######OpenITI# #META# comp: 1 #META# إعداد الدكتور: شريف "الشيخ صالح" أحمد الخطيب #META# iso: مشروعيه الاجتهاد في فروع الاعتقاد #META# authinf: الخطيب الشربيني ( 000 - 977 ه = 000 - 1570 م) ¶ محمد بن أحمد الشربيني، شمس الدين: فقيه شافعي، مفسر. من أهل القاهرة. ¶ له تصانيف، منها (السراج المنير - ط) أربعة مجلدات، في تفسير القرآن، و (الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع - ط) مجلدان، و (شرح شواهد القطر - ط) و (مغني المحتاج - ط) أربعة أجزاء، في شرح منهاج الطالبين للنووي، فقه، و (تقريرات على المطول - ط) في البلاغة، و (مناسك الحج - ط) ¶ نقلا عن : الأعلام للزركلي #META# ad: 977 #META# archive: 18 #META# digitization_comments: جامعة آل البيت - قسم أصول الدين #META# bkord: 9891 #META# max: 62 #META# higrid: 977 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: مشروعية الاجتهاد في فروع الاعتقاد ¶ إعداد الدكتور: شريف "الشيخ صالح" أحمد الخطيب ¶ الأستاذ المساعد بكلية الدراسات الفقهية والقانونية ¶ جامعة آل البيت - قسم أصول الدين ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# cat: العقيدة - مرقم آليا #META# auth: الخطيب الشربيني #META# authno: 136 #META# ndata: مشروعية2B85BED9م الدين. #META# idx: 1 #META# Lng: شمس الدين، محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي #META# الكتاب: مشروعية الاجتهاد في فروع الاعتقاد #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# bkid: 35754 #META# bk: مشروعية الاجتهاد في فروع الاعتقاد #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# # المقدمة # الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، ~~وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.. PageV01P001 # فإن شريحة من المسلمين تقوم بتكفير المسلمين الذين هم مثلهم، بحجة أن مسائل ~~الاعتقاد لا تقبل الاجتهاد ولا تقبل الخلاف، وكل طائفة من هذه الطوائف ~~تعتقد أنها على الحق وأنها هي الطائفة الناجية وان غيرها على الباطل، وهذا ~~الاعتقاد يسهم إلى حد كبير في تعميق الخلاف بين المسلمين، والذي يبدأ بعدم ~~الإقرار بالخلاف ثم بالتبديع والتفسيق إلى التكفير والقتل؛ لأنه -كما ~~يزعمون-من بدل دينه فاقتلوه. # والحقيقة التي ينبغي أن يعتقد بها المسلمون جميعا بغض النظر عن فرقهم ~~وتوجهاتهم ومدارسهم الفكرية، أن هناك مسائل في العقيدة لا يجوز الخلاف فيها ~~لكونها ليست محلا للاجتهاد وهذه هي أصول العقيدة، ومسائل أخرى يجوز الخلاف ~~فيها لكونها محلا للاجتهاد وهذه هي فروع الاعتقاد. # وانقسام العقيدة إلى أصول وفروع منصوص عليه،وتدل عليه نصوص كثيرة وأقوال ~~للعلماء عديدة. # وإذا كانت نصوص الكتاب والسنة على ما هو معلوم؛ منها ما يقبل الخلاف ~~والاجتهاد ومنها ما لا يقبلهما، ولا فرق بين هذه النصوص سواء أكانت تدل على ~~مسائل علمية وهي مسائل العقيدة، أم كانت تدل على مسائل عملية وهي مسائل ~~الفقه، والنصوص التي جاءت بفرضية الاجتهاد لا تفرق بين هذه النصوص أو تلك، ~~وإذا كان الأمر كذلك فإنا نجد أن الصحابة والتابعين ومن بعدهم اجتهدوا في ~~مسائل فروع الاعتقاد، واختلفت آراؤهم فيها من غير حدوث إنكار من بعضهم على ~~بعضهم الآخر إلى حد التبديع أو التكفير أو القتل، وبقوا محافظين على وحدة ~~كلمتهم واعتصامهم بحبل الله كما أمرهم الله بقوله: { يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون*واعتصموا بحبل الله جميعا ~~ولا تفرقوا } (103: آل عمران). ولم يقعوا فيما نهاهم عنه وحذرهم منه بقوله ~~تعالى: { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ~~وأولئك لهم عذاب عظيم } (105:آل عمران) PageV01P002 ~~وهكذا جمعوا بين الاختلاف في مسائل فروع الاعتقاد ووحدة الأمة ووحدة ولائها ~~ووقوفها أمام أعدائها. # ولعل ms01 هذا البحث يسهم في إعادة تلك الصورة المشرقة من الاختلاف في الرأي ~~مع وحدة القلوب والمواقف جمعا بين الأمر بالاجتهاد والأمر بالوحدة وعدم ~~الاختلاف والنظر إلى المخالف على أنه معذور ومأجور وإن أخطأ في اجتهاده. # الدراسات السابقة: # لم أطلع على دراسة مستقلة تشير إلى مشروعية الاجتهاد في مسائل الاعتقاد، ~~وإن كانت هناك نصوص تحدثت عن هذا الموضوع متفرقة في بطون الكتب كما سيظهر ~~من خلال استعراض بعضها في ثنايا البحث. # منهجية الدراسة: # قامت الدراسة على المنهج العلمي القائم على الاستقراء والتحليل ~~والاستنتاج، حيث قام الباحث: # -باستقراء الأدلة على مشروعية الاجتهاد في مسائل الاعتقاد، وتحليلها، ~~واستنتاج هذه المشروعية منها. # -وعزو الآيات إلى مواضعها من السور، وتخريج الأحاديث النبوية، والحكم ~~عليها حيث لزم الأمر. # إشكالية البحث: ما حكم الاجتهاد في مسائل الاعتقاد ؟ وهل هو نفس الحكم في ~~مسائل الفقه ؟. # وهل في مسائل الاعتقاد ما يجوز الاجتهاد فيه وما لا يجوز كما هو الحال في ~~مسائل الفقه ؟. # وهل يعذر المخطئ والمخالف في مسائل الاعتقاد كما هو الحال في مسائل ~~الفقه؟. # وهل الحكم في المخطئ والمخالف في مسائل الاعتقاد كما هو الحال في مسائل ~~الفقه ؟، وهو عدم التكفير أو التبديع هذا ما سيحاول البحث الإجابة عنه. # محددات البحث: سيكون هذا البحث مقتصرا على نظرة أهل السنة والجماعة في ~~هذه المسألة، واقتصر على ذلك خشية الإطالة، وليكون الخطاب من كل طائفة من ~~طوائف المسلمين من خلال علمائها وكتبها؛ وهذا ادعى للإقناع والقبول. # خطة البحث: # لقد قسم البحث إلى مقدمة وتمهيد، وأربعة مباحث وخاتمة. # التمهيد: مصطلحات البحث: تعريف الاجتهاد والأصل والفرع والعقيدة. # المبحث الأول: حكم الاجتهاد عموما وفي مسائل الاعتقاد خصوصا. PageV01P003 # المبحث الثاني: أدلة وقوع الاجتهاد في فروع الاعتقاد. # المبحث الثالث: أقوال العلماء في حكم المخالف في مسائل الاجتهاد في ~~الاعتقاد. # المبحث الرابع:نظرية ابن تيمية في الاجتهاد في فروع الاعتقاد. # الخاتمة: وفيها أهم النتائج التي توصلت إليها. # وختاما، فأسأل الله القدير أن يجعل عملنا خالصا لوجهه الكريم، إنه ولي ~~ذلك والقادر عليه. # التمهيد: تعريف بمصطلحات البحث ms02 # 1. الاجتهاد لغة واصطلاحا: # الكلام في مفهوم الاجتهاد يكون في معناه لغة، واصطلاحا، وذلك ضمن النقاط ~~التالية: # أولا: الاجتهاد لغة: مصدر مأخوذ من الجهد، والجهد: وهو بالفتح المشقة، ~~وقيل: المبالغة والغاية، وبالضم، الوسع والطاقة، وقيل: هما لغتان في الوسع ~~والطاقة (¬1) وهو كما قال الفيروزآبادي: " الجهد الطاقة، ويضم، والمشقة. ~~واجهد جهدك ابلغ غايتك" (¬2). # وغاية الأمر: أن معنى الاجتهاد لغة يدور حول بذل الوسع والطاقة في طلب ~~أمر من الأمور؛ ويصل إلى غايته ونهايته ومقصوده. PageV01P004 # وهذا المعنى هو المقصود في تعريفنا الاصطلاحي له حيث يستفرغ المجتهد(¬1) ~~وسعه وطاقته العقلية ضمن قواعد معينة للوصول إلى حكم شرعي باستثماره الأدلة ~~النقلية (¬2). # ثانيا: الاجتهاد اصطلاحا (¬3): PageV01P005 # عرف الأصوليون الاجتهاد اصطلاحا (¬1) بتعاريف عدة، ومنها ما عرفه به الإمام ~~الغزالي بقوله: " بذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة " (¬2) ~~وعرفه ابن الحاجب بقوله: " هو استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم ~~شرعي"(¬3). # 2- تعريف الأصول والفروع لغة واصطلاحا: # ... ففي اللغة "الأصل واحد الأصول، يقال: أصل مؤصل، واستأصله، أي قلعه من ~~أصله"(¬4). PageV01P006 # والفرع في اللغة: "فرع كل شيء أعلاه"(¬1) وعلى هذا يكون المعنى اللغوي ~~للأصل والفرع هو الذي يبنى عليه غيره ويكون أساسا له، والفرع هو الذي يقوم ~~على ذلك الأساس ويتشعب منه. # ... وأما المعنى الاصطلاحي للأصل في عرف علماء العقيدة، فقد يراد به ~~الأحكام الاعتقادية والتي تتفرع عنها الأحكام العملية، وهذا ما يبدو من ~~تعريف الكلام عند التفتازاني والذي يراد به -علم العقيدة - حيث يقول في ~~تعريفه: "إنه العلم بالقواعد الشرعية الاعتقادية المكتسب من أدلتها ~~اليقينية"(¬2) ويوضح ذلك بقوله: "الأحكام المنسوبة إلى الشرع منها ما يتعلق ~~بالعمل وتسمى فرعية وعملية، ومنها ما يتعلق بالاعتقاد، وتسمى أصلية ~~واعتقادية"(¬3). # ... وقد يراد بالأصل القاعدة الكلية في العقيدة والمتفق عليها والمجمع ~~عليها والتي تكون قطعية الثبوت والدلالة والتي تتشعب منها فروع تلك العقيدة ~~الكلية وجزئياتها، التي تكون في محل الاجتهاد والاختلاف, وهذا ما أقصده في ~~الفروع في هذا البحث . # وهذا التفريق بين الأصول والفروع في الاعتقاد أمر ثابت عند أهل السنة ~~والجماعة، وغيرهم من الفرق ms03 والمذاهب الإسلامية، فهم يفرقون بين الأصول ~~والفروع من حيث المفهوم، ومن حيث حكم المخالف في كل منهما. PageV01P007 # فالأصل عندهم هو: ما كان ثابتا بدليل قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، وبالتالي ~~فإن هذا الأصل يكون موضع إجماع من المسلمين، ولا يدخله الاجتهاد ولا ~~التأويل، ويكون معلوما من الدين بالضرورة(¬1). # وقد يرى بعضهم مثل المعتزلة: أن الأصل في الدين، هو ما دل العقل عليه دون ~~ما دل عليه الشرع(¬2) والصحيح: أن الأصل في الدين هو ما كان ثابتا بدليل ~~سمعي شرعي قطعي الثبوت قطعي الدلالة، وأن ما دون ذلك يكون فرعا يدخله ~~الاجتهاد. # ورتبوا على ذلك أن المخالف في الأصل يعتبر كافرا، بينما المخالف في الفرع ~~يعتبر مجتهدا مصيبا، أو مخطئا في اجتهاده. PageV01P008 # وقد نص العلماء على تقسيم المسائل الاعتقادية إلى أصول وفروع، وإليك بعض ~~أقوالهم في ذلك(¬1): قال ابن تيمية: "وقال المفسرون لمذهبهم - مذهب أهل ~~السنة - أن له أصولا وفروعا، وهو مشتمل على أركان وواجبات - ليس بأركان ~~ومستحبات - " وهذا في معرض حديثه عن أهل السنة حيث يعتقدون أن للإيمان ~~أصولا وفروعا. وقال: فصل فيما اختلف فيه المؤمنون من الأقوال والأفعال في ~~الأصول والفروع، فان هذا من اعظم أصول الإسلام الذي هو معرفة الجماعة وحكم ~~الفرقة والتقاتل والتكفير والتلاعن والتباغض وغير ذلك(¬2) ويقسم ابن ~~تيمية(¬3) أمور الشرع إلى أصول وفروع ويبين أن الأصول هي ما جاء في حديث ~~جبريل عليه السلام عندما سأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان ~~فقال:أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره ~~وشره(¬4). # -وقال الإمام البغوي: "إن سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة ~~نشأت في الإسلام وهو أصل كل خطأ في الأصول والفروع"(¬5). PageV01P009 # -وقال ابن دقيق العيد: " والبداءة في المطالبة بالشهادتين؛ لأن ذلك أصل ~~الدين، الذي لا يصح شيء من فروعه إلا به "(¬1). # -وقال الإمام السمعاني فيما نقله عنه الإمام ابن القيم: " وبهذا يظهر ~~مفارقة الاختلاف في مسائل الفروع اختلاف العقائد في الأصول " (¬2) PageV01P010 ~~وقال أحمد بن الحسين البيهقي: "وفي حديث عبد الله ms04 بن عمرو: (إلا واحدة، ما ~~أنا عليه وأصحابي) وإنما اجتمع أصحابه على مسائل الأصول، فإنه لم يرو عن ~~واحد منهم خلاف ما أشرنا إليه في هذا الكتاب. فأما مسائل الفروع فما ليس ~~فيه نص كتاب ولا نص سنة فقد اجتمعوا على بعضه واختلفوا في بعضه، فما ~~اجتمعوا عليه ليس لأحد مخالفتهم فيه، وما اختلفوا فيه فصاحب الشرع هو الذي ~~سوغ لهم هذا النوع من الاختلاف؛ حيث أمرهم بالاستنباط وبالاجتهاد مع علمه ~~بأن ذلك يختلف، وجعل للمصيب منهم أجرين، وللمخطئ منهم أجرا واحدا، وذلك على ~~ما يحتمل من الاجتهاد، ورفع عنه ما أخطأ فيه "(¬1). ونجد إشارات متعددة ~~للعلماء في التفريق بين الأصول والفروع من حيث الحكم بالكفر أو عدمه ~~للمخالف فيرى القرطبي أن التأويل يعتبر باطلا إذا كان في موضع إجماع ~~المسلمين(¬2) ويرى ابن حجر أن الكفر إنما يكون فيما خالف المعلوم من الدين ~~بالضرورة(¬3) ويجمع ابن دقيق العيد بين الأمرين السابقين وينص على التواتر ~~في النص(¬4) وكذلك يشير السيوطي إلى المعنى نفسه(¬5). # 3. الاعتقاد لغة واصطلاحا: # العقيدة لغة: مشتقة من العقد، ومعناه نقيض الحل، وعقد الحبل شد بعضه إلى ~~بعض، والعقود أوثق العهود PageV01P011 ~~ومنه قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } (1: المائدة) ~~والعقيدة هي فعيل بمعنى مفعول أي المعتقدات، ومادة عقد في اللغة مدارها على ~~اللزوم والتأكد والاستيثاق(¬1) ففي القران: { لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } (89: المائدة). # والعقيدة اصطلاحا: "هي القواعد أو الأحكام الشرعية الاعتقادية التي يطلب ~~من المكلف الاعتقاد بها أي الإيمان بصحتها " (¬2) ويمكن تعريف العقيدة: ~~"وهي الأمور التي تصدق بها النفوس،وتطمئن إليها القلوب وتكون يقينا عند ~~أصحابها لا يمازجها ولا يخالطها شك"(¬3). وبعد أن عرفت الاجتهاد والفرع ~~والاعتقاد يمكن أن اعرف الاجتهاد في فروع الاعتقاد فأقول: بذل المجتهد وسعه ~~في تحصيل حكم شرعي في مسالة من مسائل فروع الاعتقاد. # المبحث الأول # حكم الاجتهاد عموما وفي مسائل الاعتقاد خصوصا. # أولا: حكم الاجتهاد عموما: # مما هو معلوم أن حكم الاجتهاد فرض كفاية على الأمة إذا ms05 قام به بعض ~~المجتهدين فيها، سقط الإثم عن الآخرين، وإلا أثمت الأمة كلها (¬4). # والنصوص الدالة على هذا الحكم من الكتاب والسنة والإجماع مشهورة معروفة، ~~منها قوله سبحانه وتعالى: { ولو ردوه إلى الله والرسول لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم } (83: النساء). # وقوله تعالى: { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ~~ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } (122: التوبة). PageV01P012 # ومن السنة حديث معاذ - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لما أراد أن يبعثه إلى اليمن قال: (كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟) قال: أقضي ~~بكتاب الله، قال: (فإن لم تجد في كتاب الله؟) قال: فبسنة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: (فإن لم تجد في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ولا في كتاب الله؟) قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - صدره وقال: (الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول ~~الله)(¬1). PageV01P013 # وإذا كانت هذه النصوص تدل على فرضية الاجتهاد فإنها ليست مقيدة بأحكام ~~الفقه دون أحكام العقيدة لأن النصوص الشرعية تأتي بالحكم الفقهي ~~والاعتقادي؛ فيجوز الاجتهاد فيهما والتفريق بين هذه الأحكام لم يحدث إلا في ~~العصور المتأخرة من باب التبويب والتقسيم، وإلا فإن الفقهاء كانوا فقهاء ~~الفقه الأكبر وفقه الفروع، كما ذهب إلى ذلك الإمام أبو حنيفة عندما قال في ~~تعريف الفقه: "الفقه هو ما يجب على النفس من معرفة، فإذا كان في الأصول كان ~~الفقه الأكبر، وإذا كان في الفروع كان معرفة الأحكام العملية ~~التفصيلية"(¬1). ويسوي ابن تيمية بين الاجتهاد في مسائل الفقه والعقيدة حيث ~~يعطي نفس الحكم لهما بقوله: "وعامة ما تنازعت فيه فرقة المؤمنين من مسائل ~~الأصول وغيرها في باب الصفات والقدر والإمامة وغير ذلك هو من هذا الباب، ~~فيه المجتهد المصيب، وفيه المجتهد المخطئ، ويكون المخطئ باغيا، وفيه الباغي ~~من غير اجتهاد، وفيه المقصر فيما أمر به من الصبر"(¬2). # ومن هنا وجدنا الاجتهاد في مسائل الاعتقاد منذ عهد الصحابة - رضي الله ~~عنهم ms06 - إلى يومنا هذا. # ثانيا: حكم الاجتهاد في فروع الاعتقاد. PageV01P014 # إذ تبين من الفقرة السابقة أن الاجتهاد في النصوص الشرعية لاستخراج الحكم ~~هو فرض كفاية، إلا أن طبيعة النصوص مختلفة، فهناك نصوص لا يمكن الاجتهاد ~~والاختلاف فيها، حيث أنها قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وهي المسائل الثابتة ~~التي لا تتغير ولا مجال فيها للتفسير أو التأويل أو المعارضة، أو المخالفة، ~~لكون دلالتها على الأحكام قطعية، مثل المسائل العقائدية الأصلية المتعلقة ~~بأصل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره؛ ~~وأن القرآن حق، ومنزل من عند الله عز وجل، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- أرسل للناس كافة، وهي الأحكام الاعتقادية الكلية التي لم يخالف فيها أحد ~~من المسلمين،وكذلك كل ما علم من الدين بالضرورة (¬1) وكقطعية بعث الرسل ~~بالنسبة للأحكام العقدية، وكقطعية تحريم الأمهات في قوله تعالى: { حرمت ~~عليكم أمهاتكم } (23: النساء) بالنسبة للأحكام العملية، ولذلك لم تكن محلا ~~للاجتهاد، وهي محل اتفاق الأمة سابقها ولاحقها، متقدمها ومتأخرها. PageV01P015 # وهناك نوع آخر من النصوص الشرعية يمكن أن يدخلها التأويل والمعارضة أو ~~المخالفة لكونها ظنية الثبوت والدلالة، أو قد تكون ظنية الثبوت قطعية ~~الدلالة، أو قطعية الثبوت ظنية الدلالة (¬1). # -ومنها: بعض المسائل الاعتقادية الفروعية، وبعض النظريات الكلامية التي ~~اختلف فيها العلماء، وجرت بينهم فيها مناظرات ومناقشات عائدة لظنية الأدلة ~~الدالة على هذا الحكم العقدي(¬2). # وهذه الأحكام يكون فيها مجال للاجتهاد للوصول إلى الرأي الصائب، أو ~~القريب من الصواب، ومعلوم أن هذه الأحكام هي الأحكام الاعتقادية الفرعية، ~~والأحكام العملية الظنية. # وهذا النوع من الأحكام يتجاذبه جملة من القواعد والمبادئ المتصلة بمقاصد ~~الشريعة العامة وكلياتها اعتقادية أو عملية، (¬3). PageV01P016 # ويؤكد الشاطبي ما سبق بقوله: " فان الله تعالى حكم بحكمته أن تكون فروع هذه ~~الملة قابلة للانظارومجالا للظنون وقد ثبت عند النظار أن النظريات لا يمكن ~~الاتفاق عليها عادة، فالظنيات عريقة في إمكان الاختلاف فيها، لكن في الفروع ~~دون الأصول، وفي الجزئيات دون الكليات، فلذلك لا يضر هذا الاختلاف" (¬1). ~~ويظهر من النص أن النظربات يقصد بها المعتقدات وانه ms07 يصح الخلاف في فروع ~~الاعتقاد دون الأصول. # ويفرق الشاطبي أيضا في الاختلاف بين الأصول والفروع بقوله: "إن هذه الفرق ~~إنما تصير فرقا بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلي في الدين وقاعدة من ~~قواعد الشريعة لا في جزئية من الجزئيات إذ الجزئي والفرع الشاذ لا ينشا عنه ~~مخالفة يقع بسببها التفرق شيعا وإنما ينشأ المخالفة في الأمور الكلية " ~~(¬2) ومن هذا النص يظهر أن الشاطبي يرى جواز المخالفة في الفروع والجزئيات ~~دون الأصول والكليات. # ويرى ابن تيمية أن المسائل الأصولية والمجمع عليها والتي دلالة النصوص ~~عليها قطعية لا يجوز الاجتهاد فيها ومنكرها كافر بينما المسائل الفروعية ~~وغير المجمع عليها والتي دلالة النصوص عليها غير قطعية يجوز الاجتهاد فيها ~~ومنكرها ليس كافرا"(¬3). PageV01P017 # ويجعل ابن تيمية "الأصول الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع هي بمنزلة الدين ~~المشترك بين الأنبياء، ليس لأحد خروج عنها، ومن دخل فيها كان من أهل ~~الإسلام المحض، وهم أهل السنة والجماعة، وما تنوعوا فيه من الأعمال ~~والأقوال المشروعة فهو بمنزلة ما تنوعت فيه الأنبياء... وإن تنوعت الأفعال ~~في حق أصناف الأمة فلم يختلف اعتقادهم ولا معبودهم... والمذاهب والطرائق، ~~والسياسات للعلماء والمشايخ والأمراء إذا قصدوا بها وجه الله تعالى دون ~~الأهواء... بحسب الإمكان بعد الاجتهاد التام، هي لهم من بعض الوجوه بمنزلة ~~الشرع والمناهج للأنبياء، وهم مثابون على ابتغائهم وجه الله تعالى وعبادته ~~وحده" (¬1). ويفرق ابن الوزير بين ما كان معلوما من الدين بالضرورة وما ليس ~~كذلك ولا يرى كفر المتأول والمخالف في ذلك فيقول: والدليل على أنه لا يكفر ~~أحد من المخالفين في التأويل إلا من بلغ الحد في جحد المعاني المعلوم ~~ثبوتها بالضرورة 000 إن الكفر هو تكذيب النبي - صلى الله عليه وسلم - إما ~~بالتصريح أو ما يستلزمه استلزاما ضروريا لا استدلاليا(¬2). # ويقول محمد بن عبد الوهاب: " ثم اعلموا وفقكم الله، إن كانت المسألة ~~إجماعا فلا نزاع، وإن كانت مسائل اجتهاد فمعلومكم أنه لا إنكار في من يسلك ~~الاجتهاد"(¬3). PageV01P018 # وإذا كانت النصوص القطعية لا مجال للاجتهاد فيها وأما الظنية فيجوز ~~الاجتهاد ms08 فيها فانه لابد من وجود الضوابط لهذا الاجتهاد حتى نصل للرأي ~~الصحيح ولا نقع في الخطأ وفي ذلك يبين شارح العقيدة الطحاوية مسوغات ~~الاجتهاد والتأويل الصحيح لذلك الاجتهاد بحيث لا يقع صاحب الاجتهاد في خطأ ~~التأويل الفاسد، وهذا إقرار منه بالاجتهاد والاختلاف في مسائل الاعتقاد فيقول: # ... " فالتأويل الصحيح هو الذي يوافق ما جاءت به السنة، والفاسد المخالف ~~له. فكل تأويل لم يدل عليه دليل من السياق، ولا معه قرينة تقتضيه، فإن هذا ~~لا يقصده المبين الهادي بكلامه، إذ لو قصده لحف بالكلام قرائن تدل على ~~المعنى المخالف لظاهره، حتى لا يوقع السامع في اللبس والخطأ، فإن الله أنزل ~~كلامه بيانا وهدى، فإذا أراد به خلاف ظاهره، ولم يحف به قرائن تدل على ~~المعنى الذي يتبادر غيره إلى فهم كل أحد-لم يكن بيانا ولا هدى. فالتأويل ~~إخبار بمراد المتكلم، لا إنشاء. # وفي هذا الموضع يغلط كثير من الناس، فإن المقصود فهم مراد المتكلم ~~بكلامه، فإذا قيل: معنى اللفظ كذا وكذا، كان إخبارا بالذي عنى المتكلم فإن ~~لم يكن الخبر مطابقا كان كذبا على المتكلم. ويعرف مراد المتكلم بطرق ~~متعددة، منها: أن يصرح بإرادة ذلك المعنى. ومنها: أن يستعمل اللفظ الذي له ~~معنى ظاهر بالوضع، ولا يبين بقرينة تصحب الكلام أنه لم يرد ذلك المعنى، ~~فكيف إذا حف بكلامه ما يدل على أنه إنما أراد حقيقته وما وضع له، كقوله: { ~~وكلم الله موسى تكليما } ( 146: النساء ). وكما في الحديث: (أنكم ترون ربكم ~~عيانا كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب)(¬1). PageV01P019 # ... فهذا مما يقطع به السامع له بمراد المتكلم، فإذا أخبر عن مراده بما دل ~~عليه حقيقة لفظه الذي وضع له مع القرائن المؤكدة، كان صادقا في إخباره. # وأما إذا تأول الكلام بما لا يدل عليه ولا اقترن به ما يدل عليه، فإخباره ~~بأن هذا مراده كذب عليه، وهو تأويل بالرأي، وتوهم بالهوى " (¬1). # المبحث الثاني # أدلة وقوع الاجتهاد في فروع الاعتقاد وأقوال العلماء فيه # وإذا كان العلماء قد أقروا بالاجتهاد كما بينا في ms09 المطلب السابق في فروع ~~الاعتقاد دون الأصول من حيث التصور فإن الاجتهاد والاختلاف قد وقعا بين ~~الصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء، وسأورد بعض الأمثلة في فروع ~~الاعتقاد الثلاثة في الإلهيات والنبوات والسمعيات. # أولا: الإلهيات: # 1-الاجتهاد في رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - لله عز وجل في معراجه ~~إلى السماء: فقد حكى القاضي عياض في كتابه "الشفا" اختلاف الصحابة ومن ~~بعدهم في رؤيته - صلى الله عليه وسلم - ، وإنكار عائشة رضي الله عنها أن ~~يكون - صلى الله عليه وسلم - رأى ربه بعين رأسه، وإنها قالت لمسروق حين ~~سألها: هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت، ثم قالت: من حدثك أن ~~محمدا رأى ربه فقد كذب(¬2). # ثم قال: وقال جماعة بقول عائشة رضي الله عنها، وهو المشهور عن ابن مسعود ~~وأبي هريرة واختلف عنه، وقال بإنكار هذا وامتناع رؤيته في الدنيا جماعة من ~~المحدثين والفقهاء والمتكلمين. PageV01P020 # وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه - صلى الله عليه وسلم - رآه بعينه، وروى ~~عطاء عنه: إنه رآه بقلبه. ثم ذكر أقوالا وفوائد، ثم قال: وأما وجوبه لنبينا ~~- صلى الله عليه وسلم - والقول بأنه رآه بعينه. فليس فيه قاطع ولا نص، ~~والمعول فيه على آيتي النجم، والتنازع فيهما مأثور، والاحتمال لهما ممكن. # وهذا القول الذي قاله القاضي عياض رحمه الله هو الحق، فإن الرؤية في ~~الدنيا ممكنة، إذ لو لم تكن ممكنة لما سألها موسى - عليه السلام - ، لكن لم ~~يرد نص بأنه - صلى الله عليه وسلم - رأى ربه بعين رأسه، بل ورد ما يدل على ~~نفي الرؤية، وهو ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: ~~"سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل رأيت ربك؟ فقال: نور أنى أراه" ~~وفي رواية: "رأيت نورا". # وقد روى مسلم أيضا عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أنه قال: "قام ~~فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخمس كلمات، فقال: (إن الله لا ينام ~~ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ms10 ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل ~~النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور) وفي رواية: (النار، لو ~~كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) (¬1) فيكون -والله ~~أعلم- معنى قوله: لأبي ذر (رأيت نورا) (¬2): أنه رأى الحجاب، ومعنى قوله: ~~(نور أنى أراه) (¬3): النور الذي هو الحجاب يمنع من رؤيته، فأنى أراه؟ أي ~~فكيف والنور حجاب بيني وبينه يمنعني من رؤيته فهذا صريح في نفي الرؤية، ~~والله أعلم (¬4). # وقد تقدم ذكر اختلاف الصحابة في رؤيته - صلى الله عليه وسلم - ربه عز وجل ~~بعين رأسه، وأن الصحيح أنه رآه بقلبه، ولم يره بعين رأسه. PageV01P021 # وقوله: { ما كذب الفؤاد ما رأى } (11: النجم ) { .... ولقد رآه نزلة أخرى } ~~(13: النجم ) صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن هذا المرئي جبرائيل، ~~رآه مرتين على صورته التي خلق عليها. # وأما قوله تعالى في سورة النجم: { ثم دنى فتدلى } ( 8: النجم ) فهو غير ~~الدنو والتدلي المذكورين في قصة الإسراء، فإن الذي في سورة النجم هو دنو ~~جبرائيل وتدليه كما قالت عائشة وابن مسعود رضي الله عنهما فإنه قال: { علمه ~~شديد القوى، ذو مرة فاستوى، وهو بالأفق الأعلى، ثم دنا فتدلى } ( 5-8 النجم ~~) فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المعلم الشديد القوى، وأما الدنو والتدلي ~~الذي في حديث الإسراء فذلك صريح في أنه دنو الرب تعالى وتدليه. وأما الذي ~~في سورة النجم أنه رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، فهذا هو جبرائيل رآه ~~مرتين مرة في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى(¬1). # 2-الاجتهاد في جواز الإقسام على الله عز وجل: إن كان مراده الإقسام على ~~الله بحق فلان فذلك محذور أيضا لأن الإقسام بالمخلوق على المخلوق لا يجوز، ~~فكيف على الخالق وقد قال - صلى الله عليه وسلم - ( من حلف بغير الله فقد ~~كفر أو أشرك )(¬2) ولهذا قال أبو حنيفة وصاحباه - رضي الله عنهم - يكره أن ~~يقول الداعي : "أسألك بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام ~~والمشعر الحرام" ونحو ذلك حتى كره أبو حنيفة ومحمد أن يقول الرجل: ms11 "اللهم ~~إني أسألك بمعقد العز من عرشك" ولم يكرهه أبو يوسف لما بلغه الأثر فيه، ~~وتارة يقول بجاه فلان عندك أو يقول نتوسل إليك بأنبيائك ورسلك وأوليائك، ~~ومراده لأن فلانا عندك ذو وجاهة وشرف ومنزلة فأجب دعانا (¬3). PageV01P022 # 3-الاجتهاد في أول مخلوقات الله عز وجل: ولا يخلو قوله : (أول ما خلق الله ~~القلم...) إما أن يكون جملة أو جملتين. فإن كان جملة وهو الصحيح كان معناه ~~أنه عند أول خلقه قال له اكتب، كما في اللفظ (أول ما خلق الله القلم قال له ~~اكتب ) بنصب "أول" والقلم، وإن كان جملتين وهو مروى برفع "أول والقلم" ~~فيتعين حمله على أنه أول المخلوقات من هذا العالم، فيتفق الحديثان، إذ حديث ~~عبد الله بن عمرو صريح في أن العرش سابق على التقدير، والتقدير مقارن لخلق ~~القلم. وفي اللفظ الآخر لما خلق الله القلم قال له: اكتب (¬1). وسبب الخلاف ~~كما يظهر يعود إلى ناحية الإعراب والى أن هذا النص جملة أو جملتين. # 4-الاجتهاد في صفة علو الله عز وجل: يرى ابن تيمية أن الاجتهاد منه ~~الصواب ومنه الخطأ وفي ذلك يقول وكذلك كثير ممن يتنازعون في أن الله في ~~السماء ومقصو دهم بان الله في السماء أو ليس في السماء فالمثبتة تطلق القول ~~بأن الله في السماء كما جاءت به النصوص ودلت عليه بمعنى انه فوق السماوات ~~على عرشه بائن عن خلقه. وآخرون ينفون القول بان الله في السماء ومقصودهم أن ~~السماء لا تحويه ولا تحصره ولا تقله ولا ريب أن هذا المعنى صحيح فان الله ~~لا تحصره مخلوقاته ثم قال ولكن هؤلاء أخطئوا في نفي اللفظ الذي جاء به ~~الكتاب والسنة وفي توهم أن إطلاقه دال على معنى فاسد (¬2). PageV01P023 # 5-الاجتهاد في معنى صفة: " وجه الله عز وجل ": فقد اجتهد الصحابة والتابعون ~~في تفسير قوله تعالى: { ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن ~~الله واسع عليم } ( 115: البقرة ) فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه كان ~~يصلي حيث توجهت به راحلته ويذكر أن رسول الله ms12 - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يفعل ذلك ويتأول الآية(¬1) { فأينما تولوا فثم وجه الله } . ( 115: البقرة ). # ونقل ابن كثير عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله تعالى: { فأينما ~~تولوا فثم وجه الله } ( 115: البقرة ) أن معناه: قبلة الله، أينما توجهت ~~شرقا أو غربا، وقال مجاهد: فأينما تولوا فثم وجه الله: حيث ما كنتم فلكم ~~قبلة تستقبلونها الكعبة (¬2). # وكما اختلف الصحابة في معنى الوجه في الآية الكريمة، اختلف من بعدهم ~~التابعون، قال الترمذي: ويروى عن مجاهد في هذه الآية، { فأينما تولوا فثم ~~وجه الله } ( 115: البقرة ) قال: فثم قبلة الله، وقال حدثنا بذلك أبو كريب، ~~حدثنا وكيع عن النضر بن عربي عن مجاهد بهذا (¬3). # ونقل عن طائفة أخرى منهم عامر بن ربيعة عن أبيه الصحابي، وعن حماد عن ~~إبراهيم النخعي أن الوجه هنا بمعنى القبلة (¬4). # ونقل الرأي الثاني: أن " فثم وجه الله " أي: فثم الله تبارك وتعالى، وقال ~~آخرون: عني بالوجه ذا الوجه (¬5) # وظاهر من هذا الخلاف أن منهم من حملها على الحقيقة ومنهم من حملها على ~~المجاز ثم اختلفوا في تأويلها على آراء. PageV01P024 # 6-الاجتهاد في حقيقة الكرسي لله عز وجل: فقد اجتهد الصحابة في معنى قوله ~~تعالى: { وسع كرسيه السماوات والأرض } ( 255: البقرة ) فاختلفت الآراء في ~~المسألة إلى الآراء التالية: فقال بعضهم: أنه الكرسي علم الله، وذهب آخرون ~~إلى أن الكرسي موضع القدمين، وذهب آخرون إلى أن الكرسي هو العرش نفسه، فذهب ~~على القول الأول من الصحابة ابن عباس - رضي الله عنهما - وابن جبير من ~~التابعين، وذهب إلى القول الثاني: أبو موسى الأشعري والسدي وطائفة من ~~السلف، وإلى الرأي الثالث: الحسن البصري، نقل هذه الأقوال الطبري وعقب ~~عليها: ولكل من هذه الأقوال وجه ومذهب ثم مال هو إلى تأويل الكرسي بالعلم (¬1). # ثانيا: النبوات: # 1-الاجتهاد في حقيقة الرسل هل هم من الإنس فقط أم من الإنس والجن معا: ~~فمنهم من ذهب إلى انهم من الإنس والجن وهو ما رواه ابن جرير عن الضحاك بن ~~مزاحم لقوله تعالى: { يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم ms13 } ( 130: ~~الأنعام ) وقال مجاهد وغيره من السلف والخلف،الرسل من الإنس فقط، وليس من ~~الجن رسول،، وقال ابن عباس الرسل من بني آدم ومن الجن نذر(¬2). # وسبب الخلاف في هذه المسالة أن من حمل الآية على عممومها فقد ذهب إلى أن ~~الله يرسل الرسل من الإنس والجن ومن حملها على وجه التخصيص فقد ذهب إلى أن ~~الرسل من الإنس فقط، وفهم الآية السابقة على مثل قول الله تعالى: { يخرج ~~منهما اللؤلؤ والمرجان } ( 22: الرحمن ) والمراد من أحدهما(¬3). PageV01P025 # 2- الاجتهاد في حقيقة الفرق بين النبي والرسول: فقد اختلف في حقيقة النبي ~~والرسول فمن العلماء من ذهب انه لا فرق بين معنى الرسول والنبي، ومنهم من ~~فرق بين النبي والرسول فجعل الرسول من أمر بالتبليغ والنبي من لم يؤمر ~~بالتبليغ (¬1). ومنهم من قال بل من نزلت عليه شريعة مستقلة فهو الرسول لأنه ~~خص بشريعة وكتاب ومن بلغ شريعة الرسول الذي سبقه فهو النبي (¬2). # 3- الاجتهاد في عدد الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -: فقد أختلف في عدد ~~الأنبياء فالبعض ذهب إلى أن عدد الأنبياء غير محصور بعدد ومنهم من حصره ~~بمائة وأربعة وعشرين ألف نبي ورسول (¬3). وقد كان سبب الخلاف هو صحة الحديث ~~الذي ورد بالعدد فعن أبي أمامة قال أبو ذر: قلت: يا رسول الله كم وفاء عدة ~~الأنبياء؟ قال:( مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا من الرسل من ذلك ثلاث مائة ~~وخمسه عشر جما غفيرا)(¬4) ومعارضته لإطلاق العدد في القران الكريم في مثل ~~فوله تعالى { وان من أمة إلا خلا فيها نذير } ( 24: فاطر ) PageV01P026 ~~4- الاجتهاد في نبوة النساء: فقد أختلف في نبوة النساء، فقد ذهب بعض ~~العلماء إلى نبوة بعض النساء، ومن هؤلاء أبو حسن الأشعري والقرطبي وابن ~~حزم، وقد خالفهم في ذلك جمهور العلماء، وهناك من نقل الإجماع على عدم نبوة ~~النساء (¬1). # وهذا الخلاف إنما وقع لان النصوص في هذه المسالة ليست قطعية الدلالة(¬2). # 5 - الاجتهاد فيما عصم الله عز وجل أنبياءه -عليهم الصلاة والسلام- منه: ~~فقد اختلف فيما عصم الله سبحانه وتعالى أنبياءه منه من الكبائر أو من ms14 الكفر ~~أو من الصغائر قبل النبوة أو بعدها ويقول التفتازاني: "واستقر الخلاف بين ~~المسلمين في عصمتهم وفي فضلهم على الملائكة ولا قاطع في أحد الجانبين"(¬3). # 6- الاجتهاد في تفضيل الأنبياء وصالحي البشر على الملائكة: فقد نقل ابن ~~أبي العز الحنفي الخلاف في تفضيل الأنبياء وصالحي البشر على الملائكة، فقد ~~ذهب أهل السنة والجماعة إلى تفضيل صالحي الأنبياء فقط على الملائكة، وذهب ~~المعتزلة إلى تفضيل الملائكة، وأما الأشاعرة، فذهب بعضهم إلى التوقف في هذه ~~المسالة، وذهب آخرون إلى الميل لتفضيل الملائكة، وذهب آخرون إلى تفضيل ~~الأنبياء وصالحي البشر على الملائكة، وأما الشيعة، فقد ذهبوا إلى أن الأئمة ~~أفضل من الملائكة. PageV01P027 # وقد توقف الإمام أبو حنيفة في هذه المسألة، ولذا، فلم يوردها الطحاوي في ~~نصه، وذهب شارح الطحاوية إلى أن الأدلة في هذه المسالة متكافئة(¬1). وقال ~~الامدي بعد أن أورد الخلاف في هذه المسالة قال: ( فهذه المسالة ظنية سمعية ~~والترجيح فيها لكل أحد على حسب ما يتفضل الله تعالى عليه من المنة وجودة ~~القريحة كما في غيرها من المسائل الاجتهادية )(¬2). # ثالثا: السمعيات: # ومن الأدلة على وقوع الاختلاف والاجتهاد في مسائل السمعيات، ما يأتي: # 1- الاجتهاد في الدخان والوارد في قوله تعالى: " فارتقب يوم تأتي السماء ~~بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم "( 10-11 الدخان ) وفي المراد بهذا ~~الدخان، وهل وقع، أو من الآيات المرتقبة قولان: # القول الأول: أن هذا الدخان هو ما أصاب قريشا من الشدة والجوع، عندما دعا ~~عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - حين لم يستجيبوا له، فأصبحوا يرون في ~~السماء كهيئة الدخان، وإلى هذا القول ذهب عبد الله ابن مسعود - رضي الله ~~عنه - وغيره من التابعين (¬3) وهذا اجتهاد منه - رضي الله عنه - على واقعة ~~بعينها. # القول الثاني: أن الدخان آية من آيات الله مرسلة على عباده قبل مجيء ~~الساعة، فيأخذ المؤمن كهيئة الزكمة، ويدخل في مسامع الكافر والمنافق حتى ~~يكون كالرأس الحنيذ، وإلى هذا القول ذهب ابن عباس رضي الله عنهما وبعض ~~الصحابة والتابعين(¬4). PageV01P028 # 2- اجتهاد بعض العلماء في النار التي تخرج ms15 في آخر الزمان: ظن بعض الناس ~~عندما ظهرت نار عظيمة في المدينة في جزيرة العرب أنها هي النار المقصودة ~~كعلامة من علامات الساعة الكبرى، ولكن الحقيقة أن الرأي الراجح أن علامة ~~الساعة الكبرى هي النار التي تخرج آخر الزمان وتحشر الناس إلى محشرهم تبيت ~~معهم(¬1) وهذا إنزال النص على واقعة معينة ومخالفة الغير في ذلك. # 3- الاجتهاد في اسم الدجال وحقيقة ما معه ممن جنة أو نار: # لقد اختلف الصحابة ومن بعدهم من العلماء في من هو الدجال؛ فمنهم من قال: ~~أنه ابن الصياد، ومنهم من قال: أنه الرجل الذي رؤي في حديث الجساسة، وهذا ~~ما رجحه ابن حجر في فتح الباري(¬2). # ومما يدل على أن ابن الصياد هو الدجال حديث جابر - رضي الله عنه - الذي ~~في البخاري أنه كان يحلف أن ابن الصياد هو الدجال ويقول: سمعت عمر - رضي ~~الله عنه - يحلف عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم ينكر عليه. # ولكن الأصح أن الدجال غير ابن صياد وإن شاركه ابن صياد في كونه أعور ومن ~~اليهود وأنه ساكن في يهودية أصبهان إلى غير ذلك؛ وذلك لأن أحاديث ابن صياد ~~كلها محتملة وحديث الجساسة نص فيقدم. # ومما يرجح أن الدجال ليس هو ابن الصياد أن ابن الصياد كان في المدينة وقد ~~أشارت الأحاديث أن ابن الدجال في بحر الشام أو بحر اليمن أو هو في قبل ~~المشرق(¬3). PageV01P029 # وأما الاجتهاد في حقيقة النار التي معه، هل هي حقيقة أم تخيل؟ مال ابن حبان ~~في صحيحه(¬1) إلى أنه تخيل واستدل بحديث المغيرة بن شعبة في الصحيحين أنه ~~قال: "ما سأل أحد النبي - صلى الله عليه وسلم - ما سألته، وأنه قال لي: (ما ~~يضرك منه؟) قلت: لأنهم يقولون: معه جبل خبز ونهر ماء، قال: (هو أهون على ~~الله من ذلك)(¬2). # فمعناه: أنه أهون على الله من أن يكون معه ذلك حقيقة بل يرى كذلك وليس ~~بحقيقة. # وقال جماعة منهم القاضي ابن العربي: بل هي على ظاهرها أي: فيكون ذلك ~~امتحانا من الله ms16 لعباده ويكون معنى الحديث: هو أهون من أن يخاف أو أن يضل ~~الله به من يحبه(¬3). # ويدل على ذلك: "قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (لأنا أعلم بما ~~مع الدجال منه، معه نهران يجريان أحدهما: رأي العين ماء أبيض، والآخر: رأي ~~العين نار تأجج، فإما أدركن أحد فليأت النهر الذي يراه نارا، وليغمض ثم ~~ليطأطئ رأسه فيشرب منه فإنه ماء بارد"(¬4) أساس الخلاف في هذه المسالة كما ~~أرى اعتبار الحقيقة والمجاز. # 4-الاجتهاد في المهدي: قال الحافظ ابن القيم: "قد اختلف الناس في المهدي ~~على أربعة أقوال: PageV01P030 # أحدها: أنه المسيح بن مريم عليه السلام وأنه هو المهدي على الحقيقة واحتج ~~أصحاب هذا القول بحديث محمد بن خالد الجندي(¬1) أي المتقدم وقد بينا حاله ~~وأنه لا يصح، ولو صح لم يكن فيه حجة لان عيسى عليه السلام أعظم مهدي بين ~~يدي الساعة فيصح أن يقال: لا مهدي في الحقيقة سواه إن كان غيره مهديا يعني ~~هو المهدي الكامل المعصوم. # ثانيها: أنه المهدي الذي ولي من بني العباس قد انتهى واحتج أصحاب هذا ~~القول بما رواه أحمد في مسنده عن ثوبان مرفوعا: (إذا رأيتم الرايات السود ~~أقبلت من خراسان فأتوها ولو حبوا على الثلج فإن فيها خليفة الله ~~المهدي)(¬2) وفيه على بن زيد ضعيف وله مناكير فلا يحتج بما ينفرد به. # وبما روى ابن ماجة من حديث الثوري عن ثوبان نحوه وتابعه عبد العزيز بن ~~المختار عن خالد. PageV01P031 # وفي سنن ابن ماجة عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - مرفوعا: (إن أهل ~~بيتي سيلقون بعدي بلاء وتشريدا وتطريدا حتى يأتي قوم من أهل المشرق ومعهم ~~رايات سود ... )(¬1) الحديث، وفي إسناده يزيد بن أبى زياد وهو سيء الحفظ في ~~آخر عمره وكان يقبل الفلوس. # قال: وهذا الذي قبله لو صح لم يكن فيه دليل على أن المهدي هو الذي تولى ~~من بني العباس. # ثالثها: أنه رجل من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - من ولد الحسن ~~أي: أو ولد الحسين بن ms17 علي يخرج في آخر الزمان وقد ملئت الأرض جورا فيملؤها ~~قسطا وعدلا واكثر الأحاديث على هذا. # أقول: وقد ادعى قوم من السلف في محمد بن عبد الله المحض النفس الزكية أنه ~~المهدي وقد مرت الإشارة، والله أعلم(¬2). # وفيما سبق يظهر اختلاف الأقوال نظرا لاعتماد البعض على أحاديث ضعيفة ~~ظنوها صحيحة، واختلاف العلماء في تصحيح الحديث أو تضعيفه. # 5- الاجتهاد في أول علامات الساعة وقوعا ليوم القيامة: فقد ورد في بعض ~~الروايات: أن أول الآيات خروج الدجال. # وفي بعضها: أن أولها طلوع الشمس من مغربها. # وفي بعضها: الدابة. # وفي بعضها: نار تحشر الناس إلى محشرهم. PageV01P032 # قال الحافظ ابن حجر: "وطريق الجمع: أن الدجال أول الآيات العظام المؤذنة ~~بتغيير أحوال العامة في الأرض أي: فلا ينافي تقدم المهدي عليه. قال: ~~"وينتهي ذلك بموت عيسى بن مريم عليه السلام ومن بعد القحطاني وغيره، وإن ~~طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات المؤذنة بتغيير أحوال العالم العلوي، ~~وينتهي ذلك بقيام الساعة أي: والدابة معها فهي والشمس كشيء واحد، وإن النار ~~أول الآيات المؤذنة بقيام الساعة" انتهى(¬1). # وهذا جمع حسن له رحمه الله تعالى، ويدل على ذلك ما في بعض الروايات: ~~"وآخر ذلك - يعني الآيات- نار تحشر الناس إلى محشرهم" (¬2). # وروى نعيم بن حماد عن وهب بن منبه قال: "أول الآيات الروم، ثم الدجال، ~~والثالثة يأجوج ومأجوج، والرابعة عيسى بن مريم، والخامسة الدخان، والسادسة ~~الدابة"(¬3). # أي: وكون عيسى عليه السلام رابعا باعتبار تأخره عن يأجوج ومأجوج، وإن كان ~~باعتبار وقت نزوله مقدما عليهما، فهو باعتبار ثالث، وباعتبار أخر رابع. # والخامسة: الدخان - وقد سبق بيانه- والسادسة: الدابة أي وعده هذا باعتبار ~~الآيات الأرضية ومن ثم لم يعد طلوع الشمس فهو أيضا يؤيد ما ذكره الحافظ لكن ~~لو قال: وينتهي ذلك بخروج الدابة بدل قوله: بموت عيسى عليه السلام لكان ~~أولى وأوضح وكون الروم أولا حقيقي وكون الدجال أولا إضافي لأنه أعظم من ~~الروم وكان الروم بالنظر إليه ليس بشيء"(¬4). # والاختلاف في أول العلامات ظهورا وفي ترتيب تلك العلامات، مرده ms18 إلى تعدد ~~الروايات واختلافهم في الجمع أو التوفيق بينها أو صحتها وضعفها. # 6- الاجتهاد في وصف الدابة ومكان خروجها: PageV01P033 # أما الاجتهاد في وصف الدابة: # فعن ابن عباس رضي الله عنهما: "أن لها عنقا مشرفا -أي طويلا- يراها من ~~بالمغرب، ولها وجه الإنسان ومنقار كمنقار الطير، ذات وبر وزغب"(¬1). # وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - : "أنها ذات عصب وريش"(¬2). # وعن ابن عمر رضي الله عنهما: "زغباء ذات وبر وريش"(¬3). # وعن حذيفة - رضي الله عنه - : إنها ملمعة ذات وبر وريش، لن يدركها طالب ~~ولن يفوتها هارب(¬4). # وعن علي بن أبى طالب كرم الله وجهه وقد قيل له: أن ناسا يزعمون أنك دابة ~~الأرض فقال: والله إن لدابة الأرض ريشا وزغبا، ومالي ريش ولا زغب، وإن لها ~~حافرا ومالي حافر، إنها تخرج حضر الفرس الجواد ثلاثا، وما أخرج ~~ثلثاها"(¬5). # وعن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - : أن رأسها يمس السحاب وما خرجت ~~رجلها من الأرض(¬6). # وعن ابن عمرو رضي الله عنهما: إنها تخرج كجري الفرس ثلاثة أيام لم يخرج ~~ثلثها، وهذا يقرب من رواية علي كرم الله وجهه المارة(¬7). # وعن أبى هريرة - رضي الله عنه - : أن فيها من كل لون ما بين قرنيها فرسخ ~~للراكب(¬8). PageV01P034 # وعن ابن عباس رضي الله عنهما: "أنها مؤلفة ذات زغب وريش فيها من ألوان ~~الدواب كلها، وفيها من كل أمة سيما، وسيماهم من هذه الأمة أنها تكلم الناس ~~بلسان عربي مبين تكلمهم بكلامهم"(¬1). # هذه الروايات التي ذكرناها عن الصحابة رضي الله عنهم قد يصح بعضها وقد ~~يضعف، فيعتمد البعض عليها في إثبات أوصاف الدابة كما فعل البرزنجي حيث ساق ~~هذه الأقوال دون تعليق عليها وكأنه يقرها، مع العلم أنه لم يثبت في وصف ~~الدابة حديث صحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬2). # وأما الاجتهاد في مكان خروجها: فقد اختلفت الروايات الواردة عن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - (¬3) كما اختلفت الروايات عن الصحابة رضي الله ~~عنهم(¬4) ومن ثم اختلفت آراء العلماء في ذلك، ففي بعضها: أنها تخرج من ~~إنطاكية، ms19 وفي بعضها: أنها تخرج من المروة، وفي بعضها: من مدينة قوم لوط، ~~وفي بعضها: من وراء مكة. # ووجه الجمع بين هذه الروايات من وجهين: PageV01P035 # أحدهما: أن لها ثلاث خرجات، ففي بعضها تخرج من مدينة قوم لوط، ويصدق أنها ~~من أقصى البادية، وفي بعضها تخرج من بعض أودية تهامة، ويصدق عليها أنه من ~~وراء مكة، ومن اليمن لان الحجاز يمانية، ومن ثم قيل: الكعبة يمانية. وفي ~~المرة الأخيرة تخرج من مكة وهي من أعظم جثتها وطولها يمكن أن تخرج من بين ~~المروة والصفا وأجياد، فإنها تمسك مقدار ثلاثة أيام واكثر وحينئذ يصدق عليه ~~أنها خرجت من المروة ومن الصفا ومن أجياد ومن المسجد، وبالله التوفيق. # الوجه الثاني: أنها تخرج من جميع تلك الأماكن في آن واحد خرقا للعادة في ~~صور مثالية، وهذا أيضا مبني على تحقيق المثال المحسوس(¬1) وفي هذه المسالة ~~كان الخلاف في مسالة صحة الروايات أو ضعفها أو التوفيق بين الروايات. # 7- الاجتهاد في الميزان والحوض أيهما يكون قبل الآخر؟ فهناك أقوال منها: ~~أن الميزان قبل الحوض، وقيل الحوض قبل الميزان، قال أبو الحسن القابسي: ~~والصحيح أن الحوض قبل الميزان، قال القرطبي: "والمعنى يقتضيه، فإن الناس ~~يخرجون عطاشا من قبورهم كما تقدم فيقدم قبل الميزان والصراط".ويظهر من قول ~~القرطبي انه اعتمد على مرجح عقلي وقد تختلف العقول في ذلك. PageV01P036 # قال أبو حامد الغزالي في كتاب كشف علم الآخرة: حكى بعض السلف من أهل ~~التصنيف أن الحوض يورد بعد الصراط، وهو غلط من قائله، قال القرطبي: هو كما ~~قال، وذهب إلى أن الرأي الصحيح هو أن للنبي حوضان: أحدهما: في الموقف قبل ~~الصراط، والثاني: يكون في الجنة (¬1). ويظهر أن منشأ هذا الخلاف إنما هو ~~ترجيح دليل على آخر، أو هو على قاعدة الجمع بين الأدلة عند صحتها(¬2). # 8- الاختلاف فيما يوزن يوم القيامة: ومن أمثلة ذلك الاجتهاد والاختلاف في ~~الشيء الذي يوزن يوم القيامة، فمنهم من جمع بين الأدلة التي وردت فيما ~~يوزن، ومنهم من أخذ بحديث واعتمده في المسألة، ومن هنا ms20 وقع الخلاف في ~~المسألة. # ... فقد وردت النصوص على ثلاثة أقسام في هذه المسألة واختلفت الآراء إلى ~~أربعة، وهي: أن الذي يوزن هو الأعمال نفسها عندما تتحول إلى أعيان ومما يدل ~~على ذلك: حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : (أن البقرة وآل عمران يأتيان ~~يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف)(¬3). PageV01P037 # ومما يدل على القول الثاني أن الصحف هي التي توزن هو حديث البطاقة المشهور، ~~وهي أن صحف السيئات توضع في كفة ثم يوضع بطاقة مكتوب عليها: لا إله إلا ~~الله محمد رسول الله، فلا يثقل شيء باسم الله (¬1). # وأما القول الثالث: فهو أن الإنسان نفسه هو الذي يوزن، ومما يدل عليه ~~حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثقل ساقي عبد الله بن مسعود عند ~~الله يوم القيامة وأنهما أثقل عند الله من جبل أحد(¬2) وأما القول الرابع ~~فهو الجمع بين الآراء فقالوا بوزن الأمور الثلاثة على قاعدة العمل بالدليل ~~أولى من إهماله، والملاحظ في هذه أن الأحاديث المتعارضة كلها صحيحة. # أكتفي بهذا القدر من الأمثلة والتي كانت في كافة أقسام العقيدة، وبذلك ~~يظهر بوضوح وقوع الاجتهاد والاختلاف في فروع الاعتقاد بين الصحابة ~~والتابعين والعلماء دون أن يكفر بعضهم بعضا، وهذا تطبيق عملي في إقرار ~~مشروعية الاجتهاد، نظرا للاختلاف في فهم النصوص أو نظرا للاختلاف في الجمع ~~بين النصوص أو لاعتماد البعض على دليل لم يصل إلى الآخر أو نظرا لتصحيح أو ~~تضعيف يعض الأدلة إلى غير ذلك من مبررات واقعية للاجتهاد والاختلاف، وعلينا ~~أن نسلك مسلك من سبقنا في الإقرار بتلك الشرعية ولا ينكر بعضنا على بعض إذا ~~خالفه الرأي. # المبحث الثالث: # أقوال العلماء في حكم المخالف في مسائل الاجتهاد في الاعتقاد. PageV01P038 # وإذا كان العلماء قد أقروا بجواز الاجتهاد في مسائل فروع الاعتقاد من ~~الناحبة النظرية، فقد وقع ذلك منهم فعلا، فاجتهدوا في فروع الاعتقاد كما ~~بينا في المطلب السابق؛ فإنهم قد ارتضوا بنتائج الاجتهاد، فأقروا بأن حكم ~~المخالف والمجتهد في فروع الاعتقاد هو ms21 حكم المجتهد في مسائل الفقه، يؤجر ~~على اجتهاده أجرين إن كان صائبا، ويؤجر أجرا واحدا إن كان مخطئا، إذا بذل ~~وسعه في استنباط الحكم من النص، وبناء عليه: فإنهم لم يكفروا صاحب الرأي ~~المخالف في فروع الاعتقاد، وكانوا يصلون وراء من يخالفهم في فروع الاعتقاد، ~~ولم يزيلوا الولاء بين المسلمين للاختلاف في تلك الفروع من الاعتقاد، وإليك ~~بعض أقوال العلماء في بيان هذه المسألة بدءا من الإمام أحمد بن حنبل ~~وانتهاء بالعلماء المعاصرين في زماننا. # يقول الإمام أحمد بن حنبل: "لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق وإن كان ~~يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضا" (¬1). # ويقول: "ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفورا ~~له قمنا عليه وبدعناه وهجرناه لما سلم معنا لا ابن نصر، ولا ابن منده، ولا ~~من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق وهو أرحم الراحمين(¬2). # ... يرى الإمام أحمد - رحمه الله - أنه لا يصح هجر المخالف والمجتهد في ~~فروع الاعتقاد، كما كان يخالفه إسحاق وابن نصر في مسألة خلق القرآن(¬3) ~~وابن مندة في مسألة أمية النبي - - صلى الله عليه وسلم - -(¬4). # ... وهاتان القضيتان العقديتان من القضايا الاجتهادية المهمة ومع ذلك فقد ~~أعذر الإمام أحمد وهو إمام أهل السنة والجماعة مخالفيه في ذلك. PageV01P039 # ... ويقول الإمام الطحاوي: "ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما ~~جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر ~~مصدقين "(¬1) فالمسلم عند الإمام الطحاوي هو من يشهد أن لا اله إلا الله ~~ويؤمن ويصدق بكل ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإن كانوا متأولا ~~أو مخالفا في بعض القضايا باجتهاده. # ... وقال الإمام أبو الحسن الأشعري في بداية كتابه مقالات الإسلاميين قبل ~~أن يورد اختلافات المسلمين في مسائل الاعتقاد ( اختلف الناس بعد نبيهم - ~~صلى الله عليه وسلم - في أشياء كثيرة ضلل بعضهم بعضا وبرئ بعضهم من بعض ~~فصاروا فرقا متباينين وأحزابا مشتتين إلا أن الإسلام يجمعهم ويشمل عليهم ) (¬2). # ... وقد ms22 ذكرت كلام البيهقي في انقسام المسائل إلى أصول وفروع، وقد أعذر ~~من خالف في الفروع ورتب عليه الأجر من الله تعالى(¬3). PageV01P040 # وروى ابن عساكر عن أبي زاهر علي بن زاهر بن أحمد السرخسي يقول: " لما قرب ~~حضور أجل أبي الحسن الأشعري - رحمه الله - في داري ببغداد دعاني فأتيته، ~~فقال: أشهد أني لا أكفر أحدا من أهل هذه القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود ~~واحد، وإنما هذا كله، اختلاف العبارات"(¬1). وفي كلام الأشعري تركيز على ~~القواسم المشتركة بين المسلمين من شهادتهم أن لا اله إلا الله وأن معبودهم ~~واحد وإيمانهم بالإسلام واحد، وعدم اعتبار للقضايا الجزئية التي يخالف بعض ~~المسلمين بعضهم فيها، واعتبارهم مسلمين لا يجوز تكفيرهم، فإذا اعتبرهم ~~مسلمين فانه ينتقد انقسام المسلمين إلى فرق وأحزاب متطاحنة فيجب عند ذلك ~~ولاؤهم ونصرتهم. PageV01P041 # ويقرر ابن حزم إعذار المجتهد فيما ذهب إليه في اجتهاده، فيقول: "ومن بلغه ~~الأمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من طريق ثابتة وهو مسلم فتأول ~~في خلافه إياه، أو رد ما بلغه بنص آخر، فما لم تقم عليه الحجة في خطئه في ~~ترك ما ترك، وفي الأخذ بما أخذ، فهو مأجور معذور، لقصده على الحق، وجهله ~~به، وإن قامت عليه الحجة في ذلك فعاند، فلا تأويل بعد قيام الحجة " (¬1). # ويذكر ابن حزم مبررات الخلاف بين المجتهدين من حيث النصوص ثبوتا ودلالة ~~ومن حيث وصولها للمجتهد أو عدم وصولها ويعذره فيما يذهب إليه في مخالفته ~~فان أقيمت عليه الحجة فعليه أن يرجع للحجة الراجحة. PageV01P042 # ويقدم إلينا الإمام الغزالي رحمه الله نصا محكما في الاجتهاد والاختلاف ~~فيقول: " اعلم أن شرح ما يكفر به وما لا يكفر به يستدعي تفصيلا طويلا يفتقر ~~إلى ذكر كل المقالات والمذاهب، وذكر شبهة كل واحد، ودليله، ووجه بعده عن ~~الظاهر، ووجه تأويله، وذلك لا تحويه مجلدات، ولا تتسع لشرح ذلك أوقات، ~~فاقتنع الآن بوصية وقانون، أما الوصية فأن تكف لسانك عن أهل القبلة ما ~~داموا قائلين لا إله إلا الله محمد رسول الله ms23 بعذر أو غير عذر، فإن التكفير ~~فيه خطر والسكوت لا خطر فيه، أما القانون فهو أن تعلم أن النظريات قسمان: ~~قسم يتعلق بأصول الدين، وقسم يتعلق بالفروع، وأصول الإيمان ثلاثة: الإيمان ~~بالله وبرسوله واليوم الآخر، وما عداه فروع، وأعلم أنه لا تكفير في الأصول ~~أصلا إلا في مسالة واحدة، وهي أن ينكر أصلا دينيا علم من الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - بالتواتر، ولكن في بعضها تخطئة كما في الفقهيات وفي بعضها ~~تبديع كالخطأ المتعلق بالإمامة وأحوال الصحابة " (¬1). ويظهر من كلام ~~الغزالي عدم تكفير المسلم سواء كان خطؤه بعذر أو بغير عذر احتياطا للدين، ~~ويرى انه لا يجوز التكفير للمسلم المخالف إلا في قضايا الأصول من الدين وهي ~~الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر دون الفروع في الدين وهي ما سوى ذلك. # ويقول الذهبي عن التابعي قتادة السدوسي: "كان يرى القدر نسأل الله العفو ~~ومع هذا فما توقف أحد في صدقه وعدالته وحفظه، ولعل الله يعذر أمثاله ممن ~~تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه وبذل وسعه.. ثم إن الكبير من ~~أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق، واتسع علمه وظهر ذكاؤه وعرف ~~صلاحه وورعه واتباعه يغفر له زلله ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه، نعم ولا ~~نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك"(¬2). PageV01P043 # ويتحدث الذهبي عن ابن خزيمة وتأويله حديث الصورة فيقول: "فليعذر من تأول ~~بعض الصفات، وأما السلف فما خاضوا في التأويل بل آمنوا وكفوا وفوضوا علم ~~ذلك إلى الله ورسوله، ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده مع صحة إيمانه وتوخيه ~~لاتباع الحق أهدرناه وبدعناه لقل من يسلم من الأئمة معنا رحم الله الجميع ~~بمنه وكرمه" (¬1). # ويقول: "ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفورا ~~له قمنا عليه وبدعناه وهجرناه لما سلم معنا لا ابن نصر ولا ابن مندة ولا من ~~هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق وهو أرحم الراحمين فنعوذ ~~بالله من الهوى والفظاظة"(¬2). # ويقول الذهبي في تعليقه ms24 على اختلاف الناس في أبي حامد الغزالي بين مادح ~~وذام: "مازال العلماء يختلفون ويتكلم العالم في العالم باجتهاده، وكل منهم ~~معذور مأجور، ومن عاند أو خرق الإجماع فهو مأزور، وإلى الله ترجع الأمور" (¬3). # ... ويظهر من أقوال الذهبي بوضوح انه يقر بالاجتهاد ويعذر المخالف فلا ~~يبدعه أو يكفره ولو كان الخلاف في مسالة تأويل الصفات أو في نفي القدر وهو ~~ما ذهب إليه المعتزلة. # ويبين الشاطبي الفرق بين الخلاف السائغ وغيره " وقد ثبت عند النظار أن ~~النظريات لا يمكن الاتفاق عليها عادة، فالظنيات عريقة في إمكان الاختلاف ~~فيها، لكن في الفروع دون الأصول، وفي الجزئيات دون الكليات، فلذلك لا يضر ~~هذا الاختلاف" (¬4). ويقول الشاطبي: "إن هذه الفرق إنما تصير فرقا بخلافها ~~للفرقة الناجية في معنى كلي في الدين وقاعدة من قواعد الشريعة لا في جزئي ~~من الجزئيات"(¬5). PageV01P044 # ويقول الشاطبي أيضا: "الاجتهاد الواقع في الشريعة ضربان، أحدهما الاجتهاد ~~المعتبر شرعا، وهو الصادر عن أهله الذين اضطلعوا بمعرفة ما يفتقر الاجتهاد ~~إليه... والثاني: غير المعتبر، وهو الصادر عمن ليس بعارف بما يفتقر ~~الاجتهاد إليه، لأن حقيقته أنه رأي بمجرد التشهي.. فكل رأي صادر عن هذا ~~الوجه فلا مرية في عدم اعتباره، لأنه ضد الحق الذي أنزله..."(¬1). ويظهر من ~~كلام الشاطبي إقراره بالاجتهاد في المسائل الظنية وليست القطعية أي في ~~الفروع دون الأصول، وفي المسائل الجزئية دون الكلية، وان هذا الاجتهاد ~~والخلاف معتبر. # ويقول القرطبي مبينا العلاقة بين المسلم وأخيه المسلم ولو كان مخالفا له: ~~" وهذا كله حض على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لينا، ~~ووجهه منبسطا طلقا مع البر والفاجر والسني والمبتدع من غير مداهنة، ومن غير ~~أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه، # ثم قال: وقال طلحة بن عمر: قلت لعطاء: إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء ~~مختلفة، وأنا رجل في حدة، فأقول لهم بعض القول الغليظ، فقال: لا تفعل، يقول ~~الله تعالى: { وقولوا للناس حسنا } ( 83: البقرة ) فدخل في هذه الآية ~~اليهود والنصارى فكيف بالحنيفي" (¬2) وتبين من ms25 كلام القرطبي أن أصحاب ~~الأقوال الخاطئة وأصحاب الأهواء طالما انهم حنفاء فيجب معاملتهم معاملة ~~طيبة وان يقال لهم قولا لينا وفي هذا الكلام دعوة للتسامح بين المسلمين. PageV01P045 # وقال محمد بن أحمد الغنجار:" كان لابن سلام مصنفات في كل باب من العلم، ~~وكان بينه وبين أبي حفص أحمد بن حفص الفقيه مودة وأخوة مع تخالفهما في ~~المذهب" (¬1). # فمذهب ابن سلام هو مذهب أهل الحديث والأثر، ومذهب أبي حفص مذهب الحنفية ~~في الإرجاء وغيره، ومع الاختلاف بينهما في مسائل الاعتقاد الفرعية، إلا ~~أنهما كانا على مودة(¬2). # ويقول التفتازاني: "والمجتهد في العقليات والشرعيات الأصلية والفرعية قد ~~يخطئ ويصيب... والمجتهد غير مكلف بإصابته لغموضه وخفائه فلذلك كان المخطئ ~~معذورا بل مأجورا، فلا خلاف على هذا المذهب في أن المخطئ ليس بآثم"(¬3). ~~وكلام التفتازاني ظاهر في إقراره بالاجتهاد وبالتالي بالخلاف وأعذاره وعدم ~~تأثيم المخطئ لأنه غير مكلف بالوصول إلى الحق وان كان مكلفا بالاجتهاد ~~للغموض الذي قد يكون موجودا في النصوص. ونجد الشيخ جمال الدين الغزنوي يعرض ~~الخلاف في مسائل عصمة الأنبياء والخلاف في مسالة القدر وفي مسالة أطفال ~~المشركين ويقول بعد كل مسالة: (والقول السديد..) في هذه المسألة كذا وكذا.. ~~دون أن يشنع على المخالف، وهذا إقرار منه باجتهاد وعدم تكفير المخالف في ~~مثل تلك المسائل الفرعية(¬4). PageV01P046 # ويقول محمد بن عبد الوهاب: "ثم اعلموا وفقكم الله، إن كانت المسألة إجماعا ~~فلا نزاع، وإن كانت مسائل اجتهاد فمعلومكم أنه لا إنكار في من يسلك ~~الاجتهاد" (¬1). ويظهر من هذا الكلام تفريقه بين المسائل المجمع عليها وفي ~~الغالب يكون الإجماع على القضايا الكلية والتي دلالة النصوص عليها ~~قطعية،وبين المسائل الاجتهادية فيرى أن الأولى لا يصح الاختلاف فيها وأما ~~الثانية فلا ينكر من اجتهد واختلف معه فيها. # وفيما يلي أورد أقوال ومواقف بعض العلماء المعاصرين في الإقرار بمبدأ ~~الاجتهاد في فروع الاعتقاد وإعذار المخالف وعدم تكفيره: # فيقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: " إن المتأولين من أهل القبلة الذين ضلوا ~~وأخطأوا في فهم ما جاء في الكتاب والسنة مع إيمانهم ms26 بالرسول واعتقادهم صدقه ~~في كل ما قال، وأن ما قاله كان حقا، والتزموا ذلك لكنهم أخطأوا في بعض ~~المسائل الخبرية أو العلمية، فهؤلاء قد دل الكتاب والسنة على عدم خروجهم من ~~الدين، وعدم الحكم لهم بأحكام الكافرين، وأجمع الصحابة والتابعون ومن بعدهم ~~من أئمة السلف على ذلك"(¬2) ويرى في هذا القول أن المجتهد المتأول المخطئ ~~لا يكفر ولا يخرج من دائرة الإسلام. # ويستنكر الشيخ محمد الغزالي رحمه الله على المسلمين تكفير بعضهم بعضا ~~فيقول " واني لأقرأ في صحفنا الدينية اليوم نزاعا بين أتباع السلف والخلف ~~-كما سموا أنفسهم - واسمع ألفاظ الكفر تتبادل كما تتبادل الكرة أرجل ~~اللاعبين فأهز رأسي عجبا "(¬3) وعبارته واضحة بإعذار المخالف في الاجتهاد ~~وعدم تكفيره. PageV01P047 # وأجد الشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني يورد الآراء الثلاثة المعتبرة في ~~مسالة الصفات الخبرية من إثباتها أو تفويضها أو تأويلها، ثم يقول في معرض ~~تعليقه على مذهب المؤولة: "وحين نلاحظ أن كبارا من علماء المسلمين الذين هم ~~مرجع للمسلمين في علوم الفقه والتفسير والحديث قد أخذوا بهذه الطريقة، ~~يتأكد لدينا أن لهم رأيا لا يصح أن نضللهم فيه، مادام لهم وجهة نظر ذات ~~حجة، ولهم نظائر في الشريعة مما اتفق المسلمون جميعا عليه. ولئن كانوا ~~مخطئين في هذا، فهم ضمن شروط الاجتهاد المقبول، ولهم اجر على اجتهادهم الذي ~~بذلوه ليصلوا إلى ما ينشدونه من حق "(¬1) ويظهر من كلامه أن المكلف به ~~المسلم هو الاجتهاد وليس الوصول إلى الحق أو الصواب؛ فان اخطأ فانه يؤجر ~~على اجتهاده ويعذر في خطئه. # ويفرق أ.د قحطان الدوري بين الأصل الديني وهو المتفق عليه بين المسلمين ~~من الإيمان بالله وبالنبوة واليوم الآخر... والأصل المذهبي الذي يخص فرقة ~~معينة ويرى أن المخالف في الديني كافر وان المخالف في الأصل المذهبي ليس من ~~مذهب مخالفه ولكنه مسلم وليس بكافر(¬2) وهذا القول يقرر مبدأ الخلاف بين ~~المسلمين وان المخالف في الفروع دون الأصول ليس بكافر. # المبحث الرابع # نظرية ابن تيمية في الاجتهاد في فروع الاعتقاد وضوابطه. # لابن تيمية نظرية في ms27 الاجتهاد في فروع الاعتقاد والاختلاف فيها، ويمكن من ~~خلال استقراء النصوص الواردة عن ابن تيمية في هذا الموضوع استخلاص مفاصل ~~هذه النظرية، وذلك وفق النقاط التالية: PageV01P048 # أولا: يقرر مشروعية الاجتهاد في فروع الاعتقاد فيقول: " وعامة ما تنازعت ~~فيه فرقة المؤمنين من مسائل الأصول وغيرها في باب الصفات والقدر والإمامة، ~~وغير ذلك، فهو من هذا الباب، فيه المجتهد المصيب، وفيه المجتهد المخطئ "(¬1). # ويظهر من كلام ابن تيمية في الاختلاف في مسائل الصفات في كون الصفات ~~زائدة على الذات، أو غير زائدة، وفي تأويل الصفات الخبرية، وفي مسائل القدر ~~حيث كان الخلاف في التفريق بين القضاء والقدر والتعليل في حكمة القدر، ~~واختلافهم في الإمامة بين أبي بكر وعلي - رضي الله عنهما -، وغير ذلك من ~~مسائل الخلاف بين الأمة في هذه القضايا وأمثالها، أن فيها المجتهد المصيب، ~~والمجتهد المخطئ، فقد سماه مجتهدا، مع كونه مخطئا، وهذا إقرار منه بمشروعية ~~الاجتهاد. # ثانيا: أن اختلاف الصحابة في فروع الاعتقاد مؤيد من مؤيدات المشروعية ~~للاجتهاد في فروع الاعتقاد: وفي ذلك يقول: "وتنازعوا في مسائل علمية ~~اعتقادية، كسماع الميت صوت الحي، وتعذيب الميت ببكاء أهله، ورؤية محمد ربه ~~قبل الموت، مع بقاء الجماعة والألفة. وهذه المسائل منها ما أحد القولين خطأ ~~قطعا، ومنها ما المصيب في نفس الأمر واحد عند الجمهور أتباع السلف، والآخر ~~مؤد لما وجب عليه بحسب قوة إدراكه. وهل يقال له: مصيب أو مخطئ؟ فيه نزاع. ~~ومن الناس من يجعل الجميع مصيبين ولا حكم في نفس الأمر، ومذهب أهل السنة ~~والجماعة أنه لا إثم على من اجتهد وإن أخطأ"(¬2). # فقوله: " وتنازعوا في مسائل علمية اعتقاديه كسماع الميت صوت الحي...: فيه ~~دلالة واضحة على اختلاف الصحابة - رضي الله عنهم - في فروع الاعتقاد من غير ~~نكير بينهم، فدل ذلك على المشروعية. PageV01P049 # ثالثا: يرى ابن تيمية عدم التفرقة بين مسائل الاعتقاد والفقه في جواز ~~الاجتهاد فيهما، فيقول: " فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق، فإن ~~الله يغفر له خطأه كائنا ما كان، سواء كان في المسائل ms28 النظرية أو العملية، ~~هذا الذي عليه أصحاب النبي - - صلى الله عليه وسلم - - وجماهير أمة الإسلام ~~" (¬1). # فقوله سواء كان في المسائل النظرية أو العملية، يدل دلالة صريحة على عدم ~~التفرقة بينهما، حيث عبر عن المسائل الاعتقادية بالنظرية، والمسائل الفقهية ~~بالعملية، ورأى أن القول بعدم التفريق بينهما في جواز الاجتهاد هو قول ~~صحابة النبي - - صلى الله عليه وسلم - - وجماهير أمة الإسلام. # رابعا: يفرق ابن تيمية بين الأصول والفروع من حيث جواز الاجتهاد، فيرى ~~جوازه في الفروع دون الأصول، ويعبر عن ذلك بقوله: "الأصول الثابتة بالكتاب ~~والسنة والإجماع هي بمنزلة الدين المشترك بين الأنبياء، ليس لأحد خروج ~~عنها، ومن دخل فيها كان من أهل الإسلام المحض، وهم أهل السنة والجماعة، وما ~~تنوعوا فيه من الأعمال والأقوال المشروعة فهو بمنزلة ما تنوعت فيه الأنبياء "(¬2). # فقوله: الأصول الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، هي الأصول التي لا يجوز ~~الاجتهاد والاختلاف فيها،وقد شبهها بالدين المشترك بين الأنبياء من توحيد ~~الله عز وجل والإيمان به والجزاء على ذلك يوم القيامة التي لا يجوز الخروج ~~عنها، وأما فروع الاعتقاد فقد شبهها - رحمه الله - باختلاف شرائع الأنبياء، ~~التي تنوعت عندهم، فإقراره بتنوعها يعني إقرارا بجوازالاجتهاد والاختلاف في ~~هذه الفروع. PageV01P050 # خامسا: ويضع ابن تيمية شروطا للاجتهاد، أساسها النظر في الأدلة الشرعية ~~المعتبرة بقصد الوصول إلى الحق الذي أراده الله وأراده رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - ، وعليه: فلا كرامة لمن صدر في رأيه عن العقل المجانب للشرع، ~~أو عن الرؤى المنامية ولا لمن صدر عن الهوى والعصبية، وفي هذا المعنى يقول: ~~"فالمذاهب والطرائق والسياسات للعلماء والمشايخ والأمراء إذا قصدوا بها وجه ~~الله دون الأهواء ليكونوا مستمسكين بالملة والدين الجامع الذي هو عبادة ~~الله وحده لا شريك له، واتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم من الكتاب والسنة ~~بحسب الإمكان بعد الاجتهاد التام، هي لهم من بعض الوجوه بمنزلة الشرع ~~والمناهج للأنبياء، وهم مثابون على ابتغائهم وجه الله وعبادته وحده لا شريك ~~له، وهو الدين الأصلي الجامع"(¬1). # ويظهر من خلال هذا النص ما يضع ابن ms29 تيمية من شروط للاجتهاد من الإخلاص ~~وعدم اتباع الهوى والتمسك بالملة والدين الجامع الذي يجمع بين المسلمين ولا ~~يفرقهم من عبادة الله وحده لا شريك له وأن يكون أساس الاجتهاد مبنيا على ~~الكتاب والسنة وليس على العقل أو على غيره من الأدلة غير المعتبرة في الشرع. # سادسا: مسوغات الاجتهاد في فروع الاعتقاد: فيقول: " وكثير من مجتهدي ~~السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ~~ضعيفة ظنوها صحيحة، وأما لآيات فهموا منها ما لم يرد منها، وأما لرأي رأوه، ~~وفي المسألة نصوص لم تبلغهم، وإذا اتقى الرجل ربه ما استطاع دخل في قوله ~~تعالى: " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا" ( 286: البقرة ) وفي الصحيح ~~قال: قد فعلت "(¬2). PageV01P051 # ويظهر من هذا النص مبررات الاجتهاد والاختلاف عند ابن تيمية، نظرا لاختلاف ~~المجتهدين في صحة الأحاديث أو ضعفها، أو أن بعض النصوص لم تصلهم، أو أنهم ~~اختلفوا في فهمهم لتلك النصوص، أو أخطأوا فان الله لا يؤاخذهم، كما أشار ~~دعاء المؤمنين في الآية ويستجيب الله دعاءهم كما اخبر الحديث. # سابعا:أنه يعذر المخالف(¬1) وفي ذلك يقول: "والخطأ المغفور في الاجتهاد ~~هو في نوعي المسائل الخبرية والعلمية كما قد بسط في غير موضع كمن اعتقد ~~ثبوت شيء لدلالة آية أو حديث وكان لذلك ما يعارضه ويبين المراد ولم يعرفه ~~مثل من اعتقد أن الذبيح إسحاق لحديث اعتقد ثبوته أو اعتقد أن الله لا يرى ~~لقوله: { لا تدركه الأبصار } ( 103: الأنعام ) ولقوله: { وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب } ( 51: الشورى ) نقل عن بعض التابعين ~~أن الله لا يرى، وفسروا قوله { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } ( 22-23: ~~القيامة) بأنها تنتظر ثواب ربها كما نقل عن مجاهد وأبي صالح.. أو اعتقد أن ~~الله لا يعجب كما اعتقد ذلك شريح لاعتقاده أن العجب إنما يكون من جهل ~~السبب، والله منزه عن الجهل. PageV01P052 # وكما أنكر طائفة من السلف والخلف أن الله يريد المعاصي لاعتقادهم أن معناه ~~أن الله يحب ذلك ms30 ويرضاه ويأمر به.. وكالذي قال لأهله: (إذا أنا مت فأحرقوني ~~ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا لا يعذبه أحدا من ~~العالمين) (¬1) وكثير من الناس لا يعلم ذلك إما لأنه لم تبلغه الأحاديث ~~وأما لأنه ظن أنه كذب وغلط"(¬2). # ويقول: "وأما غير هؤلاء فيقول هذا قول السلف وأئمة الفتوى كأبي حنيفة ~~والشافعي والثوري وداود بن علي وغيرهم لا يؤثمون مجتهدا مخطئا في المسائل ~~الأصولية الفروعية كما ذكر عنهم ابن حزم وغيره ولهذا كان أبو حنيفة ~~والشافعي وغيرهما يقبلون شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية ويصححون الصلاة ~~خلفهم" (¬3). PageV01P053 # فقوله: "لا يؤثمون مجتهدا مخطئا في المسائل الأصولية الفروعية كما ذكر عنهم ~~ابن حزم وغيره" يدل دلالة صريحة على إعذار المجتهد المخطىء، خاصة إذا بذل ~~جهده في الوصول إلى الحق ثم لم يصل إليه، وفي ذلك يقول: "... إن الله أمر ~~كلا منهم أن يطلب الحق بقدر وسعه وإمكانه، فإن أصابه كان خيرا، وإلا فلا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها، وقد قال المؤمنون: { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا ~~أو أخطأنا } " (286: البقرة ) وقال الله قد فعلت، وقال تعالى: { وليس عليكم ~~جناح فيما أخطأتم به } "( 5: الاحزاب ) فمن ذمهم ولامهم على ما لم يؤاخذهم ~~الله عليه، فقد اعتدى، ومن أراد أن يجعل أقوالهم وأفعالهم بمنزلة قول ~~المعصوم وفعله وينتصر لها بغير هدى من الله فقد اعتدى، واتبع هواه بغير هدى ~~من الله، ومن فعل مثلما أمر به بحسب حاله من اجتهاد يقدر عليه أو تقليد إذا ~~لم يقدر على الاجتهاد، وسلك في تقليده مسلك العدل، فهو مقتصد، إذ الأمر ~~مشروط بالقدرة { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } "( 286: البقرة ) فعلى ~~المسلم في كل موطن أن يسلم وجهه لله وهو محسن، ويدوم على هذا الإسلام "(¬1). # وقد كانت عبارته صريحة في إعذار المخالف، وأن عدم الإعذار اعتداء على شرع ~~الله، فقد قال: "فمن ذمهم ولامهم على ما لم يؤاخذهم الله به، فقد اعتدى". PageV01P054 # ثامنا: عدم تكفير المجتهد المخالف: يقول في ذلك " ولا يجوز تكفير المسلم ~~بذنب يفعله ms31 ولا خطأ أخطأ فيه كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة"(¬1) ~~ويقول: " وأهل السنة لا يبتدعون قولا ولا يكفرون من اجتهد فأخطأ، وإن كان ~~مخالفهم مكفرا لهم مستحلا لدمائهم"(¬2) ويقول: "وكذلك سائر الثنتين ~~والسبعين فرقة... ومن كان منهم مؤمنا بالله ورسوله في الباطن لم يكن ~~كافرا,وإن كان أخطأ التأويل كائنا من كان أخطاؤه ومن قال:إن هذه الثنتين ~~والسبعين كل واحد منهم يكفر كفرا ينقل عن الملة فقد خالف الكتاب والسنة ~~وإجماع الصحابة, بل وإجماع الأئمة الأربعة وغير الأربعة,فليس فيهم من كفر ~~كل واحد من الثنتين والسبعين فرقة"(¬3) وفي هذه الأقوال يظهر جليا أن ابن ~~تيمية لا يكفر أحدا من المسلمين إذا كان قوله صادرا عن اجتهاد في النص، ~~وإنما يكفر من يخالف كتاب الله عز وجل وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ~~وإجماع الأمة. PageV01P055 # تاسعا: أن المصيب فيها له أجران، والمخطئ له أجر: وفي ذلك يقول معلقا على ~~حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : "خير الكلام كلام الله عز وجل، وخير ~~الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - وشر الأمور محدثاتها (¬1) ولم يقل: ~~وكل ضلالة في النار، بل لا يضل عن الحق من قصد الحق واجتهد في طلبه فعجز ~~عنه، فلا يعاقب، وقد يفعل بعض ما أمر به، فيكون له أجر على اجتهاده، وخطؤه ~~الذي ضل فيه عن حقيقة الأمر مغفور له"(¬2). # وظاهر من كلامه أنه رتب الأجر للمجتهد المخطئ، وخطؤه مغفور له عند الله ~~سبحانه وتعالى # عاشرا: الاجتهاد والاختلاف في فروع الاعتقاد لا يزيل الولاء بين ~~المسلمين: ويرى أن الاختلاف في مسائل الاعتقاد لا يفرق الأمة، ولا يزيل ~~الوحدة بينهم، ويبقي الولاء بين المسلمين، ويصلى المسلم المخالف لهم ~~بصلاتهم ويحضر الأعياد معهم، بل إن الإمام ابن تيميه يمدح ويثني على ~~المخالف المستحق للمدح من أشاعرة وصوفية وغيرهم ونجد في هذه المعاني عدة ~~نصوص منها قوله في وصف السلف.: "كانوا يتناظرون في المسائل العلمية ~~والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين، ولو كان كلما اختلف مسلمان ~~في شيء تهاجرا لم يبق ms32 بين المسلمين عصمة ولا أخوة" (¬3). ثم يورد أدلة ~~واستنباطات تدلل على ما ذهب إليه فيورد قصة أسامة بن زيد حيث قتل رجلا بعد ~~ما قال: لا إله إلا PageV01P056 ~~الله، وعظم على النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك لما أخبره وقال: (يا ~~أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟) وكرر ذلك عليه حتى قال أسامة: ~~تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ(¬1). ومع هذا لم يوجب عليه قودا, ولا ~~دية, ولا كفارة, لأنه كان متأولا ظن جواز قتل ذلك القائل لظنه أنه قالها ~~تعوذا وحاميا لنفسه من القتل فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - :(هلا ~~شققت عن قلبه). # ومع قتال المسلمين بعضهم لبعض في قتال الفتن فانهم لم يكفروا من قاتلوه ~~وهكذا السلف قاتل بعضهم بعضا من أهل الجمل وصفين ونحوهم وكلهم مسلمون ~~مؤمنون كما قال تعالى: { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ~~فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن ~~فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين } ( 9: الحجرات ) ~~فقد بين الله تعالى أنهم مع اقتتالهم, وبغي بعضهم على بعض إخوة مؤمنون, ~~وأمر بالإصلاح بينهم بالعدل، ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضا ~~موالاة الدين, لا يعادون كمعاداة الكفار, فيقبل بعضهم شهادة بعض, ويأخذ ~~بعضهم العلم عن بعض ويتوارثون ويتناكحون ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم ~~مع بعض, مع ما كان بينهم من القتال والتلاعن وغير ذلك. # وقد ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل ربه(أن لا يهلك ~~أمته بسنة عامة فأعطاه ذلك, وسأله أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطاه ~~ذلك, وسأله أن لا يجعل بأسهم بينهم فلم يعط ذلك، وأخبر أن الله لا يسلط ~~عليهم عدوا من غيرهم يغلبهم كلهم حتى يكون بعضهم يقتل بعضا وبعضهم يسبي ~~بعضا)(¬2). PageV01P057 # وثبت في الصحيحين لما نزل قوله تعالى: { قل هو القادر على أن يبعث عليكم ~~عذابا من فوقكم } ( 65: الأنعام ) قال: "أعوذ بوجهك" { أومن تحت أرجلكم } ( ~~65: الأنعام ) قال ms33 "أعوذ بوجهك" { أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض } ( ~~65: الأنعام ) قال "هاتان أهون"(¬1). # هذا مع أن الله أمر بالجماعة والائتلاف, ونهى عن البدعة والاختلاف, وقال: ~~{ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء } ( 159: الأنعام ) ~~وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (عليكم بالجماعة فإن يد الله على ~~الجماعة)(¬2) وقال: (الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد) (¬3) وقال: ~~(الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم والذئب إنما يأخذ القاصية والنائية من ~~الغنم) (¬4). PageV01P058 # ثم يبين جوانب الولاء العملي بين المسلمين ويذكر بالواجب على المسلم إذا ~~صار في مدينة من مدائن المسلمين أن يصلي معهم الجمعة والجماعة ويوالي ~~المؤمنين ولا يعاديهم, وإن رأى بعضهم ضالا أو غاويا وأمكن أن يهديه ويرشده ~~فعل ذلك, وإلا فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها, وإذا كان قادرا على أن يولي ~~في إمامة المسلمين الأفضل ولاه, وإن قدر أن يمنع من يظهر البدع والفجور ~~منعه. وإن لم يقدر على ذلك فالصلاة خلف الأعلم بكتاب الله وسنة نبيه الأسبق ~~إلى طاعة الله ورسوله أفضل, كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~الحديث الصحيح: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله, فإن كانوا في القراءة سواء ~~فأعلمهم بالسنة, فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة, فإن كانوا في ~~الهجرة سواء فأقدمهم سنا) (¬1). # وإن كان في هجره لمظهر البدعة والفجور مصلحة راجحة هجره, كما هجر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - الثلاثة الذين خلفوا حتى تاب الله عليهم. وأما إذا ~~ولي غيره بغير إذنه وليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية كان تفويت هذه ~~الجمعة والجماعة جهلا وضلالا, وكان قد رد بدعة ببدعة. # حتى أن المصلي الجمعة خلف الفاجر اختلف الناس في إعادته الصلاة وكرهها ~~أكثرهم, حتى قال أحمد بن حنبل في رواية عبدوس: من أعادها فهو مبتدع. وهذا ~~أظهر القولين, لأن الصحابة لم يكونوا يعيدون الصلاة إذا صلوا خلف أهل ~~الفجور والبدع, ولم يأمر الله تعالى قط أحدا إذا صلى كما أمر بحسب استطاعته ~~أن يعيد الصلاة. ولهذا كان أصح أقوال العلماء أن ms34 من صلى بحسب استطاعته أن ~~لا يعيد حتى المتيمم لخشية البرد ومن عدم الماء والتراب إذا صلى بحسب حاله, ~~والمحبوس وذوو الأعذار النادرة والمعتادة والمتصلة والمنقطعة لا يجب على ~~أحد منهم أن يعيد الصلاة إذا صلى الأولى بحسب استطاعته. PageV01P059 # وقد ثبت في الصحيح أن الصحابة صلوا بغير ماء ولا تيمم لما فقدت عائشة عقدها ~~ولم يأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإعادة(¬1) بل أبلغ من ذلك أن ~~من كان يترك الصلاة جهلا بوجوبها لم يأمره بالقضاء, فعمرو وعمار لما أجنبا ~~وعمرو لم يصل وعمار تمرغ كما تتمرغ الدابة لم يأمرهما بالقضاء, وأبو ذر لما ~~كان يجنب ولا يصلي لم يأمره بالقضاء, والمستحاضة لما استحاضت حيضة شديدة ~~منكرة منعتها الصلاة والصوم لم يأمرها بالقضاء. # والذين أكلوا في رمضان حتى يتبين لأحدهم الحبل الأبيض من الحبل الأسود لم ~~يأمرهم بالقضاء, وكانوا قد غلطوا في معنى الآية فظنوا أن قوله تعالى: { حتى ~~يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } ( 187: البقرة ) هو ~~الحبل فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (إنما هو سواد الليل وبياض ~~النهار) (¬2) ولم يأمرهم بالقضاء؛ والمسيء في صلاته لم يأمره بإعادة ما ~~تقدم من الصلوات, والذين صلوا إلى بيت المقدس بمكة والحبشة وغيرهما بعد أن ~~نسخت (بالأمر بالصلاة إلى الكعبة) وصاروا يصلون إلى الصخرة حتى بلغهم النسخ ~~لم يأمرهم بإعادة ما صلوا, وإن كان هؤلاء أعذر من غيرهم لتمسكهم بشرع منسوخ. # ويتضح من أقوال ابن تيمية رأيه بوضوح انه لا يكفر المسلمين عموما سواء ~~كان المخالف من أهل السنة والجماعة أو من غيرهم (¬3). # وقد أكثرت من أقوال ابن تيميه لبيان رأيه بوضوح لأن بعض من ينتسب إليه ~~ينسب مبدأ تكفير المخالف ولو في مسائل جزئية إليه، وأن بعض من لم يطلع على ~~مثل هذه الأقوال يتهمه بتكفير المسلمين. PageV01P060 # وبعد فهذه هي بعض الأقوال من مختلف المذاهب والمدارس الفكرية سواء المذهب ~~الحنبلي أو الشافعي أو المالكي أو الحنفي أو السلفي أو الأشعري أو الماتردي ~~أو الظاهري أو غيرهم تجمع على ms35 حقيقة؛ أنه يجوز الاجتهاد والاختلاف في ~~المسائل الظنية الثبوت أو الدلالة والتي يطلق عليها مصطلح فروع الاعتقاد. # الخاتمة # بعد استكمال عناصر هذا البحث فقد توصل الباحث إلى النتائج التالية: # أولا: أن الاجتهاد لا يدخل في المسائل الأصولية -التي ثبوتها قطعي ~~ودلالتها قطعية - في الاعتقاد كما هو في الفقه. # ثانيا: أن الاجتهاد فيما كان ظني الثبوت، ظني الدلالة أو كان قطعي الثبوت ~~ظني الدلالة جائز، ولا خلاف فيه. # ثالثا: إنه لا فرق بين الاجتهاد في مسائل الاعتقاد، ومسائل الفقه فيما ~~يصح الاجتهاد والاختلاف فيه. # رابعا: الخلاف بين الأصول والفروع في الاعتقاد من حيث الاجتهاد لابد من ~~حسمه، فأجاز جمهور العلماء الاجتهاد في فروع الاعتقاد، وأما الاجتهاد في ~~أصول الاعتقاد فلم يجزه أحد من علماء الأمة. # خامسا: أن هناك أدلة من الكتاب والسنة اختلف فيها الصحابة - رضي الله ~~عنهم - ومن بعدهم من التابعين والعلماء. # سادسا: إنه كما يؤجر المجتهد المخطئ في مسائل الفقه، كذلك يؤجر المخطئ في ~~مسائل الفروع في الاعتقاد التي تقبل الاجتهاد. # سابعا: أقر العلماء المحققون بنتائج الاجتهاد في فروع الاعتقاد ~~واعتبروها، ولم يفسقوا المخالف ولم يبدعوه، وأبقوا على الوحدة والموالاة ~~بين المسلمين. # ثامنا: أظهر البحث مبررات الاجتهاد ومسوغاته عموما، وفي فروع الاعتقاد ~~بوجه خاص. PageV01P061 # وبعد فإن الباحث يوصي علماء المسلمين أن يميزوا للأمة بين أصول الاعتقاد ~~وفروعها، وأن يوضحوا حكم الاختلاف في أصول العقائد وفروعها، وأن يعتبروا ~~الإيمان بأصول الاعتقاد هو الأساس في اعتبار الرجل مسلما دون الفروع التي ~~هي محل للاجتهاد والاختلاف، واعتبار هذه الأصول هي مناط الأخوة والولاء بين ~~المسلمين. # وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف ~~المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. PageV01P062 ms36