط"(4983). # 131 PageV00P165 ~~============================================================ ~~وبين (فناء) و(فناء) جناس محرف؛ لاختلاف حركة الفاء: ~~98.. # خنسة كلهم أصيوا بداه والرتى من جتوده الأنوله ~~(خمسة) بدل من (المستهزئين) أو (الظالمين) ، ويصح رفعه؛ آي: هم، ~~وخصهم مع آن من المستهزئين آبا لهب وزوجته وعقبة بن آبي معيط والحكم بن العاصي؛ ~~لأنهم أشدهم، ولذا عجلت عقوبتهم (كلهم أصيبوا بداء) عظيم (والردى) آي: ~~الهلاك (من) جملة (جنوده) المعينة عليه (الأدواء) جمع داء، وهو المرض، وهلذا ~~ساقه مساق الحكم؛ لمناسبته لما قبله، فإنه كالتعليل ms153 له؛ أي: إنما أصيبوا بذلك الداء؛ ~~لأنهم سعوا في تحصيل آسباب الردى لهم حتى وقعوا فيه ولم يجدوا منه مخلصا. # وبين (داء) و( آدواء) جناس ناقص كما مر: ~~ثم فصل ذلك الداء الذي أهلكهم الله به فقال: ~~فدهى الأشود بن مطلب أيي عمى ميث به الأخياء ~~(فدهى) من الداهية، وهي: الأمر العظيم المهلك (الأسود بن مطلب) بن ~~أسد بن عبد العزى، فهو أسدي (أي عمى) أي: عمى عظيم؛ لأنه كما طمس بصره ~~طمس بصيرته حتى لم يبق له تمييز بين الحسن والقبيح، وليس العمى إلا عمى البصيرة ~~(ميت به) أي: بسبب ذلك العمى (الأحياء) في حكم الأموات الذين لا ينظر إليهم ~~ولا يعول عليهم، ويحتمل أن المراد : أن عماه كان سببأ لموته على خلاف العادة؟ # مبالغة في هلاك ذلك اللعين ، وأنه قتل بما لا يقتل عادة ؛ لأنه حقت عليه الكلمة فمات ~~فورا من غير سبب ظاهر لذلك ~~وبما تقرر علم أن (ميت) مبتدأ وما بعده سد مسد الخبر؛ أي: إن من شأن هذا ~~العمى آنه لو وقع للأحياء.. صاروا به في حكم الأموات لا بصر لهم ولا بصيرة، ~~فالجملة مؤكدة لما أفاده تنوين (عمي) أنه عمى بصر وبصيرة PageV00P166 ~~============================================================ ~~ولم ينظر الناظم إلى عدم اعتماد هذا المبتدأ؛ جريا على مذهب الكوفيين فإنه ~~قوي، ومن ثم تبعهم الأخفش مع تقدمه وتحقيقه، وقال ابن مالك : (الاعتماد حسن ~~لا واجب) وكأنه يريد أن يجمع به بين رأي البصريين والكوفيين، للكنه خلاف ~~ما صرحوا به فيكون رأيا ثالثا ، لا يقال : (ميت) خبر مقدم؛ لأنا نقول : لو كان ~~خبرا. لقال: ميتون؛ لوجوب المطابقة، ولا حجة في قولهم: (خبير بنو لهب) ~~أن (خبير) خبر مقدم ؛ لأن (فعيل) لا تلزم فيه المطابقة ~~وبين (ميت) و( الأحياء) الطباق. # ودهى الأشود بن عبد يغوث أن سقاه كأس الودى أشتشقاء ~~(ودهى) أيضا (الأسود بن عبد يغوث) بن وهب بن عبد مناف بن زهرة، فهو ~~زهري، ويغوث في الأصل: اسم صنم (أن سقاه كأس الردي) أي: الموت ~~(استسقاء) حصل له في جوفه ms154 واستمر به حتى أهلكه، وهو داء خبيث على آنواع، ~~المراد منها هنا : الزقي، وهو : امتلاء الأمعاء بالماء الفاسد المبطل للحرارة الغريزية ~~المفضي إلى الهلاك عن قرب ~~وبين (سقا) و(استسقاء) جناس الاشتقاق، وتشبيه (الردى) بالمشروب حتيى ~~أثبت له ما هو من لوازم المشبه به من الكأس والسقي.. استعارة بالكناية تتبعها ~~الاستعارة التخييلية ~~ش ~~وأصاب الوليد خذشة سهم قصرث عنها الحية الرفطاء ~~(وأصاب الوليد) بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، فهو مخزومي ~~(خدشة سهم) آي: آثر جراحة بأسفل رجله من شخص في يده نبل، وقيل: أصابت ~~ذيله شوكة فمنعه الكبر من آن يهوي لقلعها فضربها بالسوط فأصابت رجله، فتاكلت ~~ومات منها قبل وقعة بدر، فكان سم ذلك الجرح أسرع إلى هلاكه وأشنع من سم ~~الأفاعي، فلذلك (قصرت عنها) أي : عن تلك الخدشة (الحية الرقطاء) أي : التي PageV00P167 ~~============================================================ ~~يخالط سوادها نقط بيض، وهي أعظم الحيات أذي، ووجه قصورها عنها في الافضاء ~~إلى القتل : أن الحية قد يقع البرء من لسعتها ، بخلاف تلك الخدشة ، فإنها كانت قاتلة ~~له حتما؛ لأنها أثر تلك الدعوة عليه المقبولة. # ثم رأيت بعضهم قال : (وإنما كان ما أصاب الوليد أعظم ، لأن الحية إنما تهلك ~~بواسطة السم، وهذا بلا واسطة) اه ~~وما ذكرته أوضح وأحسن كما لا يخفى. # 92 ~~وقضت شؤكة على مهجة العا صي فلله النقعة الشؤكاء ~~(وقضت شوكة) دخلت في أخمص رجل العاصي (على مهجة العاصي) بن ~~وائل بن هشام بن سعد، بن سهم، فهو سهمي؛ آي: قتلته قتلأ عجيبا، ومن ثم ~~عقبه بما يفيد التعجب فقال : (فلله) هذذه (النقعة) من قولهم: الناس نقائع ~~الموت؛ أي: أنه يجزرهم كما يجزر الجزار النقيعة (الشوكاء) من قولهم: بردة ~~شوكاء؛ أي: حشنة الملمس؛ أي: ما أعجب هلذه القتلة الشديدة التي حصلت له ~~من تلك الشوكة القليلة التأثير عادة، فلله درها من شوكة نحرته في أسرع وقت ! # وعلى الحارث القيوح وقذ سا ل بها رأشه وساء ألوعاء ~~(و) قضت (على الحارث) مولى الطلاطلة بالموت الفظيع (القيوح) جمع ~~قيح، وهو : المادة ms155 البيضاء التي لا يخالطها دم (و) الحال أنه (قد سال بها رأسه ~~وساء) أي : قبح ذلك الرأس الذي هو (الوعاء) لتلك القيوح القاتلة لصاحبه . وبين ~~(سال) و(ساء) الجناس الناقص(1)، وفي الختم بل ساء الوعاء) التذييل: ~~هلؤلاء الملاعين ~~(1) لو قال : الجناس اللاحق. لكان أولى؛ لأن الناقص : ما كان في إحدى كلمتيه نقص حرف ~~أو حرفين عن الأخرى، أما إذا كان الاختلاف في حرفين متباعدي المخرج كما هنا. فهو ~~اللاحق، وإن كان في حرفين متقاربي المخرج فهو المضارع، والله أعلم PageV00P168 ~~============================================================ ~~ل8هنى ~~خمسة طهرث بقطعهم الأز ض فكث الأذى بهم شلاء: ~~(خمسة طهرت بقطعهم) أي: هلاكهم (الأرض) أي: مكة ونواحيها، أو ~~مطلقا ؛ لأن ضررهم يسري إلى جميع البلاد (فكف الأذي) الذي كان يصل للناس ~~لا سيما نبينا صلى الله عليه وسلم منهم (بهم) آي: بسبب فقدهم، آو مع فقدهم ~~(شلاء) أي: فاقدة الحركة، فعلم أنه شبه (الأذى) بالإنسان من باب تشبيه المعقول ~~بالمحسوس؛ لإفادة أن الأذى لو تجسم.. لكان إنسانا يقدر على إيصال ما يريده بأى ~~وجه كان، ثم آثبت له ما هو من لوازم المشبه به وهو (الكف) الذي يتناول بها سائر ~~المضار التي يريدها، ووصفها بالشلل؛ لبيان أن (الأذى) بفقدهم صار معطلا ~~لا حركة فيه ولا تأثير، ففيه استعارة مكنية تتبعها استعارة تخييلية ~~وذكر الشلل الملائم للمشبه به ترشيح. # فديث خمسة الصحيفة بألخة سة إذ كان للكرام فداء: ~~(فديت) بالبناء للمفعول، يقال: فداك بفتح أوله فيقصر، وبكسره فيقصر ~~ويمد، وهو: دعاء متضمن للتعظيم، فهو من حيز الإنشاء؛ أي : لو أمكن أن أحدا ~~يكون فداء أحد من الموت.. لسألت أن يكون هلؤلاء فداءهم، أو المراد: اللهم؛ ~~اجعلهم فداءهم من المؤذيات، وقوله : ( إن كان للكرام فداء) الدال على أنه لا فداء ~~لهم.. يدل على المعنى الأول (1) (خمسة الصحيفة) الاتي بيانهم (بالخمسة) ~~الملاعين السابق ذكرهم؛ أي : جعلت هذؤلاء جميعهم فداء لكل واحد من أوللئك من ~~كل مكروه، فالمقابلة هنا ليست من باب: ركب القوم دوابهم (إن) جزاؤها ~~محذوف؛ لدلالة ما قبله عليه (كان للكرام ms156 فداء) وأولئك الخمسة الذين سعوا في ~~(1) مراده بالمعنى الأول : أنهم يكونون فداء لهم من الموت، وأما الثاني : فهو أنهم فداء لهم من ~~المؤذيات، ويدخل فيها عذاب الاخرة PageV00P169 ~~============================================================ ~~نقض الصحيفة من جملة الكرام الذين يتعين قداؤهم عند الحاجات والشدائد إن نفع ~~الفداء؛ لأنهم بذلوا نفوسهم في آمر عظيم جدا كما يعلم من ذكر قصتها، وهي: أن ~~قريشأ لما رأت عزة النبي صلى الله عليه وسلم بأمره في سنة خمس من النبوة بضعة عشر ~~من أصحابه منهم عثمان وزوجته رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى ~~الحبشة واستقرارهم فيها، وبإسلام حمزة ثم عمر بعده بثلاثة أيام، وبفشو الاسلام في ~~القبائل.. أجمعوا على أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك أيا طالب، ~~فأتوا إليه بعمارة بن الوليد أعز فتى فيهم ليأخذه بدل ابن أخيه فأبى، وجمع بني هاشم ~~وبني المطلب، فأدخلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم شعبهم ومنعوه ممن أراد قتله، ~~وأجابوه لذلك حتى كفارهم حمية على عادة الجاهلية ~~فلما رأت قريش ذلك.. اجتمعوا واثتمروا أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني ~~هاشم وبني المطلب: أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوا منهم شيئا ~~ولا يبتاعوا، ولا يقبلوا منهم صلحا أبدا حتى يسلموا لهم رسول الله صلى الله عليه ~~ل وسلم للقتل، وكتبوا ذلك في صحيفة بخط بعضهم، فشلت يذه، وعلقوا الصحيفة ~~في جوف الكعبة تأكيدا في حفظها وبقائها، وكان ذلك هلال المحرم سنة سبع من ~~النبوة، فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب إلى آبي طالب، فدخلوا معه في شعبه إلا أبا ~~لهب فكان مع قريش لعنه الله، فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا، وكان ~~لا يصل إليهم شيء إلا سرا، حتى إن حكيم بن حزام حمل غلامه حبا يريد به عمته ~~خديجة رضي الله عنها، فلقيه أبو جهل اللعين فتعلق به وأراد آن يفضحه، فانتصر له ~~أبو البختري بن هشام بن الحارث بن أسد ، وقال : خل سبيله فأبى، قأخذ له لخي ~~جمل فضربه به فشجه ms157 ووطئه وطءا شديدا، فلما مضت تلك المدة. قام أولعك ~~الخمسة في نقض تلك الصحيفة، وكان رأسهم هشام بن الحارث؛ لعزته بعمه لأمه ~~الذي هو أخو عبد المطلب، ومن ثم كان واصلأ لبني هاشم، فكان يأتيهم ليلأ بالبعير ~~وعليه الطعام إلى فم الشعب فيخلع خطامه ويضربه حتى يدخل (1). # ولعزة هشام بعمه هذا مشى إلى زهير بن عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: ~~(1) انظر "سيرة ابن هشام" (353/1)، و"طبقات ابن سعد" (208/1)، و1 سبل الهدى ~~والرشاد "(502/2) PageV00P170 ~~============================================================ ~~أرضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثياب، وتنكح النساء، وأخوالك حيث علمت، ~~وشدد عليه حتى قال : لو وجدت رجلأ معي.. لنقضتها، فقال: أنا معك، فقال : ~~أبغنا ثالثأ فذهب إلى المطعم واستنخاه حتى قال : لو وجدت رجلا، قال: قد ~~وجدت زهير بن أبي أمية ، قال : أبغنا رابعا، فذهب إلى آبي البختري واستنخاه أيضا ~~فقال : وهل من معين؟ فذكر له أوليك، فقال : أبغنا خامسا، فذهب إلى زمعة ~~واستنخاه فقال : فهل من آحد؟ فذكر له القوم، فاجتمعوا بالحيون وأجمعوا على ~~نقضها، فقال لهم زهير: وأنا أول من يتكلم، فلما أصبحوا. غدوا إلى أنديتهم، ~~وغدا زهير بحلة فطاف سبعا ثم أقبل على الناس فقال : يا أهل مكة ؛ إنا نأكل الطعام، ~~ونلبس الثياب، وبنو هاشم فيما ترون!! والله لا أقعد حتى نشق هذذه الصحيفة الظالمة ~~القاطعة، فقال له أبو جهل: كذبت والله لا تشق، فقال زمعة : أنت والله أكذب، ~~ما رضينا كتابتها حيث كتبت، وقال أبو البختري: صدق زمعة، ما نرضى ما كتب ~~فيها ولا نقر به، وقال المطعم : صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ~~ومما كتب فيها، فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل، اشتور فيه بغير هذا المكان، ~~وأبو طالب جالس، فقام المطعم إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد اكلتها إلا: ~~باسمك اللهم(1)، ولا يعارض ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك قال ~~لأبي رطالب : "يا عم؛ إن ربي سلط الأرضة على صحيفة قريش ، فلم تدع فيها أشما ~~هو لله إلا أثبته، ومحت ms158 منها الظلم والقطيعة وألبهتان " فقال : أربك أخبرك بهذا ؟ # قال: " نعم" فأخبرهم أبو طالب بذلك، وقال : أنزلوها، فإن صدق. فانتهوا عن ~~قطيعتنا، والا.. دفعته إليكم، فنظروها فإذا هي كما قال صلى الله عليه وسلم، ~~فازدادوا شرا، وذلك لأنه لا مانع أنهم لما نظروا ذلك وازدادوا شرا.. قام أوللثك ~~الخمسة في إذهابها من أصلها، فسعوا في تقضها وبذلوا جهدهم فيه (2) ~~قال الشارح: (ويحتمل آن أبا طالب إنما آخبر بعد سعيهم في نقضها) اه ~~ويبعده : أن الاخبار بذلك حينئذ ليس له كبير جدوى، فالأولى بل المتعين ما قدمته : ~~(1) انظر "سيرة ابن هشام "(375/1) وما بعدها، و1 سبل الهدى والرشاد "(504/2) ~~(2) انظر "سيرة ابن هشام *(1/ 377)، و" سيل الهدى والرشاد" (505/2) ~~13 PageV00P171 ~~============================================================ ~~اذا تقرر ذلك.. علم أنهم: ~~فتية بيتوا على فغل خيي حمد الضبع انره وألمساء ~~(فتية) أي: كرام، جمع فتى، وهو: السخي الكريم، وفيه تصريح بما أومأ ~~اليه من وصفهم بمكارم الأخلاق (بيتوا) أي : دبروا واشتوروا بالحجون ليلا (على ~~فعل خير) هو نقضها والمخاطرة دونه بالنفوس؛ لشدة قريش في إبقائها مع كثرتهم ~~وعتوهم (حمد الصبح) أي: الفجر، أو الصباح، وهو: من الفجر إلى الزوال، ~~ويدل على هذا مقابلته بالمساء الذي هو: من الزوال إلى الغروب (أمره) أي: شأنه ~~وغايته (والمساء) وإسناد الحمد لهذين الزمانين مجاز دال على شدة المبالغة في ~~وقوع الحمد وطلبه على فعل ذلك الخير؛ لأن الزمان إذا حمد على ذلك.. فسائر ~~العقلاء أولى وأحق بذلك: ~~وبين (الصبح) و( المساء) الطباق، ك(الشدة) و(الرخاء)، و(النقض) ~~و(الإبرام) فيما يأتي، وجعل الشارح غير الأخيرين من المقابلة وهما من الطباق:.. # لا يتأتى على تفسيرهم الطباق بأته: الجمع بين معنيين متقابلين في الجملة، كما مر ~~مبسوطا ~~(97 ~~يا لأنر أتاه بغد هشام زمعة إنه الفتى الأتاء ~~(يا لأمر) - بفتح اللام - هو نقضها، وناداه على طريق الاستغاثة، تنزيلا له منزلة ~~العاقل، مبالغة في تعظيمه، ولذا كان ذلك مفيدا للتعجب من وقوعه، كقولهم: ~~يا للدواهي! إذا تعجبوا من كثرتها (أتاه بعد هشام) بن الحارث بن حبيب بن ~~خزيمة بن ms159 مالك بن حنبل بن عامر بن لؤي، فهو عامري، وقدمه لما مر أنه أول ~~الخمسة والسبب في اجتماعهم (زمعة) بن الأسود بن المطلب بن أسد (إنه) بالكسر ~~استئناف فيه معنى التعليل؛ لكونه أول من كذب آبا جهل ورد عن هشام كما PageV00P172 ~~============================================================ ~~مر(1) ( الفتى) أي : الكريم في قومه (الأتاء) صيغة مبالغة من أتى ، ففيه مع (أتاه) ~~جناس الاشتقاق، كما في (فديت) و(فداء) ~~سس9 ~~وزهير والمطعم بن عدي وأبو البختري من حيث شاؤوا ~~(وزهير) بن آبي أمية بن المغيرة، وأمه عاتكة بنت عبد المطلب، عمة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم (والمطعم بن عدي وأبو البختري) وأتى هؤلاء الخمسة النقض ~~لا عن غير اتفاق ومواطأة، بل إنما أتوه إتيانا كائنا (من حيث) ظرف مكان حقيقة أو ~~مجازا، وجوز الأخفش كونها ظرف زمان، ويجوز فتحه وجره وحاث وحوث، ~~وإعرابها لغة قليلة، وتلزم الاضافة لجملة وندرت لمفرد خلافا للكسائي، وعدم ~~إضافتها بالكلية أندر، فتعوض (ما) وتصرفها نادر، بل أنكره أبو حيان، والغالب ~~كونها في محل نصب على الظرفية أو خفض بمن، ولا تقع اسم (إن) ولا مفعولا به ~~على خلاف فيها، وزعم الفارسي أنها في قوله تعالى : الله أعلم حيث يجمل ~~رسالته} مفعول به (2) ؛ إذ المعنى أنه سبحانه يعلم نفس المكان المستحق لوضع ~~الرسالة فيه لا شييا في المكان، وناصبها يعلم المدلول عليه بل أعلم) لا (هو) لأن ~~أفعل التفضيل لا ينصب المفعول به إلا إن أول با عالم) (شاؤوا) أي : من المكان ~~الذي قصدوه لتدبير آمرهم وتشاورهم عليه، فلذلك وقع فعلهم الموقع الذي قصدوه، ~~وشح الاشابح الني دير ~~نقضوا مبرم الصحيفة إذ شدث عليه من العدا الأنداء ~~(نقضوا) بدل من (فعل خير)، من نقض العهد؛ أي: إبطاله (مبرم) أي: ~~محكم فتله كالبريم : الحبل الذي جمع من مفتولين ففتلا حبلا واحدا (الصحيفة) التي ~~(1) الذي مر أنه رد عن زهير الذي بدأ بالكلام حيث قال لهم : (وأنا أول من يتكلم) ، ولم يذكر ~~لهشام كلاغ، والله أعلم ~~(2) انظر التفصيل في ذلك مع الشواهد في " همع الهوامع ms160 " للسيوطي (209/2) ~~9 PageV00P173 ~~============================================================ ~~توافقت قريش على إيقائها على الدوام إلا أن يسلم بنو هاشم وبنو المطلب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إليهم (إذ) أي: وقت، أو لأجل أن (شدت) أي: صممت ~~(عليه) أي: على ذلك الأمر المبرم ، وهو عدم نقض تلك الصحيفة (من العدا) بيان ~~لقوله: (الأنداء) جمع ناد ، وهو العشيرة ، ومنه : فليدع ناديه وأصله : المكان ~~الذي يجلس فيه للتحدث والسمر، سمي من فيه باسمه؛ آي: نقضوا هذذا الأمر ~~المبرم الذي قواه عشائرهم وصمموا عليه ~~:10 ~~أذكرثنا بأكلها أكل منسا سليمان الأرضة الخزساء ~~(أذكرتنا) بعد نسياننا، جملة استئنافية لبيان أن لأكل الأرضة للصحيفة نظيرا هو ~~أكلها لعصا سليمان (بأكلها) لتلك الصحيفة، والضمير لا الأرضة) الآتية التي هي ~~الفاعل، فهو عائد على متقدم رتبة، وهو سائغ (أكل) مفعول (أذكرتنا) الثاني ~~(منساة) أي: عصا (سليمان) بن داوود عليهما السلام لما مات وهو متكىء عليها، ~~فصار كذلك سنة والجن يعتقدون حياته فيدأبون فيما سخرهم فيه من الأعمال الشاقة، ~~وما علموا موته إلا بأكل الأرضة لمنسأته فخر ساقطأ، وعلموا حينئذ أن لهم سنة ~~مسخرين في العمل، وأنهم كاذبون في ادعائهم علم الغيب، ولذا قال تعالى عز ~~قائلا: فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موتهه إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر ~~نبينت الجحن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما ليثوا فى العذاب المهين ~~(الأرضة) - بفتح الراء وقد تسكن كما هنا - وهي : دويبة تأكل حتى الخشب أكلا ~~ذريعا (الخرساء) فيه تعجب من شأنها؛ إذ ليس من شأن الأخرس التذكير، وإثبات ~~الخرس لها مجاز؛ إذ حقيقته : فقد النطق عما من شأنه النطق. # (197) ~~وبها أخبر النبي وكم اخ رج خبء أله الغيوب خباء ~~(وبها) آي: وبأكلها للصحيفة (أخبر النبي) صلى الله عليه وسلم عمه أبا ~~طالب، وهو أخبر قريشأ كما مر مبسوطا (وكم) مرات كثيرة (أخرج) صلى الله عليه PageV00P174 ~~============================================================ ~~وسلم؛ أي: أظهر (خبء1) أي: شيئا مخبأ (له الغيوب خباء) أي: ساترة. # وبين (خبء1) و(خباء) الجناس المحرف ، وفي (وكم...) إلخ التذييل. # تنبيهان : أحدهما: يجب على كل ms161 أحد أن يعتقد أن الله تعالى هو المختص بعلم ~~الغيب، وأن ما حصل لرسله وأوليائه منه فهو إما بوحي من الله أو إلهام، والاستثناء ~~في قوله تعالى : { فلا يظهر على غييهه أحدا * إلا من آرتضى. ..} إلخ.. متصل كما ~~هو الأصل، وذكر الرسول لا للاختصاص به ، بل لأن كرامة أولياء أتباعه من جملة ~~كراماته ومعجزاته ، وفي الحديث : " إني لا أغلم إلا ما علمني ريي" . # ثانيهما في بيان ما أشار إليه الناظم من كثرة ما آخبر به صلى الله عليه وسلم من ~~المغيبات : وحاصل شيء من ذلك : أن مما يدل على كثرة ما أخبر صلى الله عليه ~~وسلم به من الغيوب ما في القرآن منها مما لا يحيط به حد ، وخبر الطبراني : " إن ألله ~~قذ رفع لي الثنيا ، فأنا أنظر إليها وإلى ما هو كائن فيها إلى يؤم ألقيامة ، كأنما أنظر إلى ~~كفي هلذه "(1) وخبر أبي داوود : (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما، فما ~~ترك شيئا إلى قيام الساعة إلا حدثنا به)(2). # وفي الحديث الصحيح : " فعلمت علم الأولين وآلآخرين " . # وصح: آن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بموت النجاشي يوم موته ~~بالحشة، وصلى عليه بأصحابه (3) ~~وأنه وأبا بكر وعمر وعثمان صعدوا أحدا فتحرك، فضربه برجله وقال له: ~~" أثبت ، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان" فاستشهدا ~~وأن ملك قيصر وكسرى ينقطع بعده من العراق والشام، فكان كذلك في زمان ~~(1) ذكره الهيثمي في " المجمع "(980/8) وقال : (رواه الطبراني، ورجاله وثقوا على ضعف ~~كثير في سعيد بن سنان الرهاوي) ~~(2) سنن آبي داوود (4237) ~~(3) أخرجه البخاري (1254)، ومسلم (951)، وابن ماجه (1534)، وأحمد (7/4) ~~والطبراني (178/3)، وغيرهم. # 241 PageV00P175 ~~============================================================ ~~وأنه قال لسراقة: " كيف بك إذا لبست سواري كشرى ؟! " فألبسهما عمر له لما ~~زال ملك كسرى في زمنه تحقيقا لذلك . # وأخبر عمه العباس بيدر بما تركه بمكة من المال عند زوجته ولم يطلع عليه أحد ~~غيرهما(1). # وأخبر بكتاب حاطب إلى أهل مكة(2)، وبموضع ناقته حين ضلت وتعلقت ~~بخطامها في الشجرة(1). # وبأن قريشا بعد الأحزاب لا يغزونه (4)، وباستشهاد أمير الجيش ms162 الذي أرسله لمؤتة ~~بلد بأرض الشام - يوم قتلهم، زيد بن حارثة، فجعفر بن آبي طالب، فعبد الله بن ~~رواحة رضي الله تعالى عنهم(5). # وبأن بنته فاطمة رضي الله تعالى عنها أول أهله لحوقا به (6) فعاشت بعده ثمانية ~~اشهر أو ستة. # وبأن أشقى الأولين والاخرين قاتل علي كرم الله تعالى وجهه ، يضربه في يافوخه (17) ~~فتبتل منها لحيته، فضربه الشقي ابن ملجم ضربة كذلك فمات منها(8). # وبأن معاوية رضي الله عنه يلي آمر أمته، وبأنه لم يغلب، رواهما ابن عساكر، ~~ومن ثم قال علي كرم الله تعالى وجهه يوم صفين: (لو ذكرت هذا الحديث.. # ما قاتلته)(9) ~~(1) أحرجه أحمد (353/1)، والبيهقي في " الدلائل، (3/ 142)، والحاكم (324/3)، ~~وغيرهم ~~(2) اخرجه البخاري (3007)، ومسلم (2494)، وأبو داوود (2643)، والترمذي ~~3305)، وغيرهم ~~(3) نقله ابن هشام في " سيرته" (2/ 527) عن ابن إسحاق، وذكره الطبري في " تاريخه" ~~.(10113 ~~(4) أخرجه البخاري (4110). # (5) أخرجه البخاري (1246)، وأحمد (204/1) ~~(1) اخرجه البخاري (3626)، ومسلم (2450). # (7) اليافوخ- بالتسهيل ويهمز -هو: ملتقى عظم مقدم الرآس مع مؤخره. # (8) أخرجه أبو يعلى (485)، والطبراني في" الكبير"(38/8) ~~(9) تاريخ دمشق (107/59)، و(87/59) ~~242 PageV00P176 ~~============================================================ ~~وبأن عثمان يقتل مظلوم"(1)، ورواية : " تقتل وأنت تقرأ البقرة، فتقع قطرة من ~~دمك على: فسيخفيكهم الله وهو الشميع العكلير}.. موضوعة (2). # وبوقعة الحرة، من عسكر يزيد - عامله الله تعالى بعدله - بالمدينة(2)، فاستبيحت ~~نفوس آهلها وأبضاعهم وأموالهم، وقتل سبع مثة يحفظون القرآن، منهم ثلاث مثة ~~صحابي، وافتض فيها ألف عذراء: ~~وبوقعة الجمل وصفين(4)، وقتال عائشة والزبير لعلي رضي الله تعالى عنهم، ~~ولذلك قال علي للزبير رضي الله تعالى عنهما لما برز له يومئذ : (أنشدك الله ، هل ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "تقاتله وأنت له ظالة؟") فانصرف ~~الزبير وقال : (بلى، وللكن أنسيت) ~~وقد يستشكل الوصف بالظلم مع آن الزبير مجتهد، فغايته أنه مخطىء، وهو له ~~أجر بنص الحديث الصحيح (5)، ويجاب : بأن أصل الظلم: وضع الشيء في غير ~~محله وإن لم يكن فيه إثم، فالمراد: وأنت قد وضعت القتال في غير محله خطأ منك ~~لا تعمدا، أو فأنت له ظالم حقيقة لو نظرت في الدليل حق النظر ، بقرينة : ما ms163 تقرر أن ~~المجتهد المخطىء له أجر ~~وبقوله في الحسن كرم الله تعالى وجهه : " إن أبني هلذا سيد، وسيصلح الله به بين ~~فئتين عظيمتين من المسلمين "(1) فكان كذلك ، فإنه بويع بعد أبيه، فمكث خليفة ستة ~~أشهر، ثم سار لمعاوية بأربعين الفا، فلما تراءى الجمعان.. علم كثرة الفريقين، ~~أخرجه الترمذي (3708)، وأحمد (115/2). # هلذه الرواية أخرجها الحاكم (103/3)، قال الذهبي : (قلت : كذب بحت، وفي الإسناد ~~أحمد بن محمد بن عبد الحميد الجعفي، وهو المتهم به) ~~أخرجه البيهقي في " الدلائل "(473/6) وانظر 0 البداية والنهاية"(618/6) ~~أخرجه ابن حبان (6732)، وأحمد (52/2)، والبيهقي في " الدلائل" (410/6)، ~~وغيرهم ~~أخرجسه البخاري (7352)، ومسلم (1716)، وأبو داوود (3569)، والترمذي ~~(1326)، والنسائي (223/8)، وابن ماجه (2314) ~~(2) أخرجه البخاري (2704)، وابن حيان (6964)، وأبو داوود (4629)، والترمذي ~~(3773)، والنسائي (3/ 107)، وغيرهم ~~243 ~~و1 ~~اب PageV00P177 ~~============================================================ ~~وأنه لا يغلب أحدهما حتى يقتل الفريق الاخر، فرق على المسلمين ورحمهم، ~~ورفض الملك في جنب ذلك ابتغاء لوجه الله تعالى، كما جاء عنه كرم الله تعالى ~~وجهه، ثم أرسل لمعاوية يشترط عليه شروطا وينزل له عن الخلافة، فأرسل له ~~قرطاسأ أبيض وقال : اشترط فيه ما شئت، فاشترط ونزل له عن الملك، فصار معاوية ~~من يومئذ خليفة حقيقة ~~وبقتل الحسين كرم الله تعالى وجهه بالطف، وأخرج بيده تربة وقال : "فيها ~~مضجعه"(1) ~~وصح خبر: استأذن ملك القطر ربه آن يزور النبي صلى الله عليه وسلم، فأذن له ~~وكان في يوم آم سلمة، فأمرها صلى الله عليه وسلم أن تحفظ الباب، فجاء الحسين ~~فاقتحمه، فقبله صلى الله عليه وسلم، فقال له الملك : أتحبه ؟ قال : "نعم " قال : ~~إن أمتك ستقتله، وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه، فأراه، فجاء بسهلة - ~~بالكسر: رمل خشن، أو تراب آحمر- فأخذته أم سلمة فجعلته في ثوبها، قال ~~الراوي : كنا نقول : إنها كربلاء(2)، وفي رواية: أنه قال لها: إذا صار دما.. # فاعلمي أنه قد قتل: ~~و أخبر ابن عمر بأنه سيعمى لما رأى جبريل معه في صورة رجل (3) ~~وأخبر أم عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم بأنها ستلده ، وبأنه أبو الخلفاء ، ~~وبأن منهم السفاح ms164 والمهدي(4). # (1) أخرجه الطبراني في " الكبير" (107/3)، و" الأوسط " (6312) ، والطث : أرض من ~~ضاحية الكوفة في طريق البرية اهل معجم البلدان "(36/4) ~~(2) اخرجه ابن حبان (6742)، وأحمد (265/3)، وابو يعلى (3402)، والبيهقي في ~~"الدلائل (469/2)، والطبراني في " الكبير " (106/3)، وأبو نعيم في " الدلائل" ~~(70912 ~~(3) كذا في جميع النسخ أنه ابن عمر، والمشهور أنه ابن عباس كما أخرجه البيهقي في " الدلائل" ~~(478/6) والطبراني في " الكبير" (237/10)، والذهي في " سير أعلام النبلاء" ~~.(340/3 ~~4) أخرجه الطبراني في " الكبير" (235/10)، وفي " الأوسط" (9246)، وزيادة أنه أبو ~~الخلفاء. إلخ من " الأوسط " فقط ~~14 PageV00P178 ~~============================================================ ~~وأخبر بأن الترك ستغلب على العرب حتى تلحقها بمنابت الشيح والقيصوم(1) ~~ويقوله : " يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل فلا يجدون عالما أعلم من عالم ~~المدينة "(2) قال ابن عيينة : هو مالك بن أنس، ومن ثم كان الناس يزدحمون على بابه ~~لأخذ العلم، حتى يقتتلون، وممن روى عنه من الأكابر: الزهري، والسفيانان، ~~والشافعي، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، وأبو حنيفة، ~~وصاحباه أبو يوسف ومحمد، وذو النون المصري، والفضيل، وابن المبارك، وابن ~~ادهم ~~وبعالم قريش رحمه الله تعالى ، وأنه " يملأ طباق الأرض علما"(3)، قال أحمد ~~وغيره : نراه الشافعي؛ لأنه لم ينتشر في طباق الأرض لقرشي صحابي أو غيره ما انتشر ~~للإمام الشافعي رضي الله عنه؛ أي : والذي انتشر لعلي وابن عباس ونحوهما مسائل ~~قليلة جدا، كما يعلم ذلك من سبر كلامهم واطلع عليه ، وزغم الصغاني أن الحديث ~~موضوع تهود منه، وإنما فيه نوع ضعف، ذكروا له شواهد تجبره، وقد جمع ~~الحافظ العسقلاني طرقه في كتاب مستقل ~~وأخبر بالخوارج الذين خرجوا على علي كرم الله تعالى وجهه، وأن فيهم رجلا ~~اسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، فقاتلهم علي كرم الله تعالى وجهه، وأخرج ~~ذلك الرجل حتى رآه الناس بالوصف الذي وصفه صلى الله عليه وسلم(2). # وأخبر بالرافضة، وأنهم يرفضون الإسلام(5)، وبالقدرية والمرجئة(1)، وبأن أمته ~~ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، وبأنها كلها في النار إلا الفرقة التي على ما كان عليه ~~(1) اخرجه أبو يعلى (7376) ~~(2) أخرجه ابن حبان (3736)، والترمذي (2680)، وأحمد ms165 (299/2)، والحاكم ~~(90/1)، والبيهقي في " السنن الكبرى "(386/1)، وغيرهم. # (3) أخرجه الطيالسي في " مسنده "(39) ، والخطيب في تاريخ بغداد "(58/2) ~~4) أخرجه البخاري (3610)، ومسلم (1064) ~~(5) أخرجه أحمد (103/1)، وأبو يعلى (2586)، والبزار (499)، والطبراني في ~~"الكبير (12/ 187) وغيرهم ~~(1) أخرجه أبو داوود (4658)، والترمذي (2149) وابن ماجه (62)، وغيرهم: ~~245 PageV00P179 ~~============================================================ ~~هو وأصحابه(1)، وهم الطائفة الذين أخبر عنهم بأنهم لا يزالون على الحق، ~~لا يضرهم من خالفهم إلى قيام الساعة؛ أي : قربه بقليل: ~~وبأمارات الساعة الكثيرة جدا، فوقع كثير منها، وينتظر وقوع الباقي، ومما وقع ~~منها: النار التي قال عنها صلى الله عليه وسلم - كما رواه الشيخان - : " لا تقوم الساعة ~~حتى تخرج نار من أرض الحجاز، تضيء لها أغناق الإيل ببصرى "(2) فخرجت نار ~~عظيمة على نحو مرحلة من المدينة المشرفة، وتقدمتها زلزلة عظيمة بعد عشاء الأربعاء ~~ثالث جمادى الاخرة سنة أربع وخمسين وست مثة، ولم تزل تشتد وتغلي كغليان البحر ~~إلى أن ارتجت منها الأرض ومن عليها حتى أيقن أهل المدينة بالهلاك، وكثرت ~~الزلازل حتى وقع منها في يوم واحد ثمانية عشر زلزلة، لككن ببركته صلى الله عليه ~~وسلم كان يغشى المدينة نسيم بارد، ورئيت من مكة وجبال بصرى، وانطفت ليلة ~~الاسراء سابع عشري رجب، وقد أوسع المؤرخون في أخبارها بما يطول استقصاؤه. # وإذا تأملت ما أطلعه الله عليه من الغيوب لا سيما ما يتعلق بأمر الصحيفة. علمت ~~أن ذلك من تمام عناية الله تعالى به، وأنه لا يضيمه قط، ومن ثم عقب الناظم ذلك ~~بقوله: ~~لا تخل جانب الثبي مضاما حين مينه منهم الأشواء ~~(لا تخل) - بفتح الفوقية والمعجمة - من: خلت الشيء خيلأ ومخيلة، ظننته ~~(جانب) هو في الأصل: شق الإنسان، وأريد به هنا كله، تعبيرا بالبعض عن ~~الكل، فالإضافة بيانية (النبي مضاما) أي: مضيعا (حين) وفي نسخة (حيث) ~~والأول أظهر؛ إذ هو ظرف لا مضاما)، (مسته) صلى الله عليه وسلم (منهم) ~~متعلق بقوله: (الأسواء) أي: الأذيات الكثيرة حال كونها صادرة منهم، كضربه ~~وخنقه، وإغراء سفهاتهم به، فرموه حتى سال الدم على تعليه، وكشج وجهه، وكسر ~~(1) أخرجه الترمذي (2641)، وأحمد (102/4)، والطبراتي ms166 في * الكبير" (70/18) ~~وغيرهم ~~(2) البخاري (7118)، ومسلم (2902). # 141 PageV00P180 ~~============================================================ ~~رباعيته، وغير ذلك مما لو حمله جبل. لم يتحمله، بل جانبه مع ذلك لم يزل يترقى ~~في مراتب النصر والفتح إلى أن بلغ غاية العزة والجلالة، وجانبهم لم يزل يتقهقر ~~ويضمحل حتى وصل إلى حضيض الذل والهوان ، قال الله تعالى : إذا جاء نصر ~~الله وآلفتح ..) الآيات، ليظهرم على الدين كله}، والله يعصمك من ~~الناس ~~ثم ما أصابه صلى الله عليه وسلم من آذياتهم له فيه أسوة بالأنبياء قبله؛ إذ أصابهم ~~من أذيات أممهم مثل ذلك أو أكثر منه، للكن ~~103 ~~كل أفر ناب الثبئين فالشد فيه مخمودة والرخاء ~~~~(كل أمر) من الأمور العظيمة (ناب) أي : أصاب (النبيين فالشدة فيه) أي : ~~التي تحصل لهم منه (محمودة) لأنها لرفع درجاتهم العلية (والرخاء) أي : السعة فيه ~~محمودة أيضا؛ لأنه يكثر أتباعهم ويفني أعداءهم ~~ومما يبين ذلك ويوضحه : آن من المقرر في العقول أنه ~~0 ~~لو يمسن الثضار هون من النا ولما أختير للنضار الصلاء ~~(لو يمس النضار) أي : الذهب (هون) بالضم؛ أي : هوان (من) إدخاله إلى ~~(النار) لاختبار خلوصه من الغش والنقص.. (لما اختير للنضار الصلاء) أي: ~~العرض على النار؛ لعزته على النفوس وشحها به من أدنى نقص يصيبه، فالأنبياء ~~كالذهب، والشدائد التي تنوبهم كإصابة النار للذهب، فكما أن النار لا تزيد الذهب ~~إلا حسنا. فكذلك الشدائد لا تزيد الأنبياء إلا رفعة ~~وفي : (لا تخل..) إلى هنا من الكلام الجامع للحكم والبلاغة ما لا يخفى ~~عظيم وقعه ~~ولما ذكر ما يناسب قوله: ~~لا تخل جانب النبي مضاما ~~247 PageV00P181 ~~============================================================ ~~برهن عليه بقوله: ~~(106 ~~كم يد عن نبيه كفها الله وفي الخلق كثرة وأجتراء ~~(كم يد) أي: جارحة (عن نبيه كفها الله) أي: منعها وخذلها، فلم تصل إليه ~~بسوء قصد به النبي صلى الله عليه وسلم (و) الحال أنه قد وجد (في الخلق) أي: ~~المخلوقين الذين هم أعداؤه، المريدون لإهلاكه (كثرة واجتراء) أي : شجاعة وتهور ~~واقدام على فعل ما خطر في النفس من غير نظر في عاقبته. # 16 ms167 ~~إذ دعا وخده العباد وأنست منه في كل مقلة أقذاء ~~(إذ) ظرف ل(كف) أي: وقت آن (دعا) أي: طلب حال كونه (وحده ~~العباد) كلهم إلى عبادة الله، وترك ما هم عليه من الجهالات والأباطيل والضلالات ~~(و) إن (أمست) أي : حصلت؛ إذ أمسى يستعمل كثيرا في ذلك (منه) في كل ~~الأزمنة (في كل مقلة) منهم، وهي: شحمة العين التي تجمع السواد والبياض ~~(أقذاء) جمع قذى، وهو: ما يسقط في العين مما يؤلمها ويكدرها، وذلك لأنه ~~صلى الله عليه وسلم في ابتداء آمره مع وحدته وقلة عضده وناصره كان يدعوهم إلى ~~الايمان بالله وحده، وينادي عليهم في آنديتهم بتسفيه أحلامهم وسب الهتهم ورميها ~~بكل عيب وسوء، فيبالغون- حتى أقرب أقاربه كعمه أبي لهب - في إيذائه والتجرؤ ~~عليه لكثرتهم ووحدته، وهو- مع ذلك- محروس بحراسة الله تعالى، مكلوء ~~بكلاءته محفوظ بحفظه، متماد على ما هو فيه، غير ملتفت لأذاهم، بل صابر عليه ~~الصبر الجميل، وأمره لا يزداد إلا ظهورا وعلوا ، وأصحابه وأعوانه يكثرون ويتقوون ~~على أعدائهم شيئا فشيئا، إلى أن أمكنه الله تعالى من نواصي أعدائهم ، فأذاق من بقي ~~منهم على كفره الهوان، وأحل من خضع منهم لعزته مأمن البقاء والأمان: ~~ومما ينبئك بعظيم إيذائهم له ونصره عليهم: ما ذكره أهل السير: آن عمرو بن PageV00P182 ~~============================================================ ~~العاصي قال للزبير: ما اكثر ما رأيت قريشا أصابوا من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ؟ فذكر له أن أشرافهم اجتمعوا في الحجر، فذكروا ما يفعله بهم من سبهم وسب ~~آلهتهم، فطلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستلم الركن وطاف، فلما مر ~~بهم صلى الله عليه وسلم.. انتقصوه، فساءه ذلك ثم مر بهم فأساؤوه، ثم مر بهم ~~فأساؤوه، فوقف صلى الله عليه وسلم ثم قال : " أتشمعون يا معشر قريش؟ أما ~~والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالدبح" فأخذتهم كلمته وارتعدت منها فرائصهم(1) ، ~~فألانوا له القول وقالوا : انصرف يا أبا القاسم؛ فوالله ما كنت جهولا، فاجتمعوا له في ~~الغد في الحجر، وفعلوا معه ما ذكر، ثم وثبوا إليه وثبة رجل واحد ms168 يؤنبونه لسب ~~الهتهم فأخذ بعضهم بمجمع ردائه صلى الله عليه وسلم، فقام إليه آبو بكر وحال ~~بينهم وبينه كما مر(2). # تبيه: قرينة سياق النظم مصرحة بأن القذى في العين مستعار لما حصل لهم في ~~عيون بصائرهم من إذلاله صلى الله عليه وسلم لهم بما مر آنفا، وأما قول بعضهم: ~~(يحتمل أنه يريد بالقذى ما على أعينهم من الغشاوة المانعة من النظر في أمره، ~~الحاجبة لهم عن اتباعه، أو يريد ما على قلوبهم من الران والصدأ الحاجب عن ~~الايمان، فيكون عبر بل المقلة) عن عين البصيرة (وبا الأقذاء)] عما يعلوها من ~~الران والصدأ) اه.. فهو غفلة عن سياق المتن وعدم تأمل له بالكلية؛ لأنه إنما حكم ~~بأنه صلى الله عليه وسلم أسكن القذى لكل مقلة منهم، وحينثذ فلا يصح تفسير القذى ~~بشيء مما ذكره، وإنما يصح تفسيره بما ذكرته. فتأمله. # (1) الفرائص: جمع فريصة، وهي: لحمة بين جنب الدابة وكتفها لا تزال ترعد، والمراد هنا: ~~عصب الرقية وعروقها؛ لأنها هي التي تثور عند العضب والخوف ~~(2) أخرجه ابن حبان (6567)، وأحمد (218/2)، واين مشام في * السيرة *(289/1)، ~~والطبري في " تاريخه"(2/ 332)، والبيهقي في " الدلائل"(274/2)، وليس عند واحد ~~منهم أن الساثل عمرو بن العاصي للزبير، بل إن عروة بن الزبير سأل عبد الله بن عمرو بن ~~العاصي فليتنبه PageV00P183 ~~============================================================ ~~الا ~~هم قؤم بقتله فأبى الشي حف وفاء وفاءت الصفواء ~~اله ~~والدليل على تلك الحراسة الباهرة أنه : (هم قوم) يدخل فيه النساء تبعا (بقتله) ~~بالسيف (فأبى السيف) أي : امتنع من الوصول إليه والتأثير فيه (وفاء) أي : لأجل ~~وفائه بما آخذ عليه - كبقية الخلق- من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وإجلاله ~~وتوقيره وتعظيمه، وذلك الامتناع وقع غير مرة، فقد جاء: أنه صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا نزل منزلا. اختار له أصحابه شجرة تظله، فبينما هو تحتها إذ جاءه أعرابي، ~~فاخترط سيفه ثم قال له: من يمنعك مني؟ قال: " الله عز وجل"، فرعدت يده ~~وسقط السيف، وضرب برأسه الشجرة حتى سال دماغه كما روي(1). # وصح: أن غؤرث بن الحارث ms169 اخترط سيفه صلى الله عليه وسلم وهو نائم، ~~فاستيقظ فوجده في يده صلت(2)، فقال : من يمنعك مني ؟ قال : " آلله " فسقط من ~~يده، فأخذه صلى الله عليه وسلم وقال : 1 من يمنعك مني ؟ " قال : كن خير آخذ، ~~فعفا عنه، فرجع إلى قومه وقال : جئتكم من عند خير الناس(2) ~~وروي: أنه صلى الله عليه وسلم وقع له نظير ذلك في غزوة بدر مع منافق تبعه لما ~~رج لقضاء حاجته ~~ووقع نظير ذلك مع رجل سيد لقومه شجاعة وغيرها أغروه على قتله، فجاءه ثم ~~رجع إليهم مسلما، فأنكروا عليه، فقال : نظرت إلى رجل أبيض طويل دفع في ~~ص دري، فوقعت لظهري وسقط السيف من يدي، فعلمت أنه ملك وأسلمت ~~(وفاءت) أي: رجعت على راميها، وبينه وبين (وفاء) الجناس اللاحق ~~(1) اخرجه بنحوه البخاري (2910)، ومسلم (843)، وابن حبان (4537)، وأحمد ~~(311/3)، والبيهقي في * السنن الكبرى" (319/6)، و" الدلائل" (374/3)، ~~وغيرهم ~~(2) السيف الصلت والمصلت: المجرد من غمده ~~(3) آخرجه ابن حبان (2883)، وأحمد (364/3)، وأبو يعلى (1778)، دغيرهم PageV00P184 ~~============================================================ ~~(الصفواء) أي: رجعت الحجارة عن إصابته، بل خمدت في يد راميها الذي هم ~~ايضا بقتله. # 106 ~~وأبو جهل إذ رأى عنق الفخ ل إليه كأنه العنقاء ! # (و) هم (أبو جهل) عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي، وكان من أشد ~~الأعداء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك آنه اجتمع هو وقريش يومأ، ~~فجاءهم صلى الله عليه وسلم، وبالغ في إنذارهم وتسفيه أحلامهم وسب ألهتهم، ~~فأظهروا له شدة الإباء والتعنت، فانصرف عنهم حزينا عليهم، فقال لهم آبو جهل ~~اللعين : يا معشر قريش؛ إن محمدا قد أبى إلا ما ترون، وإني أعاهد الله لأجلسن له ~~غدا بحجر لا يطيق حمله، فإذا سجد في صلاته. رضخت به رأسه، فأسلموني عند ~~ذلك أو امنعوني، فليصنع بي بنو عبد مناف ما بدا لهم، فقالوا: والله ما نسلمك ~~لشيء أبدأ، فلما أصبح. أخذ حجرا كما وصف، فلما سجد صلى الله عليه وسلم- ~~كعادته - وقريش ينظرون.. احتمل اللعين الحجر ثم أقبل نحوه ، حتى إذا دنا منه:. # رجع منهزما منتقعا لونه، ms170 مرعوبا قد يبست يداه على حجره حتى قذفه، فقاموا إليه ~~فقالوا: ما لك يا أبا الحكم؟ قال : قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة، فلما ~~دنوت منه.. عرض لي دونه فحل من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هامته ولا مثل ~~صورته وأنيابه لفحل قط، فهم بي أن يأكلني، وذكر أنه صلى الله عليه وسلم قال : ~~"ذلك جبريل، لؤ دنا مني.. لأخذه "(1). # (إذ) ظرف د (هم) المقدر قبل (أبو جهل) لأنه معطوف على: (هم قوم ~~بقتله) أي : وهم أيضا أبو جهل بقتله بالحجر الذي حمله وقت أن (رأي عنق) ~~بسكون النون وضمها (الفحل) وقد برز ( إليه كأنه العنقاء) أي : الداهية العظيمة، ~~أو الطائر العظيم المعروف، وبين (عنق) و(عنقاء) جناس الاشتقاق أو شبهه، ~~(1) انظر سيرة ابن هشام *(298/1). PageV00P185 # ============================================================ ~~وما ذكرته من أن (أبو جهل) معطوف على (هم قوم)، وأن (إذ) ظرف ~~1(هم).. هو ما جزم به الشارح، وهو بعيد؛ لأنه يلزم عليه أنه وقت رؤيته الفحل ~~هم بقتله وذلك غير واقع، بل حصل له حينئذ من الهيبة والخوف والذلة ما أذهله، ~~فالحق: أنه معطوف على (الصفواء) أي: رجعت الصفواء عن الوصول إليه صلى الله ~~عليه وسلم، ورجع أبو جهل عن الرمي لها وقت رؤيته الفحل، فا إذ) حينئذ ظرف ~~(فاعت) مع فاعلها وما عطف عليه ~~وأقتضاه الثبي دين الإراشي وقذ ساء بيعه والشراء ~~(واقتضاه) معطوف على (هم)، قال الشارح : وكأنه على نزع الخافض؛ أي: ~~اقتضى منه، وظاهر قول القاموس: (واستقضى فلانا: طلب إليه آن يقضيه، ~~وتقاضاه الدين: قبضه) أنه متعد بنفسه؛ أي: طلب (النبي) صلى الله عليه وسلم ~~من أبي جهل آن يؤدي ( دين) كهلة بن عصام بن كهلة بن إراش بن الغوث بن عمرو بن ~~الغوث (الإراشي) بكسر الهمزة؛ لكونه لما قدم مكة بإبل له ليبيعها.. اشتراها منه أبو ~~جهل، ثم مطله بأثمانها، فوقف الإراشي على ناد من قريش فقال : هل من رجل ~~يخلصني من آبي الحكم؟ فإني غريب وابن سبيل، وقد غلبني على حقي، فقالوا: ~~لا يخلصك منه إلا ms171 ذاك الرجل- آي: محمد صلى الله عليه وسلم، قالوا له ذلك ~~استهزاء به - فجاء إليه صلى الله عليه وسلم فقال له : يا عبد الله؛ إن أبا الحكم قد غلبني ~~على حقي، وقد سألت أولئك القوم فأشاروا إليك، فخلصني منه ، يرحمك الله، ~~فقام معه ليخلصه منه، كيف (وقد ساء بيعه) ذكر البيع والكلام ليس إلا في الشراء؛ ~~لأنه نظير له ، فهو من مراعاة النظير (والشراء) أي : وشراؤه مع هذذا الرجل وغيره: ~~ولما ذهب إليه. أمروا واحدا منهم أن يتبعه لينظر ماذا يصنع، فضرب صلى الله ~~عليه وسلم بابه عليه، فقال : من ذا؟ قال : "محمد، فأخروج إلي " فخرج إليه وقد ~~انتقع لونه (1)، فقال : "أعط هلذا الرجل حقه" قال : نعم ، لا تبرح حتى يأخذه، ~~(1) اتتقع لونه: تغير من حزن أو خوف، ومثله امتقع PageV00P186 ~~============================================================ ~~فدخل فأخرجه إليه، فجاء إلى أولئك وأخبرهم بما وقع ، فجاء أبو جهل فقالوا له: ~~ويلك، والله ما رأينا مثل هذا الذي صنعت قط، قال : ويحكم، والله ما هو إلا أنه ~~ضرب علي بابي فسمعت صوته فملئت رعبا، ثم خرجت إليه وإن فوق رأسي لفحلأ من ~~الإبل ما رأيت مثل هامته ولا صورته ولا أنيابه لفحل قط، والله لو أبيت.. # لاكلني(1) . # ورأى المضطفى أتاه بما لم ينج منه ذون الوفا النجاء ~~(و) من ثم (رأي) أبو جهل (المصطفى) صلى الله عليه وسلم وقد ( أتاه بما) ~~اي: بفحل ايل (لم ينج) بفتح ثم ضم، وبضم ثم كسر مع تخفيف، ويجوز ~~لا هنا؛ لأجل الوزن - تخفيفها وتشديدها، من نجا ينجو، وأنجى ينجي فهو ناج ~~ومنج (منه دون الوفا) لذلك الدين الذي للإراشي (النجاء) بوزن الضراب مبالغة في ~~ناج، فل الوفا) مقصور، ويجوز تخفيف الجيم مصدرا، فا الوفاء) ممدود، وفي ~~"القاموس" : (نجا نجوا ونجاء ونجاة ونجاية: خلص كنخى واستنجى وأنجاه الله ~~ونجاه) وعلى هذذا (الوفا) مقصور، وعلى كل هو فاعل (ينج)، ونظيره في ~~امن الخفيف) ~~المصدر قول الحاجري: ~~(يا خلي الفؤاد قذا ملا ألوج ذ فؤادي وبرح التبريغ ~~أي : ذلك الفحل لا ينجي، أو لا ms172 ينجو منه (النجاء) بالمبالغة؛ أي: من ~~تكررت نجاته من الأمور الصعبة إلا إن وفى ذلك الدين، أو لا ينجو منه (النجاء) ~~بالتخفيف؛ أي: النجاة إلا بعد ذلك الوفاء ~~114 ~~هو ما قذ راه من قبل لكن ما على مثله يعد الخطاء ~~(هو) أي: الفحل المرئي في هلذه الواقعة (ما) أي : الفحل الذي (قد رآه من ~~(1) سيرة ابن هشام (389/1) ~~253 PageV00P187 ~~============================================================ ~~قبل) أي : في الواقعة السابقة في قوله : (وفاءت...) إلخ، (لكن) لا استغراب ~~في ذلك؛ لأن هذذا اللعين (ما على مثله) في العتو والتهور السالبين لإدراكه ~~والموجبين لهلاكه، وهو أبلغ من : عليه؛ لأنه لحصر إثبات الحكم عليه ببينة، على ~~حد: مثلك لا يبخل (يعد الخطاء)، لأن خطأه لا ينحصر فلا يعد، ومد (الخطاء) ~~لغة شهيرة ~~تبيه : قد يسأل عن الحكمة في كون أبي جهل منع في هاتين الواقعتين من أن ينال ~~رسول الله بمؤذ مطلقا أشد المنع ولم يمنع من القاء سلا الجزور على ظهره صلى الله ~~عليه وسلم وهو يصلي ~~قلت : كان سر ذلك إمهاله حتى تنفذ دعوة رسول الله فيه وفي أمثاله ممن كانوا أشد ~~الناس عليه صلى الله عليه وسلم، فيظهر عزه صلى الله عليه وسلم ونصره عليهم للناس ~~باهلاكهم بدعوته، وإلقائهم في القليب على أخس حالة وأقبحها، ولو منع اللعين من ~~ذلك لم تحصل هذذه الكرامات، فكان تمكينه من ذلك الفعل هو عين إهلاكه ~~واهلاك نظرائه. # ومختصر تلك القصة : أنه صلى الله عليه وسلم - كما في " البخاري " - كان يصلي ~~عند الكعبة وجمع من قريش في مجالسهم، إذ قال قائل منهم : ألا تنظرون إلى هذذا ~~المرائي؟ أيكم يقوم إلى جزور آل فلان، فيعمد إلى دمها وفرثها وسلاها فيجيء به، ~~م يمهله حتى اذا سجد.. وضعه بين كتفيه، فانبعث آشقاهم، فلما سجد.. وضعه بين ~~كتفيه، وثبت صلى الله عليه وسلم ساجدا- أي: لأنه لم يعلم بخصوص ما وضع ~~وإنما لم ينقل أنه أعاد ؛ لاحتمال أنه كان في نافلة ، بل هو الواقع ؛ لأن هلذه الواقعة ~~قبل فرض الخمس، ولم يكن فرض ms173 من الصلاة يومئذ إلا ما في (سورة المزمل)، ~~وهو صلاة الليل - فلما رأوا ذلك. ضحكوا حتى مال بعضهم على بعض، فانطلق ~~منطلق إلى فاطمة - وهي جويرية - رضي الله تعالى عنها، فأقبلت تسعى، وثبت النبي ~~صلى الله عليه وسلم ساجدا حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تسبهم، فلما قضي ~~صلى الله عليه وسلم الصلاة.. قال: " اللهم؛ عليك بقرئش - ثم سمى- اللهم؛ ~~عليك بعمرو بن هشام - وهو آبو جهل، وقدمه؛ لأنه أشقاهم وأشدهم إذاية له ~~صلى الله عليه وسلم - وغتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة ، وآلوليد بن عتبة، وأمية بن PageV00P188 ~~============================================================ ~~خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد " قال عبد الله : (فوالله لقد رأيتهم ~~صرعى يوم بدر، ثم بحبوا إلى القليب قليب بدر)، ثم قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : " وأتبع أصحاب القليب لعنة"(1). # وظاهر السياق أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك عقب هلذا الدعاء، فيكون من ~~تمامه، وفيه علم من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، ويحتمل- على بعد- أنه إنما ~~قال ذلك عند إلقائهم في القليب، وقول عبد الله بن مسعود: (رآيتهم صرعى ~~بالقليب). مراده اكثرهم، فإن عمارة إنما مات بأرض الحبشة، للكن على أشر ~~قتلة، فإنه تعرض لزوجة النجاشي، فأمر ساحرا فنفخ في إحليله من سحره عقوبة له، ~~فتوحش وصار مع البهائم إلى أن مات في خلافة عمر: ~~وأيضا عقبة بن أبي معيط إنما قتل صبرا بالصفراء بعد بدر(2)، وألقي ثم، ~~وأمية بن خلف وإن قتل ببدر للكنه لم يطرح في القليب. # 119 ~~وأعدث حمالة العطب الفه ر وجاءث كائها الوزقاء ~~~~(وأعدت) عطف على (هم) أي: هيأت، هي آم جميل بنت حرب بن آمية ~~(حمالة الحطب) لقبت به؛ لأنها كانت تحمل الشوك وتطرحه في طريق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم؛ إرضاء لزوجها- لعنهما الله تعالى - (الفهر) أي : الحجر الذي ~~يملأ الكف لما أنزل الله فيها وفي زوجها: تبت يدا أبى لهب وتب.. السورة (و) ~~الحال أنها قد (جاءت) إليه وهو في المسجد وأبو بكر رضي الله تعالى عنه عنده بذلك ~~الحجر ms174 لترميه به وهي في غاية السرعة والعجلة (كأنها) الحمامة (الورقاء) أي: ~~الشديدة الإسراع؛ أي : حال كونها شبيهة بها في ذلك، فهي حال متداخلة. # (1) البخاري (520) ~~(2) الصفراء : واد قرب المدينة، كثير الشخل والزرع والخير، وبينه وبين بدر مرحلة انظر ~~معجم البلدان "(3/ 412) PageV00P189 ~~============================================================ ~~113 ~~يؤم جاعث غضبى تقول أفي مذ لي من أخمد يقال الهجاء ؛ ~~(يوم) ظرف لا أعدت) (جاءت) في حال كونها (غضبى) من شدة ما سمعت من ~~ذمها في تلك السورة، وفي نسخة (غيظا) فهو تمييز، والغضب : نار كامنة في طي الفؤاد، ~~يؤججها طرو السبب المحرك لها، فإن لم يقدر على إنفاذ شيء في المغضوب عليه.. # سمي غيظا، كذا قيل، وفي " القاموس" : (الغيظ: الغضب، أو أشده، أو سورته، ~~أو أوله) حال كونها (تقول : أفي مثلي) وأنا بنت سيد بني مخزوم، متعلق با يقال) ~~(من أحمد) حال من الهجاء (يقال الهجاء) أي: السب والذم، ونسبة القول إليه إما ~~حقيقة، وهو الظاهر؛ لأنهم لا يعتقدون إلنها غير آلهتهم، فا من) ابتدائية ~~نعم؛ فيهم فرقة يعتقدون الالكه وأن أصنامهم تقربهم إليه، فإن كانت من ~~هلؤلاء.. فا من) تعليلية؛ أي : يقول إللهه ذلك لأجله ~~4 ح الا ~~وتولث وما رأته ومن أن ن ترى الشنس مقلة عمياء ~~(وتولت) عطف على (أعدت) (و) الحال أنها (ما رأته) وكيف تراه وهو في ~~ظهوره للقلوب السليمة والعقول المستقيمة كالشمس وهي - أعني تلك المرأة - في غاية من ~~عمى البصيرة وفساد السريرة ؟! (ومن أين ترى الشمس مقلة) أي : عين (عمياء ؟1) ~~ولما رآها أبو بكر رضي الله تعالى عنه. قال : (يا رسول الله؛ إنها امرأة بذية، فلو ~~قمت) قال صلى الله عليه وسلم: "إنها لن تراني" فجاءت فلم تره، فقالت : يا أبا ~~بكر؛ أين صاحبك ؟ كيف يهجوني؟ فوالله لو وجدته.. لضربت بهذا الفهر فاه، والله ~~اني لشاعرة - وذكرت هجوا قبيحا - فقلت : (لا، وهو لا يقول الشعر) فقالت : أنت ~~عندي مصدق وانصرفت فقلت : (يا رسول الله؛ لم لم ترك؟) فقال صلى الله عليه ~~وسلم : " لم يزل ملك يشترني منها بجناحه"(1) وفي رواية : " قذ ms175 أخذ الله ببصرها عني" ~~(1) أخرجه أبو يعلى (2358)، وابن أبي شيبة (439/7)، وأبو نعيم في " الدلائل "(247/1) . # 252 PageV00P190 ~~============================================================ ~~فكان صلى الله عليه وسلم يقول : " أما تعجبون لما يصرف الله عني من أذى قريش ؟! # يسبون ويهجون مذمما وأنا محمد "(1) صلى الله عليه وسلم. # تتمة : قرأ صلى الله عليه وسلم سورة : والنجو حتى إذا بلغ : أفرهيثم اللنت ~~والعريى * ومنوة الثالثة الأخرى} . . فحينئذ القى الشيطان في أمنيته ؛ أي : تلاوته : تلك ~~الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى ، وفي رواية : ألقى الشيطان على لسانه : تلك ~~الغرانيق إلخ، فعند سجوده آخر السورة سجد المشركون معه؛ لتوهمهم آنه مدح ~~الهتهم ، وفي رواية : ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم ، فسجد وسجدوا، فنزلت هذذه ~~الآية: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إنا تسقع ألقى الشيطدن فى أننيته ...) ~~الآية، ففشا ذلك في الناس وأظهره الشيطان حتى بلغ المسلمين بالحبشة، فأقبلوا ~~سراعا، ثم لما تبين للمشركين خلاف ذلك.. رجعوا إلى أشد ما كانوا عليه ~~والغرانيق: جمع غرنوق أو غرنيق، وهو: طير الماء، شبهت به الأصنام؛ ~~لاعتقادهم أنها تقربهم من الله تعالى كطيور الماء؛ لكونها تعلو في السماء وترتفع ~~تنبيه: كثر كلام العلماء في هلذه القصة، فمن منكر لوقوعها ومبالغ في بطلانها، ~~وأته لا يجوز لأحد القول بها كعياض والفخر الرازي(2)، وسبقهما لنحو ذلك ~~البيهقي، وأيدوا بأن البخاري وغيره رووا: أنه صلى الله عليه وسلم قرأ (سورة ~~النجم)، وسجد معه المسلمون والمشركون والإنس والجن، ولم يذكروا فيها قصة ~~الغرانيق، وبأن من جوز على نبي تعظيم وثن. . فقد كفر، وبأنها من وضع الزنادقة. # والحق خلاف ذلك كله ، بل لها أصل أصيل، فقد خرجها من طرق كثيرة جدا ابن ~~أبي حاتم، والطبري، وابن المنذر، وابن مردويه، والبزار، وابن إسحاق في ~~"السيرة 7، وموسى بن عقبة في "المغازي"، وأبو معشر، كما نبه على ذلك ~~الحافظ ابن كثير وغيره، لكن قال : (إن طرقها كلها مرسلة، وأنه لم يرها مسندة من ~~وجه يح) اه(2) ~~(1) أخرجه البخاري (3533)، وأحمد (369/2)، وأبو نعيم في " الدلائل " (248/1)، ~~دون قوله: "قد أخذ ms176 الله ببصرها عني". # (2) انظر " الشفا "(ص644) وما بعدها، و" مفاتيح الغيب "(49/23) وما بعدها ~~(3) تفسير ابن كثير (230/3) ~~25 PageV00P191 ~~============================================================ ~~ورد عليه وعلى عياض وغيره الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر، بأن طرقها كثيرة ~~جدا، ثلاثة منها رجالها رجال الصحيح، وباقيها إما ضعيف واما منقطع، وبعضها ~~تفرد بوصله أمية بن خالد، وهو ثقة مشهور(1)، فزعم ابن العربي وعياض آن رواياتها ~~كلها لا أصل لها.. ليس في محله؛ إذ لا يتمشى على القواعد، فإن الطرق إذا كثرت ~~وتباينت مخارجها. دل ذلك على أن لها أصلا، قال : (وقد ذكرنا أن ثلاثة أسانيد ~~منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذا من ~~لا يحتج به؛ لاعتضاد بعضها ببعض، وحينئذ يتعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر، ~~كقوله : ألقى الشيطان على لسانه : تلك الغرانيق العلا... إلخ، فلا يجوز حمله على ~~ظاهره؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يستحيل عليه أن يزيد في القرآن عمدا أو سهوا، ~~واختلفوا في تأويله: فأخرج الطبري عن قتادة : أنه أصابته سنة، فجرى على لسانه ~~ولم يشعر به، فلما علم.. آظهر بطلانه، وأحكم رثه آياته، واعترض بأنه لا ولاية ~~للشيطان عليه في النوم، ويجاب: بأن هذا لا يثبت للشيطان ولاية عليه، وإنما غاية ~~الأمر أن الشيطان لما رآه أصابته تلك السنة.. حاكى قراءته بصوت يشبه صوته، ثم ~~بين الله للناس على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بطلان ما وقع من الشيطان حتى ~~لا يغتر به أحد، ثم رآيت من آجاب بما يؤيد ما ذكرته، وهو آنه صلى الله عليه وسلم ~~كان يرتل قراءته فارتصد الشيطان سكتة ونطق بتلك الكلمات محاكيا نغمة النبي ~~صلى الله عليه وسلم، بحيث يسمعه من دنا إليه منهم، فظظنها من قوله وأشاعها، ~~واستحسن هذا الجواب غير واحد من المحققين كعياض وابن العربي، وأيدوه بما جاء ~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من تفسير تمى} بلاتلا"، فمعنى: { فى ~~امنيته* أي : في تلاوته ، وفي ذلك إخبار منه تعالى بأن رسله عليهم الصلاة والسلام ~~إذا قالوا ms177 قولا. زاد الشيطان فيه من قبل نفسه محاكيا له، ثم بين الله تعالى بطلانه، ~~فعلم أن هذا نص في أن الشيطان زاد في قول نبينا صلى الله عليه وسلم لا أن نبينا ~~قاله، وقد سبق إلى هذا المعتى الإمام المجتهد ابن جرير الطبري - مع جلالة قدره ~~وسعة علمه وشدة ساعده في العلوم- فصوبه وارتضاه)(2) ~~(1) فتح الباري (439/8) ~~(2) جميع ما نقله الشارح - رحمه الله تعالى - من قوله: (قال: وقد ذكرنا أن ثلاثة.) إلى هنا.. PageV00P192 # ============================================================ ~~وأما الجواب بأن الشيطان ألجأه إلى التلفظ بذلك من غير اختياره.. فمردود بأن ~~الشيطان لو قدر على ذلك. . لم يمكن أحدا من طاعة الله، أو بأنه علق بحفظه ما كان ~~يسمعه منهم من مدح الهتهم فجرى ذلك على لسانه سهوا. فهو أفسد مما قبله، أو ~~بأنه قاله توبيخا للكفار.. فهو بعيد وإن ارتضاه عياض كالباقلاني فقال : (هذا جائز ~~مع قرينة تدل على المراد ، لا سيما والكلام في الصلاة إذ ذاك كان جائزا) (1) أو بأنه لما ~~وصل إلى قوله: الثالثة الأخرى}. خشوا بأن يذم آلهتهم، فبادروا بذلك الكلام ~~وخلطوه بتلاوته صلى الله عليه وسلم على عادتهم في قوله [تعالى على لسانهم): {لا ~~تسمعوا لهلذا القره ان والضوأ فيه} ونسب للشيطان ؛ لأنه الحامل لهم عليه ، وفيه نوع بعد، ~~~~حملوه على الجميع وقالوا: قد عظم آلهتنا، فنسخ الله تلك الكلمة وأحكم آياته. # فهو آبعد مما قبله ~~يم سمت له اليهودية الشاة وكم سام الشقوة الأشقياء ~~ااا ار ~~(ثم) بعد ما وقع له صلى الله عليه وسلم من هلذه الكرامات.. وقع له كرامة ~~أخرى في غزوة خيبر سنة سبع من الهجرة، وهي آنه صلى الله عليه وسلم (سمت له) ~~زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم ( اليهودية الشاة) أي: جعلت فيها سما قاتلا ~~لوقته؛ لأنها شاورت يهود في سموم، فاجتمعوا لها على هذا السم بعينه، فسمت به ~~الشاة جميعها، لكنها اكثرت منه في الذراع والكتف لما قيل لها: إنه صلى الله عليه ~~وسلم يحب الذراع (وكم) مرات كثيرة (سام) من السوم الذي ms178 هو مقدمة الشراء، أو ~~الذي هو الرعي، وبين (سام) و(سمت) تجنيس شبه الاشتقاق (الشقوة) أي: ثابر ~~هو من كلام الحافظ ابن حجر في " الفتح" (439/8 -44)، ولشكن باختصار وزيادة ~~(1) الشفا (ص150) بتصرف واختصار PageV00P193 ~~============================================================ ~~عليها وتحلى بها (الأشقياء) الذين صاروا كالأنعام بل هم أضل سبيلأ، ومنهم تلك ~~المرأة، وبينهما تجنيس الاشتقاق، وقول الشارح: إن (سام) و(سمت) من ~~هذا. تساهل ~~وفي " البخاري" أنه صلى الله عليه وسلم لما علم أن فيها سما. قال : " أجمعوا ~~لي من هنا من اليهود " فجمعوا له صلى الله عليه وسلم ، فسألهم عن أشياء، منها: ~~"1من أبوكم؟" قالوا : فلان ، قال : "كذبتم، أبوكم فلان" قالوا : صدقت ~~وبررت ، ثم سألهم : " من أهل النار؟" قالوا : نكون فيها يسيرا ، ثم تخلفونا فيها ، ~~فقال : "أخسؤوا فيها، وألله لا نخلفكم أبدا" ثم قال لهم : " هل جعلتم في هذذه ~~ألشاة سما ؟" قالوا : نعم ، قال : 0ما حملكم على ذلك ؟4 قالوا : إن كنت كاذبا.. # استرحنا منك، أو نبيا.. لم يضرك(1). # وروى أبو داوود : آنها سمت شاة مصلية ثم أهدتها إليه صلى الله عليه وسلم، ~~فأكل منها وأكل رهط من أصحابه، فقال صلى الله عليه وسلم : " أرفعوا أيديكم" ~~فأرسل إلى اليهودية، فقال : "سمنت هذه الشاة ؟" فقالت : من أخبرك ؟ قال : ~~" أخبرتني هلذه الذراع"(2) ومن ثم قال : ~~فأذاع الذراع ما فيه من شر بنطق إخفاؤه إبداء ~~(فأذاع) أي : أظهر له صلى الله عليه وسلم (الذراع ما فيه من شر) أي: سم ~~(بنطق) معجزة له صلى الله عليه وسلم ، كما يصرح بذلك - أعني أنه أخبره بالنطق - ~~قوله صلى الله عليه وسلم : "أخبرتني هلذه الذراع" (إخفاؤه) عن الحاضرين ~~(إبداء) له صلى الله عليه وسلم، أي: هو وإن خفي عليهم. ظهر له صلى الله عليه ~~وسلم، وفيه طباق، ولما قال لها ذلك. صدقته، ثم قالت : قلت : إن كان نبيا.: ~~فلن يضره، وإن لم يكن نبيأ.. استرحنا منه، فعفا عنها صلى الله عليه وسلم ولم ~~(1) البخاري (3169). # (2) ابو داوود (4503) PageV00P194 ~~============================================================ ~~يعاقبها، وتوفي أصحابه الذين اكلوا من الشاة، واحتجم صلى الله عليه وسلم على ~~كاهله من أجل ms179 الذي أكل منها. # وفي رواية غير أبي داوود: أنها جعلت تسأل : أي الشاة أحب إليه؟ فقيل لها : ~~الذراع، فعمدت إلى عنز لها فذبحتها وصلتها، ثم عمدت إلى سم موح؛ أي: يقتل ~~لوقته فسمتها به، واكثرت منه في الذراع والكتف، ثم وضعتها بين يديه ومن حضر من ~~أصحابه، وفيهم بشر بن البراء، فتناول صلى الله عليه وسلم الذراع فانتهش منها، ~~وتناول بشر عظما آخر فازدردا لقمتيهما، وأكل القوم، فقال صلى الله عليه وسلم: ~~" أرفعوا أيديكم ، فإن هلذه الذراع تخبرني بانها مسمومة " وفيه أن بشرا مات، وأنه ~~صلى الله عليه وسلم دفعها إلى أولياثه فقتلوها، رواه الحافظ الدمياطي، ورواية: أنه ~~قتلها تعارضها رواية البيهقي عن آبي هريرة وجابر رضي الله عنهما : أنه صلى الله عليه ~~وسلم لم يعاقبها(1)، ومن ثم قال : ~~وبخلق من الثبي كريم م تقاصص بجزحها العخماء ~~(وبخلق من النبي كريم) بل لا أكرم منه ، قال تعالى : { وإنك لعلى خلق عظيو} ~~اي: بسبب ما تحلى به من كمال الحلم والعفو والصفح (لم تقاصص بجرحها) ~~بواطنهم بذلك السم، إذ هو يجرح الباطن كما يجرح الحديد الظاهر (العجماء) أي: ~~المرأة، ويقال أيضا للبهيمة، وقال الزهري : أسلمت فتركها، وفي " مغازي سليمان ~~التيمي " نحوه ، وأنها قالت : استبان لي الآن أنك صادق، وإني أشهدك ومن حضر ~~أني على دينك، وأن لا إلله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا رسول الله. # وجمع البيهقي بأنه (يحتمل أن يكون تركها أولا، فلما مات بشر.. قتلها به)(2) ~~وبذلك أجاب السهيلي، وزاد: أنه تركها لأنه كان لا ينتقم لنفسه، ثم قتلها ببشر ~~(1) السنن الكبرى (46/8) ~~(2) السنن الكبرى (47/8) PageV00P195 ~~============================================================ ~~قصاص(1)، ويحتمل آنه تركها لاسلامها، فلما مات بشر.. تحقق بموته وجوب ~~القصاص عليها فقتلت ~~وقوله : إنه قتلها قصاصا.. فيه نظر؛ إذ لم نر أحدا روى عن الصحابة أنه قتلها ~~قصاصا، وإنما الوارد آنه قتلها، وهو محتمل لكونه قتلها بنقضها العهد بما فعلته، ~~ويدل عليه ما جاء في رواية: آنه صلبها(2)؛ إذ لو قتلت قصاصا.. لم تصلب، بل لو ~~فرض آنه ms180 لم يصلبها.. لم يكن قتلها بالسيف دليلا للقصاص؛ لأن المماثلة فيه ~~معتبرة، فقياسها أن يقتلها بمسموم ، كما أن اليهودي الذي رضق رأس الجارية بحجر ~~أمر به صلى الله عليه وسلم فرض رأسه بمثل ذلك الحجر (3)؛ إيثارا للمماثلة المقصودة ~~من مشروعية القصاص ~~لا يقال : الصلب لا يدل على انتفاء القصاص ؛ لأن للامام أن يصلب من يريد قتله ~~إذا رأى ذلك زجرا وتنكيلا ؛ لأنا نقول : ليس للإمام الصلب في قتل القصاص، كما ~~يصرح به كلام أثمتنا؛ لما تقرر: أن المدار فيه على المماثلة ما أمكن، فلا يجوز ~~للإمام الزيادة عليها ولا النقص عنها، ولم نر أحدا من ائمتنا ولا من غيرهم جوز ~~الصلب في غير قاطع الطريق، فمن ادعاء.. فعليه البيان بغير محل النزاع الذي نحن ~~فإن قلت : هو يرد على هذذا الحصر؛ لأن هلذه غير قاطعة طريق وصلبت ~~قلت : الذمي إذا تقض العهد.. ملحق بقاطع الطريق في أحكام لا يبعد أن هلذا ~~منها، على أن ذاك صار كحربي، وأحكام الحربيين لا يقاس بها أحكام المعصومين ~~فإن قلت : قولكم : (لأن المماثلة. ..) إلخ إنما يتأتى على القول بتعينها في ~~القود، أما المخير بينها وبين السيف فيما ليس بمحرم، أو المخير بينها وبين السيف في ~~القتل بمسموم.. فلا يتأتى عليه ذلك البحث. # (1) الروض الأنف (111/7)، وليس في كلامه: (قصاصا)، بل هو : (فلما مات بشر بن ~~البراء من تلك الأكلة.. قتلها) ~~(2) أخرجه البيهقي في " السنن الكبري" (47/8) ~~(3) أخرجه البخاري (2413)، ومسلم (1672) PageV00P196 ~~============================================================ ~~قلت : بل يتأتى على التخيير أيضا؛ لأن القتل بالسيف لا يعين القود ؛ لأنه ~~يحتمله، ويحتمل أنه لنقض العهد، والمدعى إنما هو : أن قتلها بالسيف لا يدل على ~~حصوص كونه قودا، وتأخير قتلها إلى موت بشر لا يدل على القود أيضا؛ لاحتمال أنه ~~ليتحقق عظيم جنايتها ~~وبهذا كله يعلم : آن ما في هلذه القصة من قتلها- بتقدير صحته - لا يرد على قول ~~أئمتنا: من أضاف إنسانا فقدم له طعاما مسموما، فأكل منه فمات.. لا قود عليه؛ ~~لأنه تناوله باختياره، والمضيف لم يلجئه إلى أكله، وذلك لأنه لم ms181 يثبت أنه قتلها بقيد ~~كونه قودا، وبهذا الذي قررته : يعلم تحقيق الناظم حيث نفى القصاص مع اطلاعة ~~على الروايات المتخالفة في ذلك : ~~فإن قلت : لا نسلم أن نفيه لذلك، بل لأن ثبوته بقيد كونه قصاصا لم يصح ~~والأصل عدمه ~~قلت: هلذا يحصل منه مدعانا أيضا؛ لأن ثبوته إذا لم يصح من أصله، أو بذلك ~~القيد. فلا دلالة فيه للخصم بوجه ~~من فضلا على هوازن إذ كا ن له قبل ذاك فيهم رياء ~~وبخلق من النبي كريم (من) فهو معطوف بحذف حرف العطف على (لم ~~تقاصص)، خلافا لما يوهمه كلام الشارح أنه استئناف؛ أي: أنعم نعمة عظيمة ~~(فضلا) مفعول مطلق، كفرحت جذلا، أو مفعول لأجله وهو الأولى؛ لأن المراد ~~بالمن هنا : ما ذكره الله تعالى بقوله عز قائلا : فإمامنا بعد واما فداء} فمن بتخلية سبيلهم ~~بعد أن ملكهم المسلمون؛ أي: رفع الرق عنهم لأجل فضله؛ أي: إحسانه العام ~~عليهم وعلى غيرهم بلا عوض، وعلى هذا فمعنى هذه العلة والعلة التي تليها ~~المستفادة من (إذ): أن منه معلل بشيئين: عموم إحسانه عليهم وعلى غيرهم ~~وخصوص كونه تربى فيهم، وعليه فحرف العطف مقدر الثبوت، ويصح آن تكون ~~الثانية علة للأولى، وإيهامه قصر (فضلا) عليهم غير مؤثر؛ لأنه لم يرد مطلق PageV00P197 ~~============================================================ ~~الفضل، بل فضلا يتعلق بهم، سواء أعلق (على هوازن) با من) أو بلا فضلا)، ~~اكتفاء بقرينة السياق. # (على هوازن) قبيلة حليمة السعدية رضي الله تعالى عنها، وهم: أهل حنين ~~المذكور في القرآن، وهو : واد قريب من ذي المجاز، السوق المشهور من أسواق ~~الجاهلية بناحية عرفة، بين ذلك الوادي وبين مكة نحو ثلاث ليال، غزاهم صلى الله ~~عليه وسلم عقب فتح مكة لما اتفقت أشراف هوازن وتقيف على حربه صلى الله عليه ~~وسلم، فخرج إليهم سادس شوال سنة ثمان في اثني عشر ألفأ، عشرة جاء بهم، ~~وألفان من طلقاء مكة، فلما هزمهم صلى الله عليه وسلم.. قصد الطائف، وأمر أن ~~وأربعة الاف أوقية فضة. # ولما رجع صلى الله عليه وسلم من الطائف.. انتظر هوازن ms182 بضع عشرة يوما ليقدموا ~~عليه مسلمين، ثم آخذ في قسمة الغنائم، فجاؤوا مسلمين، فقالوا: يا رسول الله؛ ~~إنا أهل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء مالم يخف عليك، فامنن علينا من الله ~~عليك، وقام رجل من فخذ حليمة فقال : يا رسول الله؛ إنما في الحظائر عماتك ~~وخالاتك - أي : من الرضاع ؛ لأنهن قرابات حليمة - وحاضناتك اللاتي كن يكفلنك، ~~ولو أنا أرضعنا الحارث بن أبي شمر أو النعمان بن المنذر، ثم نزل بنا بمثل الذي نزلت ~~فيه.. رجونا عطفه وأنت خير المكفولين ، فقال لهم صلى الله عليه وسلم : "إن ~~أخسن الحديث أصدقه ، أبناؤكم ونساؤكم أحب إلنكم أم أموالكم؟ " : فقالوا : ~~أبناؤنا ونساؤنا ، فقال : " أما ما كان لي ولبني عبد المطلب. . فهو لكم ، وإذا صليت ~~الظهر بالمسلمين.. فقوموا فقولوا : إنا نستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~المسلمين، وبالمشلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبنائنا ونسائنا ، ~~فسأغطيكم عند ذلك وأشأل لكم" ففعلوا ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم : " أما ما ~~كان لي ولبني عبد المطلب.. فهو لكم" فقال المهاجرون : وماكان لنا فهو ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت الأنصار مثل ذلك، وامتنع بنو تميم وبنو ~~فزارة وعباس بن مرداس من بني سليم، فوعدهم صلى الله عليه وسلم من آول سبي PageV00P198 ~~============================================================ ~~يصيبه بما طابت به نفوسهم، فردوا من بقي عندهم (1)، ومن صلى الله عليه وسلم ~~عليهم بذلك ~~(إذ) أي: لأجل أنه صلى الله عليه وسلم (كان له قبل ذاك) أي : وهو طفل ~~(فيهم رباء) بفتح الراء والمد؛ أي: تربية، من: ربوت في بني فلان وربيت فيهم إذا ~~نشأت بينهم، أو طول باعتبار ما وصل إليه من لبن حليمة وتربيتها ~~تنبيه: جعل الناظم (إذ) تعليلية. خلاف ما عليه الجمهور، قالوا: ولا دليل ~~في : ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتة . ..) الاية؛ لأن التقدير : بعد إذ ظلمتم ، ~~وعلى الأول هل هي حينئذ حرف بمنزلة لام العلة، أو ظرف بمعنى وقت والتعليل ~~مستفاد من قوة الكلام لا من اللفظ؟ قولان، المسوب إلى سيبويه الأول، وعلى ~~الثاني ms183 في الآية إشكالات، ليس هذا محل بسطها. # وترد اسما للزمن الماضي ، وهو الغالب، ثم قال الجمهور : لا تكون إلا ظرفا أو ~~مضافا إليها الظرف ، نحو : يوميذ تحدث أخبارها)، وقال الأقلون : تكون مفعولا ~~بها، نحو: واذكروا إذكنثة قليلا} وكذا المذكورة أواثل القصص، كلها ~~بتقدير : اذكر، أو بدلا منه بدل اشتمال أو كل من كل، ورده الجمهور بأن المفعول أو ~~المضاف إليه محذوف، وزعم الزمخشري أنها تكون في محل المبتدأ.. مما تفرد به، ~~وجوز كثيرون ورودها للمستقبل ، نحو : فسوف يعلموب * إذ الأغلتل في أعتقهم} ! # لاستقبال يعلموب} لفظأ ومعنى ، وأجيب : بأنه من تنزيل المستقبل الواجب الوقوع ~~منزلة الواقع. # وأتى الشبي فيه أخث رضاع وضع الكفر قذرها والشباء ~~اا اد س ~~(وأتى) ذلك (السبي) وأصله الأسر، والمراد هنا: المسبي؛ أي : المأسورون ~~إلى الجعرانة بأمره صلى الله عليه وسلم كما مر؛ ليقسمه فيها على المسلمين، وكان ~~ذلك السبي (فيه أخت) النبي صلى الله عليه وسلم من (رضاع) واسمها الشيماء كما ~~(1) انظر سيرة ابن هشام (488/4)، و" طبقات ابن سعد "(114/1) . PageV00P199 # ============================================================ ~~مر، ولما شقوا عليها عند سبيها. قالت: والله إني آخت صاحبكم، فأتوا بها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت : يا رسول الله؛ إني أختك، قال: "وما ~~علامة ذلك ؟ " قالت : عضة منك في ظهري، فعرفها صلى الله عليه وسلم(1)، للكن ~~(وضع) أي: خفض (الكفر) القائم بها (قدرها، و) كذلك وضع قدرها (السباء) ~~أي : الأسر القاثم بها أيضأ، فاضمحل في جنب ذلة هلذين ما فيها من أخوته صلى الله ~~عليه وسلم، كما اضمحل في جنب الكفر ما في نحو أبي طالب من العمومة والتربية ~~ومنع الأعداء بكل طريق أمكنته، ثم من الله تعالى عليها بالإسلام وبمعرفته صلى الله ~~عليه وسلم لها ~~3 ح حجاا ~~فحباها برا توهمت الثا س به أثما الشباء هداء ~~~~(فحباها) أي: أعطاها ما لم يكن في حسابها، وجاد على قومها لأجلها (برا) ~~أي: لأجل بره لها؛ إذ رحم الرضاع كرحم النسب، ويجوز أن يكون هو المفعول ~~الثاني، ويؤيده : أنه أبدل منه قوله ms184 : (بسط...) إلخ كما يأتي، ولما أتته.. بسط ~~لها رداءه وأجلسها عليه ، ثم خيرها وقال : " إن أخببت.. فعندي محببة مكرمة، وإن ~~أحببت أن أمتعك وترجعي إلى قؤمك.. فعلت" فاختارت قومها، فمتعها وزاد في ~~الإحسان إليها كما هو شأنه صلى الله عليه وسلم، وردها إلى قومها، وأعطاها غلاما ~~له يقال له: مكحول وجارية، فزوجته بها، فلم يزل فيهم من نسلهما بقية(2). # (توهمت الناس) الذين رأوا ذلك البر؛ أي : وقع في وهمهم؛ أي : ذهنهم، ~~وإسناد ذلك إليهم باعتبار ما من شأنه (به) أي: بسبب ذلك البر الذي وصل إليها منه ~~(أنما) بفتح الهمزة أداة حصر كمكسورتها (السباء) اللواتي معها؛ أي: ~~المسبيات، أو النساء؛ لأنهن يسمين سباء، ففي " القاموس" : (والسبي: ~~ما يسبى، جمعه سبي، والنساء؛ لأنهن يسبين القلوب؛ أو يسبين فيملكن) ~~(1) انظر سيرة ابن هشام "(458/4)، و1 تاريخ الطبري *(81/3). # (2) انظر سيرة ابن هشام " (458/4)، و9 تاريخ الطبري " (3/ 81) PageV00P200 ~~============================================================ ~~وحينيذ تصح قراءة النظم بسين ثم باء، وبنون ثم سين، والمعنى صحيح على كل ~~منهما كما يعلم من تقريري الاتي. فتأمله. # وبينه وبين (الناس) الجناس المقلوب (هداء) بالكسر مصدر : هديت المرأة إلى ~~زوجها؛ آي: مهديات، كرجل عدل، والجملة في محل مفعول (توهمت) ~~الثاني (1) ؛ أي : توهموا أن النسوة اللواتي معها في السبي لم يسبين ؛ لعظيم ما قابلهن ~~به من الإكرام، وإنما جئن لاهداء عروس وجلاثها عليه صلى الله عليه وسلم لا لكونهن ~~مسبيات؛ لأن ذلك الإكرام إنما يفعل مثله لنساء يهدين عروسا، لا لنساء مسبيات ~~تنبيه : استعمال الناظم ل( أنما) هلذه في الحصر تبع فيه الزمخشري والبيضاوي ~~وغيرهما ، وجعل الأولان منه قوله تعالى : قل إنما يوحى إلمى أنما إلهكم إلكه ~~وحد}، فقالا: (إنما) لقصر الحكم على شيء، أو لقصر الشيء على حكم، ~~نحو: إنما زيد قائم، وإنما يقوم زيد، وقد اجتمعا في هلذه الآية؛ لأن: إنما ~~يوح الو} مع فاعله بمنزلة : إنما يقوم زيد، ول{ أنما إلكهكم} بمنزلة : إنما زيد ~~قائم، وفائدة اجتماعهما : الدلالة على أن الوحي إليه صلى الله عليه وسلم مقصور ~~على استثثار الله تعالى ms185 بالوحدانية (2). # وقول أبي حيان: (يلزم الزمخشري انحصار الوحي في الوحدانية)(3).. مردود ~~بأنه حصر مجازي باعتبار المقام: ~~اا12درةما: ~~بسط المضطفى لها من رداء أي فضل حواه ذاك الرداء ~~ومن جملة ذلك البر أنه: (بسط) فهو بدل من (برا) كما مر، ويصح كونه بدلا ~~من (حبا) (المصطفى) صلى الله عليه وسلم (لها من) الظاهر في (من): أنها ~~(1) في (ب) و(د) : (توهمت الناس)، والأولى أن يقول : و( أن) وما بعدها في تأويل ~~المصدر سد مسد مفعولي (توهمت) والله أعلم ~~(2) انظر "الكشاف" (139/3)، و9 تفسير البيضاوي " (111/4) ~~(3) انظر " البحر المحيط " لأبي حيان (344/6) PageV00P201 ~~============================================================ ~~زائدة على مذهب الأخفش وجماعة (رداء) كان عليه؛ أي: نشره وجعله لها فراشا ~~لتجلس عليه، ويصح جعل (من) للتبعيض، فيكون صلى الله عليه وسلم بسط لها ~~بعضه لتجلس عليه، والأول أقرب، وعلى كل فهنيئا لها ذلك الإكرام، كيف وهو ~~رداء (أي فضل) أي: شرف عظيم لا غاية له (حواه) أي : جمعه (ذاك الرداء ؟!) ~~لمماسته لجسده الشريف صلى الله عليه وسلم، وما أفهمه هلذا التقرير من أن (أي ~~فضل.) إلخ جملة تعت ل( رداء)، و( من) زائدة أو تبعيضية.. هو المتبادر كما ~~لا يخفي، ويصح آن (أي) مفعول (بسط)، وأن (فضل) بمعنى فضيلة فا من) ~~تبعيضية، وأنه على حاله فا من) تعليلية داخلة على مضاف؛ أي: نشر لها من أجل ~~فرشه رداءه لها فضلا عظيما حواه ذلك الرداء؛ أي: تمييزا ظاهرا على بقية نساء ~~هوازن ~~وفي (رداء) و(الرداء) رد العجز على الصدر: ~~فغدت فيه وهي سيدة الث وة والشيدات فيه إماء ~~(فغدت) أي : صارت مندرجة (فيه) أي: ذلك الفضل (و) الحال أنها (هي ~~سيدة) أولئك (النسوة) اللواتي معها من سبي هوازن؛ لما حصل لها من التمييز ~~الباهر عليهن (و) إن أولئك النسوة اللواتي هن (السيدات) قبل أسرهن (فيه) أي : ~~ذلك الفضل (إماء) أي: صارت كأنها سيدتهن، وكأنهن- مع كونهن سيدات - إماء ~~لها ~~وبين (السيدات) و(الإماء) طباق، وهلذه مؤكدة للجملة الأولى التي هي حال ~~من فاعل (غدت) كما علم مما قررته ~~ولما ذكر ما ms186 اختص به صلى الله عليه وسلم من الرفعة والترقي إلى ما لم يصل إليه ~~مخلوق، وما يتعلق بذلك من صفات تنقطع أعناق الأطماع عن أن تمتد إليها، ~~وخصال لم تعول آمال الكمل إلا عليها.. طلب من كل سامع فاته مشاهدة رؤيته ~~صلى الله عليه وسلم آن ينزه سمعه بالاصغاء إلى صفات ذاته ومعانيه صلى الله عليه ~~وسلم فقال: PageV00P202 ~~============================================================ ~~فتنزه في ذاته ومعانيو اشتماعا إن عز منها اجتلاء ~~(فتنزه) قال الشارح : (هو من قولهم : خرجنا نتنزه في الرياض) اه وكأنه جرى ~~في ذلك على العرف؛ إذ التنزه كما في " القاموس" : (التباعد) ثم قال : (وأرض ~~نزهة : بعيدة عن الريف - أي: الخصب والزرع - وعمق المياه وذبان القرى وومد ~~البحار وفساد الهواء) ثم قال : (واستعمال التنزه في الخروج إلى البساتين والخضر ~~والرياض غلط قبيح). # (في) أوصاف (ذاته) مر الكلام عليها في : (لك ذات العلوم) (ومعانيه) أي: ~~صفاته الخارجة عن أوصاف ذاته صلى الله عليه وسلم (استماعا) أي: من جهة ~~اصغائك إلى استماع أوصاف ذاته وجميل صفاته الاتية في هذا النظم الجامع البديع، ~~وبين (ذاته) و( معانيه) جناس المقابلة، (كالاستماع) و(الاجتلاء) الأتي: ~~( إن عز) أي : فقد (منها) متعلق بقوله : (اجتلاء) من : جلوت العروس جلاء ~~وجلوة، واجتليتها إذا نظرت إليها مجلية؛ أي: مكشوفة مزينة؛ أي : إن فاتك رؤية ~~ذاته الكريمة ومشاهدة صفاته العلية. فلا يفتك تفريغ سمعك لكل ما يتلى عليك من ~~أوصاف ذاته صلى الله عليه وسلم وعلي صفاته، وبه يظهر آن (من) زائدة في ~~الإيجاب، وهو ما أجازه جماعة، وخرجوا عليه قوله تعالى: { ولقد جاءك من تبإن ~~المرسلي، يحلو فيها من أساور من ذهب} ، من جبال فيها من بركر} ، ~~يغضوأ من أبصرهم} ، وفيه نظر؛ لإمكان نحو التبعيض فلا زيادة. فتأمله: ~~وأفلأ السيع من محاسن يمل عليك الإنشاد والإنشاء ~~(و) لا تقتصر على سماعك لقليل من ذلك، بل (املأ السمع) بأن تكثر من ~~ماع ذلك، حتى لو فرض آن ما تسمعه شيء محسوس، وأن سمعك إناء واسع.: ~~لملأه ذلك المسموع (من محاسن) اشتمل عليها صلى ms187 الله عليه وسلم، لا يلحق آحد ~~119 PageV00P203 ~~============================================================ ~~آثارها، ولا يشق كامل غبارها، وهو جمع على غير قياس؛ لأن مفرده حسن ~~لا محسن إلا تقديرا (يمليها) من : أمليت الكتاب، ويجوز أمللته (عليك) من هنذه ~~القصيدة وغيرها (الإنشاد) لها من شجي الصوت بأتم الإعراب، فقد قالوا: من أقوى ~~الأسباب الباعثة على محبته صلى الله عليه وسلم.. سماع الأصوات المطربة ~~بالانشادات بالصفات النبوية المعربة، إذا صادفت محلا قابلا لها. فإنها تحدث ~~للسامع سكرا وأريحية وطربا، وذلك يحدث عندها لسببين: ~~أحدهما: أنها في نفسها توجب لذة قوية ينغمر فيها العقل. # الثاني: آنها تحرك النفس إلى جهة محبوبها، فيحصل بتلك الحركة والشوق تخيل ~~المحبوب وإحضاره في الذهن، وقرب صورته من القلب واستيلاؤها على الفكر، ~~وفي هلذا من اللذة ما يغمر العقل؛ لاجتماع لذة الألحان وكثرة الأشجان، فيحصل ~~للروح ما هو أعجب من سكر الشراب، وأقوى في اللذة من عناق الشواب، وقد ذكر ~~الامام أحمد رضي الله تعالى عنه وغيره : أن الله تعالى يقول لداوود في الجنة : مجدني ~~بذلك الصوت الذي كنت تمجدني به في الدنيا، فيقول : كيف وقد أذهبته ؟ فيقول: ~~أنا أرده عليك، فيقوم عند ساق العرش ويمجده، فإذا سمع أهل الجنة صوته.: ~~استفرغ نعيم أهل الجنة، وأعظم من ذلك إذا سمعوا كلام الرب جل جلاله وخطابه ~~لهم، لا سيما إن انضم إلى ذلك رؤية وجهه الكريم. فإن لذة ذلك تغني عن الجنة ~~ونعيمها، بما لا تدركه العبارة، ولا تحيط به الإشارة: ~~(والانشاء) من ناظمها، وإسناد الاملاء إليهما مجاز، ومما يحملك على ~~استفراغ وسعك في ذلك التنزه، وإملاء السمع من تلك المحاسن: آنه يجب عليك أن ~~تعتقد: أن محاسن ذاته وكمال صفاته لا يمكنك آن تحيط بها، كيف و ~~كل وضف له أبتدأت به أشتؤ عب أخبار الفضل منه أبتداء ~~(كل وصف له) من صفاته الذاتية والمعنوية (ابتدأت) أنت أو أنا (به) في ~~الذكر، أو ابتدأت بذكره لتحيط بغايته (استوعب أخبار الفضل) مفعول مقدم؛ أي: ~~جميع آخبار الفضائل والكمال (منه) متعلق بقوله : (ابتداء) أي: كلما ms188 ابتدأت PageV00P204 ~~============================================================ ~~و صف له صلى الله عليه وسلم، وتأملت ما اشتمل عليه صريحا وإيماء. وجدت ~~ذلك الوصف المبتدأ به جمع أنواع الفضل وغايات الكمال، ولا يستبعد ذلك؛ فإن ~~كل وصف من أوصافه صلى الله عليه وسلم آخذ بحجز تلك الأوصاف؛ إذ لا يتحقق ~~كمال وصف من صفات الإنسان - كالحلم مثلا - إلا إن كمل في بقية أوصافه، كالعلم ~~والكرم والشجاعة والخلق الحسن وغيرها، وحينئذ فكل من صفاته صلى الله عليه ~~وسلم يدل على ما وضع له مطابقة، وعلى ما عداه منها إيماء واستلزاما، كما لا يخفى ~~على من سبر ذلك وتأمله، وبهذا التحقيق الذي تنبه له الناظم يعلم آنه - سقى الله عهده ~~ثاقب النظر، كامل المعرفة، متضلع من العلوم والمعارف، وليس ذلك بكثير على ~~من حل عليه نظر القطب الكبير، والعلم الشهير، سيدي أبي العباس المرسي، وارث ~~أبي الحسن الشاذلي، قدس الله تعالى سرهما، ونور ضريحهما ~~وبما قررته في شرح هذا البيت يعلم آنه من غرر آبيات هلذه القصيدة، وأنه ~~لا تعقيد فيه خلافا للشارح: ~~وأنه يجب عليك أن تعتقد أيضا: أن من تمام الإيمان به صلى الله عليه وسلم ~~الإيمان بأن الله تعالى أوجد خلق بدنه الشريف على وجه لم يظهر قبله ولا بعده في أدمي ~~مثله، وسر ذلك : أن محاسن الذوات دليل على ما بطن فيها من بدائع الأخلاق ~~وجلائل الصفات، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد بلغ الغاية التي لم يصل إليها ~~غيره في كل من ذينك، ومن ثم قال الناظم في " بردة المديح " : (فهو الذي تم معناه ~~وصورته...) البيتين، فبين أن حقيقة الحسن الكامل كملت فيه وحده، ولم تنقسم ~~بينه وبين غيره؛ لأنه الذي تم معناه دون غيره، ولو شورك.. لم يتم معناه. # وما أحسن قول بعضهم : لم يظهر لنا تمام حسنه، وإلا.. لما أطاقت أعيننا النظر ~~وبين (ابتدأت) و(ابتداء) جناس الاشتقاق ~~تبيه: شرح الناظم بيان تمام معناه بما مر ويأتي، ولم يشرح تمام حسن ذاته ~~كذلك، وإنما أشار لذلك بقوله : (برؤية وجه...) إلخ (ضحكه التبسم...) ms189 إلخ ~~(أو بتقبيل راحة...) إلخ، فتعين علينا أن نشير الى شيء من ذلك فنقول : PageV00P205 ~~============================================================ ~~أما وجهه الشريف. . فصح عن البراء : أنه صلى الله عليه وسلم كان أحسن الناس ~~وجها، وأحسنهم خلقا(1)، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه : ما رأيت شيئا ~~أحسن منه صلى الله عليه وسلم، كأن الشمس تجري في وجهه صلى الله عليه وسلم(2)، ~~وعن البراء : أنه قيل له : أكان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم كالسيف ؟ قال: ~~لا، بل كالقمر(3)؛ أي : لم يكن كالسيف في الطول ولا في اللمعان ، بل كالقمر في ~~التدوير وفوق لمعان السيف، وصح عن جابر بن سمرة: لم يكن كالسيف، بل ~~كالشمس والقمر، وكان مستديرا(4)، فنبه بهذا أنه جمع بين الحسن والإشراق، ~~والملاحة والاستدارة، وجاء عن علي كرم الله وجهه : لم يكن بالمكلثم؛ أي : شديد ~~استدارة الوجه، بل فيه تدوير قليل وهو أحلى عند العرب، وهو معنى قول أبي ~~هريرة : كان أسيل الخدين؛ أي : فيهما طول وسلامة من ارتفاع الوجنة، وتشبيه غير ~~واحد لوجهه بشقة القمر؛ آي: عند التفاته، وقيل: احتراز عما في القمر من ~~السواد، ويرده: تشبيه أبي بكر رضي الله عنه وغيره له بدارة القمر، وفي "النهاية" : ~~(أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا سر.. صار وجهه كالمرآة، فيرى خيال الجدر ~~فيه)(5)، وفي رواية : (يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر)(1) وإنما كان الأكثر ~~تشبيهه بالقمر دون الشمس؛ لأن من شاهده.. ينظره كمال النظر، ويتأنس به ~~ولا يتأذى منه، بخلاف الشمس في الكل، ولذا كان من أسمائه صلى الله عليه وسلم ~~البدر، ومن ثم قال الخارجون لملاقاته مرجعه من تبوك: ~~طلع البذر عليتا ن ثنيات الوداغ ~~(1) أخرجه البخاري (3549)، ومسلم (2337) ~~(2) أخرجه الترمذي (3648)، وأحمد (380/2) ~~(3) أخرجه أبو داوود الطيالسي في " مسنده "(99) ~~(4) آخرجه مسلم (2344) وابن حبان (2297)، وأبو يعلين (7456) وأحمد ~~104/5) وغيرهم ~~(5) النهاية (438/4) ~~(2) اخرجه الطبراني في " الكبير" (155/22)، والبيهقي في " الدلائل (286/1)، وفي ~~"الشعب "(1430)، وغيرهم PageV00P206 ~~============================================================ ~~ثم هلذه التشبيهات جرت على عادة العرب، والا. فلا محدث يعادل صفاته ~~الخلقية والخلقية ~~و أما بصره صلى الله ms190 عليه وسلم. . فيكفيك : { ما زاغ البصر وماطنى ~~وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما : (كان يرى بالليل في الظلمة كما يرى ~~بالنهار في الضوء)(1)، وصح: أنه (كان يرى في الصلاة من خلفه كما يرى من ~~أمامه)(2) أي: رؤية إدراك، كهي بالبصر؛ إذ الرؤية الواقعة على جهة الكرامة ~~لا تتوقف عليه ولا على شعاع ولا على مقابلة عند أهل السنة ، وما قيل : كان له عينان ~~بين كتفيه كسم الخياط يرى بهما ولا تحجبهما الثياب.. لم يثبت مايدل عليه، ~~والأصل عدمه، كزعم أن صورهم كانت تنطبع في قبلته (2) صلى الله عليه وسلم، أو ~~أنها رؤية قلب، أو آن المراد بها: العلم بوحي أو إلهام، وحديث: " إني لا أعلم ~~ما وراء جداري".. لم يعرف له سند، وإنما ذكره ابن الجوزي في بعض كتبه بلا ~~اسناد، ويفرض وروده.. فهذا غير ما تحن فيه؛ لأن المفي علم الغيب بما وراء ~~الجدار حيث لم يعلم به بوحي أو إلهام، ومن ثم لما ضلت ناقته، وقال بعض ~~المنافقين : هو يزعم علم الغيب.. قال : " وألله إني لا أعلم إلا ما علمني ربي، وقذ ~~دلني ربي عليها، وهي في موضع كذا، احتبستها شجرة بخطامها" فذهبوا فوجدوها ~~كما أخبر صلى الله عليه وسلم، وبفرض التعارض: فما مر في حالة الصلاة، وهنذا ~~خارجها ~~وجاء: أنه كان إذا التفت.. التفت جميعا؛ أي : لا يسارق النظر، ولا يلوي ~~عنقه يمنة ولا يسرة كالطائش الخفيف، وأن جل نظره النظر بلحاظه صلى الله عليه ~~وسلم، وهو: جانب العين الذي يلي الصدغ، وأنه صلى الله عليه وسلم عظيم ~~العينين، أهدب الأشفار، مشرب العينين بحمرة(4). # (1) أخرجه البيهقي في " الدلائل " (75/6) ~~(2) اخرجه بنحوه البخاري (419)، ومسلم (423)، وأحمد (319/2)، والحاكم ~~.(232/1 ~~(3) في (1) و(ب): (قلبه). # (4) أخرجه أبويعلى (370)، وأحمد (89/10)، والبزار (160)، وغيرهم PageV00P207 ~~============================================================ ~~وروى مسلم : أشكل العينين(1)، والشكلة : الحمرة في بياض العين ، وهي ~~محمودة، والشهلة : حمرة في سوادها. # وفي رواية : أدعج العينين (2)، أي : شديد سوادهما، أهدب الأشفار؛ أي : ~~طويلهما ~~وأما سمعه صلى الله عليه وسلم. . فحسبك فيه خبر الترمذي : " إني أرى ما لا ms191 ~~ترؤن ، وأسمع ما لا تشمعون ، أطت الشماء وحق لها أن تيط ، ليس فيها مؤضع أزبع ~~أصابع إلأ وملك واضع جبهته ساجدا لله تعالى"(3) ، وفي رواية لأبي نعيم : " أو ~~قائم"(4). # وأما شعره صلى الله عليه وسلم.. فصح : أنه كان بين شعرين : لا رجل- أي: ~~بفتح فكسر، وهو : ما يتكسر قليلا- ولا سبط ولا جعد قطط، كان بين آذنيه ~~وعاتقيه، وآنه: رجل، ليس بالسبط ولا الجعد، ولا تخالف؛ لأن فيه رجولة ~~قليلة، فالأولى لنفي كثيرها، وأنه إلى شحمة أذنيه، وأنه إلى أسفلها، وأنه إلى ~~الكتفين (5)، ولا تخالف أيضا ؛ لأنه ربما ترك تقصيره فيطول ، وربما تداركه فيقصر، ~~وكان إذا انفرق. . انفرق بنفسه، وإلا.. تركه معقوصا. # ولعل هذذا كان أولا، وإلا.. فالذي صح : أنه صلى الله عليه وسلم كان يسدله- ~~أي : يرسله- ثم فرق(1). # ثم رأيت أن العلماء قالوا : إن الفرق سنة؛ لأنه الذي رجع إليه صلى الله عليه ~~ولم ~~(1) مسلم (2339). # (2) أخرجه البخاري (4745)، والترمذي (3638)، وغيرهما. # (3) الترمذي (2312): ~~4) حلية الأولياء (269/2). # (5) انظر " البخاري" (3547) و(3548) و( 3551) و(5900)، و1 مسلم" (2338) ~~و(2347). # (2) أخرجه البخاري (3294)، ومسلم (4307)، والنسائي (184/8)، وأبو داوود ~~4185)، وابن ماجه (3622)، وغيرهم ~~174 PageV00P208 ~~============================================================ ~~وكان في عنفقته صلى الله عليه وسلم وصدغيه شعرات بيض دون العشرين(1)، ~~وإنما لم يكثر فيه مع آنه نور ووقار؛ لرواية : ما شانه الله بالشيب(2) ؛ أي : لأن ~~النساء يكرهنه غالبا، ومن كره منه صلى الله عليه وسلم شيئا كفر: ~~واختلفت الروايات في تغييره صلى الله عليه وسلم لشيبه بنحو الحناء(3)، ~~ولا تخالف؛ لأنه صلى الله عليه وسلم فعله كثيرا، وتركه أكثر، ومن ثم كان سنة ~~وصح: أنه صلى الله عليه وسلم كان كث اللحية(4)، وجاء : أنه كان يكثر دهن ~~رأسه وتسريح لحيته، وكان صلى الله عليه وسلم أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي ~~الصدر، ولم يرو أنه حلق رأسه في غير حج أو عمرة ، ورواية : أنه كان يأخذ من ~~عرض لحيته وطولها.. لم تثبت ، وهي غريبة، بخلاف رواية : "أعفوا اللحى"(5) ، ~~فمن ثم أخذ بها أئمتنا رضي الله تعالى عنهم ~~وورد : أنه صلى الله عليه وسلم كان ينظر في المرآة إذا سرح لحيته ms192 (2)، وأنه كانت ~~له مكحلة يكتحل منها بالإئمد في كل عين ثلاثة قبل النوم (7) . # وأما جبينه صلى الله عليه وسلم وحاجباه وآنفه ورأسه. فقد جاء: أنه صلى الله ~~عليه وسلم واضح الجبين، مقرون الحاجبين (4)؛ أي: شعرهما متصل، وأنه غير ~~متصلهما، ورجحه ابن الأثير(9)، وقد يجمع بأنهما كانا كثيري الشعر، كما في ~~(1) أخرج نحوه البخاري (3282)، وأحمد (187/4) ~~(2) اخرجه أحمد (254/3) ~~(3) آخرج مسلم (2341)، وأبو داوود (4206) أنه صلى الله عليه وسلم لم يختضب، وأخرج ~~ابن ماجه (3623)، وأحمد (6/ 296) أنه صلى الله عليه وسلم خضب بالحناء ~~(4) أخرجه أحمد (89/1)، وأبو يعلى (270)، والبزار (160)، وغيرهم ~~(5) أخرجه البخاري (5893)، ومسلم (259) ~~() أخرجه الطبراني في "الأوسط"(6363). # (7) أخرجه الترمذي (1757)، وابن ماجه (3499) ، وأحمد (354/1)، وغيرهم: ~~) اخرجه ابن عساكر في 8 تاريخه "(3/ 392) بنحوه. # (9) النهاية (54/4) ~~1 ~~تسدى لابهبروث PageV00P209 ~~============================================================ ~~رواية، وفي رواية: سابغين ، كما في آخرى : دقيقين، كما في آخرى : فهما مع ~~كثرة شعرهما فيهما سبورغ إلى آخر العين، ودقة في طرفيهما، فلكثرة شعرهما يريان ~~من بعيد كأنهما متصلان، وليسا في الحقيقة كذلك ~~وصح: أنه صلى الله عليه وسلم ضخم الرأس، ضخم الكراديس(1)؛ أي: ~~رؤوس العظام ~~وجاء : أنه صلى الله عليه وسلم أقنى الأنف (2) ، أي : طويله مع دقة أرنبته وحدب ~~في وسطه، وعبر بعضهم: بأنه سائل مرتفع وسطه، وأنه صلى الله عليه وسلم دقيق ~~العرنين؛ أي : أعلى الأنف، وأن من لم يتأمله.. يحسبه أشم؛ أي : طويل قصبة ~~الأنف. # وأما فمه صلى الله عليه وسلم.. فقد صح: آنه واسعه(3)، يفتتح الكلام ويختتمه ~~بأشداقه؛ أي: لسعة فمه، والعرب تمدحه وتذم ضده، وأنه صلى الله عليه وسلم ~~أشنب(4)؛ أي: لأسنانه غاية البريق واللمعان ، وأنه إذا تكلم.. رئي كالنور يخرج ~~من ثناياه، وأنه صلى الله عليه وسلم مفلج الأسنان؛ أي: متفرقها، وفي رواية: ~~مفلج الثنيتين؛ أي : اكثر من البقية. # وآما ريقه صلى الله عليه وسلم.. فقد صح: آنه يوم خيبر تفل في عين علي ~~رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه - وكان به رمد- فبرىء منه لوقته، وأعطاه الراية ~~ففتح الله على يديه (5). # وجاء : أنه صلى الله عليه وسلم مج في بثر ms193 ففاح منها رائحة المسك(2)، وأنه ~~(1) أخرجه الترمذي (3637)، وأحمد (127/1)، وغيرهما. # (2) ذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد" (225/9) وقال : (رواه الطبراني، وفيه اثنان ، ~~أحدهما : يحيى بن حاتم ولم أعرفه، والاخر: بشر بن مهران وثقه ابن حبان، وضعفه آبر ~~حاتم ، وبقية رجاله ثقات)، وأخرجه ابن عساكر في "تاريخه"(265/3) ~~(3) أخرج الترمذي (3647) نحوه ~~(4) أخرجه البيهقي في 8 الشعب "(1430)، والطبراني في الكبير"(155/22) ~~5) اخرجه مسلم (2405)، وابن حبان (2933)، وابن آبي شيبة (500/7)، وغيرهم. # (2) أخرجه أحمد (315/4)، والبيهقي في " الدلائل* (257/1). PageV00P210 # ============================================================ ~~صلى الله عليه وسلم بزق في أخرى فلم يكن بالمدينة أطيب ماء منها، وأنه صلى الله ~~عليه وسلم كان في يوم عاشوراء يبصق في فم رضعائه ورضعاء فاطمة وينهى عن ~~رضاعهم فيجزيهم ريقه إلى الليل (1)، وأنه صلى الله عليه وسلم مضغ قطعة لحم ~~وأعطاها لخ نسوة فمضغتها كل منهن ، فمتن ولم يوجد لأفواههن ريح خلوف (2) ~~وأما فصاحة لسانه صلى الله عليه وسلم، وجوامع كلمه، وبديع بيانه وحكمه.. # فأمر أظهر من أن يذكر، وأشهر من أن ينشر، كيف وقد ارتقى في كل ذلك الغاية ~~القصوى التي لم يدركها مخلوق حتى قال بعض العلماء : إن كلامه معجز كالقرآن ؟! # وأما صوته صلى الله عليه وسلم.. فروى ابن عساكر خبر: (ما بعث الله نبيأ قط.. # إلا بعثه حسن الوجه حسن الصوت حتى بعث الله نبيكم صلى الله عليه وسلم، فبعثه ~~حسن الوجه حسن الصوت)(2) والبيهقي : (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى أسمع العواتق في خدورهن) وأبو نعيم : أنه صلى الله عليه وسلم قال للناس يوم ~~الجمعة على المنير: "أجلسوا" فسمعه عبد الله بن رواحة وهو في بني تميم فجلس ~~وابن سعد: آنه خطب بمني، ففتح الله آسماعهم، فسمعوه وهم بمنازلهم ~~126 ~~سيد صخكه التبشم والمث ي الهوينا وتومه الإغفاء ~~وأما ضحكه صلى الله عليه وسلم.. فهو أنه : (سيد) للعالمين الأولين والاخرين ~~كما مر مبسوطا أول الكتاب (ضحكه) أي: الذي يظهر به سروره.. هو (التبسم) ~~كما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها : (ما رأيته مستجمعا قط ضاحكا - أي: ~~مقبلا على ms194 الضحك بكليته - إنما كان يتبسم)(4)، ولا ينافيه خبر البخاري أيضا في ~~(1) أحرجه البيهقي في " الدلائل" (226/6). # (2) أخرجه الطبراني في الكبير " (341/24) ~~(3) تاريخ دمشق (2/4) ~~(4) البخاري (1092) PageV00P211 ~~============================================================ ~~المواقع أهله في رمضان : (فضحك حتى بدت نواجذه)(1) وهي - بالجيم والذال ~~المعجمة - : الأضراس، وهي لا تكاد تظهر إلا عند المبالغة في الضحك ؛ لأن عائشة ~~رضي الله عنها إنما نفت رؤيتها، وذلك لا ينافي وقوع غير التبسم منه: ~~نعم ؛ الذي دل عليه مجموع الأحاديث : أن أكثر أوقاته صلى الله عليه وسلم هو ~~التبسم، وربما ضحك، والمكروه إنما هو الاكثار أو الإفراط من الضحك، سواء كان ~~معه قهقهة أم لا، ومن ثم روى البخاري في " آدبه " وابن ماجه النهي عن كثرته، وأنه ~~يميت القلب (2). # والفرق أن التبسم: مبادىء الضحك من غير صوت، والضحك: انبساط الوجه ~~ح تظهر الأسنان من السرور مع صوت خفي، فإن كان معه صوت يسمع من بعيد.. # فهو القهقهة ~~وأما بكاؤه صلى الله عليه وسلم.. فكان من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ~~ولا برفع صوت، وللكن تدمع عيناه حتى تهملا، ويسمع لصدره أزيز؛ أي: ~~غليان، يبكي رحمة للميت، وخوفا على آمته، وشفقة من خشية الله تعالىل، وعند ~~سماع القرآن، وأحيانا في صلاة الليل. # وجاء: أنه صلى الله عليه وسلم حفظ من التثاؤب (3)، بل جاء : أن كل نبي ~~كذلك(4). # وأما يده صلى الله عليه وسلم.. فقد وصفه غير واحد - كما في عدة طرق - بأنه شثن ~~الكفين(5) ؛ أي : غليظ أصابعهما، وبأنه عبل الذراعين(2) ، رحب الكفين، ووصف ~~(1) البخاري (2087) ~~(2) الأدب المفرد (253)، ابن ماجه (4193). # (3) اخرج ابن شيبة في " مصنفه "(2/ 317) عن يزيد بن الأصم : (ما تثاءب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الصلاة قط) ~~(4) أخرجه البخاري في " التاريخ الكبير" (294/8) . # 5) أخرجه البخاري (5912)، وابن حبان (6311)، والترمذي (3637)، وأحمد ~~(116/1)، وغيرهم ~~(6) عيل الذراعين : ضخمهما PageV00P212 ~~============================================================ ~~أيضا بأن يده صلى الله عليه وسلم ألين من الحرير والديباج(1) ، وأبرد من الثلج، ~~وأطيب ريحا من المسك (2)، ولا ينافي هذا اللين ما مر آنفا ؛ لأنه جمع مع لين الجلد ~~غلظ العظام وقوتها، وتفسير الأصمعي الشثن بغلظ في ms195 خشونة.. مردود ، بل نقل ابن ~~خالويه عنه أنه قيل له : ورد في صفته صلى الله عليه وسلم أنه لين الكفين، فأقسم أن ~~لا يفسر شينا في الحديث، وبتسليمه فهو صلى الله عليه وسلم كان ربما حصلت له ~~خشونة في كفيه من جهاد أو عمل في مهنة أهله، وتفسير آبي عبيد له بغليظ الأصابع مع ~~قصرها. يرده ما جاء : أنه كان سائل الأطراف. # فالتحقيق : أن الشثن الغلظ من غير خشونة ولا قصر. # وروى الحاكم وغيره : آنه صلى الله عليه وسلم مسح بيده الشريفة الدم عن وجهه ~~وصدره من جرح في وجهه، فكان أثريده الشريفة غرة سائلة كغرة الفرس (3). # وصح: أته صلى الله عليه وسلم مسح رأس ولحية أبي زيد الأنصاري ثم قال : ~~"أللهم، جمله" فبلغ بضعا ومثة سنة وما في لحيته بياض، ولا في وجهه ~~انقباض(4). # وروى أحمد وغيره: آنه صلى الله عليه وسلم مسح رأس حنظلة بيده وقال : ~~"بورك فيك " فكان يمسح بمحل يده صلى الله عليه وسلم الورم فيذهب (5). # وأما إبطاه صلى الله عليه وسلم. فكانا أبيضين، كما جاء عن عدة من الصحابة ~~رضوان الله تعالى عليهم ، لكن تعارضه الرواية الصحيحة: (كنت أنظر إلى عفرة ~~ايطيه)(6)، والعفرة : بياض ليس بالناصع ، وقد يجمع بحمل البياض في الأول على ~~(1) أخرجه البخاري (3561)، ومسلم (2330) ~~(2) أخرجه البخساري (3553)، وأحمد (161/4)، والطبراني في " الكبير" ~~(115/22) ~~(3) الذي في " المستدرك * (3/ 587): أنه مسح الدم عن وجه عائذ بن عمرو المزني: ~~(4) أخرجه أحمد (77/5)، والبيهقي في " الدلائل" (211/6). # 5) مسند أحمد (17/5) ~~(2) أحرجه النسائي (212/2). PageV00P213 # ============================================================ ~~البياض غير الناصع، وذكر بعضهم: أنه لا شعر بابطيه، ورد بأنه لم يثبت بوجه، ~~وكان يسيل منهما مثل ريح المسك (1). # وكانت له مسربة، وهي: خيط الشعر الذي بين الصدر والسرة، بل في رواية: له ~~شعرات من لبته إلى سرته، تجري كالقضيب، ليس على صدره ولا على بطنه غيره: ~~وأما بطنه وظهره.. فجاء: أنه صلى الله عليه وسلم مفاض البطن (2)؛ أي : ~~واسعه، وقيل: مستوي الظهر مع الصدر، وأن بطنه صلى الله عليه وسلم كالقراطيس ~~المثني بعضها على ms196 بعض (3)، وأنه بعيد ما بين المنكبين (4)؛ أي: عريض الصدر. # وأما قلبه صلى الله عليه وسلم. فهو أول قلب أودع الأسرار الالهية، والمعارف ~~الربانية، لأنه صلى الله عليه وسلم أول الخلق كما مر، وصورته صلى الله عليه وسلم ~~اخر صور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهو صلى الله عليه وسلم أولهم وآخرهم في ~~حيازة أعلى الكمالات الخلقية والخلقية ~~ومما ينبئك بأن قلبه صلى الله عليه وسلم أودع ما لم يودعه غيره تكرر شقه، وملؤه ~~ايمانا وحكمة، واخراج حظ الشيطان منه، كما مر ذلك مبسوطأ في مبحث رضاعه ~~صلى الله عليه وسلم، ومحاسنه الظاهرة التي هي أعلام على الأخلاق الباطنة، فكما ~~أن تلك لم يساوه فيها مخلوق.. فكذلك هلذه ~~و أما جماعه صلى الله عليه وسلم.. فقد صح عن آنس : (كنا نتحدث أنه صلى الله ~~عليه وسلم أعطي قوة ثلاثين رجلا في الجماع) (5) وروى الإسماعيلي : (قوة أربعين) ~~زاد أبو نعيم عن مجاهد : (كلهم من رجال أهل الجنة)، والرجل في الجنة يعطى قوة ~~مئة، كما صححه الترمذي وقال : (غريب(1))، وأربعون في مثة بأربعة آلاف، ومع ~~ذلك كان صلى الله عليه وسلم على غاية من تقليل الغذاء؛ ليخرق الله تعالى له العادة ~~(1) كما أخرج الدارمي (64) عن رجل من بني حريش قال : (.. فضمني إليه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فسال علي من عرق إبطه مثل ريح المسك) ~~(2) أخرجه البيهقي في " الدلائل" (241/1). # (3) أخرجه الطبراني في " الكبير" (413/24) ~~4) أخرجه البخاري (3551)، ومسلم (2337)، وغيرهما ~~5) أخرجه البخاري (268)، وأحمد (291/3). # (6) الترمذي (2536) PageV00P214 ~~============================================================ ~~في الأمرين، ولم يحتلم قط، وكذا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لأنه من ~~الشيطان (1)، للكن ظاهر قول عائشة رضي الله تعالى عنها : (يصبح صائما جتبا من ~~جماع غير احتلام)(2).. أنه يحتلم، وبتسليمه فالأول محمول على ما إذا كان عن ~~رؤية وقاع؛ لأن هلذا هو الذي من الشيطان، بخلاف مجرد نزول المني في النوم. # وأما قدمه صلى الله عليه وسلم.. فجاء عن غير واحد: (أنه شئن القدمين)(3) ~~اي: غليظ أصابعهما، وكانت سبابة قدميه صلى الله عليه وسلم أطول من بقية ~~أصابعهما(4)، ms197 ومن روى ذلك في اليد.. فقد غلط، كما بينه غير واحد، وكانت ~~خنصرهما متظاهرة، وكانا لا أخمص لهما(5) ؛ أي : ليس في باطنهما كبير انخفاض ~~بحيث يطأ به كله، فهو معتدل الخمص، ومعنى رواية : أنه مسيح القدمين (2) : أن ~~فيهما مع ذلك لينأ وملاسة دون تكسر وتشقق. # وأما طوله صلى الله عليه وسلم.. فكان ربعة، للكنه إلى الطول أقرب، كما ~~جاءت به الأحاديث الكثيرة ، وفي حديث ما يفيد أن هاذا إن مشى وحده أو مع قصير، ~~وإلا. طال على من ماشاه، وهو صلى الله عليه وسلم يسب إلى الطول، بل لو ~~اكتنفه طويلان.. طالهما، فإذا فارقاه. نسب إلى الربعة(2). # وأما مشيه صلى الله عليه وسلم. فقد صح عن علي كرم الله تعالى جهه : (أنه كان ~~إذا مشى.. تكفا تكفؤا ، كأنما ينحط من صبب)(4) وفي رواية عنه : (كان إذا ~~مشى.. تقلع)(4) والتقلع والانحدار.. من الصبب قريب، أراد : أنه كان يستعمل ~~(1) أخرجه الطبراني في " الكبير"(180/11)، و" الأوسط "(8058). # (2) اخرجه البخاري (1932)، ومسلم (1109) ~~(3) أخرجه البخاري (5912)، وابن حبان (2311) والترمذي (3637)، وأحمد ~~(116/1)، وغيرهم ~~(4) أخرجه أحمد (366/6)، والبيهقي في * السنن الكبري" (145/7) ~~(5) أخرجه البيهقي في " الدلائل*(274/1). # (2) أخرجه البيهقي في " الدلائل"(286/1)، وأيو نعيم في " الدلائل*(801/2). # (7) اخرجه أبو نعيم في " الدلائل " (813/2) ~~(8) أخرجه الترمذي (3637)، وأحمد (117/1)، والحاكم (105/2)، وغيرهم. # (9) أخرجه الترمذي (3638)، والبيهقي في " الشعب " (1415) PageV00P215 ~~============================================================ ~~التثبت، ولا يتبين منه في هلذه الحالة استعجال ومبادرة بالمشي، وهذا هو مراد ~~الناظم بقوله : (والمشي) الكائن منه (الهوينا) تصغير الهؤن - وهو : السكينة ~~[من الطويل] ~~والوقار- للتعظيم، نحو قول الشاعر: ~~وكل أناس سوف تدخل بينهم دونهيه تضف منها ألأناما(1) ~~وقد مدح تعالى من يمشون كذلك ، فقال عز قائلا : { وعباد ألرحمكن الذيك يمشون ~~على الأرض هونا}، ولا ينافي ذلك رواية الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه : ~~(ما رأيت أسرع من مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأن الأرض تطوى له، ~~إنا لنجهد أنفسنا وهو غير مكترث)(2)، لأن عجزهم عن لحوقه ليس لأنه كان يجهد ~~نفسه في المشي، كما يدل عليه قوله : (غير مكترث) بل لأنه كان يبارك ms198 له في ~~مشيه، كما يدل عليه قوله: (كأن الأرض تطوى له)، فهو صلى الله عليه وسلم مع ~~هون مشيته لا يلحق، ومعنى رواية : (ذريع المشي)(2) أي : واسع الخطوة. # وقال ابن القيم في رواية : (كان إذا مشى. . تقلع) : (والتقلع : الارتفاع من ~~الأرض بجملته، كحال المنحط من الصيب، وهي مشية أولي العزم والهمة، وهي ~~أعدل المشيات وأروحها للأعضاء، فكثير من الناس يمشي قطعة واحدة، كأنه خشبة ~~محمولة، فهي مذمومة، كالمشي بالانزعاج كالجمل الأهوج، وهذذه تدل على قلة ~~(4 ~~عقل صاحبها، لا سيما إن اكثر فيها الالتفات)(4). # وكان صلى الله عليه وسلم إذا مشى معه أصحابه.. قدمهم أمامه وقال: "خلوا ~~ظهري للملائكة "(5)، وكان صلى الله عليه وسلم إذا مشى في قمر آو شمس.. # (1) البيت للبيد بن رييعة العامري ، وهو في " ديوانه " (ص 145)، وقبله قوله المشهور: ~~ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل ~~(2) الترمذي (3648) ~~(3) أخرجه الترمذي في " الشمائل المحمدية " (7)، والبيهقي في "الدلائل" (286/1)، ~~والطبراني في الكبير " (155/22) ، وغيرهم ~~(4) زاد المعاد (42/1) ~~(5) أخرجه أحمد (397/3)، والدارمي (46). # 182 PageV00P216 ~~============================================================ ~~لا يظهر له فيء ، وسره قوله صلى الله عليه وسلم في دعائه: "وآجعلني نورا"(1). # وآما لونه.. فقد وصفه جمهور آصحابه بالبياض، كما صح عنهم من طرق ~~متعددة، ولا ينافيه رواية : (مشرب بحمرة)(2)، لأنه مع ذلك يسمى أبيض ~~نعم ؛ قد ينافيها رواية : (أبيض شديد البياض)(3) إلا أن يحمل المشرب بحمرة ~~على الوجه فقط ، وما عداه شديد البياض، كما تدل عليه رواية : (فنظرت إلى ظهره ~~صلى الله عليه وسلم كأنه سبيكة فضة)(4)، وعلى الوجه تحمل رواية : (أمهق)(5) : ~~أي : أحمر ليس بأبيض، وقول عياض: (إنها وهم).. غير صحيح، وكذا رواية: ~~(ليس بالأبيض ولا بالآدم)(6) أي : وقول عياض : (إن هذذه ليست بصواب).. # مردود بأن المراد : ليس شديد البياض ولا شديد الأدمة، وإنما يخالط بياضه حمرة، ~~والعرب تطلق على من هو كذلك أنه أسمر الوارد في رواية(1)، وتوافقها رواية : (أبيض ~~بياضه إلى السمرة)(8)، ورواية : (أحمر إلى البياض)(9) أو المراد : أنه صلى الله عليه ~~وسلم كان تحصل له السمرة ms199 إذا سافر؛ لتأثره من الشمس، وتظليل الغمام وغيره له إنما ~~كان إرهاصا - كما مر - وقد انقضى وقته ، وقد ذهب بعض المالكية إلى آن من زعم أنه ~~صلى الله عليه وسلم كان أسود يقتل(10) ؛ أي : لأن السواد يشعر بالنقص. # (1) أخرجه مسلم (773)، وأحمد (284/1) ~~(2) اخرجه ابن حيان (2311)، وأحمد (116/1)، وأبو يعلى (370)، وغيرهم. # (3) أخرجه أحمد (23/4) ~~(4) أخرجه أحمد (426/3)، واالبيهقي في " الدلائل* (207/1)، والطبراني في " الكبير" ~~.(322 120 ~~5) اخرجه البخاري (3547) ~~(2) أخرجه البخاري (3548)، ومسلم (2347)، وغيرهما ~~(7) عند الترمذي (1754)، وأبي يعلى (3832)، وغيرهما. وانظر "أشرف الوسائل إلى فهم ~~الشمائل" للمصنف (ص 43-42). # (8) أخرجه البيهقي في " الدلائل" (204/1). # (9) قال في " سبل الهدى والرشاد" (18/2): (رواه أبو بكر بن أبي خيثمة عن شيخه هؤدة ، ~~وأبو نعيم من طريق الحارث بن أبي أسامة عن شيخه روح، كلاهما عن عوف عن يزيد) ~~(10) تقله القاضي عياض - رحمه الله - عن أحمد بن آبي سليمان صاحب سحنون. انظر " الشفا" ~~(ص764) ~~283 PageV00P217 ~~============================================================ ~~وأما طيب ريحه وعرقه وفضلاته.. فكان في ذلك الغاية العليا وإن لم يمس طيبأ ~~كما صح عن أنس وغيره(1)، وروى أبو يعلى والطبراني : أن رجلا استعان به في ~~تجهيز بنته، فاستدعى بقارورة وسلت فيها من عرقه الشريف، وقال : " مرها فلتتطيت ~~به "، فكانت إذا تطيبت به.. شم أهل المدينة ذلك الطيب، فسموا بيت المطيبين(2)، ~~ومر أنه كان إذا مر بطريق فمر الناس منه.. وجدوا ريحه، وعرفوا بذلك آنه مر ~~منه (3). # وحديث: خلق الورد من عرقه، أو من عرق جبريل، أو من عرق البراق.. # موضوع(4)، وجاء من وجه غريب : ( أن ما كان يخرج منه صلى الله عليه وسلم تبتلعه ~~الأرض)(5) وأيده الحافظ عبد الغني بأن أحدا من الصحابة لم يذكر أنه رآه، بخلاف ~~البول، فإنهم كانوا يستشفون به كدمه، ومن ثم اختار جماعة من آئمتنا طهارة جميع ~~فضلاته ~~(و) أما (نومه).. فهو (الإغفاء) أي : أخف النوم بحيث لا يستغرق؛ لأن ~~الاستغراق إنما يتولد عن نوم القلب وغفلته المتولد عن الشبع المفرط، وهو صلى الله ~~عليه وسلم- كسائر الأنبياء - كان تنام عينه ولا ينام قلبه، كما صح ms200 عنه صلى الله عليه ~~وسلم(2)، ومن ثم لم ينتقض وضوعه صلى الله عليه وسلم بالنوم، وسر ذلك كمال ~~حياة قلبه ويقظته، ودوام شهوده لربه، ومن ثم كان صلى الله عليه وسلم إذا نام. # لا يوقظ؛ لأنه لا يدرى ما هو فيه، ولا ينافيه نومه صلى الله عليه وسلم بالوادي عن ~~صلاة الصبح حتى حميت الشمس(1)، لأن رؤيتها من وظيفة العين، والقلب إنما ~~يدرك نحو الحدث والألم مما يتعلق به دون العين، فهي نائمة والقلب يقظان، وكأنه ~~(1) أخرجه البخاري (1973)، ومسلم (2330)، وغيرهما ~~(2) مسند أبي يعلى (6295)، المعجم الأوسط (2916) ~~(3) أخرجه أبو يعلى (3125). # (4) انظر " المصنوع " لملا علي القاري (ص 70) و(ص 203) ~~5) ذكره الديلمي في " الفردوس "(53/1) ~~(2) أخرجه البخاري (138)، ومسلم (763) ~~() أخرجه البخاري (344)، ومسلم (182) PageV00P218 ~~============================================================ ~~إنما لم يدرك مرور الوقت الطويل، فإنه نام قبل الفجر إلى أن حميت الشمس؛ لأنه ~~كان مستغرقا في شهود ربه وما يفيضه عليه من معارفه، وإنما لم ينبه على ذلك؛ ليقع ~~الشريع بتلك الأحكام الكثيرة جدا التي استفيدت من تلك الواقعة، كسهوه في ~~الصلاة ~~وقيل: كان له نوم ينام فيه قلبه أيضا، وهو الذي كان حينئذ، وردوه بأنه لم ~~يثبت، فهو مردود على قائله، كتأويل بعضهم قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ينام ~~قلبي "(1) بما يخرجه عن ظاهره من غير دليل ~~وإذ قد انتهى الكلام على شيء من محاسن ذاته صلى الله عليه وسلم التي لم ~~يخلق الله تعالى ذاتا أشرف منها.. فلنذكر شيئا مما يتعلق بمحاسن أخلاقه وصفاته التي ~~لم يخلق الله تعالى أشرف منها أيضا، فنقول : ~~ه 12 ~~7 علفه الم ر2 يياء السززفة اللكاء) ~~(ما سوى) أي: ليس غير (خلقه النسيم) أي : الريح التي في غاية اللطافة واللين ~~والطيب، يعني: لا يشبهها خلق أحد إلا خلقه الكريم، وهذا مقتبس من قول ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آجود الناس ~~بالخير) ثم قال : (فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح ~~المرسلة)(2) ~~فإن قلت: صريح هذا أن خلقه أفضل من النسيم، بل لا ms201 نسبة بينهما، فكيف ~~هذا التشبيه المؤذن بشرفها عليه ؟ # قلت : هلذا الايذان إنما هو باعتبار الغالب، وإلا.. فقد يشبه الأفضل بالمفضول ~~لنكتة، كما في : "صليت على إبراهيم... " إلخ، فكذا هنا ، تشبيهه بها البليغ إنما ~~(1) أخرجه البخاري (1147)، ومسلم (738)، وأبو داوود (1335)، والترمذي ~~(439)، والنسائي (234/3)، وغيرهم. # (2) أخرجه البخاري (1902)، ومسلم (2308) PageV00P219 ~~============================================================ ~~هو باعتبار ما فيها مما يقيت الروح، ويحيي القلب، ويجلو صدأ النفس، وغير ذلك ~~مما لا قيام لحقيقة الحيوان إلا به ~~وإنما قلت : (يعني : لا يشبهها...) إلخ؛ لأبين أن هذذا المراد من العبارة ~~لا تفي هي به، وذلك لأن نفي مشابهة غير خلقه لها لايفيد أنه لا يشبهها إلا خلقه؟ # لأن هذا الحصر لا يرد ولا دليل عليه في الكلام، بل صريح كلام الراغب أنه لا مفهوم ~~للنفي با غير) وعبارته: (9 غير" يقال على أوجه: ~~الأول : أن تكون للنفي المجرد من غير إثبات معنى به، نحو : مررت برجل غير ~~قائم، وقال الله تعالى : { ومن أضل ممن اتبع هوله يغير هدى قب الله} ، وقال ~~تعالى : { وهو فى الخصام غير مبين)) اه المقصود منه (1)، وسيأتي في شرح قوله : ~~(وما سواي هو العاصي).. ما له بما هنا تعلق. فاستحضره ~~والخلق بضم فضم أو سكون، قال الراغب : (وهو والمفتوح في الأصل بمعنى ~~واحد، للكن خص المفتوح بآلهيات والصور المبصرة، والمضموم بالسجايا والقوى ~~المدركة بالبصيرة)(2)، ثم قيل : المضموم غريزة؛ لخبر البخاري : " إن ألله قسم ~~بينكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم"(2)، والحق : أن أصله غريزي، وتمامه ~~مكتسب؛ لما صح: أنه صلى الله عليه وسلم قال للأشج : " إن فيك لخصلتين ~~يحبهما الله ورسوله، الحلم والأناة" قال : يا رسول الله ؛ قديما كانا في أو حديثا ؟ # قال: "قديما " قال: الحمد لله الذي جبلني على خصلتين يحبهما الله ورسوله، ~~فترديده السؤال وتقرير النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك يدل على أن بعضه غريزي ~~وبعضه مكتسب، ويدل له أيضا الحديث الصحيح: "اللهم؛ كما حسنت خلقي ~~فحسن خلقي" ، وما صح أنه كان يقول في دعاء الافتتاح : " وآهدني لأخسن ~~الأخلاق، لا يهدي لأخسنها إلآ أنت " ، فهو جبلة ms202 في نوع الإنسان، وهم متفاوتون ~~فيه فمن عدم حسنه أو كماله. أمر بالمجاهدة والرياضة حتى يقوى ويصير ~~(1) مفردات القرآن (ص 618) ~~(2) مفردات القرآن (ص 297). # (3) الأدب المفرد (275) PageV00P220 ~~============================================================ ~~محمودا، وقد عرف الخلق الحسن بأنه: ملكة يسهل على ذويها فعل الجميل وتجتب ~~القبيح: ~~ولما اجتمع فيه صلى الله عليه وسلم من خصال الكمال وصفات الجلال والجمال ~~ما لا يحصره حد، ولا يحيط به عد.. أثنى الله تعالى عليه في كتابه الكريم، فقال عز ~~قائلا وإنك لعلى خلق عظيو}، فوصفه بالعظيم ، وزاد في المدحة بإتيانه با على) ~~المشعرة بأنه صلى الله عليه وسلم استعلى في ذلك على معالي الأخلاق واستولى ~~عليها، فلم يصل إليها مخلوق غيره، ووصف بالعظم دون الكرم الغالب وصفه به؟ # لأن كرمه يراد به السماحة والدماثة(1)، وخلقه صلى الله عليه وسلم غير مقصور على ~~ذلك، بل كما كان عنده غاية الرحمة للمؤمنين.. كان عنده غاية الغلظة والشدة على ~~غيرهم، فاعتدل فيه الإنعام والانتقام، وللكن لم يكن له همة سوى الله تعالى، فعاشر ~~الخلق بخلقه، وباينهم بقلبه، ومن ثم ورد بسند فيه ضعف : "إن الله بعثني بتمام ~~مكارم الأخلاق، وكمال محاسن الأفعال"(2)، وفي رواية " الموطأ " بلاغا : ~~" بعيت لأتمم مكارم الأخلاق "(2)، فكل خلق حميد اندرج تحت خلقه ، ومن ثم ~~قالت عائشة رضي الله تعالى عنها : (كان خلقه القرآن)(4): ~~قال السهروردي - رحمه الله تعالى ونفع به - في "عوارفه" : (في قولها ذلك رمز ~~غامض وإيماء خفي إلى الأخلاق الربانية، فاحتشمت من الحضرة الإللهية أن تقول : ~~كان متخلقا بأخلاق الله تعالى، فعبرت عن المعنى بقولها : "كان خلقه القرآن" ~~استحياء من سبحات الجلال، وسترأ للحال بلطف المقال، وهلذا من وفور عقلها، ~~وكمال أدبها) اه(5) ~~(1) الدماثة: سهولة الخلق ~~(2) أخرجه الطبراني في " الأوسط" (6891)، وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد" ~~(4/ 191): (.. وفيه عمر بن إيراهيم القرشي، وهو ضعيف) ~~(3) الموطأ(904/2) ~~4) أخرجه البخاري في " الأدب المفرد "(308)، وأحمد (91/6)، والبهقي في " الشعب" ~~(1428) والحاكم (2/ 392)، وغيرهم ~~5) عوارف المعارف (393/1) PageV00P221 ~~============================================================ ~~وقال بعض العارفين : لما كان خلقه صلى الله عليه وسلم أعظم خلق.. بعثه الله ~~تعالى إلى جميع العالمين، وعلم ms203 من كلام عائشة رضي الله تعالى عنها : أن كمالات ~~خلقه صلى الله عليه وسلم لا تتناهي، كما أن معاني القرآن لا تتناهى، وأن التعرض ~~لحصر جزئياتها غير مقدور لليشر، ثم ما انطوى عليه صلى الله عليه وسلم من كريم ~~الأخلاق.. لم يكن باكتساب ورياضة، وإنما كان في أصل خلقته بالجود الإللهي ~~والإمداد الرحماني الذي لم تزل تشرق أنواره في قلبه صلى الله عليه وسلم إلى أن وصل ~~الى أعظم غاية وأتم نهاية ~~واعلم : أن كمال الخلق إنما ينشأ عن كمال العقل؛ لأنه الذي به تقتبس ~~الفضائل، وتجتنب الرذائل، والعقل لسان الروح وترجمان البصيرة، فهو جوهر ~~الانسان، ولككن جوهره البصر: ~~وفي " القاموس" - بعد الإشارة إلى الخلاف في تعاريفه-: (والحق: آنه نور ~~روحاني، به تدرك النفوس العلوم الضرورية والنظرية، وابتداء وجوده عند اجتنان ~~الولد، ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ) اه ~~والحديث المشهور: "أول ما خلق الله العقل، قال له: أقبل...4 إلخ: ~~موضوع ~~وعقل نبينا صلى الله عليه وسلم وصل في الكمال إلى غاية لم يصل إليها ذو عقل، ~~ومن ثم روى آبو نعيم وابن عساكر عن وهب : آنه وجد في واحد وسبعين كتابا: ~~أن الله لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقله ~~صلى الله عليه وسلم إلا كحبة رمل من بين رمال جميع الدنيا(1). # ومما يقطع بصحة ذلك سياسته صلى الله عليه وسلم للعرب الذين هم كالوحوش ~~الشاردة، وصبره على طباعهم المتنافرة المتباعدة، حتى قاتلوا دونه أهاليهم، ~~وهجروا في رضاه أوطانهم وأحباءهم، مع أنه لم يطلع على سير الماضين، ولا تعلم ~~من العقلاء المحدثين ، وفي هذذا ما في الذي قبله مما مرآنفا. # (1) حلية الأولياء (26/4)، وتاريخ دمشق (386/2). PageV00P222 # ============================================================ ~~(ولا غير محياه) أي: وجهه صلى الله عليه وسلم( الروضة الغناء) أي: الكثيرة ~~النبات والأزهار والثمار؛ أي: ليست الروضة الغناء إلا وجهه صلى الله عليه وسلم ~~لأنه أحسن الخلق وجها، كما مر مبسوطأ. # شةقل وعن رعنە ز رصنته ومه ~~هو (رحمة)(1) وهي : عطف ms204 وميل نفساني، غايتها التفضل والإنعام؛ أي: ~~عينها مبالغة، أو ذوها(2)، وهو خبر مقدم، وأخبر بهذه وما بعدها بلفظ المصدر ~~اشارة إلى أنها قد امتزجت بذاته واستحال انفصالها عنه، حتى كأنها هو، وكأنه هي ~~اي: ركب منها، وطبع عليها، وخلق منها ~~(كله) كما قال تعالى: وما أرسلنكلك إلا رحمة للعكلمين}، ويجوز نصب ~~(رحمة) على الحال على أنها اسم فاعل، أو مفعول لأجله على حذف مضاف! # أي : ذا رحمة، والعالمون هنا : قيل: الجن والإنس، وعليه الجمهور، وقيل: ~~والملائكة، وعليه غير واحد من المحققين ، ويدل عليه أيضا: ليكون للعكلميت ~~نذيرا}، ونقل الفخر الرازي وغيره الإجماع على أنه لم يرسل للملائكة.. مردود ، بل ~~أخذ بعض متأخري أئمتنا المحققين بظاهر خبر مسلم : " وأزسلت إلى الخلق كافة " ~~كما مر، وعلى كل فهو رحمة للمؤمنين بالهداية وبالأمان من القتل ، وللكافرين بتأخير ~~العذاب، ولسائر الحيوانات؛ لأن بوجهه صلى الله عليه وسلم يستسقى الغمام، ~~وبدعائه ينزل قطر السماء، فينبت النبات، ويكون لها سقيا ورعيا، وللمنافقين (3): ~~وقال ابن عباس : (رحمة للبر والفاجر ؛ لأن كل نبي إذا كذب. . أهلك الله من ~~كذبه، ومحمد صلى الله عليه وسلم أخر من كذبه إلى الموت أو إلى يوم القيامة، وأما ~~(1) رحمة خبر مقدم، والمبتدأ المؤخر قوله: كله، وعليه فلا داعي لتقدير: (هو) قبل ~~البيت ، إلا إن أراد أن الضمير المقدر مبتدأ خبره جملة : رحمة كله والله تعالى أعلم ~~(2) اي: صاحبها. # (3) أي : وهو صلى الله عليه وسلم رحمة للمنافقين أيضا ~~289 PageV00P223 ~~============================================================ ~~من صدقه.. فله الرحمة في الدنيا والاخرة) فعلم : أن ذاته الشريفة رحمة للمؤمن ~~والكافر ، كما قال الله تعالى : { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ، وروى الدارمي ~~والبيهقي حديث : " إنما أنا رحمة مهداة"(1) وقال بعضهم : زينه ربه بزينة الرحمة، ~~فكان وجوده وجميع شمائله صلى الله عليه وسلم رحمة على الخلق، وقال آخر: ~~الأنبياء خلقوا كلهم من الرحمة، وتبينا صلى الله عليه وسلم عين الرحمة: ~~لا يقال : كيف هو عين الرحمة وقد جاء بالسيف واستباحة الأموال ؟ا لأنا نقول : ~~إنما كان ذلك لمن آدبر واستكبر، ولم ms205 ينفع فيه وعظ ولا إرشاد، ومن أوصافه ~~تعالى: الرحمن الرحيم، والجبار والمنتقم: ~~وفي " الشفا " : (وحكي : أنه صلى الله عليه وسلم قال لجبريل : "هل أصابك ~~من هلذه الرخمة شيء؟" قال : نعم ، كنت أخشى العاقبة فأمنت) (2): ~~ولما شج وجهه صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته يوم أحد. قالوا له: لو ~~دعوت عليهم ، فقال : "إني لم أبعث لعانا، ولكن بعثث داعيا ورحمة "(3) ، ~~" أللهم ؛ أغفر لقؤمي فإنهم لا يغلمون "(4) أي : اغفر لهم هذا الشيء المخصوص ~~لا مطلقا ، وإلا.. لأسلموا كلهم ، ذكره ابن حبان(5). # وإنما دعا عليهم يوم الخندق : أن الله تعالى يملأ بطونهم نارا؛ لأنهم شغلوه عن ~~الصلاة الوسطى، فكان الدعاء لله تعالى لا لحظ نفسه ~~(حزم) كله؛ آي: جميع أحواله التي تصدر منه إنما تصدر منه على غاية من ~~الضبط والقوة والشدة الباطنة والظاهرة؛ لأن منشأ ذلك العقل الكامل، وقد مر أنه ~~لا أكمل من عقله ، بل لا مساوي له من نبي ولا ملك: ~~(وعزم) كله، من: عزم على الشيء : قطع به؛ أي: جميع ما يفعله بوحي أو ~~(1) سنن الدارمي (15)، دلائل النبوة (157/1) ~~(2) الشفا(ص58) ~~(3) اخرجه مسلم (2599)، وأبو يعلى (6174)، وليس عندهما أنه قال ذلك يوم أحد ~~(4) أخرجه البخاري (3477)، ومسلم (1792) ~~(5) الإحسان (255/3) PageV00P224 ~~============================================================ ~~اجتهاد إنما يفعله مع إمضائه والقطع به من غير إعراض عنه، ومن ثم كان من خصائصه ~~صلى الله عليه وسلم أنه إذا فعل خيرا.. لزمه إدامته، كما وقع له أن ناسأ شغلوه عن ~~سنة الظهر البعدية حتى دخل وقت العصر فصلاهما حينثذ، واستمر يصلي ركعتين بعد ~~العصر إلى وفاته صلى الله عليه وسلم (1). # ) كله؛ لأن الله تعالى القى عليه من المهابة ما لا غاية له، ومن ثم قال ~~خارجة بن زيد - كما رواه أبو داوود - (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوقر الناس ~~في مجلسه)(2) ~~وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : (كان إذا جلس في المجلس.. احتبى ~~بيديه)(3) وكان كثير السكوت لا يتكلم في غير حاجة، وكان ضحكه تبسمأ، وكلامه ~~فصلا، لا فضول ولا تقصير، وكان ضحك أصحابه عنده التبسم، ms206 وكان مجلسه ~~مجلس علم وحياء وخير وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرم، إذا ~~تكلم.. أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، جاء إليه رجل فقام بين يديه، ~~فأخذته رعدة شديدة ومهابة ، فقال له : "هون عليك، فإني لست بملك ولا جبار، ~~إنما أنا أبن أمرأة من قريش تأكل القديد بمكة" فنطق الرجل بحاجته ، فقام صلى الله ~~عليه وسلم فقال : " يا أيها الناس، إني أوحي إلي : أن تواضعوا ، ألا فتواضعوا حتل ~~لا ينغي أحد على أحد ، ولا يفخر أحد على أحد ، وكونوا عباد الله إخوانا"(4) ورأته ~~قيلة بنت مخرمة في المسجد قاعدا القرفصاء فارتعدت من الفرق، رواه أبو داوود(5) ~~وروى مسلم عن عمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنه قال : (صحبت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فما ملأت عيني منه قط، حياء منه وتعظيما له، ولو قيل لي: ~~(1) اخرجه مسلم (835) ~~(2) المراسيل (505) ~~(3) اخرجه آبو داوود (4813). # (4) أخرج القسم الأول منه اين ماجه (3312) ، والطبراني في " الأوسط " (1282)، وأخرج ~~القسم الثاني مسلم (2865)، وأبو داوود (4859)، وابن ماجه (4179) ~~5) السنن (4814) ~~2 PageV00P225 ~~============================================================ ~~صفه. لما قدرت)(1) وإذا كان - وهو من أجلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم - ~~كذلك. فما بالك بغيره ؟! فعلم : أنه صلى الله عليه وسلم لولا أنه كان يباسطهم ~~ويمزح معهم - ومع ذلك لا يقول إلا حقا- ويتواضع لهم ويؤنسهم. لما قدر أحد ~~فأشار إليه : أن تواضع ، فاختار العبودية (2). # (وعصمة) كله؛ أي: حفظ يستحيل شرعا وقوع خلافه من سائر الذنوب، ~~صغيرها وكبيرها، عمدها وسهوها، قبل النبوة وبعدها، في سائر حركاته وسكناته، ~~في باطنه وظاهره، سره وعلانيته، جده ومزحه، رضاه وغضبه، والخلاف في بعض ~~ذلك لا يعول عليه، كيف وقد أجمع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على اتباعه ~~والتأسي به في كل ما يفعله، من قليل وكثير، وصغير وكبير، لم يكن عندهم في ذلك ~~توقف حتى أعماله في السر والخلوة، يحرصون على العلم بها وعلى اتباعها، علم ~~بهم أو لم يعلم ؟! ومن تأمل أحوالهم معه.. استحيى من الله تعالى - كما قاله الإمام ~~المجتهد التقي السبكي- أن يخطر له شك في آنه ms207 معصوم في كل ما ذكرناه، وكذلك ~~الأنبياء صلوات الله عليهم كلهم معصومون كما ذكر، وحكي في عصمتهم قبل النبوة ~~خلاف، ومحله في غير الجهل بالله تعالى وصفاته، آما هذا.. فهم معصومون منه ~~اجماعا، بل لم ينشؤوا إلا على اكمل الأحوال من الإيمان بالله ومعرفته كما ينبغي، ~~وحكي في عصمتهم من الصغائر بعد النبوة خلاف أيضا، وهو في غاية الضعف، بل ~~الزم قاثلوه بخرق الاجماع وما لا يقول به مسلم، ومحله في غير الصغائر الخسية ~~اجماعا ~~ما جاء عن ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وآخرين صحابة وتابعين أن ~~(() مسلم (121) ~~(2) أخرجه النسائي في " الكبري" (6710)، والبيهقي في *السنن الكبري" (48/7)، ~~وعبد الرزاق في " المصنف " (5246)، والطبراني في "الكبير" (288/10) وفي ~~"الأوسط "(2933). PageV00P226 # ============================================================ ~~معناه : وجدك ضالأ عما أتاك من معالم النبوة فهداك اليها ، ويؤيده قوله تعالن : ما ~~كنت تدرى} أي : قبل الوحي ما الكتب} أي : القرآن ولا الإيمن أي : الدعاء ~~إليه ولا الفرائض والأحكام ؛ إذ الإيمان يطلق عليها حقيقة، نحو : وما كان الله ~~ليضيع إيمنكم} أي : صلاتكم إلى بيت المقدس ، كما يصرح به سبب النزول ، ~~وما جاء مرفوعا : أي : وجدك ضالا عن جدك عبد المطلب حتى كاد الجوع أن يقتلك ~~فردك إليه ، أو هو من : ضل الماء في اللبن إذا انغمر فيه ؛ أي : وجدك مغمورا بين ~~كفار مكة فنصرك عليهم ~~وأما قوله : { ووضعنا عنلك وزرك * الزى أنقض ظهرك}.. فاختلف المفسرون فيه ~~على أقوال كثيرة ، بها يبطل الاحتجاج به للقول الساقط السابق آنفا، ومن أحسنها : ~~أن المعنى : خففنا عنك أعباء النبوة التي أثقلت حقوقها والقيام بموجباتها ظهرك حتى ~~كاد أن يكون له نقيض؛ أي: صوت، أو المراد: عصمناك من الوزر الذي لو ~~تحملته صؤت ظهرك من ثقله، فسمى العصمة وضعا مجازا، أو رفعنا عنك آوزار ~~أمتك التي أثقل ظهرك خوف غائلتها حتى أمنك الله تعالى ذلك في العاجل بقوله عز ~~قائلا: وما كات الله ليعذبهم وأنت فيهم) ، وأعطاك الشفاعة فيهم في الآجل. # وأما قوله: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر}.. فاختلفوا ms208 فيه كذلك، ~~وأحسن ما فيه أيضا قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : إنك مغفور لك، غير ~~مؤاخذ بذنب؛ أي : لو كان، أو المراد بالذنب : ذنوب أمته على وزان ما مر، أو ~~ترك الأولى والأحرى ، كما قيل : حسنات الأبرار سيئات المقربين ، وعليه قوله ~~تعالى: عفا الله عنلك لم أذنت لهمر) أي : محا عنك ما ارتكبته من خلاف الأولى ، ~~ووقع لبعض مشاهير المفسرين في بعض هذذه الايات ما لا ينبغي من التساهل وسوء ~~الأدب فاحذره ~~وحفظ أيضا صلى الله عليه وسلم من أعدائه الحريصين على قتله، فكان أصحابه ~~يحرسونه حتى نزل : والله يعصماك من الناس} ، فأخرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رأسه من القبة وقال : "يا أيها آلناس ؛ انصرفوا ؛ فقذ عصمني ريي "1). # (1) أخرجه الترمذي (3046)، والبيهقي في " السنن الكبري" (8/9)، والحاكم ~~31312)، وغيرهم ~~193 PageV00P227 ~~============================================================ ~~وتواعد جماعة على قتله، فلما هموا به.. سمعوا صوتا مهولا، فغشي عليهم، ~~ثم تواعدوا مرة أخري، فلما رأوه.. جاءت الصفا والمروة، فحالتا بينه وبينهم(1) ~~وواعد أبو جهل قريشا إن رآه.. ليطأن على عنقه، فأعلموه به، فذهب إليه فولى ~~هاربا، فسئل فقال : لما دنوت منه. أشرفت على خندق مملوء نارا، فكدت أن ~~أهوي فيه ، وأبصرت هولا عظيما وخفق أجنحة، قال صلى الله عليه وسلم : "تلك ~~الملائكة ، لؤدنا. . لاختطفته عضوا عضوا"(2) ~~ووفد عليه عامر بن الطفيل وأربد بن قيس ليقتلاه، فشغله عامر، قأراد أربد قتله، ~~فلم ير إلا عامرا(3). # ) كله، كما يصرح به خبر البخاري عن آبي سعيد الخدري رضي الله عنه : ~~(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء- أي: البكر- في ~~خدرها)(4) قيل : ذكره من باب التتميم ؛ لأن العذراء في خدرها يشتد حياؤها أكثر ~~مما تكون خارجة عنه ؛ لأن الخلوة مظنة وقوع الفعل بها، وقيل : الظاهر : أن المراد ~~تقييده بما إذا دخل عليها في خدرها، لا من حيث تكون وحدها فيه ~~والحياء - بالمد- لغة: تغير يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، وشرعا: خلق ~~يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذوي الحق، من: الحياة، ~~وكذا ms209 الحيا المقصور، وهو المطر، وقوته وضعفه بقوة حياة القلب وضعفه، وهو ~~أقسام ثمانية يطول استقصاؤها. # منها: حياء الكرم، كحيائه صلى الله عليه وسلم ممن دعاهم إلى وليمة زيتب ~~فطولوا عنده المقام آن يقول لهم: انصرفوا، ومن ثم كان صلى الله عليه وسلم ~~لا يواجه أحدا بما يكرهه، بل (إذا بلغه عن أحد شيء. . قال : "ما بال أقوام؟" ولم ~~(1) أخرجه ابن قانع في " معجم الصحابة "(438). # (2) آخرجه مسلم (2797)، وابن حبان (1571)، وأحمد (370/2)، وآبو يعلى ~~6207)، وغيرهم ~~(3) أخرجه الطبراني في " الكبير" (312/10)، وفي " الأوسط "(9123)، وقال في " مجمع ~~الزوائد"(45/7) (... وفي إسنادهما عبد العزيز بن عمران، وهو ضعيف) ~~(4) البخاري (3562). # 294 PageV00P228 ~~============================================================ ~~يقل: ما بال فلان ؟)(1) قالت عائشة : (ما رأيت منه ولا رأى مني)(2). # و مها: حياء المحبة، وهو ما يخطر بقلب المحب في غيبة محبوبه، فيهيجه إليه: ~~ومنها: حياء العبودية، وهو ممتزج بين محبة وخوف، وغايته: شهود القلب ~~عدم صلاح عبوديته لمعبوده فيستحي منه لا محالة. # ومنها: حياء المرء من نفسه إن رضيت بالنقص أو قنعت بالدون، حتى كأن له ~~نفسين يستحي بإحداهما من الأخرى، وهاذا أكمل ما يكون من الحياء، وهو حياء ~~النفوس الشريفة الرفيعة، وهو الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم : "ألحياء لا يأتي إلا ~~بخير"، و" الحياء من الإيمان" رواهما البخاري (2)، وجعل من الإيمان مع أنه ~~غريزة؛ لأن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى قصد واكتساب وعلم، فالحياء ~~المكتسب هو الذي جعله الشارع من الإيمان، وهو المكلف به دون الغريزي، غير أن ~~من كان فيه غريزة منه.. فإنها تبعثه على المكتسب حتى يكاد يكون غريزيا، وهو ~~صلى الله عليه وسلم جمع الله له النوعين، فكان في الغريزي أشد حياء من العذراء في ~~خدرها، ومر آن عقله صلى الله عليه وسلم آوسع العقول، ولذلك اتسعت أخلاق ~~نفسه الكريمة اتساعا لا يحد، فمن ذلك : اتساع خلقه العظيم في الحلم والعفو مع ~~القدرة، وصبره على ما يكره، لا سيما في الشدائد، حتى إنه ~~لا تحل البأساء منه عرى الصب ر ولا تشتخفه الشراء ~~(ا تحل البأساء) ms210 أي: الشدة وإن أفرطت ، لا سيما في الحروب وقد استعرت ~~نيراتها، واصطلمت عقول شجعانها(4) (منه) متعلق بما بعده من المضاف، أو ~~المضاف إليه، أو با تحل)، (عرى الصبر) وهو: حبس النفس على ما تكره؛ ~~(1) آخرجه آبو داوود (4755) ~~(2) أخرجه ابن ماجه (1922) ، واحمد (63/6)، والترمذي في " الشمائل " (353) بلفظ: ~~(ما رأيت فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم) ~~(3) البخاري (6117) (24) ~~(4) الاصطلام : الاستنصال والقطع: ~~295 PageV00P229 ~~============================================================ ~~أي: أسبابه من الحلم والعفو والصفح والشجاعة المشبهة في اشتمالها على من قامت ~~به حتى منعته من وقوع بادرة مته عند ثوران نار الغضب.، بحبال ربطت على شيء ~~وأحكمت في عرى فاستمسكت عليه ولم يمكن حلها ولا نقضها، فذكر (العري) ~~استعارة تخييلية، وتشبيه الصبر بالثوب السابغ ذي الأزرار والعرى المحكمة استعارة ~~بالكناية، وذكر (لا تحل) ترشيح: ~~وحسبك صبره على من حاربوه يوم آحد في آشد ما نالوه به من كسر رباعيته وشج ~~وجهه، فسال الدم على وجهه الشريف، وشق ذلك على أصحابه فقالوا: ~~يا رسول الله؛ لو دعوت عليهم فقال : "أللهم؛ اغفز لقؤمي" أو: "آهد قؤمي؛ ~~فإنهم لا يعلمون " أي : لا تعاجلهم بالعقوبة من أجلي ، فإنهم لا يعلمون تفاصيل ~~ما يترتب عليهم في ذلك من آنواع العذاب وأصناف العقاب. # وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال : بأبي آنت وأمي يا رسول الله؛ لقد ~~دعا نوح على قومه فقال : رب لانذرعلى الأرض. ..) الآية، ولو دعوت علينا مثله.. # لهلكنا عن آخرنا، فلقد وطىء ظهرك ، وأدمي وجهك ، وكسرت رباعيتك ، فأبيت أن ~~تقول إلاخيرا ، فقلت : " اللهم؛ أغفز لقؤمي فإنهم لا يغلمون" . # وإنما قال صلى الله عليه وسلم يوم الخندق حين شغلوه عن صلاة العصر: ~~" أللهم : أملأ قلوبهم نارا"(1) لأن الحق لله تعالى ، وهو صلى الله عليه وسلم لم يكن ~~يغضب لتفسه، وإنما يغضب إن انتهكت حرمات الله، امتثالا لقول الله سبحانه ~~وتعالى : جهد الكفار والمتفقين واغلظ عليهم}، ومن ثم غضب صلى الله عليه ~~وسلم في أماكن متعددة لأسباب مختلفة، للكن مرجعها إلى آنه لم يغضب لنفسه، ~~بل لربه. # وقد صح عن زيد ms211 بن سعنة - بمهملة ونون مفتوحتين، وهو من آجل أحبار اليهود ~~الذين أسلموا - أنه قال : لم يبق من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفته في وجه محمد ~~صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه، إلا اثنتين لم أخبرهما منه : يسبق حلمه جهله، ~~(1) ذكره في "مجمع الزوائد" (143/6)، وقال : (رواه الطبراني في " الأوسط " عن شيخة ~~أحمد ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات) PageV00P230 ~~============================================================ ~~ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فكنت أتلطف له لأن أخالطه قأعرف حلمه، ~~فابتعت منه تمرا إلى أجل، فأعطيته التمر، فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ~~ثلاثة.. آتيته، فأخذت بمجامع قميصه وردائه، ونظرت إليه بوجه غليظ، ثم قلت: ~~ألا تقضيني - يا محمد - حقي؟ فوالله إنكم- يا بني عبد المطلب - قوم مطل، فقال ~~عمر : (أي عدو الله؛ أتقول لرسول الله ما أسمع؟ فوالله لولا [ما] أحاذر فرقه.. # لضربت بسيفي رأسك) ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة ~~وتبسم، ثم قال: " أنا وهو كنا أخوج إلى غير هلذا منك يا عمر ؛ تأمرني بحسن ألأداء، ~~وتأمره بحسن الثقاضي ، أذهب يا عمر فأقضه حقه ، وزده عشرين صاعا مكان ما ~~رغته" ففعل، فقلت : يا عمر؛ كل علامات النبوة قد عرفتها في وجه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلا اثنتين - وذكر له ما مر-وقد عرفتهما فأشهدك أني قد أسلمت(1). # وروى آبو داوود : آن أعرابيا جاء إليه صلى الله عليه وسلم فجذبه بردائه - وكان ~~خشنا- حتى أثر في عنقه الشريف، وقال له : احملني على بعيري هلذين، فإنك ~~لا تحملني من مالك ولا من مال أبيك ، فقال صلى الله عليه وسلم : "لا" ~~و استغفر الله وكررها ثلاثا فقال : " لا أخملك حتى تقيدني من جذبتك التي جدبتني" كل ~~ذلك والأعرابي يقول له : لا أقيدك أبدا ، ثم أمر له بحمل بعير تمرا وبعير شعيرا(2). # وروى البخاري : آن أعرابيا جذبه جذبة حتى آثرت حاشية البردة في صفحة عنقه ~~الشريف من شدة جذبته، وقال : يا محمد؛ مر لي من مال الله الذي عندك، فضحك ~~رسول الله صلى ms212 الله عليه وسلم ثم أمر له بعطاء (3) ~~وروى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها : (لم يكن صلى الله عليه وسلم فاحشا، ~~ولا متفحشا، ولا يجزي بالسيئة السيئة، وللكن يعفو ويصفح)(4) أي : لم يكن له ~~الفحش خلقا ولا مكتسبا ~~(1) أخرجه ابن حبان (288)، وأبو نعيم في " الدلائل "(108/1)، والبيهقي في " الدلائل" ~~(278/6)، والطبراني في " الكبير "(222/5)، والحاكم (604/3) ~~(2) ابو داوود (4742). # (3) البخاري (3149) ~~(4) الترمذي (2016) ~~297 PageV00P231 ~~============================================================ ~~وروى البخاري : أن رجلا استأذن عليه، فلما رآه.. قال : "بئس أخو ~~العشيرة، وبئس ابن العشيرة" فلما جلس إليه.. ألان له القول وانبسط إليه، فلما ~~مضى. سألته عائشة رضي الله عنها عما قال وعما فعل، فقال : ل"متى عهدتني ~~فحاشا؟1"(1) والعشيرة : القبيلة، وانبساطه إليه تألف له؛ لأنه رئيس قومه، ~~وتعليم للأمة، وفيه جواز المداراة اتقاء للشر، وهي : بذل الدنيا لصلاح الدين، ~~أو الدنيا، أو هما، بخلاف المداهنة فإنها بذل الدين لصلاح الدنيا ، وهو صلى الله ~~عليه وسلم إنما بذل له من دنياه حسن عشرته ولم يمدحه، فكان قوله. فيه حق، ~~وفعله.. معه حسن عشرة، وهذا الرجل بين بعضهم آنه عيينة بن حصن الفزاري، ~~وقد كانت منه آمور في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد موته تدل على ضعف ~~ايمانه، بل ارتد في زمن الصديق، وحارب، ثم آسلم في زمن عمر، فما قاله ~~صلى الله عليه وسلم فيه من علامات النبوة، ولا ينافي ما مر: آنه لم ينتقم ~~لنفسه أمره بقتل عقبة بن آبي معيط، وعبد الله بن خطل، وغيرهما ممن كان ~~يؤذيه صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم كانوا مع ذلك ينتهكون حرمات الله تعالى) ~~فأيس من إيمانهم، ومن ثم لما طمع في إيمان المنافقين. أمهلهم، مع شدة ~~ايذاتهم له بما لا يصبر عليه بشر، وصبره على من آعلم بعدم إيمانه للمصلحة ~~العامة، كما أشار لذلك صلى الله عليه وسلم بقوله لمن قال له : اقتلهم: "لا ~~يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه "(2). # وصح عن أنس : كان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع ~~الناس، وإن أهل المدينة فزعوا ليلة ms213 فخرجوا ، فرأوه راجعا من جهة الصوت متقلدا ~~سيفه على فرس لأبي طلحة ، فقال لهم : " لن تراعوا ، ما رأئنا من بأس"(3). # (1) البخاري (6032). # (2) اخرجه البخاري (4095)، ومسلم (2584)، والترمذي (3315)، وليس عندهم لفظ: ~~(اقتلهم) ، وما فيه : أن عبد الله بن أبي ابن سلول قال في غزوة بني المصطلق : لين رجعنا ~~إلى المدينة.. ليخرجن الأعز منها الأذك، فقال عمر رضي الله عنه : يا رسول الله دعني ~~أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "دعه، لا تحدث.6. # (3) أخرجه البخاري (2908)، ومسلم (2307)، وغيرهما. PageV00P232 # ============================================================ ~~وصارع صلى الله عليه وسلم أبطالا معروفين بأنهم لا يصرعون فصرعهم(1)، وفي ~~البخاري " عن البراء: أنه قيل له: أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~حنين؟ فقال : للكن رسول الله لم يفر، كان هوازن رماة، وإنا لما حملنا عليهم.: ~~انكشفوا، فأكبينا على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، ولقد رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بزمامها وهو صلى الله ~~عليه وسلم يقول: ~~أنا النبي لا كذت أنا أبن عبد المطلب(2) ~~وثباته حينئذ نهاية الشجاعة، كيف وقد فر جيشه عنه ولم يبق معه إلا بضعة عشر ~~رجلا؟! فوقف في نحو ألوف مؤلفة على بغلة لا تصلح لكر ولا فر، وهو مع ذلك ~~يركضها إلى وجوههم، وينوه باسمه ليعرفه من جهله: ~~ومن ثم قال الصحابة : كنا إذا احمر البأس.. اتقينا برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم (2)؛ أي جعلناه بيننا وبين العدو، وقمنا خلفه محتمين به ~~ولما قال اللعين آبي بن خلف يوم أحد: أين محمد؟ لا نجوت إن تجا.. تناول ~~صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة وقال لأصحابه - بعد أن أرادوا التعرض ~~له-: "خلوا سبيله "(4)، فطعنه في عنقه طعنة كان فيها إتلاف نفسه الخبيثة اللعينة ~~(ولا تستخفه) أي : لا تخرجه عن ثباته وتواضعه ووقاره (السراء) آي : الرخاء ~~والسعة في الجيوش والفتوح التي فتحها في أواخر حياته، بل هو معها كهو قبلها، لم ~~يزدد إلا تواضعا وحلما وعفوا وصبرا، ومن ثم لما دخل ms214 صلى الله عليه وسلم مكة يوم ~~الفتح في تلك الجيوش الهائلة - التي لما رآها أبو سفيان . قال للعباس : لقد أصبح ~~ملك ابن أخيك ملكا عظيما، فقال له: ويحك، إنه ليس بملك، ولكنها النبوة، ~~(1) من ذلك : انه صرع وكانة كما أخرجه أبو داوود (4075)، والترمذي (1784)، وقال: ~~هذا حديث غريب ~~(2) البخاري (2864) ~~(3) أخرجه أحمد (156/1)، وأبو يعلى (302). # (4) أخرجه البيهقي في " الدلائل" (206/3) في سياق حديث خروجه صلى الله عليه وسلم إلى ~~أحد، وانظره في " سبل الهدى والرشاد * (308/4) ~~وا PageV00P233 ~~============================================================ ~~قال: نعم- وهو صلى الله عليه وسلم على ناقته القصواء، في كتيبته الخضراء، بين ~~آبي بكر وأسيد بن حضير. جاء: آنه صلى الله عليه وسلم وضع رأسه تواضعا لله ~~تعالى؛ لما رأي ما أكرمه الله تعالى به من الفتح، حتى إن رأسه ليكاد يمس رحله ~~شكرا وخضوعا لعظمته أن أحل له بلده ولم يحله لأحد قبله (1). # وإنما اتصف صلى الله عليه وسلم بهذه الكمالات التي لم توجد في غيره ؛ لأنه ~~كرمث نفشه فما يخطر الشو على قلبه ولا الفخشاء ~~(كرمت نفسه) لأنه تعالى لما أراد إيجاد خلقه.. أبرز الحقيقة المحمدية من أنواره ~~الصمدية في حضرته الأحدية، ثم سلخ منها العوالم كلها علوها وسفلها على ما اقتضياه ~~كمال حكمه، وسبق في إرادته وعلمه، ثم أعلمه الله تعالى بكماله ونبوته، وبشره ~~بعموم دعوته ورسالته، وبأنه نبي الأنبياء وواسطة جميع الأصفياء وأبوه آدم بين الروح ~~والجسد، بل ولا روح ولا جسد، ثم انبجست منه عيون الأرواح، فظهر ممدا لها في ~~عالمها المتقدم على عالم الأشباح، وكان هو الجنس العالي على جميع الأجناس، ~~والأب الأكبر لجميع الموجودات والناس، فهو- وإن تأخر وجود جسمه- متميز على ~~العوالم كلها برفعته وتقدمه؛ إذ هو خزانة السر الصمداني، ومختد تفرد الإمداد ~~الرحماني (2) . # (ف) بسبب كرامة نفسه وتشريفها عن كل رذيلة ونقيصة (ما يخطر السوء على قلبه ~~ولا الفحشاء) كيف وقلبه قد طهره الله تعالى بشق الملائكة المرات المتعددة عند تنقله ~~في الأطوار المنقطعة المختلفة - كما مر بيانه - وإخراج ما فيه مما جبل عليه النوع ~~الإنساني مما ms215 يقتضي ذينك، ثم طهر وغسل وحشي من الحكم والعلوم مما لا يحيط به ~~إلا المان به عليه ؟! وذكر الفحشاء مع العلم بانتفائها بالأولى من انتفاء السوء ؛ لأنها ~~السوء الذي جاوز حده؛ لأن المقام مقام إطناب ~~(1) انظر "سيرة ابن هشام * (405/4) ~~(2) المحتد: الأصل: PageV00P234 ~~============================================================ ~~وإذا تأملت ما آتاه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم مما مر من تلك الكمالات ~~التي لا تحد ولا تعد. علمت أنه قد ~~عظمث نغمة الإلله عليه فأشتقلث لذكره العظماء ~~(عظمت نعمة الإلكه عليه) عظمة قطعت سائر الخلق عن آن يصل أحد منهم إلى ~~مباديء غاياتها ومقاصد نهاياتها (ف) بسبب هذذه العظمة المذكورة (استقلت لذكره) ~~أي : عند وقت ذكر ما أنعم الله به عليه، ونظيره : وأقو الضلوة لزكرى}: ~~(العظماء) أي: جميع ما أنعم الله به عليهم؛ لأنه أوتي غايات الكمالات الباهرة ~~التي لا يدرك شأوها مخلوق، ولو عرض معها على ذوي العقول الكاملة جميع التعم ~~والفضائل التي أوتيها غيره من المخلوقات.. لاستقلوها وعدوها دون كمالاته، ~~وقطعوا بأن ما عنده أعظم وأجل وأفخم: ~~وأعدت ضمير (ذكره) وحملت (العظماء) على ما ذكرته ؛ لأن المتن صريح في ~~ذلك باعتبار أنه فرع الاستقلال على عظم النعمة، وحذرا من أني لو لم أفعل ذلك:: ~~لأوهم ذكر الاستقلال - على ما هو المتبادر منه عرفا - الاحتقار للعظماء الشامل لبقية ~~الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين، لا سيما وقد استعمله الناظم فيه بعد بيتين ~~حيث قال : (مستقل دنياك...) ولا نظر مع ذلك إلى قبول ذلك الإيهام ؛ للمنع بأن ~~يقال: استقلال الشيء عده قليلا حتى في العرف، ولا شك أن ما عداه صلى الله عليه ~~وسلم بالنسبة إليه كنسبة القليل إلى الكثير. # فإن قلت : يلزم على تسليم ذلك الايهام أن الاحتقار متبادر حتى على ما ذكرت ؛ ~~لأن إضافة الاستقلال إلى النعم يوهم احتقارها، وهو محذور أيضا ~~قلت: ممنوع؛ لأن النعم الواصلة للعظيم وغيره توصف بالقلة تارة وبالكثرة ~~أخرى، فلم يوهم ذكر الاستقلال فيها احتقارا أصلا، بخلاف الذوات فإن وصفها بأنها ~~استقلت يوهم احتقارها؛ إذ لا يستعمل الاستقلال فيها ms216 إلا بهذا المعنى غالبا ~~نعم؛ قرينة المقام - لا سيما مع مراعاة وصفهم بالعظمة - تدفع ذلك الايهام كما هو ~~جلي: ~~301 PageV00P235 ~~============================================================ ~~وبين (عظمت) و( العظماء) تجنيس الاشتقاق. # وكان صلى الله عليه وسلم من الحلم على من اذاه، وزيادة الاحتمال لأعدائه، ~~وفرط الحلم عليهم والإغضاء عنهم.. بالغاية التي لم يصل إليها غيره، ومن ثم ~~(132 ~~جهلت قومه عليه فأفضى وأخو الحلم دأبه الإفضاء ~~) أي: قريش وغيرهم () أي: آذوه أذى لا يطاق، فضربوه، ~~وخنقوه، وآغروا به سفهاءهم وصغارهم فضربوه، ورموه بالحجارة إلى آن آدموا ~~رجليه فسال منهما الدم على نعليه، وشجوا وجهه، وكسروا رباعيته، ورموه بالسحر ~~والكهانة والجنون، وتواعدوا على قتله مرات، وحصروا لأجله بني هاشم وبني ~~المطلب في شعبهم سنتين حتى كادوا أن يهلكوا من الجوع ، كما مر جميع ذلك في ~~"البخاري" ول مسلم" من حديث عائشة رضي الله عنها : أنها قالت للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال : " لقد لقيت من قؤمك، ~~وكان أشد ما لقيت منهم يؤم العقبة" ، وذكر ما مر من ذهابه إلى ثقيف، فأغروا به ~~سفهاءهم وصبيانهم، فضربوه ورجموه(7) ~~) عنهم حلما وتكرما، لا سيما وقد جاءه لما اشتد إيذاؤهم له ملك ~~الجبال، كما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة السابق آنفأ، فإنه قال بعد أن ذكر ~~ما آذاه به ثقيف لما خرج إليهم بعد موت أبي طالب.. يدعوهم إلى الله تعالى ويستنصر ~~بهم على قريش : " فأنطلقت وأنا مفموم عليى وجهي ، فلم أستفق إلا وأنا بقزن ~~الثعالب - أي : ميقات أهل الحجاز- فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قذ أظلتني، فنظرت ~~فإذا فيها جبريل، فناداني فقال : إن ألله قذ سمع قؤل قومك وما ردوا عليك، وقذ ~~بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت ، فناداني ملك الجبال ، فسلم علي ثم قال : ~~يا محمد؛ إن الله قد سمع قول قومك، وأنا ملك الجبال ، وقذ بعثني ربك إليك ~~لتأمرني بأمرك، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين - فقال صلى الله عليه وسلم - : بل ~~(1) البخاري (3236)، ومسلم (1795) PageV00P236 ~~============================================================ ~~أرجو أن يخرج ألله ms217 من أصلابهم من يعبد ألله وخده لا يشرك به شيئا" فكان الأمر كما ~~رجا صلى الله عليه وسلم ~~ح) أي: التأني في الأمور، وعدم الانتقام ممن أتى بمكروه وإن ~~عظم؛ آي: الذي طبعه الله عليه حتى صار غريزة له، مختلطا بدمه ولحمه( ~~أي : شأنه وعادته المستمر هو عليها ( ب:) أي : التغافل عن أن يلتفت إلى أنه ~~أوذي، فضلأ عن أن ينتقم ممن آذاه، وفي كلامه المقابلة؛ لما قررته : أن المراد ~~بالجهل لازمه من إيذائه بما لا يطاق، ومن ثم لما آذوه يوم أحد بشج وجهه وكسر ~~رباعيته.. قيل له : ادع عليهم ، فقال : " اللهم ؛ أغفر لقؤمي فإنهم لا يغلمون" ~~اي: علمأ ينتفعون به، إما لجهلهم؛ آي: اعتقادهم الشيء على خلاف ما هو عليه، ~~وكثير منهم كانوا كذلك، فكانوا يعتقدون حل إيذائه ومقاتلته، إما غفلة عما لو التفتت ~~قلوبهم إليه أدنى التفاتة من معجزاته.. لعلموا الحق واتبعوه من فورهم، وإما ~~لعنادهم ، وهم الأكثرون ، قال تعالى : ( وححدرا بها وأستيقنتها أنفسهم ظلما وعلواا} أي : ~~فنزل علمهم منزلة الجهل، يل هو أضر منه كما لا يخفى، وبهذا يعلم أن في تعبير ~~الناظم بالجهل تضمينا لجملة قوله : " لا يغلمون " ، وأن المراد بالحلم لازمه من عدم ~~الانتقام، وفيه المقابلة أيضا بين (الإمساك) و(الإعطاء) ، و( التحقق) و( الظن) ~~الاتيين، وفيه أيضأ جناس الاشتقاق بين (أغضى) و( الإغضاء)، والتذييل بالمثل ~~السائر. # وأصل الإغضاء: إطباق العين عن رؤية المكروه، فاستعير لما ذكر، بجامع ~~الإعراض عن المكروه فيهما، وإذا كان أخو الحلم دأبه ذلك. فكيف بنبينا صلى الله ~~عليه وسلم وهو الذي وصل من الحلم إلى غاية لم يصل إليها مخلوق ؟! لأن الله تعالى ~~هو الذي تولى تأديبه بنفسه، وأفاض عليه من حقائق حلمه وقدسه، حيث قال له: ~~خذ العفو وأبر بالعرف وأعرض عن الحهاير ، وفسرها جبريل للنبي صلى الله عليه ~~وسلم حين سأله فقال : (يا محمد؛ إن الله يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من ~~حرمك، وتعفو عمن ظلمك)(1) وكل من آثر له حلم واحتمال. عرفت له زلة أو ~~(1) أخرجه ms218 ابن جرير الطبري في ل" تفسيره " (105/9)، وابن مردويه كما في " الدر المنثور" ~~.(128 13 PageV00P237 ~~============================================================ ~~هفوة تنافي الحلم إلا نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يزيد على كثرة الأذى ~~إلا صبرا، وعلى جهل الجاهلين - وإن بلغ الغاية - إلا حلما، ولقد قالت عائشة ~~رضي الله عنها : (ما رأيته منتصرا من مظلمة ظلمها قط إلا أن تكون حرمة من ~~محارم الله)(1)، أي: المتعلقة به تعالى، كما مر ذلك مبسوطأ في شرح قوله: (لا ~~تحل البأساء منه عرى الصبر) ~~ومنه قصة الأعرابي الذي جذبه بردائه حتى أثر في عنقه الشريف وقال له: أعطني ~~من مال الله ، لا من مالك ولا من مال أبيك، فقال صلى الله عليه وسلم : "ألمال مال ~~الله وأنا عبده" ، ثم طلب منه القود فقال : لا، قال : "لم ؟ " قال : لأنك لا تكافىء ~~بالسيئة السيئة، فضحك وأمر له بحمل بعيرئه ~~ومر في قصة اليهودي الذي أسلم: أن من علامات نبوته صلى الله عليه وسلم أن ~~حلمه يسبق غضبه، وأته لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما ~~ولما دخل في غزوة فتح مكة على قريش وقد أجلسوا في المسجد الحرام وأصحابه ~~ينتظرون أمره فيهم من قتل أو غيره. . قال لهم : 9 ما تظنون أني فاعل بكم ؟" قالوا : ~~خيرا ، اخ كريم، وابن اخ كريم فقال : " أقول لكم كما قال أخي يوسف : ~~لاتثريب عليكم اليوم) ، اذهبوا فأنتم الطلقاء"(2) . # وسع العالمين علما وحلما فهو بخة لم تغيه الأغباء ~~(وسع) بالكسر (العالمين) جمع عالم، وللمحققين فيه في الاية كلام منتشر، ~~لا بأس بتلخيصه وتحريره هنا، وهو مع اشتقاقه من العلامة: اسم لما يعلم به ~~كالخاتم : اسم لما يختم به مع كونه مشتقأ من الختم، ثم غلب فيما يعلم به الخالق ~~تعالى، فصار اسما لكل ما سواه تعالى من الجواهر والأعراض، فإنها لإمكانها ~~وافتقارها إلى مؤثر واجب لذاته. تدل على وجوده، وجمع ليشمل ما تحته من ~~(1) أخرجه أبو بكر الحميدي في مسنده "(260) ~~(2) أخرجه البيهقي في " السنن الكبري" (118/9)، وابن جرير الطبري في ل تاريخه " ~~(1013 ms219 PageV00P238 ~~============================================================ ~~الأجناس المختلفة، ولا يعارضه أن المفرد - وهو العالم - أدل على الشمول ~~والاستغراق؛ إذ الجمع قد يحتمل غير الشمول ؛ لأن الغرض هنا : افادة أن له أجناسا ~~مختلفة كالجن والإنس والملائكة والأفلاك والدواب والجماد وغير ذلك، واستغراق ~~جميعها بطريق المطابقة، ولو قيل: العالم.. لأوهم استغراق بعض آفراد تلك ~~الأجناس فقط، ولأصحاب حواشي " الكشاف " هنا كلام متباين، هلذا أحسنه، ~~وغلب في جمعه بالواو والياء والنون العقلاء لشرفهم، وجمع جمع قلة مع أن الظاهر ~~مستدع الإتيان بجمع الكثرة تنبيها على أن العوالم - وإن كثرت - قليلة في جنب ~~عظمة الله تعالى وكبريائه ~~وقيل: العالم: اسم وضع لذوي العلم ، وهو الإنس والملائكة والجن، وتناوله ~~لغيرهم على سبيل الاستتباع، فهو مشتق من العلم، وقيل: عنى به الناس، فإن كل ~~واحد منهم عالم من حيث إنه يشتمل على نظائر ما في العالم الكبير من الجواهر ~~والأعراض التي يعلم بها الصانع، ولذلك سوى بين النظر فيهما فقال تعالى : وفى ~~أتفكر أفلا تبصرون}، وقد بين حجة الإسلام في كتابه " الإنتصار لما في الأجناس من ~~الأسرار" وجه اشتمال الإنسان على نظير ما في العالم بما فيه طول، فراجعه فإنه ~~بديع ~~ومنه: أن العالم انقسم إلى عوالم : عالم الملك، وهو الظاهر للحواس، وإلى ~~عالم الملكوت، وهو المدرك بالعقل، وعالم الجبروت، وهو المتوسط الذي أخذ ~~بطرف كل عالم منهما، والإنسان كذلك، فالمشابه للأول أجزاء بدنه، وللثاني نحو ~~روحه وعقله وإرادته، وللثالث الادراكات الموجودة بالحواس، والقوى الموجودة ~~بأجزاء البدن: ~~(علما) تمييز؛ أي: وسع علمه صلى الله عليه وسلم علوم العالمين الإنس ~~والملائكة والجن؛ لأن الله تعالى أطلعه على العالم ، فعلم علوم الأولين والاخرين ~~ما كان وما يكون كما مر، وحسبك في ذلك القرآن الذي آوتيه ومثله معه كما صح ~~عنه (1)، وقد قال تعالى : ما فرطنا فى الكتب من شق ء} ، ويلزم من إحاطته صلى الله ~~(1) أخرجه أبو داوود (4594)، وأحمد (130/4)، والبيهقي في " الدلائل* (549/6) ~~وغيرهم PageV00P239 ~~============================================================ ~~عليه وسلم بالعلوم القرآنية ومثلها الذي أوتيه أيضا: أنه أحاط بعلوم الأولين ~~والاخرين، وأن علومهم مندرجة ومنغمرة في علومه ms220 صلى الله عليه وسلم: ~~) تمييز؛ آي: وسع حلمه حلم العالمين بأسرهم، كما عرف مما سبق: ~~أنه ما من حليم قط إلا وقد عرفت له زلة أو هفوة تخدش في كمال حلمه إلا نبينا ~~صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يزيده شدة الايذاء له والجهل عليه إلا حلما وعفوا ~~وصفحا، وبين (حلما) وما قبله الجناس المضارع(1). # ) بسبب جمعه لتلك المعالي التي لم تجتمع لغيره () أي: واسع العلم ~~والحلم وغيرهما من أخلاق نفسه الزكية وصفاتها العلية، فهو تشبيه بليغ، أو استعارة ~~على قول مردود؛ أي: كالبحر الذي هو خلاف البر والنهر، سمي بحرا لاتساعه ~~وعقه () من: أعيا فلان في مشيه؛ آي: تعب أو وقف () جمع ~~عبء بكسر أوله وبالموحدة والهمز، وهو : الحمل والثقل من أي شيء كان؛ أي: ~~لم يكدر بحر علمه شك ولا شبهة، وبحر حلمه إيذاء ولا جهالة، فاستعار (الإعياء) ~~للكدورة، و(الأعباء) للشبه والجهالات. # وإذا تأملت ما تقدم من أوصاف كماله الباهرة، وعصمته ونزاهته الظاهرة، وأنه ~~البحر الذي اندرجت البحار كلها في يمه، والحليم الكريم الذي دخل كل كريم وحليم ~~حت حيطة كرمه وحلمه.، علمت آنه صلى الله عليه وسلم لعصمته عن التلفت لما ~~سوى الله تعالى ~~مشتقل دنياك أن ينسب الإذ ساك منها إليه والإغطاء ~~) أي: محتقر (.ب2) أي: الأموال التي هي من جملتها؛ إذ هي في ~~الأصل: اسم لما بين السماء والأرض (1 ~~) أن ينسب إليه ~~أيضا() منها؛ لأنها لفنائها وكثرة الاشتغال بها عن المعالي.. حقيقة بمزيد ~~الاعراض عنها، وعدم الالتفات إلى إمساكها وإخراجها ولو لمستحقها، احتقارا ~~(1) وهو : ما إذا كان الاختلاف في حرفين متقاربي المخرج: PageV00P240 ~~============================================================ ~~لشانها وتعليما للأمة عدم الاعتداد بها، ودليل إعراضه صلى الله عليه وسلم عنها أشد ~~الإعراض خبر الترمذي : أنه صلى الله عليه وسلم قال : 8 عرض علي ريي أن يجعل لي ~~بطحاء مكة ذهبا، فقلت : لا يا رب ، ولكن أشبع يوما وأجوع يؤما ، فإذا جعت .. # تضرغت إليك وذكرتك، وإذا شبعت.. شكرتك وحمذتك"(1)، وحكمة هذذا ~~التفصيل الاستلذاذ بخطابه تعالى، وإلا.. فهو عالم بالأشياء كلها ms221 جملة وتفصيلا. # وروى الطبراني بإسناد حسن: أنه صلى الله عليه وسلم كان هو وجبريل على ~~الصفا ، فقال : "يا جبريل؛ وألذي بعثك بألحق ما أمسى لآل محمد سفة من دقيق ، ~~ولا كفث من سويق " فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هدة من السماء أفزعته ، فقال ~~صلى الله عليه وسلم : " أمر ألله القيامة أن تقوم ؟ " قال : لا ، وللكن أمر إسرافيل أن ~~ينزل إليك حين سمع كلامك، فأتاه إسرافيل فقال : إن الله سمع ما ذكرت، فبعثني ~~إليك بمفاتيح خزائن الأرض ، وأمرني أن أعرض عليك ، [إن أحببت] أن أسير معك ~~جبال تهامة زمردا وياقوتا وذهبا وفضة.. فعلت، فإن شئت نبيأ ملكا، وإن شئت نبيا ~~عبدا، فأومأ إليه جبريل أن تواضع، فقال: " بل نبيا عبدا" (ثلاثا)(2)، فانظر إلى ~~همته العلية كيف عرضت عليه خزائن الأرض فأعرض عنها وأباها ، مع أنه لو أخذها: ~~لم ينفقها إلا في طاعة ربه ؟! لكنه اختار العبودية المحضة، فيا لها من همة شريفة ~~رفيعة ما أسناها! ونفس زكية كريمة ما أبهاها! وقد أشار الناظم إلى ما هنا بقوله في ~~"بردة المديح" : ~~وراودته الجبال الشم من ذهب ~~.الأبيات الثلاثة(3)، ومعنى البيت الثالث: وكيف تدعو ضرورة سيد ~~(1) الترمذي (2347) ~~(2) المعجم الأوسط (1933) ~~(3) وهي بتمامها: ~~وراودته الجبال الشم من ذهب عن نفسه فأراها أيما شمم ~~واكدث زفده فيها ضرورته إن الضرورة لا تغذو على أليصم ~~وكئف تذعو إلىل الدنيا ضرورة من لؤلاه لم تخرج الانيا من العدم PageV00P241 ~~============================================================ ~~المعصومين إلى زخرف الدنيا وزينتها وهي وما فيها إنما خلقت لأجله كما صرح به ~~الخبر السابق ؟1 ~~تتبيه : قوله هنا : (مستقل...) إلخ أحسن من قوله ثم : (واكدت زهده فيها ~~ضرورته..) لأن بعض العلماء أنكر وصفه صلى الله عليه وسلم بالزهد، ويؤيده قول ~~محمد بن واسع وقد قيل له : فلان زاهد، فقال : وما قدر الدنيا حتى يزهد فيها ؟! # وإذا أنكر وصفه بالزهد.. فالضرورة من باب أولى، وفي " السيف المسلول" للتقي ~~السبكي عن الشفا" وأقره : أن فقهاء الأندلس أفتوا بإراقة دم من وصفه صلى الله عليه ~~وسلم في آثناء مناظرته ms222 باليتيم، ثم زعم آن زهده لم يكن قصدا، ولو قدر على ~~الطيبات.. أكلها(1). # وذكر البدر الزركشي عن بعض الفقهاء المتأخرين : أنه كان يقول : لم يكن النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقيرا من المال قط، ولا حاله حال فقير، بل كان أغنى الناس ~~بالله، فقد كفي أمر دنياه في نفسه وعياله، وكان يقول في قوله صلى الله عليه وسلم: ~~" أللهم ؛ أحيني مسكينا "(2) : إن المراد به : استكانة القلب ، لا المسكنة التي هي : ~~أن لا يجد ما يقع موقعا من كفايته، وكان يشدد النكير على من يعتقد خلاف ذلك . اه ~~ولوقال : لا المسكنة المرادفة للفقر، أو المقابلة له. لكان أنسب لغرضه. # وأما خبر: "الفقر فخري وبه أفتخر". فموضوع (2)، وقد صح : أنه صلى الله ~~عليه وسلم استعاذ من فتنة الفقر كما استعاذ من فتنة الغني(2). # فائدة: اكثر القرآن مشتمل على ذم الدنيا وصرف الخلق عنها ودعوتهم إلى ~~الأخرة، بل هذا هو المقصود بالذات من سائر الشرائع، كيف وهي عدوة لله؛ ~~لقطعها طريق الوصول إليه، ولذلك لم ينظر إليها منذ خلقها، وعدوة لأوليائه؛ لأنها ~~تزينت لهم بزينتها حتى تجرعوا مرارة الصبر في مقاطعتها، وعدوة لأعدائه؛، لأنها ~~(1) انظر الشفا"(ص 769) ~~(2) أخرجه الترمذي (2275)، وابن ماجه (4116)، والبيهقي في " السنن الكبري" ~~7/ 12) وغيرهم ~~(3) انظر " تلخيص الحبير" لابن حجر (109/3)، و1 المصنوع" ( ص 128) ~~(4) أخرجه البخاري (6368)، ومسلم (4877) PageV00P242 ~~============================================================ ~~استدرجتهم بمكرها، واقتنصتهم بشبكتها حتى وتقوا بها، فخذلتهم آحوج ما كانوا ~~إليها؟! # وروى جماعة في قصة ثعلبة بن أبي حاطب الذي أنزل الله فيه : { ومنهم تن ~~علهد الله لين ماتكنا من فضله، لنصدقن . .. الآيات : أنه سأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يدعو له : بأن الله يرزقه مالا، فقال له صلى الله عليه وسلم : "قليل ~~تؤدي شكره خير من كثير لا تطبقه " فأعاد السؤال، فقال له صلى الله عليه وسلم: ~~" أما لك في أشوة؟ أما تزضى أن تكون مثل نبي ألله؟ أما والذي نفسي بيده لو شنت أن ~~تسير معي الجبال ذهبا وفضة.. لسارث... "الحديث بطوله (1). # وصح : أنه صلى الله عليه وسلم رأى شاة ميتة ms223 فقال : " والذي نفسي بيده للدنيا ~~أهون على ألله عز وجل من هلذه الشاة على أهلها ، ولؤ كانت الذنيا تغدل عند الله جناح ~~بعوضة.. ما سقى كافرا منها شربة ماء"(2). # وفي الخبر الحسن : " الذنيا ملعونة ملعون ما فيها إلأ ذكر الله وما والاه ، وعالم أو ~~(3) ~~متعلم"(2). # وصح: أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه دعا بشراب، فاتي بماء وعسل، فبكى ~~حتى أبكى أصحابه، ثم بكى، ثم مسح عينيه، فسألوه، فقال: كنت مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فرأيته يدفع عن نفسه شيئا ولم أر معه أحدا، فقلت : ~~يا رسول الله ؛ ما الذي تدفع عن نفسك ؟ قال : " هلذه ألدنيا مثلت لي ، فقلث لها : ~~إليك عني، ثم رجعت فقالت : إنك إن أفلت مني.. لم يفلت مني من بعدك "(4). # (1) أخرجه البيهقي في " الدلائل" (289/5)، والطبراني في " الكبير" (218/8) وابن ~~جرير الطبري في " تفسيره "(10/ 130)، وابن قانع في " معجم الصحابة"(213)، وقال ~~في " مجمع الزوائد" (35/7): (... وفيه علي بن يزيد الألهاني، وهو متروك)، وذكره ~~ابن حجر في " الإصابة "(199/1)، وقال : (.. إن صح الخبر، وأظنه لا يصح). # (2) اخرجه ابن ماجه (4110)، والبيهقي في " الشعب "(10465) ~~(3) أخرجه الترمذي (2322)، وقال : (حديث حسن غريب) ~~(4) أخرجه البيهقي في الشعب "(10518)، والحاكم (309/4) ~~309 PageV00P243 ~~============================================================ ~~وصح من جملة الحديث المشهور : " فوألله ما ألفقر أخشى عليكم ، ولكن أخشى ~~أن تبسط عليكم الذنيا كما بسطت علىل من كان قبلكم ، فتنافسوها كما تنافسوها ، ~~وتفلككم كما أفلكتهم "(1). # أولهما: المراد بالدنيا المذمومة في الأحاديث وغيرها : ما في قوله ~~تعالى : زين للناس حب الشهوات مك النسآء وألبنين . .. الآية ، ويجمع ذلك : كل ~~ما لك فيه عاجل حظ أو شهوة، من غير آن يعين على عمل آخروي ولا يقصد به. # ثانيهما: تعارضت الأحاديث في ذم المال ومدحه؛ لأنه تعالي مع ما سبق من ذم ~~الدنيا سمى المال خيرا ، وفي الحديث : " نعغم المال الصالح للمزء الصالح"(2) ، ~~وكل ما جاء في ثواب الصدقة والضيافة والإحسان والزكاة والحج ونحوها.. فهو ثناء ~~على المال؛ لأنه يتوصل به إليه ، وفي حديث البيهقي وغيره : "كاد الفقر أن يكون ~~كفرا"(3) ، وهو ms224 ثناء على المال. # وصح - على نزاع فيه ، ولذلك قال بعض الحفاظ : إنه حسن ، وزعم بطلانه غلط ~~صريح- خبر: 9 اللهم ؛ من آمن بي وصدقني ، وعلم ان ما جنت به هو الحق من ~~عندك.. فأقل ماله وولده ، وحبب إليه لقاك ، وعجل له القضاء ، ومن لم يؤمن بي ~~ولم يصدقني، ولم يغلم أن ما جنت به هو الحق من عندك .. فأكثر ماله وولده ، وأطل ~~عمره"(4)، وطرقه كثيرة مختلفة ، منها- وهي صحيحة على شرط الشيخين - : أن أبا ~~ذر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اني أحبكم أهل البيت ؛ فقال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم : "ألله ؟" فقال : لله ، فقال : " فأعد للفقر تجفافا ، فإن الفقر ~~أسشرع إلى من يوئنا من السئل من أعلى الأكمة إلى أسفلها"(5) مع دعائه صلى الله عليه ~~(1) أخرجه البخاري (4015)، ومسلم (2961)، والترمذي (2462)، وابن ماجه ~~3997)، وغيرهم ~~(2) أخرجه البخاري في "الأدب المفرد " (299)، وابن حبان (3210)، وأحمد ~~(197/4 ~~(3) شعب الإيمان (1612) ~~(4) أخرجه ابن ماجه (4133)، والطبراني في " الكبير" (31/17). # (5) أخرجه الحاكم (331/4)، وأخرجه أيضا الترمذي (2350)، والبيهقي في " الشعب" PageV00P244 ~~============================================================ ~~وسلم لخادمه أنس رضي الله تعالى عنه بأن الله يكثر ماله وولده ، رواه الشيخان(1) ~~ووجه الجمع : أن المدعو به في الأول من قلة المال والولد المراد منه: قلة ~~فتنتهما؛ لأن الغالب فيهما الفتن ، كما هو واضح من الايات والأحاديث، وفي الثاني ~~من كثرتهما المراد به : كثرة فوائدهما وثمراتهما الأخروية، فالمال ليس خيرا محضا ~~من كل وجه، ولا شرا محضا من كل وجه، وإنما هو كالسيف في يد المقاتل، يقتل ~~به معصوما تارة، ومهدرا أخرى، أو كحية في يد إنسان فيها سم وترياق، وللكن ~~سمها اكثر وأغلب، وأوحى- أي أسرع - للنفوس وأذهب، وإذا تأملت أيضا ما تقرر ~~من كمالاته العلية. علمت أنه ~~(139 ~~شمس فضل تحقق الظن فيه أنه الشمس رفعة والضياء ~~) سماء العلوم والكمالات بأسرها، كيف وكل (نس) تحلى به كل ~~كامل فإنما هو بواسطة استمداده من فضله ؟! وإذا كان الأمر كذلك.. () من ~~حق بمعنى ثبت (التن) يعني : الاعتقاد الجازم المطابق للواقع (ي) أي : في ذاته ~~وصفاته () بالنسبة إلى بقية الكمل ms225 في إشراقه ورفعته عليهم (.) المشرقة ~~على هذذا العالم النائية عنه (نم) فلا يصل إليها أحد منهم (ر) أنه ( ~~المفيض عليهم أضواء الكمالات وخوارق الإمدادات: ~~وبين (الشمس) و(الضياء) تجنيس مراعاة النظير، وفيهما التشبيه البليغ، أو ~~الاستعارة الأصلية المطلقة على القول الذي مر رده ، ومر أوائل الكتاب ما للبلغاء في ~~التشبيه بالشمس، فراجعه ، للكن ليس كون المشبه به أعلى من المشبه أمرأ مطردا، ~~بل قد ينعكس الحال ، كما في صلاة التشهد : 0 كما صليت على إيراهيم "(2) على أحد ~~(1471)، دون التصريح باسم أبي ذر رضي الله عنه و - بكسر التاء - هو: آلة ~~للحرب، يلبسه الفرس والإنسان، ليقيه في الحرب ~~(1) البخاري (1334) ومسلم (160) ~~(2) أخرجه البخاري (3370)، وأبو داوود (468)، والترمذي (483)، والنسائي ~~49/3)، وابن ماجه (903)، وغيرهم ~~11 PageV00P245 ~~============================================================ ~~الأجوبة فيه، وما هنا من ذلك، كما تنبه الناظم رحمه الله لذلك حيث بين آنه صلى الله ~~عليه وسلم أعلى شأنا في الضياء من الشمس، فقال - عاطفا ب( فاء) السببية؛ إشعارأ ~~بالنكتة التي ذكرنا أنه تنبه لها- : ~~(136 ~~فإذا ما ضحا محا نوره الظل وقذ اثبت الظلال الضحاء ~~(ف) بسبب أن المشبه قد يكون أعلى من المشبه به. كان شأنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه (إذا ما) لم يتكلم الجمال ابن هشام على هذه في " المغني" مع أنها في ~~القرآن في غير موضع، وتكلم على (إذ ما) مع كونها ليست فيه، وتكلم على تلك ~~البهاء السبكي في "عروس الأفراح" في (أدوات الشرط) للكنه لم يتعرض إلى أن ~~زيادة (ما) حولتها إلى الحرفية أو لا. # قال الجلال السيوطي : (ويحتمل أن يجري فيها قولا 8 إذ ما" : قول سيبويه: ~~انها حرف، والمبرد وغيره: إنها باقية على الظرفية، ويحتمل آن يجزم ببقائها على ~~الظرفية؛ لأنها أبعد عن التركيب، بخلاف " إذ ما") اه ~~وفيما علل به من الجزم نظر؛ لأنه قابل للمنع ، فالذي يتجه : جريان الخلاف، ~~وأن الأصح بقاؤها على الظرفية ؛ لأن (ما) تزاد في نحو ذلك كثيرا، وحينئذ فيجري ~~فيها أحكام (إذا) غير الفجائية : من أن الغالب : أنها ظرف للمستقبل، متضمنة معنى ~~الشرط، وتختص بالجمل ms226 الفعلية ولو مقدرة، ك: إذا الشماء انشقت}، وتحتاج ~~لجواب، وتقع في الابتداء عكس الفجائية، وجوابها إما: فعل كما هنا، أو جملة ~~اسمية مقرونة ب( الفاء) أو بل إذا) الفجائية، نحو: إذا هر يستبشرون}، أو فعلية ~~طلبية كذلك، وقد يقدر الجواب لدلالة السياق أو المقام عليه، ثم المحققون على أن ~~ناصبها شرطها، والأكثرون على أنه ما في جوابها من فعل أو شبهه، ولا تخرج عن ~~الظرفية عند الجمهور ، وزعم الأخفش في : { حتح إذا جلهوها} : أنها مجرورة ~~ب(حتى) ، وابن جني في : إذا وقعت الواقعة} بناء على نصب : خافضة رافعة : ~~أن (إذا) الأولى مبتدأ، والثانية خبر، والمنصوبان حالان، وكذا (ليس) ~~ومعمولاها ~~412 PageV00P246 ~~============================================================ ~~نعم؛ قد تخرج عن الاستقبال فترد للحال، نحو : والئل إذا يفشى، وللماضي، ~~نحو: وإذا رأوا تحكرة الآية، فإنها نزلت بعد الرؤية والاتفضاض، وعن ~~الشرطية، نحو: وإذاما عضبوا هم يغفرون، فهي ظرف ل(هم) المبتدأ، وزعم ~~أنها جوابها بتقدير (فهم).. غفلة عن أن حذف (الفاء) ضرورة، وأن (هم) تأكيد ~~ل( واو) (يغفرون) الذي هو جوابها.. تعسف، وآن جوابها محذوف.. تكلف بلا ~~ضرورة، وقد تستعمل لاستمرار الأزمنة، نحو : { وإذا قاموا إلى الضلوة قاموا كسال)، ~~وقد ينظر فيه بأن الاستمرار هنا وفي نظاثره التي استدلوا بها إنما أخذ من قرينة السياق ~~دون موضوع (إذا)، وتفارق (إن) في أحكام كثيرة منها : أن (إذا) للمتيقن ~~والمظنون الكثير الوقوع ، كما هنا في (إذا ما) ، و( إن) للمشكوك أو الموهوم ~~النادر، ولا يرد نحو : ولين متم} لأن الموت لكثرة الغفلة عنه وللجهل بوقته نزل ~~منزلة الموهوم ، ولا نحو : { وإذا مس الانسن الضؤ} لأنه لتخويفهم وإخبارهم بأنه ~~لا بد أن يمسهم شيء من العذاب ~~(ضحا) أي: مشى عقب طلوع الشمس، وهذا ليس لتقييد الجزاء به؛ إذ محر ~~نوره الظل يكون في هنذا الوقت وغيره، لنكنه في هاذا الوقت أظهر ؛ لقوة ضياء ~~الشم ومحر نورها حينثذ (محا نوره) وبين (محا) و( ضحا) التجنيس ~~اللاحق(1)، وهلذا و(الضحاء) تجنيس الاشتقاق (الظل) مفعول؛ أي : ظل ذاته ~~الكريمة، أو مطلق الظل مبالغة بل حقيقة؛ لأن ms227 نوره صلى الله عليه وسلم أصل كل ~~نور، وهو لا يبقى معه ظلمة ومنها الظل، أو المراد ب( الظل) : كل ضلالة ونقص، ~~وبنوره: ما جاء به صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة والعلوم والاداب، للكن ~~المراد بل ضحي) على هذا : مطلق ظهوره في هلذا الكون بأوصافه الكاملة (و) ~~الحال أنه (قد أثبت الظلال) جمع ظل، وهو: ما تنسخه الشمس أو يسخها هو، ~~وأخص منه الفيء ؛ لأنه اسم لما بعد الزوال من الظل، فهو ما نسخ الشمس، وقيل : ~~كل ما نسخته فهو فيء وظل، وكل ما لم تنسخه فهو ظل لا فيء ~~(الضحاء) بالضم؛ أي ارتفاع الشمس، فنبينا صلى الله عليه وسلم أكمل من ~~(1) وهو : ما إذا كان الاختلاف في حرفين متباعدي المخرج PageV00P247 ~~============================================================ ~~الشمس رفعة وضوءا، لأن نورها يثبت الظل، ونور نبينا صلى الله عليه وسلم ~~يمحوه، ويدل على المعنى الأول : أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه إذا مشى ~~في الشمس.. لا يظهر له ظل؛ لطهارة ذاته عن كل نقص، ولأن الله تعالى استجاب له ~~دعاءه المشهور آن يجعله كله نورا، فكان بدنه في غاية الإضاءة التي لا تحجب ~~ما يقابلها، وقيل: مد (الضحاء) لضرورة النظم . اه ~~وفيه نظر، بل الذي في " القاموس" : أن الممدود - بفتح أوله - : ما قرب من ~~انتصاف النهار كما مر، ثم ذكر أن المقصور الشمس، وحينئذ إن أريد بلا الضحاء) ~~الشم كان مده ضرورة، أو قرب انتصاف النهار.. كان مده صحيحا لا ضرورة ~~فيه، لككن لا يصح إرادة هلذا هنا كما هو ظاهر من جعل الناظم جملة (وقد...) ~~إلخ حالا من فاعل (ضحيى). # تنسيه : لك أن تستشكل تركيب قوله : (شمس فضل...) إلخ بأن حكمه عليه بأنه ~~شمس الفضل يغني عن قوله : (تحقق الظن. ..) إلخ؛ لأنه إذا ثبت أولا أنه شمس ~~الفضل الذي هو اسم لكل كمال. علم أنه الشمس في الرفعة وأنه (الضياء) ~~فقوله: (تحقق الظن...) إلخ لا حاجة إليه ~~وجوابه: ما أشرت إليه في محله من أن جملة : (تحقق الظن...) إلخ حال ~~مؤكدة ms228 لما قبلها، وصاحب الحال الضمير العائد عليه صلى الله عليه وسلم؛ إذ ~~(مستقل) و(شمس فضل) معطوفان على (بحر) بحذف حرف العطف، آو يقدر ~~لكل مبتدأ، استثنافا لتعدد شمائله صلى الله عليه وسلم، إشارة إلى أن كلا مستقل ~~كامل في ذاته؛ لتضمنه للبقية كما مر في شرح قوله : (كل وصف له ابتدأت..) ~~الخ ~~ولما ورد على ظاهر ما قرره - نظرأ للاحتمال الثاني من أن نوره يمحو الظل - ~~ما سبق له صلى الله عليه وسلم أن الغمامة كانت تظله، بأن يقال : كيف يمحو نوره ~~الظل والغمامة أظلته ؟! فلم لم يمح نوره ظل الغمامة ؟! ولم احتاج إليه مع آنه الضياء ~~الأعظم من ضياء الشمس فلا يؤثر فيه ؟1.. أشار إلى جواب ذلك، للكن بما تقصر ~~عنه عبارته بباديء الرآي فقال : PageV00P248 ~~============================================================ ~~فكأن الفمامة أشتودعته من أظلث من ظله الدففاء ~~(ف) بسبب محو نوره الظل الحسي على ما مر.. صار صلى الله عليه وسلم هو الظل ~~المعنوي المعظم على جميع أتباعه، حتى (كأن الغمامة) لما أظلته قبل النبوة إرهاصا ~~وتأسيسأ لما سيصير إليه أمره.. أعلمته بأنها (استودعته) الأمة بأسرها، للكن أصحابه ~~بلا واسطة، وهم : الدففاء، ومن بعدهم بواسطة استمداد الأولين من ظله وإمدادهم لمن ~~بعدهم من ذلك الظل، فالذين بواسطتهم (من) أي : الذين (أظلت) هم (من) بعض ~~(ظله) الأعظم (الدففاء) جمع داف، كعلماء جمع عالم، وهم جيوشه، سمي ~~الجيوش بذلك ؛ لأنهم يدفون نحو العدو؛ أي: يسيرون إليه لدفعه واستنصاله ~~وحاصل الجواب : أن ذلك التظليل الذي كان قبل النبوة كان لحكمتين: ~~احداهما: الارهاص كما تقرر ~~وثانيتهما: إعلامه صلى الله عليه وسلم بما سيؤول آمره إليه: من أن الله سيجعل ~~له أمة اكثر الأمم، وأنهم قرون متفاوتون، وأن كل قرن مستمد من القرن الذي ~~قبلهم، وأن الكل مستمدون وممدون من ظله صلى الله عليه وسلم، فسائر القرون ~~مستمدون من أصحابه، وأصحابه مستمدون وممدون من ظله، وحينثذ فلا تنافي بين ~~محو نوره الظل وبقاء الظل مع نوره عند تظليل الغمامة له ؛ لأن المحو هو الأصل ~~المستمر، والبقاء إنما كان ms229 على خلاف الأصل؛ للحكمتين المذكورتين : ~~إحداهما: الارهاص ~~والثانية : الإعلام له بعموم ظله المعنوي على الأمة من أولهم إلى آخرهم ~~فتأمل ذلك فإنه مهم ، بل انغلق معنيى هذا البيت على الشارح فقال : إنه وجد هذا ~~البيت في نسخة وإنه غير مفهوم المعني، وسبب انغلاقه عليه جعله الضمير ~~المفعول في : (استودعته) ل( الظل) لا يقال: بل ما قاله من رجوعه ل( الظل) ~~يتضح به المعنى، لكن إن جعلنا (الدففاء) الطيور.. يكون في البيت حينئذ ~~التلميح إلى قصة هي : أن الطيور كانت تظل الأنبياء قبله كداوود وسليمان، بل ~~بني إسرائيل، وظللنا عليهم الغكم} وحينيذ فكأنه يقول : الغمامة لما أظلته .. PageV00P249 # ============================================================ ~~استودعت الظل للأنبياء الذين أظلتهم الطيور من ظله ؛ لأنا نقول(1) : هاذا المعنى ~~لا يطابق اللفظ، سلمناه مع ما فيه من البعد والتكلف (2)، فوزن دففاء فعلاء، وهو ~~إنما يكون جمعأ لفعيل.. إذا كان وصف ذكر عاقل بشروط أخرى، ولما دل على ~~سجية حمد آو ذم بشروط آخرى كشجاع وشجعاء، وصالح و صلحاء، وشاعر ~~وشعراء، وجاهل وجهلاء، فعلم أنه لا يصح حمله على الطيور أصلا؛ لأنه إنما ~~يكون جمعا لصفة عاقل مذكر أو سجية حمد أو ذم بشرطهما، على أن الذي سمع في ~~الطيور دفوف في العقاب، وفعلاء لا تجمع عليه أصلا، وداف فيما يطير بجناحيه ~~ولا يصفة(3)، وهو وصف لغير عاقل، ودفيف، وهو ليس وصفا للطائر، بل ~~لحركته، وبتسليم آنه وصف له هو غير عاقل: ~~فإن قلت : المعنى الصحيح : أن الغمامة لما أظلته. استودعت الظل الطيور التي ~~أظلت الأنبياء من ظله ، فهلا يحمل النظم عليه ؟ # قلت : يعارضه ما تقرر في قاعدة جمع فعلاء، وبتسليمه تجوزا في الجمع فالنظم ~~يتبو عن هلذا المعنى بكل وجه كما هو واضح: ~~فإن قلت : ظاهر كلام الناظم في " البردة " : أنه احتاج لتظليل الغمامة لتقيه حر ~~الشمس(4)، فينافي ما مر من أن تظليلها للحكمتين السابقتين. # قلت : ما أفهمه كلامه ثم. . يعارضه أن تظليلها لم يكن إلا قبل النبوة إرهاصا كما ~~مر، ولو كان لما ذكر.. لكان بعد النبوة أيضا: ~~فان قلت: ms230 قد ظلل عليه صلى الله عليه وسلم عند رميه للجمرة بثوب، وهو يشعر ~~بالاحتياج. # قلت: هذا من ضرورة الجبلة البشرية، وما نحن فيه من حيث الحقيقة والأمور ~~الأصلية فتأمله ~~(1) تعليل لقوله قبل أسطر : (لايقال) : ~~(2) قوله : (سلمناه) أي : رجوع الضمير في (استودعته) إلى (الظل) : ~~(3) الطائر الذي يصفك هو : الذي لا يحرك جناحه أثناء الطيران كالنسور والصقور. # (4) وذلك قوله رحمه الله: ~~مثل الغمامة أثى سار سسائرة قيه حو وطيي للهجير حمي PageV00P250 ~~============================================================ ~~وأيضا فهو صلى الله عليه وسلم برز للشمس في عرفة ولم يظلل؛ إشارة إلى أن ~~السنة للمحرم أن يبرز للشمس ، وظلل عند الرمي إشارة إلى أنه لا يسن البروز للشمس ~~هنا، كذا ذكروه، وعليه فلا إشكال أصلا، ومرت قصة تظليل الغمامة ورواياتها في ~~شرح قوله: ~~وأتاها آن الغمامة والسر ح أظله منهمسا أفياء ~~وإذا تقرر أن كل فضل مستمد من فضله، وأن نوره يمحو الظل على ما سبق في ~~معناه. علم أنه قد ~~خفيث عنده الفضائل وأنجا بت به عن عقولنا الأفواء ~~(خفيت عنده) آي: في جنب ما أوتيه صلى الله عليه وسلم (الفضائل) التي ~~أوتيها غيره من الإنس والملائكة والجن (و) أنه قد (انجابت) أي : انكشفت (به) ~~آي: بسبب ما بثه فينا من علومه وآدابه وأخلاقه (عن عقولنا) معشر أمة الإجابة ~~والعقل لغة: المنع، واصطلاحا: غريزة يتبعها العلم بالضروريات عند سلامة ~~الآلات، وفيه خلاف طويل أشار إليه في " القاموس" ، وعبارته : (العقل : العلم، ~~أو بصفات الأشياء خسنها وقبحها، وكمالها ونقصانها، أو العلم بخير الخيرين وشر ~~الشرين، أو مطلق لأمور، أو لقوة بها يكون التمييز بين القبيح والحسن، ولمعان ~~مجتمعة في الذهن، يكون بمقدمات يستتب بها الأغراض والمصالح، أو لهيئة ~~محمودة للإنسان في حركاته وكلامه، والحق: أنه نور روحاني، به تدرك النفوس ~~العلوم الضرورية والنظرية، وابتداء وجوده عند اجتنان الولد، ثم لا يزال ينمو إلى أن ~~يكمل عند البلوغ) اه ~~(الأهواء) أي: الضلالات والنقائص، فلم يقع في ورطة شيء منها، كما وقع ~~فيها من أعرض عن الهدى، وسلك سبيل الردى ~~ثم استدل ms231 على ذلك الخفاء وكشف الهوى بما أفاده الاستفهام الاستنكاري، فقال ~~على طريق اللف والنشر المرتب : PageV00P251 ~~============================================================ ~~أمع الضبح للنجوم تجل أم مع الشمس للظلام بقاء ~~يوجد ( اس ننلا ت) أي: ~~) يوجد (بع بح لنسخ:: ~~إنما خفيت الفضائل عنده؛ لأنه الفجر الصادق، وغيره من سائر الكمل كالنجوم، ~~فكما أن النجوم لا يبقى لها نور مع الفجر.. فكذلك سائر الكمل، وإنما كشف عن ~~عقولنا الأهواء ؛ لأنه الشمس كما مر، والأهوية والنقائص كالظلام، فكما أن الظلام ~~لا يبقى مع الشمس.. فكذلك الأهوية والضلالات لا تبقى مع إشراق الشمس من غير ~~حائل بينها وبين ما أشرقت عليه ~~وبين (الصبح) و (النجوم)، و(الشمس) و(الظلام) تجنيس التقابل، وفي ~~البيت الكلام الجامع: ~~ولما قرر ما يتعلق بقوله : (شمس فضل) بما بعده إلى هنا؛ لأنه مناسب له.. # عطف بحذف حرفه، أو استأنف- نظير ما مر- فقال: ~~مغجز القؤل والفعال كريم ال خلق والخلق مقسط مغطاء ~~(معحز القول) لأن الله تعالى امتن عليه بجوامع الكلم التي أوتيها دون غيره، ~~ومن ثم قال بعض العلماء : إن كلامه معجز كالقرآن، وكأن الناظم رحمه الله تعالى ~~اعتمد هذا القول حيث عبر بما يوافقه وإن احتمل أنه يريد ما يوافق مذهب الأكثرين أن ~~كلامه صلى الله عليه وسلم غير معجز (و) معجز (الفعال) فلا يقدر مخلوق أن ~~يوجد فعلا مطابقا لسائر المصالح الظاهرة والباطنة في ذلك الوقت الذي أوجد فيه ذلك ~~الفعل غيره صلى الله عليه وسلم، وهذه هي مرتبة وارث الحضرة الإللهية التي ~~لا يدخل أحد إليها إلا بإذنه (كريم الخلق) كما يعلم مما قدمته مبسوطا في شرح ~~قوله : (فتنزه في ذاته..) إلخ(1) (و) كريم (الخلق) - بضم أوله - كما مر مبسوطا ~~(1) إنما بسط ذلك في شرح قول الناظم : (كل وصف له ابتدأت...) PageV00P252 ~~============================================================ ~~في شرح قوله : (ما سوى خلقه النسيم..) إلخ: ~~وبين (القول) و( الفعل) و(الخلق) و(الخلق) تجنيس التقابل مع تجنيس ~~التحريف في الثاني: ~~(مقسط) أي: عادل في أحكامه وأقواله وأفعاله فلا يصدر منه شيء قط إلا على ~~غاية العدل، باطنا وظاهرا، باتفاق كل من رآه ms232 وعلم أحواله حتى أعدائه ومناوئيه، ألا ~~ترى أن قريشا لما بنوا الكعبة والنبي صلى الله عليه وسلم معهم قبل النبوة، فوصلوا إلى ~~موضع الحجر الأسود، واختلفوا فيمن يضعه في محله، ثم أجمعوا على أنهم يحكمون ~~أول داخل للمسجد، فكان النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا : هذذا الأمين ~~فحكموه، قأمر بوضعه في ثوب، وأمر كل رئيس قبيلة آن يمسك بطرف الثوب ثم ~~يرفعوه ، ففعلوا إلى آن بلغوا به محله فأخذه صلى الله عليه وسلم ووضعه في محله ~~وصح: أن رجلا قال له - وهو صلى الله عليه وسلم يقسم - : اعدل، فقال: ~~" ويلك ، فمن يغدل إن لم أعدل ؟1 خبث وخسرت إن لم أغدل "(1) ، وكان يقول : ~~" أبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغي ، فإن من أبلغ حاجة من لا يستطيع إلاغها. . # أمنه ألله يؤم الفزع الأكبر"(2) وكان لا يؤاخذ أحدا بقول أحد ، ولا يصدق أحدا في ~~أحد ~~(معطاء) أي: كثير العطاء الذي يعجز عن أدناه الملوك، فقد صح عن أنس ~~رضي الله عنه : كان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وأشجع الناس، وأجود ~~الناس، واقتصاره على هلذه الثلاثة من جوامع الكلم التي منحها من إمداده صلى الله ~~عليه وسلم؛ لأنها من أمهات الأخلاق؛ إذ في كل إنسان ثلاث قوى : الغضبية ~~وكمالها الشجاعة، والشهوانية وكمالها الجود، والعقلية وكمالها اكتساب الفضائل ~~واجتناب الرذائل. # وصح عنه أيضا: ما سثل صلى الله عليه وسلم شيئا إلا أعطاه، فجاء رجل فأعطاه ~~(1) أخرجه البخاري (3610)، ومسلم (1063) ~~(2) أخرجه بنحوه الترمدي في "الشمائل" (330)، والبيهقي في " الشعب* (1430) ~~والطبراني (155/22). PageV00P253 # ============================================================ ~~غنمأ بين جبلين، فرجع الى قومه فقال : أسلموا، فإن محمدا يعطي عطاء من ~~لا يخاف الفقر(1). # وأعطى صفوان بن أمية يوم حنين حين أسلم مثة من الغنم ، ثم مثة، ثم مثة(2). # وصح عن جابر: ما سثل صلى الله عليه وسلم عن شيء قط فقال: لا(3)؛ أي: ~~لا ينطق بالرد بل لا)، بل إن كان عنده المسؤول وساغ الإعطاء بأن لم يرضوا ما عنده ~~لما هو أهم.. أعطاه، وإلا.. سكت، كما في حديث مرسل(4)، فحينيذ لا ms233 ينافي ~~الحديث الآية قل لا أجد ما أحملكم عليه) فهو لا يقولها منعا للعطاء ، بل ~~اعتذارا حيث لا ينفع السكوت لنحو جهل السائل، وفي حديث الترمذي: آنه حمل ~~اليه تسعون ألف درهم ، فقام إليها، فما رد سائلأ حتى فرغ منها، وقال لسائل : 1 ما ~~عندي شيء، وللكن آبتع علي، فإذا جاءنا شيء .. قضيناه"، فقال له عمر: ~~ما كلفك الله ما لا تقدر، فكره منه ذلك فقال أنصاري: أنفق يا رسول الله؛ ~~ولا تخف من ذي العرش إقلالا، فتبسم صلى الله عليه وسلم، وعرف البشر في ~~وجهه، وقال : "بهذا أمزت "(5) ~~وقؤم ما أعطاه يوم حنين فكان خمس مثة ألف ألف، قيل : هذا نهاية الجود الذي ~~ما سمع لأحد مثله ~~وصح: أنه أتي بمال من البحرين ، فأمر بصبه في المسجد، وكان أكثر مال آتي به ~~صلى الله عليه وسلم، وفي رواية مرسلة: كان مثة ألف، فخرج للصلاة فلم يلتفت ~~اليه، ثم بعدها جلس إليه ففرقه (2)، ومع هلذا الجود الواسع الذائع كان صلى الله عليه ~~(1) اخرجه مسلم (2312)، وابن حبان (6373)، واحمد (175/3)، وآبو يعلى ~~(3302)، والبيهقي في السنن الكبري" (19/7). # 2) اخرجه مسلم (2313). # (3) أخرجه البخاري (6034)، ومسلم (2411) ~~(4) أخرجه ابن سعد في "الطبقات (368/1)، وجاء الحديث متصلا عند ابن حبان ~~(4836)، وأحمد (190/3) والبيهقي في " السنن الكبرى " (306/6)، وغيرهم ~~5) الشمائل المحمدية (439)، ولكن دون ذكر أنه حمل إليه تسعون ألف.، إلى قوله: فرغ ~~ها ~~(2) أخرجه البخاري (3165) ، والبيهقي في السنن الكبري" (356/6)، وذكر ابن حجر في PageV00P254 ~~============================================================ ~~وسلم يعيش عيش الفقراء، ويأتي عليه الشهران لا يوقد في بيته نار، وربما ربط ~~الحجر على بطنه الشريف من شدة الجوع، وجاءه سبي، فسألته فاطمة في خادم ~~يكفيها مؤنة بيتها ، فأمرها أن تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد، وقال : "لا ~~أغطيك وأدع أفل الصفة تطوى بطونهم من الجوع "(1) . # وإذا علمت اتصافه صلى الله عليه وسلم بهذه الأوصاف الجليلة التي لم يوجد مثلها ~~ولا ما يقاربها في مخلوق غيره. علمت أن من الواجب على كل من عرف ذلك أن ~~يقول لمن لم يعرفه حق معرفته: ~~لا تقس بالشي ms234 في الفضل خلقا فهو البخر والأنسام إضاء ~~(لا تقس) من: قست الشيء بغيره : قدرته على مثاله؛ أي : لا تشبه (بالنبي) ~~الموصوف بما ذكر وهو نبينا صلى الله عليه وسلم (في الغضل) الجامع لتلك ~~الصفات، بل ولا في كل وصف منها على حدته؛ لأن كل وصف من أوصافه وصل فيه ~~الى غاية لم يلحقه مخلوق فيها (خلقا) نبيا أو ملكا أو غيرهما؛ أي : لا تعتقد أن ~~مخلوقا يساويه أو يقاربه في وصف من أوصاف كماله؛ لما مر أول الكتاب في شرح ~~قوله : (لم يساووك في علاك...) إلخ. # (فهو) لا غيره (البحر) الجامع لكل وصف من أوصاف الكمال، البالغ إلى ~~النهاية فيه (والأنام) هو كما في " القاموس" : (كسحاب، والأنام - بالمد - والأنيم ~~كأمير: الخلق، أو الجن والإنس، أو جميع ما هو على وجه الأرض) اه ~~والمراد هنا : الأول ، بدليل قوله الاتي : (في العالمين) ، (إضاء)- بالكسر ~~والمد - جمع أضاة كقناة، وهي: الغدير، ويجمع أيضا على أضى كقنى، وشتان ~~ما بين البحر والغدير، ففيه مراعاة النظير، وكيف لا و ~~"فتح الباري "(517/1) أن الرواية المرسلة عند ابن أبي شيبة. # (1) اخرجه بنحوه الضياء في المختارة" (465)، واحمد (79/1)، والبيهقي في الشعب" ~~(3480 PageV00P255 ~~============================================================ ~~142 ~~كل فضلي في العالمين فمن فض ل الثبي أشتعاره الفضلاء ~~(كل فضل) وجد (في العالمين) الإنس والملائكة والجن (ف) هو كائن (من ~~فضل) ذلك (النبي) الأكرم على ربه من سائر الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين. # وبين (فضل) و(الفضلاء) تجنيس الاشتقاق: ~~(استعاره) حال من ضمير الظرف المستقر (الفضلاء) لأنه الممد لهم؛ إذ هو ~~الوارث للحضرة الالكهية، والمستمد منها بلا واسطة دون غيره؛ فإته لا يستمد منها إلا ~~بواسطته، فلا يصل منها لكامل شيء إلا وهو من بعض مدده وعلى يديه، فآيات كل ~~تبي إتما هي مقتبسة من نوره؛ لأنه كالشمس وهم كالكواكب، فهي غير مضيئة ~~بذاتها، وإنما هي مستمدة من نور الشمس، فإذا غابت. أظهرت أنوارها، فهم قبل ~~وجوده صلى الله عليه وسلم إنما كانوا يظهرون فضله، وآنوارهم مستمدة من نوره ~~الفائض، ومدده الواسع، ألا ترى أن ms235 ظهور خلافة آدم وإحاطته بالأسماء كلها إنما هو ~~مستمد من جوامع الكلم المخصوص به نبينا صلى الله عليه وسلم، ثم توالت الخلائق ~~إلى زمن بروز جسمه الشريف، فلما برز.. كان كالشمس، اندرج في نوره كل نور ~~وانطوى تحت منشور آياته كل آية لغيره من الأنبياء، فلم يعط أحد منهم كرامة أو ~~فضيلة. إلا وقد أعطي مثلها أو أعظم منها، كما سبره الأئمة ووضحوه. # ومنه : أن آدم لما أعطي خلق الله تعالى بيده.. أعطي نبينا أنه شق صدره، وملأه ~~ذلك الخلق النبوي، فتولى من آدم الخلق الجسمي، ومن نبينا الخلق النبوى، ولذا ~~كان هو المقصود من خلق آدم، ومن ثم لم يكن سجود الملائكة.. إلا لنور نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم الذي في جبهة آدم، كما قاله الفخر الرازي ~~وإدريس لما أعطي المكان العلي.. أعطي نبينا المعراج الأفخم الأعظم : ~~ونوح لما نجا هو وقومه.. أعطي نبينا أن الله لم يهلك أمته بعذاب عام، ووقع فيي ~~"تفسير الرازي" : أنه أعطي مكان السفينة أنه دعا حجرا وهو على شط ماء، فانقلع ~~وسبح إلى أن جاء إليه وشهد له بالرسالة (1): ~~(1) تفسير الرازي (125/32) PageV00P256 ~~============================================================ ~~وإبراهيم لما نجا من النار.. نجا نبينا من نار الحرب ، قال الله تعالى: ثلما ~~أوقدوا نارا للحرب أطفاها الله }، وروى النساني : أنه احترق جلد طفل كله، فمسحه ~~صلى الله عليه وسلم فصار صحيحل(1)، ولما أعطي مقام الخلة. أعطي نبينا ذلك، ~~وزاد بمقام المحبة الأرفع من كل مقام ، ومن ثم يقول إبراهيم في الموقف لما يسأل في ~~الشفاعة العظمى : إنما كنت خليلأ من وراء وراء، ولما أعطي بناء الكعبة. أعطي ~~نبينا وضع الحجر الذي هو روحها في محله لما بنته قريش ~~ولما أعطي موسى قلب العصا حية.. أعطي نبينا صلى الله عليه وسلم حنين الجذع ~~الذي هو أبهر وأغرب، وذكر الرازي وغيره : أن أبا جهل أراد أن يرميه بحجر، فرأى ~~على كتفه ثعبانين، فانصرف مرعوبا ~~واليد البيضاء التي بياضها يغشي البصر.. أعطي نبينا صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~عنده عباد ms236 بن بشر وآسيد بن حضير ليلأ، فخرجا وبيد كل عصا، فأضاء لهما عصا ~~أحدهما، فمشيا في ضوئها، فلما افترقا أضاءت عصا الاخر، صححه ~~الحاكم(2). # وأخرج البخاري في ل تاريخه " والبيهقي وأبو نعيم عن حمزة الأسلمي قال : كنا ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فتفرقنا في ليلة ظلماء، فأضاءت أصابعي حتى ~~جمعوا عليها ظهرهم وما هلك منهم وإن أصابعي لتنير(3). # وانفراق البحر.. أعطي نبينا انشقاق القمر الذي هو أبهر(4) ، لأنه تصرف في العالم ~~العلوي، على أنه نقل : أن بين السماء والأرض بحرا يسمى المكفوف، وبحر الأرض ~~بالنسبة إليه كقطرة من البحر المحيط، فعليه يكون انفرق لتبينا صلى الله عليه وسلم ليلة ~~الإسراء: ~~(1) السنن الكبرى (10796) بتحوه. # (2) المستدرك (284/3) ~~(3) التاريخ الكبير (96/3)، ودلائل البيهقي (79/6) ، ودلائل أبي نعيم (2/ 721) . # 4) اخرجه البخاري (3636)، ومسلم (2800) PageV00P257 ~~============================================================ ~~وتفجير الماء من الحجر. . أعطي نبينا تفجيره من بين أصابعه (1)، وهو أبلغ ؛ لأن ~~الحجر من جنس الأرض التي ينبع منها الماء: ~~والكلام.. أعطي نبينا مثله ليلة الإسراء، وزيادة الدنو، والرؤية بعين البصر، ~~وشتان بين جبل الطور الذي نودي موسى عليه وما فوق العرش الذي نوجي نبينا عليه ~~وهارون الفصاحة.. أعطي نبينا أبلغ منها وأبهر، على أنها في العبرانية، والعربية ~~افصح منها، ومن ثم لم تكن فصاحته معجزة، بخلاف فصاحة نبينا صلى الله عليه ~~وسلم، فإنها معجزة عند بعضهم ، وكذا عند الكل، لكن بالنسبة لما اشتملت عليه ~~من الإخبار بالمغيبات، ولم يتحد نبي بها إلا نبينا، ولقد قال له بعض أصحابه: ~~ما رأينا الذي هو أفصح منك! فقال : " وما يمنعني وإنما أنزل القرآن بلساني ، لسان ~~عربي مبين 14"(2). # ويوسف شطر الحسن، وتأويل الرؤيا. أعطي نبينا الحسن كله، كما في ~~الحديث، وعبر عن المرائي فوقعت كما عبر ما لا يدخله الحصر، وتعبير يوسف إنما ~~كان في ثلاث مرائي ، كما في (سورته) ~~وداوود تليين الحديد.. أعطي نبينا أن العود اليابس اخضر بين يديه ، وأن شاة أم ~~معبد درت ببركة يده ولم تلد قط كما مر. # وسليمان كلام الطير.. أعطي نبينا أنه كلمه الحجر، ms237 وسبح في كفه الحصى، ~~وكلمه ذراع الشاة المسمومة، والظبي، وشكا إليه البعير. # والريح التي غدوها شهر ورواحها شهر.. أعطي نبينا البراق، وهو أسرع من ~~الريح، بل من البرق الخاطف، فحمله من الفرش إلى العرش في لحظة واحدة، وأقل ~~مسافة ذلك قريب سبعة آلاف سنة، وما فوق العرش إلى المستوى والرفرف.. # لا يعلمه إلا الله تعالى ~~وأيضأ الريح سخرت لسليمان لتحمله إلى نواحي الأرض، ونبينا صلى الله عليه ~~(1) أخرجه البخاري (200)، ومسلم (2279). # (2) اخرجه الرامهرمزي في " أمثال الحديث * (ص 156) PageV00P258 ~~============================================================ ~~وسلم زويت له الأرض؛ آي: جمعت حتى راى مشارقها ومغاربها، وفرق بين من ~~يسعى إلى الأرض ومن تسعى له الأرض: ~~وتسخير الجن. أعطي نبينا أن الله مكنه من شيطان تفلت منه في صلاته، فأراد آن ~~يربطه بسارية، وسخر له الجن حتى أسلموا، ولم يسخروا لسليمان.. إلا في العمل: ~~وعذ الطير من جملة جنوده، وأعجب منه حمامة الغار وعنكبوته، بل هذذا ~~أعجب؛ لأن فيه الحماية من العدد الكثير بالشيء القليل: ~~وعيسى إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى.. أعطي نبينا رد العين إلى محلها ~~بعدما سقطت، فعادت أحسن ما كانت(1)، وذكر الرازي : آنه صلى الله عليه وسلم ~~مسح برصى فشفيت(2)، والبيهقي : أن رجلا قال : لا أؤمن بك حتى تحيي لي ~~ابنتي، فأتى قبرها، فخاطبها فأجابته، وتسبيح الحصى وحنين الجذع أبلغ من تكليم ~~الموتى ؛ لأن هلذا من جنس من يتكلم : ~~وبالجملة فقد آوتي صلى الله عليه وسلم مثلهم وزاد بخصاتص لا تحصى، إعلاما ~~بأنه الممد لهم دائما: ~~وعدل عن (استعاروه) ليصفهم بالفضل؛ آي: هم مع كونهم فضلاء كاملين على ~~شق عن صذره وشق له البذ ومن شزط كل شرط جزاء ~~(شق عن صدره) وفي نسخة: (عن قلبه)، وكل منهما صحيح؛ لأنه شق عن ~~صدره أولا ثم قلبه المرة بعد المرة إلى أن تكرر ذلك الشق أربع مرات أو خمسا، ~~مبالغة في التطهير والتخليص من الأغيار، ولم يحصل لأحد من الكقل نظير ذلك ~~ولا ما يقاربه، وقد مر الكلام على ذلك مستوفى في مبحث رضاعه صلى الله عليه ~~(1) مر ms238 تخريج هلذه الأحاديث أول الكتاب في مواضع متفرقة ~~(2) تفسير الرازي (32/ 125- 126). PageV00P259 # ============================================================ ~~وسلم. فراجعه فإنه نفيس (وشق له) أي: لأجله صلى الله عليه وسلم (البدر) أي: ~~القمر بمكة قبل الهجرة بنحو خمس سنين لما كذبه كفار مكة وبالغوا في عناده، فطلبوا ~~منه آية يريها إياهم تدل على صدقه، وهي أن ينشق له القمر نصفين، فسأل ربه، ~~فانشق له كذلك، كما نص عليه القرآن، وتواترت به الأحاديث، كما حققه التاج ~~السبكي وغيره ، وأجمع عليه المفسرون وأهل السنة؛ إعلاما بصدقه في دعواه الرسالة ~~والوحدانية لله تعالى، وأن ما يعبدونه باطل لا يضر ولا ينفع، ولم يقع انشقاقه لغيره ~~صلى الله عليه وسلم، وهو من آمهات معجزاته، لا يكاد يعدلها شيء من آيات ~~الأنبياء؛ لظهوره في ملكوت السماوات، خارجا عن جملة طباع ما في هذذا العالم ~~المركب من الطبائع، فلم يطمع أحد في الوصول إليه بحيلة: ~~وفي رواية ما يوهم تعدد الانشقاق مرتين، وظاهر كلام بعضهم : حكاية الإجماع ~~عليه، للكن رد بأن أحدا من أئمة الحديث لم يجزم بذلك ، وبأن من قال مرتين.. أراد ~~فرقتين كما في رواية(1) ، أو فلقتين كما في أخري (2). # وفي رواية: أن فرقة كانت فوق جبل حراء ، وأخرى كانت أسفله (3)، فرواية : أنه ~~كان بمكة المراد منها : أن ذلك كان وهم بمكة قبل الهجرة ، فلا دليل فيه على أنه ~~صلى الله عليه وسلم كان بمكة ليلته ، وفي رواية لأحمد : فصار فرقتين، فرقة على ~~هلذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل(4)، وفي رواية : أنه قال لهم : 0 أشهدوا". # فقالوا: سحرنا محمد، ثم اتفقوا على أن يسألوا السفار، فجاؤوا من كل جانب، ~~وأخبروا به، فقال بعضهم لبعض : لا يستطيع محمد أن يسحر الناس كلهم (5). # واتكار جمهور الفلاسفة ومن وافقهم من المبتدعة ذلك.. مبنئ على إنكارهم خرق ~~الأجرام العلوية والتيامها، وذلك من جملة كفرهم وتقؤلهم بمقتضى عقولهم معاندين ~~للشرائع فيما وردت به. # (1) أخرجه البخاري (4864) ~~(2) أخرجه مسلم (44/2800) ~~(3) بنحوه عند البخاري (4864)، ومسلم (45/2800) ~~4) مسند أحمد (81/4) ~~(5) أخرجه البيهقي في " الدلائل*(266/2) وبنحوه الترمذي (3289)، وأحمد (81/4) PageV00P260 ~~============================================================ ~~وأما قول بعض ms239 الملاحدة : لو وقع هلذا. لنقل متواترا واشترك أهل الأرض كلهم ~~في معرفته ولم يختص بها أهل مكة؛ لتوفر الدواعي على نقل العجاتب.. فهو من ~~تهوراته؛ لأن ما قاله إنما يتوجه لو كان نهارا، أو أول الليل والناس مستيقظون ، أما ~~إذا وقع لحظة والناس - إلا الفذ(1) - قد ناموا، ومن لم ينم لم ينظر إلى السماء.. فلا ~~يلزم ما ذكره بوجه، على أن الإجماع الموافق للقرآن والسنة لا يخدش فيه مثل هلذه ~~التخيلات الفاسدة، وكأن هذا الملحد لم يسمع بما هو الواقع البديهي : آن الكسوف ~~قد يدركه أهل قطر دون أهل قطر آخر: ~~وما قيل: إن القمر دخل في جيبه صلى الله عليه وسلم وخرج من كمه.. باطل ~~لا أصل له ~~تنبيه: البدر: القمر ليلة أربعة عشر، وظاهر تعبير الناظم به دون القمر : أن الشق ~~كان ليلة أربعة عشر، ولم أر له في ذلك سلفا، ولعله أراد بالبدر مطلق القمر، سمي ~~بذلك ، لأنه يبادر الشمس بالطلوع ، كأنه يعجلها المغيب، وقيل: لتمامه. # ويناسب هذه المعجزة رد الشم له صلى الله عليه وسلم بعدما غابت حقيقة لما ~~نام صلى الله عليه وسلم ورآسه في حجر علي بالصهباء قرب خيبر حتى غابت الشمس ~~ولم يمكنه إيقاظه؛ لاحتمال أنه يوحى إليه، فلما استيقظ. سأله صلى الله عليه ~~وسلم: أصلى العصر؟ قال : لا، فدعا الله أن يردها عليه؛ لأنه كان في طاعة الله ~~ورسوله، فردت ليصلي العصر أداء؛ كرامة له صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث ~~طعن قي صحته جماعة، بل جزم بعضهم بوضعه، وصححه اخرون وهو الحق، ~~وقول آسماء في الرواية الصحيحة : (فرأيت الشمس بعدما غربت حتى وقعت على ~~الجبال وعلى الأرض، فقام علي فتوضأ وصلى العصر، ثم غابت).. ردلزعم: أنها ~~وقفت ولم ترد، ولزعم: آن حركتها إنما أبطأت فقط، وفي رواية سندها حسن: أمر ~~صلى الله عليه وسلم الشمس فتأخرت ساعة من نهار، ومر آنها ردت عليه بعد الإسراء ~~لما أخبرهم بعيرهم ~~ولا يعارض ذلك كله الحديث الصحيح : " لم تخبس الشمس على أحد إلآ ليوشع ms240 ~~(1) القذ : الفرد، والمراد به هنا : القليل أو النادر. PageV00P261 # ============================================================ ~~بن نون حين قاتل الجبارين يوم الجمعة ، فلما أن أذبرت الشمس. . خاف أن تغيب قبل ~~أن يفرغ منهم ويدخل السبت فلا يحل له قتالهم فيه ، فدعا الله فرد عليه الشفس حتل ~~فرغ من قتالهم"(1) ، وذلك لأن المراد : على أحد غيري ، على أن كثيرين أو الأكثرين ~~من الأصوليين : أن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه . # وروي حبسها يوم الخندق حين شغل عن صلاة العصر، وذكر البغوي في تفسير: ~~{وذوها علك}: أنها حبست لسليمان صلى الله عليه وسلم(2)، ورد بأن المراد : ~~الصافنات ؛ لأنها المذكورة دون الشمس. # وبين (شق) و (شق) الجناس التام ، وهو : أن يتفق اللفظان حروفا وعددا ~~وهيئة ، ومنه قوله تعالى : ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة)، ~~واعترض بأن الساعة في الموضعين بمعنى واحد، وشرطه : اختلاف المعنى، وأن ~~لا يكون أحدهما حقيقة والاخر مجازا، بل حقيقتين، وزمان الساعة وإن طال للكنه ~~عند الله تعالى في حكم الساعة الواحدة، فإطلاق الساعة على القيامة مجاز، وعلى ~~الآخر حقيقة، وذلك يخرج الكلام عن التجنيس، كما لو قلت : ركبت حمارا، ~~ولقيت حمارا، يعني: بليدا اه ~~فإن قلت : هلذا يأتي هنا؛ لأن الشق في الموضعين بمعنى واحد، وبتسليم ~~الاختلاف فهو في أحدهما حقيقة، وفي الاخر مجاز ~~قلت : يمكن أن يقال: إنه فيهما مختلف وحقيقي؛ إذ شق الأجرام الجمادية غير ~~شق الأجرام الحيوانية من حيث الصورة والآلة، وأيضا فشق القمر شق جرمه كله، ~~وشق الصدر إزالة غشائه لا غير، وكفى بهذا اختلافا، ثم المتبادر من كل منهما : أنه ~~حقيقي كما لا يخفى، قيل: ليس في القرآن من الجناس التام غير هذذه الآية، ~~(1) حديث رد الشمس اختلف فيه العلماء ما بين مثيت له ونافي ، انظر " الشفا" (ص 347)) ~~و" فتح الباري" (6/ 221)، و1 البداية والنهاية " (6/ 671)، ول1 سبل الهدى والرشاد" ~~(605/9)، ول" تنزيه الشريعة " لابن عراق (378/1)، وانظر أيضا كلام الشيخ عبد الفتاح ~~أبو غدة في تعليقه على " المصنوع " (ص265) ~~(2) تفسير البغوي (11/4) ~~28 PageV00P262 ~~============================================================ ~~ل و استدرك عليه شيخ الإسلام ms241 ابن حجر بآية : يكاد سنا برقه يذهب بألأبصكر : يقلب الله ~~ألئل والنهار إن فى ذلك لعبرة لأولى الأبصر} ، فإنه استعمل ( الأبصار) أولا بمعنى العيون، ~~وثانيأ بمعنى البصائر، وقد ينظر فيه بأن استعمال الأبصار في البصائر مجازي، وقد ~~تقرر أنه لا يكفي ، وقد يجاب بادعاء أنه حقيقة عرفية ، وعلى كل فأقول : إن في ~~القرآن آية أخرى أظهر من تينك ، وهي : يلؤن ألسنتهم بالكتب لتحسبوه من ~~الكتلب وما هوم الكتلب} ، فالأول : ما كتبوه بأيديهم المذكور في : فونيل ~~للزين يكثبون الكتب بأيدبهم} ، والثاني : التوراة والإنجيل ، والثالث : الجنس ~~الشامل لكتب الله كلها؛ أي : ما هو شيء من كتب الله. # فإن قلت : هلذا أعم من الثاني، فليس مغايرا له من كل وجه. # قلت : بل يسمى مغايرا له حقيقة كما صرحوا به، وعلى التنزل فإن هذذا التغاير ~~لا يكفي هنا فيكفي التغاير بين اللفظين الأولين، فيتحقق الجناس التام فيهما. # فإن قلت : لم لم يعدوا منه : أن النفس بألنفس. . .} إلخ ؟ # قلت: كأنه لكونه هنا مميزا يمنع تمام التجنيس، وهو (الباء) الدالة على ~~المقابلة فتأمله ~~فإن قلت : لم اكتفوا في التورية بكون أحدهما مجازا إلا هنا؟ # قلت : لوضوح الفرق؛ إذ مبنى التورية على قصد المعنى البعيد، والمجاز قد ~~يكون كذلك ، ولا كذلك الجناس التام، فلم يكف فيه كون أحدهما مجازا، ومن ثم ~~أقر بعض المحققين بشرط كونهما حقيقتين، وعليه يحتمل أن يقال : لا بد أن يكون ~~كلك حقيقة في الشرع أو في العرف أو في اللغة، فلا يكفي كون أحدهما حقيقة شرعية ~~والأخر حقيقة لغوية مثلا، لأن هذذين كالحقيقة والمجاز، وقد تقرر آنهما ~~لا يكفيان، ويحتمل أن يقال : يكفي ذلك، ويؤيده إطباقهم على أن الاية فيها ~~الجناس التام، مع أن حقيقة الساعة لغة أو عرفا أو شرعأ شيء واحد، وإنما الاختلاف ~~من حيث إنها في مطلق الزمن حقيقة لغوية، وفي القيامة حقيقة شرعية، وهذذا الثاني ~~أقرب، ومما يؤيد اشتراط كونهما حقيقتين أنه ما من لفظ غالبا أو دائما إلا وله حقيقة ~~ومجاز، فلو قلنا : بأنه يكفي كون أحدهما ms242 مجازا.. لزم وجود التجنيس في غالب ~~الألفاظ أو كلها، وهو بعيد جدا، ولك أن تأحذ من قولهم : ليس في القرآن جناس PageV00P263 ~~============================================================ ~~تام إلا ما مر - مع ما فيه - من نحو: النفس بالنفس}، الذين قال لهم الناش إن ~~الناس بالحر ونحو ذلك : أن شرط الجناس التام : أن لا يكون في اللفظ ~~قرينة ظاهرة تدل على مغايرة معنى اللفظ المتحد، وهو متجه؛ لأنه مع فهم التغاير ~~ليس فيه تعمية أصلا، ومبنى الجناس التام إنما هو التعمية على السامع ما أمكن، نظير ~~التورية، ولم أر لأحد من أهل البديع في هلذا المبحث ما يشفي الغليل . فتأمله ~~فإن قلت : ما ذكر في (شق) من الاختلاف إنما هو بالنظر لمتعلق الشقين دون ~~موضوعهما، وذلك لا يكفي ~~قلت : هذذا وإن كان ظاهر كلامهم إلا أنه لا يمنع من آن يلحق به اختلافهما من ~~حيث المتعلق إذا تباينت به صورتهما ~~(و) إنما شق له القمر؛ لأنه شق عن صدره حتى أخرج قلبه، ثم شق وطهر، ~~فجوزي على ذلك ؛ إذ ( من شرط كل شرط) وقع في البدن لغرض مقصود أن يكون له ~~(جزاء) آي: من برء من مرض أو غيره، فكذا هنا، لما روع صلى الله عليه وسلم ~~بشق قلبه المرة بعد المرة، وبما حصل له من الخوف والتألم.. جوزي على ذلك ~~بجزاء عظيم مشابه له في الصورة، وهو شق القمر الذي هو آظهر معجزاته وأبهرها بعد ~~القرآن: ~~وفي كلامه الجناس التام بين (شرط) و (شرط) إذ هما مختلفان معنى وحقيقة، ~~ولا يقدح فيه كون الأول حقيقة نحوية، والثاني حقيقة عرفية، على أن الأول يحتمل ~~أن يكون بمعنى العلامة، فيكون - مع كون الثاني بمعنى الجرح - كل منهما حقيقة ~~لغوية، فجاء التجنيس التام اتفاقا، وبفرض أن أحدهما مجاز.. يكون فيه التورية، ~~أو حقيقة أيضا - وللكنه أبعذ فهما من اللفظ - يكون فيه الجناس التام والتورية، ومر ~~ومنه: جزيته وجازيته بما صنع، جزاء ومجازاة PageV00P264 ~~============================================================ ~~ورمى بألحصى فأقصد جيشا ما العصا عنده وما الإلقاء ~~(و) من معجزاته صلى الله عليه وسلم أيضا ms243 آنه في غزوة بدر وغزوة حنين (رمى) ~~أعداءه (بالحصى فأقصد) أي: أصاب فأهلك، ففي " القاموس" : (أقصد ~~السهم : أصاب فقتل مكانه) ~~(جيشأ) عظيما كانوا تألبوا عليه حتى ظن ظان أنهم لا يبقون أحدا من المسلمين، ~~وبيان ذلك: أنه لما التقى الجمعان يوم بدر.. تناول صلى الله عليه وسلم كفأ من ~~الحصى، فرمى به في وجوههم وقال: "شاهت الوجوه" أي: قبحت وانهزمت، ~~فلم يبق مشرك - مع كثرتهم وقلة ذلك الحصى - إلا دخل في عينيه ومنخريه منها شيء، ~~فانهزموا(1)، فقتل الله من قتل من صناديد قريش ، وأسر من أسر من أشرافهم: ~~قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى : وما رميك إذرميت ولكب ~~الله رى}: هلذا يوم بدر، أخذ صلى الله عليه وسلم ثلاث حصيات، فرمى بحصاة ~~في ميمنة القوم، وبحصاة في ميسرة القوم، وبحصاة بين أظهرهم، وقال : "شاهت ~~الوجوه"، فانهزموا(2) ~~وكذلك روى غير واحد: آنها نزلت في رميه يوم بدر، وإن كان رمى في غيره، ~~ولأهل الجبر في هلذه الأية غلط لا بأس بذكره ثم رده، قالوا : فيها سلب فعل النبي ~~صلى الله عليه وسلم عنه وإضافته إلى ربه، وهو عين الجبر، وإبطال نسبة أفعال العياد ~~إليهم، وليس كما زعموا، وإلا.. لزمهم أن لا تكليف ولا عقاب، وسر ما في ~~الآية : أن تلك الرمية من البشر لما لم تبلغ هذا المبلغ .. كان منه صلى الله عليه وسلم ~~مبدؤها، وهو الحذف، ومن الرب تعالى نهايتها، وهو الايصال، فأضاف إليه رمي ~~الحذف الذي هو مبدؤه، ونفى عنه رمي الإيصال الذي هو نهايته ~~ونظير هلذا : في الآية نفسها : فلم تقشلوهم ولكرج الله قتلهر} فأخبر تعالى أنه ~~(1) أخرجه الطبراني في 0 الكبير" (203/3) بنحوه. # (2) أخرجه ابن جرير الطبري في " تفسيره " (136/9). # و PageV00P265 ~~============================================================ ~~المنفرد بالتأثير، وأن غيره ليس منه إلا أسباب تظهر للناس: ~~قيل : ورماهم بالحصى يوم الأحزاب ، وفيه نظر، وإنما الذي نقل : أنه صلى الله ~~عليه وسلم لما بلغت القلوب الحناجر. . دعا عليهم فقال : " أللهم؛ منزل الكتاب، ~~سريع الحساب، آهزم الأخزاب، اللهم؛ أهزمهم وزلزلهم ms244 "(1) فأرسل الله عليهم ~~الريح، فرمتهم بالحصى، وسفت عليهم التراب، وقلعت أوتاد خيامهم، فسقطت ~~عليهم، وكفأت قدورهم، وسمعوا في آرجاء معسكرهم التكبير وقعقعة السلاح، ~~فارتحلوا خائبين آيسين، ومن ثم آخبر صلى الله عليه وسلم: آنهم لا يغزونهم بعد ~~اليوم، فكان كذلك. # ولما التقى الجمعان يوم حنين. استقبل المسلمون من هوازن ما لم يروا مثله من ~~السواد والكثرة، فحملوا حملة واحدة، فانهزم المسلمون، ولم يبق معه صلى الله ~~عليه وسلم يومثذ إلا أناس قليلون من أهل بيته : العباس، وأبو سفيان بن الحارث، ~~وعلي، والفضل، وأصحابه: أبو بكر، وعمر، وآخرون رضي الله تعالى عنهم، ~~قأمر صلى الله عليه وسلم أن ينادى في الناس ليرجعوا، فلما سمعوا نداءه. أقبلوا ~~كأنهم الإبل إذا حنت على أولادها يقولون : يا لبيك، يا لبيك، فاقتتلوا مع الكفار، ~~واشتد القتال حتى قال صلى الله عليه وسلم : "حمي الوطين" وهو : التنور الذي ~~يخبز فيه؛ أي: اشتد حر الحرب حتى آشبهت التنور، وحينئذ تناول صلى الله عليه ~~وسلم حصيات من الأرض، ثم قال : "شاهت الوجوه" ورمى بها في وجوه ~~المشركين، فما خلق الله منهم إنسانا . . إلا ملأ عينيه من تلك القبضة(1)، وفي رواية ~~لمسلم : (قبضة من تراب)(3)، والجمع: أنه يحتمل أنه رمى بكل مرة، أو أنها ~~قبضة واحدة لكنها مختلطة ~~وفي رواية عند أحمد وغيره : أن المسلمين لما ولوا.. قال صلى الله عليه وسلم : ~~" أنا عبد ألله، أنا عبد الله ورسوله "(4) ثم اقتحم عن فرسه وأخذ كفا من تراب، ~~(1) اخرجه البخاري (4115)، ومسلم (1742) ~~(2) اخرجه مسلم (1775)، وابن حبان (7049)، وأحمد (207/1) بمعناه. # 3) مسلم (1777) ~~4) مسند أحمد (190/3) PageV00P266 ~~============================================================ ~~فضرب وجوههم وقال : "شاهت الوجوه "، فلم يبق منهم أحد.. إلا امتلأت عيناه ~~وفمه ترابا. # ولأحمد والحاكم عن ابن مسعود : فحادت به بغلته، فقلت : ارتفع رفعك الله، ~~فقال : "ناولني كفا من تراب" فضرب وجوههم، وامتلأت عيونهم ترابا، وجاءه ~~المهاجرون والأنصار، سيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب ، فولى المشركون الأدبار(1) ~~اا واذ قد علمت ما ترتب على رميه صلى الله عليه وسلم بالحصى من تشتيت ~~شملهم، وافتراق جمعهم وهزيمتهم فإن لك أن ms245 تقول لمن قال لك : إن إلقاء ~~موسى لعصاه، والسحرة لحبالهم وعصيهم يعادل الرمي بالحصى : لا تقل ذلك ~~(ما) استفهام إنكاري (العصا) التي القاها موسى على حبال سحرة فرعون ~~وعضيهم حتى ابتلعت ذلك (عنده) أي : الحصى المرمي (وما الإلقاء) لتلك العصا ~~على تلك الحبال والعصي الذي فعله سحرة فرعون؛ أي : لا تقاس معجزة نبينا ~~صلى الله عليه وسلم في إلقاء ذلك الحصى بمعجزة موسى عليه الصلاة والسلام في إلقاء ~~عصاه على ما ذكر؛ لأن معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم أظهر وأبهر؛ إذ إلقاء موسى ~~لعصاه حاكى إلقاء السحرة لحبالهم وعصيهم، ومعجزة نبينا لم تحاك قط، ووصول ~~تلك الحصيات القليلة إلى جميع ذلك الجيش الذي هو ألوف مؤلفة حتى هزمهم عن ~~اخرهم وشتت شملهم.. آبهر من قلب العصا تعبانا وابتلاعها لتلك الحبال من حيث ~~إنها مع ذلك لم تقهر العدو ولا شتتت شملهم، بل زاد بعدها طغيانه وعتوه على موسى ~~وقومه ~~وجاتس بين (الحصى) و( العصا)، وتفنن بين (رمى) و(الالقاء)(2): ~~تتبيه: اكثر معجزات بني إسرائيل كانت حسية؛ لبلادتهم وعمى بصيرتهم، وأكثر ~~معجزات هذذه الأمة عقلية؛ لفرط ذكائهم وكمال أفهامهم، ولأن هذذه الشريعة لما ~~(1) مسند أحمد (453/1)، ومستدرك الحاكم (117/2) ~~(2) قوله : (جانس..) أي : جناسا مضارعا ؛ لأن الحرفين اللذين وقع الاختلاف فيهما متقاربا ~~المخرج. والتفنن أو الافتنان : هو الجمع بين فنين مختلفين ، كالمدح والهجاء، والغزل ~~والرثاء، وليس مرادا هنا؛ إذ المراد : مطلق التنوع اللفظي ؛ والله أعلم. PageV00P267 # ============================================================ ~~كانت باقية على صفحات الدهر إلى يوم القيامة. خصت بالمعجزات العقلية الباقية! # ليراها ذوو البصائر، كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث البخاري: لما من ~~الأنبياء نبي إلأ أغطي ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وخيا أوحاه الله ~~إلى، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا "(1)، وفي معناه قولان غير متنافيين ؛ إذ يرجع ~~حاصلهما إلى أن المراد : أن معجزات الأنبياء انقرضت باتقراض أعصارهم مع كونها ~~حسية تشاهد بالأبصار، كعصا موسى، وناقة صالح، فلم يشاهدها إلا من حضرها، ~~ومعجرة القرآن تشاهد بالبصيرة، وتستمر إلى يوم القيامة، ms246 لا يمر عصر إلا ويظهر فيه ~~شيء أخبر بأنه سيكون، فكان من يتبعه لأجلها أكثر؛ إذ ما يدرك بالعقل يشاهده كل ~~من جاء بعد الأول ~~(19 ~~ودعا للأنام إذ دهمتهم سنة من مخولها شهباء ~~(و) من معجزاته أيضا أنه (دعا للأنام) مر تفسيره ، للكن المراد به هنا غيره ثم؛ ~~إذهم هنا أهل المدينة ومن ضاهاهم (إذ) أي : وقت، أو لأجل أن (دهمتهم) أي : ~~غشيتهم (سنة من) آجل (محولها) متعلق بما بعده؛ آي: شدة جدبها وقحطها ~~(شهباء) أي: لا خضرة فيها ولا مطر، والسنة: زمن الجدب والمحل، ومطلق ~~الزمن المخصوص، فعلى الأول (شهباء) توكيد، وعلى الثاني تأسيس ~~وسبب دعائه: ما في " الصحيحين" : أن الناس أصابتهم سنة على عهده صلى الله ~~عليه وسلم، فقام أعرابي وهو صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فقال: ~~يا رسول الله؛ هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه وليس في السماء ~~ق طعة سحاب، فما وضعهما حتى صار السحاب آمثال الجبال، فلم ينزل حتى أصابه ~~المطر، واستمر إلسى الجمعة الأخرى، فقام ذلك الأعرابي أو غيره فقال: ~~يا رسول الله؛ تهدم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع يديه فقال: " اللهم؛ ~~حوالينا ولا علينا" فأقلعت السحاب، وخرجوا يمشون في الشمس، وسال وادي ~~(1) البخاري (4981) PageV00P268 ~~============================================================ ~~قناة شهرا، ولم يجىء أحد من ناحية إلا حدث بالجود(1)، وهو - بفتح الجيم -: ~~المطر الواسع الغزير. # فاشتهلت بالغيث سبعة أيام عليهم سحابة وطفاء ~~(ف) بسبب دعائه صلى الله عليه وسلم (استهلت بالفيث) آي: صبت المطر ~~بشدة (سبعة أيام) كوامل؛ لما علمت أنه من خطبة الجمعة إلى خطبة الجمعة الأخرى ~~بالغاء الكسر (عليهم سحابة) فاعل (استهلت) (وطفاء) أي: مسترخية الجوانب- ~~لكثرة مائها- حال كونها ~~تتحرى مواضع الوفي والشفي وحيث العطاش ثوهى السقاء ~~(تحري) أي: تقصد تلك السحابة بمائها، واسناد ذلك إليها مجاز، نظير ~~ما يأتي في: { جدارا يريد أن ينقض، إلا أن يراد الملاثكة الموكلون بها (مواضع ~~الرعي) أي : الكلأ الذي يرعى (و) مواضع (السقي) التي يجتمع الماء فيها لتشرب ~~منها البهائم ~~وفي (الرعي) و( ms247 السقي) مراعاة النظير، و(السقي) و(السقاء) تجنيس شبه ~~الاشتقاق ~~(و) تتحرى أيضا (حيث العطاش) أي: مواضعهم التي (توهى) بالبناء ~~للمفعول؛ آي: تخرق (السقاء) منهم فيها؛ أي: أن تلك السحابة عمت جميع ~~الأماكن بمائها، حتى إنها تتحرى الأماكن المعطشة التي تتخرق أسقية العطاش فيها، ~~فيحتاجون إلى الغدران للشرب منها، وهذا أظهر وأولى مما سلكه الشارح، كما ~~يعرف بتأملهما، لا يقال : مواضع السقي تشمل مواضع الشرب، فلا يحتاج لقوله: ~~(وحيث...) إلخ؛ لأنا نقول : قرينة قرن السقي بالرعي تصرفه إلى سقي البهائم، ~~(1) البخاري (933)، ومسلم (9/897) وقناة : واد من أودية المدينة. PageV00P269 # ============================================================ ~~فاحتاج في إفادة عمومها إلى التصريح بمواضع شرب العطاش أيضا ~~قال الشارح أيضا : (وفي قوله : " وحيث العطاش. .." إلخ اقتباس المثل، فهو ~~كقولهم: ~~(من الرجز] ~~خل سبيل من وهى سقاؤه ومن فريق في الفلاة ماؤه ~~فإنه يضرب لمن لا يستقيم أمره(1)، فضرب به المثل هنا في المحل والجدب) اه ~~ملخصا، وفيه نظر؛ لبعد معنى المثل مما تحن فيه إلا بتكلف؛ لما تقرر أن مراد ~~الناظم : ما دلت عليه عيارته من ذلك النص على عموم ذلك الغيث لجميع الأماكن: ~~وأتى اليساسن يشتكسون أذاها ورخاء يؤذي الأنام غلاء ~~(و) لما استمرت عليهم سبعة أيام وكادت أن تهلكهم. (أتى الناس) إليه ~~صلى الله عليه وسلم وهو على المبر كحاله يوم سألوه أن يدعو بها (يشتكون أذاها) ~~أي: تلك السحابة؛ أي: الماء النازل منها؛ لقطعه السبل، وتعطيله المعاش، ~~وتخريبه البيوت، وذكر (الناس) مع أن الشاكي واحد؛ لأن ما به بهم ، فكان الكل ~~شاكين بلسان الحال ، فلذا أسنده إلى كلهم ، ونظيره قوله تعالى : الذين قال لهم ~~الناس إن الناس قدجمعوا لكم) إذ المراد بل الناس) الأول واحد كما هنا (ورخاء) أي : ~~سعة من المطر (يؤذي الأنام غلاء) أي : شدة عظيمة، وأصله : ارتفاع السعر المؤدي ~~الى الشدة. # وبين (أذاها) و( يؤذي) جناس الاشتقاق، و (الرخاء) و (الغلاء) جناس ~~التضاد ~~(149 ~~فدها فأنجلى الغمام فقل في وضف غيث إقلاعه أشتشقاء ~~(ف) بسبب أن هلذا الرخاء الذي المقصود منه حياة النفوس انتقل إلى ms248 ضده وهو ~~(1) وقال الميداني في مجمع الأمثال " (583/1) : (يضرب لمن كره صحبتك وزهد فيك) PageV00P270 ~~============================================================ ~~إهلاكها. (دعا) صلى الله عليه وسلم ربه أن يكشفه عنهم (فانجلى الغمام) آي: ~~السحاب عقب دعاثه صلى الله عليه وسلم، وخرجوا يمشون في الشمس كما مر، وإذا ~~تقرر هذا.. (فقل) أيها العالم بهذه الواقعة ما شئت من الكلام الدال على التعجب، ~~أو فتعجب (في وصف غيث إقلاعه) أي: انكشافه (استسقاء) أي: ذو استسقاء، ~~على خلاف المتعارف؛ إذ الاستسقاء غالبا إنما يكون لطلب وجوده، لا لطلب رفعه، ~~وبهذا يندفع قول الشارح : (الأحسن : أن الاستسقاء بمعنى السقي)؛ لأنه يلزمه ~~فوات هذه النكتة التي هي سبب التعجب: ~~ثم أثرى الثرى فقرت عيون بفراها وأخييث أخياء ~~(ثم) بعد ذلك الغيث الواسع النافع ببركة دعائه صلى الله عليه وسلم (أثرى ~~الترى) أي: كثر المطر الواقع عليه حتى كثرت فوائد التراب؛ لكثرة إنباته الزرع ~~والثمار المؤدية إلى كثرة الأموال ، من : أثرى الرجل : كثر ماله (ف) بسبب هلذه ~~الكثرة (قرت) أي: فرحت واطمأنت، من: أقر الله عينه؛ أي: أعطاه حتى ~~لا تطمح عينه إلى من هو فوقه (عيون) لأهل المدينة (ب) سبب ما زال عنهم من ~~الكرب، وحصل لهم من الخصب، وبسبب عمارة (قراها) آي: العيون، أو ~~المدينة وبلادها بتلك الفوائد الكثيرة بعد خرابها (وأحييت) بعد ما حصل لها من ~~الجدب والشدة ما صيرها كالموتى، من: أحياه الله فحي بالفك، وحي بالادغام ~~وهو الأكثر ( أحياء) جمع حي؛ أي: قبائل العرب بواسطة إحياء نفوسها ومواشيها ~~وفيه تجنيس الاشتقاق في (أثرى الثرى)، و(قرت) و(قراها)، و(أحييت) ~~و(أحياء) ~~فترى الأرض غيه كسماء أشرقث من نجومها الظلماء ~~(فترى) أنت لو شاهدت تلك الواقعة (الأرض غبه) أي : عقب ذلك الغيث ~~المتولد عنه ما يدهش الأبصار من النبات والزهور (كسماء) حال إن جعلت رأى PageV00P271 ~~============================================================ ~~بصرية وهو الظاهر، أو مفعول ثان إن جعلت علمية (أشرقت) أي: زالت عنها ~~(من) أجل (نجومها الظلماء) ففيه تجوز؛ إذ الاشراق إنما يستعمل للنور، ووجه ~~الشبه: ما حصل للأرض بإصابة الغيث، وللسماء من النجوم، من زوال ms249 ظلمتها ~~الحقيقية في السماء، والمجازية في الأرض ~~وبين (الأرض) و(السماء)، و(الإشراق) و(الظلمة) الطباق، وتراها أيضا ~~1192 ~~تخجل الذر واليواقيت من نؤ ووباها البيضاء والحمراء ~~(تخجل) أي : تحير وتدهش (الدر) أي: اللؤلؤ (واليواقيت) وهي فارسي ~~معرب، وإسناد الخجل إليها مجاز، وهو على حذف مضاف؛ أي: أهلهما، ~~بمعى: أن من بأيديهم تلك الجواهر يشاهدونها ليلأ ونهارا، لا يملكون نفوسهم عن ~~رؤية تلك الأزهار الغريبة والأعشاب العجيبة (من نور) - بفتح النون- أى : زهر، ~~وهو بيان لفاعل (تخجل) الاتي (رباها) - بضم الراء-: المحال المرتفعة منها، ~~وخصت؛ لأن ما بها أنضر وأبهى من بقيتها (البيضاء) راجع ل الدر) (والحمراء) ~~راجع ل1 اليواقيت) أي: يخجل نورها الأبيض الدر، ونورها الأحمر اليواقيت ، ففيه ~~اللف والنشر المرتب، ومراعاة النظير بذكر المعدنين، والتقابل بذكر الضدين، ~~ويسمى التدبيج؛ لأنه ألوان: ~~وما تقرر: أن الناظم إنما أراد القصة المذكورة التي كانت بالمدينة وصحت بها ~~الأحاديث.. هو الظاهر، ويجوز آن يريد أيضا : ما وقع بمكة على ما ورد : أن قريشا ~~لما أبطؤوا عن الإسلام، ودعا عليهم صلى الله عليه وسلم بالقحط، فأخذتهم سنة ~~حتى هلكوا فيها، وأكلوا الميتة والعظام.. جاءه أبو سفيان فقال : يا محمد؛ جئت ~~تأمر بصلة الرحم، وإن قومك هلكوا، فادع الله، فدعا، فسقوا الغيث، فأطبقت ~~عليهم سبعا، فشكا الناس كثرة المطر، فسأل الله رفعه(1). # ولما ذكر من صفاته صلى الله عليه وسلم الباهرة ما يشوق كل سامع لشيء منها إلى ~~(1) أخرجه البخاري (1007)، ومسلم (2798) بنحوه. # 338 PageV00P272 ~~============================================================ ~~رؤية وجهه الكريم صلى الله عليه وسلم تمنى ذلك فقال : ~~1590. # ليته خصيي برؤية وجه زال عن كل من راه الشقاء ~~(ليته) هي لتمني ما لا طمع في حصوله، أو ما فيه عسر (خصني برؤية وجه) ~~أي : ليتني أدركت زمنه لأكون من أصحابه ؛ إذ هم أفضل من جميع من جاء بعدهم ~~عند الأكثرين، وذهب ابن عبد البر إلى أنه يمكن أن يكون فيمن بعدهم من هو أفضل ~~من بعضهم ؛ للخبر الحسن ، بل قيل : انه يرتقي الى درجة الصحة : " مثل أمتي مثل ~~ألمطر ، لا يذرى آخره خير ms250 أم أوله "(1) ، وللخبر الحسن أيضا : " ليذركن المسبيح ~~أقواما إنهم لمثلكم أو خير ثلاثا"(2)، وفي حديث أبي داوود والترمذي : " يأتي ~~أيام، للعامل فيهن أجر خمسين " قيل : منهم أو منا؟ قال : " منكم "(2) ويجاب عن ~~الأول : باحتمال أنه قبل آن يعلم أفضلية أصحابه، فلما علمها.. صرح بها بقوله: ~~4)9 ~~" لؤ أنفق أحدكم ملء ألأرض ذهبا . . لم يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه "(4)، وبقوله : ~~(5 ~~"خير القرون قرني "(5)، وعن الثاني : بأن (أو) فيه تحتمل ذلك أيضا، وعن ~~الثالث : بأنهم صرحوا بأن مجرد زيادة الثواب لا يقتضي الأفضلية، على أن أفضلية ~~الصحبة لا يعادلها عمل، ومن ثم لما سئل ابن المبارك عن عمر بن عبد العزيز ومعاوية ~~رضي الله عنهما : آيهما آفضل؟ قال: للغبار الذي دخل في آنف فرس معاوية ~~رضي الله عنه مع رسول الله خير من مئة مثل عمر بن عبد العزيز، وأشار بعضهم الى آن ~~(1) أحرجه ابن حبان (7226)، والترمذي (2869)، وأحمد (130/3)، والبزار ~~(1412)، وأبو يعلى (3475)، وانظر " فتح الباري" (6/7) ~~(2) أخرجه ابن أبي شيبة (567/4) ~~(3) أبو داوود (4341) والترمذي (3058) ~~4) أخرجه بهذا اللفظ أبو بكر الخلال في 0 السنة"(481/2)، وهو عند البخاري (3673) ~~ومسلم (2540)، وأبي داوود (4625)، والترمذي (3861)، وابن ماجه (161) ~~بلفظ : مثل أحد ذهبا" ~~(5) أخرجه البخاري (2651)، ومسلم (2533) بنحوه ~~9 PageV00P273 ~~============================================================ ~~محل الخلاف في صحابي لم يحصل له إلا مجرد الرؤية، وأما من زاد على ذلك بنحو ~~رواية أو غزو.. فلا نزاع فيه. # أو ليتني أراه في الموقف وعلى الحوض وفي الجنة شافعا نافعا ~~أو ليتني أراه في النوم رؤية تدل على اعتنائه بي؛ لإخباره صلى الله عليه وسلم في ~~الأحاديث الصحيحة بأن من رآه فيه . فقد رآه حقا، وأن الشيطان لا يتمثل بصورته ~~ولا يتشبه بها، وبأن من رآه فيه. . فقد رآه في اليقظة، لما تقرر أن الشيطان لا يتشبه ~~به (1) فهو وإن أمكن من التصور بأي صورة أراد لم يمكن من التصور بصورة نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم مطلقا، وقال جمع: إن ريي بصورته التي كان عليها، ~~وقال بعضهم : إن رثي بصفته التي قبض عليها حتى عدد شيبه، ms251 وصح عن ابن سيرين ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما : ما يفهمه (2) وفي حديث ضعيف : " إني أرى في كل ~~صورة"(3) وصحح النووي وغيره : أنه يرى حقيقة ولو على غير صفته(4). # وقال ابن العربي وغيره : للكن رؤيته على غير صفته مثال ، فرؤيته مقبلا أو بصورة ~~سنة كاملة.. تدل على خير، وعكسه بعكسه ~~وقال عياض في رواية مسلم : 0 من رآني.. فسيراني في اليقظة "(5) : يحتمل أن ~~المراد: رؤيته على صفته موجبة لرؤيته في الاخرة على نوع مخصوص، كقربه منه، ~~أو شفاعته له، وفي هلذا أقوال أخر كثيرة. # وقال الغزالي في رؤيته على صفته : ليس المراد: رؤية ذاته حقيقة، بل مثال ~~يحكيها على التحقيق، كما في رؤية الله تعالى؛ إذ لا صورة له ترى، بل معرف لها ~~من نور آو غيره. # (1) انظر البخاري (110) و(6993)، ومسلم (2266) ~~(2) انظر " مستدرك الحاكم "(393/4)، ول" فتح الباري" (384/12) ~~(3) ذكره الديلمي في الفردوس" (236/3) ، وذكر ابن حجر في " الفتح * (384/12) أن ~~ابن أبي عاصم أخرجه عن أبي هريرة ، ثم قال : (وفي سنده صالح مولى التوأمة ، وهو ضعيف ~~لاختلاطه وهو من رواية من سمع منه بعد الاختلاط) ~~4) شرح صحيح مسلم (25/15) ~~5) مسلم (2266) ~~34 PageV00P274 ~~============================================================ ~~أو ليتني آراه في يقظتي، بناء على إمكان ذلك، وهو ما حكاه ابن أبي جمرة ~~والبارزي واليافعي وغيرهم عن جماعة من التابعين ومن بعدهم : أنهم رأوه في ~~المنام، فرأوه بعد ذلك في اليقظة، وسألوه عن آشياء غيبية فأخبرهم بها، فكانت كما ~~أخبر، قال ابن أبي جمرة : وهذا من جملة كرامات الأولياء، فيلزم منكرها الوقوغ ~~في ورطة إنكار كراماتهم (1). # وفي "منقذ الغزالي " : أن أرباب القلوب في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح ~~الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتا، ويقتبسون منهم فوائد(2) ~~وقال البدر حسن الأهدل : وقوعها للأولياء تواترت بأجناسها الأخبار، وصار ~~العلم بذلك قويا انتفى عنه الشك، وما تواترت عليه أخبارهم لم يبق فيه شبهة، ثم ~~أخذ- يعني : الأهدل - يبطل ذلك ويفسده ويعظم النكير على مجوزه بما لا حجة فيه ، ~~ومما يبطل جميع ما دندن به وجاوز فيه الحد: أن من المعلوم آنه ms252 صلى الله عليه وسلم ~~حي في قيره، وأنه لا يراه في اليقظة الرؤية النافعة إلا ولي، وأنه لا يبعد : أن من أكرم ~~برؤيته.. آن يكرم بازالة الحجب بينه وبينه، فهو صلى الله عليه وسلم- مع كونه في ~~قبره - يراه الأولياء في اليقظة في قبره ويحادثونه وإن بعدت ديارهم واختلفت مراتبهم ~~في الحالة الواحدة، ولا يلزم من وقوع ذلك لهم على جهة الكرامة الباهرة أنهم ~~أصحابه؛ لأن الصحبة انقطعت بموته صلى الله عليه وسلم، وإذا كان من رآه بعد موته ~~وقبل دفنه غير صحابي. فهلؤلاء كذلك بالأولى، فاندفع قول "فتح الباري": ~~(هذا مشكل جدا، ولو حمل على ظاهره.. كانوا صحابة) اه (3) ~~ومما يؤيد أن الناظم يحتمل أنه أراد ذلك. أنه تلميذ القطب أبي العباس ~~المرسي، فهو الذي حلت عليه بركته حتى وصل إلى النظم البالغ الذروة العليا، ~~والقطب المذكور وارث القطب الأكبر أبي الحسن الشاذلي، وكل منهما حفظت عنه ~~(1) انظر " بهجة النفوس" لابن آبي جمرة (173/1) و(1444/2)، و" فتح الباري" ~~(385/12 ~~(2) المنقذ من الضلال (ص 69) ~~(3) فتح الباري (385/12) PageV00P275 ~~============================================================ ~~رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة، بل قال أبو الحسن الشاذلي : (لو حجب عني ~~النبي صلى الله عليه وسلم طرفة عين.. ما عددت نفسي مسلما) والقطب علي ابن ~~القطب محمد بن أبي الوفا - وهما من جملة المنتسبين إلى القطب الشاذلي، ومن ثم ~~قالوا: الطريقة الوفائية خلاصة الطريقة الشاذلية - ممن حفظت عنه رؤية النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقظة مرارا، لا سيما عند قبر والده بالقرافة، كما هو مسطور في كراماته، ~~فكون الناظم منسوبا لهلؤلاء الواقعة لهم الرؤية يقظة.. يقرب أنه سأل في وقوع ذلك له ~~كماوقع لهم ~~ولقد كان شيخي وشيخ والدي الشمس محمد بن أبي الحمايل يرى النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقظة كثيرا، حتى يقع له أنه يسأل في الشيء فيقول: حتى أعرضه على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدخل رأسه في جيب قميصه ثم يقول: قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيه كذا، فيكون كما أخبر، لا يتخلف عن ms253 ذلك أبدا فاحذر من ~~انكار ذلك فإنه السم الوحي (1). # تنبيه: ما ذكرته من مناسبة الأول والثاني. بعيد؛ إذ لا يناسبه لفظ: ~~(خصني)، بل ولا معناه ؛ لأن الذي تمناه رؤيته في حياته؛ ليكون من أصحابه، أو ~~في الموقف، أو في الجنة، وكل مسلم يتمنى ذلك، فالتمني آمر عام لا خصوصية ~~فيه، ومن الثالث قريب، يناسبه لفظ (خصني) ومعناه؛ أي: ليته خصني فيما مضى ~~برؤيتي له في التوم الرؤية السابقة، فالمعنى فيه صحيح، وكذا الخصوصية لأن ~~مرائي الناس له في النوم متعددة الأنواع والدلالات ، فلا بدع أن يتمنى وقوع رؤية ~~تخصه دون غيره، باعتبار ما تدل عليه من اللحظ والإمداد وغيرهما، ولا نظر إلى ~~هو الثالث: ~~تبيه آخر: من المقرر عند المحققين أن (الباء) في حيز الاختصاص وما اشتق منه ~~(1) الوحي : السريع القتل. PageV00P276 # ============================================================ ~~يجوز دخولها على المقصور والمقصور عليه، فهي هنا داخلة على الأول على كل من ~~الثالث والرابع، وأما على الأولين.. فا خصني) فيهما بمعنى أعطاني، والماضي قد ~~يستعمل مرادا به الاستقبال أيضا ~~تبيه آخر: ما تقرر من آن خص وما أخذ منه يفيد الحصر، وآنه يفيد في تحو: ~~خصه بكذا قصره عليه قصر قلب تارة، وإفراد آخرى. هو المشهور أيضا، خلافا ~~لمن فرق بين الاختصاص والحصر، وفي " القاموس" : (خصه بالشيء خصا ~~وخصوصا وخصوصية وقد يفتح، وخصيصى ويمد وخصية وتخصة فضله بالوذ ~~كذلك) ثم قال : (والتخصيص ضد التعميم) اه ~~ولا يتوهم منه أن الاختصاص غير الحصر؛ لأنه لا يسمى فضله به إلا إن حصره ~~فيه، ويؤيده قوله : (والتخصيص ضد التعميم) الصريح في أن التخصيص قصر العام ~~على بعض آفراده. فتأمل ذلك كله فإنه مهم نفيس. # (زال) أي: تحول، فا زال) هنا تامة لا ناقصة (عن كل من رآه) مؤمنا في ~~حياته صلى الله عليه وسلم، أو بعد موته في يقظة الرائي؛ لأن ذلك لا يقع إلا لأكابر ~~الأولياء، أو في النوم على صفته التي كان عليها؛ لما مر أن ذلك يدل على الخير ~~ورؤيته المخصوصة في الاخرة: ~~(الشقاء) أي: جميع أنواعه، ms254 لأن الصحابة رضي الله عنهم كلهم عدول، كما ~~يشهد له الكتاب والسنة ، نحو : "أصحابي كالنجوم ، بائهم اقتديتم أفتديتم"(1) ~~وما وقع لبعضهم مما يخالف ذلك تداركه الله فيه برحمته، فوفقه للتنصل من وصمته، ~~وحباه بجعله من آحبته، ببركة حلول نظر نبيه صلى الله عليه وسلم ~~ولما ذكر ذلك الوجه الكريم، وزوال الشقاء عن كل من رآه.. أتبعه بذكر صفات ~~وخصوصيات له ذاكرا مع كل ما يناسبه، كما هو شأن البلغاء فقال : ~~(1) قال ابن الملقن في " خلاصة البدر المنير" (2/ 431) : (رواه عبد بن حميد من رواية ابن ~~عمر، وغيره من رواية عمر وأبي هريرة، وأسانيدها كلها ضعيفة قال البزار : لا يصح هلذا ~~الكلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، وانظر " تلخيص الحبير"(190/4). PageV00P277 # ============================================================ ~~مشفر يلتقي الكتيبة بشا ما إذا أشهم الوجوه اللقاء ~~(مسفر) ذلك الوجه حسنا، فهو صفة ثانية ل( وجه) أي: مشرق نوره الذي يكاد ~~يخطف الأبصار (يلتقي) ذلك الوجه أيضا (الكتيبة) أي : الجيش - بالمثلثة أو المثناة ~~من: تكتبت بنو فلان إذا اجتمعوا، حال كونه (بساما) أي: مبتسما يفتر عن مثل ~~سنا البرق، أو عن مثل حب الغمام (إذا أسهم) أي: غير، من: سهم - بفتح عينه أو ~~ضمها- وجهه إذا احمر وتغير (الوجوه اللقاء) للعدو، فهو في الحالات التي فيها ~~ينزعج غيره، ويضطرب ويتغير وجهه.. على غاية من الطمأنينة والثيات والتبسم ~~لعظيم ما آتاه الله من الشجاعة التي لم يصل غيره إلى أدناها، وقد صح- كما مر- عن ~~أنس : أنه كان أشجع الناس، وأن صياحا وقع بالمدينة ليلا ، فخرج صلى الله عليه ~~وسلم إلى أن أبعد فلم ير شيئا ، فلما رجع. . رأى الناس خارجين فقال : " لن تراعوا - ~~اي : روعأ عن حقيقة - ما رأينا من شيء " . # وصح: أنه صرع ركاتة مرات ولم يصرع قط، فقال له متعجبا منه : إن شأنك ~~لعجيب، وصرع آخر بلغ من شدته أنه كان يقف على جلد البقرة، ويتجاذب أطرافه ~~عشرة؛ ليتتزعوه من تحت قدميه، فيتفرى الجلد ولم يتزحزح عنه ~~وصح: آنه في غزوة حنين لما تفرق عنه أصحابه، ولم يبق معه ms255 إلا بضعة عشر.. # ثبت صلى الله عليه وسلم على بغلته، مع أنها لا تصلح لكر ولا فر، وهو مع ذلك ~~يركضها إلى وجه العدو، وينوه باسمه ليعرفه من لا يعرفه قائلا: (من الرجز) ~~أنا النبي لا كذت أنا أبن عبد المطلت ~~فلا شجاعة بعد ذلك، ومن ثم قال الصحابة رضي الله تعالى عنهم : كنا إذا احمر ~~البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي : جعلناه أمامنا، واستقبلنا العدو ~~ه وقمنا خلفه ~~وذهب بعض المالكية : إلى أن من قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم هزم.: ~~يستتاب، فإن تاب وإلا.. قتل؛ لأنه تنقصه؛ إذ لا يجوز ذلك عليه في خاصة نفسه؛ ~~لعلمه بأن الله تعالى ناصره وحافظه PageV00P278 ~~============================================================ ~~واعترضه بعض المالكية بما حاصله: آنه حيث كان ذلك تنقيصا.. لم يستتب، ~~ولم تقبل له توبة اه(1) ~~وقياس مذهبنا - خلافا لمن أخطأ فيه - : أنه إن نوى بذلك تنقيصه. . كفر، وإلا:. # فلا، وإذا قلنا بكفره. فمذهب بعض آئمتنا: أنه لا تقبل توبته، وحكى فيه ~~الاجماع، والمعتمد: قبولها منه ~~جعلث مشجدا له الأرض فأفتز به للصلاة فيها حراء ~~(جعلت مسجدأ له) أي: لذلك الوجه المكرم، ولأمته بطريق التبع له (الأرض) ~~كلها، كما أخبر بذلك صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة حيث قال : ~~" أغطيث خمسا لم يعطهن أحد قبلي، نصرت بالؤغب مسيرة شهر، وجعلت لي ~~الأرض مشجدا وطهورا ، فأئما رجل من أمتي أذركنه الصلاة. . فليصل..." ~~الحديث(2). # والمراد بقوله : "مسجدا" : موضع سجود؛ أي : أن السجود لا يختص بموضع ~~منها دون غيره، قيل: ويمكن أن يكون مجازا عن المكان المبني للصلاة، وهو من ~~مجاز التشبيه، لأنه لما جازت الصلاة في جميعها. كانت كالمسجد في ذلك: ~~وقيل: المراد: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، ولغيري مسجدا لا طهورا؛ ~~لأن عيسى عليه السلام كان يسيح فيها ويصلي حيث أدركته الصلاة. # وقيل: المراد: أن الصلاة لم تبح إلا في محل يتيقنون طهارته، بخلاف هذذه ~~الأمة، أبيحت لها في كل الأرض إلا ما يتيقنون نجاسته، والأصح: الأول، وهو ~~(1) قال القاضي عياض رحمه ms256 الله في " الشفا" (ص 771) : ( وكذلك أقول : حكم من غمصه، ~~أو عيره برعاية الغنم، أو السهو، أو النسيان، أو السحر، أو ما أصابه من جروح أو هزيمة ~~لبعض جيوشه، أو أذى من عدوه أو شدة من زمنه، أو بالميل إلى تسائه. فحكم هلذا كله ~~لمن قصد به تقصه.. القتل) ~~() أخرجه البخاري (335)، وملم (521)، واللفظ للبخاري PageV00P279 ~~============================================================ ~~أنها لم تبح لمن قبلنا إلا في أماكن مخصوصة ، كالبيع والكنائس والصوامع ؛ للخبر ~~المصرح بذلك : "وكان من قبلي إنما يصلون في كنائسهم"(1)، وتوافقه رواية : ~~(2 ~~" ولم يكن من الأنبياء أحد يصلي حتى يبلغ مخرابه "(2) . # وبهذين يرد الاحتجاج بقضية عيسى المذكورة بمنع ما ذكر فيها؛ لدلالة هلذين ~~على خلافه، وبفرض صحته فهو لا ينافي الخصوصية؛ لأنها ثابتة لنبينا صلى الله عليه ~~و سلم وآمته، بخلاف عيسى ~~(ف) بسبب هذذا الجعل (اهتز) أي: تحرك طربا وفرحا (به) صلى الله عليه ~~وسلم (للصلاة) أي : لأجلها (فيها) أي : الأرض (حراء) بالكسر والمد، ويجوز ~~قصره وصرفه وعدمه، باعتبار المكان والبقعة، كسائر أسماء الأمكنة، وهو: الجبل ~~الذي كان صلى الله عليه وسلم يتعبد فيه قبل النبوة، وهو مشهور ~~ودليل ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان ~~وعلي وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال صلى الله عليه وسلم : " أسكن ~~حراء؛ فما عليك إلأنبي أو صديق أو شهيد" وفي رواية : وسعد بن أبي وقاص، ولم ~~يذكر عليا، أخرجهما مسلم(2). # وخرجه الترمذي ، وذكر أنه كان عليه العشرة إلا أبا عبيدة، وقال : " أثبت ~~حراء"(4) وفي رواية : " آفدأ حراء "(5 ~~(5 ~~ورواه البخاري في أحد بلفظ : إنه كان معه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، ~~فضربه صلى الله عليه وسلم برجله وقال : " أثبث أحذ؛ فإنما عليك نبي وصديق ~~وشهيدان "(1). # 1) اخرجه أحمد (222/2). # (2) اخرجه البخاري في " التاريخ الكبير" (114/4)، والبيهقي في " السنن الكبري" ~~(43312 ~~(3) مسلم (2417)، والروايتان عنده تحت هاذا الرقم ، وفي كل منهما ذكر علي رضي الله عنه ~~(4) الترمذي (3757) ~~(5) الترمذي (3696)، ولفظه : 9 اهدأ، إنما عليك " دون لفظ "حراء" ~~(2) البخاري (3675) PageV00P280 ~~============================================================ ~~ورواه النسائي والترمذي في ms257 ثبير وهو: جبل مقابل لحراء: أنه صلى الله عليه ~~و سلم كان عليه ومعه آبو بكر وعمر وعثمان، فتحرك حتى تساقطت حجارته ~~بالحضيض - أي: الذي في قراره وأسفله - فركضه صلى الله عليه وسلم برجله وقال : ~~" أسكن ثبير؛ فإنما عليك نبيي وصديق وشهيدان "(1). # وما أشار إليه الناظم بتعبيره با اهتز) من أن ذلك التحرك إنما كان للطرب والفرح ~~لا للغضب.. نقله شارح "البخاري" ابن التين في أحد ، فقال : (قيل : الحكمة في ~~ذلك: أنه لما رجف.. أراد صلى الله عليه وسلم أن يبين آن هذه الرجفة ليست من ~~جنس رجفة الجبل بقوم موسى لما حرفوا الكلم، وأن تلك رجفة الغضب، وهذه هزة ~~الطرب، ولهذا نص صلى الله عليه وسلم على مقام النبوة والصديقية والشهادة التي ~~توجب سرور من اتصلت به لا رجفانه، فأقر الجبل بذلك فاستقر) اهر ~~واستشكل ما ذكر بأن الهز طربا فرع العلم بمن فوقه ، وقوله : " أثبت..." إلخ ~~يقتضي أن تحركه لغير السرور، ويجاب بأنه غلم من الأحاديث الصحيحة التي منها : ~~" أحد يحينا ونحيه "(2) : أن أحدا أودع علما به صلى الله عليه وسلم ومحبة له وميلا ~~إليه، فإذا اهتز لأجل ذلك. . دل على نوع طيش وخفة، فناسب آن يركضه صلى الله ~~عليه وسلم برجله الكريمة، وأن يذكره بأن مقام النبوة والصديقية والشهادة كل منها ~~يقتضي الرزانة وعدم التحرك، فلما علم الجبل ذلك.. سكن وخضع، فكان ما منه ~~أولا هزة الطرب، وآخرا سكون الحياء والامتثال والأدب، ويحتمل أنه ارتعد هيبة ~~لجلاله صلى الله عليه وسلم، فأمره صلى الله عليه وسلم بترك ذلك، وذكره بأن ~~ما عليه من المقامات الثلاثة السابقة يقتضي هزة الجمال واللقاء المنبئين عن غاية الفرح ~~والسرور ~~قال الطبري وغيره : (واختلاف الروايات يحمل على آنها قصص تكررت)(3) وهو ~~واضح؛ لأن كلا منها صحيح، فلا وجه إلا التعدد، وأيده شيخ الإسلام الحافظ ~~(1) المجتبى (235/6)، والترمذي (3703) والحضيض: القرار من الأرض عند منقطع ~~الجبل: ~~(2) أخرجه البخاري (1482)، ومسلم (1365). # (3) الرياض التضرة في مناقب العشرة (278/1) PageV00P281 ~~============================================================ ~~العسقلاني بعدما توقف فيه بأن الذين معه بحراء أزيد ms258 ممن معه بأحد(1) ~~فإن قلت : ما وجه التعليل في قول الناظم : (للصلاة فيها) ؟ # قلت : كأنه يشير إلى أن الله تعالى لما أقطع نبيه صلى الله عليه وسلم الأرض، ~~وجعلها كلها مسجدا له، وشرفها بصلاته فيها.. دخل في ذلك جبالها، فإذا صعد ~~بعضها.. تذكر الجبل ذلك الجعل وتلك الصلاة اللذين حصل بهما للجبل كبقية ~~الأرض غاية الشرف، فحينئذ تحرك إعلاما للأمة بما حصل له مما يوجب السرور ~~والطرب، ثم رأيت بعضهم جعل ضمير (فيها) للجبل، وجعل المراد بالصلاة: ~~صلاته صلى الله عليه وسلم فيه لما كان يختلي فيه قبل البعثة، وهذذا كلام ساقط ؛ لأنه ~~لم يعرف أنه صلى الله عليه وسلم صلى قبل الشبوة، ولأن الاهتزاز بعد النبوة بكثير؛ ~~لرواية: إن العشرة إلا واحدا كانوا معه. # مظهر شجة الجبين على البز كما اظهر الهلال البراء ~~(مظهر) ذلك الوجه الكريم (شجة الجبين) أي: جرح جبينه، وهو : المتحرف ~~عن الجبهة فوق الصدغ، وفي التعبير به مسامحة وتجوز؛ لما يأتي أن الذي شج ~~هته، وفي رواية: وجنته، والجبين غيرهما، فالتعبير با الجبين) من مجاز ~~المجاورة (على البرء) أي: فيه أو معه، من: برىء من المرض- بالكسر- برءا، ~~بالضم، وبرأ يبرا بالفتح فيهما، وهذذه الشجة كانت يوم أحد. # أخرج ابن هشام عن أبي سعيد الخدري : أن عتبة بن أبي وقاص أخا سعد بن آبي ~~وقاص- أول من رمى بسهم في سبيل الله، وكان صلى الله عليه وسلم يناوله السهام يوم ~~أحد ويقول له : 8 أزم ، فداك أبي وأمي " ، قال : فلم يجمع أبويه لغيري (2)، وكان ~~يفتخر به ويقول : "هلذا سعد خالي - أي : لأنه زهري - فليرني أمرؤ خاله "(3)، ~~(1) انظر "فتح الباري" (38/7) ~~() أخرجه البخاري (4059)، ومسلم (2411). # (3) أخرجه الترمذي (3752)، والحاكم (498/4). PageV00P282 # ============================================================ ~~فشتان ما بين هذذين الأخوين- رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فكسرت ~~رباعيته اليمنى السفلى ، وجرح شفته السفلى، وأن عبد الله بن شهاب الزهري شجه في ~~جبهته، وأن ابن قمئة جرح وجنته، فدخلت حلقتان من المغفر فيها، ووقع صلى الله ~~عليه وسلم في حفرة، وفي رواية: وهشموا البيضة على ms259 رآسه، ورموه بالحجارة حتى ~~رموه لشقه في حفرة... الحديث (1). # وروى الطبراني وغيره : أن عبد الله بن قمئة رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوم أحد، فشجه في وجهه، وكسر رباعيته، فقال: خذها وأنا ابن قمثة، فقال ~~صلى الله عليه وسلم وهو يمسح الدم عن وجهه: "أقمأك الله"، فسلط الله عليه تيس ~~جبل، فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعة قطعة(2) ~~وروى أحمد والترمذي والنسائي عن آنس: كسرت رباعيته صلى الله عليه وسلم ~~يوم أحد، وشج وجهه، وجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يمسحه ويقول: ~~"كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يذعوهم إلى ربهم ؟1" فأنزل الله تعالى : ~~{ ليس لك من الأمر شىء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظلموب} (3) ، وفي مرسل قوي : أن ~~وجهه صلى الله عليه وسلم ضرب يومئذ بالسيف سبعين ضربة، وقاه الله شرها ~~كلها(4). # (كما) مصدرية (أظهر الهلال البراء) بفتح الموحدة، وهو : أول ليلة من ~~الشهر؛ أي : أن وجهه الكريم المكرم أظهر آثار تلك الشجة مع برثها ظهورا واضحا، ~~ليس فيه آدنى شين، بل فيه غاية الجمال، كظهور الهلال ليلة استهلاله؛ لحكمتين: ~~ليتذكر الراؤون ذلك، والراوون عنهم ما وقع له صلى الله عليه وسلم من المحنة ~~وعظم الصبر عليها حتى يقتدى به في ذلك، وليعلموا أن تلك الشجة لم تشنه- حاشاه ~~من ذلك- بل زادته جمالا على جماله صلوات الله عليه وسلامه؛ لأنها صارت بعد ~~(1) انظر " سيرة ابن هشام "(79/3) . والمغفر : ما يلبسه المقاتل من الزرد على رأسه ~~2) المعجم الكبير (130/8) ~~(3) مسند أحمد (206/3)، والترمذي (3002)، والسنن الكبري (11011). # 4) أخرجه عبد الرزاق في " مصنفه *(9736). PageV00P283 # ============================================================ ~~البرء كالهلال في وجهه ، بل أحسن من الهلال كما قال : ~~ر16 ~~ستر الخشن منه بالحشن فأفجب لجمال له الجمال وقاء ~~~~(ستر) ذلك الوجه (الحسن) الأصلي (منه بالحسن) العارض من الشجة ~~(فاعجب لجمال) أصلي (له الجمال) العارض ~~وفي هذذا كالذي قبله الجناس التام المتماثل، بناء على ما مر مع الكلام عليه في ~~شرح: (شق عن قلبه وشق له البدر) وأما جزم الشارح بأنه من ذلك مع اختلاف ~~موضوعه ms260 باعتبار الأصلي والعارض كما تقرر لا من حيث الوضع.. فغير صحيح، ولو ~~حصل تمام التجنيس بين اللفظين مع اتفاق الوضع واختلاف المراد.. لعدوا منه : ~~{الذين قال لهم الناس إن الناس. ..)، أن النفس بالنفس. .. إلخ. # نعم؛ يمكن أن يقال : قد يقاس اختلاف المراد باختلاف الوضع حيث لا قرينة ~~تميزه كما هنا، بخلاف ما في الايات، فإن قرينة التغاير فيها ظاهرة مع التجنيس، فلو ~~عبر الشارح با يحتمل) أو تحوه.. لسلم من الجزم بما كلامهم كالصريح في رده : ~~وفي (البرء) و( البراء) الجناس المطرف (1). # (وقاء) وسبب ذلك : أن الله تعالى أعطى نبيه صلى الله عليه وسلم غاية الجمال ~~التي لم يعطها لمخلوق، كما مر بدليله، في باطنه وظاهره، ويكفيك شاهدا على ~~ذلك ما مر أن الله تعالى جعله كله نورا، ولم يظهر له ظل، فكان جلده صلى الله عليه ~~وسلم ساترا لجماله الباطن، فإذا أزالته الشجة.. ظهر من آنواره الباطنة ما صيرها ~~كالهلال في وجهه، وصار حينتذ حسن ظاهره مستورا بما ظهر من حسن باطنه، فهما ~~(1) كذا في بعض النسخ، وفي بعضها : (المحرف)، وكلاهما مجانب للصواب ؛ لأن الجناس ~~المطرف هو : ما كان فيه زيادة حرف أو أكثر في أول الكلمة، نحو: (حل) و( رحل)، أما ~~المحرف.. فهو: أن يكون بين الكلمتين اختلاف في الحركات والسكنات مع توافق الحروف ~~نحو : (اليرد) و(البرد)، وما هنا ليس من هذذا ولا ذاك والصواب : أنه جناس ناقص ~~وحسب، أو هو جناس مكتنف ؛ لأن حرف الزيادة وقع في وسط الكلمة، والله أعلم PageV00P284 ~~============================================================ ~~جمالان عظيمان صار باطنهما وقاية لظاهرهما، وهذا مما يستغرب ويتعجب منه ~~ولذلك شبهه بتشابيه توضح ذلك وتكشفه فقال : ~~اا169) اه ~~فهو كالزهر لاح من سجف الأذ مام وألعود شق عنه اللحاء ~~(فهو) أي: ما ظهر من الشجة من باطن بدنه صلى الله عليه وسلم (كالزهر) ~~أي : نور النبات إذا (لاح) أي : ظهر (من سجف) - بفتح أوله وكسره(1) - أي: ستر ~~(الأكمام) هو كالأكمة جمع كم بالكسر، وهو : غطاء النؤر المشبه به هنا ظاهر الجلد ~~(و) هو أيضا ms261 مثل (العود) الذي يتطيب به إذا (شق عنه اللحاء) وهو: قشر ~~الشجر) من: لحوته ألحوه: قشرته باللحاء، فظاهر الجلد كاللحاء، وباطته ~~كالعود، وفي هذين التشبيهين ما يعلمك آن جمال باطنه ربما فاق جمال ظاهره، ~~ومن ثم قال: ~~ا99 ~~كاد أن يغشي العيون سنا مذه لسر فيه حكثه ذكاء ~~(كاد) ما ظهر بالشجة (أن) وهي وما بعدها سدت مسد مرفوع (كاد) وخبرها، ~~(يغشي) بالغين المعجمة أظهر من المهملة (العيون) أي : يغطي عليها (سنأ) ~~بالقصر؛ أي: ضوء عظيم خارج (منه لسر) عظيم، وفي نسخ (بسر) (فيه) أي: ~~في ذلك الباطن الذي ظهر، فصيره كله ضياء أعظم من ضياء الشمس، ومن ثم كان ~~أصل ذلك السر لا كماله (حكته) أي: شابهته (ذكاء) - بضم المعجمة، وعدم ~~الصرف ، وامتناع دخول (أل) عليها- أي: الشمس، وذكرها بعد (سنا) من مراعاة ~~النظير ~~وبما تقرر علم آن من أسباب عدم شينه بتلك الشجة: ما أوتيه صلى الله عليه وسلم ~~من الحسن الذي لم يؤته غيره، ومن ثم ~~(1) أي: مع سكون الجيم ، وحركت هنا لضرورة الوزن، وبفتح الجيم : دقة الخصر: PageV00P285 ~~============================================================ ~~صانه الحشن والشكينة أن تظ هر فيه آثارها البأساء ~~(صانه) ذلك (الحسن) لو انفرد، فكيف (و) قد انضم إليه (السكينة) أي: ~~وقار الظاهر مع طمأنينة القلب وعدم تحركه بما يمتحن به من المؤذيات التي لا يسكن ~~عندها غيره (أن تظهر فيه آثارها) هو ضمير الفاعل المتقدم رتبة، وهو (البأساء) ~~أي: الشدائد، فلذلك لم يظهر عليه من تلك الشجة إلا غاية الطمأنينة ونهاية الجمال ~~كما مر، فعلم أنه لما أودعه الله فيه من كمال الجمال وتمام البهاء في حالة السراء كهو ~~في حالة البأساء. فلا تؤثر فيه البأساء ألبتة. # وتخال الوجوه إن قابلته ألبستها ألوانها الحزباء ~~(وتخال) أي: تظن أنت (الوجوه إن قابلته) أي: عاينت وجهه، وجواب ~~(إن) محذوف لدلالة ما قبله عليه، خجلت من فرط جماله، وتلونت بالألوان ~~المختلفة، كما يشاهد ممن قوي خجله، حتى كأن تلك الوجوه عند ذلك التلون ~~(ألبستها ألوانها) ضمير الفاعل المتقدم رتبة، وهو (الحرباء) المشهورة، ms262 ومن ~~شأنها آنها تستقبل الشمس وتدور معها كيف دارت، وتتلون بالألوان العجيبة ~~المختلفة ~~فإذا شنت بشره وتداه أنهلتك الأنوار والأنواء ~~(ف) بسبب هذذا الجمال الباهر المستلزم لباهر الإفضال والإحسان (إذا شمت) ~~بالمعجمة، من: شمت البرق: نظرت إلى سحابه (بشره) آي: طلاقة وجهه ~~(ونداه) أي: جوده، إذا تطلعت إلى مخايله ببصرك.. (أذهلتك) أي: أنستك ~~ما أنت بصدده ( الأنوار) الباهرة التي تحصل لك من بشره عند رؤية وجهه (والأنواء) PageV00P286 ~~============================================================ ~~مع نوء، وهو: ما تضيف العرب الأمطار إليه من التجم، أو وقته، نحو: مطرنا ~~بنوء الثريا، وهي هنا كناية عن الخيرات الواصلة منه صلى الله عليه وسلم لمن رآه ~~وأمله، ففيه لف ونشر مرتب؛ لرجوع (الأنوار) للبشر، و(الأنواء) للندى: ~~وفيهما الجناس اللاحق، ونوع من مراعاة النظير يسمى تشابه الأطراف، وهو: ~~أن يختم الكلام بما يناسب ابتداءه في المعني ، نحو : لا تدركه الأبصكر وهو يدر ~~الأبصر وهو اللطيف الخبير)، ف{ اللطيف) يناسب : لا تدركه الأبصر، ~~و{ الخبير يناسب : { وهويدرك الأبصكر) . # ولما تمنى رحمه الله رؤية الوجه الشريف المكرم، واستتبعه بأوصافه العلية.. أخذ ~~في تمني تقبيل راحته الكريمة، ووصفها بأوصافها العلية السنية، فقال : ~~له ال ا بل ~~أو بتقبيل راحة كان لله وبالله أخذها والعطاء ~~(أو) ليته خصني (بتقبيل راحة) أي: بلثمي في اليقظة أو النوم - نظير ما مر ~~لكفه التي (كان لله) أي : لأجله، ابتغاء لوجهه الكريم دون غرض آخر (وبالله) ~~آي: بسبب شهود إعانته، وقد كان (أخذها والعطاء) اسم مصدر بمعناه؛ أي: ~~وإعطاؤها؛ لبراءتها من كل غرض ينافي الكمال الأعظم، فلم يقع تصرف منها في ~~شيء منذ أفاض الله تعالى عليها خوارق جوده.. إلا مع شهود سلب كل حول وقوة عما ~~سواه سبحانه وتعالى، ولهذا الشهود الأعظم في تصرفها كانت ~~از ~~تتقي باسها الملوك وتخظى بألفنى من نوالها الفقراء ~~(تتقي) بفتح التاءين؛ أي: تخاف وتحذر (بأسها) أي: شدتها في الحرب ~~(الملوك) كقيصر وكسرى والمقوقس إلى آن أظفره الله بجميعهم (و) كانت ~~(تحظى) أي: تفوز (بالغنى) الحسي والمعنوي (من) بعض (نوالها) أي: ~~عطائها (الفقراء) ms263 لأنه صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس، فيعطي عطاء تعجز عنه PageV00P287 ~~============================================================ ~~الملوك، ومع ذلك يعيش عيش الفقراء؛ لايثاره على نفسه وعياله، وكان جوده ~~كله لله تعالى وفي ابتغاء مرضاته، ببذل المال تارة للفقراء والمحتاجين، وتارة ينفقه ~~في سبيل الله، وتارة يتألف به من يقوي إسلامه، أو من يسلم بإسلامه نظراؤه. # وبين (الأخذ) و( العطاء)، و(الملوك) و(الفقراء)، و(تتقي) و(تحظى) ~~تجنيس التقابل: ~~169 ~~لا تسل سيل جؤدها إنما ين فيك من وكف سخبها الأنداء ~~~~(لا تسل) أصله بالهمز، ثم خفف بحذفه ، كما قرىء به في: { سأل سآيل(1) ~~(سيل) هو: الماء الكثير الجاري، وبيتهما تجني التحريف والتصحيف (جودها) ~~بفتح الجيم، وهو : المطر الغزير؛ أي : لا تسل هذا الأمر المكنى به عن سعة عطائه ~~وجوده، فإن هذا شيء لا يقدر أحد من البشر قدره، بل ( إنما) الذي يليق بك أن ~~تسأل ما (يكفيك) وهو آن يصل إليك (من وكف) آي: قطر (سحبها) جمع ~~سحاب (الأنداء) جمع ندى، وهو البلل ، على أن بلل هذا القطر فيه الغنى الكلي، ~~فمن وصلت إليه بلة من قطرة منه . كانت سببا لغناه في الدنيا والاخرة: ~~ومن أوصاف تلك الراحة الشريفة العلية أيضا أنها ~~196 ~~درت الشاه حين مرت عليها فلها تزوة بها ونماء ~~ال ~~(درت الشاة) أي: أرسلت لبنها الغزير (حين مرت عليها ف) بسبب ذلك صار ~~(لها) بعد فقد اللبن منها بالكلية؛ إذلم يكن طرقها فحل قط (ثروة) أي : كثرة اللبن ~~(بها) أي: بسبب تلك الراحة الكريمة (ونماء) أي : زيادة في تلك الكثرة. # وهلذه القصة وقعت له صلى الله عليه وسلم لما خرج من غار ثور مهاجرا إلى ~~(1) أي: {سال سائل، وهي قراءة نافع وابن عامر وأبي جعفر ~~35 PageV00P288 ~~============================================================ ~~المدينة ومعه أبو بكر ومولاه عامر بن فهيرة، فأخذ بهم الدليل طريق الساحل، فمروا ~~بقديد- قريب من رابغ- على آم معبد عاتكة بنت خالد الخزاعية، وكانت برزة، تسقي ~~وتطعم، وكانوا في غاية القحط والجهد، فطلبوا منها لبنا ولحما يشترونه، فلم يجدوا ~~عندها شينا، فنظر صلى الله عليه وسلم إلى شاة ms264 في كسر الخيمة(1) تخلفت عن الغنم ~~لشدة الجوع ، فسألها : "هل بها من لبن ؟" فقالت : هي أجهد من ذلك ، والله ~~ما ضربها فحل قط، فقال صلى الله عليه وسلم : " أتأذنين لي أن أحلبها؟ " قالت : ~~نعم، إن رآيت بها حلبا. فاحلبها، فدعا بالشاة، فأعقلها ومسح ضرعها بيده ~~وى الله فتفاجت ودرت، ودعا بإناء يشبع الجماعة، فملأه من حلبها، وسقى ~~القوم حتى رووا، ثم شرب آخرهم، ثم حلب فيه مرة أخرى عللا بعد نهل، ثم تركه ~~عندها وذهبوا، ذكر ذلك أصحاب السير وغيرهم: ~~ومن أوصاف تلك الراحة الجليلة أيضا أنه ~~لنالت النشاء الت اللاجة: اله ~~نبع الماء أثمر التخل في عا م بها سبحث بها الحضباء ~~ل ~~ال ال و اا5 ~~(نبع الماء) بها؛ أي: بسببها، وعدل إليها عن (منها) المتبادر؛ ليفيد أنه نبع ~~تارة منها، وتارة ببركتها من غيرها ~~أما الأول (2).. فقال القرطبي : (قصة نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه ~~وسلم قد تكررت منه صلى الله عليه وسلم في عدة مواطن، في مشاهد عظيمة، ~~ووردت من طرق كثيرة، يفيد مجموعها العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي، ~~ولم يسمع بمثل هلذه المعجزة عن غير نبينا صلى الله عليه وسلم، حيث نبع الماء من ~~ين عظمه ولحمه وعصبه ودمه)(3 ~~(1) الكسر- بفتح الكاف وكسرها - هو : الجانب ~~(2) أي: نبع الماء من أصابعه ~~(3) انظر " المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم * (6/ 52) PageV00P289 ~~============================================================ ~~وذكر المزني صاحب الشافعي رضي الله عنهما : أن هذا أبلغ من نبع الماء من ~~الحجر بضرب موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام؛ لأن الحجر يؤلف منه خروج ~~الماء، ولا كذلك البدن: ~~فمن جملة تلك المواطن : ما ورد في " الصحيحين" عن أنس : أن الناس احتاجوا ~~لصلاة العصر، فلم يجدوا الماء، فأتي بوضوء، فوضع يده في ذلك الإناء، فنبع ~~الماء من بين أصابعه حتى توضؤوا كلهم رضي الله عنهم(1) ، زاد البخاري : كانوا ~~ثمانين، وأن الماء نبع من بين أصابعه وأطراف أصابعه صلى الله عليه وسلم (2). # وفي رواية لابن شاهين : أنه وقع نظير ذلك في غزوة تبوك لما ms265 شكوا إليه، فطلب ~~فضلة ماء، فاتي بها، فصبها في صحفة ثم وضع راحتيه فيها، فتخللت عيون من ~~بين أصابعه، فرواهم وابلهم، وتزودوا منه ~~وفيهما عن جابر: أنه صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ من ركوة، فجاؤوه يشتكون ~~العطش، فوضع يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، ~~فتوضؤوا كلهم، وكانوا الفا وخمس مثة، بل قال جابر : لو كنا مثة ألف.. # لكفانا(3) ، وفي رواية لأحمد عنه : فوالذي ابتلاني ببصري لقد رأيت عيون الماء تخرج ~~من بين أصابعه كأمثال العيون (4). # وظاهر الروايات : أن الماء نبع من نفس اللحم الكائن في الأصابع، وهو ~~ما صححه النووي (5)، وجزم به غيره، وإنما استدعى قليل ماء تأدبا مع ربه، فإنه ~~المنفرد بايجاد المعدومات من غير أصل ~~نعم ؛ في رواية عند جماعة: أنه فعل ذلك مرة من غير ماء، لكن استدعى بشن ~~يابسة، ووضع يده فيها، فنبعت عيون الماء: ~~(1) البخاري (169)، ومسلم (2279) ~~(2) البخاري (200)، وليس فيه ذكر أطراف أصايعه ~~(3) البخاري (4152)، ومسلم (1856) ~~4) مسند أحمد (292/3) ~~5) انظر "شرح صحيح مسلم ،(38/15) PageV00P290 ~~============================================================ ~~. وأما الثاني (1).. ففي مسلم : " إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك ، وإنكم لن ~~تأتوها حتل يضحي النهار ، فمن جاءها . . فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي " فسبق ~~رجلان ومساه قبل آن يأتي، فسبهما، ثم اغترفوا له قليلا، فغسل به وجهه ويديه، ثم ~~صب الغسالة في العين ، فجرت العين بماء كثير، ثم قال : " يا أبا معاذ؛ يوشك إن ~~طالث بك حياة أن ترى ما ههنا قذ ملىء بساتين وعمرانا"(2) . وفي رواية " الموطا " ~~وغيره: فانخرق من الماء ما له حس كحس الصواعق ~~وصح- على مقال في بعض رواته- أن العطش اشتد بهم في غزوة تبوك حتى كادت ~~رقابهم تنقطع، وكان الرجل ينحر بعيره، فيعصر فرثه فيشريه، ويجعل الباقي على ~~كبده، فسأله أبو بكر رضي الله عنه أن يدعو لهم، فقال صلى الله عليه وسلم: ~~"أتحثون ذلك ؟ " قالوا : نعم، فرفع يديه، فلم يرجعهما حتى سالت السماء، ~~فانسكبت، قملؤوا ما معهم من آنية، ثم ذهبوا ينظرون فلم يجدوها جاوزت ~~العسكر(3). # وفي " البخاري" ms266 في غزوة الحديبية نحو ذلك مرتين ، مرة أمرهم بوضع سهم من ~~كنانته في محل الماء ففاض(4)، ومرة بوضع يده الشريفة في الركوة، فجعل الماء يفور ~~من بين أصابعه (5). # ومن أوصاف راحته صلى الله عليه وسلم أيضا أنه (أثمر النخل في عام) أي : في ~~سنة غرسه (بها) أي: بسبب مس تلك الراحة الكريمة لذلك التخل في قصة سلمان ~~الفارسي رضي الله عنه التي ذكرها أصحاب السير، ابن هشام وابن سيد الناس ~~وغيرهما، وحاصلها: أته صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة المنورة. أتاه سلمان ~~وامن به، وكان مسترقا، فأمره صلى الله عليه وسلم آن يكاتب سيده، فكاتبه على ~~(1) أي : نبع الماء من غير أصابعه، ولككن ببركتها. # (2) مسلم (10/706) في كتاب الفضائل، باب معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ~~(3) أخرجه ابن خزيمة (101)، وابن حبان (1383)، والحاكم (159/1)، والبيهقي في ~~"الدلائل"(231/5) ~~(4) البخاري (2529) ~~(5) البخاري (3837) PageV00P291 ~~============================================================ ~~غرس ثلاث مثة ودية، وتعهدها حتى تثمر، وأربعين أوقية ذهبا، ثم أخبره صلى الله ~~عليه وسلم بذلك، فأمر أصحابه أن يعينوه بالودي، فأعانوه به، ثم وضعه صلى الله ~~عليه وسلم بيده، فما مات منها واحدة، بل آثمرت كلها في عامها ~~وفي رواية: فوقعت منها واحدة، فقلعها صلى الله عليه وسلم وأعادها، فساوت ~~البقية، فأداها، وبقي عليه الذهب، فجاء للنبي صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة ~~دجاجة من ذهب من بعض المعادن، فأعطاها له، فقال : وأين تقع هلذه مما علي ؟ # قال : " خذها، فإن ألله سيؤدي بها عنك " فوزن لهم منها أربعين أوقية(1) . # ومن أوصافها أيضا أنه (سبحت بها) آي: في راحته صلى الله عليه وسلم ~~(الحصباء) أي: الحصى، كما رواه البزار والطبراني في " الأوسط" وغيرهما: أنه ~~صلى الله عليه وسلم كان عنده آبو بكر وعمر وعثمان، فقبض حصيات فسبحن في ~~كفه حتى سمع لهن حس كحس النحل، فناولهن أبا بكر، فسبحن في كفه كذلك، ثم ~~عمر كذلك، ثم عثمان كذلك ، ثم أخذها الحاضرون فلم تسبح مع أحد منهم(2). # قال الحافظ شيخ الإسلام العسقلاني : (ليس لحديث تسبيح الحصى إلا طريق ~~واحدة، مع ضعفها ms267 لكنه مشهور عند الناس)(3) اه ~~نعم؛ أخرج البخاري من حديث ابن مسعود : كنا نأكل مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم الطعام ونحن نسمع تسبيح الطعام(4) ~~وفي " فتح الباري" عن " الشفا " : (أنه صلى الله عليه وسلم مرض، فأتاه جبريل ~~بطبق فيه رمان وعنب، فأكل منه فسبح)(5). # تتبيه: تسبيح الجماد كالطعام والحصى معناه : أن الله تعالى خلق فيه اللفظ الدال ~~على التنزيه حقيقة، خرقا للعادة، ومع ذلك إضافة التسبيح إليه مجاز؛ لأن اللفظ إنما ~~يضاف حقيقة لمن قام به ~~(1) سيرة ابن هشام (220/1)، وعيون الأثر(80/1). # (2) مسند البزار (4044)، المعجم الأوسط (1266) ~~(3) انظر "فتح الباري" (592/6) ~~(4) البخاري (3566). # (5) فتح الباري (592/5)، وانظر "الشفا"(ص 374). PageV00P292 # ============================================================ ~~ومن أوصافها العلية أيضا أنها ~~حه ال ~~اخت النتزيلين من مزت جمنه أفوز القذم يتنه رزلة وه ~~~~(أحيت المرملين) أي : الذين نفد زادهم من القحط حتى أشرفوا على الموت، ~~فتسميتهم موتى حتى وصفوا بالحياة مجاز، كما أن إسناد الإحياء إلى الراحة مجاز ~~أيضأ، فهو استعارة تبعية (من موت جهد) أي: قحط شديد، والإضافة بيانية، ~~مبالغة بادعاء أن ذلك الجهد لما كان سببا قريبا للموت.. أطلق عليه اسمه (أعوز ~~القوم) عدل إليه عن أعوزهم الذي هو القياس؛ لإزالة إيهام لفظ (المرملين) أنه ~~خاص بذكورهم، وإن كان التغليب في مثله شائعا ذائعا ~~فان قلت: شمول (القوم) للاناث إنما هو بطريق التبع، فساوى ~~(المرملين): ~~قلت : الفرق بينهما واضح؛ لأن شمول القوم للإناث لفظي وإن قلنا بالتبعية، ~~ومن ثم لم يحتج لقرينة، بخلاف (المرملين)، فأفاد (القوم) ما لم يفده ~~(المرملين) ~~(فيه) أي : في ذلك الجهد (زاد وماء) من : أعوزه الشيء إذا احتاج إليه، عبر ~~ب( زاد) مع أنه إنما يقال في طعام المسافر، إشعارا بأنهم لما حصلت لهم تلك الشدة ~~التي أدت بهم إلى الإشراف على الموت.. صاروا كالمسافرين المشرفين على الهلاك ~~وبين (الموت) و(الإحياء)، و(الزاد) و(الماء) الطباق، كالري والشبع ~~المفهومين مما يأتي ~~(9 ع حله ل ~~فتغدى بألصاع ألفت جياغ وترؤى بالصاع ألفت ظماء ~~اال PageV00P293 ~~============================================================ ~~الغداء(1)، وهو: ما قبل الزوال (بالصاع) الواحد، وهو : قدحان بالكيل المصري ms268 ~~تقريبا (ألف جياع وتروى بالصاع ألف ظماء) جمع ظاميء؛ أي : عاطش. # أما ترؤي الألف الظماء بالماء القليل النابع من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم ~~تارة، وببركة دعائه أخري.. فقد مر الكلام عليه مستوفى، والتعبير (بالصاع) فيه.. # المراد به: الماء القليل جدا، كما يعلم مما مر، وإنما ذكره على جهة مجاز المشاكلة ~~لما قبله، نحو: وجزاؤا سيئو سيئة مثلها}، ومكرواومكر الله}، تعلم ما ~~فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك} وبل الألف) .. المراد به : العدد الكثير ، ففي بعض ~~المواطن كالحديبية كانوا ألفا وأربع مثة أو خمس مثة، وفي بعض المواطن كانوا ثلاث ~~مثة، وفي بعضها كانوا أقل، وفي غزوة تبوك كانوا ألوفا مؤلفة . # وأما تغدي الألف الجياع بالصاع.. فهو ما في " الصحيحين" عن جابر رضي الله ~~عنه: أنه رأى بالنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق جوعا شديدا، فذهب ~~لامرأته وأخبرها، فأخرجت صاعا من شعير، وشاة داجنا- آي : سمينة- فذبحتها، ~~وطحت الشعير، فلما وضعت اللحم في البرمة.. ذهب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وأخبره، وطلب أن يأتي بنفر معه ، فصاح النبي صلى الله عليه وسلم : "يا أهل ~~الخندق؛ إن جابرا صنع سورا ، فحي هلا بكم " ثم أمره أن لا ينزل البرمة ولا يخبز ~~العجين حتى يجيء، فلما جاء صلى الله عليه وسلم.، بصق في العجين وبارك في ~~البرمة، ثم أمرها أن تدعو خابزة تخبز معها، وأن تغرف من برمتها ولا تنزلها، قأكلوا ~~وهم ألف حتى تركوه، وإن عجينهم وبرمتهم كما هما(2) ~~وفيهما أيضأ إلا بعض زيادات ففي لا مسلم " عن أنس رضي الله تعالى عنه في غزوة ~~الخندق أيضا: أن عمه زوج آمه أبا طلحة عرف جوع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في صوته، فذكر ذلك لأم سليم زوجته، فأخرجت أقراصأ من شعير، ولفتها بخمار، ~~وأعطتها لأنس، ولفت طرف الخمار على رأسه مرتين كالعمامة، وأرسلته إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجده بالمسجد- أي: الموضع الذي أعده ~~(1) كذا في النسخ، ولعل الصواب : الغداة. # (2) البخاري (4101)، ومسلم (2039)، والشور: كلمة فارسية، وهو: الطعام ms269 الذي يدعى ~~اليه. PageV00P294 # ============================================================ ~~لمحاصرة الأحزاب - ومعه الناس، فقال له : " أرسلك أبو طلحة ؟" قلت : نعم، ~~قال: "ألطعام ؟" قلت : نعم، فقال لمن معه : وقوموا" فتقدمهم أنس، فأخبر ~~عمه، فقال: يا آم سليم؛ قد جاء رسول الله بالناس وليس عندنا طعام نطعمهم! # فقالت : الله ورسوله أعلم، فتلقى أبو طلحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ~~صلى الله عليه وسلم : "هلمي يا أم سليم ما عندك" فأتت بذلك الخبز ، فأمر به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ففت، وعصرت عكة فأدمته ثم قال فيه صلى الله عليه ~~وسلم ماشاء الله أن يقول، ثم قال : " أثذن لعشرة"... فأكلوا حتى شبعوا، ~~فخرجوا، فقال : "أثذن لعشرة" وهكذا، فأكلوا وشبعوا وهم ثمانون، ثم اكل ~~صلى الله عليه وسلم وأهل البيت، وتركوا بقية(1)، وفي طرق هذذه القصة ما يقتضي ~~وادخالهم عشرة عشرة؛ لاتحاد القصعة وصغرها، وقول أنس: (نعم) إما ~~لاستحيائه من كثرة الناس، فقال ذلك ليتبعه الشبي صلى الله عليه وسلم وحده، وإما ~~لأن من أرسله ذكر له أنه إذا رأى كثرة الناس.. دعاه وحده. # وفي رواية : أن أبا طلحة قال : إنما أرسلت أنسا يدعوك وحدك، ولم يكن عندنا ~~ما يشبع من أرى ، فقال : 9 أدخل ، فإن الله سيبارك فيما عندك " ~~وفي رواية: أنه صلى الله عليه وسلم مسح القرص، فجعل ينتفخ ويتسع في ~~الجفتة (2). # وفي أخرى : أن أبا طلحة رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرىء أصحاب ~~الصفة (سورة النساء) وقد ربط على بطنه حجرا(3) ~~وروى مسلم: أنهم في غزوة تبوك جاعوا، فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يدعو بفضل آزوادهم، ثم يدعو الله لهم عليها بالبركة، ففعل، فاجتمع شيء ~~يسير، فدعا صلى الله عليه وسلم بالبركة، ثم قال: "خذوا في أوعيتكم"، فما ~~(1) البخاري (5381)، ومسلم (2040) ~~(2) أخرجه ابن حبان (5285)، وأبو يعلى (4151)، والطبراني في " الكبير" (111/25). # (3) أخرجه الطبراني في " الأوسط" (3129). PageV00P295 # ============================================================ ~~تركوا في العسكر وعاء إلا ملؤوه، فأكلوا حتى شبعوا ، وفضلت فضلة، فقال ~~صلى الله عليه وسلم : " أشهد أن لا إلله إلأ الله، وأني رسول ألله. ms270 . ." الحديث(1) . # وفيهما عن أنس أيضأ : أن أمه أرسلته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحيسة ~~في تؤر وهو عروس بزينب، فأمره أن يدعو من لقي، فدعا من لقي، فكانوا زهاء ~~ثلاث مثة، فوضع صلى الله عليه وسلم يده على تلك الحيسة، وتكلم بماشاء الله، ثم ~~دعا عشرة عشرة، فأكلوا حتى شبعوا، فما آدري حين وضعت كانت اكثر آم حين ~~رفعت ؟1(2) ~~وصح عن سمرة بن جندب: أنهم تداولوا قصعة من غدوة إلى الليل، يقوم عشرة ~~ويقعد عشرة، قيل له: مم كانت تمد؟ قال: ما كانت تمد إلا من هلهنا، وأشار إلى ~~السماء(2) ~~ووفى قذر بيضة من نضار دين سلمان حين حان الوفاء ~~(و) منها أيضا أنه (وفى قدر بيضة) أي : بيضة دجاج (من نضار) أي: من ~~ذهب (دين سلمان) الفارسي رضي الله تعالى عنه ، الذي كان من جملة ما كاتبه عليه ~~سيده، وهو أربعون أوقية من الذهب، كما مر آنقأ، مع صغر تلك البيضة، وعظم ~~ذلك الدين، للكن ببركة مسه صلى الله عليه وسلم لتلك البيضة براحته الكريمة (حين ~~حان) أي : قرب (الوفاء) أي : حلول الأجل. # وبين (وفي) و( الوفاء) الجناس الناقص، ورد العجز على الصدر، وبين ~~(دين) و(حين) و( حان) الجناس اللاحق: ~~وسبب هذا الدين على سلمان : أنه ~~(1) مسلم (27) ~~(2) البخاري (4793)، ومسلم (94/1428) ، التؤر: إناء من صفر او حجارة. # (3) أخرجه ابن حبان (6529)، والترمذي (3625)، والنسائي في " الكبري" (6707) ~~والطبراني في 9 الكبير"(232/7)، وغيرهم. PageV00P296 # ============================================================ ~~كان يذعى قنا فأفتق لما أينعث من نخيله الأقناء ~~(كان يدعى قنأ) أي : أرق بالباطل ، وملخص قصته - كما حكاه هو عن نفسه- : ~~أنه من أصبهان، واجتهد في المجوسية حتى صار رأسها، فمر بكنيسة نصارى، ~~فأعجبوه، فذكر ذلك لأبيه، فقيده وقال له : دينك ودين آبائك خير من دينهم، وكان ~~سألهم عن أصل دينهم، فقالوا : بالشام، فأرسل إليهم : إذا جاءكم أحد من الشام.. # فأخبروني، ففعلوا، فحل القيد وتوجه إليها، فسأل عن أعلمهم، فدل عليه، ~~فخدمه إلى أن مات، ثم خدم من أقيم مقامه، فلما احتضر.. قال له: بمن توصيني ؟ # قال: بفلان ms271 بالموصل، فجاءه فأخبره، وخدمه، فلما احتضر. قال له: بمن ~~توصيني ؟ قال: بفلان بتصيبين، فجاءه فأخبره، وخدمه، فلما احتضر. ذكر ذلك ~~له، قال: بفلان بعمورية من أرض الروم، فلما احتضر.. قال له : يا بني؛ ما أعلم ~~أحدا على ما كنا عليه آمرك أن تأتيه، وإنه أظل زمان نبي هو مبعوث بدين ابراهيم، ~~يخرج من أرض العرب، يهاجر إلى أرض بين حرتين، به علامات لا تخفى، يأكل ~~الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بأرضه.. # فافعل ~~ثم مات، فمر بي تفر من كلب، فقلت لهم: احملوني إلي أرض العرب وأعطيكم ~~ما عندي، فحملوني، فلما بلغوا وادي القرى.. ظلموه، فباعوه من يهودي، فباعه ~~من ابن عم له من بني قريظة بالمدينة، قال : فحملني إليها، فعرفتها، فبعث صلى الله ~~عليه وسلم بمكة، فلم أسمع له ذكرا، ثم هاجر إلى المدينة، فبينا أنا أجني لسيدي ~~تمرا.. جاءه ابن عمه، فقال له : قاتل الله بني قئلة - وهي : أم الأوس والخزرج- إنهم ~~الأن لمجتمعون بقباء على رجل قدم إليهم من مكة اليوم، يزعمون أنه نبي، فأخذتني ~~رعدة شديدة حتى ظننت آني ساقط، فنزلت، فقلت لسيدي: ماذا قال لك هذذا؟ # فغضب ولطمني لطمة شديدة، وقال : مالك ولهذا ؟ أقبل على عملك ~~فلما أمسى أخذ شيئأ جمعه وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~بقباء، فقال له: هذه صدقة، فأمر أصحابه بأكله ولم يأكل، فجمع شيئا آخر وأتى به PageV00P297 ~~============================================================ ~~اليه وهو بالمدينة، فقال له : هذا هدية، فأكل هو وأصحابه، ثم جاءه بالبقيع وقد ~~تبع جنازة، فجعل ينظر إلى ظهره صلى الله عليه وسلم، فعرف أنه يتأمله لشيء وصف ~~له، فألقى رداءه عن ظهره، فرأى خاتم النبوة، فقص عليه حديثه وأسلم، فأمره ~~صلى الله عليه وسلم أن يكاتب، فكاتب - نظرا لحالته الراهنة، وإلا.. فهو من جملة ~~الأحرار الذين هم أتباع حواريي عيسى عليه الصلاة والسلام - على غرس ثلاث مثة ~~نخلة، وتعهدها حتى تثمر، وأربعين أوقية ذهبأ، فغرس له النخل فأثمرت من ~~عامها، وأعطاه مثل بيضة ms272 من ذهب فوفت الأربعين(1). # (فأعتق) بأداء النجوم (لما أينعت) أي : نضجت (من نخيله) حال من قوله: ~~(الأقناء) جمع قنو، وهو : العذق؛ أي : العرجون، ولأجل ما ذكر عن سلمان أنه ~~بمجرد سماعه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أخذته الرعدة الشديدة وهو على رأس ~~نخلة يجنيها لسيده، وشاهده سيده منه، ومع ذلك الدال على نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وأنه بلغ أمره ونعثه الأباعد والأقارب.. لما فهم أن له تلفتا إلى سماع ~~خبر النبي صلى الله عليه وسلم. لطمه لطمة شديدة، لأنه كان من جملة اليهود الذين ~~كانوا يفتخرون على الأنصار بأنه قرب زمن نبي عربي، يكونون أول من يتبعه، ~~ويقتلونهم معه قتل عاد وإرم، فلما جاءهم المدينة. كفر به آكثرهم، كما قال الله ~~تعالى: فلما جاء هم ماعرفوا كفروايه} ~~ثم عرض الناظم رحمه الله تعالى لموالي سلمان منكرا عليهم؛ إذ لم يؤمنوا بنبينا ~~صلى الله عليه وسلم مع ما شاهدوه من حال سلمان، بل زادوا في الطغيان بضربه، ~~فقال: ~~172 ~~أفلا تغذرون سلمان لما أن عرثه من ذكره الثرواء ~~~~(1) تلطمون سلمان وتمنعونه من الاجتماع بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى ~~لا يؤمن به (فلا تعذرون سلمان) أي : ترون له عذرا يمنعكم من ايذائه ومنعه وقد ~~(1) انظر "سيرة ابن هشام"(214/1)، و1 عيون الأثر* (76/1) PageV00P298 ~~============================================================ ~~وضح الدليل عندكم على نبوته صلى الله عليه وسلم (لما) أي: حين (أن عرته) ~~أي : غشيته (من) أجل (ذكره) أي : ذكر اليهودي لقريبه النبي صلى الله عليه ~~وسلم، واجتماع الناس به في قباء (العرواء) أي : قوة الحمى ومسها في أول أخذها ~~للاتسان بالشدة والرعدة: ~~وما ذكرته في تقرير هذذا البيت المطابق لما في قصة سلمان، والذي فيه غاية ~~المناسبة للمقام، وغاية الإنكار على اليهود ورميهم بالعناد والبهتان.. أولى مما وقع ~~للشارح في تقريره على ما فيه من النظر، كما يعلم بتأمله. # وبين (عرته) و( العرواء) تجنيس شبه الاشتقاق: ~~ل173 ~~وأزالت بلمنسها كل داء ألبرته أطبة وإساء ~~(و) من أوصاف تلك الراحة الكريمة أيضا أنها( أزالت بلمسها) ms273 لمن به أمراض ~~أعيت الأطباء ( كل داء) به (أكبرته) أي : استعظمته وعجزت عن برثه ( أطبة) جمع ~~طبيب، وهو: العالم بعلم الطب الذي هو : حفظ صحة الإنسان بمنع الواصل إليه ~~ودفع الحاصل (وإساء) بكسر الهمزة؛ أي: يداوي المرض، جمع أس، كراع ~~ورعاء ~~روى الدارمي: أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : ~~يا رسول الله؛ إن ابني به جنون، وإنه ليأخذه عند غدائنا وعشائنا، فمسح صلى الله ~~عليه وسلم صدره، فقاء من جوفه مثل الجرو الأسود، فشفي(1) ~~فائدة : روى البخاري آن سلمة أصيب يوم خيبر بضربة في ساقه، فنفت فيها ~~صلى الله عليه وسلم ثلاث نفثات، فما اشتكي قط (2). # (1) سنن الدارمي (19) ~~(2) البخاري (4206). PageV00P299 # ============================================================ ~~ب را1 :) ~~نشرنسرن بد رشر بن يين برهنزا ~~(و) من أوصافها أيضا أنه برىء بها (عيون) باصرة (مرت بها) أي : تلك الراحة ~~(وهي رمد) أي: معطلة الإبصار (فأرتها) أي: تلك الراحة تلك العيون (ما) ~~أي: الشيء البعيد الذي (لم تر) أي : تراه، وفيه مع (أرتها) جناس الاشتقاق ~~(الزرقاء) المشهورة بزرقاء اليمامة التي كانت ترى من مسيرة ثلاثة أيام. # روى البخاري في غزوة خيبر: أنه صلى الله عليه وسلم قال : أين علي ؟- ~~آي : ليعطيه الراية ويكون الفتح على يديه ، كما في رواية أخرى- قالوا : يشتكي ~~عينيه، قال: "أزسلوا إلئه"، فأتي به، فبصق صلى الله عليه وسلم في عينيه، ودعا ~~له، فبرىء حتى كان لم يكن به وجع(1) . # وعند الطبراني عن علي: فما رمدت ولا صدعت منذ دفع إلي صلى الله عليه وسلم ~~الراية يوم خيبر(1،. # وعند الحاكم عنه: فوضع صلى الله عليه وسلم رآسي في حجره، ثم بصق في ~~راحته، فدلك بها عيني ~~وعند الطبراني: فما اشتكيتها حتى الساعة، قال : ودعا لي صلى الله عليه وسلم ~~فقال : " أللهم ؛ أذهب عنه الحر والقر" فما اشتكيتهما حتى يومي هلذا(3) . # فائدة : روى ابن أبي شيبة والبغوي والطبراني وأبو نعيم : أنه صلى الله عليه وسلم ~~نفث في عيني فديك، وكانتا مبيضتين لا يبصر بهما شيئا، وكان وقع على بيض حية، ~~فكان يدخل الخيط ms274 في الإبرة، وإنه لابن ثمانين سنة، وإن عينيه لمبيضتان (4). # (1) البخاري (3701). # (2) ذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد" (126/9) وقال : (رواه الطبراني، وفيه أحمد بن ~~سهل بن علي الباهلي، ولم آعرفه، وبقية رجاله ثقات) ~~3) المعجم الأوسط (2307) ~~4) المصنف (445/7)، والمعجم الكبير (25/4) ~~17 PageV00P300 ~~============================================================ ~~وأعادث على قتادة عينسا فهي حتسى مماته التجلاء ~~(و) منها أيضا أنها (أعادت على قتادة) بن النعمان (عينا) له ذهبت (فهي ~~حتى) أي: إلى (مماته النجلاء) أي : الواسعة، والمراد : واسعة النظر. # وقصته: أن عينه أصيبت يوم أحد، فوقعت على وجنته، فأتى بها إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فقال : يا رسول الله؛ إن لي امرأة أحبها، وأخشى إن رأتني ~~تقذرني، فأخذها صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة، وردها إلى موضعها، وقال ~~صلى الله عليه وسلم: " اللهم؛ اكسها جمالا"، فكانت أحسن عينيه وأحدهما ~~نظرا، وكانت لا ترمد إذا رمدت الأخرى(1). # وقد وفد على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه رجل من ذريته، فقال له عمر: من ~~أنت ؟ فقال منشدا: ~~امن الطويل] ~~أنا أبن الذي سالت علل الخد عينه فردث بكف المصطفى أيما رد ~~فعادث كما كانت لأول أمرها فيا حسن ما عين ويا خسن ما خد ~~فوصله عمر، وأحسن جائزته (2) ~~قال السهيلي: (وفي رواية: أصيبت عيناي يوم أحد، فسقطتا على وجنتي، فأتيت ~~بهما النبي صلى الله عليه وسلم، فأعادهما مكانهما، وبصق فيهما، فعادتا تبرقان، قال ~~الدارقطني: هلذا حديث غريب، تفرد به عمار بن نصر عن مالك، وهو ثقة)(3). # وأخرج الطبراني وأبو نعيم عنه : كنت يوم أحد أتقي السهام بوجهي دون وجه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان آخرها سهما ندرت منه حدقتي، فأخذتها ~~بيدي، وسعيت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآها في كفي. دمعت ~~(1) أخرجه الحاكم (295/3). # (2) انظر "الروض الأنف " (8/6). # (3) الروض الأنف (9/6) ~~67 PageV00P301 ~~============================================================ ~~عيناه، فقال : " اللهم؛ ق قتادة كما وقى وجه نبيك بوجهه، فآجعلها أخسن عينيه ~~وأخدهما نظرا "(1). # ويجمع بين رواية الواحدة ورواية الثنتين على تقدير صحتهما بأن أحد الرواة ظن أن ~~الساقط واحدة، وبعضهم ms275 علم أنه ثنتان، فأخبر كل بحسب علمه، ومن قواعدهم: ~~أن زيادة الثقة مقبولة، ويها تترجح رواية الثنتين: ~~أو بليم الثراب من قدم لا نث حياء من مشيها الصفواء ~~(أو) ليته خصني في اليقظة أو في النوم نظير ما مر (بلثم) أي : بتقبيل (التراب) ~~المنفصل (من قدم) له صلى الله عليه وسلم موصوفة بأوصاف جليلة كسابقها، منها: ~~أنها كانت إذا مشت على حجر (لانت حياء) أي : لأجل أو من جهة استحيائها منها ~~وإجلالها لها (من) أجل (مشيها) أي : تلك القدم الكريمة لها (الصفواء) أي : ~~الحجارة الصلدة، فاعل (لانت)، وأعيد ضمير (مشيها) وما بعده عليها لتقدمها ~~رتبة، ونبه بذلك على أنه ينبغي لك أيها العاقل أن تستحيي من مخالفتك ما جاء عن ~~نبيك صلى الله عليه وسلم؛ لأنك إذا علمت أن الحجر الأصم استحيى منه أن يبقى ~~على صلابته مع مشيه صلى الله عليه وسلم، فتشق عليه صلابته، فلان له حتى يسهل ~~عليه مشيه عليه.. فلأنت أولى بالاستحياء منه أن تبقى على مخالفته، مع علمك بجليل ~~أوصافه، وعلي أخلاقه صلى الله عليه وسلم ~~ثم هذا الذي ذكره الناظم ذكره غيره ممن تكلم على الخصائص، للكن بلا سند. # وعبارة الحافظ السيوطي في لا خصائصه ": (ومما آورده رزين- آي: صاحب ~~"الصحاح"- في " خصائصه " أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا وطىء الصخر.. أثر فيه) ~~وذكر الحافظ السرمري الحنبلي تلميذ ابن القيم ذلك في "خصائصه" فقال : ~~(وأما إلانة الحديد لداوود عليه الصلاة والسلام. فإن إلانة الحديد معروفة بالنار، ~~وقد ألان الله تعالى الحجارة لمحمد صلى الله عليه وسلم، ولا يعرف لين الحجارة ~~(1) المعجم الكبير (8/19)، دلائل النبوة (122/2). PageV00P302 # ============================================================ ~~بالنار ولا غيرها، وهذا أبلغ) ثم قال : (وأعجب من هذذا أنه كان إذا مشى على ~~الصخر.. لانت تحت أقدامه، وإذا مشى على الرمل.. لا يؤثر فيه، خرقا للعادة ~~الجارية) وقال في أول كتابه : (ونحن نذكر ما نقل عن كل نبي من المعجزات، ~~وما ثبت لنبينا صلى الله عليه وسلم من الخصائص، وما له من الفضائل والفواضل): ~~مؤطوع الأخمص الذي ms276 منه للقذ ب إذا مضجعي أقض وطاء ~~(موطىء) بدل من (التراب) (الأخمص) يضم الميم، المراد به: الجس؛ ~~أي : الأخمصين، وهو من التعبير بالبعض عن الكل؛ إذ الأخمص من القدم : ~~الموضع الذي لا يلتصق بالأرض منها عند الوطء، والخمصان المبالغ فيه ، ولا يرد ~~على كلامه ما رواه البيهقي عن آبي هريرة رضي الله عنه : (كان صلى الله عليه وسلم إذا ~~وطىء بقدمه.. وطىء بكلها، ليس له أخمص)(1) وابن عساكر عن أبي أمامة : (كان ~~صلى الله عليه وسلم لا أخمص له، يطأ على قدمه كلها)(2) لأن المراد : أن أخمصه ~~معتدل الخمص، ومن ثم قال ابن الأعرابي : إذا كان خمص الأخمص بقدر لم يرتفع ~~جدا ولم يستو أسفل القدم جدا.. فهو أحسن ما يكون، وإن استوى أو ارتفع جدا.. # فهو مذموم ~~(الذي) نعت للمضاف، ولا يصح كونه نعتا للمضاف إليه إلا بالتكلف (منه) ~~صفة للمبتدأ الذي هو (وطاء) تقدمت عليه فصارت حالا (للقلب) خبر المبتدأ، ~~وهو: الفؤاد، وقد يعبر به عن العقل، ومر المراد بالقلب والخلاف في العقل: ~~وذكر القلب بعد الأخمص فيه تجنيس مراعاة النظير. # (إذا مضجعي) أي: جنبي الذي أضطجع عليه (أقض) - بالقاف والمعجمة ~~أي : أصابه القضض، وهو: التراب الذي يعلو الفراش، كما في "القاموس" ~~(وطاء) أي: فراش، وصف ذلك التراب الذي هو موطىء القدمين الشريفتين بأنه لو ~~(1) دلائل النبوة (274/1). # (2) تاريخ دمشق (300/3) PageV00P303 ~~============================================================ ~~فرض آن مضجعه أصاب تراب فراشه الذي هو من جملة ذلك التراب.. سرى سر ذلك ~~التراب الأكبر إلى قلبه، فأناره وأراحه من الأغيار، وصيره على أكمل الأحوال ، ~~وصانه عن قبائح الخطرات والأهوال، كما أن الفراش يصون من فرش له عن ذلك، ~~وهذا أولى وأظهر مما حل به الشارح هلذا البيت . فتأملهما. # ومن أوصافها أيضا أنه ~~178 ~~حظي المشجذ الحرام بممشا ها ولم ينس حظه إيلياء ~~(حظي المسجد الحرام) يعني: جميع حرم مكة المشرفة؛ إذ المسجد الحرام ~~يراد به ذلك كثيرا ، كما في القرآن في مواضع كثيرة ، بل كل ما ورد فيه من ذلك المراد ~~به : مكة ، إلا ms277 في نحو قوله تعالى : { فول وجهلف شطر المشجد الحراو) ~~(بممشاها) أي: بمشي تلك القدم فيه أي: فضل حرم مكة سائر البقاع، ما عدا ~~موضع قبره المكرم، كما عليه اكثر العلماء، بواسطة ولادة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وتربيته ونشأته فيه ، ومن ثم صح من غير نزاع فيه لأحد : أنه صلى الله عليه وسلم قال ~~لمكة : " والله إنك لأحث أرض الله إلى الله ، ولؤلا أني أخرجت منك كزها ما ~~خرجت"(1)، والحديث المعارض لذلك الذي يرويه مفضلو المدينة المنورة.. # موضوع كما اعترف به إمام المالكية أبو عمر بن عبد البر، وصرح بأن أفضلية مكة هي ~~الحق عند من آلهم رشده، وبرىء من التعصب: ~~(ولم ينس حظه) منه (إيلياء) أي: بيت المقدس، بل شرفه صلى الله عليه ~~وسلم بمشيه فيه أيضا، وصلاته فيه بالأنبياء عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام ليلة ~~الإسراء، كما جاء ذلك في الأحاديث الصحيحة، ولم يذكر المدينة ؛ لأنه هو الذي ~~أنشأ شرفها، كما قال في الحديث الصحيح : " اللهم؛ إن إبراهيم حرم مكة، وإني ~~حرمت المدينة..." الحديث (2). # (1) أخرجه ابن حبان (3708)، والترمذي (3925)، وابن ماجه (3108). # (2) أخرجه مسلم (1374)، والبيهقي في " السنن الكبري" (201/5) PageV00P304 ~~============================================================ ~~فقوله صلى الله عليه وسلم : "حرمت المدينة " أي: نزل تحريمها على لساني ولم ~~يسبق زمتي، بخلاف مكة، فإن تحريمها من يوم خلق الله السماوات والأرض، كما ~~في حديث البخاري وغيره، فحديث البخاري وغيره أيضا : أن إبراهيم حرم مكة(1) . # معناه: أظهر حرمتها لا غير، جمعا بين الحديثين، فإنه متعين ما أمكن، وليس ~~الكلام فيما أنشىء حرمته ، وإنما الكلام فيما غرفت حرمته من قبل على لسان غيره من ~~الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام، لكن ازدادت حرمته ببركة حلوله به، ومشيه ~~فيه، ففضل غيره حينئذ. # ففضل مكة وبيت المقدس ليس لتقدم حرمتهما قبله صلى الله عليه وسلم، بل ~~لأجل حلوله ومشيه فيهما ~~وبين (حظي) و(حظه) ك( ورمت) و( رمي) تجنيس شبه الاشتقاق. # ومن أوصافها أيضا أنها ~~179 ~~ورمث إذ رمى بها ظلم اللي حل إلى الله خوفه والرجاء ~~(ورمت) كما في حديث "الصحيحين" : أنه ms278 صلى الله عليه وسلم قام من الليل ~~حتى تورمت قدماه، فقيل له: أتتكلف هذذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك ~~وما تأخر؟! فقال : " أفلا أكون عبدا شكورا؟1 "(2). # وفي رواية لهما عن عائشة رضي الله عنها : قام نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~تورمت قدماه، وفي رواية: حتى تفطرت قدماه، فقلت له : لم تصنع هلذا وقد ~~غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال : "أفلا أكون عبدا شكورا ؟1" فلما ~~بدن وكثر لحمه.. صلى جالسا ، فإذا أراد أن يركع. قام فقرأثم ركع (3). # و(الفاء) للسببية ، والتقدير: اأترك تهجدي فلا أكون عبدا شكورا ؟! والمعنى : ~~(1) البخاري (2129) ~~(2) البخاري (4836)، ومسلم (79/2819) ~~(3) البخاري (4837)، ومسلم (2820) PageV00P305 ~~============================================================ ~~أن المغفرة سبب لكون التهجد لمحض الشكر، فكيف أتركه؟! # قال ابن بطال شارح " البخاري" : (في هلذا الحديث أخذ الإنسان على نفسه ~~بالشدة في العبادة وإن أضر ذلك ببدنه ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إذا فعل ذلك مع علمه ~~بما سبق له.. فكيف بمن لم يعلم ذلك، فضلأ عمن لم يأمن أنه استحق النار؟1) اه ~~قال بعض المفسرين: قام صلى الله عليه وسلم طول ليله على قدميه إلا قليلا، ~~فلما تورمت قدماه. كان يقف على أطراف أصابعه، فأنزل الله تعالى عليه {طه *: ~~ما أنزلنا عليك القرهان لتشقى} أي : طأ الأرض بكل قدميك ، واسترح مما أنت فيه من ~~التعب، فإننا ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ~~(إذ) أي : وقت، أو لأجل أنه (رمى بها ظلم الليل) فيه استعارة بالكناية، شبه ~~القدم الشريفة بسهم صائب من حيث إن قيام القدم في طاعة الله تعالى أوجب زوال ~~ظلمة الليل ووحشته، كما أن رمي السهم في طاعة الله تعالى يزيل سؤرة عدوه ~~ووطأته، فتشبيه القدم بالسهم في ذلك استعارة بالكناية؛ لبنائها على هذذا التشبيه ~~المكني في النفس، وإثبات الرمي لها استعارة تخييلية، وبهذا التقرير البديع المبقي ~~(( الباء) على حالها يندفع زعم الشارح أنها بمعنى (من) أو (عن) وأنه لا يصح ~~بقاؤها على حالها ~~ولما كان قيام الليل كذلك ينشأ إما عن مزيد خوف أو سعة ms279 رجاء.. بين الناظم ~~رحمه الله تعالى أن قيامه صلى الله عليه وسلم لم يكن لأجل ذلك، وإنما كان لمحض ~~الشكر، كما أفاده قوله صلى الله عليه وسلم : " أفلا أكون عبدا شكورا ؟!" مع التلذذ ~~بمناجاة الله تعالى والقيام بين يديه، وأن خوفه ورجاءه اللذين وصل فيهما إلى غاية لم ~~يصل إليها غيره.. إنما كانا لمحض التقرب بهما إلى الله تعالى فقال : ~~(إلى الله) خبر مقدم (خوفه) منه تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: "أنا ~~أغلمكم بالله وأخوفكم منه "(1) (والرجاء) أي : وسعة أمله فيما عنده لا إلى غرض ~~آخر؛ لأن الله تعالى عصمه عن أن ينظر أو يميل إلى غيره طرفة عين، بل هو دائم ~~المثول في حضرات الشهود الأقدس، والتملي بمعاني القرب الأنفس: ~~(1) أخرج البخاري نحوه (20) PageV00P306 ~~============================================================ ~~ووقع للشارح رحمه الله تعالى حل هلذا البيت على خلاف ما ذكرته، وما ذكرته ~~أولى وأنسب بمقامه صلى الله عليه وسلم، كما لا يخفى على متأمل: ~~ثم رأيت القرطبي أشار إلى ما ذكرته حيث قال : ظن من سأله في حديث ~~"الصحيحين " المذكور عن سبب تحمله المشقة في العبادة : أنه إنما يعبد الله خوفا من ~~الذنوب، وطلبا للمغفرة والرحمة، فمن تحقق أنه غفر له.. لا يحتاج إلى ذلك، ~~فأفادهم أن هنا طريقا آخر للعبادة، وهو الشكر؛ إذ هو : الاعتراف بالنعمة، والقيام ~~بالخدمة، فمن كثر ذلك منه.. سمي شكورا، لكنه قليل ، كما قال تعالى : وقليل ~~من عبارى الشكور(1). # وفي الحديث بيان ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الاجتهاد في العبادة ~~والخشية من ربه تعالى، قال العلماء : إنما ألزم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنفسهم ~~بشدة الخوف؛ لعلمهم بعظيم نعمة الله عليهم، وأنه تعالى ابتدأهم بها قبل ~~استحقاقها، فبذلوا مجهودهم في عبادته؛ ليؤدوا بعض شكره، مع آن حقوق الله ~~تعالى أعظم من آن يقوم بها العباد. اه ~~وقيام الليل كان في أول الإسلام واجبا عليه صلى الله عليه وسلم وعلى أمته، كما ~~ذكره الله تعالى في أول (سورة المزمل)، ثم نسخ بما في آخرها، ثم نسخ عن ms280 الأمة ~~بالصلوات الخمس، وكذا عنه صلى الله عليه وسلم على الأصح، كما نص عليه ~~الشافعي رضي الله تعالى عنه، وللكن أكثر أصحابه على أنه لم ينسخ عنه صلى الله عليه ~~وسلم؛ لقوله تعالى : { ومن اليل فتهجد بو نافلة لك} أي : عبادة زائدة في ~~فرائضك؛ لأن الأمر للوجوب، وقيل: معناه : زيادة خالصة لك؛ لأن تطوع غيره ~~يكفر ذتبه ، وتطوعه خالص له؛ لكونه لا ذنب عليه، فسائر تطوعاته صلى الله عليه ~~وسلم لمحض زيادة الدرجات والقرب ، وأما حديث : "أللهم؛ إني أسألك الجنة ~~وما قرب إليها من قؤل أو عملي، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قؤل أو ~~عمل"(2). فهو تعليم لأمته صلى الله عليه وسلم. # (1) انظره المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم* (139/7) ~~(2) اخرجه ابن ماجه (3846)، وأحمد (172/1)، وأبو يعلى (715) PageV00P307 ~~============================================================ ~~وبين (الخوف) و( الرجاء) المقابلة: ~~ومن أوصافها أيضا أنها ~~180/.. # دميث في الوفى لتكسب طيبا ما أراقت من الدم الشهداء ~~(دميت) أي: خرج دمها (في الوغى) قال الشارح : (هو : الصوت والجلبة، ~~ويقال للحرب؛ لما فيها من الصوت والجلبة وكثرة اختلاط الأصوات، وهو المراد ~~هنا) اه ~~(لتكسب) هي (طيبأ ما) أي : الذي (أراقت من الدم) بيان ل(ما) (الشهداء) ~~جمع شهيد، فعيل بمعنى فاعل؛ لأنه يشهد الجنة وما أعد الله له فيها عند طلوع ~~روحه، أو مفعول؛ لأن ملائكة الرحمة تشهده عند ذلك، وهو فاعل (أراقت) أي: ~~من حكم خروج الدم من رجله المشرفة : أن يعود طيب ذلك الدم وبركته على جميع دم ~~الشهداء حتى تكون رائحة دمهم كريح المسك، كما أخبر صلى الله عليه وسلم عن ~~دمهم بأنه كذلك (1)، وكان ينبغي للناظم أن يذكر هذا من أوصاف يده الكريمة ، لأن ~~الذي في "البخاري " : أنه صلى الله عليه وسلم دميت إصبعه فقال: (من الرجزا ~~هل أنت إلأ إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت(2) ~~وقد يحمل كلام الناظم: على ما سبق أنه صلى الله عليه وسلم خرج إلى ثقيف ~~يدعوهم إلى الله تعالى، فأبوا، وأغروا به سفهاءهم، فرموه بالحجارة إلى أن آدموا ms281 ~~رجليه، فجلس من شدة الألم، وزيد مولاه يحميه منهم ~~فإن قلت : ليس هنا حرب، والناظم قيد ذلك ب( الوغي) ~~قلت : قد علمت أن أصل الوغى : الصوت والجلبة، وهذا موجود هنا، على أن ~~لنا أن نمنع قولك : ليس هنا حرب، وسند المنع : أنه أقام عندهم شهرأ يدعوهم وهم ~~اا يجيبونه، بل پغرون به سفهاعهم وعبيدهم يسبونه ~~(1) كما في حديث عند ابن حبان (3191)، وأحمد (243/5). # (2) البخاري (2802) PageV00P308 ~~============================================================ ~~قال موسى بن عقبة: ورجموا عراقيبه صلى الله عليه وسلم بالحجارة حتى ~~اختضبت نعلاه بالدم، زاد غيره : وكان إذا أذلقته الحجارة.. قعد إلى الأرض، ~~فيآخذونه بعضديه فيقيمونه فإذا مشى. رجموه وهم يضحكون وزيد بن حارثة يقيه ~~بنفسه، حتى لقد شج في رأسه شجاجا، وهلذا حرب أي حرب ؟! لأن من أقام بين ~~ظهراني العدو يواجههم بما يكرهونه من غير آن ينزجر بزجرهم، ولا ينكف عنهم ~~ربهم محارب لهم آي محارب ؟! # ويدل لذلك : أن أئمتنا عدوا من المتحاربين الصفين إذا تقابلا بحيث يصل سلاح ~~كل إلى الاخر وإن لم يقع قتال، بل ولا سل سيف، ولا رمي سهم ، تنزيلا لما بالقوة ~~منزلة ما بالفعل، فكذلك هنا، بل أولى؛ لأنه وجد من جانبهم ضرب وجرح ~~و غيرهما، ومن جانبه غلظة عليهم، وسب لهم ولالهتهم ~~وبما قررته يعلم عذر الشارح في صرفه (الوغي) عن معناه الحقيقي إلى معناه ~~المجازي، وقال : (إنه المراد هنا) أي : كما يقضي به سياق النظم، للكن كان عليه ~~أن يبين ما يشهد لذلك المراد من كتب السير أو غيرها. # وإذا تقرر أنه صلى الله عليه وسلم قام على قدمه حتى تورمت، وأنها دميت في ~~الحرب؛ ليكسب طيث دمها دم الشهداء طيبا ~~فهي قطب المخراب والحرب كم دا رث عليها فسي طاعة أزحاء ~~(فهي) حينئذ (قطب المحراب و) قطب (الحرب) أي: انتهى إليها الثبات في ~~الصلاة والحرب إلى حالة لم توجد في غيرها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا أتقى ~~ولا أخشع لله منه، ولا أشجع منه كما مر، فهي قطب العبادات والجهاد في ~~سبيل الله، لا ms282 تتحرك ولا تنتقل عن مكانها، فلذا دارت عليها قبائل العرب الذين ~~اترمهم الله بطاعته؛ للاقتداء به صلى الله عليه وسلم، والمجاهدة معه، كما قال: ~~(كم) أي: مرات كثيرة (دارت عليها في طاعة) الله تعالى، حال من قوله: ~~(أرحاء) أي: قبائل، وهلذا تذييل PageV00P309 ~~============================================================ ~~وقطب الرحى: ما يدور عليه، ويسمى أمير الجيش قطب رحى الحرب؛ لأنها ~~انما تدور عليه ~~واستفيد من ذلك: أنها مركز دائرة الوجود، فهي نقطة الكون المخلوق لأجله ~~ابتداء، والمتصرف فيه انتهاء ~~وبين (المحراب) و( الحرب) تجنيس الاشتقاق(1). # وأراه لؤلم يسكن بها قب ل حراء ماجث به الدأماء ~~(وأراه) أي: أعلم أنه صلى الله عليه وسلم (لو) هي مع شرطها وجوابها سدت ~~مسد المفعول الثاني، ويصح: أن (ماجت) هو المفعول، وجواب (لو) محذوف ~~دال عليه (ماجت) ~~واعلم: أن الكلام على (لو) كثر اختلاف العلماء فيه، وقد أوردت هنا ~~خلاصته؛ لأنه مما يضطر إلى معرفته، فأقول : هي شرط للماضي غالبا، واختلفت ~~عبارات النحاة في معناها حتى قيل : إنهم لم يفهموه ~~قال سيبويه : هي حرف لما كان سيقع لوقوع غيره ~~وقال البصريون: حرف امتناع لامتناع، واختلف في مرادهم بذلك فقال ابن ~~الحاجب: (مرادهم : امتناع الشرط لامتناع الجواب ، لا عكسه؛ لأن انتفاء السبب ~~لا يدل على انتفاء مسيه؛ لجواز أن يكون للشيء أسباب، واستدل لذلك بقوله ~~تعالى: { لو كان فيهما عالهة إلا الله لفسدتا) لأنها مسوقة لنفي تعدد الآلهة بامتناع ~~الفساد، لا عكسه؛ إذ لا يلزم من انتفائها انتفاؤه؛ إذ المراد : فساد نظام العالم عن ~~حالته، وذلك جائز أن يفعله الاله الواحد سبحانه وتعالى) اه ~~وردوا عليه وأطالوا، وصوبوا: أن المراد : امتناع جوابها لامتناع شرطها، كما ~~هو المتبادر للأفهام، واعترض ذلك بأن الجواب قد لا يمتنع في أماكن كثيرة، نحو ~~(1) كذا في النسخ، ولعل الصواب: تجنيس شبه الاشتقاق. PageV00P310 # ============================================================ ~~قوله تعالى : ولو أنما فى الأض من شجرة أقلكر. ..) الاية، وقول عمر رضي الله ~~تعالى عنه: (نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله.. لم يعصه)(1) لأن عدم النفود ~~محكوم به، وجد الشرط أم لا، ms283 وكذلك عدم العصيان، وجد الخوف أم لا، فلذلك ~~حرر جمع محققون العبارة عن معناها فقالوا : إنها حرف يقتضي امتناع ما يليه ~~واستلزامه لتاليه من غير تعرض لنفي التالي، فقيام زيد من: لو قام زيد.. قام ~~عمرو. محكوم باتتفائه وبكونه مستلزمأ ثبوته لثبوت قيام من عمرو، وهل لعمرو قيام ~~آخر غير اللازم عن قيام زيد أو ليس له ؟ لا تعرض لذلك : ~~ثم إن ناسبه بأن لزم الثاني الأول عقلا أو شرعا أو عادة ولم يخلف المقدم في ترتيب ~~التالي عليه غيره.. لزم انتفاؤه بانتفائه ، ك: { لو كان فيهما ء الهة إلا الله لفسدتا) ~~ففسادهما لازم لتعدد الآلهة على وفق العادة عند تعدد الحاكم من التمانع في الشيء، ~~ولم يخلف التعدد في ترتيب الفساد غيره، فينتفي الفساد بانتفاء التعدد المفاد با لو) ~~وإن خلفه.. لم يلزم ، ك: لو كان إنسانا.. لكان حيوانا، فالإنسان لازم للحيوان ~~عقلا لأنه جزؤه، ويخلف الإنسان في ترتيب الحيوان غيره، كالحمار، ويثبت ~~الثاني مع انتفاء الأول إن لم يتأت انتفاؤه وناسبه : إما بالأولى ، كأثر عمر المرتب فيه ~~عدم العصيان على عدم الخوف، وهو بالخوف المفاد ب (لو) أتسب للترتيب عليه ~~أيضا في قصده، والمعنى: أنه لا يعصي الله مطلقأ، لا مع الخوف، وهو ظاهر، ~~ولا مع انتفائه؛ إجلالا له تعالى عن أن يعصيه، أو المساوي، كقوله صلى الله عليه ~~وسلم في بنت أم سلمة : " لؤ لم تكن ربيبتي في حجري.. ما حلت لي ، إنها لاينة ~~أخي من الرضاعة " رواه الشيخان(2) ؛ أي : لا تحل لي أصلا ؛ لأن لها وصفين ~~متساويين: المصاهرة والرضاع ، لو انفرد كل منهما. حرم، أو الأدون، ك: لو ~~انتفت أخوة الرضاع.. ما حلت للنسب الأدون منه الرضاع ~~(لم يسكن) هو (بها) أي: بقدمه الشريف (قبل) بالبناء على الضم (حراء) ~~مفعول (يسكن)، بالصرف هنا لا غير؛ لئلا ينزحف الوزن، وفي غير هذذا يجوز كل ~~(1) انظر " المصنوع " للقاري (ص 202) ~~(2) البخاري (5101)، ومسلم (1449) PageV00P311 ~~============================================================ ~~منهما بالاعتبارين المعروفين (ماجت) أي : تحركت واضطربت (به) أي : القدم، ~~أو النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ms284 نسخة (بها) (الدأماء) اعلم : أن الشارح ~~رحمه الله تعالى تكلم على هذا البيت بما فيه خفاء ونظر؛ لأنه جعل مفعول (آراه) ~~الثاني : (ماجت) و( لو لم يسكن) شرطأ، جوابه محذوف؛ لدلالة الكلام عليه، ~~وقال في (الدأماء) : هي بالمعجمة، كأنه أراد بها سرعة الحركة، وقال في حله: ~~(ومن أوصافه صلى الله عليه وسلم أنه لو لم يسكن بالقدم المذكور حراء لما أراد ~~التحنث فيه. ماجت به سرعة الحركة، واستمر اضطرابه به صلى الله عليه وسلم، ~~كما أنه لما صعد أحدا.. تحرك به فقال : " أثبت أحد"، فذاك تسكين بالقول، ~~وهذا بالفعل) اه ~~ولم يظهر من هذذا الحل مع ما قبله من الإعراب معنى مطابق للنظم، وجعل سرعة ~~الحركة فاعل (ماجت).. في غاية الخفاء، مع عدم المناسبة لما قبله، على أنه في ~~"القاموس" لم يذكر الذأماء - بالمعجمة - أصلا، ولا لذأمه- بالمعجمة- معنى ~~مناسبأ لسرعة الحركة ولا مقاربا لها أصلا، وإنما ذكر لأذامه ما قد يناسب سرعة ~~الحركة، وهو الرعب، وعبارته في (ذأمه) بالمعجمة: (كمنعه: حقره وذمه وطرده ~~وخزاه، والاذام : الرعب، وما سمعت له ذأمة: كلمة) اه ~~وإنما ذكر (الدأماء) في المهملة فقال : (دأم الحائط كمنع : دعمه، وتدأم الماء ~~الشيء: غمره، والفحل الناقة : تجللها، وتداءمه الأمر كتفاعله: تراكم عليه ~~وتزاحم، والدأماء: البحر) ثم قال : (وجيش مدأم كمنبر: يركب كل شيء) اه ~~والذي يتجه في حله : أن (ماجت) جواب (لو)، وأن (الدأماء) بالمهملة، ~~وأنها البحر، وأن فيها الاستعارة المصرحة ؛ لأنه شبه الجبل بالبحر ؛ لأنه لما تحرك به ~~صلى الله عليه وسلم. أشبه تحركه حينثذ تحرك البحر براكبه، وأن (ماجت) استعارة ~~مرشحة؛ لأنها تناسب المشبه به، وهو البحر؛ إذ لا يستعمل ماج إلا في الماء، كما ~~يصرح به كلام " القاموس" وحينئذ فالمعنى : واعلم : أنه لو لم يسكن صلى الله عليه ~~وسلم بقدمه حراء قبل؛ أي: عند ابتداء تحركه به بقوله له: " أثبت حراء" إلى آخر ~~ما مر في شرح قوله : (فاهتز به للصلاة فيها حراء).. لماج واستمر اضطرابه وتحركه ~~إلى آخر الدهر؛ لما مر أنها هزة الطرب والسرور ms285 برقيه صلى الله عليه وسلم عليه، PageV00P312 ~~============================================================ ~~وكان القياس: لو لم يسكن بقدمه قبل حراء.. ماج، لككن لما احتاج إلى تشبيه الجبل ~~بالبحر فيما ذكر.. عدل عن ذلك إلى : (ماجت الدأماء) لإفادة ما في تشبيه الجبل ~~بالبحر من البلاغة المبنية على الاستعارتين المذكورتين ~~فإن قلت : الذي مر في حراء أنه إنما قال له : " أثبت جراء" أو نحوه، ولم يضربه ~~بقدمه، وإنما الذي ضربه بقدمه أحد وثبير، فمن أين للناظم قوله : (لو لم يسكن بها ~~قبل حراء؟): ~~قلت : كأنه نظر لما في بعض الطرق في " مسند الحارث بن أبي أسامة " إذ فيها : ~~أحد أو حراء بالشك ، وصح في رواية : حراء، وفي رواية : أحد، فاقتضى ذلك أن ~~الضرب بالقدم الكريمة في حراء كما أنه في أحد. # ولك أن تحمل النظم على أن المراد : لو لم يسكن حراء قبل؛ أي : قبل طلوعه ~~عليه هو وأصحابه بقدمه؛ أي: مشيه عليه، واقامته فيه للتعبد قبل النبوة. لاستمر ~~تموجه واضطرابه حين طلع عليه ثانيأ هو وأصحابه، وحينتذ لا يرد على الناظم شيء ~~إلا أن يقال : المسكن له كل من قدمه وقوله : " أتبث - أو - أفدأ حراء" فلا وجه ~~لتخصيص القدم بالذكر، وقد يجاب : بأنه لا مانع أن المسكن له كل من الأمرين) ~~فنسبته إلى القدم لا تنافي أنه لا مسكن غيرها. # ولك أيضا أن تجعل (الدأماء) الأرض، تسمية للمحل باسم الحال، وحيتثذ ~~فالمعنى: لو لم يسكن صلى الله عليه وسلم بقدمه الكريمة حراء؛ أي: بتعبده فيه قبل ~~النبوة.. لماجت به الأرض بعد النبوة فرحا وطربا إلى آخر الدهر. # و ص (حراء) لأنه صلى الله عليه وسلم خصه بتعبده فيه دون غيره ~~تنبيه : أشار صلى الله عليه وسلم في أحد إلى أن سبب تحركه به محبته له فقال : ~~" أحد جبل يحبنا ونحبه " رواه الشيخان (1) ، قال الخطابي : والمراد بحب أحد : حب ~~أهل المدينة، نحو: { وشعل القريية} ورده البغوي، وتبعوه بأنه لا مانع من حمله ~~على ظاهره، ولا ينكر وصف الجمادات بحب الأنبياء والأولياء وأهل الطاعة، نظير ~~(1) البخاري (1482)، ومسلم (1393). PageV00P313 # ============================================================ ~~ما مر ms286 في حنين الجذع لما فارقه صلى الله عليه وسلم ، وحديث " إن حجرا كان يسلم ~~علي قبل الثبوة" . # وروى البزار وأبو نعيم حديث : " لما أوجي إلي.. جعلت لا أمز بشجر ولا حجر ~~إلأقال : السلام عليك يا رسول الله "(1) . # ولما ذكر جملة كثيرة من معجزاته صلى الله عليه وسلم التي من شاهدها. آمن به ~~من فوره.. بين أن الكفار الذين شاهدوها ولم تزدهم إلا ضلالا حقيقون بأن يقال في ~~شانهم: ~~199 ~~عجبا للفار زائوا ضلالا بالذي فيه للعقؤل أفتداء ~~(عجبا) بدل من اللفظ بفعله ، وهو : الأمر المستغرب الخارج عن قياس العقول ~~(للكفار) أي: منهم حال كونهم (زادوا ضلالأ ب) معجزة القرآن وغيره (الذي فيه) ~~أي : في كل فرد من أفراده (للعقول) السليمة الخلية عن العناد والخذلان والحسد ~~والغل، ومر الكلام على العقل وما فيه من الخلاف (اهتداء) إلى الدين الحق الذي ~~جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، والى صحة ما تحدى به، ويصح آن يراد: ~~العقول لابالقيدين المذكورين ، حملا للاهتداء على ما يشمل ما بالقوة وما بالفعل؛ إذ ~~المعجزة فيها الاهتداء بالقوة وإن قارنها عناد أو خذلان ~~وبين (الضلال) و(الاهتداء)، و( الجن) و( الإنس) الاتيين الطباق: ~~ووجه التعجب منهم واضح، فإنهم كانوا- مع ما شاهدوه من الايات والمعجزات ~~التي ترشد العقول إلى الحق - لا يزدادون لما عندهم من الحسد والتلبيس على الضعفاء ~~منهم.. إلا إباء وكفرا وتمردا ، كما قال تعالى عنهم : { وإن يروا ءاية يعرضوا ويقولوا ~~سخرستر. # (1) ذكره الهيثمي في " المجمع "(8/ 262)، وعزاه للبزار ، وهو عند أبي نعيم في " الدلائل" ~~(50112 ~~8 PageV00P314 ~~============================================================ ~~14. # والذي يشألون منه كتاب مثزل قذ أتاهم وأزتقاء ~~(و) عجبا أيضا من (الذي يسألون منه) على جهة التعنت والعناد، وهو كثير منه ~~(كتاب منزل) معه صلى الله عليه وسلم عليهم من السماء (قد أتاهم) به صلى الله ~~عليه وسلم وهم يشاهدونه (وارتقاء) منه إليها، وغير ذلك مما حكاه الله تعالى عنهم ~~بقوله تعالى : { وقالوا لن نؤمب للى حتى تفجر لنبا من الأرض يلبيوعا أو تكون للك جنة بمن ~~تخيل وعنسب فنفجر ms287 الأنهلر ختللها تفجيرا * أو تتقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأق ~~بالله والملتيكة قسيلا * أو يكون لك بيث من رخرف أو ترقى فى التماه ولن نؤمن لرقيلك حق تنزل ~~علينا كتبا نقرؤه} وقالوا له أيضا : لقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلدا ، ~~ولا أقل ماء، ولا أشد عيشا منا، فسل ربك فليسير عنا هذذه الجبال التي ضيقت ~~علينا، وليبسط لنا في بلادنا، وليجر فيها أنهارا كأنهار الشام، وليبعث لنا من مضى ~~من آبائنا، وليكن فيهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخ صدق، فإن صدقوك.. # صدقناك ~~وما قررته في هذذا البيت أولى مما قرره الشارح فيه من أن (الذي) مبتدأ ، خبره ~~(كتاب) و(ارتقاء) معطوف عليه؛ لأنه حينئذ لا تعلق له بما قبله ولا بما بعده، مع ~~ما فيه من غموض المعني، بخلاف ما ذكرته، فإن مناسبته لما قبله واضحة، وكذا لما ~~بعده، كما يدل عليه الاستفهام التعجبي الإنكاري عليهم في قوله : ~~199 ~~أولم يكفهم من الله ذكر فيه للناس رخمة وشفاء ~~(1) يقولون ذلك كله ويتعنتون به (ولم يكفهم) عن ذلك كله (من الله) حال من ~~فاعل (يكف) وهو (ذكر) واصل إليهم، وتسميته ذكرا جاءت في آية مرادا به ~~الشرف، كما في : وإنه لذكر لك ولقومك} وفي أخرى مرادا به أنه مذكر لكل ~~ما ينفع، ومحذر عن كل ما يضر (فيه للناس) والجن، بل والملائكة (رحمة) ~~341 PageV00P315 ~~============================================================ ~~باهتداء المؤمنين به، وتأخير عذاب الاستئصال عن الكافرين ببركة كونه بين ظهرانيهم ~~(وشفاء) من كل داء ظاهر أو باطن حسي أو معنوي، كما قال تعالى : قل هو ~~للزي ءامنوا هدى وشفا وتخصيص المؤمنين؛ لأنهم المقصودون بذلك ~~بالذات، وغيرهم بطريق التبع ~~وإنما قلت : (والملائكة) لقول بعض أكابر أثمتنا : إن الملائكة لم يعطوا فضيلة ~~حفظ القرآن لكنهم حريصون على استماعه من غيرهم ~~قال العلماء: لم ينزل الله تعالى من السماء شفاء قط أعم ولا أنفع ولا أعظم ~~ولا أنجع في ازالة الداء من القرآن ، فهو للداء شفاء، ولصدأ القلوب جلاء ، كما قال ~~تعالى : وتنزل ms288 من القره ان ماهو شفاء ورحمة للمؤمنين) ~~قال الضخر الرزاي وغيره : (ول من" ليست للتبعيض، بل للجنس، والمعنى : ~~وننزل من هلذا الجنس الذي هو القرآن شفاء من الأمراض الروحانية، كالاعتقادات ~~الفاسدة في الإللهية والنبوة والمعاد، وفي القرآن من النصوص القاطعة بفساد تلك ~~ما يكفي ويشفي، وكالأخلاق المذمومة، وفيه أوضح بيان لأنواعها، وحض على ~~اجتنابها، ومن الأمراض الجسمانية بالتبرك بقراءته عليها)(1) لكن مع الخلوص وفراغ ~~القلب عن الأغيار، وقربه وإقباله على الله تعالى بكليته، وعدم اكل الحرام، وعدم ~~رين الذنوب ، وعدم استيلاء الغفلة على القلب ، وصح حديث : " إن الله لا يقبل دعاء ~~من قلب غافل لاه "(2) وقراءته ممن هذذه حالته على أي مرض كان مبرثة له وإن أعيا ~~الأطباء، ومن ثم قال بعض الأنمة: متى تخلف الشفاء.. فهو إما لضعف تأثير ~~الفاعل، أو لعدم قبول المحل المنفعل، أو لمانع قوي فيه يمنع أن ينجع فيه الدواء، ~~كما يكون ذلك في الأدوية والأدواء الحسية ، وقد روي حديث : "من لم يشتشف ~~بالقزان.. لا شفاء الله تعالى"(3) . # نعم؛ روى ابن ماجه : أنه صلى الله عليه وسلم قال : "خير الدواء القرآن "(4): ~~(1) انظر "التفسير الكبير "(34/21) ~~(2) أخرجه الترمذي (3479) ~~(3) انظر "كشف الخفاء "(2/ 232) ~~4) ابن ماجه (3533) PageV00P316 ~~============================================================ ~~وعن العارف الإمام الكبير أبي القاسم القشيري رحمه الله تعالى : أن ولده اشتد به ~~مرض، فانزعج عليه، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم، فشكا إليه ما بولده، فقال ~~له: أين أنت من آيات الشفاء ؟ أي : وهن ست آيات مشهورة، فكتبها، ومحاها ~~بماء، وسقاها له، فكأنما نشط من عقال (1). # ثم استطرد بذكر شيء مما اشتمل عليه القرآن العزيز من المعجزات الباهرة، ~~والآيات الظاهرة، فمن ذلك، بل أبهره في قمع المعارض وإدحاض الجاحد أنه ~~أفجز الإنس آية منه والجن فهلا يأتي ببفضها البلفاء ~~لدل ~~~~(أعجز) قيل: علم إعجازه ضروري، والأصح: أن محله فيمن شاهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم، أو علم وجوه الإعجاز، وظاهره : أن المشاهد يحصل له العلم ~~الضروري باعجازه وإن لم يعلم وجوه الإعجاز، ولا يستبعد ذلك؛ لأن من كشف عن ~~قلبه الغطاء ms289 عند المشاهدة. يحصل له قطعا العلم الضروري آنه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وما جاء به من عند الله، وأنه معجز للخلق عن محاكاته؛ لأن هذا أمر ~~يدركه الذوق السليم وإن لم يمكن صاحبه أن يعبر عنه ، بل لو ادعى مدع أن ذلك قد ~~يحصل لبعض حذاق العوام.. لم يبعد، لا سيما وكل أحد يدرك فرقا بديهيا بين القرآن ~~و غيره عتد سماعهما ~~(الإنس آية) عبر بها تبعا للقاضي، ولم يبال بأن الذي عليه الجمهور : أن أقل ~~ما وقع به التحدي أقصر سورة منه، وهي ثلاث آيات، ومثلها طلب منهم صلى الله ~~عليه وسلم آن يأتوا بمثله، فعجزوا، فطلب آن يأتوا بعشر سور من مثله، فعجزوا، ~~فطلب منهم آن يأتوا بسورة من مثله، فعجزوا، فكان أقل ما طلب منهم قدر أقصر ~~سورة من سوره، وذلك لأن في دليل الجمهور شيئا؛ إذ لا يلزم من كونه لم يطلب ~~منهم دون السورة أنهم قادرون على أقل منها ؛ لأن المشاهدة قاضية بأنهم عجزوا حتى ~~(1) انظر "طبقات الشافعية الكبرى " للسبكي (158/5) ~~6 PageV00P317 ~~============================================================ ~~عن بعض الآية المفيد ، كما يفيده قول الناظم الأتي : (أو بعضها)(1) لأن في ارتباطها ~~بما قبلها وبعدها أنواعا من بدائع الحكم لا يحيط بها غيره صلى الله عليه وسلم) ~~فالحق : أنهم عاجزون عن محاكاة آية من آياته حتى: ثم نظر} أو بعضها المفيد، ~~لكن مع النظر لمناسبتها لما قبلها وما بعدها ~~وأما التصريح بأنه لم يقع العجز إلا عن ثلاث آيات .. فترده المشاهدة الخارجية؛ ~~إذ لم يسمع عن أحد قط أنه حاكى شيئا (منه، و) أعجز (الجن) آية منه أيضا، ~~وذكرهم كالإنس؛ لأن التحدي وقع لهم أيضا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم مبعوث إليهم ~~اجماعا، وزعم أنهم إنما ذكروا تعظيما لإعجازه ؛ لأنهم ليسوا من أهل اللسان ~~العربي يرد بأن الأية تقتضي آنهم يحسنون اللسان العربي، فادعاء خلافه يحتاج ~~لدليل، قيل: ولم يذكر الملائكة ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ليس مرسلأ إليهم، ويرد ~~بأن الأصح خلافه، ومن ثم قال بعضهم: إنهم منويون ms290 في الأية أيضا، وأنهم ~~لا يقدرون على معارضته؛ أي : وكأن حكمة عدم ذكرهم عصمتهم عن المخالفة، ~~فلم يحسن تحديهم، وعلى كل فلم يستطع أحد من الفريقين في زمنه صلى الله عليه ~~وسلم ولا بعده أن يأتي بمثل سورة، أو يأتي بمثل آية منه على نظمه البديع، وتأليفه ~~المنيع، وعذوبة منطقه، وما فيه من الأمثال والإخبار بالمغيبات، ودلائل البعث ~~والنبوة، والأخلاق الكريمة وضدها ، وهذا مقتبس من قوله تعالى : { قل لين آجتمعت ~~الاينش والجن على أن يأتوا بمثل هذلذا القرهان لا يأ تون يعثلهه ولو كاب بعضهم لبعض ظهيرا ~~وحينثذ (فهلا) هي في أصلها للتحضيض، والمراد بها هنا : التهكم، ونظيره من ~~حيث إن (لولا) بمعنى (هلا) فيثبت لهذذه ما لتلك : { فلولا نصرهم الذين اتخذوا من ~~دون الله الآية، فهي هنا للتوبيخ والتنديم ، فكذلك (هلا) هنا لتوبيخ من يزعم ~~إمكان المعارضة، كبعض أهل الضلال والإلحاد: ~~(يأتي ببعضها) أي: الآية، والمراد: بعضها المفيد، وفي نسخة شرح عليها ~~الشارح: (به) والأحسن عود ضميره على ما ذكر من الاية، وأعاده على القرآن، ~~(1) الذي سيأتي قوله: (يأتي ببعضها)، وكلاهما فيه تصحيف، ولا يستقيم معه الوزن، ~~والصواب: (يأتي به) وهي نسخة اعتمد عليها شارحها العلامة الجوجري، كما سيشير إليه ~~ابن حجر بعد قليل، والله أعلم PageV00P318 ~~============================================================ ~~وما قلناه أبلغ (البلغاء) جمع بليغ، والفرق بين الفصاحة والبلاغة : أن الأولى : ~~خلوص اللفظ من تنافر الحروف والغرابة، ومخالفة القياس اللغوي، ويوصف بها ~~الكلام والمتكلم والكلمة، والثانية : مطابقة الكلام لمقتضى الحال، بأن يدل على ~~ما يقتضيه حال المتكلم أو المخاطب أو المحكي من تنكير، أو إطلاق، أو تقديم، ~~أو إضمار، أو إيجاز، أو فصل، وضد كل، ويوصف بها ما عدا الكلمة، وبلاغة ~~المتكلم : ملكة يقتدر بها على إيراد الكلام البليغ غير محتاج إلى تعقب أو استدراك: ~~وأفاد الناظم رحمه الله تعالى بهذا : أن البلغاء فضلأ عن غيرهم، مع أنهم العرب ~~الفصحاء، والخطباء البلغاء، والشعراء الفهماء في قريش وغيرهم، والمتقدمون في ~~اللسن والتبيان ، والرؤساء في قوانين المعاني والبديع والبيان، والفرسان في ميادين ~~الفصاحة والشجعان ms291 في مهامه البلاغة. أظهروا عوار عجزهم عن المعارضة(1) ~~وعثار عقلهم عن المناقضة، ومن ثم كان عجزهم عن ذلك أعجب في الاية، وأوضح ~~في الدلالة من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص؛ لأن قوم عيسى لم يكونوا ~~يطمعون في ذلك، ولا يتعاطون علمه، وقريش كان أعلى آربهم ومنتهى طلبهم ~~التفنن في أفننة الفصاحة، والتنزه في رياض البلاغة، والتقدم في أعاجيب الخطابة ~~وأساليب البراعة، فدل عجزهم عنه مع ذلك على أنه إنما هو لكونه من أعلام تبوته ~~وبراهين رسالته، وهنذه حجة قاطعة، ومحجة ساطعة؛ اذ محال آن يلبثوا ثلاثا ~~وعشرين سنة عن السكوت عن معارضة آية منه، المستلزمة لنقض آمره، وتفريق ~~أتباعه، وزوال شوكته، وحيازة مرتبته، مع قدرتهم عليها، وطلبها منهم، وقتل ~~أكابرهم، وسبي ذراريهم، وهو لا يزداد إلا تقريعا لهم بعجزهم، حتى يكشف من ~~نقصهم ما كان مستورا، وقال لهم: إن زعمتم آني افتريته؛ لعلمي بأخبار الأمم.. # فأتوا بمفترى مثله، فلم يرم ذلك خطيب، ولا طمع فيه شاعر، ولا تكلفه مضقع(2)، ~~والا.. لظهر ووجد من يستجيده، ويحامي عنه، ويزعم بمجرد الدعوى آته عارضن ~~وناقض، فإذا لم يوجد ذلك مع آن كثيرا منهم هجاه، وعارض شعراء أصحابه، ~~وخطباء آمته.. قطع بعجزهم وتحيرهم وانقطاعهم، ومن ثم قال الخطابي: وقد كان ~~(1) العوار: العيب. # (2) المضقع: البليغ، أو العالي الصوت، أو الذي لا يرتج عليه في كلامه ولا يتتعتع PageV00P319 ~~============================================================ ~~صلى الله عليه وسلم أعقل خلق الله وقد قطع القول بأن ما أتى به من عند ربه معجز، ~~وأنهم لا يأتون بمثل أقصر سورة منه، فلولا آنه على بينة واضحة من ربه، وإلا.. لم ~~يقطع بشيء من ذلك، على آنه لم يزل ينادي عليهم بالعجز عن معارضته، وبالتقصير ~~عن بلوغ الغرض في مناقضته ، فلم يستطع أحد منهم أن يناوئه ، ولم يرفع رأسه إلى أن ~~يباريه، بل رضيت هممهم السوية، وأنفسهم الأبية؛ إذ كانوا آنف شيء وأشده حمية ~~سفك الدماء، وهتك الحرم: ~~ولذلك قال العلماء رضي الله عنهم: من أعلى وجوه إعجاز القرآن أن فصاحته ~~وبلاغته خرقت عادة العرب، ms292 مع أنهم أوتوا منهما ما لم يؤته غيرهم؛ لأنهم كانوا ~~يأتون منهما على البداهة بالأمر الأعجب، ويذلون به إلى كل سبب، فيخطبون بديها ~~عند شدة الخطب، ويرتجزون به بين الطعن والضرب، ويترسلون في أوديتهما، ~~فيأتون منهما بالسحر الحلال، ويتطوقون من دررهما آجمل من سمط الجمال، فلا ~~يشك عاقل أنهما طوع مرادهم، وسلك قيادهم، فما راعهم إلا رسول كريم بكتاب ~~قديم { لا يأنيه البطل من بين يدته ولا من خلفه تنزيل من حكيور حميد} بهرت بلاغته العقول ، ~~وظهرت فصاحته على كل مقول، وهم أفصح ما كانوا في هذذا الباب مقالا، وأشد ~~ما وجدوا في الخطابة والشعر منالا، صارخا فيهم في كل وقت وحين، مقرعا لهم ~~على رؤوس الملأ أجمعين: فأتوا بشورة من مشله * وإلا.. فأنتم المردودون إلى ~~اسفل سافلين، ثم لم يزل يقرعهم ويوبخهم، ويسفه أحلامهم، ويحط أعلامهم ~~ويسب الهتهم، ويستبيح نفوسهم وأموالهم، وهم لا يزدادون إلا تقهقرا عن ~~المعارضة، لم يأتوا بمقال، صابرون على الجلاء والقتل والصغار والإذلال، ~~ناكون عن معارضته محجوبون عن ممائلته، مخادعون آنفسهم بالتشغيب ~~والتكذيب ، والاعتراف بالافتراء في قولهم : إن هذا إلا ينر بوتر} و{ سخرمشتمة ~~وإفك آفتركه} و أسطير الأولي} والمباهتة والرضا بالدنية ، كقولهم : قلوينا ~~غلف} و{ فى أكنة مماتدهونا إليه وفي * اذاننا وقرومن بيننا وبينك حجاب} والادعاء - مع ~~ظهور غاية العجز عليهم - بقولهم: لونشاء لقلنا مثل هلذا} وقد قال لهم تعالى: ~~وكن تفعلوا} فما فعلوا وما قدروا؛ إذ لو أطاقوا أدنى معارضة.. لبادروا إليها، ~~وأفحموا الخصم الذي كانوا محافظين على إطفاء نوره، وإخفاء آموره، مع طول PageV00P320 ~~============================================================ ~~الأمد، وكثرة العدد، وتظاهر الوالد وما ولد، بل أبسلوا فأيسوا(1)، وقطعوا ~~فانقطعوا، هلذا كله والاتي إليهم به مكث بين ظهرانيهم أربعين سنة أميأ، لا يحسن ~~نظم كتاب، ولا عقد حساب، ولا تعلم سحرا، ولا أنشد شعرا، ولا يحفظ خبرا، ~~ولا روى أثرا، حتى اكرمه الله تعالى بالوجي المنزل، والكتاب المفصل، قال ~~تعالى : وما كنت نتلوا من قبلهه من كتلمي ولا تخطهم ببمينلك إذا لآرتاب المبطلوب ~~روى البيهقي وغيره : أن ms293 عتبة بن ربيعة قام من جمع قريش الى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو جالس في المسجد وحده، فعرض عليه المال وغيره؛ ليكف عما هو ~~فيه، فقال له : 0 أشمع مني 8 ، وقرأ : بسم الله الرحمن الرحيم حم:: تنزيل من ~~الرحمان الرحيو إلى أن بلغ السجدة ، فسمع ما أبهره، فقال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: أنت وذاك، فقام إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: لقد جاءكم بغير الوجه ~~الذي ذهب به! فقالوا له: ما وراءك قال: سمعت قولا ما سمعت مثله قط، فوالله ~~ما هو بشعر ولا سحر ولا كهانة، أطيعوني معشر قريش، وخلوا بينه وبين ما هو فيه، ~~فليكونن له نبأ ، ولما بلغ : فقل أنذرتكر صلعقة مثل صعقة عاد وتمود) .. أمسكت ~~فمه، وناشدته الرحم أن يكف، وقد علمتم أنه إذا قال شيئا. لم يكذب، فخفت أن ~~ينزل بكم العذاب (2). # وروى ابن إسحاق والبيهقي : أن الوليد بن المغيرة - وكان زعيم قريش في الفصاحة ~~- طلب منه أن يقرأ عليه ، فقرأ : إن الله يأمر بالعدل والإحسن ...} الآية، ~~فاستعاده إياها، فأعادها، فقال : والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة(3)، وإن ~~أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو وما يعلى، وما يقول هذا بشر، ~~وما فيكم أعلم مني بالشعر، وأجمعوا فيه رأيا قبل حضور وفود العرب في الموسم؛ ~~لئلا يكذب بعضكم بعضأ، فقالوا: نقول: كاهن، قال: ما هو بزمزمته ~~ولا بسجعه، قالوا: مجنون، قال: ما هو بخنقه ولا بوسوسته، قالوا: شاعر، ~~قال قد عرفنا الشعر كله، رجزه وهزجه، وقريضه وبسيطه ومقبوضه، ما هو بشاعر، ~~(1) ابسلوا؛ أي : أخذوا قليلا قليلا، أو أسلموا للهلكة . # (2) دلائل النبوة (204/2). # (3) الطلاوة - بتثليث الطاء- هي: الحسن والبهجة والقبول ~~77 PageV00P321 ~~============================================================ ~~قالوا: ساحر، قال: ما هو بنفثه ولا بعقده، وما أنتم قائلون من هذا شيئا. إلا ~~وأنا أعلم أنه باطل (1). # وروى الحاكم : أن هلذا الشقي لما رق لقراءة القرآن عليه. . جاءه اللعين أبو جهل ~~فقال : يا عم، إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا ؛ لأنك أتيت محمدا للمال، ~~فقال : قد علموا أني من ms294 أكثرهم مالا، قال : فقل فيه ما يعلم قومك أنك كاره له، ~~فقال : ماذا أقول ؟ وذكر ما مر من مدح القرآن، قال : لا يرضى عنك قومك حتى ~~تقول فيه، قال : فدعني حتى أفكر، فلما فكر قال : هلذا سحر يؤثر(2)؛ أي: ينقله ~~عن غيره: ~~فتأمل قضاء هلؤلاء الأشقياء على أنفسهم بالعناد المحض، والسفساف القبيح(3)، ~~والتقول الباطل، ومع ذلك لم يزدادوا إلا ضلالا وعنادا، وطغيانا وفسادا ~~وما أحسن ما قيل: لو وجد مصحف بفلاة. لشهدت العقول السليمة بأنه من ~~عند الله، فكيف وقد جاء على يدي أصدق الخلق صلى الله عليه وسلم، وقال: إنه ~~من عند الله، وتحداهم بأقصر سورة منه، فعجزوا؟ا ~~هذا وقد علم مما تقرر وجوه الإعجاز إجمالا، وأما تفصيلها. . فقد بينها الأئمة ~~بما حاصلها: آنه ينحصر مقصود إعجازه في آمور آربعة، وعدها بعضهم آكثر من ~~ذلك، وهو يرجع إلى ما قلناه ~~أحدها: ما فيه من الايجاز والبلاغة والتراكيب بحيث وصل في كل منها ومن ~~مراتب البلاغة فيها إلى المرتبة العليا لفظأ ومعنى؛ لصدوره ممن أحاط علمه بجميع ~~مراتب الألفاظ ومعانيها، فلا يضع لفظة عقب لفظة إلا إذا لم يوجد غيرها أبلغ ~~ولا أنسب منها، وغيره ليس كذلك ، ومن ثم لما سمع أعرابي قوله تعالى : فأصدغ ~~بما تؤم.. سجد وقال : سجدت لفصاحة هلذا الكلام ، ولما سمع نصراني قوله ~~تعالى : { ومن يطع ألله ورسوله ويخش الله ويتقه . .) الآية .. قال : جمعت هلذه الآية ~~ما أنزل على عيسى من أمر الدنيا وأمر الآخرة: ~~(1) دلائل النبوة (199-198/2). # (2) المستدرك (506/2) ~~(3) الشفساف : الرديء من كل شيء ، والأمر الحقير PageV00P322 ~~============================================================ ~~ولقد رام بعض سخفاء العقول محاكاة بعض قصار المفصل، فأتى من الهذيان ~~بالعجب العجاب، كقول مسيلمة الكذاب اللعين : يا ضفدع ؛ كم تنقنقين؟ أعلاك في ~~الماء وأسفلك في الطين، لا الماء تكدرين، ولا الشراب تمنعين، وقوله - محاكيا ~~ل( النازعات) و(الذاريات)-: والزارعات زرعا، والحاصدات حصدا، ~~والذاريات قمحا، والطاحنات طحنا، والخابزات خبزا، والثاردات ثردا، ~~واللاقمات لقمأ، لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر: ~~وقال آخر: ألم تر كيف فعل ربك ms295 بالحبلى، أخرج من بطنها نسمة تسعى، من بين ~~شراسيف وأحشا(1) ~~وقال آخر: الفيل، وما الفيل؟! وما أدراك ما الفيل 14 له ذنب وثيل)، ومشفر ~~طويل، فإن ذلك من خلق ربنا لقليل: ~~ثانيها: أنه مع كونه من جنس كلام العرب خارج عن سائر فتونه من النظم ~~والسجع، والخطب والشعر ونحوها، فحير عقولهم حتى لم يهتدوا إلى مثل شيء ~~منه؛ إذ لا مثال له يحتذى عليه، ولا إمام يرجع عند الاشتباه إليه، ولقد رام قوم من ~~المتأخرين - انتهت إليهم فصاحة وقتهم - شيئا من محاكاته، فاعترتهم هيبة فطمتهم عن ~~ذلك ~~ومنهم من فصل كلاما وجعله سورا ، فسمع صبيا يقرأ : وقيل يكأرض أبلعى مآءك ~~ويسماء أقلعى وغيض الماء وقضى الأمر) فتاب ومحا ما عمل ~~ثالثها: تأثيره في النفوس والقلوب، بحيث تجد من اللذة والحلاوة عند سماعه ~~ما لم تجده عند سماع غيره، ومن ثم كان قارثه وسامعه لا يمله، بل كلما زاد ~~تكريره. زادت حلاوته، واتضحت طلاوته. # رابعها : ما فيه من الإحاطة بعلوم الأولين والآخرين ما قرطنا فى الكتلي من شتى و) ~~ومن الإخبار بالمغيبات مما كان وما يكون، نحو: { وكن تفعلوا)، ولا يكمتونه أبدا} ~~(1) الشراسيف : مفردها شرسوف- بوزن عصفور- وهر: غضروف معلق بكل ضلع، آو مسقط ~~الضلع، وهو: الطرف المشرف على البطن ~~(2) الثيل- بفتح الثاء وكسرها - هو : وعاء قضيب البعير وغيره، أو هو : القضيب نفسه PageV00P323 ~~============================================================ ~~فما فعل مثله مخلوق، ولا تمنى الموت يهودي، وهذه أيضا من أبهر المعجزات ~~قال بعض المحققين: (إعجازه من وجهين: إما لذاته من حيث لفظه ومعناه ~~المخصوصان؛ إذ تأليفه ليس على هيئة ما يتعاطاه البشر؛ إذ لا يصح أن يقال له: ~~رسالة ولا خطابة ولا شعر ولا سجع، وفنون كلام العرب لا تخرج عن ذلك، وإما ~~لصرف الناس عن معارضته، والإعجاز في هذا ظاهر أيضا إذا اعتبر، وذلك أنه ما من ~~صناعة محمودة أو مذمومة.. إلا وبينها وبين قوم مناسبة خفية واتفاق جملي، ولهذا ~~تجد هلذا يؤثر حرفة؛ لانشراح صدره لها، وذاك يكرهها ويشرح لأخرى:. # وهكذا، فلما دعا الله أهل الخطابة الذين ms296 يهيمون في كل واد من المعاني بسلاطة ~~لسانهم إلى معارضة القرآن، فعجزوا عن الإتيان بمثله، ولم يتصدوا لمعارضته.. لم ~~يخف على أولي الألباب أن صارفا صرفهم عن ذلك ، وأي إعجاز أبلغ من ذلك ؟1) ~~اهملخصا ~~وحاول بذلك توجيه القول بالصرفة(1)، مع أنه للنظام من المعتزلة ، للكن أفسدوه ~~بأن قوله تعالى : قل لين اجتمعت الإس وآلجن . . الآية .. دليل ظاهر على عجزهم ~~مع بقاء قدرتهم، ولو سلبوا القدرة. لم تبق فائدة لاجتماعهم؛ لأنه حينئذ بمنزلة ~~اجتماع الموتى، وليس عجز الموتى مما يحتفل بذكره ، هذا مع أن الإجماع منعقد ~~على إضافة الإعجاز إلى القرآن، والقول بالصرفة يلزمه إضافته إلى الله تعالى لا إلى ~~القرآن، وحينئذ يلزمه زوال الإعجاز بزوال زمن التحدي ، وفيه خرق لإجماع الأمة: ~~أن معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم العظمى باقية، ولا معجزة له باقية أظهر من ~~القرآن، ويلزم الصرفة أيضا أنه لا فضيلة للقرآن على غيره . # فإن قلت : القول بعجزهم مع بقاء قدرتهم فيه الجمع بين التقيضين، وهو محال ~~قلت: معنى قدرتهم: أن هممهم توجهت إلى المحاكاة؛ لظنها القدرة عليها، ~~فعجزت، وعلى القول بالضرفة لم يتوجهوا لمعارضته أصلا؛ لقطعهم من نفوسهم ~~بعجزها، وأنه لا قدرة لها عليها البتة ~~(1) الضرفة هي : أن الله صرف العرب عن أن يعارضوا القرآن ويأتوا بمثله؛ أي : إن بمقدورهم ~~ذلك، وللكن الله سلبهم إياه، وعليه فالإعجاز ليس في ذات القرآن ، بل في غيره PageV00P324 ~~============================================================ ~~فإن قلت : توجه الهمم إليها مع العجز عنها في نفس الأمر.. لا يسمي قدرة: ~~قلت: ممنوع، بل يسمى قدرة باعتبار العرف وقطع النظر عن الغايات، ولا شك ~~أن أهل فن البلاغة لا يقطعون بسلب القدرة عن المحاكاة ابتداء، بل بعد الاختبار: ~~فتأمله؛ لتعلم سقوط ما قيل: كيف يخاطبون بالتحدي مع القطع بعجزهم عنه ؟! # ونظير ذلك : خطاب من علم الله منه عدم الإيمان بالإيمان، كأبي جهل وأبي ~~لهب، نظرا لقدرتهما عليه باعتبار الظاهر، وإعراضا عن النظر للغايات والعواقب. # ومن المفاسد أيضا : قول فريق ضلأل : إن الكل قادرون على الإتيان بمثله، وإنما ~~تأخروا عنه؛ لعدم ms297 العلم بوجه ترتيب لو تعلموه،. لوصلوا إليه به، واخرين: إن ~~العجز إنما وقع من الموجودين ، وأما من بعدهم.. ففي قدرتهم الإتيان بمثله ~~ومما يرد عليهم آن جماعة ممن انتهت إليهم الرياسة في الفصاحة تعرضوا ~~لمعارضته، كابن المقفع والمعري والمتنبي ونظرائهم، فلم يأتوا إلا بما تمجه ~~الأسماع، وتنبو عنه الطباع، ونادى عليهم بالخزي والانقطاع، وصيرهم مثلة ~~وسخرية وضحكة إلى أن تاب أكثرهم ، وأظهر ندمه ونسكه. # ولاشتمال القرآن الكريم على ما لا يحصى من العلوم والمغيبات ، وأحوال العالم ~~الدنيوي والأخروي، وغير ذلك من العجائب.. كان ~~187 ~~كل يؤم ثهدي إلى سامعيه معجزات من لفظه القراء ~~(كل يوم) أي: وقت (تهدي) فاعله (القراء) أي: توصل، وأفاد التعبير به ~~تشبيه المعجزات بالتحف المهداة، فهو استعارة بالكتاية، تتبعها استعارة تخييلية (إلى ~~سامعيه معجزات) مر بيان المعجزة بما يتعين الوقوف عليه؛ ليعلم منه أن المراد بها ~~هنا: الأمر الغريب وإن لم يصدق عليه حد المعجزة السابق، مبتدأة (من لفظه) ~~لعذويته وانسجامه، وجزالة معناه، وغاية إيجازه مع غاية بلاغته، وبيانه مع ~~فصاحته، وخروجه عن جنس كلام العرب حتى صار جنسأ آخر متميزا عنه مع اتحاد ~~الحروف والاصطلاح ، وكثرة أخباره الصادقة، تارة عن الأمم الماضية، وأخرى عن ~~المغيبات، وما فيه من العلوم التي لا يمكن حصرها: PageV00P325 ~~============================================================ ~~ونقل الإمام ابن سراقة من أصحابنا : أن كل واحد من هلذه رأى قوم أنه سبب ~~اعجاز القرآن، ثم اعترضهم بأنهم كلهم ما بلغوا في وجوه إعجازه جزءا واحدا من ~~عشر معشاره، وتبعه البدر الزركشي فقال : أهل التحقيق على أن الإعجاز وقع بجميع ~~ما سبق؛ لاشتماله على الكل؛ فنسبته إلى أحدها- أي : وحده- تحكم، بل فيه غير ~~ذلك، ككونه لايزال غضا طريا على الألسنة وفي الأسماع ، وجمعه صفتي الجزالة ~~والعذوبة وهما كالمتضادين؛ إذ لا يجتمعان غالبا في كلام البشر، وكونه مستدركا ~~على جميع الكتب قبله، فهي مفتقرة إليه وهو غني عنها، ومن ثم كان أبهر في الإعجاز ~~من سائر معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل ومعادلا للكل؛ لأن سبيلها ~~واحد، وهو مخالفة العادة، وهو كثير ms298 كما تقرر في وجوه إعجازه. # وسئل بعضهم : ما موضع الإعجاز من القرآن؟ فقال : هذذا شبيه بقولك: ~~ما موضع الإنسان من الإنسان ؟ ومعناه : أنه ليس للإنسان موضع من الإنسان، بل ~~متى أشرت إلى جملته. فقد حققته ودللت علي ذاته ، كذلك القرآن؛ لشرفه لا يشار ~~إلى شيء منه إلا وكان ذلك المعنى آية في نفسه ، ومعجزة لمحاوله، وهذي لقائله ، ~~وليس في قدرة البشر الإحاطة بأسرار الله تعالى من كتابه، فلذلك طارت العقول، ~~وتاهت البصبائر عنده. # واختلفوا في تفاوته في مراتب الفصاحة بعد اتفاقهم على بلوغه الذروة العليا كما ~~مر، فاختار القاضي : المنع، وإنما المتفاوت إدراك الناس له. # واختار أبو نصر القشيري وغيره: تفاوته، وتبعهم ابن عبد السلام، ولم يأت كله ~~بالأفصح؛ لئلا يخرج عن نمط كلام العرب، فجاء على نمط كلامهم؛ ليتم ظهور بقاء ~~العجز عن معارضيته ~~(القراء) لأن من سمع ألفاظ القرآن وتدبرها حق تدبرها.. علم من كل لفظ منها ~~باعتبار ما دل عليه أمرا معجزا لا يعارض ولا يناقض: ~~وإذا بلغ القرآن في الجلالة التي مرت الإشارة إليها ما لم يبلغه غيره. . كان حقيقا ~~بأنه كما قال رحمه الله: PageV00P326 ~~============================================================ ~~تتحلى به المسامع والاذ واه فهو الحلي والحلواء ~~(تتحلى به) أي: بسماعه (المسامع) من التحلية بألفاظه (و) تتحلى بألفاظه ~~(الأفواء) من الحلواء (فهو الحلي) راجع للأول (والحلواء) راجع للثاني، ~~ولا يخفي ما فيه من اللف والنشر. # رق لفظا وراق معنى فجاءت في خلاها وحليها الخنساء ~~(رق) أي: حسن (لفظا) أي : من جهته، فلا تجد لفظة منه فيها ما ينافي كمال ~~الرقة الموجبة للفصاحة من تنافر أو تعقيد (وراق) أي : تصفى من شوائب النقص، ~~فأعجب كل ناظر فيه (معتى) أي: من جهته، فلا تجد معنى من معانيه إلا وهو ~~واصل في الإحكام ووضوح المراد الغاية القصوى ~~وفي (رق) و(راق)، و( الحلي) و( الحلواء) الجناس، كا حلاها) ~~و(حليها) و(صور) و(سور)، و(النظائر) و(النظراء) الأتيات، و(المسامع) ~~و(الأفواه)، و(اللفظ) و(المعنى) مراعاة النظير، ك( الرقة) و(الصفاء)، ~~و(الآيات) و( الحروف) و( الهجاء) الأتيات وفيما بعدها اللف والنشر المرتب ms299 ~~(ف) بسبب كون سوره رقت وراقت (جاءت) فاعله (الخنساء)، وما قبله حال ~~منه؛ أي: حال كونها (في حلاها) أي: صفاتها الجميلة (وحليها) آي: زينتها ~~(الخساء) بنت عمرو، وخصها من بين كثيرات سمين بذلك؛ لأنها كانت شاعرة ~~مقلقة(1)، كما يأتي بسط الكلام في ترجمتها. # شبه سور القرآن في صفاتها العلية، وترتيبها بما أودعته من الأسرار البهية، بامرأة ~~بلغت من الزينة وأوصاف الحسن ما لا يمكن التعبير عنه ~~(1) شاعر مفلق : آي مجيد. # 9 PageV00P327 ~~============================================================ ~~.[198.0...: ~~وأرثنا فيه غوامض فضل رقة من زلاله وصفاء ~~(وأرتنا) أي: أوضحت لنا، وفاعله (رقة) الاتي (فيه) أي : في القرآن ~~(غوامض) أي: خفايا (فضل) كالعلوم والمعارف المستنبطة منه التي لا حد لها ~~ولا غاية، ومن ثم جاء عن علي رضي الله عنه : لو شئت آن أوقر بعيرا من تفسير ~~(سورة الضحى).. لفعلت (رقة) كائنة (من زلاله) الزلال : ماء في غاية الحلاوة ~~والبرودة، يوجد في آجواف صخور توجد في نحو الثلج، تشبه الحيوان، وليست في ~~الحقيقة بحيوان كما قاله بعض اكابر أثمتنا (وصفاء) من ذلك الزلال، شبه آي القرآن ~~في محاسن أساليبها، وصفاء مواردها، الموحيين لمن حدق في خفاياهما حديد ~~نظره، وحقق في غورهما دقيق فكره ببرد اليقين، وصفاء القلب عن كل سوى حتى ~~اطلع على سائر الغوامض من العلوم الإللهية، والمعارف الاختصاصية، والمواهب ~~الرحمانية، والمآرب الروحانية، بما في غاية العذوبة والبرودة، وصفاء الجوهرية ~~ورقتها، بحيث لا يمنع من رؤية ما تحته مما من شأنه أن يخفى ~~وبهذا الذي قررته من برد اليقين وصفاء القلب يعلم أن ذلك إنما يحصل لمن ~~انصقلت مرآة فكره، كما أشار لذلك بكلام جامع بديع على عادته فقال : ~~(1971 ~~إنما تختلى الوجوه إذا مسا جليث عن مزآتها الاضداء ~~(إنما تجتلى الوجوه) أي: تظهر ظهورا واضحا لا خفاء معه بوجه (إذا) قوبلت ~~بالمرآة، إذا (ما) زائدة (جليت) أي: أزيلت، وبين هلذا و(تجتلى) تجنيس ~~الاشتقاق (عن مرآتها) بكسر الميم والمد (الأصداء) فكذلك مرآة القلوب، ~~لا تجتلى لها العلوم والمعارف من القرآن.. إلا إذا جليت عنها أصداء الأغيار، ms300 ~~وأذابت قواها فيما هي بصدده آناء الليل وأطراف النهار: ~~9 PageV00P328 ~~============================================================ ~~(199. # شود منه أشبهت صورا ن ا ومثل النظائر النظراء ~~(سور) جمع سورة، وهي: الطائفة المخصوصة المسماة باسم مخصوص ~~توقيفي (منه) لبيان الجنس؛ لأن ما يأتي ليس خاصا ببعض سوره، بل يشملها كلها ~~(أشبهت) لاشتمال كل منها على مفادات من العلوم وغيرها، مستقلة بها لا تتوقف ~~على ما في الأخرى، ومن ثم وقع التحدي بأقصر سورة منه (صورا) جمع صورة، ~~وصورة الشيء: شكله (منا) في اشتمال كل منها على عقل وإدراك وفهم وخلق ~~لا يشاركه فيه غيره، ولا يتوقف على ما في غيره، وكأن الناظم رحمه الله تعالى قصد ~~بهذا التشبيه الرد على من زعم أن الإعجاز إنما هو بمجموع القرآن لا بكل سورة من ~~سوره؛ لأن ما فيه من أنواع الإعجاز السابقة إنما يستفاد من مجموعه، وهذذه مقالة ~~فاسدة لا يعول عليها؛ لمنافاتها لقوله تعالى: فأتوا يسورة من مثله } كما مر بيانه، ~~فالصواب : خلاف هذه المقالة، بل قائلوها معتزلة لا يقام لهم وزن (ومثل النظائر) ~~جمع نظير (النظراء) جمع نظير أيضأ، وهو المثل والمناظر، ويطلق النظائر على ~~الأماثل والأفاضل، وكل منهما يصح أن يكون مرادا هنا خلافا للشارح، وهذذا ساقه ~~كالمثل لما قبله، فيكون من التذييل؛ أي : ومثل تلك السور التي هي نظائر - كما قال ~~ابن مسعود رضي الله عنه : (ولقد عرفت النظائر التي كان يقرؤها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وهي عشرون سورة)(1) الأماثل والأفاضل الذين يتناظرون في التحلي ~~بالفضائل، والتخلي عن الرذائل: ~~193 ~~والأقاويل عندهم كالتمائي ل فلا يوهميك الخطباء ~~(والأقاويل) جمع قول، والمراد به هنا: اللفظ المفيد (عندهم) أي : الكفار، ~~طرف للمبتدأ، أو لخبره، وهو (كالتماثيل) - جمع تمثال - وهو: الصورة، يعني: ~~(1) أخرجه البخاري (775)، ومسلم (822) ~~35 PageV00P329 ~~============================================================ ~~أن تقولهم في القرآن وافتراءهم عليه بما يقدح في حقيقته أمر مزخرف مموه بالأ باطيل) ~~كما أن التصاوير التي يخترعها المصورون كذلك ، فكما أن هذه لا وجود لها في ~~الحقيقة ولا اعتبار بها.. فكذلك تقولهم المذكور، وإذا تقرر لك أن جميع ms301 ما قالوه في ~~القرآن باطل قطعي البطلان. (فلا يوهمنك الخطباء) أي : فاحذر آن يوقع مزخرفو ~~الكلمات بتشدقهم وتفاصحهم في ذهنك أدنى ريب أو شك في شيء من أوصاف القرآن ~~التي مر بيان بعضها، وما ينبه على ما بقي منها ~~كم أبانث آياته من علوم عن خروف أبان عنها الهجاء ~~(كم) أي: مرات كثيرة (أبانت) أي: أوضحت (آياته) جمع آية، وهي لغة: ~~العلامة، واصطلاحا : قرآن مركب من جمل ولو تقديرا، ذو مبدأ ومقطع، مندرج ~~في سورة، قاله الجعبري، ويشكل عدهم نحو: ثم نظر} في (المدثر) آية؛ إذ ~~ليس في هذه جمل ولا تقدير، فالأولى : قول غيره: طائفة من القرآن، منقطعة عما ~~قبلها وما بعدها، للكن قوله : (من القرآن) الأولى : أن يقول بدله : من السورة. # وسميت الآية بذلك ؛ لأنها علامة على صدق الاتي بها، وعلى عجز المتحدين ~~بها، ويأتي قريبا عد آي القرآن. # (من) زائدة في الإثبات، كما هو رأي جماعة (علوم) لا غاية لها، كما قال ~~تعالى : ما فرطنا فى الكتتب من شنىو} وقال : ونزلنا علياك الكتنب يبيكنا لكل شقء) ~~وفي حديث الترمذي وغيره " ستكون فتن " قيل : وما المخرج منها؟ قال : ~~" كتاب الله ، فيه نبا ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم "(1) ~~وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود قال : (من أراد العلم. . فعليه بالقرآن ، ~~فإن فيه خبر الأولين والآخرين)(2) قال البيهقي : يعني : أصول العلم ، وأخرج عن ~~الحسن : أنزل الله مثة وأربعة كتب ، أودع علومها آربعة منها، التوراة والإنجيل ~~(1) الترمذي (2906) ~~1) سنن سعيد بن منصور (1) ~~396 PageV00P330 ~~============================================================ ~~والزبور والفرقان، ثم أودع علوم الثلاث الفرقان (1)؛ أي : مع زيادات لا تنحصر، ~~ومن ثم قال الشافعي رضي الله تعالى عنه : جميع ما تقوله الأمة شرح للسنة، وجميع ~~السنة شرح للقرآن، وقال أيضا : جميع ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم فهو مما ~~فهمه من القرآن، وما ثبت ابتداء بالسنة فهو في الحقيقة مأخوذ منه؛ لأنه أوجب علينا ~~اتباعه صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال مرة بمكة: سلوني عما شئتم آخبركم عنه من ~~كتاب الله ms302 تعالى، فامتحن بدقائق، فاستنبطها من القرآن، منها: لو قتل محرم ~~زنبورا.. هل عليه جزاء ؟ فاستنبط لهم منه : أنه لا جزاء عليه ؛ لأن عمر رضي الله عنه ~~أمر بقتله ، والنبي صلى الله عليه وسلم قال : " أقتدوا بأللذين من بعدي أبي بكر ~~وعمر"(2) والله تعالى يقول : وما ءالنكم الريول فخذوه . .) الآية (3) ، وتبعه - ~~أعني : الشافعي - العلماء على ذلك، فقال واحد: ما قال صلى الله عليه وسلم شيئا، ~~أو حكم أو قضى بشيء.. إلا وهو أو أصله في القرآن، قرب أو بعد. # وقال آخر: ما من شيء في العالم. . إلا وهو فيه ، فقيل له : فأين ذكر الخانات ~~فيه ؟ فقال : في قوله تعالى : { ليس علتكر جناع أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متنع لكر ~~فهي الخانات ~~وقال آخر: ما من شيء.. إلا ويمكن استخراجه من القران لمن فهمه الله تعالى، ~~حى إن عمره صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين سنة استنبط من آخر (سورة المنافقين) ~~لأنها آخر رأس ثلاث وستين سورة، وأعقبها با التغابن) لظهوره بفقده صلى الله عليه ~~وسلم ~~وقال آخر: لم يحط بالقرآن إلا المتكلم به، ثم نبيه صلى الله عليه وسلم فيما عدا ~~ما استأثر الله تعالى بعلمه، ثم ورث عنه معظم ذلك أعلام الصحابة، مع تفاوتهم فيه ~~بحسب تفاوت علومهم، كأبي بكر رضي الله عنه، فإته أعلمهم، بنض ابن عمر ~~(1) شعب الايمان (2371) ~~(2) اخرجه الترمذي (3662)، وابن ماجه (97)، والبيهقي في " السنن الكبرى" ~~(212/5)، وأحمد (382/5)، والبزار (2827)، والطبراني في " الكبير" ~~.(2219 ~~(3) أخرجه البيهقي في " السنن الكبري"(212/5). PageV00P331 # ============================================================ ~~رضي الله عنهما وغيره ، وكعلي رضي الله عنه ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الحسن ، خلافا لمن زعم وضعه : " أنا مدينة العلم ، وعلي بابها "(1) ومن ثم قال ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما: (جميع ما أثرته لكم من التفسير فإنما هو عن علي ~~رضي الله عنه) وكابن عباس رضي الله عنهما، حتى إنه قال : (لو ضاع عقال ~~بعيري.. لوجدته في كتاب الله) ~~ثم ورت عنهم التابعون معظم ذلك، ثم تقاصرت الهمم عن حمل ما حمله أولئك ~~من ms303 علومه وفتونه، فنوعوا علومه أنواعا؛ ليضبط كل طائفة علما وفنا، ويتوسعوا فيه ~~بحسب مقدرتهم، ثم أفرد غالب تلك العلوم وتلك الفنون التي كادت أن تخرج عن ~~الحصر، وقد بين هلذا القائل وجه استنباط غالبها منه بتآليف لا تحصى ~~وقال آخر: علومه خمسون وأربع مثة علم، وسبعة آلاف علم، وسبعون ألف ~~علم؛ على عدد كلم القرآن، مضروبة في أربعة؛ إذ لكل كلمة ظهر وبطن، وحد ~~ومطلع، ويضم لذلك اعتبار تركيب ما بينهما من روابط، لكن هذا لا يحصيه إلا ~~المتكلم به تعالى. # نعم؛ أم علومه ثلاثة: توحيد، ووعظ، وحكم، ومن ثم سميت (الفاتحة) ~~أمه؛ لاشتمالها على هلذه الثلاثة ، و( الإخلاص) ثلثه ؛ لاشتمالها على الأول ~~وقال ابن جرير: (الثلاثة : التوحيد، والأخبار، والديانات) ~~وقال آخر : اشتمل القرآن على كل شيء ، كما قال تعالى : { ما فرطنا فى الكتلب من ~~شو أما العلوم.. فلا تجد مسألة هي أصل إلا وفي القرآن ما يدل عليها، وفيه ~~عجائب المخلوقات، وملكوت السماوات والأرض، وما في الأفق الأعلى وتحت ~~الثرى، وبده الخلق، وأسماء مشاهير الأنبياء والملائكة، وعيون أخبار الأمم ~~السابقة، وشأنه صلى الله عليه وسلم وغزواته، وأخباره إلى مماته صلى الله عليه ~~وسلم، ثم شأن أمته من بعده، وبده خلق الإنسان إلى موته، وأمارات الساعة، ~~وجميع أحوال البرزخ والمحشر، والجنة والنار. # (1) اخرجه الحاكم (126/3)، وقال : (صحيح الإسناد)، واعترضه الذهبي، وأخرجه ~~الطبراني في " الكبير" (55/11)، وابن عدي في "الكامل" (67/5)، والعقيلي في ~~"ضعفائه "(149/3)، والخطيب في " تاريخ بغداد *(7/ 181) PageV00P332 ~~============================================================ ~~وزعم الجاحظ : أنه لا يوجد فيه شيء من المذهب الكلامي الذي هو : احتجاج ~~المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تقطع الخصم على طريقة أرباب الكلام، ولا من ~~النوع المنطقي الذي تستنتج منه النتائج الصحيحة من المقدمات الصادقة ~~وردوا عليه بأنه مشحون من ذلك ؛ إذ ما من برهان ودلالة وتقسيم وتحديد ينبني ~~منه كليات العلوم العقلية.. إلا وكتاب الله قد نطق به، وقد بين الإسلاميون من أهل ~~هذذه العلوم كثيرا من ذلك ، منه : أن من أول (سورة الحج) إلى قوله تعالى : ~~{وأت الله ms304 يبعث من فى القبور} خمس نتائج ، تستنتج من عشر مقدمات ، بل فيه ~~الإشارة حتى لعلم الهندسة، بل لأشكل ما فيه ، وهو الشكل الثلاثي ، بقوله تعالى : ~~إلى ظل ذى ثلث شعب. . الآية. # قال الأئمة : إنما أوردت حججه على عادة العرب دون دقائق المتكلمين؛ لقوله ~~تعالى: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } ولأن من استطاع أن يفهم غيره ~~بالأوضح الذي يفهمه الأكثرون. . لا ينبغي له أن ينحط إلى الأغمض الذي لا يفهمه إلا ~~الأقلون، وإلا. كان ملغزا، ومن ثم أخرج تعالى مخاطباته في محاجة خلقه في ~~أجلى صورة وأوضحها؛ ليفهم العامة ما يقنعهم، أو يلزمهم الحجة بسببه، والخاصة ~~ما يليق بهم من دقائق المعارف التي هي منتهين كل ومبلغ أربه. # ومن عجيب تلك الآيات : أنها أبانت تلك العلوم التي لا غاية لها حال كونها ~~متولدة (عن) بينها وبين (من) الجناس اللاحق (حروف) قليلة بالنسبة إليها: ~~أخرج ابن الضريس عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : جميع آي القرآن ستة ~~آلاف آية، وست مثة آية، وست عشرة آية، وجميع حروف القرآن ثلاث مئة ألف ~~حرف، وثلاثة وعشرون آلف حرف، وست مثة حرف، وأحد وسبعون حرفا ~~وهذه الحروف ليس المراد بها حروف التهجي، بل مسمياتها، فحروف التهجي ~~أسماء كاشفة عن تلك المسميات، كما قال: ~~(أبان) آي: كشف (عنها الهجاء) أي: التهجي، وهو تعديد الحروف بذكر ~~أسمائها، فإنك إذا قلت: ضرب مركب من (ض رب). فقد عددت الحروف ~~البسيطة التي هي مادة الكلمة قبل آن تحصل صيغة، والمراد هنا : أنه يتهجى بالأسماء ~~399 PageV00P333 ~~============================================================ ~~عن المسميات حتى يتبين موضوع كل، وبيانه : أن الحرف الذي أول زيد مثلا له ~~مسمى هو (ز) والخطأ فيه بحذف هاء السكت لا يؤثر؛ لأنه للتعليم، وله اسم وهو ~~(الزاي) لأنه تعتريه سائر علامات الاسم، ومن ثم قال سيبويه : قال الخليل يوما وقد ~~سأل أصحابه: كيف تقولون إذا أردتم أن تتلفظوا با الكاف) التي في ذلك، ~~و(الباء) التي في ضرب؟ فقيل: نقول: (كاف) (باء)، فقال : إنما جثتم بالاسم ~~ولم تتلفظوا ms305 بالحرف، وقال : أقول : (كه) (به)، فحروف القرآن من الأول، ~~وحروف التهجي من المراد من الثاني ~~ودليل تسميتها حروفا الخبر الصحيح : 8 من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى.. فله ~~حسنة، والحسنة بعشر أمثالها ، لا أقول: الر حرف ، بل ألف حرف، ولام ~~حرف، وميم حرف "(1) ~~فتسمية كل حرفا إما لغة، أو مجازا باعتبار مدلوله ~~199 ~~فهي كالحب والئوى أفجب الزر اع منها سنابل وزكاء ~~(فهي) أي: حروف القرآن وإن غزرت معانيها وكثرت أحكامها. لا يستبعد منها ~~ذلك وإن كانت قليلة جدا بالنسبة لما يستفاد منها ؛ لأن لها مثالأ يقربها توع قرب، ~~كحروف آسماء الأعداد، وإلا.. فشتان ما بينهما؛ إذ ما يأتي له أمد معلوم يفنى فيه ~~عن قرب، وهلذه مستمرة النمو والزيادة على ممر الأعصار، وتوالي الأزمان في هلذه ~~الدار ، بل وفي دار القرار، كما يدل عليه الحديث الصحيح أنه : "يقال للقارىء في ~~الجنة : أقرأ وأرق ، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا "(2) ويأتي ذلك قريبا بزيادة . # وذلك المثال هو إما: أنها كحروف أسماء الأعداد؛ فإنها مع كونها الفاظا ~~محصورة لا ينتهي الوهم إلى المعدود بها، واما أنها (كالحب) الذي يلقيه الزراع ~~(1) أخرجه الترمذي (2910)، والبيهقي في الشعب "(1983) ~~(2) اخرجه ابن حبان (766)، وأبو داوود (1454)، والترمذي (2914)، وأحمد ~~(19212 PageV00P334 ~~============================================================ ~~(والنوى) الذي يلقيه الغارس بالأرض، فينشأ عن الأول من السنابل والحبوب ما لا ~~يكاد يحصى ولا يتناهى، ومن الثاني من الثمر ما هو كذلك، وفي هذذه الحالة ~~(أعجب) فاعله يأتي، فقول الشارح : (إن فيه ضميرأ 1 الحب" و1 النوى" وأن ~~فاعله "سنابل )).. سهو منه ؛ إذكيف يتصور في فعل أن له فاعلين، ضميرا وظاهرا ~~في حالة واحدة(1) ؟1 ~~(الزراع) والغراس، كما يدل عليه ذكر (النوى) فهو اكتفاء كل{ سرييل تقيم ~~الحر} أي : والبرد، وفيه أيضا اللف والنشر المرتب؛ لعود (الزراع) ~~(( الحب)، و(الغراس) ل( النوى) وعود (السنابل) للأول، و(الزكاء) لهما: ~~(منها) أي: تلك الزروع والأشجار (سنابل وزكاء) أي : نمو يفوت الحصر، ~~بحيث لو اجتمع أهل الأرض على استقصاء عددها. لما أطاقوه، فقد علمت أن المتناهي ~~هنا كما يحصل منه ms306 ما لا يتناهى.. فكذلك حروف القرآن هي متناهية، ويحصل منها من ~~العلوم والمعارف ما لا يتناهى، وهذذا المثال المراد به التقريب لا غير، كما عرف مما ~~مر، وإلا.. فشتان ما بين الأمرين، ألا ترى أن عدم تناهي تلك الحبوب والثمار إنما هو ~~في مدة قليلة ثم تفنى عن قريب ؟! وأما تلك الحروف. . فإن معانيها لا تتناهى في الدنيا ~~ولا في الآخرة، ففي الحديث الصحيح أنه : " يقال للقارىء في الجنة : أقرأ وأزق ~~ل ورتل كما كنت ترتل في الدنيا" وبه يعلم أنه يقرأ ويتلذذ بالقراءة ، ومن لازم ذلك تلذذه ~~بمعانيها ، وما يفتح الله به على القراء من أنواع المعارف اللائقة بتلك الدار وتلك الذوات ~~التي تم فيها التأهل، وذلك أمر لا يتناهى أبدا . # ومن عجيب شأن الكفار: أنهم مع هذه المعجزات والايات البينات كلها استمروا ~~على ما هم عليه من غاية الإعراض والإنكار: ~~فأطالوا فيه التردد والود ب فقالوا سخر وقالوا افتراء ~~(فأطالوا فيه التردد والريب) أي: الشك، عطف مرادف (فقالوا) كما ~~(1) وعليه فالفاعل هو (ستابل)، وجملة: (أعجب.) في محل نصب حال ~~401 PageV00P335 ~~============================================================ ~~حكاه الله تعالى عنهم في كتابه العزيز، فهو تلميح- مرة: إنه (سحر) آي: تمويه ~~لا حقيقة له، وأصل السحر لغة : كل ما لطف مأخذه ورق (وقالوا) مرة أخرى: إنه ~~(افتراء) أي: كذب، ومرة: أساطير الأولين إلى غير ذلك من افترائهم ~~واقتراحهم، ومباهتتهم وتلبيسهم، وضلوا فيما قالوا، {بل هو} والله المتفضل بإنزاله ~~(قزهان تجيد *: فى لوح تحفوظ، لا يأنيه البطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حككيه ~~چيد وكل ذلك ينادي عليهم بالبوار والعناد، وأنهم لا عقل لهم ولا رأي ~~ولا استعداد: ~~(1941 ~~وإذا البينات لم تغن شيئا فالتماس الهدى بهن عناء ~~(و) لكن ليس ذلك بكثير على من عدم التوفيق، ولم يبصر سواء الطريق؛ لما ~~هو مقرر في العقول السليمة من الحكم البديعة الجامعة أنه (إذا) كانت (البينات) ~~أي: الحجج القطعية البرهان، الواضحة البيان (لم تغن) أي : هم؛ أي : تفدهم ~~(شيئا) من الهدى (فالتماس الهدى بهن) أي ms307 : طلبه منهم بتلك الحجج بعد اليأس ~~من إيمانهم (عناء) أي : تعب لا يفيد شيئا ~~(198 ~~وإذا ضلت العقول على عذ م فماذا تقوله النصحاء ~~(وإذا ضلت) عن طريق الحق (العقول) جمع عقل، وسبق الكلام عليه مستوفى ~~(على) أي: مع (علم) منها بتلك الطرق؛ أي : أضلها بارئها (فماذا تقوله) أي: ~~فأي قول تقوله الأنبياء (النصحاء) وقولهم حينئذ لا يفيد شيئا؟! # والبيت الأول مقتبس من قوله تعالى : وما تغنى الايلث والنذر عن قوو لا يؤمنون} ~~والثاني من قوله تعالى : { أفرهيت من اتحد إلهد هوينه وأضله الله على علر وختم على سمعه وقليه، ~~وجعل على بصروه غشلوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون} ~~وبما قررت به كلامه يعلم أن هذين البيتين من الكلام البديع الجامع ~~42 PageV00P336 ~~============================================================ ~~تتبيه : لا يتوهم من النظم : أنه مخالف لقول الأئمة : أجمعت الأمة على التكليف ~~بالمحال لغيره، كتكليف أبي جهل مثلا بالإيمان مع علم الله تعالى بأنه لا يؤمن) ~~وذلك لأن التكليف بذلك إنما هو بالنظر للحالة الراهنة المنطوي عنا عاقبتها، فهم ~~بالنسبة إليها مكلفون بالإيمان ؛ لقدرتهم عليه ظاهرا، وإن كانوا عاجزين عنه باطنا؛ ~~لعلم الله تعالى بأنهم لا يؤمنون؛ لأن هلذا لا نظر إليه، وإلا.. لارتفع الاختيار، ~~وثبت القول بالجبر المنابذ لما جاءت به الشرائع، فاحذر أن تميل إليه فتزل قدمك، ~~ويحق ندمك ، واستحضر قوله تعالى : { لا يتتل عما يفعل وهم يستلوب: ~~فوائد: منها : قيل: حكمة تنزيه القرآن عن الشعر مع أن الوزن يورث الكلام ~~عذوبة : أن قصارى أمر الشاعر التخييل بتصوير الباطل في صورة الحق، والإفراط في ~~الإطراء، والمبالغة في الذم، والايذاء دون إظهار الحق، ولهذذا نزه الله تعالى نبيه ~~صلى الله عليه وسلم عنه، ومن ثم قال بعض الحكماء: لم ير متدين صادق اللهجة ~~مفلقا في شعره - آي : غالبا - وما وقع فيه على صورة الشعر.. لا يسماه؛ لأن شرطه ~~القصد، ومن ثم لم تعارضه العرب، ولو اعتقدوه شعرا.. لعارضوه، وقيل: دون ~~البيتين ليس شعرا ، وقيل : الرجز كذلك : ~~ومنها : سئل الغزالي عن قوله تعالى: لوجدوا فيه ms308 آختللفا كثيرا} فقال : ~~(الاختلاف مشترك بين معان، وليس المراد نفي اختلاف الناس فيه، بل نفي ~~الاختلاف عن ذات القرآن، فليس نظمه مختلفا، ولا بعضه يدعو للدين وبعضه يدعو ~~للدنيا، بخلاف كلام البشر؛ لاختلاف قواهم وأغراضهم وأحوالهم) ~~ومنها: أن سائر كتب الله تعالى لا إعجاز فيها من حيث النظم والتأليف ؛ لأن ~~السنتهم لا تفي بذلك، بخلاف الإخبار بالغيوب، فإن الكل جميعا يشترك فيه، ~~ولكون ألسنتهم كذلك كان كل ما في القرآن حكاية عنهم إنما هو حكاية لمعنى ~~ألفاظهم، ذكره ابن جني وغيره: ~~ومنها: وقع في القرآن آيات مشتبهات من حيث النظم ، كإيراد القصة الواحدة في ~~سور وفواصل مختلفة، ك{ وللا} ( فكلا}، يذيخون} { ويدبخوب} ~~سنزيد وستريد}، وذلك كثير، وقد أفرد خلائق الجواب عن ذلك بتآليف ~~مستقلة، ومن حيث إيهام التعارض عند عدم التأمل، نحو: ولا يتساء لوب} PageV00P337 ~~============================================================ ~~وأقبل بعضهم على بعض يتساهلون}، وأول من تكلم في الجواب عن ذلك ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما، ثم تبعه الأئمة، حتى أفرد بعضهم ذلك بالتآليف، كما ألفوا ~~في مختلف الحديث، وبيان الجمع بين الأحاديث المتعارضة، ومن حيث إنها من ~~المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه، أو علمه أيضا الراسخون في العلم، وهو ~~مبحث طويل، فلا بأس بذكر خلاصته، وهي : ~~قيل: القرآن كله محكم، كما في آية، وقيل: كله متشابه، كما في آية، ~~والأصح: انقسامه إليهما، والمراد ب: { أحكمت ء ايلله}: أتقنت وتنزهت عن نقص ~~يلحقها، وب: متشبها}: أنه يشبه بعضه بعضا في الحق والصدق والإعجاز، ثم ~~المحكم: ما عرف المراد منه، قيل: ولو بالتأويل، والمتشابه: ما استأثر الله ~~بعلمه، كالساعة، والحروف المقطعة أوائل السور، وفيهما أقوال آخر، ثم ~~المتشابه: هل علم ؟ فيه قولان، منشؤهما: هل الوقف على العلو} في قوله ~~تعالى: والتسيخون فى العلو} وعليه طائفة قليلة، كمجاهد والضحاك، وهو رواية عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما، وقال النووي : ( إنه الأصح ؛ لأنه يبعد أن يخاطب الناس ~~بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته)(1) وابن الحاجب : إنه المختار، والأكثرون ~~من الصحابة فمن بعدهم خصوصا ms309 أهل السنة : أن الوقف على * إلا الله} من قوله ~~تعالى: وما يعلم تأويله "إلا الله} وهو أصح الروايات عن ابن عباس رضي الله عنهما. # وعد ابن السمعاني اختيار الأول هفوة، وجمع بعضهم بأن من المتشابه ما يمكن ~~الوقوف عليه، ومنه ما لا يمكن، فصح الوقفان بهاذا الاعتبار: ~~ومن المتشابه ذكر آيات الصفات التي فيها ذكر نحو الاستواء واليد والعين، ~~وجمهور أهل السنة منهم اكثر السلف وأهل الحديث : على تفويض معناها المراد منها ~~إلى الله تعالى، مع تنزيهه عن ظواهرها. # وذهب الخلف : إلى تأويلها بما يليق بجلاله تعالى، وكان إمام الحرمين يميل إلى ~~هذا، ثم رجع عنه فقال : الذي نرتضيه دينأ وندين الله تعالى به عقلا.. اتباع سلف ~~الأمة، فإنهم درجوا على ترك التعرض لمعانيها، وتبعه ابن الصلاح فقال : على ذلك ~~1) شرح صحيح مسلم (214/16) PageV00P338 ~~============================================================ ~~مضى صدر الأمة وساداتها، وإياها اختار أئمة الفقهاء وقاداتها، وإليها دعا أئمة ~~الحديث، والفخر فقال وأحسن فيما قال : (لا يصرف اللفظ عن ظاهره إلا بدليل ~~منقصل، وهو إما لفظي، وهو لا يعتبر هنا؛ لأنه مظنون؛ إذ القطع به يتوقف على ~~انتفاء الاحتمالات العشر، وهو مظنون، وإما عقلي، وهو إنما يفيد صرف اللفظ عن ~~ظاهره؛ لاستحالته، دون إثبات المعنى المراد؛ لأنه ترجيح مجاز على مجاز، ~~وتأويل على تأويل، وذلك إنما يكون بلفظي، وقد تقرر أنه لا يفيد إلا الظن، وهو ~~لا يعول عليه في المسائل الأصولية القطعية) قال : (فلهذا اختار الأئمة المحققون ~~من السلف والخلف - بعد إقامة الدليل القاطع على أن حمل اللفظ على ظاهره محال - ~~ترك الخوض في تعيين التأويل) (1) اه ~~وتوسط ابن دقيق العيد فقال : يقبل التأويل إن قرب في لسان العرب، تحو: ~~عل ما فرطث فى جتب} أي: في حقه وما يجب له، لا إن بعد؛ أي: كتأويل: ~~{استوى} ب( استولى) ~~ولما فرغ من الحجاج مع المشركين، وبين ما آل إليه أمرهم.. شرع في الكلام مع ~~أهل الكتابين؛ ليبين ما آل إليه أمرهم أيضا فقال : ~~قؤم عيسى عاملتم قؤم موسى بالذي عاملتكم الحنفاء ~~يا ms310 (قوم) وحذف حرف النداء جائز إلا في الندبة والاستغاثة ومع الضمير، وكذا ~~مع اسم الإشارة واسم الجنس على قول فيه (عيسى) المدعوين بالنصارى (عاملتم ~~قوم موسى) وهم اليهود (ب) التصديق بكتابهم، وهو التوراة (الذي عاملتكم) ~~بنظيره، وهو التصديق بكتابكم الذي هو الإتجيل (الحنفاء) أي: المسلمون، جمع ~~حنيف، وهو المائل عن كل دين إلى الدين الحق. # ثم بين ما آبهمه في البيت قبله بقوله : ~~(1) انظر " التفسير الكبير"(170-169/7) ~~05 PageV00P339 ~~============================================================ ~~(200 ~~صدقوا كتبكم وكذبتم كن بهم إن ذا لبفس البواء ~~(صدقوا) أي: قوم عيسى (كتبكم) وهي التوراة وما بعدها كالزبور (وكذبتم ~~كتبهم) وهي الانجيل، وجمعه للمشاكلة، أو لتنزيله منزلة كتب متعددة، وفي هذا ~~التفات، لأن قوم عيسى خوطبوا أولا، وأعيد عليهم ضمير الغيبة، وقوم موسى ~~بالعكس ~~وبين (موسى) و(عيسى) الجناس اللاحق، ك(قابيل) و(هابيل) الاتيين ~~و(التصديق) و(التكذيب) الطباق. # (إن ذا) الذي فعلتموه معشر اليهود (لبئس البواء) آي: الصنيع الذي رجعتم به ~~القهقرى ، وهلذا مقتبس من قوله تعالى : { وبآمو بغضب من الله} ~~1201 ~~لؤ جحدنا جحودكم لاشتوينا أو للحق بألضلال اشتواء ~~(لو جحدنا) من الجحد، وهو الإنكار عن علم (جحودكم) أي : مثله، بأن ~~أنكرنا كتابكم كما أنكرتم كتابنا وكتاب عيسى (لاستوينا) نحن وأنتم (1) يكون ذلك ~~منا؟! لا يتصور ذلك، كيف (و) ليس (للحق) وهو ما نحن عليه من التصديق ~~بجميع كتب الله ورسله (بالضلال) وهو ما هم عليه من التصديق بالبعض والكفر ~~بالبعض (استواء ؟!) أي: مساواة، بل بينهما غاية التضاد، فالحاصل: أننا لم ~~نجحد شيئا من كتب الله تعالى، وإنما وقع الجحد من اليهود لكتاب النصارى، ومن ~~النصارى لكتاب اليهود، خلاف ما يوهمه النظم، قال تعالى: وقالت اليهود ليست ~~النصكرى عل شتو وقالت النصلرى ليست اليهود على شنىو وهم يتلون الكتتب} أي : المكذب ~~لهم في ذلك، وكأن الشارح أخذ من هلذا قوله : (إنما وقع التجاحد بين أهل ~~الكتاب؛ إذ التعبير بالتفاعل مصرح بما ذكر مما يخالف النظم ويوافق ظاهر الآية) اه ~~وقد يقال : لا يلزم من ادعاء كل فرقة في الأخرى ما ذكر في إنكار ms311 كتابهم؛ إذ ~~411 PageV00P340 ~~============================================================ ~~لا مانع أن النصارى قائلون في اليهود ذلك مع قولهم : إنهم ليسوا على شيء، باعتبار ~~تبديلهم وتغييرهم، فصح ما في النظم، ويحتمل إرجاع ضمير (صدقوا) و(كتبهم) ~~إلى الحنفاء، وضمير الخطاب في (كتبكم) و(كذبتم) للفريقين اليهود والنصارى، ~~ويكون ذلك تفسيرا ل( عاملتكم الحنفاء) وفي السياق ما يؤيد كلأ من الاحتمالين، ~~للكن الأول أقرب: ~~ولما كان من المعلوم المستقر أن اليهود أشد الناس حسدا؛ قال الله تعالى: أم ~~يحسدون الناس عل مآء اتلهثر الله من فضله } وأنهم حسدوا عيسى حتى قتلوه في زعمهم ~~الفاسد، واستمر حسدهم للنصارى من بعده حتى قالوا : { ليست النصكرى على شى** ~~الموجب لقول النصارى فيهم ذلك أيضا، وأن الطائفتين حسدوا محمدا صلى الله عليه ~~ل وسلم وآمته حتى وقع منهم من العناد ما لا يصدر عن سخفاء العقول فضلأ عن ~~غيرهم.. شرع الناظم في بيان ذلك كله منهم على وجه بديع فقال: ~~2 ~~ما لكم إخوة الكتاب أناسا ليس يزعى للحق منكم إخاء ~~(ما لكم) أي: أيي حال حصل لكم معشر الفريقين ؟! يا ( إخوة الكتاب) المراد ~~به: الجنس الشامل لكتابيهما، سماهم بذلك؛ لأته لما جمعهم ما فيه من التكاليف ~~والأحكام.. صاروا مستوين فيه ، كاستواء الإخوة في الانتساب إلى أصل واحد، حال ~~كونكم (أناسا ليس) شأنكم أنه (يرعى للحق منكم إخاء) - بكسر الهمزة - نائب فاعل ~~(يرعى) ويجوز أنه اسم (ليس) ونائب فاعل (يرعى) ضميره؛ أي : مؤاخاة؛ ~~أي: ليس يصدر منكم مراعاة للدين الحق بالقيام بما يجب له من الحقوق التي منها ~~تصديق محمد صلى الله عليه وسلم، عملأ بما في كتبكم من التصريحات الكثيرة بنبوته ~~و عموم رسالته صلى الله عليه وسلم ~~وفي (إخاء) مع ( إخوة) رد العجز على الصدر، وبين (الإخوة) و( الإخاء) ~~جناس الاشتقاق، ك( الشهادة) و( الشهداء) الاتي: ~~ومن عدم رعايتكم لذلك أنه PageV00P341 ~~============================================================ ~~يخشد الأول الأخير وما زا ل كذا المخدثون وألقدماء ~~(يحسد الأول الأخير) كما وقع لليهود أنهم حسدوا عيسى صلى الله عليه وسلم، ~~زعموا آنهم قتلوه وصلبوه، وما درى الملاعين آنه ms312 شبه لهم مثله ققتلوه، ~~ونجاه الله تعالى منهم، ثم رفعه إلى السماء؛ لينزل آخر الزمان حاكما بشريعة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، مصليا وراء المهدي رضي الله عنه أول نزوله؛ ليعلم آنه نزل ~~تابعا لهذه الأمة، عاملأ بشريعة نبيهم صلى الله عليه وسلم، ومنها: أنه لا يقبل ~~الجزية، بل يقتل كل يهودي ونصراني في الأرض؛ لأن نوعا ما من الشبهة المجوزة ~~لقبول الجزية منهم ارتفع بنزوله وتكذيبه لهم (وما زال كذا) أي : كهذا المذكور من ~~حسد الأول للأخير ( المحدثون والقدماء) من لدن آدم إلى اليوم. # قذ علمتم بظلم قابيل هابيد ل ومظلوم الإخوة الأتقياء ~~ن ~~(قد) هي للتحقيق (علمتم) يا أهل الكتاب (بظلم قابيل) من إضافة المصدر إلى ~~فاعله، وهو أول أولاد آدم، وهم أربعون، جاؤوا له من حواء في عشرين بطنا، في ~~كل بطن ذكر وأنثن، ويارك الله تعالى في نسله في حياته حتى بلغوا أربعين ألفأ ~~(هابيل) بشدخه رآسه بين حجرين، وهو ثاني أولاد آدم صلى الله عليه وسلم؛ حسدا ~~له على الدين، من أجل كون الله تعالى تقبل قربان هابيل ولم يتقبل قربانه، فحينئذ قال ~~لأقثلنك} فأجابه: بأنه يستسلم لقضاء الله، ولا يجزي بالسيثة السيئة، كما ~~أفاد ذلك ما حكاه الله تعالى عنه بقوله عز قائلا : لين بسطت إلى يدك لتقتلنى...} ~~الآية، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : "كن خير ابني آدم، ~~كن عبد الله المقتول ، ولا تكن عبد الله القاتل"(1) . # (1) اخرجه ابن حبان (5962)، وآبو داوود (4258)، وابن ماجه (3961)، وأحمد ~~(416/4) بمعناه. PageV00P342 # ============================================================ ~~وجاء: أن سبب حسده له: أنه تزوج أخت هابيل، واسمها لبوذا، وكانت ليست ~~كجمال أخته التي تزوجها هابيل، وكان من شريعة آدم عليه السلام أن اختلاف بطون ~~حواء بمنزلة اختلاف الأنساب ، فكان يزوج ذكور كل بطن لإناث الآخر، وبالعكس، ~~وهو مع مخالفته لظاهر الآية يمكن تأويله بأنه لا مانع من أن حسده بسببين : أخروي، ~~وهو ما في الاية، ودنيوي، وهو ما ذكر، على أنه جاء في القصة : أن آدم عليه ~~الصلاة والسلام لما ms313 أمر قابيل أن يزوج أخته لهابيل، فامتنع وقال : أختي أحسن، ~~لا أمكنه منها، ولا أرضى أخته.. أمرهما أن يقربا قربانا لله تعالى، وكانت العلامة ~~على قبوله إذ ذاك نزول نار من السماء تأكله، فقرب كل منهما قربانه، فتقبل قربان ~~هابيل، فزاد حسده(1) إلى أن قتله : ~~وبين (الأول) و(الأخير)، و(المحدثون) و(القدماء) جناس الطباق، ~~ك( وفيتم) و(خانوا)، و(أحسنتم) و(أساؤوا)، و(الاباء) و(الأبناء)، ~~و(عرفوه) و(أنكروه) الآتيات: ~~(ومظلوم الإخوة) الاضافة فيه بمعنى (من) ويصح- بتكلف - كونها بمعنى ~~(في) وأخبر عنه بالجمع ؛ لأنه للجنس الصادق بالجمع وقسيميه (الأتقياء) لأنهم ~~الذين يصبرون على احتمال الأذى، ولا ينتقمون لأنفسهم، وهذا فيه نحو إرسال ~~المثل؛ للاستدلال به على ما قبله، وكذا: (وما زال...) إلخ، وعلم من قولي : ~~(وهذا فيه.) إلخ أنه ليس المراد بالإخوة هنا : خصوص قابيل وهابيل حتى يجاب ~~عنه بأنه أراد بالإخوة الأخوين ، بناء على القول : بأن أقل الجمع اثنان. # وسمعتم بكيد أبناء يغقو ب أخاهم وكلهم صلحاء ~~(و) قد (سمعتم) هو لليقين؛ لأن المراد في كل : العلم (بكيد أبناء يعقوب) ~~المسمى في القرآن بل إسرائيل) أي : عبد الله بن إسحاق الذبيح عند الأكثرين ، للكن ~~الأشهر: أنه أخوه إسماعيل بن إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم (أخاهم) يوسف ~~(1) أي: حسد قابيل لهابيل PageV00P343 ~~============================================================ ~~صلى الله عليه وسلم، فإنه لا خلاف في تبوته، كما هو مبسوط في قصته المصدرة ~~بقوله تعالى: نحن نقص عليك أحسن القصص} أي : لأنها سيقت على أسلوب لم يسق ~~عليه غيرها من بقية القصص (و) لا يتوهم من كيدهم له المحكي عنهم في قصتهم، ~~ولا من ذكرهم إثر (قابيل) الكافر اللعين : أن ذلك ينافي صلاحهم ؛ لاتفاق العلماء ~~على أنهم (كلهم صلحاء) عدل إليه عن أنبياء؛ لأنه الأمر المتفق عليه كما تقرر، أو ~~لقوة الخلاف عنده في عدم نبوتهم، بخلاف يوسف عليه السلام، فإنه لا خلاف في ~~نبوته ، للكن الحق : أنها ظاهر الآية أو صريحها ، وهي قوله تعالى : قولواء امنا ~~بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلن إنرهعه ولشمعيل وإسق ويعقوب والأسباط } إذ الأسباط هم : ~~أولاد يعقوب، ms314 وقد ذكرت الآية أنه أنزل عليهم شيء يجب الإيمان به غير ما أنزل على ~~آبائهم، وذلك الشيء هو الوحي كما هو المتبادر، بل صرحت به آية: وأوحينا إلك ~~الراهيه وإسملعيل وإسحق ويعقوب وآلأسباط } وحيئذ فنفي نبوتهم المستلزم لنفي ~~الوحي إليهم.. مناقض لصريح الأية فتأمله. # ولا ينافي نبوتهم ما حكي عنهم في تلك القصة؛ لأنه إنما صدر عنهم عن تأويلات ~~تراها شريعتهم، ومما يقرب ذلك : أن العلماء اتفقوا على صلاحهم، وأن تلك ~~الأمور التي جرت منهم لم تؤثر في صلاحهم، فكذا في نبوتهم، على آن في عصمة ~~الأنبياء قبل النبوة خلافا، محل بسطه كتب الأصول. # 6 ~~ت ن ~~حين القوه في غيابة جب ورمؤه بالإفك وهو براء ~~(حين) ظرف لاكيد)، (ألقوه في غيابة جب) وهو: البئر التي لم تطو، ~~وغيابته: قعره، وكادوه بذلك خوفا من تقدمه - مع كونه أصغرهم - عليهم الذي آنبأت ~~عنه رؤياه المذكورة أول السورة؛ إذ الأحد عشر كوكبا أمثال لهم؛ لأنهم أحد عشر، ~~والشمس والقمر آبوه وخالته، وسجود الكل له دخولهم تحت أمره وطاعته، وكان ~~الأمر كذلك ، كما في آخر السورة ، فإنهم لما جاؤوا إليه مع أبيهم وخروا له سجدا.. # قال: يكأبت هلذا تأويل رة يكى من قبل قد جعلها رتى حقا وقد أحسن بى إذأخرجنى من السجن وجماء ~~بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطكن بينى وبئن إخوق} ، وليس في التعبير بنزغ الشيطان PageV00P344 ~~============================================================ ~~بينه وبينهم ما يقدح في نبوتهم على القول بها، قال تعالى لأفضل خلقه صلى الله عليه ~~وسلم: { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فأستعذ بالله} معناه : واما يستخفنك غضب ~~يحملك على ترك الإعراض عن المكذبين لك... والنزغ : أدنى حركة، أمره تعالى ~~أنه متى تحرك عليه أدنى غضب على عدوه، وأراد الشيطان إلقاء أدنى وسوسة إليه.. # أن يستعيذ به تعالى؛ ليكفيه أمره، وهذا من تمام عصمته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ~~لم يسلط عليه بأكثر من التعرض له بهذذا الأمر الذي لا تأثير له من غير قدرة له عليه . # (و) من كيدهم له أيضا : أنهم ms315 (رموه بالإفك) حيث قالوا : إن يسرق فقد ~~سرق آخ له من قبعل} يريدون يوسف (وهو براء) أي : بريء منه . # وفي تسمية الناظم هذذا إفكا نظر ظاهر، بل لا يصح، كيف وقد أخرج ابن مردويه ~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : ~~إن يسرق فقد سرق اخ لهر من قبل قال : 9 سرق يوسف صنما لجده أبي أمه من ~~ذهب وفضة، فكسره وألقاه على الطريق، فعيره إخوته بذلك "(1). # وأخرج ابن جرير عن قتادة قال : سرقته التي عابوه بها أخذه صنما كان لأبي أمه، ~~وإنما أراد بذلك الخير(2). # وروى نحو ذلك جماعة عن زيد بن آسلم وسعيد بن جبير وابن جريج، وزاد : آن ~~أمه أمرته بذلك ؛ لأنها كانت مسلمة (3). # قال الشافعي رضي الله تعالى عنه : كان زيد هذذا من العالمين بالقرآن: ~~فالحاصل: أنه وقع منه صورة سرقة، فذكروها تعييرا له، فهم لم يكذبوا، وإنما ~~الذي وقعوا فيه أنهم عيروه بما لا عار فيه، بل بما فيه غاية الرفعة والمدحة كما ذكرته ~~في كتاب لا سعادة الدارين في صلح الأخوين" وذكرت فيه أيضا نحو ما سبق، ~~وملخصه ~~اعلم: آن واقعة يوسف مع إخوته واقعة عجيبة تشتمل على غرائب وعجائب، ~~(1) ذكره السيوطي في الدر المنثور " (564/4) وعزاه لابن مردويه ~~(2) تفسير الطبري (20/13) ~~(3) أخرجه ابن جرير الطبري في 0 تفسيره "(20/13) ، وكذلك رواية سعيد بن جبير.5 ~~ر ايت PageV00P345 ~~============================================================ ~~وحكم وأحكام، وعبر وأمثال، وذل وانخفاض، وعلو وارتفاع، وعلى حسن عاقبة ~~الصبر وخشية عاقبة الحسد، وعلى نصر المحق وإن لم يكن له أعوان ولا أنصار، ~~وعلى خذلان المبطل وإن كان أعوانه وأنصاره الوزراء والملوك فضلأ عن غيرهم، ~~وعلى أن التباغض والتحاسد بين الإخوة أمر قديم قلما يسلم منه حميم أو نديم وإن ~~كملوا وجلوا، وعلت مراتبهم، وزكت معادنهم ومذاهبهم؛ لما آن إخوة يوسف وقع ~~منهم ما وقع مع كونهم صلحاء ، بل أنبياء بنص قوله تعالى : { قولواء امنا بالله وما أنزل ~~إلينا.. الآية. # اتفقوا على أن المراد بالأسباط : أولاد ms316 يعقوب، فكوننا أمرنا بالإيمان بما أنزل إلى ~~أبيهم وبما أنزل إليهم ظاهرا.. نصى في أنه أنزل عليهم ما يجب علينا الإيمان به ~~اجمالا، وهذا صريح في نبوتهم، وعليه فقد يستشكل ما وقع منهم في هلذه القصة ~~من الأمور الكثيرة التي ظواهرها يجب تنزيه الأتبياء صلى الله عليهم وسلم عنها، بناء ~~على الأصح، بل الصواب: أن الأنبياء جميعهم الرسل وغيرهم معصومون قبل النبوة ~~وبعدها من صغاثر المعاصي وكبائرها، سهوها وعمدها، ويجاب بأن ذلك يتاتى على ~~مذهب كثيرين، بل نقل عن الأكثرين أن العصمة إنما هي بعد النبوة لا قبلها، ~~والأولى : أن يجاب بأن هذه الأمور إنما تستشكل على قواعد شرعنا، أما على ~~شرعهم فتحن لا ندري، وبفرض أنه يوافق شرعنا في ذلك فيحتمل أن لهم تأويلا ~~سوغ لهم ارتكاب ما فعلوه ~~وتعبير كثيرين كالناظم ببغضهم وحسدهم ونحو هذا من العبارات التي ظاهرها ~~لا يليق بهم. إنما هو بناء على عدم نبوتهم، كما هو قول فيهم ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر : أن أبا عمرو قيل له : كيف تقرأ : نرتع ونلعب} ~~بالنون- وهم أنبياء؟! فقال : لم يكونوا يومئذ أنبياء(1). # والحاصل : آنه يجب علينا الإيمان بنزاهتهم وبراءتهم من كل ما لا يليق بهم. اه ~~عبارة الكتاب المذكور: ~~(1) تفسير الطبري (94/12) PageV00P346 ~~============================================================ ~~وإذ قد علمتم معشر المسلمين ما وقع لمن قبلكم من الشدائد والمحن وصبروا ~~عليها، ففازوا برضا الله تعالى ومحبته. # ااى ~~فتأسؤا بمن مضى اذ ظلمتم فالتأسي للنفس فيه عزاء ~~(فتأسوا) أي : تعزوا؛ إذ التأسي التعزي ، من: تأسيت بفلان تعزيت به؛ أي : ~~حملت حالي على حاله، ففي التأسي تسكين النفس على الأمر المشق، وتصبيرها ~~عليه، والتعزي: الحمل على العبر بوعد الأجر، فمعنى التأسي والتعزي واحد، أو ~~متقارب، وساغ ذكرهما على الأول؛ لاختلاف لفظهما (بمن مضى) قبلكم من ~~الكمل في ذلك (إذ) أي : وقت، أو لاجل أن (ظلمتم) من الكفار بما رموكم به من ~~الحسد والبغضاء، والعداوة والقتال (فالتأسي) في المصائب لا سيما بالكمل (للنفس ~~فيه عزاء) أي: تسل وتصبر يحملها على أن لا يصدر منها إلا ms317 كمال الأخلاق، ~~والإعراض عن النظر إلى ما يصدر من أهل النفاق والشقاق . وهذذا من التذييل. # أتراكم وفيتم حين خانوا أم تراكم أخسنتم إذ أساؤوا ~~(أتراكم) الفاعل لأهل الكتاب، والمفعول للمسلمين؛ أي : أتظنكم أهل ~~الكتاب (وفيتم) بما عاهدتم الله عليه، فأظهرتم الحق ودمتم على العمل به (حين) ~~طرف لاوفيتم) الواقع موقع المفعول الثاني (خانوا) ما عاهدوا الله عليه، فكتموا ~~الحق وأبوا قبوله من غيرهم (أم) متصلة ؛ لأنها معادلة للهمزة السابقة (تراكم) أهل ~~الكتاب (أحستتم) في اتباع نبيكم في جميع ما جاء به، فلم تغيروا منه شيئا قط، ولم ~~تبدلوا في حياته ولا بعد وفاته (إذ أساؤوا) الطريق، فلم يستمروا على العمل بما ~~جاءتهم به رسلهم، بل بدلوه وغيروه؛ إيثارا لما ينالونه من آتباعهم من الحظوظ ~~الدنيوية PageV00P347 ~~============================================================ ~~29 ~~بل تمادث على التجاهل آبا تقفث آثارها الآبناء ~~(بل) لا يرون شيئا من ذلك، وإنما الذي حملهم على عدم اتباع الأنبياء صلى الله ~~عليهم وسلم آنه (تمادت) أي: تتابعت واستمرت (على التجاهل) الموجب لرفض ~~الحق واتباع الباطل؛ أي: إظهار الجهل من تفوسهم، مع علمهم بالحق وأنهم عليى ~~خلافه، وحمدوا بها وأستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} فأظهرتم غير الحق ودمتم على العمل ~~به (آباء) بينه وبين (الأبناء) الطباق كما مر (تقفت) أي : تبعت (آثارها) الباطلة ~~(الأبناء)، إنا وجدناء اباء نا عل أمة وانا علىء ايثرهم مقتدوت} ~~بيته توراتهم والأناجي ل وهم في جخوده شركاء ~~(بينته) أي: الحق الذي من جملته نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعموم رسالته ~~(توراتهم) المنزلة على موسى عليه الصلاة والسلام، من: أوريت الزند قدحته ~~لتخرج ناره، والنار تستلزم النور (والأناجيل) المنزلة على عيسى عليه الصلاة والسلام ~~-من : نجل الشيء أخرجه - التي لهم ، كما حكاه الله تعالى عنهم بقوله عز قائلا : ~~{الذين يتبعوت الرسول النبى الأيو الذى يجدونه مكثويا عندهم فى التورية والا نجيل} ~~ولا ينافي هلذا جمع الناظم له، لأنه باعتبار أفراده، وهذا من أعظم الأدلة على ~~حة نبوته وعموم رسالته صلى الله عليه وسلم، وعلى آنه صلى الله عليه وسلم ms318 على ~~البينة الواضحة من أمره؛ لأنه صرح بذلك على رؤوس أهل الكتابين ، ولم يخش أن ~~أحدا منهم يقول: ليس ذلك في كتابنا فإذ قد صرح بذلك ولم يعترضوه.. كانوا ~~عالمين به، وكان تخلفهم عن اتباعه لمحض العناد والحسد، قال تعالى: ~~ليكثمون الحق وهم يعلمون، يحرفور الكلر عن مواضعه} يغرفونه كما ~~يعرفون أبناء هم، أن يطفشوا نور الله يأفوههه ويأب الله إلا أن يتتر نوره ولو كره ~~الكنفرو}، ومبترا يرسول يأتى من بعدى آسمه أخمد}، فلما جاءهم ما عرفوا ~~كفروايه ~~1 PageV00P348 ~~============================================================ ~~وأخرج ابن عساكر في "تاريخ دمشق" : أن ابن سلام لما سمع بمخرج النبي ~~صلى الله عليه وسلم بمكة.. ذهب إليه ، فقال له : " أنت أبن سلام عالم يثرب ؟" ~~قال : نعم ، قال : " أنشدك بألله ألذي أنزل الثوراة على موسى، أتجدني في ~~التؤراة؟" قال : انسب ربك، فأرتج النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له جبريل: ~~{قل هو الله أحد.. إلخ، فقرأها، فقال ابن سلام : أشهد أنك رسول الله، ~~وأن الله مظهرك ومظهر دينك على الأديان ، وإني لأجد صفتك في كتاب الله تعالى- ~~أي : التوراة - يا أيها النبي؛ إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، أنت عبدي ~~اورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولاسخاب في الأسواق)، ~~ولا تجزي السيئة بمثلها، ولكن تعفو وتصفح، ولن يقبضه الله حتى تستقيم به الملة ~~المعوجة حتى يقولوا : لا إلله إلا الله، يفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا ~~غلفل(1) ~~وأخرج البيهقي وأبو نعيم عن كعب رضي الله عنه، والبخاري عن عمرو بن ~~العاصي رضي الله تعالى عنه : أنهما نقلا عن التوراة والإنجيل نحو ذلك وزيادة ~~عليه (2). # وفي التوراة: تجلى الله من طور سيناء- أي : بتكليمه موسى عليه - وأشرف من ~~ساعير- اسم جبل؛ آي: بتكليمه عيسى عليه- واستعلن من جبال فاران؛ أي : جبال ~~بني هاشم المطلة على شعبهم بمكة بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم منها إلى جميع ~~الخلق، كما يشير إليه تعبيره ب( استعلن) ~~وفي الإنجيل كالتوراة من ذلك ما يضيق عنه هلذا المحل: ~~(وهم) أي: اليهود والنصارى (في جحوده) أي: ذلك الحق ms319 الذي بينه ~~كتاباهما، وهو الإنكار بعد العلم (شركاء) أي: مشتركون، فلعنة الله عليهما ~~(1) تاريخ دمشق (387/3) سخاب- بالسين المهملة- من السخب، وهو : ارتفاع الصوت في ~~الصومة ومثله الصخب ~~(2) دلائل البيهقي (373/1-374) ، ودلائل أبي تعيم (80/1)، والبخاري (2125). # 415 PageV00P349 ~~============================================================ ~~(281 ~~إن تقولوا ما بيتته فما زا لث بها عن غيونهم غشواء ~~(إن) شرطية (تقولوا) يا أهل الكتاب (ما) نافية (بينته) أي : التوراة والأناجيل ~~الحق المذكور (فما زالت بها) أي: التوراة والأناجيل (عن عيونهم غشواء) ~~بالمعجمة والمهملة - آي: عن بصائرهم ظلمة مانعة لهم عن إبصارهم الحق، من ~~قولهم: ركب فلان العشواء إذا كان قد خبط آمره على غير بصيرة، وقولهم: ركب ~~متن عمياء، وخبط خبط عشواء، وهي الناقة التي لا تبصر آمامها، فهي تخبط بيديها ~~على كل شيء، ففيه الإشارة للمثل المذكور، والاستعارة بالكناية؛ لأنه شبه العيون ~~بالبصائر، والعشواء بالظلمة المذكورة، والاستعارة التخييلية في إثبات الظلمة ~~للعيون، والترشيحية في قوله : (ما بينته) لأنه يناسب المشبه به ~~اذ تقولوا قذ ييشه فتا لذ لمفد عيا تقوله صئاء ~~(أو تقولوا قد بينته) كما هو الحق (فما) أي : فأي شيء حصل (للأذن) أي: ~~لآلة سمعكم حتى إنها (عما تقوله) التوراة والأناجيل، وإسناد القول إليهما فيه ~~الاستعارتان السابقتان آنفا، وكذا في قوله الاتي : (من طحنتهم...) إلخ، وقوله : ~~(وكساهم..) إلخ (صماء ؟1) أي: غير سامعة له سماع قبول؛ أى : فلا موجب ~~للاعراض عن ذلك إلا محض العناد والحسد. # عرفوه وأنكروه وظلما كتمته الشهادة الشهداء ~~(عرفوه) أي: الحق السابق معرفة يقينية ببواطنهم (وأنكروه) بظواهرهم، كما ~~قال تعالى عنهم: ليكنمون الحق وهم يعلمون} وبين (عرفوه) و( أنكروه) الطباق، ~~وذلك نتيجة الإلزام السابق (وظلما) مفعول لأجله (كتمته) أي : الحق المذكور PageV00P350 ~~============================================================ ~~(الشهادة) بدل اشتمال من (كتمته) أي : كتمت الشهادة به (الشهداء) الذين هم ~~أهل الكتابين؛ لأنهم عرفوا صفة النبي صلى الله عليه وسلم وصفة دينه معرفة قطعية، ~~ثم أنكر ذلك رؤساؤهم حسدا وعنادا ومباهتة وتلبيسا على ضعفائهم؛ ليبقى ما ينالونه ~~ونكتة إيقاع الظاهر موقع المضمر؛ إذ الأصل: كتموا الشهادة به التسجيل ~~عليهم بما قررته: أنهم ms320 بلغوا من العلم به صلى الله عليه وسلم وبحقيقة دينه مبلغ رؤية ~~الشمس، ومع ذلك كتموه: ~~ومما يدل لقوة علم الشاهد اشتراط إتيانه بلفظ الشهادة؛ لأنها أبلغ من العلم، كما ~~يفيده الحديث الصحيح : لعلى مثل هلذه - أي : الشمس- فأشهذ" ومن ثم لم يكف ~~قوله: أعلم. # أو نور الإله تطفئه الأذ واه وهو الذي به يشتضاء ~~(1) تكتمون ذلك وتظهرون الضلال (ونور الإله) الذي هو النبوة والرسالة، ~~و(الإله): المعبود بالحق (تطفئه) من : أطفأت النار أذهبت حرها (الأفواه) أي : ~~الألسنة المتقولة بالباطل، وهذا من الكلام البديع الجامع، لا يكون ذلك، ~~يريدوب أن يطفشوا نور الله يأفواههه وتبأب الله إلا أن يتر نوره) وكيف يطفا ذلك النور ~~الإلهي (وهو الذي به يستضاء) ظاهرا وباطنا ؟1 أي: يبصر الحق من الباطل، ~~والصادق من الكاذب. # 1 ~~أولا ينكرون مسن طحتهم برحاها عن أنره الهتجاء ~~(1) يستمرون على ضلالهم وادعاء آنهم محقون، وينكرون نبوته صلى الله عليه ~~وسلم (ولا ينكرون من طحنتهم) أي : أهلكتهم (برحاها) أي : أسلحتها (عن أمره ~~الهيجاء) أي: حربه صلى الله عليه وسلم، لا ينبغي ذلك، بل الذي ينبغي لهم ~~417 PageV00P351 ~~============================================================ ~~الرجوع عن الضلال، والاعتراف بأنهم إن استمروا عليه. طحنهم صلى الله عليه ~~وسلم برحا حربه كما طحن آباءهم وأبناءهم وأهاليهم، بجلاء بني النضير إلى أرض ~~الشام، وألزمهم أن لا يحمل كل واحد منهم إلا حمل بعير من غير السلاح، وقتل بني ~~قريظة ~~وكساهم ثؤب الصغار وقذ طل حث دماء منهم وصينت دماء ~~(و) لشدة بأسه وظهور نصرته صلى الله عليه وسلم عليهم (كساهم ثوب الصغار) ~~أي : الذل ، كضرب الرق على غير المقاتلين من بني قريظة ، استعار اللباس للصغار ~~على حد فأذاقها الله لباس الجوع والخوف} ثم قرنه بما يلائم المشبه به وهو ~~الكسوة، وبما يلائم المشبه وهو طلول دماء وصون دماء، فالأولى ترشيحية، والثانية ~~تجريدية ~~(و) الحال أنه (قد طلت) أي: دفقت (دماء منهم) كبني قريظة (وصينت ~~دماء) منهم كبني النضير، أو المراد : دماء المسلمين؛ لأن الله تعالى جعل لهم الغلبة ~~والدائرة على أعدائهم ~~وإذا ms321 تقرر اتصاف أهل الكتابين بتلك القبائح الشنيعة. حق لهم أن يقال في ~~كيف يهدي الإله منهم قلوبا حشؤها من حبيبه البغضاء ~~(كيف يهدي) أي : يوصل (الإله منهم قلوبا حشوها) أي : ملؤها (من) هي ~~بمعنى (اللام) المعدية (حبيبه) صلى الله عليه وسلم، متعلق بقوله: (البغضاء) ~~أي: شدة البغض لحبيبه صلى الله عليه وسلم، ويصح- على بعد - أنها للتعليل؛ ~~أي : من أجله، أو البدل؛ أي: حشوها بغضه بدل حبه: PageV00P352 ~~============================================================ ~~وفي هلذه الاستعارتان السابقتان أيض7(1). # 19 ~~خبرونا أفل الكتابين من أي ن أتاكم تثلييكم والبداه ~~(خبرونا) أي: أعلمونا يا (أهل الكتابين) التوراة والإنجيل (من أين) استفهام ~~انكاري ( أتاكم تثليثكم) أي : ادعاؤكم معشر النصارى أن الله ثالث ثلاثة ، الآب والابن ~~وروح القدس (و) من أين لكم معشر اليهود (البداء) بالموحدة والمهملة، من : بدا ~~ظهر، وهو كما يأتي ظهور مصلحة بعد خفائها، وبنوا على ذلك امتناع السخ؛ أي: لم ~~يأتكم واحد من هذين عن دليل صحيح، بل عن محض سفهكم وعنادكم ~~تبيه: حكى ابن الصلاح عن بعضهم : أن لفظ البداء غير صحيح لغة ؛ لأنه من : ~~بدا بدوا، ثم رده بأن ابن دريد ذكره، قال التبريزي : هو بالمد من قولهم : بدا لي في ~~الأمر؛ أي : تغير رأيي فيه عما كان، ونقله الزركشي عن صاحب " المحكم "(1) عن ~~سيبويه، وقال السهيلي: الاسم البداء، ولا يقال في المصدر، قال : ومن أجل أن ~~البدو الظهور كان البداء في وصف الباري سبحانه وتعالى محالا؛ لأنه عز وجل لا يبدو ~~له شيء كان عنه غائبا ~~ويجيء بدا بمعنى أراد ، كما في حديث الأقرع والأعمى والأبرص : " بدا لله أن ~~يبتليهم"(2) أي : أراد لا ظهر ؛ لأنه كفر كما يأتي ~~219 ~~ما أتى بالعقيدتين كتاب وافتقاد لا نصل فيه أدعاء ~~(ما أتى بالعقيدتين) المذكورتين (كتاب) من كتب الله تعالى أبدا (واعتقاد) ~~(1) وهما الاستعارة الترشيحية والاستعارة التجريدية ~~(2) في (1) : (عن صاحب التلخيص): ~~(3) أخرجه البخاري (3464)، والحديث عند مسلم أيضا (2964) لكن بلفظ : 0 فأراد الله أن ~~ببتليهم " ~~419 PageV00P353 ~~============================================================ ~~هو: جزم الذهن بالحكم، ثم إن طابق ذلك الحكم ما في نفس ms322 الأمر - كاعتقادنا -.. # فصحيح، وإلا- كاعتقادهم-. فباطل (لا نص فيه) آي: في إثباته، وعبر ~~ب( النص) وهو : ما لا يحتمل لفظه غير معنى واحد معين؛ بأن خلا عن الاحتمالات ~~العشر المقررة في محلها، دون الدليل الأعم من ذلك ؛ لأن الاعتقاديات لا يكفي فيها ~~الدليل الظني (ادعاء) أي : باطل؛ لأنه اختراع في الدين بمجرد التشهي ، وكالنص ~~حكم العقل القطعي، فالاعتقاد المستند إليه صحيح وإن لم يرد فيه نص، بل لو ورد ~~النص بخلافه. وجب تأويل النص إليه، كآيات الصفات وأحاديثها؛ إذ ظاهرها ~~محال على الله تعالى عقلا، فوجب صرفها عنه بتأويلها بما يوافق العقل: ~~وأتكر جمع متأخرون من الحتابلة تأويلها؛ لزللهم باعتقاد ظواهرها من التجسيم أو ~~الجهة، وأطالوا في ذلك بما كان سببا لمحقهم وسحقهم في الدنيا والأخرة. # والدهاوى ما لم تقيموا عليها بينات أبناؤها أذعياء ~~(والدعاوى) التي تقولون بها معشر اليهود والنصارى، بفتح الواو وكسرها ~~كالفتاوي (ما) مصدرية ظرفية (لم تقيموا عليها بينات) أي : أدلة قطعية؛ لأن ~~الكلام في الاعتقاديات وهي لا يفيد فيها الظن (أبناؤها) أي : نتائجها (أدعياء) ~~أي : باطلة، و(الدعي) في الأصل: من ينتسب إلى شخص بالكذب، ومن يتبناه ~~الإنسان وليس بابن له وإن عرف نسبه ~~شبه دعاويهم بوطء الزنا، بجامع فساد كل وقبحه وعدم الاعتداد بما ينشأ عنه ؟ # لأنه ناشىء عن أصل فاسد، وهذذا استعارة بالكناية، ثم خيل لها بذكر ما هو من لوازم ~~المشبه به الذي هو وطء الزنا، وهم الأبناء الذين هم نتيجته، ثم رشح لها بذكر ~~الأدعياء المناسب للمشبه به ~~وبين (الأدعياء) و( الدعاوى) تجنيس الاشتقاق وشبهه، ك( خلطوها) ~~و( الخلطاء)، و(الصفات) و(وصفه) الأتيان: ~~وفي النظم القياس الاقتراني ، المركب من مقدمتين حمليتين ، المنتج إنتاج الشكل PageV00P354 ~~============================================================ ~~الأول، فالأولى: الاعتقاد الذي لا نص فيه دعوى، والثانية : الدعوى بلا بينة ~~باطلة، ينتج : الاعتقاد الذي لا نص فيه باطل: ~~تتبيه: فرق النصارى ثلاثة: نسطورية ويعقوبية وملكية، ولكل فرقة اعتقاد ~~معروف، وقد أشار الناظم للبحث مع الكل والرد عليهم إجمالا، وأكثر الكلام مع ~~القائلين بالتثليث ؛ لأنهم اكثر وأشد كفرأ ، ثم خصوا ms323 بالذكر في قوله عز قائلا: لقد ~~كفرالذين قالوا إب الله ثالث ثلكثةر.. الآية. # ليت شغري ذكر الثلائة وألوا حد نقص في عدكم أم نماء ~~(ليت) حرف تمن (شعري) آي: علمي؛ أي: ليتني علمت بما يقولونه ~~انضباطأ حتى أتكلم معكم في رده بأبلغ مما هنا ، وهو (ذكر الثلاثة) الصادر منكم تارة ~~حيث قلتم: إن الله ثالث ثلاثة ؛ الأب والابن وروح القدس (و) ذكر (الواحد) ~~الصادر منكم تارة أخرى حيث ادعيتم توحيده (نقص في عدكم أم نماء) آي: زيادة، ~~فحيث ذكرتم التثليث كان ذكركم الواحد نقصا، وحيث ذكرتم الواحد كان ذكركم ~~التثليث زيادة، وهذا تناقض عجيب لا يصدر عن عاقل؛ لأنكم تارة تثبتون تعدد ~~الالله وتارة تثبتون عدم تعدده، ولذا قال متعجبأ منهم : ~~29 ~~كيف وحذيم إللها نفى التؤ حيد عنه الآباء والابناء ~~(كيف وحدتم) أيها القائلون بالتثليث (إللها نفى التوحيد عنه الآباء والأبناء) ~~اللذان أثبتموهما في دعواكم التثليث. # أالله مركب ما سمغنا بإه لذاته أخزاء ~~(1) يمكن أن يوجد (إلله مركب) من ثلاثة أجزاء أو أقل أو أكثر؟! لأننا PageV00P355 ~~============================================================ ~~(ما سمعنا يإلكه لذاته أجزاء) أو جزآن، لا يوجد إلله كذلك، بل ولا تعقلناه ؛ لأنه ~~مما يحيله العقل بالبديهة، كما أنها تحيل تعدده، كمايدل عليه برهان التمانع المذكور ~~في قوله تعالى : { لو كان فيهما ء الهة إلا الله لفسدتا(1). # وبيان إحالة العقل لما ذكر: أنه لو فرض إلله مركب من أجزاء أو متعدد.. قيل ~~هم: ~~الكل منهم نصيب من المذ ك فهلا تميز الأنصباء ~~~~(ألكل منهم نصيب) أي : جزء (من الملك) فإن قالوا : نعم. قيل لهم: ~~(فهلا) وفي نسخة: (فلم لا) وحذفت ألف (ما) الاستفهامية لدخول الجار ~~عليها، نحو: عم يتساه لون. # (تميز) بالبناء للفاعل؛ أي : تتميز، أو للمفعول (الأنصباء) أي: نصيب كل ~~من الالهة حتى يكون ذلك التمييز دليلأ على ما زعمتموه ، ولا تميز، فلا تعدد كما هو ~~بديهي ~~وبين (الثلائة) و(الواحد)، و(النقص) و(النماء) جناس التقابل، ~~ك( الحاجة) و(الاضطرار)، و(الإماتة) و( الإحياء) الآتيات. # فإن قالوا : لكل نصيب أو أنصباء، للكنهم خلطوها.. قيل ms324 لهم : ~~(1) برهان التمانع : هو امتناع وجود إلهين لعالم واحد، وشرحه: أنه لو كان في الوجود ~~إلكهان.. فقد يتفقان، وقد يختلفان، فإن اختلفا. فلا يمكن أن ينفذ مرادهما؛ لئلا يجتمع ~~الضدان، ونفوذ مراد أحدهما يثبت عجز الاخر، فتنتفي عنه الألوهية، أما إن اتفقا.. فلا ~~يمكن أن ينفذ مرادهما معا ؛ لأن فيه اجتماع مؤثرين على أثر واحد، وهو محال، ولا يمكن أن ~~ينفذ مرادهما مرتبا ؛ لأن تعلق قدرة الأول بشيء يسد الطريق أمام قدرة الثاني للتعلق به، وأيضا ~~يلزم من تعلق قدرة الثاني بهذا الشيء تحصيل الحاصل، وهو محال أيضأ، وهلذا يسمى ~~برهان التوارد. انظره شرح الجوهرة " للباجوري (ص 79) ~~422 PageV00P356 ~~============================================================ ~~22 ~~أتراهم لحاجة وأضطرار خلطوها وما بغى الخلطاء ~~(أتراهم) أي: أتظنهم (لحاجة) أي: احتياج (واضطرار) وهو : شدة الحاجة ~~إلى الشيء بحيث لا يجد مندوحة عنه (خلطوها) خلطا يمنع تميزها، فإن قالوا: نعم. # قلنا لهم : الإلكه لا يحتاج ولا يضطر لشيء مطلقا ؛ لأنه غني بذاته عن غيره، فاحتياجه ~~واضطراره دليل قطعي على عدم ألوهيته، فإن قالوا : خلطوها لا لحاجة ولا لاضطرار.. # قلنا: أيتصور وجود شركة دائمة بين شريكين فأكثر (و) الحال أنه (ما) نافية (بغى) ~~أي : ظلم (الخلطاء) أي: الشركاء؛ أي: بعضهم على بعض، لا يتصور ذلك، بل ~~متى وجدت شركة دائمة بين شريكين.. وجد التمانع والتنازع المستلزم كل منهما جواز ~~خراب هلذا العالم المشاهد؛ لأنهما إن استويا في القوة.. تمانعا ولم يقع فعل من ~~أحدهما، وإن تفاوتا.. وقع مراد الغالب فقط وتخلف مراد المغلوب، فيلزم ألا يتم نظام ~~هلذا العالم؛ لأن الغرض وقوع الشركة وعدم التميز، واحتمال توافقهما دائما الذي ~~يجوزه العقل. . لا نظر إليه ؛ لأنه مما تحيله العادة التي هي مناط الأدلة القرآنية والسلائق ~~العربية، فليس ذلك دليلا إقناعيا، خلافا لمن وهم فيه ، بل آلزم قائله الكفر بعض ~~المتأخرين وألف فيه، لكنه إلزام باطل كما هو جلي، وكون العادة تحيل ذلك مما ~~لا يحتاج لبيان، لأن كل من عرفها حكم أن الشريكين في الإيجاد والإمداد لا يتصور ~~دوامهما على الموافقة ؛ لأن ms325 من شأن النفس أن لا تريد بقاء شريك معها، وكل ذلك ~~باطل؛ لأنا نشاهد هذا العالم باقيأ على أكمل وجوه الإتقان، وأحكم قواعد الشروط ~~والأركان، ويلزم من ذلك انتفاء الشريك مطلقا، وأن الإلكه سبحانه وتعالى لا شريك له ~~مطلقأ، وبيان بطلان التعدد من وجه آخر، وبيانه : أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان ~~يركب الحمار كما عرف ذلك بالتواتر عنه، وحينئذ يقال لهم: ~~26 ~~أهو الراكب الحمار فيا ع ز إلله يمشه الإغياء ~~(1) تقولون في حال ركوب عيسى الحمار: (هو) أي : الإله ( الراكب الحمار) ~~423 PageV00P357 ~~============================================================ ~~فإن قلتم: إنه هو،. فركوبه يستدعي حدوثه وتعبه، وهو يستدعي عجزه، والالله ~~لا يكون عاجزا ولا حادثا، وما زعمتموه يلزمه عجزه وحدوثه، وحينئذ (فيا عجز ~~إلكه) تعجب من دعواهم المستلزمة ذلك (يمسه الإعياء) أي: التعب. # 1.(2 ~~أما جميع على الحمار لقد جل حماد بجتعهم مشاء ~~(أم) - متصلة ؛ لمعادلتها للهمزة - تقولون الثلاثة الذين زعمتموهم آلهة (جميع ~~على الحمار) فيقال لكم : (لقد جل) حينئذ (حمار بجمعهم) أي: الالهة؛ أي : ~~مجموعهم (مشاء) صيغة مبالغة من مشى، وقبح إلكه يحتاج إلى آن يمشي به حمار، ~~فالجملة الخبرية في النظم تفيد التعجب مما يترتب على ما فيها ~~228 ~~أم سواهم هو آلإله فما نش بة عيسى إليه والآنتماء ~~(ام)- متصلة؛ لمعادلتها للهمزة- تقولون : (سواهم) أي: الثلاثة الذين على ~~الحمار (هو الالكه ف) بسبب ذلك (ما) استفهامية (نسبة عيسى إليه) خبر (نسبة) ~~(والانتماء ؟1) هو الانتساب، فهو عطف مرادف على (نسبة) أي: أخبروني عن ~~انتماء عيسى وانتسابه إلى الالكه حينئذ، هل يوجب التثليث الذي زعمتموه وكل عاقل ~~يجزم بأنه لا يوجبه، بل ولا يقتضيه؟! # وقوله: (فيا عجز إلله...) وما بعده تذييل متكرر. # 129 ~~أم أردتم بها الصفات فلم خط حث ثلاث بوضفه وثناء ~~س ~~(أم) متصلة كذلك (أردتم بها) أي: بالثلاثة التي زعمتم أنها آلهة (الصفات) ~~القائمة بذات الإلله، والصفة : ما دل على معنى زائد على الذات (فلم) مر آنفا ~~الكلام عليها (خصت ثلاث) بالصرف للوزن (بوصفه) أي: الالكه (وثناء ؟1) بضم ~~424 PageV00P358 ~~============================================================ ~~أولهما معدولين عن ms326 : ثلاث ثلاث، واثنين اثنين ، والمراد هنا : ليس ذلك التكرير، ~~بل نفس الثلاثة فقط عند من ينظر إلى مجموع الثلاثة ، والاثنين فقط عند من ينظر إلى ~~الإلكه بالحقيقة والإلكه بالتجوز، فإن الأول واحد فقط، والثاني اثنان فقط، وعلى كل ~~فالصفات لا تتحصر في اثنين ولا في ثلاث، فادعاء التثليث تحكم صرف وهو لا يقول ~~. # أم هو ابن لله ما شاركته في معاني البيؤة الأنبياء ~~(أم) تقولون : (هو) أي: عيسى عليه السلام (ابن لله) فيقال لكم : لم اختص ~~عيسى بذلك حتى إنه (ما) نافية (شاركته في معاني البنوة الأتبياء) عليهم الصلاة ~~والسلام ؟1 بل عيسى وبقية الأنبياء في ذلك على حد سواء، فادعاء البنوة لعيسى تحكم ~~باطل أيضا. # 1 ~~قتلته اليهود فيما زعمتم ولأمواتكم به إخياء ~~(قتلته) أي: عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام ( اليهود) حال كون قتلهم له ~~إنما هو (فيما) أي: في التقول الذي (زعمتم) معشر النصارى، والزعم أصله ~~وموضوعه: قول الكذب، ومن ثم قالت العرب: زعموا مطية الكذب، وقد يستعمل ~~بمعنى قال مجردا عن التكذيب، كقول آم هانىء للنبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح ~~مكة : زعم ابن أمي - أي : علي رضي الله عنه - أنه قاتل من أجرته ، فقال لها النبي ~~صلى الله عليه وسلم : 8 قذ أجرنا من أجرت يا أم هانيء "(1). # وكيف تزعمون ذلك (و) الحال أنه (لأمواتكم به) أي: بسبب عيسى عليه السلام ~~(إحياء) وهو : رد الروح إلى الجسد بعد مفارقتها له ؛ لأنه كان فيكم يحيي الموتى) ~~فكيف يحيي الموتى ويتمكن منه من يقتله ؟! فتصديقكم لليهود في ذلك شاهد صدق ~~(1) أخرجه البخاري (457)، ومسلم (336/ 80) في كتاب صلاة المسافرين وقصرها PageV00P359 ~~============================================================ ~~على سخافة عقولكم، وأن لا مسكة لها ولا تثيت ؛ لأنكم تقعون في التناقض الصريح ~~ولا تتنبهون له، وعلى كل حالة ~~إن قؤلا أطلقتموه على الله تعالى ذكرا لقول هراء ~~(إن قولأ) مما حكي عنكم كقولكم بالتثليث (أطلقتموه على الله تعالى) عما ~~تقولونه أنتم وأمثالكم علوا كبيرا (ذكرا) أي : ثناء وتعظيما له في قولكم : الله ثالث ~~ثلاثة (لقول هراء) ms327 بضم الهاء من : هرأ الكلام إذا كثر في الخطأ، وفي نسخ بالزاي ~~من قولهم: هزأة بالتسكين؛ أي : مهزوء به، وبالتحريك؛ أي: يهزا بالناس، ~~ويصح أن (ذكرأ) تمييز من (تعالى) أي : تعالى ذكره، وهذا من القول البديع ~~الجامع ~~مثل ما قالت اليهود وكل لزمثه مقالة شنعاء ~~(مثل) يجوز نصبه حالا؛ أي: لقول هراء حال كونه مثل، أو نعتا لمصدر ~~محذوف، ورفعه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو مثل (ما قالت اليهود) آي: قولهم ~~بالبداء، فالتشبيه من حيث مطلق الكفر، وإن تباين تفصيل كل من المقالتين (وكل) ~~من الفريقين (لزمته) أي : لزمت دعواه (مقالة شنعاء) أي : قبيحة جدا ~~إذهم أشتقرؤذا البداء وكم ساق وبالا إليهم أشتقراء ~~(إذ هم استقرؤوا البداء) أي: تتبعوه حتى قالوا- ما عدا العيسوية منهم: ~~لا يجوز عقلا ولا سمعا على الله نسخ ملة بملة؛ لأنه يوهم البداء، وهو: ظهور ~~مصلحة له بعد خفائها حتى ينسخ ما مضى لأجلها، ووافقهم بعض غلاة الرافضة، ~~ومنهم من جوزه عقلا ومنعه شرعا، وأما قول بعض المسلمين: الحكم الثابت PageV00P360 ~~============================================================ ~~لا يرتفع، بل ينتهي فلا يكون نسخأ.. ممنوع ، بل هو نسخ، وحينئذ فالخلاف ~~لفظي ~~واعلم: آن شريعة تبينا محمد صلى الله عليه وسلم ناسخة لجميع الشرائع ~~اجماعا، واختلفوا في شريعة عيسى عليه السلام: هل هي ناسخة لشريعة موسى عليه ~~السلام أو مخصصة؟ والأظهر: أنها مخصصة لا ناسخة؛ لقوله تعالى: ولأحل ~~لكم بعض الذى حرم عليكم ~~قال الإمام في " تفسيره" : (روي: أن الرسل تبقى بعد موسى كلهم على شريعته ~~إلا شريعة عيسى) ~~تنبيه: ذكر الإمام أيضا في " المطالب العالية " في الحكمة في نسخ الشرائع كلاما ~~حسنا فقال : (الشرائع منها ما يعرف نفعه بالعقل معاشا ومعادا، فهذا يمتنع طروء ~~النسخ عليه، كمعرفة الله تعالى ، وطاعته أبدا، ومجامع هلذه الشرائع العقلية أمران : ~~التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله تعالى، ومنها سمعية لا يعرف الانتفاع بها إلا ~~من السمع، وهذا يمكن طروء نسخه وتبديله، وحكمة نسخه : أن الأعمال البدنية إذا ~~واظب عليها الخلف عن السلف.. صارت كالعادة، وظن أنها ms328 مطلوبة لذاتها، فيمتنع ~~الوصول بها لما هو المقصود من الأعمال إلى معرفة الله تعالى وتمجيده، بخلاف ما إذا ~~تغيرت تلك الطريق، وعلم أن المقصود من الأعمال إنما هو رعاية أحوال القلب ~~والروح في المعرفة والمحبة، فإن الأوهام تنقطع عن الاشتغال بتلك الصور والظواهر ~~إلى تطهير السرائر) ~~وقال غيره: حكمته: أن الخلق طبعوا على الملالة من الشيء، فوضع في عصر ~~كل رسول شريعة جديدة؛ لينشطوا في آدائها، وأعظم حكمة إظهار شرف نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم، فانه نسخ بشريعته شرائعهم، وشريعته صلى الله عليه وسلم ~~لا ناسخ لها. # ومن حكم النسخ أيضا : ما فيه من حفظ مصالح العباد، كطبيب يأمر بدواء في ~~يوم، وبآخر في يوم ثان.. وهلكذا بحسب المصلحة وإن كان الثاني أبعد. # تبيه آخر: ما زعمه اليهود : آن النسخ يستلزم البداء.. باطل؛ لما تقرر أن ~~المصالح الداعية للنسخ ترجع إما لأحوال المكلفين ، أو الأزمنة، وذلك لا يستلزم، PageV00P361 ~~============================================================ ~~بل ولا يقتضي أن الله تعالى ظهر له شيء بعد أن لم يكن، وزعم اليهود: أنه ~~يستلزمه، فمنعوا السخ، وزعم كفرة الرافضة: أنه يجوز البداء عليه؛ لوقوع النسخ ~~منه، وهذا أغلظ من الأولين من كفر اليهود، فعلم الجواب عن قولهم : الفعل إما ~~حسن فيستحيل النهي عنه، أو قبيح فيستحيل الأمر به، فالنسخ محال على التقديرين) ~~وبيانه : أن التحسين والتقبيح العقليين باطلان، وبتسليمهما فالعقل العادي قاطع بأن ~~الفعل قد يكون مصلحة في وقت، مفسدة في وقت آخر، وكذا بالنظر للمكلف، ~~يكون مصلحة في حق واحد، مفسدة في حق آخر، ولا مانع أن علمه تعالى يتعلق بأن ~~حرمة كذا تنتهي بوقت أو فعل كذا. # قالوا : والسمع يمنع النسخ أيضا ؛ لأن اللفظ الدال على شرع موسى عليه السلام ~~اما أن يدل على الدوام، فإن ضم إليه ما يقتضي نسخه. فهو تناقض، وإن لم ينضم ~~له ذلك.. كفى في العمل به مرة، فلا يتصور فيه تسخ: ~~قالوا: ومما يمنعه أيضا ما علم بالتواتر من قول التوراة : تمسكوا بالسبت أبدأ، ~~وجوابه: أنهم في زمن بختنصر قتلوا ms329 حتى لم يبق منهم إلا دون عدد التواتر، بل قيل: ~~إنهم لم يبق منهم إلا ستة أطفال، على أن الأبد كثيرا ما يراد به الزمن الطويل ، كما في ~~التوراة في صور كثيرة. # (وكم) أي : مرات كثيرة (ساق وبالأ) أي : عذابا (إليهم استقراء) وفي هذين ~~(قالت) و(مقالة) السابقين جناس الاشتقاق كرد العجز على الصدر وفي ~~(المسخ) و(السخ)، و(نسخ) و(مسخ) الجناس اللاحق، و(خالفوهم) ~~و(حالفوهم) الجناس المضارع؛ لقرب المخرج، والمصحف، وقوله: ~~(وكم...) الخ من التذييل البديع: ~~وأراهم لم يجعلوا الواحد القه حار في الخلق فاعلا ما يشاء ~~(وأراهم) أي : أعلم أنهم لقولهم بذلك - أعني : امتناع النسخ؛ لئلا يلزم البداء - ~~(لم يجعلوا) أي : لم يعتقدوا (الواحد) في ذاته وصفاته وأفعاله، فلا شريك له ~~بوجه ما (القهار في الخلق) أي: للخلق على تفوذ ما أراده فيهم، ويصح تعلقه ب PageV00P362 ~~============================================================ ~~(فاعلا) فل في) على حالها (فاعلأ ما يشاء) لأن امتناع النسخ عليه يستلزم قهره ~~جوزوا اليشخ مثل ما جوز المت خ عليهم لو أنهم فقهاء ~~(جوزوا النسخ) جواب (لو) الأتية، تجويزا (مثل ما) مصدرية (جوز المسخ ~~عليهم لو أنهم فقهاء) أي: فهماء، ولا فهم لهم؛ إذ لا أبلد في الفرق منهم: ~~والنسخ لغة: الإزالة والتغيير والنقل، ك: نسخت الشمس الظل، والريح ~~التراب، ونسخت الكتاب ~~وشرعأ : بيان انتهاء حكم شرعي بخطاب آخر شرعي، وزيد فيه : متراخ؛ ليخرج ~~تحو الاستثناء، ورد بأن الكلام لا يعرف حكمه إلا بانتهائه، فلا يحتاج للاحتراز عن ~~ذلك بهذا القيد؛ أي: لو ثبت أنهم فقهاء.. لجوزوا النسخ ؛ لأنه - كما علم من حده ~~لا يلزم عليه محذور البتة، وزعمهم البداء باطل لا يعول عليه، ومما يدل على ~~جوازه ووقوعه ما علمه اليهود من وقوع المسخ، وهو: تحويل الصورة إلى أقبح منها ~~في كثيرين منهم في زمن موسى عليه السلام؛ لما خالفوه في السبت، فمسخهم الله ~~تعالى قردة وخنازير، كما قصه الله تعالى علينا في كتابه العزيز. # وكيف يمنعون النسخ و ~~3 ~~هو إلا أن يزفع الحكم بألهذ م وخلق فيه وأنؤ سواء ~~(هو) ليس ms330 فيه (إلا أن يرفع الحكم) الشرعي ؛ أي : استمراره وتعلقه، فعلم أن ~~المراد بالحكم: تعلقه بالمكلف بعد أن لم يكن، أو نفسه، لكن من حيث دوامه، ~~بمعنى تكرره، لا ذاته التي هي خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف من حيث هو ~~مكلف اقتضاء أو تخييرا؛ لأنه قديم، وما ثبت قدمه استحال عدمه ~~ثم النسخ يكون إلى بدل، ولا إلى بدل ، فإن كان إلى بدل.. زيد في الحد PageV00P363 ~~============================================================ ~~(بالحكم) الشرعي ، وإن كان لا إلى بدل.. لم يزد ذلك (وخلق) أي: إيجاد ~~(فيه) أي : المسخ للصورة الثانية بعد إذهاب الصورة الأولى (وأمر) أي: تصرف ~~برفع الحكم الأول وإيجاد الثاني (سواء) لما تقرر أن المسخ فيه رفع الصورة الأولى ~~وخلفها الصورة الثانية، والسخ فيه رفع الحكم الأول وخلفه الحكم الثاني، فإذا ~~جوزتم الأول. لزمكم أن تجوزوا الثاني، وإلا.. فأنتم سفهاء معاندون لا يلتفت ~~اليكم. # وكيف تستبعدون النسخ وإنما غايته إن كان لبدل : أن فيه حكمين: المنسوخ، ~~وهو المراد بقوله: ~~8 ~~ولحكم من الزمان أنتهاء ولحكم من السزمان أبتداء ~~(ولحكم من الزمان انتهاء) والناسخ، وهو المراد بقوله : (ولحكم من الزمان ~~ابتداء) ولا ينافي هلذا تفسيره النسخ بالرفع؛ لما علمت أن المراد: رفع تعلقه ~~بالمكلف أو دوامه، وهو (الانتهاء) المذكور هنا، وقول الشارح: إنه إشارة إلى ~~تفسيرين في النسخ. غير صحيح؛ لأن حقيقة الرفع مستحيلة، فوجب تأويل التعبير ~~به بما قلناه، كما هو المقرر في محله. فتأمله. # وعلى كل فجواز النسخ أولى من جواز المسخ ؛ لأن ذلك في الأحكام ، وهلذا في ~~الذوات، سواء جعلنا النسخ رفعا أم بيانا، وسواء جعلنا المسخ في صورتهم حتى صار ~~أقاربهم من المؤمنين لا يعرفونهم وهم يعرفونهم؛ إذ يجيء القرد إلى قريبه، ويتمسح ~~به وتدمع عيناه، فيقول له: ألم ننهكم عن المخالفة ؟ فيشير إليه برأسه : أن نعم(1)، ~~أم في قلوبهم فقط على ما ذكره مجاهد، والنظم مشير إلى هلذه القصة، ففيه تلميح: ~~وبين (ابتداء) و(انتهاء) طباق ~~وإذا أردتم أيها المسلمون المبالغة في إدحاض حجتهم.. # (1) اخرج الحاكم (322/2)، والبيهقي في " السنن الكبرى"(92/10) ms331 نحوه PageV00P364 ~~============================================================ ~~فسلؤهم أكان في مشخهم نش خ لايات الله أم إنشاء ~~(فسلوهم) قائلين لهم: (أكان في مسخهم) التفت عن خطابهم مبالغة في ~~تحقيرهم؛ أى: جعلهم قردة في الصورة كما هو المشهور، أو في قلوبهم؛ وجعلها ~~كقلوب القردة لا تقبل هداية مع بقاء ذواتهم على ما زعمه مجاهد (نسخ لايات الله) ~~وهي الصورة الأولى مع إحكامها، أو للادراك الأول بناء على قول مجاهد (أم إنشاء) ~~لايجاد صورة مستقلة وحكم مستقل يتعلق بها، أو للادراك كذلك ؟! فإن قالوا ~~بالأول. فقد ناقضوا أنفسهم ولزمتهم الحجة، أو بالثاني فهو مكابرة للحس، ~~والحق: أن المسخ متردد بين إنشاء الخلق وبين النسخ؛ لأنه بالنسبة للصورة الأولى ~~نسخ، وبالنسبة للصورة الثانية المتجددة القبيحة إنشاء ~~لا يقال: قد لا يعترفون بطرو التغيير على قلوبهم، بناء على قول مجاهد؛ لأنهم ~~اعترفوا به في قلوبهم بقولهم: قلوينا غلف} أي : مغطاة بأغشية خاصة لا يصل إليها ~~ما جت به ~~ر ~~وبداء في قؤلهم ندم الله على خلق آدم أم خطاء ~~(وبداء) بالمد، وسبق معناه، وهو مبتدا خبره (في قولهم) الثابت عنهم : ~~(ندم الله على خلق آدم أم خطاء) المشهور فيه القصر، ويجوز مده كما جرى عليه ~~الناظم، وهو عطف على (بداء) آي: سلوهم عن قولهم هذا أهو عن قصد منهم آم ~~عن خطأ منهم ؟ فإن قالوا : عن قصد. . كان عين البداء الذي أنكروه؛ لأنه يستلزم ~~جهل الله تعالى بعواقب الأمور، وحينيذ فكيف يمنعون النسخ فرارا من لازمه عندهم ~~وهو البداء ؟! هذا تناقض قبيح، وإن قالوا : إنه خطأ منهم.. فيكفيهم الاعتراف به ~~على نفوسهم، وأنهم في غاية السفاهة والغباوة، وسبيلهم الاعتراف بالبداء ~~لا بالخطأ، فاتضح بطلان زعمهم : استحالة النسخ حذرا من البداء: ~~وسلوهم أيضا عما لا يمكنهم إنكاره؛ لأنه أمر محسوس ورد القرآن على طبقه، PageV00P365 ~~============================================================ ~~فقولوا لهم: أعلامة الليل والنهار كل منهما باقية، فلا تزول إحداهما بالأخرى؟ # أم محا الله آية الليل ذكرا بعد سهو ليوجد الإنساء ~~(أم محا) أي: أذهب (الله آية) أي: علامة (الليل) اسم جس جمعي، ~~واحده ليلة، كتمر ms332 وتمرة، وأتى بالنهار بدله... وهكذا إلى يوم القيامة (ذكرأ)- ~~بضم الذال المعجمة - تمييز؛ آي: من جهة الذكر؛ أي: العلم والتعمد (بعد سهو ~~ليوجد الإمساء؟1) أي: الدخول في المساء، وهو ما بعد الزوال، والمناسب أن ~~يراد به هنا ما بعد الغروب؛ آي: سلوهم هل هذا المحو واقع أم لا ؟ وبفرض وقوعه ~~فهل هو عن عمد بعد سهو آو عن سهو ابتداء؟ فإن قالوا بالأول لزمهم القول ~~بالسخ؛ لأنه بمنزلته، أو بالثاني من الترديد الأول.. فقد كابروا الحس، أو من ~~الترديد الثاني لزمهم القول بالبداء؛ لأن من يجوز السهو يجوز البداء؛ لأنه ~~بمنزلته، فلم منعوا النسخ حذرا منه ؟ # وقد بين تعالى حكمة اختلاف الليل والنهار في غير ماآية، فقال تعالى: قل ~~أره يشم إن جمل الله عليكم الئل سرمدا إلى يور القيمة ...) الايات، وقال : وهو الذى ~~جعل اليل وألنهار خلفة } أي : يخلف احدهما الآخر يين اراد أن يتكر أز أراد ~~شكورا} وقال تعالى : وجمعلنا التل والنهارء ايثين فمحونا ء اية ألتل وجحعلناء اية النهار متصرة ~~لتبتفوا فضلا من ريكر ولتعلموأ عدد السنين والمحساب) ~~والحاصل: أن الحكمة كما تقتضي دوام أشياء بلا تبدل ولا تغير تقتضي تبدلها وتغيرها. # وفي (ذكرا) بعد (سهو) جناس التطابق كا حرم) و( التحليل)، و(جحدوا) ~~و(آمن) الآتيات. # أم بدا للإلله في ذبح إشحا ق وقد كان الأنر فيه مضاء ~~(أم بدا للإله في ذبح إسحاق) حيث آمر به ثم نسخه (و) الحال أنه (قد كان ~~432 PageV00P366 ~~============================================================ ~~الأمر فيه) أي: بذبحه من الله تعالى لخليله إيراهيم عليه السلام في النوم (مضاء) أي ~~ماض نافذ، وفي نسخ : (قضاء) بالقاف؛ أي : حتم، وذلك لأن رؤيا الأنبياء ~~عليهم السلام وحي؛ أي: سلوهم عما وقع للخليل عليه السلام أنه أمر بذبح ولده أمرا ~~جازمأ، ثم عند إرادته له لما أضجعه على جنبه نسخه الله تعالى، فأمره بتركه وفداه ~~بذبح عظيم ~~وما يقال : إن الرقبة كسيت نحاسأ، وأنه مر بالسكين عليها فلم تؤثر ونحو ذلك ~~مما يذكره الخطباء والقصاص. فكله لم يثبت فيه شيء ~~فإن قالوا ms333 : إن الأمر بالفداء وترك الذبح نسخ للأمر بالذبح.. لزمهم القول بالنسخ ~~مطلقأ، أو غير نسخ. لزمهم الجهل المفرط والغباوة الشنيعة: ~~تنبيه: ما جرى عليه الناظم أن الذبيح إسحاق.. هو ما عليه الأكثرون، قيل: ~~وأجمع عليه أهل الكتابين، لكن سياق الاية والمشاهدة بأن إسماعيل هو الذي كان ~~بمكة ومنى ولم ينقل قط أن إسحاق حج ولا أتى تلك الأماكن.. قاضيان بأنه ~~اسماعيل، وهوالتحقيق، كيف وقد صح ما يصرح بذلك ؟! # روى الحاكم في المستدرك" : أن الصنابحي قال : حضرنا مجلس معاوية ~~رضي الله تعالى عنه، فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق ابني إبراهيم عليهم الصلاة ~~والسلام، فقال بعضهم: الذبيح إسماعيل، وقال بعضهم: الذبيح إسحاق، فقال ~~معاوية: سقطتم على الخبير، كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه أعرابي ~~فقال: يا رسول الله؛ خلفت البلاد يابسة والماء يابسأ، وضاع العيال، فعد علي مما ~~أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه، ~~فقلنا : يا أمير المؤمنين؛ وما الذبيحان ؟ فقال : إن عبد المطلب لما أمر - أي: في ~~المنام - بحفر زمزم نذر لله إن سهل الله له أمرها آن ينحر بعض ولده، فأخرجهم ~~فأسهم- أي: أقرع - بينهم فخرج السهم لعبد الله، فأراد ذبحه، فمنعه أخواله من بني ~~مخزوم وقالوا: أرض ربك، وافد ابنك، ففداه بمثة ناقة، فهو الذبيح، وإسماعيل ~~الثاني (1)، وهنكذا رواه ابن مردويه والثعلبي في تفسيريهما"(2). # (1) المستدرك (554/2) ~~(2) الدر المنثور (105/2)، وتفسير الثعلبي (152/8) PageV00P367 ~~============================================================ ~~وسلوهم أيضا فقولوا لهم: ~~2 ~~أوتا خرم الآنه يكاح اذ لذ خت بند الثخليل ففو آلرتاه ~~(1) تنكرون النسخ (و) تقولون : (ما حرم الإلكه نكاح الأخت بعد التحليل) في ~~زمن آدم عليه السلام، أو تقولون: حرمه بعد أن حلله، وعليه (فهو) آي: نكاحها ~~(الزناء) موجب للرجم، ومد الزتا لغة، فإن قالوا: حرمها بعد أن أحلها. فهذا ~~صريح في النسخ الذي أنكروه، وإن قالوا : لم يحرمها، أو لم يحلها. فهو عناد ~~محض، وقائله لا يخاطب ولا يكالم: ~~واذ قد بان لك قبيح جهلهم وتناقضهم وعنادهم. فأمسك عن حجاجهم ms334 ~~لا تكذب أن اليهود وقذ زا غوا عن الحق مغشر لؤماء ~~(لا تكذب أن اليهود و) الحال أنهم (قد زاغوا) أي: مالوا (عن الحق) من ~~وجوه عديدة سفها وحسدا (معشر) آي: قوم (لؤماء) جمع (لئيم)، وهو: ~~الدنيء الأصل الشحيح النفس ~~جحدوا المضطفى وآمن بألطا فوت قوم هم عندهم شرفاء ~~(جحدوا) بدل من (زاغوا) (المصطفى) أي: المختار، من الصفوة، أو ~~المصفى من كل نقص؛ أي: أنكروا نبوته ورسالته صلى الله عليه وسلم بعد علمهم بها ~~علما يقينا ، قال تعالى : وححدوا بها وآستيقنتها انفسهم) ~~(و) الحال أنه قد (آمن بالطاغوت) أي: الشيطان وكل ما عبد من دون الله أو ~~صد عن عبادته فطاغوت من الطغيان (قوم هم عندهم شرفاء) هذا كالذي بعده بيان ~~لعظيم لؤمهم وزيغهم عن الحق؛ إذ جحدوا الحق الأظهر من الشمس، وأقروا من آمن PageV00P368 ~~============================================================ ~~بالباطل ومدحوهم على ذلك، بل عدوهم مع ذلك من شرفائهم ~~ثم ظاهر النظم : أن المؤمن بالطاغوت فرقة من اليهود لا كلهم، وليس كذلك، ~~بل كلهم آمنوا به ، كما يصرح به قوله تعالى : آلم تر إلى الذي أوثوا نصيبا من ~~الكتكب} قال المفسرون : هم اليهود يؤمنون بألجبت والطلغوت ويقولون للزين ~~كفروا} من أشرافهم، أو كفار العرب { هكؤلاء أهدى من الزين ء امنوا سبيلا} وعجيب ~~من الشارح حيث أخذ النظم على ظاهره ، واستدل له بالاية مع أنها إنما تدل على الكل ~~لا البعض، ويصح أن المراد : وآمن بالطاغوت قوم من قريش هم عندهم شرفاء، ~~ومعنى الآية حينئذ : ويقولون} أي : اليهود للزين كفروا أي : كفار العرب الذين ~~آمنوا بالجبت والطاغوت هكؤلآه أهدى من الذين ء امنوا سبيلا} ويدل على هذا : أن ~~حيي بن أخطب لما ذهب إلى قريش وغيرهم ليحرضهم على قتاله صلى الله عليه وسلم ~~ومعه أشراف من اليهود.. سألوهم: أنحن خير دينأ من محمد ؟ قالوا: نعم، ففرحوا ~~وخرجوا لقتاله صلى الله عليه وسلم: ~~تبيه : جعل (الواو) للحال لا للعطف الدال عليه حذفها من (قتلوا) الأتي:.: ~~أولى من قول الشارح : إنها عاطفة، وإن المسوغ للعطف وصف (قوم) ms335 بالجملة ~~بعده؛ أي: لما قررته فيه: أن مدحهم للمؤمنين بالطاغوت مع جحدهم لنبوة نبينا ~~صلى الله عليه وسلم فيه غاية الغباوة واللؤم، وأحوجه إلى ذكر المسوغ قولهم: شرط ~~قبول عطف الجملة على الأخرى أن يكون بينهما مناسبة لجهة جامعة، نحو: زيد ~~يكتب ويشعر. وقد يقال : في النظم دلالة لما فعله الشارح؛ لأنه أتى بأربع جمل : ~~ثنتين بلا (واو) وثنتين با واو) نظرا للمناسبة المعتبرة في ذلك، وبيانه : أن إيمانهم ~~بالطاغوت مع جحدهم نبوة تبينا صلى الله عليه وسلم فيه ما مر، وكذلك اتخاذهم ~~العجل مع قتلهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأما (قتلوا) مع ما قبله.. فلا ~~مناسبة ظاهرة بينهما، فلم يعطف عليه قوله: ~~قتلوا الأنبياء واتخذوا العج حل ألا إنهم هم الشفهاء ~~(قتلوا) بدل بعد بدل، أو عطف بحذف حرفه بناء على آنه يمكن مناسبته لما قبله PageV00P369 ~~============================================================ ~~(الأنبياء) كزكريا ويحيى وغيرهما، جاء: آنهم قتلوا في يوم واحد سبعين نبيأ، ثم ~~أقاموا سوق نقلهم ومعايشهم (واتخذوا العجل) إللها ومعبودا مع آن السامري هو ~~الذي صاغه لهم بحضرتهم من الحلي الذي استعاره من القبط قبل غرقهم، وألقى فيه ~~قبضة من تراب آخذه من تحت حافر فرس جبريل الذي جاء به لفرعون حين دخل ~~وراءهم البحر لما اتفرق لهم ؛ لأنه كان أحجم عن دخوله، فبمجرد أن ألقى فيه تلك ~~القبضة خور العجل، فقال لهم: هلذا إللهكم وإلكه موسى، فراج على عقولهم ~~السخيفة كلامه (1)، فاعتقدوه إللها ومعبودا، كما قصه الله تعالى علينا مبسوطا في ~~القرآن، ومن ثم كان في كلامه اقتباس كقوله : (ألا) حرف تنبيه لاستفراغ وسع ~~السامع في إلقاء سمعه لما بعدها (إنهم هم السفهاء) ولكن لا يشعرون، فجهلهم ~~مركب، فلا آسفه ولا أغبى منهم، جمع سفيه، وهو: من زاد نقص عقله حتى ~~حصلت له خفة وطيش، وسخافة رآي، وانطماس بصيرة، ومن ثم لم ينظروا إلى ~~كونه محدثا بحضرتهم من جماد، والإله لا يكون كذلك عند من له أدنى عقل ~~وتمييز، ثم بين آدنى آنواع سفههم بقوله ملمحا لما وقع لهم: ~~وسفيه من ms336 ساءه المن والسد وى وأرضاه الفوم والقثاء ~~(وسفيه) خبر مقدم، أو مبتدأ، وسوغ الابتداء به وقوعه بيانا لما قبله كما تقرر ~~(من ساءه) أي : أحزنه (المن) وهو نوع من الحلوى يسمى الترنجبين ، كان ينزل ~~عليهم وهم في التيه في غاية الاضطرار (والسلوى) وهو السماني، طير من أشهى ~~الطيور لحمأ، وأنفعها وأطيبها غذاء، كان يأتيهم إلى محالهم فرقا فرقا فيمدون أيديهم ~~إليه ويأخذون منه ما شاؤوا (وأرضاه الفوم) أي: الثوم، كما قرىء به، وقيل: ~~الحنطة، وهو بعيد من السياق؛ لأن الحنطة ليست من الأدنين (والقتاء) بل سأل ~~فيهما وفي نظائرهما، قال تعالى تبكيتا لهم بعد ما ذكر أنه أنزل عليهم المن والسلوى : ~~{وإذ قلته ينموسن لن نضبر على طعام وحد فادع لنا ريك يخرج لنا ممتا تنبت الأرض من بقلها ~~(1) راج: نفق PageV00P370 ~~============================================================ ~~وقشآپها وفومها وعدسها ويصلها قال أتستتبد لو الذى هو أذف بآلذى هو حير ~~ففي كلامه اقتباس، وطباق بين (ساءه) و(أرضاه)، ومراعاة النظير في (المن) ~~و(السلوى)، و(الفوم) و(القثاء) ~~(299 ~~مليت بالخبيث منهم بطون فهي ناء طباقها الانعاء ~~(مليت بالخبيث) وهو ما سألوه من الفوم وما معه (منهم) صفة تقدمت فصارت ~~حالا (بطون) ليناسب ما انطوت عليه من الغل والحسد والغباوة والسفاهة أو ~~المراد : ملئت بطونهم بالداء الخبيث العضال الذي لا دواء له، وهو الغل وما بعده، ~~وإلى هلذا يرشد ما رتبه عليه بقوله : (فهي نار) أي: مشتملة على ما يؤدي إلى ~~النار، أو سماها نارا باعتبار المآل كما في : إنى أردنى أغصر خمرا} (طباقها) أي : ~~النار (الأمعاء) أي: المصارين؛ آي: معى فوقه نار، ثم معى فوقه نار... # وهذكذا، وإلى الأول يرشد قوله : (ملئت بالخبيث) المشعر بأن بطونهم صارت به ~~كنار ذات طباق، وطباقها هي أمعاؤهم النجسة، ويصح آن المراد : أن بطونهم ~~صارت كنار ذات طباق بعضها فوق بعض، وطباقها آمعاؤهم؛ إذ الخبيث الذي ملئت ~~به بطونهم هو نحو الربا والسحت، فإذا دخلها.. جذبته المصارين إليها وبعضها فوق ~~بعض، وأيضأ الخبيث بعضه أشد عذابا من بعض، فبعضه فوق بعض؛ لتفاوت ~~عذابهم ms337 بالنسبة إلى اكلهم واكتسابهم، هلذا على الأصح عندنا في الأصول : أنهم ~~مخاطبون بفروع الشريعة، فيعاقبون عليها بخصوصها في الاخرة، وعلى مقابله هم ~~كفروا من وجوه عديدة، بعضها آشد من بعض ~~(249 ~~لؤ أريدوا في حال سبت بخير كان سبتا لديهم الازبعاء ~~(لو) شرطية (أريدوا في حال سبت) مصدر سبت اليهود؛ آي: عظموا سبتهم ~~بالسكون فيه عما عدا العبادة، وأصل السبت : القطع (بخير) (الباء) زائدة للتأكيد ~~كما هو رأي جماعة، وكل من الظرفين متعلق ب (أريدوا) على أن الثاني مفعول، ~~437 PageV00P371 ~~============================================================ ~~ويصح كون الأول حالا من (خير) أي : لو أراد الله لليهود في حال سبتهم الذي فرض ~~عليهم تعظيمه خيرا ( كان سبتأ لديهم) أي: عندهم (الأربعاء) بتثليث (الباء) ~~هلذا من حيث ترتبه على ما قبله بطريق الملازمة المستفادة من (لو).. في غاية ~~الإشكال، ولم ينبه الشارح على ذلك، أو لم يتنبه له، وإنما تكلم على بعض مفرداته ~~فقط، ومنها قوله: (والسبت آخر الأسبوع، والأربعاء رابعه، وقيل: السبت أوله، ~~والأربعاء: خامسه) ~~وقد يقال : كأن الناظم نظر إلى أن السبت القطع كما مر وإلى أن الأربعاء محل ~~النور الحسي؛ لما يأتي أن الله تعالى خلق النور فيه (1)، فيكون محلا للنور المعنوي ~~الذي هو الوصل، فكأنه يقول : لو أريد بهم الخير.. لجعل قطعهم وصلا، ولا ينافي ~~ذلك قوله: (هو يوم مبارك) لأنه باعتبار ما فرض الله تعالى عليهم من تعظيمه ~~وتخصيصه بالعبادة، وما نحن فيه باعتبار آنه لو آريد بهم تمام الخير.. جعل محل ~~عبادتهم مؤذنا بوصلهم الذي من شأنه أن ينشأ عن العبادة، وأما إذا جعل محل عبادتهم ~~مؤذتا بقطعهم باعتبار أصل مدلوله.. فهذا مما يؤذن بنقصهم، وأنه لم يرد بهم كمال ~~الخير ~~ومما يوضح هلذا: أن الله تعالى ادخر لهلذه الأمة يوم الجمعة المؤذن بغاية ~~الوصل؛ إذ مقام الجمعية هو مقام الوصل الذي هو اكمل المقامات وأفضلها، وجعل ~~لليهود يوم السبت المؤذن بقطيعتهم وحرمانهم، وللنصارى الأحد المؤذن بوحدتهم ~~وتفردهم عن مواطن الخيرات والسعادات، فكان فيما خصت به كل أمة من الأيام دليل ms338 ~~على أحوالها وما يؤول إليه آمرها، فنبه الناظم رحمه الله تعالى على هذذه الحقيقة ~~العرفانية، والحكمة الربانية، زيادة في مدح هذذه الأمة وذم غيرها، أو يقال : إن ~~الناظم أراد بذلك: أنهم لو أريد بهم الخير.. لكانت الأيام كلها عندهم سبتأ؛ ~~ليوها جميعها بالعبادة، وأما تخصيص يوم منها بالعبادة دون بقية الأسبوع.. فهو ~~من جملة ما أريد بهم من خلاف الخير، وعلى هلذا - مع ما فيه من البعد والتكلف - ~~(1) اخرجه مسلم (2789)، واين خزيمة (1731)، وابن حبان (6161) والنسائي في ~~"الكبري" (10943)، والبيهقي في " السنن الكبرى" (3/9)، وأحمد (327/2) ~~وأبو يعلى (2132) ~~438 PageV00P372 ~~============================================================ ~~يكون معنى حال سبتهم ذكر شأنه، ويكون ذكر الأربعاء للمثال لا للتقييد، ويكون ~~قوله : (هو يوم مبارك...) إلخ رجوعا إلى مدح ما شرع لهم ، ولا ينافي ما قبله؛ ~~لأن بركته لا تنافي أن تعطلهم عن العبادة بقية الأسبوع غير خير. # واعلم : أن قول الشارح: (والسبت...) إلخ عجيب منه؛ إذ ما حكاه ب ~~(قيل).. هو الذي صح به الخبر وعليه الأكثرون، وهو مذهبنا كما في (الروضة) ~~و" أصلها "، ونقله في ل" شرح المهذب" عن الأصحاب، بل قال السهيلي في ~~"روضه" : ( لم يقل بأن أوله الأحد إلا ابن جرير): ~~واستدل له في " شرح المهذب " بخبر مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أخذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال : " خلق الله الثربة يؤم السبت ، وخلق فيها ~~الجبال يؤم الأحد ، وخلق الشجر يؤم الإثنين ، وخلق المكروه يؤم الثلاثاء ، وخلق ~~النور يؤم الأزبعاء، وبث فيها الدواب يؤم الخميس ، وخلق آدم بغد العضر من يؤم ~~الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من النهار فيما بين العصر إلى الليل"(1) ولهلذا ~~الخبر صوب الإسنوي كالسهيلي واين عساكر : أن أوله السبت ، وجرى النووي في ~~موضع آخر على ما يقتضي أن أوله الأحد، فقال في يوم الإثنين: (سمي به ؛ لأنه ~~ثاني الأيام)(2) إلا أن يجاب بأنه جرى في توجيه التسمية المكتفى فيه بأدنى مناسبة على ~~القول الضعيف. # نعم؛ انتصر لكون أوله الأحد الذي جزم به القفال من أصحابنا ms339 بأن الخبر السابق ~~تفرد به مسلم، وقد تكلم فيه الحافظ علي بن المديني والبخاري وغيرهما، وجعلوه ~~من كلام كعب، وأن أبا هريرة إنما سمعه منه، وللكن اشتبه على بعض الرواة فجعله ~~مرفوعا، ويجاب بأن من حفظ الرفع حجة على من لم يحفظه، والثقة لا يرد حديثه ~~بمجرد الظن، ولأجل ذلك أعرض مسلم عما قاله أوليك واعتمد الرفع، وخرج ~~طريقه في ل صحيحه" فوجب قبولها، ومن ثم انتصر ابن عساكر لكون أوله السبت بما ~~حاصله : أن تأييد ابن جرير لكون أوله الأحد بأن هذا العالم خلق في ستة أيام، وآدم ~~(1) انظر "المجموع"(372/8) ~~2) المجموع (412/6) ~~لا ~~ع ~~سر ب PageV00P373 ~~============================================================ ~~خلق يوم الجمعة، إنما يصح بتقدير آن يوم الجمعة داخل في السبت التي خلق فيها ~~العالم، ولم يصح ذلك؛ لأنه صلى الله عليه وسلم فسر خلق الأشياء، وجعل خلق ~~آدم في اليوم السابع، وهو يوم الجمعة، ولم يثبت أنه خلق آخر الأيام، وإنما أخبر ~~تعالى أنه خلق العالم في ستة أيام، فآخرها يوم الخميس، وخلق آدم بعد الفراغ من ~~خلقها، إشارة لكونها خلقت لمصالحه ولبنيه، وسياق خبر مسلم المذكور ظاهر في ~~ذلك، ويؤيده أيضا الخبر الصحيح: أن الله تعالى هدانا ليوم الجمعة، وأضل عنه ~~اليهود والنصاري(1) ؛ أي : لأن اليهود لما اعتقدوا أن أول الأسبوع الأحد.. كان ~~الجمعة سادسأ، فأخذوا السابع وهو السبت، والنصارى لما اعتقدوا أن أوله ~~الإثنين. أخذوا الأحد، وأما هلذه الأمة.. فاعتقدوا أن أوله السبت، فأخذوا السابع ~~وهو يوم الجمعة ~~قال : (ولا حجة في اشتقاق تحو الأحد من الواحد... وهلكذا؛ لأن هنذه ~~التسمية لم تثبت بأمر من الله ولا من رسوله صلى الله عليه وسلم، فلعل اليهود ~~وضعوها على مذهبهم، فأخذتها العرب عنهم، ولم يرد في القرآن إلا الجمعة ~~والسبت، وليسا من أسماء العدد) اه على أن هلذه التسمية لو ثبتت.. لم يكن فيها ~~دليل؛ لأن العرب تسمي خامس الورد أربعا. وهلكذا، وهلذا هو الذي أخذ منه ~~ابن عباس رضي الله عنهما قوله الذي كاد أن ينفرد به : إن يوم عاشوراء ms340 هو يوم تاسع ~~المحرم، وتاسوعاء ثامنه.. وهكذا ~~601 ~~فو يؤم مبارك قيل للتط ريف فيه من اليهود أغتداء ~~(هو) آي: يوم السبت (يوم مبارك) لأن الله تعالى ابتدأ فيه خلق هذذا العالم كما ~~مر، خلافا لما زعمته اليهود : أنه ابتدأه يوم الأحد، وفرغ منه يوم الجمعة، واستراح ~~يوم السبت، قالوا: فنحن نستريح فيه كما استراح الرب فيه، وهذا من جملة ~~غباوتهم وسفاهتهم، ومن ثم رد الله تعالى عليهم بقوله تعالى : ومامسنا من لغوب* ~~أي: تعب، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا؛ إذ لا يتصور التعب إلا من حادث مفتقر ~~(1) أخرجه مسلم (856)، والنسائي (87/3) PageV00P374 ~~============================================================ ~~للغير في الأسباب ، والله سبحانه وتعالى بخلاف ذلك كله، { إنما قولنا لشمت إذا أردنله ~~أن نقول له كن فيكون} أي : أن نوجده فورا فلا يتخلف عن الإرادة ، فقوله : كن) ~~كناية عن ذلك: ~~(قيل) بناه للمجهول لضيق النظم، فلا يتوهم أنه قول ضعيف (للتصريف) أي: ~~للتصرف (فيه) ببيع أو نحوه (من اليهود اعتداء) أي: ظلم وعدوان كان سببأ لمسخ ~~كثيرين منهم قردة وخنازير، وذلك لما أمروا آن يجردوه للعبادة.. اعتدى فيه ناس منهم ~~في زمن داوود عليه الصلاة والسلام، اثنا عشر ألفأ، فاصطادوا فيه، وكانوا بأيلة - قرية ~~على جانب البحر - فابتلاهم الله تعالى بأن ألهم السمك يوم السبت أنه ما يبقى حوت في ~~البحر إلا ورفع خرطومه أو خرج، فإذا مضى السبت.. تفرق السمك ونفر، فأجمع رأي ~~ماعة منهم على حيلة يمسكون بها السمك، وتمنعهم عن الاصطياد يوم السبت، ~~فحفروا يوم الجمعة حفرا بجانب البحر، وجعلوا فيها جداول من البحر، فصارت تمتليء ~~منه يوم السبت، ويأخذونه يوم الأحد، فشووا وأكلوا، فشم جيرانهم فسألوهم، ~~فأخبروهم بالحيلة، فقالوا: إن الله معذبكم، ثم لمالم يعاجلوا بالعقوبة.. تبعهم جماعة ~~ثم جماعة حتى صاروا قدر الثلث، وسكت قدر الثلث، واعتزلهم الثلث الباقي، فبنوا ~~بينهم حائطا، فأصبحوا وقد مسخ الثلث الأول قردة وخنازير، وكذا الثاني على خلاف ~~فيه؛ أي: لأن الآية فيهم محتملة، ومن ثم قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ~~لا أدري ms341 ما فعل بالساكتة، نجاها أم مسخها كذلك ؟ # قال مالك: (يؤخذ من هلذا تحريم الحيلة، ووجوب سد الذرائع) اه ويرد: ~~بأن المقرر في الأصول : أن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا، فإن ورد في شرعنا ما يوافقه ~~بالدليل. فهو شرعنا لا غيره: ~~5 ~~فبظلم منهم وكفر عدتهم طيات في تزكهن ابتلاء ~~(فبظلم) متعلق ب (عدتهم)، (منهم) وهو: وضع الشيء في غير محله، ~~كخيانتهم في السبت، وأخذهم الربا، وأكلهم أموال الناس بالباطل (وكفر) من ~~عطف الأخص؛ لزيادة الاهتمام به (عدتهم) أي: فاتتهم (طيبات) من الرزق PageV00P375 ~~============================================================ ~~حرمها الله تعالى عليهم ، وهلذا مقتبس من قوله تعالى : { فيظلو من الذين هادوأ حرمنا ~~عليهم طيبت أحلت لم. الاية، ومن شأن الطيبات أنه يوجد ( في تركهن) الذي ~~تحتم الأمر به (ابتلاء) أي: اختبار ومحنة للعبد تكون سببأ لفلاحه أو هلاكه: ~~خدغوا بالمنافقين وهل يذ فق إلا على الشفيه الشقاء ~~(خدعوا) آي: يهود المدينة وما قرب منها، بدل من (زاغوا) لكن ذاك عام، ~~وهذا خاص؛ لتقييده بالظرف بعده (بالمنافقين) من الأوس والخزرج الذين قهرهم ~~الإسلام، فأظهروه واتخذوه جنة من القتل مع بقائهم على كفرهم باطنأ، وكان هلؤلاء مع ~~اليهود؛ لأنهم مثلهم باطنأ، فكانوا يدسون إليهم المكر والخديعة، وكانت أحبار اليهود ~~هم الذين يتعنتون على النبي صلى الله عليه وسلم، فينزل القرآن مكذبا لهم تارة، ومجيبا ~~عن شبههم أخرى، ومنبها على أحوال المنافقين الذين هم معهم باطنا أخرى، ومعنى ~~كونهم خدعوا بهم: آنه آريد بهم المكروه من حيث لا يعلمون، بسبب المنافقين الذين ~~كانوا يصدونهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، فينخدعون لهم لخباوتهم وسفاهتهم كما ~~قال : (وهل ينفق إلا على السفيه الشقاء) أي : وما ينفق الشقاء إلا على السفهاء ، وهم ~~اليهود لا غير، شبه الشقاء الحاصل لهم بدراهم تصرف وتخرج في الشر، فهي استعارة ~~بالكناية، وأثبت لها ما هو من لوازم المشبه به ، وهو الإنفاق تخييلا. # وجعل الشارح (ينفق) من النفاق؛ أي : الرواج ، فعليه شبه الشقاء بالسلعة ~~المعروضة للبيع، وأثبت لها النفاق تخييلأ، ورشح أو جرد بذكر السفه ms342 الملائم للمشبه ~~أو المشبه به ~~وأطمأنوا بقؤل الآخزاب إخوا نهم إننا لكم أولياء ~~(واطمأنوا) في زعمهم بما كانوا يترقبونه من النبي صلى الله عليه وسلم (ب) ~~سبب (قول الأحزاب) أي : طوائف أهل مكة ومن كان معهم من قبائل العرب الذين ~~تجمعوا لحربه صلى الله عليه وسلم بعد وقعة أحد ( إخوانهم) في الكفر لهم: (إننا PageV00P376 ~~============================================================ ~~لكم أولياء) أي: متوالون ومتفقون على حرب محمد صلى الله عليه وسلم، وسبب ~~ذلك: أن جماعة من اليهود، منهم اللعين حيي بن آخطب: ازدادت عداوتهم له ~~صلى الله عليه وسلم حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم لحربه صلى الله عليه ~~وسلم، وقالوا: نكون معكم عليه حتى نستأصله، فوافقوهم، ثم ذهبوا لغطفان ~~وذكروا لهم ذلك، فوافقوهم، فخرجت قريش وقاثدها أبو سفيان قبل إسلامه، ~~وغطفان ومن معهم من أهل نجد وقائدها عيينة بن حضن، فاجتمعوا في عشرة آلاف ، ~~واليهود قاطعون بأنهم بذلك يستأصلون المسلمين ~~فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.. أشار عليه سلمان الفارسي بحفر ~~الخندق؛ لأن العرب لم تكن تعرفه، فاجتهد فيه صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه، ~~فلما وصل العدو إليه.. خرج إليهم في ثلاثة آلاف، فمكثوا نحو عشرين يوما أو ~~خمسة عشر يوما- وهو الأشهر - لا قتال بينهم إلا الرمي بالنبل والحصى، ثم اشتد ~~الحرب، فجاء نعيم بن مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: إني أسلمت ~~ولم يعلم بي قومي، فمرني بما شئت، فأمره بأن يخذل عنهم ما استطاع، فإن الحرب ~~خدعة، فذهب إلى بني قريظة وكان نديمهم في الجاهلية، فحسن لهم التخلف عن ~~معاونة قريش إلا إن أخذوا منهم رهنأ، وخوفهم على أموالهم وأولادهم، فقالوا: ~~أشرت بالرأي: ~~ثم ذهب إلى العرب وقال لهم عن اليهود مثل ذلك، وأنهم ندموا على ذلك، ~~وأرسلوا لمحمد صلى الله عليه وسلم بذلك، فأرسلوا رسلهم لقريظة، فذكروا لهم ~~ذلك فاعتقدوا صدق نعيم، وانحل عزمهم، فخذلهم الله تعالى، وأرسل عليهم ~~الريح في ليال شديدة البرد، فكفأت قدورهم، وطرحت خيامهم، وبلغه صلى الله ~~عليه وسلم تخالفهم ms343 وما هم فيه، فقال لحذيفة بن اليمان : "أذهب فأنظر ما فعل ~~القوم، ولا تخدين شيئا حتى تأتينا" فدخل بينهم ، فسمع أبا سفيان يقول : لينظر ~~الرجل منكم من جليسه، قال حذيفة: فأخذت بيد من بجنبي، فقلت: من أنت ؟ # فقال: فلان بن فلان، ثم قال أبو سفيان: والله يا معشر قريش ما أصبحتم بدار ~~مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، ثم أمرهم بالرحيل وارتحل، ~~ولولا عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ أن : لا تحدث شيئا. لقتلته بسهم، ثم PageV00P377 ~~============================================================ ~~سمعت غطفان ما وقع لقريش، فرجعوا أيضا، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. رجع إلى المدينة وقال : "لا تغزونكم قريش بغدها أبدا ، ولكن أنتم ~~تغزونهم" فكان كذلك(1). # ولما وضعوا السلاح.. جاء جبريل معتجرا بعمامة من إستبرق على بغلة عليها ~~قطيفة ديباج، وفي رواية البخاري: أنه لما وضع السلاح.. اغتسل، فأتاه جبريل ~~فقال له: قد وضعت السلاح؟ والله ما وضعناه ، اخرج إليهم - أي : بني قريظة - فإني ~~عامد إليهم، ومزلزل بهم(2)، وفي رواية: قم فشد عليك سلاحك، فوالله لأدقنهم ~~دق البيض على الصفا، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا : يا خيل الله ~~اركبي، فذهب إليهم في ثلاثة آلاف مقاتل، وستة وثلاثين فرسا، فحاصرهم خمسا ~~وعشرين ليلة، أو خمسة عشر، وقذف تعالى في قلوبهم الرعب، فعرض عليهم ~~رئيسهم الإيمان، وحلف لهم آنه نبي مرسل، وأنه الذي يجدونه مكتوبا عندهم في ~~كتابهم، فأبوا، فقال : الليلة السبت، فلعلهم أمنونا، فانزلوا لعلكم تصيبون منهم، ~~فقالوا: نفسد سبتنا، ونحدث فيه مالم يحدث فيه من قبلنا إلا من علمت، فأصابه ~~ما لم يخف عليك من المسخ ~~ثم اشتد عليهم الحصار، فنزلوا على حكم النبي صلى الله عليه وسلم، فحكم ~~فيهم سعد بن معاذ سيد الأوس، فحكم فيهم : بأن تقتل رجالهم، وتقسم أموالهم ~~وتسبى ذراريهم، فقال صلى الله عليه وسلم : "لقذ حكمت فيهم بحكم الله تعالى ~~الذي حكم به " فأمر صلى الله عليه وسلم بهم فأدخلوا المدينة، وحفر لهم أخدودا في ~~السوق، وجلس صلى الله عليه وسلم ms344 ومعه آصحابه، وأخرجوا إليه، فضربت ~~أعناقهم، وكانوا ما بين ست مثة إلى سبع مئة (3)، ولا ينافيه الرواية الصحيحة : أنهم ~~كانوا أربع مثة مقاتل؛ لأن الباقين أتباع. # (1) انظر "سيرة ابن هشام (214/3)، و" طبقات ابن سعد4 (25/2)، و8 عيون الأثر" ~~(76/2) و" البداية والنهاية "(475/4) ~~(2) البخاري (4117)، وليس فيه: فاني عامد إليهم، ومزلزل بهم ~~(3) انظر " سيرة ابن هشام (233/3)، و1 طبقات ابن سعد" (74/2) و1 عيون الاثر" ~~(44/2)، و" البداية والنهاية *(499/4). PageV00P378 # ============================================================ ~~وبما تقرر علم أن الأحزاب : ~~حالفوهم وخالفوهم ولم أذ ولماذا تخالف الخلفاء ~~(حالفوهم) أي: اليهود؛ أي: عاهدوهم مع الأيمان المغلظة على حرب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم (وخالفوهم) في ذلك، فرحلوا عنهم وأسلموهم ~~للنبي صلى الله عليه وسلم حتى قتلهم عن آخرهم (ولم أدر لماذا تخالف الحلفاء) ~~وأراد بنفي الدراية على طريقة : تجاهل العارف إغراء للسامع على البحث عن سبب ~~ذلك وإن كان ظاهرا، وهو أن الله تعالى أراد خذلانهم بتفريق كلمتهم، واستيصال ~~شافتهم ~~تبيه: تجاهل العارف سماه السكاكي سوق المعلوم مساق غيره، وهو سؤال ~~المتكلم عما يعلمه على سبيل التعجب، أو الإنكار، أو التوبيخ كما هنا، أو التقرير، ~~نحو: { وما تلك بيمينك يكمومى ~~أشلموهم لأول الحشر لا مي مائهم صادق ولا الإيلاء ~~(أسلموهم) أي : المنافقون - عبد الله بن أبي وأصحابه - اليهود المسمين ببني ~~النضير ( لأول الحشر) المقتبس من قوله تعالى : { هو الذى أخرج الذين كفروا من أهل ~~الكتلب من ديرهم لأول الحشر ما ظننشه أن يخرجوا وظنوا أنهر ما نعتهم حصويهم ون الله فاننهم الله ~~من حيث لتريختسبوأ وقذف فى قلوبهم الرقب يخريون بيوتهم بأيديهم وأيدى الشؤمنين} ~~أي: في أول حشرهم وإجلائهم من جزيرة العرب إلى الشام، أو من محلهم إلى ~~محل آخر، وإنما كان أولا ؛ لأنهم لم يصبهم قبل نظير ذلك، أو في أول حشرهم إلى ~~القتال؛ لما يأتي في قصتهم : أنهم عزموا على القتال ففشلوا ، وألقى الله الرعب في ~~قلوبهم، وآخر حشرهم إجلاء عمر رضي الله عنه لمن بخيبر من هلؤلاء ومن أهلها إلى ~~الشام، أو ms345 في أول حشر الناس إلى الشام؛ لأنها فتحت بعد ذلك بقليل، وقصدها PageV00P379 ~~============================================================ ~~الناس للاقامة بها، وعليه فآخر حشرهم بها عند قيام الساعة ؛ لأنها أرض المحشر: ~~(لا ميعادهم) أي: المنافقين لليهود أنهم ينصرونهم على النبي صلى الله عليه ~~وسلم (صادق) لأنهم سولوا لهم قتالهم وأنهم يعينونهم، ثم تخلفوا عنهم (ولا ~~الايلاء) أي: الحلف منهم لهم صادق أيضا ~~266دتنم: ~~سكن الوغب والخراب فلوبا وبيوتا منهم نعاها الجلاء ~~ال ال: ~~(سكن الرعب) آي: هيبة النبي صلى الله عليه وسلم، وخشية انتقامه منهم، ~~وظن ظفره عليهم (والخراب) الاتي لدورهم (قلوبا) من اليهود المحصورين وغيرهم ~~من أهل خيبر وغيرها، وهذا راجع للأول (وبيوتا منهم) راجع للثاني، ففيه لف ~~ونشر مرتب (نعاها) أي: أخبر تلك البيوت بموت أهلها المعنوي، من: نعاه له ~~نعوا ونعيا ونعيانا: أخبر بموته (الجلاء) أي: خروجهم من ديارهم، شبهه في كونه ~~معلما بقهرهم وزوال شوكتهم المشبه بالموت بانسان مخبر بما ينفع ويضر، فهي ~~استعارة بالكناية، وذكر النعي الملائم للمشبه به استعارة تخييلية ~~وعجيب من الشارح حيث لم يتكلم على هلذه الجملة، مع ما علمته فيها من ~~الاستعارتين المذكورتين، بل فيها استعارة ثالثة، كما أشرت إليها بقولي : (المشبه ~~بالموت) ~~وظاهر النظم : أن واقعة بني النضير هلذه بعد الخندق المشار إليها بقوله السابق: ~~(واطمأنوا.) إلخ، وهو ما أوهمه كلام بعض أهل السير، للكنه مردود بأن بني ~~قريظة هم الذين ظاهروا الأحزاب، وأما بنو النضير.. فلم يكن لهم في الأحزاب ~~ذكر، بل كانوا من أعظم الأسباب في جمع الأحزاب، وما وقع من إجلائهم، فإنه ~~كان من رتيسهم حيي بن أخطب، وهو الذي حسن لبني قريظة الغدر وموافقة الأحزاب ~~حتى كان من هلاكهم ما كان، فكيف يصير السابق لاحقا؟! # وخلاصة ما قاله أهل السير في واقعة بني النضير: أنه صلى الله عليه وسلم خرج ~~اليهم يستعينهم في دية قتيلين قتلهما بعض حلفائهم، فأظهروا له الإجابة، ثم تواعدوا PageV00P380 ~~============================================================ ~~وهو صلى الله عليه وسلم جالس إلى جنب جدار لبعض بيوتهم على آن يصعد واحد ~~منهم، ويلقي عليه صخرة ms346 ليستريحوا منه فنهاهم بعضهم وقال: والله ليخبرن بما ~~هممم به، وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه، فلما صعد الرجل لذلك. أخبر به ~~صلى الله عليه وسلم، فقام مظهرا آنه يقضي حاجة، وترك أصحابه في مجلسهم، ~~ورجع مسرعا إلى المدينة ، فطلبه أصحابه فأخبرهم ، ونزل في ذلك قوله تعالى : ~~يكايها الذيب ء امنوا اذكروا نقمت الله عليكم إذهم قوم أن يبسطوا إلتكم أيديهة) ~~الاية، فأمر صلى الله عليه وسلم بالتهيو لحربهم والسير إليهم، فسار وحاصرهم ست ~~ليال، فتحصنوا بالحصون، فقطع النخل وحرقها وخرب، ولما وقع في نفوس بعض ~~المسلمين شيء من ذلك. . نزل : { ماقطعترمن لينة الآية، واللينة : أصناف ~~التمر ما عدا العجوة والبرني، ففي الأية أنه صلى الله عليه وسلم لم يحرق من نخلهم ~~إلا ما ليس بقوت، وكانوا يقتاتون العجوة ، وفي الحديث " العجوة من الجنة "(1)، ~~وثمرها يغذي آحسن غذاء، والبرني أيضا كذلك، وكان رهط من بني عوف من ~~الخزرج منهم ابن أبي بعثوا إليهم : أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم.. # قاتلنا معكم، وإن آخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا، فقذف الله في قلوبهم ~~الرعب، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخجليهم عن آرضهم، ويكف عن ~~دماتهم، وفي رواية ابن سعد: آنهم لما هموا بالغدر. أرسل إليهم محمد بن ~~مسلمة: أن اخرجوا من بلدي، وقد أجلتكم عشرا، فمن ريي منكم بعدها.. ضربت ~~عقه فشرعوا في التجهيز، فأرسل إليهم ابن آبي بأنهم يمتنعون، ويمدهم بمن ~~ينصرهم، فأرسلوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: لا نخرج، فأظهر ~~التكبير، وكبر المسلمون بتكبيره، فسار إليهم وعلي يحمل رايته، فلما رأوه. قاموا ~~على حصونهم يرمون بالنبل والحجارة، وخذلهم ابن آبي وغيره، فحاصرهم خمسة ~~عشر يوما ، ثم قال لهم : 0 أخرجوا ولكم دماؤكم وما حملت الإبل إلا الدزع" فنزلوا ~~على ذلك، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم، فلحقوا بخيبر ثم إلى الشام والحيرة على ~~ست مثة بعير (2). # (1) اخرجه الترمذي (2066)، وابن ماجه (3453)، وغيرهما ~~(2) انظر لسيرة ابن هشام" (190/3)، ول طبقات ابن سعد" (57/2) و8 عيون الأثر" PageV00P381 ~~============================================================ ~~ولكون القاهر ms347 لهم مجرد الرعب كان ما بقي من أموالهم له صلى الله عليه وسلم، ~~فقسمه بين المهاجرين؛ ليرفع مؤونتهم عن الأنصار: ~~ل اا5 م ~~وبيؤم الأخزاب إذ زاغت الأث صار فيه وضلت الآراء ~~الا ~~(و) خدعوا أيضا- أي: بنو قريظة- منهم (بيوم الأحزاب إذ زاغت الأبصار) ~~منهم (فيه وضلت الآراء) وذلك أن الأحزاب لما أقبلوا ونزلوا حوالي المدينة، وخرج ~~صلى الله عليه وسلم والمسلمون، فجعلوا ظهورهم إلى سلع، والخندق بينه وبين ~~القوم.. خرج عدو الله حيي بن أخطب حتى أتى كعبأ القرظي، صاحب عقد بني قريظة ~~وعهدهم، فأغلق كعب دونه باب حصنه، وقال له: إنك امرؤ مشؤوم، وإني عاهدت ~~محمدا، فلست بناقض ما بيني وبينه، فإني لم أر منه إلا وفاء وصدقا فقال : ويلك ~~افتح، ولم يزل به حتى فتح، فقال : يا كعب؛ جئتك بعز الدهر، جئتك بقريش، ~~انزلتهم بمجتمع الأسيال، ومن دونه غطفان، وقد عاهدوني على أن لا يرجعوا حتى ~~يستأصلوا محمدأ ومن معه، ولم يزل به حتى نقض عهده، وبريء مما كان بينه وبين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغه ذلك، فعظم البلاء واشتد الخوف، وأتاهم ~~عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم أن ظهر النفاق ~~في بعض المنافقين ، وأنزل الله تعالى : وإذ يقول المنفقون وألذين ف قلوبهم مرض . ..) ~~الآيات، وقال رجال ممن معه : يكأهل يترب لا مقام لكر فارجهوأ} ثم وقع ما مر من ~~أن الله تعالى خذل الأحزاب، وبدد شملهم، وجعل الدائرة عليهم، والغلبة ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وأهلك بني قريظة عن آخرهم كما مر: ~~وبما تقرر علم أن في كلام الناظم في هذذا البيت والذي قبله تلميحا من وجوه ~~ديدة ~~(66/2)، و1 البداية والنهاية * (455/4) PageV00P382 ~~============================================================ ~~1268 ~~وتعذؤا إلى التبي حدودا كان فيها عليهم العذواء ~~(وتعدوا) ظاهر سياقه: أن الضمير للتصارى واليهود والمنافقين، ويجوز عوده ~~لمطلق الكفرة الشامل لكفار العرب وغيرهم؛ أي: تجاوزوا حتى وصل إيذاؤهم ( إلى ~~النبي) صلى الله عليه وسلم (حدودا) حدها الله تعالى لهم، ومنعهم من مجاوزتها، ms348 ~~فلم يقفوا عندها، فلذلك (كان فيها) آي: في مجاوزتها (عليهم) أحد الظرفين ~~حال، والاخر خبر (العدواء) أي: بعدهم عن النجاة، ووقوعهم في الهلاك ~~الأبدي ، وفي هلذا تلميح إلى قوله تعالى : ومن يتعد حدود الله فأوليك هم الظلمون} ~~وبين (تعدوا) و( العدواء) جناس شبه الاشتقاق، وهو آو شبهه بين (نهتهم) ~~و(انتهت)، و(البذيء) و(البذاء)، و(الخيل) و(الخيلاء)، وكذا (عفا) ~~و(عفو)، و1 سواه) و( سواء)، و( أحجمت) و( الحجون)، و( أحلم) ~~و(الحليم) الأتيات. # 259 ~~ونهتهم وما أنتهث عنه قوم فأبيد الأمار والنهاء ~~(ونهتهم) أي: أولثك المعتدين قوم منهم عن استمرارهم على ما هم عليه من ~~مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم وإيذائه قاثلين لهم: إنه لرسول الله حقا (وما انتهت ~~عنه) أي: عن مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم وإيذائه (قوم) بل استمروا على ~~ما هم عليه من إيذائه والأمر به (ف) بسبب ذلك (أبيد) أي: أهلك (الأمار) منهم ~~بايذائه صلى الله عليه وسلم (والنهاء) عن اتباعه؛ لبقاء كل من الفريقين على ضلاله، ~~ومر آن عتبة بن ربيعة لما اشتد إيذاء قريش له صلى الله عليه وسلم. ذهب إليه لينهاه، ~~فقرأ عليه (فصلت) فرجع إلى قومه ومدح القرآن، وأمرهم آن يخلوا بينه وبين ما هو ~~فيه، وبين لهم أن القرآن ليس بسحر ولا شعر ولا كهانة، وأنه صلى الله عليه وسلم ~~ليس به جنون، وأنه ليكونن لقوله نبأ، فقالوا له: سحرك محمد بلسانه، فقال: PageV00P383 ~~============================================================ ~~افعلوا ما بدا لكم، فلم يزدهم ذلك إلا طغيانا وايذاء له بالقول والفعل، وقتل عتبة يوم ~~بدر مشركا. # وبين (الأمار) و(النهاء) جناس الطباق، ك (نهتهم) و(ما انتهت)، وك ~~(الغدو) و(العشاء)، و(القطع) و(الوصل)، و(التقريب) و(الإقصاء) ~~و( الملام) و(الإطراء)، و(التباين) و(الوفاء) الآتيات: ~~وتعاطؤا في أخمد منكر القؤ ل ونطق الأراذل العوراء ~~(وتعاطوا في أحمد) نبينا صلى الله عليه وسلم، وخصه بالذكر؛ لأنه لم يسم به ~~أحد قبله، كما رواه مسلم، وآما محمد.. فسمي به قبله خمسة عشر نفسا، كما بيته ~~الحافظ العسقلاني رحمه الله تعالى (1). # (منكر القول) أي: القول المنكر الذي ينكره ms349 سامعه، بل المتلفظ به؛ لعلمه ~~بقبحه وفساده، وأن الحامل له عليه إنما هو محض عناد آو حسد، فقالوا مرة: ~~ساحر، ومرة: كاهن، ومرة: مجنون، كما سبق ذلك مبسوطأ في بيان إعجاز القرآن. # وطاف صلى الله عليه وسلم هو وأبو بكر وعثمان رضي الله تعالى عنهما، فلما مر ~~بأبي جهل وعقبة بن آبي معيط وآمية بن خلف.. آسمعوه بعض ما يكره، ثم آراد آبو ~~هل الأخذ بمجامع توبه صلى الله عليه وسلم، فدفعه عثمان رضي الله عنه، فوقع ~~على استه ، ودفع أبو بكر رضي الله عنه أمية، والنبي صلى الله عليه وسلم عقبة، ثم ~~قال : " والله لا تنتهون حتى يحل بكم عقابه عاجلا " فما منهم إلا من أخذته رعدة ، ~~وجعل صلى الله عليه وسلم يقول لهم : " بنس القوم أنتم لنبيكم" ثم قال صلى الله ~~عليه وسلم لأصحابه رضي الله عنهم : " أبشروا، فإن الله تعالى مظهر دينه، ومتم ~~كلمته، وناصر نبيه، إن هؤلاء الذين ترؤن مما يذبح الله بأيديكم عاجلا" قال عثمان ~~رضي الله عنه : فوالله لقد رأيتهم ذبحهم الله تعالى بأيدينا (2) ~~(1) فتح الباري (556/6) ~~(2) أخرجه الضياء في (المختارة "(382) PageV00P384 ~~============================================================ ~~ومن إيذاء المنافقين قولهم يوم الخندق : محمد يعد أصحابه أن ينفق كنوز قيصر ~~وكسرى وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط (1)، وقد حقق الله تعالى ~~ما قاله نبيه صلى الله عليه وسلم، فملك الله المسلمين كنوز كسرى وقيصر في زمن ~~عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما ~~ثم ذيل بجملة مشتملة على معنى ما قبلها، جارية مجرى الأمثال، فليس تتميما ~~خلافا للشارح؛ لأنه المأتي به لمجرد المبالغة والتأكيد، ولا تكميلا ؛ لأنه المأتي به ~~لدفع الايهام. # نعم؛ في ذلك اضطراب بين آهل البديع. فقال : (ونطق) أي: منطوق ~~(الأراذل) أي: الأسفال الأخساء الذين لا مروءة لهم ولا عقل.. الكلمة (العوراء) ~~أي : القبيحة الساقطة، أي: شأنهم النطق بالفحش، وهلؤلاء كذلك، كيف و ~~كل رجسي يزيده الخلق الشو سفاها والملة العوجاء ~~(كل رجس) آي: قذر وغضب قائم بهم (يزيده) ما جبلوا عليه وهو (الخلق ~~السوء) ms350 - بفتح السين وضمها - أي : القبيح (سفاها) - بفتح السين- من: (سفه) ~~بالضم (سفاها) و(سفاهة)، ومصدر المكسور(2) (سفها)، وهو: ضد الحلم، ~~وسببه: خفة العقل وطيشه (و) يزيده سفاهة أيضا وبعدا عن الخير ( الملة) أي: ~~الشريعة، سميت بذلك؛ لأنها تملى وتكتب (العوجاء) أي: الباطلة، شبهها بطريق ~~عوجاء لا تهدي سالكها إلى مطلوبه، بل يتيه ويضل فيها، على سبيل الاستعارة ~~المكنية، ثم أثبت لها العوج تخييلا، وأولئك الأراذل اجتمع فيهم الوصفان : الخلق ~~السوء، والتمسك بالملة الباطلة فتضاعفت سفاهتهم ~~(1) أخرجه البيهقي في " السنن الكبري " (31/9) ~~(2) أي : سفه بكسر الفاء. # 451 PageV00P385 ~~============================================================ ~~فآنظروا كيف كان عاقبة القوم وما ساق للبذي البذاء ~~(فس) بسبب ازديادهم من السفاهة والجهل (انظروا) أيها العقلاء (كيف) هي ~~وما بعدها سدت مسد مفعولي (انظروا)، وأما قول الشارح: (كيف) في موضع ~~المفعول الثاني، و(عاقبة القوم) المفعول الأول. فهو إنما يصح بفرض زيادة ~~(كان)، ولا محوج لذلك كما عرف مما قررته (كان) تامة (عاقبة) أي: مآل ~~ومصير (القوم) المعروفين بما ذكر ، وهي خزي الدنيا وعذاب الآخرة، ثر كان ~~علقبة الذين أسكثوا الشوأى . الآية، ففيه اقتباس (و) انظروا (ما) هو بصلته سد ~~مسد المفعولين أيضا، وعجيب من الشارح حيث لم يبين إعرابه مع احتمال وجه آخر ~~فيه غير ما ذكر، للكن ما ذكرته أولى كما هو واضح (ساق للبذي) اللسان كهلؤلاء ~~(البذاء)- بالمعجمة- أي: بذاؤهم؛ آي: فحشهم، وهو تخلفهم عن عز الدنيا ~~وسعادة الآخرة: ~~وفيه تشبيه (البذي) بدابة مسوقة، و(البذاء) بسائقها، وهما استعارتان ~~مكنيتان، وإثبات السوق ل( البذاء) على جهة كونه فاعله، ول( البذي) على جهة ~~كونه واقعا عليه. تخييل: ~~وجد السب فيه سما ولم يذ رإذ الميم في مسواضع باء ~~(وجد) البذي (السب) أي: الشتم (فيه) أي: النبي صلى الله عليه وسلم ~~(سما) أي: مهلكا وأي مهلك! وبين (السب) و( السم) الجناس المضارع (ولم ~~يدر) ذلك البذي أن سبه هو عين السم القاتل لوقته لفظا (إذ الميم في مواضع) حال ~~من الخير، وهو (باء) كقولهم في بيد: ميد، وهي لغة مازن، قال المازني: ~~دخلت على الخليفة الواثق، فقال ms351 لي: ممن الرجل؟ قلت : من بني مازن، قال : ~~أي الموازن، مازن تميم، أم مازن قيس، أم مازن ربيعة؟ قلت : من مازن ربيعة، ~~فكلمني بكلام قومي، وقال: با اسبك ؟ يريد: ما اسمك ؟ وهي لغة قومي، يبدلون ~~452 PageV00P386 ~~============================================================ ~~الميم باء، والباء ميمأ، قال : فكرهت أن أجيبه على لغة قومي؛ لئلا أواجهه ~~بالمكر، فقلت : بكر يا أمير المؤمنين؛ ففطن لما قصدت وأعجب به؛ أي: وفيه ~~أيضا سب لنفسه، ثم قال لي : اجلس فاطبئن، يريد : فاطمئن (1). # وقال ابن جني في " سر الصناعة " : ( أخبرنا أبو علي بإسناده إلى الأصمعي قال : ~~كان أبو سوار الغنوي يقول: با اسبك؟ يريد: ما اسمك؟ فهلذه الباء بدل من ~~الميم) اه(2) ~~والمعنى : لأنه أهلكهم كما يهلك السم ، بل هو أبلغ من السم ، لأن إهلاك السم ~~في الدنيا ، وله أدوية تزيله، وإهلاك السب في الدنيا والأخرة، ولا دواء له: ~~كان من فيه قتله بيديه فهو في شوء فغله الزباء ~~(كان من) أجل ما صدر من (فيه) أي : فم البذي ، حال من الضمير المستتر في ~~الخبر، وهو (بيديه)، (قتله) لنفسه (بيديه) وقتل الإنسان لنفسه أشد من قتل غيره ~~له (ف) بسبب ذلك (هو) أي : البذي القاتل لنفسه المذكور (في) الاتصاف بما وقع ~~منه (سوء فعله) بنفسه المرأة المشهورة بالملك القاهر في العرب التي هي (الزباء) - ~~بفتح الزاي وتشديد الموحدة - أي: شبهها، فإنها تناولت خاتما مسموما، فمصته ~~ح قتلت نفسها، وقالت: بيدي لا بيدك يا عمرو، فكان قتلها لنفسها بسبب ~~ما تناولته بفمها من يدها لما ظفر بها عمرو ابن أخت جذيمة الأبرش؛ لما كان بينهما، ~~خوفأ من تعذيبه إياها. # وحاصل القصة - وهي طويلة ذكرها الاخباريون وابن هشام وابن الجوزي وغيرهم ~~: أن جذيمة بن عامر التنوخي ، وقيل : الأزدي، وهو أول من ساس العرب، وأول ~~من اتخذت له الشموع وأوقدت بين يديه، وأول من اجتمع له الملك بأرض العراق من ~~(1) انظر القصة بتمامها في " وفيات الأعيان " لابن خلكان (284/1)، و1 سير أعلام النبلاء" ~~للحافظ الذهبي (311/10)، و" شذرات الذهب " لابن العماد (3/ 217) ~~(2) سر صناعة الإعراب ms352 (119/1). PageV00P387 # ============================================================ ~~قبل أزدشير، وكان أبرص، فكنوا عن ذلك بالأبرش والوضاح ، قيل : كان لا يأنف ~~من الأبرص، لأن في العرب من يفتخر بذلك . . كان له أخت أحبها نديمه عدي بن ~~نصر الإيادي، فوافقها على أن ينكحها منه إذا غلب السكر عليه، فسأله حينيذ في ~~ذلك فأنكحه إياها، وأشهد عليه، فدخل بها، فلما أصبح وعلم بذلك. تغيب ~~عدي، فلم يعرف له أثر، فولدت له ولدا سمي عمرا، فأحبه جذيمة، ثم اختطفته ~~الجن، ثم ردوه، فزاد حظأ عند خاله ~~وكان آبو الزباء - وسميت بذلك لكثرة شعرها ؛ إذ كان يجللها ويسحب من ورائها- ~~ملك ما بين الفرس والروم، فغزاه جذيمة الأبرش وقتله قبل بعثة عيسى عليه الصلاة ~~والسلام، وطردها، فلحقت بالروم، وجمعت الجيوش، واستخلصت من جذيمة ~~ملك أبيها، وابتنت لها بجانب الفرات قصرا حصينا، فحدثت جذيمة نفسه بخطبتها؛ ~~لأنها بكر وأجمل أهل عصرها، وطمع في ملكها، فأرسل إليها، فأظهرت له غاية ~~الفرح والسرور، وأرسلت له بهدية سنية، فاستشار في المسير إليها، فبالغ قصير بن ~~سعد في منعه، وفي آن ذلك مكيدة منها، فلم يصغ إليه وسار إليها، فلما قرب ~~منها. أعاد الاستشارة، فأعاد قصير رأيه، فلم يصغ إليه وسار، وكانت أمرت ~~عسكرها إذا وصل آن يحيطوا به ويمنعوا من معه، ففعلوا، وقصير معه، فلما رأى ~~ذلك.. ركب فرس جذيمة التي تسبق الريح بجريها، وفر بها، ثم أدخل جذيمة عليها ~~وليس معها إلا جواري، وكانت رتت شعر عانتها حولا كاملا، فكشفتها له وقالت : ~~أمتاع عروس تري؟ فقال : بل متاع أمة بظراء، ثم قالت : خذن بيد سيدكن وبعل ~~مولاتكن فأجلسنه على النطع (1)، ففعلن، ثم أمرتهن بفصد عروق يديه، ففعلن، ~~ووضع له طست، فنزف دمه فيه إلى آن قضى نحبه، فأمرت به فدفن. # ثم أقبل قصير على عمرو وأخبره الخبر، وأمره أن يأخذ بثأره منها، فأفهمه أنه ~~لا قدرة له عليها، فقال له : اجدع أنفي وأذني ، واضرب ظهري حتى يؤثر في، ففعل ~~به ذلك، وقيل: آبى، ففعل قصير بنفسه ذلك، ثم ذهب إليها مستجيرا بها من ~~عمرو، فراجت ms353 عليها حيلته، وأكرمت منزله، ثم قال لها: إن لي بالعراق مالا كثيرا ~~(1) التطع - بكسر النون وفتحها- هو: بساط من الجلد. PageV00P388 # ============================================================ ~~وذخائر، فسفريني لاتي به، ففعلت، فرجع إليها بأموال هائلة، ثم عاد إلى العراق ~~تانيأ، فرجع إليها بأكثر من الأول، فازدادت مكانته عندها، ولم يزل يتلطف حتى ~~عرف سردابا جعلته تحت الفرات، تصعد منه إلى قصرها، وبابه من جانب الفرات ~~الآخر، ثم خرج ثالثا، فرجع بأكثر من ذلك كله، فزادت مكانته عندها، وعولت ~~عليه في آمورها، فأظهرت له آنها تريد غزوا، وأنه يذهب ويأتيها بالعبيد والعدد، ~~فقال لها: إن لي في بلاد عمرو ألف بعير وخزانة مال وسلاح، فأعطته ما أراد من ~~المال، وقالت: الملك يحسن لمثلك، فعاد إلى عمرو وقال : أصبت الفرصة منها، ~~فقال له عمرو: مر بما شئت، فقال: الرجال والأموال، فعمد إلى الفي رجل من ~~فتاك قومه، فحملهم على آلف بعير، على كل بعير اثنان في غرارتين سوداوين ~~وعمرو منهم، وساق الخيل والكراع والسلاح، وكان يكمن النهار ويسافر الليل، ثم ~~دخل عليها، فقال: انظري إلى العير، فنظرت فقالت: ~~امن الرجز) ~~ما للجمال مشيها وتيدا أجندلا يخملن أم حديدا ~~أم الرجال جتما قعودا أم الرجال في الغرار الشودا ~~و ل ما وصلت العير المدينة.، طعن بواب جولقا بمخصرة بيده، فضرط من ~~إصابته، فأراد الصياح، فضربه قصير بسيفه فقتله، ثم حلت الجواليق، فخرج ~~الرجال، ودخل عمرو باب السرداب ليصعد إلى الؤباء، فلما رأته.. مصت خاتمأ في ~~يدها مسموما، وقالت: بيدي لا بيد عمرو، فماتت، وقيل: إن عمرا قتلها بسيفه ~~واحتوى على بلادها(1): ~~أو هو التخل قرصها يخلب الح حف إليها وما له إنكاء ~~(أو هو) في سوء فعله (النحل) أي: شبهه، ثم بين وجه الشبه فقال : ~~(قرصها) آي: لسعها لغيرها (يجلب الحتف) أي: الموت ( إليها) عقب لسعها ~~(1) انظر " تاريخ الطبري "(13/1)، و" الكامل " لابن الأثير (313/1)، و1 المنتظم " لابن ~~الجوزي (335/1). # 455 PageV00P389 ~~============================================================ ~~(و) الحال أن لسعها (ما) نافية (له إنكاء) أي: قتل ولا جرح، بل ولا دم ~~ولا تأثير قوي في ms354 الملسوع، فكل منهما قتل نفسه بما خرج من فيه مع أنه لا مصلحة ~~تعود عليهما مما كان سببأ لهلاكهما ~~صرعث قؤمه حبائل بغي مدها المكر منهم والدهاء ~~(صرعت قومه) صلى الله عليه وسلم الذين أرسله الله إليهم فلم يؤمنوا به؛ أي: ~~القتهم قتلى بين يديه (حبائل) جمع (حبالة)، وهي: التي يصاد بها، وناصبها ~~يسمى الحابل (بغي) عليه صلى الله عليه وسلم (مدها) أي: تلك الحبائل إليه ~~(المكر) حال كونه (منهم) وهو: إبطان السوء مع إظهار خلافه (والدهاء) هو ~~بالكسر والمد-: جودة الرآي، وفي كلامه استعارة بالكناية من حيث تشبيه القوم الذين ~~حاربوه صرعي بين يديه صلى الله عليه وسلم بصيود مصروعة بين يدي الصياد، ومن ~~حيث تشبيه البغي بشبكة الصياد، ومن حيث تشبيه المكر والدهاء بالصائد كما تقتضيه ~~نسبة المد إليهما، أو بحبال الشبكة التي يمدها الصائد حتى يقع فيها الصيد، وتخييلية ~~باثبات المد اللازم للمشبه به، وترشيحية بذكر الصرع اللاثق بالمشبه: ~~ويما تقرر علم آن في كلامه ثلاث استعارات مكنيات: ~~الأولى: تشبيه القوم بالصيد، وجرد لها بذكر الصرع والمكر والدهاء لهم، ~~ورشح أو خيل لها بذكر الحبائل والمد. # والثانية : تشبيه البغي بالشبكة، وخيل لها بإثبات الحبائل له، ورشح بذكر المد، ~~وجرد بذكر الصرع الملائم للبغي ~~والثالثة: تشبيه المكر والدهاء بالصائد على ما مر، وخيل بإثبات المد، ورشح ~~بذكر الحبائل ، وجرد بذكر الصرع هنا أيضا ؛ إذ لا مانع من اشتراك مكنيتين أو أكثر في ~~كون الشيء الواحد تخييلا أو ترشيحا أو تجريدا للكل، اعتبارا لكل على حدتها بما ~~يناسبها PageV00P390 ~~============================================================ ~~(267 ~~فأتتهم خيل إلى الخرب تختا ل وللخيل في الوغى خيلاء ~~(ف) بسبب مكرهم ودهائهم (أتتهم) من قبله صلى الله عليه وسلم ما أوجب عود ~~تلك الحبائل إليهم، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فلا يمكرون به مكرا ، ~~ولا يكيدون به كيدا. إلا عاد عليهم، وكيف لا وكلما تحربوا لحربه، وحاولوا إخفاء ~~آمره.. بدد الله جمعهم، وقتل سادتهم، وأظهر آمره عليهم، هو آلذى ايدك بنضره ~~وبالمؤمنيت} فمن ذلك أنهم أتتهم (خيل ms355 إلى الحرب تختال) أي: يتبختر بها ~~راكبوها تيها وعجبا (وللخيل) النفائس وعليها الشجعان (في الوغي) أي : الحرب، ~~متعلق بقوله : (خيلاء) أي : كبر وترفع عن الوقوع في وهدة(1)، أو الاصطدام بنحو ~~شجرة، وهلذا تذييل ~~قصدت فيهم القنا فقوافي الط من منها ما شانها الإيطاء ~~(قصدت فيهم) أي : في أبدانهم (القنا) أي : الرماح، جمع قناة، وفي هذه ~~الاستعارة المشهورة في قوله تعالى : { جدارا يريد أن ينقض}(2) ولا ينافي ذلك عد ~~كثيرين له من آنواع المجاز، باعتبار أن فيه إضافة الفعل إلى ما لا يصح منه، وهو ~~الإرادة التي هي من صفات الحي ؛ لأن ذلك مبني على تشبيه ميله للوقوع بارادته له، ~~والاستعارة مجاز علاقته المشابهة، ومن ثم قيل: زوج المجاز بالتشبيه فتولد بينهما ~~الاستعارة، وهل هي مجاز لغوى أو عقلي؟ خلاف، والأصح: الأول؛ لأنها ~~موضوعة للمشبه به، لا للمشبه ولا لأعم منهما، ف (أسد) في: رأيت أسدأ ~~يرمي: موضوع للسبع، لا للشجاع ولا للحيوان الجريء (ف) بسبب قصدها لهم ~~كانت (قوافي الطعن) أي : الطعنات المشبهة بالقوافي في تتابعها حال كون ذلك ~~() الوهدة: الأرض المنخفضة ~~(2) وهي: الاستعارة التصريحية التخييلية ~~457 PageV00P391 ~~============================================================ ~~الطعن (منها) أي: تلك الرماح (ما شانها) أي : عابها، وفي نسخ: (شانه) ~~أي : الطعن (الإيطاء) لأنه لم يوجد فيها ؛ إذ السالبة تصدق بنفي الموضوع. # وهو: تكرير القافية المتحدة لفظا ومعنى قبل عدد مختلف فيه عندهم(1)، المشبه ~~الطعنات الواردة على محل واحد من غير أن تؤثر التالية شيئا لم تؤثره المتلوة، وهو ~~معيب في المشبه به؛ لأنه يدل على عي الشاعر وتقصيره، والمشبه؛ لأنه يدل على ~~قصر ساعد الشجاع وعدم تمكنه وتحريره، وهذا الحل أولى مما سلكه الشارح كما ~~يعلم بتأمله: ~~نعم؛ قوله: (ولكثرة ما عملت رماحهم في أجساد عدوهم تأتي الطعنة الثانية ~~مكان الأولى حتى كأنهما واحدة لسرعة الطعن).. يقرب حله. # 69 ~~وأثارث بأرض مكة نقعا ظن ان الغدو منها عشاء ~~(وأثارت) أي: رفعت تلك الخيل لما ركضت في مهامه الحرب (بأرض) العدو ~~في الأقطار الحجازية وغيرها حتى في (مكة) في غزوة الفتح ms356 لما ازدحمت قرب ~~دخولها (نقعا) أي: غبارا أظلم الجو منه حتى (ظن أن الغدو) أي : وقته، وهو : ~~ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس (منها) أي : من أجل تلك الخيول التي أثارت ~~ذلك النقع، أو من أجل تلك الغبرة المفهومة من الغبار الذي أثارته تلك الخيول ~~(عشاء) أي: وقتها، وهو: إذا غاب الشفق الأحمر، وقضية كلام الشارح، بل ~~صريحه أن المراد: العشاء بفتح العين، وفسره بأنه ما بين الغروب والعتمة، وفيه ~~نظر، وما ذكرته أولى وأسلم مما تكلفه . # وفي قوله : (وأثارت... نقعا) تلميح إلى قوله تعالى في (سورة العاديات) : ~~فأثرن به نقعا ~~وخلاصة شيء من هلذه الغزوة التي حصل بها ذلك الفتح الذي هو أعظم فتوح ~~الاسلام؛ لأن الله تعالى أعز به دينه ورسوله وجنده وحرمه وبلده وبيته، واستبشر به ~~(1) الراجح أنه فيما دون سبعة أبيات PageV00P392 ~~============================================================ ~~أهل السماء، وضربت أطتاب عزه على مناكب الجوزاء ، ودخل الناس في دين الله ~~أفواجا، وأشرق به وجه الدهر ضياء وابتهاجا: ~~وسبيها: أنه وقع الصلح بالحديبية: أنه صلى الله عليه وسلم لا يتعرض لمن دخل ~~في عقد قريش، وأنهم لا يتعرضون لمن دخل في عقده، وكان ممن دخل في عقده ~~خزاعة، وفي عقدهم بنو بكر، وكانا متعاديين، فخرج بعض بني بكر وبني خزاعة ~~فاقتتلوا، فأمد قريش بني بكر، فخرج أربعون من خزاعة إليه صلى الله عليه وسلم ~~يخبرونه ويستنصرونه، فقام صلى الله عليه وسلم وهو يجر رداءه ويقول: "لا نصرت ~~إن لم أنصركم بما أنصر به نفسي " ولما أحس أبو سفيان بمجيئهم.. جاء إلى المدينة ~~ليجدد العهد ويزيد في المدة، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم، فرجع، فخرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في عشرة آلاف، ثم لحقه ألفان لليلتين من رمضان سنة ~~ثمان، فلما كان بقديد.. عقد الألوية والرايات، ودفعها إلى القبائل، ثم لما نزل مر ~~الظهران.. أمرهم أن يوقدوا عشرة آلاف نار، فوافاهم أبو سفيان أرسلته قريش ليأخذ ~~لهم أمانا؛ لعلمهم بتجهيزه صلى الله عليه وسلم إليهم، فلما رأى تلك النيران.. أبهره ~~أمرها، ms357 فأدركه الحرس، فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم بعد تمنع ~~وتهديد، فسأل العباس رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم أن يظهر له فخرا في ~~قومه ، فقال صلى الله عليه وسلم : 8 من دخل دار أبي سفيان.. فهو آمن" وقال ~~للعباس : " أخبسه عند خطم الجبل حتى ينظر إلى المسلمين " وفي رواية : " أخبسه ~~عند مضيق الوادي حتى تمر به جنود الله فيراها" فحبسه ، فمرت به القبائل كتيبة كتيبة ~~وهو يسأل عن كل، فيبينها له العباس، فيقول: ما لي ولها؟ ولما مرت به كتيبة ~~الأنصار وصاحب رايتها سعد بن عبادة. قال له سعد: يا أبا سفيان؛ اليوم يوم ~~الملحمة- أي: الحرب - اليوم تستحل الحرمة - أي: الكعبة- فبلغ ذلك النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فأمره على لسان علي كرم الله وجهه بدفع الراية لابنه قيس، ~~وأخبر أبا سفيان أنه لم يأمر بقتل قريش، وأن اليوم يوم المرحمة، وأن الله يعز قريشا، ~~وخشي سعد آن ابنه يقع منه شيء أيضأ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~فدفعها للزبير، وكانت راية النبي صلى الله عليه وسلم في كتيبة المهاجرين مع الزبير ~~أيضا، فبعثه ومعه المهاجرون وخيلهم، وأمره أن يدخل من أعلى مكة، وأن يغرز PageV00P393 ~~============================================================ ~~رايته بالحجون، ولا يبرح حتى يأتيه كذا ذكره موسى بن عقبة وغيره : ~~وقول الشارح: (إنه صلى الله عليه وسلم أمر الزبير أن يدخل مكة من كدى ~~بالضم) تصحيف، وصوابه: من كداء بالفتح والمد، وقوله: (وأمر سعد بن عبادة ~~أن يدخل في بعض الناس من كداء بالفتح) لم أر في الروايات المعتمدة ما يشهد له، ~~وإنما الذي صح: أنه صلى الله عليه وسلم دخل من أعلاها، وخالد من أسفلها، ~~ورواية عكس ذلك ضعيفة لا يعول عليها، ولعل الشارح أخذ من الرواية الأتية عن ~~مسلم، وأنت خبير بأنه ليس فيها نص ب (كدي) ولا (كداء) وبعث خالد بن الوليد ~~في قبائل ليدخل من أسفل مكة، ويغرز رايته عند أدنى البيوت ، وبعث سعد بن عبادة ~~في كتيبة الأنصار في مقدمة رسول ms358 الله صلى الله عليه وسلم، وأمرهم أن يكفوا أيديهم ~~إلا إن قوتلوا، ولما دخل خالد من أسفل مكة.. قوتل، فقاتلهم حتى أدخلهم ~~المسجد من باب الحزورة ثم كف، ولما قال له صلى الله عليه وسلم : "لم قاتلت وقذ ~~نهيتك؟".. قال : كففت يدي ما استطعت ، فقال : "قضاء الله خيره"(1) ~~وصح في " مسلم " وغيره : أنه صلى الله عليه وسلم بعث على أحد المجنبتين ~~خالد بن الوليد، وبعث الزبير على الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الذين بغير سلاح، ~~فقال : "يا أبا هريرة؛ أفتف لي بألأنصار" فهف بهم فجاؤوا ، فأطافوا به، فقال ~~لهم : " أترؤن إلى أؤباش قريش وأتباعهم ؟ " ثم قال بإحدى يديه على الأخرى : ~~"أحصدوهم حصدا حتى توافوني بألصفا" قال أبو هريرة : فانطلقنا ، فما نشاء أن نقتل ~~أحدا منهم. . إلا قتلناه، فجاء أبو سفيان فقال : يا رسول الله؛ آبيحت خضراء ~~قريش، لا قريش بعد اليوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أغلق بابه.. # فهو آمن"(2) ومن هذا أخذ الأكثرون أن مكة فتحت عنوة ، ويرد بأنه صلى الله عليه ~~وسلم لم ينص إلا على أوباشهم الذين من شأنهم الجهل والمبادرة بالقتال في غير ~~محله، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم : " من أغلق بابه.. فهو آمن".. ظاهر في ~~أن الكلام إنما هو فيمن قاتل؛ ليوافق الروايات الأخرى المقيدة بذلك، وبهذا يقوى ~~(1) انظر "سيرة ابن هشام" (389/4)، و0 الكامل" لابن الأثير (115/2)، و1 المنتظم" ~~(392/2)، و" عيون الأثر" (212/2)، و1 البداية والنهاية *(4/ 172) ~~2) مسلم (1780) PageV00P394 ~~============================================================ ~~ما ذهب إليه إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه: آنها فتحت صلحا، كما هو قضية ~~التأمين الذي وقع منه صلى الله عليه وسلم لمن دخل دار آبي سفيان، أو أغلق بابه، أو ~~دخل المسجد، ولم يقع قتال من جهة أعلى مكة التي دخل منها صلى الله عليه وسلم، ~~والعبرة بها لا بغيرها، على أن القتال الذي وقع في غيرها إنما كان دفعا لقتالهم كما ~~مر، وعلم مما تقرر في القصة : أنه صلى الله عليه وسلم أمر أكثر أصحابه بأن يدخلوا ~~من الحجون، ms359 وهو كداء - بالفتح والمد - وكان معهم في كتيبته الخضراء؛ لكثرة ~~ما معهم من السلاح، وهو على ناقته القصواء بين آبي بكر وأسيد بن حضير، وفيها ~~المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فرأى أبو سفيان ما لا قبل ~~له، فقال للعباس: لقد أصبح ملك ابن أخيك ملكا عظيما فقال: ويحك، إنه ليس ~~بملك ولكنها نبوة، قال: نعم، وأمر صلى الله عليه وسلم بقية أصحابه أن يدخلوا ~~من أسفلها، وهو كدي- بالضم والقصر- ولذا قال: ~~أخجمت عنده الحجون وأكدى عند إغطائه القليل كداء ~~(احجمت) أي : كفت وأمسكت (عنده) أي : عند ذلك النقع الذي حصل بمكة ~~لما اجتمعت فيها جنود الإسلام - مع ما هم فيه من كثرة الخيل والسلاح - الداخلون من ~~أعلاها وأسفلها (الحجون) - بفتح الحاء - وهو: الجبل المطل على مقبرة مكة ~~المسماة بالمعلاة، وذلك هو كداء - بالفتح والمد- أي : أن الفرقة التي كانت بالحجون ~~وإن أثارت فيه من النقع شيئا كثيرا.. للكنه قليل بالنسبة لما في مكة، فأمسك عن ~~محاكاة ما بمكة ( واكدى) أصله : قلة الخير، والمراد هنا : قلة التراب (عند) حال ~~من (كداء) (إعطائه) أي: كداء؛ لتقدمه رتبة، والمصدر مضاف للمفعول، ~~وفاعل الإعطاء النبي صلى الله عليه وسلم ( القليل) من الناس، مفعول المصدر الثاني ~~(كداء) - بضم الكاف والمد لغة قليلة فيه - أي : وقل غبار كداء الذي هو أسفل مكة؛ ~~لأن الفرقة الداخلين منه الذين أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم له كانوا قليلين ~~وعجيب من الشارح حيث لم يبين لهاذا الشطر معنى ملائما، مع كونه أوهم ضبط ~~(كداء) بالفتح، وهو فاسد؛ لأن المفتوح الحجون السابق في الشطر الأول، أو PageV00P395 ~~============================================================ ~~قريب منه، كما يصرح به كلام أثمتنا في المناسك وغيرهم ~~فإن قلت : هلذا البيت وإن كان فصيحا لفظا ؛ لما فيه من الجناس والمجاز من ~~حيث التعبير بالمحل عن الحال، والمجاز والاستعارة من حيث إسناد الإحجام والمنع ~~اللذين هما من صفات الحي إلن غيره ، على حد : { جدارا يريد أن ينقض كما مر بيانه ~~آنفا.. لكنه ركيك معنى؛ إذ لا حاصل له ؛ لأن من ms360 المعلوم أن ما بمكة من مجموع ~~الفرقتين الداخلتين من أعلى وأسفل ، وأن ما من مجموعهما أكثر مما من كل منهما، ~~ومثل هذذا ليس له كبير جدوى ~~قلت: بل فيه معنى يستفاد وله جدوى؛ لخفائه، وهو آن دخوله صلى الله عليه ~~وسلم وأكثر أصحابه كان من الحجون، والبقية من كدى، ووجه أخذه من النظم ~~واضح، فإنه خص إعطاء القليل بكدى، فدل على أنه صلى الله عليه وسلم والكثيرين ~~دخلوا من الحجون، ويصح أن يراد نفس البقعتين مبالغة ~~وعليه فيصح أن يكون (أحجمت) معطوفا على (أثارت) بحذف حرف العطف، ~~ففيها ضمير هو الفاعل يعود على الخيل، وأن (أكدى) مبني للمفعول ، والتقدير : أن ~~من قوة تلك الخيول أنها قهرتهم حتى أماكنهم، فكفت الحجون ومنعت كدى عن أن ~~ينتصرا لأهلهما لو تصور منهما ذلك، لا سيما وخيل كدى كانت قليلة، ويصح بقاء النظم ~~على إعرابه الأول، وهو أن (الحجون) فاعل، وأن (أكدى) مبني للفاعل، وأن ~~المراد: أنه صلى الله عليه وسلم نصر عليهم نصرا باهرا حتى إن بقاعهم ساعدته عليهم، ~~والتقدير: أن الحجون وكدى منعاهم عن أن يمدوا أعينهم إليه صلى الله عليه وسلم، أو ~~الى أحد من عسكره، وفي هذذا وما قبله من المبالغة ما لا يخفى عظيم وقعه عند الفصحاء. # وبين (الحجون) و(كداء) جناس معنوي ~~ودهث أوجها بها وبيوتا مل منها الإكفاء والإفواء ~~(ودهت) أي : أهلكت تلك الخيول والخيالة (أوجها) من الناس (بها) - أي : ~~بمكة قاتلت، كما مر- في الرواية المصرحة بذلك، المحمولة عليها الرواية PageV00P396 ~~============================================================ ~~المطلقة، وكذا جماعة لم يقاتلوا، لكن كانوا يبالغون في إيذائه صلى الله عليه وسلم ~~واظهار هجوه، فأمر بقتلهم وإن كانوا معلقين بأستار الكعبة، وعد منهم ستة رجال، ~~وأربع نسوة (و) أهلكت (بيوتا) كان أهل مكة يرجعون إلى أهلها (مل) أي : سثم ~~(منها الإكفاء) وهو في الشعر: المخالفة بين هجاء أو آخره، كأن يكون بعضها ميما ~~والاخر باء، وهنا: انكفاء تلك الوجوه على الناس لعلها تحميها آو تجيرها ~~(والإقواء) أصله: من قولهم: منزل قواء؛ أي: لا أنيس به، وأقوت ms361 الدار ~~وقوت؛ أي: خلت، ثم استعمل في الشعر مرادا به: أن تختلف حركات إعراب ~~الروي ~~وبما قررت به كلامه هنا وفيما قبله في : (قصدت فيهم القنا...) إلخ.. يعلم آنه ~~استعار (القوافي) للطعن المتتابع، ورشح بذكر (الإيطاء) ولمح بذكر (البيوت) ~~ترشيحا لبيوت الشعر المرشح بها وبذكر ما يختص بها من (الإقواء) و( الإكفاء) إلى ~~الاستعارة الأولى، وفيهما تورية ولف ونشر مشوش(1)، لأنه رجع (الإقواء) ~~ل( البيوت) باعتبار لمح بيوت الشعر، و(الإكفاء) ل( الوجوه) ؛ لأن الرأس إذا ~~قطع. انكفأت الوجوه وتحولت، واستعمل (الإقواء) في الخلو من حيث بيت ~~السكن، وفي تغيير القافية من حيث بيت الشعر، وكذلك (الإكفاء) من حيث تغيير ~~حركة الروي: ~~فدعؤا أخلم البرية والعف و جواب الحليم والإغضاء ~~(ف) بسبب ما حصل لأهل مكة من الخوف الذي ظنوا أنه مهلك لهم عن آخرهم ~~(دعوا) محمدا صلى الله عليه وسلم (أحلم البرية) - بالهمز في الأصل- أي: ~~الخلق؛ أي : طلبوا منه يوم الفتح آن يعفو عنهم، وأن لا يعاقبهم بما مضى منهم مما ~~كانوا أوصلوه إليه من الإيذاء الذي لا يتحمله غيره صلى الله عليه وسلم، فأجابهم إلى ~~(1) الظاهر: أنه من اللف والنشر المرتب؛ لأن لفظ (الإكفاء) مقدم على لفظ (الإقواء) في ~~النظم، فلعله سبق نظر، أو اعتماد على نسخة أخرى من النظم ، والله أعلم PageV00P397 ~~============================================================ ~~العفو قائلا لهم : " لا تثريب عليكم اليؤم" كما يأتي (والعفو) عمن سأله (جواب ~~الحليم) من : حلم - بالكسر - إذا ترك الانتقام بحق(1) (والإغضاء) أي: إرخاء ~~الجفون من الحياء ~~وفي ذكر (الحلم) و(العفو) و( الإغضاء) مراعاة النظير. # ناشدوه القريى ألتي من فريش قطعتها الترات والشخناء ~~(ناشدوه) بدل من (دعوا) (القربى) أي: حلفوه على آن يصل قرابتهم ويعفو ~~عنهم، أو بالقربى على حذف الجار؛ أي: حلفوه بالقرابة (التي) بينهم وبينه أن يعفو ~~عنهم، التي وصلت إليه (من) سائر بطون (قريش) وهم ولد النضر بن كثانة أحد ~~أجداده صلى الله عليه وسلم، حال كون تلك القربى (قطعتها الترات) بفوقيتين جمع ~~ترة، وهي مصدر (وتر) أي: قتل له قتيل ولم يدرك دمه ms362 (والشحناء) أي : التباغض ~~والتحاسد الذي كان بينهم. # فعفا عفو قسادر لم ينغض ه عليهم بما مضى إفراء ~~(ف) بسبب تلك المناشدة (عفا) صلى الله عليه وسلم عنهم (عفو قادر) لأنه ~~صلى الله عليه وسلم كان يسهل عليه إبادتهم عن آخرهم (لم ينغصه) أي: يكدر ذلك ~~العفو (عليهم ب) سبب (ما مضى) منهم، صفة (إغراء) تقدمت عليه فصارت حالا ~~(إغراء) من: أغريت الكلب بالصيد؛ أي: حملته على اصطياده، وهو فاعل ~~(ينغص) آي: لم يكدر عفوه عنهم اغراء سفهائهم وجهلائهم فيما مضى حال كونه ~~منهم حتى بالغوا في إيذائه بما لا يتحمله مخلوق كما تحمله صلى الله عليه وسلم ~~(1) قوله رحمه الله: (حلم بالكسر) لعل صوابه: بالضم؛ لأن قولهم : حلم الجلد- بالكسر ~~معناه : أصابه الحلم، وهو دود صغير يفسد الجلد وينقبه، والله أعلم PageV00P398 ~~============================================================ ~~وخلاصة ما أشار إليه الناظم: آنه صلى الله عليه وسلم لما كان الغد من يوم ~~الفتح.. قام خطيبا في الناس، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ، ومجده بما هو أهله، ثم ~~قال : " أيها الناس ؛ إن الله تعالى حرم مكة يؤم خلق الشماوات والأزض ، فهي حرام ~~بحزمة الله تعالى إلى يوم القيامة ، لا يحل لامرىء يؤمن بالله تعالى واليؤم الآخر أن ~~يسفك بها دما ، أو يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخحص فيها بقتال رسول ألله صلى الله ~~عليه وسلم.. فقولوا له : إن ألله أذن لرسوله ولم يأذن لكم ، وإنما أحلت لي ساعة مين ~~نهار - أي : من الفجر الى العصر - وقذ عادث حرمتها اليؤم كحرمتها بالأنس ، فليبلغ ~~الشاهد الغائب"(1) ثم قال : "يا معشر قريش ؛ ما ترؤن أني فاعل فيكم؟ " قالوا : ~~خيرا ، أخ كريم ، وابن أخ كريم ، ثم قال : " أذهبوا فأنتم الطلقاء "(2) أي : من ~~الأسر والاسترقاق، وفي رواية أنه قال لهم :" أقول لكم : كما قال يوسف لإخوته : ~~{ لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهه أتحم الراحميربب"(3). # وسر هذذا العفو وهلذه الؤصلة منه صلى الله عليه وسلم بعد القطع: أنه ناظر ~~إلى الله تعالى دون غيره. # (279 ~~وإذا كان القطع والوضل لله تساوى التقريب ms363 والإفصاء ~~(وإذا كان القطع والوصل لله) كما هو حال النبي صلى الله عليه وسلم (تساوى) ~~عند فاعل ذلك (التقريب) للأقارب والبعداء (والإقصاء) أي: الإبعاد للأقارب ~~والبعداء ، ولم يميز بأحدهما قريب ولا أجنبي؛ لأن النظر لرضا الله تعالى وامتثال أمره ~~لا غير، وهذذا من القول البديع الجامع: ~~(1) أخرجه أحمد (31/4)، والطبراني في " الكبير" (185/22)، والبيهقي في " الدلائل" ~~(82/5 ~~(2) أخرجه البيهقي في "السنن الكبري" (118/9) ~~(3) أخرجه البيهقي في " السنن الكبري" (118/9)، وبنحوه في "الدلائل " (86/5) ~~415 PageV00P399 ~~============================================================ ~~وسواء عليه فيما أتاه من سواه الملام والإطراء ~~(وسواء) بفتح السين والمد، ويجوز كسرها والقصر(1)، وهو فيهما بمعنى: ~~مستو، ويستعمل الأول بمعنى : التمام، ومنه قوله تعالى: سواء للتايلين، {إل ~~سواه الصرط وبمعنى الوسط، ومنه { فى سوآء الجحيو وبمعنى غير، قيل: ومنه: ~~{فقد ضل سوآء الشبيل} وهو وهم، وإنما هي بمعنى: وسطه (عليه) أي: الذي ~~تقريبه وإقصاؤه لله لا غير، وأجل من اتصف بهاذه المرتبة نبينا صلى الله عليه وسلم؛ ~~لأن خلقه القرآن، يرضى برضاه، ويسخط بسخطه، وهلذا خبر مقدم، ويصح كونه ~~مبتدأ (فيما أتاه من سواه) كلاهما حال من المبتدأ أو الخبر، وهو (الملام) بالسب ~~والتنقيص (والإطراء) أي: المبالغة في المدح حتى بغير الواقع، أي: سواء عليه ~~اللوم والإطراء حال كونهما مندرجين فيما أتاه من غيره من خير أو شر؛ آي : استوى ~~عنده مدح الغير وذمه؛ لأنه ليس تاظرا إلى نفسه، وإنما نظره إلى تصريف الحق في ~~خلقه بما آراده منهم ~~تنبيه: ما وقع للناظم هنا من حذف همزة التسوية بعد (سواء) والعطف ~~ب( الواو).. هو ما درج عليه الفقهاء في كتبهم، وهو لغة وإن كانت خلاف الأشهر ~~الشائع من ذكر الهمزة والعطف ب(أم) وقد صرح في " الصحاح " بتلك اللغة فقال : ~~(تقول: سواء علي قمت أو قعدت) وكذلك في " القاموس" فقال : (وسواء تطلب ~~اثين، سواء زيد وعمرو؛ آي : ذوا استواء، من استويا وتساويا: تماثلا) وقد صرح ~~سيبويه بالمسألة أتم تصريح، وأوضحها أكمل إيضاح، فقال كما في " البديع " عنه : ~~(إذا كان بعد سواء همزة استفهام. فلا بد ms364 من "أم " اسمين كانا أو فعلين، وإن كان ~~بعدها فعلان بغير ألف الاستفهام.. عطف الثاني به أو"، تقول: سواء علي قمت أو ~~قعدت، وإن كانا اسمين بلا ألف.. عطف الثاني بل الواو"، تقول: سواء علي زيد ~~وعمرو، وإن كان بعدها مصدران. كان الثاني بل الواو" أو حملا عليها) اه ~~(1) جواز ذلك في غير النظم ، لأن المد متعين هنا لأجل الوزن ، والله أعلم. PageV00P400 # ============================================================ ~~فعلم صحة ما عليه الفقهاء، واندفع قول ابن هشام : (إن ذلك لحن، وإن ما في ~~"الصحاح" سهو، وإن قراءة: أو لم تنذرهم من الشذوذ بمكان) اه(1) ~~فاستحضر ذلك فإنه مهم ~~(217 ~~ولو أن أنتقامه لهوى النف س لدامث قطيعة وجفاء ~~(و) من ثم (لو) مر فيها في بحث أوصاف قدمه صلى الله عليه وسلم ما يتبغي ~~مراجعته؛ لعزته ونفاسته (آن انتقامه) صلى الله عليه وسلم؛ آي: غضبه واستيفاء ~~الذي صدر منهم كان (لهوى النفس) الأمارة بالسوء، والمطبوعة على التكبر على ~~الغير، وحب التميز عليه بما يقهره ويذله له. (لدامت قطيعة) للرحم (وجفاء) ~~أي: إبعاد لها، وللكنه لم يكن كذلك، وإنما كان لله تعالى، فقطعهم حيث قطعوا ~~ما أمر الله به آن يوصل، ووصلهم- غير ناظر لما سبق منهم؛ من قتل أصحابه لا سيما ~~بأحد، والتمثيل بهم، وشج وجهه، وكسر رباعيته- حيث وصلوه بامتثال آوامره ~~واجتناب نواهيه، وكيف لا وقد ~~218 ~~قام لله في الأمور فأزضى الله منه تباين ووفاء ~~(قام) صلى الله عليه وسلم (لله) وحده، لا لهوى، ولا لحظ، ولا لرعاية ~~رحم أو صديق، وفي نسخة: (بالله) أي: مستعينا به (في الأمور) جميعها (ف) ~~بسبب قيامه لله تعالى، أو به (أرضى الله) تعالى (منه) صلى الله عليه وسلم، وهو ~~متعلق به (أرضى) أو حال من فاعله، وهو (تباين) لأعداء الله تعالى (ووفاء) ~~لأولياء الله من غير تعويل على حظ سوى رضا الله، ولهذا كان ~~(1) مغني اللبيب (13/1) ~~6 ~~47 PageV00P401 ~~============================================================ ~~(279 ~~فغله كله جميل وهل يذ ضع إلا بما حواه الإناء ~~(فعله) صلى الله عليه وسلم (كله جميل) لصدوره على ms365 أمتن قوانين الاعتدال، ~~وأحق موازين الكمال (و) لا بدع في ذلك ؛ إذ (هل) أي : ما (ينضح) أي : يسيل ~~مما فيه على ظاهره (إلا بما حواه) عائد على متقدم الرتبة، وهو (الإناء) أي: ~~لا ينضح الإناء إلا بما فيه، فمن امتلأ إناء قلبه خيرا. كانت أفعاله المشبهة بما ينضحه ~~الإناء كلها خيرا، ومن امتلأ إناء قلبه شرا.. كانت أفعاله كلها شرا، وليس أحد متحليا ~~بمعالي هذه الصفات الباهرة. إلا تبينا صلى الله عليه وسلم: ~~وهذذا من التذييل ، ومنه قوله تعالى : وهل ثحزى إلا آلكفور} ويصح أن يكون من ~~التتميم ، وفيه التلميح إلى المثل السائر ، وهو : كل إناء بالذي فيه ينضح (1). # 0 ~~أطرب الشامعين ذكر علاه يا لراح مالث به الندماء ~~(أطرب السامعين) أي: أسرهم وأفرحهم ونشطهم إلى محبته واتباعه وامتثال ~~جميع ما برز من حضرته صلى الله عليه وسلم (ذكر علاه) لأنهم يجدون لذلك رونحة ~~تفوق رونحة الراح (يا) حرف استغاثة (لراح) أي : خمر، مستغاث، ولذا فتحت ~~لامه، سميت بذلك؛ لأن شاربها يستريح ويرتاح من هموم الدنيا ما دام سكرانا بها ~~(مالت) أي: سكرت وتواجدت (به) أي : الراح المستعار لذكر علاه صلى الله عليه ~~وسلم، فهو مذكر لفظا ومعنى، فاندفع ما قد يقال : الراح: الخمر، وهي مؤنثة، ~~وتذكيرها شاذ (الندماء) أي: شاربو الخمر، سموا بذلك؛ لأنهم يتنادمون؛ أي : ~~يتخاطبون عليها بالأشعار التي فيها مدحها وغير ذلك، وفي هذا استعارة تصريحية، ~~واستعارة ترشيحية؛ لأنه شبه ذكر علاه في إطرابه لسامعيه بالراح في إطرابها لشاربها، ~~(1) هو في " مجمع الأمثال" للميداني (70/3) ولفظه: (كل إناء يرشح بما فيه) ويروى: ~~(ينضح). PageV00P402 # ============================================================ ~~ثم قرن بذلك ما يلائم المستعار منه ، وهو ذكر الميل والندماء: ~~واعلم : أن هذا الموصوف بهذه المعالي الذي أطرب السامعين ذكر علاه هو ~~النبي الأمي أغلم من أش ند عنه الرواة والخكماء ~~(البي الأمي) نسبة إلى الأم، وهو : من لا يكتب ولا يقرأ المكتوب، كأنه على ~~أصل ولادة أمه، أو مثلها؛ إذ الغالب في النساء عدم الكتابة، وقيل: نسبة لأم ~~القرى؛ أي: مكة، وقيل: ms366 غير ذلك، ومع كونه صلى الله عليه وسلم لا يقرأ ~~ولا يكتب.. أطلعه الله تعالى على علوم الأولين والاخرين، وجعله القدوة العظمى ~~لكل مخلوق في كل علم وحلم، وحكمة وخلق حسن، وسائر أوصاف الكمال، ~~وبوأه من الإحاطة بجميع مصالح الدنيا والدين، وقوانين سياسات العالم، ومتفرقات ~~الشرائع ، وعوارف المعارف.. ما لم يصل لشأوه مخلوق، وهلذا مقتبس من قوله ~~تعالى : { الذين يتبعون الرسول النبى الأمو الذى يجدونه مكثويا عندهم فى التورنة ~~والانجيل..} الآيات. # (أعلم) الخلق جميعا حتى (من) أي : من الأنبياء والمرسلين الذين (أسند) ~~اي: روي (عنه الرواة والحكماء) أي: العلماء الذين يضعون كل شيء في محله ~~فهو من عطف الأخص على الأعم، ولما قدم كثيرأ من أوصافه صلى الله عليه وسلم، ~~وأحواله وسيره ومغازيه.. انتقل بطريق لطيف إلى ذكر دار مولده وبعثته، ودار ~~مهاجره؛ لأنهما شرفا به على سائر الأمكنة، وإلى ذكر زيارته وتأكدها، والإشارة إلى ~~أنها من أفضل القربات وأنجح المساعي، وقد ألفت فيها كتابا حافلا لم أسبق إلى ~~مثله، مشتملا على جميع ما يتعلق بها، وسميته: " الجوهر المنظم في زيارة القبر ~~المكرم" وفيه أبلغ الرد والتضليل لمن نازع في ندبها بما يكون سببأ لسواد وجهه ~~وتبابه (1) في الدنيا والآخرة، فقال كانيا عن منة الله تعالى عليه بإشارته أنه هيأ له أسباب ~~تلك الزيارة من الزاد والراحلة الموصوفة بالصفات الحسنة الاتية، حتى كأتها مخاطبة ~~(1) التباب : الخسران والهلاك PageV00P403 ~~============================================================ ~~له تقول : فزر على ظهري، فإني أحملك ذهابا وإيابا، مع السلامة من التعثر، ~~والراحة من السير المتعب : ~~وعدثني أزدياره العام وجنا ومتث بوغدها الوجناء ~~(وعدتني) ذكر الموعود في حيزها كما هنا : يوجب اشتراكها بين الخير والشر، ~~وإنما يقع التمييز بالقرائن، وحذفه يعينه للخير، ويعين للشر أوعد (ازدياره) أي: ~~النبي صلى الله عليه وسلم، افتعال من: الزيارة، وإبدال الدال من التاء في نحو ذلك ~~مطرد، وهو منصوب بنزع الخافض؛ آي: بزيارته صلى الله عليه وسلم هذذا (العام ~~وجناء) أي : ناقة قوية، من: الوجن، وهي : الأرض الضلبة (ومنت) أي: ~~أنعمت (بوعدها) أي: بموعودها (الوجناء) المذكورة، ms367 وهلذا- كما علم مما ~~وطأت به أولا - كناية منه عن نيته للزيارة في تلك السنة، وإعداده ذلك المركوب لها، ~~فهو إخبار عن لسان حال ذلك المركوب ~~وبما تقرر من أن (أل) في (الوجناء) للعهد الذكري اندفع قول الشارح : بين ~~(وجناء) و(الوجناء) جناس، والعجب منه أنه صرح مع ذلك بأن (أل) للعهد ~~المستلزم لاتحاد اللفظين ، وأن الأول هو عين الثاني ~~أفلا أنطوي لها في اقتضائي ه لتطوى ما بيننا الأنلاء ~~(1) يليق بي أن أترك الزيارة أو أتباطأ عنها (فلا أنطوي) أي : أضم نفسي على ~~تلك الوجناء التي منت علي بما ذكر (لها) أي: لأجلها؛ ليسهل سيرها بي، فإن ~~حسن سير المركوب من حسن ركوب راكبه (في) حصول (اقتضائيه) أي: طلبي ~~منها لذلك الموعود، فالمصدر مضاف للفاعل وهو (الياء) و( الهاء) مفعوله، فإن ~~أريدت الإضافة إليها أيضا. كانت هلذه الإضافة غير صحيحة؛ لأنه اجتمع فيها آلتا ~~تعريف، وهو الإضافة إلى كل من الضميرين، وقد قالوا : لا يجوز اجتماع آلتي PageV00P404 ~~============================================================ ~~تعريف على معرف واحد، قالوا: وإنما جاز في إضافة الصفة من اسم الفاعل أو ~~المفعول أو الصفة المشبهة وأمثلة المبالغة اقتران المضاف دون سائر المضافات ~~ب(أل) لأن إضافة الصفة إلى معمولها لا تفيد تعريفا، بل تخفيفأ، فليس هنا محذور ~~اجتماع أداتي تعريف، بخلاف بقية المضافات اه ~~نعم؛ جرى لنا قول: إن إضافة المصدر إلى مرفوعه أو منصوبه غير محضة، ~~فعليه يجوز ما وقع في النظم؛ لأنه لم يجتمع أداتا تعريف فتأمله. # أما إذا لم يرد الإضافة ل( الهاء) وإنما آريد بقاؤها على نصبها. ففيه ارتكاب ~~ضرورة اتصال الضمير مع إمكان انفصاله. # (لتطوى) بالبناء للفاعل أو المفعول ، والأول أولى؛ إذ لا يلزم عليه زيادة (ما) ~~بخلاف الثاني (ما) أي: المسافة البعيدة التي (بيننا) أي: بيني وبين ذلك القبر ~~المكرم على الحاك به أفضل الصلاة والسلام (الأقلاء) جمع فلاة كما في القاموس" ~~وعبارته : (والفلاة : القفر، أو المفازة لا ماء فيها) ثم قال : (والصحراء الواسعة، ~~جمعه فلا وفلوات وفلي وفلع، جمع جمعه أفلاء) اه ~~وبه يندفع ما ms368 للشارح هنا، وجوز فيه الشارح كسر الهمزة مصدرا؛ أي: المسير ~~إلى فلاة بعد أخرى، ولا يلزم على بنائه للفاعل ، وأن (الأفلاء) جمع اتحاد الفاعل ~~والمفعول؛ لأنهما مختلفان بالاعتبار وبالحقيقة؛ إذ النظر في تلك المسافة المطوية ~~إلى السير البعيد ، وفي (الأفلاء) إلى الأمكنة المقفرة، ولا شك أن السير غير ~~حله فتأمله ~~وبين (أنطوي) و( لتطوى) جناس الاشتقاق، كهو آو شبهه بين (مباركها) ~~و(البركة)، و(حاورتها) و(الحوراء)، و(حنين) و(حنت)، و(نضت) ~~و(الإنضاء)، و( الخلاص) و(الخلصاء) الآتيات: ~~بألوف البطحاء يخفلها الئي حل وقذ شفت جؤفها الإظماء ~~() وجناء (ألوف) صيغة مبالغة من : ألف كعلم، متعلق ب (تطوي) وكان ~~القياس بها، لكن أظهر؛ لافادة وصفها بهذا الوصف الممدوح (البطحاء) المعهودة ~~471 PageV00P405 ~~============================================================ ~~ذهنا، وهي مكة وتوابعها، وأصل الأبطح والبطحاء : مسيل متسع فيه دقاق الحصى) ~~وهلذا وما بعده لسان حاله أبرزه على لسان حالها، مبالغة في آن به من تلك الأوصاف ~~ما لو كان لراحلته إدراك.. لكانت مثله فيها؛ لما تشاهده من حاله (يجفلها) أي: ~~يزعجها ويقلقها (النيل) أي: أرض مصر عن الإقامة بها مع أنها وطنها ومرباها ؛ ~~لشدة شوقها إلى التملي بتلك الأنوار، والتعفر بتراب تلك الآثار. # وبين (الإلف) و( الإجفال) جناس الطباق: ~~(و) الحال أنه (قد شف) أي: شرب رطوبة جوفها، أو أتحل (جوفها ~~الإظماء) أي : شدة العطش في طريقها، فهي راضية بهذه المشقة المؤدية إلى التلف ~~في جنب ما آملته في تلك الحضرة من مزايا الإنعام وخفايا التحف ، ولأجل ذلك ~~(296 ~~أنكرت مضر فهي تنفر ما لا ح بناء لعينها أو خلاء ~~(أنكرت) أرض (مصر) لأنها لا تؤمل فيها من تلك المواهب العلية معشار ~~ما أملته في تلك الحضرة الأحمدية، والساحة المصطفوية المحمدية (ق) بسبب هلذا ~~الإنكار المسبب عن ذلك الأمل (هي تنفر) - بكسر الفاء وضمها - أي: تجد في ~~الهرب من مصر إلى تلك الحضرة العلية (ما) مصدرية ظرفية (لاح) أي: ظهر من ~~أرض مصر (بناء لعينها أو خلاء) أي: فضاء، ولا ينافي هذا قوله: (بألوف ~~البطحاء) لأنها تألفها لتقطعها حتى تصل إلى مطلوبها، فعند توجهها ms369 إليه تجد في ~~السير، وتنفر إلى جهة مقصدها، سواء لاح لها في غير تلك الحالة بناء أو فضاء ~~وفسر الشارح (الخلاء) بالحشيش الرطب ، ويوجه بنظير ما ذكرته أنها تجد في ~~السير إلى جهة مطلبها وإن ظهر لها في غيرها قوتها الذي هو الحشيش الرطب، وهذذا ~~فيه من زيادة المبالغة ما لا يخفى عظيم وقعه، للكن يبعده مقابلته ب( البناء) بخلاف ~~ما ذكرته: ~~وقوله: (أو المراد به: ما بين آبنية مصر، وهو أقرب) اه. هو في غاية البعد ~~كما لا يخفى PageV00P406 ~~============================================================ ~~فأفضت على مباركها بز كثها فالبويب فالخضراء ~~(فأفضت) من الفضيض، وهو: الماء العذب أو السائل (على مباركها بركتها) ~~هي: أول محل يلي طريق الحجاز، يجتمع الحجاج فيه للتأهب لسفرهم، ولذلك كان ~~مجمعا عظيما، يجلب إليه كل ما يحتاجه الحجاج، سميت بذلك؛ لأن ماء النيل يأتي ~~إليها، فيمكث فيها زمنا طويلا، وكانت فضاء صرفا، فعمر فيها القطب الرباني البرهان ~~المتبولي رضي الله تعالى عنه من نحو سبعين سنة جامعا، وجعل فيه مجاورين يقرؤون ~~القرآن، فعادت بركته عليهم، حتى ذكر بعض صالحيهم ممن أدركناه يؤم بالجامع الأزهر ~~أنه اشتهى زيارة أمه بالعجم وهو ثم، فاستأذن الشيخ في السفر لتلك البلاد، فلم يأذن ~~له، ودخل إلى خلوته والناس يقرؤون القرآن على بابها، فرآى نفسه ببلده عند أمه، فسلم ~~عليها، وأقام عندها أربعة أشهر يعدها بالأيام والليالي، ثم اشتاق للشيخ، فرأى نفسه في ~~خلوته ، فخرج فرأى القراء قد قرؤوا في تلك المدة نحو ربع القرآن: ~~وهذذا من بعض كرامات الأولياء أن الله تعالى يطوي لهم الأرض، ويفسح لهم في ~~الزمن، ووقع لهم من نظائر ذلك ما لا يحصى ، وإنكار اتساع الزمن القليل دون طي ~~الأمكنة.. تحكم؛ لأن كليهما من حيز الكرامة، فإذا جاز أحدهما. جاز الاخر: ~~فتأمله ~~ثم بنى الشيخ ثم الناس حول ذلك الجامع أبنية وبساتين لا زالت تتسع ببركته حتى ~~صارت الان قرية كبيرة: ~~أي : فأفاضت البركة على مبارك تلك الناقة من الماء العذب ما أرواها وراكبها ومن ~~(ف) بعد البركة منازل ms370 للحجاج في هنذا الطريق أكثرها مشهور لغالب الحجاج) ~~فلا حاجة لنا إلى مزيد بيانها ، هي (البويب) وإنما حملت النظم على هذا؛ لايهامه ~~أن (أفضت) عام في الكل، وهو غير مراد إن أراد به ما ذكرناه، فإن أراد به أنه من ~~الفضاء؛ أي: فاتسعت على مبارك الناقة بركتها لمزيد سعتها.. صح عطف ما بعده ~~عليه من غير حاجة إلى التأويل الذي ذكرته. PageV00P407 # ============================================================ ~~وعجيب من الشارح حيث حمله على المعنى الأول ولم ينبه على عطف ما بعده ~~عليه الذي لا يصح إلا برعاية ما ذكرته ؛ لأن تلك المنازل أكثرها قفر معطش لا ماء فيه ~~أصلا (فالخضراء) وهي قريبة من المحل المسمى الان بعجرود، وفيه بثر ماء مر ~~مسهل، وبجانبها بركة تملأ من بيت المال ، يعم احتياج الحجاج إليها، وكان ذلك ~~من أصله حدث بعد الناظم، وإنما قلت : (من أصله) لأن بركته معلومة الحدوث في ~~أوائل هذا القرن: ~~فالقباب التي تليها فبير اث خل والركب قائلون رواء ل ~~ال ~~(فالقباب التي تليها) أي: المنازل السابقة؛ أي: الوادي المسمى بوادي ~~القباب؛ أي: زير الرمل المشبهة لارتفاعها وبياضها بالقباب البيض الحسية (فبتر ~~النخل) وبجانبها بركة تملأ من بيت المال أيضا، وماؤها أحسن من التي قبلها بكثير، ~~ولذا قال : (والركب قائلون) عندها؛ أي: مستريحون وقت القيلولة (رواء) من ~~الماء- بكسر أوله- جمع ريان أو رياء ~~299 ~~وفدث أيلة وحقل وقو خلفها فالمغارة الفيحاء اله ~~(وغدت أيلة) أى: عقبتها (وحقل) محل بعدها قريب منها، تسميه العامة مدور ~~حقن (وقر) ليس هذذا الاسم مشهورا عند الناس اليوم (خلفها) أي : الناقة ؛ لكونها ~~جاوزتها (فالمغارة) المنسوبة إلى شعيب النبي صلى الله عليه وسلم (الفيحاء) أي: ~~الواسعة ~~99 ~~فعيون الأفصاب يتبعها اليب حك وتثلو كفافة العوجاء ~~(فعيون الأقصاب) سميت بذلك؛ لكثرة ما فيها من القصب الفارسي (يتبعها ~~474 PageV00P408 ~~============================================================ ~~النبك) هذذا أيضا ليس بمشهور، وفي " القاموس" : (النبك - بالنون فالموحدة- : ~~بلد بين حمص ودمشق) (وتتلو) النبك (كفافة) وبها قبر ولي يسمى: مرزوقا ~~الكفافي، مشهور البركة، وله ذرية كثيرون مشهورون بالصلاح ، وللحجاج فيه اعتقاد ~~وتعظيم خارج عن ms371 الحد (العوجاء) أي: المنحرفة عن جادة الطريق، وجعل الشارخ ~~(كفافة) مفعول (تتلو) و( العوجاء) فاعله، فعليه هما محلان متغايران، وفيه ~~نظر؛ لأنه ليس ثم محل يعرف بالعوجاء أصلا، فالموافق للخارج ما ذكرته ~~حاورثها الحوراء شوقا فينبوع فرق الينبوع والحوراء ~~~~(حاورتها) أي: حادثت الناقة (الحوراء) فيما هي بصدده (شوقأ) منها لما ~~الناقة مشتاقة له وسائرة إليه ، وإثبات الشوق للجمادات غير منكر؛ لقوله تعالى لر ~~أنرلنا هذا القرهان عل جبل لرأيته خشعا تمتصدعا من خشية الله) ، وإن من شىء إلا يسيخ ~~بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} وهلذا مانع لحمله على التسبيح بلسان الحال؛ إذ لو كان ~~مرادا لم يقل : ولكن لا تفقهون . * إلخ، كقول النبي صلى الله عليه وسلم : 0 أحد ~~جبل يحبنا ونحبه". # (فينبوع) حاورتها شوقا أيضا، وهي بلدة معروفة من جملة الحجاز الذي هو مكة ~~والمدينة واليمامة وقراها، فقد ذكروا أن ينبوع هذذه من جملة قرى المدينة (ف) بسبب ~~محاورتها لهما (رق الينبوع والحوراء) المذكوران؛ لسماعهما ما يتعلق بالزيارة، ~~ومشاهدتهما للزائرين ~~9 ~~لاح بألد فنوين بذد لها بظ د حنين وحنت الصفراء: ~~(لاح) أي: ظهر (بالدهنوين) أي: فيهما، تثنية دهناء، إما لكونه غلب ~~اسمها، وهو: الدهناء، محل قبيل بدر على مجاورتها، أو أن ثم محلين كل يسمى ~~بالدهناء (بدر) وهو الان قرية عامرة، به عين كبيرة ونخيل، ومحل الوقعة المشهورة ~~به التي أعز الله بها الإسلام، مشهور، يزار ويتبرك بمن دفن به من الشهداء وغيرهم: PageV00P409 ~~============================================================ ~~وفي (بدر) تورية مرشحة با لاح) المناسب للمعنى الغير المراد. # وبقربه آية باقية من آياته صلى الله عليه وسلم وهي سماع صوت هائل كصوت طبل ~~الحرب في الجو، اشتهر على الألسنة أن هذذا لأجل نصرته صلى الله عليه وسلم ~~والفرح بها، وقد أنكره قوم فقالوا : لا حقيقة له، وإنما هي أصوات الريح تسمع في ~~ذلك الوادى عند قوة هبوبها؛ لأن في أوله جبلين عظيمين من الرمل، فإذا مشى ~~الإنسان بينهما وقوي عصف الريح. سمع ذلك الصوت. # وقال آخرون من أئمة المتأخرين : (بل له حقيقة ؛ لأنا ms372 ذهبنا إلى ذلك المحل ~~وأقمنا به حتى سمعناه والجو ساكن لا ريح به البتة، وتكرر سماعنا له المرة بعد ~~المرة) اه ~~وأقول: وقع لي أيضأ سماعه مرات متعددة في سفرات متعددة حيث لا ريح ~~ولا حركة دواب ولا مشاة ثم، ولقد كنت في بعضها مرافقا لجمع جم من وجوه مكة ~~ورؤسائها وعلمائها من المالكية والحنفية، فجرى الكلام بينهم في ذلك، فمنهم من ~~أنكره، ومنهم من أثبته، ثم وقع الاتفاق على الذهاب لذلك المحل، والرقي إلى ~~أعلى الجبلين؛ ليحاط بسبب ذلك الصوت، فذهبنا وأقمنا عليه نحو ربع النهار وتحن ~~لا نسمع شيئا، وقد هدأ الريح ولا أحد ثم غيرنا، وليس لأحد منا حركة، ففي آخر ~~الأمر سمعنا ذلك الصوت الهائل مرة واحدة فقط، فانصرفنا ومن المنكرين من رجع ~~ومنهم من آصر على إنكاره، ولقد جاءنا فقيه ساكن يؤذن ويؤم في مسجد البلد، ~~فسئل، فحلف آنهم ليلة الإثنين والجمعة يسمعون ذلك الصوت من أول الليل إلى ~~آخره، وفي غيرهما لا يسمعون إلا أحيانا، فالله سبحانه وتعالى أعلم بحقيقة ذلك: ~~(لها) أي: للناقة (بعد) - وفي نسخة (قبل) - ما لاح لها أرض (حنين) يقال : ~~انه جبل صغير قريب بدر، والظاهر : أن الناظم اعتمد في هذذا على ما هو المشهور في ~~ألسنة العامة ؛ إذ لم يذكر في " القاموس" غير حنين المذكور في الاية الذي هو عين بين ~~مكة والطائف ، وظاهر قول الشارح : (إن نسخة "قبل" أوضح؛ لأن حنينا بعد ~~بدر).. أن لما ذكره الناظم مستندأ، لكن لا يكفي هذا مع كون " القاموس " الجامع ~~المستوعب لم يذكره إلا كما مر (وحنت) لتلك الناقة وما هي فيه (الصفراء) قرية ~~معروفة متحرفة عن طريق أهل مصر، لا يمرون عليها إلا عند ذهابهم للزيارة. PageV00P410 # ============================================================ ~~ونضث بزوة فرابغ فالجخ فة عنها ما حاكه الإنضاء ~~(ونضت) أي : خلعت (بزوة) أي : خبئها المشهور(1)، وإسناد ذلك إليه وإلى ~~ما بعده مجازي (فرابغ فالجحفة) محل بعيد رابغ كان بلدة مشهورة لليهود، فدعا ~~النبي صلى الله عليه وسلم ربه آن ينقل حمى المدينة إليها، فكان ms373 لا يمر بها أحد حتى ~~الطائر إلا حم، وهي ميقات الحجاج المتوجهين من هذه الطريق كما صح به الخبر(2) ~~(عنها) أي: عن تلك الناقة ؛ لما أنها استبشرت بقطعها لتلك الأماكن (ما) أي : ~~ثوب التعب الذي (حاكه) أي : نسجه (الإنضاء) أي: الهزال، شبه الهزال بحائك ~~الثوب، والثوب بأثر الهزال من حيث إن الهزال يوجب للبدن من التعب ما يعمه ويستر ~~قوته كما يستر الثوب البدن، ثم خيل باثبات ما هو من لوازم المشبه به، وهي ~~الحياكة، ورشح له بذكر الخلع، فهي استعارة بالكناية، تتبعها استعارة تخييلية ~~وترشيية ~~وأرثها الخلاص بثر قلي فعقاب الشوئق فالخلصاء: ~~(وأرتها) أي: أبصرت تلك الناقة (الخلاص) من التعب (بثر) فاعل (علي) ~~وهي من آخر الخبت الذي بعد رابغ إلى مكة (فعقاب السويق) بعدها بقليل ~~(فالخلصاء) أي: المحل المشهور الان بخليص، فيه عين واسعة وبركة كبيرة: ~~1294 ~~فهي من ماء بشر غشفان أو من بطن مؤ ظمانة خمصاء ~~(فهي) أي : تلك الناقة (من ماء بثر عسفان) المشهورة (أو من) ماء عيون ~~(1) الخبت : الأرض الواسعة ~~(2) أخرجه البخاري (133)، ومسلم (1181) ~~4 PageV00P411 ~~============================================================ ~~(بطن مر ظمآنة) أي : عطشانة (خمصاء) أي : جوعانة ؛ لأن العادة أن الحجيج إذا ~~وصلوا لنحو عسفان.. اشتد شوقهم، فاشتغلوا عن سقي دوابهم وإطعامها إلى أن ~~يدخلوا مكة. # 299 ~~قرب الزاهو المساجد منها بخطاها فسالبطه منها وحاء ~~.ر ~~(قرب الزاهر) المشهور، قبيل ذي طوى (المساجد) المعروفة بمساجد عائشة ~~رضي الله عنها بالتنعيم (منها) أي: الناقة؛ أي : أن وصولها للمساجد جعل الزائر ~~قريبا منها؛ لأن المسافة بينهما نحو ميلين (بخطاها) أي: بسبب شدة جريها لما ~~أحست بالوصول (فالبطء) الحاصل (منها وحاء) - بمهملة قبلها واو مفتوحة - آي: ~~سرعة، وكأن مراده: أنها لما أحست بالوصول.. انقلب بطؤها سرعة، بمعنى: آن ~~بطأها زال وخلفته سرعة شديدة ~~هذه عده المنسازل لا ما عد فيه الشماك والعواء ~~~~(هلذه) المذكورات (عدة) غالب (المنازل) بين مصر ومكة التي عليها ~~المعول؛ لأن بها تعلم طريق الوصول إلى تلك المعاهد، ويتضح سلوك الوافد، ~~وينشط ببيانها القاصد (لا ما) أي : منازل القمر ms374 الثمانية والعشرون التي (عد فيه) ~~ذكره نظرا للفظ (ما) (السماك) الأعزل الذي هو من منازل القمر، ولهم سماك آخر ~~يسمى: السماك الرامح، لتكنه ليس من المنازل (والعواء) منزلة من منازل القمر، ~~وهي خمسة أنجم، فلا يعتد بهاذه كالاعتداد بتلك ~~فكأني بها أرحل من مي ة شنسا سماؤها البيداء ~~(فكأني بها) أي : على تلك الناقة (أرحل من مكة) إلى عرفة؛ لأن الحج PageV00P412 ~~============================================================ ~~عرفة، كما صح به الخبر(1)، ولأنها باب الملك الذي يقف به السائلون، ويلوذ به ~~المحتاجون، ثم الى مزدلفة للمبيت بها؛ لأنه نسك واجب أو مندوب أو ركن ~~كالوقوف أقوال، أصحها عندنا : الأول، ولأن فيها مقام الجمع الأكبر، ومن ثم ~~يت ~~وفي حديث- في سنده ضعف -: آنه صلى الله عليه وسلم دعا ربه بعرفة آن يكفر ~~عن أمته بالحج حتى التبعات فلم يستجب له، فدعا بذلك في مزدلفة فاستجاب له (2) ~~ثم إلى منى للرمي والمبيت بها، ثم إلى بقية المشاعر التي حول مكة وبها ~~(شمسأ) أي: حال كون تلك الناقة كالشمس في ارتفاعها؛ لرفعة ما هي ~~قاصدته، وقوة سيرها؛ لما عندها من عظيم الشوق، فتشبيهها بالشمس استعارة ~~بالكناية وإثبات السماء لها تخييل، وذكر (الرحيل) و(البيداء) تجريد؛ ~~لملاءمتهما للمشبه الذي هو الناقة (سماؤها) أي: تلك الناقة المشبهة بالشمس كما ~~تقرر (البيداء) أي: المفازة الواسعة، تشبيه بليغ، شبه الناقة بالشمس كما مر، ~~وشبه البيداء التي هي محل سيرها بالسماء التي هي محل سير الشمس بجامع السعة. # ولما ذكر مكة.. استطرد لذكر ما شرفها الله تعالى به على سائر البلاد فقال : ~~ا298 د: ~~مؤضع البيت مفبط الوخي مأوى الر شل حيث الأنوار حيث ألبهاء ~~اا ~~(موضع البيت) أي: الكعبة، بالجر بدل من (مكة) بدل بعض من كل، ~~وبالرفع خبر (هي) محذوفا، وعليه فمعنيى كونها موضعه: آنه في بعضها، وفيه ~~اقتباس من قوله تعالى : { إن أول بيت...} الآية. # هبط الوحي) نعت، أو بدل بعد بدل، أو معطوف بحذف العاطف على ما فيه ~~(1) اخرجه ابن خزيمة (2822)، والترمذي (889)، والنسائي (256/5)، وابن ماجه ~~(3015 ~~(2) أخرجه ابن ماجه (3013)، وأحمد ms375 (14/4)، وأبو يعلى (1578) ~~479 PageV00P413 ~~============================================================ ~~من الضعف والشذوذ، وكذا يقال فيما بعده؛ أي: محل تزوله على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة ~~والوحي لغة : الإشارة وكل كلام خفي، وشرعا : ما جاء به النبي المبعوث عن ربه ~~على لسان الملك ، أو بالإلهام، أو في النوم ، أو الإلقاء في الروع (مأوى) من : ~~أوى فلان إلى منزله (الرسل) الكرام، بل وسائر الأنبياء عليهم السلام، ومر تعريف ~~النبي والرسول أول الكتاب؛ لأنه ما من نبي إلا حج البيت كما في حديث(1)، ~~واستثناء صالح وهود لاشتغالهما بأمر قومهما لم يصح (حيث) ظرف مكان، فهو ~~كالذي بعده بدل مما قبله (الأنوار) الإلكهية منزلة ثم، وقدرت هذا ؛ لأن الأصح: ~~منع إضافة (حيث) إلى المفرد (2) ؛ أي : تنزلها دائما على قلوب الطائفين والعاكفين ~~والركع السجود (حيث البهاء) أي: الحسن المعنوي المكنى به عن حصول ملائم ~~النفس من الحكم والمعارف المفاضة على أهل هذذه الحضرة الإلهية والمعاهد ~~الربانية، حقق الله لنا ذلك فيها بمنه وكرمه آمين ~~وراعى النظير بذكر (الوحي) و(الرسل)، و(الأنوار) و(البهاء)، وكذا ~~(الطواف) وما بعده فيما يأتي ~~اها : ~~(حيث فرض الطواف والشغي والحذ ق ورني الجمار والإفداء ~~( ~~(حيث فرض الطواف) في حج آو عمرة، وأما خارجهما.، فهو حيث لم ينذر ~~سنة مؤكدة، ورد فيه فضائل جمة تحمل من آحاط بها على مزيد الإكثار منه، بل قال ~~بعض أثمتنا: إنه للغرباء أفضل من الصلاة؛ لأنه عبادة خاصة بهذا المحل لا توجد ~~في غيره. # (1) أخرجه البيهقي في * السنن الكبرى " (177/5) موقوفا على عروة بن الزيير ~~(2) تضاف (حيث) إلى المفرد على ندرة في ذلك، ومنه : ~~ونهم حيت الكلى بعد ضربهم ببيض المواضي حيث لي العمائم ~~انظر *مغني اللبيب (1/ 177) PageV00P414 ~~============================================================ ~~واختلفوا في أيما أفضل أركان الحج ، هو، أو الوقوف بعرفة؟ فقال جمع : هو؛ ~~لأنه ملحق بالصلاة، فيشترط فيه شروطها، بخلاف الوقوف؛ فإنه أمر عادي ~~لا يشترط فيه شيء، ولذالم يقبل الصرف ~~وقال آخرون : بل الوقوف؛ للحديث الصحيح: "الحج عرفة" أي: معظمه ~~ذلك؛ لأن من أدركها.. أدركه، بخلاف الطواف، ولأنه المتكفل بمغفرة ms376 الذنوب ~~وقضاء المآرب، كما في الأحاديث الصحيحة، ولأنه يشترط وقوعه حال الإحرام ~~المشعر بغاية الذل والافتقار، بخلاف بقية الأركان ، وهنذا أصح كما حررناه في كتبنا ~~الفقهية(1). # (و) حيث (السعي) أي: فرضه في أحدهما أيضأ، بناء على آنه ركن ~~لا واجب، كما هو مذهب الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه (و) حيث (الحلق) ~~أو التقصير في أحدهما أيضا؛ أي : فرضه، بناء على الراجح عندنا : أنه ركن (و) ~~حيث (رمي الجمار) أي: إيجابه لا على جهة الركنية (و) حيث (الإهداء) أي ~~سوق الهدي إلى مكة ثم ذبحه بها وتفرقته على ثلاثة من مساكينها المقيمين بها أو ~~الغرباء ، والأولون أولى إلا أن يكون الغرباء أحوج. # والمراد بمكة : كل الحرم، وهلذا محله إن نذر ذلك؛ لأن المعروف من مذهبنا ~~الذي هو مذهب الناظم : أن أصل الإهداء سنة ولو لغير الحاج، ومن ثم كان صلى الله ~~عليه وسلم يرسله إليها من المدينة وهو مقيم بها، لا واجب، وهلذه السنة كانت في ~~زمن السلف من مشاهير السنن، ثم تناساها الناس وأعرضوا عنها بالكلية ~~ويصح آن يريد با الإهداء) : كل دم وجب في النسك أو توابعه، أئم بسببه ~~كالحلق تعديا أم لا كالتمتع ، وموضع تفاصيل ذلك كله كتب الفقه والمناسك. # وذكره الفرض في الطواف فقط موهم آنه فرض دائما فلا يتنفل به، وأن ما بعده ~~ليس بفرض، مع آن منه ما هو ركن ولا يتصور ندبه ولا وجوبه في النسك وهو السعي ~~والحلق، وما هو واجب لا ركن وهو الرمي، وما هو واجب تارة وهو ما حصل لترفه ~~(1) انظر " تحفة المحتاج " بهامش " حواشي الشرواني " (95/4) PageV00P415 ~~============================================================ ~~أو جناية، ومندوب أخرى وهو ما فعل تطوعا؛ أي: من غير سبب، وكأن الناظم ~~وكل أمر هذا التفصيل للشهرة، وأنه ليس بصدد بيان ذلك: ~~حبذا حبذا معاهد منها لم يفيو آياتهن البلاء ~~(حبذا حبذا) تأكيد لفظي وهو سائغ هنا، ومر أول الكتاب الكلام على (حبذا) ~~بما يبغي مراجعته (1) (معاهد) جمع معهد، وهو في الأصل: المنزل الذي يعود إليه ~~مفارقوه دائما، وهذه المواضع ms377 كذلك ؛ لأن من فارقها.. فهو عائد إليها بالفعل تارة ~~وبالعزم أخرى (منها) أي: مكة، امتازت على بقيتها، كالكعبة ومسجدها، ودار ~~خديجة، والصفا والمروة، ومحل ولادته صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك من ~~المواضع المأثورة بها وبالحرم، كمنى ومزدلفة، بل وخارجه كعرفة (لم يغير آياتهن) ~~أي: علاماتهن الدالة على شرفهن من تعظيم الأمة لهن، وازدحامهم على التبرك ~~بزيارتهن ، والقيام بحقوقهن (البلاء) بفتح الباء ؛ أي : طول المدة الذي من شأنه أن ~~يغير الأشياء عما هي عليه، وذلك لأن الله تعالى صانها من التغير؛ لحرمتها لديه، ~~وفضلها عنده، وليستمر لهذه الأمة التمتع بها إلى آخر الدهر: ~~01 ~~بن ~~حرم آمن وييت حرام ومقام فيه المقام تلاء ~~(حرم) محرم بحرمة الله تعالى من يوم خلق السماوات والأرض كما في الحديث ~~الصحيح(2)، وحديث : "إن إبراهيم حرم مكة "(3) المراد به : أنه أظهر حرمتها التي ~~كانت خفيت على الناس، فلا تعارض بين الحديثين ~~وهلذا بدل من: (موضع) بدل كل من بعض، على حد: جتت عدن في ~~(1) عند شرح قوله : (حبذا عقد سؤدد وفخار) البيت رقم (11) ~~(2) أخرجه البخاري (1834)، ومسلم (1353) ~~(3) أخرجه البخاري (2129)، ومسلم (1360) ~~482 PageV00P416 ~~============================================================ ~~(مريم) بناء على إثبات ذلك البدل، كما هو رأي قوم قالوا به ولم ينظروا لإنكار ~~الجمهور له، ولا لمن منع الاستدلال بالآية، نظرا إلى أن (أل) في : الجنة ~~للجس، فيصدق بالجمع أيضأ، فلا بعض محقق يبدل منه الكل، أو للعهد ~~الخارجي؛ لأنه لا خارج حتى يكون معهودا، أو الذهني؛ لأن مدخول (اللام) ~~حينيذ بمنزلة النكرة، وهي موضوعة لفرد، وكأن وجه عدم نظر مثبت ذلك البدل لما ~~ذكر من وجوه المنع : أنه نظر إلى أن جنات عدن علم على الجنان الثمانية الموجودة ~~الأن، والجنة حيث أطلقت إنما يتبادر منها واحدة من تلك الثمانية، فصح ادعاء أنه ~~بدل بعض من كل بهذا الاعتبار(1)، وأما تجويز أنه بدل كل من كل، نظرا إلى أن ~~جنات عدن علم كما تقرر، وموضوعه شخصي، فيكون إبدال علم من نكرة، وذلك ~~أقرب إلى كونه بدل كل من كل.. فقد يجاب عنه بأن ms378 هلذا المدلول الشخصي أكثر في ~~الخارج من مدلول النكرة الذي هو الفرد المنتشر، وذلك أقرب إلى كونه بدل كل من ~~بعض منه إلى كونه بدل كل من كل: ~~وبهذا الذي قررته مما يكفي مثله في إثبات ذلك الرأي المخالف لرأي الجمهور. # يندفع ما أطال به السيد من التشنيع على من آثبته، كيف وقائله لا يبعد توجيه كلامه ~~بنحو ما ذكرته؟! وكل ما قرب مأخذه، بل أو احتمل.. لا تشنيع به على قائله. # ويجوز فيه العطف تظير ما مر، وآنه خبر مبتدا محذوف ~~وحدوده(2) معروفة في كتب الأثمة وعند أهل تلك الأماكن من أكثر نواحيه. # (آمن) أي : يأمن من فيه من شن الغارات واستباحة الحرمات ، بل كان الإنسان ~~يرى قاتل أبيه فيه فلا يتعرض له، ولما دخله الطوفان.. لم تعد فيه دابة على دابة، ~~وكان رجل من قوم أبرهة فيه فلم يصبه من رمي الأبابيل شيء حتى خرج منه ، هلذا في ~~الجاهلية، وأما بعد بعثته صلى الله عليه وسلم. فالمراد: أمن صيده وشجره ونباته، ~~وكذا لقطته وترابه عن أن يتعرض أحد إليها بقتل أو قلع أو قطع أو تملك أو نقل إلا ~~(1) كذا في جميع النسخ، والصواب: أنه بدل كل من بعض، كما يعلم مما قرره أولا، وقد ذكر ~~السيوطي هذا النوع من أنواع البدل في " الإتقان" (859/2) ، وفي " همع الهوامع" ~~(17913 ~~(2) أي: الحرم. PageV00P417 # ============================================================ ~~ما استثني، وهذا مقتبس من قوله تعالى: {حرماءامنا}، وفيه كا بيت حرام) الاتي ~~نوع تلميح ~~(وبيت حرام) أي: ذو حرمة باهرة وعزة قاهرة، وهذذا اقتباس من قوله تعالى: ~~جعل الله الكقبة البيت الحرام قيكما للناس} . # (ومقام) بفتح الميم ، هو مقتبس من قوله تعالى : { فيوه ايكتا بينك مقام إبزهيه} ~~وهو الحجر الذي نزل لابراهيم الخليل على نبينا وعليه الصلاة والسلام من الجنة، كما ~~صح به الحديث، ليقوم عليه عند بنائه الكعبة إذا طال البناء، فكان يعلو به إلى آن يضع ~~الحجر في محله، ثم يقصر به إلى آن يتناول الحجر من إسماعيل صلى الله عليهما ~~وعلى نبينا وسلم، ms379 وفيه أثر قدميه الكريمتين، وهو الذي نادى عليه لما فرغ من بناء ~~الكعبة: أيها الناس؛ إن الله قد بنى لكم بيتا فحجوا إليه، فسمعته النطف في ~~الأصلاب والأجنة في الأرحام فأجابوه بلبيك، وفي رواية: أنه نادى بذلك على ~~الحجون، ولا تنافي؛ لاحتمال أنه نادى مرتين ~~قال الأثمة : وبقاؤه من غير أن يتعرض له أحد في الجاهلية، مع كثرة السيول التي ~~كانت تدخل الحرم، وتزحزح ما هو اكبر منه بأضعاف مضاعفة. من آيات الله ~~الباهرة. # واختلفوا في موضعه الموجود فيه اليوم : هل هو الذي كان به في زمن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أو لا وإنما كان عند باب الكعبة، فرده عمر رضي الله تعالى عنه ~~الى موضعه اليوم اجتهادا منه ؟ قولان ، أصحهما : الأول. # ومن الغرائب ما قيل : المراد: الحجر الذي وضع الخليل عليه رجليه لما جاء بعد ~~موت هاجر ليزور إسماعيل فرآه غائبا، فسأل زوجته عن حاله فشكت، فقال لها: ~~مري زوجك يغير عتبة بابه، فجاء فأخبرته فطلقها، ثم جاء وقد تزوج آخرى فوجده ~~غائبا، فسألها عن حالهم فأثنت، ثم آمرته بالنزول لتطعمه فأبى، فوضعت له حجرا ~~ليغتل عليه، فوضع قدمه عليه وأمال لها رآسه فغاصت قدمه فيه، ثم حولته فغاصت ~~الأخرى فيه، ثم قال لها: مري زوجك فليلزم عتبة بابه ~~(فيه) أي: البيت الحرام، أو الحرم ، ولا يصح عوده لل المقام) نظير: ومن ~~دخله كانء امنا) PageV00P418 ~~============================================================ ~~(المقام) بضم الميم وجوز بعضهم فتحها؛ أي: الإقامة (تلاء) بفتح الفوقية ؛ ~~أي: جوار لمحل تنزل الرحمات وإقالة العثرات، وكأنه أخذ هلذا من أن أهل مكة ~~يسمون جيران الله؛ أي: بيته وحرمه، والعجب من الشارح حيث لم يبين معنى هذذه ~~القطعة مع خفائها واشتراكها بين معان - كما في " القاموس" - لا يناسب منها هنا إلا ~~هذذا ~~وبين (حرم) و(حرام) جناس الاشتقاق، كهو أو شبهه بين (مقام) ~~و(المقام)، وما يأتي من (قضينا) و(القضاء)، و(رمينا) و( رماء)، و(تنشر) ~~و(نشر)، و(شمت) و(شممت)، و(قباب) و(قباء) و( رحضتها) ~~و(الرحضاء)، و( حططنا) و(يحط)، و(قرأنا) و(الاقراء)، و(سمحنا) ~~و(يسمح) ، و( ذهلنا) و( أذهل) ms380 ~~0 ~~فقضيتا بها مناسك لايخ مذ إلا في فغلهن القضاء ~~(فقضينا) أي : أدينا؛ إذ القضاء يطلق على الأداء لغة كما في : قضيت الدين ~~(بها) أي: بمكة وما يسب إليها كعرفة ومزدلفة ومنى (مناسك) جمع منسك، من ~~النسك، وهو : العبادة؛ أي: أركان الحج والعمرة وواجباتهما وسننهما (لا يحمد ~~إلا في فعلهن القضاء) أي : لا يحمد الأداء حمدا مخصوصا في فعل عبادة إلا في ~~فعلهن، كيف وقد تميزن ببر الحج المتكفل بالجنة من غير عمل آخر، وبخروج فاعله ~~من الذنوب كيوم ولدته أمه، وبكونه أشعث أغبر، وبمنعه من مألوفاته الحسية ~~والمعنوية، وبفراقه لأهله ووطنه، وبتكفير تبعاته، على ما فيه من الخلاف ~~المذكور، وبكونه لا يضع قدما أو يرفعها إلا كتب الله له من الثواب ما لا يحيط به إلا ~~المتفضل به ~~وبقولي: (مخصوصا) يندفع ما يورد على النظم : أن غير الحج الأفضل منه ~~والمساوي له والمفضول عنه. يحمد فاعله أيضا ~~تبيه: بما قررت به قوله : (فقضينا) و(القضاء) يندفع ما للشارح هنا، ومن ~~485 PageV00P419 ~~============================================================ ~~جملته قوله : (لا يفسر "القضاء" آخر البيت بالفعل، ويتعين آنه الفراغ أو ضد ~~الأداء) ففسر القضاء بما ليس معناه لغة ولا شرعا، وبما لا يتصور في الحج وهو ~~قوله : (أو ضد الأداء) على أن استعمال القضاء بمعنى الأداء أشهر من الشمس لغة ~~وشرعا. # وقد حقق بعض المتأخرين : أن القضاء لا يتصور في الحج ؛ لأنه : ما فعل خارج ~~وقته، والحج وقته العمر، وتضيقه بخوف نحو عضب أو موت لا يقتضي آنه لو بان ~~الأمر على خلاف ظنه. يكون قضاء فيما بعد ذلك الوقت، إلا على الوجه الضعيف ~~في نظيره في صلاة يضيق عليه فعلها في الوقت ثم بان خلاف ما ظنه أنها تصير قضاء ~~وإن فعلت في الوقت ، وليس كذلك ، بل المعتمد - خلافا لكثيرين- : أنها أداء، كما ~~اتفق عليه الأصوليون أن القضاء : ما يفعل خارج الوقت المقدر له شرعا: ~~تنبيه ثان : لا يتوهم أن ما وقع في النظم من تقديم المستثنى المختلف فيه؛ لأن ~~محل ما قاله الجمهور من منع تقديمه ms381 إنما هو إذا كان أول الكلام تحو : إلا زيدا قام ~~القوم، وجوزه الكوفيون، فإن تقدم على المستثنى منه وعامله فقط.. ففيه مذاهب، ~~والذي عليه الأخفش وصححه أبو حيان.. جوازه إن كان العامل متصرفا فقط، تحو: ~~ألا كمل شيء مسا خلا الله باطل (1) ~~فالاستثناء من ضمير (باطل) العامل في ذلك الضمير، وما هنا لا تقدم فيه على ~~مستثني منه، لأنه مقدر كما قدرته، ولا على عامله، وإنما هو على حد: ~~إذا لم يكن إلأ النبيون شافع(2) ~~(1) هلذا صدر بيت من الطويل، وعجزه : ~~وكل نعيم لا محالة زائل ~~وهو للبيد بين ربيعة العامري رضي الله عنه في " ديوانه " (ص145) ~~(2) هذا عجز بيت من الطويل، وصدره: ~~فانهسم يرجون منه شفاعة ~~وهو لحسان بن ثابت رضي الله عنه في ديوانه " (1/ 267)، ولكنه بنصب ~~(التبيون) فليتنبه ~~487 PageV00P420 ~~============================================================ ~~وحكى سيبويه : ما لي إلا أبوك أحد، قال : فيجعلون (أحد) بدلا، و( أبوك) ~~مبدلا منه ~~قال ابن عصفور: ولا يقاس على هذه اللمغة، وقد قاسه الكوفيون والبغداديون ~~وابن مالك، وعليه فلا اعتراض على المتن ~~اا ~~ورمينا بها الفجاج إلسى طي بة والشير بالمطايا رماء ~~(ورمينا بها) أي: الناقة (الفجاج) جمع فج، وهو الطريق؛ أي : ألقيناها فيها ~~لتسير بنا (إلى طيبة) هي المدينة على مشرفها افضل الصلاة والسلام، سميت بذلك ~~لأن الله تعالى طيبها لرسوله صلى الله عليه وسلم، فجعلها دار هجرته، ومحل ~~نصرته، وموضع تربته، ولها أسماء أخر كثيرة جدا (والسير بالمطايا) جمع مطية، ~~وهي الدابة تمطو؛ آي: تجد في سيرها (رماء) مصدر راميته؛ آي: تشبه سير ~~السهم إذا رمي به ~~فأصبنا عن قؤسها غرض القز ب ونعم الخبيئة الكؤماء ~~(ف) بسبب آن سيرها يشبه سير السهم آشبهت القوس، وحينئذ ( أصبنا عن قوسها ~~غرض القرب) أي: المدينة المشبهة بالغرض في كونه المقصود بالرمي أو السير، ~~فتشبيه الناقة بالسهم استعارة بالكناية، وإثبات الرمي استعارة تخييلية، وذكر ~~(القوس) و( الغرض) ترشيح، ويصح كونها شبهت بالقوس، فهي استعارة بالكناية ~~أيضا، وإثبات القوس لها تخييل، وذكر (السهم) و( الإصابة) و(الغرض) ترشيح ~~(ونعم الخبيئة) ms382 - أي: الذخيرة - الناقة (الكوماء) هي المخصوص بالمدح، وهو ~~خبر مبتدأ محذوف أو عكسه، فقول الشارح: إنه صفة (الخبيئة) ليس في محله، ~~وهي - أعني : (الكوماء) - العظيمة السنام. # 487 PageV00P421 ~~============================================================ ~~(309. # فرأينا أرض الحبيب يئض الط حرف منها الضياء واللألاء ~~(فرأينا) أي: أبصرنا المدينة وما حواليها التي شرفها الله تعالى بأن جعلها (أرض ~~الحبيب) أي: حبيب رب العالمين، فتميز صلى الله عليه وسلم بمقام المحبة الذي ~~هو أجل وأعلى من مقام الخلة ؛ لأن المحبة الكاملة تستدعي الخلة وزيادة: ~~أي : أرض المدينة وما حواليها (يغض) أي : يخفض (الطرف) مفعول (منها) ~~أي : من أجل الجلالة التي حفتها (الضياء) المشرق عليها حسا ومعني (واللألاء) ~~آي : البرق اللامع على صفحاتها المشار به إلى مواهب الحق المفاضة على الزائرين ~~وفي (الضياء) و(اللألاء) مراعاة النظير. # (306/ ~~فكأن البيداء من حيث ماقا بلت العين رؤضة غناء ~~(فكأن) - بالتشديد وقد تخفف ، نحو: { كأن لتر يدعنا إل ضرمسه } - للتشبيه ~~المؤكد؛ لأن الأكثر أنه مركب من (كاف) التشبيه و( أن) المؤكدة ، فالأصل في ~~تحو: كأن زيدا أسد : إنه كأسد، قدم حرف التشبيه اهتماما به ففتحت ( أن) لدخول ~~الجار عليها، قال بعضهم : وإنما تستعمل حيث يقوى الشبه حتى يكاد الرائي يشك في ~~أن المشبه هو المشبه به أو غيره ؟ ولذلك قالت بلقيس: { كأنه هو} قيل : وترد للظن ~~والشك فيما إذا كان خبرها غير جامد (البيداء) من تلك الأرض، وهو: اسم لمحل ~~قريب من ذي الحليفة المشهور اليوم بأبيار علي (من) للتعليل أو ابتداء الغاية، وكل ~~منهما خفي، فالأحسن: آنها زائدة على مذهب الأخفش وجماعة (حيث ما) (ما) ~~زائدة (قابلت العين) الناظرة إليها (روضة غناء) أي: كثيرة العشب والنبات والأزهار ~~والثمار. # 488 PageV00P422 ~~============================================================ ~~وكسأن البقاع زرت عليها طرفيها ملاءة حمراء ~~(وكأن البقاع) أي : الأماكن التي حول المدينة المنورة لكثرة ما يغشاها من ~~الأنوار والأضواء المنزلة على ضريحه المكرم صلى الله عليه وسلم (زرت عليها) ~~أي: البقاع (طرفيها) عائد لقوله: (ملاءة) - بضم أوله- وهي ثوب عريض، أو ~~ثوبان ملفوفان، كذا قيل، وعبارة شرحي للا شمائل الترمذي " : (الملاءة - بالضم ~~والمد- وهي - كما ms383 في " القاموس"-: كل ثوب لم يضم بعضه إلى بعض بخيط، بل ~~كله نسج واحد، وفي " النهاية" : هي الإزار، وفي "الصحاح" : هي الملحفة، ~~ولا تنافي؛ لصدقها على التعريف الأول بكل من هلذين) اه ~~وبها يعلم أن الثوبين الملفوفين ملاءتان لا ملاءة واحدة ~~(حمراء) شبه تلك الأنوار والأضواء التي غشيت تلك البقاع وعمتها من سائر ~~جوانبها بخيمة حمراء شدت على ما فيها آزرارها في عراها من سائر جوانبها. # 1308 ~~وكأن الآرجاء تنشر نشر أل مشك فيها الجنوب والجربياء ~~(وكأن الأرجاء) أي : نواحي المدينة المنورة (تنشر) أي : تذيع (نشر) أي : ~~ريح (المسك فيها) أي: تلك الأرجاء (الجنوب) وهي الريح التي تقابل الشمال ~~(والجربياء) - بكسر الجيم ككيمياء- وهي- كما في " القاموس" -: الشمال أو ~~بردها، أو الريح بين الجنوب والصبا، وهي التي تثير السحاب، وهي المراد هنا: ~~(309 ~~فإذا شمت أو شمنت رباها لاح منها برق وفاح كباء ~~(فإذا شمت) بكسر الشين المعجمة؛ أي: نظرت إلى سحائب البرق التي تمطر ~~في تلك البقاع (أو شممت) في " القاموس" : (شممته بالكسر أشمه بالفتح، ~~489 PageV00P423 ~~============================================================ ~~وشممته أشمه بالضم)(1) (رباها) جمع ربوة بتثليث الراء ، وهي : ما ارتفع من ~~الأرض (لاح) أي : ظهر، وهو راجع ((شمت) (منها) أي : تلك البقاع (برق) ~~راجع للأول (وفاح) راجع ل (شممت)، ففيه لف ونشر مرتب، (كباء) - بوزن ~~كساء عود البخور، أو ضرب منه؛ آي: ريحه، من: كبى- بالتشديد- ثوبه؟ # اى: بخره: ~~وبين (فاح) و( لاح) جناس مضارع. # 1 ~~أي ثور وأي نور شهذنا يوم أبدث لنا القباب قباء ~~~~(أي نور) باهر (وأي نور) - بفتح أوله- أي: زهر نضير، وبينهما الجناس ~~المحرف، ومنه حديث : " اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي" (شهدنا) أي : ~~شهدناهما؛ آي: رأيناهما بأبصارنا وبصائرنا (يوم) ظرف ل (شهدنا) (أبدت لنا ~~القباب) التي هناك (قباء) محل مشهور بينه وبين المدينة نحو ثلاثة أميال ~~311 ~~قو منها دنعي وقر أضطباري فدموهي سيل وصبري جفاء ~~با ~~(قر منها دمعي) أي: كثر وانهمل من آجل ما شهدته حسرة على ما مضى لي من ~~فراقه، أو فرحا بوصولي إليه، أو خوفا من ms384 التقصير بعدم رعاية الأدب في تلك ~~الحضرة الجليلة (وفر) أي : ذهب (اصطباري) لا سيما بعد أن وصلت إلى هذذه ~~الربي، وأنخت رحلي بقبا. # وبين (قر) و(فر) الجناس المصحف. # (فدموعي سيل) عظيم (وصبري جفاء) بضم الجيم؛ آي: زبد، فكما أن ~~السيل يذهب بذلك الزبد في آسرع وقت فكذلك دموعي تذهب بصبري فلا يبقى عندي ~~(1) آي : هو من باب فرح ونصر. # 490 PageV00P424 ~~============================================================ ~~منه شيء ، وهلذا من جناس التذييل ، كقوله الاتي: (وكم أذهل صبا...) إلخ، ~~وفيه لف ونشر مرتب: ~~فترى الروكب طائرين من الشو ق إلسى طيبة لهم ضؤضاء ~~(ف) بسبب ما ذكر آن ما شوهد يوجب كثرة الدمع وفناء الصبر (تري) أيها ~~المخاطب (الركب طائرين) أي: جادين في السير، حائين لدوابهم ليستخرجوا منها ~~أقصى ما يمكنها من الإسراع (من) أجل (الشوق إلى طيبة) المشرفة، فكيف ~~بمشرفها عليه أفضل الصلاة والسلام ؟1 (لهم ضوضاء) أي: أصوات عالية بالصلاة ~~والسلام عليه صلى الله عليه وسلم ~~وعبارة " القاموس" : (الضوضى) مقصورة : الجلبة وأصوات الناس، لغة في ~~المهموزة) اهوبها يعلم رد ما قاله الشارح ~~(31- ~~فكأن الزؤار ما مست البا ساء منهم خلقا ولا الضراء ~~(فكأن) عطف على (فترى) (الزوار ما مست البأساء) أي : شدة السفر ومشقته ~~(منهم خلقأ ولا الضراء) تأكيد لما قبله، وكيف يمسهم شيء من ذلك و ~~كل نفسي منها ابتهال وشؤل ودعاء ورفبة وابتفاء ~~(كل نفس) منهم يتكرر (منها ابتهال) أي: تضرع إلى الله تعالى في أن يقيل ~~عثارها ويقبل آثارها (وسؤل) أي: توسل إلى الله تعالى بأحب خلقه إليه (ودعاء) ~~إطناب (ورغبة) فيما عند الله تعالى من جزيل الثواب (وابتغاء) أي : طلب لما ~~عند الله تعالى ~~49 PageV00P425 ~~============================================================ ~~(319 ~~وزفير تظن منه صدورا صادحات يعتادهن زقاء ~~(وزفير) أي: تواتر النفس وصعوده لشدة ما يعتري القلب من خشية المؤاخذة بما ~~فرط منه، وتفسير الشارح له تارة باغتراق النفس للشدة(1) وتارة بحبسه.. فيه قصور عن ~~ذكر تصاعده الذي لا بد منه في حده (تظن) أيها المخاطب (منه) أي : من أجل كثرة ~~ذلك الزفير وشدته بحيث يسمع ms385 له صوت في الصدور، ومن ثم جاء : آن صدره صلى الله ~~عليه وسلم لشدة ما عنده من الخوف كان يسمع له أزيز كأزيز المرجل(2) (صدورا) ~~مفعوله الأول، طيورا (صادحات) أي : مصوتات (يعتادهن زقساء) بالزاي والقاف ؛ ~~أي: صوت عال، والحاصل: أن ذلك الزفير من شدته ظهر له في صدورهم صوت أشبه ~~صوت الطيور الصادحات اللاتي يعتادهن التصويت بشدة وعلو صوت ~~وبكاء يغريه بالعين ما ونحب يحته أشتغلاء ~~(وبكاء يغريه بالعين) أي : يحمله على ملازمته لها (مد) أي: سيل من الدموع ~~نشأ عن حرقة القلب لفراق المحبوب، أو خشية قطيعته، أو عن فرحه بلقيا الحبيب ~~والمثول في حضرته (ونحيب) وهو: رفع الصوت بالبكاء (يحثه) آي: يحصله ~~ويزيد فيه (استعلاء) أي : علو الصوت بشدة وتتابعه بالبكاء ~~وجسوم كأنما رحضتها من عظيم ألمهابة الؤحضاء ~~(وجسوم كأنما رحضتها) أي: غسلتها، ولذا سمي المغتسل مرحاضا (من ~~(1) اغتراق النفس: استيعابه في الزفير ~~(2) اخرجه ابن خزيمة (900)، وابن حبان (165)، والنسائي (13/3)، وأحمد ~~25/4)، وغيرهم . والمرجل: القدر من التحاس: PageV00P426 ~~============================================================ ~~عظيم المهابة) آي: الجلالة التي استولت على قلوبهم لما أناخوا رحالهم بتلك ~~الحضرة الجليلة (الرحضاء) أي : العرق الكثير من أثر الحمى؛ أي : جسوم قام بها ~~من عظيم المهابة ما آزعجها إزعاجا يتولد عنه كثرة عرقها حتى كأنه غسلها: ~~(368) ~~ووخوه كاتما البستها من حياء ألوانها الحزباء ~~(ووجوه) تتلون بألوان مختلفة ؛ لشدة ما عندهم من القلق والخوف والحياء منه ~~صلى الله عليه وسلم عند القدوم عليه بوصف التقصير وعدم كمال الاتباع له، حتى ~~(كأنما ألبستها من) أجل (حياء) بالمد، ومر تفسيره وأنه غريزي باعتبار آصله، ~~ومكتسب باعتبار كماله (ألواتها الحرباء) دويبة مشهورة، ذات آلوان متعددة، ~~تستقبل الشمس برأسها ~~ودموع كانما أزسلتها من ففسون سحابة وطفاء ~~(ودموع) من شدة البكاء والحزن على عدم القيام بواجب تلك الحضرة ومشرفها ~~عليه أفضل الصلاة والسلام (كأنما أرسلتها من جفون سحابة وطفاء) أي: مسترخية ~~الجوانب لكثرة مائها، شبه ما عندهم من الحزن الباعث لهم على غزارة الدمع وكثرة ~~تتابعه بسحابة مملوعة ماء، ثم جرد بذكر الجفون، ورشح بذكر ms386 الوطف، وخيل ~~باثبات السحابة للمشبه، ففيه أربع استعارات ~~وفي قوله : (كل نفس..) إلى هنا من مراعاة النظير والانسجام البديع الذي ~~هو: سهولة الألفاظ وعذوبتها بحيث شابهت الماء العذب الذي من شأنه الانسجام ~~والسيلان والرقة والحلاوة. ما لا يخفى على ذي ذوق عظيم بلاغته، ومر له كثير من ~~هلذا النوع. # 493 PageV00P427 ~~============================================================ ~~فحططنا الرحال حيث يحط أل وزر عنا وتزفسع الحؤجاء ~~(ف) بعد أن وصلنا إلى ذلك القبر المكرم صلى الله على الحال به وسلم على ~~ما بينا مما مر شرحه بقوله: (كل نفس.) إلى هنا (حططتا الرحال) بفناء كرمه ~~صلى الله عليه وسلم نستمطر سحائب القبول والإنعام، ونستقيل عثرات التقصير ~~والآثام ، قال الله سبحانه وتعالى : { ولؤ أنهم إذظلموا أنفسهم جاه ولك فأستغفروا ~~الله وأستغفر لهم الرسول لوجد وا الله توابا رحيما ~~(حيث) أي : في مكان (يحط الوزر) أي : الإثم والثقل (عنا) فيه بشفاعة ~~مشرفه عليه أفضل الصلاة والسلام (وترفع) عنا بلحظه وإسعافه وإمداده صلى الله عليه ~~وسلم (الحوجاء) أي: الحاجة بفناء النفوس وطلوع البدور وشروق الشموس حتى ~~نصل إلى العيان، ونستغني عن الاستدلال والبرهان. # وبين (الحط) و(الرفع) طباق: ~~.1928.. # وقرأنا السلام أنرم خلق الله من حيث يشمع الإقراء ~~(وقرأنا السلام أكرم) أي : على أكرم (خلق الله) وأفضلهم كما مرت أدلته ~~مستوفاة أول هذا الشرح، واقتدى الناظم في هلذا بالسلف، فإنه جاء السلام عليه ~~صلى الله عليه وسلم عند قبره عن ابن عمر وغيره من السلف، بل قال المجد اللغوي : ~~السلام عليه صلى الله عليه وسلم عند قبره أفضل من الصلاة عليه عنده؛ أي : للأخبار ~~الكثيرة الواردة فيه ، كخبر : 1 ما من أحد يسلم علي عند قبري. . إلا رد الله علي ~~روحي حتى أرد عليه السلام "(1) ، ويعارضه الحديث الصحيح : ( إنه تعالى يصلي هو ~~(1) أخرجه أبو داوود (2034)، والبيهقي في " السنن الكيرى" (245/5)، وأحمد ~~(2/ 527) دون لفظ : "عند قبري". PageV00P428 # ============================================================ ~~وملائكثته على المصلي علي في الصلاة الواحدة عشرا)(1) وفي رواية : " مئة" ، ~~وصلاة الله تعالى أفضل من رده صلى الله عليه وسلم وإن كان رده دعاء لا يرد، ms387 على أنه ~~صلى الله عليه وسلم يرد الصلاة عليه كالسلام، فالأولى : أن توجه أفضلية السلام بأنه ~~شعار اللقاء والتحية، فحينيذ تختص أفضليته بحالة اللقاء عند كل زيارة، أما إذا سلم ~~سلام اللقاء. فالصلاة بعده أولى من استمرار السلام وإن كان باقيا في مقام الزيارة، ~~ويدل لذلك صنيع العلماء، فإنهم لما ذكروا أن الزاثر يبدأ بالسلام. ذكروا أنه يختم ~~بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم: ~~(من حيث) أي : من مكان وقوفنا بتلك الحضرة الذي (يسمع الإقراء) للسلام ~~منه، وفيه رد العجز على الصدر، وما اقتضاه كلامه من آن زائره صلى الله عليه وسلم ~~اذا صلى وسلم عليه عند قبره، يسمعه سماعا حقيقيا، ويرد عليه من غير واسطة، ~~وأن من صلى أو سلم عليه من بعيد.. لا يسمعه إلا بواسطة.. تدل عليه أحاديث كثيرة ~~ذكرتها في كتابي " الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود " ~~صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وذكرت منها جملة في الجوهر المنظم في زيارة ~~القبر المكرم "، ومنها ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم- بسند جيد، وقيل: إنه ~~غريب-: "من صلى علي عند قبري.. سمعته، ومن صلى علي من بعيد.. # أعلمته "(2) وصح - وإن نوزع فيه - : " ما من أحد يسلم علي إلأ رد الله الي روجي حتى ~~أرد عليه السلام " وصح - من غير نزاع فيه يعتد به - : " من أفضل أيامكم يؤم الجمعة، ~~فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة ، وفيه الصعقة، فاكثروا علي من الصلاة ~~فيه، فإن صلاتكم مغروضة علي" قالوا : يا رسول الله؛ وكيف تعرض صلاتنا عليك ~~وقد أرمت ؟ أي : بوزن ضربت ، يعني : بليت ، قال : " إن الله عز وجل حرم على ~~الأرض أن تأكل أجساد ألأنبياء"(3) وفي رواية زيادة : " فنبي الله حي يززق "(4) وبقيت ~~1) اخرجه مسلم (384)، وابن خزيمة (418)، وابن حبان (904)، وغيرهم بمعناه ~~(2) أخرجه البيهقي في " الشعب " (1583)، وانظر "ضعفاء العقيلي "(136/4) ~~(3) أخرجه ابن خزيمة (1733)، وابن حيان (910)، وأبو داوود (1040)، والنسائي ~~3/ 91)، وابن ماجه (1085) ~~4) عند ابن ماجه (1237) ~~495 PageV00P429 ~~============================================================ ~~أحاديث آخر متعارضة، جمعت بينها في الكتاب السابق بأنه صلى الله عليه وسلم ms388 يبلغ ~~الصلاة والسلام إذا صدرا من بعد، ويسمعهما إذا كاتا عند قبره الشريف، ومع سماعه ~~لهما يبلغهما أيضا، زيادة في إكرام الزائر والاعتناء بشأنه، والاستمداد له بذلك ، ~~سواء ليلة الجمعة وغيرها ~~وأما رده صلى الله عليه وسلم.. فهو عام لمن عند قبره ولغيره ؛ لأنه صح: آن من ~~سلم على قبر آخيه المؤمن سمعه ورد عليه، فلو اختص رده صلى الله عليه وسلم ~~بزائره.. لم تكن له خصوصية بذلك، وكفى الزائر تمييزا أنه صلى الله عليه وسلم ~~يسمع صوته من غير واسطة، ويكفي المصلي والمسلم من بعيد وقريب رده صلى الله ~~عله وسلم ~~ومعنى رد روحه صلى الله عليه وسلم السابق: رد نطقه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ~~ي على الدوام، فروحه لم تفارقه أبدا، وصح : "الأنبياء اخياء في قبورهم ~~يصلون "(1). # والأحاديث في ذلك كثيرة جمعها الإمام البيهقي في جزء(2)، واستدل بها على دوام ~~حياة الأنبياء حياة مخصوصة أعلى وأتم من حياة الشهداء المنصوص عليها في القرآن. # 12 ~~وذهلنا عند اللقاء وكم اذ هل صبا من الحبيب لقاء ~~(وذهلتا) آي: غبنا عن إحساسنا، أو غبنا عما نحن بصدده (عند اللقاء) لما ~~استولى علينا من سبحات ذلك الجلال، ونسمات ذلك الجمال (و) لا بدع في هذا ~~الذهول؛ إذ (كم أذهل صبا) أي: شديد الصبابة التي هي : رقة الشوق وغلبة ~~استيلائه (من الحبيب) أي : المحبوب، وهو متعلق بقوله : (لقاء ؟!) لأن من ~~شأنه آنه يذهل الصب ويخرس المحب ويغيبهما عما عدا المحبوب والاستلذاذ بشهوده ~~وانسه: ~~(1) اخرجه أبو يعلى (3425) ~~(2) وسماه: "إثبات عذاب القبر" PageV00P430 ~~============================================================ ~~2 ~~ووجمنا من المهابة حتى لا كلام مثا ولا إيماء ~~~~(ووجمنا) بفتح الجيم؛ آي: سكتنا عن الكلام عند اللقاء وبعده ما دمنا في تلك ~~الحضرة العلية، فلم يبق فينا متسع له (من) أجل (المهابة) أي : الإجلال والمخافة ~~(حتى) اجتمع علينا أمران لا يوجد اجتماعهما إلا في نحو هذذا المقام، وهما: (لا ~~كلام منا) بما نريده (ولا إيماء) منا بوجه إلى ما نطلبه، وذلك حال من قهره ~~الجلال، واستولت عليه خوارق الأحوال: ~~وكم ms389 رمث بث الشوق عند لقائه فلما التقينا ما نطقت ولا حرفا(1) ~~4 ~~ورجغنا وللقلوب التفاتا إليه وللجسؤم انثناء ~~~~(ورجعنا) إلى بلادنا (وللقلوب التفاتات) كثيرة جدا برعاية المقام ( إليه) أي : ~~ينا صلى الله عليه وسلم، بمعنى: آنها مستحضرة للمثول بين يديه صلى الله عليه ~~وسلم والاستمداد منه صلى الله عليه وسلم مع إدامة الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه ~~وسلم (وللجسوم) جمع جسم، وجسم الشيء: جرمه الناتىء من الأرض (انثناء) ~~أي: انعطاف إلى البقاء في حضرته أبدا إن تيسر، وإلا. فإلى تكرر زيارته صلى الله ~~عليه وسلم ~~9 ~~وسمخنا بما تحب وقذ ين مع عند الضرورة البخلاء ~~(وسمحنا) أي: جدنا (بما) أي: بنفيس لا يجود أحد بمثله، وهو التمتع بتلك ~~الحضرة العلية الذي (نحب) دوامه وعدم مفارقته، ولككن ضرورتنا إلى العود لديارنا ~~(1) البيت من الطويل ~~497 PageV00P431 ~~============================================================ ~~لأجل القيام بمن فيها تخفف الملام عنا؛ إذ الضرورات تبيح المحظورات، وأيضا ~~فإتنا وإن كنا بخلاء بهذا الفراق لنا أسوة بالبخلاء في ذلك (وقد) وقع يقينا أنه (يسمع ~~عند الضرورة) التي لا يستطاع معها الترك (البخلاء) بالأموال وغيرها. # وبين (السماح) و(البخل) الطباق. # ولما تمم مقصد زيارته صلى الله عليه وسلم المتكفلة بكل خير.. شرع يناديه ~~صلى الله عليه وسلم بكنيته المختصة به والمناسبة لطلبه من آن يخصه من تلك القسمة ~~التي ولاها الحق له، ويقسم عليه بأقسام كثيرة كلها تتضمن ما هو بصدده من مدحه ~~والثناء عليه ، استعطافا له؛ لينظر إليه بما يفوز به في الدنيا والاخرة، ويأمن به من كل ~~محنة باطنة وظاهرة ، ومن ثم خص جواب أقسامه بقوله الاتي : (الأمان الأمان.) ~~الخ فقال : ~~26 ~~يا آبا القاسم الذي ضمن إفسا مي عليه مذح له وثناء ~~(يا أبا القاسم) هذه كنيته صلى الله عليه وسلم التي اختص بها، فلا يجوز لأحد ~~التكني بها مطلقا على الأصح عندنا، سواء في زمنه صلى الله عليه وسلم وبعده، لمن ~~اسمه محمد وغيره؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "تسموا ~~بأسمي ولا تكتنوا بكنيتي"(1) والعبرة - كما ms390 تقرر في الأصول - بعموم اللفظ ~~لا بخصوص السبب، كما هنا، فإن سبب النهي: آن اليهود كانوا ينادونه بذلك، ~~فيلتفت صلى الله عليه وسلم إليهم، فيقولون له : لا نعنيك، فنهى الناس عن التكني ~~بذلك، ومن هلذا أخذ بعض آثمتنا: أن المنع خاص بزمن حياته صلى الله عليه ~~وسلم، وبعضهم: آنه خاص بمن اسمه محمد، وتكنية علي كرم الله تعالى وجهه ~~ولده محمد ابن الحنفية بذلك باذن منه صلى الله عليه وسلم إن صح خصوصية ~~له(2)، وتكنيته غيره بذلك اجتهاد منه ~~(1) اخرجه اليخاري (110)، ومسلم (2131) ~~(2) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى"(309/9). PageV00P432 # ============================================================ ~~ووجه مناسبة اختصاص تلك الكنية به صلى الله عليه وسلم : الاعلام بأنه صلى الله ~~عليه وسلم هو الخليفة الأعظم عن الله تعالى في جميع شؤونه، لا سيما مقام قسمة ~~الأرزاق والعلوم والمعارف والطاعات، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الصحيح أيضا : " إنما أنا قاسم وألله يغطي "(1) ولأجل هلذا عدوا من خصائصه ~~صلى الله عليه وسلم: أنه أعطي مفاتيح الخزائن، قال بعض العلماء : وهي خزائن ~~أجناس العالم؛ ليخرج لهم بقدر ما يطلبون، فكل ما ظهر في هذذا العالم فإنما يعطيه ~~محمد صلى الله عليه وسلم الذي بيده المفاتيح، وكما اختص الله تعالى بمفاتيح الغيب ~~الكلي فلا يعلمها إلا هو.. كذلك اختص صلى الله عليه وسلم بإعطائه مفاتيح الخزائن ~~الالهية، فلا يخرج منها شيء إلا على يديه صلى الله عليه وسلم: ~~وقيل: إنما كني بذلك؛ لأنه كان له ولد من خديجة رضي الله عنها يسمى ~~القاسم ~~(الذي ضمن) من: تضمن كذا اشتمل عليه (إقسامي عليه) - بكسر الهمزة- ~~بالأقسام الكثيرة الاتية في نيل مطلوبي منه صلى الله عليه وسلم (مدح له) فرقوا بينه ~~وبين الحمد بأمور: ~~أحدها : أن الحمد على الجميل الاختياري، والمدح على ما لا اختيار اللعبد فيه ~~كالحسن ~~ثانيها وثالثها : أن الحمد إنما يكون عن علم وبصفة كمال، والمدح يكون عن ظن ~~وبصفة مستحنة وإن كان فيها نقص ما ~~رابعها : أن في الحمد من التعظيم والفخامة ما ليس في المدح، والحمد اختص ms391 ~~بالفضلاء وبالعقلاء والعظماء، وأكثر إطلاقا على الله تعالى ~~وقول "الكشاف" : (إنهما أخوان)(2) أي: متشابهان لا مترادفان، قاله ~~الطيبي، وقال السيد : بل مترادفان، واستدل له بكلام " الفائق "(2)، وانتصر بعض ~~(1) أخرجه البخاري (71)، ومسلم (100/1037) ~~(2) الكشاف (51/1) ~~ي لالبوج ~~بايلر النهون PageV00P433 ~~============================================================ ~~المحققين للأول بما ليس هذا محل بسطه، وأكثر العلماء على أن الحمد مختص ~~بالاختياري، والمدح أعم: ~~(وثناء) هو على القول الأخير مرادف للمدح؛ لأنه لا يكون إلا في الخير ~~الاختياري وغيره، والمدح على ذلك القول كذلك، وبه - كما تقرر أن عليه اكثر ~~العلماء - يندفع قول الشارح : (هلذا من مراعاة النظير) وعلى ما قبل الأخير يكون فيه ~~مراعاة النظير في الجملة، وعليه يحمل كلام الشارح : (أما الحمد والمدح.. ففيهما ~~تقابل، أو مراعاة النظير، أو ترادف) ~~بالعلوم التي عليك من الله بلا كاتب لها إفلاء ~~(بالعلوم) أي: أقسم عليك بها لتشفعن لي بما يؤمنني من كل مكروه؛ بأن ~~يعطيني الله الأمان منه، وكذا يقال في الأقسام الاتية، فالمراد بها هنا: الشفاعة ~~والاستعطاف ليجاب سؤاله، ومن ثم قال بعض أصحابنا في: أقسم وأقسمت عليك ~~لتفعلن كذا : إنه لا يكون يمينا إلا إن نواه، وجعلها أول الأقسام ؛ لأن مرتبة العلم ~~لا أعلى منها، بل ولا مساوي لها، ومن ثم لم يؤمر صلى الله عليه وسلم بالسؤال للزيادة ~~مما هو عليه إلا العلم : وقل رب زدنى علما وهو : صفة يتجلى بها المذكور لمن قامت به ~~تجليا يمنع من احتمال النقيض (التي) تنزلت (عليك من الله) حال كونها (بلا كاتب) ~~من الكتب وهو الجمع، وإنما الموصل (لها) إليك (إملاء) أي : إقراء من جبريل) ~~وهذا الذي قررته في إعراب هذا البيت أولى مما سلكه الشارح . فتأمله. # وبين (القاسم) و(الاقسام) جناس مطلق، و(الكتابة) و(الإملاء) طباق ~~ومسير الصبا بنضرك شهرا فكأن الصبا لديك رخاء ~~(و) أقسم عليك بما أوتيته أيضا من (مسير الصبا) وهي: الريح اللينة التي مهبها ~~مطلع الشمس عند استواء الليل والنهار، وهي مراد الحسن في قوله: (فإذا جعلت PageV00P434 ~~============================================================ ~~ظهرك إلى باب الكعبة. فالصبا مقابلك، وهي مستقبل باب الكعبة)(1) ms392 وقول ~~إسرائيل بن يونس: الصبا ما جاء من قبل وجه الكعبة، وتطلق على ما يهب من يمين ~~هذا المطلع إلى قريب سهيل، ويساره إلى قريب القطب الشمالي ~~وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أن ما بين مطلع الشمس ~~والجدي يسمى صبا، ويسمى شمالا(2)، وبتسميته صبا صرح عثمان الأعرج من ~~السلف حيث قال : (حد الصبا من مطلع الشمس إلى كرسي بنات نعش)(3). # وفي "القاموس" : (الشمال : الريح التي تهب من قبل الحجر) أي : بكسر ~~الحاء، ثم قال : (والصحيح: أنه ما مهبه بين مطلع الشمس وبنات تعش، أو من ~~مطلع الشمس إلى مسقط النسر الطائر) ، وفيه : (والصبا: ريح مهبها من مطلع الثريا ~~إلى بنات نعش، والدبور: ريح تقابل الصبا، والجنوب: ريح تخالف الشمال، ~~مهبها من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا) ~~ولهذه الريح أثر بين في نصرته صلى الله عليه وسلم في وقعة الخندق المسماة ~~بالأحزاب كما مر: ~~(بنصرك) أي: بسبيه، وهو الرعب الذي قطع قلوب أعدائه، وأخمد شوكتهم ~~وبدد جموعهم (شهرا) مقتبس من قوله صلى الله عليه وسلم: "نصرت بألصبا، ~~وأفلكت عاد بآلدبور"(4) مع قوله صلى الله عليه وسلم : " أعطيت خمسا لم يغطهن ~~أحد من الأنبياء قبلي ، نصرت بالرغب مسيرة شهر.. ." الحديث (5) ، ومنها يعلم أن ~~الصبا كانت تسير بسبب نصرته صلى الله عليه وسلم، وهو الرعب؛ آي: الخوف ~~منه، المزعج لأعدائه صلى الله عليه وسلم مسافة شهر من سائر نواحي المدينة، فلم ~~يرفع أحد منهم رأسأ إلا اختطفته لوامع سيوف نصره ، وقواصف أسنة قهره. # والتحديد بالشهر إشارة إلى أن ما يستولي عليه لا تزيد مسافته في حياته على شهر، ~~(1) أخرجه أبو الشيخ في " العظمة"(4/ 1326). # (3) أخرجه أبو الشيخ في " العظمة "(1335/4). # (4) أخرجه البخاري (1035)، ومسلم (900) ~~(5) أخرجه البخاري (335) ، ومسلم (521) PageV00P435 ~~============================================================ ~~فلا ينافي أن ملك أمته يزيد على ذلك بكثير، واحتراز عن غيره من الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام فإن رعبهم إن وجد لا يصل لهذه المسافة ~~وفي رواية : " ونصزث علىل العدو بألروغب ولؤ كان بيني وبينهم مسيرة شهر"(1) قال ~~بعضهم : والظاهر: اختصاصه به مطلقا، ms393 وانما جعل الغاية شهرا؛ لأنه لم يكن بين بلده ~~صلى الله عليه وسلم وبين أحد من أعدائه اكثر من شهر، وهلذه الخصوصية حاصلة له على ~~الاطلاق حتى لو كان وحده بغير عسكر، وهل هي حاصلة لأمته من بعده ؟ فيه احتمالان، ~~أظهرهما- كما تقضي به المشاهدة - : أنهم رزقوا من ذلك حظا وافرا ~~(فكأن الصبا لديك رخاء) وهي : الريح اللينة المسخرة لسليمان صلى الله عليه ~~وسلم، غدوها شهر ورواحها شهر، لكن معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم آظهر ~~وأعظم؛ لأن تلك سخرت لذات سيدنا سليمان وهذه سخرت لصفة من صفات نبينا ~~صلى الله عليه وسلم، وهي هيبته، وأيضا فتلك إتما كانت تسير بعد أمر سليمان لها، ~~وهذه تسير بأمر ربها من غير توسط آمر من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو من ~~تشبيه الأعلى بالعلي، نظير : "كما صليت على إبراهيم " في صلاة التشهد على أحد ~~الأجوبة فيه ~~وفي ذكر (الرخاء) بعد (الصبا) مراعاة النظير. # تبيه: أصول الرياح أربعة : الصبا، وهي التي تهب من جهة باب الكعبة، وهي ~~حارة يابسة والدبور من ورائها، باردة رطبة، والجنوب من جهة يمينها، حارة ~~رطبة، والشمال من جهة شمالها، باردة يابسة ~~وأشرت بقولي : (أصول) إلى أن لهم فروعا كالنكباء، وفسرها بعض السلف ~~بأنها بين الصبا والجنوب، وأطال في "القاموس" الكلام فيها، وحاصله: ~~(والنكباء : ريح اتحرفت ووقعت بين ريحين، أو بين الصبا والشمال، أو نكب ~~الرياح أربع: الأزيب نكباء الصبا والجنوب، والصبابية - وتسمى النكيباء أيضا - نكباء ~~الصبا والشمال، والجربياء نكباء الشمال والدبور، وهي نيحة الأزيب، والهيف نكباء ~~الجنوب والدبور، وهي نيحة النكيياء) ~~(1) اخرجه أحمد (222/2). PageV00P436 # ============================================================ ~~وتفسير كل بما ذكر فيه هو الأصل، فلا ينافي ما مر آنفا من إطلاق بعضها على ~~خلاف ما فسرت به هنا، وفي " القاموس" : (والجنوب : ريح تخالف الشمال، ~~مهبها من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا) ~~تنبيه ثان: روى مسلم : آن الشمال ريح الجنة التي تهب عليهم(1)، وينافيه ~~الحديث الذي اخجرجه ابن جرير وابن مردويه وابين أبي الدنيا وأبو الشيخ : ريخ ~~ألجنوب من الجنة ، وهي ms394 من اللواقح ، وفيها منافع للناس ، والشمال من النار ، ~~تخرج فتمر بألجنة ، فتصيبها نفحة منها ، فبردها من ذلك "(2) ويجاب بأن ما ذكر في ~~الحديث الأخير هو حال الشمال في الدنيا ، فخروجها أولا من النار، ثم تتكيف بريح ~~الجنة وبردها، وحكمة ذلك : جمعها للقوة النارية والقوة البردية؛ لأن من شأن ~~الأولى كثرة الحركة وشدة الإنضاج، والثانية ملاءمة النفس وإزالة أكدارها، فهذا ~~حالها في الدنيا، وما في الحديث الأول هو حالها في الآخرة، فأهل الجنة لا يرون ~~سواها، كما يصرح به قوله : " وهي ريح الجنة... " إلخ، وبهذا يعلم : أن الشمال ~~افضل الرياح ؛ لأن حديث : " ألجنوب من ريح ألجنة"(2) وحديث : 9 ريح الجنوب ~~من الجنة " غاية أمرهما أنهما يدلان على أن ريح الجنوب من بعض رياح الجنة، ~~وما دل عليه حديث الشمال من ذكر حالها وما اختصت به في الدنيا والاخرة. أعلى ~~مما دل عليه حديث الجنوب. فتأمله ~~فإن قلت : جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الجنوب سيد الأرواح، ~~واسمها عند الله الأزيب (2). # قلت : هو معارض بما جاء عن قيس بن سعد بن عبادة سيد الخزرج رضي الله ~~تعالى عنهما : الشمال ملح الأرض، ولولا الشمال.. لأنتنت الأرض(5)، فهلذه ~~فائدة جليلة دنيوية نشأت عن خروجها أولا من النار خلت عنها الجنوب، فلتكن ~~(1) مسلم (2833) ~~(2) تفسير الطبري (15/14)، والدر المنثور (398/1) والعظمة (1305/4) ~~(3) أخرجه الضياء في " المختارة* (2528) ~~(4) أخرجه أبو الشيخ في 9 العظمة"(1339/4) ~~(5) أخرجه أبو الشيخ في " العظمة "(1337/4). # 5 PageV00P437 ~~============================================================ ~~الشمال أفضل، أو يقال : كل منهما أفضل من وجه، فالجنوب لكونها تخرج أولا من ~~الجنة، والشمال لكونها هي التي تهب على أهل الجنة فيها، هذا كله بفرض تكافؤ ~~سند الحديثين، وليس الأمر كذلك أصلا، إذ سند حديث مسلم لا يوازيه شيء، ~~وحينئذ لا يعارض حديثه شيء من الأحاديث الأخر؛ لأنها ليست في رتبته، بل ~~ولا قريب منها؛ لأنها من حيز الضعيف، وهو لا يعارض الصحيح أصلا، وفي أثر ~~عثمان الأعرج : أنه ذكر الأرواح الأربعة وحد كل فقط ، إلا الشمال فزاد أنها تمر بجنة ~~عدن، فتأخذ ms395 من طيب عرفها، وفيه : أن الأربعة مساكنها تحت أجنحة الكروييين ~~حملة العرش، وأنها تهيج فتقع بعجلة الشمس، فتعين الملائكة على جرها، ثم تهيج ~~من عجلة الشمس فتقع في البحر، ثم تهيج من البحر فتقع برؤوس الجبال، ثم تهيج ~~من رؤوس الجبال فتقع في البر، ثم ذكر أن حد الشمال من كرسي بنات نعش إلى ~~مغرب الشمس، وحد الدبور منه إلى مطلع سهيل، والجنوب منه إلى مطلع الشمس) ~~والصبا منه إلى كرسي بنات نعش (1). # فإن قلت : علم مما تقرر أن كلأ من الجنوب والشمال له مزية، بخلاف الصبا مع ~~أنها التي خدمته صلى الله عليه وسلم، وكان القياس أن تكون نضرته صلى الله عليه ~~وسلم بأحد ذينك؛ ليكون الأفضل ولو من وجه، بل كان القياس اختصاص ذلك ~~بالشمال؛ لما تقرر أنها الأفضل مطلقا. # قلت : إن أخذتا بما عرف مما مر أن الشمال تطلق على ما يعم الصبا. فالأمر ~~واضح، وإن قلنا بتغايرهما كما هو الأصل.. فحكمة ذلك - والله أعلم - : أن وقت ~~مهب الصبا هو المعين على قتاله العدو، بخلاف وقت مهب الشمال، وقد يكون في ~~المفضول مزية ، بل مزايا لا توجد في الفاضل. فتأمل ذلك كله فإنه مهم أي مهم، مع ~~أني لم أر أحدا أشار لشيء من ذلك. # قال بعض المفسرين : والريح مسكنها تحت الأرض الثانية كما ورد في الحديث ~~الصحيح ، وفيه : " لما أراد ألله سبحانه أن يهلك عادا . . أمر خازن الريح أن يرسل ~~عليهم ريحا ليهلكهم، فقال : يا رب ؛ أرسل عليهم بقدر منخر الثؤر فقال له الجبار ~~1) مر تخريجه قبل نحو صحيفين PageV00P438 ~~============================================================ ~~سبحانه : كنت تكفىء الأرض ومن عليها ، للكن أزسل عليهم بقذر الخاتم"(1) قال ~~في الحديث : " والأرض الثالثة فيها حجارة جهنم، والرابعة فيها كبريت جهنم ، ~~والخامسة فيها حيات جهنم، والسادسة فيها عقارب جهنم ، والسابعة فيها سقر، ~~وفيها إبليس مصفد بألحديد" قال فيه : " فإذا أراد الله أن يطلقه لمن شاء من عباده.. # أطلقه" رواه الحاكم(2)، وقال الحافظ المنذري : (إنه صحيح ولم يخرجه ~~الشيخان)(2) ولا ينافي هذذا قول الشارح السابق ، وفيه ms396 أن الأربع مسكنها تحت أجنحة ~~الكروبيين حملة العرش؛ لجواز أن تكون أجنحة الكروبيين تحت الأرض الثانية ؛ لما ~~ورد : أن أقدامهم تحت الأرض السابعة اه ~~وعلي ليا تفلت بعينه ه وكلتافما معا رفداء ~~(و) أقسم عليك بمعجزتك العظمى منها ما هو مع (علي) كرم الله وجهه في ~~غزوة خيبر (لما) سرت إليها، ودفعت الراية وكانت سوداء لعلي رضي الله عنه، ففتح ~~بعض حصونها، وأرسلت أبا بكر رضي الله عنه لحصن آخر، فقاتل ورجع بلا فتح، ~~فأرسلت عمر رضي الله عنه فقاتل ورجع بلا فتح وقد جهد ، فقلت : " لأغطين الزاية ~~غدا رجلا يحث الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، يفتح الله على يديه" فتشوف كل ~~أحد لذلك، فسألت عن علي رضي الله عنه، فقيل: به رمد، فدعوت عليا، فجاء ~~وإنسان يقوده من شدة الرمد، فحينيذ (تفلت بعينيه وكلتاهما معا) حال مؤكدة ~~(رمداء) ثم قلت له : " خذ هذه الراية وأمض بها حتى يفتح ألله عليك "(4) فبر أتا لما ~~خالطهما ريقك الذي هو الشفاء الأكبر: ~~(1) أخرجه الحاكم (594/4) ~~(2) المستدرك (594/4) ~~(3) انظر * الترغيب والترهيب 4(374/4) ~~(4) أخرجه الطبراني في " الكبير" (35/7)، وابن عدي في " الكامل" (61/2)، وأصله عند ~~البخاري (2942)، ومسلم (2405). PageV00P439 # ============================================================ ~~ا30 ~~فغدا ناظرا بعيني عقاب في غزاة لها العقاب لواء ~~اا: ~~(فغدا) أي : ذهب بتلك الراية يضرب بعينيه المثل في حدة الإبصار كما يضرب ~~ببصر العقاب الذي هو سيد الطيور كما في " الكامل" ، ومن ثم قال : (ناظرا بعيني ~~عقاب) ومن أمثال العرب: أبصر من عقاب (1)، ولما غدا وهو كما ذكر.. هرول ~~هرولة حتى ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن(2)، فقال له يهودي من باب ~~الحصن: من أنت ؟ قال : علي بن أبي طالب، فقال اليهودي : علوتم وحق ما أنزل ~~على موسى بن عمران، فما رجع حتى فتح الله على يديه، وعند قتاله ضربه اليهودي ~~فطرح ترسه من يده، فأخذ بابا تترس به، واستمر يقاتل حتى فتح الله عليه: ~~ومن كبر ذلك الباب أن ثمانية أرادوا أن يقلبوه فلم يستطيعوا ، وحمل أيضا باب ~~الحصن علن ظهره حتي ms397 صعد المسلمون عليه ففتحوها، فجروه بعد ذلك فلم يحمله ~~الا أربعون رجلا، هذا كله (في غزاة) معهودة من أعظم الغزوات وأجل الفتوحات، ~~وهي غزوة خيبر، كانت مدينة كبيرة، ذات حصون ومزارع، على ثمانية برد من ~~المدينة إلى جهة الشام، وكانت سنة سبع (لها العقاب لواء) أراد باللواء الراية، وهي ~~العلم الضخم؛ لأن الذي كان يومئذ راية لا لواء، ولم يعرف له صلى الله عليه وسلم ~~الرايات إلا بخيبر، وقبلها كانت الألوية فقط ~~نعم؛ قال عياض في "مشارقه ": اللواء: الراية، وعليه فلا تجوز في النظم، ~~وتلك الراية كانت تسمى العقاب ؛ لأنها سوداء، ولون العقاب أسود، وكانت من برد ~~لعائشة رضي الله تعالى عنها، ذكر ذلك كله أهل السير وغيرهم كالحافظ الدمياطي ~~وغيره ~~وبين (عقاب) و( العقاب) الجناس التام: ~~وأما قول الشارح : (إن التي تسمى العقاب بيضاء، وإنها التي أعطاها لعلي).. # (1) انظر "مجمع الأمثال "(1/ 311) ~~(2) الرضم - بسكون الضياد وتفتح - هو: صخور عظام PageV00P440 ~~============================================================ ~~فهو مخالف لما رأيته من كلام أهل السير، على أنه ناقض ذلك حيث قال : (وقوله : ~~1لها العقاب لواء" يحتمل أن العقاب كانت تحوم على لحوم القتلى كأنها رايات ~~مرتفعة) اه ~~وهذا احتمال لا يقوله إلا من لم يطلع على ما سبق أن رايته صلى الله عليه وسلم ~~يومثذ كانت سوداء تسمى العقاب، ثم يحتمل آن هلذه هي التي أعطاها صلى الله عليه ~~وسلم لعلي رضي الله عنه، ويحتمل آنه أعطاه غيرها كما أعطى اثنين رايتين غير رايه ~~علي كرم الله تعالى وجهه. # ونقل بعض أهل السير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أن عليا رضي الله عنه ~~هو الذي كان معه لواء النبي صلى الله عليه وسلم في كل زحف (1). # وعن سعيد بن المسيب : آن راية النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد مرط أسود، ~~وراية الأنصار يقال لها العقاب، وفي هلذا نظر؛ لما مر أن الرايات لم تعرف إلا يوم ~~خيبر، وأما تسمية راية الأنصار يوم آحد بالعقاب.. فهو جري على الغالب على ~~ما عليه أهل اللغة : أن كل ms398 راية تسمى العقاب ، كما أن راية النبي صلى الله عليه وسلم ~~تسمى بذلك، وعليه فقول الناظم : (لها العقاب لواء) لا يختص بخيبر، خلافا لما ~~وبريحانتين طيبهما مذ ك الذي أودعتهما الزفراء ~~(و) أقسم عليك أيضأ (بريحانتين) وهما سيدنا الحسن وسيدنا الحسين كرم الله ~~وجههما ورضي الله عنهما وآمهما وأبيهما، وفي تسميتهما بذلك اقتباس من قوله ~~صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري : "هما ريحانتاي من الثنيا"(2) وفي رواية ~~" إن أبني هلذين ريحانتاي من الدنيا"(3) (طيبهما) حسا ومعنى وفضلهما على غيرهما ~~(1) أخرجه الحاكم (111/3)، وابن عبد البر في " الإستيعاب "(27/3) ~~(2) البخاري (3753) ~~(3) أخرجه الترمذي (3770) بمعناه PageV00P441 ~~============================================================ ~~رضي الله عنهما إنما هو حاصل (منك) لأنهما بضعتان منك مع ما لاحظتهما به من ~~المزايا والخصوصيات، وكان طيب رسول الله صلى الله عليه وسلم معروفا مشهورا بين ~~الصحابة يضرب به المثل وإن لم يتطيب، بل كانت أم أنس تأخذ من عرقه صلى الله ~~عليه وسلم ليتطيبوا به (1)؛ لباهر ريحه (الذي) نعت ل( طيبهما) (أودعتهما) ~~بالبناء للمفعول - فاطمة (الزهراء) رضي الله عنها، مبتدأ خبره ما قبله، وهو الصلة ~~والموصول، كذا ذكره الشارح، ولا يصح؛ لخلو جملة الصلة عن عائد للموصول، ~~وجوز البناء للفاعل وأن المفعول الثاني محذوف؛ أي : الذي الزهراء أودعتهما إياه، ~~وفيه قلاقة وحذف من غير دليل، فالصواب: أن (الذي) نعت ل( الريحانتين) ~~بتأويلهما بالمذكور أو نحوه، ونظير ما ذكرته في (الذي) : قوله صلى الله عليه وسلم ~~الذي رواه أبو داوود : "هذان مني "(2) يعني : الحسن والحسين ، ونظيره أيضا قوله ~~تعالى: وخضتم كالذى خاضوا} . قال أبو حيان : يجوز استعمال (الذي) بمعنى ~~(الذين) للكن يجب كون ضمير الصلة ضمير الجمع اعتبارا بمعناه، ثم قال : والذي ~~نختاره - أي : في قوله تعالى : { كمئل الزى اشتوقد نارا} - أنه أفرد لفظا وإن كان تحته ~~أفراد، فيكون التقدير : كمثل الجمع الذي استوقد ، وقيل في الآية : (الذي) بمعنى ~~الجنس، فلا يختص بالواحد، وقيل: حذفت نونه تخفيفا، وقيل: موصوفه لفظ ~~مفرد، وكل ذلك يأتي فيما نحن فيه فاستفده ~~وأشار بقوله : (أودعتهما) إلى ما هو من ms399 خصائصه صلى الله عليه وسلم : أن ~~أولاد بناته ينسبون إليه صلى الله عليه وسلم في الكفاءة وغيرها، ووجه تلك الإشارة : ~~أنه جعل فاطمة رضي الله عنها مستودعة، فهو الذي أودعها تلك الذرية؛ لتخرج منها ~~متسوبة إليه ~~وسميت با الزهراء) لأنها لم تحض كما في حديث رواه الغساني، وروى ~~الخطابي : " أبنتي فاطمة حوراء آدمية لم تحض ولم تطمث، وإنما سماها الله تعالى ~~فاطمة ؛ لأن الله تعالى فطمها وذريتها ومحبيها عن النار" . # (1) أخرجه البخاري (6241)، ومسلم (2331) ~~(2) أبو داوود (4128)، والذي فيه أنه صلى الله عليه وسلم قال عن الحسن رضي الله عنه: ~~هذا مني، وحسين من علي) PageV00P442 ~~============================================================ ~~وقد ذكر الناظم عليأ وفاطمة وابنيهما رضي الله عنهم، ويأتي ذكر شيء من ~~فضائلهم بلا أسانيد، وقد استوعبتها بذكر أسانيدها وبيان أحكامها وما يتعلق بها في ~~كتابي " الصواعق المحرقة لإخوان الضلال والرفض والابتداع والزندقة " الذي لم يؤلف ~~في هلذا الباب أجمع منه. # وأخرج الطبراني والخطيب : " إن الله جعل ذرية كل نبي في صلبه ، وجعل ذرتتي ~~في صلب علي بن أبي طالب "(1) . وفي حديث رجاله ثقات إلا واحدا فمختلف فيه : ~~أنه صلى الله عليه وسلم خطب وهو محاصر الطائف فمما قال : "أوصيكم بعثرتي ~~خيرا ، وإن مؤعدكم الحؤض، والذي نفسي بيده لتقيمن الصلاة، ولتؤتن الزكاة، أو ~~لأبعشن إليكم رجلا مني أو كنفسي يضرب أعناقكم" ثم أخذ بيد علي رضي الله عنه ~~وقال: "هو هذا "(2) ~~توفي كرم الله وجهه شهيدا عن ثلاث وستين سنة، ضربه عبد الرحمن بن ملجم ~~المرادي في جبهته رضي الله عنه ليلة الجمعة سابع عشر شهر رمضان سنة أربعين وهو ~~خارج إلى صلاة الصبح بعد أن استيقظ سحرا وقال للحسن رضي الله عنهما : إنه رأى النبي ~~صلى الله عليه وسلم الليلة، فشكا إليه ما لقي، فقال له : "أذع عليهم" فدعا أنه يبدل ~~خيرا منهم ، وأنهم يبدلون شرا منه، وأكثر في تلك الليلة من الخروج والنظر إلى السماء ~~وهو يقول: والله ما كذبت ولا كذبت، وإنها لليلة التي وعدت، ومات رضي الله عنه ليلة ~~الأحد، واختلف في ms400 موضع قبره ؛ لأنه أخفي خوفا من أن ينبشه الخوارج ، وفي رواية : ~~أنهم حملوه ليدفنوه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فند الجمل الذي يحمله رضي الله ~~عنه فلم يذر أين ذهب، فلذلك قال أهل العراق : إنه في السحاب. # 1332 ~~كنست تؤويهما إليك كما آ وث من الخط نقطتيها الياء ~~(كنت) على الدوام (تؤويهما) أي: تضمهما رضي الله عنهما (إليك) لمزيد ~~(1) المعجم الكبير (43/3)، وتاريخ بغداد (333/1) ~~(2) أخرجه الحاكم (120/2)، والبزار (1050) ~~59 PageV00P443 ~~============================================================ ~~محبتك لهما، وشفقتك عليهما، ومن ثم صح: آنه صلى الله عليه وسلم قال: ~~"نظرث إلى هلذين الصبيين ينشيان ويعثران، فلم أصبز حتى قطغت حديثي ~~ورفعتهما"(1) ~~. وأخرج الترمذي والطبراني : هلذان ابناي ، وأبنا أبنتي ، أللهم؛ إني أحبهما ~~فأجبهما وأحب من يحبهما "(2) ، والترمذي : " أحب أهل بتتي إلي الحسن ~~والحسين"(2)، وأحمد وابن ماجه والحاكم : " من أحب الحسن والحسين.. فقذ ~~أحيني ومن أبغضهما.. فقد أبغضني "(4)، وجاء من طرق صح بعضها : " أبناي ~~الحسن والحسين سيدا شباب أفل الجنة ، وأبوهما خير منهما "(5) . # وفي قوله صلى الله عليه وسلم : " وأبوهما خير منهما " حجة لما عليه أهل السنة : ~~أن الأئمة الأربعة أفضل من أهل البيت . # نعم؛ ما فيهم من البضعة الكريمة لا يعادله عمل، وبه يوجه قول بعض المتأخرين ~~بتفضيل الحسنين على غيرهما؛ أي : من حيث تلك البضعة وإن كان غيرهما ممن ذكر ~~أفضل منهما علما وعملا ومعرفة فتأمله. # تنبيه : قوله صلى الله عليه وسلم : "سيدا شباب أفل الجنة" مشكل؛ لأنهما ماتا ~~غير شابين، ولأن الجنة ليس فيها شباب ؛ لأن الوارد : أن جميع الناس من أهل الجنة ~~يكونون على خلقة أبناء ثلاث وثلاثين سنة، ثم يدخلونها وهم كلهم مستوون في هلذا ~~السن الذي هو سن الكهولة، وأعدل الأسنان وأشرفها، فلهذا اختير كونهم عليها، ~~وحينئذ فليس في الجنة شباب ولا كهول ولا شيوخ، فأي شباب هما سيداهم؟ # ويجاب بأن المراد بالشباب : الذين ماتوا شبابا، فهما سيدا هلؤلاء من غير ~~(1) أخرجه الترمذي (3774)، وأحمد (354/5). # (2) الترمذي (3769)، والمعجم الكبير (49/3)، وليس عنده : "هذان ابناي، وابنا ~~ابنتي". # (3) الترمذي (3772) ~~4) مسند أحمد (288/2)، وسنن ms401 ابن ماجه (143)، المستدرك (166/3). # 5) اخرجه ابن عساكر (209/13). PageV00P444 # ============================================================ ~~استثناء، بخلاف الكهول والشيوخ، فإنهما قد يسودانهم وهم الأكثر، وقد لا كأبيهما ~~والأئمة الثلاثة قبله ونحوهم: ~~والحاصل: أنهما سادا شباب الناس على الإطلاق، وغير الشباب فيهم تفصيل، ~~فلذا ذكر الشياب فقط، ويحتمل أن المراد: شبابها فرضا، وخضوا؛ لأن النفس إنما ~~تتشوف غالبا لمن هو على سنها الذي فضلت فيه على غيرها من أهل ذلك العصر: ~~ثم رأيت بعضهم قرر الإشكال بنحو ما ذكرته، للكن ما ذكرته أظهر في الإشكال، ~~ورأيت عنه أجوبة لثلاثة من الأئمة فيها بعض مخالفة سهلة لما ذكرته وزيادة على ~~ما ذكرته، وسأشير لذلك، منها : أجوبة ثلاثة لابن الحاجب، منها واستظهره : (أنه ~~سماهم باعتبار ما كانوا عليه عند مفارقة الدنيا، ولذلك يصح أن يقال للصغير الذي ~~يموت: من صغار أهل الجنة، والشيخ المحكوم بصلاحه: من شيوخ أهل الجنة، ~~فهما سيدا شباب أهل الجنة بهذا الاعتبار، وحسن الإخبار عنهما بذلك وإن كانا لم ~~ينتقلا عن الدنيا شابين؛ لأنهما كانا عند الإخبار كذلك) اه ~~وهذا يرجع عند التأمل الصادق إلى قولي: (ويحتمل أن المراد: شبابها ~~فرضا...) إلخ ، بل إن زاد صدق تأمله. رأى أن التعبير بما ذكرته أوضح ~~وجوابه الثاني : (أن يراد أنهما سيدا شباب أهل الجنة باعتبار ذلك الوقت الذي ~~كانا فيه شابين) قال : (ولا يرد على هذين الجوابين إلزام أنهما سيدا المرسلين ؛ ~~لأنهما شباب في الجنة؛ لأنهم غير داخلين في شباب أهل الجنة على المعنيين ~~يعا)اه ~~وقوله : (لأنهما شباب في الجنة) والذي بنى عليه أيضا بعض ما سبق عنه. # ممنوع ، وإنما الذي دل عليه حديث كونهم يدخلونها على سن أبناء ثلاث وثلاثين(1)، ~~وهو سن الكهولة؛ إذ الشباب إلى الثلاثين، والكهولة إلى الأربعين، ثم منها ~~شيخوخة، وحينتذ صح ما آجبت به دون بعض ما آجاب به ~~وله جواب ثالث مبني على أن أهل الجنة شباب، وقد علمت ضعفه؛ لأن الواقع ~~خلافه فلا حاجة لذكره، على آنه في ذاته فيه غموض وعدم وفاء بالمقصود وإن سلم ~~(1) اخرجه الضياء في " المختارة *(2717)، والترمذي ms402 (2545)، وأحمد (295/2). PageV00P445 # ============================================================ ~~ما بناه عليه كما يعلم بتأمله لمن وقف عليه ~~وأجاب غيره بأن معناه : أنهما أفضل من مات شابا في سبيل الله من أهل الجنة، ~~ولم يرد: آنهما من الشباب؛ لأنهما ماتا وقد كهلا، بل ما يفعله الشباب من ~~المروءة، كما يقال : فلان فتى وإن كان شيخا، يشير إلى مروءته وفتوته، أو أنهما ~~سيدا أهل الجنة سوى الأنبياء والخلفاء الراشدين ، وذلك لأن أهل الجنة كلهم في سن ~~واحد وهو الشباب، وليس فيهم شيخ ولا كهل. اه ~~وقوله: (وهو الشباب) مردود. # وأجيب أيضا بأنه يمكن أن يراد بهما الأن سيدا شباب هم من أهل الجنة من شباب ~~هاذا الزمان. اه ~~وليس فيه كبير تمدح، فينافي الغرض من ذكره صلى الله عليه وسلم ذلك مدحا ~~لهما ~~والحاصل: أن الذي يتجه في هذذا المقام وبه يحصل الجواب الواضح : أن الذين ~~كتبت لهم السعادة المعبر عنهم بكونهم أهل الجنة شباب وكهول وشيوخ، وأن ~~الحسنين تميزا في حال شبابهما، بل صغرهما بفضائل على من هو في سنهما حينئذ ~~لا تحصى ولا يستثنى منهم أحد، بل في حال شبابهما فضلا جميع الشباب الموجودين ~~حينئذ من غير استثناء، بل الشباب مطلقا من غير استثناء أيضا؛ إذ لا نعلم وهما في ~~شبابهما آن شابا قبلهما ولا بعدهما ساواهما فضلا عن كونه فضلهما، وإذا تقرر ~~هلذا.. فلأجل كونهما فضلا الشباب من غير استثناء، بخلاف الكهول والشيوخ؛ ~~فإنهما لم يفضلاهما على الإطلاق في حالة من الحالات. خص الشباب بالذكر، ~~وأضافهما إلى الجنة باعتبار أنه يقال لمن هو في حال شبابه وقد كتب سعيدا : هذا من ~~شباب الجنة؛ أي: من الموصوفين الان بكونهم من الشباب وكونهم من أهل الجنة، ~~وحينتذ اتضحت حكمة ذكر الشباب، واتضحت إضافتهم إلى الجنة، واتضح آنه ~~لا يحتاج إلى استثناء الخلفاء الأربعة فضلا عن الأنبياء ، واتضح أن في هلذا من التمدح ~~لهما ورفعة قدرهما وبيان تميزهما ما لا يخفى عظيم وقعه فتأمله لتستريح من تلك ~~الأجوبة المطولة مع ما فيها مما سبق ومما في هذذا الجواب ms403 الذي هو أصوبها ~~وأوضحها PageV00P446 ~~============================================================ ~~(كما آوت) بالمد، فيتعين للوزن وإن جاز القصر في أصل الكلمة (من الخط) ~~حال من الفاعل (نقطتيها الياء) أي: إيواء كإيواء (الياء) لنقطتيها حال كونها من ~~جملة حروف الخط، وكأنه أخذ هذا التشبيه من حديث البخاري عن الحسن رضي الله ~~عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ بيدي فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسين ~~على فخذه الأخرى، ويضمنا ثم يقول : " أللهم؛ إني أرحمهما فأزحمهما "(1) ومما ~~صح عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما قال : طرقت النبي صلى الله عليه وسلم ~~ذات ليلة، فخرج وهو مشتمل على شيء، قلت : فما هذا؟ فكشفه فإذا حسن ~~وحسين على وركيه ، فقال : " أللهم ؛ هلذان أبناي وأبنا أبنتي ، أللهم، إني أحبهما ~~فأحبهما وأحب من يحبهما"(2). # وصح: أنه صلى الله عليه وسلم أقبل وقد حمل الحسين على رقبته، فقال رجل: ~~نعم المركب ركبت يا غلام ، فقال صلى الله عليه وسلم : "ونغم الراكب هو "(3) ~~ووجه التخصيص بل الياء): أنها خاتمة الحروف، كما أنه صلى الله عليه وسلم ~~خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا نظر إلى أن (الألف) أفضل الحروف ؛ ~~لأنها مادة كل حرف ، فهي الاخر في الحقيقة، كما أنها الأول كذلك ، وهذكذا شأن ~~بينا صلى الله عليه وسلم؛ فإنه أولهم خلقأ ورتبة، وآخرهم وجودا وبعثا، فعنصره ~~صلى الله عليه وسلم الكريم مندرج ومنبث في جميع الأنبياء بالفعل تارة بالنسبة لمن في ~~عمود نسبه، وبالقوة أخرى بالنسبة لمن ليس في عموده ~~من شهيدين ليس ينسيني الطث مصابيهما ولا كزبلاء ~~(من) بيان ل( الريحانتين) وحينئذ فلا تجريد فيه خلافا لما زعمه الشارح ~~(شهيدين) أما شهادة الحسن - وكانت ولادته في نصف شعبان بالمدينة سنة ثلاث من ~~(1) البخاري (1003) ~~(2) أخرجه ابن حبان (6967)، والترمذي (3769). # (3) اخرجه الترمذي (3784) PageV00P447 ~~============================================================ ~~الهجرة(1) -: فسببها : آن يزيد بن معاوية أرسل إلى زوجته جعدة الكندية : أنها تسمه ~~ويتروجها، وبذل لها مثة آلف درهم، ففعلت، فمرض آربعين يومأ ومات، فبعثت ~~ليزيد بما وعدها فأبى ~~وفي سنة موته رضي الله عنه أقوال، والأكثرون : أنها سنة خمسين(2)، وجهد به ~~الحسين ms404 رضي الله عنه آن يخبره بمن سمه فأبى، وقال : الله أشد نقمة، وأجد كبدي ~~تقطع، وإني لعارف من أين دهيت، فبحقي عليك لا تكلمت في ذلك بشيء، ثم قال ~~رضي الله عنه : وأقسم عليك أن لا تريق في آمري محجمة دم، ومن جملة كلامه ~~لأخيه رضي الله عنهما لما احتضر : يا أخي؛ إن أباك استشرف لهذا الأمر المرة بعد ~~المرة، فصرفه الله عنه إلى الثلاثة قبله، ثم ولي فنوزع حتى جرد السيف فما صفت ~~له، وإني والله ما أرى أن يجمع الله فينا النبوة والخلافة، وربما يستخفنك سفهاء ~~الكوفة فيخرجونك، وقد كنت طلبت من عائشة أن أدفن مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأجابت، فإذا مت.. فاطلب منها، وما أظن القوم إلا سيمنعونك، فإن ~~فعلوا فلا تراجعهم، فلما مات.. سأل الحسين عاتشة رضي الله عنها فقالت : ~~نعم، وكرامة، فمنعهم مروان؛ لأنه كان والي المدينة، فلبس الحسين ومن معه ~~السلاح حتى رده أبو هريرة رضي الله عنهما، ثم دفن بالبقيع إلى جنب أمه رضي الله ~~تعالى عنهما، وكان مروان يكثر من أذيته، فلما مات.. بكى في جنازته، فقال له ~~الحسين : أتبكيه وقد كنت تجرعه ما تجرعه ؟! فقال : إني كنت أفعل ذلك إلى أحلم ~~من هلذا ، وأشار بيده إلى الجبل (2). # وكان مروان هذا أشد الناس بغضا لأهل البيت ، وكأن هلذا هو سر الحديث الذي ~~صححه الحاكم: أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قال : كان لا يولد ~~لأحد مولود إلا أتي به النبي صلى الله عليه وسلم فيدعو له ، فأدخل عليه مروان بن ~~الحكم فقال : " هو الوزغ أبن الوزغ ، الملعون أبن الملعون "(4) . # (1) انظر "الإصابة"(327/1). # (2) انظر " الإصابة "(330/1) ~~(3) انظر "تهذيب الكمال"(220/6)، و" سير أعلام النبلاء" (245/3). # 4) المستدرك (479/4) ~~51 PageV00P448 ~~============================================================ ~~وروى أيضا حديثا من جملته قول عاتشة رضي الله تعالى عنها : لعن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أبا مروان ومروان في صلبه (1). # نعم؛ في الحديث الصحيح: أنه صلى الله عليه وسلم سأل ربه : أن من شتمه أو ~~لعنه أو دعا ms405 عليه.. آن يكون ذلك رحمة له وزكاة وكفارة وطهارة. # ومن فضائل الحسن رضي الله عنه ما صح : أنه صلى الله عليه وسلم كان يحمله ~~علىن عانقه ويقول : " اللهم ، إني أحبه فأجبه"(2) وصح : " من احثنى . فليبه ~~وليغلم الشاهد الغائب"(3) " اللهم؛ إني أحبة ، وأحب من يحيه" ، " اكلهم؛ إني ~~أحبه فأحبه ، وأحب من يحبه" ، ثلاث مرات(4) وفي رواية : فجعل يفتح فمه ، ثم ~~يدخل فمه في فمه ويقول ذلك(5)، وفي اخرى : " من أحبني وأحب هلذين وأباهما ~~وأمهما. كان معي في درجتي يؤم القيامة "(1). # وصح: أنه حج خمسأ وعشرين حجة ماشيا وإن النجائب لتقاد بين يديه، وخرج ~~عن ماله مرتين، وقاسم الله تعالى ماله ثلاث مرات،10. # وكرمه رضي الله عنه باهر، وحكاياته فيه آبهر، ولم تسمع منه كلمة فحش قط إلا ~~قوله مرة عن مخاصمة : ليس له عندنا إلا ما أرغم آنفه ~~وجاء من طرق كثيرة بعضها صحيح: أنه صلى الله عليه وسلم قال وهو على ~~المنبر : " إن أبني هلذا - أي : الحسن رضي الله عنه - سيد ، وسيضلح الله به بين فئتين ~~(1) المستدرك (481/4) ~~(2) أخرجه البخاري (3749)، ومسلم (2422) ~~(3) أخرجه الحاكم (173/3)، وأحمد (366/5). # 4) اخرجه أحمد (331/2). # ) آخرجه أحمد (2/ 532). # (2) اخرجه الضياء في المختارة" (421)، والترمذي" (3733)، وأحمد (77/1) ~~وغيرهم ~~(7) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى" (331/4) دون قوله : (وخرج عن ماله مرتين)، ~~وأخرج الحاكم (169/3) قوله (حج خمسأ وعشرين حجة ماشيا وإن النجاتب لتقاد ~~عه ~~515 PageV00P449 ~~============================================================ ~~عظيمتين من المسلمين "(1) وقد حقق الله له ذلك؛ فإن أباه رضي الله عنهما لما ~~توفي.. تولى الخلافة بمبايعة أهل الكوفة، فكان آخر الخلفاء الراشدين بنص جده ~~صلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث الصحيح : "الخلافة بغدي ثلاثون سنة "(2) ~~فمدة خلافته رضي الله عنه هي الستة أشهر الباقية منها، وعند مضيها سار إلى معاوية ~~في أربعين ألفا، فلما تراءى الجمعان.. علم الحسن أنه لن تغلب إحدى الطائفتين ~~حتى يذهب اكثر الأخرى، فرضي بالنزول لمعاوية عن الخلافة شفقة على الأمة بشروط ~~قبلها معاوية، فنزل له، وحينثذ صار هو الإمام الحق، وقبل ذلك كان متغلبا، للكن ~~لاجتهاده لم ms406 يكن آثما، بل مأجورا. # وأما شهادة الحسين رضي الله عنه، وكانت ولادته لخمس خلون من شعبان سنة ~~اربع. # ومن فضائله رضي الله تعالى عنه حديث : 9 حسين مني وأنا من حسين ، أحب الله ~~من أحب حسينا ، حسين سبط من الأشباط "(3) وفي رواية : " الحسن والحسين ~~سبطان من الأشباط"(2). # وجاء من طرق صحح الحاكم بعضها : أن جبريل عليه السلام - وفي رواية: ملك ~~القطر، ولعلهما واقعتان - جاء إلى التبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره أن الحسين ~~رضي الله عنه مقتول، وأراه من تربة الأرض التي يقتل فيها، فأعطاه لأم سلمة ~~رضي الله عنها، وأخبرها أنه يوم قتله يتحول دما، فكان كذلك، وشم صلى الله عليه ~~وسلم ذلك التراب فقال : " ريح كربلأء "(5). # وفي رواية: فأشار جبريل بيده إلى الطف؛ أرض بالعراق بناحية الكوفة، ~~(1) أخرجه البخاري (4 270)، وابن حبان (6964)، وغيرهما بالفاظ متقاربة ~~(2) أخرجه اين حبان (6943)، والبزار (3828)، وغيرهما. # (3) أخرجه ابن حبان (6971)، والترمذي (3775)، وابن ماجه (144)، وأحمد ~~(12214 ~~(4) أخرجه الطبراني في " الكبير 9(32/3). # (5) رواية أن الملك جبريل أخرجها الطبراني في " الكبير4 (108/3)، ورواية أنه ملك القطر ~~أخرجها ابن حبان (6742)، وأحمد (3/ 242). # 516 PageV00P450 ~~============================================================ ~~ولا تخالف؛ لأن ذلك الموضع يسمى بكربلاء وبالطف، كذا قاله بعضهم، وقال ~~غيره : كربلاء قريب من موضع يقال له : الطف، بقرب الكوفة: ~~وروى الطبراني : " أما الحسن.. فله هيتي وسؤددي، وأما حسين.. فله ~~جراءتي وجودي "(1)، والبغوي وغيره : "سمى هارون ابنئه شبرا وشبيرا، وإني ~~سميت ابني الحسن والحسين " وجاء : أن العرب لم تسم بهما في الجاهلية ~~فسبها(2) : أن يزيد لما استخلف سنة ستين.. أرسل لعامله بالمدينة : أن يأخذ ~~له البيعة على الحسين رضي الله عنه، ففر لمكة خوفا على نفسه، فأرسل إليه أهل ~~الكوفة : أن يأتيهم؛ ليبايعوه ويمحي ما هم فيه من الجور، فنهاه ابن عباس رضي الله ~~عنهما، وبين له غدرهم وقتلهم لأبيه، وخذلانهم لأخيه، وأمره أن لا يذهب بأهله إن ~~ذهب، فأبى، فبكى ابن عباس وقال : واحسيناه، وقال له ابن عمر رضي الله عنهما ~~نحو ذلك، فأبى، فقبل ما بين عينيه وقال: أستودعك الله من قتيل، وكذلك ms407 نهاه ابن ~~الزبير رضي الله تعالى عنهم، بل لم يبق أحد بمكة إلا حزن عليه لمسيره رضي الله ~~عنه، ولما بلغ أخاه محمد ابن الحنفية.. بكى حتى ملأ طستا بين يديه ~~وقدم أمامه رضي الله عنه مسلم بن عقيل، فبايعه من أهل الكوفة اثنا عشر ألفا، ~~فأرسل إليه يزيذ ابن زياد فقتله، وسار الحسين غير عالم بذلك، فلقي الفرزدق، ~~فسأله فقال: قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني آمية، والقضاء ينزل من السماء، ~~ولما قرب من القادسية.. تلقاه من اخبره الخبر وأمره بالرجوع، فهم بالرجوع، فقال ~~أخو مسلم المقتول : لا، حتى نأخذ بثأرنا أو نقتل، ثم سار، فلقيه أوائل خيل ابن ~~زياد، فعدل إلى كربلاء، فجهز إليه ابن زياد عشرين ألف مقاتل، فلما وصلوا إليه:. # التمسوا منه نزوله على حكم ابن زياد وبيعته ليزيد، فأبى، فقاتلوه، وكان اكثر مقاتليه ~~الكاتبين إليه والمبايعين له، فلما جاءهم. فروا عنه إلى عدوه، فحارب ذلك العدد ~~الكثير ومعه من أهله نيف وثمانون، فثبت في ذلك الموقف ثباتا باهرا، ولولا أنهم ~~حالوا بينه وبين الماء. . ما قدروا عليه، ولما استحر القتل (3) في أهله حتى بلغوا ~~(1) المعجم الكبير (423/22) ~~(2) قوله : (فسيبها) جواب قوله : (وأما شهادة الحسين.) قبل نحو نصف صحيفة ~~(3) استحر القتل : اشتد وكثر. PageV00P451 # ============================================================ ~~خمسين. صاح: أما ذاث يذب عن حريم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟1 فخرج ~~يزيد بن الحارث رجاء شفاعة جده، فقاتل بين يديه حتى قتل، ثم فني أصحابه وبقي ~~بمفرده، فحمل عليهم وقتل منهم كثيرا من شجعانهم، فكثروا عليه حتى حالوا بينه ~~وبين حريمه، فصاح: كفوا سفهاءكم عن النساء والأطفال، فكفوا، ثم لم يزل ~~يقاتلهم إلى أن أثخنوه بالجراح (1) ؛ لأنه رضي الله عنه طعن إحدى وثلاثين طعنة، ~~وضرب أربعا وثلاثين ضربة ، ومع ذلك غلب عليه العطش إلى أن سقط إلى الأرض: ~~فحزوا رآسه يوم الجمعة عاشر المحرم عام إحدى وستين، ووضعه قاتله بين يدي ~~عبيد الله بن زياد متبجحا بأنه قتل خير الناس، فأمر بضرب عنقه وقال : إذا علمت أنه ~~كذلك.. فلم ms408 قتلته ؟ وقتل معه من إخوته وبنيه وبني أخيه الحسن رضي الله عنه، ومن ~~أولاد جعفر وعقيل رضي الله عنهم أجمعين تسعة عشر رجلا(2) ~~قال الحسن البصري : ما كان على وجه الأرض لهم يومئذ شبيه. # وجعل ابن زياد الرأس في طست، وجعل يضرب ثناياه بقضيب ويدخله أنفه، ~~ويتعجب من حسن ثغره ، فبكى أنس رضي الله عنه وقال : كان أشبههم برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وقال له زيد بن آرقم: ارفع قضيبك، فوالله لطالما رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل ما بين هاتين الشفتين، وبكي، فأغلظ عليه ابن ~~زياد وهدده بالقتل، فقال رضي الله عنه : لأحدثنك بما هو أغيظ عليك من هذذا، ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أقعد حسنا على فخذه اليمنى، وحسينا على فخذه ~~اليسرى، ثم وضع يده على يافوخهما، ثم قال : "اللهم؛ إني أستؤدغك إياهما ~~وصالح المؤمنين" فكيف كانت وديعة النبي صلى الله عليه وسلم عندك يا ابن ~~زياد(143 ~~ولما دخل قصر الإمارة بالكوفة. أمر بالرأس فوضع على ترس عن يمينه والناس ~~(1) اتخنوه: أوهنوه ~~(2) انظر "تاريخ الطبري" (382/5)، و9 المنتظم " لابن الجوزي (142/4)، و" الكامل" ~~لابن الأثير (147/3)، و" سير أعلام النبلاء" (3/ 280)، وه البداية والنهاية" ~~568/4)، و1 شذرات الذهب *(273/1) ~~(3) أخرجه الطبراني في " الكبير"(185/5) بنحوه. PageV00P452 # ============================================================ ~~سماطان (1)، ثم أنزله وجهزه مع رؤوس أصحابه وسبايا آل الحسين رضي الله عنه إلى ~~يزيد، فلما وصلوا إليه.. قيل: ترحم عليه، والمشهور: أنه جعل ينكت الرأس ~~بالخيزران، وجمع بأنه أظهر الأول وأخفى الثاني، قيل : والعجب كل العجب من ~~ضرب يزيد ثنايا الحسين بالقضيب، وحمل آل النبي صلى الله عليه وسلم على أقتاب ~~الجمال موثقين في الحبال والنساء مكشوفات الوجوه والرؤوس. اه ~~ولا عجب؛ فإن يزيد بلغ من قبائح الفسق والانحلال عن التقوى مبلغا لا تستكثر ~~عليه صدور تلك القبائح منه، بل قال أحمد ابن حنبل بكفره، وناهيك به ورعا وعلما ~~يقضيان بأنه لم يقل ذلك إلا لقضايا وقعت منه صريحة في ذلك ثبتت عنده وإن لم ~~تثبت عند غيره كالغزالي، ms409 فإنه أطال في رد كثير مما نسب إليه كقتل الحسين، فقال : ~~لم يثبت من طريق صحيح أنه قتله ولا أمر بقتله، ثم بالغ في تحريم سبه ولعنه ، وكابن ~~العربي المالكي، فإنه نقل عنه ما يقشعر منه الجلد، أنه قال : لم يقتل يزيد الحسين ~~إلا بسيف جده - أي : بحسب اعتقاده الباطل آنه الخليفة- والحسين باغ عليه، والبيعة ~~سبقت ليزيد، ويكفي فيها بعض أهل الحل والعقد، وبيعته كذلك؛ لأن كثيرين ~~أقدموا عليها مختارين لها، هذا مع عدم النظر إلى استخلاف أبيه له، أما مع النظر ~~لذلك.. فلا يشترط موافقة أحد من أهل الحل والعقد على ذلك: ~~ويرد بأن هذا إنما هو بعد استقرار الأحكام وانعقاد الإجماع على تحريم الخروج ~~على الجائر، أما قبل ذلك. . فكان الأمر منوطا بالاجتهاد، واجتهاد الحسين رضي الله ~~تعالى عنه اقتضى جواز أو وجوب الخروج على يزيد؛ لجؤره وقبائحه التي تصم عنها ~~الاذان، فهو- أعني: الحسين رضي الله تعالى عنه - محق بالنسبة لما عنده، لا سيما ~~ان رأى ما رأى أحمد من كفره، وبه يرد أيضا ما قيل: نظير ذلك حال معاوية مع ~~الحسن رضي الله عنهما قبل نزوله عن الخلافة، ومع علي كرم الله وجهه، فإنه كان ~~متغلبا باغيا عليهما، لكنه غير آثم لاجتهاده، فالحسين رضي الله عنه كذلك. اه ~~فتأمل ذلك، فإن كلام الأئمة فيه كالمتنافي ، ولا يزول الإشكال فيه إلا بما قررته. # (1) الماط: الصف ~~519 PageV00P453 ~~============================================================ ~~ومما يبطل توجيه تلك الكلمة : ما ذكرته في " مختصر تاريخ الخلفاء" للحافظ ~~السيوطي: أن رجلا سمى يزيد أمير المؤمنين، فأمر عمر بن عبد العزيز خامس أو ~~سادس الخلفاء الراشدين - ولا يرد الحسن رضي الله تعالى عنه على الذين عبروا ~~بالأول؛ فإنه وإن كان منهم بنص الحديث الصحيح على أن الخلافة بعده صلى الله عليه ~~وسلم ثلاثون سنة، ومدة خلافته ستة أشهر تكملة هذه الثلاثين؛ لأنهالم تطل، ولم ~~يدن له ما دان للأربعة من جميع بلاد الإسلام، فكأنه اندرج في خلافة أبيه، فهما ~~كرجل واحد، فهو من الأربعة، وحينيذ تعين أن خامسهم عمر ms410 رضي الله تعالى عنه ~~بضربه عشرين سوطل(1)، فهذا صريح في أنه كان متغلبا بالشوكة لا إماما ؛ لأن ~~الذين هم أهل الحل والعقد حينئذ اكره اكثرهم على بيعته، كما صرحت به في ~~المختصر المذكور تبعا لأصله، وأقلهم من أجلاء الصحابة هربوا إلى مكة، ويأتي ~~قريبا بعض ذلك مع زيادة عليه ~~ولما وصلوا دمشق.. أقيموا على درج الجامع حيث يقام الأسارى والسبي، ~~وقيل: إن يزيد أرسل برأس الحسين ومن بقي من أهله إلى المدينة، فكفن رأسه، ~~ودفن عند قبر أمه بقبة الحسن، وقيل: أعيد إلى الجثة بكربلاء بعد أربعين يومأ من ~~قتله، ثم سلط الله على ابن زياد وقومه من قتلهم شرقتلة، ولما نزل الذين أرسلهم ابن ~~زياد بالرأس أول منزل.. جعلوا يشربون بالرأس، فخرجت عليهم من الحائط يد معها ~~[من الوافر ~~قلم من حديد، فكتبت سطرا بدم: ~~أترجو أمة قتلث حسينا شفاعة جده يؤم الحساب؟! # فهربوا وتركوا الرأس، ثم عادوا وأخذوه، أو أخذه غيرهم وقدم به على يزيد(2). # ومما ظهر يوم قتله رضي الله عنه من الايات : أن السماء أمطرت دمأ، وأن آوانيهم ~~ملئت دما، وأن السماء اشتد سوادها؛ لانكساف الشمس حينتذ حتى رئيت النجوم، ~~واشتد الظلام حتى ظن الناس أن القيامة قد قامت، وأن الكواكب ضربت بعضها ~~(1) قوله : (بضربه..) الجار: متعلق بالفعل (أمر) في قوله قبل أسطر : (قأمر عمر.) ~~(2) انظر "المعجم الكبير" (123/3-124)، و8 تاريخ دمشق" (243/14) وما بعدها، ~~و" تهذيب الكمال" (442/6) PageV00P454 ~~============================================================ ~~بعضا، وأنه لم يرفع حجر إلا رثي تحته دم عبيط (1)، وأن الورس انقلب رمادا، وأن ~~الدنيا أظلمت ثلاثة أيام ثم ظهرت فيها الحمرة، وقيل: احمرت ستة أشهر، ثم ~~لا زالت الحمرة ترى بعد ذلك: ~~وعن ابن سيرين رحمه الله تعالى : أخبرنا أن الحمرة التي مع الشفق لم تكن حتى ~~قتل الحسين، وقال ابن الجوزي : وحكمة ذلك : أن غضبنا يؤثر حمرة الوجه، ~~والحق تنزه عن الجسمية، فأظهر تأثير غضبه على من قتل الحسين بحمرة الأفق؛ ~~اظهارا لعظيم الجناية ~~وكما أظهر الله تعالى عظيم الجناية على الحسين بذلك الأمر ms411 الباهر.. أظهره على ~~ولد ولد الحسين زيد صاحب المذهب المشهور رضي الله تعالى عنه، فإن بني آمية ~~استخفوا به فقتلوه وحرقوه، فانتقم الحق تعالى ممن فعل به حتى سلط عليه من فعل به ~~مثل ما فعل بزيد وأقبح بكثير، كما هو مبسوط في قصته مع هشام المشهورة، وفيها ~~من الكرامات الباهرة لأهل البيت ما أوجب ذكر حاصلها؛ لتطلع أيها المحب فتزداد ~~محبتك، أو المبغض فتتوب وترجع إلى الله تعالى ~~اعلم أني ذكرت في كتابي " أسنى المطالب في صلة الأقارب " ما لفظه : ~~تنبيه آخر: مما يؤيد ما ذكرته في التنبيه الذي قبل هلذا: ما وقع لهشام بن ~~عبد الملك، حيث قطع رحم زيد بن علي، فقتله قومه الذين أرسلهم إليه وحرقوه ~~بالنار، فسلط الله عليه من أخرجه من قبره وأحرقه بالنار جزاء له وفاقا، وشرح ذلك : ~~أن زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم كان يدخل على ~~هشام بن عبد الملك بن مروان من فجار بني آمية وظلمتهم، فكان يقع بينهما ~~محاورات فيفحمه زيد حتى يخجل بين جنده وفي عز مملكته، ومن ذلك أنه قال: ~~أنت زيد المؤمل للخلافة، وما أنت وذاك وأنت ابن أمة ؟ فقال له زيد : إن الأمة لو ~~قصرت بولدها عن بلوغ الغاية. لما بعث الله نبيأ هو ابن آمة وجعله أبا العرب وأبا خير ~~البيين، وهو إسماعيل بن ابراهيم صلى الله على نبينا وعليهما وسلم، فكانت آمه مع ~~أم إسحاق كأمي مع أمك، وما تقصيرك برجل آبوه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~(1) الدم العبيط: الخالص الطري PageV00P455 ~~============================================================ ~~وجده علي بن أبي طالب ؟! فلما خرج. قال هشام لجلسائه: ألستم زعمتم أن أهل ~~هذا البيت قد انقرضوا، ألا لعمر الله ما انقرض قوم هلذا خلفهم ~~ودخل عليه مرة أخرى، فرأى عنده يهوديأ يسب- قيل: كان يسب النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وقيل: كان يسب آله- فانتهره زيد وقال: يا كافر؛ أما والله لئن تمكنت ~~منك. لأختطفن روحك، فقال هشام : مه يا زيد؛ لا تؤذ جليسنا، ms412 فخرج قائلا: ~~من استشعر حب البقاء.. استدثر الذل إلى الفناء، وهاج حينتذ على الخروج على ~~هشام، فأطاعه من أهل الكوفة خمسة عشر ألف مقاتل وبايعوه، وبايعه جماعة من ~~الأئمة، قيل: منهم أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، وأمده بمال عظيم، فخرج أواخر ~~المحرم سنة اثتتين وعشرين ومثة، وخرج معه من القراء والفقهاء وأهل البصائر خمسة ~~آلاف في زي لم ير الناس مثلهم، ثم خذله الذين بايعوه وتأخروا عنه، فقال: أين ~~الناس ؟ فقيل له: احتبسوا في المسجد، فقال : لا يسعهم عند الله خذلانهم لتا، ~~فعاد إليهم وأمرهم بالخروج فأبوا ، فقال : يا أهل الكوفة ؛ اخرجوا من الذل إلى العز ~~وإلى خير الدنيا والآخرة، فأبوا: ~~فأقبل جنود هشام فحمل عليهم زيد رضي الله تعالى عنه، فقتل منهم مقتلة ~~عظيمة، فلم ينجع فيهم ذلك شيئ((1)، ودخلوا الكوفة، فتفرقت أصحابه عنه، فلم ~~يتأئر بذلك وحاربهم يوم الأربعاء والخمي، فحمل عليهم وقتل من فرسانهم ~~كثيرين، فأصيب اخر يوم الجمعة بنشابة في جبينه، فجيء له بطبيب، فنزعها فمات ~~من ساعته، ودفن في قناة، وأجري عليه الماء؛ لئلا يعرفوا قبره، ثم دلوا عليه، ~~فصلب على جذع نخلة عريانا، فنسجت العنكبوت على عورته لوقته ، فلم يرها أحد، ~~فكان ذلك من كراماته الباهرة: ~~ثم أنزلوه وحرقوه حتى صار رمادا فذروه في الهواء، فلما كان زمن السفاح أول ~~خلفاء بني العباس - وهو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس-.. آمر بامرآة ~~هشام المذكور فشدخ رأسها بالعمد، وآمر بقطع ثدييها وقتلها قصاصا في أم ولد أو ~~زوجة كانت لزيد رضي الله تعالى عنه قتلوها، ثم آمر بهشام فنبش من قبره فوجد ~~(1) نجع فيه الدواء؛ أي: نفع وأثر PageV00P456 ~~============================================================ ~~بحاله؛ لأنه كان طلي بالصبر؛ لئلا يتغير(1)، فأقاموه وجلدوه حتى تناثر لحمه ثم ~~حرقوه بالنار، وفعلوا به كما فعل بزيد رضي الله تعالى عنه جزاء وفاقا، فتأمل نصر الله ~~تعالى حتى على يد الأعداء، فإن غالب بني العباس كانوا يكرهون ذرية الحسين؛ ~~لأنهم ينازعونهم في الملك ويخرجون عليهم كثيرا، ومع ذلك ms413 أظهر الله الانتقام من ~~هشام لزيد على يد من يكره بني زيد وبني عمه ~~(ليس ينسيني) ككل مسلم كامل الإيمان (الطف) أي: بذكر ما وقع فيه، ومر ~~أنه أرض بالعراق، وآنه يسمى كربلاء أو قريب منها، وقبره به معروف يزار ويتبرك به ~~(مصابيهما) أي: مجموعهما، على حد قوله تعالى : { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجاب ~~اذ هما إنما يخرجان من الملح فقط؛ أي : مصاب الحسين رضي الله عنه؛ لأن قتله ~~به، وأما قتل الحسن.. فمر أنه كان بالمدينة، ولم يكن قتله بالسم ظاهرا، وإنما علم ~~به نزر من الناس (ولا كربلاء) بل كل منهما يذكرني بذلك المصاب ، حتى إني أتصور ~~في كل أرض أنها هي، وظاهره : أنه مغاير للطف، ومر أنه قول، وكأن الناظم لمح ~~بهذا إلى ما رواه ابن سعد عن الشعبي : أن عليا كرم الله تعالى وجهه لما مر بكربلاء ~~عند مسيره إلى صفين.. وقف وسأل عنها، فقيل : كربلاء، فبكى حتى بل الأرض من ~~دموعه، ثم قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي... القصة ~~الآتية في شرح قوله : (فابكهم...) إلخ: ~~لددا اه وا وا دابسم: ~~ما رعى فيهما ذمامك مزؤو س وقذ خان عهدك الوؤساء ~~(ما رعى فيهما ذمامك) - بالمعجمة - أي : حرمتك أيها النبي الكريم مع آنه يجب ~~على كل أحد رعايتهما والوفاء بهما، ولا يحصل ذلك إلا بالقيام بجميع ما لهما من ~~العهود والحقوق والحرمة والجلالة، ومن بغض شانتهما واعتقاد أنه على غاية من ~~الحماقة والضلالة والجراءة والتهور (مرؤوس) أي : تابع كجعدة في الحسن، وابن ~~زياد وأتباعه في الحسين رضي الله تعالى عنهما (و) الحال أته (قد خان عهدك ~~(1) الصبر: عصارة شجر مر. PageV00P457 # ============================================================ ~~الرؤساء) أي: المتبوعون من الظلمة الطغاة المتمردين كيزيد فيهما؛ لتسببه في ~~قتلهما، لكنهما رضي الله عنهما فازا بمنزلة الشهادة العظمى، وباء بخزي الدنيا ~~والأخرى، وقول بعضهم : لا ملام على قتلة الحسين؛ لأنهم إنما قتلوه بسيف جده ~~الامر بسله على البغاة وقتالهم.. لا يعول عليه؛ لأن يزيد لم تنعقد بيعته عند الحسين ~~رضي ms414 الله عنه وغيره ممن لم يبايعوه، والمبايعون له مكرهون على البيعة كما هو ~~مروف ~~وغاية أمر يزيد: أنه جاثر فاسق متغلب، وحرمة الخروج على الجائر التي جرى ~~عليها الإجماع محلها بعد استقرار الأمور وانقضاء تلك الأعصار، وأما تلك ~~الأعصار. فكان أهلها مجتهدين، فلم يدخلوا تحت حيطة رآي غيرهم، ولذلك ~~خرج على يزيد أيضأ ابن الزبير رضي الله عنهما، ولم يبال ببيعته ولا اعتد بها كجماعة ~~آخرين امتنعوا منها وهربوا، ومر آنفا ما له تعلق بذلك مع زيادة: ~~وروى ابن السكن أنه صلى الله عليه وسلم قال وقد أشار إلى الحسين رضي الله ~~عنه : " إن أبني هذا يقتل بأرضي العراق، فمن أذركه منكم.. فلينصره " وبه يرد قول ~~البعض المذكور، ومما يرده أيضا: ما ترتب على قتل الحسين مما مر بعضه ~~وبين (رعى) و(خان) و( المرؤوس) و(الرؤساء) جناس الطباق:. # أبدلوا ألود والحفيظة في القز بى وأبدث ضبابها اليافقاء ~~(أبدلوا) أي : هلؤلاء المذكورون (الود) بتثليث الواو؛ أي : المودة التي ~~حرضهم الله عليها في الآية الأتية ببغضهم وقتالهم وإلحاق الإيذاء لهم بكل طريق ~~أمكن، حتى إن القرمطي سباهم، فبيعت الشريفة في عسكره بأربعة دراهم، والشريف ~~بدرهمين؛ لكثرة من سباه منهم (و) أبدلوا أيضا (الحفيظة) أي : الحمية (في) ~~نصر (القربى) ومحبتهم؛ أي: قرابة النبي صلى الله عليه وسلم، وهم آل البيت ~~النبوي؛ يعني: تركوا هذين وأخذوا ضدهما، فقطعوا مودتهم وتخلفوا عن ~~نصرتهم، ولم يمتثلوا قول الله تعالى في حقهم الدال على غاية رفعتهم: { قل لا أستلكز ~~عليه لجرا إلا المودة فى القرى. .. الآية PageV00P458 ~~============================================================ ~~وقد اختلف المفسرون في القري}، والذي جاء عن الحسن بن علي كرم الله ~~وجههما بسند حسن: آنهم أهل البيت، فإنه خطب الناس خطبة بليغة فيها: أنا ~~الحسن ابن محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، ثم ~~قال : وأنا من آهل البيت الذين افترض الله عز وجل مودتهم وموالاتهم - زاد في ~~رواية: على كل مسلم - فقال فيما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم: *قل لا ~~أتتلكز ms415 عليه أجرا إلا المودة فى القرى) ، وفي رواية ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا} قال : ~~اقتراف الحسنات مودتنا أهل البيت (1). # وجاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بسند فيه شيعي غال لنكنه صدوق: أنها ~~لما نزلت.. قالوا : يا رسول الله؛ من قرابتك هدؤلاء الذين وجبت علينا محبتهم ؟ # قال: "علي وفاطمة وآبناهما "(2) وروى غير واحد نحو ذلك عن علي رضي الله تعالى ~~وأخرج الطبراني عن زين العابدين رضي الله عنه : أنه لما جيء به أسيرا عقب مقتل ~~أبيه الحسين رضي الله تعالى عنهما، وأقيم على درج مسجد دمشق.. قال بعض جفاة ~~أهل الشام : الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم وقطع قرن الفتنة، فقال له: أما ~~قرأت : قل لا أستلكر عليه أجرا إلا المودة فى القرى} قال : وأنتم هم ؟ قال : نعم . # ولا ينافي ذلك ما هو المشهور عن ابن عباس رضي الله عنهما وأتباعه من حملها ~~على غير ما ذكر، كما في " البخاري" وغيره عنه أن المراد : لا تؤذوني يا معشر قريش ~~بقرابتي فيكم(2)، وفي رواية عنه : أنهم لما أبوا أن يبايعوه. . أنزل الله عليه ذلك، ~~فقال صلى الله عليه وسلم : 1 يا قؤم؛ إذا أبيتم أن تبايعوني. . فآخفظوا قرابتي ولا ~~تؤذوني " ويؤيده : أن السورة مكية، ورواية نزولها بالمدينة ضعيفة وإن أمكن نزولها ~~مرتين كما قيل به في (الفاتحة)، ووجه عدم المنافاة : أن من ذكره صلى الله عليه ~~(1) أحرجه الحاكم (172/3). # (2) ذكره في " مجمع الزوائد* (106/7)، وقال : (رواه الطبراني من رواية حرب بن الحسن ~~الطحان، عن حسين الأشقر عن قيس بن الربيع، وقد وثقوا كلهم، وضعفهم جماعة، وبقية ~~رجاله ثقات) ~~(3) البخاري (3497)، و( 4818) PageV00P459 ~~============================================================ ~~وسلم وخص بقريش.. اقتصر على المقصود بالذات، ومن ذكر أهل البيت وعمم في ~~كل مسلم.. ذكر ما هو المقصود بالتبع، فكل من المرادين صحيح من غير منافاة ~~ولا تعارض بينهما، ومن ثم كان ابن جبير وهو من أجل تلامذة ابن عباس يفسر تارة ~~بهذا وتارة بهذا. # وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : " إلا أن توادوا ألله ms416 تعالى"(1 ~~ولا منافاة أيضا ؛ لأن من جملة موادته تعالى موادة رسوله وأهل بيته ~~وادعاء نسخ الاية قول مردود لا يلتفت إليه، فلا يجوز اعتقاده كما قاله البغوي ~~وغيره(2)، وقد صح - خلافا لما وهم فيه ابن الجوزي - حديث : " أحبوا آلله لما ~~يغذوكم به من نعمه ، وأحيوني لحب الله عز وجل ، وأحبوا أهل بتي لحبي "(2) وصح ~~أيضا : " ما بال أقوام يتحدثون ، فإذا رأوا الرجل من أهل بتتي.. . قطعوا حديثهم، ~~والله لا يدخل قلب رجل الإيمان حتل يحبهم لله ولقرابتهم مني "(4) وفي خبر أحمد : ~~أنه صلى الله عليه وسلم قال لمن اشتكىل عليا رضي الله عنه : " والله لقذ آذيتني" ثم قال ~~صلى الله عليه وسلم : 8 من آذى عليا.. فقد آذاني"(5). # وروى أحمد والترمذي حديث : " من أحبني وأحب حسنا وحسينا وأباهما ~~وأمهما.. كان معي في الجنة "(1) زاد أبو داوود : "ومات متبعا لسنتي" وبها يعلم ~~بطلان قول الرافضة: تنفع محبتهم مع مخالفة السنة ~~(وأبدت) أي: أظهرت (ضبابها) عائد لفاعل (أبدت) وأراد ب (الضباب): ~~اليرابيع، لأن النافقاء لا تكون إلا لها (النافقاء) هي إحدى جحري اليربوع ، يكتمها ~~ويظهر غيرها حتى لا يصاد، وهو موضع من جحره، يجعل الحاجز بينه وبين الفضاء ~~قريبا جدا، حتى إذا دخل عليه من الجحر الأخرى المسماة بالقاصعاء.. ضرب النافقاء ~~(1) أخرجه الحاكم (443/2)، وأحمد (268/1)، والطبراني في "الكبير "(75/11) ~~(2) انظر " تفسير البغوي"(125/4) ~~(3) أخرجه الحاكم (150/3)، والترمذي (3789)، والبيهقي في " الشعب (408) ~~4) أخرجه الضياء في المختارة * (472)، وابن ماجه (140) ~~5) مسند أحمد (483/3) ~~() مسند أحمد (1/ 77)، والترمذي (3733) ~~526 PageV00P460 ~~============================================================ ~~برآسه، فانشق وخرج هاربا منه، ولهذا يقال: نفق اليربوع تنفيقأ، ومنه اشتقاق ~~المنافق في الدين كما في " الصحاح". # وفي النظم تشبيه المكرة بالحسنين رضي الله عنهما حتى فعلوا معهما ما فعلوا. # باليربوع في مكره المذكور، فهو استعارة تصريحية، وفي ذكر (النافقاء) استعارة ~~ترشيحية، أو تشبيه ما عند أولثك من النفاق ب (النافقاء) بالجامع الاتي) فهي ~~حينئذ استعارة مصرحة، رشحت بذكر (الضباب) أو تشبيه (النافقاء) بما عند أوليك ~~من النفاق الذي حملهم على أن فعلوا بأهل البيت ما فعلوا، فتشبيه ms417 (النافقاء) بنفاق ~~أوليك استعارة بالكناية، والجامع أن (النافقاء) يظهر اليربوع منها فيهرب من ~~صياده، وكذلك نفاق أولنك أظهرهم حتى هربوا من الدين وفعلوا ما فعلوا، وإثبات ~~اليربوع استعارة تخييلية ، ويصح أن يكون استعارة بالكناية أيضا؛ لتشبيه (الضباب) ~~بأولئك في المكر، وإضافتهم إلى ضمير (النافقاء) تخييلية ~~63. # وقست منهم قلوب على من بكت الأرض فقدهم والشماء ~~(وقست) أي : غلظت واشتدت (منهم) أي : المكرة الفجرة المذكورين، وهو ~~حال من قوله : (قلوب) فوصل إليهما رضي الله عنهما ثم إلى ذريتهما منهم غاية ~~الايذاء والاستهتار بحقهم الواجب رعايته عليهم، ولم تلن لهم تلك القلوب قط؛ ~~لأن الله تعالى أراد لها الشقاوة والعذاب الأليم (على من) أي : أولئك الأئمة الذين ~~هم بدور الدنيا، ومن ثم قال الحسن البصري رحمه الله تعالى في الذين قتلوا مع ~~الحسين من أهله : ليس لهم شبيه على وجه الأرض: ~~(بكت الأرض فقدهم والسماء) وهذا اقتباس من مفهوم قوله تعالى: { فمابكت ~~عليهم السماء والأرض} إذ مفهومه : أن المؤمن تبكي عليه السماء والأرض، أما ~~الأرض فمحاك سجود المؤمن وعباداته، وأما السماء.. فمحاك تصاعد أعماله، ~~وإذا كان هذا في مطلق المؤمنين كما علم من الاية، بمعنى : أنهما يتأسفان على ~~ما فاتهما من آعمالهما وثوابهما.. فما بالك بآل البيت النبوي والنسب العلوي ؟! # ويصح أن يكون المراد ببكائهما : بكاء أهلهما، وهو واضح، وللكن الأول ~~51 PageV00P461 ~~============================================================ ~~ابلغ، ولا مانع من حمله على الحقيقة ؛ لأنه ممكن ورد به الشرع ، فلا يخرج عن ~~ظاهره إلا بدليل: ~~اد ~~نابكهم ما أشتطفت إن قليلا في عظيم ين المصاب البكاء ~~(فابكهم) أيها الصالح للخطاب (ما استطعت) أي: مدة دوام استطاعتك، ~~تأسيأ بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم، ثم بجبريل عليه السلام، ثم علي رضي الله ~~روى ابن سعد عن الشعبي، قال : مر علي كرم الله وجهه بكربلاء عند مسيره إلى ~~صفين، فوقف وسأل عن اسم هذذه الأرض، فقيل له : كربلاء، فبكن حتى بل ~~الأرض من دموعه ، ثم قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، ~~فقلت : ما يبكيك ؟ قال ms418 : 9 كان عندي جنريل آنفا ، وأخبرنبي أن ولدي الحسين يقتل ~~بشاطىء الفرات بموضع يقال له : كربلاء ، ثم قبض جبريل قبضة من تراب أشمني ~~إياها ، فلم أملك عيني أن فاضتا" . # وأخرج الترمذي : أن أم سلمة رضي الله عنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم باكيا ~~وبرأسه ولحيته التراب، فسألته ، فقال : " قتل الحسين آنفا"(1). وكذلك رآه ابن ~~عباس رضي الله عنهما نصف النهار أشعث أغبر، بيده قارورة فيها دم يلتقطه، فسأله، ~~فقال : "دم الحسين وأصحابه ، لم أزل أتتبعه منذ اليؤم" فنظروا فوجدوه قد قتل في ~~ذلك اليوم (2) . # فإن قلت : الأمر بالبكاء ينافيه الحديث الصحيح : "فإذا وجبت.. فلا تبكين ~~باكية "(3) ومن ثم قال أثمتنا : يكره البكاء بعد الموت. # قلت : ليس المراد بالبكاء المأمور به هنا : حقيقته، بل لازمه من التأسف والحزن ~~(1) الترمذي (3771) ~~(2) أخرجه الحاكم (397/4)، وأحمد (242/1)، والطبراني في الكبير "(110/3) ~~(3) أخرجه النسائي في 9 الكبرى " (7455)، والطبراني في " الكبير" (2/ 191) ~~528 PageV00P462 ~~============================================================ ~~على ما حصل للدين وأهله، من استباحة حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودم بنيه ~~وأهله، ومن غاية الاستهتار بحقهم والفرح بمصابهم، ومن زوال آنوار النبوة وعلومها ~~وتقاها وزهدها وكمالاتها بفقدهم، وذلك كله مصاب لا يساويه مصاب، فحق لكل ~~أحد أن يحزن على ذلك ويتأسف عليه، وأن يأمر به غيره ويدعو إليه: ~~فإن قلت : كيف نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البكاء وبكى كما في ~~الحديث المذكور؟ # قلت: المنهي عنه إنما هو البكاء بعد الموت؛ لوقوع اليأس به، فوجود البكاء ~~حيئذ ربما دل على نوع تبرم بالقضاء، والواقع هنا البكاء منه صلى الله عليه وسلم ~~قبله، وهو محض رحمة الله حينئد، وبهذا يتبين عدم الاحتياج للجواب، بل عدم ~~صحته: بأن المنهي عنه البكاء الاختيارى، والذي وقع منه صلى الله عليه وسلم لعله ~~اضطراري، أو بيان للجواز، أو أطلق منه البكاء على مجرد دمع العين لابراهيم وهو ~~لا كراهة فيه، ومن ثم لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم على ابن لإحدى بناته.. قيل ~~له: ما هذا؟ - أي : وقد نهيت عن ms419 البكاء - فقال : " إنها رخمة، وإنما يرحم الله من ~~عباده الرؤحماء "(1) فبين أن مجرد دمع العين لا محذور فيه ولا كراهة. فتأمله. # ثم تمم رحمه الله ما أمر به من البكاء بما يصلح أن يكون دليلا حاملا عليه فقال : ~~(إن) جزءا (قليلأ) أي: قليل (في) مقابلة (عظيم من المصاب) لا سيما ~~مصاب الأمة بالحسنين وأهل بيتهما رضي الله تعالى عنهم، وبين (قليا) و(عظيم) ~~طباق، وفيه اشتقاق ورد العجز على الصدر (البكاء) وإن كثر، وهو: الصوت الذي ~~يكون مع الدمع، وأما المقصور.. فهو الدمع فقط، وغير القليل قتل قاتليهم، ودوام ~~نصرتهم بإشادة ذكرهم، وإدامة الثناء عليهم، والرد على أعداثهم وغير ذلك: ~~(338 ~~كل يؤم وكل أرض لكزبي منهم كزبلا وها شوراء ~~(كل يوم وكل أرض لكربي) أي : لأجل ما حصل لي من الكرب، وهو: الغم ~~(1) اخرجه البخاري (1284)، ومسلم (923) PageV00P463 ~~============================================================ ~~الذي يأخذ النفس بحيث يخشى فوتها (منهم) أي: بسبب ما حصل لهذين الإمامين ~~وأهل بيتهما من القتل والأسر والسب والإيذاء (كربلا) راجع ( (كل أرض) ~~(وعاشوراء) راجع ل( كل يوم)، ففيه لف ونشر مشوش؛ أي: زادني ذلك الكرب ~~حتى إن كل أرض حللت بها تصورت أنها الأرض التي قتل فيها الحسين، وكل يوم ~~أصبح علي تصورت أنه يوم عاشوراء الذي قتل فيه، فكربي عم جميع ما أنا فيه من ~~الأزمنة والأمكنة، فلا يفارقني الغم بالانتقال من أرض لأخرى، ولا من زمن لآخر: ~~وبين (كربي) و(كربلا) جناس شبه الاشتقاق، كهو وجناس الاشتقاق بين ~~(تأوي) و(آوت)، وفي (فوضت) و(تفويضي)، و(طبتم) و(طاب) ~~و(سدتم) و(سودته)، و(وزر) و(الزوراء)، و(القاسم) و(إقسامي)، ~~و( ابكهم) و(البكاء) بعضها تقدم، وبعضها يأتي ~~39.- ~~آل بيت التبي إن فؤادي ليس يشليه عنكم التأساء ~~(آل بيت النبي) وهم : مؤمنو بني هاشم والمطلب ، وهم المذكورون في قوله ~~تعالى: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرخس أهل البيت ويطهركة تطهيرا أكثر ~~المفسرين أنها نزلت في علي وفاطمة والحسنين رضي الله تعالى عنهم، وقيل: نزلت ~~في نسائه صلى الله عليه وسلم، ونسب لابن عباس، وكان مولاه عكرمة ينادي به في ~~السوق، ورد ms420 : بتذكير ضمير عنكم} وما بعده. # وقال جمع: نزلت فيهما، ورجحه جمع بأنهن سبب النزول فيدخلن قطعا، ويدل ~~له : ما صح عن أم سلمة رضي الله عنها : قلت : يا رسول الله؛ أنا من أهل البيت ؟ # قال : " بلى إن شاء ألله تعالى"(1) . ولدخول آل البيت خبر مسلم : أنه أدخل أوللثك ~~الأربعة تحت كساء وقرأ الآية(2)، وصح: أنه صلى الله عليه وسلم جعل هلؤلاء تحت ~~1) اخرج أحمد (296/6) نحوه. # (2) مسلم (2424) ~~53 PageV00P464 ~~============================================================ ~~كساء وقال : " أللهم؛ هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، أذهب عنهم الرخس وطهزهم ~~تطهيرا"(1). # وفي حديث حسن: أنه صلى الله عليه وسلم اشتمل على العباس وبنيه بملاءة ثم ~~قال : "يا رب ؛ هلذا عمي وصنو أبي ، وهؤلاء أفل بنتي ، فأستزهم من النار كستري ~~إياهم بملاءتي هذذه . فقالت أشكفة الباب وحوائط البيت : آمين ، ثلاثا فعلم أن ~~المراد بأهل البيت في الآية: أهل بيت سكنه صلى الله عليه وسلم، وهن آمهات ~~المؤمنين، وأهل بيت نسبه، وهم مؤمنو بني هاشم وبني المطلب، وصح هذا عن ~~زيد بن أرقم ، والأشهر : أن هلؤلاء هم آله المذكورون في قوله : " اللهم ؛ صل على ~~محمد وعلى آل محمد" وقيل : المراد بآله هنا : كل مؤمن ، واختير، وخبر: " آلي ~~كك مؤمن تقي" ضعيف بالمرة ، وآل البيت الذين حرمت عليهم الصدقة المرادون في ~~جميع ما جاء في فضل آل البيت أو الال أو ذوي القربى، وأوليك الأربعة هم المرادون ~~في آية المباهلة، كما يصرح به ما صح عنه صلى الله عليه وسلم فيها ~~(إن فؤادي) أي : قلبي (ليس) فعل جامد، معناه: نفي مضمون الجملة في ~~الحال، ونفي غيره بالقرينة، وقيل: هي لنفي الحال وغيره ، وقواه ابن الحاجب ~~بقوله تعالى : ألايوم يأيه ليس مصروفا عنهم) ~~قال ابن مالك : (وترد للنفي العام المستغرق المراد به الجنس، ك" لا" التبرئة، ~~وهو مما يغفل عنه ، وخرج عليه قوله تعالى : { ليس لهم طعام إلا من ضريع}) اه ~~ويصح إرادة هلذا المعنى الأخير في النظم. # (يسليه عنكم التأساء) - بفوقية أوله - أي: ما يحصل لي من الشدائد والمحن، ~~وفي " القاموس" : (تأساه : آذاه واستخف ms421 به) بل محبتكم مقيمة فيه على الدوام، ~~لا تزلزلها محنة، ولا تنقصها شدة ~~وفي الحديث : " وألذي نفسي بيده لا يؤمن عبد بي حتى يحبني ، ولا يحيني حتى ~~يحب ذوي، أنا حرت لمن حاربهم ، وسلم لمن سالمهم ، وعدؤ لمن عاداهم، ألا ~~(1) أخرجه الترمذي (3871)، وأحمد (304/2). PageV00P465 # ============================================================ ~~من آذى قرابتي.. فقذ آذاني ، ومن آذاني. . فقد آذى الله تعالى"(1) . # وفي الحديث أيضا : " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به .. لن تضلوا : كتاب ألله ~~وعثرتي "(2) فتأمل كونه صلى الله عليه وسلم قرنهم بالقرآن في أن التمسك بهما يمنع ~~الضلال ويوجب الكمال: ~~وأشار إلى أن ما عنده ملازم له، لا يفارقه بسلو ولا تسل ولا بغيرها من الوفاء ~~بحقهما، والتحزن والتحسر لمصابهما، إنما هو مع تفويضه الأمور الى بارئها كما ~~قال: ~~01 ~~غير أيي فؤضث أمري إلى الله وتفويضي الأثور براء ~~(غير) أي : إلا (أني) فهو استثناء منقطع (فوضت أمري) في ذلك كله (إلى ~~الله) الفاعل لما يشاء، والمقدر لما يريد، لا يسعل عما يفعل وهم يستلوب ~~(وتفويضي الأمور) إلى من هو مقدرها ومدبرها (براء) أي: مبرىء للمفوض كذلك ~~اعتماده علي شيء من حوله وقوته ، وذلك متعين على كل مسلم فضلا عن كامل، ومن ~~ثم قال صلى الله عليه وسلم : " لا حول ولا قؤة إلا بالله : براءة من الشرك ، وكنز من ~~كنوز الجنة"(3). # وفي (فوضت) و(تفويضي) جناس الاشتقاق، وجملة : (وتفويضي.:) إلخ ~~تذييل: ~~رب يؤم بكزبلاء مسيء خففت بغض وزره الزؤراء ~~(رب) للتقليل (يوم بكربلاء مسيء) باعتبار ما وقع فيه من قتل الحسين ومن معه ~~(1) اخرجه ابن حبان (6977)، والترمذي (3870) قطعة منه ~~(2) أخرجه الترمذي (3786) ، والطبراني في * الكبير" (16/3) ~~(3) أخرجه البخاري (6384)، ومسلم (3704) بنحوه ~~52 PageV00P466 ~~============================================================ ~~رضي الله عنهم بها (خففت بعض وزره) آي: ثقل ذلك الخطب الجسيم، والمصاب ~~العظيم على النفوس التي عندها غيرة لال البيت النبوي عليهم السلام (الزوراء) فيها ~~مع (وزره) شبه الاشتقاق، وهي: ناحية ببغداد؛ أي: ما وقع من خلفائها بني ~~العباس الذين هم من جملة آل البيت من أخذهم ببعض ثأر ابن عمهم الحسين وغيره من ms422 ~~آل البيت بالخروج على بني أمية؛ لأنهم عاثوا وجاروا ولم يراقبوا الله ولا رسوله طرفة ~~عين في آل البيت الطاهرين المطهرين ، الكاملين المكملين ، الجامعين بين العلوم ~~الشرعية، والمعارف الربانية، والأسرار الإللهية، والكرامات الباهرة، والمعالي ~~الفاخرة، ثم بنزع الخلافة منهم بعد أن نصرهم الله عليهم فقتلوهم شرقتلة، كما قال: ~~(39 ~~والأعادي كأن كل طريح منهم الزق حل عنه الوكاء ~~(والأعادي) الذين هم أولئك الفسقة الفجرة (كأن كل طريح) أي: مطروح (منهم) ~~إلى الأرض ببوارق السيوف، ولوامع الأسنة الموجبة لتوالي الحتوف (الزق) المنتفخ ~~الملقى بالأرض الذي (حل عنه الوكاء) وهو : ما يشد به رأس الزق، ولا زالوا يتبعونهم ~~حتى قطعوا دابرهم عن آخرهم ، فقطع دابر القور الذين ظلموا والحمد لله رب العللمين ~~وهذذه القصة مبسوطة في التواريخ، كلا تاريخ الخلفاء" للسيوطي، ثم في ~~اختصاري له، فعليك بطلبها من محلها إن شئت. # 1 ~~آل بيت النتبي طبتم فطاب أد مذح لي فيكم وطاب الرثاءا ~~(آل) فهو منادي، وأصله: أهل، أبدلت (الهاء) همزة ساكنة، وقبلها همزة ~~متحركة، فأبدلت الساكنة ألفأ على القاعدة، ولا يضاف إلا إلى الأشراف كما هنا، ~~وإنما قيل : آل فرعون؛ لأنه كان متصورا بصورة الأشراف: PageV00P467 ~~============================================================ ~~(بيت النبي) مر آنفا بيانهم (طبتم) أصولا وفروعا ونفوسا، وأفعالا وأقوالا ~~وصفات، وظاهر النظم : أن المراد بالطيب في: (وبريحانتين طيبهما منك) : غير ~~المراد به هنا، وهو محتمل، ويحتمل أنه في الموضعين للطيب ظاهرا وباطنا، وأن ~~الطيب ثم لهما، وهنا للباقين ، وهو الوجه؛ لأن ذاك في خصوصهما ، وهذا في ~~عموم أهل البيت ، كما دلت عليه الآية السابقة : إنتما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت ويطهركر تطهيرا} إذ هي منبع فضائلهم ؛ لاشتمالها على غرر من ~~مآثرهم، والاعتناء بشأنهم، حيث ابتدئت بل إنما) المفيدة لحصر إرادته تعالى ~~اذهاب الرجس عنهم، وهو الاثم، أو الشك فيما يجب الإيمان به، وتطهيرهم من ~~سائر الأخلاق والأحوال المذمومة، وفي أحاديث تحريمهم على النار، وهو فائدة ~~ذلك التطهير وغايته؛ إذ منه إلهام الإنابة إلى الله تعالى، وإدامة الأعمال الصالحة، ~~ومن ثم لما ذهبت ms423 عنهم الخلافة الظاهرة ؛ لكونها صارت ملكا عضوضل(1)، ولذا لم ~~تتم للحسن رضي الله عنه. عوضوا عنها الخلافة الباطلة، حتى ذهب قوم إلى آن ~~قطب الأولياء في كل زمن لا يكون إلا منهم . # وحكمة ختم الآية بلتطهيرا المبالغة في وصولهم لأعلاه، وفي رفع التجوز ~~عنه، ثم تنوينه تنوين التعظيم والتنكير المشير إلى أنه تطهير بديع ليس من جنس ~~ما يتعارف ويؤلف، ثم أكد صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله - وقد جعل على علي ~~وفاطمة والحسنين كساء وقرأ الآية -: " أللهم؛ هؤلاء أهل بيتي ، أذهت عنهم ~~الرجس، وطهزهم تطهيرا". # ه وفي رواية : "إن هؤلاء آل محمد ، فأجعل صلواتك ويركاتك على آل محمد ، ~~إنك حميد مجيد "(2) وفي أخرى : " أللهم ؛ أهلي أذهب عنهم الرجس، وطهرزهم ~~تطهيرا" ثاث(3). # (1) الملك العضوض : الذي فيه تعسف وظلم ~~(2) أخرجه أحمد (323/6)، وأبو يعلى (7026)، والطبراني في " الكبير" (53/3). # 3) اخرجه أحمد (298/6). PageV00P468 # ============================================================ ~~وصح حديث : "إن مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها.. نجا، ومن ~~تخلف عنها.. هلك 11) ~~.(2)4 ~~وحديث : "خيركم خيركم لأهلي من بعدي "11 ~~وحديث : " سألت ربي أن لا اتزوج إلى أحد من أمتى ، ولا يتزوج إلي أحد من ~~أمتي.. إلأ كان معي في الجنة، فأغطاني ذلك "(3) . # وحديث : " وأحثوني بحب ألله ، وأحبوا أهل بيتي لحبي". # وحديث : "أنا حرب لمن حاربهم ، وسلم لمن سالمهم"(4) قاله لعلي وفاطمة ~~وولديهما ~~وحديث : "إن لكل بني أب عصبة ينتمون إلنها إلا ولد فاطمة فأنا ولئهم ~~وعصبهم، وهم عثرتي ، خلقوا من طينتي ، ويل للمكذبين بفضلهم ، من أحبهم.. # عال (5) ~~آحبه الله، ومن أبغضهم. . آبغضه الله تعالى "(5). # وحديث : " والذي نفسي بيده لا يبغضنا أفل البيت أحد إلا اكبه الله في ~~2)2 ~~النار"(1 ~~(فطاب المدح لي فيكم) وإن لم آستوف واجب حقكم، ومعالي شرفكم! # لأن الله ورسوله أثنيا عليكم بما تنقطع دونه الأعناق، ودون الوصول إلى غايته، ~~والإحاطة بشيء من نهايته (وطاب) لي فيكم (الرثاء) وهو : تعداد محاسن موتاكم ~~وفي (طبتم) و(طاب) الاشتقاق، و( المدح) و(الرثاء) الطباق: ~~أخرجه البزار (3900)، والطبراني في " الكبير " (45/3) ~~(1) ~~أخرجه الحاكم (311/3)، وأبو يعلى (5924). # (2) ~~أخرجه ms424 الطبراني في " الأوسط " (3856). # (3) ~~قا الا ~~تلوع) ~~أخرجه ابن حبان (6977)، والترمذي (3870) ~~(4 ~~س و- ~~أخرجه ابن عساكر في " تاريخ دمشق" (313/36). # (5 ~~اخرجه الحاكم (352/4) ~~(2 ~~535 PageV00P469 ~~============================================================ ~~أنا حسان مذحكم فاذا ئخ ث عليكم فائني الخنساء ~~~~(أنا حسان مدحكم) أي: أنا المشبه في الاعتناء بمدحكم على أقصى ما يمكن من ~~وجوه البلاغة وقوانين الفصاحة بحسان بن ثابت رضي الله عنه، شاعر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، الذي كان ينصب له منبرا في مسجده صلى الله عليه وسلم ينافح ~~عليه كفار قريش، ويرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويدعو له بقوله عليه ~~الصلاة والسلام : 0 اللهم ؛ أيذه بروح القدس "(1). # ومن بلاغته رضي الله عنه : أنه لما أراد أن يهجو قريشا.. أخبره النبي صلى الله ~~عليه وسلم بأنه ما من بطن من بطون قريش إلا وله إليها قرابة، فقال : لأسلنك منهم ~~كما تسل الشعرة من العجين (2)، ورآه عمر رضي الله تعالى عنهما ينشد شعرا في مسجد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر إليه شزر7(2)، فقال : كنت أنشده فيه بين يدي ~~من هو خير منك وهو يقول : "أللهم، أيذه بروح القدس" ثم استشهد بعض الصحابة ~~على ذلك فشهدوا له به ~~(فإذا نحت) أي: رفعت صوتي بالبكاء (عليكم فإنني الخنساء) بنت ~~عمرو بن الشريد من سراة، قبائل منهم قيس عيلان. # قيل: قدمت على رسول الله مع قومها بني سليم الموالين له صلى الله عليه وسلم، ~~ولذا حضر معه منهم يوم فتح مكة وحرب حنين آلف رجل، ونظرت عائشة رضي الله ~~تعالى عنها عليها ثوب الحزن، فأخبرتها بأنه صلى الله عليه وسلم نهى عنه، فاعتذرت ~~بأنها لم تعلم بالنهي، ثم ذكرت سببه، وهو: آن زوجها افتقر، فسألت أخاها، ~~فقاسمها ماله، فافتقر، فسألته، فقاسمها ماله، ثم الثالثة كذلك، والرابعة كذلك، ~~فعاتبته زوجته، فأجابها: بآنها كفته عارها، ولما هلك،. مزقت خمارها، ولبست ~~(1) أخرجه البخاري (453)، ومسلم (2485) ~~(2) أخرجه البخاري (3531) ومسلم (2489) ~~(3) الشزر: نظر الغضبان بمؤخر العين PageV00P470 ~~============================================================ ~~من شعر صدارها(1)، قالت : فلما هلك. . اتخذت هذا الثوب. # قيل لجرير: من ms425 أشعر الناس ؟ قال : أنا لولا هلذه، قيل له : بم فضلتك ؟ قال : ~~[من البسيط] ~~بقولها: ~~إن الزمان وما تفتى عجائبه انقى لنا ذنبا وأشتؤصل الراس ~~ابقى لنا كل مجهول وفجعنا بالحالمين فهم هام وأزماس ~~إن الجديدين في طول أختلافهما لا يفسدان وللكن يفسد الناس ~~وأجمع علماء الشعر : أنه لم تكن امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها: ~~اي: فإنني مشبهها في نوحها على أخيها صخر، ورثائها له بالمعاني البديعة، ~~(من الوافر) ~~والمباني البليغة، ومحاسن الثناء، وجوامع الرثاء، ومنه: ~~ألا يا صخر إن أبكيت عينا لقذ أضحكتني دفرا طريلا ~~الى أن قالت : ~~إذا قبح البكاء على قتيل رأيت بكاءك الحسن الجميلا ~~[من الوافر] ~~ومنه أيضا: ~~يؤرقني التذكر حين أمسي وردعني عن الاخزان نكسي(1 ~~على صخر وأي فتى كصخر ليوم كريهة وطعان خلي ~~ثم قالت: ~~وما يبكون مثل أخي وللكن أعزي النفس عنه باليأمي ~~(من المتقارب] ~~ومنه ~~أعيتي خجودا ولا تجمدا ألا تبكيان لصخر الندا ~~ألا تبكيان الجريء الحميدا ألا تبكيسان الفتى الشيدا ~~طويل النجاد رفيع العما وساد عشيرتسه أمردا ~~(1) الصدار: قميص قصير تلبسه المرأة ~~(2) النكس: معاودة المرض بعد البرء ~~537 PageV00P471 ~~============================================================ ~~[من البسيط ~~ومنه: ~~وإن صخرا لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار ~~سأل الخليفة المهدي الفضل عن أفخر بيت قالته العرب، فذكر له هلذا، فأعطاه ~~ثلاثين ألف درهم بعد أن شكا أن عليه دينأ عشرة آلاف درهم. # ورآها عمر رضي الله تعالى عنه تطوف باكية لاطمة لخدها، معلقة نعل صخر في ~~خمارها، فوعظها، فقالت : رزئت فارسأ لم يرزأ أحد مثله، فقال : إن في الناس ~~من هو أعظم رزيئة منك، وإن الإسلام قد غطى ما كان قبله، وإذا لا يحل لك لطم ~~وجهك، ولا كشف رأسك فكفت: ~~وحضرت حرب القادسية مع بنيها أربعة رجال، فحرضتهم على الثبات أبلغ ~~تحريض، ثم قالت: فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها، وجللت نارا على ~~أرواقها.. فتيمموا وطيها، وجالدوا ربيسها(1).. تظفروا بالنعيم والكرامة، في دار ~~الخلد والمقامة، فتقدموا حتى قتلوا كلهم ، فقالت : الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، ms426 ~~وأرجو آن يجمعني بهم في مستقر الرحمة. # وكان عمر رضي الله تعالى عنه يعطيها رضي الله عنها أرزاقهم لكل مئتان حتى قبض ~~رضي الله تعالى عنه وعنهم (2) ~~شذئم الياس بالثقى وسواكم سودثه البيضاء والصفراء ~~(سدتم الناس) أيها الحسنان وذريتهما.. فالمراد بل الناس) بالنسبة إليهم : ~~الكل، للكن بالنسبة لما فيهم من البضعة الكريمة التي لا يعادلها شيء ، وأما بقية آل ~~البيت. فالمراد با الناس) بالنسبة إليهم: من عدا الصحابة رضى الله عنهم، هذا ~~كله بالنظر إلى النسب، وأما بالنظر إلى السيادة (بالتقي). فهو خاص بالمتقين ~~(1) الربيس: المضروب أو المصاب بمال أو غيره ، والمراد به هنا : الشجاع: ~~(2) انظر الإستيعاب"(287/4)، و" الإصابة "(279/4) PageV00P472 ~~============================================================ ~~منهم، وخصهم بذلك؛ لكونه جاء عن كثيرين منهم من التقوى والزهد والعبادة والعلم ~~والمعرفة ما لم يجىء عن غيرهم، وبهذا يجاب عما يورد على النظم : أن السيادة من ~~حيث التقى لا تختص بهم، والكلام إنما هو فيما اختصوا به ووجه الجواب: ~~تميزهم على اكثر الناس بتقى لم يصل إليه غيرهم: ~~والمعنى: كما سدتم الناس بالنسب.. سدتموهم بزيادة التقى الذي لا يوجد في ~~غيركم، ومر أن جماعة قالوا : إن القطب لا يكون إلا منهم ، ومع ذلك كله ففي النظم ~~إيهام إلا أن يقال : سيادتهم الناس بالنسب أشهر من أن تذكر. # ودليل الأول- أعني : السيادة من حيث النسب الذي هو أشرف الأنساب -: آية ~~المباهلة، قال بعض محققي المفسرين فيها : لا دليل أقوى من هلذا على فضل فاطمة ~~وعلي وابنيهما؛ أي: لأنها لما نزلت.. دعاهم صلى الله عليه وسلم، فاحتضن ~~الحين، وأخذ بيد الحسن، ومشت فاطمة خلفه، وعلي خلفهما، فعلم: آنهم ~~المراد من الاية، وأن أولاد فاطمة وذريتهم رضي الله عنهم يسمون آبناءه، وينسبون ~~إليه نسبة حقيقية نافعة في الدنيا والأخرة، ويدل لذلك : ما صح أنه صلى الله عليه ~~وسلم خطب فقال : " ما بال أقوام يقولون : إن رحم رسول ألله صلى الله عليه وسلم لأ ~~تنفع قومه يؤم القيامة ، بلى ، وآلله ؛ إن رحمي مؤصولة في الذنيا وآلآخرة. ..6 ~~الحديث(1). # وأخرج الطبراني في حديث : " إن ms427 ألله عز وجل جعل ذرية كل نبي في صلبه ، وإن ~~ألله تعالى جعل ذرئتي في صلب علي بن أبي طالب "(2) وروى غيره نحو ذلك من ~~طرق، وفي بعضها زيادة : 8 إذا كان يؤم القيامة. . دعي الناس بأشماء أمهاتهم سثرا ~~عليهم.. إلا هذا وذريته، فإنهم يذعون بأسمائهم لصحة ولادتهم " . # وذكر ابن الجوزي ذلك في " العلل المتناهية".. مردود بأن كثرة طرقه ترقيه إلى ~~درجة الحسن، بل الصحة ~~ويؤيده: ما صح عن عمر رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله ~~(1) أخرجه الحاكم (74/4)، وأحمد (18/3)، وأبو يعلى (433/2). # 2)المعجم الكبير (43/3) PageV00P473 ~~============================================================ ~~عليه وسلم يقول : "كل سبب ونسب ينقطع يؤم القيامة ما خلا سببي ونسبي "(1) وفي ~~رواية : زيادة الصهر والحسب : "وكل بني انثى عصبتهم لأبيهم ما عدا ولد فاطمة؛ ~~فإني انا ابوهم وعصبتهم"(2). # وجاء في حديث آخر بسند رجاله من اكابر أهل البيت : أن عمر رضي الله عنه قال ~~ذلك لما زوجه علي رضي الله عنهما بنته من فاطمة أم كلثوم، وإنكار جماعة من ~~متأخري أهل البيت أن عليا لم يزوجها لعمر رضي الله عنهم. ليس في محله، وإقرار ~~الصحابة لعمر على هذذا الاستدلال صريح في رد ما عارضه من أقاويل شاذة في هذه ~~المسألة، لا سيما ما لبعض بني أمية في ذلك: ~~ودليل الثاني - أعني : النظر إلى أن السيادة بالتقوى - ما صح : أنه لما نزل قوله ~~تعالى : وأنذر عشيرتك الأقريب .. دعا صلى الله عليه وسلم جميع بطون قريش، ~~فعم وخص، وقال للكل : " لا أغني عنكم من الله شئا غير أن لكم رحما سأبلها ~~ببلألها"(2) أي: سأصلها بصلتها، ومعنى ذلك : أنه لا يملك لأحد نفعا ولا ضرا ، ~~للكن الله تعالى يملكه نفع أقاربه، بل وأمته بشفاعته الخاصة والعامة ~~وأخرج الطبراني حديث : " إن أهل بيتي هؤلاء يرؤن أنهم أولى الناس بي ، وليس ~~كذلك ، إن أوليائي منكم المتقون من كانوا حيث كانوا"2) . # وصحح الحاكم حديث : " وعدني ربي في أفل بئتي من أقر منهم بألتؤحيد ولي ~~بالبلاغ أن لا يعدبهم "(5). # وأخرج أحمد حديث : " والذي ms428 بعثني بألحق نبتا لو أخذث بحلقة الجنة.. ما ~~بدأت إلأبكم". # (1) أخرجه الضياء في " المختارة" (101)، والبيهقي في " السنن الكبرى" (23/7) ~~والطبراني في " الكبير "(44/3). # (2) أخرجه الطبراني في 9 الكبير" (44/3)، وابن عساكر في " تاريخ دمشق" (313/36) ~~(3) أخرجه مسلم (204) وابن حبان (646)، والترمذي (185)، والنسائي ~~248/6)، وأحمد (333/2). # 4) المعجم الكبير (120/20) ~~5) المستدرك (150/3) ~~5 PageV00P474 ~~============================================================ ~~وجاء في أحاديث ضعيفة : " إن فاطمة أحصنت فرجها فحرمها الله وذريتها على ~~النار"(1). # وفي رواية : أن عليا كرم الله وجهه قال : يا رسول الله ؛ لم سميت فاطمة ؟ قال : ~~" لأن الله تعالى فطمها وذريتها عن النار"(2). # نعم ؛ أخرج الطبراني بسند رجاله ثقات : " إن ألله عز وجل غير معذبك ولا أحد ~~من ولدك "(3) وورد : " يا عباس؛ إن ألله غير معذبك ولا أحد من ولدك" . # ولا ينبغي لأحد من أهل البيت أن يغتر بذلك ؛ لأنه استفيد من قوله صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث السابق : " إن أهل بيتي هؤلاء يرؤن أنهم أولى الناس بي ، وليس ~~كذلك ، إن أوليائي المتقون .. . " إلخ ، وحديث البخاري ومسلم : " إن آل بني فلآن ~~ليسوا لي بأولياء ، إنما وليي الله وصالح المؤمنين"(4) . . أن نفع رحمه وقرابته ~~وشفاعته للمذنبين من أهل بيته وإن لم ينتف، لنكن ينتفي عنهم بسبب عصيانهم ~~ولاية الله ورسوله؛ لكفرانهم نعمة قرب النسب إليه صلى الله عليه وسلم بارتكابهم ~~ما يسوعه صلى الله عليه وسلم عند عرض عملهم عليه، ومن ثم يعرض صلى الله عليه ~~وسلم عن بعض من يقول منهم في القيامة : يا محمد - يريد آن يشفع له- فيقول ~~صلى الله عليه وسلم : " لا أملك لك من الله شيئا" كما في الحديث(5). # وتأمل قول الحسن بن الحسن السبط رضي الله تعالى عنهما لبعض الغلاة فيهم : ~~ويحكم، أحبونا لله فإن أطعنا الله فأحبونا، وإن عصينا الله فأبغضونا، ~~ويحكم، لو كان الله نافعا بقرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير عمل ~~بطاعته.. لنفع بذلك من هو أقرب إليه منا - أي : كأبي طالب - والله إني لأخاف أن ~~يضاعف للعاصي منا العذاب ضعفين، وأن يؤتى المحسن منا أجره مرتين ms429 ~~(1) أخرجه الحاكم (152/3)، والبزار (1829) ~~(2) ذكره الديلمي في الفردوس" (346/1). # 3) المعجم الكبير (210/11) ~~(4) البخاري (5990)، ومسلم (215) ~~(5) أخرجه البخاري (1402)، ومسلم (27/1831). # 541 PageV00P475 ~~============================================================ ~~وكأنه أخذ ذلك من قوله تعالى : { ينساء النبى من يأت منكن بفحشة مبينو يضلعف ~~لها العذاب ضعفين ~~وقال موسى بن علي بن الحسين بن علي عن آبيه عن جده : إنما شيعتنا من ~~أطاع الله وعمل أعمالنا ~~وبه يعلم: أن الفرقة المسماة بالشيعة ليسوا من شيعة آل البيت، وإنما هم من شيعة ~~ابليس لعنهم الله، كما في الحديث الذي رواه الدارقطني وقال: إن له عنده طرقا ~~كثيرة : " يا أبا ألحسن؛ أنت وشيعتك في الجنة ، وإن قوما يزعمون أنهم يحبونك ~~يصغرون الإسلام ثم يلفظونه، يفرقون منه كما يفرق الشهم من الرمية ، لهم نبز ، ~~يقال لهم : الرافضة ، فإن أذركتهم. . فقاتلهم فإنهم مشركون " وفي رواية : قالوا : ~~يا رسول الله؛ ما العلامة فيهم؟ قال : " لا يشهدون جمعة ولا جماعة، ويطعنون ~~على السلف". # (وسواكم) الذين يدعون سيادة وينقمون عليكم كسفهاء بني أمية، أو المراد: ~~(وسواكم) أي: غيركم الذين لم يعملوا بعملكم.. لا سيادة لهم في الدين أصلا، ~~بل ولا في الدنيا عند الكمل، وإنما (سودته) عند الجهلاء مثله، وأفرد الضمير نظرا ~~للفظ (سوى) (البيضاء) أي: الفضة البيضاء (والصفراء) أي : الذهب؛ أي: ~~طمع الناس في ماله، فتخصيص هذين لشدة الاحتياج والتطلع إليهما أكثر من غيرهما. # وفي (سدتم) و(سودته) الاشتقاق، و(البيضاء) و(الصفراء) التدبيج: ~~(تباضحاية اللسن مما يذ الفته والأزصء ~~(و) أقسم عليك (بأصحابك) جمع صاحب وهو: من اجتمع مؤمنا ولو طفلا ~~وأعمى بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته ومات مؤمنا: ~~وحذف الشارح كشيخه الجلال المحلي رحمهما الله تعالى لهلذا الأخير.. فيه نظر ~~وايهام وإن وقع في صنيع أحمد ابن حبل رضي الله عنه في " مسنده " ما يؤيد ذلك، ~~كما بينته في محل آخر. PageV00P476 # ============================================================ ~~(الذين هم بعدك فينا الهداة) أي: الدالون للأمة على الله بما يجب له ويجوز ~~اا ويسحيل عليه، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم كذلك، وعلى شريعته، وعلى ~~تهذيب النفوس وكمال الأخلاق والجهاد في الله تعالى، ms430 وغير ذلك مما يليق بكل مما ~~ذكر، وهذا مقتبس من قوله صلى الله عليه وسلم : "أضحابي كالنجوم، بأئهم ~~أقتديتم. أهتديتم" واستخلص من هذا المقام أخص أفراده بذلك، فقال صلى الله ~~عليه وسلم : " أقتدوا بأللذين من بغدي : ابي بكر وغمر" . # (والأوصياء) أي: الذين وصيتهم بالقيام بأمور الدين والمجاهدة عليها، ففتحوا ~~الأمصار والبلاد، وساسوا الأمة، ونشروا فيها علوم الكتاب والسنة حتى خضعت ~~لمعاليهم الرؤوس، وباد أهل الزيغ عن آخرهم، فلم يبق منهم رنيس ولا مرؤوس: ~~وإنما حملت (الأوصياء) على ما ذكرت؛ ردا على من زعم : أنه صلى الله عليه ~~وسلم وصى بالخلافة لأبي بكر أو لعلي، ووجه الرد : أن الذي دلت عليه صرائح ~~السنة، ووقع عليه إجماع من يعتد به: أنه صلى الله عليه وسلم لم يوص في آمر ~~الخلافة بشيء صريح، وإلا.. لهلكت الأمة لو خالفوا ذلك النص، فاقتضت ~~المصلحة العامة وشفقته صلى الله عليه وسلم على آمته: أن لا ينص عليها صريحا، ~~وإنما أشار إلى أنها لأبي بكر رضي الله عنه بإشارات تقرب من التصريح ، كما بينتها في ~~الكتاب السابق ذكره، ولعل تلك المصلحة التي ذكرناها في عدم التصريح هي التي ~~ظهرت له صلى الله عليه وسلم لما طلب في مرض موته دواة وقرطاسا؛ ليكتب فيه ~~ما لا يضلون معه، فكثر عنده اللغط(1)، فمن مريد للكتابة؛ ليقع التصريح وينقطع ~~العذر، ومن مريد لعدمها كعمر رضي الله عنه، خشية من مخالفة النص المؤدية إلى ~~هلاك المخالف، فلذا ترك صلى الله عليه وسلم الكتابة: ~~والدليل على أنه إنما ترك لمصلحة: أنه مكث بعد ذلك المجلس أياما ولم يذكر ~~ذلك ولا طلبه، ولو كان فيما طلبه مصلحة عائدة على أحد.. لم يترك ذكره وإن وقع ~~أعظم مما وقع، فسكوته صلى الله عليه وسلم أوضح دليل على ما تقرر. # (1) اخرجه البخاري (114)، ومسلم (22/1637). PageV00P477 # ============================================================ ~~أخسثوا بغدك الخلافة في الدي ن وكل لما تولى إزاء ~~(أحسنوا بعدك) أي : بعد وفاتك (الخلافة) عنك (في الدين) بالقيام بجميع ~~ما يجب أو تحسن مراعاته من الأمور الظاهرة والباطنة، حيث ms431 أجمعوا على استخلاف ~~ابي بكر رضي الله عنه، ثم على استخلافه لعمر رضي الله عنه، ثم على استخلاف ~~أصحاب الشورى رضي الله عنهم لعثمان رضي الله عنه، ثم على مبايعة علي رضي الله ~~عنه، ثم مبايعة ابنه الحسن، ثم بعد نزول الحسن لمعاوية رضي الله عنه، ثم على ~~ولاية معاوية رضي الله تعالى عنهم، وحيث نصبوا كلهم تفوسهم لمجاهدة الأعداء ~~ونشر العلوم إلى أن تحملها عنهم التابعون، ثم من بعدهم، جزاهم الله تعالى عن ~~الإسلام والمسلمين خيرا ~~(وكل) منهم (لما تولى) في حياته صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته من الخلافة ~~والإمارة، أو القضاء، أو تجهيز الجيوش وحفظ الثغور والحصون، وغير ذلك من ~~أمور الدنيا والدين، على أن جميع أمورهم إنما كانت للدين لا غير (إزاء) بكسر ~~الهمزة وفتح الزاي ككتاب؛ أي : قيم بما تولاه، أهل له في أي بقعة أو زمن كان ، ~~كيف وهم جميعهم رضي الله عنهم عدول كما نطق به القرآن ؟! ومن وقعت له منهم ~~هفوة. فقد كفرت عنه بحد آو توبة ~~أفنياء نزاهة فقراء علماء أيية أمراء ~~(أغنياء نزاهة) أي: من جهة النزاهة والتعفف عن جمع المال وإن كان من جهة ~~يقطع بحلها؛ لأن محط نظرهم إنما هو التجرد المطلق عن سائر القواطع عن الله ~~تعالى ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : " ليس الغنى بكثرة العرض - أي : المال - ~~وإنما الغنى غنى النفس"(1) أي : بالله عما سواه ، سواء كان بيده مال أم لا، ومن كان ~~(1) أخرجه البخاري (1446)، ومسلم (1051) PageV00P478 ~~============================================================ ~~منهم بيده مال كابن عوف وعثمان والزبير رضي الله تعالى عنهم.. قإنما كان خازتا لله ~~تعالي، يصرفه في مصارفه الشرعية، فهو مقتنيه لذلك، لا لفخر ولا لمباهاة، ~~ولا لمحبة جمع لذلك الحطام الفاني، ولذلك جاء : أن عبد الرحمن بن عوف ~~رضي الله عنه أعتق ثلاثين ألف رقيق (1)، وتصدق هو وعثمان رضي الله عنهما في غزوة ~~تبوك بما يبهر العقل، وكان للزبير رضي الله عنه ألف عبد يؤدي إليه الخراج، وما مات ~~إلا وعليه قدر كثير جدا من الديون، وكون ms432 المخلف عن ابن عوف رضي الله عنه ربع ~~ثمنه ثمانون ألف دينار. . لا ينافي ما تقرر أنه إنما كان خازنا لله تعالى؛ لأن الخازن ~~ليس معناه آنه يخرج جميع ما في يده دفعة واحدة، بل يبقيه ويخرج منه ما هو ~~المطلوب منه في كل حال أو زمن، وأما إخراجه صلى الله عليه وسلم لجميع ما كان ~~يدخل في يده دفعة واحدة.. فهو إما لاحتياجه لذلك لسد ضرورات أصحابه رضي الله ~~عنهم، أو لأن حاله صلى الله عليه وسلم في الأمور الخارقة للعادة لا يقدر غيره على ~~التأسي به فيها، ولا يكلف بذلك. # وتخلف ابن عوف عن الفقراء في دخول الجنة الوارد.. إما لكونه يقف ليشفع، أو ~~ليسأل سؤال تكريم عما آنعم الله به عليه، أو جبرا لخاطر الفقراء بذلك، وكل ذلك ~~غير قادح في فضله رضي الله تعالى عنه. # هم (فقراء) أي: غالبهم، بل كلهم، لأن ذوي الغنى منهم كانوا خزانا لله تعالى ~~كما مر، فلا يعدون من الأغنياء إلا باعتبار الصورة، وأما باعتبار الحقيقة.. فهم على ~~غاية من الافتقار إلى الله تعالى ببواطنهم وظواهرهم، لا يشهدون لنفوسهم مالا ~~ولا غنى، وإنما يعدون أنفسهم خزنة لا غير: ~~وبما تقرر في معنى غناهم وفقرهم : يعلم آن الغني الشاكر أفضل من الفقير ~~الصابر، وهي مسألة كثر الاختلاف فيها، والحق منه : ما قررته؛ لما علمت أن الغنى ~~هو الذي ختم به آمره صلى الله عليه وسلم، وهو كان دائم الترقي في الكمالات، ~~فلولا أن الغنى مع الشكر أفضل من الفقر مع الصبر. . لما ختم له به قبل موته : ~~قيل: ومحل الخلاف في الفقر مع الصبر كما تقرر، وأما الفقر مع الرضا.. فهو ~~(1) اخرجه الحاكم (308/3) PageV00P479 ~~============================================================ ~~أفضل قطعا. اهوفيه نظر واضح؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان في ابتداء أمره مع ~~فقره على غاية من الرضا لم يصل إليها غيره ، ومع ذلك لم يختم له إلا بالغنى مع الشكر ~~كما تقرر، وبفرض صحة هذا القول فغالب فقراء الصحابة رضي الله عنهم يفضلون ~~أغنياءهم، لأنهم ms433 راضون بفقرهم قطعا ~~ويين (الأغنياء) و(الفقراء) التضاد، وكذا بين (أئمة) و( أمراء)، وبين ~~(الرخص) و(الإغلاء) الآتيات. # هم (علماء أئمة) لأنهم ورثوا من علومه صلى الله عليه وسلم ما تميزوا به على ~~جميع من جاء بعدهم، وفي الحديث: "أصحابي كالنجوم، بأئهم أقتديتم. # أهتديئم" وهلذا بالنسبة لأكثرهم رضي الله عنهم أجمعين ، وإلا.. فقد جاء : أن نحو ~~الحسن البصري كان يفتي الصحابة في زمنه ، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~المتفق عليه في خطبة الوداع : 9 رب مبلغ - أي : بفتح اللام - أؤعى من سامع "(1) . # هم (أمراء) أي: كثيرون منهم تولوا الإمارة في زمن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم في زمن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم فقاموا بحقوقها، وبروا وعدلوا، ~~ومن ثم لما رمى بعض المتهورين سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه لما كان أميرا ~~على الكوفة بعدم العدل فيهم. دعا عليه بدعوات استجيبت فيه عاجلأ حتى صار عبرة ~~للناس، ومنها: أن الله يطيل عمره ويعرضه للفتن، فكان وهدب حاجبيه قد سقط ~~على عينيه من الكبر يتعرض للجواري في الأسواق، ويقول: شيخ سوء أصابته دعوة ~~العبد الصالح سعد رضي الله تعالى عنه (2). # ومما يدل على أنهم أغنياء نزاهة لا غير: أنهم ~~ا. م. # زهذوا في الثنا فما عرف المد حل إليها منهم ولا الرغباء ~~ساره ا د رد، ر ~~(1) أخرجه البخاري (1741)، ومسلم (1679) ~~(2) أخرج هنذه القصة البخاري (755)، وابن حبان (1859) PageV00P480 ~~============================================================ ~~القرب؛ لسبقها للأخرى، وقيل: لدنوها من الزوال ، وهي : ما على وجه الأرض، ~~وقيل: كل المخلوقات من الجواهر والأعراض، وتطلق على كل من ذلك مجازا كما ~~هنا، فإن المراد بها هنا : الأموال وتوابعها من تحو الجاه والكبر والفخر والخيلاء، ~~ولفظها مقصور بلا تنوين حيث لا لام فيها، وحكي تنوينها، واستشكل ابن مالك ~~استعمالها منكرة كما في الحديث (1)، وأجاب بأنها انخلعت عنها الوصفية، وأجريت ~~مجرى ما لم يكن وصفأقط، كرجعى ~~ثم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في الزهد فيها - وهو : أخذ ما يحتاج إليه من ~~الحلال، وترك ما لا يحتاج إليه منه ms434 - على قسمين، فأكثرهم ترك السعي في تحصيلها ~~بالكلية، واشتغل بالعلوم والمعارف ونشرها، وبالعبادات حتى لم يبق من أوقاته شيئا ~~إلا وهو مشغول بشيء من ذلك، وكثير منهم حصلوها، لكن كانوا فيها خزانا لله ~~تعالى كما مر، وهذا لا ينافي زهدهم فيها؛ لأنهم لم يمسكوها لأنفسهم، بل ~~لاخراجها على مستحقيها بحسب نظرهم واجتهادهم ~~وإذا تقرر آن زهدهم بقسميهم فيها حقيقي: (فما عرف الميل إليها منهم) بنوع ~~التفات ولا إقيال؛ لحقارتها في أعينهم (ولا الرغباء) أي : الزيادة في تحصيلها، ~~وهلذا علم من نفي الميل بالأولى ، فذكره مجرد إيضاح، وفيه من البديع ذكر النظير ~~والتذييل، ولا ينافي هلذا ثناؤه صلى الله عليه وسلم على المال بقوله : "نعم المال ~~الصالح في يد الرجل الصالح "(2) ودعاؤه صلى الله عليه وسلم به لأناس من أصحابه، ~~كابن عوف وأنس رضي الله عنهما وغيرهما، فكثرت أموالهم جدا ؛ لأن المال له ~~جهتان: جهة خير، بصرفه في الطاعات، والإعانة فيه على قيام أمور الديانات، ~~وبالنظر إليها يثنى عليه، وجهة شر، بصرفه في ضد ذلك، وبالنظر إليها يذم ويقبح، ~~ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الوارد بسند حسن خلافا لمن وهم فيه : ~~" أللهم ؛ من أحبني فأقل ماله ، وأمث ولده . . . 4 الحديث (3)، وقد بسطت الكلام ~~(1) هو قوله صلى الله عليه وسلم: 1.. فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها..4 كما في ~~"البخاري"(1)، ومسلم (1907) ~~(2) اخرجه أحمد (197/4) ~~(3) اخرجه ابن ماجه (4133)، والطبراني في " الكبير" (85/20) PageV00P481 ~~============================================================ ~~على ذلك مع استيعاب ما ورد في مدح الدنيا وذمها والجمع بين تلك الأحاديث في ~~كتابي سعادة الدارين في صلح الأخوين " بما لا يستغنى عن مراجعته. # أرخصوا في الوغى نفوس ملوك حاربوها أشلابها إفلاء ~~(أرخصوا في الوغى) أي: بسبب الحرب الواقع منهم لأعدائهم في الوقائع ~~المشهورة، ومر أن إطلاق الوغى على الحرب مجاز لا حقيقة (نفوس ملوك) ~~كثيرين، فكيف بغيرهم ؟1 ( حاربوها) بقوة عزم وشدة حزم، وصدق نية واخلاص ~~طوية، فنصرهم الله تعالى عليهم بقتل بعضهم تارة، وإزالة ملك آخرين آخرى ~~(أسلابها) بفتح الهمزة، جمع سلب بفتح اللام، وهو: ms435 ثياب القتيل وفرسه، ~~اا وما عليها من آلات السلاح والنقد، وجنيبة تقاد بين يديه، وليس المراد خصوص ~~جمع القلة؛ لأنه جمع مضاف ل (الملوك) الذي هو جمع الكثرة، وإضافة الجمع ~~تفيد عمومه، إما في الأفراد، وهو التحقيق، أو في المجموع، وعليه كثيرون ~~(إغلاء) بكسر الهمزة، اسم مصدر لغلا السعر بمعنى اسم الفاعل؛ أي: غالية ~~الأثمان، وفي بعض النسخ ضبطه بفتح الهمزة، وكأنه جمع غال، كداء وأدواء، وبه ~~يندفع قول الشارح : (لا وجه له) اهبل وجهه أظهر من الأول ؛ لأن حمل المصدر ~~واسمه على الجمع يحتاج لتأويل كما أشرت إليه، بخلاف حمل الجمع على الجمع، ~~وأما قوله على المعنى الأول : ( إن المعنى : أنه كما كان القتل إرخاصا للنفوس.. ف ~~"الأسلاب " - أي : أخذها - إغلاء للأسلاب) وقال قبله على المعنى الأول أيضا : ~~(وكأنه- أي: الناظم- يقول: إنهم كما أرخصوا نفوس محاربيهم بالقتل.. فقد أغلوا ~~أسلابهم بواسطة كثرة ما سلبوه واجتمع عندهم من الأسلاب، فقابل بين إرخاص ~~الأنفس وإغلاء الأموال التي هي الأسلاب المأخوذة ممن قتلوه؛ لكثرة ما قتلوه ~~وسلبوه) اه. ففي كل من المعنيين بعد وخفاء، والوجه: أن المعنى: آنهم كما ~~أرخصوا تلك النفوس. عوضهم الله تلك الأسلاب الغالية الأثمان، على حد : رجل ~~عدل؛ أي: عادل، ورجال عدل؛ أي: عادلون، فكما أن المصدر هنا أول باسم PageV00P482 ~~============================================================ ~~الفاعل فكذا فيما نحن فيه.. يؤول (الاغلاء) بالغالية، وهذا هو المعنى على فتح ~~الهمزة، فتساوى المكسور والمفتوح: ~~كلهم في أخكامه ذو آجتهاد وصواب وكلهم أنفاء ~~(كلهم في أحكامه) جمع حكم، والحكم الشرعي: خطاب الله المتعلق بفعل ~~المكلف بالاقتضاء أو التخيير، وحكم الحاكم يظهر ذلك، ويطلق أيضا عند ~~الأصوليين على النسب التامة المثبتة تارة والمنفية أخرى، كما في قولهم: الفقه: ~~العلم بالأحكام الشرعية، وهلذا هو المراد هنا، خلافا لما يوهمه كلام الشارح (ذو ~~اجتهاد) صحيح؛ لتوفر شروط الاجتهاد كلها في جميعهم بزيادة، ولذلك لم يعرف ~~عن أحد منهم أنه قلد غيره في مسألة من المسائل، وكان الناس يستفتون كل من رأوه ~~منهم فيفتيه باجتهاده، ولا يعترض آحد منهم على آحد ms436 إلا إن كان هناك نص صريح ~~خولف، فيذكر له، فمنهم من يرجع إليه، ومنهم من يؤوله أو يعارضه بمثله، وهذذا ~~رد على قوم سلبهم الله الدين والعقل، وسلط عليهم الحمق والجهل، فاعتقدوا أنهم ~~ذوو هوى آو نفس، أو حظ أو بغض، حاشاهم الله من ذلك، بل لم يخترهم لصحبة ~~بيه صلى الله عليه وسلم إلا وهم على أكمل الأوصاف وأجلها. # (و) ذو (صواب) يعني: وذو ثواب، ولو عبر به.. لكان أولى؛ لأن إبقاءه على ~~حقيقته إنما يتأتى على القول الضعيف : إن كل مجتهد مصيب، وإن حكم الله تعالى تابع ~~لظن المجتهد، أما على الأصح : أن المصيب واحد، وأن له أجرين كما صح به ~~الخبر(1)، أو عشرة أجور كما في رواية(1)، وللمخطىء أجرا واحدا كما صح به الحديث ~~أيضا.. فلا يقال : كلهم ذو صواب، بل صوابه: ذو ثواب كما تقرر. فتأمله ~~فعلى الأول : كل من علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهما مصيب: ~~وعلى الثاني: علي رضي الله تعالى عنه مصيب، له أجران، أو عشرة آجور، ~~(1) أخرجه البخاري (7352)، ومسلم (1716) ~~(2) عند الدارقطني في ل سننه "(203/4)، وأحمد (187/2) PageV00P483 ~~============================================================ ~~ومعاوية مخطىء في خروجه على علي، له آجر واحد. # والاجتهاد : بذل الوسع في تحصيل المقصود، ثم إن وافق ما عند الله. فصواب ~~وإلا.. فخطا. # فإن قلت : يمكن تأويل النظم بأن مراده: ذو صواب عند نفسه، باعتبار آنه يتحتم ~~عليه العمل بما ظنه وإن لم يكن صوابا في نفس الأمر: ~~قلت : هو تأويل بعيد، على أن هلذا لو كان مراده.. لم يسغ له فيه هلذا الإطلاق ~~الموهم ~~(وكلهم أكفاء) أي : متكافئون في أصل الصحبة والفضيلة، والعلم والاجتهاد، ~~وايراز الأحكام لا لحظ ولا لهوى، وإنما يتفاوتون في الزيادة في ذلك، وحينئذ فلا ~~ينافي ذلك قول ابن عمر رضي الله عنهما: أبو بكر أعلمنا، ولا سؤال عمر لعلي ~~رضي الله عنهما فيجيبه، فيقول : لا قدس الله أمة لست فيها يا أبا الحسن، ولا تقديم ~~عمر لابن عباس رضي الله عنهم على أكابر مشيخة المهاجرين والأنصار؛ لأنه كان يجد ms437 ~~عنده من العلم ببركة دعاء التبي صلى الله عليه وسلم له : بأن الله يفقهه في الدين ~~ويعلمه التأويل (1) ما ليس عندهم، ولا سؤال معاوية لعلي رضي الله عنهما بالإرسال ~~اليه في المشكلات فيجيبه، ولقد قال له أحد ابنيه: لم تجيب عدونا؟ فقال: أما ~~يكفينا أنه احتاج إلينا وسألنا ؟ # وأجمعوا على أن أفضل الناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أبو بكر، ثم ~~عمر، ثم عثمان، ثم علي- والأصح: عثمان ثم علي- ثم بقية العشرة المبشرين ~~بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، وقيل : أهل أحد رضي الله عنهم ~~رضي الله عنهم ورضوا هذ ه فأنى يخطو إليهم خطاء ~~(رضي الله عنهم ورضوا عنه) اقتباس من قوله تعالى: والسبقوب ~~(1) أخرجه الضياء في " المختارة" (167)، وأحمد (266/1)، والطبراني في " الكبير" ~~(263/10)، وأصله في " الصحيحين". PageV00P484 # ============================================================ ~~الأولون. إلى أن قال : رضح الله عنهم ورضواعنه ~~ورضا الله عن العبد: تآمينه من سخطه، وإحلاله تعالى دار كرامته ورضا ~~العبد عنه: أن لا يختلج في سره أدنى حزازة من وقوع قضاء من أقضية الحق به ، بل ~~يجد لذلك في قلبه برد اليقين، وثلج الصدر، وشهود المصلحة العظمى، وزيادة ~~الطمانينة ~~وبين (رضي) و( رضوا) اشتقاق ك(يخطو) و(خطاء) الأتيين: ~~(ف) بسبب ما ذكر من أوصافهم وختمها بما في الاية في حقهم (أني) استفهام ~~إنكاري تعجبي؛ أي : كيف (يخطو إليهم) أي: يصل إليهم؛ إذ الخطوة : ما بين ~~القدمين (خطاء) وهو - بالمد للوزن لغة في الخطا بالقصر-: نقيض الصواب، ~~يعني: لا يخطىء أحد منهم خطأ يأثم به؛ لما مر أنهم كلهم مجتهدون رضي الله ~~عنهم، وأن المجتهد إذا أخطأ.. له أجر، وهذا كالذي قبله مأخوذ من عدة أحاديث ~~ذكرتها في " الصواعق المحرقة " السابق ذكره مع ذكر مخرجها، وهنا أذكر منها جملة ~~عرية عن ذلك ؛ اتكالا على أسانيدها ثم. # منها : " إن الله تعالل آختارني ، واختار لي أضحابا ، فجعل لي منهم وزراء ~~وأنصارا وأضهارا، فمن سبهم.. فعليه لغنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا ~~يقبل الله منه يؤم القيامة صزفا ولا عذلا "(1) أي : فرضا ولا نفلا ، وفي ms438 رواية : 1 فمن ~~حفظني فيهم . حفظه الله في الدنيا وآلاخرة، ومن لم يخفظني فيهم. تخلى الله ~~عنه، ومن تخلى الله عنه. . يوشك أن يأخذه " ، " إذا أراد ألله برجل من أمتي خيرا.. # ألقى حب أصخابي في قلبه" ، " أصحابي كآلنجوم ، بأيهم أقتديتم. . أفتديتم"، ~~" الله الله في أصحابي ، لا تتخذوهم غرضا بعدي ، فمن أحبهم.. فبحبي أحبهم، ~~ومن أبغضهم.. فببغضي أبغضهم ، ومن آذاهم. . فقد آذاني، ومن آذاني.. فقد آذى ~~الله ، ومن آذى الله. . يوشك أن يأحذه "(2) " ما شانكم وشأن أضحابي ؟ ذروا لي ~~أصحابي ، ذروا لي أضحابي، فوألذي نفسي بيده لؤ أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا. # (1) أخرجه الحاكم (3/ 632)، والطبراني في ( الكبير"(140/17) ~~(2) أخرجه الترمذي (3862) وأحمد (4/5ه) ~~55 PageV00P485 ~~============================================================ ~~ما أذرك مثل عمل أحدهم يوما واحدا "(1) وفي رواية الشيخين وغيرهما : " لا تسبوا ~~أصحابي ، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا. . ما بلغ مد أحدهم ~~ولا نصيفه"(2)، "من لم يخفظني في أضحابي. ليم يرذ علي الحوص ولم ~~(3)9 ~~يرني"(3) ، " خير الناس قرني الذي أنا فيه ، ثم ألذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ~~والباقي أراذل "(4) أي : غالبهم . # وفي رواية متفق عليها : " خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم تم الذين ~~يلونهم..." الحديث ، وهم أول داخل في قوله تعالى : { كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس} ~~ولا مقام أعظم من مقام قوم ارتضاهم الله عز وجل الصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ~~ونصرته ~~جاء قوم من بعسد قوم بحق وهلى المنهج الحنيفي جاؤوا ~~(جاء) إلى النبي صلى الله عليه وسلم (قوم) من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ~~أجمعين (من بعد قوم).:: وهلكذا، السابقون الأولون، ثم الذين بعدهم.: ~~وهذكذا إلى وفاته صلى الله عليه وسلم: ~~وكأن الناظم أشار بهذا إلى ما في أول " صحيح البخاري " عن هرقل أنه سأل أبا ~~سفيان رضي الله تعالى عنه عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: أيزيدون أم ~~ينقصون؟ فقال: بل يزيدون، وأنه هل يرتد منهم أحد سخطة لدينه ؟ فقال : لا، ~~فبين له أن من شأن الرسل أن أصحابهم كذلك(5) . # (1) أخرجه ابن عساكر في " تاريخ دمشق "(18/ 392) ~~(2) البخاري ms439 (3673)، ومسلم (2540) ~~(3) اخرجه ابن عساكر في " تاريخ دمشق "(463/23). # (4) أخرجه البخاري (2652)، ومسلم (2533)، دون قوله : " والباقي أراذل" ~~(5) البخاري (7) PageV00P486 ~~============================================================ ~~فعلم: آن مجيء الصحابة قومأ من بعد قوم من علامات نبوته صلى الله عليه ~~وسلم، واندفع ما قد يقال : أي فائدة في هلذه الجملة من كلام الناظم ؟ وهل هي إلا ~~مجرد إخبار بواقع لا يترتب عليه فائدة؛ إذ لا فرق بين مجيئهم إليه دفعة أو دفعات، ~~وكلهم متلبسون (بحق) فلا مطعن فيهم لطاعن، وما نقمه الرافضة ونحوهم عليهم. # فلم يصح منه شيء أصلأ، وإنما هو من مقالات الجاهلين، ووضع المفترين ~~(وعلى المنهج) أي : الطريق الواضح (الحنيفي) أي : المستقيم الذي ~~لا انحراف فيه ولا اعوجاج (جاؤوا) كلهم رضي الله عنهم وتابعوهم بإحسان... # وهذكذا ، " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ، لا يضرهم من خالفهم حتى ~~يأتيهم أمر ألله وهم على ذلك "(1). # ما لموسى ولا لعيسى حواري ون في فضلهم ولا نقباء ~~(ما لموسى) كليم الله تعالى على نبينا وعليه الصلاة والسلام (ولا لعيسى) ~~روح الله تعالى على نبينا وعليه الصلاة والسلام (حواريون) جمع خواري، وهو: ~~الناصر، وجعل ذلك علما بالغلبة على أصحاب عيسى؛ لأنهم كانوا يحورون ~~الثياب؛ أي : يقصرونها، أو من الحوارى؛ أي : الدقيق الأبيض؛ لبياض ألوانهم ~~رحمهم الله (في فضلهم) بشهادة نص: كنتم خيرأمة وحديث : "خير القرون- ~~وفي رواية: خير الناس- قرني " ، وحديث المناجاة : أن موسى رأى لهلذه الأمة في ~~اللوح المحفوظ أوصافا باهرة، فقال : يا رب؛ فاجعلني منهم(2) (ولا نقباء) في ~~فضلهم أيضا، وهو لف ونشر مشوش؛ اذ الحواريون لعيسى، والنقباء لموسى على ~~نبينا وعليهما الصلاة والسلام. # ولما أقسم رحمه الله بالصحابة كلهم رضي الله عنهم إجمالا. خصص العشرة ~~(1) أخرجه البخاري (7311)، ومسلم (1920) ~~(2) أخرجه ابن جرير الطبري في * تفسيره *(45/9) PageV00P487 ~~============================================================ ~~المقطوع لهم بالجنة، مرتبا للأربعة الأول منهم على ترتيبهم في الأفضلية والأحقية ~~بالخلافة، فقال: ~~3 ~~:33 ~~بأبي بكرد الذي صع لليا س به في حياتك الافتداء ~~وأقسم عليك (بأبي بكر) الصديق رضي الله تعالى عنه، فهو عطف على ~~(بالعلوم) بحذف حرفه، ويصح آنه وما بعده ms440 أبدال تفصيلية من: (بأصحابك) ~~(الذي) تميز عن سائر الصحابة رضي الله تعالى عنهم بما كان كالصريح في أنه الخليفة ~~الحق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه أفضلهم، بل أفضل ما عدا الأنبياء ~~والمرسلين عليهم الصلاة والسلام ، كما صح به حديث : "ما طلعت ألشمس ولا ~~غربت على أحد بغد النبئين والمرسلين أفضل من أبي بكر "(1) وهو ما صح من طرق ~~كثيرة بحيث اشتهر، بل تواتر وصار معلوما بالضرورة(2)، كما قاله الأشعري ~~رحمه الله، فلذا لم يسع أحدا من المبتدعة إنكاره (صح للناس به في حياتك الإقتداء) ~~فاعل (صح)، والظروف متعلقة به ~~فمن تلك الطرق : ما أخرجه الشيخان : اشتد مرض النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال : مروا أبا بكر فليصل بألناس" فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها : ~~يا رسول الله؛ إنه رجل رقيق ، إذا قام مقامك.. لم يستطع أن يصلي بالناس، فقال ~~صلى الله عليه وسلم : 9 مري أبا بكر فليصل بألناس" فعادت ، فقال : 8 مري أبا بكر ~~فليصل بألناس، فإنكن صواحب يوسف " فأتاه الرسول ، فصلى بالناس في حياة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم (3). # وفي رواية: أتها راجعته فلم يرجع لها، فقالت لحفصة : قولي له : يأمر عمر، ~~(1) اخرجه أبو نعيم في الحلية "(325/3) ~~(2) انظر " سبل الهدى والرشاد "(197/12) ~~(3) البخاري (678)، ومسلم (420) PageV00P488 ~~============================================================ ~~فقالت له، فاشتد غضبه ، وقال: "مروا أبا بݣر"(1). # وفي آخرى: أن الحامل لعائشة رضي الله عنها على ذلك خوفها تشاؤم الناس به ~~بقيامه مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه (2). # وفي آخرى : أنه أمرهم بالصلاة وكان أبو بكر رضي الله عنه غائبا، فتقدم عمر، ~~فكبر - وكان صيتا - فقال صلى الله عليه وسلم بعد أن أخرج رأسه مغضبا : "لا، يأبى ~~الله والمسلمون إلأ أبا بخر" ثلاث(2) . # وفي آخرى: آنه فجر الإثنين يوم موته كشف سيف حجرته، فرآهم في صلاة ~~الصبح وأبو بكر رضي الله عنه يصلي بهم، فتبسم وضحك، فنكص أبو بكر على ~~عقبيه، ظنأ أنه يريد الخروج إليهم، وهم المسلمون آن يفتتنوا في صلاتهم، ms441 فرحا به ~~صلى الله عليه وسلم، فأشار إليهم بيده : أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى ~~الستر، فتوفي صلى الله عليه وسلم ضحي(4). # وفي البيت التلميح إلى هلذه القصة، قال العلماء : فيه أوضح دليل على أنه أفضل ~~الصحابة مطلقا، وأحقهم بالخلافة ، وأولاهم بالإمامة، ومن ثم أجمعوا على ذلك؛ ~~لأن تقديمه بحضرة المهاجرين والأنصار مع قوله : " يؤم القؤم أقرؤهم لكتاب ألله "(5) ~~أي : أعلمهم بالقرآن.. صريح في أنه أعلمهم بالقرآن مطلقا، وقد استدل الصحابة ~~انفسهم بهذا على أنه أحق بالخلافة، منهم علي، قال : لقد أمره النبي صلى الله عليه ~~وسلم آن يصلي بالناس وإني لشاهد وما آنا بغائب، وما بي مرض، فرضينا لدنيانا ~~ما رضيه النبي صلى الله عليه وسلم لديننا. # وما أحسن قول من قال : صلى بالناس ثمانية أيام والوحي ينزل، فسكت الله، ~~وسكت رسوله، وسكت المؤمنون! # (1) البخاري (179)، ومسلم (45/414) ~~(2) احرجه مسلم (94/418)، وابن حبان (6874)، وأحمد (229/6) ~~(3) أخرجه الضياء في " المختارة "(314)، وأبو داوود (4627)، وأحمد (322/4) ~~(4) اخرجه البخاري (680)، ومسلم (419) ~~5) اخرجه مسلم (673)، وابن خزيمة (1507)، وابن حبان (2127). PageV00P489 # ============================================================ ~~ومن الظواهر أو الصرائح علىن خلافته أيضا : ما أخرجه مسلم : أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال لعايشة رضي الله عنها في مرض موته : 9 أذعي لي أبا بخر وأخاك حتل أكتب ~~كتابا ، فإني أخاف أن يتمنى متمن ، ويقول قائل : أنا أولل ، ويأبى الله والمؤمنون إلا ~~ابا بخر"(1). # وفي رواية : " اكتبوا لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه أحد" ثم قال : " دعيه ، معاذ ~~الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر"(2). # وصح : أن قوما سالوا أنسا : أن يسأل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : إلى ~~من يدفعون إليه زكاتهم بعده ، فسأله ، فقال : 0 إلى أبي بكر "(3). # وأخرج الشيخان : أن امرأة أتته صلى الله عليه وسلم ، فأمرها أن ترجع إليه، ~~فقالت : أرأيت إن جثتك ولم أجدك 9 - كأنها تقول : بعد الموت - فقال صلى الله عليه ~~وسلم : " إن لم تجديني. . فأت أبا بخر"(4). # ومنها: ما أخرجه الشيخان من عدة طرق : (أنه صلى الله عليه وسلم رآى أنه على ~~بئر لم تطو، ms442 فنزع منها بدلو، فأخذ الدلو من يده أبو بكر، فنزع بها دلوا أو دلوين، ~~ثم أخذها عمر من أبي بكر، فاستحالت في يده غزبا - أي : دلوا كبيرة- فاستسقى منها ~~حتى ضرب الناس بعطن؛ أي : حتى رووا)(5) قال العلماء : هذذا إشارة إلى خلافة ~~ابي بكر رضي الله عنه وقصر مدته، وطول مدة عمر رضي الله عنه، وكثرة الفتوح ~~وظهور الإسلام في زمنه. # وبقيت أدلة آخرى سمعية آيات وأحاديث كثيرة تدل على أحقية خلافته، وأنه ~~أعلمهم وأفضلهم رضي الله عنهم، بينتها أتم بيان في كتابي " الصواعق" السابق ~~ذكره ~~(1) مسلم (2387) ~~(2) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة" (1163). # (3) اخرجه الحاكم (77/3) ~~(4) البخاري (3659)، ومسلم (2386) ~~5) البخاري (3676)، ومسلم (2393). PageV00P490 # ============================================================ ~~والمهدي يؤم الشقيفة لما أزجف الثاس إيه الدأداء ~~(والمهدي) أي: المسكن للفتنة والاضطراب في أمر الخلافة (يوم السقيفة) التي ~~لبني ساعدة من الأنصار رضي الله عنهم حين اجتمعوا بعد دفنه صلى الله عليه وسلم فيها ~~إلى سعد بن عبادة سيد الخزرج رضي الله عنه ليولوه (لما) أي: حين (أرجف ~~الناس) أي : اضطربوا في أمر الخلافة. # وبين (المهدي) أي: المسكن و( أرجف)، و(القرباء) و(الأباعد)، ~~و(تقرب) و(تبعد) المطابقة ~~(إنه) تعليل لا المهدي) ، ولا ينافيه كسر ( إن) لأنها مع كونها للاستئناف قد ~~تفيد التعليل أيضا، كما صرحوا به في : "إن الحمد وآلنعمة لك" في التلبية ~~(الدأداء) أي : المسكن للاضطراب لا غيره، وكأن مراده : أنه المشهور قديما ~~وحديثا بأنه يسكن الفتن ويجلي كربتها. # وفي "الصحيحين " عن عمر رضي الله عنه: أنهم لما دفنوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم.. تخلف علي والزبير ومن معهما في بيت فاطمة، وتخلفت الأنصار بأجمعهم ~~في سقيفة بني ساعدة، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقال له عمر: انطلق بنا إلى ~~الأنصار، فذهبوا إليهم، فلما جلسوا. قام خطيبهم، فخطب وأثني على الله، ثم ~~مدح الأنصار وأطنب، بحيث لم يترك آية أو خبرا جاء فيهم إلا ذكره، ثم ذكر أن قوما ~~يريدون آن يستبدوا بالأمر عليهم، ثم سكت، فأراد عمر رضي الله عنه آن يخطب بما ~~زوره- أي: جمعه في قلبه- فأشار إليه أبو بكر ms443 بالسكوت، ثم خطب وأثنى على ~~الأنصار، ثم بين أن الخلافة لا تكون إلا في قريش، واحتج بالحديث الصحيح : ~~" الأئمة من قريش" ثم قال : قد رضيت لكم إما عمر وإما أبا عبيدة، وأخذ بيدهما ~~وقال: بايعوا من شتتم منهما، فقام الحباب بن المنذر، وتحمس وترفع، ثم قال: ~~منا أمير ومنكم آمير، فكثر اللغط، وخيفت الفتنة، فبادر عمر وقال لأبي بكر، ابسط ~~يدك، فبسطها، فبايعه، فتبعه المهاجرون ثم الأنصار، فقال قائل: قتلتم سعد بن PageV00P491 ~~============================================================ ~~عبادة - أي: لأنه كان به بعض مرض - فقال عمر رضي الله عنه : قتله الله(1)؛ أي: ~~لأن الاجتماع عنده ربما كان سببأ للفتنة ، فساغ لعمر في اجتهاده، وأنه بالنسبة إليه ~~كالشيخ بالنسبة إلى تلميذه ، يؤدبه بما يراه أن يقول في حقه ذلك ~~وصح: أن عمر رضي الله عنه احتج على الأنصار بإمامة أبي بكر، فرجعوا عما ~~كانوا فيه وقالوا : نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر(2)، ولما بايعوه.. صعد وجلس من الغد ~~على المنبر، فقام عمر رضي الله عنه، فتكلم قبله، فحمد الله وأثنى على آبي بكر، ~~ثم قال: قوموا فبايعوه، فبايعه الناس بيعة العامة، فخطب أبو بكر رضي الله عنه، ثم ~~قال : وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت.. فأعينوني، وإن أسأت.. # فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله. فلا طاعة لي ~~عليكم، ثم نظر فلم ير الزبير، فدعا به فجاء، فتكلم عليه، فقال : لا تثريب ~~يا خليفة رسول الله؛ فبايعه، ثم نظر فلم ير عليا، فدعا به، فجاء فتكلم عليه، ~~فقال : لا تثريب يا خليفة رسول الله؛ فبايعه، واستدل كل منهما حينثذ على أحقيته ~~بالخلافة بأنه صاحب الغار، وبتقديمه للامامة ~~وحكى ابن مسعود رضي الله عنه وغيره : أن الصحابة أجمعوا على خلافة أبي بكر ~~الصديق لم يتخلف عنها أحد منهم، ثم تبعهم من بعدهم من أهل السنة والجماعة إلى ~~الآن، ثم هلم جرا ، وكذا أكثر الفرق:. # وأقسم عليك بأبي بكر الفاعل لذلك حال كونه كرم الله تعالى وجهه ~~أنقذ الدين بعد ما كان للدي ن على ms444 كل كزبة إشفاء ~~(أنقذ) بالقاف فالمعجمة (الدين) وهو: ما جاء به النبي الكريم صلى الله عليه ~~وسلم؟ أي: نجاه بإزالة كل شبهة عنه، وأهله بإزالة أسباب الفساد بينهم (بعد ما) ~~(1) البخاري (8630) ~~(2) أخرجه الضياء في (المختارة" (229)، والحاكم (67/3)، والبيهقي في " السنن ~~الكبرى "(152/8)، وأحمد (21/1) PageV00P492 ~~============================================================ ~~مصدرية (كان) أي : وجد (للدين) متعلق هو وما بعده باسمها(1) وهو (إشفاء) ~~(على كل كربة) أي: غم يأخذ النفس، ويصح كونها ناقصة، و(للدين) خبرها ~~(إشفاء) أي: إشراف وقرب يخشى منه أن لا يجتمع للإسلام بعده شمل أبدا، ومن ~~ثم قال آبو هريرة رضي الله عنه : والله لولا أبو بكر.. ما عبد الله بعد محمد صلى الله ~~عليه وسلم أبدا ~~وأيضا: فكلهم يوم وفاته طاشت عقولهم حتى تكلموا بكلمات غير منتظمة. إلا ~~أبا بكر رضي الله عنه، فإنه كان غائبا، فلما حضر.. دخل وكشف عن الوجه الكريم، ~~وقبله وقال : لقد طبت حيا وميتا، لا يجمع الله عليك بين موتتين، ثم خرج فتلا ~~عليهم: وما محمد إلا رشول قد خلت من قبله الرسل} إلى : الشلكرين}، فلما ~~سمعوها.. ردت إليهم عقولهم، فتلوها وقالوا، حتى عمر، فإنه أنكر موت النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقال : ذهب إلى ربه، فأسكته أبو بكر فسكت، فأقبل على ~~الناس، فصغوا إليه وتركوا عمر، فقال : يا أيها الناس؛ من كان يعبد محمدا.. فإن ~~محمدأ قد مات، ومن كان يعبد الله. فإن الله حي لا يموت، ثم تلا الأية. فقالوا: ~~كأننا لم نسمعها إلا حينئذ، فكان هو المثبت لهم حينئذ، وإلا.. لم يجتمع لهم ~~شمل ~~وأيضا : اختلفوا في محل دفنه اختلافا شديدا كاد أن يفضي إلى الفتنة، فروى لهم ~~الحديث : "إن كل نبي يذفن في المحل الذي توفي فيه "(2) فرجعوا إليه ، وزال ~~ما كان بينهم ~~وأيضا : اختلفوا في ارثه صلى الله عليه وسلم اختلافا شديدا حتى روى لهم ~~الحديث المشهور : "نخن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة "(3) فرجعوا ~~إليه ~~وبهذا علم: آنه رضي الله عنه كان أحفظهم للسنة، وإنما سبب قلة الرواية عنه ~~(1) لو قال ms445 : (بفاعلها). لكان أصوب ، لأنه فسر قول الناظم: (كان) با وجد) فجعلها ~~تامة، ثم قال بعد قليل : (ويصح كونها ناقصة) فليتبه ~~(2) اخرجه ابن ماجه (1628)، والبزار (18)، وآبو يعلى (22) بنحوه. # (3) اخرجه البخاري (2904)، ومسلم (1757) ~~559 PageV00P493 ~~============================================================ ~~قصر مدة خلافته، واشتغاله بقتال المرتدين، ومانعي الزكاة، ومسيلمة الكذاب ~~وحال كونه ~~أنفق المال في رضاك ولا من وأفطى جما ولا إكداء ~~(أنفق المال) الكثير الذي كان يملكه؛ أي : صرفه في مصارف الخير حتى نفد ~~جميعه (في) أي : بسبب، أو من أجل (رضاك) يا وسول الله ، كما جاء به القرآن ، ~~قال تعالى : وسيجنبها الألقى * الذى يؤتى ماله يتركى} إلى آخر السورة . قال ابن ~~الجوزي رحمه الله : أجمعوا أنها نزلت في أبي بكر رضي الله عنه (1) ، ففيها التصريح ~~بانفاقه لماله، وبأنه الأنق}، وهوالاكرم، بدليل: إن أكرمكر عند الله ~~أنقككم، والاكرم هو : الأفضل، كما صرح به الحديث الصحيح: لما صحب ~~النبئين والمرسلين أجمعين ، ولا صاحب (يس) - أي : المذكور في (سورة يس) ~~أي : حبيب النجار - أفضل من أبي بكر "(2) رضي الله عنه . # وصح حديث أنه : " ليس في الناس أحد أمن علي في نفسه وماله من أبي بكر، ~~ولؤ كنث متخذا خليلا غير ربي. . لاتخذث أبا بكر خليلا ، ولبكن محلة الإشلام ~~أفضل، سدوا عني كل خوخة في هلذا المسجد إلا خوخة أبي بكر"(3) أي : لأنه ~~سيصير خليفة يحتاج الى ملازمة المسجد. # وأخرج الترمذي حديث :6 ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافاناه ما خلا أبا بخر فإن ~~له عندنا يدا يكافئه الله بها يؤم القيامة ، وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي ~~بخر"4). # (1) انظر " زاد المسير في علم التفسير * (151/9) ~~(2) ذكره الديلمي في " الفردوس" (4/ 70)، وذكره الطبري في * الرياض النضرة" (2/ 32) ~~من كلام الليث ين سعد ~~(3) أخرجه البخاري (3654)، ومسلم (2382) ~~(4) الترمذي (3261) PageV00P494 ~~============================================================ ~~والطبراني : " ما أحد عندي أغظم يدا من ابي بكر ، واساني بنفسه وماله، ~~وأنكحني أبنته "(1). # والترمذي : 8 رحم الله أبا بكر ، زؤجني أبنته ، وحملني إلى دار الهخرة ، وأغتق ~~بلآلا من ماله ، وما تفعني مال في ألإشلام ما نفعني مال أبي بخر" (2) . # ولا ينافيه حديث ms446 البخاري: أنه صلى الله عليه وسلم لم يأخذ منه الراحلة إلى ~~الهجرة إلا بالثمن (2) ؛ لاحتمال أنه أبرأه منه ~~وصح: أنه كان بينه وبين عمر رضي الله عنهما شيء، فسأله أن يغفر له فأبى، ~~فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فتدم عمر، فأتى منزل أبي بكر فلم يجده، ~~فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل وجهه يتمعر حتى أشفق آبو بكر، فجثا على ~~ركبتيه وقال : يا رسول الله ؛ أنا كنت أظلم منه ، مرتين، فقال صلى الله عليه وسلم : ~~"إن الله بعثني إليكم، فقلتم : كذبت ، وقال أبو بكر : صدق ، وواساني بنفسه ~~وماله ، فهل أنتم تاركو لي صاحبي "(2) فما أوذي أبو بكر بعدها . # وفي رواية في قصة نظير هلذا : " ألا تدعون لبي صاحبي ؟ ما شأنكم وشأنه ؟ فوالله ~~ما منكم رجل إلا على باب بيته ظلمة. . إلأ باب أبي بخر ، فإن على بابه النور ، ولقد ~~قلتم : كذبت ، وقال أبو بكر : صدقت ، وأمسكتم الأموال وجاد لي بعاله ، وواساني ~~(5 ~~وآتبعني "(15. # وأخرج أحمد وآخرون عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم : أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال : " ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر" فبكى أبو بكر رضي الله عنه ~~وقال : هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله 4(2): ~~(1) المعجم الكبير (153/11) ~~الترمذي (3714)، وليس فيه هنا قوله: * وما نفعني مال..* وهو موجود بنحوه عنده ~~(2) ~~برقم (3221). # البخاري (3906). # (3) ~~أخرجه البخاري (3661). تمقر وجهه : تغير ~~(4 ~~أخرجه ابن عساكر في " تاريخ دمشق"(109/30) ~~(5 ~~مسند أحمد (253/2) ~~(2 ~~511 PageV00P495 ~~============================================================ ~~وفي رواية عن ابن المسيب مرسلأ : وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقضي في مال ~~أبي بكر رضي الله عنه كما يقضي في مال نفسه صلى الله عليه وسلم(1) ~~وأخرج ابن عساكر : أنه أسلم وله أربعون ألف دينار(2)، وفي رواية : أربعون ~~الف درهم، فأتفقها على رسول الله صلى الله عليه وسلم (3). # والبغوي وابن عساكر: أنه كان عند النبي صلى الله عليه وسلم وعليه عباءة قد خلها ~~في صدره بخلال، فنزل عليه جبريل عليه السلام، فقال : يا محمد؛ ما ms447 لي آرى أبا ~~بكر عليه عباءة قد خلها في صدره بخلال؟ فقال صلى الله عليه وسلم : "يا جيريل؛ ~~أنفق ماله علي قبل الفتح" قال : فإن الله تعالى يقرأ عليه السلام ويقول له : أراضي أنت ~~عني في فقرك هلذا أم ساخط؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه : أأسخط على ربي ؟ أنا عن ~~ربي راضي، ثلاث4) وسنده غريب ضعيف جدا. # وفي رواية : أن جبريل عليه السلام هبط متخللا بطنفسة، وأخبر أن الله تعالى أمر ~~ملائكته أن يتخللوا بها كأبي بكر(5)، قال الحافظ ابن كثير : (وهلذا منكر جدا، لولا ~~أنه كالذي قبله يتداوله كثير من الناس. . لكان الإعراض عنهما أولى) ~~وصح عن عمر رضي الله عنه : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق، ~~فوافق ذلك مالا عندي، فقلت : اليوم أسبق أبا بكر- أي: ما سبقته يوما- فجئت ~~بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما أبقيت لأفلك؟" فقلت : ~~(1) أحرجه عبد الرزاق في " المصنف " (20397)، وابن عساكر في " تاريخ دمشق" ~~(5913 ~~(2) تاريخ دمشق (16/30) ~~(3) عند ابن أبي شيبة في المصنف 4(448/8) ~~(4) تفسير البغوي (295/4)، وتاريخ دمشق (71/30) ~~5) أخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد " (3/ 60)، وفيه محمد بن عبد الله بن ابراهيم بن ثابت ~~الأشنائي، قال عنه الخطيب بعد ذكر الحديث : (وقد سمعت بعض شيوخنا ذكره فقال : كان ~~يضع الحديث)، وقد ذكر السيوطي هلذا الحديث في " اللآلىء المصنوعة * (293/1) ~~وقال : (موضوع ، عمله الأشنائي) PageV00P496 ~~============================================================ ~~مثله، فأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال : "يا أبا بخر؛ ما أبقيت لأهلك؟" فقال : ~~أبقيت لهم الله ورسوله ، فقلت : لا أسبقه إلى شيء أبدا(1) ~~(و) الحال أنه (لا من) منه عليك فيما أنفقه وإن كثر، وإنما المنة لك عليه وعلى ~~غيره، كما اعترف بذلك هو وغيره: ~~والمن : ذكر النعمة على جهة الافتخار، ومن ثم حرم تحريمأ غليظا- على نحو ~~متصدق - المن على المتصدق عليه؛ بأن يعدد عليه ما أعطاه له، أو يذكره لمن ~~لا يحب إطلاعه عليه ، قال تعالى : { لا تبطلوا صدقلتكم بالمن والأذى} ~~(وأعطى) لله تعالى عطاء (جمأ) أي: كثيرا في وجوه ms448 الخير العامة والمصالح ~~الدائمة، منها: إعطاؤه ثمن محل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في ~~حديث الهجرة: أنه صلى الله عليه وسلم لما وصل قباء وأقام به بضعة عشر يوما ركب ~~صلى الله عليه وسلم ناقته، ونهى أن يأخذ أحد بزمامها، وقال : "دعوها فإنها ~~مأمورة . فاستمرت إلى آن بركت عند محل مسجده صلى الله عليه وسلم، ثم ~~سارت وهو عليها حتى بركت على باب دار آبي أيوب الأنصاري من بني النجار، أحد ~~أخوال جد التبي صلى الله عليه وسلم عبد المطلب، وكانت دارهم أوسط دور الأنصار ~~وأفضلها، ثم قامت وبركت في مبركها الأول، وألقت باطن عنقها بالأرض، ثم ~~صوتت من غير أن تفتح فاها ، فنزل صلى الله عليه وسلم عنها وقال : "هذذا المنزل إن ~~شاء الله تعالى"، ثم ساوم بني التجار في تلك البقعة، فاشتراها منهم بعشرة دنانير ~~وزنها من مال آبي بكر، وكان قد خرج بماله كله، فكان له من السبب في ذلك ~~المسجد الأعظم ما اقتضى وصول ثوابه إلى حد لا يقدر قدره ~~واشترى أيضا جماعة أسلموا، فعذبهم أهل مكة العذاب الأليم، منهم بلال ~~رضي الله عنه، وأعتقهم ~~(ولا إكداء) أي: ولم يقطع إعطاءه، بل استمر عليه حتى توفاه الله تعالى ~~(1) أخرجه الضياء في " المختارة" (81)، والحاكم (414/1)، وأبو داوود (175) ~~والترمذي (3675) PageV00P497 ~~============================================================ ~~وأبي حفصيد الذي أظهر الله به الدين فأزعوى الرقباء ~~(وأبي) أي: وأقسم عليك بأبي (حفص الذي أظهر الله به الدين) كما جاء في ~~سب تسميته بالفاروق ~~أخرج أبو نعيم في " الدلائل" وابن عساكر عن ابن عباس: أنه سئل عن سبب ~~تسميته بالفاروق، فذكر آن حمزة رضي الله عنه أسلم قبله بثلاثة أيام، وأنه خرج ~~إلى المسجد، فسب آبو جهل النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبر حمزة، فأخذ ~~قوسه، وجاء فضرب بها أحد صدغي ابي جهل فقطعه، فسالت الدماء، فأصلحت ~~بينهما قريش مخافة الشر، والنبي صلى الله عليه وسلم مختف بدار الأرقم، فانطلق ~~حمزة فأسلم، وبعده بثلاثة أيام أنكر عمر على من أسلم، فقال له : إن أختك ms449 ~~وحنك- آي: سعيد بن زيد، أحد العشرة المبشرين بالجنة - قد أسلما، فجاء ~~فضرب رأس آخته فأدماه، فقالت له : كان ذلك على رغم آنفك فاستحيا حين ~~رأى الدماء، وجلس وسألها أن تريه الكتاب، فقالت : لا يمسه إلا المطهرون، ~~فاغتسل، فأخرجوا إليه صحيفة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم { طه * ما أنزلنا ~~عليك القرءان لتشقن الآيات، فعظمت في صدره، فقال له خباب - وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم أرسله لتعليم أخته وزوجها -: إني لأرجو أن يكون الله قد ~~خصك بدعوة نبيه صلى الله عليه وسلم، فإني سمعته أمس يقول: "آللهم؛ أعز ~~الإسلام بعمرو بن هشام - أي : أبي جهل - أو بعمر بن الخطاب" فقال : دلني ~~عليه فتوشح سيفه، وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فضرب الباب، ~~فاستجمع القوم، فقال لهم حمزة : ما لكم؟ قالوا: عمر، قال: وعمر ؟! افتحوا ~~له الباب، فإن أقبل.. قبلناه، وإن أدبر. قتلناه، فسمع ذلك الشبي صلى الله عليه ~~وسلم، فخرج فتشهد عمر، فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد، فقلت: ~~يا رسول الله؛ ألسنا على الحق؟ قال : " بلى" قلت : ففيم الإخفاء ؟! فخرجنا ~~صفين: أنا في أحدهما وحمزة في الاخر حتى دخلنا المسجد، فنظرت قريش إلي ~~والى حمزة، فأصابتهم كآبة شديدة، فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV00P498 ~~============================================================ ~~الفاروق يومئذ، وفرق الله بي بين الحق والباطل (1). # وفي رواية: أنه لما أظهر إسلامه.. صاروا يضربونه ويضربهم حتى آجاره خاله، ~~قال : فما زلت أضرب وأضرب حتى أعز الله الإسلام. # وصح: أنه لما أسلم. نزل جبريل فقال : يا محمد؛ قد استبشر أهل السماء ~~باسلام عمر(2)، وأن المشركين قالوا : قد انتصف القوم اليوم منا(3)، وأنزل الله : ~~يكأيها النبي حسبك الله ومن أتبعك من المؤخيرب} (4) ، وأن ابن مسعود قال : ما زلنا ~~أعزة منذ أسلم عمر(5)، وقال أيضا : كان إسلامه فتحا، وهجرته نصرا، وإمامته ~~رحمة، ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي إلى البيت حتى أسلم عمر، فقاتلهم حتى ~~تركونا وسبيلنا(6) ، وأن حذيفة قال لما أسلم(1) : كان الإسلام كالرجل المقبل ؛ ~~لا يزداد إلا قوة ، فلما قتل. . كان الإسلام ms450 كالرجل المدبر ؛ لا يزداد إلا ضعفا(8). # (ف) بسبب قوته في الله تعالى، وشدة شكيمته (9) كما علم مما تقرر (ارعوى) ~~أي : رجع وأقلع وانكف (الرقباء) أي : الأعداء عما كانوا عليه من الإفساد في ~~الدين، وعدم النصح له، وكثرة إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة بالأمور ~~العظيمة التي كانوا يفعلونها معهم ~~(1) تاريخ دمشق (29/44) ~~(2) أخرجه ابن حبان (6443)، والحاكم (84/3)، وابن ماجه (103) ~~(3) أخرجه الحاكم (84/3) ، والطبراني في الكبير" (204/11) ~~4) ذكره ابن كثير في " تفسيره " (324/2) عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، ثم قال : ~~(وفي هلذا نظر؛ لأن الآية مدنية، وإسلام عمر كان بمكة بعد الهجرة إلى الحبشة، وقبل ~~الهجرة إلى المدينة، والله أعلم) ~~5) أخرجه البخاري (3684) ~~(1) أخرجه ابن سعد في 8 الطبقات الكبرى" (3/ 270) ~~(7) أي: لما أسلم عمر رضي الله عنه ~~(8) أخرجه الحاكم (84/3)، وابن آبي شيبة في (المصنف " (486/7)، وابن سعد في ~~"الطبقات (373/3) وعندهم بدل (إلا قوة) : (إلا قربا)، وبدل (إلا ضعفا): (إلا ~~بعدا) ~~(9) الشكيمة : الأنفة، والانتصار من الظلم، وعدم الانقياد: PageV00P499 ~~============================================================ ~~والذي تقرب الأباعد في الله إليه وتبعد القرباء ~~(و) هو أيضا الإمام العدل القوي في الله تعالى ( الذي) ينطق الحق على لسانه ~~وقلبه، فلذلك (تقرب الأباعد) عنه في النسب (في) أي: بسبب، أو لأجل رضا ~~(الله إليه) متعلق با تقرب)، فيكونون بذلك أولى عنده من أقاربه الذين ليسوا كذلك ~~كما قال آنفا. # وفي هلذا البيت من أنواع البديع : العكس، نحو : لا هن حل لمم ولا هم يحلون ~~الاية، والاكتفاء، وهو: حذف شيء دل عليه ما قبله كما قررته، ورد ~~العجز على الصدر، والإرصاد، وهو: آن يتقدم على الروي ما يشعر به، تحو: ~~وما ظلمنهم.. الآية. # (وتبعد) عنه (القرباء) أي: أقرباؤه إذالم يوافقوه على طاعة الله تعالى، فعلم : ~~أنه لا يحابي قريبا ولا صديقل(1)، وأنه لا رياء عنده ولا سمعة، ولا حمية ~~ولا عصبية، وأن محط نظره إنما هو الله تعالى لا غير، وطاعة ربه هي المقربة منه، ~~وضدها هو المبعد عنه ~~غمر بن الخطاب من قوله الفض حل ومن حتمه ms451 الشوي الشواء ~~(عمر بن الخطاب من) موصولة (قوله الفصل) أي : الفاصل بين الحق والباطل ~~(ومن حكمه السوي) أي : الذي لا اعوجاج فيه (السواء) تأكيد؛ أي : المعتدل، ~~وهذا أولى من جعل الشارح (السوي) صفة (حكم)، و(السواء) خبره؛ لاقتضائه ~~تغايرهما، وليس كذلك ~~(1) أي : لا يختصه بشيء دون غيره، ولا يميل إليه: PageV00P500 ~~============================================================ ~~36 ~~31 ~~فر منه الشيطان إذ كان فارو قا فللنار من سناه أنبراء ~~(فر) أي: هرب (منه الشيطان) أي: ايليس وكل عات متمرد جني أو أنسي ~~(إذ) أي : لأجل أنه (كان فاروقا) ظاهره : أن سبب تلقيبه بالفاروق كون الشيطان فر ~~منه، وليس مرادا؛ لما مر أن سببه: أن الله فرق به بين الحق والباطل، كما صحت به ~~الأحاديث (ف) بسبب ما منحه الله من النور الذي يفرق به بين الحق والباطل، ويفر ~~الشيطان منه بسببه (للنار) التي هي أصل الشيطان (من سناه) بالقصر؛ أي : ضوثه ~~(انبراء) أي : انمحاء ، والأصل في ذلك : أحاديث صحيحة، منها حديث : 9يا ~~أبن الخطاب ؛ والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا قط إلا سلك فجا غير ~~فجك"(1): ~~وحديث " إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه" . # (2)11 ~~وأنه ما نزل بالناس أمر قط فقالوا وقال عمر. . إلا نزل القرآن على نحو ما قال (11. # وحديث : "لؤ كان بغدي نبي. . لكان عمر بن الخطاب "(3). # وحديث : " إن ألله وضع الحق على لسان عمر يقول به "(4) . # وحديث : " إن الشيطان ليفر منك يا عمر"(5) وفي رواية : " إني لأنظر إلى ~~(5 ~~شياطين الجن والإنس قذ فروا من عمر "(1). # أخرجه البخاري (3683)، ومسلم (2396) ~~(1) ~~أخرجه الترمذي (3682)، وقوله : (وأنه ما نزل...) إلخ. من كلام ابن عمر رضي الله ~~(2) ~~م ~~أخرجه الحاكم (85/3)، والترمذي (3686)، وأحمد (154/4)، والطبراني في ~~(3) ~~"الكبير"(298/17) ~~أخرجه آبو داوود (2955)، وابن ماجه (108)، وأحمد (165/5) ~~(4 ~~أخرجه الترمذي (3690)، وأحمد (353/5) بنحوه. # (5 ~~أخرجه الترمذي (3691)، والنسائي في الكبرى " (8908). # (2) ~~517 PageV00P501 ~~============================================================ ~~وفي أخرى : " أتاني جنريل فقال : أقرىء عمر السلام وقل له : إن رضاه حكم ، ~~وإن غضبه عز"(1). # وفي أخرى : " الحق بعدي مع غمر حيث كان "(2). # وفي أخرى : " إن ms452 الشيطان لم يلق عمر منذ أسلم إلأ خرلوجهه"(3) . # وفي أخرى : " عمر معي ، وأنا مع عمر ، والحق بعدي مع غمر حيث كان "(4). # (5 ~~وصح حديث : " ما طلعت الشمس على خير من غمر"(5). # وروى أحمد وغيره : أنه صلى الله عليه وسلم قال له: "يا أخي؛ أشركنا في ~~صالح دعائك ، ولا تنسنا"(2) ~~والشيخان : أنه صلى الله عليه وسلم قال : " بينا أنا نائم.. شربت لبنا حتى أنظر ~~إلى الري يجري في أظفاري ، فناولته عمر" قالوا : فما أولته يا رسول الله ؟ قال : ~~"العلم"(1) وأنه رآه وعليه قميص يجره، قالوا : فما أولته يا رسول الله ؟ قال: ~~" ألدين"(4). # وصح : أنه من الملهمين الذين ينطق الحق على لسانهم (4). # 93 ~~اطفى بها الإشداء ~~وأبن عفان ذي الأيادي التي طا ل إلى العضطة ~~اي ماة ~~(وابن) أي : وأقسم عليك بذي النورين أبي عمرو عثمان بن (عفان) رضي الله ~~أخرجه الضياء في " المحتارة " (127)، والطبراني في " الكبير" (48/2). # أخرجه البزار (2154) ~~أخرجه الطبراني في * الكبير" (305/24). # أخرجه الطبراني في * الكبير"(280/18). # أخرجه الحاكم (90/3)، والترمذي (3684). # سند أحمد(59/2) ~~البخاري (3681) ومسلم (2391). # البخاري (23)، ومسلم (2390) ~~أخرج البخاري (3689)، ومسلم (2398) تحوه. # 528 PageV00P502 ~~============================================================ ~~عنه (ذي) أي: صاحب (الأيادي) أي: النعم، وهذا في اليد بمعنى الجارحة، ~~جمع أيد جمع يد، فأتى به الناظم في البيت بمعنى النعمة أيضا (التي طال) أي : عظم ~~وامتد (إلى المصطفى) على الخلق كلهم؛ أي: المختار، فهو من الاصطفاء، ~~وقيل: المصطفى: المنقى من كل شين وكدر، فهو من التصفية (بها) متعلق بقوله : ~~(الإسداء) أي : الإعطاء: ~~حفر البثر جهز الجيش أفدى ال هذي لما أن صده الأغداء ~~(حفر البتر) أي: بئر دومة، وذلك أنها كانت ليهودي في الأشهر، فقدم ~~صلى الله عليه وسلم المدينة وليس بها ماء يستعذب غيرها، فقال صلى الله عليه ~~وسلم : 0 من حفر بثر رومة - أو : من أشتراها -. . فله ألجنة "(1) فاشتراها عثمان ~~بعشرين ألف درهم وحفرها، وهي موجودة إلى الان، وثوابها مستمر له إلى يوم ~~القيامة ~~وفي رواية: أن عثمان رضي الله عنه لما سمع قوله صلى الله عليه وسلم فيها: ~~"إنها نعم البئر".. اشترى ms453 نصفها بمئة بكرة وتصدق بها، واقتسماها يوما لهذا ويوما ~~لهذا، فجعل الناس يستقون منها في يوم عثمان ليومين، فلما رآى صاحبها آن قد ~~امتنع منه ما كان يصيبه من ثمن الماء الذي يبيعه منها.. باع من عثمان النصف الثاني ~~بشيء يسير، فتصدق عثمان بها كلها. # تنبيه : تعبير الناظم بالحفر تبع فيه بعض الرواة، وكأنه لم يبال بقول من قال : ذكر ~~الحفر وهم من بعض الرواة ، وإنما المعروف أنه اشتراها ~~ويجاب بأنه لا مانع أنه اشتراها، ثم زاد في تعميقها، مبالغة في تكثير مائها؛ ~~لعموم احتياج الناس إليها، ثم رأيت بعض المتأخرين صرح بنحو ذلك. # (1) ذكره البخاري معلقا في (المساقاة) باب الشرب، وفي (المناقب) باب مناقب عثمان ين ~~عفان رضي الله عنه، وأخرجه الضياء في " المختارة (349) والبيهقي في " السنن ~~الكبرى *(167/6)، وغيرهم ~~569 PageV00P503 ~~============================================================ ~~وفي رواية: أن القربة منها كانت تباع بمد، وأنه صلى الله عليه وسلم طلب من ~~صاحبها أن يبيعها له، فاعتل بأن له عيالا وليس له غيرها، فبلغ عثمان، فاشتراها ~~بخمسة وثلاثين ألف درهم(1). # (جهز الجيش) أي : جيش العسرة في غزوة تبوك ~~أخرج الترمذي : أنه صلى الله عليه وسلم حث على جيش العسرة، فقال عثمان : ~~يا رسول الله؛ علي مثة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض صلى الله عليه ~~وسلم على الجيش، فقال عثمان رضي الله عنه : يا رسول الله؛ علي مثتا بعير ~~بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض صلى الله عليه وسلم على جيش العسرة، ~~فقال عثمان رضي الله عنه : يا رسول الله؛ علي ثلاث مثة بعير بأحلاسها وأقتابها في ~~سبيل الله ، فتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول : "ما على عثمان ما فعل ~~بعد هذه "(2)، وفي رواية: حمل عثمان في جيش العسرة على آلف بعير وسبعين ~~فرس(3). # وصح: أته جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار حين جهز جيش ~~العسرة، فشرها في حجره، فجعل يقلبها بيده ويقول : "ما ضر عثمان ما فعل بعد ~~اليوم، ما ضر عثمان ما فعل بعد ms454 اليؤم"(4) ، وفي رواية : أنه بعث بعشرة آلاف ~~دينار، فصبت بين يديه صلى الله عليه وسلم ، فجعل يقلبها ويقول : "غفر الله لك ~~يا عثمان ما أشرزت وما أغلنت ، وما هو كائن إلى يؤم القيامة ، ما يبالي ما عمل ~~بعدها" ~~وصح: أنه لما حوصر.. أشرف عليهم فقال: أنشدكم بالله، ولا أنشد إلا ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال : "من جهز جيش العشرة. . فله الجنة " فجهزته، ألستم تعلمون أن ~~(1) أخرجه الطبراني في " الكبير" (41/2) ~~(2) الترمذي (3700) ~~(3) ذكره الحافظ المزي في " تهذيب الكمال" (19/ 450) عن قتادة ~~(4) أخرجه الحاكم (102/3)، والترمذي (3701) PageV00P504 ~~============================================================ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من حفر بثر رومة.. فله الجنة" فصدقوه بما ~~قال(1). # وصح عن أبي هريرة رضي الله عنه : اشترى عثمان الجنة من النبي صلى الله عليه ~~وسلم مرتين: حيث حفر بثر رومة، وحيث جهز جيش العسرة(2): ~~وصح: أنه استشهد أقواما من الصحابة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : 8 من يشتري هلذا ألمريد ويزيده في مسجدنا وله الجنة وأجره في الذنيا ما بقي ~~درجاث له؟ " فاشتريته بعشرين ألفا وزدته في المسجد.. فشهدوا له، فقال الخوارج ~~عليه: صدقوا، ولكنك غيرت، ثم ذكر تجهيز جيش العسرة وحفر البثر فصدقوه، ~~فقال الخوارج عليه: صدقوا، ولكنك غيرت، فقال : ويلكم، كيف يكون من هذا ~~له مغيرا ؟! ثم ذكر آنهم سيقولون ذلك في غيره، فكان كذلك في علي خرجوا عليه، ~~فاستشهد الصحابة على خصوصياته فشهدواله فقالوا: صدقوا، ولكنك غيرت ~~وفي رواية: أن محمد بن آبي بكر لما دخل على عثمان وكان مع الخارجين ~~عليه.. استشهده : أن النبي صلى الله عليه وسلم زوجه ابنتيه وقال : "لؤ كان عندنا ~~شيء.. زوجناه " وأنه بايع عنه في بيعة الرضوان ، وأنه قال : " من يشتري هذذا النخل ~~فيقيم قبلة المسجد وله مثله في الجنة ؟" فاشتراه عثمان، وأن المسلمين اشتد ~~جوعهم، فبسط لهم على أنطاع الخوارى بالسمن والعسل (3)، فكان أول خبيص ~~الحلوى في الإسلام، وأنهم ظمئوا ظمأ شديدا، فحفر لهم ms455 بثر رومة، فأعظم عليها ~~النفقة، ثم تصدق بها على المسلمين، الضعيف فيهم والقوي سواء، وأن الميرة ~~انقطعت عن المدينة(4)، فجاع الناس، فاشترى خمس عشرة راحلة طعاما، فأخذ ~~ان اسب ر شد ا ا مه تلا اد بر ~~(1) أخرجه البخاري معلقا في (الوصايا) باب : إذا وقف أرضا أو بثرا واشترط لنفسه مثل د ~~المسلمين ~~(2) أخرجه الحاكم (107/3) ~~(3) الخوارى : الدقيق الأبيض، وهو لباب الدقيق ~~(4) الميرة: الطعام ونحوه مما يجلب للبيع ويدخر PageV00P505 ~~============================================================ ~~فقال : 8 ما ضر عثمان ما فعل بعد اليؤم " وأنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي ~~بكر وعمر وعلي وطلحة والزبير بحراء، فرجف بهم، فضربه بقدمه وقال : " آثبت ~~حراء؛ فإنما عليك نبيي أو صديق أو شهيد" كل ذلك ومحمد يقول : نعم (1) . # تنبيه : قال ابن مالك : من أحسن شواهد قول الكوفيين وآخرين : إن (أو) ترد ~~بمعنى (الواو) هلذا الحديث الأخير ~~(أهدى الهدي) إلى مكة وأرسله إليها عام الحديبية، حين توجه صلى الله عليه ~~وسلم إليها ومعه ألف وأريع مثة في ذي القعدة سنة ست يريد العمرة، فمنعته قريش من ~~دخول الحرم (لما) أي: حين (أن صده) عن الدخول إليها (الأعداء) أي: ~~المشركون، وكأن وجه تخصيصه بذلك : أن هديه رضي الله عنه وصل إلى مكة، ~~بخلاف هدي غيره، لكن إنما ذلك لعزة قومه بها دون غيره، ففي الخصوصية حينئذ ~~تأمل، بل قضية أدبه الاتي من تركه الطواف: ترك إرساله الهدي حيث لم يرسله ~~صلى الله عليه وسلم ~~ويجاب باحتمال آنه آخر هديه لغيبته حتى حضر بعد ذبحهم لهديهم، فحينثذ هو لم ~~يرسله إلا وقد أيسوا من إرسال هديهم، فلا مخالفة فيه للأدب ~~وتفسيري ل( لما) هذه با حين).. هو ما ذهب إليه جماعة، وقال ابن مالك: ~~إنها بمعنى (إذ) لأنها مختصة بالماضي، وبالاضافة إلى الجملة، وهي تقتضي ~~جملتين وجدت الثانية عند وجود الأولى، ولذا يقال فيها: حرف وجود لوجود، ~~وجوابها: إما ماضي، أو جملة اسمية مقرونة ب( الفاء) أو ب( إذا) الفجائية، ~~ويجدلنا} في قوله تعالى : { فلما ذهب عن إتاهيم الروع ms456 وجلهته . ..) الآية .. مؤول ~~ب( جادلنا) خلافا لابن عصفور ، وقد ترد للاستثناء ، نحو : { إن كل نقس لما عليها حافظ) ~~في قراءة من شدد الميم: ~~وفي هلذا ك (السوي) و(السواء)، و(تبعد) و(الأباعد)، و( تقرب) ~~و(القرباء)، و( أدب) و(الأدباء) جناس الاشتقاق أو شبهه ~~(1) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة "(1301) . PageV00P506 # ============================================================ ~~وأبى أن يطوف بالبيت إذ لم يذن منه إلى التبي فناء ~~(وأبى) رضي الله تعالى عنه لما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ~~ومعه الكتاب الذي فيه ما وقع بين النبي صلى الله عليه وسلم وسهيل بن عمرو المرسل ~~إليه من أهل مكة؛ ليقع الصلح بينهم على أنه يرجع في هلذه السنة ولا يدخل مكة ؛ ~~لئلا يقول الناس: إنه دخلها كرها على أهلها، ثم يعود إليها معتمرا السنة القابلة ~~ويدخلها والأسلحة في غلفها؛ ليكون ذلك علامة على الصلح، وعلى وضع الحرب ~~بينهم عشر سنين، ثم نقضوا الصلح، فكان ذلك سببأ لفتح مكة في السنة الثامنة، ~~ولما آرسله. أمسك سهيل بن عمرو عنده بدله ~~وفي رواية : أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر : " أذهب فأستأذن لنا ليخلوا بيننا ~~وبين الكعبة" فقال : يا رسول الله؛ ليس هناك أحد من بني عمي يمنعني، وللكن ~~أرسل عثمان؛ فإن بني عمه يمنعونه، فأرسله ليكلم أشراف قريش في آن يرجعوا عن ~~صده عن دخول مكة، وأن يمكنوه من دخولها لأداء ما جاء بقصده من الاعتمار ~~وتعظيم البيت بالبدن والهدي دون القتال، فكلمهم فلم يمتثلوا، وعلى كل من القولين ~~احتبسوه عندهم وقالوا له : إن شئت أن تطوف بالبيت.. فطف، فأبى؛ آي: امتنع ~~حينئذ ( أن يطوف بالبيت إذ) تعليلية (لم يدن) أي : يقرب (منه) أي : البيت ( إلى ~~البى) صلى الله عليه وسلم، متعلق ب (يدن) (فناء) وهو: ما امتد من جوانبه ~~ولما احتبسوه.. بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن عثمان قتل، فدعا الناس إلى بيعة ~~الرضوان تحت الشجرة على الموت، وقيل : (على أن لا يفروا) ذكره الحافظ ~~مغلطاي(1). # ولما بايعه الناس على ذلك.. وضع صلى الله عليه وسلم ms457 يمينه على شماله وقال : ~~"هذه عن عثمان " وفي " البخاري " : (فقال الشبي صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى : ~~(1) الإشارة إلى سيرة المصطفى (ص276) PageV00P507 ~~============================================================ ~~1هذه بيعة عثمان" فضرب بها على يده اليسرى...) الحديث(1)، وفي رواية ~~للترمذي : أن عثمان في حاجة الله وحاجة رسوله، فضرب بإحدى يديه على الأخرى، ~~فكانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم(2). # ولما سمع المشركون بهذه البيعة خافوا وأرسلوا عثمان وجماعة من ~~المسلمين ~~وفي هلذه البيعة نزل قوله تعالى : { إن الذي يبايعوتك إنما يبايعوب الله يد الله فوق ~~أيديهم} ، وقوله تعالى: لقدرض الله عن المؤمخيب إذيبا يهونلك تحت الشجرة ~~فجزته عنها ببيعة رضوا ن يد من نبيه بيضاء ~~(ف) بسبب ما وقع من عثمان، من امتثاله أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وذهابه ~~إلى العدو ولم يبال باحتمال كونهم يقتلونه؛ لشدة ما كانوا عليه من عداوتهم ~~للمسلمين، لا سيما لأكابرهم كعثمان، ومن تأدبه مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~الأدب البالغ بتركه الطواف مع إذنهم له فيه (جزته عنها) أي: تلك الفعلة التي فعلها ~~من الذهاب إليهم والامتناع من الطواف (ببيعة) آي: في بيعة (رضوان) سميت ~~بذلك؛ لما في الاية الثانية من رضا الله عنهم بسببها (يد من نبيه) أي: عثمان ~~(بيضاء) أي: بالغة في الكرم الذي عم الأنام منها إلى مبلغ ضوء الشمس وعمومه ~~للعالم، ولم لا تجازيه تلك اليد البيضاء بذلك، والذي وقع منه من الامتناع من ~~الطواف لأجل غيبة النبي صلى الله عليه وسلم وعدم تمكينهم له من الدخول ~~أدب عنده تضاعفت الأف مال بالترزك حبذا الادباء ~~(أدب) عظيم جدا (عنده) رضي الله تعالى عنه، ومن عجيب هذذا الأدب : أنه ~~(1) البخاري (3298) ~~(2) الترمذي (3702) ~~57 PageV00P508 ~~============================================================ ~~حصل فيه آمر عظيم، وفضل مستغرب جسيم، وذلك أنه مع كونه تركا لفعل العبادة ~~(تضاعفت الأعمال) التي في ذلك الفعل وهو الطواف؛ آي: ثوابها (ب) سبب ~~(الترك) لذلك العمل لأجله صلى الله عليه وسلم، فكان الترك هنا أفضل من الفعل لو ~~وقع منه ؛ لأنه ليس فيه هذا ms458 الأدب الذي بلغ به عثمان من السبق ما لم يبلغه غيره، ~~فلذا حق أن يقال فيه وفي أمثاله على سبيل المدح : (حبذا الأدباء) فهو تتميم بديع ~~وعثمان رضي الله عنه من أجل الأدباء ؛ لأنه كان عنده من الحياء الذي هو منشأ الأدب ~~ما لم يكن عند غيره، وهو من أجلهم، كيف وقد صح: آنه صلى الله عليه وسلم قال ~~في حقه وقد استحى صلى الله عليه وسلم منه لما دخل عليه فجمع ثيابه: " ألا أستحي ~~من رجل تستحي منه الملائكة4 "(1). # . وروي من غير طريق : و اشه امتي حياة عنمان بن عفان "(2) ، و عفمان أخيخ أيمتي ~~وأكرمها"(2)، "عثمان حيي سئير تشتحي منه ألملايكة "(4) ، " إن الملائكة لتستحي ~~من عثمان كما تشتجي من الله ورسوله"(5) ، 9 إنما تشبه عثمان بأبينا إبراهيم"(2) ، ~~"عنمان وليي في الدنيا ، ووليي في الآخرة"(1) ، " لؤ أن لي أزبعين أبنة. . زوجتك ~~واحدة بغد واحدة حتل لا تبقى منهن واحدة، وما زوجتك إلا بألوخي من الله ~~(4) ~~تعالى 6(2) ~~وصح: آنه صلى الله عليه وسلم ذكر فتنة يعرفها، فمر عثمان، فقال : "هذا ~~(1) أخرجه مسلم (2401)، وابن حبان (6907)، وأحمد (288/2). # (2) أخرجه ابن أبي عاصم في " السنة "(1281)، وأبو نعيم في الحلية "(56/1) ~~(3) أخرجه أبو نعيم في " الحلية "(56/1). # 4) أخرجه الطبراني في " الأوسط " (8596)، واين عساكر في " تاريخ دمشق" (39/ 86). # 5) آخرجه أبو يعلى (1947) ~~(2) أخرجه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (28/39)، وابن عدي في " الكامل" (5/ 132) ~~والعقيلي في " الضعفاء "(3/ 173). # (7) أخرجه الحاكم (97/3)، وأبو يعلى (2051)، وابن عساكر في " تاريخ دمشق" ~~(25/25 ~~) اخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (39/ 42) دون قوله: "وما زوجتك إلا ~~بالوحي. # 57 PageV00P509 ~~============================================================ ~~يؤمئذ على الهدى" وأنه قال له : " إن الله مقمصك قميصا - أي : موليك الخلافة - فإن ~~أرادك المنافقون على خلعه. . فلا تخلعه حتى تلقاني "(1) فلذلك قال لهم يوم الدار : ~~ان رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي عهدا وأنا صابر عليه ~~وفي " البخاري" : آن بعض أعدائه جاء إلى ابن عمر ورماه بأنه فر يوم أحد، وأنه ~~تغيب عن بدر وعن بيعة الرضوان، فرد عليه ابن عمر: بأن الله ms459 غفر له وعفا عنه ما وقع ~~منه يوم أحد، وأن تغيبه عن بدر إنما كان باذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ~~ليمرض ابنته رقية، وقال له : " إن لك أجر من شهد بدرا وسهمه " وبأن غيبته عن بيعة ~~الرضوان إنما هو لكونه أعز أهل مكة، فأرسله في حاجته، فكانت بيعة الرضوان، ~~فضرب صلى الله عليه وسلم إحدى يديه على الأخرى فقال : "هلذه لعثمان "(2) ~~قال العلماء : ولا يعرف أحد تزوج بنتي نبي غيره، ولهذا سمي ذا النورين ~~وقال وهو محصور يراد قتله : إنه اختبأ عند ربه عشرا، إنه رابع أربعة في الإسلام، ~~وأتكحه صلى الله عليه وسلم ابنتيه، ولا تغني، ولا تمني، ولا وضع يمينه على فرجه ~~منذ بايع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما مرت به جمعة منذ آسلم إلا وأعتق ~~فيها رقبة، فجملة من أعتقه: ألفان وأربع مثة رقبة تقريبا، ولا زني، ولا سرق ~~جاهلية ولا إسلاما، وجمع القرآن عليى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~وعلي صنو التبي ومن وي ن فؤادي وداده والولاء ~~(وعلي) أي: وأقسم عليك بعلي، وسبق منه الإقسام به أيضا، وإنما لم يكتف ~~به، لأن ذلك وقع تبعا للمعجزة المقصودة بالذات، وهي برء عينيه بتفله صلى الله عليه ~~وسلم فيهما، وليبين ما هو مذهب أهل السنة وأكثر الفرق من أن الخلافة والأفضلية ~~بينهم على هذذا الترتيب، فأحق الصحابة بالخلافة وأفضلهم آبو بكر، ثم عمر، ~~وهذا إجماع من الصحابة ومن بعدهم - كما حكاه جماعة من الأئمة منهم الشافعي ~~(1) أخرجه الطبراني في "الكبير * (192/5). # (2) البخاري (3698) PageV00P510 ~~============================================================ ~~رضي الله تعالى عنه - قطعي لا نزاع فيه يعتد به، ثم عثمان، ثم علي، وهلذا ما عليه ~~الأكثرون، فهو ظني لا قطعي، وخالف فيه سفيان الثوري ومالك وغيرهما، فقالوا ~~بأفضلية علي وإن كان عثمان أحق منه بالخلافة؛ لإجماع أهل الشورى ثم الصحابة ~~على خلافته مع الإشارة إليها من النبي صلى الله عليه وسلم ، كما سبقت الإشارة إلى ~~ذلك، ومما يصرح بأفضليته على علي ما صح عن ابن ms460 عمر : كنا نخير بين الناس في ~~زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فنخير آبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان(1). # وعن أبي هريرة رضي الله عنه: كنا معاشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ونحن متوافرون نقول : أفضل هذذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم ~~عمر، ثم عثمان، ثم نسكت(2) ~~وهل تجب محبتهم برعاية آفضليتهم ؟ فيه تفصيل، وهو: آنها إن كانت من حيث ~~الدين والعلم ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.، وجب ترتيبها كترتيبهم ~~المذكور، وإن كانت لتحو قرابة وإحسان. لم تجب رعايتها لذلك ~~(صنو النبي) صلى الله عليه وسلم؛ أي: مثله؛ لاجتماعهما في أصل واحد، ~~وهو عبد المطلب، فهما كتخلتين أصلهما واحد، وفي حديث الترمذي : "قإتما عم ~~الرجل صنؤ أبيه "(2) وهو من هثذا القبيل (ومن) أي : الذي (دين) أي : اعتقاد ~~(فؤادي) أي: قلبي (وداده) أي: حبه (والولاء) أي: مناصرته والذب عنه، ~~والرد على من نازع في خلافته ولم يبال بوقوع الإجماع عليها، وعلى من خرجوا عليه ~~ونازعوه الأمر ورموه بما هو بريء منه، وذلك عملا بما صح عنه صلى الله عليه ~~وسلم ، وهو : 9 اللهم؛ وال من والاه ، وعاد من عاداه "(4) ، " إن عليا مني وأنا ~~منه، وهو ولي كل مؤمن بغدي"(5) . # (1) أخرجه البخاري (3655). # (2) أخرجه ابن عساكر في " تاريخ دمشق" (30/ 347)، وابن عدي في * الكامل (13/5). # (3) الترمذي (3758) ~~4) أخرجه اين حبان (6931)، والضياء في " المختارة* (480)، واين ماجه (116)، ~~وغيرهم ~~(5) أخرجه ابن حبان (6929)، والترمذي (3712)، وأحمد (437/4). PageV00P511 # ============================================================ ~~ولتأكد الذب عنه؛ لكثرة أعدائه من بني أمية والخوارج الذين بالغوا في سبه ~~وتنقيصه مدة ألف شهر حتى على المنابر.. خصه الناظم بذلك، ولهاذا اشتغل جهابدة ~~الحفاظ ببث فضائله رضي الله عنه؛ نصحا للأمة، ونصرة للحق، ومن ثم قال ~~أحمد: (ما جاء لأحد من الفضائل ما جاء لعلي رضي الله عنه)(1) ~~وقال إسماعيل القاضي والنسائي وأبو علي النيسابوري: لم يرد في حق أحد من ~~الصحابة بالأسانيد الصحاح الحسان اكثر مما ورد في حق علي، فمن ذلك ما صح: ~~" إن الله يحبه، وإن رسوله يحبه ms461 " بل روى الترمذي : أنه كان أحب الناس إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، والظاهر أن المراد بالناس: بنو هاشم ؛ حتى لا ينافي ما مر أن ~~أبا بكر كان أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن آية المباهلة لما ~~نزلت.. دعا النبي صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وابنيهما وقال : "اللهم؛ هؤلاء ~~أهلي 6 ، وأنه قال : " أنا سيد ولد آدم ، وعلي سيد العرب 8 ، للكن اعترض تصحيح ~~الحاكم لهلذا (2) ، وأنه قال : " من كنت مؤلاه. . فعلي مولاه ، اللهم ؛ وال من ~~والآه ، وعاد من عاداه" رواه ثلاثون صحابيا ، " إن الله أمرني بحب أزبعة وأخبرني أنه ~~يحثهم، منهم علي "(2) ، وأنه " لا يحيه إلا مؤمن ، ولا يبغضه إلا منافق "(4)، وأنه ~~1 من سبه . . فقذ سب ألنبي صلى الله عليه وسلم "(5) وأنه " يقاتل على القزآن كما قاتل ~~النبي صلى الله عليه وسلم على تنزيله"(6) وأنه : " يهلك فيه أثنان : محث مفرط ، ~~(2) ~~ومبغض مبهث "(1) ، وأن قاتله اللعين اين ملجم " أشقى الآخرين ، كما أن عاقر الناقة ~~أشقى الأولين "(2). # (1) اخرجه الحاكم (107/3)، وابن عساكر في " تاريخ دمشق*(418/42) ~~(2) انظر "المستدرك" (124/3) وبهامشه "التلخيص"، وأخرجه الطبراني في "الكبير" (88/3) . # (3) أخرجه الحاكم (130/3)، والترمذي (3718)، وابن ماجه (149)، وأحمد ~~(356/5 ~~(4) أخرجه مسلم (78)، والترمذي (3736)، والنسائي (115/8)، وابن ماجه (114) ~~5) أخرجه الحاكم (121/3)، وأحمد (323/2) ~~(2) أخرجه ابن حبان (6937)، والحاكم (3/ 122)، وأحمد (33/3) ~~() أخرجه الحاكم (123/3)، وأحمد (160/1)، وأبو يعلى (534) بنحوه. # (8) أخرجه الحاكم (140/3)، والنسائي في * الكبرى" (8485)، وأحمد (263/4) PageV00P512 ~~============================================================ ~~169 ~~8 ~~(ووزير أبن عمه في المعالي ومن الافل تشعد الوزراء ~~بي ~~(ووزير ابن عمه) النبي صلى الله عليه وسلم؛ آي : ناصره، وحامل كل ثقل نابه ~~صلى الله عليه وسلم، ونائب عنه (في المعالي) الدينية والدنيوية، جمع العلا، ~~وهو : الرفعة والشرف، وأصل هذا : الحديث الصحيح: أنه لما خلفه على المدينة ~~في غزوة تبوك. قال : يا رسول الله ؛ خلفتني مع النساء والصبيان ؟ فقال : " أما ~~ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلأ أنه لا نبي بغدي ؟ "(1) ومر الكلام ~~عليه في شرح : (أودعتهما الزهراء) ~~وقال صلى الله عليه وسلم ms462 فيما أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه : ~~"علئ مني وأنا منه ، ولا يؤدي عني إلأ علي "(2) ، والترمذي : " أنت أحي في ألذنيا ~~وألآخرة"(3)، والخطيب : " عليي مني بمنزلة رأسي من بدني "(4) ، وابن عدي : ~~"علي يغسوب المؤمنين ، وألمال يغسوب المنافقين"(5) ، والبزار : 8 علي يقضي ~~ديني"(6)، والنسائي والحاكم : " إن كل نبي أغطي سبعة نجباء ، وأغطيث أنا أزبعة ~~عشر : علي، والحسن، والحسين، وجعفر، وحمزة، وأبو بكر، وعمر..." ~~الحديث، وأحمد: " أنت اخي وأبو ولدي، تقاتل على سنتي... " الحديث. # قال ابن عباس: نزلت في علي ثلاث مثة آية. # وليست الوزارة خاصة به رضي الله تعالى عنه، فقد أخرج الترمذي حديث : 8ما ~~(1) أخرجه البخاري (4416)، ومسلم (2404) ~~(2) مسند أحمد (164/4)، والترمذي (3719)، والسنن الكبري (8091)، وابن ماجه ~~(119) ~~(3) الترمذي (3720) ~~(4) تاريخ بغداد (12/7) ~~(5) الكامل في ضعفاء الرجال (229/4). واليعسوب في الأصل: فحل التحل، والمراد به ~~هنا: السيد والمقدم ~~(2) ذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " (116/9)، وعزاه للبزار. # 579 PageV00P513 ~~============================================================ ~~من نبي إلأ وله وزيران من أهل السشماء، ووزيران من أهل الأزض ، فاما وزيراي ين ~~أفل السماء.. فجبريل وميكائيل، وأما وزيراي من أهل الأزض.. فأبو بكر ~~وعمر"(1) ~~وصح حديث : "هلذان : السمع والبصر "(2) ، وفي رواية : " إنهما مني بمنزلة ~~الشمع وألبصر من الرأس"(3) . # وأخرج الطبراني وأبو نعيم : " إن الله تعالى أمدني بأزبعة وزراء ، اثنين من أهل ~~السماء، جبريل وميكائيل، وأثنين من أهل الأزض ، أبو بكر وعمر "(4) ، وابن ~~عساكر : "إن لكل نبي وزيرين ، ووزيراي وصاحباي أبو بكر وعمر"(5) بل قد ~~يستشكل ذكره الوزارة فيه دونهما مع آنها لم ترد فيه لفظا وصحت فيهما. # وقد يجاب بأنها وردت فيه بمعناها على وجه أبلغ من لفظها، وهو قوله : " أنت ~~مني بمنزلة هارون من موسي" فإن هلذه الوزارة المستفادة من هلذا التي هي كوزارة ~~هارون أخصث من مطلق الوزارة الواردة فيهما، ومن ثم أخذ منها الشيعة : أنها تفيد ~~النص على أنه الخليفة بعده، وهو كذلك لولا ما يأتي قريبأ من المبطل لذلك ~~الاستنباط ~~ومما يؤيد هذه الوزارة الخاصة كونه صلى الله عليه وسلم آخاه دون غيره، وأرسله ~~مؤذنا على الناس بلا براءة) في ms463 الموسم مع أن الخليفة على الحجيج أبو بكر؛ لأن ~~العرب لا يقبلون من يبلغ عن الكبير إلا إذا كان من أهله وجلدته، وأنه استخلفه بمكة ~~عند الهجرة حتى أدى ودائعه وقضى ما عليه وأتاه بأهله، فهذه كلها مؤذنة بوزارة ~~خاصة لم توجد في غيره، فلذا ذكرها فيه فقط، على آنه وصفه بما هو أعظم منها ~~وأجل. # (ومن الأهل تسعد الوزراء) تذييل مناسب لما قبله، وفيه رد العجز على الصدر: ~~(1) الترمذي (3680): ~~(2) أخرجه الحاكم (69/3)، والترمذي (3671). # (3) أخرجه ابن عساكر في * تاريخ دمشق" (17/44) ~~4) المعجم الكبير (144/11)، وحلية الأولياء (160/8). # (5) تاريخ دمشق (15/44) ~~5 PageV00P514 ~~============================================================ ~~ومن تلك السعادة : ما آمده صلى الله عليه وسلم به من المؤاخاة، فقد أخرج ~~الترمذي: آخى صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، فجاء علي تدمع عيناه، فقال: ~~يا رسول الله ؛ آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد، فقال صلى الله عليه ~~وسلم : " أنت أخي في الذنيا وألآخرة "(1) . # ومنها : العلوم التي أشار إليها بقوله صلى الله عليه وسلم : "أنا مدينة العلم ، ~~وعلي بابها" وفي رواية : "فمن أراد العلم.. فليأت الباب" وفي أخرى عند ~~الترمذي : 9 أنا دار الحكمة ، وعلي بابها "(2)، وفي أخرى عند ابن عدي : 9 علي ~~باب علمي "(2). # واختلفوا في حكم هذا الحديث : فجماعة منهم النووي رحمه الله تعالى على آنه ~~موضوع، والحاكم صححه، وصوب بعض الحفاظ المطلعين : أنه حديث حسن ~~وصح : أنه صلى الله عليه وسلم أرسله إلى اليمن ليقضي بينهم ، فقال : لا أدري ~~ما القضاء؟ فضرب صدره بيده صلى الله عليه وسلم ثم قال : " اللهع ؛ آفد قلبه، ~~وثيت لسانه " قال علي كرم الله وجهه : فوالذي فلق الحبة ما شككت في قضاء بين ~~اثنين (4). # وقيل له: ما لك اكثر الصحابة حديثا ؟ فقال : إني كنت إذا سألته.. أنبأني، وإذا ~~سكث.. ابتدأني (5)، وكان عمر رضي الله عنه يتعوذ من معضلة ليس لها أبو الحسن ~~يعني: عليا - ولم يكن أحد من الصحابة يقول : سلوني.، إلا علي، وذكر عند عائشة ~~رضي الله عنها فقالت : إنه أعلم من بقي بالسنة ~~وقال مسروق: ms464 انتهى علم الصحابة إلى عمر وعلي وابن مسعود ~~(1) الترمذي (3720). # (2) الترمذي (3723). # (3) الكامل في ضعفاء الرجال (101/4)، ولفظه عنده: اعلي عيبة علمي"، والعيبة: وعاء ~~يوضع فيه المتاع. # (4) اخرجه البزار (912)، وابن سعد في "الطبقات * (337/2) . # 5) اخرجه ابن سعد في " الطبقات * (338/2)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ~~(37142 PageV00P515 ~~============================================================ ~~وقال علي : والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت 4 وأين نزلت ؟ وعلى من ~~نزلت؟ إن ربي وهب لي قلبا عقولا، ولسانا ناطقل(1)، وقال : سلوني عن ~~كتاب الله؛ فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار؟ أم في سهل أم في ~~جبل (2)؟ # ولأجل هذذه العلوم الكثيرة التي أفيضت عليه من تلك الحضرة النبوية ~~~~لم يزذه كثث الغطاء يقينا بل هو الشمسن ما عليه غطاء ~~~~(لم يزده كشف الغطاء يقينأ) كما أخبر بذلك عن نفسه بقوله : لو كشف الغطاء.: ~~ما ازددت يقينا؛ أي: لأنه حصل عنده من البراهين القطعية على حقيقة التوحيد ~~ومتعلقاته، والإيمان وصدق الرسل فيما جاؤوا به.. ما لا يزيد اليقين فيه عند رؤية ~~ذلك عيانا، واحترز بنفي زيادة اليقين نفسه عن زيادة ثمراته؛ فإن عاقلا لا يشك أن ~~عين اليقين أقوى من علم اليقين ، وأن حق اليقين أقوى من عين اليقين ، ودليله : ~~{أولم تؤمن قال بلك ولككن ليطمين قلبى) فأثبت لنفسه حقيقة الإيمان ويقينه ، وطلب زيادة ~~الطمأنينة برؤية العيان، فلا منافاة فيه لما قاله علي كرم الله وجهه، خلافا لمن وهم ~~فيه ~~(بل) للانتقال (هو) أي: علي في فضله وعلمه وزهده، وتقدمه على من عدا ~~الخلفاء الثلاثة قبله، وحقية خلافته، وقيامه فيها بما قام بها من قبله وزيادة ~~(الشمس) أي : مثلها في الظهور والإضاءة التي لا يلتفت فيها إلى تقول متقول، ~~ولا عناد معاند، كيف وهو رضي الله عنه مع ذلك (ما عليه غطاء ؟1) أي: ساتر، ~~بل هو ظاهر لكل أحد. # (1) أخرجه ابن سعد في "الطبقات" (337/2)، وابن عساكر في 9 تاريخ دمشق" ~~(397/42)، وأبو نعيم في الحلية * (27/1). # (2) آخرجه ابن سعد في " الطبقات (338/2)، وابن عساكر في "تاريخ ms465 دمشق" ~~12*10) PageV00P516 ~~============================================================ ~~وقد أخرج الطبراني عن ابن عباس قال : كانت لعلي ثماني عشرة منقبة، ما كانت ~~لأحد من هلذه الأمة(1)، وأبو يعلى عن عمر : أعطي ثلاث خصال، لأن يكون لي ~~خصلة منها أحب إلي من آن أعطى حمر النعم: تزوجه ابنته، وسكناه المسجد، ~~وإعطاؤه الراية يوم خيبر(2)، وصح عن ابن عمر نحو ذلك. # وأخرج الطبراني والخطيب حديث : " إن الله جعل ذرية كل نبي في صلبه ، وجعل ~~ذرئتي في صلب علي بن أبي طالب "(2) . # وما أحسن قول حكيم له لما دخل الكوفة : والله يا أمير المؤمنين لقد زينت الخلافة ~~وما زينتك، ورفعتها وما رفعتك، وهي آحوج إليك منك إليها، وقول أحمد وقد ~~سأله ولده عن علي ومعاوية رضي الله عنهما : اعلم أن عليا كان كثير الأعداء، ففتش ~~له أعداؤه شيئا فلم يجدوا، فجاؤوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كيادا منهم له ~~وصح خلافا لمن نازع فيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم نام في حجره وهو يوحى ~~اليه، فغربت الشمس ولم يصل العصر، فلما سري عنه صلى الله عليه وسلم وعلم آنه ~~لم يصل. دعا الله أن يرد الشمس، فعادت حتى ظهر ضوءها على الحيطان، فصلى ~~ثم غابت، وفي هذا كرامة له باهرة، ولعل الناظم أشار إليها بتشبيهه بالشمس ~~تبيه: مما يدل على أن الله سبحانه وتعالى اختص عليا من العلوم بما تقصر عنه ~~العبارات: قوله صلى الله عليه وسلم : " أقضاكم علي" وهو حديث صحيح لا نزاع ~~فيه، وقوله صلى الله عليه وسلم : " أنا دار الحكمة" ~~ورواية : "مدينه العلم وعلي بابها" قد كثر اختلاف الحفاظ وتناقضهم فيه بما ~~يطول بسطه، وملخصه : آن لهم فيه آربعة آراء: ~~صحيح، وهو ما ذهب إليه الحاكم، ويوافقه قول الحافظ العلائي، وقد ذكر له ~~طرقا، وبين عدالة رجالها، ولم يأت أحد ممن تكلم في هذذا الحديث بجواب عن ~~هذه الروايات الصحيحة عن يحيى بن معين، وبين رد ما طعن به في بعض رواته ~~(1) المعجم الأوسط (8427) بنحوه ~~(2) مسند أبي يعلى (5601): ~~3) المعجم الكبير (43/3)، وتاريخ بغداد (333/1) ms466 PageV00P517 ~~============================================================ ~~كشريك القاضي بأن مسلما احتج به، وكفاه بذلك فخرا واعتمادا عليه، وقد قال ~~النووي في حديث رواه في البسملة ردا على من طعن فيه : (يكفينا أن نحتج بما احتج ~~به مسلم)(1) ولقد قال بعض معاصريه : ما رأيت أحدا قط أورع منه في علمه ~~حن، وهو التحقيق، ويوافقه قول شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: (رجاله ~~رجال الصحيح الا عبد السلام الهروي فإنه ضعيف عندهم) اه ~~وسبقه إلى آخر كلامه كلام الحافظ العلائي، فقال عن الهروي : (هذذا تكلموا فيه ~~كثيرا) اه ~~ويعارض ذلك تصويب أبي زرعة على حديثه، ونقل الحاكم عن يحى بن معين : ~~أنه وثقه فثبت آنه حسن مقارب للصحيح؛ لما علمت من قول ابن حجر: إن رواته ~~كلهم رواة الصحيح إلا الهروي، وإن الهروي وثقه جماعة وضعفه آخرون ~~ضعيف، أي: بناء على رأي من ضعف الهروي ~~موضوع، وعليه كثيرون أئمة حفاظ، كالقزويني وابن الجوزي، وجزم ببطلان ~~جميع طرقه، والذهبي في " ميزانه "(2) وغيره، وهنؤلاء وإن كانوا أئمة أجلاء للكنهم ~~تساهلوا تساهلا كثيرا كما علم مما قررته، وكيف ساغ الحكم بالوضع مع ما تقرر أن ~~رجاله كلهم رجال الصحيح إلا واحدا فمختلف فيه ؟! ويجب تأويل كلام القائلين ~~بالوضع بأن ذلك لبعض طرقه لا كلها : ~~وما أحسن قول بعض الحفاظ في آبي معاوية أحد رواته المتكلم فيهم بما ~~لا يسمع: (هو ثقة مأمون من كبار المشايخ وحفاظهم، وقد تفرد به عن الأعمش ~~فكان شاذا، وأي استحالة في أنه صلى الله عليه وسلم يقول مثل هلذا في حق علي ؟!) ~~وقول بعض المحققين : (وتمسك الشيعة بهاذا الحديث على أن أخذ العلم والحكمة ~~مختص بعلي لا يتجاوزه إلى غيره إلا بواسطته ؛ لأن الدار إنما يدخل إليها من بابها، ~~ولا حجة لهم فيه؛ إذ ليس دار الجنة بأوسع من دار الحكمة، ولها ثمانية أبواب) اه ~~(1) المجموع (297/3). # (2) ميزان الاعتدال في نقد الرجال (415/1). PageV00P518 # ============================================================ ~~وفي حديث عند الواحدي للكنه ضعيف : " وعلي بابها، وأبو بكر مخرابها..." ~~الحديث ~~واحتج بعض من لا تحقيق عنده على الشيعة بأن (علي) اسم فاعل ms467 من العلو ؛ ~~أي: علي بابها، فلا ينال لكل أحد، وهو بالسفساف أشبه، لا سيما وفي رواية ~~رواها ابن عبد البر في " إستيعابه " : " أنا مدينة العلم وعلي بائها ، فمن أراد العلم.. # فليأته من بابه "(1) إذ مع تحديق النظر في هلذه الرواية لا يبقى تردد في بطلان ذلك ~~الرأي فاستفد هذا. # وعلم مما قدمته: أنه الحقيق بالخلافة بعد الأئمة الثلاثة بالإجماع، ولا اكتراث ~~ولا التفات إلى من زعم أنه لا إجماع على خلافته: ~~وهو أول من أسلم، قال بعض الحفاظ : إجماعا - أي: من الصبيان - واعتد ~~بإسلامه حينئذ؛ لأن الإسلام إذ ذاك كان منوطا بالتمييز، ولم يعبد وثنا قط، ومن ثم ~~اختص با كرم الله وجهه)، وألحق به الصديق في ذلك، وآخاه النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وزوجه فاطمة بالوحي، وهو أحد العلماء الربانيين، والشجعان ~~المشهورين، والزهاد والخطباء المعروفين، وحفظ القرآن، وعرضه عليى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، واختلى بعد موته صلى الله عليه وسلم(2)، فكتب كتابا فيه ~~العلوم الجمة، حتى قال ابن سيرين : لو ظفرت بذلك الكتاب.. لظفرت بالعلم كله: ~~ولما هاجر صلى الله عليه وسلم.. آمره آن يقيم بعده بمكة حتى يؤدي عنه ودائعه، ~~ثم يلحقه بأهله، ففعل، وأرسله صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة - وكان الأمير ~~فيها على الحج أبا بكر رضي الله تعالى عنه - فأذن في الناس بالموسم بمنى بل سورة ~~براءة) لأن العرب لا يعتدون بما يجيء على لسان الكبير إلا إذا كان الرسول فيه من ~~أهله، ومن ثم جاء في حديث رجاله ثقات إلا واحدا فمختلف فيه : آنه صلى الله عليه ~~وسلم خطب يوما وهو محاصر الطائف عقب فتح مكة فقال : " أوصيكم بعثرتي خيرا، ~~وإن مؤعدكم الحوض ، وألذي نفسي بيده لتقيمن الصلاة ، ولتؤتن الزكاة ، أو لأ بعثن ~~(1) الاستيعاب (28/3) وهو بدون سند ~~(2) في (1) : (قبل موته). PageV00P519 # ============================================================ ~~إليكم رجلا مني - أو : كتفسي - يضرب أعناقكم" ثم أخذ بيد علي وقال : 1هو ~~هذذا". # وشهد معه صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها، وكان له فيها اليد البيضياء إلا ~~تبوك ؛ لأنه ms468 استخلفه على المدينة ، وقال له لما قال له حينئذ : أتخلفني مع النساء ~~والصبيان ؟ : " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي ~~بعدي؟"(1) ~~وبكونه إنما قال له ذلك حينيذ بطل تمسك الشيعة به : على آنه الخليفة المقدم على ~~الكل، على أن هارون مات في حياة موسى صلى الله عليه وسلم، فلا دليل فيه ~~للخلافة بعد الموت أصلا. # توفي كرم الله وجهه شهيدا عن ثلاث وستين سنة، ضربه اللعين عبد الرحمن بن ~~ملجم بسيف مسموم في جبهته فأوصله دماغه ليلة الجمعة سابع عشر رمضان سنة ~~أربعين وهو خارج الى صلاة الصبح بعد أن استيقظ سحرا وقال للحسن رضي الله عنه : ~~إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة، فشكا إليه ما لقي، وقال له : ادع لي، ~~فدعا له أن يبدله خيرا منهم ، وأنهم يبدلون شرا منه، واكثر تلك الليلة من الخروج ~~والنظر إلى السماء وهو يقول : والله ما كذبت ولا كذبت، وإنها الليلة التي وعدت، ~~وكان عنده إوز، فلما خرج إلى الصلاة.. صخن عليه، فطردن عنه، فقال: ~~دعوهن؛ فإنهن نوائح ~~وقيل: لم يمت إلا ليلة الأحد، وله أسوة بالخليفتين قبله عمر وعثمان رضي الله ~~عنهم؛ فان كلأ منهما قتل شهيدا مظلوما ~~أما عمر رضي الله عنه. فقتله مجوسي عبد للمغيرة بن شعبة؛ لكونه شكا إليه ثقل ~~خراجه فلم يشكه؛ لعلمه بقدرته عليه وزيادة؛ لكثرة صنائعه، فكمن له إلى آن ضربه ~~بخجر صنعه له وهو في ثاني ركعة من صلاة الصبح يصلي بالمسلمين، ومن تمام ~~سعادته دفته مع النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه أرسل ولده بعد أن طعن يستأذن عائشة ~~() أخرجه البخاري (4416)، ومسلم (2404). PageV00P520 # ============================================================ ~~في ذلك، ققالت : كنت أعددت هلذا المكان لنفسي، ولأوثرنه به، فاشتد فرحه ~~بذلك: ~~وأما عثمان رضي الله عنه . . فاجتمع على قتله أوباش أربعة آلاف (1)، مجمعون من ~~مصر وغيرها، فحاصروه إلى أن قتلوه في أوسط أيام التشريق والمصحف بين يديه، ~~سنة خمس وثلاثين وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وقيل: اكثر، وقيل: أقل؛ توهما ~~منهم ms469 آنه آراد قتل محمد بن آبي بكر رضي الله عنهما، وهو بريء من ذلك، وإنما ~~افتعله بعض أهله، وكان الصحابة رضي الله عنهم يمكنهم الدفع عنه ، لكنه منعهم من ~~أن يقاتلوا محاصريه لما قال له زيد بن ثابت رضي الله عنه : إن الأنصار بالباب ~~يقولون : إن شئت. كنا أنصارا لله - مرتين - فقال رضي الله عنه : لا حاجة لي في ~~ذلك، كفوا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي عهدا وأنا صابر عليه، ومن ~~ثم كان عنده في الدار مماليكه الكثيرون، فأرادوا : أن يمنعوا عنه، فقال : من أغمد ~~سيفه.. فهو حر؛ لأنه علم باخبار النبي صلى الله عليه وسلم أنه مقتول مظلوم، وأنه ~~على الهدى، وأنه لا مخلص له من القتل ، وأمره أن لا يعزل نفسه كما صح في ~~الحديث ، وهو : " يا عثمان ؛ إنك ستؤتى الخلافة من بغدي ، وسيريدك المنافقون ~~على خلعها، فلا تخلغها، وصم في ذلك أليؤم تفطر عندي "(2) كما مر ذلك في ~~الأحاديث ~~وصح: أن عثمان أشرف من كوة، فقال لعلي رضي الله عنه : يا أبا الحسن؛ ~~ما هذذا الذي ركب متني؟ فقال : اصبر يا أبا عبد الله؛ فوالله ما غبت عن قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كنا على أحد ، فتحرك الجبل ونحن عليه ، فقال ~~له : " أثبت أحد ؛ فإنه ليس عليك إلأ نبي أو صديق أو شهيد " وايم الله لتقتلن ، ~~ولأقتلن- أي : بعدك - وليقتلن طلحة والزبير. # تبيه: ورد في مناقب علي رضي الله عنه حديث كثر كلام الحفاظ فيه، فأردت أن ~~(1) الأوباش: الأخلاط من الناس يكونون من قبائل شتى ، وهو جمع مقلوب لا بؤش) وهم : ~~الجماعة الكثيرة ~~(2) أخرجه ابن عدي في الكامل" (3/ 27)، وفيه أبو الرحال، قال عنه ابن عدي: (وهو ~~قليل الحديث ، وفي حديثه بعض النكر) PageV00P521 ~~============================================================ ~~الخص المعتمد فيه، ولفظه عن أنس : كان عند النبي صلى الله عليه وسلم طير، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : أللهم؛ أثتني باحب خلقك إليك ياكل معي هذذا ~~الطير ، فجاء علي فأكل" رواه الترمذي (1) . # والمعتمد عند محققي الحفاظ: ms470 أنه ليس بموضوع، بل له طرق كثيرة، قال ~~الحاكم في " المستدرك " : (رواه عن أنس أكثر من ثلاثين نفسا) اه (2) ~~وحيتذ: فيتقوى كل من تلك الطرق بمثله، ويصير سنده حسنأ لغيره، ~~والمحققون أيضأ : على أن الحسن لغيره يحتج به كالحسن لذاته، ومن جملة طرقه ~~طريق رواتها كلهم ثقات إلا واحدا، قال بعض الحفاظ: لم آر من وثقه ولا من ~~جرحه، وطريق أخرى رواتها كلهم ثقات أيضا إلا واحدا، قال النسائي فيه : ليس ~~بالقوي، وهو معارض بأن غير واحد وثقه، وذكر الحاكم: آنه صح عن علي وأبي ~~سعيد وسفينة، لكن تساهله في التصحيح معلوم، فالحق ما سبق: أن كثرة طرقه ~~صيرته حسنا يحتج به ، ولكثرتها جدا خرج الحافظ أبو بكر بن مردويه فيها جزءا. # وأما قول بعضهم: إنه موضوع، وقول ابن طاهر : طرقه كلها باطلة معلولة. # فهو الباطل، وابن طاهر معروف بالغلو الفاحش، وابن الجوزي مع تساهله في الحكم ~~بالوضع - كما هو معلوم - ذكر في كتابه " العلل المتناهية " له طرقا كثيرة واهية (3) ، ~~ولذلك لم يذكره في * موضوعاته". # فالحق ما تقرر أولا: أنه حسن يحتج به، على آنه لا يلزم عليه محذور؛ لأنه ~~مؤول قطعا، وإلا. لاقتضى أنه أحب إلى ربه من نبيه صلى الله عليه وسلم، فهو عام ~~مخصوص، وقد صح في الأحاديث جملة مستكثرة تخرج الثلاثة عنه أيضا فاستفد ~~ذلك كله؛ فإنه مهم ~~تنبيه آخر: مما كثر الاختلاف فيه: أهو موضوع أو لا ؟ حديث: ليا علي؛ لا ~~(1) الترمذي (3721). # (2) المستدرك (3/ 31) ~~(3) ذكر له ستة عشر طريقا، اتظر" العلل المتناهية "(229/1) PageV00P522 ~~============================================================ ~~يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك "(1) ومعنى (يجنب فيه) هنا : ~~يمكث فيه جنبأ، ويتعين آنه مراد من عبر ب ( يستطرقه جنبا) لأن الاستطراق بظاهره ~~حلال، فلا خصوصية فيه لأحد، ثم هذا الحديث كثر الاختلاف في سنده أيضا، ~~فقال بعض الحفاظ: إنه موضوع، وبعضهم كالحافظ العلائي: ضعيف لا ينتهي إلى ~~الوضع، وقال الترمذي: إنه حسن، للكن اشتد إنكار الحفاظ عليه في تحسينه له بأن ~~فيه ثلاثة ضعفاء وكل منهم شيعي، وثلاثة متهمين ms471 بالكذب. # قيل: ومما يدل على نكارة هذذا الحديث: آنه صلى الله عليه وسلم لم يختص عن ~~الأمة بشيء من الرخص مما يقتضي تعظيم حرماته والقيام بإجلاله أصلا، وإنما كان ~~ترخصه في الأمور الدنيوية، كإباحة ما وراء الأربع في النكاح ونحو ذلك، فلم يكن ~~صلى الله عليه وسلم يترخص عنهم باباحة الجلوس في المسجد جنبا أبدا اه ~~ومال الحافظ ابن حجر إلى تحسين الترمذي بأن له شاهدا عند البزار رواته ثقات ، ~~قال: والسبب في ذلك : أن بيت علي كان كبيته صلى الله عليه وسلم في كونه مجاورا ~~للممسجد وبابه منه، وقد صح من طرق: آته صلى الله عليه وسلم لما أمر بسد الأبواب ~~الشارعة في المسجد إلا باب علي. شق على بعض الصحابة، قأجابهم بعذر في ~~ذلك ~~ويباقي أضحابك المظهر التز تيب فينا تفضيلهم والولاء ~~(و) أقسم عليك (بياقي أصحابك) العشرة المبشرين بالجنة في الأحاديث ~~الحة ~~منها : أن عمر لما أن جعل الأمر شورى بين الستة.. أنكر عليه بأنهم ليسوا رضا، ~~فقال : ما عسى أن تقولوا في علي ؟ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول له : ~~"يذك في يدي، تذخل معي يؤم القيامة حيث أدخل" وذكر في عثمان حديث : " إنه ~~(1) أخرجه الترمذي (3727)، وأبو يعلى (1042)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ~~(140142 PageV00P523 ~~============================================================ ~~يؤم يموت تصلي عليه ملائكة السماء" وإن ذلك له خاصة ، وفي طلحة : أن رحل ~~النبي صلى الله عليه وسلم سقط في ليلة ، فقال : 9 من يسؤي لي رخلي وهو في ~~ألجنة؟" فبدر طلحة فسواه له ، فقال : "يا طلحة ؛ هلذا جبريل يقريك السلام ~~ويقول : أنا معك في أهوال يؤم القيامة حتى أنجيك منها" . # وذكر في الزبير: أنه جلس يذب عن وجه النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم حتى ~~استيقظ، فقال له : " يا أبا عبد الله؛ لم تزل؟ " قال : لم أزل بأبي أنت وأمي، ~~قال : " هلذا جبريل يقرئك السلام ويقول : أنا معك يؤم القيامة حتى أذب عن وجهك ~~شرر جهنم ". وذكر في سعد بن أبي وقاص: أنه صلى الله عليه وسلم قال ms472 فيه يوم بدر ~~وقد أوتر قوسه أربع عشرة مرة يدفعها إليه : "فذاك أبي وأمي" ~~وذكر في عبد الرحمن بن عوف : أن الحسنين اشتد بكاؤهما جوعا، فقال ~~صلى الله عليه وسلم : "من يصلنا بشيء ؟ " فطلع عبد الرحمن بن عوف بصحفة فيها ~~رغيفان بينهما إهالة، فقال صلى الله عليه وسلم له : " كفاك الله أمر دنياك، وأما أمر ~~آخرتك.. فأنا لها ضامن "(1). # ومنها : أن حراء لما ارتج وعليه الخلفاء الأربعة وطلحة والزبير وابن عوف وسعد ~~وسعيد رضي الله عنهم : قال له صلى الله عليه وسلم : " أشكن حراء؛ فما عليك إلآ ~~ني أو صديق أو شهيد". # ومنها من رواية سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل : " أبو بكر في الجنة ، وعمر في ~~الجنة ، وعنمان في الجنة ، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة ، والزبير في الجنة ، ~~وعبد الرخمن بن عوف في الجنة ، وسعد بن أبي وقاصي في الجنة ، وتاسع المؤمنين ~~في الجنة " فنشدوه بالله عنه، فقال : أما إذا نشدتموني. فأنا تاسع المؤمنين في ~~الجنة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم العاشر، ثم قال : لموقف أحدهم مع ~~(1) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (3196)، وليس عنده قوله عن طلحة : "هذا جبريل ~~يقرئك.. آنجيك منها"، وليس عنده ذكر سعد بن آبي وقاص، وعند ذكر عبد الرحمن بن ~~عوف ذكر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جاع جوعا شديدا وليس فيه ذكر الحستين، وقد ~~ذكر الديلمي في الفردوس" هذذا الأثر في مواضع متفرقة والإهالة : ما ذاب من الدهن ~~والسمن، أو كل ما يؤتدم به ~~59 PageV00P524 ~~============================================================ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يغبر فيه وجهه.. أفضل من عمر أحدكم ولو عمر عمر ~~نوح(1). # (المظهر) أي: المبين (الترتيب) بينهم من التبي صلى الله عليه وسلم، وهو ~~مفعول (فينا) أي: لنا (تفضيلهم) على حسب مراتبهم التي بينها مشرفهم صلى الله ~~عليه وسلم، وهو فاعله، وعكس ذلك الشارح، والأول أظهر (و) المظهر ذلك ~~بينهم لنا أيضا ( الولاء) أي : الموالاة والمناصرة الواجبة علينا لهم بحسب مراتبهم، ~~ومن ثم سثل بعض محققي المتأخرين عن محبة الخلفاء ms473 الأربعة : هل تجب آن تكون ~~على حسب فضلهم؟ فقال: محبتهم من حيث الدين والقرب إلى الله تعالى ورسوله ~~يجب آن تكون بحسب فضلهم، ومن حيث نحو قرابة أو إحسان لا تجب أن تكون ~~كذلك، وما قاله في الخلفاء الأربعة يأتي في بقية الصحابة رضوان الله عليهم ~~اا د ~~طلحة الخير المرتضيه رفيقا واحسدا يؤم فرت الوفقاء ~~(طلحة) بن عبيد الله القرشي التيمي(2)، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ~~وأحد الثمانية السابقين إلى الإسلام، وأحد الستة أصحاب الشورى في أمر الخلافة بعد ~~عمر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضي، وأحد الخمسة الذين ~~أسلموا على يد آبي بكر؛ لكونه السبب في إسلامهم، وسماه النبي صلى الله عليه ~~وسلم: طلحة (الخير) وطلحة الفياض، وطلحة الجود، فكان غاية فيه بحيث باع ~~أرضأ له بسبع مثة آلف، فباتت عنده، فلم ينم مخافة من حسابها، فأصبح ~~ففرقها، وفي رواية: ففرقها في ليلته على فقراء المدينة (3). # وجاءه رحم له يسأله برحمه، فأعطاه ثلاث مثة ألف، وكان مغله بالعراق في كل ~~سنة أربع مثة ألف، وكان يكفي ضعفاء قومه وقوم آبي بكر بني تيم، ويقضي ديونهم، ~~(1) أخرجه الضياء في " المختارة "(1083)، وأحمد (187/1)، وأبو نعيم في " الحلية" ~~(2) في السخ: (اين عبد الله)، والمثبت من "الإستيعاب" (210/2)، و" الإصابة" ~~(3) الطبقات الكبرى (220/3). PageV00P525 # ============================================================ ~~ويرسل إلى عائشة رضي الله عنها في كل سنة عشرة آلاف درهم(1)، وتصدق في يوم ~~بمثة ألف، ثم لم يجد ثوبا يذهب فيه إلى المسجد يصلي فيه، وهو وإن لم يشهد ~~بدرا.. فقد جعله صلى الله عليه وسلم كمن شهدها أجرا وسهما، قيل : لأنه كان ~~بالشام لتجارة، والصحيح: أنه صلى الله عليه وسلم آرسله هو وسعيد بن زيد ~~رضي الله تعالى عنهما للتجسس عن خبر عير قريش، وخرجا لبدر فرجعا الى المدينة، ~~فوافياه منصرفه من بدر ~~وصح : أنه صلى الله عليه وسلم أقبل عليه وعلى الزبير وقال : "يا طلحة ويا ~~زبيز؛ إن لكل نبي حواري ، وأنتما حواري"(2) أي : ناصراي ، وأن الخلفاء الأربعة ~~وطلحة والزبير ms474 وابن عوف وسعدا وسعيدا كانوا أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~القتال، وخلفه في الصلاة في الصف الأول، وليس أحد من المهاجرين والأنصار يقوم ~~مقام واحد منهم غاب آو شهد. # (المرتضيه) أي : الذي ارتضاه النبي صلى الله عليه وسلم: ~~وما جرى عليه الناظم من إضافة اسم الفاعل إلى معموله الضمير العائد على (أل) ~~المقترنة به. . هو الأصح، نحو: الضارب الرجل والساقيه، ومنع المبرد هذذه ~~الصورة، وأوجب النصب؛ أي : لئلا يلزم عليه اجتماع أداتي تعريف، ويرده: أن ~~اضافة الصفة إلى معمولها لا تفيد تعريفا، بل تخفيفا، قالوا : فمن ثم جاز اقتران هذذا ~~المضاف دون غيره ب (أل) إن كان مثنى أو جمعا على حده، كالضاربا زيد، ~~والضاربو زيد، أو أضيف لمعرف ب (أل) تحو: الضارب الرجل، أو المضاف ~~إليه، كالقاصد باب الكريم، أو إلى ضمير هي مرجعه كما هنا: ~~ومن قال : التقدير: الذي ارتضى هو النبي صلى الله عليه وسلم. فقد وهم ~~لامتناع الإضافة حيئذ؛ لأنها ليست إلى ضمير مرجعه (أل) فتنبه له. # (رفيقا واحدا) هو ما في اكثر النسخ ، وفي نسخة : (أحد) وهو الفاعل؛ أي : ~~الذي ارتضاه أحد رفيقا، ففيه إسناد مجازي، وفي أخرى : (أحدا)، وهو على نزع ~~(1) انظر " الطبقات الكبرى" (3/ 221). # (2) اخرجه البزار (3343). PageV00P526 # ============================================================ ~~الخافض؛ أي : في أحد (يوم) ظرف لاسم الفاعل، وقول الشارح : (إنه بدل من ~~أحد) أي: بناء على النسخة الثانية. . بعيد (فرت الرفقاء) عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وهو يوم آحد، وفيه ك (سعد) و(سعيد)، و(الأمانة) و(الأمناء)، ~~و(تمسكت) و(استمسكت)، و(انطوت) و(انطواء)، و( أغثنا) و(الغوث) ~~و(الغيث) الاتيات.. جناس الاشتقاق أو شبهه ~~وفي ذكر (واحدا) في اكثر النسخ.. نظر، بل المنقول في السير وغيرها : أن ~~الذين ثبتوا مع النبي صلى الله عليه وسلم لما انكشف عنه الناس أربعة عشر، سبعة من ~~المهاجرين، وسبعة من الأنصار. # وفي "البخاري" : لم يبق معه صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلاة(1)، للكن ~~ظاهر كلام بعض أهل السير : أن طلحة وقع له بعد ذلك انفراد معه صلى الله عليه ~~وسلم، ثم ms475 تتابعت بعده الناس، فإنه قال: (وكانت لطلحة اليد البيضاء يوم أحد، ~~وقى النبي صلى الله عليه وسلم يوميذ لما ضرب بالسيف فشج وجهه بيده، فشلت ~~واستمرت شلاء)(2) ~~وكان الصديق رضي الله عنه إذا حدث عن يوم أحد.. بكى وقال : ذلك كله ~~لطلحة، وقد قال صلى الله عليه وسلم يومئذ : "أوجب طلحة" أي: وجبت له ~~الجنة، وذلك آنه صلى الله عليه وسلم كان قد ظاهر بين درعين، قأراد أن ينهض وهما ~~عليه ليصعد صخرة هنالك فما استطاع، فبرك له طلحة رضي الله عنه، فصعد على ~~ظهره واستوى على الصخرة، فقال صلى الله عليه وسلم : " أوجب طلحة "(3) وثبت ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ، وبايعه على الموت، ووقاه بنفسه. # وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : قال أبو بكر : كنت أول من جاء يوم أحد، ~~فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي عبيدة ابن الجراح : " عليكما ~~بصاحبكما " يريد: طلحة وقد نزف، فأصلحنا من شأن رسول الله صلى الله عليه ~~(1) البخاري (3039). # (2) القائل هو الحافظ ابن كثير في " البداية والنهاية "(264/7) ~~(3) أخرجه ابن حبان (6979) ، والحاكم (25/3)، والترمذي (1692). PageV00P527 # ============================================================ ~~وسلم، ثم آتينا طلحة، فإذا به بضع وسبعون أو اقل أو اكثر ما بين طعنة وضربة ~~ورمية، وإذا قد انقطعت إصبعه، فأصلحنا من شأنه (1). # ثم رأيت حديثا صحيحا مصرحا بما في النظم على نسخة : (واحدا)، وهو : ~~" ولقذ رأيتني يؤم أحد وما في الأزض قربي مخلوق غير جبريل عن يميني وطلحة عن ~~يساري "(4) ولما رجع صلى الله عليه وسلم من أحد.. صعد المنبر، فحمد الله وأثنى ~~عليه ، ثم قرأ : { من الثؤمنين رجال صدقوا . الآية ، فقيل : يا رسول الله ؛ من ~~هلؤلاء؟ فقال : "هلذا منهم" وأشار إلى طلحة رضي الله عنه (3). # وصح عند الحاكم - للكن بوزع فيه - : " من أراد أن ينظر إلى شهيد يفشي على ~~وجه الأرض .. فلينظر إلى طلحة بن عبيد ألله "(4) ، وصح أيضا : " طلحة والزبير ~~جاراي في الجنة"(5). # وكان رجل يقع فيه وفي الزبير بحضرة سعد بن أبي وقاص، فينهاه فيأبن، فصلى ~~ثم دعا عليه ms476 : أنه إن كان مبطلا.. يريه الله فيه آية، ويجعله للناس عبرة، فخرج فإذا ~~مل هائج شق الناس فأخذه وهرسه بيديه ورجليه حتى قتله. قال سعيد بن المسيب : ~~فأنا رأيت الناس يتبعون سعدا ويقولون : هنيئا لك يا أبا إسحاق؛ أجيبت دعوتك (2). # وكان خرج هو والزبير على علي رضي الله تعالى عنهم، فاجتمع بهما يوم الجمل، ~~فروى للزبير ما يأتي، ووعظ طلحة، فتأخر ووقف في بعض الصفوف، فجاءه سهم ~~في ركبته فقتله في جمادى الاخرة سنة ست وثلاثين عن آربع وستين سنة على الأشهر، ~~ودفن بالبصرة، وجاعه علي، فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: رحمة الله ~~عليك أبا محمد؛ يعز علي أن أراك مجدلا(9) ~~(1) أخرجه ابن حبان (2980) ~~(2) أخرجه الحاكم (378/3)، والطبراني في " الاوسط" (5812) ~~() أخرجه الحاكم (376/3) بنحوه ~~4)المستدرك (376/3) ~~(5) أخرجه الحاكم (364/3)، والترمذي (3741)، والبزار (818)، وأبو يعلى (515) ~~(2) ذكره الذهبي في * سير أعلام النبلاء* (116/1). # (7) اي: صريعا. # 59 PageV00P528 ~~============================================================ ~~اداا : ~~وحواريك البير أبي القز م الذي انجبث به أشماه ~~~~(وحواريك) أي : ناصرك (الزبير) بن العوام القرشي، وأمه صفية عمة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد الثمانية السابقين، والستة أصحاب ~~الشورى، والعشرة المبشرين بالجنة، والشجعان المشهورين، لم يلحقه- كحمزة ~~وعلي- أحد في الشجاعة والفروسية، ولذلك لما كان يوم بدر.. اعتم بعمامة ~~صفراء، فنزلت الملائكة بعمائم صفر، وهو أول من سل سيفا في سبيل الله؛ لأنه ~~ع: أخذ محمد صلى الله عليه وسلم، فخرج يشق الناس بسيفه فلقيه النبي ~~صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة، فقال له : " مالك ؟ " قال: أخبرت أنك أخذت، ~~فصلى عليه، ودعا له ولسيفه (1) ~~شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفتح اليرموك، وكانت له ~~فيها اليد البيضاء، والهمة العلياء، اخترق صفوف الروم مرتين من أولهم إلىن آخرهم، ~~وفتح مصر مع عمرو بن العاصي ~~وصح: أنه لما اشتد الخوف يوم الأحزاب،. ندب صلى الله عليه وسلم من يأتيه ~~بخبر عصيان بني قريظة، فقال: أنا، فأعاد، فقال: أنا، فأعاد، فقال : أنا، فقال ~~صلى الله عليه وسلم : " إن لكل نبي حواري وحواري الزبير"(2) ms477 . # وجمع له صلى الله عليه وسلم بين أبويه فقال : "آزم فداك أبي وأمي"(3). # وصح عن عثمان أنه قيل له وهو محصور: لو استخلفت؟ قال : لعلهم قالوا : ~~الزبير؟ قيل: نعم، قال: أما والله إنه لخيرهم ما علمت، وإنه كان لأحبهم إلى ~~(1) اخرجه البيهقي في " السنن الكبرى" (6/ 367)، وعبد الرزاق في * المصنف * (9647) ~~وأبو نعيم في الحلية *(89/1) ~~(2) أخرجه البخاري (4113)، ومسلم (2415). # (3) أحرجه البخاري (4055)، ومسلم (42/2412). PageV00P529 # ============================================================ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم (1)، وفي رواية صحيحة : أما والله إنكم لتعلمون أنه ~~خيركم، ثلائا. # وكان له ألف عبد يؤدون إليه الخراج في كل يوم، فيتصدق به في مجلسه ولا يقوم ~~بدرهم ~~وكان مع الخارجين على علي يوم الجمل، فلما دنت الصفوف.. خرج علي وهو ~~على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنادى : ادعوا لي الزبير، فدعي له، فأقبل ~~حتى اختلفت أعناق دوابهما، فقال له: نشدتك بالله، أتذكر يوم مر بك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ونحن في مكان كذا وكذا فقال : "يا زبير؛ تحب عليا؟" ~~فقلت : ألا أحب ابن خالي وابن عمتي وعلى ديني ؟! فقال : 9 يا زبير ؛ أما وآلله ~~ليقاتلنه وأنت ظالم له ؟" فقال : بلى ، والله لقد نسيته منذ سمعته من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ثم ذكرته الآن، والله لا أقاتلك، ثم أدبر راجعا، فقال له ولده ~~عبد الله: ما لك؟ فذكر له القصة، فقال : لم تجىء للقتال، بل لتصلح بين الناس، ~~فابى (2). # وفي رواية: أنه قال له: جبنا جبنا، فقال : قد علم الناس آني لست بجبان، ~~وللكن ذكرني حديثا فحلفت أن لا أقاتله . # وفي رواية: آن سبب رجوعه: أنه قال لأصحاب علي: أفيكم عمار بن ياسر؟ # قالوا: نعم، فأغمد سيفه وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~لعمار : "ستقتلك الفعة الباغية"(3). # ولا مانع : أنه قال ذلك، ثم ذكره علي الحديث زيادة في إعلامه. # ثم سار، فلما وصل وادي السباع.. نام، فجاء رجل فقتله في جمادى الأولى سنة ~~ست وثلاثين وعمره سبع وستون سنة على الأشهر، وقبل ان يجتمع بعلي ms478 قال لابنه ~~عبد الله: ما أراني إلا سأقتل اليوم مظلوما، ثم اكد عليه في أن يبيع أمواله، ويقضي ~~(1) أخرجه البخاري (3717)، وأحمد (14/1). # (2) أخرجه الحاكم (366/3) مختصرا ، والطبري في * التاريخ * (501/4) بنحوه. # (3) اخرجه البخاري (447)، ومسلم (2916). PageV00P530 # ============================================================ ~~دينه من أرضين له، منها الغابة، وبضع عشرة دارا، وقدر دينه الفا ألف ومئتا ألف، ~~وما ولي إمارة قط، ولا جباية ولا خراجا ولا شيئا، وما خلف درهما ولا دينارا، ~~فباع ابنه ماله، ثم قال : من كان له عليه دين.. فليأتنا نقض ما عليه، ثم أقام آربع ~~سنين ينادي كل موسم: من له عليه شيء.. فليأتنا، فلما لم يأت أحد.. أخرج ثلث ~~ماله؛ لأنه أوصى به، ثم قسم الباقي بين ورثته، وكان له أربع نسوة، فأصاب كلا ~~منهن ألف آلف ومئتا آلف، فجميع ماله خمسون ألف آلف ومئتا آلف، وهذذا ملخص ~~ما في " صحيح البخاري"(1). # للكن اعترض بأن الصحيح : أن الذي تركه مما وفى الدين والوصية وما ورث عنه ~~تسعة وخمسون ألف ألف وثمان مئة ألف: ~~وكان له صدقات كثيرة، ومكارم جليلة، وماله كله حلال صرف، كذا قيل، ~~ولا حاجة إليه، بل أغنياء الصحابة كلهم كذلك؛ لأن أموالهم إما: من سلب، أو ~~سهم من الغنيمة، أو الفيء، أو تجارة مبرورة. # وأوصى إليه سبعون من الصحابة بأولادهم وأموالهم فحفظها، وكان ينفق علن ~~أولادهم من ماله. # (من الطويل] ~~ومن مدح حسان فيه : ~~فكم كزبة ذب الزبير بسيفه عن المضطفى والله يغطي ويجزل ~~فما مثله فيهم ولا كان قبله وليس يكون الدهر ما دام يذيل (2) ~~تتاؤك خير من فعال معاشي وفغلك يا أبن الهاشمية أفضل(3) ~~(أبي القرم) بفتح القاف وسكون الراء ؛ أي : السيد الكريم عبد الله أبي خبيب ابن ~~بنت أبي بكر (الذي أنجبت) أي : أتت (به) في غاية النجابة والشجاعة، والرأي ~~الحازم، والتصرف الصائب (أسماء) بنت أبي بكر الصديق ذات النطاقين بعد عشرين ~~شهرا من الهجرة بالمدينة، وكان أول مولود بعد الهجرة، واشتد فرح المهاجرين به ؛ ~~(1) رقم الحديث (3129). # (2) بذبل: اسم جبل في نجد. # (3) ديوان حسان رضي الله عنه ms479 (433/1 - 434). # 54 PageV00P531 ~~============================================================ ~~لأن اليهود توعدوهم أنهم عملوا لهم ما أبطل نسلهم فلا يأتيهم ولد، فلما ولد.. بان ~~ذبهم ~~ولما احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم. . أعطاه دمه وقال : " غينه في مؤضع ~~لا يراك فيه أحد " فلما جاء إليه. . قال : 0 ما فعلت بألدم 4 " قال : شربته ، قال : ~~1 إذا لا تلج النار بطنك ، ويل لك من ألناس ، وويل للناس منك "(1) فكان كذلك : ~~لأنه سعىن في الخلافة لما مات يزيد سنة أربع وستين، فأطاعه أهل اليمن والحجاز ~~والعراق وخراسان، ثم هدم الكعبة ؛ لتهدمها وسماعه من خالته عائشة ما روته له عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم : " لؤلا أن قريشا حديثو عهد بكفر.. لهدمت الكعبة ~~وجعلتها على قواعد إبراهيم ، وفتخت بابها الغزبي ، وجعلت بابها الشرقي لاطيا ~~بألأرض كما كاتت في زمن إبراهيم "(2) فأعادها ابن الزبير كذلك بعد أن شاور ~~الصحابة، فمنهم من آمره بذلك، ومنهم من نهاه عنه، فلم يرجع إليه؛ لسماعه ~~الحديث المذكور، فكان أجر ذلك البناء باقيا له إلى أن يهدمها ذو السويقتين(3)، فإن ~~البناء الموجود الأن كله بناؤه إلا حائط الميزاب، فإن الحجاج لما حصره أول الحجة ~~سنة اثنتين وسبعين، وحج بالناس، ولم يزل محاصرا له إلى آن قتله سابع جمادى ~~الأولى سنة ثلاث وسبعين.. هدم ما كان أدخله ابن الزبير من الحجر - وهو ستة أذرع- ~~كما أدخله إبراهيم، وأخرج الستة، ثم آخر الجدار كما هو اليوم، وسد الباب ~~الغربي، وأعلى الباب الشرقي، لتصير كما كانت في زمنه صلى الله عليه وسلم؛ لأن ~~قريشأ لما بنتها حينئذ.. قصر بهم المال الحلال عن آن يجعلوها كما كانت في زمن ~~ابراهيم، فجعلوها كذلك ~~وكان ابن الزبير صواما يواصل الخمسة عشر يوما وأكثر، قواما، أطلس لا لحية ~~له، من دهاة العرب المشهورين، وشجعانهم الموصوفين، وأحد العبادلة الأربعة ~~المتقاربين سنأ وعلما، وذكاء وفهما، والثلاثة : عبد الله بن عباس، وعبد الله بن ~~(1) اخرجه الضياء في " المختارة " (267)، والحاكم (554/3) ~~(2) أخرجه البخاري (1583)، ومسلم (1333) بنحوه. # (3) السويقتان: تشية سويقة تصغير ساق؛ لأنه دقيق الساقين، وحديث هدمه للكعبة عتد ms480 ~~البخاري (1591)، ومسلم (2909). # 598 PageV00P532 ~~============================================================ ~~عمر وعبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنهم، وليس منهم عبد الله بن مسعود ~~رضي الله عنه ، لأنه كان أكبر منهم سنأ، فليس في طبقتهم ~~والصفيين توام الفضل سعد وسعيد إن عدت الأضفياء: ~~(والصفيين) تثنية صفي، وهو المصفى المستخلص من الحظوظ والشهوات ~~(توأم الفضل) من : أتأمت المرأة ولدت اثنين؛ أي : أن الفضل أنتجهما؛ لكثرة ~~ما قام بهما منه، ولو قال : توأما الفضل. كان أوضح، ومعناه حينئذ: أنهما لما ~~اشتركا في الفضائل الجليلة.. صارا كأنهما مولودان في حمل واحد (سعد) أبي ~~إسحاق بن أبي وقاص مالك القرشي الزهري، وهو أحد الستة أصحاب الشورى، ~~والثمانية السابقين إلى الإسلام، بل هو الثالث إلى الإسلام، وأقام كذلك سبعة أيام، ~~وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، والشجعان المشهورين، وهو أول من رمى بسهم ~~في سبيل الله، وأول من أراق دما في سبيل الله ، ومن كان يقال له : فارس الإسلام ، ~~شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورمى يوم أحد ألف سهم، ~~ولاه عمر العراق، فكان الأمير في فتح مدائن كسرى وغيرها. # ومن كراماته الظاهرة : أنه قطع بجيوشه البحر على ظهور الخيل، لم يبلغ الماء ~~منها إلى خزمها والناس في غاية الطمأنينة كأنهم سائرون في البر، وكان الذي يسايره ~~سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه، وكذلك ولاه عثمان ولايات جليلة، وكان ~~صلى الله عليه وسلم يناوله النبل يوم أحد ويقول : " أزم فداك أبي وأمي"(1) وأقبل ~~والنبي صلى الله عليه وسلم جالس مع أصحابه ، فقال : "هلذا سعد خالي، فليرني ~~أمرؤ خاله "(2) وقال له : " أجلسن يا خالي؛ فإن الخال والذ" ودعا له فقال : ~~"أللهم؛ سدد رميه ، وأجب دغوته "(2) وفي رواية صحيحة : " اللهم؛ أستجب ~~(1) أخرجه البخاري (4055)، ومسلم (42/2412). # (2) اخرجه الحاكم (498/3)، والترمذي (3752). # (3) أخرجه عبد الرزاق في * المصنف * (20423)، وأبو نعيم في " الحلية *(92/1) ~~599 PageV00P533 ~~============================================================ ~~لسغد إذا دعاك "(1) فلم تسقط له دعوة بعد ذلك ، فكان مجاب الدعوة ، وأشرف على ~~الموت، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه يعيش، فقال : " لعل الله أن يرفعك ~~فينتفع ms481 بك أقوام ويضر بك آخرون،(2). # اعتزل الفتنة بعد قتل عثمان، فلم يدخل فيها، ولم يحضر شيئا من تلك ~~الحروب، توفي رضي الله عنه بقصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، فحمل ~~اليها، وصلى عليه مروان بن الحكم وهو يومنذ والى بالمدينة، وصلى عليه أمهات ~~المؤمنين في حجرهن، ودفن بالبقيع سنة خمس وخمسين عن تسع وسبعين سنة، ~~وكان أوصى آن يكفن في جبة صوف لقي المشركين فيها يوم بدر، وقال : إنما كنت ~~أخبيها لذلك ، وهو آخر المهاجرين موتا. # وفي " مسلم " : أن آية : { ولا تطرد الدين يدغون رته نزلت في ستة، منهم سعد ~~واين مسعود(3). # (وسعيد) بن زيد بن عمرو بن نفيل القرشي العدوي، أحد العشرة المشهود لهم ~~بالجنة، شهد المشاهد كلها، وعده البخاري فيمن شهد بدرا(4)، ومر في ترجمة ~~طلحة: أنه لم يشهدها، وهذا ما عليه الأكثرون، وقد يجمع بأنه لم يشهدها حسا، ~~وشهدها حكمأ، أجرا وسهما، وهو ابن عم عمر، وزوج آخته، والسبب في إسلامه ~~كما مر، ولذلك لم يدخله في أهل الشورى كولده عبد الله ؛ لئلا يظن به أنه حابى ~~أقاربه. # وأخرج الشيخان : أن امرأة ادعت عليه عند مروان : أنه أخذ لها قطعة أرض) ~~فقال له : ما كنت لأفعل بعد أن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ل من ~~أخذ شبرا من أرضي ظلما.. طوقه من سبع أرضين " فقال مروان : لا أسألك بينة بعد ~~هذا، ثم قال سعيد: اللهم؛ إن كانت كاذبة.. فأعم بصرها، واقتلها في أرضها، ~~(1) أخرجه الترمذي (3751) ، والطبراني في " الأوسط، (4081). # (2) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى * (268/6)، وأحمد (172/1). # 3) مسلم (2413) ~~(4) البخاري (3991) PageV00P534 ~~============================================================ ~~فذهب بصرها، ويينما هي تمشي في آرضها.. وقعت في حفرة فماتت (1)، زاد ~~مسلم: أنها قالت: أصابتني دعوة سعيد، وفي رواية: آنه كان جارها بالعقيق، وأنه ~~أعطاها الذي ادعته به، ثم دعا عليها بما مر ~~توفي رضي الله عنه سنة خمسين عن بضع وسبعين سنة، ودفن بالمدينه، وأبوه ~~زيد توفي في الجاهلية ، لككن جاءت أحاديث تدل على أنه من أهل الجنة. # منها- للكنه مرسل - : " غفر الله عز ms482 وجل لزئد بن عمرو ورحمه "(2). # ومنها- وهو صحيح-: سثل صلى الله عليه وسلم عنه فقال : " يأتي يؤم القيامة ~~أمة وخده بثني وبئن عيسى "(3) ~~( إن عدت الأصفياء) فهذان من اكابرهم، كيف وفي اسميهما ما يشعر ببلوغهما ~~مرتبة عظمي من علو مراتب السعادة ؟!. # اهاد ~~ل ~~8 ~~اداتن عزب من مرن فنه الذد ما يلله تيلن انره ل ~~(و) عبد الرحمن (بن عوف) بن الحارث بن زهرة القرشي الزهري، أحد ~~الثمانية السابقين للإسلام، والستة أهل الشورى، والعشرة المبشرين بالجنة، ~~والخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر ~~وصح : أنه كان بينه وبين خالد شيء، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال : " لا تسبوا أصحابي ، فوألذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا.. ما ~~بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " أي : نصفه. # . وفي رواية الواقدي وابن عسباكر : " يا خالد ؛ ذروا لي أضحابي ، متى ينك أنف ~~ألمزء. ينك المرء ، ولؤ كان أحد ذهبا ينفقه قيراطا قيراطا في سبيل الله . . لم يذرك ~~(1) البخاري (3198)، ومسلم (1610/ 139). # (2) آخرجه ابن سعد في الطبقات "(3/ 381). # (3) أخرجه النسائي في * الكبرى" (8131)، وأبو يعلى (2047) PageV00P535 ~~============================================================ ~~غذوة ورؤحة من غدوات أؤ رؤحات عبد الرخمن"(1). # وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها، وكان ممن ثبت يوم أحد، ~~وبعثه صلى الله عليه وسلم إلى دومة الجندل إلى بني كلب، وعممه بيده الكريمة، ~~وسدلها بين كتفيه ، وقال : " إن فتح ألله عليك.. فتزوج آبنة ملكهم - أو قال - ~~شريفهم"(2) ففتح الله عليه ، وتزوج بنت شريفهم الأصبغ، قولدت له أبا سلمة: ~~وصح: أنه صلى الله عليه وسلم اثتم به في غزوة تبوك، فصلى وراءه ركعة من ~~صلاة الصبح (3)، وهذه منقبة لم توجد لصحابي غيره: ~~وسببها: آنه صلى الله عليه وسلم ذهب لحاجته، فأدركهم الوقت، فأقاموا ~~الصلاة، فتقدمهم عبد الرحمن رضي الله عنه، ولما أتم صلى الله عليه وسلم ما فاته ~~خلفه.. قال : 0 ما قبض نبئ حتى يصلي خلف رجل صالح من أمته "(4). # وائتم صلى الله عليه وسلم بأبي بكر أيضا، للكنه أخرج نفسه عن الإمامة بتأخره، ~~وقال لما قال له النبي ms483 صلى الله عليه وسلم : 8ما منعك أن تثبت وقد أشرت ~~إليك ؟ " : ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم(5). # فإن قلت : لم لم يفعل عبد الرحمن ذلك ؟ # قلت: الظاهر: أنه لم يعلم باقتدائه صلى الله عليه وسلم به، واقتدى صلى الله ~~عليه وسلم بجبريل عند باب الكعبة بجانبه من ناحية الحجر- بكسر الحاء المهملة ~~فصلى به الخمس مرتين في يومين: صبيحة الإسراء، والذي يليه ~~وكان رضي الله عنه كثير الإنفاق في سبيل الله، أعتق في يوم واحد أحدا وثلاثين ~~عبدا، حتى جاء : أن جملة ما أعتقه ثلاثون ألفا. # (1) "تاريخ دمشق "(234/16) ~~(2) أخرجه البخاري (4324)، ومسلم (2180) ~~3) اخرجه مسلم (274) ~~4) أخرجه ابن سعد في الطبقات " (3/ 128). # (5) أخرجه البخاري (684)، ومسلم (421) PageV00P536 ~~============================================================ ~~وفي حديث : " إنه أمين في آلسماء ، أمين في ألأزض "(1) . # وكان كثير المال، محظوظأ في التجارة، قال لأم سلمة : خفت أن تهلكني كثرة ~~مالي، فقالت : يا بني؛ أنفق. # قال الزهري: تصدق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بشطر ماله: أربعة ~~آلاف دينار، ثم أربعين آلف دينار، ثم بمثلها، ثم خمس مثة فرس، ثم خمس مثة ~~راحلة، وفي رواية: ألف وخمس مئة راحلة ~~وأوصى لأمهات المؤمنين بحديقة، فبيعت بأربع مئة آلف، وأوصى بخمسين ألف ~~دينار في سبيل الله، ولكل واحد ممن بقي ممن شهد بدرا بأريع مثة دينار، وكانوا ~~مثة، من جملتهم عثمان فأخذ مثة وهو أمير المؤمنين، وبألف فرس في سبيل الله ~~وكان أهل المدينة عيالا عليه: ثلث يقرضهم، وثلث يقضي ديونهم، وثلث ~~يصلهم، وقدمت له عير من الشام سبع مثة راحلة، فسمعت عائشة أصواتها، فروت ~~له حديث : "يدخل ابن عوف الجنة حبوا" فبلغه، فأتاها فحدثته ، فقال : أشهدك ~~أنها بأحمالها وأقتابها وأحلاسها في سبيل الله عز وجل (2). # وباع أرضأ من عثمان بأربعين آلف دينار، فقسمها في أقاربه بني زهرة، وفقراء ~~المسلمين، وأمهات المؤمنين ~~وروي : أنه صلى الله عليه وسلم قال له : " لن تذخل الجنة إلا زخفا ، فأقرض الله ~~عز وجل.. يطلق لك قدميك" قال : ما الذي أقرضه ؟ قال ms484 : " تتبرأ من كل مالك" ~~فهم بذلك، فأتاه جبريل فقال : مره فليضف الضيف، وليطعم المسكين، وليعط ~~السائل ، وليبدأ بمن يعول ، فإذا فعل ذلك . . كان كفارة لما هو فيه (3) ، والذي صح ~~في ذلك : " أتاني جبريل فقال : مر أبن عوف فليضف الضيف ، وليطعم المشكين ، ~~وليعط السائل ، وليبدأ بمن يعول ، فإذا فعل ذلك.. كان تزكية ما هو فيه ". # (1) اخرجه البزار (466). # (2) أخرجه أحمد (115/6) ، والطبراني في " الكبير"(129/1). # (3) أخرجه الحاكم (311/3)، والبزار (1005)، وأبو نعيم في* الحلية "(99/1). # 0 PageV00P537 ~~============================================================ ~~وفي حديث ابن عدي وغيره : " أنكخوا عبد الرخمن بن عوف ، فإنه من خيار ~~المسلمين "(1) ~~وروى آبو تعيم وغيره : أن رجلا لين الصوت قرأ عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فما بقي أحد إلا فاضت عينه غير عبد الرحمن بن عوف، فقال صلى الله عليه ~~وسلم : " إن لم تكن فاضت عينه.. فقد فاض قلبه "(2). # وفي حديث ضعيف : " أول من يدخل الجنة من أغنياء أمتي عبد الرخملن بن ~~عوف ، والذي نفس محمد بيده لن يذخلها إلا حبوا" وفي آخر رواه أحمد والطبراني : ~~" رأيت عبد الرخملن بن عوف يدخل الجنة حبوا"(2) ، وفي رواية لأحمد : " قذ رأيته ~~يدخل الجنة حبوا "(4) ، للكن ذكره ابن الجوزي في 0 الموضوعات "(5). # وفي رواية لابن سعد وابن عساكر : " كأني بعبد الرخملن بن عوف على الصراط ~~يميل مرة ويستقيم أخرى حتى يفلت ولم يكذ "(1)، للكن يعارض ذلك ما رواه ~~جماعة : أنه صلى الله عليه وسلم قال له : " كفاك ألله أمر دنياك، وأما أمر آخرتك.. # فأنا لها ضامن" وسببه : أن الحسنين اشتد بكاؤهما جوعا، فقال صلى الله عليه ~~وسلم : " من يصلنا بشيء ؟ " فأتاه بصحفة فيها حيس ورغيفان بينهما إهالة(7). # توفي رضي الله عنه عن اثنتين أو خمس وسبعين سنة، سنة اثنتين وثلاثين في خلافة ~~عثمان، وصلى عليه علي، وقيل: الزبير؛ لأنه كان هجر عثمان لما أمر أقاربه، ~~فقال الناس لابن عوف، هذا فعلك ؟! فدخل عليه ولامه وقال : إنما وليتك لتسير ~~بسيرة الشيخين، فقال : كان عمر يقطع أقاربه في الله، وأنا أصلهم في الله فنذر أن ~~لا يكلمه أبدا، ms485 وترك من الذهب ماجاء ربع ثمنه ثمانين ألف دينار. # (1) الكامل في ضعفاء الرجال (3/ 270) ~~(2) حلية الأولياء (100/1). # 2) المعجم الكبير (129/1) ~~4) مسند أحمد (115/1) ~~(5) الموضوعات (1/ 327) ~~(2) الطبقات الكبري (3/ 132)، وتاريخ دمشق (268/30) ~~() الحيس: تمر يخلط بالسمن والإهالة : ماذاب من الدهن والسمن، أو كل ما يؤتدم به PageV00P538 ~~============================================================ ~~ولما تقرر من كثرة إنفاقه وصدقاته ما له كثرة فيهما تفوق الحصر. . قال: ~~(من) بدل مما قبله (هونت نفسه الدنيا) أي: صيرت أموالها وأمتعتها رخيصة ~~عندها (ب) سبب (بذل) لها في وجوه الخيرات والقربات بذلا دائما مستمرا كثيرا، ~~يبهر العقل، ويرفع إلى الدرجات العلا، كما مر في الأحاديث، وذلك البذل الكثير ~~(يمده إثراء) أي: كثرة المال الذي فتح الله به عليه، وأكثره من التجارة؛ لأنه كان ~~محظوظا فيها بحيث لو آمسك التراب.. صار ذهبا ~~16 ~~والمكئى أبا عبيدة إذيف زي إليه الأمانة الأمناء: ~~(والمكنى أبا عبيدة) وهو عامر ابن الجراح القرشي الفهري ، أمين هذذه الأمة، ~~كما صحت به الأحاديث(1)، وفي رواية : " وأميني "(2)، وفي أخرى : " وأميننا ~~أيتها الأمة "(3). # وأحد العشرة والرجلين اللذين عينهما الصديق يوم السقيفة للخلافة والثاني ~~عمر، وأحد الخمسة الذين أسلموا في يوم واحد على يد الصديق، وبقيتهم : ~~عثمان بن مظعون وعبيدة بن الحارث، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن ~~عبد الأسد زوج أم سلمة. # شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها، وثبت يوم أحد مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ونزع يومئذ بأسنانه حلقتين دخلتا في وجنتي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من حلق المغفر، فوقعت ثنيتاه؛ لأنه تحامل عليهما، خوفا من إيلامه ~~صلى الله عليه وسلم، فكان من أحسن الناس هتمأ، والهتم : إلقاء مقدم الأسنان: ~~وولاه أبو بكر لما أرسل جيشا إلى الشام، ثم جعل خالدا أميرا عليه وعلى غيره؛ ~~لعلمه بالحروب، ولما ولي عمر رضي الله عنه. أعاده، لكن أمره آن يستشير ~~(1) أخرجه البخاري (4380)، ومسلم (54/2419) ~~(2) عند أحمد (18/1) ~~(3) عند البخاري (3744)، ومسلم (53/2419) PageV00P539 ~~============================================================ ~~خالدا ، وهو أول من سمي أمير الأمراء بالشام. # وروي: أنه صلى الله عليه وسلم آمره على سرية ms486 فيها أبو بكر وعمر، وتعرض له ~~أبوه يوم بدر فأعرض عنه ، فلازمه ، فلما اكثر عليه.. قتله ، فأنزل الله فيه : { لا تجد ~~قوما ئومثوب بالله واليور الاخر. .. الآية (1) . # ولما قال له الصديق يوم السقيفة : مد يدك لأبايعك.. قال : ما كنت لأتأمر على ~~رجل قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بنا حتى قبض ~~وقال عمر: لئن أدركني أجلي وهو موجود.. استخلفته ؛ لأني سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول : " إن لكل أمة أمينا ، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة أبن ~~الجواح" . # ولما قدم عمر الشام.. تلقاه الناس، فقال : أين أخي أبو عبيدة؟ فقالوا : الساعة ~~يأتيك، فأتاه على ناقة مخطومة بخطام ليف، فنزل عمر عن راحلته واعتنقه، وقال ~~للناس: انصرفوا عنا، ثم دخل معه إلى بيته، فلم يجد فيه سوى سيفه وترسه وقوسه ~~ورحله، فبكى عمر، وقال لأصحابه: تمنوا، فقال رجل: ملء هذه الدار ذهبا ~~أنققه في سبيل الله، وقال آخر : جوهرا أنفقه كذلك ، فقال عمر: وأنا أتمنى لو أن ~~هذذه الدار مملوءة رجالأ مثل أبي عبيدة. # وله فتوحات كثيرة، ووقعات مع المشركين هائلة ~~وصح عن الحسن مرسلا :1 ما من أحد من أضحابي إلأ لؤ شنت. . لأخذث عليه ~~في بعض خلقه غير أبي عبيدة أبن الجراح "(2) . # توفي سنة ثماني عشرة شهيدا بالطاعون في طاعون عمواس- قرية بين الرملة وبيت ~~المقدس- أول ما وقع بها، ثم انتشر بالشام، وقبره معروف، ثم قال الإمام النووي ~~رحمه الله تعالى : زرته، فرآيت عنده عجبا، ورأيت عليه من الجلالة ما هو لاثق به ~~(إذ) ظرف (( أقسم) المقدر، أو تعليل له (يعزي) أي: ينسب (إليه) أي: ~~(1) أخرجه الحاكم (264/3)، وابن عساكر في " تاريخ دمشق"(446/25). # (2) أحرجه الحاكم (266/3). PageV00P540 # ============================================================ ~~أبي عبيدة (الأمانة الأمناء) وأجلهم نبينا صلى الله عليه وسلم، فإنه قال - كما صح ~~عنه-: " لكل أمة أمين، وأمين هذذه ألأمة أبو عبيدة أبن الجراح 8 وفي رواية : ~~" أميني " وفي أخرى : 0 أميننا أيتها آلأمة ". # واعلم : أن هلذا كقوله صلى الله عليه وسلم في أبي ذر : " إنه أصدق من أظلت ~~الخضراء، ms487 وأقلت الغبراء "(1).. لا يقتضي تفضيلا على الخلفاء الراشدين؛ لأن ~~أوليك كملت فيهم الصفات كلها واعتدلت، فلم يترجح بعضها على بعض، وأما ~~هذان. فكملت فيهما صفة الأمانة والصدق، فتميزا فيهما على من لم يكملا فيه، ~~ولو سلمنا زيادتهما فيهما على أولئك.. لم يقتض ذلك تفضيلا أيضا ، لأن المفضول ~~قد يتميز بمزية ، بل بمزايا لا توجد في الفاضل؛ لأن خلف تلك المزايا مزايا أخرى ~~أجل منها وأعظم، فحصل مناط الأفضلية فيه وإن خلا عما تميز به المفضول: ~~37 الا ~~وبعميك نيريي فلك المج د وكل أتاه منك إتاء ~~ل ال ~~(و) أقسم عليك (بعميك) أخوي أبيك لأبيه، وهما حمزة والعباس رضي الله ~~تعالى عنهما، وكل منهما أسن من النبي صلى الله عليه وسلم بنحو السنتين (نيري) ~~تثنية نير، وهو : الكوكب المضيء (فلك) هو : ما تسير فيه الكواكب (المجد) ~~أي: الكرم والحسب، شبه المجد بالسماء، وأثبت لها ما هو من لوازمها، وهو ~~(الفلك) إذ كل سماء تسمى فلكا، فهو استعارة بالكناية، واستعارة تخييلية، ورشح ~~لها بذكر النيرين، وشبههما بالشمس والقمر، وأثبت لهما ما هو من لوازمهما، وهو ~~الإضاءة، فهي أيضا استعارة بالكناية، واستعارة تخييلية، وفيها أيضا استعارة ~~تجريدية بذكر (المجد) الملائم للعمين (وكل) منهما (أتاه) أي: حصل له (منك ~~إتاء) - بوزن كتاب - وهو: ما يخرج من الشجر ، والنماء، كما في " القاموس": ~~وقال الشارح: (هو: ما يستفاد من النعم والخيرات من غير تعب، كحمل ~~النخل، وثمار الأشجار) ولعله تفسير مراد. # (1) أخرجه ابن حبان (7132)، والترمذي (3801)، وابن ماجه (156). PageV00P541 # ============================================================ ~~أما حمزة رضي الله عنه - ويكني آبا عمارة، ويلقب بأسد الله وأسد رسوله. # فكان عظيما شجاعا، أخا للنبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، أسلم قديما ~~وسبب إسلامه: أن اللعين آبا جهل شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانصرف ~~ولم يجبه، وانصرف أبو جهل إلى نادي قريش عند الكعبة، وأقبل حمزة من قنصه ~~متوشحا قوسه، قأخبر وهو آعز فتى في قريش، وأشد شكيمة، فغضب، وعمده ~~فشجه في رآسه شجة منكرة، وقال : أتشتمه وآنا على دينه ؟! فقامت إليه ms488 رجال من ~~بني مخزوم، فمنعهم أبو جهل خشية الفتنة. # وهو أول من اتخذ له النبي صلى الله عليه وسلم لواء حين بعثه إلى سيف البحر- ~~بكسر السين المهملة - أي : جهته ~~استشهد بأحد نصف شوال ثالث سني الهجرة، بعد أن قتل أحدا وثلاثين كافرا، ~~قتله وحشي عبد لعقبة السلمي، قال : رآيته يهد الأبطال هذا، فاختفيت له، فلما ~~مكت منه.. رميته رمية بحربتي قأصابته، ووليت هاربا، فتبعني ثم سقط، وبعد ~~ذلك أسلم وحشي هذا، فقبله النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: " غيت وجهك ~~عني "(1) أي : خشية أن يصيبه منه شيء إذا تذكر قتله لحمزة رضي الله عنه . # وخرج يوم اليمامة، فشارك رجلا في قتل مسليمة الكذاب، فكان يقول : هلذه ~~بتلك، ومع ذلك فقد أصابه ما أصابه؛ لما صح عن ابن المسيب أنه قال: كنت ~~أعجب لقاتل حمزة كيف ينجو ؟! حتى مات غريقا في الخمر. # وقال ابن هشام : بلغني أنه لم يزل يحد في الخمر حتى خلع من الديوان، فكان ~~عمر يقول : لقد علمت أن الله لم يكن ليدع قاتل حمزة. # ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حمزة قتيلا .. بكن ، ولما رأى ما مثل به.. # شهق وقال : " لن أصاب بمثلك أبدا ، ما وقفت مؤقفا أغيظ لي من هلذا "(2). # وروىى ابن شاذان عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : ما رأينا رسول الله صلى الله ~~(1) أخرجه الطبراني في " الأوسط *(1821)، وابن عبد البر في * الإستيعاب "(208/3) ~~(2) ذكره ابن هشام في* السيرة" (94/3)، وأخرج الحاكم القسم الأول منه (194/3). PageV00P542 # ============================================================ ~~عليه وسلم باكيا قط أشد من بكائه على حمزة، وضعه في القبلة، ثم وقف على ~~جنازته، وبكي حتى كاد يغشى عليه وهو يقول : "يا حمزة، يا عم رسول الله، ~~يا أسد الله وأسد رسوله، يا حمزة، يا فاعل الخيرات، يا حمزة، يا كاشف ~~الكربات ، يا حمزة، يا ذاث عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم" وليس في هذا ~~نوح ولا تعديد شمائل، بل هو إخبار بفضائله وشمائله رضي الله تعالى عنه ~~وصح حديث : أنه " سيد ms489 الشهداء يؤم ألقيامة"(1) وأنه : " لؤلا جزع ألنساء.. # لترفته حيل يخشر من بطون الطير وألشباع"(2) وحديث : " رخمة الله عليك ، قذ كنت ~~3 ~~وصولا للرحم، فعولا للخيرات "(3). # وصحح الحاكم حديث : " والذي نفسي بيده إنه لمكثوب عند الله تبارك وتعالى في ~~السماء السابعة : حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله " للكن تعقب(4) . # وورد من طرق : " إن الملائكة غسلته " وصححه الحاكم ، للكن تعقب أيضا(5). # وأما العباس رضي الله عنه وكنيته أبو الفضل. . فكان جليلا جوادا، ذا رأي وكمال ~~عقل، معظما بين الصحابة وعند النبي صلى الله عليه وسلم، رئيسا في قريش قبل ~~الاسلام، وكانت إليه عمارة المسجد الحرام والسقاية، وكان مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم يوم العقبة، فعقد له البيعة على الأنصار، وكان صلى الله عليه وسلم يثق به في ~~أمره كله، أسر يوم بدر ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : " من لقيه.. فلا يقتله، فإنه ~~خرج مستكرها"(1) وسمعه صلى الله عليه وسلم يئن؛ لكونهم شدوا وثاقه فلم ينم، ~~فقيل له : ما يسهرك يا رسول الله؟ قال : " أنين العباس" فقام رجل فأرخى من وثاقه ~~(1) اخرجه الحاكم (119/2) ~~(2) أخرجه الحاكم (120/2) بلفظ : " لولا أن تجزع صفية.... # (3) أخرجه الحاكم (197/3)، والطبراني في " الكبير* (143/3) والبيهقي في " الشعب" ~~(9703 ~~(4) انظر المستدرك "(198/3) وبهامشه " التلخيص" ~~(5) انظر " المستدرك "(195/3) وبهامشه " التلخيص" ~~() أخرجه الحاكم (223/3). # 104 PageV00P543 ~~============================================================ ~~ووثاق البقية(1)، وفادى نفسه وعقيلا ابن أخيه بعد أن قال : ما معي شيء ، فقال له ~~صلى الله عليه وسلم : " وأين المال الذي قلت لأم ألفضل - أي : زوجته - حين ~~خرجت : إذا أنا مث.. فأفعلي به كذا؟" فقال : من أعلمك بهلذا ولم يطلع عليه ~~غيري وغيرها؟ قال : "الله سبحانه وتعالى" فأسلم سرا، وكتم إيمانه إلى قبيل فتح ~~مكة، فخرج إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولقيه بالأبواء، وبه ختمت الهجرة، ~~وكان رضي الله عنه ردءا للتبي صلى الله عليه وسلم بمكة، يكاتبه بأخبار أهلها، وكان ~~المسلمون بمكة يثقون به، وكان يحب القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فكتب إليه : إن بقاءك بمكة خير ms490 لك: ~~ولما قالت الأنصار: تترك لابن أختنا عباس الفداء.. أبى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ~~وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا، وثبت معه حين انهزم الناس، ~~وكان عمر يستسقي به الغيث إذا قحط الناس، فيقول: اللهم؛ إنا كنا نستسقي بنبيك ~~فتسقينا، وها نحن نستسقي بعم نبيك فأسقنا، فيسقون (2). # توفي بالمدينة ثاني عشر رجب أو رمضان سنة اثنتين وثلاثين وله نحو من ثمان ~~وثمانين سنة ، وقبره مشهور بالبقيع . # وصح حديث : "العباس مني وأنا منه ، لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا به الأخياء"(3) ~~وحديث : أنه سأل النبي صلي الله عليه وسلم أن يستعمله على الصدقة ، فقال : "ما ~~كنث لأشتغملك علن غسالة ذنوب ألناس "(4) ، ~~وحديث : " من آذى ألعباس.. فقذ آذاني ، فإنما عم الرجل صنؤ أبيه "(5) . # وحديث : " أوصاني ألله بذي القربى ، وأمرني أن أبدا بألعباس بن عبد ~~(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات " (12/4) ~~(2) أخرجه البخاري (1010) ~~(3) أخرجه الحاكم (329/3) ~~(4) أخرجه ابن خزيمة (2390)، والحاكم (3/ 332)، والبزار (895) ~~5) اخرجه أحمد (165/4) PageV00P544 ~~============================================================ ~~المطلب"(1) وأخرج الدارقطني في " الأفراد" : " ليكونن في ولد العباس ملوك يلون ~~2 ~~امر أمتي يعز الله بهم الدين" . # وابن عساكر: " أللهم ؛ أغفر له ذنبه ، وتقبل منه اخسن ما عمل، وتجاوز عنه ~~سئىء ما عمل، وأصلخ له في ذريته"(2) ، " لا تؤذوا العباس فتؤذوني ، من سب ~~4ر3 ~~العباس.. فقد سبني"(2). # وفي حديث ضعيف- وقال ابن الجوزي : موضوع -: "العباس وصيي ~~(42 ~~ووارثي" ~~وأخرج الرافعي : " ألا أبشرك يا عم؟ إن من ذريتك الأضفياء ، ومن عثرتك ~~ت ~~الخلفاء ، ومنك المهدي في آخر الزمان ، به ينشر الله ألهدى ، وبه تطفا نيران ~~ألضلالة ، إن ألله فتح بنا هلذا ألأمر ، وبذرئتك يختم" . # وأبو نعيم في " الحلية " : " ألا أبشرك يا أبا الفضل؟ إن الله عز وجل افتتح بي ~~هلذا آلأمر ، وبذريتك يختم"(5 ~~(5 ~~وكون المهدي من ولده يحمل على آن فيه شعبة منه؛ لما صح: آنه من ولد ~~(2 ~~فاطمة(1)، وصح : آنه من ولد الحسن، وجاء: آنه من ولد الحسين، ولا تعارض؟ # لأن فيه شعبة من ولد الحسين، فهو حسيني، وفيه شعبة من الحسن، وشعية من ms491 ~~العباس ~~والترمذي - وقال : حسن غريب - : " اللهم؛ أغفز للعباس وولده مغفرة ظاهرة ~~(2) ~~وباطنة لا تغادر ذنبا ، اللهم؛ أخلفه في ولده "(7) . # اخرجه الحاكم (334/3) ~~(1) ~~تاريخ دمشق (318/26) ~~(2) ~~تاريخ دمشق (316/26) ~~(3) ~~أخرجه الخطيب في 9 تاريخ بغداد "(138/13)، وانظر " الموضوعات "(340/1) ~~(4 ~~حلية الأولياء (315/1). # (5 ~~أخرجه أبو داوود (4283)، وابن ماجه (4086) ~~(2) ~~الترمذي (3762). # (2) ~~11 PageV00P545 ~~============================================================ ~~والخطيب وابن عساكر : "اللهم؛ آغفر للعباس وولد العباس، ولمن ~~احبهم "1. # وابن عساكر : 9 اللهم ؛ أغفر للعباس ما أسر وما أغلن ، وما أبدى وما أخفى ، ~~وما كان وما يكون منه ومن ذرئته إلى يؤم القيامة"(2) . # والخطيب : "يا عباس؛ أنت عمي وصنو ابي ، وخير من أخلف بغدي من ~~أهلي، إذا كانت سنه خمس وثلاثين ومثة. . فهي لك ولولدك ، منهم الشفاح ، ومنهم ~~المنصور، ومنهم المهدي "(3. # وبام العبطي ~~طين زوج علي وبنيها ومن حوته العباء ~~(و) أقسم عليك (بأم السبطين) الحسن والحسين فاطمة، وهي أصغر بناته ~~صلى الله عليه وسلم (زوج) جرده عن (التاء) لأنه الأفصح (علي) زوجها له النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثاني سني الهجرة بوحي من الله تعالى بذلك كما ورد(2)، وبنى بها ~~بعد تزوجها بسبعة أشهر ونصف في ذي الحجة على رأس اثنين وعشرين شهرا، وكان ~~سها حيثذ خمس عشرة سنة وخمسة آشهر ونصف، وقيل: نحو عشرين سنة، وسن ~~علي احدى وعشرين سنة وأشهر. # وقال ابن عبد البر : هي وأم كلثوم أفضل بناته. # وكاتت فاطمة أحب أهله إليه، وكان يقبلها في فيها، ويمضها لسانه، وإذا أراد ~~(5 ~~سفرا.. يكون آخر عهده بها، وإذا قدم.. أول ما يدخل عليها(5)، وتوفيت بعده ~~تاريخ بغداد (41/10)، وتاريخ دمشق (320/26). # (1) ~~تاريخ دمشق (321/26) ~~(2) ~~(3) ~~تاريخ بغداد (84/1) ~~اخرجه الطبراني (407/22). # (4 ~~أخرجه أبو داوود (4210)، والبيهقي في " السنن الكبرى " (26/1)، وأحمد ~~(5 ~~(274/5 ~~212 PageV00P546 ~~============================================================ ~~لى الله عليه وسلم في رمضان سنة إحدى عشرة، فبينهما نحو ستة آشهر، وسنها ~~تسع وعشرون سنة؛ أي: على القول الثاني، وقد أسر إليها النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أنها أول أهل بيته لحوقا به، فسرت بذلك، ودفنها علي ليلأ بوصية منها، ms492 ~~واختلف في محل دفنها، والأشهر: أنها في قبة ولدها الحسن قرب محرابها، وكان ~~القطب أبو العباس المرسي رحمه الله تعالى يجزم بهذا، قيل: فلعله كوشف به ~~وروى أحمد في " المناقب" والدولابي: آنها اغتسلت ولبست ثيابأ جددا، ~~واضطجعت وقالت : أنا مقبوضة الان، فلا يغسلني أحد ولا يكفني، فماتت، فامتثل ~~علي وصيتها، لكن يعارضه: أنها أمرت فاطمة بنت عميس أن تغسلها(1)، وهلذه ~~مقدمة : لأن الأصل عدم الخصوصية ~~(وبيها) يعني: أولادها؛ الحسن، والحسين، ومحسنا- وهذا مات صغيرا ~~وأم كلثوم، وزيب، وأولادهم إلى قيام الساعة، ولم يكن له صلى الله عليه وسلم ~~عقب إلا منها، فانتشر نسله من جهة السبطين فقط، وأم كلثوم ولدت لعمر ذكرا ~~وآنتى، وماتا صغيرين، ثم بعد عمر تزوجت بعون بن جعفر، ثم بعد موته بأخيه ~~محمد، ثم بأخيه عبد الله، ولم تعقب منهم شيئا، ثم تزوج الأخير بأختها زينب، ~~فولدت له عدة، منهم علي وأم كلثوم، وانتشر نسلهما، ولهم شرف أعلى من شرف ~~أولاد عبد الله من غير زينب، وأدون من شرف أولاد الحسنين؛ لمزيتهما بما ورد ~~فيهما، وللعباسيين والطالبيين شرف أيضا، ومن ثم لقب بالشرف كل عباسي ببغداد، ~~وعلوى بمصر، ولجعفر الصادق ولد اسمه إسحاق، وتزوج السيدة نفيسة بنت ~~الحسين بن زيد بن الحسن بن علي كرم الله وجهه، وله منها ولدان ولم يعقبا ~~(ومن حوته العباء) وهم: النبي صلى الله عليه وسلم، وفاطمة، وعلي ~~وابناهما، ومر لبعض هلؤلاء فضائل كعلي وابنيه رضي الله تعالى عنهم ~~ومن فضائل فاطمة ما صح عن أبيها القائل تعالى في حقه : { وما ينطق عن الموى} : ~~" إنما فاطمة بضعة مني ، يؤذيني ما آذاها ، وينصبني ما أنصبها"(2) ، " أحب أهلي ~~(1) أخرجه الشافعي في " مسنده "( 1232). # (2) أخرجه الضياء في " المختارة "(274)، وأحمد (5/4) ~~اواة ~~الع ~~سيورت PageV00P547 ~~============================================================ ~~إلبي فاطمة "(1) ، "إذا كان يؤم القيامة . . نادى مناد من وراء الحجب : يا أفل ~~الجمع؛ غضوا أنصاركم عن فاطمة بنت محمد حتى تمر"(2) ، " إن فاطمة أخصنت ~~فزجها فحرمها الله وذريتها عليل النار"(3) ، " فاطمة بضعة مني ، يغضبني ما يغضبها، ~~ويبسطني ما يبسطها ، وإن الأنساب تنقطع ms493 يؤم القيامة غير نسبي وسببي وصفري "(2) ، ~~1- ~~" فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلأ مزيم بنت عمران "(6) ، " أما ترضين أن تكوني سيدة ~~(5 ~~نساء أهل ألجنة ؟" قالت فاطمة : رضيت(6) ، " نزل ملك من السماء ، فأستاذن الله ~~أن يسلم علي، فبشرني : أن فاطمة سيدة نساء أهل الجية "(7) ، " يا فاطمة: ألا ~~(2) ~~ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين ؟ وسئدة نساء ألمؤمنين؟ وسيدة نساء هلذه ~~الأمة4 "(2). # وخبر: " أتاني جبريل بسفرجلة من الجنة فأكلتها ليلة آسري بي، فعلقت خديجة ~~بفاطمة، فكنت إذا اشتقت إلى رائحة الجنة. شممت رقبة فاطمة" قال الآنمة ردا ~~على تصحيح الحاكم له: إنه كذب موضوع جلي الوضع؛ لأن فاطمة ولدت قبل ~~(9)1 ~~النبوة، فضلا عن الإسراء(16. # وصح: أنه صلى الله عليه وسلم جعل على علي وفاطمة وابنيهما كساء وقال: ~~"أللهم؛ هؤلاء أهل بيتي وخاصتي ، اذهب عنهم الرجس وطهزهم تطهيرا" فقالت أم ~~سلمة: وأنا منهم ؟ فقال : " إنك على خير" وفي رواية: ألقى عليهم كساء، ووضع ~~أخرجه الحاكم (417/2)، والبزار (2620) ~~(1) ~~أخرجه الحاكم (153/3) ~~(2) ~~أخرجه الحاكم (152/3) ~~(3) ~~أخرجه الحاكم (158/3) ~~(4 ~~أخرجه الحاكم (154/3)، وأحمد (80/3) ~~(5 ~~أخرجه البخاري (3624)، ومسلم (98/2450) بدون لفظ : (قالت فاطمة : رضيت) ~~(1 ~~أخرجه الحاكم (151/3) ~~(7) ~~اخرجه الحاكم (156/3). # (8) ~~انظر "المستدرك" (156/3) ففيه بعد ذكر هذا الحديث: (هذا حديث غريب الإسناد ~~(9 ~~والمتن، وشهاب بن حرب مجهول، والباقون من رواته ثقات)، وانظر " التلخيص" بهامش ~~"المستدرك" و1 ميزان الاعتدال"(416/2) ~~114 PageV00P548 ~~============================================================ ~~يده عليهم وقال : " أللهم ؛ إن هؤلاء آل محمد ، فأجعل صلواتك وبركاتك علي آل ~~محمد ، إنك حميد مجيد " وفي أخرى : إن الآية - اي : { إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم الرجس أهل البيت ويطهركو تطهيرا} - أنزلت ببيت أم سلمة ، فأرسل صلى الله ~~عليه وسلم إليهم، وجللهم بكساء، ثم قال نحو ما مر، وفي آخرى: آنهم جاؤوا ~~واجتمعوا، فنزلت، فإن صحتا.. فهي نزلت مرتين ، وفي أخرى : أن أم سلمة قالت ~~له: ألست من أهلك ؟ قال : " بلى" وأنه أدخلها الكساء بعدما قضى دعاءه لهم، ~~وفي أخرى صحيحة : أنها قالت : يا رسول الله ؛ أنا من أهل البيت ؟ قال : " بلى إن ms494 ~~شاء الله" وفي أخرى : أن واثلة قال : لما سمعته صلى الله عليه وسلم يصلي عليهم ~~وهم تحت الكساء .. وعلي يا رسول الله ، فقال : " اللهم ؛ وعلى واثلة " وفي أخرى ~~صحيحة : قال واثلة : وأنا من أهلك؟ قال : " وأنت من أهلي" قال واثلة : وإنها ~~لمن أرجى ما أرجو. # قال البيهقي: وكأنه جعله في حكم الأهل تشبيها بمن يستحق هلذا الاسم ~~لا تحقيقا. # وأشار المحب الطبري: إلى أن التجليل بالكساء لمن ذكر تكرر منه صلى الله عليه ~~اوسلم في بيت آم سلمة، وفي بيت فاطمة، وغيرهما، وبه يجمع بين اختلاف ~~الروايات في هيئة اجتماعهم، وما جللهم به، وما دعا به لهم، وما آجاب به واثلة ~~وأم سلمة ~~وفي أخرى بسندها حسن : انه افتمل على العباس ونيه بيلامة نبم قال ويار ~~منذا عمي وصنو أبي ، وهؤلاء أفل بتتي ، فأسترهم من النار كستري إياهم بملاء تي ~~هذه " فأمنت أسكفة الباب وحوائط البيت ؛ فقالت : آمين ، ثلاثا . # ل ا ا19 ~~را زهمة اللويس تترذ سن بان صاتقئ مند پاه ~~ان ~~(و) أقسم عليك (بأزواجك اللواتي تشرفن بأن صانهن) عن النار والنقائص؛ لما ~~صح عنه صلى الله عليه وسلم : أن الله تعالى لم يزوجه إلا من ستكون معه في الجنة ~~(منك) حال من قوله : (بناء) أي : دخول، وظاهر كلامه : أن من تزوجها ولم PageV00P549 ~~============================================================ ~~يدخل بها. لا يحصل لها ذلك الشرف، وينبغي تخريجه على حرمتها عليى غيره ~~فإن قلنا : تحرم - وهو الأصح- حصل لها الشرف، أو تحل.. لم يحصل ~~لها: ~~وهن إحدى عشرة متفق عليهن: ست قرشيات، وأربع عربيات، وإسراثيلية ~~أولهن خديجة، تزوجها صلى الله عليه وسلم بعد زوجين ولدت لكل منهما، ولها ~~يوم تزوجها آربعون سنة وأشهر، وله خمس وعشرون سنة عند الأكثرين، وكانت ~~عرضت نفسها عليه كما مر، وهي أول من امن به من النساء. # وفي الصحيحين" : أن جبريل قال : يا محمد؛ هذه خديجة قد أتتك بإناء فيه ~~طعام- أو إدام أو شراب - فإذا هي أتتك.. فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ~~ببيت في الجنة من قصب - أي : لؤلؤ ms495 مجوف - لا صخب فيه ولا نصب(1). # وأولاده صلى الله عليه وسلم كلهم منها إلا إبراهيم، واختلف في عدتهم، وجملة ~~ما اتفق عليه منهم ستة: القاسم، ولد قيل النبوة، وبه يكنى، ومات بعد نحو سنتين ~~على خلاف فيه، وأربع بنات: زينب، وهي أكبرهن، وماتت سنة ثمان من الهجرة ~~عند روجها ابن خالتها أبي العاصي بن الربيع، ولدت منه عليا، كان رديفه صلى الله ~~عليه وسلم يوم الفتح، ومات قبل الاحتلام، وأمامة التي حملها في صلاته، تزوجها ~~علي بعد فاطمة رضي الله عنها ~~ثم رقية، توفيت وهو صلى الله عليه وسلم ببدر، ولما عزي بها.. قال ~~" الحمد لله ، دفن البنات من المكرمات " خرجه الدولابي: ~~ثم أم كلثوم، توفيت سنة تسع من الهجزة، تزوجها عثمان بعد ابني أبي لهب ~~ثم فاطمة الزهراء البتول، قال ابن عبد البر : (ولدت سنة إحدى وأربعين من ~~مولده صلى الله عليه وسلم)(2) والذي رواه ابن إسحاق : أنها ولدت قبل النبوة ، زاد ~~ابن الجوزي : قبلها بخمس سنين(1. # (1) البخاري (3821)، ومسلم (2432). # 2) الاستيعاب (362/4) ~~(3) صفة الصفوة (16/1) PageV00P550 ~~============================================================ ~~وسميت فاطمة، والزهراء؛ لما مر، وبتولا؛ لأن الله قطعها عن النساء حسبأ ~~وفضلا، أو لانقطاعها إلى الله ~~واختلف في آنه صلى الله عليه وسلم: هل له ولد غير أولئك الستة؟ فقيل: ~~الطيب والطاهر وعبد الله، وقيل : الأولان لقبان للثالث، ومات صغيرا، وهو ~~الأصح، وقيل: عبد مناف، وقيل: المطهر. # وأما إبراهيم . فمن سريته مارية القبطية، ولد في ذي الحجة سنة ثمان، وسماه ~~ابراهيم باسم أبيه قبل السابع، أو فيه، روايتان، وجمع: بأنها وقعت قبله مخفية ~~وأظهرت فيه (1)، وكان صلى الله عليه وسلم يذهب إليه وهو في العوالي عند ظثره ~~الحداد، فيأخذه ويقبله ثم يرجع، ثم توفي وله سبعون يوما، وقيل: سنة وعشرة ~~أشهر، وقيل: غير ذلك، وفي رواية: أنه لم يصل عليه- أي: بنفسه - بل آمرهم ~~قصلوا عليه ~~وفي حديث : " لو بقي.. لكان نبيا ، لكنه لم يبق ؛ لأن نبيكم آخر الأنبياء "(2) ~~للكن بالغ النووي في تزييفه وبطلانه(3)، ورد بأنه وارد من طرق ، ولا إشكال فيه؛ ~~لأن القضية ms496 الشرطية لا تستلزم الوقوع ، بل ولا الإمكان. # توفيت خديجة قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين، ودفنت بالحجون عن خمس وستين ~~ثم تزوج سودة بنت زمعة بعد موت ابن عمها رضي الله تعالى عنهما آخي سهيل بن ~~عمرو بمكة لما أن رجعا من الحبشة بعد عقده على عائشة، ودخل بها قبل عاتشة على ~~ما جمع به بين الخلاف في ذلك، وأراد طلاقها لما أسنت ، فوهبت نوبتها لعائشة ~~فأمسكها، توفيت بالمدينة في شوال سنة أربع وخمسين ~~ثم عائشة بمكة في شوال سنة عشر من النبوة ، ودخل بها في المدينة في شوال على ~~((1) أي: أن التسمية وقعت قبل اليوم السابع من ولادته، ولككنها كانت مخفية، ثم أظهرت في ~~اليوم السابع. # (2) اخرجه ابن عساكر في " تاريخ دمشق" (134/3). # (3) انظر "تهذيب الأسماء واللغات "(103/1). PageV00P551 # ============================================================ ~~راس ثمانية عشر شهرا وهي بنت تسع سنين، ولم يتزوج بكرا غيرها، وأحبها صلى الله ~~عليه وسلم اكثر من بقية نسائه، ولما فقدها في بعض أسفاره. . قال : واعروساه" ~~خرجه أحمد(1): ~~وكانت فقيهة عالمة حافظة فصيحة، ماتت بالمدينة سنة سبع وخمسين، وكناها ~~صلى الله عليه وسلم أم عبد الله بابن أختها عبد الله بن الزبير، لا بسقط أسقطته منه ~~صلى الله عليه وسلم؛ لأن ذلك لم يثبت ~~وهي وخديجة أفضل آمهات المؤمنين، ثم الأصح: أن خديجة أفضل؛ لما ~~صح : أن عائشة لما قالت له : قد رزقك الله خيرا منها. . قال : "لا ، والله ما رزقني ~~الله خيرا منها ، آمنت بي حين كابني الناس ، واعطتني مالها حين حرمني ألناس "(2) ~~ولأنه صلى الله عليه وسلم أقرأ عائشة السلام من جبريل (3) ، وخديجة السلام من الله ~~تعالى(1). # والأصح أيضا : أن فاطمة أفضل من خديجة؛ لما فيها من البضعة الكريمة التي ~~لا يعادلها شيء، والخبر المقتضي لخيرية خديجة أجيب عنه بأنه من حيث الأمومة ~~لا السيادة، وممن جرى على ذلك الإمام المجتهد التقي السبكي، فقال : (والذي ~~نختاره وندين الله به : أن فاطمة أفضل، ثم خديجة، ثم عائشة) واختار أيضا: أن ~~مريم أفضل من خديجة؛ للاختلاف في نبوتها ~~م حفصة ms497 بنت عمر، تزوجها سنة ثلاث من الهجرة بعد ما رجعت من هجرة ~~الحبشة وموت زوجها بعد غزوة بدر، وطلقها صلى الله عليه وسلم، فأوحى الله إليه: ~~أن راجعها؛ فإنها صوامة قوامة، وأنها زوجتك في الجنة(5)، توفيت سنة خمس ~~وأربعين ~~(1) المسند(248/6) ~~(2) أخرجه أحمد (117/6)، والطبراني في الكبير" (13/23) ~~(3) اخرجه البخاري (3728)، ومسلم (2447) ~~(4) أخرجه الطبراني في " الكبير " (15/23) ~~(5) أخرجه الضياء في ( المختارة *(2507)، والحاكم (15/4)، والبزار (1401) PageV00P552 ~~============================================================ ~~ثم أم سلمة هند بعد موت آبي سلمة سنة آربع، وكانت من اكمل النساء، ماتت ~~سنه تسع وخمسين، ودفتت بالبقيع ~~ثم آم حبيبة رملة بنت آبي سفيان بن حرب بعد آن مات زوجها عبيد الله بن جحش ~~بالحبشة مرتدا سنة ست ، زوجها التجاشي لعمرو بن أمية الضمري وكيله صلى الله عليه ~~وسلم، وأصدقها عنه آربع مثة دينار، وبعث بها إليه صلى الله عليه وسلم، فدخل بها ~~سنة سبع، ماتت بالمدينة سنة آربع وآربعين ~~وتزوج زينب بنت جحش بعد زيد، زوجه الله تعالى إياها، فدخل عليها بغير عقد ~~كما دلت عليه الاية، وكانت تفخر بذلك على آمهات المؤمنين، سنة خمس، وقيل: ~~ثلاث، وهي آول من مات منهن بعده. # وصح عن عائشة : لم تكن امرأة خيرا منها في الدين ، ولا أتقى لله ، وأصدق ~~حديثا، وأوصل للرحم، وأوسع صدقة، وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي يتصدق ~~به ويتقرب به إلى الله تعالى؛ أي : وهو الدبغ، رواه مسلم(1) ~~ماتت بالمدينة سنة عشرين ~~وتزوج زينب بنت خزيمة الهلالية - وكانت تسمى في الجاهلية أم المساكين؟ # لاطعامها إياهم - سنة ثلاث، ثم ماتت بعد ثلاثة أشهر. # وتزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية سنة سبع بعد خيبر بسرف، وينى بها فيه، ~~وكان حلالا، ورواية : (محرما) معناها : أنه في الحرم ، على أن من خصائصه ~~صلى الله عليه وسلم : أن له أن ينكح وهو محرم: ~~وماتت فيه سنة إحدى وخمسين، وقبرها به مشهور، يزار ويتبرك به ~~وتزوج جويرية بتت الحارث الخزاعية، وكانت وقعت في سهم ثابت بن قيس بن ~~شماس الأنصاري، فكاتبها، فجاءت تسأل النبي صلى الله عليه وسلم، وعرفته ms498 ~~بنفسها، فقال : "هل لك إلى ما هو خير لك من ذلك؟ أؤدي عنك كتابتك ~~وأتزوجك" قالت : نعم، فسمع الناس بذلك، فأعتقوا ما في أيديهم من قومها، ~~(1) رقم الحديث (2442) ~~119 PageV00P553 ~~============================================================ ~~وقالوا: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة: فما رأينا امرأة كانت ~~أعظم على قومها بركة منها، أعتق في سببها مثة أهل بيت من بني المصطلق، خرجه ~~أبو داوود(1). # وعن ابن شهاب: آنه اختارها من السبي، فحجبها وقسم لها، وكانت بنت ~~شرين نة توفيت سنه خمسين ~~وتزوج صفية بنت حيي من تسل هارون على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهي من ~~سبي خيبر، أذن صلى الله عليه وسلم لدحية في أخذ جارية، فأخذها، فقيل : أعطيته ~~سيدة قريظة والنضير؟ لا تصلح إلا لك، فخشي عليهم الفتنة، فأعطاه غيرها، ثم ~~أعتقها وتزوجها، وبنى بها وهو راجع إلى المدينة(2)، وفي رواية : أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال لها: "هل لك في؟ " قالت : يا رسول الله؛ إني كنت أتمنى ذلك في ~~الشرك: ~~وكان بعينها خضرة، فسألها عنها، فقالت: إنها كانت نائمة ورآس زوجها - ~~ملكهم- في حجرها، فرأت قمرا وقع في حجرها، فأخبرته، فلطمها وقال: تتمنين ~~ملك يثرب (3)؟1 ~~ماتت في رمضان سنة خمسين، ودفنت بالبقيع ~~فهلؤلاء نساؤه صلى الله عليه وسلم المجمع عليهن، واختلفوا في ثنتي عشرة ~~امرأة، فبعضهن : الأصح فيه : أنه طلق قبل الدخول ، وبعضهن : الأصح فيه: أنه ~~لم يتزوجه، ومحل بسط ذلك كتب السير. # ألامان الأمان إن فؤادي من ذلوب أتيتهن هواء ~~(الأمان) أي: أقسم عليك بهلؤلاء المذكورين وما منحتهم به، أن تنيلني من ~~(1) السنن (3927). # (2) أخرجه البخاري (371)، ومسلم (84/1365) في النكاح ~~(3) اخرجه ابن حبان (5199). PageV00P554 # ============================================================ ~~حضرتك بواسطة شفاعتك في إلى من لا يخيب شفاعتك، وأن تؤتيني الأمان ~~(الأمان) تأكيد؛ أي: من عقاب ما اقترفته من الذنوب، وقطيعة ما جمعته من ~~العيوب (إن) بالفتح تعليلا، والكسر استئنافا، وفيه إيماء إلى العلة أيضا (فؤادي ~~من) أجل (ذنوب أتيتهن هواء) أي : خال عن فهم ما ينفعني في ديني ودنياي؛ لفرط ~~الحياء والخجل من الله، والدهشة من خوف ms499 عقابه وسخطه، وفي نسخة: (هباء) ~~أي : لا وجود له، فيرجع لمعنى الأول، ومما يعطفك علي حتى يزيد اعتناؤك بي ~~وإمدادك لي: أني ~~قذ تمسكث من ودادك بالح ل الدي اشتمسكث به الشفعاء ~~(قد تمسكت) أي: توثقت واعتصمت (من ودادك) أي: محبتي لك، وكون ~~المحبة تستلزم الاتباع إنما هو أغلبي، كما يدل عليه حديث : يا رسول الله؛ المرء ~~يحب القوم ولما يعمل بعملهم، فقال صلى الله عليه وسلم : "المزء مع من أحب "(1) ~~أو أن المستلزم لذلك هو كمالها، وأن ذلك من الناظم من هضم النفس، بتقدير ما لم ~~يقع واقعا، كما هو شأن الخوف المراعى مطلقا، أو في بعض الأحوال (بالحبل) ~~أي : السبب الأقوى، وهو العهد الوارد عنك في الأحاديث الصحيحة : أن المرء مع ~~من أحب وإن لم يعمل بعملهم ~~(الذي استمسكت به الشفعاء) من الأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء ~~والصلحاء، فلم يحصل لهم مرتبة الشفاعة إلا بواسطة محبتهم لك، وإذا آورثتهم ~~محبتك مرتبة قبول شفاعتهم في الأغيار.. أورثتني وقوع شفاعتك في، بجامع آني ~~أحبك كما يحبونك وإن اختلف مقدار المحبة في الطرفين ~~واعلم : أن العلماء والعارفين اختلفت عباراتهم في المحبة وكثرت، وللكن ليس ~~اختلافا في حقيقتها، بل في أحوالها وثمراتها؛ إذ حقيقتها من المعلومات التي ~~لا تحد، كما أطبق عليه المحققون، وإنما يعرفها من قامت به وجدانا لا يمكن التعبير ~~(1) اخرجه اليخاري (6129)، ومسلم (2640). PageV00P555 # ============================================================ ~~عنه، ومن ثم قال صاحب ل مدارج السالكين" كغيره : هي لا تحد بحد أوضح منها، ~~فالحدود لا تزيدها إلا خفاء وجفاء، وإنما تكلم الناس في أسبابها وموجباتها، ~~وعلاماتها وشواهدها، وثمراتها وأحكامها، فحدودهم ورسومهم دارت على هلذه ~~الشريطة، وتنوعت بهم العبارات، وكثرت الاشارات بحسب الادراك والمقام ~~والحال، وقد وضعوا لها حرفين مناسبين لها غاية المناسبة : (الحاء) التي هي من ~~أقصى الحلق، و(الباء) الشفهية التي هي نهايته، فل( الحاء) الابتداء، ول( الباء) ~~الانتهاء، وهلذا شأن المحبة وتعلقها بالمحبوب، فان ابتداءها منه، وانتهاءها إليه، ~~وأعطوا الحب الضم الذي هو أشد الحركات وأقواها، مطابقة لشدة حركة مسماه ~~وقوتها، وأعطوا الحب - وهو المحبوب ms500 - الكسر؛ لخفتها المطابقة لخفة المحبوب ~~وذكره على القلب واللسان، وهذذه مناسبة عجيبة بين الألفاظ والمعاني، تغلمك بأن ~~غير لغة العرب لا تلحقها: ~~واعلم أيضا : أنه صح في الحديث : " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ~~ولده ووالده وماله والناس أجمعين"(1) قالوا : المراد هنا حبه صلى الله عليه وسلم ؛ ~~أي : الميل إليه اختيارا لا طبعا، وكل من كان ذا نفس مطمئنة.. كان حبه راجحا، أو ~~أقارة.. كان مرجوحا، وفي كلام عياض: أن هلذا شرط لصحة الإيمان، ورد بأنه ~~حمل المحبة على معنى التعظيم والإجلال، وليس مرادا هنا؛ إذ اعتقاد الأعظمية ~~لا يستلزم المحبة؛ إذ قد يجد الإنسان إعظام شيء مع خلوه عن محبته، وإنما ~~المراد: الميل كما تقرر، فمن لم يجد ذلك الميل.. لم يكمل إيمانه: ~~وفي " صحيح البخاري" : أن عمر قال : يا رسول الله؛ أنت أحب إلي من كل ~~شيء إلا من نفسي التي بين جنبي ، فقال له صلى الله عليه وسلم : " لن يؤمن أحذكم ~~حتى اكون أحب إليه من نفسه " فقال عمر : والذي أنزل عليك الكتاب لأنت أحب إلي ~~من نفسي التي بين جنبي، فقال له صلى الله عليه وسلم : "ألآن يا عمر"(2) فهذه ~~المحبة ليست باعتقاد الأعظمية فقط؛ فإنه حاصل لعمر قطعا، وإنما وقف ؛ لأن حب ~~الإنسان نفسه طبعي، وغيره اختياري بواسطة الأسباب، وهذا هو الذي أراده عمر؛ ~~(1) أخرجه البخاري (15)، ومسلم (77/44) ~~(2) البخاري (2632). PageV00P556 # ============================================================ ~~اذ لا سبيل إلى قلب الطبع، وتغيير ما جبلت عليه النفس، فجواب عمر أولا بحسب ~~الطبع، ثم تأمل فعرف بالدليل: أنه صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه، نظرا ~~لكونه هو الذي أنقذه من هلاك الدنيا والأخرة، فأخبر بما اقتضاه الاختيار، فأجابه ب: ~~1 الآن" أي: عرفت فنطقت بما يجب: ~~ومن علامة محبته صلى الله عليه وسلم: ايثار مأموره ومنهيه على جميع أغراضه ~~قال القرطبي : (وكل من آمن به إيمانا صحيحا.. لا يخلو عن وجدان شيء من تلك ~~المحبة الراجحة، ولكنهم يتفاوتون فيها تفاوتا ظاهرا، وكثير من العامة يؤثر رؤيته ~~صلى الله عليه ms501 وسلم على أهله وماله وولده، وكذا زيارته، بل زيارة آثاره؛ لما وقر ~~في قلوبهم من محبته صلى الله عليه وسلم، غير أن ذلك سريع الزوال؛ لتوالي ~~الغفلات والشهوات عليهم)(1) ~~ل ~~وأبى الله أن يمسني الشو بحال ولي إليك التجاء ~~ب. # (وأبى الله) أي: لم يرد، كما جرت به عادة كرمه وفضله وجوده، ودل عليه ~~ما تفضل به عليك بقوله عز من قائل : ولسوف يعطيك ربك فترضى والمعلوم المستقر ~~من أخلاقك الجميلة، والذي دلت عليه آثارك الجليلة : أن من لجأ إليك .. لا تخيبه ~~من شفاعتك، ولا يحرمه ربك من فضله، مسارعة إلى رضاك، ومن ثم آخبرتنا عنه ~~تعالى أنه سبحانه وتعالى يقول لك في ذلك الجمع الأكبر على رؤوس الأشهاد : ~~" قل.. يشمع لك، وسل.. تغط ، وأشفع.. تشفع "(2). # (أن يمسني السوء بحال) أي : في حال من الأحوال الدنيوية والأخروية (و) ~~الحال أني (لي إليك التجاء) أي: استناد؛ لمزيد محبتي لك، وخدمتي لجنابك، ~~ومن هو كذلك.. حقيق بأنه لا يناله من ربه عذاب ولا سخط، ولا حرمان ~~ولا قطيعة، ولأجل ذلك ~~(1) انظر " المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم " (1/ 226) ~~(2) أخرجه البخاري (7440)، ومسلم (193) PageV00P557 ~~============================================================ ~~89. # قذ رجؤناك للأمؤر التي أب ريها في فؤادنا رمضاء ~~(قد رجوناك) معشر محبيك وخدامك أيها النبي الكريم؛ أي: أملنا فيك ~~(للأمور) الخطيرة العظيمة من الذنوب والمخالفات، والغفلات والشهوات (التي ~~أبردها) أي: أيسرها (في فؤادنا رمضاء) أي : نار تتقد من شدة خوف المؤاخذة بما ~~كسبته قلوبنا وألسنتنا وجوارحتا. # وبين (أبردها) و(رمضاء)، و(الفقر) و( الغنى) المطابقة ~~1394 ~~وأتينا إليك أنضاء فقر حملتنا إلى الغنى أنضاء ~~(وأتينا إليك) بقلوبنا؛ أي : وجهناها إلى الاستعاذة بك من كل مكروه ، أو إلى ~~قبرك المكرم حال كوننا (أنضاء) جمع نضو بكسر النون؛ أي : مهازيل (فقر) من ~~الأعمال الصالحة، فلكئرة ما حملتاه من الذنوب،. ضعفنا عن حمله، وهزلنا بسبب ~~ثقله (حملتنا إلى) حضرتك التي فيها (الغنى) الأكبر (أنضاء) أي : ركائب ~~مهازيل، أجهدها طول السير، وشدة الإسراع بها إلى الوصول إلى حضرتك العلية؛ ~~اغتناما للوقوف بساحة كرمها، والتملي بشهود إحسانها ms502 ونعمها. # 1399 ~~وأنطوث في الضدور حاجاث نفسي ما لها عن ندى يديك أنطواء ~~(وانطوت) أي: استترت (في الصدور) أي: القلوب (حاجات نفس) أملت ~~حصولها من جنابك الكريم، برفعها إليك إذا وصلت إلى حضرتك، وحظيت بحلول ~~نظرك، منها الإمداد من مزاياك ، والتوسل والتشفع بك إلى مولاك ؛ لأنه لا وسيلة إليه ~~أقرب منك إليه، ولا أحد بعدك يعول الكمل - فضلأ عن غيرهم - عليه، فحينئذ كانت ~~تلك الحاجات (ما لها عن ندى) أي : عطاء (يديك) الكريمتين (انطواء) أي : ~~124 PageV00P558 ~~============================================================ ~~استتار واستغناء، بل لا يقضيها غير جاهك الواسع، ولا يمن بها غير عطائك الهامع، ~~فلا ارتحال لنا عن واسع جودك، ولا انصراف عن ساحة كرمك، بل لا نزال مقيمين ~~بجوارك، مستمطرين لندى آثارك، طامعين في حصول كل ما أملناه بشفاعتك التي هي ~~مطمع المذنيين، ووسيلة المقصرين ~~فأغثنا يا من هو الغوث والفي ث إذا أجهد الورى اللأواء ~~(فأغننا) بها لتقضى جميع حاجاتنا؛ لوفور جاهك، وعظيم منزلتك عند ربك ~~(يا من هو الغوث) للمكروبين، والملجأ للمنقطعين، المنقذ لهم من الشدائد ~~(والغيث) المريع للمضطرين(1)، المشبع للجائعين، المجزل لهم من العوائد، ~~فأزل شكوانا، وارفع لأواءنا(2) (إذا أجهد الورى اللأواء) أي : إذا ضيق على الخلق ~~الجدب حتى أشرفوا على التلف. # والجواد الذي به تفرج الفد ة عنا وتنش الحؤباء ~~(والجواد) الأعظم (الذي) لم يخلق الله تعالى من يصل إلى مراتب جوده، فضلا ~~عن أن يساويه فيه (به) أي: بسببه (تفرج الغمة عنا) معشر أمته (وتكشف الحوباء) ~~بفتح أوله وضمه؛ أي : الإثم - أي : عقابه- والشدة، والحاجة، والحالة القبيحة، ~~وفي نسخة : (به تفرج الكربة عنا وتكشف الغماء) وهي بمعنى الأولى؛ لتساوي ~~الغمة والكربة؛ إذهما : الكرب الذي يشتد على النفس إلى أن يكاد يقتلها ~~و(الغماء) و(الحوباء) في معانيها المذكورة من : غم الهلال إذا ستره غيم أو ~~وه والخير استعيم ~~(1) المريع: المخصب ~~(2) اللأواء : الشدة والضيق والحاجة PageV00P559 ~~============================================================ ~~~~يا رحيما بآلمؤمنين إذا ما ذهلث عن أبنائها السرؤحماء ~~(يا) نداء يتضمن غاية الاستعطاف والتحنن والترحم، وهو معطوف على النداء ~~قبله بحذف حرف العطف، أو مستأنف، لكنه ms503 بعيد (رحيما) من الرحمة، وهي : ~~رقة القلب، وغايتها: التفضل والإنعام، أو إرادتهما، ومر في : (يا سماء) أول ~~أبيات هذه القصيدة ما يتعين استحضاره هنا (بالمؤمنين) مقتبس من قوله تعالى: ~~بالمؤمني رهوف رحيؤ، وكان بالمؤمنين رحيما} ومر في شرح قوله : ~~(رحمة كله) ما يعلمك بسعة رحمته لا سيما بالمؤمنين، وباهر رأفته لا سيما على ~~الضعفاء والمساكين ~~والايمان : التصديق - الإجمالي في الإجمالي، والتفصيلي في التفصيلي- بجميع ~~ما علم من دين محمد صلى الله عليه وسلم بالضرورة عندنا؛ إذ لا يكفر منكر غير ~~الضروري، وهو: ما يستوي في معرفته الخاص والعام، أو بالإجماع وإن لم يكن ~~ضروريا؛ لأن إنكار المجمع عليه غير الضروري كفر عند غيرنا، بل وجماعة منا، ~~ولا يكفي التصديق وحده، بل لا بد معه من الإقرار بالشهادتين باللسان، فإن تركه مع ~~القدرة عليه. كان كافرا مخلدا في النار، كما نقله النووي عن أهل السنة(1)، للكن ~~أشار الغزالي رحمه الله تعالى إلى ما اختاره جمع محققون غيره : أنه من أهل الجنة، ~~وتركه التلفظ به معصية فقط (1)، لأن قلبه مملوء بالتصديق، فكيف يخلد في النار؟! # والكلام فيمن لم يمتنع منه جحودا وإنكارا، وإلا.. كان كافرأ إجماعا، والأعمال من ~~الايمان عندنا كأكثر المحدثين؛ آي : من كماله، فالميت مؤمنا فاسقا.. تحت ~~المشيثة ، قال الله تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك بوم ويغفر ما دون ذالك لمن يشاء } وقالت ~~الخوارج: إنه كافر، والمعتزلة: إنه لا كافر ولا مؤمن، وهو عندهما مخلد في ~~النار؛ لانتفاء الإيمان المتكفل بدخول الجنة. # (1) انظر "شرح صيح مسلم "(149/1) ~~(2) انظر إحياء علوم الدين "(118/1) PageV00P560 ~~============================================================ ~~تنبيه مهم يتعين الإحاطة به، لعظيم جدواه وعزة فحواه: ~~اعلم : أن (رحيما) صيغة مبالغة، بل ذكر غير واحد: أنه أبلغ من الرحمن، ~~وأنه يستعمل في الله وفي غيره، للكن في استعمال صيغة المبالغة فيه تعالى إشكال، ~~ومن ثم قال بعض الأئمة : صفات الله تعالى التي على سبيل المبالغة كلها مجاز؛ ~~لاستحالة حقيقة المبالغة فيها؛ لأنها إنما تثبت للشيء اكثر مما له، وصفاته تعالى ~~متناهية الكمال، وأيضا فهي ms504 إنما تكون في صفة تقبل الزيادة والنقص، وصفاته تعالى ~~منزهة عن ذلك، واستحسن ذلك التقي السبكي وغيره، فاستشكل : والله على كل ~~شىء قدر} بأنه لما فيه من المبالغة يستلزم الزيادة على معنى قادر، وهي محال، ~~وأجاب الزركشي عن الأول بأن صيغة المبالغة : إما بحسب زيادة الفعل، أو تعدد ~~المفعولات، وهذا لا يوجب للفعل زيادة؛ لأن الفعل الواحد قد يقع على متعدد، ~~وعلى هذا تحمل صفاته تعالى عليه بلا إشكال، ولهذا قال بعضهم في (حكيم): ~~معنى المبالغة فيه : تكرر حكمه بالنسبة إلى الشرائع، وفي " الكشاف" : المبالغة في ~~الثواب؛ أي: في نحو: وهاب وتواب؛ للدلالة على كثرة من يتوب عليه من عباده، ~~أو في قبول التوبة حتى نزل صاحبها منزلة من لم يذنب قط؛ لسعة كرمه، وعبر ~~الزركشي عن الثاني بما يؤول إلى ما قاله صاحب " الكشاف " ، وهو : أن المبالغة لما ~~تعذر حملها على كل فرد.. وجب صرفها إلى مجموع الأفراد التي دل السياق عليها، ~~فهي بالنسبة إلى كثرة المتعلق لا الوصف:. # واعلم أيضا : أن نفي المبالغة في الفعل لا يستلزم نفي أصل الفعل، ويشكل ~~عليه: وما ريك بظلو للعبيد}، وما كان ريك نسيا} وأجيب عن الأول بأن ~~بظلو وإن كان للكثرة للكنه جيء به في مقابلة العبيد} الذي هو جمع كثرة، ~~ويرشحه قوله تعالى : (علم الغيوب، عكلم الغيب} ، قابل في الأول المبالغة في ~~الجمع، وفي الثاني صيغة اسم الفاعل الدالة على أصل الفعل بالواحد، وبأنه نفى ~~الظلم الكثير لينتفي القليل ضرورة ؛ لأن الظالم يقصد بظلمه الانتفاع بما يأخذه، فإذا ~~ترك الكثير مع زيادة نفعه.. فالقليل أولى، وبأنه بمعنى ذي ظلم، ونسب للمحققين) ~~وبأنه بمعنى فاعل، فلا كثرة فيه، وبأن أقل القليل لو وقع منه تعالى.. لكان كثيرا، ~~كما يقال : زلة العالم كبيرة، وبأنه أراد بليس يظلار} ليس بظالم ، تأكيدا PageV00P561 ~~============================================================ ~~للنفي، فعبر عن ذلك ب ليس يظلاو} وبأنه ورد ردا على من قال : ظلام، فلا ~~مفهوم له، وبأن صيغة المبالغة وغيرها في صفاته تعالى سواء في الاثبات، فجرى ~~النفي على ذلك، وبأنه ms505 تعريض بأن ثم ظلأما للعبيد من ولاة الجور، وهلذه كلها ~~تصلح جوابا عن الثانية، وزيد عاشر، وهو : مناسبة رؤوس الاي. # (إذا) ظرف لا رحيما) (ما) زائدة (ذهلت) أي: غفلت (عن أبنائها ~~الرحماء) مقتبس من قوله تعالى: يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت ~~وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكنرى وما هم يسكرى وللكن عذاب الله ~~شديد وتقييد رحمته بالمؤمنين بهذا ليس لانتفائها في غيره ، بل لأنها في هذا اليوم ~~أظهر وأعم؛ لأن الله تعالى يظهر له صلى الله عليه وسلم من العظمة والسؤدد والتقدم ~~على جميع الأنبياء والمرسلين، وتخصيصه بالشفاعة العظمى في فصل القضاء ما يعلم ~~جميع أهل ذلك الموقف أنه لا أقرب منه إلى ربه، وأن كل نسب ينقطع في ذلك اليوم ~~الا حسبه ونسبه ~~وفي (الرحيم) و( الرحماء) رد العجز على الصدر، وفي (الذمام) و(ذماء) ~~و(صاعدات) و(صعداء)، و(أقتفي) و(اقتفاء)، و( وعرة) و( عراء)، ~~و(يتقي) و(الاتقاء)، و(ذرعا) و(درعاء)، و(العرج) و(العرجاء)، ~~و(رضا) و(الرضا)، و(حب) و(الحباء) جناس الاشتقاق أو شبهه، و(أعمال) ~~و(مال) جناس ناقص، و(بطان) و(بطاء) لاحق، و(حر) و(الحر) محرف: ~~1369 ~~يا شفيعا في المذنبين إذا أش فق من خوف ذتبه البرآء ~~(يا شفيعا) من الشفاعة، وهي: السعي في إصلاح حال المشفوع فيه عند ~~المشفوع إليه (في المذنبين) في غفران ذنوبهم، وكشف كروبهم (إذا) ظرف ~~ل(شفيعا) وفيه ما في الذي قبله (أشفق) أي : ذل؛ إذ الشفق يطلق على المشقة، ~~وشأن من حصلت له المشقة : الذلة والدهشة، وحمله على هلذا هو الصواب، وأما ~~تفسير الشارح له بالخوف.. فهو وإن كان موضوعا له أيضا، لكنه لا يناسب هذا؛ ~~لأنه لا يلائم قوله : (من) أجل (خوف) عقاب (ذنبه) عائد ل( البرآء) المتقدم ~~28 PageV00P562 ~~============================================================ ~~رتبة، وأفرده نظرا للفظ لا للمعني، أو لكون المراد منه الجنس، على حد قوله ~~صلى الله عليه وسلم : 9 خير نساء ركبن الإبل نساء قريش ؛ أخناه على طفل..." ~~الحديث (1) (البرآء) أي : من الكبائر، جمع بريء بوزن قتيل، وذكرهم لأن خوفهم ~~من الصغائر فقط يدل على شدة ذلك اليوم ومناقشة ms506 الحساب فيه، وأن الخوف فيه من ~~الذنوب يعم اكثر الناس؛ لأنهم لا يخلون عن صغيرة، بل صغائر، بل لا يخرج من ~~ذلك إلا المعصومون، ويلحق بهم المحفوظون، ومع ذلك يعمهم الخوف آيضا وإن ~~لم يكن لهم ذنب، كيف والأنبياء شعارهم في ذلك اليوم: "اللهم؛ سلم ~~سلم"(2)؟1 ~~جذ لعاصي وما سواي هو العا صي وللكن تنغري اشتخياء ~~(جد) يا من تحلى بكمال الرحمة، ونهاية الشفاعة بجاهك الواسع، فإنه لا أوجه ~~منك عند ربك (لعاص) استأسرته الخطايا، وأحاطت به المحن والبلايا، والأصل: ~~(لي) أو (لنا) فهو تجريد والتفات، وآثر فيه التنكير لما يأتي، ولم يعين ما يجود به ~~عليه قصدا لعموم المسؤول؛ بأن يجود عليه في ذلك اليوم بايصاله بشفاعته له إلى كل ~~مرغوب، وصرفه عن كل مرهوب (وما) نافية (سواي) أي: غيري (هو العاصي ~~ولكن تنكري) الواقع في قولي : (لعاصي) (استحياء) منك أن أذكر لك نفسي بلفظ ~~ي دل عليها بخصوصها، مواجها لك بالتصريح بارتكابها ما نهيتها عنه، وحمل ~~(الاستحياء) على التنكر مبالغة، كرجل عدل: ~~فان قلت : ذانك مصدران، بخلاف هذا ~~قلت : المراد: التشبيه من حيث إن حمل الخبر في كل يحتاج لتأويل؛ لأن الحمل ~~شرطه المساواة، وهي غير موجودة هنا؛ لتباين مدلوليهما، هذا تقرير عبارته، وفيه ~~مؤاخذتان: ~~(1) أخرجه البخاري (3434)، ومسلم (2527) ~~(2) أخرجه البخاري (806)، ومسلم (182) PageV00P563 ~~============================================================ ~~إحداهما: الذي عليه الجمهور: أن ضمير الفصل إنما يفيد قصر المسند على ~~المسند إليه، وكذا تعريف الخبر على ما ذكره صاحب " المفتاح" ويشهد له ~~الاستعمال، نحو : إن الله هوالرزاق} أي : لا رازق سواه. # وفي الفائق" - وكلام " الكشاف " يميل إليه - : أن تعريف الخبر قد يكون لقصر ~~المسند إليه، وقد يكون لقصر المسند، بحسب المقام، فعلى الأول : أن (هو ~~العاصي) دال على حصر العصيان في (سواي) كزيد هو القائم، والمستفاد من النفي ~~الداخل على الجملة نفي ذلك الحصر، بناء على ما هو المشهور : آن النفي يتوجه ~~للقيد، فإن توجه للمقيد أيضا.. توجه الاعتراض الاتي من باب أولى، وحينئذ ~~فمفهومه يشمل شيئين: آنه عاصي وحده، وأنه عاص هو وغيره؛ لأنك ms507 إذا قلت: ~~ليس سوي زيد هو القائم. احتمل مفهومه : آن زيدأ هو القائم وحده، وأته هو وغيره ~~قائمان، وإذا أفهم النظم ذلك. . لم يصح قوله : (وللكن...) إلخ؛ لأنه أثبت على ~~احتمال العصيان لغيره معه، وهو خلاف قصده من آنه العاصي وحده؛ أي: ادعاء ~~وهضما للنفس لا حقيقة ، لأن الواقع بخلاف ذلك ~~ثانيتهما : أن التنكير هنا لا نسلم أنه يفيد الاستحياء، ولين أفاده.. فشأن السائل ~~عدم الحياء؛ لأن المطلوب من المحتاج آن يرفع حاجته مبينا لنفسه حتى يعرف حاله ~~فيتعطف عليه، فاتهامه لنفسه حينثذ غير لاثق ~~ولك أن تجيب عن الأولى بأن من الواضح أن (سوى) كا غير) فلا تتعرف ~~بالإضافة إلا إذا وقعت بين ضدين، بل قال جماعة : لا تتعرف بها مطلقا، وأن (أل) ~~(من الكامل] ~~في (العاصي) للعهد الذهني، فهي للجنس على حد: ~~ولقذ أمؤ علسى اللئيم يسئني ~~فيراعى فيها التعريف تارة، والتنكير أخرى، وحينيذ زال الحصر الموهم مفهومه ~~ما مر، وصار المعنى: وما سواي عاصيا، بل أتا العاصي وحدي ~~وعن الثانية : بأن السائلين على أقسام: منهم من يغلب عليه الحياء والخجل من ~~ارتكابه ما كان سببا لسؤاله، فيستر نفسه حياء وخجلأ من المواجهة بالتصريح بارتكاب ~~القبائح، وسترا واحتشاما من اعترافه بالنقائص والقبائح؛ خشية من آن يظهر عليه PageV00P564 ~~============================================================ ~~ما يمين سبب سؤاله، فيكون مقتضيا لحرماته، والناظم رحمه الله تعالى لمزيد ~~اجلاله للنبي صلى الله عليه وسلم راعى ذلك فنكر نفسه وذكر الوصف المقتضي ~~لسؤاله على جهة الابهام لا التفصيل؛ حياء من آن يبين نفسه أو معصيتها، فيكون ~~ذلك سببآلرده. # تنبيه : لا زلت أتطلب أن ما ذكره الناظم هنا من أن سبب التنكير له قد يكون ~~للاستحياء، هل صرح به آحد غيره؟ حتى وجدتهم صرحوا بما يقرب منه، وهو ~~قولهم : لكل من التنكير والتعريف مقام لا يليق بالآخر، فمن أسباب التنكير : إرادة ~~الوحدة ، نحو : وجاء من أقصا المدينة رجل يسى} أي : وحده. # أو إرادة النوع ، نحو: {هذا ذكر أي : نوع من الذكر ، و: { وعلى أبصكرهم ~~غشوة} أي: نوع غريب من ms508 الغشاوة لا يتعارفه الناس، بحيث غطي ما لا يغطيه شيء ~~من الغشاوات ، ومما يحتملهما : وألله خلق كل دايتومن ملو} أي : كل نوع منها من كل ~~نوع منه، أو كل فرد من أفرادها من أفراد النطف. # ارادة التعظيم ، بمعنى أنه أعظم من أن يعين أو يعرف، نحو : { فأذنوا بحرب من ~~الله، ولهم عذاب أليو، ( أن للم جنت، وسلم عليه} ~~ارادة التكثير ، نحو : إن لنالاتجرا أي : وافرا جليلا ~~ارادة التقليل ، نحو : ورضوانه ق الله أكبر أي : رضوان قليل منه أكبر من ~~الجنات بأسرها ~~إرادة التحقير، بمعنى انحطاط شأنه إلى حد لا يمكن أن يعرف ، نحو : { من أى ~~شقخلقده أي : من شيء حقير مهين، ثم بينه بقوله: من نطفة خلقه} وهذا المعنى ~~يقرب من الاستحياء الذي ذكره الناظم. # وهنا قاعدة يعم نفعها، وهي : أن الاسم إذا ذكر مرتين؛ فإن كانا معرفتين.: ~~فالثاني عين الأول غالبا ؛ دلالة على المعهود الذي هو الأصل في (اللام) والإضافة، ~~حو آهدنا الصرط المستقيه * صرط الزي} أو نكرتين.. فالثاني غير الأول ~~غالبا ، وقد اجتمعا في : { فإن مع العشر ثشرا* إن مع العسر بسرا) قال صلى الله عليه PageV00P565 ~~============================================================ ~~وسلم : "لن يغلت غسر يسرين"(1) فهو تصريح بما ذكر في القسمين، أو الأول نكرة ~~فقط. فكالقسم الأول، نحو: رسولا * فعصى فرعوث الرسول} أو عكسه.. حكمت ~~القرائن، ونقضت هذه القاعدة بآيات كثيرة، نحو: { هل جزاء الايحسن} أي: ~~العمل إلا آلإحن} أي : الثواب، ( وهو الذى فى السماء إله وفي الأرض إلله} ، ~~{وئؤت كل ذى فضل فضله} ويرده : ما مر أنها أغلبية، على أن بعض المحققين بين أن ~~جميع ما أورد عليه من الأيات من جملة أفرادها، وأنه لم يشذ عنها شيء، للكن في ~~بعضه تكلف ~~1391 ~~وتداركه بالعناية ما دا م له بألذمام منك ذماء ~~(وتدار كه) أي: أدركه (بالعناية) منك له؛ بأن تمده بواسع كرمك، وتفرغ عليه ~~سجال حلمك حتى لا يأتي قط بهفوة (ما دام له بالذمام) بمعجمة، قسم متعلق ~~با تداركه)، وإلا.. لزم خلوه عن معنى يليق بالسياق؛ أي: تدار كه ms509 بحق حرمتك ~~التي آنعم الله بها عليك ما دام له (منك ذماء) بالمعجمة؛ آي: تعلق، وأصله: بقية ~~الروح في المذبوح؛ أي : ما دام فيه أدنى تعلق واستمساك بك ؛ لأنك أكرم الكرماء ~~من الخلق، وعادة الكريم أن من تعلق به.. نجا من كل ما يخافه من آليم العذاب، ~~وبغد الحجاب، ولم لا وقد ~~399 ~~أخرته الأغمال والمال عما قدم الصالحون والأغنياء ~~(أخرته) أي : ذلك العاصي (الأعمال) السيئة التي ارتكبها (والمال) الفاني ~~الذي أمسكه عن صرفه في وجوه الخير، أو جمعه من وجوه الشر حتى اشتغل به قلبه، ~~وطاش في جمعه لبه، ولم يبال من آي واد جمعه، ولا بأي وصف اكتسبه (عما قدم ~~الصالحون) جمع صالح، وهو: القائم بحقوق الله تعالى وحقوق العباد، وهو يشمل ~~(1) أخرجه البيهقي في " الشعب"(10013) PageV00P566 ~~============================================================ ~~حتى الملائكة، ومن ثم أخبر صلى الله عليه وسلم : أن المصلي إذا قال في تشهده : ~~السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أصابت كل عبد صالح في السماء ~~والأرض(1). # وبين (أخرته) و(قدم) التطابق، كا الحسنات) و(السيئات)، و(الملح) ~~و(الفرات)، و(الاستقامة) و(الاعوجاج)، و(النوم) و(اليقظة)، و(وراء) ~~و(آمام)، و(الصيف) و(الشتاء)، و( الحر) و(البرد)، و( يومي) ~~و(ليلتي)، و(الرجاء) و(الخوف) ، و(الأقوياء) و(الضعفاء) الآتيات ~~(والأغنياء) من الأعمال الصالحة، والإنفاق في وجوه الخيرات، وهذذا لف ~~ونشر مرتب ؛ لأن الأول للأعمال ، والثاني للمال: ~~ثم اعترف بذنوبه ؛ لأن الاعتراف مظنة العفو، قال تعالى : { وهاخرون اعترفوا ~~بذنوبهم. الآية، متندما عليها؛ للحديث الصحيح : " الندم تؤبة "(2) فقال : ~~3931 ~~كل يؤم ذثوبه صاعداث وعليها أنفاشه صعداه ~~(كل يوم) وليلة (ذنوبه صاعدات) مع ملائكة الليل والنهار الذين يرفعون أعمال ~~العباد فيهما إلى الله تعالى؛ إظهارا لعظيم فضل الطائع، وقبيح فعل العاصي ~~(وعليها) أي: من آجلها (أنفاسه صعداء) أي: متواترة ممدودة من شدة ما يلقى ~~من كرب الندم وفرط الأسف عليها، وسبب الوقوع في ورطتها : أنه ~~الف البطنة المبطعة العد ر بدار بها البطان بطاء ~~(ألف البطنة) بالكسر؛ أي : ملأ بطنه من الطعام والشراب، كذا قاله الشارح، ~~والذي في " القاموس" : (أنها الأشر والبطر) وقال في البطر : (إنه النشاط، ~~(1) اخرجه ms510 البخاري (835)، ومسلم (402) ~~(2) أخرجه ابن حبان (612)، والحاكم (243/4)، وابن ماجه (4252)، وغيرهم. # 3 PageV00P567 ~~============================================================ ~~والأشر، وقلة احتمال النعمة، والدهش، والحيرة، أو الطغيان بالنعمة، وكراهية ~~الشيء من غير أن يستحق الكراهة) اه وكل ذلك صحيح هنا. # وقال في البطن بوزن كتف : (إنه الأشر المتمؤل ومن همه بطنه، والرغيب ~~لا ينتهي من الأكل) : ~~(المبطئة السير) إلى الله تعالى؛ أي : المعوقة عن الاجتهاد في رضاه باستفراغ ~~الوسع في الأعمال الصالحة التي هي سبب هداية السبيل وتنره النفس عن كل وصف ~~دنيء ، وخلق رذيل، ولو لم يكن من شؤم البطنة إلا ما أشار إليه صلى الله عليه وسلم ~~بقوله : " ألمؤمن يأكل في معى واحد ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء"(1) . . لكفى ، ~~مع أنها تفسد العقل بإذهاب فطنته، والبدن بازالة نشاطه وقوته ~~(بدار) وهي الدنيا (بها) أي: فيها (البطان) جمع بطين، ككرام جمع كريم ~~(بطاء) جمع بطيء على وزن الجمع قبله، فهم متأخرون عن الفائزين، متخلفون عن ~~السابقين ~~س اه ~~فبكى ذتبه بقشوة قلب نهت الدمع فألبكاء مكاء ~~ال ~~(ف) بسبب عصيانه (بكى ذنبه بقسوة قلب) آي: مع شدته وغلظته المؤديين إلى ~~أن البكاء صوري لا حقيقي، ومن ثم (نهت) تلك القسوة ( الدمع) عن أن يبرز منه ~~شيء في عين ذلك الباكي (ف) بسبب هذا النهي انقلب (البكاء) عن حقيقته، ~~وهو: حزن يعتري القلب، فيحصل له من الهيبة والقلق المزعج والخوف المقلق ~~ما يجري الدموع، وينتج الرجوع، وينفي الهجوع، وصار ذلك البكاء كأنه (مكاء) ~~بالتخفيف؛ أي: كالصفير، بجامع أن كلا صوت يجري على اللسان ولم يتاثر به ~~القلب ~~وبين (البكاء) و(المكاء) الجناس المضارع. # (1) أخرجه البخاري (5393)، ومسلم (2061) PageV00P568 ~~============================================================ ~~ا396ا ~~وغدا يغتب القضاء ولا عذ ولعاص فيما يعوق القضاء ~~ال ال ~~(وغدا) أي: صار ذلك العاصي بعد ما وقع منه من المعاصي والبكاء الذي ~~لا يفيد لمزيد قسوة قلبه (يعتب) من: عتب عليه : وجد عليه (القضاء) من: قضاه ~~صنعه وقدره؛ آي: يقول: لم أو كيف قدر علي هلذا (و) الحال أنه (لا عذر ~~لعاص) يحتج به على الله تعالى حتى يسقط إثمه، ms511 وتندفع مؤاخذته (فيما يسوق) إليه ~~(القضاء) والقدر من المعاصي؛ لأن الله تعالى أجرى عادته الإلهية في هذذا العالم ~~على أسباب ومسببات تناط بتلك الأسباب، وينسب وقوعها إليها نظرا للصورة ~~الوجودية، وإن كان الكل في الحقيقة إنما هو بقضائه وقدره، كما يدل على ذلك كله ~~قوله تعالى : وما رميت إذ رميت ولكرب الله رمى) ، فلم تقشلوهم ولنكرب الله ~~قتلهة، فأسند تعالى إليه الرمي وإليهم القتل باعتبار الصورة الوجودية، وتفاهما ~~عنهم باعتبار الحقيقة الإيجادية، إشارة إلى آنه يجب علينا رعاية المقامين، بأن نسند ~~الأفعال إلى فاعليها صورة ليمدحوا أو يذموا باعتبار جريان تلك الصور عليهم، ~~وإلى الله تعالى حقيقة من حيث عجز العبد عن ذلك، وانفراد الحق تبارك وتعالى به ~~وأن نعتقد بطلان مذهب القدرية الذين ينفون قدرة الحق، ويثبتون قدرة العبد، ~~تخيلا منهم أنهم فروا بذلك عن نسبة القبيح إلى الله تعالى، وغفلة عن أنه يلزمهم ما هو ~~أقبح من ذلك، وهو أن يجري في ملكه تعالى ما لا يشاؤه، على أن نسبة أفعال العباد ~~إليه تعالى لا تستلزم نسبة القبيح إليه ، لأن الشيء إنما هو قبيح بالنسبة لفعلنا لا لفعله ~~تعالى ؛ لأنه يتصرف في ملكه بما يشاء، لا يستل عما يفعل وهم يستلوب ~~وأن نعتقد بطلان مذهب الجبرية أيضا؛ لأنه يلزم عليه أن لا ثواب ولا عقاب، ~~ولا مدح ولا ذم؛ لأن المجبر المكره على الشيء من كل وجه لم يصدر منه فعل ينسب ~~إليه حتى يدار عليه حكم، وقد علم من الشريعة الغراء : أن الله تعالى أسند الأفعال ~~لعباده، ومدحهم عليها تارة وذمهم أخرى، فنتج ما قلناه من التوسط بين المذهبين ~~بأن نظرنا إلى الأفعال من حيث الصورة، وأنطنا بها أحكاما ومن حيث الحقيقة، ~~وأنطنا بها أحكاما ؛ لأن هلذا هو العدل السوي، والطريق الواضح الجلي PageV00P569 ~~============================================================ ~~ونظير هذا : مذهب الرافضة والناصبية وأهل السنة، فالرافضة سبوا الشيخين ~~وعثمان وأكثر الصحابة، ووالوا عليا وشيعته، والناصبية سبوا عليا وشيعته، ووالوا ~~أولئك الأكثرين، وأهل السنة عدلوا، فوالوا الكل، وترضوا عنهم، فكانوا في ~~الجنة، وكان ms512 كل من ذينك هنا وفيما مر في النار(1). # فإن قلت : قوله : (ولا عذر...) إلخ ينافيه احتجاج آدم بالقضاء والقدر في ~~قصته المشهورة مع موسى على نبينا وعليهما السلام لما قال له موسى: أنت أبونا آدم ~~الذي أخرجتنا من الجنة بخطيئتك ؟ أي : بالنسبة لمقامك، وإلا.. فهي ليست بخطيئة ~~حقيقة؛ لأنه نسي كما في الآية، وأيضا فلعموم عصمة الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام، فقال له : بكم تجد في التوراة قدر علي ذلك قبل أن أخلق ؟ قال : بأربعين ~~سنة، فقال : أتلومني على ذنب قدره الله علي قبل أن أخلق بأربعين سنة ؟ قال نبينا ~~صلى الله عليه وسلم : "فحج آدم موسى"(2). # وكذلك احتج عمر على أبي عبيدة بالقدر لما ذهب إلى الشام ، فرأى فيها طاعونا، ~~فأراد الرجوع ، فقال له أبو عبيدة : أفرارا من قدر الله تعالى يا أمير المؤمنين؟ فقال له ~~عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة - اي: لأوجعته ضربا - نعم، نفر من قدر الله إلى ~~قدر الله(3). # قلت : لا ينافيه، أما الأول.. فلأن الاحتجاج بالقدر إن كان قبل الوقوع في ~~الذنب؛ ليكون وسيلة للوقوع فيه.. لم يجز، وإن كان بعد الوقوع فيه وقبل آن ~~يستوفي منه ما وجب به؛ ليمتع بذلك مؤاخذته به. . لم يجز أيضا، وإن كان لا ليمنع ~~ذلك، بل ليمنع تعييره به.. ساغ له ذلك، كما صرح به قوله صلى الله عليه وسلم: ~~" فحج آدم موسى". # وأما الثاني : فالواقع من عمر ليس من الاحتجاج بالقدر في ذلك ، وإنما هو بيان ~~(1) أشار الشارح رحمه الله بقوله : (هنا) إلى الرافضة والناصبية، ويقوله : (وفيما مر) إلى ~~القدرية والجبرية الذين تكلم عنهم آنفا ~~(2) أخرجه البخاري (3409)، ومسلم (15/2652) ~~(3) اخرجه البخاري (5729)، ومسلم (2219) PageV00P570 ~~============================================================ ~~لأسرار ما جاءت به الشريعة المطهرة ؛ لأن الشارع نهى عن دخول بلد الطاعون، مع ~~أنه إن قدر موته بذلك الطاعون.. لم ينفعه عدم الدخول، وإلا.. لم يضره ذلك ~~الدخول، فبين عمر رضي الله تعالى عنه : أن المسببات منوطة بأسبابها من غير نظر في ~~عواقبها، وأن الله تعالى كما قدر على آناس الموت بالطاعون.. قدر ms513 على آخرين عدم ~~الموت به، فالامتناع من الدخول فرار من القدر إلى قدر آخر، والدخول تجاسر على ~~ما لعله يكون فتنة للداخل، فإنه لو وقع به.. ربما نسب موته إلى فعله، فحرم عليه ~~خشية الفتنة ~~فإن قلت : والممتنع من الدخول إذا سلم.. ربما نسب السلامة إلى فعله أيضا ~~قلت : هلذا أخف؛ لأن الأول إلقاء باليد إلى التهلكة، وهو منهي عنه في الكتاب ~~والسنة، والثاني بمنزلة التداوي والفرار من المهلك، وهذا محمود في الكتاب ~~والسنة ~~فإن قلت : لم جاز الفرار قبل الدخول لا بعده مع استوائهما في المعنى المعلل به ~~فيما مر؟ # قلت : لا مساواة بينهما؛ لأنا لو جوزنا الفرار لأهل البلد.. لخرجوا وتركوا ~~المرضى من غير حافظ ولا متعهد، وذلك يؤدي إلى هلاكهم غالبا، فاقتضت ~~المصلحة العامة منع الناس من الخروج، وأما من لم يدخلها. فلا يترتب على عوده ~~مفسدة، فجاز حينثد ~~ثم رأيت الغزالي ذكر ما قررته في الجواب عن كلام عمر رضي الله تعالى عنه، ~~ونقله عنه النووي وغيره وأقروه حيث قال : (فإن قيل : ما فائدة الدعاء مع القضاء مع ~~أن الدعاء لا يرده . فاعلم : أن من جملة القضاء رد البلاء بالدعاء، فالدعاء سبب ~~لرد البلاء ووجود الرحمة، كما أن الترس سبب لدفع السلاح، والماء سبب لخروج ~~النبات من الأرض، فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان . فكذلك الدعاء والبلاء، ~~وليس من شرط الاعتراف بالقضاء أن لا يحمل السلاح ، وقد قال تعالى : { وليأخذوأ ~~حذرهم وأسلحتهم)، فقدر الله تعالى الأمر وقدر سببه) اه(1) ~~(1) الأذكار (ص 139- 640). PageV00P571 # ============================================================ ~~فتأمل هلذا المحل فإنه نفيس، وفيه شبه كثيرة آزالها - بحمد الله - هذا التقرير ~~الواضح لمن آلهم رشده، وأسعد الله جده، وخلصه من ورطات الفتن، وغوائل ~~البدع والمحن، حقق لنا ربنا ذلك بمنه وكرمه ~~وإذا تقرر أنه لا عذر فيما يسوقه القضاء بالمعنى السابق، سواء كانت المعصية ~~صغيرة أو كبيرة.. فكيف يعذر من ~~أؤثقته من الذنوب 3يون شددث في اقتضائها الغرماء ~~و ~~(أوثقته) أي : حبسته في الدنيا عن الخلوص من التبعات، وفي الاخرة عن مقامه ~~المكرم ms514 (من الذنوب) حال متقدمة على صاحبها، وهو (ديون) آي: ديون تراكمت ~~عليه، ناشثة من كثرة ذنوبه وتفريطه في حقوق الله تعالى وحقوق عباده (شددت في ~~اقتضائها) أي: طلبها منه (الغرماء) لأن حقوق الله مبنية على المسامحة، وحقوق ~~العباد على المشاحة والمضايقة ~~99 ~~ما له حيلة سوى حيلة المو ثق إما تسوشل أو ذعاء ~~(ما له حيلة) أي : طريق في التخلص من تلك الديون (سوى حيلة الموثق) أي : ~~الأسير الذي صار لا يقدر على هرب ولا تخلص، وحيلة من هو كذلك تنحصر في ~~شيئين لا ثالث لهما؛ لأنهما (إما توسل) إلى الله تعالى في خلاصه بما سبق له من ~~عمل صالح، أو بشفاعة الشافعين (أو دعاء) إليه في أن يرضي عنه غرماءه، ويسبل ~~عليه ذيل عفوه وحلمه ورضاه ~~راجيا أن تعود أفماله الشو بغفران الله وهي هباء ~~(راجيا) حال من (عاصي) وضمائره المذكورة ؛ أي : مؤملا أملا قريبا (أن تعود PageV00P572 ~~============================================================ ~~أعمال السوء) عليه (بغفران الله) له مغفرة عامة، لا تبقي عليه وصمة ذنب، ~~ولا تذر له قسوة قلب (و) الحال أن تلك الأعمال (هي) في جنب الغفران (هباء) ~~أي: مثله في آنها لا وجود لها؛ إذ هو غبار يرى في شعاع الشمس إذا دخلت عند ~~طلوعها من كوة ~~ا40د ا. # أو ترى سيتائه حسنات فيقال أشتحالت الصهباء ~~ن ~~(أو) أن (ترى سيئاته حسنات) منة عليه، باندراجه في سلك: إلا من تاب ~~وءام وعمل عملا صللحا فأؤلكي يبول الله سيغاتهم حسندت} (ف) بسبب استحالة ~~السيئات حسنات (يقال) عند رؤية ذلك : (استحالت الصهباء) أي: الخمرة، من ~~الخمرية والنجاسة إلى الخلية والطهارة، فتشبيه السيئات بالخمر والحسنات بالخل ~~استعارة مصرحة، وإثبات الاستحالة التي هي من لوازم المشبه به تخييلية ~~ح الا ~~كل أمر تعني به تقلب الأف يان فيه وتعجب البصراء ~~~~(كل أمر تعني) أي: تعتني وتهتم آنت يا رسول الله (به) وتلتفت إليه (تقلب ~~الأعيان) جمع عين، وهي الجسم، وهو معنى تفسيرها بأنها: المبصر مستقلا بنفسه (فيه) ~~بأن تتحول من صفتها التي لا تريدها إلى ms515 الصفة التي تريدها (وتعجب البصراء) جمع بصير ~~حساومعنى؛ أي: ذوو البصائر، والبصر من ذلك القلب الخارق للعادة المشاهد بالأبصار ~~الذي لا يعارض بجحود ولا إنكار، وشاهده ما وقع لك في ذلك بالفعل؛ إذ ~~: ~~51409 ~~رب عني تقلت يي مايتا اليذ ح قأضتن وفو الفراخ الاراه ل ~~(رب) هي هنا للتكثير، قاله الشارح (عين) من عيون الماء؛ أي: عيون كثيرة ~~(تفلت) أي : بصقت (في مائها الملح) الذي لا يساغ لأحد (فأضحي) ماؤها ~~139 PageV00P573 ~~============================================================ ~~الملح (و) الحال أنه (هو الفرات) أي: العذب السائغ للشاربين، أو هو كالنهر ~~المسمى بالفرات الذي هو أحد الأنهار الأربعة النازلة من الجنة، كما صح به ~~الحديث (1) (الرواء) بالفتح؛ أي : الذي يحصل بقليله الريي الكامل لشارييه. # قال الشارح في (وهو الفرات الرواء) : (الجملة خبر " أضحى") اهوهو جار ~~في ذلك على مذهب الأخفش، وتبعه ابن مالك؛ تشبيها بالجملة الحالية، للكن ~~الجمهور أنكروا ذلك، وتأولوا الجملة على الحال، والفعل على التمام، ولعل ~~نسخته بلا (واو) قبل (هو) ~~تنبيه: لم أر لخصوص التفل في ماء عين ملح فانقلب عذبا فضلا عن كثرته التي ~~قالها الشارح سلفا، ويحتمل : أن الناظم أخذ ذلك مما رواه أبو نعيم : أنه صلى الله ~~عليه وسلم بصق في بثر أريس، فلم يكن في المدينة بثر أعذب منها، فوجود الأعذبية ~~في هلذه ببركة بصاقه صلى الله عليه وسلم فيها منر منزلة ماء ملح صار عذبا ~~وفي حديث سنده حسن: آنه صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وليس بها ماء ~~يستعذب غير بثر رومة(1)، وهذا يقتضي أن ما عدا بثر رومة من بقية آبار المدينة كانت ~~مياهها فيها ملوحة منعت الاستعذاب منها، ومن جملة هذه بثر آريس، وقد صارت ~~ببركة تفله صلى الله عليه وسلم فيها أعذب بئر بالمدينة، فصار ماؤها الذي تقرر آن به ~~ملوحة أعذب بثر بالمدينة، فتتج من هلذا صحة ما قاله الناظم رحمه الله تعالى ~~فتأمله ~~ثم رأيت للبغوي في ل الصحابة " عن بشر السلمي : (أن المهاجرين لما قدموا ~~المدينة. استنكروا الماء) الحديث السابق في ms516 بثر رومة، فتعبيره باستنكارهم ~~مياهها يدل على آن فيها ملوحة، وما تقرر في بثر آريس يدل على زوال ملوحتها ~~بالكلية، وأنها صارت أعذب حتى من بثر رومة، ثم رأيت الشريشي شارح ل مقامات ~~الحريري " ذكر : أن النبي صلى الله عليه وسلم تفل في بئر أريس، فعاد ماؤها عذبا ~~بعد أن كان أجاجا، وما ذكره غير صحيح، بل قال الحافظ الكبير الزين العراقي : إنه ~~(1) اخرجه مسلم (2839). # (2) أخرجه الترمذي (3703)، والتسائي (235/6). PageV00P574 # ============================================================ ~~لم ير أصلأ لحديث تفله صلى الله عليه وسلم في بثر أريس، قال غيره: ومن الغرائب ~~قول العز ابن جماعة : صح أنه صلى الله عليه وسلم تفل فيها، فحينئذ ما قاله الشريشي ~~لا أصل له ولا عند ابن جماعة ؛ لأن فيه زيادة كون مائها كان أجاجا فصار ملحا، ~~وهذا لم يقل به ابن جماعة ولا غيره آنه ورد، فضلا عن كونه صح، ولعل الناظم ~~رحمه الله رأى ذلك في كلام مثل الشريشي ممن لا يعتد به في الحديث فاعتمده . # ثم رأيت الحافظ السيوطي ذكر ذلك بلا سند، فقال : (وريقه صلى الله عليه وسلم ~~يعذب الماء الملح) اه ~~ويحتمل: أن مراده كما يؤخذ من تعبيره بلا يعذب) لا ب( أعذب): آن ريقه ~~صلى الله عليه وسلم فيه قوة ذلك، فلا يكون فيه دليل لما في النظم أصلا. # وإذ قد فرط مني ما سبقت الإشارة إليه. فلا يسعني إلا مزيد الندم والتوجع منه ~~والتأوه عليه، بأن أقول على الدوام والاستمرار: ~~ما: ~~آه مما جنيث إذ كان يغني ألف من عظيم ذنب وهاء ال ~~(آه) كلمة توجع؛ آي: توجعي عظيم، وتندمي زائد دائم (من) أجل (ما ~~جنيت) على نفسي من الذنوب وقبائح العيوب (إن) هي بمعنى (إذ) على حد ~~وخافون إن كنثم مؤمنين} ولما قررته : أن ذلك التوجع يفيد الندم الوارد فيه عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه توبة؛ أي: معظمها المتكفل بباقيها غالبا، ك: "الحج ~~عرفة "(1).. (كان يغني ألف من عظيم ذتب) من إضافة الصفة للموصوف (وهاء) ~~اي: مسماهما، وهو التوجع المفيد للندم ms517 المفيد للتوبة كما مر، ويصح أن تكون ~~(إن) على حالها من الشك ؛ لأنا وإن سلمنا أن كلمة (آه) تفيد التوبة، للكن قبولها ~~ظني لا قطعي على الأصح، ولك أن تمنعه بأنه يكفي في كونها بمعنى (إذ) : أن ~~قبولها ظني ؛ لأن ظن الوقوع ينافي وضع (إن) من التردد فيه : ~~(1) أخرجه ابن خزيمة (2822)، والترمذي (889)، والتسائي (256/5)، وابن ماجه ~~(3015 PageV00P575 ~~============================================================ ~~ولما عرض بوقوع التوبة.. صرح برجائها؛ ليبين أن الاهتمام بها يمنع من الاكتفاء ~~عنها بالتعريض، فقال: ~~أرتجي الثؤية التصوح وفي القل سب نفاق وفي اللسان ريساء ~~~~(أرتجي) أي: أؤمل لحسن ظني بربي ، عملأ بقوله صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الصحيح : " لا يموتن أحدكم إلا وهو يخسن ألظن بربه"(1) وبقوله تعالى : ~~" أنا عند ظن عبدي بي، فلا يظن بي إلأ خيرا "(2) ( التوبة) وهي : الندم على الذنب ~~من حيث هو ذنب، بخلاف الندم عليه لغرض آخر، كاطلاع الناس عليه، وصرف ~~دراهم فيه، فإن ذلك لا يعتد به، والاقلاع عن المعصية بترك ملابسة فعلها من حيث ~~الندم عليها لا لغرض آخر أيضا، وعزم على أن لا يعود إليها ما عاش كذلك أيضا، ~~لا لنحو قطع ذكره، والخروج عن كل مظلمة عصى بها بقضاء ما عصى بترك أدائه ~~فورا، وبأداء ما عصى بأخذه ظلما إلى مالكه أو وكيله أو وارثه، هذذا إن قدر، ~~وإلا.. عزم عزما جازما أنه متى قدر على الخروج منه.. خرج منه لفوره: ~~والتوبة ولو من الصغائر واجبة إجماعا، وتصح على الأصح من ذنب دون ذنب، ~~وتصح على الأصح أيضا وإن سبقتها توبة من ذلك الذنب ثم عود إليه وإن تكرر ذلك: ~~(النصوح) أي : التي لا يعود من حصلت له إلى الذنب أبدا؛ لوقوعها خالصة عن ~~كل شائبة من شوائب الحظوظ، بأن تكون لله وحده، لا لغرض آخر ولو أخرويا، كأن ~~تاب لأجل دخول الجنة، فإن ذلك لا يؤثر في صحة أصل التوبة، وإنما يؤثر في ~~كمالها؛ لأنها مشوبة بغرض للنفس، بخلاف الخالصة لوجه الله تعالى، قال تعالى: ~~(وما أمروا إلا ليعيدوا الله ms518 تخاصين له الدين) ~~لككن أنى يفيدني هذا الترجي (و) الحال أني متلبس بما قد ينافيها؛ إذ (في ~~القلب نفاق) من حيث العمل، باعتبار آنه قد يبطن خلاف ما يظهر، لا من حيث ~~(1) آخرجه مسلم (2877)، وأبو داوود (3104)، وابن ماجه ( 4167) ~~(2) أخرجه البخاري (7405)، ومسلم (2675)، وليس عندهما : "فلا يظن بي إلا خيرا" ~~122 PageV00P576 ~~============================================================ ~~الاعتقاد ، لأن ذلك إنما يصدر ممن آمن بلسانه فقط ( وفي اللسان) والأركان (رياء) ~~أي: نظر إلى الخلق، باعتبار أن ما يصدر منهما قد يكون فيه شوب نظر إلى طلب رفق ~~أو ثناء من مخلوق ؟! ومع ذلك لا أترك التوبة رجاء قبولها، ولأجل ذلك قالت رابعة ~~رحمها الله تعالى: واستغفارنا وإن كان يحوج إلى استغفار. . لا يوجب ترك الاستغفار. # 06 ~~ومتى يشتقيم قلبي وللجث م أغوجاج من كبرتي وأنحناء ~~(ومتى) للاستفهام التعجبي (يستقيم قلبي) بأن لا يبقى فيه نظر إلى ما يحجب ~~عن الله تعالى من أهل أو مال أو جاه أو غير ذلك ، بل إلى الله تعالى وحده (و) الحال ~~أني قد وصلت إلي حالة تدل على غلظ القلب وشدته ، وعدم قبوله للخروج عما جبل ~~عليه من الغفلة واللهو، وتلك الحالة هي أنه حصل (للجسم اعوجاج من) أجل ~~(كبرتي) أي: كبر سني، ووهن عظمي، من: كبر- بكسر الباء - آي: أسن ~~(وانحناء) لقامتي، وهو من عطف الرديف أو الأخص؛ لأن الاعوجاج يعم الأعضاء ~~كلها، والاتحناء يختص بالقامة، إذ هو تقوس الظهر، وتبعد حينئذ الاستقامة، ~~بخلاف أيام الشباب؛ فإن العود رطب، والقلب لين، فأدنى وعظ يؤثر فيه، وأقل ~~زاجر يردعه عما هو متلبس به، فيبادر الى التوبة سريعا، وإنما أخرت التوبة إلى هلذا ~~الزمن؛ لأني ~~06 ~~كنث في نؤمة الشباب فما اشتد قظث إلا ولمتي شنطاء ~~(كنت في نومة الشباب) الذي تكثر فيه الغفلات، وتتوالى على أهله الهفوات، ~~فاستحكمت غفلتي حتى صرت كالنائم المستغرق الذي لا يفيق من نومه إلا بمحرك ~~قوي (فما استيقظت) من تلك الغفلة في حال من الأحوال ( إلا و) الحال أن (لمتي) ~~أي : لحيتي(1) (شمطاء) أي : اختلط سوادها ببياضها ~~(1) ما ms519 ذكره الشارح رحمه الله من أن اللمة هي اللحية.. غير ظاهر، والصواب أن اللمة : شعر ~~143 PageV00P577 ~~============================================================ ~~وما تقرر في زمن الشباب أولا : أنه محل قرب التوبة والانزجار بأدنى واعظ، ~~وهنا : أنه محل الغفلات والهفوات. . لا تنافي بينهما؛ لأنه وإن كان محل الهفوة ~~والزلة، للكن صاحبه يتنبه سريعا إلى زلاته، ويرجع عنها حالا، كما أن العود الرطب ~~يستقيم اعوجاجه بأدنى عمل، بخلاف زمن الشيخوخة، فإنه زمن الإمساك عن كل ~~هفوة وزلة، للكن صاحبه المرتكب للمعاصي إلى أن شاب يعسر عليه الرجوع والتوبة ~~فورا؛ لأن عوده قسا وصلب، فلا يتقوم اعوجاجه إلا بعد اليأس، ويشهد لذلك ~~الحديث : " إن قيل لك : إن جبلا تحول عن مكانه.. فصدق، وإن قيل لك : إن ~~إنسانا تحول عن طبعه. . فلا تصدق "(1). # وتماديث اقتفسي اثر القؤم فطالث مسافة وأفتفاء ~~(و) حينئذ بلغت هذه السن الذي تعسر فيه التوبة كما تقرر (تماديت) إلى أن ~~طلبت أن (أقتفي) أي : أتبع (أثر القوم) الصالحين السابقين إلى المراتب العلية، ~~والفائزين بنيل المراتب السنية (فطالت) علي (مسافة) بيني وبينهم؛ لبعد الدرجات ~~التي فازوا بها (واقتفاء) لأعمالهم وأخلاقهم؛ لأنهم استغرقوا فيها أوقاتهم في ~~الطاعات، وانقطعوا فيها إلى الله تعالى عن كل غفلة وتبعة ~~فورا السائرين وهو أمامي شبل وفرة وأزض عراء ~~(ف) بسبب طول المسافة التي بيني وبينهم (ورا) خبر مقدم (السائرين) أي: ~~السائرين ليلأ، من السرى، وهو السير ليلأ، وعدل إليه عن ورائهم الذي هو ~~القياس؛ ليفيد: أنهم أحيوا ليلهم بالعبادات، وامتازوا فيه بلذيذ المناجاة (وهو) ~~أي: ذلك الوراء ( أمامي) جملة معترضة؛ للتصريح بما علم من قوله: ~~الرأس إذا لم يجاوز شحمة الأذن، فإذا جاوزها. فهو جمة، والله أعلم ~~1) آخرجه أحمد (443/6) بنحوه PageV00P578 ~~============================================================ ~~(أقتفي. .) إلخ : أنه مع طول المسافة بينه وبينهم ، وتعذر اتباعه لهم.. صار بينه ~~وبينهم موانع أيضا (سبل) مبتدأ؛ أي: طرق (وعرة) أي: يعسر سلوكها؛ لأن ~~أولثك القوم كلفوا نفوسهم من الأعمال والتخلق بكراثم الأخلاق والأحوال ما أوجب ~~لغيرهم عدم اللحوق بهم؛ لعدم قدرتهم على القيام بما قام به أولئك (وأرض ms520 عراء) ~~بفتح أوله؛ آي : فضاء واسعة. # حمد المذلجون غب شراهم وكفى من تخلف الإبطاء ~~(حمد) أوليك القوم (المدلجون) أي: السائرون من أول الليل أو أكثره، ~~والقياس: حمدوا أيضأ، فعدل إلى الإظهار، ليبين أنهم على فرقتين: منهم من ~~يحيي بعض الليل ، ومنهم من يحيي الليل كله أو اكثره، وأن هلذا القسم الثاني أفضل ~~وأكمل؛ لأنهم رأوا ما يتجدد به حمدهم مما لم يره من قبلهم (غب) أي: عاقبة ~~(سراهم) من الفوز برضا الله تعالى وقربه، والاطلاع على حقائق معرفته، والتمتع ~~بشهوده، وهذا مقتبس من قولهم: عند الصباح يحمد القوم الشرى: ~~( وكفى من تخلف) عنهم في سيرهم، وهلذا راجع لقوله : (فورا السائرين)، ~~وقوله: (حمد) راجع لقوله : (السائرين) ففيه لف ونشر مرتب (الإبطاء) أي: ~~التأني في السير المفوت لإدراك منازلهم ، وفي ذكره هذا إيماء إلى غاية التحسر والتألم ~~بذكره حالهم التي حمدوا عقباها، وفاتته لعجزه عن إدراكها؛ لما هو عليه مما ~~لا يوصله إلى ذلك الغرض؛ لبعده عن تلك اللطائف، وتقاعده عن بلوغ المعارف، ~~كيف وما هم عليه من الجد في السير إلى الله تعالى ~~رخلة لم يزن يفتدني الصي حف إذا ما نويتها والشتاء ~~(رحلة) عظيمة عن مواطن الشهوات، وبواطن الشبهات، وقبائح الإرادات، ~~وقواطع البطالات، ورحلتهم هلذه عز علي أن أقتفيهم فيها؛ لأني (لم يزل يفندني) ~~أي : يكذب علي، أو يضعف رأبي (الصيف إذا ما) زائدة ( نويتها والشتاء) كذلك؛ PageV00P579 ~~============================================================ ~~أي : إذا جاء الشتاء.. أنوي إلى الصيف؛ لأن الشتاء يكثر فيه البرد والثلوج ~~والأمطار، فيعسر السير فيها، وإذا جاء الصيف.. أقول: أصبر بها إلى الشتاء؛ لأن ~~الأعمال تتيسر فيه أكثر، ومن ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألشتاء ربيع ~~المؤمن، طال ليله فقامه، وقصر نهاره فصامه "(1) وفي سنده من ضعفه جماعة ووتقه ~~آخرون، والأرجح: توثيقه في هذذا السند بخصوصه، ومن ثم صححه ابن خزيمة، ~~ويشهد له أحاديث ، منها : 9 مرحبا بآلشتاء؛ فيه تنزل الرخمة ، أما ليله.. فطويل ~~للقائم، وأما نهاره.. فقصير للصائم"(2) وحديث : " لم ينزل عذاب قط من السماء ~~على قؤم إلا ms521 عند أنسلاخ الشتاء". # وهو كما أوجب إبطائي عن تلك الرحلة إلا أنه ~~1411 ~~يتقي خو وجهي الحر والبز دوقذ عز من لظى الأتقاء ~~(يتقي حر وجهي) الخر: ما يبدو من الوجنة (الحر والبرد) باتقائه عنهما خوفا ~~من مشقتهما، وهما كنايتان عن مشقة العبادة في الشتاء والصيف، كما أن ما مر في ~~البيت الذي قبله كذلك (و) الحال أنه (قد عز) أي : صعب علي (من لظي) أي : ~~جهنم ، متعلق بقوله: (الاتقاء) لأني متلبس بما يؤول بي إليها إلا أن يتغمدني الله ~~تعالى برحمته، ولأجل هلذا ~~1412 ~~ضقت ذرعا مما جتيت فيؤمي قمطرية وليلتي دوعاء ~~(ضقت ذرعا) بالمعجمة (من) أجل (ما) موصولة أو مصدرية (جنيت) أي: ~~ضعفت طاقتي عن أن تتحمل وزره، ولم أجد من يخلصني من تقله، وأصل الذرع : ~~الخلق (فيومي قمطرير) أي: شديد، وهلذا كذكر (عراء) و(الرحلة) و(الصيف) ~~(1) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى "(4/ 297). # (2) أخرجه ابن عدي في " الكامل "(15/7). # 146 PageV00P580 ~~============================================================ ~~و(الشتاء) و(ضقت ذرعا) فيه اقتباس من الايات المذكور فيها ذلك، وتلميح إلى ~~ما فيها من القصص ( وليلتي درعاء) بالمهملة؛ أي: مظلمة، كناية عن شدة ما يلقى ~~فيها، وأصل الدرعاء: التي يطلع قمرها عند الفجر، ومراده : أن ذلك الضيق ملازم ~~له نهارا وليلا، لا ينفك عنه في واحد منهما ~~تنبيه : وقع للشارح أنه قال : الليلة الدرعاء - بالمهملة - ليست من الليالي البيض، ~~بل هي إحدى الثلاث التي تلي الليالي البيض، وليس بصحيح، وعبارة " القاموس" : ~~(وليلة درعاء: يطلع قمرها عند الصبح، وليال درع - يالضم، وكصرد- للثلاث تلي ~~البيض؛ لاسوداد أوائلها وابيضاض سائرها) اه ~~ففيه التصريح بأن الدرعاء ليست من إحدى تلك الثلاث، وأن تلك الثلاث لها، ~~وهي جمع معنى غير المفرد، وتوهم الشارح أن الجمع إذا كان معناه ذلك. لزم أنه ~~بمعنى المفرد، وهو إنما يتم إن كانت (درعاء) مفردا لذلك الجمع، وعبارة ~~"القاموس" صريحة في خلاف ذلك؛، لأنه فسرها بمعنى غير معنى الجمع. فتأمله. # اواهاا ه: ~~وتذكزث رخمة الله فالبث و لوجهي أئى انتحى تلقاء ~~(و) لكن خفف عني ذلك أني (تذكرت رحمة ms522 الله) أي : سعتها التي دل عليها ~~قوله تعالى: ورخمتى وسعت كل شيو وأنها سبقت غضبه ، كما دل عليه الحديث ~~الصحيح : " إن ألله كتب كتابا فهو عنده فؤق العرش : إن رخمتي سبقت غضبي "(1 ~~اي: آن مظاهر الرحمة غلبت مظاهر الغضب، وهذه العندية عندية الشرف والمكانة ~~لا المكان؛ لتعاليه تعالى عنه علوا كبيرا (ف) بسبب ذلك (البشر) أي : الفرح ~~والسرور (لوجهي) متعلق بخبر (البشر) وهو (تلقاء) وهذا أولى من جعل الشارح ~~له خبرا، و(تلقاء) خبرا أيضا (أني) أي : في أي مكان ( انتحى) أي : أتوجه (2) ~~(1) أخرجه البخاري (7422)، ومسلم (2751) ~~(2) قوله رحمه الله: (أي: آتوجه) آي: بمضارع مسند إلى ضمير مستتر تقديره (أنا) غير ~~مستقيم؛ لأنه يفهم أن قول الناظم : (أنتحي).. بمضارع، وليس (انتحى) بماض، وعند ~~14 PageV00P581 ~~============================================================ ~~(تلقاء) أي: مقابل؛ أي: فالبشر مقابل لوجهي في أي مكان توجهت إليه؛ لأني ~~مستشعر لسعة الرحمة ومعول عليها مع نظري إلى قول الصادق المصدوق الذي لا ينطق ~~عن الهوى عن ربه : " أنا عند ظن عبدي بي ، فلا يظن بي إلآ خيرا" ~~فألع الرجاء والخوف بألقذ ب وللخوف والرجا إخفاء ~~(ف) بسبب تذكري لما جنيت المقتضي لمزيد الخوف، ولسعة الرحمة المقتضية ~~لسعة الرجاء (ألح) أي: أقام (الرجاء والخوف بالقلب) فهما على حد سواء، كما ~~هو الراجح عند أئمتنا : أن الانسان ما دام صحيحا.. فليكن رجاؤه وخوفه مستويين ~~وقيل: يغلب الرجاء؛ لئلا يغلب عليه داء اليأس من رحمة الله تعالى، وقيل: يغلب ~~الخوف ؛ لئلا يغلب عليه داء الأمن من مكر الله تعالى، ويردهما: أنهما إذا استويا. # امنت غلبة أحدهما، فلا محذور يخشى حينئد، بخلاف غلبة أحدهما، فانه يخشى ~~منها المحذور الذي في مقابله ~~أما المريض. . فيغلب الرجاء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : "لا يموتن أحذكم ~~إلا وهو يخسن الظن بألله " أي : يظن أنه يغفر له ويرحمه . # (وللخوف والرجا) إذا تواردا على القلب (إحفاء) أي: استقصاء ومنازعة؛ ~~لتضاد مقتضاهما؛ إذ مقتضى الخوف اعتراء شدة وحصر للنفس لا يطاقان؛ لأن ~~ملازمته الكفت عن كل محرم، بل وشبهة، بل وعما فضل عن ms523 حاجته من الحلال:: ~~هو شأن الزاهدين؛ إذلم يحملهم على ذلك إلا عظم خوفهم ولو من هول السؤال: ~~ومقتضى الرجاء بسط النفس وانشراحها؛ لأن من لازمه استحضار سعة الرحمة ~~وأن الذنوب - وإن كثرت وعظمت - يغفرها الله تعالى، ويتجاوز عنها بكرمه، وإذا ~~تضاد مقتضاهما. لزم أن كلا يستقصي في مقتضاه ضد ما يستقصيه الاخر، للكن قد ~~ذلك ينكسر الوزن، فالصواب: أنه ماض مسند إلى ضمير مستتر تقديره (هو) عائد على ~~قوله: (لوجهي) فليتنيه PageV00P582 ~~============================================================ ~~تقرر أن الأولى للصحيح أن يستوي عنده المقتضيان؛ لثلا يغلب أحدهما فيخشى منه ~~المحذور السابق آنفا، ومن ثم قال ناهيا عن غلبة الخوف المقتضي لليأس: ~~915 ~~صاح لا تأس إذ ضعفت عن الطا عة وأشتأئرث بها الأنوياء ~~ه ~~(صاح) أي: يا صاحبي، وفيه نوع تجريد؛ إذ الأصل : يا نفسي (لا تأس) من ~~رحمة الله تعالى (1) (إن ضعفت عن) الدأب في (الطاعة) لضعف همتك، وغلبة ~~بطالتك، وإيثارك الراحة، وغفلتك عن أهوال القيامة (واستأثرت) أي : انفردت ~~(بها الأقوياء) أي: بالهمة والنشاط، وفهر النفس وتجريعها المكروهات حتى ~~تدربت عليها، فصارت عندها من ألذ مألوفاتها، وأعظم مشتهياتها ~~16 ~~ان لله رخمة وأحق اا حاس منه بالرخمة الضعفاء ~~(إن) فيه شائبة تعليل للنهي عن اليأس إن ضعفت عن الطاعة (لله رحمة) عظيمة ~~ادخرها لبعض عباده، تعم القوي والضعيف، والوضيع والشريف (وأحق الناس منه) ~~متعلق بقوله : (بالرحمة الضعفاء) أى: الذين لا يعولون على أعمالهم، ولا يغترون ~~بأحوالهم، مع قيامهم بما لا بد منه، وإخلاصهم لله تعالى في عباداتهم، فهم أقوى ~~نية في العبادة، وأبعد عن الرياء، فربما حصلت لهم بسبب ذلك نفحة سبقوا بها ~~الأقوياء. # وفي الحديث القدسي : " أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي "(2) أي : لأن ~~(1) الأولى أن يقول في شرح (لا تأس) : لا تحزن؛ فهو من الأسى الذي هو الحرن، وما قاله ~~الشارح رحمه الله يوهم أنه من اليأس. فليتنبه ~~(2) قال العجلوني في " كشف الخفاء "(203/1) : (قال في " المقاصد" : ذكره في البداية" ~~للغزالي ، وقال القاري عقبه : ولا يخفى أن الكلام في هلذا المقام لم ms524 يبلغ الغاية ~~قلت : وتمامه : "وأنا عند المندرسة قلوبهم لأجلي " ولا أصل لهما في المرفوع) اه ~~149 PageV00P583 ~~============================================================ ~~مطلوبهم رضاي ومعتقدهم آنه لا عمل لهم، ومما يؤيد ذلك: آنه صلى الله عليه ~~وسلم في منامه الذي رآه لأبي بكر وعمر فيما يتعلق بخلافتهما، وقرب مدة خلافة أبي ~~بكر، وطول مدة عمر، أثبت لأبي بكر - مع أنه أفضل الناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام - نحو ذلك الضعف، فقال- بعد أن بين آنه على بثر، وأنه نزع منها بدلو، ~~وأن أبا بكر أخذها منه فنزع بها دلوا أو دلوين - : " وفي نزعه ضعف ، وألله يغفر له ~~ضعفه (1)، فهو ليس ضعف يقين ولا عمل، وإنما هو ضعف انكسار وافتقار ~~وفي الحديث : " إن الله لا ينظر إلى صوركم ، وإنما ينظر إلى الأغمال ~~والقلوب "(2) أي : لا إلى الأعمال وحدها، بل لما يصحبها مما في القلوب من ~~اخلاص وافتقار أو ضدهما ~~ثم استدل على أن الضعيف قد يحصل له ما لا يحصل للقوي بمثال ظاهر في ~~الوجود فقال: ~~17) ~~فأبق في العزج عند منقلب الذو وففي العود تشبق العزجاء ~~(ف) بسبب الأحقية المذكورة للضعفاء (ابق في) الضعفاء المشبهين بنحو (العرج) ~~جمع أعرج، وهو: من برجله داء يمنعه من استقامة المشي (عند منقلب الذود) آي: ~~رجوعه إلى ربه، وهو جماعة الغنم، كذا وقع للشارح، وهو سبق قلم سرى إليه من تعبير ~~"النهاية" : (واللفظة مؤنثة، ولا واحد لها من لفظها كالغنم) اه(3) ~~فتوهم أن قوله : (كالغنم) راجع إلى قوله : (والذود من الإبل : ما بين الثنتين ~~إلى التسع(4)، وقيل : ما بين الثلاث إلى العشر ، واللفظة مؤنثة ، ولا واحد لها من ~~لفظها كالغنم) ~~(1) أخرجه البخاري (3633)، ومسلم (2392). # (2) اخرجه مسلم (2564)، وابن حبان (394) ، وابن ماجه (4143) بنحوه ~~(3) النهاية في غريب الحديث والأثر (2/ 171). # 4) في النسخ (.. الخمس إلى التسع)، والمثبت من " النهاية *(171/2) PageV00P584 ~~============================================================ ~~فهذا صريح في أن التشبيه إنما هو في أنه لا واحد له من لفظه لا غير، وعبارة ~~"القاموس" : (وثلاثة أبعرة إلى العشرة ، أو خمس عشرة، أو عشرين، أو ثلاثين، ~~أو ما بين الثنتين والتسع ، مؤنث، ولا يكون إلا ms525 من الإناث، وهو واحد وجمع، أو ~~جمع لا واحد له، أو واحد جمعه أذواد، وقولهم: الذود إلى الذود إبل يدل على أنها ~~في موضع اثنتين ؛ لأن الثنتين إلى الشنتين جمع) اه ~~(ففي العود تسبق العرجاء) إليه فتفوز منه بمأمولها، فتأخرها أوجب لها السبق، ~~فكذلك تأخرك عن كثير من الطاعات.. ربما أوجب لك سبق المكثر منها؛ لأنه قد ~~يصحبك من الذل والافتقار والاخلاص ما يخلف تأخرك، بخلاف المكثر، قد يصحبه ~~من العجب والافتخار ما يوجب تأخره، ومن ثم قال العارف المحقق التاج ابن ~~عطاء الله رحمه الله تعالى: (رب معصية أورثتك ذلا وانكسارا، خير من طاعة ~~أورثتك عزا واستكبارا) ~~واعلم: أنه لم يجعل ذات المعصية خيرا من ذات الطاعة، بل لا يتوهم ذلك من ~~كلامه، وإنما الذي أفاده : أن المعصية قد يصحبها وصف خير من الوصف الذي ~~حب الطاعة، فيكون ذلك مقتضيا لعدم المؤاخذة بوصمة تلك، وهذا مقتضيا ~~لسقوط هذذه وعدم الاعتداد بها، فكذلك كلام الناظم هنا وفيما قبل يتنزل على هلذا: ~~فتنبه له ~~وإذا تأخرت عن الطاعة لضعفك عنها.. فلازم الذلة والانكسار. # لا تقل حابيدا لغيرك هذا ألمرث نخله ونخلي عفاء ~~(لا تقل) حال كونك (حاسدا لغيرك) الذي اكثر منها(1) ؛ أي : متمنيا زوال ~~نعمة التوفيق عنه (هذا) القوي بسبب قوته (أثمرت نخله) أي: كثرت أعماله، ~~فتشبيهها بالتخل استعارة مصرحة ، وذكر الأثمار ترشيح، وآثر التشبيه بالنخل؛ لأن ~~النخلة أفضل الشجر؛ لأنها خلقت من فضل طينة آدم، ومن ثم قال صلى الله عليه ~~(1) أي : من الطاعة. PageV00P585 # ============================================================ ~~وسلم : " أكرموا عماتكم النخل"(1) ولأجل هلذا شابهت الآدمي في كثير من صفاته ~~الحسية والمعنوية كما لا يخفى (ونخلي) أي : أعمالي (عفاء) بالفتح؛ أي: ~~كالتراب لا ثمرة لها ولا يعتد بها بسبب ضعفي؛ لأنك حينئذ تعترض على الحكيم في ~~فعله وتخصيصه لكل منكما بما أراده وقدره، ومن ثم كان الحسد كفرا لنعمة المنعم، ~~ويأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. # وخرج ب (حاسدا) المنصرف إلى الحسد المذموم الحسد المحمود المسمى ~~بالغبطة، وهو : أن تتمنى أن يكون لك من ms526 التعم والخيرات مثل ما لغيرك مع بقائها ~~له، فهاذا مطلوب، كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " لا حسد إلا في ~~أثنتين...4 الحديث(2) . # واحذر أن تتكل على رجائك فقط من غير عمل؛ فإنه لا ينفع رجاء إلا مع عمل، ~~ومن ثم قالوا: كل رجاء لم يصحبه عمل فهو غرور، بل مع رجاتك اجتهد ~~وأت بالمشتطاع من عمل البر فقذ يشقط الثمار الإتاء ~~(وائت بالمستطاع من عمل البر) امتثالا لقوله تعالى : فأنقوا الله ما أستطعتم) ~~الناسخ - على ما قيل - لقوله تعالى اتقوا الله حق تقايه } فإنه صلى الله عليه وسلم لما ~~فسر هلذا : بها أن يعبد فلا يغصى ، ويذكر فلا ينسى ، ويشكر فلا يكفر" قالوا : أينا ~~يطيق ذلك؟ فنزلت تلك مبينة لهم : أن المطلوب إنما هو ما يقدرون عليه دون ~~ما عداه(3)، ويصح أن تكون تلك مبينة للمراد من هلذه ، فلا نسخ ، وهو الأولى. # (فقد) ينتج القليل ما لا ينتجه الكثير بواسطة مزيد إخلاص وانكسار، كما أنه قد ~~(يسقط الثمار) الكثيرة النفيسة (الإتاء) أي: النخيل الصغار إذا خلصت أرضه، ~~وزاد ريه وخصبه، ولا يسقط ذلك الكبار، فكذلك آنت قد تفوز بسبب ضعفك ~~(1) اخرجه أبو يعلى (455). # (2) أخرجه البخاري (73)، ومسلم (815). # (3) أخرجه البيهقي في 0 الزهد الكبير"(878) بنحوه. PageV00P586 # ============================================================ ~~بالمعنى السابق بما لم يفز به القوي الناظر إلى قوته ونفسه، ففي كلامه هنا وفيما مر ~~تمثيل وتذييل، وهو من أرق فنون البلاغة، وألطف طرق البراعة. # وتفسير (الإتاء) بالنخيل الصغار وقع في كلام الشارح، ولم يبين ضبطه أهو بفتح ~~الهمزة أو كسرها؟ ولا أنه بالمثناة أو المثلثة، ولم أر في " القاموس" هلذا الذي ذكره ~~الشارح، وإنما الذي فيه في (الإتاء) - بالفوقية ككتاب - تفسيره بما يخرج من الشجر ~~والنماء(1) وفي (الاثاء)- كاناء بالمثلثة - تفسيره بالحجارة، وإنما هو تشبيه، ~~وهذذا يمكن تنزيل كلام الناظم عليه؛ أي: أن النخلة إذا طالت وصعب عليك ~~رقيها.. قد يمكنك آن تسقط بعض ثمرها بضربة حجر ~~واعلم : أن أفضل الأعمال وأسرعها إنتاجا وأعظمها وسيلة هو مزيد محبة نبينا ~~صلى الله عليه وسلم؛ ms527 فإنها سبب لكل خير دنيوي وآخروي ~~ويحب الثبي فابغ رضا الله ففي حبه الوضا والحباء: ~~(و) حينثذ فعليك أن تكون ممن امتلأ قبله (بحب النبي) صلى الله عليه وسلم، ~~امتثالا لقوله تعالى : { قل إن كنتر تجبون الله فاتيعونى يحيبكم الله) ، وقوله صلى الله عليه ~~وسلم : " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وأهله وولده والناس أخمعين " ~~ومر الكلام على ذلك قريبا بما ينبغي مراجعته. # وإذا حظيت بهذه المحبة.. (فابغ) أي : اطلب (رضا الله ففي حبه الرضا) ~~من الله تعالى المنعم بما ليس في الحساب (والحباء) أي: العطاء منه تعالى لجميع ~~الخيرات الدنيوية والأخروية، كالتوفيق للأعمال الصالحة، والفوز بالمقامات ~~العلية، فكن على رجاء من ذلك إذا طلبته بمحبته صلى الله عليه وسلم؛ فيإنها تعم ~~الوسيلة، فأتبعونى يحيتكم الله ~~ثم عاد إلى الضراعة وإظهار المسكنة والضعف، وإبداء التحسر والتحزن، ~~(1) في السخ (والثمار)، والمثبت من 8 القاموس" مادة (أتو) PageV00P587 ~~============================================================ ~~والاستغاثة بمن لا يخيب المستغيثين به ، فقال مؤملا أنه ببركة توسله به صلى الله عليه ~~وسلم يتخلص من فرطات ذنوبه: ~~.1 ~~يا نبي الهدى اشتغائة ملهو ب أضرت بحاله الحؤباء ~~(يا نبي الهدى) أي : الدلالة على الله بالنسبة للكل ، ومنه : وإنك لتهدى إلن ~~صرط مستقيو والإيصال إليه بالنسبة للمؤمنين، ومنه: إنك لا تهدى من أحببت ~~وللكن الله يهرى من يشاء ~~(استغاثة) بالرفع خبر مبتدأ محذوف؛ أي: مسؤولي، وهي نداء من يخلص من ~~شدة أو يخففها، وبالنصب مفعول مطلق؛ أي: أستغيث بك استغاثة؛ أي: أناديك ~~نداء (ملهوف) آي: مضطرب متحير محتاج إلى من ينقذه مما يهلكه (أضرت بحاله ~~الحوباء) أي: مسكنة ذنوبه، وضعف همته، وذلك لأنه ~~يذعي الحب وهو يأمر بالشو * ومن لي أن تضدق الرغباء ~~(يدعي الحب) لله ورسوله صلى الله عليه وسلم (وهو) أي: والحال آنه يصدر ~~منه ما يكذب دعواه من مخالفتهما؛ لأنه لا يزال (يأمر) نفسه أو غيره (بالسوء) ~~أي : الإثم فعلا وتركا، والمخالفة تنبىء عن عدم المحبة كما هو واضح لمن تأمل : ~~{قل إن كنتر تحبون الله فاتيعونى ms528 يخببكم الله} ولهلذا أشار إلى تمنيه أن يصدق في دعواه ~~محبتهما فقال : (ومن) استفهامية ؛ أي: من الذي يتكفل (لي) فيه التفات (آن ~~تصدق) مني (الرغباء ؟1) أي: العزيمة المصممة في الرجوع إلى الله تعالى بالتوبة ~~والعمل الصالح، وادعاء الحب مع ظهور ما يكذبه نقص وآي نقص: ~~ومما يكذبه أيضا دوام الغفلة عن محبوبه حتى إنه لا يمر بباله ولا في النوم، ومن ~~هذا حاله ~~154 PageV00P588 ~~============================================================ ~~13 ~~~~الاخا بس ش ركز ن اسذ وشفة 7 ~~(أي حب يصح منه) التفات (و) الحال أن (طرفي) التفات (للكري) أي: ~~النوم (واصل) لا ينفك النوم عنه في وقته ، وليس هذا شأن المحب (وطيفك) أي: ~~خيالك (راء؟1) أي: محتجب عني كما احتجبت (الراء) عن واصل بن عطاء ~~الرجل المشهور؛ لأنه هجرها فلم يتكلم قط بكلمة فيها (راء) بل بمرادفها أو ~~مقاربها، خشية منه آن يعير بلثغته با الراء) فصار هجر الشيء المستمر يمثل عندهم ~~بهجر واصل ل1 الراء)، ففي النظم التورية؛ لأن (واصلا) بالنظر ل1 الكرى) اسم ~~فاعل ولا الراء) اسم علم، وتلميح؛ لأنه إشارة إلى قصة واصل المشار إليها، وفيه ~~الاستفهام الإنكاري؛ أي : كيف تصدق محبتي وأنا مواصل للكسل والنوم ؟ # سلمنا أن مواصلة النوم لا تؤثر في المحبة؛ لأنها أمر وجداني، فكيف توجد مع ~~عدم خطور خيال المحبوب بالضمير ولا في حالة النوم، وهذا ينافي المحبة كما هو ~~موس؛ لاستلزامها آن طيف المحبوب لا يغيب عن مخيلة المحب نوما ~~ولا يقظة ؟1 ~~نعم؛ قد يتخلف هذا الاستلزام لمانع، ولذا تردد مع ما قدمه في آن فقد خطور ~~الطيف هل هو لذلك أو لغيره ؟ فقال : ~~ليت شغري أذاك من عظم ذتب أم حظوظ المتيمين حظاء ~~(ليت شعري) أي: ليتني علمت (أذاك) أي: عدم خطور طيفه بقلبي (من) ~~أجل (عظم ذنب) وقع مني وهو الظاهر (أم حظوظ المتيمين) أي: المحبين ~~(حظاء ؟1) جمع حظوة، بالكسر والضم، وهي: المكانة، والقياس في الجمع: ~~الضم والكسر، كعروة وعرى: ~~وبين (حظوظ) و(حظاء) الجناس المطلق؛ أي: أنصباؤهم من المحبوب PageV00P589 ~~============================================================ ~~متفاوتة؛ فبعضهم يحظى بالقرب ms529 من غير كثرة عمل، وبعضهم لا يحظى به مع كثرة ~~العمل ~~إن يكن عظم زلتي حجب رؤيا ك فقذ عز داء قلبي الدواء ~~(إن يكن عظم زلتي) التي ارتكبتها (حجب رؤياك) أي : رؤيا طيفك عني في ~~النوم التي فقدتها (فقد عز داء قلبي الدواء) أي: قل، بل عدم الدواء الذي يكون ~~لمرض قلبي فلا يوجد له شفاء بوجه؛ لأنه لا يوجد إلا من جنابه صلى الله عليه ~~وسلم، فإن فرض أنه آخذ إنسانا بعظيم ذنبه.. لم يكن أحد غيره أن ينقذه منه ~~ثم هذا التردد في وجود المحبة الذي سبق إنما هو لمزيد الخوف، وأن الإنسان ~~على مدرجة أن يؤاخذ بذنبه وإن كان محبا، لا لزوال محبته ، بل هي باقية، ورجاؤه ~~قي محبوبه واسع وإن كانت ذنوبه كثيرة، وحينئذ ~~6 ~~كيف يضدا بألذنب قلب محب وله ذكرك الجميل جلاء ~~(كيف يصدا) أي : يسود (ب) سبب (الذنب) الذي ارتكبه ذلك المحب (قلب ~~محب) لك (و) هي للحال (له) أي: لقلبه، متعلق بلا جلاء) (ذكرك) مضاف ~~للمفعول؛ آي: ذكره لك بالصلاة والتسليم عليك، وسؤال الوسيلة وغيرها مما يعود ~~عليه وعليك بزيادة القرب، فإن الخلق كلهم مفتقرون إلى ذلك، ويصح للفاعل؛ ~~آي : ذكرك له (الجميل) العائد على الذاكر بما لم يكن في حسابه (جلاء) ولما غلب ~~على ظنه ما أشار إلى التردد فيه بل إن) في قوله : ( إن يكن. . .) إلخ من أن سبب ~~حجب الرؤيا عنه عظيم ذنبه.. صرخ كما يصرخ من وجد آخذ ماله أو قاتل آبيه بعد ~~يأسه منه، فقال: PageV00P590 ~~============================================================ ~~.. # . ~~هذه علتي وأنت طبيبي ليس يخفى عليك في القلب داء ~~(هذه علتي) التي أنحلت جسمي، وأدهشت لبي لا غيرها (و) الحال أنك ~~(أنت طبيبي) العالم بها، الماهر في إزالتها؛ فإنه (ليس يخفى عليك في القلب داء) ~~وأنت لا أحد من الخلق أكرم ولا أحلم منك، فعجل لي بدواء ذلك المحصل للشفاء ~~من وصمة جميع ما هنالك، فإن شفاعتك لا ترد، والمتوسل بك لا يخيب: ~~ادن القنة اذ الف فغمة مم تخة ms530 النك يفي انضء ~~(و) إنما رفعت إليك قصتي، وشكوت إليك قلة حيلتي مما جنيت على نفسي؛ ~~لأن (من الفوز) أي : النجاة والظفر لمثلي بجميع المطلوب الذي لا فوز أعظم منه ~~(أن أبتك) من : بث وأبث نشر وأظهر (شكوي) هي : الإخبار عن النفس أو الغير ~~بسوء فعله، للكن هلذه إنما (هي شكوئ) مني لنفسي (إليك) لا إلى غيرك؛ آي: ~~أنشر وأظهر بين يديك في ضمن مدحي لك ما كاد أن يهلكني من عظيم ذنوبي، وقبيح ~~عيوبي؛ رجاء آن تلمحني بنظرة تزيل عني كل وصمة، وتوجب لي منك كل رحمة؛ ~~لأن رجائي فيك واسع، ومحبتي لك متزايدة (وهي) أي : تلك الشكوى الواقعة في ~~ضمن ذلك المديح البديع (اقتضاء) أي: أطلب من كرمك الواسع، وفيضك ~~الهامع : أن أتخلص من تلك الفرطات، وأنجو من بوائق سائر الورطات، وأن ~~يحصل لي الشفاء من جميع الأدواء، فإن جاهك متكفل بكل مطلوب ، ومحقق لكل ~~م سؤول ومرغوب، لا سيما لخادم حضرتك، الفاني في محبتك، كيف وقد ~~.91.. # ضمنتها مدائخ مشتطاب فيك منها المديع والإضفاء ~~(ضمتها) بالبناء للمفعول؛ آي : تلك الشكوى؛ لتقبل وتعود علي بركة قبولها ~~بما هو المقصود منها بالذات (مدائح) لجنابك بديعة، جمع مدحة؛ آي: كلام ~~15 PageV00P591 ~~============================================================ ~~متضمن للثناء الجميل الذي هو المدح المباين للحمد، أو المرادف له، أو الأعم ~~منه، أو الأخص منه، أقوال مرت (مستطاب) بالرفع صفة (مدائح) الذي هو نائب ~~الفاعل (فيك منها) آي: من تلك الشكوى، متعلقان بما قبلهما آو بعدهما، ~~و( من) تبعيضية (المديح) لك (والإصغاء) من سامعها إليها؛ لأن أوصافك ~~الكريمة زينتها، فصارت بها في غاية الكمال الذي يشنف الأسماع ، ويملأ عبيره أرجاء ~~القلوب والبقاع، ومن استطابة ذلك المديح : أن الله تعالى يسره علي في هلذه القصيدة ~~البديعة ببركة التجائي إليك ؛ إذ ~~قل ما حاولث مديحك إلا ساعدثها ميم ودال وحاء ~~(قل ما) مصدرية (حاولت) تلك الشكوى (مديحك) أي: لابراز معنى فيه لم ~~أسيق إليه، أو أسلوب من أنواعه اللائقة بك، والمطلوب فيها : أن يجري على أعلى ~~سنن البلاغة وقانون البراعة ms531 (إلا ساعدتها ميم ودال وحاء) أي: مسمى هلذه ~~الأسماء، وهو (مدح) أي: ما توقف على معنى أو نوع من تلك المعاني أو الأنواع ~~فوجهت همتي إلى الأحسن منها. . إلا وجدت الألفاظ الدالة على مدحك تيادرني إلى ~~تأديته بغاية اللطف، وتساعدني عليه بنهاية الإسعاف، فتأتي قريحتي منه بما هو آبدع ~~وأبلغ. # وكون (ما) مصدرية هو ما ذكره الشارح، وعليه قال : (المعنى: قلت محاولتها ~~مديحك في غير حال كونها مساعدة بهذه الحروف الثلاثة؛ فإنها لا تقل حينئذ، بل ~~تكثر) اه ~~ويلزم عليه وقوع الاستثناء المفرغ في غير نفي أو شبهه، وهو: النهي أو ~~الاستفهام، وهو ممنوع عند اكثر النحاة، ومن جوزه في الموجب كقام الناس إلا ~~زيد.. ردوا عليه بأنه يلزمه الكذب ؛ إذ تقديره: ثبوت القيام لجميع الناس إلا زيدا، ~~وهو غير جائز، بخلاف النفي عنهم إلا فردا، فإنه جائز ~~فإن قلت : جوز المبرد التفريغ في موجب يلزمه نفي، كا لو) و( لولا) تحو: PageV00P592 ~~============================================================ ~~لولا القوم إلا زيد. لأكرمتك، وما هنا كذلك؛ لأن (قل) يلزمه نفي ما عدا ~~القليل، فهو نفي في الجملة: ~~قلت : ما ذكره يرد بأن التفريغ يدخل في الجملة الثانية التي هي الأولى، وأما ~~الجواب الذي هو منفي. . فخارج عما دخلت عليه ( إلا) على أن كون (قل) يفيد نفيا ~~يشبه النفي الذي في التفريغ. . ممنوع ، وإذا تقرر ذلك. . تعين تأويل النظم بأن يقال : ~~فاعل (قل) محذوف دل عليه المذكور، وأن (ما) نافية، والاسثناء مفرغ من أعم ~~الأحوال، والتقدير: قل أن يستصعب علي ما أردته من مدحك؛ لأني ما حاولته في ~~حال من الأحوال.. إلا ساعدني مدحك على أكمل ما ينبغي: ~~ولأجل هذذه المساعدة المشتملة على ما أردته من أعلى أنواع البلاغة ~~حق لي فيك أن أساجل قؤما سلمث منهم لدلوي الذلاء ~~(حق) أي: ثبت واستقر (لي فيك) أي : في مدحك ما لم يكن في حسابي، ~~وهو (أن أساجل قوما) وهم الشعراء الذين مدحوك؛ أي : أفاخرهم فأقول: ~~ما صنعته خير مما صنعتموه، وأبين لهم ذلك حتى يذعنوا لي في ذلك، ms532 ويصيروا قد ~~(سلمت منهم لدلوي الدلاء) وحينيذ آفوز منك بأبلغ مما فازوابه ~~وعبر با الدلو) لأن (السجل) هو: الدلو العظيمة المملوءة، مذكر، وملء ~~الدلو، ومن هلذا قولهم: الحرب بينهم سجال - ككتاب- آي: سجل منها على ~~هلؤلاء، وأخرى على هلؤلاء، ذكره في " القاموس" ، وعليه فالمساجلة تطلق على ~~تنازع المستقين على بئر بدلاء مختلفة، يريد كل منهم آن يظفر بملء دلوه قبل ~~الآخرين. # شبه بهم المادحون في تنازعهم فيما يبرزونه ، وادعاء كل آن ما أبرزه خير مما آبرزه ~~غيره، فهي استعارة بالكناية، وإثبات (المساجلة) استعارة تخييلية، وذكر (الدلو) ~~ترشيح. # ثم أشار إلى علة أخرى لتميزه عليهم وتسليمهم له ذلك، فقال : ~~159 PageV00P593 ~~============================================================ ~~إن لي غيرة وقذ زاحمتني فسي معاني مديحك الشعراء ~~(إن لي غيرة) - بالفتح - على مديحك؛ أي : حمية توجب لي أن لا أحب أن ~~غيري يسبقني فيه (و) الحال أنه (قد زاحمتني في معاني) ألفاظ (مديحك الشعراء) ~~وأرادوا : أن يسبقوني فيه ~~499 ~~ولقلبي فيك الفلؤ وأتى للساني في مذحك الغلواء ~~(و) الحال أنه استحكم (لقلبي فيك) أي: في محبتك (الغلو) أي: مجاوزة ~~الحد الذي بلغ إليه أمثالي (وأنى) يكون (للساني في مدحك الغلواء) أي : الإسراع ~~والتقدم عليهم بما لا يصلون إليه لولا إسعافك وإمدادك ونظرك لي بما يميزني عليهم ~~فا أني) استفهامية بمعنى : (كيف) نحو: أن يحىء هدذه الله بعد موتها} أو ~~بمعنى: من أين، نحو: أن للي هذا} وترد أيضا بمعنى : (متى) أو (حيث) ~~ويحتمل الكل: فأتوا حرثكم أنى شئتم} للكن الذي اختاره أبو حيان وغيره : أنها في ~~الاية شرطية حذف جوابها لدلالة ما قبلها عليه، لا استفهامية، وإلا. لاكتفت بما ~~بعدها، كما هو شأنها أن يكتفى بما بعدها(1) ؛ أي : تكون كلاما يحسن السكوت عليه ~~اسمأ كان أو فعلا، ويصح كسر (إن) أي: وإني، فا الياء) اسمها، للكن الأول ~~ابلغ وأظهر كما لا يخفى. # فأيب خاطرا يلذ له مذ حك علما بأنه اللألاء ~~(ف) بسبب صدق محبتي، وشدة غيرتي، ومزاحمة أقراني لي مع إرادتهم التقدم ~~علي (أثب خاطرا) أي: قريحة لي على ms533 هذا المديح البديع؛ بأن تمدها بما تفوق به ~~(1) انظر "البحر المحيط "(2/ 172-171) PageV00P594 ~~============================================================ ~~جميع مزاحميها ومسابقيها، فإنك آكرم من جازى محبيه، وآجود من جاد على ~~مادحيه، وأنا من أصدقهم محبة، وأبلغهم مدحة، كيف وقلبي (يلذ له مدحك) لذة ~~تحمله على أن يبذل وسعه مع صدق التوجه إليك وبك في اختراع ما لم يسبق إليه، ~~ولا حام أحد قبله عليه (علما) أي: لأجل علمه (بأنه) أي: مديحك (اللألاء) ~~أي : الفرح التام، كذا في " القاموس" وغيره، فإن كان (الفرج) بل الجيم):. # فواضح، أو (بالحاء) المهملة. ففيه بعد، ويصح آنه من : تلألأ البرق بمعنى : ~~لمع؛ أي : علمأ بأن مديحك يضيء قلوب المادحين لا سيما أبلغهم حتى يأتي في ~~مدحك بالمعاني البديعة، والأساليب العجيبة، كما وقع لي في هلذا النظم المتميز ~~على غيره بأمور، منها: آنه ~~حاك من صنعة القريض برودا لك لم تخك وشيها صنعاء ~~(حاك) أي: نسج ذلك الخاطر فيه (من صنعة القريض) أي : الشعر (برودا ~~جمع برد، وهو: نوع من آنواع الثياب اليمانية فيه زينة (لك لم تحك وشيها) أي : ~~نقشها بالألوان المختلفة (صنعاء) مدينة باليمن، مشهورة بجودة النسج والوشي) ~~شبه المعاني البديعة في إدهاشها للقلوب عند سماعها بالأبراد المؤشية المدهشة ~~للأبصار عند رؤيتها، وأثبت لها ما هو من لوازم المشبه به وهو الوشي والحوك، كما ~~أثبت للمشبه ما هو ملائم له وهو القريض، ففيه استعارة تصريحية مرشحة بذكر الوشي ~~والحوك، ومجردة بذكر القريض، ومنها: أنه قد ~~6 ~~أفجز الدر نظمه فأشتوث في ه أليدان الصناع والخزقاء ~~(أعجز الدر نظمه) أي : إن نظم هذذه القصيدة المشتملة من البلاغة على غاية لم ~~يشتمل عليها غيرها فاق الدر النفيس المنظوم الذي يدهش الفكر ويخطف البصر لضوئه ~~وصفائه (فاستوت فيه) أي : في العجز عنه (اليدان) أي : القريحتان (الصناع) PageV00P595 ~~============================================================ ~~بفتح الصاد المهملة، وبالنون والعين المهملة؛ أي: الحاذقة الماهرة (والخرقاء) ~~أي : العيية. # 7. # فأرضه أفصح أمرئ نطق الضا فقامث تغار منها الظاء ~~(ف) بسبب ما تميز به هلذا النظم عن غيره (ارضه) أي: اقبله يا خير من أمله ms534 ~~المادحون، ورجاه العارفون، وأكرم خلق الله تعالى وأجودهم، وتجاوز عما فيه وإن ~~كان فيه من الفصاحة ما لا يدركه غيرك، يا (أفصح امرىء نطق الضاد) أي: بها) ~~أي: يا أفصح العرب العرباء، وهلذا اقتباس من قوله صلى الله عليه وسلم: أنا ~~أفصح من نطق بألضاد...4 الحديث(1)، وخصها؛ لأن غير العرب لا يحسن ~~اخراجها من مخرجها، والعرب وإن أحسنوه لكنهم متفاوتون فيه، وكلهم لم يصل ~~أحد منهم إلى الحد الذي كان صلى الله عليه وسلم يصل إليه في تأديتها. # وكأن وجه هلذا الاقتباس إظهار الناظم : أن ما أتى به وإن بالغ في بلاغته لا يتأهل إلى ~~مدحه صلى الله عليه وسلم؛ لأن فصاحته معجزة لغيره، فأي بلاغة تؤدي ما يليق به ؟! فكأنه ~~يقول : يا أفصح الفصحاء ؛ اقبل ما جئت به وإن لم يشم أدنى رائحة من روائح فصاحتك، ~~بل ولا وفى بما يليق بكمالك، ويؤيدهلذا قوله الاتي : (أبذكر الآيات...) إلخ ~~(ف) بسبب اختصاص (الضاد) بتعسر أو تعذر النطق بها على غير العرب، ~~وتعذر نهايته على غيره صلى الله عليه وسلم، وقرب (الظاء) من مخرجها، ولم تظفر ~~بما ظفرت به (الضاد) (قامت) فاعله (الظاء) وأشار ب (قامت) إلى آنها تسمى ~~ب(الظاء) القائمة حال كونها (تغار منها) أي : (الضاد) (الظاء) لكون (الضاد) ~~تميزت عليها بتلك المرتبة العلية؛ أي : أرادت (الظاء) فضلأ عن غيرها أن يحصل ~~لها مرتبة تضاهي تلك المرتبة، فلم تحصل لها، فغارت حينثذ ~~(1) قال الحافظ ابن كثير في " تفسيره " (30/1) : (وأما حديث: "أنا أفصح من نطق ~~بالضاد.. فلا أصل له، والله أعلم)، وأورده القاري في " المصنوع " (ص61) وقال: ~~(معناه صحيح ، ولا أصل له كما قال ابن كثير وابن الجزري). PageV00P596 # ============================================================ ~~ثم طلبي من كرمك يا اكرم الخلق الرضا بهذه القصيدة ليس لكونها وفت بحقوقك ~~الواجب استقصاؤها في مدحك، بل للطمع في سعة حلمك وجودك ~~81.. # أبذكر الآيات أوفيك مذحا أين مني وأين منها الوفاء ~~(أبذكر الآيات) في هلذا النظم؛ أي : الخصائص والمعجزات التي علمناها، ~~الدالة على وصولك لما لم يصل إليه مخلوق (أوفيك ms535 مدحا) لا؛ إذ لا يمكن أن ~~يوفيك ذلك إلا من أحاط بمقامك، وأنى ذلك لغيرك مثلي ؟!(1) ~~( أين مني) الوفاء بذلك وأنا من جملة العاصين العاجزين المقصرين (وأين منها ~~الوفاء) بذلك وهي محصورة، وكمالاته صلى الله عليه وسلم غير محصورة ؟! # 9.. # أه أماري بهن قوم تبئ ساء ما ظته بي الأغبياء ~~(أم) متصلة (أماري) أي : أجادل (بهن) أي : بذكري لتلك الآيات (قوم ~~نبي) أي : المادحين لنبينا صلى الله عليه وسلم؛ أي : لم أذكر تلك الأيات بقصد أني ~~أوفي بها حقه صلى الله عليه وسلم، ولا بقصد أن أجادل بها أمته، ومن ظن بي واحدا ~~منهما.. فهو غبي لا يفهم ولا يعقل شيئا (ساء ما ظنه بي الأغبياء) لأنهم لقلة فطنتهم ~~يتجاسرون على الناس بما هم بريثون منه. # 0 ~~ولك الأمة التي فبطتها بك لما أتيتها الأنبياء ~~(ولك) استثناف، أو عطف على محذوف؛ أي : لك الآيات التي لا تحصى، ~~(1) قوله: (لغيرك مثلي) كذا هو في جميع النسخ، وهو مشكل، ولعل الصواب: (لفير ~~مثلي) ، أو : (لمثلي) ، والله أعلم PageV00P597 ~~============================================================ ~~ولك (الأمة) الوسط ، كما قال تعالى : { وكذالك جعلنككم أمة وسطا} أي : خيارا ~~عدولا لتكونوا شهداء على الناس (التي غبطتها) من الغبطة، وهي - كما مر- : و3 ~~الإتسان أن له من الخير مثل غيره من غير سلبه عنه، والحسد: وذ ذلك مع سلبه عنه ~~(بك لما) أي : حين (أتيتها) أي: أرسلت إليها (الأنبياء) فإنهم وإن كانوا من ~~أمتك بنص : وإذأخد الله ميثلق النبيعن لمآء اتيتكم ون كتب وحكمة ...} الآية، ~~ومر الكلام عليها، للكنهم ودوا أن يكونوا من أتباعك الذين بعثت فيهم؛ ليفوزوا ~~بغاية الفخر، كما فاز بذلك أمتك الذين بعثت فيهم فأطاعوك ~~فإن قلت : كان القياس: غبطتك بها الأنبياء؛ لأنها أفضل من أممهم ، بنص: ~~جعلنكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس} أي : ودوا أن يكون لهم مثلهم ، كما ~~صرح به موسى فيما يأتي ~~قلت: هذذا وإن كان هو القياس ، للكنه ارتكب فيه القلب الذي هو من أحد أنواع البديع، ~~خشية أن يتوهم من ذلك مدحه لنفسه ؛ لأن مدح العام ms536 مدح لكل من أفراده . فتأمله. # ثم رأيت ما يدل للقياس المذكور ، وهو ما رواه أبو نعيم أيضا : أن الله تعالى لما ~~ذكر لموسى صفات هذه الأمة .. " قال : يا رب ؛ فأجعلني نبي تلك الأمة، قال : ~~نبئها معها، قال : فآجعلني من أمة ذلك النبي ، قال : أستقدمت وأستأخر، ولكن ~~سأجمع بينك وبينه في دار الجلال"(1). # ولعلي نظرك إليها ~~141 ~~لم تخ بغدك الضلال وفيها وارثو نور هذيك العلماء ~~(لم تخف بعدك الضلال) عما تركتها عليه من الشريعة الواضحة البيضاء التي ~~لا يزيغ عنها إلا هالك (و) الحال أن (فيها) أعلام الهدى، وهم (وارثو نور ~~هديك) أي: ما كنت عليه أنت وأصحابك، وهنؤلاء هم (العلماء) الذين هم أهل ~~السنة والجماعة، وهم آتباع أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي رضي الله ~~(1) دلائل النبوة (77/1)، وليس فيه قوله : "قال : استقدمت وتأخر، ولككن... " إلخ ~~114 PageV00P598 ~~============================================================ ~~تعالى عنهما، وذلك كما أخبرتنا به بقولك في الأحاديث الصحيحة : " لا تزال طائفة ~~من أقتي ظاهرين على الحق ، لا يضروهم من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ~~ذلك " أي : وهلؤلاء هم أهل العلوم الشرعية والالية من أهل العلم ؛ لأن الناس مع ~~وجودهم آمنون من كل محنة وضلالة ويلية ، وبقولك أيضا : 8 العلماء ورثة الانبياء ، ~~إن ألأنبياء لم يورثوا دينارا ولا دزهما ، وإنما ورثوا ألعلم ، فمن أخذه. . أخذ بحظ ~~وافر "(1) صححه جماعة ، وفي رواية زيادة : "يحبهم أفل السماء، ويستغفر لهم ~~الحيتان في البخر "(2) . # وفي أخرى : " وإنما العالم من عمل بعلمه 4(2). # وفي أحرى : " أقرب الناس من درجة ألنبوة أهل العلم وآلجهاد "(4) . # (5) ~~وفي أخرى : " كاد حملة القرآن أن يكونوا أنبياء إلا أنهم لا يوحى إليهم"(5) . # وفي اخرى : " من حفظ القرآن. . فقد أذرجت النبؤة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى ~~ا5.(1) ~~إليه "111. # ورواية: "علماء أمتي كانبياء بني إسرائيل " لا أصل لها، ولكن معناها صحيح؛ ~~لما تقرر آن العلماء ورثة الآنبياء: ~~وقوله تعالى : وورث سليكن داورد) أي : في العلم والحكمة والنبوة والرسالة، ~~ومنه: { فهب لى من لدنك وليا يرينى} للخبر الصحيح : 8 إنا معاشر الأنبياء ms537 لا ~~(2) ~~نورث، ما تركناه فهو صدقة "71). # وأشار الناظم بما ذكره إلى أن الله تعالى خص هلذه الأمة في التوراة بخصائص لم ~~(1) اخرجه أبو داوود (3636)، والترمذي (2684)، وابن ماجه (223) ~~ذكره الديلمي في " الفردوس" (75/3) ~~(2) ~~اخرجه الدارمي (394) موقوفا على علي رضي الله عنه ~~(3) ~~أخرجه الذهبي في " سير أعلام النبلاء " (524/18) ~~(4) ~~ذكره الديلمي في " الفردوس "(75/1) ~~(5 ~~(2) ذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد" (7/ 162) وقال : (وفيه إسماعيل بن رافع وهو ~~متروك)، وآخرجه البيهقي في " الشعب "(2590) بلفظ : " استدرجت...8. # (7) أخرجه ابن عدي في " الكامل "(86/2). # 115 PageV00P599 ~~============================================================ ~~يؤتها لغيرهم، تكرمة لنبيهم، وزيادة في شرفهم ~~منها كما في حديث أبي نعيم : أن موسى لما رأى مدح هذه الأمة في التوراة.. # قال : يا رب؛ أجد في الألواح أمة هم الاخرون السابقون ، فاجعلهم أمتي، قال : ~~تلك أمة أحمد، ثم كرر ذلك مع أوصاف أخر، وكرر جوابه كذلك، قال : يا رب؛ ~~فاجعلني من أمة أحمد ، فقال : ( قال يكموسى إنى اصطفيتك على الناس برستلكتى...} ~~الآية، فقال : رضيت يا رب(1). # وفي رواية : أنه سأل ربه : هل في الأمم أكرم عليك من أمتي ؟ فبين أن فضل أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم على سائر آمم الأنبياء كفضله تعالى على جميع خلقه ~~ومنها : أن أحدا لا يدخل الجنة قبلهم، ومنها: الوضوء على الكيفية ~~المخصوصة، والتيمم، وإباحة الغنائم، وأن كل الأرض تصح صلاتهم فيها، ~~ويجوز جعلها مسجدا إلا محل مسجد الضرار، ومجموع الصلوات الخمس، والتأمين ~~خلف (الفاتحة) كما صح به الخبر(2)، والركوع ؛ لخبر به رواه البزار والطبراني (3)، ~~ومن ثم قال جمع مفسرون : إن صلاة من قبلنا لا ركوع فيها. # وفسروا: اركموا} بل صلوا)، وآزكمى مع الراكوير} با صلي مع ~~المصلين) ~~وأن صفوفهم في الصلاة كصفوف الملائكة، رواه مسلم(4)، والجمعة، رواه ~~البخاري (5)، وساعة الإجابة في يومها. # وشهر رمضان عند الجمهور، فالتشبيه في الاية لمطلق الصوم، وخبر: أنه " كتب ~~على من قبلنا" في سنده مجهول، ونظر الله إليهم أوله، وتزيين الجنة فيه، وخلوف ~~أفواههم آطيب من ريح المسك، واستغفار الملائكة لهم حتى يفطروا، وعموم ~~(1) دلائل النبوة (77/1). # (2) اخرجه ابن خزيمة ms538 (1586) ~~(3) مسند البزار (814)، والمعجم الأوسط (7249)، وانظر " الخصائص الكبرى" للسيوطي ~~(20512 ~~4) مسلم (522) ~~5) البخاري (876) PageV00P600 ~~============================================================ ~~المغفرة لهم آخر ليلة فيه ، رواه البيهقي بسند لا بأس به بلفظ : "أغطيت أمتي في شهر ~~رمضان خمسا لم يغطهن نبي قبلي." الحديث، واستغفار الحيتان لهم حتى ~~يفطروا، رواه البزار، والسحور، وتأخيره، وتعجيل الفطر، رواه الشيخان(1)، ~~وإباحة الطعام والجماع إلى الفجر. # والاسرجاع عند المصيبة، قاله سعيد بن جبير ~~ورفع أثقال التكليفات التي كانت على من قبلهم، كتحتم القصاص حتى في ~~الخطا، وقطع الأعضاء الخاطئة وموضع النجاسة، وقتل النفس في التوبة، ~~والمؤاخذة بالخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، كما صح به الخبر(2). # وأن الله لم يجعل عليهم في دينهم من حرج، وآن الإسلام وصف خاص بهم عند ~~جماعة، لكن الذي اعتمده ابن الصلاح وغيره خلافه، وأن شريعتهم أكمل من سائر ~~الشرائع، كما أن نبيهم اكمل الأنبياء، وقد كان لموسى وشريعته من الحلال الصرف ~~ضد ما كان لعيسى وشريعته من كل وجه، وشريعتنا اعتدل فيها الأمران، فسلمت عن ~~شدة تلك ولين هذه، واعتدلت في جميع جزتياتها، ومن ثم وهب الله لهم من علمه ~~وحلمه، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، وأعطاهم مرتبة الشهادة على من سبقهم ~~في القيامة، فأقامهم مقام الأنبياء في الشهادة عليهم، وكمل لهم من المحاسن ما فرقه ~~في الأمم، كما كمل لنبيهم ما فرقه في الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام، ولكتابهم ~~ما فرقه في الكتب. # وأنهم لا يجتمعون على ضلالة، كما في الحديث المشهور، وأسانيده كثيرة، ~~وشواهده متعددة من المرفوع وغيره(3) ~~وأن إجماعهم حجة، واختلافهم رحمة، وفي حديث ضعيف منقطع: " آختلاف ~~أصحابي لكم رخمة" وفي رواية اقتضى كلام الخطابي أن لها أصلا عنده، وبه رد زعم ~~كثير من الأئمة : أنه لا أصل لها : " أختلاف أمتي رحمة للناس" . # (1) البخاري (1957)، ومسلم (1094) ~~(2) أخرجه ابن حبان (7219)، والحاكم (198/2)، وابن ماجه (2043)، وغيرهم ~~(3) أخرجه الحاكم (115/1)، والترمذي (2167)، وابن ماجه (3950)، وغيرهم PageV00P601 ~~============================================================ ~~وأن الطاعون شهادة لهم، وعذاب على غيرهم؛ لخبر به رجاله ثقات (1) ~~وأنهم حفظوا آثار رسولهم على قوانين علم الحديث بمالم يوجد نظيره في أمة. # وأن فيهم ms539 أقطابا وأوتادا، ونقباء ونجباء وأبدالا، كما جاء في أحاديث في الأبدال ~~ونحوهم (2). # وأنهم يخرجون من قبورهم بلا ذنوب؛ لاستغفار المؤمنين لهم، رواه الطبراني ~~وغيره1. # وأنهم أول من تنشق عنه الأرض ، رواه أبو نعيم(4) . # ويميزون يوم القيامة بالغرة والتحجيل من آثار الوضوء ، رواه البخاري(5)؛ أي : ~~ينادون بهاذا الوصف، ويكونون بهذه الصورة ~~ويكونون مع نبيهم على كوم مشرف في الموقف، يغبطهم فيه جميع الأمم، رواه ~~جماعة(2). # ويميزون بسيما السجود في وجوههم، قال ابن عباس رضي الله عنهما : وهي ~~بياض شديد، وقال شهر بن حوشب: نور كالقمر ليلة البدر، قال الله تعالى: ~~سيماهم فى وجوههه الآية، وقيل: هلذا في الدنيا، وعليه قال ابن عباس: ~~السمت الحسن، أو سمت الإسلام وخشوعه، وقيل: الصفرة في الوجه من أثر ~~السر ~~ويؤتون كتبهم بأيمانهم، رواه أحمد وغيره (7. # (1) اخرج البخاري (2830)، ومسلم (1916) : " الطاعون شهادة لكل مسلم" : ~~(2) انظر "مسند الإمام أحمد "(5/ 322)، و9 مجمع الزوائد "(15/10). # (3) المعجم الأوسط (1900) ~~(4) دلائل النبوة (72/1). # (5) البخاري (136). # (1) ذكره ابن كثير في " تفسيره " (191/1) وعزاه لابن مردويه وابن آبي حاتم : ~~7) مسند آحمد (199/5). PageV00P602 # ============================================================ ~~ويسعى نورهم بين آيديهم، كما صح به الخبر(1). # ويصل لهم ما سعي لهم من صوم وحج وصدقة ودعاء وقراءة، بل وكل عبادة عند ~~كثيرين ، وآية: وأن لتس للإنسكن إلاماسعى} منسوخة ، أو في حق الكافر . # ويدخل منهم الجنة سبعون ألفأ بغير حساب ، رواه الشيخان (2)، زاد الطبراني ~~والبيهقي : 9 مع كل واحد منهم سبعون ألفا"(3). # ال ح اه حما: ~~فانقضت آي الأنبياء وآيا ثك في الناس ما لهن انقضاء ~~ا! # (ف) بسبب أن في الأمة وارثي هديك المخصوصين بهذه الخصائص التي لم ~~توجد لغيرهم من الأمم (انقضت آي الأنبياء) أي: معجزاتهم؛ لانتساخ شرائعهم ~~بموتهم، وآن من كان من بعد موسى الى عيسى إنما هو مرسل بكتاب موسى ~~(وآياتك) أي: معجزاتك (في الناس) قبل وجودك ومعه وبعد وفاتك (ما لهن ~~انقضاء) فيه العكس، نحو: { لاهن عللهم. الآية، ورد العجز على الصدر. # أما الأولان. فقد مر منهما جملة، منها: ما في كتب الله من ذكره ونعته وخروجه ~~بأرض ms540 العرب، وما خرج بين يدي أيام مولده وبعثه من الأمور العجيبة المهولة للكفر ~~وأهله، والمؤيدة لشأن العرب، كقصة الفيل، وعقاب أهله، وخمود نار فارس ~~وسقوط شرافات ايوان كسرى، وغيض ماء بحيرة ساوى، وخمود نارهم، وما سمع ~~من الهواتف الصارخة به صلى الله عليه وسلم وبأوصافه، وانتكاس الأصنام المعبودة ~~لولادته صلى الله عليه وسلم، وتظليل الغمام له في سفره، إلى غير ذلك مما ورد في ~~الأخبار إلى بعثته صلى الله عليه وسلم مما هو تأسيس لنبوته صلى الله عليه وسلم، ~~وإرهاص لرسالته عليه الصلاة والسلام، وأما الأخير.. فكثير جدا؛ إذ في كل حين ~~(1) أخرجه الحاكم (547/2) ~~(2) البخاري (3247)، ومسلم (216) ~~3) المعجم الكبير (155/8) PageV00P603 ~~============================================================ ~~يقع لخواص أمته من خوارق العادات بسببه مما يدل على تعظيم قدره الكريم. # ما لا يحصى كماقال: ~~ا84ا ~~والكرامات منهم مغجزات حازها من نوالك الأولياء ~~~~(والكرامات) الواقعة (منهم) أي : الناس (معجزات) إذ كل منهما أمر خارق ~~للعادة، وإنما يفترقان بالتحدي وعدمه، للكنها في الحقيقة معجزات لك (حازها من ~~نوالك) أي: عطائك وكرمك (الأولياء) وكان القياس حازوها، للكنه أظهر؛ ليبين ~~أن مراده ب (منهم) العائد على (الناس) خواصهم، وهم (الأولياء) جمع ولي، ~~فعيل بمعنى فاعل؛ لأنه والى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلم يخرج عن أمرهما ~~ونهيهما إلى ما يغضبهما، أو مفعول، لأن الله تعالى والاه بخوارق نعمه، ورسوله ~~صلى الله عليه وسلم والاه بمزيد إمداده وكرمه ~~وضابط الولي : أنه المداوم على فعل الطاعات واجتناب المعاصي، المعرض عن ~~الانهماك في اللذات، كذا قالوه ، ويتجه : أن هذا ضابط للولي الكامل، وأن أصل ~~الولاية يحصل لمن وجدت فيه صفة العدالة الباطنة بالشروط المذكورة عند الفقهاء ~~ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم المتكررة الدائمة أيضا : ما يقع للمتوسلين به ~~من خوارق العادات مما لا يحصى أيضا، هلذا كله مع قطع النظر إلى القرآن الكريم، ~~فبالنظر إليه وأنه معجزته الكبرى.. ففيه من المعجزات المتكررة بتكرر الأزمنة ما لا ~~يحص أيضا ~~واعلم: أنه صلى الله عليه وسلم كما فضله الله في البدء؛ بأن جعله أول ms541 الأنبياء ~~خلقا وإجابة يوم: ألست} جعله أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، وأول ~~مشفع، وأول ناظر إلى ربه، وأول نبي يقضي بين آمته، وأولهم إجازة بأمته على ~~الصراط وداخلا الجنة، وهم أول الأمم دخولا إليها، وزاده من لطائف التحف ~~ونفائس الطرف ما لا يحد، كبعثه راكبا، وتخصيصه بالمقام المحمود، وهو الشفاعة ~~العظمى في فصل القضاء، وبلواء الحمد الذي تحته آدم فمن دونه، وبالسجود أمام ~~العرش، ويفتح عليه حينئذ بما لم يفتحه عليه ولا على أحد قبله، ولا يفتح أيضا على PageV00P604 ~~============================================================ ~~أحد بعده ، والنداء ب8 يا محمد ؛ أرفع رأسك ، وقل يسمع لك، وسل تغط، وآشفع ~~تشفع"(1) وقيامه صلى الله عليه وسلم عن يمين العرش الذي لم يقمه مخلوق يغبطه فيه ~~الأولون والأخرون ، وشهادته للأنبياء عليهم الصلاة والسلام على أممهم ~~تنبيه: علم مما تقرر: أن الكرامة: ظهور أمر خارق للعادة غير مقارن لدعوى ~~النبوة على يد من عرفت ديانته، واشتهرت ولايته باتباع نبيه في جميع ما جاء به، ~~وإلا.. فهي استدراج أو سحر أو إذلال، كما وقع لمسيلمة الكذاب لعنه الله تعالى : ~~أنه جاعه أعور يدعو له، فدعا له، فعميت الصحيحة أيضأ، وتسمى إهانة ~~وقديظهر الخارق على يدي عامي، تخليصا له من فتنة، ويسمىن معونة ~~وأنكر جماعة محرومون - كاكثر المعتزلة وإن وافقهم بعض منا، لككن يتعين تأويل ~~كلامه؛ لأن جلالته تابى أن يرضى بهذا الزيف الذي انتحلوه - جواز الكرامة ~~ووقوعها، وعليه قيل: يمتنع كونها بقصد واختيار؛ لأدائها إلى السقوط عن مرتبة ~~الولاية، وقيل: يمتنع كونها من جنس معجزة نبي، وإلا. لالتبست بالمعجزة، ~~وردهما الفخر الرازي رحمه الله تعالى بأن المرضي تجويز حمله على خوارق العادات ~~في معرض الكرامات، والمميز لها عن المعجزة إنما هو ادعاء النبوة، وكأنه لم يرض ~~قول جماعة منهم القشيري: لا تنتهي إلى إحياء ميت، ولا إلى وجود ولد من غير ~~أاب، ومن ثم رد بعموم قولهم : ما جاز آن يكون معجزة لنبي. جاز آن يكون كرامة ~~لولي: ~~وليس من شروط المعجزة غير القرآن : أن لا يمكن نظيرها ms542 ، بل آن يعجز ~~المعارضون عن نظيرها ~~ومن أدلة الجواز : أن الوقوع ممكن كالمعجزة ، وقدرة الله تعالى شاملة لهما، ~~ولا بدع أن الملك يصدق رسوله بخرق بعض العادات، ثم يفعل مثل ذلك ببعض ~~أتباعه إكراما له. # ومن أدلة الوقوع : النص القاطع بما وقع لمريم : كلما دخل عليها زكريا ~~المحراب الآية، وفي ولادة عيسى، ولأصحاب الكهف، ولوزير سليمان في ~~(1) أخرجه البخاري (4476)، ومسلم (193) PageV00P605 ~~============================================================ ~~عرش بلقيس، ونظائر ذلك، وزعم : أنها ارهاص. باطل، على أن المعتزلة ~~لا يقولون به، سلمناه، هو لا يمنع تسمية ذلك كرامة على يد من ظهرت عليه، ~~والتواتر المعنوي وإن كانت التفاصيل آحادا في كرامات الصحابة، لا سيما ما وقع ~~لعمر وعلي- رضي الله عنهما- وتابعيهم ومن بعدهم إلى زمتنا، بل ظهورها يكاد يلحق ~~بظهور معجزات الأنبياء، ولا عجب من إنكار المبتدعة ذلك؛ فإنهم حرموا مشاهدة ~~شيء منها من أنفسهم ومشايخهم، وكثرة ظهورها لا يخرجها عن كونها خارقة، خلافا ~~لمن زعمه؛ لأنه يلزمه ذلك في المعجزة ، على أن الكثرة فيها لا تنافي قلتها بالنسبة ~~للعادة المستمرة: ~~وظهور الخارق على يد غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يخل بقدرهم، بل ~~يزيد في جلالة أقدارهم، والرغبة في اتباعهم، حيث نالت آممهم وآتباعهم مثل هلذه ~~الدرجة ببركة الاقتداء بشريعتهم، والاستقامة على طريقتهم، وبما مر: أن الخارق ~~لا يسمى كرامة إلا إن ظهر على يدي من مر، يعلم : أن الكرامة لا تشتبه بالسحر ~~أصلا؛ لأنا ننظر لحال من ظهر الخارق على يديه، فإن توفرت فيه شروط الولاية.: ~~فذلك الخارق كرامة في حقه، وإلا.. فهو سحر أو غيره مما مر: ~~وزعم أن الساحر لا يمكن أن يقلب عينا، كآدمي حمارا، ولا يقلب طبيعة، ~~بخلاف الولي ليس في محله، بل الخلاف فيهما واحد، قال جمع: يستحيل ~~عليهما ذلك، وجمع : يجوز في حقهما ذلك، وهو الأصح: ~~وأما قوله تعالى : { فلا يظهر على غيبهه أحدا* إلا من آرتضى من رسول ...} ~~الآية.. فالاستثناء فيه منقطع، بدليل: {فإنه يسلك.. إلخ، بل يعينه : أن : ~~غيبه مفرد مضاف، فهو للعموم واستغراق التفي في هذا الكل ms543 فرد فرد من ~~المخلوقين؛ إذ مدلول العام كلية، لا كلي ولا كل، خلافا لمن وهم فيه، فمحمل ~~الاية عليه باق على حقيقته؛ إذ الغيوب كلها لم يطلع الله عليها أحدا من خلقه، وإنما ~~غاية من أطلعه منهم : أنه أطلعه على جزئيات مخصوصة، وبتقدير آنه متصل، وأن ~~المراد : أنه لا يظهر على بعض غيبه إلا الرسول.. فلا حجة لهم فيه؛ لأن القطع ~~الضروري بوقوع الكرامات للأنبياء والأولياء يعين أن المراد من الأية: غيب ~~مخصوص؛ أي: لا يظهر على ذلك الغيب المخصوص إلا من ارتضاه من رسله، PageV00P606 ~~============================================================ ~~وأما البقية من الرسل والأنبياء والأولياء.. فلا يظهرهم على ذلك المخصوص، بل ~~على غيره ~~واعلم : أن من الكفر الصريح ما حكي عن بعض الكرامية : أن الولي غير النبي قد ~~يبلغ درجة النبوة، وعن بعض المتصوفة الجهلة : أن الولاية فوق رتبة النبوة، وأن ~~الولي قد يبلغ حالة يسقط عنه فيها التكليف. # قال الغزالي رحمه الله : وقتل الواحد من هلؤلاء خير من قتل مثة كافر؛ لأن ضرر ~~أولئك في الدين أشد، وليس من أولئك العارفان العالمان، المحققان الوليان ~~الكبيران، المحيوي ابن عربي والسراج ابن الفارض وأتباعهما بحق، خلافا لمن زل ~~فيهم قدمه، وطغى قلمه، إلا أن يكون آراد بما قاله الذب عن اعتقاد ظواهر ~~عباراتهم، المتبادرة عند من لا يحيط علما باصطلاحاتهم: ~~ل ادا ا998اه ~~إن من معجزاتك العجز هن وض فك إذ لا يحده الإخصاء ~~د ~~(إن) تأكيد لقوله : (ما لهن انقضاء) (من معجزاتك) الباهرة (العجز) أي : ~~من سائر الناس (عن وصفك) مفرد مضاف، فهو للعموم؛ أي: عن الإحاطة بكل ~~فرد من أوصافك التي اختصك الله بها (إذ لا يحده) أي: الوصف المذكور ~~(الإحصاء): أي العد. # د وا ا1986 اهاهم. # كيف يشتوهب الكلام سجايا ك وهل تنزع البحار الركاء ~~~~(كيف يستوعب الكلام) الصادر من واصفيك (سجاياك) أي: ما فيك من ~~الأخلاق الكريمة، والفضائل والأوصاف البالغة أقصى ما يمكن البشر الرقي إليه، ~~وهي لا حد لها، باعتبار أنك لا تزال تترقى في مراتب القرب في الحياة وبعد ms544 ~~الممات، وفي الموقف وفي الجنة إلى ما لا نهاية له ولا انقضاء (وهل تنزح البحار) ~~المشبهة أوصافك بها في أن بتلك قيام الوجود الحسي، وبهذه قيام الوجود المعنوي؛ PageV00P607 ~~============================================================ ~~لما أنه صلى الله عليه وسلم روح الكون، والخليفة الأكبر عن الله تعالى في إمداداته ~~(الركاء) المشبهة بها الألفاظ في أن كلا يتوصل به إلى حيازة بعض المطلوب دون ~~انتهائه، وهلذا تذييل مبين لما اشتمل عليه من الاستعارتين المصرحتين المرشح لهما ~~بذكر (النزح) : أن أوصافه صلى الله عليه وسلم لو عبر عنها من أول الزمان إلى ~~آخره.. لا تحد ولا تحصى، ومما يزيد ذلك بيانا وايضاحا أنه ~~ليس من فاية لوضفك أبغي ها وللقول غاية وأنتهاء ~~(ليس من غاية لوصفك) - أي : أوصافك - توجد حتى أني (أبغيها) أي : أطلبها ~~(وللقول) أي: مني (غاية) لما تقرر أن ذلك الترقي لا نهاية له؛ إذ لا مطمع في ~~الاطلاع عليه، وبفرضه لا تحده العبارة، بخلاف القول منه، فإنه محدود متناه ~~وبهذا- أعني: قولي: (مني) أولا، و(منه) ثانيا مع ما تقرر- يندفع ما أشار إليه ~~الشارح من إشكال في ذلك (وانتهاء) تأكيد، والفرق بين الغاية والنهاية اعتباري: ~~ومما يزيده بيانا وايضاحا أن نقول : ~~لا ا ي ~~إتما فضلك الزمان وآيا تك فيما نعده الآناء ~~(إنما فضلك) أي: فضائلك (الزمان) أي : يشبهه من حيث الإجمال فيهما، ~~وأما بالنسبة للتفصيل.. فجزئيات كل كجزثيات الاخر (وآياتك) أي : معجزاتك ~~وخصائصك (فيما نعده) ونحسبه (الآناء) جمع إنى، كمعى وأمعاء، كذا ذكره ~~الشارح، والذي في " القاموس" : (والأني - ويكسر - والإنؤ- بالكسر-: الوهن، ~~والساعة من الليل، أو ساعة ما منه، والإنى كالى وعلى : كل النهار) اه ~~والمراد هنا: مطلق الساعات؛ أي: اللحظات، فكما أن هذه لا تحد. # فكذلك تلك: ~~174 PageV00P608 ~~============================================================ ~~هذا ولا تظنن أني بإطالتي في هذذه القصيدة تعداد أوصافه صلى الله عليه وسلم ~~أخالف ما قدمته أنها لا تعد؛ لأني ~~9 ~~لم أطل في تغداد مذحك نطقي ومرادي بذالك أشتقصاء ~~(لم أطل في تعداد مدحك) فيها (نطقي و) الحال أن (مرادي بذلك استقصاء) ~~أي: حصر لأوصافه، وإنما ms545 مرادي بذلك برد الغليل وشفاء العليل، كما أفاده قوله ~~المشتمل على أداة الاستثناء الذي هو منقطع هنا ~~غير أني ظمآن وجد وما لي بقليل من الورود أزتواء ~~(غير أني) لم أرد الحصر، للكني (ظمآن وجد) أي: بي من شدة شوقي لسماع ~~تلك الأوصاف غاية الظمأ والتعطش للارتواء من سماعها (وما) أي: ليس يحصل ~~(لي بقليل من) الماء الذي أشربه حال (الورود) منه (ارتواء) مما بي من العطش، ~~فإطالتي في التعداد لطلب مزيد الارتواء من سماع تلك الأوصاف، لا لطلب حصر؛ ~~لتعذره ~~وفي كلامه استعارة مصرحة؛ لأنه شبه شغفه بتعداد الايات وذكر أفضل الصفات ~~بظمأ شديد لا يرويه إلا الماء الكثير ، ورشح لذلك بذكر (الورود) و(الارتواء): ~~فسسلام عليك تشرى من الله وتبقى به لك البأواء ~~(ف) بسبب حصول الارتواء لي من تلك الإطالة أختمها بما هو المتعين من الدعاء ~~لك بالصلاة والسلام ؛ امتثالا لقوله تعالى : {صلوا عليه وسلمواتسليما.. فأقول : ~~(سلام) عظيم شريف؛ آي: سلامة من كل آفة ونقص كائنة (عليك تتري) أي: ~~يتكرر ويتبع بعضه بعضا دائما، وفي " القاموس" : (ترى يتري، كرمى: تراخى PageV00P609 ~~============================================================ ~~وأترى : عمل أعمالا متواترة بين كل عملين فترة) اه ~~وقد يشكل على استعمال الناظم (تترى) هنا مرادا به ما ذكر، إلا أن يجاب بأنه ~~أراد به أصل المعنى، وهو : مطلق التتابع من غير اعتبار تراخ ولا فترة بقرينة المقام، ~~وقد يخرج البليغ عن المعنى اللغوي إلى ما هو أخص أو أعم منه للضرورة مع الاستغناء ~~بفهم ذلك الخصوص أو العموم منه من قرينة السياق والمقام فتأمله ~~(من الله وتبقى به) آي: بسببه على ممر الأزمنة إلى فنائها، وما بعد ذلك مما ~~لا منتهى لاخره (لك البأواء) أي : الفخر؛ لأن تسليم أمتك عليك مع التكرار ~~والدوام زيادة في شرفك وفخرك: ~~وسلام عليك منك فما غيذ وك منه لسك السلام كفاء ~~(و) إنما ذكرت سلام الله عليك ابتداء؛ مبادرة إلى أشرفيته، وسلامك ثانيا؛ ~~لأنك في الحقيقة لا يكافئك من سلام الخلق غير سلامك على نفسك، فحينئذ (سلام ~~عليك منك فما) ms546 أي : ليس (غيرك) من المخلوقين (منه) متعلق با السلام) (لك) ~~متعلق با كفاء) و(لك) بمعنى: عليك (السلام كفاء) أي: مكافىء لحضرتك، ~~من المكافأة، وهي المساواة؛ إذ كيف يساويك سلام من هو دونك ولم يحط ~~بفضائلك ؟! ومع ذلك لا يطلب من غيرك عدم السلام عليك، بل يطلب من كل أحد ~~السلام عليك وإن لم يكافئك سلامه، فمن ثم قال: ~~وسلام من كل ما خلق الله لتخيا بذكرك الأنلاء ~~~~(وسلام) عليك (من كل ما خلق الله) أي: من كل نام وجامد، وفي نسخة: ~~(من) فالأولى غلبت غير العاقل لكثرته ، والثانية غلبت العاقل لشرفه، على حد قوله ~~تعالى : { ولله يسجدمن فى السموت وآلأرض} ، وقوله تعالى : { ما فى السمكوت ~~وإنما جئت بهذا العموم (لتحيا بذكرك الأملاء) جمع ملأ، وهو الجماعة: PageV00P610 ~~============================================================ ~~وبالغ الناظم حيث طلب السلام عليه صلى الله عليه وسلم من ربه، ثم من نفسه، ~~ثم من سائر المخلوقات؛ ليجتمع له صلى الله عليه وسلم سائر وجوه السلامة فيه وفي ~~شريعته وأمته وجميع آثاره، ولأجل هذا العموم الذي يوجد في السلام دون الصلاة:: ~~خصه بالذكر، وقد ذكروا - كما ذكرته في كتابي " الجوهر المنظم في زيارة القبر ~~المكرم" الذي لم يصنف في هذذا الباب مثله - في إيثار الزائر للسلام وتكرره دون ~~الصلاة ما يؤخذ منه ما ذكرته فتأمله. # ح : ال ~~وصلاة كألمشك تخمله مذ ي شمال إليك أو تخباء ~~ب الا ~~(وصلاة) وهي من الله الرحمة المقرونة بالتعظيم؛ أي : من الله ومنك ومن كل ~~مخلوق نظير ما مر في السلام (كالمسك) في الطيب والنفع البالغ (تحمله مني) آي: ~~ذلك المسك الذي هو عين صلاتي (شمال) وهي التي تهب من جهة القطب إلى ~~المغرب ( إليك) حتى يتعطر الوجود بعبيره، وتحيا الأرواح بعبقه ومسيره (أو نكباء) ~~وهي الصبا، وتهب من سهيل إلى القطب، والجنوب، وتسمى الأزيب، وهي التي ~~تهب من سهيل إلى المغرب، والدبور، وهي التي تهب من المغرب، سميت بذلك ؟ # لأنها تهب من ظهر الكعبة ~~والحاصل : أن الريح إن هبت من تجاه الكعبة. فالصبا، وهي حارة ms547 يابسة، أو ~~من وراثها.. فالدبور، وهي باردة رطبة، آو من يمينها.. فالجنوب، وهي حارة ~~رطية، أو من شمالها. فالشمال، وهي باردة يابسة، وهي ريح الجنة التي تهب ~~عليهم، رواه مسلم(1)، ولهذه الخصوصية للشمال بدأ بها الناظم: ~~تبيه: تفسير النكباء بما ذكر وقع في كلام بعضهم، وعبارة " القاموس" : ~~(والنكباء: ريح اتحرفت ووقعت بين ريحين) ومر بسط عبارته في ذلك في شرح قول ~~الناظم : (فكأن الصبا لديك رخاء) وعبارة "كفاية المتحفظ " : (الرياح أربع: ~~الصبا، والدبور، والشمال، والجنوب، فالصبا: هي الريح الشرقية، ويقال لها: ~~1) مسلم (2833) PageV00P611 ~~============================================================ ~~القبول، وهي تهب من مشرق الاستواء، وهو مطلع الشمس في زمن الاعتدال، ~~والدبور تقابلها، وهي الغربية؛ لأنها تهب من مغرب الشمس، والشمال، وهي ~~الريح الشامية، وتسمى الجربياء، وهي تهب من ناحية القطب، والجنوب، وهي ~~الرياح اليمانية، وتسمى النعامى والأزيب، وهي تهب من ناحية سهيل، وكل ريح ~~انحرفت عن مهاب هذه الجهات الأربع، ووقعت بين ريحين منها.، فهي نكباء ~~وجمعها نكب) اه المقصود منه ~~وبه يعلم ما في تفسير (النكباء) بالصبا، وهو وإن صح تجوزا لكن لا حاجة إليه ~~مع إيهامه أنه وضع حقيقي لها. # ا1938 ت ~~وسلام على ضريحك تخضل به منه تزبة وفساء ~~از ~~(وسلام على ضريحك) أي: قبرك المكرم، وهو أفضل حتى من الكعبة، بل من ~~العرش، ولكون المراد من الضريح هنا البقعة التي ضمت أعضاءه الشريفة .. لم يكن ~~في إفراد السلام هنا كراهة؛ لأنه عين السلام عليه الذي ضم إليه الصلاة فيما مر ~~(تخضل) بمعجمتين؛ أي: تبتل (به منه) أي: القبر المكرم (تربة وعساء) أي: ~~لينة ذات رمل، شبه السلام بالماء الكثير الطيب البارد البالغ في النفع، فهو استعارة ~~مصرحة(1) وخيل له بذكر (تخضل). # اق45ا ~~وثناء قدفث بين يدي نج حواي إذ لم يكن لدي ثراء ~~~~(وثناء) في هذه القصيدة (قدمت بين يدي نجواي) أي: سؤالي منك بلوغ ~~المأمول الواقع في هلذه القصيدة بقولي : (جد لعاصي...) إلخ وفي غيرها (إذ) ~~أي : لأجل أني (لم يكن لدي) أي: عندي (ثراء) بالمثلثة؛ أي : مال أتصدق به ~~(1) لعل ms548 الصواب: أنها استعارة مكنية؛ لأنه ذكر المشبه وحذف المشبه به وذكر له شيئا من ~~لوازمه، وهو (تخضل)، والله أعلم PageV00P612 ~~============================================================ ~~امتثالا لقوله تعالى : إذا نتجيتم الرسول فقدموا بين يدنى نخودكر صدقة} إذ الأمر فيها كان ~~للوجوب ثم نسخ بما بعدها، وهو : { مأشفقت.. الآية. # وجاء: أنه لم يعمل بها قبل النسخ من تقديم الصدقة بين يدي النجوى غير علي ~~كرم الله وجهه (1)، ولا يلزم من نسخ الوجوب نسخ الندب، ولذا يسن لمن يريد زيارته ~~صلى الله عليه وسلم: أن يقدم بين يدي زيارته صدقة، والناظم رحمه الله تعالى ظاهر ~~كلامه: أنه كان يعتقد بقاء الندب، فاعتذر بأنه لا مال له يتصدق به بين يدي سؤاله، ~~و أنه جعل حسن توسله وثنائه بدل المال الذي يتصدق به ~~تبيه: تفسيري (لدى) با عند) لأنها مثلها في آكثر أحكامها؛ من كونها ظرف ~~مكان تستعمل في الحضور والقرب الحسيين والمعنويين، نحو: عند مليك ~~مقتدر عندربهم}، " إن الله كتب كتابا فهو عنده فوق عرشه : إن رخمتي سبقت ~~غضبي"(2) ولا تستعمل إلا ظرفا ، وغير ذلك، فلا ينافي ذلك أنها قد تفارقها في كثرة ~~جر (عند) با من) خاصة، وامتناع جر (لدى) مطلقا، وفي أن (عند) تكون ظرفا ~~للأعيان والمعاني، وتستعمل في الحاضر والغائب، بخلاف (لدى) فيهما، وتفارق ~~(عند) و(لدى) لدن في آن ذينك يصلحان في ابتداء غاية وغيرها، ويكونان فضلة، ~~ووعندنا كتي حفيظ}، ويعربان بخلافها في لغة الأكثرين ، وجر (لدن) أكثر ~~من نصبها، وقد لا تضاف، وقد تضاف للجملة، بخلافهما ~~قال الراغب : (لدن أخص من عند وأبلغ ؛ لأنه يدل على ابتداء نهاية الفعل)(3) ~~ار ا ا436ا: ~~ما أقام الصلاة من عبد الله وقامث بريها الأشياء ~~~~(ما) مصدرية ظرفية (أقام الصلاة) اللغوية أو الشرعية (من عبد الله) وأبد بهذا ~~مع انقطاعه؛ استغناء عنه بما بعده، على أنا لا نسلم انقطاعه ؛ لأن أهل الجنة يدعون ~~(1) أخرجه الحاكم (481/2)، وابن أبي شيبة (505/7) ~~(2) أخرجه البخاري (7422) ومسلم (2751) ~~(3) انظر " مفردات الفاظ القرآن*( ص739) ~~179 PageV00P613 ~~============================================================ ~~ويتعبدون ، كما علم من أحاديث : "أقرأ وآرق... "(1) وغيرها، للكن ms549 للتلذذ ~~لا للتكليف، ولا يضر في ذلك التأبيد انقطاعه مدة يسيرة ؛ للخبر الصحيح : " لا تقوم ~~الشاعة وعلى وجه الأزض من يقول : ألله ، ألله"(2) ولا ينافيه الخبر الصحيح أيضا : ~~" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ، لا يضروهم من خالفهم إلى أن تقوم ~~الشاعة" لأن المراد : قرب قيامها؛ لما جاء : أن الله قبيلها يرسل ريحا لينة، فلا تمر ~~على مؤمن ولا مؤمنة إلا مات، ثم يتمحض الكفر، فلا يبقى على وجه الأرض ~~مؤمن، ثم تقوم الساعة (3). # (و) ما (قامت) أي: بقيت على أبلغ نظام، وأتقن إحكام (بربها) أي: ~~بايجاده وإمداده (الأشياء) أي : الموجودات في الدنيا والاخرة، وأبدها بالأول مع ~~انقطاعه بفتاء هلذه الدار؛ لما مر، وللتبرك بذكر المتعبدين آخر كلامه، وبالثاني الذي ~~لا ينقطع؛ لدوام نعيم الجنة وعذاب النار؛ ليجمع بين شرف الأول ودوام الثاني، مع ~~الإشارة بالختم بذكر الرب سبحانه وتعالى إلى استفتاح أبواب تربيته، واستمناح موانح ~~لطفه وهدايته ~~جعلنا الله تعالى ممن حقق له حقائق قربه وإمداده، وإسعافه وإسعاده، وآمننا من ~~كل فتنة ومحنة، مسبغأ علينا رضاه، متفضلا بكل ما نتمناه، إنه الجواد الكريم، ~~الرؤوف الرحيم، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، ~~والحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم وبارك أفضل صلاة، وأفضل سلام، ~~وأفضل بركة على أفضل الخلق سيدنا محمد، وآله وصحبه، عدد معلوماتك أبدا، ~~وعلينا معهم، كلما ذكرك وذكره الذاكرون، وكلما غفل عن ذكرك وذكره الغافلون، ~~آمين، آمين ~~(1) أخرجه أبو داوود (1459)، والترمذي (2915)، وغيرهما ~~(2) اخرجه مسلم (148)، والترمذي (2207). # 3) اخرجه مسلم (2940) PageV00P614 ~~============================================================ ms550